عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - كفاح محمود كريـم

صفحات: [1]
1
الإعلام بين التحليل الاستراتيجي والتهريج

كفاح محمود كريم

     بعد سقوط هيكل نظام صدام حسين وبدء الخطوة الأولى باتجاه صناعة ما سمي بالربيع العربي من قبل أحفاد أولئك الذين رسموا خارطة المنطقة في اتفاقية سايكس بيكو، انطلقت مرحلة جديدة في إنتاج نافورة الإعلام التي بدأت بالعمل دون توقف، بل دون أي كوابح للتفريق بين عمليات التهريج والفوضى الأخلاقية، وبين التعبير عن الرأي وبناء المجتمعات بناءا حضاريا يحترم الآخر المختلف بسياقات ومعايير مهنية رفيعة تستند إلى فكرة المواطنة الخلاقة، مرحلة اتسمت بظهور أحزاب ومنظمات وحركات سياسية ربما أضعاف ما يحتاجه سكان العراق وبقية بلدان الربيع العربي في التعبير أو التمثيل عنهم، والانكى من ذلك كله ظهور نمط من الكائنات الإعلامية الصوتية التي يطلق عليها الخبراء أو المحللين الاستراتيجيين الذين لم تخرجهم لا جامعة محلية ولا أجنبية اللهم إلا إذا استثنينا سوق أمريدي الذي طورته مستلزمات المؤسسات التي تم إنتاجها بصناديق الاقتراع في المجتمعات القبلية والأمية الحضارية والأبجدية والولاء المتعدد، حيث يفترض بأعضاء تلك المؤسسات القادمين من بواطن تلك المجتمعات أن يحملوا فورا شهادات تليق بمراكزهم الجديدة، فأصبح لدينا على موروثنا القديم سوق عكاظ وسوق الجمعة وسوق هرج وسوق مريدي، الذي تباع فيه أنواع الشهادات وتمنح من على بازاره الأوسمة والأنواط، فقد امتلأت العديد من الشاشات الفضائية بل ملأت فراغاتها بأولئك الذين يطلقون على أنفسهم الخبراء الاستراتيجيين أو المحللين الاستراتيجيين، علما إن أفضلهم لم يحصل إلا على بكالوريوس علوم عسكرية أو تاريخ أو علوم سياسية من أيام قائدهم الضروري ودروس الثقافة القومية.

     والأمثلة كثيرة في عالم تتخبط فيه هذه الكائنات بغياب أنظمة سياسية حقيقية وقوانين تنظم فعاليات الإعلام وتعريفات قانونية وأكاديمية حقيقية للألقاب والتوصيفات في فضاء الحرية الذي لوثته المفاهيم الخاطئة لممارستها والتعبير عنها، ولعل مراقبة سريعة لشاشات التلفزة أو صفحات بعض الصحف تعطينا صورة بائسة عما تفعله هذه الظواهر الصوتية التي تعتاش على إشاعة مفاهيم الكراهية والتناحر وتسطيح عقول الأهالي، خاصة وهي تلعب على كل حبال الأنظمة، ففي الأمس القريب كانت في مقدمة وعاظ السلاطين في خيمة القذافي أو قصور صدام حسين أو دهاليز حافظ الأسد وورثته، واليوم تصدع رؤوس الأهالي بتحليلاتها الإستراتيجية، خاصة أولئك الذين فقدوا شرفهم العسكري بخيانتهم لرؤسائهم أو عمالتهم لجهات أجنبية من اجل منصب أو مبلغ من المال، وتحولوا بين ليلة وضحاها إلى خبراء ومحللين استراتيجيين لخدمة الرؤساء الجدد، ولعل خير مثال على تلك النماذج احدهم الذي كان مديرا لاستخبار رئيسه العسكرية وقدم بتلك الصفة لقائده الذي وبخه لاستخدام موقعه في قطع الطريق العام أمام موكب زفاف نجله، فتحول بقدرة قادر إلى معارض همام من اجل الوطن والشعب، هذا " الكائن الاستراتيجي " قدم لصدام حسين بعد هزيمته في الكويت قائمة بأسماء 37 ضابطا شيعيا مقترحا طردهم من الجيش بسبب طائفتهم وادعائه بعدم ولائهم، وتم طردهم فعلا، إضافة إلى قائمة أخرى ضمت أسماء 40 ضابطا شيعيا آخرا اقترح طردهم أيضا لكن صدام رفض هذه القائمة بعد أن افتضحت طائفيته، ويظهر اليوم أكثر من " توم وجيري " على شاشات التلفزة مادحا القائد الملهم مختار زمانه وعصره فخامة نائب رئيس الجمهورية، ومتهجما على كل من خالف المالكي وتوجهاته الشمولية المقيتة، وهو يصف صدام حسين ونظامه باسوء التوصيفات، متناسيا انه حصل على 22 سيارة من صدام لشجاعته في قمع الانتفاضة في الجنوب وكوردستان، وبطولاته النادرة في الحرب مع ايران التي كان يصفها بالفرس المجوس، وأصبحت الآن الجارة والحليف الاستراتيجي للعراق كما يصفها محللنا الاستراتيجي جدا!.
 
     هذا النموذج واحد من عشرات الكائنات الإعلامية التي أنتجتها حقبة الدكتاتورية في معظم بلدان الشرق الأوسط، لتعود وتزرعها في بيئة الربيع العربي، في محاولة لمسخ أي خطوة جدية باتجاه بناء مجتمعات وأنظمة مدنية متحضرة نظيفة، وهي تعتلي منابر الإعلام العربي المرئية أو المقروءة لتشوه وتمسخ الألقاب والتوصيفات والمواقع الأكاديمية، وتحيلها إلى مقطوعات من التهريج والارتزاق وتشويه الحقائق وتسطيح الرأي العام لإشاعة الإحباط واليأس من أي محاولة لبناء أنظمة حكم ناضجة ورشيدة.

kmkinfo@gmail.com



2
كوردستان والملا مصطفى البارزاني

  كفاح محمود كريم                                                        
                                                           
      تمر في هذا الشهر آذار العديد من المناسبات التاريخية في حياة شعب كوردستان العراق، حيث يختلط فيها الحزن والفرح بين تاريخ خالد يشيع الأمل والفرح وتاريخ حزين يتذكره الناس بألم، في منتصف هذا الشهر وقبل ما يزيد على قرن من الآن، ولد الزعيم التاريخي للكورد وكوردستان الملا مصطفى البارزاني عام 1903م، وفي الأول منه وقبل ستة وثلاثين عاما أي في عام 1979م توفاه الله ليكون بحق رمزا تاريخيا كبيرا يمثل نهضة شعبه ووطنه.
   
     ليس من السهل ولوج حياة رجل اختزل تاريخ شعب عبر أكثر من ألفين وسبعمائة عام، لكنه ببساطة الحكماء أوحى لنا جميعا بأن الحياة رغم تعقيداتها أصغر من أن تعترض إرادة الإنسان وتحدياته الصادقة فشق طريقه عبر قساوة الطبيعة والحياة واتجه نحو الشمس، حاملا راية الحرية لشعب يمزقه ظلام التخلف والاضطهاد، فلم يكن الملا مصطفى البارزاني مجرد ثائر يقود شعبه للأنعتاق، بل كان خلاصة لحقب من الأزمان منذ كاوه الحداد وحتى انتفاضة آذار 1991م، حيث أختزل تاريخا ومارس سلوكا أصبح فيما بعد نهجا ومدرسة للتربية والأخلاق، وفلسفة في التعامل والتعاطي مع مستجدات وثوابت الحياة، من خلال إدراكه منذ  البداية لحقيقة شعبه ووطنه المشكل من التضاريس الحادة والمتناقضة بين تخوم حمرين وشنكال جنوبا وحدود آسيا الصغرى شمالا، فأندفع بكل ثقل التاريخ وأرثه باتجاه الشرق عله يجد ضالته بين أحضان مهاباد، فكانت خطوته الأولى باتجاه الشمس، هناك كان المخاض الأصعب والولادة الأعسر والقرار المستحيل، اجتمعت فيه كل وحوش الشرق المفترسة حاملة معها جوع العنصرية وفقر الشوفينية وانتهازية الرفاق الحمر آنذاك، متربصة تلك الولادة لتنقض على الوليد افتراسا وتمزيقاً.

     في قلب هذه التراجيديا كان البارزاني مصطفى قد أدرك استحالة ديمومة الوليد في طوفان من الهمجية والبربرية، فتداعت الأحداث واندفعت قطعان البهائم الهائجة لتفترس وتسحق فرسان الشمس، ولأنه أدرك كل ذلك فقد حمل الوليد بين أضلعه وأندفع مع ثلة من رجال الشمس في كل اتجاهات الأرض من حوله شاقاً طريقه المعروف في رحلته الأسطورية إلى وطن الرفاق الحمر، ليستقر هناك في استراحة الثوار وليمنح ذلك الوليد فرصة النمو والحياة، ولم تكن سنوات الرحيل إلى ( الاتحاد السوفييتي ) إلا مرحلة للتأمل والتهيؤ لحقبة خطيرة في تاريخ هذا الشعب الذي سيبدأ أولى خطواته نحو تحقيق ذاته في خضم عالم مليء بالتناقضات والأستقطابات في دنيا الحرب الباردة التي جاءت على أنقاض حربين قذرتين لتقاسم ( العبيد ) و ( الغنائم ) من إمبراطوريات ودول القبائل والعشائر. وكان أهم نتاجات تلك الحرب الباردة ما أطلق عليه في أدب شعوب الشرق بالثورات والانقلابات التي أنتجت أنظمة إما مصنعة بالكامل في دهاليز ودوائر المتصارعين الكبار أو تم احتوائها لاحقا من قبلهم.

       لقد أدرك البارزاني هذه الحقائق قبل عودته إلى بغداد عاصمة ( الجمهورية الخالدة ) التي عاد إليها بعد تغير الشكل وبقاء المضمون، وكان يعرف جيدا إن إقامته في الجمهورية الأولى ليست طويلة وإنه ذاهب إلى حليفه الأبدي وحضن وليده الذي خرج به قبل اثنتي عشر عاما، ويقينا كان البارزاني في تأملاته يرى كاوه الحداد في وجوه أولئك الذين يحتضنون جبال كوردستان باحثين عن طريق إلى شمس الحرية، وقد أدرك بحسه التاريخي وتحليلاته العميقة إن الخطوة الأولى ستكون حتما من قلب كوردستان وليس من بغداد، التي ما أن وصلها حتى اكتشف إنها واحدة من نتاجات الحرب الباردة التي أفرزتها حروب العبيد والغنائم وكان ( الوليد ) ضحية من ضحاياها، فكانت بعد فترة وجيزة ثورة الخريف ( 11 أيلول 1961 ) بعد أكثر من ( 2661 ) سنة من ثورة كاوه الأول التي أزاحت ظلام القهر والعبودية، لكي تتبعها عشرات الثورات والعديد من الأمارات والمشيخات،  لكنها لم تحدث خرقا تاريخيا وتحولا اجتماعيا كما أحدثته ثورة كاوه الثاني مصطفى البارزاني.

       كان البارزاني مصطفى رجلا ميدانيا ينتج الفلسفة ولا يؤلفها ويطلق عنان الثورة ولا ينظر لها، كان بحد ذاته نوعا من السلوك والتربية والتعامل الإنساني الذي يقترب في تفاصيله من زهد الزاهدين وصوفية الناسكين، عمل جنديا وقائدا في آن واحد دونما أن يُثقلَ على حركة وقانون الحرب، ويتحسس مشاعر العدو وأفراده ويفترض دائما أنهم ضحايا مجبرين ويوصي بجرحاهم وأسراهم حتى من كان منهم قاسيا في أدائه الواجب أثناء الحرب، وقد أقر الفصل بين الأنظمة والشعوب منذ البداية، وبشر الآخرين بأن مفتاح الحل هو الديمقراطية في تحقيق أهداف الشعب سواء ما كان منه في كوردستان أو في العراق ورفع شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، مؤكدا بشكل دائم بان العرب والكورد ضحايا الدكتاتوريات وأنه لا خلاص إلا باحترام حقوق الآخرين والاعتراف بهم.

     البارزاني مصطفى لم يكن قائد ثورة فحسب بل كان تاريخا من الحكمة والفلسفة والزهد ومنظومة من السلوك والتربية والأخلاق، كان بسيطا متواضعا نقيا ابيض القلب واليد، أبعد نفسه عن هالات وبروتوكولات ( الرئاسة ) وبيروقراطيتها ومظاهرها، ووضع حوله خيرة رجال الثورة وأكثرهم طهارة وإخلاصا في المال والإدارة، وبذلك اخترق أدق مشاعر وأحاسيس شعبه حتى حسبه الناس أبا وعما وأخا كبيرا.


    واليوم بعد أن أصبح رمزاً ونهجاً وعنواناً لنهضتنا وحكاية شعبنا منذ كاوه الحداد وحتى يومنا هذا يحق لنا أن نسأل:

   هل ما زلنا ونحن في أول الطريق ننتهج ذات النهج والسلوك؟
   وهل يعرف الجيل الجديد إن الأسس الأولى ولبناتها في حياة اليوم إنما وضعها الملا مصطفى البارزاني ورفاقه؟ فهل وفينا الرجل حقه؟؟


kmkinfo@gmail.com
 



3
دموعك وعرق جبينك كاكا مسعود

كفاح محمود كريم

     لا اعتقد إن أحدا يحسد الرئيس مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان  على ارثه الثقيل الذي ورثه من والده الزعيم الكوردي الكبير مصطفى بارزاني والمهام التي حملها تاريخيا أمام شعب كوردستان، ليس هنا في جزئه الجنوبي بل في أجزائه الثلاثة الأخرى، فقد أورثه الراحل الكبير مشروع نهوض امة واستقلال شعب مجزأ بين أربع كيانات، لا تتحمل شعوبها وزر هذه التجزئة وإن كانت مستفيدة ومصرة على تكريسها.

     مسعود بارزاني الذي ترك قصر الرئاسة الذي لا يهتم به إطلاقا وعاد إلى وظيفته الأساسية كما كان يبشر لها دائما، فهو لم يخلق ليكون موظفا أو إداريا لسبب بسيط هو انه حامل أختام مشروع تاريخي كبير أوكله إياه والده عبر عقود من الزمان، كاكا مسعود ترك قصره وبروتوكلاته وارتحل إلى حيث تقاتل بيشمه ركة والده من اجل ذات الأهداف التي ما اختلفت، والعدو الذي بقي هو هو وان تغير زيه واسمه.

     كاكا مسعود لم يرضَ أن يكون لوحده مع البيشمه ركة في جبهات القتال مع العدو التاريخي لشعب كوردستان، فاصطحب معه أولاده وإخوته وأولادهم ليكون الجميع بمستو واحد في القتال والشهادة من اجل الشعب والوطن.

     من أقصى شمال غرب كوردستان، ومن على قمة جبل سنجار، أعلن البارزاني مسعود بأنه وبيشمه ركته لن يتركوا شعبهم ووطنهم أسرى  لمنظمة همجية مجرمة، استباحت الأرض والعرض بشعارات دينية ابعد ما تكون عن عقيدة الإسلام ومبادئه، من هناك وحتى تخوم كركوك الجنوبية والغربية الملتهبة بنيران الشوفينية والهمجية، يتنقل ابن مصطفى البارزاني وحامل أختامه في مشروع النهضة وهو يمسح بدموعه عرق جبينه في حضرة عوائل الشهداء الأبطال الذين اقسموا أن لا يكون لهم مثيلا في تاريخنا المعاصر.

     في حضرة أم فقدت ثلاث من أولادها، شهداء في جبهات الحرب مع داعش انهمرت دموعه وهي تقول له كاكا مسعود ما زال لدي أبناء آخرين خذهم معك من اجل كوردستان ومن اجل عينيك!

     دموع وقطرات من عرق جبينه تنهمر أمام بطل أبى إلا أن ينقذ رفاقه وشرف وطنه فاندفع بدبابته إلى شاحنة مفخخة ليفجرها ويحمي بها حياة رفاقه وسمعة وطنه!

     في الأمس كان كاكا مسعود في كركوك من اجل أولئك الشهداء الأبطال ومن اجل أولئك الذين وقعوا في اسر منظمة جبانة لا أخلاق لها ولا قيم، ففي الوقت الذي ينعم أسراهم بالرعاية والاحترام الإنساني في كنف امة الأخلاق والوفاء، يعرضون أسرانا في أقفاص ليذكروا الأهالي بحريق شهيد الأردن البار معاذ الكساسبة؟

     البارزاني مسعود جلس مع عوائل وذوي الأسرى واستمع لهم واغرورقت عيناه بالبكاء حزنا في واحد من أروع المشاهد الإنسانية لفارس صلب ومقاتل عنيد لكنه ارق من نسائم نوروز وحنان حروف كوردستان، انهمرت دموعه وهو يبكي بصمت قائلا إن قتلهم يعني أشياء كثيرة وكبيرة وعليهم أن يدركوا إن غضب الكوردي لا حدود له للعدو إلا الجحيم!

     في كركوك قال البارزاني نحن نحميها وأهليها وحينما نحتاج أحدا سندعوه، لكننا نرفض أن يتدخل أي كان في هذه المدينة إلا من خلال حراسها الأمناء النجباء الذين رسموا حدود أمنها وسلامها الاجتماعيين  بدمائهم الزكية.

     وخلاصة المشهد مزيج من دموع عينيك وعرق جبينك ودماء الشهداء الأحياء وفرشاة البيشمه ركة الأبطال سترسم خارطة الوطن وحدوده!

kmkinfo@gmail.com

4
المنبر الحر / أحزاب أم عصابات؟
« في: 15:38 15/02/2015  »
أحزاب أم عصابات؟

كفاح محمود كريم

     في بلد لا يمتلك قانونا لتنظيم الأحزاب وتأسيسها منذ أكثر من عشر سنوات منذ سقوط نظام الحزب الواحد الذي حكم البلاد لما يقرب من أربعين عاما، وأنتج أجيالا من المعاقين سياسيا وفكريا وجسديا، ناهيك عن ضحاياه التي ابتلعتها بواطن الأرض والأنهار والجبال والصحراوات في أعظم منجزاته بالأنفال وحلبجة والمقابر الجماعية ودهاليز معتقلاته ومعسكراته، في هكذا بلاد فشلت لعشر سنوات من إنتاج قانون ينظم تأسيس الأحزاب وإجازتها وكيفية عملها في نظام يفترض انه يتقبل الآخر ويتداول السلطة بواسطة صناديق الاقتراع، في هذه البلاد تقلصت كثير من الأحزاب التي عرفناها، سواء ما كان منها معارضا لنظام الحكم بشكل سلمي، أو من خلال ما كنا نطلق عليه بالعنف الثوري، والذي يبيح إزاء أنظمة الدكتاتورية استخدام السلاح لإسقاطها، والذي فشل هو الآخر أيضا في صراعه معها، حيث فشلت العديد من الحركات الثورية التي استخدمت النضال المسلح لإسقاط تلك الأنظمة، ومنها ما حصل في العراق وفي اليمن وفي ليبيا وسوريا، حيث اضطرت شعوبها وحركات المعارضة فيها إلى الاستنجاد بالدول العظمى لمساعدتها في تلك العملية، ولعلنا ندرك جيدا إن نضال العراقيين على سبيل المثال ضد نظام البعث وصدام حسين ما كان سيسقطه حتى أحفاد أحفاد القائد الضرورة لولا تدخل الولايات المتحدة وحلفائها في إسقاطه، لما كان يتميز به من حكم مطلق وأدوات لا تقل وحشية عن أدوات خلائفه اليوم فيما يسمى بداعش، وقد شهدنا جميعا كيف سارت الأمور هنا في بغداد ومن ثم في جماهيرية القذافي العظمى وسوريا الأسد و(اليمن السعيد) بعلي عبدالله صالح، ولا سامح الله بقية دول الشرق الأوسط التي تنعم الآن بسلام وامن دكتاتورياتها، بعد أن فقدت معظم  دول ما يسمى بالربيع العربي بكارتها في الأمن والسلم الاجتماعيين تحت رعاية الأحزاب الدينية السياسية التي اعتبرت نفسها بديلا عن الله لإقامة دولة الدين والمذهب، بانتظار يوم القيامة لكي تسلم مفاتيح الأرض لسدنة الجنة التي وعدت بها أعضاء حركاتها وأحزابها، معتبرة كل من يكون خارجها من ملاكات جمهورية الشيطان في جهنم!

     أحزاب وحركات ومنظمات تحمل شعارات الجهاد واسم الرب وملحقات الأديان والمذاهب، ووكالات موثقة بنصوص مقدسة بان أعضائها مجاهدين وغيرهم مرتدين أو منافقين، يحق لهم باسم الرب أن يمتلكوا كل الحقيقة التي تبيح لهم السلطة المطلقة بما في ذلك اعتبار المختلف كافرا يحق تقطيع أوصاله أو حرقه أو سبي نسائه، كما حصل في سنجار والموصل للايزيديين والمسيحيين، ومثلهم من تعرض للتهجير والتهديد من المسيحيين والصابئة المندائيين، أحزاب وحركات أنتجت وفرخت آلاف العناصر الموبوءة بالسادية والما سوشية التي من التي انتجتها ودربتها دوائر البعث وصدام حسين ومؤسساته الخاصة وحملته الايمانية التي لملمت كل المنحرفين والمرضى والمرتزقة من كل الشرق الاوسط كما فعل القذافي ويفعل الآن بشار الأسد وان اختلفت التسميات فالجميع ينهلون من ينبوع واحد.

     وأخيرا رغم تحفظاتنا على أداء الدورة البرلمانية الجديدة لكونها من إنتاج واقع الحال الذي تحدثنا عنه، ولم تختلف كثيرا عما كانت عليه الدورات السابقة، إلا إننا نعول على رئيس السلطة التنفيذية والكم الكبير من التأييد والمساندة الداخلية والخارجية لتوجهاته، على إحداث تغيير ملموس فيما يتعلق بمئات الأحزاب والمنظمات والجمعيات التي تأسست بعد سقوط هيكل النظام السابق ومن رحمه وبقرار من أجهزته الخاصة تحت مسميات كثيرة لكنها تتغطى جميعها بلبوس الدين والجهاد والشعارات الفارغة التي صمت آذاننا لعشرات السنين، أو هي واجهات أو اذرع ميليشياوية لأحزاب حاكمة ومتنفذة تعمل على تنفيذ أجندة تلك الأحزاب على شكل كتائب وتنظيمات شبه عسكرية، وتعتمد في ذلك على منظومة دعائية وإعلامية من فضائيات وإذاعات ومواقع الكترونية وصحف ومجلات موجهة لمساحات واسعة من الأهالي البسطاء والسذج لتسطيح عقولهم وغسل أدمغتهم كما كانت تفعل كل الأنظمة الشمولية في العالم.

kmkinfo@gmail.com

5
نجاح كوردستان وعقدة الفاشلين!

كفاح محمود كريم

     منذ سنوات أثبتت إدارة المالكي بكل أوجهها فشلا ذريعا سواء في إدارة الدولة أو الإعلام أو العسكر أو الأمن أو المال أو النفط، وما حصل آخر المطاف قبل أن يرفضه الشعب ويطرده من الولاية الثالثة لكي يقبع في( فخامة نائب رئيس الجمهورية ) أنه سلم البلاد لاحتلال كريه من عصابات ( ومرتزقة أجانب سيطرت على أكثر من ثلث أراضي البلاد من ضمنها اكبر محافظات الدولة وأوسعها أرضا وإنتاجا، هذا الفشل وهذه الانتكاسات إنما جاءت نتيجة لعقلية من يحكم البلاد، خاصة وان الإخبار أكدت انه رفض أي محاولة لمحاربة تلك العصابات وهي في طور تكونها، آملا في أن تذيق العرب السنة مرارة الاستباحة وتشغل الكورد عن تنفيذ مشروعهم النهضوي، الذي بات يشكل عقدة خطيرة تؤرق المالكي وطاقمه وتظهر فشلهم في إدارة الدولة وحقيقتهم التي أظهرتها ملفات الفساد المرعبة ومشاريعهم الوهمية في النفط أو الكهرباء أو التسليح أو الدفاع أو الأمن.

     عقدة كوردستان دفعت المالكي لتأسيس العشرات من وسائل الدعاية ولا نقول الإعلام لأنها لا تمثل أبجديات الإعلام، بل أنها وسائل دعائية ثرثارة غرضها إشاعة الطائفية والأحقاد والكراهية بين مكونات الشعب العراقي وضد الكورد ورموزهم ونهضتهم وتقدم وازدهار إقليمهم، بتخصيصات اقل ما يقال عنها إنها اقل من 17% من موازنة البلاد التي لم تقل عن مائة مليار سنويا، لم ينتج فيها المالكي وبطانته إلا بحور من الدماء ودمار شامل للبلاد وفشل في كل مفاصل الدولة والحياة، إلى الدرجة التي تم تصنيف العراق فيها خلال حكمه من افشل بلدان العالم وأكثرها تخلفا وبطالة وفقرا وخطورة قياسا لإمكانياتها المالية.

     فضائيات وإذاعات ومواقع الكترونية وصحف بكل الألوان ينفق عليها من المال العام ويديرها موظفين من مكتب تنظيم المالكي ومجموعة الحبربش التي تقود حملة دعائية مليئة بالشتائم والأحقاد ضد الكورد ورئيسهم ورموزهم من خلال برامجها المتخلفة أو تصريحات ساذجة عقيمة لا غرض لها إلا إفشال أي محاولة جدية لحل المشاكل بين بغداد والإقليم، أو بين الحكومة الجديدة والفعاليات السياسية ومكوناتها، بما يعكس الإحباط والفشل الواضح في أدائها نتيجة إبعاده عن الولاية الثالثة ونجاح السيد العبادي ونهجه الواقعي والوطني في وضع خارطة طريق لحل تلك المشاكل والعقد التي أنتجتها حقبة الحكم الفاشل للمالكي، بحيث أنها تشكل اخطر ما يواجه حكومة العبادي ومشروعه اليوم باستخدامها هذا النمط من الأداء السياسي المتخلف، خاصة وانه قد استحوذ على إمكانيات مالية كبيرة، ومفاصل مهمة في الدولة وفي مؤسساتها المستقلة وسلطاتها الثلاث، ويتم استخدامها واستغلالها لإفشال أي خطوة يقوم بها السيد العبادي في اتجاه إعادة بناء الدولة العراقية الحديثة.

     حقا إنها مجموعة من العقد ومركبات النقص التي تعاني منها هذه الطواقم الفاشلة وهي تتضاعف في أي مقارنة بسيطة بين إقليم كوردستان وبقية أنحاء العراق خلال الثماني سنوات من حكم المالكي في بغداد وحكم البارزاني في كوردستان، وهي بالتالي مرآة لسايكولوجية العاملين في تلك المنابر الدعائية وشكل تكوينهم النفسي والأخلاقي.
     وخير مثال لتلك العقد ما أظهرته قناة آفاق الناطقة باسم المالكي قبل فترة  وهي تذيع نبأ استقبال نوري المالكي لرئيس الجمهورية، حيث ورد في شريطها الإخباري الخبر بالشكل التالي:
    " استقبل فخامة نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي السيد فؤاد معصوم رئيس الجمهورية!؟ "

     اترك التعليق لكم وللمختصين بعلم النفس  لتقييم الحالة!

kmkinfo@gmail.com


6
المنبر الحر / من قلة الخيل..!
« في: 18:38 04/02/2015  »
من قلة الخيل..!

كفاح محمود كريم


     مثل عراقي جميل يطلق على الفاشلين والناقصين والفاسدين الذين يتبوؤون مواقع اكبر من حجومهم، أو في غفلة من الزمن وخاصة في زمننا الرديء هذا الذي أصبح المثل ينطبق عليه تماما، بل  ويعتبر أدق توصيفا للفاسدين في معظم حكوماتنا العراقية منذ أن أسقطت لنا جيوش الولايات المتحدة وحلفائها نظام صدام حسين العائلي والعشائري، وفي الوقت الذي كان الجميع ينادي أو يدعي بأنه سيقيم نقيض ذلك النظام الذي وصفناه بشتى الأوصاف، حتى سقط الكثير من ورثة النظام بمواصفات أقبح مما كان يوصف بها إسلافهم، بل وبلا مواربة فقد ترحمت مساحات واسعة من الأهالي على قبح نظام صدام حسين إزاء جرائم ومخازي خلائفه أو بدائله منذ أكثر من عشر سنوات.

     وبقراءة سريعة للسير الذاتية لكثير ممن تولوا الحكم بمختلف مستوياته ودرجاته، سواء في السلطة التنفيذية أو التشريعية بمختلف دوراتها وتسمياتها من الجمعية الوطنية وحتى الدورة الأخيرة، يتبين بان الاختيار لم يكن أبدا على خلفية الكفاءة والوطنية بقدر ما كان على خلفية عشائرية أو مذهبية أو مصالحية، أي بمنطق البيع والشراء في المناصب وعقد الاتفاقيات على ضوء ذلك بين المكلف بالمنصب وبين من رشحه، وكم تمنينا جميعا أن يكون المرشحون للمناصب ذوي كفاءة وشخصيات محترمة حتى وان كانوا من أقرباء أي مسؤول من المسؤولين سواء رئيس وزارة أو حزب أو كتلة، لكن ما حصل طيلة السنوات العجاف الماضية منذ 2003م، وما يزال يحصل حتى اليوم، إنهم يأتون بمجاميع من البيادق المنفذة وأسطوات متمرسة في اللصوصية والتزوير والنشل والنهب، لا عليها إلا تمرير أجندات من وضعها في موقعها أو منصبها، حالها حال أي جهاز الكتروني أو لعبة تعمل بالكهرباء أو البرمجة.

     إن ما يحصل اليوم وخاصة بعد إقرار الموازنة واتضاح إن البلاد لا تمتلك أي مبالغ مدورة أو خزين استراتيجي لليوم الأسود، تؤكد ما ذهبنا إليه في كثير من مقالاتنا حول مجاميع الفاسدين الذين تكلسوا في مفاصل الحكم وما يزالون يمارسون أدوارهم في إن عصيهم قادرة على إيقاف عجلات التغيير المزمع أو المفترض إحداثه بعد تولي الدكتور حيدر العبادي رئاسة مجلس الوزراء الاتحادي بدعم دولي ومحلي خاصة من القوى التي ناهضت رئاسة المالكي الثالثة، ورغم تفاؤل الكثير بنجاح السيد عبادي وفي مقدمتهم تمنيات كاتب هذه الأسطر بنجاحه وطاقمه الذي لا يختلف كثيرا عن الطواقم السابقة، لكنني أعول دوما على دور الرئيس وإمكانياته خاصة وان الدستور قد منحه صلاحيات ومساحة عمل واسعة، لو استخدمها بوطنية خالصة وإرادة قوية وفكر مدني متحضر معاصر، فانه سيحدث شيئا يستحق التمجيد والمديح رغم انه من أولى واجبات أي رئيس حكومة أو بلاد في الدول المتقدمة أن يستخدم كل صلاحياته وإبداعاته في خدمة بلده وشعبه.

     إن مجموعة " الشفاطات والشفاطين - أي الثرثارين وأصحاب المزايدات على توصيف الدارجة الموصلية "  من أولئك الذين يحملون العصي ويهددون بوضعها في دواليب أي عملية تغيير أو إعادة بناء البلاد وفق أسس مدنية متحضرة، تعتمد التنافس في خدمة الشعب ومكوناته، من خلال مجموعة من وسائل الإعلام المسخرة لحملات الدعاية والتشويش على أي اتفاق ايجابي لحل الإشكاليات سواء مع الإقليم أو مع الكتل المعارضة لنهج المالكي وطاقمه الذي امتازت فترة حكمه بالفساد المستشري في كل مؤسسات الدولة وعمليات غسل الأدمغة وصناعة انتصارات من هزائم مخزية، وفشل ذريع أنتجته مجموعات الضعفاء من الفاشلين والانتهازيين واللصوص، الذين استقدموا على شعبهم أرذل المخلوقات وأقذرها لكي يؤدبوا السنة ويشغلوا الكورد بمنظمة إرهابية صنعها البعث بامتياز لكي تحقق ما عجز عنه صدام حسين طيلة أربعين عاما، هؤلاء الفاسدين الذين تسلقوا سلالم السلطة وكراسي البرلمان ينطبق عليهم بكفاءة الجزء الثاني من عنوان مقالنا أعلاه، من قلة الخيل....!

kmkinfo@gmail.com


7
بين انتحار الهمج وفدائية البيشمه ركة

كفاح محمود كريم

     البيشمه ركة مصطلح كوردي أطلق على ثوار الحركة التحررية الكوردية، وهو يعني أولئك الرجال والنساء من الثوار الذين يقاتلون من اجل حرية وكرامة شعبهم، ويعني المصطلح الذين يستبقون الموت من اجل تلك الأهداف النبيلة، وهو بالتالي في معانيه يرتقي على مفهوم الفدائية حيث دقة المصطلح في التوصيف الذي يتكون من مفردتين الأولى البيش وتعي أمام والثانية مركه وتعني الموت، أي بمعنى أنهم أمام الموت بالمعنى الحرفي،  ويستبقون الموت بالمعنى المجازي.

     وعبر التاريخ الممتد من بواكير الثورات الكوردية مطلع القرن الماضي وحتى يومنا هذا، تحول هذا المصطلح إلى واحد من أقدس الكلمات والمفاهيم التي تمثل وجود ونضال الكورد وكوردستان شعبا وأرضا، وأصبحت هذه الكلمة محط احترام وتقديس وافتخار الأهالي بمختلف مستوياتهم ومشاربهم وأفكارهم، حتى إن العائلة التي ليس فيها واحد ممن يحملون هذا التوصيف تشعر بالضعف أو الخجل مقارنة مع بقية الأهالي، ليس اليوم بل حتى أيام هيمنة واستعمار الأنظمة الدكتاتورية لكوردستان وشعبها، حيث كانت الأسر التي ينتمي احد أبنائها إلى البيشمه ركة محط احترام وتقدير بالغين من الأهالي.

     لقد سجل تاريخ هذه القوة الاجتماعية والأخلاقية الرفيعة التي اختزلت في سلوكياتها أرقى أنماط السلوك المتحضر والملتزم بقوانين الحرب بعيدا عن ممارسات الانتقام وخلط الأوراق، كما كانت تفعل وما تزال قوى البطش المتخلفة سواء الحكومية منها أو الإرهابية في تصفية المدنيين واستخدام سلوكيات الغدر في الاغتيال والتخريب الجماعي، حيث تفتخر قوات البيشمه ركة في خزينها الأخلاقي والشرفي بما يجعلها فخرا للبشرية عموما في ممارساتها أيام الحرب مع العدو وأسراه وجرحاه، فقد سجلت أيام المعارك الكبيرة لهذه القوات كيف كانت تعتني بجرحى العدو حينما يسقطون بيدها، بل وتفضلهم على جرحاها في مستشفياتها الميدانية المتواضعة، وبينما كان العدو يقتل كل أسير من البيشمه ركة كما تفعل داعش اليوم فان الزعيم مصطفى البارزاني وكبار قادته كانوا يوصون البيشمه ركة بمعاملة الأسرى بمنتهى الإنسانية إلى الدرجة التي كان كثير منهم يرفضون العودة إلى ذويهم مرة أخرى.

     لن ندخل في تفاصيل تاريخ هذه المؤسسة التي يعتبرها الأهالي مؤسسة الأخلاق الرفيعة وقوات الدفاع عن الشعب والوطن ويفتخرون بالانتماء إليها، لكننا سنورد مثالين لأولئك الرجال الأفذاذ ممن استبقوا الموت لأجل إنقاذ رفاقهم من وحشية داعش الهمجية، حيث اندفع الشهيد العقيد احمد المزوري وهو آمر فوج مكافحة الإرهاب، بعد أن فشلت الأسلحة في منع اندفاع شاحنة  مفخخة إلى مكان تجمع البيشمه ركة في إحدى قرى زمار، فاندفع الشهيد احمد وهو يقود مدرعة من نوع همر ليصطدم بالشاحنة المفخخة ويفجرها قبل الوصول إلى هدفها، وبذلك منح حياته لأجل حياة عشرات من رفاقه المقاتلين، وكذا فعل البيشمه ركة جمال دولمري الذي قاد دبابته قبل عدة أيام أمام شاحنة كبيرة مفخخة كانت تتقدم باتجاه احد مواقع البيشمه ركة في منطقة سد الموصل ففجرها وأنقذ العشرات من رفاقه وأصيب إصابات بالغة.


     هذه نماذج من أعمال البيشمه ركة في استباقهم للموت من اجل الحياة ومن اجل قيمها العليا في السلوك والأخلاق الرفيعة، أمام سلوكيات أعداء مجرمين بكل القيم النبيلة للإنسانية ابتداءً من جرائم البعث ومن شابهه في قصف المدن والقرى بالأسلحة الكيمياوية ودفن عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ في مقابر جماعية، إلى استباحة الكورد الايزيديين والشيعة والمسيحيين وقتلهم جميعا وسبي نسائهم والمتاجرة بهن في واحد من أحط أنماط السلوك الوضيع الذي لا يمثل إلا أخلاق مافيات مجرمة لا علاقة لها بالإنسان وأديانه وعقائده وخارجة عن كل أطوار البشر الأسوياء.

     ولأجل ذلك ستنتصر البيشمه ركة لا محالة لأنها تختزن أرقى أنماط السلوك الإنساني الرفيع والأخلاقيات التي تفتخر بها البشرية جمعاء، وهي التي دفعت كل العالم الحر والمتمدن إلى اربيل عاصمة كوردستان، لتقف متشرفة مع البيشمه ركة وقادتها، لأنها أيقنت إن هذه المؤسسة إنما تدافع وتناضل وتكافح لا من اجل كوردستان وشعبها فقط، بل من اجل الإنسانية وقيمها العليا، فشتان بين انتحار البهائم الهمج الذين يحرقون الأخضر واليابس بعقيدتهم الفاسدة، وبين أولئك الذين يستبقون الموت من اجل حياة الآخرين وسعادة الأهالي وقيم الإنسانية العليا.

kmkinfo@gmail.com

8
المنبر الحر / من أنتج داعش؟
« في: 11:34 24/01/2015  »
من أنتج داعش؟

كفاح محمود كريم

    لا يختلف اثنان من العراقيين على إن نظام البعث احدث تغييرات مهمة في البنى التحتية للدولة العراقية بعد هيمنته على السلطة أواخر ستينيات القرن الماضي، ونفس الاستنتاج يتفق عليه المصريون أيضا بعد تولي الضباط الأحرار مقاليد الحكم في مصر عام  1952، وكذا الحال مع القذافي أيضا، لكنما التغييرات المهمة التي أحدثتها تلك الأنظمة لم تشمل الإنسان ولا البنية الاجتماعية لتلك الدول، بل على العكس أوصلتها إلى حافة الانهيار الذي شهدناه عند مرور أولى نسمات الحرية فيما سمي ظلما بالربيع العربي، وان حقيقة أخرى رافقت تلك العمليات وأظهرت بشكل جلي إن ما كان يجري لم يتجاوز إلا البناء الكونكريتي، الذي رافقته عملية تهديم هائل لشخصية الفرد وتدمير منظم للبنى الأساسية والنسيج الاجتماعي للمكونات، حيث اقتُرفت خلال السنوات الأربعين من حكم حزب البعث في العراق، أبشع أنواع الجرائم والكوارث بحق الأهالي سواء في كوردستان أو في بقية العراق وسوريا، وكانت بحق حقبة سوداء تدحرجت فيها الحياة في كلا الدولتين إلى ما نشهده اليوم من كوارث ومآسي يندى لها جبين الإنسانية.
     لقد استهدفوا كرامة الإنسان وهويته ولم ينجو منها حتى أولئك المصنفون بالانتماء العرقي أو القومي لهم، فقد صادروا أي محاولة لإبداء الرأي أو حرية التعبير أو الانتماء، إلى الدرجة التي أباحوا فيها إبادة من يتعرض لعقيدة حزبهم أو رئيسهم أو قيادتهم حتى الدرجة الثالثة من الأقرباء، وذهب ضحية ذلك آلاف مؤلفة من خيرة شباب وشابات العراق بكل مكوناته، حتى تطاول غيهم وطغيانهم إلى دفن مئات الآلاف من الكورد والشيعة ومن ناصبهم العداء من السنة في قبور جماعية وهم إحياء، وبسبب تلك التراكمات الهائلة من الجرائم التي اقترفتها تلك الأنظمة تولد شعور مطبق بالإحباط واليأس يقبل أي بديل آخر غير تلك الأنظمة، ولذلك لم نشهد أي مقاومة حقيقية للذين اسقطوا تلك الأنظمة أو عملوا على إسقاطها، فلقد أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين لأنه تحول إلى غول متوحش لم يعد باستطاعة أي قوة محلية أو إقليمية إسقاطه، وكان يفترض إقامة نظام مختلف تماما على أنقاضه، لكن يبدو إن القائمين على ذلك المشروع نسوا أو تناسوا آثار عشرات السنين من التربية الخطأ ابتداء من كتاتيب الجوامع ومنابرها وانتهاء بالجامعات وما قبلها من ابتدائيات وثانويات وما رافقها من أحزاب وجمعيات ساهمت بشكل أو بآخر في الإبقاء على ذلك النهج الخطأ بإشكال من الشمولية والدكتاتورية الفردية، حتى تحول الرئيس أو الوزير أو المدير أو المحافظ إلى أنصاف آلهة إن لم يكونوا آلهة وأنبياء؟
     لقد اقترفت الأنظمة البديلة جرائم بشعة بحق المعاني السامية للحرية والديمقراطية، وعملت على استخدام سلالمها للصعود إلى دفة الحكم وتسخير آلياته لتكثيف وجودها بذات الأساليب التي كانت الأنظمة الدكتاتورية تستخدمها في النفوذ والهيمنة والاحتواء، حتى أجبرت شعوبها في كثير من المناطق والأحايين إلى تفضيل أي بديل آخر عنها، حيث وصل الأمر لدى الكثير من المحبطين إلى تمني أن يحكم الاستعمار بلادهم بدلا من هؤلاء المستبدين الجدد، كما حصل هنا في العراق حيث شقت عصابات داعش طريقها عبر آلام وإحباط الأهالي وفشل حكومة المالكي ومؤسساته المهلهلة إلى اعرق مدن العراق وأكبرها نينوى والانبار وصلاح الدين وديالى وبعض من كركوك، حيث البيئة المتخلفة وبقايا نظام البعث، وتغافل مقصود وموجه من قبل إدارة المالكي في انتقام ساذج وبدائي من خصوم مفترضين ( السنة والكورد )
     ونتذكر جميعا هنا في العراق وفي سوريا وليبيا، وكل مواطن الدكتاتوريات البشعة كم كان كثير من الأهالي يتمنون أن تحكم إسرائيل تلك البلدان بدلا من ظلم أنظمتها التي أذلتها أكثر من أي مستعمر في تاريخ المنطقة، بل إننا لو أحصينا عدد ضحايا تلك الأنظمة وقارناها مع ضحايا كل الحروب التي خاضتها تلك الدول مع إسرائيل أو غيرها، لتبين لنا إن من قتل على أيدي الأنظمة الدكتاتورية أو بسببها أكثر أضعاف المرات من عدد ضحايا تلك الحروب مع إسرائيل التي وظفوها لكي تكون جواز بقاء كل الأنظمة!؟
     داعش ليست وليدة السنوات الأخيرة بل هي إنتاج البعث ومن شابهه عبر التاريخ من الأحزاب والحركات العنصرية الفاشية، ليس في بلاد الرافدين فحسب بل في كل العالم، من صنعائها وحتى صومالها وحماسها وحزب الاهها، وصولا إلى أولئك المنحرفين في القادمين من أصقاع أوربا وأمريكا وشوارعها الخلفية المظلمة.
kmkinfo@gmail.com


9
تصريح مصدر صحفي في وزارة البيشمه ركة

     نشرت صحيفة الصباح الجديد على موقعها الالكتروني تقريرا عن خطة مزعومة لتحرير الموصل، إضافة إلى تصريحات لمقدم في الجيش العراقي باسم ( المقدم عبد الرحمن الجبوري ) ولضابط برتبة نقيب ( لم تذكر اسمه ) ادعت انه من قوات البيشمه ركة، التصريحات تتحدث عن تلك الخطة وانه هناك آلاف من الجند والبيشمه ركة ومئات الآليات والدبابات تتهيأ لاقتحام الموصل.
     وفيما يتعلق الأمر بإقليم كوردستان وقوات البيشمه ركة فان هذا الخبر عار تماما عن الصحة، وليس هناك أي شيء على ارض الواقع من قبيل ما ذكره هذا الضابط والصحيفة فهو مجرد فبركات صحفية لخطط خيالية لا أساس لها على ارض الواقع.

مصدر صحفي
في وزارة البيشمه ركة
 

10
لأجل هذا استهدفوا سنجار؟
-2-


كفاح محمود كريم


     لقد تعرضت سنجار عبر تاريخها إلى عشرات الحملات العسكرية منذ دخول موسى الأشعري أطرافها في حدود 20 هـ وقبول سكانها الفتح الإسلامي دون قيد أو شرط وحتى موقعة سنجار الرهيبة عام 1057م التي ذهب ضحيتها الآلاف من سكانها بعد حصار رهيب استمر لعدة أشهر انتصر في نهايته سيد الشجعان الجبناء الجوع.
     في هذه الموقعة الرهيبة كان العقيليون في البداية حلفاء للسلاجقة ولكنهم انقلبوا ضدهم حين انتصر البويهيون، ولم تمض إلا فترة وجيزة حتى أغار عليهم ((طغرل بك)) فسحقهم حتى وصل سنجار فحاصرها طويلا وقطع عنها كل ما له علاقة بالحياة وديمومتها، إلا أن أهالي سنجار تحدوا السلاجقة تحديا أسطوريا رغم معاناة الحصار وقيل: ((أنهم اخرجوا جماجم من كانوا قتلوا وقلا نسهم وتركوها مشهورة على رؤوس القصب)) فقد ((طغرل بك)) أعصابه فقرر زيادة عدته وعدده، مضاعفا حصاره الوحشي على المدينة حتى فعل الحصار فعلته وانتصر سيد الشجعان الجبناء ( الجوع ) ففتحت المدينة أبوابها عنوة تحت سياط الجوع والمرض فاقتحم السلاجقة مدينة سنجار ليستبيحوها ويمعنوا في سكانها قتلا وتعذيبا وفي خيراتها نهبا وسلبا و بعمرانها خرابا وتدميرا كما يحصل اليوم على أيدي أحفادهم الدواعش.

     هكذا إذاً ومن خلال المأساة نستطيع أن نفهم تماما مدى قوة ومناعة سنجار المدينة والسكان حين ذاك، أي في بداية سنة 1057 م، ومن دراسة نتائج ومعطيات هذه الموقعة المأساوية نستدل من أرقامها كم كانت سنجار مدينة مزدهرة خصوصا إذا ما علمنا إن تعداد نفوس المدينة بعد هذه الموقعة بأكثر من تسعة قرون أي في عام 1977م لم يتجاوز إلا 12 ألفا من السكان، فالمدينة التي قتل من رجالها أربعة آلاف رجل قبل ما يزيد على أكثر من تسعمائة سنة كانت بالتأكيد واحدة من الحواضر المهمة جدا في إقليم الجزيرة، وتتمتع بموقع اقتصادي وجغرافي مهم جعلها مهمة أيضا في الجانب السياسي الذي كان سببا في كثير من الأزمان لدمارها وخرابها.

     لقد بدأت واحدة من اكبر معارك سنجار عبر تاريخها بعد اتفاقية الجزائر التي أنتكست على أثرها الثورة الكوردية عام 1975م حيث اكتسحت شوفينية النظام السابق الاخضر واليابس في مدينة من أجمل مدن كوردستان والعراق والجزيرة معا بكثرة ينابيعها التي ردمتها جرافات حزب البعث ودمرت أكثر من 150 قرية كانت تنتشر في جبل سنجار وأطرافه، وتحتضن مئات البساتين والمناحل وآلافاً مؤلفة من قطعان الماشية، وخلال سنتين من أسوأ سنوات حياة المدينة تستمر فيها عمليات التدمير المنظم لأحياء المدينة وقراها وبساتينها، يتم تجميع آلاف الأسر من سكان تلك القرى والأحياء التي تم تدميرها بالكامل في أكثر من عشرة مجمعات على هيئة معسكرات اعتقال مبنية من الطين في جنوبي وشمالي المدينة مما يبعد السكان تماما عن مواطنهم ومناطق إنتاجهم.
 
     وتصور النظام السابق بعد أكثر من ثلاثين عاما من التعريب والتشويه الديموغرافي إن الأوضاع أصبحت محسومة له تماما، ولكنها إرادة الشعوب وطبيعة الأشياء والحياة التي ترفض كل شيء مزيف ومشوه، لتعود المدينة خلال ساعات من سقوط وانهيار ذلك النظام إلى طبيعة تكوينها وأصالة سكانها وتستعيد هويتها القومية وإرادتها في الانتماء والقرار. ومنذ سقوط النظام والمدينة تتعرض ثانية إلى هجمة تترية لا تقل عن تلك الهجمات في تاريخها حيث تمت محاصرتها تماما منذ أواخر عام 2004م ومنعت عنها المؤن والوقود والكهرباء ومفردات البطاقة التموينية من خلال مجاميع منظمة من المسلحين الذين يرتبطون بذات تلك الثقافة التي عملت على تعريب وتغيير ديموغرافية المدينة طوال أكثر من ثلاثة عقود بما يشبه ما حدث في واقعة سنجار الرهيبة عام 1057م.
     إن ما حدث خلال العشر سنوات الماضية بعد سقوط هيكل نظام البعث من مماطلة وتسويف في تحرير المدينة من ظلم واضطهاد عشرات السنين يؤكد إن مستقبل هذه المدينة وشقيقاتها في كركوك ومخمور والشيخان وخانقين ومندلي وغيرها، لا يمكن أن يكون إلا بعودتها إلى أحضان إقليم كوردستان التي ناضلت عشرات السنين من أجل ذلك وعملت الأنظمة المتعاقبة على تدمير هذه المدن وترحيل سكانها أو تعريبهم بأساليب عنصرية شوفينية.
     في سنجار وشقيقاتها من مدن الشمس الكوردية شعب تواق لأخذ موقعه في بناء الوطن بعد سنوات عجاف من البطالة والإهمال والتدمير المنظم لكل البنى التحتية، فهذه سنجار واحدة من عشرات المدن والقرى تمتلك أرضا خصبة لا مثيل لها في أديم العراق وزراعة تجعلها بحق سلة الغذاء لكل العراق بما تنتجه من الحبوب والفواكه والخضراوات، مع ثروتها في طبيعتها وجبلها من معادن ومواد اقل ما توصف به إنها ذات جدوى اقتصادية عالية كما في واحد من اكبر معامل الاسمنت في العراق والمنطقة وهو معمل اسمنت سنجار بمحاذاة الجبل، والذي لم يستغل قيد أنملة واحدة لخير المدينة وسكانها، حيث مازالت نسبة العاملين من سكان سنجار في هذا المعمل لا تتجاوز العشرين بالمائة من العمال والفنيين وبعد خمس سنوات لم يتم استثمار أي من فوائد وإيرادات هذا المعمل للمدينة وسكانها.

     إن سنجار واحدة من أشهر مناطق الزراعة الديمية التي ما زالت تعتمد على الأمطار وهي تحتوي خيرة الأراضي الزراعية التي دفعت حكومة نوري السعيد قبل أكثر من ستين عاما إلى اقتراح سد نينوى الحالي لإيصال المياه إلى أراضي سنجار وتلعفر، والذي تم تنفيذه من قبل النظام السابق ليخدم مجموعة من الأشخاص ليس إلا، ولا يتجاوز مجموعة قرى عربية في حدود منطقة ربيعة وهو الذي تم تصميمه لإرواء أراضي سنجار وتلعفر.
     إن غزوة سنجار الهمجية على يد منظمة داعش الإرهابية أكدت إن تلك الثقافة التي سادت لحقب طويلة ما تزال سائدة وهي التي فعلت فعلتها في استباحة المحرمات وإبادة الكورد من الايزيديين والمسلمين سنة وشيعة ومسيحيين، وسبي نسائهم وأطفالهم في عودة خطيرة لبدائية العصور الغابرة، وهي بالتالي آخر حلقة من برنامج البعث العنصري والبداوة الدينية والسياسية المتخلفة، وهي اليوم تنهار أمام أولئك الذين اسقطوا كل الطغاة في صراعهم من اجل الحرية والكرامة والحضارة، حيث شهد العالم الحر المتمدن بان البيشمه ركة رمز للمقاومة والتصدي والصمود بوجه الهمجية والمدنية والحضارة، وان كوردستان جزيرة للسلوك الراقي والأخلاق الرفيعة، وان سنجار ستكون منطلق كوردستان لتحقيق أهدافها الإنسانية السامية. 

المصادر:
 (1) مجلة سومر، مجلد 31: ج1 ج2 سنة 1975 ص 21 القسم الأجنبي مقال د.بهنام أبو الصوف.
 (2) بدج: رحلات إلى العراق.
 (3) بكنغهام: رحلتي إلى العراق
 (4) الخرشان: وهو قطع الجص المتصلب ويستخدم في التسقيف والبناء لوزنه الخفيف وصلابته.




11
لأجل هذا استهدفوا سنجار!
-1-
كفاح محمود كريم

    سنجار واحدة من أكثر المدن التي تعرضت للحصار والحروب عبر تاريخها منذ أكثر من عشرين قرنا وربما هي المدينة الأكثر عمقا في دهاليز الزمان الممتد عبر ذاكرة الطبيعة والإنسان، حيث أدرك الاثاري الأمريكي سيتون لوئيد في سنة 1936 م وهو يتجول بين قراجات ( تلول ) سنجار ووديانها تلك الخطوات الأولى للإنسان هنا في هذه المدينة قبل أكثر من سبعين ألف سنة، حينما اكتشف لوئيد ومجموعته تلك اللقى والأدوات الحجرية التي أشرت انتقال هذا الإنسان في تلك الفترة من مرحلة البحث عن الغذاء إلى صناعة الغذاء.
     لقد كانت حبات القمح المتحجرة وتلك الأدوات الحجرية المنحوتة بالحجر والأظافر تومئ الى أوان وأدوات لا تستعمل إلا في الزراعة والطبخ والخبز الحار الذي أصبح عبر الأجيال هوية هذه المدينة، فإذا ما عدنا إلى العصور التاريخية القديمة واستكشفنا حياة إنساننا في هذه المنطقة، حيث كان أقرانه في أواسط أوربا وغربها يبحثون عن الغذاء في مرحلة الصيد، كان هو في ( سنجار وزوي جه مي، قرب كهف شانه ده ر في منطقة بارزان) وبقية أنحاء كوردستان، قد بدأ في صناعة الغذاء بنفسه، حينما تجمع في قرى (تبه 1) و (تبه 2) لينشئ أقدم مستوطناته البشرية المتحضرة قبل أكثر من سبعين ألف عام، فالتنقيبات الاثارية التي أجراها الاثاري (سيتون لوئيد Seton Eloyed) في منطقة سنجار والتي تناولت المرتفعات الشرقية والجنوبية من أطراف المدينة الحالية وتحديداً في (كَري ره ش ـ التل الأسود) و(كَري حوشي ـ تل حوشي) أثبتت من خلال المخلفات الفخارية القديمة جداً ارتقاء تاريخ سنجار إلى عصور متأخرة في ما قبل التاريخ المتأخر. (1)
     منذ أن بزغت شمس الحضارة قبل آلاف السنين و سنجار أو (سنكارا) أو (سنغارا) كما كان يطلق عليها البابليون و (شنكَال) كما أطلق عليها الآشوريون، كـانت ميداناً لصراع الحضارات ومن ثم بعد ذلك الإمبراطوريات، وقد عرفت سنجار عند المصريين القدماء بلفظة (سنكار) وعند الاشيين بلفظ (شنخار) أما عند اليونان والرومان فكانت (سنكارة) حتى أطلق عليها الإمبراطور الروماني (اورليوس) اسم (اورليا) عندما جدد بناءها في حدود عام 199م (2) (3)، بعد أن اسقطوا فيها مملكة آرامية تحت تاج الملك (معنو) الذي ولى هاربا إلى أراضي كنعان في فلسطين اليوم في حدود عام 114م وترك سكانها يواجهون مصيرهم كما فعل البعثيون حينما سقط سلطانهم في بغداد فولوا هاربين مع ما خف وزنه وغلا ثمنه تاركين مدينة تأن ألما وفقرا وبطالة وبنى تحتية محطمة.

     صحيح أن كثيراً من السنجاريين كانت قد أصابتهم الصدمة وصعقوا حينما هاجمهم الرومان في مدينتهم الثرية الهادئة، وان كثيرين منهم قتلوا أو جرحوا دفاعا عن (معنو) ومملكته، فلم يكن هناك وقتئذ خيار أخر، ولكنهم لو كانوا يعلمون ما سيفعله الرومان في مدينتهم بعد ذلك لما ابتأسوا، وأي بديل أقامه أولئك القادمون من الشمال؟.
     لقد وضع القائد الروماني (لوسيوس كيوتوس) نصب عينيه موقع المدينة وبعدها عن المدن التي حولها، وكيفية ربط هذه المدينة الجميلة ببقية المدن في عمق الإمبراطورية، وإعادة بنائها وفق رؤيته، وهكذا تقدم هذا القائد بأفكاره إلى الإمبراطور (طريانوس) بعد إضافة سنجار إلى حواضرهم، فما كان من الإمبراطور إلا أن أصدر أوامره بتعبيد الطريق بين سنجار ونصيبين برصفه بالحجارة في بداية عام 115 م، وبذلك يكون الرومان قد وضعوا الحجر الأساس لأول شارع معبد بين سنجار وخارجها وكان ذلك باكورة أعمالهم الحضارية المتطورة في المدينة.
     لقد كانت الرؤية الرومانية عسكرية ـ مدنية في قيامها بتبليط الشوارع بين سنجار والمراكز الحضرية الأخرى في الإمبراطورية، وكانت الحلقة الأولى في سلسلة الحضارة التي بدأت تدخل المدينة لأول مرة، فلم يمضِ قرن على ذلك الطريق حتى باشر الإمبراطور (ساديروس الكسندر) برصف طريق أخر يمتد من سنجار حتى الخابور.
     وحينما كان المئات من البشر أو ربما الآلاف ينقلون الحجارة من الجبل إلى حيث يتم رصفها باتجاه نصيبين والخابور كان السنجاريون ينفذون بناءً في مركز مدينتهم حيث وضع المهندسون الرومان تخطيطا جديدا للمدينة ابتدئوه بالسور الكبير الذي يلف المدينة من كل أطرافها، وبذلك أمنوا لهم ولسكانهم حياة أكثر سلاما واستقرارا أمام تهديدات وهجمات الفرس وغيرهم في أطراف المدينة الجنوبية والشرقية، ولم يجد الرومان صعوبة في الحصول على البناة والمهندسين والعمال، فلقد عرف السنجاريون بحبهم للبناء والأعمار وولعهم في التغيير، وتختزن ذاكرة التاريخ أسماء كثيرة من أولئك البناة والنقارين وصناع الجص وبناة التسقيف بالحجارة و(الخرشان) (4)، فانهمكوا مع الرومان في تهيئة تلك الكتل الصخرية الكبيرة لبنائها كسور للمدينة.
     يعتقد أن المسيحية دخلت إلى المدينة بعد هذه الحقبة، حيث عرفت المراجع أسقفا مسيحيا يدعى (معين) قيل انه بنى العديد من المعابد، حيث تؤكد كثير من المراجع التاريخية والكنسية إن أول دير بني في سنجار كان (دير عاصي) ويعرف أيضا بـ (دير برقيطي) وكذلك حمل اسما أخر هو (دير باعوث) في حدود سنة 500م، وقد أصبح في ما بعد من أهم المدارس المسيحية في القرن السابع الميلادي، ومن مشاهير كهنته وعلمائه الكاتب (سليمان ابن جرف)، وما تزال آثار هذا الدير قائمة حتى الآن حيث تقع أطلاله على بعد اقل من ساعة في وادٍ سحيق بوسط الجبل شمال المدينة، وهناك ديران آخران تم بناؤهما بعد دير عاصي وهما (دير ووزنه) ويقع فوق قمة جبل سنجار شمال دير عاصي مباشرة، وقد بني من الصخور الضخمة غير المنحوتة، والدير الآخر هو دير (زد شكه) ويقع بالقرب من منطقة (جيل ميرا) في قمة جبل سنجار، ويسمى أحيانا بدير الزلازل، ولا تزال آثارهما باقية لحد هذا اليوم.

kmkinfo@gmail.com

12
سنجار ورفسات داعش الأخيرة

كفاح محمود كريم

     في 25 نيسان من عام 2003م آثر سقوط هيكل نظام صدام حسين، التقينا بعض قيادات وأعضاء حزب البعث في منطقة سنجار، ومعظمهم من أهالي المدينة وأطرافها، بل إن قسما كبيرا منهم كان من المعلمين ومدراء المدارس وبقية الدوائر، وكان أكثرهم إما قد هرب تاركا أسرته أو مختبئا بسبب اعتقاده بفكرة الانتقام المتكلسة في ثقافة البعث، وبعد أن شعروا إن الدنيا غير دنيتهم والسياسة غير ما اقترفوه هم بحق شعبهم، وان البيشمه ركة ومؤسسات الإقليم الأخرى التي أدارت الحياة بعد 9 نيسان 2003 ليست إلا مشروع حضاري وإنساني وحمامات سلام وأمان واطمئنان، لبوا دعوتنا للتباحث حول الأوضاع الجديدة وإعادة الحياة إلى المؤسسات الرسمية وخاصة التعليمية والخدمية التي كانوا يديرونها، وتسليم ما بعهدتهم من أمانات وسيارات، وأسلحة حزبية، وأمور أخرى.

     قلنا لهم إن العراق قد أدمن الانقلابات منذ تأسيسه ولنعتبر إن ما حصل انقلابا في بغداد بين متنافسين على السلطة ولا أظنكم بمستوى من ينافس، وعليه نتمنى على الجميع ترك الماضي والالتفات إلى المستقبل لكي نعيد الحياة بشكلها الزاهي ونعوض مدينتنا وأهلنا ما خسروه بسبب سياسات التعريب والتبعيث القسري، ولذلك فلا إثم على احد منكم ما لم يشتكي عليه مواطن ما لدى القضاء، علما إننا نعلم جيدا بأن هذا السلوك لا وجود له في ثقافة البعث وأخلاقياته، واقسم لو كانت الأمور معكوسة أي نحن الذين تم إسقاطنا من قبلكم لكنتم بعثرتم جثثنا على أرصفة الشوارع وقتلتم جميع من تولى منا إدارة أو مسؤولية، لكننا لسنا هكذا، فالحياة لا تبنى بالانتقام والدماء بل تبنى بالتسامح والعفو، كما فعلنا في 1992م في بقية أجزاء كوردستان المحررة اثر انتفاضة آذار 1991م حيث اصدر الرئيس مسعود بارزاني وقيادة كوردستان قانونا بعفو أمثالكم ممن عبثوا في حياة المواطنين، وحتى من اقترف جرائم بحق شعبه من أولئك الذين كانوا يسمون بالجحوش، فنهضت كوردستاننا وغدت واحة للحرية والتقدم والازدهار.


     نحن بناة جيدون للحياة والاعمار لذلك ندعوكم للتطهر من آثامكم وبقايا ثقافة الإقصاء والهمجية، لكي نعيش معا ونبني معا بلدنا هذا، وفعلا طيلة أكثر من عشر سنوات تم احتوائهم جميعا ولم يخدش أي منهم بسبب بعثيته أو حتى بسبب استحواذه على بيوت المرحلين من الكورد، وقلنا ليكن القانون هو الفيصل، ولأن الطبع يسبق التطبع فقد صدقت توقعاتنا واستطاعوا بعد أكثر من عشر سنوات أن يخترقوا دفاعاتنا ونقاط ضعفنا ويركبوا جواد المالكي الذي أرهق قوتنا العسكرية بالحصار المالي والتسليحي، فاندفعوا كالغيلان المتوحشة وبهمجية لا مثيل لها في التاريخ البشري، إلا فيما اكتنزوه في عقيدتهم وسلوكهم وأخلاقهم، فقتلوا الأطفال والنساء قبل الرجال وسلبوا ونهبوا واختطفوا آلاف النساء والأطفال بعد أن قتلوا آبائهم وأزواجهم بقسوة تجاوزت قسوة هولاكو وجيوشه، ثم عادوا ليدمروا كل شيء من بيوت ومزارع وبساتين وشوارع ودوائر، فأحالوا سنجار وبلداتها وقراها ومجمعاتها إلى خرائب ينعقون فيها، بعد أن سرقوا كل مقتنيات بيوت الأهالي ومخازن التجارة ودكاكين الناس، ولم تقتصر جرائمهم على الايزيدية فقط بل طالت آثامهم كل الكورد السنة والشيعة والمسيحيين.

     واليوم وبينما يحرقون آلاف البيوت في سنجار وقراها وهم يتقهقرون منكفئين إلى جحورهم التي خرجوا منها، تتقدم قوات البيشمه ركة لتحرير ما بقي من تلك المدن والقرى، وتعثر في مسيرتها على عشرات المقابر الجماعية التي فرختها مقابر صدام حسين والبعث وهي تضم آلاف الأطفال والشباب والشيوخ ممن طالتهم تلك الهمجية، التي فاقت كل جرائم التاريخ البشري إلا تلك التي بدأها أسلافهم في الأنفال الأولى وحلبجة وأخواتها من قرى كرميان وباهدينان.
     لقد غدت حلبجة رمزا من رموز المأساة الكوردية التي نبهت الرأي العام العالمي إلى عدالة القضية الكوردية والاهتمام بها، فتحولت كوردستان بدماء أولئك الشهداء من ضحايا الهمجية إلى واحة للسلام والأمان والازدهار، وستكون سنجار وجبلها الأشم وتحريرها عنوانا لانطلاق كوردستان المستقبل إلى ذرى المجد والانعتاق بعد إنهاء آخر فصول البعث والنازية الجديدة المتمثلة بداعش الإرهاب والتخلف.
kmkinfo@gmail.com

13
المنبر الحر / داعش وأدوات البعث
« في: 16:06 30/12/2014  »
داعش وأدوات البعث

كفاح محمود كريم

     بعد سنوات طويلة ناهزت العقد من الزمان، وتغييرات مهمة في البنية الاجتماعية والسياسية بعد سقوط نظام البعث وصدام حسين في معظم أنحاء العراق وخاصة المناطق الأكثر تضرراً من سياسة حزب البعث، والتي تسمى بالمناطق المتنازع عليها، وهي مجموعة مدن وبلدات وقرى كوردية تعرضت خلال ما يقرب من نصف قرن، إلى عملية تعريب وتغيير حاد في ديموغرافيتها وتمزيق ارتباطاتها الإدارية والاجتماعية، بعد تلك الحقبة السوداء تأتي منظمة داعش لتستكمل ما لم يفعله حزب البعث وأجهزته الخاصة آنذاك، معتمدة بشكل رئيسي على المستفيدين منه أساسا وهم كوادره المهمة والمتخصصة في أساليب الترهيب والتقتيل والتهجير وخاصة كوادر الأجهزة الخاصة ( الأمن والمخابرات والاستخبارات والأمن الخاص وفدائيو صدام وملحقاتهم من المعتمدين والعملاء ).

     وبقراءة سريعة واستثناءات قليلة جدا نرى إن معظم من استخدمهم البعث في تعريب مناطق سنجار وكركوك وزمار والسعدية وجلولاء وخانقين ومخمور وسهل نينوى، كانوا ابرز من نفذ غزوة داعش على هذه المناطق وأكثرهم قسوة في التعاطي مع سكانها الأصليين، حيث قتلوا الآلاف من الرجال وخطفوا آلاف العوائل والنساء والأطفال، وما اقترفوه من عمليات تجارة رخيصة ومهينة بحق العقيدة الدينية والأخلاقية والاجتماعية، فيما سمي بالسبي والغنائم تحت ذريعة التكفير أو الأسلمة، وتمزيق رهيب للنسيج الاجتماعي يصعب كثيراً إعادته، خاصة وان قيم شفافة تعرضت للمساس من قبل هذه الأدوات التي استخدمها البعث واستقدمها إلى هذه المناطق لغرض تعريبها وسلخها من كوردستان، حيث اقترفت في سنجار واحدة من أبشع جرائم الأخلاق والشرف الاجتماعي بخطف آلاف البنات الايزيديات وبيعهن كسبايا ورقيق، مما أدى إلى تمزيق كبير في اللحمة الاجتماعية بين الأهالي، خاصة وان الذين اقترفوها أناس محليون من ذات المنطقة وأطرافها.

     فبينما كانت الخارطة التدميرية لواحدة من هذه المدن وهي سنجار تتضمن ترحيل كل عائلة لديها ناشط سياسي كوردي والاستحواذ على كافة ممتلكاته غير المنقولة مثل البيوت والمزارع والعقارات الأخرى، حيث تجاوز عدد العوائل التي تم ترحيلها إلى خارج المدينة والمحافظة أكثر من 150 عائلة من مركز المدينة فقط، وتم ترحيل ما يقرب من مائة ألف كوردي ايزيدي ومسلم من قراهم إلى مجمعات أشبه ما تكون بمعسكرات الاعتقال سيئة الصيت للنازية إلى الجنوب والشمال من جبل سنجار، وتدمير كافة القرى التي كانوا يسكنونها، حيث بلغت أكثر من 135 قرية في طرفي جبل سنجار الشمالي والجنوبي، بما كانت تحتويه من بساتين ومزارع وينابيع مياه في ما بين عامي 1975 و 1977م، جاءت داعش التي ضمت قيادات وضباط من أجهزة نظام البعث وصدام حسين ومجاميع من المرتزقة العرب والأجانب، إضافة إلى أفواج من الذين انتجتهم الحملة الإيمانية البعثية أواخر تسعينيات القرن الماضي، مع جميع المستفيدين من قوانين التعريب التي خسروا امتيازاتها بعد سقوط ذلك النظام، جاءوا لكي يكملوا تلك الخارطة السبعينية بمحاولة إبادة السكان الأصليين من الكورد الايزيديين والمسلمين، وتهجير كل سكان قضاء سنجار البالغ أكثر من ربع مليون نسمة والذين نزحوا إلى محافظات كوردستان وتحديدا إلى محافظة دهوك وبلداتها.

     إن ما حصل في سنجار تم استنساخه في سهل نينوى ومدنها وقراها مع الكورد الايزيديين والشبك والمسيحيين، وكذا الحال في منطقة مخمور ونواحيها التي تعرضت هي الأخرى لذات السياسة التي حاولت إكمالها بعد غزوتهم على تلك المناطق، حيث أثبتت الأحداث وانعكاساتها إن العقلية التي تبناها البعث وصدام حسين في التعامل مع الآخرين المختلفين معهم، هي ذاتها التي أنتجت داعش وسلوكياتها وخطابها الديني والسياسي، وما تزال أبواقها ووسائلها الإعلامية في كركوك وكثير من المدن الأخرى تنهج ذات النهج بل تحضر لمرحلة قادمة تستنسخ فيها ما فعلته في سنجار وسهل نينوى وغيرها من حافات كوردستان.

     لقد بدأت كوردستان فعلا عملية المواجهة الكبرى لتحقيق الأهداف السامية، وخطواتها الأولى تنطلق اليوم من تحرير سنجار تحريرا كاملا من كل عناصر ذلك المشروع العنصري وأدواته وثقافته وكل ما له علاقة به أرضاً وفكراً وعناصراً.

kmkinfo@gmail.com

14
كوردستان أمل العالم الحر

كفاح محمود كريم
 
     في مطلع آب أغسطس من هذا العام حينما حاولت داعش التقرب من حافات كوردستان تداعى كل العالم المتمدن والحر إلى عاصمتها الجميلة اربيل مؤيدا ومساندا بشتى الوسائل، ولعل أجمل ما قيل حينذاك كان توصيف الرئيس الأمريكي اوباما لكوردستان في حديثه لصحيفة النيويورك تايمس في التاسع من آب حيث قال إن كوردستان جزيرة الأخلاق والسلوك الراقي، تعليقا على التسامح والتعايش بين مكوناتها الكوردية والتركمانية والعربية، بمن فيهم المسلمين بمذاهبهم والمسيحيين وانتماءاتهم والايزيديين والمندائيين، ونجاح قيادتها وأحزابها ومؤسساتها في إشاعة التسامح وقبول الآخر، وضبط السلم والأمن الاجتماعيين بما يكفل الحياة الحرة الكريمة للجميع.

     من أجل ذلك ولكونه خريج مدرسة البيشمه ركة الأولى منذ أيام الزعيم الكوردي الكبير مصطفى البارزاني ترك رئيس الإقليم مسعود بارزاني مقره الرئاسي والتحق بجبهات القتال والدفاع عن هذه الجزيرة، جزيرة الأخلاق والسلوك الراقي والملاذ الآمن والكريم لكل مكونات كوردستان والعراق، فلم يذكر التاريخ السياسي لزعماء دول الشرق الأوسط العربية والإسلامية، أن قاتل زعمائها في جبهات القتال مع الأعداء هم أو أقربائهم إلا ما ذكرته الأخبار عن شقيق لرئيس مصر في إحدى الحروب مع إسرائيل، واكتفوا جميعهم بزيارات سينمائية أو تلفزيونية لجبهات القتال كما كان يفعل الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في حروبه مع إيران وكوردستان والكويت.

     إن وجود البارزاني وإخوانه وأولادهم كل حسب موقعه في مقدمة المقاتلين البيشمه ركة في جبهات الحرب ضد الإرهاب، هو الذي دفع معظم دول العالم بالوقوف مع إقليم كوردستان وقواته المسلحة البيشمه ركة التي أصبحت رمزا عالميا في الدفاع ومحاربة الإرهاب، حيث استقبلت كوردستان خلال الأشهر الأخيرة عشرات من كبار مسؤولي دول الاتحاد الأوربي واسيا وأمريكا وخاصة وزراء الخارجية والدفاع، وهي التي أخرجت المانيا من التزاماتها التي وقعتها مع الحلفاء في عام 1945 بعدم التدخل في الصراعات العسكرية، وأقنعتها بضرورة الوقوف إلى جانب البيشمه ركة وشعب كوردستان لأنهما يدافعان عن القيم الخلاقة للإنسانية المتمثلة بالتعايش والتسامح والدفاع عن كل المكونات على حد سواء ضد التوحش والهمجية والعنصرية القومية والدينية، وهي ذات الأسباب التي دفعت الرئيس الفرنسي القدوم إلى اربيل عاصمة كوردستان وإعلانه وقوف فرنسا وأوربا وكل العالم الحر مع شعب وبيشمه ركة كوردستان من اجل الحرية والحضارة والتجربة الراقية.

     حقا كان نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن محقا وهو يقول للبارزاني اثر الانتصارات الكبيرة التي حققتها البيشمركة ضد داعش الإرهابية:

    " لقد أصبحتم أمل العالم الحر المناهض للإرهاب، ومن أجل ذلك فان العالم المتمدن سيستمر في دعمه الدولي لكوردستان."
 

15
انتم شركاء ولستم ضحايا!

كفاح محمود كريم

    منذ انتخابات 2005 التي اتفق العراقيون فيها على صيغة صناديق الاقتراع لتداول السلطة، بدلا من اعتلاء الدبابات واقتحام القصر الجمهوري وإسقاط رئيس الدولة وتنصيب مغامر آخر، يقود بلاد الحروف والعجلة وشعلة كاوه بدلا من حمورابي أو نبوخذنصر أو الضحاك، منذ ذلك التاريخ وعجلة البابليين تسير دون أن تقنع هؤلاء الناس العجب بصحة هذه الصيغة في هذه المرحلة اعتمادا على النتائج التي أفرزتها ثلاث دورات برلمانية كانت كل واحدة منها أسوء من الأخرى، بدليل هذا التقهقر المتسارع في كل مناحي الحياة حتى أوصل قطاعات كبيرة من الأهالي إلى الإحباط واليأس والبلاد إلى الفشل الذريع!

     وقراءة سريعة لسير أغلبية من أوصلتهم تلك الصناديق العشائرية والمذهبية إلى كراسي التشريع أو السلطة، تؤكد تطابق مثير بينهم من ناحية السلوك والأفكار والأخلاق وبين ما هو عليه العراق اليوم، بمعنى " عاب شي ما يشبه أهله " كما يقول المثل الدارج العراقي، فهم يمثلون حقا عصارة تفكير وسلوك أولئك  الأهالي الذين اشتركوا جميعهم بتأييد كل زعماء العراق وأحزابهم بذات الشعارات والهتافات، فلم يمض إلا عدة أيام على آخر مظاهرة حملوا فيها صدام حسين على أكتافهم صبيحة السابع من نيسان 2003م، إلا وخرجوا بعد يومين فقط هم أنفسهم يستقبلون القوات الأمريكية " المحررة " ويهرولون معها إلى تمثال " القائد الضرورة " ليسقطوه ويشبعوه ضربا بنعالهم!؟

     وبصرف النظر عمن يعتقد إن القوة هي التي حولت الأهالي إلى قطيع وهي بالتالي السبب الرئيسي لذلك السلوك، ازعم إن تلك القوة كانت موجودة أيضا لدى كثير من الأنظمة في العالم، وإنها ربما ضعفت أو تلاشت بعد سقوط نظام صدام حسين إلى درجة كبيرة، أو تم استبدالها بخيارات أخرى تعطي نفس النتائج، وما الدليل على ذلك إلا ما حصل ويحصل في هذه البلاد وغيرها ممن رفعت عن فوهاتها تلك " السدادات " التي كانت تستر ما تحتويه من عفن سياسي واجتماعي وأخلاقي، وحينما انزاحت ظهرت كل هذه الصور البشعة التي نراها اليوم في بغداد ودمشق وطرابلس الغرب وصنعاء وغيرها من مدن الصقيع العربي!

ولنتساءل:
     كيف نفسر أو نقتنع ببراءة مئات الآلاف أو الملايين ممن انتخبوا صدام حسين وحسني مبارك والقذافي والأسد وعلي عبدالله صالح أو ممن جاء بعدهم مما جرى ويجري الآن؟
    وهل إن نوري المالكي وحزبه مسؤولون لوحدهم عما حدث وما زال يحدث في البلاد؟
     هل كان صدام حسين وحده مسؤولا عن كل تلك الجرائم التي اقترفها هو وحزبه الذي ضم ملايين العراقيين والعرب؟
     هل يعقل أن يكون نوري المالكي لوحده مسؤولا عن الخمسين ألف حرامي وربما أضعافهم في مفاصل أخرى من الدولة الفاشلة؟
     هل تتحمل داعش لوحدها كل هذه الجرائم البشعة، أم إن هناك من ساعدها وسهل لها وشرع أو برر سلوكها؟
     وأخيرا هل لدينا حقا نوعية ناخب تؤهله لانتخاب نوعية جيدة لأعضاء البرلمان والحكومة!؟

     وقبل أن نجيب.. علينا أن نتذكر جميعنا...
منابر الجوامع وخطبائها والكنائس وقسيسيها وبقية معابد الأديان ورجالاتها، ثم نعود عشرات السنين إلى الكتاتيب والمدارس ومناهجها، والتربية الاجتماعية وما رسخته من مفاهيم وسلوكيات أخلاقية وقيمية ساعدت ونمت ثم بررت كل ما حدث ويحدث الآن، فالمعادلة غير متوازنة تماما بين نوعية الناخب ونوعية المنتخب، حيث لا يمكن أن يكون هناك منتخب جيد من ناخب رديء والعكس صحيح، وحتى تتم موازنتها ومعاجلة الخلل الكبير يبدو إن ما قاله الكاتب الشهير جورج اوريل من إن:

" الشعب الذي ينتخب الفاسدين والخونة والسراق واﻻنتهازيين ليس ضحية، بل شريكا في الجريمة " كلاما معقولا ومنصفا حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في مفهوم المواطنة!

16
العراق والخمسون ألف حرامي!

كفاح محمود كريم

    مسكين علي بابا، لأنه لم يملك سوى أربعين حراميا حتى يصبح عبرة لمن يعتبر ومثالا وتمثالا في أهم ساحات العاصمة المسكينة بغداد، والأكثر مسكنة منه أو ربما مجنيا عليه هو رئيس وزراء العراق الأسبق طاهر يحيى الذي وصف بأنه حرامي بغداد، بينما غرقت بغداد والعراق بطوفانات من الحرامية واللصوص الذين حرقوا الأخضر واليابس وأحالوا البلاد إلى خرائب تنعق فيها الدواعش بكل أشكالها وأنواعها ومن كل الزوايا المظلمة في العالم.

     لقد تصور العديد من العراقيين إن انتخابات 2005 ستقود نخبة من الأشراف والوطنيين والمناضلين إلى دفة الحكم لكي يعوضوا أولاد الخائبة من الأهالي سنوات المهانة والعوز والفاقة، متناسين عشرات السنين من التراكمات المتكلسة في أنظمة التربية والسلوك الاجتماعي الذي نبهنا إليه وقلنا إن الكثير ممن ذهبوا إلى مجلس النواب أو الحكومة لا يمثلون إلا مجاميع من الرعاع أو أنهم استخدموا أساليب قذرة للوصول إلى هناك، اعتقد البعض إن في الأمر ريبة أو تجني، واليوم تؤكد فضيحة الخمسين ألف جندي وهمي إن الفساد لم يكن في ذيل السمكة بل في رأسها، ولطالما قلنا إن المالكي يتحمل المسؤولية الأكبر إن لم يك شريكا أساسيا في كل عمليات الفساد في بلادنا، حيث أثبتت الأيام إن ما من رئيس أو قائد عسكري عراقي استعدى كوردستان وحركتها وشعبها، إلا وكان يغطي على جبال من الفساد والخيانة لشعبه ووطنه، حيث أثبتت الأيام منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا صحة ما نقوله ولم تتقدم الدولة العراقية قيد أنملة واحدة، حيث يأتي الخراب والدمار بعد أي محاولة للبناء والاعمار!

     لقد بدأت الأمور تتكشف ولن نأخذ وقتا طويلا حتى يتم فتح مخزن الفساد الذي ترأسه المالكي طيلة ما يقرب من عشر سنوات خسر فيها العراق مئات المليارات وملايين البشر واحتلت أرضه أقذر عصابات الجريمة المنظمة والمستقدمة من كل إرجاء العالم بالتعاون مع نظيراتها مما أنتجته ماكينة الحكم الدكتاتوري ليس في العراق فحسب بل في كل بلداننا الشرق أوسطية التي تدفع فاتورتها اليوم في بغداد ودمشق وطرابلس وصنعاء ولبنان ومصر.

     حينما أعلن السيد عبادي رئيس الوزراء الجديد لعراق اليوم فضيحة الخمسين ألف حرامي من حرامية السيد المالكي كنت أحاول أن احسب كم هي معاشاتهم التي كانوا يتقاضونها والتي لا تقل كمتوسط عن ألف دولار شهريا لكل عنصر منهم، وبعملية حسابية بسيطة يدرك المرء كم هي خلال شهر واحد وخلال سنة وخلال عشر أو خمس سنوات، وكم " برج خليفة " كان بالإمكان بناءه في بغداد والمحافظات، ناهيك عن المستشفيات والطرق والمطارات والمجمعات السكنية والمدارس والجامعات، حقا لقد كان " علي بابا " مسكينا وان " طاهر يحيى " مثالا للنزاهة على زمانه مقارنة بزمان مختار العصر الذي ادخل إلى بلاده وشعبه كل مجرمي العالم ومنحرفيه من شذاذ الآفاق والقتلة المأجورين، وأفقر شعبه وأذله واستقدم إليه كل سفاحي العالم وسراقه نكاية بمن يختلفون معه في الرأي أو الفكر.

     وماذا بعد يا دولة الرئيس السابق ويا فخامة نائب الرئيس الحالي، والسيد حيدر العبادي بعملية حسابية ورقية بسيطة كشف خمسين ألف حرامي حواليك، فإذا ما ركز جيدا وفتح ملفاتك التي كنت تهدد بها شركائك ماذا سيكون الحال والى أين ستحال!؟
kmkinfo@gmail.com
 


17
المنبر الحر / داعش وملحقاتها!
« في: 12:14 02/12/2014  »
داعش وملحقاتها!

كفاح محمود كريم

     ربما نجح البعض في إيجاد تعريف أو مفهوم لداعش كسلوك متوحش منظم ضمن عصابات تتمتع باستقلالية عن بعضها، وخاصة بالتصرفات والسلوك والاجتهادات والأحكام، وربما أيضا أدرك الكثير بأنها بعيدة كل البعد عما تعودناه من شعارات حول اسرائيل ومعاداتها الأرض المقدسة والعدالة، حيث غاب بشكل كلي أي ذكر لمفردات أتعبت أسماع وأذهان مئات الملايين المفجوعين في الشرق الأوسط، من قبيل الصهيونية والامبريالية، وما شاعته لسنوات طويلة ماكينة دعاية الحزب الواحد والرئيس الأوحد من شعارات وأهداف تتضمن إبادة المرتدين، وهم كل من يختلف معهم في الرأي من الطرف الآخر، وخاصة الكورد مسلمين كانوا أم ايزيديين، والمتهمين دوما بشتى الاتهامات اقلها أنهم يعملون لتجزئة الوطن وتدمير الأمة، حيث يتم تخييرهم بين الصهر وتصحيح الأصل (!) واعتناق دينهم الجديد ( للكورد الايزيديين ) أو الذبح والتهجير، بينما يمنح الآخرين من ( السماويين ) فرصة ( العبودية ) لهم ودفع الجزية، أما الشيعة فليس لهم خيار إلا الموت!!؟

     بعد هذا الاستعراض السريع والمكثف لأهداف وسلوكيات داعش، نأتي إلى تداعياتها وما أفرزته من ظواهر وأنماط من التصرف لدى الساكنين في المساحات الرمادية، وأسميناهم بالفرقة التائهة التي يحسن توصيفها بدقة أكثر، إذا ما قلنا أنها كما الذي يضع قدما في الجنة وأخرى في النار مغرما بفوائدهما مجازا، حيث بانت مجاميع بشرية ليست قليلة، تتقارب أو تتطابق أحيانا كثيرة في تكويناتها الأخلاقية والقيمية والنفسية مع داعش، ولا تخفي تبرير ما تقترفه بشتى الذرائع، وخاصة اولئك المعادين لفكرة بناء دولة ديمقراطية اتحادية تعددية تضمن اعترافا وإحقاقا لاختيارات مكوناتها المصيرية، فمنذ هجمتها على الموصل وتكريت وبعض مدن الانبار ومن ثم على حافات كوردستان، انبرت مجاميع من التي تسكن الأماكن الرمادية لكي تكشف عن أنيابها فرحا بقدوم منقذها ومحقق رغباتها والمعبر الأكثر تطابقا عن أفكارها وأهدافها العليا، وخاصة أولئك الذين استخدمهم البعث وسلطة صدام حسين في قمع أي حركة مناوئة لنظامه، سواء في الوسط والجنوب، أو الذين استخدمهم في تعريب وتبعيث قرى وبلدات سنجار وزمار والشيخان ومخمور وكركوك وديالى وتكريت، ومعظمهم من درجات دنيا في المراتب الأمنية أو العسكرية أو الحزبية ومن طبقات متخلفة وأمية ومدقعة من الفلاحين والعمال والعاطلين، حيث تم تمليكهم أراض وبيوت ومنحهم رتب في مؤسسات الأمن والاستخبارات وفدائيو صدام وبقية الأجهزة الخاصة ذات الولاء المطلق لصدام وحزبه.

     ومن هؤلاء أو من ذريتهم ممن تطور وانتعش في كنف تلك الأفكار العنصرية والشوفينية المقيتة ممن تسلقوا سلالم الجامعات أو الصحافة والإعلام أو مراكز الدراسات والبحوث، بل حتى من انتمى منهم إلى حركات مشابهة لذات المنطلقات الفاشية الشمولية، لكنها بفكر آخر ربما كان يتقاطع مع البعث في شكل الهيكل أو الاسم لكنه يحمل ذات السلوك والعقلية، كما هو في ممارسات كثير من مفاصل ممن حكم العراق منذ ما يقرب من عشر سنين، حيث ساهموا في تعميق الهوة بين مكونات البلاد وتكثيف الحقد والكراهية على خلفية طائفية وعرقية ومناطقية وسهلوا اختراق الجناح العسكري لداعش لأرض العراق ومؤسساته الأمنية والعسكرية والإدارية والمالية، الأمر الذي  مكن ذلك الجناح من احتلال ما يزيد على ثلث مساحة العراق والعديد من المدن والمحافظات الكبيرة بما فيها من أهالي وأموال وثروات.

     حقا لقد صدق مفكر داعش الكبير وعرابها صدام حسين حينما قال وهو يخاطب العراقيين، إنهم أي هو ومن آمن بفكره وعقيدته لن يتركوا العراق إلا حفنة تراب، وها هم يفعلون ما قاله ووعد به، فقد الغموا ونسفوا كل البلدات والمدن وما فيها من بيوت ومؤسسات حكومية ومباني عامة وطرق مواصلات لكي لا يسكنها من بعدهم احد!

kmkinfo@gmail.com
 
 



18
عقدة الهوية والانتماء
كفاح محمود كريم

     واحدة من أهم إفرازات اتفاقية سايكس بيكو وما تلتها من اتفاقيات آثمة في كل الكيانات التي أنتجتها، هي عقدة الهوية والانتماء لدى معظم سكان تلك الدول التي تم تأسيسها خارج إرادة واختيار مكوناتها القومية والدينية، وأدغمت فيها تلك المكونات وأوطانها، ولعل غياب مفهوم دولة المواطنة واضمحلاله أمام تسلط قومية أو عرق أو دين أو مذهب، كان أهم مظاهر هذا التقهقر الكبير في أوضاع هذه الكيانات منذ قرن من الزمان وتأرجحها بين الانتماء الحقيقي لتلك المكونات وبين الانتماء المفروض عليها.

     وتبدو الأمور أكثر وضوحا في العراق وسوريا وتركيا وإيران وقريبا جدا في شمال إفريقيا، حيث الصهر المستمر للمكونات الكوردية والامازيغية والأقباط والفينيقيين والمارونيين والآشوريين والكلدان والبلوش وأفارقة السودان، وغيرهم من المكونات الدينية مثل الايزيدية والمسيحية والصابئة والكاكائية، الذين تعرضوا من قبل الأنظمة الحاكمة فيها الى عمليات التعريب والتتريك والتفريس والاسلمة، ففي العراق تعرضت مدن وبلدات كوردستانية في كل من سنجار وزمار وسهل نينوى وكركوك وحتى مندلي في الشرق إلى عمليات تعريب واسعة شملت الترحيل وإبعاد السكان الأصليين أو تصحيح قوميتهم بمعنى تخييرهم بين البقاء في مدنهم مع تحويل انتمائهم القومي إلى العربية أو الترحيل منها فورا ، واستقدام مئات الآلاف من سكان المدن العربية في الجنوب والوسط وإسكانهم بدلا عنهم مع منحهم وثائق الانتماء لتلك المدن!؟

     لقد أصدروا قانونا اعتبروا فيه الايزيديين عربا من الناحية القومية وديانتهم فرقة إسلامية وليست ديانة مستقلة لها تاريخها وطقوسها المختلفة تماما مع الإسلام، وكذا فعلوا مع الشبك والكركرية وكثير من العشائر الكوردية والتركمانية وحتى الآشوريين والكلدان، الذين ابتدعوا لهم أصولا عربية قريشية أو قحطانية يعود جلّها إلى الشجرة النبوية في محاولة لإغرائهم بالنسب الشريف خاصة المسلمين الذين إذا عجزوا في إقناعهم بتغيير قوميتهم فيطلبون منهم الانتماء إلى القومية الإسلامية(!)، من اجل إلغاء أي شعور بالانتماء للكوردية أو أي قومية أو عرق آخر!؟

     إن أزمة الانتماء والمواطنة كانت واحدة من أبشع ما طورتها التيارات القومية العنصرية وخاصة حزب البعث الذي عمل طيلة فترات حكمه على تمزيق المجتمعات وإشاعة الحقد والكراهية بين الأعراق والمذاهب في كل من سوريا والعراق وفي البلدان التي نشر فيها أفكاره ومبادئه القومية  المتطرفة، وما يحصل اليوم من هجمة همجية عنصرية قومية ومذهبية على أيدي الجيل الثاني للبعث ( داعش ) للكورد والشيعة وحتى السنة ممن لا يؤمنون بخطهم وتيارهم الفكري كما حصل لعديد من العشائر السنية المناهضة له، يمثل خلاصة الفكر القومي والديني البدائي الذي بدأ جولته الثانية بعد ظهور بوادر انحلال اتفاقيات الاستعمار البريطاني وفي مقدمتها الاتفاقيات التي هضمت حقوق كل المكونات والأديان غير العربية وغير الإسلامية.

     لقد أظهرت هجمة سنجار وكوباني مدى الحقد والكراهية العنصرية ضد الكورد، مسلمين وايزيديين ومسيحيين، سنة وشيعة، بما يلغي أي آمال لتبلور مفهوم للمواطنة على أكوام من أبشع ما اقترفته الهمجية في سنجار، حيث خطفت آلاف النساء الايزيديات وأطفالهن وبناتهن وتم بيعهن في أسواق النخاسة، ومنحهن كهدايا لأمراء الحرب والإبادة تحت مظلة عقيدة قومية ودينية شاذة، وثقافة أحادية لا يمكن لها قبول الآخر إلا عبدا تابعا، هذه الثقافة أو العقيدة التي لم تختف من سلوكيات كل الذين حكموا هذه البلدان المتنوعة المكونات منذ تأسيسها بأشكال ووتيرة مختلفة ومتأرجحة بين اليمين واليسار وبين الدين والقومية وحتى في منظار كثير ممن تدعي انتمائها إلى الماركسية أو الاشتراكية.

     حقا لقد كشفت داعش اليوم اللثام عن كثير من وجوه وحقيقة أحزاب وحركات وجمعيات وشخصيات وعشائر لم تك إلا داعشية المبدأ والعقيدة والسلوك، عملت وما تزال تعمل على إلغاء الآخر واستعباده منذ تأسيس هذه الكيانات وحتى يومنا هذا، بما كرس عقدة وضياع الهوية والانتماء لبلدان تستبيح كل القيم والأعراف تحت أعلامها وشعاراتها كما حصل في الأنفال وفي سنجار.
 

kmkinfo@gmail.com

19
البيشمه ركه مسعود بارزاني
كفاح محمود كريم
    من عاصر الزعيم الكوردي الكبير مصطفى البارزاني وعايشه وأدرك أخلاقياته وسلوكياته كقائد سياسي وعسكري، لا يستغرب في أن يكون أبناؤه وأحفاده اليوم في خطوط المواجهة الأولى مع العدو، وهم يدافعون عما زرعه ذلك الشيخ الجليل والقائد الحكيم من أسس أخلاقية غاية في السمو والرفعة، فمنذ الساعات الأولى لهجمة ما يسمى بالدولة الإسلامية داعش على حدود كوردستان من سنجار في أقصى الغرب إلى السعدية في أقصاه الشرقي، ترك مسعود بارزاني مقره الرئاسي واختار أكثر الجبهات سخونة ليقود بنفسه معارك تحرير البلدات والقرى التي استباحتها داعش قبل بضعة أشهر، بينما توزع أولاده وأخوته وأولادهم وأبناء عمومتهم، كل حسب موقعه ومسؤوليته، على كافة الجبهات في مخمور والخازر وسهل نينوى وكركوك، في سابقة هي الأولى من نوعها على الصعيد الوطني والإقليمي، حيث يترك الرئيس وأبناء أسرته وأقربائه مقراتهم المدنية أو العسكرية بصفتهم القيادية لينتقلوا إلى الخطوط الأمامية للمواجهة مع واحدة من أشرس القوى الإرهابية وأكثرها همجية ودموية في العالم.
     ربما يتصور البعض إن في هذا السلوك بعضا من الاستعراض أو محاولة لرفع معنويات المقاتلين هنا وهناك قياسا على الثقافة السائدة في أنظمة الشرق الأوسط السياسية، حيث يذهب الرئيس أو وزير دفاعه في جولة استعراضية لا تتجاوز في مفهومها وتوقيتاتها زيارات الاطلاع على العمل ميدانيا، لكن حقيقة الأمر مع مدرسة مصطفى البارزاني وطلابها أو خريجيها هي غير ذلك تماما، فقد ذهب مسعود بارزاني بصفته بيشمه ركة وقائد عاما لها منذ الساعات الأولى، لا ليطلع فقط ويعود، بل ليقيم هناك مع جنده وضباطه ويرسم ويخطط ويقود بنفسه مع أولاده وأخوته وأولادهم سواء كانوا مقاتلين عاديين أو ضباطا أو آمرين، حيث أدت تلك القيادة المباشرة والتواجد الفعلي في كل تفاصيل الحركة إلى إحداث تغيير نوعي  في المشهد العسكري، لا في كوردستان والعراق فحسب، بل حتى على مجمل حركة منظمة داعش في سوريا، التي بدأت بالتقهقر والانكسار على أيدي قوات البيشمه ركه التي استوعبتها واحتوت صدمتها بعد هجماتها الأولى التي قامت بها واحتلت فيها بعض المدن والقرى في سنجار وكوباني وزمار ومخمور.
     ورغم إن كل السياقات العسكرية ترفض تواجد قائدها العام في الخطوط الأولى للجبهة مع العدو فترة طويلة، وتحدد تواجده في غرفة القيادة أو العمليات المحصنة والبعيدة عن التماس، إلا أن مسعود بارزاني الرئيس لم يتخلَ عن وظيفته الأساس وهي كونه مقاتل في قوات البيشمه ركة، مؤكد في أول حوار له من الجبهة مباشرة مع الإعلامية زينة اليازجي، والتي لم تك تبعد عن خط المواجهة مع العدو إلا عشرين كيلو مترا فقط، بأنه عاد أخيرا إلى مهنته الأولى ويقصد البيشمه ركة، لكي يعطي نموذج القائد العسكري والسياسي الذي يحمل على أكتافه مسؤولية حماية امن وكرامة وارض شعبه ووطنه.
     لقد رأيناه هناك في خط المواجهة للعدو مقاتلا لا يفرق عن أقرانه قيد أنملة لا في المأكل ولا في المشرب، يجلس مع جنده وضباطه أخا ورفيقا لهم، يناقشهم ويرسم معهم خططهم ثم يقودهم جنبا إلى جنب مع أولاده وإخوته وأبنائهم الذين ما برحوا الجبهة منذ اندلاع الحرب مع داعش وحتى يومنا هذا، في واحدة من ارقي تجليات القيادة والزعامة الحقيقية التي اختفت في عالمنا اليوم، حيث ينكفئ الرئيس أو الزعيم في قصره العاجي ويوجه أركان حكمه للقيام بواجباته كما يحصل في معظم بلدان العالم وخاصة في شرقنا الأوسط والأدنى والأقصى!
     إن وجود مسعود بارزاني في خط المواجهة الأولى مع العدو إنما يمثل تلك الأخلاق والفلسفة القيادية التي أنتجها الزعيم التاريخي للكورد مصطفى البارزاني وهو يضع أسس مشروعه لنهضة كوردستان، دفاعا عن قيم التسامح والتعايش وحماية الإنسان من أن تنال منه أفكار التطرف وعصابات الجريمة والهمجية، بل والحفاظ على ديمومة بقاء كوردستان ملاذا لكل المضطهدين في المنطقة، خاصة أولئك الذين يتعرضون إلى حملات الإبادة الجماعية بسبب دينهم أو مذهبهم أو عرقهم، حيث شهد العالم باجمعه التجاء مئات الآلاف من المسيحيين والشيعة والسنة والصابئة والايزيديين إلى أحضان بلد يتكفل بحمايتهم ويتقاسم معهم لقمة الخبز وهو في ضنك العيش بسبب حصار بغداد له منذ ما يقرب من سنة.
     وأخيرا لم يهب العالم المتمدن إلى دعم ومساندة مسعود بارزاني وشعبه وقواته إلا لأنهم أدركوا هذه الحقائق وامنوا بأن كوردستان جزيرة للسلوك القويم والأخلاق الرفيعة، وان سر انتصار الكورد وكوردستان يكمن في عدالة قضيتهم وإن قادتهم يحاربون كمقاتليهم في الخطوط الأمامية ضد الإرهاب والتخلف والهمجية لحماية الإنسان والحضارة.
     كوردستان بخير وازدهار يكللها الأمن والسلم الاجتماعيين، ولن تستطيع عصابات شاذة قادمة من خارج الزمن والحضارة، ومن عفونة العنصرية والشوفينية، إيقاف نهوضها وتقدمها أو تمزيق نسيجها وتعايشها.

kmkinfo@gmail.com
 


20
حرامية الأزمات والكوارث

كفاح محمود كريم

     كما إن هناك حرامية للدجاج والحمام وخاصة أيام المطر في القرى،  وحرامية الملابس من على حبال التنشيف في الأحياء الشعبية بالمدن، وكما تتكاثر البكتريا والجراثيم في المواد المتعفنة والمياه الآسنة، وتنتشر الجرذان والفئران في مخازن المواد الغذائية والحبوب، تظهر وتتكاثر مجاميع من الحرامية والقومسيونجية في بيئة الأزمات، وبالذات عند وقوع الكوارث والحروب التي ينتج عنها نزوح آلاف المواطنين من المهاجرين أو الهاربين من أتون الحرب كما يحصل هذه الأيام مع نازحي داعش وشركائها حرامية الأزمات والكوارث، حيث يتم بيع وشراء وحتى تأجير مخيمات النازحين بين المنظمات والجهات الحكومية وغير حكومية، طبعا من ذوي الاختصاص العالي والمتمرس في الفساد من سياسيين وموظفين تنفيذيين متميزين وذوي خبرة فائقة في سرقة الكحل من العيون كما يقولون، إضافة إلى تخصصهم الرفيع في كيفية تحويل دموع وآهات النازحين إلى عشرات أو مئات الآلاف من الدولارات بأساليب في منتهى الرقة والحنان والبساطة، وهي لا تكلف أي جهد في التفكير أو التركيز، خاصة وهي تعتمد ثلة من المساعدين و( لحاسي الغيم ) كما يقول الدارج العراقي توصيفا للمنتفعين والمرتزقة الصغار.

     لقد انتعشت تجارة وعمولات كل المواد التي لها علاقة باحتياجات  النازحين الأساسية وخاصة البطانيات والمواد الغذائية ذات المواصفات السيئة، بين بقالي تلك المواد وبقالي السياسة وموظفي الحكومات، ومع تضاعف إعداد النازحين* ارتفعت مستويات العمولات ومساحات الفساد بشكل مذهل مما دفع مجلس النواب إلى المطالبة بإحالة لجنة السيد المطلك ( اللجنة العليا لإغاثة النازحين ) إلى النزاهة، حيث يتم عقد صفقات لشراء تلك المواد بأسعار بخسة ونوعيات رديئة، وتقديم قوائم شراء للمانحين سواء كانوا حكومات أو خيرين من الأهالي أو منظمات إنسانية، بأسعار مضاعفة ومواصفات تختلف عن واقع حالها، وبأساليب وتوظيفات غاية في الحرفية اللصوصية مفعمة بمشاعر الحنية والعطف على النازحين الذين لا يدركون سر محبة هؤلاء الذين يذرفون دموع الحيلة واللصوصية عليهم.

     لقد أثبتت الأحداث الأخيرة ليس في العراق فقط بل في ليبيا وسوريا وتركيا والأردن ولبنان وكل البلدان التي تعاني من أزمات وكوارث ونازحين ومهاجرين من بلدان الثورات السوداء، لا مدى تعاسة تلك الانتفاضات وما أنتجته، بل ومدى فساد الكثير من سياسييها وموظفيها التنفيذيين الذين يمارسون أسوء أنواع التجارة السيئة واللصوصية والاستهانة بملايين البشر واستغلال مأساتهم والتجارة بآلامهم، حتى تقمص الكثير منهم ادوار البطولة وصناعة نمور من ورق على صفحات الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي لإيهام الرأي العام بأدوارهم والتغطية على حقائقهم.

     إن ظاهرة داعش ليست جديدة ووليدة عصابات إرهابية فقط، بل هي نتاج مساحات واسعة من الفساد واللصوصية، وتسلط النكرات والانتهازيين وأنصاف المتعلمين والأميين على رقاب الأهالي، وسيادة ثقافة الاستباحة للمال العام وللشرف العام، وهي بالتالي ثقافة التلذذ والاستمتاع بإيذاء الآخرين سواء بالقتل أو الذبح أو السلب والنهب، حقا بدأ عصر الجهل والهمجية والبدائية يستعيد شبابه في زمن الثورات السوداء!؟

kmkinfo@gmail.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، إن النزاعات في العراق وسوريا أجبرت نحو 13.6 مليون شخص على مغادرة منازلهم وإن الكثيرين منهم لا يجدون الغذاء أو المأوى مع اقتراب الشتاء. 




21
ويسألونك عن البرلمان؟

كفاح محمود كريم

     قل علمه عند الله والراسخين في العشائرية والطائفية والعنصرية وأنصاف المتعلمين والمثقفين وعتاة الانتهازيين والسراق والنصابين، إلا من رحم ربي وأقصاه عن شلة المنحرفين الذين تولوا منابرا في زمن القحط والجدب الوطني والحضاري، فهم أولى الناس في تعريفه وتمثيله في هذا الزمن الذي مالت فيه كفة الشر والحيلة والسحت الحرام أمام كفة الخير والحكمة والمال الحلال، ولولا هذه القلة النادرة تحت قبته لقلنا انه أسوء ما أنتجه العراقيون منذ أصبحوا دولة بأمر من سايكس وبيكو وحتى يأذن الله وأحفادهما لحل آخر بدلا من أثمهم الذي اقترفاه بحقنا جميعا !
 
     صحيح إن الخطوات باتجاه بناء الدولة الديمقراطية تتطلب تأسيس مكونات قانونية باستخدام وسيلة الاختيار التي يفترض أن تكون حرة، بمعنى إجراء انتخابات عامة لاختيار تلك المكونات وهي البرلمان والرئاسة والحكومة، وهي سلسلة من المؤسسات ترتبط ببعضها، وبالتالي فهي تعكس طبيعة المجتمعات ومستواها الحضاري والثقافي، إلا أن تحفظات كثيرة على صيغة بناء الدولة الديمقراطية في مجتمعات متعددة الولاءات، وتعتمد نظاما عشائريا ودينيا مقيتا يقصي فكرة ومبدأ المواطنة تماما، ما تزال تؤكد إن الخطوة الأولى لم تبدأ بعد رغم أن البعض ما يزال مصرا على إننا سننجح بتجربتنا في بناء هذه الدولة خلال هذا القرن، مع كل هذه المواصفات في الانتماء إلى العشيرة والمذهب وأخيرا إلى القرية وانهار من الدماء الملوثة بالشعارات المذهبية التي ترفعها قوى الإسلام السياسي التي حولت الأديان ومذاهبها إلى منابر إعلامية وسواتر قتالية تحت ذريعة الدفاع عن الله وأنبيائه وأديانه!؟

     لقد أجريت ثلاث انتخابات عامة لاختيار البرلمان العراقي منذ سقوط نظام حزب البعث الشمولي الذي استمر لما يقرب من أربعين عاما مضافا إليها أربعين أخرى لا تختلف كثيرا من حيث المنطلقات والتطبيقات إلا قليلا، وقد اختير لها أي لتلك الانتخابات مرشحين يمثلون أوساطا تعج بالأمية الأبجدية والحضارية والسياسية، وتتميز بالازدواجية والكذب وكل عيوب الشرع كما يقولون، وخاصة تلك التي تتعلق باستباحة أو تحليل المال العام واعتباره في قرارة النفس غنيمة.

     قلت بعد ثلاث دورات انتخابية عجت بعشرات السراق والإرهابيين والكذابين والكلاوجية ( باستثناء القلة القليلة التي ينعقد بسمعتها الأمل في يوم زاهر ) يتزين مجلس النواب بنماذج ينطبق عليها المثل العراقي الصميم ( عاب شي ما يشبه أهله ) حيث خرجت علينا نماذج مقرفة في خطاباتها البذيئة بحق شعوب العراق ومجتمعاته، فذاك الذي انتقص من شعبين عريقين هما الشعب الهندي العظيم وشعب العمارة والجنوب صاحب اعرق حضارة في وادي الرافدين حينما اسماهم بالهنود انتقاصا، والأخرى صاحبة قتل سبعة من السنة كلما قتل سبعة من الشيعة وصاحبها العنصري اللذان أساءا إلى أهالي ثاني اكبر واعرق محافظة في العراق والخوض في أعراضهم، والعشرات من الذين يتآمرون ليل نهار على كل المكونات الصغيرة في عددها والكبيرة في عطائها وانتمائها وجدارتها !؟

     ترى هل هو الزمان أم تراكمات سنين من التربية الخطأ والتعليم الفاسد في مجتمعات تائهة في انتماءاتها وحائرة في ولاءاتها وازدواجية في آرائها، ومشوهة حد العوق نتيجة حقب من الظلم والضغط والحروب والإقصاء والتهميش، وهل كانت الأنظمة الاستبدادية ودكتاتوريوها" قبغات " أي غطاءات  لفتحات مخازن مليئة بكل هذا القبح الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، وما أن تهاوى أبرزها في التاسع من نيسان 2003 حتى بانت عورات مجتمعاتنا وقيمها المتهالكة المهترئة ليس هنا في العراق فحسب بل في كل بلدان الازدواجية الأخلاقية والسياسية والاجتماعية.

     أبعد كل ذلك هل ما زلنا نتأمل خيرا كثيرا من برلمان يعج بنماذج من هذا الشكل؟ وهل أدركنا أسباب ظهور داعش وانتشارها، وحتى ندرك تماما بأن داعش إنتاج هذه النماذج، سندفع انهارا من الدماء وبحورا من الأموال وفرصا ذهبية من الزمن الضائع، وأخشى ما أخشاه أن يذهب هذا الناخب المخدر بعد أربع سنوات ليعيد انتخاب هؤلاء أو أشباههم المستنسخة أو المعدلة!؟

kmkinfo@gmail.com

 

22
متوافقون وان اختلفوا !

كفاح محمود كريم

     رغم وجود اختلافات كثيرة وكبيرة بين معظم من حكموا البلاد العراقية، إلا أن المراقب المنصف يدرك إن منطلقاتهم الأساسية متطابقة أو متقاربة بشكل مثير، بل إن توجهاتهم وان اختلفت في بعض التفاصيل إلا أنها تصب في مجرى واحد، فلم تختلف كل الأنظمة وزعمائها في أصل الفكرة التي يتعاملون بها مع القضية الكوردية مثلا، فلا تكاد ترى فروقات في النتائج النهائية لسياسة كل من حكم العراق منذ فيصلها الأول وحتى مختار زمانها الأخير.

     ولعل ابرز من اتفق في تلك المنطلقات مع اختلاف المسميات والمواقع والتوجهات هما الرئيسان عارف الأول والمالكي، حيث دخل الأول في حرب ضروس مع الكورد، ولا أراني مجحفا وأنا أتذكر مقولة بائسة للرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف حينما قال له احد العقلاء لنعمل على إيقاف نزيف الدم في شمال الوطن، وكان يقصد ما كان يسمى في حينها بحركات الشمال والتي هي حرب ضد حركة التحرر الكوردية التي اندلعت في أيلول 1961م بقيادة الزعيم الكوردي مصطفى البارزاني، فرد عليهم عارف ساخرا: " وانتو  شنو خسرانين خلو كاكا خورشيد وعبد الزهرة يتعاركون!؟ " والمعنى واضح جدا حيث تتضح أهداف الحرب في حرق الكورد والشيعة، ويقصد بعبد الزهرة هنا أغلبية العسكر الذي كان يضمهم الجيش كجنود ومراتب، وجلهم من شيعة الجنوب والوسط، وبخورشيد الكورد، وهما بالتالي مكونان أساسيان للدولة العراقية يتحاربان لحساب الحاكم الذي يحمل هذه الثقافة الفكرية والسياسية ونظرته إلى مكونين رئيسيين يقصيهما تماما بل انه يحاول ابادتهم من خلال مقولته أعلاه!

     وتوالت الأيام وسقط عارف هاويا من طائرته ليتحول إلى قطعة من فحم بعد إن دبر له البعثيون مكيدة أدت إلى إسقاط طائرته في يوم مغبر عاصف كاليوم الذي سقطت فيه طائرة عدنان خير الله طلفاح، ويذهب فيها إلى الجحيم رغم انه كان يكنى بالرئيس المؤمن من قبل طاقمه الإعلامي، الذي تناسل منذ ذلك الحين حتى ابتكر كنية أكثر كاريزمية فأطلق على نوري المالكي بمختار العصر، بل إن احدهم، أي من شلة الراقصين على حبال دولة الرئيس طلب استنساخه لكي لا تحرم منه الأجيال القادمة.

     أعود إلى مقاربتهما في الفعل والفكر والثقافة رغم اختلافهما في العديد من الأمور، لكننا سنتطرق إلى ما يقربهما إلى بعضهما، وخاصة في معيار وطني مهم جدا تسبب في تخلف البلاد وانهيارها منذ تأسيس كيانها الإداري كدولة وحتى يومنا هذا، فلقد تم تنبيه نوري المالكي بصفته القائد العام للقوات المسلحة العراقية من قبل إقليم كوردستان والولايات المتحدة إلى خطورة تطور ونمو داعش غربي الموصل، إلا انه اعتبر ذلك محاولة من الإقليم للتوسع ومن الأمريكان بالتدخل، وأعيدت الكرة عشية كارثة الموصل ولم يعر أي أهمية لتلك التنبيهات والتحذيرات، وكأنه لن يكترث بوجود خنجر في خاصرة الإقليم خاصة وانه على علاقة بائسة معه!؟

     ويحلل الكثير ممن يفقهون توجهات المالكي بأنه غض النظر عن أمور كثيرة في موضوعة الإرهاب عموما وداعش خصوصا، حتى يذهب البعض منهم بأنه أراد فعلا أن تسيطر داعش على الموصل وتكريت والانبار وبعض من كركوك وديالى، انتقاما من أهلها الرافضين لسياساته وتوجهاته، ولكي يضع خنجر خاصرة أيضا للكورد وإقليمهم، وهذا ما حصل فعلا في عملية الاجتياح المريبة لداعش وتخاذل أو انسحاب قطعات مهمة جدا من القوات المسلحة تاركة كميات مهولة من الأسلحة والدروع والذخيرة وحتى بعض الطائرات العمودية.

وقراءة أولية لنتائج وصيغة تفكير الرئيسين عارف والمالكي تؤكد لنا وحدة المنطلقات وان اختلفت مواقع الأحداث ومسمياتها، ففي الثانية بقي معيار كاكا خورشيد كما هو وتم استبدال عبد الزهرة بعمر أو عثمان، حيث بانت اليوم عورات الجميع، وتبين إن القضاء على الكورد وطموحاتهم ومشروعهم الحضاري سيؤدي إلى تدمير كل البلاد، وان النتيجة لن تكون أفضل مما حصده كل رؤساء العراق وملوكه، فقد سقطوا جميعا وانتصر شعب كوردستان، بل إن ما حصل اليوم إذا ما كانت هذه خطة المالكي كما فسرها البعض، أكد بأن للكورد أصدقاء حقيقيون من الشعوب المتحضرة التي سارعت للوقوف إلى جانبهم ومساندتهم في حربهم الحضارية ضد التخلف والهمجية.

 kmkinfo@gmail.com


     

23
المنبر الحر / حقائق وأسئلة ملغمة
« في: 11:40 16/10/2014  »
حقائق وأسئلة ملغمة

كفاح محمود كريم

    منذ أن استباحت مجاميع ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية مدن الفلوجة والموصل وتكريت وتلعفر وسنجار وبعض من سهل نينوى وبلدات في ديالى والانبار، بسرعة مذهلة لم تتوقعها معظم الأوساط التي تعتمد الخطاب الحكومي في بغداد وربما خطابات كثير من دول الجوار أيضا، حيث اعتمد هذا الخطاب على التعامل مع حركة ونشاط هذا التنظيم على أساس انه مجرد منظمة إرهابية بسيطة لا تتعدى كونها مجموعة عصابات سلب ونهب وقتل، دون أن تتعمق في ماهية عقليتها وآلياتها وقنواتها وشبكة اتصالاتها وإعلامها، بل ربما لم يدرك الكثير حتى بواطن إستراتيجيتها وأهدافها العليا غير المعلنة، كونها تروم إنشاء كيان إيديولوجي ديني قائم على نسف كل المعايير المدنية والإنسانية المتحضرة واستبدالها بأعراف بدائية همجية غرائزية ضمن توليفة عقائدية حسب تأويلات منظريها وقادتها.

     لقد أكدت معظم المعلومات الاستخبارية المحلية والعالمية إن جل قادة هذا التنظيم من كوادر ومنتسبي الأجهزة الخاصة التي كان يعتمد عليها صدام حسين شخصيا، والتي كانت ترتبط به مباشرة مثل المخابرات العامة والأمن الخاص وقوات الحرس الجمهوري وفدائيي صدام، وكثير من هذه القيادات خضعت لدورات دينية مكثفة مطلع التسعينيات الماضية فيما كان يعرف بالحملة الإيمانية التي أدلج فيها صدام حسين خليطا فكريا متقاربا بين السلفية والبعثية، وغايتهما في التمدد وإقامة دولة الرسالة الخالدة التي رفع شعارها جناحي البعث في كل من سوريا والعراق.

     وقد احتار الجميع في ماهية داعش ومموليها وتناقضاتها والبون الشاسع بين منفذي غزواتها وقياداتها الرئيسية، حيث اعتمدت مجاميع من البدويين والقرويين الذين يجهلون القراءة والكتابة، والبعيدين تماما عن مراكز المدن وابسط مظاهر المدنية والحضارة، سواء من تم استخدامهم هنا في العراق وسوريا، أو من تم استقدامهم من شمال أفريقيا واسيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي ذات الاغلبية المسلمة، بينما تتمتع قياداتها بمواصفات عالية في العلم العسكري والاتصالات والدعاية والإعلام واستخدام العوامل النفسية في التأثير على الأهالي ونشر الرعب بينهم عن بعد، باستخدام معظم الوسائل البدائية والمتطورة ومعظمهم كوادر أوربية من أصول عربية إسلامية، إضافة إلى الضباط العراقيين من بقايا النظام السابق، ناهيك عن إمكانيات مالية مهولة تعكس ضخامة الدعم وحجمه الذي يتجاوز الأفراد والشركات إلى الدول.

     مع كل هذه المعطيات مضاف إليها تراكم الخبرة منذ سنوات طويلة في العمل تحت الأرض في كل من الموصل والانبار وتكريت وديالى وبعض مناطق كركوك والرقة ودير الزور والحسكة وغيرها من المدن والبلدات، تحولت تلك المجاميع المسلحة إلى كيان يتحكم في مساحات واسعة من الأراضي والأموال وشبكة المواصلات وكم هائل من الأسلحة العراقية والسورية والأمريكية والروسية التي سيطر عليها التنظيم خلال الفترة الأخيرة، مع وجود كوادر بمختلف الرتب من الجيش العراقي السابق وخاصة النخبوية منه، الذين تم تجنيدهم عقائديا وماليا ضمن هيكل التنظيم.

     والأسئلة الملغومة أو الشديدة المرارة هي تلك التي تتعلق بالمساهمة في تصنيع وتطوير وعملقة داعش سواء بشكل مباشر، كما تتهم تركيا أو غير مباشر كما تتهم إيران، وأوساط سنية عراقية سواء عشائرية أو سياسية، هذه الأسئلة تتمحور حول:

    لماذا أهمل المالكي كل التحذيرات الكوردية والأمريكية منذ ما يقرب من سنتين حول الخطر الذي تمثله تنظيمات داعش غرب الموصل؟
     هل لعدم استجابة المالكي لرغبة كوردستان في التصدي للتنظيم قبل احتلال الموصل له علاقة بنية المالكي في تعريض الإقليم لخطر الغزو الإرهابي وتخفيف الضغط عليه؟
     هل فعلا احتلال الموصل وتكريت والانبار وغيرها من المدن السنية حققت رغبة المالكي في ابتلاء هذه المدن وسكانها والتفرج عليهم؟
     لماذا غيرت داعش تكتيكها وعادت من أبواب بغداد إلى حافات كوردستان في العراق وسوريا؟
     هل حقا إن داعش تمثل مزيج من الشوفينية الطورانية والفارسية والعروبية؟
     لماذا هذا التميع في مقاومتها من قبل الأمريكان والغربيين؟
     هل حقا أن داعش تستلم شهريا مبالغ طائلة مقابل عدم التقرب من السعودية أو الإمارات أو الكويت أو الأردن أو إيران أو تركيا؟
     ما سر عدم اهتمامها أو حتى تقربها من أي شيء له علاقة بإسرائيل؟
     لماذا رفض القنصل التركي مغادرة الموصل بعد احتلالها من قبل داعش؟
     كيف تم إطلاق سراح موظفي القنصلية التركية في الموصل، وما هو الثمن؟


    ربما هناك إضعاف هذه الاسئلة عما جرى وما يزال يجري، وسيل من التعليلات والاتهامات، لكن الحقيقة إن كائنا خرافيا همجيا ينمو ويتطور من بقايا تخلفنا ورواسب لا آدميتنا، التي توارثناها اجتماعيا وثقافيا ودينيا وتربويا منذ أن كان إمام الجامع وكيل الله على الأرض، والمعلم يعلى ولا يعلو عليه، والشيخ والملك والرئيس، كائنات أعلى من البشر ولهم الحق كما يشاءون، منذ ذلك اليوم ينمو جنين داعش حتى ترعرع وكبر في بيئة لا تقبل الآخر أبدا ولا تعرف لغة الحوار والنقاش، واعتادت لغة التأنيب والاهانة والإقصاء، وأدمنت صناعة العدو وتكفير المختلف وإباحة القتل والسحل والتعذيب!

    إن ما يجري مرآة لتراكمات هائلة من التربية والتدين والسياسة الخطأ في خطأ منذ الأسس الأولى وحتى ذبح المختلف وسبي نسائه وبيع بناته في سوق السقوط الإنساني والأخلاقي.

kmkinfo@gmail.com
 
 



 


24
المنبر الحر / إعلام سوق هرج!
« في: 22:16 10/10/2014  »
إعلام سوق هرج!

كفاح محمود كريم

    بداية دعونا نتعرف على سوق هرج لكي ندخل القارئ معنا في متعة الهرج والمرج في هذه الأسواق التي تنتشر في معظم عواصم الشرق الأوسط والعربية منها تحديدا، واهم ما يميز هذه الأسواق إنها في معظمها خارج كل معايير العمل المعروفة في الأسواق التجارية، فهي لا تعتمد مقاييس السيطرة والنوعية ولا نظام تسعيراتها أو أسلوب عرضها، بقدر اعتمادها على الدعاية لها وكيفية الإعلان ومغنطة المشتري الغلبان والهارب من ارتفاع الأسعار أو نظافة جيوبه من الأموال، حيث تستخدم كل الوسائل لإقناعه بالشراء مغرية إياه بأبخس الاثمان، كونها تنافس البضائع الأصلية إن لم تك نسخة منها، معولين على رخص أثمانها فضلا عن كونها معفية من الضرائب وإيجارات المحلات وكون بضاعتها مستخدمة قليلا وهي ما تعرف بالمستخدم النظيف أو الجديد.

     أردت بهذه الأسطر القليلة أن افتح لقارئي العزيز نافدة على كثير وسائل الإعلام الحالية في دول الربيع الأحمر التي يفترض أنها تعيش بدايات انتقالها إلى عصر الديمقراطية وحرية التعبير، حيث انتشرت آلاف من تلك الوسائل المفترض أنها وسائل ومنابر إعلامية تعبر عن الرأي، حيث فار تنورها وغدت سيولا من الصحف والمجلات والفضائيات التي لا تختلف عن دلالي سوق هرج الذين يعلنون عن بضائعهم البائرة كما وصفناهم في سطورنا الأولى، حيث أصبح بين ليلة وضحاها كل من هب ودب صاحب وسيلة إعلام أو إعلامي أو كاتب أو صحفي لمجرد امتلاكه رأس مال أو مفتاح قوة أو حيلة رزق أو سلم للتسلق أو منبر للبذاءة والسفاهة، وفي كل هذه الصور لا يمت بأي صلة لا بالإعلام ولا بالصحافة ولا بفن الكتابة!

     ولكي تكتمل الصورة في مشهد سوق هرج الإعلامي فقد أضافت وسائل الاتصال الاجتماعي الجديدة في الفيس بوك والتويتر وغيرها، نوافذ معفية من الضرائب والتكلفة والضمير ورقابة الأخلاق أيضا لمئات أو ربما آلاف الصفحات الوهمية بأسمائها، وخاصة تلك التي كشفت عنها بعض التسريبات كواحدة من قضايا الفساد الإعلامي والدعائي الذي كان يمارسه مكتب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وذلك بتعيين عدد مهول من إعلاميي الكواليس الشتامين والنبازين والمتملقين، للعمل في صفحات الفيس بوك والتويتر، إلى جانب عشرات الصحف والفضائيات التي ولدت من حمل ملوث جاء نتيجة خطيئة من أموال قذرة تكومت من عمولات في الأيام الأولى للاحتلال وذلك  لتقديم خدمات ( كرسونية ) أو صفقات وسخة من مشاريع وهمية وقومسيونات لا تقل قذارة عن أي مهنة مهينة للكرامة الإنسانية، حيث ظهرت العديد من تلك الصحف والإذاعات والفضائيات من أسواق شبيهة بأسواق هرج التي تعج فيها بضائع لا يعرف لها أصل ولا فصل، أصبحت تسيطر اليوم على اتجاهات الرأي والمزاج العام للأهالي في بلدان أتخمتها الشعارات الكاذبة والمبادئ الغرائزية التي أنتجت ثقافة الذبح والسبي الداعشي المنتشر اليوم في معظم بلدان ما يسمى بالتسامح الديني والقومي!   

     وفي ظل غياب مؤسسة عليا تنظم وجود ونشاط ومجالات عمل هذه الوسائل بقوانين صارمة ومعايير مهنية متحضرة، مؤسسة يقتنع الجميع بأنها تمثل الشعب وليس الحكومة أو رئيسها أو حزبها القائد لكي تستمد شرعيتها واحترامها من تمثيلها الحقيقي لمكونات الأهالي، وحتى ظهور هكذا مؤسسة فلن نستغرب وخاصة في زمننا الحالي حيث الأزمات والصراعات العنيفة ظهور عصابات ومنظمات إرهابية جديدة ولكن على مسرح الانترنيت ووسائله الافتراضية، وأنماط من البطولات الكارتونية وخاصة على صفحات نوافذه الاجتماعية مثل الفيس بوك والتويتر وغيرهما، حيث يستل هؤلاء الأبطال المفترضين رؤوس أصابعهم بدلا من السيوف في ضربات الكيبورد، ليقاتلوا كل من يختلف معهم في الرأي والفكر من عباد الله شتما أو مدحا، بل ليس بالضرورة من يختلف معهم على اعتبار إن الكثير منهم لا فكر لهم ولا رأي لكونهم موجهون كالأدوات والألعاب الآلية بواسطة الريمونت كونترول.

     إن داعش انتشرت في بيئة البداوة والتخلف والفقر والأمية الأبجدية والحضارية والشعور بالنقص والاضطهاد، وهذا النوع من الإعلام ينتشر في بيئة ملوثة بالفساد المالي والأخلاقي والمهني!

kmkinfo@gmail.com

 


25
حرب الإبادة بين شنكال وكوباني




كفاح محمود كريم

     من يراقب الأحداث التي وقعت منذ 2006 في الموصل والحملة الشوفينية التي استهدفت الكورد وعمليات التطهير العرقي والمذهبي التي طالت المكون الشيعي والمسيحي، يدرك إن ما حدث ويحدث الآن في سنجار وكوباني من عمليات إبادة وتطهير عرقي إنما هي عمليات منظمة ترتكز على عقيدة إيديولوجية اعتمدها البعثيون الذي حكموا العراق وسوريا منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، ورغم وجود من سبقهم في تلك الممارسات العنصرية إلا أنهم تميزوا بممارسة مختلف عمليات الإذابة والصهر القومي في البودقة العربية لكل المكونات العرقية سواء الكوردية أو التركمانية أو الأشورية والكلدانية، وقد نال الكورد النصيب الأكبر من تلك العمليات، سواء في التصفية الجسدية كما حصل في استخدام النابالم وبراميل البانزين في حرق القرى ومن ثم الأسلحة الكيماوية والأنفال التي طالت مئات الآلاف من الكورد أو في قلعهم من قراهم وبلداتهم وتجريدهم من جنسياتهم وأوراقهم الثبوتية وتحويلهم إلى جالية مقيمة لا حقوق لها كما حصل في غرب كوردستان من الجانب السوري، حيث تم استبدالهم بعشائر عربية وتشتيتهم في المدن والقرى السورية الأخرى، وما زلت أتذكر كلام وزير الإعلام السوري الأسبق عدنان عمران وأنا أحاوره حول الكورد في سوريا منتصف العقد الماضي حينما قال إن الكورد في سوريا جالية لهم حق العمل والعيش، وقاطعته قبل أن يكمل ( جالية!؟ ) وليسوا مواطنين معالي الوزير؟
 
     إنها حقا ثقافة اعتبار الآخر مقيما في فندق لا حقوق له إلا السكن والعمل دون مواطنة، انه تاريخ من الهمجية التربوية والتعليمية المنظمة والمتوارثة، مستوحاة من عقلية البداوة الدينية والقروية العشائرية المقيتة بتنظير إيديولوجي فاشي يبيح إبادة الآخر أو استعباده تحت مسميات أو شعارات وتفسيرات دينية متخلفة وبدائية تتحكم فيها الغرائزية المنفلتة، تقودهم اليوم إلى إبادة الكورد بحجة أنهم ايزيديون أو شيعة أو علمانيون،  كما حصل في سنجار ( شنكال ) وبعشيقة وبحزاني وقرى الشبك والمسيحيين في سهل نينوى، وكما يفعلون بمدينة كوباني المحاصرة منذ أيام وهم يقصفونها ليل نهار بالمدفعية لإبادة اكبر عدد من السكان، وتهجير ما يقرب من مئة وخمسين ألف كوردي من هذه المدينة.

     لقد أثبتت تداعيات استباحة شنكال وقراها وسهل نينوى وقراه وقرى وريف كوباني إن أهم أهداف داعش هي النساء والمال والقتل لكل من يقف أمام تحقيق تلك الأهداف بمختلف الحجج والفتاوي، وهي ذات الأهداف في كل عمليات الغزو المعروفة في منطقتنا عبر التاريخ، غير أن ما حصل إنما تطوير وتطبيق لأفكار الأحزاب الشوفينية والحركات الدينية التي تحمل ذات النهج المنحرف والتي تم تطبيقها عمليا منذ مطلع ستينيات القرن الماضي في كل من سوريا والعراق وتحديدا في كوردستان ومدنها؛ كركوك وقامشلو وكوباني والحسكة عموما وشنكال وخانقين والشيخان وكثير من البلدات الأخرى التي تعرضت لأنواع من الإبادة الثقافية في هويتها القومية أو وجودها المكاني والحياتي.

    في الأمس كان البعث ومن والاه يقود عملية التعريب والتبعيث في كل من سوريا والعراق، واليوم الوجه الثاني للفاشية العنصرية داعش تستكمل ما بدأه البعثيون منذ ستينيات القرن الماضي، فلا عجب أن تستباح كوباني بعد شنكال كما استبيحت حلبجة ذات يوم، لكنهم هذه المرة تناسوا الزمن وعِبر التاريخ ونهوض الكورد وكوردستان ليعجلوا في نهايتهم وهم يشهدون كيف تداعى كل العالم المتمدن والمتحضر دفاعا عن كوردستان وأهلها وحضارتها، لكي تكون جزيرة السلوك الرفيع والأخلاق العالية كما وصفها الرئيسان الأمريكي والفرنسي وهي ذاهبة إلى أفق الشمس بمشروعها النهضوي في التسامح والتعايش والمدنية.

kmkinfo@gmail.com
 



26
إبادة الايزيدية جريمة بحق الإنسانية

كفاح محمود كريم

     حينما قصِفت ناكازاكي وهيروشيما بالقنابل الذرية، لم تكن القضية مجرد معركة أو صراع بين أمريكا واليابان بقدر ما هي اعتداء على الجنس البشري عموما، وكذا الحال حينما استهدف أدولف هتلر اليهود فاحرقهم في محارقه، وكذا فعل صدام حسين وقبله الطورانيين بالكورد والأرمن، فلم يكونوا هؤلاء يستهدفون عرقا أو دينا بقدر استهدافهم لقيم إنسانية وأخلاقية عليا استدعت اهتمام العالم بأسره واعتبار ما فعلوه جريمة بحق البشرية جمعاء وليس بحق الكورد أو الأرمن أو اليابانيين لوحدهم.

     واليوم وبعد عشرات السنين من تلك الجرائم التي إدانتها البشرية المتمدنة، تظهر للوجود مجاميع من الفاشيين العنصريين الكافرين بكل  أخلاقيات المدنية والحضارة الآدمية، لكي يتجاوزا كل مجرمي التاريخ بأفعالهم ويستبيحوا مدنا وبلدات وقرى لواحدة من أقدم ديانات الأرض التي وحدت الله وعبدته دونما رياء أو تمظهر أو مزايدة، أولئك هم الايزيديون الذين يحاربون عبر مئات السنين من قبل فاشيين وعنصريين قوميين ودينيين ويهدفون إلى إلغاء وجودهم وإبادتهم أو إذابتهم في بودقة كيانهم الفكري والثقافي والقومي.

     ما حصل في شنكال أو سنجار وبعشيقة وبحزاني والقرى الايزيدية والمسيحية والكاكائية، لم يك معركة أو غزوة محلية أو إبادة بشرية فقط، بل كانت جريمة بحق الآدمية ومبادئ وقيم الأخلاق والحضارة، ومحاولة لنسف كل انجازات البشرية لمئات السنين من التحضر، فقد استهدفت جحافل ظلامية من المتوحشين الفاشيين العنصريين القوميين والدينيين قرى شنكال وبلداتها ومركز مدينتها بهمجية لا نظير لها في التاريخ المعاصر، إلا اللهم إذا ما قورنت مع ما نقلته لنا صفحات تاريخ المدن التي استباحها المغول والتتار أيام هولاكو وتيمورلنك، فقد اندفعت مئات الوحوش البشرية المسلحة بالحقد والكراهية وحب القتل والتلذذ به، مع احدث الأسلحة التي غنمتها من دولتين ضعيفتين هما سوريا والعراق، لكي تستبيح بلدات آمنة وسكان توقعوا أي شيء إلا ما شهدوه من كائنات منحرفة فقدت كل ما له علاقة بالآدمية، واندفعت أفواجا جائعة للدماء والمال والجنس، والتلذذ بالقتل والذبح والنهب والسلب والاغتصاب والاستعباد باسم الدين تارة وباسم العرق تارة أخرى.

     وخلال اقل من ثلاثة أيام تم للإرهابيين احتلال مدينة خالية من أي حياة بشرية متمدنة، حيث قتل من قتل واسر من أسر وهرب من هرب، ورفضت هذه المدينة وقراها أن تقبل حكم هؤلاء الهمج مختارة الموت أو الهجرة على استعبادهم، إلا من وقع تحت أسرهم من النساء والأطفال، وبذلك يسجل تاريخ الهمجية واحدة من أبشع عمليات الإبادة والاستباحة للسكان بما يجعل القضية إنسانية عالمية أكثر من كونها عملية إرهابية أو صراع سياسي أو ديني، حيث استهدفت السكان لسببين رئيسيين أولهما قومي كوردي وثانيهما ديني ايزيدي مسيحي شيعي حيث تعرض المسيحيون على قلتهم في المدينة لخيارين إما الإسلام أو دفع الجزية، بينما يقتل الشيعي والايزيدي إن رفض اعتناق عقيدتهم ومذهبهم، وهذا ما حصل فعلا للمكونين الدينيين، مما تسبب كما ذكرنا في إخلاء السكان لبيوتهم وقراهم واللجوء إلى مناطق آمنة في كوردستان.

     وفي حقيقة الأمر لم تكن العملية مجرد عملية عسكرية لاحتلال مدينة أو منطقة، أو إسقاط حزب أو قوة عسكرية مهيمنة كما يقزمها البعض، بل كانت عملية منظمة ومخطط لها عبر سنوات من اجل إبادة مكون ديني بذاته، حيث استخدمت أكثر العناصر شوفينية وفاشية وبدائية، ومعظمهم من القرى والصحاري أو ما تسمى بالجزيرة المحيطة بالمدينة وقراها، وهذا ما حصل فعلا في سنجار التي تضم الأغلبية الايزيدية في العراق، والتي تعرضت معظم قرى هذا المكون إلى الإبادة الجماعية الوحشية سواء بالقتل أو القلع، حيث أرغمت وحشية المهاجمين وهمجيتهم السكان على الاقتلاع من أراضيهم وترك كل شيء حفاظا على النساء والأطفال، وقد سقطت آلاف الأسر  بأيدي هؤلاء الهمجيين الذين اعتبروهم غنائم حرب وسبايا وفرضوا عليهم عقيدتهم، بل ووزعوا الفتيات على أفرادهم بالتزويج القسري في أسواق المدن والبلدات التي استباحوها.

     إنها عملية يندى لها جبين البشرية والحضارة الإنسانية وتستدعي حقا أن تكون قضية عالمية يتداعى لها المجتمع الدولي لوضع آليات وضمانات ليس لهذا المكون فحسب بل لكل المكونات الدينية والعرقية الصغيرة في العالم وخاصة في المجتمعات العربية والإسلامية والشرقية عموما، لأنها تتعرض لعمليات إبادة على خلفيات عقائدية أو عرقية شوفينية منذ مئات السنين دون أي رادع يردعها عن ارتكاب هذه الجرائم، وقد آن الأوان للعالم المتحضر أن يتخذ قرارات واليات لحماية هؤلاء السكان في كل أنحاء العالم.

 kmkinfo@gmail.com

       

27
الربيع الأحمر والإعلام الأسود!

كفاح محمود كريم

     في العراق وليبيا وسوريا واليمن ومصر والبقية آتية بلا ريب، ما أن بدأت أنسام الربيع العربي تعطر الأنوف وتطرب الأسماع في تهاوي أنظمة الزعيم الأوحد والحزب القائد والجمهوريات الوراثية، حتى عاودت فيروسات تلك الأنظمة بالانتشار في المفاصل المهمة من الهياكل الجديدة التي حاولت ملأ فراغات ذلك الإخطبوط، الذي هيمن لعشرات السنين إن لم تك مئات السنين على صدور وعقول ملايين البشر المقموعين جينيا بأفكار البداوة والقبيلة والغزوات، لا من اجل البقاء فقط بل من اجل الزعامة حتى وان كانت زعامة ثلة من السراق والقتلة، وقد رافق عملية سقوط تلك الأنظمة نشوء تنظيمات وعصابات وأحزاب ومنظمات ووسائل إعلام ونقابات من رحم تلك الأنظمة ومنظومتها الفكرية، لكي تحتوي أو تلتهم ما سمي في حينه بثورات الربيع العربي التي سرعان ما تحولت إلى ما نراه اليوم في ليبيا وما فرخته في سوريا واليمن وغيرها من دول المنطقة، ولعله اخطر ما امتلكته تلك الفايروسات تحت مضلة الانفتاح الديمقراطي وحرية تأسيس وسائل الإعلام، هو الفضائيات وخاصة هنا في العراق وفي سوق " المريدي " الشهير، والذي تخصص بعد سقوط نظام صدام حسين بمنح الشهادات العلمية وخاصة الدكتوراه لكبار مسؤولي النظام الجديد في سلطاته الثلاث، وبالذات التنفيذية والنواب والذي منه في مجالس المحافظات والاقضية، إضافة إلى المساهمة في صناعة الفضائيات التي يعاون فيها هيئة الإرسال العراقية، المفترض أن تكون ملكا للشعب العراقي ومن يمثله واقصد هنا وبنية صافية برلماننا العتيد، لكنها في غفلة من الزمن أيضا تم تأجيرها لحزب السلطة الجديد صاحب ما يسمى بالكتلة الأكبر، والوريث المتطابق لسابقه أيام القائد الضرورة المتحول إلى مختار العصر والذي يصر مريدوه على استنساخ مجموعة منه وتوزيعها على الدول العربية والإسلامية والأوربية والأمريكية لكي لا تفقد  فرصتها الذهبية في امتلاكها فلتة زمانه وعصره.

     هذه الفضائيات المفترض أن تكون وسيلة إعلام متحضرة، تعوض سنوات القهر والاستلاب الفكري والثقافي والسياسي، أنتجت مجموعة ما يسمى بالبرامج الموجهة لتوعية وتطوير الرأي العام باتجاه قبول الآخر وحرية التعبير، خاصة بعد قيام النظم الديمقراطية المفترضة كبديل لتلك التي حكمت بثقافة تكميم الأفواه وخنق الآراء والتعبير، وافتراض وجود مساحة لتلك الحريات، وعلى هذا الافتراض أنتجت كما قلنا مجموعة برامج حوارية على شاكلة مجلس عراقي والأستوديو التحليلي أو منابر متعددة أو سميها ما شئت،  حيث تستضيف " دقاقي الثوم بعكوسهم " كما يقول المثل الموصلي إشارة للفضوليين ومساحي الجوغ والملكيين أكثر من الملك نفسه، لكي تفرض مجموعة أفكار لا تقل في شموليتها عما كانت تقدمه قنوات ووسائل الأنظمة السابقة، خاصة وكنموذج لتلك الاستخدامات السوداء للإعلام هنا في العراق ومن خلال شن حملات عنصرية طائفية طيلة أشهر عديدة قبل سقوط ثلث العراق بيد داعش، ضد الكورد من جهة وأهالي الموصل والانبار وتكريت وديالى من جهة أخرى، مستخدمة شعارات وطنية وقومية كما كان يفعل صدام حسين في إبادته للكورد وانفلتهم باعتماد آيات من القرآن الكريم، ثم تكتشف إن تركيا وقطر والسعودية ومصر والباكستان وجزر الواق واق عملاء للصهيونية والامبريالية، وان كوردستان أصبحت ملاذا للبعثيين وداعش والامبريالية الأمريكية ( طبيخ مكادي ) كما يقول أهل الموصل، في توصيفات بائسة تستغل بها عقول الأكثرية الجاهلة والجائعة لتنشر الحقد والكراهية ولتوسع بيئة انتشار داعش وغيرها كما حصل فعلا.

     وهكذا نجحت طواقم إعلام تلك الأنظمة الفاسدة أن تتوغل في هياكل الأنظمة الجديدة وتؤسس لها موضع قدم لتنطلق بذات الثقافة الشمولية والاقصائية في معظم برامجها الموجهة، معتمدة على إثارة الغرائز والعدوانية وبناتها في الكراهية والأحقاد، واضعة بيوضها الإرهابية في بيئة طائفية وشوفينية جاهزة للتفقيس في أي وقت تشاء، لإثارة كل النعرات وقبول أكثر أشكال الإبادة الجماعية كما حصل للكورد الايزيديين والمسيحيين والشيعة والسنة في كل أنحاء البلاد، حيث مارسوا تعتيما إعلاميا مريبا على واحدة من أبشع عمليات الجينوسايد بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تعرض لها الايزيديون بمئات الآلاف إلى القتل الجماعي والنهب والسلب واسر نسائهم وأطفالهم، بل وبيعهم في أسواق النخاسة، دون أن تثير فيهم هذه الجرائم أي وازع أخلاقي أو إنساني أو حضاري، بل أنهم تعمدوا في إغفال دور البيشمه ركة وعدم التطرق لها في كل عمليات تحرير آمرلي وسليمان بيك وسد الموصل رغم معرفة قادتهم بدورها الرئيسي في مقاومة الإرهاب وطرده من كثير من المناطق.

     وعادت حليمة إلى عادتها القديمة بعد ربيع دامي بإعلام قاتم ومجاميع من المشوهين الفاشلين والمعاقين ثقافيا وأكاديميا تدير أو تشرف على وسائل إعلام مريضة حتى النخاع وتتمتع في مجال حيوي مدعوم بشكل كبير من السلطة تحت مسميات عديدة، سواء كانت لأحزاب وجهات متنفذة أو لهيئات شبه حكومية يراد منها أن تكون على شاكلة هيئة الإذاعة البريطانية فتحولت بعد أشهر من تشريع قانونها إلى وسيلة لحزب السلطة ورئيسه وطائفته ولم تعد تمثل إلا حفنة من المنتفعين ومرتزقة الإعلام الأسود.

kmkinfo@gmail.com
 
 



28
داعشيون وان لم ينتموا؟

كفاح محمود كريم

     يتذكر العراقيون واحدا من أبشع شعارات الاستلاب الفكري والثقافي وفرض هويات وعناوين ممسوخة على كل العراقيين، بل وحصر الإخلاص والوطنية بثقافة وإيديولوجية حزب البعث، حيث يقول الشعار ما معناه إن كل المخلصين في واجباتهم بعثيون وان لم ينتموا، وبذلك يكون الآخرون خارج مفاهيم الوطنية والإخلاص أولا وثانيا اعداءاً محتملين لعقيدة البعث أي أنهم ( كفار ) كما يفعل الداعشيون اليوم في تكفير كل من لا يتوافق وعقيدتهم، ومن خلال مقارنات أو مقاربات أولية لنهج البعث سواء الشباطي ( 8 شباط ) أو الصدامي ( 17 تموز ) يدرك المرء إن منطلقات داعش اليوم وأساسياتها في السلوك والعقيدة والمنهج والهدف يتطابق تماما مع مبادئ تلك المدرسة التي رفعت شعارا يؤكد تبعية داعش وأبويته لها، إلا وهو إن ( البعث مدرسة للأجيال ).

     فقد أثبتت الأحداث الأخيرة بعد نجاح غزوة السلب والنهب والسبي وتجارة الرقيق ومقاطع اليوتيوب المليئة بمشاهد الذبح والقتل الجماعي،  والتي قامت بها تنظيمات داعش في المناطق الكوردستانية، التي تعرضت للتعريب طيلة أكثر من نصف قرن على أيدي أسلاف داعشيي اليوم من بعثيين صداميين وقوميين شوفينيين واسلاميين منحرفين، والتي أدت إلى احتلال واستباحة مجموعة قرى وبلدات في منطقة شنكال وسهل نينوى، أثبتت إن جميع من استقدمهم البعث لكي يستوطنوا في قرى ومدن الكورد شاركوا بفعالية لا مثيل لها في تنفيذ برنامج النهب والسلب والقتل للسكان الذين قبلوهم وعفوا عنهم بعد سقوط نظام الفاشية العراقية ومنظر شوفينيتها صدام حسين، حيث نفذت بقايا تنظيمات حزب البعث وخاصة وسائله الرخيصة وأدواته الغبية من تلك العشائر في تنفيذ سياسة التطهير العرقي وتعريب مدن شنكال وزمار والشيخان وسهل نينوى ومخمور وكركوك وخانقين، اكبر عملية نهب وسلب وسبي النساء والأطفال لم تشهده مدن الشرق إلا إبان هجمة هولاكو وبعدها الحرس القومي ومنفذي الأنفال في ثمانينيات القرن الماضي.

     حقا إن الأب الروحي والمدرسة التي تخرجت منها داعش اليوم هي حزب البعث وكوادره في الأمن الخاص والمخابرات العامة والحرس الجمهوري وفدائيو صدام، التي تحولت فيما بعد إلى واجهات أخرى تحت مسميات عديدة جمعتها واختزلتها داعش في أقبح صورها وممارساتها، فقد أثبتت الأيام الماضية إن أكثر من ثمانين بالمائة من قيادات داعش هم قيادات بعثية سواء في الحزب أو المخابرات أو الأمن أو الحرس الجمهوري من خريجي تلك الحملة التي أطلق عليها صدام حسين بالحملة الإيمانية التي هيأت البنى التحتية لتنظيمات داعش اليوم الذي جمع حوله كل المستفيدين من عمليات التعريب والتغيير الديموغرافي في كوردستان،  وتحديدا في شنكال وزمار وسهل نينوى ومخمور وكركوك والسعدية وجلولاء، ومرور سريع على ما فعله اولئك الذين استقدمهم البعث للاستحواذ على قرى وأراضي الكورد في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي من الساكنين في قرى زمار وشنكال ومخمور وكركوك ووانة وديالى بعد دخول داعش إلى تلك المناطق، يدرك أين تكمن قوتها وما هي وسائلها وثقافتها وأهدافها، فهو كما عرفناه ميكافيلي المبدأ والعقيدة وفاشي السلوك والتصرف وشوفيني حتى العظم عرقا ومذهبا وعشيرا، وهي بالذات مواصفات كل من نهب وسلب وقتل وسبى النساء من الداعشيين،  وان كان لم ينتم لهم تنظيميا، فقد أبدع وأسرف في الانتقام أكثر من المغاربة والشيشان والأفغان!؟
     وبعيدا عن العشائر وبقايا البعث فقد أماطت الأيام الأخيرة ذلك اللثام الأسود عن تلك الوجوه المحجوبة من الذين لا يرتبطون تنظيميا مع هيكل ما يسمى بالدولة الإسلامية، لكنهم يحملون ذات القابليات والاستعداد والمنطلقات، فبمجرد إعلان المجتمع الدولي قراره بمحاربة داعش انبرت هيئة علماء المسلمين بالاستنكار والشجب، وكذا فعلت كثير من واجهات داعش العشائرية والسياسية وحتى الدولية وإلا كيف نفسر رفض ايران وتركيا ( يا للعجب التقيا حيثما يجب الاختلاف!؟ ) والعديد العديد في الطريق لكشف الهويات الحقيقية لهذا الانتماء الأسود وسيشهد المستقبل القريب ص
حة ما قاله احد المراقبين وهو يصف غزوة داعش لحافات كوردستان بأنهم تورطوا ووضعوا أيديهم في عش الزنابير!؟

kmkinfo@gmail.com 


29
إدارة الصراع وثرثرة الفاشلين

كفاح محمود كريم 

    منذ فترة تتعالى بعض الجعجعات الفارغة وهي تتناول قضية خطيرة وصراع مرير من زاوية مشوشة فاقدة للعقل والرؤية، داسة سموم إحباطها وفشلها على جموع البسطاء من الأهالي بادعاءات كاذبة وسيناريوهات مفبركة لوجه واحد من أوجه الصراع، خاصة وان ما وقع في شنكال ليس مجرد اشتباكات بين قطع عسكرية انسحبت من هنا أو صمدت هناك، بل هي سلسلة من الصراعات المريرة عبر السنين لإلغاء هوية المنطقة وتعريبها بأسلوب تتري همجي بعد أن فشلت أساليبهم الأولية في التعريب والتبعيث، فشنوا حملة بربرية همجية لإبادة العنصر الكوردي الايزيدي والمسلم تحت ذريعة الديانة المختلفة تارة والمذهبية تارة أخرى لإخفاء حقيقتهم النازية والفاشية، في حلقة ظنوها الأخيرة من حلقات تآمرهم على القضية الكوردية ونسوا أنها ستكون مقبرتهم إن شاء الله.

     لقد استغل الكثير من تجار قضايا الشعوب والأزمات هذه الكارثة ليبثوا من خلالها احباطاتهم وفشلهم، في الوقت الذي كان المخلصين من أبناء شعبنا بقيادة الرئيس بارزاني يقنعون العالم المتمدن بعدالة صراعنا وقضيتنا، ويجمعون كل الأحرار لمساندتنا ودعم قضيتنا، حيث كان الرئيس بارزاني منذ الساعات الأولى عند المرجعية الروحية للكورد الايزيديين البابا شيخ يتابع عن كثب ما يحدث هناك ويضع اصبعه على الجرح مقررا إننا سنحقق في كل مجريات الأحداث وسنقاتل حتى تحرير شنكال وإعادة الحق لأصحابه، كما ترك رئيس الوزراء نيجيرفان بارزاني مكتبه في العاصمة وانتقل إلى قاطع الجبهة بمنطقة دهوك هو وكل قادة البيشمه ركه ووزرائها لعدة كابينات.

    وفي خضم المعارك التي خاضتها بيشمركة كوردستان الباسلة في جبهات شنكال وزمار وسد الموصل وسهل نينوى، كانت دبلوماسية الرئيس بارزاني وعلاقاته الدولية قد نجحت وخلال أيام قليلة من تحويل كارثة شنكال ومحاولة غزو الإرهاب لكوردستان إلى قضية عالمية وإنسانية،  تداعى من اجلها كل الأصدقاء في العالم المتمدن، تتقدمهم الولايات المتحدة وفرنسا والمانيا وبريطانيا وجيكيا والسويد وهولندا وايطاليا وإيران، وكل الأصدقاء الذين أدركوا إن كوردستان جديرة بمساندتهم، وإنها كما وصفها الرئيس الأمريكي اوباما بأنها ( جزيرة السلوك والأخلاق الحقيقية ).

     لم يك الرئيس بارزاني صامتا، بل كان جبلا أشما وحكيما يحمل على عاتقه قضية عظيمة، ويقود الدفاع عن قضية عادلة في صراع مرير ضد الفاشية والعنصرية والهمجية التي استباحت مدننا وقرانا في أبشع عملية جيونسايد في العصر الحديث، وان الايزيديين المخلصين المستهدفين في هذه العملية يدركون جيدا إن البيشمه ركة البواسل كانوا يقاتلون منذ أكثر من شهر ونصف قبل الكارثة في كل حدود شنكال، وان المعركة لم تكن فقط في 2 آب حيث انسحبت بعض القطعات وصمدت أخرى حتى الآن فوق جبل شنكال، وهي تقاتل ببسالة مع المخلصين الأبطال من الايزيديين الذين ينتهجون نهج البارزاني الخالد  وتراثه العريق الذي اعتبرهم أصل هذه الأمة والدفاع عنهم ومساندتهم واجب مقدس.
 
    إن الايزيديين جزء مهم من جسد الأمة ومن هيكل حركة التحرر الكوردستانية الأساسي،  وهم في ذات الوقت صورة حقيقة لنهج البارزاني الخالد بصدقهم وإخلاصهم وإيمانهم بالانتماء إلى كوردستان والبارزانية وطنا ونهجا، وان جبل شنكال سيبقى رمزا للإباء والمقاومة والصمود، وستكشف الأيام القريبة القادمة كل الحقائق، حينما تنتصر البيشمه ركه وأهالي شنكال في تحرير المدينة ونواحيها، وساعتها ستنجلي الحقيقة وتظهر حجوم اولئك الفاشلين الذين يجعجعون بطبول فارغة وهم يذرفون دموع التماسيح، بينما كانت قوات البيشمه ركه تخوض صراعا عنيفا في الدفاع عن شنكال وشقيقاتها المدن الكوردستانية في حرب شعواء مع قوى تترية همجية لا تعرف حدودا للإنسانية وأخلاق الآدمية.
 
kmkinfo@gmail.com


30
الايزيديون وقدر الهمجية

كفاح محمود كريم

     الايزيدية واحدة من أقدم ديانات كوردستان وهي بالتالي الديانة الأولى لمعظم سكان هذه البقعة من العالم، حتى جاءت المسيحية والإسلام فاكتسحت هذه البلاد فكرا واختيارا أو فتحا واسلمة، إلا من أسعفته قمم الجبال وكهوفها التي لم تنجح حوافر الخيول بالوصول إليهم، فبقوا على دينهم وتقاليدهم، يتعرضون ضمن سياق منظومة فكرية وثقافية استمرت لمئات السنين إلى أكثر من اثنين وسبعين حملة عسكرية همجية لإبادتهم أو أسلمتهم، كما حصل لهم في آخر تلك الحملات بمدينة شنكال ( سنجار ) ونواحيها في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي كمرحلة أولى، حيث تم تدمير معظم قراهم وبساتينهم وتحطيم إنتاجيتهم وتحويلهم إلى معتقلين مستعبدين مستهلكين في أكثر من اثني عشر مجمعا في سهول شنكال الجنوبية والشمالية، ومن ثم البدء بتعريبهم وتبعيثهم (ضمهم لحزب البعث عنوة)، حيث تم إنشاء البيئة التي تساعد على الانقضاض عليهم في مرحلة قادمة لاستكمال مشروع الإبادة الكلية لهذه الديانة، التي يعتبرها المختصون وعلماء الأديان بأنها من أقدم ديانات العالم التي شقت طريقها إلى الله الواحد.

     لن أغوص في تفاصيل معتقداتهم لكوني لست خبيرا في عقائد الأديان لكنني سأتحدث عن خصالهم وخصائصهم وأخلاقياتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي تعكس بالتأكيد ما يؤمنون به من عقيدة أو دين أو فكر، فقد عشنا معهم مئات السنين ونحن ننتمي لقومية واحدة ودين مختلف بمذاهبه، شاركنا أيضا العرب والتركمان والآشوريون والكلدان والأرمن وقبلهم اليهود، وطيلة مئات السنين وما تناقلته الأجيال شفاها عن قصصهم وسلوكياتهم وما عشناه معهم عبر عشرات السنين في جيلنا سواء في القرية أو المدينة أو في السهل أو الجبل.

     كانوا مثال الخلق الرفيع والقيم العليا في الكرم والشجاعة والفروسية والإخاء والصداقة واحترام معتقدات الآخرين وعدم الانتقاص منها، بل أنهم ابتكروا أروع نظام للتآخي بينهم وبين الآخرين من المسلمين أو المسيحيين كوردا كانوا أم عربا أو قوميات أخرى، لكي يحيكوا نسيجا متينا من العلاقات الاجتماعية العابرة للأديان والقوميات والمذاهب، تلك هي ( الكرفنة ) وهي عبارة عن علاقة تأتي بعد أن يوضع الايزيدي ابنه في أحضان صديق من خارج ملته لكي يختنه فيكون ( كريفا ) بمقام الأخ والقريب والابن البار لذوي ذلك الطفل وعشيرته طيلة حياتهم، تصل إلى حد الدفاع المشترك ودفع الدية أو أي واجب يقع على الطرفين، وقيل بأن العديد منهم كان لهم حصة في الإرث أيضا.

     أناس كرماء على فقر أغلبيتهم، شجعان مخلصون مبدعون في واجباتهم، مقاتلون أشداء خبرتهم سوح المعارك في العراق وكوردستان، لم يذكر التاريخ العربي والكوردي والفارسي والإسلامي عموما، وفي كل الحقب والصراعات القبلية أو الدينية أو السياسية، أن انتهكوا عرضا أو سبوا نساءً أو قتلوا طفلا أو شيخا أو امرأة، بل على العكس يذكر المؤرخون ومن عاصر تلك الأحداث إنهم كانوا مثال الفروسية والأخلاق، وحافظوا عبر تاريخهم على شرف الآخرين لأنهم بجدارة شرفاء انقياء كرماء رأس مالهم عزة النفس لا يأبهون بالفقر حينما يكرمون، تعرفهم كل العشائر العربية المتداخلة معهم في الأرض والرزق والجيرة وتعرف كم هم مسالمون اجتماعيون يحترمون الأديان كاحترام أهلها لها، حتى أنهم دافعوا عن الإسلام وآذانه وصلواته وكتابه حينما خرج شخص أراد أن يمنع الآذان والصلاة، فانتفضوا قبل المسلمين وأعادوا شهادة ( لا اله إلا الله محمدا رسول الله ) إلى جوامع المدينة ومآذنها!

    ترى أي قوة روحية عالية يمتلكها هؤلاء الايزيديون لكي تدفع إلى العالم هكذا أخلاقيات وممارسات رفيعة، وفي المقابل أي روح وأخلاقيات وأفكار يحملها تتار العصر داعش ومن والاهم من كل الفاشيين والنازيين الجدد من بعثيين صداميين وعرب عنصريين وإسلاميين منحرفين ومرضى السادية والسايكوباث واللقطاء القادمين من الزوايا الملوثة في المدن العربية والإسلامية ومن منحرفي أوربا وأمريكا وشواذها، دفعتهم لذبح آلاف الشباب والأطفال العزل وسبي نساءهم وبيع البنات في أسواق النخاسة في الموصل وتلعفر والبعاج والرقة والشداد!؟

     معادلة سنترك موازنتها وإجاباتها للأفعال في القادم من الأيام حيث امتدت الأيادي إلى القيم العليا وحافات الجحيم، وساعتها ستمزق الشمس كتل الظلام المدلهم وتعيد الأمور إلى نصابها والطبيعة إلى حقيقتها.


 

31
المنبر الحر / أسبوعيات المالكي
« في: 19:59 01/09/2014  »
  أسبوعيات المالكي

كفاح محمود كريم

     لشدة سعادة العراقيين وأفراحهم برئيس وزرائهم المنتهية ولايته، خاصة وهو لم يدع حسرة في صدر أي مواطن من حافات الفاو وحتى تخوم إبراهيم الخليل، فقد أصبحوا ينتظرون بفارغ الصبر وعلى نار كما يقولون المسلسل الأسبوعي وكلمته الاربعائية التي يعرضها السيد نوري المالكي رئيس ما تبقى من حزب الدعوة وكتلة دولة القانون التي يترأس مجموعة منها بعد أن ذهب الآخرون وراء السيد حيدر العبادي، ليشكل حكومة وصفت بأنها ستكون حكومة شراكة وطنية حقيقية لجميع المكونات العراقية، وهذا يعني إن المنتهية ولايته لم ينجح أو يثبت بأنه رئيس لحكومة بهذا التوصيف وإلا لما تمت المطالبة من قبل المرجعية الشيعية ومعظم الدول الصديقة وخاصة الجارة العزيزة إيران على حكومة وطنية تضم كل المكونات بفعالية حقيقية.

     قلت إن العراقيين ينتظرون بشغف مسلسل دولة الرئيس السابق الاربعائية لكي يقنعهم بأنه ما يزال يحكم بعد كل المخازي التي أصابت البلاد تحت حكمه الرشيد جدا، خاصة وان جيشه العرمرم الذي انفق عليه عشرات المليارات أوصل البلاد إلى هاوية الاندثار بعد سقوط أكثر من ثلثها واكبر مدنها تحت سيطرة عصابات إرهابية، رغم تنبيهه وإنذاره بنموهم وتواجدهم في غرب الموصل واستعداد كوردستان للتعاون معه من اجل القضاء عليهم، لكنه اكتفى بالقول ديروا بالكم على كوردستان والباقي علينا، لأنه بتفكيره المبني على الشك والريبة وعدم الثقة بالطرف الآخر بل محاولة إقصائه وتهميشه كان يظن بان كوردستان تطمع بوجود في الموصل وغيرها مما دفعه إلى أن يرفض أي فكرة مساندة من قوات البيشمه ركه للقوات الاتحادية عشية سقوط الموصل.

     الغريب انه يكرر في اربعائياته ذات النغمة مضيفا إليها تجليات أفكاره في حكومة أغلبية تنهي آخر أمل في بلاد كانت تسمى ذات يوم جمهورية العراق، خاصة وانه متهم بغض النظر عن احتلال أكثر من ثلث البلاد من قوى إرهابية أجنبية وعربية ومحلية أنشأت كيانا أسمته الدولة الإسلامية رغم تحذيره وتنبيهه لعدة مرات، في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم يتم فيها تحذير وتنبيه مسؤولها عن خطر يداهم الكيان الذي اقسم بأغلظ الإيمان انه سيصون وحدته وسيادته وحقوق مكوناته والسهر على خدمة مواطنيه، فيرفض التحذير ويتفهه ويقود البلاد إلى هاوية الانهيار والتمزق إلى درجة توصيفها بأنها من افشل الدول في العالم وأكثرها بؤسا وتخلفا، علما بان ميزانية سنة واحدة من ميزانياتها خلال عشر سنوات لم تقل عن مائة مليار دولار، وما زال أكثر من 27% من سكان هذه الدولة تحت خط الفقر، وان الخدمات فيها من أسوء الخدمات في العالم رغم إنفاق مئات المليارات على الكهرباء والصحة والمجاري والتعليم والأمن والعسكر، فما يزال المواطن العراقي يذبح من الوريد إلى الوريد وتنتهك أعراضه وتسبى نسائه ويغصب على تغيير دينه ومذهبه أو يتم ترحيله وتهجيره كما يحصل على أيدي داعش والميليشيات الداعشية في الطرف الآخر.

     وحتى الأربعاء القادم سننتظر هل سيفلت العبادي من بين اذرع إخطبوط المنتهية ولايته، أم إن أغلبية المالكي ستحيل العراق إلى الأرشيف السياسي للدول الفاشلة؟

سننتظر بشغف..


kmkinfo@gmail.com





32
المنبر الحر / شنكال مدينة الشمس
« في: 17:34 23/08/2014  »
شنكال مدينة الشمس

كفاح محمود كريم

    شنكال كلمة كوردية من مقطعين (شنك) بمعنى الذهب و(آل) بمعنى الجهة، وبجمع المقطعين يكون المعنى الجهة الذهبية، دلالة على جمال وغنى مدينة سنجار أو سنغار أو سنجارة كما جاءت في النصوص الآشورية، وهي مركز قضاء يتبع محافظة الموصل في أقصى غربها بـ 120 كم، وتقع على سفح جبل مثير في موقعه وخاصيته، حيث تمتد على جهتيه الجنوبية والشمالية أراض سهلية وصحاري شاسعة، ويمتد من الشرق إلى الغرب على طول ما يقرب من 77 كم من قرى سينو وعين طلاوي والكولات وحتى يضمحل على الحدود العراقية السورية في قرى بارا وأم الذيبان، ويرتفع في أعلى قممه إلى 1462 مترا عن مستوى سطح البحر في منطقة جيلميران، ويتميز الجبل عموما بقلة مياهه وكثرة كهوفه.

     لن نغوص في تاريخ هذه المدينة التي كانت ذات يوم مملكة آرامية سقطت عام 114م على يد الرومان، ثم اتابكية في أواخر العصر العباسي، ثم سنجق عثماني، وفيما بعد قضاء عراقي يتبع محافظة الموصل، وشنكال أو سنجار تضم اليوم في مركزها أكثر من ثمانين إلف نسمة معظمهم من المسلمين السنة والشيعة والايزيديين والمسيحيين يمارسون طقوسهم بتعايش منقطع النظير ولهم مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم المحترمة من الجميع الذين يشكل غالبيتهم الكورد وأقلية من العرب، وفيها كقضاء أو إقليم أغلبية ايزيدية حيث تشكل ما يزيد على ستين بالمئة من سكانها، إلى جانب المسلمين الشيعة والسنة كوردا وعربا مع عدد قليل من المسيحيين.
 
     استخدم البعثيون أسلاف الدواعش الاوائل في ثقافة الإبادة أول ممارساتهم في الجينوسايد مع السكان الأصليين، ولكن دونما استخدام للقتل في المراحل الأولى، بل استخدموا ما هو أبشع من ذلك، ألا وهو إبادة الهوية القومية والدينية والثقافية للمكونات الأخرى غير العربية في هذه المنطقة، ومسخهم بهويات وثقافات تحت طائلة قانون ما كان يسمى بقانون تصحيح القومية سيئ الصيت، معتبرين أي كائن خارج تعريفهم القومي والديني ناقض في أهليته ومواطنته!؟

     ومع مطلع النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي باشروا بتهجير أهاليها ودمروا ما يزيد على 156 قرية كوردية حولها، وجمعوا سكانها في اثني عشر مجمعا أشبه ما تكون بمعسكرات الاعتقال، مبتدئين أول مراحلهم في تعريب الكورد المسلمين وتعريب واسلم الكورد الايزيديين، مانعين بشكل قاطع التكلم باللغة الكوردية أو استخدام الأسماء غير العربية، وتهجير كل من اعترض على ذلك إلى مختلف محافظات العراق خارج الموصل، حيث بلغ عدد العوائل المهجرة من مركز مدينة شنكال ( سنجار ) آنذاك أكثر من 145 عائلة تمت مصادرة عقاراتهم السكنية والتجارية والزراعية بأسعار رمزية وترحيلهم فورا.

     لقد مارسوا كل أنواع الإبادة ضد السكان وأشاعوا كراهية مقيتة ضد الكورد المسلمين منهم والايزيديين معتبرين إياهم مواطنين من درجات أدنى ما لم ( يصححوا ) قوميتهم وبالتالي دينهم أو مذهبهم حيث يعتنق المذهب الشيعي أكثر من 60% من كورد شنكال المسلمين، وقد أدت هذه السياسة والثقافة العنصرية إلى إنتاج بيئة تنمو بها عقلية وممارسات داعش اليوم والتي سنأتي إلى ذكر تفاصيل نموها حول القضاء الذي يبلغ عدد نفوسه حسب تقديرات دائرة النفوس ومراجع البطاقة التموينية إلى ما يقرب من ثلاثمائة ألف نسمة، أصبحوا بين ليلة وضحاها بكل مكوناتهم القومية والدينية والمذهبية خارج المدينة والقضاء برمته لكي تحكم داعش مدينة للأشباح وجثث الضحايا، في مدينة رفضت الحياة مع عصابات وأجلاف الهمجية والبربرية وارتضت الموت والهجرة بدلا من الرضوخ لحكم العنصرية والتخلف والسقوط.
kmkinfo@gmail.com
 

33
المنبر الحر / شنكال مآساة العصر
« في: 18:22 19/08/2014  »
شنكال مآساة العصر

كفاح محمود كريمِ

     حينما بدأت ماكينة الدعاية الخاصة بنوري المالكي ووسائلها المرئية والمسموعة والمقروءة بشن حملة شعواء ضد الكورد وكوردستان ورموزها إلى درجة التحريض على الكراهية العرقية والمذهبية وإشاعة فبركات وسيناريوهات اعتدنا عليها طيلة حكم حزب البعث وادعاءاته باتهام كل من يخالفه الرأي بالعمالة لإسرائيل والامبريالية العالمية، أدركنا إن هناك من يهيئ الأرضية لعدوان كبير على شعبنا ووطننا خاصة وان العالم باجمعه أدرك مديات النجاح الكبير الذي حققته كوردستان في تجربتها الفيدرالية في كل نواحي الحياة.

     لقد أدت تلك السياسة في إشاعة الحقد والكراهية بإعلام موجه إلى رأي عام ملوث أساسا بسموم ثقافة القطيع المسيطر عليه من خلال أدوات السلطة في المال والإغراء والترهيب إلى عمليات منظمة لمعاداة الكورد في العاصمة خاصة بعد التمثيلية الرخيصة التي نفذها نوري المالكي وجهاز دعايته اثر مقتل الصحفي محمد بديوي الشمري، حيث أقدمت ميليشيات مدعومة من المالكي على اختطاف وتصفية عدد كبير من الكورد العاملين في بغداد ومضايقة المسافرين من سكان الإقليم إثناء دخولهم إلى العاصمة أو طردهم وعدم السماح لهم بدخول بغداد وسط اهانات وشتائم تطال الشعب برمته ورموزه.

     هذه السلوكيات وما رافقها من إجراءات الحصار المفروض على الإقليم منذ مطلع العام الحالي، وإيقاف صرف مرتبات الموظفين وعدم تسليح قوات حرس الإقليم  واعتبارها جزء من المنظومة الدفاعية العراقية وما يترتب على ذلك من التزامات، إضافة إلى عدم الاكتراث بتحذيرات قيادة الإقليم من نمو وتطور التنظيمات الإرهابية غربي الموصل وضرورة التعاون والتنسيق بين المركز والإقليم قبل سقوط الموصل وتكريت بأكثر من ستة أشهر، يدلل على مشروع كبير كان يتم إعداده باتجاه الإقليم وبخيوط عنكبوتية معقدة اشتركت فيها كل القوى والدول ذات العلاقة بإيقاف نهضة الإقليم وإنهاء تطوره، من خلال السماح بزراعة كيان معاد ومنفلت من عصابات لا قيم لديها ولا أسس أخلاقية أو مهنية في تصرفاتها غير الهمجية والبربرية.

     وهذا ما حصل فعلا مطلع حزيران الماضي حيث تساقطت المدن والبلدات والفرق العسكرية الجرارة بعددها وعدتها التي وقعت بكاملها بيد تلك العصابات لنصبح بين ليلة وضحاها أمام كيان إرهابي يفصل كوردستان عن بقية أجزاء العراق على حدود طولها أكثر من ألف كيلومتر من شنكال إلى السعدية، هذه العصابات تحولت خلال أيام معدودة إلى ما يسمى بالدولة الإسلامية وأصبح لديها ما يزيد على عشرة آلاف مقاتل بتدريب جيد حسب وزارة البنتاغون الأمريكي في تقريرها قبل عدة أيام واستحوذت على أعداد كبيرة وهائلة من احدث الأسلحة الأمريكية التي تم تزويدها لقطعات الجيش العراقي من مدافع بعيدة المدى ودبابات ومدرعات وأسلحة متوسطة وخفيفة وأكداس هائلة من العتاد، بينما كانت حكومة المالكي طيلة ثماني سنوات ترفض تسليح البيشمه ركه ودفع رواتبها رغم أنها كانت تعرف جيدا كم هي باسلة تلك القوات وكم هي قوات منضبطة ولا يمكن اختراقها وقد أبلت بلاء حسنا في واجباتها بالعاصمة بغداد أو بتنفيذ واجباتها في إي مكان عهد لها.

وأخيرا ذهبت كل تلك الأسلحة الحديثة إلى عصابات داعش لتبدأ في تأسيس مشروعها العنصري الفاشي على تخوم كوردستان بما يحقق ما ذهب إليه إعلام ودعاية المالكي وطاقمه الحزبي والإعلامي بمحاصرة كوردستان بعصابات منفلتة انتشرت وعملت في بيئة مهيأة لها بسبب فشل إدارة المالكي وانشغاله في صناعة الأعداء وافتراض أسباب ومبررات لفشله الذريع، وهذا ما حصل فعلا حينما غيرت داعش إستراتيجيتها وتحولت من أطراف بغداد ومحاسبة المالكي في النجف إلى سنجار وزمار ومخمور والسعدية وبقية المدن والبلدات الكوردستانية، والتي سبقتها بحملة مكثفة من نشر مقاطع اليوتيوب التي تظهر عملياتها الهمجية والبربرية في القتل والذبح والتدمير وبناء مجتمعات البداوة والتخلف، مستغلة الحزام العربي حول معظم هذه المدن وخاصة اولئك الذين استخدمهم نظام البعث في تعريب تلك المدن والبلدات مع مجاميع من مرتزقة شمال أفريقيا والمغرب العربي وبعض البلدان الأوربية بقيادة ضباط من أجهزة الحرس الجمهوري والخاص والمخابرات والأمن العامة من النظام السابق الذين اندمجوا في تنظيمات القاعدة وبناتها ومن ثم ما يسمى بداعش.

     إن ما حصل في شنكال اكبر بكثير مما يتصوره المرء في ضخامة جريمته، فهو عملية إبادة للجنس البشري بأسلوب بدائي وهمجي تتحكم فيه الغرائز الحيوانية الموجهة عقائديا ضد كل من هو مخالف لعقيدتهم، وهو بالتالي امتداد لذات الثقافة والفكر والسلوك عبر مئات السنين، والذي ساد معظم الأنظمة السياسية والاجتماعية للحاكمين في هذه البقعة من العالم، والتي تعتبر كل مخالف لها كافر ومرتد وعميل يستحق الموت الزؤام، وسنأتي في كتابات قادمة على كثير من التفاصيل لما جرى وعلى أسباب ومسببات ونتائج جريمة العصر في شنكال.



34
البارزاني يقضي العيد على الحدود! 

كفاح محمود كريم

      مسعود بارزاني اسم مثير حد الدهشة بصراحته وواقعيته وتواضعه في فضاءات السياسة والإعلام، تميزه بواقعية شديدة لا تتلاءم كثيرا مع نهج السياسة والإعلام الممارس اليوم، والفرق بينهما كبير فهو خريج مدرسة السياسة التي صقلها العمل الوطني والثوري المتواصل منذ نعومة أظفاره في ساحات الثورة وصراعاتها منذ سبعين عاما، وهو الذي لا يجيد إلا لغة واحدة في الحديث، يقول عنها في تبريره لندرة تصريحاته إنها لغة مباشرة وصريحة جدا وغير مجاملة وربما تسبب وجعا بالرأس لبعضهم، هي لغة خالية من الشوائب والفذلكات والأساليب المبطنة و الملتوية في التعبيرات اللغوية والمصطلحات المتميعة سياسيا، وبشهادة خصومه قبل أصدقائه.
 
     مسعود بارزاني الذي يتشرف دائما بحمل صفة البيشمه ركه والتي يعتبرها ترتقي على كل المهن والرتب والمناصب، وهي بالتالي ليست بالمعنى المجرد للفرد العسكري، بقدر ما تعنيه أصلا من استباق الموت في تحقيق الهدف، البارزاني يريد دوما أن تكون هذه الصفة أعلى الصفات وارفعها، حيث لا يخلو له حديث أو خطاب من إشارة رئيسية لهذه المسالة، وتذكيرا للشعب بأنها تقف وراء كل ما جرى من تقدم في مشروع نهوض الكورد وكوردستانهم وبناء كيانهم وازدهاره، ولقد قالها قبل سنوات حينما زار جامعة دهوك ردا على مقترح لمنحه شهادة الدكتوراه الفخرية التي رفضها بأدب جم، وطلب من أساتذة وطلبة الجامعات احترام العلم وشهاداته قائلا: أنا بيشمه ركه أولا وأخيرا ووظيفتي حمايتكم ودعمكم لكي تكونوا الأفضل دوما.
 
     البارزاني الرئيس البعيد عن عقد الرئاسة والمثير للدهشة وربما القلق الكبير لدى أولئك الذين يعانون من مشكلاتها وكرسيها وما تحدثه من تغييرات حادة في سلوكهم وتصرفاتهم، بل تحولها إلى هدف وغاية ربما تؤدي إلى اندثارهم وموتهم موتا بيولوجيا أو وراء القضبان أو هروبا مخزيا أو لجوءا ساترا، ولذلك تراه غير مكترث إطلاقا لموقعه الرئاسي وهو بالتالي يقرر اختيار موقعه الأبدي كبيشمه ركه على كل المواقع والمناصب، ففي عالم هذا الرجل جملة ثوابت لم تغيرها حقب السنين الطوال بكل ما حملته من معاناة ومآسٍ منذ الطفولة، حينما فارق والده الذي اختار الاتحاد السوفييتي السابق منفىً اختياريا لإكمال مشروع النهضة، التي ابتدأها ثانية مع مطلع ستينيات القرن الماضي، ثوابت منحته القدرة على الصمود وبناء شخصية تستحق أن تقود واحدة من أهم واخطر مراحل شعبه وأمته، ولأنه لا يرتضي أي صفة أعلى أو ارفع ممن يستبقون الموت لتحقيق أهدافهم، فقد صلى صلاة الفجر في أول أيام العيد وذهب ليكون أول المهنئين لقوات البيشمه ركه على حدود كوردستان في كل من كركوك والموصل وغرب دجلة، ليقضي كل أيام العيد مع من يحبهم، يرافقه كبار العسكريين وفي مقدمتهم ثلاثة وزراء دفاع  ( بيشمه ركه ) لثلاث كابينات متتالية، موزعا أقرباءه ومحبيه ومساعديه وبضمنهم أولاده على كل القطعات في جبهة طولها أكثر من ألف كيلومتر،  يحادد معظمها ما يسمى بالدولة الإسلامية أو ما يسمى بداعش التي نتجت لأسباب عدة يضمنها سوء إدارة المالكي وقواته المهلهلة، التي أسقطت ما تبقى من سمعة ما كان يفترض أن يكون جيشا وطنيا، لكن المالكي وحزبه حولوه إلى مجرد ميليشيات لم تنال احترام وتقدير الأهالي لا في الموصل ولا في غيرها من المدن العراقية، رغم إنفاق عشرات المليارات من الدولارات على تشكيلاتها وتدريباتها وتسليحها إلا أنها تحت إدارته الفاشلة انهارت خلال ساعات، والانكى من كل ذلك ومن هذا الفشل الذريع والمريب فان المالكي وحزبه يصران على ولاية ثالثة في الحكم لاستكمال تدمير البلاد والقضاء على ما تبقى من ثرواتها وامالها في التقدم، ولأجل ذلك كان البارزاني أكثر شفافية وصراحة وشجاعة في تشخيص العلة ليس اليوم بل منذ سنوات موضحا ورافضا لهذه المنظومة من الإدارة الفاشلة والعقلية المتخلفة لا للمالكي كشخص، وإنما لكل أصحاب هذه الثقافة والسلوك التسلطي والعقلية الشمولية وتهميش وإقصاء الشركاء لكي يكون فعلا خير من يمثل نبض كل العراقيين سنة وشيعة، مسيحيين وصابئة وايزيديين،  وغيرهم من العرب والكورد والتركمان والمكونات الأخرى.



 



35
هذا المطر من ذاك الغيم!

كفاح محمود كريم

      يقولون هذا الشبل من ذاك الاسد اذا فاق الابن والده في الاخلاق والمعرفة والشجاعة، لكنهم حينما يشهدون نتائج تربية سيئة او سلوك منحرف ومشين فانهم يقولون ان هذا المطر من ذاك الغيم، حينذاك ندرك ان غيوما سوداء انتجت كتلا من الليل المدلهم الذي يلف عالمنا الشرق اوسطي المليئ حتى اذنيه بالازدواجية الرهيبة المطعمة بالكذب والشعارات الرنانة والروح العدوانية،  وخاصية النهب والسلب النابعة من ثقافة الغزو عبر التاريخ.

     اقول قولي هذا وانا ادرك تماما بأن عنصرية الانظمة الحاكمة وفاشية قياداتها ولا شرعية وجودها ادت الى تدمير البلاد والعباد، طيلة ما يقرب من قرن من حكمهم الاسود في العراق وسوريا والعديد من بلدان الشرق الاوسط التي اسستها اتفاقية سايكس بيكو سيئة الصيت، من خلال الغاء الاخر وتهميش المكونات واضطهادها وفرض ثقافة ونمط احادي في التفكير، واباحة القتل والسحل والتعذيب حتى الموت وتشريع الاعدام لمجرد انتقاد الرئيس او حزبه، بل شهدت ساحات العواصم والمدن ظاهرة القتل المنظم اغتيالا منذ صبيحة الثامن من شباط 1963م حيث تمت تصفية اكثر من عشرة الاف معارض لحكم البعث وحرسهم القومي خلال ايام معدودة، وقبلها ايضا بعدة سنوات شهدت الموصل وكركوك وبغداد تصفية اخرين وبنفس الاساليب لمجرد انهم من حزب اخر في دورتين للتصفية والاغتيال.

     ونتذكر جميعا ولسنوات طويلة مشاهد وبرامج الاذاعة والتلفزيون التي تظهر عمليات القتل والعنف والدماء واشاعة الانتقام والحقد والكراهية، بل ان معظم مواد وفصول كثير من المناهج الدراسية خاصة في ما كان يسمى بالتربية الوطنية والقومية والتربية الدينية والتاريخ، كانت تضم مختارات عنفية تشجع على الانتقام والقتل وتركز على عداوات مفترضة ووجوب ان نكون دوما الاقوى والمنتصر وصاحب الحق، والآخرون هم الاعداء والكفرة والعملاء والرجعيون والشعوبيون، بل ان اجيالا عديدة فتحت عيونها على مشاهد الجثث المعلقة على اعمدة الكهرباء، او عمليات الاعدام في الساحات العامة وامام الاهالي صغارا وكبارا منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، حتى اصبحت من المشاهد العادية جدا والتي لم تعد تثير العواطف او الاحاسيس الا عند اولئك الذين بدأوا الان يتدربون على مشاهدة ما تنتجه مؤسسة داعش والميليشيات للجريمة والبربرية!؟

     إن نتاج تلك الحقبة السوداء بدأ يظهر منذ سنوات، سواء في اعمال ما يسمى بالقاعدة او في بناتها داعش والنصرة وغيرهما من الميليشيات ممن يستخدمون السيوف والبنادق وكواتم الصوت في حواراتهم مع الاخرين، انه فعلا موسم حصاد ماكينة الدعاية والاعلام والتربية التي سادت وهيمنت مع مطلع القرن الماضي وحتى يومنا هذا، خاصة وأن حقبة جديدة من ذات الافكار العنصرية والشمولية المقيتة التي بدأت تتضح ملامحها مع تولي نوري المالكي وحزبه الحكم وهيمنته على معظم مفاصل القوة والتأثير في مؤسسات الدولة العسكرية والامنية والحكومية، وتوجهها بشكل شوفيني لشحن السذج من الناس وحقنهم بالاحقاد والكراهية ضد الكورد وكوردستان في واحدة من ابشع عمليات اشاعة التفرقة والبغضاء في كل تاريخ العراق من كل وسائلهم الاعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة، حيث استخدمت سياسة كراهية الكورد في معظم برامجهم، بما في ذلك حملاتهم الانتخابية في الدورتين الاخيرتين لانتخابات مجالس المحافظات ومجلس النواب سواء في الموصل او غيرها من المحافظات التي تلعب بذات الاوراق؟

    إن كل ما يحصل اليوم هو صدى لتلك الاصوات النكراء والمنكرة، وهو بالضبط المطر الاحمر الذي انتجته تلك الغيوم السوداء الداكنة التي سادت سماوات العراق وغيره من البلدان المنكوبة بثقافة ولاية الدماء وقانون " الدم بالدم " و" السبعة بسبعة " و " ما ننطيها الا حفنة تراب " التي سادت مؤخرا في عراقنا الجديد جدا!؟



36
المشكلة ليست بالمالكي وحده؟

كفاح محمود كريم

     يذهب البعض إلى تقزيم المشكلة العراقية في إدارة الحكم إلى شخصنتها وتبعية كل التداعيات إلى شخص المالكي وبضعة أفراد من وعاظ السلاطين، أو كماشة المنقل كما يقولون من شخصيات كارتونية  معدة للشتائم والسباب والاتهامات الباطلة، مع مجموعة مواقع وصحف ببغائية تكيل المديح للمختار قائد المرحلة نوري المالكي، وتفبرك البطولات والانجازات الوهمية والأكاذيب المحقونة بالحقد والكراهية لكل من يعارض توجهاتهم الشمولية لأدلجة مؤسسات الدولة وإفراغها من مضامينها التي اتفق على ديمقراطيتها، وبذلك يتم الابتعاد عن أساس الإشكالية بينهم وبين كوردستان وغيرها ممن لا يتوافقون وأسلوبهم في إدارة الحكم وثقافته ونمط الآليات المستخدمة في ممارسته، فيذهبون للبحث عن شخص آخر يستبدلونه بالمالكي، الذي يهيئون له موقعا ضمن ذات الثقافة الشمولية في الحكم، وقد تم تداول أسماء كثيرة من المجال الحيوي لحزب الدعوة أو خريج ذات المدرسة، من أمثال مسؤول ملف الطاقة وصناعة الأزمات، صاحب نظرية إغراق العراق بالضوء وبيع الفائض منه أو تصديره للكويت والسعودية والأردن مع مطلع عام 2013م.

     ونظرة سريعة إلى أساسيات كل المشاكل التي واجهت العملية السياسية منذ إعلان نتائج انتخابات 2005م ولحد يومنا هذا، نرى فريقا يقف وراء كل تلك التعقيدات ابتداء من سرقتهم لفوز السيد علاوي وقائمته في أول انتخابات، ومرورا بالصفقة السياسية التي تمت في اربيل وأنتجت اتفاقيتها المعروفة، التي حولها هذا الفريق إلى سلم صعود اعتلى فيها دفة الحكم، وأسس فيما بعد ما يظنه إمبراطورية قيادة حزب الدعوة وملحقاتها في النهج والتفكير، ونقض كل وعوده وتعهداته للأطراف التي عقدت صفقة ترأسه لمجلس وزراء العراق.

وطيلة سنوات عجاف من حكم المالكي وطاقمه سواء في مجلس الوزراء أو مكتب القائد العام أو جهاز دعايته عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، أثبتت نتائج أو محصلات تلك السنوات ونضالهم الدءوب ما نراه اليوم في الموصل والرمادي وصلاح الدين وديالى وبغداد الغارقة في بحر من دماء المغدورين من المختطفين على يد اذرع طويلة تمتد من دهاليز تلك المؤسسات المركزية، على شكل ميليشيات تقوم بتصفية كل من يعارض سلطاتهم وتوجهاتهم، في واحدة من أبشع عمليات التطهير المذهبي والقومي التي تشهدها العاصمة بغداد، بعد ما فعله الإرهابيون في الموصل مع المسيحيين والشيعة والكورد، وكأنما هناك اتفاق مبرم غير مكتوب لتبادل المواقع بينهم، وإلا كيف يتم تفسير عدم الاهتمام بتحذيرات إقليم كوردستان للمالكي قبل أكثر من ستة أشهر من سقوط الموصل، وكذلك تحذيرات الجانب الأمريكي كما اعترف الكونكرس قيل أيام، بل والانكى من ذلك لماذا رفض المالكي وطاقمه استعداد قوات البيشمه ركه بالتعاون مع القوات الحكومية على حماية الموصل والدفاع عنها قبل عدة أيام من سقوطها، ألا يعني ذلك إن هناك مخطط كبير للموصل والمناطق السنية عموما بأن تكون بهذا الشكل وبغطاء من المالكي وجماعته، وإلا لماذا رفض كل التحذيرات والنصائح والمساعدات وترك هذه المنطقة فريسة للفوضى والإرهاب!؟

     إن هذه التساؤلات والمؤشرات تدلل على ثقافة متكلسة في بنية التفكير لدى هؤلاء الحاكمين، وقد ساهمت بشكل فعال على إضاعة فرصة ذهبية لإنقاذ البلاد من براثن التخلف والفشل والإرهاب والفتنة، بل أنها اشتركت بشكل مفضوح في كل ما جرى من تداعيات وانهيارات أمنية وعسكرية واقتصادية أدت بالبلاد إلى ما هو عليه الآن، حيث أهملت وأقصت كل المخلصين الذين أرادوا خيرا ببلادهم وفي مقدمتهم شعب كوردستان الذي أنجز خلال ذات الفترة الممتدة من 2005 ولغاية 2014م ما عجزت عنه حكومتهم وبأضعاف أضعاف ميزانية الإقليم، إلا إن تلك العقلية السلطوية الفاسدة وجهاز الدعاية التابع لها تعمل ليل نهار على تحويل الهزائم والفشل والانهيار إلى انتصارات سينمائية ساذجة معلقة أسباب فشلها على الغير كما كان يفعل صدام والأسد والقذافي وأمثالهم من دكتاتوريات الزمن الرديء.

     وحقا صدق من قال " تغيير الوجوه وحده لن يكون ذا أهمية في إنجاح العملية، لكن يجب تغيير النهج والتفكير السياسي لدى السلطات"، لقد قالها رئيس كوردستان البارزاني أمام الأمين العام للأمم المتحدة وهو يشيد بتجربة كوردستان وبيشمه ركتها في حماية الإقليم وشعبه والنازحين اللاجئين إليه من جور وضيم حكمهم وطريقة معالجتهم للإرهاب.


kmkinfo@gmail.com



37
الفاشلون وسلم حسنين هيكل

كفاح محمود كريم

    منذ أشهر يتعرض الرأي العام العراقي إلى عملية شحن وتهييج مذهبي وعرقي باتجاه مكونات مذهبية وعرقية معينة وتحديدا ضد الكورد والسنة وخاصة من وسائل إعلام الكترونية وورقية وتلفزيونية موجهة من قبل جهاز دعاية رئيس حزب الدعوة العراقي نوري المالكي، وباستخدام فبركات خبرية وسيناريوهات ملفقة واتهامات باطلة تتضمن الكثير من الشتائم والأكاذيب وبأساليب بدائية مفضوحة تنم عن حقد وكراهية غرضها شحن البسطاء من الأهالي طائفيا وعنصريا لمرحلة عدوانية تعد لها أطراف سياسية وأجنبية لتفتيت البلاد وتدميرها.
   
إن الأساليب المستخدمة في هذه الحملة وأدواتها ووسائلها تذكرنا حقيقة بذات النمط العدواني الذي كان يستخدمه نظام صدام حسين في تسقيط معارضيه وأعدائه، واتهامهم بالعمالة لإسرائيل والصهيونية وإيران والصفوية الفارسية المجوسية والامبريالية العالمية وما كان يحفظه الرفاق من الشتائم والسباب، مطعمة بخبرات مخابرات أجنبية كانت العدو اللدود للبلاد عبر التاريخ، فأصبحت الشقيق شق المنشار لهؤلاء الذين لم يثبتوا للعراقيين صدق وعد واحد من وعودهم وعهودهم طيلة أكثر من ثمان سنوات نهبوا فيها وبعثروا أكثر من ستمائة مليار دولار تاركين البلاد في آخر المطاف أسيرة للخراب والدمار والإرهاب والفشل.

     لقد استنسخ هؤلاء الفاشلون معظم أكاذيب إعلام البعث وصدام حسين، حتى وصلت بهم الأمور إلى فبركة أخبار ساذجة ومفضوحة يسوقونها لرأي قطيعي لا يعرف من هو محمد حسنين هيكل ولا حتى الأهرام إلا اللهم قد سمع بأسمائهم ولا يعرف ماذا يعملون، فقد نشرت وسائلهم وبسذاجة مثيرة للضحك خبرا ادعوا فيه إن الصحفي المصري المعروف محمد حسنين هيكل قد صرح لصحيفة الأهرام القاهرية ما معناه " إن بارزاني قد فتح أبواب جهنم أمام الأكراد بدخوله إلى كركوك!؟ "

     وللحقيقة أقول لم أفكر في بادئ الأمر بالتحقق من الخبر، لأنني كنت اقرأ هيكل منذ عموده الشهير ( بصراحة ) في الأهرام على سبعينيات القرن الماضي، وعاصرته وكتاباته ونشاطاته رئيسا لتحرير الأهرام ووزيرا للثقافة والإعلام وكبير مستشاري عبد الناصر، فلم أجد له خطابا ونسقا في الحديث يتطابق مع هذه السقطة الإعلامية الغبية التي وقعت بها طواقم دعاية المالكي وعصائب الحق وبقية ميليشيات تصفية الكورد والسنة على الهوية العرقية أو المذهبية، فقد تسلقوا سلما ظنوا به أنهم سيسوقونه على الرأي العام بأساليبهم الساذجة والغشيمة كما يقول العراقيون، وحينما اتصلت بالزميل محمد الانور نائب رئيس تحرير الأهرام ومسؤول الشؤون العربية وقرأت له الخبر، ضحك كثيرا وقال أنهم لا يجيدون حتى إنتاج كذبة محبوكة، مؤكدا إن الخبر ملفق وكاذب ومفبرك بشكل مفضوح، ولم تجر الأهرام أي حديث مع هيكل منذ شباط فبراير 2014م والذي لم يتطرق فيه لا إلى العراق ولا إلى كوردستان بأي شكل من الأشكال، كما أكد لنا مكتبه استنكاره لهذا العمل السخيف مستهجنين هذا النمط من السلوك، وكذلك فعل الزميل الكاتب والإعلامي المصري المعروف رجائي فايد حينما اطلع على هذه الأكذوبة فذهب إلى أرشيف الأهرام من أول حزيران 2014م أي قبل دخول داعش الموصل وتكريت وحتى اتصاله بنا تلفونيا قبل عدة أيام فلم يجد شيئا من هذا القبيل لا مع هيكل ولا مع غيره.

    الغريب إن هؤلاء يروجون لولاية ثالثة لهذا النمط من الثقافة والسلوك، فكيف سيقبل الكورد والكوردستانيون والعراقيون النجباء أن يكونوا جزء من هكذا منظومة فكرية وسياسية وإعلامية!؟



38
المالكي وسايكس بيكو

كفاح محمود كريم

    في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ السياسي لزعماء المنطقة يمتدح رئيس وزراء دولة شرق أوسطية هو المنتهي ولايته نوري المالكي رئيس حزب الدعوة، اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية، ويعتبر المساس بها خروج عن الوطنية ونقض للاتفاقات التي فرضت على شعوب هذه المنطقة من قبل الاستعمارين البريطاني والفرنسي، والتي هضمت حقوق الشعوب العربية والكوردية والامازيغية وبقية المكونات الأخرى، حيث تم تجزئة الأوطان وتوزيعها على كيانات مصطنعة بإرادة بريطانية فرنسية، فأصبح العرب كيانات متشرذمة هنا وهناك حسب توزيع مراكز الطاقة، وأصبحت كوردستان أربعة أجزاء وتم تمزيقها وتوزيعها على العراق وتركيا وإيران وسوريا وأيضا بسبب الطاقة!؟

     لقد نسي المالكي إن عنوانه الوظيفي أصبح لتصريف الأعمال ليس إلا، ورغم ذلك ما يزال يمارس دورا غادره دستوريا بما في ذلك إصراره على إلقاء كلمة رئيس الوزراء الأسبوعية التي يشرح فيها حالة الاتحاد العراقي، وقد ذهب بعيدا رئيس حزب الدعوة في إسداء النصائح وإعطاء أوصاف الرئيس العراقي الجديد، متناسيا الوثيقة التي تجمعنا في هذا الاتحاد وهي وحدها من يقرر شكل ومواصفات الدولة أولا وبعد ذلك رموزها، بل إن ديباجتها أعطت خلاصة العلاقة مع ما يسميه وحدة العراق وسيادته وميزان تلك الوثيقة.
لقد تناسى تماما وقبل أن يمتهن هو نفسه العمل الحزبي ولا نقول السياسي لأننا لم نجد فيه لا رجل دولة ولا رجل سياسة ، تناسى إن الكورد حتى قبل أن يولد هو وحزبه بكثير، وبقيادة زعيمهم الخالد مصطفى البارزاني ربطوا بين ديمقراطية العراق وحقوقهم القومية السياسية والثقافية والاقتصادية في نضالهم من اجل عراق المستقبل الذي أتاح له ولغيره أن يكونوا اليوم في هذه المواقع.

     لقد اعتلى رئيس حزب الدعوة نوري المالكي موقعه بصفقة سياسية ليس إلا، ولم ينتخبه أحد من الشعب لهذا الموقع، إلا اللهم إذا حسب نتائج الانتخابات الأخيرة التي اتهمه فيها السيد علاوي والحكيم والصدر بالتزوير،  مستغلا موقعه الحكومي وأموال الدولة وعقاراتها التي تم تسخيرها لخدمة حزبه وكتلته التي قادت البلاد لثماني سنوات عجاف كانت ميزانياتها قد تجاوزت الستمائة مليار دولار، والتي ادعى رئيسها انه أنفقها على البلاد وخدماتها، لكي يكون العراق اليوم أكثر دول العالم فشلا وتخلفا في كل الميادين من الكهرباء إلى الماء والصحة والتعليم والطرق والإسكان، ولعل ما جرى لمؤسسته العسكرية والأمنية في مطلع حزيران الماضي من هزائم مخزية أمام بضع مئات من المسلحين، وانهيار وهزيمة ستة فرق من جيشه وشرطته خلال ساعات، إلا تأكيدا على سياسته الجاهلة وخططه الفاشلة وفساد مؤسسته الحاكمة التي دمرت العباد والبلاد ولم تنجح في الدفاع عن العراق الذي ضاع بين الإرهاب والتخلف والكراهية التي يشيعها هو وإعلامه بين مكونات المجتمع والوطن الذي لا يحق له فيه  إلا البكاء عليه كالنساء لأنه لم ينجح في حمايته كالرجال!؟

     إن إصراره على ولاية العراق، يعني إصراره على انه ولي الدم،  وان  شعار الدم بالدم وما ( ننطيها ابد ) ستقود البلاد إلى الدمار الشامل وتقوده هو وأركان نظامه إلى المحكمة الجنائية كما قادت من قبله الذي استخدم ذات الأسلوب ونفس الثقافة والتصرف!؟


39
الفاشلون وعقدة اربيل!؟

كفاح محمود كريم

    أخيرا خرج علينا رئيس ما يسمى بالكتلة الكبيرة في العراق السيد المالكي وهو يكيل الاتهامات المجة والفجة لعاصمة الفرح والأمل والسلام العراقي اربيل قبل كونها عاصمة كوردستان، هذه العاصمة والمدينة الأجمل والأبهى في بلادنا كانت وما زالت ملاذا آمنا لمئات الآلاف من المضطهدين العراقيين، سنة وشيعة ومسيحيين وصابئة ومختلفين سياسيين طيلة عقود تمتد إلى أواسط القرن الماضي وحتى يومنا هذا، ولعل هذا الشخص الذي تربع بصفقة سياسية على عرش العملية الإدارية للعراق كان من أولئك الذين أطعمتهم اربيل وآوتهم من جوع وأمنتهم من خوف، حينما هرب إليها بتهمة العمالة لإيران هو وحزبه الذي كان يوصف آنذاك مثلما يصف هو الآخرين اليوم بالإرهابيين والمجرمين الخونة عملاء الفرس المجوس وإسرائيل!؟

     رغم ذلك كانت اربيل حاضنته لسبب بسيط إنها وشعبها وقياداتها اكبر من أن ينال منها دكتاتور صغير أو كبير مهما كال من التهم والبهتان، فإنها لن تتوانى عن تقديم أخلاقياتها الرفيعة التي لا يمتلكونها هؤلاء المصابين بهستيريا الحكم والولاية الثالثة ومن يقتلون الناس على أسمائهم، حيث ذكرت صحيفة الانديبندت البريطانية إن مراسلها في بغداد أحصى أكثر من أربعين جثة في إحدى مراكز الطب العدلي لأناس يحملون جميعا اسم عمر، بينما ذكرت الأجهزة الأمنية إنها عثرت على خمسين جثة مقيدة الأيادي ومعصوبة الأعين ومصابة باطلاقات في الرأس، مرمية على الطريق السريع بين بغداد والحلة!

     ترى أين يكمن الإرهاب ومن يرعاه ويتستر عليه وفي أي عاصمة؟ اربيل عاصمة السياحة العربية وعاصمة الاستثمار العراقي الأولى وعاصمة كبريات شركات الطاقة في العالم وعاصمة عشرات الملحقيات والممثليات لدول الحضارة والديمقراطية والمدنية، اربيل أيها المنتهي صلاحيته أنقى وأبهى وأجمل في عيون الشيعة قبل السنة وهي حضنهم الأكثر دفئا، حيث تعج جامعاتها ومراكزها التجارية وساحات العمل فيها بعشرات الآلاف من أبناء النجف وكربلاء والبصرة والناصرية والعمارة وكل مدن الجنوب البائس تحت حكمكم.

     اربيل اليوم تحتضن كل أطياف العراقيين ومكوناتهم العرقية والمذهبية والسياسية بما فيها عوائل أعضاء كتلتك وبرلمانك وحكومتك حيث لا يأتمنون على احد غير الكورد وكوردستان للحفاظ على شرف وكرامة وامن وسلامة عوائلهم، فلا غرابة في أن تكون عقدة من عقد الفاشلين في إدارة الحكم طيلة أكثر من ثماني سنوات!

     اربيل عنوان النجاح الكوردي والعربي والتركماني والكلداني والأشوري والسرياني والارمني، اربيل المسلمين بطوائفهم والمسيحيين بألوانهم والصابئة والايزيدية، اربيل كل هؤلاء معا خالية من كل شوائبكم وعقدكم في الحقد والكراهية والكذب والفشل، إنها عنوان النجاح والتسامح والتألق والحياة المستمرة، كما يقول المؤرخون فإنها من المدن القلائل في الدنيا التي استمرت فيها الحياة دون انقطاع منذ ثمانية آلاف سنة، والسبب واضح جدا يا دولة الرئيس السابق لحكومة العراق!



40
الإعلام الأسود وحفنة التراب

كفاح محمود كريم

     يبدو إن ماكينة الدعاية والإعلام التي تلتف حول السيد رئيس الوزراء المنتهية ولايته أتقنت فن اللعبة في شراء وإصدار عشرات الصحف اليومية والأسبوعية ومثلها الالكترونية لتعمم عليها ذات المانشيتات والعناوين والأخبار المفبركة في واحدة من اكبر عمليات الشحن العنصري وإشاعة الكراهية والأحقاد ونشر الأكاذيب وتلفيق التهم والسيناريوهات المفبركة من شاكلة مرور المدعو أبو بكر البغدادي من مطار اربيل إلى تركيا للعلاج، هذه الأكذوبة التي يتم نشرها وتصديقها حتى ممن ألفوها واحدة من الأساليب الرخيصة والسمجة التي تستخدمها أدوات الدعاية والإعلام الموجه منذ أشهر ضد الكورد وكوردستان ورموزهم التاريخية، إضافة إلى التهميش والإقصاء المبرمج والاستحواذ على معظم المؤسسات الاتحادية وتفريغها من مبدأ المشاركة كما يحصل في قنوات العراقية الفضائية وبقية مؤسسات هيئة الإرسال وتجييرها لصالح المالكي وحزبه في هجمة دعائية مشحونة بالاتهامات الكاذبة وفبركة أخبار تثير السخرية والتقزز.

     لقد أنفقوا عشرات أو ربما مئات المليارات من الدولارات على أنظمة الدعاية والإعلام والكهرباء وما يفترض أن يكون جيشا وطنيا ومؤسسات أمنية ونشروها في أصقاع البلاد لحفظ الأمن فيها وحماية الأهالي والحفاظ على كرامتهم، لكنها فشلت في أداء مهماتها وفي إقناع المواطن لما ارتكبته من أخطاء جسيمة بحق الناس حتى شعروا بالمهانة تحت طائلة الوضع الأمني وتحولت إحدى مواد القانون إلى مادة إرهابية يتم بموجب تنفيذها اعتقال عشرات الآلاف من الناس لمجرد الاشتباه بهم، مما أدى إلى الانهيار الكامل لتلك القوات خلال أيام معدودة، ورغم كل التنبيهات والنصائح التي قدمها إقليم كوردستان حول خطورة ما يجري في محافظة نينوى والانبار وصلاح الدين واستعداد الإقليم وقواته بالتعاون مع القوات الحكومية للقضاء على الإرهاب في غرب الموصل، إلا أنهم رفضوا ذلك بدعوة الخشية من توسع نفوذ الإقليم.

     وحتى قبل اجتياح الموصل عرض عليهم بأن تكون قوات البيشمركه معهم للحفاظ على الموصل وغيرها، إلا أنهم اغفلوا ذلك مما يثير الشك والريبة في كل ما حصل وعلاقة أوساط منهم بشكل مباشر بما حدث، وإلا كيف يتم تفسير هذه المواقف الرافضة لدعوات الإقليم لمكافحة الإرهاب سواء كانت داعش أو غيرها ممن يعملون في دهاليز الظلام، حتى وصل الأمر بهم إلى إطلاق كلمات احتلال البيشمه ركه لمناطق كركوك وسنجار وخانقين وهي تقوم بأقدس واجباتها الوطنية في درء خطر اجتياح الإرهابيين لهذه المدن والبلدات وحماية سكانها الكورد والعرب والتركمان والشيعة والسنة والمسيحيين والايزيديين على حد سواء دونما تمييز أو تفضيل، ويشهد على ذلك مئات الآلاف من العرب العراقيين وغيرهم ممن  يزورون كوردستان ويلجئون إليها ويشهدون على ما حصل فيها من تقدم وحضارة وبناء اجتماعي رصين.

    وفي الوقت الذي تحتضن كوردستان مئات الآلاف من السنة والشيعة وخاصة الهاربين من الإرهاب ومن جور عصابات الميليشيا المذهبية المنتشرة في العاصمة وغيرها، تقوم عصابات تعمل تحت توجيه ماكينة إعلام ودعاية حزب الدعوة بأوسع عملية تطهير مذهبي وعرقي في العاصمة بغداد حيث يتعرض الكورد والسنة  لعملية تصفية على الهوية والاسم، فقد ذكرت صحيفة الانديبندنت البريطانية إن حصيلة يوم واحد في إحدى صالات الطب العدلي في بغداد وصلت إلى إحدى وأربعين جثة أصحابها يحملون اسم عمر، إضافة إلى عمليات خطف منظمة للعديد من الشباب الكورد وتصفيتهم، هذا إلى جانب وضع سيطرات على منافذ بغداد تعمل على إنزال الكورد من سياراتهم واعتقالهم أو منعهم من دخول بغداد علما بان معظمهم موظفون  في الإدارات الاتحادية في العاصمة.

     إن ما يحصل اليوم في بغداد من عمليات شحن الكراهية والحقد ضد الكورد والسنة من قبل أجهزة الحزب الحاكم هناك وعصاباته من الميليشيات التي تعمل في الظلام لتنفيذ أجندة حزب الدعوة في ادلجة الحكم وتطهيره من كل المناوئين لهم أو المعترضين على سياساتهم وخاصة في المؤسسات العسكرية والأمنية والمالية ، تسير بالبلاد إلى الهاوية التي انتهت إليها كل الأنظمة السابقة بسبب تعنتها وإصرارها على المضي في  سياساتها الخاطئة التي جعلت العراق واحدا من افشل دول العالم وأكثره سوءا في المعيشة والحياة.

    إن استمرار هذه السياسة وهذا الأسلوب في إشاعة الكراهية والأحقاد دون الشعور بالمسؤولية عما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك دليل قاطع على إن الحاكمين لا تهمهم إلا كراسي الحكم حتى وان باتت على جماجم ملايين العراقيين كما فعل قبلهم صدام وقال انه لن يترك العراق إلا حفنة من تراب!؟




41
ارحل يا رجل واستر على ما تبقى؟

كفاح محمود كريم

    قبل أكثر من أربعة وعشرين عاما ذهب العديد من العقلاء إلى صدام حسين ينصحونه من مغبة تطور الخلاف مع الكويت إلى حماقة عسكرية تحرق الأخضر واليابس، وقبلها بعشر سنوات ذهب آخرون يترجونه بعدم اختيار الحل العسكري مع الجارة إيران، لكنه العقل السيئ الذي انزوت فيه شياطين الشر فاختار  بالحالتين لون الدماء التي صبغ بها أبواب كل العراقيين من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، فلم تبقَ امرأة  ثكلى بزوجها أو ابنها أو أبيها إلا ولعنته ولعنت اليوم الذي تسلط فيه على رقاب الأهالي إلى يوم الدين!

     ودفع العراقيون خيرة شبابهم إلى أتون الحروب وهم صاغرون، إما قتيلا في طاحونة الجبهات أو معدوما رميا بالرصاص خيانة وتخاذلا أو هاربا إلى ارض الله الواسعة وهم قلة قياسا بالضحايا، ومن تبقى خرج من الحرب مجروحا أو معاقا أو ممسوح الجيوب من كل شيء، حتى تم تسريحه بعد هزيمة أم المعارك المخزية ليدخل مرحلة الإذلال الدولي والمحلي في واحدة من أبشع عمليات الحصار والتدجين المذلة والتي استمرت منذ دخول الكويت في آب 1990م وحتى سقوط هيكل النظام في حرب ما يسمى بتحرير العراق ومن ثم احتلاله.

     أقول قولي هذا وأنا أعيد للذاكرة كيف إن صداما في نهاية كل حروبه تنازل وقبل بأقل مما بدأ من شروط ومطالب، فكانت هزيمته المخزية مع الحركة التحررية الكوردية في العام  1975م حينما تنازل لإيران عن شط العرب ومساحات واسعة من شرق البلاد مقابل محاصرة الزعيم مصطفى البرزاني وقمع ثورته، وفي حربه مع ايران احرق البلاد ودمر العباد من اجل كرسيه، وحينما أوهموه وعاظ السلاطين من حوله بأنه بطل القادسية ذهب خياله بعيدا فتوهم انه عنترة عصره ليغزو جارته الكويت ببطولات سوبرمانية مضحكة، حتى حمى الوطيس فرأيناه تحت افياء  خيمة صفوان في 28 فبراير/ شباط 1991 ذليلا مخزيا، ولم يتعظ وقد احرق ما تبقى من جنده وأهله حتى اسقط بغداد والعراق بأسره تحت الاحتلال وانزوى هو وعصابته في حفرة الهزيمة النكراء!

     واليوم يعيد التاريخ نفسه لكي يدفع للعراق شخصية جديدة لكنها تبدو والعلم عند الله نسخة أخرى من أولئك الذين تولوا أمر هذه البلاد ليدمروها ويدمروا أنفسهم، انه يكرر ذات السيناريوهات حتى في أسلوب الخطابة والحماسة والتهديد والتفرد ومحاولة إلغاء الآخر أو تفريغه، فيرفض أي رأي مخالف ويهمش أي كيان معارض، ويراوغ ويتحايل ويغدر ولا يفي بوعد أو اتفاق، ولا يقبل أي نصيحة أو  تنبيه لإحساسه بالعظمة أو العزة بالإثم، خاصة وقد أوهمه أولئك المحيطون به من مستشارين ومساعدين من ( لحاسين الغيم ) كما يقول المثل العراقي في توصيف وعاظ السلاطين الذين يؤسسون في مخيلته التي يشحنوها بداينمو مختار العصر الذي لا يعطيها لأحد مرة أخرى، بأنه على رأس جيش جرار وإمبراطورية نفط وموازنة بأكثر من مائة مليار، وان الآخرين ليسوا أكثر من أهداف بسيطة حينما يمتلك طائراته ( F16 ) التي لم يصبر على وصولها، فطلب من الشقيقة الحنونة جارتنا الغالية إيران أن ترسل طائراتنا الأسيرة هناك لتقوم بواجب الأخوة ضد الشعب العراقي المفجوع، بالتضامن مع جارتنا في العقيدة والبراميل المتفجرة سوريا الثورة والصمود!؟

    أنهم يدفعوك يا دولة الرئيس إلى هاوية الغرور والعزة بالحكم والسلطة تحت يافطة الكتلة الأكبر متناسين إن كتلتك إنما هي الأكبر في محيطك ليس إلا، فلم يكن بين من انتخبوكم من خارج الشيعة إلا عدة آلاف هنا وهناك لكونكم في السلطة فقط، فلا تأخذك نتائج الانتخابات لكي تعتلي عرش العراق فما أنت إلا رئيسا لحزب وكتلة نالت أصواتها في محيطها المذهبي ليس إلا، وآخر دعوانا من العلي القدير أن يلهمكم العقل والحكمة وقبول النصيحة فارحل يا رجل واستر علينا فإننا لم نر من أيام حكمك خيرا ولا نجد في ما تبقى من أيامك وإصرارك على الولاية إلا مستقبلا اسودا لبلادنا!؟
kmkinfo@gmail.com



42
نحن حمينا كركوك وانتم هربتم منها

كفاح محمود كريم

     منذ عشرات السنين تئن كركوك وشقيقاتها من المدن والبلدات الكوردستانية تحت سقم التعريب الفاشي والتغيير الديموغرافي المقيت سواء للبعث أو من شاكله في العقيدة والسلوك، حتى شوهوا شكل هذه المدن واسائوا لأهلها حتى من غير الكورد، واستقدموا إليها من عرفوا بعرب العشرة آلاف دينار وقطعة ارض مستقطعة من جلد المدينة وأهلها، يقابل كل واحد من هؤلاء المستقدمين ترحيل وتهجير وتغييب العشرات من العوائل الكوردية التي شتتوها في جنوب ووسط وصحراوات العراق إلا من هاجر منهم إلى بلاد الغربة.

     مدن من أجمل مدن العراق من سنجار وزمار والشيخان ومخمور وكركوك وخانقين ومندلي وغيرها، عاثوا فيها فسادا ودمارا طيلة أربعين عاما، مقترفين أكثر الجرائم قسوة بحق سكانها الأصليين، حتى سقط نظام البعث فتحررت معظمها، ولكي يثبت الكورد مدى إنسانيتهم وحضارتهم قبلوا صيغا قانونية ودستورية لإعادة تلك المدن المستقطعة من كوردستان سواء في المادة 58 من قانون إدارة الدولة، أو في المادة 140 من الدستور الدائم لاحقا، وبعد ما يقرب من عشر سنوات من سقوط نظام صدام حسين حافظت مؤسسات الإقليم وبيشمه ركته على الأمن والسلم الاجتماعيين في كل المدن والبلدات المستقطعة من كوردستان والتي تم تحريرها، في الوقت الذي كانت كل مدن العراق وبلداته تحت نير الإرهاب والفوضى حتى يومنا هذا.

     لقد اجتاحت عدة مئات من المسلحين والإرهابيين مدن كبيرة مثل الموصل وتكريت، وانهارت فيها ست فرق عسكرية خلال اقل من ثلاثة أيام، تاركة ورائها مئات الدبابات والدروع والمدافع والطائرات، وهربت لتترك سكانها يواجهون مصيرهم هناك، حاولت تلك المجاميع الاندفاع والتقرب من كركوك أيضا وسرعان ما انهارت ما تسمى بقوات دجلة وهربت من كل نقاطها ومراكزها، التي يفترض أن تدافع منها عن المدينة وسكانها، فتدخلت قوات البيشمه ركة لتضع النقاط على الحروف وترسم خط الأمن والسلام للعرب قبل الكورد وللتركمان والآشوريين والكلدان والأرمن قبل أهالي كركوك الآخرين، وتحمي مدينتهم من مذابح مذهبية أو عرقية محتملة.

     ورغم كل ذلك وما جرى من هزائم مخزية لقوات القائد العام للقوات المسلحة وإدارتهم السياسية والإعلامية، يخرج البعض من أبواق السيد المالكي ليتحدث عن سيطرة البيشمه ركه على كركوك، وتغطى غشاوة العنصرية عيونهم عن الموصل وتكريت والفلوجة والقائم وراوه وعنه وكل البلدات التي اجتاحتها مجاميع المسلحين والإرهابيين، وتفضح (النايبة) عن دولة القانون وعضو حزب الدعوة دورها ودور من يوجهها التخريبي طيلة عشر سنوات لإعاقة تطبيق المادة 140 من الدستور الدائم.*

    إن كركوك ملك لمن حماها وحافظ عليها وأمن سكانها وصان شرفها دونما تفرقة بينهم، ففي الوقت الذي حمت قوات البيشمه ركه كركوك وغيرها من المدن هربتم انتم وتركتم حتى ملابسكم العسكرية، ولا يحق لكم أن تتحدثوا بكلمة واحدة عن أي قرية أو بقعة من كل العراق، لأنكم لا تمتلكون شرف الدفاع عنها وسجلتم واحدة من اخزى مواقفكم عبر التاريخ، وليس لكم غير البكاء مثل الثكالى على وطن انتم لستم جديرون بالدفاع عنه، فنحن الذين حمينا كركوك وشقيقاتها في الوقت الذي احتاجتكم هربتم بجلودكم وتركتم أهاليها لمصيرهم فتبا لكم!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ
* رابط اعتراف حزب الدعوة بدوره المعيق لتطبيق الدستور في كركوك
https://www.youtube.com/watch?v=GR6oiedkE0k



43
فرسان الولاية الثالثة!

كفاح محمود كريم

     يقول نابليون إن جيشا من الأسود بقيادة غزال سيكون مصيره الهزيمة، بينما سينتصر جيش من الغزلان إذا كان قائده أسداً، استذكرت هذا القول وانا أراقب تصريحات السيد المالكي وهو يتحدث عن الهزيمة المخزية لجيشه، والتي تسببت فيها قيادته ومجموعة من الجهلة والثعالب، حيث تبخرت ست فرق عسكرية تم تدريبها منذ ما يقرب من عشر سنوات، وتسليحها بأحدث الأسلحة من الولايات المتحدة وحلف الناتو، انهزمت وتركت كافة تلك الأسلحة والعجلات والدبابات ولاذت بالفرار.

     لقد تسبب جهلهم وسوء إدارتهم وفشلهم في قيادة العراق والتعامل كرجال دولة، إلى سقوط أكثر من ثلث البلاد بيد القوى الإرهابية خلال ساعات، بينما هم يمثلون ادوار البطولة في مسرحية الولاية الثالثة، والعجيب إن نقطة الحياء كما يقول العراقيون قد سقطت عن جباههم، بل انه لو كانت هناك بقايا غيرة عراقية لدى هؤلاء لانتحروا أو استقالوا، اثر واحدة من أخزى هزائمهم وعارات فشلهم وفضاحة أساليبهم التي يندى لها الجبين، وهم يدفعون شخصيات هزيلة متورطة بجرائم جنائية وإرهابية، إلى القيام بحملة تطهير عرقي ومذهبي للكورد والسنة في بغداد وضواحيها ومحافظات الكوت والعمارة والحلة وغيرها، في واحدة من اخطر عمليات اغتيال التعايش والتضامن التاريخي بين الكورد والشيعة والسنة.

     فمنذ أكثر من أسبوع يتعرض الكورد والسنة عموما إلى عمليات اختطاف وتهديد وقتل وتهجير في بعض أطراف العاصمة ومحافظات الكوت والعمارة والحلة وغيرها، بل أنهم نصبوا سيطرات في أطراف بغداد وعلى الطرق المؤدية إلى كوردستان، يعترضون فيها المواطنين الكورد ويوجهون لهم الاهانات ويعيدونهم إلى الإقليم، بينما تعج مدن كوردستان وبلداته بمئات الآلاف من العراقيين الشيعة والسنة النازحين من جور حكمهم والإرهاب، ليعيشوا بأمن وسلام وعزة وكرامة.

      في الأمس وفي جلسة البرلمان الجديد بانت عوراتهم وكميات الحقد واللؤم والكراهية التي ظهرت على سلوكهم الشائن الذي يمثل حقيقتهم المخفية تحت جلابيب مسرح حكمهم الهزيل، حيث خرج ( فرسان ) السفاهة والشتائم من المأزومين أبدا والفاشلين تحت الأضواء، المتعملقين في السراديب ودهاليز الظلام والفساد، لكي يهددوا الكورد بسحق رؤوسهم بعد انتهاء أزمتهم الأبدية؟
     لقد بانت بذاءتهم التي سمعناها ورأيناها على شاشات التلفزة وتلك التهديدات والشتائم التي تعكس ثقافتهم وأسلوب تعاملهم مع الآخرين، وقد شهدناهم أيضا في سوح الوغى التي سجلت عارات هزائمهم المخزية في الموصل وتكريت وكركوك وكل المواقع التي تركوها وتركوا سكانها يواجهون مصيرهم ولاذوا بدشاديشهم!؟

     إن سر هزيمتهم ليس بقوة العدو بل تكمن في ثقافتهم البائسة وسلوكهم وبذاءتهم وتصرفاتهم، وهو سر سقوطهم وانهيارهم أيضا، بينما يبقى سر تقدم ونجاح الكورد وكوردستان يكمن بأخلاقياتهم ونبلهم وتسامحهم واحتضانهم لكل أبناء العراق دونما النظر إلى أعراقهم أو أديانهم أو مذاهبهم، فبينما يتعرض الكورد الى الاضطهاد والملاحقة في بغداد وبقية المحافظات، تحتضن كوردستان مئات الآلاف من السنة والشيعة والمسيحيين والصابئة لتكون لهم وطنا دافئا كريما آمنا يضم الجميع تحت جناحيه.

kmkinfo@gmail.com

 



44
الجيش الشعبي والحشد الشعبي!

كفاح محمود كريم

     يا سبحان الله كم هو التشابه متطابق بين أفكار ونهج وسلوكيات نظام صدام حسين وحزب البعث، وبين ما يفعله رئيس الحكومة العراقية المنتهية ولايتها وطاقمه الإعلامي ورجال ماكينة دعايته، ومراقبة سريعة لنمط الإعلام الموجه وهو في أصله دعائي قبل أن يكون إعلاما مهنيا، يعيدنا إلى حقبة برامج ( صور من المعركة ) والأغاني والأناشيد الوطنية لمجاميع الفن والفنانين ببدلاتهم العسكرية، وقد استنسخ الكثير منها صورة وصوت وأشخاص وحركات حد التطابق، بحيث جعلتنا نستذكر أيام ( قادسية صدام ) ولا نعرف ما الذي سيطلق على ما حصل في الموصل وتكريت من اسم يوثق هذه الحقبة كما فعل سلفه في حربه ( المقدسة ) مع من كان يسميهم بـ ( الفرس المجوس ) والعياذ بالله؟

     هذه الثقافة وهذا النمط من السلوك يبدو والعلم عند الله متأصل في النظام السياسي العراقي في كثير من العناوين وصيغة التصريحات، حتى وان تغير شكله من نظام دكتاتوري إلى نظام يفترض انه ديمقراطي، وما يحصل اليوم يعيدنا إلى ذكريات مريرة في سجلات دولتنا العتيدة، وخاصة ما يتطابق منها مع حقبتنا المباركة هذه، ونتذكر هنا ما قاله صدام حسين حينما فجر حزب الدعوة قنبلة في مدخل جامعة المستنصرية ظنا منه إن موكب طارق عزيز سيمر أو مر من هناك، فقتلت ( الرفيقة فريال ) مما أثار قائمة ( الرئيس القائد ) فتوعد بقسم ثلاثي بان دم فريال لن يذهب سدى وسينتقم انتقاما رهيبا، وبعد سنين طوال من المرارة والدماء في حرب قذرة بين ايران والعراق، دفع فيها الشعبين، لأجل أن لا يذهب قسم القائد أدراج الرياح انهارا من الدماء، ورغم إن رئيس الحكومة الحالية كان من ضحايا ذلك النظام وقدم حزبه آلاف الشهداء، إلا انه بمجرد أن اعتلى منصة الحكم بانت جيناته السياسية وتنشطت أنماط من الموروثات السلوكية المتطابقة تماما مع سلفه في حكم البلاد، وليس غريبا أن يمارس ذات الدور وبنفس الكلمات والمعاني إبان مقتل احد الصحفيين لكي يحضر شخصيا هناك ( دون اهتمام دولته بمئات من زملائه الذين قتلوا سابقا؟ ) ويعلن ولايته للدم ويشرع في مطلع الألفية الثالثة قانون الدم بالدم!؟

     حينما نقول التشابه حد التطابق نعني تماما ما يحصل الان، فقد بدأت عملية عسكرة المجتمع بشكل كبير مضافا إليها تعطيرا دينيا بديلا عن العطر القومي الذي استخدم في الحالة الأولى، واستحدثت قيادة ميليشياوية بديلة للجيش الشعبي أطلق عليها اسم الحشد الشعبي، ونظرة سريعة لأداء وسائل إعلام وماكينة دعاية السيد رئيس مجلس الوزراء المنتهي صلاحيته ندرك تماما أين يتجه العراق، خاصة وانها تجيش السذج والبسطاء والعاطلين عن العمل وهم بالملايين للعداء والكراهية لمكونين شريكين في هذه البلاد، وتذكرنا بذات البدايات التي اعتلى فيها صدام عرش السلطة وفتح بوابات الدماء والدموع لأجل كرسيه الذي نخرته الجماجم وما لبثت أن التفت حول عنقه!

     العراق اليوم يشهد النسخة الصدامية الثانية تحت تسميات وعناوين مختلفة لكنها في جوهرها تنبع من ذات النبع!

kmkinfo@gmail.com

45
المنبر الحر / السقوط بين نظامين!
« في: 22:58 22/06/2014  »
السقوط بين نظامين!

كفاح محمود كريم

    في نيسان 2003م تصور الكثير ان الآلة العسكرية الأمريكية أسقطت هيكل نظام صدام حسين، لكن الحقيقة كانت غير ذلك تماما، فقد قاوم نظام هوشي منه ( مع الفرق الكبير بينهما ) في فيتنام ذات الآلة ودمرها أمام صمود حزبه وثواره وشعبه طيلة سنوات مريرة استخدم فيها الأمريكيون شتى أنواع أسلحة الدمار الشامل، لكنهم انهاروا في سايغون أمام إرادة شعب مصر على الانتصار، وفي العراق قاد صدام حسين وثلة من بطانته أبشع حملة لاهانة العراقيين وجرح كرامتهم وإذلالهم بما في ذلك رفاق حزبه وقياداتهم، ويدرك  العراقيون بمختلف مشاربهم وطبقاتهم ومكوناتهم كيف كان يتعامل صدام حسين وزبانيته مع الجيش والشعب والحزب، والذي انتهى بتسلط عائلته وأبنائه على مقدرات البلاد حتى تساوى العراقيون جميعا في الإحساس بان هذه الطغمة قد ثلمت كرامتهم وأهانت كبريائهم وتسببت في إفقارهم وإذلالهم.

     لقد قزم صدام حسين وبطانته العراق حتى أصبحت عائلته بديلا عن الشعب وحزبه الذي تسلطت عليه مجموعة وصولية ضعيفة لا هم لها إلا إرضاء ولي النعمة وقائد ضرورياتهم، فأصبح العراق قرية بائسة يئن شعبه من الفقر والعوز، وتعاني مؤسساته من الضعف والهوان، ويتلوى جيشه المهلهل جوعا وانكسارا كبير في معنوياته ونفسيته، لصالح مجموعة من الأفواج أو الألوية التي تحولت إلى مجموعات من كلاب الصيد همها إدامة ماكينة الإذلال والاهانة للبلاد وشعبها، فقد سقط صدام حسين قبل سنوات طويلة من مجيء آلة الحرب الأمريكية، حينما ظن انه سيبيد شريكه الكوردي في الوطن والتاريخ بقصفه حلبجة بالأسلحة الكيماوية وإبادة ما يقرب من ربع مليون طفل وامرأة وشيخ فيما أطلق عليه ظلما وبهتانا بالأنفال، وحينما تصور هو ومن على شاكلته بأنه قادر على إبادة سكان الوسط والجنوب لمجرد اتهامهم بالصفوية والعمالة لإيران، حتى نخر الوهن هيكله ودب في مفاصله السقم، فما كان يحتاج أكثر من هزة عود لينهار ويسقط، وتتعرى بسقوطه المخزي حقائق وعارات أربعين عاما من الكذب والفضائح والشعارات المهلهلة.

     لم يمض على العراقيين سوى عقد من الزمان حتى تكررت مشاهد السقوط والهزيمة المخزية التي صنعتها وأنتجتها دكتاتورية صدام حسين،  لجيشهم الجديد الذي كلفهم عشرات المليارات تدريبا وتسليحا، لكي تعود ثانية مشاهد الانهيار بذات المخازي والعارات، التي حولت عشرات آلاف الجند إلى أسرى للخوف تخلت حتى عن جلودها لتهرب أمام بضعة مئات من مسلحين ملثمين تسلقوا انكسار وإحباط الأهالي بنظامهم الجديد وعسكره ورجال أمنه، الذين ما تركوا امرأة ولا رجل إلا وفي حلوقهم غصة من اهاناتهم وتجاوزاتهم واعتداءاتهم المهينة تحت طائلة الأمن الذي مزقوه وشتتوا الأهالي تحت خيمته المهترئة.

     فعلا لم تك الموصل وغيرها من مدن غرب البلاد تحتاج أكثر من بضعة سيارات وتكبيرات واطلاقات نارية لتتهاوى فرق والوية وافواج كارتونية تضم آلاف المرتشين من الذين باعوا أصواتهم في الدورتين الانتخابيتين 2005- 2009 مقابل توظيفهم في السلك العسكري أو الأمني، تحت قيادة أفشل ضباط العسكر ورتبهم المزيفة التي منحوا إياها بذات الطريقة التي عين فيها آلاف الجند، ليشكلوا ميليشيات تحت اسم الجيش،  تتبع من دفع لهم أيام الانتخابات، حتى بات الأكثرية يطلقون عليهم اسم جيش المالكي الذي لم ينجح طيلة ثمان سنوات من إقناع الأهالي بأنه جيشهم ويستحق الاحترام بدل الخوف، فما كان منهم ومن عساكرهم إلا ما شهدناه من أخزى صور الهزيمة والتخلي عن الواجب، حينما نزعوا حتى بدلاتهم العسكرية وتخلوا عن أسلحتهم الحديثة، الصغيرة منها والكبيرة أمام بضع مئات من المسلحين، استثمروا حالة الإحباط والانكسار لدى الأهالي ليحتلوا الموصل وغيرها من المدن خلال اقل من 72 ساعة، تدفعهم لقبولهم رغبات الأهالي المكسورين الذين أوصلتهم السياسات الخاطئة للحكومة ومؤسساتها إلى قبول أي كان بدلا عنهم، وهذا ما حصل فعلا ليس رغبة بالقادمين بل تخلصا من طغيان الحاكمين!؟

     في السقوط الأول انهار هيكل نظام صدام حسين وتم سجن وإعدام رموزه، يا ترى ماذا سيكون مصير أصحاب السقوط الثاني!؟

kmkinfo@gmail.com



46
كوردستان وشماعة الفشل!

كفاح محمود كريم

     ظن العراقيون بان مجرد سقوط نظام صدام حسين ستنفتح عليهم آفاق الحرية والديمقراطية والبديل المدني المتحضر الذي يحترم حقوق الإنسان والحياة والآخر المختلف، وطيلة سنوات مريرة منذ سقوط نظام الحزب الواحد والقائد الضرورة كانت الآمال تندفع تارة إلى الأمام  وتارات إلى الخلف تحت مظلة صناديق الاقتراع التي احتلتها عشائر ومذاهب وأموال ديمقراطية السحت الحرام والأمية الوطنية.

     فعلا سقط هيكل نظام صدام حسين وحزب البعث، وتبدلت الأسماء والعناوين لكن ما لم يتغير هو ثقافة النظام الشمولي ونهجه وسلوكياته وماكينة إعلامه ودعايته، فقد عادت مجاميع من الموبوئين بالكذب وسقم الكراهية والحقد والعنصرية إلى مواقع في مجلس النواب والسلطة التنفيذية وكثير من مفاصل الدولة وهي توجه سمومها إلى كل من يختلف معها في الرأي والتفكير وفي مقدمتهم الكورد والكوردستانيون وما أنجزوه خلال اقل من عقد وعجزت عن انجازه كل من حكم بغداد حتى يومنا هذا.

     منذ أيام استعرت نيران الحقد والحسد والكراهية في حملة شعواء تناولت فيها كوردستان وأهلها وقيادتها، لتغطية فشلها المخزي وسقوطها المريع أمام بضع مئات من المسلحين، كشفوا عوراتهم وأكاذيبهم طيلة سنوات مريرة من تسطيح الرأي العام وتشويشه لتنفيذ اكبر عملية سرقة في تاريخ الشعوب والدول، حيث سرقوا مئات المليارات في مشاريع وهمية بانت وظهرت في انهيار قواتهم وهروبها حتى قبل وصول المسلحين إليها، قوات استشرى فيها الفساد والإفساد وهيمن عليها ضباط غير أكفاء لا يمتون للعسكرية وشرفها ومهنتها إلا بالرتب والامتيازات والفساد.

     كوردستان التي تحاول جوقة الإعلام الموجه والمليء بالكذب والافتراء والحقد والتزوير تحويلها إلى شماعة للفشل والهزيمة، يتسلقها العديد من المتملقين وانصاف السياسيين والمثقفين من خريجي مدرسة ( أبو العلوج ) وحفنة فاسدة متخلفة أعتمدهم للأسف الشديد رئيس مجلس الوزراء في بغداد ليكونوا ماكينة إعلامه وخير ما يمثل نهجه وما يخفيه في مخيلته وهو يستأثر بالسلطة، في بلاد تسببوا في تدميرها وإشاعة الإرهاب فيها، ووصولها إلى ما وصلت إليه بعد أن انفق عليها حسبما يدعون كذبا وبهتانا أكثر من ستمائة مليار دولار، تحول ما يقرب من عشرين منها إلى سكرابات خلال ساعات على أيدي بضعة مئات من المسلحين في الموصل وتكريت.

     من يستمع إليهم ويشاهد بهلوانياتهم يتذكر ذلك الإعلام البائس طيلة عقود، منذ منتصف ستينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، ذلك الإعلام القائم على الكذب والفبركة والتهييج والتزوير وتسطيح عقول الأهالي لتمرير جرائم حكامهم وفشلهم في إدارة الدولة، الإعلام الذي تسبب في انهيار نظام صدام حسين ويتسبب الآن فيما وصل إليه العراق من خراب وفساد ودمار.

     لقد كان وما يزال خطاب كوردستان وممارساتها ضد الإرهاب قولا وفعلا وهي أولى ضحاياه في البلاد، سواء على أيدي أنظمة الاستبداد أو منظمات الإرهاب القديمة والحديثة، كوردستان لا تخلط الأوراق وتجعل من الإرهاب سلم تتسلق عليه لإبادة الآخر والمختلف وترفض أن تكون مكافحة الإرهاب على حساب مكون مذهبي أو ديني أو عرقي، فكما انه هناك إرهاب في الوسط السني تراه أيضا في الوسط الشيعي، فهو لا هوية له ولا دين ولا أخلاق، وما يحصل اليوم في بلادنا يمثل قمة فشل الإدارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بفقدان العراق لدوره وموقعه وتأثيره وسمعته حينما تحول إلى خانة الدول الأكثر فشلا في العالم تحت إدارة همها الوحيد الاستحواذ على السلطة والتفرد بها ورفض الآخر وتهميشه.

     لقد هزت أحداث الموصل وتكريت وغيرها من مدن وبلدات غرب البلاد العملية السياسية برمتها، بل وفضحت عارات إدارتها، وكانت خير ما يترجم سياسة وأسلوب حكم هذه البلاد ومؤسساته التي شكلها منذ ثماني سنوات وتعرت في الانهيار المريع للقوة العسكرية والأمنية خلال ساعات على أيدي بضعة مئات من المسلحين، والانكى من كل ما حدث هو تعليق فشلهم وسوء إدارتهم وسذاجة إعلامهم على اتهامات وفبركات من التي يبثونها ليل نهار عن تجربة كوردستان التي يتشرف بها كل العراقيون وهم يعيشون أجمل أيامهم في أكنافها.

     فعلا لقد تغيرت كثير من الأمور والقضايا عما كانت عليه قبل أحداث الموصل، إذ انه لا يمكن أن يكون عراق ما بعد هذه الأحداث وتداعياتها وما أفرزته ميدانيا على الأرض ونفسيا لدى الأهالي، هو ذات العراق فيما قبل إسقاط الموصل وغيرها!؟

kmkinfo@gmail.com
 
 

 


47
الرئيس مسعود بارزاني
يوجه رسالة الى الرأي العام العراقي والكوردستاني حول الأوضاع السياسية في العراق

بسم الله الرحمن الرحيم

     لقد حذرنا منذ أمد بعيد وباتصال دائم مع أكثرية الأطراف المعنية، وبشهادة الكثير من الشخصيات والأطراف السياسية بأن العراق يتجه نحو الهاوية بسبب السياسات الفردية الخاطئة للمتحكمين بالسلطة في بغداد، وحاولنا كثيرا إيجاد حلول جذرية للمشاكل، وقدمنا لهم مقترحات عديدة إلا انهم إما كانوا ضد تلك المحاولات أو أنهم أهملوها، ولذلك فهم وحدهم يتحملون المسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأوضاع وما حل بالعراق.

     إننا ككوردستانيين وقفنا بعد 2003م ضد الحرب الطائفية والمذهبية، ولم نكن عاملا سلبيا في النزاع، بل أدينا ما في وسعنا من اجل الخير والسلام، فكنا مع الشيعة دوما عندما ظلموا، وبعد 2003م وقفنا ضد تهميش السنة انطلاقا من أخلاقنا الكوردية عبر التاريخ التي تجعلنا مع المظلومين أبدا.

     إن المحاولات الحالية التي يقوم بها الذين يدفعون ثمن أخطائهم وفشلهم اليوم، بإلصاق الاتهامات بالكورد هو افتراء كبير يحاولون بها خلق شرخ بين الكورد والشيعة، ويتسببون في إحداث أضرار بالجانبين، لكننا نطمئن إخواننا الشيعة إلى أن الذين تسببوا في هذه الأوضاع يحاولون تغطية فشلهم وإخفائهم الحقائق عن الشعب العراقي لسنوات، لكنها لن تنفعهم لأن تحالف الكورد والشيعة أرفع من تصرفات البعض من المسؤولين التي ستضر بالشيعة قبل الكورد، ولن ننسى أبدا موقف الإمام محسن الحكيم والشهيد الصدر، واليوم وقد حلت واستجدت أوضاع جديدة تتطلب إيجاد حلول جذرية للمشاكل وذلك في ضوء التغييرات الحاصلة التي تستوجب تغيير شكل الحكم والوضع السياسي السائد قبل الآن.

     وحول مواجهة الإرهاب فان كوردستان مستعدة أكثر من أي وقت مضى للدفاع عن مصالحها وحياة مواطنيها من أي اعتداءات نواجهها نحن والشيعة والسنة من الإرهابيين، كما إننا نفصل تماما بين الأعمال الإرهابية وبين المطالب المشروعة لإخواننا السنة، دون الانزلاق إلى حرب ضد طائفة تحت ستار حرب الإرهاب، لأن هذه المشكلة لن تحل بالحرب فقط، بل يجب حل الأسباب التي أدت إليها، وإعادة العملية السياسية إلى مسارها الصحيح، عند ذاك سيكون إلحاق الهزيمة بالإرهابيين أسهل، ولأجل ذلك نؤكد دورنا كعامل خير لدعم أي خطوة ايجابية، مع رغبتنا أن يعلم الجميع إن أوضاعا جديدة قد حلت وينبغي التعامل معها بواقعية.

                                                                       مسعود بارزاني
                                                                   رئيس إقليم كوردستان
                                                                   18 حزيران 2014م











48
المنبر الحر / البعث وسلم داعش!
« في: 21:59 13/06/2014  »
البعث وسلم داعش!

كفاح محمود كريم

      يتذكر الكثير من البغداديين جيدا ذلك المشهد السينمائي الذي مثلته مجاميع من كوادر حزب البعث في الساعات الاولى من انقلاب شباط 1963م،  ورفعهم لعشرات الصور والشعارات المؤيدة للزعيم الاوحد عبدالكريم قاسم رئيس وزراء العراق انذاك على ظهر المدرعات والدبابات، في واحدة من اكثر الخدع سذاجة واثارة في وقتها، وقد انطلت السالفة على الربع كما تقول الدارجة العراقية، وراح الزعيم بين الرجلين مقتولا وسط هتافات الامة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة!
 
    كما لا ينسى العراقيون ايضا ميكافيلية كثير من القيادات المهمة لهذا الحزب وسرعة تلونها بالالوان المطلوبة والتي تساعدها على الامساك بالكرسي مهما كانت تلك الالوان داكنة او فاتحة، ولعل ما قاله امين قيادتهم القطرية في مطلع ستينيات القرن الماضي علي صالح السعدي، عن ان القطار الامريكي هو الذي حملهم الى السلطة، اضافة الى ما شهدته مطابخ حكمهم من تحالفات مع قوى سياسية واجتماعية وحتى دينية، اكدت ان لا صاحب لهم ولا مبدأ الا مصالحهم وهي تكمن تحديدا بالسلطة، وهنا الحديث والتوصيف لا يشمل الكل فقد كان الحزب، بسبب كونه حزبا يقود السلطة لعشرات السنين ظاهرة اجتماعية، ضمت مئات الالاف من المنتسبين الوظيفيين لصفوفه دونما أن يكون لهم أي علاقة باخطاء وجرائم العديد من قياداته، وكانوا من خيرة كوادر البلاد واكاديمييه ورجال عسكره وادارته واقتصاده وفنانيه وشعرائه وادبائه، بحكم تراكم الزمن من مطلع الستينيات وحتى مطلع الالفية الثالثة!
 
     اقول قولي هذا وانا استخدم منذ نيسان 2003م مصطلح سقوط الهيكل الاداري لنظام صدام حسين، وبقاء نظامه الايديولوجي والاجتماعي والسلوكي حتى في كثير من الفعاليات السياسية العاملة الان في ساحة الديمقراطية العراقية، فقد سارعت تنظيمات وكوادر هذا الحزب الى الانخراط في صفوف كثير من احزاب ما كانت تسمى بالمعارضة واصبحت احزاب السلطة فيما بعد، بل ان الكثير ممن تم اجتثاثهم وقطع ارزاقهم من خيرة رجالات الجيش والاجهزة الخاصة والحزب انضموا الى حركات متشددة مثل القاعدة وبناتها، او اسسوا واجهات وحركات بتسميات وهمية يكمن ورائها كثير من تنظيمات وتشكيلات النظام السابق، وخاصة كوادر الجيش والتصنيع العسكري وضباط المخابرات والامن ورجال مكافحة التجسس والارهاب وفدائيو صدام وغيرهم، مثل جيش محمد والجيش الاسلامي ورجال الطريقة النقشبندية، والتي انضوت جميعها فيما يسمى اختصارا بـ داعش التي تتناغم في اهدافها الوحدوية مع ما كان يخدر به البعثيون رومانسيو الوطن الاكبر من المحيط الى الخليج.
 
     واليوم بدأت العملية تأتي أكلها كما يقولون، فقد اندفعت عدة مئات من تلك التشكيلات وبشكل منظم لا يثير الدهشة، كونه ينتمي الى تنظيم سابق يعمل منذ سنوات في عدة مدن وخاصة في الموصل لكي تحتضنهم عدة الاف من الخلايا النائمة، التي كانت تحصد شهريا ما بين ثلاثة الى خمسة ملايين دولار كضرائب على مختلف المهن والاعمال والشركات وعيادات الاطباء والصيادلة، ناهيك عن حصتهم في الوقود الخارج من مصافي بيجي ومنذ عدة سنوات، بما أهلهم في غياب مؤسسات حقيقية للدولة سواء عسكرية او امنية او ادارية، أن يقودوا المحافظة من تحت الارض وأن يخترقوا تلك المؤسسات ويدخلوا الموصل على خلفية كراهية شديدة لكل قوى الجيش والامن والشرطة التي اهانت المواطن وثلمت كرامته تحت طائلة الحفاظ على الامن، وعلى انقاض فساد مستشري في معظم مفاصل الدولة، بما حقق مقولة ان يحكمنا الشيطان افضل من هؤلاء الجبابرة!؟
 
     لقد عاد البعث ثانية، لكن ليس بقطار امريكي او تحالف مع الشيوعيين او البارتيين هذه المرة كما فعل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بل على صهوة القاعدة واخواتها او بناتها، سواء كانت داعش او النصرة او حتى الجن والشياطين، كرسي السلطة  كانت وتبقى بوصلة الأحداث عندنا ولو جاءت على أنقاض وطن وشعب لطالما هتف باسم البعث فلم يعرف منه غير الذل والهوان، وأما داعش فتبدو اليوم الخلية الصاحية جداً في تطبيق اجندات مذهبية داخلية وإقليمية، والمتواطئون معها كثر والمال متوفر في جيوب الجيران ... فأهلا بالبعث " المدعشن " وأهلا بداعش " المبعوثة " حتى إشعار آخر!؟   

49
الكاتبة والصحفية العراقية شيرين سباهي
تجري حوارا مع المستشار الإعلامي في مكتب مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني





     أستاذ كفاح محمود كريم نعرفكم كاتبا متميزا ومحللا سياسيا معروفا، لكننا  سنخرج معكم من هذا الإطار وسنحاوركم كمستشار إعلامي في مكتب رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

شيرين سباهي: السيد مسعود البرزاني نوه لمنعطف خطير وهو (( نريد أن نكون شركاء ولا نريد أن نكون رعايا ))..اعتمدت سياسة بغداد مع الحلفاء في سياستها المتطرفة والمشبوهة على بساط المصالح ..هل نعتبر أن ما بعد الانتخابات الأخيرة هو مؤشر استيقاظ اقليم كردستان على أن حكومة المالكي ....طرف لا يوثق به ولا يستحق الثقة؟
كفاح محمود: يعلم الجميع ان معظم أطراف الحركة السياسية العراقية المعارضة قبل انهيار هيكل نظام صدام حسين كانت ضمن الشرعية الثورية، وهي مرحلة تختلف كليا عن إدارة الحكم والشرعية الدستورية، وعلى هذا الأساس تم التعاطي مع السيد المالكي وغيره كرفاق قضية واحدة لكن الأمور أخذت منحى أخر بعد تسلمهم للسلطة وبان العديد من العيوب!؟
شيرين سباهي: نوه السيد مسعود البرزاني الى إن شخص نوري المالكي  قبل رئاسة الوزراء يختلف عن ما هو رئيس وزراء الآن هل نعتبر المالكي شخص هش القيادة خصوصا وانه مسير من الألف إلى الياء ..
كفاح محمود: كما قلت لك فترة الحكم والانتقال من الثورية إلى الدستورية أظهرت كثير من العيوب، فليس كل من يعتلي كرسي الرئاسة قائدا أو حكيما، وإلا لما كان قد حصل الذي حصل من تردي كبير في الأداء السياسي والإداري والأمني.
شيرين سباهي : أطلقت بغداد تهديد لكردستان بعد أن بدأ الإقليم بتصدير النفط ....وكلنا يعلم أنه هواء في شبك ..ما هي القاعدة القانونية التي تستند عليها كردستان بتصدير النفط ذاتياً
كفاح محمود: الدستور العراقي ومسودة قانون النفط والغاز وملحقه يبيحان للإقليم وللمحافظات التي استخرجت النفط بعد 2003 حق التصرف بالتعاون مع الحكومة الاتحادية، وعلى هذا الأساس جاءت كبريات الشركات النفطية العملاقة مثل أوكسن موبيل وشيفرون وغازبروم وتوتال لتوقع عقودا مهمة مع الإقليم لاستثمار النفط والغاز، ولا يعقل أن تتفق هذه الشركات الكبيرة مع الإقليم دون أن تطلع على حيثيات الدستور والقوانين العراقية المرعية.
شيرين سباهي: كلنا يعلم أن سياسية المالكي سياسة غير نظيفة تقوم على أساس المصالح والأرصدة دون الرجوع للشعب ..من بعيد أو قريب كيف لكردستان وهي طرف ليس بسهل أو هين في قيادة حكومة تلعب بالبيضة والحجر من الشعب غير الكردي، فكيف أذا كان كردياً...
كفاح محمود: اعتقد إنهم يحلقون خارج السرب حيث يجهدون أنفسهم في الاستحواذ على السلطة والمال بكل الوسائل، لكنهم واهمون بالتأكيد فلم يعد العالم والرأي العام العالمي والمحلي يتحمل إرهاصات من هذا النوع، خاصة وشعب كوردستان قد أدرك جيدا عبر تاريخه هذه الممارسات، ولذلك أرى يقينا أنهم ليسوا من الذين سيضحكون في آخر اللعبة!
شيرين سباهي: سياسة جر الحبل التي تعتمدها بغداد مع الإقليم بقطع الرواتب ألا تعطي ضوء أحمر على إن بغداد خصم قبل أن يكون شريك ولا محل للثقة فيه كحليف في حكومة مشتركة؟
كفاح محمود: بمرارة شديدة إن ما يجري لا يمثل ما كنا نصبو إليه كعراقيين في ترسيخ نظام اتحادي ديمقراطي تعددي، يضمن حقوق كل مكونات مجتمعاتنا القومية والدينية والمذهبية، بعيدا عن سياسية لي الأذرع وفرض الإرادات واستخدام المال العام رهينة لتمرير تلك الإرادات. 
شيرين سباهي : كيف نحلل أزمة الأنبار ؟

كفاح محمود: أزمة الانبار هي أزمة كل العراق حقيقة وما حصل في أيامها الأولى كان يمثل سلوكا متحضرا يمثل نظامنا الجديد، إلا أنها استغلت من إطراف عديدة لتشويهها والدفع بتدميرها تحت مختلف التسميات، وليس ما يحصل اليوم إلا خلط مريب للأوراق تفوح منه روائح كريهة، وتثير أسئلة مريرة عن توقيت فتح بوابات الحرب بهذا الشكل تزامنا مع الانتخابات العامة، علما إن اعتصام أهل الانبار ونينوى وصلاح الدين وكركوك اندلعت قبل أكثر من سنتين!
شيرين سباهي: حرب الأنبار هي حرب مفتعلة لخلق أزمة وأشغال الشارع وخلق الفتنة بين المكون السني والشيعي في العراق ...من هو عراب هذه الحرب ومن هو المستفيد ؟
كفاح محمود: المستفيدون هم الذين استخدموا دماء الضحايا من اجل ملئ صناديق الاقتراع بأصوات الشد والحشد المذهبي وحرمان مئات الآلاف من سكان هذه المناطق من الإدلاء بأصواتهم إما بتحويلهم إلى نازحين أو بإغراق بلداتهم وقراهم!؟
شيرين سباهي : أشترى العراق أسلحة مهولة وبكميات كبيرة جدا خلال أزمة الأنبار والفلوجة الأ تعتقدون أنها مجرد صفقات سلاح وأن الشعب العراقي محط مزايدات لدى بغداد؟
كفاح محمود: مهما تكن الأسباب المعلنة وغير المعلنة، المرئية وغير المرئية فيما يحصل اليوم في الانبار وغيرها لا يمكن القول فيها الا إن المواطن العراقي هو الخاسر الأكبر، سواء كان في الانبار أو كوردستان أو نينوى أو البصرة 
شيرين سباهي: مياه نهر الزاب الأسفل..التي تعتبر هي  المغذي  لقضاء طوزخورماتو...كانت هناك اتهامات لكردستان بقطع المياه ما هي صحة هذا القول؟
كفاح محمود : هذه واحدة من أكذوبات ماكينة صناعة الأزمات والدعايات لدى من يعادون الإقليم ويحسدونه على أمنه وسلامه وتطوره ليس إلا، وقد صرح مسؤولون فنيون وخبراء بعدم صحة هذه الادعاءات
شيرين سباهي:"فيلق جند الله المكين" رفع رسالة تهديد للسيد البارازني مطالباً إياه بالتراجع عن قرار استقلالية كردستان ...ألا ترون انه أمر مبطن لمكون وخصم للكرد يخاف أن تستقل كردستان؟
كفاح محمود: بعد حلبجة والأنفال وعشرات السنين من حروب أنظمة بغداد الدكتاتورية ضد كوردستان كانت المحصلة خسارتهم المخزية ونهوض شعب كوردستان وما وصل اليه الإقليم اليوم، أما موضوعة الاستقلال فهو حق طبيعي لأي شعب في عالم اليوم، لكن شعب كوردستان اختار الاتحاد الاختياري مع العراق ضمن دستوره الدائم، وأي مساس بالدستور وروحه وثوابته سيجعل كوردستان خارج تلك الدائرة يقينا.
وعموما لا يمكن تفسير هكذا تهديدات بأنها تمثل مكونا بعينه

شيرين سباهي: هل نعتبر وجود المالكي في السلطة وسياسيته المنفردة القرار سبب رئيسي ...لإعلان الانفصال عن بغداد؟
كفاح محمود: بعيدا عن شخصنة الموضوع كوردستان ناضلت من اجل الديمقراطية وقدمت مئات الآلاف من رجالها ونسائها قرابينا لتحقيقها، ولكن لا يمكننا إغفال عيوب أداء الإدارة الاتحادية وغطرستها في التعامل مع الشركاء الأساسيين لبناء وطن واحد للكل وبالتساوي، ولذلك لن تكون كوردستان جزءا من أي نظام شمولي يخرج عن الدستور وثوابته كما قلت لكم
شيرين سباهي: شركة التسويق العراقية سومو...المعروفة طلبت كردستان أن تكون مطلعة على عملية التسويق للنفط هل هو عدم ثقة بالشركة نفسها أو الخوف من المغريات التي من الممكن أن تطرحها بغداد على الشركة؟
كفاح محمود: هذه الشركة لا تزال تضم في هيكلها وسلوكها ثقافة النظام السابق ولم يجر عليها أي تغيير يتناغم وفلسفة النظام العراقي الجديد، لذلك لا يمكن الاعتماد عليها والتعامل معها، وقد طلب الإقليم تحديثها وإشراك ممثليه فيها، أو تأسيس مجلس أعلى للطاقة يضم الإقليم والمحافظات المنتجة للطاقة مع ممثلي الحكومة الاتحادية لكي يشرف على عمليات الاستثمار استخراجا وتصديرا وتصنيعا بشفافية عالية، إلا أنهم رفضوا ذلك.
شيرين سباهي: هل نعتبر إن الإقليم خرج من حلبة سيطرة بغداد اليوم بعد التصدير الذاتي للنفط واقصد اتفاقيات؟
كفاح محمود: ما لم يتفق الطرفان على صيغة مرضية ستبقى الأمور بهذا الشكل.
شيرين سباهي: في احد زيارات السيد نيجيرفان البرزاني لبغداد أن وزير المالية اخبره انه تسلم أمر من السيد نوري المالكي بإيقاف إرسال  حصته الميزانية للإقليم؟
سمي لي هذا التصرف من حكومة المركز، وكيف ردت كردستان على هذا التصرف؟

كفاح محمود: كما انه أي وزير المالية الحق صفة القائد العام للقوات المسلحة بالمالكي وكأنه يقول إن القوات المسلحة ستنفذ هذا الأمر؟
وكان الرد واضحا وجليا وشفافا حيث تدفق نفط كوردستان إلى الأسواق العالمية

شيرين سباهي: تستضيف كوردستان العراق أكثر من 200 إلف لاجئ سوري بينهم عدد كبير من الكورد والمسيحيين ...كيف تتعامل كوردستان مع هذا المكون الكبير وهذه نقطة طيبة تحسب لهم ...؟؟
كفاح محمود: أنها حالة إنسانية وقد استقطع الإقليم من أفواه سكانه كما يقولون لكي يغطي بعض نفقات هؤلاء النازحين علما بأن بغداد لم تساهم بأي شكل بما يساعد الإقليم على تحمل هذا الوزر
شيرين سباهي: تُعتبر اليوم منطقة الإقليم منطقة أمان وسلام ...وقد أصبحت مقرا كبير لشركات كبيرة  كبرى في العالم تجاريا اقتصاديا وثقافيا ً هل من الممكن أن يكون الاقتصاد المفتوح للدول الاستثمارية في اربيل محفز كبير لتكون اربيل مركز تجاري اقتصادي عالمي على مر الزمن القريب ؟؟؟
كفاح محمود: وهي فعلا قد وضعت خطواتها الأولى في هذا المضمار، وأصبحت قبلة المئات من المستثمرين وشركاتهم الكبيرة، إنهم هنا يعملون من أجل المستقبل الواعد
شيرين سباهي: هل تجد كردستان أن حل أزمة الموصل التي هي اليوم مقر للتطرف والجماعات المسلحة بإعلان نينوى اقليم نينوى؟ وكيف
كفاح محمود: آلية إقامة الأقاليم وأحقيتها كفلها الدستور، إلا إن حكومة السيد المالكي تمانع ذلك بل وأعلنت على الملأ وقوفها بالضد، وهذه  مخالفة واضحة لثوابت الدستور.
أزمة الموصل وغيرها نتيجة لسوء إدارة السيد المالكي وطاقمه الإداري والحزبي والسياسي والأمني

شيرين سباهي: تحولت  الخصومة إلى شراكة، بين تركيا وإقليم كردستان .... وأكيد أن الطرفان قد وجدا في التحالف قطب اقتصادي كبير..إلى أي مدى وصلت شراكة الإقليم مع أنقرة سياسيا واقتصاديا؟
كفاح محمود: تركيا رغم كل شيء دولة ذات طبيعة سياسية واجتماعية ديمقراطية وهي أيضا دولة إقليمية مهمة اختارت التعاون والشراكة في المضمار الاقتصادي مع الإقليم لبناء نموذج من العلاقات المتكافئة والمتحضرة بديلا عن أي نوع آخر من الصراعات، حيث سادت لغة الحوار والتفاهم وتبادل المنفعة علاقات الطرفين.
شيرين سباهي: دخل السيد مسعود البارازاني  كوسيط سلام بين حزب أوجلان حزب العمال الكردستاني وأنقرة إلى أين وصلت هذه الوساطة؟
كفاح محمود: إلى خارطة طريق لسلام دائم في الدولة التركية وتوقف معظم المظاهر العنفية بين العمال الكوردستاني والحكومة التركية، وبدأ خطوات جدية لتحقيق ما يصبو إليه الشعب الكوردي هناك.

شيرين سباهي: تركيا تطمح بمساعي كبيرة لدخول الاتحاد الأوربي  وهي بدورها تحبو  لنيل رضا الاتحاد الأوربي وقد انفتحت تركيا اقتصاديا خلال أعوام بسيطة هل نعتبر اقليم كردستان في العراق احد هذه الأهداف ؟؟؟ أو من ضمن المخطط التركي
كفاح محمود : الكل يدرك بما فيهم الدولة التركية إن هوية الدخول إلى الاتحاد الأوربي تمر من كوردستان الشمالية أي الواقعة ضمن الدولة التركية الحالية
شيرين سباهي: التجربة الكردية في اقليم العراق هي الأولى في العالم بالنسبة للكرد ... وقد ولدت هذه التجربة رغبة الكرد في ايران سوريا تركيا لدخول هذه المرحلة أي الدول من الممكن أن تكرر تجربة استقلال اقليم العراق الكردي؟
وهي سوريا، ايران، تركيا 
كفاح محمود: لكل جزء ظروفه وخياراته في الشكل الذي سيختاره في تحقيق مصيره ويبدو إن الإخوة في الجزء الغربي الواقع ضمن الدولة السورية مهيأ الآن لتحقيق الكثير فيما إذا اتفقت كل فعالياته السياسية دونما تفرد وفرض أمر واقع على الآخرين.
شيرين سباهي: قدم الأكراد أنفسهم للعالم بشكل متقدم وحضاري وهذا بات ملموس للجميع ...انفتاح تام مع الاتحاد الأوربي اقتصادي علميا ثقافيا استراتيجيا دوليا ألا يثير هذا النجاح حفيظة المالكي أثناء ولايتين فاشلتين له اثبت بها انه عميل قبل أن يكون رئيس وزراء
كفاح محمود: وهذا هو السر الذي يقف وراء كثير من المواقف العدائية أو المتشنجة سلبيا من الإقليم وشعبه مع الأسف الشديد.
شيرين سباهي: مشكلة المالكي مع كردستان هي قبل أن تكون مشكلة نفط كما تتضح الأحداث هي مشكلة الرغبة في الفرعنة وقد حاولت بغداد إيقاع الكرد في شباكهم وأخرها أزمة الموازنة ومقتل الصحفي العراقي على يد ضابط كردي وقد حاولت إثارة الشارع، لكن اربيل كانت  أكثر حكمة عندما توجهت حرم الرئيس الطالباني بزيارة لعائلة الفقيد وقطعت الطريق على بغداد.. وبين الحين والحين تأتي ريح بغداد بدخان جديد، هل نحصر كل ذلك بالخوف من أن تتحول اربيل إلى قطب يهدد بغداد اقتصاديا؟
كفاح محمود: اربيل وكوردستانها لا تنافس بغداد وعراقها إلا بما يجلب الخير لكليهما، لكن الآخرين مع الأسف الشديد انفصاليون وانعزاليون بشكل مقيت، بحيث تعمل أدواتهم الإعلامية ليل نهار على إشاعة الكراهية والحقد والضغينة والفتنة بين الأهالي ضد الإقليم وشعبه من خلال سيناريوهات وتمثيليات كما حصل في مقتل الصحفي الشمري ورفع شعار الدم بالدم البدائي، بينما يعيش بين أحضان كوردستان مئات الآلاف من العراقيين حالهم حال أي مواطن كوردي
شيرين سباهي: لقد زرت بغداد ...وصُدمت وزرت اربيل وانبهرت وكلاهما وطني ما الذي سارت عليه كردستان ولم تسير ولو حتى بمحاذاته بغداد ؟؟؟ حتى توجت اربيل عروسا للعراق؟
كفاح محمود: السر في إن من يحكم اربيل رجال دولة خبرتهم سنوات النضال المرير عبر التاريخ لا من اجل المناصب بل من اجل الشعب والوطن، وهذا ما حققوه لأهلهم بعد اعتلائهم منصة الحكم.
شيرين سباهي: القائد أذا لم يكن محنك ومستدرك لحل الأزمات من المحال أن يبني وطن وشعب مستقر ..... ؟؟؟ كيف نقرأ قرارات دولة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على مدى 8 سنوات في العراق ؟؟
كفاح محمود: السيد المالكي رجل سلطة لكنه ليس رجل دولة، وقد أثبتت السنوات الثمان العجاف فشل إدارته وطاقمه في معظم مفاصل حكم البلاد مع الأسف الشديد.
شيرين سباهي: العراق يعيش مخاض صراع دول متمثلة بأشخاص داخل  دولة العراق هل هذا الخلل هو طبيعي في نفوس الشخصيات التي تتربع أو هو صنيعة من يريد أن يجر العراق دهليز الانتهاء بكل مقوماته؟
كفاح محمود: اعتقد إن البلاد في مخاض عسير وعلى أبواب متغيرات كبيرة، وللخارج دور مهم فيها يتوقف على دور الأهالي ومكوناتهم في قبول هؤلاء أو رفضهم!
شيرين سباهي: شكرا لكم أستاذ كفاح محمود كريم، المستشار الإعلامي في مكتب السيد مسعود البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس اقليم كردستان.



50
المنبر الحر / العشوائيون
« في: 23:31 05/06/2014  »
العشوائيون

كفاح محمود كريم
 
    كما هي العشوائيات السكانية ومدن الصفيح التي انتشرت حول المدن من لملوم من البشر، بعد أن اختفت مظاهر الدولة والحضارة فقد ظهرت في المجتمعات السياسية والإعلامية عشوائيات أشبه ما تكون بالطفيليات، وهي اليوم وباستثناء أولئك المساكين الانقياء الذين لم يجدوا سقفا يستر عليهم فاضطروا مرغمين أن يكونوا جزءا من عشوائيات قذرة، تقوم هذه العشوائيات السياسية والإعلامية بدور لا يقل انحدارا وتخلفا عما تقوم به عشوائيات المدن من تداعيات أخلاقية واجتماعية وسلوكية.
 
    وكما يكذب ويدعي ويؤلف سيناريوهات هندية كثيرون من أهل التجاوزات أو العشوائيات حينما يصطدمون مع سلطات حكومية حول تجاوزاتهم وعشوائية استحواذهم على أراض ومقرات ومساكن ومقابر، تفعل العشوائيات السياسية والإعلامية الملحقة بالإدارة الاتحادية اليوم أفعال اقل ما يقال عنها بأنها واحدة من مخازي النظام السياسي والإعلامي الجديد ليس هنا في العراق وحسب بل على مساحة الدول التي تعرضت وتتعرض لرياح التغيير.
 
    واليوم ومنذ أكثر من سنتين تقوم هذه العشوائيات وأدواتها الإعلامية بحملة عدائية مقيتة ضد كل من يختلف مع الحاكمين في بغداد، وخاصة ضد اقليم كوردستان الذي يمارس حقه في الحياة الحرة الكريمة المزهوة بالأمن والسلام والتسامح، حيث تحول خلال عدة سنوات وبنسبة اقل مما يستحق من موازنة الدولة العراقية إلى بيت وملاذ آمن لكل العراقيين، بما يجعلهم يفتخرون بالانتماء له ولتجربته الرائدة ووطنية مسؤوليه وقادته، الذين أنجزوا خلال اقل من عقد من الزمان ما عجزت عنه كل الأنظمة التي تناوبت على حكم العراق وحتى النظام العراقي الجديد، الذي امتلك واردات خيالية ذهبت أدراج جيوب الفاسدين وكروشهم المليئة بالسحت الحرام.
 
    هؤلاء العشوائيون سواء كانوا أعضاء في البرلمان أو وزراء في مكتب القائد العام، ووزير ماله الذي يهدد عبره بقطع موازنة كوردستان، ملوحا بأن المرحلة المقبلة ستكون من مهمة القائد العام للقوات المسلحة، في اشارة ساذجة وسطحية لا يستخدمها إلا العشوائيون  في السياسة والإعلام، وهم يهددون شعبا يعرفونه جيدا في تاريخ مقاومته وإصراره على الانتصار، أو بتلك التصريحات التي تشبه حركات بهلوانات سيرك غجري مبتدئ في شكلها وإيقاعاتها، كما شهدناها واستمعنا لها من نساء يفترض عليهن الاتصاف بالحد الأدنى من اللياقة الأدبية، لكن عشوائيتهن دفعتهن إلى المطالبة تارة بمعاقبة اقليم كوردستان وشعبه وتارة أخرى بطرد وزرائه ونوابه من بغداد، أو بقتل أي سني كلما يقتل شيعي في العراق، وفي نفس السياق  يتحدث وزير آخر يفترض أن يكون ضمن الحد المعقول سياسيا، إلا انه وبعشوائية أيضا يجيب على تساؤلات من نوع كيف ولماذا ومن قطع تخصيصات شعب كوردستان، الذي يتجاوز الستة ملايين إنسان، ومعاشات ما يقرب من مليوني موظف، بأنه قرار رئيس الحكومة و... ( القائد العام للقوات المسلحة ) والتأكيد هنا على القوات المسلحة التي لها علاقة تاريخية بقصف حلبجة بالأسلحة الكيمياوية وعمليات الأنفال التي تسببت في إبادة ما يقرب من ربع مليون طفل وامرأة وشيخ من شعب كوردستان.
 
    هذا النوع من العشوائيات البائسة أصبح أهم ما يميز أداء المنتهية صلاحيتهم وهم يتعاطون مع اخطر ملفات البلاد في الأمن والسلام والطاقة وأرزاق الناس!؟

kmkinfo@gmail.com

51
إمارة الجودة والقانون

كفاح محمود كريم

     في مطلع سبعينيات القرن الماضي نهض على سواحل الخليج المقسوم ساحليا  بين ايران ومجموعة من الدول العربية، كيان مثير للجدل والشك لدى كثير من المراقبين السياسيين، بعيد انسحاب البريطانيين من مجموعة من المشيخات ومنحها الاستقلال، إلا وهو الأمارات العربية المتحدة في تطبيق فيدرالي هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط، تصور الكثير بان عقده سينفرط خلال سنوات قليلة، خاصة وان تجارب الاتحاد بين الدول العربية نموذج للفشل على مد العصور.

     لكن ما حدث خلال العقد الأول من انبثاق هذا الاتحاد أوقف الكثير من المراقبين عند سر إصرار حكيمه ورئيسه الشيخ زايد في تأسيس نموذج ستحتذي به المنطقة برمتها، وخلال سنوات ليست طويلة في تاريخ الشعوب بل على العكس كانت مذهلة في سرعة ما أنجز فيها من تغييرات نوعية في بنية الإنسان أولا ومن ثم الانتقال إلى الفضاءات الأخرى، فبعد أربعين عاما من عمر هذا الاتحاد الفيدرالي الجميل دفع لواجهة الحضارة في العالم المتمدن، تجربة يتوقف عندها المرء مندهشا لأسلوب التغيير الذي حصل خلال فترة قياسية وبإرادة صلبة جمعت عدة من إرادات وأفكار وطموحات مختلفة تماما، لكنها متفقة على إنشاء وإنجاح كيان يختلف كليا عما حواليه في المنطقة، دونما أية شعارات وبالونات ثوروية أو قوموية أو دينية، مع الاحتفاظ والتقدير لخصوصيات الأمارات السبع ونهجها وأسلوب حياتها، بحيث انك تشعر وأنت تتنقل بينها باختلاف كبير حد الانفصال، لكنك تكتشف فجأة أنهم متحدون تماما دونما مس لخصوصية أي منهم.

     في دبي التي لا تنتج برميلا واحدا من النفط ولا ملئ قنينة غاز واحدة، أثبتت للعالم اجمع قدرة الأهالي وقادتهم على استثمار الإخلاص وحب الوطن واحترام القانون، والإصرار على إنتاج ما تعجز عنه دول البترول والثروات الطبيعية الأخرى، وبعيدا عن الشعارات الافيونية التي خدرت معظم شعوب الشرق الأوسط ومن شابههم في نمط السلوك السياسي والإداري المقرف، فقد نجحت دبي بإرادة أهلها وقادتهم على انجاز ما أثار العالم برمته، بما في ذلك الأمريكان والأوربيين الذين تغص بهم هذه الإمارة الماسية، التي تفوقت على مدن الشرق والغرب في جودة ما تصنعه وفي استثمارها لا للمال الأجنبي فحسب، بل للخبرات العالية المستوى علما وتكلفة وجودة من أجل أن يشعر مواطن تلك الإمارة بالزهو، هو وسبعمائة ألف إنسان آخر يشكلون سكان الإمارة الأصليين، يشاركهم في كل ما أنجز ما يقرب من مليوني إنسان آخر من كل  أنحاء الكوكب وفي مختلف الاختصاصات والوظائف باستثناء اختصاصات الكسل والتنبلة والشعارات والاتكاليات، لا يفرق بينهم عرق أو لون أو دين أو مذهب وتوحدهم مشاعر الانتماء للجودة والرفعة!

     حينما تأسس هذا الاتحاد في عام 1970م كانت بغداد وشقيقاتها من مدن العراق تتباهى إلى حد ما بعمرانها وزراعتها وبعض صناعاتها وجامعاتها، وبعد أربعين عاما أصبحت الأمور في غاية التعقيد إذا ما حاول المرء أن يقارن بين دبي أو أبو ظبي وبين بغداد أو البصرة أو الموصل، ولكي لا تكون مساحة الإحباط كبيرة، نهضت مدن في كوردستان خلال اقل من عشر سنوات وبسرعة مذهلة اختصرت فيها كثير من الزمن، لكي تنهض بشكل جعلني افتخر كثيرا وأنا استمع لنخبة من المثقفين ورجال الإعلام والأعمال في دبي ممن زاروا اربيل ودهوك والسليمانية، وهم يبدون إعجابهم الكبير بما حققه شعب كوردستان خلال سنوات قليلة من الانجازات، رغم ما أفسدت بعض مشاريعه حلقات من فساد المال والإدارة، إلا إن المحصلة الأخيرة أعطت نتائج نفخر بها جميعا ونطمح أن تنتقل إلى كوردستان أروع أسباب نجاح تجربة إمارة دبي ألا وهي سيادة القانون وصرامته على الأمير وعلى عامة الناس، وثقافة صناعة الجودة التي تميزت بها هذه الإمارة وشركاتها ورجال أعمالها الذين يعتمدون في كل مشاريعهم وإنتاجهم واستيراداتهم على أرقى المستويات تنفيذا وتصنيعا، مما جعل إمارتهم (First class ) في كل شيء، وهي تعمل ليل نهار لكنها تتمتع أيضا ليل نهار، بحيث يصعب عليك أن تفرق بين ساعات العمل والمتعة، فهي قد نجحت بتميز كبير في استثمار ساعات المتعة أيضا من اجل أن لا تتوقف عجلات العمل والتقدم وهي تعج بآلاف الشركات ورجال الأعمال من كل أصقاع الدنيا، يجدون فيها ضالتهم وواحة آمالهم واستراحتهم وهم ينجزون على ضفافها أجود ما حلموا به!
kmkinfo@gmail.com
 


52
المنبر الحر / بلاد الزرق ورق!؟
« في: 16:35 20/05/2014  »
بلاد الزرق ورق!؟

كفاح محمود كريم

     رغم وجود عوامل كثيرة تقف وراء تفشي ظاهرة الفساد والإفساد إلا أن عاملا مهما يبدو انه الأكثر تسببا في إنتاج أجيال من الفاسدين، وهو الناتج من خلل في توازن معادلة الإنسان المناسب في المكان المناسب، هذا الخلل الذي تحول في بلداننا التي تستحق بجدارة تسمية بلدان الزرق ورق، كما تسميها الدارجة العراقية وهي تصف مظاهر مزركشة وبواطن نتنة تختفي وراء عناوينها أكثر السلوكيات انحرافا وتخلفا، فما أجمل البرلمان والرئاسة والقضاء في ظواهرهم المزركشة، وما أقبح ما نتج عنهم طيلة سنين مضنية وحادة في القتل والتخريب واللصوصية والهدر في المال العام والثروات الطبيعية والطاقة؟

     ولعل الكثير منا شهد ويشهد الآن وخاصة منذ انهيار هيكل البعث المهترئ في العراق، ومَن ماثله من أنظمة القائد الضرورة والزعيم الأوحد من تونس ومصر وليبيا واليمن ولاحقا سوريا وغيرها، ونهوض مؤسسات يفترض أن تكون أفضل من سابقاتها الكارتونية أيام أنظمة الزعماء المحنطين وأحزابهم المتكلسة، حيث انتخبت جموع الجياع أكلا ووعيا وعقلا وممارسة وسلوكا أناسا يمثلونها، لتأسيس دولة رجل الشارع والعموم من الأهالي، ولأنه كما تقول الدارجة العراقية في أجمل توصيفاتها " عاب شيء لا يشبه أهله؟ " فقد اندست تلك الكائنات التي تشبه أهلها عبر صناديق العشائر والشيوخ والفتاوى إلى قبة الامتيازات والسحت الحرام!؟

     وبين ليلة وضحاها أتقن أنصاف المتعلمين وأرباع المثقفين رياضة القفز واللعب على الحبال لممارسة بقالة السياسة والإعلام، ليتحولوا بقدرة قادر في الربيع المزركش إلى علماء ومفكرين في بلدان ما تزال تئن من جروح الدكتاتورية وثقافة القطيع وفهلوة الراقصين في كل المواسم والحفلات، فحينما يصبح نادل أو عريف في الشرطة، فريق أول في الجيش خلال أشهر، أو رئيسَ تحرير جريدة يومية أو مديرا عاما لفضائية، ماذا تتوقع أن تكون عليه الأمور سياسيا وإعلاميا وأخلاقيا، حيث شهدنا أنماطا من هؤلاء ظهروا بوضوح المعالم وسفاهة الادعاء في فضاءات السياسة والإعلام، تدعمهم ماكينة الفساد السياسي ومؤسساته الحزبية أو الاجتماعية عبر منظومة العشائر والقرى وما يلحقهم من سلوكيات وممارسات، فأصبح لدينا وبأسماء جميلة للغاية مؤسسات البرلمان والرئاسة المنتخبة عبر ذات المعايير التي استحوذت بواسطتها كل الأنظمة الشمولية من ناحية المبدأ واختلاف الأساليب والآليات!؟

     وليس عجيبا في بلدان الزرق ورق كما هو واضح في ظاهرها المزركش وباطنها المتعفن بالفساد والتسلط وكما ذكرنا قبل اسطر، أن ترى نائب ضابط  في الجيش أو عريف في الشرطة قد أصبح بجرة قلم حنون فريقا أولا في جيش صدام حسين، وبعد 2003 يتحول شبيهه إلى صحفي أو رئيس تحرير جريدة أو مدير عام فضائية وهو لا يعرف ألف باء أخلاقيات تلك المهن، وخذ عندك من مشاهداتك عزيزي القارئ في قريتك أو بلدتك أو مدينتك خلال العقد المنصرم من نماذج مخجلة أضاعت علينا فرصا تاريخية وذهبية للنهوض بالبلاد وتطويرها، حيث تكلست عناقيد هذه المجاميع الطفيلية من عصارة الماضي المخجل للبلاد، في كل مفاصل الدولة إلى الدرجة التي جعلت الشعب الذي أبكته الأنظمة السابقة يبكي عليها اليوم ويحن إلى أيامها!؟   

kmkinfo@gmail.com



53
قاضٍ أم نائب أم دلال؟

كفاح محمود كريم

     قبيل انتخاباتنا الميمونة وهبوط الصمت الانتخابي، جن جنون المتنافسين كتلا وأحزابا ومرشحين في استعراضات لا ينقصها الكذب ولا الافتراء، وتزينها الكلاوات والوعود الفارغة، حتى انك تصاب بالاشمئزاز من تسول بعضهم للأصوات بشكل صفيق من خلال توزيعهم لرشاوى على شكل مبالغ نقدية أو دجاجية أو بطانيات ومدافئ، تذكرنا بدلالات البسطات أمام الأسواق المركزية واورزدي باك سابقا.

     لكن أبشع ما شهدناه حقيقة خلال الحملات الانتخابية تلك المشاهد التي احتوت على مساومات رخيصة جدا، وهي تستهين بالمواطن وتستغل سذاجته وحاجاته الأساسية في السكن أو التملك، ضمن حقوقه الإنسانية المهمة على الدولة ومؤسساتها، دونما منة أو فضل من احد، ولعل الكثير من أولئك الذين حاولوا تجديد عضويتهم في بقالة مجلس النواب وخاصة ممن ذاقوا الطعم وعرفوا من أين تؤكل الكتف وحولوا " الهور إلى مرك والبردي إلى خواشيك "* كما تقول الدارجة العراقية في أجمل توصيفاتها لأهل المزايدات والمبالغات وهم يمهدون لرجعتهم الثانية أو الثالثة إلى عالم المزايدات والامتيازات وسوق دماء ودموع وقوت شعب أدمن نظام القطيع تحت خط الفقر وتخدير مختلف الشعارات من أقصى يسارها إلى أقصى يمينها!؟

     ولعله ونحن في مسيرتنا الديمقراطية ذات الألف ميل ما زلنا في خطواتها الأولى، أكثر ما يؤلم سلوك أولئك الذين شغلوا مناصب تنفيذية بمختلف المستويات من دولة الرئيس إلى فراش المدير، واستغلوا تلك المواقع والمناصب وصلاحياتها لغرض الدعاية الانتخابية لشخص أو حزب أو كتلة، بل إنهم استخدموا آليات حكومية وأموال عامة وعقارات تابعة للدولة، إضافة إلى الأراضي التي وعدوا بتوزيعها وتمليكها لأولئك المصابين بالعجز الأبدي في المال والسكن والعمل من الفقراء في جيوبهم وعقولهم ووعيهم، أولئك الذين كانوا عبر التاريخ محط استغلال كل الأنظمة والأحزاب اليسارية واليمينية حتى تحولوا إلى قطعان تقودهم ذئاب بشرية تسلقت سلالم السلطة والمال في زمن كوليرا الأخلاق والقيم!؟

      ولا غرابة أن نشاهد نموذج من تلك المساومات الرخيصة لحاجات الفقراء حينما يتم استبدالها بأصواتهم والتهديد بالحساب بعد الانتخابات في مصداقية التصويت لمن سيمنحهم تلك الأراضي؟*

      مشاهد يتوقف عندها المرء عاجزا أو حائرا أمام تعريف لصاحبها أو توصيف لفعله ومهنته فيتيه بين عناوين عديدة، هل هو القاضي الذي وقف أمام ميزان العدل ليحكم مجرمي النظام السابق الذين اخترقوا القوانين واستغلوا مراكزهم ومواقعهم لاستغلال الشعب والاستحواذ على السلطة، أم هو النائب الذي انتخبته الأهالي لكي يمثلها ويدافع عن حقوقها بعدالة وشفافية، أم هو دلال في سوق للمزايدات والمساومات في أسواقنا الشعبية بالشورجة أو باب الطوب أو سوق هرج!؟

     حقا ما أصدق الحديث الشريف " كيف ما تكونوا يولى عليكم!؟ "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•   مثل شعبي عراقي يضرب على من يبالغ في الأمور فيحول الاهوار إلى موائد طعام وعيدان البردي إلى ملاعق للأكل! 
•   يوتيوب يظهر مساومات مع مجموعة من فقراء الفلاحين لقاء إعطاء أصواتهم:
 https://www.youtube.com/watch?v=ZwV8EKCV-_I




54
أصوات وسيوف مهترئة؟

كفاح محمود كريم

     اعتاد بعض أفراد طاقم دعاية كتلة القانون والمقربين من إدارتها إشاعة معلومات مشوشة غير دقيقة بل في اغلبها مناف للحقائق إلى حد التجني والادعاء، وليس أدل على تلك الظاهرة المستشرية بين طواقم معظم من حكم بغداد عبر تاريخها كعاصمة للدولة العراقية ربما باستثناءات قليلة لا تخضع للقياس العام، إلا تصريحات وادعاءات وتدليس تلك الطواقم الملحقة بدفة الحكم.

     ومنذ أن بدأت الحملات الانتخابية شرعت تلك المجاميع بتصريحات من شأنها توسيع رقعة الخلافات وإشاعة الكراهية والأحقاد بين المذاهب والأديان والأعراق، فقد شاهدنا وسمعنا تصريحات لبعض نايبات البرلمان العراقي ممن رفعت عنهن نون النسوة وما يترتب عن ذلك الحرف من صفات ومواصفات، وهن يصببن جام عقدهن على الآخرين المختلفين معهن رأيا وفكرا وسلوكا، حتى وصلت السفاهة بالبعض إلى المطالبة بقتل سبعة من السنة كلما قتل سبعة من الشيعة، أو كما قالت واحدة أخرى من الشفاطات بضرورة معاقبة إقليم كوردستان ومحاصرته!؟

     ثم ينبري آخر تخصص بالكراهية والحقد على كل شيء جميل في بلادنا، ويتفق كل العراقيين باستثناء طاقم الدعاية والتنظير حول السيد رئيس الحكومة الاتحادية بان أجمل ما بقي من بلاد اسمها العراق هو إقليم كوردستان وربما لهذا السبب ينبري هؤلاء الفاشلون في كل مرة لكي ينفثوا سمومهم بتصريحات لا يصدقها إلا من شاكلهم في العقلية والعقد ومركبات النقص، حيث يقول سامي العسكري في واحدة من بهلوانياته الدعائية إن:
 
     ( إقليم كوردستان تحول إلى مشكلة في الجسم العراقي لأنه يتدخل بشؤون الإدارة في العراق ولا يقبل احد بالتدخل في شؤونه! ) وان ( إقليم كوردستان يعد الإقليم الوحيد في الكرة الأرضية (!) الذي يمتلك جيش أقوى من جيش الحكومة المركزية )!؟

    وماذا بعد !؟ هل من اكتشاف جديد؟

    لقد نسي العسكري إن قوة إقليم كوردستان ليست بقواته المسلحة فقط، مع ما يشهد لها عبر التاريخ من قوة وارداة وصلابة كونها تمتلك قضية تؤمن بها وتعتنقها، ورغم ذلك فان القوة الحقيقية في الإقليم تكمن في نجاحاته وإيمانه وإرادته على الانتقال إلى مصاف الدول المتقدمة بأخلاقيات متحضرة ومدنية تواكب العصر، وهذا ما حصل ويحصل منذ اقل من عقد واحد من السنين، حيث أنجز الكوردستانيون ما عجزتم عنه خلال ذات الفترة وبما يقرب من سبعة مئة مليار دولار، بل إن ما حصل في الإقليم فاق كل ما أنجزته حكومات بغداد منذ تأسيس كيان الدولة وحتى يومنا هذا بإمكانيات محدودة ومنقوصة كما يعلم الجميع، إلا إن الإرادة الصلبة والإيمان الكبير  لشعب كوردستان وقياداته ومؤسساته الدستورية هي التي جعلت هذا الإقليم الأجمل والأقوى والأجدر بالديمومة والبقاء، فهو ملاذ العراقيين جميعا وحضنهم الدافئ بعيدا عن المذهبية المقيتة والتخلف والفساد واللصوصية.

    إن القوة لم تعد تحسب بنوع السلاح وعدده في الجيوش ولا بعدد أفراده، فقد امتلك صدام حسين جيوشا جرارة واخطر أنواع الأسلحة وأكثرها تطورا وملايين من المكسورين، لكن إرادة البيشمه ركه وإيمانها بقضيتها هي التي حطمت تلك الأسطورة وتلك الأسلحة التي أذلتها الإرادة الصلبة المؤمنة، وأحالت فيالق جرارة من العساكر إلى أسرى!

     لقد كان أهم أسباب ضعف الجيش العراقي هو انه لم يمثل الشعب ومكوناته بشكل حقيقي، ولم تنجح كل الأنظمة المتعاقبة على حكم العراق في إشاعة مفهوم راق للمواطنة تجعل منه جيشا يتشرف كل العراقيون بالانتماء إليه، بل استخدمته كوسيلة قمعية طاغية بيد تلك الأنظمة ولهذا كان ضعيفا مهترئا مكسورا، وهو اليوم أيضا وضع في ذات الدائرة التي تسببت في ضعفه وانحلاله، وقد نبهت قيادة الإقليم منذ البداية إلى إن الوقوع في تلك الدائرة  ستحول الجيش إلى مجرد ميليشيا تابعة لرئيس النظام وينحصر تمثيله بفئة وحزب ومكون على حساب الآخرين، وتلك ستكون سببا لفشله وضعفه وإسقاط تسميته بالجيش الوطني، إلا أنهم أصروا على الوقوع في ذات النهج الذي تسبب في ما حصل للعراق من دمار وتفكك وانهيار.

kmkinfo@gmail.com


55

الناطق الرسمي لرئاسة اقليم كوردستان
يرد على تصريحات رئيس الوزراء العراقي الأخيرة

     طرح رئيس مجلس الوزراء العراقي، في الآونة الأخيرة، في عدد من لقاءاته التلفزيونية والصحفية، وجهات نظر وآراء خطيرة حول حقوق الشعب الكوردي والفيدرالية والدستور والعملية السياسية في العراق، لا يمكن تجاهلها وعلى كافة المؤمنين بمبادئ الديمقراطية عدم السكوت حيالها، وقد أتت هذه التصريحات في وقت تتعمق فيه الأزمة السياسية أكثر من أي وقت مضى، حيث تشهد البلاد تدهورا أمنيا واضحا، ويعاني المواطنين من سوء الخدمات على الرغم من الواردات الكثيرة والميزانيات الضخمة، ويأتي ذلك كحصيلة عمل لثمان سنوات من إدارة رئيس الوزراء الحالي للحكومة الاتحادية، هذا بالإضافة إلى إن الطائفية والتمزق الاجتماعي ونيران الفتنة بين المكونات تتوسع يوما بعد يوم في ظل هذا الحكم.
     إن سياسيا يملك هذا السجل المتردي من المسؤولية، بدلا من أن يعتذر للشعب العراقي ويبتعد عن العمل السياسي، يقوم بالتهجم على المكونات العراقية ويعرض نفسه كمنقذ محملا الغير أسباب فشل سياسات حكومته. 
     إن تصريحاته حول حقوق الشعب الكوردي والشراكة والديمقراطية وخرق الدستور، هو دليل على إحياء تلك الثقافة التي أفقدت الشعوب العراقية السلم والأمان وأوصلت أبشع أنواع الحكام إلى سدة الحكم، وحول تلك التصريحات نود توضيح وإعلام   جميع الأطراف بما يلي:

أولا:
     إن الطرف الوحيد الذي يحق له التحدث عن حق تقرير المصير للشعب الكوردي، هو الشعب الكوردي نفسه، لأنه حق مشروع وطبيعي ولن يستطيع أي شخص أن يصادر هذا الحق، وليست هناك أي قوة قادرة عن منعه من ممارسته، لأن هذا الحق يعلو على كل الحكام والحكومات.   
     بعد سقوط النظام السابق لعب الشعب الكوردي دورا أساسيا في إعادة بناء العراق، وقرر بشكل طوعي أن يعيش ضمن الدولة العراقية، وأن يصوت للدستور العراقي، الذي تشكل الشراكة والديمقراطية العماد الرئيسي له، كما وانه وبعد سقوط البعث رغب الشعب الكوردي بفتح صفحة جديدة لتجديد عقده مع العراق على أمل أن تنتهي في العراق الجديد كل أنواع الاضطهاد والتبعية والظلم والإقصاء وان تكون الفيدرالية والديمقراطية والشراكة الحقيقية هي الأساس لتعايش الشعوب العراقية،    ولكن بعد سنوات من المصادقة على الدستور، فانه أي الدستور ومبدأ الشراكة أصبحا من الناحية العملية معرضين لتهديد ثقافة الاستبداد والنظر إلى الكورد كتابع.
      إن حكام العراق الحاليين لم يسمحوا أن يجتاز العراق امتحان المرحلة الجديدة والالتزام بالدستور بنجاح، وانه على العكس من كلام رئيس الوزراء العراقي، فان مطالبة الكورد بمراجعة نوعية علاقة الشعب الكوردي مع العراق مطلب دستوري، لأنه وبحسب ما جاء في ديباجة الدستور العراقي التي تقول إن العراق عراقا اتحاديا اختياريا بين مكوناته وان الالتزام بهذا الدستور يحافظ على هذا الاتحاد أرضا وشعبا وسيادة، وان سبب تثبيت هذه الفقرة هو من أجل أن يكون هناك طريق دستوري لتتمكن كوردستان من تقرير مصيرها، في حالة تسلم شخص السلطة في العراق وقام بخرق الدستور وتجاوز الشراكة.
     إن الذي يشجع الكورد على إعادة النظر في علاقاته مع العراق هو خرق الدستور من قبل حكام العراق، فالخروقات الدستورية والسياسات المضادة للدستور خلال السنوات الماضية من قبل السلطة في بغداد أبعدت العراق عن الفيدرالية، بل وبالضد من الدستور فقد قام حكام العراق الحاليين بمنع المحافظات من ممارسة حقها في إعلان نفسها كأقاليم، وعمل الحكام على ترسيخ الطائفية وخرق مبدأ فصل السلطات وعدم وجود المجلس الاتحادي والعودة إلى المركزية وعشرات من المواقف التي قطعت الطريق أمام تحول العراق إلى دولة فيدرالية حقيقية، ولذلك فان الخطر الحقيقي على وحدة الدولة العراقية هم حكام بغداد الذين أفرغوا العراق من كل معاني الفيدرالية بعد كل هذه التضحيات، وبعد أن شعر الشعب الكوردي إن نظرة التبعية تجاه الكورد والتخلي عن الشراكة في بغداد في تصاعد مستمر، فانه من حقه أن يفكر في إعادة النظر بعلاقته مع العراق.
 
ثانيا:
     يظهر وبجلاء من خلال تصريحاته إن رئيس الوزراء العراقي لم يهضم بعد مبادئ الديمقراطية والعمل البرلماني عندما يصف منافسيه السياسيين بمخططي مؤامرة أربيل، ويبدو إن رئيس الوزراء العراقي نسي إن التوافق واتفاقية أربيل هي من أوصلته إلى رئاسة الوزراء للمرة الثانية وان سلطته هي نتيجة توافق المكونات العراقية.
     على رئيس الوزراء العراقي أن يدرك إن المنافسة السياسية فعل طبيعي في الحياة السياسية وانه من الطبيعي أن يتسلم شخص ما الحكم عن طريق التوافق ويغادر السلطة بنفس الآلية، صحيح إن اجتماعات أربيل لم تنجح في سحب الثقة من المالكي وهو يعلم جيدا السبب في ذلك، إلا أنها كانت ممارسة حق دستوري وقانوني للأطراف السياسية، والدستور يسمح لها  بأن تسعى إلى إنهاء سلطة رئيس الوزراء عن طريق سحب الثقة منه.

 ثالثا:
     إن رئيس الوزراء الذي جاء بتوافق المكونات العراقية يحاول وفي إحدى تصريحاته أن يظهر نفسه فوق جميع المكونات العراقية ويقسم العراق على أساس طائفي عندما يقول: أنا أقف ضد الكورد عندما يخرقون الدستور، وأقف ضد السنة عندما يخرقون الدستور كما أقف ضد الشيعة عندما يخرقون الدستور، وهنا لا يرى السيد المالكي غير نفسه فهو يهمش الدور الرقابي للبرلمان والمحكمة الاتحادية ورئاسة الجمهورية، علما بأن الدستور لم يعط المالكي دورا رقابيا، وان وظيفته وظيفة تنفيذية ليس إلا، وليس هو من يقرر إن جهة ما خرقت الدستور من عدمه، وتصريحه بهذا الخصوص لا يستند إلى أي سند دستوري.
 هو يقول: "اليوم أنا مع الكورد، وغدا أقف ضدهم إذا خرقوا الدستور".
     إن رئيس الوزراء العراقي أرسل جيشه إلى زمار وكركوك ضد الكورد، ووصف الخلافات بين أربيل وبغداد بالخلافات القومية، وقام بقطع رواتب مواطني كوردستان، هذه هي أعمال نوري المالكي تجاه الكورد وهو يدعي بأنه معهم، فماذا سيفعل غدا إذا أعلن غدا انه ضد الكورد؟

رابعا:
     إن رئيس الوزراء العراقي يعتقد إن الكورد غير مستعدين للانفصال وغير قادرين عليه بسبب الدول الجوار والخلافات الداخلية، ويقول كذلك إن الكورد لم يستطيعوا تشكيل الحكومة بعد مضي ستة أشهر.
    حقيقة، إن التهديد الأكبر الذي واجه الكورد خلال التسعين السنة الماضية هو العقلية الديكتاتورية واللا ديمقراطية للحكومات العراقية المتعاقبة وليس شيء آخر، وان وجود الاختلاف في الرأي بين الأطراف الكوردية حالة طبيعية، وإنها ألف باء الديمقراطية.
     إن كوردستان تعمل من أجل تشكيل حكومة وطنية قوية على أساس التوافق ومشاركة كافة الأطراف، وهذه هي القواعد نفسا التي لا يريد رئيس الوزراء العراقي الأخذ والعمل بها، مع انه استفاد منها كثيرا ولكنه قام بخرقها، فقد أشار في إحدى تصريحاته انه قد ضمن تحالفا مع طرف كوردي، إن هذا الكلام مجرد دعاية انتخابية، لأنه لا يوجد طرف كوردي مستعد للانتحار سياسيا بتحالفه مع شخص لا يؤمن بحقوق الشعب الكوردي ويقف بالضد منه.

خامسا:
     إن رئيس الوزراء العراقي يتحدث عن الشراكة، ويدعي بان الكورد لم يفهموا معنى الشراكة ويعتبر الشراكة المؤسسية ومشاركة الكورد في البرلمان ومجلس الوزراء دليلا على وجود الشراكة في العراق.
إن حكومة لا تحترم المؤسسات وتتجاوز شركائها من أجل تمرير قانون أو مشاريع قوانين، كيف لها أن تطبق الشراكة المؤسساتية؟
عن أية مؤسسات يتحدث؟
في الوقت الذي يصدر جميع القرارات من مكتب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة؟
أية مؤسسات يقصد؟
عندما يمرر قانون الميزانية العامة بدون الصوت الكوردي؟
أي مؤسسات؟
عندما يعمل مجلس الوزراء بدون وجود النظام الداخلي؟
 
سادسا:
     إن مرحلة حكم الرئيس الحالي لمجلس الوزراء العراقي تعد أحدى أسوأ المراحل في تأريخ العراق، وان سجل أعمال حكومته مليئة بالفشل الاقتصادي والسياسي للدولة العراقية، وانه وبعد ثماني سنوات من الحكم لا يستطيع أن يتهرب من مسؤوليته عن:
1- تدهور الوضع الأمني والتهديدات اليومية للإرهاب.
2- إن العراق في ظل هذه الحكومة أصبح من بين أكثر دول العالم فسادا.
3- تدهور العلاقات الدبلوماسية للعراق مع العديد من دول الجوار. 
4- تفاقم نسبة هجرة المواطنين ومهجري الداخل وتصاعدها بازدياد مستمر.
5- على الرغم من الميزانيات الضخمة والواردات الكبيرة، فان مستوى تقديم الخدمات وقطاعات الصحة والتعليم والكهرباء والطرق سيئة جدا، ونسبة الفقر في تصاعد مستمر.
6- العمل على ترسيخ الطائفية وإشعال نار الفتنة واتساع الهوة بين المكونات العراقية.
7- يبتعد العراق يوما بعد يوم عن معاني الدولة.
8- إن أوضاع حقوق الإنسان والحريات الفردية ووضع المرأة العراقية قد ساءت كثيرا، وان الاعتقالات بدون قرار المحاكم أصبحت ظاهرة منتشرة، إضافة إلى إن الحكومة غير مهتمة بمتابعة الأعداد الكثيرة من حوادث القتل والخطف والجريمة التي تحدث في المدن العراقية.
 
سابعا:
      يتحدث رئيس الوزراء العراقي مدعيا بأنه وحكومته لم يتخذوا أية خطوة ضد الدستور والقوانين، بل ويتحدى من يأتيه بأية خروقات دستورية قام بها هو أو حكومته خلال ثمان سنوات من حكمه.
     وهنا يمكن أن نشير إلى عدد من الخروقات الدستورية والقانونية لرئيس مجلس الوزراء وحكومته خلال السنوات الثماني الماضية:
1- عدم تطبيق المادة 140 من الدستور العراق والعمل ضد أحكام المادة المذكورة وبطرق مختلفة.
2- التهرب من إجراء التعداد السكاني، حيث إنه وبموجب قانون مجلس النواب العراقي كان من المفروض إجراء التعداد السكاني في 2008، ولكن الحكومة العراقية لم تقم بذلك، ورغم إن المحكمة الاتحادية اتخذت قرارا ملزما لإجراء التعداد السكاني، إلا أن حكومة المالكي لم تلتزم لا بقانون مجلس النواب ولا بقرار المحكمة ولم تجري التعداد السكاني لحد الآن.
3- خلافا للمادة 85 من الدستور فان مجلس الوزراء العراقي ورئيسه يعملان بدون وجود نظام داخلي للمجلس، وهذا يؤدي إلى نهج الدكتاتورية في اتخاذ القرارات وفي عملية إصدارها، وإنهاء أحدى أهم أسس الشراكة المؤسساتية التي يتحدث عنها المالكي، وفي ظل عدم وجود هذا النظام لا يستطيع نواب رئيس الوزراء ممارسة صلاحياتهم الحقيقية وأداء مهامهم.
4- على العكس من المادة الأولى من الدستور التي تعرف الدولة العراقية بأنها ذات نظام جمهوري برلماني، لكنه قد تم تجميد الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب بسبب تدخلات السلطة التنفيذية.
5- خلال السنوات الماضية تمت إدارة الكثير من الوزارات والهيئات والمؤسسات المهمة وكالة، كما وفي مخالفة صريحة للفقرة خامسا من المادة 80 من الدستور لم تقدم الحكومة أسماء وكلاء الوزارات والسفراء وقادة فرق الجيش ومسؤولي المؤسسات الأمنية ورئيس جهاز المخابرات الوطنية وأصحاب الدرجات الخاصة إلى البرلمان، علما بأنه لا يحق لرئيس الوزراء سوى ترشيحهم إلى البرلمان لإقرار تعيينهم وإعطائهم درجاتهم الخاصة، الا ان المالكي وخلافا للدستور قام بتعيينهم دون الرجوع الى البرلمان. ان غياب البرلمان في تعيين تلك المناصب، يؤدي بالنتيجة أن تكون تلك القرارات لمصلحة وصلاحية شخص واحد هو رئيس الوزراء.
6- بموجب المادة 63 من الدستور لعضو مجلس النواب خلال عمله حصانة ولا يمثل أمام المحكمة بناء على آراءه، ولكن هناك نواب قد جرى توقيفهم بدون رفع الحصانة وتم إبعاد عدد منهم وذلك فقط بسبب آرائهم المخالفة لرأي المالكي.
7- بموجب المادة 9 من الدستور العراقي فان القوى الأمنية والجيش يتكون من أبناء كافة المكونات العراقية دون تمييز وأن يراعى التوازن في تشكيلاته، وأن يكون  تحت قيادة مدنية وأن يدافع عن العراق ولا يستخدم لقمع الشعب العراقي وان لا يكون للجيش دور في الشؤون السياسية وتداول السلطة.
8- والسؤال هنا، أين توازن المكونات داخل الجيش والأجهزة الأمنية؟
أين الانتماء الوطني لتلك القوات؟
     إن رئيس الوزراء يسعى إلى صنع جيش يكون ولاءه لشخص واحد، وعلى النقيض  من الدستور يتم استخدامه واستخدام الأجهزة الأمنية لزرع الخوف والرعب لدى أبناء المكونات العراقية وحسم الخلافات السياسية وقمع المتظاهرين، إضافة إلى استحداث عدد كبير من الهياكل والمؤسسات خارج الدستور، مثل قيادات العمليات وقوات مكافحة الإرهاب وقوات سوات .. والخ.
     إن المالكي وعن طريق تشكيل قيادات العمليات العسكرية في المناطق المختلفة من العراق، يمارس صلاحيات حالة الطوارئ وهذه مخالفة صريحة للدستور، لان إعلان حالة الطوارئ يحتاج إلى موافقة رئيس الجمهورية والأغلبية المطلقة من مجلس النواب.
9- إن المادة 122 من الدستور قد حددت صلاحيات المحافظات على أساس اللا مركزية وان المحافظ يعتبر السلطة الأعلى في الحدود الإدارية للمحافظة، وان مجالس المحافظات لا يخضعون لأية وزارات ولهم ميزانية مالية مستقلة.
وفي مخالفة واضحة لتلك المادة، وفي ظل سلطة المالكي ومقربيه فان المحافظات لا تملك تلك الصلاحيات وان الحكومة تتعامل معهم بشكل مركزي.
     وأخيرا، فان ما جاء في هذا البلاغ هو صورة عامة عن الأوضاع المتردية التي يعيشها الشعب العراقي، ومن المؤكد إن هذه الأوضاع هي نتيجة سوء الإدارة ومحاولة إعادة إنتاج الدكتاتورية، والسعي إلى التسلط والمركزية وخرق الدستور،   وان رئيس الوزراء العراقي لا يمكنه التهرب من المسؤولية.
     نأمل أن تستفيد الشعوب العراقية من الفرصة المؤاتية وتتمكن عن طريق الانتخابات من إنهاء هذه الأوضاع السيئة وإحداث تغييرات جوهرية في العملية السياسية وإعادتها إلى مسارها الصحيح. 

 


56
كوردستان والأسس النبيلة

كفاح محمود كريم

     منذ أيام الثورة الأولى وبداية تنفيذ المشروع النهضوي الكوردستاني حددت القيادات الكوردية مجموعة أخلاقيات وثوابت للتعاطي مع المجتمع الكوردستاني بكل أطيافه ومكوناته القبلية والدينية والاجتماعية، ومع العدو المتمثل بقطعات الجيش والأجهزة الخاصة التي تحارب فصائل الثوار البيشمه ركه والتنظيمات الحزبية في المدن والقرى، ولعل ابرز تلك الأخلاقيات والثوابت ما أكده الزعيم الكوردي الكبير مصطفى البارزاني من إن العدو الحقيقي ليس الجيش أو العرب بل النظام الدكتاتوري الحاكم، وعليه فان أسرى القوات المسلحة ضيوفا وليسوا أعداء، وكان يوصي بهم كثيرا ويحسن التعامل معهم حتى قرر الكثير منهم البقاء مع الثوار والاشتراك معهم في كثير من العمليات.

     ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي حيث تمتع الكوردستانيون بنوع من الاستقلال الذاتي أتاح لهم اختيار الديمقراطية أسلوبا في إدارة مناطقهم المحررة وتشكيل مؤسساتهم الدستورية وفي مقدمتها البرلمان والحكومة الإقليمية التي أدارت الإقليم بشكل ناجح رغم ما اعترضها في معظم كابيناتها من تحديات كبيرة داخلية وخارجية.

     ولعل أهم ما ميز نقاء المشروع النهضوي لشعب كوردستان هو تعامله مع كثير من المفردات التي منحته مصداقية عليا لدى الأهالي والمراقبين في كوردستان والعراق عامة، وفي مقدمة ذلك تحوله إلى ملاذ آمن لكل العراقيين المعارضين للدكتاتورية سواء اتفقوا أو اختلفوا مع قيادة الإقليم، إضافة إلى حمايتهم لأنابيب البترول التي كانت وما تزال تمر من الأراضي الكردستانية المحررة، وطيلة ثلاثة عقود لم تتعرض فيها إلى أي خدش بينما لم تفلت ذات الأنابيب من الموصل وحتى البصرة من عمليات السرقة والنهب والتخريب، حتى إن البترول يتوقف لأشهر كاملة من اجل تصليح ما خربته المجاميع المسلحة وغير المسلحة.

     وفي قضية المياه التي روج لها العنصريون وخاصة تلك الأكذوبة التي حاول البعض إشاعتها من أن الكورد يحبسون مياه سد دوكان ودربندي خان، فقد أكدت مجريات الأمور أنها افتراءات سخيفة يراد بها كسب مجاميع من الأصوات الخائبة للحصول على مقاعد في برلمان الامتيازات والقومسيونات، حيث أن دوكان ودربندي خان وغيرهما تحت سيطرة الإقليم منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي ولم يحصل شي من هذه الثقافة البائسة، فهي هنا تغطية على جريمة قطع المياه من السدود والسدات في غرب البلاد سواء من الحكومة التي تريد إغراق المدن والبلدات بقصفها لتلك السدود أو من قبل المسلحين؟

     أن المحن والظروف الصعبة هي التي تظهر حقيقة ومعادن البشر كما يقولون، ففي أكثر المواقف حدة في الصراع بل وحتى في أيام الانتصار وتقهقر العدو، كان الكوردستانيون يقبلون أي بادرة سلمية لحل القضية الكوردية، كما حصل في الحادي عشر من آذار 1970م، وكان حينها الجيش العراقي قاب قوسين أو ادني من الانهيار الكلي، إلا إن القيم الأخلاقية العليا التي تنتهجها الثورة في كوردستان تأبى استغلال الفرص لتنفيذ مشاريعها، فكانت تختار السلام والحوار طريقا للوصول إلى حلول أولية للمشكلة، وقد حصل هذا في الستينيات مع عبدالرحمن البزاز ومع البكر في آذار 1970م الذي تمخض عن اتفاقية آذار التي اعترفت لأول مرة بحق الكورد في الاستقلال الذاتي.

     ولكي لا نوغل في التاريخ علينا أن نتوقف عند مجريات ما يحصل اليوم في غرب البلاد، حيث استحوذت مجاميع من المسلحين على سدة في مجرى نهر الفرات استخدمتهما بشكل منافي للأخلاق والقيم الإنسانية الرفيعة في التهديد بإغراق المدن والبلدات، وفي الجهة الأخرى هناك اتهامات جدية للقوات الحكومية بمحاولتها قصف السدة وتدميرها للرد على تلك المجاميع!؟. 

     لقد كانت ابرز أخلاقيات الثورة في كوردستان واهم أسباب نجاحها هي كيفية التعامل مع كثير من المفردات، وفي مقدمتها عدم استخدام أي وسيلة إرهابية مهما كان العدو، وبالذات أساليب الاغتيالات التي تمرست بها أجهزة البعض وكثير من مخابرات الأنظمة الدكتاتورية، فهي محرمة تماما في نهج الثورة وأخلاقيات مشروع نهوض وكردستان التي حافظت على أنابيب النفط المارة من الأراضي التي تسيطر عليها قوات البيشمه ركة منذ مطلع التسعينيات وحتى يومنا هذا، حيث لم تصب بخدش أو عطل بأي شكل من الأشكال، فهي تحت حماية تلك الأخلاقيات كما كانت عقارات وممتلكات أزلام النظام السابق وعملائه مما يسمى هنا بالجحوش، والتي رفضت كوردستان وقيادتها الاستيلاء عليها من أي شخص مهما كان قبل الاتفاق مع أصحابها الشرعيين وخارج قوى التأثير والاستغلال، بما يجعل شعب كوردستان ومؤسسات الدولة فيه وأجيال شبيبته تفتخر بتاريخها وسلوكها وثقافتها وتعاطيها مع كثير من المفردات اليومية للحياة وصراعاتها، سواء كانت مع العدو أو مع تناقضات الداخل التي نجحت في توظيفها إلى صور مدنية متحضرة للصراع، بعد أن اكتوت بنيران الاحتراب، وهي اليوم تقدم هذا الناتج المبني على هذه الأسس الأخلاقية، بأصرار على تجاوز النقاط الداكنة هنا وهناك سواء في الإدارة أو في ملفات الفساد المالي.
 kmkinfo@gmail.com



57
نمط رفيع من النقد:
ردا على الكاتب ( حسين علي العزاوي ) ورسالته الى القيادة الكوردية

كفاح محمود كريم

    في نافورة الشتائم واللغة الهابطة التي يستخدمها العديد ممن سخروا أنفسهم للبذاءة والأكاذيب في أية إشكالية مع الإقليم، حيث تنبري تلك الأقلام المسمومة بالحقد والكراهية لكي تصب جام حسدها وعقدها النفسية على الكورد وكوردستان، وقد بانت وظهرت تلك الكتابات في الفترة الأخيرة وهي تدفع في صداها أو أهدافها أولئك المولعون بمغامرات بهلوانية ستقودهم لا محالة إلى ذات الحفرة التي اختبأ فيها بطل الأنفال والكيماوي.

     وفي خضم هذه الكتل المدلهمة من ظلام العداء والحقد والكراهية، تشع إشعاعات مضيئة تبدد تلك الكتل السوداء وتزيحها عن المشهد الذي يريدونه مسخا ومشوها، فقد أضاءت كتابات كثيرة لكتاب وصحفيين ومفكرين عراقيين لوحة التعامل مع الأحداث بين الإقليم والمركز، ولعل من أكثر ما كتب جمالا ونقدا رفيعا ذلك الذي كتبه العديد من الكتاب العراقيين في تمثيلية ( ولاية الدم بالدم ) اثر مقتل الصحفي محمد بديوي، وما كتبه الزميل حسين علي العزاوي في كتابته الموسومة " رسالة للقيادة الكوردية.. تحية وعتاب هادئ! " تحدث بإنصاف عن الإقليم وهو يضع إصبعه في ذات الوقت على ما يراه خللا أو خطأ أو إهمالا أو موقفا من ظروف ومشاكل مرت بها البلاد، دون أن ينسى الإشادة بما تحقق في الإقليم وهو يعاتب إدارته بهدوء يستحق الثناء والتقدير.

     وفي سياق ما ذهب إليه من عتب مخلص، بأن قيادة الإقليم ومؤسساته قد أغفلت أو تغاضىت عما حصل في محافظات الانبار ونينوى وصلاح الدين وغيرها من احتجاجات، ولم ينتفض كما وصف الأستاذ العزاوي بسبب ما يحصل في العراق وما يهدد أمنه وامن مكوناته الطائفية والقومية.

     وبذات المحبة والاعتزاز اذكر للزميل العزاوي إن الإقليم وقياداته كانت السباقة فعلا لا قولا منذ الساعات الأولى لسقوط النظام، لتأسيس نظام ديمقراطي جديد فانتقلت إلى بغداد وتخلت عن استقلالها لحساب دولة الديمقراطية الجديدة، وشاركت هي وخبرائها وفنييها وعسكرها ومؤسساتها في إرساء أسس الدولة التي انهارت برمتها، ولم تغمض عين مسؤول كوردستاني من أجل أن تنهض مؤسسات الدولة العراقية الجديدة بعد انتخابات 2005م وبداية عصر جديد لدولة حكمتها الدكتاتورية عقود طويلة.

    ورغم مساهمة الإقليم في كل مفاصل الدولة كشريك أساسي فيها، فقد نبهت منذ الأيام الأولى لظهور بوادر التفرد والتهميش ليس للإقليم فحسب بل للمكونات الأخرى سياسية كانت أم مذهبية أم دينية، ولعل بيانات وتصريحات رئاسة الإقليم وحكومته وبرلمانه في كل المواقف، يؤكد الاهتمام المباشر بكل التفاصيل، حيث أيدت قيادة الإقليم احتجاجات الأهالي في المحافظات الغربية والوقوف معها بالتضامن والتأييد بما لا يتقاطع مع الدستور وروحيته، وبما ينأى الجميع عن أي صراع مذهبي مقيت مستنكرا أي مساس بالثوابت الدينية والمذهبية للطوائف وخصوصياتها، ورافضا أية حلول عسكرية أو إقحام للجيش في المشاكل السياسية، والرد على تخرصات وتهييجات العديد من النواب أو الإعلاميين الذين يدعون تمثيل أو النطق باسم الكتلة الحاكمة رئاسة أو حزبا، وخاصة في الآونة الأخيرة فيما يتعلق بردود الأفعال غير اللائقة التي تناولت المذاهب أو الأعراق والقوميات.

     لقد ساهم اقليم كوردستان بكل مؤسساته وخبرائه وفنييه وسياسييه وأحزابه في بناء العراق الجديد وملاحقة الإرهاب ومكافحته بما أمن ملاذا آمنا لكل العراقيين الذين طالتهم أيدي الصراع الطائفي والديني والعرقي المنظم من البصرة وحتى الموصل، حيث غصت مدن الإقليم بمئات الآلاف من المسيحيين والصابئة والشيعة والسنة على حد سواء في وطن أمن لهم حياتهم وحفظ لهم كرامتهم وأرزاقهم، بل إن قوات الإقليم وبطلب من مؤسسات الدولة العراقية لبت نداء الأهالي للحفاظ على أمنهم وسلامتهم في كثير من نقاط الاحتراب الطائفي ونجحت في مهماتها حتى أصبحت الأقرب إلى قلوب وعقول العراقيين رغم ما تشيعه ماكينة الإعلام العنصري ضدهم.

     إن الإقليم حينما يشخص فشل الإدارة الاتحادية في حل المشاكل إنما يدافع عن كل العراقيين، فالمادة 140 ليست حكرا على المناطق الكوردستانية فقط، وقانون النفط والغاز لم ينشأ لمصلحة الإقليم لوحده، وحراس الإقليم إنما هم منظومة دفاعية أمنت الحياة الكريمة والآمنة لملايين العراقيين كوردا وعربا وتركمانا وأشوريين وكلدان وسريان وأرمن وصابئة بما حوله إلى واحة وارفة بالأمن والسلام والحرية للجميع.
kmkinfo@gmail.com
 


58
مابين الرفاق وأهل النفاق؟

كفاح محمود كريم

     منذ الثامن من شباط عام 1963م بدأت سلسة جرائم الحكم في العراق والتي اقترنت بأحداث يندى لها جبين الشرفاء في كل مكان، حيث دشنت مجاميع فاشية من تنظيمات البعث عمليات اغتيال لآلاف الشباب والشابات من الوطنيين العراقيين ممن يختلفون فكريا مع نهج البعث سواء في بغداد أو ما تلاها من المحافظات العراقية، والتي شهدت هي الأخرى زيارات زوار الفجر الذين اغتالوا البسمة والأمل على شفاه العراقيين منذ أكثر من نصف قرن وحتى يومنا هذا، فقد بدأ مشروع الرفاق منذ صبيحة الثامن من شباط 1963م باغتيال زعماء جمهورية العراق دون أية محاكمة قانونية بل بأسلوب إرهابي لا يختلف اليوم عما تقوم به عصابات القاعدة وغيرها من الميليشيات الطائفية المنحرفة، وهي تقتل مئات أو ربما ألاف الرجال والنساء لمجرد إنهم شيعة أو سنة أو مختلفين مع نهجهم الظلامي في الحياة، لتبدأ منذ ذلك الحين نافورة الدماء العراقية حتى يومنا هذا دونما توقف!؟

     لقد استمرت حقبة الدماء التي هيمن عليها الرفاق حتى تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية لكي تسقط من أقلتهم بقطاراتها عام 1963م وتزيح هيكل حكمهم لتستبدله بآخرين يختلفون معهم بالأسماء والعناوين، لكنهم يمارسون ذات ثقافة الحكم والياته ومؤامراته وعمليات الإخراج والدبلجة والموناتج فيه، حيث اعترف احد أكثر ممثليهم صدقا في التعبير عن أخلاقياتهم وثقافتهم وهو الأكثر عراكا مع الآخرين؛ بان الأمريكان أزاحوا صدام حسين بسبب مشاكلهم معه، لكنهم لم يزيحوا النظام السياسي*، فعلا أسقطت امريكا الهيكل البعثي متمثلا بصدام حسين وإدارته، دونما أن تمس الجوهر رغم إنها أنتجت قانونا بغيضا لاجتثاث ( عام تام ) أو الأخضر واليابس ممن تورطوا وأصبحوا بعثيين طلبا للماء والكلأ والدينار المغري، دونما أن تمس ثقافة وسلوك الحرس القومي والأمن الخاص، التي ينتهجها النظام السياسي الجديد، والذي نجح في إعادة معظم جنرالات صدام حسين ووعاظه ومنظريه إلى مكتب القائد العام وبقية مفاصل الحكم القريبة منه!

ومنذ أن أقلت عربات قطار صناديق الاقتراع كتلة دولة القانون إلى دفة الحكم، ونصبت العملية السياسية بصفقة السيد المالكي رئيسا لمجلس الوزراء، بدأت ملامح مرحلة أو حقبة جديدة تظهر للوجود بعد حقبة الرفاق، حيث تميزت هذه الملامح بتنصل الحاكمين الجدد عن كل اتفاقياتهم وإمضاءاتهم التي وقعوها مع الأطراف الأخرى التي ولتهم الحكم، كما فعل أسلافهم منذ توقيع الاتفاق على جبهة 1957 الوطنية قبل انقلاب تموز 1958 وحتى تأسيس دولة الرفاق مع كل الأطراف السياسية المتفقة معهم  والمختلفة.

     إن حقبة جديدة تطل على بلادنا تحمل بين طياتها إذا ما قدر لها أن تستمر، أياما كالحة مليئة بالتناحر والتشرذم من خلال تفرد كتلة وحزب سياسي عقائدي لا يؤمن بالآخر المختلف، كما فعل الرفاق من قبل حينما استحوذوا على كل شيء، ليقودوا البلاد ثانية إلى أتون حرب لا يعرف مدياتها إلا الله، فبوادرهم واضحة للعيان من خلال علامات كذبهم وخيانتهم للأمانة التي سلمت بأيديهم وهي الحكم باسم كل الشعب ونكثهم بالقسم والوعود والعهود التي وقعوها مع من يفترض أنهم شركائهم في الحكم، فقد بانت ملامح ضياع العراق بين الرفاق وأهل النفاق، وصدق رسول الله (ص) في حديثه إذ قال: علامات المنافق ثلاث:
 
     إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا أوعد اخلف!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تصريحات النائب ياسين مجيد على هذا الرابط:
http://www.alqurtasnews.com/news/16720/%D9%85%D8%AC%D9%8A%D8%AF-%D9%87%D8%B0%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%B3%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D8%AD%D8%B3%D9%85%D8%A7-%D9%81%D9%8A

 


59
الخارطة السياسية في كوردستان

كفاح محمود كريم

    بعيدا عن الخوض في تفاصيل ما حدث خلال العقدين الماضيين منذ انتفاضة آذار 1991م وتمتع هذا الجزء من الإقليم بنوع من الاستقلال الذاتي عن الحكم في بغداد وحتى انهيار نظام صدام حسين وقيام النظام الجديد، فان خيارا مهما توقف عنده الشعب الكوردستاني في أول ممارسة له في الحياة السياسية بعيدا عن السلطة الدكتاتورية، وهو الخيار الديمقراطي الذي انتهجته الجبهة الكوردستانية التي قادت انتفاضة آذار قبل ما يقارب من ربع قرن، رغم قناعة معظم قادتها بأنه خيار صعب ويستوجب تضحيات كثيرة في مجتمع متأخر مثقل بقيود ثقافة متراكمة من أنظمة شمولية مزقت المجتمع ودمرت بنيته التحتية والنفسية، إلا أنهم اختاروا هذا النهج واجروا أول انتخابات حرة خارجة عن تأثيرات وهيمنة سلطات بغداد في عام 1992م التي أنتجت أول برلمان كوردستاني في تاريخ العراق وكوردستان وبالتالي أنتجت أول حكومة كوردستانية تدير المناطق المحررة من الإقليم.

      ورغم ما واجه هذا الخيار ومؤسساته من ضغوطات هائلة سواء من الداخل الذي وصفناه، أو من الخارج الذي فرض عليه حصارا مزدوجا من الأمم المتحدة، حيث العقوبات الدولية على العراق برمته، ومن النظام في بغداد، وصل إلى درجة منع دخول كيلوات من الغذاء أو الدواء إلى الإقليم، وقد أسهمت بعض دول الجوار في عملية الحصار التي كانت تستهدف إفشال هذا النهج بل إفشال التجربة برمتها، إلا أن الفعاليات السياسية والأحزاب وخاصة الرئيسية منها لم تتخل عن انتهاج الأسلوب الديمقراطي في بناء الإقليم سياسيا واجتماعيا رغم ما واجهها من ظروف غاية في التعقيد بل والمأساة، حتى نجحت في الدخول إلى حقبة ما بعد الدكتاتورية بفريق متناسق إلى حد أهلها لتولي موقع ريادي في بناء النظام السياسي والدستوري العراقي الجديد.
 
      لقد تطور الأداء السياسي في الإقليم بشكل ملفت للاهتمام بل مثير أيضا حيث تبلورت بشكل واضح عملية توحيد الإدارتين بين اربيل والسليمانية بإرادة جدية لدى الطرفين الأساسيين خلال السنتين الأوليتين بعد سقوط نظام بغداد، والدخول في الانتخابات العامة التي جرت في 2005م بفريق واحد مع بقية الفعاليات السياسية سواء في الإقليم أو في بغداد، حيث جرت متزامنة مع الانتخابات العراقية، حيث اشترك الحزبان الرئيسيان في تحالف مهم أنتج برلمان بأكثرية الحزبين وحكومة وطنية موحدة، اشتركت فيها كل الأحزاب الكوردستانية، وتم أيضا في هذا البرلمان انتخاب رئيسا للإقليم.
 
      وفي 2009 تغير المشهد السياسي بشكل نوعي حيث ظهرت قوى فاعلة ومعارضة انشقت من حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني وأطلقت على نفسها اسم التغيير أي كوران بالكوردية لتتحالف مع الاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية في أول ظهور لمعارضة سياسية برلمانية تستحوذ على 38 مقعدا من أصل مائة مقعد تنافست عليها ضد تحالف الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني اللذان ابقيا على تحالفهما الاستراتيجي بكتلة برلمانية واحدة حازت على الأكثرية التي منحتهما تقاسم الحكومة مرة أخرى ولكن بدعوات جدية لقوى المعارضة في الاشتراك بحكومة وطنية من كل الأطراف إلا أن تلك القوى رفضت الاشتراك وفضلت البقاء في البرلمان كقوى معارضة.

      وفي هذه الانتخابات أجريت أيضا انتخابات رئاسية حرة ومباشرة وبطلب من السيد مسعود بارزاني رئيس الإقليم ورئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، حيث تقدم خمسة منافسين للرئيس بارزاني الذي فاز بما يقرب من 70% من أصوات الناخبين ليصبح أول رئيس لكوردستان ينتخب انتخابا حرا ومباشرا من الشعب.
 
      ثمان سنوات من العمل المشترك بصيغة تقاسم الحكومة بين الحزبين الرئيسيين وتناوب شخصيتين منهما على رئاسة الحكومة كل عامين، أوصلا الإقليم إلى ما نشهده اليوم بكل تفاصيل مشهده أو لوحته الزاهية والمشرقة وحتى النقاط الداكنة هنا وهناك، إلا أنها أعطت نموذجا كان الأفضل واقعيا في تعاطيه مع مفردات الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الإقليم، ومع النجاحات الكثيرة ووجود مساحات للفساد والفشل الحكومي في النواحي الاقتصادية والإدارية والثقافية والحريات، أعطت جميعها الشارع والرأي العام فرصة لتطوير دوره وأدائه الذي انعكس بشكل واضح في انتخابات 21 أيلول 2013م والتي وصفت بأنها الأكثر تنظيما وإقبالا من قبل كل المراقبين العراقيين والدوليين، حيث فاقت أعداد الناخبين كل التوقعات وانحصرت مساحات الخروقات والتزوير بشكل واضح أعطى نتائجها مصداقية عالية ومقبولية من لدن كل الأطراف المشاركة والمراقبة من الداخل والخارج.
 
      ولكي يكون المشهد والخارطة أكثر وضوحا نأخذ الجانب الرقمي لتبيان الحجوم العددية لكل مكون سياسي في نتائج انتخابات أيلول 2013م:
 
عدد المقاعد الكلي لبرلمان كوردستان 111 مقعد موزعة كالآتي:
المقاعد العامة 100
الكوتا 11 حسب التوزيع التالي
المكون التركماني 5 المكون المسيحي 5 المكون الارمني 1 عدد الرجال 77 عدد النساء 34
وأظهرت النتائج النهائية المصدقة الخارطة الرقمية لعدد مقاعد كل حزب في البرلمان:
الحزب الديمقراطي الكوردستاني حصل على 38 مقعد، حصة النساء فيها 12 مقعد ومجموع الأصوات التي صوتت للحزب 743984
حزب التغيير ( كوران ) حصل على 24 مقعد، حصة النساء فيها 8 مقعد،ومجموع الأصوات التي صوتت للحزب 476736
الاتحاد الوطني الكوردستاني حصل على 18 مقعد، حصة النساء فيها 6 مقعد، ومجموع الأصوات التي صوتت للحزب 350500
الاتحاد الإسلامي الكوردستاني حصل على 10 مقاعد حصة النساء فيها 3 مقعد، ومجموع الأصوات التي صوتت للحزب 186741
الجماعة الإسلامية في كوردستان حصل على 6 مقاعد حصة النساء فيها 2 مقعد ومجموع الأصوات التي صوتت للحزب 118574
الحركة الإسلامية في كوردستان حصل على 1 مقعد، مجموع الأصوات 21834
الحزب الاشتراكي الديمقراطي الكوردستاني حصل على 1 مقعد، مجموع الأصوات 12501
حزب الحرية ( ئازادي ) حصل على 1 مقعد، مجموع الأصوات 12392
حزب الاتجاه الثالث ( ئاراسته ي سييه م ) حصل على مقعد واحد، مجموع الأصوات 8681
 
     وعلى ضوء هذه الخارطة وقبول كافة الأطراف بها والتعاطي بموجبها نقرأ ما يلي:
 
1-   أظهرت هذه اللوحة الرقمية الحجم الحقيقي لكل الأحزاب كل على حدا بعد أن كانت سابقا تنزل بقوائم مشتركة
2-   إقرار الاتحاد الوطني بتراجعه شعبيا وانتقاله من المرتبة الثانية إلى الثالثة.
 3- صعود حركة التغيير من موقعها الثالث في الخارطة السابقة إلى الموقع الثاني بسبب تراجع الاتحاد.
 
4- تقدم ملحوظ للاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية
5- ولادة رغبة لدى أحزاب المعارضة في الخارطة السابقة للمشاركة في الحكومة الجديدة.
6- هذه النتائج أفرزت حقيقة مهمة جدا وهي انه لا يمكن لأي الأحزاب تشكيل حكومة بشكل منفرد.
7- ولكون الجميع يطمحون بالمشاركة في تشكيل حكومة وطنية فقد أخذت المداولات فترة زمنية طويلة لوجود قوى قوية مؤهلة للاشتراك بشكل فعلي وجدي في حكومة وطنية.
 
ماذا أفرزت نتائج الانتخابات؟
 
      حقيقة الأمر يمكن لنا ملاحظة خارطة سياسية جديدة في الإقليم ستنقله إلى الأربع سنوات القادمة بحكومة يصر معظم الطموحين للمشاركة فيها بان تكون حكومة وطنية تواجه تحديات جدية في الوضع الداخلي والخارجي، ومن ابرز تلك الإفرازات:
 
1-   انتهاء مرحلة تقاسم السلطة مناصفة بين الحزبين بل أصبح لكل منهما حجم يؤهله للمشاركة على ضوئه
2-   اعتراف قوى المعارضة بواقع وحجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني كونه الفائز الأول في الانتخابات الأخيرة وهذا يدفعهم للتعامل معه على أساس هذه الحقائق.
3-   تضائل الدعاية الإعلامية الموجهة ضد البارتي بعد ظهور نتائج الانتخابات مما يعطي انطباعا ايجابيا بتعاطي هذه القوى بشكل واقعي مع حقيقة الحجم المؤثر للبارتي سياسيا واجتماعيا.
4-   ظهور توجه لدى قوى المعارضة وتغيير في تفكيرها باتجاه تطوير العلاقة مع الحزب الديمقراطي
5-   فوز الديمقراطي الكوردستاني أعطاه قوة إضافية في نهجه بالتعاطي مع:
أ‌-   السياسة النفطية للإقليم
ب- السياسة الخارجية
ج- التعامل مع بغداد
6- إصرار البارتي على تشكيل حكومة موسعة ومشاركة قوى المعارضة سيؤدي إلى توحيد الخطاب والبيت الكوردي داخليا وخارجيا.
7- إشراك المعارضة في الحكومة يعني انتقالها من مرحلة الإعلام والدعاية الموجهة والكلام إلى تحمل المسؤولية وبناء نهج جديد في إدارة الحكم ومواجهة مطالب الأهالي.
8- الانتخابات الأخيرة أثمرت الكثير للتجربة الديمقراطية في الإقليم بما يؤدي إلى تنمية الديمقراطية وتطور أداء الفعاليات السياسية وخلق منافسة صحية بينها في الأداء الوطني وخدمة الأهالي وتحسين الأداء الإداري
9- كل هذه المعطيات والإفرازات أنتجت خارطة سياسية تمنح الفريق الكوردستاني في بغداد قوة وتأثيرا في مجاله البرلماني والحكومي بما يحقق أهداف الإقليم وفق ما جاء في الدستور العراقي في بناء الدولة الاتحادية التعددية الديمقراطية.
 
 

60
المنبر الحر / إذا فسد الملح؟
« في: 22:48 07/04/2014  »
إذا فسد الملح؟

كفاح محمود كريم

    بعيدا عن مضار الملح وخاصيته السلبية للمصابين بارتفاع ضغط الدم، فهو عنصر التوازن والمذاق في الطبيعة حيث لا تخلو منه مكوناتها إجمالا، وفي هذا المكان استخدم للتوصيف بمفهومه الايجابي، كما كان يقول أهلنا فيما مضى من الدهور بان الحكومة ملح الأرض وان الملك أو إي مسؤول كبير هو ملح التوازن ومثال الحكمة وبدونه لا يكون للحياة مذاق أو طعم!؟

     ولطالما كان العقلاء  يقولونها أي إذا فسد الملح خربت لديار، حينما يمتد سرطان الفساد والانحراف عن الطريق القويم من علية القوم والصالحين من الناس وخاصة من يتولون أمر الأهالي في كل مفاصل المسؤولية العامة، فهو مثل يضرب على من ينحرف شخصا كان أم مجموعة إذا ما غادرت في سلوكها وتصرفاتها ارض الصلاح والنقاء إلى ارض البور والفساد فيقال حينها إذا فسد الملح خربت الدنيا أو الديار؟

     ولعله من نافلة القول إن كثير ممن تنطبق عليهم هذه الكلمات أولئك الذين توكل إليهم مسؤولية عامة وتكون بين أيديهم أرزاق الناس ومصالحها وأمنها وعدلها، فيتلاعبون بها أو يخونون الأمانة فيفسدون الملح الذي يعرف عنه عدم الفساد، فهو أكثر معادن الطبيعة مقاومة في البقاء على وضعه رغم تغير الظروف، إلا انه في حالتنا هذه أي بتشبيهه ببني البشر القابلين للفساد والإفساد وخاصة حينما تقع بين أيديهم مفاتيح المال والسلطة، فتضعهم على المحك وتُظهر معادنهم وكمية الملح فيها؟

     وقد أكدت السنوات الأخيرة من تاريخ بلادنا وبقية البلدان في الشرق الأوسط التي تستخدم صناديق الاقتراع لإيصال مرشحي شيوخ العشائر والمذاهب ورجال الدين إلى سدة الحكم التشريعي والتنفيذي في دولة لم تعرف عبر تاريخها الذي يقترب من المائة عام مفهوما للمواطنة يجمع انتماءات الكل في وطن مفترض وشعب موحد، حتى إن ملك العراق الأول الذي فرض على كيان لم يؤخذ رأي سكانه حين تأسيسه، احتار وعجز عن إيجاد توصيف للحال الذي هو فيه فلم ير كما قال شعبا موحدا بل رأى أقواما وقبائل متباعدة متنافسة متخالفة، رغم انه أراد أن يكون ملح الأرض والحكم طيلة ما يقرب من أربعين عاما للتوازن بين تلك المكونات، إلا  انه ذهب وأفراد أسرته صغارا وكبارا على مذبح تلك الخلافات؟

     ولكي لا نوغل في أعماق التاريخ المؤلم حقا، فان ما يحدث اليوم يؤكد إن الملح قد فسد تماما ليس في الأرض بل فوق الأرض وفوق الكراسي التي حولت البلاد خلال ثمان سنوات منذ 2005م إلى واحدة من افشل دول العالم وأكثرها فسادا وطائفية ودكتاتورية مشرعنة بحكم صناديق العشائر والمذاهب ورجال الفتاوي، إلى الدرجة التي يخرج فيها نوابا ووزراء ورجال حكم ينادون بطائفية وشوفينية مقيتة لا تقل إيغالا في العنصرية مما كانت عليه الأمور في جنوب إفريقيا قبل مانديلا، فمن شعارات طرد الأكراد من بغداد إلى قتل عدد من السنة كلما قتل عدد من الشيعة*، إلى قانون الغاب الذي أعاده رئيس الوزراء ( الدم بالدم وانأ ولي الدم *)!؟

     فأي ملح بقى في أرضنا وأي مستقبل ينتظر بلادنا مع هكذا ثقافة وأفكار وسلوك؟

kmkinfo@gmail.com
* رابط قانون 7×7 لحنان الفتلاوي:
https://www.youtube.com/watch?v=L8JmldT8yfM
* رابط الدم بالدم لرئيس مجلس وزراء العراق زعيم الكتلة الحاكمة:
https://www.youtube.com/watch?v=DM09zUrGnmw




61
نيران نوروز والألسنة المكوية؟

كفاح محمود كريم

    يبدو أن نيران نوروز قد كوت السنة البعض وهم يقارنون بين اشراقة مدن كوردستان وقراها وبين بؤس واحدة من أجمل مدن العالم بغداد بعد ثمان سنوات من حكمهم الذي أحال البلاد إلى خرائب تنعق فيها غربان الشوفينية المقيتة، حيث انطلقت بعد مقتل الصحفي محمد بديوي وبوتيرة واحدة وبإعداد وتخطيط دقيق لواحدة من أبشع الحملات العنصرية التي شنت ضد الكورد منذ تأسيس الكيان العراقي خارج إرادة شعوبه ومكوناته، لكي تكشف عن وجهها القبيح الذي تصورنا إن انهيار هيكل نظام صدام حسين عام 2003 قد طهر العراق من عفونة الشوفينية والعنصرية، لكننا اكتشفنا إن ذلك النظام لم يسقط إلا كهيكل إداري فقط، وبقيت فايروساته معششة في مفاصل الكثير الذين نشهدهم اليوم وهم يتعاملون مع قضايا العراق الجديد.

     حقا إنها ثقافة بائسة تنطلق منها أصوات ناشزة تنم عن حقد دفين محمول من حقبة البعث، ومستثمر في حقبة دولة القانون التي تمثلها حنان الفتلاوي وسامي العسكري، اللذان يكشفان عن حقدهما تجاه الكورد وكوردستان في كل مناسبة وغير مناسبة، يتم فيها إعدادهم وإخراجهم لكي يمثلان أدوارهما الإعلامية المعروفة تارة مع كوردستان وتارة مع الآخرين المختلفين مع نهجهم.

     لقد فات السيدة الفتلاوي إن الجبال من أقدس ما يفتخر به الكوردستانيون فهي التي حمتهم من شوفينيتهم وعنصريتهم عبر الدهور، وكانت ايضا ملاذا آمنا لكثير من العراقيين ومنهم رئيس كتلتهم الحالي، فخر كبير أن يكون أهل الجبال حكامها وفخر لشعب كوردستان والعراقيون جميعا أن يروا ما أنجزه حكام الجبال في كوردستان مقارنة مع ما فعله حكام كتلة القانون بشعب العراق، الذي أدى إلى انهيار أمنه وسلمه الاجتماعيين وتدهور خطير في الخدمات الأساسية لحياة المواطنين، والتسبب في إشعال نيران الفتنة الطائفية والحملات العنصرية الشوفينية ضد الكورد وغيرهم، شكرا للسيدة الفتلاوي لموافقتها على استقلال كوردستان مؤكدين لها أن ذلك اليوم ليس ببعيد وهو آت لا محال شاءت أم أبت السيدة حنان؟

     أما في ملف النفط الذي يثيرونه بين فترة وأخرى لتغطية فسادهم المستشري عبر أنابيبه المخرومة والمسروقة، وفشلهم في إدارة البلاد التي حولوها إلى واحدة من افشل بلدان العالم، ينسى سامي العسكري وغيره ممن اكتوت ألسنتهم بنيران نوروز، إنهم ينهبون نفط كوردستان منذ مائة عام ليحيلوه إلى أسلحة كيماوية وقنابل نابالم يحرقون بها قرانا ومدننا، ويزرعون فيها مقابرهم الجماعية وانفالاتهم المخزية، النابعة من ذات هذه الثقافة التي يتحدثون بها عن الإقليم وعن شعبه الذي يرفض العودة إلى الوراء ولن يقبل أبدا المساس بمكاسبه ومنجزاته وما حققه من تقدم وازدهار.


     إن ما يحصل اليوم من حملات معدة إعداد عنصري ضد الكورد من خلال تصريحات هؤلاء المحسوبين على كتلة الحكم، والشعارات التي ظهرت خلال الأيام السابقة في أمكنة كثيرة من بغداد، والتي تنص على معاداة الكورد وطردهم من بغداد، إنما تهيئ لمرحلة خطيرة يتحملون فيها أمام الله والشعوب العراقية ما ستؤول إليه الأمور بسبب سياستهم العنصرية هذه.

     قليل من الحياء واقل منه من الشجاعة لكي توضع النقاط على الحروف ويعرف كل منها مكانه وحدوده؟
kmkinfo@gmail.com






62
المنبر الحر / عذرا دولة الرئيس!
« في: 17:13 28/03/2014  »
عذرا دولة الرئيس!

كفاح محمود كريم

     فرحنا جميعا بحضور القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس وزراء العراق الى محل اغتيال الصحفي محمد بديوي، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ توليه رئاسة مجلس الوزراء ومقتل العشرات إن لم يكن المئات من الصحفيين والإعلاميين أثناء تأديتهم لواجباتهم المهنية، كما حصل للشهيدة أطوار بهجت والشهيد هادي المهدي والشهيد محمد عباس مدرب نادي كربلاء والشهيد كامل شياع، والعشرات بل ربما المئات من خيرة صحفيينا وصحفياتنا الذين استهدفتهم أجهزة دولتكم قبل منظمات الإرهاب، ولعل الطفل الموصلي البريء ذي ألاثني عشر ربيعا ما تزال قهقهاته تلامس ذكرياتنا وهو يعود من مدرسته حينما اغتالته عدة رصاصات من مسدس أو رشاش احد ضباطك يا دولة الرئيس ( العقيد هادي سرهيد الكناني آمر فوج رئاسة الوزراء بالموصل في الأول من آذار 2013م ) وقد اصدر القضاء العراقي مذكرة إلقاء قبض بحق العقيد المذكور لكن القائد العام ورئيس الوزراء رفض تنفيذ الأمر القضائي بل واصدر أوامره بعدم التعرض للعقيد ورفض إجراء إي تحقيق في الحادث والقصة معروفة للجميع!؟

     أي دم تتحدث عنه دولة الرئيس وأنت تمثل القانون في كتلة اخترت لها اسم دولة القانون، فيما تبشرنا بقوانين الخيمة والإبل القبلية ونحن من المفترض ننشئ نظاما حضاريا عصريا جديدا لا يقوم على الانفعالات والعواطف والقبلية المقيتة؟
     أي دم تنادي به وأنت تتحمل دستوريا فوق أكتافك أمام الله والشعب مسؤولية انهار من دماء العراقيين، الذين قتلوا وما زالوا يقتلون يوميا في شوارع الموصل والانبار وبغداد وبابل وكربلاء وصلاح الدين وديالى؟
     أي دم تتسبب في إزاحته وتطالب به وأنت تذكرنا مرة أخرى بقسم صدام حسين الذي أنتج حرب الثماني سنوات مع ( الجارة الشقيقة الغالية ) إيران وما يقرب من مليون قتيل، حينما قتلت فريال واقسم صدام أن لا يذهب دمها سدى؟
     أي دم أنت وليه دولة الرئيس وأنت تصدر حكمك قبل القضاء في إعدام المتهم وشعبه قبل أن يبت القانون في قضية قتل الصحفي محمد بديوي؟

     عذرا دولة الرئيس مرة أخرى أحاول أن أنأى بك عن هذه الثقافة وهذا السلوك، لأنك من الذين عرفوا شعبي وطيبتهم ووفائهم ونقاء سريرتهم وشجاعتهم وإصرارهم على الحياة والسلام والعيش بكرامة وشراكة حقيقية مع الآخرين، لكنكم بتصريحكم الأخير أظهرتم بعدا شاسعا بين ما أنأى به عنكم وبين حقيقة ما يصدر منكم، فلم تنجح دولة الرئيس في إقناعنا بردة فعلك الانفعالية وأنت تمارس سابقة لم نعهدها من جنابكم إزاء آلاف الضحايا من خيرة أبناء وبنات العراق يوميا وفي كل المدن ومن كل المكونات ومنذ ثمان سنوات؟

     تمنينا جميعا أن تقنعنا بأنك فعلا تعبر عن الجميع وحريص على الجميع، لكنك في كل مرة تخيب ظن الكثير ممن تمنوا رئيسا عراقيا فوق المذاهب والأديان والقوميات، يعمل دونما انفعالات عاطفية لا تخضع للعقل والحكمة وتقود البلاد إلى ما هو عليه الآن بعد ثمان سنوات من حكمكم!

     أما وقد أعلنت بأنك ولي الدماء والدم بالدم فان جرد الحساب بهذه اللغة سيكون ثقيلا سيادة الرئيس، فقد أثقلت حملك كثيرا، وستسأل يوما ما عن كل قطرة دم أزيحت أثناء حكمك؟
kmkinfo@gmail.com
 

63
المنبر الحر / بقالة مجلس النواب؟
« في: 22:44 19/03/2014  »
بقالة مجلس النواب؟

كفاح محمود كريم

    في معظم مدننا الشرق أوسطية أمكنة خاصة للمزايدات التي تجري على البضائع ويتجمهر حولها المشترين أو المتفرجين، ويختلف شكل وأساليب المزايدات وقيمتها مع نوعية البضائع ومستويات المزايدين وجمهور المتفرجين، ويتذكر كل منا مكان كهذا في بلدته حيث يتميز باسم معين ومكان محدد، ففي العاصمة التي كانت فيما مضى تسمى بدار السلام يوجد عدة أمكنة لذلك أشهرها سوق هرج، إضافة إلى عدة أماكن أخرى تشبه هذا السوق، إلا أن الغالب فيها بيع الأغنام والأبقار وبقية البهائم!؟

     وفي الموصل يتميز باب الطوب بما يحويه أيام الجمعة من هرج ومرج الباعة والمزايدين وجمهور المتهافتين، إلى جانب أسواق أخرى يطلق عليها سوق الغنم، رغم أنها تبيع حتى البط والكلاب غير السائبة وما طاب من الحواسم القديم منها والجديد؟

     حينما يدخل المرء هذه الأسواق والتي تكون أكثر تألقا ونشاطا أيام الجمع من الأسبوع، يشعر بان كل شيء فيها معروض للبيع والمزايدة عليه ابتداءً من الأحذية القديمة وما يسمى بالبالات وحتى البعران والحمير والأغنام والأبقار، وكل ما يأكل من حشاش الأرض، وكلٌ يتباهى بما يعرض ويذكر جمائله ومواصفاته النادرة، حتى يظن المرء انه في أشهر أسواق الدنيا وماركاتها؟

     وفي أسواقنا السياسية التي انتعشت بعد انهيار سوق صدام حسين الأوحد، وإفلاسه بسبب الغش الصناعي في الأفكار المستهلكة لبضائعه البائرة وأساليب تسويقه الدموية، فقد انتشرت أشكال وأنواع من الأسواق السياسية منذ ما يقرب من عشر سنوات، وخاصة منذ البدء بتأسيس هيكل الدولة الجديد بسلطاته الثلاث، وانبثاق سوق جديد من غير سوق هرج أو باب الطوب أو سوق الغنم للمزايدات والامتيازات والقومسيونات، اجتمع فيه خير ما يمثل بقالة السياسة ومزايدات السلطة التنفيذية في واحدة من أكثر أسواق العراق الشعبية إثارة وسخرية منذ ما يقرب من ثمان سنوات، حيث يباع فيها المواطن حاضرا ومستقبلا على أيدي مجاميع من الانتهازيين والبقالين السياسيين والرقاصين على الحبال منذ تأسيس دولتنا العجب وحتى يومنا الأعجب هذا؟

     على مرمى حجر كما اعتاد أن يقولها الزعيم الفلسطيني المقتول سما، وهو يعد شعب فلسطين بتحرير القدس أمام صدام حسين المقتول شنقا، والذي وعد هو الآخر بتحطيم أمريكا وتحريرها من الامبريالية، وقاب قوسين أو ادني من مهاترات مجاميع جديدة من متسولي الامتيازات ومزايدي سوق وبقالة السياسة، في ذات الثقافة البائرة التي تم توظيفها من اجل الكراسي وامتيازاتها، تعود اليوم ثانية ذات الطواقم باستثناءات قليلة من المختلفين الذين من قلتهم لا يخضعون للقياس العام، عادوا ثانية يتسلقون سلالم الكذب والمهاترات والمزايدات للوصول إلى دفة الحكم في سلطاته المعاقة الثلاث، في واحد من أكثر أسواق العراق والمنطقة إثارة في أسعاره للمواقع النيابية والتنفيذية والقضائية والعسكرية، حتى أعادوا لنا مرة أخرى تقليد سوقي مقيت اسمه السرقفلية على الدارجة العراقية وخلو الرجل على الدارجة المصرية، لتداول المواقع والمناصب بيعا أو تأجيرا في دولة من دول الربيع العربي المخزي؟
 
    أين يكمن الحل إذن؟

     وصناديق الديمقراطية ما تزال تحتضن بطاقات ناخب معاق في انتمائه ووعيه ومستوى معيشته وفهمه، ومرشحين في معظمهم أسطوات في الانتهازية والكلاوات والرقص على حبال الكتل المتنفذة؟

     اترك ذلك لكم وانتم أدرى بشعاب قراكم وبلداتكم ومدنكم ومرشحيكم،  ولكم الاختيار بين الولائم والهدايا الملوثة بالسحت الحرام، وبين أن تقولوا ( لا ) كما قلناها في جبروت صدام حسين؟

kmkinfo@gmail.com   


 


64
المنبر الحر / تصريحات بسوسية*؟
« في: 20:49 12/03/2014  »
تصريحات بسوسية*؟

كفاح محمود كريم

     يبدو إن فايروسا خطيرا أصاب البعض من أعضاء مجلس نوابنا العجب فافقدهم وضعهم الصحي والنفسي الطبيعي، حيث بدأت أعراض هستيريا عصابية تظهر بشكل جلي على سلوكيات وتصرفات بعض أعضاء البرلمان، وخاصة أولئك الذين يرقصون على حبال مختار عصرنا السيئ هذا، وهم يشنون حربهم الكلامية من عل منابر البرلمان أو تلك الفضائيات، التي تتمتع بعرض هذه المشاهد المخلة بالذوق الديمقراطي والمخدشة لحياء العقلاء والحكماء في مهاترات ومزايدات واستعراض لمعلومات كاذبة مفبركة، من وزن قطع مياه دجلة أو إغراق بغداد أو زحف البيشمه ركه الى العاصمة لإشاعة الكراهية والأحقاد، خاصة وهم يخاطبون اناس تم تخديرهم طائفيا وعنصريا بأكاذيب وتشويهات غرضها التحضير لحرب قومية مذهبية مقدسة كما بشر بها مختار هذا العصر إبان أزمة ما يسمى بقوات دجلة!؟

     كنا حلمنا قبل نيسان 2003م أن حالا جديدة ستبدأ بعيد الانتهاء من نظام صدام حسين، وان حقبة ملوثة ستنتهي بمجرد إسقاط ذلك النظام، لكننا نسينا أو تناسينا في معمعة الاحتلال وما رافقها من عملية اغتيال لكل مشروع الإسقاط، بتصرفات رعناء من القيادات العسكرية الأمريكية ومنسقها وريث صدام حسين برايمر، الذي لملم كائنات سياسية من الشوارع الخلفية لدول الجوار وما بعد الجوار، لا صلة لها بالشارع العراقي من قريب أو بعيد ليحولها إلى دمى وقطع شطرنجية يلعب بها هو تارة، أو يمنحها لمن صرح له أو خوله من دول الجوار المبتلى بها هذا البلد عبر التاريخ، قلت كنا قد حلمنا أو تصورنا إن تلك الحقبة الملوثة ستنتهي بمجرد سقوط رمزها وهيكل حكمه، لكننا بعد اقل من سنة واحدة من الحكم الدستوري أي بعد إقرار دستور متفق عليه من قبل الجميع ومصادق عليه من قبل ما يقرب من 80% من العراقيين، بدأت الفيروسات النائمة أو المنومة بالحركة بعد أن شعرت بدفء المكان ( السلطة والمال ) لكي تعيد ذات الثقافة التي حكمت هذه البلاد منذ عقود طويلة، متجاوزة دستور اقر بالنظام الاتحادي والشراكة الفعلية الحقيقية في القرار والثروة لكل أبناء وبنات العراق ومكوناته القومية والدينية والمذهبية على حد سواء، بما يمنح أي مكون كبير كان أم صغير الشعور بالانتماء له، لا العكس الذي بدأ يشعرنا حقيقة بصدق ما يقوله هؤلاء المسعورين بهوس حرب البسوس حيث التصريحات غير المسؤولة، التي تذكرنا بإعلام صدام حسين وطاقمه الانفعالي الذي مثله خير تمثيل وزير إعلامه الصحاف وهو يصف حال العراق بينما دبابات المحتلين قاب قوسين أو أدنى من منبره!؟

     إن ما يحصل الآن في العراق وغيره من بلدان ما يسمى بالربيع العربي إنما هو تقهقر باتجاه إعادة صناعة دكتاتوريات جديدة بلبوس ديمقراطي، فالانقلاب على المؤسسات الدستورية واضح جدا وخاصة ما أعلنه رئيس الوزراء المالكي حول لا شرعية مجلس النواب وقراره بتجاوزه، والدليل الآخر على هذا النهج ما حصل في مصر حينما تولى الإخوان مقاليد السلطة باستغفال الغلابة في العشوائيات واخونة مصر، وكما حصل في العراق بتسطيح عقول ولد الخايبة بالمذهبيات المقيتة، وما يحصل الآن في سوريا الحضارة والإنسان، من تقتيل وتقهقر باسم الثورة والأديان، وكذا الحال في ليبيا الفوضى والعشوائيات الثورية، إنها عملية انقلاب مشرعنة ولكن باليات ديمقراطية كما كانت تفعل أنظمة الـ 99% من الأصوات المؤيدة للقائد وحزبه المقدام، وتخدير الأهالي بشعارات غرائزية مليئة بالأحقاد والكراهية وإقصاء الآخر وتشويه المختلف، بأساليب بدائية تستغل الأكثرية المغلوبة على أمرها بالفقر والعوز وقلة الوعي وضبابية الانتماء، لكي تمرر مشروعها بالتفرد والهيمنة بذات أساليب القائد الضرورة وملك ملوك افريقيا وأسد سوريا، حينما كانوا يستثيرون أولئك المغفلين بشعارات جوفاء لا حياة فيها إلا في مخيلتهم الفوضوية فقط، لاستخدامهم كوقود في حروب بسوسية، كما حصل في حروب الشمال مع الكوردستانيين أو مع اللبنانيين أيام الغزو السوري أو مع التشاديين وغيرهم بالغزو القذافي، وهكذا دواليك في حروبهم المخزية التي حرقت الأخضر واليابس واتت عليهم في آخر نيرانها؟
kmkinfo@gmail.com
 
* نسبة إلى حرب البسوس في التاريخ العربي

65
" عجايا " والدنيا عيد؟

كفاح محمود كريم

     واحد من الأمثلة الشعبية الجميلة في العراق وتحديدا في مدينة الموصل وأطرافها، وقد أخذ معناه من كرنفالات العيد التي تضم الأطفال الذين يمارسون تحت مظلته في القرى والبلدات الصغيرة، ما هو غير معتاد في بقية الأيام، وربما الخارج عن السياقات العامة للصبية والفتيان، كالتدخين مثلا ولعب بعض الألعاب التي تشبه القمار وما شابه ذلك، مما يحرم عليهم في الأيام العادية!

     ويضرب هذا المثل عادة على الكبار الذين يمارسون أعمالا لا تليق بأعمارهم وتقترب من التفاهة مقارنة بما هم عليه من عمر زمني أو تأهيلي، ومفردة " عجايا " من الدارجة العراقية كثيرة الاستخدام في المناطق الغربية من العراق وخاصة الموصل، حيث تطلق على الصبيان الداشرين أي المنفلتين وغير المنضبطين من الذين ينتشرون في الأزقة والشوارع ويتسببون في إزعاج الأهالي أوقات الراحة صيفا أو شتاءً، وهي من جهة أخرى أي مفردة " العجايا " تستخدم بكثرة في وصف أي إنسان بغض النظر عن عمره، يقوم بأعمال غير مسؤولة وخارجة عن الآداب العامة والتقاليد، وخاصة تلك التصرفات التي لا تخضع للتربية الاجتماعية وأعرافها.

     وخلاصة القول هي أشبه ما تكون في المعنى من المثل القائل في فصيح الكلام " تمخض الجبل فولد فأرا " للدلالة على توافه الأعمال أو الأقوال أو كليهما معا، كما نراه اليوم في ممارسات من تسلقوا مواقع في غفلة من هذا الزمن السيئ الذي يعيشه العراقيون تحت ظلال سلطتنا الديمقراطية جدا ومؤسساتها، سواء من كان منهم في مجلس نوابنا العجب، الذين ينطبق على معظمهم مثلنا أعلاه و"خصوصتن" كما تكتبها كثير من " نايبات " هذا البرلمان وبالذات أم الكعب العالي الشفاطة دون منازع أو مناصفة مع من تفتل الدنيا معها حينما تغرد باتجاه إقليم كوردستان، أو ذلك النائب الذي تحول من منبر المحاكم إلى قراءة المحفوظات بأسلوب " الدرخ " أي الحفظ الببغاوي وهو يتحفنا بسيل تصريحاته التلفزيونية متخيلا نفسه في مرافعة قضائية!
      وفي كل ذلك يعكس هؤلاء مجموعة من عقد النقص والكراهية والفشل الذي يعاني وتعاني منه كثير من مسئولات ومسئولي هذا البلد المبتلى بهم في البرلمان أو الحكومة، خاصة حينما يزورون اقليم كوردستان وعاصمته المزدهرة ويتذكرون بغداد المفجوعة بهم، أو محافظاتهم التي تحولت إلى مدن " الصد والما غد " كما يقول الدارج العراقي لمن يخرج من بيته ولا بعود ثانية!؟
 

     أقول قولي هذا مستذكرا " العجايا " وعيدهم كلما نشبت أزمة أو تم تصنيع مشكلة مع إقليم كوردستان، وانبرت هذه المجاميع المعدة إعدادا مكتنزا بالكراهية والحقد في وسائل إعلام لا هم لها إلا " العد والصف " على طريقة النسوة السفيهات حينما يتعاركن على الطريقة المصرية، حيث تبدأ نافورة الشتائم والقذف وسيل الاتهامات لإشاعة الكراهية والأحقاد، دون أي وازع وطني أو أخلاقي يحافظ على اللحمة الوطنية والمزاج العام للأهالي ولا يخدش حياء الناس وأمنهم وسلمهم الاجتماعي، متمنين لهم ما يتمنوه هم لكوردستان وأهلها في سرهم؟
kmkinfo@gmail.com

 





66
لن نعود إلى الوراء؟

كفاح محمود كريم

     قالها رئيس حكومة كوردستان وهو يتحدث بمرارة عن سلوك استخدمته كل الأنظمة الدكتاتورية العراقية ضد شعبنا وحركته التحررية منذ ثلاثينات القرن الماضي وللأسف الشديد لحد يومنا هذا، وهو يصف ما تقوم به الإدارة الاتحادية في بغداد من محاولات فرض حصار اقتصادي بانت بوادره بإيقاف صرف مرتبات موظفي الدولة في الإقليم، ومحاولة المسك بكل خيوط لعبة النفط، بعيدا عن فلسفة تقاسم الثروة والسلطة التي دفعت الشعوب العراقية انهرا من الدماء من اجلها.

     لقد أعادت هذه السلوكيات التي تصورناها اندثرت مع انهيار نظام الأنفال والحصار إلى أذهاننا، سلوك ضابط صغير في الاستخبارات العسكرية كان مسؤولا عن إحدى سيطرات النظام مع محافظة دهوك في تسعينات القرن الماضي، الذي أطلق عليه الأهالي اسم ( الوحش ) بسبب وحشيته في التعامل مع السكان أيام الحصار المزدوج على سكان الإقليم، حيث شهدت بنفسي أواخر تسعينات القرن الماضي في سيطرة موصل دهوك، وأنا واقف متسمر أمام  ما فعله مع امرأة عجوز كانت قد جلبت معها كيلو من الطحينية التي أصر على إفراغها في حذائها، وطلب منها ارتدائه قائلا لها:
     فقط بهذه الوسيلة تستطيعين نقل الطحينية ( الراشي ) لأولادك!؟

     هذا ما شاهدته وشاهده الكثير أيام نظام صدام حسين وحزب البعث من مجرد ضابط صغير، ينفذ إرادة أسياده في بغداد تجاه شعب كل جريمته انه تواق للحرية والمساواة ولا يرتضي العبودية والاستكانة، فحاولوا بكل جهدهم الخبيث منعه من كل أسباب الحياة، حتى أغلقوا عليه الحدود ومنعوا عنه كل شيء، وسحبوا كل موظفيهم والياتهم وخبرائهم، ظنا منهم انه سينهار أمام إرادتهم الظالمة، ففشلوا وانكفؤا وانتصر الشعب، الذي كان يعمل لسنوات دون مرتبات، تشهد على ذلك آلاف مؤلفة من الموظفين المدنيين والعسكريين، الذين تم تخييرهم من قبل حكومة الإقليم الحرة، بين الاستمرار في الوظيفة دونما راتب، أو ترك الوظيفة بإجازة مفتوحة، فكان الاختيار للأغلبية أن يستمروا في أداء واجباتهم تجاه الوطن دونما مقابل حتى انتصرت إراداتهم وسقط طاغوت العصر تحت أقدامهم ذليلا خائبا، ونهضت كوردستان بقاماتها لكي تعانق ذرى كاره وهورمان وسفين.

     في الأمس لم يك بيد هذا الشعب أي شيء إلا الأرض المحروقة والبلد المدمر، فلا مال ولا موازنة ولا إنتاج، إلا محبة وإرادة الشعب الذي صمد لينتج كل هذا الذي نراه من سنجار وحتى خانقين، واليوم بعد أن مزج أبناء وبنات كوردستان دموعهم وعرق جبينهم ودمائهم من اجل هذا البناء، تأتي مجموعة أخرى لتستنسخ ذات السلوك الذي فعله ذلك الضابط الصغير ( الوحش ) في حصار كوردستان، ومحاولة منعها من مواردها واستحقاقاتها لكي يعيدوا تصنيع ( سكرابات ) دكتاتورية بثوب جديد، متناسين تاريخ طويل يمتد لعشرات السنين من المقاومة والصبر والصمود، لشعب لم تبرد بارودته حتى تحققت بعض أهدافه،  فاستبدلها بوسائل البناء والعمران والسلم والأمان، وأنجز خلال سنوات قصار ما عجزت عن تحقيقه كل حكومات بغداد طيلة قرن من الزمان، فكيف يراد له أن يتقهقر إلى الوراء!؟
 
kmkinfo@gmail.com

67
تصريحات برائحة الخردل!؟

كفاح محمود كريم

     مرة أخرى عاودت موجة التصريحات المسممة بغاز الخردل وحقبة الأنفال والكيماوي إلى سطح الإعلام من قبل بعض المحسوبين على رئيس الحكومة الاتحادية، وخاصة تلك التصريحات التي تدعو إلى إعلان الحصار أو الحرب على إقليم كوردستان، تارة بالتهديد بأنهم " سيلقنون الكورد درسا قاسيا " كما قالت النائبة عالية نصيف وهي تهدد قوما تعدادهم على النص الذي قالته يشمل كل الكورد في العالم أي ما يقرب من خمسين مليونا واذا ( وجبتنا ) كما تقول الدارجة العراقية، فهي تهدد ما يقرب من ستة ملايين ونصف المليون كوردي في العراق، والحمد لله انها ليست مهيب ركن كرئيسها السابق لتجدد الأنفال وتحرق المدن والقرى، أو كما صرحت النائبة الأخرى حنان فتلاوي بأنها تطالب بمنع الكورد من دخول بغداد وبقية المحافظات خارج الإقليم إلا بفيزا أو موافقات أمنية، ومنعهم من تملك أي عقار خارج الاقليم، وهي تدعي ان ذلك يحصل للمواطنين من الوسط والجنوب عند دخولهم الإقليم كما تزعم هذه النائبة. 

     وتأتي كل هذه التصريحات لتغطي على فضيحة قطع مرتبات الموظفين في إقليم كوردستان، في سابقة لم تجر في تاريخ الدولة العراقية بكل أطياف أنظمتها السياسية والتي لا تقل في تمييزها العنصري عن جريمة الإبادة الجماعية التي اقترفها نظام صدام حسين، وذلك من اجل إحداث انهيار اقتصادي واجتماعي في الإقليم أو إرغامه للخضوع لإرادة التفرد والإقصاء التي تمارسها هذه المجموعة، بعد أن أصبحت كوردستان الأمل المرتجى لكل العراقيين والملاذ الأمن والكريم لكل الهاربين من إرهابهم وميليشياتهم، التي حولت البلاد إلى خراب وحرائق في كل مكان خارج الإقليم، ودفعت مئات الآلاف للهجرة بحثا عن الأمن والسلام والحياة الكريمة في إقليم كوردستان الذي يحتضن اليوم من العراقيين غير الكورد ومن العرب تحديدا، اولئك الهاربين من جحيم الطائفية المقيتة التي أنتجتها هذه التصريحات المسمومة، يفخر اليوم بأرقى صور التسامح والتعايش بين كل مكوناته ومكونات العراق، حيث يحيى الجميع فيه معززين مكرمين، حالهم حال أي مواطن هنا في كل مفاصل الحياة والعمل التي تعج بهم.


     إن الذين يريدون منع الكورد من دخول بغداد والمحافظات عليهم فعلا أن يتجرؤا في فض هذه الشراكة، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بان يأخذ كل منا حقه فيها، بدلا من تصريحات جوفاء فارغة تخدش حياء الأهالي وتعكر مزاج المواطنين، خاصة أولئك الذين يتقاسم شعب كوردستان معهم لقمة العيش بعد أن ضاقت بهم الدنيا وضنكها، مع نظام فشل في أن يوفر ابسط مقومات الحياة في الأمن والسلام لمواطنيه، وتركهم ضحية للفقر والعوز والتقتيل على الهوية من الموصل وحتى البصرة.
kmkinfo@gmail.com   



68
 
أزمة بغداد مع أربيل!

كفاح محمود كريم

    تذكرنا سلوكيات البعض في حكومة بغداد بتأخير دفع مرتبات الموظفين في إقليم كوردستان كلما حدثت مشكلة أو تم تصنيع أزمة ما مع الإقليم، بتلك الحصارات التي كانت تضربها ذات الحكومة ولكن بتسميات مختلفة وبنفس هذا السلوك على مدن وقرى كوردستان عبر تاريخ الدولة العراقية منذ تأسيسها، ويعرف العراقيون والكوردستانيون المواد المحرمة دخولها إلى تلك المناطق ابتداء من الوقود والشاي والسكر وانتهاء ببقية مفردات المواد الغذائية، إلا بكميات محددة وبموافقات الجهات الأمنية والعسكرية، فطيلة الصراع مع حكومات بغداد الدكتاتورية، كانت تستخدم تلك الأنظمة أكثر الوسائل خناثة وخباثة في صراعها مع الشعب عامة ومع كوردستان وشعبها وحركتها التحررية خاصة تلك الأساليب التي ترتبط بقوت الأهالي ومصادر عيشها، فلم يك صدام حسين لوحده أو حزب البعث بمفرده يعتنق هكذا نمط من السلوك المنحرف، فقد أثبتت الأيام بأنه نتاج تراكم كبير من الإمراض الأخلاقية والتربوية التي حملتها معظم الطغم العسكرية أو المدنية التي تسلطت على حكم هذه الدولة العجب، فلم يتوانَ احد منهم من اقتراف أسوء الجرائم بحق الآخرين وخاصة المكونات غير العربية التي تصل حد الإبادة الجماعية، منذ مطلع ثلاثينات القرن الماضي، حينما قتلت قوات الجيش بأوامر من أعلى السلطات أيام حكم الملك غازي ورشيد عالي الكيلاني، ما يقرب من ثلاثة ألاف آشوري في منطقة سميل وعشرات القرى الآشورية في الموصل ودهوك خلال عدة أيام من شهر آب 1933م، أعقبتها حملات أكثر وحشية في جبل سنجار التي تحولت إلى تقليد تقوم به القوات العراقية ضد كل من اختلف مع نظامها السياسي، حتى تكللت (بطولات) ذلك الجيش العقائدي بإبادة ما يقرب من ربع مليون طفل وامرأة وشيخ من كوردستان لا لشيء إلا لأنهم كوردا، وأحرقت عشرات الآلاف من سكان مدينة حلبجة وأخواتها في كرميان وبادينان بالأسلحة الكيماوية، ناهيك عن الحصارات المخزية التي كانت تضربها على المدن والبلدات والقرى الكوردستانية، بما يشبه ما يريده البعض اليوم في محاولاتهم للوي ذراع الشعب وكسر تطلعه للمستقبل الحر المزدهر، هذا الشعب الذي أنجز تطورا خلال عقد من الزمان عجزت عن تنفيذه حكومات بغداد خلال ثمانين عاما من تأسيسها لهذه المنطقة؟

     إن قراءة سريعة لذلك التاريخ المقزز يظهر لنا حقيقة ما يجري الآن، في بلاد يفترض أنها غادرت هيكليا تلك الأنماط من الحكم، لكنها وللأسف الشديد ما زالت سائدة كثقافة متكلسة في مفاصل كثير ممن يفترض أنهم يمثلون حقبة جديدة سواء في المجال المدني أو العسكري، الذي ما يزال يرضخ لعقيدة الطغيان والهيمنة والقوة، ووسيلة بيد الحاكم يستخدمها كلما شاء لمجرد الاختلاف في الرأي أو التعبير لفرض ارداته بعيدا عن فكرة وعقيدة الدولة المؤسساتية القائمة على المواطنة والشراكة الحقيقية بين الجميع في الحقوق والواجبات حسبما ثبتها الدستور، ويبدو والله اعلم أنها ثقافة ممسوخة من الخناثة والخباثة في محاولة لكسر الإرادات، هذه الثقافة التي تعشش في عقول وقلوب كثير ممن اعتلى الكرسي في بغداد ووجد حوله عدة ألاف من الجندرمة، وذهب إلى شاطئ دجلة فرأى خياله في الماء ليظن انه أصبح إمبراطورا على الجهات الأربع، كما فعلها القائد الضرورة ومن شابهه إلى يوم الدين وانتهت به إلى تلك الحفرة المخزية؟

69
لكي لا تتشوه هوية البلد!

كفاح محمود كريم

     نتذكر سبعينيات القرن الماضي وبداية تحويل البلاد العراقية إلى حقل لتجارب البعث القومية، وتقزيم العراق بتحويله إلى قطر وشعبه إلى جزء من امة مفترضة لم يثبت التاريخ المعاصر حقيقة كينونتها الفعلية كأمة خارج الدين الإسلامي، واستيراده على تلك الخلفية ملايين المصريين والمغاربة، وغيرهم من سكان تلك البلاد التي افترضها تشكل دولة موحدة ذات يوم، ليؤسس منها نواة ذلك الكيان الذي كان يخدر به الأهالي، وهو كيان الوحدة والحرية والاشتراكية الذي انهار قبل سقوطه أبان الاحتلال الأمريكي، حيث سقط في ضمائر الناس ولم يتحول طيلة ما يقرب من نصف قرن في البلدين السوري والعراقي إلى فكر أو ثقافة اجتماعية، ولم تنصهر تلك الارتباطات بالوطن الأم على حساب الوطن المفترض في دولة الوحدة، بل على العكس هبط إلى مكونات اصغر من القومية ( العشيرة ) و ( قرية ) اكبر من الوطن!؟

      فحينما فتحت أبواب البلاد مشرعة أمام من هب ودب وبتسهيلات لا مثيل لها في كل بلدان العالم، دون الأخذ بنظر الاعتبار لمصالح البلاد العليا والآمنين الاجتماعي والأخلاقي المتعلق بالعادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية، دخلت البلاد أفواجا كثيرة من الباحثين عن العمل والغنى في بلاد نفطية، تسرب معها أيضا أعدادا كبيرة من الفاشلين والمجرمين وأصحاب السوابق والسراق والمزورين وأنماط كثيرة من المنحرفين في مختلف مناحي القيم والعادات والتقاليد، إلى مجتمع كان ما يزال خاما ومحافظا بالمقارنة مع من أتوا إليه، وهو منهمك في حرب ضروس مع دولة جارة سحبت كل الرجال من الثامنة عشر عاما وحتى الثلاثين، إضافة إلى تجنيد ما فوق هذه الأعمار في قواطع ميليشيا ما كان يسمى بالجيش الشعبي، مما أتاح دخول هذه الفئات إلى كل مفاصل الحركة الحياتية في الدولة والمجتمع وبملايين الرجال من المصريين والمغاربة والسودانيين واليمنيين وغيرهم من البلدان العربية، الذين اندفعوا أفواجا في معظمهم من الفلاحين غير المؤهلين والعمال غير الفنيين وقلة نادرة من الاختصاصات العلمية والأكاديمية، إضافة إلى أعداد كبيرة من خريجي السجون والمشبوهين وحتى المحكومين الهاربين.

     ولكي نكون منصفين فان مجتمعاتنا كانت الأنظف حتى دخول تلك الأفواج، حيث نُقلت إليها أنواع رهيبة من فايروسات الانحراف بكل أشكاله و(الفهلوية) التي تجاوزت كل أنواع (الكلاوات) العراقية البسيطة قياسا بما استورد لها القائد الضرورة، واليوم وبعد عشر سنوات من سقوط تلك التجربة الفاشلة، وأكثر من عقدين من الزمان على هجرة تلك الملايين الفاسدة، التي تركت ورائها مخلفات رهيبة من السلوكيات المنحرفة، يعود البعض إلى ذات الثقافة الفاشلة ليفتح الأبواب أمام هجرات وزحف أنماط بشرية غريبة تحت أغطية مذهبية أو قومية بائسة، كما يحصل مع تدفق ( مقاتلين ) من كل مكان إلى ما يسمى بدولة العراق الإسلامية وتوغلهم في البنية الاجتماعية والعقائدية بذرائع الجهاد، وما ماثلهم من شرق البلاد تحت أغطية ميليشياوية أو مذهبية مقيتة لا هم لها إلا الارتزاق ونخر الوطن أو ذبحه ومسخ هويته وتشويه عاداته وتقاليده دون أي وازع يمنعها، فهي لا تنتمي إطلاقا إلا لمصالحها الذاتية، ولا يمكن سلخها من انتمائها الأصلي مهما كانت تلك الأطروحات التي يطرحها منظرو القومية الشوفينية والتعصبية الدينية أو المذهبية، حيث فشلت كل هذه المحاولات في العراق واليمن وسوريا وليبيا وقبلها في أفغانستان وغيرها من البلدان التي اجتاحتها حمى القومية المفرطة أو التعصب الديني والمذهبي.

 kmkinfo@gmail.com




70
السقاعة الأمريكية؟
كفاح محمود كريم
     
     والسقاعة مفردة جاءت من السقيع وتلفظ هكذا، رغم أنها مأخوذة من الصقيع أي شديد البرودة، وتستخدم في الدارجة العراقية لتصف الإنسان البارد الممل القريب من البلاهة وربما الغباء أحيانا رغم ثرثرته أو ادعائه العلم بالشيء، وقد استخدمت هذه المفردة لتصف أولئك الناس كثيرو الثرثرة الذين يأخذون الأمور بسطحيتها دون معرفة الحقائق، وأكثر الإدارات السياسية في العالم عدم دراية ومعرفة بتاريخ الشعوب هم الإدارة الأمريكية التي دفعت بسبب أخطائها وعدم إدراكها لحقائق الأمور، خسائر كثيرة في علاقاتها مع الشعوب وخاصة بعد إجرائها التداخل الجراحي الكبير في كل من أفغانستان والعراق، حيث أرسلت أسوء إدارييها لوراثة أنظمة الحكم الدكتاتورية هناك، حيث يتذكر العراقيون بأسى شديد وعار كبير للولايات المتحدة إدارة السيد برايمر للعراق في الفترة الانتقالية التي أنتج فيها أسوء ما يتم تعريفه في علوم السياسة والإدارة والاقتصاد، حينما خلط النابل بالحابل، وصاغ ما يسمى بالفوضى الخلاقة التي أنتجت كل تداعيات الفوضى العراقية منذ انهيار نظام البعث وحتى يومنا هذا؟

     ولعل ما ورد مؤخرا في وسائل الإعلام الأمريكية من اتهام للحزبين الكبيرين في كوردستان، الديمقراطي والاتحاد بالارهاب، يأتي في سياق ( السقاعة ) الأمريكية التي تتناول من خلال سطحيتها وعدم إدراكها لحقائق الأمور وتاريخ الشعوب أكثر الأمور أهمية، لكي تُعرف نضال الأمم وكفاحها بأنه إرهاب، علما إن تاريخ ونضال الحزبين المذكورين أكثر عراقة وأصالة من حزبيها الديمقراطي والجمهوري، من خلال تضحياتهما وقوافل شهدائهما وعموم الحركة الوطنية الكوردستانية التي قادها الديمقراطي الكوردستاني منذ بداية النصف الثاني للقرن المنصرم وحتى يومنا هذا، وهو الذي حقق مع حليفه الاتحاد وبقية الفعاليات الكوردستانية ما تنبهر به كل الإدارات الأمريكية وغيرها في منطقة الشرق الأوسط، حيث حولت كوردستان إلى واحة وجزيرة للسلام والأمان والمدنية والازدهار في عجاج بحر متلاطم من الإرهاب والدمار والتقهقر.

     ومن المضحك حقا أن يطلع المرء على تقييمات بعض مفاصل الإدارة الأمريكية بشكليها التشريعي والتنفيذي، خاصة حينما يقرأ هذا النص الذي يمثل فعلا سقاعة المسألة التي أثيرت مؤخرا حيث يقول التقرير:

     عقب اعتذار الرئيس مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان عن زيارة الولايات المتحدة الأمريكية بناء على دعوة رسمية من إدارتها، وبعد استيضاح رأي ممثلية حكومة إقليم كوردستان في الولايات المتحدة بهذا الشأن، كما أوردته وكالة بيامنير للأنباء، فقد تداول الكونكرس والخارجية الأمريكية هذه المسألة، وأعلن المسؤولون هناك بكل صراحة إن أسم (الكورد) قد أُدرج ضمن القائمة السوداء الأمريكية عن طريق الخطأ، فهم أي الكورد ضد الإرهاب ويساندون السلام والاستقرار، وقد صرح أيد رويس رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونگرس قائلا:

     " إن إدراج اسمي الحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني ضمن القائمة السوداء قد ورد سهواً وعن طريق الخطأ لأنهما كانا على مدى عشرات السنين السبب في استقرار المنطقة وأمنها والسلام فيها، بينما انتشرت منظمة إرهابية مثل القاعدة والمنظمات التابعة لها في عموم الشرق الأوسط، وتطورات الأمر هكذا فأن علينا أن نراجع موقفنا وقرارنا غير المناسب إزاء أصدقائنا في تلك المنطقة، لآن هذه المسألة ستتسبب في تدهور علاقاتنا معهم وأصبحت أتساءل : ترى هل أن الإدارة تساند قراراً قانونياً يتم بموجبه رفع أسم الكورد من القائمة السوداء ".

     فيما أعلن نائب وزير الخارجية الأمريكي لشؤون العراق وايران بريت ماك كيورك:

    " الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني هما أقرب أصدقائنا في الإقليم منذ عشرات السنين وبرأينا أنه يتوجب رفع اسميهما من القائمة السوداء في أسرع وقت وتدركون أن هذا الموضوع يتطلب مشروعاً قانونياً وسنساند حل هذه المسألة حتماً ونتطلع مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية ولجان الكونكرس لإيجاد حل مناسب لذلك ".

حقا شر البلية ما يضحك!
kmkinfo@gmail.com


71
حرف السين والمسؤولين!؟

كفاح محمود كريم

           يبدو إن موسما جديدا بدأ لاستخدام حرف السين, وبالذات مفردة ( سوف ) ذات الإيقاع الساحر لدى الكثير من المسؤولين الذين يتم تعيينهم حديثا، وهم يتحدثون عما سيفعلونه وينجزونه، ويعدون الأهالي بأكوام من حرف السين  الذي يسبق كل أحاديثهم، بدأت تطل علينا ونحن على أعتاب دبكة جديدة للبرلمان العراقي، الذي يتنافس على امتيازات عضويته الآلاف من العاطلين عن العمل والطموحين للانتقال إلى عالم السياسية الجديدة المليئة بالأموال التي تغسل باستمرار ويتم نشرها على حبال التنشيف في العواصم القريبة، هذه الدبكة التي تتقاتل من اجلها أفواج المنتفعين والانتهازيين وأنصاف الأميين والمتعلمين، ليس بالصراع الدموي بل بالعزائم وتوزيع الهدايا ومنح هبات ومبالغ نقدية ومشاعر جياشة تتعاطف مع فقراء الأمة وسكنة عشوائيات التجاوز، وخاصة بعد انهيار نظام ( هلهولة للحزب القائد ) الذي ما تزال ثقافته تمارس يوميا تحت أسماء وعناوين مختلفة لكنها بذات الجوهر والمبدأ.
 
      ولعل ابرز من يستخدم حرف السين بكل أشكاله في أول الجملة أو الكلمة، وخاصة كما ذكرنا مفردة ( سوف )، هم المرشحون لمجالس الاقضية والمحافظات وصعودا في الإيقاع والقيمة وصولا إلى البرلمان، حيث أظهرت نتائج دراسة قامت بها إحدى مؤسسات الاستبيان، بان أكثر الناس كذبا هم مرشحوا تلك المجالس، فقد بلغت نسبتهم أكثر من 87 بالمائة من الذين يعدون ولا يوفون وعودهم، والبقية الباقية يتعذرون بتلكؤ الحكومة وأجهزتها، هؤلاء المرشحون بدأوا من الآن يقذفون حمم حرف السين على الأهالي المتخمين بالوعود والأكاذيب حتى آذانهم، بل إن كثيرا منهم من كثرة الكذب بدأ يصدق ما يقال له، على خلفية مبدأ غوبلز وزير إعلام ادولف هتلر الذي يقول اكذب فاكذب فاكذب حتى تصدق نفسك فيصدقك الناس!؟

      ورب قائل يسأل من اضطر الناس على تصديقهم، خاصة وأنهم خبروهم أو جربوهم خلال دورتين برلمانيتين، لم تختلف فيها الأكاذيب والوعود إلا في توقيتاتها أو إرفاقها ببضع أكياس من المال، باستثناء أولئك الرائعون من المخلصين الذين حملوا آلام الوطن على أكتافهم وفي قلوبهم قبل انهيار النظام وبعده ممن لم يغريهم السحت الحرام والعمولات المشبوهة، ولعل الإجابة على هكذا أسئلة مريرة تبدو في غاية الصعوبة مع شعب خرج بالملايين من اجل الزعيم الأوحد وهم ذاتهم خرجوا من اجل الرئيس المؤمن عارف، ثم ما لبثوا هم وأولادهم أن كانوا يصفقون للقائد الأب البكر، ثم لحق بهم أحفادهم إلى مسيرة القائد الضرورة، وباستثناء  القلة القليلة للأسف يبدو المشهد القادم من خلال أفواج المرشحين لا يختلف كثيرا عما شهدناه خلال دورتين، بل قل معي منذ مليكنا المفدى وحتى زعيمنا مختار الزمان، إلا اللهم باختلاف الأسماء والرتب والعناوين، وأساليبا متنوعة وأكثر تطورا في تخدير الشارع دينيا ومذهبيا وعشائريا بفتاوى دينية ومذهبية وتشييمات قبلية بدوية خارجة عن الزمن، تسببت فيما نحن عليه الآن وربما سنبقى كثيرا على هذه الحال حتى يتم إلغاء استخدام حرف السين وسوف من قبل المسؤولين الكرام!؟

kmkinfo@gmail.com

72
المنبر الحر / الشفاطات!؟
« في: 16:13 30/01/2014  »
الشفاطات!؟

كفاح محمود كريم

                ومفردها الشفاطة وهي من الدارجة العراقية الأكثر استخداما في الموصل لتوصيف المرأة الثرثارة، ومذكرها الشفاط أي بمعنى آخر ( اللغوجي ) وهي تعني الرجل الذي يتكلم كثيرا إلى حد الملل، وتظهر ( الشفاطة ) بشكل جلي في المناسبات السعيدة منها والحزينة، كحفلات الزواج والتعازي، وكذا الحال بالنسبة للشفاط حيث يتبارى في ذات الأمكنة مضافا إليها المقاهي، وفي كل الأحوال فالشفط ليس كما هو معروف في إزالة الشحوم من الكروش، بل هو عملية شفط كل ما في الرأس على أجنحة الصوت، وبضجيج ممل وتصوير مبالغ به للأحداث بسرد مكرر ومطول إلى حد الملل، وبالتأكيد تتكثف في مفاصل هذا النوع من الشفط أشكال من أحلام اليقظة والأكاذيب وأحيانا كثيرة النميمة وقذف الآخرين بغيابهم.

     ولقد بقت الشفاطات والشفاطون أسيروا تلك المناطق المحصورة بين المقاهي وأمكنة الأفراح والأحزان، حتى مَنَ الله علينا بالنظام الديمقراطي الذي أنتج لنا برلماننا العتيد، ففتحت آفاقا جديدة للناس أجمعين وخاصة فرص العمل للبطالين، حيث امتلأت أروقة المجلس بالحمايات والمرافقين ومدراء مكاتب النواب ومسئولي إعلامهم، وبالتأكيد منهم إخواننا الشفاطون والشفاطات، الذين انبروا يمارسون هوايتهم بالشفط واللغف والسهر حتى الصباح من اجل الأهالي ومصالحهم وخاصة في الكهرباء والنفط الأبيض وغيرهم من الكماليات في عراقنا الجديد!

     المهم هناك مواسم للشفاطات والشفاطين تبدأ مع ظهور بوادر أي أزمة يتم تصنيعها في أروقة الحكومة الاتحادية مع الإقليم، ولأي سبب كان حتى مع عدم وجود سبب يتم صناعة الأسباب الموجبة لكي تنبري مجموعات ( العد والصف ) بمعنى الشفط المعادي للطرف المراد شفطه، حيث البرامج الحوارية على فضائيات الرقص على أوتار الخلافات والعقد المتراكمة عبر عصور الأنظمة الشمولية، وليس بعيدا ظهرت مجموعة من الشفاطات لمناقشة أزمة مفترضة عما يسمى رفع التأشيرات لمواطني الإمارات وقطر ودول الخليج بمناسبة احتفالات الدولة العربية باعتبار اربيل عاصمة السياحة العربية، وقد أقاموا الدنيا ولم يقعدوها خاصة وان أحداهن كانت قد رددت شعار حزب البعث قبل بدء الحوار، إلا أن زعيمها الذي منحها ( كرين كارت ) من الاجتثاث خولها أن تتحدث باسم الأمة العربية تارة والدستور العراقي تارة أخرى، والغريب إن الشفاطات يلتقون رغم المسافات الشاسعة بينهم من الناحية الفكرية والعقائدية، خاصة إذا ما كان الموضوع يتعلق بأولاد الجن من الكورد كما يصفونهم أحيانا في أدبياتهم، فقد انبرت شفاطة أخرى بدرجة دكتورة لكي ( تفتل ) الأمور كما تريد وحسب مزاجها ومزاج عرابها، وتتناغم مع مثيلتها الأخرى على خلفية عدو عدوك صديقك!؟

kmkinfo@gmail.com


73
العراقيون ومشكلة الأحذية؟

كفاح محمود كريم

    يبدو إن الحذاء الذي يتم تداوله بالاسم الحركي له عراقيا ( القوندرة ) هو أكثر الأسلحة استخداما، إما بالتهديد أو بالتنفيذ أو بالتشبيه في معظم مجتمعاتنا العراقية من أقصى الشمال إلى أقصاه في الجنوب، رغم اختلاف أشكاله وأحجامه وتسمياته، إلا انه يبقى المفردة الأكثر تداولا خاصة حينما تبدأ دورة الغضب والعصبية والتهديد، أو في استخدامات أخرى حينما يتحول إلى وسادة في عربات القطار أيام الحرب العراقية الإيرانية أو في سجون النظام البائد أو الما بائد!؟

     أما على المستوى العالمي وفي أكثر مشاهد استخدامه إثارة كانت تلك اللقطات التي ظهر فيها الزعيم السوفييتي خروتشوف عام 1960م وهو يهدد به الامبريالية العالمية ويطالبها بمنح كل المستعمرات الحرية والاستقلال، حيث كان أعضاء الأمم المتحدة يواصلون نقاشاتهم واستماعهم إلى كلمات ممثلي الدول، بينهم جواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر وجوزيف تيتو ورؤساء حكومات، عندما ارتفع فجأة صوت رئيس الاتحاد السوفيتي خروتشوف، وما إن انتبه إليه الجميع في تلك القاعة الحاشدة حتى شاهدوه وهو يرفع حذاءه ويضرب به منصة وفد بلاده وسط ذهول واستهجان وسخرية الجميع، بعد هذه الحادثة صار اسم خروتشوف لم يذكر باعتباره رئيس دولة عظمى، بل تذكر حادثة الحذاء هذه وبكثير من التأويلات.

     وفي تاريخنا المعاصر وخاصة في العقد الأخير الذي تميز بمجلس نوابنا العجب، حيث ضم بين أروقته ما شاء الله من عبيده الذين يحترقون من اجل أن يحيى الشعب، ويجوعون من أجل أن يشبع الفقراء، ويسهرون حتى الخيط الأول من الضياء وما هم بسكارى، لكي ينام الشعب مخدرا بشعاراتهم وأكاذيبهم، فقد استخدمت إحدى ( نايباته ) التي تم تزكيتها في الاجتثاث من قبل زعيم سبق وان كان من رفاق العقيدة والسلاح وادغمها في غفلة من الزمن بين صفوف ( نايبات ) المجلس العتيد، استخدمت هذه الشفاطة أي كثيرة الكلام والتصريحات ( بابوجها ) بدلا من اللسان والحوار والنقاش أسلوبا في التخاطب مع احد النواب الذي كان ينتقدها!؟
     وربما فعلت فعلة ذاك المغمور الذي عجز عن توجيه سؤال لزعيم دولة كبرى كان يزور العراق فاستخدم هو الآخر ( قوندرته ) بدلا عن لسانه لتوجيه السؤال والحوار، في أخر مودة من مودات التعاطي الحذائي مع الأحداث، ويبدو والعلم عند الله إن لتلك المشكلة جذورا مهمة ومترسبة عند العراقيين عموما، حيث أشار إليها رئيس النظام السابق الذي نتذكر جميعا أحاديثه عن الأحذية، وكيف كان ( يُعيرنا ) بأننا كنا حفاة عراة نأكل من بقايا علب الأغذية المحفوظة التي يرميها جنود الاحتلال البريطاني، ( وربما كان يتحدث عن منطقته تحديدا لوقوعها بالقرب من سكة القطار ) لان مثل هذه المشاهدات في مرحلة الطفولة قد تبقى دهورا منقوشة في الذاكرة بالصورة والصوت، إلا انه كان دوما يذكرنا أيضا بأنه هو الذي ألبسنا الأحذية بعد دهور من الفقر المدقع الذي انتهى بتوليه رئاسة العراق ومن ثم انتهاء عهد ( الحفاة ) لتبدأ مرحلة الأحذية، التي سرعان ما أصبحت تحت مضلة الحكم القرقوشي واحدة من أهم أسلحة التخاطب لكبار المسئولين في تلك المرحلة، ويبدو أن الرفاق الجدد من خريجي تلك المدرسة في التخاطب والتعاطي مع الأحداث باستخدام هذه الوسيلة في زمن النكرات والانتهازيين من مستخدمي لغة القنادر مازالوا يمثلون على مسرح السياسة البائسة في عراقنا الجديد!؟

kmkinfo@gmail.com
 

74
شاي كوردستان وقهوة بيروت!

كفاح محمود كريم

     ربما كان لدرجات الحرارة وانخفاضها طيلة أيام السنة في جبال كوردستان وقراها المنتشرة فوقها كنجوم تضيء سماوات الوطن، اثر كبير في انتشار الشاي الحار كتقليد يومي على مدار الساعة، أينما ذهبت في كوردستان يلاقيك الشاي مرحبا بحلاوة لا تماثلها أي حلاوة، فقد تعود أهل هذه البلاد على إضافة كميات كبيرة من السكر إلى الشاي، ربما لتعويض في الطاقة خاصة وإنهم مروا في حقب كثيرة من حياتهم لضغوطات عسكرية وحصارات عديدة كانت تمنع عنهم وصول كثير من المواد الغذائية، فأصبح الشاي المحلى كثيرا بالسكر مع الخبز أكلة مهمة لدى أغلبية الفقراء من الأهالي.

لقد أصبح الشاي أكثر ما يميز تعاطي الأهالي مع الضيوف كأول ما يقدم لهم في كل المناسبات، ورغم انه مشروب حار إلا انه يقدم أيضا في أيام الصيف الملتهبة أيضا، حيث ينتشر في كل مكان ليكون ملاذ الفرد خاصة إذا ما أراد أن يصفي ذهنه أو يروق كما يقول اللبنانيون الذين تتميز عاصمتهم بيروت بكونها من المدن القليلة في الشرق الأوسط التي تصر في الإبقاء على عراقتها ونكهتها وأصالة تقاليدها، رغم ما أصابها من إيقاعات التغيير المتسارعة خلال العقدين الأخيرين من نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، لكنها لم تترك أثرا بالغا في بنيتها السلوكية والنفسية فما زال البيروتي هو هو كما كان والده في أربعينات أو ستينات القرن الماضي في كثير من تفاصيل الحياة اليومية ابتداءً من قهوة الصباح وانتهاءً في السهرة  الحالمة بعيدا عن ضوضاء الجيل الجديد الذي انكفأ في كازينوهات ونوادي ليليلة في العاصمة وأطرافها، تتكثف فيها إيقاعات التغيير المتسارعة في السلوك والأداء، لكنها أيضا لا تخرج كثيرا عن جغرافية وإيقاعات القهوة!

     وهنا أيضا ربما كانت رائحة القهوة كما في الشاي ونكهته المعروفة في كوردستان، أكثر تأثيرا وانتشارا وتركيزا في ترسبها على أسطح وأعماق الحواس والذاكرة، لكثرة ما في بيروت من دكاكين ومحامص لحبة القهوة، التي تعني لأهل لبنان المزاج والنكهة وتمنح جغرافية المكان عبقا آخرا وعنوانا يكلله متعة ارتشافها، وهو أي اللبناني اشطر من يعرف نوعها ونكهتها وكيفية تحضيرها وكم من الوقت تستغرق فوق النار الحامية أو الهادئة، كما يفعل الكوردستاني بسماوره ومنقل الفحم الذي يضفي للشاي رومانسية ونكهة لا تضاهيها أي نكهة أخرى؟

     هذا اللبناني الذي يهرب من لهيب الصراعات ليحتسي فنجان منها وكأنها ملاذ آمن يحتضنه في أوج تألقاته، لا كما يفعل البعض منا في شهوة القهوة واحتسائها، وهو أيضا في كوردستان بدأ يشيع بشكل ملفت طقوس قهوته ونكهتها ورائحتها التي تحاول جرجرة الشاي إلى زوايا حادة، رغم ما تحمله من ماركات وإغراءات كثيرة؟

kmkinfo@gmail.com
 




75
كوردستان وظلال التسامح

كفاح محمود كريم

     تعرضت كوردستان خلال القرن الماضي إلى أبشع أنواع الحروب التي شملت كل أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة دوليا، كما حصل في مدن هورامان وكرميان وبادينان، إضافة إلى عملية تدمير شامل للبنى التحتية الاجتماعية والاقتصادية من خلال إزالة معظم قرى كوردستان التي بلغت ما يقرب من خمسة آلاف قرية بمن فيها وما فيها، وقتل ما يقرب من ربع مليون طفل وشيخ وامرأة، اكتشفت بعد سقوط النظام مقابرهم الجماعية التي  ضمت عشرات الآلاف من رفاتهم وقد دفنوا أحياء في صحراوات الجنوب العراقي، هذا بالإضافة إلى ما كانت تقترفه ميليشيا البعث المسماة بالجيش الشعبي من جرائم بحق السكان في معظم كوردستان، وهي عبارة عن تنظيمات حزبية مستقدمة من خارج الإقليم كانت تقوم بعمليات دهم وسلب ونهب بالتعاون من مرتزقة النظام في الداخل ممن كانوا  يسمون بالفرسان، إضافة إلى جرائم الأجهزة الخاصة ( الأمن والاستخبارات والمخابرات ) التي لم يسلم من عذاباتها أي مواطن حر وشريف، ورغم بشاعة ما كان يحدث فقد عتمت وسائل الإعلام العربي كعادتها على كل تلك الجرائم التي تتعلق بالإنسانية، حيث همشت بل وتغاضت تماما عن أي ذكر لخبر أو نبأ يتعلق بتلك الجرائم العظمى، بل كانت تعتبرها عمليات تحرير وتطهير للبلاد من المخربين!؟ 

     كل هذه الجرائم مغمسة بانين الجرحى والثكالى من الأمهات والزوجات والأيتام، كانت أمام قيادات الانتفاضة العظمى لشعب كوردستان في آذار 1991م بعد تحرير معظم أراضي الإقليم باستثناء المناطق التي ما تزال خارجه والمشمولة بالمادة الدستورية 140، وهي ترسم خارطة الطريق إلى المستقبل في مطلع تسعينات القرن الماضي، حيث أدرك الرئيس بارزاني حقيقة مهمة في التكوين النفسي والأخلاقي للفرد والمجتمع الكوردستاني القائم على التسامح وعدم الانتقام والجنوح إلى السلم والأمن مستفيدا من الإرث الكبير لمفردات الثورة الكوردية طيلة أكثر من نصف قرن ليتخذ قراره الجريء هو ورفاقه في الجبهة الكوردستانية بإصدار العفو العام عن كل أولئك الذين تورطوا بجرائم ما كان يسمى بقوات صلاح الدين من مرتزقة النظام وأزلامه في المنطقة، بمن فيهم الكثير من القيادات البعثية من خارج الإقليم ممن لم يتورطوا بجرائم ضد الشعب، فقد تمت رعايتهم ونقلهم إلى ذويهم مع مقتنياتهم والحفاظ على أملاكهم العقارية، حيث وجه الرئيس مسعود بارزاني بعدم الاستحواذ على أية أملاك عائدة لهم والتعامل معهم كمواطنين مالكين شرعيين لتلك العقارات إما إيجارا أو بيعا دونما غصب أو استغلال، ويشهد المنصفون ممن تعاطوا مع هذه الملفات كل هذه الحقائق، بل وتتذكر كثير من القيادات العسكرية والحزبية في كثير من البلدات الكوردستانية، كيف إن المواطنين قاموا بحماية اسرهم ونقلها مع مقتنياتها إلى مواطنهم الأصلية، عكس ما جرى في كثير من المناطق سواء في العراق أو البلدان التي اشتعلت فيها نيران الاحتجاجات وأفضت عن سقوط أنظمتها واشتعال أعمال الانتقام والتصفيات كما في ليبيا وسوريا ومصر واليمن، بينما تم التعامل في كوردستان مع ما يقرب من خمسين ألف أسير من جنود الجيش وضباطه إبان الحرب الأخيرة عام 2003م بإيوائهم في بيوت المواطنين والمدارس والجوامع ورعايتهم وتخييرهم بين البقاء في كوردستان معززين مكرمين أو العودة إلى ذويهم، صورة من أرقى صور التسامح والإنسانية وقرار من ارفع وأسمى القرارات التاريخية، خاصة وهم جميعا ينتمون إلى المؤسسة العسكرية المسؤولة عن تدمير كوردستان وأنفلة مئات الآلاف من سكانها.

    ولان فاكهة البيت مرة كما يقولون فلم يتناول الإعلام العربي ولا الشرق أوسطي هذا السلوك النبيل للرئيس بارزاني ورفاقه في الجبهة الكوردستانية التي كانت تضم معظم الأحزاب الرئيسية في كوردستان، هذا القرار الذي وضع أسس الأمن والسلم الاجتماعيين في كوردستان، ومنع قيام أي عمليات انتقام بين المواطنين أفرادا كانوا أم أحزابا وقوى، بما يعزز التسامح والبناء المتحضر للمجتمع الكوردستاني وهو في خطواته الأولى نحو الحرية والانعتاق.

     إن اتخاذ هكذا قرار وتطبيقه ليس أمرا سهلا بل في غاية الصعوبة والمرارة، لكنها الحكمة والإصرار على بناء مجتمع معافى من أدران الكراهية والانتقام والأحقاد ليتفرغ أبناءه وبناته لبناء بلدهم المخرب منذ عقود طويلة، وهذا ما جرى فعلا فقد تحدت إرادة الخير والبناء والسلام الاجتماعي كل مشاعر الانتقام والكراهية ودمجت تلك القوى والعناصر في عملية التغيير حتى أصبحت جزءاً مهما من عملية البناء هي وأبنائها وأحفادها لتنتهي حقبة الكراهية والانتقام، ولكي تنهض كوردستان اليوم بهذا الشكل الزاهي ليس في بنائها الاعماري بل في نسيجها الاجتماعي والسياسي والأخلاقي الذي وضع أسسه وبذوره الأولى الزعيم مصطفى البارزاني وحوله مسعود بارزاني والخيرين من أبناء وبنات كوردستان إلى مفردات وبرامج عمل للنهوض بالإقليم اجتماعيا وأخلاقيا واقتصاديا وحضاريا.

kmkinfo@gmail.com
   


76
لكي لا يغتالوا لبنان!

كفاح محمود كريم
 
      ربما كان جيلنا ومن سبقنا وحتى من أتى بعدنا بقليل قد توهم إن لبنان بلد المتعة واللهو والقمار والسياحة فقط، متناسيا في عجقة البارات والملاهي وكازينوهات القمار، إن بيروت مدينة التنوع والثقافة والفن والفكر ورسالة السلام والتسامح إلى كل شعوب الأرض، وإنها احتضنت مدرسة الديمقراطية الأولى في بلاد النظم الشمولية، فكانت بجدارة عاصمة المعارضة العربية وساحة يلتقي فيها كل المختلفين العرب ويصدرون منها ما يعبر عن أرائهم وثقافاتهم، لبنان التي حملها ملايين الرسل وهم يجوبون بلاد الله الواسعة من أقصى الأمريكيتين إلى قارة الكنغر في استراليا مرورا بمجاهل أفريقيا ومعالمها، واسيا وعجائبها، حتى نجح هذا اللبناني الدمث، أن يكون جزءً من حضارات معظم تلك البلدان التي ارتحل إليها تاجرا أو مغامرا أو طالبا للعلم وناشرا للفن والسلام والمحبة، فانصهر في بودقتها دون أن يفقد هويته ووظيفته!

      ولعل أول المغتربين الذين يطرقون ذاكرتنا ونحن نجول عالم هذا البلد العجيب في كل شيء، هو الخالد جبران خليل جبران الذي أوصى أن يدفن في بيته القديم بقريته بشري الرائعة الجمال، ويتحول المدفن إلى واحد من أجمل متاحف لبنان بروحيته وموقعه وتطابقه مع شخصية وفلسفة جبران خليل جبران، هذا العملاق الكبير الذي حمل لبنان الفكر والفن والفلسفة رسالة إلى كل البشر دونما أن يفكر للحظة واحدة بانتماء ديني أو عرقي، بل ونجح عبر الأجيال أن يزرع في ذاكرة المتلقي حسا إنسانيا كونيا يفصله عن أحاسيسه الأصغر في الانتماء، فيكون ابن الأرض قبل البلد المؤطر بجغرافية الحدود، وابن الإنسان قبل أن يكون معنونا باسم أسرة أو عشيرة أو عرق.

      انه لبنان الذي لا يسألك من أين أنت ومن أي قوم أو دين أو مذهب، ولا تعرف عن أهليه دينهم أو مذهبهم، إلا اللهم من أولئك الذين اخترقتهم تلك الطفيليات التي أنتجتها هذه الحقبة الرديئة في عالمنا الشرق أوسطي، الذي كانت بيروت قبلته وعروسه قبل أن يحاول المتوحشون اغتيالها وتعويقها وتقزيمها بطائفة أو عرق أو دين، لبنان تعني إنسان منهمك طول النهار بمهنته وصنعته ووظيفته لا يتوانى في أن يطورها حتى ولو كانت أسرارها خلف سور الصين العظيم، وحينما يحل الليل ويهدأ ضجيج العمل تراه ذلك الباحث عن فجوة في الزمن يركد إليها مرحا يتنفس فيها الطرب الأصيل ويرتشف القهوة الملونة بألوان المكان في الجبل أو الشاطئ، إنها دورة اليوم الكامل، نصفه للعمل والنصف الآخر لترويح النفس، إنها معادلة اللبناني وعنوان لبنان في أروع لوحات الجمال مع العمل والمرح والإنتاج.

      لبنان اليوم بين نيران تلك الطفيليات التي تحاول سرقة هويته وميزته وأسباب وجوده، يعملون ليل نهار لإلغاء انتمائه الكلي للحضارة واستبدالها بانتماءات مشوهة مليئة بالظلام والعبثية!
      لبنان يتعرض لسلخ هويته ومهدد في كيانه الحضاري قبل الجغرافي وبهويته الإنسانية قبل القومية أو الدينية، لبنان يخضع اليوم إلى عملية جراحية فوق الكبرى سيخسر الشرق الأوسط نموذجا حيا للتسامح والتعايش إذا ما فشلت تلك العملية ونجحت فايروسات التطرف والتعصب في تمزيق رسالة لبنان إلى العالم!؟
      انه نداء إلى أطباء لبنان وجراحيها السياسيين ممن دخلوا صالة العمليات الآن ولبنانهم تحت التخدير في واحدة من اكبر العمليات الجراحية لاستئصال أورام التعصب والتطرف والعودة بلبنان المحبة والجمال والسلام والعطاء والدرس الكبير!

kmkinfo@gmail.com
بيروت
24 كانون أول 2013م

77
المنبر الحر / الانتماء إلى الأرض
« في: 14:16 01/01/2014  »
الانتماء إلى الأرض

كفاح محمود كريم

    تنتمي معظم المجموعات السكانية في العراق إلى الأرض سواء كانت  قرية أم مدينة، في السهل أو في الجبل، بعلاقة حميمة وارتباط وثيق يتحول إلى انتماء أو عنوان أو رمز أو لقب أو كنية تلازم اسم الفرد لكي تكون لصيقة به، مذكرة إياه بالأرض وقدسيتها والحفاظ عليها، ورغم إن شعوب عديدة تتصف بذات الشئ، إلا إن الحالة في كوردستان تختلف كثيرا، فالانتماء إلى الأرض هنا يصل إلى القدسية، وهو يرتبط بظروف قاهرة فرضتها الأنظمة التي حكمت هذا الوطن الجميل، وكفاح وتضحية أهله من اجل هويتهم وثقافتهم وأرضهم التي يسكنون عليها منذ آلاف السنين ويحتلها الآخرون بتفويض من معاهدة بائسة مزقت الشرق الأوسط وخلقت فيه كيانات هزيلة لخدمة مصالحها وفي غياب كامل لرأي أهل تلك الأرض ومكوناتهم؟   

     ولعلنا قرأنا وسمعنا أسماء كثيرة تختصر الاسم الثلاثي إلى اسم الشخص واسم قريته أو مدينته أو منطقته، كما في البرزانيين والسنجاريين والبرواريين والسليفانيين والعقراويين والهوراميين والفيليين والشبك والكوجر، ومئات أو ربما آلاف المكونات الاجتماعية التي قرنت اسم أفرادها باسم الأرض سواء كانت تلك الأرض قرية أو مدينة أو سهلا أو جبلا، فهي تعبر عن انتماء أهل كوردستان إلى الأرض التي حاولت كل الأنظمة التي تعاقبت على حكمها في أجزائها الأربعة إلى مسخ ذلك الانتماء أو تمزيقه بسياسات التعريب والتتريك والتفريس التي تعرض لها سكان كوردستان عبر العصور.

     ولعل ما جرى في جزئها الجنوبي كان أكثر بشاعة حينما أراد المحتل أن يبيد سكانها بشكل كامل في معارك أراد لها قدسية دينية فأطلق عليها احد عناوين الآيات أو السور القرآنية، بما يوحي للجندي بأنه يقاتل مرتدين عن الدين وكفرة يستحقون الموت والسلب والنهب، وهذا ما جرى فعلا حيث اجتاحت قوات ذلك الجيش ما يقرب من خمسة آلاف قرية لتبدأ أبشع عملية تطهير عرقي عرفتها البشرية منذ مآسي الحرب العالمية الثانية، ويتم فيها إزالة تلك القرى بالكامل من على وجه الأرض بما فيها من بساتين وينابيع مياه وكنائس وجوامع ومدارس، وينقل سكانها إلى صحراوات جنوب العراق لكي يتم دفنهم إحياء في حفر كبيرة وشقوق طويلة احتضنت أجساد ما يقرب من ربع مليون طفل وامرأة وشيخ، ذنبهم فقط إنهم كورد ينتمون إلى وطن اسمه كوردستان؟

     ولم تكتف تلك السلطات العنصرية بإبادة أولئك الناس وإزالة قراهم من الوجود، فعاودت معالجة الآخرين بالغازات السامة والأسلحة الكيماوية، في مناطق كرميان وبهدينان وهورامان، وكانت حلبجة نموذج البدائية والبربرية التي مارسها نظام صدام حسين وحزبه وعسكره في كوردستان العراق، حيث تم قصف تلك المدينة الجميلة وهي من أقدم أقضية كوردستان والعراق وأكثرها إنتاجا للشعراء والمفكرين ورجال الدين والدولة، فأمطرها بغازاته وأسلحته الكيماوية ليقتل في الدقائق الأولى أكثر من ثلاثة آلاف إنسان معظمهم من الأطفال والنساء ولكي يرتفع الرقم إلى خمسة عشر ألف بعد أيام من قصفها وإبادتها بمن فيها.

     تلك الجرائم وما سبقها عبر التاريخ سواء في الجزء الشمالي منها حيث المنع القاتل لأي تسمية كوردية مهما كانت، أو الشرقي منها حيث التفريس على خلفية الانتماء العرقي للعنصر الآري، وما رافق ذلك في الجزأين الجنوبي والغربي من عمليات التعريب والتهجير وما ذكرناه أعلاه في الإبادة، أعطى سكان هذا الوطن الجميل إصرارا مذهلا على الارتباط بالأرض، ليكون جزء من تسمية وكنية كل إفراده دون أن يفكر احدهم باسم شهرة أو كنية أسرية انتسابية بصلة دم لعشيرة أو قبيلة، فكانت القبائل هنا تنتمي للأرض كما في البرزانيين الذين يتكونون من عشرات العشائر وآلاف البيوتات مثلهم مثل السنجاريون والبرواريون والخوشناو والزرارية والهورمان والفيلية والشبك وغيرهم، وكل هذه التسميات إنما هي أسماء الأرض سواء كانت قرية أو مدينة أو سهل أو جبل أو صفة لحالة معينة، وليست أسماء قبائل تنتسب إلى جد واحد وأفخاذ تتدرج منه لتكون عشيرة يرتبط أفرادها بصلة نسب القرابة كما في العديد من الشعوب الشرقية.

kmkinfo@gmail.com

78
المنبر الحر / لماذا البارزاني؟
« في: 22:33 25/12/2013  »
لماذا البارزاني؟
كفاح محمود كريم
    حينما نتحدث عن مصطفى البارزاني فإنما نتحدث عن واحد من ابرز قادة الثورات في العالم، من الذين بدؤا رحلتهم من اجل الحرية والانعتاق بعد الحرب العالمية الثانية، وما أسقطته الحرب الأولى من اتفاقيات وتقسيمات ظالمة في خارطة الشرق الأوسط وارث الإمبراطورية العثمانية وهضم كبير لحقوق العديد من الشعوب، حيث انطلق يقود خيرة رجاله ورفاق دربه إلى مشروع قومي كبير في النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي، وفي قلب الشرق الأوسط بين أربعة دول تقاسمت ارض الوطن الحلم، لم تكن رحلته مجرد حملة إنقاذ أو قوة لدعم انبثاق جمهورية في شرق الوطن، بقدر ما كانت عملية تاريخية لتحريك مخزون هائل لدى الشعب عبر قرون طويلة من التغييب والإذابة والتهميش، والبحث عن مكان تحت الشمس في العالم الجديد بعد توقف الحرب العالمية الثانية وتقاسم تركيا والعراق وسوريا وإيران ارض الوطن؟
     لقد كانت الخطوة الأولى باتجاه بلورة نهج يحفز الشعب على النهوض، ويتجاوز الاستكانة والانغلاق وينطلق من المناطقية وثقافة الإمارات والقبائل، إلى مشروع قومي خلاق يتميز بروح نضالية عالية وبسلوك متحضر وراقي في التعامل والتعاطي مع مفردات القضية الكوردية، ابتداءاً من الأرض والطبيعة والشعب بكافة طبقاته ومكوناته، وكيفية التعامل مع العدو والتأكيد دوما على إن الصراع في حقيقته ليس مع العرب أو الترك أو الفرس كأقوام، بقدر ما هو صراع مع النظم السياسية المستبدة التي تحكم هذه الأقوام، وان الكثير ممن يقاتلون مع جيش العدو إنما مغرر بهم أو مغصوبين على ذلك.
     بهذه الأسس الأخلاقية النبيلة وضع الملا مصطفى البارزاني بداية مشروعه الأخلاقي والحضاري للنهوض بشعبه ووطنه والانعتاق من أغلال الاستبداد السياسي والاجتماعي والقبلي والطبقي، فقد جمع حوله مختلف الشرائح والمكونات والطبقات والمستويات، وأشاع بينهم جميعا أنماطا رفيعة من العلاقات الإنسانية التي يعبقها الزهد والنزاهة المالية والتعالي على صغائر الأمور، وأبقى دوما مساحات اللقاء والتحاور والتفاوض وقبول الآخر حتى مع العدو، فقد كان يشرح لرجاله دوما إن العسكري الذي يحاربكم اليوم ليس عدوا بل  مضطرا ومغلوبا على أمره، وغدا سيكون أسيركم فكونوا له إخوة وأصدقاء.
     كان يحث كل مفاصل قواته العسكرية على أن الفروسية التي  تتمثل باحترام الأسير واعتباره ضيفا وإكرامه حتى يتم تحريره، والابتعاد تماما عن أي عملية اغتيال أو إرهاب أو قتل لمدنيين لا علاقة لهم بالصراع، وان مهمتنا هي الدفاع والدفاع فقط للحفاظ على شعبنا وتحقيق حريتنا وزرع مفاهيم الأخوة والعيش المشترك في وطن حر وديمقراطي يحترم حقوق جميع البشر، بهذه الروح ابتدأ البارزاني مشروعه النهضوي دونما ادلجة أو نظريات فلسفية، بل بمنظومة سلوكية ميدانية تتعلق بالجانب الأخلاقي للقضية الإنسانية عموما ومنها القضية الكوردية وحقوق الإنسان أينما كان وفي أي زمان، وبذات النهج حقق الكوردستانيون عموما والكورد  خاصة الكثير من أهدافهم خلال السنوات التي تلت انتصارهم في انتفاضة الربيع وتحقيق السلام والوحدة والازدهار، بحيث لم تسجل في تاريخ الحركة التحررية الكوردستانية أية عملية اغتيال أو تفجير إرهابي استهدف المدنيين، بل كانت دوما عمليات نوعية تستهدف العدو الذي يقاتل جيش الثورة من البيشمه ركه.
    إن الثمار التي تقطف اليوم هي لتلك الأشجار التي زرعها البارزاني الخالد وروتها دموع ودماء المناضلين والشهداء من أبناء الوطن، إن الذين يقودون كوردستان اليوم كانوا تلامذة تلك المدرسة التي وضع أسسها وفلسفتها وقيمها الزعيم مصطفى البارزاني، فمنهم من أبدع وتفوق وأثمر هذه الثمار الجميلة والرائعة، ومنهم من فشل أيضا فأنتج ملفات الفساد التي كانت كالعصي في دواليب تقدمنا، وحري بالجميع اليوم وعلى مختلف المستويات والمسؤوليات، أن يكونوا بمستوى الوفاء لتلك الأفكار النيرة والنهج الطاهر والنقي الذي رسمه البارزاني مصطفى،  لتأسيس مشروعنا الحضاري بعيدا عن الغلو أو التطرف أو الفساد، ويقينا إن المؤمنين بذلك النهج القويم سينتصرون لمبادئه وتطبيقاته ويحافظون عليه من أي محاولة لإفساد التجربة أو الانتقاص منها وتشويه مسارها، بما يؤمن إقليما ديمقراطيا حرا خاليا من الفساد والظلم ومتميزا بالعدالة والنزاهة والطهر لكي نصدق جميعنا بالإجابة على السؤال لماذا البارزاني اليوم وغدا؟
kmkinfo@gmail.com
 



79
المنبر الحر / من يبني العراق!؟
« في: 18:32 18/12/2013  »
من يبني العراق!؟

كفاح محمود كريم

    لقد تطرقنا في مقالات سابقة إلى عمليات ترييف المدن وغمرها بالقرى وضياع هويتيهما معا او مسخهما من خلال تلك الهجرات الكبيرة المنظمة منها وغير المنظمة ( العراق وعملية ترييف المدن 1-2 )*، مما أدى الى تقليص حجم القرى وتخلفها تدريجيا قياسا لما كانت عليه حتى قبل نصف قرن من الآن فيما يتعلق بدورات الإنتاج، وتضخم سرطاني مشوه في معظم المدن العراقية ابتداء من العاصمة وحتى المحافظات التي تم استحداثها منذ تولي النظام السابق مقاليد الحكم بانقلابه عام 1968م، مع الأخذ بالاعتبار ان العملية كانت قد بدأت قبل هذا التاريخ بكثير الا انهم أي جماعة النظام السابق تفوقوا على الجميع في التغيير الديموغرافي للبيئة العراقية على خلفية عرقية او مذهبية كما حصل في كثير من مدن البلاد.

    لقد بدأت عمليات الاستيطان والمناقلة السكانية لغرض التوطين او التغيير القومي او المذهبي مع قيام الدولة العراقية، تحت مختلف التسميات وفي كل الحقب التي حكمت فيها الانظمة السياسية، بدءً من النظام الملكي وعمليات التوطين التي شملت البدو في اماكن مختارة بدقة ولأغراض سياسية قبل ان تكون اجتماعية او حضارية، وانتهاءً بالعمليات الكبرى التي شملت كثير من مدن شمال البلاد وشرقها وغربها، والتي تميزت بنقل أعداد كبيرة جدا من سكان جنوب ووسط البلاد الى شمالها كما حصل في كركوك والموصل وديالى، وبشكل واضح وبمظلة قانونية صريحة كانت تستوجب نقل كل الوثائق بما فيها وثائق النفوس او تغيير القومية وما الى ذلك من قوانين عنصرية ادت الى افراغ كثير من القرى وخلق حلقات بائسة حول المدن التي ضمت تلك المجاميع من السكان.

    ولم تتوقف هذه العمليات الى هذا الحد بل شنت الانظمة المتعاقبة حملات منظمة لإفراغ الريف في كوردستان العراق وفي الجنوب ايضا، حتى وصلت ذروتها فيما اطلق عليه بـ ( الأنفال ) وهي مجموعة معارك كبيرة استخدمت أسلوب الأرض المحروقة في كل كوردستان، وتسببت في تغييب ما يقرب من ربع مليون إنسان وتدمير خمسة آلاف قرية بما فيها من بساتين ومزارع وينابيع وشلالات ومدارس ومساجد وكنائس، وكذا الحال في الجنوب حيث تم تدمير وحرق ملايين من أشجار النخيل وتنشيف الاهوار التي كانت واحدة من أقدم المستوطنات البشرية والمسطحات المائية في العالم وتشريد او تغييب سكانها، تحت مظلة فلسفة غريبة عجيبة اعتمدها النظام السابق وهي من بنات أفكار رئيسه وفحواها إن الطبيعة تشجع الإنسان على التمرد، وضرب على ذلك مثالا حول الجبال والبيشمه ركه وغابات النخيل والاهوار حول المقاومة التي كانت تنطلق منهما، ولأجل ذلك عمد الى إزالة ملايين من أشجار النخيل وجفف أقدم اهوار الطبيعة في الجنوب وربما فكر ايضا بغباء في إزالة جبال كوردستان!؟

   لقد أفرزت هذه العمليات وما رافقها من حروب قاسية في الداخل والخارج، خللا كبيرا في البنية الإنتاجية للبيئة العراقية التي كانت تغطي الحاجة المحلية في كثير من الاحتياجات الغذائية، حيث تصدر القرية الى أسواق المدن كل منتجاتها الزراعية والحيوانية بما يوصل البلاد إلى الاكتفاء الذاتي في اللحوم البيضاء والحمراء،  إضافة إلى الحبوب والألبان والبيض ومعظم أنواع الخضراوات والفواكه، وخلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها من عمليات الإبادة الكاملة لبيئة كوردستان وبنيتها التحتية البشرية والإنتاجية، ومن ثم حرب الكويت وعمليات إبادة الجنوب وتجفيف مياهه واهواره وتدمير بيئته الإنتاجية، تحولت البلاد إلى خرابة كبرى تممتها الأمم المتحدة بحصار ظالم على الشعب قبل الحكومة، مما شجع النظام إلى استكمال حلقاته الأخيرة في تحويل ومسخ المجتمعات العراقية إلى نظام القطيع المستهلك المستكين، ومنحه شهادة بذلك من خلال نظام البطاقة التموينية التي تسببت تدريجيا في إنتاج ملايين العاطلين والاتكاليين والكسالى.

      لقد مضت السنوات العشر الأخيرة بعد سقوط النظام جارفة معها معظم الآمال في إعادة الاعمار والبناء لتعج الشماعات  بمبررات الفشل والتقهقر الذي حصل خلالها، مضت بملياراتها التي ناطحت 700 مليار دولار وهي غارقة في الفساد والإفساد والمشاريع الوهمية واستيراد كل ما كان ينتجه العراق، بما فيه الوقود والطاقة، ناهيك عن كل أنواع الخضراوات والحبوب واللحوم والألبسة، حتى تحولت البلاد إلى اكبر مستورد في العالم يضم اكبر شعب يتقاضى معاشات وتقاعدات لأعمال لا تستحق بضعة سنتات أو فلاسين كما يقولون، دولة من افشل دول العالم بعد الصومال، حسبما جاء في تقييمات منظمة الشفافية العالمية مؤخرا، دولة تدعي الديمقراطية وهي تمارس أبشع أنواع الدكتاتوريات من الأسرة والمدرسة إلى الشرطي والمدير وصولا إلى الوزير والرئيس، وفي خضم هذه العجقة المخزية وبعد فشل السنوات العشر الماضية من حكم معارضي الدكتاتورية، هل سينجح القادمون الجدد في انتخابات 2014 من تأسيس نظام جديد يعيد الحياة إلى البلاد، ويمنح الريف العراقي هويته الإنتاجية كما كانت في حقبة الستينات والخمسينات من القرن الماضي، أم إنهم سينافسون أسلافهم في  التطاحن والاختلاس والفساد والإفساد لكي يحيلوا العراق إلى حفنة تراب كما قال سيدهم الذي علمهم سحر السياسة والكراسي!؟
     وأخيرا بعد أن توالت على حكم العراق كل أصناف الطبقات السياسية ملكية كانت أم جمهورية، يمينية أو يسارية، دكتاتورية أم ديمقراطية، يبقى السؤال المر عبر الأجيال من يبني العراق؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* المقال ( العراق وعملية ترييف المدن ) بجزأيه منشور في العديد من الصحف والمواقع الالكترونية.

 
 
 

 

80
لا تقتلوا وطنية الأهالي؟

كفاح محمود كريم

     في معظم بلدان العالم المتحضر تعمل الحكومات والمؤسسات العامة فيها، على جعل مواطنيها يتعلقون بحبال وطنهم السرية، تلك الحبال التي تحمل في طياتها جينات التعلق بالأم والأب بداية، ومن ثم الإخوة والأخوات وبعدهم الأقرباء وأهل المحلة، وهكذا دواليك حتى تنجح تلك الحكومات أو المؤسسات والمنظمات والمدارس والجامعات في صياغة مفهوم كبير للأسرة والبيت، فيكون الوطن بقيمة البيت الصغير والشعب بمستوى الأسرة الصغيرة، دون أن تقلل تلك العلاقة على مستوى الارتباط والمحبة بين الفرد وبيته من جهة، وبينه وبين الوطن من جهة أخرى، وكذا الحال مع الأهالي وأسرته.

     وفي كثير من بلداننا المصابة بأنظمة العمى البصري والبصيري، تقوم  أجهزتها الحكومية وخاصة تلك المكلفة بخدمة الفرد والجماعة، بأبشع عملية لاغتيال انتماء الفرد ووطنيته، ومن ثم مسخ مواطنته وتقزيمها بشكل مقزز في علاقات متعفنة تعتمد وساطات المحسوبية والمنسوبية في الحقوق والواجبات، لكي تجرح وتشوه تلك المشاعر النقية للفرد بسلوكيات نعرفها جميعنا في بلدان الشرق التعبان وخاصة أنظمتنا الشرق أوسطية، التي يبدو عليها أنها قد عاهدت الله أن لا تبقي أية مشاعر وطنية عند الأهالي، الذين من غلابتهم ومسكنتهم كما يقولون، لا يطمحون لا إلى وزاراتها ولا رئاساتها ولا امتيازاتهم، وتنحصر أعلى طموحاتهم بخدمات أولية من واجبات أية حكومة ( شريفة ) في العالم ولم اقل ديمقراطية أو دكتاتورية، خاصة وان معظم هذه الحكومات تتحدث عن مواثيق الشرف ومعاهدات الشرف والقسم بالشرف لخدمة المواطن وكلها كذب في كذب،  بدليل ما وصل إليه المواطن من شواطئ كازبلانكا على المحيط، وحتى شواطئ الفيضانات في العمارة والناصرية، حيث فضت الانظمة السياسية لهذه الدول بكارات كل عذرية الأوطان والشعوب، بشعارات براقة تخفي ورائها مافيا السقوط الأخلاقي والاجتماعي والسياسي، وليس أدل على ذلك ما نشاهده اليوم من تداعيات كارثية في البلدان التي يفترض أنها تخلصت من أنظمة الدكتاتورية لتسقط في برك اقل ما يقال من عفونتها أنها مستنقعات أسنة لفوضى الحكم وسخافة صناديق الاقتراع في ظل أنظمة اجتماعية متخلفة تعاني من كل أنواع الأمية وتشتت الانتماء، وتستند إلى نظام الشيخ القائد بديلا للرئيس الأوحد والقرية بديلا للوطن والعشيرة العظيمة بدلا من الشعب!؟

     هؤلاء وأمثالهم عبر الزمان والحقب التي مرت بها بلداننا منذ تأسيسها غصبا عنا وحتى هذا الربيع المثير للجدل والشبهات، وهم يشوهون فكرة الوطن والارتباط به، وفكرة الشعب والانتماء اليه، ابتداءً من الوساطات وهضم حقوق الغلابة، وانتهاءً بتلك الثقافة التي تجعل موظف  الخدمة العامة يحسس المواطن المراجع بأنه يتفضل عليه من الوزير وحتى شرطي المرور، وهم دستوريا موظفين لخدمة الفرد والمجتمع مقابل أجور يومية أو شهرية، مرورا بالحروب الداخلية والانفالات والقبور الجماعية وتدمير المدن بالكيمياويات والحروب الخارجية السخيفة، والمعتقلات والسجون وأنواع التعذيب والاهانات التي يندى لها جبين الإنسانية. 

      والكارثة أنهم يتناسلون كالقطط الشتائية، وقد اخترقوا الربيع المثير للجدل والاستفهام، وأصبحوا يديرون كثير من المفاصل في الأنظمة الجديدة، لقد تصور الأهالي إنهم سينتهون مع سقوط أنظمة التكلس والتحجر الرئاسي، إلا أنهم عادوا كما الطفيليات والجراثيم يحاولون بإصرار اغتيال وطنية ومواطنة الأهالي في غالبيتهم، اولئك الذين لا يبغون أكثر من سكن لائق وماء صالح للشرب وطاقة كهربائية دائمة ومدارس محترمة لأولادهم ومراكز صحية تعتني بهم، وطرقات معبدة وسلام وامن اجتماعيين يوفران عودة سليمة لأبنائهم وبناتهم دون أن تجرح كرامتهم بسبب عرقهم أو دينهم أو انتمائهم، ليس أكثر من ذلك، بل لا احد من أغلبية هؤلاء الأهالي ينافسهم على تبوء أي منصب من مناصب السلطات الثلاث ولكن بشرف، بشرف حقيقي لا كاذب ولا مغشوش، بل شرف حقيقي كما هو الشرف الشرقي!

kmkinfo@gmail.com

أوائل كانون أول
2013م
 


81
المنبر الحر / عقدة نفط كوردستان؟
« في: 18:24 06/12/2013  »
عقدة نفط كوردستان؟

كفاح محمود كريم

     وما أدراك ما نفط كوردستان الذي استثمر ما يقرب من قرن من الزمان من قبل البريطانيين الذين منعوا استخدام سكان كركوك الأصليين من الكورد واستقدموا آخرين من أماكن أخرى لا علاقة لهم بالمنطقة، في واحدة من أتعس عقد الساسة البريطانيين فيما يتعلق بحقوق الشعوب منذ أسسوا كيانات الشرق الأوسط خارج إرادة مكوناتها، وحسبما اقتضت مصالحهم الخبيثة إبان صياغتهم لاتفاقية سياكس بيكو سيئة الصيت.

     نفط كوردستان الذي كانت تمتصه الحكومات العراقية المتعاقبة، لا لتبني به قرى ومدن هذه الأرض الطيبة المعطاءة، بل لتحوله إلى نيران نابالمية تحرق بها جلود الأطفال ووجوه النساء، وتبيد مزارع وبساتين كوردستان، حتى إن اتخِمت بأموال ذلك السم الأسود الذي حوله نظام البعث إلى غازات وكيمياويات لإبادة مدن حلبجة وكرميان وبادينان، والقيام بأبشع عملية إبادة شعب بأكمله فيما سمي بأنفلة كوردستان وإزالة خمسة آلاف قرية من الوجود، هذه العقلية لم تسقط بسقوط هياكل النظام أو الأنظمة السابقة، بل بقيت مترسبة كعقد نفسية ومركبات نقص رهيبة لدى العديد ممن تسنموا مواقع مهمة في النظام الجديد، وتحولت إلى ثقافة وسلوكيات اقرب ما تكون إلى الإمراض السيكولوجية والاجتماعية، وهي بالتأكيد الأكثر تعقيدا وتشعبا لكونها مترسبة في العقل الباطني للفرد، وفي مجملها نتيجة لمواقف حياتية أو ظروف عاش فيها صاحبها أو ثقافة تشرب منها سلوكه وتصرفاته، وتسببت في بناء مجموعة من القيم التي تظهر كأعراض غير طبيعية تؤشر حقيقة ذلك الشخص من خلال هذه العقد، ويبدو هنا إن العديد من السياسيين العراقيين إجمالا لديهم أعراض كثيرة ترتبط بماضيهم الاجتماعي أو السياسي أو التربوي، حيث فضحت كثير من الأعراض والسلوكيات وردود الأفعال تلك العقد رغم إن صاحبها يحاول إخفائها أو ترويضها لكنها تظهر لأنها هي الأصل في الطبع مهما كان التطبع.

       لقد أدركنا خلال العقد الماضي أشكالا من تلك الأعراض، ولعل عمليات النهب والسلب والاختلاس التي رافقت عمل كثير من اولئك المسؤولين، تدلل على منظومتهم الأخلاقية وعقد النقص الهائلة التي يعانون منها، وإلا كيف نفسر تخصيص عشرات المليارات لإصلاح منظومة الكهرباء دون أن يشعر المواطن خلال السنوات العجاف بأي تطور ملحوظ يتناسب مع تلك المبالغ الهائلة، لولا أن عقدة ( الجوعية والسحت الحرام ) متأصلة في العديد من اولئك المسؤولين عن ملفات الطاقة وغيرها.

     ويبدو من هذه المقدمة إن الرجل الذي كان يطمح أن يكون رئيسا للوزراء ذات يوم واعترض عليه البعض، أصيب بعقدة ذلك الرفض مما جعلها أي تلك العقدة تتكاثر لتنتج عقد جديدة إحداها أطلق عليها المختصين عقدة نفط كوردستان ، سواء ما هو تحت الأرض أو فوقها، وقد شهد المراقبين وخاصة ذوي الاختصاص في العقد النفسية إن الرجل لا هم له ولا شغل إلا نفط الإقليم، وتظهر أعراض مرضه بشكل حاد وهستيري كلما تدفق برميل من ارض كوردستان لكي يباع ويشترى بثمنه عمودا للكهرباء أو تبليط عدة أمتار من الشوارع، خاصة وانه متهم من قبل رئيس الحكومة الاتحادية بإعطائه معلومات غير دقيقة عن حالة الكهرباء في البلاد بعد إنفاق أكثر من ثلاثين مليارا عليها دون جدوى!؟

    مشكلة العقد النفسية والتربوية لدى بعض المسؤولين المفترض انهم تخلصوا منها بعد زوال الدكتاتورية، وخاصة هذا الذي يصاب بالهستيريا من نفط كوردستان، لأنهم دوما كانوا وما يزالون يعلقون معظم الأمور الشائكة على شماعة النظام السابق، إلا إننا تفاجئنا بأنهم أكثر إيغالا في تلك العقد وخاصة مركزة الحكم بشقيه السياسي والاقتصادي بيد فئة معينة أو مركز معين، بعيدا عن روح الدستور الذي وضعوه كقاعدة لبناء دولة اتحادية تشترك فيها كافة الأقاليم والمحافظات بالمال والحكم، بشراكة فعلية غير مشوهة أو منقوصة لأي سبب كان، ولأجل ذلك نراهم يصابون بالهستيريا كلما تقدم إقليم كوردستان خطوة لبناء عراق اتحادي ديمقراطي تعددي متحضر.
kmkinfo@gmail.com
 

82
المنبر الحر / جماعة الدولارات؟
« في: 17:59 29/11/2013  »
جماعة الدولارات؟

كفاح محمود كريم

     لقد اقترفت أنظمة الشرق الأوسط ومن شابهها في كل مكان، جريمة بشعة من غير جرائمها المعروفة، تلك التي أجبرت شعوبها على قبول أي بديل غيرها مهما كان، حتى وصل الأمر لدى الكثير من المحبطين إلى تمني أن يحكم الاستعمار بلادهم بدلا من هؤلاء المستبدين، ونتذكر جميعا هنا في العراق وفي سوريا وليبيا، وكل مواطن الدكتاتوريات البشعة كم كان كثير من الأهالي يتمنون أن تحكم إسرائيل تلك البلدان بدلا من ظلم أنظمتها التي أذلتها أكثر من أي مستعمر في تاريخ المنطقة، بل إننا لو أحصينا عدد ضحايا تلك الأنظمة وقارناها مع ضحايا كل الحروب التي خاضتها تلك الدول مع إسرائيل أو غيرها، لتبين لنا إن من قتل على أيدي الأنظمة الدكتاتورية أو بسببها أكثر أضعاف المرات من عدد ضحايا تلك الحروب مع إسرائيل التي وظفوها لكي تكون جواز بقاء كل الانظمة!؟

     ولن نغوص في تفاصيل ما حدث في العراق بعد أن أسقطت الولايات المتحدة نظامه الدكتاتوري، فقد كان بشعا إلى الدرجة التي جعلت العديد من الأهالي يترحمون على نظام صدام حسين رغم جرائمه وبشاعة حكمه، لكننا سنعرج إلى ما يجري الآن في سوريا وليبيا، اللتان تعانيان من ضبابية الموقف وهشاشة ( الثورة ) وخلط كبير في أوراق الأهالي، حيث تحولت ( الثورة ) إلى صراعات شللية بين جماعات أشبه ما تكون بعصابات كما يقول غالبية السكان في معظم المدن السورية والليبية، وإن ثوراتهم تحولت من انتفاضة شعب يطالب بتغيير النظام وإجراء إصلاحات جذرية، إلى جماعات وعصابات تحت مختلف التسميات، فهناك في سوريا مثلا كما يقول الأهالي؛ جماعة تركيا ومؤتمرات اسطنبول، وهؤلاء يطلقون عليهم اسم الجيش الحر وملحقاته من بعض التنظيمات السياسية الأخرى، إضافة إلى جماعات حسب الطول والعرض بمواصفات دول الجيران الأخرى، وهناك جماعة القاعدة وهذه تعمل لحساب منظمات إرهابية دولية في العراق وافغانستان وغيرها، إضافة إلى جماعات النظام نفسه وهي اذرع تحت مسميات معارضة تعمل بالتناغم والتوافق مع النظام بعيدا عن كثير من الجماعات الأخرى!؟

     والجماعة الأكثر إثارة وشهرة بين الأهالي، هم اولئك الذين يطلقون عليهم جماعة الدولار، وفي معظمهم شخصيات بهلوانية من رؤساء أحزاب أو مادون الرؤساء بأقل من شبر، ممن يمثلون دور ( السياسيين المناضلين ) الذين تركوا جمهورهم أو أحزابهم واختاروا فنادقا وشققا مؤثثة خارج سوريا طلبا للماء والكلأ والوجه الجميل، حيث ينعمون برغيد العيش من اجل مصالح الجماهير والثورة، والطامة الكبرى إن كثير منهم لم يتعرضوا إلى أية مضايقات من النظام، لا قبل اندلاع الانتفاضة ولا أثنائها رغم اختلاقهم لسيناريوهات وقصص نضالية كراندايزارية وهمية لا تتطابق مع اتهامات جدية من الأهالي للعديد من  قيادات تلك ( الأحزاب البيتية أو القروية ) بعلاقات معينة ومثيرة مع أوساط النظام ومفاصله الخاصة، وإنهم إنما غادروا البلاد من اجل عملية استثمارية ومتاجرة سياسية لا أكثر ولا اقل!؟

     جماعات الدولار هذه من خارج دائرة رجال الأعمال والمستثمرين أكثر خطورة في تأثيراتها الكارثية على نتائج التغييرات الحاصلة في أنظمة الشرق الأوسط، وقد شهد العراق وما يزال تداعيات تلك الجماعات التي اندست في العملية السياسية ومارست أبشع أدوارها الطفيلية في نخر النظام السياسي الجديد، إنهم حقا جماعات من اللصوص والمرتزقة الذين فقدوا نقطة الحياء من على جباههم، يتاجرون بقضايا الشعوب ويحيلون دماء أبنائها الغر الميامين إلى قناني الفودكا والويسكي على طاولات الفنادق وأوكار نضالهم المخزي، بينما يتلظى الشعب جوعا وحاجة وبطالة، ويفقد تدريجيا كل الخدمات ومقومات الحياة بما يجعله أكثر استكانة بين مطرقتي النظام الفاسد وعناقيد الطفيليات من هؤلاء المتاجرين والمقامرين بأوطانهم وشعوبهم، الذين أوصلوا الكثير من الأهالي إلى أن يتحسروا على نظام صدام حسين والقذافي وبشار الأسد!؟

kmkinfo@gmail.com


83
بيروت وعشق كوردستان!

كفاح محمود كريمِ

     ما أن تطأ أقدامك ارض المطار في بيروت حتى يبادرك رجاله البيروتيين بكافة أطيافهم، أنت من اربيل؟ والكثير منهم يستخدم اسمها المحبب هولير، وحينما تومئ بالإيجاب يقولون لك تفضل كاكا إلى الفيزا نحن نحبكم ونتمنى لكل العراق أمانكم وسلامكم، وكم تمنيت لو أن تمنياتهم كانت معبقة برفع ذلك المبلغ المفروض على سمة الدخول معاملة بالمثل مع العراق، وعدم مطالبة المواطن العراقي بضرورة أن يكون لديه مبلغ (2000) دولار لكي يسمح له بالدخول!

     في لبنان هاجس مهم لدى الجميع خاصة وإنهم بين نارين ملتهبتين، وان كانت إحداهما جمر تحت الرماد في أطرافهم الجنوبية، بينما تستعر الأخرى على حدود بلاد الشام، التي اختلطت أيامها في ذاكرة اللبناني معبقة بالألم والعتب والنبض المشترك، ذلك الهاجس اسمه كوردستان، أنهم يتوجهون إليها في بداية الأمر بتوجس مشوب بالخوف من الأحداث في العراق، لكنهم بعد يوم واحد فقط يدركون أنهم يعيشون قصة حب جديدة في عالم الاغتراب الذي تخصصوا به في تاريخهم وتاريخ كثير من شعوب الأرض من البرازيل وحتى نيجيريا وغانا، إنهم قوم وان تغربوا فشرايينهم تدفع الدماء إلى لبنانهم، لكنهم أيضا متميزون بزراعة ارزتهم أينما حلوا ليتركوا إلى شعوب تلك المهاجر ذكريات معفرة بالمحبة والإعجاب!

     واليوم تراهم من بيروت وحتى اربيل يتسارعون إلى وطن جديد لغربتهم واغترابهم حاملين معهم ارزتهم، لكنهم هذه المرة لا يقطعون ساعات طويلة إلى هدفهم كما في البرازيل أو نيجيريا، إنهم كما يشبهون  رحلة كوردستان بسفرية بين الحمرا وجونية في عجقة المواصلات التي لا مثيل لها في العالم إلا في كوردستان حيث يشكل شرطي المرور وسائق التاكسي طرفي معادلة تلك الفوضى!

     لبنان هذا البلد الذي يقول أهليه انه يدير نفسه بنفسه تحت مضلة مليئة بالثقوب، اسمها حكومة تصريف أعمال منذ ما يقرب من سنة، ورغم ذلك تسير حياتهم بنظام دون فوضى، وتمشي الأمور كما وكأن حكومة رشيد كرامي أو صائب سلام تديرها في سبعينات القرن الماضي، ويخال اليك إن  رائحة قرنفلة صائب سلام ما تزال تعطر الكثير من مجالس بيروت، رغم ما فيها من دخان كثيف باطعام عديدة لكنها سامة، وربما أكثرها غير السياسية تلك التي تنتشر بشكل مريع في مقاهي ومجالس لبنان، وهي الآفة الجميلة ( الاركيلة ) التي تمارس طقوسها بين شفاه الصبايا وكتل الدخان الذي يملئ المقاهي ويتلذذ بمداعبته الشبيبة، التي تشعرك بانها خارج دائرة الخوف والتهجس التي ادمنت التكلس في سلوك مخاتير السياسة اللبنانية!

      في غير موقع ومجلس ومنتدى تسمعهم يتحدثون بإعجاب عن كوردستان وسرعة تطورها وكياسة أهليها، وإصرارهم على تحقيق وجودهم في كافة المجالات، لكنهم لا يخفون تخوفهم من جيرانها ومن حسد الحاسدين ومن دودة الشجرة، مستذكرين دوما لبنانهم في ستينات القرن الماضي وما جرى له، ويدعون أهل كوردستان للتيقظ والتوجس والحذر!؟

     حقا حينما يقارن المرء بين لبنان وكوردستان يرى حبلا سريا يربط البلدين وشعبين مكافحين من اجل الوجود، رسالتيهما إلى العالم السلام والمحبة والتسامح، لكنهما في ذات الوقت محاصرين بفوهات براكين خامدة تارة وملتهبة تارة أخرى!؟

بيروت
21 نوفمبر 2013م

kmkinfo@gmail.com

84
وزراء ونواب أم انتهازيون؟

كفاح محمود كريم
 
      من الصعوبة بمكان أن تجد هذه الأيام مسؤولا رفيعا أو عريضا (وزيرا كان أم نائبا وما بينهما صعودا أو نزولا مدنيا أم عسكريا) يتمتع بمصداقية القول والفعل، ونظافة اليد والجيب والعقل، إلا ما شاء الله وكان وجوده اقرب إلى معجزة أو صدفة تاريخية لها علاقة بتربيته أو إيديولوجيته، وهي ليست في صالحه بالتأكيد، وهو في وسط ملوث أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الانصياع لذلك الجو والسقوط في غياهبه، أو مقاومته بأي وسيلة من الوسائل، وتلك بربي أصعب أنواع الجهاد كما يقول علماء الدين!؟

      وإذا اعتبرنا نظام صدام حسين وما قبله مدرسة من مدارسة تخريج هذا النوع من المسؤولين، على خلفية الشماعة التي نعلق عليها كل هذه المظاهر وغيرها، فان ما شهدناه خلال السنوات العشر الماضية أكد بشكل لا يقبل النقاش أو الشك، صدق ودقة المثل القائل إن ( الخلفة ) أو التلميذ يتجاوز الاوسطة أو المعلم، بل انه يتفوق عليه بابتكاراته وتفننه، حيث ابتكر المسؤولين الجدد والمخضرمين، أساليب أكثر حداثة وفهلوية من الأساليب أيام الأنظمة الدكتاتورية، فقد تحولوا بين ليلة وضحاها إلى أكثر مؤيدي النظام الجديد تأييدا ومزايدة، وخاصة اولئك المقربين من مراكز المال والسلطة، والذين شهدناهم في الساعات الأولى لسقوط النظام وكيف بدأوا بحملة منظمة لنهب العراق في أبشع عملية سرقة وطن في تاريخ البشرية تحت شعار الحواسم، حيث شهد كل منا في محلته أو قريته أو مدينته كيف بدأت عمليات السلب والنهب حتى تحولت هذه الخاصية أو الثقافة إلى سلوك ووظيفة لأكثرية من تولوا مسؤولية ما في النظام الجديد.

      والعجيب انك بعد عدة سنوات تراهم يتحدثون عن الصدق والنزاهة واعمار البلاد، وقد تسلقوا مناصب مهمة تحت قبة البرلمان أو بين أحضان السلطة التنفيذية بكل أشكالها المدنية والعسكرية، في تشكيلة لقيادة البلاد لا مثيل لها منذ تأسيس الدولة وحتى يومنا هذا، فمن لم ينجح بالوصول إلى كرسي الوزارة أو ملحقاتها، طرق صناديق الانتخابات في وطن العشائر والشيوخ والأغوات الذين ما تغيروا عن نهجهم في كل الأزمان، فهم على طول الخط منذ الأزل يقولون إننا مع الحاكم لحماية المحكوم(!)، حيث رأيناهم حول الزعيم عبدالكريم، ثم ما لبثوا أن يحجزوا مواقعهم حول الرئيس المؤمن عبدالسلام وأخيه المسكين عبدالرحمن، وكانوا أسرع من الضوء في الالتفاف حول البكر وربيبه صدام التكريتي، الذي صنفهم إلى ثلاث موديلات من الشيوخ ( أ و ب و ج ) وحولوا العراق وتاريخه وعمقه و ( حزبه القائد ) إلى عشيرة بائسة بكل ما تعنى الكلمة من معاني.

      واليوم وبعد عشر سنوات من انهيار نظام صدام حسين وثماني سنوات من مصارعة الثيران الديمقراطية، في بلاد تغص بالتخلف،  وتشتت الانتماء وتمزق أنسجة المواطنة لحساب دشاديش العشائر والمذاهب، تتبارى منذ الآن جوقات وكروبات جديدة من (الكلاوجية والفهلوية) ومساحي الجوخ من الانتهازيين والمتملقين من جامعي أموال الرشاوي والسحت الحرام، بالتعاون مع بعض المسؤولين المتمرسين بالفساد والإفساد وهم يمتلكون مجاميع من مفاتيح المال والنفوذ، من اجل تولي مناصب المشهد السياسي القادم، بعد أشهر من الآن بدعم من مفاصل مهمة في الحكومة وغيرها ممن يمتلكون مفاتيح السلطة والمال، الا إن ما يجري الآن يدفع إلى الرأي العام أسئلة مريرة، تدور دوما حول خيارات الناخب وقراءاته لحقيقة ما يحدث اليوم ومنذ ثماني سنوات مقارنة مع واقع الحال ووعود اولئك ( الكلاوجية )* الذين منحهم صوته على أنغام وعودهم وفهلوياتهم وعزائمهم، واكتشف أنهم أصلا بحاجة ماسة إلى تأهيل تربوي واجتماعي وأخلاقي!؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كلاوجية تعني باللهجة المصرية الفهلوية


85
رجال الدولة بين السياسة والتجارة؟

كفاح محمود كريم

    منذ سقوط نظام " نفذ ثم ناقش " ومؤسسات " من قال صدام قال العراق "  ونحن نغوص في مستنقع الفساد والإفساد تحت يافطات الديمقراطية والحرية التي ناضلنا من اجلها عقود مريرة، فتحولت تلك الشعارات إلى  أنماط من السلوكيات الممسوخة اختلطت في معمعتها الكثير من الأوراق، إلى الدرجة التي امتزجت فيها الألوان بما جعلت الكثير منا يصاب بعمى الألوان تارة وحيرة العقول وذهولها تارة أخرى!؟

     إن ما يجري في بلادنا لا يمكن وضعه تحت أي عنوان متفق عليه ضمن أفكار وفلسفات منظري الأنظمة السياسية في العالم سواء الشمولية منها أو الديمقراطية أو التي بينهما، فهي مزيج مسخ من مفاهيم لا علاقة لها بأي معرف سياسي أو تقليد إداري، فقد اختلط فيها الحابل بالنابل كما يقولون وتحول بقالي وتجار البلاد، الصغار منهم والكبار، وخاصة أصحاب الصفقات المشبوهة وأبطال غسل الأموال القذرة ومهربي الدخان  والذي منه، إلى زعماء أحزاب وكتل ومن ثم وزراء ونواب وما بينهما من وكلاء وممثلين ومدراء عامين وسفراء ( نص ردن ) لا يصلح خيرهم أن يكون موظف استعلامات أو علاقات عامة في دائرة بسيطة أو فندق عادي، أصبحوا بقدرة قادر بين ليلة وضحاها في الزمن السيئ قادة هذا البلد المنكوب بدولته منذ تأسيس كيانه في غفلة من أصحاب العلاقة من المالكين والورثة؟

     ورغم كل ما يحدث من طوفان في دماء المساكين من اولئك المالكين والورثة من الأهالي، فان معظم هؤلاء الذين يتحدثون باسمهم، وخاصة مَن يترافعون عنهم كمحاميين سواء كانوا يحملون لقب نائب أو وزير وما دونه، وصولا إلى ( أبو إسماعيل الموديرن ) من الشرطة الاتحادية أو المحلية، الذين تحول قسم مهم منهم إلى دلالين لبيع المساجين والمعتقلين وخاصة أولئك المتهمين بالفقرة 4 إرهاب الأبرياء منهم والمجرمين، ولكل رأس منهم سعر محدد حسب فعلته الجهادية في الذبح أو اللغف، كما هي تسعيرة مرشحي مجلس النواب في دورتيه السابقتين من قبل شيوخ العشائر وبعض الأحزاب والكتل، صعودا إلى جدول أسعار المواقع الوزارية والوظيفية العليا مدنية كانت أم عسكرية، كل هؤلاء دونما استثناء يهيئون الأمور لدورة انتخابية جديدة، ويناضلون بشراسة وعناد وبتجارة عالية المستوى من اجل الاستحواذ ثانية أو ثالثة على مقاليد ومفاتيح الحكم وخزائن الأموال، بعيدا عما جرى وما يزال يجري من أنهار دماء ودموع وكتل مدلهمة ظلام طيلة السنوات الماضية.

    إنهم حقا تجار صفقات للبيع والشراء وسماسرة للعقارات والأوطان في بقالة الوطن المنكوب، يمارسون فيه أعمالهم على مسرح السياسة ومؤسساتها في البرلمان والحكومة بشعارات تخديرية حولت البلاد إلى واحدة من افشل بلدان الدنيا حينما تعاطى الحاكمين فيها التجارة فافسدوا الحكم وافسدوا التجارة كما قال ابن خلدون!؟

     وبعد كل ما جرى هل سننجح في صياغة قوانين تحرم على الحاكم بكل مستوياته ابتداءً من الوظيفة العامة وانتهاءً بالرئاسات الثلاث،  مرورا بأي درجة أو رتبة عسكرية تأمر وتنهي باسم الوطن والشعب، وطيلة فترة الحكم أو الوظيفة العامة، ممارسة وتعاطي أي نوع من أنواع  التجارة والبقالة بالآجل أو العاجل أو الباطن، والسمسرة بأي شكل من أشكالها، هو وأفراد أسرته ومعيته، وحتى يتحقق ذلك سنبقى نصرخ مع ابن خلدون عن فساد الحكم والتجارة في بلاد ألف ليلة وليلة!؟

kmkinfo@gmail.com 
 

 

 

 


86
المنبر الحر / إرهاب ودعايات؟
« في: 11:39 05/11/2013  »
إرهاب ودعايات؟

كفاح محمود كريم


    منذ بدأت عمليات الإرهاب تأخذ شكلها المنظم وأسلوبها المعروف والشهير بكونه الأكثر دموية وبربرية في تاريخ العمليات المسلحة،  وخاصة منذ ( التصنيع الأمريكي العربي ) لتنظيمات القاعدة في افغانستان كواجهة اسلاموية لمقارعة السوفييت ومعاداة الشيوعية، والاتهامات تدور حول القاعدة ومموليها ومؤيديها ومستخدميها سواء في المنطقة أو خارجها، وبالذات الإخوة المؤمنين بالله كما يكتبون على أوراقهم الخضراء والذين ساعدوا ودعموا ومولوا ( أمير المؤمنين ) أسامة بن لادن وجماعته ضد ( الملحدين الكفرة ) المعروفين بالرفاق الحمر، حتى تحقق لهم وانهزم السوفييت وانتصرت طالبان وجاء قبطان سفينتهم الأعور خليفة لأبن لادن في مملكة الجمال والتخلف والفقر.

     ولم يمض زمن طويل حتى انقلب السحر على الساحر واستبدلت مواقع اللاعبين على مسرح الأحداث، فتحولت أمريكا بقدرة قادر إلى شيطان اكبر على عادة الأخوة الأعداء في بلاد فارس وخراسان، وانغمس الاثنان في صناعة العداوة بينهما حتى أذن الله لأتباع بن لادن في غزوتهم النيويوركية ليصيبوا آلاف المدنيين في مقتلهم، والدعاية تقول أنهم كانوا ( يهودا أنجاس ) يتآمرون على الأمة والعقيدة!؟

     وفي العراق العظيم رغم انف شعبه حاول قائده الذي أنقذه من الجوع ووصف ملايينه بالعراة والحفاة، استدراج المجاهدين إلى شوارعه الخلفية معدا لهم خلف الكواليس ما يشبه وعود بن لادن والقبطان الأعور في كابل بأفواج من حور العين وانهار الخمر واللبن والعسل، وأمضى في تدريبهم أشهرا طويلة قبل أن تندفع إليه قوات التحالف الدولي وهو ما يزال يصرخ بالنصر وليخسأ الخاسئون ودباباتهم على مرمى حجر من منبر وزير إعلامه المثير محمد سعيد الصحاف، ما لبث أن ترك ( الويلاد ) يواجهون مصيرهم المحتوم لتسقط بغداد والعراق، لا بيد المحتلين الأمريكان كما تصور الكثير، بل بيد أمراء الذبح من الوريد إلى الوريد تحت صيحات الله اكبر من أقصى العراق إلى أقصاه، ممن لملمهم صدام حسين من كل الأزقة المتعفنة في الدول العربية بالتعاون مع مئات الآلاف من المجرمين الذين أطلق سراحهم قبل الحرب بعدة أشهر، في أقذر عملية عفو عام عن الجريمة والمجرمين، ليحولوا العراق إلى برك للدماء وحفنة تراب ومليارات من الأموال المنهوبة تحت مختلف التسميات ابتداءً بالحواسم وانتهاء بمشاريع الأعمار الوهمية في الطاقة والبنى التحتية والعمولات.

     وخلا ل سنوات تحولت تلك العصابات في العديد من المدن والبلدات إلى مافيا تتحكم بمصائر الأهالي، ناشرة الرعب والدماء والتهديد بالموت والتهجير لكل من يعترض على نظامها، مستخدمة شتى أنواع الدعاية والإعلان لمشاريعها الدموية، لكي تفرض إتاواتها أو جزيتها كما تدعي على معظم مفاصل الحركة الاقتصادية والحياتية للمواطن، وربما إن أكثر الأسئلة إثارة واشمئزازا تلك التي تتناول دفع الإتاوات والأقساط الشهرية أو الجزية كما يطلقون عليها في الموصل وكثير من البلدات، لمنظمات الإرهاب العاملة في المنطقة تحت الأرض وفوق الأرض وبمعرفة الأهالي وما يسمى بالحكومة المحلية منها والاتحادية، نراها أكثر جلاءً مع العديد من الدول تغفو على شواطئ الأمان والاسترخاء وتمتلئ حتى أذنيها بالموبقات والأمريكان وكل حلفائهم من تل أبيب إلى طهران إلى بغداد إلى جزر الواق واق، تدفع شهريا ما يبعد شبح السيارات المفخخة والمهوسين بالعشاء أو الغداء مع الرسول انتحارا بعد تمزيقهم لأجساد لا علاقة لها بأي السلطات، من الأرض حتى السماوات!؟

     ونعود للدعايات التي نساهم في نقل بعضها لنتبين الحق من الباطل:

     يقولون في دعاية إن ( بعض ) المسؤولين لهم علاقات وثيقة جدا بالقاعدة، تشبه علاقة ايران الشيعية بالقاعدة السنية ذات النهج الوهابي؟ طبعا على ذمتهم وادخل على الله؟
     ودليلهم على ذلك إن القاعدة تمزق شيعة العراق وتعتبرهم ألد الأعداء لكنها غير ذلك مع الجارة إيران؟
وطبعا على ذمتهم وادخل على الله؟
     وفي محفل آخر تقول الدعاية والعياذ بالله إن كثير من الدول المسترخية أمنا وسلاما تدفع للقاعدة شهريا احتياجاتها لكي تبعد عنها ( جهادها ) خاصة وان كل ( أعداء الله ) يسهرون ويصبحون ويقيمون هناك ربما أكثر من العراق وسوريا وأفغانستان؟
على ذمة القائل وأدخل على الله؟

87
كوردستان والاغتراب

كفاح محمود كريم
 
    تعرض الكورد خلال القرن الماضي وما زال في كثير من البلدان التي هضمت حقوقهم إلى كوارث ومآسي ربما آخرها انفالات صدام حسين،  التي كادت أن تبيد شعبا بأكمله لو كان استمر ذلك الوحش المنفلت بالحكم والسيطرة إلى يومنا هذا، سواء من خلال التصفية لحياة مئات الآلاف من الأهالي أو من خلال عمليات إفراغ الذات الكوردية من مضمونها، في سياسة التعريب والتبعيث التي استخدمها طيلة ما يقرب من أربعين عاما، ووظف لها مليارات الدولارات في تدمير آلاف القرى وترحيل مئات الآلاف من سكانها إلى الوسط والجنوب لإذابتهم قوميا أو إبادتهم في المقابر الجماعية.

     فمن عملية تتريكه في تركيا أي إلغاء كورديته واعتباره تركيا جبليا وما يترتب على ذلك من غباء واستلاب وإفراغ للذات الإنسانية من مضمونها وأصالتها وتحويلها إلى ما يشبه قطعان الماشية، إلى التعريب الذي لا يفرق عن التتريك، بل ربما كان أكثر منه وحشية وبدائية كما حصل في جنوب وغرب كوردستان منذ ثلاثينات القرن الماضي والى حد الآن في مدن الموصل وسنجار وخانقين وكركوك وديالى والحسكة والقامشلو وحلب  وقرى الحزام الأمني في كِلا البلدين العراق وسوريا وعلى طول الحدود بينهما، إلى عمليات الإذابة والصهر في إيران، وما حصل في العراق وسوريا منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى هذا اليوم وما يجري من عمليات التطهير العرقي والتقتيل اليومي للعرق الكوردي في كثير من المدن من قبل الإرهابيين والعنصريين الشوفينيين سواء بعد سقوط نظام صدام حسين أو في ما تقترفه تلك العصابات الفاشية في القرى والبلدات الكوردية في سوريا.

     لقد تعرض الكورد إلى مئات العمليات التي رحلتهم من قراهم وبلداتهم إلى مناطق نائية في أقصى جهات العراق وسوريا الأربعة، وتشتيتهم بين القرى العربية لإذابتهم ومسخهم، ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم و منحها لغيرهم من العرب المستقدمين من مناطق أخرى في عمليات تغيير ديموغرافي بشعة لمناطق كوردستان الجنوبية والغربية كما حصل في كوردستان الشمالية والشرقية في عمليات التفريس وتشتيت الكورد في كثافات فارسية أو أذرية لإذابتهم والقضاء على ثقافتهم وفلكلورهم بدعوى إنهم من ذات العنصر أو العرق؟

     ونتيجة لتلك الظروف البالغة القسوة والتعتيم المريب لوسائل الإعلام المحلية والعالمية، وسكوت مذهل من منظمات المجتمع المدني العالمية سواء ما كان منها في منطقة الشرق الأوسط أو في أوروبا وأميركا، ونتيجة للحروب البشعة التي كانت تشنها كل من أنظمة العراق وإيران وتركيا وسوريا ضد هذا الشعب الأعزل فقد نزح وهاجر مئات الآلاف من خيرة شبابه وخبراته العلمية والثقافية إلى دول أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا، بينما استقر آلاف آخرين في معسكرات أو مجمعات في دول الجوار كما حصل لكورد العراق في هجرتهم إلى كل من إيران بعد 1975م  وتركيا بعد انفالات البعث في 1988م وكذلك لكورد تركيا وإيران الذين استقروا في معسكرات عراقية كمهاجرين، وكما يحصل الآن في هجرة آلاف مؤلفة من كورد سوريا إلى إقليم كوردستان، والتي تعتريها الكثير من علامات التعجب والاستفهام تدور حول عملية الإفراغ المنظم لكثير من القرى والبلدات في غرب البلاد!؟   

     وتأتي معظم هذه الهجرات على شكل موجات بشرية من العوائل، تندفع أمام ضغط الهجمات العسكرية إلى إحدى دول الجوار، لكي تبدأ المرحلة الثانية من الاغتراب، حيث تلعب عصابات مافيا التهجير والترحيل، والتي ترتبط معظمها بأجهزة المخابرات المعنية في أجزاء كوردستان الأربعة  تسهيل مهمة تهجيرهم وإفراغ كوردستان من شبابها ورجالاتها في مختلف الاختصاصات العلمية والثقافية، وخلال عدة عقود أصبحت هناك أعدادا مهمة من الكورد الذين ولدوا وترعرعوا وتربوا في أوساط أوربية، بل وتخرجوا من جامعاتها ومعاهدها، وتجنسوا بجنسيات بلدانها وأصبحوا من مواطنيها وتبوأ البعض منهم مناصبا رفيعة في برلماناتها وإداراتها.

    والأسئلة كثيرة وفي مقدمتها:

     ماذا تبقى منهم للوطن الأم وهم الذين قدِموا من رحم الاضطهاد والملاحقة والتهجير والتقتيل؟
    هل ما زالت هناك قنوات بينهم وبينه؟
    وهل يدركون إنما ارتحلوا بحثا عن طريق آخر للوصول اليه؟
    أم أنهم استبدلوا وطنهم بأوطانهم البديلة، والتي منحتهم هوياتها وجنسياتها؟
    هل فقدوا كل ارتباط بوطنهم الأصلي ولغتهم الأم؟
    أم انه من واجب المؤسسات الحكومية والسياسية العمل على إعادتهم أو على الأقل دعوتهم لزيارة كوردستانهم اليوم لكي تبقى قلبوهم تنبض من أجل وطنهم؟


    حقا أنها أسئلة تدلنا إلى واقع تلك الشريحة الواسعة من المغتربين في شتات الأرض تستدعينا إلى وقفة جدية للتعاطي معها بما يخدم مصالح البلاد العليا ويؤمن لها قنوات اتصال دائمية مع الوطن وقضاياه، وفي مقدمة ذلك فتح مدارس كوردستان في المناطق ذات الكثافة السكانية الكوردية في المدن الاوربية والأمريكية، لا تكون مدارس تقليدية فحسب بل لتكون مراكز ثقافية أيضا تساعد مختلف الأجيال على ديمومة الارتباط والعلاقة مع الوطن وقضاياه.

kmkinfo@gmail.com


88
رئيس اقليم كوردستان
يستقبل عدداً من الاعلاميين والصحفيين في الفضائيات العراقية والعربية
العاملة في الاقليم



 
الثلاثاء  22-10-2013

استقبل السيد مسعود بارزاني رئيس أقليم كوردستان امس الثلاثاء في منتجع صلاح الدين عدداً من الأعلاميين والصحفيين في الفضائيات العربية العاملين في أقليم كوردستان وفي مستهل اللقاء شكر ممثلو تلك القنوات الرئيس البارزاني لفرصة اللقاء مبدين مواساتهم وتعازيهم لعوائل ضحايا الحادث الأرهابي في أربيل مهنئين جهود ومساعي المؤسسات الأمنية للاعلان وخلال مدة قصيرة عن منفذي هذه الجريمة، وفي محور آخر من حديث الاعلاميين أشادوا بدور الاسايش وحريات أقليم كوردستان ونجاح العملية الديمقراطية واصفين أنتخابات برلمان أقليم كوردستان العراق بالنموذج الأمثل لعموم العراق ومنطقة الشرق الأوسط.

من جانبه وفي سياق الترحيب بالضيوف تطرق الرئيس البارزاني الى أهمية الاعلام في بناء دولة المؤسسات وأزدهار الديمقراطية وخاصة في هذا العصر الجديد الذي يعد عاملاً مهماً لنقل المعلومات والحقائق للمواطنين .

وقال سيادته: (الأعلام البناء والمسؤول يستطيع بناء معجزة في عملية التنمية) ويجب أن تكون هناك تسهيلات للاعلاميين والصحفيين لأنجاز مهماتهم، وبشأن الاجراءات الأمنية المتبعة في سيطرات الأقليم أكد الرئيس البارزاني:
 أن الهدف منها هو حماية أرواح وسلامة المواطنين ومنع الأرهابيين من عكر صفو حياتهم   

وفي الأجتماع فتح باب الحوار للأعلاميين والصحفيين، وأزاء الوضع الأمني والسياسي وتم توجيه عدة أسئلة للرئيس البارزاني، وفي رده لسؤال عن كيفية تشكيل حكومة أقليم كوردستان أشار الرئيس البارزاني الى ان تشكيل الحكومة مرتبط بنتائج مباحثات الأطراف مع بعضها الأخر وعليها مراعاة المصالح العليا للبلاد والمواطنين وحماية أنفسهم من جميع أنواع الأبتزاز وبخصوص أنتخابات مجلس النواب العراقي قال الرئيس البارزاني: أقليم كوردستان مع أجرائها في دائرة أنتخابية واحدة لانها تراعي المبادئ الديمقراطية والعدالة أكثر ولا يمكن العودة وبأي شكل من الأشكال الى القانون السابق للأنتخابات وفي حال عدم وجود بديل عن ذلك يجب تعويض الظلم الذي سينتج عن أتباع نظام تعدد الدوائر في أقليم كوردستان.

وبصدد الأزمة السورية أوضح الرئيس البارزاني (بأن الشعب السوري هو الذي يقرر مستقبله والمهم بالنسبة لأقليم كوردستان هو أن يكون سوريا القادمة بلداً للديمقراطية والتعددية وتراعي حقوق الشعب الكوردي
هذا وقد حضر الاجتماع السيد كفاح محمود المستشار الاعلامي في مكتب الرئيس بارزاني ومدراء مكاتب قنوات الجزيرة والبغدادية وبلادي والاتجاه والرشيد والعراقية والسومرية واسيا والفرات واذاعة سوا ومجلة عالم التواصل 


89
كوردستان والإجراءات الأمنية


كفاح محمود كريم

 

     منذ أن وقعت عملية اربيل الإرهابية بعد ظهر يوم 29 ايلول الماضي والتي استهدفت احد مراكز المنظومة الأمنية، وكثير من وسائل الإعلام العراقية تنشر معلومات مشوشة عن إن الإجراءات الأمنية تستهدف العراقيين العرب وتمنعهم من دخول الإقليم، حتى أن بعض رؤساء تحرير بعض الصحف وجهوا رسائل من خلال صحفهم إلى رئيس الإقليم تطالبه بإيقاف تلك الإجراءات الأمنية، وفي الوقت الذي يدرك كل الحريصين والعقلاء على امن وسلامة الإقليم بصفته ملاذا لكل العراقيين فان الإجراءات لم تستهدف أي عراقي بسبب قوميته أو عرقه أو دينه بل شملت كل المواطنين بما فيهم الكورد من مواطني المناطق المتنازع عليها وذلك لحماية المواطنين وأرواحهم وخاصة اولئك القادمين من خارج الإقليم.

 

وفي الوقت الذي كانت مشاعر الإخوة العراقيين الحريصين على امن وسلام وازدهار كوردستان جياشة إلى الحد الذي لم تتوقف أجهزة الهاتف من مكالمات المواطنين العراقيين من البصرة وحتى الموصل الذين يستفسرون فيها عن الأوضاع وعن سلامة اربيل وأهلها، فان إقليم كوردستان كان وما يزال وسيبقى ملاذا آمنا وواحة للتعايش والتسامح بين المكونات العرقية والدينية، وقد أثبتت الأيام والتاريخ بان كوردستان وفعالياتها الاجتماعية والسياسية وكوردستان الرسمية كانت دوما تفصل بين ما يقع من جرائم بحق الكورد وكوردستان وبين العراقيين العرب، وأفضل دليل على ذلك كيف تعاملت قوات البيشمه ركه والشعب عموما بعد سنتين فقط من أبشع جريمة في تاريخ البشرية بعد جريمتي هيروشيما وناكازاكي ألا وهي جريمتي حلبجة والأنفال، وكيف تعامل الكورد بإنسانية لا مثيل لها مع الجيش العراقي الذي تم اسر معظم قواته العاملة في كوردستان إبان انتفاضة آذار 1991م.

 

     إن هذا الشعب الذي تعرض للإبادة الجماعية طيلة ما يقرب من قرن من الزمان بأشكال شتى سواء بالقتل أو بالتهجير والتعريب على يد معظم الأنظمة السياسية التي حكمت العراق لم يتهم أو يحمل العرب العراقيين مسؤولية تلك الجرائم بل كان دوما عبر تاريخه ملاذا لكل العراقيين الذين حاصرتهم واضطهدتهم الأنظمة الدكتاتورية، وتشهد كل الأحزاب الوطنية العراقية دونما استثناء وكل العراقيين الفارين من جحيم الظلم أو الإقصاء أو العنصرية، حقيقة التعامل الكوردي المتحضر والإنساني معهم جميعا، حيث تحتضن كوردستان منذ سقوط نظام صدام حسين الدكتاتوري لحد يومنا هذا مئات الآلاف من العراقيين الشيعة والسنة والمسيحيين والصابئة ممن تعرضوا للاضطهاد أو التهديد أو التهجير، وهم يعيشون ويمارسون حياتهم وأعمالهم وكافة نشاطاتهم حالهم حال بقية مواطني الإقليم من الكورد وغيرهم.

 

     إن الإجراءات الأمنية المتخذة والتي أشادت بها المرجعية الدينية في النجف الاشرف بشخص ممثل السيد السيستاني والتي ركزت على مهنية القوات الأمنية في إقليم كوردستان خلال تعاملها مع التفجير الإرهابي الذي ضرب اربيل يوم 29 أيلول الماضي إنما هي في أصلها لحماية هذا الملاذ الأمن للعراقيين عامة وحماية من يأتي إلى هنا، ولم تطبق ضد مجموعة دون غيرها بل كانت إجراءات مهنية وفنية وأمنية تقوم بها كل دول العالم حينما تتعرض لمثل هذه الخروقات في جدارها الأمني، ولذلك فلا خوف لا الآن ولا في المستقبل على تواجد أي عراقي ومهما كان ومن أية قومية أو دين أو مذهب، وأفضل دليل على ذلك عشرات الآلاف من العوائل العراقية التي ازدحمت بها اربيل العاصمة ودهوك والسليمانية منذ ليلة عيد الأضحى المبارك وحتى الآن وهي تقضي إجازة العيد في أحضان كوردستان الدافئة.

kmkinfo@gmail.com

 

90
العذر أقبح من الجريمة

كفاح محمود كريم

    نشرت بعض الصحف والمواقع الالكترونية بيانا ادعت فيه منظمة ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام مسؤوليتها عن الجريمة الإرهابية التي طالت مدينة اربيل عاصمة كوردستان العراق في التاسع والعشرين من أيلول الماضي، وأنها جاءت ردا على ما أسمته بتهديد رئيس إقليم كوردستان ضد أي تعدي على الكورد في سوريا، والمثير حقا هذا الأسلوب السمج في تسطيح عقول الناس وإيهامهم بأكاذيب لا وجود لها إلا في مخيلات اولئك الذين أدمنوا الجريمة تحت أو باسم شعارات مهلهلة استخدمتها كل الأنظمة الدكتاتورية ومن حارب شعب كوردستان طيلة عقود من الزمان.

    ماذا يعني تقتيل الشيعة لمجرد أنهم شيعة في سوريا والعراق والباكستان وغيرها من دول العالم، وكيف يبررون تقتيل آلاف المدنيين من السنة  بسياراتهم المفخخة وعبواتهم الناسفة وبذرائع لا تقنع أي سوي أو عاقل؟
     وقبل كل ذلك قتل آلاف الكورد من الشبك والايزيديين ومن المسيحيين والصابئة المندائيين من البصرة وحتى الموصل؟


     إن ما يحدث الآن هو جرائم قتل من اجل القتل ليس إلا، بعيدا عن روح العقيدة الإسلامية وسماحتها، وعن أية فكرة إنسانية مهما كانت، ولا علاقة لهذه الهجمات لا بقومية أو دين أو مذهب فهي تستهدف الجميع في كل زمان ومكان.

     أما موضوع تهديد الرئيس الكوردستاني لهم، وان جريمتهم إنما جاءت ردا على تلك التهديدات فهي مجرد شعارات بائرة وادعاءات كاذبة، فالرئيس بارزاني أعلن منذ بدء الثورة السورية إن الكورد وكوردستان في الإقليم مع خيارات الشعب السوري ولن يتدخلوا في شؤونه، وسيدعمون خياراته ويدافعون عن أشقائهم في سوريا إذا ما تعرضوا للإبادة، وفعلا طلب الرئيس بارزاني من اللجنة التحضيرية للمؤتمر القومي تشكيل لجنة من أجزاء كوردستان الأربعة للتحقق في ما تداولته وسائل الإعلام من عمليات إبادة استهدفت الكورد، وقد أعلنت اللجنة التي قامت بالتحقيق عدم وصولها إلى ما يثبت تلك الادعاءات، وأكد الرئيس بارزاني بأننا لن نتخلى عن إخوتنا الكورد في كل مكان بما في ذلك غرب كوردستان، وسنبقى ندعمهم ونساندهم، ومن اجل ذلك شرعت كل الأبواب لهم حيث تجاوزت أعدادهم الربع مليون نسمة، إضافة إلى الاستمرار في إرسال الوقود والدواء والغذاء للسكان هناك.

    لقد استغرقوا أكثر من ست سنوات لكي يدسوا أصابعهم إلى جدران كوردستان الداخلية وينتحروا عند إحدى بوابات مراكزها الأمنية، كما فعلوا ذات يوم في نيويورك وواشنطون ولندن ومدريد، وبالتأكيد ستمضي عليهم سنوات طويلة قبل أن يفكروا مجرد تفكير بتكرار عملية الدس ثانية، لا لشيء إلا لأنهم لا يدركون معادلة الأمن والسلم التي بموجبها تمت عملية بناء الجدران الوطنية في كوردستان؟

kmkinfo@gmail.com




91
المنبر الحر / مشكلة وثائق الشرف؟
« في: 12:13 07/10/2013  »
مشكلة وثائق الشرف؟

كفاح محمود كريم
 

      اعتدنا في دول المنظومة الشمولية اجتماعيا وسياسيا وبالذات في شرقنا الأوسطي العجب، على جملة من السلوكيات والتقاليد إضافة إلى العناوين والمصطلحات وتعاريفها هنا وهناك، ولعله ابرز ما اعتاد عليه المجتمع السياسي هو ما يسمى بالقسم الرسمي الذي يقيمه الرئيس أو الملك لربط موظفيه برباط القسم الغليظ، لكي لا يخونوه ولا يتآمروا عليه باسم الوطن المختزل دوما بسيادته أرضا وشعبا، والغريب إن أكثر من ثلثي من يقسمون اليمين الغليظ يحنثون به، أي يفعلون عكس ما تعهدوا به للقائد الضرورة أو الملك المفدى.

      ونتذكر جميعا وخاصة من عاصر حقبة الانقلابات الذهبية الحلفانات العظيمة بالله وبكتبه المقدسة وبالشرف الشخصي الذي قطعه كل من حمل نجمة على كتفه أمام الملك أو الرئيس أو من ينيب عنهما، بأنه سيبقى مخلصا وفيا للوطن والملك أو الرئيس وللجيش، كما انه لم يتم استيزار أي وزير قبل أن يحلف بأغلظ الإيمان بأن يكون حاميا للنظام ورئيسه وحزبه وطبعا الوطن وشرفه وماله!؟

      وإذا ما اضطرينا لذكر بعض الأسماء اختصارا لأنه يصعب أو نذكر هنا قوائم بأسماء اولئك الذين اقسموا بشرفهم ودينهم ومقدساتهم وكذبوا ملأ أشداقهم، وفعلوا بالضبط عكس ما ادعوه جهارا، بل إنهم قتلوا من اقسموا له بحمايته وصيانة نظامه شر قتل، بدءً من الضباط الأحرار في مصر وأقرانهم في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومن شابههم، وصولا إلى وزراء كل هذه المنظومة الدولية المتميزة بتقاليدها وتأويلاتها وتفسيراتها وتبريراتها لأكثر معضلات الزمن تعقيدا أو قدسية ومنها تبرير الكذب في العهد بحجة إن الثورة تبيح اختراق كل القوانين والأعراف واستحداث منظومة أخرى على إطلال تلك التي دمروها بحنثهم لليمين والعهد!؟

      والانكى من كل ذلك أنهم وهنا اقصد كثير من هذه النخب في العديد من المجالات تعودت على إنتاج وصياغة قوانين ومواثيق وتعهدات لا تفرق كثيرا عن ذلك القسم أو اليمين الغليظ، وأطلقت عليها اسم الشرف كما نسمع أو نقرأ مثل هذه العناوين: ميثاق الشرف الوطني وميثاق الشرف الإعلامي و..الخ من الأسماء الكثيرة التي تلصق بها مفردة الشرف دون أي إيضاح بدلالة المفردة وعلاقتها بتلك القوانين، أي بمعنى علاقة التفاعلات السياسية العراقية التي يتم بحثها ويسميها أو يعلقها بالشرف دون أن يوضح لنا أي شرف يقصد؟

      هل هو الشرف الغربي الأوربي والأمريكي الذي يعتبر مواضيع الأعضاء التناسلية وحركتها آخر ميزة من ميزات الشرف الشخصي ويعتمد الصدق والإخلاص والثقافة والدقة في العمل، أم انه يقصد الشرف الشرقي الذي يعلق كل مفاهيمه بأعضاء صاحبه التناسلية!؟

      ويبقى السؤال عن ماهية الأعضاء التناسلية كعنوان للشرف الشرقي في أي ميثاق سياسي أو اجتماعي وخاصة ما تتوارده الأنباء عن قرب توقيع وثيقة الشرف الشرقي للحراك الوطني، أو ميثاق الشرف الإعلامي!؟

      وحينما نصل إلى جواب مقنع سندرك حتما أسباب ما يحصل لبلادنا ليس اليوم بل من عشرات السنين بشرعنة الكذب من خلال أنماط من القسم وإباحة القتل أو التمثيل بالجثث بشكل يتنافى مع ابسط ما تعلمناه في الحياة السوية!

 حقا حينما ندرك مأساة تلك التعاملات والتعهدات وآلاف من القسم الغليظ الحنيث، وعناوين براقة مغطاة بشراشف الشرف الشرقي المعلق بالأعضاء التناسلية، نكتشف حقيقة هذا الانجماد الحضاري والتقهقر المرعب في حركة المجتمع وخاصة سياسيا واجتماعيا وثقافيا؟

kmkinfo@gmail.com
 



92
المنبر الحر / وانتصرت كوردستان
« في: 16:09 02/10/2013  »
وانتصرت كوردستان

كفاح محمود كريم

     بإعلان نتائج الانتخابات تكون كوردستان قد سجلت أروع انتصاراتها الحضارية والمدنية وقدمت نموذجا متميزا في اختيارها لمندوبي الأهالي في برلمانهم الذي انبثق قبل أكثر من عشرين عاما في بحر متلاطم من الدكتاتوريات المظلمة في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الكورد وكوردستان.

     أول ما ميزها ليس هنا في العراق بل في العالم الديمقراطي اجمع هو هذا التهافت الكبير للأهالي الذي تجاوز الـ 74% من الناخبين الذين يحق لهم التصويت، ثم العدد الكبير من النساء والشبيبة اللذان أثارا إعجاب المجتمع الدولي وممثليه في كوردستان ، إلى جانب دقة التنظيم ونزاهة الإجراءات وتعاون الأهالي والحكومة من اجل إنجاح التصويت ونزاهته.

     وأخيرا هذه الأرقام التي تظهر نجاحات شعب كوردستان في اصطفاء ممثليه إلى مؤسستهم العتيدة البرلمان حيث فاز الحزب الديمقراطي الكردستاني بأعلى الأصوات، وكانت النتائج وفق الترتيب التالي:

الحزب الديمقراطي الكردستاني في المرتبة الأولى بحصوله على 743984 صوتا ليفوز بـ38 مقعدا

 حزب التغيير ثانيا بحصوله على 476736 صوتا ليفوز بـ24 مقعدا

 الاتحاد الوطني الكردستاني ثالثا بحصوله على 350500 صوت ليفوز بـ18 مقعدا

 الاتحاد الإسلامي الكردستاني رابعا بحصوله على 186741 صوتا ليفوز بـ10 مقاعد

 الجماعة الإسلامية خامسا بحصولها على 118574 صوتا لتفوز بـ6 مقاعد

 الحركة الإسلامية سادسا بحصولها على 21834 صوتا لتفوز بمقعد برلماني واحد

 الحزب الاشتراكي الديمقراطي في كردستان سابعا بحصوله على 12501 ليفوز بمقعد برلماني واحد

 قائمة الحرية ثامنا بحصولها على 12392 صوتا لتفوز بمقعد برلماني واحد

 قائمة الاتجاه الثالث تاسعا بحصولها على 8681 صوتا لتفوز بمقعد برلماني واحد

وقُسمت المقاعد على النواب الرجال والنساء بواقع 77 مقعدا للرجال و34 للنساء  



     وفي هذه الأرقام تظهر حقائق التكوين الاجتماعي لكل حزب وحركة سياسية ومساحة كل منهم التي تفرض احترامها على الآخر وقبولها كحقيقة في التكوين الأفقي والعمودي للمجتمع السياسي الذي ناضل من اجلها البارزاني الخالد منذ أربعينات القرن الماضي ليرسي نظاما ديمقراطيا يعتمد قبول الآخر تحت سقف المصالح العليا لكوردستان وحركتها التحررية سواء أيام الشرعية الثورية منذ أيلول 1961م وحتى قيام الشرعية البرلمانية في 1992م التي اختار فيها شعب كوردستان الطريق الديمقراطي لنظامه السياسي والاجتماعي.

     وخلال سنوات مضيئة من عمر تجربته بكل ما حملته من صعوبات ومآسي الحصار والصراع الداخلي ومؤامرات الأطراف الخارجية نجح الكوردستانيون إلى رفع مستوى وعيهم ومعيشتهم ومستوياتهم الثقافية والصحية والحضارية، بما أنتج مشهد الانتخابات يوم 21 أيلول 2013م  الذي سيبقى يؤشر تاريخيا نقطة تحول مهمة في حياة الشعب تعكس مدى تطوره ونضوج أدائه السياسي والانتخابي.

     حقا انتصرت كوردستان رغم كل ما يفعله البائسون الأغبياء من محاولات اختراق جدران السلم والأمن فيها، متناسين إن الطرف الآخر في معادلة الأمن والسلام هو الشعب ووعيه ومواطنته، وليس أجهزة الأمن والعسكر فيه فقط؟


     انتصرت كوردستان حينما قبلت الآخر أولا، وحينما ذهبت النساء وهي تتسابق من اجل إعطاء صوتها، وحينما ذهب الشباب وهم يحملون آمالهم في المستقبل إلى تلك الصناديق، وحينما تجاوز الشعب بهذا النضوج مرحلة الدعاية الانتخابية وتشنجاتها في مجتمع محافظ عُرف بالعشائرية، لكنه استطاع فعلا أن يخرج من تحت عباءتها إلى خيمة اكبر هي كوردستان اليوم وغدا التي وضع أسس بنيانها الزعيم الكوردي الكبير مصطفى البارزاني.
kmkinfo@gmail.com


93
كوردستان تستثمر النفط مع الشعب؟

كفاح محمود كريم


     صرح رئيس الوزراء الكوردستاني نيجيرفان بارزاني إن حكومته تدرس إمكانية توزيع جزء من عائدات البترول كأموال نقدية، بما قيمته خمسمائة إلى ألف دولار للأسرة الواحدة شهريا، خاصة وان مستويات الإنتاج النفطي والغازي للإقليم في تزايد مضطرد مع تهافت الشركات البترولية الكبرى في العالم للاستثمار، واستقرار الأوضاع خاصة بعد وضوح التقدم الكبير للحزب الديمقراطي الكوردستاني في الانتخابات العامة الأخيرة التي جرت في الإقليم، حيث يشغل السيد نيجيرفان نائبا لزعيم الحزب السيد مسعود بارزاني.

     لقد دأبت بعض الدول البترولية على منح الفرد أو الأسرة بعضا من عائدات تلك الثروة كما حصل في ليبيا وسلطنة بروناي وبعض دول الخليج، ولكون الحال هنا في كوردستان يختلف نوعا ما عن تلك الدول في ظروفه ونمط اقتصاده وشكل نظامه، فانني أرى إن سبلا أخرى تعوض عن الدفع النقدي المباشر للأسرة أو الفرد بما يحفظ استقرار السوق وعدم ارتفاع نسبة التضخم التي يعاني منها الإقليم والعراق عموما، إضافة إلى وجود طبقة تجارية طفيلية مهيمنة على السوق مهمتها امتصاص أي عائدات مالية تعمل من اجل رخاء الفرد والمجتمع.

     ولكي لا ندخل في تفاصيل اقتصادية ربما تثقل كاهل القارئ فان تجارب رفع المقدرة الشرائية للمواطن التي اتخذتها الحكومة العراقية نهاية سبعينات القرن الماضي كانت البداية لظاهرة التضخم واشتعال الأسعار بمستويات فاقت نسبة الزيادة التي شملت رواتب الموظفين.

     ولذلك نرى وجود عدة سبل للتعويض عن الدفع النقدي الذي ربما يربك السوق ويزيد نسبة التضخم بما يحرم المستفيدين وخاصة الأغلبية من فوائد وغاية الدفع النقدي ومن هذه السبل:

1-   تعويضها بالخدمات العامة كما حصل في تسعيرة البانزين وتوحيدها وإلغاء ما كان يسمى بالبانزين المحسن والممتاز، وتخفيض قيمة وحدات الكهرباء المنزلية إلى مستويات رمزية لا تثقل كاهل الفرد والأسرة، إضافة إلى بقية الخدمات في مجالات السكن والتأمينات الصحية والمياه والتعليم.
2-   تأسيس بنك حكومي توضع فيه أقيام المبالغ المخصصة للأسر شهريا أو سنويا كرصيد لهم، مع منع السحب منها لمدة سنة أو سنتين ومن ثم السماح بالسحوبات بنسب معينة أو لإغراض معينة مثل المرض أو بناء وشراء بيت أو سيارة.


     إن كوردستان اليوم بما فيها من تطور كبير وتقدم متسارع، أحوج ما تكون إلى قاعدة صناعية وزراعية وشبكة مواصلات متطورة إضافة إلى ثورة حقيقية في المجال السياحي الذي لا يقل أهمية عن البترول إن لم يتفوق عليه، مع الاهتمام الكبير بالمياه وخاصة مياه الأمطار وبناء السدود لتجميع تلك المياه الهائلة التي تذهب سدى.

      وفي مجال النفط بإمكان هذا البنك المقترح أن يستثمر تلك الأموال المخصصة للأسر في صناعات نفطية مهمة ومجمعات للبتروكيميائيات لكي لا يكون برميل النفط بعدة عشرات من الدولارات بل لكي يكون أضعاف ذلك كمشتقات أساسية للوقود والزيوت والحبيبات التي تدخل في كثير من الصناعات المهمة الأخرى، ومن ثم للقضاء على البطالة بكل أنواعها.

     إن مبدأ تخصيص مبلغ من عائدات النفط للمواطن يظهر جدية وحقيقة الحكومة الرشيدة وإخلاصها في مهمتها التي تحملتها في برنامجها الذي وعدت به مواطنيها، وإنها فعلا قادرة على صناعة مستقبل زاهر للبلاد إذا كانت هذه منطلقاتها في خدمة الأهالي.

kmkinfo@gmail.com


 

94
كوردستان تنتخب المستقبل

كفاح محمود كريم

    دون أن تنسى الماضي وتصر على أن الحاضر لا يفي بكل تلك الجهود، فإنها تسير صوب المستقبل حاملة معها تراث عقود من النضال العنيد والمقاومة العنيفة والإصرار على البقاء والحياة الحرة الكريمة، وهي تتوجه اليوم الحادي والعشرين من أيلول،  بما يقرب من ثلاثة ملايين ناخب كوردستاني ( 2806000 )  لرسم خارطة جديدة بانتخاب 111 نائبا يمثلون ما يقرب من (31) كيان سياسي في الجزء الذي تحرر من كوردستان العراق اثر انتفاضة عارمة في ربيع 1991م، كانت الخطوة الأولى في خيار شعب كوردستان الديمقراطي وتجربته المثيرة منذ ذلك الحين، لتحقيق آماله وطموحاته، بعيدا عن لغة البنادق والعنف، وباستخدام الديمقراطية وحق تقرير الشعوب وحقوق الإنسان وسيلة متحضرة لتحقيق الأهداف.

     وفي كل هذه المراحل ومنذ انتخابه رئيسا لكوردستان وحتى بدء الحملة الانتخابية الأخيرة، يصر الرئيس الكوردستاني مسعود بارزاني على أن الانتخابات تمثل وجها حضاريا للكوردستانيين، يتنافسون فيها من أجل كوردستان أجمل وأرقى وأكثر حرية وتطور ومدنية، والاهم في كل ذلك أن تنجح الانتخابات وتنقل شعب كوردستان وفعالياته السياسية إلى مرحلة يكون فيها المجتمع أكثر نضوجا ورقيا في ممارسة الديمقراطية، وتقربه أكثر من تحقيق طموحاته في بناء مؤسساته وقوانينه وسلطاته بشكل مدني راقي، بما يليق بشعب منح الحرية انهارا من أزكى دماء أهليه شيبا وشبابا، رجالا ونساءً، لا لتحقيق استقلال ذاتي فحسب بل لتحقيق كل آماله وطموحاته في العيش على أرضه واختيار شكل نظامه وممارسة حق تقرير مصيره.

     لقد أثبتت الأيام الماضية وفي ذروة الحملات الدعائية للمرشحين وأحزابهم التي تخوض السباق بقوائم مستقلة، بأنها أي تلك الحملات وما جرى من بعض الخروقات والاحتكاكات لم تتجاوز المعايير الدولية في الدول الديمقراطية، وأنها كانت فعلا تعبر عن شعب تواق للتقدم والتحضر وبناء تجربة ديمقراطية شفافة، ومصر على إنجاح هذا الخيار في تداول السلطة مع الحفاظ على مكتسباته التي حققها بإرثه النضالي وتجربته خلال عقود من احتلال الدكتاتورية وتدميرها لكوردستان وبنيتها الأساسية.

     لقد أيقن الكوردستانيون انه لا خيار إلا المستقبل والنجاح في تحقيق ازدهاره وتقدمه، فما تحقق خلال عشر سنوات من التداول السلس للسلطة وما رافق تلك العملية من تقدم كبير في مجمل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى وجود مساحات للفساد الذي كان بمثابة كوابح خطيرة لتحجيم التطور والتقدم الطموح، أعطى هذا الشعب درسا بليغا في كيفية اختيار الأفضل لإدارة برنامج المستقبل والانتقال إلى حقيبة جديدة في حياة الأهالي.

     حقا أنهم أولئك الرجال والنساء الذين يستحقون أن نمنحهم أصواتنا حينما نلمس ما فعلوه طيلة عشر سنوات فقط من حكمهم، ولنتذكر بصدق كيف كنا وكيف أصبحنا ومن كان يقف وراء هذا الازدهار والتقدم مقارنة مع الآخرين، جولة سريعة في أي قرية أو بلدة أو مدينة وكردستانية من سنجار حتى خانقين يدرك فيها المرء حقيقة الأمور دونما مواربة، ويعرف من هو المخلص ومن هو الفاسد، من حول كوردستان المدمرة إلى ورشة عمل وجزيرة امن وسلام في بحر متلاطم من الحرب والإرهاب، من حول مدن كانت قرى كبيرة حتى مطلع الألفية الثالثة إلى مدن حديثة جميلة متطورة خلال اقل من عشر سنوات.

     من أحال ظلام كوردستان إلى أنوار وخفض نسبة الفقر من ما يقرب من نصف سكان الإقليم إلى 5%، وخصص لكل طفل وفتى وشاب مقعد دراسي من رياض الأطفال وحتى الدراسات المعمقة في أكثر من 12 إلف مدرسة و20 جامعة ومعهد، وخفض نسبة وفيات الأطفال من 28% إلى 1%، يستحق بجدارة أن نرفع له القبعة ونبصم له بالعشرة كما يقولون دون أن ننسى انه اقسم بالحفاظ على مصالح كوردستان العليا وسلامها وأمنها ومستقبل أجيالها، وانه سيحارب الفساد أينما وجد.

kmkinfo@gmail.com

95
برلمان وحكومة المعاشات؟

كفاح محمود كريم

     منذ فترة ليست بقصيرة يفور تنور ( الحسد ) كما يقول احد أعضاء برلماننا العجب في بغداد، من موضوع رواتب وامتيازات برلمانيي الغفلة وصناديق العشائر والمذاهب، ودلالية بيع وشراء الترشيحات التي وصلت في آخر انتخابات جرت عام 2010م إلى ما يقرب من خمسين ألف دولار للرأس الواحد، عفوا للمرشح الواحد لكي يتم ترشيحه من حزب متنفذ أو شيخ ذي عشيرة كبيرة؟
 
     ويقول آخر ممن دفعته عجلة الغفلة والزمن السيئ إلى منبر تمثيل الأهالي أن العراقيين شعب بائس ودايح وانه هناك أي في البرلمان، ليمنع سرقة المليارات ولذلك فيجب أن يكون معاشه أعلى معاش منهم لكي لا تدني نفسه وينزلق إلى الفاحشة لا سامح الله!؟

     هذا المنطق الرهيب واحد من آلاف المزايدات والبيع والشراء بهذا الشعب الذي اتهم بالعظمة كثيرا وهو غير ذلك أبدا، فقد صدق صاحبنا النائب الهمام في قوله بأن العراقيين بائسين ودايحين، ومن قال لك غير ذلك فهو مختلف أو مختل عقليا، فقد أثبتت الأيام الصعاب منذ هوسات ثورة العشرين العشائرية وحتى هوسات الحواسم، التي أباحت نهب وسلب كل شيء، بأن هذا الشعب فعلا كما قال النائب لسبب بسيط، وهو إن هؤلاء النواب لم يتم استيرادهم أو استدعائهم من كوكب المريخ، ولم يفرضهم الحزب القائد أيام زمان، بل جاءت بهم صناديق الاقتراع ودواوين الشيوخ وربعاتهم ومقرات الأحزاب المتنفذة، التي تاجرت بكثير من المرشحين حتى وصل سعر الرأس فيهم إلى ما يقرب الخمسين ألف دولار، كما سُرب في آخر دورة انتخابية والتي أنتجت سوق بغداد للمناصب التي بيعت خارج التسعيرة الدولية وبسعر صرف الدولار الأمريكي، حيث وصل سعر كرسي الوزارة العادية إلى خمسة ملايين دولار، بينما تجاوز كرسي الوزارة السيادية العشرة ملايين دولار، واحسب على هذا المستوى من التسعيرات قيمة وكيل الوزارة والمدير العام والمستشارين وملاكات الخارجية والتجارة والنفط والدفاع، وخاصة الخارجية والدفاع التي قيمت أسعار مناصبها بتسعيرة اعتمدت في الخارجية العواصم ذات النجوم الخمس، وفي الدفاع نجوم الرتبة والذي منه!؟

     والسؤال المرير من البائسين والدايحين هل أنهم كانوا ينتظرون العمر كله لكي يأتي هؤلاء ( الجوعية ) خلفا لسلف سيئ ومخزي، أخشى أن نترحمه ونمجده ذات يوم ليس ببعيد مع بقاء هؤلاء وأمثالهم يتلاعبون بمصير البلاد وأموالها ومستقبلها؟
   
   حقا أنها دولة المعاشات الفاسدة ونظام السحت الحرام الذي أنتج هكذا برلمان وهكذا حكومة، لا هم لهم إلا الرواتب والامتيازات والعمولات القذرة والأموال الوسخة التي يتقاضونها باسم الشعب ( البائس الدايح )، وصدق من قال عنهم برلمان وحكومة الجوعية، ورحم الله وزارات وبرلمان العهد الملكي قبل أكثر من نصف قرن واقل من 1% من موازنة الجوعية ورواتبهم ومخصصاتهم، وألف بالمية من نزاهتهم وعزة نفسهم وطهارة أيديهم وقلوبهم!

kmkinfo@gmail.com

96
المنبر الحر / سوق المزايدات!
« في: 01:48 15/09/2013  »
سوق المزايدات!

كفاح محمود كريم

    بعد سقوط النظام مباشرة استقبلت مقرات الأحزاب المعارضة للنظام والتي فتحت أبوابها وأصبحت بقدرة قادر من اسقط النظام بل وادعت أنها كانت وراء انهيار النظام وسقوطه بكوادرها ومناضليها، ورغم ما فعله العديد من المناضلين في معارضة النظام الدكتاتوري، إلا أن الحقيقة غير ذلك تماما، ولولا أن هدى الله الأمريكان ورفاقهم في التحالف الدولي وبتأييد مطلق من المنظمة الأممية وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي، لما سقط النظام كما قال بدوي حاذق حتى يحكمنا أحفاد أحفاد عدي وقصي، وليس العيب هنا في الشعب بل في طبيعة الأنظمة البوليسية التي تشكلت اثر انقلابات عسكرية في معظم بلداننا الشرق أوسطية، التي شهدنا سقوط البعض منها وتلك المشاهد الكارثية التي حصلت وما تزال تحصل في سوريا الآن.

     أعود إلى لب الموضوع كما يقولون عن المزايدات وسوقها الرائجة في غياب معادلات المواطنة الحقة، فبمجرد إعلان سقوط نظام صدام حسين استقبلت مقرات الأحزاب المعارضة كما ذكرنا المئات أو ربما الآلاف من البعثيين بمختلف مستوياتهم الحزبية ممن كانوا قد فصلوا قبل سقوط النظام لأسباب كثيرة لم يكن واحد منها معارضة النظام، وممن احيلوا على التقاعد بسبب عدم فوزهم بانتخاباتهم الحزبية أو لثبوت اختلاس أو سرقة بعضهم لأموال الحزب أو الدولة.. وأسباب كثيرة أخرى، لكنني متأكد تماما بان ليس في تلك الأسباب جميعها كما قلت واكرر أي سبب لمعارضتهم القائد الضرورة أو منهاج الحزب العقائدي!؟

     لكنهم قدموا أنفسهم؛ أي هؤلاء المفصولين من البعث أو المحالين على التقاعد أو الفاشلين في انتخاباتهم الحزبية، كضحايا لنظام صدام حسين، ولم ينسوا طبعا اصطحاب شهود لهم من المقربين لتلك الأحزاب المعارضة سواء من الكوادر أو من أقربائهم وحبايبهم، وتحولوا خلال ساعات من رفاق العقيدة والزيتوني إلى مناضلين ضد النظام ورئيسه والدليل (ألولو) بشهادة من كان لهم علاقات خاصة وأفضال متبادلة ممن صنفوا أو عرفوا بمعارضة النظام، بل الكثير منهم تحول مباشرة من رفيقي إلى مولاي وارتدى العديد منهم زي البيشمه ركه في الموصل وكركوك وديالى حاملا الرايات الصفر أو الخضر!؟

     لا اعتراض على التوبة والاعتراف بالخطأ والاعتذار وتصحيح السلوك والتصرف، بل الاعتراض الشديد على الانتهازية والمزايدات الرخيصة، ليس من قبل فلول النظام السابق فقط بل من كثير من الآخرين أيضا، وخاصة أقرباء وأتباع الشخصيات المناضلة حقا ممن نقشت لها تاريخا ودورا معروفا في مقارعة الدكتاتورية، حيث تتعرض هذه الشخصيات من كل أطياف الفعاليات السياسية والاجتماعية إلى تشويه وتقبيح وإساءة سمعة من خلال مزايدات تلك المجموعات الملساء من الأتباع والمريدين ومساحي الجوخ ومرتزقة المواقف، ممن يسيئون بشكل كبير إلى تلك الشخصيات بسلوكهم الشائن وتصرفاتهم التي تنعكس مباشرة على من يزايدون أو يتاجرون باسمه.

    إنها دعوة مخلصة لتلك الشخصيات ليس هنا في بلادنا فقط وإنما في كل البلدان التي تشابهنا في ما حصل ويحصل من تغييرات سياسية واجتماعية لقطع دابر هذه الطبقة الرثة من المنافقين والانتهازيين وتجار المسؤولين الذين يبيعون ويشترون بتاريخ اولئك المناضلين الذين تحولوا على أيدي تلك الطبقة إلى بقالة للوطنية والمزايدات.

kmkinfo@gmail.com

  



97
عرس كوردستان الجديد

كفاح محمود كريم

     بعد أشهر من انتفاضة آذار عام 1991م في معظم المدن والقرى الكوردستانية، والتي يضعها كثير من المراقبين السياسيين بداية لاخترق حاجز الخوف في النظام السياسي الشمولي الذي كان يعم كل الشرق الأوسط تقريبا، دعا الزعيم الكوردي مسعود بارزاني كافة الأحزاب والفعاليات السياسية الكوردستانية إلى إجراء انتخابات عامة لتأسيس مراجع شرعية تمثل الأهالي، في أول خطوة لبناء مجتمع سياسي ديمقراطي، وبنية اجتماعية تحترم ما يقرره الأهالي من اختيارات في شكل النظام، وفي 19 أيار من عام 1992م جرت أول انتخابات برلمانية عامة في المناطق المحررة من كوردستان العراق، شارك فيها ما يقرب من مليون ناخب يمثلون أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، وتحت إشراف ومراقبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ومنظماته المدنية وبحضور مراقبين من مختلف دول العالم، لكي يتم توصيفها بأول انتخابات عراقية وكوردستانية حرة ونزيهة ومتطابقة مع المعايير الدولية الديمقراطية في العالم، ينتخب فيها أهالي كوردستان أول برلمان في تاريخهم المعاصر.

     في الدورة الأولى لبرلمان كوردستان تنافست سبع كتل سياسية تقدمها الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقائمة مستقلة، تلاه الاتحاد الوطني متحالفا مع كادحي كوردستان، ثم كتلة الوحدة التي ضمت الاشتراكي والاستقلال الكوردستانيين، فيما نزل حزب الشعب ( سامي عبدالرحمن ) بقائمة مستقلة، فيما اجتمع الشيوعيون والمستقلون والاتحاد الديمقراطي بكتلة واحدة، والأخيرتان كانتا واحدة للإسلاميين والأخرى للمستقلين الديمقراطيين، هذا وقد فاز الديمقراطي الكوردستان بأغلبية الأصوات 45.5% تلاه الاتحاد وحليفه بـ 43.61% وتقاسم بقية المقاعد الأحزاب الصغيرة الأخرى مع قرار القيادة السياسية بتخصيص خمس مقاعد للمسيحيين الكوردستانيين.

   أما الدورة الثانية فقد تأخرت كثيرا بسبب تعرض الإقليم إلى صراعات سياسية داخلية وخارجية حادة عطلت عمل البرلمان لفترة، الا انه رغم ذلك بقت هذه المؤسسة التشريعية محط احترام وتقدير عاليين، ولم تجرِ  طوال تلك الفترة انتخابات من طرف واحد لكي تبقى هذه المؤسسة مرجعية لكل الأهالي، حتى سقوط نظام صدام حسين والبدء ببناء عراق اتحادي ديمقراطي تعددي، فقد جرت انتخابات عامة مع الانتخابات العراقية الأولى في 30 كانون الثاني 2005م، وتنافست فيها 13 قائمة مختلفة على خلفية نظام التمثيل النسبي، وشارك فيها 1753919 ناخباَ من سكان إقليم كوردستان من الكورد والتركمان والكلدان والآشوريين، مسلمين ومسيحيين وإيزديين، وقد زاد عدد أعضاء البرلمان من 105 أعضاء إلى 111 عضواَ ، وتمكنت ثلاث قوائم فقط من مجموع 13 قائمة الحصول على مقاعد البرلمان، وهي كل من : القائمة الوطنية الديمقراطية الكوردستانية (104) مقاعد ( وضمت الحزبين الرئيسيين وبعض الأحزاب الصغيرة)، قائمة الجماعة الإسلامية في كوردستان العراق (6) مقاعد، قائمة حزب كادحي كوردستان والمستقلين (1) مقعد واحد.

     وإذا كانت الدورة الأولى للبرلمان الأكثر إثارة وتحديا، فان الثالثة كانت الأكثر تميزا حيث جرت في 25 تموز 2009م، وشاركت فيها 24 قائمة تنافست على 111 مقعداً برلمانياً، وتمكنت 11 قائمة من الفوز بالمقاعد، تصدرتها كتلة الديمقراطي والاتحاد في تسلسل الفائزين، بينما تبلور شكل من أشكال المعارضة لأول مرة وحصلت على ما يقرب من ربع مقاعد البرلمان، كما تميزت هذه الدورة بإجراء أول انتخابات عامة لاختيار رئيس للإقليم من بين مجموعة متنافسين جديين، تقدمهم الرئيس بارزاني بحصوله على 69.60% من أصوات الناخبين.

     وبعد عقدين من الزمان على تجربة كانت الأروع في تاريخ شعب كوردستان الذي اختار لأول مرة ممثليه إلى مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية يمثلون بعضا من طموحاته، يتجه اليوم أكثر من ثلاثين فعالية سياسية فردية وحزبية تضم  1129 مرشحا يتنافسون على مقاعد البرلمان الـ 111، بينهم 25 مرشحا تركمانيا سيشغل خمسة منهم المقاعد المخصصة لهم ضمن الكوتا، و15 مرشحا مسيحيا يتسابقون على 5 مقاعد مخصصة لهم و4 مرشحين على مقعد واحد مخصص للأرمن، في عرس ديمقراطي نجح خلال عشرين عاما في انجاز مجموعة كبيرة من التشريعات التي تجاوزت الـ 309 قانون نظمت الحياة الاجتماعية والإدارية والسياسية والاقتصادية في البلاد بما جعلها بحق واحة من واحات  الأمن والسلام والازدهار.

 


98
كوردستان والحقائق الدامغة!

كفاح محمود كريم

      ربما يرى البعض حقائق الأمور بعيدة عن إطارها الواقعي على خلفية آراء مسبقة أو مواقف محددة تبتعد عن التقييم المهني والعلمي لأي ظاهرة أو حدث كان، ويذهب هذا البعض إلى درجة تشويه تلك الحقائق أو تأويلها بعيدا عن بنيتها الأساسية أيضا على خلفية دارج شعبي جميل يقول ( اكره واحكي وحب واحكي ) ومن هنا تأتي كثير من التقييمات أو التوصيفات بعيدة عن تلك الحقائق التي لا تقبل التشكيك ولا التأويل.

     أردت بهذه المقدمة أن ادخل إلى مقارنة سلسة وبسيطة تعتمد الأرقام المحايدة والمجردة والدامغة فهي الأقرب إلى العقل والقلب كما هو معلوم من أي فذلكات سياسية أو إنشائية، هنا في هذا الإقليم المثير للجدل بمنطقة الشرق الأوسط ألا وهو إقليم كوردستان العراق الذي يضم أكثر من ستة ملايين نسمة يعيشون على ما يقرب من أربعين ألف كيلومتر مربع ويتحدثون في أغلبيتهم اللغة الكوردية إلى جانب مواطنيهم ممن يتحدثون اللغات الآشورية والتركمانية والعربية في ثلاث محافظات كبرى ومناطق تضم أكثر من ربع سكان الإقليم الحالي تعرضت لتغييرات ديموغرافية حادة في كل من محافظات كركوك والموصل وديالى، وشكلت في معظمها ما سماه الدستور العراقي بالمناطق المتنازع عليها ضمن مادة دستورية حملت الرقم 140 وهي عبارة عن خارطة طريق لحل تلك الإشكاليات الديموغرافية.

     تحرر هذا الإقليم بمحافظاته الثلاث ( اربيل والسليمانية ودهوك ) اثر انتفاضة عارمة بعد تحرير الكويت، وأصبح ملاذا أمنا ليس للكورد فقط بل واحة لكل المعارضة العراقية طيلة أكثر من عشر سنوات، عاش فيها السكان سنوات عجاف من البطالة والفقر المدقع والحصار المزدوج من قبل الأمم المتحدة ونظام الرئيس الأسبق صدام حسين، أوصل مستويات الفقر إلى ما يقرب 45% عشية سقوط نظام صدام حسين ونسبة مرعبة  من البطالة ووضع تعليمي وصحي رث يصل في كثير من مستوياته رغم ما قدمته كثير من المنظمات العالمية من مساعدات إلى وضع كارثي، ورغم ذلك استطاع شعب كوردستان وإدارته التي انتخبت مباشرة من الشعب في أول انتخابات حرة في الإقليم عام 1992 انبثق عنها برلمان إقليمي وحكومة نالت ثقة البرلمان لكي تكون أول حكومة كوردية بعد حكومة القاضي محمد في جمهورية كوردستان التي سحقت بعد اقل من سنة من قيامها على يد شاه ايران وقبول الدكتاتور السوفييتي ستالين.

     رغم كل ما حصل من مآسي خلال أكثر من عشر سنوات بعد الاستقلال الذاتي في 1991 انطلق المخلصون والفاسدون كل إلى مبتغاه، فبنى الأولون ما عجزت عن بنائه الدولة العراقية خلال ثمانين عاما لكوردستان، وفعل الفاسدون فيها ما يشبه فعل أولئك الحكام في عقود الهيمنة والاستبداد والطغيان، ولكي لا نغوص في تفصيلات أكثر، سندع بعض الأرقام تعطينا صورة أكثر إيضاحا وواقعية عما جرى خلال اقل من عشرين عاما مما لم يستطع هؤلاء المصابون بعمى البصيرة أن يروا هذا البلد كيف كان وكيف أصبح؟

     كانت نسبة الفقر المدقع تقترب من نصف السكان الأربعين في محافظات الإقليم عشية الانتفاضة وازدادت إلى أكثر من نصف السكان خلال سنوات الحصار المزدوج على الإقليم، فغدت اليوم اقل من 5% حسبما ذكرته إحصائيات واستطلاعات وزارة التخطيط العراقية، وبينما كانت البطالة تعم الإقليم لغاية 2003م بنسب مخيفة أصبحت اليوم اقل نسبة على مستوى ليس العراق وإنما المنطقة برمتها.

     كان في الإقليم 700 مدرسة قبل عقدين وأصبحت كوردستان اليوم تحتضن 12000 ألف مدرسة و 11000 ألف مركز صحي ومستشفى بعد أن كانوا 500 فقط مطلع تسعينات القرن الماضي.

     وبعد أن كان عدد طلبة الجامعات والمعاهد لا يتجاوز عدة آلاف أصبح اليوم في كوردستان أكثر من 98000 ألف طالب و7200 أستاذ جامعي ونجح الأهالي والحكومة في فتح 20 جامعة حكومية وأهلية بعد كانت جامعة واحدة حتى آذار 1991م، وبعد أن كانت أعداد طلبة البعثات والزمالات في كوردستان حتى عشية الانتفاضة لا تتجاوز عدة عشرات، هناك اليوم أكثر من 2500 طالب دراسات عليا و ألفي طالب كوردستاني يدرسون في أرقى جامعات العالم مختلف العلوم وبمستويات الدراسة الجامعية الأولية والمعمقة.


     وبفضل تطور الأداء السياسي والديمقراطي وتوفر مساحات كبيرة للتعبير عن الرأي يصدر اليوم في الإقليم 876 إصدار مطبوع من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والفصلية، إضافة إلى عشرات الفضائيات والإذاعات التي لا تمتلك في معظمها الحكومة أي منها، بل تدعمها جميعا دون تدخل في سياستها أو توجهها.

     لقد ارتفعت معظم مستويات الحياة الصحية حتى أصبحت نسبة وفيات الأطفال 1% بعد أن كانت 28% إلى ما قبل عشر سنوات تقريبا، يقابل ذلك ارتفاع واضح بمستويات المعيشة بسبب تقلص مساحات البطالة وازدياد فرص العمل والاستثمار في الإقليم الذي تجاوز العشرين مليارا لعام 2012م في مختلف مناحي الحياة وبالذات في خدمات السكن والكهرباء والصحة والزراعة والطرق والجسور، حيث انتهت تقريبا معضلة الكهرباء منذ عدة سنوات في الإقليم.

kmkinfo@gmail.com
 

 





99
مال الكُرد ومال الإخوان في مصر ؟

كفاح محمود كريم

     بهذا النص افتتح رسالته إلينا احد الأصدقاء القراء المهتمين بالشأن الكوردي والمدافعين عن حقوق المكونات سواء في العراق أو غيره، وهو يتحدث عن ردود الأفعال التي حصلت تضامنا أو معارضة للأحداث في أرض الكنانة قائلا:

     "ما هذا النفاق للإسلام السياسي؟ هل هؤلاء الأخوان في مصر يوما ما دافعوا عن الأكراد في زمن المقبور هدام العراق في مصيبة حلبچة الشهيدة أو عن العراقيين جميعا ؟

     أنا لم اسمع ولا أتذكر.أي من الأحزاب الإسلامية كانت إخوانية أو (شيعية) دافعت عن مظلومية العراقيين. حتى حسن لا نصرالله لم يقل كلمة بحق العراقيين لا وقت صدام ولا بعده..
 
    اللهم أحفظ كردستان  والعراق من هؤلاء"


     حقيقة لا أريد أن ادخل في معمعة مواقف كثير من الأحزاب والحركات الدينية فيما يتعلق بالقضية الكوردية خاصة والعراقية عامة، لأننا سنضطر إلى استخدام ميكروسكوبات ضوئية عالية التكبير والدقة للبحث عن مواقف تلك الأحزاب مما جرى لشعبنا أو غيره من الشعوب التي ( انفجعت ) بالعيش مع غيرها بعد صناعة سايكس ورفيقه بيكو لدول الشرق الأوسط التي أدغمت حقوق كثير من تلك الأقوام تحت يافطة الأخوة الإسلامية تارة والإنسانية تارة أخرى.

     ورغم أن ما يحدث في مصر هو من خيارات شعب مصر العريق في حضارته، والذي خرج بملايينه الثلاثين في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البشرية بهذا الشكل من الجموع البشرية مرة واحدة، لتقول رأيها بنظام سياسي أو رئيس دولة، وربما بمقارنة بسيطة مع أي انتخابات في العالم وعدد المشاركين فيها نسبة إلى السكان لن نجد انتخابات بهذا الكم الهائل من الناخبين المشتركين فعلا دون تزوير، وبهذه النزاهة والصميمية والسلاسة والصدق، وهي الجديرة حقا بان ترفع يافطة الشرعية على أنقاض صناديق عوراء وصماء استخدمت لتسلق قوى ظلامية هنا وهناك.

     ولنعود إلى تساؤلات صديقنا القارئ الكريم ( مال الكورد ومال الإخوان في مصر؟ ) حقيقة لا اعرف أين تكمن المصلحة إلا اللهم كون الذين قاموا بتنظيم تلك المجاميع ينتمون امميا لتلك الحركة، وقد ذكرونا هؤلاء المتظاهرون بالرفاق الحمر حينما كانت تمطر السماء في موسكو فيرفعوا الشماسي في بغداد أو غيرها من عواصم الربيع العربي، وربما لقصور في متابعتي لم اسمع أو اقرأ عن موقف الإخوان المسلمين على كوكبنا الأرضي أو بقية الكواكب من القضية الكوردية في كل مراحلها وحقبها، وكل أيامها الملونة بألوان الموت الكيماوي والأنفال وحلبجة وكل ما حصل هنا لم يحرك شعرة من شعرات لحاياهم وليس شواربهم الحليقة!؟

     ورغم ذلك فان أجواء الحرية والديمقراطية أتاحت الفرصة لتلك المجاميع بالتعبير عن رأيها بالرئيس مرسي والقائد السيسي معبرة عن سخطها لتغيير مرسي معتبرة ذلك تجاوزا للشرعية التي أبدع المصريون في وصفها بأجمل نكاتهم عما جرى في مصر أخيرا، حيث شبهوا شرعية الإخوان بصلاحية علبة فول مدمس مكتوب عليها صالحة لمدة أربع سنوات، وحينما فتحت العلبة بعد سنة من صناعتها كانت متعفنة وفاسدة، فقال المصري متهكما:

            نأكلها وإلا نرميها في (!) يابو شرعية أنت!؟   

kmkinfo@gmail.com
 


100
دولة الرئاسات الثلاث

كفاح محمود كريم
 
     لسنين طويلة حلمنا وتأملنا في غد قادم تسقط فيه آلهة الحكم المتفرد والنرجسية المقيتة والفساد المالي والإداري ومناصب المحسوبية والمنسوبية، وهيمنة النكرات والتافهين من المتسلقين وأرباب السحت الحرام، ورغم مأساة ما حدث لإزالة ذلك النظام المخزي الذي أنتج أجيال من المعاقين فكريا وأخلاقيا وسياسيا، تصورنا إننا وضعنا أقدامنا في الاتجاه الصحيح لبناء أسس دولة مدنية معاصرة تليق بشعب قدم ما يقرب من ربع سكانه ضحايا وقرابين على مذبح الحرية، أو في أتون حروب قذرة طيلة ما يقرب من قرن من تأسيس هذا الكيان.

     وبعد كل هذا اهتدينا إلى ناصية الديمقراطية المفترضة لكي نؤسس لوطن الحلم ودولة المستقبل، متناسين ما ورثناه من عيوب وعاهات ومركبات نقص هائلة في كل مناحي الحياة، وجوع هائل يصل إلى مستوى ( الجوعية ) في المال والمناصب والهيمنة والارتزاق وتسخير العام من اجل الخاص، والتقاتل من اجل المنافع الذاتية بعيدا عما كنا نحلم به دوما.

     ولا أتحدث هنا عن الأغلبية المهمشة تاريخيا والمستخدمة أبدا من قبل هؤلاء، ولكنني أتحدث عن أولئك الذين يدعون وادعوا سابقا بأنهم يمثلونهم أفقيا بما في ذلك أكثرهم يسارية أو ديمقراطيةً أو حتى عقائديةً، وبالذات حينما يتعلق الأمر بالمال ومنافعه الشرعية أو غير الشرعية أو المشتبه بها، وما حصل في العراق ويحصل في مصر يصيبنا جميعا بالإحباط خاصة وان أكثر الذين تقلدوا مناصب المال والسيادة يصنفون إيديولوجيا بالمتقين والمؤمنين بخلفية دينية يفترض أنها تمنعهم عن الحرام بكل أشكاله،  والمشبهات بكل أنواعها، بل أنهم وجدوا في مواقعهم لكي يبشروا الأهالي والغلابة تحديدا، بعالم جديد تسوده العدالة والحرية والنزاهة؟

    وما ظهر بعد تولي ( بدائل الدكتاتوريات ) الحكم في العراق ومصر وليبيا وتونس وغدا في سوريا، كشف عورات مخزية للرئاسات المتعددة التي ورثت الحكم من دولة الأوحد لتصبح دولة الرئاسات ( رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان )، وبدلا من دكتاتور واحد سرق الحكم عنوة بانقلاب عسكري، أصبح لدينا رئاسات تتمتع بذات الامتيازات التي كان يتمتع بها الدكتاتور السابق، بل ربما تزيد عنه في انها أخذت مشروعيتها من صناديق عوراء وصماء، والانكى من ذلك إن كل منها يعمل لحاله، وله أتباعه ومريديه، بل ومجاله الحيوي وميليشياته المسلحة وميزانيته التي تشبع سكان دولة افريقية.

     فإذا كانت الديمقراطية قد أتت بالحل دينيا كما يقولون، وان رجال هذا الحل غاية في النزاهة والزهد وطهارة القلب واليد، فما حصل ويحصل في كل من العراق ومصر وتونس وليبيا وسوريا يمثل أتعس أنماط الأنظمة وأكثرها بدائية وبربرية وفساد وصل حد النجاسة في السرقة والاختلاس والاغتصاب والقتل، فيما شهدناه جميعا سواء هنا في بلادنا وما يحدث في تلك البلدان وربيعها الدموي، سواء من كان منهم في السلطة أو من يدعي انه يمثل الجهاد والمجاهدين في استباحة أرواح وأموال الناس تحت مظلة تلك الشعارات.

     وفي خضم ما يحدث يبقى السؤال الأكثر حيرة هو:
     أين يكمن الحل؟
ومن أفشل من؟
الشعب أفشل الحكومات أم العكس؟

kmkinfo@gmail.com


101
المنبر الحر / دكاكين إعلامية!
« في: 11:33 03/08/2013  »
دكاكين إعلامية!

كفاح محمود كريم
 

     بعد سقوط الجدار الدكتاتوري في كثير من بلدان الشرق الأوسط الموبوءة بالأمية السياسية والمصابة بأمراض الشرق المزمنة في القبلية والتعصب الديني أو المذهبي، منذ عقود أو حقب مقيتة من الانغلاق الحديدي في كل مناحي الحياة، بدأت مرحلة من الانفلات أو التحرر غير المقيد أو غير المقنن، حتى وصل ذروته في فوضى لا مثيل لها أطلق عليها أولئك ( البطرانين ) بالفوضى الخلاقة، تجميلا لواحدة من أكثر ردود الأفعال الجمعية والفردية إثارة وجدلا، بعد غياب السلطة وما رافق تلك الانهيارات في جدار الخوف من انفلات ذلك المارد المسجون في قمقم الرعب والتخلف، وما نتج عن ذلك من عمليات نهب وسلب وقتل وانتقام وتخريب، ولعل ابرز ما عكس تلك الفورة أو الفيضان هو ما جرى في فضاء الإعلام، الذي انفلت هو الآخر أو أنعتق أو تحرر بشكل مثير ربما تجاوز أي شكل من أشكال الصحافة الحرة في الدول الديمقراطية العريقة!

      ففي معظم بلداننا لم يكن هناك أكثر من قناة تلفزيونية أو قناتين يصاحبهما محطة للإذاعة وفي كل الحالات وان تعددوا فهم ينهلون من منبع واحد هو الدولة وقائدها حزبا أو ملكا أو رئيسا أو عشيرة، وهي بالتالي تمثل هؤلاء وفلسفتهم كما كنا في العراق وليبيا ومصر وتونس وما زلنا في سوريا وغيرها من بلدان الرقص على أكتاف الموت من اجل القائد المفدى والحزب الذي يختزل الأمة؟

      وكان معظم المثقفين والخبراء والمحللين والسياسيين محرومين تماما من أي حق تلفزيوني أو إذاعي للتعبير عن الرأي إلا بما يتوافق مع فلسفة الحكم وتوجهاته، بما جعلهم بعيدين جدا عن تلك الوسائل حفاظا على كرامتهم وحياتهم معا، حتى سقطت تلك الأنظمة وفار التنور بحرية لا مثيل لها في إنتاج وسائل التعبير عن الرأي في شتى أشكاله ووسائله، تحقيقا للافتراض أو التحصيل الحاصل لما جرى، حيث انطلقت إلى الفضاء عشرات الفضائيات والإذاعات التي تعبر عن رأي الأحزاب والشركات والأشخاص، وأضعافها من الصحف والمجلات، بأعداد تفوق في مجملها ما موجود في أي دولة ديمقراطية عريقة بنفس عدد سكان هذه البلاد، أو ربما أكثر بكثير من مجموع قرائها أو متابعيها!؟

      وخلال عدة سنوات تحولت تلك الوسائل إلى دكاكين إعلامية بيد تجار ومقاولين لا علاقة لهم بأي شكل من الأشكال لا بالإعلام ولا بالسياسة، إلا اللهم بما يخدم مصالحهم الدكاكينية، فأصبح لدينا نمط جديد من الإعلام الذي يكتب بالقطعة أو بالشبر كما يقولون في مدح فلان أو ذم علان، وإعلامي يحقق مع ضيفه في حوار مفترض للشاشة وكأنه مفوض امن أو محقق فاشل، وبذلك تضيع كثير من ( علائم ) المهنة وافتراضات توصيفها بالمهنية أو المحايدة على اقل تقدير، ومن يرى كتابات أو تقارير بعض الصحفيين عن أي موضوع له علاقة بالجيب يكتشف نوع من البقالة والسمسرة المحترفة التي تنافس أي دلال في سوق مريدي بل تتجاوزه في حنكة المهنة وصفقاتها.

      وباستثناء قلة قليلة من هذه الوسائل الإعلامية في العراق، فان كثير من مكاتب الفضائيات والإذاعات والصحف والمجلات تختلس المكافآت المخصصة لضيوفها أو كتابها، مستغلة كثير من الأمور وفي مقدمتها الحياء الشرقي واستغلال شعور الكاتب أو الضيف الإعلامي بأنه لم ينل حقه أو حصته من الإعلام ومخاطبة الرأي العام من خلال الشاشة أو الإذاعة أو الصحافة، والإيحاء له بأنها إنما تظهره أو تنشر له ( تفضلا ) وتشجيعا وبذلك تقوم باختلاس أو سرقة استحقاقه المثبت في مخصصات الموازنة لأي وسيلة إعلام مهما كانت، حيث هناك دائما حقول الأجور والمكافآت التي تشكل جزءً مهما من ميزانية المؤسسة الإعلامية، والطامة الكبرى إن كثير من هذه الوسائل ليست عادية بل أنها قنوات وصحف مهمة جدا ومدعومة بشكل كبير من دول ومؤسسات كبيرة!

      حقا إنها دعوة مخلصة لتهذيب مؤسساتنا الإعلامية ورفع مستويات أدائها وشفافيتها ومصداقيتها مع الجمهور ومع من يتعاط معها، وبتقديري فان أي وسيلة إعلامية لكي تكون محترمة وتنال ثقة المتلقي فإنها تحتاج إلى تعامل محترم وشفاف في الأداء المالي والمهني معا.
   
kmkinfo@gmail.com

102
وجه كوردستان المشرق

كفاح محمود كريم

     سأبدأ موضوعي بسؤال من غير عادتي التي انهي فيها معظم مواضيعي بسؤال للقارئ في آخر المقال، وسؤالي الافتتاحي هو:
 
      هل يا ترى وجود حي بائس في نيويورك أو لندن أو باريس أو موسكو يعني أنها دول متخلفة فيها وجه آخر يعكس هزالة نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟
      وهل أن وجود عدة ملايين من العاطلين عن العمل في دولة مثل الولايات المتحدة يعني أنها فاسدة؟
      وهل أن كل ما تقوم به الحكومات في بلدانها لا يستحق الثناء أو الذكر لكونه من واجباتها؟
      ألا يفتخر كل الفرنسيون والبريطانيون والأمريكان بانجازات حكوماتهم وشركاتهم وعلمائهم؟


     الأسئلة كثيرة حول ما يريده بعض المحبطين الذين لا يرون أكثر من أرنبة أنوفهم المتعودة على روائح الحقد الشخصي أو السلبية المفرطة التي تمنع رؤية أية اشراقة للضوء في الزوايا المظلمة التي كانت تعم معظم كوردستاننا الخارجة عن الزمن تماما، بل ربما كانت غارقة في بحر من الآلام والفقر والانكسار والحصار القاتل لعقود مريرة دفع فيها المناضلون من اجل الحرية قوافل من الشهداء، والأهالي عقودا من الذل والعوز والمرض، حتى انتصار الشعب وفعالياته السياسية في آذار 1991م اثر انتفاضة عارمة أسقطت إلى الأبد ذلك الاحتلال الفاشي البغيض ودفعت الأهالي إلى حقبة جديدة من التحرر والانعتاق.

     وخلال العقد الأول من انعتاقها عاشت كوردستان وأهليها أياما ضنكا مكتظة بالأحداث التاريخية والصراعات الحادة والحصار الخانق حتى تكلل الصبر العظيم للشعب بانتصار السلام وسقوط الدكتاتورية وبداية عصر جديد انطلق فيه المخلصون والفاسدون كل إلى مبتغاه، فبنى الأولون ما عجزت عن بنائه الدولة العراقية خلال ثمانين عاما لكوردستان، وفعل الفاسدون فيها ما يشبه فعل أولئك الأنجاس من حكام عقود الهيمنة والاستبداد، ولكي لا نغوص في تفصيلات أكثر سندع بعض الأرقام تعطينا صورة أكثر إيضاحا وواقعية عما جرى خلال اقل من عشرين عاما مما لم يستطع هؤلاء المصابون بعمى البصيرة أن يروا هذا البلد كيف كان وكيف أصبح؟

     كانت نسبة الفقر المدقع تتجاوز الأربعين بالمائة في محافظات الإقليم عشية الانتفاضة وازدادت إلى أكثر من نصف السكان سنوات الحصار المزدوج على الإقليم، فغدت اليوم اقل من 5% حسبما ذكرته إحصائيات واستطلاعات وزارة التخطيط العراقية، وبينما كانت البطالة تعم الإقليم لغاية 2003م بنسب مخيفة أصبحت اليوم اقل نسبة على مستوى ليس العراق وإنما المنطقة برمتها.

     كان لدينا 700 مدرسة قبل عقدين وأصبحت كوردستان اليوم تحتضن 12000 ألف مدرسة و 11000 ألف مركز صحي ومستشفى بعد أن كانوا 500 فقط مطلع تسعينات القرن الماضي.
وبعد أن كان عدد طلبة الجامعات والمعاهد لا يتجاوز عدة آلاف أصبح اليوم في كوردستان أكثر من 98000 ألف طالب و7200 أستاذ جامعي ونجح الأهالي والحكومة في فتح 20 جامعة حكومية وأهلية بعد أن كانت جامعة واحدة حتى آذار 1991م، وبعد أن كانت أعداد طلبة البعثات والزمالات في كوردستان حتى عشية الانتفاضة لا تتجاوز عدة عشرات، هناك اليوم أكثر من 2500 طالب دراسات عليا و ألفي طالب كوردستاني يدرسون في أرقى جامعات العالم مختلف العلوم وبمستويات الدراسة الجامعية الأولية والمعمقة.

     وبفضل تطور الأداء السياسي والديمقراطي وتوفر مساحات كبيرة للتعبير عن الرأي يصدر اليوم في الإقليم 876 إصدار مطبوع من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والفصلية، إضافة إلى عشرات الفضائيات والإذاعات التي لا تمتلك في معظمها الحكومة أي منها، بل تدعمها جميعا دون تدخل في سياستها أو توجهها.

     لقد ارتفعت معظم مستويات الحياة الصحية حتى أصبحت نسبة وفيات الأطفال 1% بعد أن كانت 28% إلى ما قبل عشر سنوات تقريبا، يقابل ذلك ارتفاع واضح بمستويات المعيشة بسبب تقلص مساحات البطالة وازدياد فرص العمل والاستثمار في الإقليم الذي تجاوز العشرين مليارا لعام 2012م في مختلف مناحي الحياة وبالذات في خدمات السكن والكهرباء والصحة والزراعة والطرق والجسور، حيث انتهت تقريبا معضلة الكهرباء منذ عدة سنوات في الإقليم.

     ربما ستطول القائمة وتزدحم الأرقام، لكنها تبقى نقاط ضوء تزيح الظلام من تلك الزوايا الداكنة التي يحاول البعض إبقائها غارقة في سواد التخلف واليأس والإحباط، ورغم كل شيء تبقى  تلك الحقيقة المثلى والأكثر جمالا حينما تزيح نقاط الضوء كتل الظلام المدلهم. 

kmkinfo@gmail.com

 





103
رسالة الرئيس مسعود بارزاني إلى شعب كوردستان
بسم الله الرحمن الرحيم
الى شعب كوردستان العزيز 
الى القوى والأطراف السياسية ومنظمات المجتمع المدني
     لقد كان أسعد قرار في حياتي حينما أصبحت وأنا بسن السادسة عشر من عمري أحد أفراد البيشمركة من أجل الحرية والحقوق القومية والديمقراطية لشعب كوردستان وتحرير أرضها.
     وكوني بيشمركة فهو أكبر مفخرة لي في حياتي حيث كنت اعمل وأناضل في كل المناصب بروح البيشمركة وعقيدتها من أجل مصلحة شعبي، ومن هذا المنطلق سخرت كافة مناصبي لخدمة وطني.
     ومن دواعي الاعتزاز أنني طلبت والتزاما بأهدافنا في الحرية والديمقراطية أوقات الثورة والبيشمركة وكواجب وطني ومن أجل ترسيخ مبادئ الديمقراطية وإنشاء نظام سياسي واداري ديمقراطي، طلبت ومع بدايات انتفاضة شعب كوردستان العظيمة في 1991 من الجبهة الكوردستانية العمل امن أجل إجراء انتخابات حرة ليتمكن شعب كوردستان وعن طريق صناديق الاقتراع تقرير مصيره وإنشاء نظامه السياسي.
     ومنذ ذلك الوقت وبتضامن كافة الأطراف السياسية بدأت العملية الديمقراطية التي أثمرت  وبفضل من الله وتكاتف المخلصين ونضال وصمود شعبنا هذا التقدم الكبير الذي شهدته  كوردستان في جميع مناحي الحياة، حيث نرى اليوم إن لكوردستان سمعة طيبة من ناحية الاستقرار السياسي واستتباب الأمن إلى جانب التقدم الاقتصادي والعمراني، بما يرسخ يوما بعد يوم موقع كوردستان في العالم. 
     لقد جرت في الفترة المنصرمة وكممارسة ديمقراطية حوارات ونقاشات كثيرة حول طبيعة وتعريف النظام السياسي في الإقليم ومشروع الدستور، ومن أجل تقديم نموذج أرقى للعملية الديمقراطية والتزاما بالقانون خاطبت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات برسالة رسمية طالبتها بأجراء انتخابات البرلمان ورئاسة إقليم كوردستان، وبذلك قد أديت واجبي.
    ومنذ إرسال الرسالة وطلب إجراء الانتخابات وتحديد موعدها وهو يوم 21/9/2013   كان هناك اختلاف في وجهات النظر حول آلية انتخاب رئيس إقليم كوردستان، فهل يكون وفق قانون رئاسة الإقليم المرقم 1 لسنة 2005 المعدل ومشروع الدستور وبموجبه يتم انتخاب رئيس الإقليم مباشرة من قبل المواطنين، أو يكون حسب وجهة نظر بعض الأحزاب التي تطالب بانتخاب رئيس إقليم كوردستان من قبل البرلمان، مما أدى إلى حدوث خلافات بين الأطراف السياسية، وجاءت قضية الدستور والتعامل الحاد حولها من قبل بعض الأطراف والتي سارت بالعملية السياسية نحو التأزم.
     ومن أجل أن نتمكن من تمهيد الأرضية المناسبة حول تلك القضايا ولنقدم صورة أجمل عن العملية السياسية في إقليم كوردستان لشعبنا وللخارج، ولنمهد أرضية التوافق وتقدم الأطراف السياسية وكافة المكونات الكوردستانية وجهات نظرها حول كيفية انتخاب الرئيس وحول مشروع الدستور، طلبت وفي رسالة بتأريخ 25/5/2013  من جميع الأطراف السياسية إبداء ملاحظاتهم وعرض وجهات نظرهم وإرسالها الينا.
     وبعد وصول الردود طلبت من رئاسة البرلمان الاجتماع بكافة الأطراف والمكونات الكوردستانية من أجل التوصل إلى نتيجة ما، وكان هدفي من إرسال ملاحظات الأطراف كافة إلى البرلمان هو ليكون توافق الأطراف المتمثلة في البرلمان والأطراف غير المتمثلة وملاحظات المكونات، خارطة طريق أسهل وأرضية أكثر ملائمة لمشروع الدستور والانتخابات، وبعد ذلك أعلن لشعب كوردستان وبكل صراحة بأنني شخصيا لا نية لدي للترشح وأحترم جميع القوانين وأسلم أمانة رئاسة إقليم كوردستان لشخصية منتخبة.
     ويؤسفني القول إن المعارضة لم تكن موفقة في التعاون من اجل إنجاح العملية، بل إن قيامهم بعدم قبول مشاركة الأحزاب الأخرى في اجتماعات رئاسة البرلمان تسبب بتعطيل العملية، ومن هنا تبين إن مفهوم التوافق لدى المعارضة هو محاولتهم فرض وتطبيق مطالبهم دون إبداء أي اهتمام بالأطراف الأخرى، وهنا أود الإشارة بكل صراحة إلى أن التوافق ليس حكرا على البارتي والاتحاد وأطراف المعارضة الثلاث فقط، بل يشملهم مع كافة الأطراف والمكونات الكوردستانية ايضا.
     إن مشروع الدستور قد صادق عليه 36 حزبا كوردستانيا وجرت حوارات حوله من قبل ممثلي جميع القوميات في كوردستان، وبناء عليه ينبغي أن لا يتم تهميشهم وإقصائهم، لان كوردستان لا تقتصر على تلك الأطراف الخمسة.
     وهنا أود الطلب من كافة الأطراف العمل من أجل التوافق على الدستور، ومن جانبي سأكون سندا لهم بكل ما أوتيت من قوة، من أجل تجنب أزمة سياسية وتعكير حياة المواطنين، ولنبذل جميعا كل ما بوسعنا من أجل اقتناص الفرص السانحة لشعبنا ووطننا في المنطقة. كما أبذل ما بوسعي لتمهيد الأرضية المناسبة للتوصل إلى التوافق.
      إن شعب كوردستان والأحزاب السياسية يشهدون على أنني وخلال فترة المصادقة على مشروع الدستور من قبل البرلمان عام 2009  بذلت جهودا حثيثة للتوصل إلى توافق الجميع وأصريت على أن يأخذ المشروع وجهات نظر كافة القوميات والمكونات الدينية بنظر الاعتبار. وحصل ذلك فعلا، ومن ثم تم التصويت عليه في البرلمان.
     وودت هذه المرة أيضا وبعيدا عن كل تشنجات وخلافات العملية السياسية، تمهيد الأرضية المناسبة للتوافق، ولكن ومن المؤسف إن المعارضة وشكل تعاملها خلال الأربع سنوات المنصرمة، قد ثبتت عليها ما كان يقوله الكثير من الناس والأطراف السياسية وهو أنهم لا يرضون بأي شئ، وان التوافق من وجهة نظرهم هو فرض آرائهم فحسب، وهذا يتناقض مع الأنظمة والأعراف السياسية والديمقراطية.
     على أطراف المعارضة أن تعرف بان هناك أحزاب أخرى من عدا البارتي والاتحاد قد ناضلت وفي أحلك الظروف من أجل وجود شعبنا وبقاء أسم كوردستان. 
     على أحزاب المعارضة الثلاث أن لا تسمح لنفسها أن تعمل من أجل أن لا تعير المؤسسات الكوردستانية العليا اهتماما بآراء ووجهات نظر الأطراف الأخرى، أو أن يسمحوا لأنفسهم الاستهانة بالأطراف الأخرى، لأنها تتناقض والتقاليد الديمقراطية.
     لذلك أطلب من الأخوة في المعارضة أن يتحلوا بسعة الصدر وروحية قبول الآخر ويستندون في أعمالهم ونشاطاتهم السياسية إلى المبادئ الديمقراطية، وأن يكون سلوكهم وتعاملهم على أساس قبول الآخرين.
     يا شعب كوردستان الصامد...
     لقد صادق برلمان كوردستان يوم 30/6/2013 على قانونين تمدد بموجبهما فترة البرلمان ورئاسة إقليم كوردستان، مما قد يؤدي إلى تأخير انتخاب رئيس إقليم كوردستان.
    وهنا أؤكد لكم بأنني لم أكن طوال حياتي طالبا للكرسي والمناصب، واليوم أيضا لا أريد استبدال تأريخي النضالي من أجل تحرير وحرية كوردستان بأي شيء، لأنني مؤمن بأن  الإنسان لا يعرف بالمناصب والعناوين الوظيفية والإدارية، بل بنضاله وعمله وتضحيته من أجل الشعب والوطن والإنسانية.
    لقد قمت بالتوقيع على قانون تمديد برلمان كوردستان تجنبا لحدوث أي فراغ قانوني ودستوري في الإقليم، وان فترة وولاية رئاسة إقليم كوردستان قد تم تمديدها بأصوات الكتلة الكوردستانية (البارتي والاتحاد) مع كتل الأحزاب والقوميات المتمثلة في البرلمان والمستقلين من عدا كتلة المعارضة.
     والآن أجد نفسي أمام التحالف بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، اللذان قررا معا ومع عدد من الأحزاب وممثلي القوميات في كوردستان داخل البرلمان تمديد فترة رئاسة إقليم كوردستان لمدة عامين دون مشاركتي أنا.
     كما أجد نفسي أمام مسؤولية أخلاقية ومجموعة من الواجبات والأعمال المشتركة والطويلة مع الأخ العزيز مام جلال لإدامة هذا التحالف، ولأجل أن أكون وفيا لهذه المسيرة التي بدأناها معا وتستمر نتائجها الايجابية، ومن أجل أن يرى كل شيء في منتهى الاستقرار حين يعود إلى كوردستان إنشاء الله، بالإضافة إلى أنني أتفهم جيدا مهمات التحالف بين الاتحاد والبارتي، الذي أنتج فعلا هذا الاستقرار والتقدم الكبيرين في كوردستان، وبسببه كانت كوردستان محلا لإعجاب العالم، بل جعلنا مشاركين فعليين في التغييرات الحاصلة في العراق والمنطقة.
     واليوم وفخامة مام جلال وبسبب حالته الصحية غائب عن كوردستان، أشعر بأنه علي أن أتحمل مسؤولياته كذلك في المحافظة على ذلك التحالف وتقويته وفاءً  للعمل والنضال المشترك والتعاون المثمر بيننا لسنوات من أجل شعبنا ووطننا.
     وكذلك من أجل مراعاة قلق المكونات القومية والدينية في كوردستان خوفا من تعميق الأزمة السياسية والحفاظ على الاستقرار في الإقليم، ونزولا عند رغبة شخصيات مناضلة في الإقليم والأجزاء الأخرى من كوردستان، وبعد التشاور مع غالبية القوى والأطراف السياسية الكوردستانية، لم أقم برفض قانون تمديد ولاية رئاسة إقليم كوردستان، ولكن دون أن يعني هذا أنني مع القانون شكلا ومضمونا، ولهذا لم أوقع على قانون تمديد الولاية.
     هنا وتقديرا لأصوات أكثرية الكتل في برلمان كوردستان وتجنبا لعدم إحراجهم، أعلن لشعب كوردستان العزيز، بأنني وبشكل مؤقت والى أن تباشر الدورة الرابعة لبرلمان كوردستان مهام عملها ويتوصلون وبسرعة إلى توافق، سأقوم بما يمليه علينا الواجب والأمانة من عمل، مطالبا منذ اللحظة رئاسة برلمان كوردستان للدورة المقبلة وعلى ضوء الرسالة التي بعثت بها في 12/6/2013  إلى رئاسة إقليم كوردستان في الدورة الحالية، أن تبدأ بعد انتخابات 21/9/2013 مباشرة وفي الاجتماعات الأولية لرئاسة البرلمان وبأسرع ما يمكن البحث عن آلية من أجل التوصل وخلال فترة أقل من سنة إلى التوافق على تعديل مشروع الدستور وآلية انتخاب رئيس الإقليم.
     وعند انتخاب رئيس جديد لإقليم كوردستان وتسليم الأمانة إلى الشخصية التي تحظى بثقة الشعب، سنكون انا والأخ كوسرت نائب رئيس الإقليم وديوان الرئاسة، كمؤسسة رئاسة إقليم كوردستان، على استعداد كامل للتعاون مع الرئاسة الجديدة لبرلمان كوردستان في هذا الشأن.
    علينا جميعا أن نقدم نموذجا راقيا للديمقراطية
     يجب أن لا يلازم أحد الكرسي 
     يجب أن لا يكون هناك رئيس أبدي

     وأنا مؤمن عندما يتخلى شخص ما عن موقع أو منصب، فعلى الشعب أن يسأل لماذا يتخلى عن المنصب، لكي لا يصل الأمر بالشعب إلى أن يسأل لماذا لا يرحل.
     يا شعب كوردستان العزيز، أطمئنكم بأنكم وحدكم فقط من يملك تقرير مصيركم ولا يوجد من يقدر على سلب هذا الحق منكم.
     تحيا كوردستان...
    المجد والخلود لشهداء كوردستان ...
    والتوفيق والرفعة لشعب كوردستان.

                                                               
                                                                            مسعود بارزاني
                                                                          رئيس إقليم كوردستان
                                                                               16 تموز 2013م


 

104
يوزرسيف ينتصر من جديد!

كفاح محمود كريم

     ما حصل في مصر يوم 30 حزيران وما تبعه من أحداث لم يكن وليدة فعل ورد فعل آنية، لمجرد الاختلاف مع الحاكم هنا وهناك، بل كانت نتيجة صراع طويل وعميق بين ثقافتين وإرادتين؛ الأولى مدنية تحترم الأديان على حد سواء وتفصلهم عن الدولة والسياسة بما يؤمن قدسيتهم وخصوصيتهم الفردية كعلاقة بين الفرد وما يعبد أو يعتقد وهي التي أنتجت مصر الحضارة والإنسان، والثانية دينية عقائدية تهدف إلى هيمنة حزب سياسي ديني على الدولة والسياسة والمجتمع بما يحولهما وجميع فعالياتهما إلى معبد ديني، ومن ثم تقهقر مشروع الدولة المدنية. 

     وإذا ما عدنا إلى التاريخ السحيق لهذه الأرض وهذا الإنسان الذي أرسى أولى حضارات الكون في أهراماته الاعجازية وتقاليده التي أصبحت قوانين وأعراف، نرى إن كهنة الفراعنة وهم رجال دين قبل أكثر من أربعة آلاف سنة حاولوا أن يجعلوا الدولة تحت سطوتهم وتوجيهاتهم، كونهم كما يدعون ممثلي السماء ووكلاء الرب على الأرض!؟ 

وطيلة فترة ليست بقصيرة هيمنوا بتلك العقلية على نشاط الدولة السياسي والاجتماعي فكادوا أن يحيلوه إلى مجتمع للعبيد، مجتمع إقصائي أحادي الاتجاه، استهلاكي يعتمد الخرافة والكهانة بدلا من التخطيط والعلم في قيادة الدولة، فما كان من شعب مصر رجالا ونساءً إلا أن رفض هذا النموذج في النظام السياسي والاجتماعي، فقادهم يوزر سيف ( النبي يوسف ) في انتفاضة عارمة للقضاء على حكم الكهنة وإنهاء استبدادهم وفصل الدولة والسياسة عن الدين الذي يمثل في قيمه الرفيعة خاصية العلاقة بين الرب والفرد، ووصاياه النبيلة في مجتمع طاهر وراقي دون أن تقحم تفاصيله في أدوات الحكم وتقاليده.
   
    لقد رفض المصريون قبل أكثر من أربعة آلاف سنة حكم الأحزاب الدينية السياسي وعملوا من أجل فصل الدين عن السياسة والدولة، وما يحصل اليوم هو امتداد لتلك الجذوة التي أشعلها يوزرسيف النبي الذي  لم يقحم دينه فيها، فكان بحق أول من فصل الدين والمعتقد الروحي عن السياسة والدولة، وأقام دولة اجتازت بتلك العقلية الجبارة محنة السنوات العجاف، التي ما تزال تعيش فيها معظم شعوب المنطقة التي تكلست في مفاصلها السياسية والاجتماعية ثقافة اولئك الكهنة الذين أرادوا لبلادهم شعبا من عبيد.

     اليوم تحاول ذات العقلية ركوب موجة صناديق الاقتراع للتسلق إلى السلطة وفرض هيمنتها في ربيع المنطقة، التي أقلت احباطات الأهالي وفقرها ومظلوميتها تلك الأحزاب الدينية التي خدرتها بشعارات وهلوسات لا تختلف عن تلك التي بشرت بها كل الأحزاب الإيديولوجية خلال النصف قرن الماضي وانتهت إلى الفشل الذريع الذي أطاح بها وبأنظمتها ودولها، وأحال بلدانها إلى خرائب كما في العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان واليمن ولاحقا في إيران ومن ماثلها في العقلية والسلوك.

     حقا بدأ يوزرسيف ينتصر من جديد ضد كهنة السياسة وتجار العبيد ومجتمعات الإقصاء والإغلاق والإحباط!؟

kmkinfo@gmail.com

105
المنبر الحر / حيا الله شعب مصر
« في: 21:29 12/07/2013  »
حيا الله شعب مصر

كفاح محمود كريم
 

     بعيدا عن الأجواء الانفعالية التي رافقت الأحداث الدراماتيكية لنهاية حكم الأحزاب الدينية في ارض مصر، فان ما حدث يؤكد عدم صلاحية بيئة هذه المنطقة لأي حكم حزبي ديني سياسي، إسلاميا كان أم مسيحيا، سنيا كان أم شيعيا، فقد أصبح جزء من التراث السياسي والاجتماعي القديم ولا يمكن مزاوجته مع معطيات العصر الحديث والياته وأعرافه، خاصة في المجتمعات السياسية والمدنية في بلدان يعتبر الغالب منها ذي تكوين متعدد الأعراق والأديان والمذاهب والقوميات بما لا يعطي أي فرصة لنجاح دولة الإمام ونظام الشريعة الا بالاستبداد والدكتاتورية!؟

      إن احد أهم عوامل فشل الإدارة السياسية لأي نظام ديني هو اعتماده للتشريع العقائدي الذي لم يتفق عليه لحد يومنا هذا، المذهبين الرئيسيين في الإسلام وهما السنة والشيعة وفي نظرتهما حتى لكثير من الثوابت العامة والتعامل مع مظاهر الحياة المعاصرة، هذا إلى جانب الاختلافات الحادة بين معظم الفقهاء والمراجع في المذاهب السنية الأربعة، وفي التقاطع الحاد بين كثير من المرجعيات الشيعية أيضا.

      وخلال سنة واحدة من حكم الإخوان في مصر كشفت الفاشية والدكتاتورية عن أنيابها من خلال سلوك واضح لدى الحزب أو الرئيس في الهيمنة على كل مقاليد الحكم سياسيا واجتماعيا ومصادرة أي محاولة للآخر بتكثيف التواجد الاخواني في كل مفاصل الإدارة والمال والحكم، بما يتقاطع مع مبدأ المشاركة واصل الديمقراطية وهذا ما دفع الأهالي بثورة عارمة والخروج بملايين النساء والرجال، وبالتوافق مع إرادة الجيش والشرطة التي أخذت على عاتقها تنظيم وإدارة عملية الإنهاء والإزالة،  ومن ثم الانتقال إلى إشغال الفراغ برموز مدنية لأول مرة في تاريخ الانقلابات العربية دونما بيانات وبلاغات وأناشيد حماسية، وبتوافق قل نظيره في عمليات التغيير، جمع تحت جناحيه معظم القوى الفاعلة سياسيا ودينيا واجتماعيا، مع ترحيب وارتياح واضحين من القوى الرئيسية إقليميا وعالميا، وخاصة المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية التي اعتبرت ما يحصل في مصر ليس انقلابا، مما أعطى إشارات  واضحة بارتياح الإدارة الأمريكية، خاصة وان الرأي العام الأمريكي والأوربي كان قد أصيب بالإحباط لنتائج الانتخابات التي أقلت جماعة الإخوان إلى دفة الحكم وما رافقها من عمليات تزوير كبيرة واستخدام خطير لوسيلة الدين وفتاويه مع الأغلبية البائسة والساذجة من الشعب، كما حصل في دورتين انتخابيتين هنا في العراق وعملية الاستخدام البشع للدين ورجاله للهيمنة على مفاصل الدولة وسلطاتها الثلاث.

      إن ما فعله شعب مصر العريق اثبت إن الشارع المصري الأكبر في المنطقة العربية والإسلامية يرفض أي مساس في بنيته المدنية والحضارية والاجتماعية لحساب حركة دينية سياسية تعتمد الايدولوجيا المفرطة في إدارة البلاد وتوجيهها بل وزراعة عناصرها في كل مفاصل الدولة والمجتمع، كما فعل البعثيون في تجربتهم الفاشية والفاشلة في صناعة الدولة القومية بمواصفات عنصرية طائفية كما عهدها العراقيون والسوريون على حد سواء.

    لقد أعطت ثورة شعب مصر العظيمة إشارة قوية لكل شعوب المنطقة في ضرورة الإسراع بتشريع قوانين تفصل الدين عن الدولة، بل وتحرم تأسيس أو تنظيم أي حركة أو جمعية أو حزب سياسي على خلفية إيديولوجية دينية أو مذهبية أو قومية عنصرية وخاصة في البلدان ذات المكونات العرقية والدينية والمذهبية المختلفة.
kmkinfo@gmail.com
 

106
كوردستان بين القيادة والرئاسة!

كفاح محمود كريم

     أعلن قبل عدة أيام قانون تم التصويت عليه في برلمان كوردستان بتمديد فترة ولاية الرئيس بارزاني إلى سنتين اخريتين بأغلبية الأصوات ومعارضة مشوشة من قبل مجموعات سياسية تقودها حركة منشقة من الاتحاد الوطني الكوردستاني أطلقت على نفسها اسم التغيير وقام احد أعضائها البارزين بهجوم على رئاسة البرلمان أثناء انعقاد الجلسة مستخدما العنف في تكسير شاشات التلفزة وقطع أسلاك ميكرفونات الصوت في القاعة في عملية استهجنها الرأي العام بشكل كبير.

     والحقيقة إن عملية التصويت مع جل الاحترام لمن وقف ورائها ومع التقدير العالي للنيات الحسنة لكنها لم تك موفقة في التعبير عن الرأي العام الغالب للأهالي، الذين يختلفون تماما مع ما ذهب إليه البرلمان، فنبض الشارع يذهب إلى الاستفتاء العام من قبل الجمهور سواء على الرئيس أو الدستور، خاصة وان المرحلة التي تمر بها البلاد تحتم على الجميع الرضوخ للإجماع العام للمواطنين في إقليم لم يبت فيه لحد الآن بدستور دائم يحدد الرئاسات ودوراتها وقوانين البلاد وتشريعاتها، فيحاول البعض رغم كل الاستحقاقات القانونية إعادته إلى البرلمان في سابقة لا مثيل لها في التجارب الديمقراطية، بعد أن تم تصديقه من قبل السلطة التشريعية والرئاسة ولم يبقى إلا دفعه إلى الأهالي ليقولوا كلمتهم فيه.

     وحتى يقول الشعب كلمته مباشرة عبر استفتاء عام، فالأهالي يريدون قائدا منتخبا من قبلهم إضافة إلى كونه رئيسا، لا لتمديد ربما يشوه نهجنا وديمقراطيتنا وأسلوب بنائنا للدولة، ولأجل ذلك لابد من الاستفتاء العام المباشر على الدستور وعلى الرئيس، في مرحلة تتطلب مؤسسات قوية ورجال حكم مجربين ومعروفين بتاريخهم النضالي العتيد، لا أن تتحكم بالبعض تحت مسميات المعارضة تارة وتارة أخرى اللعب على الحبال بأهواء الأنانية والمصالح الشخصية بعيدا عن مصالح البلاد والأهالي عموما.

     وكما يقال في علم الإدارة فانه يمكن للقائد أن يكون رئيسا ولكنه لا يمكن لكل رئيس أن يكون قائدا، ليس، ولأجل ذلك ليس من المستغرب أن ترى مساحات واسعة جدا من الأهالي في معظم أجزاء كوردستان بأن البارزاني قائدا قبل أن يكون رئيسا، ولذلك فقد آن الأوان لترشيح السيد مسعود بارزاني رئيسا لكوردستان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ كوردستان والعراق عموما، ليقول الشعب كلمته في قبوله أو رفضه فهو معيار المصداقية الوحيد. 

kmkinfo@gmail.com

107
المنبر الحر / معارضة أم معاداة؟
« في: 13:42 05/07/2013  »
معارضة أم معاداة؟

كفاح محمود كريم

    ربما مجلس العموم البريطاني والجمعية الوطنية الفرنسية والبرلمان الايطالي والعديد من مجالس تمثيل الأهالي في الديمقراطيات الغربية العريقة أعطتنا مفهوم يختلف تماما عما عرفناه من تعريفات للمعارضة وماهيتها وعلاقتها بالحاكمين أو بالرؤساء سواء كان نظامهم ملكيا أو جمهوريا، رئاسيا أم برلمانيا، تلك التي تشكلت لدينا هنا في بلدان الشرق الأوسط عموما على اثر قيام دول العشائر بعد اتفاقية الخبيثين سايكس وبيكو والتي وزعت قطع الأراضي على العشائر والقبائل دونما أي اهتمام برأي الشعوب ومكوناتها من الأعراق والأقوام والأديان فكانت بحق دول وأنظمة رثة متهرئة عبر تاريخها لم تنتج إلا التخلف والتطرف والتطاحن.

     وفي مرحلة من مراحل التطور الانقلابي انبثقت مجموعة من دول الجمهوريات التي جملت أشكالها بأطروحات وشعارات يسارية لتواكب مودة تلك الفترة وخاصة حقبة الخمسينات والستينات، ومنها ولدت الجمهوريات المسخ ذات السلوك الوراثي في الحكم والجمهوري في الشكل، فقد طرحت أشكالا وأنواعا من نظريات الحكم تشبه إلى حد ما ( طبيخ المكادي أي المتسولين ) وخاصة ما تفتقت عنه أفكار وأحلام الزعيمين القذافي وصدام حسين وكبيريهما في التنظير عبدالناصر وميشيل عفلق واستحداثهما لأجيال من الديمقراطيات العربية واللجان الشعبية وما إلى ذلك من فذلكات واختراعات تخديرية لا وجود لها إلا في مخيلاتهما في تبرير وتكريس دكتاتورية الفرد والحزب أساسها إبادة أي فكر أو رأي معارض، مما أنتجت بنفس القوة والحدة ( معارضة ) عدائية أساسها أيضا إسقاط النظام واستبداله ببديل يفترض أن يكون ( ديمقراطيا )؟

     ونعود اليوم إلى تجربتنا في العراق عموما وفي كوردستان خاصة حيث كان اختيار تداول السلطة ديمقراطيا هو الخيار الأول للقوى الفاعلة في الساحة السياسية والثورية في الأيام الأولى لانتصار الانتفاضة في آذار 1991م، وفي العراق بعد إسقاط النظام الدكتاتوري من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة واختيار الانتخابات وصناديق الاقتراع كوسيلة لتداول السلطة في البلاد تحت هيمنة مؤسسات دستورية في مقدمتها مجلس النواب والحكومة الاتحادية والسلطة القضائية، بافتراض اختلاف الآراء ووجهات النظر وعدم التفرد في السلطة واعتماد المشاركة الحقيقية والتوافق الوطني بما يحمي التجربة الحديثة ويدفعها إلى الأمام.

     رغم هذا التحول المهم في البنية السياسية والياتها وإجراء دورتين انتخابيتين للبرلمان والحكومة، إلا أن بقايا تلك العقلية العدائية ما تزال تتركز في سلوك كثير ممن يدعي انه يمثل معارضة للحكومة أو البرلمان أو رئيسيهما كما يحصل الآن في التعاطي من قبل أقلية سياسية قياسا بما أنتجته آخر دورة انتخابية، حيث تحاول فرض إراداتها على الأغلبية وهي ما تزال مسجونة في ثقافة معاداة النظام وإسقاطه، وربما أيضا تطلعها إلى السلطة باستخدام ذات الأساليب الانقلابية القديمة متناسية تراكمات من التغيير عبر أكثر من عقدين من التجربة.

     في كوردستان والعراق لا يمكن إسقاط نظام المؤسسات على طريقة ميدان التحرير في مصر أو غيرها من البلدان التي تتعرض للفوضى الخلاقة كما يسمونها، لأنها باختصار لم تكن وليدة انقلابات بل كانت نتيجة لاختيارات شعبية دستورية أتت بها شرعيتها الثورية التي امتدت لعشرات السنين في مقارعة النظم الدكتاتورية ومن ثم الشرعية الدستورية من خلال صناديق الاقتراع في انتخابات رضينا بها أم لم نرض َ كانت محط إعجاب المراقبين الدوليين والرأي العام عموما، وهي تمثل أرقى ما وصلنا إليه في هذه الحقبة من تاريخنا برغم وجود خلل هنا وهناك وتقصير لمسؤول أو مؤسسة، إلا انه ما تم تحقيقه خلال سنوات عديدة لم تحققه الدولة العراقية منذ تأسيسها وحتى سقوط نظامها السياسي في 2003م.

    إن المعارضة الحقيقة هي تلك التي تولد من رحم معاناة الشعوب وحاجاتها في الرأي الآخر الذي يبني ولا يهدم ويؤشر على نواقص أية حكومة أو برلمان أو قضاء، بأساليب مدنية متحضرة تحترم وتقف تحت مظلة مصالح البلاد العليا وما حققته الحكومة والبرلمان من انجازات خلال دورة حكمها بإخلاص ومثابرة، لا أن تشوه كل الحقائق من اجل أغراض وأهداف لا علاقة لها بالبلاد ولا بالأهالي بل بنوازع شخصية ومواقف أنانية أساسها الهم الشخصي والتراكم النفسي الموروث من المعاداة وليس من المعارضة الوطنية الحقيقية.
kmkinfo@gmail.com

 
 
 


108
المنبر الحر / من قتل حسن شحاته؟
« في: 18:36 29/06/2013  »
من قتل حسن شحاته؟

كفاح محمود كريم

    لطالما كانوا يتحدثون عما يجري في العراق ليس اليوم وإنما منذ مذبحة الحسين وحتى الأنفال والمقابر الجماعية، فيقولون إن ثقافتكم ثقافة دموية تتصف بالعنف والتقاتل، وكثيرا ما كنا نناقش الأخوة المصريين والسوريين واللبنانيين وغيرهم، بان ما يجري ليس حصريا بأهل العراق أو هي ثقافة خاصة بهم، وإنما مخزونات بدائية تكمن في تكوينات هذه المجتمعات بشكل عام ليس في العراق فقط بل في معظم المجتمعات المتخلفة حضاريا ومدنيا.

     ولسنوات طويلة اقتنع الكثير بان المجتمعات المصرية أو السورية أو غيرها مجتمعات مسالمة لا تقبل العنف بأشكاله البربرية التي رأيناها منذ سنوات سواء في ليبيا أو سوريا أو مصر اليوم، وان العراقيين فقط أطباعهم حادة واختلافهم شرس وتقاتلهم دموي ومأساوي، ونسينا تراث من الغزو يمتد لمئات السنين يبيح القتل والاغتصاب واستعباد الأطفال وبيعهم مع النساء في سوق النخاسة، وهذه الطباع ليست وليدة سنوات عديدة بل هي نتاج مئات السنين من التربية والتعليم وأدلجة المجتمع بعقلية العدو المفترض وإبادة الآخر ووجوب سيادة رأي واحد وشرع أوحد وعقيدة لا تقبل النقاش، وان قبلت فالآخر دونها وعبد أو ملحق لأتباعها؟

     وهنا علينا أن ندرك بأن الموضوع ليس موضوع السنة والشيعة أو المسلمين والمسيحيين أو اليهود والمسلمين، بل إن الكارثة أعمق بكثير من هذه التوصيفات وتكمن أساسا باولائك الذين يؤدلجون الرعاع والغوغاء من الطبقات السفلى في المجتمعات وهي الأغلبية للأسف الشديد في معظم مجتمعاتنا، وهم بالتأكيد الأكثر عوزا وفقرا وتخلفا وأحيانا كثيرة انحطاطا، وتبرز في كثير منهم أيام الانفلات وغياب القانون مظاهر الحقد الطبقي والحسد الاجتماعي فيخرج مارد تلك العقد السيكولوجية ليخرب كل شيء ويقتل كل حياة، ولقد رأيناهم هنا في العراق أبان سقوط النظام ورأيناهم في مصر وليبيا وكثير من البلدان التي انهارت أنظمتها أو توقف القانون ورجاله عن السيادة.

     ما حصل في غزوة مصر ضد رجل الشيعة حسن شحاته وقبلها ضد كنائس الأقباط وفتياتهم، وما يحصل في كثير من هذه البلدان يظهر حقيقة تلك النوازع الرهيبة التي تكمن في تفاصيل الشخصية التي ما أن انزاحت عنها كوابح القانون وسادت نواميس الأديان والمذاهب وثقافة البداوة والغزو والقبيلة، حتى ظهرت صيحات الله اكبر على عمليات الضرب حتى الموت أو السحل حتى تلاشي الجثة كما حصل قبل أكثر من نصف قرن هنا في العراق في مذابح 1959 و 1963واليوم في مصر الحضارة والفن والإبداع وبينهما في لبنان التسامح والتعايش في صبرا وشاتيلا، وفي حلبجة والأنفال وحماه وكل المدن السورية والليبية واليمنية والقادم اكبر وأكثر مأساة.

    من قتل حسن شحاتة وكل الذين ذكرتهم والذين تعرفونهم سنة كانوا أم شيعة، مسلمين كانوا أم مسيحيين ويهود، عربا كانوا أم كوردا أو تركمان وامازيغ وغيرهم من الأعراق والأقوام، هي تلك البنية الفكرية والقيمية والتربوية التي ما تزال تنتج الاستبداد والإلغاء حد الإبادة للمختلفين إيديولوجيا عن تلك البنية في المفاهيم العقائدية والقومية تخليد  للماضي العتيد وتاريخه، وستبقى هذه البنية وهذا السلوك وسيقتل ويسحل الآلاف  مثل حسن شحاته ومن ماثله في المذاهب الأخرى طالما بقيت دوائر الوعي مسجونة في أروقة التطرف الديني والمذهبي والعنصرية القومية والثقافة البدوية، وطالما بقيت تلك البنية الدينية والقومية والقبلية مدموجة مع مفهوم الحياة المدنية وبناء الدولة، وحتى نبدأ عصرا جديدا وثورة عارمة في الوعي الشعبي وتغييرات هائلة في بنية المجتمعات سيبقى الحال على ما هو عليه، وتسجل القضية في جريمة قتل حسن شحاته مع معرفة القاتل ضد مجهول!؟

kmkinfo@gmail.com

109
أسئلة مهمة عن تمثيل الأهالي؟

كفاح محمود كريم

     سنترك بداية تلك التمثيليات الديمقراطية التي كانت الأنظمة السابقة تمثلها على مسرح الدكتاتوريات الشرقية عموما، سواء هنا في العراق ومسرحنا الكبير منذ أكثر من خمسين عاما، على إيقاع ما كان يسمى بالمجلس الوطني تارة وانتخاب الرئيس الأوحد تارة أخرى، أو في كثير من دول الشرق الأوسط، ونراقب ما يحصل الآن ومنذ سنوات في البلدان التي ضربتها عواصف تسونامي التغيير الأهوج، بالاحتلال مباشرة كما حصل في كل من افغانستان والعراق أو بواسطة التحسس النائي كما في ليبيا وسوريا أو عن طريق وسائل الإعلام ذات الفولتية العالية جدا كما في تونس ومصر واليمن، ونرحل إلى ما كان يحلم به ويعمل من أجله ملايين من خيرة أبناء وبنات هذه المنطقة من كل الشرائح والطبقات، ألا وهو إقامة نظام سياسي متوازن يعتمد التداول السلمي للسلطة على أساس دستور عصري وحضاري يليق بإنسان الألفية الثالثة، يمنع التفرد بالسلطة والقرار، ويشيع حضارة حقوق الإنسان وقبول الآخر، ويتيح حرية الاختيار دونما أي شكل من أشكال الاحتواء أو الاستغلال الديني أو المذهبي أو العرقي.

     والسؤال الأكثر إيلاما بعد ما حصل خلال هذا العقد ( 2003 – 2013 ) هو:
 
     هل إن مجرد تغيير الهياكل الإدارية للأنظمة السياسية ستتيح فرصة للانتقال إلى نظام اجتماعي وسياسي كما كنا نطمح إليه؟

     ما يحدث الآن بعد سقوط تلك الأنظمة ورغم استخدام آليات التداول السلمي للسلطة إلا إن العملية برمتها تتعرض لكوابح لا تختلف عن تلك التي كانت تستخدم من قبل الأنظمة الشمولية في السيطرة والقيادة للرأي والتمثيل الشعبي أيام مجالس الشعب وبرلمانات تلك الأنظمة الاستبدادية، وهذه الكوابح ربما أكثر خطورة وإلغاء للرأي الشخصي الحر وحرية التعبير وتشويههما، حيث تتكثف حول الأعمدة العقائدية الدينية أو المذهبية ( الفتاوى ) وفي أوجه أخرى عرقية عنصرية تهبط أكثر إلى الانتماء العشائري، ومن ثم إلغاء أي نوع من أنواع السلوك المدني الجمعي الذي يبلور مفهوما للمواطنة التي يفترض أن تكون معيارا للتمثيل الشعبي في مجتمعات متعددة التكوينات العرقية والدينية والمذهبية، هذا إضافة إلى نسبة الأمية المتصاعدة بشكل مخيف والإحباط الكبير الذي أنتجته عملية سقوط تلك الأنظمة من تدمير للبلدان وخاصة للأمن والسلم الاجتماعيين في مجتمعات بدوية وقروية ما تزال مشوشة الانتماء إلى موروثاتها وما تكلس في سلوكياتها عبر حقب زمنية ليست قصيرة وبين معطيات جديدة وفرتها عملية اختراق حاجز الخوف من أمير المؤمنين أو جلالة الملك المفدى أو القائد الضرورة!؟   

     وإزاء ذلك كله يبقى السؤال الأكثر إلحاحا هل إننا أصبحنا بمستوى ممارسة الديمقراطية؟ وهل هي فعلا علاج أمراضنا المزمنة والمتكلسة أم علينا أن نبحث عن علاجات أخرى نداوي بها جراحاتنا قبل ولوج عالم صناديق الاقتراع ومن يمثل الأهالي وأي أهالي نمثلهم!؟

     وحتى ذلك الحين سيبقى رجال الدين والمذاهب وشيوخ العشائر وأغواتها يحركون بوصلة تمثيل الأهالي في العشير والمذهب والدين وهم الغالبون!؟ 

kmkinfo@gmail.com



110
المنبر الحر / احذروا هذه المرة؟
« في: 17:04 20/06/2013  »
احذروا هذه المرة؟

كفاح محمود كريم

     بعد عقود مقيتة من النظم الشمولية التي حكمت كثير من بلدان العالم وتحديدا في الشرق الأوسط، بأساليب يندى لها جبين البشرية والحضارة الإنسانية، وأوقعت شعوبها في أتون حروب أهلية وخارجية، لا غرض لها أو هدف إلا تدعيم عروشها بمزيد من جماجم وعظام الضحايا، ولعل بلادنا ومن جاورنا خير مثال على تلك الحروب البشعة التي ما تزال قائمة كما نراها اليوم في الكثير من الدول وخاصة جيرانتنا سوريا الجريحة التي  تتنافس فيها أجنحة شتى على ذبح هذا الشعب، كما فعل قرينهم في بغداد وما يزال في عواصم الجمهوريات الوراثية والملكيات البلهاء.

      قلت بعد كل هذه الكوارث المصطنعة بدأت تلك الأنظمة تتهاوى وتتساقط مع أول عواصف تسونامي التغيير التي بدأت من هنا في العراق،  اذبان غزو الكويت وتقهقر النظام وانزوائه في ملاذات آمنة وفرتها له المصالح العالمية لعدة سنوات، ما لبثت أن عادت ذات تلك المصالح لتقرر هذه المرة إنهائه تماما، ولتبدأ بعده عمليات اختراق حاجز الخوف بعد أن تبين إن تلك الأنظمة حقا نمور من ورق تحولت إلى فئران في أول مواجهة حقيقية مع الشعوب.

     ولكي لا نغوص كثيرا في مجريات ما حدث، فإننا توجهنا جميعا إلى تجربة بديلة لتلك التي أفقدتنا ألوان الحياة ونكهتها الحقيقية، فاخترنا الديمقراطية بديلا لإحقاق الحق وإيصال محبوب الأهالي إلى السلطة، لكننا نسينا في معمعة سقوط أصنام السلطات المستبدة وانعتاقنا من قيودها، إن مجتمعاتنا ما تزال لا تنتمي إلى وطن أو شعب بل إلى عشيرة والى قرية والى مذهب والى شيخ أو أغا، ولقد كانت فعلا هذه الانتماءات هي  الأدوات التي تم استخدامها لوصول الوجبات الأولى من المرشحين إلى المجالس التمثيلية في المحافظات والمركز، وللأسف كانت النتائج مطابقة للمثل الشعبي الدارج ( عاب شي لا يشبه أهله )، وهكذا كانت جوقات أعضاء مجالس الاقضية والمحافظات ومجلس النواب في الدورتين السابقتين، خير من يمثل قباحة وجمال مجتمعاتنا وخاصة في الأمية الحضارية والعقلية العشائرية والانتماء المناطقي ومواصفات الحيلة والغش والكذب والنفاق والفساد والإفساد، بدءً من عمولات التعيينات  وقوموسيونات المشاريع، وصعودا إلى عشرات المليارات في مشاريع وهمية أو فاسدة في الكهرباء والنفط والتجارة والتعليم والصحة والمالية  والتسليح وصفقات تجهيز الجيش والشرطة بالغذاء، حتى ليظن المرء إن معظم المجالس التمثيلية والحكومية أصبحت نقابات واتحادات للحرامية والمرتزقة والنشالين.

     واليوم يخوض العراق ثانية أو ثالثة عملية إيصال محبوبي الأهالي وممثليهم إلى مجالس المحافظات وبعد أشهر ليست طويلة إلى مجلس النواب الاتحادي وقبله إلى برلمان إقليم كوردستان، وما حصل خارج إقليم كوردستان ومحافظتي نينوى والانبار، ربما اختلف قليلا عما أنتجه المشهد قبل عدة أعوام رغم إن تأثيره ما يزال نسبيا، إذ هيمنت عليه ثانية شبكات المال وما وراء الكواليس من القوى المتنفذة عشائريا ومذهبيا والمتكورة على شكل أحزاب أو كتل أو حركات.

     وما تزال هناك فرصة ذهبية أمام الأهالي في اكبر محافظات العراق سكانا ومساحة وهما محافظتي نينوى والانبار لتوخي الدقة في اختيار من يمثل القيم العليا قبل تلك القيم التي جربوها منذ 2005م وأعطت هذا الطوفان من الفساد والتقهقر والظلم والانزواء الذي قزم المحافظتين العملاقتين حتى كانت أكثر توصيفاتها المتداولة بأنها مخزية حكومة ومجلسا!؟

     فهل يا ترى سيكون الناخب هذه المرة أكثر وعيا أم خزيا مما كان  عليه قبل سنوات، لكي لا يكون ممثل الشعب لصا وسمسارا ونكرة وقومسيونجيا؟

kmkinfo@gmail.com 

111
المال لا يصنع الشرف؟

كفاح محمود كريم
 
     كلمة قالها الزعيم الكوردستاني مصطفى البارزاني قائد ثورة كوردستان المعاصرة في خضم تجلياته السامية وهو يصف الحياة وقيمها العليا بعيدا عن المال والمقتنيات غير القيمية، مخاطبا رجال أركانه وقيادات حركته إبان الثورة بأن من يريد أن يصنع شرفا كبيرا له لا يفكر بأن المال وكثرته سينسج له تلك القيمة العليا أو سمعة راقية لدى الأهالي، بل إن العمل الدءوب في خدمتهم وخدمة الأهداف السامية للحركة في التحرر والانعتاق.

     المال لا يصنع الشرف كلمات اختصرت في معانيها الكثير الكثير مما شاهدناه وشهدناه في حياتنا، فلقد أدركنا أناس كثيرون حصلوا على أموال طائلة لكنهم لم يضيفوا إلى رصيدهم الاجتماعي إلا تقهقرا يجعلهم بأموالهم المتراكمة موضع ازدراء وانتقاص، ولعلنا نتذكر أو نعرف أشخاصا في بيئة كل واحد منا وكم أضافت له أمواله سمعة أو شرفا، بينما هناك أناس آخرون لا يملكون من المال إلا الشحيح صنعوا بتاريخهم وعلمهم ونضالهم وطهارة أرواحهم ونفوسهم وأياديهم شرفا ما بعده شرف، لا تطاله الملايين والمليارات من الأموال، وكم من شخص أو مجموعة ملكوا من الأموال ما يؤهلهم لصناعة وبناء كبريات المصانع والمباني لكنهم عجزوا عن الاستحواذ أو الحصول على قدر بسيط من الاحترام الاجتماعي أو الوزن الأخلاقي.

    صحيح في غفلة من الزمن وحالات من الفقر والعوز والحاجة وفي أجواء الفساد المالي والإداري يستغل بعض أولئك المصابين بشرف المال المتهرئ كي يلعبوا دورا معينا أو يظهروا أنفسهم كقوى مؤثرة في سياقات المجتمع، إلا إن الحقيقة غير ذلك تماما وسرعان ما يختفون من الساحة حينما تظهر تلك القوى التي تحدث عنا مصطفى البارزاني وهي القوى الوحيدة القادرة على صناعة الشرف الرفيع بنزاهتها وحرصها وإخلاصها للمصالح العليا للأهالي والبلاد.

     بهذه الأخلاقيات نجح البارزاني مصطفى في إرساء قواعد وتقاليد للعمل الوطني والإنساني بعيدا عن ملوثات الطبيعة البشرية النقية، ومنذ السنوات الأولى للثورة الكوردية التي انطلقت في ايلول 1961م كان يعمل من أجل وضع أسس أخلاقية في التعامل بين الثورة والأهالي وبين الثوار فيما بينهم أو مع سكان القرى والبلدات التي يحررها الثوار، وحتى مع مجاميع الأسرى من الجنود والضباط الذين كانوا يستسلمون أو يقعون في الأسر، فقد كان يوصي بهم دائما ويؤكد بأنهم مغلوبين على أمرهم وليسوا أعداء ويطلب من بيشمركته الاعتناء بهم واحترامهم حتى يعودوا إلى ذويهم.

     بهذه الأخلاقيات وهذا النهج نجحت القوى الفاعلة في كوردستان رغم كل التحديات وملفات الفساد هنا وهناك في صنع الشرف القيمي الرفيع خارج مفاهيمه المتعارفة شرقيا، فكانت كوردستان المحروقة بالكامل نهاية ثمانينات القرن الماضي تنهض خلال عقدين من الزمان مختصرة حقب من التردي والإلغاء لكي تكون بهذا الشكل الذي يفتخر به كل العراقيين، بحيث أصبحت جزيرة للأمن والسلام والازدهار والنهوض في بحر متلاطم من الإرهاب والتخلف.

     حقا إن مليارات من الأموال لا تصنع شرفا أيها الحكيم البارزاني الخالد!
kmkinfo@gmail.com
 
 

112
الرأي العام وجمهور أراب آيدل؟

كفاح محمود كريم

     من الصعب إجراء أي مقارنة بين الرأي العام الأوربي أو الأمريكي أو الياباني والرأي العام في عالمنا الشرق أوسطي ومن شابهه في التكوين والظروف لوجود مساحات شاسعة من صحاري الوعي أو السلاسل الجبلية من الممنوعات المتوارثة لكثير من محاولات التعبير الحر عن الرأي في أي موضوع من مواضيع الحياة، فطبيعة تكوين أغلبية هذه المجتمعات تكثف مكوناتها البشرية والفكرية والانتمائية حول عمود الخيمة بصرف النظر عن درجة ونوعية العمود سواء كان شيخا أو أغا أو حتى مختار محلة أو قرية ومن ثم المعلم والمدرس وإمام الجامع الذي يمنح نفسه صلاحيات تقترب أحيانا من صلاحيات خالقه أو رسوله، مرورا بالشرطي المتعملق وقبله فراش المدير العام الذي يتقمص شخصية مديره وولي نعمته الخاصة، وهكذا دواليك صعودا بمراتب الوظائف العامة اجتماعيا وإداريا، وحينما نقترب من السياسيا تكون السلطنة على أعلى مراحلها والنرجسية في غاية نضوجها لدى الرئيس العظيم والملك المفدى.

     في أجواء مثل هذه كيف لنا الاعتماد على الرأي العام المدجن تماما، ليس اليوم بل عبر مئات السنين من حكم من يحلل ويحرم حسب أهوائه وتفسيراته سواء للنصوص المقدسة أو الدساتير الوضعية حتى يضع نفسه وكيلا عن الخالق أو النبي أو الشعب، ورب قائل يقول ما حدث في الربيع العربي كسر تلك القواعد واخرج المارد من قمقمه لكي يعبر عن رأيه بحرية تامة أتاحت للجزء التخريبي في تكوينه بالانتعاش ليقتل ويسرق وينهب ويحرق في ثورة عارمة اختلطت فيها الألوان والإشكال والأفكار والأجناس ومشاهد ربيع ليبيا الدموي ومذابح سوريا والعراق وما تخبؤه الأيام لمصر الناعمة وتونس الخضراء تؤكد أن المشهد في اخطر مراحل تكوينه، خاصة إذا ما أدركنا إن ذات القوى المحركة لذلك الربيع بدأت تتكثف ثانية حول عمود واحد لا يسمح لغيره بأي شكل من الإشكال من رفع الخيمة التي يتمتع تحت افيائها الشعب العظيم!؟

     نتذكر جميعا عشية سقوط نظام بغداد ورئيسه القائد الضرورة وآلاف الأهالي يرفعونه على أكتافهم ليحيي الجماهير التي أعلنت أنها ستفديه بأرواحها وما تمتلك، وربما لم تمض أشهر على تلك الجموع الهائلة من البشر وهي تستقبله وتستقبل أمثاله أيضا بالمقارنة في صنعاء والقاهرة ودمشق وطرابلس الغرب وتونس وما ماثلهم وهم كثير في كل الأصقاع، حتى هبت وبحماسة اشد وأكثر عصابية لتستقبل آخرين قدموا على أكتاف الغلابة أو خلف دبابات وطائرات من تحملوا مسؤولية إسقاط تلك الأنظمة لعجز شعوبها على التغيير!؟

     هذه الآلاف المؤلفة من الأهالي تضم كل شرائح المجتمع دونما استثناء مع وجود كثافة هنا وضمور هناك، لكنها تمثل بالتأكيد ما نراه اليوم في مدارج مسرح أراب آيدل، الذي يشجع كل من يصعد على المسرح ويصفق له كما لو كان حسني مبارك أو محمد مرسي أو صدام حسين أو نوري المالكي، أو حتى الزعيم المخضرم كاسترو أو وحيد فنزويلا الذي لولا السرطان لحكم تلك البلاد ربما لقرن آخر من الزمان!

     جمهور أراب آيدل يجيد التصفيق بحرارة، وتثير العواطف والانفعالات صراخاته وعويله، وهو صورة طبق الأصل لجماهيرنا المناضلة من المحيط إلى الخليج مرددا ما لذ وطاب من الشعارات وفي مقدمتها بالروح بالدم نفديك يا ( وضع من تشاء بين القوسين إن كنت جالسا بدل الفنانة الخطيبة القائدة أحلام )؟
kmkinfo@gmail.com

   

113
البارزاني يقرر استفتاء الشعب على الدستور 

كفاح محمود كريم


    منذ سنوات سبع والحكماء الكورد يكتبون دستور كوردستانهم بعد أن قرأوا أكثر من أربعين دستورا لدول الديمقراطيات العريقة في العالم، وخصصوا لذلك كبار فقهاء القانون وكتابة الدستور من الكوردستانيين والأجانب في لجنة لصياغته حيث نجحت في إعداد مسودة مشروعها ورفعه إلى البرلمان الذي أيده بأغلبية 96 عضوا من مجموع 110أعضاء ممن يمثلون هذا الكيان الجميل واعتراض عضو واحد وغياب وتحفظ ما تبقى من الأعضاء وعددهم 13 عضوا، لكي يحيلوا مشروع دستورهم إلى الرئاسة التي حاولت كثيراً طرح مشروع الدستور على الاستفتاء في انتخابات يوم 25/7/2009 إلا أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لم تتمكن من إجراء ذلك، كما أن أوضاع العراق كانت معقدة جداً وكان الشعب ومؤسساته في الرئاسة والحكومة والبرلمان جميعاً ينتظرون حسم مصير المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم لإتاحة الفرص لها أيضاً للمشاركة في الاستفتاء.

     وهكذا تأخر الاستفتاء على المشروع الذي أبقى الإقليم بدون قانون أساسي يعتمد عليه مما يوقع المؤسسات وسلطاتها الثلاث في إشكاليات كثيرة لعل في مقدمتها موضوع شكل النظام في الإقليم ودورات الحكم للبرلمان والحكومة والرئاسة، ومن أجل ذلك قرر الرئيس بارزاني رئيس كوردستان الطلب من المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن تجري استفتاءً على الدستور، دون إعادته ثانية إلى البرلمان وفي ذلك يقول الرئيس بارزاني:

    ( أن مشروع دستور إقليم كوردستان قد قطع جميع الصيغ والطرق القانونية حيث أرسل في ختام المطاف من برلمان كوردستان العراق إلى رئاسة الإقليم كما أن القانون لم يمنح رئيس الإقليم صلاحية رد المشروع أو قبوله بل هو مجرد أسلوب قانوني لتحديد يوم معين لطرحه على الرأي العام وللشعب وحده الحق في قبوله أو رفضه، والمطلوب ابتعاد الدستور عن المصالح الحزبية الضيقة وأدعو الشعب وجميع الأحزاب للتفكير في مستقبل الوطن والشعب وأخذ هذه المسألة على محمل الجد فهو المالك الشرعي الوحيد للدستور. )

     لقد تجاوز الرئيس بارزاني تلك المهاترات والمزايدات التي حاولت تعطيل مشروع الدستور منذ سنوات بحجة إعادته إلى البرلمان في سابقة لا مثيل لها قانونيا ولا دستوريا، محاولة إلغاء دور الشعب في إعطاء رأيه بقانونه الأساسي ومرجعه الدستوري، ولأجل ذلك فقد وجه رسالة إلى المفوضية العليا وطالبها بتحديد موعد الانتخابات والاستعداد لها، وقد حددت المفوضية يوم 21 أيلول القادم لإجراء الانتخابات والاستفتاء وحينها سيكون من حق شعب كوردستان وحده حسم كل المسائل.

kmkinfo@gmail.com

114
التعداد العام وصراع الحجوم

كفاح محمود كريم

     منذ أن أجرت الحكومة الملكية تعدادها الأخير في عام 1957م لم يجر تعدادا عاما للسكان يقنع كافة مكونات الشعب العراقي بنتائجه، فقد استخدمت كل الأنظمة التي حكمت هذه البلاد سطوتها وسلطاتها من اجل تشويه الحقائق عن حجم مكونات هذه الدولة العرقية والقومية والدينية والمذهبية، وتعرضت المجتمعات العراقية نتيجة تلك السياسة إلى أبشع أساليب الاستلاب وإلغاء الهوية وخاصة القومية كما حصل للكورد والتركمان والآشوريين والكلدان، في عمليات التعريب وما أطلق عليه بقانون تصحيح القومية المثير للسخرية، والذي اغصب مئات الآلاف من الأهالي على تغيير قوميتهم إلى العربية، بل وصلت الجريمة إلى التغيير الديموغرافي الحاد الذي تسبب بترحيل آلاف مؤلفة من السكان  الكورد وتشتيتهم في مناطق عربية أو بعيدة عن مواطنهم مقابل استقدام آخرين من القومية العربية إلى تلك المدن والبلدات التي شملتها عمليات التعريب مثل كركوك وسنجار والشيخان وخانقين ومخمور وسميل وسهل نينوى وبلدات أخرى في ديالى وصلاح الدين، إضافة إلى تمزيق خرائط المحافظات ورسمها من جديد على أسس عرقية أو مذهبية كما حصل في محافظات كركوك وصلاح الدين والنجف والرمادي وكربلاء وبابل.

     لقد أدت هذه العمليات إلى إشكاليات اجتماعية معقدة والى تشويهات يدفع العراقيون جميعا دون استثناء ثمنها، سواء الذين رحلوا أو الذين استقدموا للسكن بدلا عنهم، وما يجري اليوم انعكاس لتلك التداعيات التي سببتها عمليات التشويه والإلغاء لحقائق حجوم مكونات المجتمعات العراقية من كل النواحي الدينية والمذهبية والقومية والعرقية، بما يعطي صورة واقعية عن شكل تكوين هذه البلاد والمشتركين في العيش على أديمها.

     ومع سقوط النظام السياسي الشمولي الذي حكم البلاد حقبة طويلة ذهب الناس إلى تأملات البديل الذي سيعمل على معالجة كل تلك الجروح المتقرحة في نسيج المجتمعات العراقية والمزاج العام للأهالي سواء هنا في كوردستان أو في بقية أقاليم ومحافظات البلاد، وقد وضع عدة خرائط طريق لحل بعض تلك الإشكاليات وكان في مقدمتها المادة 58 من قانون إدارة الدولة ومن بعده المادة 140 من الدستور العراقي الدائم، وفي كلتا المادتين آلية لو تم تنفيذها بمهنية ومواطنة عالية لنجح العراقيون في حل أهم المعضلات التي ورثوها من الأنظمة السابقة.

     إلا أن ما حصل وما يزال يحصل رغم كل التأكيدات على الحل هي التسويف والمماطلة في كسب الوقت ومضاعفة ملفات الفساد المالي وإبقاء البلاد تحت طائلة الصراع بين الادعاءات في حجوم المكونات وحقيقة وجودها، لغرض فرض مزيد من الهيمنة لطرف على طرف آخر بحجة الادعاء بالأغلبية سواء على مستوى البلاد أو في المحافظات بعيدا عن إجراء تعداد عام للسكان يظهر فيه بجلاء حجم كل المكونات العراقية القومية والعرقية والدينية والمذهبية.

     إن إجراء تعداد عام للسكان في البلاد أمسى اليوم حاجة ملحة وأساسية من اجل الوصول إلى حلول واقعية لكثير من الإشكاليات وخاصة تلك التي تتعلق بالمناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز، وبين المحافظات فيما بينها، إضافة إلى كشف حقائق حجوم المكونات الدينية والمذهبية والعرقية التي يتكون منها الفسيفساء العراقي، ووضع نسب واقعية وحقيقية للموازنات المالية حسب الكثافة السكانية لكي لا نقع سنويا في معضلة مناقشات سياسية غير علمية بحصص الأقاليم والمحافظات من موازنة البلاد السنوية.

kmkinfo@gmail.com

115
المنبر الحر / عراق السبع صنايع!؟
« في: 19:34 29/04/2013  »
عراق السبع صنايع!؟

كفاح محمود كريم

     أثارت المقابلة الصحفية أو التحقيقية التي أجراها الناطق الرسمي باسم الحكومة الاتحادية في بغداد كثير من الأسئلة، وزخم عال من التهكم وربما الاستنكار ايضا، وفي مقدمة تلك الأسئلة عن ماهية الوظيفة التي كان يؤديها السيد الدباغ المحترم، والسؤال الأكثر إيلاما هو هل بيعت تلك المقابلة لقناة العربية من رجل مهم يفترض أن يكون من رجالات الدولة والناطقين باسمها، وفي هذه الحالة ما هي التكييفات القانونية أو الأخلاقية لتلك العملية، أسئلة كثيرة فيها البريء وفيها الكثير أيضا لا يخلو من خباثة أو ربما من حسد رغما إننا نتمنى فعلا أن تكون هناك عود في عين الحسود من حكومتنا الرشيدة متعددة المواهب والصنائع!؟

     والحقيقة منذ قيام نظامنا الديمقراطي الجديد في ظل صناديق الاقتراع التي ترقص على سطحها الدافئ ثقافة الانتماء العشائري والمذهبي والقروي، بانت ظواهر غريبة عجيبة في مقدتها متعددي المواهب والمهن والرواتب والمخصصات والنثريات وما خفي كان بالشدات أو الدفاتر كما يقولون، وهم يحملون عدة صفات وظيفية أو مناصب سواء بالوكالة أو بشكل مباشر، حيث تميزت حكومتنا الرشيدة جدا بكونها أكثر حكومات العالم التي تدير البلاد بالوكالات،  ابتداءً من دولة رئيس مجلس الوزراء الذي يدير وزارات الداخلية والدفاع والأمن الوطني والقيادة العامة للقوات المسلحة ويطمح أيضا من باب الميانة الإشراف على الهيئات المستقلة خارج حكومته لتوسيع مجاله الحيوي، ولكي لا نفرط في الوصف والتوصيف وننصف متعددي المواهب والقدرات الخلاقة جدا فان  عدم التوافق والتحاصص والامتناع عن ترشيح أشخاص بمواصفات وقياسات حسب معايير جهاز السيطرة والتقييس السياسي التابع للكتلة الحاكمة، ربما شجع على عملية تكاثر وانشطار المناصب التي تدار بالوكالة وظهور الكوادر متعددي الوظائف والمواهب كما رأينا في الحوار المتألق للسيد الدباغ مع وزير خارجية صدام حسين الذي قال نقلا عن رئيسه انه لو كان أبو زياد مسلما لجعلناه رئيسا للوزراء؟

     والعجيب ان السيد طارق عزيز رغم سطحيته المعهودة لم يرغب ان يكون متعدد المواهب، فيكون مسلما ومسيحيا في ذات الوقت لكي يكون رئيسا للوزراء وعضوا في مجلس قيادة الثورة الذي لا يعرف عنه أي شيء وعضو قيادة قطرية ومواهب كثيرة معروفه عنه، رغم انه قال كلام فيه أكثر من سؤال حينما أعلن انه قريب من الإسلام لكنه بقى مسيحيا!؟

     ربما كان الرجل ينافق حملة رئيسه الإيمانية، لكنه أيضا كان لا يريد أن يقلد أبو محمد ( ميشيل عفلق ) الذي اعتنق الإسلام على ذمة قيادة بعث العراق حينذاك؟ 

     على كل حال أظهرت مقابلة الناطق الرسمي للحكومة الاتحادية الصحفية ( إضافة إلى وظيفته كما يقول القضاء ) مع السيد وزير خارجية صدام حسين، مواهب متفردة لدى طاقم حكومتنا أكدت إن عراقنا حقا أبو السبع صنايع وأتمنى أن لا يكون البخت أو الحظ ضائعا!؟

kmkinfo@gmail.com
 
 
   

116
التقييس والسيطرة النوعية سياسيا؟

كفاح محمود كريم

     في كثير من بلدان العالم الحريصة على صحة شعوبها ونوعية المواد الداخلة إلى أسواقها أو معاملها أو مزارعها أو حتى جامعاتها، أجهزة مسؤولة عن السماح لدخول تلك المواد بعد فحصها بمختبرات واليات ومعايير تقيس نوعيتها وجودتها وصلاحيتها يطلق عليها أجهزة أو دوائر التقييس والسيطرة النوعية، تكون مسئولة أمام الدولة بأجهزتها وسلطاتها الثلاث عما يدخل إلى البلاد من كافة أنواع المستوردات، إضافة إلى مسؤوليتها عن تقييم وتقييس نوعية ما ينتج داخل البلاد وصلاحيته للتداول أو الاستهلاك أو الاستخدام.

     ويبدو والله اعلم إن هذه الأجهزة قد تم اجتثاثها بعد سقوط النظام في نيسان 2003م على اعتبار إن كل ما سيدخل إلى البلاد بعد رفع الحصار سيكون درجة أولى، وسيتمتع رجال الأعمال والصناعيين  العراقيين بحرية لا مثيل لها في الإنتاج بما لا يحتاج إلى أي أجهزة لتقييم إنتاجهم، فغرقت الأسواق بما لذ وطاب من كل ( بالات أو لنكات العالم ) من مواد غذائية وزراعية وملابس سيارات واشك إلى حد كبير بنوعيات سياسية أيضا وهنا مربط الفرس كما يقولون.

    أردت بهذه المقدمة أن أدخل إلى مراكز التقييم والسيطرة البشرية التي كانت وما تزال تتكثف في أنظمة الحزب الواحد وتقوم مقام التزكية والتأهيل البشري ومراقبة الكوادر العاملة في المؤسسات الإدارية والتشريعية والقضائية، وكلنا يتذكر بأنه ما من شرطي أو فراش يتم تعيينه ما لم يوافق عليه الحزب الحاكم، وهكذا صعودا في مفاصل الدولة حتى الوصول إلى المستويات العليا في المناصب.

     ما حصل في معظم البلدان التي تخلصت من أنظمتها الدكتاتورية واختارت الأسلوب الديمقراطي في تداول السلطة والوصول إليها، انها أصبحت تعج بالعديد من تلك المراكز التي تدفع مرشحيها إلى مراكز السلطة والإدارة والتشريع بعد تزكيتهم وتقييمهم من ذات الزاوية التي كانت تستخدمها النظم الشمولية وأحزابها دونما الالتفات إلى معايير تتعلق بالمواطنة التي ترتقي على الانتماءات الحزبية أو العرقية أو الدينية والمذهبية، مما تسبب في إنتاج مشهد سياسي وإداري وتشريعي مشوه ومعاق، وهذا ما شهدناه خلال ثمان سنوات من قيام النظام السياسي الجديد في العراق حيث خضعت عملية التقييس والسيطرة والتزكية والترشيح لغالبية الذين شغلوا مواقع إدارية أو تشريعية أو قضائية في السلطات الثلاث لذات النهج الذي استخدمه النظام السابق، ولم تنجح المؤسسات العراقية والفعاليات السياسية لحد يومنا هذا من الوصول الى ثوابت وأسس متفق عليها للتقييس والتقييم المواطني للفرد الذي سيشغل أي موقع من المواقع العامة تكون مشتركات أساسية إضافة إلى التزكيات الحزبية والعشائرية والمذهبية أو الدينية في بلاد متعددة الولاءات ومختلفة الأعراق والأديان والأقوام؟ 

kmkinfo@gmail.com

117
كوردستان تتألق في "أراب آيدل"


كفاح محمود كريم

    رغم كل سنوات الجدب التي مرت بكوردستان الجمال والحياة والإصرار على التميز والتألق، إلا أنها بمجرد أن حققت ذاتها بعد انتصار انتفاضتها في ربيع 1991م، بدأت تألقها واختياراتها المدنية في التطور، رغم تحديات كبيرة واجهتها وأدت إلى إشعال حرب داخلية كادت لولا العقلاء والحكماء من شعبها أن تحرق الاخضر واليابس، لكي تنطلق وهجا يديم شعلة كاوه التي أضاءت سبيل الحرية أمام الملايين، وما تزال تضيء دروب التقدم والبناء في كوردستان اليوم التي غدت نموذجا للبناء والأعمار والتقدم والإخلاص.

     ليلة أمس شاهد عشرات الملايين من المشاهدين في الشرق الأوسط، واحد من أشهر برامج التلفزيون على إحدى قنوات شبكة MBC الشهيرة وهو برنامج ( عرب آيدل ) للسباقات الفنية، الذي تألقت فيه الفتاة الكوردستانية برواز حسين في أجمل فقرات  البرنامج، وتميز هذه الموهوبة من جيل الانتفاضة التي عاشت أنسام الحرية والإصرار على تحقيق الذات الذي كان واضحا في أدائها المغمس بالتفرد والإحساس العالي المعبق بالتواضع والحياء والإبداع القادم من بلد الجبال والجمال، يعكس هذا الإصرار على الانطلاق إلى آفاق التقدم والنجاح رغم أنها لم تكن تجيد لغة البرنامج العربية إلا أنها نجحت في توليف لحن عربي ونص كوردي، لتكون فعلا مدرسة إحساس كما وصفتها الفنانة الخليجية أحلام، وهي تعبر عن أدق مشاعرها في الحان عربية وكلام كوردي يصنع نسيجا رائعا للتلاحم الإبداعي عربيا وكورديا، بما يخلق مشهدا متميزا من الأداء الفني لشابة لا تجيد العربية لكنها تجيد الصدق في الإحساس واللحن وصناعة الجمال والإبداع بلغة إنسانية هي الأرقى والأجمل، تلك هي لغة الفن في أشكالها الرائعة لحنا وموسيقى.

    برواز حسين زوجة شاب كوردي من اربيل وفنان متعدد المواهب، عرفته مصورا تلفزيونيا كان يقف وراء الكاميرا التي تصورني حينما كنت أقدم برنامجا حواريا في فضائية كوردستان، انتابني ذات الشعور الذي انتاب المحكمين الأربعة لبرنامج عرب أيدل وهم يشاهدون برواز حسين، كنت اشعر إن وراء هذا الشاب عالم من الإبداع والتفرد في انهماكه بالتصوير ونقل البرنامج على الهواء مباشرة، أحسست فعلا بصدقه وإخلاصه وحرصه، كان يترك الكاميرا لينتقل إلي لينظم اتجاهي وحركة حواري مع الضيف، وكم من مرة اختلف مع المخرج والمنفذ لأنه كان يحتوي على كم هائل من الإبداع المعدد الأشكال، انه الفنان المبدع كوران صالح الذي أصبح من أشهر المطربين الشباب في كوردستان رغم صغر سنه!

     حقا أنه الإنسان في تطوره النوعي وأدائه المهني، وفعلا أنها كوردستان في خيارها الأهم بالتنمية البشرية منذ غادرت القيود والقهر، تنهض متألقة في بناء الإنسان وصناعة الحياة واعمار الأرض، وها هي بأقل من عقدين من الزمان حققت ما عجزت عنه كل حكومات العراق طيلة ما يقرب من مئة عام منذ تأسيس الدولة وحتى يومنا هذا!

     كان الفقر يتجاوز أكثر من نصف سكان الإقليم قبل عشر سنوات فأصبح اقل من سبعة بالمائة اليوم، وكانت الأمية تقترب من ثمانين بالمائة فانحدرت إلى اقل من عشرة بالمائة، وكانت الكهرباء لا تتجاوز أربع ساعات يوميا فأصبحت اليوم ما يقرب من 24 ساعة ويزيد أحيانا ليكتسح ظلامات كركوك والموصل.

     وكانت وأصبحت.. حتى لم يعد مجالا لذكر كل تألقاتها الجميلة لكي اتركها لعشرات الآلاف من العراقيين القادمين من كل أنحاء البلاد لقضاء أجمل أوقاتهم بين أحضان الجميلة كوردستان، فهم أفضل الشهود وأفضل من يصف الحياة هنا كيف كانت وكيف أمست وأصبحت؟

     ومهما تحدثنا فلن نزيد على ما قدمته المبدعة برواز حسين ابنة الانتفاضة وجيل التحرر والانعتاق، وليس أجمل مما قاله زعيم الاشتراكية الدولية وهو يخاطب الرئيس مسعود بارزاني قبل يومين في اربيل حينما قال:

     حقا إنكم صادقون ومخلصون ولذلك فقد كانت بلادكم أكثر تميزا في تطورها ونموها في منطقة الشرق الأوسط برمتها.

kmkinfo@gmail.com



118
هل حقا يمثلون أحزابا ومعارضة؟

كفاح محمود كريم

     وقعت سوريا بين نارين غير نار النظام التي تحرق الأخضر واليابس، فبينما تعبث القاعدة في ارض الشام وتلملم فيها كل الباحثين عن جنة الغرائز ومفاتيحها من كل بلدان العالم، وتشعل النيران في كل مكان، لا يهمها إن كان من الأهالي أم من عناصر النظام، ونيران قيادات و( زعامات ) تدعي أنها تمثل نبض الشعب وقواه المعارضة أو أنها قيادات أو تمثيليات لأحزاب لا وجود لها على الأرض إلا إعلاميا، تركت صفوف الشعب وهربت إلى خارج الحدود، لتنتشر في كل دول العالم وخاصة الجوار، مدعية أنها تقود الثورة من خارج الحدود، وهي تتسول هنا وهناك تاركين الأهالي يواجهون مصيرهم أمام نيران الإرهاب والنظام وتداعيات الفقر والعوز، بينما تتنعم هي في فنادق وبيوت مدعية أنها تقود الثورة والتنسيقيات عبر أجهزة اللابتوب التي يحملونها معهم، في كل مكان يتواجدون فيه خارج حدود ثورة شعبهم ومخاطرها، في أداء سياسي الأول من نوعه في تاريخ الثورات، حيث يغادر من يفترض بهم قيادة حركاتهم أو أحزابهم أو تنسيقياتهم في ارض بلادهم، إلى دول الجوار وهم ( يسفطون، يرتبون ) أنواعا من الأكاذيب والبطولات المفبركة، التي تذكرنا بقادة صدام حسين العسكريين والحزبيين عشية سقوط بغداد واحتلال العراق، حيث كانوا يدعون بأنهم سادة الأرض والسماء وان جنود أمريكا سينتحرون عند بوابات بغداد أو حدودها؟

     وإذا ما استثنينا أولئك المناضلون الحقيقيون في خارج البلاد الذين يقومون بمهمات تمثيلية أو إعلامية لقضية شعبهم دون استثمار شخصي، فما يفعله اليوم الكثير من هؤلاء الذين يصنفهم البعض بالمرتزقة، وربما اختلف هنا مع هذه التسمية فكثير من المرتزقة يحملون أسلحتهم ويقاتلون كأجراء حالهم حال أي أجير دون أن يكون لهم هدف إلا جمع المال وقد يقتلون أو يؤسرون، أما هؤلاء فيحتار المرء في تسميتهم أو توصيفهم، فليس لديهم بندقية إلا الكذب والادعاء، ولا هم مقاتلون بل مدعين وهاربين من ارض المعركة، تاركين شعوبهم تتلوى جوعا وعوزا وإرهابا، وهم يرتزقون بأكاذيبهم وادعاءاتهم المزيفة عن أحزاب وحركات أثبتت التجارب بأنها لا تتجاوز أعداد تلاميذ مدرسة ريفية صغيرة، أو كما يصفهم مواطنيهم بأنها أي تلك الأحزاب لا تتجاوز أهل بيت الأمين العام للحزب أو السكرتير العام مع كم نفر من أقربائه وأقرباء زوجته!؟ 

     حقيقة في خضم هذه المأساة التي تمر بها سوريا العزيزة وشعبها الأبي هناك امور مثيرة للضحك والأسى، أن ترى هكذا اشخاص يدعون بانهم قادة ومسؤولين كبار في حركات سياسية او ثورية، وقد تركوا شعوبهم واحزابهم المفترضة وقدموا الى خارج الحدود هربا وكذبا وطمعا بمنافع ذاتية وارتزاق رخيص، وتملصا من مسؤوليات وطنية تحتم عليهم كمواطنين واعيين، وليس كمسؤولين ان يكونوا في قلب الاحداث ومن محركيها لا ان يهربوا ويتركوا شعوبهم كما يقول المثل: الشقى على من بقى!؟
 
      لقد أثبتت الأحداث خلال الأشهر القليلة الماضية لا وجود حقيقي مؤثر لكثير من تلك الأحزاب على الأرض وبشكل أفقي رغم ادعائها عموديا أنها تمثل شيء ما، لكن نتائج الأمور أكدت حقيقة وجود قوى أخرى أكثر فاعلية واتساعا، هي قوى الأهالي من الشيب والشباب، نساءً ورجال، ممن يمثلون تاريخيا حركة المجتمع وقواه الأساسية، وقد نجحوا بحنكتهم وأصالتهم وصمودهم في السيطرة على الأمور وتحريك الشارع لصالحهم، بما يؤمن دوام الثورة والحفاظ على هويتها ومقاومة النظام بشتى الوسائل ميدانيا، ولعل تجربة كوردستان العراق أفضل درس للحركات الثورية الأصيلة التي التصقت بالأرض وحافظت عليها، طيلة حقبة مقارعة النظام الدكتاتوري في المناطق المحررة، حتى نجحت في انتفاضة الربيع عام 1991م بتكريس تجربتها وبناء أسس نظامها الديمقراطي في أول انتخابات حرة أنتجت مؤسسات تشريعية وإدارية ذات مقبولية شرعية من قبل الرأي العام العالمي أتاحت لها قبولا واعترافا من المجتمع الدولي.
 
    إن أهم ما يواجه قوى الثورة الحقيقية في الداخل السوري وخاصة في المناطق الكوردية المحررة، هو الإسراع بانجاز انتخابات عامة في تلك المناطق التي يسيطر عليها الأهالي، لتأسيس مجلس تمثيلي وسلطة شرعية لإدارة تلك المدن والبلدات وإيقاف عملية الإفراغ السكاني التي تتعرض لها كثير من المدن والبلدات والقرى بذريعة الانفلات الأمني أو التدهور الاقتصادي، ولكي تكمل صناديق الاقتراع شرعية الفاعلين الحقيقيين للانتفاضة في سوريا.   

kmkinfo@gmail.com

119
المنبر الحر / الإعلام المرتزق!؟
« في: 17:00 04/04/2013  »
الإعلام المرتزق!؟

كفاح محمود كريم

    في أواخر سنوات النظام الشمولي هنا في العراق وحتى في كثير من البلدان التي شملتها رياح التغيير مؤخرا، كانت هناك العديد من التسميات والتوصيفات لمجاميع من الصحف والمجلات، والى حد ما بعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، تصنف لونيا بالصفراء كونها كانت متهمة من قبل النظام بمعاداته وفضح أساليبه وهي بالتالي عميلة للاستعمار والرجعية والامبريالية كما كان يصنفها، ونوع آخر كنا نطلق عليهم بوعاظ السلاطين من مؤيدي النظام، ودعاة أفكاره وثقافته وهي بالتالي أدوات للنظام، كان معظم كوادرها ( إلا من آمن ؟ ) يتعاطى الرشوة من الهدايا والعطايا مقابل المديح وعدم التشهير به وبأزلامه، وقد شهدنا الكثير من تلك الصحف التي لا لون لها، وبين كل هذه الألوان جاءت مجموعات أخرى للأسف الشديد ليس لها لون ولا طعم ولا رائحة مصنفة على هذه المهنة، ترسل صحفييها إلى الأهالي وخاصة أصحاب النفوذ القبلي والمالي من أصحاب العشائر والشركات والمصانع، لكي تكتب عنهم تقريرا أو مقالا بأسلوب التدليس والمديح السمج والفاهي، لقاء مبالغ أو إكراميات تطلب بشكل مباشر أو غير مباشر، قد تصل إلى حد دعوة غداء أو عشاء إن كان الطرف الآخر بخيلا!

     ورغم ان معظم تلك الصحف كانت ترتبط بشكل أو بآخر بأجهزة النظام وقنواته، إلا إن القليل النادر من الكتاب والصحفيين الذين كانوا يقضون معظم حياتهم متنقلين بين السجون أو الهروب  خارج التغطية، يستطيعون إن يمرروا بعض الإشارات من خلال وسيلتهم الإعلامية التي كانت تتقاطع مع النظام وفلسفته، وهي بمعظمها إشارات رمزية لا يفقه كنهها إلا كاتبها والراسخين في العلم!

     كانت تلك الصحف ووسائل الإعلام تضم الكثير من الصحفيين والإعلاميين السلطويين أو الموظفين ليس إلا باستثناء القلة أيضا من المهنيين الذين يؤدون مهامهم الصحفية بمهنية دونما أي تحارش بالنظام، مما أنتج أفواج من المرتزقة الذين تربوا على قيم وعادات لا تمت بأي صلة بمهنة الصحافة والإعلام وهي أقرب ما تكون في سلوكياتها إلى البيع والشراء أو المقايضة أو العمولات بعيدا عن مواثيق وأهداف السلطة الرابعة!

     بعد سقوط النظام وانطلاق نافورة الإعلام بما يشبه فورة البركان الأولى، غرقت المكتبات ومحلات بيع الصحف والمجلات بالمئات إن لم تكن بالآلاف من تلك الوسائل التي يفترض أنها تعبر عن رأي الأهالي سواء كانوا إفرادا أو جماعات، إضافة إلى العشرات من القنوات الفضائية ومثلها الإذاعات والمحطات المحلية للتلفزة، والأغرب من ذلك كله هذا التكاثر الانشطاري الرهيب في عدد الصحفيين والإعلاميين حتى لم تعد نقابة واحدة تمثلهم جميعا فانشطرت هي الأخرى إلى ثلاث نقابات أو أكثر والخيط على الجرار كما يقولون.

     يبدو والعلم عند الله إن هذه الشغلة أصبحت مربحة أو كما يقول الدارج العراقي بيها خبزة، وقد أدركت بعضا من هذه الخبزة التي تكمن في الارتزاق البائس لكثير من تلك الوسائل والشواهد أكثر وضوحا في الأساليب التالية:

-   من المفروض إن كل صحيفة أو مجلة تدفع مكافأة لكتابها الذي يكتبون لها، والسؤال كم صحيفة من صحف هذه النافورة تعطي تلك المكافآت إلى أصحابها فعلا رغم إن قوائم التوقيع على الاستلام يتم توقيعها من قبل آخرين يستلمون تلك المكافآت؟

-   من أبجديات عمل الفضائيات هي مكافأة الضيوف الذين يدعون للمشاركة في البرامج على مختلف أشكالها وأنواعها فنية كانت أم سياسية أو غيرها، والسؤال أيضا كم من هذه الفضائيات تدفع تلك المكافآت إلى ضيوفها، باستثناء القلة القليلة جدا للأسف الشديد؟ علما بأنها أي تلك المبالغ مرصودة ضمن موازنات أو ميزانيات أي فضائية أو وسيلة إعلامية بما فيها الحزبية أو الحكومية؟

-   والأكثر اشمئزازا في سلوك بعض المحسوبين على هذه المهنة هي التسول والاستجداء أو مساومة الطرف الآخر مقابل تسجيل حوار أو مقابلة أو نشر موضوع ما، تصل أحيانا إلى تحديد مبالغ معينة أو تهبط إلى مستو دعوة غداء أو عشاء خاص؟


    وتاهت علينا كما قال احدهم بين وسائل الإعلام الصفراء والمرتزقة والمهنية والمحايدة والمستقلة والموجهة، وجيب ليل واخذ عتابة مع شلة حرامية ولصوص انتحلوا صفة واحدة من اشرف المهن وأكثرها شفافية!؟
kmkinfo@gmail.com

120
المنبر الحر / الفقراء لا يسرقون!
« في: 10:26 01/04/2013  »
الفقراء لا يسرقون!

كفاح محمود كريم

    ربما علماء النفس والاجتماع وكثير من المحققين في أجهزة الشرطة والعدل، يدركون إن الأكثرية من السراق والمختلسين وأصحاب السحت الحرام، لم يكونوا من الفقراء بكل مستوياتهم، بل يذكر العديد من القضاة والمحققين ورجال الشرطة، بأن أكثر هؤلاء المنحرفين من طبقات ميسورة أو متوسطة أو على الأقل لا تصنف بأنها فقيرة ومن طبقة المعدمين، أو الذين يتمتعون تحت خط الفقر بنظافة المعدة والجيوب!؟
 
     وقد توقفت كثيرا أمام العديد من ملفات الفساد المعاصرة وخاصة بعد إقامة النظام السياسي الجديد في العراق، وربما شهد الكثير منكم أيضا حالات من الفضائح المالية والسرقات أو الاختلاسات، التي مارسها أشخاص أو مجموعات لا علاقة لها إطلاقا بالفقر أو العوز أو الحاجة إلى المال أو التشرف بالانتماء إلى طبقة أغلبية الفقراء الأطهار، الذين لا يحلمون بأكثر من لقمة العيش وستر الحال كما يقولون، فقد كانوا في معظمهم وزراء ووكلاء وزارات ونواب برلمان وضباط عسكر وبوليس ومسئولي أحزاب وكتل في المركز وما شابههم في المحافظات، وخاصة تلك التي تتعلق بالمال والتمويل والمشاريع والمؤسسات الخدمية.

    ونظرة سريعة لحيتان السرقة من المال العام واستغلاله للصالح الخاص أي لجيوب المنتفعين، نشهد أفواجا من المسئولين الذين عاهدوا الله وشرفهم الشخصي أن يخدموا الشعب وان لا يخونوه، وان يكونوا حريصين على المال العام كحرصهم على أموالهم، وإذ بهم يحرصون عليه إلى درجة تحويل معظمه إلى حسابهم الخاص، واضعين كثير من الثوابت والقيم العليا تحت أقدام غرائزهم وانحرافاتهم دون وازع من ضمير أو خلق أو دين أو قانون!؟

   بينما ترى على الطرف الآخر الأكثر فقرا وحاجة، يكنز تلك الثوابت والقيم ويجعلها رأس ماله الوحيد بعد العوز والفقر، وهنا أيضا لكي لا نقع في باب التعميم علينا أن نتذكر إن الفقر عاهة اجتماعية واقتصادية سببها النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدول، خاصة في البلدان ذات الثروات الطبيعية العالية الإنتاجية مثل الزراعة والطاقة، والتي تقع بأيدي غير أمينة في الانتفاع من تلك الموارد، بالقضاء على الفقر والبطالة وتقليص مساحات الفساد التي تختلط فيها الألوان، لدرجة إنه يعجز الكثير عن إدراك حقيقة هذا التضخم أو النمو السرطاني في ممتلكات البعض مقارنة مع الفترة الزمنية لتوليه دفة المسؤولية أو مفاتيح بيت المال بكل أشكاله أي المال وأشكالها أي المفاتيح!؟

     ويبقى أن نراقب كل منا في مكانه، قرية كانت أم مدينة، تطور نمو الأموال عند البعض قياسا مع الجهد أو الفترة الزمنية، لنتأكد إن أغلبية الفقراء أبرياء تماما من كل هذه السرقات المخلة بالشرف كما يسميها قانون العقوبات، والتي تنطبق على أولئك الذين يسرقون الكحل من العين، وهم ينشلون أموال الشعب  وخاصة المخصص منه للنفع العام، وهم على الإطلاق فقراء ليس بالمال ولكن بقيم أخرى!؟
kmkinfo@gmail.com

 



121
المنبر الحر / إنهم يذبحون سوريا؟
« في: 17:03 28/03/2013  »
إنهم يذبحون سوريا؟

كفاح محمود كريم

     هل فعلا ما يحدث في سوريا تحرير أم شيء آخر لا علاقة له بآلام الشعب وآماله وثورته التي اشك أنها سرقت أو تسرق الآن،  وليس كما حصل في مصر التي تمت سرقتها بعد سقوط النظام وباستخدام آليات يفترض أنها ديمقراطية، وتسلقت سلم الصناديق باستغلال تراكمات عشرات السنين من الحرمان والتكميم والجوع والاستبداد، فمنذ أكثر من سنتين ونحن ننتظر يوما بعد آخر، وساعة بعد ساعة انتصار انتفاضة السوريين، عربا وكوردا وآشوريين وتركمان وغيرهم من مكونات سوريا المتآخية، وإقامة البديل الديمقراطي باستخدام الأساليب المدنية المتحضرة في التظاهر والعصيان المدني، الذي لا يستخدم العنف إلا دفاعا عن الذات، وما يحصل الآن في كثير من المواقف لا يعطي ذلك الانطباع المتحضر للثورة أو الانتفاضة.

     لقد شهدنا خلال الأشهر الماضية فضائع ذكرتنا بتلك التي نفذتها القاعدة في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين القرين لنظام الأسد في دمشق، حيث عم الخراب والدمار والذبح على خلفية ما يسمى بالمقاومة، التي ذبحت من العراقيين أضعاف ما قتلتهم من الأمريكان وغيرهم، بل واستباحت أعراضهم وأموالهم، حتى ظهر لدينا في العديد من المدن العراقية جيل دون آباء، كانوا من إنتاج أولئك المرتزقة الذين قدموا من كل دهاليز السادية والتخلف والانحراف في البلدان العربية، لكي يزرعوا انطافهم في أرحام طاهرة أخذت بالقوة والاغتصاب والتغرير، لتترك بصمات قذرة تذكر الأجيال بما اقترفته تلك الوحوش الكاسرة!؟

     كل هؤلاء المنحرفين والمرتزقة من شذاذ الآفاق والأخلاق كانوا يقدمون من وعبر سوريا وبرعاية وتسهيل من هذا النظام الحالي وأجهزته الأمنية والحزبية، بل إن أفواجا منهم كانت تتلقى تدريبات قبل دخولها الأراضي العراقية، وهي اليوم أي ذات تلك الأفواج القادمة من خارج ارض الشام ومن كل البلاد العربية، تنفذ ذات البرنامج الذي نفذته على ارض الرافدين وبمسميات جهادية وعقائدية دينية لا صلة لها لا بالدين ولا بثورة الشعب السوري ومكوناته وطبقاته.

    إن ما يجري اليوم في سوريا وفي كثير من تفاصيله يثير شكوكا كثيرة حول علاقة النظام مع تلك الأفواج التي استخدمها طويلا، لأجل إعاقة العراقيين من تنفيذ برامجهم في تأسيس نظام ديمقراطي تعددي اتحادي متحضر، وهي تأتي متطابقة مع ما قام به نظام صدام حسين قبل سقوطه بأشهر في استقدام ذات الأفواج  الإرهابية القادمة من خارج الحدود، وتهيئتهم لتحويل العراق إلى حفنة تراب كما قالها صدام أكثر من مرة، وهو يهدد الذين يناضلون من اجل إسقاطه، فهل يا ترى بدأت عملية تحويل ارض الشام أيضا إلى حفنة تراب يتركها بعث سوريا وأسدها على أيدي هؤلاء القادمين من خلف الحدود!؟
 
kmkinfo@gmail.com


122
الانتخابات والسحت الحرام

كفاح محمود كريم

     اعتدنا منذ أواخر سنوات النظام السابق، ومن ماثله في السلوك والعقلية، على ظاهرة بائسة مقززة لنوع سمج من الرشاوى الاجتماعية، تتمثل بإقامة الولائم الكبيرة التي يدعو اليها مرشحو ذلك النظام او رئيسه أو ما كان يسمى بمرشحي انتخابات حزب السلطة ومستوياتها في قيادات الفرقة والشعبة والفرع، والتي تحولت في أواخر حكمهم إلى تكتلات عشائرية وصراع بين القبائل والبيوتات على مواقع القيادة في ذلك الحزب وبمختلف المستويات من القرية إلى العاصمة.
 
     ويبدو إن العامل الوراثي أو التراكم في العادات والتقليد والتربية البائسة، جعلت الكثير ممن يشاركون الآن ومنذ انتخابات 2005م من خريجي تلك المدرسة في التطبيق والممارسة، حيث  إننا لو تأملنا كثير من تلك السلوكيات والممارسات لأيقنا بما لا يقبل الشك امتداد تلك التجربة البائسة إلى يومنا هذا، مما يستدعي صياغة قوانين وضوابط وتشريعات تحضر ذلك التصرف، وتعده مخالفا للقانون وتبطل أو توقف ترشيح أي شخص أو حزب أو حركة تمارس الرشوة بكل أشكالها الداخلة والخارجة وخاصة هذا الشكل البائس، الذي بدأ ينتشر بشكل كبير ويقوم به معظم المرشحين سواء لمجالس الاقضية أو المحافظات أو البرلمان من ولائم ومبالغ نقدية وهدايا عينية وسفرات جماعية لشرائح منتقاة من الأهالي والموظفين وخاصة أولئك الذين يؤثرون على مجريات ونتائج الانتخابات من المراقبين والادلاء والموظفين الصغار، حيث شهدت الأيام المنصرمة وبالتأكيد ستشهد الأيام القادمة أيضا، كثير من تلك الكرنفالات التي يتوقف عند مصروفاتها كثير من المراقبين بتساؤلات مهمة جدا عن مصادر التمويل لموظفين أو أعضاء عاديين في مجالس المحافظات سواء من المستقلين أو ممثلي الكيانات المرشحين لتلك المجالس.

     ملايين الدولارات تصرف في ولائم وهدايا ورشاوى واضحة وضوح الشمس، ولا حراك لا للجنة النزاهة ولا لمفوضية الانتخابات ولا للجان البرلمان بمختلف اختصاصاتها، وعجبي من منظمات المجتمع المدني ومراقبي الانتخابات الذين يفترض بهم أن يراقبوا العملية برمتها لا أن يأتوا أول يوم الانتخابات ليتقاتل عليهم المرشحين في العزائم والهدايا والوعود.

     وبالتأكيد ليس هناك أي اعتراض أو شك في الدعايات الانتخابية بكل أشكالها الإعلامية في الصحف أو الإعلانات أو التلفزيونات أو الندوات والمهرجانات وحتى لو استخدم الشعر أو الغناء والرقص، كما يحصل في كثير من البلدان الديمقراطية المتحضرة في اوربا وغيرها، لكن ما يثير الاشمئزاز حقا أن تعطى الرشاوى للأهالي وتستغل مفاتيح غرائزية في مجتمعات ما تزال تعاني من مستويات معيشية وحضارية بائسة، وبمختلف أشكالها  من ولائم النفاق والتدليس والمبالغ النقدية أو العينية وحتى السفرات الجماعية، التي يتفضل بها متبرعا احد المرشحين ومن خلفه الأحزاب أو الكيانات السياسية أو الاجتماعية، من أموال لا يعرف كنهها ومصدرها الا الله وأصحاب اليد الخفيفة، الذين أضاعوا ما يقرب من ستمائة مليار خلال عدة سنوات، كان بإمكان الخيرين أن يبنوا عراقا يضاهي كوريا الجنوبية أو تركيا على اقل تقدير، ولا نقول اليابان أو المانيا!؟ 
 
     حقا انه السحت الحرام فلا خير فيه ولا في ما ينتجه أو يؤسسه!؟
kmkinfo@gmail.com

123
نفط كوردستان بين الحقيقة والتصريحات

كفاح محمود كريم

     دأب البعض من المصابين بعمى الحقائق وثقافة إقصاء الآخر وإلغاء حقوقه على خلفية التفرد والهيمنة، بالخروج بين الفينة والأخرى بتصريحات لتأجيج الرأي العام خاصة أيام الدعايات الانتخابية أو صناعة الأزمات، ففي يوم ذبح حلبجة (16 آذار) ولكي لا ينسى الكوردستانيون تلك الذكرى، يخرج احد مستشاري السيد المالكي المدعو سامي العسكري لكي يحاسب شعب كوردستان على حقوقه المشروعة في أرضه وثرواته، تلك الحقوق المخضبة بأنهار من الدماء، بعيدا عن إي قيمة تاريخية أو أخلاقية أو أدبية، وهو يتحدث عن عدة آبار هنا وهناك تم حفرها واستثمارها بعد 2003م كما جاء في الدستور، وهي لا تتجاوز في أعلى إنتاجياتها المائة وخمسون ألف برميل يوميا، ذهبت كل وارداتها إلى الخزينة العراقية عبر أنابيب جيهان المسيطر عليها اتحاديا، بينما يتناسى هذا الشخص مليارات البراميل التي شفطوها من آبار كوردستان في كركوك وغيرها من المناطق الكوردستانية المستقطعة عبر ما يقرب من مائة عام، وأحالوها إلى حديد ونار وغازات سامة أحرقت أجمل مدن وبلدات وقرى كوردستان؟

     لقد كانت كركوك الهدف الأول لأولئك المستعمرين البريطانيين ومن جاء بعدهم، يعزف على أوتارهم وسحتهم الحرام مما أنتجته ارض كوردستان منذ اكتشاف النفط فيها مطلع القرن الماضي، حيث بلغت مستويات الإنتاج من حقول كوردستان في كركوك مقارنة مع ما كان ينتجه العراق خارج الإقليم منذ 1927 ولغاية 1989م فقط:

    ( بلغت مشاركة حقول كركوك 73,25 % من إجمالي إيرادات العراق النفطية، في حين كانت حقول البصرة تساهم بالباقي 26,75 % فقط خلال الفترة بين 1927و1989.
 
      لقد أنتجت كوردستان نفطا بما قيمته 184.9 مليار دولار أمريكي من عام 1927 ولغاية عام 2000 من إجمالي إيرادات العراق البالغة لنفس الفترة 252.5 مليار دولار أي بنسبة قدرها 72.2 بالمئة من إيرادات العراق بأكمله. )


     لقد استخدمت تلك الأموال الطائلة من نفط كوردستان المنهوب في حرق كوردستان وشعبها طيلة ما يقرب من سبعين عاما، حيث  تعرض هذا البلد الى التدمير الشامل في بنيته التحتية البشرية والاقتصادية والحضارية والصناعية، كما انها كانت وسيلة في  تدمير وحرق وأنفلة كوردستان وتعريب مدنها واستقدام مئات الآلاف من سكان محافظات جنوبية ووسطى، وما تعنيه هذه العمليات من تهجير مئات الآلاف من الكورد إلى الجحيم أو إلى مهاجر أخرى، كما حصل في كركوك والموصل وسنجار وربيعة وزمار وخانقين ومخمور ومندلي بعد عام 1975م،  وزرع ما لا يقل عن عشرة ملايين لغم في أرض كوردستان لوحدها.

     والطامة الكبرى أن الكثير ممن أتوا بعد سقوط النظام وهذا الشخص واحد منهم، يغرسون رؤوسهم في رمال وعقلية وسلوك النظام السابق في موقفهم من موضوع كركوك والموصل وسنجار وربيعة وزمار وخانقين ومخمور ومندلي، وموضوعة النفط في الإقليم ويتعالون على مآسي ثمانين عاما من السرقة والسحت الحرام وبحور من الدماء، التي سالت نتيجة لتلك العقلية المتخلفة والشوفينية المقيتة وفرص التقدم والازدهار التي اغتيلت على أيديهم، ويتناسون ما جرى بعد مؤامرة 1975 ضد شعب كوردستان الأعزل لكل من ساهم فيها أو سهل تنفيذها، ولعلني أستذكر فقط أن ما حدث لإيران والعراق والجزائر والاتحاد السوفييتي بعد هذه السنة لم يكن ( ربما ) محض صدفة، أن تغرق إيران والعراق والجزائر في بحور من الدماء وتتفتت الإمبراطورية السوفييتية إلى دويلات عاجزة ينخر فيها الفقر والذل.

     لقد ولى زمن التفرد والهيمنة فالكوردستانيون فهموا تاريخهم جيدا وعرفوا أعدائهم وأصدقائهم، وهم يبنون بلدهم كما يشهد الأعداء قبل الأصدقاء بأنهم بناة بارعون ومخلصون كما كانوا مقاتلون أشداء، وأدركوا جيدا هم وأصدقائهم وشركائهم المخلصين في الوطن إن الحياة الجديدة لم تعد تتحمل شوفينيات مولودة من أرحام متعفنة غادرها الزمن.

    إن مثل هذه التصريحات التي تتهم الكورد وتشهر بهم ما هي إلا  بقايا تلك الثقافة الانفالية التي تعتمد رائحة الخردل وغاز الأعصاب في مفاهيمها، وهي تمثل تلك المدرسة التي شهدنا نهاية رموزها في المحكمة الجنائية العراقية الكبرى، حينما أسدلت الستارة على فصل من فصول التاريخ الأسود للبلاد، والذي يحن البعض أو يحاول إعادة تصنيعه ثانية!؟

     إن فرصة ذهبية أمامنا في إنجاز عراق جديد نتعايش فيه جميعا يضمن حقوقنا السياسية والاقتصادية والثقافية والديمقراطية، ويعوضنا عن ما فاتنا طيلة ثمانين عاما، بعيدا عن الثقافة الشوفينية أو المذهبية الضيقة أو العنصرية المقيتة، والتعامل مع ثوابت الدستور بما ينميها ويطورها في التطبيق والسلوك. والتوجه إلى كوردستان بما ينميها ويعوض خسارتها طيلة أكثر من سبعين عاما من ثروتها المسروقة وفرصها في التطور والتقدم خصوصا مع تجربتها خلال السنوات العشرين الماضية التي تمتعت فيها بقسط من الأمان والسلام، حيث أنجزت تطورا كبيرا وملحوظا في كل مناحي الحياة وبإمكانيات بسيطة قياسا لحصتها الطبيعية في الثروة الاتحادية.

     إن كوردستانا قوية ومزدهرة وآمنة ستكون سندا قويا لعراق اتحادي وان أي تطور في أي جزءٍ من العراق الاتحادي هو تطور وقوة لكل هذا الاتحاد.
kmkinfo@gmail.com



124
المنبر الحر / هل نحن شركاء فعلا؟
« في: 19:55 18/03/2013  »
هل نحن شركاء فعلا؟

كفاح محمود كريم

     حينما قبل الكردستانيون استفتاء الأهالي في ولاية الموصل من قبل عصبة الأمم مطلع القرن الماضي، حول تبعية الولاية التي كانت تضم كل كوردستان الحالية تقريبا وتشكل عاصمتها، والتي عرفت بمشكلة أو مسألة ولاية الموصل وتبعيتها إلى واحدة من اثنتين تركيا التي كانت تصر عليها، والبريطانيون الذين أرادوها جزءً من المملكة الجديدة التي أسسوها في بلاد الرافدين من ولايتي بغداد والبصرة، على ضوء اتفاقية سايكس بيكو سيئة الصيت والتي قسمت وأسست معظم دول الشرق الأوسط دونما خيار أو رأي لشعوبها أو مكوناتها، إنما وافقوا أن يكونوا جزءً من ذلك الكيان بشرط الإيفاء بمطالبيهم وشراكتهم في الكيان الجديد.
 
     لقد نكر الكثير واستاء من توصيف الملك فيصل الأول لشعب العراق واعتبره قاسيا وجارحا، متناسين إن تأسيس تلك المملكة أو الكيان كان بعيدا كل البعد عن خيارات شعوبه ومكوناته، ولذلك لم ير الملك تجانسا أو تناغما بينها، بل رأى في عام 1921م وهو متألم وقلبه مليء بالأسى كما وصف حاله:

     " في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء ميالون للفوضى، مستعدون دائما للانتفاض على أي حكومة كانت، فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل شعبا نهذبه وندربه و نعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب أن يعلم أيضا عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل.. هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي "

     واليوم وبعد مرور أكثر من تسعين عاما، ترانا نقترب من ذلك الوصف وكأن العراقيين عادوا إلى النقطة التي بدئوا منها، بل اثبتوا أن كيانهم إنما تأسس رغم إرادتهم ودون مشورة من مكوناته  العرقية والدينية والمذهبية، فلم تثبت أي فئة حكمت تلك البلاد مصداقيتها بإقامة كيان يرضي الجميع كشركاء فعليين في الأرض والمال والقرار، بل على العكس حاولت كل الأنظمة المتعاقبة طيلة ثمانين عاما قبل سقوطها، أن تفرض شراكة قسرية بأسلوب التبعية والتهميش والإقصاء، حتى اشتعلت الثورات منذ ثلاثينات القرن الماضي في كوردستان رافضة تلك التبعية ولم تبرد بارودتها،  كما تقول العرب حتى نالت جزءً يسيرا من حريتها ابان انتفاضة عارمة في ربيع 1991م، لكي تعود ثانية بعد أكثر من عشر سنوات اثر سقوط ذلك النظام، لتؤسس بشكل رئيسي وبدور فعال نظاما ديمقراطيا تعدديا اتحاديا قائما على الشراكة الفعلية لا على الأغلبية العددية، تلك الشراكة والتوافق اللتان أوصلا طاقم الحكم الحالي إلى دفة الحكم وهو يحاول اليوم إعادة عقارب الساعة إلى الخلف في التفرد والاستحواذ على القرار باستخدام الأغلبية، في بلاد المكونات القومية والعرقية والمذهبية والدينية.

     إن القضية الكردية قضية قومية جغرافية وليست قضية إدارية سلطوية، ونضال شعب كوردستان لم يكن من اجل منصب سياسي هنا أو هناك، بقدر ما كان من اجل قضية التحرر والانعتاق وحقه في تقرير مصيره، وقد ذهب الكوردستانيون إلى بغداد ساعة سقوط النظام وتخلوا عن كثير من مزايا استقلالهم منذ 1991م، ليؤسسوا شراكة فعلية مع بقية مكونات البلاد وفعالياتها السياسية، نظاما ديمقراطيا تعدديا اتحاديا قائم على الشراكة الأساسية بين العرب والكورد كقوميتين رئيسيتين في البلاد، مع ضمان حقوق كل المكونات الأخرى، لا من اجل الأغلبية والأقلية التي ربما ستؤدي إلى تعقيدات لا تحمد عقباها، ولن يكون للكوردستانيين أي مستقبل فيها ضمن هذا الكيان الذي اتفقنا على إعادة تشكيله وصياغة دستوره، وفق حياة مدنية مشتركة تحترم حقوق الجميع بذات الأطوال وبشراكة فعلية في صنع القرار وبناء الدولة بشكل متحضر يليق بشعوب العراق وتضحياتها من اجل الحرية.

 kmkinfo@Gmail.com


125
المنبر الحر / لقالق الانتخابات؟
« في: 23:04 12/03/2013  »
لقالق الانتخابات؟

كفاح محمود كريم

    أو ربما تلفظ شعبيا على الدارجة العراقية بـ ( لكلكية الانتخابات )، ولا ادري إن كانت مأخوذة من لفظة ( اللوكي ) المستخدمة كثيرا في الشعبية العراقية لتوصيف المتملقين، أو أنها أخذت من اسم اللقلق هذا الطائر الجميل والمسكين والمسالم،  وأصبحت رمزا للنفاق والتدليس والمجاملة السمجة، أو أنها أي هذه اللفظة لها علاقة بصفة في هذا الحيوان أدهشت العلماء، وهي انه ينطلق بسرعة نحو أي منطقة مشتعلة بالنيران في المروج والغابات، وبعد مراقبة طويلة، تبين أن النيران ترغم الحشرات على الهروب السريع أو القفز في الهواء، عند ذلك ينطلق هذا الطائر حتى يحصل على وجبة شهية من هذه الحشرات السهلة واللذيذة، بواسطة إحساسه المدهش بوجود علاقة بين النيران والغذاء الوفير، يغنيه عن البحث الطويل في الينابيع والبرك عن الضفادع وغيرها من الكائنات المائية؟

     ويبدو إن الصفة الأخيرة لطائرنا الذي يفرح بعزاء أهله كما يقولون، أكثر تجانسا مع سلوك المرشحين في انتخاباتنا العتيدة التي تجري بين فترة وأخرى ليتنافس فيها أشكال وأجناس من البشر، أغلبيتهم لهم علاقة بأي شيء إلا تمثيل الأهالي كما ينبغي، وكما ينبغي هنا تمت استعارتها من استخدامات سيئ الذكر الذي أنتج نظامه كل هذه الأفواج من اللصوص والانتهازيين والفاسدين الذين يحرقون الاخضر واليابس من اجل تحقيق مصالحهم الذاتية، وهم يسحقون تحت عجلات غرائزهم أي أمل لإعادة بناء البلاد واعمارها، وإشاعة العدالة ودولة المؤسسات، فقد أكدت تجربة السنوات السبع الأخيرة ولدورتين انتخابيتين لمجالس المحافظات والبرلمان الفشل الذريع الذي حققته هذه المؤسسات بسبب تسلق مجاميع من الطفيليات التي أنتجتها مختبرات الخوف والرعب في جمهورية القائد الضرورة وما تلاها من جمهورية برايمر ومجلس حكمه القبلي.

     ومنذ أيام أو أسابيع بدأت لكلكتهم للأهالي وولائمهم وتملقاتهم ورشواتهم، والغريب في أكثر هؤلاء المرشحين أنهم يدعون كونهم من ضحايا النظام السابق، وإنهم مثال النزاهة والأيادي البيضاء، وسيحولون مدنهم ومواطنيهم إلى ما ينافس سكان كوبنهاكن أو أوسلو، رغم ما أثبتته السنوات السبع العجاف من حكمهم وحكم من سبقهم، إن أكثرهم ابعد ما يكونوا عن تلك الصفات، بل كانوا وراء ضياع ما يقرب من ستمائة مليار دولار تبخرت في مشاريع وهمية أو ناقصة أو فاسدة،  كما أزكمت روائحها النتنة أنوف العراقيين الذين ما زالوا كما الأيام الأولى للسقوط يعانون من نقص كبير في ابسط مقومات الحياة الحرة والكريمة في بلد يصنف من أغنى البلدان وأكثرها فسادا وفشلا!؟

     حقيقة نحن اليوم أحوج ما نكون إلى رفع شعار ( احذروا هؤلاء !؟ ) أمام معظم دعايات وإعلانات الحملة الانتخابية لمرشحي الانتخابات سواء المتسلقين منهم إلى مجالس المحافظات أو الأدنى في الاقضية، وما بعدهما من فرسان غزوة البرلمان القادم، لكي لا تتكرر تلك الصور البشعة من الأداء السياسي والإداري والاجتماعي.

kmkinfo@gmail.com

126
المنبر الحر / ربيع الحرامية
« في: 21:34 06/03/2013  »
ربيع الحرامية

كفاح محمود كريم

    لم يوضع الإنسان المناسب في المكان المناسب طيلة ما يقرب من خمسين عاما، منذ تأسيس دولتنا في غفلة منا وحتى يومنا هذا،
 كما وضع فيه اليوم وخلال العقد الماضي تقريبا، حيث تم تحقيق هذه المقولة أي مقولة ( الإنسان المناسب في المكان المناسب ) بنسبة انجاز تجاوزت والعلم عند الله أكثر من سبعين بالمائة، من مجموع من شغلوا مواقع المسؤولية في البلاد وخاصة من المتخصصين والمخضرمين في خفة اليد ودقة اللغف، وعلى مختلف المستويات ابتداءً من النواحي والاقضية والمحافظات ومجالسها بالذات، وصولا إلى الحكومة الرشيدة جدا ومجلس النواب الموقر، وبقية مفاصل المسؤولية وخاصة القائمين على التسليح والتجييش وحفظ الأمن ومكافحة الإرهاب والهيئات المستقلة جدا جدا!

      ولكي نكون منصفين ولا نحرق الاخضر بسعر اليابس يستثنى من كتاباتنا هذه وبأثر رجعي ومستقبلي كل من أثبتت وسائل الحس الخمسة مضافا اليها شهادة العقل والمجتمع نزاهته وطهارة أياديه وسلوكه، ونعود الآن بعد الاستثناء لكي نطلع على حجم الموازنات منذ 2005م وحتى موازنة هذه السنة التي ما زالت في مرحلة ( الجرجرة ) أو ( واحد ايجر بالطول والآخر بالعرض ) وما خصص للطاقة وبالذات الكهرباء والماء والصحة والتعليم والجامعات والتسليح والأمن والشرطة ومكاتب الرؤساء الثلاثة حفظهم الله ورعاهم وأبقاهم في أمكنتهم المناسبة جدا حتى يرثوا البلاد وما فيها مع وزرائهم الأطهار وخاصة من هم بالوكالة، والوكلاء الذين لا يشغلهم عن الطهارة والنقاء وبياض الأيادي إلا ما يبطل الوضوء عندهم؟   
 
     بعد الاطلاع تبين إن حجم تلك الموازنات قد تجاوزت 600 مليار دولار من غير الضرائب وإيرادات الكهرباء ( والكهرباء غير موجودة ) والماء والمطارات والمنافذ وسوق مريدي للقومسيونات النفطية وغيرها من الواردات، إضافة إلى ما يصل جيوب العديد ممن يشغلون مواقهم تحت شعار الإنسان المناسب في المكان المناسب من عمولات الوساطات وخاصة في التعيين والحصول على التندرات لمشاريع على سطح القمر والمريخ في مراكز الاقضية والمدن الكبيرة وبالذات ممثلي الشعب في البرلمانات الصغيرة في المحافظات الذين تحول العديد منهم الى معقبي دعاوي وقومسونجية؟

     أقول قولي هذا ونحن نشهد اليوم متغيرات حادة أدت إلى انهيار أنظمة شمولية بشكل مثير، كنا نطمح فيها جميعا إلى تغير الحال إلى الأفضل، لكن ما حدث ويحدث الآن هو استغلال قوى أنتجتها تربية وتأثيرات تلك الفترة المظلمة، لمشاعر الأهالي وحرمانها وانكساراتها التي دفعت كثير من تلك المجموعات إلى دفة الحكم، ويتسلط فيها اللصوص والفاسدين على مقدرات الشعوب وثرواتها، لتبدأ حقبة خطيرة في تاريخ هذه المنطقة الموبوءة بشتى أنواع وأشكال الأمراض النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ناهيك عن سرطان الأنا الدكتاتورية المزروعة فينا جميعا من الأسرة وحتى الملك المفدى أو الرئيس الضرورة.

 kmkinfo@gmail.com


 

127
المنبر الحر / البارزاني في موسكو
« في: 18:53 25/02/2013  »
البارزاني في موسكو

كفاح محمود كريم

     بعد ما يقرب من ستين عاما على رحلة البارزاني الأول إلى عاصمة الرفاق الحمر في الاتحاد السوفياتي مطلع عام 1954م، يصل رئيس كوردستان مسعود بارزاني إلى موسكو في رحلة لم تستغرق إلا بضع ساعات إزاء رحلة والده التاريخية التي استغرقت ما يقرب من شهرين، منعه فيها من الوصول إلى موسكو رجل السوفييت المثير ستالين، حتى توفى وتقلد خروتشوف تاج الكرملين التي فتحت أبوابها للزعيم الكوردي مصطفى البارزاني القادم من جحيم العنصرية والرجعية والفاشية إلى فضاءات الحرية والتقدمية والاشتراكية!

     بعد قتال مرير على الحدود الإيرانية السوفياتية بينه وبين ملاحقيه من جند شاه ايران نجح في الدخول الى أراضي الدولة الاشتراكية الأولى في العالم كما ذكرت إذاعة لندن يومها:

" في 17/6/1947 حيث وقعت مصادمة عظيمة بين قوات ايران النظامية والأكراد بالقرب من الحدود الروسية وتمكن القائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني مع أتباعه البالغ عددهم أكثر من (500) مقاتل من العبور الى الحدود الروسية."

     وخلال سنوات مريرة امتدت من هذا اليوم وحتى وصوله الى العاصمة موسكو مطلع 1954م عاش زعيم الكورد وكوردستان  ورفاقه أياما قاسية تحت ظلال دكتاتورية ستالين، التي تخلت عن أول جمهورية كوردية لتقاتل وحدها إمبراطورية طاغية، ثم سحقت كوردستانها الحمراء في الاتحاد السوفياتي، وحاولت صهر وإذابة الزعيم البارزاني ورفاقه في بوتقة شيوعية ستالين التي فشلت في استمالته عقائديا ونجحت في إبعاده ما يقرب من ست سنوات من الوصول إلى عاصمة الثلوج موسكو!

     في مطلع 1954م طرق البارزاني الأول بوابات موسكو الحديدية واخترق الكرملين بصرخات كاوه الحداد وهو يحمل الى قادة التحرر العالمي ملف كوردستان وشعبها ومستقبل المئات من رفاقه الذين شتتهم ستالين وقطع أوصالهم كما قطعت أوصال كوردستان، ليوزعهم على جمهوريات السوفييت ومدنها ويحرمهم من ابسط حقوقهم في التعلم والقبول في الجامعات والمعاهد وحرية التنقل والعمل.

     كان خروتشوف ينصت بعمق الى البارزاني مصطفى، وأدرك ثقل ما اقترفه ستالين وأجهزته بحق ثوار كوردستان، فاصدر تعليماته برفع كل أنواع الضغط عنهم ومنحهم حرية العمل والتنقل والتعليم في الجامعات والمعاهد المدنية والعسكرية، حيث هيأ البارزاني قائمة بأسماء (104) من الشباب لإدخالهم في جامعات (بيلا روسيا)، كما أدخل عدد آخر من الشباب في جامعة طشقند،  وهكذا رفعت كل القيود عن البارزانيين ومنحوا كامل الحرية في التنقل والعمل، أما هو فقد سكن بدار في موسكو قرب شارع (توفوملوبودسكايا)، والذي حضر الرئيس بارزاني حفل افتتاحه اليوم بعد أكثر من نصف قرن، حيث تحول الى رمزٍ آخر و شاهد على حقبة مهمة من تاريخ شعب كوردستان وقادته.

     اليوم لا يشبه الأمس، بالعكس مما اعتدنا على سماعه " ما أشبه اليوم بالبارحة "، يحط رئيس كوردستان مسعود بارزاني بعد أكثر من نصف قرن على وصول زعيمها الأول، بأقل من أربع ساعات بعد أن قطع والده المسافة إلى قلب موسكو بسنوات طويلة، موسكو حيث كثرت فيها الألوان اليوم بعد أن كانت في الأمس لونا أوحدا، موسكو التي دعا زعيمها الكرمليني فلاديمير بوتين، زعيم كوردستان حامل مفاتيح بوابات الوطن المعافى والذي حمله البارزاني الكبير ذات يوم مجروحا الى هناك، بوابة الإقليم الأكثر أمنا وسلاما وتطورا في بحر متلاطم من القيل والقال وبئس الأفعال، بوابة كوردستان الاقتصادية التي سيطل منها الدب الروسي الملون على ارض الرافدين والخليج، بما فيهم من انواع الطاقة في الكهرباء والغاز والبترول، وشعب معفر بالوفاء وتواق للتقدم والبناء والسلام.

kmkinfo@gmail.com   

128
الربيع العربي والاغتصاب الجنسي!

كفاح محمود كريم

    أثارت عمليات التحرش الجنسي في مصر منذ فترة كثيرا من الجدل والمناقشات بين المراقبين والمختصين في الشأن الاجتماعي والنفسي والسياسي في بلدان الشرق الأوسط، التي تعصف بها عمليات التغيير المسماة بالربيع العربي، ففي الوقت الذي تركز التحرش الجنسي في الساحة المصرية، أخذت عمليات القتل العشوائي بعدا كبيرا في كل من العراق وسوريا وليبيا والى حد ما اليمن، حيث لم يثبت فيها وجود ظاهرة حوادث التحرش أو الاغتصاب الجنسي على خلفية سياسية إلا باستثناءات قليلة، قياسا بما يحدث الآن من عمليات إرهاب منظمة ضد النساء لمنعها تماما من أن يكون لها دورا اجتماعيا أو سياسيا، وهي بذلك أي عمليات التحرش والاغتصاب التي تجري في مصر مشابهة  في أهدافها الترويعية لعمليات القتل الجماعي العشوائي التي كانت وما زالت تستهدف تجمعات السكان بصرف النظر عن انتماءاتهم أو ألوانهم أو أعراقهم، فهي تهدف إلى زرع الخوف والرعب ومن ثم الاستكانة والعبودية، وهي بالذات الأهداف المتوخاة من عمليات التحرش والاغتصاب الجنسي المنظمة للنساء والفتيات في مصر ممن شاركن في التظاهرات والاحتجاجات،  حسب ما جاء في حديث اثنتين فقط ممن تعرضن للتحرش الجنسي المنظم.*

     صحيح إن حالات من الاغتصاب الجنسي كانت قد حصلت هنا وهناك في بعض السجون العراقية والسورية وغيرها لأغراض التسقيط السياسي والاجتماعي، أو من أجل إجبار المعتقلين والمعتقلات على الاعتراف أو ترك العمل السياسي المعارض للنظام، إلا أنها كانت  ضيقة ولم تكن ظاهرة منظمة كما يحصل الآن وبشكل موجه في مصر وخاصة ضد النساء والفتيات المعارضات لنهج الحاكمين الجدد في البلاد ومحاولة فرض نظام عقائدي على المجتمع والدولة المصرية.   

     إن ما يجري في مصر غريب جدا عن طبيعة تكوين وعلاقات مجتمعاتها، وعن موقف المجتمع الرجالي من النساء، حتى عرفت مصر بتسامحها ومرونتها في علاقاتها الاجتماعية أكثر من كل البلدان العربية والإسلامية، وغدت نموذجا وقدوة لكثير من المجتمعات في المنطقة، بالضبط كما هي عمليات التقتيل الجماعي التي استخدمتها الأنظمة الدكتاتورية في العراق وسوريا، ومن ثم القاعدة وتنظيماتها ومن شابهها، في زرع الرعب والإرهاب ومن ثم تحويل الأهالي إلى قطيع مستكين، كما جرى في بلادنا ويجري الآن في الشام من عمليات تقتيل جماعي بتفجيرات في مناطق عامة للسكان المدنيين على خلفية ما يسمى بالثورة والتحرير!؟

     إنها فاشية جديدة ضد النساء كما هي فاشية التقتيل العشوائي  للسكان، والغرض في كلتي الجريمتين هو فرض نمط معين من الحياة الاجتماعية والسياسية في ظل حكم دكتاتوري تسوده العبودية والاستكانة والإذلال، وكسر شوكة أية معارضة أو تعبير عن رأي مختلف مع ما يريده السلطان ليبيح وعٌاضه وسدنته، عمليات الاغتصاب والتقتيل كما هو واضح من دعواتهم على شاشات التلفزة يوميا*.
kmkinfo@gmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*   http://www.youtube.com/watch?v=FnlC72FtznY

*
http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2013/02/07/358046.html

 

129
في الليلة الظلماء يفتقد بدر كوردستان!

كفاح محمود كريم

     هكذا دوما يبقى بدر كوردستان جزءً مهما من الحل الأمثل لكل عقدة من عقد بلادنا التي تتزايد وتتكاثر مع توالي الأيام دونما الإذعان إلى العقل في الحل والحوار، ففي الأمس القريب كانت البلاد قاب قوسين او ادنى من تفكك نسيجها وامنها وسلامها لولا ان اطل بدر كوردستان ليمزق الظلام المدلهم ويشرق بحكومة حافظت في حدها الأدنى على كينونة البلاد واسمها.

     وها هي العاصمة بغداد، التي تأن ألما من جروحها الملتهبة والمتكلسة حتى العظم، مرعوبة بدعايات تشبه إلى حد كبير تلك المرعبات من حكايات السعلوة وليل شهريار الذي يفترس كل ليلة واحدة من حسناوات بغداد، بغداد التي أشاعت ماكينة الدعاية السلطوية إن زحفا قادما اليها سيحرق الاخضر واليابس، حتى حرمت الليالي اطفال بغداد من النوم تحسبا لسعلوة تفترسها في كنف الظلام!

     وبين الساعة واختها واليوم وبديله ينبلج البدر الكوردستاني ليوقف ذلك الزحف المزعوم كما صوروه لأناس ما انفكوا يؤكدون انما هم في بغداد تبركا وصلاة ليس إلا!

    كوردستان أبدا ليست جزء من المشكلة بل هي دوما نموذج للحل، إن لم تكن الحل كله حينما تتعقد الأمور وتدلهم الليالي، وقد أثبتت الأيام إنها بصيص الأمل في المستقبل آلات، وهي القائلة دوما ما من حق كوردستاني دونما ديمقراطية حقة، ولم تأت في صراعاتها شعبا أو قوما بل كانت كما قال قائد نهضتها الزعيم مصطفى البارزاني إن الصراع دوما مع السلطة الدكتاتورية التي تحارب العرب والكورد وغيرهم، حتى تحولت إلى ملاذ آمن لكل الأحرار في بلاد الرافدين من كل المكونات ومنذ تأسيس الدولة وحتى يومنا هذا، فليس أدل على ذلك إلا ما شهدته جبال كوردستان حينما كانت السلطة في بغداد تحرق الاخضر واليابس بدكتاتوريتها وطغيانها، وها هي اليوم تحتضن مئات الآلاف من العراقيين الذين يبحثون عن الحرية والأمان والسلام والرزق الحلال، لا يسأل فيها الإنسان عن دينه أو مذهبه أو عرقه، فالكل سواسية في المواطنة وأمام القانون.

     وليس لي أن أقول أكثر مما قاله زميلي الكاتب والإعلامي المبدع هشام العقابي عن كوردستانه:
     دولة القانون يهاجمون أربيل وقت الرخاء ويفتقدونها وقت الشدة، ولا عجب، إذ

                                                                    "في الليلة الظلماء يفتقد البدر"

kmkinfo@gmail.com


130
حكومة القيل والقال؟

كفاح محمود كريم

    لم يمر بتاريخ الدولة العراقية حكومة ومجلس نواب يحب القيل والقال مثل حكومتنا وبرلماننا الحالي، فمنذ تأسيسهما بعيد انتخابات كانون ثاني 2005م وحتى يومنا هذا، وهما في دوامة القيل والقال وقلة الأفعال والأعمال، قياسا ومقارنة مع ما صرفوه من تصريحات ومؤتمرات صحفية وتنابز وتهاجم وتشهير واتهامات ووعود لا أول لها ولا آخر، إلا ما رأيناه في فضائح الإمطار وما تكرمت به علينا السماء بعد سنين من الجدب والجفاف، حيث كشفت تلك الأمطار عورات الحكومة، كما كشفت مظاهرات الانبار والموصل عورات مجلس النواب وثرثرة الكثير من أعضائه في الوعود المخدرة للأهالي قبل وبعد وصولهم إلى قبة الامتيازات وتحقيق المصالح باسم الغلابة من هذا الشعب العجب.

     ومنذ بداية الأزمة الحكومية والتي بانت أعراضها بعد نيلها الثقة مباشرة سواء فيما بينها تارة لعدم تجانسها، أو بينها وبين الشعب تارة أخرى، حيث أظهرت فشلا ذريعا في إدارة الحكم كما هي في تنفيذ برامجها التي وعدت بها الشعب، ورغم كل شيء نجحت في تنظيم عشرات الأزمات والمؤتمرات والمناسبات لكي تكون ساحة للقيل والقال، وليس أدل على ذلك إلا ما نشاهده ونسمعه من تصنيع مثير للازمات مع الجميع دون استثناء، وها هي في بعض مؤتمرات العشائر التي يباركها رئيس الوزراء ويقود فيها سباق إلقاء الكلمات، والعجيب هذه الطواقم من مختصي القيل والقال الذين ينبرون بمناسبة وبدونها إلى إلقاء الخطب وعقد المؤتمرات الصحفية وبدأ نزالات القلقلة كما يقولون، وهم يتنازعون ويتنابزون ويتهاجمون فيما بينهم، ولا فائدة للمواطن والمواطنة من ( ثرم البصل ) كما يقولون إلا تلك الدموع التي تعكس نتانة الواقع ومأساة العيش الذي تحول تحت سقف هكذا حكومة وبرلمان إلى أسوء أنواع العيش في العالم كما تم توصيفه من قبل بعض منظمات الشفافية الدولية.

     لقد تسلطت على بلادنا أنماط من النظم والحكومات اقل ما يقال عنها توصيفا أنها حكومات للشعارات والثرثرة واللافتات والمزايدات التي لم يجنِ منها الشعب إلا الكذب والدمار وتقهقر البلاد، حتى انهار ذلك النظام وسقطت البلاد برمتها تحت الاحتلال وما رافقه من إعمال إرهاب كادت أن تدمر ما أبقته الدكتاتورية من حفنة تراب كما كان يصفها رئيسها حينما ينافسونه على الحكم، واليوم وبعد كل ذلك الطوفان من الشعارات الكاذبة والثرثرة الفارغة والمزايدات الساذجة، تأملنا اننا اجتزنا تلك المرحلة البائسة في تاريخنا السياسي، وبدأنا مرحلة جديدة من الجدية والوضوح والبناء المتحضر لبلاد أدمنت الخراب وهي التي أنتجت أكثر أسس البناء والحضارة في تاريخها القديم، جاءت حكومتنا الرشيدة لكي تستنسخ كثير من تلك المظاهر في القيل والقال، ولم يعد لديها منذ سنوات إلا القلقلة التي تثير الرأي العام وتبعده عن حقيقة الأوضاع وتدهور الخدمات، بل وتنشر البلبلة وتهيج المشاعر، حتى تحول هذا النمط من السلوك إلى ابرز ما يميزها عن غيرها في افتعال الأزمات وصناعتها لديمومة القيل والقال، حيث تنبري طواقم إعلامها أو نوابها أو من يمثلها أو من ( يتلكلك لها ) إلى الدفاع عن هذا النمط من التعامل مع ما يحصل في البلاد من احتجاجات وتظاهرات، متعمدة في إثارة النعرات والإشكاليات والتهجم على هذا وذاك واتهامهم بشتى الأوصاف والنعوت، واستخدام التحايل والتهميش وكسب الوقت واستغلال الفرص، بدلا من وضع حلول وبرامج جدية لتخليص البلاد مما ورثته من تعقيدات حولتها إلى ما يشبه قطعة الزجاج في تركيبه.

kmkinfo@gmail.com   



 



131
الصحافة والانترنيت

كفاح محمود كريم

     بعد ما يقرب من ثمانين عاما توقفت النيوزويك الأمريكية الواسعة الانتشار والأكثر شهرة عالميا، عن الصيغة الورقية لتظهر على شاشات الكومبيوتر عبر الانترنيت كصحيفة الكترونية، ربما ستحقق انتشارا مضاعفا وأرباحا أكثر مما كانت تجنيه وهي صفحات ورقية، في إشارة إلى بلوغ العولمة إلى مستويات أفقية واسعة، وانتشار استخدام وسائلها بشكل كبير جدا في كثير من أرجاء العالم، وهذه بتقديري هي النقطة الأهم في الموضوع، فكلما زادت مساحة الوعي الحديث باستخدام الانترنيت وانتشار أجهزة الحاسوب، توسعت معها دائرة الاتصال والتواصل بين البشر أفرادا أو مؤسسات، ولذلك ازعم تماما بأن كثير من الصحف والمجلات ستتوقف عن صيغتها الورقية لتفعل ما تفعله نيوزويك الآن، وربما كانت إيلاف السباقة إلى هذا العالم فاختصرت الطريق منذ البداية لكي تكون اليوم الصحيفة الناطقة بالعربية الأكثر انتشارا من كل الصحف المطبوعة في معظم الدول العربية والأوربية، فهي في متناول القراء في أي لحظة مع تحديثاتها على مدار الساعة، على غير ما تقدمه الصحف المطبوعة التي تأتي بأخبارها فجرا أو مساءً، بينما تنفرد الالكترونية بخاصية التحديث الفوري على مدار الساعة ومع الحدث مباشرة.

     ورغم ذلك يزعم الكثير إن للورقيات نكهتها الخاصة لا تقل بتقديري عن نكهات الألحان والأغاني القديمة لجيل معين بينما لا يتذوق جيل آخر تلك النكهة ويصر على إنتاج مرحلته، ورغم اختلاف الشأنين هنا إلا أن الحنين إلى ممارسة تقليب الصفحات واعتبارها أرشيفا أو وثيقة أو تقليدا صباحيا معينا ما يزال يدغدغ مشاعر الكثير تجاه الصحف والمجلات المطبوعة، رغم انه في مقدور أي شخص إعادة طبع أي صفحة من صفحات الجريدة أو المجلة الالكترونية وبالألوان أيضا متى شاء.

     ازعم إن انحسارا سيصيب الكثير من الصحف والمجلات الورقية، وستنتشر أكثر مما هو عليه الآن الصحف الالكترونية، بل إن تطورا نوعيا أيضا بدأ يظهر في العديد من تلك الالكترونيات التي انتشرت بسرعة مذهلة خلال سنوات قليلة، ورغم إن مستويات الكثير منها لا يرتقي على مستويات شقيقاتها الورقية التي غمرت سوق الصحافة في فورتها سواء هنا في العراق أو بقية بلدان ما يسمى بالربيع العربي، إلا أن تطورا واضحا بدأ يلوح في أفق الصحافة الالكترونية، ورغم ذلك تبقى الأمور معلقة بالمساحة الأفقية لانتشار استخدام الكومبيوتر والانترنيت لدى قطاعات واسعة من الناس، فكلما اتسعت تلك المساحة بين الأهالي، أي تقليص نسبة الأمية الحضارية، كلما انتشرت أكثر وسائل الإعلام الالكتروني من صحف ومجلات ومراكز معلومات، ومنابر التعبير عن الرأي وشبكات التواصل الاجتماعي، بما يحول عالمنا هذا فعلا إلى قرية متحضرة.

 kmkinfo@gmail.com

 

132
كوردستان والرئيس المنتخب

كفاح محمود كريم

           قبل عدة أيام اجتمع رئيس إقليم كوردستان بقادة المعارضة الثلاث في الإقليم ( كوران والاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية ) مبتدءا سلسلة من الاجتماعات والحوارات لمشاركة هذه القوى في صنع القرار وتحمل المسؤولية جنبا إلى جنب مع الفائزين بالانتخابات الأخيرة، وكان قبلها بعدة سنوات قد أثار السيد مسعود بارزاني رئيس كوردستان، الكثير من الآمال لدى المجتمع السياسي والثقافي وعموم الأهالي ليس هنا في الإقليم فحسب وإنما في كل أرجاء العراق، بإمكانية التطور المدني والديمقراطي في منطقة تتميز بتركيباتها العشائرية والدينية المحافظة، والتي تميل في طبيعتها إلى تمجيد الفرد شيخا كان أم رئيسا على خلفية تراكيب متوارثة في السلوك والثقافة عبر حقب زمنية طويلة، حينما أصر البارزاني على إجراء انتخابات رئاسية يتقدم إليها من يرى في نفسه مؤهلا لها، ورفضه لصيغة الولاية على خلفية فوز حزبه بالانتخابات، وهذا ما حصل فعلا حيث تقدم عدة مرشحين، كان فيهم من نافسه بشكل مؤثر لما حصل عليه من أصوات، وجاءت النتائج ليتقدم على منافسيه ويحقق ما يقرب من 70% من أصوات الناخبين لكي يكون أول رئيس عراقي وكوردستاني ينتخب مباشرة من الشعب، منذ تأسيس الدولة باستثناء ما يقرب من أربعين عاما، وهي الفترة التي تداول الحكم فيها رؤساء وزارات تحت ظل نظام ملكي برلماني استخدمت فيها صناديق الاقتراع، غير ذلك تسلط على رقاب العراقيين رجال استحوذوا على السلطة بانقلاب عسكري أو خيانة، حتى سقوط ذلك النمط الشمولي من النظم السياسية، واستبداله بنظام ديمقراطي يعتمد الانتخابات وصناديق الاقتراع وسيلة لتداول السلطة، حيث جاءت انتخابات 2005 بالرئيس الحالي لمجلس الوزراء العراقي بصفقة سياسية وليس بانتخاب مباشر من الشعب، على خلفية حفظ التوازن وديمومة العملية السياسية وإنضاجها كما حصل أيضا في اتفاقية اربيل بعيد انتخابات 2009 التي أوصلت السيد المالكي إلى رئاسة الحكومة بصفقة سياسية وليس بانتخاب مباشر من الشعب بوجود منافسين شخصيين له حتى من كتلته أو من حزبه.
 
     وفي عملية تكريس السلوك الديمقراطي بعد فوزه بالانتخابات، وأثناء زيارته لجامعة دهوك، اقترح احد الأساتذة في الجامعة اعتبار يوم زيارته يوما تاريخيا وعيدا سنويا يتم الاحتفال به، فرد عليه رافضا اقتراحه وقائلا:

    لماذا تفعلون ذلك انا من واجبي ان ازور كل مؤسسات الدولة ومنها الجامعات؟ فلماذا تجعلون يوم زيارتي الواجبة عيدا؟ توقفوا عن صناعة الدكتاتوريات واستنساخ صدام حسين مرة أخرى؟

    وحينما أراد شخص آخر أن يلطف الجو مقترحا منحه شهادة الدكتوراه الفخرية بمناسبة زيارته للجامعة رد عليه قائلا:

     اتركوا هذا التقليد واحترموا معايير الشهادات ودرجات العلم، فانا ارفض شهادة لا استحقها، ويكفيني فخرا انني بيشمه ركة لحماية هذا الوطن والدفاع عن انجازاته ومكتسباته وقوانينه.

     لقد كان هذا هو خيار الشعب في كوردستان العراق، للتحول من مجتمع العبودية إلى المجتمع الحر، والى تقاليد نظيفة خالية من الشوائب والأمراض الاجتماعية المتوارثة، رغم ما واجهه من تحديات كبيرة وحرب داخلية، لكن خياره على انتهاج الديمقراطية حينما توفرت فرصة الاستقلال الذاتي كان الخيار الوحيد، حيث أصر الرئيس مسعود بارزاني على انتخابه مباشرة من الشعب بوجود منافسين حقيقيين له بدلا من تسميته في البرلمان ومنحه الثقة على أساس حزبي فقط.

     إن طبيعة العملية السياسية والاجتماعية والظروف الدقيقة التي تمر بها كوردستان تحتم انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب بوجود منافسين كما هو الحال في كثير من بلدان العالم الديمقراطي، خاصة وان النظام السياسي في الإقليم خليط من النظامين البرلماني والرئاسي وهو الأنجع لطبيعة الإقليم وتقاليده الاجتماعية والسياسية.
kmkinfo@gmail.com


 



133
لعنة الكراسي في العراق؟

كفاح محمود كريم

    لا اعرف مدى صحة ما يسمى بلعنة الفراعنة رغم ما ذكر عنها وما سببته من إشكاليات كثيرة كما نشرت العديد من الصحف والمجلات عن أناس ماتوا أو تمرضوا أو فقدوا عقولهم بسبب بحثهم عن آثار الفراعنة، وبصرف النظر عن حقيقة الأمر أردت أن ادخل بلعنة الفراعنة إلى لعنة أخرى تلازم أي ملك أو رئيس يتولى الحكم في العراق، فهو نادر ما يعود إلى ذويه صاغ سليم كما يقولون وربما السبب في ذلك تشبثه بالكرسي وعناده مع الآخرين الذي يعتقدون أن لهم أسهما مهمة في تلك الكرسي، وهكذا تبدأ المؤامرات من اجل انقلاب يطيح بالرئيس ليعتلي رئيس آخر أكثر حماقة من الأول لأنه بالتأكيد سينتهي ذات النهاية، كما جاء في الحكاية الشعبية عن تقليد إحدى القرى برمي مختارها حينما يشيخ من أعلى الجبل ليعتلي ( سقيع ) آخر مكانه مختارا!؟

     وخلال ما يقرب من نصف قرن من تأسيس دولة العراق مطلع عشرينات القرن الماضي، مارست النخب السياسية المقربة من مليك البلاد وبطانته نوعا من تداول السلطة على النمط البريطاني، بنظام ملكي دستوري وصلاحيات للملك أوسع من صلاحيات الملكة البريطانية، وتمتع العراقيون لعدة سنوات باستقرار سياسي واقتصادي واجتماعي، حتى بانت بوادر التعاطي ( الملعون ) مع ما كان يسمى بالأقليات القومية والدينية، وخاصة الشريك الأساس في تأسيس وقيام المملكة العراقية من ثلاث ولايات آخرها كانت تضم معظم كوردستان الحالية بإقليمها ومناطقها المتنازع عليها إداريا، فأصبحت البندقية والفرهود هي الرد على مطالب الأهالي واعتراضاتهم، ومنها بدأت لعنة الرئيس العراقي وحكومته سواء ما جاء منها على ظهر الدبابة في باطن الليل أو صناديق العشائر والمذهب في انتخابات كنا نتأمل أنها علاج لكثير من مشاكل تداول السلطة، فإذ بها داء في مجتمعات ما تزال تولي وجهها شطر القرية بديلا للوطن والعشير بديلا للشعب.

     وبمجرد أن يستقر له الحال هذا الرئيس ويتوفر له كم ( دينار ) ويبلط كم ( شارعا ) ويبني كم ( جسرا ) يلتفت إلى ما حواليه ليسأل عن السلاح وتبدأ الحكاية.. فيرسل بقاليه إلى مخازن تجار الأسلحة ليشتري من هنا وهناك، وفي الطريق كعادة معظم البقالين تشتغل القومسيونات من هذا وذاك لتبدأ حكاية أخرى من حكايات الأسلحة والحروب تلك هي حكاية علي بابا والأربعين حرامي.

     ما أن تبدأ صفقات الأسلحة بالوصول إلى مخازن الرئيس  حتى يبدأ ( ينفش ) ريشه، وكما يقولون فان الأقربين أولى بالمعروف ( يتناوش، يتناول ) الشمال الحبيب كحقل لتجربة أسلحته، وتبدأ من هنا لعنة الكراسي والمناصب تحوم حواليه ليحرق الأخضر واليابس، ويعلق نياشين البطولة والقيادة لينتهي كالعادة مقتولا أو مطرودا أو مسموما أو مشنوقا أو محروقا، تلك هي لعنة الرؤساء في بلادنا من زعيمنا الأوحد وحتى دولة الرئيس الذي يتحارب مع الكل، لمجرد أن حكومته وقعت بضع صفقات سلاح أكثر من نصفها تفوح منه  رائحة الفساد والإفساد.

     ترى هل ستبقى لعنة الكراسي أو لعنة الرئيس سواء كان في أعلى الهرم أو حتى رئيس دائرة صغيرة أو مجموعة ما، تلاحق النظام السياسي في بلادنا، أم أن الديمقراطية ستنجح في إنقاذه هذه المرة من الموت قتلا أو حرقا أو شنقا أو سجنا أو نفيا، ليغادر كرسي الرئاسة معززا مكرما!؟

kmkinfo@gmail.com
     



 

134
تحالفات متعددة الأوجه!

كفاح محمود كريم

     مع قيام النظام السياسي الجديد في العراق اثر سقوط نظامه الشمولي في نيسان 2003م وبداية تأسيس نظام ودولة ديمقراطية يتم فيها تداول السلطة عن طريق الانتخابات وبمشاركة جميع الأحزاب والحركات والأفراد في مطلع 2005م، حيث جرت انتخابات عامة لتأسيس أول برلمان عراقي منتخب مباشرة من الشعب بعد سقوط برلمانه الملكي في تموز 1958م جرت تحالفات عديدة بين الأحزاب والحركات على شكل كتل أو مجموعات كان أهمها ثلاثة كتل رئيسية تعبر بشكل أو آخر عن مكونات العراق الرئيسية وهي التحالف الكوردستاني الذي ضم مكونات مجتمعات كوردستان الاثنية والدينية، والتحالف الوطني الذي مثل معظم المكون الشيعي، والثالث هو القائمة العراقية التي جمعت بين صفوفها أغلبية سنية رغم وجود بعض الشيعة الليبراليين إلا أنهم أقلية لا تخضع للقياس العام، إضافة إلى كتل صغيرة هنا وهناك ممثلة لمكونات عرقية أو دينية كالتركمان والمسيحيين وغيرهم.

     إن التحالف الشيعي- الكردي، وهذا ما اعتاد على تسميته الأهالي ووسائل الإعلام أيضا حاله حال التحالفات القائمة يمثل كتلتين أساسيتين في المجتمعات العراقية الأولى هي التحالف الوطني التي تمثل المكون الشيعي من عرب العراق غالبا، والكتلة الثانية هي التحالف الكوردستاني الذي يمثل الكورد غالبا، وفي كلا الكتلتين ومن ينضوي تحتهما أناس لا علاقة لهما عرقيا أو مذهبيا بهوية الكتلتين، ويأتي هذا التحالف متمشيا مع الإحساس المشترك بالمظلومية وبالتقارب في كثير من الأهداف والرؤى وهو يتناسق  مع روح النظام التوافقي والمشاركة في البلاد، فهو تحالف متعدد الأوجه حاله حال بقية التحالفات القائمة، حيث هناك أكثر من زاوية للنظر إليه، حيث يرى البعض انه تحالف كوردي شيعي، بينما يصفه السيد فاضل ميراني سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني الحليف الأكبر للتحالف الوطني الشيعي:
     
     إن الكورد سنة في اغلبهم والتحالف الوطني شيعي بأغلبيته فهو تحالف سني شيعي، كما إنهم أيضا من الناحية القومية عربا، وهذا يعني تحالف عربي كوردي، بمعنى إن التحالف لم يأخذ بعدا ضد مكون آخر ويقصد هنا السنة العرب، فالكورد يمثلون السنة أيضا كما يمثل الشيعة العرب، وهو بذلك تحالف وطني من اجل مصالح البلاد العليا.

      وفي كتلة العراقية ايضا هناك أوجه متعددة لشكل التحالفات حيث يرى البعض انها تمثل السنة العرب، بينما يرى آخرون انها تمثل الليبراليين العراقيين، ويزعم فريق آخر ومهم بأن البعثيين وجدوا فيها خير من يمثل بقاياهم هنا وهناك، وفي كل الأحوال يرى الكثير من المراقبين ان الكتلتين الرئيسيتين تعاني من تناقضات بنيوية حادة رغم كونهما في ائتلاف واحد كما في التيار الصدري ضمن التحالف الوطني والحرة والبيضاء وغيرهما في العراقية، بينما تتمتع كتلة التحالف الكوردستاني بتوحد واضح رغم وجود تناقضات ليست سهلة بين بعض مكوناتها.

    وفي الجانب الثاني، وعلى خلفية أزمة الحكم والأزمة المختنقة بين الكتلة الحاكمة والمعارضين لنهجها، ومن بين كل هذه الآراء والأوجه المتعددة يتبلور الآن فريق آخر يرفض هذا الشكل من التحالفات، وينادي بمشهد سياسي جديد يبعد هذا النمط المتعدد في أوجهه والمتحد في خلافاته وتناقضاته، والتي ربما هي الأخرى أي تلك التناقضات الحادة تعطي مشهدا أكثر واقعية بتبلور ثلاث قوى رئيسية تمثل ثلاثة أقاليم جغرافية تاريخية يتكون منها العراق الاتحادي ألتعددي الديمقراطي.
kmkinfo@gmail.com

135
المنبر الحر / كذابون لا تصدقوهم!
« في: 14:50 20/01/2013  »
كذابون لا تصدقوهم!

كفاح محمود كريم

     خرج قبل أيام عزة الدوري لكي يرسل رسالة إلى الأهالي بأنهم ما يزالون على الساحة يحركون الشارع ويقودون المظاهرات، ورغم أن ذلك لا يمت إلى الحقيقة بأية صلة إلا أنهم كعادتهم يستثمرون جهود غيرهم ويكذبون على الناس بإنشاءات وشعارات جوفاء خبرناها خلال أربعين عاما من أحلك السنوات وأكثرها ظلما وسوادا في تاريخ هذا البلد.

     لقد خبر العراقيون أكاذيبهم وتزييفهم للحقائق وتشويههم للأحداث والمواقف عبر تاريخهم ليس هنا في العراق فقط بل حتى في سوريا التي يذبحونها الآن كما ذبحوا العراق، ويتذكر العراقيون والسوريون جيدا مآسيهم وجرائمهم بحق شعوب هذه البلاد ومكوناتها القومية والمذهبية والدينية فلم يسلم منهم كورديا أو تركمانيا أو آشوريا أو كلدانيا إلا وآذوه حتى الإبادة من اجل استلاب عقله أو أصله أو ثقافته، وفعلوا ذات الفعل بالشيعة والسنة والايزيدية والمسيحية والصابئة، حتى يكاد العراق أن يفرغ من مكوناته الأساسية والأصلية

     ورب سائل يسأل أو يعترض على أن الذين تعرضوا للقتل أو التهجير بعد سقوط نظامهم أكثر بكثير ممن حصل لهم ذلك أيام حكمهم، أقول إن ما حصل بعد ذلك انما جاء نتيجة تلك العقلية التي زرعوا بذورها طيلة عقود من التثقيف الشوفيني والمتطرف لدى قطاعات واسعة من الشبيبة والأهالي وتم حصد ثمارها العنصرية والمتطرفة بعد سقوطهم أيضا

     إنهم يكذبون وذلك أهم مواصفاتهم فهل ننسى كيف أنهم حتى سقوطهم كانوا قد أوهموا أنفسهم ومن مثلهم بانتصاراتهم العملاقة في هزيمة حرب الخليج الأولى والثانية وما أسموه بأم المعارك وما بعدها بالحواسم التي كشفت عوراتهم وبانت حقائقهم كسراق وقتلة ليس الا، وهل ينسى الكوردستانيون كيف انهم هزموا شر هزيمة في اقليم كوردستان ليقولوا للأهالي انهم انسحبوا، وذهبوا إلى مناطق أخرى مع تشكيلات كارتونية مثل مقر محافظة اربيل في مخمور ومقر محافظة دهوك في الموصل بكافة دوائرهما وكذا الحال مع السليمانية واستمروا بهذا الكذب لحين سقوطهم المخزي في نيسان 2003م

     واليوم يخرج مطلوب منهم للعدالة بتهمة اقتراف جرائم بحق الإنسانية ليكذب كذبة أخرى أكثر سخرية وسذاجة من كل أكاذيبهم ليقول فيها أنهم يحركون الشارع الذي يلعنهم قبل سواهم لما اقترفوه من جرائم بحقه وما زرعوه من آثام وانحرافات تظهر بين الفترة والأخرى، ويبقى السؤال المهم جدا:

                                                    لماذا ظهر الدوري الآن؟ ومن أظهره ولصالح من؟

    الجواب ربما يؤشر إلى كثير من الحقائق أولها من يريد إفشال وتلويث المظاهرات وحرفها عن طريقها الصائب، هو الذي أومأ إلى الدوري بالظهور!؟
kmkinfo@gmail.com

136
المنبر الحر / من هو حرامي بغداد؟
« في: 14:48 15/01/2013  »
من هو حرامي بغداد؟

كفاح محمود كريم

     حرامي بغداد وصف أطلق على الكثير من المسؤولين العراقيين عبر تاريخ الدولة منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، وربما الأكثر انتشارا حتى قيام حكومتنا الرشيدة جدا جدا بعد انتخابات 2005م كان قد حمله ذائع الصيت رئيس وزراء العراق أيام حكم العوارف طاهر يحيى، الذي ذكرت كثير من المصادر انه كان ضحية عملية تسقيط قام بها البعثيون كعادتهم في تسقيط معارضيهم أو من يختلفون معهم، وان الفريق يحيى كان نزيها ونضيف اليد الا انه اختلف معهم وعارضهم فأسقطوه بتسميته حرامي بغداد؟

     واليوم بعد هذا السيل من ملفات الفساد التي وصلت عشرات المليارات أي بما يعادل كل موازنات الدولة العراقية وحتى سقوط نظامها الشمولي في 2003م، وهي التي حددتها لجنة النزاهة وأجهزة القضاء وكشفتها وسائل الإعلام فيما يتعلق بملفات الكهرباء والعقود الوهمية وما يشابهها في وزارة النفط وتهريبه كحصص لكثير من الحاكمين في العاصمة، وما فعلته وزارة التجارة بشخص وزيرها الهارب عند الحكومة(!)، إضافة إلى عمليات صرف وتحويل الدولار من البنك المركزي نزولا وصعودا من قبل متنفذين حكوميين لهم علاقة بمراكز القرار المالي والسياسي في البلاد، إلى جانب صفقات التسلح التي ( غطت وعمت ) كما يقول المثل العراقي وتجاوزت في التعامل الفاسد عشرات الملايين لتقفز إلى المئات، وتكمل ما فضحه تقرير ديوان الرقابة المالية عن الاختلاسات المريعة في مكتب رئيس الوزراء الاتحادي ومكتبه كقائد عام للقوات المسلحة(!)

      فإذا كان التاريخ القريب يحكي لنا عن حرامي واحد في بغداد، فان التاريخ الأقدم يحكي عن أربعين حرامي التفوا حول علي بابا رحمه الله، فما بالنا اليوم ونحن نتصدر قوائم الفساد ( يعني البوك واللغف ، يعني السرقة بالعربي الفصيح!) في العالم حسب تصنيفات منظمات ومؤسسات الشفافية الدولية، ولم نعد حقيقة نستطيع إحصائهم أو تصنيفهم، وربما الاختلاف في تعريفهم يزيد تعقيد عملية التحديد، فهناك من يعتبرهم مخطئون فقط ويجب مسامحتهم، وهناك من يعتبر فعلتهم شطارة وفهلوية، بل ان البعض يعتبر ما يجنوه من المال العام انما يقع في باب الغنائم أو المنح، والله والعارفين كنه الأمور يعلمون ذلك، ورغم كل شيء تعلمنا جميعا في مجالسنا الشعبية ومدارسنا وبيوتنا، انه ما من ولد مسيء أو بنت مسيئة إلا وكان السبب ولي الأمر والقائم على التربية والتعليم، ومن هنا ندرك أن المسؤولية لا تقع دائما بكاملها على منفذها فقط!؟

    وعليه يحق لنا دون اتهام لأحد أن نسأل بعد هذا الطوفان من الفساد، هل لهذه ( الشليلة ) من رأس أو رؤوس، وأين هي حقا تلك التي تحمل بجدارة لقب حرامي أو حراميو بغداد بلا منازع أو منافس، أو على رأي البرلمانيين ولغتهم بأغلبية ساحقة!؟

kmkinfo@gmail.com

137
عبدالزهرة وكاكا خورشيد

كفاح محمود كريم

     أثارت تصريحات بعض رجال الدين في الأزمة والمظاهرات الأخيرة ذكريات مؤلمة لثقافة بائسة حكمت البلاد حقبة طويلة، وهي     واحدة من اخطر ما واجه الكيان العراقي منذ تأسيسه في الإقصاء والتهميش بل الاستصغار والاستعداء الذي حملت فايروساته كثير من طواقم الحكم في البلاد، ابتداءً من الحكم الملكي وحتى آخر حلقة حكم تكسرت في عدة أيام حينما تحدت العالم وقواه العظمى فقادت البلاد إلى التدمير والخراب والاحتلال، وبسقوطها وتكسر حلقاتها الأساسية بدأت مرحلة جديدة يفترض أنها تختلف كليا عن تلك الحقب التي نزف فيها العراقيون من كل المكونات سيولا من الدموع والدماء، نتيجة إغفال وتهميش وإقصاء الكورد والشيعة والتركمان والآشوريين والكلدان وغيرهم من المشاركة الفعلية في بناء الدولة وحكمها، حتى اندلعت ثورات عارمة في كوردستان والجنوب وانتفاضات كثيرة أدت إلى وقوع حروب داخلية ومآسي لا نظير لها إلا في جرائم النازية والفاشية، كما حصل في الأنفال وحلبجة والمقابر الجماعية في الجنوب العراقي اثر انتفاضة شعبان والربيع عام 1991م.

     ونتذكر جميعا كيف كانوا يستصغرون الآخرين بالتهكم والاحتقار وليس أدل على ذلك إلا ما قاله عبدالسلام عارف حينما ذهبوا اليه للتوسط في إيقاف الحرب على كوردستان، حيث قال:  ماذا نخسر نحن حينما يتقاتل كاكا خورشيد وعبدالزهرة؟
     ويقصد الكورد والشيعة ( حيث إن أغلبية مراتب الجيش كانت من أهالي الجنوب العراقي )، وربما كان ما يفعله فاشيو   وعنصريو حقبة البعث مكملا لتلك العقلية حينما كانوا يفصلون الشيعة عن السنة عن الكورد وهم يشكلون وحداتهم العسكرية الخاصة، بهذه العقلية كانت الأنظمة السياسية تحكم بلاد تتقاسمها مكونات عرقية وقومية ودينية ومذهبية مختلفة عانت جميعها من إقصاء وتهميش واستصغار، حفر في ذاكرتهم نقوشا أليمة في بؤسها وعنصريتها، حتى افتقدت البلاد إلى مفهوم متحضر للمواطنة التي ترتقي على الانتماء الديني أو القومي أو الاثني والعرقي.

     ان ما يجري اليوم من عملية إعادة تصنيع لتلك الثقافة انما يؤشر فشل الحكومة الاتحادية والبرلمان من تحقيق بديل يرضي الشارع العراقي عموما، مما أدى إلى ظهور أنماط من تلك المظاهر التي تعكس طبيعة ذلك الفكر الذي ما زال يعشش في رؤوس وسلوك كثير من الأفراد والجماعات التي اخترقت العملية السياسية ومفاصلها بسبب سوء الإدارة والفساد، ولو أتيح لها أكثر في اعتلاء ناصية الحكم ثانية لأعادت عقارب الساعة إلى الوراء، بل لفعلت أضعاف ما فعله نظام صدام حسين في العراق عموما مع الكورد أو الشيعة أو السنة وغيرهم. 

     لقد أكدت الأحداث طيلة ما يقرب من نصف قرن من حكم الطغاة في هذه البلاد فشل حكم طائفة أو مذهب أو قومية لوحدها دون مشاركة فعلية وحقيقية من جميع مكونات البلاد بذات الأطوال والأحجام، وقد أدت تلك المحاولات إلى فشل ذريع في تكوين كيان محترم بل على العكس جعلته واحدا من أسوء الكيانات في نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحضاري، واليوم تتوفر فرصة ذهبية في تكوين أسس فيدرالية لدولة اتحادية محترمة لا يشعر فيها عبدالزهرة وكاكا خورشيد وعمر وسرجون أنهم مقيمين في فندق بل مواطنين في دولة تحترمهم وتحبهم كمواطنين ليس إلا.

kmkinfo@gmail.com
 

138
الخوف وابناؤه السيئون؟

كفاح محمود كريم

    من يشاهد ويستمع لأداء موظفي البيت الأبيض أو مساعدي أي رئيس حكومة أو زعيم أوربي يدرك نوعية الصلة التي تربطهم مع بعضهم، والتي تقوم أساسا على الاحترام المتبادل المفعم بالود الخالص والخال من التملق والتدليس، والمبني على خلفية أنهم جميعا فريق عمل لخدمة الدولة، وليس الرئيس كشخص بل كموظف يؤدي واجبا وطنيا، ومن هنا فالكل يعمل من اجل أن يكون أداء الرئيس بمستوى الناخبين الذين انتخبوه لخدمة الوطن والشعب ومصالحه العليا، دون شعور بالخوف أو التحسب، فلكل منهم واجب ومهمة ومجال حيوي.

     والذي يلاحظ أداء معظم مساعدي أو موظفي الرئاسة في الدول الديمقراطية المتقدمة وخاصة في أوربا الغربية وأمريكا الشمالية واليابان يدرك تماما معنى أن يكون الإنسان حرا يعيش دون خوف أو تحسب، فقد ذكر معظم علماء النفس والاجتماع بان التملق من أبناء الخوف حاله حال الكذب الذي تنتجه منظومة الرعب والإرهاب بدءً من الأسرة والمدرسة وانتهاءً بالحكومة ورموزها، وهذا يعني إن المرء هناك ذكرا أو أنثى لا يُعطى الخوف مع الحليب ولا العار مع الشيكولاته، فينمو في بيئة نقية حرة يتطور تدريجيا ككائن متحضر متفوق في أدائه وحر في سلوكه كأي فارس مقدام.

     هذا الموظف أو المساعد أو من يكون له مكانه وموقعه الذي لا يقلل من طوله أو شأنه قيد أنملة عن أي موظف في الخدمة العامة من شرطي المرور وحتى رئيس الدولة أو الحكومة، فهم جميعا في قياسات واحدة وان اختلفت العناوين فإنها لغرض الراتب والتقاعد  ليس إلا، ولذلك تراهم يتعاملون ويتحادثون مع رؤسائهم أو مسؤوليهم الما فوق بشكل طبيعي متكافئ مفعم بالجدية والاحترام المتبادل خال من المديح الكاذب وكلمات الإطناب الجوفاء، بلغة راقية ملؤها الثقة بالنفس ودماثة الخلق الذي لا تدنسه أساليب التملق والتدليس والخوف والإرهاب، كما هو في كثير من بلداننا المعاقة سياسيا واجتماعيا، الغارقة في بحور من الخوف والشك والفاقة والانتهازية، حيث تلتف البطانات حول المسؤول كالتفاف الأفعى الناعمة على فريستها، حتى تشوه سمعتها وتجعل صورتها لدى العامة من الأهالي أكثر سوادا من مدلهمات الليالي، فيتحول الرئيس أو المسؤول إلى نصف اله محنط أو ربما يزيد تدريجيا مع اتساع مسافات البعد بينه وبين الناس.

    ربما إن النهج الديمقراطي في تداول السلطة وحرية التعبير ووسائلها واحدة من العلاجات التي توصف لهذه الظواهر المتكلسة في السلوك لدينا هنا في بلداننا الشرق أوسطية وما شابهها في تركيبه الاجتماعي والنفسي، لكن تبقى التربية الأولية في البيت والمدرسة هي الأساس في بناء شخصية الفرد، مما يستدعي ثورة حقيقية في مناهج التربية والتعليم وأساليبها المفعمة بالإملاء والخوف والامتحانات المرعبة التي تسببت في تكلس كثير من سلوكيات مشوهة ربما في مقدمتها قلق الشخصية وعدم اتزانها وفقدانها للثقة والركون إلى الاتكالية والتدليس.

kmkinfo@gmail.com

139
المنبر الحر / دولة التصريحات
« في: 17:48 27/12/2012  »
دولة التصريحات

كفاح محمود كريم

     منذ أن أصبح لدينا مجلسا للنواب منتخب بشكل ديمقراطي تشوبه كثير من آثام الماضي ومعاصيه، وتعفره مظاهر مواطنة العشير والقرية والمذهب، والعديد من فوارس هذا المجلس العتيد يتبارون مثل الديكة في حلبة للاستعراضات الدعائية حينما يشتد وطيس الخلافات والصراعات بين الأحزاب والكتل، حيث تتحول منابر الدائرة الإعلامية في مبنى البرلمان ومنصاتها إلى مهرجانات للخطابة يتسلقها أولئك الذين كانوا يعجزون من أن يتلوا نشيدا واحدا في المدرسة، والطريف انك تراهم يتجمعون حول خطيب يتوسطهم وهو يلقي خطبته العصماء، بينما يلتف حوله أعضاء من كتلته يتم توزيعهم كقطع الشطرنج من حواليه لكي يغيضوا ويرعبوا العدو المفترض، وفي كل هذه الاستعراضات تنهال التهم والادعاءات والتهديدات حتى ليضن المرء إننا قاب قوسين أو ادني من حرب عالمية ثالثة!؟

     في الأزمة الأخيرة بين الإدارة الاتحادية في بغداد والإقليمية في اربيل، شهد المواطن العراقي استعراضات اكروباتيكية وخطابية دعائية من قبل الكثير من أعضاء مجلس النواب العراقي مثيرة للأعصاب تارة وتارة أخرى للسخرية، فهم جميعا أي هؤلاء النواب مجرد أعضاء في كتلة ما أو حزب معين، ولا يحملون صفة الناطق الرسمي أو المتحدث المخول، لكنهم يمارسون حريتهم في التزلف لقادة تلك الكتل والأحزاب، في استعراضات تملقية مثيرة للرأي العام، عملت على تعقيد الأزمة وتصعيد وتيرتها، بما ترك ظلا قاتما على المزاج العام للأهالي، وادخل البلاد في أجواء حرب بين الأشقاء، حتى انبرى احدهم وهو ليس أكثر من عضو مقرب من زعيم إحدى الكتل ليسمم الأجواء ويتناول زعيم كتلة أخرى بالسباب والشتائم والتهم الباطلة لكي يتقرب أكثر من زعيمه ويضمن مقعده النيابي لدورة أخرى.

     لقد ساهمت بعض وسائل الإعلام الرديئة بنقل تصريحات هؤلاء النواب على مدار الساعة في خدمة مجانية لإشاعة أجواء مسمومة برياح حرب مفترضة، لو اتقدت لن تنطفئ إلا بسيول من الدماء، دون أن يمنعهم أي وازع أخلاقي ووطني في التحريض على الكراهية والأحقاد وتسميم مزاج الأهالي ونفسية المجتمع سواء في إقليم كوردستان أو في بقية أنحاء البلاد، حتى انهم عادوا الى ذات الثقافة التي حكمت هذه البلاد لما يقرب من نصف قرن وتجاوزوها في ادلجة عقائدية اعتبروا فيها الشريك الأساسي وملته من المارقين وأولاد الجن، بل هددوا بان أي حرب ستقع هذه المرة لن تكون بين الأكراد والسلطة بل بين العرب والأكراد، في سابقة لا مثيل لها منذ تأسيس الدولة وحتى سقوط نظام صدام حسين، حيث لم يتجرأ أي رئيس أو ملك أو قائد عسكري أن يصرح بأن القتال في كوردستان بين العرب والكورد.

     وأخيرا لو ترك هؤلاء النواب منصات الخطابة وشاشات التلفزة وتوقفوا عن تصريحاتهم الاستعراضية في مسائل تتعلق بالمصالح العليا للبلاد، وتفرغوا لفضح احدهم الآخر في ملفات الفساد لكانت الفائدة اعم واشمل، بدلا من تصريحات تؤدي إلى إراقة الدماء والى تحويل مشروع بناء البلاد واعمارها إلى مشروع بناء دولة التصريحات!؟

kmkinfo@gmail.com


140
بيئة الأزمة والأداء السيئ!

كفاح محمود كريم

     في معظم الأزمات التي تمر بها البلاد نتيجة التغييرات الكبيرة الحاصلة في بنية النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، يلعب الإعلام دورا مهما في التأثير على بيئة الأزمة والجو العام الذي يحيط بها، بل انه في كثير من الحالات يوجه دفة الصراع ودرجة اتقاده ايضا، ولقد شهدنا خلال الأزمة الأخيرة نوعان من الأداء الإعلامي مختلفان تماما عن بعضهما، ففي الوقت الذي تحاول مجموعات من الخبراء والكتاب والإعلاميين والمحللين السياسيين إعطاء صورة حقيقية للازمة بشكل حرفي ومهني دون المساس بأحد الأطراف بعيدا عن التشنج والانفعالات العاطفية، ينبري آخرون إلى تأزيم الأوضاع من خلال مساندة طرف ضد طرف آخر بما يسهل تقسيم الرأي العام وتحويله إلى جبهتين متصارعتين وتوسيع الهوة بينهما، وقد ساهم كثير من أعضاء مجلس النواب في هذا الأداء السلبي في جو الأزمة، حيث تحول الإعلام إلى حلبة استعراضات لمؤيدي أطراف النزاع أو الاختلاف من هؤلاء الأعضاء الذين خرجوا عن دائرة أدائهم التشريعي تحت قبة البرلمان إلى ساحة المصارعة الإعلامية متصورين بأنهم كلما تهجموا بشكل عنيف على الطرف الآخر سينالون رضا الآخرين دونما إحساس بموقعهم التشريعي وواجبهم الوطني في الحفاظ على السلم والأمن الاجتماعيين في كل البلاد.

     من المتعارف عليه إن لرئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء وبقية المسؤولين في الإدارة الاتحادية والإقليمية ناطقين رسميين أو متحدثين يعبرون عن رأيهم ورأي مؤسساتهم في أي حدث أو موضوع يخص الدولة أو الشعب، وبذلك تتاح فرصة للرأي العام بالاطلاع على المواقف الرسمية لتلك المؤسسات، وهناك تقليد أمريكي جدير بالاهتمام في هذا الجانب وهو الناطق اليومي باسم البيت الأبيض الأمريكي الذي يعطي خلاصة يومية لمواقف الإدارة الاتحادية في البلاد عن أوضاع الدولة ومواقفها الداخلية والخارجية، إضافة إلى اللقاء الأسبوعي للرئيس في الإذاعة والتلفزيون بشكل مباشر يتحدث فيها عن أحوال دولته وعلاقاتها، وما أضيف منذ سنوات في شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات المفتوحة دوما بين الرئيس ومواطنيه مباشرة.

     وفي كل هذه الأمور تشارك مؤسسات بحثية ومراكز دراسات تضم كتابا ومختصين من المحللين السياسيين والخبراء والفنيين، الذين تقع على عاتقهم دراسة المشكلة وتحليلها واقتراح الحلول والمشاريع لأي موضوع يتعلق بسياسة الدولة ومؤسساتها أو المشاكل والمعضلات التي تعاني منها ووضع خطط وبرامج لحل معضلاتها بعيدا عن الآراء الانفعالية والدعائية لهذا الطرف أو ذاك، كما يفعل العديد ممن أدمنوا شاشات التلفزة من أعضاء مجلس نوابنا الموقر، وبمقارنة بسيطة بين ما يحصل في مجلس العموم البريطاني أو النواب الأمريكي لأدركنا انه نادرا ما نرى احد هؤلاء الأعضاء يؤجج الرأي العام بشكل يجعل المجتمع في حالة تأهب لحرب في أجواء تسودها الأحقاد والكراهية التي يدعو لها نائب ما، كما حصل لدينا في الأزمة الأخيرة حيث انبرى العديد من أعضاء مجلس النواب بعيدا عن واجباتهم الأخلاقية والوطنية لإشاعة الكراهية والأحقاد ضد الطرف الآخر دون أي حرص على مبادئ التعايش والتسامح بين مكونات المجتمع وقومياته ومذاهبه وأديانه.

      ومن المؤسف إن كثيرا من الفضائيات ووسائل الإعلام تعاملت وتتعامل مع جو الأزمة بأسلوب سلبي جدا بعيد عن تقاليد الصحافة والإعلام المهنية والحرفية، بما لا يتوافق ومواثيق العمل الوطني والحرص الاجتماعي على مشاعر الأهالي وإبعادهم عن جو الأزمة قدر الإمكان بما يتيح للعقلاء والحكماء فرصة حلحلة التعقيدات، بل تحولت الى أبواق سمجة لعناصر مصابة بجوع رهيب للظهور على الشاشة والاستعراض فيها تملقا وتدليسا، لا يهمهم ما يفعلونه وما يتركونه من تخديش للمزاج العام للأهالي الذين يعضون أصابعهم التي انتخبت هؤلاء الأعضاء الذين يتحدثون في أي موضوع كان سواء يتعلق بالعراق أو جزر الواق واق، فالمهم لديهم الظهور على الشاشة والإدلاء بتصريحات دائرية لا يفهم منها إلا النفاق والتدليس لهذا أو ذاك!؟ 
 
kmkinfo@gmail.com


 .

141
حكومات التوريث والتوكيل!؟

كفاح محمود كريم

     يتميز الشرق عموما والأوسط خاصة بتقاليد لا مثيل لها عند كل شعوب الأرض وأنظمتها السياسية وثوراتها وأحزابها، إلا اللهم من اعتبرها قدوة ويحاول تطبيقها كما يحصل في كوبا التقدمية جدا وكوريا الشمالية الشيوعية للعظم وعراق صدام حسين وسوريا الأسد اللذان أنتجا لنا موديلا جديدا للملكيات الجمهورية، فهم يتوارثون المقاعد والمناصب والصفات النضالية حتى من كان منهم في مرحلة التكوين الجنيني في رحم أمه، حيث سيكون لاحقا مناضل عنيد وصنديد وربما يتبوء مكان في عليين!

     فآل فيدل وعشيرة كاسترو تتوارث الآن ملحقات الرئاسة بكل أشكالها ومراتبها وامتيازاتها، ينافسها في الجزء الآخر من الأرض وفي الشطر الشمالي من جزيرة كوريا شيخ شبيبة التقدمية والاشتراكية من آل كيم وعين أعيان عشيرة سونك الشاب المناضل جنينيا والمهذب إلى درجة انه اعدم احد جنرالات جيشه العقائدي بجعله هدفا لقذيفة هاون لأنه احتسى الخمر حزنا على فقيد الأمة والد الملك الرئيس الجديد، متجاوزا على تقاليد الأمة وأخلاقيات الرفاق المناضلين!؟

     ولو لم تأت قوات ما وراء البحار العظمى قبل تسع سنوات لبقت عائلة الرئيس الضرورة تحكم بلاد ما بين النهرين هي وأحفاد أحفادها أكثر من البابليين والسومريين والاكديين مجتمعين، وكذا الحال مع زعيم عصره وملك ملوك أفريقيا القائد الملهم جدا معمر القذافي وأولاده قادة الجيش وكتائبه الذين لولا طائرات الناتو لسحقوا ثلاثة أرباع الشعب معتبرين إياهم جرذانا وصراصير، وربما الأمور تجري هكذا أيضا مع آل الأسد الذين استفردوا في الغابة ووقعوا فيها قلعا ونهشا وحرقا وقتلا وافتراسا لأن سكانها فكروا، مجرد فكرة لتغيير الأوضاع واستبدال الأحوال!؟ 

     انها حقا أنظمة ودول القبائل والعشائر ما زالت تعيش زمنها منذ آلاف السنين، وان تطورت فإنها كما يقول الفيلسوف نيتشه ليس بالضرورة أن يكون التطور نحو الأمام، فهي اليوم تعود إلى مربعاتها الأولى في حكم الأسر ما قبل العشير والقبيلة، وما أدل على ذلك إلا مشهد سقوط أنظمتها في بغداد وطرابلس وتونس واليمن وغدا دمشق وغيرها، حيث سقطت تلك الأسر أو البيوت ولم تلحقهم أو تجري خلفهم عشائرهم إلا في مراسم الدفن فقط ليس إلا، وفي الجانب الآخر هناك اسرا أوعشائر ما تزال تحكم وتقع خارج هذه التسونامي وهي تمتد من موقع ( مصان غير مسؤول ) كالملكيات المنتشرة شرقا وغربا، وصولا إلى الجمهوريات ذات النظم الديمقراطية، ومعادلة البقاء فيها قبان تتوازن فيه العدالة الاجتماعية بما يجعل خيارات الأهالي تتناغم دوما مع تلك الحالة وبقاء تلك الأسر أو الأحزاب كما هو الحال في كثير من بلدان أوربا واسيا وأفريقيا.
 
     المهم دعونا نعود إلى ( سالفتنا ) والمسؤولين في حكومة أكثر مسؤوليها يمارسون أدوارهم خلف حرف الواو، أي بمعنى بالوكالة ابتداءً برئيس الحكومة الذي يتولى وزارات الدفاع والداخلية وربما كثير من المؤسسات التي يديرها بشكل مباشر بوجود مديرها أو وزيرها، وهناك أيضا من يمارس دوره بالاستعاضة عن أعضاء اسر أصحاب المعالي ووكلائهم والمدراء العامين ومن هم بدرجتهم صعودا ونزولا حيث يمارس أولادهم وأحفادهم وأقربائهم من كل الدرجات صلاحياتهم ويتجاوزونها في كثير من الأمور وخاصة في حقل المال والوجاهة والوساطة والذي منه كما يقول إخوتنا الجدعان، فتراهم يمارسون دور ذويهم بالوراثة، ويتلبسون لبوسهم بل ويتجاوزونهم في الصلاحيات والامتيازات واللغف والبلع مما رزقهم النظام القائم، والعجيب ان المسؤولين راضين بالشغلة جدا وعاجبتهم اللعبة ويتباهون باللاعبين الجدد وهم يفعلون ما لم يفعلوه هم في أعمارهم حتى غدت البلاد أكثر بلدان العالم فسادا وفشلا، بل إن عاصمتها أصبحت أكثر تعاسة للعيش في العالم!؟

kmkinfo@gmail.com

 

142
المنبر الحر / صدام لم يقلها؟
« في: 19:54 08/12/2012  »
صدام لم يقلها؟

كفاح محمود كريم

     منذ اندلاع الثورات الكوردية في مطلع القرن الماضي بعد تأسيس مملكة العراق وهضم حقوقهم التي انضموا من اجلها إلى تلك المملكة، كانت توصيات كل القادة الكورد وبالذات الزعيم مصطفى البارزاني ان الصراع بين حركة التحرر الكوردية والحكومات في بغداد انما هي مع الأنظمة الدكتاتورية والظالمة وليس مع الشعب العربي أو العراقي خارج الإقليم، وطوال عشرات السنين من الثورات المتتالية أثبتت حركة التحرر الكوردستانية عموما انها تنضوي تحت مبادئ وأخلاقيات الفروسية التي عرفها أولئك الذين كانوا يقعون في اسر قوات الثوار البيشمه ركه، بل ان قيادة الثورة الكوردية كانت على طول الخط تتمتع بعلاقات وثيقة مع كل العشائر العربية التي تعيش قرب كوردستان وعلى تخومها وخاصة أولئك العرب الاصلاء في المدن والبلدات التي تسمى اليوم بالمناطق المتنازع عليها حيث تعرضت لعملية تعريب وتشويه ديموغرافي حاد لسلخها عن الإقليم وذلك باستقدام أناس لا علاقة لهم بالمنطقة جغرافيا وتاريخيا بإغراءات مادية وأحلام شوفينية مقيتة حتى أطلقوا عليهم اسم عرب العشرة آلاف دينار لتمييزهم عن الاصلاء من سكنة تلك المناطق؟

     ورغم كل ما حصل من مآسي الحروب وصراعاتها الأليمة وما تداعى عنها من استخدام همجي للأسلحة المحرمة دوليا كالنابالم والأسلحة الكيماوية في حلبجة وكرميان وبادينان، إضافة الى حرب الإبادة البشرية التي تمثلت بجرائم الأنفال سيئة الصيت، حيث شملت مئات الآلاف من المواطنين المدنيين أطفالا ونساءً وشيوخا، لدرجة أن دكتاتور العراق صدام حسين وشقيقه علي كيماوي أمرا بإبادة الذكور البارزانيين من أعمار تسع سنوات فما فوق ليقتل ما يقرب من عشرة آلاف بارزاني خلال أشهر، رغم كل ذلك لم ينحدر دكتاتور أو جنرال أو سياسي منذ تأسيس المملكة العراقية إلى مستوى إعلان الحرب القومية بين العرب والكورد، كما هدد بها السيد رئيس مجلس الوزراء الاتحادي في العراق، البلد الذي يفترض انه غادر ذلك النمط من الثقافة الشوفينية الإرهابية، ألا ان  هذا التصريح يكشف توجها خطيرا مدعما بمفاهيم مؤدلجة وحملات دعائية مبرمجة ضد الكورد وإقليمهم بما يهيئ عشرات الآلاف من الذين خسروا الكثير بسقوط نظام صدام حسين وكانوا أدوات ووسائل التغيير الديموغرافي في المناطق المتنازع عليها، وخاصة أولئك الذين نفذوا جرائم الأنفال وتهجير مئات الآلاف من الأهالي الأصليين في سنجار وزمار وكركوك وخانقين ومندلي والشيخان، وإبادة ما يقرب من ربع مليون طفل وامرأة وشيخ كوردي، للانضواء تحت راية الفاشية الجديدة التي تنوي الهجوم على كوردستان وإطفاء أنوارها وإحراق ربيعها لتغطية فشلهم الذريع في بقية أنحاء العراق الذي حولوه بسياستهم البدائية إلى افشل دولة في العالم وجعلوا من بغداد التاريخ والحضارة أسوء مكان للعيش على ارض البسيطة، بينما تنعم كوردستان بالسلم والأمن والفرح والتعايش والتسامح والتطور.

     الحرب على كوردستان ومناطقها المستقطعة ليست نزهة أيها الجنرالات المخضرمين في حروب الأنفال  وحركات ( الشمال )، والكوردستانيون بناة جيدون وقد بنوا وطنهم ونالوا إعجاب الأعداء قبل الأصدقاء، ولن يريقوا الدماء هذه المرة من اجل الحفاظ على الفيدرالية فقط، فاتقوا الله في العراق وأهليه من ( أولاد الخايبة )، وتكفينا أعداد الأرامل والأيتام والثكالى التي تفوقنا بها على كل دول العالم!؟

     وتذكروا جيدا إن جبال كوردستان التي كانت عبر تاريخها وما زالت ملاذا يوم لا ملاذ غيرها، حطمت كل الأنظمة الدكتاتورية وجيوشها وجنرالاتها، وانتصرت لتحتضن كل العراق حينما ادلهمت لياليه ونهاراته، فكانت الحضن الأمن لكل المظلومين العراقيين من الأديان والمذاهب والمكونات التي تعرضت للإبادة والتهجير والاضطهاد!؟

kmkinfo@gmail.com

143
بطاقة القطيع وسندويش الفلافل؟

كفاح محمود كريم


     في الدول المتقدمة والأنظمة المتحضرة يتنافس الخبراء والمشرعين والمسؤولين من اجل اكتشاف أو تطوير أو ابتداع أكثر الوسائل والأساليب خدمة للأهالي، وفي كل مناحي الحياة، بما يلبي رغبات الأكثرية ويحترم دوما خيارات الأقلية، ولذلك ترى فيها منظومات متطورة للتكافل الاجتماعي، تكون فيها الدولة وأجهزتها خادمة لتلك الأنظمة بما يحقق حياة رغيدة وكرامة رفيعة مصانة لمواطنيها، لا تخضع للابتزاز أو المساومة أو استخدام تلك المنظومات لاستغلال المواطن سياسيا أو اقتصاديا، كما يحصل في كثير من بلداننا التي حاولت استنساخ بعض تلك المنظومات ولكن بتنفيذ شرقي استغلالي بشع، منذ وقوعها تحت حكم الأنظمة الشمولية، وهي تناضل من أجل تحويل الأهالي إلى قطيع صاغر جائع مستكين، تتحكم فيه كما تتحكم الذئاب في قطعان الماشية التي تفقد رعاتها، وخير ما أنتجته تلك الثقافة هو نجاحها المنقطع النظير في ربط كل الأهالي بمصدر تغذية واحد، يتحكم فيه الرئيس الأوحد  والحزب القائد وليست المؤسسات كما يحصل في الدول المتقدمة، ويعرف الجميع العدد الهائل من مستوطنات الفساد في الجمعيات الاستهلاكية والتموينية في مصر وسوريا واليمن ومن شابههم وخاصة تجربتنا الرائدة في البطاقة التموينية وماهية النوعيات الرديئة من الأغذية وكمياتها التي توزع بشكل مخز على الأهالي، حيث أصبحت البطاقة التموينية ورقة جوكر بيد النظام العراقي السابق، يلعب فيها ويستغلها بشكل بشع ومرعب في تبعيث الأهالي والتهديد بقطعها عن أسر الأشخاص المعارضين سواء من كان منهم في العمل الثوري داخل العراق أو هاربا خارجه.

     وطيلة سنوات مريرة من الحصار أصبحت هذه البطاقة ومفرداتها تغطي ما يقرب من نصف حاجة المواطن في الحد الأدنى للعيش في ظروف قاهرة وقاسية من ضغطين مزدوجين احدهما الطرف الاممي متمثلا بقرارات مجلس الأمن في الحصار، والثاني استغلال النظام لتلك البطاقة وتحويل الأهالي إلى قطيع جائع، وإشاعة الاتكالية والاستكانة والارتباط التام بالنظام ومقدراته حتى غدت البطاقة التموينية أكثر أهمية من شهادة الجنسية العراقية في كل تفاصيل الحياة والعلاقة بالوطن ومؤسساته!؟

     بعد سقوط النظام كان هناك تصوران لمصير البطاقة التموينية أولهما أن يتم تطوير مفرداتها من الناحيتين النوعية والكمية، بل إن مخيلة القطيع أشاعت في حينها بان الوجبة ستكون ذهبية ومجانية أيضا، أما الخيار أو التصور الثاني فكان إلغائها لنفاذ الحاجة إليها ورفع الحصار وسقوط النظام، وللأسف الشديد لم يتحقق أي من التصورين بل على العكس تقهقرت مفردات البطاقة في الكم والنوع وانشطرت مستوطنات الفساد في هيئاتها ووزارتها بشكل اميبي أو فايروسي حتى أطاحت ولو بشكل كارتوني بوزير التجارة السابق وإدانته بالفساد والإفساد، إلا أن البطاقة راوحت في محلها حتى تمخض مجلس الوزراء عن قرار سطحي بائس بإلغاء البطاقة والاستعاضة عنها بما قيمته ثمن لفة فلافل يوميا للفرد العراقي، دون دراسة علمية واجتماعية واقتصادية تعتمد تأثيرات البطاقة وثقافتها طيلة ما يقرب من ربع قرن، وما ستؤول عنه الأحوال بعد إلغائها في بلد يعاني ربع سكانه من الفقر المدقع والبطالة والتضخم وفقدان السلم والأمن الاجتماعيين وتدهور الخدمات الحيوية إلى مستوى مريع، جعل توصيف الدولة العراقية بالفاشلة من أهم ما يميزها في العالم رغم ما تمتلكه من مئات المليارات التي أكسبت النظام السياسي صفة أخرى هي الأكثر فسادا في العالم!؟ 

    إن إلغاء البطاقة ضروري جدا ولكن الأكثر أهمية هو أن يكون هناك بديل حضاري يحفظ حقوق شريحة الفقراء ومحدودي الدخل  من الموظفين الصغار والعمال من خلال جمعيات تعاونية حقيقية مدعومة من قبل الدولة توفر كل ما يحتاجونه بأسعار ثابتة تتلاءم ومدخولاتهم، وتلك البدائل تحتاج إلى أرضية وظروف تعتمد أسسا إنتاجية واستثمارية ضخمة في البلاد، تقلص فيها مساحات البطالة والتضخم والفساد وتعمل من أجل اقتصاد ديناميكي أساسه الإنتاج المحلي لتأمين سبل العيش للفرد بما يحقق إبعاده عن الاتكالية والسلبية وتقليص البطالة والتحول من النمط الاستهلاكي إلى الإنتاجي وخاصة في الريف وحقول الزراعة التي تكاد أن تندثر وتدثر معها أنواع متعددة من الصناعة.

kmkinfo@gmail.com

144
المنبر الحر / متى يعقلون!؟
« في: 14:34 29/11/2012  »
متى يعقلون!؟

كفاح محمود كريم

    عجيب أمر بلادنا ومن يحكمها منذ تأسيس مملكتها وحتى يومنا هذا وكأن لعنة الحرب والدمار لازمة بذيول دشاديش حكامها، فما من ملك أو رئيس أو دولة رئيس، بلط شارعا أو بنى جسرا إلا واشترى طائرة أو دبابة لمشروع حرب لا مناص منها، كأنما تلك الثقافة البائسة التي يمارسها القروي أو البدوي أيام زمان حينما تكثر أمواله فيحتار ماذا يفعل بها، فإما الزواج على رأس زوجته أو زيجاته أو شراء بندقية كخطوة أولى لمشروع استثماري في القتل، وهكذا حال معظم أنظمة الحكم التي توالت على ( اغتصاب ) العراق.

     نتذكر جيدا كيف أنهم بلطوا عدة شوارع وبنوا عدة مجمعات سكنية ومجموعة مستشفيات ( ليبلشوا ) أي ليشرعوا في حروب ما زلنا ندفع فواتيرها الى أن يشاء الله ويهتدي خلفائهم في بناء دولة مدنية تعتمد العقل والحكمة والعلم والثقافة والتحضر في بناء قوة البلاد الدفاعية والهجومية بدلا من الطائرات والدبابات والمدافع، كما فعلت المانيا وشقيقتها امبراطورية اليابان بعد انتكاستيها العظمى في الحرب العالمية الثانية، حيث كان الدرس بليغا والخسائر أعظم، ولكن الأكثر روعة ونبلا وفروسية هو موقف الحكماء فيهما، حينما قرروا ترك لغة السلاح والتسلح واستبدالهما ببناء دولتيهما وتطوير مجتمعاتهم في إطار مدني متحضر، أنتج خلال اقل من نصف قرن دولتان عظيمتان في تطورهما الحضاري والتقني والعلمي والاجتماعي وفي كل مناحي الحياة حيث تغطي وفرتهما المالية ما تنتجه ثلث بلاد العالم؟

     وفي بلادنا التي اكتوت بنيران حروب فاقت في مجموعها حربا عالمية خسرت فيه الأخضر واليابس وتحولت بلاد من اغني بلدان العالم وأثراها وأجملها إلى أفقرها وأفشلها وأوسخها، وبعد ما يقرب من عقد من الزمان على سقوط النظام فشلت الإدارة الاتحادية في إقناع الشارع العراقي بأنها البديل الأفضل رغم هامش الحرية، فقد تقهقرت الخدمات بشكل مريع حتى تحولت إلى أزمة كبيرة لا يمكن أن تحل خلال سنتين وهي ما تبقى لهذه الكتلة أو الحكومة أو البرلمان، شرعت منذ فترة إلى ذات الثقافة في بناء ترسانة عسكرية في بلاد أكثر من ربع سكانها تحت خط الفقر والثلاثة أرباع الآخرين يعانون من نقص كارثي في الطاقة بكل أنواعها، وتدهور مريع في الخدمات الصحية والتعليمية والغذائية إضافة إلى انعدام حلقات مهمة من الصناعة والإنتاج، وتحول نمط الحياة إلى نمط استهلاكي بعد إغراق الأسواق بالمستوردات الزراعية والغذائية حتى توقفت معظم أنواع الزراعة!؟

     يبدو أن الحاكمين اليوم لم يفهموا الدرس الذي تلقنه نظام صدام حسين ومن يأتي إلى حكم العراق إلى أبد الآبدين كما يقولون، فهو الذي كان يمتلك اكبر وأقوى أربعة جيوش في العالم وسخر إمكانيات دولة من أثرى دول العالم للتصنيع العسكري والتسلح، بل إن أغنى دول العالم في الخليج كانت حليفته بل مرضعته خلال عقد كامل من الحروب!؟

     فماذا أنتج!؟

     والى أين وصل هو وجيشه وحكومته وحزبه الذي بناهم خلال ما يقرب من أربعين عاما بآلاف المليارات من الدولارات وملايين العراقيين من القتلى والجرحى والمعاقين والمحرومين!؟

     ألا يكفي هذا درسا وعبرة لمن لا يعقلون ولا يفقهون!؟


kmkinfo@gmail.com

145
المنبر الحر / وزير الغفلة؟
« في: 10:19 25/11/2012  »
وزير الغفلة؟

كفاح محمود كريم
     
     الشائع في الدارجة المصرية والعربية عموما مصطلح عريس الغفلة الذي يؤتى به على حين غرة أو دون سابق إنذار لتزويجه من مطلقة، لكي يصح إعادتها شرعيا إلى زوجها الأول، أو ربما يؤتى به زوجا لتغطية فضيحة ما، وفي كل الأحوال ليس عليه إلا حمل لقب زوج شرعي لتفادي مشكلة معينة ولملئ فراغ محدد حتى أجل مسمى؟

     أردت بهذه المقدمة والمثل الشائع أن ادخل إلى عالم المناصب والمسؤوليات العامة في شرقنا العجب العجاب سياسيا وحضاريا، وأسميته أي هذا العالم بمناصب الغفلة والتي تأتي على وزنها أيضا  وزراء الغفلة ومفردتها وزير الغفلة، أو إن شئتم أي مسؤول في أي منصب من مناصب هذه الحقبة القلقة والمقلقة، والوزير الغفلة أو غيره من مسؤولي الزمن القلق الذي يؤتي بالمغامر أو الانتهازي من عالم النكرات أو من دهاليز العصابات إلى اعلي المراتب في الدولة، كما قال عنه ذات يوم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين ( نحن نطلق سراح المتهم من على كرسي الإعدام إلى الشارع فورا ومنه إلى كرسي الوزارة )، وليس أدل على فوضى المناصب وتقلدها في بلادنا من الانقلابات التي حملت معها نكرات ومغامرين وحمقى عسكريين وفاسدين وبقالي سياسة حولت دولنا إلى هذا الشكل المعوق بعد ما يقرب من قرن من تأسيسها؟

     ورغم كل هذا الإرث المشحون بالألم والإحباط واليأس تصور الكثير أو تأمل خيرا بسقوط أنظمتها الشمولية وخاصة نظام صدام حسين، وبداية حقبة جديدة يفترض أن تكون بالضد تماما من تفصيلات تلك الحقبة التي اندثرت مع السقوط، لكن الأمور لم تك هكذا في بلاد قضت أكثر من نصف عمرها تحت ظل أنظمة دكتاتورية وزعماء متخلفين أنتجت أجيالا وأنماطا من السلوكيات والثقافة البائسة التي نشهدها اليوم في شكل النظام السياسي وأداء عناصره سواء في البرلمان أو الحكومة ومؤسساتها.

     فقد حملت سفينة الأحزاب وكتلها والاصطفاف المذهبي والقبلي والقروي مئات النكرات والمتخلفين ممن يحملون بجدارة لقب وزير أو نائب أو مسؤول الغفلة، الذين حملتهم ثقافة البداوة والعقلية العشائرية أو الطائفية المقيتة لكي يكونوا في هذه المواقع البريئة منهم، وهم يشغلونها لحساب منظومة المحسوبية والمنسوبية الخارجة بالتمام والكمال عن أي مفهوم للمواطنة والكفاءة والقيادة، فقد امتلأت مجالس الاقضية والمحافظات ومجلس النواب وكل الوزارات دون استثناء بالمئات من الراقصين على كل الحبال منذ زعيمنا الأوحد وحتى يومنا هذا مرورا ببطل التحرير القومي ومن يقلده اليوم سرا وعلانية، وهم يقومون بواجباتهم في تدمير البلاد وإفسادها حتى غدت الأكثر فسادا وفشلا في العالم حسب توصيف مؤسسات الشفافية العالمية؟

     نظرة سريعة لكل منا في قريته أو بلدته أو مدينته على المشهد الإداري لمن تبوء موقعا من هذه الشلل في مناصب الغفلة منذ 2003 ولحد اليوم يدرك حقيقة السؤال التالي:

     هل هناك حكومة غفلة أكثر من هذه الحكومة!؟
 
    فما أنتجته هي ووزرائها ومجلس النواب وأعضائه منذ تأسيسها وحتى ساعة إعداد هذا البيان تم توصيفه بأن البلاد أصبحت بوجودهم أكثر الدول فشلا وسرقة وفسادا وتخلفا!؟

kmkinfo@gmail.com

146
الايزيدية ليست كرسيا وزاريا؟

كفاح محمود كريم

     لأول مرة منذ تأسيس الحكومة الكوردستانية مطلع تسعينات القرن الماضي خلت التشكيلة الحكومية الأخيرة ( الكابينة السابعة ) من كرسي مخصص للمكون الديني الايزيدي، حالهم حال الأخوة المسيحيين من غير الاستحقاق القومي أو الاثني، وكانت في معظمها وزارة دولة تشريفية ليس إلا، باستثناء آخر كرسي شغلها مهندس ميكانيكي ليدير وزارة للزراعة؟

     لست هنا بصدد الوزارة ومن يشغلها رغم اني كنت ارفض دوما إعطاء الكرسي الوزاري في دولة مدنية علمانية على أسس دينية، وبالذات للايزيديين الذين يستحقون وزارات لا تقل عن الداخلية أو الدفاع أو المالية أو الخارجية سواء هنا في الإقليم أو في الحكومة الاتحادية كونهم من اعرق سكان كوردستان والعراق حالهم حال الصابئة والآشوريين والكلدان وغيرهم من مكونات المجتمع الكوردستاني والعراقي عموما.

     الايزيديون اكبر بكثير من كرسي وزارة أو أي منصب اكبر منه أو اصغر، انهم تاريخ من المقاومة والإصرار على البقاء أمام طوفانات من حروب الإبادة الدينية والقومية والاقتصادية والاجتماعية، حقا انهم اكبر من كل هذه التسميات والمواقع لأنهم تاريخ امة ومعاناة شعب تعرض للإبادة أكثر من سبعين مرة خلال مئات السنين ودفع خيرة أبنائه وبناته شهداء من اجل القومية والدين، وكان من أكثر مكونات الشعب العراقي انتظارا لبزوغ شمس الحرية المقدسة ليطل منها على عالم جديد ينقذه من تراكمات مئات السنين العجاف من التهميش والتكفير والإقصاء والاهانة والإبادة والاستعباد حتى تحولت قراهم وبلداتهم إلى ما يشبه فقراء ومعدمي العصور الوسطى، بل أن كثير من قراهم لا تزال خارج الزمن كما وصفها احد الصحفيين مؤخرا.

     إن تكريم هذه الشريحة اكبر بكثير من أن يتم تعيين شخص ما وزيرا أو إداريا رفيعا باسمها، أنها أحوج ما تكون إلى حملة وطنية وقومية كبرى من اجل معالجة جراحاتها المتكلسة منذ مئات السنين، فهي غارقة في البطالة والفقر المدقع والأمية والاستهلاك ويعيش أغلبيتهم تحت خط الفقر وفي ظروف معقدة قد لا يصدقها الكثير في بلد نفطي ميزانيته عشرات المليارات ويعيش مكون منه خارج الزمن والاهتمام وما يزال يشعر بالتهميش والإقصاء، وزيارة سريعة لقرى هذا المكون الديني سيكتشف المرء هول الكارثة التي تلم بهم من كل النواحي الحياتية وخدماتها الأساسية كالماء المعدوم تماما والصحة المتردية والمنقرضة الآليات والوسائل والمراكز والكهرباء التي نسي السكان ماهيتها لولا بعض المولدات هنا وهناك.

     مرة أخرى أقول أنهم اكبر من كل المناصب والمواقع ففي تاريخهم من الصمود والمقاومة والإصرار ما يكفيهم أن يكونوا في صدارة كل المواقع، ولأجل ذلك دعونا نعمل جميعا من اجل حملة وطنية عراقية وكوردستانية، ودعوة خالصة لرئيس حكومة كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني الذي زار والده المرحوم  ادريس بارزاني مدينة سنجار قبل أكثر من أربعين عاما واطلع عن كثب عن أحوالهم وحياتهم ورأى تلك الآلاف المؤلفة من أبنائهم وبناتهم وهم يزحفون لاستقبال نجل الزعيم ملا مصطفى البارزاني حبا وانتماءً واعتزازا، وحري اليوم برئاسة حكومة كوردستان ان تنتقل الى هناك لتطلع مباشرة على حقيقة أوضاع وأحوال هؤلاء الاصلاء في قراهم ومجمعاتهم الخارجة عن الزمن تماما.

kmkinfo@gmail.com

147
كوردستان سلم انتخابي!

كفاح محمود كريم

    كشفت انتخابات الدورة الثانية لمجلس النواب العراقي عمليات استخدام وسائل مريبة لوصول البعض إلى البرلمان وخاصة الكتل والمجموعات سواء تحت غطاء ديني مذهبي أو عرقي قومي، تفوح  منه رائحة التطرف تارة والشوفينية تارة أخرى، من خلال كراهية الآخر أو إشاعة الخوف منه كما حصل في كثير من المناطق المختلطة دينيا ومذهبيا وقوميا، وفي ذلك يتذكر الكثير ماكينة الدعاية التي استخدمت من قبل حركات معينة أشاعت بين الأهالي الكراهية والخوف من الكورد وإقليم كوردستان وخاصة في المناطق ذات الأغلبية الكوردية أو ما تسمى بالمناطق المتنازع عليها، حيث استخدم الكورد والإقليم ومؤسساته وسيلة دعائية لتخويف الأهالي العرب والتركمان والآشوريين والكلدان في هذه المناطق بادعاء انهم يرومون السيطرة عليها وتكريدها كما حصل في الموصل حينما حققت إحدى المجموعات السياسية أغلبية في الأصوات باستخدام الشحن الشوفيني والعنصري ضد الكورد واللعب بمفاتيح الغرائز والبداوة عند الأغلبية التي سطح عقلها وتفكيرها نظام صدام حسين طيلة ما يقرب من أربعين عاما فكانت بيئة خصبة لأي محاولة للشحن والتأليب ضد الآخر!؟

     وقد نجحت تلك القوى في تحقيق مآربها ووصلت إلى دفة الحكم في المحافظة من خلال تهييجها للرأي العام وخاصة أولئك الذين استخدموا في عمليات التعريب سيئة الصيت أيام حكم البعث في المناطق المختلطة، إلا أنها وخلال اقل من سنتين أثبتت فشلها في تحقيق أي من وعودها التي وعدت بها مواطنيها لتحسين أوضاع المحافظة والمدينة، التي كانت تدعي أن الكورد والإقليم يتحملون مسؤولية تقهقرها وانهيار أوضاعها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فأصبحت المدينة تغرق في أكوام من القمامة وتعج بقوافل من العاطلين عن العمل، وانحدار كارثي في الخدمات الحيوية للمواطن في الماء والكهرباء والصحة والتعليم والطرق والمواصلات والسكن خلال سنتين فقط من حكمهم؟

     ويبدو إن ما يحدث الآن وما تقوم به كتلة القانون وحزبها القائد ورئيسها في اختلاق الأزمات تلو الأزمات مع إقليم كوردستان إنما تستخدم ذات التطبيقات في الاستحواذ على السلطة باستغلال اولئك الذين انتجتهم حقبة البعث، وذلك بشحنهم وتأليبهم ضد الإقليم وشعبه تحت مختلف الاتهامات والتسويقات المفبركة، وخاصة إذا ما علمنا أن ذات الإدارة الحالية للحكومة الاتحادية كانت تدعم تلك المجموعة في الموصل رغم ما كان يعلن بأنهما متناقضان وان الأولى متحالفة مع كتلة الإقليم!؟ 

     وما يجري الآن من حملات إعلامية وتصريحات نارية موجهة ضد الإقليم وإدارته ومؤسساته إنما يعتمد ذات الأسلوب وخاصة بعد محاولة تشكيل قيادة عسكرية للمناطق المتنازع عليها من قوات ذات مكون مذهبي وسياسي يمثل إرادة حزب السلطة ورئيسها في عملية مفضوحة تحضر لانتخابات مجالس المحافظات المزمع إقامتها في نيسان القادم وما يليها بعد فترة أخرى الانتخابات العامة في البلاد، هذه القوات يتم شحنها بذات الأسلوب الذي استخدمته المجموعة الأولى قبل سنوات بالتعاون مع المجموعات التي خسرت الكثير بسقوط نظام صدام حسين وخاصة تلك التي استخدمت في تعريب المناطق ذات الأغلبية الكوردية في كركوك والموصل وديالى.

    إنهم يتسلقون سلم انتخابي بائس لا يقل بؤسا عن تلك الأدوات التي استخدمتها كل الأنظمة التي عادت كوردستان وشعبها طيلة ما يقرب من سبعين عاما وكانت نهايتها جميعا السقوط والانهيار، وكم كان جميلا ورائعا أن يتسلقوا كوردستان بين ناخبيهم بما يقدمونه من خدمات واعمار تقنع الشارع في دهوك واربيل وكركوك والسليمانية وسنجار وخانقين بأنهم فعلا حريصون عليهم ويحبونهم بصدق دونما غش أو غدر أو خداع!؟

kmkinfo@gmail.com


 
 

148
المنبر الحر / فن الاغتيال؟
« في: 17:41 14/11/2012  »
فن الاغتيال؟

كفاح محمود كريم

    في معظم البلدان التي ابتليت بأنظمة القائد الضرورة وحزبه العظيم تميزت أهم انجازات تلك الأنظمة وتفردها بفن لا يدانيه فن أو مهنة أو شطارة، ذلك هو فن الاغتيال الذي خصصت له مؤسسات ودوائر ودروس واختبارات، وقد تميزت ثلاثة دول بشكل متفرد في الإبداع بهذا الفن القاتل وهي؛ إسرائيل التي تفننت بملاحقة معارضيها أو أعدائها وتصفيتهم، إضافة إلى سوريا والعراق اللتان فاقتا حتى الأولى ومن شابهها في التفنن بعمليات الاغتيال والتصفية الجسدية بأشكال مبتكرة منذ تولي حزب البعث السلطة في كلا البلدين، وهو شغال على تصفية كل معارضيه بشتى الوسائل لا يهمه فيها العدد أو الكم أو الشكل فقد صفى أكثر من عشرة ألاف معارض في أزقة وشوارع بغداد خلال اقل من أسبوع  بعد انقلابه في شباط 1963م، وكذا فعل شقيقه في سوريا التي تأن اليوم من عمليات تصفية جماعية لمعظم السكان المعترضين على حكم البعث والأسد، منذ سنتين تقريبا وهو يغتال يوميا ما لا يقل عن مائة مواطن سوري بين طفل وشيخ وامرأة، ولم يكتف بذلك بل مد أذرعته المتفننة إلى خارج الحدود لكي يخرس الأصوات التي تنتقده أو من يحاول كشف حقائقه كما فعل في عملية اغتيال الزعيم اللبناني رفيق الحريري وقبله كمال جنبلاط واليوم مدير مكتب المعلومات اللبناني الذي كان يقف وراء كشف كثير من أسرار وتورطات نظام دمشق في لبنان وملفاته الأمنية، إضافة إلى العديد من زعماء هذا البلد المبتلي بجيرة نظام لم يذق ولم يعرف طعم الملح والخبز في حياته!؟

     عمليات الاغتيال التي تفردت بها هذه الدول الثلاث وما زالت تتنافس في الإبداع بطرقها وأساليبها وأدوات تنفيذها وشبكات التجسس التي تزرعها هنا وهناك، ابتداءً بالسفارات وانتهاء بالمساجد والكنائس وأماكن العبادة واللهو أيضا، بدأت تأخذ طابعا يقترب في تنفيذه من عمليات الجراحة المعقدة التي يقوم بها أخصائيون محترفون من الأطباء لاستئصال شيء ما من الجسم، فلو نظرنا إلى معظم تلك العمليات منذ سبعينات القرن الماضي وتصفيات قادة ومفكري الثورة الفلسطينية على أيدي أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وما كان يقوم به نظام البعث العراقي وصدام حسين منذ أولى عملياتهم النوعية بعد مجيئهم الثاني عام 1968م وتصفيتهم لرفاقهم ومن ثم محاولتهم اغتيال الزعيم الكوردي مصطفى البارزاني بعد عدة أشهر من توقيع اتفاقية آذار بين قيادته وبين حكومة البعث في بغداد، لأدركنا حقا بؤس ما تواجهه شعوب هذه البلدان ومن يجاورها والإنسانية جمعاء بوجود عصابات منفلتة ومهيمنة على مقدرات السلطة والمال حينما تتحول تلك العصابات إلى حكومات ويصبح عناصرها وزراء للدفاع والداخلية والأمن والخارجية وكبار مسؤولي الدولة التي يتم إخضاعها ومؤسساتها لخدمة هذا الفن القاتل؟

    وحينما تنفلت الأمور وتقترب نهايات تلك العصابات أو الأنظمة الدكتاتورية، تبدأ عملية الاغتيال الجماعي للسكان كما حصل في أنفال صدام حسين، وكما يحصل الآن في سوريا، وما بين الاثنين تبقى هناك مجاميع مرة من الأسئلة التي تطال عمليات التصفية وانتشار كاتمات الصوت ولواصق النسف الانفرادي بعد سقوط إبطال فن الاغتيال بسنوات، وربما أبرزها هل ان هؤلاء من إنتاج تلك المدارس؟ أم ان أجيالا جديدة ومطورة وردت من خلف الحدود اللينة وبدأت تطبيق فنونها برأس العراق الأقرع!؟ 

kmkinfi@gmail.com

149
المنبر الحر / لمن هذه الترسانة؟
« في: 23:05 09/11/2012  »
لمن هذه الترسانة؟

كفاح محمود كريم

     بعد سقوط النظام الدكتاتوري في البلاد وانتهاء حقبة عسكرة الدولة والمجتمع، بدأت القوى الوطنية والديمقراطية ببناء نظام بديل يقوم على أساس ديمقراطي مدني ويعمل من اجل بناء مجتمع متحضر بعيدا عن ادلجته أو عسكرته كما كان يفعل النظام السابق، ولأجل ذلك تم وضع دستور لا يتيح لأي جهة أن تنفرد باتخاذ أي قرار له علاقة بمصالح البلاد العليا وخاصة فيما يتعلق بالحرب والسلم، الذي بقي حكرا بيد شخص واحد أو ما كان يسمى بـ ( مجلس قيادة الثورة ).

     ولعل أهم ما واجه النظام الجديد هو الحملة الإرهابية الشديدة التي اشتركت فيها مختلف الجهات الداخلية والخارجية، والتي استدعت بناء تشكيلات ضخمة جدا من قوات الأمن والجيش ربما اكبر بكثير من حاجة البلاد في حالة الاستقرار، ولولا الفساد المستشري تحديدا في مفاصل تلك القوات وتشكيلاتها لكانت البلاد في أعلى مستويات الأمن والسلام، رغم أن الكثير منها تم بناءه بعيدا عن مواصفات المواطنة والحرفية في تأسيس جيوش دول مختلفة المكونات القومية والعرقية والدينية، حيث بدأت العديد من الكتل والمكونات تعترض أو تقلق فعلا من شكل الجيش وتكويناته وهيمنة فئة على مفاصله المهمة مما يفقده مصداقيته وتمثيله لكل مكونات الشعب العراقي.

     ولأجل ذلك ينظر الكثير بريبة وقلق جدي إلى محاولات الإدارة الاتحادية في بغداد بعقد صفقات من الأسلحة لا يقع الكثير منها تحت تعريف الأسلحة الدفاعية، بل إن محاولة طرق أبواب أسواق التسلح في دول لا يهمها الا المال لإنقاذ اقتصادها المتهالك مثل روسيا وغيرها يعطي انطباعا بأن هناك فريقا في الإدارة الاتحادية ما يزال يؤمن ببناء ترسانات عسكرية شبيهة بتلك التي بناها الدكتاتور صدام حسين نهاية ومطلع سبعينات القرن الماضي والتي انتهت إلى أكوام من السكرابات المهشمة، وهياكل الطائرات المخبأة في الصحاري وعند الأخوة الأعداء، ومئات الألوف من القتلى والمعاقين، ومئات المليارات من الأموال التي أحرقت بينما تتقهقر البلاد منكفئة في خانة الدول الأكثر فشلا وفسادا وتخلفا في العالم.

     وبينما تعقد الحكومة الاتحادية صفقات بعشرات المليارات لبناء ترسانة عسكرية، لأعداء مفترضين لا وجود لهم إلا في الداخل من المعارضين والمنافسين على دفة الحكم، يئن ما يقرب من ربع العراقيين تحت خط الفقر من العوز والفاقة، وتعاني الثلاثة أرباع الأخرى من حال مخزي في الخدمات بكل أشكالها ابتداءً من الكهرباء وانتهاءً بالصرف الصحي، ومرورا بالوضع المأساوي لخدمات الصحة والطفولة والتعليم والمدارس والجامعات.

    لقد غادرنا حقبة الدكتاتورية بجبال من ركام الدبابات والطائرات وهياكل الصواريخ، ومئات آلاف المكسورين الهاربين من أتون حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وربما تجاوزت أعداد الضحايا من القتلى المليون من خيرة شباب العراق ومثلهم من الجرحى والمعاقين والمحطمين، وأضعافهم من النساء الثكالى والأرامل والأيتام، دون أن تنجح تلك الطغم الحاكمة بالحفاظ حتى على ما كانت عليه مساحة البلاد عشية تموز 1958م، فما استقطع منها غصبا أو في ظروف قريبة من الغصب يساوي مساحة دولة من دول الخليج أو غيرها، وانتهت البلاد إلى ما نشهده نحن جميعا  اليوم، فلماذا يا ترى يحاول البعض إعادة اللعبة الخاسرة مرة أخرى ونتائجها ما تزال أمام الأعين والمسامع!؟

kmkinfo@gmail.com   

150
المنبر الحر / الإرهاب في دياركم؟
« في: 17:02 07/11/2012  »
الإرهاب في دياركم؟

كفاح محمود كريم

    غريب جدا منطق بعض المسؤولين وهم يستنسخون ذات الأسلوب في تسطيح عقول الأهالي وهم يعالجون أمور يفتعلونها ومن ثم يسوقونها كخلافات بين الكتل أو بين المحافظات أو الإقليم والإدارة الاتحادية، وخاصة في بيئة الأزمة الحالية، فقد صرح رئيس الوزراء في حديث تلفزيوني بأن من حق جيشه ملاحقة الإرهاب حيث قال نصا:

    "لا يوجد مبررا للخوف لأننا لا نستهدف كردستان ولا الشعب الكردي ولا نريد قتالا وإنما نريد أن نلاحق الإرهاب في أي مكان"، معربا عن أمله أن "لا تخطأ قوات البيشمركة وتتعرض للجيش العراقي".

     أي إرهاب هذا الذي تتحدثون عنه في إقليم بذل شعبه وإدارته  من اجل السلام والأمن الاجتماعيين دماءً وأرواحاً، وسنوات عصيبة من السهر والعمل الدءوب المخلص لأجل أن يكون الأجمل والأبهى والأكثر سلاما وأمنا، ليس لسكانه فحسب بل لمئات الآلاف من العراقيين الهاربين من جحيم الإرهاب والتخلف والقهر، إقليم يبني من اجل الإنسان وكرامته وحريته وحياته بينما يخطط الآخرون لإفشال تجربته ووضع العصي في دواليب تقدمه، بل وصل الخيال بالبعض ممن اعتمدتموهم حواليكم للتفكير ثانية في إشعال أتون حرب لن يخسر أحد منكم فيها أخا أو ولدا أو بيتا، بل سيقتل كالعادة ( ولد الخايبة ) الذين يتم شحنهم بمفاتيح الغرائز كما كان يسوقهم إلى محرقة الموت ( بطل التحرير القومي ) إبان انفعالاته المخزية وكيمياويات ابن عمه التي احترقوا أخيرا بنيرانها هم ومن تبعهم إلى يوم الدين.

      الإرهاب لا وجود له هنا في إقليم كوردستان كما تعلم يا دولة رئيس الحكومة الاتحادية، فكوردستان فوق الأعراق والأديان والمذاهب وهي وطن الإنسان المسالم والمتحضر، ولأجل ذلك فقد تم تحصين المواطنين وتوعيتهم بما يليق بتاريخ هذا الشعب، فليس من المعقول أن تقوم عدة آلاف من رجال ونساء الاسايش والبيشمه ركه لوحدها في صناعة هذا الأمان والسلام، الذي ينافس أكثر الدول استقرارا في العالم، بل هو الشعب والأهالي بمواطنتهم الرفيعة التي ترفض أي اختراق لصفوفها مهما كان شكله أو عنوانه!

    الإرهاب ليس هنا بل في دياركم وبين ظهرانيكم ومن صناعة أو تصميم أو إهمال أو تغطية من آتيتم بهم، وهو بالتالي نتيجة الفشل الذريع في تلبية حاجيات المواطن الأساسية والحفاظ على كرامته التي تهدر يوميا وفي كل ساعة، الإرهاب هو ابن الحواضن التي تنتشر في المجالات الحيوية التي تقع تحت إدارة الجيش والأمن التي تريدون تسليحها تارة بطائرات F16 وتارة أخرى بطائرات ميك الروسية، وهي بعد لم ترتقي إلى مفهوم المواطنة العراقية الحقة.
 
     الأمور ليست هكذا كما يريد البعض تسطيح عقول الأهالي واستغفال الرأي العام بوجود خطر الإرهاب وتأسيس قوات بتسميات تذكرنا بتلك التي أنشأها المهيب الركن في قواطعه المعروفة شمالا وجنوبا وغربا ووسطا إبان انتفاضة الشعب في قواطعه الشمالية والجنوبية، لتنفيذ برنامج صناعة دكتاتورية جديدة بلبوس ديمقراطي وشحن مذهبي وعرقي ربما ستتفوق على غيرها!؟

 kmkinfo@gmail.com
 


151
أسئلة في صحافة العراق؟

كفاح محمود كريم

    من يتجول اليوم في مكتبات اربيل وبغداد وكثير من المحافظات وأرصفة الصحافة هنا وهناك يصاب بنوبة فرح وانتشاء على خلفية ماضي العدد اليتيم من الصحف أيام ( إذا قال صدام قال العراق !؟ )، حيث عشرات الصحف ومثلها من المجلات التي تزين تلك المكتبات بمختلف أنواع الورق والعناوين المثيرة تارة والمخيفة تارة أخرى؟

     حقا أنها الفوضى الخلاقة كما وصفها البعض أو نافورة الجرائد والمجلات بعد سبعات عجاف حتى يبس فيها اللحم والعظم وهزلت الآداب والثقافة والفن، فما بقى فيها إلا جدب من مديح أو غناء أو شعر للقائد الضرورة وحزبه الأوحد، وكأن الدنيا بأجمعها قد خلقت أو تكونت من اجلهما!؟

     كان هذا في زمن يقرأ فيه المرء هروبا من اليأس أو البحث عن بارقة أمل هنا وهناك، حتى تدركه الصفحات الأخيرة في تتمات تقارير الرفاق أو تعازي الوفيات، فينحدر كئيبا يسخر من ذاته ومن زمنه الأجوف، حاملا جريدته إلى زوجته ربما هناك فرصة للفرح أو الفائدة باستخدامها غطاءً فوق المائدة أو على الأرض في الغداء أو العشاء!؟

     وانبلج البدر أو شعشعت الشمس ولم يعد يقول العراق كما يقول صدام، فقد قال قولته الأخيرة وشنقته كلماته، وأصبح لدينا بدلا عنه مئات مثله أو أفضل منه وربما أسوء منه، لو امتلكوا عشر ما كان يمتلكه من سلطة ومال ونفوذ، لكنها حقب التاريخ وتداول السلطة والمال، بانقلاب أو احتلال أو صناديق اقتراع في بلاد أدمنت في رأس كل قرن وحيد قرن وأسوء!؟

     وفار التنور في بلاد تكاد ينابيع المياه فيها أن تنضب والرافدان آيلان للجفاف، وفورة التنور لم تك ماءً أو خمرا أو لبنا بل صحفا ومجلات وفضائيات وإذاعات، ملأت أرصفة الشوارع الثكلى وسماوات الوطن الجريح، حتى ظننا أن كل بلدان الأرض لا تنافسنا في هذا الكم والنقد والتعبير، وفي خضم الفرحة والفورة نسينا أو تجاهلنا هول فاجعتنا في القراءة والكتابة وفي طوابير العاطلين واليائسين والمحبطين والثكالى، والسؤال المتكلس فينا منذ الأزل:

من يقرأ ومن يكتب!؟

    انها صحف ومجلات ولا في أغنى البلدان وأكثرها ديمقراطية، وقنوات للتلفزة للشارد والوارد من أصحاب الأحزاب والأموال سواء ما كان منها سحتا أو رزقا زلالا من أفواه الجائعين والمغفلين منذ الخليقة وحتى يوم الدين، صحف تزين المكتبات ومثلها المجلات وأكثر منها الفضائيات ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا أو إصرارا كما يقول عادل إمام:

    لمن هذه الصحف والمجلات؟ ومن يقرأها؟ وكم تطبع من نسخ؟ وكم تبيع؟ وكم توزع مجانا ولماذا؟

    وأخيرا ما الهدف من كل ذلك ولمصلحة من في عصر اختصرت العولمة ووسائلها كل صفحات الجرائد والمجلات بضغطة زر على لوحة المفاتيح في الحاسوب لتأتي بكل أخبار الدنيا!؟


kmkinfo@gmail.com

152
كوردستان وخطابها العربي؟

كفاح محمود كريم
 
     يفتقد الإعلام الكوردي خاصة والكوردستاني عامة إلى مجموعة وسائل إعلام متخصصة لمخاطبة الرأي العام العربي والعالمي بمستوى التطورات التي تشهدها القضية الكوردية وتجربة إقليم كوردستان العراق، حيث تواجه القضيتين في الإقليم وكوردستان عامة تحديات كبيرة في نقل الخطاب الوطني والقومي إلى الرأي العام سواء في الفضاء العربي أو الفضائين التركي والإيراني، إلى الدرجة التي جعلت الكثير من الأوساط العربية النخبوية وحتى مساحات واسعة من الأهالي في كثير من الدول العربية بعيدة كل البعد عن المعرفة الحقيقية بالقضية الكوردية، رغم ما شهدته من تطورات سياسية واقتصادية وثقافية بعد انتفاضة آذار1991م، ومن ثم سقوط نظام صدام حسين وبداية ظهور نظام سياسي عراقي ديمقراطي يتعاط مع المكونات في الدولة العراقية على أسس متحضرة ضمن دستور دائم للبلاد يقر بكافة حقوق تلك المكونات القومية والعرقية والدينية.
 
     إن الإعلام واحد من أهم وسائل الاتصال بين الشعوب وهو اليوم الأكثر خطورة وأهمية وخاصة في وسائله المرئية والمسموعة ومدى تأثيره على الرأي العام الداخلي والخارجي، وهناك أمثلة كثيرة على مديات تأثير وانتشار أي قضية في أوساط الرأي العام، ومدى اهتمام الدول المتقدمة في وسائل إعلامها التي ترتقي في كثير منها إلى ميزانيات تنافس تخصيصات الدفاع أو التعليم أو الخدمات الأخرى المهمة، وقد عمدت كثير من الدول ذات المصالح التجارية والسياسية المهمة مع الدول العربية على استحداث قنوات تلفزيونية باللغة العربية كما في الصين وفرنسا وتركيا وإسرائيل وإيران وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرهم.
 
 
     أما في إقليم كوردستان فقد كانت هناك بضع برامج لا تتعدى السويعات المسموعة والمرئية في الإذاعة والتلفزيون، ولم تك تفي بالغرض الأساسي في نقل الخطاب الكوردستاني إلى الرأي العام العربي، رغم نجاح بعض برامجها إلا أنها كانت تقدم ضمن تلفزيون ناطق بالكوردية على مدى الأربع والعشرين ساعة مما لا يتيح لكثير من المشاهدين العرب الاطلاع عليها، مما افقدها مساحة كبيرة لانتشارها، وباستثناء القسم العربي في إذاعة صوت كوردستان الذي لا يتجاوز نشرة إخبارية وتعليق سياسي أو لقاء خاص، وقناة الحرية ذات الطابع العراقي، وبضعة نشرات إخبارية في تلفزيونات الأحزاب التي تبث برامجها طيلة اليوم بالكوردية، وباستثناء صحيفتا التآخي والاتحاد وصوت الآخر، فليس هناك أي وسيلة اعلامية كوردستانية موجهة للرأي العام العربي، أما التركي والايراني فمحدود جدا إن لم يك معدوم تماما، مما افقد هذا الرأي سواء في الفضاء العربي أو الفضائين الايراني والتركي فرصة الاطلاع على خطاب الاقليم الا ما يتم ترجمته هنا وهناك في مؤتمرات صحفية أو مناقلة للأخبار.
 
    وإزاء التطورات السريعة والتقدم الكبير في الإقليم ومساحة انتشار القضية الكوردية وضرورة التواصل والتعاطي الجدي والكبير مع الفضاء العربي، كونه يشكل الأقرب إلى المزاج العام للأهالي والأكثر التصاقا من النواحي الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والنفسية، فقد آن الأوان اليوم إلى العمل بجدية كبيرة من اجل تأسيس هيئة للإعلام الموجه إلى الرأي العام الخارجي، وخاصة العربي الذي يتاخم إقليمنا، ونشكل جزءً مهما من إحدى أهم دوله وهو العراق، هيئة تضم قناة تلفزيونية وإذاعة وصحيفة دولية، بمواصفات معاصرة تلبي رغبات المشاهدين والمستمعين والقراء العرب وتدفع إليهم خطاب كوردستان وقضية شعبها وما يجري في الإقليم ومؤسساته التشريعية والتنفيذية وغيرها، لكي يدرك العالم المحيط بنا حقيقة ما أنجزه شعب كوردستان وما يصبو إليه ضمن دولته الاتحادية العراق وآماله المستقبلية، ومن اجل تقليل هذا التباعد وعدم الوضوح في التعامل مع القضية أو الإقليم لدى أوساط واسعة من المجتمعات العربية سواء في العراق أو في العالم العربي.
 
    إن رئاسة الإقليم أو الحكومة أكثر الجهات معنية بتبني هذه الأفكار من اجل تأسيس هيئة إعلامية كوردستانية ناطقة بالعربية، وتعمل بشكل وطني تحت سقف مصالح كوردستان العليا، لتمثل كل الشعب وفعالياته ومكوناته، وتنقل الخطاب الوطني الكوردستاني إلى أوساط الرأي العام العربي سواء ما كان منه في العراق أو في الفضاء العربي عموما.
 
kmkinfo@gmail.com

153
كذبوا في حقوق النساء وان صدقوا؟

كفاح محمود كريم

        باستثناءات لا تخضع للقياس العام فمعظم من ينادي بحقوق ( الحرمة ) إنما يتجمل كذبا وادعاءً أو انه يبغي منفعة لا علاقة لها أبدا بالنساء وخاصة اللائي من حوله، حيث يمارس ازدواجية لا مثيل لها في إعطاء وجهين مختلفين تماما، فهو ينادي في المحافل العامة بحقوق المرأة والمساواة وما إلى ذلك من كليشة المجتمعات المخملية التي ينفش فيها ريشه أمام نساء خلق الله، بينما يمارس دور دكتاتور شرقي مع زوجته أو معيته من بنات ادم وحواء.

     هذه الاستثناءات ربما كما قلت لا تخضع في حجمها الحقيقي لأي قياس يذكر، والدليل على ذلك هو هذا الوضع المتردي لوضع النساء في ضل دولة تأسست منذ ما يقرب من قرن من الزمان وما زلن صاحبات تاء التأنيث الساكنة أكثر سكونا من تائهم ومراوحة في مكانهم، بل قل معي إن أوضاعهن في تقهقر مستمر منذ أصبحن يمثلن عقلية الرجل في مجلس النواب ويتبرع لهم بعدد محدود من المقاعد التي لا تمثل في حقيقتها إلا ثقافته!؟

     ومع جل الاحترام لمبدأ تمثيلهن في المجالس التشريعية إلا إن ما حصل ويحصل في بلاد كانت تتعامل مع النساء قبل خمسين عاما أفضل بكثير مما هو اليوم، ولعل ارتفاع معدلات ظاهرة قتل النساء أو كما يطلق عليها انتحارهن يؤكد بما لا يقبل الشك دور الرجل الرئيسي في هذه المجازر المشرعنة تحت أبواب شتى، فما من امرأة مقتولة أو منتحرة إلا وكان ورائها رجل دفعها للانتحار غصبا عنها وخارج إرادتها، وقد أكدت كثير من ملفات الانتحار النسائي إنهن قتلن بأسلوب انتحاري، أي بمعنى وضع السم بالقوة في أجوافهم أو حرقهن، وقد استمعت ذات يوم قبل سنوات إلى اعترافات امرأة حول كيفية وفاة ابنتها المنتحرة، والتي انتشرت دعاية في القرية بأنها على علاقة برجل من غير دينها، قالت أمها إن والدها قال ادخلي ابنتك في الحمام وحينما أدخلتها إلى هناك كان يحمل صفيحة من النفط الأبيض سكبها عليها بالكامل ثم أشعل فيها النيران وقفل باب الحمام وأجبرني إنا أيضا على مغادرة البيت، حتى عدنا بعد ساعات لكي نرى كومة من الفحم!؟ 

     وبالتأكيد قيدت القضية لدى القضاء الخاضع لأعراف البداوة والعشيرة ضد الفتاة ذاتها متهما إياها بأنها قد انتحرت غسلا لعار أبيها، وهناك الكثير الكثير من هذه الجرائم التي تقع في مجتمعاتنا تحت سقف العادات والتقاليد بينما يمارس القضاء أبشع أدواره في التستر عليها وإشاعتها تحت مبررات وأعراف بالية وكاذبة ليس إلا!

     ويبقى السؤال الأكثر مرارة حول هذه الازدواجية القاتلة لدى كثير من الرجال والنساء في موضوعة الموقف من حقوق المرأة كانسان يعيش في مطلع الألف الثالث، ويجبرها على الموت انتحارا لأسباب واهية وكاذبة وخارجة عن الشرع الذي لديه آلية لو نفذت كما أراد الله لما شهدنا قتل امرأة كل قرن من الزمان.
 
     ترى هل إن الربيع العربي والكوردي والإيراني والتركي وغيرهم ممن يشابهنا ربيعا ذكوريا ليس الا، وان كل ما يحصل الآن هو مجرد تغيير في الأسماء والعناوين، بل أن ما يحدث اليوم  في كل من مصر والعراق وغدا في سوريا يعيد النساء إلى حقل الحريم والقتل انتحارا تحت مظلة أعراف وقضاء تقيده قوانين الخيمة والصحراء والقبيلة والقرية!؟

kmkinfo@gmail.com
 

154
ثقافة القطيع في بلاد الحريم

كفاح محمود كريم

     ما بين مفاهيم الأغلبية الصامتة والغلابة والقطيع يتوقف المرء في بلداننا حائرا متسائلا، هل فعلا إن الأهالي كلهم صامتون أم أنهم صم بكم لا يفقهون، أم ان نصفهم مشلول والنصف الآخر معاق!؟
    وإذا كانوا صامتين فهل صمتهم عن دراية أم يأس وإحباط، أو عن صبر بعده أمل بفرج أو انه استكانة؟ أم أنهم فعلا غلابة مساكين وليسوا أكثر من قطيع في بلاد ما تزال تعتبر نصفها الثاني حريم وعورة وعبيد؟

     وفي معمعة هذه التساؤلات ينبري السياسيون في طبقاتهم العليا والوسطى والسفلى وأشكالهم التنفيذية والتشريعية والرئاسية، وخاصة مجموعة ( نساء الكوتا ) التي تمثل أي شيئ الا النصف الثاني من المجتمع، لتوظيف كل ما ذكرناه من احتمالات وأسئلة للإعلان دوما وابداً عن انهم ما وجدوا الا لخدمة الأهالي والمواطن الغلبان، ليس اليوم فحسب بل منذ عشرات السنين وهم يعزفون ذات الأنغام ويرفعون ذات الشعارات وان اختلفت في العناوين والتعهدات والأسماء لكنها نابعة من ذات العقلية، والغريب ان هذا المواطن بقي هو هو وما تغير الا نحو الاسوء، الى درجة أن أي مواطن في منطقتنا يتحسر دوما على وضعه في الماضي!؟

     ولعلنا نتذكر جيدا تلك الآلاف المؤلفة من هذه الأغلبية الصامتة أو الغلبانة أو المستكينة وهي تزحف مختارة أو مغصوبة، لتأييد الملك أو الزعيم أو المفدى أو المنقذ، هي ذاتها التي خرجت فرحانة بعيد جلوس الملك أو بالانقلاب على الملك أو بالانقلاب على الانقلاب، وهكذا دواليك في مصفوفة أو متوالية لا أول لها ولا آخر منذ حجاج العراق وحتى يومنا هذا الذي يرى فيه المتفائلون حلا سحريا لتداول السلطة ديمقراطيا في مجتمع يئن من الأمية بكل أوجهها الأبجدية والحضارية، وما زال يتقوقع في داخل بوتقة العشيرة والقرية، وينتمي الى المذهب والدين قبل انتمائه لنوع صنفه أو مكان عيشه مع الآخرين؟

     وبينما يتم استنساخ زعماء وأنظمة بأشكال شتى ووسائل مختلفة تارة بالسطو على القصر الرئاسي وأخرى بمساعدة أصدقاء دوليين على غرار ما حدث في العراق وليبيا واليمن وسوريا ( والحبل على الجرار ) أو باستخدام آلية صناديق الاقتراع تحت مضلة الانتماء القبلي والمذهبي لتأسيس نظام لا يدرك هويته الا رب العباد، ينبري السياسيون اللاحقون بلعن ما قبلهم واتهامهم بالخيانة والعمالة والاستبداد ليبنوا ممالكهم الخاصة التي تبدأ من الجيب ولا تنتهي الا في ارض الله الواسعة خارج البلاد!؟

     وعلى خلفية هذا المشهد وما أنتجته صناديق الاقتراع وديمقراطية العشيرة والمذهب والدين، ندرك ان المعضلة الكبرى ليست في شكل النظام ومن يحكم بل في من يربي هذه الأجيال ويدجنها لهذه الأنماط من الحكم، وفي شكل المجتمعات وعلاقاتها الداخلية وتعاطيها مع المرأة والحضارة والمواطنة كمفهوم مدني سامي، وحتى يتم تثوير نظم التربية والتعليم ومناهجها وعلمنة الدولة وفصل الدين عنها وبلورة مصالح عليا للبلاد تحت سقف مفهوم راق للمواطنة الحقة ستبقى ثقافة القطيع هي السائدة في بلدان أدمنت الأمية بكافة أشكالها، واستبدلت الوطن بالقرية والشعب بالعشيرة والجيوب بخزائن الدولة أو بيت المال، لكي يبقى القطيع كما هو يجتر ما في داخله ويلهث وراء من يقوده أملا بالماء والكلأ والوجه الحسن!؟

     وسيبقى المواطن ايضا وفي كل الأحوال وكل الحقب لا يولي  أي اهتمام بشكل النظام وهيأته بقدر تعلق الأمر بمصالحه الأساسية ( الخدمات ) وهي ذاتها محط اهتمام أي مواطن على سطح هذا الكوكب، إلا ما وقع منهم تحت تأثير الإيديولوجيات التي تعد المواطن بمنحه مفاتيح الجنة سواء ما يتم تأسيسه هنا على الأرض من خلال النضال الاممي أو هناك في العالم الآخر، حيث يستغني المواطن الغلبان عن حقوقه في الحصول على تلك الخدمات لحين تحقيق الجنة الموعودة لدى طرفي المقاولة!؟

kmkinfo@gmail.com

155
المنبر الحر / لا تعسكروا البلاد؟
« في: 12:00 21/10/2012  »
لا تعسكروا البلاد؟

كفاح محمود كريم

    لقد دفعت كثير من الشعوب وخاصة تلك التي في شرقنا الأوسطي ثمنا باهضا لعسكرة دولها وأنظمتها الاجتماعية والسياسية، وغرقت في بحور من الدماء التي سالت من اجل بقاء وديمومة أنظمتها الدكتاتورية وتسلط زعمائها المصابين بأمراض العظمة والبطولة الزائفة والشعارات الرنانة، وتحت ذلك السقف المتهرئ من الشعارات أحرقت تلك الدول ثرواتها وعرق جبين أبنائها لشراء وتجميع شتى أنواع الأسلحة من اجل بناء قوتها العسكرية العظمى؟

 ومن مشهد تلك الدول والأنظمة ندرك أنها جميعا تنهل من معين واحد هو الشمولية والدكتاتورية الفردية أو الحزبية، وما بناء قوتها العسكرية وترسانة أسلحتها إلا للحفاظ على ذلك النظام وقمع الآخرين داخليا وخارجيا، ونتذكر جميعا مخازي النظام السابق في عملية عسكرة الدولة والمجتمع ابتداءً من ميليشياته المسماة بالجيش الشعبي تارة وبجيش القدس تارة أخرى، وانتهاءً بفرقه الذهبية التي تحولت خلال ساعات إلى فرق تنكية صدئة، وما أنفقه على  مغامراته الجوفاء فيما سمي بالتصنيع العسكري، وإنتاجه الذي لم يتجاوز العتاد الاسوء والأكثر تخلفا، وبعض الهرطقات الإعلامية من قبيل عدنان واحد وعدنان اثنين وما شابههم من صواريخ الحسين والعابد الذي كلف ( غلابة العراق ) ما يقرب من 17 مليار دولار لكي يدور نصف دورة حول الكرة الأرضية وينفجر، وهو الذي أعلن عنه بأنه سيحمل أقمارا صناعية إلى الفضاء!؟

     وإذا ما تجاوزنا مسرحية الصناعة العسكرية ليس هنا في العراق فحسب بل حتى في وسوريا وليبيا ومن شابههم في العقلية، فسنرى صفقاتهم التسليحية سواء من روسيا أو غيرها والتي تجاوزت المئات من المليارات خلال العقود الماضية وما أنتجته في معظم هذه البلدان، إن تلك الأسلحة بكل أنواعها حتى المحرمة منها استخدمت ضد الشعب قبل استخدامها ضد الآخرين وبالتأكيد إسرائيل ليست من الآخرين، فقد أثبتت سنوات هذه الأنظمة العجاف إن ترساناتها العسكرية استخدمت ضد شعوبها ومكونات دولها، كما حصل في العراق إبان استخدام أقذر الأسلحة وأكثرها فتكا ضد الكورد وكوردستان في العراق، حيث يتذكر العراقيون جميعا سواء من شارك منهم في عمليات الأنفال القذرة أو من شهد نتائجها ويومياتها، ما خلفته تلك الأسلحة في ربوع بلادنا شمالا وجنوبا شرقا وغربا، ثم مع الجيران في حروب همجية وغزوات طائشة تسببت في كل هذا الدمار الذي نشهده منذ أكثر من عقدين وسيستمر إلى عقود طويلة طالما هناك عقلية ما زالت تؤمن بان الدبابات والطائرات هي الحل في إشكالاتنا الداخلية والخارجية.

     إن صفقات السلاح التي تعقدها الحكومة العراقية منذ فترة تؤشر نوايا لا تختلف كثيرا عن تلك النوايا التي جمعت كل سكرابات العالم هنا، لتحولها بعد فترة وجيزة الى ركام ممزوج بأجساد الجنود والمدنيين من الأطفال والنساء والمعارضين لحكم النظام، بينما تغط البلاد في ظلام دامس وتقهقر رهيب في معظم مجالات الحياة حتى ارتفع خط الفقر إلى مستويات تقترب في كثير منها إلى ما هو موجود في دول أفريقيا الفقيرة، حقا أنها علاقة طردية كما يقولون فكلما فشل النظام في بناء مجتمع متقدم متحضر خال من الظلم والاستبداد، وانهزم أمام مشاكله الداخلية لجأ إلى بناء قوته العسكرية ظنا منه بأن القوة هي الحل الوحيد، رغم إن دروس الماضي ليست ببعيدة عن الأذهان، وان آلامها وانين ضحاياها وثكالى حروبها ما تزال تسمع في كل محلة وحي وزقاق؟

     العراق اليوم في أمس الحاجة إلى بناء دولة متقدمة محترمة تعمل من أجل صياغة علاقات راقية مع جوارها، تعتمد أسس السلام والوطنية والاحترام المتكافئ بعيدا عن الخنوع أو التدخل في الشؤون الداخلية، والتفرغ لتطوير البلاد وبنيتها التحتية تربويا وعلميا وزراعيا وصناعيا واجتماعيا، فما زال أكثر من نصف طلبة العراق يداومون في مدارس غير لائقة، وما زالت الأمية متفشية في أوساط هائلة من السكان، الذين يعانون الأمرين في ابسط الخدمات الحياتية ( الكهرباء والماء والصحة ) إضافة إلى البطالة  والتخلف المريب في الصناعة والزراعة والطرق والمواصلات.

     لقد أثبتت التجارب والحياة في بلداننا هنا في الشرق الأوسط ومن ماثلنا وخاصة العراق، إن أي توجه لعسكرة البلاد وبناء ترسانة عسكرية نذير شؤم نهايته الدمار والخراب، وان أي ادعاء بان أعداء العراق كثيرون ادعاء كاذب أثبتته الأيام وخاصة مع كل من ايران والكويت أو تركيا وبقية دول الجوار كما يدعي البعض، فايران بعد ثمان سنوات من الحرب عادت الى العراق صديقة شقيقة تأمر وتنهي كما تريد، وليست الكويت ايضا أو تركيا أو غيرهما اقل من ذلك، فما خسره العراقيون على أيدي حكامهم وجيشهم اكبر بكثير مما خسروه في حروبهم مع اسرائيل أو ايران أو الكويت!؟

فلمن يا ترى تبنى هذه الترسانة العسكرية مرة أخرى يا عراق؟

kmkinfo@gmail.com
 
[/color]

156
اللصوص لا يبنون دولة؟

كفاح محمود كريم

    كنا نحلم ونأمل جميعا ان تبدأ حقبة جديدة طاهرة ونقية ونظيفة في بلادنا بمجرد سقوط نظام صدام حسين بعد عقود من الظلم والطغيان، لكن هول ما حدث والطريقة التي أسقط بها، ربما أنسانا إن ذلك النظام كان يجلس على بيض مئات الآلاف من الحرامية والرشوجية والانتهازية والمجرمين، التي تفقست اثر سقوطه وبدأت تتناسل كالقطط الشتائية تحت عباءة الديمقراطية والانفتاح وإعمار العراق، بقيادة واحد من أكثر الشخصيات الأمريكية فسادا وشبهة الا وهو برايمر وطاقمه من الإدارة المدنية والعسكرية!؟ 

     والانكى من كل ذلك انهم ( مغنطوا ) الكثير من عناصر النظام السابق وادغموهم في طواقمهم، إضافة إلى النكرات الاجتماعية التي تم احتواؤها وإعادة تصنيعها لتأخذ لها أدوارا مهمة في المال والسلطة، حيث نجحت هذه المجاميع لاحقا  باجتياز كل الحواجز واختراق صفوف النظام الجديد، لكي تعشش في مفاصل الدولة الجديدة برعاية الحاكم الجديد برايمر ومجموعة الجنرالات وملحقيهم الذين ورثوا بقدرة قادر تاج المال والسلطة في بلاد الرافدين الآيلين للنضوب والجفاف!؟

     وعلى مدى سنوات طويلة نشأت وترعرت تلك المجاميع من الطفيليات واللصوص والانتهازيين والنكرات تحت عباءة الاحتلال ومساعدته لهم، بل ان الكثير منهم لعب لعبا مزدوجا بينهم وبين العمليات المسلحة من بعض ما كان يسمى بالمقاومة، حيث تحول الكثير منها إلى قومسيونجية بين السلطة والإرهاب تارة وبين الإرهاب والأمريكان تارة أخرى، ناهيك عن تلك الأعداد الكبيرة التي التفت حول الكثير من المسؤولين رفيعي المستوى على شكل حمايات ومرافقين ومستشارين، وشكلت حلقات من البطانات التي نمت وتطورت لتأخذ مسارها في اتخاذ القرار وتوجيه كثير من مفاصل الدولة؟

     لقد أكدت الأحداث وما وصلت إليه البلاد منذ سقوط النظام وحتى يومنا هذا، إن من يحكم اليوم لم يثبت انه يمثل تلك الطموحات والآمال التي حملها العراقيون عقود طويلة من حكم الدكتاتورية، ولا يمت بأية صلة إلى نضالات الشعب وتضحياته من اجل نظام ديمقراطي نزيه ينشر العدالة الاجتماعية ويرتفع بواقع البلاد وحاجياتها الى ما يليق بتاريخها ونضال شعوبها، إن حال البلاد بوجود هذه الوفرة المالية الفائقة ( مئات المليارات ) يؤكد بما لا يقبل الشك إن الفساد لم يعد محصورا في مفاصل إدارية متوسطة وصغيرة، بل انه يمتد إلى قيادات رئيسية ورأسية في السلطات الثلاث، حيث لا يسرق الصغار إلا المبالغ الصغيرة، أما تلك المليارات الضخمة التي ادعت السلطة التنفيذية إنفاقها على الكهرباء والماء والأعمار والصحة والمواصلات والأمن والدفاع، فقد ( لغفها، اختلسها ) كبار موظفي الدولة الذين ما زال الكثير منهم رغم إدانته من قبل القضاء أو النزاهة يتمتع بحصانة شركائه النافذين في الحكم.

     وقراءة أولية لتوزيعات ميزانية هذا العام فقط تؤكد هول ما يسرق ويختلس من أموال البلاد من قبل الحرامية وشركائهم ومساعديهم ومن لف لفهم، وليس للقارئ الا ان يقارن بين هذه الأرقام وبين ما تحقق على ارض الواقع على ان يتذكر ان ميزانيات السنوات السابقة لم تختلف كثيرا في حجمها وقيمتها عن هذه الميزانية:

    إجمالي مخصصات الميزانية بلغت 117 ترليون دينار عراقي، كانت حصة الأمن والدفاع اكبر الحصص حيث بلغت 17.16 ترليون، أما الطاقة وتعني البترول والكهرباء فقد بلغت 20.46 ترليون، بينما كانت حصة التعليم 11.47 ترليون والصحة 5.71 ترليون، يقابلها الماء والمجاري 3.86 ترليون، بينما انخفضت تخصيصات الزراعة ( 2.41 ترليون ) والصناعة ( 1.42 ترليون ) والتشييد والإسكان ( 1.14 ترليون ) في بلاد تعاني تدهور كارثي في الزراعة والصناعة والسكن.

     هذه أرقام أولية من تخصيصات موازنة 2012م وهناك ما يقابلها في الضخامة للسنوات الماضية، ومن مقارنة ميدانية بين ما تحقق من انجازات مقابل هذه الأرقام الرسمية نقترب كثيرا من عنوان مقالتنا:


    اللصوص لا يصنعون دولة، بل يصنعون أمجادهم على أنقاض بلدانهم؟
kmkinfo@gmail.com


 
 

157
تصريحات غير مسؤولة؟

كفاح محمود كريم

     منذ اندلاع الأزمة الأخيرة بين الإدارة الاتحادية متمثلة بطاقم الحكم فيها وبين إقليم كوردستان، تعرض الإقليم وشعبه إلى هجمة شرسة من قبل طواقم الإعلام الموجه بوسائله المختلفة وبالذات أولئك الذين يكتبون دون شعور بمسؤولية، وبغض النظر عما تؤول عنه كتابتهم أو لغتهم المستعملة، وكأنهم يهيئون الأذهان والمزاج العام للأهالي لمرحلة من الكراهية والأحقاد، تبرر شن حرب أو حصار أو إبادة من الإبادات التي تعرضت له شعوب العراق منذ تأسيسه وحتى تحريض الرأي العام لقبول إلغاء الآخر!؟
 
     وللأسف الشديد إن معظم هؤلاء الكتاب أو المصرحين بالأحاديث الصحفية من قيادي الإدارة السياسية للحكومة الاتحادية أو من طواقم إعلامها الموجه، الذي تفوح منه رائحة الخردل التي تسببت في إبادة عشرات الآلاف من سكان كوردستان سواء في حلبجة أو كرميان أو بهدينان، حيث ان مثل هذه الوسائل كانت أداة التحريض والتحضير لعمليات الإبادة التي استخدمها نظام صدام حسين، في توجيه مجموعة من كتابه وإعلامييه إلى فبركة تقارير ومقالات عن علاقة الثورة الكوردية بالاستعمار والامبريالية والعدو الفارسي والصهيونية العالمية، ومن ثم نشرها بشكل واسع في كل وسائل الإعلام قبل شن حملات واسعة للإبادة في معظم مناطق كوردستان!

     واليوم ومنذ عدة أشهر على الأقل يظهر في معظم وسائل الإعلام الموجه وكتابه، مستنسخات مطابقة لما كان يعرض أيام ( القائد الضرورة وبطل القادسية الثانية ) من أخبار وتقارير ومقالات بأسماء مختلفة لكنها تحتوي ذات المتن والمضمون، ولنتذكر معا ونقارن بين هذا الخبر الذي فبركه احد قياديي كتلة الحكم في الإدارة الاتحادية وعضو مجلس النواب حيث يقول في تصريح له للسومرية:*

     " إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكن أن تزود إقليم كردستان بالسلاح خلال الفترة المقبلة، فيما أشار إلى رفض الولايات المتحدة وروسيا طلبا لرئيس الإقليم مسعود البارزاني  بتزويده بالسلاح."
 
ويستطرد قائلا :

     " لا توجد دولة  مستعدة لتزويد إقليم كردستان بالأسلحة إلا إسرائيل لأنها لا تلتزم بالقوانين الدولية"، مشيراً إلى أن "إسرائيل تبحث عن سوق لبيع سلاحها ولا يوجد أفضل من سوق إقليم كردستان "

     وفي حوار مع موقع ايلاف الدولي يقول قيادي آخر من ذات الكتلة:*

     " إن الأكراد يسعون الى إقامة كردستان على أنقاض العراق، ويرى أن وقوف التحالف الكردستاني مع قانون العفو العام دليل على هذا السعي، لأنهم يريدون إطلاق كلاب القاعدة لتقتل العرب. كما يقول إن أعضاء القائمة العراقية قد استكردوا."

ويستدرك قائلا:

    " خطير؟ نعم! يؤيد التحالف الكردستاني قانون العفو العام، فهو يريد إطلاق سراح عناصر القاعدة كي يستمروا في قتل العرب في العراق. فالأهداف الكردستانية واضحة. ومسعود بارزاني وجماعته وقفوا منذ البداية مع زيادة الفرقة الطائفية في العراق، فهم يريدون بناء حكومتهم الخاصة على أنقاض الحكومة الاتحادية."

     ولا أتصور إن التعليقين أو اللغتين المستخدمتين في هذين التصريحين تحتاج إلى تعليق، بقدر ما تحتاج إلى تذكير ان المرحلة التي نعيشها الآن ومعطياتها ليست تلك التي استنسخت منها هذه الثقافة، وهذه اللغة المستعملة لإشاعة الكراهية والأحقاد وتهيئة  الرأي العام لحملات جديدة ضد كوردستان وشعبها لن تجدي أصحابها نفعا أكثر مما انتفع منها البعث وصدام حسين ومن سبقهم في معاداتهم للشعب، رغم ما يخرج من بين اسطرها ومعانيها من نيران تذكرنا بلهيب النابالم، إلا إن عراقنا وكوردستاننا وعصرنا اليوم لا يتحمل بل لا يقبل إطلاقا هذه اللغة أو الثقافة الفاسدة التي خربت البلاد ودمرت العباد ولم يجن أصحابها إلا السقوط والانهيار، نحن جميعا أحوج ما نكون اليوم إلى خطاب يلملم هذا التشتت والتناحر ويقرب وجهات النظر بعيدا عن الاتهامات وتأجيج الأوضاع وتحريض الرأي العام وملئه بمزاج عكر لا يؤول إلا إلى خراب وفساد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* السومرية http://www.alsumarianews.com/ar/1/49045/news-details-.html
* إيلاف http://www.elaph.com/Web/news/2012/10/765993.html?entry=Iraq


158
المنبر الحر / هذه ليست لغتنا!
« في: 11:36 10/10/2012  »
هذه ليست لغتنا!

كفاح محمود كريم

     انتشرت قبل أيام وصلة غنائية أرسلت بالبريد الالكتروني لكثير من الكتاب والإعلاميين بعنوان ( بنحبك بارزاني ) تتضمن مديحا للسيد مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان، وقد استفسر العديد منهم عن حقيقة تلك الوصلة الغنائية، وانبرى آخرون يتحدثون عن دكتاتور العصر في كوردستان، بل البعض الآخر اعتبرها جزء من ثقافة النظام السياسي في الإقليم، متناسيا الخيار الديمقراطي الذي انتهجه الإقليم وأحزابه وحركاته منذ الأيام الأولى لاستقلاله الذاتي قبل أكثر من عقدين من الزمان حينما طلب الرئيس بارزاني في أول خطاب له بعد انتصار الشعب في انتفاضة آذار 1991م أن تكون صناديق الاقتراع وسيلة لتداول السلطة في البلاد؟

    ومن حيثيات هذه الأغنية يتضح بأنها قد نفذت وسجلت من جهة خارج الإقليم ولا علاقة للإقليم ومؤسساته ووسائل إعلامه المختلفة بها، كونها لا تمت بأي صلة لمنظومة وسلوكيات الإعلام الكوردستاني والأداء السياسي لجميع الأحزاب والحركات، بما فيها الحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيسه الذي يرفض مثل هذا السلوك والتعاطي، بل انه يشعر بالحرج أمام أي مديح من أي مواطن أو مسؤول، ولعل الكثير يتذكر كيف رفض أن يمنح شهادة الدكتوراه الفخرية حينما طلب احد الأساتذة في جامعة دهوك منحه إياها وقد بثت مباشرة على الهواء، وفي ذات المناسبة وأثناء خطابه في جامعة دهوك رفض بشدة اقتراح مفاده اعتبار يوم زيارته لتلك الجامعة عيدا أو يوما لها وقال لهم ما معناه وعلى الهواء مباشرة:

    لا تصنعوا دكتاتورا بهذا السلوك، انا أقوم بواجبي الاعتيادي في زيارة الجامعة كأي مسؤول.

     هذه المنظومة الفكرية والأخلاقية لا يمكن لها أن تقبل مديحا بأي شكل من الأشكال لأنها تؤمن بأداء الواجب الوطني في خدمة الشعب من هذا الموقع، والذين عرفوا الرئيس مسعود بارزاني يدركون تماما انه خارج هذا النمط من الثقافة بل ويرفضها بشكل قاطع، وهو الذي عمم قبل فترة ليست طويلة بمنع رفع صوره في نقاط السيطرة والأماكن العامة، وتخلو كل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في كوردستان من هذا الشكل في المديح المج، بل وترفض بث أو استخدام هكذا نمط سواء في الأغاني أو الأناشيد باستثناء ما يتغنى منها بالوطن والشهداء ورموز الثورة الكوردية ممن رحلوا عن حياتنا من أمثال الزعيم مصطفى البارزاني ومحمود الحفيد وغيرهم.

     لقد كنا لسنوات طويلة ضحايا للأنظمة الدكتاتورية ولتلك الثقافة البائسة في إعلامها الذي كان يلغي الكل من اجل الفرد ويكثف الوطن بأكمله والشعب بأسره في شخص رئيس أو ملك أو زعيم، ولعل الذين عايشوا وعاصروا الزعيم مصطفى البارزاني ممن هم خارج كوادر حزبه أو أركان ثورته من كل القوى الوطنية العراقية التي عرفته، يدركون حقيقة تلك المدرسة في التواضع والإيثار والواقعية، وذلك النهج الذي أصبح سلوكا لمعظم قيادات الحركة التحررية الكوردية وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بارزاني.

kmkinfo@gmail.com

159
المنبر الحر / حوار لم يكتمل!
« في: 18:39 01/10/2012  »
حوار لم يكتمل!

كفاح محمود كريم

     كنت قد نشرت مقالا حول موضوع العمالة ومفهومها وتطبيقاتها في النظم الدكتاتورية التي تستسهل توجيه مثل هكذا اتهامات لأي من معارضيها، كما كان يحصل مع معظم الأحزاب المعارضة لنظام صدام حسين واتهامه لجميعها بالعمالة لإسرائيل والاستعمار والامبريالية العالمية، وقد اطلع عليه الزميل الكاتب والإعلامي سالم مشكور وأرسل يحاور:
    
     أنا معك في الإسفاف في توجيه الاتهام بالعمالة لإسرائيل من قبل الأنظمة الشمولية، لكن فيما يخص محاولات التمدد الإسرائيلي في كردستان فله جذور تاريخية وانا بنفسي رأيت صورة تجمع مسؤولا إسرائيليا مع الملا مصطفى رحمه الله والدكتور محمود عثمان، وهي منشورة في عدد من الكتب ولم ينكرها الدكتور محمود. طبعا لهذا الموضوع ظروفه التاريخية والسياسية. أما اليوم فقد اخبرني مسؤول في الاتحاد الوطني وهو صديق قديم لي بان قاعدة للموساد موجودة على سبيل ( سرسنك كما أتذكر انه قال) وهو يشرف على الأراضي الإيرانية، واعتقد انه موجه إلى إيران أكثر منه إلى العراق، وإذا كان من معلومات لديك تدحض هذا الكلام سأكون مسرورا لسماعها منك.
 
كفاح محمود:

     شكرا لاهتمامكم ومتابعتكم أخي الكريم، وبودي أن أوضح لكم إن موضوع بحثنا دار حول فكرة العمالة حصريا والاتهامات الجارية، ولم انفِ أو أثبت علاقات عسكرية أو دبلوماسية أو مصالحية بين كوردستان واسرائيل أو سوريا أو ايران أو حتى تركيا حاليا أو سابقا، فالمصادر الرسمية هنا في الإقليم ابتداءً برئيسه وانتهاءً بأي مسؤول رسمي في الحكومة والبرلمان ينفي  بشكل قاطع أية علاقة من التي ذكرتها أو تذكرها وسائل الإعلام الموجهة، ولكنني استطيع تأكيد حالة واحدة وهي ان الثورة سابقا ومؤسساتها المدنية حاليا مدت يدها لكل الأطراف التي أبدت مساعدتها في إنقاذ شعب كوردستان من الإبادة والتدمير، ولا أظن إن العلاقات اليوم بين الدول والأقاليم والحركات تقع تحت ذلك التعريف البائس الذي اعتمدته الأنظمة الشمولية في اتهام كل من يعارضها بالعمالة، إذ انه لا يعقل تماما ان يكون الرئيس السادات ومبارك ونصر الله وعرفات ومعظم من ( يتمتعون ) بعلاقات مع اسرائيل عملاء كما يتم توصيفهم من قبل كل الشموليين بعثيين كانوا أو غيرهم؟

     هذا من جهة ومن جهة أخرى فان للكورد تاريخ نضالي وإنساني مع الشعوب التي بجوارهم منذ صلاح الدين الأيوبي وحتى يومنا هذا، يرتقي على تاريخ معظم مكونات الشرق الأوسط، وهم كما تعلم ليسوا طائفة أو أقلية بل مكون كبير وربما اكبر ( أقلية ) في العالم لم تنل حقوقها!؟

سالم مشكور:
 
     وأزيدك بان الكرد سبقوا باقي الأقوام في الوجود على هذه الأرض بآلاف السنين. وعندما أقول طائفة فلا يعني ذلك تقليلا من شانهم أبدا وافترض انك تعلم جيدا معنى الطائفة. ما اعنيه هو الجماعة التي تشترك في لغة أو ثقافة أو مشروع سياسي وغيره وهذا ينطبق على التركمان والشبك والشيعة والسنة والكرد والعرب السنة وغيرهم. المعيار هنا كما ترى ليس دينيا فقط أو مذهبيا فقط أو قوميا فقط. المهم أن يجمع أبناء جماعة ما مشتركات واهتمامات وهواجس وطموحات تميزها عن الجماعات الأخرى، وحتى الباقين لم يظهروا بعد 2003 بل هم موجودون منذ القدم لكن ظروف ما بعد 2003  وفرت بيئة صالحة لانكفاء الطوائف على نفسها حفاظا على مشروعها أو تحاشيا لتكرار ماض اليم أو خوفا من مستقبل مجهول، وهنا دعني اضرب لك مثلا:
     ألا يقال إن العراق يخضع لمحاصصة طائفية؟ فما معنى الطائفة هنا؟ وعندما توزع المناصب طائفيا، الا يجري تقسيمها بين الشيعة والسنة والكرد؟

     أما إذا كان الكرد كما تقول "لهم خياراتهم ومؤسساتهم وقرارهم " بعيدا عن العراق كبلد يضمهم مع باقي الطوائف _ وهذا ما هو حاصل الان _ فاعتقد ان الافضل لهم وللآخرين ان يستقلوا تماما وهو حق لهم لا يناقشهم فيه احد وانا من اشد الداعين الى ذلك. اما ان يظلوا عراقيين حيث يحصلون على المكاسب، ومستقلين حيث لا مصالح فان الأمر سيخلق أحقادا عميقة في نفوس الطرفين تلقي بظلالها على العلاقة بين الدولة المستقبلية لهم وباقي العراق.
 
كفاح محمود:

     ازعم أن هناك تعريف أكثر دقة لما تسميه بالمكاسب وهو الاستحقاقات التي تم تهميشها لعقود طويلة وهي تتعرض اليوم إلى محاولات لا تقل عن تلك الالتفافات التي كانت تواجه اتفاقيات مع الأنظمة السابقة ( اتفاقية آذار 1970م نموذجا؟ ) ومشروع الحكم الذاتي الذي أرادت حكومة البعث صياغته حسب فلسفتها وفرضته لسنوات طويلة مسخا وهيكلا كارتونيا سرعان ما انهار في أول ساعات الانتفاضة، أما ملاحظتكم أو قولكم (إما أن يظلوا عراقيين حيث يحصلون على المكاسب، ومستقلين حيث لا مصالح ) فهذا ربما تجني كبير أخي مشكور، فما أخذه الكورد إنما أخذوه استحقاقا كان قد سرق منهم أو اغتصب بالقوة وما يزال هناك الكثير من حقوقهم خارج إرادتهم، وهم عراقيون ( بمفهوم الدولة العراقية ) منذ أن منحوا الموصل هويتها العراقية حيث اختاروا المملكة العراقية بشرط احترام حقوقهم وإرادتهم، أما وصمهم بالانتهازية فهذا بربي عين التجني خاصة وهم الذين اختاروا الاتحاد مع العراق ضمن دستور متفق عليه وكانوا أكثر الأطراف جدية وعملية في تأسيس دولة حديثة بعد سقوط نموذجها المتخلف اثر زلزال آذار نيسان 2003م.

     الكورد والكوردستانيون عموما ما زالوا يؤمنون بانتمائهم الى العراق حيثما يحترم الاخرون الدستور المتفق عليه وحل كل الاشكاليات التي خلفها نظام البعث من عمليات تعريب لمناطق في كركوك والموصل وديالى وإجراء التعداد العام للسكان ليتضح للجميع حقيقة كل المكونات وخاصة الكورد وحجمهم الطبيعي، وتشريع قانون للنفط والغاز حسب ما جاء في الدستور وإنشاء مؤسسة عسكرية مهنية تمثل كل العراق ولا تكون حكرا بيد شخص أو حزب أو عرق أو مذهب، وغير ذلك لكل حادث حديث ليس للكورد فحسب وإنما لكل من ضمهم الدستور في كيان اتحادي ديمقراطي تعددي، اما موضوع زيارة الوزير التركي فأخشى أن تكون بيئة الأزمة أنتجت هذا التهويل لزيارته وعلى ذات الخلفية كيف نعرف زيارة عشرات المسؤولين الايرانيين رفيعي المستوى وخاصة الامنيين منهم لبغداد والبصرة والنجف وكربلاء ومثلهم من السعودية لمنطقة ربيعة والانبار.

سالم مشكور:

     لا يمكن لبيئة الأزمة أن تبرر هكذا انتهاك وهو مرفوض سواء صدر عن تركي أو إيراني أو هندي أو سعودي. هذه بالضبط ما اسميها لعبة الطوائف التي تجري على حساب الوطن..لمن يهمه أمر الوطن وليس أمر الطائفة.
 
كفاح محمود:

     اقدر تماما ما تذهب اليه كرأي ولكن الكورد ليسو طائفة فهم قوم وارض وشعب ولهم كيانهم ومؤسساتهم وخياراتهم وقرارهم ايضا، وهم ايضا ليسو من إنتاج ما بعد 2003 مما اسميته بالطوائف الذين ضاع بينهم الوطن والانتماء.

 kmkinfo@gmail.com


160


صخرة كردستان ..وسيزيف الشرق ..!

فلاح المشعل

مهداة إلى أبطال كردستان العراق محمود الحفيد وعبد الله كوران والملا مصطفى البارزاني .

توطئة

     تبيعنا الأساطير بعضا من الضوء والمعنى، وإذ تحكي الأسطورة الإغريقية  صخرة سيزيف دلالة الشقاء الأبدي الذي أوقعته آلهة الأولمب على الملك سيزيف في رفع الصخرة العملاقة والوصول بها الى قمة الجبل ثم تفلت منه الصخرة وتهبط نحو أسفل المنحدر فيعاود دفعها  ورفعها إلى الأعلى، وهكذا تدور المعاناة ويفتقد الأمل.. انها العقاب الدائم الذي نصت عليه ألآله  ضد تمرد سيزيف وعدم طاعته..!

صخرة كردستان  وسيزيف الشرق..!

     تلك أسطورة يتناقلها أبناء البشرية نقلا عن اليونانيين القدماء  آباء الفلسفة  والحكمة.وهنا صخرة كردستان، أسطورة حية تنبض بالضوء مثل كوكب دري، أسطورة تقلب المعنى وترفع الأوجاع عن سيزيف العراقي لتضعها على صخرة كردستان وهي تحمل شقاء وعذاب وحلم الآخرين، عبر السنين، وتمضي بحراسة ضوء الشمس لتنسج حكاية المجد في نشيد العنقاء المتجدد مع دورة الزمان..!

منذ بدء الخليقة، لاشيء للكردي سوى الناي يدون به أوجاع الروح وذاكرة الأسى...!

     صخرة كردستان ليس مقعدا للبيشمركه، هي بوابة السماء المطلة على نوافذ الأحلام والأغاني المنسية في أنفاس مهاباد..،                           يا وجع السنين ومرفأ من يسابق الموت ليأتي بأمنية جلجامش،             كردستان،                                                                       حكاية الزمان ، روح المكان ، وهج الحلم المورق في قرار النبوءة ..، ايتها الصخرة النارية كم تدفأ بك العشاق في صلواتهم وهم يصعدون لمناجاة الرب.!

يا صخرة كردستان

رأيتك في سنندج تسألين عن المطر النازل في شقلاوة وآخر سلالات الكروم في بنجوين ..!
عن الأشلاء السماوية في حلبجة
وذكريات من رحلوا في حاج عمران
دموع الأشجار بوجه العصافير
تراتيل منسية في دير الربان هرمز
رؤيا تغيب قبل الصباح
لمطرقة كاوه الحداد تهوي على رؤوس من تجبروا
في دورة الزمان والمكان،
وحكايا للعشق في حقول الحنطة
رأيت النجوم تخرج عن صخرة كردستان
وتنشد في نهاراتها المفتوحة؛
ليس جدثا من بلور، هذا وطني
يعطي للقمر أجازة أبدية
في ضوء شمسه القرمزية

*****

يا صخرة كردستان ، كيف لك ان تمتصي أحزان السنين وتبتسمي قبل المطر؟                                                                       متى تماهى بك كل هذا الوجع والصبر الجميل،                        والزهو،                                                                    والأرق؟                                                                     كيف اصبحتي سماءا تتكأ عليك يد الله ، تشرئب لك اعناق الملائكة ويغني في ليلك القدر؟؟
دليل البدوي حين
تصهل في مواقدك أنفاس الشجر
خمس سنوات طفت بها،
خمس سماوات طافت بي،
هل كنت أبكي؟؟
وما حولي يضحك،
ام هو المطر الوحشي يأخذني نحو ممرات جهنم؟
وصخرة كردستان تمتد كالحلم من جبل هرزله نحو سفوح قره جولان
ومن عسل بي خال الى شلالات الضوء في قلعة أربيل الى قمم الفجر العراقي في دهوك الطالعة من حقول النرجس والندى .
كنت  ابكي،
وانا أتهجى قاموس وجودك العصي على الترجمة، ولم تزل،
صخرة كردستان تكتم أوجاعها، تحمل النقوش عن تاريخ معاول ملوك الفرس والترك والعرب وكيف اعوجت قرونها وهي تضرب في وهم يتطاير شظايا في سنين الموت والعزلة والاحتراق،،  وما عرفوا ان جمر الحديد لا يصير رمادا..!
وان دورة الأشياء، تطرق ذاكرة الموتى، فتستريح العظام في الأجداث
وصخرة كردستان أبهى وأعلى، هي الأرض والفضا، هي رحم الربيع وسقف الغيوم والثلج والمطر.
صخرة كردستان حملت أوجاع سيزيف الشرق من الكرد والعرب والعجم
وتوضأت بالمن والسلوى
اغتسلت بدموع القديسين والأئمة
تناسلت روحها عن ضياء الشهب
فولاذ السماء،
وتجمعت فيها أسرار الأرض
انها مستودع المجد الأبدي، ترقد فيها بسلام
أرواح منْ تسابقوا مع الموت،
الحفيد و كوران والبارزاني
والشجر الطالع من صخرة كردستان،
مثمر بأحلام السنين واغنيات مهاباد الحبيسة،
ليس للكردي سوى الناي والحب والمطر،
وشراع يمتد كأغنية في سبع سماوات،
وسبعة بحار،
تكسر نصوص الأسلاف؛
(لا تعطوا للكردي سوى الأفق الملبد بالقلق )
هو الأفق والروح والمدى
هو النار و الفردوس ساعة القيامة،
هو الكردي
رؤيا كالعشب تنبت كل ربيع على صخرة كردستان .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فلاح المشعل: كاتب وصحفي وأديب عراقي

161
لكي لا نعض أصابعنا؟

كفاح محمود كريم

    هل يعقل حقا أن الشعب العراقي ناضل وضحى وصبر وتحمل كل ذلك الضيم والظلم والفقر والعوز، من اجل إقامة نظام سياسي على هذه الشاكلة التي بدأت تتضح صورها ومشاهدها منذ 2005م ولحد يومنا هذا؟

     ترى ماذا سنقول لمئات الآلاف من ذوي الشهداء والضحايا والمعذبين والمعاقين، وكيف سنبرر لهم ما يحدث الآن وما تفعله مؤسسات نظامنا الجديد من فساد وإفساد وظلم وتخلف فاق ما كان موجودا أيام الزمن الغابر؟

     بل أن الكثير من المناضلين المخلصين والانقياء يخجلون اليوم من أولادهم وأسرهم ومقربيهم، حيث كانوا قد بشروا سرا أيام النظام البعثي بحقبة جديدة من العدالة الاجتماعية والنزاهة والحكام المخلصين، ودولة خالية من الدكتاتورية وأحزابها الفاشية؟

    نعم بشرنا جميعا بدولة المواطنة لا دولة العشيرة والحزب والعرق والمذهب والدين، بشرنا بنظام سياسي مدني ديمقراطي يحترم كل الأديان والمذاهب والأعراق دونما أن يتبنى لونا دينيا أو مذهبيا أو قوميا عنصريا؟

    ترى هل كانت نضالاتنا جميعا وعلى كل المستويات، احزابا وحركات واشخاص من اجل حفنة من النكرات والانتهازيين لكي تتسلق سلم الديمقراطية وتؤسس افشل نظام إداري ومالي وسياسي في العالم؟

     وهل يعقل أن تنقلب الأمور بين ليلة وضحاها إلى سلوكيات لا مثيل لها، ففي كل ما تعارفنا عليه من قيم وأخلاقيات لدى جميع الأقوام والأديان والطبقات، أن تدعو جارك أو ضيفك إلى غداء أو عشاء أو حفل أو مأتم، لا أن تدعوه إلى صناديق الاقتراع لكي يختار لك من يمثلك؟

    مشاهدة سريعة لمشهد مؤسساتنا التشريعية والتنفيذية يرينا بؤس ما اختاره الناخبون في أول ممارسة يفترض أن تكون حرة نظيفة ونزيهة، لا أن تتحكم فيها الفتاوى والفرمانات العشائرية التي صادرت حرية الاختيار، وأوصلت تلك النكرات الفاسدة إلى دفة الحكم، سواء في مجلس النواب أو في السلطة التنفيذية، ولعل كل واحد منا في قريته أو مدينته يتذكر جيدا تاريخ وسلوك كل شخص من هؤلاء الذين أصبحوا ممثلي الشعب أو وزرائه ومسؤوليه في غفلة من الزمن؟

     ودوما تؤخذ الأمور بنتائجها أو خواتمها كما يقولون، فما أنتجته هذه المجاميع الفاسدة من أفواج الوصوليين والانتهازيين والسراق ونكرات المجتمع، منذ سقوط النظام وحتى يومنا هذا يؤكد حقيقة هؤلاء الفاشلين، سواء من كان منهم في البرلمان أو في الحكومة وبشكل خاص في مؤسسات الدفاع والداخلية والنفط والكهرباء والمالية، حتى أصبحت بلادنا من افشل البلدان في نظامها السياسي والمالي والإداري، وتفاقمت البطالة والتخلف والأمية والتضخم أضعاف ما كانت عليه قبل سنوات، وبتسلط هذه المجموعات المشرعنة بأنغام العشيرة والشيخ وفتاوى رجال الدين أصبحت بلادنا قرية وشعبنا عشيرة!؟
 
    لقد عض الملايين من أبناء العراق أصابعهم التي تباهوا بلونها البنفسجي في الانتخابات الماضية التي أعطتنا هذا المشهد الذي نراه في القرية والمدينة والعاصمة، ولن أصفه وساترك لكل قارئ حرية التوصيف، لكنني أدرك كما يدرك الكثير إن الأغلبية من الأهالي نادمة على ما فعلت، وأنها إزاء مرحلة جديدة بعد أن أدركت فشل الذين أوصلتهم إلى مفاصل الدولة.

    علينا جميعا أن نعي وندرك حقيقة ما حدث خلال السنوات الماضية والإحباط الكبير الذي أصاب معظم الأهالي بسبب  الرضوخ لنواميس شيوخ العشائر وبعض رجال السياسة والدين، الذين يصرون على تحويل دولتنا إلى مؤسسة دينية أو مذهبية أو عرقية أو دكتاتورية، ونعمل بجدية من اجل البحث عن مرشحين يمثلون نبض الأهالي بحق، من الانقياء المخلصين الذين لم تلوثهم أكوام السحت الحرام وامتيازات الحكم والسلطة، وعدم فسح المجال أمام هذه النكرات لكي تؤسس لها موضع قدم مرة أخرى!

kmkinfo@gmail.com

 


162
دولة الأعياد والعطلات؟

كفاح محمود كريم

     في متوارثات الشعوب كثير من الذكريات الأليمة والسعيدة، وربما أيضا أيام خالدة أو يتيمة ترتبط معظمها بأحداث تاريخية ومصيرية، وفي الغالب منها تؤشر إلى ذكريات موشحة بلون الدماء التي أرختها وجعلتها تتميز عن بقية الأيام الأخرى.

     لن نتوغل كثيرا في أعماق التاريخ وعادات الشعوب وتقاليدها بقدر تعلق الأمر بأعيادنا ومناسباتنا وعطلاتنا التي يجتمع عندها البرلمان في إحدى لجانه لكي يصيغ لنا قانونا خاصا بتلك الايام والمناسبات التي يتوقف فيها العمل والإنتاج ويتفرغ لها مواطننا للفرح والرقص والدبكات أو للحزن واللطم والبكاء، أو للمسيرات ورفع التصاوير والإعلام ومدح القائد الهمام والهتاف للعدو بالموت الزؤام؟

     أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم ( على عادة إمام جامعنا رحمه الله ) وانا أحصي مع شلة من الأصدقاء أيام الأعياد والعطلات الرسمية والشعبية والدينية والقومية والمذهبية وربما حتى العشائرية، وبعد جهد جهيد عجزنا تماما عن إحصاء عدد الأيام التي يستمتع بعطلتها مواطننا المناضل، فقد تبين أن شعبنا العظيم قد حقق أهدافه في الحرية والانعتاق والصبر الكبير لكي ينجز وبحسب قانون العطل الرسمية المعمول به حاليا في البلاد أكثر من 150 يوماً من العطل الرسمية سنوياً، بحيث إن 30 % منها تكون بمناسبة أيام الأعياد والمناسبات الدينية، إضافة إلى أيام العطل فان هناك أيام الأعياد (عيد الفطر وعيد الأضحى) وبعض المناسبات الدينية التي تحتفي بها بعض الأطياف العراقية.

    وإذا ما اعتمدنا هذا الرقم وهو مائة وخمسون يوما وأضفنا له عدد آخر لا نعرفه من أيام البطالة المقنعة التي استشرت وانتشرت بعد قيام نظامنا الجديد وتعدد المناصب والوظائف والرواتب بيد شخص واحد حيث يجمع الشخص الرئاسة وقيادة  الجيش ومن موقع أدنى يمارس وزيرا للداخلية والدفاع ويتجرز بهيئة الإعلام والنزاهة والانتخابات والبنك المركزي إضافة للنفط ومجاميعها، ندرك إن العراق يعمل بأقل من نصف أيام سنته ويستمتع بأكثر من النصف المتبقي بموظفين يشغلون عدة مهام ومسؤوليات في آن واحد!؟

     وبدلا من أن تكون مكرمات القائد الضرورة غرامات من الفاصوليا والعدس على البطاقة التموينية أيام حكم حزب البعث، فان حكومتنا الرشيدة ومسؤولي نظامنا الجديد يكرمون شعبنا بصواني أو بكومة ( على عادة صدام حسين في إعطائه الرتب والنياشين والأنواط ) من أيام العطل والإجازات التي يتمتع ويستمتع بها مواطننا المترف في أي مناسبة يجدونها تخدم الأمة!؟ 

    ولا أظن على ضوء هذه الإجازات الممتعة إن دولة في العالم تنافسنا في ذلك إلا اللهم إذا كانت ايران هي الأخرى تناضل من اجل متعة المواطن واستمتاعه كما نفعل نحن في عراقنا الجديد جدا، وصدق من قال لا خير في امة كثرت أعيادها، وأضيف مستسمحا عطلاتها وإجازاتها!

kmkinfo@gmail.com


163
لكي لا يترحمون عليهم؟

كفاح محمود كريم

    لا أريد أن اجري مقارنة بين زعيمين لكتلتين سياسيتين في أدائهما السياسي والإداري منذ توليهما السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، رغم أنني كنت أأمل مع الملايين من شعبنا في إقليم كوردستان وبقية أنحاء العراق أن تجري مناظرة تلفزيونية يقدم كل منهما نفسه، لا ادعاءً بل كلاما دقيقا موثقا مدعما بالحقائق على الأرض، لكنني وددت أن استذكر ومعي الكثير بعضا مما سجله الشارع في الإقليم وفي بغداد وبقية المحافظات ومما ترسب في ذاكرة العراقيين شمالا وشرقا وغربا وجنوبا خلال العقد الأخير فقط من عمر بلادنا المديد.

    للأمانة؛ كليهما لم يأت بانقلاب عسكري ويسرق السلطة سواء بثورة بيضاء أو بعروس الثورات كما كان يشتهي البعثيون في إطلاق أسماء على أفعالهم المشبوهة طلبا للتمويه والإخفاء، بل جاءت انتخابات كانون ثاني 2005م تحمل للبلاد رئيس حكومة من عامة الأهالي، بقي لاجئا سنوات عديدة متنقلا بين طهران ودمشق، راكبا حصان الائتلاف الشيعي ودافعا إلى الحكم مشروع صناعة جديدة لنوع من الحكم تحت يافطة دولة القانون، التي قدمت برنامجا لحكمها يشبه إلى حد كبير قصص الأفلام العربية أو الهندية التي تنتهي دوما بانتصار البطل عادة!؟

     وفي كوردستان التي سبقت بقية البلاد في تطبيقاتها للديمقراطية، كان خيار شعبها وفعالياتها السياسية بعد أشهر قليلة من انتفاضة آذار 1991م هي الانتخابات والمؤسسات الدستورية التي أنتجت أول برلمان كوردستاني منتخب عام 1992م، وهي ذاتها التي أوصلت السيد البارزاني رئيسا لكوردستان في انتخابات تموز 2009م  بما يقرب من 70% من أصوات الناخبين.
     وفي بغداد وخلال دورة ونصف الدورة من الحكم أي لست سنوات أو أكثر، بقيت مآسي الكهرباء والسكن والبطالة والإرهاب وتردي بقية الخدمات كما هي، بل زادت وتيرة تقهقرها وارتفاع أسعار معظم ما يتعلق بحياة المواطن ابتداءً من الغذاء والدواء وانتهاءً بالبنزين والنفط الأبيض ووقود الديزل، التي أصبحت بقدرة قادر وبعد ست سنوات من حكم دولة القانون وعشرات المليارات من الدولارات لتطوير إنتاجها ونوعها، أكثر سوءً واكبر كمية في الاستيراد من كازاخستان وسوريا وتركيا، بينما يزداد نزف الدماء في معظم محافظات العراق نتيجة تفاقم العمليات الإرهابية والجريمة المنظمة التي وصلت إلى مفاصل مهمة من الدولة وتكلست فيها تحت أغطية ومسميات عديدة.

    يقابل ذلك في إقليم كوردستان مع وجود مساحات الفساد والمفسدين ونقاط الضعف هنا وهناك وأفواج الانتهازيين والوصوليين تحت عباءة المحسوبية والمنسوبية، تطور كبير في معظم الخدمات وفي مقدمتها الكهرباء التي نجحت إدارة الإقليم بالتعاون مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي على تجاوزها تماما، مع تطور هائل في بقية الخدمات المتصلة بحياة المواطن كالماء والصحة والتعليم والمستوى المعاشي، إضافة إلى عنصر مهم جدا في تطور كل هذه الخدمات إلا وهو السلم والأمن الاجتماعيين اللذين تعاون في تكريسهما طرفي المعادلة الأمنية وهي أجهزة الأمن والشرطة الواعية والمخلصة والمواطن نفسه، حيث نجحت إدارة الإقليم ومؤسساتها في إنتاج سلطات أمنية نوعية غير مخترقة ومهنية ووطنية، يقابلها وعي المواطن وإدراكه وارتباطه بوطنه من خلال المحافظة على أمنه واستقراره.

     وإذا كانت طموحات المواطن أعلى بكثير مما تم تحقيقه لكن مقارنة بسيطة بين الحالتين وما آلت إليه الأمور تظهر لنا البون الشاسع بين ما تعلنه إدارة الحكومة الاتحادية وكثير من الحكومات المحلية في المحافظات وبين واقع الحال في إقليم كوردستان الذي استقطب مئات الشركات والمستثمرين الأجانب من شتى بلدان العالم وتحول إلى خلية نحل في كل مدنه وبلداته وقراه مما احدث طفرة نوعية في تقدم الإقليم وتطور خدماته، دفعت مئات الآلاف من العراقيين إلى زيارة الإقليم واستقرار الكثير منهم فيه، بل إن أكثر من ربع مليون سائح من جنوب ووسط البلاد كانوا في الإقليم خلال عطلة عيد الفطر المبارك، رغم ما تفعله ماكينة الإعلام المضاد سواء ما يرتبط منها بكتلة الحكم في بغداد أو أجهزة الإعلام الخارجية وبالذات تلك التي تصعد الأزمات خدمة لبقاء نظام الأسد واستمرار مشروع السلاح الذري في طهران.

     واذا ما خرجنا من إطار دولتنا وتجربتنا والاحباطات الكبيرة التي أصابت مواطننا، وذهبنا إلى فضاء الربيع العربي فان الخشية الكبرى هي أن لا يكون البديل بمستوى تضحيات تلك الشعوب، وان لا يكون التغيير في الأسماء والعناوين والوسائل فقط بعيدا عن الجوهر والأساس، إن شعوب العراق ومصر واليمن وليبيا وسوريا وغيرها من شعوب الشرق الأوسط لم تناضل وتنتفض من اجل إقامة نظام سياسي ديني أو مذهبي أو قومي مغلق، بل هي تواقة لتأسيس دولة الديمقراطية والمدنية والعدالة والنزاهة وإحقاق الحق لا إلى دولة شعارات واديان وشوفينيات قومية أو عرقية أو مذهبية. 
     

     وهنا في بلاد الرافدين، حقيقة كنا نتمنى جميعا أن تكون كل بلادنا بهذا الشكل في إقليم كوردستان، على الأقل لكي نقول لأعداء تجربتنا إننا أفضل من الذين حكموا العراق طيلة ما يقرب من نصف قرن، لا أن نجعل الشارع العراقي يترحم على نظام الاستبداد والفاشية كما يحصل الآن في بغداد وغيرها من محافظات البلاد للأسف الشديد؟

kmkinfo@gmail.com

 





164
كوردستان ومشروع النهضة

كفاح محمود كريم

     في تاريخ شعب كوردستان محطات يتوقف عندها الباحث والمراقب وهو يمر بقناة يتخللها مشروع نهضة هذا الوطن الحلم، انها تواريخ اجتمعت فيها عصارة ما أنتجه هذا الشعب، ففي السادس عشر من أغسطس 1946م بدأت بواكير حركة سياسية غدت بعد سنوات قليلة حزب ديمقراطي يقود حركة تحررية عارمة يفجر أولى ثوراتها في الحادي عشر من أيلول 1961م التي أنجزت أول اعتراف قانوني ودستوري بالاستقلال الذاتي لشعب كوردستان في آذار 1970م، والمحطة الثالثة كانت اندلاع انتفاضة آذار 1991م التي أسست لإقليم كوردستان الحالي.

     لقد أعقبت سنوات سايكس بيكو واتفاقية سيفر ومؤتمر الصلح في لوزان، من 1916م وحتى قيام المملكة العراقية بولايتيها  البصرة وبغداد وأخيرا الموصل بحدود 1925م، حقبة من الانتظار الممل وخيبة الأمل الكبيرة بالقوى العظمى المبشرة آنذاك بالحرية والانعتاق والديمقراطية، وبشركاء الوطن في المملكة الجديدة، وذلك بتحقيق الحد الأدنى مما اتفق عليه في تبعية الموصل للمملكة العراقية بدلا من تبعيتها للدولة التركية الفتية آنذاك، حيث منح الكورد في كوردستان العراق والذين كانوا يشكلون أغلبية سكان ولاية الموصل أصواتهم لصالح عراقية الولاية مقابل الاعتراف بحقوقهم الأساسية والسياسية والثقافية، وما يترتب على ذلك من الإدارة الذاتية، وكما فشلت إدارة العراق السياسية آنذاك في تلبية تلك الحقوق، فشل المجتمع الدولي وعصبته أيضا من وضعها في مجال التطبيق أو المطالبة بتطبيقها من قبل تلك الإدارات.

     وفي خضم تلك الحقبة وما أنتجته من حركات وأحزاب ومنظمات جاءت كرد فعل طبيعي لذلك الفشل الذريع في تحقيق أماني وتطلعات هذا الشعب، تبلورت ونضجت مجموعة أفكار وأسس بشكل يؤهل النخب الوطنية والثقافية والسياسية على تأسيس حركة قومية ترتقي في مفاهيمها وأطروحاتها على العشائرية والمناطقية، وتندفع بمشروع نهضوي شامل لشعب حيوي يعشق الحرية والحياة ويحب العمل والإنتاج والتطور، ورغم النكسة الكبيرة التي حصلت لمشروع تأسيس أول جمهورية كوردستانية في التاريخ المعاصر حينما اغتالوها وهي ما زالت تحبو، الا ان كوكبة من خيرة رجال كوردستان ونسائها أصروا على إكمال وتطوير وضع أسس مشروع كبير لنهضة كوردستان يبدأ برفض الانهيار والاستكانة داخل الذات البشرية والإيمان المطلق بإمكانية الإنسان القادر على التغيير لو امن بذلك وتحدى الصعوبات.

     كانت هذه المبادئ انطلاقة الزعيم مصطفى البارزاني في منتصف أربعينات القرن الماضي والتي غدت الأسس الأولى للانطلاق إلى آفاق الحرية، بتحرير الذات الكوردستانية والانعتاق والشعور بالحرية والعمل من اجلها دوما، وبذلك تبلورت اللبنات الاولى لمشروع النهضة في كوردستان العراق على شكل حزب سياسي واجتماعي يضم بين صفوفه كل شرائح المجتمع وطبقاته ومكوناته العرقية والدينية والمذهبية، بعيدا عن أية ادلجة فكرية أو عقائدية لصالح طبقة أو دين أو مذهب أو نظرية خارج المصالح العليا لشعب وارض كوردستان، ولذلك كانت هذه الحركة تمثل تماما التكوين الحقيقي لمجتمعات كوردستان ومزاج الأهالي عموما دونما توغل في تعصب قومي أو عرقي أو ديني، فقد كان الجميع كوردا وتركمانا وآشوريون وكلدانا وعربا يكونون مفاصل تلك الحركة التي ارتقت بنضالاتها الى مستوى الانتماء إلى مواطنة رفيعة أسست رابطة تجمع كل المواطنين دونما الالتفات إلى انتماءات أخرى دون الوطن، وبذلك تهيأت فرص كبيرة للبدء بمشروع حضاري كبير كانت خطواته الأولى اندلاع ثورة أيلول عام 1961م التي أرست أول اعتراف تاريخي وقانوني بالحكم الذاتي لكوردستان العراق في اتفاقية آذار عام 1970م.

     بعد عقدين من توقيع اتفاقية آذار التي تنصلت حكومة البعث عن تنفيذها خرج الكوردستانيون من اكبر مأساتين عاشتهما شعوب منطقة الشرق الأوسط، وهما جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية المعروفة بـ ( الأنفال 87/88 ) والتي حصدت ما يقرب من مائتي ألف طفل وامرأة وشيخ، ثم تلتها عمليات الإبادة بالأسلحة الكيماوية متمثلة بمأساة حلبجة ( 1988م )، خرجوا منها بقدرة أعلى وتحدٍ اكبر في آذار 1991م بانتفاضة عارمة تحررت على إثرها معظم مدن وبلدات كوردستان التي احتضنت خلال اقل من عام انتخابات عامة لتنشئ أول برلمان كوردستاني منتخب في ارض محررة وبإشراف أممي منحها شرعية تأسيس أول حكومة وطنية في تاريخ كوردستان القديم والحديث عام 1992م.

     ورغم كل ما واجه تلك الحكومة والبرلمان من تحديات كبيرة أدت خلال السنوات الأولى من الاستقلال الذاتي إلى احتراب داخلي كاد أن يدمر البلاد، إلا إن الشعب نجح في تحقيق مشروعه الحضاري النهضوي في السلام وتوحيد الإرادات لبناء الوطن وخلال عقد واحد أنجز الكوردستانيون ومؤسساتهم التشريعية والتنفيذية وبقية مؤسسات المجتمع المدني ورجال الأعمال والمستثمرين والأكاديميين، ما عجزت عنه الدولة العراقية خلال ثمانين عاما من تأسيسها في هذه المنطقة، وما نشاهده اليوم من نهضة تاريخية كبرى في الأعمار والتعليم والجامعات والبنى التحتية للماء والكهرباء والمواصلات وتأهيل الإنسان في تنمية بشرية معاصرة حولت الإقليم إلى ملاذ آمن ومنطقة من أكثر المناطق جذبا للاستثمارات في الشرق الأوسط.

     انه حقا حصاد عقود من النضال العنيد والمعفر برائحة الشهادة من اجل حياة أفضل لأولئك الذين حافظوا على قدسية وطهارة نضالهم وصفحاتهم البيضاء، دونما أن تضطرهم تلك الهجمات البربرية إلى فكرة الانتقام أو الإرهاب أو التعرض للمدنيين، لينجزوا وجها من أوجه مشروعهم الحضاري ونهضتهم التي تتمثل اليوم بهذا النموذج الحي إقليم كوردستان الناهض. 

     
kmkinfo@gmail.com
 


165
من يذبح سوريا اليوم؟

كفاح محمود كريم

    نتذكر جميعا السنوات التي سبقت سقوط نظام البعث الأول في العراق، حينما استقدم كل منظمات الإرهاب في العالم ورجالات الجريمة المنظمة لمقاتلة ( العدو الامبريالي الصهيوني ) وفي مقدمتهم كانت منظمة القاعدة وفروعها في العراق وأطرافه ومؤيديها ومعتنقي منهجها في القتال، ولا يختلف عراقيان حول ميكافيلية حزب البعث وقيادة صدام حسين ومجموعته، التي تغير ألوانها وأساليبها مع الظروف التي تحافظ على بقائها في السلطة، ولعل ما شهدناه خلال الثمانينات وسنوات الحرب مع ايران وتقمص النظام للنهج الوهابي منافقا ومرائيا السعودية والكويت وبعض دول الخليج، للحصول على الدعم المطلق ماليا وعسكريا، وقبل ذلك تحالفه مع شاه ايران ومنحه نصف شط العرب مقابل سحق الثورة الكوردية في كوردستان العراق، فنظام البعث سواء ما كان هنا في بلادنا أو من يرتكب ذات الجرائم في سوريا لا يتوانى عن التحالف مع أكثر قوى الشر والجريمة والإرهاب في العالم بميكافيلية لا نظير لها حتى عند من وضعها، من اجل شعاره الدموي ( جئنا لنبقى ) حتى وان كلف ذلك إحراق البلاد بطولها وعرضها، كما فعل في حربي ( أم المعارك والحواسم ) وما بعدهما من تقتيل وتدمير منظم للشعب والدولة، إذ أكدت أعداد الضحايا التي أعلنتها جهات حكومية عراقية* فيما كان يسميه (مقاومة) هو ومن استقدمهم لمقاتلة الأمريكان من العراقيين المدنيين الأبرياء أضعاف أضعاف من قتلوا من المحتلين، ولعل شوارع بغداد والموصل والبصرة والانبار والحلة واربيل شاهدة على تلك الآلاف المؤلفة من ضحايا البعث والقاعدة ومنظمات الجريمة التي تأسست من بقايا تنظيمات البعث سيئة الصيت.

     وفي سوريا يعمل النظام وحزبه الفاشي على خلط الأوراق وفتح الأبواب لذات تلك التنظيمات الإرهابية التي كانت تعبر من حدوده إلى العراق، لتفتك بأهليه شمالا وجنوبا شرقا وغربا، حتى حولوا البلاد إلى برك من دماء، نعم فتح لها الأبواب في كل المدن السورية لتنفذ مخططها الإرهابي تحت يافطة المعارضة ومقاومة النظام، وهي لا تقترب قيد أنملة من النظام ورجاله بقدر ما تشيع الفوضى والخراب والدماء يدا بيد مع (الشبيحة) وأجهزة الدولة والحزب الإرهابية الأخرى*، بحيث تعطي انطباعا لدى الشارع بالإحباط واليأس وقبول أهون الشرين قياسا بما تفعله تلك المنظمات الإرهابية المستدعاة للعمل في ساحتهم كما كان يفعل وما يزال شقهم الثاني هنا في العراق، لتشويه أي عمل من اجل بناء دولة مدنية ديمقراطية متحضرة.

     حقا إنهم ينهلون من ذات الفكر والنهج الذي يلغي الآخر ويحرق الأخضر واليابس من اجل ( جئنا لنبقى ) مهما اختلفوا في وسائلهم فان النتيجة واحدة إقامة نظام فاشي دكتاتوري كما شهدناه هنا في العراق وشهده السوريون والليبيون واليمنيون ومعظم الشعوب المبتلاة بهذا النهج المدمر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أعلنت وزارة حقوق الإنسان في العراق يوم 12 أغسطس/آب إن عدد ضحايا العمليات الإرهابية منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 ولغاية الآن وصل إلى 70 ألف قتيل و250 ألف جريح، وهي أقل من نصف ما أعلنته منظمات دولية محايدة، في محاولة لإعطاء صورة مغايرة عن واقع الموت اليومي في العراق، بينما تتحدث تلك المصادر عن ربع مليون أو أكثر من القتلى المدنيين العراقيين، يقابلهم في أفضل الأرقام اقل من عشرة آلاف أمريكي قتلوا خلال ذات الفترة فيما سمي بالمقاومة؟

* حصدت أعمال العنف أكثر من  25 ألف قتيل في سوريا منذ بدء الاحتجاجات ضد نظام الرئيس بشار الأسد في 15 مارس 2011، بحسب ما صدر عن المرصد السوري لحقوق الإنسان ، من ضمنهم أربعة آلاف من عناصر النظام، وهي أرقام تختلف كثيرا عما ذكرته كثير من وسائل الإعلام.



166
قافلة الباشا وحجارة المتنبي؟

كفاح محمود كريم

     لا اعرف إن كانت طبيعة بشرية أم مرض اجتماعي أو نقص تربوي أم شيء آخر، ذلك الذي يجعل لكل ناجح حساد بدرجة أعداء لا يتوانون عن شن حرب نووية أو كيماوية ضده، والناجح ليس بالضرورة شخص ما، بل ربما مجموعة من الأفراد أو شعب أو دولة أو إقليم أو حتى محافظة ما، ولطالما شهدنا ماذا يفعل الحسد بأصحابه وبالآخرين أيضا، ولا تعجبوا من تصنيفي هذا فقد أدركنا جميعا تلك الحملات المنظمة للانتقاص من سكان مدينة أو من عرق أو قوم أو دين أو مذهب، باستخدام نكات وطرائف تنتقص منهم وتضعهم في محط السخرية والتندر، حتى أصبحت مفردات مثل الشروكي والمعداني والكوردي والنصراني والعفري والشبكي والسني والشيعي يتم تداولها لتوصيف حالة السذاجة أو الاستصغار أو السخرية أو الانتقاص من خلال مواصفات كاذبة وروايات لا أساس لها من الصحة ولا من الحقيقة، إلا ما كان في رأس من يصنعها من عقد النقص والحسد وهو يشاهد هؤلاء الذين ينتقصهم في توصيفاته، هم الأكثر تميزا في الحياة وبمستويات مختلفة تبتدئ بتفوقهم في المدارس ولا تنتهي بتميزهم في كل مجالات العلم والعمل؟

     وليس من باب التخصيص بل الأمثلة اذكر هنا ما كان يشاع عن أهل الناصرية النجباء المتميزين في حضارتهم وثقافتهم وإنسانيتهم وطيبتهم، حتى أطلق الحساد وأصحاب عقد وتراكيب النقص اسم الشجرة الخبيثة على الناصرية وأهلها، لا كما وردت اصل الحكاية بل لوصفهم باللؤم وهم اهل الطيبة المعروفة، كما كانوا يفعلون فعلتهم في توصيفاتهم للكوردي والمسيحي والتركماني من خلال طرائف أو روايات كاذبة غرضها الانتقاص من أناس تميزوا في تفوقهم ودماثتهم خلقهم.

     ولا أجد اليوم توصيفا لسلوك البعض ممن ما زالت رؤوسهم وافكارهم تنوء بأثقال تلك الثقافة البائسة، وخاصة حينما تكون من  رجل دين أو علم يحرف كتب التاريخ ويحيك رواية لإبادة الكورد على خلفية مذهبية مقيتة لا أساس لها إلا في تلك الرؤوس الخاوية التي أدمنا أفعالها طيلة عشرات السنين من الحقد والكراهية ومركبات النقص التي أدت بهم إلى هاوية سحيقة، ولربما كان علي كيمياوي احد اولئك الذين فكروا بإبادة شعب بأكمله تحت يافطة سورة من سور القرآن المجيد ( الأنفال )، فأبادهم الله ومحقهم وأذلهم شر مذلة؟


      أقول قولي هذا وأنا أراقب هؤلاء الحساد والحاقدين والفاشلين  وهم يستخدمون ميكروسكوبات عالية الدقة للبحث عن خطأ هنا أو رواية هناك ليفبركوها على مزاجهم، كما يحصل حينما يفتشون عن زلة لإنسان مثابر أو متميز سواء في السياسة أو الإعلام أو بقية مناحي الحياة، ويبدؤون بعمليات شن الهجوم باستخدام وسائل جاهزة ومدربة في مدارس ومعاهد النظام السابق المتفنن في إسقاط الآخر وإلغائه، من خلال حملات التشهير والتهييج والأكاذيب، وقد شهدنا خلال الأشهر الماضية أنماط كثيرة من هذا السلوك الذي تصورنا إننا تجاوزناه حينما سقط هيكل الدكتاتورية ورموزها وخاصة في الإعلام، لكننا ربما لم ننتبه إلى تكلس كثير من تلك المظاهر في عقد سلوكية وأخلاقية نائمة أو أنها كانت تنتظر بيئة صالحة لنموها، وحينما تهيأت تلك الأجواء سرعان ما بدأت بالتكاثر والنمو والإنتاج؟

     وعلى هذا الأساس لم تأت كلمات الباشا نوري السعيد اعتباطا بل ربما جاءت بعد أن ملؤا قلبه قيحا هو وقافلته التي ما تزال تسير رغم نباح أفواج من الكلاب المسعورة بالحسد والحقد وعقد النقص، وربما لم يك الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي أفضل حالا من الباشا وهو ينشد قائلا:

لو كل كلب عوى ألقمته حجراً         لأصبح الصخر مثقالاً بدينارِ


     إذ أن حجارة العراق كلها كانت لا تكفيه للقم الكلاب التي كانت تحاول نهشه أو عضه طيلة قرون، وهي اليوم على ذات النهج المريض لا تنفك عن تشويه الحقائق وإثارة الفتن والأحقاد، لا لشيء إلا لنجاح تجربة الآخرين وفشل أولئك الذين يجعجعون في فناجين سحرهم المقيت، بينما ينهض الآخرون ويثبتون نجاحاتهم وتسير قافلتهم رغم كل هذا الضجيج ودونما استخدام للحجارة حفاظا على أسعارها العالمية!؟

kmkinfo@gmail.com

167
(قان قان قان كركوك قبرص تركستان)؟

كفاح محمود كريم

     أواسط سبعينات القرن الماضي كنا مجموعة من الطلبة العراقيين والسوريين والقبارصة الأتراك نسجل في جامعة استانبول، متجمعين أمام غرفة المسجل العام القريبة من مدخل الجامعة التي كانت تشغل المبنى القديم لوزارة الدفاع العثمانية في منطقة بايزيد، وإذ بمظاهرة ضخمة جدا تتقدم نحو الفناء الكبير أمام مدخل الجامعة، وأمام هتافات وصراخات المتظاهرين وأعلامهم (الذئبوية) تركنا نظام السرا كما يسميه العراقيون أي صف الانتظار وخرجنا إلى باحة الجامعة لنرى سيولا بشرية هائجة تصرخ بصوت واحد هذا الشعار:

(قان قان قان كركوك قبرص تركستان)

      لم نفهم أي شيء من الشعار إلا كلمة كركوك التي أثارت انتباهنا، وبدأت ابحث عن من يترجم لنا هذا الشعار الذي يلهب هذه السيول البشرية الهائجة، فإذ بطالب عراقي من أهالي طوزخورماتو كان معنا هو الآخر ويجيد التركية فانجدنا بترجمة الشعار وموقع كركوك من الإعراب، حيث قال إنهم أي هؤلاء الذين ينشدون هذا الشعار يعنون أنهم بالدم ( مكررة ثلاث مرات: قان قان قان ) سيحررون كركوك وقبرص وتركستان السوفياتية؟

     وحينما سألنا من هؤلاء ومن يدفعهم أو يتبناهم قالوا انه حزب الحركة القومي التركي، وهو مصنف هناك من الديمقراطيين واليساريين الأتراك في خانة الأحزاب العنصرية جدا، ويطالب الحكومة بتكرار عملية تحريرها للجزء التركي من قبرص، في كركوك العراقية وتركستان في الاتحاد السوفياتي، وهو ينظم  أسبوعيا مظاهرات صاخبة من هذا النوع في العاصمة أنقرة واستانبول منذ سيطرت القوات التركية على ما يقرب من نصف جزيرة قبرص.

     واليوم وبعد ما يقرب من 37 عاما على تلك المظاهرات الصاخبة، يأتي زعيم ذلك الحزب طالبا تأشيرة دخول إلى العراق وحصريا إلى كركوك لكي يصلي صلاة العيد ( التحريري ) في كركوكنا الكوردستانية العراقية، كركوك قدس الكوردستانيين والعراقيين جميعا  ونبض قلوبهم كوردا وعربا وتركمانا وآشوريين، هكذا بكل سهولة ويسر يا جاري التركي العزيز تحاول أن تحقق شعارك القديم متناسيا إن العراقيين وان اختلفوا فيما بينهم هنا وهناك لكنهم في آخر المطاف أو حينما تدلهم الأمور يقفون ذات الموقف الذي وقفوه أيام الاستفتاء على تبعية ولاية الموصل، فيمنح الكورد أصواتهم التي منحت الموصل هويتها العراقية قبل 87 سنة من الآن.   

     أهلا ومرحبا بك ضيفا عزيزا وجارا محترما ولكن بذات القدر الذي تعز بلادنا وتحترم خياراتها وسيادتها، ودع عنك بقايا آثام الإمبراطوريات وما خلفته لنا ولكم اتفاقية سايكس بيكو ولوزان، لكي لا ننبش نحن ايضا مفردات اتفاقية سيفر؟

kmkinfo@gmail.com

168
عناوين برائحة غاز الخردل!

كفاح محمود كريم

     منذ تأزم العلاقة بين إقليم كوردستان ورئيس الحكومة الاتحادية وحزبه الذي يقود معظم مفاصل الدولة بعيد تشكيل الحكومة عام 2005م ولحد اليوم، أي لدورة ونصف الدورة تقريبا ظهرت مئات المقالات والتعليقات والبرامج التلفزيونية التي انبرت للدفاع عن الحكومة ورئيسها ضد كل من ( تسول له نفسه بمعارضتها ) وكل أصحاب هذه المقالات يكتبون تحت يافطة الدفاع عن العراق وما يواجهه من مخاطر جسيمة نتيجة حكومته الرشيدة، وقد شملت معظم تلك المقالات والبرامج الموجهة سيلا من الاتهامات والتهجمات التي تهيج الشارع ضد إقليم كوردستان الذي يتمتع قبل سقوط نظام صدام حسين بالاستقلال الذاتي، وتخلى عن كثير من ذلك الاستقلال لصالح إقامة عراق ديمقراطي اتحادي تعددي خارج منظومة ثقافة حزب البعث في الإقصاء والإلغاء والإبادة والميكافيلية السوداء.

     وكثير من أصحاب تلك المقالات أو البرامج تمرسوا في إشاعة الفوضى والحقد والفتنة وكيل الاتهامات الباطلة وخلط الأوراق وإسقاط ما مكمون فيهم أو في من يوجههم على الآخرين بدءً من تهريب النفط أو استثماره أو التعاقد على استكشافه واستخراجه شريكا أو مشاركا أو أجيرا، بدلا من النقد البناء لمظاهر الفساد في الإقليم والعراق عموما والمساهمة الجدية والوطنية في كشف تلك المظاهر بالحرص على الوطن وتجربة الإقليم والديمقراطية والبناء الجديد للنظام السياسي العراقي، لا الدعوة لشن الحروب على الإقليم وإبادته وتحريض الرأي العام عليه وزراعة الأحقاد والفتن العرقية أو المذهبية المقيتة في محاولة للتزلف او طمعا في الحصول على المكاسب وتقربهم من مراكز القرار.

     وطيلة أشهر من الأزمة انبرى فيها كل أصحاب ثقافة ( الزيتوني والمسدس ) حاملي ثقافة ابادة الآخر وإلغائه، لتأجيج الرأي العام ضد الإقليم وضد كل من يعارض الرئيس أو حكومته وكتلته وحزبه، حتى دعا كثير منهم إلى شن هجوم عسكري كاسح وإنهاء ما يسمى بإقليم كوردستان، بينما قالت واحدة أخرى من خريجات مدارس البعث وتحمل لقب الدكتورة:
   
     ( القيام فورا بتعيين محافظين آخرين لدهوك والسليمانية إضافة إلى مسعود برزاني الذي يعتبر محافظا لاربيل وإعادة الأمور إلى نصابها والعودة إلى استخدام مفردة المحافظات الشمالية العراقية بدلا من كلمة إقليم التي جلبت لنا كل المصائب والويلات والتأشيرات والتمرد وكل الاستفزازات التي رافقتها .. ولابد هنا من تغيير وزير الخارجية حالنا حال أية دولة تعزل وزير خارجيتها إذا فشل في أداء مهامه وعرَض الأمن القومي للخطر وسيادة البلد إلى الانتقاص. )

     ويضع كاتب آخر إستراتيجية للتخلص من الأكراد وإقليمهم أمام السيد المالكي تتكون من ثلاث نقاط مهمة هي:

     (أولا: إبعاد القوات الكردية بالكامل من المؤسسات الحكومية والمقرات الحزبية في بغداد والمحافظات إلى خارجها وخاصة القوات التي تأتي بعجلاتها ومعداتها إلى داخل المنطقة الخضراء والتي تتناوب شهريا لحماية وحراسة مجلس النواب والمناطق المجاورة له والتي لم تتعرض للتفتيش أثناء دخولها  .
ثانيا:  نشر قوات حكومية مدرعة وكتائب مدفعية ودبابات على حدود المناطق المتنازع عليها ومنع البيشمركة من التوغل ومحاولة الدخول إلى المدن والقرى العربية في الشمال والشرق.
ثالثا: إبعاد المؤسسات الإعلامية وطرد الأشخاص الذين يعملون في بغداد لحساب حكومة كردستان دون مراعاة الوحدة الوطنية أو فهم الدور المشبوه لهؤلاء في البلاد. )

     واكتفي بهذين النموذجين من نمط التفكير والسلوك بعد تسع سنوات من سقوط النظام السياسي الذي حمل هذه الأفكار طيلة ما يقرب من نصف قرن، ادخل بسببها البلاد حروبا أغرقت العراق ببحور من الدماء والدموع والدمار والتقهقر، واضع بين أياديكم نماذج من عناوين مقالات تصدرت وسائل إعلام مقربة من مراكز القرار الاتحادي، ولن نذكر أسماء أصحاب هذه العناوين الملوثة برائحة غاز الخردل الذي لن ينساه شعب كوردستان سواء كان ينضح من قنبلة أو سجن أو حصار أو كلمة سامة، كالتي سطرها هؤلاء المصابين بفايروسات علي كيمياوي وأقرانه ممن انتجتهم حقبة البعث الكريهة في تاريخ العراق:

( يا شرفاء العراق قفوا مع المالكي بوجه قادة الأكراد )
( هذا هو الحل في مشكلة المركز مع الإقليم )
( متى ما تخلى البرزاني والآخرين عن عمالتهم وامتلكوا شرفا وطنيا،عندها ربما يتأهلون لاستجواب المالكي )
( الإستراتيجية الوطنية للتخلص من المتطرفين الأكراد )
( برزاني يدق طبول الحرب ضد الديمقراطية )
( نهاية اللعبة الفيدرالية في العراق .. فشل نظام الأقاليم )

     وهناك للأسف الشديد وبعد ما يقرب من عشر سنوات على الدفن المفترض لرموز ثقافة الإبادة الجماعية والأسلحة الكيماوية وغاز الخردل العشرات بل ربما المئات من الخلايا النائمة والطفيليات الفاشية على أشكال وأصناف واختصاصات مختلفة وموزعة بين مهام ووظائف عديدة في مقدمتها هذه الشلة من وعاظ السلاطين وسفاكي القيم العليا ومصممي الحروب والاحتراب.

     إنهم حواليك يا دولة الرئيس ويعزفون لك ذات المقطوعات التي كان يعزفها وعاظ السلاطين أيام ( القائد الضرورة وحزبه العظيم ) وهم ينشدون له أناشيد الحرب وقصائدها التي أحرقت العراق وأهله، لكنني أدرك تماما بأنك لم تطلع على كثير منها أيضا، أو ربما كتبت خارج إرادتك أو معرفتك، وحري بنا أن نضع نماذج منها أمامكم لكي تكونوا انتم والرأي العام على دراية بما يحيكه هؤلاء لبلادنا سواء في إقليم كوردستان أو بقية أجزاء البلاد.

kmkinfo@gmail.com

169
لا تحرقوا سوريا؟
كفاح محمود كريم

     تداعيات الأحداث في سوريا منذ عدة أشهر تأتي مطابقة تماما 
لمعظم ما حدث قبل سقوط أنظمة صدام حسين ومعمر القذافي وعلي عبدالله صالح، وبالذات فيما يتعلق بالدوائر القريبة من رأس النظام وانشقاقاتهم أو هروبهم أو التحاقهم بالمعارضة والثوار، ولا غريب أن نسمع ذات الاسطوانات المشروخة والمملة في أن العالم باجمعه سيتدمر لو سقط نظامهم، وإنهم إنما يقاتلون الشر كله بالخير كله!؟

     فلقد دأبت وسائل إعلام هذه الأنظمة بالتعاون مع حلفائها في كل من الصين وروسيا ومؤخرا إيران، على إيهام الرأي العام المحلي والعالمي بأنها مركز الخير والعطاء والأمن والسلام، وان المساس بهذا المركز سيفقد تلك البلاد وشعوبها والمنطقة هذه الميزات وسيشيع الفوضى في كل الشرق الأوسط، وما زالت وسائل إعلام أتباع صدام حسين وغيره من تلك الأنظمة الشمولية، تشيع بين الناس إن ما يجري في العراق واليمن وليبيا إنما هو بسبب زوال تلك الأنظمة، من خلال عمليات الإرهاب التي يتم تغذيتها وتنفيذ الكثير منها على أيدي بقاياهم وأموالهم التي سرقوها من خزائن دولهم.

     وحينما تساقطت شعاراتهم وانهارت هياكل أنظمتهم وبانت عوراتهم ومخازي أنظمتهم وما اقترفوه بحق شعوبهم، شهدنا مأساة تدميرهم لدولهم وإحراقها بدءً من صدام حسين الذي هدد الأمريكان بان جنودهم سينتحرون عند أسوار بغداد، ولم يستطع الحفاظ على أسوار بيته فانكفأ مخزيا في جحر بباطن الأرض وترك بلاده تحترق، وهكذا فعلا القذافي الأحمق حينما تصور إن الملايين سيزحفون من اجله، فانكفأ هو الآخر في أنبوب وسخ لكي يخرجوه ويعدموه شر إعدام كما فعل هو بشعبه طيلة أربعين عاما؟

     إن ما يجري اليوم في سوريا من مذابح ضد الشعب السوري وقواه المقاومة، إنما يؤشر الانهيار السريع والعد التنازلي لسقوط واحدة من أكثر الدكتاتوريات بشاعة بعد دكتاتورية البعث في العراق والقذافي في ليبيا، وما يشعل أوار الحرب والحرائق في ارض الشام ومدنها العزيزة هي تلك المواقف الانتهازية أو المرتزقة لبعض الدول والأنظمة السياسية في العالم، والتي بتأييدها لنظام متهرئ آيل للسقوط بين فينة وأخرى إنما تصب الزيت على النار وتدفع النظام السوري إلى اقتراف جرائم الإبادة الجماعية للسكان كما حصل في العراق نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي في حلبجة والأنفال والمقابر الجماعية في الجنوب والوسط العراقيين، وما حصل من دمار شامل للبلاد في كل من العراق وليبيا اثر إصرار مجموعة من الدول على مناصرة النظامين الدكتاتوريين.

     إن منطق التاريخ والأحداث وما يجري من صراع بين إرادتين ليس في سوريا فحسب وإنما في كل البلدان التي تجاوز سكانها حاجز الخوف والإرهاب السلطوي، يؤكد حقيقة لا مناص منها وهي سقوط الدكتاتورية وانتصار الخيار الديمقراطي، وبالتأكيد ستتحمل هذه الدول وأنظمتها السياسية مسؤولية تلك الحرائق والمذابح التي يقترفها النظام، وستخسر سمعتها وفرصها مع النظام الجديد كما حصل هنا في العراق وفي ليبيا وتونس ومصر واليمن وغدا في دمشق، أنها حتمية التاريخ سيسقطون وستنتصر إرادة الديمقراطية.

 فلا تحرقوا سوريا اليوم لأنكم ستحترقون غدا بنيرانها!؟

kmkinfo@gmail.com

170
الإعلام الحكومي وبؤس الأداء

كفاح محمود كريم

     لقد أدركنا جميعا طيلة ما يقرب من نصف قرن في معظم بلدان الشرق الأوسط المبتلاة بالنظم الشمولية، أداء الإعلام الحكومي الموجه في كل قنواته ووسائله، واكتشفنا حينما زالت غشاوة الدكتاتورية وأسوارها الفولاذية بؤس ذلك النهج الأحادي المتخلف في وسائله وفلسفته القطيعية التي تشيع الاستكانة والانكسار، وتزرع مفاهيم الفردية المطلقة المتعلقة بسيادة القائد أو الحزب الذي ينقذ الأمة ويحقق كامل أهدافها، حتى تربت أجيال عديدة على ذلك النهج الذي تكلس في العقد التربوية والسلوكية للفرد بما فيه ذلك المنتفض أو المعارض لذلك النهج!؟

     فقد أثبتت السنوات التسعة الماضية بعد سقوط هيكل النظام الدكتاتوري الإداري إن هوة كبيرة وبون شاسع ما يزال يمتد بين ذلك النظام ومعكوسه في التطبيق والسلوك، حيث ظهرت خلال السنوات الأخيرة بعد قيام حكومة منتخبة اثر أول انتخابات ديمقراطية جرت في البلاد بعد السقوط عام 2005م، أعراض قريبة جدا من السلوك الدكتاتوري خرجت من بواطنها في العقل المخفي أو الباطني لتتحول إلى تكثيف للسلطة والإعلام والسلوك بما يقترب كثيرا من اعرض أمراض الاستبداد والطغيان والتفرد؟

     لقد انعكس ذلك تماما على أداء الإعلام البديل لقنوات النظام السابق المرئية والمسموعة والمكتوبة، حيث اتفق ( ضحايا ) النظام الشمولي على انجاز مؤسسة شبه حكومية تشبه إلى حد ما هيئة الإذاعة البريطانية، وترتبط بمجلس النواب ولا تمثل أو تدافع عن حزب ما أو كتلة برلمانية أو رئيس قائد سواء كان في الحكم أو خارجه، أغلبية كان أو أقلية، إذ يفترض من قانونها وفلسفة تأسيسها أنها ملك لكل الأهالي على اختلاف طبقاتهم وأعراقهم وقومياتهم وأديانهم وميولهم السياسية، وعلى ذلك كان يستوجب أن تكون قنوات هذه المؤسسة ناطقة بلغات أهل العراق كالعربية والكوردية والتركمانية والآشورية، وتمثل ثقافاتهم جميعا على حد سواء بصرف النظر عما يتمتعون به في مناطقهم من وسائل التعبير عن الرأي والثقافة والفلكلور بلغتهم الأم، إذ إن هذه الهيئة هيئة قومية تشمل كل الأمة العراقية بمختلف مكوناتها ويفترض أنها تعبر عنهم جميعا؟

     ما حصل خلال السنوات الأخيرة وأزماتها بين الكتلة الحاكمة وهي دولة القانون وحزبها القائد ( حزب الدعوة ) من جهة وبين معظم الكتل الأخرى تقريبا، وبالذات مع الصدريين وكتلة العراقية المنافسة لها في الحكم ومع التحالف الكوردستاني والعديد من المستقلين والأحزاب الأخرى وخاصة الديمقراطيين والشيوعيين، أعطى صورة مغايرة تماما عما اتفق عليه، حيث بدأت عملية الاستحواذ على كثير من مفاصل هذه الهيئة وتفريغها من مضمونها ومحاولة احتواء معظم الهيئات المستقلة أو السيطرة عليها بمختلف الأساليب، ويظهر ذلك من خلال الأداء البائس للإعلام الحكومي منذ سنوات عديدة، وتحوله إلى بوق حكومي ليس إلا، وتقزيم دور الرأي الآخر بل وإبعاده قدر المستطاع أو تحجيمه تماما، إلى جانب استشراء الفساد المالي والإداري واستقطاب عناصر لا علاقة لها أبدا بهذه المهنة على خلفية المحسوبية والمنسوبية والمحاصصة بعيدا عن المهنية والكفاءة، حيث الفرق الشاسع بين ما يخصص لهذه الهيئة من أموال طائلة وبين أدائها نوعيا وكميا في معظم برامجها الموجهة إذاعيا أو تلفزيونيا أو صحفيا، مما تسبب في تقهقر هذا الإعلام ورداءة إنتاجه، وإحباط كبير لدى الرأي العام والأهالي عموما وبالذات لدى قطاع واسع من الإعلاميين والصحفيين والكتاب والمثقفين، الذين كانوا يأملون في تأسيس ما يمثلهم جميعا على اختلاف مشاربهم وأفكارهم وانتماءاتهم.


   kmkinfo@gmail.com
 

171
الأنظمة العربية وشماعة إسرائيل

كفاح محمود كريم

-1-

    منذ ما يقارب القرن من الزمان ارتأت الحكومة البريطانية الخبيثة وحلفائها أن تزرع فتنة في قلب الشرق الأوسط، لا لسواد عيون شعب الله المختار، بل شاءت خباثة سدنتها أن ترتزق عقودا وربما دهورا من حروب وصراعات ومعارك تحرير وانقلابات وثورات بيضاء وملونة، وربيع عربي وتجارة لا تبور للسلاح والخبراء والمعدات، وهكذا وضع اللئيم بلفور عقد للخباثة واللؤم والبقالة السياسية في قلب العالم ومركز الثروة الآتية عبر آبار السم الأسود واستثمارات الشيوخ والرفاق المناضلين، تجار المبادئ والنظريات والشعارات الطنانة من المحيط الى الخليج.
     وحين بعد حين تنهض ممالك وإمارات وجمهوريات واشتراكيات وملوك وأمراء وأباطرة وقادة ليس مثيلهم في الأرض ولا في السماوات إلا في صفائح بريطانيا التي تمتلك أسرار الأرض والحكومات، وفي خضم هذه التداعيات ( تنعلس- تمضغ ) كوردستان وفلسطين وتمنح عشائر دولا وإمارات لا يتجاوز سكانها أعداد الناخبين في محافظة من محافظاتنا.
وتنهض إسرائيل دولة من بين ركام التناقضات والمؤامرات والمصالح والمزايدات وتصبح واقع حال تفرضه الإرادات رغم حروب التحرير التي أنتجتها نظم الجهالة والدكتاتوريات للحفاظ على كراسيها مما فعلته أجهزة إعلامها وأئمة منابرها بملايين البشر من سكان دولها وممالكها، حيث الإثارة والتهييج والعبث بمفاتيح الغرائز وتسييس الأديان وإشاعة فكرة الجهاد لمقاتلة الكفار، وإلغاء العقل والحكمة في حل الإشكال، كل ذلك لا لشيء إلا لأبعاد طوابير الجياع والمحرومين وإلغاء الآخرين وقمع المعارضين واحتكار المال والسياسة والدين.
     وتصبح فلسطين راقصة بلا جسد على كل المسارح وفي كل العواصم، تتناقلها الاحضن الملوثة في قصور الرئاسة ورئاسات الأركان وأقبية المباحث والاستخبارات وأبواق الطبالين والزمارين في أجهزة الأعلام من الخليج إلى المحيط، وعلى أنين المهاجرين وبؤسهم تقام المهرجانات والاحتفالات وتتخم الجيوب والبطون بالتبرعات وصفقات السلاح والبترول وعشرات المؤتمرات ذات اللاءات والصيحات وخلف الكواليس يتعانق أبناء العمومة القادمين من الكرمل وجبل صهيون بينما ينتظر الملايين قرارات القمم وخطابات القادة الميامين.

     أكثر من ستين عاما وفلسطين راقصة بلا جسد تنتهكها قوانين الخيمة والصحراء، وأعراف الملالي وسلاطين الظلام وعقود من تهميش العقل والعقلاء واغتيال الحكمة والحكماء ومسخ المواطنة واعتماد العواطف والغرائز ونوازع الشر والحرب وقوانين القرية والصحراء؟
 
     اكثر من ستين عاما وكل الأعراب دونما استثناء من الباب إلى المحراب يتغازلون مع ( ابنة العم ) في الليل والنهار، وإن خجلوا تبادلوا رسائل العشاق، وأن خافوا تبادلوا الإيماء وحينما زال الخوف وسقطت نقطة الحياء، رفرفت رايات عشيقتهم بنت صهيون فوق أجمل مبانيهم وقصورهم وأحلى عواصمهم ومدنهم!

     اكثر من ستين عاما وما انقطعت أو توقفت علاقاتهم ب (ابنة العم) إسرائيل سرا أو علانية، وربما أكثرهم عداوة أو غيرة كما كان يدعي، منح ( ابنة العم ) المدللة أكثر مما يمنحه الآخرين، فصاحبنا أبو الصواريخ التسعة والثلاثين منحها من حيث يدري أو لا يدري  مليارات ومليارات من المال والسلاح والتعاطف والاتساع وحينما لم يحرق نصفها طلب ( قطعة أرض ) على حدودها ليخسر كل أرضه وقصوره فيما بعد؟
                                                                               -2-

     منذ البداية أضاعت هذه الثقافة البائسة فرصا ذهبية لحل مشكلة فلسطين منذ ستين عاما حينما تاجر أعراب النظم السياسية والدينية بحقوق ومستقبل شعب كريم ومعطاء كان يمكن له أن ينشئ دولته منذ ذلك الحين، وتصوروا معي كيف كان من الممكن لشعب حيوي مثل شعب فلسطين أن يكون الآن؟ وهكذا فعلوا ايضا بشعب كوردستان قبل تسعين عاما حينما أغفلوه، وتصوروا معي كيف كان من الممكن لشعب أصيل وحيوي أن يكون اليوم لو حلت قضيته كما ينبغي أن تحل، وهو الذي أنجز خلال عشرين عاما ما يعجز عنه الكثيرون في عشرات السنين؟


     واليوم بعد اكثر من ستين عاما على قيام دولة إسرائيل، وما يقرب من اربعين عاما على الزواج العلني بينها وبين نظم الأعراب وانتشار سفاراتها وقنصلياتها من موريتانيا حتى دولة قطر مرورا بعاصمة العرب قاهرة المعز والنحاس وعبدالناصر والسادات والمبارك ومحمد مرسي، وامتداد مصالحها التجارية والسياحية والصناعية والاستخبارية من الرباط إلى طرابلس الغرب وتونس وصولا إلى سوريا الأسد ولبنان جنبلاط ونصر الله وإمارات الخليج الهونكونكية، وجولات حماس وفتح وبقية المنظمات المكوكية مع ( أبناء العم ) في تل أبيب سواء للمصالح الحياتية للسكان أو لمستقبل الوطن الذي تأخر قيامه بمزايدات الأعراب وعنترياتهم الفارغة، هل ستبقى آذان صاغية لتلك المزايدات الرخيصة والبلهاء عن العلاقات مع إسرائيل، والتهم البائسة لكل من يفضح نظامهم المتخلف وعقليتهم الجوفاء التي أوصلت شعوبهم إلى هذا المنحدر الخطير من التقهقر والضياع بينما يتسلق الآخرون ناصية الحضارة والسمو؟

     ودعونا نتجرد قليلا عما ورثناه من أسلوب في التفكير ونمط في السلوك ونتطهر ولو برهة من أنجاس النفاق والتدليس والازدواجية والإلغاء والإقصاء والاستبداد وثقافة المؤامرة وكيل التهم، وندع ضميرنا الإنساني يصحو قليلا لنسأل أو نتساءل:

     هل كان السادات وضيعا إلى درجة العمالة والخيانة وهو على رأس دولة العرب العظمى؟
     هل كان نكرة من النكرات لا جذور له في تاريخ بلده السياسي؟
     هل كان جبانا وهو يصرخ ناقدا في قلب مؤسسة إسرائيل البرلمانية ويدعو إلى سلام الأبطال وهو الخارج من حرب حطم فيها ذلك الحاجز التاريخي من الهزائم؟
     هل كان يستحق ذلك الإعدام البربري؟
     هل كان عبدالناصر وضيعا حينما أرسى مع روجرز و جوزيف سيسكو وعرابهما كيسنجر حجر الأساس لسلام الفرسان مع أولاد العم في إسرائيل؟
     وكذا الحال والسؤال مع الملك حسين وعبدالله من قبله و سليل الهواشم في المغرب وأصحاب المعلقات الجدد في موريتانيا الإسلامية وفي تونس الخضراء وأمراء قطر وأشقائهم من حولهم، وفي لبنان وفرسان تفاهم نيسان من حزب الله وما يجري خلف وأمام الكواليس في قاسيون أو الجولان؟
     هل نستخرج رفات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس ونعدمهم بتهمة العلاقة مع إسرائيل؟
     وكيف لنا أن نُعرف سميح القاسم وعشرات من أعضاء الكنيست الإسرائيلي من عرب ودروز إسرائيل وفلسطين؟
     وأخيرا هل سنكتفي بإعدام ولدي ( مثال الآلوسي ) لأن والدهم زار إسرائيل فارسا عراقيا وطنيا يبحث عن سلام الأبطال؟

     وهل وهل... وربما مئات الآهات وأسئلة الحيرة والوجع المتكلس، وحتى يهدينا رب العباد فلا حاجة لنا بعلاقة مع إسرائيل لا في كوردستان ولا في العراق، لسبب بسيط كما ازعم وهو إننا لم ننجز علاقاتنا مع بعضنا كما ينبغي، وما زلنا نتذابح من الوريد إلى الوريد.

    وصدقوني يا سادة يا كرام ما قتل على أيدينا جميعا من الخليج إلى المحيط من خيرة أبناء شعوبنا منذ تأسيس دول العشائر والقبائل،  أضعاف أضعاف ما قتل على أيدي جنود إسرائيليين وربما يزيد مجموعهم على عدد سكان الدولة العبرية؟
 kmkinfo@gmail.com

172
بغداد وفن صناعة العمالة؟

كفاح محمود كريم 

     واحدة من أكثر مظاهر التقزز السياسي في معظم الأنظمة السياسية التي حكمت البلاد هي اتهام الآخر المختلف، بالعمالة والتعامل مع إسرائيل تارة ومع إيران تارة أخرى وثالثة مع النظام السوري وبالعكس من قبل الأطراف الأخرى، حتى وصلت الأمور في كثير من هذه البلدان إلى إعدام من يثبت تعامله بأي شكل من الأشكال مع الإيرانيين والإسرائيليين والسوريين من قبل النظام العراقي، وبالتأكيد كان السوريون أيضا يمارسون ذات السلوك، فليس أسهل من اتهام أي حركة معارضة أو مختلفة مع النظام السياسي أو الحكومة بتهمة التعامل مع الإسرائيليين كما يجري الآن في إعادة تصنيع ذات الثقافة مع إقليم كوردستان العراق في محاولة أو تحضير لمرحلة جديدة ينطبق عليها مقولة ( التاريخ يعيد نفسه ) كما كانت تفعل كل الأنظمة الدكتاتورية مع معارضيها ومع الحركة التحررية الكوردية وهي تهيئ الأرضية الإعلامية والنفسية لإبادة جديدة ضد تلك الحركة أو المعارضة، سواء من خلال تأليب الرأي العام أو شن حرب مكشوفة أو مؤامرات من وراء الكواليس؟

     لقد كانت تهمة حزب الدعوة والمجلس الأعلى على طول الخط العمالة ( للعدو الفارسي المجوسي ) والخيانة العظمى التي حصدت أرواح الآلاف من خيرة شباب وشابات الحزبين، أما الشيوعيون فقد كانوا يتهمون أبدا منذ تأسيس النظام السياسي العراقي بالكفر والإلحاد والعمالة للسوفييت إضافة للشعوبية التي تسببت في شبه إبادة لهذا الحزب ولمرات عديدة، أما الحركة التحررية الكوردية والزعيم مصطفى البارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني فكانوا دوما يعرفون بالمخربين والمتمردين والزمر العميلة للاستعمار والصهيونية والامبريالية، وتحت هذه الشعارات أنتجوا حرائق حلبجة الكيمياوية وأباحوا إبادة ما يقرب من ربع مليون إنسان فيما سمي بالأنفال سيئة الصيت؟

     ولم تكتف الأنظمة السياسية باتهام المعارضة والمختلفين معها، بل إنها أصبحت ثقافة أو سلوك تمارسه كثير من تلك الجماعات أو الأحزاب المعارضة في ما بينها حينما تختلف هي الأخرى، كما حصل مع الشيوعيين واتهامهم بالكفر والإلحاد، أو كما يحصل الآن من قبل طواقم الحزب الحاكم في الحكومة الاتحادية من اتهام إقليم كوردستان بالتعامل مع بعض المؤسسات الإسرائيلية، تارة بوجود فنيين ومدربين للبيشمه ركه وأخرى مع شركات الطيران الإسرائيلية في محاولة لا تختلف كثيرا عن محاولات النظام السابق حينما كان يحضر لمؤامرة جديدة أو عملية عسكرية واسعة أو إيجاد مبررات لعمل ما بالتأكيد لا يخلو من شر بأي شكل من الأشكال.

     حقا إن هيكل النظام الدكتاتوري الإداري قد تم إسقاطه، لكن هيكله الثقافي وسلوكياته ومواصفاته ونهج تفكيره ما زال متكلسا في مفاصل كثيرة من نظامنا السياسي الجديد، حيث يتقمص الكثير من موظفي مراكز القرار المدني والعسكري تلك الصورة المرعبة للدكتاتور وهو يرمي ببندقيته أو مسدسه اطلاقات نارية أمام الجمهور، وعليه فان المشكلة ليست في اجتثاث بعض مسؤولي النظام السابق وإبعادهم أو عزلهم أو محاكمتهم فيما يسمى بقانون اجتثاث البعث، بل أنها تتركز في تلك الثقافة والنهج والسلوك الذي يسكن كثير من مسؤولي النظام الجديد، وصدق من قال إن البعض ولا أقول مثله كلهم، بعثيون وان لم ينتموا؟

kmkinfo@gmail.com

173
حينما أصبح اللص مختارا؟

كفاح محمود كريم


     على أيام دكتاتور العراق صدام حسين كان اختيار الوزراء يقع ضمن دائرة مزاج ( القائد الضرورة ) فهو القائل ليس لدينا قانون منزل، نحن نصيغ القانون ليلا ونلغيه صباحا، وقال أيضا ننقل المحكوم بالإعدام من كرسي المشنقة إلى الشارع ومن الشارع إلى كرسي الوزارة، ولم يتغير الحال كثيرا بعد سقوط نظام الدكتاتور في مبدأ الاختيار وان اختلفت الآليات قليلا، حيث منحت صلاحية اختيارهم لأحزابهم أو كتلهم حسب الحصة المقررة، والتي تشبه إلى حد كبير حصة البطاقة التموينية من حيث النوعية والكمية؟

     وكلما سمعتُ أو رأيتُ وزيرا أو نائبا أو مسؤولا من مسؤولي الغفلة ( على غرار عريس الغفلة ) تذكرت رواية شعبية يتداولها الأهالي هنا في بلادنا منذ زمن بعيد، تقول الرواية إن مختار قرية وافاه الأجل فانتشرت الفوضى فيها وانتعش اللصوص، مما دفع الأهالي إلى التجمع في بيت حكيم القرية ( العارفة )  والطلب منه إيجاد حل لمعضلتهم في الفوضى التي تضرب القرية،  واللصوص الذين يسرقون كل ليلة بيت من بيوتهم؟

     وبعد تفكير عميق لحكيم قريتهم اقترح لهم شخصا يكون مختارا لتلك القرية، فذهل أهل القرية حتى غضب الكثير منهم، حيث اقترح الحكيم تعيين ( كبير الحشنشلية ) أي رئيس الحرامية مختارا لهم، وكانت حجته ومبرراته للغاضبين والمذهولين ان هذا الشخص كبير اللصوص في القرية واكثرهم سطوة وقوة وتفننا في السرقة، وهو ادرى الناس بعدد الحرامية وطرقهم التي يستخدمونها في سرقة البيوت والبساتين والأغنام مما سيمنعهم من السرقة وبذلك يعم السلام والأمان في القرية.

     وصدق الحكيم فيما ذهب إليه وتوقفت السرقات الليلية ولم يعد يحتاج اللص إلى مغامرة الدخول إلى بيت أو دكان أو مخزن للسرقة ويعرض نفسه للقتل أو الإصابة، لكنه حكيمنا المسكين نسى ذكاء اللصوص وتفننهم، بل مقدرة زعيمهم الذي أصبح مختارا للقرية على الإبداع في تطوير اللصوصية ونقلها من شكلها البدائي في دخول البيوت والدكاكين والمخازن، إلى أسلوب أكثر تطورا لا يحتاج إلى تلك الآلية بل فرض نفسه شريكا لكل أصحاب تلك البيوت، يأتون إليه بالأموال وهم صاغرون؟

     وكان اقصر الطرق للقضاء على بطالة اللصوص بعد توقف تلك الآلية البدائية في السرقة أن حولهم الى مستشارين ومرافقين وحمايات لمقره وموكبه بعد منحهم صلاحيات واسعة من اجل الحفاظ على سلامته وامن القرية وسكانها بما يتيح لهم مصادرة أي شيء يثير شهيتهم تحت طائلة علاقته بالمختار وامن القرية، وبذلك اصبحت هذه المجاميع من اللصوص الحاكمة الحقيقية للقرية وصمام أمانها المختار الذي تفرغ لخدمة الشعب والأمة؟

     أقول قولي هذا وأنا اقرأ تصريحات لوزارة الكهرباء وميزانيتها منذ 2003م والتي بلغت أكثر من 37 مليار دولار وما زال الكهرباء كما هو منذ مطلع تسعينات القرن الماضي وحتى إعلان هذه الميزانية، ولا تقل وزارة النفط أيضا عن تلك الميزانية وما زالت كل منتجات النفط ابتداءً بوقود السيارات والنفط الأبيض ووقود مولدات الأهالي وشركائهم في الوزارتين ( النفط والكهرباء ) في حال لا يحسد عليه غيرنا أبدا؟
kmkinfo@gmail.com


174
التملق والتدليس ( اللكلكة )!؟

كفاح محمود كريم

     اللقلق Stork طائر جميل من الطيور المهاجرة كبيرة الحجم ذات الأرجل الطويلة، يبني أعشاشه فوق المآذن والكنائس وأبراج الخطوط الكهربائية وقمم الأشجار العالية، القريبة دوما من سكن الإنسان، وأجمل ما في صغاره هو تصفيقهم بأجنحتهم حينما يأتي إليهم بالطعام، فتراهم يتراقصون أمامه ويصفقون له حتى يدفع إليهم ما خزنه عبر منقاره الطويل من كنوز الصيد؟

     أردت بمقدمتي هذه عن طائر اللقلق أن اذهب إلى مفردة متداولة بكثرة في أوساط الأهالي وهم يصفون التدليس والتمليق بهذه المفردة التي تختزل في حروفها الخفيفة توصيفا رائعا ودقيقا لحالات معينة من السلوك الاجتماعي والسياسي والوظيفي ايضا بين الما دون والما فوق، أي بين الرئيس والمرؤوسين في غياب العدالة الاجتماعية ومفهوم المواطنة الصالحة!؟

    والمفردة هي ( لكلكة ) بتخفيف الكاف وتستخدم في الدارجة من اللهجات لتوصيف الحالات التي ذكرتها أعلاه، وقد بحثت طويلا عن أصلها وتصريفها فلم أجد لها تصريفا أو مصدرا، رغم شكوكي بان لها علاقة قوية جدا بالطائر الجميل ( اللقلق ) البريء مما يوصف به الإنسان، حيث يحتمل أن تكون لحركة أجنحة صغار هذا الطائر وتصفيقهم ورقصهم الغريزي والبريء، علاقة بمعنى تلك المفردة قياسا مع سلوك البعض مع المسؤولين الأكبر، وليس تلك العلاقة بين الأب والأم وأولادهم؟

     فقد أنتجت النظم الطاغية عموما دكتاتورية كانت أم مستبدة،  بأي شكل من الأشكال بما فيها حتى كثير من النظم الديمقراطية بغياب العدالة الاجتماعية وسيادة الفساد المالي والإداري وانتشار المحسوبية والمنسوبية على خلفية التكوين العشائري لمعظم بلدان الشرق الأوسط عموما، أنماطا من السلوكيات المنحرفة التي تبدأ بالانتهازية وبطانات المسؤولين وشللهم في الوزارات والمؤسسات،  ولا تنتهي طبعا باللكلكة فقط، أي بظاهرة التدليس والتمليق الذي يشوه الحقائق ويدمر العلاقات الإنسانية والاجتماعية، ويحيلها إلى نمط سطحي استعبادي يلغي فيها الطرف القوي الذي يستحوذ على المال والسلطة الطرف الآخر المحكوم بعلاقة القوتين ( المال والسلطة ) لذلك الطرف الأقوى!؟

     ونتيجة لتلك السياسات الاجتماعية والسلطوية في غياب العدالة الاجتماعية وفقدان الثقة بالمؤسسات العامة، شاع هذا النمط من السلوك بين الأعلى والأدنى لكي يأخذ مكان الاحترام المتبادل القائم على أساس الخدمة المشتركة للمجتمع والدولة، مما يؤهل الجميع فوقا كانوا أم تحتا، ان يتبادلوا الآراء بحرية تامة في التعبير عنها سواء أرضت الفوق أم اختلفت معه، بعيدا عن أي لغة استعلائية أو استعبادية تلغي أو تهمش أو تقصي الآخر تحت أي عنوان كان، وعلى أساس ذلك فليس هناك أي مسؤول محترم يشغل مكانه بجدارة واستحقاق يقبل أي نوع من ( اللكلكة ) أي من التمليق والتدليس، ويميز بين الاحترام الحقيقي وبين التدليس والمديح التملقي.

    إن اقصر طريق للتخلص من هذه المظاهر السلوكية المدمرة هي شيوع العدالة الاجتماعية وتقليل الفروقات الحادة بين الطبقات، وبلورة مفهوم متحضر للمواطنة يحترم الانسان على أساس ما يقدمه للوطن والمصلحة العامة، ويعرف العمل العام وظيفيا كان أو خاصا ذو منفعة عامة، وبصرف النظر عن شكله أو نوعه أو موقعه، بأنه خدمة وطنية عالية لا ينتقص من درجة منفذها أو يقلل من شأنه إزاء مرتبة أخرى لمنفذ آخر، بمعنى ان أي كناس أو منظف في الشوارع والساحات العامة، أو المستشفيات وبقية المؤسسات ذات النفع العام لا يقل شأنا في مبدأ العمل والخدمة العامة عن أي وزير أو مدير عام أو أي مهنة أخرى إلا بالابداع في ذلك العمل والتميز فيه من اجل العام.

kmkinfo@gmail.com
 

175
حينما يتحول اللصوص إلى مسؤولين؟

كفاح محمود كريم

     في أواخر سبعينات القرن الماضي حدثني المرحوم الشيخ عبود الهيمص من أعيان الفرات الأوسط عن حادثة توسط لأحد المواطنين الذي كلفه بقبول ولده في الكلية العسكرية لدى نوري السعيد رئيس الوزراء إبان الحقبة الملكية، وبعد فترة ليست قصيرة تذكر الشيخ عبود توصيته وسأل الباشا عن قبول ذلك الشخص فرد عليه قائلا:

     يا شيخنا هذه كلية عسكرية يعني هذا الولد بعد عشرين سنة راح أيصير قائد كبير في الجيش يعني يحكم أكثير من عباد الله فلازم نسأل عليه مثل ما واحد أيدور على ابرة في كومة قش!.

     وكان يقصد التحري وتوخي الدقة من كل الجوانب فيما يتعلق بهذا الشخص وعائلته وسلوكياتهم وسمعتهم وأخلاقياتهم لكي يتم قبوله وتأهيله كضابط في الجيش، حيث يتوقع الباشا انه سيكون قائدا مهما ذات يوم يتولى مسؤولية عامة يقع على عاتقها الكثير مما يخص الأهالي وأموالهم وكرامتهم وشرفهم وبعد ذلك سمعة الوطن والدولة عموما!

    وبمقارنة بسيطة بين ما تم قبوله من افواج اولئك الذين كان يعصرهم ( النظام العميل للاستعمار ) وبين تلك الأفواج من النكرات الذين أوصلتهم إلى منصات القيادة والمسؤولية وساطات لا علاقة لها بالمرة لا بالوطنية ولا بالنزاهة ولا بسمعة الأسرة إلا اللهم تلك المحسوبيات والمنسوبيات التي لا تخلو أبدا من روائح كريهة، ندرك حقيقة ما يجري وما جرى لبلادنا خلال أكثر من نصف قرن من تسلط النكرات وذوي الجذور السطحية في انتماءاتهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم، ممن أدمنوا الامعية والانتهازية والسحت الحرام، لكي تكتمل الصورة في قتامتها وبؤسها بعد سقوط النظام الدكتاتوري الذي خلف لنا اسرابا وقوافل من تلك الفايروسات والجراثيم التي اخترقت مفاصل الدولة بدعم مطلق من وريث صدام حسين الأمريكي برايمر الذي جمع كل تلك الطفيليات وزرعها في النظام الجديد، والتي بدأت بنخره من الداخل حتى حولت البلاد الى بركة من دماء وفساد، وجعلت العراق افشل نظام ودولة في العالم حسب ما تم توصيفه من منظمات عالمية للشفافية والنزاهة!؟

     كيف لا وقد تحولت عصابات السرقة واللصوص الى طواقم إدارية بمختلف المستويات في المواقع السياسية والتشريعية بمستوياتها المختلفة ابتداءً من مجالس الاقضية والمحافظات وإداراتها ووصولا الى أعلى الهرم، الذي يحاول من جديد إعادة تصنيع دولة القائد الضرورة التي تحمي أفواج الفاسدين والمنحرفين من مصاصي دماء وقوت الشعب!

    ويبقى السؤال الأكثر إيلاما وإثارة هو كيف تتم المقارنة بين ميزانية البلاد البالغة أكثر من مائة مليار دولار ومتوسط دخل سنوي للفرد العراقي يتجاوز الثلاثة ألاف دولار ( نظريا ) وواقع الحال المزري في كل القطاعات ابتداءً من الزراعة والصناعة والكهرباء والطاقة والمستشفيات المتهالكة، وانتهاء بإحصائيات وزارة التخطيط العراقية عن مستويات الفقر في البلاد التي لا ينافسها فيه الا أهالي جمهورية الصومال الديمقراطية!؟

kmkinfo@gmail.com

176
شكرا لاستقالة الرئيس؟

كفاح محمود كريم

     لا نريد ان نستبق الأحداث ولكننا نرى اليوم وعلى الأقل ما سمعناه وشهدناه في انتخابات الرئاسة المصرية، وخاصة بعد اعلان فوز مرشح الرئاسة احد قادة الإخوان المسلمين في جمهورية  مصر العربية، الذي قرر تقديم استقالته من أي صفة تربطه بالإخوان  عضوا كان فيها أم زعيما، حيث قال في أول تصريح له بعد الفوز بأنه أصبح الآن ملكا لكل الشعب المصري بكافة فئاته وطبقاته وأديانه وأحزابه ومكوناته وليس ممثلا لحزب أو دين أو مكون؟

     شيء جميل ورائع جدا مثل هذا القول إن صدقت النوايا وتطابقت مع الأفعال، وبالتأكيد سيكون أكثر جمالا وروعة حينما تثبت الأيام القادمة تطبيقاته فعلا على الأرض، فنحن جميعا نسمع الكثير من الأقوال والتصريحات الجميلة لكن الأيام تثبت البون الشاسع بينها وبين تطبيقات صاحبها الأرضية، وبالذات تلك الوعود الانتخابية التي لا تخلو من حيز ضيق جدا لا يكاد المرء فيه ان يرى شيئا من الصدق!؟

    وازاء تصريحات الرئيس المصري المنتخب ينتابنا شعور مغاير هنا في بلادنا لا يخلو من الحزن أو الإحباط ربما، ونحن نقارن ذلك مع ما يجري الآن حيث يحاول البعض من الفائزين في الانتخابات الأخيرة تقزيم البلاد وأهلها في شخص معين وداخل بودقة حزب أو كتلة ما، وكأنما موقع الرئاسة أو المسؤولية تشريف وغنيمة للتمتع بالمزايا والنفوذ وإنشاء المجالات الحيوية للانتشار في مساحات أوسع، أملا في استنساخ إمبراطوريات وديناصورات في زمن الربيع الذي اخترق ليس حاجز الخوف فحسب بل مزق حجاب القباحة والعفونة عن حقيقة تلك الأنظمة والثقافة البائسة في الاستحواذ على السلطة والتفرد بها تحت يافطة الضرورة التاريخية أو الربانية أو خوفا على البلاد من الدمار والهلاك اذا ما ازيحوا عن السلطة، كما كانت تهدد كل الأنظمة الدكتاتورية في حال سقوطها!؟

     كم كنا نتمنى جميعا لو استقال أيضا رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء من كافة صفاتهم الحزبية ومسؤولياتهم فيها، وان يقنعنا رئيس وزراء العراق ( أيا كان بصفته المسؤول الأول دستوريا ) بعد فوزه بأنه فعلا لا يمثل حزبه أو مذهبه أو حتى دينه وقوميته وهو يتربع على المسؤولية الأكبر في بلاد فسيفسائية الأعراق والأقوام والأديان والمذاهب، لا ان يستحوذ على الموقعين في آن واحد ويريد ان يقنعنا بأنه حريص علينا جميعا؟

     حقا كنا نتمنى أيضا أن نسمع ذات يوم باستقالة مسؤول مهما كان عنوانه، بسبب فشل دائرته أو فشله في معالجة مشاكل المواطنين وما يتعرض له الأهالي، فمنذ 2005م يفترض ان نظاما ديمقراطيا بديلا للدكتاتورية التي حكمت بلادنا نصف قرن، بدأ بوضع اسسه وممارساته، لكن ما حدث ان انهارا من الدماء سالت بسبب ضعف الأجهزة المختصة ومسؤوليها دون ان تدفع أياً منهم،  ابتداءً من رئيس الوزراء والوزير المختص ونزولا الى الضابط المكلف في مكان أي حادث بالاعتذار أو الاستقالة لفشله أو لتحمله جزء من المسؤولية كما يحدث في الدول ذات الأنظمة المحترمة، كما اننا لم نسمع أيضا أو يحصل شيء من هذا القبيل إزاء طوفان الفساد المالي والإداري المستشري في هيكل البلاد الحكومي في معظم قطاعاته، حيث تعلن لجنة النزاهة وغيرها من المكلفين بمتابعته عشرات أو ربما مئات الملفات، بينما تعمل جهات أخرى متنفذة حكوميا أو حزبيا على ( لفلفة ) تلك الملفات والقضايا وتهريب فرسانها مع ما حملوا من غنائم إلى دول لم توقع مع العراق منذ أيام النظام السابق اتفاقيات تبادل المجرمين أو المتهمين ليتمتعوا هناك مع شركائهم الأطهار في الداخل بما غنموه في غزوتهم المباركة!؟

     وأخيرا ليس هناك أدنى مقارنة بين وزير بريطاني أو الماني أو غيرهما من العالم ( الكافر والمتخلف  ) يستقيل اثر حادث أو تلكؤٍ أو فساد ما أو ربما معاكسته لسكرتيرته، وبين الكثير من مسؤولينا بمختلف المستويات الغارقين حتى اذنيهم بالفساد والفشل وهم يعاكسون شعبا بأكمله وليس سكرتيرة شخصية، دون ان يرف لهم جفن أو تهتز لهم شعرة في!؟

kmkinfo@gmail.com

177
كوردستان المتألقة دوما

كفاح محمود كريم

    مع مطلع  تموز القادم تمزق كوردستان واحدة من أكثر أوراق الخدمات قتامة وترسلها الى الماضي المؤلم، لتنتهي أزمة مستعصية منذ عقود طويلة هنا في إقليم كوردستان العراق، إلا وهي الكهرباء التي أصبحت على مدار الساعة تقريبا، وتجاوزت حدود الحمل الفائق في صيف ينذر بحرارته الشديدة التي ربما ستخترق حاجز الخمسين درجة مئوية، حيث نجحت الحكومة وإدارة الكهرباء والقطاع الخاص المحلي والاجنبي معا في تحديهم وإنهائهم لمرض سرطاني يأس الكثير من شفائه؟

   لقد أنجزت الإدارة السياسية والفنية في إقليم كوردستان منذ أكثر من عام، برنامجا ناجعا لإنتاج الكهرباء بالتعاون المثالي والجريء مع القطاع الخاص في تجهيز المحطات الغازية التي تنتج ما يقرب من  2225 ميكا واط، بما يوفر ما قيمته ملياري دولار ونصف لحكومة الإقليم، باستثمار لم يزد عن مليار دولار نفذه القطاع الخاص، وأنهى واحدة من أكثر الخدمات تخلفا وتأثيرا على مجريات الحياة في الإقليم، حتى غدا خلال الصيف المنصرم قبلة العراق بأكمله، حيث تجاوز عدد العراقيين القادمين من مختلف المحافظات أكثر من مائة وعشرون الفا مواطن كل شهر.

   واضافة الى تغطية معظم ساعات اليوم من الكهرباء في كافة انحاء الاقليم، فقد بادرت الحكومة الاقليمية الى منح محافظة كركوك مائتي ميكاواط لترفع ساعات تغذيتها الكهربائية من ثمان ساعات الى ما يقرب 18 ساعة يوميا، اضافة الى البدء بتغذية محافظة نينوى بكمية من الكهرباء ترفع ساعات التغذية الى ما يخفف عن كاهل المواطن المادي والنفسي. 

    وكما يشعر الفرد بفرح غامر وهو يتجول في كوردستان المضيئة ينتابه الشعور بالأسى لبقية أنحاء البلاد التي تعاني نقصا كبيرا في إنتاج الكهرباء وبقية الخدمات، رغم ان الحكومة الاتحادية ( الكهرباء والنفط ) منذ ما يقرب من ست سنوات قد أنفقت أو خصصت أكثر من عشرين مليارا من الدولارات للكهرباء، ووقعت عقودا هائلة لذات الغرض مع شركات حقيقية أو وهمية، بمعدل يزيد عن مليار ونصف المليار من الدولارات لكل محافظة عدا محافظات اقليم كوردستان الثلاث وتوابعها، ومقارنة مع المليار الواحد الذي أنفقته كوردستان على تغطية كهربائها كاملا مع مائتي ميكا واط منحت لكركوك ومثلها للموصل، يتبين لنا البون الشاسع بين ما يصرحون هناك في بغداد وبين الفعل هنا في كوردستان، مع وجود هامش الفساد المالي والاداري ايضا في الاقليم، يقابله اصرار واضح وجدي من قبل الادارة على مكافحته وتحقيق تلبية كل متطلبات الفرد الاساسية.   

   لقد أنفقت الحكومة الاتحادية متمثلة بوزارتي الكهرباء والنفط  مليارات الدولارات تجاوزت الثلاثين مليارا من اجل توفير الوقود وتحسين أنواعه، وإنتاج الكهرباء وتطوير شبكته، وواقع الحال يظهر خارطة بائسة للوقود ونوعيته وأسعاره في كل العراق، ووضعا مزريا في التجهيز والتوزيع للطاقة الكهربائية في المحافظات الخمس عشرة، إذا لا تتجاوز التغذية الكهربائية في أفضل حالاتها العشر ساعات وتتدنى الى اقل من أربع ساعات خلال اليوم الكامل في مناطق واسعة من البلاد، بينما تنحدر الى العدم أو عدة ساعات قليلة جدا في الاقضية والأرياف؟

    إن مقارنة بسيطة ومشاهدة سريعة لتطور الإقليم خلال السنوات الأخيرة، تؤكد إن خللا كبيرا في إدارة ملف الخدمات والطاقة يكمن في أداء الحكومة الاتحادية، وبالذات في الوزارات ذات العلاقة بالكهرباء والنفط والمالية والبلديات والصناعة والصحة والتعليم، إذ تعاني معظم هذه القطاعات من تقهقر خطير في برامجها وأدائها،  مما انعكس بشكل واضح وخطير على الوضع الصحي والمعاشي لغالبية السكان، بحيث أصبحت معدلات الفقر تؤشر حالة خطيرة في دولة غنية مثل العراق، إذ يعيش ما يقرب من سبعة ملايين عراقي خارج إقليم كوردستان تحت سقف الفقر، بينما تراوحت نسب الفقر المئوية بالنسبة لكثافة السكان من أربعين بالمائة، حيث يذكر التقرير الذي أعده الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، بإشراف اللجنة الوطنية العليا لسياسات تخفيف الفقر وتوليد فرص العمل وشبكة الأمان الاجتماعية، ان محافظة المثنى تتصدر نسب الفقر حيث تبلغ النسبة فيها 49%، في حين بلغت النسبة في العاصمة بغداد 13%، وفي الموصل 23%، وفي البصرة 34%، وتتراوح النسبة في بقية المحافظات بذات هذه المعدلات، ولا تقل في أي حال من الأحوال عن 20%؟


    اما في إقليم كوردستان فقد كانت نسبة الفقر في محافظة أربيل العاصمة 3%، وفي السليمانية 3%، وفي دهوك 9%، وفي كركوك 11%، وهي تتناقص تدريجيا بينما ترتفع في بقية المحافظات للأسف الشديد نتيجة إخفاق الحكومة الاتحادية منذ 2005م في تنفيذ خطط تنموية إستراتيجية، وتكفي لغة الأرقام هذه لتؤكد مديات النجاح والفشل في إدارة ملفات الخدمات ومساحات الفساد والأداء السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمؤسسات الدستورية في البلاد. 

kmkinfo@gmail.com
 
 


178
لست أنت يا دولة الرئيس؟

كفاح محمود كريم

     عذرا يا دولة الرئيس نوري المالكي الإنسان الفاضل ذي التاريخ المناضل واليد البيضاء، لست أنت من يقول هذا الكلام:

" أنا بإمكاني أن أشيلهم (أقلعهم) مرة واحدة وأنهي الأزمة".

     ولست أنت من قال قبل ذلك:

" هم يقدرون يأخذوها مرتلخ؟"

     لأنها بصراحة لا تليق بك ولا بتاريخك ومعاناتك وتضحيات حزبك التي شهدت شخصيا جزءً كبيرا منها أيام النفي في الجنوب منتصف سبعينات القرن الماضي، ذلك الحزب الذي قدم آلاف مؤلفة من الشهداء لأجل الحرية لا من اجل تصفية الخصوم والاستحواذ على السلطة كما جاء في نص القولين المنسوبين لكم؟

     عذرا دولة الرئيس فهذه اللغة هي التي أحالت بلادنا الى حفنة تراب على يد من كان يرددها دوما، منذ الإطاحة بالنظام الملكي قبل أكثر من نصف قرن، وحتى يتم تأكيد صحة القولين المنسوبين لسيادتكم، وتسببت في جرائم الأنفال وحلبجة والمقابر الجماعية للانتفاضة الشعبانية، وهي التي أنتجت عراقا من خراب ودمار وتخلف وانهيار؟

     أي نعم في خلافات حادة بينكم وبين ما يقرب من نصف البرلمان وكتله الكبيرة خاصة، والتي تمثل ربما نصف مجموع الشعب العراقي، وتمثلون انتم أيضا كتل كبيرة قد تتجاوز النصف الآخر أو تقل عنه، لكن ذلك لا يؤهلكم إطلاقا مهما بلغت القوة في كل أشكالها بمجرد التفكير بمعنى ما نسب إليكم بإبادة من يعترض عليكم وعلى حكمكم، أو إنكم جئتم لتبقون ( هو اكو واحد يقدر يأخذها مرتلخ؟ ) في واحد من أكثر الشعارات دموية وتعاسة وتدمير في تاريخنا منذ تأسيس دولتنا وحتى يومنا هذا ( جئنا لنبقى ) !؟

     مهما بلغت تلك الخلافات فإنها مع رفاق النضال وأشقاء الوطن، وان تاريخا مشتركا يجمع على الأقل قوافل الشهداء من كل أطراف الحركة السياسية العراقية التي ناضلت من اجل إسقاط الدكتاتورية والشمولية ومنع ظهورها بأي شكل من الأشكال حتى بمجرد التفكير باتجاه التفرد بالسلطة أو الشعور بالقوة التي تتيح لكم ولغيركم ان يفكر بإبادة الآخرين و ( شيلهم أو اقتلاعهم ) كما ورد في المنسوب إليكم، بل العكس تماما في اتفاق الجميع على التداول السلمي للسلطة واحترام الدستور الذي وضعه الجميع واعتبروه مرجعهم وخريطة حركتهم ومجالهم الحيوي، الذي نزفوا من اجله بحورا من الدماء لتأسيس نظام ديمقراطي تعددي اتحادي.

     أدرك تماما دولة الرئيس بأنك لن تقبل إطلاقا مرة أخرى ظهور زعيما أوحدا أو قائدا للضرورة أو منقذا ملهما، ولن يقبل معك ملايين العراقيين ثانية أي حزب قائد أو طليعي مهما كانت إيديولوجيته أو حجمه يتفرد بالسلطة ويفرض أفكاره ومبادئه على الناس!؟

     ولأجل ذلك انأى انا المواطن بهذين القولين عنك قبل ان تنأى بهما عن نفسك حماية لك ولنا!

kmkinfo@gmail.com

 


 

179
كوردستان والحملات الإعلامية

  كفاح محمود كريم

     منذ عدة اشهر تشن وسائل إعلامية مرئية ومسموعة ومقروءة حملة موجهة ضد إقليم كوردستان تارة وضد ( الأكراد ) تارة أخرى، على خلفية الأزمة السياسية والصراعات والاختلافات في وجهات النظر بين كتلة الحكم وبقية الكتل الأخرى وفي مقدمتها العراقية والتحالف الكوردستاني والتيار الصدري وآخرين، مستخدمة ذات النهج الذي كانت تستخدمه ماكينة الإعلام البعثي أيام النظام السابق في توصيفاتها واتهاماتها لقوى الثورة الكوردستانية والمعارضة العراقية عموما، وفي شموليتها وتعميماتها وتداولها لمفاهيم وتوصيفات توحي للرأي العام بأن الخلافات بين الإقليم والحكومة المركزية سببها أشخاص بذاتهم أو أحزاب معينة؟

     ولا يمكن لأي شخص أو حزب أو جهة ان تدعي بان الجميع اينما كانوا وفي أي زمان متفقين على رأي واحد ولا خلاف بينهم سواء في وجهات النظر أو حتى في التطبيقات العملية، فالاختلاف في الرأي سمة صحية وليست العكس، فقد يختلف الكثير من الناس في آرائهم وطريقة تفكيرهم وحتى في أسلوب معالجاتهم لكثير من الإشكاليات، بل ويتقاطعون مع الآخرين أفرادا أو جماعات  ضمن مؤسسات نيابية أو مجتمعية أو حزبية، لكنها في النهاية لا تمثل رأي كل الناس إطلاقا أو إنها تستحوذ على تأييد ومساندة مطلقة من أي شعب من الشعوب في العالم صغر أم كبر، وكذا الحال عن أي حزب أو جمعية أو منظمة في ما يتعلق بتمثيلها لعموم الأهالي، فلا يستطيع أي حزب مهما بلغ حجمه التنظيمي وتأثيره الإعلامي أن يدعي تمثيلا مطلقا للشعب، وربما نتذكر هنا الحجم التنظيمي للحزب الشيوعي السوفييتي قياسا إلى مجموع نفوس ذلك الاتحاد، وكذا الحال في الصين والعراق وتجربة حزب البعث في تبعيث العراقيين جميعا وما آلت إليه هذه السياسة بعد ذلك.

     وفي تجارب الشعوب الأكثر تقدما في ممارساتها الديمقراطية والبرلمانية نشاهد فعالياتها السياسية وهي توسع من مساحة تمثيلها أو تأييدها بإنشاء تكتلات برلمانية من أحزاب وجمعيات وأشخاص،  في محاولة لكسب مساحة أوسع من الرأي العام، حتى وإن كانت من أجل عملية انتخابية صرفة بعيدا عن الانسجام الكلي في المبادئ والأفكار، فكثيرا ما تختلف هذه الأحزاب أو المنظمات مع بعضها البعض في توجهاتها أو آرائها ونظرتها لقضية معينة، إلا إن ذلك لا يعني الخلاف الأبدي وعلى طول الخط، إذ انه هناك دوما محطات يتوقف فيها الخصوم أو المختلفون، وربما يتحول ذلك الخلاف أو النزاع إلى تحالف وانسجام كبيرين كما يحصل في كثير من البلدان الديمقراطية في تكتلاتها البرلمانية والائتلافية،  فليست هناك صداقات دائمة أو خصومات دائمة في العمل السياسي بل هناك مصالح متبادلة.

      لقد أردت بمقدمتي هذه أن أصل إلى إن الخلافات لا ترتقي إلى مستوى معاداة شعب بأكمله من خلال التصريحات والتهجم الإعلامي لأي كان فردا أو حزبا، مهما بلغت الخلافات في وجهات النظر أو حتى الخلافات الحادة على الحدود أو الثروات، وحتى بين الشعوب أنفسها ليست هناك عداوات مطلقة كما تدعي بعض وسائل الإعلام والتحريض على الكراهية وإشاعة الأحقاد، وما حصل بين الهند والباكستان أو بين العرب وإسرائيل أو الفلسطينيون أنفسهم والدولة العبرية، وبعد ذلك الولايات المتحدة ومنظومة الدول الاشتراكية أو الصين وهونك كونك وتايوان، يؤكد إنه ليس هناك عداوة دائمة بل إن نهاية أي خلاف مهما كان هو الحل والتصالح ومن ثم التعايش.

      أعود الآن إلى تصريحات بعض من أعضاء مجلس النواب العراقي المولعون بالمؤتمرات الصحفية وهم يتحدثون لفضائيات عربية ومحلية بلغة لا ينقصها التعميم وخلط الأوراق وإشاعة الكراهية والصراعات العرقية والطائفية حينما يتحدثون عن الكورد أو عن إقليم كوردستان ومكوناته، وكأنما يتحدثون عن أعداء تاريخيين لهم وحتى للعراق بل ويشككون في انتمائهم لهذه الدولة، ساعة بإلغاء وجودهم تماما في تلك المدن كما كان يفعل النظام السابق في سياسة التعريب أو كما فعلت تركيا في سياستها التتريكية للعرب والكورد وكما فعلت إسرائيل في صهينة فلسطين في السياسات الشرق أوسطية البائسة فيما سميت بالتعريب والتتريك والاستيطان، من قبيل التصريح بعراقية كركوك والهيمنة على المناطق المتنازع عليها، وان نسبة الكورد في الموصل لا تتجاوز 3 % من مجموع عدد السكان في المحافظة أو عملية تشتيت وشرذمة بعض العشائر الكوردية من الشبك أو من معتنقي الديانة الايزيدية تارة بكونهم عربا وتارة أخرى بكونهم أعراقا وقوميات، أو التعامل مع معطيات جرائم التعريب والتشويه الديموغرافي في كركوك وديالى والموصل وكأنها واقع حال علينا الإذعان لها والقبول بها تحت يافطة العراق الواحد وحرية مواطنه في السكن والعيش، أو من خلال تصريحات غير مسؤولة وينقصها الانضباط  حول خطورة الأكراد ومحاولتهم لاحتلال الموصل وتكريد كركوك وسنجار في عملية لنشر الحقد والكراهية العرقية والعنصرية بين أبناء الوطن الواحد كما فعلوا في إشعال الحرب بين السنة والشيعة في تصريحاتهم الطائفية المقيتة، متناسين حقيقة هذه المناطق وما تعرضت له خلال حكم البعث العنصري طيلة ما يقرب من أربعين عاما.


     إن اعتماد هذا النهج في التفكير والممارسة والحملات الإعلامية
التي انتهجتها مجموعة من طواقم الإعلام الملحقة ببعض المسؤولين وأعضاء مجلس النواب خلال الأزمة الحالية بين العراقية ودولة القانون أو بين دولة القانون وإقليم كوردستان، تشيع الكراهية وتحرض على الفتنة وقبول نتائج تلك الجرائم التي اقترفها نظام صدام حسين، وهي بالتالي تعيدنا إلى ما قبل المربع الأول أو إلى نقطة الشروع التي ابتدأنا منها تحركنا جميعا من أجل حل المشكلات والمآسي التي خلفها النظام السابق سواء على مستوى البلاد أو ما أنتجته سياساته العنصرية في المناطق ذات الأغلبية الكوردية التابعة لمحافظات الموصل وديالى وتكريت إضافة إلى محافظة كركوك.

     إن معاداة شعب بأكمله عمل بائس ومشين يدلل على سوء التفكير وضيق الأفق والنظر، وعلينا أن نستذكر دوما إن كل عمليات الإبادة الجماعية التي استخدمها النظام السابق وقادته العسكريين والأمنيين في الشمال والجنوب سبقتها حملات إعلامية لا تقل عما يجري الآن، وهي بالتالي ايضا لم تنتج إلا ما نراه اليوم في إقليم كوردستان من نهوض لشعب ينمو كما قال عنه ذلك البدوي الذي شهد عمليات الضرب الكيماوي في كرميان وبهدينان أيام كان جنديا هناك وعاد إليها ثانية بعد سقوط النظام فقال والله إنكم  شعب لا يقهر، راسخون مثل هذه الجبال!

 kmkinfo@gmail.com



180
الدكتاتوريات الشعبية؟

كفاح محمود كريم


     في بلدان غابت عنها مظاهر المدنية وانكفأت في دهاليز النظم البدائية وبقايا العصور الزراعية التي أنتجت نظام العشيرة وممارساتها التي عفا عنها الزمن وكرستها أنظمة الرئيس القائد والحزب الأوحد والملك المفدى، لتكون واحدة من أدواتها وشيوخها من وسائلها التي تسيطر فيها على مكونات الشعب في المدن والقرى، من خلال نظام بائس يلغي بالتمام والكمال أي مفهوم راق للمواطنة والانتماء لشعب أو امة أو وطن، فقد استبدلوا الشعب والأمة بعشيرة أو قبيلة، والوطن بقرية أو بلدة وغسلوا عقول شعوبهم وافهموهم بأنهم المنقذين والمخلصين وإنهم أبناء الدوحة النبوية، وان أي إخلال بنظامهم وكرسيهم سيأتي بالوبال على الشعب ويعمل على تدمير كل المنجزات والمكاسب، ويشيع الدمار والخراب ويفقد الناس أمنهم وسلامهم ورزقهم!؟

     والعجيب فعلا ان معظم هذه الأنظمة تهاوت وسقطت شر سقوط، رغم أنها ادلجة المجتمع وغسلت أدمغة أجياله لعشرات السنين، وقد شهدنا بالعين المجردة سقوط تلك الأهرام التي كنا لا نحلم بسقوطها سواء في بغداد أو تونس والقاهرة وطرابلس واليمن،  وغدا في دمشق وأخواتها في بقية حواضن الدكتاتوريات الرثة، والأكثر مأساة أنها سقطت لكنها تركت لنا ارثا بائسا من السلوك والثقافة الأحادية التي استبدلت اولئك الطغاة بنماذج وموديلات أخرى، استخدمت ذات الأساليب والآليات للوصول إلى السلطة وبدأت تمارس ذات السلوك بتغييرات شكلية ليس إلا؟

     لقد حكموا البلاد من خلال انقلابات ليلية أو فجرية استحوذوا فيها على كامل السلطات ببياناتهم ( رقم واحد ) ومجلس قيادة ثوراتهم، ثم شرعنوا وجودهم بمجالس تشريعية ووطنية منتخبة بأسلوب عرفناه جميعا، أساسياته العشيرة والمال وأحيانا في مناطق التسخين الديني أو المذهبي أو العرقي الشوفينية والعصبية حتى تحولوا الى فراعنة أو أباطرة أو خلفاء في زمن العولمة والالكترونيات، والانكى من ذلك انهم نافسوا اكثر الملكيات تعصبا في التوريث وولاية العهد وهم التقدميون والجمهوريون واحيانا الشيوعيون كما في كوبا وكوريا، والساقطون منهم تركوا لنا ارثهم في مفاصل مجتمعاتنا حتى ان حاولنا تحديث شكل ونوع الحياة السياسية والاجتماعية خرجوا علينا بذات الأسلحة والآليات واستخدموها فيما يفترض انها أرقى أنواع انتخاب السلطات وتداولها عن طريق صناديق الاقتراع، ليرتقوا ناصية الحكم ويعلنوا من هناك أن: لا أحدا يأخذها منهم مرة أخرى!؟

     وما يجري اليوم في كثير من بلدان ما سمي بالربيع العربي هو استنساخ أنماط من الدكتاتوريات، لا تقل تعاسة وبؤسا عن الأنظمة السابقة، فهي تستخدم الديمقراطية ووسائلها وتسخر العشيرة والدين والمذهب، لشرعنة استحواذها على السلطات في غياب أي مفهوم شامل للمواطنة يرتقي على تلك الانتماءات التي تقزم الأوطان والشعوب، حيث يتم استغلال الأهالي بوسائل غرائزية متكئين على ارث من الإحباط واليأس والاضطهاد الذي تعرضت له الشعوب خلال عقود مريرة من اختزال الأمة في شخص الرئيس وحزبه، حيث أصبحت كلمة المرور إلى الحكم مدى الولاء والقرب من جوقة الحاكمين الجدد وأحزابهم وأديانهم ومذاهبهم بعيدا عن أي توظيف أو تعريف آخر يؤهلهم لأي موقع من مواقع الدولة.

     انهم فعلا ينتجون دكتاتوريات شعبية لا تختلف عن الديمقراطيات الشعبية التي عرفناها في بلدان العالم الثاني والثالث،  والتي كانت تشرعن ذاتها بالحتميات التاريخية تارة وتارة أخرى بصناديق الاقتراع التي تسخنها ولاءات العقلية القبيلة والمذهبية والإيديولوجيات على مختلف أشكالها وعقائدها.


     وإزاء ذلك يبدو ان البون شاسع جدا بين ما تعلمناه في علوم وفكر الديمقراطية ومناهجها وكثير من مدارس السياسة وعلومها من الدول الغربية ومجتمعاتها وأنماط الحكم فيها، وجئنا محاولين توظيفها أو تطبيقها في مجتمعات شرقية متخلفة، تسودها الأمية الأبجدية والحضارية، وتسيطر على أفكارها ونهج سلوكها ولاءات وانتماءات للعشيرة والدين والمذهب، ليتقزم أي مفهوم للوطن والشعب خارج هذه التعريفات تحت حكم أو رعاية الشيخ والأغا ورجل الذين الذين ما زالوا يحكمون مجتمعاتنا منذ تأسيس دولها وحتى إشعار آخر!؟

     ويبقى السؤال:


     هل ان هذا الربيع استبدل أنظمة مستبدة، كانت تعتبر نفسها هي الأخرى ديمقراطية شعبية، بدكتاتوريات شعبية أو شعبوية على توصيف المفكر المصري سعد الدين إبراهيم!؟ 

kmkinfo@gmail.com

181
احذروا من حصار كوردستان؟

كفاح محمود كريم

     عبر أكثر من نصف قرن تساقطت حكومات وأنظمة ودكتاتوريات على صخور كوردستان حينما حاولت تلك الأنظمة المساس بحياة كوردستان وكرامة شعبها المسالم المعطاء، ونتذكر جميعا كل محاولات الحكومات العراقية بكافة أوصافها وإشكالها ونظمها، كيف انهارت وتقهقرت حينما ظنت ان بمقدورها إذلال شعب كوردستان بوسائلها التي بدأت بالنابلم والأسلحة الكيماوية وانتهت بالحصار الذي كان يمنع وصول باقة كرافس أو كيلو من الطحينية إلى الإقليم إبان تسعينات القرن الماضي الكريهة؟

     واليوم يتداعى البعض حاملا أثقال تلك السياسة المقيتة وثقافتها القاتلة بوعي أو دون وعي لتقليد ذات الأسلوب في الحصار أو العدوانية على جزء من البلاد، حيث قرر مسؤول الطاقة في العراق السيد الشهرستاني إيقاف ومنع تصدير البنزين إلى إقليم كوردستان، وقد ذكرني هذا القرار أو الخبر بضابط استخبارات عند نقطة سيطرة بين الموصل ودهوك أيام نظام صدام حسين وهو يتعملق على نساء عجائز من إحدى المدن الكوردستانية المحاصرة ابان نظام البعث وهن ينقلن بعض الخضراوات من الموصل الى ذويهن، وكيف سحق بقدميه أكياس الطماطم الصغيرة وأفرغ زجاجات الطحينية في أحذيتهن وطلب منهن المشي بعد ذلك؟

     يذكرني هذا السلوك المشين لذلك الضابط بمواقف أخرى تريد استخدام ذات الأسلوب مع شعب تمرس في مقاومة الحصارات والأسلحة المحرمة، حتى أصبح كمن يأخذ لقاحا ضد فايروس أو مرض ينتشر في أوساط تدمن العدوانية والدكتاتورية في سلوكها، لا لشيء الا لتلك الثقافة المترسبة في مفاصل تكوين رموزها، وقد شهدنا منذ سقوط نظام الحصارات والدكتاتورية المقيتة الكثير من تلك المحاولات التي تعمل من اجل إعادة تصنيع ذات السلوك من خلال التعامل مع كوردستان بصيغ لا تقل عما كانت تفعله الأنظمة السابقة، كما يحصل الآن في موضوعة منع تجهيز الإقليم بمادة البنزين من قبل وازرة النفط ومسؤول الطاقة في العراق السيد الشهرستاني المنهمك بتوفيرها لإنتاج الكهرباء منذ توليه هذا المنصب والذي انفق ما يقرب من عشر مليارات دولار لمشاريع الكهرباء منذ ست سنوات وأنتج زيادة ساعة أو أقل بقليل؟

     ولعل اولئك الذين منعوا تزويد الوقود لمضخات مجموعة آبار ارتوازية حفرتها حكومة الإقليم لقرى سنجار بسبب الجفاف الخانق نهاية 2003م، أو أمثالهم الذين حرموا سنجار والشيخان وزمار من مفردات البطاقة التموينية لما يقرب من عام كامل، هم ذاتهم الذين يقاتلون من اجل إحراق نفط كوردستان وإيقاف إنتاجه أو تصنيعه وتكريره، ومن ثم إيقاف نهوض الإقليم الذي يكشف مدى تخلفهم وفسادهم وفشل سياستهم الداخلية والخارجية، وهي بالتالي صورة أخرى من صور الحصار الشوفيني البائس الذي يمثل نهجا عدوانيا مقيتا يحمل على أكتافه نياشين الحرب والانفالات التي ما كدنا نسيناها حتى بدأنا نشم رائحتها من سلوكيات لا تختلف كثيرا مما عاشته المنطقة خلال سنوات سبقت تلك الفاجعة الإنسانية التي يندى لها جبين العالم.

     لقد أثبتت الأحداث ومحصلة سنوات طويلة من الصراع فشل تلك القوى السوداء بمحاولتها في الحرب أو الحصار على كوردستان تمزيق نسيج الشعبين العربي والكوردي وخلق عداء قومي أو عرقي بينهما، فبينما كانت تلك القوى تفعل فعلتها الشنعاء بالحصار أو الحرب كان الكوردستانيون يحققون نجاح مشروعهم وكان الشعب العربي يمزق ويخترق أسوار الحصار ليصل إلى الكورد بأي شكل من الأشكال، ولن تنسى جبال ومدن وقرى كوردستان اولئك الشباب من المناضلين العرب الشيوعيين والديمقراطيين والمستقلين والقوميين والاسلاميين ومن كوادر جميع الحركات والأحزاب المعارضة العراقية لكل الأنظمة منذ أكثر من نصف قرن وحتى يومنا هذا التي التجأت إلى المناطق المحررة من كوردستان وناضلت جنبا الى جنب مع البيشمه ركه من اجل غد أفضل للعراق وكوردستان.
 
     ان محاولات إعادة تصنيع ذلك النهج البائس من الثقافة الأحادية والتسلطية لتكثيف السلطات بيد شخص ما أو حزب معين أو عرق أو قومية أو دين أو مذهب، إنما يضع حدا لنهايته في عراق لن يقبل مرة أخرى أي محاولة من هذا التفرد أو السلوك، وما محاولات البعض في إعادة سلوكيات الحصار وتكثيف العداء مع الإقليم الا عملية بائسة للتغطية على فشل ذريع في خدمة الشعب وتنفيذ برامج الحكومة التي أعلنت منذ قيامها عام 2005م ولحد اليوم.

     حقا صدق من شبه حصار كوردستان بلعنة الفراعنة التي تلاحق كل من فعلها، فحذار من لعنة الشعب؟

kmkinfo@gmail.com
   


182
البعير والتل القاتل؟

كفاح محمود كريم

     نتذكر دوما ذلك الدرس الجميل في اولى سنوات الدراسة الابتدائية وهو سؤال بصيغة ( الى متى يبقى البعير على التل؟ )، وكنا وقتها متفائلين كثير بنزوله فتصورنا انه سينزل مع المساء،  وربما كانت الحكاية عن بعير تورط وصعد الى أعلى التل وعجز عن النزول، أو ربما طاب له المقام هناك فتوقعنا نزوله مع مغيب الشمس، لكن إصراره على المكوث فوق التل وبقائه هناك أجيالا وأجيال أصبح مثلا يضرب لتوصيف المتشبثين أو العاجزين أو المتورطين أو المصرين على الفشل، وهذه التوصيفات جميعها تليق بمعظم من يتولى مسؤولية عامة في أكثر بلداننا الشرق أوسطية أو الشرقية عموما ابتداءً من مدير الدولة عذرا القائد الضرورة وحتى مدير عام الـ (Steam) البخار؟ حسب توصيف وزير التصنيع العسكري العراقي أيام النظام السابق العريف الركن حسين كامل مجيد ( صهر القائد الضرورة الذي أراد ان يتعملق هو الآخر ليكون زعيما فقتلته العشيرة في غضبها المقدس ليصبح بعد ذلك شهيد الغضبة العشائرية!؟ ) حينما شكى له احد المهندسين شحة إنتاج البخار في منشأته الصناعية، فالتفت إلى مرافقيه قائلا خلي مدير عام الـ ( Steam ) يحجز كل المنتوج في الأسواق لصالح المعمل!؟

   وقس عندك عزيزي القارئ على ذلك كل نشاطات البعران الذين يصرون على البقاء فوق التل حتى وان كلفهم حياتهم أو تدمير التل بأكمله كما حصل في كثير من التلال وما يزال؟


     في هذه البلدان التي أدمن معظم مسؤوليها على البقاء طويلا فوق التل أو العرش أو كرسي الحكم بكل مستوياته حتى تحولوا أو تصوروا أنفسهم أباطرة زمانهم، تتكاثر أنماط من السلوكيات والثقافات أولها إعدام الآخر وامحاق المختلف وآخرها البقاء على التل حتى الموت كما حصل لـ ( للأبطال الهاربين ) صدام حسين ومعمر القذافي و ( زعماء ) مصر واليمن ولاحقا سوريا وكوريا الديمقراطية جدا، ومن سبقهم وتبعهم إلى يوم الدين، حيث أصروا وما يزال البعض منهم يصرُ على البقاء والتشبث بالتل دون غيره حتى ابتلعهم وأصبح مقبرة لهم، والغريب ان آلية نقل بعض هؤلاء الى التل كانت بواسطة الانتخابات وصناديق الاقتراع حيث يفترض ممارسة السلطة بذات الآلية التي تسلقوا بها التل، الا انهم سرعان ما زاغت أبصارهم وامتدت بعيدا حيث سراب التفرد وحلاوة التسلط وتكثيف الصلاحيات والعمل من اجل البقاء على التل الى يوم يبعثون؟

     والمشكلة انه ليس الرؤساء وحدهم ممن يتمتعون بالبقاء طويلا فوق التل، فتلك الثقافة لطول ما توارثتها الأجيال عبر حقب الأزمان في بلداننا، غدت سلوكا يمارسه حتى الفراشين والبوابين والحراس وعمال محطات التعبئة ورجال الشرطة والجيش في معظم نقاط العبور والحدود ونقاط السيطرة، وصولا إلى معظم المدراء من المسؤولين الذين أدمنوا تلولهم وحولوها إلى ممتلكات بيتية أو عشائرية ليس الا، حيث لم يعد ذلك السؤال التقليدي إلى متى يبقى البعير على التل كما هو بصيغته المفردة بعد تكاثر وانشطار تلك المخلوقات التلالية، ليصبح:

إلى متى تبقى البعران على التل؟

   ويبقى السؤال الأهم بعد سؤال الأجيال عن بقاء البعران على التل، هو بأي صيغة أو آلية أو أسلوب يتم فيها إيقاف هذا السلوك أو التقليد أو الممارسة وهم يستخدمون اليوم آلية الديمقراطية وصناديقها للوصول إلى التل على أكتاف العقلية العشائرية أو الدينية أو المذهبية؟  
  kmkinfo@gmail.com

183
 
المواطنة الغائبة والديمقراطية العرجاء؟

كفاح محمود كريم

     ربما يعتقد البعض ان الديمقراطية هي مجرد تداول للسلطة من خلال صناديق الاقتراع، وهي ممارسة تجري كل اربع أو خمس سنوات لاستبدال رئيس أو مجلس نواب وما إلى ذلك من استبدال هياكل الدولة الإدارية، أو أنها جرعة دوائية أو قرار تنفيذي من جهة عليا في مجتمعات ما تزال تأن تحت نير الأمية والقبلية والانتماء المناطقي، متوارثة سلوكا شموليا عبر حقبة قد تمتد لمئات السنين من الثقافة الأحادية والتسلطية ابتداء من التربية داخل الأسرة والمدرسة والعشيرة، وما يكتنفها من غياب شبه كامل لمفهوم المواطنة وسيادة مفاهيم الانتماء العشائري والمناطقي أو الديني والمذهبي وهيمنة فكرة العشيرة والشيخ والأغا والعبودية بأي شكل من أشكالها.

     وربما أيضا تقود صناديق الاقتراع والية الانتخابات حزب ما أو شخص ما إلى دفة الحكم ليمارس بعد أشهر أو سنوات تلك الثقافة المتكلسة في مفاصل سلوكه، فيتفرد تدريجيا ويكثف حوله وعاظ السلاطين من الضعاف والانتهازيين، الذين يصنعون منه طاغوتا جديدا بلبوس ديمقراطي، تشرعنه صناديق الاقتراع التي امتلأت هي الأخرى ببطاقات الود العشائري أو الطائفي أو الديني، بعيدا عن أي مفهوم للمواطنة التي ترتقي على كل هذه الانتماءات لتمنح الوطن هوية الانتماء الخالص.

     إن اخطر ما يواجه الربيع العربي اليوم بعد اختراق حاجز الخوف وإحداث التغيير في شكل الهيكل الإداري للدولة، هو محاولة تلك القوى الراديكالية استخدام قطار الديمقراطية وآليات تداول السلطة، للنفوذ إلى مفاصل الحكم والبدء بصناعة الدكتاتورية المشرعنة باليات الديمقراطية في مجتمعات اقل ما يقال عنها أنها ما زالت متخلفة في معظم مناحي الحياة إن لم تكن في جميعها، وأنها لم تنجح في بلورة مفهوم سامي للمواطنة لدى سكانها الذين ما زالوا يسألون الفرد عن دينه ومذهبه وعشيرته وربما حتى عن مقدرته المالية، بعيدا عن أي سؤال يتعلق بإمكانياته العلمية أو الثقافية أو الأدبية أو الاجتماعية أو السياسية، وحتى لو حصل ذلك فان التزكية الأساس ما تزال محكومة بالثلاثي المتكلس الدين والمذهب والعشيرة وفي بلدان المكونات العرق والقومية؟

     ويبدو إن المواجهة قد بدأت فعلا بين القوى الديمقراطية التي تعتمد المواطنة أساسا في ممارستها وبين القوى التي تعتبر الديمقراطية سلما لارتقائها دفة الحكم وتنفيذ برامجها الشمولية من خلال تهييجاتها الدينية والمذهبية تارة والعشائرية والقومية تارة أخرى كما يحصل الآن في مصر وليبيا وتونس والعراق وإيران ولاحقا في اليمن وسوريا وغيرهم، مما يهيئ لحقبة جديدة من الدكتاتوريات المشرعنة باليات الديمقراطية التي ستحول هذا الربيع إلى صقيع آخر.

     إن غياب مفهوم متحضر ومدني للمواطنة سينتج ديمقراطيات عرجاء لا تقل تخلفا عن تلك التي استخدمتها أنظمة الحزب الواحد والزعيم الأوحد في الدكتاتوريات الشعبية!؟
kmkinfo@gmail.com


184
صور القائد وصناعة الدكتاتورية؟

كفاح محمود كريم

     في عجقة صور رؤساء الجمهوريات والملوك والحكومات  والأحزاب والكتل والعشائر التي بدت تغطي معظم معالم دولنا الشرق أوسطية ومن ماثلها في العالم وخاصة في العراق ومدنه وقراه وما بينهما، ليس في أيام الانتخابات فحسب بل امتدت لكي تتجاوز ظاهرة صور رئيس النظام السابق، أثارت تعليمات رئيس إقليم كوردستان العراق مسعود بارزاني، مؤخرا والتي تضمنت منع رفع صوره في نقاط العبور والسيطرات الخارجية والداخلية والمناطق العامة، الكثير من الارتياح لدى أوساط الأهالي والنخب السياسية والثقافية التي اكتوت وزاغت أنظارها وأفكارها طيلة عشرات السنين من ثقافة الصور وعبادة الفرد التي هيمنت على حياة العراقيين عموما منذ قيام الدولة وحتى يومنا هذا، وخاصة فترة حكم صدام حسين التي تميزت تفاصيلها بكل ما جاء في فصول  رواية 1984 للكاتب العالمي جورج اورويل*George Orwell والذي توقع فيها كيف ستكون أشكال الأنظمة الدكتاتورية مطلع الثمانينات وهو يكتبها في أواخر أربعينات القرن الماضي وتحديدا عام 1949م وكأنه كان موظفا من موظفي ديوان الرئاسة العراقية ابان القائد الضرورة.

     صور الرئيس القائد والملك المفدى التي لم تخلو منها أي زاوية من زوايا القرى والبلدات والمدن وحتى بيوت المواطنين الذين كانوا يحاسبون أو يصنفون بسلبيتهم وعدم ولائهم للبلاد أو الحزب القائد أو المفدى إذا ما خلت بيوتهم أو دكاكينهم من صوره، تلك الصور التي أرادوها أن تكون جواز سفر لوطنية المواطن ودرجة ولائه وانتمائه للوطن المختزل والمقزم في شخص الرئيس أو الحزب الذي يقوده، مما حول البلاد بعد عشرات السنين إلى قرية وعشيرة، وألغى وجودها كوطن كبير ينتمي إليه الجميع سواء يوالون صاحب الصورة أو يختلفون معه، مما عجل في سقوط وانهيار تلك التجربة البائسة مع ما كانت تمتلكه من نفوذ وقوة في المال والعسكر والآلة والعلاقات الدولية كما شهدناه في حفرة صدام حسين أو أنبوب القذافي أو هروب زين العابدين ومبارك ومن سيلحقهم آجلا أم عاجلا من أمثالهم في دمشق وغيرها من عواصم الظلام وبشاعة التصاوير التي نخرت ذات النفس البشرية للفرد وحولت أحاسيسه ومشاعره إلى كتلة عدائية تنتهز أي فرصة للانتقام من صاحبها، على الأقل بعدم الدفاع عنه وتركه وحيدا يهرب من جحر إلى جحر، حتى سقط وتهاوت كل تماثيله واحترقت كل صوره، ولم تنجح ملايين الصور والتماثيل واللقطات الهوليودية له ولأمثاله، من أن تبقيهم ساعة واحدة على كرسي الحكم والحياة أمام غضب الأهالي الذي قذفهم وصورهم إلى خارج الزمن والتاريخ؟

kmkinfo@gmail.com

*  جورج أورويل ( George Orwell): واسمه الحقيقي إريك آرثر بلير كاتب وروائي بريطاني (25 يونيو 1903 - 21 يناير 1950م ولد في قرية موتيهاري في ولاية بيهار الهندية لأسرة متوسطة الحال.

 
       
 

185
توائم السقوط في سوريا والعراق!

كفاح محمود كريم

      بعد اقل من سنتين على انتهاء الحرب المأساوية بين العراق وإيران وتوهم النظامين العراقي والإيراني بانتصارهما المهلهل على أنقاض خرائب اثنين من اعرق أوطان البشرية وأكثرها حضارة، اقترف نظام صدام حسين واحدة من أكثر حماقاته همجية باجتياح دولة الكويت و( بلعها ) بسيناريو مج لا طعم له ولا رائحة الا اللهم تلك العفونة التي رافقت كل حماقاته وشوفينيته بالعدوان على كوردستان وجنوب البلاد، فغطس هو ونظامه في أوحال الفشل والهزيمة ومعاداة المجتمع الدولي بأسره الا من كان على شاكلته من دول القائد الضرورة في كوريا الشمالية وكوبا وليبيا وبقية دول الظلام في العالم.

      توقع الكثير ان رد الفعل الدولي بعد تلك الحماقة لن يقتصر على إخراج جيشه من دولة الكويت، خصوصا وان قوات التحالف الدولي كانت قد تجاوزت في انتشارها أكثر من ثلثي البلاد بعد ان حطمت كل ارتكازات الدولة العسكرية منها والمدنية، بل على إسقاطه وتقديمه الى محاكمة دولية لجرائمه في الداخل والخارج؟

     الا انها اكتفت بتقليم اضافره وقص أجنحته في الشمال والجنوب، والبدء بتنفيذ سيناريو التفتيش عن الأسلحة المحرمة دوليا وفي مقدمتها النووية والكيماوية، حيث صاغت الأمم المتحدة ومجلس أمنها جدولا لأفواج من لجان التفتيش التي ما تركت زاوية أو فضاء في عرض البلاد وطولها حتى وصلت غرفة نوم الرئيس ومقر مخابراته وأمنه وكل خصوصياته الا ودخلتها وفتشت سنسفيل تفاصيلها لسنوات تجاوزت الاثنتي عشر عاما، تعرض فيها العراقيون لأبشع أشكال الحصار من الخارج والداخل دون ان يؤثر على شكل النظام ومصيره، بل على العكس حوله الى حيوان متوحش بدأ يفترس كل شيء في الداخل الذي تآكل وتآيل للسقوط قبل دخول قوات التحالف الدولي، وبمقارنة سريعة مع قرينه الثاني في دمشق ندرك انهما فعلا توأمان في سلوكهما وثقافتهما وأسلوب تعاملهما مع كل الأحداث، وان أوهموا الناس بأنهما مختلفان لكنهما ينهلان من ذات الأفكار، فقد حاولت دمشق تدمير لبنان كما فعل العراق مع الكويت وان اختلفت بعض التفاصيل، ودمر النظام في دمشق شعبه وأذله كما فعل قرينه في العراق، وحينما ادلهمت الأيام وانحسرت مساحات الحياة أمام نظام بغداد بدأ بنهب كل ممتلكات العراق وإرسالها الى قرينه في دمشق وخاصة ما كان يتعلق بالسلاح ومواده الممنوعة التي نقلت سرا الى هناك قبل أشهر من سقوط النظام، ثم التجأ إليه أعوانه ومريديه الذين تاهت بهم السبل اليوم بين أحضان الأمن السياسي السوري وسفارات الولايات المتحدة وأوربا.

     ويبدو ان تطورات الأحداث في العراق بعد غزو الكويت يتم تنفيذها في دمشق بشيء من التعديلات البسيطة بالتسميات والشكل وربما حتى الزمن، حيث استبدلت لجان التفتيش عن الأسلحة المحرمة بالمراقبين الدوليين الذين ينتشرون بتميع لا يقل عن تميع لجان التفتيش السابقة في العراق، وتقترب العقوبات على سوريا تدريجيا من الحصار الذي طال العراقيين جميعا طيلة تسعينات القرن الماضي، وهي تتجه أي القوى المؤثرة دوليا إلى ملاذات آمنة في عملية تقطيع أوصال النظام البوليسي المخابراتي حتى ينضج برنامج السقوط الكامل!

    وفي كل هذه المراحل يكون الأهالي هم الخاسرون الوحيدون في ساحة الملعب بين المتصارعين الكبار والصغار، كما حصل بين الولايات المتحدة ونظام صدام حسين طيلة فترة الحصار سيئة الصيت التي دمرت البلاد وحولت شعبه إلى قطيع للبطاقات التموينية بما تعنيه الكلمة من معاني في السلوك والتصرف، وهكذا تبدو الأمور في سوريا أيضا رغم اختلاف التسميات وبعض الشكليات الا انها تتجه ذات الاتجاه؟

     حقا انهما توأما الانحدار والسقوط والفشل الذريع رغم هيمنتهما لأكثر من أربعين عاما، فقد فشلوا في الحفاظ على قرية واحدة تضم نموذجهم المتهالك، لكنهم نجحوا في تدمير اعرق وطنين في تاريخ الحضارة البشرية وإحالتهما إلى افشل البلدان في العالم، انهما سوريا التي تنزف الآن، والعراق الذي يأن من جراحات متكلسة تعيق تقدمه وتطوره.   

kmkinfo@gmail.com

186
المنبر الحر / وزارات أم مشيخات؟
« في: 10:54 16/04/2012  »
وزارات أم مشيخات؟

كفاح محمود كريم
 

     رغم التطور المهول في شتى نواحي الحياة العلمية والصناعية والزراعية والعسكرية والى حد ما الاجتماعية، فقد راوحت كثير من الدول والمجتمعات في مكانها تتمتع بما ورثته من عادات وتقاليد وأعراف، وبالذات في نظام المشيخة القبلية أو الإمارة التي استوطنت في سلوك الكثير من الأشخاص والمنظمات وحتى التشكيلات الحكومية، وفي أنظمة الحكم السائدة في كثير من مناطق العالم المصابة بالترهل وبالذات تلك التي اصطلح على تسميتها بالعالم الثالث وأحيانا الدول النامية أو على تسمية الدارجة هنا في العراق الدول النائمة!؟

     فقد نقلت معظم تلك الدول نظام العشيرة وهيكلها وما يكتنفه من علاقات وسمات إلى نظام الحكم، حتى غدت معظم مؤسسات الدولة من الوزارات نزولا إلى الدوائر الصغيرة تمثل نظاما عشائريا يقف على رأسه الوزير الشيخ أو المدير العام الشيخ، وقس هكذا أيضا فيما يتعلق بالجنرالات صعودا ونزولا، حتى يظن المرء انه في سيرك أو كرنفال عشائري في التنافس والتباهي في العزائم والمركوبات على أنواعها وما يلحقها من طواقم الحمايات، الذين يمثلون أقرباء الدرجة الأولى والذين يصنفون بأنهم الحكام الحقيقيون، وهم يقفون وراء معظم نشاطات وديناميكيات السيد المسؤول الشيخ، وزيرا كان أم مديرا عاما، أو جنرالا وبالذات ما يطلق عليهم بـ ( البالات ) الذين انتشروا في البلاد بعد سقوط النظام واعتبار سنوات تركهم للخدمة ( فصلا او تقاعدا أو عقوبة ) لأجل الترفيع والمنصب، فإذ بملازم أو نقيب أصبح جنرال يحمل على أكتافه ما لذ وطاب من نجوم وتيجان وخيوط حمراء ونياشين!؟

     وتكاثفت تحت هذه الثقافة البائسة مجاميع كبيرة من أقرباء الوزير أو الوكيل أو المدير العام في أي وزارة من وزارت الدولة ودوائرها، حتى تخال نفسك في مضيف شيخ العشيرة بكل ما تعنيه تلك الوضعية، حيث ينتشر أتباع الوزير أو المسؤول في كل أرجاء الوزارة ومؤسساتها كل حسب موقعه وواجبه المناط به من قبل الشيخ عفوا الوزير أو المدير العام، وفي كثير من الوزارات استبدل أو تم تجميل الشكل العشائري بالحزب أو الكتلة التي يمثلها الوزير المحترم أو دونه من المسؤولين الكبار، حتى يشعر المرء بأنه في مقر ذلك الحزب أو الكتلة التي تسخر الوزارة وما يلحقها بمشيئة تلك الحركة أو التجمع وكأن الدائرة مهما كانت ملكا مشاعا أو ورثا مملوكا بالطابو لهؤلاء؟

     وإذا كانت سنوات الدكتاتورية قد أعادت البلاد الى البدائيات الأولى في العلاقات الاجتماعية ونظام القرية والبداوة، وصنعت لأجل ذلك دوائر متخصصة للعشائر، بل وصنفت الشيوخ إلى موديلات ودرجات، ولم تكتف بالشيوخ سواء الأصليين منهم أو التابعين ممن أطلق عليهم ( شيوخ التسعينات )، بل وصنعت أجيالا من رؤساء الأفخاذ والوجهاء ولكل منهم امتيازاته وموقعه، حتى أصبح الواحد منهم أفضل من أي عالم أو أستاذ جامعي أو جنرال في الجيش أو فنان لامع أو أديب أو كاتب كبير أو صحفي!؟

     فقد آن الأوان للانتقال من هذا النمط المتخلف في الحياة الذي دمر العباد والبلاد، والعمل الجاد من اجل تطوير النظم الاجتماعية السائدة بتحديث مناهج التربية والتعليم، وإبعاد أي عناوين غير دستورية في مفاصل المجتمع عن نشاطات الدولة ومؤسساتها، والفصل الكلي بين الدولة والدين والنظم القبلية، وتشريع جملة من القوانين التي تحرم التنظيم على أسس عنصرية أو دينية أو مذهبية وتقلص التكثيف الأسري والعشائري في مؤسسات الدولة بما يقنع المواطن بأنه فعلا ينتمي إلى دولة محترمة ووطن محبوب، لا إلى عشيرة أو حزب أو قرية مقزمة أو مختصرة كما كانت تفعل الأنظمة الدكتاتورية بشخص رؤسائها وعشائرهم وقراهم.

kmkinfo@gmail.com
 


187
لا تخدشوا الرأي العام!

كفاح محمود كريم

     في موروثاتنا الاجتماعية الجميلة، الكثير مما نفخر به من سلوكيات وعادات وتقاليد، ويأتي في مقدمة تلك الموروثات كيفية المحافظة على أسرار الأسرة بما في ذلك الخلافات التي تحصل بين الأخوة والأخوات فيما بينهم أو بين احدهم ووالده أو والدته، وتنتقل تلك الموروثة الجميلة إلى دائرة اكبر على مستوى الأسرة الكبيرة من أولاد العمومة والخولة وربما تتكرس في دائرة اكبر لكي تشمل العشيرة، ويعرف الكثير منا كم من خلاف حصل ويحصل في أي أسرة من أسرنا في كل أرجاء البلاد، وربما يتطور هذا الخلاف إلى مستويات خطيرة، لكن يعمل الحكماء في تلك الأسرة دوما على عدم السماح بخروج الخلافات إلى خارج سور البيت والحفاظ على أسراره وعدم تداولها خارجه مهما كانت الأمور، وخاصة أمام الأقرباء أولا وبعد ذلك إذا ما اتسعت أمام الغرباء من خارج الأسرة أو العشيرة.

     تمنيت كثيرا لو نجحنا بتوظيف تلك الموروثات على دوائر أوسع اليوم وخاصة فيما يتعلق بخلافاتنا السياسية سواء كانت بين الأحزاب أو الكتل أو بين الإقليم وبعض مفاصل الحكومة الاتحادية أو بين المحافظات وذات المفاصل، بما يؤمن الحفاظ على أسرار بيتنا وأسرتنا الكبيرة وخاصة أولئك الذين يرقصون على أنغام الخلافات من المدغمين في جسد العملية السياسية أو الإعلامية أو الصحفية ومحاولاتهم صب الزيت على النار لتوسيع رقعة الحرائق التي يأملون فيها ان تأتي على كل العملية السياسية بل على كل البلاد بما يحقق مآربهم للعودة ثانية الى حكم بغداد وكوردستان والعراق عموما وإعادة عجلة الدكتاتورية للعمل مرة أخرى في بلاد تنزف دماء ودموع منذ تأسس كيانها وحتى يومنا هذا!؟

    لنتذكر معا بعيدا عن كل التوصيفات وما يجري اليوم من حرب كلامية بين ضحايا نظام كاد ان يبيدهم بالكامل لولا مشيئة الله، انهم جميعا دون استثناء من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب، ناضلوا وكافحوا وضحوا من اجل الانعتاق والتحرر من نظام العبودية والاستبداد، ومن اجل بناء عراق ديمقراطي تعددي اتحادي يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات تحت مظلة القانون الذي شارك الجميع ايضا في سنه وتشريعه وقبوله مرجعا وحكما ودستورا دائما، ولا يعني ذلك اننا لن نختلف بل ان الاختلاف سنة التطور، واننا طالما نعمل فسنخطأ وسنختلف هنا وهناك، وفي خضم أخطائنا واختلافاتنا علينا ان نتذكر دوما اننا كنا وما زلنا في مركب واحد، وان نتذكر وعودنا لشعبنا بأقامة بديل أرقى وأكثر إنسانية ومدنية وديمقراطية، وان نتقاسم ونشترك في كل شيء يخدم قضيتنا الأساسية الا وهي عراق متحضر مدني ديمقراطي تعددي في هذه البلاد.

     ليختلف السياسيون وأحزابهم ومن يقف ورائهم كيفما يشاءوا تحت قبة البرلمان أو في أروقة مجلس الوزراء، فتلك المؤسسات لم تؤسس لكي تصفق للرئيس الأوحد أو الحزب القائد، بل كانت منذ البداية مقرات للتعبير عن الآراء ووجهات النظر والاختلافات والاتفاقات والتوافقات، وأسسنا لأجل ذلك محكمة اتحادية للفصل بين المختلفين ان فشلت فلسفة التوافق، وقبل ذلك وضعنا دستور دائم للبلاد يؤمن لنا جميعا حقوقنا وواجباتنا، ولأجل ذلك دعونا أيها الكتاب الأحرار والصحفيون المخلصون والإعلاميون النجباء، وكل من يستخدم القلم والشاشة والمايكروفون سلاحا أو وسيلة للبناء، ان نعمل على إشاعة الأمن والسلم الاجتماعيين ونقتلع جذور الخوف من دواخل نسائنا وأطفالنا ومجتمعاتنا، والكف عن تخديش الرأي العام وإشاعة الكراهية والأحقاد ونشر الأسرار الكاذبة منها والمفبركة والصحيحة وتداولها أمام الأغراب خارج الأسرة بما يمنح الطرف الثالث أو المخفي بلعب لعبته في صب الزيت على الحرائق.

     دعوهم يختلفون وتوقفوا انتم عن نشر اختلافاتهم وأسرارهم وحتى فضائحهم، فنحن أبناء أسرة واحدة يا معشر الصحفيين والكتاب والإعلاميين، حتى من كان منا قريب منهم أو يمثلهم فلنعينهم على تجاوز الأزمة ونديم أمننا وسلمنا الاجتماعيين ولا نخدش الرأي العام ونخصب أرضية الأحقاد وننشر فايروسات الفتنة بما يثلج صدور الأعداء.

kmkinfo@gmail.com

188
المنبر الحر / حوار انفصالي!
« في: 22:23 03/04/2012  »
حوار انفصالي!

كفاح محمود كريم

     دار حوار بيني وبين صحفي عراقي يقيم في اربيل قبل عدة أيام على خلفية ما تناقلته وسائل الإعلام حول احتمال إعلان الدولة في إقليم كوردستان العراق، فقد بادر يسألني:

* صحيح ان خبر الاستفتاء على تقرير المصير سوف يعلن قريبا؟
- لا اعلم ولكن ربما يحصل!
* هذا الخبر قد اخذ أبعاد كبيرة والكثير بدا يتناقله؟
- الاستفتاء عمل عادي واستطلاع للرأي العام
* لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم؟
- لقد أنجزوا مثله قبل عدة سنوات ولم يستقلوا!
* ولكن النتيجة هي واحدة الانفصال عن العراق؟
- لكنه يشبه اي استطلاع آخر للرأي، وهو بالنتيجة يعطيك نتائج قريبة للواقع، فإذا ما رأت الأغلبية من الشعب ذلك فهناك مراحل قانونية ودستورية وسياسية عديدة قبل إعلان هكذا قرار.
* لا اعرف ماذا اقول ولكن هل ممكن حل الاشكالات لتفادي الانفصال؟ انه خبر صدمني وأبكاني بنفس الوقت؟
- لا تتأثر سريعا.. الإدارة هنا في الإقليم تعلن دائما التزامها  بالدستور، والاستقلال ليس عملا سهلا!
* ولكن حق تقرير المصير مثبت في الدستور، يعني إنني كعربي لا استطيع العيش في اربيل، ولكن هذه مدينتي وعشت أجمل أيامي فيها؟
- وما هي علاقة حق تقرير المصير بعيشك في اربيل، من منعك أو أخرجك منها؟
* ولكن اذا انفصلت كوردستان كيف لي ان أبقى بها سوف تعتبر بلد ثاني؟
- لا يا أخي ليس هناك شيء من هذا القبيل، هناك ملايين البشر من كل أنحاء العالم يعيشون خارج أوطانهم الأم، في امريكا وأوربا واسيا وافريقيا وهم مواطنون صالحون ويعيشون بهناء هناك، لو حصل شيء من هذا القبيل سوف تخير بين العراق وبين كوردستان بمعنى اما الإقامة الدائمة أو التجنس.
* صراحة لا استطيع ان أتخيل الموقف، هل يجب ان تسير الأمور الى هذا الحد؟
- انا اتمنى ان لا يحصل ذلك الان لكنه سيحصل اجلا ام عاجلا ان بقت الأمور بهذا الشكل ويحاول البعض اختراق الدستور أو تعطيله، حينها لن تكون كوردستان ملزمة به؟
* طيب ما هو السبب؟
- في الشق الأول اذا حصل أي مساس بالدستور الدائم يؤدي الى الانتقاص من الاقليم وحقوق شعبه، والشق الثاني طبيعة الحياة وسنة التطور، كنا جميعا في اسرة واحدة وما لبثنا ان انعزلنا كل منا الى اسرة جديدة تماما ولم نتحول الى أعداء!
* هل يستطيع العراق العيش بلا كوردستان وهل تستطيع كوردستان العيش بدون العراق؟
- نعم.. لولا الأطماع
* اذا كانت الأمور تسير بهذا الاتجاه.. فالتقسيم حاصل لا محالة؟
- من قال ذلك؟ صدقني يا أخي الكريم، لو كان ما بيد الإقليم الآن بيد آخرين لأعلنوا الانفصال منذ سنوات، لكن الإقليم أكثر عقلانية وحرصا على بناء عراق ديمقراطي اتحادي تعددي، وهذا خياره طالما بقي الدستور الدائم يحكم البلاد!
* وكيف أكون انا اني نصفي عربي ونصفي كوردي , دمي ممزوج بين الاثنين
هل استطيع فصل دمي ؟
- هذه عواطف اجتماعية ربما لا تصلح للسياسة بل تصلح للشعر
* والسياسة ان لم تخدم مجتمعي مالي بها؟
- في سوريا والعراق والاردن والسعودية عشائر من ذات الدم وانفصلوا ولم تخرب الدنيا أو ينفصل الدم!؟
* ولكن كوردستان جزء من العراق منذ 4000 سنة
- لا ابدا.. هذا الذي تتحدث عنه خرافة، كوردستان هي كوردستان منذ الأزل، والعراق كدولة وكيان سياسي عمره لا يزيد كثيرا عن 90 سنة، وقد ضمت كوردستان اليه بخباثة الاستعمار، مثلها مثل تجزئة وضم كثير من البلدان العربية بعد اتفاقية سايكس بيكو؟ 
* أين كانت كوردستان اذا؟
- كانت حيث هي الآن، بجبالها ووديانها وسهولها حالها حال كل هذه البقاع تارة ضمن إمبراطورية بني عثمان، وأخرى ضمن دول صنعتها بريطانيا ليس الا، فقد كان الجزء الجنوبي منها ضمن ولاية الموصل التي لم تنتظم في الدولة العراقية الا بعد سنوات من إعلان المملكة عام 1921م، وإجراء الكثير من الاستفتاءات التي اختار فيها الأهالي الضم إلى المملكة بشرط تحقيق مطالبهم وحقوقهم السياسية والثقافية وغيرها بما فيها حق تقرير المصير؟
* حالي لا يرضى العدو الآن؟
لا استطيع السيطرة على أنفاسي تسمح لي أستاذي الكريم ومع السلامة؟

     مضى هو الى هواجسه ومضيت انا أتابع آخر أخبار أسعار النفط ومضيق هرمز ونتائج مؤتمر القمة العرجاء وتصريحات دولة الرئيس وولي عهده الشهرستاني!؟

kmkinfo@gmail.com

189
الاخوة والزملاء
من الشخصيات الثقافية والاكاديمية والاعلامية
وجميع الاصدقاء
الذين حضروا مجلس التعزية او ارسلوا برقياتهم
ونشروا مواساتهم لفقيدنا الغالي
صلاح الدين محمود كريم

باسمي وباسم اسرتنا آل كريم وزملائنا في الاعلام داخل اقليم كوردستان والعراق
نشكركم على مواساتكم وتعزيتكم الكريمة برحيل اخينا وزميلنا الاعلامي المتميز والمناضل العنيد
صلاح الدين محمود كريم
داعين المولى القدير ان يحفظكم ويبقيكم ذخرا لنا، دمتم ودامت حياتكم الزاخرة بالعطاء المجيد

كفاح محمود كريم
اقليم كوردستان العراق


190
لا تشركوا المعارضة في الحكومة؟

كفاح محمود كريم

     ربما لان التجربة العراقية في النهج الديمقراطي حديثة التكوين وهي بالتالي ما تزال تحت تأثير مخلفات عدة عقود من الحكم الشمولي الذي استخدم أقسى أنواع الإقصاء والتهميش للفعاليات السياسية والاجتماعية والعرقية والقومية، فقد اتجهت العملية السياسية بعد سقوط ذلك النموذج الدكتاتوري إلى ابتكار أو استخدام أسلوب المحاصصة أو ما يسمى بالتوافق في تشكيل معظم سلطات الدولة الثلاث، لإرضاء كافة المشاركين في تلك العملية ومن يقف من ورائهم من مكونات قومية ودينية وسياسية، فظهرت لدينا منذ الحكومة الأولى ما يسمى بحكومة التوافق أو المشاركة وهي بالتالي محاصصة بين كل الأطراف أو معظمها تقريبا.

     لقد حافظت تلك الصيغة على توافق مهم لديمومة العملية السياسية وتطورها الا انها في ذات الوقت تركت ظلالا قاتمة على الأداء الفعلي فيما يتعلق بالمواطن وخدماته، حيث تقهقرت كثير من تلك الخدمات أو أنها لم تلبي الحد الأدنى من طلبات وحاجيات الأهالي، خصوصا بعد ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة وما ترتب عليها من تداعيات ونزاعات خطيرة هددت وما تزال تهدد العملية برمتها، بسبب إصرار الجميع على المشاركة في كل السلطات وعدم السماح لبلورة معارضة حقيقية خارج الحكم.

     بهذه المقدمة أردت الدخول الى إقليم كوردستان الذي يشكل حكومته السابعة الآن، منذ تمتعه بالاستقلال الذاتي عن بغداد عام 1991م، فقد كلف رئيس الإقليم السيد نيجيرفان بارزاني ونائبه عماد احمد بتشكيل حكومة جديدة بعد استقالة حكومة برهم صالح المنتهية ولايتها، حيث باشر السيد بارزاني بمشاوراته ولقاءاته مع معظم الفعاليات السياسية بما فيها القوى المختلفة التي ربما ستتبلور لاحقا الى معارضة حقيقية، وهي تتكون من ثلاثة أحزاب هي الاتحاد الإسلامي الكوردستاني والجماعة الإسلامية وحركة التغيير، وكانوا قد حصلوا مجتمعين على أكثر من ربع مقاعد البرلمان في الانتخابات الأخيرة ورفضوا المشاركة في حكومة برهم صالح، حيث يدور الآن حديث متشعب عن محاولات لإشراكهم في تشكيل الوزارة تحت ذريعة إنتاج حكومة عريضة تشترك فيها كل الأحزاب والحركات بما يجعلها شبيهة بحكومة الشراكة الوطنية في بغداد، والتي يرى فيها بعض المراقبين انهم  أي المختلفين سيتحملون المسؤولية جنبا الى جنب مع الحزبين الفائزين بالانتخابات بكل ما ستنتجه تلك الحكومة.

     وربما لا تصح مثل هذه الاستنتاجات على خلفية ان المختلفين مع الحكم ما زالوا في طور تبلورهم الى معارضة حقيقية، ولذلك فان وجودهم خارج الحكومة أفضل بكثير لهم وللحكومة في الأداء السياسي والتنفيذي للإدارة الجديدة، حيث ستكون مساحة مراقبتهم لأداء السلطة التنفيذية اكبر بكثير مما لو كانوا داخلها، وبالتأكيد ستكون فرصة ذهبية لتطوير أدائهم والانتقال من الاختلاف السلبي والتنافس السيئ إلى المعارضة الوطنية من اجل أهداف عامة ومصالح عليا للبلاد، لا علاقة لها بمكاسب حزبية ضيقة أو إدارية محددة مبنية على روح انتقامية أو انشقاقية، وبذلك ستسنح الفرصة لنشوء صوتا معارضا يتعاون مع الحكومة من اجل تحقيق أفضل للبرامج التي بموجبها ستنال ثقة البرلمان.

     ان الحكومة القادمة مثقلة بمهام وواجبات كبيرة داخليا في مقدمتها معالجة ملفات الفساد وتقليص مساحاته بما يؤمن حرية أوسع لتنفيذ الخطط والمشاريع الإستراتيجية بشفافية ونزاهة قياسية، وخارجيا ملفات النفط والغاز والمناطق المستقطعة والميزانية والتعداد العام وقوات حرس الإقليم مع الحكومة الاتحادية، وقضايا خرق الحدود مع دول الجوار، مما يستدعي طاقما حكوميا يحاكي فريق كرة قدم متمكن في أدائه وتعاونه وخبرته، وذلك يتطلب الدقة في اختيار أعضاء هذا الطاقم بعيدا عن المحسوبيات والمنسوبيات على خلفية التوازنات التي تسببت في تأخير العديد من البرامج وتوسيع مساحات الفساد في مفاصل الدولة لوصول كثير من العناصر غير الكفوءة والمؤهلة الى مواقع لا تعرف عنها الا الامتيازات والإفساد.

     واليوم تبدو الفرصة ذهبية أمام رجل دولة ديناميكي له باع طويل في قيادة أكثر من كابينة تحت ظروف أكثر حساسية وخطورة، هذه الفرصة التي ربما ستمنح الحكومة الجديدة اسم حكومة الإصلاح والبناء لو نجحت في استثمارها وحققت تغييرات نوعية مهمة للدولة والمجتمع، ومن ثم الانتقال الى مرحلة التصنيع وتحديث الزراعة والسيطرة على الاستيراد والتصدير وتقليص البطالة وترشيق هياكل الدولة المترهلة، وحل مشكلة البطالة والخريجين الجدد من الجامعات والمعاهد، وتطوير الكهرباء والخدمات الأخرى وبالذات السكن للشرائح الفقيرة.

kmkinfo@gmail.com


 

191
الصحافة وكماشة مخالب الافكار السلطوية

في حديث صريح مع الكاتب والصحفي الكوردستاني


كفاح السنجاري

أجرى الحوار د. توفيق آلتونجي

 

     الكاتب كفاح السنجاري مثقف كوردستاني معروف على الساحة العراقية والكوردستانية بحضوره النشيط و البارز في التلفزيون والصحافة المقروءة وعلى الانترنت.

    نلتقي به في حوار صريح بعيدا عن جميع الحواجز والطروحات السياسية التي تحجم انطلاق الأفكار بحرية خدمة للكلمة الطيبة التي تتجاوز حدود كل السجون والأقبية والمعتقلات. الصحافة قارئي الكريم هم بحد ذاته ومهنة مليئة بالمتاعب والمشاكل قلما يجد / تجد الصحفي من يقدم له الشكر أو يشجعه على إنتاجه الإبداعي.

     الشرق والغرب يلتقي في تعريف هذه المهمة الإنسانية الشاقة ومطباتها وخطورتها فنحن اليوم أمام عالم مليء بأخبار الصحفيين في مواقع الأحداث هؤلاء ممن يقدمون التضحيات تلو التضحيات في سبيل إيصال الخبر وعكس مجريات الأحداث أينما حدث إلى بيت المشاهد ويد القارئ الكريم. الضحايا من الصحفيين في العراق وسوريا واليمن ومصر وتونس تملئ اخبارهم الصحف ووسائل الإعلام تتناقل اعتقالهم وزجهم في السجون وحتى اغتيالهم. في هذا العالم المفعم بالفوضى يحاول ضيفنا ان ينتزع كلمة حق من خلال فتح باب التحاور الحضاري للوصول الى قاسم مشترك يمكن بواسطتها بناء مجتمعات تسامحيه يؤمها الأمن والوئام الاجتماعيين.

     وفي هذا العالم الغريب نرى تجربة ندية في إقليم كوردستان العراق تدخل عقدها الثاني باحتفال باليوم الوطني عيد نوروز في 21 من آذار. نحاول معا اكتشاف وضع الصحافة والمثقفين هناك في تجربة سياسية جديدة لم يتبلور ملامحها بعد. تجربة يتكون معظم القائمين بها ممن شارك مباشرة او بصورة غير مباشرة في الكفاح المسلح خلال عقود طويلة مع الحكومات المركزية العراقية المتعاقبة. ماذا حملوا في تجربتهم من ثقافة تلك الايام؟ كيف انعكست ثقافة تلك الانظمة في اداءهم السياسي وما هي ملامح العهد الحديد اسئلة نطرحها على ضيفنا اليوم ليجيبنا مشكورا.

    الانسان منذ الخلقة الاولى يحاول الحفاظ على البقاء والصحفيين اليوم الاكثر تعرضا للتهديد بإفناء وجودهم الانساني. ان كان ذلك بطريقة منهجية من قبل الحكومات او المنظمات والمجاميع المسلحة .
اين نحن في الاقليم من تلك الصورة القاتمة؟


ج/ ربما ليس الصحفيين فقط ففي معظم المجتمعات المتخلفة سياسيا واجتماعيا وحضاريا يتعرض المثقفون عموما وفي مقدمتهم بالتأكيد فرسان الكلمة بكافة وسائلها الى حملات تكاد تصل الى مستوى التصفية كما حدث ويحدث في العراق وغيره من دول المخاض الديمقراطي، ولعل اقليم كوردستان الافضل لحد الان قياسا بما يجاوره على الاقل من اطرافه الثلاثة ( العراق وايران وسوريا )، لا ازعم اننا واحة سويسرية لكن ما يحصل هنا منذ عقدين مقارنة بما سبق من سنوات وبما يجاوره من انظمة يؤكد رغم وجود خلل هنا أو هناك فان مستوى الأداء الصحفي والحكومي على حد سواء يرتقي الى مستو يفخر به المثقفون هنا وفي العراق.

    ما مدى اهمية الفصل بين الافكار الحزبية للسلطة الحاكمة وحرية الصحافة وهل تجدون ان هناك بوادر لخطط لبناء مؤسسات ثقافية مستقلة في الإقليم؟

ج/ بالتأكيد كلما نضجت التجربة الديمقراطية وممارساتها، لا على مستو السلطة وتبادلها بل على مستو المجتمع وسلوكياته ومن ثم انعكاس ذاك على الأداء الثقافي للفرد والمجتمع في الأحزاب وخارجها، سيؤدي بلا شك إلى تبلور مؤسسات ثقافية تمثل إرادات متنوعة تتفاعل في تلك الأجواء الصحية من الحرية في الرأي والتعبير.

     أتحفظ تماما على مصطلح الثقافة المستقلة ولا افهم حقيقة أي معنى لها، ليس هناك شيئ مستقل في الأفكار والتوجهات ومن ثم في الجمعيات والمؤسسات، ربما هناك نمط من الأفكار لا يخضع لفكر حزب أو حركة معينة لكنه بالتأكيد يعبر عن مجموعة أفكار معينة تكون قريبة أو تمثل أفكار وتوجهات حركات أخرى وبالتالي فهي أيضا لديها موقف محدد لا يخضع لهذا المفهوم القلق ( الثقافة المستقلة )!؟

     وهنا دعنا نبحث عن آلية وكيفية وبناء وانتاج مؤسسات ثقافية مهنية او اكاديمية سواء في الصحافة او الاعلام، حزبية كانت او غير حزبية، المهم ان تكون مهنية وتتعاطى باسلوب يقبل الاخر ويحترم الرأي المختلف.

     الحركة الثقافية في الاقليم شهدت تطورا نوعيا وكميا بعد عام 2003 لكن هيمنة الاحزاب ادى الى توجه الطبقة المثقفة  وتحولهم الى مجموعة من المرددين ومداحين. هل هناك امل لصحوة ثقافية في الاقليم  بعيدا عن ثقافة القمع التي كانت سائدة ابان الحكم البعثي القومي السلبي السابق.

ج/ ربما لا اتفق مع العديد ممن يصفون الطبقة المثقفة بكونها تحولت الى مداحين او مرددين، خصوصا وان هكذا نمط غير مرغوب به كثيرا في الاوساط الحاكمة هنا على خلفية تقاسم السلطة المعروف، ومعاناة الجميع من هكذا سلوكيات ابان الحقبة الدكتاتورية قبل الاستقلال الذاتي، ولا انكر وجود حالات فردية هنا وهناك تعبر عن سايكولوجية صاحبها، الا انها ليست ظاهرة تلفت الانتباه، على العكس تماما بدأت تتبلور انماط من الصحافة والاعلام التي يطلق عليها هنا بالاهلية وهي في معظمها ناقدة ومعارضة للحكومة والاحزاب، وربما تصل الى مستو فضائحي في منشوراتها!؟

     القائمين والمسئولين عن المؤسسات الثقافية هم احيانا من شبه المتعلمين او حملة ثقافة السلطة البائدة مما ادى الى هشاشة في مضمون الانتاج الابداعي في الاقليم الى درجة ان نشر أي كتاب او مجهود ابداعي يحتاج دعما وتأييدا حزبيا مباشرا. هل نحن امام ترسيخ هيمنة ثقافة حزب البعث وتطبيقاته السيئة في الإقليم؟

ج/  بعيدا عن الإطلاق والتعميم أرى ربما من زاوية محددة وجود مثل هكذا عناصر هنا وهناك في معظم الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية، وهي أيضا كما ذكرت من إنتاج أو إفراز حقبة ليست قصيرة امتدت هنا في الإقليم لأكثر من نصف قرن منذ ما بعد تموز  1958م وحتى انتفاضة الربيع 1991م، حيث أجيالا ممن ولدوا ونشئوا تحت تلك الظلال القاتمة، وفجأة انزاحت تلك القيود لكي تبدأ مرحلة جديدة تماما لا تمتلك أي كوادر غير تلك التي أنتجتها ثورة الجبال والمرحلة الثورية لتقود المؤسسات الثقافية التي تعرضت إلى حصار شديد ومزدوج من 1991م ولغاية 2003م، ورغم ذلك وخلال السنوات المنصرمة كانت هناك محاولات جادة في تحديث المؤسسات على مستوى المضمون والشكل ورغم أنها تواجه صعوبات بالغة إلا انها تتقدم، مع تبلور محسوس للمهنية والإذعان للسلوك الأكاديمي إلى حد ما.

     دهوك مركز ثقافي نابض في الاقليم وقدم للثقافة اسماء لامعة ولا تزال رغم وجود هيمنة شخصية وحزبية على العديد من مراكز القرار في المؤسسات الثقافية والاتحادات المهنية. هل ترى اثرا للتكوين الثقافي التعددي للمنطقة وكونها مكانا للالتقاء الثقافات والعقائد المختلفة على مجمل الحياة الثقافية المنفتحة في دهوك؟

ج/ أرى ان معظم الإقليم وخاصة العاصمة اربيل ودهوك تمتازان كما ذكرت بتنوع مكوناتهما الثقافية التي تعكس نمطا فسيفسائيا من الثقافة المتنوعة الكوردية والاشورية والعربية والتركمانية، اضافة الى مراكز ثقافية لشرائح مثل الايزيديين والشبك وغيرهم، وهي بالتالي في مجموعها تشكل لوحة الثقافة هنا في الاقليم الى جانب التنوع الفلكلوري في الازياء والغناء والتقاليد.

     أما موضوعة الهيمنة الحزبية فاعتقد ليس هناك حزبا قائدا مستبدا على شاكلة الانظمة الشمولية المؤدلجة في الاقليم حتى يوظف كل الوسائل لأفكاره وطروحاته، فمنذ الانتفاضة هناك العديد من الأحزاب التي تمثل المكونات الثقافية والعرقية في الإقليم وهي بالتالي امتداد لهذا التنوع، وتمتلك جميعها وسائل إعلام متنوعة للتعبير عن ذاتها، ولذلك نرى انتعاشا واضحا في الثقافة الآشورية والكلدانية والتركمانية والديانة الايزيدية ومؤسساتهم المنتشرة في الإقليم وبكل وسائلها المرئية والمسموعة والمقروءة.

    كصحفي بنيت علاقات جدية مع مراكز القرار من ناحية  ومن ناحية اخرى جاهدت في انشاء جسر ثقافي يربط الثقافات التعددية العراقية. هل لديك مشاريع مستقبلية لترسيخ ثقافة التسامح في المجتمع الكوردستاني وصولا الى مجتمع مفتوح غير منغلق يقبل الفكر الاخر والحوار الحضاري السلمي.

ج/  بالضبط نطمح جميعا من اجل إنجاح تجربة كوردستان الديمقراطية ونظام التعايش والقبول بين كل المكونات العرقية والقومية والثقافية والدينية من اجل بناء مجتمع مدني متحضر وبلورة مفهوم وطني راقي للمواطنة يبشر بوطن فوق القوميات والأديان والعشائر والمذاهب والأحزاب.

     وعلى المستوى الشخصي أتمنى أن أرى حقيقة ونحن في فضاء عربي كبير وسائل إعلام كوردستانية ناطقة بالعربية في كل مجالات الإعلام المرئي والمسموع والمقروء لتكون فعلا جسور للتواصل الثقافي والسياسي بين الكورد تحديدا والرأي العام العربي الذي لا يعرف الكثير عن تجربتنا وقضيتنا التي تعرضت للتشويه من قبل وسائل الإعلام للنظام السابق والإعلام المتطرف حاليا.

    أخيرا ، كشخصية ثقافية ذو مواهب ابداعية تعددية مرموقة ومستقلة في الاقليم هل لك ان تحدثنا عن تجربتك الشخصية ابان الحقبة السابقة واليوم.

ج/ انا من الذين لم يغادروا البلاد ايام الحكم الدكتاتوري، وخاصة بعد عودتي من النفي في بابل الى مدينتي سنجار اواخر الثمانينات من القرن الماضي، حيث فضلت البقاء هنا والعمل من الداخل، وتفرغت للكتابة الادبية ( الشعر والنثر ) والفن التشكيلي الذي تخصصت فيه بنوع يطلق عليه اسم الاوهام البصرية Op Art  حيث اقمت ثلاث معارض شخصية لهذا النوع من الفن. ورغم ذلك فقد تم اعتقالي قبل سقوط النظام بفترة وجيزة بتهمة معاداته وتقويض النظام السياسي للحزب والثورة كما جاء في لائحة الاتهام والتي تؤدي الى عقوبة الإعدام، الا ان مشيئة الله وجهود اخوتي واصدقائي الذين نجحوا بتهريبي من السجن ليلة 26/27 آذار 2003م جعلتني الآن في ضيافتك وحلقت بي بعد ذلك في فضاءات الإعلام المرئي والمسموع والمقروء كاتبا وصحفيا وإعلاميا.

  

192
( العمالة ) بين العراق وسوريا

كفاح محمود كريم

     منذ تسلط البعثيين على حكم كل من سوريا والعراق بدأت علاقة البلدين بالانهيار تدريجيا حتى أصبحتا أكثر الدول عداء لبعضهما، رغم ما يربط الشعبين من أواصر كثيرة وعريقة وفي مقدمتها القرابة التي تربط كل مكونات البلدين من العرب والكورد والآشوريين، الا ان نظاميهما الفاشيين نجحا في قطع العلاقة تماما بين الشعبين طيلة ما يقرب من ثلاثين عاما، تخللتها فترات للتحايل والتآمر بينهما راح ضحيتها الكثير من قياداتهما في الاتهامات الجاهزة بالعمالة التي تحكم بالإعدام فورا.

     لقد وصلت الأمور في كلا البلدين لكي يمنعا مواطنيهما من تبادل الزيارات فأضيفت سوريا إلى الدول الممنوعة وكانت وقتها في العراق كل من إسرائيل وإيران وسوريا، وكذا الحال لدى الجانب الآخر، حيث دفع هذا الشكل من العلاقة كل من النظامين إلى تأسيس شبكات تجسس ونقل معلومات اما عن طريق إرسال كوادرهم أو تجنيد عناصر من الداخل للعمل معهم ومن ثم تطورت إلى عمليات إرهابية واغتيالات نالت من العديد من كوادر وموظفي الطرفين.

     وبعيدا عن هذا المشهد فان كلا البلدين تحولا إلى ملاذ لمعارضة البلد الثاني، فتجمعت كثير من قوى المعارضة العراقية في دمشق التي أمنت لها العديد من طلباتها مقابل الاستمرار بمعاداة نظام ( اليمين ) البعثي في بغداد، وكذا الحال في بغداد التي احتضنت هي الأخرى قوى معارضة ( اليسار ) البعثي في دمشق كما كان يطلق عليهما الشارع هنا وهناك، وبالتأكيد كان كل نظام يتهم معارضته اللاجئة إلى البلد الآخر بالعمالة لهم ومن ثم بالخيانة العظمى التي توصل أصحابها إلى حبل المشنقة.

     ودارت الأيام وانقلبت الأمور وسقط نظام ( اليمين ) البعثي في بغداد، لتبدأ عملية مطاردة القيادات البعثية التي أدت إلى نزوح الكثير منهم إلى سوريا واليمن ومصر والإمارات، فتكررت صور كانت إلى غير بعيد من الزمان بشاكلة أخرى، حيث تبادل الإخوة الأعداء مرغمون لا مخيرين مواقعهم، فانتقل ( عملاء ) سوريا إلى دفة الحكم في بغداد بينما تحول أعداء نظام اليسار البعثي إلى عملاء جدد لدمشق!؟

     حقا انها واحدة من دراماتيك العلاقات السياسية في منطقتنا العجب، تتكثف في صور وتوصيفات وتبادل مواقع كالتي حدثني بها احد قيادات المعارضة العراقية الذي زار دمشق بعد سقوط النظام في بغداد بعدة سنوات، وما دار بينه وبين ( العملاء الجدد ) للنظام في دمشق، حيث كان يزور احد الوزراء أو المسؤولين الكبار في العاصمة السورية وهو صديق له من أيام المعارضة، ورأى في مكتبه قيادات بعثية عراقية تتحدث عن عمالة الحكام الجدد في بغداد لذلك المسؤول السوري وتطلب مساعدتها لكي تعارض وتقاوم النظام الجديد هناك، يقول صاحبي:
 
     ( لم يكونوا يعرفونني وهم يتحدثون فضحكت كثيرا، وقلت لهم كنا هنا قبلكم في هذا المكتب مع ذات الأستاذ وذات الحديث، فلا تكرروا المشهد واختصروا الطريق ان كنتم لم تقترفوا جرائم بحق الأهالي وعودوا إلى بلدكم قبل ان تتحولوا إلى ( عملاء ) حسب توصيفكم انتم، وتنطبق عليكم كثير من قرارات مجلس قيادة ثورتكم وتعديلاته على قانون العقوبات التي ما زال أكثرها نافذ المفعول ولم يتم استبدالها أو إلغائها.)!؟

     حيرة كبيرة يقع فيها أي مراقب أو منصف في توصيف كثير من الحالات في شرقنا العجب هذا، فـ ( عملاء ) ألامس قادة اليوم وقادة أمس ( عملاء ) اليوم، إنها دوامة مقرفة، لا يعرف لها أول ولا آخر، فهي تمتد لمئات من السنين يتبادل فيها الحاكمين شتى أنواع التهم والصفات، ثم لا يلبثوا فيتفقوا ليلعنوا غيرهم كما فعل صدام حسين مع ( أئمة ايران ) ابان احتلاله للكويت وإرساله خيرة طائرات العراق أمانة عند ( العدو الفارسي المجوسي وحاليا أضيف إليها الصفوي )، فهل هي يا ترى طبيعة بشرية أم اننا ما زلنا نصنع ألهتنا من التمر وحينما نجوع نلتهمها!؟

kmkinfo@gmail.com

193
في البدء كان ربيعنا؟

كفاح محمود كريم

     إن اختراق حاجز الخوف كان الخطوة الأولى في انتفاضة شعوب الأنظمة المتعفنة في بلدان العالم وخاصة في شرقنا الأوسط والأدنى والأقصى، الموبوء بحكم الرئيس الأوحد والزعيم الملهم والقائد المفدى، حيث تكلست أنظمة شمولية وقادتها من المرضى بالنرجسية والسادية وما خفي من امراض النفس البشرية، حتى لتكاد أن لا تستثني احدا منهم من كثرة تشبثهم بالكرسي اللعين والسحت الحرام، حيث نجحت تلك الأنظمة الدكتاتورية بتبنيها الرعب والارهاب في بناء سياج او حاجز غير مرئي من الخوف والاستكانة،  حولت فيه شعوبها إلى مجرد قطعان مطيعة مستكينة لا قدرة لها على الحركة بوجود هذا الحاجز.

     وكان النظام السياسي في العراق منذ بدايات الستينات من القرن الماضي، واحد من اخطر تلك الأنظمة الشمولية التي تحولت تدريجيا إلى نظام فاشي شوفيني مرعب حول البلاد إلى ماكينة حرب يفرم فيها كل من يعارضه أو يخرج عن طوعه حتى تحولت البلاد إلى دولة للرعب والخوف، تحت حكم منظمة فاشية أسست حكمها وبنته على مئات الآلاف من الجماجم والمقابر الجماعية بوسائل لم يعرف تاريخ الدكتاتوريات مثيلا لها، حتى تمادت فامتدت أياديها الآثمة إلى كل بيت وقرية ومدينة لتترك غصة وجرح في كل نفس من نفوس سكان البلاد، بل انها نقلت آثامها الى دول الجوار التي اكتوت هي الأخرى بنيران عنجهيتها وسلوكها الشرير.

    لقد سحقت تلك الدكتاتورية وما شابهها في المنطقة أي أمل لأحداث تغيير بالاعتماد الكلي على قوى الشعب الذاتية وفعالياته المعارضة، خصوصا وأنها أي تلك الأنظمة الفاشية لم تتوان عن استخدام أقذر الأسلحة المحرمة دوليا وأخلاقيا ضد معارضيها كما حصل في الانفالات وحلبجة وشقيقاتها من البلدات والقرى التي تعرضت للإبادة بالأسلحة الكيماوية في كوردستان العراق، مما أدى إلى تداخل جراحي مباشر كما عندنا هنا، أو غير مباشر كما في ليبيا واليمن وتونس ومصر والآن سوريا، حيث اندفعت قوى الشعب بعد انكسار شوكة النظام في هزيمته المخزية من الكويت وانهيار مؤسسته العسكرية،  بشكل عفوي عظيم لتخترق حاجز الخوف وتمزق زمن الاستكانة والخنوع وتحرر ثلثي البلاد تقريبا من سيطرة النظام خلال اقل من شهر واحد، ولولا تدخل بعض دول الجوار والإساءة إلى انتفاضة الشعب التي مكنت النظام بالتعاون مع قوى دولية معينة ان يعاود هجومه الكاسح ببقايا آلته العسكرية المهزومة من ارض المعارك وبتهديد علني باستخدام الأسلحة الكيماوية، لما استطاع السيطرة ثانية على كثير من تلك المحافظات وبالذات في جنوب البلاد التي تعرضت بعد ذلك لحمامات من الدماء راح ضحيتها آلاف مؤلفة من خيرة شباب وشابات العراق، تم دفن معظمهم إحياء في مقابر جماعية كما فعل مع شعب كوردستان في أواخر ثمانينات القرن الماضي.

     أما في كوردستان فقد كانت الانتفاضة أكثر تنظيما، إلا أن النظام استخدم معها حربا نفسية اجتماعية مبنية على استخداماته السابقة للأسلحة الكيماوية والتي تسببت في نزوح ملايين السكان عبر هجرة جماعية هي الأولى في تاريخ البشرية المعاصر هروبا من استخدام نظام صدام حسين للأسلحة الكيماوية مرة أخرى، خصوصا وان الشعب هناك انكوى قبل سنوات في واحدة من أبشع حرائق الفاشية بعد هيروشيما وناكازاكي، مما دفع المجتمع الدولي لاتخاذ قرار دولي ( 688 ) بحماية شعب كوردستان ومنع أي وجود عسكري جوي أو بري في منطقة أصبحت تعرف لاحقا بالملاذ الأمن والتي ضمت معظم أراض إقليم كوردستان وأبقت على بعض المدن والبلدات خارج الإقليم، مثل كركوك وسنجار وخانقين وزمار ومندلي ذات الأغلبية الكوردية تحت سيطرة النظام امنيا ومخابراتيا.

       انتفض العراقيون في ثورة عارمة من أقصى الجنوب إلى أقصاه في الشمال وحرروا أكثر من ثلثي البلاد في فترة قياسية لم ترتق لها كل انتفاضات المنطقة في الربيع العربي، وبذلك اخترقوا ذلك الحاجز الكريه الذي صنعته الأنظمة المتعاقبة، ولولا تدخلات دول الجوار وغيرها لكان العراقيون قد أنجزوا الكثير منذ 1991م ولحد يومنا هذا،ولذلك شهدنا تلك الهجمة البربرية على النظام الجديد في العراق بعد سقوط نظامه الدكتاتوري، من كل قوى الشر والجريمة المنظمة في الداخل والخارج، أدت إلى ما نشهده اليوم من أوضاع أمنية قلقة، وفساد مالي واداري ينخر مفاصل الدولة، في محاولة لإسقاط النظام الجديد وإفشال العملية السياسية والتوجه الديمقراطي، والعودة ثانية إلى صناعة دكتاتورية بديلة لتلك التي سقطت.

     لقد كانت انتفاضة الربيع في كوردستان والشعبانية في الجنوب والوسط العراقي عام 1991م بحق، أول اختراق جماهيري عظيم لحاجز الخوف والعبودية، لتشكل فيما بعد سنوات بواكير الربيع العربي الذي تجني شعوب المنطقة اليوم ثماره رغم ما حصل من عمليات خرق وتورط وتشويه كبيرة وحملات إعلامية ظالمة الا ان انتفاضة العراقيين تبقى الأولى ويبقى ربيعها دائما.

kmkinfo@gmail.com







194
الربيع العربي والصقيع القادم!
 
 
كفاح محمود كريم

     ما يتعرض له الفنان الكوميدي عادل امام منذ فترة على خلفية انتقاداته اللاذعة لسلوكيات متطرفة أو منافقة لا تمت للأديان وجوهرها بأية صلة، من خلال مسرحياته وأفلامه الهادفة يمثل ظاهرة طارئة لا علاقة لها بالثورة أو الحضارة أو المدنية، بل بالعكس تمثل تقهقرا لقيم الجمال والتطور والإبداع، في بلد لا يمتلك من الثروات العظمى الا الشعب والحضارة والمدنية منذ شواخصها الأولى في الأهرامات وحتى ثورة الشباب التي أطاحت بنظام مبارك المزمن، فما نشاهده ونسمعه عن تطورات الأحداث في مصر وتونس وما يجري للفنان عادل إمام وربما لكثير من المثقفين والاعلاميين والفنانين والمفكرين، في مصر وغيرها من البلدان التي اشتعلت فيها نيران الثورة والتغيير وتتعرض لمحاولات سرقة تلك الانجازات تحت مظلة الشرعية الديمقراطية، تؤشر لحالة أو انعطاف خطير لمجرى الثورة والتغيير وربما لمحاولة تحويل الاتجاهات إلى منحى آخر غير الذي اندلعت من اجله تلك الانتفاضات.

 وهنا أستذكر  حوارا مطولا دار بيني وبين المفكر المصري  الدكتور سعدا لدين إبراهيم*، الذي التقيته في ربيع 2007م بالعاصمة اربيل وحاورته على الهواء مباشرة في برنامج تلفزيوني حواري سياسي ( لنتحاور )*، وكان محور حوارنا حول أزمة النظم السياسية والاجتماعية والخوف من الانهيار باتجاه تسلط قوى متطرفة وفاشية صنعتها أو هيأت فرص نموها تلك الأنظمة الدكتاتورية لتستقل قطار الثورة وصناديق الاقتراع وتنفذ إلى هيكل الحكم ومؤسساته الجديدة، إضافة الى أزمة المثقف العربي وعلاقته بالانظمة السياسية عموما وموقفه من قضايا المكونات غير العربية وغير الاسلامية في منطقة الشرق الاوسط، ولعل اهم لقاء واقصره واكثره اثارة فيما بعد، كان بيني وبينه في احد فنادق بيروت في تموز 2008م، حينما دخل وهو يتأبط ذراع زوجته على عكس المتعارف عليه، وكان يشكو من نتائج جلطة فعلت فعلها في جزئه الأيمن دون أن تنال من عقله وفكره المتقد والثاقب دوما، وقد حصل اللقاء صدفة ودون سابق موعد، حيث كان يجول هناك بحثا عن وطن يأويه ويحميه من ملاحقة المخابرات المصرية، خصوصا وقد حكم بكثير من الاحكام الثقيلة واسقطت جنسيته المصرية ايضا!؟

سألني في البدء عن أخبار وطن النرجس ويقصد كوردستان، وحينما طمأنته بدأ الحديث متنبأ بمجريات ما حدث ويحدث منذ أكثر من سنة، لكنني قاطعته وهو يرسم مشهدا سياسيا عن التخوف من نتائج ما يحدث الآن، وخاصة فيما يتعلق بالمفكرين والعلماء والأدباء والفنانين والصحفيين، وبداية مرحلة الانقلاب والتفرد في السلطة وإعادة صناعة دكتاتوريات جديدة بإكسسوارات ديمقراطية تدعمها ماكياجات صناديق الاقتراع في بلاد تفتقد أساسا لفكرة المواطنة الحقة، ويعاني معظم سكانها من برودة الأمية بشقيها الأبجدي والحضاري، ملتحفين العشيرة والقرية رداءً ذاب في جلودهم وتكلس في مفاصل حياتهم، حتى غدت العشيرة أهم من الشعب والقرية أهم من الوطن!؟

    أردت أن اجري مقارنة بين ما تعرض له سعد الدين إبراهيم الذي حكمه نظام مبارك بالإعدام بعد أن اسقط جنسيته، وبين عادل إمام الذي صنفه البعض بالموالاة لنظام مبارك، لكنه كان من اشد المعارضين للتطرف والاستبداد والدكتاتورية، وسخر كما فعل سعد الدين إمكانياته طيلة ما يقرب من نصف قرن من اجل غد جديد أكثر مدنية وحضارة، لكن يبدو إن تلك الأنظمة التي قارعها الاثنان وأمثالهما في مصر وغيرها من البلدان، نجحت في صناعة بدائل لها تديم حكم نظامها بأشكال أخرى لكنها تحمل ذات الجوهر في التفرد وإلغاء الآخر والابتعاد عن المدنية والتقوقع في إيديولوجيات شمولية لا تقبل الآخر الا تابعا وملحقا، وهذا اخطر ما يواجه عمليات التغيير التي تجري الآن، حيث يتم صناعة دكتاتوريات جديدة بلبوس ديمقراطي واكسسوارات شعبوية كما يطلق عليها الدكتور سعد الدين إبراهيم، مما سينذر بصقيع قادم يكتسح جنائن الربيع ووروده؟

     لقد اكتسح الربيع في طريقه أنظمة متعفنة مزمنة في أمراضها وسلوكياتها، وبدأت أزهاره تتفتح في عواصم كادت تلك الأنظمة ان تمسخها وتحيلها الى دهاليز قرون مضت، ولكن ما يخشى منه ان فايروسات تلك الأنظمة وثقافاتها السوداء ما زالت متكلسة في شرائح وحركات راديكالية فاشية تستخدم كل الوسائل من اجل ولوج السلطة والتربع على كرسي الحكم لتنفرد تدريجيا في فرض أجندتها من خلال استخدامها وتوظيفها لمفاتيح اجتماعية وقبلية متخلفة، وتداعيات ناتجة من إحباط ويأس استمر لعقود سوداء من الحكم الدكتاتوري المستبد.
   
     صحيح إن كثير من النخب الفنية والأدبية والعلمية والرياضية لم تدخل عالم السياسة أو المعارضة المباشرة للأنظمة، الا ان الكثير منها ايضا كالفنان المصري عادل إمام الذي لم يكن سياسيا أو معارضا معروفا ولم يحكم عليه بالإعدام أو تسقط جنسيته، لكنه  لم يتوان ايضا عن مقارعة النظام بأسلوبه وطريقته، بل فعل الكثير لكي يمهد لاندلاع تلك الثورة ورفض سلوك الفوضى والعنف والبلطجة، وربما هو الفنان الأكثر إثارة في فضح ونقد الدكتاتوريات وثقافاتها في العالم العربي عموما، وها هو اليوم وغيره من تلك النخب، قاب قوسين أو أدنى من التعرض ربما لما تعرض له سعد الدين إبراهيم من النظام الآخر!؟

     حقيقة هناك خشية كبيرة من صقيع قادم يعقب تلك الانتفاضات التاريخية لشعوب المنطقة يهدد كل تلك النضالات والتضحيات من اجل مجتمع مدني متحضر تسوده العدالة والمواطنة الصالحة والنهج الديمقراطي الخلاق.

 kmkinfo@gmail.com

* سعد الدين ابراهيم ( 1938 ): أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، يعتبر من أقوى الدعاة إلى الديمقراطية في العالم العربي. 

  * لنتحاور ( 2004-2009 ): برنامج مباشر حواري أسبوعي باللغة العربية من إعداد وتقديم الكاتب ذاته من شاشة فضائية كوردستان.


195
كوردستان والملا مصطفى البارزاني

  كفاح محمود كريم                                                       
                                                           
      تمر في هذا الشهر ( آذار ) العديد من المناسبات التاريخية في حياة شعب كوردستان العراق، حيث يختلط فيها الحزن والفرح بين تاريخ خالد يشيع الأمل والفرح وتاريخ حزين يتذكره الناس بألم، في منتصف هذا الشهر وقبل ما يزيد على قرن من الآن، ولد الزعيم التاريخي للكورد وكوردستان الملا مصطفى البارزاني عام 1903م، وفي الاول منه وقبل ثلاثة وثلاثين عاما أي في عام 1979م توفاه الله ليكون بحق رمزا تاريخيا كبيرا يمثل نهضة شعبه ووطنه.
   
     ليس من السهل ولوج حياة رجل اختزل تاريخ شعب عبر أكثر من ألفين وسبعمائة عام، لكنه ببساطة الحكماء أوحى لنا جميعا بأن الحياة رغم تعقيداتها أصغر من أن تعترض إرادة الإنسان وتحدياته الصادقة فشق طريقه عبر قساوة الطبيعة والحياة واتجه نحو الشمس، حاملا راية الحرية لشعب يمزقه ظلام التخلف والاضطهاد، فلم يكن الملا مصطفى البارزاني مجرد ثائر يقود شعبه للأنعتاق، بل كان خلاصة لحقب من الأزمان منذ كاوه الحداد وحتى انتفاضة آذار 1991م، حيث أختزل تاريخا ومارس سلوكا أصبح فيما بعد نهجا ومدرسة للتربية والأخلاق، وفلسفة في التعامل والتعاطي مع مستجدات وثوابت الحياة، من خلال إدراكه منذ  البداية لحقيقة شعبه ووطنه المشكل من التضاريس الحادة والمتناقضة بين تخوم حمرين وشنكال جنوبا وحدود آسيا الصغرى شمالا، فأندفع بكل ثقل التاريخ وأرثه باتجاه الشرق عله يجد ضالته بين أحضان مهاباد، فكانت خطوته الأولى باتجاه الشمس، هناك كان المخاض الأصعب والولادة الأعسر والقرار المستحيل، اجتمعت فيه كل وحوش الشرق المفترسة حاملة معها جوع العنصرية وفقر الشوفينية وانتهازية الرفاق الحمر آنذاك، متربصة تلك الولادة لتنقض على الوليد افتراسا وتمزيقاً.

     في قلب هذه التراجيديا كان البارزاني مصطفى قد أدرك استحالة ديمومة الوليد في طوفان من الهمجية والبربرية، فتداعت الأحداث واندفعت قطعان البهائم الهائجة لتفترس وتسحق فرسان الشمس، ولأنه أدرك كل ذلك فقد حمل الوليد بين أضلعه وأندفع مع ثلة من رجال الشمس في كل اتجاهات الأرض من حوله شاقاً طريقه المعروف في رحلته الأسطورية إلى وطن الرفاق الحمر، ليستقر هناك في استراحة الثوار وليمنح ذلك الوليد فرصة النمو والحياة، ولم تكن سنوات الرحيل إلى ( الاتحاد السوفييتي ) إلا مرحلة للتأمل والتهيؤ لحقبة خطيرة في تاريخ هذا الشعب الذي سيبتدا أولى خطواته نحو تحقيق ذاته في خضم عالم مليء بالتناقضات والأستقطابات في دنيا الحرب الباردة التي جاءت على أنقاض حربين قذرتين لتقاسم ( العبيد ) و ( الغنائم ) من إمبراطوريات ودول القبائل والعشائر. وكان أهم نتاجات تلك الحرب الباردة ما أطلق عليه في أدب شعوب الشرق بالثورات والانقلابات التي أنتجت أنظمة إما مصنعة بالكامل في دهاليز ودوائر المتصارعين الكبار أو تم احتوائها لاحقا من قبلهم.

       لقد أدرك البارزاني هذه الحقائق قبل عودته إلى بغداد عاصمة ( الجمهورية الخالدة ) التي عاد إليها بعد تغير الشكل وبقاء المضمون، وكان يعرف جيدا إن إقامته في الجمهورية الأولى ليست طويلة وإنه ذاهب إلى حليفه الأبدي وحضن وليده الذي خرج به قبل اثنتي عشر عاما، ويقينا كان البارزاني في تأملاته يرى كاوه الحداد في وجوه أولئك الذين يحتضنون جبال كوردستان باحثين عن طريق إلى شمس الحرية، وقد أدرك بحسه التاريخي وتحليلاته العميقة إن الخطوة الأولى ستكون حتما من قلب كوردستان وليس من بغداد، التي ما أن وصلها حتى اكتشف إنها واحدة من نتاجات الحرب الباردة التي أفرزتها حروب العبيد والغنائم وكان ( الوليد ) ضحية من ضحاياها، فكانت بعد فترة وجيزة ثورة الخريف ( 11 أيلول 1961 ) بعد أكثر من ( 2661 ) سنة من ثورة كاوه الأول التي أزاحت ظلام القهر والعبودية، لكي تتبعها عشرات الثورات والعديد من الأمارات والمشيخات،  لكنها لم تحدث خرقا تاريخيا وتحولا اجتماعيا كما أحدثته ثورة كاوه الثاني مصطفى البارزاني.

       كان البارزاني مصطفى رجلا ميدانيا ينتج الفلسفة ولا يؤلفها ويطلق عنان الثورة ولا ينظر لها، كان بحد ذاته نوعا من السلوك والتربية والتعامل الإنساني الذي يقترب في تفاصيله من زهد الزاهدين وصوفية الناسكين، عمل جنديا وقائدا في آن واحد دونما أن يُثقلَ على حركة وقانون الحرب، ويتحسس مشاعر العدو وأفراده ويفترض دائما أنهم ضحايا مجبرين ويوصي بجرحاهم وأسراهم حتى من كان منهم قاسيا في أدائه الواجب أثناء الحرب، وقد أقر الفصل بين الأنظمة والشعوب منذ البداية، وبشر الآخرين بأن مفتاح الحل هو الديمقراطية في تحقيق أهداف الشعب سواء ما كان منه في كوردستان أو في العراق ورفع شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، مؤكدا بشكل دائم بان العرب والكورد ضحايا الدكتاتوريات وأنه لا خلاص إلا باحترام حقوق الآخرين والاعتراف بهم.

      كان قائداً عنيدا ولكنه لم يوصد الأبواب في عناده أمام من كان يصارعهم حينما يرى مرونة في سلوكهم أو تغييراً في مواقفهم، فهو لم يصارع من أجل إسقاط نظام سياسي واحتلال مواقعه لأنه يحمل آلام وآمال أمة، وتاريخ وطن، وجغرافية أرض مقطعة الأوصال، لم تكن لديه أحقاد أو عقد شخصية تجاه نظام أو شخص ما بقدر تعلق الأمر بقضية شعبه، ولأجل ذلك كنا نراه مقاتلاَ صلبا وعنيدا وفي نفس الوقت حينما يتطلب الأمر الجلوس مع العدو كان كريما ورحيما بما لا يلغي العلاقات الإنسانية التي تدفع باتجاه تقنين الخسائر حتى لدى أعدائه، وبذلك أنتج مؤسسة قومية لا تقوم على أساس التنظير والأدلجة ووجهات النظر الفكرية وأرستقراطية الثقافة وصراع الطبقات بل تعتمد أسساً وثوابت عملية تتضمن الإخلاص للمصالح العليا للشعب والوطن وسلوكا أخلاقيا رفيعا ينحاز للأكثرية ويحترم الأقلية، وأنتج قاسما مشتركا يجمع كل المنظومات الفكرية حوله ذلك هو النضال من أجل الشعب ومستقبله دونما أن يلغي دور الفرد وخصوصيته على حساب المجموعة. 
 
     البارزاني مصطفى لم يكن قائد ثورة فحسب بل كان تاريخا من الحكمة والفلسفة والزهد ومنظومة من السلوك والتربية والأخلاق.
 
    كان بسيطا متواضعا نقيا ابيض القلب واليد، أبعد نفسه عن هالات وبروتوكولات ( الرئاسة ) وبيروقراطيتها ومظاهرها، ووضع حوله خيرة رجال الثورة وأكثرهم طهارة وإخلاصا في المال والإدارة، وبذلك اخترق أدق مشاعر وأحاسيس شعبه حتى حسبه الناس أبا وعما وأخا كبيرا.

    حقيقة لقد أقتنع الناس تماما بكل مشاربهم وشرائحهم وطبقاتهم واتجاهاتهم وأديانهم إنه خير من يمثلهم ويعبر عن آلامهم وآمالهم.

    واليوم بعد أن أصبح رمزاً ونهجاً وعنواناً لنهضتنا وحكاية شعبنا منذ كاوه الحداد وحتى يومنا هذا يحق لنا ان نسأل:

  هل ما زلنا ونحن في اول الطريق ننتهج ذات النهج والسلوك؟
   وهل يعرف الجيل الجديد ان الأسس الأولى ولبناتها في حياة اليوم إنما وضعها الملا مصطفى البارزاني ورفاقه؟


kmkinfo@gmail.com
 


196
هل كان الرئيس عاقلا أم ؟

كفاح محمود كريم

     ما جرى في اليمن مؤخرا وقبلها في مصر من قبول مثير لتسليم السلطة تحت ضغط انتفاضة الأهالي منذ ما يقرب من سنة، يعطي مؤشرا ايجابيا لاحتمالية تخلي بعض الأنظمة الدكتاتورية عن مواقعها دون حروب أهلية وضحايا وتدمير كلي للبلاد، كما حصل في العراق وأفغانستان وليبيا ويحصل الآن في سوريا.

     وبصرف النظر عن الأهداف أو الغايات التي ربما تكون بعيدة عن تصورات المحللين في سلوك الرئيس اليمني، إلا أنها لحد الآن تعطي انطباعا بإبعاد تلك البلاد عن حرب أهلية ضروس ربما تكون تكاليفها وضحاياها أكثر بكثير من الهدف المرتجى، خصوصا إذا ما أدركنا هشاشة التكوين اليمني فيما يتعلق بالاتحاد ألقسري بين الجنوب والشمال، والتكوين القبلي المتكلس في بنية المجتمع، مع ما يرافق ذلك من أمية حادة وتخلف اقتصادي واجتماعي كبيرين، ورغم ذلك نجح الشارع اليمني بشقيه الشمالي والجنوبي وتدخل مؤثر جدا لدول الخليج اقنع منظومة النظام القبلية والسياسية والاقتصادية بقبول الإزاحة، على أمل الدخول في انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة ونزيهة ربما تمنحهم كما يتأمل الرئيس علي صالح بالعودة ثانية إلى دفة الحكم.

     وبغض النظر عن إمكانية العودة أو احتمالية الالتفاف ثانية من خلال الرئيس الجديد الذي يصنف بأنه رجل علي صالح ونظامه الأكثر قبولا من الأهالي لفترة انتقالية فقط، فان ما جرى مقارنة كما ذكرنا مع مأساة العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا يشكل مرحلة مهمة جدا في الوصول إلى حلول أكثر مدنية وسلمية لتداول السلطة بعيدا عن الحروب وإراقة الدماء وتدمير البلاد، وتبقى هناك أسئلة كثيرة في مقدمتها هل إن ما جرى يمثل تصرفا عاقلا من رأس النظام أم انه نوع من الفهلوية والتحايل مع وجود كل أفراد أسرته وطاقمه في مراكز القوة والمال، مما يثير تساؤلات خطيرة عن احتمال وقوع صراع بين الرئيس الجديد وطاقم الرئيس السابق خلال الأشهر القادمة ربما تقود إلى حرب أهلية!؟

     وعموما فان تداعيات الأحداث في كل من تونس ومصر واليمن تمثل برأيي تطورا أكثر ايجابية مقارنة بما حدث في العراق وأفغانستان وليبيا ولاحقا سوريا، حيث أدى إصرار تلك النظم الدكتاتورية على التشبث بالسلطة ومن ثم إبادة المعارضين، إلى اضطرار المجتمع الدولي والقوى العظمى إلى شرعنة احتلال تلك البلاد وتدمير بنيتها التحتية، وما نتج عن ذلك من دوامة عنف حادة حصدت مئات الآلاف من الضحايا ومثلها من الأموال مع تدمير كلي لمعظم البلاد!؟   

 kmkinfo@gmail.com

197
دولة المعاشات والبطالة المقنعة؟

كفاح محمود كريم  

          أكثر من خمسة آلاف موظف في احد معامل الزيوت النباتية في بلادنا، التي يفترض انها تصنع تلك الزيوت كونها تنتج موادها الأولية من بذور عباد الشمس والذرة الصفراء وغيرهما، رغم أنني اشك في ذلك لكونها تقوم باستيراد معظمها ومن ثم تعبئتها بعلب وصفائح تحمل عبارة صنع في العراق ليس الا!؟
     وما يعزز تلك الشكوك هو فقدان حلقات مهمة في تصنيع تلك المادة خصوصا ما يتعلق بالمواد الأولية لها، وكانت قد تحولت خلال السنوات الأخيرة قبل سقوط النظام الى مجرد مخازن لحفظ الزيوت المستوردة على شكل حاويات كبيرة، ومن ثم إعادة تعبئتها بقناني وأوعية صغيرة مع تثبيت عبارة ( صنع في العراق ) على أغلفتها، كما كان يحصل حينما يوزعوا مفردات البطاقة التموينية وخاصة الحليب المجفف المستورد من معامل ومزارع اليمن وعُمان، تصوروا(!؟).
 
     المهم ان العدد الحقيقي للعاملين المنتجين فعلا لا يتجاوز الـ 200 عامل ومهندس واداري، بينما يتقاضى أكثر من خمسة آلاف موظف رواتبهم الشهرية من هذا المعمل كملاكات لا يعرف وظائفها وواجباتها إلا من له مصلحة في ذلك، وهي تذكرنا بتشكيلات سرايا أبو فراس الحمداني أو الأفواج الخفيفة أو كما كان يطلق عليها في كوردستان بأفواج الجحوش، حيث يتقاضى شيخ العشيرة أو الأغا الذي يترأس الفوج رواتب أفرادها كاملة أو مناصفة حسب الاتفاق، ويعطي أرقاما غير حقيقية لأفراد فوجه أو سريته؟
   ذكرني هذا المعمل بمئات الآلاف من المعينين على وزارتي الداخلية والدفاع تحت مسميات مختلفة، اقلها ربما ما يعرف بحمايات المؤسسات والمسؤولين وميليشيات الإسناد والصحوة، التي تستهلك أموالا طائلة من المال العام دون ان تحدث تغييرا نوعيا في حياة المجتمع والدولة قياسا بأعدادها والمبالغ المصروفة لها، وهي ذات المعاناة التي كان يعاني منها العراق بسبب  تضخم أعداد القوات المسلحة والميليشيات التابعة لحزب السلطة وأجهزتها الخاصة، والتي أهدرت مئات المليارات من المال العام دون ان تضيف مليمترا واحدا على أي منحى من مناحي الحياة الا اللهم ميزتها في توسيع المقابر والسجون والمهاجرين؟
     وقياسا أو مقارنة بين عدد المعينين في كل المفاصل العسكرية منها والمدنية، الإنتاجية منها والخدمية، لا نرى أي تقدم نوعي يذكر على مختلف الأصعدة، بل ان كثير من المؤسسات والمشاريع تدهورت بشكل مريع وخاصة الإنتاجية منها والزراعية، حيث أغرقت الأسواق بالسلع الاستهلاكية والمنتجات الزراعية المستوردة والتي تسببت في اضمحلال الإنتاج المحلي وتدهوره وتدحرج الصناعة والزراعة إلى مستويات بدائية جدا في بلاد حباها الله بكل ما يجعلها أن تكون في مقدمة الدول تجاريا وصناعيا وزراعيا لو اخلص القائمين على إدارتها؟
     وإزاء ذلك يبقى السؤال الأكثر مرارة هو ماذا تفعل أفواج المستشارين في الرئاسات الثلاث وملحقاتها في السلطات الثلاث والتي تستنزف كميات هائلة من الأموال والإعلام والامتيازات والتصريحات والخطب العصماء!؟
    وأخشى ما أخشاه انهم لا يختلفون كثيرا عن مستشاري الأفواج الخفيفة سيئة الصيت في كوردستان العراق قبل 2003م؟
    وكان الله في عونك يا بلاد الرافدين على أناس انتخبهم ملايين الحالمين بغد أفضل فصنعوا لنا يوما كأمسنا وأسوء؟

198
الراقصون في كل الحفلات؟

كفاح محمود كريم

     أتذكر وكنا ما نزال يافعين حينما قتل ( الرئيس المؤمن )  عبدالسلام عارف في حادثة القرنة الشهيرة منتصف ستينات القرن الماضي والتي تحولت إلى سؤال لا يخلو من اللؤم :
من هو الذي طار لحما ونزل فحما؟

    نكاية باحتراق الرئيس الأسبق عارف الأول في تلك الحادثة، التي ارتبطت ذكراها بحدث حصل في بلدتنا النائية عن بغداد ( 520كم شمال غرب ) حيث نظم بعض وجهاء المدينة وأئمة جوامعها ورؤساء العشائر تعزية ( فاتحة ) على روح ( الرئيس المؤمن ) في مبنى المكتبة الفرعية العامة التي حرمنا من معاودتها لثلاثة أيام متتالية.

      كنت اذهب يوميا مع صديق لي لنشاهد ما يحصل عند مدخل المكتبة، حيث العناق والحزن والبكاء من قبل ثلة من الوجهاء وأئمة الجوامع ورؤساء العشائر، وهم يستقبلون المعزين والجياع من الشعب المكلوم والمثكول بـ ( استشهاد والده الحنون ورئيسه المؤمن!؟ ).

      لقد طبعت تلك الوجوه والحركات وصدى البكاء والكلمات في أذهاننا ونحن صغارا، لم نك ندرك هول ما حدث الا بعد ان وعينا قليلا، ورأينا ذات الوجوه في أمكنة أخرى ومناسبات لا تختلف كثيرا عن الأولى الا بالشكل والإكسسوارات فقط، فلم تمر الا سنوات قليلة حتى جاء رئيس مؤمن آخر، لكنه لم يمت هذه المرة لكي تقام له التعازي، بل تحول بقدرة قادر عند ذات الوجوه، من علية القوم ورجال الدين ورؤساء العشائر والمزارعين الكبار إلى الرئيس القائد أو الأب القائد كما أراد ان يزحلقه ( السيد النائب ) لكي يعتلي عرش اخطر دكتاتورية في الشرق الأوسط وأكثرها دموية وكارثية.

    أردت بهذه المقدمة التي اسعفتنا بها الذاكرة، ان ادخل عالم اليوم المليء بذات الوجوه، وخاصة المعاصرين منهم أو أولادهم وأحفادهم الذين أتقنوا المهنة وعرفوا سرها وتقاطيع الاكتف وخرائط اكلها والتهامها، ليس هنا في بلاد الرافدين فحسب، وإنما في معظم هذه البلدان التي تحكمها ذات الأنظمة والتقاليد والأعراف والثقافات التي تكونت عبر أجيال وأجيال، كنتيجة طبيعية للخوف والاضطهاد والتكسب والاتكالية وثقافة القطيع والقائد الملهم والمنقذ الأوحد، الذي يغدق الأموال بلا حدود، ويقتل ويدمر دون قانون أو حساب، لكي تتبعه الملايين من المنتفعين يتبعهم جيش آخر ربما بقدر حجمهم أو يزيد من الطامحين بالحصول على منافع الأولين!؟

     أعود ثانية لحادثتين في التاريخ البعيد والقريب، الأولى مع عمرو  بن العاص وولده، الموزعين بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، حينما سوئل عن هذا التناقض فقال بما معناه، انه بوجود ابنه مع الإمام يضمن شيئا من الجنة، ووجوده مع معاوية لا يخسر الدنيا؟

     والثانية؛ شهدت إحدى الأسر وكان أولادها الثلاثة أعضاء قياديون في ثلاثة أحزاب مهمة في حينها، الأول كان عضوا في الشيوعي العراقي والثاني عضوا في حزب البعث والثالث عضوا في احد الأحزاب الدينية وأظنه كان في التنظيمات السرية لحزب الدعوة حينذاك، وحينما سألت والدهم رحمه الله قال بالنص: لنا في كل واحد منهم خبزة!؟

ترى إلى متى ستبقى الخبزة إيقاعا لهذه الرقصات؟
kmkinfo@gmail.com
 


199
من اجل نظام مدني متحضر!

كفاح محمود كريم

     ما يحصل الآن ومنذ سنوات في منطقة الشرق الأوسط عموما عملية تغيير حادة للنظم السياسية ورموزها، وبصرف النظر عن الآليات المستخدمة في التغيير سواء كانت خارجية مباشرة كما حصل في العراق وافغانستان وليبيا، أو خارجية غير مباشرة عن طريق وسائل الإعلام المكثفة، وداخلية بواسطة عناصرها من الشبيبة والأغلبية الصامتة التي تجاوزت حاجز الخوف، وانطلقت إلى آفاق هلامية من الحرية، دونما مفاتيح لأبواب حقبة جديدة من الحياة الاجتماعية والسياسية، بل ان معظمها لا يمتلك أي تصور لبرنامج واضح للمرحلة المقبلة وحيثياتها وكيفية التعامل مع ارث عشرات السنين من الخنوع والاستكانة وثقافة القطيع كما يحصل الآن في ليبيا على سبيل المثال؟

     وربما استطاع العامل الخارجي ان يساعد النخب السياسية والاجتماعية على ترتيب الأوضاع كما في العراق وأفغانستان، الا ان الأمور اختلفت في كل من تونس ومصر وليبيا، ولاحقا في سوريا واليمن وغيرهما من الدول ذات الأنظمة الشمولية، التي تتجه إلى مسارات مبهمة تحت مظلة الانتخابات ووصول قوى راديكالية أنتجتها حقبة الدكتاتوريات وثقافة الإقصاء والتهميش طيلة عشرات السنين، متمثلة بأحزاب دينية وجماعات متطرفة استطاعت القفز إلى مفاصل مهمة من خلال استخدام حالات الإحباط واليأس لدى أوساط كبيرة من الأهالي، مما سيضيع فرصة تاريخية لتحول اجتماعي كبير باتجاه المدنية، والعودة إلى أشكال ديكتاتورية تشرعنها الآلية الديمقراطية وصناديق الأكثرية والأقلية، باستخدام العقائد وخلط التشريعات العقائدية والأيدلوجية إلى درجة الإفتاء بالتحليل والتحريم في كثير من أمور السلطة والوصول اليها ومن ثم تقنين المجتمع ثانية باتجاه واحد وفكر اوحد لا يقبل الآخر الا ان يكون ملحقا!؟

     ان اخطر ما يواجه هذه الدول والمجتمعات بعد انهيار أنظمتها الدكتاتورية، هي نفوذ قوى متطرفة راديكالية الى سدة الحكم باستخدام آليات الديمقراطية، كمرحلة أولى لتسلق النظام السياسي والبدء تدريجيا بأدلجة المجتمع ومؤسساته تحت شعار واتجاه وتفكير واحد، بعيدا عن قبول الآخر المختلف من خلال تقزيمه تدريجيا في اوساط الناخبين الذين يعانون في أغلبيتهم من أمية أبجدية وحضارية، ومستويات معيشية متدنية وسلوكيات أدمنوا عليها خلال عقود من الحكم الشمولي والسلوك البدوي والقبلي،  وتأثيرات دينية وعشائرية تمنح هؤلاء المتطرفين شرعية التفرد في الحكم من خلال آليات قبلية أو دينية موجهة بواسطة فتاوى أو تعليمات إيديولوجية معينة.

     لقد آن الأوان لوضع دساتير مدنية متحضرة تبلور مفهوما ساميا للمواطنة، يتجاوز كل الانتماءات الدينية والمذهبية والقبلية والعرقية، ويحرم أي تنظيم سياسي سواء كان على شكل أحزاب أو جمعيات على خلفية دينية أو مذهبية، بل ويمنع أي منظمة على أساس قومي أو عرقي عنصري يعتمد النهج النازي والشوفيني في تنظيره وسلوكه، قبل إجراء أي انتخابات عامة لتأسيس برلمان أو حكومة دائمة، مما سيتيح في حدود معقولة منع وقوع البلاد ثانية تحت سطوة القوى المتطرفة وخاصة في البلدان ذات التركيب المتنوع قوميا ودينيا ومذهبيا.


kmkinfo@gmail.com 



200
مجالس الشعب بين الأمس واليوم؟

كفاح محمود كريم


     تشترك معظم الأنظمة الدكتاتورية في سلوكيات وممارسات متشابهة حد التطابق في صناعة أحزاب الزينة والجمعيات والاتحادات التي يفترض انها تمثل شرائح معينة في المجتمع على غرار منظمات المجتمع المدني في اوربا، الا انها لا تمثل في ظل هذه الأنظمة سوى مجاميع من الدلالين والقومسيونجية وبقالي الأفكار والمبادئ الشغالين في اسواق الزعيم والحزب القائد.

     وقد ادركنا جميعا مجموعة الأحزاب الملحقة بإكسسوارات دولة الحزب والقائد الأوحد، هنا في بلادنا وفي كثير من بلدان العالم التي ابتليت بالأنظمة الشمولية التي لا مثيل لها في الأرض والسماء، حيث يثقف وعاظ سلاطينها الأهالي المساكين على ضرورة وجود الحتمية التاريخية للقائد، الذي لا بديل له ولحزبه في أي مكان من الأرض، لأنه يمثل نعمة السماء ورحمتها على هؤلاء الغلابة من شعوب الشرق، كما وصف مؤسس حزب البعث رئيس النظام السابق صدام حسين!؟

     ولكي لا تضيع أي فرصة أو محاولة لبناء شكل أو هيكل أو مرتسم ديمقراطي، فقد دأبت معظم هذه الأنظمة على تشكيل مجالس شعبية أو وطنية لتمثيل الأمة، واختارت لها خيرة رجالها المتفننين في لعبة ( الثلاث أوراق ) على عادة إخواننا المصريين في تشبيه الكلاوجية أو الفهلوية في الدارجة المصرية، وأطلقوا عليها ظلما وبهتانا بالبرلمان أو الجمعية الوطنية أو مجلس الشعب أو المجلس الوطني أو مجالس الشورى وما شابه ذلك من أسماء فقط لا أكثر ولا أقل، وليست في حقيقتها الا تجمعات غوغائية ببغائية تختفي ورائها مجاميع من العصابات التي تعتاش على المغفلين من أتباع تلك الدكتاتوريات وما يتبعها من مؤيدين ومرتزقة، وقد شهدنا امثلة على ذلك السيرك البائس في المجلس الوطني العراقي ابان حكم البعث ومثيله الان في دمشق وقرينه المنحل في مصر وتونس وعصابات ما كانت تسمى باللجان الثورية في ليبيا وغيرها الكثير ممن ينتظر دوره في الانهيار او الحل.

     ولم تكتف تلك الانظمة في صناعة ذلك السيرك في عواصمها، بل نزلت الى المدن والبلدات وخاصة في بلادنا حينما ابتدعوا فكرة مجالس الشعب التي كانت تمثل مجاميع من اللصوص والرشوجية ومعقبي الدعاوي والدلالين ومعتمدي الامن والمخابرات في الاقضية والمحافظات، إضافة إلى الرفاق من مدراء الدوائر وممثلي الحزب القائد، والذين كان يفترض انهم يمثلون الاهالي، فاجروا لهم انتخابات محلية كانت اشبه بمهرجانات البيعة للقائد وكرنفالات نيسان الميلادية ( ميلاد القائد والحزب ).

      سنوات مريرة مضت حتى بدل الله الحال بحال آخر، فسقط النظام ومجالسه الكارتونية وبدأ الناس ينتظرون تحقيق احلامهم واهدافهم في حكم العقلاء ووصول الأشراف والنزهاء، حيث يفترض ان يكون البديل أفضل تماما عما كان عليه الآخرون، لكننا جميعا نسينا أو تناسينا في خضم فرحة السقوط:

     إن نصف قرن من أعمارنا كانت تحت ظلال الاستكانة والبداوة والرعب، وان مجتمعاتنا ما زالت تأن من تقاليدها البدوية والقبلية، وما زالت القرية وقوانينها تسكن معظمنا، وما زال الشيخ والأغا وما شاكلهم يحصدون أكثرية الأصوات شئنا ام أبينا!؟

     ما زال إمام قريتنا يمتلك حق الإفتاء فيبيح تكفير فلان وعلان ليمهد قتله اجتماعيا أو بدنيا، وما زال هو ذاته أو أمثاله يوجهون القطيع كيفما تشاء بوصلة من يمدهم بالإعاشة والمعاش!؟

     ما زالت الأغلبية من مجتمعاتنا لا تجيد القراءة والكتابة، وان اجادتها لا تجيد الاختيار الحر واتخاذ القرار؟

     ما زال الكثر الكثير من الغلابة والفقراء ممن لم تتحرر لقمة عيشهم ليتحرر صوتهم، فكيف سينتخبون من نريد أو من لا نريد؟

     وما زال وما دام.. والكثير الكثير نشهده الآن في مشاهد اقل ما يقال عنها هو الإحباط، حينما أنتجت كل هذه الــ ( ما زال ) من عناصر تبوأت مواقع عبر تلك الثقافة والتقاليد في مجالس الاقضية والمحافظات صعودا للطامة الكبرى في مجلس النواب، حيث قاطرة ( ما زال ) حملت هذه الأنواع من أنصاف الأميين ومزوري الشهادات والسراق والمرتشين ومعتمدي الأمن والمخابرات وفراشي مسؤولي النظام السابق وملحقاتهم ممن قذفتهم بواطن الفساد والإفساد إلى واجهة الحياة في النظام الجديد؟


     ويبقى السؤال الأكثر إيلاما بعد سنوات من حكمهم وما جرى للدولة عموما، وللمدن والمحافظات بشكل خاص، كيف سمح لهؤلاء ومن له مصلحة في ترشيحهم ودعمهم ووصولهم إلى أول مؤسسة برلمانية ممثلة للأهالي ومنتخبة بشكل حر ومباشر سواء في مجالس الاقضية أو المحافظات أو البرلمان!؟

     وهل ستحمل الانتخابات القادمة في الاقضية والمحافظات وعموم البلاد مجاميع أخرى من أشباه هؤلاء، أم ان الشعب أدرك خلال السنوات الماضية انه استغفل وتمت سرقة صوته باليات لا تفرق كثيرا عن شبيهاتها أيام الحكم الشمولي المقيت؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجالس الشعب:
    وهي مجالس تمثيلية في الاقضية والمحافظات أيام النظام السابق، وأصبحت تسمى
  بمجالس الاقضية والمحافظات دون مفردة الشعب بعد سقوط النظام!؟

kmkinfo@gmail.com

 

201
في كوردستان حكومة جديدة للتحديات؟

كفاح محمود كريم

     اعلن مؤخرا عن تكليف السيد نيجيرفان بارزاني بتشكيل حكومة جديدة في اقليم كوردستان والتي تأتي السابعة منذ انتفاضة الشعب في مطلع تسعينات القرن الماضي، وحصوله على الاستقلال الذاتي وتأسيسه لتلك الادارة المستقلة عن الدولة العراقية، بموجب انتخابات عامة اجريت في حزيران 1992م،  وافرزت خارطة الفعاليات السياسية واحجامها في اول برلمان كوردستاني منتخب بشكل حر ومباشر، شهدت بحقه كثير من المنظمات والمؤسسات الدولية في اوربا وامريكا واسيا والمعنية بمراقبة الانتخابات في العالم.
     ذلك البرلمان الذي ترأسه لأول مرة السيد جوهر نامق، واخذ على عاتقه تشريع جملة من القوانين والقرارات التي تم بموجبها تأسيس اول حكومة اقليمية مستقلة عن بغداد، ترأسها حينذاك السيد فؤاد معصوم، ثم اعقبه السيد كوسرت رسول والدكتور روز نوري شاويس، وهذه هي المرة الثالثة التي يتولى فيها بارزاني رئاسة حكومة الإقليم، حيث تولاها لأول مرة من عام 1999 إلى 2005 رئيسا لحكومة إقليم كوردستان بإدارة أربيل، ثم أصبح رئيسا للحكومة الموحدة لسنتين في 5-7-2005 إلى 5-7-2007 حسب الاتفاق المبرم بين حزبه وحليفه الاتحاد الوطني الكوردستاني، وكان يفترض أن يسلم الرئاسة إلى الاتحاد الوطني لكن الرئيس جلال طالباني مدد له سنتين أخريين ليتم قيادة التشكيلة الخامسة إلى حين إجراء الانتخابات البرلمانية في 25 يوليو (تموز) من عام 2009.
     أما برهم صالح فقد تسلم رئاسة حكومة الإقليم مرتين، الأولى من عام 2001 إلى عام 2003 رئيسا لحكومة الإقليم في إدارة السليمانية قبل التوحيد، ثم رئيسا للتشكيلة السادسة في 28-10-2009 إلى اليوم. وبذلك انحصرت رئاسة الحكومة الإقليمية طوال السنوات الثلاثة عشرة السابقة بين نيجيرفان وبرهم بالتناوب.
      وخلال ما يقرب من عقدين قاد الرئيس نيجيرفان بارزاني حكومتين اقليميتين في دورتين تميزت كل واحدة منهما بخصوصيتها، فقد كانت الاولى تمثل ادارة اربيل ودهوك، بينما قاد الاخيرة حينما نضجت مؤسسات الاقليم وتوحدت الادارتين في السليمانية واربيل وتمت تسميته رئيسا من قبل الحزبين الرئيسيين والمتحالفين معهما، ومن ثم تم ترشيحه من قبل رئاسة الاقليم والبرلمان.
     ورغم انها أي الكابينة الخامسة والثانية برئاسة نيجيرفان، كانت حكومة كبيرة في عددها حيث تجاوز اعضاؤها الاربعين وزيرا، من اجل إحداث توازن في تشكيلة تعكس تراكيب المجتمع سياسيا واجتماعيا تحت ظلال مكوناته القبلية والعرقية والدينية ايضا، الا انها نجحت في انجاز كثير من المهام والمشاريع وتحديث هيكل الدولة وما رافق ذلك من نهوض شامل في البنى التحتية للمدن عموما والعاصمة بشكل خاص، ادى الى رفع مستوى المعيشة وتخفيض مستوى الفقر وبالذات النوع الذي يسمى تحت خط الفقر حيث جاءت نتائج البحوث والدراسات التي اجرتها وزارة التخطيط العراقية للسنوات الماضية حول نسبة الفقر في محافظات البلاد لكي تعطي اقلها في محافظات الاقليم حيث كانت نسبة الفقر في محافظة أربيل العاصمة 3%، وفي السليمانية 3%، وفي دهوك 9%، وفي كركوك 11%، يقابلها على سبيل المثال:  محافظة المثنى تتصدر نسب الفقر حيث تبلغ النسبة فيها 49%، في حين بلغت النسبة في العاصمة بغداد 13%، وفي الموصل 23%، وفي ديالى 34%، والانبار 21%، وبابل 41%، وكربلاء 37%، وواسط 40%، والمثنى 49%، والبصرة 34%، والنجف 25%، والقادسية 35%، وذي قار 34%، ومحافظة ميسان 37%.*
    وتكفي لغة الأرقام هذه لتظهر مديات النجاح والفشل في خطط التنمية والاعمار، لكنها في ذات الوقت لا تظهر نسب الفساد الذي رافق عملية التغيير الشاملة منذ عام 1999م حيث بدأت مرحلة بناء وتحديث العاصمة والمدن بإمكانيات متواضعة حتى 2003م حيث تحسنت تلك الامكانيات المالية بعد تخصيص حصة الاقليم والبدء بإنتاج البترول ودخول الرساميل الاجنبية من خلال الاستثمار الكبير لشركات الاعمار والانشاءات وغيرها في ما يتعلق بالكهرباء والجامعات والمطارات، وارتفاع نسبة الفساد المرافق لتلك الفورة في الاعمار والتحديث.
     ان النجاح الذي رافق عمل تلك الكابينات وبالذات الرابعة والخامسة، حيث شهد الاقليم عملية تحديث كبيرة شملت معظم البلاد وخاصة العاصمة وفي كافة النواحي، مما يحمل الكابينة الاخيرة السابعة مسؤولية كبيرة في مرحلة دقيقة وحساسة على مختلف الصعد، وفي مقدمة تلك المهمات الوطنية هي نبض الشارع والرأي العام الذي يجب اقناعه حقا بالعدالة وبأعمال جدية للإصلاح ومكافحة الفساد، الذي شرعت رئاسة الاقليم بدخول مضمار ملاحقته وكشف ملفاته.
     وتأتي التنمية البشرية في مقدمة المهام الاولى التي توازي وتتناسب مع عملية التحديث والاعمار، لكي يتم تقليص المسافة والبون الشاسع بين شكل الاعمار وانماط السلوك بما يجعل التقدم نوعيا ويحدث تغييرا في نمط السلوك والتصرف الحضاري للمجتمع، من خلال ثورة حقيقية في التعليم ومناهج التربية وتكريس فصل الدين عن السياسة والدولة لإقامة مجتمع مدني يؤمن بمفهوم سامي للمواطنة ترتقي على اية مشاعر او انتماءات اخرى.
    ان حزمة الملفات في سلة الحكومة السابعة عديدة ومهمة جدا وفي مقدمتها تكريس الامن والسلم الاجتماعيين واقناع المعارضة بالمشاركة الفعلية فيها، او التحول الى معارضة وطنية حقيقية تعمل كحكومة ظل، لتعين وتراقب اداء السلطة التنفيذية في اداء مهماتها بدقة واخلاص بعيدا عن الانتقامية والمنافسة الضيقة والنظرة السلبية ذات الاتجاه الواحد، والعمل كفريق واحد من اجل مكافحة الفساد، وحل مشاكل الإقليم المهمة سواء الداخلية منها او الخارجية وخاصة مشكلة المناطق المتنازع عليها وظروف سكانها المأساوية التي ما زالت ترزح تحت ذات القوانين الظالمة للتعريب وخاصة فيما يتعلق بالمرحلين وممتلكاتهم من الاراضي والمساكن والاملاك، اضافة الى تحديات الخدمات وبالذات السكن للشرائح الفقيرة والمتوسطة وما تعانيه في مستويات معيشتها سواء في المدن او في الارياف حيث تباعدت المسافة كثيرا بين الفقراء والأغنياء ولم تتبلور بشكل واضح وجلي طبقة متوسطة، وخاصة في الريف الذي يعاني من تدهور واضح في انتاجياته وهجرة سكانه الى المدن، بسبب السياسة الاستهلاكية والاستيرادية الخاطئة والبطالة المقنعة التي انتجتها عمليات التوظيف العشوائي وانحسار مهنة الزراعة وتحول اصحابها الى مهن اخرى غير انتاجية.
     مع كل هذه الأثقال والتحديات يبدو الشارع هنا متفائلا كون السيد  نيجيرفان بارزاني المرشح لرئاسة الوزراء، كان رئيسا لأكثر من حكومة سابقة، وفي ظروف أدق وأصعب منها الآن، ويتميز بديناميكية وقبول من كافة الأطراف والفعاليات السياسية والاجتماعية في البلاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نص تقرير وزارة التخطيط العراقية حول معدلات الفقر في البلاد: 
http://www.pukmedia.com/News/27-04-2009/news12.html


 

 



202
نيجيرفان بارزاني سيترأس حكومة كوردستان

كفاح محمود كريم

     يبدو ان الكابينة السادسة تقترب من ايامها الأخيرة بعد سنتين من قيادة الهيكل الحكومي في اقليم كوردستان برئاسة الدكتور برهم صالح، والتي تميزت بمواجهة كثير من المشاكل الداخلية المتعلقة بالفساد والخارجية المتعلقة بملفات العقد الخلافية مع الحكومة الاتحادية، الى جانب تنفيذ خطط واعدة كانت الكابينات السابقة قد وضعت أسسها بعد توحيد الإدارتين وتوقيع الاتفاق الاستراتيجي بين الحزبين الكبيرين الفائزين في معظم الانتخابات التي جرت خلال الأعوام السابقة بنسب متقاربة مع تحالفات تنضوي تحتها مجموعة من الأحزاب الأخرى الى جانب كل واحد منهما، حتى ظهرت أو بدأت تتبلور أشكال جديدة ومغايرة من المعارضة متمثلة بجناح انشق عن الاتحاد الوطني وأسس له تنظيما تحت اسم حركة التغيير ( كوران ) التي فازت بالتحالف مع حركتين دينيتين اسلاميتين بما يقرب من ربع مقاعد البرلمان الكوردستاني في الانتخابات الأخيرة، ورفضت المشاركة بحكومة برهم صالح.

     ويستعد رجل الدولة الشاب نجيرفان بارزاني ( 45 سنة ) للعودة الى قيادة الحكومة الإقليمية في كوردستان للمرة الثالثة بعد نجاحه في قيادتها لما يقرب من ثمان سنوات أنجزت فيها حكومته ما عجزت عن تنفيذه الحكومة العراقية خلال ثمانين عاما، فأحدثت تغييرا كبيرا في كافة أجزاء الإقليم وخاصة العاصمة اربيل التي حولتها من مدينة صغيرة الى واحدة من أجمل مدن العراق في كل نواحي الحياة، لتصبح فعلا العاصمة الثانية للبلاد ومقرا لكثير من المؤتمرات العراقية والدولية ومركزا من مراكز الاستثمار الإقليمي والعراقي، وأنهت واحدة من أكثر المشاكل تعقيدا الا وهي مشكلة الكهرباء، ووضعت خططا ومشاريع عملاقة لمعالجة مشكلة السكن، إضافة إلى مشاريع مهمة وإستراتيجية في ما يتعلق بالماء والمواصلات والجامعات والمطارات وبقية الخدمات.    

     نيجيرفان البارزاني يشغل حاليا منصب نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ويتمتع بعلاقات ايجابية وقوية مع مختلف القوى السياسية وخاصة المعارضة منها، كان قد قاد قبل سنة 2009  حكومة إقليم كوردستان وحقق نجاحات كبيرة رغم ما صاحبها من مساحات للخلل ونقاط للفساد هنا وهناك أنتجته عملية التغيير الشاملة الا انها تركت بصمات واضحة على شكل الإقليم وتطوره خلال السنوات التي قاد فيها هذا الرجل وطاقمه كابينتين مثيرتين في مرحلتين دقيقتين، الأولى تلك التي أسسها الحزب الديمقراطي الكوردستاني ابان الإدارتين المنفصلتين، والثانية بعد توحيدهما حيث كلفه رئيس الإقليم لتأسيس حكومة كوردستانية موحدة ضم فيها أغلبية القوى الموجودة على الساحة السياسية والاجتماعية، من الشيوعيين والعلمانيين والإسلاميين والمسيحيين والايزيديين والتركمان وغيرهم.

     نيجيرفان بارزاني حفيد الزعيم الكوردي الكبير الملا مصطفى البارزاني، وهو النجل الأكبر لإدريس مصطفى البارزاني، احد ابرز قيادات البارزانيين المعاصرة، والذي توفي في ثمانينات القرن المنصرم بعد ان ترك بصمة كبيرة في نفوس شعبه وحزبه الذي يذكره كواحد من ابرز قياداته المتميزة تاريخيا، ونجله نيجيرفان بارزاني الذي لمع نجمه خلال العقد الأول من القرن الحالي بديناميكيته المعهودة ودبلوماسيته الشهيرة في كثير من المواقف الصعبة التي واجهت الإقليم داخليا وخارجيا، فقد وصف بأنه مهندس العلاقات الكوردستانية مع كل من تركيا وايران،   اضافة الى دوره المتميز في رأب التصدعات في الجبهة الداخلية لما يعرف عنه بالحنكة والحكمة في معالجة المشاكل السياسية وبالذات تلك التي شهدها الإقليم في صراعات الحزبين او بين الحزب الديمقراطي والعمال الكوردستاني وحتى اشكاليات حركة التغيير مع الاتحاد الوطني الذي انشقت عنه.

      واليوم يقود البارزاني نيجيرفان واحدة من اهم الكابينات الحكومية في اقليم كوردستان التي يفترض ان تشترك فيها المعارضة بشكل جدي ومهم لتمثل بقوة المجتمع الكوردستاني وفعالياته السياسية والاجتماعية في واحدة من اهم مراحل تطور الإقليم سياسيا واقتصاديا، حاملة الكثير من الحزم والسلال المليئة بالمشاكل مع مجموعات المعارضة التي يحتمل كثيرا أن تشارك في حكومة يقودها نيجيرفان بارزاني، إضافة إلى ملفات الفساد التي تحتاج الى تنفيذ ما توصلت اليه اللجنة التي شكلتها رئاسة الإقليم في مكافحة الفساد، والعمل من اجل تقليص مساحات الفقر والبطالة والأمية ورفع المستوى المعاشي للأهالي وتحديث الهيكل الحكومي، إلى جانب الملف الخارجي سواء مع الحكومة الاتحادية وملفات المناطق المستقطعة والميزانية والنفط والغاز وقوات البيشمه ركه وغيرها، او مع كل من تركيا وايران وحزب العمال الكوردستاني وموضوع الحدود وتجاوزها من قبل قوات الاطراف الثلاثة.

  ربما ان هذه السلال المليئة بالمشاكل داخليا وخارجيا سيكون حملها ثقيلا في ظروف دقيقة ومعقدة الان، الا ان ما يشيع الارتياح لدى معظم الأهالي في الإقليم هو تمتع السيد نيجيرفان بارزاني بشعبية كبيرة ومواصفات أهلته وتأهله لقيادة المرحلة القادمة، لما عرف عنه من شخصية عملية ديناميكية وميدانية يهتم بقيادة حكومة تشترك فيها المعارضة بشكل جدي ومهم، إلى جانب تبنيه لعملية تحديث البنية الأساسية للدولة والمجتمع وتسخير رجال الأعمال والاستثمار والشركات العالمية من اجل تلك الخطط الطموحة، وذلك لأحداث نقلة نوعية لا في البناء فقط وإنما في التنمية البشرية ايضا التي يحتاج لها الإقليم.
kmkinfo@gmail.com

 

203
دولة القرية والديمقراطية العرجاء؟

كفاح محمود كريم  
 

     يتذكر العراقيون مطلع السبعينات من القرن الماضي كيف اتخذ الرئيس العراقي الأسبق احمد حسن البكر قرارا بمنع الألقاب واستخدام اسم العشيرة أو المنطقة أو حتى الاسم الرابع للشخص، في محاولة متواضعة لإيقاف المظاهر العشائرية ظنا منه بأن هذه الخطوة ستنهي نظاما تكلس في مفاصل وهياكل المجتمع العراقي منذ مئات السنين، ويحتاج إلى عملية تغيير اجتماعية وتربوية واقتصادية وثقافية ليست بالقصيرة، تحرر الفرد والمجتمع من القيود العشائرية والآليات التي تربط ذلك الفرد بنظام العشيرة وشيخها اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، من خلال وضع أسس رفيعة للمواطنة التي ترتقي في مفاهيمها على العشيرة والمنطقة والدين والمذهب والعرق والقومية ليكون الولاء للشعب والوطن بكافة مكوناته وطبقاته وشرائحه، إضافة إلى إشاعة التعليم وتطوير البنية التحتية للريف وإيصال الكهرباء والمواصلات والمدارس ومراكز الصحة والتصنيع والوعي بما يحرر الفرد من أثقال النظام العشائري وينقله تدريجيا إلى النظام المدني.

    لكننا سرعان ما أدركنا إن قرار الرئيس البكر ( الذي رفع الألف واللام من اسمه الثالث البكر ليجعله بكر ) كان صورة من صور الصراع العائلي بين أطراف الحكم آنذاك، فبينما كان نائبه يُعرف وقتها بصدام التكريتي ووزير دفاعه حردان التكريتي وشقيق نائبه برزان التكريتي وتنهج مجموعة صدام نفس ذلك النهج في التعريف، كان صدام حسين يلملم كل أبناء قريته وعشيرته والمقربين منه ( في المرحلة الأولى ) من المفوضين ونواب الضباط والعرفاء وصغار الموظفين في الداخلية والدفاع لكي يدخلهم دورات سريعة ويحولهم الى ضباط في خطوط الحماية وحراسات القصر الجمهوري وديوان الرئاسة ( لصناعة دولة القرية )، حيث كانت الأمور تسير بهذا الاتجاه مع ( السيد النائب ) بينما كان ( بكر ) يحاول إلغاء اللقب ربما ليجرد صدام مما كان يبغيه من استخدام اسم قريته وتأسيس دويلة ضمن الدولة التي يروم تكوينها الرئيس البكر آنذاك.

   ورغم محاولات البكر ومجموعته في إحداث تغيير مهم في بنية القرية والمجتمع العراقي، من خلال الاهتمام بالأرياف والتشجيع على الهجرة المعاكسة للقرويين الذين تركوا قراهم وسكنوا أحزمة المدن، إضافة إلى ما سمي في حينه بالحملة الوطنية لمحو الأمية التي ركزت فعالياتها في الأرياف، إلا إن الطرف الثاني كان يؤسس شيئا آخر يناقض توجهات البكر ويعمل على تكريس العشائرية والمناطقية من خلال تكثيف تلك العقلية في المدن ومفاصل الدولة المهمة في الدفاع والداخلية والتعليم، حتى عشية الحرب العراقية الإيرانية وبداية عسكرة المجتمع وفصله إلى مناطق ومذاهب وأعراق واستكمال عملية ترييف المدن وبناء أسس دولة القرية.

    وبذلك تكلست تلك العقلية والثقافة التي اعتمدت العشائرية والمناطقية في مفاصل مهمة من المجتمع، وخلال ما يقرب من ثلاثين عاما غزت تلك العقلية والسلوك والانتماء أغلبية المدن بمظاهرها وتقاليدها حتى تسببت في مسخ وضياع هويتها أمام طوفان الأمية التي عادت مكللة بالأمية الحضارية وأفواج من القرويين العشائريين ذوي الرتب الحزبية والعسكرية والأمنية التي أنتجتها ماكينة إعلام السلطة وسياساتها لعقود طويلة في تسطيح العقول وتقزيمها وغلق حدودها وقنوات اتصالها حتى تحول العراق عشية الحرب والاحتلال والسقوط إلى قرية من قرى الخمسينات من القرن الماضي، لا يفقه أي شيء مما يدور حوله وهو المقطوع والممنوع عن كل ما يمت بالحضارة من صلة بدءا بالجامعات والمعاهد ومراكز البحوث والدراسات والصحف والمجلات وانتهاءً بالهاتف النقال والانترنيت وأجهزة استقبال القنوات الفضائية، واقتصرت بلاد النهرين العظيمين ونفوسها الذي يقارب الثلاثين مليونا على ما يضخه النظام على طريقة مفردات البطاقة التموينية المهينة، والتي أصبحت الحبل السري للمواطنة العراقية التي كان يريدها النظام السابق ويستخدمها ضد مواطنيه؟

     واليوم وبعد ما يقرب من تسع سنوات عجاف كان يفترض أن تكون سنوات خير وسلام وازدهار وبناء، تحولت رغم كل الاضاءات الخلاقة للحرية الى ساحات تكثفت فيها العقلية التي سادت لعشرات السنين وما صاحبها من سلوكيات وممارسات والتي دمرت البلاد والعباد طيلة أربعين عاما ما زالت تلك العقلية تديم  نافورة الدماء والجدب وتخلط الحابل بالنابل لتشوه الحقائق، ويتساوى فيها الانتهازي والمناضل، تلك العقلية التي ما تزال مهيمنة على معظم مفاصل الدولة وحكامها وبمختلف المستويات، بل وزادت حدتها من خلال دعم الحكومة والمتنفذين في مفاصلها على مقادير البلاد سياسيا واجتماعيا، فهم يكرسونها ويعملون على إدامتها وتفعيل آلياتها البدائية حتى في المدن التي يفترض أنها أي تلك الثقافة أقل سطوة، إلا إننا نشهد عمليات تثوير حادة لتلك العقلية والسلوك من خلال المؤتمرات العشائرية التي تعقدها الحكومة وتدعمها الأحزاب والكتل المتنفذة في البلاد.

     وحقا لا يدرك المرء أين تتجه البلاد بهذه الحمولات والأثقال البعيدة عن مفهوم المواطنة الحقة، بسلوكياتها وتقاليدها الاقصائية، القبلية تارة والمذهبية تارة اخرى، وبانتماءات لا يضاهيها أي انتماء ينافس القبيلة أو المذهب أو القومية والدين، في بلاد تعج بالأعراق والقوميات والمذاهب والأديان، ولا يرتضي أي منها بعد اختراق حاجز الخوف وسقوط دولة الرعب والإرهاب، حكم أي من المكونات تحت أي تسمية أو شكل ما لم تنمو مفاهيم متفق عليها للمواطنة التي تجعل من الكل كأسنان المشط وبأطوال متساوية، وحتى تحقيق تلك المفاهيم والمشتركات فإن:  ديمقراطية في بلاد تنتهج الأسلوب العشائري والولاء القبلي والقروي في حياتها، وما يزال أكثر من نصف سكانها من الأميين ستكون ديمقراطية عرجاء ولن تنتج إلا مؤسسات معاقة جينيا؟

kmkinfo@gmail.com


204
أعضاء برلمان أم معقبو دعاوي؟

كفاح محمود كريم
   
      في كثير من البلدان ذات العهد المستجد بالتطبيقات الديمقراطية، ومنها بالتأكيد بلادنا التي تشرفت بانتقالها السلس جدا من النظام الشمولي ذي البعد الواحد الى النظام التعددي ذي الأبعاد الجوارية، بفضل النظام العالمي الجديد والمستر برايمر المعروف بنزاهته المليارية وليست المئوية، نسبة للمعيار المئوي القديم، انتقلت كثير من مزايا النظام الديمقراطي في المجتمعات الأوربية وفي مقدمتها وصول أي شخص يحصل على نسبة معينة من الأصوات، طبعا بمعاييرهم التي لا تخضع أبدا للشد القبلي أو الديني أو القومي أو المذهبي، وربما فقط بعض التأثيرات الدولارية المحصورة هنا وهناك من خلال كارتلات الشركات وبورصات المال وأنابيب النفط والغاز، على عكس ما حصل عندنا في اثنتين من اغرب وأجمل الانتخابات في تاريخ العراق المعاصر، حيث وصل أناس إلى مقاعد البرلمان لا يعرف حقيقتهم الا من خلقهم فقط، ووثائق مديريات الأمن والمخابرات والبعث التي اختفت معضمها بقدرة قادر!؟

     وهنا أتذكر ما كنا نتداوله عن وردية الديمقراطية وما ستنقله لنا من أدوية إنقاذ للحياة وانطلاقة لبناء حضارة جديدة، متناسين تماما في صخب الإرهاب والاستبداد طبيعة مجتمعاتنا التي تتميز بأنواع لا تحصى من الأمية ربما آخرها الأمية الأبجدية، يتقدمها نمط السلوك والثقافة القبلية التي تسكن تحت أجمل واحدث موديلات الحضارة الحديثة والياتها ومعطياتها، إلى جانب نسبة تقترب من نصف السكان الموصوفين بالفقراء واقل منهم بقليل يحق للخبراء وصفهم بالمعدمين أي تحت خط الفقر!؟

     بهذا المشهد وهذه البانوراما الاجتماعية دخلنا حقبة الديمقراطية على أكتاف مجتمع يئن من الانتهازية والخنوع والتدليس والعقلية العشائرية التي أوصلت ذات الوجوه أو أشباهها منذ مليكنا المفدى وحتى رئيسنا الضرورة إلى كل مؤسسات الدولة، حيث ينغمس كثير من هؤلاء الأعضاء في مؤسسات النظام الجديد وخاصة في الحكومة والبرلمان، بمهام وواجبات ومسؤوليات لا علاقة لها إطلاقا بوظيفتهم التي يشغلونها من خلال آليات مالية أو فئوية أو حزبية أو عشائرية، استخدمت القطار الديمقراطي ونقلتهم من ضفة مختلفة تماما عن ضفتهم الأصلية، التي ما لبثوا وان عادوا إلى سلوكياتها التي كانوا يمارسونها قبل انتقالهم إلى تلك القاعة الكبيرة، عملا بالقاعدة المتوارثة: عادت حليمة إلى عادتها القديمة!؟

    فمن بعثي مفصول أو فاشل في انتخابات حزبه وأصبح مناضل بعد السقوط، إلى مفوض في الأمن أو نائب ضابط في الاستخبارات، أو مهرب بين ايران وتركيا والعراق، أو بين إقليم كوردستان والموصل أو كركوك ومعتمد لدى أجهزة المخابرات، أو عراب لتصحيح القومية والمذهب، أو قومسيونجي ومعقب دعاوي، إلى مشرع كنائب في البرلمان، أو موظف تنفيذي عالي المقام يمثل هذا العراق العجب!؟

    والغريب أن الكثير من هذا الكثير ( النكرات السياسية والاجتماعية ) لا ينفك يتحدث عن أمجاده في النظام السابق، فما بين سجين أو مفصول أو معتقل بسبب هروب من الجيش أو جريمة مخلة بالشرف أو جنحة عادية، إلى رفيق حزبي أو عضو شعبة أو فرع لم يفز في انتخابات بعثية حزبية سبقت السقوط، أو عوقب لمال مسروق أو سوء خلق وارتشاء، يقبع الآن في زوايا تلك القاعة ولا احد يدري من يمثل هناك، هل يمثل البعث الذي طرده أم الفساد الذي أوصله، أم العشيرة والحزب الذي تولاه واشترى به مصالحا أو مكاسب لا علاقة لها البتة بمصالح البلاد والعباد!؟

    وفي كل هذه الحالات يعتلي منصة الإعلام ليتحدث باسم الشعب وباسم الدولة، تارة عن مستقبل البلاد وأخرى عن التمنية والأعمار، والأغرب أكثر من كل ذلك تهافتهم على قنوات التلفزة للحديث والتصريح عن أي شأن من الشؤون وبالذات تلك التي لا علاقة لها أبدا بالأمن والسلم الاجتماعيين، بل على العكس تلك التي تصب الزيت في النار وتعقد الأمور، حتى وان كانت عن حقوق شعب الواق واق وتطلعاته في الاتحاد مع جنوب افريقيا أو كوريا الشمالية الثكلى!؟


     ونهاية المطاف وخلاصة الأحداث وعصارة نضال هؤلاء النواب ومن أوصلهم إلى هناك، هذا المشهد الذي نراه صباحا ومساء، والأكثر إيلاما هو ما زال هناك من يسأل:


     لماذا تتدهور الأمور هكذا وهذا الجمع يقود العباد والبلاد!؟

 
kmkinfo@gmail.com



 

 


205
الأغلبية الصامتة والسيرك السياسي؟

كفاح محمود كريم

     رغم ادعائي أن لا أكثرية سياسية في العراق وان كل المكونات لا ترتضي حكما عليها من غيرها مهما كانت الأسباب والمسببات،  وإن جمهرة من القراء اعترضوا كثيرا، بل ان بعضا شمروا عن سواعدهم وسيوفهم لإعلان الجهاد المقدس عن الأغلبية المظلومة في العراق العظيم، حتى ظننت ان الكفر قاب قوسين من ادعائي، لو لم يبرأني الكاتب الزميل سنان احمد حقي بتعقيبه المنشور في مواقع عديدة.

     أعدت النظر وركزت التفكير وحاولت استخدام مكبرات صور وصوت، وحتى ميكروسكوبات فائقة التكبير، لكي أتأكد من وجود أغلبية تقنع الجميع بأنها جديرة بالحكم في بلاد ما زالت تعتبر العشيرة والقرية قمة الانتماء والهوية، وليس من خلال صناديق الاقتراع فقط، بل من خلال ثقة الآخرين غير الذين يعطون تلك الأوراق المظلومة لمراقبي الصناديق الملقنين كالأموات أو ممثلي المسرح المستجدين، أو يدسونها خلسة أو تباهيا في ذلك الشق اللعين من الصندوق، الذي كاد أن يفصل رأسي عن جسدي في ( الاستفتاء على رئاسة الجمهورية ومرشحها الأوحد صدام حسين،  بنعم أو لا في كانون أول عام 1995م ) حينما اكتشفوا ورقة مؤشر عليها بـ  (لا) في قاطع انتخابات الحي الذي كنت اسكنه وقتذاك، حينما  أودعتها هناك بشيء من التحدي رغم معرفتي بالنتائج مسبقا!؟

     أعود لنتائج اعادة النظر وتركيز الفكر لكي اقسم هذه المرة بأغلظ الأيمان دون خوف أو تراجع، انه ليس هناك أغلبية واحدة في البلاد، حيث أكدت الفحوصات والكشوفات وجود اغلبيتان ( مكرودتان ) لا علاقة لهما بكل ما يحدث في البلاد، ولا بالكتل السياسية أو القوميات، ولا حتى في الأعراق والأديان والمذاهب، بل ان الكثير منهم لا يعرف من يحكمنا اليوم، الى درجة ان كثير من عجائزنا ما زلن يترحمن على الملوك والرئيس القائد، ويسألن عن مواد البطاقة التموينية وقواطع الجيش الشعبي والعسكرية، التي تم استبدالها بالميليشيات وحمايات المسؤولين وقوات الصحوة والإسناد!؟

     أقول قولي هذا واستغفر الله من الاغلبيات السياسية والقومية والمذهبية، واتكأ على أغلبية غلبانة لا تحل ولا تربط وليس لها ناقة ولا جمل في كل استعراضات السيرك السياسي منذ تأسست دولتنا هذه وحتى ما يشاء الله، رغما عن كل الانقلابات والاحتلالات وانواع الديمقراطيات الشعبية منها والمركزية وحتى العشائرية وصناديقها وشقوقها، وما يلحق ذلك من وسائل التسكين والخنوع والتخدير من اشكال التموين وبطاقاته، وحتى شراء الأصوات أو بيع الوعود في مزادات الانتخابات على طريقة نوابنا قبل بدأ السبق بساعات!؟

      وتبقى الأغلبية الصامتة والخرساء من الرجال والنساء، واعية كانت أم بلهاء، لا يهمها أبدا من يكون الرئيس أو الوزير، بقدر همها على حاجاتها الأساس وأمنها وسلامة حياتها وسعادة أسرها، وبذلك فهي ما زالت تلغي كل أشكال الاغلبيات السياسية والمذهبية والقومية بصمتها وخنوعها حتى يأذن الله لها ذات يوم ان تكون فعلا أغلبية فوق كل الاعتبارات!

kmkinfo@gmail.com

206
كوردستان بيت الحكمة والأمان

كفاح محمود كريم

      حينما تدلهم الأمور وتضيق الأحوال ويداهم الضيم والظلم رجال السياسة من كل المشارب، يولون وجوههم شطر بيت الحكمة والأمان كوردستان السلام والوفاء، منذ تأسيس الدولة وحتى يومنا هذا، حيث الملاذ الأمن والحضن الدافئ وقبول الآخر واحترام خياراته وخصوصياته، ولطالما تغنى العراقيون بطيبة وحكمة ودقة الكورد في أي مجال من مجالات الحياة، رغم ما كانت تفعله ماكينة الإعلام التابعة لمعظم أنظمة الحكم التي تسلطت على البلاد منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، ليس في العراق وحده بل حتى في سوريا وتركيا وايران التي حاولت تشويه صورة الكورد لدى الرأي العام بشتى الأساليب والطرق، حتى أدركها الفشل وبانت حقائق الأمور، فإذ بها امام شعب مسالم حر أبي، يعتمد الحكمة والصبر والتأني في مجمل تفاصيل حياته، ويجيد البناء والاعمار ويحب الحياة والسلام والأمان والازدهار، وقد أثبتت الأيام انه حينما نال لبضع سنوات أمانا وسلاما وحرية استطاع ان ينجز ما عجزت عنه دولا منذ تأسيسها، ولربما ما فعله خلال عقد واحد من السنين عجزت عن فعله حكومات العراق خلال ثمانين عاما.

     ومقارنة بسيطة بين الإقليم وبقية أنحاء البلاد تظهر لنا حقائق كثيرة في مقدمتها فشل تلك الماكنة الإعلامية البائسة في تصوير الكورد والكوردستانيون عموما، بل وفشل كثير من المؤسسات التي حاولت ان تصور كوردستان كما وانها لا علاقة لها بالعراق وشعبه واحواله خيرا وشرا، وفي كل مرة وقبل ان تأخذ تلك الادعاءات مداها يثبت الكوردستانيون انهم جديرون بالنجاح والحكمة كما في كل محطات حياتهم، وانهم دوما محط احترام واعجاب كل من عرفهم عن كثب او تعامل معهم او عاش بينهم.
     لقد اثبتوا دوما انهم جزء من الحلول ولن يكونوا جزءً من أي مشكلة مهما كانت، بل انهم تعالوا على جروح غائرة وذهبوا الى بغداد حين سقوطها لكي لا تكبر جروح اخرى، ولكي يعملوا من اجل عراق جديد لا فرق فيه بين عربي واعجمي الا بما يقدمه المواطن لخدمة البلاد ومصالحها العليا، ويحفظ حقوق كل الاقوام والاعراق والاديان بذات الاطوال والمستويات دون انتقاص او تهميش او اقصاء.

وفي كل الساعات العصيبة والمواقف الدقيقة كان الإقليم دوما يسارع إلى تهدئة الأوضاع ودفعها إلى السلام والحل، كما حصل في كثير من المواقف خلال السنوات التسع الماضية ابتداءً من كتابة الدستور وليس انتهاءً بتحمله كثير من اللف والدوران والتسويف فيما يتعلق بالمادة 140 وتطبيقاتها وموضوع التعداد العام للسكان والميزانية الخاصة بالإقليم ( 17% ) التي لم تدفع كاملة لحد هذه السنة، إضافة إلى انه لم يقف أبدا مع طرف ضد آخر، بل كان دوما على مسافة واحدة من كل الأطراف بما يحقق المصلحة الوطنية العليا ويحافظ على الدستور، وقد اتضح ذلك من خلال مواقف الإقليم ابان الاحتراب الطائفي ومشاركة قواته للحفاظ على الأهالي وأحيائهم من أي اشتباكات قد تؤدي إلى إبادة جماعية للسكان في بغداد وضواحيها، بل ان الإقليم بكافة محافظاته وبلداته أصبح ملاذا  آمنا لكل من تم تهجيرهم أو تعرضوا للتهديدات بالقتل أو الابتزاز من العلماء والأطباء ورجال الأعمال والفنانين والأدباء، حتى غدت كوردستان تعج بمئات الآلاف من السنة والشيعة والمسيحيين والصابئة المندائية الذين تركوا مدنهم وأحيائهم نتيجة الاحتراب المذهبي أو الديني والسياسي.

     واليوم تتعرض البلاد إلى واحدة من اخطر الأزمات التي واجهتها منذ سقوط النظام، حيث انسحبت قوات الاحتلال وبدأت مرحلة دقيقة من مراحل الاعتماد على الذات، وبدأ الصراع بين المتخاصمين على الحكم يأخذ إطارا خطيرا قد ينزلق إلى مستنقع الاحتراب الطائفي، من خلال ملفات الاتهامات والاتهامات المضادة واستخدام السلطة والحكومة ضد بعضهما البعض، حتى وصول نائب الرئيس ونائب رئيس الوزراء ووزير المالية ومرافقيهم وأسرهم إلى الإقليم، ابتعادا عن مراكز التسخين في العاصمة التي بدأت بعض المفاصل بملاحقتهم باتهامات تتعلق بتورط رجال حمايتهم بعمليات عنفية أو إرهابية كما ذكرت البيانات والمؤتمرات الصحفية لكلا الطرفين، والتي ساهمت في تعقيد المشهد السياسي والأمني الذي انحدر تماما في العاصمة وأدى إلى مقتل عشرات المواطنين وجرح المئات خلال يوم واحد فقط.

     لقد اتسمت مواقف الإقليم بالحكمة والدراية والتأني واحتواء المشكلة والتعامل معها بروح وطنية تخدم مصالح البلاد والعملية السياسية برمتها، والتأكيد على الفصل بين أداء القضاء ومؤسساته وبين العمل السياسي وتجاذباته، وعدم تسخير الإعلام ووسائله لقضايا تتعلق بالعدالة والقضاء، حيث أشاع تعاطي إدارة إقليم كوردستان مع الأزمة الأخيرة المتعلقة بالسيد نائب رئيس الجمهورية، ارتياحا كبيرا لدى كل الأوساط في البلاد وخارجها، وبالذات رفض تسليمه كمتهم للحكومة الاتحادية مع التأكيد على احترام القضاء واستقلاليته وعدم التدخل في شؤونه، واحترام هيبة الدولة متمثلة برموزها في الرئاسة، مع عدم الإقرار ببراءته من عدمها حيث يقرر القضاء باستقلالية تامة تلك الأمور بعيدا عن الصراعات السياسية والمذهبية، وحفاظا على العملية السياسية ومستقبل البلاد والنظرة البعيدة والصائبة واحتراما لتقاليد واعراف مجتمعاتنا التي تتجاوز حتى القوانين في تطبيقاتها، تعاملت إدارة الإقليم بحكمة بالغة مع تفاصيل الأزمة بما يخفف من التوتر ويحافظ على مصالح بلادنا العليا.
kmkinfo@gmail.com 



207
لا أغلبية في العراق؟

كفاح محمود كريم

    ربما يعتقد البعض إن مبدأ الأغلبية المعمول به في كثير من دول العالم ذات التكوين الواحد دينيا وعرقيا يمكن استخدامه في بلدان متعددة التكوينات الدينية والمذهبية والعرقية والقومية، كما في العراق وسوريا وتركيا وايران والكثير من البلدان الأخرى، حيث يمكن استخدامه فقط حينما يتم إلغاء الآخر تحت نظام أحادي شمولي مستبد كما كان في العراق وما يزال في كل من ايران وسوريا، أو تحت مضلة نظام ديمقراطي بصبغة عنصرية لا تعترف بالمكونات الأخرى، إلا حينما تتخلى عن خصوصياتها القومية والثقافية والسياسية، كما هو الحال في تركيا وإسرائيل، بحجة المواطنة التي تنصهر في كل الخصوصيات لصالح الخصوصية الأكبر!؟

     في العراق وبعد انهيار نظام صدام حسين الدكتاتوري وسقوط تلك الصيغة الأحادية التي حكمت البلاد ما يقرب من ثمانين عاما منذ تأسيس الدولة العراقية، بدأت مرحلة جديدة لوضع أسس نظام يعتمد في تكوينه على مشاركة كل المكونات القومية والدينية والمذهبية والعرقية، بما يؤسس تدريجيا لدولة المواطنة في ظل دستور يضمن حقوق كل المكونات ويحقق بقاء البلاد اتحادا اختياريا بين كل هذه الأطراف في نظام فيدرالي يمنحها حقوقها في الإدارة الذاتية وبتوافق اتخاذ القرار الاتحادي بما لا يدع مجالا لأي انفراد أو تفرد على حساب الآخرين، ولأجل ذلك كانت التوافقية التي ميزت طبيعة الحكم طيلة السنوات المنصرمة وحافظت على وحدة البلاد وعدم تجزئتها.

     ان طبيعة تكوين العراق وشكل نظامه السياسي طيلة ثمانين عاما وما تخللها من حروب وإقصاء وظلم كارثي كبير ترك آثارا بالغة، لا يسمح بأي شكل من الأشكال قيام أغلبية تتفرد بالحكم،  سياسية كانت أم قومية أو دينية مذهبية، حتى وان كانت من الناحية العددية تتفوق أو تتجاوز المكونات الأخرى، فالعراق يتكون وواقع حاله منذ تأسيسه من الناحية الدينية بأكثرية عددية مسلمة يعقبها المسيحيون والايزيديون والصابئة واليهود، ينتمون في أصولهم وقومياتهم إلى أكثرية عربية يشاركها الكورد ومكونات أخرى من الآشوريين والتركمان والكلدان والسريان والأرمن، حيث أظهرت السنوات الماضية ونتائج الانتخابات العامة الأخيرة ثلاث اصطفافات واضحة جدا تكثفت فيها ثلاث تكتلات مذهبية وقومية هي:
    التحالف الوطني والقائمة العراقية والتحالف الكوردستاني، التي تمثل مكونات العراق الرئيسية؛ الشيعة والسنة والكورد، ورغم وجود تداخلات في المكونات الثلاث كوجود كوادر شيعية في الكتلة العراقية، وبعض الكورد والتركمان في كلا القائمتين التحالف الوطني والعراقية وكذا الحال في التحالف الكوردستاني الذي يضم مكونات غير كوردية مثل الاشوريين والتركمان والكلدان والسريان والعرب، إلا أن واقع الحال وما يجري من تجاذبات وصراعات يمثل حقيقة المكونات الرئيسية للبلاد التي تتوزع جغرافيا ايضا حول العاصمة بغداد، في الجنوب والفرات الأوسط، والغرب وبعض من الشمال والشرق، والشمال مع بعض من الغرب والشرق لتكون اقاليما جغرافية وتاريخية متناسقة ومتجانسة، تتوحد جميعها حول عاصمة تاريخية لا تقبل ثقافتها الا أن تكون ملكا لكل المكونات والأديان والمذاهب، تلك هي بغداد التي تتقاسم فيها اليوم  المكونات الرئيسية والأخرى مواقعها الاتحادية في السلطات الثلاث بطواقم مترهلة ومتداخلة بغياب إعلان الفيدراليتين الاخريتين في كل من الجنوب والفرات الأوسط والغرب مع التلكؤ في حل مسألة المناطق المتداخلة بين إقليم كوردستان ومحافظات نينوى وديالى وصلاح الدين.

     ولنقرأ معا ما ذهب اليه الدكتور حامد العطية في مقال نشره مؤخرا تحت عنوان:
                                                             في العراق ثلاث فيدراليات لا واحدة!

    ( فدرالية المناطق الجغرافية مطلب لجمهرة من العراقيين، البعض منهم يدعوا لإقليم للوسط والجنوب، وهنالك من ينادي بإقليم لمحافظة البصرة فقط، لتمكين سكانها من الاستفادة من مواردها وموقعها الجغرافي، وبالأمس القريب قرأنا عن مشاريع لإنشاء إقليم في محافظة صلاح الدين وآخر في الأنبار وثالث في ديالى، واصحاب هذه الدعوات والمطالب يؤمنون بشرعيتها وتطابقها مع أحكام الدستور، لذا فإن فدرالية المناطق الجغرافية موجودة، وإن كانت على الورق وفي عقول الناس، وليس من المستبعد أن نشهد ولادتها في القريب العاجل ).
 
     وقبل ان ننهي مقالنا هذا دعونا نقرأ ما قاله الملك فيصل الاول قبل ثمانين عاما وهو يصف شكل بلادنا:

" إن البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملّية والدينية، فهي والحالة هذه، مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت، أقوياء مادة ومعنى، غير مجلوبين لحسيات أو أغراض شخصية، أو طائفية، أو متطرفة، يداومون على سياسة العدل، والموازنة، والقوة معا، وعلى جانب كبير من الاحترام لتقاليد الأهالي، لا ينقادون إلى تأثرات رجعية، أو إلى أفكار متطرفة، تستوجب الرد."*

     وللأسف الشديد لم يك حكام البلاد حكماء الى الدرجة التي يدركوا حقيقة مكونات العراق لكي يؤسسوا بموجبها دولتهم العتيدة، فاستولت مجموعة لكي تهمش الأخرى وتلغي وجودها أو تستعبدها طيلة عقود سوداء من التكوين الخطأ، دفعت البلاد والعباد الى الدمار والخراب في حروب عبثية في الداخل والخارج، حتى تعرضت البلاد الى الاحتلال الكامل طيلة ما يقرب من عقد من السنين، وها هي تترك البلاد ما زالت تأن تحت جراح الاحتراب غير المعلن والاختلاف الشديد حد التنازع بين مكوناتها الأساسية، التي ما زالت بعض النخب السياسية فيها تتغنى بعراق مركزي تنصهر فيه كل مكوناته لصالح ما يسمى بالأغلبية السياسية تارة والقومية تارة أخرى والمذهبية تارة ثالثة، وفي كل هذه الادعاءات يكون اتجاهها واحد بالتأكيد هو غير العراق الديمقراطي الاتحادي التعددي!؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن الجزء الثالث من تاريخ الوزارات لعبد الرزاق الحسني، من ص 300 وما بعد.
kmkinfo@gmail.com


208
أضواء على أحداث كوردستان الأخيرة؟

كفاح محمود كريم

     ما جرى في بعض بلدات كوردستان قبل أيام من أعمال عنفية  تناولت عمليات إحراق وتخريب لبعض المحلات والفنادق والمراكز السياحية، وبعض النوادي الثقافية والكنائس المسيحية والمقرات الحزبية، كشفت عن حقائق مهمة في مقدمتها إنها فشلت في أن تكون واجهة لدين أو مذهب أو حزب، بقدر ما هي نتاج خلل مهم في التربية وقصور في الوعي والتوجيه، وضعف واضح في الأداء الإعلامي والسياحي ايضا، إضافة إلى فتور ظاهر في العلاقة بين الأحزاب والحكومة من جهة وبين الأهالي وبالذات قطاع الشبيبة من جهة اخرى، وبشكل خاص  العاطلين عن العمل أو العاملين في اعمال غير منتجة أو شريحة العاملين دون سن البلوغ من الأطفال والشبيبة، كما ان الأحداث أثبتت وجود خلل واضح في أداء قوى الأمن الداخلي وبالذات الشرطة، التي كانت بطيئة الى حد ما في أدائها رغم تميزها العالي بالحكمة والصبر أثناء التعامل مع منفذي تلك الأعمال، بما جعل الخسائر محدودة وبالمال فقط، حيث لم يقتل أو يجرح أي شخص من أولئك الذين شاركوا في تلك الأعمال الفوضوية والطارئة على مجتمعاتنا عبر تاريخها، بل حصل العكس حيث جرح الكثير من أفراد الشرطة، مما يدلل ايضا على نضوج سلوك حضاري في التعامل مع هكذا حالات وعدم الانجرار الى الانفعال ورد الفعل العنيف.

     لقد أظهرت تلك المشاهد البائسة التي عرضتها شاشات التلفزة مجاميع من الشبيبة معظمهم من الذين لم تتجاوز اعمارهم في احسن الاحوال الخمسة عشر سنة، مما يعني ان اكثر هؤلاء متسربين من الدراسة الابتدائية او المتوسطة أو انهم اساسا خارج المدرسة، وتلك بحد ذاتها كارثة كبيرة في بلاد تبني تجربة مدنية معاصرة في كافة المجالات مما أهلها لتكون واحة للامان والتقدم والسلام والازدهار، إضافة الى ما تتمتع به من سلم وامن اجتماعيين.

     والغريب ان الفوضى والفوضى المضادة اشتركت فيها ذات العناصر من الشبيبة والصبية، دونما تفكير بالنتائج وتأثيراتها على المزاج العام للأهالي ومن ثم على الأمن والسلم الاجتماعيين، بل حتى على مساسها بالنسيج السياسي في البلاد وتداعيات ذلك على العلاقات بين الأحزاب في الحكومة أو خارجها، وبغياب دور منظمات المجتمع المدني والأسرة وبالذات الأب والأم في عملية التربية الاجتماعية والوطنية، والارتقاء بمفهوم المواطنة إلى الحد الذي يمنع أي تخديش أو اعتداء على حقوق الأفراد أو الجماعات لأي سبب كان خارج القانون ومن يمثله في سلطاته الثلاث.

    وبصرف النظر عن تقييم ما حدث او اعطائه أي عنوان او مسمى، فانه اشار الى نقاط عديدة توضح لنا مناطق الخلل وبعد المسافة بين هذه الشريحة، مهما صغرت وبين منظمات المجتمع المدني ومكاتب الشبيبة لدى كل الأحزاب والحركات، وحتى تلك التي تدعي تمثيلها لهذه الشريحة في المجتمع، حيث كشفت تلك الممارسات ذلك البون الشاسع بين هياكل تلك الاتحادات أو الجمعيات وبين القطاع الواسع من الشبيبة، بل ان ما حدث يؤشر هشاشة الوعي والحصانة الاجتماعية لدى هذه المجاميع ومن التف حولها للتفرج عليها وهي تمارس أعمالا فوضوية لا علاقة لها بالسياسة ولا بالدين ولا الأعراف، فقد أظهرت الأحداث تجمع أعداد كبيرة من الناس السلبيين، كانت أضعاف الذين قاموا بتلك الأعمال الفوضوية للتفرج فقط، مما يعطينا صورة أخرى أكثر تأثيرا وإيلاما حتى من أولئك الذين تورطوا بأعمال خارجة عن القانون، وإلا كيف نفسر هذه الأعداد الكبيرة من الناس وهي تتفرج على مجاميع صغيرة تقوم بالتعدي على المواطنين وحرق أموالهم ومحلاتهم دون ان تعترض أو ترفض هذا السلوك!؟

     لقد آن الأوان لكي تدرس هذه الظواهر بشكل جدي ومهم من قبل كل مراكز الدراسات والجامعات بعيدا عن التشنجات والمزايدات السياسية، والنظر اليها من زاوية بعيدة عن الزاوية الأمنية، بما يجعلها حالة سسيولوجية ونفسية غير طبيعية، ترتبط بكثير من الحالات والظواهر المتخلفة اجتماعيا وتربويا وسياسيا واقتصاديا، وفي مقدمتها البطالة وتكاليف الزواج وارتفاع الأسعار بشكل عام وبالذات فيما يتعلق بالسكن والعلاج والطاقة، إضافة إلى الانقطاع شبه التام بين الحكومة وبين هذه الشرائح من الأهالي وخاصة ما يتعلق بظروفها وتفاصيل حياتها وما تعاني منه بشكل عام، وكذلك في الجانب الديني، حيث أظهرت الأحداث إمكانية استغلاله لصالح تلك التصرفات من خلال بعض رجال الدين من كل الطوائف والأديان خارج ثقافة التسامح وفصل الدين عن الدولة والسياسة، مما يساعد على تأجيج نوازع بدائية وظلامية لا تتوافق وصيغة الاختيار الشعبي للحياة الحديثة في كوردستان ومشروع نهضتها وفلسفة وتعاليم كل الأديان في تحقيق السلام والإخاء والازدهار.

kmkinfo@gmail.com
 

       




209
المنبر الحر / ماذا يخفي التطرف!؟
« في: 14:50 10/12/2011  »
ماذا يخفي التطرف!؟

كفاح محمود كريم

    تقول معظم المصادر العلمية وعلماء التغذية ان أي تطرف في الأكل أي النهامة بمعنى الأكل الزائد عن حاجة الجسم، والتي توصف صاحبها بالنهم أو كما يطلق على صاحبها هنا في العراق عموما بـ ( الأكال )، تتسبب بأمراض كثيرة ربما أولها ارتفاع نسبة الكولسترول السلبي وتأثيراته على القلب والدورة الدموية واقنيتها، وبعيدا عن العوامل الوراثية التي تسبب هذه الظاهرة لدى بعض الناس، فهي أي البدانة تخفي تحت طياتها الكثير من العوامل النفسية الأخرى غير المرئية والمدفونة في العقل الباطني أو الذاكرة الطفولية والبيئية، ويعرف الاختصاصيون في علم النفس والتغذية دوافع تلك الظاهرة من التطرف الغذائي!؟.

    أردت بهذا المثل أن اقترب من صلب الموضوع المتعلق بظاهرة التطرف الديني والسياسي والفكري والقومي والعرقي الذي يصل الى حدود التزمت وإلغاء الآخر أو تهميشه وعدم قبوله، والتكثف حول فكرة ما الى درجة حجب الرؤية عن أي شيء غيرها، حيث أنتجت هذه الظاهرة المتعصبة والمتطرفة أنماطا من التنظيمات الفاشية سواء على شكل أحزاب أو تجمعات بشرية أو أشخاص بمختلف مواقع تأثيرهم الحياتي، بل وسيطر الكثير منهم على مقاليد الحكم في دول وممالك، من خلال أشخاص متفردين في الحكم أو أحزاب ومجموعات متطرفة، قادت بلادها الى الحروب والدمار طيلة حكمها، ولعل أمثلة التاريخ القريب في كل من المانيا النازية وايطاليا الفاشية والعراق وسوريا البعثية، تعطينا خير دليل على تلك الظاهرة التي قادت العالم الى حروب قذرة راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر، لا لأمر ما الا لرغبة قادة تلك الدول وأحزابها المتطرفة في فرض عرق أو فكرة ما بالقوة على الآخرين الملغيين أساسا؟

    لقد سقطت النازية والفاشية والبعثية، وانكفأت تلك الظاهرة الى زوايا مظلمة، لكنها تركت بذورا هنا وهناك لكي تنتظر جوا وبيئة وظرفا مناسبا لكي تنمو وتترعرع، مستغلة كثير من التناقضات الاجتماعية والتردي في الأوضاع الاقتصادية والثقافية لكثير من الأهالي، وغياب التوعية والتربية الصحيحة، وانعدام العدالة الاجتماعية وضبابية المواطنة تحت مضلة النظم العشائرية والمناطقية.

    واذا كان النهم في الأكل يعبر عن جوع قديم كما يقولون ، أو خلل في إحدى غدته أو عصارات معدته، أو سلوكا له علاقة بالخوف أو الطفولة، فان كثير من المتطرفين والمتعصبين دينيا أو قوميا إنما يعانون من مشكلة في الأصول الأولى أو البدايات أو مجموعة مركبات نقص يحاولون تغطيتها من خلال ذلك التطرف أو التعصب الشاذ، ولربما شهدنا أو سمعنا عن كثير من متطرفين دينيين يخفون تحت عباءاتهم سلوكا مناقضا بالتمام والكمال عما يظهروه أمام الناس، وكذا الحال بالنسبة للمتطرفين حد العنصرية في القومية أو العرق، حيث يعاني أكثرهم من الانتماء إلى عروق غير تلك العروق التي يظاهرون بالانتماء لها، أو ربما يغطي البعض منهم عيوبا سلوكية أو اجتماعية لا يعرفه كنهها إلا القليل القليل!


    واذا كان الجسم السليم والمعافى لا يقبل أي خلل أو تطرف،فأن منطق الحياة السليمة والفكر الإنساني الخلاق، لا يقبل إطلاقا أي نوع من التطرف مهما كانت هويته أو سمته، وتحت أي مسمى أو عنوان، إلا اللهم في المجتمعات البدائية والمتخلفة التي تعاني من امراض اجتماعية وسياسية، وترزح تحت طائلة النظم الدكتاتورية والقبلية، التي تعاني أصلا من أمية حضارية وانعدام لمفهوم المواطنة والانتماء إلى مجتمع أنساني معاصر.   
kmkinfo@gmail.com





 

210
لا تخشوا على كوردستان!

كفاح محمود كريم

    كوردستان، إقليما أو منطقة، فيدرالية أو حكما ذاتيا، شمال العراق أم جنوب تركيا، غرب إيران أو شمال شرق سوريا، لا فرق؛ إنه وطن مجزأ يضم الكورد أغلبية، يساهم معهم في صنع الحياة مكونات أصيلة أخرى كالآشوريين والسريان والكلدانيين والتركمان، ومن الأديان غير الإسلام أقدمها مثل الايزيدية واليهودية والمسيحية، لكنهم جميعا كما وصفهم احد الجنود الذي قضى معظم حياته مقاتلا في الجيش وعلى جبهات الكورد، ان بارودتهم ( بندقيتهم ) لم تبرد منذ رأيت الجبل ولحد اليوم، كناية عن الثورات التي شهدتها المنطقة طيلة ما يقرب من قرن!؟

    لقد عاشت كل هذه المكونات العرقية والقومية والدينية بتسامح منقطع النظير، لولا تدخل أجندات خارجية لا علاقة لها البتة بتاريخ وجغرافية وسيكولوجية المجتمع الكوردستاني، الذي تعايشت على أرضه هذه الأطياف، واشتركت جميعها وفي جهات كوردستان الأربع، بذات الاضطهاد والإقصاء منذ أفل زمن الإمبراطوريات ونهضت دول وممالك القبائل والأديان، في صفقة مصالح وخريطة استثمار، وإرادة من الخبثاء الكبار حينما وقعوا صلحا في لوزان، فار بعده تنور الدماء والحروب والثورات، فكان الكورد فعلا كما قالها الباحث المصري الطبيب فهمي شناوي في كتيبه ( الأكراد يتامى المسلمين )*، فقد كانوا خير من خدم الإسلام والمسلمين عربا وتركا وفرسا دون ان يفكروا للحظة واحدة بأنفسهم كعرق أو قوم أو وطن، بإيثار لا مثيل له في التاريخ!

     لا بأس هنا أن نتذكر كيف كان صلاح الدين إمبراطورا على دولة تبدأ من هنا في تكريت العراق لكي لا تنتهي في صحراوات طرابلس وفزان ليبيا وجبال المغرب وكل مصر والشام وما حواليهما، ولم يتركوا سنتمترا واحدا باستقلال ذاتي أو فيدرالي، حتى ظهر الزعيم مصطفى البارزاني ليقود مرحلة للنهضة الكوردية ابتدأت بزحفه القومي الى جمهورية مهاباد الذبيحة، وحتى إعلانه الثورة الكبرى في أيلول 1961م.

    وربما أكثر الأمور إيلاما لدى الكورد عموما، ان هؤلاء الشركاء من الحكام والأنظمة جميعا، وضعوا أنفسهم موضع العداوة ومقاومة أي بادرة لتحقيق الذات الكوردستانية وهوية الوطن، التي حاول المستعمر ان يلغيها حينما وضع خرائط المنطقة هنا بعد اتفاقية الصلح في لوزان، واعتبرها الشركاء نصوصا مقدسة ومكسبا كبيرا مع علمهم بأنها هضمت حقوق الكورد وبقية المكونات، وألغت وجودهم الجغرافي السياسي، حينما أدغمت أوطانهم في تشكيلات إدارية سياسية حسب مصالحها هي وليس مصالح السكان بالتأكيد، مما دفع ملك العراق الأول بعد تأسيس تلك المملكة بأن يعرف كيانه بالنقص من الناحية الاجتماعية والفكرية والدينية، حيث قال:

  " إن البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملّية والدينية فهي، والحالة هذه، مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت، أقوياء مادة ومعنى، غير مجلوبين لحسيات أو أغراض شخصية، أو طائفية، أو متطرفة، يداومون على سياسة العدل، والموازنة، والقوة معا، وعلى جانب كبير من الاحترام لتقاليد الأهالي، لا ينقادون إلى تأثرات رجعية، أو إلى أفكار متطرفة، تستوجب الرد."*

    وفي مناطق كثيرة يعتقد البعض ان هذا الاقليم من نتاج سقوط نظام صدام حسين واحتلال البلاد، ويتناسى أو لا يعرف بحور الدماء والدموع التي نزفت وذرفت من اجل بناء هذه التجربة،  وإقامة هذا الإقليم على أطلال وخرائب عشرات المدن وآلاف  القرى التي أزيلت من الوجود، أو أحرقت بالنابالم والأسلحة الكيمياوية، حتى غدت حلبجة وشقيقاتها في سوران وبهدينان عناوين الانعتاق والتحرر والتضحية بمئات الآلاف من خيرة شبابها وشاباتها، نسائها ورجالها، الذين سيقوا إلى الموت لأجل ان تنهض كوردستان!؟

    إن ما نشهده اليوم من تطور وحياة حرة كريمة آمنة ومستقرة في كل مدننا وقرانا من سنجار حتى خانقين، إنما جاء نتيجة نضال مستميت لأجيال من الكورد والآشوريين والسريان والكلدان والتركمان، مسلمين وايزيديين ومسيحيين، ساهموا جميعهم بآلامهم وحرمانهم وصبرهم وصمودهم من اجل هذا اليوم، الذي يتصور فيه البعض ان بمقدوره ان يفعل أكثر مما فعله صدام حسين وغيره بهذا الشعب، معتقدا انه سيركب موجة ما يحصل الآن في بلدان الدكتاتوريات والانقلابات، ويمكنه استنساخ تلك الأحداث في مناطق أخرى مثل إقليم كوردستان الناشئ، على خلفية مبدأ المياه الراكدة وتعفنها التي شملت معظم تلك الأنظمة الشمولية، لكن حقائق الأمور تدحض مثل هذه التصورات أو المحاولات.
 
    ان إقليم كوردستان لم يأت نتاج انقلاب عسكري أو نظام دكتاتوري طارئ، بل جاء عبر نضالات وتضحيات كبيرة لعقود من الزمن، اشتركت فيه كل هذه المكونات ببحور من دماء الشهداء، ولن تنجح عبثيات البلطجية والغوغاء في حرقه أو تخريبه لمجرد حرق محل سياحي أو فندق هنا وهناك، فلقد أدرك الجميع ان أي مساس بأي شكل من الأشكال يؤدي إلى انتهاك حقوق أي مواطن سواء كان آشوري أو كلداني أو سرياني أو تركماني، مسيحي أو ايزيدي، إنما هو مساس بمصالح البلاد العليا وهو انتهاك لعقد الوطن والمواطنة التي على أساسها انشأ إقليم كوردستان.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كتيّب للطبيب والباحث المصري الدكتور (فهمي الشناوي)، بعنوان (الأكراد يتامى المسلمين)، يقع في اثنتين وتسعين صفحة، صدر عن دار (المختار الإسلامي للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة). ولعله صدر سنة (1990م) أو بعدها بفترة قصيرة.
     *عن الجزء الثالث من تاريخ الوزارات لعبد الرزاق الحسني، من ص 300 وما بعد.


kmkinfo@gmail.com



211
المنبر الحر / مَن يحكم البلاد؟
« في: 17:11 29/11/2011  »
مَن يحكم البلاد؟

كفاح محمود كريم

    اطلعت قبل سنوات على إحصائية أو استطلاع اجري أيام ولاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وكانت قد تضمنت استفتاءً حول سؤال وجه لشرائح مختلفة وعشوائية من عشرة آلاف أمريكي وأمريكية من كافة الولايات، عن من يحكم الولايات المتحدة رئيسا وحزبا، وقد تبين إن ما يقرب من 52% من المستطلعين لا يعرفون أي شيء عن هذا الموضوع، وان13% منهم ذكروا أسماء نجوم سينما وغناء أو أسماء زعماء غير أمريكيين؟

    توقفت كثيرا عند هذه الإحصائيات رغم إيماني بأنها لا تمثل كل الحقيقة، لكنها على اقل تقدير تؤشر الى نقاط مهمة قريبة من مزاج المواطن الأمريكي، أبرزها إن هذا المواطن لا يهمه من يكون هناك في البيت الأبيض، بقدر ما تهمه حياته وما يتعلق بها، ربما ينظر الى موضوعة الضرائب والخدمات لكي يتذكر الحكومة أو رئيسها!؟

    نعود الآن الى شرقنا المعفر بمعرفة سنسفيل الذين يحكموننا من فراش المدير العام المتعملق الى موظفي مكاتب الرئاسة وسكرتارياتها وملحقاتها من البطانات ودوائر التدليس وشِلل الصفقات من ما وراء الكواليس، الذين يمارسون صلاحيات ربما تفوق صلاحيات الرئيس أو الوزير أو المحافظ نفسه!؟
 
   حيث أدمنت هذه الشعوب صور ( رؤسائها ) المنقذين في كل زاوية ومكتب أو ساحة عامة، إضافة الى الصفحات الأولى لمعظم الصحف والمجلات وشاشات التلفزيون، حتى أصبح اسم الرئيس والزعيم واحدا من المفردات الأكثر تداولا على اللسن الناس المغرمين بحفظ أسماء أولاد وبنات وزوجات وحتى محظيات الرئيس وبطاناته المقربين، حيث أن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية كانت مسخرة للرئيس وحده، والى هنا ليست الأمور معقدة كثيرا بسب هذا التركيز، وهواية الأهالي في مناطقنا بحفظ أسماء الحكومة كهواياتهم الأخرى في جمع الطوابع والعملات النادرة أو الخضراء!؟

    الأكثر إثارة في من يحكمنا من خلف الكواليس في معظم مفاصل الدولة، أو من خارج مكاتب الرئيس أو الوزير أو المسؤول، هم اولئك الملحقون بتلك الكواليس أو المكاتب ابتداءً بالفراش أو البواب وانتهاءً بالسكرتير أو السكرتيرة وبطاناتهما ممن يتجمعون في المجال الحيوي للقائد المنقذ أو الوزير الفلته أو المحافظ الوالي، مضافا اليهم  Bodyguards أو طواقم الحماية والذي منه، وهم بالتالي أكثر سطوة وتأثيرا في كل مفاصل الإدارة والمال، حيث تراهم يتكثفون في مراكز ومحطات تجري من تحتها الأموال والمنافع والوساطات المجزية، فذلك فراش أو سائق المدير أو الوزير منهمك بتمشية أمور المواطنين، وربما يصرح ويتحدث عن مهام وصلاحيات أكثر من مسؤوله!؟

    ولنتذكر جميعا كل منا حسب مشاهداته ومراجعاته لدوائر الحكومة صعودا الى أعلى الهرم، كيف كان وما يزال الكثير من هؤلاء الرجال والنساء ممن يحكمون بالاستعاضة،  ويمارسون السلطنة المستمدة من أولياء أمورهم، وكأنهم هم المدراء أو المسئولين الحقيقيين بل ربما يتجاوزونهم في أفعالهم، حيث ما تزال كلمات فراش احد المسئولين الكبار وهو يخاطب المراجعين عند باب سيده : نوافق أو لا نوافق أو سنطلع ونرى ثم نقرر(!؟) ترن في إذني كلما سمعت وزيرا أو مسؤولا كبيرا يتحدث للأهالي!؟

    انها طبقة من الحكام الجدد مستنسخة من الأصل، أو ربما جيل آخر منهم، خصوصا اذا ما عرفنا ان أغلبيتهم الساحقة من أقرباء الزعيم أو الوزير أو المسؤول، وبمختلف المستويات والأصناف ودرجات القربى الثلاث، وبالتأكيد لديهم مواصفات فول اوتوماتيك في قضاء أشغال أسيادهم، أو في خدمة المجتمع والمال وبطريقة حديثة جدا وأيدي خفيفة، خاصة في ما يتعلق بالمال!؟

kmkinfo@gmail.com
   
 



 
 


212
المنبر الحر / هوس الزعامات؟
« في: 13:38 24/11/2011  »
هوس الزعامات؟

كفاح محمود كريم
 
    
    واحدة من أهم العقد الخلافية بين مختلف التيارات السياسية التي تبنت معارضة الأنظمة الدكتاتورية ومقاومتها بأي شكل من الأشكال، هي الزعامة وقيادة الوضع الجديد الذي أصبح شاغرا بعد سقوط تلك الأصنام، فطيلة سنوات كارثية من حكم تلك الأنظمة الشمولية التي أشاعت وكرست ثقافة عبودية الفرد، واستخدمت ووظفت سلوكيات متوارثة من فلكلور القبيلة والبداوة البائس الذي ما زال يفعل فعلته في تنمية الاستكانة والخنوع لمفهوم الشيخ والأغا ومن ثم الزعيم والرئيس المطلق، كانت الساحة السياسية والاجتماعية مغلقة تماما أمام أي فرد أو حزب أو حركة سوى من انظم أو التحق بـ ( جوقة ) النظام وطباليه!

    حيث تواجه معظم الحركات والفعاليات السياسية التي يفترض ان تكون بديلة لتلك الأنظمة مشكلة الرغبة الشديدة في الزعامة، وربما صدى موروثات متكلسة في الداخل الباطني لبنائها النفسي، نتيجة تلك التربية والسلوك الدكتاتوري والنرجسي في قيادة الدولة والمجتمع لعقود طويلة، من قبل أنظمة شمولية ادلجة كل مناحي الحياة ومؤسساتها التربوية والتعليمية، وأنتجت أجيالا من الشباب الذين ولدوا مع تسلط تلك الأنظمة على الدولة والمجتمع، منذ ما يقرب من نصف قرن، تريد ان تستنسخ في عقلها الباطني ذات الغول الذي حكمها طيلة عقود!؟

   وإذا ما حسبنا سنوات حكم الانقلابيين البعثيين في كل من سوريا والعراق التي تقترب من أربعين عاما، وما فعلته في مناهج التربية والتعليم وإعادة كتابة التاريخ بما يروق لها، وما تركته من آثار بالغة في الإعلام الموجه تلفزيونيا وإذاعيا من خلال قنوات محددة وموجهة دونما السماح لأي وسيلة إعلامية أخرى غيرها، لاكتشفنا هول ما حدث وما أنتجته تلك الماكينة التربوية والتعليمية والإعلامية في أجيال الخمسينات وما تبعها ممن ولدوا حتى العشرة الأخيرة من القرن الحالي؟

     لقد تكلست مجموعة من السلوكيات والتقاليد والقيم التي تشجع الفردية في التسلط، بل وانها طبعت آلاف الصور الذهنية والسلوكية لشخص الدكتاتور ومن تشبه به طيلة تلك الحقبة في ذاكرة الفرد والمجتمع، وتلاشت أمامها المشاعر الجماعية والانتماء الجمعي للوطن والشعب لصالح تكثيف تلك المشاعر باتجاه شخص القائد والزعيم والرئيس وحزبه الذي تم تقريبه وتوأمته مع العقائد الدينية، حيث أفرزت تلك الحقبة المظلمة من حكم الاستبداد والدكتاتورية كثير من السلوكيات المريضة التي لا تقبل الآخر ولا تتعامل معه الا من منطلق السيطرة والاستكانة، حتى ظهرت في كثير من المواقف بعد انهيار وسقوط تلك الأنظمة بين مختلف التيارات أو  الأحزاب التي دخلت العملية السياسية، ولعل أهم تلك الظواهر هي إما الإصرار على الحكم أو تخريبه وتعطيله باستخدام أساليب ميكافيلية لفرض السيطرة والتفرد في اتخاذ القرار!؟

    ومن اخطر ما أفرزته تلك الحقبة هو شعور الكثير من السياسيين بأنهم يجب ان يكونوا زعماء بمواصفات لا تقل عن القائد الضرورة، على خلفية تلك الذاكرة المليئة بصور القائد الملهم والزعيم المفدى، والتي كانت ظاهرة في سلوكيات وممارسات بعض من قيادات تلك الفعاليات، بما يشبه أو يتطابق مع ما كان يفعله الدكتاتور، سواء في وسائل الإعلام أو من خلال تعاطيه مع شرائح المجتمع وبالذات العشائر ومؤسساتها التي شكلت عبر تاريخها حواضن لإنتاج الدكتاتوريات وإدامتها؟

    ولم تقتصر تلك الظاهرة السلوكية على النخب السياسية بل انتشرت نتيجة ضغط الإعلام الموجه ومناهج التربية وسلوك أفراد النظام الى ممارسات اجتماعية وسياسية تظهر في كثير من الحلقات ذات الصلة بالعلاقات الاجتماعية أو الصراع على السلطة، كما شهدناها في تعقيدات المناصب والتهافت عليها وما انحدرت اليه كثير من التفاعلات السياسية التي تنشط على خلفية موروث وسلوك سيئ جدا وهو ( اما نلعب أو نخرب الملعب!؟ ) التي تجلت بشكل واضح في كثير من ممارسات الأحزاب والشخصيات السياسية التي تتداول السلطة بعد سقوط وانهيار النظام الدكتاتوري، حيث يريد الجميع ان يكونوا ذلك الزعيم المدفون في ذاكرتهم منذ عقود أو ربما قرون!؟

    ولعل هذا الشكل من الصراع على السلطة في هذه البلدان، التي تعرضت الى عملية غسل دماغ وذاكرة رهيبة طيلة عقود مريرة من النهج والتربية الأحادية التلقينية، تواجه تحديات غاية في التعقيد تظهر هذا التهافت على إشغال موقع الزعيم المكثف بتراكم الحقبة الماضية في ذاكرة معظم النخب التي يفترض انها تتداول السلطة سلميا، مما يعيق بلورة أو يعرقل قيام وضع اجتماعي وسياسي جديد يعتمد التداول السلمي للسلطة وقبول الآخر المختلف، وإشغال مواقع المسؤولية على أساس مفهوم لا يتعدى كون الرئيس أو نائبه أو رئيس الحكومة أو أي مسؤول كبير أو صغير في الدولة الا موظف حكومي يؤدي خدمة عامة مقابل امتيازات وصلاحيات، وقسم بالإخلاص والتفاني من اجل خدمة كل الشعب وحماية الميثاق أو القانون أو الدستور الذي يتفق عليه الأهالي ويعتبروه مرجعهم في الاختلاف أو الاتفاق.

  وحتى تتبلور مثل هذه المفاهيم فالجميع هنا وهناك في سفينة واحدة أو ملعب واحد، يريدون ان يلعبوا لعبة الزعماء، وإلا فإنهم سيخربون الملعب!؟

kmkinfo@gmail.com

 

 


 


213
هل كان الزعيم نصيرا للشعوب؟

كفاح محمود كريم

    بعد إعدام الدكتاتور العراقي صدام حسين بالشكل الذي أعطاه بعدا عاطفيا، لدى شارع ممزوج في تكوينه بمستويات عالية من العاطفة الجياشة إلى درجة التعاطف مع الجلاد وهو يقضي نحبه، شاعت بين شرائح واسعة ونخب سياسية عديدة خارج البلاد، حملة اعادة تصنيع تلك الشخصية بشكل تاريخي ومديات قومية وعالمية، كونها أي تلك النخب كانت محط اهتمام ورعاية الدكتاتور وخزائنه من منطلق كونه ( زعيما ) قوميا أو عالميا يتضامن مع الحركات والأحزاب المعارضة لأنظمة حكمها السياسية، حيث امتلأت بغداد منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي بمقرات وممثليات العديد من الأحزاب والحركات السياسية العربية والإفريقية المعارضة في بلدانها لأنظمة لا تختلف قيد أنملة عن مضيفها في بغداد؟

   ولم تك عواصم الدكتاتورية السياسية في العالم اجمع، أفضل حالا أو أتعس مما كانت عليه الأحوال في بغداد آنذاك، حيث استقبلت وضمت هي الأخرى في عواصمها ودهاليزها، ممثليات ومقرات أحزاب عراقية وغير عراقية معارضة لأنظمة حكمها، مما جعل هذا السلوك ظاهرة متميزة تنفرد به أنظمة الزعيم أو القائد الضرورة أو الرئيس المطلق!.

    بعد مقتل القذافي وسقوط نظامه الشمولي وظهور تلك المشاهد البائسة لدولته التي كذب علينا جميعا، بأنه أقام فيها نظاما متفردا ومتميزا بعدالته وترف شعبه، فإذ بنا نشاهد قرى وبلدات خارج الزمن تماما وكأنها من أيام القرون الوسطى في بدائيتها وتخلفها، وأدركنا حقيقة تلك العطايا والمنح التي كان يهبها لرؤساء بعض الدول والحركات والأحزاب، لا حبا بهم وإيمانا بقضاياهم بل نزعة دكتاتورية وإعلامية، الغرض منها واضح من اجل انتشاره عالميا، ليحقق كما يتصور هو امتدادا أفقيا لدى الرأي العام الدولي؟

   وقد شهدنا خلال النصف قرن المنصرم الكثير من هذه السلوكيات والتصرفات لدى أمثال هذا النظام، سواء من خلال العطايا المالية أو حتى الدعم العسكري والأمني، ويقينا لم تك تلك المساعدات والعطايا لأجل قضايا الحركات والشعوب، إلا بالقدر الذي يستفيد منه النظام بذاته، كما كان يفعل نظام حافظ الأسد وصدام حسين وشاه ايران وغيرهم في منطقتنا الموبوءة بالدكتاتوريات، من خلال رعايتهم لكثير من حركات وأحزاب المعارضة في هذه البلدان، تحت متوارث آخر يبيح لهم فعل أي شيء وهو: عدو عدوك صديقك، أو تأتي متناسقة مع ميكافيلية الكثير منهم لبلوغ غاياتهم وإشباع رغباتهم، لا إيمانا بقضايا تلك الشعوب أو الأحزاب والحركات الا بالقدر الذي يمنحهم فيها القابا جديدة على شاكلة ( صدام نعمة السماء على الأرض ) أو ( ملك ملوك افريقيا ) وما شابه ذلك لدى الآخرين؟.

   وهذا ما شهدناه طيلة عقود من الصراعات في منطقتنا من دعم ومؤازرة أنظمة دكتاتورية مستبدة لقوى وأحزاب ديمقراطية أو حركات تحرر لشعوب مقهورة، كما فعل شاه إيران مع حركة التحرر الكوردستانية، حينما أوقف دعمه لها بمجرد ان كفة ميزان المصالح لنظامه أشرت الى بغداد وحاكمها، وكما كان يفعل نظام صدام حسين مع كثير من الأنظمة والدول والأحزاب والحركات في العالم، وبعثرة أموال طائلة لا حصر لها من ميزانية البلاد، بينما كان العراق وليبيا وسوريا واليمن وأمثالهم يعانون وحتى يومنا هذا من تخلف مريب في معظم مفاصل الحياة؟

    وبينما تستقبل الدول الديمقراطية المتحضرة معظم معارضي أنظمة الحكم في العالم، كأناس مضطهدين توفر لهم الحماية والأمن وبعض المساعدات الإنسانية التي تعينهم على العيش، تحضر عليهم أي نشاط سياسي أو عسكري أو تنظيمي على أراضيها احتراما للقوانين والاتفاقيات الدولية التي تمنع التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة دون تصريح أو تخويل من مجلس الأمن والأمم المتحدة، نرى العكس في هذه البلدان الشمولية التي تحول أراضيها ومؤسساتها وأموالها لغرض دعم تلك الحركات والأحزاب، خارج القانون الدولي والاتفاقيات المتعارف عليها بين دول العالم ضمن منظومة الأمم المتحدة، مما تسبب في كثير من الأحيان الى نشوب حروب قاسية بين تلك الحكومات أو حروب أهلية دفعت الشعوب ثمنا باهظا لها.

    وتبقى كثير من الأسئلة في دائرة الألم والغموض والعجب، ولعل أهمها تلك التي تسأل عن حقيقة مساعدات أنظمة الطغيان لقضية الشعوب أو الحركات المعارضة والمناهضة لأنظمتها السياسية، كما كانت تفعل أنظمة؛ القذافي وصدام حسين وحافظ الأسد ووريثه بشار وغيرهم من رموز الدكتاتورية في العالم؟

    وهل ان هذه الأنظمة لو كانت شرعية وتمتلك مؤسساتها الدستورية الحقة كما في الدول الديمقراطية المتقدمة، كانت تفعل ذات الأفعال بهذا الشكل دون ان تستأذن أو تستشير أو تستفتي رأي الشعب مباشرة أو من خلال من يمثله حقا؟


   وأخيرا؛

   هل يمكن لولي أمر أو أب شرير وقاس وظالم ومستبد مع أبنائه وأفراد أسرته، أن يكون عادلا وكريما وحنونا مع الآخرين من غير أل بيته!؟


kmkinfo@gmail.com


 

214
عقدة الأجنبي والتمنيات المرة؟

كفاح محمود كريم

    في موروثاتنا الشعبية وبالذات فيما يتعلق بالعادات والتقاليد والأعراف، وخاصة في الصراعات العشائرية والقبلية، نعتمد دوما على طرف ( أجنبي ) لحل تلك الصراعات والتذابحات، وقد شهدنا كل حسب ذاكرته وبيئته ودائرة معارفه الكثير من صراعات العشائر فيما بينها أو حتى ضمن العشيرة أو الأسرة الواحدة، تصل في ذروتها الى الاقتتال المميت الذي يخلف الكثير الكثير من القتلى والجرحى، لخلافات تتعلق بالأرض أو المال أو الحكم أو النساء أو الإرث أحيانا؟

    وفي معظم تلك الصراعات الحادة التي تنتهي بالصلح بعد أن يخسر الكثير أرواحهم وأموالهم يخرج ( الأجنبي ) منتصرا مزهوا بنجاحه في إجراء الصلح ومن ثم تحقيق هيمنته!

    والأجنبي هنا ( الطرف الثالث ) مفردة تستخدم للشخص من غير الأسرة أو العشيرة وتلفظ هكذا ( الأجناب ) كناية عن الجمع وتعريفه بأنه ليس من الأهل والعشير، الذي يقوم بوظيفة إصلاح ذات البين وفرض شروطه على المتخاصمين؟

    إذن هي أعراف متكلسة في سلوك كثير من مجتمعاتنا وهي تتطور بأشكال كثيرة وأنماط اجتماعية وسياسية مختلفة، أخذت أبعادا ومشاهدا أدت في نهاية المطاف الى تدخل هذا ( الأجنبي ) بأي شكل من الأشكال، وقبوله كواقع حال بعد فشل الأطراف المتصارعة في قبول بعضها للبعض، والارتكان الى حلول متحضرة بعيدة عن الحرب والصراع الدموي، مستخدمة دوما تلك المقولة التي أدمناها في موروثنا النفسي والاجتماعي:


آخر العلاج الكي!

    ورغم أن ( لو ) زرعت ولم تنبت كما يقول الكثير، الا انها احيانا تبقى في دائرة التمني المستحيل، وهي تدغدغ مشاعر مليئة بالندم تارة والأسى تارة أخرى، فقد تمنى كثير من العراقيين في ظروف قاتمة ويأس شديد وإحباط كلي، ان تحكم البلاد أي قوة استعمارية غير ذلك النظام المستبد، وكذا الحال لدى الكثير من الليبيين والسوريين واليمنيين وقبلهم أهل تونس والكثير من شعوب العالم الرازحة تحت نير وظلم الأنظمة الدكتاتورية، نتيجة لتسلطها واستبدادها وفاشيتها في التعامل مع شعوبها، والتي فاقت في ظلمها وتنكيلها أي قوة استعمارية في التاريخ، فما فعله صدام حسين ونظامه بشعب العراق جنوبا وشمالا، شرقا وغربا لم تفعله القوات البريطانية أو العثمانية ابان احتلالها للبلاد، بل ان ما حصل منذ احتلال العراق في نيسان 2003م وحتى يومنا هذا لا يرتقي في كل خسائره الى شغل عام واحد من ماكينة الموت لنظام صدام حسين، وكذا الحال في ليبيا واليمن وسوريا وما يحصل من عملية تدمير كلي لهذه البلاد سواء على أيدي أنظمتها الحاكمة أو من خلال الأذرع الأجنبية.

    واليوم والبلاد على أبواب انسحاب الجيش الأجنبي بعد سنوات طويلة من الاحتلال وفك الاصطراع، هل سينجح العراقيون هذه المرة في إدارة الحياة بشكل راق وسلمي ومتحضر، دونما الرجوع ثانية لأي طرف ثالث تحت أي عنوان أو مسمى، ومهما كان هذا الطرف أمريكيا أو أوربيا أو عربيا أو إسلاميا، غير ما يحتاجه في العلم والثقافة والاعمار والبناء!؟


وستبقى الإجابة مرة حتى نثبت جميعا العكس!؟


kmkinfo@gmail.com   

   


 

215
من يعثر على حمار المواطن؟


كفاح محمود كريم

    في التنافس الشديد الذي يعتري العلاقات بين الأحزاب والكتل السياسية على تبوء المواقع والمناصب، وما يتبع ذلك من فيض الامتيازات التي أفقدت الكثير توازنهم وأحالت كثير من تلك المواقع والمناصب الى مراكز استثمار وارتزاق، بدلا من ان تكون شيئا آخر لا علاقة له البتة بما يحصل اليوم، في هذا التنافس أو أولوياته وتسلسلات اهتماماته، لم أجد أي شيء له علاقة بالمواطن وحاجياته وما يتعلق بحياته ومستقبله، رغم ان معظم تلك الأحزاب والشخصيات لا تتوقف ليل نهار عن الادعاء بأنها تعمل من اجله ومن اجل مستقبله!؟

     والغريب انهم جميعا يتحدثون عن أهم ما يحتاجه المواطن ابتداءً بالكهرباء وانتهاءً بالمدارس والمستشفيات، وخاصة عشية الانتخابات التي تعج بالوعود السخية والأكاذيب المعفرة بأحلام العصافير للناخب المسكين، ودس تلك الوريقات الخضراء الساحرة بجيوب البعض، من اجل لملمة الأصوات التي غدت هي الأخرى مثل السحت الحرام؟

     وفي كل هذه العجقة سواء التي تسبق الانتخابات، أو التي نشهدها في مداولات ومناقشات مجلس النواب وكيف ينبري ممثلو الأمة في الدفاع عن المواطن الغلبان والمفجوع بهم قبل غيرهم، وكيف يتسابق اولئك المندوبين على منبر التصريحات أو الدائرة الإعلامية كما يسمونها في مجلس النواب، حيث يبدأ مهرجان المزايدات والخطب والتصريحات، وفي كل ذلك يبقى المواطن يتلفت حوله وهو يستمع إليهم مستفسرا ان كان الحديث عنه أم عن شيء آخر!؟

    للأسف لم يدرك الكثير من السياسيين ومن يدعي انه يمثل هذا الغلبان الذي لا ينافس أي منهم على وظيفته أو منصبه أو امتيازاته، بل ان جل اهتماماته ان يعود آخر النهار وقد ضمن معيشة اسرته مطمئناً إنهم في محل سكن يحترم إنسانيتهم، وحكومة توفر لأطفاله مدارسا للتعلم ومستشفيات للمعالجة وسلطات طاهرة وشريفة تؤمن له ولأسرته الأمان والعدل والسلام، لا ان يطمح لكي ينافس فخامة الرئيس أو دولة رئيس الحكومة أو معالي الوزير والنائب والمحافظ أو القائم مقام!؟

     وازعم تماما ان الأغلبية الساحقة من مواطني دولتي أو أي دولة أخرى في العالم، لا يهمها من يكون في اعلى الهرم ووسطه بقدر ما يهمها أن تعيش بسلام وأمان وتتوفر لها حياة حرة وكريمة ومحترمة، وهي دوما شئنا أم أبينا مع أي حكومة تقدم لها خدمات أكثر، واذكر هنا من فلكلورنا السياسي والاجتماعي مما تناقلته الناس والمؤرخين في بدايات القرن الماضي، وتحديدا في أيام مسألة الموصل وتبعيتها اما للدولة التركية أو المملكة العراقية المكونة آنذاك من ولايتي البصرة وبغداد، حيث ارتأى الفرقاء إجراء استفتاء للسكان حول رغبتهم في عائدية الموصل، ووصل اثر ذلك وفد من عصبة الأمم لإجراء استفتاء بقياسات تلك الفترة، وسوئل الكثير من الناس، وكان أبرزهم في الإجابة فلاح مستطرق من أطراف الموصل كان يبحث عن حماره التايه، حينما سألوه عن رأيه أو رغبته في تبعية الموصل فقال لهم متهكما:

 انا مع من يعثر على حماري الذي فقدته وما زلت ابحث عنه!؟


kmkinfo@gmail.com

216
بهلوانيات إعلامية!؟

كفاح محمود كريم
 
    نتذكر جميعا تلك البهلوانيات الإعلامية التي كان يطلقها وزير الخارجية العراقي السابق والأسبق* وهم يتحدثون عن التحالف الدولي ضد نظامهم، ولعل كبيرهم الذي علمهم السحر حينما كان يرفع تلك الشعارات الطنانة ذات الإيقاع التخديري تارة والبدوي تارة أخرى، ابتداءً من حرق نصف إسرائيل، وانتهاءً بأسوار بغداد التي سينتحر عندها الأمريكان وغيرهم، أو ما كان يرسله الصحاف من بالونات وفقاعات في تصريحاته اليومية إبان الحرب، وهو يتحدث ناطقا رسميا عن نظامه المتهرئ المتهالك!؟

    تذكرت كل هذه الهرطقات والسوبرمانيات الفارغة أيام ما كان القذافي يتنقل من زنقة الى أخرى وهو يطارد الجرذان فإذ به يختبئ كصاحبه في حفرة أو أنبوب تحت الأرض، وهو ما يزال يصرخ بالملايين التي ستخرج لتحرر ليبيا من شعبها!؟

    ويبدو والعلم عند الله ان هذا النوع من الرؤساء، تطور وتناسل من أصل واحد، أو متشابه حد التطابق في تركيب كروموسوماته وخلايا تفكيره وزوايا نظره، أو ربما أنهم خريجو نفس المدرسة الدكتاتورية المسطحة ذات البعد والعين الواحدة، فهم متشابهون حد التطابق وكأنهم توائم سياميون في أشكالهم وتصرفاتهم، فقد اثبت لنا وزير خارجية سوريا انتمائه لذات الصنف الدموي أو الحامض النووي لفئة السوبرمانيين، حينما الغى بجرة قلم قارة اوربا بمن فيها من الخارطة المعتمدة في بلاده، وأعقبه رئيسه الذي هدد العالم بزلزال يحرق الشرق الأوسط لو جرى شيء لنظامه؟

    والمشكلة العويصة؛ انه بالتأكيد رأى واستمع جيدا الى صدام حسين ومعمر القذافي وحسني مبارك وزين العابدين وعلي عبدالله صالح، بل انه من مفارقات الأقدار قد أرسل ذات يوم رسالة الى صدام حسين، يترجاه فيها وينصحه قبل أن يضربه الزلزال الذي احرقه ونظامه وحتى بلاده؟

    فما أشبه اليوم بالبارحة، وهؤلاء يشهدون بأم أعينهم زوال ملكهم وزعاماتهم وسقوط نموذجهم المتخلف في السياسة والإدارة والاقتصاد، بعد ان تسببوا في تدمير بلدانهم وشعوبهم، وهم جميعا قد شهدوا نهاية صدام حسين ونظامه، بل ان احدهم حذرهم في احد مؤتمراتهم الطاووسية من ان نهايتهم جميعا ستكون كنهاية صدام حسين، والغريب انه كان أولهم الذي انتهى الى أبشع ما انتهى اليه الأول؟

    هل ان تصريح الأسد الابن ووزير خارجيته إشارة لبداية سقوطهم كما حصل مع نظام صدام حسين والقذافي وقبله حسني مبارك وزين العابدين!؟

    الأيام القادمة حبلى بالأحداث، ولكن بالتأكيد لن يكون هناك زلزال يحرق احد غير نظامهم، كما لم تكن في طرابلس وسرت إلا تلك النهاية المقززة، وفي بغداد لم تكن هناك أسوار إلا تلك التي شهدت انهيار نظامهم المهين.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* طارق عزيز ومحمد سعيد الصحاف.

kmkinfo@gmail.com

217
حسابات الحقل والبيدر!

كفاح محمود كريم

    على أبواب انتهاء مهمة القوات الأمريكية وانسحابها من البلاد،  حسبما نصت عليه الاتفاقية الموقعة بين حكومتي الولايات المتحدة وجمهورية العراق، والتي تنص على انسحاب القوات الأمريكية  نهاية العام الجاري، بعد سنوات مريرة من الصراع الدموي الذي خلفه قرار الأمريكان بتحويل وجودهم في البلاد من محررين الى محتلين، وما ترتب على ذلك من دوامات العنف ومآسيه التي دفع ثمنها العراقيون دما ودموعا، وحولت البلاد الى ساحة لصراعات الدول والأنظمة المجاورة التي خشيت من انتقال الظاهرة العراقية  الى بلدانها وبالذات الشبيهة في تركيبها القومي والديني والمذهبي!؟

    وإذا ابتعدنا قليلا عن تقييم تلك السنوات العجاف، وحاولنا الإشارة الى نتائج الحصاد الذي تجنيه كل الأطراف التي ساهمت بشكل أو بآخر في أحداث هذه الحقبة، ابتداءً من الأمريكان ومرورا باللذين رأوا ان حمل السلاح ومقاومة وجودهم هو اقصر الطرق لمفاوضتم والفوز برضائهم، وانتهاءً باولئك الضحايا الذين لا يعرفون أي شيء مما يحصل سوى ان صدام حسين قد سقط، وربما يسألون عن البديل بذات المواصفات ولكن باسم آخر ولون مغاير، وازاء ذلك فقد ذكرت صحيفة أمريكية متخصصة (Inrormation Clearing House ) ان عدد العراقيين الذين قتلوا منذ سقوط النظام السابق واحتلال البلاد بلغ ( 1.500.000 ) مليون ونصف المليون عراقي ما بين طفل وامرأة ورجل، بينما لم يتجاوز عدد قتلى الامريكان لنفس الفترة الخمسة آلاف قتيل وبالتحديد ما يقرب من ( 4800 ) جندي.

    وبصرف النظر عن الأموال الطائلة التي تم صرفها من الميزانية الأمريكية والتي تجاوزت ما قيمته إلف وخمسمائة مليار دولار خلال نفس الفترة، فاننا أمام إحصائية مثيرة تؤكد حقيقة ما كان يجري هنا في العراق من قبل تنظيمات القاعدة الداخلية التي اعتمدت على خطوطها النائمة قبل سقوط النظام، ومن التحق بها بعد سقوطه من الأجهزة الخاصة في المخابرات والاستخبارات وفدائيو صدام وغيرهم من تنظيمات حزب النظام، الى جانب العديد من الفصائل التي صنعتها أو دعمتها مخابرات بعض دول الجوار تحت مظلة مقاومة الاحتلال، سواء من بقايا تشكيلات النظام السابق العسكرية أو المدنية، أو من خلال تجنيد مرتزقة من كل انحاء الدول العربية، كقنابل بشرية يتم تلغيمها وتفجيرها وسط تجمعات كثيفة من المواطنين في الأسواق والساحات العامة ومناطق تجمع الأهالي، لإيقاع اكبر عدد ممكن من الضحايا، وقد شهدنا مقتل الآلاف من أولئك العاطلين عن العمل والباحثين عن مصدر رزق لمعيشة عوائلهم، من عمال البناء أو المتطوعين في مفاصل الجيش أو الشرطة، إضافة الى الإتاوات التي تفرضها تنظيمات القاعدة وحلفائها من بعض أعضاء النظام السابق في كثير من مدن وبلدات العراق وتحت مرأى ومسمع الإدارات فيها، على شرائح مهمة من المجتمع مثل الصيادلة والأطباء وأصحاب المحلات والمعامل والمعارض وسيارات النقل الكبيرة ومحطات التعبئة وغيرها، والتي تدفع شهريا أو اسبوعيا لقاء عدم التعرض لها.


ويبقى السؤال الأكثر إيلاما وإلحاحا هو :

اذا كان البعث وصدام قد سقطوا في حسابات الحقل، فهل كانت حسابات البيدر والحصاد مطابقة!؟
 
أم ان هناك من سرق الناتج والبذور معا!؟

 kmkinfo@gmail.com


218
اللعبة الأخيرة: دمشق- صنعاء؟

كفاح محمود كريم

    لا اعرف لماذا كلما هوى صنم من أصنام شرقنا التي صدأت من طول انتصابها، تذكرت عواصمَ ترزح تحت نير طغيان نرجسيين مرضى استحوذوا على الحكم في غفلة من زمن غابر، أعقب حقبة الخلافة العثمانية المتهرئة، وتحولوا هؤلاء الحكام الى مدارس للهمجية والقسوة والطغيان!

    تذكرت دمشق وأهليها البر الميامين، وما يجري في حاراتها وشوارعها الخلفية، وانين آلاف المعتقلين، وصراخات أولئك الشبيحة المنحرفين، وهم يدعون أسراهم الى ربوبية صنمهم؟

   تذكرت صنعاء وشعرائها المبدعين، وهذا الشعب المخدر بالقات والشعارات، والموسوم بالتخلف والبدائية، وكيف نهض ليحرق كل هذه الادعاءات، ويثبت انهم فعلا أبناء حضارة إنسانية رفيعة، كانت ذات يوم تشيع السعادة والإبداع والخير في مأرب وضواحيها، وتلك الأساطير الجميلة لمليكتها، التي أصرت الا ان تظهر ثانية في شخص النوبلية الأولى توكل كرمان وهي تطرز اسم بلادها وجنسها بوسام نوبل للسلام أول مرة في تاريخ شعوب بلادنا!
 
     وأعود الى البلاد الأعرق لنتذكر معا هنا في بلاد الرافدين حينما انكفأ صنمهم الكبير الى تلك الحفرة المهينة وانهار نظامه خلال أيام معدودة، كيف فتحوا بوابات بلادهم ومعسكراتهم وأقبية مخابراتهم لقوافل من الإرهابيين القادمين من عوالم اليأس والإحباط والشذوذ والانحراف، ليجزوا رؤوس الأبرياء من الشباب والشابات والشيوخ والنساء، وليزرعوا في ارض العراق نافورات الدماء التي ظنوها ستبعد عنهم عاصفة التغيير والسقوط؟

    اليوم يسقط طاغية آخر من الذين تباكوا على صنمهم الكبير واعتبروه شهيدا ورمزا لهم، وأقاموا له تماثيل في ساحات بلادهم المنكوبة بهم وبجماهيريتهم الكاريكاتيرية، لتنتهي مرحلة من مراحل مباراة السقوط والانهيار، التي بدأت بنظام صدام حسين ومن ثم نظام زين العابدين ومبارك وأخيرا ملك ملوك افريقيا وعميد الرؤساء العرب معمر القذافي، لتنحصر اللعبة النهائية بين دمشق وصنعاء، حيث تبدأ مرحلة أخرى من المباريات التي ربما تفتتحها الجزائر والسودان في اقرب فرصة بعد انتهاء اللعبة الأخيرة في نهائيات هذه المرحلة!

kmkinfo@gmail.com 


   


219
لماذا قتلتم الزعيم؟

كفاح محمود كريم

   مرة أخرى يقتل الملك أو الرئيس دونما محاكمة وخارج دوائر الشرعية القانونية والدستورية وبعيدا عن الحكمة والعقل، فتضيع مع نزف دمائه، أسرار دولته المختزلة في شخصه وأسرته، وتحرق صفحة من اخطر صفحات الشعوب، في لحظات انفعالية من الهيجان والانفلات الذي يغيب عنه العقل والحكمة، وتضيع بين موجات صراخاته  حدود الحقيقة وأسرار الساعات الأخيرة!؟

     تخيلوا لو أن صداما كان قد وقع بيد العراقيين قبل وصول الأمريكان اليه ماذا كان سيحصل له؟

     وتذكروا ايضا كيف تمت عملية اغتيال العائلة المالكة وهي مستسلمة تنوي الرحيل وترك البلاد؟


    المشاهد كثيرة والسلوك مستنسخ عبر الأجيال منذ مقتل الخلفاء والأئمة وما تلاهم الى يومنا هذا، حيث يمتلأ تاريخ هذه المنطقة بأمثلة لا تعد ولا تحصى، لما جرى للزعيم الليبي المستبد من نهاية مأساوية، اختتم فيها افراد هائجين من الثائرين، حقبة استمرت اكثر من اربعين عاما، سادت فيها الدكتاتورية وتأليه الزعيم، واختزلت الدولة والشعب وما فيهما بذلك الشخص، حتى يظن المرء ان ما حصل ويحصل دوما ما هو الا نتاج تلك التربية القاسية التي مارسها الزعيم وغيره ممن سينتهون ذات النهاية آجلا أم عاجلا، الا من أنقذه محتل أو أجنبي كما حصل لدكتاتور العراق الذي نال ما لم ينله زعيم أو ملك مخلوع من حقوق في تاريخ هذه المنطقة من حق الدفاع عن النفس بحرية مطلقة؟   

    مرة أخرى تظهر لنا شاشات التلفزة صورا بشعة من وحشية الأنظمة، مختزلة ومتمثلة بسلوك أولئك الذين لم يدركوا معنى ان الذي بين ايديهم رئيس دولة، ظن نفسه ربا أوحدا ومالكا لكل اسرارها وثرواتها، ولا يمكن تصفيته قبل معرفة كثير من اسرار مفاتيح تلك الدولة، وحقوق مئات آلاف من الذين قتلوا أو غيبوا بأوامر منه ومن نظامه، كما حصل مع الزعيم عبدالكريم قاسم رغم الفرق الشاسع والكبير بينه وبين زعيم ليبيا المقتول، الا ان الأول ايضا تمت تصفيته بذات الهمجية والهياج المنفلت الذي أضاع فرصة كبيرة على الشعب والقضاء لمعرفة الحقيقة وأسرار الدولة التي دفنت معه؟

    المشاهد مؤلمة تارة ومخزية تارة أخرى، مؤلمة انها ليست حضارية ومحبطة وتمثل سلوكا همجيا خارج القانون، ومخزية لأنها تصور شكل مقزز لنهاية هؤلاء الأوباش من الحكام الذين أوهموا شعوبهم بأنهم عمالقة ومنقذين وفرسان وأبطال، فتبين مدى جبنهم وتفاهتهم وهم اما هاربين كالصعاليك او متخفين بزي امرأة او في جحر في باطن الأرض أو في أنابيب المياه الثقيلة!؟

   وفي كلتا الحالتين ( المؤلمة والمخزية ) هي نتاج تربية وثقافة وسلوك حكمت به تلك الأنظمة والدكتاتوريات شعوبها لعقود طويلة وربما قرون غابرة، شوهت خلالها كثير من أنماط السلوك والتصرف والتعاطي لدى فئات كثيرة من الشعب، في مواقف كهذه التي شهدناه مع عقيد ليبيا وقبله العشرات من الملوك والرؤساء، ورغم هذه الصورة القاتمة فلربما ما جرى في العراق من محاكمات لرموز النظام تعطي املا بانحسار هذه الثقافة البائسة في الانتقام والتصفية خارج القانون والعدالة، وتتحول الى تقليد كما يحصل الآن في القاهرة؟

kmkinfo@gmail.com 

220
شهداء الشام يسقطون النظام!

كفاح محمود كريم
kmkinfo@gmail.com   
   
    حينما ينحدر النظام السياسي لأي دولة الى مستوى اغتيال الأفراد لمجرد انهم معارضين سلميين له، ندرك انه بدأ بالتآكل والانحدار والسقوط من داخله، ولعل ما حصل هنا في العراق مع مطلع ستينات القرن الماضي، وكيف كانت بداية سقوط البعث ونظامه الفاشي، حينما بدأوا باغتيال الآخرين المختلفين معهم منذ صبيحة الثامن من شباط 1963م عندما قاموا باغتيال آلاف المعارضين لهم ونشر جثثهم في الأزقة وعلى أرصفة الشوارع في العاصمة بغداد وبقية المحافظات، يؤكد لنا بأن سقوطهم بدأ في سلوكهم المشين وهو حتمي سواء وقع عاجلا أم آجلا.

    ويذكر لنا تاريخ هذه الأنظمة الملوثة بالجريمة، مؤامراتهم وعمليات تصفية معارضيهم، بل وحتى رفاقهم أو من يتفقون معهم في جبهات مشتركة أو حلول لمشاكل كما حصل هنا في بلادنا اثر توقيع اتفاقية آذار عام 1970م، حينما أرسلوا أزلامهم بعد عدة أشهر من تلك الاتفاقية لاغتيال قائد الثورة الكوردستانية مصطفى البارزاني، وكذا فعلوا مع الشيوعيين بعد تحالفهم معهم في ما سمي في حينه بالجبهة التقدمية عام 1973م وخيانتهم لهم وتصفية الآلاف من كوادرهم.

    انه تاريخ من الجرائم والخيانة والغدر منذ تسلطوا على رقاب الشعبين في العراق وسوريا وهم ينكلون بهم ويغتالون أفضل رجالاتهم وعلمائهم ومفكريهم، لم يفرقوا بين رجل مسن وامرأة، وبين طفل وفتي أو صبي وصبية، لقد كانت عجلة الموت التي يقودونها تسحق كل شيء أمامها حتى غدت البلاد على أيامهم خرابا يبابا؟

    وفي سوريا الحضارة والجمال والشعب الأصيل تستفرد عصابات منفلتة من الشواذ والساديين هذا الشعب الكريم، لتغتال خيرة شبابه  وشاباته، وكأنما صراخات 283  طفلا وطفلة ما زالت تدوي من نوافذ سينما عامودا حينما احرقها الفاشيون من أجداد هؤلاء الشبيحة منذ نصف قرن بالتمام والكمال، وهي ما تزال تسمع في أزقة وحارات دمشق والقامشلو وعفرين ودرعا وحمص وكل حواضر شامنا النازف من عشرات السنين.*
 
     إنهم آلاف الشهداء الذين سلبهم النظام أرواحهم لا لشيء إلا لأنهم يرفضون ظلمه واستبداده وعنصريته المقيتة، وها هو مشعل التمو الذي عارضهم بقلمه وفكره وناضل من اجل أهداف شعبه دون ان يرفع سلاحا الا قلمه وهويته، يتم تصفيته بأسلوب بدائي مفضوح يظهر مدى انحدار وسقوط النظام إزاء إصرار الشعب على النضال والمقاومة بأسلوب متحضر وراق.

    حقا ان مشعل تمو* اليوم يتقدم شهداء الشام عربا وكوردا، ليسجل بقلمه ومداد شرايينه ونزف جرحه، بداية سقوط هذا النظام المتهرئ وانتهاء حقبته وعدم صلاحيته، وليرسم خارطة طريق لسوريا المستقبل، سوريا الحرية والانعتاق والديمقراطية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* في 13/11/1961  تم حرق سينما شهرزاد في عامودا وبداخلها أكثر من 283 طفل كردي من تلاميذ المدارس، جمعتهم الحكومة آنذاك بالقوة للاستفادة من ريع بطاقات الدخول وجمعها لصالح الثورة الجزائرية، كما أعلنت وسائل إعلامها آنذاك!؟
* مشعل تمو (1958 -  2011)  معارض كردي سوري بارز ورئيس حزب تيار المستقبل السياسي سابقاً،   ولدَ مشعل في مدينة الدرباسية بمحافظة الحسكة عام 1958، وتخرج بشهادة هندسة زراعية، وعملَ بالسياسة منذ التسعينيات، ثمَّ أسس في عام 2005 حزب تيار المستقبل. اعتقل مشعل في عام 2008 وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهم النيل من هيبة الدولة وإضعاف الشعور القومي الوطني، لكن أفرج عنه لاحقاً في شهر يونيو عام 2011 لتخفيف وطأة حركة الاحتجاجات العنيفة في مناطق الأكراد بسوريا. 
 


221
الكورد من اجل ديمومة العراق

كفاح محمود كريم

    قال رئيس الوفد الكوردستاني الى بغداد السيد فاضل ميراني اثناء لقاءه رئيس مجلس النواب العراقي:


   ( اننا سنظل نصون وحدة الوطن من اجل ديمومة العراق )

   ومن جانبه أكد رئيس البرلمان العراقي:

   ( إن لكل الأطراف حق المشاركة في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاستراتيجي، لان العراق وطن للجميع، وان الكورد هم ثاني أكبر القوميات وشريك أساسي في اتخاذ كافة القرارات التي تحدد مصير البلاد. )


    قرأت وسمعت ذلك في نشرات الأخبار وعاد بي التاريخ الى بدايات القرن الماضي، حينما اختار الكورد الاتحاد مع العراق دون تركيا في مسألة الموصل، التي منحها الكورد هويتها العراقية حتى يومنا هذا، في استفتاء سكانها حول التبعية لدولة تركيا او المملكة العراقية في الربع الأول من القرن الماضي، وكانت حينذاك تضم معظم إقليم كوردستان الحالي، ومنذ ذلك التاريخ وطيلة ما يقرب من قرن من الزمان ناضل الكورد من اجل الحرية والديمقراطية ليبقى العراق وطن الجميع، دون استئثار من عرق أو قومية أو حزب أو مذهب، فالكل في بلاد الرافدين صنعوا تاريخ هذه البلاد وناضلوا من اجل مستقبلها وحريتها، وأن يعيش الجميع فيها بنفس الأطوال والدرجات والمستويات، التي حاولت معظم الأنظمة التي حكمت العراق أن تنال منها وتعمل على إلغائها وتهميشها، والتي وصلت ذروتها الى الإبادة الجماعية للسكان باستخدام أكثر الأسلحة تحريما منذ اندلاع ثورة أيلول عام 1961م في كوردستان العراق،  حينما أحرقت الطائرات عشرات القرى بقنابل النابالم، وما أعقب ذلك من عملية تطهير عرقي واسعة استخدمها النظام السابق في محافظات نينوى وكركوك وديالى، وأخيرا تلك الحرب الرهيبة التي أطلق عليها زورا وبهتانا اسم الأنفال لكي تقضي على خمسة آلاف قرية بمن فيها من بشر وحيوان ونبات، وتحرق واحدة من أجمل مدن كوردستان والعراق بالأسلحة الكيمياوية في حلبجة.

   لقد أثبتت التجارب والسنين منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى يومنا هذا، إن كل تلك الأنظمة انهارت وتساقطت أمام إصرار ونضال الكورد وأشقائهم العرب وبقية مكونات البلاد من اجل الحرية والديمقراطية، ومن اجل تلك المعادلة الموزونة التي لخصها التصريحان الأخيران لرئيس الوفد الكوردستاني السيد فاضل ميراني والسيد رئيس مجلس النواب العراقي اسامة النجيفي.

  حقا انها معادلة العراق الموزون الذي تشترك فيه كل المكونات وفي مقدمتهم الكورد والعرب الشريكان الرئيسيان في انشاء العراق وديمومته وتطوره وبقائه.

kmkinfo@gmail.com 


222
احذروا الفاشية الجديدة؟

كفاح محمود كريم


    بعد انتصار الحلفاء وانهيار نظام ادوولف هتلر وحلفائه انكفأت واحدة من أكثر الأفكار العنصرية شوفينية وفاشية، الى زوايا مظلمة هنا وهناك في بدائيات العالم الجديد من الدكتاتوريات التي انتشرت وترعرعت في أراضي الحرب الباردة التي أعقبت انكسار النازية بين المنتصرين المتخاصمين في أطراف الأرض الأربعة، ورغم ان القضاء الدولي كان يتتبعها ويقضي على بقاياها ومستوطناتها في واحدة من أكثر المحاكم إثارة بعد الحرب العالمية الثانية، الا ان الكثير منها توارى بعيدا لكي يترك لنا مستوطنات طفيلية بدأت بالنمو ثانية في كثير من بلدان العالم وخاصة هنا في الشرق الأوسط بعد منتصف اربعينات القرن الماضي وقيام دول العشائر والقبائل هنا وهناك.

    وخلال أكثر من نصف قرن مارست تلك الفاشيات الصغيرة أبشع أنواع السلوك العنصري والإبادة الجماعية للسكان سواء بالقتل أو التهجير، أو بإلغاء الذاكرة الثقافية واللغوية للسكان على خلفية قومية وعرقية عنصرية أو دينية ومذهبية، كما حصل هنا في كوردستان العراق وتركيا وايران وسوريا وشمال افريقيا واسرائيل وجنوب السودان، وكثير من الدول والمجتمعات التي استطاعت فايروسات النازية ان تنمو فيها وتتكاثر، في غياب الديمقراطية وعلى خلفية البيئة الصالحة لنموها وهي انعدام العدالة الاجتماعية والنظم القبلية والبدوية وتفشي الأمية الحضارية والأبجدية، وما ساعد في نمو وتطور تلك الفاشيات ومستوطناتها صراعات الحرب الباردة التي دعمت وحافظت على كيانات تلك الأنظمة.

    ومع توقف تلك الحرب وصراعاتها بدأت ملامح حقبة جديدة في تاريخ العالم السياسي والعلاقات بين الدول، وبالذات بعد احتلال العراق لدولة الكويت وما أفرزته من تحالف دولي كبير أدى الى تحريرها، وإصدار قرار من مجلس الأمن يتيح للمجتمع الدولي حماية الشعوب من حكامها المستبدين والذي تمثل في القرار 688 واستحداث منطقة الملاذ الأمن في كوردستان العراق ومنع الطيران في جنوبه لحماية السكان من بطش الدكتاتورية.

    وخلال العقدين الماضيين انكفأت كثير من قوى الفاشية،    وتحررت العديد من الشعوب ونالت استقلالها، كما في دول يوغسلافيا وتيمور الشرقية وكوسوفو، وسقوط طاغية بغداد ونظامه الفاشي، وما يجري منذ نهاية العام الماضي ومطلع العام الجديد من سقوط وتقهقر للنظم الدكتاتورية والفاشية في دول الشرق الأوسط، حيث يشهد العالم حقيقة هذه الأنظمة وجرائمها بحق شعوبها، وكيفية التعامل مع احتجاجات سلمية لم تتعد تظاهرات شبابية سواء في تونس أو القاهرة أو دمشق أو صنعاء أو طرابلس وبنغازي.

    لقد سقطت الآفة الكبرى ويسقط الباقون لا محالة تاركين وراءهم مجاميع من فايروسات وطفيليات الفاشية والفساد تستوطن في زوايا مظلمة، كما فعلت في العراق فاندست في مفاصل النظام الجديد،  وغيرت جلودها ومظاهرها لتنخر في هذا الجسد الثر، مستغلة آليات النظام الديمقراطي وطبيعته بقبول الآخر، مستقدمة كل مافيا الإرهاب والجريمة من كل أصقاع العالم المظلم بالتعاون من أشباهها وراء الحدود، لتحيل البلاد الى حمامات للدماء ودوامة للعنف والفساد والإفساد، في محاولة منها للعودة الى الحكم أو تدمير البلاد كما فعلت حينما سقط رموزها وانهار نظامها؟
 
 حينما سقط كبيرهم الذي علمهم سحر الدكتاتورية، هربت مجاميع من مرتزقة الدكتاتور ومريديه من الفاشيين الصغار الى ملاذات تمت رشوتها قبل السقوط لتكون مرتعا لها ومحطة على أمل العودة من جديد، لكنها تسونامي الأنظمة القذرة اجتاحتهم جميعا من صنعاء الى القاهرة ودمشق وطرابلس ليبدأ سقوطهم الأخير في ملاذات تتهاوى أمام زحف الشعوب.
 
    وكالحرباء تحاول اليوم تغيير ألوانها لكي تتمركز في بعض من مفاصل الدولة محاولة اعادة عقارب الساعة الى عهدها الأسود، متناسية ان آليات وجودها وديمومتها قد ولت الى غير رجعة، وان حاجز الخوف لم يعد له وجود في ذات الإنسان الذي نجح في تمزيقه وانعتق من ذلك الشرطي الذي كان يسكنه طيلة عقود سوداء، انها تسقط تدريجيا أمام وعي الشعوب وإرادتها في التحرر والانعتاق وبناء حياتها الجديدة ومجتمعاتها المدنية الديمقراطية بعيدا عن الدكتاتوريات بشتى أشكالها السياسية والقومية والاقتصادية والدينية.

    فاذا كانت أنظمة الفاشية تتهاوى اليوم تباعا عن رأس الهرم، فان المجتمعات والشعوب لم تعد تتحمل أو تتقبل ظاهرة الفساد والإفساد التي أصبحت تمثل الوجه الأكثر بشاعة للفاشية الجديدة المقنعة، من خلال مجاميع الفاسدين والحرامية ومافيا المال والسحت الحرام،  التي تنخر في جسد الدولة والشعب وتمتص دمائه وتقتنص فرص شبابه وشاباته في التقدم والازدهار. 

kmkinfo@gmail.com
 


223
كفاح محمود من الاعدام الى شاشات الإعلام!
حوار صريح أجراه رياض الفرطوسي من كوردستان
كفاح محمود كريم .. رجل ضد التيار
ربما يختلط الليل
بأول القطر
والهمسات أنغاما
بين العاشقين
والكلمات غناء
يتسلل إليها أول الضوء
فتصير الشفاه قوس قزح

كفاح محمود كريم... واسماء كثر : كفاح ابو العلا، كفاح السنجاري، كفاح الشمس، واحبهم اليه اولهم...
    بدا عاشقا وصائدا للجمال عند تخوم جبل سنجار المثير للهواجس والانبهار, لكنه كان مأخوذا بالمعرفة والابداع وشغوفا ومولعا بحبه للشعر والفن والادب، فالطبيعة من حوله تستفز كل عوالمه وهواجسه، انطلق بروح عذبه في الكتابة لكنه ايضا حاول ان يرسم مشاهداته الشعرية ويحي فيها استجاباته الداخلية, كتب مقالات مفتوحة على صميم الجرح العراقي منذ كان معارضا وسجينا في زمن انهيار الاخلاق والمبادي والقيم لكنه ظل وفيا لقضيته ولم يك هشا رغم انه سيق الى الموت والمحارق !

كفاح محمود من الاعدام الى شاشات الاعلام

 
*استاذ كفاح هل تتحدث لنا عن كفاح محمود من وجهة نظره هو ؟
 
_ربما ادع هذه المهمة لقاص وصحافي عراقي كبير قابلني في مطلع التسعينات، وأجرى حوارا مطولا وفي نهايته: سألته كيف رأيت كفاح؟
قال: انسان مشاكس يصنع بمشاكساته انماطا مثيرة من الفن والأدب والإعلام والسياسة، ضحكتُ فرد قائلا إذن هذا أنت!
 
*ألا تعتبر هذا نوع من الغرور مثلا
 
_انا لم اقل شيئا، هم يقولون؟
اسأل النقاد ولو كان عبدالوهاب النعيمي معنا لقال اشياء اخرى!
   لقد عايشني حتى كاد ان يعتقل او تتم تصفيته فابتعد عن الموصل قليلا الى ملاذ آمن حتى وافته المنية!

 
*هل تستطيع ا ن تتحدث لنا عن طفولتك او لنقل المراحل المهمة في حياتك وما هي الجوانب المعتمة او المضيئة في هذه التجربة ؟
 
  بإيجاز يوفر لنا الوقت ويمنع عن القراء الملل
   لم يك هناك شيئا غير اعتيادي عن اي نشأة لعراقي من جيلنا الخمسيني، سوى جبل اشم كنت وما زلت مغرما بهامته منذ ولدت عند حافاته، ومحطة شهدتها كما الان وكنا ما نزال صبية في مطلع الستينات من ارهاب وخوف انتجته ( عروس الثورات ) البعثية
   ما زلت اذكر اعتقال عمي فجر الثاني عشر من شباط 1963م كان فجرا اسودا

 
*من هنا بدأت الذاكرة تخزن تاريخنا الشخصي وتاريخ بلادنا المعاصر
 
   نعم انها ربما ذاكرة اختلط فيها الرصاص مع الكحل مع الموت مع التشرد مع الحب , كيف بدءت تتشكل عندك الرؤى السياسية وقت ذاك وعلى اي منحى اخذت تميل ؟
  ربما ايضا واحدة من تلك المشاكسات هي الرسم والخط العربي الذي بدأت افرغ فيه انفعالاتي وخوفي ( عمري هنا لم يتجاوز 14 سنة ) الناتجين من ذلك الفجر الاسود 12 شباط 63 ، ربما هروبا الى عالم اكثر امنا وحرية؟
    قبل نهاية الثانوية كانت هناك بذور ماركسية زرعها احد المدرسين ومضى هو الاخر منفيا، حينما بدأت تنمو تلك البذور ادركنا حقائق كثيرة، ربما اجملها شمس كوردستان التي اشرقت مطلع السبعينات من القرن الماضي، ومنها بدأ المشوار..

 
*استاذ كفاح في مشاورك هذا وعلى مستوى الابداع نجد انك ذهبت في الادب كما في التشكيل كما في السياسة الا تعتقد ان التخصص مصدر من مصادر الابداع ؟ والحال انك استطعت ان تبدع في كل تللك التخصصات وهذا ما لا نلاحظه الا في عدد قليل من المثقفين ؟
 
    هي بالتالي عوالم لفضاء واحد هو الابداع، وهي ايضا ذات البذور وان اختلفت البيئات والعناوين، المهم في جميعها هو الصدق في التعبير والاصالة والقناعة التامة حد الايمان بالموضوع
    الاختصاص ربما يكون اكثر الحاحا وانت تعالج مريضا او تدرس طلبة او ما شابه ذلك، لكنني ارى ان كل حقول الابداع تنمو من ذات البذور وان اختلفت البيئات كما قلت لك!
   على لا يؤثر ذلك في موضوعة المواهب، وتلك بتقديري مسائل فسلجية ليس الا، ربما لانني لا اجد تعليلا لحد الان لماذا لا يكون مذيع شهير ذي صوت رخيم مطرب متميز في ذات الوقت؟

 
* اعود الى مرحلة تشكيل وعيك السياسي في مراحل التنقل بين كردستان والحلة هل ثمة استمزاج في الرؤيه ساهمت فيه الظروف التي فرضت عليك
بمعنى اصح هل اثر المناخ العربي على مزاجك الثقافي والسياسي والخ
_ بداية مرحلة تشكيل هذا الوعي هو النهوض القومي والوطني الذي بدأ بعد اتفاقية آذار 1970م بين الحركة التحررية الكوردستانية والحكومة العراقية، وكان حقيقة هو الانطلاق الى كثير من العوالم الابداعية سواء في الادب او الفن او الاعلام، ومما ساعدني انذاك هو ثقافتي العربية وطبيعة الدراسة ايضا كانت باللغة العربية منذ الابتدائية. اما موضوعة السياسة فهي بتقديري ليس بمفهومها المهني البحت، لقد تعرضنا في معظم مدن وبلدات كوردستان بعد اتفاقية الجزائر 75 لعملية ابداة منظمة ، وكان نصيبي فيها النفي الى الحلة ووالدي الى اربيل؟.
    بعد عدة اشهر من النفي الى الحلة شعرت انها واهليها البابليين العتقاء منحوني الانتماء،  وشعرت بانني واحد من ابنائها الحميميين، عليك ان تتصور انت والقارئ كيف تبلور هذا الشعور من لدن انسان منفي بسبب عرقه وفكره المختلف؟
   حقا الحلة واحدة من اجمل بوابات العراق على الثقافة والشعر والفن والمسرح والابداع عموما! انها الحضارة والانسان اختزالا!

 
*طيب وانت تتحدث عن بابل هذه المدينة الازلية والتاريخية عمقا وحضاره ماذا اعطتك ايضا وماذا اخذت منك ؟
 اعطتني ( كفاح السنجاري ) الشاعر والفنان والاعلامي، منحتني حب عشتار، وكأي أم معطاء لم تأخذ مني غير نبضات فؤادي وذاكرة متوهجة بحروف بابل الجميلة!
   فيها أدركت ان الصراع في كوردستان ليس مع الشعب العراقي، وليس مع العرب تحديدا؟

   لقد رأيت في سهل الحلة وبساتينها وبيوتها وشيوخها ونسائها وشبابها من يعشق كوردستان مثل عشق البيشمه ركه لها!
   أدركت ان الحضارة في سهل ما بين النهرين ارقى واسمى مما تفعله عصابات لا تمثل الا قيح هذه الارض، جاءت في غفلة من الزمن السيئ لتشوه اعرق الاقاليم؟

 
* بعد هذه النكبات والويلات والمحن والتنقل وبين سلطة قاسية وردح على ايقاع رجال السلطة كيف استطعت ان تصر على ذاتك وقناعاتك ونفسك والحال انك اصبحت امام معركة مفتوحة
   كان صراعا مريرا لكنه لم يك من اجل سلطة او مال، بمعنى لم يخضع للمساومة لانه قضية حياة او موت؟ 
  بقيت منفيا في بابل حتى ما بعد منتصف الثمانينات، حينما سمحوا لي بالعودة الى مدينتي، وهناك انكفأت لعدة سنوات حتى عدت ثانية الى الصراع الذي انتهى بمحاولتهم إعدامي فسقطوا هم ونهضت انا ومدينتي أحرارا أعزاء..
 
*كنت قبل قليلا تتحدث لي عن علاقة جدلية خاصه مع مدينة الحلة اختلط فيها الميثولوجي بالنفسي بالاجتماعي بالكوني وبالانساني هل فعلا  شعورك وانت تعيش وسط الحله انك منفي والحال ان شعور النفي شعورا قاسيا عند اي انسان فكيف بالكاتب والاديب والسياسي ؟
 
   قلت لك بعد اشهر فقط تلاشى الشعور بالنفي الا في لحظات مراجعة السلطات الامنية واعلامها بوجودي او طلب الاجازة للذهاب الى بغداد او الجنوب
  لقد منحتني الحلة الانتماء واهليها منحوني وطنا جميلا

 
*ماهو مفهوم الوطن بالنسبة لك  
الوطن بتقديري ليست بقعة الارض وحدودها او مجموعة الاهالي وهوياتهم؟
لماذا نحب بيوتنا واهلها ونضحي دونها طوعا؟
  أريد ان اصل الى ان الوطن هو الاحساس بانك محبوب ومحترم وهناك من يحرص عليك وعلى اسرتك وحياتك ومستقبلك؟

 
*المثقفون اعطوا للوطن التضحية والمال والابناء والكفاح من اجل الحرية ولكن الوطن لفضهم ومنحهم الاغتراب والنفي وربما انت ايضا طالك ما طال الاخرين , اين تكمن المشكلة في رائيك
 
هو هذا ما اريد ان اقوله
    لقد سحق الوطن وتلك الشعارات الاف اوربما عشرات الالاف من خيرة ابناء هذا البلد الذي لم يحترم تلك التضحيات ابدا
   اكرر وأصر على ان الوطن هو ذلك الكائن الذي تشعر فيه بالامان والاحترام والتقدير والتميز

 
*هل ثمة شعور بالمواطنه للانسان العراقي , بمعنى حب حقيقي للوطن ؟ تجد من باب الامثلة من ياتي ليشتم العراق ولكن لا تجد شعور من طرف العراقي على غيرته على وطنه في حين تجد ان الكردي اذا شتمت امامه كردستان يتشيط غضبا والما , هل الكردي في رائيك اكثر شعور بالمواطنه من العراقي ام ان ثمة اسقاطات اخرى فرضتها دواعي الكره للسلطه واخذت عاتقها على الوطن كشعور
 
   هي كل ذلك؛ في كوردستان مواطنة عالية بلورتها سنوات المقاومة والنضال ضد الدكتاتورية والاستعمار وفي بقية العراق كان هناك صراع من نوع اخر
 
* انت تبنيت برنامجا حواريا ناجحا هل كنت تريد ان تصل لشي ما
 
   هناك سلطة أوهمت الناس بأنها حامية الوطن ومحررته على طول الزمن منذ تأسيس المملكة ذلك التأسيس الهش؟
 
 *تبنيت برنامجا حواريا ناجحا هل كنت تريد ان تصل لشي ما .
  في لنتحاور أردت ان أشيع ثقافة قبول الاخر والتعايش معه، وان أدوات الصراع يجب ان تتغير من الكلاشنكوف الى الحوار الفكري والسياسي والاقتصادي والديني واي حقل من الحقول التي ربما تكون سببا في احتدام الصراع الاحمر؟
 
*بين مرحلة الكفاح والاعتقال وبين الاعلام والتلفزيون هل ثمة فواصل مشتركة جعلت من كفاح محمود عنوانا مشتركا للعرب والكرد وايضا عنوانا للحوار والسلم
 
    تأكد كما قلت لك ان الموضوع ليس عربا وكوردا، فما بين هؤلاء من نسيج لن يدركه الساسة السيئين في محاولاتهم العقيمة، وسأعطيك معلومة ربما لا يعرفها الكثير:
   كنت محكوما( سياسيا ) بالاعدام في سجن بادوش غرب الموصل، وبيننا وبين التنفيذ ساعات او ايام قبل سقوط النظام، هل تعلم من ساعدني على الهروب من السجن ليلة 27/28 آذار 2003م؟
   لم يكن كورديا بل كان عربيا والاخر تركمانيا، الاول قاضي والثاني ضابط امن برتبة نقيب؟

 
*قرار الاعدام الم يشكل لك صدمة وماذا كانت تاثيراته عليك لاحقا ؟
 
    لا انفي ذلك لكنني ضحكت كثيرا حينما ابلغوني بقرارهم البائس بالاعدام والطائرات تدمر مبانيهم فوق رؤوسهم، حتى ان احدهم قال لقد اصيب بالهستيريا؟
   ضحكت كثيرا لكنني شعرت بدموعي تنهمر متذكرا وجه اصغر اولادي ( 4 سنوات ) كوني لم اشبع منه كما يقولون.
  بعد اقل عشرة ايام كنت احد المسؤولين عن المدينة وطلبت حماية عوائل البعثيين الهاربين وعدم المساس بهم وباموالهم ؟

 
* الكاتب هو ربيب التمرد الجميل والطفولي انت ككاتب ومحلل سياسي ماذا تريد ان تقول بمحور لنهاية الحوار من خلال مجلة سطور
 
   علينا لكي نؤسس وطن جميل ان نقبل بعضنا ونحترم اختلافنا ونكون اكثر حرصا على اشاعة المحبة والعلاقات السليمة لكي نساهم في بلورة مواطنة راقية.

 
اشكر لك سعة صدرك وهو بلا شك كبير وواسع كسهول شهرزور الجميلة دمت عزيزا علينا
رياض الفرطوسي/ مجلة سطور



224
لماذا يخشون إحصاء السكان في العراق؟

كفاح محمود كريم
kmkinfo@gmail.com
    
   منذ عدة سنوات تقرر إجراء تعداد عام للسكان في العراق لتحديد كثير من الأمور والحاجات الاقتصادية والزراعية والصناعية والحضارية وما يتعلق بالتعليم والأمية، وكممارسة حضارية تجريها معظم دول العالم كل عشر سنوات، لقياس تطورها ونقاط ضعفها وقوتها ووضع خططها وبرامجها من اجل ذلك.

    وقد اعتادت الحكومة العراقية منذ تأسيس المملكة العراقية على إجراء تعداد عام للسكان كل فترة من الزمان، وربما كان إحصاء عام 1957م من أدق الإحصاءات التي لم تتعرض إلى أي تشويه أو تزوير على خلفية عرقية أو قومية أو دينية، ولذلك نرى انه الأكثر اعتمادا في كثير من القضايا العالقة، بسب تعرض معظم التعدادات التي تبعته إلى تغييرات وتشويهات شوفينية أو مذهبية ومناطقية، جعلتها غير معتمدة أو موثوقة كما في إحصاء 1977 وما تلاه من إحصاءات حتى آخرها في 1997م.

    وكان من المقرر إجراء تعداد عام للسكان في سنة 2007م بشكل نزيه وواقعي، خصوصا وان الظروف قد تغيرت وأصبح النظام السياسي للبلاد ديمقراطيا تعدديا، ولم تعد هناك سلطات قادرة على إجبار الأهالي لتغيير قوميتها أو مذهبها أو انتمائها، كما كان يحصل أيام النظام السابق فيما عرف بتصحيح القومية سيئ الصيت في بعض من محافظات الموصل وكركوك وديالى وصلاح الدين، لغرض إحداث تغيير ديموغرافي لصالح عرق او قومية كما حصل في عملية تعريب مناطق سنجار والشيخان وعقرة وكركوك وخانقين وزمار ومخمور والعديد من المدن والبلدات وسلخها عن إقليمها الجغرافي والتاريخي والثقافي، إلا انه تم تأجيل ذلك التعداد بذرائع واهية لا تعتمد على أي أسس علمية أو منصفة، وبدأت عملية التسويف والتنصل من إجراء التعداد وبالذات في المناطق التي تشملها المادة 140 من الدستور الدائم، بضغوطات محلية وخارجية خشية من انكشاف حقيقة الأمور في هذه المناطق، سواء في كوردستان العراق أو بقية أنحاء البلاد التي تعرضت للتغييرات الديموغرافية العرقية والمذهبية المقيتة، وبذلك تم تعطيل كثير من خطط التنمية والأعمار والعديد من مواد الدستور ومشاريع حل الإشكاليات الموروثة من النظام السابق.

     وقراءة في هذه الأسطر التالية من مقال للسياسي الكوردي المخضرم علي السنجاري ندرك تماما ان ثقافة ذلك النظام ونهجه المقيت ما يزال ساريا في كثير من مفاصل الدولة ومؤسساتها، بل وفي العديد من الأشخاص والأحزاب التي تكونت من بقايا ذلك النظام ونهجه الشوفيني، ونعرف تماما هوية من يقف وراء تأجيل أو إلغاء أو تشويه أي تعداد قادم للسكان يظهر حقيقة الأمور.  

     ( بعد اتفاقية الحادي عشر من آذار سنة 1970 بين قيادة الثورة الكوردية وحكومة حزب البعث العربي الاشتراكي . ورد بند في الاتفاقية بخصوص القيام بإحصاء في محافظتي نينوى وكركوك بغية إلحاق المناطق ذات الأغلبية الكوردية في تلك المحافظتين بمنطقة الحكم الذاتي وبخاصة في الأقضية والنواحي  الكوردية ضمن محافظة نينوى مثل سنجار والشيخان وزمار وشرقي مدينة الموصل . حيث تم الأعداد للقيام بالإحصاء في آذار  1971 أي بعد مضي سنة واحدة على بيان آذار وتم تشكيل لجان مشتركة من ممثلي الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحزب البعث والسلطة وتم طبع الاستمارات الخاصة لهذا الغرض . وقبل شهر من القيام بالإحصاء وتحديداً في شهر شباط 1971 طلب محافظ نينوى آنذاك السيد خالد عبدالحليم لقائي بصورة منفردة حيث كنت مسؤولاً لفرع نينوى ودهوك للحزب الديمقراطي الكوردستاني . وقال بأن لك رسالة من مجلس قيادة الثورة تتضمن تعاونك معنا لتزوير الإحصاء مقابل مبلغ مليوني دولار ومنصب وزاري في المستقبل. وقال أيضاً اذا لم تتعاون معنا لن يجرى الإحصاء.)*

ورفض علي السنجاري طلبهم واغراءاتهم والغي الاحصاء ولم يتم لحد الآن، وما زال حقل الألغام هذا فعال ومفاتيحه لدى أولئك الذين يرومون تحويل العراق الى حفنة من تراب، وما أشبه اليوم بالبارحة!؟

 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من مقال للأستاذ علي شنكالي في جريدة التآخي البغدادية
الأربعاء 6 أكتوبر 2010


225
المنبر الحر / السقوط
« في: 13:00 26/09/2011  »
السقوط

كفاح محمود كريم

   في اللغة العربية؛ السَّقْطةُ: الوَقْعةُ الشديدةُ. سقَطَ يَسْقُطُ سُقوطاً، فهو ساقِطٌ وسَقُوطٌ، واحدة من أكثر المفردات انتشارا منذ نيسان 2003م،  حينما انهار نظام صدام حسين وهرب رئيسه الى تلك الحفرة البائسة، ومن ثم تهاوى كامل هرم الدولة العراقية بمؤسساتها، وهروب القائمين عليها، بين سقوط وهروب الى خارج البلاد بما حملته حقائبهم من خفيف الوزن ثقيل النوع، أو انكفاء في بيوت وملاذات حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود!؟

     وخلال سنوات طويلة سادت هذه المفردة وشاعت بين كل الناس، حتى أصبحت مصطلحا يدلل على نهاية صدام حسين ونظامه، الذي سقط حقيقة قبل احتلال الأمريكان للبلاد بسنوات طويلة، حينما تجاوز ذلك النظام كل الأعراف والمواثيق الدولية والثوابت الأخلاقية والقانونية، وتعامل بوحشية مع شعبه وأهله ورفاقه، فسقط منكفئاً في ذاته حتى تحول الى محطة للسخرية والتهكم من لدن كل الأهالي بمن فيهم الكثير من تنظيماته المدنية والعسكرية التي كانت تعبر عن استيائها الشديد منه ومن سلوكه الدكتاتوري والعشائري المقيت، فتخلت عنه تماما منذ الأيام الأولى للحرب؟

    ان ما يجري اليوم في منطقة الشرق الأوسط عموما هو استكمال لعملية السقوط التي بدأت في بغداد، وتأخذ مدياتها في كل عواصم الدكتاتورية التي تلغي الآخر وتكثف السلطات بيد شخص أو حزب أو عرق أو قوم أو دين أو مذهب، في بلدان تنوعت فيها كل هذه الانتماءات وتم اختزالها لصالح دكتاتور مريض أو حزب فاشي التهم بقية الأحزاب والحركات ليؤسس جمهورية الرعب والخوف والإلغاء.


   لقد حاولت كثير من وسائل الإعلام تعريف السقوط على انه سقوط بغداد أو العراق، لكي توحي للرأي العام بان الذي سقط هو العراق وليس ذلك النظام الفاسد، في محاولة لإعاقة عملية التغيير والإصلاح والبناء، وتشويه ما حدث ويحدث لصالح أولئك الذين سقطوا واقرانهم في عواصم الدكتاتوريات، التي تتهاوى اليوم وتسقط أنظمتهم البائسة، ليكتشف العالم عارات أولئك الذين كانوا يغطون بدائياتهم وجرائمهم، بشعارات وتسميات اقلها إنهم منقذي الأمة وحماة الشرف والحضارة ومناضلي الوحدة والحرية والعدالة، بينما أزاحت عملية السقوط ذلك الستار الحديدي وتلك الغشاوة عن حقائقهم، لتظهر أبشع ما يتصوره المرء في سلوكهم وعلاقاتهم وجرائمهم، وابعد ما يكونوا عن الشعب وعن تلك الشعارات الرنانة الفارغة.

    ان من سقط في الأمس ويسقط اليوم، هو تلك الأنظمة وأحزابها ورموزها، وليس الشعوب التي ترمم ما خربته تلك النظم الدكتاتورية ونتائج سياساتها، التي عرضت بلدانها للحروب والاحتلال أو التدخل الأجنبي، كما حدث في العراق ويحدث في ليبيا، وهي ما زالت تحاول إسقاط دولها وأنظمتها الجديدة من خلال تشبثها بالسلطة وتدمير البلاد وإغراقها في دوامات العنف والدماء كما حصل وما يزال في العراق وليبيا وسوريا واليمن.

 
    حقا لقد بدأ سقوطهم في بغداد وها نحن ذا نشهد سقوطهم المخزي في تونس وطرابلس وصنعاء ودمشق وكل العواصم الجميلة التي حاولوا تشويه صورها وتاريخها ونظافتها، وغدا ستعود بغداد ودمشق والقاهرة وشقيقاتهم من مدن الشرق الجميل الى عهد تاريخهم العريق منارات للحضارة والحرية والانعتاق.

kmkinfo@gmail.com

226
كهرباء كوردستان ونفط الشهرستاني؟

كفاح محمود كريم

   مع مطلع هذا العام 2011م مُزقت واحدة من أكثر أوراق الخدمات قتامة وأرسلت الى الماضي المؤلم، لتنتهي أزمة مستعصية منذ عقود طويلة هنا في إقليم كوردستان العراق، إلا وهي الكهرباء التي أصبحت على مدار الساعة تقريبا، وتجاوزت حدود الحمل الفائق  في صيف تميزت حرارته الشديدة باختراق حاجز الخمسين درجة مئوية، ونجحت الحكومة وإدارة الكهرباء معا في تحديهما وإنهائهما لمرض سرطاني يأس الكثير من شفائه؟

   لقد أنجزت الإدارة السياسية والفنية في إقليم كوردستان منذ أكثر من عام، برنامجا ناجعا لإنتاج الكهرباء بالتعاون المثالي والجريء مع القطاع الخاص في تجهيز المحطات الغازية التي تنتج ما يقرب من  2225 ميكاواط، بما يوفر ما قيمته ملياري دولار ونصف لحكومة الإقليم، باستثمار لم يزد عن مليار دولار نفذه القطاع الخاص، وأنهى واحدة من أكثر الخدمات تخلفا وتأثيرا على مجريات الحياة في الإقليم، حتى غدا خلال الصيف المنصرم قبلة العراق بأكمله، حيث تجاوز عدد العراقيين القادمين من مختلف المحافظات أكثر من مائة وعشرون الفا مواطن كل شهر.

   واضافة الى تغطية معظم ساعات اليوم من الكهرباء في كافة انحاء الاقليم، فقد بادرت الحكومة الاقليمية الى منح محافظة كركوك مائتي ميكاواط لترفع ساعات تغذيتها الكهربائية من ثمان ساعات الى ما يقرب 18 ساعة يوميا، وفي نية الادارة هنا تزويد مناطق مهمة من محافظة نينوى ايضا بالكهرباء.

   ان هذا المشهد يؤكد جملة من الحقائق المهمة في مقدمتها الجدية والشفافية والاصرار على تحقيق الاهداف المرجوة، وتفعيل دور القطاع الخاص وإشراكه في تنمية الإقليم وتطوير بنيته التحتية وعدم أنهاك الدولة ومؤسساتها بأثقال إنتاج الكهرباء وغيره من الأمور التي يمكن للقطاع غير الحكومي إنتاجها وتوفيرها بإسناد وحماية ورقابة من الحكومة.

    وكما يشعر الفرد بفرح غامر وهو يتجول في كوردستان المضيئة ينتابه الشعور بالاسى لبقية انحاء البلاد التي تعاني نقصا كبيرا في انتاج الكهرباء وبقية الخدمات، رغم ان الحكومة الاتحادية ( الكهرباء والنفط ) منذ ما يقرب من ست سنوات قد انفقت أو خصصت اكثر من عشرين مليارا من الدولارات للكهرباء، ووقعت عقودا هائلة لذات الغرض مع شركات حقيقية او وهمية، بمعدل يزيد عن مليار ونصف المليار من الدولارات لكل محافظة عدا محافظات اقليم كوردستان الثلاث وتوابعها، ومقارنة مع المليار الواحد الذي انفقته كوردستان على تغطية كهربائها كاملا مع مائتي ميكا واط منحت لكركوك، يتبين لنا البون الشاسع بين ما يصرحون هناك في بغداد وبين الفعل هنا في كوردستان، مع وجود هامش الفساد المالي والاداري ايضا في الاقليم، يقابله اصرار واضح وجدي من قبل الادارة على مكافحته وتحقيق تلبية كل متطلبات الفرد الاساسية.   

  لقد أنفقت الحكومة الاتحادية متمثلة بوزارتي الكهرباء والنفط  مليارات الدولارات تجاوزت الثلاثين مليارا من اجل توفير الوقود وتحسين أنواعه، وإنتاج الكهرباء وتطوير شبكته، وواقع الحال يظهر خارطة بائسة للوقود ونوعيته وأسعاره في كل العراق، ووضعا مزريا في التجهيز والتوزيع للطاقة الكهربائية في المحافظات الخمس عشرة، إذا لا تتجاوز التغذية الكهربائية في أفضل حالاتها العشر ساعات وتتدنى الى اقل من أربع ساعات خلال اليوم الكامل في مناطق واسعة من البلاد، بينما تنحدر الى العدم أو عدة ساعات قليلة جدا في الاقضية والأرياف؟

    إن مقارنة بسيطة ومشاهدة سريعة لتطور الإقليم خلال السنوات الأخيرة، تؤكد إن خللا كبيرا في إدارة ملف الخدمات والطاقة يكمن في أداء الحكومة الاتحادية، وبالذات في الوزارات ذات العلاقة بالكهرباء والنفط والمالية والبلديات والصناعة والصحة والتعليم، إذ تعاني معظم هذه القطاعات من تقهقر خطير في برامجها وأدائها،  مما انعكس بشكل واضح وخطير على الوضع الصحي والمعاشي لغالبية السكان، بحيث أصبحت معدلات الفقر تؤشر حالة خطيرة في دولة غنية مثل العراق، إذ يعيش ما يقرب من سبعة ملايين عراقي خارج إقليم كوردستان تحت سقف الفقر، بينما تراوحت نسب الفقر المئوية بالنسبة لكثافة السكان من أربعين بالمائة، حيث يذكر التقرير الذي أعده الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، بإشراف اللجنة الوطنية العليا لسياسات تخفيف الفقر وتوليد فرص العمل وشبكة الأمان الاجتماعية، ان محافظة المثنى تتصدر نسب الفقر حيث تبلغ النسبة فيها 49%، في حين بلغت النسبة في العاصمة بغداد 13%، وفي الموصل 23%، وفي ديالى 34%، والانبار 21%، وبابل 41%، وكربلاء 37%، وواسط 40%، والمثنى 49%، والبصرة 34%، والنجف 25%، والقادسية 35%، وذي قار 34%، ومحافظة ميسان 37%.


    اما في إقليم كوردستان فقد كانت نسبة الفقر في محافظة أربيل العاصمة 3%، وفي السليمانية 3%، وفي دهوك 9%، وفي كركوك 11%، وتكفي لغة الأرقام هذه لتظهر مديات النجاح والفشل في خطط التنمية ونسب الفساد والإصلاح ايضا.


kmkinfo@gmail.com
*نص تقرير وزارة التخطيط العراقية حول معدلات الفقر في البلاد:
http://www.pukmedia.com/News/27-04-2009/news12.html


227
وعاظ السلاطين الى أين؟

كفاح محمود كريم

    ما أن انهار نظام صدام حسين الدكتاتوري حتى انقسمت مجاميع الطبالين والزمارين من وعاظ السلاطين الى عدة أقسام أهمها من بقي هنا يمارس ذات المهنة مع الحاكم الجديد بتغيير غير كبير في بعض الإكسسوارات والأسماء، وبعض غير قليل هاجر ليدغم في الدول ذات الأنظمة الشبيهة في المنطقة، وبالذات الى دول أنظمة الحزب القائد أو القائد الأسطورة في سوريا واليمن وليبيا والى حد ما الى مصر وتونس، وآخرين لملمتهم عطايا وحنايا بعض المؤسسات الإعلامية هنا وهناك في دول الخليج وغيرها؟

    وربما ظن الكثير منهم على خلفية تلك الشعارات الافيونية التي أدمنهم عليها نظام القائد الضرورة وعطاياه التي أعمت أبصارهم وبصيرتهم، انهم في إجازة قصيرة أو فاصل قصير على عادة مذيعي فضائياتنا اليوم، وسيعودون سالمين غانمين الى امبراطويتهم التي انهارت خلال أيام فقط لا غير، بتأييد وتأميل من تلك الأنظمة والدول التي احتضنتهم وحولتهم الى أبواق دعائية بعد أن أحالت العراق الى ساحة حرب ينزف فيها العراقيون دما ودموعا وأموال بذات الشعارات الجوفاء التي أدمنتها شعوبنا منذ ما يقرب من نصف قرن!؟
 
    وخلال سنوات مريرة منذ سقوط أولى الدكتاتوريات المخزية في بغداد قبل تسع سنوات، عملت كل الأنظمة الشبيهة التي احتوت تلك المجاميع المريضة والكئيبة من أصنام ذلك النظام المتحجر على إدامة وتغذية دوامة العنف والإرهاب والتقتيل في عراق يئن من جروح غائرة تركها النظام وأدامها الاحتلال وأخطائه المفجعة، وسخرت وسائلها الإعلامية على تشويه الحقائق والدفاع عن نظام موغل بالجريمة والإرهاب وإعاقة تقدم البلاد وإشاعة اليأس والإحباط بتورطها في كثير مما جرى ويجري في البلاد، ابتداءً من تدخلاتها في العملية السياسية وإعاقة تقدمها وتشتيت جهود المخلصين في توحيد الصفوف من خلال عملائها ومريديها، وانتهاءً في مشاركتها وعملائها في عمليات الفتنة والإرهاب وتعطيل الدستور ومواده؟

      وصدق من قال ( تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ) لتعصف تسونامي بالأنظمة المتعفنة، وتتهاوى أصنام دكتاتور بغداد الكبير في كل من تونس وليبيا ومصر، وقريبا في دمشق وصنعاء، لتواجه تلك المجاميع من وعاظ السلاطين سقوطها الكبير وأزمتها في جغرافية وجودها ومجالها الحيوي، خصوصا وإنها تعاني الآن من تضخم سرطاني بسبب التحاق الكثير من أقرانها في تلك الأنظمة المتهاوية التي تشد الرحال هي الأخرى هذه المرة الى صحراوات لا أول لها ولا آخر في أفريقيا، أو تركب البحر من بانياس وسرت وتونس والحديدة وعدن، لترحل هذه المرة الى حيث مراضعها الحنونة، وعربات القطار التي حملتها ذات يوم بائس الى دفة الحكم، ترحل الى دول الاستعمار والامبريالية لتنعم هناك بالأمن والسلام الثوريين، مثل أكثر قادة المتطرفين الإسلاميين المقيمين في دول الكفر والخنازير كما يطلقون عليها في أدبياتهم المظلمة، بينما ينعمون بخيراتها ومساعداتها هم وعوائلهم؟


     ويبقى السؤال هل ان سقوط أصنام الدكتاتورية وأنظمتها سينهي حقبة وعاظ السلاطين واوبأتهم، وان الديمقراطية كفيلة بتقليص مستوطناتهم، أم إن من بقى منهم وتكيف مع الأوضاع الجديدة سينجح في صناعة وتطوير أجيال وموديلات  أكثر تطورا وخطورة في غياب العدالة الاجتماعية والمساواة!؟
   
kmkinfo@gmail.com


 


228
طفيليات الصحافة والإعلام!

كفاح محمود كريم

    في الأنظمة الشمولية ذات التوجه الإيديولوجي تكون الصحافة والإعلام وسيلة من وسائل ادلجة المجتمع وغسل أدمغة الأهالي ومن ثم تعبأنها كما يريد النظام أو الحزب القائد، وفي كل هذه الصيغ يكون الصحفي أو الإعلامي إذاعيا أو تلفزيونيا أداة وظيفية تتقاضى أجرا محددا لأي نشاط ينفذه حسب فكر ورأي الموجه السياسي أو الإيديولوجي في تلك المؤسسة، مع غياب كلي للرأي أو التعبير عنه بأي شكل من الأشكال منافيا أو معارضا لرأي الدولة صاحبة وسيلة الإعلام.

   وضمن تلك الثقافة هناك دوما مجموعة من الضوابط والقوانين التي تحدد مساحات الحرية وتعريفاتها، وواجبات الصحفي والإعلامي بعيدا عن فكرة السلطة الرابعة والنقد إلا في الحدود الموجهة والمسيطر عليها، وبذلك تخضع النصوص والمقالات والحوارات لمجموعة كوابح تقنن مساحات الرؤيا والتفكير إلا بما هو متاح من قبل النظام، وهكذا لا يتعدى واجب الصحفي أو الإعلامي أو الكاتب كما ذكرنا، واجب أي موظف يتقاضى نهاية الأسبوع أو الشهر مرتبه، ولا علاقة له بأي شيء غير ما يملى عليه ويقوم هو بتنفيذه.

     وإزاء ذلك كان حلما على كثير من أولئك المهتمين بالشأن السياسي أو الثقافي مما لا يتفقون وأطروحات النظام السياسي الشمولية، الظهور على شاشة التلفاز أو الحديث عبر الراديو أو الكتابة في الصحافة للتعبير عن وجهة نظرهم في تلك الشؤون، وما أن انزاحت تلك الغمامة حتى ظهرت العشرات من القنوات والإذاعات والصحف والمجلات التي تتمتع بمساحات خيالية من حرية الرأي والتعبير، التي رأى فيها أولئك المحرومون متنفسا لهم وساحة حرة للتعبير عن آرائهم وأفكارهم، حتى فعل الإرهاب فعلته في محاولته إعادة الدكتاتورية مرة أخرى بتصفيته الكثير من الكتاب والصحفيين والإعلاميين الذين لا يتوافقون وأفكار ذلك الدكتاتور المخفي أو المختفي في كثير ممن يحكمون البلاد اليوم؟

   ولعل ظاهرة الفساد والمفسدين قد توغلت هي الأخرى لتلك الوسائل الإعلامية من خلال كوادر غير كفوءة جاءت بها الحقبة الدكتاتورية والسلوك الأحادي والانتهازي، ومن ثم ظاهرة الانفلات غير المسيطر عليه وما ترتب من قرارات بعد سقوط النظام وبدأ ( الفوضى الإعلامية الخلاقة! ) دون سقف أو حدود أو ضوابط، مما سهل عملية اندساس كبيرة جدا في جسد الصحافة والإعلام، الى درجة تجاوز عدد الصحفيين والإعلاميين العشرة آلاف عضو في العراق، وربما ما يقابلهم في إقليم كوردستان يتجاوز الستة آلاف صحفي أيضا، وإلا كيف لنا أن ندرك أو نقتنع بأن نصيب كل محافظة عراقية كمعدل أو متوسط يتجاوز الألف صحفي () إذ لم يك في القضية سر يجعل كل هؤلاء بقدرة قادر أعضاء في هذه المهنة كما صرح الأكاديمي الإعلامي هاشم حسن قبل فترة، وأحالت هذه المجاميع من ( سواق التاكسي والكسبة وعمال البانزينخانات  - محطات الوقود - وبقية أصحاب الحرف والمجاملات الشخصية )* الذين اندسوا الى عالم الصحافة والإعلام وكثير من قنواته الى سوق مريدي للإعلانات والمزايدات والـ بلف ولف الحبال، حيث أصبح حقل الإعلام ساحة لغسل الأموال القذرة ونشر الأفكار الهدامة والسلوكيات المنحرفة من خلال إنشاء العديد من وسائله المرئية والمقروءة او المسموعة!؟

   ثم كيف نفسر وجود هذا العدد الهائل من الصحفيين والإعلاميين مع دعم مالي كبير سواء من الدولة في هيئة إرسالها أو من الأحزاب ومكاتب إعلامها، ومن بقية المؤسسات التي تدعي استقلالها، وغالبيتها تعاني من ضآلة إنتاجها وانكماش نوعيتها، بل وتقهقر مستمر في أدائها المهني؟، رغم ان هذه الكثرة يفترض لها أن تكون ظاهرة ايجابية يمكن توظيفها واستثمارها من اجل إنشاء قاعدة صحفية وإعلامية متميزة للمستقبل؟
 
   ولعل أكثر ما امتازت به بعض هذه الوسائل هو تردي أوضاعها وتقهقر أدائها، وانتشار الاستجداء والتدليس مع الذين يتعاملون معهم كوسائل إعلام لإظهار نشاطاتهم أو مداخلاتهم أو مؤتمراتهم بصرف النظر عن أي شيء غير العمولة أو الهدية التي يتقاضوها منهم، يقابل ذلك اختلاس  كبير لمكافآت الكتاب والصحفيين الذين يساهمون فيها كوسائل إعلام مكتوب أو مسموع أو مرئي، علما بأنها جزء من ميزانية أي صحيفة أو تلفزيون أو إذاعة، سواء كانت أهلية أو حزبية أو تعتمد التمويل من إعلاناتها، فالمكافآت جزء حيوي من ميزانية تلك المؤسسات، ويقوم الكثير من المسؤولين عليها باختلاسها بأساليب اقل ما توصف به باللصوصية والاستجداء والتحايل، وإزاء ذلك يسأل الكثير عن حقيقة هذه الكثافة العالية بمهنة الصحافة والإعلام مقارنة مع نتاجاتها وما تقدمه وتأثيرها على تطور البلاد؟ وهل إن هذه الأرقام تمثل كل حقائق الأمور:


       6300  عضو في نقابة صحفيي كوردستان؟ 
       10000 عضو وأكثر في نقابة الصحفيين العراقيين عدا كوردستان؟
    أي ما يزيد عن 16000 ألف صحفي في العراق، بمعدل ما يقرب أو يزيد عن 1000 ألف صحفي في كل محافظة؟


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تصريح الأكاديمي الإعلامي الدكتور هاشم حسن في انتخابات نقابة الصحفيين العراقيين على الرابط التالي:
http://www.youtube.com/watch?v=qbQ5xnzBKB0

kmkinfo@gmail.com








229
دبلوماسية كوردستان الهادئة!

كفاح محمود كريم 

    منذ عدة اشهر تتعرض حدود إقليم كوردستان العراق ( حدود العراق الشمالية والشرقية ) مع كل من تركيا وايران الى عمليات عسكرية عنيفة اخترقت في كثير من صفحاتها أراض الإقليم جوا وبرا، مستخدمة أسلحة ثقيلة كالمدفعية والطائرات وأدت الى استشهاد العديد من المواطنين الكوردستانيين المدنيين من سكان الحدود، إضافة الى جرح اعداد اخرى وتهجير الكثير من العوائل من مناطق الالتهاب الحاصل بين قوات الدولتين ومعارضيهم السياسيين، ورغم ما يتمتع به الإقليم من مشروعية الرد بالمثل وإمكانياته العملية على ذلك مع تواضعها، الا انها تربك العملية برمتها لو انها استخدمت كرد فعل غير محسوب.

    لقد تعاملت الإدارة في اقليم كوردستان وما تزال مع معظم هذه الاشكاليات بمرونة معهودة بالحكمة والتأني وحسابات بعيدة المدى فيما يتعلق بالأمن والسلم الداخلي والإقليمي، وتأثيرهما على النهضة الاقتصادية والعمرانية والصناعية لكل الأطراف. وكانت الدبلوماسية الرفيعة التي قادها رجل الدولة الديناميكي نيجرفان بارزاني رئيس الحكومة السابق ونائب رئيس الحزب الديمقراطي الكورستاني اكبر الأحزاب السياسية في الإقليم واعرقها، قد أتت ثمارها في كثير من الإشكاليات في الداخل والخارج وبالذات ملف الحدود مع الدولة التركية وجمهورية إيران، وقد أدركنا جميعا أثناء تأزم العلاقات بين تركيا والإقليم وتحشيدها لعشرات آلاف من جنودها مع كامل تجهيزاتهم الهجومية قبل عدة سنوات، كيفية معالجة الموقف بهدوء وتأني من لدن الحكومة ورأيسها السيد نيجيرفان بارزاني، حينما خاطب الأتراك قائلا لهم ان مصالحكم العليا وامن بلادكم واستقرار اقتصادكم يكمن في مئات الشركات التركية التي تستثمر مليارات الدولارات في كوردستان والتي ستتعرض جميعها للخطر في حالة تأزيم الأوضاع الى درجة الفعل العسكري.
 
    قاد السيد نيجيرفان بارزاني في كثير من المواقف الصعبة الدبلوماسية الكوردستانية لحل إشكاليات معقدة بدءً من الصراع مع حزب العمال الكوردستاني في تسعينات القرن الماضي، وانتهاءً بترؤسه فريقا حكوميا رفيع المستوى مؤخرا الى ايران لمعالجة الموقف على الحدود مع كوردستان، مرورا بكثير من المشاكل الداخلية والأزمات السياسية التي نجح في حلها او تهدأتها سواء مع الحكومة الاتحادية ومؤسساتها او بين أطراف العملية السياسية في الداخل، ويأتي ذلك ترجمة لنهج اعتمدته الإدارة في التعاطي مع الأحداث بحكمة وتأني ومرونة تخدم مصالح البلاد العليا، وخير ما مثل هذا النهج هو مباردة الرئيس مسعود بارزاني التي نجحت في تشكيل الحكومة العراقية وتقريب وجهات النظر بين معظم الأطراف.
 
   لقد أدركت الإدارة في الإقليم بسلطاتها الثلاث وفعاليات الشعب السياسية والاجتماعية ان معالجة أي مشكلة من المشاكل تستلزم وعيا عميقا وايمانا راسخا بمصالح البلاد العليا قبل القيام بأي عمل او رد فعل غير محسوب النتائج، وبذلك اعتمدت اسلوبا حضاريا ومدنيا تميز بالصبر والمطاولة والدقة في موضوع المناطق المتنازع عليها، التي حاولت كثير من الاطراف إشعال نار الفتنة والحرب، هذا على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي وفيما يتعلق بانتهاكات دول الجوار شمالا وشرقا، اعتمت ذات النهج في مقاومتها ورفضها للتدخلات والتجاوزات بالتظاهر والاعتصام والاحتجاج والدبلوماسية الهادئة بعيدا عن تشنيج الرأي العام وإشاعة أجواء الحرب والقتال، التي لا تخدم أحدا في أي حال من الأحوال بالحفاظ على إعلام هادئ ومتزن يحفظ الأمن والسلم الاجتماعيين.

    إن إقليم كوردستان الذي يتميز اقتصاده ومجتمعه بالديناميكية والحيوية، ووضعه الأمني بالاستقرار والسلام تحول الى ملاذ آمن لكل العراقيين ومنطقة جذب مهمة جدا للاستثمارات الوطنية والأجنبية، التي تساهم في تطوير الإقليم ونهضته الكبيرة، والتي حولت كوردستان الى ورشة كبيرة في كل ميادين البناء والأعمار والتصنيع وتحديث الزراعة وتطويرها، وما حصل في قطاع الكهرباء والطرق والخدمات الأخرى خير دليل على نجاح برامج الحكومة ودبلوماسيتها الهادئة في التعاطي مع الملفات الساخنة، بما يجعل كوردستان في منأى عن أي عمليات طائشة ربما تؤذي مصالح كل جيران الإقليم الاقتصادية والمالية والسياسية وفي مقدمتهم تركيا وإيران اللتان تتمتعان بمصالح اقتصادية مهمة جدا في الإقليم.
   
   لقد أثبتت السنوات الثمانية التي قاد فيها السيد نيجرفان بارزاني طاقمه الحكومي لدورتين متتاليتين، انجاز مهمات ومشاريع بالغة الأهمية في ميادين الأعمار وتحديث المدن والخدمات والسكن، وإرساء منظومة علاقات دبلوماسية رصينة مع كثير من بلدان العالم، على أسس متوازنة تحكمها العلاقات الاقتصادية والسياسية بشكل مهني، مما بلور نسقا ديناميكيا من الدبلوماسية التي تعتمد العمل المنتج بعيدا عن التهويل والتشنيج، والذي دفع كثير من بلدان العالم الى افتتاح ممثليات لهم في العاصمة الإقليمية اربيل والعمل من خلالها لخدمة الاستثمارات في كافة المجالات التي تتيح تبادلا مشتركا للمصالح الاقتصادية والمالية بين دول الجوار والإقليم.


    إن مصلحة كل من ايران وتركيا هي ترسيخ السلام في اقليم كوردستان والحفاظ عليه، لأنه يحافظ بالتالي على مصالحهما الاقتصادية وسوقهما الكبير في الاقليم خاصة والعراق عامة، وغير ذلك مهما كانت الأسباب والمبررات سيعود عليهما بالضرر الكبير، لا من الجهات الرسمية بل من الأهالي الذين سيعزفون تماما عن أي مصلحة تركية او ايرانية مهما كانت، وهذه بتقديري هي رسالة كوردستان الدبلوماسية الى الجميع.

kmkinfo@gmail.com 

230
أصنام تتهاوى يا دمشق؟

كفاح محمود كريم

    وأخيرا سقط صنم آخر من أصنام الشرق الأوسط الموبوء بالصنمية المقيتة منذ مئات السنين، وتهاوت تلك العروش الهاوية وغدت تلك النمور الورقية التي طالما كانت تتبختر من على شاشات التلفزة بأمراضها البشعة في النرجسية وانفصام الشخصية واشد حالات السادية وأشكالها في علم أمراض النفس والأخلاق والتربية؟

    سقط القذافي كما سقط صدام وسقطت معهم تلك الأحزاب الرثة المليئة بالفاشية والشعور بالنقص والمهانة، ومجاميع من المجرمين والمعاقين نفسيا وتربويا وأخلاقيا ممن تسلطوا على رقاب شعوبهم لما يقرب من نصف قرن، ونجحوا في تدمير دولهم وما حولها حتى لا تكاد تصدق ان هذه البلاد تنتمي لهذا الزمن او العصر؟

   منذ نصف قرن وهم يمتصون دماء هذا الشعب بشعارات تافهة وكاذبة وعدو مصنوع في مخيلاتهم المريضة حتى أوهموا الناس بأن كل العالم المتحضر عدوهم ويبيت لهم شرا وحقدا وحسدا، حتى امتلأت الأرض بمقابرهم الجماعية وجفت الاهوار وانفلت الأرض وساكنيها في كوردستان!؟

    سقط القذافي وقبله صدام حسين وما بينهما، مبارك وزين العابدين، وتلحقهم غدا او بعد غد بقايا الفاشية في دمشق، الشق الثاني من فاشيي البعث، وذلك القابع في مآسي اليمن، وأمثالهم كثيرون ممن يصرون على تدمير بلدانهم وتحطيم شعوبهم قبل أن يولوا هاربين خاسئين، لتظهر عوراتهم وتنكشف أكاذيبهم وهم يشحنون المغلوبين على أمرهم بشعارات وادعاءات اقلها ان الرب والملائكة يقاتلون معهم وان الأعداء سينتحرون عند أسوار عواصمهم التي هدمت فوق رؤوسهم وهم هاربين او صاغرين او قابعين في حفر الخزي والعار؟

    حقا انها فرحة تُدمع القلوب والعيون، لكنها ايضا حينما تجف تلك الدموع ويبرد الجرح كما يقولون، وينقشع الدخان فيبدو الوطن جميلا جدا بدونهم، لكن جروحهم غائرة وآثار تخريبهم للنفس البشرية بالغة، فقد افسدوا البلاد والعباد، ودمروا الزرع والضرع حتى انهاروا خاسئين أذلاء دونما خجل او حياء، بعد أن دمروا البلاد واستقدموا الآخرين لتحريرها من براثنهم وآثامهم؟

   العار الكبير انهم يشهدون سقوطهم واحدا تلو الآخر ولا يتعظون، فالذي يحصل اليوم في سوريا على أيدي النظام منذ عدة أشهر، وفي اليمن هو استنساخ لما حصل في العراق إبان انتفاضة الربيع عام 1991م وما حصل في مصر وتونس وليبيا قبل سقوط أصنامهم، لكنما دون جدوى فهم مصرون على البقاء حتى تدمير البلاد وبنيتها التحتية بالكامل وإغراقها ببحور من الدموع والدماء، ولن ينتصروا بل سيشهدوا ايضا نهايتهم المحتومة التي شهدناها جميعا في بغداد وتونس والقاهرة وطرابلس؟

    شمس جديدة تشرق على ليبيا وتزيح كتل الليل المدلهم، وأصنام تتهاوى وعارات تنكشف عنها الستائر كما انكشفت عن مخازي القائد الضرورة من قبلهم، أصنام تتهاوى يا دمشق فهيئي حالك غدا تشرق الشمس في سماوات الشام ليسقط آخر الأصنام!

kmkinfo@gmail.com

231
الطبقة الرثة وليست الوسطى؟

كفاح محمود كريم

   بعد اندثار معظم الطبقة المتوسطة خلال حكم النظام السابق أمام نشوء طبقات طفيلية، استحوذت من خلال علاقاتها برموز النظام وحزبه على معظم فعاليات تلك الطبقة، التي إما هجرت البلاد وانتقلت الى بيئات أخرى لنشاطها، أو بدأت بالتقهقر والانكماش تدريجيا الى مستويات خارج تعريف تلك الطبقة!

   وبعد سقوط النظام واحتلال البلاد وقيام سلطة الاحتلال بعمليات مدنية في الأعمار، بالتعاون مع مجموعات لا تقع تحت تعريف الطبقة المتوسطة واقرب ما تكون الى اولئك الذين وجدوا في البيئة الجديدة مجالا لتطورهم المالي من خلال العمل مع تلك السلطة والاستفادة من الفروقات الكبيرة في قيمة الدولار والدينار وقتها، وهم في معظمهم من الأميين والنكرات وبعض الحرفيين والمقاولين الصغار والمترجمين والفاسدين الذين استغلوا عدم دراية القوات الأمريكية بطبيعة تكوين المجتمع العراقي كما استغلوا السلطات الحكومية المستجدة وحلقاتها الفاسدة، وتحولوا بين ليلة وضحاها الى سرطانات مالية، ادعى البعض بأنها تمثل بداية نشوء طبقة متوسطة بديلة لتلك التي هاجرت او اندثرت او تلاشت ابان فترة الحكم السابق.

    وخلال عدة سنوات ظهرت فعلا شريحة من اولئك الحرفيين والمقاولين الصغار والمترجمين الذين بدأوا يمارسون دور رجال الاستثمار والصناعة والزراعة والعقارات وما الى ذلك من حقول غسل الأموال القذرة التي نزلت على البعض ممن يطلق عليهم في أفضل الأحوال بتجار الحروب وطفيلياتها التي نشأت بشكل كبير وواسع خلال السنوات الأخيرة قبل السقوط وبعده، ومن ثم انتشار ظاهرة الشهادات العلمية المزورة أو المستحصلة من جامعات وهمية لكي تتمتع هذه الشريحة بموقع حكومي يدعم قوتها المالية.

وقد انكشفت خلال السنوات الماضية حقائق مريبة عن تلك الشريحة الطفيلية وشهاداتها المزورة في كل مفاصل الدولة، وما تقوم به من نشاطات مالية وتجارية في التهريب واستيراد المواد والبضائع الرديئة والمغشوشة سواء في الغذاء أو الدواء أو غيره من المواد حتى تم إغراق أسواق البلاد بمواد ومنتجات متوفرة ومنتجة زراعيا وصناعيا، وصلت الى درجة استيراد المعدنوس والبصل الأخضر ناهيك عن كل المنتجات الزراعية والحيوانية العراقية والمواد التي تصنع محليا، لا لشيء الا لكون هذه العملية اكثر ربحا لها دونما ان تفكر للحظة واحدة بإمكانية تأسيس مصانع ومنشاءات تساهم في اعمار البلاد وتقدمها.

  وبدلا من أن تكون البلاد متمكنة صناعيا وزراعيا ومن ثم منتجة لكثير من موادها الغذائية، نجحت هذه الطبقة الرثة الى حد ما في تحويلها الى دولة مستوردة استهلاكية وأغرقت الأسواق باردء البضائع ومن مناشئ رديئة ورخيصة، حتى يتندر الأهالي بأن كثير من المستوردين الجدد من هذه الشريحة يذهبون إلى الصين وغيرها ليطلبوا منهم أسوء منتجاتهم وأرخصها!؟

    وفي الأعمار والبناء حيث شهدت البلاد خلال العقد الماضي العشرات من المشاريع التي وضع حجر أساسها ولم تستكمل أو بنيت الى مرحلة أولية، وتوقف كل شيء لهروب المقاول أو المستثمر، ناهيك عن استخدامهم لأردئ أنواع المواد الأولية في البناء، لغياب السيطرة النوعية او لانتشار الرشوة التي تكم الأفواه وتصادق على اكتمال بعض المشاريع والمباني الفاسدة؟

    وربما نتوقف كثيرا او نحتار في كيفية تعريف هذه الشريحة او الطبقة على خلفية نظام الطبقات الذي يقسم المجتمعات الى ثلاث طبقات رئيسية هي الطبقة الغنية والفقيرة والمتوسطة، ويبدو لي ان تعريفا ورد في أدبيات الماركسية اقرب ما يكون لهؤلاء الا وهو البروليتاريا الرثة، ولكن خارج البنية الاشتراكية!؟
 
    ولك عزيزي القارئ أن تتخيل أو تتذكر هؤلاء الموجودين في قريتك أو مدينتك، وربما تعرف الكثير منهم ومن أين انحدروا وماهية جذورهم ومستوياتهم، ولك أن تحكم من خلال تلك المعرفة أو الرؤيا أي شريحة هذه التي تريد أن تشغل الطبقة الوسطى في مجتمعنا الآن ومدى نجاحها في النهوض بالبلاد؟ 

kmkinfo@gmail.com

232
الديموقراطي الكوردستاني
بين الحزب والمؤسسة القومية

كفاح محمود كريم

kmkinfo@gmail.com
 
   لقد عاش الكورد مئات السنين من تاريخهم يتعاطون الحياة مع جيرانهم العرب والفرس والترك دونما شعور بأن الآخرين أقوام اقل منهم شأناً أو مكانة إنسانية وعلى العكس من ذلك فقد تبنوا عبر تاريخ هذه الشعوب قضاياهم وآلامهم وبنائهم للبلدان والأوطان واندمجوا في تفاصيل حياتهم وناضلوا من أجل العيش معا، وقتل مئات الآلاف منهم لأجل قضايا تلك الشعوب بصرف النظر عن الكيفية والوسيلة.
   وعبر مئات السنين أيضا حاول الآخرون إذابة الكورد في بودقاتهم، وإلغاء هويتهم القومية، تارة باسم الدين وتارة أخرى على خلفية شوفينية عنصرية استعلائية، وسرقة تاريخهم أو مسخه بما لا يترك أثرا حضاريا لهم، رغم أنهم ساهموا حتى مفاصل القيادة الأولى في كياناتهم السياسية كما فعل صلاح الدين الأيوبي حينما انصهر كليا في بودقة الدولة الدينية الإسلامية وأقام صرح دولته الأيوبية ذات الغطاء الإسلامي والباطن القومي العربي، وما حققه للعرب والمسلمين من إنجاز لم يتحقق حتى يومنا هذا في تحرير فلسطين آنذاك. ومثل ما فعل هذا فعل المئات من أمثاله في حقول الثقافة والآداب والعلوم والفنون للفرس والعرب والأتراك.
    ولم يشفع هذا السيل من الذوبان والمشاركة الأصيلة في منع أصحاب القرار لمئات من السنين في فكرة قبول الكورد كيانا سياسيا وقوميا مستقلا، لا في الجزء الذي اندمج مع العرب ولا في الجزأين الذين اندمجا مع الفرس والأتراك، بل راح الأخوة الأعداء يمعنون في برامجهم وسياساتهم بكل الوسائل على تمزيق كوردستان وصهر شعبها تارة كونهم أتراك الجبال وتارة الأخ الأصغر لفارس الأكبر وتارة أخرى في بودقة الإسلام ولغة أهل الجنة، وهكذا دواليك السنين والأزمان، فما ارتضى الكورد استكانة أو امتهان، فقامت لهم انتفاضات وثورات وعاشوا أزمانا من القهر والقتل والتشرد والتهجير والتفقير، حتى انقسموا أربع أجزاء في أربعة دول، وآلافٍ من العشائر والقبائل واللهجات والثقافات، وأعراض رهيبة لشعب أسير ومعتقل في وطنه من اختلاف الولاءات والاتجاهات، حتى غدت القرية والعشيرة هي الأساس في الارتباط والانتماءات. وتسطيحٌ للمفاهيم والتعليم ومنع اللغة ونشر الأمية وتسييدِ جهلة ونكرات، حتى ضن القوم إننا ضعنا في طوفان الإلغاء والأنفالات.

    من يجمع هذه الأمة التائهة بين ذئاب ووحوش كاسرة من كل الجهات وقطعان من التخلف وطوفان من التشتت والاستلاب والتغييب وعشرات من اللهجات وملايين من علامات الاستفهام والاستفسارات، وانتماء لقرية أو عشيرة أو دين أو فكر، لكنها جميعا بعيدة عن ما كان يفكر به ثلة من رجال صاحبوا الشمس في ظلمة الليل، وفارس جليل يحمل شعلة كاوه وفوانيس ميديا ورفعة جبال امتدت على خارطة الوطن المجزأ كبرياء وعنفوان وجود.

    كان ذلك في أواخر النصف الأول من القرن الماضي وأواخر عامه السادس والأربعين وتحديدا في السادس عشر من آبٍ اللهاب بأيامه وأحداثه التي ستغير مجرى التاريخ والأحداث.
   هناك؛ جمع الزعيم البارزاني مصطفى تاريخ أمة، وتشتتَ شعب، وإصرار وجود، وتحقيق هوية وعنوان.
    القرية والعشيرة واختلاف اللهجات والانتماء للاشيء والتدين القروي وتعدد الفكر ومدارسه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وطبقات الناس من أدناها فقرا وعوزا إلى أعلاها ثراءً وإقطاعا، وشرائح من ناس، أدباء وفنانين وعلماء وضباط ومتعلمين وأميين وأنصاف مثقفين وأرباع متعلمين وعلمانيين ورجال دين مسلمين وايزيديين ومسيحيين وملحدين، من شرق الوطن وغربه ومن الشمال وأساسه في الجنوب.

                                                  من هنا كانت البداية... أين يكمن الألم..؟

    وأين هي تلك الأوجاع المتكلسة عبر الأزمان.. أزمان وتاريخ من الضياع بين أمم حاولت انظمتها السياسية مصادرة الهوية والعنوان، ولم يك مهما لديها أن تكون فقيرا أو غنيا، مثقفا أم أميا حضاريا، مسلما أو مسيحيا أو ايزيديا، ماركسيا أو ليبراليا، يساريا أو يمينيا، المهم أن تكون تذوب في بودقتها!؟
    هنا أدرك البارزاني مصطفى وفرسان الشمس الذين إبتدأوا المشوار إن السر في جمع كل هذه المتناقضات في كوردستان يكمن في البحث عن الهوية والعنوان، فكان الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
    لم يكن حزبا تقليديا كما الأحزاب في كل مكان، يمثل شريحة أو طبقة أو دينا أو عرقا، بل كان مؤسسة قومية ووطنية وإنسانية، احتضنت كل أطياف وشرائح وطبقات وأعراق وأديان حول ما كان ينقصهم جميعهم وهو الهوية والعنوان. فكان بحق مؤسسة ديمقراطية تزهو فيها كل النظريات وتلتحم حولها كل الأيديولوجيات والطروحات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يجمعها ثابت واحد ونهج بلوَر سلوكياته وتطبيقاته الزعيم مصطفى البارزاني وأبدع في جمع شمل كل هذه المتناقضات في بودقة مؤسسة قومية تضم آلام وأوجاع الملايين من الكوردستانيين في كل مكان، حتى غدت خلال أعوام منارا لكل الأحرار، لا في كوردستان لوحدها بل لكل العراق من أقصى جنوبه إلى أقصى غربه.

    لم يتبنى الحزب مبدأً عرقيا عنصريا أو طبقيا محددا بل كان كوردستانيا منذ اللحظة الأولى فجمع بين صفوفه الكورد والتركمان والعرب والكلدان والآشوريين والأرمن والسريان، وآخى بين المسلمين والأيزيديين والمسيحيين في ثابت الوطن والهوية والعنوان، ولم يلغ خصوصية أي مكون عرقي أو طبقي أو فكري لحساب نظرية أو فكر معين، وبذلك نهضت مؤسسة وطنية وقومية كبرى أفرزت فيما بعد ثورتها الكبيرة في أيلول 1961.

   لقد كان البارزاني مصطفى يدرك بحسه العميق وفهمه لطبيعة كوردستان وشعبها وآلامها عبر مئات السنين إن نظرية أو إيديولوجية قومية أو عرقية أو دينية لن تفلح في جمع مكونات ومتناقضات هذا البلد حول ثابت واحد يدفعها برمتها إلى النضال والكفاح من أجل هدف واحد ألا وهو كوردستان الوطن الحلم.


   وأصبح الحزب الديمقراطي الكوردستاني ملاذا لكل الأحزاب الوطنية في كوردستان والعراق وحضنا دافئا وكريما لكل الاتجاهات الفكرية والسياسية بتنوعها من اليمين إلى اليسار وملاذا لكل طبقات المجتمع وشرائحه، فكان البارزاني مصطفى منارا تلتقي عنده كل هذه المكونات وكأنه يمثلها جميعا وهو كذلك، لم يكن ملكا لحزب أو عرق أو دين أو طبقة بقدر ما كان زعيما وطنيا وقوميا ومؤسسة كوردستانية، يجد الجميع فيها ما يصبو إليه. وهكذا كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني مؤسسة وطنية وقومية مشاعة لكل أطياف المجتمع وأعراقه وطبقاته وأديانه دونما التدخل في خصوصياتها، بحيث يجد الجميع أمالهم وأهدافهم ومصالحهم العليا في مؤسسة البارتي.

    ومنذ البداية تبنى الحزب أرقى ما أنتجه العقل البشري في نظم العلاقات الاجتماعية والسياسية وهي الديمقراطية، بل وجعلها هدفا استراتيجيا من أهدافه في كوردستان والعراق، وربط بعلاقة جدلية بين الديمقراطية في العراق وتحقيق أهداف شعب كوردستان فكان شعاره الذي ناضل من أجله:


                                            ( الحكم الذاتي لكوردستان والديمقراطية للعراق )

  إن سر ديمومة هذا الحزب هو انتهاجه لسلوك وطروحات وأخلاقيات قائده التاريخي الزعيم الخالد مصطفى البارزني الذي حول الحزب إلى مؤسسة قومية كوردستانية ذات أخلاقيات سامية تلتف حولها كل شرائح المجتمع وطبقاته وأعراقه حول ثابت الهوية والعنوان لوطن مغيب منذ آلاف السنين في حركة تاريخية للنهوض الوطني والقومي.

   إن العودة للينابيع الأولى في نهج البارزاني الخالد في معالجة التناقضات والإشكاليات التي تفرزها كل حقبة ومرحلة كفيلة بحلها والتسريع في الانتقال إلى مرحلة أكثر تطورا واستقرارا.



233
  المشكلة ليست في الرئيس؟

كفاح محمود كريم
kmkinfo@gmail.com
   
    تكثف بعض وسائل الاعلام الغربية والعربية المشكلة في كثير من دول الشرق الاوسط بشخص رؤسائها، إلى الحد الذي توحي ببراءة منظومة الحكم وثقافته السائدة هناك، والتي تتحكم في مفاصل المجتمع والاقتصاد، وبذلك تجري عملية تقزيم لمأساة تمتد لعشرات السنين، منذ تأسيس كثير من هذه الأنظمة على أسس بدوية عشائرية لا تمت بأي صلة للعالم الجديد وحضارته في الفكر والسياسة والاقتصاد، حتى لكأنك تشعر وأنت تقرأ التاريخ الغابر، ما زلتَ تعيش في القرون الوسطى، بل وان كثير من الأجواء المعاصرة حول بعض الرؤساء الطغاة ترحل بك الى فضاءات وأجواء خلفاء بني أمية والعباس وحتى ورثتهم من بني عثمان؟

   لم يحصل في التاريخ السياسي للنظم الجمهورية والتي تعلن عن نفسها وتسوق توصيفاتها بأنها تقدمية مناوئة للأنظمة الملكية، وأحيانا كثيرة توصف توجهها بالمضاد او المعادي للرجعية وهي تعني النظم الملكية الوراثية، ما حصل هنا في جمهوريات الشرق الأوسط الملكية ومن قلدها في كوريا الشمالية وكوبا، حيث التوريث الصفة الأكثر امتيازا للأنظمة الملكية، أصبحت هي الأخرى من اخطر تطبيقات هذه الجمهوريات الرثة، والتي تمثلت في عملية تعديل الدستور في سوريا ليكون على مقاس الوريث الجمهوري، وكادوا أن يفعلوها في ارض الكنانة لولا ( الجدعان ) الذين ما زالوا منهمكين بتنظيف البلاد من آثارها وفلسفة ديمومتها، حينما أدركوا إن المشكلة اكبر من شخص الرئيس مبارك وعائلته!

    في دمشق كما في بغداد قبلها، وما يحصل الآن من صراع دموي عنيف في اليمن وليبيا، ليس كما تسوق له بعض وسائل الإعلام من انه صراع بين بشار الأسد والشعب السوري او قبله بين صدام حسين والعراقيين، وكذا الحال في ليبيا واليمن وغيرهما، انه صراع بين الشعوب ومنظومة الدكتاتوريات المؤدلجة ونظمها الفكرية والثقافية والاجتماعية، التي كثفت كل مساوئ التاريخ وعفونته، صراع بين أنظمة استقطبت حولها كل مظاهر التسلط الاجتماعي والقبلي والديني المتطرف والفردية والنرجسية وإلغاء الآخر وتكميم الأفواه وإشاعة العبودية، وسخرت لأجل ذلك كل ما على الأرض وباطنها في تلك البلاد من بشر ومال وثروات وقوة وسلاح، حتى غدت إمبراطوريات بوليسية تحكمها مجاميع من الغرائزيين والوصوليين والساديين والفاشلين وأعداد أخرى من أصحاب أنصاف المهن والثقافات والمعرفة والرتب من نواب الضباط والعرفاء والمفوضين الذين أصبحوا يحملون رتب فلكية من قبل فريق ومشير ومهيب وفيلد ماريشال!؟

    لقد شهدنا نهاية صدام حسين وسقوط هيكل دولته كأشخاص لكننا أيضا شهدنا ونشهد الآن استمرار ذلك النهج المتخلف في السلوك والممارسة لدى الكثير من القيادات الحالية على المستوى الحكومي او البرلماني او الفعاليات السياسية، وحتى في المجتمع والتي تتكثف في حلقات الانتهازيين والوصوليين واللصوص والطبقات الرثة التي تم إعدادها وتربيتها من قبل النظام طيلة أربعين عاما، لكي تبدأ هي الأخرى مرحلة جديدة مع الاحتلال  وأخطاء الحاكمين الجدد، وكذا الحال في مصر بعد شخص مبارك وفي تونس بعد زين العابدين، انها نسيج من الثقافة الأحادية والسلوك المنحرف والطبيعة العدوانية لمجاميع من الموظفين والعسكريين وقوات الامن الداخلي التي تمثل بقايا تلك الأنظمة المتساقطة. 

  إن المشكلة في سوريا ليست بشخص رئيسها فقط وإنما بالمنظومات التي أنتجها النظام السياسي وحزبه سواء كانت على شكل سلوك او ثقافة او تقاليد، او منظمات استقطب فيها النظام مجاميع كبيرة من اللصوص والقتلة والانتهازيين ونكرات المجتمع وسقط المتاع طيلة حقبة حكمه، وهذه الأنماط البشرية المنحرفة تفعل كل الأفعال الشنيعة دون وازع من ضمير او عرف او قانون، لأن النظام نجح في انتزاع إنسانيتها وأخلاقيات مجتمعها، وحولها الى حيوانات كاسرة كما شهدناها بين عامي 2004 و 2008م هنا في العراق، وما كانت تفعله من عمليات قتل جماعي وسادية مفرطة في الذبح والتعذيب والحرق، امتدادا لما فعلته هي ذاتها في حلبجة والاهوار والأنفال، وفي سوريا شهدنا خلال الأشهر الماضية مجاميع مما عرف بالـ ( الشبيحة ) تقوم بقتل أفراد الشرطة والعسكر والهجوم على المقرات الحكومية وقتل من فيها وإحراقها، على ان ذلك من أعمال المتظاهرين مما يعطي شرعية ويتيح لقوات حكومية بتنفيذ مذابح في قرى ومدن أخرى كما حصل في درعا وحماه وحمص وريف دمشق، وهو بالتالي ايضا يأتي امتدادا لذات السلوكية الإجرامية التي فعلها النظام في حماة قبل أكثر من عقدين من الزمان.

  عاجلا أم آجلا ستسقط هذه الأنظمة الدكتاتورية، وكما قلنا ذات مرة إن سقوط نظام صدام حسين لم يك على أيدي الأمريكان وقواتهم، بل ان نظامه سقط يوم قرر اهانة شعبه وقتله، سواء في كوردستان او في الاهوار او في الرمادي أو حتى مع جناح من أجنحة حزبهم، وكذا الحال في نظام سوريا، فهو سقط يوم قرر أن يدمر حماة ويستحوذ على السلطة لوحده، ويورث الحكم ويهين شعبه ويقتل المئات من خيرة أبنائه لأنهم أرادوا ان يعبروا عن آرائهم بحرية وسلام!؟ 
 


انهم ساقطون ساقطون عاجلا أم آجلا!

234
المنبر الحر / من هم فوق القانون؟
« في: 11:27 10/08/2011  »
من هم فوق القانون؟
كفاح محمود كريم

     نتحدث دوما هنا في معظم بلداننا الشرق أوسطية ومن يشابهنا في طبيعة انظمتنا الاجتماعية والسياسية، عن القانون والدستور واحترامهما والعمل بموجبهما بشكل نظري دون ان نطبق ذلك او نترجمه ميدانيا سواء رضينا به او لم نرضى، ليبقى البعد الضوئي دوما يقيس المسافات النائية بين النظرية والتطبيق، ولطالما  شهدنا عبر عقود من حياتنا اداء وسائل الإعلام وكيفية إشاعتها مفهوم احترام القانون والخضوع له، بصرف النظر عن طبيعته او محاولة مناقشته مهما كان ظالما او عادلا، ولعل قرارات مجالس الإنقاذ والسيادة وقيادة الثورة الذين حكموا كثير من بلدان الشرق الأوسط ومنها العراق، تذكرنا بتلك القوانين التي تعاقب بالإعدام او المؤبد أي فرد يتعرض لذات الرئيس دون أي محاكمة أو دفاع او مرافعة عادلة، وتطلب من عامة الناس الإذعان لذلك القانون وخصوصا تلك العبارة الشهيرة التي تذيل القرار والتي تقول على وزيري الداخلية والعدل تنفيذ ذلك القرار من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية؟

    وربما ايضا نحن افضل من يكتب النصوص وفذلكتها، ويُصيغ القوانين ويبدع في اختراقها وتجاوزها، واشطر من يجيد التأويل والتفسير حسب المقاس ودرجات الحرارة والمزاج العام، وربما ايضا تعلم منا البريطانيون والإسرائيليون عام 1967م بعيد حرب حزيران المخزية كيف يفسرون قرار مجلس الامن 242 الصادر في تشرين أول من نفس العام والذي قضى بانسحاب الإسرائيليين من ( أراضي ) محتلة!؟ وفعلت ال التعريف فعلتها القاتلة في إبقاء الجولان والضفة الغربية وسيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي بالقانون الدولي وليس آلة القانون!؟.
   
   وعموما فإننا هنا نتحدث عن القوانين الدستورية والأعراف العامة المتفق عليها في دولة حديثة ديمقراطية يفترض أن تكون متحضرة ترعى العدالة والشفافية، ولكي لا نذهب بعيدا الى مرحلة الجاهلية حينما كانوا يصنعون آلهتهم من التمر ويمسهم الجوع فيلتهمونها كما يلتهم القادة الأفذاذ بنود الدستور او القانون اليوم فيميتون ويحيون موادا دستورية كما يشاءون، او يؤجلون حل مشاكل متفاقمة للمواطنين منذ عشرات السنين رغم ان الدستور قد وضع خرائط طرق وتوقيتات لتحقيق الحل وإحلال الحق، سنمهل ذلك الى فرصة أخرى لكي نتساءل عن اولئك الذين مازالوا فوق القانون او انهم يرغبون دائما بالتمشي فوقه والتفاخر بذلك رغما عن الكل!؟ 

   ويأتي في مقدمة هؤلاء الكثير من بطانات المسؤولين وبطانياتهم من أولي الألباب المستشارين والأحباب الأقرباء والأصحاب على اختلاف مستوياتهم وطبقاتهم ومؤهلاتهم وطرق وصولهم وتسلقهم، وطبعا دائما يتقدمهم الأولاد النجباء وبالذات ما دون الثامنة عشرة من عمرهم المديد، حيث انهم خير من يتمشى فوق القانون ابتداء من مخالفات انظمة وقوانين المرور والآداب العامة والسلوك وصعودا الى استغلال المال العام وكأنهم ورثة الدولة المتوفية الوحيدون!؟

   وربما قانون العقوبات وتحديثاته في قانون الأحداث لا يطال هؤلاء ايضا إلا بتوفر المشتكي، والمشتكي غائب او مغيب وغير موجود لأسباب تتعلق بمصالح الامة العليا،كما الحال في اولئك الذين لم أجد لهم أي تعريف قانوني او توظيف مالي منذ سقوط النظام وحتى يومنا هذا على الأقل، فهم أي هؤلاء البعض الكثير لم يشترو على سبيل المثال لترا واحدا من البانزين لسياراتهم الخاصة، كما انه لم يسجل خروج أي عملة نقدية محلية او اجنبية من جيوبهم او حساباتهم لشراء لتر آخر من النفط الأبيض او الغاز لبيوتهم، رغم انهم غارقون بالمادتين غلت او رخصت أسعارها، قلت أو كثرت، على خلفية انهم مسؤولين ( VIP ) يخدمون الشعب ويتمشون فوق القانون؟

    وبالتأكيد هناك الكثير الكثير من غير البنزين والنفط الأبيض  والغاز الذي يتجرزون به وهم يزهون فوق القانون وتحت رعاية الامتيازات والنثريات والذي منه، ودائما لسان حالهم يقول انهم في خدمة الشعب والمصلحة العامة (!) وهم كثر ربما يزيد عددهم على مجموع حروف كل القوانين المرعية في البلاد، فهم يتوزعون بين أهل الوساطات وبطانات المسؤولين وملحقاتهم من الأهل والعشير والأحباب، وهم المحسوبين والمنسوبين الى مراكز القوة المالية او السياسية، وهم ايضا اصحاب الخدمات الخاصة جدا الذين يكونون اقرب من الوريد الى قلوب بعض المسؤولين، وهم ايضا اولئك المكلفين بالخدمة العامة في تنفيذ القوانين ومن ثم اختراقها في آن واحد تحت سقف الوساطات والمحسوبية والمنسوبية، ابتداءً من شرطي المرور الذي لا يحاسب احد هؤلاء لأي مخالفة مرورية وانتهاءً بالسطو على المال العام واستخدامه للاغراض الشخصية؟


kmkinfo@gmail.com

 
 



235
رجال دولة أم رجال أعمال؟

كفاح محمود كريم

  لكي لا يتم الخلط بين عوالم مختلفة ومتناقضة في أساليبها وأهدافها وطريقة عملها، وضع المشرعون في كثير من الدول المتقدمة حضاريا، مجموعة قوانين وضوابط وحدود بين ان يكون الإنسان رجل دولة وسياسة وإدارة عامة ومال مشترك، وبين ان يكون مستثمرا او تاجرا او بقالا يعمل من اجل تلك المهن وأهدافها الذاتية البحتة.

   وقد وضعت لأجل ذلك منظومة من الآليات التي تحصي وتجرد وتثبت أموال وممتلكات الشخص الذي يتبوء مسؤولية عامة رفيعة كانت او صغيرة، مع تعهدات تحد بل وتمنع بشكل واضح وقاطع أي ممارسة تجارية او مالية او بقالية او سمسرة لأي جهة كانت مستغلة موقعه او من خلاله او حتى وهو يحمل صفة عامة في الدولة، لكي يتفرغ تماما كرجل دولة يثق به الناس ويقتنعون ببياض يديه وقلبه وعقله، لا أن يكون بقالا او دلالا او تاجرا او سمسارا وهو في ذات الوقت مسؤولا كبيرا كان أم صغيرا؟

    وفعلا انتظمت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول التي لم تخلط بين المال العام والجيب الخاص، فتقدمت وتطورت وغدت مثالا وقدوة للعالمين يحج اليها الجميع بمن فيهم من يكفروها ويعتبرونها من بلدان الشياطين والامبرياليين، وأصبحت مثلا يحتذى به من الجميع حينما أصبح القانون يسود بلدانهم بدلا من المحسوبية والمنسوبية والعقلية العشائرية المقيتة التي لم تنتج الا ما وصلت اليه بلداننا.

   صحيح ان بلادنا مرت خلال العقود المنصرمة  بحروب وحصار جائر ادى الى هبوط المستوى المعاشي بشكل خطير دفع الموظف وغيره الى العمل في عدة مجالات لكي يسد احتياجات أسرته إزاء التضخم الكبير الذي عانت منه البلاد وتقهقر صرف العملة المحلية إزاء العملات الأجنبية، وتدهور المستوى المعاشي الى ما تحت خط الفقر، الا ان التغيير الكبير الذي حصل في مستوى المعاشات ودرجاتها والذي وصل في كثير منه الى ما يقرب العشرة اضعاف قياسا بالمرتبات التي كانت تدفع عشية سقوط النظام السابق، ومع ان ذلك ادى ايضا الى تضخم الا انه رفع بشكل ملحوظ المستوى المعاشي لمعظم الموظفين وغيرهم، مما جعل ازدواجية العمل غير مقبولة على الأقل للدرجات العالية في العمل الوظيفي والإداري في مفاصل الدولة التي تعاني اليوم من تحول الكثير من مسؤوليها الى رجال اعمال وسماسرة واصحاب بانزينخانات وفنادق ومطاعم وتسخير دوائرهم ومؤسساتهم لخدمة تلك المصالح التجارية الخاصة، وربما لا يفاجئ المرء حينما يرى وزيرا مسؤولا عن الهواء مثلا يقوم بإفساد الهواء وإيقاف الريح لكي يتم شراء الهواء المنتج في معامله المسجلة باسماء شتى، وكذا الحال مع وزير الماء (!) الذي يوقع عقودا لاستخراجه وتصفيته وبيعه خارج الأنهر والبحيرات والينابيع المعروفة دون ان يشعر به أحدا!؟

   وهكذا نرى الكثير من العاملين في القطاع الحكومي والنيابي ومن حولهم من الأقرباء والأصدقاء منهمكين في إدارة أعمالهم الخاصة بعد الدوام، علما بأن الكثير من ساعات الدوام ايضا مسخرة لخدمة تلك المصالح سواء منهم مباشرة او من خلال أبنائهم او أقاربهم أو حلقات ( اللغف ) من حولهم من البطانات والطفيليات؟

   ويسألون بعد كل ذلك:

    لماذا لا نتقدم ونحن شعوب عريقة ونمتلك أموالا طائلة وثروات تكاد تخرج من باطن الأرض من كثرتها؟

kmkinfo@gmail.com
   

236
المنبر الحر / للفساد أوجه كثيرة؟
« في: 10:13 30/07/2011  »
للفساد أوجه كثيرة؟

كفاح محمود كريم

     نتحدث جميعا عن ظاهرة الفساد المستشري في مفاصل الدولة ومؤسساتها سواء في الإدارة او المالية، وما يتعلق بالخدمات ذات الأهمية البالغة للمواطن كفرد او كمجتمع، وننسى اوجها اخرى لهذه الظاهرة ربما تكون اكثر خطورة وتأثيرا على مستقبل البلاد وتطورها، وهي ترتبط تماما بسلوك المواطن الفرد والاسرة وبعلاقتهما بالمال العام والثروة الوطنية، وكيفية استخدامهما والتعاطي معهما.

     منذ الطفولة ورثت الأجيال عادات وسلوكيات لا علاقة لها البتة بالمواطنة الصالحة وحب الوطن وماله وما فيه وما عليه، منذ كنا نحفر أسمائنا على مقاعد الدراسة الخشبية ( الرحلات ) وحتى عمليات التبذير الرهيبة في استخدام الطاقة سواء في الماء أو الكهرباء او الغذاء، ولعلنا نتذكر وما زلنا جميعا تلك الكميات الكبيرة من الغذاء التي ترمى الى النفايات يوميا من البيوت والمطاعم وعلى جميع المستويات والطبقات، ويعرف الجميع كيف يتعامل المجتمع والإدارة في الدول المتقدمة مع هكذا ظواهر وحتى على مستوى الفرد، حينما يطلب وجبة غذاء تزيد كثيرا عن حاجته فتصبح فضلات، حيث تعاقب القوانين المرعية هناك تصرفا كهذا تحت طائلة انك حر في أموالك لكنك لست حرا في العبث بالثروة الوطنية!؟

    ودعونا نتذكر موائدنا في البيوت او في المطاعم وبالذات في العزائم والمباهاة والنفاق الاجتماعي الذي يكلف دولتنا ومجتمعاتنا الكثير مما تنتجه أو تستورده من غذاء، وفي ذات السياق هل سألنا أنفسنا كيف نستخدم الأدوية وبالذات تلك التي تصرف مجانا في المؤسسات الحكومية، وهل هي فعلا ضمن سياقات اخذ وتعاطي الأدوية، وهل استخدمنا أجهزة الاتصالات وفق معايير الاستخدام المتحضر وبالذات في أجهزة التخابر؟

    لا اعتقد انه هناك فردا واحدا في بلادنا لا يشاهد يوميا امرأة او رجلا أو طفلا بيده أنبوب الماء وهو يرش ويغسل امام بيته او سيارته او يتمتع بتلك العملية لوقت طويل دافعا آلاف الالتار من تلك المياه النقية الى السواقي الآسنة او المجاري وهو يعبث بواحدة من أهم واخطر ثرواتنا الطبيعية المهددة فعلا بالنضوب والانحسار!؟

   وإزاء ذلك؛ كم منا فكر ولو لدقائق بوضع الكهرباء في البلاد قبل ان يحمل مسؤولية كل الأمور للدولة وهي تتحمل جزءً مهما من المشكلة فعلا، ولكن علينا ان نرى كل أوجه الحقيقة ومن يشارك الدولة في المسؤولية او حتى الفساد في مستويات التخريب او الاختلاس او السرقة؟

   ماذا يعني هذا الاستهلاك الجنوني للطاقة في كل البيوت دون استثناء، وفي الأسواق والعمارات والشركات بما في ذلك اولئك الذين يستهلكون تلك الكميات على حسابهم الخاص او من إنتاجهم، وهم بالتالي يخضعون لذات المعايير في الاستهلاك العبثي للأكل وما يترتب عليه من اندثار كبير للمال العام والثروة الوطنية.

    لقد حدثني مدير إنتاج الكهرباء في إحدى المحافظات التي لا يزيد عدد نفوسها عن مليون نسمة، والتي نجحت في تغطية عشرين ساعة يوميا من الطاقة فقال:
 
    إننا ننتج ما يغطي 20 ساعة يوميا من مجموعه 24 ساعة، وتبقى الساعات الاربعة الأخرى تغطيها المولدات الأهلية، وحينما سألته عن تكلفة تلك الساعات العشرين التي تدفعها الحكومة على شكل وقود او أموال لشركات أهلية تنتج الكهرباء، قال:

     إن الحكومة تدفع شهريا ما يقرب من 110 مليون دولار قيمة هذه الساعات من الكهرباء بأسعار لا تكاد تذكر، أي ما مجموعه مليار وثلاثمائة وعشرون مليون دولار سنويا لمحافظة واحدة، والأجور المستقطعة من المواطن أدنى بكثير جدا من مستوياتها في اوربا او امريكا او حتى بلدان الشرق الأوسط، علما بأن ما يقرب من نصف الكمية المستهلكة من قبل المواطن تقع تحت حقل التبذير غير النافع والمضر، بمعني إن نصف المبلغ المذكور يذهب حرقا كوقود او أموالا دون أي جدوى!؟

    صحيح ان للحكومة مسؤولية كبيرة في ظاهرة الفساد وهي تتحمل وزر الكثير من ذلك، لكن علينا ايضا ان نعرف من هم شركائها في الفساد وإدامته، ولعل ما ذكرته هنا يمثل أوجها قبيحة للفساد المستشري، ليس في مفاصل الدولة فحسب وإنما في سلوك وتصرفات الفرد والأسرة والمجتمع، وإذا كنا فعلا نريد كشف الفساد وفضحه ومحاسبة رموزه ومن ثم القضاء عليه فمن باب أولى أن نبدأ بأنفسنا ومن اسرنا ومجتمعاتنا ابتداء من الغذاء الذي يذهب ربعه او نصفه احيانا الى النفايات وانتهاء بالاستهلاك العبثي المريب للماء والكهرباء والوقود والاتصالات وما يتبع ذلك من تلويث وتدمير للبيئة والطبيعة!؟ 

    ويبدو لي انه من المصلحة الوطنية العليا ان يناقش البرلمان هذه الأوجه قبل ان يستجوب رئيسا أو وزيرا أو مسؤولا، ويعمل على تشريع قوانين وضوابط للحفاظ على الثروات الوطنية ( الماء والغذاء والطاقة ) من الاستهلاك العبثي بحجة حرية التصرف بالمال الخاص.

kmkinfo@gmail.com
 

237
حينما تحررت كوردستان من الدكتاتورية

كفاح محمود كريم

   عشية انتفاضة كوردستان ربيع عام 1991م كانت الأيام الأخيرة القاتمة والكالحة من سنين القهر والعبودية والاستبداد،  حينما بدأت تنهار تلك الأهرام الورقية التي زرعتها الدكتاتورية في المدن والبلدات والقرى امام صرخات الأهالي وهي تتجاوز حاجز الخوف والرعب من تلك النمور الكارتونية التي التهمتها نيران الانتفاضة وأحالت ظلام الأيام والسنين الى ضياء وأنوار وحقبة جديدة من الحياة!
   كان التحدي الأول والخطوة الأهم كيف ستؤسس الأحزاب والثوار لهذه الحقبة في إدارة الحكم وتنتقل من شرعيتها الثورية الى وجودها القانوني والدستوري امام تحديات كبيرة في الداخل والخارج ربما اقلها الصراع على السلطة، ومن سيكون في قمة الهرم على عادة الشرقيين عموما في الصراع والاستحواذ على القوة والمال والمواقع!؟   
   أيام عصيبة مرت على جميع الأحزاب والحركات والقيادات وأصعبها كان على المواطن الذي أنسته فرحة الحرية بقية تفاصيل الحياة الجديدة بعد أن توقف كل شيء في إدارة تلك الحياة حينما  تقهقرت الدكتاتورية وسحبت كل طواقمها الإدارية والفنية وكل ما يتعلق بإدارة الدولة وتشغيل مؤسساتها، ومن سيكون البديل لتلك السلطة أمام هذا الطوفان من الأسلحة ومراكز القوة وانهيار حواجز الخوف والانعتاق.
   لم تدم التساؤلات طويلا فقد خرج الرئيس مسعود بارزاني الى الناس في خطاب يرسم خارطة طريق لتداول السلطة سلميا في المناطق التي غادرتها قوى الدكتاتورية المقيتة من اقليم كوردستان اثر انتفاضة آذار 1991م، حيث أعلن في أول خطاب له امام الآلاف من الجماهير المنتفضة اننا ندعو الى انتخابات عامة تشرف عليها الامم المتحدة والمراقبين الدوليين لتأسيس مجلس وطني (برلمان ) يمثل الشعب وقواه السياسية والاجتماعية لإدارة الأراضي المحررة من الاقليم.
    حقا كان تحديا كبيرا لم يمض على تنفيذه كثيرا حتى اجتمعت على إفشاله كل قوى الظلام، ونجحت في إشعال حرب داخلية مؤلمة كادت ان تحرق الأخضر واليابس لولا حكمة العقلاء ومساعدة الأحرار من الأصدقاء، والإصرار على إنجاح التجربة فتوقفت نافورة الدماء لتدق ساعة العمل والبناء إيذانا بظهور عصر جديد وشروق شمس كادت ان تنطفئ وراء غيوم مدلهمة وداكنة، حيث نجح الكوردستانيون في خيارهم السلمي لتداول السلطة تدريجيا، فأقاموا مؤسساتهم وبدأوا بتوحيد إدارتيهما التي أنتجتها الحرب الأهلية، والتفرغ كليا لأعمار البلاد وتطوير مؤسساتها والدخول كفريق واحد، بالتعاون مع كل الفعاليات السياسية العراقية لبناء نظام سياسي جديد يقوم على أساس الاتحاد الاختياري والتعددية والديمقراطية في تداول السلطة، بعد سقوط نظام الحزب الواحد ودكتاتوريته المقيتة.
    وخلال سنوات ليست قصيرة نجح الكوردستانيون في تطوير إقليمهم والانتقال به نقلة نوعية في كافة مجالات الحياة المتعلقة بالفرد والمجتمع سواء بالخدمات التي انتقلت هي الاخرى نقلة نوعية واضحة خلال السنتين الأخيرتين في الكهرباء الذي أصبح يغطي عشرون ساعة يوميا في كافة أرجاء الإقليم، بالإضافة الى تحسن كبير في مشاريع الماء وشبكاتها والمواصلات وطرقها التي تشهد تحديثا مهما وبالذات في الريف الذي اصبح يتمتع في معظمه بالكهرباء والاتصالات والطرق المعبدة.
لقد رافق ذلك ظاهرة الفساد الإداري والمالي من خلال اندساس عناصر غير كفوءة وتسلقها الى تلك المراكز المالية او الإدارية اما بسبب بقايا النزاعات والتنافسات الحزبية او تحت سقف المحسوبية والمنسوبية التي تنتجها طبيعة المجتمعات القبلية، وغدت تلك الظاهرة واحدة من الظواهر التي تقلق الشارع الكوردستاني، وتعمل على عرقلة وتأخير تنفيذ خطة النهوض بالإقليم، خصوصا وان برامج الحكومة لم تك بمستوى مكافحة تلك الظاهرة بشكل عملي وواضح، مما استدعى تدخل الرئاسة وشخص الرئيس مباشرة لتبدأ مرحلة جديدة في إعادة النظر بكثير من الأمور ومنها ما أعلنه ديوان الرئاسة حول إجراءات الحكومة في العشرات من  ملفات الفساد وإيقاف منابعه وتجفيفها.
   لقد وضع الرئيس مسعود بارزاني قبل ما يقرب من عشرين عاما خارطة طريق أمام الشعب وفعالياته السياسية والاجتماعية، خارطة تضمنت محورين أساسيين:
الأول؛ اعتماد الانتخابات الحرة والمباشرة وسيلة لتداول السلطة، وقد أجريت فعلا وأنتجت أول برلمان كوردستاني حاز على احترام واعتراف الداخل والخارج لما تميزت به انتخاباته من شفافية مطابقة لمعايير عالمية معتمدة لدى الدول ذات النظم الديمقراطية.
   والمحور الثاني تناول جانبين مهمين جدا الا وهما السلم والأمن الاجتماعيين، حيث تم إصدار قانون العفو التام عن ما اقترفته قوات الجحوش وأمرائها بحق الشعب والوطن، والتي كانت تسمى بالأفواج الخفيفة ( أفواج وسرايا صلاح الدين ) التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية العراقية، إلا ما له علاقة بالحق الشخصي للأفراد، حيث دعا القانون هنا ايضا الى المسامحة والعفو والانتقال الى مرحلة جديدة من البناء الوطني والاجتماعي للإقليم.

    وبعد عشرين عاما يتعرض الإقليم بشكل يتنافي ومبادئ ثورة أيلول ومصالح البلاد العليا الى ظاهرة الفساد المالي والإداري التي لا تليق بكوردستان وتاريخها الوطني وأحزابها المناضلة ومشروعها الذي أنجزته بهذا الشكل مئات الألوف من الشهداء وعذابات عشرات السنين في الترحيل والنفي والتهجير والسجون والمعتقلات، وتدمير ما يقرب من نصف البلاد، لا يمكن لمجاميع من الانتهازيين واللصوص والمنحرفين ان يفسدوا او يشوهوا هذا المشروع الحضاري الكبير، ولذلك انبرى الرئيس والمخلصين في إدارة الإقليم كما عهدهم الشعب مرة أخرى ليضعوا خارطة طريق تعتمد الشفافية والإصلاح بعيدا عن أسلوب التشهير او الانتقام من اجل بناء إقليم متحضر ومزدهر، يخضع جميع سكانه ومواطنيه من رئيس الدولة وحتى اصغر موظف او مواطن لسلطة القانون الذي يشرعه البرلمان وتنفذه الحكومة بشكل عادل وعلى كل الناس دون تفرقة او تمييز.
    إن المرحلة الجديدة التي بدأت في اقليمنا متمثلة ببداية تبلور معارضة وطنية تعمل تحت قبة البرلمان وتحترم المصالح العليا للبلاد، وتحول نوعي في الخدمات الأساسية وبالذات في الكهرباء والمواصلات والأمن الداخلي والسلم الاجتماعي، ويقابلها بدأ حملة الرئاسة والحكومة بفتح ملفات الفساد ومكافحته بأسلوب يعتمد الشفافية ومصالح البلاد ومواطنيها العليا، وإذا كان هذا الشعب وقيادته قد تحدت الدكتاتورية وجبروتها وانتصرت قبل عشرين عاما فهي ستنتصر اليوم في مواجهة دكتاتورية الفساد والإفساد في هذه المرحلة التي تتطلب من الجميع معاونة الرئاسة والحكومة كل حسب موقعه وطاقته ودائرة تأثيره للعمل من اجل تطهير البلاد من الظواهر والشوائب التي تعرقل تطور عملية البناء والاعمار والتصنيع.

kmkinfo@gmail.com

238
المنبر الحر / من أين لكم كل هذا؟
« في: 12:45 11/07/2011  »
من أين لكم كل هذا؟

    لطالما سمعنا هذا السؤال الشعار في أدبيات كثير من الحركات والأحزاب الثورية في مرحلتها النضالية قبل أن تنجح وتستلم السلطة او الإدارة مباشرة او بالشراكة، وتتحول من شرعيتها المدعمة بالسلاح والطوارئ الى الشرعية الدستورية، وينتقل افرادها وقياداتها من مقاتلين ومسؤولي مفارز ومجموعات تنظيمية او مسلحة الى أعضاء في الإدارات او حكام لنظام سياسي بمسميات أخرى كالوزير والمحافظ والمدير العام، بل وينتقل البعض منهم من مبشرين بالعدالة الاجتماعية والنزاهة وإقامة دولة القانون والمساواة الى أباطرة المال والفساد والإفساد ومن هنا يولد السؤال المر: من أين لك هذا؟

    وقبل أن نخوض في متن موضوعنا دعوني أتذكر رواية رواها لنا إمام الجامع في وعظ ذات يوم من الأيام وهو يتحدث عن الأغنياء بالسحت الحرام والمال المشبوه، وضرب لذلك مثالا حول  إعرابي يمتلك عشر شياه وافترض انه مؤمن ملتزم بالصدقة والزكاة ويتوخى الحلال ويتقي الحرام والشبهات، وتساءل إمامنا الواعظ قائلا:

   كيف يصبح هذا الشخص بعد ثلاث سنوات او أكثر بقليل غنيا بمئات النعاج وما يلحقهم من بيوت وعلف ومنتجات؟


   لا أريد حقيقة؛ أن نخوض في أعماق بركة ربما تكون أعماقها أكثر عفونة، بقدر ما أريد أن اسأل عن ظاهرة استشرت بشكل كبير ودون خجل او حياء او حتى شعور بأن هذا التضخم في السحت الحرام والأموال السامة لم يعد حالة غير طبيعية، بل والانكى من ذلك ان هؤلاء الذين سرطنتهم هذه الاموال القذرة اصبحوا اكثر تأثيرا في مفاصل الدولة والمجتمع وبدأوا يؤسسون مستوطناتهم الطفيلية في كل أنحاء البلاد بعد سقوط النظام وحتى يومنا هذا؟

   ربما هو سؤال يردده الكثير صباحا ومساءً:

                                                                         من أين لكم هذا؟

    ندرك تماما ان تغييرا مهما قد حصل على معاشات الموظفين وان القدرة المعاشية هي الأخرى ارتفعت قليلا قبل اغتيالها من قبل طفيليات المرحلة، الا ان تلك القفزة في المعاشات لا يمكن لها بناء هكذا أهرام مالية وعقارية وتجارية خلال اقل من عقد من السنين،
ما لم يكن هناك نضوح كبير في المال العام الى الجيوب الخاصة بشتى الطرق والأساليب البعيدة تماما عن أي شكل من إشكال الشرعية، ثورية كانت أم دستورية!؟

   والا كيف نبرر استحواذ هذه الأموال والامتيازات خلال سنوات قليلة من قبل موظفين عموميين على مختلف الأصعدة والدرجات يفترض ان يكونوا في مناصبهم لنزاهتهم وكفاءتهم وأياديهم البيضاء وهم يتقاضون مرتبات لا يمكن لها ان تنتج هذا الكم الهائل من المال خلال هذه الفترة!؟
 
    وكيف ولماذا تشترى بعض المناصب والوظائف بمبالغ عالية جدا رغم ان مرتباتها قليلة جدا وهي معروفة لدى دلالي الوظائف العامة بعلاقتها بالمال العام؟

    أسئلة كثيرة ربما لو استرسلنا فيها سندرك بحرا من الظلمات الفاسدة، التي أخرت وتؤخر مشروعنا الحضاري وبناء عراق جديد وفق أسس أخلاقية واجتماعية وقيمية وضوابط واليات لمراقبة المال العام والحفاظ عليه بكل اشكاله وأنواعه ومستوياته، وربما ستكشف لنا ايضا أهم أسباب فقدان الامن والسلم الاجتماعيين وبالتالي انتشار العنف والإرهاب والجريمة المنظمة التي لا علاقة لها البتة لا بالقاعدة ولا بالنظام السابق، وتلك باعتقادي أكثر خطورة لكونها هلامية الشكل ومدغمة تماما بنسيج النظام الجديد للدولة؟

   يقولون ان الدول المتقدمة اخلاقيا قد وضعت آليات وضوابط وشروط محددة للإجابة على هكذا سؤال ( من أي لك هذا؟ ) حيث يتم جرد وتحديد ممتلكات الموظف وإيراداته المالية بكل صدق وأمانة ومن ثم تثبيتها قبل تسنمه أي وظيفة عامة، لكي تتم المقارنة مع تلك المعلومات بعد انتهاء مهمته او وظيفته!؟

  ولا ندري إن كانت الأخبار التي سمعناها عن كشف ممتلكات وإيرادات المسؤولين وتثبيتها بدقة، صحيحة وجدية أم انها هي الأخرى دعايات مغرضة ضد عراقنا الجديد!؟

kmkinfo@gmail.com




239
لا تجعلوا المناصب اوكار ارتزاق؟

كفاح محمود كريم

    في موروثنا الاجتماعي والقيمي كانت المناصب مواقع يتمنى البعض ان يصلها اما للتشريف او لتحقيق تحصيل حاصل لكفاءته أو موقعا متقدما للخدمة، وفي كل الأحوال كان المنصب لا يفرق كثيرا في ما يتعلق بالامتيازات المادية الا الشيء القليل، اللهم ان كانت هناك هوامش النثرية الخاصة بالمنصب وتلك ايضا تقع تحت طائلة التصفية الحسابية ووصولاتها الموثقة التي تخضع لنظام حسابي دقيق.
   
   ورغم ان كثير من الأنظمة التي حكمت البلاد كانت تصنف كونها مستبدة ودكتاتورية، الا ان المناصب بقت تحافظ على هيبتها الاجتماعية لا بسبب تخصيصاتها المالية ورواتب شاغليها، بل لموقعها وتأثيرها وفي احيان كثيرة كون شاغلها انسان يستحق تلك المكانة ويعمل بجد من اجل وظيفته وهو قد قضى سنوات طويلة حتى أدرك ذلك المكان، حيث يتمتع بمساحة أوسع في الصلاحيات التي تتيح له العمل من اجل الهدف الأسمى.

     وضمن هذا المشهد ايضا كان هناك مسؤولين مهمين في الهرم الوظيفي يتجاوزون في استحقاقاتهم المالية درجات قانون الخدمة المعروف ويوضعون في حقل الدرجات الخاصة وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية ونائبه وثلة آخرين ممنوحين بعض الصلاحيات من قبل الرئيس وتحديدا في السنوات الأخيرة من حكم الدكتاتور صدام حسين، وهم عادة قلة ضئيلة قياسا بمجاميع الموظفين او مقارنة بما موجود الآن، الا ان السياق العام في كل الدولة كان تحت سقف قانون الخدمة وتسلسلات العمل الوظيفي ودرجاته التي تأتي بشكل تصاعدي مع امتيازات معقولة لكل درجة منها، ولا يمكن أن يرى المراقب بونا شاسعا او كبيرا بين درجتين حتى وإن تباعدا في السلم الوظيفي، الا بما يوازي سنوات الخدمة وتدرجاتها والكفاءة وما يلحق جرائها من تشكرات او عقوبات.

      ما حصل بعد سقوط النظام وانهيار الدولة وحتى بعد قيام المؤسسات الدستورية التي افرزتها الانتخابات العامة في 2005م، لم يفرق كثيرا عن تلك الثقافة التي سادت البلاد طيلة ما يقرب من نصف قرن، فهي حقيقة في كثير من أوجهها نتاج تلك الحقبة وتربيتها وآثارها، وفيما يتعلق بالرواتب والمخصصات والنثريات والامتيازات فقد جاءت بما لا شبيه له في العالم اجمع، حيث تجاوزت في معدلاتها كل النسب العالمية في اقصاها بما في ذلك الدول الغنية جدا وذات الفائض النقدي الكبير مثل المانيا واليابان، ابتداء من راتب رئيس الجمهورية ونوابه ورئيس الوزراء ووزرائه ورئيس النواب ونوابه  وملحقاتهم وتوابعهم ووكلائهم، حتى تحولت كثير من المناصب الى أوكار للارتزاق والاختلاس والسحت الحرام، حيث اصبح المنصب أشبه بكنز يحصل عليه المتسابقون للفوز بالمال والسلطة والنفوذ، يقابل ذلك عملية تقزم القيم الوطنية العليا أمام التهافت المادي والامتيازات المسرطنة التي يتناحر عليها هؤلاء المتسابقون.

    وفي الجانب الآخر لم تظهر أي معدلات للنمو او التطور في كثير من المؤسسات والدوائر التي يشغلها هؤلاء المسؤولين، بل على العكس بدأت الأمور تتردى وتتقهقر بشكل مريع وبالذات فيما يتعلق بالخدمات الأساسية للمواطن، وعلاقة ذلك المسؤول به التي تحولت هي الأخرى تحت هذا السلوك في الوارد المالي والسلطوي الى علاقة رثة اقرب ما تكون الى العبودية والاستبداد، يرافقها بيروقراطية مكثفة وروتين يهدف الى إنشاء منطقة عازلة تماما بين المواطن والمسؤول إلا من عناقيد الطفيليين وأصحاب الوساطات والمرتشين.

   وإذا كانت حقبة الدكتاتورية قد افرزت قيادات ومناصب فاسدة وغير مؤهلة، فان حقبة ما بعد الدكتاتورية وإرهاصاتها أفرزت مستوطنات   طفيلية من الانتهازيين والوصوليين وأشباه الأميين ممن سرطنتهم الأوضاع الشاذة في البلاد، واستطاعوا في ظل إخفاقات العملية السياسية اختراق كثير من مفاصل الدولة في المال والسلطة والتشريع لتحيلها الى أوكار للارتزاق والفساد والإفساد وتشيع اليأس والإحباط لدى مساحات واسعة من الأهالي.

kmkinfo@gmail.com

240
المنبر الحر / هل يقرأ المسؤولون؟
« في: 22:13 23/06/2011  »
هل يقرأ المسؤولون؟

كفاح محمود كريم

   واحدة من المتداولات الشعبية المليئة بالإحباط والسخرية وربما اليأس من بعض المسؤولين ووعدوهم هي تلك التي تقول ( من يقرأ ومن يكتب!؟ ) كناية عن عدم اهتمام أو متابعة المسؤولين لشؤون الأهالي، ويقابل ذلك أيضا لدى الكثير من الكتاب والمثقفين عموما تداول ربما يومي بصيغة ذات السؤال في بلداننا الشرق أوسطية ومن شابهها من بلدان العالم والأكثر مرارة وحرقة، ذلك المتعلق  بمتابعة المسؤولين كبارا وصغارا لما يكتبه الكتاب او الصحفيين خارج المديح والتدليس والصور السوبرمانية، وإذا ما استثنينا أولئك المخلصين من المسؤولين الذين منحوا كراسيهم ومناصبهم شرفا وعلوا، فان الكثير ربما يقرأ ويكتب لكنه بسبب المنصب والمسؤولية ابتعد كثيرا لاعتماده على ملخصات مكثفة من مستشارين متهمين ربما الكثير منهم أيضا بالإهمال او السطحية أو عدم إزعاج المسؤول!؟ 

    ومن هنا دعونا نحول المثل الشعبي اللاذع ( من يقرأ ومن يكتب؟ ) الى سؤال مبسط عن هذا الموضوع بعد أن ندع الكتابة جانبا على اعتبار ان الكثير من المسؤولين تخصصوا في التوقيع الأخضر او الأحمر فقط وأحيانا كتابة بعض الخواطر او الملاحظات، إذن لنعود الى السؤال:


هل يقرأ المسؤول فعلا؟

  لا اعرف؛ لكنني اشك بسبب مشاغله المزدحمة دوما، حتى ان البعض منهم لا يرفع سماعة تلفونه ليرد، علما بأن رنة التلفون لا تفرق عن دقة الباب أي باب البيت وما تعنيه، ورغم ان الاسم يظهر عند الطرفين بفضل خدمات الاتصالات، الا ان البعض منهم لا يكلف  نفسه بالرد او الاعتذار لاحقا لأنه وربما ايضا قد رأى وجهه الكريم في حوض الماء بدرا لا مثيل له؟

   وبالتأكيد لكل منكم جواب آخر يختلف او يتفق فيه معي، لكنني أعود ثانية وبعد أن يثبت لنا انه يقرأ وليس بالضرورة أن يكتب، لنسأل:



ماذا يقرأ وكم من الزمن ( يقتل ) في قراءته؟

  عذرا قرائي الأعزاء هنا ايضا لا اعرف، لكنني ازعم من مشاهداتي ان الأكثرية منهم مولعين بالأبراج وأخبار الفضائح ونصوص مقابلاتهم وتصريحاتهم لوسائل الأعلام ولديهم شغف في قراءة التقارير السرية وتمحيصها والاطلاع على صور احدث الموديلات للسيارات والملابس وحديثا يبحث الكثير منهم عن ديكورات وإكسسوارات أحواض السباحة والميني بار!؟
   
    وقد وضعنا مفردة يقتل بين قوسين للتأكيد على ان الزمن لدينا محكوم بالإعدام مذ خلقنا والخلاف فقط في كيفية وآلية التنفيذ، فترانا نقتله في الجايخانات مثلا أو في القيل والقال او الحروب والمشاجرات أو لا سامح الله بالقراءة او المطالعة او مشاهدة فلم او مسلسل أو اشياء أخرى مصنعة خصيصا لقتل الملل، وجزا الله خيرا الأتراك في مسلسلاتهم وأصحاب الفيس بوك اللذين أنقذوا  الأمة من الضياع!؟ 

    استطيع أن اجزم انهم قلة نادرة تلك التي تتواصل وتتأثر وتقرأ كما نفهم القراءة نوعيا على مقياس ما عرفناه قديما عن المكتبات العامة والتهافت على الكتب، بل والتسابق على قراءتها في مختلف المجالات عند أول نزولها في ( وقتها لم يكن هناك انترنيت او اتصالات سريعة والاعتماد على دور النشر والتسويق )، بل ان الأكثرية الساحقة منهم يقضون أوقاتهم او يقتلونها سواء أثناء تأدية مسؤولياتهم في مكاتب بمنتهى الفخامة والأبهة، او ما بعد ذلك في امور لا تتعلق إطلاقا بالدوائر او المؤسسات التي يديرونها، إلا أولئك الذين يفرضون استثنائهم شئنا أم أبينا فنراهم دوما في ميادين العمل والفكر والإنتاج وبين مرؤوسيهم معظم ساعات العمل.   

    ورغم إن العصر الحالي وثورة الاتصالات أتاحت فرصا ذهبية للقراءة ومتابعة ما يكتب أو ينشر بآلية سهلة، من خلال تصفح الانترنيت الذي يكاد ينتشر في طول البلاد وعرضها، وبالذات في مكاتب المسؤولين المملوءة بما لذ وطاب من الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات، إضافة الى شاشات الكومبيوتر التي يطل منها الأصدقاء والأحباب، إلا أن المتداول الأكثر شيوعا بين الأهالي ما يزال يصر على:


( من يقرأ ومن يكتب!؟ )

   والدليل على ذلك عدم تطور وكفاءة الأداء الإداري في مفاصل الدولة والمجتمع عموما، ومن ثم تقهقر كثير من الخدمات المهمة واضمحلال العلاقة بين الفرد ومؤسسته الحاكمة صغيرة كانت أم كبيرة، مع تطور كبير في اثاث المكاتب واكسسواراتها وتضخم هائل في الروتين والبيروقراطية، مما أشاع هذا النمط من الإحباط والسخرية لدى مساحات واسعة من الأهالي تجاه كثير من المسؤولين والقائمين على إدارة الدولة والمجتمع مع علمنا المؤكد بأن معظمهم يجيدون القراءة والكتابة وربما حاصلين على شهادات  فخمة لا تحتاج الى شهادات أولية كالابتدائية او المتوسطة او حتى الثانوية، ورتب عسكرية تجاوزت رتب ضباط صدام حسين الشهرية، وهي في الآخر يجب أن تتلائم مع الأثاث والاكسسوارات في مكاتبهم وبيوتهم!؟

   وأخيرا امام هذا المشهد يدرك المرء سبب تخلف كثير من الدول الغنية جدا رغم امتلاكها لثروات تتفوق فيها على ما موجود في المانيا واليابان، ولديها من المباني والأبراج وطرق المواصلات ربما يضاهي ما موجود في امريكا ذاتها، لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحا:
  هل ساعة العمل والأداء الوظيفي او الإنتاجي والدقة في هذه الدول هي ذاتها في دولنا التي نادرا ما تقرأ وتكتب!؟

kmkinfo@gmail.com

 

 

 
 


241
لا تخشوا على نظامنا السياسي؟

كفاح محمود كريم

    ربما يعتقد البعض ان التعبير عن الرأي في العراق او إقليم كوردستان يشكل خطورة على السياق العام للنظام الاجتماعي والسياسي في البلاد كون التجربة ما زالت في أطوارها الأولى، او يخشى من اندلاع مظاهرات على الطريقة المصرية وما جرى في ميدان التحرير بالقاهرة او استنساخه هنا في ساحة التحرير ببغداد أو أي من المحافظات الأخرى، حتى لو نجحت مجاميع في إطلاق تسمية ميدان التحرير على بعض ساحاتها في محاولة منها لوضع نهاية للنظام السياسي في البلاد، كما يتصور اولئك الذين ما زالوا يحلمون بعودة نظام القائد الضرورة ونجوم علمه الثلاث التي بانت عورتها في الموصل وكشرت انيابها الصدئة في بعض أطراف كركوك، ان مثل هذا الاعتقاد يجافي الحقيقة كون هذا النظام وليد عملية ديمقراطية انتخابية حرة شاركت فيها كل القوى السياسية بكافة أشكالها واتجاهاتها من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، وليست وليدة انقلاب او تآمر او استحواذ على السلطة كما جرى في البلدان التي تتعرض لانتفاضة شعوبها الآن.

     يدرك الشعب تماما حقيقة مرة لا يختلف عليها عراقيان، تلك هي إن   دكتاتورية صدام حسين وحزبه قادت البلاد الى الدمار الكلي عبر حروب داخلية خربت العراق وقضت على ثلثي قرى كردستان وسكانها، كما فعلت ذات الجريمة في الاهوار فعلتها في تدمير الأرض والماء والعباد، وحروب خارجية عبثية كارثية مع ايران ومن ثم الكويت، لا لشيء إلا للحفاظ على كرسيه ونظام حكمه فوق ملايين الجماجم والدمار في حقبة سوداء نزف فيها العراق بحورا من الدموع والدماء، وغابت البسمة عن محياه وامتلأت قراه ومدنه وأحياؤه وحواريه بالحزن واليأس والفقر، حتى لا يكاد يخلو بيتا عراقيا أو عائلة عراقية دون جرح أحدثه البعث ونظامه طيلة تلك العقود. 

   أردت بهذا الاستعراض أن الفت الأنظار الى إن كل ما حدث كان نتيجة طبيعية للنظام الدكتاتوري وشموليته وتفرده بالقرارات في غياب المؤسسات الحقيقية للدولة وسلطاتها الثلاث، واعتماده على مجاميع من المنفذين الامعيين الذين لا قرار لهم إلا تطوير تنفيذ أفكار القائد الضرورة والإبداع فيها، في بيئة معدة سلفا لهذا الغرض وتربية شمولية صارمة تحت شعار نفذ ثم ناقش لكي يتحول الحزب والشعب وكل البلاد الى ما أرادوه في هذا الشعار : إذا قال صدام قال العراق!؟ وبذلك تم إلغاء الجميع ابتداء من حزبهم وانتهاء بأي فرد من أفراد الشعب، واذا كان معظم ما حدث وما يزال يحدث بعد سقوط النظام، نتيجة طبيعية لثقافة وسلوك ذلك النظام فان من طبيعة النظام الجديد هو حرية الرأي والتعبير والصحافة والإعلام،  وتعددية الأحزاب والآراء وديمقراطية التداول السلمي للسلطة، ودولة المؤسسات الدستورية وفصل السلطات.   

   واليوم يحاول البعض تسلق السلطة ثانية في محاولة لاعتلاء ناصية ليست لهم وأسلوبا ليس من أساليبهم المعروفة طيلة أربعين عاما هنا او في الشام ويقلدونهم في صنعاء وطرابلس، فيخترقون واحدة من أسمى آيات التعبير عن الرأي والاحتجاج في بلاد أصرت على إقامة نظام عصري متحضر، بميكافيلية لا مثيل لها إلا في سلوكهم منذ أن سرقوا السلطة في بغداد ودمشق، ولكنهم فوجئوا بواقع غير ما يتوقعونه، فقد شهدنا خروج تلك القطعان من مؤيدي النظام في ليبيا واليمن وسوريا وقبلها في العراق ومصر وتونس، الا ان الأحداث ومجرياتها أثبتت عكس ما كانوا يريدونه وتقهقروا أمام جبروت التغيير الذي اكتسحهم واسقط أنظمتهم ورموزهم الطاغية.

    إن واحدة من ابرز سمات نظامنا السياسي وقوته تكمن في فصل السلطات وتوزيعها وعدم تكثيفها في مركز واحد سواء كان هذا المركز شخصا او حزبا او كتلة معينة او سلطة بذاتها، أي عدم تكثيف الصلاحيات او السلطات بيد الحكومة وشخص رئيسها او رئاسة الدولة وهيأتها وكذلك البرلمان وهيئة رئاسته، ولذلك لا خوف على هذا النظام الذي جاء نتاج عملية اختيار شعبي حر ومباشر، أفرزته انتخابات عامة جرت في كانون ثاني 2005م اشترك فيها أغلبية الأهالي، الذين تم استفتائهم أيضا على دستور دائم للبلاد يكون مرجعية قانونية حامية للنظام السياسي الديمقراطي التعددي الاتحادي، يقف عندها الجميع وتكون خطا احمرا لاستقلال البلاد وسيادة أراضيها وديمومة نظامها السياسي الديمقراطي، كافلا حق الفرد والمجتمع في التعبير عن الرأي واحترام حقوق الإنسان والإقرار بالاختلاف الفكري والثقافي والقومي والديني، في ظل دولة اتحادية تعددية تؤمن بالتداول السلمي للسلطة وتضمن حقوق المكونات مهما كان حجمها وكثافتها، بما يؤمن انتماء وطنيا رفيعا ويبلور مفهوما للمواطنة يعيش تحت سقفه كل سكان البلاد.
 
kmkinfo@gmail.com
 



242
تقهقر صناعة الطغاة؟

كفاح محمود كريم

    المنعطف الكبير الذي حصل في الشارع الشعبي منذ انتفاضة تونس وما تلاها في مصر يثير كثير من التساؤلات، واراني سأتوقف عند ظاهرة تلك الآلاف المؤلفة من الأهالي التي خرجت بذلك الشكل الرافض للأنظمة ورؤسائها وهي ذاتها كانت تصفق بكل حماس لذات الأنظمة والزعماء، وربما يسعفنا عالمنا الكبير علي الوردي في الإجابة على كثير من هذه الأسئلة حول ثقافة القطيع التي سادت وما زالت في معظم بلدان النظام الشمولي اجتماعيا وسياسيا، وربما سأطيل التوقف أيضا عند من يصنع الدكتاتوريات في بلادنا ويهيئ هذه الجموع تارة للتصفيق وأخرى للرفض والمعارضة وثالثة للنهب والسلب، مع إيماني بوجود كثرة من خارج هذه التوصيفات من الأحرار والمناضلين.
 
     ربما لا نجافي الحقيقة حينما نتهم شرائح من الاهالي والحلقات الملتفة حول المدير والرئيس والزعيم بمختلف تسمياتها وعناوينها، بالمساهمة في تكوين الدكتاتور صغيرا كان ام كبيرا، من مجاميع المصابين بالنرجسية القائمين على حكم العباد ابتداءً من مدير الدائرة الصغيرة ووصولا الى دفة الحكم الأكبر، مثل هذه الشرائح والحلقات كمثل اطراف الاخطبوط ومجسات بعض الكائنات، وهي توجه حركة ذلك المخلوق بالاتجاهات التي تريدها، وربما كانت هذه المجاميع التي شهدنا هرولتها وتجمعاتها الالفية او المليونية وهي تصفق او تهتف بحناجر تغمرها ( بالروح بالدم نفديك يا.... وضع اسم من تشاء بعد ذلك؟ ) اهم من نجح في احداث خلل حاد في شخصية ذلك المسؤول الذي عملقته وحولته الى ما انتهى اليه احدهم في تلك الحفرة البائسة وما تلاه من الهاربين والمتنحيين؟

      افترض دائما على خلفية النقاء الإنساني بالفطرة، ان ذلك الشخص المدير او المسؤول أو الوزير وحتى الرئيس، الذي تلتف حوله تلك الحلقات او مجاميع المرتزقة من ( مساحي الجوخ )* انسان ايجابي ولا ينقصه الذكاء بأي شكل من اشكاله، وهو في الآخر ايضا انسان تسكنه  العواطف والنوازع ولا افترض أن يكون عبقريا او مفكرا عظيما او وليا من الأولياء، بل انسان خدمته بعض الظروف او سلم التدرج او الألاعيب او الفرص او المحسوبية والمنسوبية أو النظام الاجتماعي فأصبح في مكانه، أي بمعنى انه يتأثر بما حوله من الطيبات والناعسات والناعمات من الوصف والتوصيف، ومما يسمعه من الحلقات التي تلتف حول عقله وقلبه وغرائزه وعواطفه ممن اختارهم إن يكونوا مستشارين او معاونين او خبراء او مسؤولي مكاتب في إدارته خارج مفهوم المؤسسات والمراكز البحثية المعمول بها في الدول الديمقراطية العريقة، وبالتالي هم من يحدد معطياته وشكل شخصيته وكيفية ادارته وقراراته التي تخضع دوما لتأثيرات هذه الحلقات ومجاميع بالروح بالدم نفديك يا زعيم، بغياب نظام المؤسسات ومراكز الدراسات والبحوث التي يعتمدها الرؤساء او المدراء في البلدان الديمقراطية المتحضرة!؟

      واذا ما تركنا تلك الحلقات او المجاميع وعدنا قليلا الى نظم التربية والتعليم واسلوب الحياة في اسرنا ومجتمعاتنا الصغيرة التي تنتج هي الاخرى مثل هذه الدكتاتوريات الصغيرة والكبيرة على خلفية النظام التربوي ومناهجه سواء في الأسرة او المدرسة، هذا النظام وهذه البرامج التربوية هي التي حولت الملايين من اطفالنا عبر الأجيال والعهود الى أوعية يتم تعبئتها وتخزينها بمجاميع من المعلومات المفروضة دون نقاش او مبادرة، مع منظومة قيم تتعلق اولا واخرا بطبيعة النظام الاجتماعي والسياسي في إشاعة الفردية وتخليد الافراد وإطاعتهم ابتداءً من الشيخ أو الأغا والشرطي وإمام الجامع او مؤذنه، وانتهاءً بالمنقذين من الرؤساء والقادة العظام الذين اقسم كل علماء الانثربولوجي بانهم جنس بشري مثلنا لا فرق بينهم وبين أي انسان آخر في هذا الكون سواء كان نادلا او فراشا او جنديا او مزارعا، قبل أن يتعرض الى العملقة والتظخم السرطاني على ايدي هؤلاء الذين ابتلت بهم شعوب الشرق من مجاميع المنافقين والانتهازيين المختصين بالتدليس وإيهام المسؤولين بأنهم مخلوقات خارقة تنافس الكراندايزر الكارتوني او طرزان الغاباتي او سوبرمان الفضيع، حتى افقدوهم انسانيتهم وقتلوا في دواخلهم بقايا الطيبة البشرية وحولوهم الى كائنات خرافية تحت مسميات ساحرة تارة وتاريخية تارة اخرى، ففقدوا توازنهم وتحولوا الى ما شهدناه ونشهده اليوم!؟

     ونتذكر جميعا كيفية تصنيع دكتاتور العراق السابق في كل مناحي الحياة وعلى مختلف المستويات وما فعلته اجهزة الاعلام والجماهير العريضة ومسيراتها المعروفة، يتقدمهم دوما شيوخ العشائر ورجال الدين وجوقة من الإعلاميين والصحفيين والأدباء والفنانين ومن كل كتاب العرائض ووعاظ السلاطين الذين سخروا كل ما يمتلكونه من مواهب وإمكانيات لخدمة الدكتاتور ونظامه حتى أصبح أكثر الرؤساء تمجيدا بالأغاني والأناشيد والظهور على الشاشة، ليس هو لوحده فهم جميعا يمارسون ذات السلوك في كل الدول ذات النظم الشمولية، والغريب ان الجموع الكبيرة التي كانت تخرج تأييدا له مختارة او مغلوبة على امرها، هي ذاتها سارت بآلاف مؤلفة بعد سقوطه تأييدا لغيره، ولم تختلف الوجوه والعناوين الا قليلا، وربما اختلفت جوقة او مجاميع الحلقات المنتجة لتلك الكرنفالات والمسيرات والمظاهرات بما فيها الحلقات الملتفة حول المسؤول او الزعيم التي تضخ له وفيه معلومات مثيرة عن عشق الجماهير له ولنظامه او حزبه مما يكرس فيه تلك النزعة الفردية التي تتطور مع الزمن ليلتهم كل ما حواليه من أجل بقائه؟

    واذا كان الخوف هو الأب الشرعي لكثير من الأمراض الاجتماعية والسلوكية، فان انعدام العدالة هي الأخرى الأم الشرعية لتلك الظواهر وفي مقدمتها نشوء طبقات الانتهازيين والمتملقين والكذابين، فحيثما تتكثف أعداد وحجوم تلك الحلقات الهشة حول المسؤول مهما بلغت درجته، يكمن الفساد ويكون هناك  جوا مليئا بالخوف والحذر والشعور بانعدام العدالة يحيط به بل وينتجه لكي يسود في أوساط الأهالي وينتج تلك العناقيد من فطريات النفاق والتدليس.

   ويبقى السؤال كما وجهه الكاتب والمفكر الكويتي الدكتور محمد الرميحي:
( كيف يمنع الفرعون من الفرعنة؟ كيف يمنع خلق طاغية آخر مثل بن علي ومثل مبارك! )
ونسي كاتبنا أن يذكر صدام حسين، ولم يدرك حينها رئيس اليمن وزعيم ليبيا ووريث  سوريا!؟

 kmkinfo@gmail.com


 
* مسح الجوخ: لفظة بغدادية تعني التدليس والمداهنة.

 


243
 
دمشق وسقوط الفاشية الأخير؟

كفاح محمود كريم

      ما يجري اليوم في بلاد الشام يذكرنا بأحداث العراق وسلوكيات النظام طيلة ما يقرب من أربعين عاما، ولعل أكثرها اشمئزازا تلك المشاهد التي كان يبثها تلفزيونهم عن أب قتل ابنه لتخلفه عن الخدمة العسكرية، طالبين من كافة الآباء والأمهات تقليد هذا الرجل وإشاعة القتل والجريمة دون محاكمة داخل المؤسسة الاجتماعية الأكثر قدسية، مثلها ظهر على شاشات التلفزة في جناحهم الذي يحتضر في دمشق حينما اظهروا والد الطفل حمزة الخطيب بعد ان قابله وريث الحكم في سوريا!؟
   
    المشهد هنا في دمشق وشقيقاتها الشاميات لا يختلف عنه في العراق أبان حكم جناح حزب البعث الآخر بقيادة صدام حسين طيلة عقود من الزمان، حيث اعتمد ذات الحزب في كلا البلدين على مبدأ إقامة الدولة الأمنية المخابراتية الاستبدادية بديلا عن الدولة المدنية المتحضرة، وربما قراءة سريعة لمقارنة أولية بين الجناحين الساقط منهما والذي يحتضر الآن تظهر لنا هذه الحقائق الأولية:

   أعداد العاملين في الأجهزة الخاصة بالنظام السياسي في سوريا وما يقابلها في العراق أيام النظام السابق:
   
850000 عضو في حزب البعث السوري يقابله في العراق ما يقرب من ثلاثة ملايين.
600000 عنصر في أجهزة الامن السوري يتوزعون على 12 جهاز، وفي العراق مضروبا في ثلاثة ولكن في ستة أجهزة رئيسية.
2000000 مليونان فرد من العلويين، وفي العراق لم تكن أسرة الرئيس تقبل توسعا لكي لا تقل الامتيازات!
250000 مهجر ممنوعين من العودة إلى سوريا، يقابلهم أكثر من عشر أضعافهم لغاية سقوط النظام.

    أكثر من 5000 معتقل رأي في سوريا، وفي العراق استبدلت السجون والمعتقلات بالمقابر الجماعية للسياسيين، وأطلق النظام سراح ما يقرب من ثلاثمائة ألف سجين جلهم من المجرمين العتاة في عملية تبييض السجون قبل سقوطه بعدة أشهر!؟
    أكثر من 30000 قتيل في مذابح حماة وتدمر وحلب، وفي العراق فقط في حلبجة خمسة آلاف شهيد خلال ساعات، وأكثر من مليون قتلوا في كوردستان والاهوار والعراق عموما منذ توليهم السلطة في تموز 1968م.
   عشرات آلاف المفقودين الذين لا يعلم أهاليهم شيئا عنهم لعقود، ومئات الآلاف من الكورد الفيليين الذين تمت إبادتهم بالكامل، مع مئات الآلاف من الكورد الذين سيقوا الى صحراوات الجنوب والوسط ودفنوا أحياء في مقابر جماعية تم اكتشاف العديد منها.

    هذا هو شكل ومشهد الدولة او النظام الذي تم تأسيسه هنا وهناك،  لا يعترف بغيره ولا يعرف شيئا اسمه الآخر الا اللهم لأغراض تكتيكية، كما حصل في تحالفاته وجبهاته الهزيلة مع بعض القوى الوطنية المعارضة التي أسقطها في فخه لينتقم منها شر انتقام، حيث اعتمد الميكافيلية فكرا وسلوكا حتى مع أعضائه كما حصل مع ميشيل عفلق في دمشق ومع عبدالخالق السامرائي في بغداد، وكذلك مع الدول التي أجرى معها تحالفات إستراتيجية، كما كان يدعي ثم ما لبث ان انقلب عليها وحاربها، مثل ما حصل مع ايران ولبنان والكويت وقبلها مع السوفييت او دول الخليج او بقية الجيران ودول اوربا.

    لقد أقام النظامان دولة شعارات طنانة استخدمت لأغراض الاستهلاك المحلي والاستثمار السياسي، وبالذات تلك التي تتعلق بالوحدة العربية وتحرير فلسطين والدفاع عن الأمة العربية، التي كانت تخفي ورائها حقيقة أخرى هي الاستماتة في الدفاع عن شخص القائد وثلة من رجاله فقط للسيطرة على مفاتيح السلطة والمال، حيث أثبتت الأحداث خلال الأربعين سنة الماضية ان الدولتان كانتا أكثر دول العرب إيذاء للقضية الفلسطينية وأكثرهم زرعا للفتنة والشقاق والتشرذم في الصف العربي بما باعد العرب عن بعضهم وجعلهم أعداء متخاصمين، بل ان النظامين كانا أكثر دول العالم ايذاءً لشعوبهم ودمارا لدولهم؟

    وبدلا من ان يصدقا في تطبيق سطر واحد من أدبياتهم فيما يتعلق بالأمة العربية ومصالحها العليا، عملا على إشاعة الثقافة القبلية والتطرف المذهبي فكان النظام في بغداد وشقه الآخر في دمشق نموذجا للتسلط القبلي او الأسري المتوارث منذ مئات السنين، بل أضافا اليه انحيازا مذهبيا جليا وهما يدعيان علمانيتهم وتقدمية أفكارهما، وشتتا الأمة العربية ودولها وجعلوهم في أسوء حالاتهم عبر التاريخ؟ 

   ان ما يحدث الآن في دمشق وشقيقاتها من مدن سوريا يذكرنا بتلك المدن التي تعرضت على أيديهم للتدمير والإبادة، وليست حماة ببعيدة عن ذاكرة الأهالي هناك كما هي حلبجة والاهوار وآلاف القرى التي دمرها جناحهم في بغداد، وليست ميكافيليتهم وقراراتهم الكاذبة بعيدة عن أذهان الأهالي منذ اتفاقية آذار عام 1970م التي مسخوها مع قانونهم للحكم الذاتي، الى قراراتهم الأخيرة في دمشق حول تجنيس مواطنيهم الذين اسقطوا جنسياتهم واعتبروهم نزلاء فندق، او كما أعلنوا قبل أيام في إطلاق سراح السجناء وتنظيف سجونهم لكي تستقبل آلافا مؤلفة أخرى او ربما الاستعاضة عنها بمقابر جماعية كما فعل إخوتهم الأعداء هنا في العراق. 

   وإذا كان البعض يعتقد إن الجناح العراقي لحزب البعث قد سقط ابان الاحتلال الأمريكي فهو واهم تماما، لقد سقطوا قبل ذلك بكثير حينما خانوا شعبهم وغدروا بمن أمن بهم، وحنثوا بإيمانهم وتفردوا بالسلطة وقتلوا الأطفال والنساء والشيوخ، وهم كذلك في سوريا سقطوا منذ جردوا مواطنيهم من الجنسية وقصفوا حماة ودرعا وقتلوا حمزة الخطيب، وما هي إلا زمن قصير ويعلن سقوطهم الى الأبد!

kmkinfo@gmail.com
 



244
افعلها يا دولة الرئيس؟



كفاح محمود كريم

     يبدو ان عملية جر الحبل ستستمر طويلا بين الفريقين المتخاصمين رغم انهما يعلنان دوما كونهما شريكان في حكومة مهلهلة عرجاء، تعاني من أمراض كثيرة اقلها انها ولدت مصابة بالكساح رغم انها عولجت في اربيل بأطراف صناعية لكي تحاول عبور الشط على مود نجاح التجربة الديمقراطية، ويبدو والعلم عند الله ان الأخوة الأمريكان يصرون على معالجة الكساح باستمرار المشاركة والاشتراك في المناصب والامتيازات وتحويل الوزارات الى ممالك صغيرة وإمارات ترتع فيها الأحزاب والحركات ولا يحق لكائن من كان محاسبتها او حتى الاقتراب من حدودها!؟

    وعلى ضوء ذلك ستستمر عملية الصراع الخفي وراء الكواليس والبردات التي ستبقى هي الأخرى خير عازل يستر الصراع وصفقاته بل حتى التحالفات من تحت العباية اذا اقتضى الأمر ومصالح القادة الأفذاذ، بينما يبقى العوام يعومون فوق سطح بحر من الخدمات السيئة والبطالة المنتجة للجريمة والإرهاب والمدارس التي ما عاد فيها غير جدرانها وصفوفها المتهرئة وصدى أصوات التلاميذ وضوضائهم دونما تربية أو تعليم!؟

    وفي خضم ذلك يبدو ان الحبل الذي يجرونه قد اقترب من القطع لشدة الجر والسحب، فقد أعلنت العراقية إيقاف الكثير من أنشطتها المشاركية مع الحكومة ومجلس النواب لحين إعلان الآخر الموافقة على شروطهم، وبذلك اعتقد انهم لم يعودوا قادرين على المشاركة ثانية خصوصا وان الطرف الآخر في العملية لا يرحب بهم كثيرا كشركاء مثل ما يريدون هم، وعليه يبدو ان المشهد يقترب من انسحابهم كليا وإعلان استقالة الحكومة، لكي تبدأ مرحلة جديدة ربما يكون في مقدمتها الطلب الى مجلس النواب بإجراء انتخابات عامة مبكرة قد تنتج مشهدا سياسيا مغايرا لهذا المشهد الممل والمرقع، خصوصا وان مظاهرات ساحة التحرير وغيرها أكدت ان الكثير من الناخبين يعضون على أصابعهم ندما لمنحهم تلك الأصوات لمرشحين، لا هم لهم ولا غم الا تلك الامتيازات الباهتة او لترضية أولياء نعمتهم في بعض الأحزاب والحركات التي أوصلتهم الى تلك المقاعد التي تأن ألما وخجلا من جلوسهم!؟

   اعتقد ان المشهد السياسي الحالي لم يعد صالحا وقد ادخل كما يرى الكثير من المراقبين الى غرفة الإنعاش والرعاية المركزة وهو قاب قوسين او أدنى من الانهيار، وحري بدولة الرئيس إعلان استقالة حكومته والذهاب الى تشكيل حكومة أغلبية قوية بالتحالف مع مجموعات أخرى في البرلمان، بعد أن غدت حكومته الأربعينية عبارة عن إمارات للأحزاب والكتل السياسية يصعب عليه او على غيره قيادتها بما يحقق مطالب الأهالي والعملية السياسية في البلاد، ومن ثم العمل من اجل بلورة معارضة قوية أيضا من كتلة العراقية او غيرها ومن يتحالف معها، او العمل من اجل تطوير قانون الانتخابات بما يتيح فرصا أكثر لتمثيل حقيقي للمرشحين في دوائر متعددة، ومن ثم إجراء انتخابات عامة مبكرة لاستثمار نتائج المتغيرات في الساحة الجماهيرية على ضوء ما يحصل الآن في معظم بلدان الشرق الأوسط، فإذا كان نظامنا مصان بديمقراطيته ومؤسساته التي يحميها الدستور والتوافق بين المكونات، ولا خوف عليه من انقلاب او هروب او حرب أهلية، فان الكثير ممن يشغلون تلك المؤسسات لم يثبتوا أهليتهم او إرضائهم لناخبيهم وقد تسلقوا في ظروف غير صحية وبذلك فهم غير مصانين او محميين من السقوط والاستبدال أمام ما يجري الآن!؟
 

 

245
مصطفى البارزاني ونهوض كوردستان



كفاح محمود كريم

    حينما أسدلت ستائر الحرب العالمية الثانية وتوقفت طواحينها التي سحقت الملايين من شعوب العالم، كما فعلت قبلها طواحين الحرب الأولى واتفاقيات زعمائها التي ادعت أنها تلملم جراحات الشعوب في صلح لوزان فتلغي وتمسخ أي خريطة طريق لمعالجة تلك الجروح التي رسمتها معاهدة سيفر؟
   كان ثمة رجال يبحثون عن الربح والخسارة في تلك الحروب، وثمة آخرين يلعقون جراحهم بعد إن سحقتهم تلك الطواحين العمياء، وربما كان المنتصرون يتبادلون الأنخاب المعفرة بالدماء وأرباح السلاح وهم يقيمون احتفالاتهم على جماجم الملايين من الضحايا؟

    في تلك المعمعة الكبرى وحفلات تقاسم الأرباح والخسائر بين المنتصرين والخاسرين من السياسيين وتجار السلاح، كان ثمة رجال آخرين لهم موعد مع الأقدار التي لم يتم حسبانها في جداول أعمال اولئك الخارجين من أتون الحرب في أول النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي، وربما ان فرحة الانتصار او مأساة الهزيمة أنسى الكثير منهم فواجع شعوب لم يك لها مصلحة في كل ما جرى، بل على العكس كانت تتحمل وزر تلك الحروب ومآسيها وقد خسرت ايضا فرصتها تحت الشمس.

   كان مصطفى البارزاني واحدا من ابرز اولئك الرجال الذين بدأوا رحلتهم من اجل الحرية والانعتاق بعد الحرب العالمية الثانية، حيث انطلق يقود خيرة رجاله ورفاق دربه الى مشروع قومي كبير في النصف الثاني من اربعينات القرن الماضي وفي قلب الشرق الأوسط بين أربعة دول تقاسمت ارض الوطن الحلم، لم تكن رحلته مجرد حملة إنقاذ او قوة لدعم انبثاق جمهورية في شرق الوطن، بقدر ما كانت عملية تاريخية لتحريك مخزون هائل لدى الشعب عبر قرون طويلة من التغييب والإذابة والتهميش، والبحث عن مكان تحت الشمس في العالم الجديد بعد توقف الحرب العالمية الثانية وتقاسم تركيا والعراق وسوريا وايران ارض الوطن؟

   لقد كانت الخطوة الأولى باتجاه بلورة نهج يحفز الشعب على النهوض، ويتجاوز الاستكانة والانغلاق وينطلق من المناطقية وثقافة الإمارات والقبائل، الى مشروع قومي خلاق يتميز بروح نضالية عالية وبسلوك متحضر وراقي في التعامل والتعاطي مع مفردات القضية الكوردية، ابتداءً من الأرض والطبيعة والشعب بكافة طبقاته ومكوناته، وكيفية التعامل مع العدو والتأكيد دوما على ان الصراع ليس مع العرب او الترك او الفرس بقدر ما هو صراع مع النظم السياسية المستبدة، وان الكثير ممن يقاتلون مع جيش العدو إنما مغرر بهم او مغصوبين على ذلك.

    بهذه الأسس الأخلاقية النبيلة وضع الملا مصطفى البارزاني بداية مشروعه الحضاري للنهوض بشعبه ووطنه والانعتاق من اغلال الاستبداد السياسي والاجتماعي والقبلي والطبقي، فقد جمع حوله مختلف الشرائح والمكونات والطبقات والمستويات، وأشاع بينهم جميعا انماطا رفيعة من العلاقات الإنسانية التي يعبقها الزهد والنزاهة المالية والتعالي على صغائر الأمور، وأبقى دوما مساحات اللقاء والتحاور والتفاوض وقبول الآخر حتى مع العدو، فقد كان يشرح لرجاله دوما ان العسكري الذي يحاربكم اليوم ليس عدوا بل   مضطرا ومغلوبا على أمره، وغدا سيكون أسيركم فكونوا له إخوة وأصدقاء.

   كان يحث كل مفاصل قواته العسكرية على ان الفروسية التي  تتمثل باحترام الأسير واعتباره ضيفا وإكرامه حتى يتم تحريره، والابتعاد تماما عن أي عملية اغتيال أو إرهاب او قتل لمدنيين لا علاقة لهم بالصراع، وان مهمتنا هي الدفاع والدفاع فقط للحفاظ على شعبنا وتحقيق حريتنا وزرع مفاهيم الأخوة والعيش المشترك في وطن حر وديمقراطي يحترم حقوق جميع البشر، بهذه الروح ابتدأ البارزاني مشروعه النهضوي دونما ادلجة او نظريات فلسفية، بل بمنظومة سلوكية ميدانية تتعلق بالجانب الأخلاقي للقضية الإنسانية عموما ومنها القضية الكوردية وحقوق الإنسان أينما كان وفي أي زمان، وبذات النهج حقق الكوردستانيون عموما والكورد  خاصة الكثير من أهدافهم خلال السنوات التي تلت انتصارهم في انتفاضة الربيع وتحقيق السلام والوحدة والازدهار.

    ان الثمار التي تقطف اليوم هي لتلك الأشجار التي زرعها البارزاني الخالد وروتها دموع ودماء المناضلين والشهداء من أبناء الوطن، وحري بالجميع وعلى مختلف المستويات والمسؤوليات أن يكونوا بمستوى الوفاء لتلك الأفكار النيرة والنهج الطاهر والنقي، الذي رسمه البارزاني مصطفى لتأسيس مشروعنا الحضاري بعيدا عن الغلو او التطرف او الفساد، ويقينا ان المؤمنين بذلك النهج القويم سينتصرون لمبادئه وتطبيقاته ويحافظون عليه من أي محاولة لإفساد التجربة او الانتقاص منها وتشويه مسارها، بما يؤمن اقليما ديمقراطيا حرا خاليا من الفساد والظلم ومتميزا بالعدالة والنزاهة والطهر.

 kmkinfo@gmail.com

 



246
المنبر الحر / الإصلاح والمناصب؟
« في: 16:07 31/05/2011  »
الإصلاح والمناصب؟

كفاح محمود كريم

    يكثر الحديث عن الفساد والإفساد هذه الأيام أينما وليت وجهك، في سيارات التاكسي او مجالس الجايخانات وتعليلات الليل وحوارات ما قبل الانتشاء، إضافة الى الصحف والمجلات التي امتلأت فجأة بالدراسات والبحوث عن ظاهرة ظن البعض انها ولدت للتو، بل ونسي الكثير بأننا في بلاد يزدحم فيها القيل والقال وكثرة السؤال، وتعج فيها أشكال وألوان من الفساد وما يقابلها من الإصلاح، حتى تظن ان الكفتين تكاد ان تتعادلا بينهما؟ 

   ليس فقط هذا اليوم تظهر فجأة هذه الغيوم الداكنة، وليس اليوم ايضا يهطل هذا المطر الملوث بالسحت الحرام، كما ان الفضيلة لم تلد هذه الأيام لكي تعادل الرذيلة بشكلها المزركش والمعاصر، بل هناك زمن طويل من الصراع العنيف بين الأخلاق العليا والأخلاق السفلى بين عزة النفس ودناءتها، وأكوام من التربية الفاسدة وحقب من الحكم الأعرج، وأكداس من الموروثات التي تبيح المال العام وتستسهل الاغتناء دون القيم والنبل؟

   وفي كل الأزمان والأحوال فان الفساد مذموم مذموم رغم ما يحيط به من زركشة وتجميل وإغراء في السلطة والمال والنساء، فهو أساس النخر في أبدان الدول والكيانات كما هو علة النفس والروح حينما يسقط الإنسان عن مجموعة ما فطر الله به خلقه من عزة في النفس وطهر وإباء.

   ولعل واحدة من اخطر مسببات الفساد وتراكماته ومن ثم تكلسه في أبدان البشر ومن بعدهم الدول والكيانات، هو ذات السبب الذي يحيل سائل الحياة الماء اذا ما ركد في مكان ما الى أسن وعفن، فكيف لك ان تبقي مسؤولا او مديرا او حاكما او واليا في ذات الموقع لسنين طوال وهو شئت أم أبيت ابن شرقٍ، مؤسس على الأنساب والاحساب، ولذلك ابتكروا للرؤساء ومجالس التشريع   تداولا سلميا وزمنيا محددا للسلطة لا تجوز فيها الولاية لأكثر من دورتين في اغلب مجموعهما لا تتجاوز الثمان سنوات.
 
   وفي فيض الفساد يطوف على السطح الكثير الكثير من الأسئلة المغمسة بالألم والأسى وفي مقدمتها ما ذهب اليه ابا ذر الغفاري حينما سأل الرسول (ص) والصحابة قائلا:
   كيف لمرء لديه بضع شياه أي عدة نعاج، وهو مؤمن بحدود الله،  ويأتي بعد عدة سنوات ليصبح لديه منهن المئات!؟

   وكيف لموظف مسؤول او وزير او حاكم يتقاضى معاشا لا يتوافق إطلاقا مع حجم قصره او عمارته او عدد سياراته ونفقاته  أو ..الخ ولا يُسأل او يحاسَب؟

   لماذا معظم الوزراء والمدراء والمسؤولين يتصرفون كأمراء وملوك وكأن دوائرهم إمارات وممالك في دولة وراثية، حتى ان مات او مرض او استقال عين بدلا عنه ابنه او اخيه، وان لم يوجد فابن أو بنت اخيه وهكذا دواليك وكأنما ارحام هذه الأمة قد جفت ونضبت!؟

   دعونا نبحث عن مُنتِجات الفساد وينابيعه وأسباب انتشاره قبل ولوج هستيريا الاستعراض والقيل والقال، ونوقف هذه الحمى النزفية التي تنخر الأجساد والكيانات، وتحيل الأوطان الجميلة الى سجون ومعتقلات يضمحل فيها البشر ويهزل؟

kmkinfo@gmail.com

247
بين حضارة الشعوب وهمجية الأنظمة؟

كفاح محمود كريم

    كشفت الأحداث الأخيرة البون الشاسع بين حضارة الشعوب وهمجية الأنظمة التي تحكمها، وهي بالذات تلك المسافة التي تقع بينها وبين الأهالي في درجة القرب والبعد من تمثيلهم بشكل حر ومباشر في النظم الديمقراطية، ويبدو ان علاقة عكسية بين الاثنين تتحكم في منح هوية الدولة او النظام الاجتماعي والسياسي على اساس تلك المسافة وبعدها او قربها، فكلما ابتعدت المسافة كان شكل النظام وسلوكه اقرب الى انظمة البعث واللجان الشعبية وأمثالهما، والعكس صحيح.

   وربما لعقود طويلة ومؤلمة كانت تلك الأنظمة وما زال الكثير منها حتى يومنا هذا يدعي تمثيله للأهالي من خلال مؤسسات موجهة ومصنوعة بشكل مثير للسخرية والتقزز كما كان هنا في العراق اذبان مجلسهم الذي أسسوه بقوانين مفصلة على قياس الحزب الواحد والقائد الضرورة، مع شلة من أحزاب الزينة التي لا تختلف كثيرا عن أشياء أخرى يستخدمها الإنسان للزينة في حديقة منزله او استقباله، ونتذكر ايضا كيف استحوذ رئيس تونس على السلطة من رئيسها الشرعي بورقيبة وكيف حول مجلسها النيابي الى فرقة للطرب لا شاغل لأعضائها الا مرضاة الرئيس وحاشيته والاستحواذ على المكاسب والامتيازات، ولم تختلف مجالس قبائل رئيس اليمن التي يفترض ان تكون برلمانا عن توائمها السيامية في العراق وتونس ومصر ومهازل اللجان الشعبية في ليبيا ومثيلهم في سوريا الذي ادعى ظلما وبهتانا ان اسمه مجلس الشعب كشقيقه المنحل في مصر وقبله في مهازل المجلس الوطني العراقي؟

وحينما نهضت هذه الشعوب لكي تعبر عن ذاتها قامت تلك الأنظمة جميعا وبدون استثناء بتحريك فرقها السرية للقيام بأعمال قذرة شهدناها هنا في العرق بعد هزيمة النظام في غزوه للكويت وبعد سقوطه في نيسان 2003م حيث قامت بأعمال السلب والنهب والقتل والتدمير وحرق المؤسسات، وفي الوقت الذي كان الأهالي يجمعون موجودات المخازن والدوائر في المساجد والجوامع لتأمينها من السرقة ويقومون بحراسة كثير من المؤسسات، كانت فرق وشعب وفروع حزب السلطة وأجهزته الخاصة تسلب وتنهب وتحرق البلاد، وكذلك فعلوا في ليبيا وما زالوا يدمرونها تدميرا كليا لسبب واحد فقط وهو ان الشعب لا يريد النظام؟

    وفي تونس ومصر كادوا أن يفعلوها الا انها وئدت قبل أن تستفحل، ولعل ما حصل في المتحف الوطني المصري اوقف عصابات النظام التي بانت في هجومها على ميدان التحرير فيما اطلق عليه بمعركة الجمل، وبينما كانوا يغتالون الناس او يحرقون الدوائر كانت مجاميع من الشباب تنظف الشوارع وتنظم السير وتحرس البلاد في كل أنحاء مصر، وبينما يهتف المتظاهرون في كل مدن سوريا من اجل الحرية والوطن والحفاظ على المال العام ، تقوم مفارز النظام البعثي واجهزته الخاصة وفرقه القذرة بأعمال همجية بربرية من خلال الاندساس بين المتظاهرين او من اعالي العمارات والبيوت وإطلاق النار على أفراد من الجيش او الشرطة لإيهام الرأي العام بوجود قوى مسلحة ولإيجاد مبررات القيام بعمليات عسكرية واسعة كما حصل في درعا وبلداتها.

    حقا لقد أكدت الأحداث الأخيرة في هذه المجموعة من الدول حضارة الشعوب ورقيها أمام همجية وبدائية الأنظمة التي تسلطت عليها في غفلة من الزمن بانقلاباتها وسرقتها لمقاليد السلطة والمال، وقد آن الأوان لتأسيس سلطة هذه الشعوب من خلال التداول السلمي  والديمقراطي للحكم في ظل دولة الدستور والمؤسسات. 

kmkinfo@gmail.com   


248
نشوء النظام السياسي في كوردستان

كفاح محمود كريم

    حينما تم اعلان تحرير معظم قرى وبلدات ومدن اقليم كوردستان العراق، كان الكثير يتوقع وفي مقدمتهم اولئك الذين هربوا وتركوا الإقليم، انها عدة اشهر وستغرق كوردستان ببحر من الدماء والدموع والفقر والفاقة الى درجة انها ستتوسل العودة الى احضان الدكتاتورية مرة اخرى، بينما توقع اكثر المتفائلين بنجاح الثوار ان الكورد لن ينجحوا بادارة انفسهم وانها ايضا بضعة اشهر لا غير ستتحول كوردستان الى جزيرة للارهاب والخراب؟

    ولكن ما حدث بعد ذلك ومع خروج كل ما يتعلق بالنظام في بغداد من المناطق المحررة بما فيها كل وسائل الادارة ومفاتيح العمل والكثير من السجلات والوثائق، وخلال اشهر فقط كما قالوا استطاع الكورد وشركائهم في المنطقة من المكونات الاخرى لا الى الغرق في بحر من الدماء والفوضى بل الى اختيار طريق اخر للصراع حينما اعلن الرئيس مسعود بارزاني ان انتخابات عامة هي التي ستقرر من يقود ويحكم المنطقة المحررة من كوردستان، وكان بحق اول خطاب يؤشر ملامح المرحلة القادمة في المنطقة عموما ويعطي اولى ثمار العمل النضالي من اجل تحقيق الديمقراطية، ولذلك يعتقد الكثير من المراقبين ان اول عملية اختراق لحاجز الخوف والرعب من الانظمة الدكتاتورية هنا في المحيط العربي حصل هنا في اقليم كوردستان وفي وسط وجنوب العراق في ربيع 1991م، حينما انتفض الشعب وواجه سلطات الدكتاتور المتمثلة باجهزة الامن والمخابرات وميليشيا حزب البعث وقطعات الحرس الجمهوري والحرس الخاص، واستطاع تحرير كل المقرات والمواقع التي كانوا يحتمون فيها خلال عدة ايام، وفيما نجح الكوردستانيون في انجاز مشروعهم الديمقراطي واقامة كيانهم الفيدرالي، نجح النظام في سحق المنتفضين في وسط وجنوب البلاد لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا.
   أردنا بهذه المقدمة ان نسلط الاضواء على عملية نشوء النظام السياسي هنا في الاقليم بعد فترة ليست طويلة من تحرير المنطقة، وقرار الشعب وفعالياته الاساسية في الخيار الديمقراطي وصناديق الاقتراع التي اعتمدت في تداول السلطة، وهي التي حسمت الصراع بين القوى والاحزاب السياسية في انتخابات 1992م، التي فاز فيها الحزب الديمقراطي الكوردستاني بأغلبية قليلة (51% )، بينما جاء الاتحاد الوطني بالدرجة الثانية ( 49% )، واصطفت معظم الاحزاب الوطنية الأخرى مع الحزبين الفائزين  وحسب حجومها في اول برلمان كوردستاني منتخب بشكل حر ومباشر من قبل شعب كوردستان وبأشراف مراقبين دوليين ووسائل اعلام عالمية وممثلين للاتحاد الأوربي والولايات المتحدة ومنظمات الأمم المتحدة، التي شهدت جميعها بكون الانتخابات كانت مرضية وضمن المعايير الدولية المطبقة في الدول الأوربية.
   إذن كان الخيار منذ البداية قبول الآخر والتعاطي معه والعمل المشترك من اجل انجاز المشروع الديمقراطي الحر للإقليم الذي واجه تحديات كبيرة وقاسية جدا، غير ما كان متوقعا من كون المجتمع الكوردستاني مجتمع قبلي قروي ومحافظ، يعاني من أمية عالية وتخلف كبير في معظم مجالات الحياة وفي مقدمتها البنية التحتية شبه المدمرة، جاءت التحديات الخارجية التي استغلت كثير من المظاهر والحلقات الرخوة في البناء الاجتماعي أو في الهيكل  السياسي الجديد، واللعب بمفاتيح الصراعات القديمة لكي تشعل حربا ضروسا كادت ان تدمر تلك التجربة، لولا الإصرار المنقطع النظير للمخلصين من أبناء الشعب وقياداته وفعالياته والقوى الصديقة والمخلصة لكوردستان والقضية الكوردية عموما، حتى نجحت في إرساء السلام وتوحيد الإدارتين والعمل المشترك، والدخول الى حقبة جديدة بعد سقوط نظام صدام حسين والمشاركة الفعالة كفريق واحد مع القوى العراقية الأخرى، لتأسيس النظام الديمقراطي الجديد في البلاد والعمل من اجل بناء الإقليم وتطوير بنيته التحتية وحل مشكلة المناطق الأخرى منه التي ما زالت تعاني من ازدواجية العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإدارة الإقليم في كل من محافظات نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين.
    إن ما يجري اليوم من حراك سياسي وعملية إصلاح شاملة يؤشر الى إصرار الإقليم وقياداته السياسية والاجتماعية على صيانة وتطوير النظام السياسي الديمقراطي المنتخب من قبل الشعب، كما يدلل على النهج الحضاري الذي يصر الجميع على انتهاجه رغم بعض التحديات التي تواجهه على نمط بعض أعمال العنف التي رافقت التظاهرات منذ شباط الماضي، والتي انتهت حينما أيقنت تلك القوى إن النظام السياسي في كوردستان إنما أنتجته عملية ديمقراطية نزيهة جاءت بكل هذه المؤسسات التي تدير الإقليم الآن، وتعمل على تميزه وتقدمه في كل المضامير وفي مقدمتها مكافحة الفساد والإفساد ومحاربة أي محاولة للخروج على الشرعية باستخدام العنف والتخريب.
kmkinfo@gmail.com

249
المنبر الحر / لا تقزموا أوطانكم؟
« في: 22:49 15/05/2011  »
لا تقزموا أوطانكم؟

كفاح محمود كريم

     ربما لحقب كثيرة من الأزمان نجح العديد من القادة والزعماء وكبار المثقفين والمفكرين والفنانين والعلماء والأدباء في أن يكونوا رموزا  لبلدانهم من خلال إبداعاتهم وعبقريتهم او نضالهم الدءوب من اجل الحرية والرقي، ولقد سجل تاريخ الشعوب الكثير من مواقف هؤلاء الذين ما أن تذكر أسماءهم او إبداعاتهم حتى تعرف أوطانهم وتعجب بشعوبهم وحضارتهم، فقد اضافوا الى سجل بلدانهم وتعريفات أوطانهم كما كبيرا ومتميزا من العطاء الثري، وحافظوا على سلامة وتطور تلك الأوطان بما يجعلها أكثر احتراما وفخرا بالانتماء لها.

     ونتذكر جميعا كيف سخر المئات من المبدعين قصائدهم وأعمالهم الإبداعية من اجل ان يتحول الوطن باجمعه الى قصيدة او رواية مسرحية أو فلم سينمائي او اختراع او علم يمجد او يظهر جانبا من جمال ذلك الوطن والشعب، ولن تتسع الكثير من الصفحات لتكفي تسجيل أسمائهم التي ما أن تذكر حتى تتبادر الى أذهاننا أوطانهم وشعوبهم، الى جانب العديد من الخالدين الذين قادوا شعوبهم الى المجد وحققوا بفكرهم وقيادتهم التحرر والانعتاق لأوطانهم دونما استبداد او دكتاتورية مقيتة، وبذلك تفخر الإنسانية بمئات الفنانين والعلماء والأدباء والمفكرين والكتاب والقادة المحررين الذين زينوا سجل بلدانهم بصفحات من الفخر والإبداع والتميز. 

     وبينما يعمل هؤلاء الرجال والنساء من المثابرين والجاهدين من اجل إذابة أسمائهم وإبداعاتهم في بودقة البلاد لكي تكبر أوطانهم وتتمجد شعوبهم في إيثار سامي ونبيل، تعمل مجموعات أخرى من النرجسيين والأنانيين ومرضى السلطة في كل مستوياتها أو مفاصلها كبيرة كانت أم صغيرة على اختزال الوطن وتقزيمه من خلال تلك الفردية المفعمة بالنرجسية والتسلط وزاوية النظر ذات البعد الواحد، بالتعاون مع بطانات فاسدة من الانتهازيين والمتملقين الكذابين الذين يشكلون حلقات تعمل معهم وتلتف كالأفاعي حول الرقاب لكي تغتال مفهوم المواطنة والوطن وتعمل على شخصنته واختزاله في شخص فرد او حزب، حتى يظن المرء ان ذلك الفرد انما يعني كل الوطن وتاريخه، ونتذكر جميعا واحدة من أسوء الشعارات التي رفعت وقيلت بحق الأوطان والشعوب أيام النظام السابق حينما اختزلوا بلادا من أقدم بلدان العالم وأعمقها حضارة بشخص دكتاتور حينما أوهموه بأنه نعمة من نعم السماء وقالوا:


اذا قال صدام قال العراق!؟

   لكي يدفع العراق بعد ذلك بحورا من الدماء والدموع ثمنا لتطبيق ذلك الشعار الأجوف، وخلال عقود تناسلت هذه الشعارات المقيتة وانتشرت في بلدان كثيرة لتشيع ثقافة تقزيم الأوطان واختصار البلاد في شخص حاكمها، كما يتردد اليوم من قبل بطانات ومجاميع الرئاسة في ليبيا واليمن وسوريا وهي تواجه انتفاضات سلمية مدنية  بمئات الدبابات والقتلى تحت شعارات نشاز غوغائية تأتي امتدادا للذي ذكرناه أعلاه، وربما كان أكثرها إثارة للاشمئزاز تلك التي أشاعتها المخابرات الليبية ولجانها الثورية وما شابهها في اليمن وسوريا وغيرهما:

الله ومعمر وليبيا وبس!؟
أو
    نعم لسادس الخلفاء الراشدين علي عبدالله صالح!؟

     والعشرات أو ربما المئات من مثل هذه الشعارات التي تنتشر في بلدان النظم الدكتاتورية وتلاحق شعوبها من جدار الى جدار ومن اذاعة الى تلفزيون، وفي كل مدرسة وجامعة ومسجد، وهي تعكس ازمة تلك الأنظمة،  وتظهر عمق التعقيدات النفسية والشعور بالهزيمة ومركبات النقص التي تعاني منها هي وأنظمة إعلامها المتخلف الذي لا يفقه إلا تسويق هذه الشعارات لاختزال الأوطان والشعوب في شخصيات دكتاتورية مريضة!؟





 

 


250
افعلوها وكونوا معارضة؟   

كفاح محمود كريم


    كتبنا في غير مقال عن خلو العملية السياسية العراقية منذ البداية من قوى للمعارضة الوطنية تمثل الرأي الآخر وتحدث توازنا مطلوبا لمعادلة الحكم والمجتمع في آن واحد، فقد خلت الدورة السابقة وما قبلها في الجمعية الوطنية من أي شكل من اشكال المعارضة وقد بررت الحالة كون البلاد ما زالت في طور البناء الديمقراطي وتحتاج الى اجماع وتوافق، ورغم واقعية هذه المبررات الا ان المعارضة المرجوة ليست قوى مضادة او هدامة بقدر كونها تختلف مع الاخرين ربما في الرأي ليس الا وهي بالتالي قوى آمنت بالنظام الجديد وتحترم الدستور وتعمل على تنفيذه وصيانته ويفترض أن لا تكون هناك خشية من ادائها ونشاطها المعارض على الاجماع او التوافق.

   لقد تمنينا ان تتبلور في الدورة الثانية لمجلس النواب نواة معارضة برلمانية تتخلى عن المشاركة المباشرة في الحكم والاستأثار بالمناصب والامتيازات، وترتضي بتمثيل الرأي الآخر في المجتمع ونبض الشارع الذي لا يمكن لأي حاكم او حزب او تحالف الادعاء بتمثيله اطلاقا، وبذلك اصبح البرلمان الذي كنا نبتغيه طيلة عقود من الزمان ونحن ننظر بعين الحسرة الى مجلس العموم البريطاني او الجمعية الوطنية الفرنسية او الكونكريس الامريكي، برلماننا يكاد يفقد الطعم واللون والرائحة ويتحول الى حمام عمومي لايكاد العضو فيه يرى غيره من البخار وضجيج الكلام وصداه، وهو ما زال في مكانه مراوحا منذ عديد السنين لتوافق كل الاطراف بتقاسم الارث من السلطة والنفوذ والمال والاتفاق على كل شيئ والاختلاف على ما يفيد المواطن والاهالي!؟

    ومنذ عدة اشهر بعد ان اتفقت كل الاطراف على مبادرة الرئيس مسعود بارزاني في تأسيس حكومة شراكة وطنية يتقاسمها الجميع بما يخدم العملية السياسية ونجاحها وتطوير ادائها، تحول المختلفون الى التأويل والتفسير في النصوص والتواقيع منذ اللحظات الاولى، وما هي مديات الصلاحيات هنا وهناك، ومن سيكون على رأس الداخلية او الدفاع او الامن الوطني وهكذا دواليك في مجلس السياسات الاستراتيجية ومديات عمله وصلاحيات رئيسه، والمواطن مازال يأن من جراح نصف قرن كانت سنواتها الاخيرة بعد السقوط اكثر ايلاما وحسرة وفسادا!؟

  وبينما تتفاقم المشاكل وتتعقد اكثر من ذي قبل يصر الكثير على صراعات لا علاقة لها بالمواطن وحاجياته الاساسية اطلاقا، ويهدد البعض الاخر بالاستأثار الفعلي بالسلطة او ترك العملية السياسية وتجميد العضوية في البرلمان، ويقينا فأنه هناك مساحة واسعة من الرأي العام العراقي تريد وتتمنى ان تكون في البرلمان كتلة معارضة قوية بعيدا عن المشاركة في الحكومة او مناصبها،  وترضى لنفسها ان تكون رقيبا وموجها ومحاسبا لها بما يخدم مصالح البلاد العليا ويعزز العملية السياسية ويحمي الدستور، وبدلا من التهديد والوعيد بالانسحاب من العملية السياسية عليهم أن يفعلوها ويؤسسوا معارضة وطنية برلمانية لكي تتوازن الامور في الحكم والمجتمع وتنطلق البلاد الى آفاق اخرى قبل فوات الاوان؟ 

kmkinfo@gmail.com



251
حينما تلتهم الأم صغارها؟

كفاح محمود كريم

     حقيقة الأمر إن الكبار في هذا العالم لم يعد يهتمون كثيرا بصغار الدول إن صح التعبير، إلا فيما يتعلق بمصالحهم العليا ومدى خدمة الآخرين من غير مواطنيهم لتلك المصالح، ولعلنا نتذكر تلك المشاهد المثيرة للأحداث التي وقعت في ايران مقتبل شباط 1979م فقد اصبنا جميعا بالذهول ليس لتلك الملايين التي انتفضت بل حينما هرب شاه ايران ومدلل الولايات المتحدة وابنها البار مغادرا عرشه الذي اعتلاه واسرته طيلة اكثر من الفي عام امام زحف تلك الآلاف المؤلفة من البشر الذين تذكرناهم ايضا في بانوراما الثورات الجميلة على اديم الفراعنة في ميدان التحرير بالقاهرة، ذلك اليوم الذي ادلهمت فيه الدنيا امام ناظري ملك الملوك آريامهر حينما توجه الى الأم الحنون في الجانب الآخر من الكرة الأرضية، وكانت فعلا ساعة مقتله حيث  رفضت الحنونة استقباله او حتى هبوط طائرته في مطارات البلاد!؟

    لم يك هذا المشهد الدرامي الأخير من شاكلته في تراجيديا التهام الصغار، بل اعقبه ما اشد منه تأثيرا وايقاعا حينما انقلبت الأمور برمتها ضد مدلل آخر أقلته القطارات الأمريكية الى دفة الحكم ذات سنة من سنين الستينات من القرن الماضي، انه صدام حسين الابن البار الذي اصبح الابن العاق بعد ان كان صديقا بل وسدا منيعا هو والآخرين ممن باركتهم الأم الحنون ضد انتشار الشيوعية او الماركسية أو الديمقراطية؟

   وخلال عدة اشهر من مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة يتساقط الصغار واحدا تلو الآخر، في ايقاع متقارب يحمل تسميات كثيرة ربما اكثرها اثارة هي الفوضى الخلاقة واقلها قربا من المعنى هي الثورة او الانتفاضة، وخلال ايام ليست مملة وكأن الواحد منا يشاهد فلما هنديا على الطريقة العربية، يخطب رئيس تونس ليكسب الوقت في هروبه ثم يحلق قبل ان يحمل ملايينه ومجوهراته، فيتبعه رئيس مصر ولكن هروبه كان الى الداخل وليس الى الخارج، بينما يصر عقيد ليبيا ان لا يبقي طابوقتين فوق بعضهما في البلاد، وهو يتآكل تدريجيا وتتحول بلاده الى حطام، والعقيد الآخر في عنق البحر الأحمر يتحول بنظر الحنونة من سد مأربي امام الإرهاب الى دكتاتور طاغي يجب إنهائه، في الوقت الذي ما يزال الأسد يصدق نفسه غضنفرا وهو يتباهى بسحق دبابات الحرس الجمهوري لعشرات الآلاف من عملاء الدول الأجنبية في المدن السورية!؟

    وأخيرا   The game is over كما تعودنا على سماعها منذ سنوات في لعبة جر الحبل بين الحكم واللاعبين، يتم قتل عميل آخر نجح لسنوات في أن يخرج من ساحة الملعب ومحيط الدائرة المرسومة ويمتطي صهوة الدين ولبوسه، ويقيم محطات الموت ونافورات الدماء في كثير من بلاد الفقراء، ويبقى الآخرون يشككون في شخصه المقتول هو أم غيره؟ وغدا سيقولون انهم رأوا صوره على القمر او المريخ رغم ان موجات البحر وأعماق القرش قد ابتلعت جثته كما ابتلعت البابهم وأبصارهم، وهم ما زالوا حائرون من يكون هذا الذي على وجه القمر صدام أم بن لادن أم ..... ربما سنحتاج الى البوم صور للقادة الأولياء!؟

     كنت أراقب التلفزيون وهو يقدم تقريرا عن أكل بعض القطط والطيور والأسماك لصغارها ولم أدرك بالضبط ماذا كان يقول صاحب التقرير عن رأي العلماء في تبرير او تفسير ظاهرة التهام بعض الامهات أو ربما الآباء ايضا من الحيوانات طبعا لصغارهم، ولكنني اجزم انها حالة خارجة عن المألوف حتى لدى المخلوقات التي لا تمتلك منظومات للتفكير او العاطفة، وهي في اقل التعليلات والتعريفات نوعا من الشذوذ والوحشية ما دون الحيوانية؟

       ولا ادري تماما ما علاقة هذه الظاهرة بما يجري بين الدول العظمى و( أصدقائهم ) ونهاياتها التراجيدية منذ اريامهر وحتى مدير القاعدة مرورا بجوقة الأبناء العاقين الذين التهموا او في طريقهم للالتهام؟

      فهل هي مجرد صدفة او تناغم أن يكون كل هؤلاء من اصدقاء امريكا المخلصين وانشقوا عنها او انتهت لعبتهم، ام اكتشفوا شيئا عظيما ما كان يفترض ان يعرفوه فقررت الحنونة إنهائهم؟


أسئلة كثيرة ولكنها لا تخلوا من البراءة؟

 kmkinfo@gmail.com

252
العراق والانتخابات المبكرة؟

كفاح محمود كريم

    يبدو ان الأيام تتوالى ويتم استهلاك الزمن على نفقة الأهالي بينما الفعاليات السياسية ورموزها في بغداد ما زالت تتنافس على المناصب والامتيازات ومن يستحوذ على وزارات معينة تحت تسميات السيادية تارة والأمنية تارة أخرى، وهي بمجملها تظهر مدى فقدان الثقة بين الأطراف المتنافسة ومن ثم غياب مفهوم متفق عليه للمصالح العليا للبلاد وحدود محترمة من الجميع للمواطنة التي يفترض ان تعلو على مجمل الخلافات والانتماءات تحت خيمة النظام الجديد للعراق.

    وفي الوقت الذي نجحت مبادرة الرئيس بارزاني في دفع عجلة العملية السياسية الى الأمام وحسم الصراع بين الكتلتين الفائزتين ( دولة القانون والعراقية ) بانجاز حكومة شراكة وطنية، إلا ان الأحداث التالية وما يجري من صراعات خلف الكواليس يظهر البون الشاسع بين الطرفين، حيث تجري الآن محاولات العودة ثانية الى المربع الأول في المبادرة، رغم حجم الخلافات التي تتكثف في الفكر والرؤية أكثر منها الى المواقع، هذا من جانب ومن جانب آخر للمشهد السياسي برمته تدلل هذه الأوضاع على هشاشة التحالفات ونوعية المرشحين الذين تم إيصالهم الى مجلس النواب، ومن ثم اختيار أعضاء حكومة الشراكة الوطنية التي اعتمدت المراضاة على حساب النوعية بصرف النظر عن مؤهلات الوزير العلمية والميدانية والمهنية، حيث سارعت كل الجهات المشتركة في العملية السياسية الى ترشيحات اقل ما يقال عنها توصيفا انها تمثل المحسوبية والمنسوبية وعلاقة المرشح سواء الى مجلس النواب او الحكومة برئيس القائمة ومن يمثله ومدى تعاونه معه (!) وسقف تأثير  عشيرته وعلاقات شيوخها وأغواتها بالقائمة او رئيسها مما يخشى من إعادة البلاد ثانية الى النظام  العشائري المقيت الذي بدأ يتبلور في غياب او ضعف مؤسسات الدولة المدنية وسلطاتها الشرعية مقارنة مع نمو هذه التشكيلات وتأثيراتها من خلال ممثليها الذين حملتهم الى مجلس النواب او الحكومة.

     لقد أنتجت دولة الثمانين عاما التي سادها العرف العشائري والتقاليد القروية والبدوية ذلك النظام البائس الذي شهدنا انهياره وتقهقره ودمار البلاد والعباد تحت خيمته، وهي ذاتها أفرزت هذه الأوضاع الشاذة منذ ثمان سنوات عبر قنوات العشيرة والمذهب والمنطقة والعرق بعيدا عن مفهوم المواطنة والمصالح العليا للبلاد مما يدفع الآن الى إعادة النظر بالأوضاع السائدة إزاء هذه العقدة في الاتفاق على حكومة وطنية ومعارضة برلمانية ولأجل الخروج من هذه الأزمة يعتقد الكثير ان استقالة الحكومة الحالية وتأسيس حكومة انتقالية او تصريف اعمال من اجل إجراء انتخابات مبكرة خيارا مهما ربما يؤسس لمجلس نواب أفضل ويبلور قيام كتلة معارضة في البرلمان بعيدا عن مبدأ المشاركة المباشرة في الحكومة بل مشاركة في مراقبة عملها وتوجيهها بدلا من تآكل الزمن والفرص في تنافسات وصراعات على مواقع حكومية ومناصب هنا وهناك في الوقت الذي تكبر الفجوة بين تلك الحكومة او البرلمان وبين المواطن الذي تتفاقم أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وتتقهقر الخدمات  الأساسية بينما تنشأ في المقابل طبقات فاسدة في وحول مفاصل مهمة من الحكومة والبرلمان والرئاسة.
kmkinfo@gmail.com

253
( كفوا عن صناعة دكتاتور )

كفاح محمود كريم

    في اكثر من مقال او بحث او حوار تطرقنا الى واحدة من ابرز تعقيدات الموروث الاجتماعي والسلوك السلبي المتراكم بالخوف والنفاق ومنظومة العادات والتقاليد البالية، التي أنتجتها حقب من القهر والرعب والاستلاب والحاجة والفاقة والعوز، تلك هي الاستكانة وثقافة القطيع التي سادت المجتمعات الزراعية القرية والقبيلة وانتهت بتسلط ذئاب بشرية تحت مسميات الوالي والسلطان والملك والأمير والرئيس والقائد الضرورة، وحروب طاحنة وقاهرة لا أول لها ولا آخر من اجل القائد الهمام ونظامه العتيد متخفيا وراء ستار الدين تارة وتارة العرق والحزب والأيديولوجية، وفي جميعها لا علاقة لها البتة بالمواطن العادي الذي يشغل 99% من السكان المغلوبين على أمرهم، والمنقادين دوما خلف القائد والمنقذ وقبله الشيخ والأغا وإمام المسجد والباشا والبيك، وغيرهم من ولاة الأمور عبر الأزمان والعصور، الذين لا يناقشون ولا يعارضون وإن اختلفت معهم فأنت كما يقولون حتى يومنا هذا جزء من مؤامرة وعميل او كافر وملحد، حتى تكلست الاستكانة والعبودية وغدت منهجا مدغما في سلوكيات الأفراد، لتنتج أقبح الصفات في التدليس والنفاق والمديح الكاذب، ومن ثم إنتاج  الدكتاتوريات الصغيرة والكبيرة ابتداءً من رأس الهرم ونزولا الى أسفله؟   

     ولم تثبت الأحداث او حقب التاريخ او علوم الحياة والوراثة، ان دكتاتورا غادر رحم أمه يحمل تلك الصفات، ولا احد يستطيع ان يجزم ان فلانا من هؤلاء الطغاة ولد هكذا، بل قل ان الظروف شاءت ان تسهل اموره في بيئة ساعدت على صناعة شخصيته الدكتاتورية من خلال مجاميع من هؤلاء الذين مازالوا يهتفون بالروح بالدم نفديك يا زعيم، والذين ما نزال نسمعهم ونشاهدهم في زنقات طرابلس وحارات دمشق وساحات صنعاء، ولقد شهدنا وما زلنا آليات وكيفيات وأساليب تحويل او تصنيع هذه النماذج الرئاسية التي تسلقت الى سلم السلطة في كنف الليل بانقلاباتها المعروفة واحتضنتها هذه الموروثات الاجتماعية والسلوكية وصورها في البطانات التي حولها ومقربيها التي لا شغل لها غير تقديم آيات التبجيل والتصفيق قعودا وقياما والمديح حد الإسفاف والتبجح في الوصف والتوصيف!؟

    ويقينا لا احد يولد وهو دكتاتور بل الأشخاص هم من يصنعونه بالتبجيل والتصفيق والمديح المستمر، وتستوقفني هنا واحدة من أروع مواقف مقاومة تلك العملية التي مارسها الرئيس مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان بعيد انتخابه رئيسا لولاية ثانية، ففي أثناء زيارته الى جامعة دهوك رفض تسلم شهادة دكتوراه فخرية قدمت اليه من قبل الجامعة احتراما للعرف الأكاديمي ومنعا لإشاعة مثل هذا السلوك، والأروع من ذلك تعامله مع اقتراح ان يكون يوم زيارته للجامعة يوم عيد جامعي يحتفل به سنويا حيث قال زاجرا:

  ( أحد الأمور القبيحة .. بل أكثر الأشياء قباحةً .. هنالك بعض الأشياء تَعّودنا أن نُقّلِد بها الآخرين... يوم جاء صدام الى المكان الفلاني .. فيحتفلوا به كُل سنة.. بالنسبة الى يوم الجامعة .. إختاروا مثلاً يوم تأسيس الجامعة .جئتُ الى دهوك .. ماذا يعني ؟ لم تخرب الدُنيا .. هذا واجبي.. أحبُ ان يُحترم المناضلون وأن يُقّدَرون ... ولكن ليس بهذهِ الطريقة .. هذا ليس في قاموسنا ... هذا التمجيد المُبالَغ بهِ ... حتى انه مُمكن ان يُؤثر على اي بشر .. ويدفعه ربما الى إرتكاب الأخطاء ... يؤدي الى صناعة دكتاتور ... كفوا عن صناعة دكتاتور ).

                                            كفوا عن صناعة دكتاتور!؟

   حقا انها صرخة اطلقها البارزاني بوجه تلك الثقافة البائسة التي انتجتها سنوات القهر والخوف والاستعباد، ليست ضد تلك الثقافة من الناحية السياسية بل حتى اجتماعيا وعلى مختلف مستويات  الهيكل الإداري للدولة، لنكف فعلا عن صناعة دكتاتوريات وشخصيات مشوهة كان بالإمكان ان تكون غير ذلك تماما في أجواء صحية لا تسمح بتمادي او انحراف أي منها في ظل دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان وعلى مختلف الأصعدة.

   كنا نتمنى دوما أن يكون رد أي رئيس او وزير او مدير او مسؤول بهذا الشكل الأخلاقي السامي على اولئك المتملقين الذين يهدمون بتدليسهم ومديحهم أي بادرة خير او نبتة إصلاح عند المسؤول، من أجل أن ندرأ عن بلادنا خطر ظهور دكتاتور آخر يدمر ما تبقى منها، وليس بالضرورة ان يكون شخصا واحدا او رئيسا بل كل الأشخاص وفي كل مستويات الإدارة والمسؤولية الاجتماعية والسياسية والعسكرية والاقتصادية من رأس الهرم وحتى قاعدته!

kmkinfo@gmail.com



 

254
الإدارات ولصقة جونسون؟

كفاح محمود كريم

   بداية دعونا نتعرف على هذه ( اللاصقة ) دون ان نروج دعاية لمنتج طبي يعالج التشنجات في الجسم، وهي عبارة عن قطعة قماش أو نايلون مثقبة فيها مادة لاصقة، وبالتأكيد تحتوي على بعض الأدوية التي تعالج المناطق المتشنجة من العضلات بإلصاقها عليها لفترة معينة، وتعرف بأنها قوية الالتصاق الى الحد الذي يصعب إزالتها الا باستخدام التبخير او الماء الحار!؟

   وهناك ايضا مادة لاصقة اخرى يتندر بها العراقيون عموما ويستخدمونها لتوصيف الذين يبقون في أماكنهم أكثر مما يجب  فيطلقون عليهم تسمية السيكوتين، ويبدو أننا اليوم إزاء مشكلة أولئك الذين التصقوا بواسطة هاتين المادتين فوق كراسي او مكاتب الإدارات التي تولوها منذ سنوات مملة وطويلة حتى يخال المرء ان تلك المؤسسات إنما ورثوها من ذويهم حالها حال أي من الأموال المنقولة وغير المنقولة؟

   وفي الحالتين يتصرف هؤلاء الملصوقين بواسطة لزكة جونسون او بالسكوتين وكليهما من الصنف الانقلابي المشهور هنا في الشرق الأوسط، حيث يتحول البلد بأكمله الى ضيعة مملوكة للرئيس الضرورة، الذي يشع مواهبه وسلوكياته الى ادنى مستويات الإدارة، حيث يشعر الجميع في هيكل دولته وإداراتها بالسلطنة ويستمدون سلطانهم وقوتهم من الأخ الأكبر (Big Brother ) الذي تحدث عنه جورج اورويل* في روايته الشهيرة ( 1984)  منذ أكثر من نصف قرن.

   لقد ادمنت كثير من الإدارات العامة والعليا وحتى الصغيرة منها مواقعها حتى أصبحت ممالك صغيرة ضمن الدولة يتصرف فيها المدير او المسؤول وكأنه وارث الدولة في تلك المؤسسة، وربما كان ذلك مبررا ايام النظام السابق لشموليته رغم ان رئيسه كان لا يثق ببقاء أي مسؤول فترة طويلة في موقعه خوفا من تبلور أو تكلس مجاميع من الناس حوله ليؤسس شيئا يثير مخاوف النظام، الا ان ما يواجهنا اليوم وبعد اكثر من ثمان سنوات هو مواصلة الالتصاق السيكوتيني في كراسي الإدارات وبالذات ما دون كرسي الوزير او النائب، وما يترتب على ذلك من انتشار عنقودي للفساد المالي الذي طفح بشكل جعل العراق في مستويات لا يحسد عليها تحت سقف الفساد، في ظل إدارات نافست المياه الراكدة في تعفنها وانتشار رائحتها التي تزكم الأنوف؟

    ويبقى السؤال المهم هل ستنتج تسونامي الأنظمة المتعفنة فروعا لها حول هذه الإدارات الملصوقة بالكراسي وامتيازاتها، بما يحدث تغييرا شبيها او مقاربا لما حدث للأنظمة ورموزها الذين تساقطوا، وتزيح هذه المتكلسات في دوائر الدولة وغيرها من المؤسسات التي يعشش فيها مدراء ومسؤولين كبار وصغار نمت حولهم عناقيد من بكتريا الفساد ومجاميع من الانتهازيين والوصوليين الذين مسخوا تلك المراكز وحولوها الى إمارات وملكيات شخصية وتسببوا في تأخير نهوض البلاد وتقدمها وإضاعة فرص ذهبية للانتقال الى الضفاف الأخرى مع النخب الكفوءة والأصيلة على حساب الأكثرية من السكان؟

kmkinfo@gmail.com

* جورج أورويل: كاتب وروائي بريطاني اسمه الحقيقي إريك آرثر بلير، ولد في 1903 وتوفي في 1950م، وجورج أورويل هو الاسم المستعار له والذي اشتهر به ، ولد في قرية مونتهاري بولاية البنجاب الهندية لأسرة متوسطة الحال.



255
جاءك الموت يا تارك الصلاة؟

كفاح محمود كريم

     لم يدرك الدكتاتور العراقي السابق بأنه هناك قوة أعظم منه وأقوى وهو يسحق طيلة اربعين عاما كل من يعارضه او يختلف معه، وربما ايضا ان عنجهيته وضيق افقه جعله يعتقد ان لا آخر غيره وإن الطبيعة كما يقول تكون مساعدة للناس على الشر وفي الاعتراض عليه، رغم أنها آوته في جحر منها لعدة ايام او اشهر، فقرر بعد حادثة الدجيل التي جزت رأسه إزالة كل تلك الغابات والبساتين الجميلة حول دجلة دون ان يعرف انها كانت بداية السقوط.

    وحينما أطلق بضع ثوار عدة اطلاقات على إحدى طائراته العمودية في أقصى جنوب العراق، قرر إزالة واحدة من أقدم مسطحات الماء في العالم وتجفيفها وتدمير مجتمعاتها وبيئتها الفريدة من نوعها بين المجتمعات الإنسانية تلك هي الاهوار العراقية، وربما كانت رأسه قد اصطدمت بجبال كردستان حينما فكر هو وابن عمه علي الكيمياوي إزالتها، وبذات ردة الفعل الهتلرية تصرف ازاء حلبجة وشقيقاتها من مدن كردستان حينما أمطرها بالغازات والأسلحة الكيمياوية، وقبلها فعل ما فعلته امريكا في فيتنام باستخدام اسلوب الأرض المحروقة، فقتل مئات الآلاف من سكان كردستان العراق ودمر ما يقرب من خمسة آلاف قرية جبلية بما فيها من حيوان وأشجار وينابيع مياه ودور عبادة ودراسة، وهجر اكثر من نصف مليون انسان من مكانه الى امكنة نائية وغريبة عن بيئته، حتى ضن ان لا رئيسا غيره ولا قوة الا قوته!؟

    ولقد شهدنا أخيرا نهايته المخزية ليس على كرسي المشنقة كما أراد ان يعوض في فعاليته، بل حينما عثروا عليه مختبئا في تلك الحفرة وأخرجوه بذلك الشكل المهين، وقد تذكرت هذه المشاهد وأنا أراقب إلقاء القبض على رئيس ساحل العاج في غرفة نومه بعد ان تسبب في مقتل الآلاف من الأهالي بسبب تشبثه بالسلطة وتوهمه بأنه القوة العظمى في بلده فانتهى خاسئا مهزوما الى زنزانته!؟

   وهكذا يستمر مسلسل كشف عارات هؤلاء الطغاة، فقد أزاحت العاصفة التي تضرب سواحل المتوسط والخليج الغطاء عن حقيقة من يحكم تلك البلدان الذين يتساقطون الواحد تلو الآخر، حيث شهدنا هروب الرئيس زين العابدين حينما اختصر الطريق الى جده تاركا ملايينه الورقية والمعدنية في دواليب غرفة نومه وهرب، وظهر الآخرون على حقيقتهم الدموية كما نشاهدهم في زنقات ليبيا وميادين صنعاء ودرعا البطلة، حيث بدأوا بالوضوء قبل سكرات الموت بلحظات لتأدية الصلاة التي تركوها منذ استبدوا في حكمهم، وهم في مهب العاصفة يقارعون طوفانات من المنتفضين، لا تهمهم حمامات الدماء التي سيخلفونها في هروبهم او سقوطهم المشين، كما سقط رئيس ساحل العاج لوران غباغبو، تراهم يخطبون ويعلنون انهم سيصلحون ما أفسدوه في سنوات مجونهم السياسي كالذي يدركه الموت ويتذكر الصلاة، ولات حين مناص وصدق من قال:


جاءك الموت يا تارك الصلاة؟

 kmkinfo@gmail.com


 
 

256
سوريا واليمن وحمى الخطابات؟

  كفاح محمود كريم 
     
      كثرت خطابات الرؤساء المصابين بحمى تسونامي الأنظمة المتعفنة التي تكتسح سواحل البحر الأبيض المتوسط والخليج المختلف حتى الساعة على تسميته ما بين العربي والفارسي والتي ربما اندست هي الأخرى في عاصفة المنامة لتضيف نكهة أخرى لانتفاضة الشارع هناك معفرة بدخول قوات درع الجزيرة الى شوارع العاصمة البحرينية وميادينها؟

    في حمى الخطابات لم تستغرق العملية في كل من تونس ومصر غير خطابين مقتضبين لزين العابدين والرئيس مبارك وغادرا كل منهما الى جهة اكثر امانا من قصورهم التي غدت موحشة وربما مرعبة، بينما استلمنا الأخ العقيد وولي عهده سيف الإسلام في تابلوه من الخطب المثيرة والمسرحية التي أصبحت واحدة من أطرف الخطب التي تتندر بها وسائل الإعلام والناس في كل العالم، حتى أدركهم رئيس اليمن السعيد وجماهيريه المليونية التي يحشدها في ميدان آخر من ميادين صنعاء التي تغص بباقات القات، وخطابات التهديد والوعيد والتحليل والتنظير، ليكملها خطاب الرئيس السوري الوارث للحكم عن أبيه الأسد الذي حكم سوريا منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي حتى مات بأمر الله ولم يشهد ما يجري الآن لزملائه العظام في تونس ومصر وليبيا واليمن، هذا الخطاب لم يجعلنا نشتاق كثيرا لخطابات الأخ العقيد المنزوي منذ عدة ايام في زنقاته الضيقة بحثا عن نهاية للنفق، بل ان ما جاء به الوارث الجمهوري لا يختلف كثيرا عن تنظيرات ملك قبائل اليمن الذي طلب أخيرا  من الشعب المنتفض أن يتنحى ويرحل!؟

     وحقيقة؛ ان خطابات هؤلاء الرؤساء لا تثير العجب او الاستغراب بقدر ما تثير السخرية والاستهجان وربما احيانا كثيرة الشفقة لما يظهر عليها وأثناء إلقائها من انفعالات وحشرجات توضح حقيقة الوضع النفسي لهم وما آلت اليه ردود افعالهم في اخراج عشرات الآلاف من الموظفين والعمال في المؤسسات والمعامل التابعة للدولة، بل وقد أكدت مصادر مهمة من الذين التحقوا بالمتظاهرين ان اعدادا كبيرة من رجال البوليس بكل صنوفه والعسكر وحتى شرطة الكمارك والحدود طلب منها ان تشارك في المسيرات القطيعية بملابس مدنية، ليس في دمشق وحلب وحماه بل حتى في صنعاء وقبلها في القاهرة وتونس وطرابلس الغرب، خصوصا اذا ما عرفنا مدى ضخامة هيكل الأجهزة الخاصة الملحقة بكل رئيس من هؤلاء، كما كان يفعل كبيرهم الذي علمهم السحر والذي أعدمته المحكمة الجنائية العراقية بعدة تهم اقلها القتل العمد والإبادة الجماعية للسكان؟

    وكل رئيس من هؤلاء كما ذكرنا تتبعه طوابيرا من عناصر حزبه القائد، فمثلا في سوريا هناك ما يقرب من تسعمائة ألف عضو في حزب السلطة وأكثر من نصف مليون عنصر امني منضوي تحت خيمة 12 جهاز أمني واستخباري خاص، وطبعا لكل رئيس من هؤلاء عشيرة او مجموعة عشائر ( عشيرة زوجته وازواج بناته واخواته وزوجات اولاده وهكذا الى ادم وحواء!؟)،  فالرئيس يناضل دائما   من اجل ان تكون عشيرته الأكبر، حتى ذابت أو ادعت عشائر كثيرة انها ترجع الى ذات اصل عشيرة القائد الضرورة، وكما توهم الكثير من ابناء الشام بأن مليوني علوي في سوريا مع الرئيس وحزبه، واتضحت الأمور بعد درعا حينما خرج اهل اللاذقية من العلويين ضد النظام كما فعل اصحاب كبيرهم هنا حينما انكفأ في حفرته المناضلة؟

    انهم ما زالوا يخاطبون الناس بذات العقلية التي نقلتهم الى كرسي الحكم في كنف الليل حينما اغتصبوها انقلابا او خيانة او تزويرا منذ عقود من الزمان، صنعوا خلالها قطعان من المرتزقة والانتهازيين والفاسدين يسيرونهم متى شاءوا في مظاهرات سلطوية ترفع صورهم وشعاراتهم البالية، كما حصل في ميدان التحرير بالقاهرة حينما اخترقوا صفوف الأهالي المنتفضين، وفي صنعاء وطرابلس الغرب وكما يحصل الآن في دمشق وبعض شقيقاتها الشاميات حينما يوهمون انفسهم بأنهم مازالوا يحكمون الناس وان هذه القطعان انما تمثل نبض الشارع والأهالي؟

    انهم كما ذكرنا في مقال سابق توائم انتجتهم عملية اغتصاب بائسة في غفلة من الزمن، وحملتهم ارحام ملوثة فاسدة للحكم لتقذفهم حمما وصديدا ونيرانا على شعوبهم وذويهم، وتراهم يتحايلون كأي دلال او بقال بائس في اسواق عواصمهم لتمرير بضاعة فاسدة، كما يظهر في قراراتهم التي يصدرونها كما ادعى وريث القذافي سيف الاسلام في انهم سيباشرون بوضع الدستور ويسمحون للأحزاب بالعمل بعد ان كانت لأكثر من اربعين عاما كفرا وإلحادا؟

    وهناك بالقرب من سد مأرب يصرخ ملك القبائل ورئيس اليمن وهو ( يخدر ) شعبه بإصلاحات كان يفترض ان يعمل عليها منذ عقود، مثل قرينه في دمشق الذي ( تفضل ) بتجنيس ما يقرب من نصف مليون مواطن كردي سوري اسقط مواطنيتهم هذا النظام قبل اكثر من اربعين عاما واعتبرهم اجانب، وحرمهم من ابسط حقوق الإنسان والمواطنة، بل وذاقوا تحت حكمه وفلسفة حزبه الشوفينية اقسى انواع الاضطهاد القومي، الى درجة انهم لم يعاملوهم كمكون من مكونات الدولة السورية بل كجالية من الجاليات المقيمة، في سلوك عنصري ينافس النازيين والطورانيين في عنصريتهم!؟

    ان الامور لم تعد بحاجة الى خطابات وادعاءات وإصلاح فات أوانه بقدر حاجتها الى تغيير جذري ينهي هذه الحقبة تماما ويلغي كل قوانينها وأساليبها ونظامها ورموزها، ويعيد للشعوب استحقاقاتها من خلال نظام ديمقراطي حر يحترم حقوق الإنسان والرأي الآخر دونما تمييز بسبب الدين او العرق او العقيدة او اللون او الجنس، وحتى يتم ذلك سيبقى هذا المشروع الملتهب من شلالات الاحتجاج بعد تحطيم حواجز الخوف والإرهاب السلطوي مستمرا يتناغم مع فوران تنور الطوفان الذي سيكتسحهم عاجلا ام آجلا!

kmkinfo@gmail.com   





 

257
التغيير وتجفيف منابع الإرهاب؟

كفاح محمود كريم

   منذ أن بدأت تسونامي الأنظمة المتعفنة تضرب سواحل المتوسط والخليج، مطلع هذا العام وحتى يومنا هذا تهاوت إمبراطوريات كارتونية سخرت كل أجهزتها وإمكانياتها النفطية والسكانية والمخابراتية والإعلامية للشعارات الكاذبة ولحماية كرسي الحاكم ونظامه، وهيأت ارض خصبة لنمو فطريات الإرهاب والتطرف القومي والديني الذي أشاع جوا نفسيا متوترا لدى كثير من الشرائح الشبابية والمحافظة التي تورط الكثير منها في عمليات القتل والتفجير والإرهاب في العراق وافغانستان وكثير من البلدان التي تحاول مغادرة تلك البيئة المتخلفة والمتعفنة.

    هذه الأنظمة التي دخلت في حرب شعواء غير معلنة مع النظام الجديد في العراق، وحولت مدنه وبلداته وتجمعات سكانه الى ساحات حرب وحلبة صراع لكي ترسل اليها او تسهل عملية إرسال آلاف الإرهابيين القادمين من بلدانها او من بلدان أخرى لإفشال عملية التغيير التي يشهدها العراق، وطيلة أكثر من ثمان سنوات عجاف كان معظم منفذي تلك العمليات الدموية في تفجير السيارات المفخخة او الانتحاريين يتم تدريبهم او إرسالهم او تسهيل عبورهم من جميع هذه الدول التي تحكمها هذه الأنظمة سواء التي سقطت منها أو الآيلة للسقوط.
 
   لقد أكدت إحصائيات رسمية وشبه رسميه انخفاض كبير وملحوظ في عمليات التفجير بواسطة الانتحاريين القادمين عبر سوريا والسعودية والأردن وإيران ومن جنسيات مصرية وليبية وتونسية وجزائرية وسورية وسعودية ويمنية، سواء باستخدام السيارات المفخخة او من خلال تفخيخ أجسادهم وتفجيرها في مناطق مكتظة بالأهالي سواء من الشيعة او السنة او الكورد او استهداف المسيحيين والصابئة والايزيديين، وذلك لغرض إشاعة الفتنة او الاقتتال الداخلي مما يؤكد ان عاصفة التغيير في هذه البلدان لم تُسقط أنظمتها ورؤسائها الطغاة فقط، بل أسقطت ذلك البرنامج الإرهابي الذي كانت تعتمده وتمارسه أجهزة مخابراتها واذرعها الممتدة عبر الحدود بشتى الوسائل بحيث توقف او تؤخر تطور التحديث الديمقراطي في المنطقة عموما وبالذات النموذج العراقي وعدم السماح له بالانتشار الى دول المنطقة في الشرق الأوسط منذ ثمان سنوات وحتى قبل عدة أشهر قليلة. 

    وإذا كانت عمليات الإرهاب ما زالت موجودة هنا وهناك فإنها تعتمد أسلوبا آخرا يتمثل في عمليات التصفية الشخصية من خلال الاغتيالات واستخدام كواتم الصوت او العبوات اللاصقة والتي اشتهرت بها تنظيمات حزب البعث تاريخيا السرية منها والعلنية، فهي التي استخدمت ذات الأسلوب منذ عام 1959م وبعد ان استقلت القطار الأمريكي في شباط 1963م وما جرى في بغداد والمحافظات من عمليات تصفية طالت في العاصمة وحدها ما يقرب من ثلاثة آلاف رجل وامرأة في يوم واحد بعد تسلمهم السلطة في 1963م، وما حصل بعد ذلك بعدة سنوات حينما استحوذت على السلطة في انقلابها الذي ادخل البلاد كما يعرف الجميع في حمامات للدماء حتى يومنا هذا؟

   ان التغيير الحاصل الآن وسقوط النظم الدكتاتورية يتيح فرصا ذهبية لتطور عملية الانتقال الى النهج الديمقراطي سياسيا واجتماعيا وهو كفيل ايضا بتجفيف منابع الإرهاب في المنطقة عموما وإيقاف المد الديني والقومي المتطرف والمنغلق. 


kmkinfo@gmail.com




258
حينما تتهاوى الأشباه؟

كفاح محمود كريم

   كانت وسائل الاعلام الموجهة من اجهزة النظام السابق تشيع ان للرئيس اشباه كثر يقومون مقامه اثناء تنقلاته او حضوره بعض المهرجانات والندوات الكبيرة او زياراته للمحافظات، بل ذهب البعض الى انهم كانوا يشغلون مكانه في العديد من سفراته، وسواء صدقت مثل هذه الروايات او كانت مجرد ادعاءات مفبركة فان اشباه الدكتاتور صدام حسين من رؤساء الانقلابات يتهاوون اليوم واحدا تلو الاخر امام سيول لا اول لها ولا آخر من طوفان الاهالي بمختلف شرائحهم وطبقاتهم، يتقدمهم في ذلك اصغرهم سنا من الشباب كما رأيناهم في سيول تونس وميدان التحرير وليبيا واليمن وسوريا؟
 
   ليس بالضرورة ان يكون رؤساء المنظومة الشمولية في الشرق الاوسط نسخا مطابقة لمعلمهم الكبير كما في حالة العقيد صاحب الزنقة الذي لولا اسمه لقلنا ان تجارب الاستنساخ الجيني بدأت تأكل اكلها في انتاج اجيال مطابقة لدكتاتورنا الراحل(!) بل ان الكثير منهم يشبهونه في الالتصاق السيكوتيني بالكرسي الساحر، او بخطوط الحماية وتولي الابناء والاقرباء مواقع القيادة في السلطة والمال، او في العنجهية الفارغة والنرجسية المقيتة التي حولتهم الى كائنات غريبة في شكلها وسلوكها، حتى يظن المرء انهم فعلا من افضل ممثلي هوليود، او انهم مخلوقات لا علاقة لها اطلاقا بالبدائيين من ابناء ادم وحواء المساكين؟

والغريب في هؤلاء الاشباه كما في كبيرهم الذي علمهم السحر، ان الصفات التي اطلقوها على انفسهم كانت ابعد ما تكون عنهم في اتون الصراع الحقيقي، فلم يعد باستطاعة المنقذ أن ينقذ نفسه أو حتى ذويه حينما توارى عن الانظار واستقل طائرة وهرب أو حفر حفرة واختبأ فيها، وبعد أن كان القائد الضرورة امسى لم يعد وجوده ضروريا بل حصل العكس حينما اصبح من الضروري جدا  التخلص منه ومن نظامه ليس من شعبه فحسب وانما من كل الشعوب قريبة او بعيدة حيث اكتوى الجميع بنيران غطرسته ونرجسيته، وهكذا دواليك مع من تصوروا انهم قادة عصرهم وزمانهم الذين تحولوا بين ليلة وضحاها الى اضحوكة يتندر بمخازيها كل من عرفهم طيلة حكمهم واطلع على سلوكهم وهم في اخريات ايامهم؟

   حقيقة إن كل هؤلاء المستبدين من رؤساء الانظمة المتخلفة وملحقاتهم من الانتهازيين والمرتزقة والفاسدين، اشباه بعضهم عبر حقب التاريخ والازمان، بل وتوائم قذفت بهم الظروف السوداء في واحدة من اردء ما حملته بطون السياسة والحكم في غفلة من الزمن فكانوا فعلا نتاج عملية اغتصاب ابتلت بهم شعوب الارض ونالت على ايديهم شتى صنوف العذاب النفسي والجسدي، حتى جاءت عواصف الحق وطوفانات المضطهدين والمهمشين كأنها تقول للزمن ان التاريخ يعيد نفسه اليوم في طوفان جديد ابتدأ من ارض ما بين النهرين وما يزال في ذات المنطقة وحواليها يجرف عفونة الكفر السياسي والاضطهاد الانساني وكأننا نسمع صدى الطوفان الاول وصرخة السماء:

  ( فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ* وَفجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ* وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر ) (القمر: 11-13).

  حتى ان طفح الكيل وبانت عورات هذه الانظمة الفاسدة فجاء الطوفان ثانية:
 


   ( حَتَّى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيْهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأَهْلَكَ إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَولُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِيْلٌ* وقَالَ ارْكَبُوا فِيْهَا بِسْمِ اللهِ مَجْريِها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيْمٌ ) (هود: 40-41).

    في هذا الطوفان يخال للمرء انه استبدال لطوفان الماء بطوفان البشر، ليكتسح بروحه وعقله ودمه هذه الاكوام من الادران المتكلسة في جسد البشرية ويطهر البلدان في واحدة من اكثر مناطق الارض تألقا في الروح والعقل والدماء والدموع ليقول للارض:

   ( يَآ أَرْضُ ابْلَعِيْ مَآءَكِ وَيَا سَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيْضَ المَآءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيْلَ بُعْداً لِّلقَوْمِ الظَّالمِيْن ) (هود: 44).

   حقا انها حقبة طويلة جدا من طوفان نوح حتى طوفان الشعوب في مطلع الالفية الثالثة حيث تتهاوى الاصنام ثانية؟

kmkinfo@gmail.com

259
الرؤساء الطغاة وأزمة المثقف؟

كفاح محمود كريم

     لم يوضع المثقف والنخب الثقافية عموما في منطقتنا التي تتعرض الى عواصف سياسية واجتماعية شديدة، في موضع ذهول وحيرة وإحباط وإحراج وصل حد المهزلة كما هو عليه اليوم مما يحدث في تسونامي الأنظمة العربية التي تكتسح الرؤساء العرب الفاسدين الذي أذلوا شعوبهم وخدروهم بشعارات كاذبة تم تمريرها من خلال أجهزة إعلامهم التي اختزلت الأوطان بأشخاصهم وأحزابهم، واستغلوا حالات الانكسار والهزيمة لدى الكثير من هذه النخب في عنترياتهم التي تكشفت وانفضحت منذ هروب الدكتاتور العراقي وانكفائه في تلك الحفرة التي أذهلت أولئك الذين تصوروه بطل الأبطال ومحرر الشعوب، إضافة الى ما فعلته عطايا تلك الأنظمة وكوبونات النفط أو البترودولار وفايروساته المعدية او مجموعة القرارات والقوانين الارتجالية والمهرجانات الأدبية والفكرية والثقافية والعلمية والرياضية التي كانت تتغنى وتمجد الرئيس القائد او الزعيم العظيم وتوظف تلك المهرجانات لعرض أفكاره ومنجزاته الخارقة!؟

     وربما لأسباب كثيرة تتعلق بطبيعة مجتمعاتنا البدوية والزراعية والعشائرية ظل المثقف حاله حال معظم الناس مرتبطا بشخص الزعيم والمنقذ والقائد كونه رمز يمثل كل ما يجول في تراكماته وذاكرته الفكرية المرتبطة بالقرية والعشيرة والشيخ، حتى ضن انه المخلص والمنقذ الأوحد للأمة او الشعب مما فيها من انكسارات وهزائم وشوائب، وراح قلمه او حنجرته او فرشاته او ريشته تكتب وترسم وتغني وتعزف على أوتار تمجيده، وهو يعتقد أي هذا المثقف مهما كان صنفه إنما يمجد فنه وحريته وشعبه الذي اختصره في شخص القائد او الزعيم، متوهما أنه سيحقق كل الأمنيات ويزيل انكسارات النفوس العميقة وجروحها، وإزاء ذلك كانت هناك ايضا مجاميع أخرى من المثقفين تضمها سجون رهيبة وأخرى قتلت وتم تصفيتها او هاجرت وتحملت كل مآسي ذلك الرحيل القسري لأنها كانت ترفض ولا توافق او تؤيد ذلك النرجسي الأوحد والقائد الهمام ونظامه الشمولي، بينما انعزل آخرون الى زوايا بعيدة عن الأضواء لدرجة انهم استبدلوا مهنهم وإبداعاتهم بأشغال وأعمال أخرى لا علاقة لها بالثقافة وعوالمها وبعيدة عن الأضواء ودوائر التأثير!؟
 
     ولن نتحدث عن كل الذين تكتسحهم العاصفة ولكننا نتذكر بألم شديد تلك الجموع من المثقفين العرب وغيرهم من كل الاختصاصات والاتجاهات في الأدب والفن والفكر والقضاء والرياضة والعلم الذين كانوا يتهافتون الى قصور القائد الضرورة وغيره من النرجسيين القادة في مهرجانات ومناسبات يقدمون فيها خدماتهم مقابل ما كانوا يحصلون عليه من أجور او هدايا مجزية نقدية او عينية او آمال في تحقيق اهدافهم وامنياتهم، حالهم حال أي شاعر من شعراء الخلفاء والملوك مدحا وتعظيما مقابل صرر الذهب والدنانير والجواري والعبيد، او ربما مقابل الحصول على الامن والأمان والستر على الحال والأحوال!؟

    تلك الأجور والوعود والرشاوى التي صمت آذانهم وعمت أبصارهم عما كان يعانيه العراقيون من آلام وعذاب وقهر، حتى تحول معظمهم الى وعاظ للسلطان القائد يؤدلجون حروبه ومعاركه وعداواته ومذابحه ونرجسيته حتى اصبح مهوسا بالمديح وبالسيف والدرع والحصان!، وهذا لا يعني ان الجميع كانوا بهذه المواصفات ففيهم من فعلها خشية تدمير وإبادة وقطع للأرزاق ومنهم من كان موظفا يؤدي عملا روتينيا حتى في عمله الإبداعي ومنهم ايضا من كان بدون قضية ويعمل كأي موظف في شركة او مؤسسة؟

    ورغم ذلك اعتقد جازما ان هناك من أبت نفوسهم وتسامت، ورفضت التنازل قيد انملة واحدة من مبادئها وارتضت التهميش والملاحقة والاعتقال أو الهجرة والرحيل والاغتراب، ورفض العديد ايضا دعوات المشاركة في الموافقة على حمامات الدماء التي كان يقيمها القائد من خلال كرنفالاته ومهرجاناته العائمة فوقها، وسواء كانت هذه المجاميع قلة أو كثرة الا انها فعلا تستحق تسمية المحاربين الأشداء الانقياء في عزة النفس والسمو والمبادئ واحترام مشاعر الشعوب، يقابلها ايضا من كان يؤمن وما يزال بقيادة وأحقية اولئك الرؤساء الطغاة على خلفية ما كانوا يؤمنون به من انهم منقذين ومخلصين ورموز الأمة ومحرريها تحت أي من الضغوط او القناعات التي ذكرناها، حتى بانت عوراتهم وظهرت عيوبهم في أبشع ما يمكن ان يكونوا امام شعوبهم، فكانت حقا واحدة من اكثر الأزمات انكسارا بل وأكثرها ذهولا وإحباطا وخزيا أصاب مؤيديهم ومعتنقي أفكارهم ووعاظ مجالسهم ومناسباتهم؟

      في الثاني والعشرين من شهر حزيران عام 1992 كتب الكاتب المصري الشهير محمد حسنين هيكل مقالا في صحيفة "يوميوري شيبمون" اليابانية الواسعة الانتشار ضمن باب ثابت هو (نظرات على العالم) وكان عنوان المقال (القذافي وإعلان الجهاد)، قال فيه انه اول شخص التقى القذافي بعد ما سمي بثورة الفاتح في عام 1969 كمبعوث خاص من الرئيس المصري حينذاك جمال عبد الناصر، وحينما سأله الأخير عن انطباعاته بعد اجتماع دام خمس ساعات مع العقيد وضباط آخرين "ان الشاب البدوي الذي رأيته يذكرني بمهر عربي جميل وأصيل، لكنه مازال بكل عذرية الصحراء او البراري المفتوحة وبراءتها ونقائها وحيويتها، وهو يقدر، اذا استطاعت المسؤولية الوطنية ترويضه، ان يكون جوادا قويا وقادرا من نوع نادر، لكنه اذا لم يحدث ترويضه سوف يظل شاردا وقادرا على إلحاق الأذى بنفسه وبكل ما حوله من الأشياء الى الناس".*

    بعد هذا الوصف بعدة اشهر قال عنه الرئيس جمال عبدالناصر في مؤتمر كبير وهو جالس مع ثلة من زملائه الضباط ما معناه ان القذافي حامي القومية العربية وفارسها، ومثل ذلك قال ميشيل عفلق ( وهو واحد من كبار المفكرين العرب واحد مؤسسي حزب البعث ) عن صدام حسين واصفا إياه بأنه نعمة من نعم السماء علينا(!) ولقد شهدنا عبر اربعين عاما ما فعلته تلك الكلمات وتأثيراتها على الشخصيتين وكيف تحول كل منهما الى غول كاسر متوحش سرطنته النرجسية وطوفان المديح والتدليس وحلقات المنافقين والانتهازيين من المداحين والمستشارين والبطانات الفاسدة ووعاظ السلاطين.

     يقول الفنان السوري الكبير دريد لحام في تبريره لاستقبال القذافي في بيته بالشام وهو جواب ربما يبرر علاقة كل الفنانين والشعراء والنخب الثقافية الكبيرة بالرؤساء الطغاة الذين سقطوا او في طريقهم للسقوط:

ما تعليقك على الزيارة التي قام بها الزعيم الليبي معمر القذافي لمنزلك؟


 ( الزيارة تمت بناء على طلب رسمي ورغبة من هذا الرجل في عام 2008 عندما كانت دمشق تستضيف القمة العربية، وبالتأكيد أنني لست نبياً لأعرف عام 2008 أن القذافي سيرتكب ما يرتكب عام 2011 ولم يكن غيري يعرف.. الزيارة في المجمل لم تكن سرية، والأنبياء الذين يعترضون على الزيارة كان يجب أن يعترضوا عليها عام 2008 بما أنهم يعرفون ماذا كان سيجري عام 2011 ، في عام 2008 كان هو ضيف على البلد وألقى خطابا ناريا ظهر فيما بعد أنه يخفي خلفه هذه القسوة ..)*

   وربما ان الكثير ممن شاركوا الدكتاتور صدام حسين في مهرجاناته ومناسباته لم يكونو على اطلاع كامل بمجريات الأحداث هنا في العراق كما إنني اجزم ان كثير ممن كانوا في خيمة العقيد القذافي كما قال دريد لحام لم يكونو يعرفوا هذه القسوة والعنجهية والبربرية في تعامله مع شعبه!؟*

   حقا أنها مواقف محيرة ومذهلة ومحرجة تظهر مدى تلاعب تلك الأنظمة ورموزها بمفاتيح اجتماعية او عاطفية او وطنية أو مالية تورط الكثير في الوقوف معهم أو ربما تسيء إليهم لمجرد هكذا لقاء ومنه الكثير الكثير مع كل أولئك الرؤساء الطغاة الذين دعوا الى قصورهم ومناسباتهم ومهرجاناتهم النخب الثقافية اسوة بالنخب والزعماء السياسيين وغيرهم، ونتذكر جميعا المئات من اولئك الذين كنا نراهم في مهرجانات المربد والمتنبي وأبي تمام وأيام الربيع في الموصل وبابل، ومثلها في ليبيا وسوريا واليمن والكثير من البلدان التي يحتفل ( رؤسائها وملوكها ) بهكذا مناسبات، ولا أظنني ظالما إن سألت كم هو عدد المثقفين العرب وغيرهم من كل اجناسهم الأدبية والفنية والثقافية ممن دعاهم العقيد أو القائد الضرورة او أسد الأمة وأمثالهم، ورفضوا دعواتهم لأنهم ظالمين ومستبدين الا من كفاه الله شرهم وخيرهم!؟

kmkinfo@gmail.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 *مجتزأ من مقال الكاتب عادل الجبوري ( ماذا قال هيكل عن القذافي ) المنشور في إيلاف.
 * مجتزأ من تحقيق أجرته إيلاف مع الفنان دريد لحام.
 * http://www.youtube.com/watch?v=xg9jjXbhJac&feature=related
 
   




260
تظاهرات النجوم الثلاث!؟

كفاح محمود كريم

    على ضوء ما حدث في تونس ومصر وما يحدث الآن في اليمن وليبيا التي تتصف جميعها بالدكتاتورية والاستبداد، مستخدمة نظام التوريث  تحت ظل جمهوريات ملكية ممسوخة الهوية، حيث تصور البعض من القوى المضادة للنظام السياسي في العراق الذي يتمتع بشكل ديمقراطي تعددي أنجزه العراقيون بعد سقوط نظام صدام حسين وحزب البعث الشمولي، وبالذات أولئك المتضررين من السقوط وبعض بقاياهم هنا وهناك، تصوروا انه بمقدورهم ركوب هذه الموجة التي تجتاح بلدان الشرق الأوسط، ذات النظم الشمولية والدكتاتورية والعمل من خلال مساحات الحرية التي أتاحها النظام الديمقراطي في البلاد وتشريعات دستوره التي تبيح التظاهر والاعتصام والتعبير عن الرأي بأساليب سلمية ومتحضرة بعيدا عن الفوضى والعنف والاعتداء والغوغاء، متناسين ان النظام الجديد إنما جاء عبر صناديق الاقتراع في انتخابات عامة شهدت بحقها معظم المنظمات الدولية ومجاميع المراقبين من كل انحاء العالم، حتى وصفت بأنها ضمن المعايير الدولية، واحدة من انجح الانتخابات الحرة في منطقة الشرق الأوسط.

     وخلال الأيام التي سبقت تلك التظاهرات سربت العديد من وسائل الإعلام بيانات وتعليمات في معظم محافظات البلاد صادرة من قيادات عديدة تمثل أجنحة حزب البعث المنحل والمنتشرة في الداخل ودول الجوار والتي تعمل تحت أسماء وعناوين مختلفة ومعروفة لدى العراقيين مثل رجال الطريقة النقشبندية والجيش الإسلامي وجيش محمد والعودة والتي تحرض على التظاهرات والاحتجاج وإشاعة الفوضى من خلال الهجوم على المراكز الحكومية ومقراتها ونهبها او إحراقها كما حصل في هجومهم على مبنى محافظة نينوى وإحراق أجزاء منه، وكذلك محاولتهم الهجوم على بناية محافظة كركوك ومجلسها ومقرات الأحزاب السياسية الرئيسية فيها حاملين شعارات منسوخة من أيام حكمهم قبل نيسان 2003م تحت راية حزبهم التي حولوها الى علم للعراق بنجومه الثلاث التي تمثل أهداف حزب البعث حسبما جاء في قانون العلم العراقي الذي أصدره مجلس قيادة الثورة المنحل في ثمانينات القرن الماضي وأضيفت له مفردتي الله اكبر في مطلع التسعينات ليدشن النظام المعروف بعلمانيته حملة إيمانية تعجز عنها الدول ذات النظم الثيوقراطية!؟

    لقد حمل المتظاهرون من أتباع هذه التنظيمات والمتضررين من سقوط ذلك النظام ممن تم استخدامهم في عمليات التعريب والاستيطان في مدينة كركوك وأطرافها طيلة أربعة عقود، إضافة الى مجاميع مماثلة في الموصل عشرات الإعلام العراقية الملغاة ذات النجوم الثلاث تعبيرا عن هويتهم البعثية وآمالهم في إعادة عقارب الساعة الى الوراء في محاولة لركوب موجة الاحتجاجات ظنا منهم في إسقاط النظام او تقليد أسلافهم في ركوب القطار الأمريكي أبان انقلابهم على الزعيم عبدالكريم قاسم في مطلع ستينات القرن الماضي وذلك لتحويل معطيات العمل الديمقراطي الى وسيلة انقلابية جديدة تضاف الى سجلهم الميكافيلي المعروف في التسلق الى السلطة مهما كان الثمن او الوسيلة، متناسين بحور الدماء التي دفعها العراقيون من اجل الحرية والخلاص من حكم الحزب الواحد والقائد  الضرورة وما رافق عملية التحرر خلال السنوات الثمانية الماضية من حرب قذرة شنتها كل قوى الإرهاب التي ادخلوها الى البلاد وجندوها لتدمير العراق وتحويله الى حفنة من تراب كما توعد رئيسهم ذات يوم غابر قبل هزيمته وانهياره.

kmkinfo@gmail.com



261
العراق بين القدوة والعبرة؟

كفاح محمود كريم

    في الوقت الذي يرى الكثير من المراقبين والمختصين إن انتفاضة آذار في كردستان والجنوب في عام 1991م كانت اختراقا كبيرا وفريدا لحاجز الخوف والرعب الذي فرضته الأنظمة الدموية طيلة ما يقرب من نصف قرن رغم اتفاق دول عاصفة الصحراء الضمني على إبقاء نظام صدام حسين في الحكم بشكل مشلول ومحاصر، فقد استطاع شعب كردستان العراق تأسيس نظامه السياسي البرلماني وأنجز مؤسساته الديمقراطية بعيدا عن استبداد ودكتاتورية النظام في بغداد، حيث نجح الإقليم في التحول الى واحة للحرية استقطبت كل الحركات والأحزاب السياسية العراقية المعارضة لنظام صدام حسين وحزبه، والتي استطاعت خلال سنوات أن تهيئ الظروف لانهيار النظام وسقوطه.

    وبعد أكثر من عشر سنوات عجاف عاش الشعب فيها حصارا مقيتا، تتعرض البلاد الى حرب كبيرة يشنها تحالف دولي بقيادة امريكا وبتخويل من الأمم المتحدة، تؤدي خلال أيام قلائل الى هزيمة النظام وهروب رئيسه وحزبه وتبخر جيشه وانهيار وشيك للدولة برمتها لولا البدء بالعملية السياسية وانجاز مؤسسات انتقالية نجحت في إدارة الدولة لحين إجراء الانتخابات العامة وانبثاق البرلمان والحكومة وتشريع دستور دائم للبلاد وبذلك دخل العراق حقبة جديدة في تاريخه السياسي والاجتماعي.

      يرى العديد من المتفائلين ان ما حصل في العراق قبل ثمان سنوات ونجاح القوى الوطنية العراقية في انجاز المؤسسات الديمقراطية وتشريع دستور اتفق عليه غالبية الأهالي، ورغم ما رافق كل ذلك من عمليات إرهابية وتقاتل طائفي وفساد مالي واداري الا ان ما حصل في البنية السياسية للدولة على أنقاض نظام دكتاتوري رهيب جعل إمكانية إحداث تغييرات حادة للنظم الشمولية في المنطقة والعالم على خلفية تطور نظام الاتصالات والعولمة في السنوات الأخيرة والذي رفع الستار عن عورات النظم الاستبدادية وفعائلها المشينة بحق شعوبها، حيث لم يعد العالم المتحضر يتحمل دكتاتورا ينكل بشعبه ويبيد معارضته بشتى الأسلحة مع وجود وسائل الإعلام الفضائية وغيرها التي ساهمت بشكل فعال في كشف عورات هذه الأنظمة أمام العالم والإنسانية، خصوصا مع وجود قوى دولية عظمى مسنودة من قبل المنظمة الأممية ومجلس أمنها الذي يصدر قراراته او موافقاته على شن الحرب او الحصار على تلك الأنظمة أو ما يشبه ذلك مما يعجل في إسقاطها وإنهاء حكمها كما حصل هنا في نيسان 2003م.

    ومن جهة أخرى فما حصل بعيد الاحتلال وانهيار النظام وهروب رئيسه وقيادات حرسه وحزبه دق جرس الإنذار لكثير من تلك الأنظمة والشعوب، حيث سادت عمليات التخريب والحرق والتدمير والنهب والسلب للمال العام والذي أطلق عليها تسمية الحواسم، حيث أباح رئيس النظام لأعضاء حزبه وأجهزته الاستحواذ على الممتلكات العامة المنقولة ومن ثم اعتبارها ملكا لهم في حالة عدم عودته!، وما فعله سيئ الصيت برايمر في حله للجيش والإعلام والأوقاف والداخلية ومنظومات الامن الوطني التي تركت البلاد والمجتمعات في فوضى عارمة باستثناء إقليم كردستان العراق الذي كان يتمتع باستقلال ذاتي عن النظام، مما دفع معظم كوادر هذه المؤسسات إلى الانتقال مباشرة للخندق المقابل والمضاد للعملية السياسية التي بدأت في إحداث التغيير الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات، سواء كان هذا الخندق مملوكا أو موجها من قبل القاعدة أو منظمات التطرف الديني او لمخابرات دول الجوار او بقايا تنظيمات حزب النظام الذي تشتت الى اجنحة وافخاذ مناطقية وقبلية ومذهبية ومخابراتية، مما سهل قيام دوامة العنف وإدامتها وإعاقة عمليات التحول والبناء.

    هذه التطورات التي افرزت حربا طائفية مقيتة وبلورت محاصصة انحدرت الى مستويات قبلية وفردية بعيدة عن فكرة المواطنة والتوافق بين المكونات المعمول بها في كثير من البلدان ذات التنوع العرقي والقومي والديني، وما رافق ذلك من فساد مالي واداري وتهافت على المناصب والامتيازات وضياع مبدأ المواطنة بين هذه التجاذبات وطوفان الانتهازية والتسلق على سلالم المحسوبية والمنسوبية، أحال عملية انهيار النظام وهروب قياداته وتداعيات البدائل الى بعبع ارعب كثير من شعوب المنطقة وقواها السياسية المعارضة التي كانت وما زالت تعاني من الاستبداد والدكتاتورية في انظمتها السياسية من أن تتحرك باتجاه التغيير، بل ودفع كثير من تلك الأنظمة الى التورط في الملف العراقي الداخلي درءً لمخاطر انتقال التجربة العراقية بجانبها الايجابي والمتطور اليها، وبالذات تلك التي تشابه العراق في تكوينها العرقي والقومي والديني والمذهبي.

    وربما تسببت هذه التخوفات وهذا التحسب لما يقرب من ثمان سنوات من عدم سماع أي صدى لها في المنطقة لفعل العراقيين منذ 2005م وما أنتجته انتخاباتهم الشهيرة في تكوين مجلس حقيقي للنواب ودستور دائم يضمن حقوق كل المكونات القومية والعرقية والدينية، ومن ثم تجاوز تلك الثقافة البائسة في حكم الفرد والحزب الواحد واعتماد حرية الرأي والتعبير وقبول الآخر المختلف وتأسيس دولة المؤسسات والمكونات حينما أدركت ان العراقيين تجاوزوا حاجز الخوف في انتفاضتهم الشهيرة وأسسوا لغد قادم يكون قدوة للآخرين كما يحصل الآن ومنذ انتفاضة تونس ومصر حيث تتجه العيون الى بغداد في السلب والايجاب، بل ويتداول المنتفضون ذات المصطلحات والمطالب في تقديم رموز انظمتهم الى محاكمة علنية والغاء أي دور لنظامهم السابق وما يتصل به من احزاب ومؤسسات ومنظمات وفكر متخلف، وتأسيس دستور دائم ومعاصر يضمن كل الحريات والحقوق والواجبات.
 

    لقد أكدت الأحداث في كل من تونس ومصر ان التجربة العراقية لم تغب عن بال المنتفضين رغم ما رافق تلك الانتفاضتين من خروقات حادة سواء من السلطات او من الغوغاء الذين اندسوا في صفوف المتظاهرين، فقد صرح اكثر من مسؤول في ميدان التحرير بالقاهرة ان العراق يبقى الدرس الكبير الذين تعلمنا منه الكثير فهو العبرة وهو القدوة ايضا!؟
 
kmkinfo@gmail.com


 



262
أين المعارضة العراقية؟   

كفاح محمود كريم


     في مجتمعات تناضل من اجل التحول الى النظام الديمقراطي حاملة اعباء تراث من الثقافة الاحادية الرؤية والاستبدادية السلوك والاقصائية للاخر المختلف الى درجة استعدائه والعمل من اجل تدجينه او ابادته، تنمو اليوم اشكال من الرأي الآخر المختلف الذي يعمل على اشاعة كلمة الـ لا للمسؤول او الحاكم او النظام عموما، رغم ان هذه الـ لا في كثير من تطبيقاتها ما زالت مهزوزة او فوضوية او اعتباطية متشنجة بعيدة عن مفهوم المعارضة الوطنية التي تخضع لمصالح العليا للبلاد وتحرص على الثوابت الوطنية مع قبولها بالآخر مهما اختلف معها، او انها تأتي مفعمة بالسطحية تحكمها العواطف وتراكم الكبت والتوجس والاحساس بالظلم والتهميش لعشرات السنين او ربما تأتي امتدادا لتلك الـ لا التي استخدمت مع النظام الدكتاتوري طيلة عقود اما في الخفاء او من خلال فوهة البندقية، مما يجعلها الان بهذا الشكل مشوهة لا تمتلك شرعيتها او ضروفها وتكون عدائية مضرة اكثر من كونها مفيدة وداعمة لتحول المجتمع الى مرحلة اكثر ديناميكية في ادائه السياسي والاجتماعي عموما.
 
      بهذه المقدمة اردت ان ادخل الى نمط المعارضة المرتقبة التي يمكن أن تتكون الآن في حكم معارضة الأمس التي لم تمنح هي الأخرى فرصة تكونها بشكل طبيعي على خلفية نظام ديمقراطي، وانما ولدت كرد فعل عنيف للاقصاء والملاحقة والتقتيل، فتحولت الى فصائل مسلحة وجيوب للمقاومة استخدمت الاسلوب الثوري في معارضتها آنذاك، ولهذا فهي الأخرى تعاني من صعوبات في التحول من تلك المرحلة الى مرحلة الحكم  الدستوري ومؤسساته المدنية القانونية، وهذا ما بدى واضحا طيلة السنوات الماضية بعد سقوط النظام الدكتاتوري والتخبط الذي ميز كثير من مفاصل الحكم وادواته واساليبه من خلال الاحزاب والحركات التي تسلمت السلطة ومارست الادارة والنفوذ بعد حل الجيش وكثير من المؤسسات الامنية واعتماد القوى المسلحة ( الميليشيات ) لدى كثير من الأحزاب كوسيلة من وسائل السيطرة والنفوذ مما اربك عملية التغيير وفاقم من الاوضاع الامنية الى حد الاقتتال الطائفي وما تبعه من تهجير وانحلال للسلام والامن الاجتماعي. 

    ازاء هذا المشهد وبعد سنوات من دوامة العنف ومقاومة القوى المضادة للتغيير وبعد اربع سنوات من نجاح العراقيين في انجاز انتخابات عامة في البلاد واقرار دستور دائم لاول مرة منذ تأسيس الدولة العراقية بمعايير دولية دقيقة ورفيعة، واجه العراقيون مرة اخرى بعد نجاح تجاوزهم الانتخابات العامة الثانية في اذار 2010 م تحديات كبيرة اولها كيفية وامكانية وقبول التخلي عن السلطة لصالح الاخر المختلف بشكل سلمي وسلس ومن ثم في المقابل كيف سيقبل الحاكم ان يتحول الى صف المعارضة او على الاقل في الجهة الخالية من الحكم بعد ان تمتع وذاق طعمها طيلة السنوات الماضية!؟

   واذا كانت القوى الرئيسية قد نجحت بالتوافق في انشاء حكومة شراكة وزعت من خلالها المناصب فيما بينها، فقد فشلت القوى الاخرى من خارج الاحزاب والكتل الكبيرة لحد الان في بلورة كتلة معارضة تلفت نظر الاهالي اليها من غير المنتمين او المؤيدين للفعاليات السياسية الحاكمة منها والمشاركة، مما ادى الى انتقال المعارضة خارج قبة البرلمان ومن غير المنتمين او المشاركين في الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وبداية تبلورها خارج السلطة التشريعية، ولعل ما حصل خلال الايام الماضية من مظاهرات صاخبة في معظم محافظات البلاد يؤشر الى تكون معارضة بديلة في الشارع العراقي ستتطور تدريجيا الى حركة سياسية مؤثرة ضمن سياقات التظاهر والاعتصام، وبعيدا عن مظاهر العنف واللامدنية وخرق القانون والتخريب، فانها ستكون بديلا اكثر تأثيرا في المعارضة وفي توجيه السلطات التنفيذية والتشريعية لحين تطور قوى معارضة وطنية داخل البرلمان تعمل على مراقبة ومحاسبة وتوجيه الحكومة وانضاج تشريعات وقوانين مجلس النوب.

    ان اشتراك الجميع في ما اسموه بحكومة الشراكة الوطنية وخاصة القوى الرئيسية التي حققت تقدما كبيرا في انتخابات مارس 2010م سيحرم البلاد من الرأي الاخر وتبلور معارضة حقيقية، فقد كانت هناك فرصة ذهبية لبقاء احدى القوتين خارج الحكومة وممارستها دور الرقابة والمعارضة وحكومة الظل لتوجيه الحكومة الاتحادية ومراقبة ادائها ومن ثم تطوير فعالياتهم بما يخدم المصالح العليا للبلاد، لا ان يشترك الجميع ويتنافس على توزيع المناصب بمراضاة تصيب الحكومة والبرلمان بالشلل والضعف والفشل!؟

     وعلى ضوء المظاهرات الاخيرة التي اظهرت معارضة مهمة وجدية في الشارع العراقي سواء للحكومة او البرلمان او الرئاسة، تبين ان الشارع لم يعارض النظام الاساسي الجديد للبلاد بل كان يعارض ويشجب ويطالب بكشف الفساد والمفسدين وابعاد الطفيليين والانتهازيين من مفاصل الدولة والنظام الجديد، حقا ان العراق اليوم يحتاج الى معارضة وطنية نيابية منظمة في كتلة برلمانية تجمع بين اطرافها كل مكونات العراق من الوطنيين والديمقراطيين المستقلين وتمثل نبض هذا الشارع وما يريده الاهالي بعيدا عن المزايدات والمحاصصة والتنافس الحزبي على المناصب والامتيازات!؟

kmkinfo@gmail.com   


263
بين ملك الملوك والقائد الضرورة؟

كفاح محمود كريم

    يحتار المرء بين نموذجين غريبين من الزعماء الذين حكموا وما زالوا يحكمون بلدان الشرق الأوسط منذ عشرات السنين وهم يرفعون شعارات ابعد ما تكون عما يفعلونه في حياتهم وفي تطبيقات حكمهم وما يحدث في نهاياتهم وهم يتساقطون كأوراق الخريف المصفرة الذابلة!

    ودعونا نقارن قليلا بين اثنين من هؤلاء الزعماء الذين اندسوا في غفلة من الزمن الى أعلى قمة الهرم في حكم البلاد، الأول عقيد ليبيا الذي حمل على كاهله القابا واسماءً مثيرة تارة ومضحكة تارة اخرى، وأكثرها إثارة ملك الملوك في افريقيا واسيا وهو يفترض ان يقود كما يقول عن نفسه جماهيرية عظمى هي الأحدث نظاما في الدنيا!؟

    وفي المقابل وعلى أديم اعرق الحضارات يمنح الدكتاتور العراقي صدام حسين نفسه اسماءً والقابا اقل ما يقال عنها انها كانت محل تندر وسخرية جميع الناس بمن فيهم المقربين منه، وهي القائد الضرورة وبطل التحرير القومي ونعمة السماء على الأرض، حتى تجاوزت أسمائه وألقابه الأسماء الحسنى للخالق تعالى وظهرت في الأسواق مطبوعات ملونة تضم أسماء صدام حسين التي تجاوزت المائة!؟

    رفع الاثنان شعارات قومية مثيرة جدا ولعل في مقدمة تلك الشعارات كانت الوحدة العربية التي تدحرج الاثنان معها تارة مع سوريا التي ابتلعت ما يقرب من نصف قيادة الدكتاتور وحزبه واتت تماما على ابسط أنواع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا حيث وضعت الى جانب اسرائيل في التعامل معها، والثاني في ليبيا طلق الأمة العربية ومن فيها من شعوب ورؤساء ليرتحل الى مجاهل افريقيا وما فيها من انسان وحيوان!؟

    كان الاول وفي بلاد عُرفت بالدشداشة العربية او السروال الكردي وغطاءيهما العقال او غطاء الرأس الكردي المعروف، يخرج على شعبه بأزياء هوليودية مثيرة للضحك والسخرية، تارة بشفقة الكاوبوي وربطته وتارة اخرى بأزياء الأسبان او البرتغاليين القدماء، وحدث ولا حرج عن اولاده وخصوصا ابنه البكر!؟

    اما الثاني ابن الخيمة والصحراء فقد احتارت شعوب الارض ودور التراث والازياء بما كان يرتدي من ملابس وأمتار طويلة من الأقمشة التي تتدلى من على كتفيه وهو يتصنع ويمثل دورا لا يليق برئيس دولة، بل بممثل كومبارس في حفلة تنكرية او مقطع تهريجي!؟

   ومن جهة اخرى حينما يتناولان المايكروفون والشاشة فكأنهما توأمان فكريان في أطروحاتهما الخيالية والبائسة وشعاراتهما الرنانة والجوفاء التي دمرت شعبين لو كان غيرهما قد تولى أمرهما لكان حالهما اليوم غير ما نراه ونشهده، وبينما كان شعبيهما يتقهقر الى الوراء انغمس الرئيسان في نظريات وافكار لتطوير الاشتراكية والرأسمالية والسلوك الاجتماعي والاقتصادي وأشكال جديدة مفصلة على مزاجيهما للدول والأنظمة.

    فبينما أعلن صدام حسين ذات سنة انه فكر لثمان سنوات حتى اكتشف انه ليس هناك طبقة عمالية وبذلك ألغى وظيفة عامل وفراش وحارس وجابي ومراسل ورزام وحولهم جميعا الى موظفين حالهم حال أي موظف آخر في الدولة، كان الآخر على سواحل المتوسط الشمالية قد الغى كل مؤسسات الدولة وعناوينها واستبدلها باللجان الشعبية، وهي مجاميع من مؤيديه ومريديه الذين ينعمون بنعائمه ورضاه، وهذه اللجان لها فعل وصلاحيات مجلس قيادة الثورة في العراق!؟

    الاثنان مهوسان بالقيادة وإنقاذ الأمم والشعوب فالأول القذافي بعد ان قرر ان الامة العربية لم تعد بمستوى طموحه وأفكاره ارتحل الى افريقيا بملياراته لكي يؤسس الاتحاد الافريقي ويكون إمبراطوره، وها نحن نشهد ماذا يفعل هذا الاتحاد الكارتوني في أيام القذافي العصيبة!؟

    وفي بغداد جمع صدام حسين بعد توقف حربه مع ايران كل من مصر والاردن واليمن في محاولة تأسيس اتحاد عربي يواجه الاتحاد الخليجي ونصب نفسه ايضا امبراطورا عليه حتى بانت الأسباب الموجبة وانكشفت عورات النوايا فتخلت مصر عنه وتفكك الاتحاد!؟

      أما حروبهما فحدث ولا حرج، الأول يريد أن يجتاح العالم ويؤسس جماهيرياته التي عرفت بأطول تعريف او اسم في العالم، فاندفع الى كل الاتجاهات من اوربا وتحديدا الجيش السري الايرلندي في المملكة المتحدة  حتى عصابات المافيا في ايطاليا والمخدرات وتجار الأسلحة في امريكا اللاتينية الى حروبه مع تشاد وتورطه في حملات اسلمة افريقيا، التي امتصت معظم واردات البلاد وأبقت ليبيا على ما شاهدناه منذ اندلاع الثورة هناك ومشاهد مدنها وقراها البائسة وهي صاحبة اعلى تصديرات في البترول قياسا بعدد سكانها البالغ قرابة الخمسة ملايين!؟

     والثاني نزع ملابسه المدنية وارتدى زيا عسكريا يحمل اعلى رتبة عسكرية وهي المهيب الركن وهو لم يخدم ساعة واحدة في الجيش بل ان كثير من التسريبات قالت انه كان هاربا او متخلفا عن الخدمة الإلزامية في حينها، وقد قاد حروبا داخلية وخارجية أتت على ما يقرب مليون قتيل  ومعاق، وتدمير كلي للبنية التحتية والمشاريع الصناعية والزراعية في البلاد، مقابل ان يحصل هو على القاب بطل التحرير القومي، وبطل السلام والحرب، وقائد قادسية صدام وما الى ذلك من هذه التسميات!؟

    القائمة تطول كثيرا لو استرسلنا في هذه المقارنة، ولكن الأكثر إثارة هو هذا التطابق الكبير في النهايات ايضا وفي سيناريوهات معالجة الثورة او الانتفاضة، فما يحصل الآن في ليبيا يذكرنا يوما بيوم بما كان يحصل هنا في العراق ابان انتفاضة شعبان والربيع 1991م، حينما انفرد الدكتاتور وعصاباته بالشعب بعد هزيمته في الكويت وما حصل من مجازر وإبادة جماعية للسكان!؟

   ما يخشى فعلا أن يستمر هذا التطابق ويتم إمهال العقيد سنوات أخرى محاصرا في عاصمته ومقيدا بقيود البند السابع ومطلق اليدين على شعبه كما حصل هنا لأكثر من عشر سنوات عجاف!؟

kmkinfo@gmail.com
 

 

264
حينما انتفضت كردستان

كفاح محمود كريم

    في ربيع 1991م وفي الأول من آذاره اندلعت انتفاضة كردستان العظيمة بعد اكثر من خمسة عشر عاما من حرب العصابات والإبادة الجماعية للسكان وسياسة الأرض المحروقة في انفالات دمرت اكثر من خمسة آلاف قرية وما يقرب من ربع مليون انسان تم تهجيرهم الى جنوب ووسط البلاد ومن ثم قتلهم ودفنهم في مقابر جماعية بصحراوات العراق الجنوبية والوسطى، انتفاضة اشتعلت في كل أرجاء البلاد ضد اعتى دكتاتورية عرفها العالم بعد نازية هتلر وفاشية موسوليني، حيث استطاعت جموع الثوار والأهالي من اختراق حاجز الخوف وتمزيقه وإسقاط نظام الاستبداد والدكتاتورية وقلاعها في معظم كردستان العراق خلال اقل من عشرين يوما، وفرض إرادة الشعب ومن ثم مؤسساته الدستورية من خلال انتخابات عامة تم إجراؤها في منتصف عام 1992م بعد انسحاب كل ما له علاقة بالنظام من كردستان، وبذلك انشأ الأهالي وفعالياتهم السياسية والاجتماعية سلطاتهم التشريعية والتنفيذية والقضائية من خلال تلك الانتخابات التي اشرفت عليها وراقبتها مجاميع من المراقبين الدوليين القادمين من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة وأنحاء أخرى من العالم إضافة الى العشرات من منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان والعفو الدوليتين.

    حقا لقد كانت الانتفاضة الاولى التي مزقت حاجز الخوف من الدكتاتور واجهزته وانطلقت لكي ترسم نظامها الجديد، فأقامت أول برلمان منتخب من الشعب مباشرة ليمثل كل مكونات المجتمع وفعالياته السياسية والثقافية، وليمنح الثقة لأول حكومة كردستانية وطنية في التاريخ المعاصر لحركة التحرر الوطني الكردي منذ إسقاط جمهورية مهاباد الكردستانية عام 1946م.

    لقد تم تمزيق ذلك الحاجز النفسي المرعب وتجاوزه وتحرير النفس البشرية من قيود ذلك السوط المتكلس في اعماقها منذ مئات السنين وهذا ما حدث بعد عشرين عاما من انتفاضة كردستان والعراق في تونس ومصر وليبيا التي تستنسخ التجربة العراقية حتى في صفحاتها المأساوية، حيث يتعرض الشعب الليبي الى الابادة الجماعية كما تعرض العراقيون في الجنوب والوسط بعد ايام من انسحابه من الكويت والسماح له باستخدام الطائرات السمتية لسحق الانتفاضة الشعبانية، بينما نجح الكردستانيون في الهجرة الجماعية الى الجبال بعد ان هدد النظام باستخدام الاسلحة الكيمياوية لابادة المنتفضين مما سرع في اتخاذ مجلس الامن قراره في الملاذ الامن وحماية المدنيين.

    لقد واجهت حكومة وبرلمان كردستان تحديات كبيرة من الداخل، حيث الدمار الشامل للبنية التحتية، ومن الخارج وضغوطاته بسبب الخشية من انتقال عدوى الاستقلال الذاتي لبقية أجزاء كردستان التي أصبحت واحة حرة في بلاد يحكمها الحديد والنار والحصار، تحولت خلال عدة أشهر من ملاذ آمن للكردستانيين فقط الى ملاذ آمن لكل العراقيين وفعالياتهم السياسية ووسائلهم النضالية إعلاميا وعسكريا وتنظيميا، حتى دخلت مرحلة ما بعد السقوط بمؤسسات موحدة ومتكاملة تعمل ليل نهار من اجل إحداث تغييرات مهمة في البنية التحتية للبلاد بدت واضحة جدا خلال السنوات الثماني الماضية من خلال الاطلاع على بيانات الأعمار والبناء والصحة والكهرباء والماء والتعليم الأولي والعالي والمواصلات والاستثمار الداخلي والخارجي، إضافة الى تطور ملحوظ في البنية الاجتماعية والتنمية البشرية وتحسن المستوى المعاشي للأكثرية من الأهالي وانخفاض واضح في نسب الفقر قياسا ببقية محافظات البلاد والدول المجاورة، رغم ما يواجه الإقليم من ظاهرة الفساد وانتشار المحسوبية والمنسوبية التي أخرت بشكل واضح تطور الأداء الإداري والمالي في الإقليم على ما هو عليه، وأنتجت مجاميع من الانتهازيين والطفيليين الذين ينخرون في مفاصل الدولة ومؤسساتها.

    إن بروز قوى معارضة في الانتخابات الأخيرة تنافسُ الحزبين الرئيسيين وتنجح في الحصول على ما يقرب من ربع مقاعد البرلمان، وإصرار الرئيس مسعود بارزاني على الاستفتاء الشعبي لمنصب الرئيس مباشرة وبشكل حر أتاح ظهور عدة منافسين على الموقع مما يدلل  على تطور الأداء الديمقراطي في الإقليم وإصرار قياداته على إنجاح التجربة التي بدأت منذ انتخاب أول برلمان كردستاني أواسط 1992م، ومن ثم تكريس النظام الذي تم اختياره منذ الأيام الأولى لانتصار انتفاضة كردستان في ربيع 1992م ألا وهو النظام الديموقراطي الذي يعتمد صناديق الاقتراع في التداول السلمي للسلطة وقبول الآخر المختلف سياسيا او عرقيا او دينيا او اجتماعيا.

    إن ما يحدث الآن باستثناء عمليات الخرق القانوني واستخدام العنف والتخريب في بعض الأحيان من مظاهرات واعتصامات إنما يعبر عن نجاح النهج الديمقراطي وإصرار البرلمان والرئاسة والحكومة على هذا النهج واحترام مشاعر الأهالي وحقوقهم في التعبير عن الرأي ضمن القوانين المرعية التي أنجزوها من خلال ممثليهم في المجلس النيابي، وهي بالتالي ليست كما يصفها البعض امتدادا او تقليدا لما حدث في تونس او مصر او غيرها لأنها تمثل إرادة شعب اختار هذا النمط من النظام في أول عملية اختيار حر له بعد تحرره منذ عقدين من الزمان دفع خلالها وقبلها بحورا من الدماء والدموع من اجل حريته واختياراته السياسية والاجتماعية، وهي بالتالي أي مثل هذه الأساليب في التعبير عن الرأي تأتي لتأكيد ان الشعب في كردستان وفعالياته السياسية الحاكمة والرئيسية منها والمعارضة انما تناضل من اجل إنجاح التجربة وانجاز مشروعها الحضاري، ولذلك نرى ان تحديات كبيرة تواجه كافة الأحزاب والفعاليات السياسية وبالذات التي تضع نفسها في خانة المعارضة ومن ابرز تلك التحديات هي الحفاظ على ما أنجزه الشعب مقارنة مع الآخرين من حولنا في كافة الميادين وأولها الامن والسلم الاجتماعيين، والانتباه الى عمليات الخرق والاختراق لتشويه هذه الممارسات ودفع الأمور باتجاه التعقيد وخلط الأوراق كما فعلت تلك القوى ابان الحرب الأهلية وهي تحاول الان اعادة عقارب الساعة الى الوراء وشحن الاجواء باتجاه تلك الحقبة المؤلمة والسوداء، ويقينا ان الشعب وقواه السياسية المخلصة لن تقبل بالتقهقر الى الوراء ولن تسمح بأي شكل من الاشكال خلق اجواء مشحونة بالكراهية والاحقاد باستغلالها واحدة من اهم حقوق الانسان في التعبير عن الرأي بشكل سلمي حضاري في نظام ديمقراطي برلماني.

    ان انتفاضة كردستان 1991م ارست نظاما ديمقراطيا برلمانيا يكرس التداول السلمي للسلطة ويعتمد التعددية وقبول الاخر ويعتبر صناديق الاقتراع في أي تنافس سياسي هي اقصر الطرق واسلمها لتداول السلطات، وقد اقرت كل الاحزاب والفعاليات السياسية والاجتماعية ومكونات الاقليم العرقية والدينية الكبيرة والصغيرة هذا الشكل من النظام، وهي بالتالي تؤمن بانه النظام الانجع لتطور الاقليم وتحقيق اماني الشعب واهدافه وحل كل مشاكله سواء في الداخل او مع الحكومة الاتحادية وفي مقدمتها المناطق التي ما زالت تعاني من ازدواجية العلاقة وهي التي تقع ضمن خريطة المادة 140 من الدستور العراقي الدائم.

kmkinfo@gmail.com
 


265
الله .. يا مصر الكبيرة

كفاح محمود كريم
 
    وتبقى مصر أم الحضارة وأم الدنيا فعلا كما كان يسميها ابناؤها منذ الأزل، كبيرة بعطائها وتاريخها وثقافتها وفنها وأدبها وطرافتها وثورتها، مصر التي اختزنت ثلثي حضارة الأرض والإنسان، مصر الرائعة بقديمها وجديدها الذي ابهر العالم كما أبهرت أهرامها وفراعنتها وحفارة قناتها كل البشر.
 
    مصر التي رفضت الدموية والعنف واستبدلته بغصن الزيتون والأغنية والشعر والغناء والمظاهرة والصبر الصبر والإصرار حتى نالت ما ارادت..
 
مصر التي حيت فاروق ورحلته بكل احترام واستبدلت ملكيتها بجمهورية عبدالناصر دونما دماء ودموع..
 
    مصر التي بكت دما ودموعا في حزنها حتى العظم حينما اغتالوا رئيسها الكبير انور السادات، فهي لا تعرف هذا النمط من الثقافة البائسة والتعاطي الهمجي.. 
 
   مصر التي أودعت أمانتها ومفاتيح حكمتها ورقيها بين أيدي رجال كبار قادهم حسني مبارك بعد اغتيال السادات.. مصر الكبيرة في حملها وتحملها، مصر الضاحكة في حزنها وفرحها..
 
   الله يا مصر الكبيرة في احداثها ورجالها ونسائها، فنا وادبا ومسرحا وغناء وسياسة وحربا وسلما..
 
   حقا لقد كانت هذه البلاد وشعبها وما يختزنه من حضارة قدوة رائعة للرفعة والجمال والحياة والعطاء وهي تقاوم غاضبة لم تنسى ان القلوب والشفاه لها حصة من الفرح والطرافة والأمل..
 
   لقد حاول البعض من السيئين الأوغاد تشويه تاريخ وحضارة هذه البلاد لكنما سرعان ما انتفض الشارع رجالا ونساء فأصبحوا حراس البلاد ومؤسساتها ومنظمي سيرها ومرورها ومنظفي شوارعها وأزقتها..
 
   واستمرت الانتفاضة في اروع واجمل واعظم ما شهدته البشرية في اول الفها الثالث ومطلع قرنها الحادي والعشرين..
   لقد كنت يا مصر اول قدح الحضارة وها انت ذي تسجلين للبشرية قدحات من السمو والرفعة والنبل.

 
   حقيقة لقد عالجت القيادة في مصر انتفاضة شعبها بكثير من العقلانية والحكمة والاعتراف بحتمية التغيير والحفاظ على البلاد وامنها وشعبها ومؤسساتها، فقد سجلت الأحداث وتداعياتها ذكاء وحنكة سياسية وحرصا وطنيا كبيرا من لدن قياداتها طيلة ايام الانتفاضة وبالذات الرئاسة وقيادة القوات المسلحة التي تدرجت بالتغيير منذ الخطاب الاول للرئيس مبارك وحتى خطاب التخلي عن صلاحيات الرئاسة لمجلس القوات المسلحة.
 
   حقا لقد تصرفوا بحكمة لا مثيل لها في شرقنا الاوسط وعالمنا العربي، فاستحقوا ان يكونوا الاوائل والقدوة في كسر حاجز الخوف من الانظمة ورؤسائها، وفي الحفاظ على البلاد ومؤسساتها، وفي المقابل لم تكن القيادة ايضا اقل في حكمتها ووطنيتها وطبيعة تعاطيها مع الاحداث، حينما انضجت الظروف خلال اقل من شهر لتسليم مقاليد الامور بشكل سلمي سلس، يؤمن انتقال السلطة الى المؤسسات الشرعية من خلال فترة انتقالية سيتم تحديدها لاحقا من قبل المجلس الاعلى للقوات المسلحة التي اثبتت وطنيتها ومهنيتها الفائقة خلال الاحداث والتعامل مع المنتفضين بكل رقي وحضارة.
 
    ان الدرس المصري جاء عصارة لحضارة غائرة في القدم لم يعرف عنها الدموية او العنف رغم وجودهما في مساحات ضيقة جدا في تاريخها الا انهما لم يكونا يوما سلاحا او علاجا او نمطا او سلوكا، درس تم تنفيذه بالاستفادة من كل دروس الماضي البعيد والقريب واولها الدرس العراقي وتداعياته وما حصل ابان السقوط وما تلى ذلك من دوامة العنف الطائفي والسياسي، ومن ثم التونسي وما رافقه من فوضى وتخريب ومحاولات التفاف على الانتفاضة.

 
   لقد بدأت مصر مرحلة جديدة في تاريخها سترسم فيها فعلا خارطة جديدة للمنطقة بأسرها، فهي مازالت منذ ألاف السنين قدوة ومنارا لما حولها، فحيا الله مصر وشعبها الأصيل وشبابها الطيب النبيل.
 
 kmkinfo@gmail.com
 



266
ثلاثي الانهيار: الفرهود والحواسم والفساد

كفاح محمود كريم

    من اجمل التحقيقات التي قرأتها منذ سنوات كانت تلك التي اجراها الزميل الكاتب والصحفي عبدالرحمن الماجدي مؤخرا على صفحات ايلاف تحت عنوان ( محلة التوراة في قلب بغداد.. إرث اليهود المنهوب )* وتحدث فيها عما حصل لليهود العراقيين من عمليات تقتيل ونهب وسلب، حيث يقول:
  ( هجم المئات من سكان بغداد على محلات اليهود العراقيين عام 1941 لينهبوا بالقوة كل ما خف أو ثقل حمله وغلا أو رخص ثمنه، بتحريض من حكومة رشيد عالي الكيلاني المؤقتة التي كانت توالي ألمانيا آنذاك وأطاحت بالوزارة، وأجبرت الوصي عبد الاله على الفرار، حيث كان للخطاب القومي والديني ضد اليهود أثره في هجوم الغوغاء على محلات اليهود والاعتداء عليهم ونهب ممتلكاتهم و قتل أعداد كبيرة منهم بينهم عدد من الاطفال الذين كانوا يلعبون قرب بيوتهم وهرع أهلهم للهرب داخل البيوت خوفا من هجمات الغوغاء، ولم تفلح تدخلات بعض جيران اليهود من المسلمين فقد وصل عدد القتلى نحو 850 قتيلاً من اليهود خلال يومين ودفن عدد كبير منهم في مقبرة جماعية في بغداد، ولم يعثر ذوو الأطفال على أحد منهم بين الأحياء يومئذ ).

  ربما كانت تلك بداية الفرهودات الحكومية التي تم تطويرها من مدرسة الغزو المعروفة في الجاهلية والتي استمرت الى ما قبل عقود قليلة من الزمان، حيث بدأت الانظمة الحاكمة تأخذ مأخذ العصابة او العشيرة في القيام بالغزو كما حصل في غزوات النظام العراقي السابق لشعبه في الشمال والجنوب او لجيرانه واشقائه، وما تبع ذلك من فرهود منظم تقوم به اجهزة ذلك النظام او تحت اشرافها كما حصل في اربعينات القرن الماضي مع اليهود العراقيين او ما حصل مع الكرد العراقيين في كركوك الذي عرف بفرهود كركوك حيث استبيحت اموال وارواح الاهالي من سكان المدينة، وكذلك حصل مع الكرد الفيليين الذين تمت فرهدتهم وانفلتهم باوامر واشراف مباشر من قبل قيادة النظام السابق، وما تلى ذلك من عمليات نهب وسلب في الشمال والجنوب، توجت اخيرا بالفرهود الاكبر او ما اطلق عليه بالحواسم، والذي ما زال مستمرا حتى يومنا هذا وبنجاح منقطع النظير  واشكال واقنعة اكثر تطورا وحداثة بالتعاون مع احدث عمليات الفساد المستوردة من الحلفاء والاصدقاء الجدد، وتحت شعارات ومزايدات اقلها شماعة النظام السابق!.

   لقد بحثت عن اصل كلمة فرهود بمعناها ودلالتها في اللهجة العراقية،  فوجدت تقاربا بين كثير ممن ارجعها الى ادغام فعل وصفة انتجتهما الحكومة العراقية مطلع اربعينات القرن الماضي واساسهما ( فر أي هرب  اليهود ) كما ذكر الكاتب كامل داود* في بحثه المنشور على صفحات  الحوار المتمدن، او كما جاء في تحقيق الزميل الماجدي حول مفهوم الفرهود الذي تبلور نتيجة كثرة الاستخدام والاستدلال على فعل ما، تنتجه عملية الفرار او الهروب، اصبح فر.. يهود ( فرهود ) ومن ثم اصبحت تعني إباحة الاستحواذ بأي شكل من الأشكال على كل ما تركوه الهاربين منهم او الباقين من اعداء الدين والدولة كما كانوا يوصفون!؟

     ورغم ان الأحداث في تلك السنوات وما تلاها من عمليات تطوير لمفهوم الفرهود لم تكن محط اهتمام الاعلام او الباحثين او حتى المهتمين بحقوق الانسان، فقد تطورت الامور والآليات من تعرض عشرات الآلاف من اليهود الى السلب والنهب الى عشرات الملايين من كل العراقيين وعلى معظم مساحة البلاد حيث وصلت مستويات الفرهدة ( وهي مصطلح اكثر حداثة من الفرهود ) الى عملية اكثر شمولية واتساع اطلق عليها اسم الحواسم الشهيرة التي طالت كل شيئ على الارض وباطنها وفضائها، حيث تعرضت هذه المرة كل البلاد باستثناء اقليم كردستان الذي كان يتعرض طوال تاريخه الى كل انواع الفرهدة والتحرير على طريقة الرفاق حينما كانوا يداهمون القرى والاحياء بحثا عن السلاح والهاربين والعصاة فيحملون في طريق مداهمتهم وتفتيشهم ما خف وزنه وغلا ثمنه؟

     ويقينا ان عمليات الفرهود لم تكن حصرا على العراقيين فقط، حيث شاهد الملايين من الناس عمليات الفرهدة التونسية واختها المصرية أبان انتفاضتيهما حيث تعرضت البلاد في اول الامر الى عمليات نهب وسلب محدودة، ويبقى الفرق بين الاثنتين وشقيقتهما هنا في العراق ان الدولة لم تكن منهارة تماما كما حصل حينما دخلت القوات الامريكية الى البلاد واحتلت العراق، واخيرا لن ينسى الامريكان كيف تعرضت ولاية سان فرانسسيكو قبل سنوات الى عمليات نهب وسرقة كبيرة طالت معظم محلات ومخازن المدينة حينما انقطع التيار الكهربائي عنها لساعات فقط، ومن هنا نستنتج ان كثير من عمليات النهب والسلب تحصل حينما تفقد الدولة قدرتها او تنهار مؤسساتها فتظهر مجاميع اللصوص وقطاع الطرق وتفعل فعلتها، الا ان ما يجري من فساد ونهب وسلب وفرهدة من خلال مؤسسات الدولة انما جاء امتدادا لتلك المهرجانات من استباحة الأموال العامة والخاصة امام اصحابها بل وعمليات القتل واحراق والابادة لما لا يستطاع حمله، كما كان يحصل في عمليات الفرهود في قرى كردستان العراق ابان السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وما حصل في كركوك من عمليات الفرهود سيئة الصيت نهاية والخمسينات ومطلع الستينات من نفس القرن، وما حصل من جرائم بشعة اثر انتكاسة الانتفاضة في الجنوب 1991م، حيث غدت تلك الممارسات مدرسة لتخريج هذه المجاميع المتمرسة اليوم بامتصاص الأموال العامة في كل مفاصل الدولة وقنواتها، حتى باتت البلاد من أكثر بلدان العالم فسادا وفشلا في الأداء الاقتصادي والإداري.

    وتبقى المصطلحات الثلاث: الفرهود وهو استباحة اموال الاهالي تحت انظار الحكومة او باشرافها، والحواسم نهب وسرقة الاموال العامة عند انهيار الحكومة، والفساد وهو الاثنين معا ولكن من خلال الدولة ومؤسساتها كما يحصل في كثير من الدول المصنفة بالفساد المالي والاداري، تبقى هذه المصطلحات تمثل تقهقر الدولة وفساد مؤسساتها ومن ثم ثلاثي انهيارها اجلا أم عاجلا.


 kmkinfo@gmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* رابط التحقيق:
http://www.elaph.com/Web/Politics/2011/1/627356.htm

* كامل داود:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=105419



267
هل من زلزال آخر يا عراق؟

كفاح محمود كريم

     في العراق انتهى عصر الرئيس القائد والضرورة رغم انه هناك من يريد دكترة دولة الرئيس او فخامته او سعادته وتكثيف بعض السلطات بيده او تحت إمرته، الا انه لم تعد هناك آليات وارضيات لقبول حكم مركز بيد شخص واحد او حزب اوحد او نظام بذاته وذلك لاتفاق الجميع على مرجعية وقانون عام هو الدستور العراقي الدائم، وهذا ما يفرح فعلا ويبعد تماما فكرة انجاز أي انقلاب يحاول السيطرة على كل البلاد، أو مركزة الحكومة والسلطات بيد شخص ما او مجموعة حزبية او قومية تخرج علينا بما كان يسمى دوما في فلكلورنا وموروثنا السياسي بـ (مجلس قيادة الثورة)، ورغم ان أي تغيير في طبيعة النظام ارتبطت بحدوث عمليات للنهب والسلب كما فسرها احد الفلاحين وهو يسأل عن طوابير الاهالي المتراصفة في انتخابات كانون ثاني 2005م حينما قلت له انهم ينتخبون مجلس للنواب وحكومة جديدة فضحك قائلا: 
 
  يعني هم راح ايصير خوذ وماخوذ وفرهود مرتللخ !؟

   الا ان انتخابات اذار 2009م اثبتت ان التداول السلمي للسلطة ممكنا في العراق دون ان ترافقه عمليات الفرهود والحواسم بشكلها الذي شهدناه سابقا.

     ومع ذلك استطاعت القوى المضادة من انشاء عناقيد طفيلية متعددة لا على المستوى السياسي فحسب، وانما في ميادين اخرى ايضا على شكل دكتاتوريات وكارتلات مالية واقتصادية نشأت طفيليا بشكل عمودي وانشطرت افقيا في ظل ظروف انهيار الدولة ومرحلة التأسيس من خلال الأحداث التي وقعت بعد الاحتلال مباشرة، وبروز طبقات تمكنت من استغلال الصراعات والفوضى للاندساس الى مفاصل الدولة وبناء اهراماتها المالية في الفساد والإفساد، حتى نجحت بالاستحواذ على رؤوس اموال ضخمة مكنتها من التأثير الجدي على حركة الحياة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا مما ادى الى توصيف البلاد بانها واحدة من البلدان الاكثر فسادا وفشلا!؟

   لقد كان في العراق عوجة واحدة وهي قرية الدكتاتور السابق، تحولت في عصره الى أم القرى وما تعنيه من امتيازات في كل شيئ، فيها وعلى اطرافها عشيرة او اسرة واحدة متنفذة وبيد افرادها زمام السلطة والمال، وحزب متسلط ومستحوذ على كل شيئ في البلاد، ودكتاتور واحد بيده كل مفاتيح الدولة والشعب، فاصبح لدينا اليوم عشرات العوجات التي ينتمي اليها زعماء القبائل السياسية وكتلها واحزابها وبالذات التي ولدت وترعرت بعد الحواسم، اضافة الى عشرات العشائر وشيوخها وافخاذها التي تحولت الى جيوش للصحوة والاسناد وميليشيات دينية او مذهبية او قاعدية، ولم يعد العراق يكفيه دكتاتور واحد فاصبح لكل من هؤلاء دكتاتور على مقاسه؟ 

    صحيح ان الفرهود بشكله المعروف لم يحصل بعد الحواسم، الا ان الفرهوديين والحواسميين استطاعوا تطوير تلك المفاهيم والياتها بحيث نجحوا في تحقيق نتائج باهرة فاقت ما انتجوه في فرهودات الأربعينات  ببغداد او في الستينات في كركوك او نهاية الثمانينات في كردستان واخيرا في الحواسم، فهم يفرهدون البلاد باكملها تحت يافطات مختلفة اقلها بل اكثرها رقة وحنان مرتبات ومخصصات ونثريات الرئيس ( بكل انواعه ) ونوابه، والوزير وعضو مجلس النواب ومجلس المحافظات ومن هم بدرجتهم ليوم الدين ( التقاعد ) وكل ذلك بقانون ولكن خارج قانون الخدمة والتدرج الوظيفي وسنوات الخدمة ونوعها كما هو معمول به في كل دول العالم، وكما انه لا يشبه أي معدل او متوسط او سقف اعلى لمعاشات أي رئيس او مسؤول في العالم اذا تتراوح مرتبات او مخصصات أي من الرئاسات الثلاث ما بين ( 360000 الى 700000 دولار سنويا ) فقط،  حسبما ذكرته النائبة شذى الموسوي، وتناست انها ايضا تتقاضى مع 324 نائبا آخر ما يقرب من 25 الف دولار شهريا أي بما مجموعه 300 الف دولار سنويا لكل نائب وتصور كم هي مرتبات ومخصصات مجموع اعضاء مجلس النواب؟ وفي هذا الصدد يعلق احد المراقبين في جوابه عن ضخامة تلك المعاشات والمخصصات انهم انما يقلدون رئيس النظام السابق حينما كان يعطي راتبا ضخما للقاضي لكي لا يرتشي او يتم اختراقه، فتبين بعد سنوات ان اعلى نسبة في الارتشاء كانت عند اصحاب الرواتب والمخصصات الكبيرة سواء كانوا قضاة او محافظين او جنرالات!؟

     يبدو واضحا اليوم ان ما يحدث في كثير من البلدان من انتفاضات مرده ليس مشكلة الديمقراطية وتداول السلطة فقط، بل اكثر ما يجعل الناس تحرق اجسادها هو العوز والفاقة والفوارق الهائلة في مستويات المعيشة بين الاهالي وانعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتدهور الخدمات، ولذلك يعتقد الكثير من الناس ان البلاد تحتاج فعلا الى زلزال شعبي توقده هذه التناقضات والاحباطات التي انتابت الاهالي وهم  يزدادون فقرا وبؤسا بينما تتعملق تلك الطفيليات فتصبح حيتانا وديناصورات، زلزال شعبي يحدثه حماة الدستور والمخلصين للعراق الجديد، يسجل هزة ربما تتجاوز درجات مقياس ريختر التي اعتدنا عليها في قياس ارتجاج الارض، زلزال تصاحبه عواصف تجرف اهرامات الفساد والفاسدين الذين سرقوا احلامنا وامنياتنا طيلة نصف قرن من العبودية والاستبداد، زلزال يطبق الارض على اولئك الذين كانوا اكثر الناس فائدة من تلك العقود الغابرة واكثرهم عمالة وارتزاقا لكل الانظمة الساقطة منذ تأسيس الدولة وحتى سقوط نظامها السياسي في نيسان 2003م، فاصبحوا اليوم قطعانا من الحيتان والديناصورات التي تسحق امامها الاخضر واليابس منذ سبع سنوات عجاف. 

kmkinfo@gmail.com
 

268
كردستان وليدة الشرعية الديمقراطية

كفاح محمود كريم

   أثار البيان الذي اعلنته جماعة التغيير في اقليم كردستان تساؤلات كثيرة ربما في مقدمتها هل ستأخذ كردستان تسلسلا في قائمة الدول التي تتعرض لانتفاضات شعبية مصحوبة بالفوضى والتخريب، متناسية ان الوضع في كردستان لم يكن حصيلة انقلاب عسكري او استحواذ على السلطات، بل ان الاقليم كيان فيدرالي يتمتع بنظام حكم ديمقراطي منتخب بشكل مباشر وحر من قبل الأهالي المؤيدين والمعارضين، وربما هناك الكثير من تلك التساؤلات ولكن يبقى السؤال الأهم لماذا هذا البيان وما الغاية منه في مثل هذه الظروف، خصوصا اذا ما علمنا ان السلطات الثلاث لم تأت بانقلاب عسكري او تسلط انفرادي دونما دور للآخرين ومن ضمنهم أصحاب البيان الذين شاركوا بشكل فعال في كل الأحداث منذ أولى ساعات الانتفاضة في ربيع 1991م وحتى يومنا هذه سواء كانت تلك الأحداث مما يعتز ويفتخر بها المواطن او يأسف لها ويخجل من ذكراها!؟

    وبعيدا عن التاريخ والجغرافيا وكيف ومتى واين، وصولا الى الحال بعد سنوات طوال في اول ربيع 1991م حينما بدأ الزمن يسجل ولادة كيان وملاذ للسلم والامان، تعبقه ارادة السكان ومن يمثلهم بعيدا عن السطوة والتسلط والنفوذ، حيث اختار الثوار والاهالي معا قانون الديمقراطية وقبول الآخر لحياة جديدة في الاقليم، ومن أجل ذلك كانت اول انتخابات حرة شفافة على هذا الجزء من دولة العراق بعيدا عن الدكتاتورية والاستبداد وذلك منتصف عام 1992م، ومنها انبثق اول برلمان كردستاني مثلت فيه جميع طوائف وفعاليات ومكونات الاقليم كل حسب استحقاقه الانتخابي بشهادة دولية معروفة آنذاك، لتنطلق أول حكومة كردستانية يمنحها البرلمان ثقته لتقود الإقليم الى آفاق التقدم والازدهار.

   لم تكن التجربة سهلة خصوصا اذا ما علمنا الإرث الثقيل من تراكم التخلف في كل مناحي الحياة في المدن والأرياف، بعد ان حطمت الحروب طيلة عقود من الزمان البنية التحتية للمنطقة تماما، فقد كانت المنطقة محاصرة بشكل مزدوج من قبل الأمم المتحدة والنظام العراقي بعد غزو الكويت، وتعرضت الى ضغوط هائلة من مختلف دول الجوار حتى ادت الى نشوب الحرب الأهلية التي كادت ان تدمر البلاد برمتها، لولا نداء العقل والروح الوطنية لدى كل المتخاصمين الذين ايقنوا ان مركبهم ان غرق فانهم سيغرقون جميعا دون استثناء، ففي كل هذه الأحداث صغيرها وكبيرها كانت كل الأطراف تشترك كل حسب حجمه وتأثيره سلبا او ايجابا بما فيهم اصحاب البيان الذي يدعو الى استقالة الحكومة والبرلمان الذي يتمتعون فيه بعدد غير قليل من الكراسي المؤثرة.

   لقد نجحت كل الأحزاب والحركات السياسية في انجاز السلام الاجتماعي والامن الداخلي من خلال توافقها ونضالها ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، وهيأت نفسها واقليمها للدخول الى حقبة ما بعد صدام حسين، وقيام الدولة العراقية الاتحادية الديمقراطية التعددية، لتساهم بشكل جدي ومؤثر في حياة العراق السياسية والاقتصادية الذي ابعدت عنه لعقود طويلة، ولكي تنجح في توحيد الإدارتين في إدارة واحدة اندمجت فيها وما زالت تندمج كل المؤسسات والوزارات وخاصة المؤسسة العسكرية والأمنية.

   واليوم وبعد ان افرزت الانتخابات الاخيرة في الاقليم هذا البرلمان الذي تستحوذ فيه المعارضة التي تتبلور الآن، على أكثر من ثلث المقاعد بما فيهم جماعة التغيير التي حققت بفضل نجاح التجربة الديمقراطية انتصارت مهمة جدا في الانتخابات التي وصفها المراقبون الدوليون بانها واحدة من الانتخابات النظيفة ضمن قياسات دولية واوربية متداولة، وهي بالتالي أي هذه الجماعة وغيرها من الفعاليات الكردستانية اشتركت وساهمت في كل عمليات النجاح والتقدم التي حصلت في الاقليم وفي ذات الوقت لها حصتها ايضا من التلكؤ والاخطاء والفساد والافساد اينما كان ومهما كان وحسب حجمها وتأثيرها.

   ان مؤسسات الاقليم كما قلت ويعرف الجميع لم تأت بانقلاب كولينيالي او بأجندة اجنبية، بل جاءت نتيجة مخاض جماهيري في عملية تحول من شرعية الثورة الى الشرعية القانونية والدستورية اشتركت فيها كل الاحزاب والحركات الوطنية الكردستانية، وساهمت بكل ما جرى من احداث وتطورات منذ انتفاضة الربيع عام 1991م ولحد يومنا هذا، سواء ما كان منها ايجابيا او سلبيا، وليس هناك عنصر واحد من خطوط المسؤولين المتقدمين في الدولة اعتبارا من رئيس الاقليم ونزولا الى رؤساء الوحدات الادارية والحزبية لم يمتد تاريخه النضالي الى سنوات طويلة في القتال من اجل حرية ومستقبل كردستان، كما انه لا احد ينكر وجود فساد في المال والادارة، ولا احد يتعالى على نقاط الخلل والاخطاء او ينكرها هنا وهناك، ويكذب من يدعي ايضا اننا واحة سويسرية او اوربية كما يحاول بعض المتفائلين جدا ان يخلطوا بين الحلم والحقيقة، كما انه ليس هناك عاقل يستطيع ان يقول اننا انجزنا شعار الانسان المناسب في المكان المناسب، او يدعي بعدم شيوع المنسوبية والمحسوبية والعشائرية في نظامنا الاجتماعي والسياسي، او ان نظامنا الاداري او المالي او الاقتصادي او حتى الاجتماعي خال من عيوب كثيرة ربما تصل في بعضها الى الجرم الخارق للقانون؟

     لكننا في ذات الوقت انجزنا انتخابات عامة تميزت بالايجابية والشفافية العالية حسب توصيفها من قبل معظم المراقبين الدوليين، واولهم الهيئة المستقلة للانتخابات العراقية وممثلي الاتحاد الاوربي والامم المتحدة والجامعة العربية، رغم ما حصل من خروقات هنا وهناك، الا انها كانت في حدود قياساتها الدولية في افضل بلدان العالم ديمقراطية، هذه الانتخابات انتجت برلمانا شرعيا ضم لأول مرة اعداد ليست قليلة ومهمة جدا من المعارضين للحزبين الرئيسيين، ومن ثم انجزت كابينة حكومية نالت ثقة غالبية اعضاء البرلمان واعترض عليها من اعترض ايضا، وفي نفس السياق تم انتخاب رئيس الاقليم من عدة مرشحين ونال السيد بارزاني ما يقرب من 70% من اصوات الناخبين، لقد انجزنا جميعا خلال عقد من الزمان فقط ما لم تنجزه الدولة العراقية منذ تأسيسها في اوائل القرن الماضي وحتى سقوطها في نيسان 2003م من مشاريع وطرق وجامعات ومدارس واعمار مدن وقرى وتحديث للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

    اذن مؤسسات اقليم كردستان لم تكن مصنوعة في دهاليز الحزب الواحد او ان رئيسها قاد انقلاب عسكري ليأتي الى قصر الرئاسة، وكذا حال حكومتها وكثير من المؤسسات الاخرى، فهي نتاج شرعية قانونية فرضتها نتائج الانتخابات العامة الأخيرة وهي بالتالي اتفاق بين كل الكتل والأحزاب والمكونات ومن ثم فهي تعكس اختيارات الاهالي في الاستفتاء الأخير، ولذلك لا اعتقد ان هناك أي فرصة لنجاح تمرد خارج عن القانون والدستور، فشعب كردستان يدرك جيدا إن كل ما موجود في الاقليم من برلمان وحكومة وقضاء وصحافة واعلام واجهزة امنية وعسكرية انما جاءت وليدة نضال دؤوب اشتركت وساهمت فيه كل القوى العاملة اليوم دون استثناء وكل حسب حجمه وقوته من اجل ذات الهدف التاريخي الوطني والقومي، ومن ثم فهي وليدة تجربة ديمقراطية امتدت منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي، وتمثل عصارة نضال هذا الشعب طيلة تاريخه المعاصر، في كل اجزاء الوطن وتمثل بحق أمل الشعب الكردستاني برمته، انها ليست ملك فرد ما او حزب بعينه او طبقة محددة بل هو ملك كل الأمة شبابا وشيبا نساءً ورجالا، وان كان هناك إخفاق ما او نجاح معين  او رأي مختلف فقراءته وتقييمه إنما يكون تحت قبة البرلمان وعلى سلم القانون والدستور، وكل هذه المؤسسات هي المرجع والمحك وغيرها يرفضه الشارع ويعتبره خروجا عن الشرعية وانتهاكا لتقاليد النضال المشترك من اجل ذات الأهداف المقدسة.

    كردستان وليدة شرعية ديمقراطية، ومؤسساتها الرئاسية والبرلمانية والحكومية بكل أشكالها نتاج تجربة دستورية وقانونية اشتركت فيها كل الأطراف المؤيدة والمعارضة، وهي تمثل عصارة نضال أجيال من الفلاحين والعمال وكل طبقات المجتمع ومكوناته العرقية والدينية والمذهبية، وهي بالتالي حلم الملايين من ابناء هذا الشعب عبر التاريخ وحري على الجميع احترام هذا الانجاز والاعتزاز به والعمل من اجل تطويره وتقليل مساحة الخلل والفساد من خلال الآليات المعمول بها في كل الديمقراطيات الحقيقية في العالم للوصول الى الهدف المرتجى لدى كل القوى بما فيها المعارضة التي تبلور واقعا جديدا نفتخر به جميعا لو نجحت  في انجاز معارضة وطنية تخدم وتعمل من اجل المصالح العليا لشعب اقليم كردستان ومنجزاته التاريخية.

kmkinfo@gmail.com



269
حكام ومسؤولين أم طغاة وحرامية؟

كفاح محمود كريم

    ربما ان مئات من السنين بما فيها من تراكم للقيم السلبية والعادات السيئة والسلوكيات المتوارثة من جيل الى جيل، انتجت انماطا من السلوك والظواهر تحت عناوين شتى من العباءات والقيم الاجتماعية بما يجعلها مشروعة او مقبولة في حدها الأدنى، رغم اختلاف الأزمان وتطور المجتمعات لكنها بقيت حتى لسنوات ليست طويلة واحدة من النوازع او التصرفات غير المستهجنة على اقل تقدير، وهي عمليات الغزو والسرقة والنهب والسلب تحت مختلف التسميات او التبريرات.

   ففي العقود الغابرة كانت كثير من الممارسات التي يعاقب عليها القانون ويقف بالضد منها، تبيحها الأعراف او في الحد الأعلى لا تستهجنها، وعليه فقد كانت سائدة في كثير من المجتمعات،  ومدعومة بكثير من المفاهيم والأعراف الجاهلية التي تختزنها وتنتجها المجتمعات البدوية والقروية عموما وتضعها في خانة الشجاعة والفروسية، وليست عمليات الغزو بين القبائل التي كانت سائدة الى ما قبل عشرات السنين الا واحدة من تلك الممارسات التي شاعت بين الناس وأصبحت مقبولة حتى بنتائجها المأساوية، هذه الغزوات او الممارسات التي تعرف اليوم بكونها جريمة عدوان واغتصاب وقتل وسرقة مصحوبة بالقوة او النهب والسلب، وهي واحدة من الجرائم الكبرى المخلة بالشرف، كانت جميعها تبرر تحت سقف الغزوات بين القبائل او القرى، ولم تكن من العارات بل كانت من المواقف والبطولات التي تتحدث بها المجتمعات في تلك الحقبة بكثير من الفخر والاعتزاز، وهي مليئة بالمآسي والمخازي!؟

      لقد كان السارق الى تلك الفترة من السنوات يعتبر رجل الليل الشجاع الذي لا يعيبه هذا الفعل الشنيع، حيث يطلق عليه في كثير من المجتمعات المحلية بـ ( الحشنشل ) الذي يتميز بالشطارة والجسارة في مداهمة البيوت الآمنة ليسرق أموالها وربما يقتل أصحابها أيضا إذا ما تطلب الأمر، بل على العكس كان محط إعجاب الكثير من الناس، فقد كان الشرف الشخصي وما يزال حتى يومنا هذا في كثير من المجتمعات، يتكثف ويختزل بالأعضاء التناسلية لكلا الجنسين بصرف النظر سلبا أو إيجابا عن ممارسات صاحبه خارج تلك المنظومة المحصورة هناك، بمعنى إن السرقة او القتل او الكذب او الاغتصاب او النفاق والتدليس والعبث بالأموال العامة ومصالح البلاد العليا والدنيا، لا يؤثر على سمعة الشخص وهويته الاجتماعية طالما كان شرفه الجنسي سليما معافى!؟ 

     صحيح إن جل هذه الممارسات كانت قبل عقود من الزمان وربما كانت تتركز في القرى والأرياف التي انتقلت بكثير من سلوكياتها وممارساتها الى المدن الكبيرة وأطرافها وشكلت مجتمعات هجينية مشوهة الشكل والمضمون أثرت بشكل سلبي على تطور المدن ومجتمعاتها المدينية وتسببت في فقدان خصوصية كليهما الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، الا أنها أيضا لم تسمح لتلك المدن ومجتمعاتها عبر كثير من هذه المراحل في احتواء تلك المجاميع القروية وتمدينها، بل حصل العكس إذ انتقلت كثير من العادات والتقاليد والممارسات القروية والبدوية الى المدن، مما أغرقها بأنماط من السلوك والتصرفات وأضفى عليها صبغة لا تتلائم مع نمط المدينة ونهجها ومراحل تطورها.
 
     وإذا كان ما حصل من عمليات سرقة منظمة لأموال الدولة ومكتنزاتها من قبل النظام السابق وقياداته وتهريبها الى خارج البلاد قد وضع في خانة رد الفعل لما حصل على خلفية ان البلاد تعرضت لاحتلال من قبل قوى اجنبية وانهم اقنعوا انفسهم باستباحة المال العام، فكيف نعلل ما حصل من عمليات سلب ونهب واسعة النطاق شملت معظم انحاء البلاد، ووصلت الى ذروتها في الاستحواذ على موجودات الدوائر والمدارس والجامعات من كل شرائح المجتمع باستثناءات لا تقارن مع حجم الكارثة التي وقعت!؟

     لم تمض الا سنوات قليلة الا واكتشفنا اجيالا جديدة من خريجي تلك المدرسة التي اباحت عبر مئات السنين الاستحواذ على كل شيء بالسرقة او الغزو او السلب والنهب، وما يرافق تلك العملية من اغتصاب او قتل وايذاء في عمليات منظمة ونوعية  بالشكل والمضمون من حيث الاختلاس والسرقة والفساد، التي تجاوزت مستوياتها القياسية في أي دولة اخرى من دول العالم، حيث اشتركت فيها مجموعات من مسؤولي الدولة بمختلف الدرجات الدنيا منها والعليا، والتي تحولت فيما بعد الى اخطبوط او مجاميع من مصاصي دماء يسرقون كل شيئ من خلال تواجدهم في مواقع  مهمة على مختلف الأصعدة، حيث الانتشار المريب والكبير للاختلاس والرشوة والاستحواذ على المال العام بشتى الطرق والوسائل، وتحت عناوين ومسميات مختلفة ابتداءً من تأسيس الكثير من المنظمات والجمعيات التي تدعي انها تمثل المجتمع المدني وتستنزف اموالا بوسائل ملتوية ومشبوهة من الداخل والخارج، وصولا الى الصفقات الوهمية وما يرافقها من قومسيونات وعمولات على مشاريع خدمية او اعمارية، اما وهمية هوائية، او تنفذ بنسب اولية وتباع الى مقاولين آخرين، وهكذا دواليك في متوالية ومتوازية فسادية وافسادية لايفقهها الا الراسخون في سرقة الكحل من العيون واللعب على الحبال التي انتشرت منذ السقوط وحتى يومنا هذا.

    والطامة الكبرى هي وصول العديد من هؤلاء المشبوهين الى مراكز القرار القريبة من مواقع حكومية وتشريعية مهمة كالوزارات ومؤسساتها، ومجلس النواب ولجانه، وكثير من المؤسسات المالية المرتبطة بالنفط والكهرباء والدفاع والداخلية والعدل وغيرها من دوائر الدولة، مما يسيء الى سمعة البلاد التي تم تصنيفها نتيجة تلك الممارسات في الاختلاس والسرقة، بواحدة من أكثر دول العالم فسادا في المال والإدارة، وهي بالتالي اهم ما يواجه الحكومة والبرلمان الجديدين وكل الخيرين من الوطنيين العراقيين من مختلف القوميات والأديان والمذاهب والأحزاب في كشف هذه المجاميع واستئصالها وتقديمها الى محاكمات علنية امام الرأي العام، قبل فوات الأوان وفوران تنور الشعب!؟

   إن ما يحصل اليوم من التهاب شديد وتحرك تاريخي في الشارع الشعبي لدى اكثر النظم شمولية في المنطقة، سواء في تونس او مصر والجزائر وغدا لدى اقرانهم ممن يماثلوهم في الاستبداد والفساد المالي والإداري، قد أشعل عاملا مهما آخرا ليس كما يعتقد الكثير من المراقبين والمحللين بانه العامل الديمقراطي او القومي فقط، بل هو عامل العدالة الاجتماعية والاقتصادية والشفافية في المال العام ونوعية الإدارة ورموزها، وعمليات الفساد والإفساد المالي والإداري وبطاناتهما التي تنخر في المجتمعات، فلقد شهدنا جميعا ما كانت تريده جماهير تونس ومصر، حيث لم يطالب أي من تلك الملايين بمنصب الرئيس او ثروته او ما يملك بل طالبوهم بترك السلطة لفساده وبطانته، ونادوا بالعدالة والشفافية وإيقاف الفساد ومحاربته، وإحقاق الحق ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب.
   

kmkinfo@gmail.com

270
الاتقاد الآدمي وسقوط الجبابرة؟

كفاح محمود كريم

  ربما لا ينظر البعض الى ما يحصل اليوم من عمليات الاحتراق التي يقوم بها مناوئين ومعارضين للأنظمة الشمولية، كونها تقع في باب الانتحار الذي عرفنا له معان كثيرة تتكثف في معظمها حول اليأس والإحباط الذاتي المتأتي من إشكالات شخصية سواء كانت مادية او اجتماعية كقضايا الشرف والإفلاس والخيانة، ومنهم احد الباحثين في معهد الأبحاث والدراسات حول العالمين العربي والإسلامي وهو الباحث ميكائيل عياري:

  ( إن هذه السلسلة من الانتحار حرقا علامة على مأزق سياسي وفراغ فكري، وتكشف أيضا الخلل الذي تعاني منه المجتمعات العربية ).
ويضيف الباحث على الصعيد الرمزي:
  ( النار تدمر وتبني، تميت وتحيي، على صورة طائر الفينيق الذي يبعث من رماده... وقد تمثل هذه الظاهرة أيضا حالة من التجدد السياسي: أحرق نفسي وأدمر الذين يدمروننا ).


    دعونا نعود قليلا الى الوراء مع اولئك الذين احرقوا انفسهم احتجاجا على عملية اعتقال الزعيم الكردي عبدالله اوجلان من قبل مجموعة من اجهزة المخابرات الدولية بالتعاون مع العسكر التركي في تسعينات القرن الماضي، والتي اثارت ضجة كبيرة في الشارع الأوربي عموما، وهي واحدة من اكثر ردود الأفعال مقاومة من مجموعات من الشباب العزل امام جبروت وطغيان الاستبداد والظلم. 

    انها ليست عملية انتحار نتيجة يأس او عجز او مرض، ولا هي عملية ايذاء للآخرين كما يفعل انتحاريو القاعدة وغيرها في قتل اكبر عدد ممكن من البشر بصرف النظر عمن تستهدفه عملية الانتحار من الأبرياء اطفالا كانوا أم نساء، بل هي واحدة من أكثر وسائل التعبير قساوة على الذات في كراهية النظام والطغاة، حينما يقرر صاحبها حرق جسده ليترجم مشاعره استنكارا لحكم هؤلاء الجبابرة، وصرخة معبقة بألم الموت احتراقا من اجل إيصال الفكرة وإثارة الرأي العام والجمهور لكي يتحرك باتجاه ذات الهدف متوخيا أن لا يؤذي من حوله بأي شكل من الأشكال وكائن من يكون.

    لقد أشعل الشاب التونسي ( محمد بو عزيزي ) شرارة الثورة باحراقه لجسده لتنتقل صرخاته المليئة بالرفض والمقاومة والمعبقة بألم الظلم والاستبداد الى كل شارع وحارة ومدينة وقرية، حتى ضاقت تونس الخضراء وجبروت حكامها، أمام رئيسها الذي ولى هاربا لكي لا يسمع مزيدا من تلك الصرخات التي ستحرقه هو الآخر!

    وخلال ايام قليلة انتشرت نيران الاتقاد الآدمي في كل من مصر والجزائر والعديد من الدول التي يتعرض اهاليها الى القهر فقرا او عبودية، فقد توفي الشاب الذي احرق نفسه في الاسكندرية قبل عدة ايام، وكان هذا الشاب عاطلا عن العمل وقد صعد الى سطح منزله في حي المنتزة (شرق الاسكندرية) واضرم النيران في نفسه، بينما اضرم مصريان اخران النار في جسديهما خلال الثماني والاربعين ساعة الاخيرة كما تمت السيطرة على شخص ثالث قبل ان يشعل النيران في نفسه.

ولم تقتصر عملية الاحراق على شباب في منتصف العشرينات او الثلاثينات كما جرت العادة لدى كثير من الانتحاريين، فقد أضرم محامي يدعى محمد فاروق في الأربعينات من عمره، النار في نفسه امام مقر مجلس الوزراء في القاهرة ونقل الى المستشفى مصابا بحروق خفيفة، لكنها أي تلك الحروق طالت مئات الآلاف لكي تحرك الشارع المصري الذي يلتهب الآن؟

    وفي معظم هذه العمليات يشعر صاحبها بمهانة كبيرة تنتقص من ادميته وكرامته مما يدفعه الى الاحتجاج باقسى انواعه دون المساس بالآخرين، فقد أضرم رجل خمسيني النار في جسده امام مقر مجلس الشعب المصري بعيد انتفاضة تونس بعدة ايام قائلا للمحقق وهو يلفظ انفاسه الأخيرة انهم يهينوننا امام اطفالنا واسرنا اثناء سعينا للحصول على حصة اسرنا من الخبز المدعوم؟، ولم تقتصر عملية اضرام النيران في الاجساد على تونس ومصر، ففي الجزائر حاول خمسة اشخاص انهاء حياتهم باضرام النار في انفسهم خلال الايام الاخيرة، وفي موريتانيا اضرم رجل النار في نفسه بالقرب من رئاسة الجمهورية، في صرخة مدوية مغطاة باللهيب يتعالى فيها الألم والرفض لكل مظاهر الاستبداد والظلم الحكومي للشعب.

     وعودة الى موضوع الانتحار بالنار فهو عارض من أعراض القلق الاجتماعي – الاقتصادي والسياسي والفكري ولا توجد له خلفية دينية، فالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هي التي تتصدر الاهتمامات وليس الجانب الديني. والأزهر لم يتردد في التذكير بأن الانتحار محرم في الإسلام، كما أن ظاهرة الانتحار حرقا ليست من العادات الشائعة والرائجة في المجتمعات الشرقية عموما. ومن المرجح أن محمد البوعزيزي حين أشعل النار في جسده بمدينته النائية (سيدي بوزيد) لم يتصور أنه سيجسد المصاعب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لشرائح واسعة من الشعب العربي ويتحول إلى هذا الرمز الكبير.

     لقد كشفت الأحداث الأخيرة الكم الهائل والعميق من مشاعر الكراهية والاشمئزاز تجاه الأنظمة المستبدة وجبابرتها المنفردين بالسلطة والمال والنفوذ، ومن نرجسيتهم المتعفنة التي أوصلت هذه المجاميع الى درجة الاتقاد رغم ما تردده كل وسائل الإعلام من تمجيد وتجميل لتلك الأنظمة ورموزها، هذه المشاعر المليئة بالحزن والألم والاعتراض والقهر تمثل مزاج الشعوب الحقيقي حينما يقرر ابناؤها إيقاد أجسادهم حرقا بكل ما في ذلك من الم وعذاب دون التفكير بإيذاء احد نتيجة تلك العملية إلا استثارة الرأي العام وتحريكه باتجاه الانتفاضة ضد الاستبداد والطغيان ورفض ذلك النمط المذل من الحياة، رفضا ومقاومة لتلك الأنظمة الفاسدة ورموزها التي انتهكت حقوق البشر والحضارة في اسلوب حكمها وإدارتها للبلاد وتشبثها بكراسي السلطة والنفوذ واستحواذها على مصادر المال العام بعيدا عن القانون والعدالة الاجتماعية.   

kmkinfo@gmail.com


   


271
حينما يهرب الرؤساء الطغاة؟

كفاح محمود كريم

   يقولون ان النمور اسرع الحيوانات في الجري، سواء كان جريها هروبا او وراء فريسة هاربة، لكن ما يحدث الان ومنذ عدة سنوات اثبت ان كائنات اخرى اصبحت اسرع من تلك النمور في الهروب وبالذات اذا ما كانت تحمل غنائمها او فريستها وهي تهرب، هذه الكائنات يطلق عليها الطغاة من رؤساء الدول والزعماء المنقذين والملهمين والقادة الافذاذ!؟

    لقد شهدنا ابان الثورة الايرانية في شباط 1979م هروب شاهنشاه زمانه حينما سجل مقياس ريختر لغضب الجماهير آنذاك هزات متتالية في ايران لم تمنحه الا دقائق للطيران خارج سماوات إمبراطورية فارس، وبقائه معلقا في الاجواء لعدم حصوله على موافقة الهبوط حتى من مامته الحنونة، الا بعد شق الأنفس وربما الملابس، وتدخل الرئيس السادات في قبوله ضيفا على ارض الفراعنة؟

    ويقول الكثير من مراقبي تلك الهزات ان تحليق الشاه جاء امتدادا لتحليق آخر سببه المرحوم محمد مصدق حينما اراد ان يحدث زلزالا خارج دائرة التأثير الأمريكي والبريطاني، فعاد شاه اشقائنا الى كرسيه الامبراطوري ثانية بحماية حلفائه الذين تخلو عنه في ( طرقته الاخيرة ).
 
    ولن نذهب بعيدا عما جرى في بغداد التي رفضت ان تحمي دكتاتورها كما ادعى هو واعلن ان الاعداء سينتحرون عند اسوار العاصمة الوهمية، فإذ به يترك كل تلك الجماهير العظيمة والجيوش الجرارة والقصور المضادة للحروب النووية ليأوي الى حفرة يداري فيها عورته وعاراته، بعد ان قررت ذات الأم الحنونة انتهاء اللعبة وإنزاله من القطار لوجوب استبدال الأوضاع والأحوال؟

    مرة أخرى أقول إن هروب دكتاتور لا يعني أبدا نجاح ثورة او انجاز انتفاضة ما، فالثورة تحتاج دوما الى رجال ونساء افذاذ وحكماء كباء ومفكرين عظام وشعب يعرف ماذا يريد، وزمن مهم لإحداث التغيير والتحديث في كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية، وكل ذلك لا يتأتى من قرارات عاطفية او متسرعة كما كان يحصل في دوامة الانقلابات التي تسببت في تقهقر البلاد وضياع فرص ذهبية للنهوض والتقدم.

    ان تطور الأحداث في تونس وربما في غيرها من البلدان التي ربما يحركها فتيل الاحتراق الآدمي تواجه قوى ذلك النظام المتمثلة ببقايا أجهزته الأمنية والعسكرية والفكرية والسياسية المنتشرة في تلك البلدان على شكل اضطرابات وفلتان امني وعمليات منظمة للتخريب والتدمير كما حصل هنا في بلاد الرافدين منذ سقوط نظام دكتاتور العراق في نيسان 2003م، هذا الاحتراق الآدمي الذي يظهر كما هائلا من الكراهية والغضب الشعبي ضد انظمة الحكم المتمثلة برؤسائها الذين التصقوا بالكراسي وتداولها وراثيا، كما حصل في سوريا وسيحصل في مصر او اليمن او ليبيا او غيرها من البلدان التي ادمنت رؤساءً يظنون انفسهم آلهة او اوصياء على الأمة ومصيرها!؟

   اذا كان رئيس تونس قد نجا بنفسه هاربا كما فعل قبله عيدي امين والنميري، فلم يجدي جاوجيسكو هربه نفعا فقد قضى معدوما مع زوجته قبل ان يرى بلاده وهي تتوج غيره، اعقبه دكتاتور صربيا العنصري ميلوسيفيتش المطلوب قضائيا، لتواريه بعد اشهر محاكما دولية وتنتهي اسطورته الدموية بتوقف قلبه في نيسان 2002م وهو سجين محكمة لاهاي، ولم يمض كثير من الزمن ليستمر ماراثون الهروب الرئاسي فيتوقف قليلا عند اطراف حفرة قرب بلدة تكريت وسط العراق حيث التجأ اليها دكتاتور بغداد هاربا بعد ان اوهم شعبه وشعوب امته بان اسوار بغداد ستشهد هزيمة اعظم دول العالم اطلاقا، وفعلا كانت الهزيمة للطرفين الاول ذلك المنكفئ في الجب ونظامه المتهرئ، والثاني برايمر الذي حول عملية التحرير الى احتلال مقيت وبغيض؟

   وفي كل هذه العمليات تبقى الشعوب هي التي تدفع فاتورة سقوط او هروب هؤلاء الرؤساء الذين كان بوسعهم دخول التاريخ ليس من مدخل الطائرة او الجب او المحاكمات الدولية، بل من اوسع ابوابه كما فعل الكثيرين من رؤساء العالم الذين حكموا بلدانهم كبشر اولا وكموظفين لتأدية مهام انسانية ووطنية، لا ككائنات خرافية مصابة بالنرجسية المقيتة والجوع القاتل للمال والنفوذ والسحت الحرام والقتل والإقصاء والتدمير.


   ترى هل سينجح الآخرون من أقران زين العابدين وأمثاله القريبين منه والبعيدين قراءة الأحداث ورؤيتها بعين ثاقبة أم انهم يبحثون عن وسيلة للهروب من بلدانهم في ماراثون التحليق او السقوط؟
   هل سيحترمون أنفسهم وعوائلهم ومشاعر شعوبهم ويتركون تلك الكراسي التي صدأت من طول جلوسهم!؟


kmkinfo@gmail.com    
 



272
احذروا.. إنهم يغتالون الثورة؟

كفاح محمود كريم

  هرب الطاغية وترك وراءه افواجا من اللصوص والقتلة، كما فعل مثيله قبل سنوات هنا على ارض الرافدين حينما اطلق سراح كبار المجرمين والسفاحين والسراق والقتلة قبل هروبه بعدة اشهر، لكي يكملوا المشوار من بعده، فيما اوصى اركان حكمه وقيادات نظامه بسرقة ونهب كل موجودات البلاد ومخازنها ومعسكراتها في ابشع عملية إفراغ للدولة من مكنوناتها المادية والوثائقية والفنية والمتحفية؟

    وفي الوقت الذي انكفأ دكتاتور العراق في حفرة تحت الأرض ليواري عورته وجرائم نظامه، حلق دكتاتور تونس طائرا في الأجواء تاركا منظومة متكاملة ممن تقع عليهم مهمة اغتيال الثورة او الانتفاضة، حيث بدأت فرق الغوغاء بالانتشار في المدن والبلدات على طول البلاد وعرضها لكي تثبت لتلك الجموع الثائرة ودول الجوار قبل غيرهم بأن ما يحدث هو نتيجة لغياب منقذ الأمة ومخلصها الهارب، كما يفعلون في العراق منذ سبع سنوات ونيف في إحراق الأخضر واليابس تحت مختلف الشعارات الرنانة والجوفاء، وهم يستهدفون الأهالي العزل في الشوارع والأسواق والمساجد والكنائس والمدارس بنافورات من الدماء التي لم ينزاح فيها قطرة من دماء المحتلين!؟

    صحيح ان دكتاتور تونس شد الرحال هاربا الى جنة اخرى بعيدة عن قصره وعبيده الا انه ترك نظاما اشرف على تربيته وصناعته لأكثر من عشرين عاما بذات الفكر والنهج كما فعل النظام هنا في العراق وترك سلوكيات ونهج في الثقافة والتفكير تعمل على إبطاء التقدم وتعرقل تحقيق الأهداف النبيلة في بناء عراق ديمقراطي حر.

      ان مجرد هروب دكتاتور لا يعني انجاز الثورة او التغيير المرتجى، فقد سجل التاريخ الكثير من عمليات الهروب والعودة، وما زالت ثورة مصدق الإيرانية وهروب الشاه في الذاكرة السياسية للشعوب الإيرانية، وفي تونس ما زالت قوى هذا الدكتاتور وغيره مهيمنة على كثير من المفاصل المهمة في الدولة والمجتمع وهي قادرة على إحداث تغييرات بالاتجاه الذي تريده وبالضد من آمال وتطلعات الأهالي، فمعظم المؤسسات المهمة في البلاد هي من إنتاج وتصنيع ذات الفكر الشمولي الذي صنعه الدكتاتور الأول بورقيبة ومن انقلب عليه لاحقا قبل عقدين من الزمان صنيعته علي زين العابدين، ابتداءً من المؤسسة العسكرية والأمنية وانتهاءً بالبرلمان وكثير من اوساط الطبقة المتوسطة.

     ومع كل الاحتمالات الواردة فان ما يحدث الآن يؤشر تطورا نوعيا في الأداء الشعبي المعارض في الدول ذات الأنظمة الشمولية، وهي بالتأكيد واحدة من اولى ردود الأفعال لعملية التغيير الجارية هنا في بلاد الرافدين منذ سبع سنوات، بكل ما رافقها من ايجابيات خلاقة ومن أخطاء او تشويهات من قبل معظم الأنظمة السياسية وأجهزة إعلامها التي تنتمي لعقلية وثقافة الحكم الشمولي.

     ويقينا ان ما يجري هنا في العراق من عمليات ارهابية وتعقيدات لتأخير او اعاقة تطور العملية السياسية والبناء الديمقراطي انما تتورط فيه كثير من هذه الانظمة ذات النظم المستبدة والدكتاتورية، لأنها تتقاطع وطبيعة التكوين السياسي والاجتماعي للنظام الجديد وفلسفته في التداول السلمي للسلطة والاعتراف بالآخر المختلف، ولكي تنأى بنفسها وانظمتها عن نيران التغيير التي تصب في خانة الشعوب وتعيد تعريفات كثير من المصطلحات والتسميات لكي لا يكون الرئيس موظفا يؤدي خدمة عامة حاله حال أي موظف آخر، بل ليبقى كما يريدوه في كل هذه المنطقة زعيما ومنقذا وملهما فوق الشبهات والشك والنقد، لا شريك له ولا معترض!؟ 

   ان ما يحصل اليوم في تونس يمثل رسالة مهمة جدا لشعوب هذه المنطقة بعد ان ذاقت الأمرين من حكم الطغاة المستبدين لعشرات السنين وهي تبشر ببداية عمليات تغيير واسعة النطاق في معظم هذه البلدان، ترافقها عمليات تشويه وصراع خفي لؤد الحركة او تقزيمها من خلال ما يحدث من تداعيات امنية تقوم بها اجهزة الامن المرتبطة بنظام الحكم كما حصل هنا في العراق طيلة سبع سنوات بالتعاون مع مخابرات واجهزة تلك الدول المعنية، محاولة اغتيال الحركة او الانتفاضة بشتى الطرق والأساليب، مستغلة كثير من نقاط الضعف والتناقضات التي انتجتها الأنظمة السياسية المستبدة على كل الصعد.
   
     انهم يرعبون الناس بأن أي تغيير في البلاد وطبيعة النظام ستؤول فيه الأحداث الى ما آلت اليه في العراق من حمامات للدماء وحرب طائفية او عرقية، وان النظام الحالي مهما يكن فهو افضل بكثير مما سيحدث من فقدان للأمن والسلم الاجتماعيين، وبذلك يغطون على تورطهم بكثير من تلك الحمامات وحتى الحروب الداخلية في العراق، حقا انهم يحاولون اغتيال مبدأ الثورة او الانتفاضة لدى الاهالي من خلال الترهيب واشاعة الفوضى وعمليات السلب والنهب وفقدان الأمان.
   
 kmkinfo@gmail.com


 
 

273
المنبر الحر / مدن تغمرها القرى؟
« في: 15:37 09/01/2011  »
مدن تغمرها القرى؟

كفاح محمود كريم

    واحدة من اخطر ما يواجهه المجتمعات العراقية اليوم هي مشكلة هذا التراكم الكبير للقرى حول وفي مراكز المدن العراقية عموما وما ينتج من ضياع وتشويه لهوية القرى والمدن على حد سواء، فقد تحولت معظم هذه المدن الى مجتمعات قروية على شكل احياء ومجمعات تم ادغامها داخل تلك المدن مما اضاع هوية الكثير منها ومن تقاليدها وعاداتها على حساب انحسار المجتمعات القروية واحداث تفريغ كبير في البنية الريفية سواء بشكل متعمد او كناتج لسياسة خاطئة افرزتها عقود من النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاسدة، وفي مقدمة ذلك الدورة الاقتصادية المعروفة بانتاجها الاسري في الارياف بدءً من انتاج البيض والحليب ومشتقاته وصولا الى المنتجات الزراعية الموسمية الى جانب الحبوب وبالذات الحنطة والشعير والرز في معظم ارياف البلاد.

   ونتيجة لهذه العملية المبرمجة منها والعشوائية فقد انكمش الريف انكماشا واضحا وتحولت دورة حياته الانتاجية الى عجلة استهلاكية تسحق امامها معظم وسائل الانتاج الريفية التي اشرنا لها رغم بساطتها وبدائيتها الا انها كانت تسد فراغا كبيرا في اسواق المدن التي انقلبت فيها موازين الاستهلاك والانتاج، حيث كانت وحتى مطلع الستينات من القرن الماضي تغرق اسواق المدن بمنتجاتها الزراعية والحيوانية من الخضراوات والفاكهة والبيض والدجاج والاغنام والابقار وما تنتجه من حليب والبان واجبان، والطرف المستهلك والمشتري كان ابن المدينة في معظم الحالات حتى تغيرت المعادلة تدريجيا فاصبحت معظم قوائم المشتريات تعتمد في اساسياتها على سكان القرى سواء الذين مازالوا في مناطقهم او ممن ارتحل منهم الى المدن وغمرها باستهلاكه، ورافق كل ذلك انماطا قروية وزراعية في السلوك والعادات والتقاليد غمرت المدن واحالتها الى قرى كبيرة فقدت فيها هويتها على حساب انحسار خطير للبنية الاجتماعية والجغرافية والانتاجية للمجتمع في تكوينه القروي والزراعي او المدني على مستوى المدن، فلا القرية حافظت على هويتها المتميزة في العادات والتقاليد والانتاج ولا المدن تطورت بنهجها المدني حيث اجتاحتها القرى وبدت مغمورة تماما بأنماط استهلاكية وسلوكية هجينة مسخت هويتها وأوقفت تطورها النوعي.

     لقد حاولت السلطات في مقتبل السبعينات من القرن الماضي إحداث هجرة معاكسة للقرويين الذين نزحوا الى المدن ببعض الإغراءات التي استغلتها تلك المجاميع القروية واستحوذت عليها دون ترك المدينة مما تسبب لاحقا في فشل الحملة التي تميزت بالفوقية وعدم التخطيط مما ادى الى مضاعفة الهجرة الى المدن بعد ما تم استخدام القرويين في اجهزة النظام الخاصة وخاصة بعد عام 1975م، ومنحهم إغراءات الهجرة الى المدن ومنها قطعة الارض وبدل البناء ( العقاري ) وبالذات الى المناطق التي تتميز بفسيفسائها الديني والقومي والمذهبي مثل الموصل وكركوك وديالى وتكريت وبعض من بلدات الانبار وبابل والنجف وكربلاء مما ادى لاحقا الى احداث تشويهات ديموغرافية كبيرة انتجت صراعا اجتماعيا وقوميا ومذهبيا لحد يومنا هذا.

    لقد تضاعفت هجرة القرويين وسكان الأرياف عموما بشكل كبير منذ سقوط النظام السابق وانهيار مؤسسات الدولة اثر عملية الاحتلال التي تعرضت لها البلاد في آذار 2003م، حيث نزحت عشرات الآلاف من الأسر والأفراد الى اطراف المدن وسكنت مقرات ومعسكرات وكثير من دوائر النظام السابق وخاصة في بغداد العاصمة والمدن المقدسة في كربلاء والنجف وسامراء والكاظمية وفي مدن الشمال العراقي التي تعرضت لتغييرات ديموغرافية طيلة ما يقرب من نصف قرن تسببت في ترحيل مئات الآلاف من السكان الأصليين وإبدالهم بآخرين من قرى ومدن وبلدات من الجنوب والوسط، أو إخراجهم من مراكز المدن وإبعادهم الى مجمعات قسرية خارجها كما حصل في الموصل وسنجار وزمار والشيخان ودهوك وكركوك وديالى وتكريت واطرافهم.

    وبعد السقوط وانتهاء عصر الدكتاتورية عاد عشرات الآلاف من أولئك  المواطنين الذين تم تهجيرهم عنوة من مدنهم وقراهم الى حيث كانوا يسكنون في قراهم ومدنهم ومزارعهم، فلم يجدو بيوتا او حقولا الا وقد سكنها اناس آخرون، فقد استوطن مواطنون آخرون تم استقدامهم من مناطق أخرى ليحتلوا مكانهم في واحدة من أبشع عمليات القلع الاجتماعي البغيض لكلا الطرفين بغرض التغيير الديموغرافي والإغراء للطرف الآخر، مما جعلهم يقيمون في مقرات ومباني حكومية ومعسكرات للجيش وسقائف هشة واوضاع معاشية سيئة للغاية، مما أدى الى نشوء كثير من الإشكاليات والصراعات بين السكان الأصليين القادمين والمستوطنين الذين يعرفون بأصحاب العشرة آلاف دولار!؟.

   لقد تمت السيطرة النسبية على تفاقم الاوضاع الاجتماعية او الامنية التي قد تؤدي الى اندلاع صراعات قومية او عرقية او مذهبية او دينية في تلك المناطق التي تسمى بالمناطق المتنازع عليها، لحد هذا اليوم من خلال اجراءات ادارية متوزنة الى حد ما مدعومة بمجموعة من المواد القانونية والدستورية التي تضمنتها اخيرا المادة 140 من الدستور العراقي الدائم والتي تتكفل في حل كافة الاشكاليات ومنازعات الملكية سواء بين المواطنين فيما بينهم او مع الحكومة الاتحادية ومؤسساتها. 

    واذا كانت عملية اعادة القرويين وسكان الأرياف الذين سكنوا المدن طيلة الأربعين سنة الماضية حتى سقوط النظام عملية صعبة ومعقدة على الأقل مع الجيل الثاني الذي ولد ونشأ وترعرع في المدينة، فان التفكير بإعادة او التشجيع على الهجرة المعاكسة الى الأرياف اختيارا وليس عنوة لا تأتي من خلال قرارات فوقية ورغبات مجردة أو قسرية، بل تحتاج الى جهد وطني كبير للارتقاء بالريف العراقي وخاصة القرية وما تحتاجه لتثبيت السكان فيها والعمل على استقطاب الآخرين المهاجرين في المدن واطرافها الى مجمعات سكنية حديثة على شكل قرى متحضرة في ذات الأمكنة او قربها، لا تختلف عن المدينة في خدماتها الأساسية من ماء وكهرباء ومدارس وطرق معبدة، مع إيجاد فرص عمل من خلال دورة الإنتاج الريفي والزراعي، خاصة وان امكانيات البلاد الحالية تساعد على انجاز نقلات نوعية في حياة الفرد والمجتع وهي لا تحتاج الا الى تخطيط علمي وارادة وطنية خالصة ونزاهة وبياض في القلوب والايادي!؟

kmkinfo@gmail.com

274
الوزارة العراقية: ترضية أم تنافس؟

كفاح محمود كريم

    سبق وان تناولنا ذات الموضوع ولكن تحت عنوان آخر موسوم بـ حكومة جبر الخواطر او المراضاة التي انتجتها عشرات الاجتماعات واللقاءات، كللها مؤتمر اربيل الذي دعا اليه رئيس اقليم كردستان العراق ومنه انطلقت مبادرة الرئيس بارزاني وما تلاها من جولات تفاوضية تمخضت اخيرا على تقاسم السلطة باسلوب المشاركة وترضية الجميع، حيث نجح الفرقاء في انجاز التوافق على انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ومن ثم تشكيل حكومة المراضاة بين جميع الاطراف الا من كان يمتلك مقعد او مقعدين وحرمهما دولة الرئيس من الاستيزار او الترشيح لمجلس الحكومة، وبذلك اغلقت الابواب كافة امام تشكيل كتلة للمعارضة، الا اللهم اذا نجحت مقاعد الشتات التي تتألف عادة من واحد الى ثلاث او اكثر بقليل لتشكل كتلة للمعارضة في البرلمان الذي خلت مقاعده من مشاكسات الرأي الاخر، لتقف بالمرصاد للحيتان الكبيرة او اسماك القرش في محيط مجلس النواب العتيد!.

     وليس بخاف على احد ما ينتظره المواطن والاهالي عموما، فهم ليسوا معنيين بالاسماء ولا بالمناصب ولا يطمعون بمنافسة احد منهم على منصبه بما في ذلك مناصب الفخامة والسعادة والمعالي، بقدر تعلق الامر بمصالحهم الاساسية وهي تختزل دائما ومنذ عقود، بعدة مطالبات لا تتجاوز في اكثر الاحيان والامور تفاؤلا عشر مطالب او ربما اقل، وفي مقدمة ذلك الامن والسلم والعدالة الاجتماعية، وموضوعة الكهرباء والبطالة والسكن، ويعقبهم في الاهمية بعد ذلك ما يتعلق بالبنية التحتية للخدمات وفي مقدمتها شبكات الطرق والمجاري والارياف والانتاج والاستيراد، فقد اغرقت الاسواق ببضائع مستوردة كانت تنتج محليا، حتى ترى في اسواقنا التمر المستورد وما ينافس لبن اربيل ومياه دجلة والفرات، حتى كادت عجلة الانتاج الزراعي والحيواني والصناعي ان تتوقف تماما!؟

     واذا كانت واحدة من ابشع جرائم النظام السابق تجفيف الاهوار، فان ما يجري الان ومنذ سبع سنوات من اغراق للسوق بكل ما تنتجه ارض البلاد في الجنوب وفي الجبال من الذ واطعم ما خلق رب العباد، تعد اكثر بشاعة من تجفيف تلك الاهوار فهي تجفف الارض والانهار وتقتل بوادر الانتاج والابداع وتحيل الانسان الى كائن مستهلك غير منتج، وهي ايضا تنافس اقذر جرائم النظام في مقابره الجماعية وانفالاته التي نافست كل عارات البشرية عبر التاريخ، ما تفعله اليوم ومنذ سبع سنوات عصابات التهريب لثروات العراق وخيراته بشكل منظم لإفراغه تماما مما يتميز به من كنوز في الزراعة والثروة الحيوانية والبشرية.

     واذا كانت هذه الحكومة قد تشكلت على اساس المراضاة فان ما يرتجى منها اليوم وغدا، ان يبدأ اعضاؤها بالتنافس في ما بينهم من أجل خدمة المواطن والاهالي، لكي تثبت كل الكيانات والاحزاب انها وصلت الى دفة الحكم لخدمة البلاد لا الى خدمة الذوات الذين انتشروا منذ عدة ايام في عرض البلاد وطولها، ومنهم من حزم حقائبه ليزور بلاد الجوار وما بعد الجوار، نتمنى جميعا ان تكون تلك الغزوات لله ولعباده لا للتباهي او المزايدة واستعراض العضلات، فالكل هنا يغني لـ ( ليلى ) وليلى تثقلها الجراح ويتعالى انينها حتى لا يستر الليل عورتها ولا البيوت تحجب اعداؤها!؟،   فقد مل الشعب من كثرة الاقاويل والاكاذيب ولم يعد يصدق ( واٌقسِم ) لو قالت له الحكومة وهي تؤشر للشرق انه شرق لما صدق ذلك!؟ 
 
    ان فقدان الثقة بين الاحزاب والمكونات ومن ثم بين الشعب والحكومة وبقية السلطات الاتحادية يحتاج اكثر ما يحتاج اليوم الى تنافس كل هذه القوى من اجل اعادة تلك الثقة المفقودة من خلال التنفيذ الجدي لتلك الوعود التي قطعتها الكتل والاحزاب والمرشحين لمجلس النواب والحكومة ايام كانوا يحتاجون اصوات الناخبين وتأييد الأهالي، وقد وصلوا اليوم الى تلك المراكز التي تؤهلهم لتنفيذ بعضا من تلك الوعود ولا نقول جميعها،  لترضية الاهالي واقناعهم بشرعية وجودهم ولكي يكونوا ثانية بعد سنوات اربع قادمة حاضرين حين الطلب لمنح المجدين والصادقين ثقة بتوليهم مراكز أخرى أكثر تقدما او تأثيرا.

     ان حلبة اثبات الشرعية مفتوحة امام الجميع لتأكيدها والعمل بموجبها، والصراع الآن في الساحة هو لإثبات وإعادة الثقة بين الأهالي ومن يدعي تمثيلهم او قيادتهم، فاذا لم ينجحو في تشكيل الحكومة الا بالمراضاة وجبر الخواطر فان التنافس هو الوحيد الذي سيثبت نجاحهم وتقدمهم وشرعيتهم، هو التنافس من اجل الاسراع في حل مشاكل المواطنين وتحقيق مطاليبهم الاساسية في الحياة الحرة والكريمة بعيدا عن المزايدات والشعارات التي تسببت في انهيار الدولة وسقوط النظام بعد حكم ما يقرب من اربعين عاما من اللف والدوران والأكاذيب والوعود الجوفاء التي أدت الى ضياع كل شيئ بما في ذلك المال والجاه والسلطة والحياة!؟



kmkinfo@gmail.com


 

275
المنبر الحر / حكومة المراضاة !؟
« في: 14:07 28/12/2010  »
حكومة المراضاة !؟

كفاح محمود كريم

    ربما لأننا في اول تجربتنا الديمقراطية التي تم تدشين مراكبها في اول اشهر 2005م ونجاحنا في العبور الى الضفة الثانية من الحكم دون دبابات واعواد مشانق وبيانات لمجلس قيادة الثورة وغيرها من فلكلور الحكم مما اعتدنا عليه مع فجر اول يوم من ايام انقلابات عسكرنا ومن يقف ورائهم من الداخل والخارج منذ ما يقرب من نصف قرن، حيث ارتضينا في اول انتخابات تتجاوز النسب الفلكية المعروفة في هذه البلاد ( 99،99 ) ويمتدحها اناس غير مرتشين او متملقين، اسلوبا اخرا للوصول الى القصر الجمهوري دون قتال واراقة دماء او الاستحواذ على كل شيئ في القصر وما حوله من مال ونفوذ وجاه وحكم، حتى وان تمت العملية باستخدام طريقة ( المراضاة ) العراقية المعهودة لكي نتجاوز الفاصل او الساتر السايكولوجي!؟

   وربما ايضا تضايق الكثير وتململ وتشكى من تأخير تشكيل الحكومة التي تمثل نتائج صراعنا السلمي الذي وقع يوم 7 اذار 2010م، في الاشهر الاولى للتجاذبات التي رافقت عملية جر الحبل بين المتنافسين على كعكة السلطة والمال، الا ان ما حصل اخيرا يؤكد بداية مقنعة الى حد ما في تداول السلطة وان كان جبر الخواطر هو ما رافق هذه البداية طالما يتم استبعاد التداخلات الجراحية والالوان المثيرة التي تنتجها تلك الجراحة، والاستعاضة عنها بتقاسم غنائم العملية سلميا حتى وان استخدمت طريقة  ( المراضاة ) وتبويس اللحى والعناقات المكتظة بـ عفى الله عما سلف التي نأمل ونتمنى أن لا تفعل فعلتها كما حصل واطاحت بالزعيم الكريم عبدالكريم قاسم رحمه الله قبل ما يقرب من نيف وخمسين عاما؟

    حقا لقد نجحت نخبنا السياسية وزعمائها في اقامة حكومة شراكة وطنية ساهم ويساهم فيها الجميع دون كسر لخواطر احد الا من وصفهم رئيس الوزراء المبتلى بتشكيل هذه السلطة، باصحاب المقعد او المقعدين في مجلس النواب الاخير الذين طالبوا بشدة والحاح واصرار على دخول الحكومة، لكن كرنفال جبر الخواطر لم يشملهم، مما قد يؤدي بهذه المقاعد المتناثرة هنا وهناك الى بلورة كتلة برلمانية تقوم باداء مهمة المعارضة تحت سقف البرلمان وتعمل على مراقبة الحكومة ومحاسبة اعضائها الذين يمثلون الاكثرية الساحقة من الكتل والاحزاب السياسية، او ربما تؤدي عملية اشتراك كافة القوى في هذه الحكومة الواسعة من حيث يدرون او لا يدرون الى نشوء وتطور جيل اخر من المعارضة خارج المجلس او ربما خارج المنطقة الخضراء ليسهل عليها استخدام وسائل اخرى في التعامل مع الاخر من خلال كاتمات الصوت او العبوات اللاصقة والناسفة بدلا من ضجيج مجلس النواب وصراخات بعض الاعضاء او شخيرهم؟

    ان نجاح السيد المالكي في تشكيل الحكومة لن يخفف عليه صعوبات جمة سيواجهها وهو يقود فريق وزاري تجاوز عدده الاربعين وزيرا يفترض انهم يمثلون كافة الكتل والاحزاب وزعمائها والمقربين منهم من المنسوبين والمحسوبين والعشائر والشخصيات العراقية كل حسب حجمه وحصته وتأثيره، مما سيحيل الوزارة الى مجلس للاعيان اكثر من كونها سلطة تنفيذية حسب ما جاء في برنامجها او تعهدات كتلها واحزابها التي دفعتها الى سدة الحكم، وسيترك ذلك اثارا بالغة على مدى مصداقية الشعارات والاهداف المتوخاة من تشكيل حكومة شراكة وطنية ساهم فيها الجميع بينما خلت مقاعد البرلمان من أية معارضة منظمة او غير منظمة الا ما كان منها بضع شظايا هنا وهناك لا تضر ولا تنفع؟


    لقد نجحت النخب السياسية العراقية في تجاوز محنة الحكومة بتشكيل حكومة المراضاة أي التراضي لكنها فشلت في السماح بنشوء وتبلور معارضة وطنية تستخدم وسائل برلمانية ديمقراطية في مراقبة ومعارضة السلطة والنظام عموما، مما قد يؤدي الى تفاقم استخدام اساليب اخرى تحت مسميات وشعارات افضلها فساد الحكومة واتعسها مقاومة المحتل ولا تخضع لسيطرة هيئات الرئاسة او انظمة التحاور النيابي!؟

kmkinfo@gmail.com

276
لنتحاور.. من أجل مستقبل مشرق

كفاح محمود كريم

    ربما يفهما البعض بانها مفردة تعني الامر بالحوار، الا ان ثمة من يقول انها تعني علاجا وملاذا للمختلفين والمتخاصمين جميعا في الرأي والفكر، بعد ان جربوا كل وسائل العنف والتقاتل وتبادل الاتهامات والتخوين والتشهير التي استنزفتهم واضعفتهم دون استثناء، ففي بلادنا ذات التاريخ الاقدم والحضارات الاعرق والتنوع الاكثر تفردا في العالم، والانسان الاكثر حساسية بين البشر، ومنذ تأسيس دولتها السياسية في مطلع القرن الماضي لم تتعود على لغة الحوار وقبول الاخر المختلف الا في فواصل ضيقة من تاريخها، بل كانت ساحة صراع مرير سواء المعلن منه في حروب شهدتها عبر التاريخ او غير معلن في حروب اهلية استمرت طيلة عقود عجاف راح ضحيتها الاف مؤلفة من خيرة رجال ونساء مكونات هذا الشعب الذي سادت ازمانه طويلا لغة العنف والاستبداد والغاء الاخر، حيث استبدلت الانظمة الحاكمة مبدأ تداول السلطة سلميا  عن طريق صناديق الاقتراع بدبابات تسيطر على القصر الجمهوري وعدة مئات من القتلى والمعتقلين ومن ثم عهود من البؤس والتقتيل، حتى دخلت البلاد في اتون حروب مدمرة كادت ان تحيل العباد والبلاد الى كومة من تراب.

    كومة التراب هذه التي تمناها النظام السابق وتوعد بها للعراق بدلا من الحوار مع الاخرين اذا ما ازيح عن السلطة، كلفت الشعب بما فيهم اتباعه ومريديه ملايين الضحايا من القتلى والجرحى والارامل والايتام والمهجرين والنازحين، وبلاد يكاد يمتزج أنينها مع تقهقرها بسبب انشغال كامل مؤسسات الدولة بالعسكر والشرطة وما يحتاجون من عدة وعدد على حساب تطور المجتمع وخدماته الاساسية، هذا الصراع العنيف بين قوى الماضي المستبد والدموي وبين النظام الجديد ورغم الصور القاتمة امام البعض مما يجري منذ سنوات طويلة فان هناك عملية تحول كبيرة على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية رغم قساوة الهجمة التي يتعرض لها الشعب، ولعل اهم ما في عملية التحول هذه هي اسلوب تداول السلطة وقبول نتائج الانتخابات والرضوخ لما يريده الشعب، بعيدا عن التكابر والاستئثار بالسلطة او الاستبداد والغاء الاخرين.

   ان قبول الاخر المختلف هو سمة من سمات التحول الى المجتمع الديمقراطي والحياة الراقية، وان الحوار هو الاسلوب الاكثر رفعة وسموا بين المختلفين للوصول الى قناعات مشتركة حتى بوجود الاختلاف يبقى المشترك الاساسي هو الايمان بالحوار وسيلة للتفاهم والتوافق وايجاد المشتركات الاخرى، فقد تسببت لغة التشهير والتخوين والاتهامات الباطلة في انتاج دوامة عنف ادت الى مقتل الكثير من خيرة رجالنا ونسائنا وزرعت احقادا وعداواة أثرت بشكل حاد على امننا الاجتماعي ونسيج تعايشنا، مما تسبب في فقدان الثقة وتفكك كثير من العلاقات بين افراد المجتمع وتكويناته.

    ان مجرد تأييد الاخر لك لا يعني انك على حق تماما، كما ان مجرد اختلاف الاخر معك لا يعني ايضا انك على خطأ، ومن كلتا الحالتين علينا بقبول الاخر المختلف والمؤيد على اسس ديمقراطية متحضرة بعيدا عن لغة التسلط او الانفراد او التخوين أو التكفير وما بينهما من تدليس او نفاق او مجاملة.

إذاً... لنتحـــــاور

من اجل ان نتجاوز تلك المرحلة السوداء من تاريخنا السياسي والاجتماعي ونقبل ببعضنا على اساس الايمان المشترك بالعراق الديمقراطي الاتحادي التعددي بغض النظر عن القومية والعرق والدين والمذهب والعقيدة، نتحـــــاور من اجل ترسيخ قناعة كاملة بقبول الاخر المختلف واحترام رأيه دون الانتقاص او التهميش او الالغاء بما يؤهل المجتمع عموما ويعيد بناء الثقة بين مكوناته وافراده، من خلال حل كل المشاكل العالقة بالحوار المخلص والبناء لبلورة مفهوم مشترك للمواطنة والايمان المطلق بتداول السلطة سلميا عن طريق الانتخابات النزيهة التي تتاح فيها كل الفرص لكل الاطراف التي تؤمن بالحوار والرأي الاخر والتداول السلمي للسلطة.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* لنتحاور: كان اسما لبرنامج تلفزيوني اسبوعي حواري مباشر من اعداد وتقديم الكاتب طيلة اكثر من خمس سنوات ( ايلول 2004م - تشرين اول 2009م )

 kmkinfo@gmail.com

277
الاعلام العربي وحق تقرير المصير

كفاح محمود كريم


    فجأة ودون سابق انذار او اعلام تنكرت العديد من وسائل الاعلام العربية لواحدة من اهم الحقوق البشرية والمبادئ الانسانية التي تضمنتها كل العهود والمواثيق والمعاهدات الاممية الوضعية منها والدينية، بل هي واحدة من ملزمات اعتراف واحترام أي كيان يستقل او يتم تأسيسه منذ بدأت شعوب الارض بتأسيس كياناتها المستقلة واصبحت دولا واقاليم، فقد احدثت الفقرة التي تناولت حق تقرير المصير في خطاب رئيس اقليم كردستان العراق اثناء افتتاحه لأعمال المؤتمر 13 للحزب الديمقراطي الكردستاني ضجة اعلامية كبيرة شابتها تخوفات وتحذيرات من تقسيم البلاد وتجزئة العراق بادعاء ان المطالبة بحق تقرير المصير سيؤدي الى انفصال اقليم كردستان(!) رغم ان هذا الحق والمبدأ أي تقرير المصير يعتبر من اهم فقرات دساتير العالم واعرافه ومبادئ الانسانية المتحضرة. 

     وحق تقرير المصير (right of self-determination ) كما جاء في كثير من المصادر والمراجع*:

هو مصطلح يستخدم في مجال العلوم السياسية والدولية التي تشير الى  حق كل مجتمع ذي هوية جماعية متميزة، مثل شعب أو مجموعة عرقية وغيرهما، بتحديد طموحاته السياسية وتبني النطاق السياسي المفضل لديه  من أجل تحقيق هذه الطموحات وإدارة حياة المجتمع اليومية، وهذا دون تدخل خارجي أو قهر من قبل شعوب أو منظمات أجنبية.

    ويأتي استخدام هذا المصطلح لأول مرة من قبل الرئيس الامريكي وودرو ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى، مع أن بعض الأدباء والعلماء استخدموا مصطلحات مماثلة من قبل، حيث اصبح هذا المبدأ في حق تقرير المصير من أسس معاهدة فيرساي* التي وقعت عليها الدول المتقاتلة في الحرب العالمية الأولى، والتي دعت الى تأسيس دول لشعوب أوروبا بعد انهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية والقيصرية الألمانية، وكذلك  في فترة لاحقة من القرن الماضي حيث استخدم هذا المبدأ كأساس في سياسة إزالة الاستعمار التي سعت إلى تأسيس دول مستقلة في إفريقيا وآسيا بدلا من المستعمرات الأوروبية.

    بعد الحرب العالمية الأولى شاعت فكرة أن المجتمع الذي يحق له تقرير المصير هو مجموعة الناس الذين تجمعهم لغة واحدة وذوي ثقافة مشتركة ويعيشون على ارض معينة ذات حدود واضحة، واصبح هذا المبدأ أو الحق يمارس تطبيقيا عن طريق إقامة دول أمة أو مناطق للحكم الذاتي، وعلى هذا الاساس فأن أي مجموعة بشرية ذات لغة وثقافة مشتركتين يمكن اعتبارها قوما أو شعبا ويمكن إعلان المنطقة دولة مستقلة أو اقليما ذات حكم ذاتي في إطار دولة فيدرالية.

وقد تبين ان هذه الأفكار قد تؤدي الى قيام عشرات الدويلات ذات الحدود الطويلة والمعيقة للتبادل التجاري وحرية العبور والسفر حيث بلغت المطالبات مبلغا جعل القادة الاوربيون يميلون الى تأسيس فيدراليات تضم عدة شعوب تتمتع باستقلال ذاتي كما في تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا، ولكن هذه الشعوب التي شاركت في كل من هذه الأنظمة الفديرالية لم تتمكن من الحفاظ على جهاز السلطة المشتركة لمدة طويلة، فانفصلت اقاليم هذه الفديراليات إلى دول مستقلة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، أي عند إزالة الضغوطات الخارجية.
 
لقد اعتمد هذا المبدأ كواحد من اهم مبادئ عصبة الامم وما بعدها في منظمة الامم المتحدة وما اعقب ذلك من تأسيس دول ومنظمات واقاليم اعتمدت هذا الحق او المبدأ الاساسي كفقرة من اهم فقرات دساتيرها وقوانين تأسيسها، وفي مقدمة تلك الشعوب والحركات كانت الحركة التحررية الكردية في كردستان العراق التي قاد مشروعها النهضوي الزعيم الكردي الكبير مصطفى البارزاني منذ منتصف اربعينات القرن الماضي وجعل من مبدأ وحق تقرير المصير واحد من اهم المبادئ التي تناضل من اجلها الحركة، فاعتمدت ضمن هذا المفهوم مطلب الحكم الذاتي ضمن عراق ديمقراطي وناضلت سنوات طويلة من اجل هذا الحق حتى اذعنت حكومة بغداد في حينها لتوقيع اتفاقية اذار التي اعترفت بحق الكرد في اقامة حكمهم الذاتي في المناطق التي يشكلون فيها اغلبية السكان، الا ان ذلك لم يتحقق تماما بسبب تخلي الطرف المركزي عن التزاماته والالتفاف على الحركة في مخاتلات ومؤامرات ادت الى فشل ذلك المشروع وعودة العمليات القتالية الى المنطقة حتى قيام انتفاضة الربيع في 1991م التي انتصر فيها الثوار واسسوا ملاذهم الامن تحت حماية دولية بعد صدور قرار مجلس الامن المرقم 688 في 5 نيسان/ابريل 1991م.

     وخلال سنة واحدة من صدور القرار الاممي نجحت القوى والاحزاب  الكردستانية في ترتيب اوضاعها السياسية والادارية والتشريعية في مؤسسات قانونية وتنفيذية من خلال اجراء انتخابات عامة انبثق عنها وعلى ضوء نتائجها اول برلمان كردستاني وحكومة محلية يمنحها البرلمان كامل الثقة لقيادة المرحلة الجديدة في تاريخ المنطقة، حيث تم اقرار الفيدرالية كتطبيق من تطبيقات حق تقرير المصير في 1992م، وفي ذات السنة طرح الموضوع في مؤتمر فصائل المعارضة العراقية الذي عقد في العاصمة النمساوية فينا عام 1992 والذي ايد ووافق على قرار الشعب الكوردي القاضي بتقرير مصيره ضمن حدود العراق.

     لقد كان وما يزال هذا المبدأ او الحق واحد من اهم اهداف ومبادئ الامم المتحدة ومواثيقها وعهودها وهو في ذات الوقت من مرتكزات كل الاحزاب الكردستانية عبر تاريخها وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي اعتمده في كافة مؤتمراته منذ تأسيسه في اب 1946م وحتى مؤتمره الاخير الثالث عشر الذي انعقد في اربيل ( 11كانون اول 2010م ) حيث اعلن رئيسه مسعود بارزاني في خطاب الافتتاح إن:

    ( المؤتمرات السابقة للحزب تؤكد ان الشعب الكردي يملك حق تقرير المصير. اليوم يرى الحزب ان المطالبة بحق تقرير المصير والكفاح العاصي والسلمي لبلوغ الهدف تنسجم مع المرحلة المقبلة ).


    لقد كفل الدستور العراقي الدائم حق شعب كردستان في الفيدرالية واعترف بقيام سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية القائمة منذ انبثاق البرلمان الكردستاني في عام 1992م، وشرع مادة خاصة لحل القضايا المختلف عليها في المناطق التي تعرضت لتغييرات ديموغرافية حادة ايام النظام السابق في الموصل وكركوك وديالى وصلاح الدين بما يعزز الحقوق الاساسية للمواطن وخياراته والتي عرفت بالمادة 140 التي وضعت خارطة طريق لحل كل النزاعات في تلك المناطق.
   
ان حق تقرير المصير لم يعد مبداً مهما من مبادئ الامم المتحدة ومواثيقها وعهودها بل اصبح اليوم سلاحا بيد الشعوب من اجل تحقيق اهدافها، وفي تجربتنا هنا في العراق سيكون سلاحا مهما للحفاظ على الفيدرالية في كردستان العراق، لذلك فان المطالبة به تكفله كل المواثيق والعهود الدولية، وتقره كل الحركات السياسية والاجتماعية وتعتمده كواحد من اهدافها او شعاراتها، وهو بالتالي تحصيل حاصل لنضال كل الشعوب والمجتمعات والافراد ومنها شعب كردستان العراق وهذا لا يتناقض مع مبادئ الدستور العراقي وتطبيقاته ولا مع النهج الديمقراطي للدولة وشكلها الفيدرالي الذي يضمن تمتع شعب كردستان بحقوقه الاساسية سياسيا وقانونيا واجتماعيا وثقافيا بما يعزز حرية الفرد والمجتمع ويصون وحدة الاقاليم العراقية اختياريا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ويكيبيديا: الموسوعة الحرة
   معاهدة فرساي: معاهدة بين الالمان والحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الاولى في 28/يونيو/1919م. 

278
الأقليات في العراق وصراع الوجود

كفاح محمود كريم

      منذ سنوات طويلة يتعرض المسيحيون والايزيديون والصابئة المندان الى حملات منظمة من التطهير والتقتيل على الهوية الدينية من اقصى العراق في البصرة الى اقصاه في الموصل مرورا بالعاصمة، حيث جاءت مجزرة كنيسة النجاة التي ادمت العيون والقلوب لما مثلته من بربرية وهمجية نالت فيها الاطفال والنساء والمدنيين من الاهالي في واحدة من اقسى ما شهدته البلاد بعد عمليات التدمير الكلي لمجمعي تل عزير وسيبا شيخ خدر السكنيين في قضاء سنجار الذي راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى من الايزيديين، وكما يحصل في معظم هذه العمليات الارهابية في العراق والتي قل نظيرها في عصر يفترض ان تضمحل فيه كل هذه البدائيات التي اكل عليها الزمن وشرب؟

     هذه الحملة التي تنفذها مجاميع فاشية من عصابات المافيا الدينية او العرقية الشوفينية القادمة من خارج البلاد والمحضونة من قبل اجهزة وتنظيمات النظام السابق، تعاونهم في ذلك منظمات او شركات من تجار التهجير الى اوربا وامريكا التي تزدهر اسواقها وتجاراتها في مثل هكذا ظروف، جنبا الى جنب مع القوى المتطرفة دينيا او قوميا في المجتمع او الادارة او الاجهزة الامنية والعسكرية والتي تنشر الكراهية والتفرقة وتلغي الآخر شخصا كان أم رأيا لإفشال العملية السياسية وعرقلة تطبيق الدستور وتطويره وإيقاف التحول الى النظام الديمقراطي المتحضر.
   
    واذا كانت هذه الاقليات قد عاشت بسلام مزعوم قبل نيسان 2003م الا ان الحقيقة تقول غير ذلك فقد تعرضت للتهميش والإلغاء والتغييب من خلال عملية تفريغها من مكنونها الانساني في سياسة الصهر والتعريب والتغيير الديموغرافي الذي شهدته مناطق تجمع هذه الاقليات العرقية أو الدينية وبالذات مناطق الايزيديين التي تم تدمير معظم قراها وتجميع سكانها في مجمعات سكنية اقرب ما تكون الى معسكرات اعتقال* مما ادى الى   نزوح جماعي كبير الى الدول الاوربية وخاصة الى المانيا، حيث وصلت  ذروتها بعد التدمير شبه الكلي لمجمعي سيبا شيخ خدر وكر عزير جنوبي مدينة سنجار في اغسطس 2007م، وبعد عمليات التقتيل على الهوية التي طالت الايزيديين والمسيحيين والصابئة المندائيين في الموصل وبغداد والبصرة والكوت وديالى وكركوك.

      واذا ما استثنينا فواصل مضيئة في العهد الملكي لا تخضع للقياس العام مقارنة بما حصل لهذه الاقليات زمنيا من اضطهاد معلن وغير معلن، فان تاريخا اسودا وعقودا كالحة عاشت فيها مع انظمة سياسية واجتماعية متخلفة ومستبدة دفعتها في احسن الاحوال الى الهجرة المنظمة خارج البلاد وادت في ما بعد الى هذه الدوامة من العنف والتطهير الديني والعرقي، وكما ذكرت فاذا ما استثنينا تلك الفترات القصيرة جدا التي انتبهت فيها النخب الحاكمة الى شخصيات من غير المسلمين، فان معظم السنوات التي قاربت التسعين عاما كانت هذه الاقليات هدفا للاسلمة والتعريب والتغييب والتهميش بشتى الطرق والاساليب.

    ربما هناك العشرات او المئات من العمليات الارهابية التي استهدفت المساجد والحسينيات طيلة السنوات التي اعقبت سقوط النظام السابق، ولكن   ما حدث في كاتدرائية سيدة النجاة بالعاصمة بغداد يأتي امتدادا لكثير من الهجمات المنظمة على الأديرة والكنائس وتجمعات الايزيديين والمندائيين والشبك والكاكائية في الموصل وكركوك وديالى في عملية منظمة لترهيب هذه المكونات ومعتنقي هذه الأديان واضطرارهم الى الرحيل وترك ديارهم واملاكهم والهجرة الى خارج البلاد، وهذا ما يحدث الان وما حصل خلال السنوات السبع الماضية من محاولات افراغ مدينة الموصل من الكرد ( الشبك والايزيديين ) والمسيحيين من كافة اعراقهم واصولهم.

  ان هذا النهج المبرمج لأخلاء البلاد من مكوناتها الدينية وحتى القومية في كثير من المدن والبلدات التي تعرضت الى حملة شعواء لأرهاب السكان من غير العرب تارة ومن غير المسلمين تارة اخرى، وثالثة من مذهب معين في نفس الدين، يؤكد استمرار ذات العقلية والتوجه الذي استخدم لما يقرب من نصف قرن في ما اطلق عليه بسياسة الصهر والتعريب والتطهير العرقي والديني والمذهبي والذي شمل محافظات كركوك والموصل وديالى وتكريت وكثير من المدن والبلدات العراقية التي تعرضت لتغيير حاد في ديموغرافيتها ادت الى تدمير تلك المناطق وتهجير مئات الآلاف من السكان الأصليين واستقدام اضعافهم من مناطق اخرى من البلاد.
 
     ان هذا النهج والاصرار على ادامته بأي شكل من الاشكال يشخص ويؤكد بشكل لا لبس فيه من الذين يقفون بالضد من اجراء التعداد العام للسكان او الغاء حقل القومية، او تطبيق مواد الدستور التي تتعلق بحل مشاكل الأهالي الذين تعرضوا لتلك السياسة طيلة ما يناهز النصف قرن في ما اطلق عليه بالمناطق المتنازع عليها في ذات المحافظات انفة الذكر، والتي يعاني فيها عشرات الآلاف من اصحاب الملكيات العقارية الذين صودرت اراضيهم وبيوتهم او تم شرائها بثمن بخس تحت الترهيب والتهديد، منذ اكثر من سبع سنوات دون حل او تعويض او اعادة لحقوقهم في هذا المناطق، بينما انجزت الهيئة المسؤولة عن اشكاليات الملكية العقارية في بغداد وجنوب ووسط البلاد الكثير من تلك التعويضات او الاعادة للاملاك العقارية ارضا او بناءً لأصحابها الاصليين. 


      واذا كانت عملية كنيسة النجاة كشبيهاتها التي وقعت في الحسينيات او المساجد او الاسواق والمدارس والمناطق المكتظة حيث لا يفرق الارهاب بينها جميعا وهي بالتالي اسهل الأهداف واكثرها انتاجا للضحايا الا انها هنا استهدفت بشكل جلي اقلية دينية الغاية منها دفع الاخرين الى ترك البلاد والهجرة الى خارجها، وقد كانت اكثر قساوة وايلاما من تلك العمليات التي استهدفت المساجد والجوامع كونها قد اقترفت حسب ادعاء منفذيها بيد مسلمين مذهبيين متطرفين في ذات الدين وليس كما حصل وما يزال يحصل مع المسيحيين والايزيديين والصابئة في اشارة لكونهم غير مقبولين وناقصي الاهلية المواطنية وبالتالي فالخيار امامهم إما الموت او الهجرة خارج البلاد في واحدة من ابشع عمليات الإبادة والإرهاب الجماعي للسكان بعد جرائم الأنفال ورواندا ويوغسلافيا السابقة.  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بين عامي 1976 و1978 تم تدمير اكثر من مائة قرية في شمال وجنوب مدينة سنجار، وتجميع سكانها خارج مناطقهم الاصلية في مجمعات سكنية اشبه ما تكون بمعسكرات اعتقال، بلغت 12 مجمعا ضمت في وقتها ما يقرب من مئة الف نسمة. 

279
كاتدرائية النجاة والأسئلة الموجعة؟

كفاح محمود كريم

    يبدو ان كل كارثة تمر في بلادنا تفور بالأسئلة كما يفور تنور الإرهاب عند اطراف اي انقلاب او تنافس او تحايل او تجاذب او تسابق للوصول الى السلطة او الاستحواذ عليها، واذا كانت كثير من الاسئلة الممنوعة مشروعة كما كتبنا سابقا فان الآلام المتكلسة فينا والمتجددة عبر عصور  وأنظمة وعهود حكمت بلادنا شئنا فيها أم أبيناها، ما زالت تنتج مئات من الأسئلة الموجعة حتى التورم او الارتجاف!؟

  لم تك مذبحة كاتدرائية سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في وسط بغداد مساء الواحد والثلاثين من أكتوبر تشرين أول الماضي، الأولى من نوعها في تاريخ بلادنا الملوث حتى العظم بجرائم يندى لها جبين الآدمية، فاذا كان اتباع معاوية ويزيد قد انجزوا ذبح عبدالله الرضيع فوق سبعين جثة من آل بيت رسول الله قبل اكثر من الف عام، فقد استطاع هولاكو أن يلون سطح دجلة بألوان الحبر والدم بعد ذلك بمئات الأعوام، وشهدنا نحن ومن سبقنا منذ تأسيس هذه الدولة في مطلع عشرينات القرن الماضي ممارسة القتل فيها جمعا لا قصرا، والموت المصنوع فيها بالجملة يفوق ما تبيعه كل مصانع الموت بالمفرد في كل أسواق الدكتاتوريات والعنصريات والهمجيات.

   فلم تمض سنوات طوال بعد قيام دولتنا العتيدة حتى فار التنور بدماء الكُرد في أيلول 1930م بمدينة السليمانية لتتبعها بعد سنوات مذبحة الاثوريين في سيميل كي تبدأ سلسلة من أبشع ما عرفته الآدمية من جرائم القتل الجماعي في كردستان ووسط وجنوب الأرض التي احتضنت فوق ثراها اعرق وأقدم حضارات الإنسان التي أنتجت الحرف والعجلة والورق والقلم الذي تحول بعد ذلك الى آلة لجز الرؤوس ونسف الصدور، إنهن شقيقات كاتدرائية سيدة النجاة وشهدائها في قلعة دزه وحلبجة والمقابر الجماعية في الجنوب والوسط وآلاف القرى بمساجدها وكنائسها ومعابدها وبساتينها وينابيعها التي أحرقت في أنفال صدام حسين ثمانينات القرن الماضي.

    انه تاريخ من الدماء والآلام المتكلسة التي تتعاقب كالليل والنهار، وتدفع حولها حلقات لا متناهية من الاسئلة المخزونة بالوجع تزحف دوما وراء لماذا؟

     لماذا خرج المئات من اهالي عينكاوه* للتظاهر في اليوم الثاني للمجزرة، ولم يخرج عشرة اشخاص من العراقيين الآخرين في طول البلاد وعرضها؟

     من الذي منعهم من أن يتظاهروا أو يحتجوا او يعتصموا؟   
     لماذا لم يخرج المسلمون في اليوم الثاني؟
     لماذا لم يخرج أئمة الجوامع وعلماء الدين الإسلامي في اليوم الثاني للتظاهر والاحتجاج والبراءة من دماء سيدة النجاة؟

     لماذا لم يأتِ فخامة الرئيس ودولة الرئيس وسعادة الرئيس ومعالي الوزراء الى مكان الحادث، او الى بيوت الثكالى في اليوم الثاني او حتى الثالث؟
    ولربما من يقول ان العمليات كثر والضحايا اكثر!
    لكننا لم نعد نملك كعراق من هذه الأقلية الكنز الا اقل من نصف مليون مرهب مرعوب مقهور؟
    لماذا هذا الصمت المقابري؟
    لماذا هذا الطوفان من السلبية واللاابالية المقيتة؟

     الف علامة استفهام تزحف الآن وراء هذه الـ ( لماذا ) في عقول وصدور الاطفال والصبيان والصبايا وهم ينظرون الى الأفق في بلاد تجز رؤوسهم وتنسف بيوتهم وتقتل ابائهم وامهاتهم؟
     ونحن نعزف مقطوعاتنا البالية عن التسامح والإخاء والوطن الواحد الذي رفض سكانه الآخرين ان يثبتوا لهؤلاء صدق هذه المفردات في اعمالهم وردود افعالهم حينما كانت الجروح ما تزال تنزف والشهداء لم تبرد اجسادهم بعدُ!؟


     ان ما حصل في كاتدرائية النجاة وشقيقاتها في الموصل ومئات الضحايا وآلاف المهجرين ربما يبرر بأنه عمل ارهابي او سلوك اجرامي عنصري من قبل مجاميع فاشية، لكن الاخطر بتقديري هو ردة الفعل التي تحدثنا عنها وصمت القبور الذي خيم على الجميع طيلة ايام عديدة قبل ان تنطلق بضع ردود افعال متميعة لا ترتقي الى مستوى ما يحدث، وتؤشر حالة من الخوف والسلبية او الاستكانة او التشفي او الموافقة الضمنية او الإهمال وخلط الأوراق، وفي كل الأحوال صدق من قال ان الساكت عن الحق شيطان اخرس!؟ 


* عينكاوه: من نواحي اربيل عاصمة اقليم كردستان العراق، ذات اغلبية مسيحية.


280
الحواسم وبازار المناصب؟

كفاح محمود كريم

    الحواسم اسم اراد به النظام السابق ان يكون عنوانا لآخر حروبه مع العالم فتحول ليلة سقوطه الى مصطلح استخدم للتعبير عن كل عمليات السلب والنهب والسرقة ( التي لا يخجل منها مقترفيها ويمارسونها امام الملأ بغياب الدولة وبأمر من اعلى سلطاتها المنهارة ) حيث تعرضت لها البلاد على ايدي اتباع نظام الدكتاتور صدام حسين وعصابات المجرمين الذين اطلق سراحهم قبيل الحرب بعدة اشهر اضافة الى مجاميع السراق والغوغاء الذين تنتجهم دائما حالة الفلتان وفقدان سلطة القانون ومؤسساته وانهيار الدولة، فقد استولت هذه العصابات والافراد تحت غطاء الحواسم  على كل ما يمكن حمله وسرقته امام انظار القوات الامريكية التي دخلت معظم المدن العراقية، وامام عدسات الكاميرات التي انتشرت بشكل مذهل في معظم الاماكن التي تعرضت للنهب والسلب، ولم تقتصر عملية الحواسم على المدن الكبيرة فقط بل انتشرت لتشمل كل ما له علاقة بالقطاع العام التابع للدولة اين ما كان ( بما في ذلك رياض الاطفال والمدارس والجامعات ودور العجزة والأيتام ) وبالذات بعدما اباح رئيس النظام في احدى خطبه قبل القاء القبض عليه داخل تلك الحفرة الشهيرة قرب مدينة تكريت مسقط رأسه، حيث احل لأعضاء وقيادات حزبه واداراته في كل البلاد الاستحواذ على جميع تلك الممتلكات واعتبارها ملكا من املاكهم جنبا الى جنب مع مجاميع المجرمين الذين اطلق سراحهم قبيل الحرب بعدة اشهر. 

     وهذا يعني ان أي موظف يسمح لنفسه او يبرر ما يحدث مديرا كان او امينا على مالٍ او مخازن او مستندات ووثائق، او سائق عجلة او سفينة او طائرة جنديا كان أم ضابطا، وهكذا دواليك كافة القيادات الادارية والحزبية الا ما منعه حليب امه وتربية ذويه وانتمائه الاخلاقي والاجتماعي، وباستثناء هؤلاء اجاز الآخرون لأنفسهم الاستحواذ على تلك الأشياء بأمر رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة والأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، بمعنى ان امر الاستملاك صادر من اعلى سلطة في البلاد، وبذلك ابيحت ممتلكات الدولة والشعب للسلب والنهب والسرقة بأمر الحكومة مما يعطيها شرعية على الأقل اجتماعية ان لم نقل قانونية او سياسية حتى للذين ربما يضعون حدودا بين الحلال والحرام من تشكيلات ذلك النظام واتباعه، وبذلك اشيعت محرمات وازيلت حدود الفصل بين الحلال والحرام وتسابق الكثير في النهب والسلب والسرقة حتى غدت تلك الممارسة واحدة من اخطر وابشع ما يواجه نظامنا الجديد حيث امتدت بكل تفاصيلها وممارساتها الى الزمن الجديد، حيث تعرضت البلاد الى اسوء اشكال الفساد المالي والاداري خلال السنوات المنصرمة منذ ذلك التاريخ واصبحت اشكال وتطبيقات تلك العملية تمتد لتشمل باشكالها وممارساتها معظم مفاصل الدولة ومؤسساتها، بل انتشرت بشكل مخيف الى درجة ضياع عشرات المليارات من الدولارات واضعافها من قيمة النفط المهرب وعمولات الاستثمار والتطوير النفطي وحملات البناء والمشاريع باسم اعمار العراق ناهيك عن مئات المؤتمرات والندوات التي تقام في عواصم العالم تحت غطاء العراق واعماره او تدريب ابنائه(!)

   لقد راجت منذ عدة سنوات تجارة بيع المناصب وبازارها الذي انتشر في العاصمة وغيرها من المحافظات اما عن طريق الكتل البرلمانية واحزابها المتنفذة او من خلال مجالس المحافظات وصولا الى رأس الهرم بواسطة شبكة من السماسرة والمنتفعين ( الدلالين ) الذين يعرضون بضاعتهم من المناصب ابتداءً من الادارات العامة والمواقع الخاصة والقيادات في الجيش او الشرطة وصولا الى ما يشاع اليوم من اسعار تنافسية لوزارات الحكومة التي حددتها احدى اعضاء مجلس النواب* بخمسة ملايين دولار لكرسي الوزارة السيادية!؟

     وبصرف النظر عن دقة هذا التصريح او عن السعر وكميته فان الفساد قد طال كل مؤسسات الدولة، وان الإفساد تقف وراءه مجاميع متخصصة في الدلالة السياسية وبقالة المناصب على حساب تقهقر المواطن وانحسار دوره كليا، بل ان مفاصل مهمة من الدولة تم اختراقها من قبل عصابات تهريب البشر وبيعه الى دول اوربا تحت ذريعة ايصالهم الى الجنة الموعودة هناك وما يحصل عند اطراف حدود البلاد مع كل دول الجوار من عمليات ادخال الارهابيين من هذه الدول وغيرها تؤكد ان بازار المناصب والمسؤوليات لم يعد يخضع ربما لسقف الاسعار فقط بل اصبح اسير بورصات دول الجوار ومصالحها وناشطيها هنا في الجسد العراقي!



    وعلى هذه الخلفية يتم اليوم بدأ دورة جديدة للحكم في البلاد بعد ان نجح الفرقاء في تدوير عجلة هذه المركبة في اربيل لكي تستمر في بغداد وهي تواجه مطبات مليئة بالعبوات والألغام في مقدمتها تحديات مجلس النواب الجديد والحكومة المرتقبة وهي تلك الملفات من الفساد والحواسم في كل الوزارات والدوائر والرئاسات الثلاث التي اتهمت طيلة السنوات الماضية اما بالسكوت عن تلك الملفات او الضلوع فيها، وهي فرصة اليوم لكي تثبت هذه المؤسسات سواء في البرلمان او الحكومة جديتها وتعهداتها بل وبراءتها من تلك الصفقات وكل ما يجري في بازار المناصب والحواسم سياسيا واقتصاديا واخلاقيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* توقعت القيادية في تجمع الوطني المستقل والنائب عن القائمة العراقية وحدة الجميلي حصول صفقات مالية خلال عملية توزيع الوزارات بين الكتل السياسية ، مشيرة في الوقت ذاته الى ان الوزارت الامنية قد تصل قيمتها الى (5) مليون دولار .
          وقالت الجميلي في تصريح لمراسل (الوكالة الاخبارية للانباء) اليوم الاحد: ان بعض الوزارات السيادية والخدمية تباع بين الكتل السياسية بارقام خيالية ، مضيفةًً :"هناك وزارات أمنية وبالاخص الدفاع والداخلية تباع وبارقام خيالية،وقد تصل الى 5 مليون دولار،  ولم تكشف الجميلي عن المزيد ، بيد انها حذرت من ادخال الصفقات المالية بتشكيل الحكومة وبالاخص الامنية كونها تهم المواطن .

 

281
الحواسم وبازار المناصب؟

كفاح محمود كريم

     الحواسم اسم اراد به النظام السابق ان يكون عنوانا لآخر حروبه مع العالم فتحول ليلة سقوطه الى مصطلح استخدم للتعبير عن كل عمليات السلب والنهب والسرقة ( التي لا يخجل منها مقترفيها ويمارسونها امام الملأ بغياب الدولة وبأمر من اعلى سلطاتها المنهارة ) حيث تعرضت لها البلاد على ايدي اتباع نظام الدكتاتور صدام حسين وعصابات المجرمين الذين اطلق سراحهم قبيل الحرب بعدة اشهر اضافة الى مجاميع السراق والغوغاء الذين تنتجهم دائما حالة الفلتان وفقدان سلطة القانون ومؤسساته وانهيار الدولة، فقد استولت هذه العصابات والافراد تحت غطاء الحواسم  على كل ما يمكن حمله وسرقته امام انظار القوات الامريكية التي دخلت معظم المدن العراقية، وامام عدسات الكاميرات التي انتشرت بشكل مذهل في معظم الاماكن التي تعرضت للنهب والسلب، ولم تقتصر عملية الحواسم على المدن الكبيرة فقط بل انتشرت لتشمل كل ما له علاقة بالقطاع العام التابع للدولة اين ما كان ( بما في ذلك رياض الاطفال والمدارس والجامعات ودور العجزة والأيتام ) وبالذات بعدما اباح رئيس النظام في احدى خطبه قبل القاء القبض عليه داخل تلك الحفرة الشهيرة قرب مدينة تكريت مسقط رأسه، حيث احل لأعضاء وقيادات حزبه واداراته في كل البلاد الاستحواذ على جميع تلك الممتلكات واعتبارها ملكا من املاكهم جنبا الى جنب مع مجاميع المجرمين الذين اطلق سراحهم قبيل الحرب بعدة اشهر. 

     وهذا يعني ان أي موظف يسمح لنفسه او يبرر ما يحدث مديرا كان او امينا على مالٍ او مخازن او مستندات ووثائق، او سائق عجلة او سفينة او طائرة جنديا كان أم ضابطا، وهكذا دواليك كافة القيادات الادارية والحزبية الا ما منعه حليب امه وتربية ذويه وانتمائه الاخلاقي والاجتماعي، وباستثناء هؤلاء اجاز الآخرون لأنفسهم الاستحواذ على تلك الأشياء بأمر رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة والأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، بمعنى ان امر الاستملاك صادر من اعلى سلطة في البلاد، وبذلك ابيحت ممتلكات الدولة والشعب للسلب والنهب والسرقة بأمر الحكومة مما يعطيها شرعية على الأقل اجتماعية ان لم نقل قانونية او سياسية حتى للذين ربما يضعون حدودا بين الحلال والحرام من تشكيلات ذلك النظام واتباعه، وبذلك اشيعت محرمات وازيلت حدود الفصل بين الحلال والحرام وتسابق الكثير في النهب والسلب والسرقة حتى غدت تلك الممارسة واحدة من اخطر وابشع ما يواجه نظامنا الجديد حيث امتدت بكل تفاصيلها وممارساتها الى الزمن الجديد، حيث تعرضت البلاد الى اسوء اشكال الفساد المالي والاداري خلال السنوات المنصرمة منذ ذلك التاريخ واصبحت اشكال وتطبيقات تلك العملية تمتد لتشمل باشكالها وممارساتها معظم مفاصل الدولة ومؤسساتها، بل انتشرت بشكل مخيف الى درجة ضياع عشرات المليارات من الدولارات واضعافها من قيمة النفط المهرب وعمولات الاستثمار والتطوير النفطي وحملات البناء والمشاريع باسم اعمار العراق ناهيك عن مئات المؤتمرات والندوات التي تقام في عواصم العالم تحت غطاء العراق واعماره او تدريب ابنائه(!)

   لقد راجت منذ عدة سنوات تجارة بيع المناصب وبازارها الذي انتشر في العاصمة وغيرها من المحافظات اما عن طريق الكتل البرلمانية واحزابها المتنفذة او من خلال مجالس المحافظات وصولا الى رأس الهرم بواسطة شبكة من السماسرة والمنتفعين ( الدلالين ) الذين يعرضون بضاعتهم من المناصب ابتداءً من الادارات العامة والمواقع الخاصة والقيادات في الجيش او الشرطة وصولا الى ما يشاع اليوم من اسعار تنافسية لوزارات الحكومة التي حددتها احدى اعضاء مجلس النواب* بخمسة ملايين دولار لكرسي الوزارة السيادية!؟

     وبصرف النظر عن دقة هذا التصريح او عن السعر وكميته فان الفساد قد طال كل مؤسسات الدولة، وان الإفساد تقف وراءه مجاميع متخصصة في الدلالة السياسية وبقالة المناصب على حساب تقهقر المواطن وانحسار دوره كليا، بل ان مفاصل مهمة من الدولة تم اختراقها من قبل عصابات تهريب البشر وبيعه الى دول اوربا تحت ذريعة ايصالهم الى الجنة الموعودة هناك وما يحصل عند اطراف حدود البلاد مع كل دول الجوار من عمليات ادخال الارهابيين من هذه الدول وغيرها تؤكد ان بازار المناصب والمسؤوليات لم يعد يخضع ربما لسقف الاسعار فقط بل اصبح اسير بورصات دول الجوار ومصالحها وناشطيها هنا في الجسد العراقي!


    وعلى هذه الخلفية يتم اليوم بدأ دورة جديدة للحكم في البلاد بعد ان نجح الفرقاء في تدوير عجلة هذه المركبة في اربيل لكي تستمر في بغداد وهي تواجه مطبات مليئة بالعبوات والألغام في مقدمتها تحديات مجلس النواب الجديد والحكومة المرتقبة وهي تلك الملفات من الفساد والحواسم في كل الوزارات والدوائر والرئاسات الثلاث التي اتهمت طيلة السنوات الماضية اما بالسكوت عن تلك الملفات او الضلوع فيها، وهي فرصة اليوم لكي تثبت هذه المؤسسات سواء في البرلمان او الحكومة جديتها وتعهداتها بل وبراءتها من تلك الصفقات وكل ما يجري في بازار المناصب والحواسم سياسيا واقتصاديا واخلاقيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* توقعت القيادية في تجمع الوطني المستقل والنائب عن القائمة العراقية وحدة الجميلي حصول صفقات مالية خلال عملية توزيع الوزارات بين الكتل السياسية ، مشيرة في الوقت ذاته الى ان الوزارت الامنية قد تصل قيمتها الى (5) مليون دولار .
          وقالت الجميلي في تصريح لمراسل (الوكالة الاخبارية للانباء) اليوم الاحد: ان بعض الوزارات السيادية والخدمية تباع بين الكتل السياسية بارقام خيالية ، مضيفةًً :"هناك وزارات أمنية وبالاخص الدفاع والداخلية تباع وبارقام خيالية،وقد تصل الى 5 مليون دولار،  ولم تكشف الجميلي عن المزيد ، بيد انها حذرت من ادخال الصفقات المالية بتشكيل الحكومة وبالاخص الامنية كونها تهم المواطن .
 

282
مبادرة البارزاني والعهد الجديد

كفاح محمود كريم

     بعد اكثر من شهرين مضنيين تخللتهما الكثير من الجولات التي خاضها فريق التفاوض الكردستاني بقيادة السياسي الكردي المعروف روز نوري شاويس، اثر اعلان مبادرة الرئيس مسعود بارزاني رئيس اقليم كردستان التي تضمنت عدة بنود، في مقدمتها تقاسم السلطات بشكل يرضي الفرقاء ويحدث توازنا نوعيا يستدعي تنازلات وطنية من اجل مصالح البلاد العليا بما يحفظ حجوم الكتل ونتائجها الانتخابية، من اجل ثابت مهم دارت معظم جولات المباحثات حوله وهو المواطن ومشاكله الاساسية، سواء ما يتعلق منها بالخدمات الرئيسية او دوامة العنف والسلم الاجتماعي، او تلك التي انتجها التباطؤ والتسويف وتعدد التأويل والتفسير في قوانين الاجتثاث، وما اعقبها من مسائلة ومصالحة وفي ما يتعلق بمواد الدستور والاختلاف في تفسيراتها أو تعديلاتها، وتطبيقات المواد الخاصة بحل مشاكل المناطق المتنازع عليها بين الاقليم والحكومة الاتحادية، وفي مقدمة كل ذلك اعادة وبناء الثقة بين المتنافسين والشركاء في السلطة منذ سقوط النظام السابق وحتى يومنا هذا.

     لقد بذل فريق التفاوض الكردستاني والذي ضم خيرة الخبراء والمختصين يتقدمهم السياسي المخضرم محمود عثمان والنائب خالد شواني ورفاقهم الآخرين من بقية اعضاء الفريق، جهودا في غاية الاهمية والجدية بحرص كبير وبمسافة واحدة من كل الأطراف على أن تكون خريطة الطريق عراقية خالصة، تنبع من مصالح البلاد العليا وتصب في خدمة المواطن وحاجاته الاساسية في الامن والسلم الاجتماعيين، وما يتعلق بحركة وتفاصيل حياته اليومية ومستقبله بعيدا عن الفئوية او المناطقية او العرقية والدينية، بما يؤسس ويبلور مفهوما مشتركا للمواطنة العراقية الخالصة.

    لقد تميز الخطاب الكردستاني من خلال مبادرة الرئيس بارزاني، او من خلال الورقة التي تضمنت 19 فقرة كردستانية وعراقية، بعدم شخصنة المسؤوليات وعلى رأسها من سيكون رئيسا لحكومة العراق، بقدر التأكيد على التوافق بين الجميع في هذه المرحلة، وعلى وضع اسس عملية ونقاط مشتركة وثوابت وطنية في اختيار وتأسيس حكومة تخدم مصالح البلاد العليا، وتقترب من نبض المواطن والاهالي في ما يتعلق بهواجسهم ومعاناتهم الامنية والمعيشية والحضارية، بصرف النظر عن اسم او حزب  الشخص الذي سيتولى منصب الرئيس، الا ما يتعلق بتاريخه الوطني والنضالي وتفانيه في خدمة العراق الجديد ودستوره وتوجهاته.

    ان التئام كافة الكتل والاحزاب العراقية حول مائدة الرئيس بارزاني في اربيل وما تلاها في بغداد، مثلت بعد انقطاع طويل بين المتنافسين تجاوزا للحاجز النفسي المتشنج الذي باعد بينهم وعقد كثير من الأمور في غياب التحاور المباشر، بل وسمح لكثير من الأطراف الخارجية وربما الداخلية التي لا يهمها مصالح البلاد العليا بالتدخل السلبي وزيادة فجوات الخلاف، لكن اجتماع اربيل ومن ثم بغداد الذي نجح في كسر ذلك الحاجز النفسي ادى لاحقا الى اتفاق مبادئ وإطارات توافقية ادت لاحقا الى انعقاد جلسة مجلس النواب ومن ثم توزيع المسؤوليات الرئاسية للبرلمان والدولة.

   لقد كانت جلسة مجلس النواب وما جرى فيها ثمرة جيدة لتلك الجهود التي بذلت خلال الاشهر الماضية، وهي من المؤمل أن  تنجز حكومة شراكة وطنية متوازنة قوية تمثل ارادة الاهالي، وتتنافس من  اجل الوطن بمنظور جماعي لا من اجل قيادة كتلة او حزب، بل من اجل تنافس الجميع وبنفس ذلك الحماس على المناصب من اجل تقديم الخدمات والاقتراب من مشاعر وحاجيات المواطن في المدن والقرى والارياف، وربما تكون هذه الخطوة الاولى مشجعة لاستكمال تأسيس عهد جديد، رغم ما يشوب الساحة من تناقضات حادة بين الفرقاء بسبب ضعف الثقة وانعدامها في كثير من الأحيان، وما ينتج من صعوبات ستواجه ذات الفريق المفاوض الذي يتابع نجاحات الخطوة الأولى. 

    واذا كانت هذه الخطوة قد سجلت خيارا عراقيا لحل الأزمات فان العملية السياسية ما تزال تحت مرمى دول الجوار وأجنداتها سلبا وايجابا، وما زال خطر التأثير بالغا في توجيه سفينة الفرقاء كما يشتهي السفان الخارجي، وما لم تتعاون كل الاطراف بجدية وبروحية فريق واحد مع مبادئ مبادرة الرئيس بارزاني، فان الأمور ستبقى ضمن هكذا اطر حتى ينجح السفان العراقي في توجيه سفينته الى شواطئ الأمان، أو يحصل ما لا نتمناه جميعا في تدخل جهات خارجية اخرى لفرض اجندات ومشاريع ربما لا تكون الارض العراقية خصبة لنموها، مما قد تؤدي الى العودة لا الى المربع الاول بل الى ما قبل ذلك بصيغة معدلة ومزركشة وبنفس المعاني والسلوك!؟
   لقد كسر الفرقاء الحاجز النفسي في اربيل، فهل سينجحون بتدشين عهد جديد في بغداد؟

 
 

283
ما أحوجنا لحجارة المتنبي؟

كفاح محمود كريم

     كلي ثقة بأن شاعرنا الخالد أبو الطيب المتنبي لم تك مشكلته الأساسية  واشكالياته الكبرى في الاختلاف والصراع الا مع الكلاب المصابة بالجرب او المكلوبة منها والتي طالما كانت تلاحقه وتلاحق امثاله لحد يومنا هذا، ولعله كان دقيقا اكثر من أي وقت آخر في تنبؤاته الشعرية حينما يصف الرد على تلك الكائنات المصابة بالجرب الأخلاقي او المكلوبة بأزمتها الفكرية وضآلتها في واحد من اجمل ما كتب من شعر مكثف في هذا البيت حين قال:


لو كل كلب عوى ألقمته حجراً         لأصبح الصخر مثقالاً بدينارِ

   وندع شاعرنا الكبير وزمنه الخلاب لنرتحل عبر ذات الفلسفة الى عصر اخر يتواصل فيه الصراع وتتناسل فيه ذات الاصوات مستخدمة اليات زمنها الحاضر والغابر، فنتوقف قليلا عند ضفاف الحكمة مع فضيلة الشيخ الكريم الدكتور عائض القرني* في ما ذهب اليه وهو يوقد سراج الحكمة وينير دروب الظلمة حينما يتعامل مع صدى ذلك العواء الذي أبى المتنبي أن يلقمه حجرا فقال القرني:

    (وأنت إذا ذهبت تدقق خلف كل جملة وتبحث عن كل مقوله قيلت فيك وتحاسب كل من أساء إليك، وترد على كل من هجاك، وتنتقم من كل مَنْ عاداك، فأحسن الله عزاءك في صحتك وراحتك ونومك ودينك واستقرار نفسك وهدوء بالك، وسوف تعيش ممزقاً قلقاً مكدراً، كاسف البال منغص العيش، كئيب المنظر سيئ الحال، عليك باستخدام منهج التطنيش، إذا تذكرت مآسي الماضي فطنش، إذا طرقت سمعك كلمه نابيه فطنش، وإذا أساء لك مسيء فاعف وطنش، وإذا فاتك حظ من حظوظ الدنيا فطنش، لأن الحياة قصيرة لا تحتمل التنقير والتدقيق.. )

   حتى لكأنك وانت تقرأ وتتمعن في معاني الكلام ما بين الأسطر،  يطرق مسامعك صدى كلمات شاعرنا الخالد أبو الطيب ثانية وهو يقول:


فعشت ولا أبالي بالرزايا          لأني ما انتفعت بأن أبالي

     لسنوات طويلة ربما زادت على نصف قرن، شاعت ثقافة بائسة اعتمدتها الأنظمة الدكتاتورية وأجهزتها الخاصة في التسقيط والتشهير وصناعة الاخبار والسيناريوهات المفبركة ضد الآخر المختلف والمعارض رأيا كان أم حركة وسلوكا، حتى غدت البلاد مطحنة تسحق الأخضر واليابس تحت عجلات اجهزة الاعلام وادواتها العنصرية تارة وتارة أخرى المذهبية المقيتة ضد الأفراد او الجماعات، وقد تعرضت كل الاحزاب المعارضة الوطنية والديمقراطية وافرادها قيادات وقواعد الى تلك العمليات القذرة في الملاحقة والتشويه والتشهير حتى غدت سلوكا منظما يتبعه النظام الدكتاتوري حتى مع قياداته  واداراته.

   لقد استخدمت هذه المخلوقات البذيئة شتى انواع التشهير والفبركة والتهجم من خلال اشاعة وترويج الدعايات والنكات التي تسخر من عرق او قوم او طائفة للانتقاص منها* ومن ثم تلفيق الاتهامات المفبركة  وتركيب الصور والافلام والوثائق باستخدام آليات العولمة وادواتها وحيلها الصورية من اجل مآربها المعروفة منذ استحواذها على السلطة في غفلة من الزمن وحتى يومنا هذا، مستخدمة إيديولوجيتها الميكافيلية لا يمنعها في ذلك أي وازع اخلاقي او وطني او اجتماعي من اجل تحقيق اهدافها، وقد شهدنا جميعا ماذا كانت تفعل اجهزة النظام السابق الحزبية والأمنية بأفراد المعارضة من الاحزاب الوطنية او الشخصيات المستقلة من المفكرين والأدباء والفنانين والكتاب والصحفيين وعموم المثقفين المصنفين بعدم الولاء للحزب والثورة، بحيث لم ينج أي واحد من هؤلاء من تلك الهجمة البدائية المتخلفة.

   حقا إن المتنبي كان واثقا من نفسه بل وربما محقا حينما ارسل اشارات شعرية بليغة لزمن قادم بعد مئات السنين وهو يخاطب تلك السلالات من الكلاب المسعورة التي توالدت وتكاثرت في ظل انظمة فاسدة وانهيار ادبي واخلاقي يوازي افعالها وسلوكياتها، بحيث يتركها تعوي حتى تنهش نفسها وتتلاشى كفقاعات الصابون او مناطيد الصغار لتبقى الشمس كما هي لا يدنسها لوث او عواء، ويزين سماواتها صدى كلمات ومعاني شاعرنا المتنبي ابدا:


انام ملئ جفوني عن شواردها      ويسهرُ جراها الخلق ويختصمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* راجع مقال حول ذات الموضوع للدكتور عبدالخالق حسين في موقعه:
http://www.abdulkhaliqhussein.com
 
* هو الشيخ الدكتور عائض بن عبدالله القرني داعية إسلامي من السعودية ،وصاحب كتاب لا تحزن الذي حقق نسبة مبيعات عالية وهو صاحب منهج وسطي لأهل السنة والجماعة. له اكثر من 37 كتاب ومؤلف وثمانمائة محاضرة مسجلة في مختلف العلوم والاداب والتفسير والفقه.

284
برلمان أم مجلس لتنابلة السلطان؟
كفاح محمود كريم


     لن نتحدث عن الدورة السابقة لمجلس النواب، فقد ارتحل الكثير منهم بما كسب متقاعدا بعد صفقة تجارية ناجحة متسكعا بين عواصم دول الجوار يشبه دلالات بغداد ايام الحصار في العاصمة عمان، او من بقي منهم متشبثا بمواقع اخرى ومكتسبات اكبر لم يتسعه الوقت لإكمال مشاريعه وصفقاته فاشترى كرسيه ثانية من سوق الانتخابات وتجارها، وفي كل ذلك لا يخضع لهذا التقييم والتوصيف أولئك الرائعون من ممثلينا الذين تشرفت كراسي مجلس النواب بهم وزادوها فخرا وكبرياء من الوطنيين الشرفاء والعراقيين النجباء كردا وعربا وغيرهم من شتى الأديان والمذاهب والملل الذين استحقوا شرف تمثيلهم لهذا الشعب العجب!؟

     قلنا لن نتحدث عن تلك الدورة السابقة لأننا ادركنا ما انتجته خلال اربع سنوات من وجودها هناك وما آلت اليه الأحوال في البلاد وبين العباد، لكننا اشرنا في اكثر من مقال او اعلام الى نقاط الضعف والقوة ومواطن الخلل في الآلية والكيفية والكمية والنوعية، وعليه فان الاستفادة من كل معطيات السنوات الاربع وعناصرها الكفوءة القليلة وغير الكفوءة الكثيرة، ربما ستجعلنا نختصر الزمن ونقلل مساحة الضياع والاحباط والتقهقر؟

    فهل كانت تلك النقاط أمام أنظار بناة العراق الجديد وهم يختارون ممثلي الشعب للسلطة التشريعية التي ستقود البلاد بعد 2010م الى عهد يفترض أن يختلف تماما عن تلك العهود التي عاشها منذ تأسيس دولته في عشرينات القرن الماضي حتى سقوط بغداد ونظامها المتهالك واحتلال البلاد في نيسان 2003م!؟

   إن ما حصل منذ انتخابات آذار الماضي لا يؤشر على تلك الحقائق بل لا يدلل على أي مراجعة لموقف او إعادة في التقييم على ضوء الأحداث والمعطيات، ورغم أن  مساحات التفاؤل كثيرة لكن ما حدث خلال الاشهر الماضية في ازمة تأسيس الحكومة وعقد الجلسة الاولى للبرلمان الجديد اكدت الكثير من تخوفاتنا بسبب نوعية العناصر المرشحة الى اعلى سلطة في البلاد، ومن إمكانية هذه العناصر في اتخاذ القرار الوطني، لكونها اضعف بكثير من مستوى المبادرة او من امكانية احداث تغييرات مهمة في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يدعم مشروعنا كشعب في الديمقراطية والاعمار وترتيب اوضاع البيت العراقي، بما يتوافق مع الدستور بشفافية واخلاص وابداع بعيدا عن فكرة التنافس السلبي والاستحواذ والتحايل والمخاتلة والالتفاف على النصوص في الدستور او القوانين الأخرى، فقد جاءت النتائج لتؤكد  احتلال كثير من مقاعد البرلمان من قبل أناس بعيدون جدا عن هذه المرتجيات!؟

    حقا ان مجاميع جديدة من تنابلة البرلمان تغفو الآن بعيدا عن ضوضاء من اوصلها الى تلك الغفوة من الكتل السياسية المتنفذة التي استخدمت الوسائل القبلية والدينية والمذهبية وحصة النساء والاقليات، للاستحواذ على كم كبير من مقاعد التنابلة التي يتم ادارتها عن بعد كما قال صاحبنا احد قياديي كتلة سياسية مهمة حينما أجاب عن تساؤل حول مستويات الكثير من المرشحين الى الدورة الأخيرة:
    لا يهمك يا اخي دعهم يتمتعون بامتيازاتهم فهم ليسو اكثر من بيادق شطرنج يتم تحريكهم والسيطرة على اذرعهم رفعا وخفضا من هنا بواسطة الريمونت كونترول!؟


   لقد كان محقا هذا الشخص وهو يصف هؤلاء لسبب بسيط انهم فعلا بمستوى التحريك عن بعد، لا كما نفهم البرلمانات كونها اضافة الى وظيفتها التشريعية والقيادية فهي واحدة من اهم مدارس تخريج وتأهيل السياسيين الكبار في الدولة.

  واذا ما استثنينا السادة المشرعين الأجلاء الذين كما وصفناهم شرفوا مقاعدهم وزادوها بهاءً ومنحوا مجلس النواب هيبته واسمه الكبير فأن الآخرين يقتربون جدا من تلك القصة التي نسجت على شكل مثل يضرب على اناس عاطلين افقدتهم الاتكالية القدرة على العمل، وادمنوا الاستحواذ على ما يريدونه جاهزا من تعب الآخرين، حتى ان السلطان قال لهم تعالوا نعطيكم كل شيئ مما تأكلون وعليكم فقط تحضيره واكله، وخيرهم بين ذلك وبين رميهم في البحر فاختاروا الرمي في البحر!؟

285
حكومة عراقية.. أم ممثلية لدول الجوار؟

كفاح محمود كريم

    على ضوء ما يحصل في البلاد منذ عشية الانتخابات العراقية العامة في آذار الماضي وحتى يومنا هذا يقف المرء محتارا في توصيف شكل الحكومة القادمة على ضوء نتائج تلك الانتخابات، بل وحتى شكل مجلس النواب العراقي الجديد؟
    فقد انهمكت معظم القوى الرئيسية في الساحة السياسية العراقية ومنذ ما قبل الانتخابات العامة الأخيرة على زيارات مكوكية لعواصم محددة ومؤثرة على الملف العراقي الداخلي وهي بدون تقيد دمشق وطهران وانقرة  وأخيرا انضمت القاهرة ايضا الى محطات صنع القرار العراقي، ولا شك ان دول الجوار لها رأيها في الداخل العراقي الجديد جدا على شكل الحياة السياسية في مجالها الحيوي فهي لأول مرة تواجه او تجاور دولة تقر وتعترف بالآخر بل وتمنحه حق حكم البلاد شريكا اساسيا سواء كان عرقا او قومية او مذهبا، ناهيك عن المختلف السياسي صغر أم كبر، الى جانب الاعلان عن قيام دولة اتحادية تؤمن بحقوق المكونات في تشكيل حكوماتهم الاقليمية واختيار اللغة المناسبة والثقافة المطلوبة والعقيدة المرادة الى جانب احترام ثوابت الدستور الذي يجمع كل المكونات في هذه الدولة الاختيارية!

    نعترف ايضا ان كثير من الدول الديمقراطية بما فيها الولايات المتحدة او المانيا وانكلترا وفرنسا يهمها ان تعرف رأي دول جوارها في طبيعة وشكل حكوماتها وبالتأكيد تستمع الى تلك الاراء ومدى توافقها مع الثوابت الوطنية لتلك الدول ومدى خدمتها لمصالحها العليا، مع وجود قوانين صارمة واعراف تحرم أي نوع من التدخلات او فرض الاجندات ومنح الرشاوي او الهبات والمساعدات التي تؤثر على شكل واتجاه ونوعية النائب او الوزير او القرار أو شكل الحكومة واتجاهاتها، ومن ضمنها منع ان يشتغل النائب او الوزير او المسؤول وكيلا لأي دولة جوار لسبب بسيط جدا وهو ان هذا التصرف يقع تحت بند العمالة والتجسس لا أكثر ولا أقل!؟

    وعلى ضوء ما يحصل الآن ومنذ سنوات هل تقع نشاطات الذاهبين مكوكيا الى طهران وانقرة ودمشق واخيرا القاهرة ضمن هذه المفاهيم والسياقات، ام انهم يذهبون الى هناك لطمأنة الاخوة الجيران بعدم وصول هذا الفايروس الديمقراطي الفيدرالي الى بلدانهم، أم انهم حقا يذهبون الى هناك خدمة لمصالح العراق العليا وثوابته الوطنية والديمقراطية والدستورية والاستماع الى رأي جيراننا ( الاطهار ) الذين لا ينامون الليل والنهار من حزنهم وقلقهم على اوضاعنا ودوامة العنف في بلادنا واسعار النفط وانابيبه  واتجاهاتها، وما تنتجه الآبار من بترول وغاز، وبعد ذلك ما يمكن ايصاله الينا من ارتال الشاحنات المعبئة بما لذ وطاب لجيرانهم العراقيين الذين لا يريدون لهم التعب في الزراعة والصناعة وهم سيتكفلون باستبدال ( نفطاتنا ) بقناني المياه المعقمة وشدات الكرفس والطماطة والبصل الاخضر واليابس وغيرها من ملذات الدنيا.

   ما يزال المواطن يبحث عن حكومته وما زالت نخبنا السياسية تتصارع و( تتمكوك )* بين بغداد وعواصم تركيا وايران وسوريا والقاهرة لتنتج حكومة لا نعرف ماذا نسميها:


هل هي حكومة عراقية حقا أم حكومة دول الجوار وممثليها الأطهار!؟

*( تتمكوك ) : اختصارا للرحلات المكوكية بين بغداد وتلك العواصم!

286
ارجعوا من نصف الطريق!؟

كفاح محمود كريم

     يقول العراقيون في ما يشبه الامثال او الحكمة للمتورطين او المخطئين، ان العودة من نصف الطريق تقلل الخسائر او ربما ترفع الإثم والذنب او كما يأتي المثل نصا ( الراجع من نصف الطريق لا يندم )، وهذه ليست دعوة للرجوع أو التقهقر لا سامح الله بقدر ما هي دعوة مخلصة  لتصحيح المسار الذي ابتدأ بوضع عناصر واشخاص في اماكن ومحطات لا تصلح لها، بل ربما ستكون سببا في تدهور المسيرة برمتها، خصوصا اذا ما ادركنا إن ما انتجته تلك العناصر خلال ستة الاشهر المنصرمة من توليها مواقعها في مجلس النواب، وما انتجته ذات العناصر واشباهها في الدورة الاولى من خراب ويباب للعباد والبلاد!

    وقد نبهنا في عدة مقالات عن هذه العناصر التي تعمل من اجل ان تتبؤ تلك المناصب لتتمكن من تعطيل حركة البلاد باتجاه التغيير الجذري لنمط الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وها هي تفعل فعلتها في اشاعة الشلل والانكماش والتقهقر وتأخير تشكيل حكومة وطنية لقيادة البلاد في هذه المرحلة المهمة من تاريخها، لتغطية اهدافها ومآربها الشخصية او العامة في الفساد والافساد سياسيا واقتصاديا واداريا، ضاربة عرض الحائط ما يجري في البلاد من مآسي فقدان الامن والسلام وتقهقر الخدمات بشكل كبير مما خلق اجواء وشعورا خطيرا بالاحباط واليأس خلال السنوات المنصرمة، حيث نجحت تلك القوى المتخلفة والانتهازية من الاندساس في الجسد السياسي العراقي الذي بدأ يتبلور على خلفية تختلف جذريا على ما كان عليه خلال العقود الطويلة الماضية من عمر الدولة العراقية.

وازاء ما يحدث منذ انتهاء الانتخابات واعلان نتائجها وما يحصل من استحواذ على المال العام تحت غطاء الادارة المؤقتة في الحكومة او الجلسة المفتوحة في مجلس النواب وما يرافق ذلك من تدهور مريب للوضع الامني وانهيار شبه كامل للخدمات الحياتية المهمة للمواطن والاهالي، نرى ان اعادة الانتخابات رغم صعوبتها الا انها ربما تكون عملية جراحية لتطهير الجسد السياسي العراقي من كثير من الدرنات والانتانات الملتهبة هنا وهناك ومحاولة جدية لبث الروح في جسد العملية السياسية التي باتت تتخبط بل تنحسر لصالح تلك القوى التي اخترقت صفوفها.

    ان افواجا من الفاسدين والمفسدين لا يمكن أن تسمح باحداث تغيير في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية العراقية بعد ان نجحت في اختراق كثير من المؤسسات التي تدعي انها ستنجز ذلك التغيير او التحديث، وعليه فان حل مجلس النواب واعادة الانتخابات ربما ستختزل مساحة الفساد والفاسدين وتمنح العناصر الخيرة والكفوءة خصوصا وقد ادركت قطاعات مهمة من الاهالي حقيقة كثير من المرشحين او المتهالكين على مناصب الدولة ومكاسبها في ضل غياب  كبير لأجهزة النزاهة والمراقبة والمسائلة، بل ان وعيا جماهيريا مهما يتبلور الآن مع اشتداد هذا الصراع المقيت على السلطة والمال العام، وقد ادركت تلك القطاعات ان ديدن هذا الصراع ليس له علاقة بمصالح البلاد العليا او ثوابت وحاجات المواطن والاهالي في المدن والارياف، بقدر تعلقه باجندات حزبية او فئوية او خارجية لا تخدم بأي شكل من الاشكال تلك المصالح والثوابت.   

287
المنبر الحر / أسئلة مشروعة؟
« في: 10:51 27/09/2010  »
أسئلة مشروعة؟



كفاح محمود كريم


    عام 1949م سجل التاريخ السياسي والاجتماعي للشعوب حدثا مهما في قارة آسيا وهو انطلاق الثورة الصينية بقيادة الزعيم الشيوعي ماوتسي تونغ، وبعدها بثلاث سنوات أي في تموز 1952م تم تسجيل حدث آخر لا يقل اهمية في قارة افريقيا، الا وهو الثورة المصرية بقيادة الزعيم القومي جمال عبدالناصر، والمثير ان الثورتين تصنفان على يسار الحركة السياسية في العالم انذاك، وهناك الكثير من التشابهات بين الدولتين والشعبين في ما يتعلق بالتاريخ والحضارة التي تمتد في كليهما الى عدة آلاف من السنين، اضافة الى التشابه في نسب الأمية والفقر وكثافة السكان قياسيا وانخفاض الانتاجية للفرد والمجتمع ابان قيام الثورتين، وربما بعدهما بعدة سنوات ليست طويلة وما حدث في الكوريتين وقبلهما قيام الثورة العراقية في تموز 1958م والكثير من التشابهات بين هذه الدول وانظمتها الاجتماعية المحافظة وما جرى فيها خلال عدة عقود من الزمن المزدحم بالانجازات في بعضها والمتقهقر في بعضها الآخر؟

    لقد خاضت حكومات وشعوب تلك الدول حروبا وصراعات وانقسامات وانقلابات وثورات كثيرة متشابهة احيانا ومختلفة الى حد ما في احيان اخرى، لكنها رغم ذلك وبعد ما يزيد على ستين عاما بقليل استطاعت ان تحدث تغييرا نوعيا كبيرا في مسار تقدمها وشكل ومضمون حضارتها وبالذات في الصين العظمى والصغرى في تايوان والاصغر في هونك كونك وما حصل من تطور مذهل في كوريا وماليزيا واندنوسيا وسنغافورا، وإزاء ذلك هل يحق لنا ان نتساءل عن الفروقات بينهم وما حصل خلال ذات الحقبة الزمنية وما انتجته من حصاد هذا اليوم في بلداننا؟ 

    كيف غدت مصر وبعدها العراق وما شابههما من انظمة ودول بقياسات زمنية واجتماعية وسياسية متقاربة كما ذكرنا انفا قياسا الى ما حدث في الصين الصغيرة منها والعظمى، وما نتج في كوريا وكثير من بلدان جنوب شرق اسيا التي لا تختلف كثيرا عن دولنا وشعوبنا؟

    اين مراكز القوة في المجموعة الاولى لكي تنتج ما انتجته خلال هذه السنوات وتصل الى ما هو عليه الان في كل من الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا واندنوسيا وسنغافورا وغيرهم؟

    وفي الطرف الآخر أي في مجموعتنا هنا في الشرق الاوسط عموما ومصر والعراق خاصة أين تكمن نقاط الضعف التي تسببت في هذا الانهيار والتقهقر والانكفاء؟

   انها اسئلة مشروعة رغم آلامها ومرارتها ربما بمحاولتنا الاجابة عليها نضع بضعة نقاط ملونة على الاحرف لنزيل بها ثمة بقع داكنة من ظلامات هذه الحقبة في تاريخنا! 

288
المنبر الحر / الطارئون؟
« في: 18:09 21/09/2010  »
الطارئون؟

كفاح محمود كريم


    واحدة من اهم المشاكل التي يواجهها النظام الجديد في العراق تتجلى في اعتلاء اناس طارئون لمنصات الحكم ودوائر المال في مؤسسات الدولة العراقية الحديثة منذ نيسان 2003م، وهم عبارة عن مجاميع من مرتزقة النظام السابق ومنفذي برامجه الذين عملوا على طول الخط كمقاولين ومجهزين وشركاء لقيادات حزبية او عسكرية او امنية في مشاريع تنفذها تلك الجهات، مضافا اليهم تلك الافواج من المجرمين العتاة الذين اطلق سراحهم قبل عدة اشهر من سقوط النظام نظير قيامهم بعمليات لصالحه في حالة تعرضه الى هجوم او مقاومة من الشعب، حيث نجحت هذه المجاميع من الانتهازيين والمرتزقة والمقاولين والتجار والمهربين والمجرمين من اختراق صفوف القوات الامريكية بكثير من الصفات والاشكال مستغلة عدم الدراية وقلة المعرفة بواقع الحال وتاريخ البلاد واوضاعها الاجتماعية والسياسية من قبل تلك القوات واداراتها، وفي مقدمة منافذ الاختراق كانت بعض اعمال الترجمة الفورية التي احتاجتها تلك الوحدات اثناء دخولها المدن والارياف والتي اي تلك المجاميع من المترجمين تحولت الى حلقات وصل ونفوذ وتسلق لكثير من اولئك الطارئين الذين تحولوا خلال هذه السبع العجاف الى طبقة مالية متنفذة اغرقت البلاد والعباد بفسادها وافسادها.

    لقد كانت الخطوات الاولى لتكوين تلك الطبقة مجموعة مقاولات اولية وثانوية لتجهيز تلك الوحدات بما تحتاجه من خدمات خاصة، اضافة الى مقاولات صغيرة بتخصيصات كبيرة انذاك اي بعد الاحتلال مباشرة لأعادة اعمار بعض المنشآت التي تعرضت للسلب والنهب والحرق على أيدي تلك المجاميع ورفاقهم من الحزبيين والكثير من رجال الأجهزة الخاصة   والغوغاء الذين استباحوا البلاد في أبشع عملية سرقة منظمة قاموا بها في ما اطلق عليها بالحواسم التي اباحها رئيس النظام السابق واحل لهم ما سلبوه ونهبوه من المال العام في طول البلاد وعرضها.

   وقد شهد الكثير منا عمليات السلب والنهب التي تعرضت لها معسكرات الجيش ومخازنه ودوائر الدولة ومؤسساتها دون استثناء بما في ذلك المتاحف والمعارض والمسارح والجامعات ومباني الوزارات والقيادات وقصور الرئاسة وحتى المدارس الابتدائية وما فيها من رحلات وسبورات، وقد اكدت الاحداث ان كثير من اولئك الذين قاموا بعمليات النهب والسلب والسرقة هم بعض من موظفي ومراتب وضباط تلك الدوائر والمخازن والمعسكرات وحتى الجامعات والمتاحف والوزارت حيث تحولوا خلال عدة سنوات الى ديناصورات مالية استطاعت النفوذ الى جسم الدولة الجديدة من خلال ما امتازت به من اموال وعلاقات مع قوات الاحتلال، واصبحوا بين ليلة وضحاها من كبار رجال الدولة ومستشاريها وربما البعض منهم اسس كيانات واحزاب وكتل سياسية اخترق بها جسد النظام الجديد في البلاد وعمل على اعاقة اي تقدم يذكر في حل اشكاليات المواطن العراقي ومعاناته التي امتدت لعشرات السنين.

وازاء هذا المشهد وما يرافقه الان من تنافسات وصراعات على السلطة بدلا من تداولها بشكل سلمي وديمقراطي تعمل تلك القوى الطارئة على اغراق المواطن باليأس والاحباط وتأخير قيام مؤسساته الوطنية كما تفعل فعلتها في اذكاء نيران الفتنة الطائفية تارة والعرقية تارة اخرى وابقاء البلاد في دوامة العنف والاحتراب وايقاف عملية الاعمار والبناء لتحافظ على مكتسباتها ومصالحها ومبررات وجودها وهنا دعونا نتأمل مع الكاتب المبدع رشيد الخيون وهو يتصور كما تصورنا جميعا:

    ((... أنهم البنائون لعصر عراقي جديد، مثلما مازالوا يرددونها خالية من المعنى: "العراق الجديد"! لا ندري، ماذا عنت لهم الدِّيباجة التي أُستهلوا بها الدُّستور الدائم (2005): "نحنُ أبناء وادي الرَّافدين، موطن الأنبياء، ومثوى الأئمة الأطهار، ورواد الحضارة، وصناع الكتابة، ومهد التَّرقيم، على أرضنا سنَّ أولُ قانونٍ وضعه الإنسان، وفي وطننا خُطَّ أعرقُ عهدٍ عادلٍ لسياسة الأوطان، وفوقَ ترابنا صلى الصَّحابةُ والأولياء، ونظَّرَ الفلاسفةُ والعلماء، وأبدعَ الأدباءُ والشُّعراءْ". أقول: ألا بئس الأحفاد! فهؤلاء الذَّين نسجوا ذلك الشِّعر جعلوا رواتبهم بالملايين، فراتب عضو البرلماني الشَّهري يتراوح بين ثلاثين إلى أربعين ألف دولار! وهو القرار من بين القرارات الفريدة التي تألفت عليها قلوب البرلمانيين المختلفة.

هؤلاء أنفسهم الذين كتبوا تلك الدِّيباجة، واقسموا اليمين على حماية الدَّم والمال، أحدهم يشيد الآن داراً ثمنها بالملايين من الدُّولارات لا الدَّنانير، وهم أنفسهم أسرعوا إلى تقاسم الوظائف في السَّفارات العراقية للأبناء وأولاد العمومة، وهم أنفسهم في الأزمات يتركون البلاد، إلى موسم حج أو اصطياف، وكأن قائلهم يقول ما قاله الحجازي عبيد الله بن الحر لمصعب بن الزُّبير (قُتل 71 هـ)، وهو يُقاتل بالعراق: "لا كوفةٌ أمي ولا بصرةٌ أبي.. ولا أنا يثنيني عن الرحْلةِ الكَسّلْ"(نفسه)!

ليس أكثر بالعراق اليوم من سيل الدَّم والجوع! لا صوت يعلو بالعراق اليوم على صوت النِّسناس وهو يسفك الدَّم وينهب المال، غير أنها قد لا تخلو مِنْ بقية تُرجى، من مثقفين وعلماء وأبناء أُصول وأشراف ضمائر، لكنهم منزوون، فالزَّمن زمن النِّسناس لا "بقية النِّاس". وقصة العبارة، أنه بعد قيام الفتن انزوى التَّابعي سعيد بن المُسَيَّب(ت 94 هـ) في زاوية من زوايا المسجد النَّبوي، ولما مرَّ به الوليد بن عبدالملك (ت 96 هـ) ولم يتحرك له، أشار إليه قائلاً: "هذا بقية النَّاس"(تاريخ اليعقوبي).  ))*



* من مقال ( العراق.. النسناس وبقية الناس ) للكاتب رشيد خيون: عن جريدة الاتحاد الاماراتية.


289
لماذا سبع عجاف يا عراق؟

كفاح محمود كريم

     تحدثنا في اكثر من مقال عن محاولات الاختراق التي تقوم بها تنظيمات حزب السلطة في النظام السابق او مؤيديه ومرتزقته وعملائه من خلال الاندساس في الاحزاب الوطنية التي قارعته طيلة ما يقرب من اربعين عاما وتسبب هو وميليشياته المعروفة من ايام الحرس القومي ومنظمة سيف ومكتب العلاقات العامة ( المخابرات فيما بعد ) والجيش الشعبي وفدائيو  صدام وغيرهم في قتل مئات الآلاف من منتسبي تلك الاحزاب ومؤيديها سواء على ايديهم مباشرة او من خلال اجهزة الامن والجيش ومؤسساتها وعملائها، وما حصل في اقليم كردستان منذ آذار 1975م وحتى انتفاضة الربيع في آذار 1991م من جرائم يندى لها جبين الانسانية والحضارة ومثلها ما حصل في الجنوب والاهوار والرمادي والموصل وكل مدن العراق وقراه.

     واذا كانت بعض تلك الخروقات مبررة بعد السقوط مباشرة كون ان اصحابها قد تابوا او كانوا من المغرر بهم او انتموا وظيفيا او ممن لم يفوزوا في انتخابات حزب السلطة قبل السقوط فخفضت درجاتهم الحزبية القيادية الى العضوية فقط ولم تشملهم قوانين الاجتثاث، او ممن عوقبوا ايام النظام السابق لجرائم تتعلق بالاختلاس والسرقة او غيرها من الجرائم المخلة بالشرف فتحولوا بقدرة قادر الى سجناء سياسيين وتم اعتمادهم في كثير من المواقع على ذلك الادعاء!؟ لأسباب لا يعرفها الا الراسخون في العلم من قيادات احزابنا الوطنية وتنافساتها الانتخابية التي تخلط الحابل بالنابل للوصول الى دفة الحكم!؟

    قلت اذا كانت بعض تلك الخروقات مبررة بسبب التنافس الحزبي او الطائفي او العرقي او التضامن ومنح فرصة الطيران ثانية على خلفية عفا الله عما سلف، في اول مرحلة تأسيس نظامنا الجديد، او حتى لربما ان البعض اعتقد ان هذه المجموعات ستكون خط رجعة و ( تزكية ) فيما لا سامح الله قررت العمة امريكا اعادة الرفاق الى احدى عربات قطار الحرية والديمقراطية بثوب جديد، خصوصا واننا ما زلنا نتذكر ذات العربات التي حملت رفاق شباط 1963م الى الحكم!؟
    اذاً فما بالكم اليوم بمجاميع تم ترحيلهم الى الدورة الجديدة لمجلس النواب لكي تمثل نتاج تربية خمسا وثلاثون عاما من ثقافة وسلوك الفكر البعثي  ومنفذي ودعاة ومؤيدي وربيبي مدارس البعث والانفال والقبور الجماعية واعدامات الجملة  في عراق ما قبل نيسان 2003م ولكي يكونوا بناة العراق الجديد وحماة دستوره والساهرين على تحقيق اهدافه وبرامجه في التغيير والاعمار(!؟) مجاميع ولدت وترعرعت في أكناف البعث ومدارسه ومؤسساته ومنظماته وتشربت بثقافته وسلوكياته وطريقة تفكيره ونظرته لما حوله والتعامل معه، حتى لتكاد أن تصدق من شدة تأثرها بفكرهم بأنها واحدة من إسقاطات رئيس النظام السابق وهو يصفهم بأنهم بعثيون وان لم ينتمو،  فكيف إذا كانوا اليوم يزايدون على قيادات البعث وطروحاتهم في ما يتعلق بتلك السياسة ونتائجها على الارض والاهالي والتي غدت واحدة من المعضلات التي تواجه الحاكمين اليوم في ما يتعلق بتطبيقات الدستور والاصلاح السياسي والاقتصادي والمالي والاداري وحل اشكاليات النفط والغاز وتوزيع الثروة والاقاليم وغيرها.

    خصوصا إذا ما عرفنا انه لا وازع أو مانع للبعث يمنعه من الوصول إلى السلطة مهما كان، فهو يوظف ويستثمر كل الوسائل بميكافيلية لا مثيل لها من اجل تحقيق اهدافه حتى وان تطلب الامر التعاون مع الشياطين، وقد اثبتت الاحداث والحقائق تعاونه وتعامله مع الاضداد وتنصله من الاتفاقيات والمعاهدات لغرض تنفيذ مآربه، ولعل تاريخه القريب ومواقفه مع القوى الوطنية ودول الجوار منذ اتفاقية آذار 1970م وتنصله منها وحتى توقيعه اتفاقية آذار 1975م مع ايران التي تنازل بموجبها عن كثير من الارض والمياه العراقية لإيران مقابل تعاون ايران معه لسحق الثورة الكردية، ومن ثم الانقلاب على ايران وتنصله عن تلك الاتفاقية وما حصل عقب ذلك من كوارث ومآسي التي تكررت هي الأخرى في نتيجة سلوكه مع دول الجوار العربية في الكويت والسعودية.
 
    وربما لو نظر كل منا بدقة وتمحيص الى مرشحي قريته او مدينته لأدرك حقيقة المأساة التي نمر بها ولعرفنا اسباب ما يجري في البلاد منذ عام 2005م ولحد اليوم وربما لأربع سنوات آتيات، واذا ما استثنينا الشرفاء الاصلاء من المناضلين والوطنيين الأحرار الذين وصلوا الى مجلس النواب او غيره من مؤسسات العراق الجديد والقينا نظرة سريعة على السير الذاتية لأولئك الذين اوصلتهم عربات الفساد والإفساد لظهر لنا مدى الاختراق والاندساس في نظامنا الجديد من خلال حلقات ادارية او حزبية ضعيفة او متهرئة وفاسدة، او من خلال صراعات طائفية وقبلية وعشائرية وعرقية معينة استخدمها هؤلاء للوصول الى منافذ مهمة للدولة الجديدة، وبقراءة سريعة لماضيهم يتضح لنا لماذا تحول العراق الى أفشل دولة وأفسد نظام والى دوامة او نافورة للعنف والارهاب والفساد والافساد خلال السنوات السبع الماضية والسنوات القادمة من خلال هؤلاء المندسين دستوريا وتشريعيا!؟

    وسندرك من خلال نماذجهم اجوبة لكل التساؤلات المريرة للأهالي في ما يتعلق بالمال العام والاعمار والخدمات والأمن والسلم الاجتماعي واضعين نصب أعيننا ذلك العهد والتهديد الذي قطعه رئيسهم أمام الملايين من العراقيين والعالم بأنهم سيجعلون العراق حفنة من تراب لو ازيحوا عن السلطة، وهذا ما يجري منذ سبع سنوات عجاف بينما يضع زعمائنا الجدد رؤوسهم في الرمال الدافئة أو يرفعوها من اجل المناصب والتنافس على السلطة لتندس سلالات البعث وفايروساته الى جسد العراق الجديد ومؤسساته وتفعل فعلتها في إحالته الى حفنة من تراب!؟

kmkinfo@gmail.com



 



290
الثرثرة وحبل المشنقة؟

كفاح محمود كريم

    ذكرني جهاد الخازن في مقال له وهو يتحدث عن الثرثرة والهذر على صفحات جريدة الحياة قبل ايام عديدة ( الصمت أسلم من الهذر )*، بقصة رجل اعدم في صيف عام 1989م بسبب تعرضه لذات الدكتاتور العراقي صدام حسين بالشتيمة والسب في العاصمة اربيل، حيث كان يحتسي الخمر في احد نواديها الليلية مبتدأً بالتهكم والسخرية من سلوك الدكتاتور حتى بلغ الكأس الثالث أو الرابع فأدرك السباب والشتيمة وهو سكران ثمل!؟ 
  لم يمض على استدعائه اكثر من ثلاثة ايام لترسل جثته هامدة ملونة من شدة التعذيب الى ذويه!؟

   ومن اقليم كردستان العراق الى وسطه في مدينة الحلة وقبل حادثة صاحبنا في اربيل بعشر سنوات تقريبا أي في شتاء 1979م تذكرت شخصا آخر وكان محاميا خمارا حينما يخرج من احد النوادي ثملا الى الشارع تواجهه صورة كبيرة لصدام حسين، فيقترب منها ليتبول على جدارها العالي رافعا رأسه ومخاطبا صاحبها ساخرا ومتهكما، حتى ادركه رفاق العقيدة ليقودوه ( بالجلاليق والكفخات ) الى اقرب مقر من مقراتهم ويختفي سنوات طويلة ليخرج فاقدا عقله بالتمام والكمال هائما بين الطرقات وهو ما يزال يخاطب صاحب الصورة في الازقة والشوارع كلما رأى جدارية كبيرة قائل: ما خاف منك حتى لو صرت محافظ الفوار*؟

     وأعود بالذاكرة قليلا الى الوراء السياسي العراقي المؤلم في حادثة بائسة مضحكة مبكية من حوادث ما حصل بعد فشل محاولة العقيد عبدالوهاب الشواف الانقلابية في الموصل ضد الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1959م، وحالة الفلتان التي اجتاحت المدينة واختلط فيها الحابل بالنابل، ومن بين ما حصل كانت هناك جثة مرمية على قارعة الطريق ويبدو انها لضابط كبير من المشتركين بـ ( المؤامرة )، فجأة جاء رجل فضولي من العامة وبدأ يركل الجثة ويشتم صاحبها قائلا: هذه نهاية الخونة!؟*

    بعد اقل من اربع سنوات اي بعد انقلاب عبدالسلام عارف واستحواذ  البعثيين على مفاصل مهمة من الحكم، القي القبض على هذا الفضولي  لتقديمه الى محاكمة لم تدم اكثر من ساعات فيحكم بالاعدام رميا بالرصاص كونه كان جنديا، وقد تبين فيما بعد انه من مراتب ذلك الضابط القتيل الذي عرف بتشدده العسكري ولا علاقة له بأي شكل من الاشكال لا بالضابط ولا بالحاكمين آنذاك؟

     واذكر من السجالات الاوربية واحدة من اطرف ما سجلته لنا الذاكرة السياسية في اروقة البرلمان، ففي ايطاليا كان هناك دوما صراع او تنافس بين الحزب الشيوعي الايطالي والحزب الديمقراطي المسيحي، وفي واحدة من سجالاتهم، مرَ رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي من امام رئيس الحزب الشيوعي ولم يبادره بالسلام فقاله له الآخر معاتبا لماذا لا تسلم فرد عليه قائلا: انا لا اسلم على الحقراء!؟     فسلم رئيس الحزب الشيوعي عليه مباشرة وصافحه رغم ذلك قائلا له: لكنني يا عزيزي مورو انا اسلم عليهم بحرارة!؟

    ورغم ان البعض يعتبر هذا النوع من النقد وسيلة من الوسائل للتشهير بالنظام ورموزه واعتباره اسلوبا دعائيا واعلاميا كما يحصل في كثير من الدول الديمقراطية العريقة حيث يستخدمون في كثير من الاحيان الشتائم والتشهير بالانظمة والاشخاص من خلال اغانيهم او شعاراتهم او هتافاتهم، الا ان السؤال يبقى في بلادنا وحتى يومنا هذا هو ما مدى صلاحية هذا الاسلوب في مجتمعاتنا وطبيعة تكوينها النفسي والقيمي!؟ 


ثرثرة وهذر تقود الى حبل المشنقة!


      مابين الشتيمة والادعاء الكاذب تفصل الرأس عن الجسد في ظل نظام دكتاتوري ظالم، وبصرف النظر عن مشروعية ما حصل في الحوادث الثلاث من قبل النظام الحاكم إلا أن اسئلة مهمة تطوف دائما مع هكذا أحداث:

     ترى هل ان الشتائم والقذف والثرثرة الفارغة تعبر عن موقف سياسي سليم، او نمط واسلوب من اساليب معارضة النظام، سواء كان صاحبها صاح او سكران او مبرمج كما حصل لصاحبنا في اربيل والآخر في الحلة؟

   وهل أن الكثير من تصريحات سياسيينا الجدد وفنتازياتهم وبالذات تلك التي تلغي الآخر او تهمشه وتشيع الكراهية والبغضاء وتبرر الارهاب والقتل والتطهير، تقع تحت طائلة الثرثرة السياسية والهذر الساذج أم أنها فعلا تعبر عن أفكارهم وآرائهم التي سيحكمون بها البلاد!؟

   واذا كان النظام قد اعدم او اتلف من شتم شخص رئيسه، فما عقوبة من يتسبب في ثرثرته وتصريحاته في إشاعة كراهية شعب او عرق او مذهب او دين في بلاد تكونت اساسا من هذا الفسيفساء!؟


* مقال الكاتب جهاد الخازن:عيون وآذان (الصمت أسلم من الهذر) في جريدة الحياة اللندنية
السبت 03 يوليو 2010

* الفوار: قرية تقع الى الجنوب الشرقي من مدينة الديوانية وكانت يومها مركزا لتجمع الغجر (الكاولية ).
* احداث 10 آذار 1959م بعد فشل محاولة الشواف الانقلابية في الموصل.

kmkinfo@gmail.com


291
اقليم كردستان وتشكيل الحكومة العراقية

كفاح محمود كريم


   في الوقت الذي يركز وفد اقليم كردستان لتأسيس الحكومة العراقية الجديدة على القضايا الوطنية العراقية المهمة وفي مقدمتها ما يتعلق بالمواطن من امن وحاجات اساسية، وما يتعلق بالدولة ومؤسساتها وصلاحيات الرئاسات الثلاث والقضايا العالقة بين المركز والاقليم وتطبيقات الدستور في كل مواده، يذهب الاخرون الى تقزيم القضية العراقية بشخص من سيكون رئيسا للوزراء من هذه الكتلة او تلك، غافلين او متغافلين عما يحدث يوميا لهذا المواطن الذي انتظر عشرات السنين لكي يسقط نظام الحزب الواحد والشخص الواحد وينهض عراقا اخرا يحترم الانسان وحريته ويعمل من اجل تحقيق اهدافه وحاجاته الانسانية بما يليق ببلاد احتضنت اقدم الحضارات واكثرها تطورا.

    ان قراءة سريعة للمشهد الذي كان عليه الوفد الكردستاني منذ منتصف حزيران الماضي وهو يجتمع ويحاور ويطرح مجموعة افكاره ربما يخرج بانطباعات قريبة مما تتضمنه تلك الورقة حيث يتناول الخطاب الكردستاني محورين مهمين الاول محور وطني عراقي والثاني يتضمن نقاط اكثر خصوصية ربما بالاقليم في ما يتعلق بالمشاكل العالقة بين اربيل وبغداد اضافة الى ما هو مشترك عراقيا وكردستانيا في قانون النفط والغاز والتعداد العام للسكان والقوات المسلحة.

    في المحور الاول أي المحور العراقي عموما حيث يتضمن مقترحات لاعادة النظر في الصلاحيات التي تتمتع بها الرئاسات الثلاث بما يعزز الاتحاد والتوافق والمشاركة لجميع المكونات ضمن فلسفة الدستور ومبادئه الاساسية، ويدعم قيام مجلس سياسي وتفعيل صلاحياته من خلال قانون او تشريع يسنه مجلس النواب ويعتمده كمؤسسة عليا الى جانب الرئاسات الاخرى ليدعم بنية وفكرة التوافق التي ما تزال الحاجة اليها ماسة وضرورية في هذه المرحلة.

    كما يستشف المرء من خلال معظم اللقاءات والحوارات التي اجراها الوفد الكردستاني مع الكتل السياسية العراقية منذ منتصف حزيران الماضي وحتى اليوم تأكيدا مهما على القضايا الوطنية التي تتعلق بحياة المواطن وامنه وحاجاته الاساسية ( الخدمات ) ومن ثم التفكير بمن سيكون رئيسا للوزراء من هذه القائمة او تلك، بما في ذلك المواطن الكردي او العربي أو التركماني في كركوك او الموصل او ديالى ممن تقع مناطقهم ضمن ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها التي جاءت في  المحور الثاني من الورقة الكردية التي كثفت مجموعة من العالقات بين الاقليم والحكومة الاتحادية وفي مقدمتها تطبيقات الدستور في المادة 140 التي يؤكد معظم السياسيين الاكراد على انها لا تتعلق بكركوك فقط، وانما تشمل كل المدن والقصبات التي تعرضت للتغييرات الديموغرافية على اسس عرقية وقومية ودينية وطائفية سواء في كركوك او الموصل او ديالى وتكريت والرمادي والنجف وكربلاء والحلة، وفقد نتيجتها مئات الالاف من المواطنين بيوتهم واملاكهم وحتى هويتهم القومية بما اطلق عليه بقانون تصحيح القومية سيئ الصيت انذاك.

   ان الوقوف بمسافة واحدة من كافة الكتل السياسية العراقية هو ما ميز الخطاب الكردستاني مع تأكيده على الثوابت الوطنية الاساسية في التحالف الاستراتيجي مع القوى التي قاومت وناضلت معا طيلة عشرات السنين، ومن هنا يبدو ان نجاح وفد اقليم كردستان في اقناع الكتل السياسية العراقية وتقريب وجهات نظرها حول ثوابت وطنية عراقية تشكل مخارج مهمة للعملية السياسية ينفرد بها الكرد لصالح الخيار الوطني العراقي بعيدا عن التدخلات الاجنبية مهما كان لونها او شكلها في تأسيس حكومة وطنية عراقية تمثل الكل صغر حجمه ام كبر لتكون حكومة شعب لا حكومة احزاب وفئات مؤهلة لتحقيق ما يصبو اليه المواطن وحل العالقات من المشاكل على مستوى البلاد او مع الاقليم.

kmkinfo@gmail.com
   




 

292
كل شيء من اجل المناصب في العراق؟

كفاح محمود كريم



   المناصب وما أدراك ما يحصل من اجلها والمواقع وما تفعله بعباد الله والعناوين التي تطوف بالهائمين بها صوب المنافذ والأبواب ومفترقات الطرق وعقدها والتهافت عليها حد الاقتتال والتذابح والفساد والإفساد وهدر الحال والأحوال والأموال، ومن ثم إشغال ما لا يشغل من قبل اناس لا علاقة لهم بتلك المسميات إلا ما ينحصر في امتيازاتها المادية والسياحية؟

    إنها عناوين يهرول اليها الكثير وتختلف الاسباب في الهرولة وما قبلها وما بعدها ايضا حينما تتحول الاسباب الى اهداف وغايات، وفي كل ذلك وضمن عواصف هذا التسابق والتصادم والتزاحم والتنافق والتدليس والإحلال والنفوذ تضيع الطاسة كما يقولون بين ايدي العطاشى، وتطوف ( الخوقة ) على عادة اهل الموصل او الخرقة على فصيح الكلام في فيضان الاتهامات والتدافع والثرثرة حتى لا يكاد المرء يفرق بين أصواتهم وأصوات سوق الصفافير في الموصل او بغداد؟

   وفي خضم ذلك تتيه مسميات المناسب وغير المناسب بل وتموع كما تموع حلاوة الطحينية في قيظنا هذا المضروب في الامثال والمطلوب لنا تمنيا ودعاءً منذ اكثر من ألف عام!
     تموع حتى تختفي تماما امام طوفان ابن العم وحزام الظهر وابناء العشيرة من العمام والخوال حتى كأنك وانت تدخل وزارة تشم عطر الوزير من مدير مكتبه حتى الحارس الليلي ( الباصوانجي ) امام باب الوزارة ليلا؟


      والغريب ان كل دساتيرنا وقوانيننا ومبادئنا الخلاقة وافكارنا التي لا مثيل لها في الدنيا والآخرة، تؤكد ليل نهار على الرجل المناسب في المكان المناسب حتى حفظناها على ظهر قلب وعقل ولسان مثل اسمائنا او شعارات احزابنا المناضلة وتواريخ ميلاد قادتنا الافذاذ؟

     وما زلنا نناضل ونكافح ونعمل برامجنا ونصيغ خططنا الخمسية والعشرية من اجل جعل الانسان المناسب في المكان المناسب، حتى اصبح أو امسى هذا الانسان الرجل الوطواط ولم يدرك مكانه لحد يومنا هذا، بل استعاضوا عنه بالقريب والنسيب والعشير، وصاحب المواهب الخاصة جدا والامكانيات البهلوانية الناعمة التي تصاحب دراما التعيينات والتكليفات  وتسمية وترشيح اعضاء الشلل والكروبات القريبة من مصادر الطاقة والقرار والذي منه؟ وفي كل ذلك تخضع الأمور الى مزاجات المسؤول وترتيباته الشطرنجية، هذا المسؤول الذي يبدأ من اصغر مدير دائرة ربما لا يتجاوز موظفيها الثلاثة مرورا بمستويات المدراء الاقل من المدير العام الذي يعتبر فلتة زمانه هو الآخر وصولا الى عبقرينو المنظر معالي الوزير حتى نستظل بظلال القائد الملهم الفذ الذي لا مثيل له ابدا!؟

    والغريب إن هذه النماذج من الاداريين الأفذاذ لم تخضع للفحوصات الطبية ما قبل التعيين المتعارف عليها قديما، حيث يعرض المتقدم للتعيين الى مجموعة من الاخصائيين لفحصه والتأكد من صلاحيته الفسلجية والعقلية والنفسية، ومن ثم كتاب او تأييد من المختار والاختيارية بأنه من عائلة محترمة ومعروفة بسمعتها الطيبة بمعنى أن تكون نزيهة وصادقة وشريفة على أقل تقدير!؟

    وهنا أتذكر قصة رواها لي احد احفاد الشيخ عبود الهيمص من شيوخ الزبيد في الفرات الاوسط في اواخر سبعينات القرن الماضي حيث توسط الشيخ لدى الباشا نوري سعيد في العهد الملكي وذلك لقبول احد ابناء المنطقة في الكلية العسكرية، وبعد اشهر سأل الشيخ نوري السعيد عن وساطته فقال له يا شيخ انك تتوسط لشخص سيكون زعيما في البلاد بعد عشر سنوات، لا تستعجل علينا ان ندقق كثيرا في أصله وفصله ونظافة يده قبل قبوله!؟

   حصل هذا قبل اكثر من سبعين عاما على عهد رئيس وزراء المملكة العراقية حديثة التكوين لقبول طالب في الكلية العسكرية، فهل يا ترى مازلنا نستخدم ذات القياسات في قبول طلبات المتطوعين كشرطة او جنود ناهيك عن الموظفين والمحاسبين وأمناء المال والمخازن وحراس الحدود ونواب الشعب ووزرائه!؟

    وصدق من قال إن الهامات لا تحتاج الى تاج، بل التاج هو الذي يحتاج اليها ليكتمل؟
kmkinfo@gmail.com

293
  البعث والسنوات العجاف

   كفاح محمود كريم


    في العقد الأخير من حكم النظام العراقي السابق تجلت أساسيات وآليات مهمة في أدوات حكم الدكتاتور صدام حسين وحزبه الذي أعاد تشكيله الفكري والهيكلي بعد نجاحه في انقلاب تموز 1979م على الرئيس الأسبق احمد حسن البكر وتصفية المئات من رفاقه في القيادتين القطرية والقومية ومجلس قيادة الثورة وفروع الحزب باتهامهم بالخيانة العظمى والتعامل مع دولة أجنبية ( سوريا )، لكي يبدأ برنامجا فكريا وسياسيا وسلوكيا ادركناه جميعا ورأينا تناقضاته وميكافيليته والمأسي التي انتجها وما يزال حتى يومنا هذا.

   ولعلنا نتذكر قبل ولوج العقد الأخير كيف كان هذا النظام يعتمد أو ينمي شرائح منتقاة من المجتمع ويعمل على تكثيفها وتطويرها وتقريبها لكي تصبح جزء من النظام ومؤسساته، فقد اعتمد في النصف الثاني من السبعينات على مجاميع من المقاولين ورجال الأعمال ( ومعظمهم من كبار الضباط والموظفين الذين احالهم على التقاعد لأشغالهم وربطهم بعجلته ومنعهم من القيام بأي نشاط معادٍ له)، ومن ثم في عقد الثمانينات من القرن الماضي على فئة العسكر وتحديدا الضباط ومن تم صنعهم بتلك الدرجة بمواصفات حزبية أو مهنية كما في شريحة ضباط ما كان يعرف بــ ( الموس أو النائب ضابط حربي ) أو ضباط عضو الفرقة ومعظمهم كانوا من مراتب الجيش والشرطة ( عرفاء ورؤساء عرفاء ونواب ضباط ومفوضين ) إما ضباطا يستخدمون في الاستخبارات العسكرية أو أجهزة الأمن أو مسؤولي التوجيه السياسي في وحدات الجيش، وقد تم استخدامهم مع مجاميع من الضباط الصغار بشكل انتقائي في اختراق المؤسسة العسكرية التي بدأوا بتحويلها الى جيش مؤدلج ( عقائدي ) تدريجيا ومن ثم الانقلاب عليها وتصفيتها لصالحهم وهذا ما حدث فعلا خلال عشر سنوات تقريبا أي من تموز 1969م ولغاية عشية الحرب العراقية الإيرانية، وكذا فعل باجهزة قوى الامن الداخلي سواء في الشرطة او الامن والمخابرات الوطنية، حيث تم اختراقها من خلال منتسبين ومفوضين تمت ترقيتهم الى ضباط شرطة وامن ومخابرات على خلفية درجاتهم الحزبية وولاء عشائرهم.


    بعد حرب الخليج الأولى بدأ نجم الضباط يتهاوى وبالذات بعد هزيمة أم المعارك التي قادتها الولايات المتحدة ومعظم دول الجامعة العربية وفي مقدمتهم الدول الثمانية ( دول الخليج + سوريا ومصر ) إضافة إلى المملكة المغربية، حيث انكفأ هذا المكون المهم في الجيش والمجتمع إلى موظف هامشي وصل في أواخر سنوات الحصار إلى أن يعمل سائق تاكسي ليسد رمق عائلته. في تلك الفترة كان النظام قد اعد الخطة لاستبدال تلك الشريحة بشريحة أخرى تحل محلها وتتمتع بامتيازاتها، بعد أن أدرك مدى إفلاسه وضآلته بين مفاصل المجتمع والأهالي، خصوصا وقد خرجت خلال اقل من شهر أكثر من عشر محافظات من تحت سيطرته بعد هزيمته النكراء في حرب الكويت، حيث بدأ بالتقرب من العشائر وشيوخها واستبدال منظومته الفكرية والسلوكية بما يتوافق ونهج تلك المرحلة ومن ثم الارتكاز على العشائر ومكوناتهم الاجتماعية من خلال فتح دائرة مهمة في ديوان الرئاسة متخصصة بشؤون العشائر وشيوخها وامتيازاتهم ومعاشاتهم واستبدال الشيوخ وتصنيفهم وتصنيع أجيال وموديلات جديدة منهم؟

   وبعد أن انجز النظام مجاميع واجيال محدثة من ( شيوخ التسعينات )* وهذه التسمية اطلقها الشارع العراقي في تلك الفترة وما تلاها في توصيفه لتلك المجاميع من الشيوخ ذوي الموديلات ذات المواصفات المطلوبة من النظام ( وهي بالتأكيد تختلف عن موديلات 2003م وما تلاها حتى ظهور الاجيال المعدلة والمطورة جدا في الانتخابات العامة للدورتين 2005م و 2010م !؟ )، التفت صدام حسين منتصف هذا العقد ( التسعينات ) الى القيادات الحزبية في الفرق والشعب والفروع والمكاتب وامتيازاتها المادية والمعنوية حيث حلت خلال فترة وجيزة محل شريحة الضباط وأصبحت أكثر وحشية في ولائها للقائد وحزبه من خلال تلك الامتيازات المالية*.

    كانت هاتان الشريحتان وثالثتهما المقاولون في سبعينيات القرن الماضي ثلاثيات البعث وفنتازياته الميكافيلية في تقريب وإبعاد الحلفاء والمكونات الاجتماعية، حتى جاءت مرحلة ما بعد عام 2000م التي أيقن فيها صدام حسين بأنه سيُضرب لا محالة من قبل التحالف الدولي لتجاوزه الخطوط الحمراء، فعمل من اجل بناء ثلاثية أخرى ربما تديم مواصلته أو تعينه على إبقاء العراق ضمن سيطرته وسيطرة حزبه، وهذا ما بدأ النظام ومؤسساته في العمل عليه بداية في الاتصالات السرية الدقيقة مع قوى القاعدة النائمة في العراق والحاضنة له من تنظيمات وتجمعات ما اطلق هو نفسه عليهم تسمية ( الوهابية والسلفية )* وبالذات مع أولئك الذين تعامل معهم أيام غزوه للكويت أو الذين تعاونوا معه ممن كان يطلق عليهم ( البدون ) بعد تحريرها.

    لقد كانت هناك أقسام مهمة في غاية السرية والكتمان من ضمن أجهزة المخابرات العراقية، تمد قنواتها باتجاه القاعدة ومنظماتها سواء في أفغانستان أو إقليميا في المنطقة العربية أو إيران، ثم تطور ذلك أكثر إلى خلاياها في أوربا وأمريكا، كما سربت بعض وسائل الإعلام الأمريكية بعد حوادث 11 سبتمبر، حيث كان النظام يخطط مع منظماته الحزبية والإعلامية خارج العراق، وتحديدا في دول مثل اليمن وليبيا والجزائر والى حد ما تونس والعمال المصريين في أوربا والدول العربية، وبالذات بعد عام 2000م على اختراقهم إعلاميا وتنظيمهم في ايهامات جهادية مدفوعة الأجر والمعاش في ( الدنيا والآخرة ) لتهيئتهم لمهام مستقبلية غير بعيدة في العراق أو غيره من الساحات، بعد أن أيقن النظام ورأسه من إصرار الحلفاء على إسقاطهم وإنهاء حكمهم، إضافة الى شريحة أخرى بل ورقة أخرى كانت بيد النظام ورئيسه وهي شريحة المجرمين في السجون العراقية ( وهم بحدود الـ  300000 ) سجين، فيهم من عتاة الاجرام في القتل والسرقة والاغتصاب وزنا المحارم وغيرها، إضافة الى إن البعض من دول الجوار التي كانت تحتجز المئات ممن يسمون بمتجاوزي الحدود في كل من الأردن ولبنان وسوريا، إضافة الى المحكومين بتهريب الأسلحة والمخدرات، والذين أطلق سراحهم عشية الاحتلال الأمريكي للعراق مقابل تعهدهم بالعمل كمقاومين ومجاهدين لقوات الاحتلال الأمريكي من قبل سلطات إحدى تلك الدول، وفعلا وصل الكثير من هذه المجاميع الى الحدود العراقية السورية وتم إدخالهم الى العراق من قبل مخابرات تلك الدولة.

  لقد تم استثمار وتوظيف كل ذلك من خلال الخزين المالي الذي يتجاوز عشرات المليارات من الاموال المستثمرة خارج البلاد في شركات ومؤسسات وهمية ومستعارة في حقول التجارة والعقارات والنفط والمصارف اضافة الى المليارات التي تمت سرقتها من قبل عائلة الدكتاتور وقيادات حزبه ومؤسساته الخاصة والكثير من رجال عسكره الخاص وما تم سرقته ونهبه بعد انهيار النظام واحتلال البلاد في ما سمي بالحواسم التي اباحها رئيس النظام قبل هروبه في خطاب متلفز، لقد شكلت هذه الاموال والاسلحة والمقتنيات وسائل مهمة جدا في اختراق مفاصل الدولة الجديدة وفعالياتها السياسية ومؤسساتها الدستورية وبالذات مجلس النواب ومفاصل العسكر والامن الداخلي، واصبحت الخزين الاستراتيجي  والممول الاعظم لكل الحركات الارهابية التي يطلق عليها البعض بالمقاومة والتي انتشرت في البلاد نتيجة الاخطاء الفادحة التي وقعت فيها ادارة برايمر وقوانينها المرتجلة والتي خلطت فيها الاوراق وحرقت الاخضر واليابس وانتجت لنا بعد ما يقرب من اربعين عاما من القهر والظلم والطغيان سبع سنوات عجاف!؟


 * وقد تحولوا هم انفسهم مباشرة الى برايمر والجنرال ديفيد بتريوس بعد سقوط النظام واحتلال البلاد حيث اشتغل معظمهم في مقاولات اعطيت لهم من قبل الدائرة المدنية والاعمار في الجيش الامريكي.
 * متوسط دخل الموظف الشهري لا يتجاوز ثلاثة آلاف دينار عراقي بينما كان عضو قيادة الفرقة يتقاضى اكثر من خمسين الف دينار والشعبة 75 الف دينار- سعر صرف الدينار اواسط التسعينات كان بحدود 3000 دينار للدولار الواحد.
 * في الثمانينات وابان الحرب مع ايران كان النظام يتبنى النهج الوهابي، ثم انقلب عليهم بعد هزيمة الكويت ليتقرب من المرجعيات الشيعية في العراق وايران.


kmkinfo@gmail.com

 

 

294
بقالة ودكاكين منظمات المجتمع المدني؟

كفاح محمود كريم

    لقد دأبت معظم انظمة القائد والحزب والرأي الاوحد في الدول ذات الانظمة الشمولية، على صناعة احزاب ومنظمات وجمعيات مهلهلة لاستخدامها كأدوات للزينة السياسية، ولم تك تلك التكوينات الا مجرد دوائر خاصة ومجموعات من الموظفين الذين يتلقون رواتبهم إزاء تنفيذهم لتلك الانشطة الخاصة خدمة لبرامج القائد او الحزب الذي ( يقود ) البلاد والعباد الى ما وصلنا اليه بعد اربعين عاما من الامجاد المعبقة بالحروب والاقتتال والاحتلال، ولعل صفحاتنا هنا لا تكفي العشرات او ربما المئات من اسماء تلك المنظمات والاتحادات التي لا اول لها ولا آخر والتي تبخرت هي الاخرى كما تبخر ذلك النظام وحزبه واركان قياداته في اقل من شهر، وقد ظننا إن تغييرا مهما سيحصل بعد هذا ( التبخر ) اثر سقوط النظام الدكتاتوري في العراق حيث  تأسست تحت خيمة عاصفة الحرية العشرات من الاحزاب والمنظمات التي يفترض ان تكون للمجتمع الذي ينتقل من العسكرة الى المدنية، ومن الحزب الواحد الى التعددية، ومن الاتجاه الاوحد الى مختلف الاتجاهات بما يخدم المصالح العليا للبلاد.

   ومن ضمن ما تأسس تحت خيمة عاصفة الحرية نافورات للصحافة والفضائيات ومصانع لانتاج الاحزاب ومحلات لتداول المنظمات او كما وصفتها في عنوان المقال بقالة ودكاكين المنظمات التي تتاجر باجازاتها و ( تندراتها )  الممنوحة من قبل الدولة ومؤسساتها التنفيذية على ضوء ما جاء في الدستور حول تشجيع واشاعة منظمات المجتمع المدني غير الحكومية، والتي تكاثرت وتوالدت باسماء رومانسية شهية ملفتة للانتباه والضمير والجيوب!، تارة باسم الطفولة واخرى باسم النساء وثالثة للطبيعة والبيئة ورابعة باسماء الامراض المستعصية واصحاب الحاجات الخاصة وطوال القامة وقصارها واصدقاء الحيوانات وجمعيات القرود والحمير والدفاع عنها وربما الاتحاد العام لاصحاب الكروش، وحدث ولا حرج من منظمات تتراقص في صالات الفنادق ذات النجوم الخمسة مع مواسم الربيع واعتدال الاجواء لأقامة مؤتمراتها او ورش تدريباتها واعمالها التي لا تتجاوز مباني مقراتها التي تستخدم للسكن والذي منه في اغلبها!؟

    وباستثناء الحركات والاحزاب الوطنية الديمقراطية المعروفة بسلوكها وانتمائها الخالص فقد خرجت علينا العشرات من الاحزاب البيتية والعشائرية بعد سقوط النظام سواء على خلفية ( وصايا القائد ) بالاندحاس في الاحزاب الوطنية العريقة او بتأسيس احزاب جديدة ( بالباكيت ) على شكل وكالات للدول المجاورة، فقد فار تنور المنظمات والجمعيات غير الحكومية التي يفترض انها تمثل المجتمع المدني وتكون مستقلة في ادائها المهني لمراقبة البرلمان والحكومة ومساعدة المجتمع على النهوض كسلطة خامسة، واذا ما استثنينا المنظمات التي تقوم بواجباتها الاجتماعية والتربوية والسياسية بمهنية عالية واخلاص مشهود، فان الأخريات الكثر من تلك الجمعيات قد غمرت المدن بمقراتها ومؤتمراتها التي تشارك الاخوة الاوربيين وغيرهم في السراء والضراء وبخاصة في تلقي المعونات والسفرات الترفيهية تحت عناوين التدريب والتأهيل كما يحصل في عواصم كثيرة من حولنا التي تحولت بقدرة قادر الى ورشات وكليات ومعاهد لتدريب وتأهيل تلك المنظمات.

 لقد بلغ عدد المنظمات والجمعيات حسب ما جاء في تقرير وزارتي الداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية العراقية ( 11400 ) منظمة مجتمع مدني أي بمعدل ( 760 ) منظمة لكل محافظة عراقية ويفوق هذا العدد من المنظمات عدد مباني المدارس في كثير من مدن البلاد التي تعاني نقصا خطيرا في عددها وعدد الصفوف، ومع ان هناك في الواقع أكثر من 15000 مدرسة ابتدائية في العراق*، إلا أن عدد المباني المدرسية المتوفرة فعلياً هو 11368 مدرسة فقط لاستقبال الملايين من الطلبة الملتحقين، وحوالي 2700 مدرسة من هذه المدارس الموجودة فعلاً بحاجة إلى عملية إصلاح وإعادة تأهيل شامل إضافة الى المئات من المدارس الطينية والصرائف، وقد صرَّح روجر رايت ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة في العراق لجريدة الشرق الاوسط قائلاً:

   نملك اليوم دليلا واضحا على مدى تدهور هذا النظام في الوقت الحاضر حيث يتلقى ملايين الأطفال في العراق تعليمهم في مدارس تفتقر إلى الخدمات الأساسية مثل شبكات مياه الشرب أو الصرف الصحي، وتعاني من جدران متداعية ونوافذ محطمة ونضوح في السقوف. إن نظام التعليم برمته يعاني من الإرباك والأعباء، وعزا رايت هذا التدهور الى الإهمال وضعف التمويل أثناء حقبة العقوبات التي دامت أكثر من عقد كامل والأثر الذي خلّفته العديد من الحروب التي اشتعلت في داخل البلاد وخارجها طيلة ما يقرب من ثلاثين عاما.

  ان مقارنة بسيطة بين هذه الارقام وغيرها تعطينا مشهدا مثيرا ومؤشرا خطيرا على الخلل الكبير والبون الشاسع بين واقع الحال وبين ما يجري منذ سقوط النظام الدكتاتوري، بين نضالات وتضحيات القوى الوطنية من اجل عراق ديمقراطي فيدرالي تعددي حر طيلة اكثر من نصف قرن وبين ما تحقق خلال هذه السنوات التي طغت عليها مزايدات الانتهازيين والمنتفعين والفاسدين الذين نجحوا في اختراق كثير من مفاصل الدولة الحديثة ومؤسساتها ونخروها الى الدرجة التي صنفت فيها كدولة فاشلة مغمورة بالفساد والافساد!؟
 

 * حسب ما جاء في تصريح السيد مدير إعلام وزارة التربية العراقية.


295
المنبر الحر / الإعلام الأسود
« في: 12:43 16/07/2010  »
الإعلام الأسود

  كفاح محمود كريم

 
      يقول ألفريد براود وهو محلل إعلامي في المؤسسة البريطانية لميديا الاختلاف عن الإعلام الأسود: 
      أنه نوع جديد من الإعلام ظهر بعد أحداث 11 سبتمبر وموقعة الخرطوم (ويقصد تأثيرات الاعلام في احداث الشغب بعد مباراة مصر والجزائر في العاصمة السودانية )، حيث استعمل  البلدان عن قصد كل ما أوتي لهما من أسلحة إعلامية ليس فقط لتحريض الطرفين بل لتحويل مباراة كرة قدم إلى ساحة للتنفيس عن غضبهم من الأزمات التي يعيشونها في بلدان تعيش على القمع والديكتاتورية، هذا الاستعمال متعمد من طرف القائمين على البلدين فمن خلاله يتم قياس سلوك المواطن وتحدد الأساليب التي سيعتمدها القادة في تعاملهم معه مستقبلا، لذلك وللأسف الشديد الخاسر الوحيد في كل هذا هو الشعب وخاصة الفئة التي لا حول لها ولا قوة!

    ويبدو لي ان الفريد براود لو كان قد عاصر او اطلع على اداء الاعلام وما رافق الاحداث في كثير من دول الشرق الاوسط  منذ بدايات القرن الماضي وربما قبله بسنوات في عمليات الابادة الجماعية للارمن والكرد وما حصل في فلسطين ثلاثينات القرن الماضي وحملات الهليكوست في المانيا وصولا الى ما كان يرافق ويعقب الانقلابات العسكرية في المنطقة  ويرى تلك المشاهد الدموية التي اعقبت ثورة 14 تموز 1958م وما حصل في العراق منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، والتي لعب فيها الاعلام الاسود دورا رئيسيا في كثير من الاحداث والمآسي ودوامة العنف وإشاعة ثقافة القتل والموت والإقصاء من خلال طبع ونشر وبث تلك المشاهد على آلاف النسخ من الصحف والمجلات وشاشات التلفاز، لأدرك إن هذا النوع من الإعلام الأسود إنما جاء قبل ما يذهب اليه بعقود كثيرة حيث مورست هنا عمليات الاغتيال والتصفية امام انظار الناس، وما تلى ذلك من عمليات قتل بشعة في شوارع الموصل وكركوك وبغداد التي  شهدنا الكثير منها خلال تلك السنوات العجاف التي استمرت حتى سقوط الحرس القومي الذي تفنن في اشاعة وممارسة تلك الانماط من السلوكيات السادية السوداء، حيث كان الاعلام يفعل فعلته الكارثية في زرع مفاهيم خطيرة لدى المجتمع عموما والاطفال والشبيبة بشكل خاص عندما كان يظهر عمليات القتل والاعدام في الساحات العامة ويكررها على شاشات التلفزيون لأيام طويلة حتى غدت صور مقبولة من الاهالي عامة بل واخذت مجاميع من الاطفال تقليدها وتمثيلها في العابهم البريئة؟

    وما كاد عقد الستينات ان ينتهي حتى عاد ذلك الاعلام المتوحش اثر انقلاب تموز 1968م لكي تعود ثانية مظاهر تعليق الناس على المشانق في الساحات العامة بالعاصمة والمحافظات تحت مسميات كثيرة وتبريرات لا يقبلها العقل او المنطق، مهما كانت المبررات أو نوع الجريمة المقترفة من قبل الجناة، لما ستتركه هذه العملية الاعلانية والاعلامية من آثار سلبية حادة على النظام النفسي للفرد والمجتمع، وربما الى درجة التضامن مع الضحية حتى وان كان مجرما حقيقيا، اضافة الى انطباعات الاطفال والشبيبة عن تلك الصور ومدى تاثيرها على تكوين الشخصية في جانبيها النفسي والاجتماعي، حيث تم توظيف الجريمة كأداة لأشاعة الخوف والاذعان والاستكانة لدى الاهالي من خلال مجموعة الجرائم التي تم تنفيذها من قبل ما سمي في حينه بـ ( ابو طبر ) ونشر واظهار صور الضحايا على الشاشات والصحف، مما خلق اجواءً مرعبة وشعور بفقدان الامن والسلم الاجتماعيين وذلك ما كان يريده النظام واعلامه لتوجيه ( القطيع ) الى ملاذه الامن وربطه نهائيا بمقدراته وبرامجه، وهي ذاتها النظرية التي تستخدم منذ نهاية 2003م وحتى يومنا هذا على ايدي ذات التنظيمات العسكرية والاعلامية التي أسسها النظام ويتعاون من خلالها مع تنظيمات القاعدة وغيرها من مافيا الجريمة المنظمة في المنطقة؟

     ومع مطلع الثمانينات من القرن الماضي ابان الحرب العراقية الايرانية بدأت عملية عسكرة المجتمع بكل مفاصله وفعالياته بما يخدم تطلعات النظام بما في ذلك نمط الاعلام الموجه للاهالي من كافة وسائله المرئية والمسموعة والمقروءة وبالذات الى شريحة الشباب والمراهقين من خلال توجيههم للمؤسسات العسكرية باشكالها المختلفة وتصوير الضباط وكأنهم ملوك وأمراء في امتيازاتهم وصلاحياتهم، تلك الوسائل التي لا تتوانى عن استخدام اي شكل من اشكال الاساليب والغرائز لتحقيق اهداف النظام السياسي وهي جميعا ذات اتجاه واحد ومكثفة في قنوات معدودة سواء في الراديو او التلفزيون ولا يكاد المرء يفرق بينهم جميعا الى درجة انهماك المذيعين مثلا بالانتقال من استوديو الى آخر بين قناتي التلفزيون وإذاعتي بغداد وصوت الجماهير ناهيك عن ذات المواضيع المكررة هنا وهناك، ذلك النمط المصمم لإشاعة أجواء الحرب الدائمة ليل نهار في داخل الأسرة، وجعل المتلقي صغيرا كان أم كبيرا في شد عصبي وعاطفي مستمر ومتناغم مع طبيعة البيانات التي كانت تصدر يوميا، إضافة الى البلاغات وتصريحات الناطق العسكري وهي مصاغة بشكل دقيق لكي تعطي النتائج المرجوة لتحقيق اهداف النظام السياسي آنذاك في تكثيف كل إنتاج الفرد والمجتمع من اجل الحرب والطاعة العمياء، وإبقاء المزاج العام متشنجا باتجاه الأحداث اليومية المرتبطة بشاشة التلفزيون وبرامج الاذاعة.

  لقد تم توظيف الاعلام والمسرح والغناء بشكل كبير لتحقيق تلك الاغراض وغدت كل الاغاني والاناشيد تمجد الرئيس الذي اختزل البلاد والعباد بشخصه فقط حتى دون حزبه او رفاقه، مما كرس نزعة انفرادية نرجسية لدى شرائح كبيرة من الشباب والمراهقين تتقمص تلك الشخصية وتقلدها في سلوكها اليومي بشكل ارادي او غير ارادي، وقد رافق ذلك مجموعة من البرامج التي تظهر لقطات حقيقية من مجازر الحرب واكداس الجثث التي تدفن بشكل جماعي*، اضافة الى حفلات الاعدام رميا بالرصاص لمئات الشباب امام ذويهم وعشرات من المسؤولين المدنيين والعسكريين وشيوخ العشائر في كافة المحافظات والمدن العراقية على خلفية الهروب او التخلف من الخدمة العسكرية ومثلها ما كان يحدث في الوحدات العسكرية امام الجنود والضباط، مما اشاع اشكالا من النظم النفسية في تلك الشخصيات التي شاهدت وعايشت تلك الاحداث والممارسات ميدانيا او اعلاميا، وزرعت انماطا من بذور تلك السلوكيات التي بانت للوجود بعد سقوط النظام وظهور مجاميع من الشباب على شكل عصابات تجتمع حول شخص من ضحايا ذلك الاعلام الاسود وتمارس الجريمة على ذات الخلفية التي كان يستخدمها النظام السابق في الشعارات الوطنية والقومية مستسهلة الموت والقتل والتدمير والتلذذ بايذاء الاخرين وتصفيتهم او تعذيبهم حتى الموت كما ظهر خلال السنوات الاخيرة من الصراع الطائفي والجرائم التي اقترفت من كل الاطراف المتصارعة على ايدي شباب لا تتجاوز اعمارهم سنوات الحكم البعثي للعراق.
 

 
  * برنامج صور من المعركة الذي كان يقدم من على شاشة التلفاز العراقي طيلة سنوات الحرب 1980-1988م.

296
اقليم كُردستان والمحيط العربي


كفاح محمود كريم



    بعد الزيارة المهمة التي اجراها الرئيس مسعود بارزاني الى كل من السعودية والكويت والامارات العربية المتحدة ولبنان، زار خلال الايام الماضية كل من الاردن وجمهورية مصر العربية في انفتاح كردستاني واسع على المحيط العربي الذي طالما فعل الاعلام الاسود فعلته في تشويه تطلعات الاقليم الكردستاني وشعبه نحو الحرية والتقدم وعلاقته التاريخية بالعرب شعوبا وفعاليات سياسية عبر موروث كبير من الايجابية والعلاقة المتميزة بين الشعبين المتداخلين جغرافيا واجتماعيا واقتصاديا، رغم ما فعلته انظمة مستبدة تفوح منها رائحة الشوفينية والعنصرية المقيتة واعلامها الاسود طيلة نصف قرن من حروب مدمرة للبلاد والعباد، وتشويه متعمد لقضية شعب شقيق له تاريخ طويل معفر بقوافل الشهداء من اجل قضايا العرب ونضالاتهم عبر العصور منذ تشاركوا في الارض والدين والمصير.
 
   ومن اطلالة تاريخية على موروث الزعيم مصطفى البارزاني قائد حركة النهضة الكردية المعاصرة نكتشف ان اول لبنات مبادئه في النضال الكردي انما هو مقارعة الدكتاتورية والعمل من اجل نظام ديمقراطي يرسخ عرى العلاقات التاريخية بين مكونات العراق العرقية والقومية والدينية على اسس من العدالة والحرية والكرامة الانسانية، بعيدا عن اي شعور قومي متعصب او كراهية تمزق نسيج المكونات العرقية والقومية سواء في العراق او سوريا.

   وفي ادق مراحل الصراع بين الحركة التحررية الكردية والانظمة الدكتاتورية كانت الثورة تتمتع بعلاقات وطيدة برجالات المجتمع العربي العراقي وغيره سواء على مستوى الافراد او المنظمات او الاحزاب او العشائر، ولقد اعتمدت تلك الحركة التحررية طيلة عقود طويلة من النضال الدؤوب علاقة خلاقة مع الشعب العربي ووضعت تلك العلاقة نصب اعينها لكي تكون بمنأى عن التخديش او الاساءة التي حاول النظام الدكتاتوري السابق التثقيف بها وعليها من اجل تحويل الصراع بينه وبين القوى الديمقراطية الى صراع قومي او مذهبي.

   ولعله من المفيد ان نتذكر دوما تلك العلاقات المتينة بين عشائر العبيد وشمر والجبور والدليم وغيرها من عشائر العراق الكبيرة وبيوتاته التي كانت تجمع بين قيادة الحركة متمثلة بقائدها الكبير مصطفى البارزاني وشيوخ واعمدة تلك المكونات الاجتماعية طيلة سنوات الثورة وما بعدها والتي ساهمت في كثير من الاوقات في ايقاف اطلاق النار واجراء مفاوضات او مباحثات بين الحكومة والثورة، بل ومنعت اي توجه حكومي انذاك من اجل صراع قومي بين الكرد والعرب وساهمت منذ سقوط النظام وحتى يومنا هذا في افشال كثير من المحاولات الخبيثة لأشعال فتنة عرقية او قومية في مناطق الاختلاط بالموصل وكركوك وديالى رغم ما تعرض له الكرد وغيرهم من حملات ارهابية دموية لتهجيرهم من تلك المدن.

   وبصرف النظر عن الاختلاف في الرأي او التوجهات حافظت الحركة ومن ثم مؤسسات الاقليم بعد الانتفاضة على علاقات ايجابية ومهمة مع المحيط العربي رغم ما كان يفعله الاعلام الاسود في كثير من الدول العربية على تشويه القضية الكردية وشن حملات معادية لاي توجه جاد من اجل بناء علاقة حميمية بين الاقليم والمحيط العربي، ورغم ذلك استطاعت الدبلوماسية الكردية متمثلة بالرئيس مسعود بارزاني ومؤسسات الاقليم الاخرى من البرلمان والحكومة ومنظمات المجتمع المدني من فتح قنوات مهمة مع كثير من الدول العربية ومنها سوريا ودول الخليج ولبنان وليبيا والاردن ومصر العربية التي تستقبل الرئيس بارزاني بصفته رئيسا لأقليم كردستان العراق.

    ان نجاح الاقليم ومؤسساته في تنظيم مؤتمر البرلمانيين العرب قبل سنوات واستقباله للامين العام لجامعة الدول العربية وكثير من المسؤولين العرب رفيعي المستوى يدلل على الاهتمام الكبير بالمحيط العربي والاصرار على تمتين العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية على عكس ما تذهب اليه بعض وسائل الاعلام المغرضة في ادعاءاتها وتشويهاتها لحقائق الامور هنا في الاقليم.

   ويعتقد كثير من المراقبين ان جولة الرئيس بارزاني العربية الاخيرة ونجاحه في اقناع المصريين بفتح قنصلية مصرية في العاصمة اربيل* وقبلها النجاح في اقناع الاردنيين بتسيير اول خط جوي بين الاقليم وعمان وبعدها دبي وبيروت والبحرين ومصر، تمثل نجاحا كبيرا للدبلوماسية التي يقودها الرئيس بارزاني باتجاه توطيد اواصر العلاقات التاريخية لكردستان مع اشقائهم في الدول العربية على مستوى الشعوب والحكومات، وربما هيأت هذه الجولة اجواءً مقنعة لعقد مؤتمر القمة العربي القادم في العاصمة اربيل بعد النجاح المشهود الذي تميز به الاقليم في تنظيم كثير من المؤتمرات الاقليمية ومنها مؤتمر البرلمانيين العرب الذي شهدته العاصمة اربيل لما تتمتع به من حسن الادارة والضيافة والسلام والامن الذي يمتاز به الاقليم لا على مستوى العراق فحسب وانما على مستوى المنطقة باسرها.

ويبقى ان نقول إن جولة الرئيس بارزاني الاخيرة الاوربية والعربية بصفته رئيسا لأقليم كردستان العراق تمثل تطورا نوعيا في الاداء الدبلوماسي الكردستاني وانفتاحا مهما على المحيط العربي سياسيا واقتصاديا مما سيشجع الكثير من البلدان العربية وغيرها في المنطقة على اعادة النظر في مواقفها من الاقليم ومؤسساته الدستورية والتعامل الايجابي مع الوضع العراقي الجديد والاعتراف بشكله السياسي وخيارات شعوبه ومكوناته.


 
* قرار الرئيس المصري اثناء زيارة رئيس اقليم كردستان للقاهرة بفتح قنصليتين مصريتين في كل من اربيل والبصرة.

kmkinfo@gmail.com

297
  إنهم يتسلقون الجدران؟

كفاح محمود كريم

    إن سنوات طويلة من حكم الانظمة الدكتاتورية والمستبدة سواء على دفة الحكم سياسيا او في مفاصل المجتمع داخل الاسرة والمدرسة والجامع والجامعة، افرزت انماطا من السلوكيات السياسية والاجتماعية السلبية جدا التي ابتليت بها مجتمعاتنا عبر عشرات السنين وما زالت تدفع فاتورة تلك الانظمة وما اورثته من سلوك واداء منحرف. فالمدرسة والمؤسسات الدينية  تتحمل مسؤولية كبيرة في انتاج كثير من تلك السلوكيات وتحديدا دور بعض المعلمين ورجال الدين وبالذات في القرى والأرياف وفي موضوعة الترغيب والترهيب والتفسيرات والتأويلات البعيدة عن الجوهر والمبالغة فيها، إضافة الى مناهج التربية والتعليم التي حولت اجيالا بأكملها الى اوعية لملأها بالمعلومات دون نقاش او مسائلة او مبادرة باستخدام التلقين والتعبئة  والتخويف والتهديد والضرب، مما ادى الى نمو اشكال وانماط من الشخصيات والسلوكيات والهواجس المترددة وانواع الاستكانة والاحباط والدونية على خلفية الارهاب والرعب الذي كان يمارسه المعلم او المربي او رجل الدين او ولي الامر، حيث الخوف والانكسار والاذعان والخضوع والطاعة العمياء لأولي الامر على خلفيات اجتماعية وقروية أو تفسيرات دينية خاطئة في التربية او التأديب والتعليم؟.

    ومن جانب آخر فعلت وسائل الاعلام الموجهة فعلتها الكبيرة في اخضاع الاهالي الى تأثيرات سايكولوجية سلبية بالغة لعبادة الفرد وتقديس القائد وتأليهه مما أدى الى ظهور انماط من ثقافة الاستكانة والمديح والثناء والتزلف والتدليس لأي مسؤول يمتلك بعض مفاتيح المال أو السجن او مظاهر القوة والسلاح وخاصة من قبل اولئك المسؤولين المصابين بالنرجسية والتسلط، حيث نجحت تلك الوسائل الاعلامية لعقود كثيرة  باشاعة الرعب والخوف وتحويل المجتمع بأكمله الى قطيع منقاد، من خلال تلك البرامج والصور التي كانت تظهر وتشيع مشاهد القتل والاهانة امام الناس، اضافة الى قطع الرؤوس والاعضاء كما كان يحصل في قطع الاذن واللسان والوشم على الجبين حتى اصبح مجرد التفكير سوءً بالرئيس او النظام وحزبه يثير الفزع والرعب، مما ادى الى تحويل المجتمع الى مجتمع القطيع المرعوب؟

     وخلال عشرات السنين من غياب اي نهج لاعادة ترتيب البيت العراقي على اسس انسانية وديمقراطية واجراء تحديث شامل يمتد الى كل مناحي الحياة، بقي الفرد اسير تلك الهواجس تعمقها انظمة الحكم الدكتاتورية وشعاراتها الفارغة التي زرعت قيم اخرى من الكذب والادعاء والسطحية المقيتة، حتى اصبحت غالبية الاهالي تتصرف كقطيع تحت ضغط وارهاب السلطة السياسية وغيرها، مما خلق اجواء مناسبة لظهور طبقات من الذيليين والامعيين والانتهازيين والنفعيين الذين يمارسون التدليس والنفاق الاجتماعي والسياسي للوصول الى اهدافهم وتحقيق مآربهم، والذين تكاثروا مع استمرار نهج النظام واساليبه حتى سقوطه واحتلال البلاد، حيث بدأت تلك الطبقات او المجاميع من الذيليين والوصوليين نشاطها وفرصتها بالتقرب من مراكز القرار الجديد من الامريكيين او غيرهم ممن يمتلكون مفاتيح المال والنفوذ، وخلال سنوات نجحت تلك القوى في خلق حلقات مهمة حول المسؤولين الجدد على مختلف الصعد والمستويات الرسمية والحزبية، والانكى من ذلك انها بدأت تستحوذ على مقاعد قرب مراكز القرار وتخترق اسوار النظام الجديد لتكون جزءً منه، وليس ببعيد عن الذاكرة تلك الوثيقة التي نشرت في الاشهر الاولى لسقوط النظام والتي تضمنت اوامر وتعليمات رئيس النظام السابق لمسؤوليه في الحزب والاجهزة الخاصة بالانتماء لكافة الاحزاب والمنظمات والعمل من خلالها.
   
    وقد بان للعيان ان اخطر ما يواجه عملية بناء العراق الجديد بعد سقوط نظامه السياسي السابق هو هذا الخليط من الانتهازيين والفاسدين والضعفاء الذين لا هم لهم الا الوصول الى مراكز القرار من خلال التدليس والنفاق والمديح الكاذب والثناء للمسؤولين واصحاب القرار على مختلف المستويات لتنفيذ مآربهم الشخصية ليس الا، حيث تمكنوا في كثير من المراكز من تأسيس حلقات حول اولئك المسؤولين ابتداءً من دوائر الاستعلامات والاستقبال وحتى السكرتارية وهيئات الاستشاريين وحتى رجال الحماية الذين اصبحوا في كثير من الحالات حلقة الوصل الاكثر اهمية وخطورة بين المسؤول والاهالي الى درجة ان البعض منهم منح نفسه صلاحيات المسؤول؟

    إن استشراء انتشار هذا الكم الكبير من هؤلاء المجاميع في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية والصحافة والإعلام اضافة الى مفاصل وقيادات الاحزاب والفعاليات السياسية المؤثرة، سيعيق تقدم البلاد ونهوضها وسيبقيها في حالة ضعف وتردي من خلال ذلك الأداء الانتهازي والوصولي الضعيف الذي يقزم الدولة الى دكاكين ومزايدات للبيع والشراء والتكسب ويحيلها الى مؤسسة استهلاكية عاطلة، مما سيؤدي تدريجيا الى افراغ المشروع الوطني لإعادة بناء العراق الجديد من محتواه الحقيقي واهدافه المتحضرة، ويقينا ان الشخص المناسب اذا احتل مكانه المناسب لن تكون هناك نوافذ يندس منها اولئك الضعفاء!؟

kmkinfo@gmail.com       

298
من يحمي كُردستان العراق؟

كفاح محمود كريم


   بعد انتفاضة الربيع عام 1991م واستقرار الاوضاع داخل المنطقة المحررة من الاقليم شرعت القوى السياسية الفاعلة الى اجراء انتخابات  عامة لانتخاب ممثلين لأول برلمان في تاريخ الاقليم منتخب بشكل حر ومباشر دون تأثيرات السلطة في بغداد او غيرها، ومن ثم انبثاق اول حكومة كردستانية تمثل كل القوى السياسية ومكونات المجتمع من غير الكرد كالاشوريين والكلدان والتركمان والاقليات الدينية والمذهبية.

   لقد كانت بداية عملية التحول من الشرعية الثورية الى الشرعية القانونية والمؤسساتية التي تم بناؤها على تلك التنظيمات التي ادامت الثورة وحمايتها طيلة عقود من تاريخها المعاصر، ورغم ان القوى الخارجية والتناقضات الداخلية حاولت المستحيل لإفشال تجربة الإقليم ومؤسساته، الا ان الاحداث اثبتت نجاح التجربة ومؤسساتها الدستورية وعملية التحول والتحديث باتجاه انجاز المجتمع المدني المتحضر.

    ومن اهم المؤسسات التي تحولت من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية والمؤسساتية قوات الثوار من البيشمه ركه واجهزة الامن والحماية التي مرستها ايام المقاومة على واجباتها بشكل عال ونبيل وسجل طاهر ونقي يشهد العدو عليه قبل الصديق في تعاطيها وعملها وسلوكها الانساني النبيل، ويتذكر في هذا الصدد كثير من ضباط وجنود الجيش الذين كانوا يقعون في الاسر كيف يتقاسم معهم البيشمه ركه الغذاء والمكان والاغطية، بل وفي كثير من الاحايين يتخلى فيها البيشمه ركه عن امكنة نومهم واستراحتهم وحصتهم من الشاي والسكائر لصالح اسراهم.

    لقد تحولت تلك المنظمات الثورية الى مؤسسات قانونية خلال سنوات قليلة فاصبحت جيش الاقليم ووكالة حماية أمن كردستان لتدخل مرحلة مهمة من مراحل تطورها وادائها المهني والوطني الذي تمرست فيه طيلة سنوات الحرب لكي يتحول فعلها تدريجيا الى اداء وطني شامل يتفاعل مع المواطن ويشعره بان هذه المؤسسات انما لخدمته ليس الا بفعل يومي وممارسة حقيقية لخلق اجواء مدنية للمجتمع.

    للوهلة الاولى ربما يتبادر الى ذهن القارئ ان المقصود بحماية الاقليم هم العسكر وقوات الامن، ولكنني مع جل احترامي وتقييمي العالي لأدائهما المهني والوطني الا انني ارى ان لولا ثقة المواطن وتعاونه مع تلك المؤسسات لما تحقق ما تحقق خلال هذه المرحلة الخطيرة التي عاشها ويعيشها سكان الاقليم من امن وسلام وازدهار، وهنا اذكر ما رواه لي احد الاخوة البغداديين حينما وصل الى مدينة دهوك واركن سيارته لدقائق في طرف الشارع وإذا بصاحب إحدى المحلات القريبة ( وهو مواطن عادي ) يحييه ويبلغه بان الوقوف محضور هناك، وعليه ابلاغ الجهات المختصة عن قدومه ومحل اقامته واركان سيارته في محلات خاصة لها، واردف محدثي قائلا: سألته هل هو مختص بذلك فقال ضاحكا نحن هنا جميعا مسؤولون عن الامن والنظام، وقد صدق الرجل فطيلة بقائي في مدن الاقليم رأيت وعيا امنيا وشعورا عاليا بالمسؤولية وثقة مطلقة بالاجهزة المختصة بحماية امن الاقليم اينما ذهبت وفي كل زاوية او مكان، بل اكثر ما اثار اعجابي هو حديث المواطن عن تلك المؤسسات بفخر واعتزاز بما تقوم به، دون ان اسمع عن مداهمات او اهانة لمواطن او اسرة بادعاء حفظ الامن او ملاحقة متهم، كما يحصل في كل المدن العراقية الاخرى.


   حقيقة ادركت وانا استمع الى محدثي ان قوات حرس الإقليم ووكالة حماية امن اقليم كردستان وبقية المؤسسات المختصة انما نجحت في ادائها حينما استطاعت ان تنال ثقة المواطن واحترامه ومحبته ومن ثم تعاونه دون ان تترك نافذة او نقطة خلل او ضعف يتسلل منها الارهاب او التخريب، رغم ما تتعرض له من حملات تكاد ان تكون منظمة لتشويه ادائها او اعطاء صورة مغايرة لواقع الحال كما يحصل من البعض حينما يتحدثون عن الاجراءات الامنية أثناء الدخول الى الإقليم او تعاطيها مع ملفات الارهاب.

  إن الأمن والسلم مهمة مشتركة بين مجموعة من الاطراف اهمها المواطن بحد ذاته، فنجاح أي عملية او خطة مرهون بمدى تعاون هذا المواطن وقبل ذلك الحصول على احترامه وثقته ومحبته لبقية اطراف المعادلة وفي مقدمتها الاجهزة المخولة بحماية امنه وامن البلاد.

kmkinfo@gmail.com

299
اقليم كُردستان والصحافة العربية؟

كفاح محمود كريم

    من المسلم به ان وسائل الاعلام بمختلف اشكالها تساهم في صناعة الرأي العام وتكوينه وبالذات في الانظمة ذات الطبيعة الشمولية، حيث يتكثف الاعلام الموجه من خلال وسائل اعلامية مركزية مؤدلجة في الغالب على مخاطبة الجمهور سواء في الصحف او المجلات أم في الاذاعة والتلفزيون، ومن جهة اخرى تعمل هذه الوسائل بتعدديتها على توعية وتوجيه الرأي العام في الدول ذات الانظمة الديمقراطية من خلال وجود الرأي والرأي الاخر.     

  الا انه في مجتمعاتنا بشكل عام في منطقة الشرق الاوسط تعاني هذه المجتمعات ومكوناتها من تأثيرات اجهزة الاعلام الاحادية التوجه او المحافظة على برمجة الرأي العام وصناعة الافكار ووجهات النظر والمزاج العام للاهالي، وقد نجحت كثير من تلك الوسائل الاعلامية وبالذات الحكومية وهي الاغلبية، في تغييب او تشويه الحقائق ومسخها،  لصالح النظام السياسي والاجتماعي السائد، بل والى اشاعة الكراهية والحقد وتهميش الاخرين سواء في المكونات العرقية او الدينية او المعارضة السياسية والمتهمين دوما بالخيانة العظمى والعمالة والكفر، مما يؤدي دوما الى فقدان الامن الاجتماعي والثقة بين مكونات الشعب.

    لقد شهدنا جميعا منذ تأسيس دولتنا في مطلع القرن الماضي الاساليب التي استخدمت لتشويه حركة التحرر الكردية ونضال القوى الديمقراطية طيلة ما يقرب من ثمانين عاما، حتى غدت كلمات ومسميات مثل العصاة والمتمردين تعوض عن اسم الكرد، وصفة الملحدين على الديمقراطيين والتقدميين من قوى اليسار والشيوعيين عموما، والشعوبية على الشيعة وقواها السياسية، وقد استخدمت هذه المسميات في معظم الصحافة العراقية والعربية على حد سواء، فقد دأبت كثير من الصحف والمجلات العربية على التعاطي السلبي مع القضية الكردية عموما واقليم كردستان بشكل خاص، وجولة سريعة على مكتبات المجلات والصحف العربية في شوارع بيروت او القاهرة او عمان ودمشق او الرباط وتونس والخرطوم منذ اكثر من اربعين عاما وحتى يومنا هذا يؤكد ما نذهب اليه من انعكاس لتلك الثقافة الاحادية في الصحافة والاعلام.

   لقد استخدم اسم كردستان رسميا من قبل الدولة العراقية ليعبرعن  منطقة في شمالي العراق تتمتع بالحكم الذاتي وتؤشر وطنا للاكراد، ومن ثم اقليما فيدراليا حسب ما جاء في الدستور العراقي الدائم عام 2005م، الا ان وسائل الاعلام العربية وخاصة في كثير من الصحف والمجلات التي يظهر فيها جليا ما تركته وسائل الاعلام للنظام السابق وما تفعله منظومة الاقصاء لدى الاعلام العربي على ذاكرة وذهن المواطن العادي الذي لا يعرف اكثر من حدود ما يتلقاه من وسائل اعلام دولته التي تصنف ضمن منظومة الدول ذات الاتجاه الاحادي والشمولي، ما يزال لا يعرف غير شمال العراق وعصابات البيشمه ركه والخونة الاكراد الذين تسببوا في احتلال العراق، واخيرا الصفويين التي تطلق على الاحزاب الشيعية عموما!؟

   وغير ذلك مما ذهبت اليه تلك الصحف والمجلات في تعاطيها مع مواضيع كثيرة تخص العراق والاقليم، تارة في الاساءة والتشهير وتشويه الحقائق عن سيطرات التفتيش في مداخل محافظات الاقليم التي تقوم بواجبها لحفظ ما يميز هذه المنطقة عن بقية اجزاء البلاد في أمنها وسلامها واداء مؤسساتها النقية غير المخترقة، وتارة اخرى تلك الحملات المشبوهة والادعاءات الكاذبة عن تواجد الاسرائيليين وتقييد حرية الصحفيين وغير ذلك من عمليات التشويه والتشكيك والتأثير السلبي والاسود على الرأي العام العربي.

   وامام هذا الطوفان الاسود من الاعلام السيئ والموجه ضد البلاد عموما والاقليم خاصة لايمتلك الاقليم اكثر من صحيفتين تصدران  بالعربية في بغداد ومجلة اسبوعية في العاصمة اربيل واخرى خارج الاقليم، وهذه الصحف وبرغم مجهودات العاملين فيها الا انها لاتتجاوز المحلية في انتشارها وادائها، ولعل مبيعات واليات التوزيع لكل واحدة منها تؤشر تماما مساحة الانتشار وقوة التأثير!؟

   اننا احوج ما نكون الى مؤسسة صحفية كبيرة خصوصا وان الاقليم يعج بالصحفيين والكتاب الذين يستخدمون العربية في كتاباتهم اضافة الى العشرات من الكتاب والصحفيين العرب والعراقيين الاحرار، مؤسسة تنطلق من احدى العواصم العربية او الاوربية وترتقي الى الاحدث في مجالات الصحافة المعاصرة، ولنا في تجارب الشرق الاوسط والحياة والزمان والعديد من الاسبوعيات اللبنانية التي كانت وما تزال تصدر من لندن او باريس نماذج تستحق الدراسة والاعتماد.


kmkinfo@gmail.com     

300
كاظم حبيب يلمع نجما في سماء كردستان

كفاح محمود كريم

   اعتدنا على الاحتفاء برموزنا الثقافية والإبداعية بعد أن تغادرنا الى عالم الأبدية، وربما تنهي تلك الرموز سنواتها الأخيرة مهمشة وبعيدة عن أي اهتمام رسمي او غيره، تنسحب بعيدا يلفها المرض او اليأس او الاحباط  حتى تقضي نحبها فتلتفت الى ذكراها مؤسساتنا الحكومية او المجتمعية لتقيم مهرجانات باسمها تكريما او تخليدا.

   وفي اول ممارسة من نوعها شهدت عاصمة اقليم كردستان العراق اربيل* مهرجانا لتكريم البروفيسور الدكتور كاظم حبيب الكر بلائي الكاتب والسياسي والخبير الاستراتيجي في اقتصاديات النفط، العراقي العربي الذي حمل على اكتاف عمره الماسي ( 75 سنة ) دهورا من النضال الدءوب من اجل الرأي الآخر المختلف، ومناصرة المظلومين عرقيا او دينيا او مذهبيا، فترأس لسنوات طويلة وما يزال الجمعية العربية لمناصرة القضية الكردية في العالم مع نخبة من الديمقراطيين العرب، وبل وامضى سنوات طويلة سجينا ومنفيا من اجل الاقليات غير العربية في العراق وغيره من البلدان.

    حقا انه كما قال عنه العلامة هاني مصطفى فحص؛ انه الانسان الانسان، وكما وصفه البروفيسور تيسير الالوسي رئيس جامعة بن رشد؛ انه كاظم حبيب وذلك يكفينا ويكفيه، ولم يختلف السياسي اللبناني المخضرم  كريم مروة في وصفه عن الآخرين الا انه تذكر سنوات نضاله وسجنه ابان العهدين الملكي والجمهوري في عراق يفور لهيبا كالتنور، انه كاظم حبيب الذي لا يرضى لقبا او صفة غير اسمه هكذا دون اشارة الى لقب علمي او انتماء قبلي او مناطقي انه كما يقول عن العراق انه عراق وغير ذلك لا يطاق، فعذرا سيدي لم اكن خارج فضائك بل عمدت الى منبعك لأصف مجرى نهرك ليس الا؟



    كان مهرجانا نوعيا تميز به اقليم كردستان العراق في تكريم عراقي  عريق، مهرجان خرج من ذلك التقليد المحبط الذي ينتظر الموت كي يحيي الذكرى، انه تكريم نوعي للحياة والابداع ليس بتلك الميدالية الذهبية بل بتلك الكلمات والدراسات التي قُدمت عن تجربة وتقييم ما انتجه كاظم حبيب الكاتب والمناضل العنيد خلال اكثر من نصف قرن من اجل العراق وشعوبه والديمقراطية والآخر المختلف، انه مهرجان كردستان من اجل العراق ومهرجان العراق لتكريم كردستان!

   كاظم حبيب النهر العراقي الثالث الذي لا ينبع من الشمال ليصب في اقصى الجنوب، انه النهر الذي ينبع من نبض كربلاء ليغمر جبال كردستان حبا وعشقا ووفاء.

kmkinfo@gmail.com
 
* أقيم المهرجان للفترة 16-17 حزيران 2010م من قبل وزارة الثقافة والشباب في إقليم كردستان العراق، وقد حضره العديد من المثقفين العرب والعراقيين وفي مقدمتهم السياسي اللبناني الكبير كريم مروة والعلامة السيد هاني فحص والأكاديمي العراقي البروفيسور تيسير الالوسي والشاعرة العراقية بلقيس حميد حسن والفنانة التشكيلية المعروفة عفيفة العيبي، اضافة الى العشرات من كتاب ومثقفي وفناني وصحفيي العراق والاقليم.
 


301
سلالات الفساد والإفساد؟

كفاح محمود كريم

    يبدو إن الفساد المالي والاداري عبارة عن سلالات من الفايروسات او الجراثيم او ربما فطريات قيمية وسلوكية سريعة الانتشار والانتقال، لكنها تعطي نفس الأعراض والنتائج وتستخدم ذات الوسائل والأساليب وان اختلفت في مظاهرها وأشكالها، فهي تنتقل من مكان الى آخر بوسائل عديدة من العدوى اهمها اعتماد الكوادر غير الكفوءة اخلاقيا ووطنيا ومهنيا في مفاصل الادارة والمال والصرف تحت يافطة المحسوبية والمنسوبية، وعدم وجود آليات محكمة ودقيقة للمحاسبة المالية وانظمة الصرف وابوابها بما يحمي المال العام ويقيه من الفساد والإفساد والتبذير.

  وهنا نتذكر جميعا مدارس الفساد والافساد المالي والاداري ابان حكم النظام السابق ومستوى الرواتب في الدولة العراقية وبالذات في عقد التسعينات حينما انهار الدينار العراقي الذي كان يناطح اقوى العملات في العالم غداة تسلم صدام حسين مقاليد الحكم الفردي المطلق في تموز 1979م حيث بدأ بالتقهقر في ايدي العامة من الناس اعتبارا من السنة الاولى للحرب العراقية الايرانية حتى انزاح تماما عن منافسة الليرة التركية واللبنانية اللتان لا ينافسهما في الضعف الا ذلك الدينار الذي اغتالته سلالات الافساد الوطني والسياسي.

    في تلك السنوات كما ذكرنا لم يتجاوز معدل المرتبات للموظفين العراقيين عموما العشرة دولارات ويهبط لدى الاغلبية الى اقل من خمسة دولارات شهريا مضافا اليها حصة تموينية مسندة من قبل الدولة وهي الاخرى لا تتجاوز العشرة دولارات، في الوقت الذي كان يتمتع فيه مسؤولي حزب السلطة والدولة رفيعي المستوى بامتيازات مالية تحت تسمية صرفيات مكاتبهم او ما تعرف اليوم بنثرية المكتب، وهي مبالغ عالية مرصودة للمسؤولين الحزبيين والاداريين ولا تخضع الى المسائلة القانونية او الحسابية الدقيقة المتعارف عليها في لجان الصرف وحقوله، بل انها لا تتخطى مجموعة وصولات موقعة او مختومة من قبل ادارات الفنادق او المطاعم او محطات البنزين وورش اصلاح السيارات وبائعي المواد الاحتياطية للسيارات وغيرها، اضافة الى حقل الهدايا التي يرتئي المسؤول تقديمها للاشخاص او الضيوف.

    وعلى سبيل المثال كان راتب المدير العام قبل سقوط النظام لا يتجاوز خمسمائة دولار او ما يعادلها من الدينار العراقي المتهالك انذاك، يقابله ما لا يقل عن الف دولار مخصصات لمكتبه، وترتفع هذه النسبة مع ارتفاع الدرجات الوظيفية والحزبية وصولا الى رأس الهرم الذي كان يعتبر كل العراق نثرية لمكاتبه وقصوره!؟

   واليوم انتقلت تلك السلالات من الفايروسات والجراثيم الى الحقبة الجديدة للدولة العراقية واستطاعت ان تطور نفسها كما فعلت قطعان الحيتان من الانتهازيين والنفعيين، بما يواكب قوانين وسمات المرحلة الحالية التي تمتاز بوفرة مالية غير طبيعية لنفس المستويات من المسؤولين والاداريين وتحت مختلف التسميات، حيث تنتشر مئات المطاعم والفنادق ذات الدرجة الاولى وما يلحقها من الملذات لأطفاء تلك النثريات، ولعل زيارة خاطفة لتلك الحواضن او ان شئت المحارق المالية يؤكد ضخامة تلك المبالغ المخصصة لنثريات المسؤولين الجدد سواء في البرلمان او الحكومة او الاحزاب وبالذات التي تتلقى دعما دون رحمة من الدول الحنونة من الجوار وما بعدهم بسبعة جيران طولا وعرضا؟

    يقينا لو توقفت تلك النثريات لشهر واحد فقط لرأينا معظم هذه الفنادق والمطاعم وملحقاتها لا تعمل لأكثر من يومين في الاسبوع الا اللهم اذا ما خفضت اسعارها الملتهبة بفايروسات النثرية الى اقل من النصف!؟

   ليست دعوة لقطع ارزاق اصحاب المطاعم والفنادق والبارات بقدر ما هي مثال على ما يجري من انتشار لسلالات الفايروسات التي جاءت هذه المرة باطوار جديدة تحت عباءة النثرية؟

                                                kmkinfo@gmail.com

302
الصراع على كرسي الحلاق؟

كفاح محمود كريم

    يطلق العراقيون اسم كرسي الحلاق على اي مسمى له علاقة في الادارة وشخص المدير تحديدا، ابتداء من مدير دائرة بسيطة وحتى كرسي الرئاسة التي دفع العراقيون خيرة شبابهم فداء لأنقلابات دموية قاتلة منذ اكثر من نصف قرن، وربما كان المصطلح اكثر شيوعا وشمولا لمدراء الدوائر الملامسة لحاجات وخدمات المواطن اكثر من موقع الرئيس خوفا من المسائلة التي تصل الى فصل الرأس عن الجسد حسب اخر قانون اصدره مجلس قيادة الثورة السابق باعدام كل من يتعرض لذات الرئيس علانية، ولعل كرسي الحلاق هذه التي جلس عليها الرئيس الاسبق صدام حسين ودفع فاتورتها حياته وحياة اولاده واسرته والملايين من العراقيين الابرياء الذين اكتووا بنار تلك المزايدات الدموية على ذلك الكرسي الرخيص، كانت اخر الكراسي المثيرة والمعمدة بدماء مئات الالاف من الكورد والعرب الشيعة والسنة الذين صنع البعث من جماجمهم وهياكلهم العظمية اطراف واعمدة تلك الكرسي التي انهارت مع من كان يجلس عليها في واحدة من ابشع سقوطات المدن والدول على ايدي قادتها الحمقى.

   لقد كان وما يزال الموروث الشعبي ونبض الاهالي يشرع اعرافا واحكاما وامثالا تفعل فعلتها في الرأي العام اكثر مما تفعله كثير من القوانين والتشريعات واجهزة الاعلام التي تزمر وتطبل لفرسان الكراسي في كل زمان ومكان، وفي هذا التشبيه البليغ لكرسي الحكم على مختلف تسمياته ومستوياته في المسؤولية، رسالة واضحة او اشارة جرسية رنانة للجالس عليه ان لا ينسى كرسي الحلاق التي يتعاقب الزبائن على الجلوس عليها طيلة النهار دون أن تكون ملكا لأحدهم بعد حلق رؤوسهم ودفع اجور ذلك الجلوس؟

  ان البلاد تمر اليوم وبعد سبع سنوات من انهيار وسقوط ذلك النظام الذي اصر على امتلاك كرسي الحلاق ومصادرته من مالكه الاصلي في تجاذبات وصراعات تفوح منها رائحة تلك الثقافة البائسة في ما يتعلق بكرسي الحلاق التي دفع الاهالي لأجل استحواذ بعض الجالسين عليها ثمنا باهضا من حياتهم وفرص تقدمهم الاجتماعي والاقتصادي التي كانت رهينة ذلك الكرسي القاتل، واذ يعتقد البعض ان هذا الكرسي ثابتا وابديا له ولا يكون لغيره فليراقب محل اي حلاق ويشاهد الزبائن المحلوقة وهي تغادر كرسيها شاكرة ممنونة؟ أو لينظر الى كراسي الرئيس الضرورة وقبله ادوولف هتلر ودكتاتور ايطاليا واسبانيا وصربيا وفرسان وضحايا الانقلابات في عالمنا الثالث المتخم بالكوليسترول السيئ والشحوم الثلاثية سيئة الصيت، الدكتاتورية والفقر والجهل؟

  علينا تماما ان ندرك هذا المثل الجميل ومنه نستنتج وظيفة كرسي الحلاق ونقيس عليها كل كراسي الحكم والادارة من ادق دوائرها وحتى حلقاتها الاوسع في الادارات العامة والوزارات ورئاسة الحكومة والجمهورية والبرلمان والبقاء للاصلح ولله تعالى!

kmkinfo@gmail.com

  

303

العراق وعملية ترييف المدن ؟
2-2

كفاح محمود كريم


  أن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي احتدمت بعد انتكاسة الثورة في كردستان العراق اثر الاتفاق العراقي الايراني في اذار 1975م وتنازل حكومة بغداد انذاك عن كثير من الاراضي والمياه العراقية مقابل غلق الحدود وايقاف الدعم للثوار الكرد، ومن ثم اشتعال الحرب العراقية – الإيرانية بعد خمس سنوات من الاتفاقية وما اعقبها من تناقضات حادة، ثم في أعقاب حرب الخليج 1990-1991، وما أعقب ذلك من حصار اقتصادي على العراق، كل ذلك أدى إلى نشوء وضع معقد يكاد أن يكون فريدا في مواصفاته في المنطقة والعالم:
  دولة شمولية ضعيفة خارجيا ومستأسدة داخليا، ومجتمع مدني منهك محروم تماما من منظماته ومؤسساته تضمحل مع تقهقره المواطنة، وتشضي كبير في بنية المجتمع المديني بالذات، وهيمنة ثقافة القرية والبداوة بشكل يكاد يخفي تماما مظاهر المدينة وتقهقرها ازاء عملية الترييف الحاصلة، واستبدال الهوية الوطنية بالانتماء العشائري او المناطقي.

  في هذا الوضع المعقد والمشحون بالترقب والخوف تشوهت كثير من المعاني والمفاهيم وتقزمت معظم المدن الى قرى صغيرة في سلوكيات سكانها، وتقهقرت مظاهر التمدن ازاء الطوفان الريفي والقبلي، حيث نمت شبكات العلاقات القروية والبدوية على اسس الانتماء العشائري والمناطقي وبقية أشكال التنظيم القبلي بمساعدة ودعم مطلق من النظام وحزبه ومؤسساته، الذي اختزل مفهوم الوطن بالقرية والشعب بالعشيرة، لتسدّ مسدّ مجتمع مدني مغيَب وطبقة متوسطة شبه ملغاة، حيث برزت انسجة التضامن المحلي في صورة إعادة تنظيم للمكونات الاجتماعية حول الجوامع والشخصيات الدينية وشيوخ العشائر ووجهائها الذين شجعتهم الدولة على الإحلال في مفاصل ادارية مهمة لتقديم خدمات الأمن والقضاء القائم على الأعراف بعد تعطل أجهزة القضاء والشرطة، علاوة على التكافل الاجتماعي من خلال ما اطلق عليه في حينها بمشاريع مساعدة الأسر المتعففة في غياب أي دور مهم للدولة؟ 

   لقد وصلت عملية ترييف المدن الى ذروتها عشية احتلال العراق وسقوط نظامه السياسي الذي انتج تلك العملية وما رافقها من تشويه لهوية المدن العراقية التي غلب عليها الطابع الريفي والقبلي بكل ما تعنيه المفردة من عادات وتقاليد وسلوكيات، وغدت هوية تلك المدن محصورة او مدفونة في مقابرها التي تعطي صورة حقيقية عن تركيبة سكانها، وعلى الجانب الآخر المتعلق بالشخصية الوطنية فقد تم اختزال المواطنة الى انتماء قروي او عشائري تم تكريسه للحفاظ عن طبيعة النظام وشخص رئيسه من خلال ربط تكوينات تلك العشائر وشيوخها بدائرة تتبع رئاسة الجمهورية هي المسؤولة عن العطايا والهدايا ومعاشات اولئك الشيوخ ووجهاء العشائر اضافة الى دائرة الانساب والاصول، اما رجال الدين فقد  تم تنظيم معظمهم في تنظيمات اطلق عليها في حينها بلجان التوعية الدينية في المحافظات والاقضية والتي تحولت الى خطب منبرية اسبوعية تكتفي بالدعاء للقائد وتمجيده؟

   إن انهيار الدولة وسقوط نظامها وغياب أي مظهر من مظاهر السلطة التي تقزمت الى قرى وعشائر طيلة اكثر من عقدين من الزمن تسببت في تغييب وتشويه معنى المواطنة، والتي ادت الى تلك الهجمة البربرية على كل منشآت الدولة ومخازنها ودوائرها ومؤسساتها في اكبر عملية نهب وسلب وسرقة في وضح النهار وأمام عدسات الكاميرات وقوات الاحتلال، اضافة الى مضاعفة الانتقال والهجرة من الارياف والقرى الى مراكز المدن واطرافها والاستحواذ على منشآت الدولة من معسكرات ومخازن ودور وملاعب للسكن، والتي تحولت هي الاخرى بسب نفس الظروف الى مجمعات قروية وعشائرية تلتف خلف شيخ العشيرة او رجل دين او وجيه متمكن مما فاقم الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والامنية بشكل لم تنجح الدولة ومؤسساتها من السيطرة عليها الا في زوايا ضيقة وظاهرية.

   ان هذا الترييف الموجه وغير الموجه احدث خللا كبيرا وخطيرا في بنية المجتمعات العراقية ومناطق استيطانها وبالذات بعد سقوط النظام، حيث النزوح الكبير من القرى والبلدات الصغيرة الى مراكز المدن ونشوء مجمعات كبيرة بنيت على اراضي مملوكة للدولة زراعيا او بلديا في تجاوز واضح على خلفية التعامل معه لاحقا كواقع حال وتمليك تلك المباني للمتجاوزين او تعويضهم بمبالغ كبيرة؟   

    يعتقد كثير من الخبراء والمحللين الاستراتيجيين للاوضاع العراقية ان التعجيل في اجراء تعداد عام للسكان سيضع معلومات مهمة وخريطة واضحة للتركيبات السكانية واحصاءات تسهل الحلول المطروحة لكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتؤشر حجم النازحين والمهاجرين من النواحي والقرى والارياف الى مراكز المدن واطرافها في ظاهرة الترييف للمدن العراقية عموما، اذا ما اعتمدت استمارات علمية ومهنية دقيقة تتضمن مجاميع من الاسئلة المرنة عن سنوات الهجرة من الريف الى المدن. وبالذات تلك الاسئلة التي تحدد او تؤشر حجم النزوح خلال السنوات السبع الماضية، اضافة الى اسئلة تحدد حجم التغيير الديموغرافي في كثير من مناطق العراق على اسس طائفية وعرقية كما حصل في العاصمة واطرافها وبابل والرمادي والنجف وكربلاء وفي كردستان العراق وتحديدا في كركوك والموصل وديالى واربيل ودهوك والتي تسببت في اشكاليات حادة تعاني منها البلاد حتى يومنا هذا. 

kmkinfo@gmail.com




 


304
العراق وعملية ترييف المدن؟

1-2
كفاح محمود كريم

     بعيدا عن مفهوم التحضر Urbanisation في الانتقال من الريف إلى المدينة وما يترتب على ذلك من تغير في خصائص السكان الريفيين على مستوى العادات والتقاليد باتجاه المجتمع المدني، حيث ينطوي مفهوم التحضر على أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية ترافق عملية الانتقال أو تليها بعد حين، وهو أي التحضر نقيض عملية الترييف التي حولت المدن الى مجتمعات ريفية قروية بكل تقاليدها وعاداتها وسلوكياتها.
     
   وربما كانت هناك محاولات لأحداث عمليات تحضر في بعض المدن العراقية من خلال برامج اولية لم ترتق الى برنامج وطني كبير وان البعض حاول في اول عقد السبعينات من القرن الماضي إحداث هجرة معاكسة للقرويين الى قراهم إلا أن العملية باءت بالفشل لاعتماد مفاصل مهمة من النظام آنذاك على تصورات مناقضة تماما لذلك التوجه.

  إذاَ نحن هنا أمام عمليتين متعارضتين تماما:
عملية التحضر ويقابلها من الجهة الأخرى عملية الترييف، أو بلغة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Max Weber  الذي يقول عنهما:
( إننا بصدد نموذجين متضادين من القيم والسلوكيات وأشكال التنظيم وأنماط الفعل والتأثير والتدبير..)، نموذج التحضير والذي يؤكد مركزية المدينة وهيمنتها، بكل ما يعنيه ذلك من نشر وانتشار للقيم الحضرية واكتساحها للمجال، ونموذج الترييف الذي تستحيل معه المدينة كفضاء إلى مجرد حاضنة لإعادة تفريخ وإنتاج نفس القيم والعلاقات القروية.

    وهذا ما حصل فعلا حيث برزت عملية ترييف المدن Transplantation منذ بدايات قيام الدولة العراقية وظهور النفط وتأسيس بعض معامل الطابوق حول المدن والتي تسببت في هجرة عشوائية لمجاميع من فقراء الأرياف القريبة منها الى أطرافها، طلبا للعمل او هروبا من ضنك العيش وتخلف الحياة ووسائلها في تلك الارياف، الا انها اصبحت اكثر انتظاما وتوجيها قبيل اسقاط النظام الملكي وبعد قيام الجمهورية، حيث بدأت بالظهور مجموعات سكنية ريفية على شكل احزمة من الصفيح والصرائف حول كثير من المدن الكبيرة في انحاء العراق وبالذات العاصمة بغداد والمراكز الصناعية والتجارية والبترولية مثل البصرة والموصل وكركوك، ومع التغيير الاجتماعي والاقتصادي الذي افرزه تغيير النظام الملكي وقيام الجمهورية بدأت ظاهرة الهجرة من الريف الى المدن بشكل عام تتضاعف حتى تمت برمجتها وتوظيفها لخدمة انظمة الحكم القائمة بعد انقلاب 8 شباط عام 1963م وبالذات في كركوك والموصل وديالى وبلداتهم من اجل إحداث تغيير ديموغرافي في التركيبة السكانية لتلك المدن لصالح عرق معين او قومية معينة، مما تسبب في خلق صراعات اجتماعية وسياسية حادة ومشاكل عقارية وزراعية كبيرة ادت الى تعقيدات سلبية بين مكونات البلاد القومية والعرقية والدينية وتخلف كبير في البرامج الإنمائية الخاصة بتلك المدن والبلاد عموما.

  لقد اعتمد النظام السابق وحزبه على آلية عسكرية وامنية تمخضت عن نقل مئات الآلاف من القرويين المتطوعين في الجيش والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية الخاصة والمرتبطة بقيادة الحزب الحاكم آنذاك، إضافة الى عشرات الآلاف من أبناء العشائر التي استقدمت الى تلك المدن وحولها على شكل أحزمة أمنية او تجمعات زراعية عسكرية من قرى وأرياف الجنوب والوسط الى مراكز تلك المدن وأطرافها حيث تم توزيع قطع الاراضي والقروض والتسهيلات لبناء تلك القرى والأحياء التي استحدثت لهم تحت مختلف التسميات وعلى سبيل المثال وليس الحصر:
  ( أحياء الرفاق والبعث والعقيدة و7 نيسان و17 تموز والميثاق والتحرير وصدام والنصر والصداميات والوحدة والزراعة والاصلاح الزراعي والقادسية والشهداء... )
   وعشرات من هذه الأسماء المعروفة في كل المدن العراقية، حيث يشكل أبناء الريف والقرى الأغلبية الساحقة منهم وبالذات من العسكريين ومنتسبي الأجهزة الخاصة وحزب السلطة الذين شكلوا احزمة قروية وبدوية حول معظم المدن العراقية وبالذات بعد منتصف السبعينات وحتى سقوط النظام.

 
   وقد رافق هذه العملية نقل كلي لموروثات الريف وسلوكياته وانماط العيش فيه من عادات وتقاليد الى تلك الاحياء التي بقت تعاني لحد هذا اليوم من الفارق الكبير بينها وبين المدينة الاصلية اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسلوكيا مما ادى الى ظهور احساس بوجود طبقتين في كل مدينة من المدن العراقية من غير نظام الطبقات المعروف اجتماعيا واقتصاديا، وهما طبقة المدينيين ( أي سكان المدينة الاصليين ) وطبقة القرويين او الريفيين الذين قدموا من القرى والارياف، مع ما يعني هذا الاحساس من توصيف لكل طبقة في السلوك والثقافة والاداء اليومي في الحياة بل والتباعد النفسي والاجتماعي احيانا بينهما.



kmkinfo@gmail.com


305
المرأة في البرلمان العراقي؟

كفاح محمود كريم

    واحدة من اهم ما افرزته هذه المرحلة واحداثها وتحديثاتها وما صاحب عملية التغيير الحادة لنظام الحكم وكل ما يتعلق به من انظمة وقوانين، وما تم تثبيته في الدستور الدائم وتم تنفيذه منذ انتخابات الدورة الاولى في كانون ثاني 2005م، وهو نسبة عدد المقاعد في مجلس النواب العراقي المخصصة للنساء والتي حددت بما لا يقل عن 25% من المقاعد الكلية للبرلمان واكثر من ثلاثين بالمئة في برلمان اقليم كردستان العراق.

   وقد شهدنا خلال السنوات الاربع المنصرمة نوعية من شغل تلك المقاعد المخصصة للنساء ومستوى الاداء والدور الذي وصفه الكثير من المراقبين بانه لا يمثل بشكل مرضي الهدف الاساسي من تشريعه، بل ان الكثير من الناشطات في مجال حقوق النساء اتهموا الاحزاب والكتل السياسية باستغلال هذا التشريع الخاص بالمرأة لتحقيق اكبر عدد من المقاعد دون الاهتمام بقضيتها وحقوقها والاسباب الموجبة لتشريعه، وتبرز هنا الكثير من التساؤلات حول وظيفة هذا العدد من النساء في مجلس النواب والذي يفترض ان يكون على خلفية التشريع متناسبا مع نسبتهن في المجتمع، أي اكثر من الربع بكثير وما يقرب النصف من عدد المقاعد الكلية او يفوق  مقارنة مع الهدف الاساسي الذي من اجله وبواسطته ذهبن الى هناك، وباستثناء عدد لا يتجاوز اصابع الكف الواحدة (ربما) من مجموعة عضوات المجلس لهذه الدورة، فان الباقيات منهن انما ذهبن لارادات لا علاقة لها بالمرأة اطلاقا حالهم حال بقية الرجال ليس الا، كما حصل في الدورة الاولى وما شهدناه طيلة اربع سنوات.

    وبقراءة سريعة للمشهد خلال الدورة الاولى للمجلس وبالذات للمرأة هناك ودورها ووظيفتها على خلفية الاهداف والاسباب الموجبة في تشريع وتحديد تلك النسبة ( بما لا يقل عن الربع من الكل ) نرى تناقضا كبيرا بين الاداء الفعلي لتلك المجموعة من النساء والغاية المرجوة على خلفية احداث متغير اجتماعي كبير بتحديد تلك النسبة ووجودها، حيث استخدمت كثير من الاحزاب والكيانات السياسية ذلك التشريع وبالذات في الانتخابات الاخيرة لزيادة عدد مقاعدها على حساب النوعية ودفعت اعداد كبيرة من النساء اللاتي لا يمثلن ارادة المشرع اساسا، وهن بالتالي أي تلك الاعداد من النساء تم استخدامهن كادوات او وسائل لتحقيق نسب اكبر للرجال اذا صح التعبير في نتائجه الاخيرة ليس الا؟

   واذا ما استثنينا النسوة اللاتي خضن الانتخابات بجدارة اذهلت الكثير في نتائجها لكونها جاءت تمثل نبض النساء وعمق الاحساس الحقيقي لدى المجتمع في ايصال مستويات رفيعة منهن الى البرلمان ليمثلن ارادة المرأة في الانعتاق والتحرر، فان العديد من الكيانات والاحزاب والحركات انما دفعت الكثير من المرشحات لاشغال اكبر عدد من المقاعد على حساب المرأة واهدافها والاساءة الى مبدأ التحديد والنسبة والغرض من التشريع اساسا؟

    فاذا كانت هذه الاعداد من النسوة لا تتميز عن اقرانها من الرجال في الاداء البرلماني كنوع سياسي واجتماعي من اجل تحقيق الغاية المرجوة من تشريع هذه النسبة، فلماذا تحصل الكيانات السياسية على مقاعد سهلة باقل من حجمها الحقيقي، بل وبأقل من خمسة الاف صوت في مناطق معدلها الوطني لم يقل عن ثلاثين الف صوت للمقعد، الا باستخدام هذا السلم، او الكوتة كما يطلقون عليها؟

   ان تحديد نسبة النساء في المجلس وفرضه بقانون انما يعني احداث تغييرات مهمة في المجتمع وفي دور المرأة وبنية المؤسسات القائدة اجتماعيا وسياسيا وبالذات في اعلى مؤسسة تشريعية في البلاد وهي مجلس النواب لا الى ارسال مجاميع من النسوة لزيادة عدد المقاعد والامتيازات وهن لا يفرقن عن الرجال الا بملابسهن!؟

kmkinfo@gmail.com
 
 









 


306
المنبر الحر / لكي لا يفسد الملح؟
« في: 22:56 26/04/2010  »
لكي لا يفسد الملح؟

كفاح محمود كريم

     منذ ما يقرب من قرن من الزمان ومعظم النخب السياسية في منطقتنا بما فيها تلك المجموعات ذات النهج الشمولي او الاستبدادي سواء ما كان منها في الاحزاب او الحركات او الانظمة الحاكمة، تتغنج او تتباهى او في حالة اضعف الإيمان تدعي انها تعمل من اجل الديمقراطية، وفي كل تلك الايهامات ومحاولة الالتفاف على المعاني الحقيقية للديمقراطية تعمل تلك القوى او الانظمة على الابتعاد عن جوهر واساس النهج الديمقراطي في التداول السلمي للسلطة وقبول الآخر المختلف سواء كان في المعارضة او على سدة الحكم، بما يبتعد تماما عن ثقافة العنف والإقصاء والتهميش وملحقاتها في المخاتلة والانتهازية والتآمر والمراوغة.

     لقد عاشت معظم مجتمعاتنا إرهاصات الانقلاب على مفهوم الديمقراطية ومحاولة إفسادها وتشويه معانيها، وصناعة مفاهيم ممسوخة الى حد تصنيع بدائل للآخر من خلال استنساخ احزاب وحركات هزيلة وإيهام الاهالي بكونها تمثل الرأي الآخر، كما كان يحصل في كثير من البلدان ذات النظم الشمولية ومنها بلادنا التي شهدت محاولات كثيرة في تصنيع او استنساخ او إحداث انشقاقات واجنحة في احزاب وحركات المعارضة والمقاومة طيلة ما يقرب من نصف قرن.

     وليس ببعيد عن ذاكرتنا العديد من الأشكال والتعريفات للديمقراطية التي كانت تستخدمها كثير من انظمة الحكم، خلال العقود الطويلة الماضية حيث تحولت دولنا ومجتمعاتنا الى مختبرات وحقول تجارب تم تنفيذها خلال قرن من الزمان، وراح ضحيتها مئات الآلاف من خيرة رجالنا ونسائنا منذ تأسيس هذه الدول ونشوء انظمتها السياسية اثر تقسيم منطقة الشرق الأوسط الى مناطق نفوذ بعد اتفاقية سايكس بيكو وما تلاها من حروب كونية، ولعل تسميات الشعبية والمركزية والاشتراكية وديمقراطيتنا على وزن اشتراكيتنا والعديد من التسميات والتوصيفات التي تشوه المبدأ الاساسي للديمقراطية وتبعدها عن جوهرها الاكاديمي والسياسي  في التداول السلمي للسلطة وقبول الآخر المختلف، كادت أن تفسد المعنى الحقيقي لهذا النهج وتشوه مقاصده.

    حتى إن البعض اعتقد انها هجمة غربية لتدمير مجتمعاتنا الشرقية المحافظة كما تشيع كثير من وسائل الاعلام التي تهيمن عليها او تمولها القوى القومية والدينية المتطرفة، بل ان الكثير من تلك القوى  استخدمتها كوسيلة للوصول الى السلطة ومن ثم الانقلاب او الاستحواذ على الحكم واقصاء الآخرين، وما حصل خلال السنوات الماضية بعد سقوط النظام  من عدم استقرار وارهاب يغطي معظم مساحة البلاد يعود الى نجاح تلك القوى في استخدام وسائل الديمقراطية للنفوذ الى اهم واخطر مفاصل الدولة في غياب تشريعات لتنظيم الحياة السياسية من خلال مجموعة قوانين وانظمة متطورة لتأسيس الاحزاب وتحريم الفكر الشوفيني والفاشي والتنظيمات على اسس عرقية او دينية او مذهبية، تمنع وصول أي فئة من هذه الفئات او التنظيمات الى مراكز القرار والحكم.


    إن أي تأخير في اصدار تشريعات واضحة ومحددة من اجل ذلك ستتيح الفرصة لتلك القوى على افساد المعنى الحقيقي للديمقراطية وتشويه مدلولاتها وأهدافها في تأسيس نظم اجتماعية وسياسية متطورة لبلاد اغرقتها ظلاميات الانظمة الدكتاتورية والعشائرية طيلة عشرات السنين، وتكريهها في ذاكرة وذهنية المجتمع والجيل الحاضر تحت مسميات التناقض الشرقي والقيمي في ما يتعلق بالعادات والتقاليد مع الديمقراطية على خلفية الإيهام بكونها نظام اوروبي لا يتوافق وسيكولوجية مجتمعاتنا وتركيبتها القيمية.
 
    ولعلنا نتذكر جيدا ونلمسه الآن كيف كان يتصرف النظام السابق على خلفيته الفكرية العنصرية وانتهازيته في التعامل مع الاديان والمذاهب بما يتوافق وميكافيليته المعروفة واستخدامه لتشويهات ومستنسخات من افكار وإيديولوجيات كالاشتراكية والديمقراطية والعلمانية بما يكرس كراهية هذه المصطلحات والافكار لدى العامة من الاهالي من خلال تطبيقاته المنحرفة والمشوه والفاسدة لها.

   kmkinfo@gmail.com

307
النساء والرجال.. شراكة أم استعباد؟


    منذُ الأزل، ومع اختلاف نظريات التكوين في ما بينها، سواءٌ ما كان منها ديني أو من بنات أفكار البشر، لم تنتقص هذه النظريات من شأن النساء ودورهن كقطب من قطبين لا ثالث لهما في النشوء والتكوين، ربما تتجنى بعض التفسيرات للنصوص السماوية وتبتعد عن المعاني السامية لفلسفة الأديان في وصفها للمرأة ودورها في المجتمع، إلا أن ذلك لا يعني تماما إن الأديان قد حولت النساء إلى قطيع من العبيد؟

    إذن، دعونا نتفق أولا بأن هاذين القطبين كانا المؤسسين لمجتمعنا العاقل بصرف النظر عن أصول تكوينهما سواء كانا قردين أو حوتين على فكرة أخينا جارلس دارون غفر الله له ورحمه، أو كما جاء في كتبنا المقدسة إبتداءً من أبينا آدم وأمنا حواء وانتهاءً إلى ما آلت إليه الشراكة بين القطبين، وتحولت السيدة حواء إلى ( حرمة ) والسيد آدم إلى دكتاتور بغيض!.

    وسواء اتفقنا أم لم نتفق فقد اجتمعت معظم الأديان والفلسفات القديمة إن لم أقل جميعها على احترام المرأة وموقعها وتقديسها لدى الكثير من الشعوب في ميثولوجياتها الموروثة... ولكن؟

  ما الذي حول شريكة الحياة إلى ( حرمة ) أو ( عورة )؟
   هل هي النظم الاقتصادية وتداعياتها عبر الأزمان؟
   أم هي تلك المنظومة من العلاقات الاجتماعية التي أفرزتها ماكينة الاقتصاد وطبيعة البيئة والصحراء، التي كبلت الرجل وجعلته أكثر عبودية لغرائزه ومن ثم ذكورته؟
   هل كانت التفسيرات المزاجية والذاتية للنصوص الدينية التي تخدم في تأويلاتها مصالح الذكور سبباً في عبودية الرجل لذاته التي كونها من إلغاء ومصادرة بعض حقوق وإمتيازات شريكته؟
   أم هو المجتمع الزراعي والرعوي ومن ثم القبلي؟
   أم هو صراع سلطوي في الشراكة واتخاذ القرار؟


   مع كل هذه التساؤلات يبقى الرجل ( باعتقادي ) هو من يحتاج الحرية والتحرر لأن شريكته مسجونة في عبوديته، وعبوديته مجموعة متناقضة من أنماط السلوك والتصرف والادعاء وأمراض النرجسية والازدواجية.

    دعونا نتساءل بشفافية وقليل من الجرأة، ربما نتعرف أكثر على أوجاعنا التي لم نعد نحس بها ؟

    كم منا سمح ( لنسائه ) أن تفعل كما يريد هو أن يفعله بنساء الآخرين بصرف النظر عن النوايا ونوع السلوك؟
    كم منا أجاز ( لحريمه ) ترجمة أفكاره ( المخملية ) في التحرر والأنعتاق والمشاركة الفعلية في الأنشطة السياسية والثقافية والفنية بغض النظر عن توجهاته هو؟
    كم رجلٌ منا ( مهما كنا ) أحل لسجيناته حرية الاختيار دونما تأثير وضغوطات حتى  الإقناع؟
    من منا لا يتهم المرأة المتحررة بالفريسة السهلة والخفيفة؟
    كم من النساء قتلنا لمجرد علاقة أو دعاية أو وشاية لم تثبت كما جاء في القانون القرآني السامي ؟
    كم منا يعتقد بأن الشرف سلوك رجالي كما هو نسائي ؟
    كم منا يؤمن بأن الشرف صدق وأمانة وشجاعة وحرية لا مجرد أعضاء تناسلية فحسب ؟
    كم منا يرفض بصدق هذا النظام الاجتماعي في أسرته ويعمل فعلا على استبداله ؟


     إذن، التساؤلات كثيرة وربما تثير أوجاعنا التي تكلست، ولكن الإجابات على ما سبق مهما كانت فهي بالتأكيد لا تخضع للقياسات العامة التي تمنحنا استنتاجات لبناء بدائل أخرى في هذه الحقبة من الزمن، وعلى العموم فأننا أمام خيارين:

    إما أن يكون هذا النظام هو الأفضل لحد الآن على ضوء واقع الحال، حيث أن القطب الثاني ( يبدو والله أعلم ) راضيا عن هذه ( القسمة ).
    أو أننا إزاء ثورة اجتماعية كبرى تستدعي طاقات وتضحيات وأزمان ليست طبيعية مع عمليات تحديث واسعة لمناهج وفلسفة التربية والتعليم.


  وفي كل الأحوال علينا أن نتذكر دوما بأننا نعمل بأقل من نصف طاقاتنا وإحصائياتنا وأرباحنا، ونستهلك أكثر من كامل حجمنا نساءً ورجالاً وتلك معادلة خاسرة تماما؟
   وعلى ضوء ذلك لا زلتُ مصراً بأن الرجال هم أولى باسترجاع حقوقهم الإنسانية المحضة والتحرر من عبودية ألذات ( الأقوى ) وحينذاك ستكون ( الحريم ) حرائراً ولكن بعد حين.


kmkinfo@gmail.com

308
احذروا هؤلاء.. إنهم يتسلقون السلطة؟

كفاح محمود كريم

     انتهجت بعض الحركات السياسية والدولية سياسة التسلق واستجداء الشرعية عبر سلوك إعلامي ودعائي اقل ما يقال عنه انه ميكافيلي لا تهمه في تحقيق أهدافه انتهاج أي وسيلة من الوسائل مهما كانت في طبيعتها عدائية أم شوفينية أو كارثية كما حصل في مراحل كثيرة من تاريخ البشرية القديم والحديث، والتي أدت الى ماسي كبيرة عانت منها شعوب واقوام وتسببت في حروب مدمرة كان آخرها تلك الحروب التي اشتعلت بين إسرائيل والدول العربية وبين العراق وإيران وادت الى مقتل مئات الآلاف وأضعافهم من الجرحى والمعاقين، وتدمير القرى والمدن والبنى التحتية لتك الدول المتحاربة على خلفية الكراهية الدينية أو العرقية واطماع المتشددين فيهما.

   لقد اعتقد الكثير ان تلك الحروب الكونية الرهيبة بين المانيا والعالم والتي دفعت الولايات المتحدة في الثانية منها الى استخدام سلاحها القذر في اليابان، ستكون آخر الحروب التي كثفت ثقافة العرق السامي او الراقي الذي تبنته منظومة التفكير لدى النخب الالمانية النازية والفاشية الايطالية وانتقل فايروسه الى حركات واحزاب عنصرية حكمت العراق وبعض دول الشرق الاوسط وما تزال تنفث سمومها حوله اينما تواجدت او صادفت بيئة مناسبة لنموها وتكاثرها كما يحصل الآن في العراق باستغلال قطار الديمقراطية، في غياب قانون أو تشريع يمنع تلك الثقافة التي منعت تماما في معظم دول أوربا بعد سقوط النازية والفاشية.

     ومن جانب آخر كان اخطر ما استخدمته الماكنة الاعلامية الاسرائيلية في استعطاف الرأي العام الدولي وبالذات الاوروبي والامريكي، هو اتهام العرب والفلسطينيين بمعاداة العنصر السامي رغم انتمائهما لهذا العنصر، بمعنى معاداة الاسرائليين واليهود خاصة والادعاء بأن العرب والفلسطينيين ينوون ابادة هذا العنصر وهذا الدين، مدعية انها تمثل السامية لوحدها دون العرب؟ واستطاعت عبر حقبة طويلة من اقناع الرأي العام الاوربي والامريكي بفكرة معاداة السامية التي ينتهجها العرب وكل من يساندهم ضد الاسرائيليين وبذلك كانت تهيئ دوما ارضية خصبة لأي عملية واسعة عسكرية او مخابراتية تقوم بها ضد الفلسطينيين او الدول العربية بما يحقق لها نصرا اعلاميا وتعاطفا دوليا؟

   ومثل ذلك فعلته اجهزة الدعاية الامريكية والرأسمالية عموما بعد سقوط المانيا الهتلرية وبدأ الحرب الباردة والصراع الخفي بين الامريكان والغرب من جهة والاتحاد السوفياتي ومجموعته الشرقية واليسارية من جهة اخرى، في ما عرف بسياسة معاداة الشيوعية طيلة حقبة الحرب الباردة والتي اعتبرت فيها الشيوعية كفرا وإلحادا وكونها فكرا تدميريا للمجتمعات واخلاقياتها وعاداتها وتقاليد الاديان الشرقية والاسلامية تحديدا، متعكزين على اثارة الرأي العام الديني لدى المسلمين بالذات حول الاحزاب الشيوعية والتقدمية ونظريات الفكر الماركسي حول الوجود والاديان والطبقات الاجتماعية والنظام القبلي وشيوخه والاقطاعيات الزراعية مستغلين في ذلك كثير من المتطرفين والمتزمتين لدى الطرفين؟

    ولقد انتجت تلك النظرية مع ما ترشح من افكار نازية مجموعات من الانظمة والحركات والاحزاب القومية المتطرفة عرقيا ودينيا بما يصنفها في حقل النازية والفاشية في اقصائها للمكونات غير العربية وغير الاسلامية في كثير من البلدان مثل العراق وسوريا والسودان ودول شمال افريقيا وتركيا وايران، من خلال معاداتها العنصرية لتلك المكونات والعمل وفق برامج منظمة لأذابتها واحتوائها ضمن بودقة القومية الاكبر في تلك المنطقة من خلال مجموعة من القوانين وبرامج الإذابة في منع تداول اللغة واستخدام الأسماء والفلكلور وما سمي بتصحيح القومية والترحيل والتوطين وأحزمة الحدود القومية.

   وإذا ما راقبنا حقبة حكم واحدة من تلك الأحزاب النازية التي حكمت العراق منذ 1963م وحتى سقوط هيكلها الإداري في نيسان 2003م، فسنرى تشابها كبيرا بين طروحات قادة النازية والفاشية وقادة تلك الحقبة وافكارهم وممارساتهم تجاه الشعب بشكل عام والمكونات غير العربية والإسلامية بشكل خاص، والغريب في ذلك التشابه الكبير في سلوكيات وتطبيقات الدولة العبرية في فلسطين، وبين ما كان يفعله ذلك النظام وبالذات اعماله في كردستان العراق وجنوبه، حيث التغييرات الديموغرافية وتهجير السكان وإسقاط وثائقهم وثبوتاتهم الرسمية بما يقطعهم من جذورهم في كركوك والموصل وديالى، وبناء المستوطنات التي استقدم لها السكان من جنوب ووسط العراق وتمليكها مساحات واسعة من الاراضي الزراعية التي كان يمتلكها السكان الاصليين الذين تم تهجيرهم منها في وحول كركوك والموصل واربيل ودهوك، كما فعل الإسرائيليون في مجموعة المستوطنات التي بنيت على أنقاض القرى والمدن الفلسطينية منذ اربعينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا في القدس والضفة الغربية، اضافة الى ما كانت تستخدمه اجهزة الدعاية والاعلام لتلك الانظمة بشكل مكثف في الانتقاص من تلك المكونات واتهامها بالخيانة العظمى دوما والعمالة للغرب او اسرائيل كما تفعله اليوم اجهزة الدعاية والاعلام العربية في ما يتعلق بتجربة اقليم كوردستان العراق، حيث تستخدم قوى سياسية فاشية نجحت في ركوب قطار الديمقراطية لتصل الى مفاصل مهمة في منظومة الحكم العراقي ذات الاسلوب الميكافيلي الذي استخدمته الدعاية الصهيونية واجهزة المخابرات الامريكية في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي، بمعاداتها للكرد وتجربتهم لتحقيق ما تصبو اليه في الهيمنة على مواقع اكثر في جسد العراق الجديد تحت عباءة الديمقراطية ولحساب اجندات دولية ليست ببعيدة عن المنطقة ولها علاقة واضحة بالملف الجغرافي السياسي والتكوين العراقي مستغلة التورط الايراني في الجانب الاخر من البلاد؟

  ولقد تم تأشير تلك القوى والتنبيه الى محاولاتها باستخدام ذلك القطار للنفوذ ثانية الى مواقع التأثير والسلطة، وبدلا من محاربتها ومعالجة مكامن الخلل الذي تستغله، استخدمها البعض كاوراق سياسية ضاغطة في الخلافات مع الاطراف الاخرى في العملية السياسية سواء في بغداد او مع الاقليم، وذلك من خلال غض النظر عن اختراقاتها بل ودعمها في مناطق كثيرة مثل كركوك والموصل لدرجة العمل معها من اجل ايصالها الى دفة الحكم في تلك المناطق كما حصل مع مجموعة الحدباء-النجيفي المتطرفة    في انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة في العام الماضي، وهي ذاتها تحالفت مع الكتلة المنافسة لها الآن في انتخابات مجالس المحافظات، انها حقا تستخدم مناورة ميكافيلية معروفة لدى النظام السابق مع كل القوى الفاعلة الآن من اجل تحقيق اهدافها للوصول الى السلطة ومحاولة اعادة او تصنيع اجزاء من الماضي السياسي البغيض للبلاد.

  لقد دأبت تلك القوى على استخدام شعار بالي في معاداتها للكُرد وكردستان وهي تدافع عن مكتسبات النظام السابق وعطاياه لأولئك الذين دمروا البلاد واستحوذوا على اموالها وممتلكات مواطنيها كما حصل في كركوك والموصل وديالى وبغداد والفرات الاوسط  في عمليات التوطين والترحيل وتغيير القومية واذابة شرائح دينية وعرقية في محافظتي الموصل وكركوك ( الايزيدية والمسيحية وعشائر الشبك ) في بودقة عنصرية شوفينية لسلخها من واقعها وفرض واقع هجين عليها، بل انها لا تؤمن بالدستور الحالي وتعمل من اجل الغائه او تعطيله كما فعلت طيلة اربع سنوات مع تطبيق المادة 140 وغيرها من المواد الاخرى، وهي اليوم تحاول تسلق جدران السلطة وممارسة ذات الاسلوب الميكافيلي مع كل القوى الفاعلة في الساحة السياسية وبالأخص تلك التي عارضت النظام ووقفت بالضد من أفعاله وسلوكياته ونهجه محاولة منها لتصنيع الماضي او اجزاء منه هنا وهناك!؟
     


 kmkinfo@gmail.com

309
المنبر الحر / الأمية الوطنية
« في: 22:55 27/03/2010  »
الأمية الوطنية
كفاح محمود كريم

    واحدة من اهم ما يواجه عملية التحول الى النهج الديمقراطي لبناء العراق الجديد هو الامية باشكالها المتنوعة وفي مقدمتها، الابجدية والحضارية والسياسية المستشرية في قطاعات واسعة من الاهالي في المدن وبشكل اوسع في الارياف، وهي التي تنتج حينما تجتمع جميعها امية وطنية وعذرا إن استخدمت هذا التعبير الذي اعني فيه الجهالة بالوطن والضبابية في مفهوم المواطنة وتقزيم البلاد واختزالها في قرية أو مدينة أو عشيرة، بسبب ديمومة البداوة وتراكم التخلف والتجهيل المتعمد من قبل معظم الانظمة التي تسلطت على البلاد، وذلك من خلال عمليات غسل الادمغة وتسطيح العقول الذي تعرض له المواطن طيلة عشرات السنين منذ قيام الدولة العراقية مطلع القرن الماضي وحتى تقزيمها في حزب او عرق او دين او شخص اوحد خلال نصف القرن الاخير؟

   ويمكن أن نقول انه كانت هناك محاولات جدية في نهاية سبعينات القرن الماضي للحد من الامية الابجدية حصرا، والتي تضمنت مشروعا عاما في كل البلاد ولمعظم الاعمار خارج سن المدرسة الابتدائية لولا اصطدامها بجدار سلسة الحروب التي ابتدأت في ايلول سبتمبر 1980م واستمرت حتى سقوط النظام في نيسان 2003م، وتسببت في إيقاف ذلك المشروع وفشله تماما مع تدهور المستوى التعليمي والتربوي في المدارس والجامعات العراقية عموما، رافق كل ذلك برنامج منظم ومشدد من قبل الحزب الحاكم في عسكرة المجتمع وغسل ادمغة الاهالي وتسطيح عقولهم ووعيهم بتكثيف المعرفة والمعلومات بشخص الرئيس والحزب واجهزة دعايتهم التي فعلت فعلتها في تقزيم مفهوم المواطنة وتشويهها الى درجة الغاء مفهوم العراق كوطن او دولة واعتباره قطرا لا اكثر من خلال إذابته في كيان خيالي وطوباوي، وبناء منظومة سايكولوجية وفكرية لدى الفرد لا تتعدى مجموعة شعارات الحزب ووصايا القائد ومفردات الحرب والعسكرتاريا والعدو المفترض الذي يهدد البلاد ويستهدف العرض والارض والدين!؟ 

     وقد ادى ذلك الى تفشي امية في المفاهيم الوطنية وغياب مفهوم المواطنة الحقة على حساب مجموعة قيمية اخرى تم زرعها وتكريسها وهي تختصر الوطن في قرية والشعب في عشيرة او اسرة بذاتها حينما تم حصر دائرة معلومات الفرد وثقافته وتطلعاته وانتمائه بشخص القائد التاريخي والضرورة وايديولجية الحزب الحاكم الشمولية والمطلقة والتي لا تقبل الاخر المختلف الا من خلال تبعيته وانقياده كليا لثقافة القطيع التي كرستها مبادئ ذلك الحزب وسلوكيات رئيسه وحولتها تدريجيا الى نظام العشيرة والشيخ، مما ادى خلال ما يقرب من اربعين عاما الى ظهور طبقة واسعة من الاهالي ذات الوعي المسطح والمستكين تماما الذي تكون على اساس ( نفذ ثم ناقش )* الذي شوه بناء الشخصية الانسانية وقتل فيها عنصر المبادرة والخوف وبالتالي عمل على نمو انماط من السلوكيات والتعقيدات والتناقضات الحادة بين طيات تكوينها النفسي والاجتماعي مثل الانهزامية والتملق والسذاجة وفقدان الثقة والتردد والقسوة والامعية وتسودها ثقافة الاستكانة والانقياد وغياب الرأي والتفكير.

    بحق إن ما يواجه العراق اليوم ليس ارهابا منظما وتدخلات مخابراتية وسياسية اجنبية بقدر ما هو هذه الحاضنات الامية المسطحة التي تستقبل افواج الارهابيين والقتلة والجواسيس وتجار السياسة، والتي كونتها تلك الامية الوطنية خلال عقود طويلة من التجهيل والتقزيم وثقافة القطيع التي خلقت الاستكانة والامعية والانسلاخ من الوطن والشعب للتقزم والانكفاء في شخص الرئيس او الحزب ومن ثم القرية والعشيرة مما يجعلها من  اولى اولويات القوى الفاعلة في المجتمع من الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والاعلام بوسائله المختلفة في العمل من أجل اعادة بناء الشخصية الوطنية على اسس ديمقراطية رفيعة تنطلق من مفهوم راق ونبيل للمواطنة بعيدا عن الدين والمذهب والعرق وثقافة الرئيس القائد والحزب المنقذ بالارتكاز على عملية واسعة لتحديث مناهج التربية والتعليم وتغيير فلسفتها بما يتوافق ومبدأ المواطنة والديمقراطية وحقوق الانسان في العراق الجديد.

   
kmkinfo@gmail.com
 
 
* من المبادئ الرئيسية لحزب البعث
 
   


310
من رشح هؤلاء للانتخابات العراقية؟

كفاح محمود كريم


    قلنا في مقال سابق إن الدورة التي تسلم ( الراية ) بعد عدة اشهر لمجموعة اخرى من النواب المنتخبين، كانت رغم كل سلبياتها وما جرى في العراق تحت حكم تشريعاتها وسلطاتها وسلوك اعضائها والامتيازات التي حصلوا عليها دون الاهالي الذين وضعوا دمائهم على اكف ايديهم وذهبوا الى صناديق الاقتراع في اول حقبة الارهاب والذبح والتفخيخ بداية عام 2005م، قلت رغم كل ذلك كان البرلمان العراقي ( بدورته وتجربته الاولى ) افضل برلمان في التاريخ السياسي والدستوري في منطقتنا والتي تمر بظروف كظروف بلادنا وشعبنا الذي تعود على مجالس قرقوشية وبرلمانات هزيلة لا تعبر الا عن طبيعة النظام الحاكم منذ تأسيس الدولة في بدايات القرن الماضي وحتى سقوط نموذجها المتخلف في نيسان 2003م.

    ورغم ان الكثير من اعضاء الدورة الاولى ايضا لم يك بمستوى التمثيل لشعب مثل شعب العراق ذاق الامرين من القهر والارهاب والدكتاتورية ومن مفاصل مهمة في الدولة الجديدة اكثر سوءً من تلك التي حكمت العراق ما يقرب من نصف قرن؟
   فقد كان العضو في المجلس اكثر حرية في التعبير عن رأيه من أي مجلس اخر في المنطقة، بما في ذلك المحسوبين على النظام السابق وبقاياه التي اخترقت صناديق الاقتراع بمباركة من المناضلين وتزكية من الاحزاب الرئيسية، الى درجة إن احدهم تحت قبة البرلمان قال بملئ فمه حينما اتهمه زميل له بالبعثية فرد عليه انه شرف عظيم لي أن أكون كذلك(؟) وتصوروا معي لو كان المشهد معكوسا على ايام المجلس الوطني العراقي، وينبري احد اعضائه قائلا اتشرف بانتمائي لحزب الدعوة او المجلس او الديمقراطي الكردستاني او الشيوعي ماذا كان سيحصل له ولعائلته حتى الجد الرابع!؟


   ولنعود الآن الى افواج الفاسدين ممن وصلوا الى برلماننا العتيد في دورته السابقة وممن يشدون الرحال لدورته الثانية، فاذا كان مبررا وجود هذا الكم غير القليل من الفاسدين والمعاقين والملوثين بآثام الماضي في الدورة الاولى لأي سبب فانه من المعيب حقا أن تصل مجاميع اخرى من اولئك المعاقين والسراق والانتهازيين وذوي العاهات السلوكية المعروفة لدى العراقيين الى مجلس النواب بدورته اللاحقة، وخصوصا اولئك الصاعدين على اكتاف المسؤولين الجدد وشركائهم في الظلام ممن يقومون بتنفيذ مآربهم وتجاراتهم ومقاولاتهم من خلف الكواليس، بما في ذلك غسل الاموال القذرة التي استحوذ عليها مسؤولي الغفلة الذين انتجتهم حقبة الاحتلال ومقاولاته وسقوط النظام الفاشي، وممن ساهموا واشتركوا في عمليات السلب والنهب التي اطلق عليها النظام في حينها بالحواسم؟ 

    واذا كانت الدورة الاولى وما رافقها من ارهاصات التجربة الجديدة وغفلة او نية البعض المبيتة في إيصال مجاميع من هؤلاء النواب الى المجلس، مبررة الى حد ما فما بالك أن تصل اليوم مجاميع اخرى ربما اسوء بكثير من اولئك الاولين الذين تمت اعادة تجديد العديد من عضويتهم لا لشيئ الا لأنهم ادمنوا ما ذهبوا اليه ومن اجله وفي كل ذلك ليس للوطن العراقي واهليه أي دخل فيه من قريب او بعيد الا بما يتم استخدامه كوسيلة لتبرير وجودهم هناك؟

حقا من رشح هؤلاء!؟

   وكيف تمت عملية تشخيصهم؟ وأي اساس أو آلية تم اعتمادها في ذلك؟ 
   وهل اعتمدت المكونات السياسية وقوائمها السير الذاتية الوطنية والاجتماعية والاخلاقية والسلوكية والمصداقية المالية والشعور العالي بالمسؤولية تجاه الوطن من قبل هؤلاء؟
  أم اعتمدت آليات ومواصفات البداوة والعشائرية المقيتة والشللية الحزبية ( الكروبات ) والمحسوبية والمنسوبية التي ابتلينا بها منذ الازل؟
   

    واليوم ربما يتبادر الى اذهاننا وذاكرتنا الكثير الكثير من هذه الاسئلة وغيرها ونحن نشهد انتخابات العراق الثانية وصور وملصقات ودعايات على الجدران والشاشات والاذاعات والصحف لمجاميع من المرشحين الذين تجتمع فيهم وتدور حولهم الكثير من علامات الاستفهام السياسي والوطني والمالي والاجتماعي والاخلاقي والسلوكي في الحقبتين ما قبل سقوط النظام وما بعده طيلة السنوات الستة الماضية، وربما تدور وتحوم معظم الشكوك والتساؤلات حول من تلطخت أياديهم ليس بدماء العراقيين هذه المرة وإنما بأموالهم وشرفهم وسمعتهم ومستقبلهم ممن أدمنوا طيلة اربعين عاما حياة  التدليس والامعية والمشاغبة والتسلق والسحت الحرام، في الوقت الذي كان الشعب تحت وطأة الحروب والحصار كان هؤلاء لا يتوانون عن تقديم كل انواع الخدمات لذلك النظام لينعموا بالسلام والأمان والسحت الحرام، بينما يموت المناضلون تحت التعذيب في سجون ومعتقلات النظام وتعيش أسرهم واطفالهم ضنك العيش في ظل الرعب والإرهاب، وحينما سقط النظام وانهارت مؤسساته كانوا اول من استقبل المحتلين ايضا بالاحضان والتدليس والعناق، وشاركوا بكل جدارة في كل عمليات الحواسم المعروفة التي جرت في معسكرات ومقرات ودوائر الدولة ومخازنها ومكتباتها وآثارها وجامعاتها وحتى مدارسها الابتدائية؟

ويبقى السؤال المر لمن رشحهم:

   هل يمكن لهؤلاء أن يكونوا شجعانا شرفاء يمثلون الشعب ومعاناته ويدافعون عن مصالح البلاد العليا؟
 

kmkinfo@gmail.com









 


311
الانتخابات العراقية والدروع البشرية؟

كفاح محمود كريم



     نتذكر جيدا واحدة من اكثر اساليب النظام السابق ميكافيلية واستهتارا بالقيم الانسانية حينما كان يستخدم المدنيين في حروبه ويضعهم دروعا بشرية تارة في قصوره وتارة اخرى في المعسكرات ومصانع الاسلحة ومقرات حزبه بغية الاذعان الى مطاليبه او البقاء في السلطة خلف تلك الدروع من النساء والاطفال، وتارة اخرى في صراعاته مع القوى السياسية المعارضة له، حينما كان يعتقل افراد الاسرة من الاطفال والنساء والشيوخ ويساوم على تسليم او استسلام اولادهم المعارضين لنظام حكمه والعاملين في صفوف المعارضة في كردستان او في اوربا.

    واذا كانت تلك السلوكيات مبررة ذات يوم لأن القائم بها دكتاتور طاغي وحزب ميكافيلي فاشي فما بالنا اليوم والعديد من الكتل والاحزاب السياسية تنتهج من ناحية المبدأ نفس النهج والمنحى في استخدام المرأة والعشائر استخداما ميكافيليا للوصول بأعلى عدد من هؤلاء الى كراسي البرلمان ليتم توجيههم عبر الريمونت كونترول السياسي من مقرات تلك الكتل والاحزاب كما صرح لي احد الاعضاء القياديين لكتلة برلمانية اختلط فيها الحابل بالنابل حينما سألته عن الخليط غير المتجانس في تجمعهم المثير قوميا وطائفيا وايديولوجيا فقال يا أخي المهم أن نحقق أكبر عدد من المقاعد وليس المهم نوع من سيذهب الى هناك لأن التوجيه من هنا وأشار بيده الى جهاز الريمونت كونترول!؟

   المؤلم حقا ونحن في واحدة من اهم مراحل تطور حياتنا في التحول الى نمط جديد يفترض أن يكون اكثر تحضرا في الحياة الاجتماعية والسياسية،  ان تستخدم المرأة كوسيلة لأستجداء الاصوات ومن ثم الاستحواذ على مقاعد اكثر للكتلة أو الحزب بغض النظر عن نوعية تلك المرأة ووعيها  ومستواها العلمي او الثقافي او الوطني واحيانا كثيرة بصرف النظر حتى عن العمق النضالي والمصداقية الاجتماعية لتحقيق تلك الغاية في عدد مقاعد البرلمان التي سيتم الحصول عليها بواسطة النصف المشلول من المجتمع وذلك باستخدامه لعناصر مشلولة من هذا النصف بل ومغيبة تماما عما يحصل لبني جنسها، بدلا من أن يعمل على اختيار عناصر فعالة قابلة لأجراء التحديث والتحول في مجالات الحياة عموما وفي مقدمتها العلاقات الاجتماعية ودور المرأة وحقوقها والتربية الاسرية الحديثة التي تعتبر منطلق لأجراء أي تحول جذري في المجتمع بعد تحرير المرأة من تلك القيود.

  وفي جانب آخر لا يقل خطورة وتراجعا عن استخدام المرأة كوسيلة للحصول على مزيد من المقاعد، راحت الكثير من الكتل والاحزاب السياسية وللاسف الشديد الكثير منها من المحسوبين على الديمقراطيين واللبراليين، تغازل مجاميع من شيوخ العشائر ورموزها من خلال ترشيح العديد منهم او من تابعيهم الذين عرفوا عبر تاريخ بلادنا وبالذات فترة حكم البعث وتصنيفهم الى موديلات واستحداث دائرة لهم في رئاسة الجمهورية وتحويلهم الى مخبرين وطبالين للسلطة ورأسها بامعيتهم السلطوية وتبعيتهم الدائمة لكل السلطات والانظمة وانتهازيتهم المعروفة للحفاظ على مصالحهم المرتبطة دوما مع النظام بصرف النظر عن ماهيته او شرعيته، الا القلة القليلة التي اختارت خندق الشعب وحافظت على قيمها واصالتها، والغريب انها مبعدة حتى الان!؟
 
    حقا انها ممارسة لا تقل خطورة وسوءً عن تلك التي كان يستخدمها ذلك النظام في دروعه البشرية لحماية نفسه وابقاء نظامه اطول فترة في الحكم، واليوم يتم استخدام النساء بصرف النظر عن النوعية وبعض العشائر وشيوخها بصرف النظر عن تلك العقلية التي تصنف بأنها واحدة من اهم اسباب تخلفنا وتقهقر مجتمعاتنا وبلادنا ومدنيتها.
    اذ كيف سيكون حال ذلك البرلمان الذي يضم عناصر من هذا النوع والشكل، وأي سياسيون ومشرعون يمكن ان ينتجهم هذا المجلس النيابي اذا كانت الغاية هي الامتيازات الشخصية والتحريك بالريمونت كونترول لأتخاذ القرار وتشريع القوانين، بينما تعتبر  السلطة التشريعية واحدة من أهم مدارس اعداد السياسيين والتشريعيين وقادة البلاد في كل العالم المتحضر وفي كل مناحي الحياة!؟

kmkinfo@gmail.com


312
الدبابة الامريكية وقطار 63 ؟

كفاح محمود كريم

     يبدو أن التاريخ يعيد نفسه احيانا رغم عدم قناعة الكثير بهذه المقولة، ورغم ان الاعلام العربي عموما يصر دوما على امكانية استنساخ صفحات من التاريخ واستحضار معاركه وفوارسه في زمن الهزائم والانكسارات، واشاعة ذات الثقافة الاحادية والتلقينية التي يمارسها منذ عشرات السنين، وهي تمثل دوما عقلية وثقافة اولئك المتسلطين في النظام السياسي والاعلامي العربي عموما.

    وليس ببعيد عن الاذهان ما حصل في العراق منذ ما يقرب من نصف قرن من تشويه للحقائق وايهامات للرأي العام من خلال شعارات براقة ومثيرة، تداعب هواجس العامة من الاهالي الذين تعشش الامية الابجدية والحضارية في ادمغة اكثر من سبعين بالمائة منهم في ستينات القرن الماضي وحتى سنوات متأخرة منه، حيث اكثر من ثلث السكان البالغين ما زالوا اميين، وقد عملت معظم وسائل الاعلام التي كانت تسيطر عليها الانظمة السياسية على تسطيح عقول الناس واستغفالهم وارهابهم من خلال اشاعة العدو المفترض الذي ينوي تدمير البلاد والعباد، وكأنهم جميعا مسؤولين سياسيين واعلاميين دون استثناء قد ذاكروا وتتلمذوا على تفاصيل رواية ( 1984 )* لجورج اورويل وجمهوريته العتيدة ورئيسه القائد (Big brother  ) الذي تنتشر جداريات صوره في كل مكان من الجمهورية التي تقاوم الاستعمار والامبريالية العالمية؟

    والغريب حد الذهول انهم امتداد لذلك العدو المفترض، بل انهم في كثير من تفاصيل وجودهم وحقيقتهم منفذين جيدين لبرنامج الطرف الاخر وراء الكواليس، حيث ينفذون بدقة تعاليم عرابهم وفلسفته كما كان يفعل خنازير ( مزرعة الحيوان أو حقل الحيوان )* في تعاملهم السري مع البشر خارج مملكتهم ضد بقية افراد المملكة او الحقل على حد وصف اورويل في تلك الرواية الشهيرة، وليس ببعيد عن اذهاننا كل تلك التجارب المريرة والمأسي الكارثية التي نفذتها تلك الانظمة الاستبدادية في بلاد كان يمكن أن تكون بحق سويسرا الشرق لو كانت بأيدي ابنائها العقلاء والمخلصين.

   لقد اثبتت الايام والاحداث طيلة ما يقرب من نصف قرن تحالف تلك الانظمة التي توالت على حكم البلاد مع الشياطين اينما كانوا بروح ميكافيلية بشعة، ولعل العودة قليلا الى ما حدث بعد تموز 1958م يؤكد تلك الشراكة الاستراتيجية بين تلك القوى وبين العدو المفترض الذي يتحدث عنه جورج اورويل في جمهورية الاخ الاكبر أو ( الرئيس الضرورة ) التي لاتعطي الافراد او الاشخاص اهمية ازاء المواقف النهائية بين الطرفين، وهنا يأتي قطار 63 الامريكي ليحمل في عرباته الحلفاء الذين صنعوا رواية العدو المفترض واشاعوها في الاعلام ووسائل تثقيفهم منذ ذلك الحين وحتى دخول ممثلهم الى تلكيف ممتطيا الدبابة الامريكية بدلا من القطار الذي أقل اسلافهم في مطلع الستينات من القرن الماضي؟
 
     حينما بانت تلك اللقطات التي اظهرت محافظ الموصل تتقدمه دبابة امريكية ومجاميع من القوات المحتلة ( المارينز الامريكي ) تحيط موكبه من كل الجوانب وهو يقتحم صفوف المئات من اهالي مدينة تلكيف المدنيين ومعظمهم من الطلبة والفلاحين والعمال والمعلمين والكسبة، الذين رفضوا زيارته واشبعوه ضربا وحلفائه بالحجارة والوحل والفاسد من الخضراوات والبيض، تذكرت باشمئزاز تلك الازدواجية المثيرة للتقزز وهم يعلنون لناخبيهم ايام انتخابات 2005م وما تلاها من انتخابات لمجالس المحافظات معاداتهم للاحتلال والمتعاونين معه ووعودهم بتحرير الموصل من المحتلين الامريكان والاكراد (!) حتى اصبحت ( سولة – عادة ) معاداة الاكراد تذكرنا بمعاداة السامية التي ارعبت الدولة العبرية فيها كل العالم لتحقيق مآربها دوليا واعلاميا، واستخدمتها تلك القوى في الموصل للوصول الى دفة الحكم كما وصل الاسلاف في قطار 63 ذات يوم غابر؟

   

kmkinfo@gmail.com
 


   رواية 1984 :  من تأليف جورج أورويل قدمها في عام 1949 والتي كان يتنبأ من خلالها بمصير العالم الذي ستحكمه قوى كبيرة تتقاسم مساحته وسكانه ولا توفر أحلامهم وطموحاتهم بل تحولهم إلى مجرد أرقام في جمهوريات الأخ الأكبر الذي يراقب كل شيء ويعرف كل شيء، حيث يمثل حكمه الحكم الشمولي.
   رواية مزرعة الحيوانات أو حقل الحيوان: من تأليف جورج أورويل التي كتبها في عام 1945 وفيها تنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتي.


313
هل حقا يستحقون اصواتنا؟

كفاح محمود كريم

      لقد كان ثمن اصوات الناخبين ايام الدكتاتوريات لا يعني اكثر من وريقات صفراء مسلوبة الإرادة، يتم دحسها في صناديق مغفلة يراقبها موظفون حكوميون وامنيون مكلفون برصد من يخرج عن خارطة الطريق المعدة لكل الناخبين من أبناء الشعب والأمة لانتخاب القائد أو التابعين له من المناضلين و ( المستقلين ) الأشاوس، وربما لا تعني ايضا في نهائيات اللعبة إلا تمثيليات إعلامية يتسلى بها الحزب القائد والرئيس الضرورة وملحقاته من المناضلين التابعين واجهزة الاعلام المختلفة ومنظمات الجامعة العربية التي عاهدت الله على تزكية كل الانتخابات والاستفتاءات لدى اعضائها يسارا ويمينا، ودائما أختام التزكية الخضراء التي تصف الانتخابات بالنزيهة والعادلة والمنصفة جدا حاضرة مع مندوبيها أينما حلوا أو ارتحلوا!

      ومن ذلك أدرك المواطن الناخب أن ذهابه الى صناديق الاقتراع من عدمه لا يؤثر إطلاقا على نتائج الانتخابات بل يؤثر على أمنه الشخصي ورزق عياله ومستقبلهم مع النظام، ولذلك كنا نشاهد طوابير طويلة وفي غاية النظام أمام عدسات التلفزيون والمراقبين الدوليين المدعوين من قبل ( أمانة سر القطر ووزارة الإعلام المؤدلجة ) يرافقهم الرفاق في مكتب المنظمات الشعبية ( المخابرات ) من حي الى آخر ومن قرية الى مدينة ليشهدوا عظمة الديمقراطية في ( عهد الحزب والرئيس القائد )، وخاصة اولئك المراقبين الدوليين القادمين من كوبا وكوريا الشمالية وسريلانكا وبنغلاديش وجيبوتي؟

     وخلال هذه العقود الطويلة من الإرهاب والاستبداد والاستكانة وتغييب الآخر وتحريم الرأي وتسطيح عقول الأهالي ( وخصوصا لدى الشرائح الأوسع من السكان في الأرياف والأحياء الفقيرة ) وسلب إراداتهم وسحق أي مقاومة تذكر، تفشت الاتكالية واللامبالاة وعدم الشعور بالمسؤولية وانحلال مفهوم المواطنة وتقزيمه في قرية او عشيرة او بيت من البيوتات، حتى اصبح الوطن لا يعني اكثر من تلك الحدود الضيقة التي لا تتجاوز القرية او المحلة، وقد اثبتت الأحداث بعد انحلال الدولة ومؤسساتها وهروب ( الرئيس القائد العام ) والحكومة في نيسان 2003م، تداعي كثير من تلك المفاهيم والشعارات الكاذبة التي كان يطبل ويزمر لها النظام طيلة ما يقرب من اربعين عاما عجاف، حتى تحولت قطاعات واسعة من الأهالي في غضون ساعات الى مجاميع من السراق والسلابة، ينهبون ويسلبون اموال الدولة ونفائسها حتى يخرج عليهم صدام حسين في واحدة من خطبه المرسلة من أعماق تلك الحفرة المعروفة، فيحل لهم كل ما سرقوه ونهبوه من أموال الدولة ومخازنها، ولكي يتحول الكثير منهم بعد اقل من سنتين الى حيتان كبيرة ليس في المال والسحت الحرام فقط بل حتى في السياسة ومؤسسات الدولة الجديدة التي استطاعوا اختراقها عبر القطار الأمريكي ثانية.
 
      واليوم وبعد ما يزيد على نصف قرن من الانظمة الدكتاتورية المتتالية التي انتجت العديد من الحروب المدمرة، وعشرات الألاعيب السياسية التي تمخضت عن إنتاج مجالس مشوهة وعرجاء تحتلها أفواج من المنافقين والسراق والمنتفعين وهزازي الرأس والاكتاف، يتوجه الناخبون العراقيون للمرة الثانية خلال خمس سنوات لانتخاب ممثليهم الى مجلس النواب الذي شاهدنا فعالياته وسلوكيات اعضائه ومجموعة القوانين والتعديلات التي انجزها خلال دورته مقارنة مع ما حصل عليه اولئك الأعضاء، الذين حشرتهم القوائم المغلقة وساقتهم الى مقاعد لا يفقه معظمهم معناها إلا من خلال تلك الامتيازات التي كادت أن تمسخ انسانية اغلبيتهم، بل تسببت في دفع افواج اخرى من المعاقين وطنيا واجتماعيا وفكريا وثقافيا من أبطال الحواسم التي أعقبت سقوط النظام، للتهافت الى تلك المقاعد طلبا للماء والكلأ ولكن هذه المرة تحت شعارات براقة تتبناها كتل سياسية وتدعمها احزاب وعشائر وشيوخ ساهموا بكل جدارة في كل الدبكات والأهازيج والمناسبات؟
 
     لقد كانت الدورة السابقة رغم كل ما فيها من عيوب ومن اعضاء معاقين افضل مما شهدته البلاد خلال النصف قرن الأخيرة في مجال المؤسسات التشريعية وهي بالتالي بكل سلبياتها وايجابياتها تأتي في التقييم كدورة اولى لبرلمان عراقي منتخب بشكل حقيقي، وان كان الكثير من اعضائه لا يمثلون إلا انفسهم وارادات من رشحهم من القوائم وليس الشعب، وفي هذه الدورة التي يتنافس فيها الآلاف من المرشحين يتبادر الى اذهاننا الكثير من التساؤلات وربما في مقدمتها:

    كم كانت الفائدة المرجوة من الدورة الاولى في انتقاء وتشخيص المرشحين من قبل كتلهم السياسية؟
     وتحت أي اعتبارات تمت عملية الترشيح؟
     وهل حقا إن هؤلاء المرشحين ذاهبين الى حيث القيم العليا ومصالح البلاد والعباد؟
     وهل هم فعلا خير من يمثل الاهالي في تاريخهم وانتمائهم ووطنيتهم وأخلاقياتهم وثقافتهم ومصداقيتهم والمكان الذي سيشغلونه لأجل الوطن والشعب اولا؟

    وأخيرا وليس آخرا يبدو هذا السؤال صعب ومحير ايضا:


       ( هل حقا يستحقون اصواتنا؟ )

هؤلاء المرشحون الى مجلس النواب العراقي؟


سأترك السؤال والإجابة لكل ناخب قبل أن يصل صندوق الاقتراع !



314
التعبير عن الرأي والحد الأخلاقي

كفاح محمود كريم
  
    في مجتمعات ما زالت تحبو باتجاه النموذج المدني والديمقراطي للحياة تواجه عملية التحول الاجتماعي تحديات كبيرة في التعاطي مع مفاهيم النظام الجديد، وأولها مفهوم الحرية الشخصية وإطارها والفضاء الذي تدور فيه وحدودها مع الآخر ومع الحريات العامة، والمحطات التي تلتقي أو تتوقف فيها من خلال التعبير الحر عن الآراء والأفكار ووجهات النظر، سواء في مجال السياسة أو الدين أو المجتمع بما لا يصنع جوا عدائيا متشنجا، ويدعو إلى القبول الطوعي بالآخر بصرف النظر عن درجة الاتفاق أو الاختلاف، ونقل ذلك الاستحقاق القانوني والدستوري إلى ممارسة فعلية في العلاقات الاجتماعية والأوساط السياسية والإعلامية، بما يؤمن وضعا طبيعيا مع الآخر دون مساس أدبي أو أخلاقي من خلال ممارسة حرية التعبير، ويكرس علاقة خلاقة وبناءة في الحياة السياسية والاجتماعية بعيدا عن التشنجات والمواقف السلبية المسبقة.

    لقد خلفت سنوات طويلة من الحكم الدكتاتوري المستبد في معظم بلدان الشرق الأوسط منذ قيام دولها اثر توقيع اتفاقية سايكس بيكو، مجتمعات اعتادت الهروب والسلبية والانكفاء إلى الدهاليز ووراء الأسوار خوفا من بطش تلك الأنظمة الدكتاتورية، وتوجيه النقد همسا أو ايماءً واستخدام اسلوب الدعايات وتناقلها، أو ربما كتابة ذلك النقد وتلك الهواجس على جدران دورات المياه أو على الجدران الخلفية في الزوايا المظلمة ضد رأس النظام أو حزبه، كما كان يحصل هنا في العراق لعشرات السنين أو ربما أكثر في التعبير عن حالات الرفض والشعور بالظلم والإحباط في ظل نظام إرهابي لا يعرف إلا الموت عقابا لمن يخالفه الرأي، وقد استمرت هذه الانماط من النقد والمقاومة السلبية لعقود كثيرة وربما ما زالت هي الوحيدة المستخدمة في بلدان مخنوقة بنظمها الشمولية وحكوماتها البوليسية الجاثمة على انفاس تلك الشعوب.

   وخلال عشرات السنين من تلك الثقافة المغلقة والإقصاء الكلي للآخر أو تصنيع بدائل هزيلة للزينة، تولدت انماط من النقد ظهرت مع فتح اولى بوابات التعبير عن الرأي سواء هنا في العراق بعد سقوط النظام السابق أو مع تأسيس المنابر الثلاثة أيام الرئيس السادات وسياسة الانفتاح، وظهور مئات الصحف والمجلات ووسائل الاعلام الاخرى التي انطلقت بعد سنوات مريرة وعجاف من الكبت والاستبداد، في واحدة من فورات الحرية أن صحت التسمية، ورغم إن البعض ينظر الى هذه الظاهرة كونها تميل اكثر الى الفوضى الاعلامية والعشوائية، إلا ان الآخرين يرونها ظاهرة صحية تأتي بعد مرض مزمن لعشرات السنين أو أكثر وهي الآن في طور النقاهة، وقد تأخذ وقتها حتى تنضج كوسائل اعلامية حرة تحترم الحرية وتقدر حدودها الحضارية.

  إن حرية التعبير لا تعني تجاوز الحدود الاخلاقية المتعارف عليها في أي بلد من البلدان، ولا هي عملية انتقامية من جهة ما أو فرد بذاته وذلك باستخدام صيغ التشهير والتشويه وتضبيب الحقائق او تحريفها لمجرد الاختلاف مع طرف آخر تحت تسمية حرية التعبير أو حرية النقد كما يفعل البعض ظنا منه بممارسة حريته وحقه الشرعي، فالآخر ايضا يمثل وجها آخر للحقيقة التي لا يمكن امتلاكها بشكل مطلق من طرف واحد،  ولذلك فنحن أحوج ما نكون الى إدراك إن الحقائق لا يمكن تكثيفها في طرف واحد من المعادلة الاجتماعية او السياسية او الفكرية، وليس هناك إجماع مطلق على أي حقيقة من الحقائق إلا بشكل نسبي يمثل طبيعة تكوين البشر ومجتمعاتهم، وبالتالي فأن حرية التعبير تكون في غاية الرفعة حينما تحكمها معايير أخلاقية نبيلة تحترم الآخر وتعمل من اجل أن تكون الحقيقة ملك الجميع.

  إن هذه المرحلة من مراحل التحول الاجتماعي والسياسي التي تعيشها بلادنا نحو الديمقراطية تحتاج بشكل مُلح الى مجموعة من القوانين والتشريعات والآليات التي تضع حدودا وتعاريفا لكثير من المفاهيم والمصطلحات السياسية والفكرية والاجتماعية والإعلامية وتنقيتها من الهلامية والضبابية والتشويه الذي لحق بها خلال سنوات الدكتاتورية المقيتة، وتأتي في مقدمة ذلك قوانين الاحزاب والمنظمات واجهزة الاعلام بأشكالها المختلفة والصحافة وأخلاقياتها بما يضمن حقوق الطرفين وواجباتهما تجاه الفرد والأسرة والمجتمع.
      


kmkinfo@gmail.com

315
ثقافة الانقلاب في العراق؟

كفاح محمود كريم


   ترددت قبل عدة أيام شائعات قوية عن انقلاب عسكري في العراق، وانتشرت تلك الشائعات كالنار في الهشيم لا في بغداد العاصمة فحسب بل ربما على مساحة واسعة من البلاد ومدنه وأريافه بما جعل الأهالي يترقبون أحداثا مهمة اقرب ما تكون الى احتمال عودة مؤسسات الماضي القريب وإرهاصاته مثل البيان رقم واحد ومجلس قيادة الثورة وقراراته وأحكام الإعدامات والسجن والملاحقة، وإثر ذلك دارت سيناريوهات مثيرة للدهشة تارة وتارة أخرى للضحك والازدراء، ونسجت ذاكرة الأهالي والمقاهي العديد من الروايات خلال ساعات فقط حول شكل الانقلاب ومن يستهدف وماذا ستكون النتائج والى آخر تلك الايهامات.

  وعودة الى الماضي وعبر أكثر من نصف قرن تكرست ثقافة الانقلابات في العراق الى درجة إن تأخيرا في نشرة الأخبار الرئيسية كانت توحي بوجود انقلاب أو محاولته، ونتذكر جميعا منذ مطلع الستينات من القرن الماضي تلك الدقائق الحرجة التي تسبق ظهور المذيع في نشرة الأخبار الرئيسية سواء على الراديو أو في التلفزيون وقد تأخر عن موعده لأي سبب كان، وقد فعل الخطاب الاعلامي الحماسي والمتشنج فعلته في تكريس تلك الثقافة والهواجس، حيث ترتبط الذاكرة دوما بأحداث صبيحة الرابع عشر من تموز 1958م والانقلاب الأول وبياناته الحماسية وصيحات الله اكبر التي جاءت في سياق نشيد بنفس العنوان، كان يصدح ليل نهار أول أيام الانقلاب، وكاد أن يصبح نشيدا وطنيا لكل الانقلابات التالية، وكأنما قد اتفق المنقلبون جميعا على كلمة السر في انقلابهم على نفس ذلك النشيد.

   لقد ساهمت وسائل الاعلام المرئية والمسموعة في تكريس  واشاعة هذه الثقافة والتوجسات في الذاكرة العراقية عموما، وربما يتذكر الكثير تلك اللغة الاعلامية المستخدمة في مطلع الستينات وما تلاها من عقود، وعلى سبيل المثال وليس الحصر حينما استمرت وسائل الاعلام المرئية والمسموعة تعلن طيلة الصباح عن ان الزعيم سيعلن امرا هاما بعد قليل، ولعدة ساعات بقت الذاكرة العراقية تنسج العديد من السيناريوهات حول الزعيم والثورة واحتمالات الانقلاب الداخلي او الصراعات، المهم يخرج الزعيم على نشرة اخبار الثانية والنصف ليعلن ان الخبراء العراقيين قد نجحوا في استخراج السكر من القصب المنتج محليا!؟

   ورغم إن محاولات الانقلاب الأولى ظهرت بوادرها قبل الرابع عشر  من تموز 58 إلا إن المنقلبون الأوائل كانوا أولئك الذين نجحوا في الوصول الى دفة الحكم واعتقدوا إن إخضاع زملائهم لقسم غليظ أمام الزعيم ومجلس السيادة والشعب سيمنعهم من الخيانة أو الانقلاب، إلا إن ما حصل في صبيحة الثامن من شباط أكد انه ليس هناك أي رادع لطموح  السلطة والمال في غياب آليات توزيع السلطة وتشتيتها ضمن قانون لتداولها سلميا، سواء كان القسم على القرآن الكريم أو بالشرف الشخصي أو التعهد الخطي!، وإن عملية إزاحة الرئيس والجلوس على كرسيه لا تحتاج أكثر من بضعة ملايين من الدولارات وعدة عربات من قطار ذي قاطرة عظمى (!؟) وجنرال عسكري مع مجموعة مغامرة تستطيع اختراق حواجز الحرس الجمهوري والدخول الى مقر القصر الرئاسي أو مكتب الزعيم كما حصل في انقلاب شباط، لعدم وجود أي مؤسسات حاكمة حقيقية إلا شخص الرئيس القائد الذي يعلو على كل شيء في الدولة ويكثف كل السلطات والصلاحيات والأموال في شخصه المفدى دوما، وبالتأكيد من ينجح في الوصول الى غرفة نوم الرئيس أو مكتبه، فقد اختزل كل مؤسسات الحكم والقيادة وأصبح برصاصة واحدة ينهي تلك الحقبة المتمثلة بشخص الرئيس أو الملك الضحية، وما يتصل بهم من وزراء أو جنرالات  أو ملحقين لمؤسسة الرئيس القائد. 

   وهكذا استمر النظام السياسي العراقي بانقلاباته على بعضه حتى أيام الدكتاتور صدام حسين الذي تميز في اختلاق وصناعة ونشر دعايات او فبركات انقلابية للتخلص من معارضيه ومنافسيه كما حصل مع مجموعة عايش- عبدالخالق السامرائي، وبعدها مع اللواء حامد احمد الورد والدكتور راجي التكريتي، وغيرها الكثير من السيناريوهات المعدة مخابراتيا، اضافة الى ما واجهه فعلا من محاولات انقلابية لأزاحته من على ذلك الكرسي الساحر هو وسلفه السابق احمد حسن البكر الذي نجح صدام بإرساله الى العالم الآخر بانقلاب بكائي دموي شهده حزب البعث وقياداته في تلك القاعة التي شهدت إصدار أحكام صدام حسين بإعدام ما يقرب من خمسين مسؤولا بعثيا رفيعا بمحاكمات عجيبة وغريبة لا تخضع لأي قياس قانوني أو أخلاقي، وأتذكر هنا واحدا من اضرف التعليقات على ذلك الانقلاب في تموز 79 من قبل مواطن عادي حينما قال معلقا:
  أنهم ( أي البعثيون ) إن لم يجدوا أحدا ينقلبون عليه فإنهم ينقلبون على أنفسهم!؟

    لقد كانت اولى دعائم أي انقلاب ومبررات نجاحه وانتصار المنقلبين هو عدم تعدد الأهداف والمواقع ومراكز القرار، بمعنى أن نجاح الانقلاب مرهون بتكثيف السلطات عموما بشخص الرئيس أو هيئة محددة على شاكلة مجلس قيادة الثورة مثلا، وهكذا ترى أن أي محاولة انقلاب كان يكتب لها النجاح بمجرد السيطرة على قصر الرئاسة او محاصرة الرئيس واعتقاله او قتله، اما اليوم وبعد تلك التجربة المريرة من تاريخ الانقلابات والتبادل الدموي للسلطة، فقد تغيرت الامور والياتها بما لا يمكن فسح مجال لأي مغامرة مهما كانت للوصول الى السلطة وحكم البلاد من خلال البيان رقم واحد او مجلس قيادة الثورة؟


    فلم تعد هناك سلطة واحدة مكثفة بشخص اوحد مطلق الصلاحيات او هيئة من ثلة من الرجال تقود مقدرات البلاد وسلطاته وتعطل القانون والقضاء لمجرد محاصرتهم للقصر الجمهوري او وزارة الدفاع او ما الى ذلك، لقد تم فصل السلطات الثلاث عن بعضها تماما، ولم يعد لدينا رئيسا اوحدا مطلق الحكم والقرار، ولا حكومة تتمتع بالسلطة المطلقة دونما رقيب او حسيب، كما لم يعد هناك رئيسا يتمتع بصلاحيات قاض او محكمة ليعطل مهام السلطة القضائية ويمارس دورها، والاهم من ذلك كله لم يعد الجيش تلك المؤسسة البوليسية المرعبة باسلحتها وامكانياتها التي تستخدم ضد الاهالي والمعارضين كما كان يحصل طيلة العقود الماضية من انقلابات أو حروب يشنها على السكان في المدن والاهوار والجبال.

  ان توزيع وتوسيع صلاحيات الاقاليم والمحافظات ونشر مراكز القرار على مساحة البلاد ومكوناتها ومؤسساتها المنتخبة ضمن نهج ديمقراطي فدرالي متعدد هو درع البلاد وحصانتها ضد تلك الثقافة الانقلابية وسلوكياتها التي أضاعت فرصا كثيرة للتطور والازدهار وحملت البلاد والعباد خسائر فادحة في الاموال والارواح.   

316

   

نحو فضائية كوردية ناطقة بالعربية

 
كفاح محمود كريم


    تعتبر قناة فضائية كوردستان الأولى بين الفضائيات العراقية والكوردية من حيث التأسيس، والتي انطلقت الى فضاءات العالم في السابع عشر من كانون ثاني 1999م لكي تحمل بين طيات برامجها الخطاب الوطني والقومي الموجه للداخل والخارج والمتحرر من سيطرة الدكتاتورية وأجهزتها الإعلامية الشمولية وفي إطار التجربة الديمقراطية التي تمارسها القوى السياسية في كوردستان، إذ أنها تصنف كونها الصوت العراقي ( المتلفز ) الأول الخارج من على ارض الوطن أيام الدكتاتورية المقيتة لتنقل بالصورة والصوت ما يحصل في هذا الجزء المتحرر من البلاد، حيث نجح الفنيون والإعلاميون الكورد وأصدقائهم في اختراق ذلك الحصار المزدوج للإقليم الناشئ واستطاعوا استكمال إنشائهم لتلك القناة التي جاءت تحديا لذلك الحصار الاممي والإقليمي لتجربة الإقليم في الاستقلال الذاتي عن هيمنة المركز وطغيانه وعقليته الشمولية والشوفينية.

    كانت البداية محطات محلية تبث برامجها في معظم مدن الإقليم المتحرر بإمكانيات متواضعة جدا ومحاصرة بشدة من قبل الأمم المتحدة ودول الجوار ( 1991م- 2003م )، حيث عمل الفنيون الكوردستانيون على توظيف واستثمار ما في أيديهم من أجهزة وتحويرات لأخرى من اجل إنتاج وسائل للبث الصوري والصوتي خلال تلك الفترة العصيبة من تاريخ الإعلام الكوردي، وفعلا نجحت تلك الكوادر الخلاقة في تغطية فضاءات كثير من المدن في الإقليم بالبث التلفزيوني والإذاعي، وفي مقدمة تلك المحطات الشهيرة كانت قناة تلفزيون  Ktvالمحلية ومؤسسة كولان الإعلامية والثقافية التي كانت تمتلك محطة تلفزيونية محلية والعديد من وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة الأخرى.

    لقد عمل الكادر الفني المتخصص والإعلاميون في محطة Ktv بالتعاون مع كوادر بقية المحطات بمثابرة عالية وإصرار كبير رغم الصعوبات وأحيانا استحالة الاستيراد وبالتعاون مع الكوادر العاملة خارج الإقليم والعراق وبالذات العاملين في أوربا، بالانتقال الى الفضاء الخارجي ومن خلاله الى العالم اجمع في واحدة من أروع صفحات الإعلام الكوردستاني وكوادره التي كانت تعمل لأشهر طوال دونما رواتب أو مخصصات مالية بل كانت تغطي كثير من النفقات من أموالها الخاصة، وفي ظروف معاشية غاية في الصعوبة بسبب الحصار المزدوج من قبل الأمم المتحدة والنظام العراقي الذي كان يمنع حتى رغيف الخبز من العبور الى الإقليم.
   
    وخلال عدة سنوات نجحت هذه الفضائية في الانتشار الأفقي الكبير على كافة أجزاء كوردستان ولتتحول الى مرجع إعلامي وثقافي وخبري لشعب كوردستان في كل مكان، بل أنها أصبحت خلال السنوات من 99 ولغاية 2003م الوسيلة الإعلامية الأولى وربما الوحيدة للشعب العراقي خارج مؤسسة الإعلام الشمولي للنظام السابق ومن على الأرض العراقية، إذ أنها لم تقتصر على الخطاب الكوردي فقط بل كانت منفذا لكل القوى الوطنية العراقية المناهضة للنظام لينطلق منها الصوت العراقي بكل أطيافه ومكوناته وفعالياته السياسية، وشهدت تلك السنوات وما تلاها بعد سقوط النظام فسحات كبيرة في تأثيرها وإيقاعها المؤثر رغم مساحاتها الضيقة زمنيا، والتي كانت تتوجه الى الرأي العام العربي والتركماني والكلدو آشوري من خلال نشرات للأخبار وبالذات ما يتعلق بالشأن العراقي ونشاطات المعارضة والمقاومة الوطنية العراقية قبل سقوط النظام، ومجموعة التقارير والبرامج التي كانت تعد وتوجه للعراقيين والعرب خارج الإقليم.

     لم تكن برامج وتوجهات فضائية كوردستان خلال تلك السنوات محصورة بزاوية محددة بل كانت تعبر عن نبض الشارع العراقي والكوردستاني عموما، وتمثل في برامجها المخصصة لكل مكونات العراق وأطيافه من عرب وتركمان وكلدان وآشوريين وسريان، جبهة إعلامية وطنية غايتها دمقرطة العراق وتكريس التعايش السلمي والخصوصية لكل مكون على خلفية الاتحاد العراقي والأسس الوطنية والمصالح العليا التي تجتمع عندها كل هذه المكونات على حد سواء من خلال برامج موجهة للشارع الكوردي والعراقي والعربي.

     وقد نجحت الفضائية في تكريس قيم إعلامية عليا في المهنية والابتعاد عن التشنجات والانفعالات التي تترك آثارها السيئة على المتلقي، فقد كانت وما زالت شاشتها تتميز وتنفرد في نظافتها من أي مشاهد للعنف والقتل، بل انه من ممنوعات الشاشة قدر الإمكان ظهور حتى بقع الدماء أو جثث القتلى إلا عن بعدٍ يمنع ظهور التفاصيل، في ممارسة خلاقة للحفاظ على توازن رفيع من المشاعر الإنسانية النبيلة دون تخديشها أو جرحها، بما يجعل الشاشة والخطاب الإعلامي مانعا للتحريض على العنف بأي شكل من الأشكال.

    وبعد سنوات من البث العام الذي كان يشمل مختلف البرامج الترفيهية والغنائية وأعمال الدراما والأفلام، تحولت الفضائية تدريجيا الى القناة الإخبارية الأولى في الإقليم مع إطلالة عام 2008م، لكي تتخصص إخباريا وثقافيا ووثائقيا مع وجود وانتشار العديد من القنوات التي تبث البرامج الترفيهية والفنية، بما يلبي رغبة المتلقي ويشبع حاجاته وتطلعاته في وجود قنوات متخصصة وعامة في الإقليم، خصوصا وان القناة أخذت مساحة مهمة من مشاهدات الأهالي والمغتربين ومعظم النخب السياسية والاجتماعية في الداخل والخارج، وعودتهم اليها دوما في التعرف والاطلاع على مواقف وأخبار الإقليم والخطاب الكوردي الموجه للرأي العام العربي والعالمي، من خلال فترات موجهة بالعربية والتركمانية والسريانية والانكليزية، سواء بنشرات الأخبار أو من خلال مجموعة البرامج السياسية الحوارية التي تعكس حواراتها جزءً مهما من تساؤلات الشارع الكوردي ونظرته الى المشاكل والموضوعات العالقة بين بغداد والإقليم، حيث انطلق برنامج ( لنتحاور ) في ايلول 2004م ليكون نافذة على الرأي العام العربي، بلغة حوارية رصينة تعمل من اجل تقريب وجهات النظر في معظم العقد الخلافية بين بغداد واربيل بما يكرس الثوابت الاساسية في الخيار الديمقراطي التعددي الفيدرالي، وخلال خمس سنوات وأكثر من 250 حلقة اسبوعيا، استطاع البرنامج أن يترك بصمات واضحة في الساحة الإعلامية المحلية والعربية، ويعنون له إطارا متميزا ضمن برامج الحوار التلفزيوني، ويجمع حوله الكثير من النخب السياسية والاجتماعية العربية في العراق وخارجه، ويكون قناة التواصل والاتصال بين المغتربين الكوردستانيين والعراقيين وبين الإقليم خاصة والعراق بشكل عام.

     ورغم هذا النجاح الذي يدركه المراقبون وكثير من المختصين الإعلاميين والسياسيين، إلا انه لا يفي بالغرض ولا يمكن أن يكون بديلا لقناة كوردية ناطقة بالعربية، بل منفذا وبداية لتأسيس قناة ثانية في فضائية كوردستان ناطقة بالعربية، وهو مجال مقترحنا اليوم وبعد سنوات طويلة من العمل الإعلامي الموجه للرأي العام غير الكوردي وبالذات الى الرأي العام العربي في العراق وخارجه.

    لقد كانت هناك محاولات لانجاز مثل هذه القناة إلا إنها لم تنجح في أن تكون قناة كوردستان ناطقة بالعربية، ولا يمكن تسميتها قناة كوردية ناطقة بالعربية، لأننا أحوج ما نكون الى وسيلة إعلامية كوردية ناطقة بالعربية ومدركة لرسالتها وهي تحمل الخطاب الكوردي ونبض الشارع الكوردستاني، لتنقله الى العالم العربي على مستوى النخب أو العامة من الأهالي بما يوضح مواقف الإدارة والشعب هنا في الإقليم، ومن خلال ذلك القضية الكوردية عموما وتاريخ هذا الشعب وكفاحه المرير من اجل الحرية والديمقراطية والتحرر.   

   وعليه فان انجاز برنامج ثانٍ في فضائية كوردستان ( KTv2 ) أي قناة ثانية للبث العربي من القناة الرئيسية مع توفر كثير من الإمكانيات البشرية والفنية والبرامجية الآن في القناة الرئيسية، سيكون بداية لتأسيس قناة أو فضائية كوردستانية ناطقة بالعربية تتبعها قنوات متخصصة اخرى باللغات الانكليزية والتركية والفارسية، سواء بقت مرتبطة كشبكة واسعة ومتكاملة ضمن فضائية كوردستان، على غرار مجموعات الـ MBC  او الـ BBC و CNN وغيرها، او تحولت الى قناة فضائية مستقلة بذاتها.

   إن إيقاف البرامج الناطقة بالعربية في فضائيتي كوردستان وزاكروس على خلفية عدم الجدوى لكونها تأتي ضمن قنوات تبث برامجها بالكوردية على مدار الساعة، يحتاج الى بديل كبير ومدروس يكون بمستوى طموح جمهورنا واعلاميينا واصدقائنا في العالم العربي والرأي العام في العراق والشرق الأوسط، ويكون نافذة نطل منها الى هذا العالم وقناة اتصال لجالياتنا الكوردستانية والعراقية والعربية في اوربا وامريكا وبقية دول المهجر.


kmkinfo@gmail.com
     


317
من اجل برلمان خال من المشبوهين؟

كفاح محمود كريم

   كشفت محاولة إقصاء مجموعة من المشبوهين بانتمائهم أو ارتباطهم بحزب البعث، الذي حكم العراق طيلة ما يقرب من أربعين عاما وتورط في عمليات إبادة جماعية للسكان في شمال البلاد وجنوبها، وتسبب في تدمير شامل للبنية التحتية لواحدة من أغنى وأثرى بلدان العالم قاطبة، كشفت تورط الكثير من المسؤولين العراقيين من الخط الأول في التغطية على هؤلاء المشبوهين وإيصالهم الى دفة الحكم في السلطات الثلاث، ومن ضمنهم السيد صالح المطلك الذي لم ينف انتمائه أو ارتباطه أو تضامنه مع البعث ومجمل سياسات النظام السابق، والذي يشغل موقعه في مجلس النواب الذي يفترض على خلفية قانون الاجتثاث وتعديلاته ومواد الدستور الدائم أن لا يكون تحت قبة البرلمان أي شخص تفوح منه رائحة البعث، فكيف كان المطلك رئيسا لكتلة مهمة في البرلمان وكيف كان ظافر العاني ( الشهير بجوابه لمراسل العربية قبل سقوط النظام عن عدد الصواريخ العراقية المتبقية حيث قال: لدينا سبعة وعشرين مليون صاروخ، ويقصد كافة المواطنين العراقيين والمعنى واضح جدا ) والآخر الذي يتفاخر بانتمائه للبعث أمام مجلس النواب وعشرات آخرين من أمثالهم ومن الحاقدين على العراق الجديد واهم ثوابته وأساسياته في الديمقراطية والفيدرالية طيلة السنوات الخمس الماضية؟

   والمثير في عملية الإقصاء أنها تزداد وتكبر مثل كرة الثلج حيث من المتوقع أن يصل العدد الى مئات من المسؤولين والموظفين الكبار والعسكريين والأمنيين في وزارتي الداخلية والدفاع، في واحدة من أهم عمليات التطهير والاعتقال التي أطلق عليها الشارع العراقي بالانقلاب على خلفية ما جرى قبل عدة أيام من منع للتجوال وانتشار واسع للقوات المسلحة بشقيها العسكري والأمني في مناطق معروفة بولائها لحزب البعث ومجموعة إياد علاوي والمطلك، والغريب إن مفهوم الانقلاب كان يستخدم دوما حينما تنقلب ثلة من المغامرين العسكريين في جنح الظلام لتستحوذ على السلطة والمال كما فعلها البعثيون مرتين في 63 و 68، بينما هذه المرة تم توظيف المفهوم الانقلابي بشكل مغاير تماما حيث تنقلب السلطة على بعض من أجزائها وموظفيها!؟

   وفي كلتا الحالتين أو الصراعين هناك خلل واضح في طبيعة الصراع الاجتماعي والسياسي في العراق بين مجاميع من الحركات والأحزاب والكتل السياسية في ما بينها ومع تشكيلات ترتبط بالماضي ومحاولة إعادته أو تصنيعه من جديد باستخدام آليات ووسائل واعتمادات، لشرعنة نشاط وفعل كل طرف من الأطراف في قوانين الاجتثاث والدستور تارة وشرعية المقاومة والاحتلال لإباحة العنف والإرهاب تارة أخرى، وبين هذا وذاك يتم صهر وإذابة الأهالي في بودقة العنف والعنف المضاد وما يلحقه من فاقة وبطالة وانحسار في الخدمات الأساسية وتقهقر في المستوى المعاشي والحضاري.

   ويبدو إن عمليات الاجتثاث والإقصاء لم تشمل كل البعثيين بل حصدت مجموعة بعينها يصفها البعض بالجناح العلماني في حزب البعث والتي كانت ابعد مسافة عن صدام حسين مقارنة مع المجاميع الأخرى التي توصف هي الأخرى بالتشدد والشوفينية القومية والتطرف المذهبي وتتوافق مع أجندات داخلية للحكومة أو خارجية قريبة، وقد استبعدت من عمليات الاجتثاث والإقصاء، بل نالت كثير من الدعم والتأييد في انتخابات مجالس المحافظات في العام الماضي، كما حصل في الموصل وكركوك وديالى.

   إن المراقب لعمليات الاجتثاث والإبعاد يخرج بحصيلة غير ايجابية لما يحصل فالعملية في مجملها تخضع لمزاجات ومحسوبيات الكتل والأحزاب الرئيسية التي تقصي من تريد وتبقي من تستفيد منه ومرور سريع على المشهد الرقمي عشية التاسع من نيسان على حجم الهيكل التنظيمي لحزب السلطة في العراق نرى جدولا يثير الرعب لأول وهلة ولكنه يبدو أكثر سهولة بعد التحقق من طبيعة معظم المنتمين الى صفوف ذلك الحزب، فقد ضم في صفوفه ما يقرب من ( 1200000 ) مليون ومائتي ألف عضو أي رفيق حزبي، يقابلهم ما يقترب من ( 32000 ) اثنين وثلاثين ألف عضو قيادة فرقة، يقودهم ( 6000 ) ستة آلاف عضو شعبة تقريبا، يخضعون لقيادة ما يقارب من ( 250 ) مائتين وخمسين عضو قيادة فرع في كافة محافظات العراق، ومع أعضاء القيادتين القطرية والقومية ومكاتبهما الرئيسية ( الإعلام والمهني والمنظمات والعسكري ) يصبح حجم هيكلهم اقرب الى ( 1240000 ) يتبعهم ما لا يقل عن ضعفهم من المؤيدين والأنصار وبحجمهم من المرتزقة والانتهازيين فيكون الرقم فعلا مثير للخوف والتوجس وأنت تفكر في اجتثاثه أو إلغائه بالكامل؟

   إلا أن الحقيقة بعيدة كل البعد عن تلك الأرقام المثبتة على جداول وسجلات المسؤولين سابقا وحاليا عن الحجم التنظيمي لحزب البعث وحتى في تعريف البعثي نفسه، فالعراقيون يدركون كيف كان النظام يزج الناس في حزبه ويضطر أفواجا آخرين بالانتماء الى تنظيماته طلبا للماء والهواء والغذاء والتعيين، وليس كل من انتمى الى ذلك الحزب أصبح مجرما أو خارجا عن القانون لمجرد انه كان بعثيا حتى من أولئك الذين تقدموا في سلم المسؤوليات بحكم تراكم الزمن أو الموقع الإداري، وربما قادت هذه المعطيات والاستنتاجات الكثير من زعماء الأحزاب والحركات السياسية الفاعلة بعد السقوط الى السماح لبعض من قيادات البعث والمتعاونين معه الى الاشتراك في العملية السياسية وخصوصا إن الأمريكان يفضلون بعثا علمانيا مدجنا على الكثير من المتطرفين الآخرين (!).

   وهكذا تأتي عمليات الاجتثاث بعد ما يقرب من سبع سنوات حركة سياسية متأخرة جدا لا يمكن تعريفها في أحسن الأحوال إلا كونها تصفية لحسابات انتخابية ربما لا علاقة لها بموضوع البعث الذي يفترض إن معظم قياداته انتهت إما الى السجن أو الإعدام أو الهروب والتورط في تعاملات مأجورة مع دول الجوار، وتشتت الآخرون الى أحزاب وفرق متناحرة تقتاد على بقايا أموال هُربت وسرقت من المال العام قبل سقوط بغداد، وما تبقى منهم أولئك الذين تم إيصالهم الى مجلس النواب أو الحكومة بواسطة القطار الأمريكي أو بعض عربات الأحزاب السياسية الرئيسية، والأكثرية لا علاقة لهم بأي شيء يذكر لأنهم أساسا كانوا متورطين في الانتماء لحزب السلطة كما ذكرنا إما لتعيين أو دراسة عليا أو قبول في جامعة أو ما الى ذلك.
  
   ومن هنا تبرز أسئلة أكثر جدية أو ربما أكثر مرارة حول طبيعة المرشحين الى مجلس النواب وهل إن الشبهة والإقصاء يبقى محصورا فقط بالانتماء الى الحقبة السوداء وحزبها ومؤسساتها بصرف النظر عن الأمور الأخرى؟

   وهل سيأخذون بنظر الاعتبار النزاهة المالية والمصداقية في التعامل والطهارة الاجتماعية ومدى صلاحية المرشح وطنيا وأخلاقيا؟
   أم إن هذه الأمور مجرد ذنوب بسيطة أو شطحات لا تأثير لها على مستقبل البلاد وسمعة مؤسساتها البرلمانية والتنفيذية؟

  وأخيرا إذا كانت كثير من مفاصل الدولة تعج بالمشبوهين سياسيا وماليا وتأهيليا واجتماعيا وأمنيا، فانه من الكارثة والمأساة والإحباط  أن يكون مرجعنا في الحكم والتشريع مرتعا لمجموعات من أولئك المشبوهين والمرتشين بعد أكثر من ست سنوات من التجربة والممارسة.

فلنعمل جميعا من اجل برلمان خالٍ من المشبوهين؟  



kmkinfo@gmail.com    

318
العراق بين المواطنة والديمقراطية؟

كفاح محمود كريم


    في مجتمعاتنا التي تهيمن عليها العقلية القبلية والولاء للعشيرة والشيخ والأغا، ومن ثم الانتماء إلى المنطقة التي تسكن عليها تلك العشيرة قرية كانت أم مدينة دون غيرها إلى درجة اعتبار الآخرين ( أجناب أو أجانب ) كما تطلق عليهم دارجة ومفاهيم العشائر، يصعب إيجاد تعريف أو مفهوم ثابت ومتفق عليه للمواطنة والانتماء إلى وطن تذوب فيه تلك المفاهيم والولاءات بما يعزز انتماءً موحدا لأبناء الوطن الواحد، وتلك أيضا ترتبط بمنظومة من الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية، التي كادت أو تدمر البلاد والعباد بدلا من الاتفاق أو التوافق على صيغة تجتمع عندها كل المكونات، لإيجاد تعريف للوطن الذي يضمها جميعا والدولة التي يفترض أن تتمثل فيها كل هذه الانتماءات والولاءات، بما يعزز قوة الدولة بضمانة المواطنة والحق الشخصي في التميز الديني أو العرقي مع حرية التعبير والرأي في إطار مواطنة تجتمع عندها كل الأطراف.

   وربما حاولت بعض الحكومات التي توالت على حكم البلاد في أول التكوين أو خلال فترة وجيزة من حكم الجمهورية الأولى، إيجاد تعريف مشترك للمواطنة والتأسيس عليه في بناء مفاهيم الوطنية الحقة ومن ثم وضع أسس ديمقراطية تنتقل بالبلاد إلى مراحل أكثر تطورا وازدهارا، إلا أنها اصطدمت بجدار العشائرية والعصبية والمذهبية، وما رافق ذلك من ظهور حركات عنصرية انتهت إلى شوفينية مقيتة أدخلت البلاد في حروب مدمرة، وعرضتها إلى الاحتلال في مطلع 2003م وما رافق ذلك من تدمير شبه كلي لكل مرافق الدولة الحيوية ومؤسساتها السيادية والإنتاجية والتقهقر إلى الوراء بشكل مريع.

    ومما لا شك فيه إن عملية التحول الديمقراطي تحتاج مساحة زمنية ليست قصيرة في كل الأحوال، وبالذات في مجتمعات تعاني من ارتفاع كبير في مستوى الأمية الأبجدية والحضارية، وتسودها ثقافة وسلوك القرية والعلاقات العشائرية التي تطغي حتى على مفهوم المواطنة والولاء، إضافة الى نفوذ مكونات اجتماعية ( بيوتات وأسر ) مرتبطة بنظام العشيرة وشيخها خارج منظومة الدولة والقانون، وتنتج مع ذلك مجموعة من الأعراف والعادات والتقاليد التي تتقاطع تماما مع النهج الديمقراطي والمدني للمجتمعات المتحضرة، وهي قد أدمنت الرأي الواحد والحزب القائد والزعيم الأوحد على خلفية شيخ العشيرة تاريخيا، ولم تغادرها بتطور تاريخي أو ثورة اجتماعية وسياسية، بل جاءت بداية كنتيجة لهزيمة النظام الدكتاتوري في حرب مع دولة عظمى أدت إلى سقوط النظام واحتلال البلاد، وانطلاقة انفجارية عشوائية لتأسيس أحزاب ومنظمات وإصدار المئات من الصحف والمجلات وقنوات التلفزة والإذاعة، بعيدا عن نشوء مفهوم متفق عليه للمواطنة بين مكونات الدولة وطوائفها وتحديد مرجعية للولاء الجمعي بعيدا عن الشخصنة الفردية او الحزبية، بما يربط الكل الى مشترك واحد تحت سقف الاختلاف المتحضر في الرأي والفكر، حيث ولدت معظم هذه الحركات والأحزاب والمطبوعات كرد فعل لإزاحة تلك القيود الشديدة على تأسيسها دون تشريع أو قانون ينظم ويضع ثوابت وطنية ومهنية لأدائها تحت سقف المصالح العليا للبلاد وثوابت الأخلاق الرفيعة للشعب، معتمدة على بقايا قوانين وتشريعات النظام السابق الأحادية النهج والرؤيا.

    إن ما رافق عملية الاحتلال وانهيار النظام وهرب قياداته وفي مقدمتهم رئيسه، من سرقات للمال العام وفي مقدمة ذلك مليارات البنك المركزي  وعمليات السلب والنهب التي تعرضت لها كل ممتلكات الدولة ومخازنها ومؤسساتها، ابتداءً من قصور الرئاسة والوزراء ومقرات الحكومة والحزب، وانتهاءً بالمعسكرات ومخازن الغذاء والأدوية وحتى منظمة الطاقة النووية ومراكزها البحثية ومختبراتها والمتاحف والجامعات والمكتبات العامة، يدلل على نوع الثقافة التي رافقت إعلام وتربية ما يقرب من أربعين عاما للنظام السابق لمفهوم المواطنة والوطنية، والتي تجلت في خطاب رئيس النظام صدام حسين الموجه إلى قيادات وأعضاء حزبه قبل اعتقاله في الحفرة الشهيرة وهو يُحِلُ كل ما تم سلبه ونهبه وسرقته من أموال الدولة من قبلهم قائلا لهم إذا عدنا فهي ملك الدولة وإلا فهي لكم حلالا!؟

    أين مبدأ الحلال والحرام هنا وأي نظام هذا بل أي شريعة غير شريعة الغاب والغزو، وهل كانت تلك الأموال ملكا خاصا بالرئيس أو الشيخ أو أي تسمية كانت؟
    أين الوطن هنا وما هو تعريف المال العام، بل وما هي حدود المواطنة في هكذا فعل وسلوك من أعلى سلطة مطلقة في البلاد طيلة ما يقرب من ثلاثة وعشرين عاما، يفترض إنها رمز الوطنية والحفاظ على المال العام في أحلك الظروف؟
   ترى هل هي بقايا فكرة الغزو القبلي ومبدأ الغنائم والسبايا والعبيد؟ 
   أم هي فعلا ثقافة متجذرة لدى أولئك الذين حكموا البلاد وما زالوا من خلالها يدمرون كل شيء من أجل عودتهم بأي أسلوب كان من منطلق الوطن بدونهم حفنة تراب التي بشر بها قائدهم؟
   إذن هي العشيرة والشيخ والغزو ولا وطن إلا قرية الشيخ ولا ملك إلا ما يملكه وعشيرته ودون ذلك إن استطاع غنيمة ومالا حلالا!؟

 والسؤال الآن بعد كل ذلك:


    أي شكل من أشكال الديمقراطية ستنجح في منح المواطنة تعريفا يرتقي بالبلاد من القرية والعشيرة إلى مفهوم الوطن والشعب؟ 

    وحتى لو عكسنا سؤالنا بهذا الشكل فقلنا:
    أي مواطنة ( إن كان للمواطنة أنواع ) سترسم لنا شكل الديمقراطية المرجوة؟


    الأشهر القادمة كفيلة بالإجابة على تساؤلاتنا!


kmkinfo@gmail.com
 


319
صناعة الأحزاب وحلها؟

 كفاح محمود كريم
 
    إعلان تركيا متمثلة بمحكمتها العليا حل حزب المجتمع الديمقراطي الذي يشغل نوابه 21 مقعدا من أصل 550، وشطب وإلغاء عضوية زعيم الحزب أحمد تورك ونائبه إيسال توغولك وتخيير الأعضاء الباقين بين الاستقالة من الحزب والاستمرار في البرلمان أو تقديم استقالاتهم الإجبارية من مجلس النواب التركي، طبعا ودائما الأسباب الموجبة هي التعاون مع المتمردين أو المخربين الذين يهددون استقلال البلاد؟

    تذكرنا مثل هذه القرارات بما كان يحصل هنا في العراق أيام حكم حزب البعث ورئيسيه البكر وصدام في عملية تصنيع الأحزاب أو حلها، ويبدو إنها سمة مشتركة بين كل الأنظمة الشمولية أو العنصرية في العالم بصرف النظر عن نسبة أو كمية فيتامين الديمقراطية الموجودة في دماء هذه الأنظمة فهناك دوما مضادات قوية لذلك الفيتامين تتواجد في الوقت المناسب لاتخاذ مثل هذه القرارات في الهجوم والإبادة.

    ففي منتصف السبعينات من القرن الماضي وحينما حان موعد استحقاقات بعض من التطبيقات الديمقراطية لتنفيذ اتفاقية 11 آذار لعام 1970م بين الحكومة المركزية في بغداد وقيادة الحركة التحررية الكوردية آنذاك، بدأت الحكومة المركزية وأجهزتها في اختلاق مشاكل وتعقيدات وشراء ذمم كوادر عاملة في الطرف الثاني انتهت بإصدار قانون من طرف واحد لما أطلق عليه في حينه قانون الحكم الذاتي بعد أن نجح في صناعة واستنساخ أحزاب لا تملك حتى أسمائها من خلال عملية اختراق بائسة لبعض المفاصل الهشة في الحركة والحزب بعد عام 1973م.

    ومن خلال تلك العملية سارع إلى تشكيل جبهة لتلك الأحزاب أطلق عليها ( الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ) التي من المفترض أن تضم كل الفعاليات السياسية في تحالف ضد الاستعمار والرجعية والامبريالية كما كانت تثقف أجهزة الإعلام وتدعي الحكومة وحزبها القائد، وسرعان ما اضمحلت تلك الأحزاب ولم يبقَ من جبهة النظام إلا مقرها العام ومعاشات موظفيها وبعض من البروتوكولات مع مجموعة من ما يشابه تلك الجبهة في أوربا الشرقية التي تبخرت هي الأخرى مع أحزابها المستنسخة حينما أصبح الاتحاد السوفييتي مجموعة من الدول المستقلة؟.

     في تركيا كانت الأخبار الواردة منذ فترة ليست بقصيرة تؤشر حراكا باتجاه القضية الكردية هناك وتطورا في الرؤية وبزاوية نظر تختلف إلى حد ما عن تلك الزوايا التي ينظر منها العسكر والجندرمة وملحقاتهم من الأحزاب المصابة بالستكماتزم السياسي التي تدير نافورة الدماء مع الكرد وحزب العمال الكردستاني منذ ما يقرب من ربع قرن، دون تحقيق أي هدف أو نصر عسكري أو سياسي إلا أفواج من القتلى والمعاقين.

     يتمنى الكثير من محبي تركيا والنظام الديمقراطي فيها سواء من كان من مواطنيها أو من أصدقائها أن تزال وتندثر بقايا هذه الثقافة التي لا تليق بدولة تروم اللحاق بمجموعة الدول الأكثر رقيا في العالم بل ولتصبح عضوا في نادي الحضارة والتقدم الاجتماعي والإنساني والاقتصادي، وان الاستمرار بهكذا سلوكيات سيساعد على نمو التطرف ( الفعل ورد الفعل ) مما يؤخر برامجها الاقتصادية والتحديثية، ولعل في درس العراق عبرة كبيرة في ما يتعلق بتعامل الأنظمة منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى سقوط نموذجها البعثي في نيسان 2003م مع الشعب العراقي عموما والكرد بشكل خاص وما آلت إليه تلك السياسة من تدمير للبلاد وقواها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية وما صاحب ذلك من فشل ذريع في كل مناحي الحياة، حيث فشلت كل تلك المحاولات والأساليب في سحق القوى السياسية المعارضة سواء بحلها أو زج أعضائها ومؤيديها في السجون والمعتقلات كما حصل للشيوعيين العراقيين وأعضاء حزب الدعوة والمجلس الأعلى وبقية الوطنيين والديمقراطيين العراقيين، أو كما حصل في جرائم الإبادة الجماعية للسكان في كوردستان العراق في الأنفال سيئة الصيت وحملات الإبادة بالأسلحة الكيماوية وعمليات التقتيل المنظم لكوادر الأحزاب الكردستانية إضافة إلى ترحيل مئات الآلاف من السكان الأصليين من قراهم ومدنهم كما حصل في محافظات الموصل وكركوك وديالى وبغداد.

     كل تلك السياسات التي امتدت لعشرات السنين وراح ضحيتها مئات الآلاف من خيرة أبناء العراق وكوردستان لم تنجح بكل ما استخدم فيها من مليارات الدولارات في المجال الأمني أو العسكري أو الاقتصادي، من أن تنهي قضية الشعب أو تسحق قواه السياسية سواء بالتقتيل أو الاعتقال أو الحل أو استنساخ البدائل الهزيلة، ولذلك نرى إن المسافة بين استانبول والاتحاد الأوربي ستكون أقصر بكثير لو اختصرت القوى الفاعلة في الحكم الطريق إلى حل حضاري للمسألة الكردية كما فعل العراقيون في تجربتهم الرائدة، لا بحل الأحزاب المعارضة وفصل ناشطيها أو شن حملات عسكرية فعلها النظام السابق وغيره ولم تؤد بهم وبالبلاد إلا إلى الدمار وضياع الأمن والسلام.


kmkinfo@gmail.com

320
الأيام السوداء والليالي الملاح؟
 
كفاح محمود كريم


    بعد كل عملية تفجير مروعة يخرج علينا المسؤولين السياسيين والأمنيين مع مدراء مكاتبهم الإعلامية وبالتعاون مع وسائل الإعلام الحكومية وشبه الحكومية وما بينهما، وربما الكثير من الكتاب والمحللين بإطلاق لفظة اليوم الأسود على تلك العملية للإيحاء بأنها مروعة وأن أيامنا كلها ناصعة البياض باستثناء هذه الأيام الموصوفة بالسواد حصريا  والتي يذهب ضحيتها دوما وأبدا الأبرياء من الناس الذين لا ناقة لهم ولا جمل لا بالاحتلال ولا بالتحرير، حتى ولو كانت تلك العملية المروعة في قلب المنطقة الخضراء فهي بقدرة قادر لن تستهدف إلا أولئك البسطاء والأبرياء ممن لا علاقة لهم بالدولة إلا كمواطنين قرر الإرهاب وملحقاته ( المندحسة/ المندسة ) هنا وهناك بين طيات وزارتي الدفاع والداخلية ومجالس المحافظات وإداراتها ومستشاريها، الذين قرروا أن يغتالوا ويبعثروا جسد هذا البريء اشلاءا متناثرة في كل العراق من الموصل حتى تخوم رأس البيشة في أقصى الجنوب.
    والغريب إن هذه الأيام السوداء وبالذات السلسلة التي بدأت بوزارة الخارجية ويوم احدها الأسود ومن ثم كالح السواد الأخير في الثلاثاء الماضي الذي استهدف المالية والمحكمة وما بينهما، تمتاز بليال ملاح يتمتع فيها ( الرفاق ) من الرجال الملثمين و( المجاهدين ) الذين يمرحون في عاصمتنا ليل نهار، وفي موصلنا بمحافظة نينوى التي يحكمونها من داخل عربات القطار المنتشرة في أرجاء المدينة تحت مظلة الديمقراطية ومباركة البعض في بغداد على خلفية عدو عدوك صديقك، ولديهم كما صرح أخيرا رئيس الوزراء الاتحادي نوري المالكي في مجلس النواب أثناء استضافة أو استجواب القادة الأمنيين، مصانع لصناعة العبوات اللاصقة والمؤقتة وما يلحق هذه المصانع من إدارات وعاملين وشؤون أفراد وحراسات وصادرة وواردة عبر حدودنا مع الشقيقة سوريا ومنفذنا التحفة في ربيعة، بل إن معظم المستشارين هناك هم من كبار ضباط الحرس الجمهوري والتصنيع العسكري والاستخبارات العسكرية العامة أيام الرئيس الضرورة، وكما قيل أنهم يفخخون سياراتهم في مآرب الأهداف أو ليس عنها ببعيد من أوكار لا يعرفها إلا الذين حكموا هذه البلاد أربعون عاما ويعرفون أين يختبئ الهاربون من انكشارية الجيش الشعبي ورفاق العقيدة والسلاح من العسس المعروفين بدرايتهم المتميزة بالأزقة والدهاليز والزوايا المظلمة.
    ليس غريبا أن يحدث كل هذا وربما سيحدث الأكثر حدة وبشاعة طالما إنهم يتناحرون في ما بينهم على المال والسلطة و ( يتلكلكون ) لهذا الشيخ أو لتلك العشيرة من أجل مقعد في مجلس النواب أو جيب في قرية أو مدينة لمنافسة فلان أو علان على الجاه والمال والنفوذ بعيدا عن الوطن وجروحه وآهات سكانه، بينما ينهمك أولئك الذين يديرون عجلة الإرهاب وتدمير العراق وفرض الإتاوات في الموصل وبغداد والانبار ومصافي الشمال حيثما يتدفق النفط ومنتجاته والمواد الغذائية وأسطول نقلها لإدامة مصروفات ومرتبات ومصانع العبوات والعاملين في معامل التفخيخ للــ ( المقاومين الأشاوس )، كما أوصاهم رئيسهم ذات يوم غابر، من الدهاليز والزوايا المظلمة والجيوب التي أنشأوها في أجهزة الأمن والدفاع ومجلس النواب ومجالس المحافظات وإداراتها.
  حقيقة إن الأيام السوداء تزداد يوما بعد آخر ليس من خلال ما يتم تنفيذه من عمليات كبيرة للإبادة الجماعية وتدمير مباني الوزارات، بل من خلال عملية الاختراق الكبيرة لأهم أجهزة الدولة والبرلمان من قبل بقايا أو مؤيدي النظام السابق أو الانتهازيين والمنافقين ممن يلعبون على كل  الحبال ورجال الفساد والإفساد الذين يعملون على تعطيل الدستور تارة بالتعديلات وأخرى بالتسويف في تنفيذ مواده وقوانينه الغاية في الأهمية للانتقال بالعراق إلى بر ألامان وتصفية ذلك الموروث الثقيل من عقود الدكتاتورية السوداء.   
kmkinfo@gmail.com

321
العشائر والانتخابات العراقية؟

كفاح محمود كريم

   من الصعوبة بمكان أن يتكهن المرء أو المراقب للإحداث الجارية في عراق يتحول إلى نظام اجتماعي وسياسي يتقاطع مع كل ما ورثه من نظم وتقاليد وأعراف وسلوكيات وثقافة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية على المستويين الفردي والجمعي، شكل ونوع المجلس النيابي القادم على ضوء المعطيات التي تفرزها هذه المرحلة الانتقالية، حيث سيادة العقلية القروية والعشائريات المقيتة والمتخلفة والمغمسة بالمذهبية والمناطقية التي قسمت العراق لا إلى جهاته الأربعة المتعارف عليها بل إلى آلاف القرى ومئات البلدات والمدن وما يتبع ذلك من عشائر وقبائل وشيوخ وأغوات ورؤساء أفخاذ وأرجل وانتماءات وولاءات ومواطني الداخل ومعارضي الخارج والتي لها علاقة بأي شيء إلا العراق ويمكن تعريفها بأي مفهوم إلا مفهوم المواطنة العراقية التي تعلو على أي شيء؟

   فقد أدمنت كثير من هذه المكونات القبلية ومفاصلها الإدارية ( الشيوخ بموديلاتهم الثلاث وبالذات أولئك الذين تمت صناعتهم وتطويرهم في مختبرات دائرة العشائر في ديوان الرئاسة الأسبق- رئاسة صدام حسين ) الإلحاق بالسلطة والحكومة والعمل معها بأي شكل من الأشكال الذي يوفر لها المال والغرائز والوجاهة والحصول على الامتيازات الباطلة على أسس المكانة العشائرية وكمية الخدمات الخاصة التي تقدمها للسلطة في أشكالها الفردية أو الحزبية أو المالية، وقد شهدنا خلال العقود الأربع الماضية دور أولئك الشيوخ والوجهاء ( إلا القلة القليلة منهم ) في مآسي العراق وبالذات في الحروب التي أنتجها النظام على الصعيدين الداخلي والخارجي، فقد كان دور هذه المجاميع دورا شائنا حينما تحولت إلى أفواج من المرتزقة التي أطلق الشعب عليها تسمية ( الجحوش ) في كوردستان العراق وشاركت في عمليات الإبادة الجماعية والسلب والنهب وتخريب المجتمع طيلة ما يقرب من أربعين عاما.

   وفي بقية أجزاء العراق لم يكن دورها اقل من تلك المجاميع في الشمال فقد كانت عيون النظام ومسامعه في مراقبة المعارضين والمقاومين له وساهمت في معظم عمليات التغيير الديموغرافي في محافظات الموصل وكركوك وديالى وتكريت وبغداد وغيرها من مدن العراق، وبينما كان الشعب يتلوى جوعا وفاقة من اثر الحصار بمرتبات لا تتجاوز عشرة دولارات شهريا، كان شيوخ العشائر يتلقون ملايين الدنانير من رأس السلطة في بغداد مقابل تلك الخدمات الخاصة التي كانوا يقدمونها للنظام.

  ولن ينسى العراقيون مواقفهم أيضا عشية سقوط النظام وقيامهم بعمليات الحواسم في النهب والسلب بالاتفاق مع النظام السابق لكل ممتلكات الدولة ومخازنها بما فيها مقتنيات وأثاث القصور الرئاسية في العاصمة بغداد والموصل وتكريت والبصرة إلا من استحى من تاريخه وسمعة أجداده وللأسف كانوا قلة لا تخضع للقياس العام.

  ومنذ تولي الحاكم الأمريكي ولاية العراق بعد هروب رئيسه المشين وانهيار جيشه وتبخره في ساعات انقلبت هذه المجاميع إلى أكثر الحلفاء حنانا وحبا للحاكم الجديد وأكثرها تنسيقا أيضا مع ما يسمى بالمقاومة فهي التي تتغدى على موائد الحاكم الأمريكي وسفيره بينما تفتح أبواب مضايفها وبيوتها لأمراء القاعدة ورفاق الأمس القادمين من دهاليز عواصم دول الجوار ومخابراتها، وهكذا تعمل منذ سقوط النظام السابق وحتى يومنا هذا حيث تضع رجلا في الجنة وأخرى في النار طمعا في الاثنتين كما فعلها احدهم حينما سألوه عن معنى أن يكون احد ولديه مع الإمام علي بن أبي طالب والآخر مع معاوية ابن أبي سفيان فقال: مع الأول لا اخسر نصيبا من الجنة وفي الثاني ابقي على نصيبي من الدنيا!؟ 

    واليوم وقد بدأت عمليات الهرولة العشائرية باتجاه غنائم الانتخابات ومقاعد مجلس النواب المسيلة للعاب التنابلة والانتهازيين من متربصي الفرص ومنتهزيها ومساحي الجوخ  ومدمني السحت الحرام والأموال القادمة دون جهد أو تعب يساويها.

   إنهم مجاميع من بعض شيوخ ورؤساء الأفخاذ الذين تنتجهم الأنظمة الفاسدة عبر التاريخ وليس عبر ديوان رئاسة صدام حسين فقط التي أبدعت في تصنيفهم إلى موديلات أ و ب وج ومستويات أدنى وأعلى حسب ما يستطيع ذلك الشيخ أن يجرجر وراءه أعدادا من المرتزقة على أشكال ما كان يفعله أمراء الأفواج الخفيفة وسرايا أبي فراس الحمداني المعروفة في إقليم كوردستان بــ ( الجحوش ) سيئة السمعة والصيت، التي لم تكن تتوانى عن قتل أو نهب وسلب ذويها من أجل مصالحها وجيوبها لدى النظام.

  والغريب إن معظم القوى السياسية الفاعلة اليوم ما زالت تعتمد تلك المجاميع من الشيوخ الذين أدمنوا منافقة السلطات والتعامل مع كل أشكالها وأنواعها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حيث بدأت مؤتمرات رجال المهمات الخاصة في التدليس وحياكة التوافقات والأحلاف العشائرية لصالح مرشح أو مجموعة مرشحين يتم نقلهم إلى مجلس النواب القادم ولكل ( رأس ) أو ( نفر ) من المرشحين ثمن بلغ حسب ما تناقلته الأخبار في كثير من المحافظات الشمالية ( نينوى، كركوك، ديالى، تكريت ) ما بين ثلاثين  وخمسين ألف دولار، بينما تقول الأخبار القادمة من الشارع الجنوبي والغربي إن السعر يتراوح هناك بين العشرين والثلاثين إلف دولار للمرشح الواحد يتقاضاه الكيان أو الحزب المتنفذ في المنطقة؟


   وإذا ما صدقت مثل هذه الأخبار ( وليس هناك دخان بلا نار ) ستكون ملامح المجلس النيابي القادم واضحة جدا، خصوصا إذا ما عرفنا إن دول الجوار ما زالت مصرة على أن يكون لها ممثلين فاعلين في المجلس القادم؟     

322
قطار الديمقراطية والجيوب المناضلة؟

                                                                          كفاح محمود كريم

   كثيرا ما تحاول بعض القوى اللعب بمفاتيح غاية في الخطورة لأغراض انتخابية أو تجارية تحت مظلات المصالحة الوطنية مع قوى النظام السابق الحزبية أو العسكرية من خلال اتصالات وحوارات حول إمكانية المشاركة في الحكم ودخول العملية السياسية على أنقاض الجرائم التي وصفتها المحكمة الجنائية العراقية بجرائم إبادة الجنس البشري في كل من الاهوار والوسط وإقليم كوردستان.

   ومن يراقب أداء البرلمان العراقي وكيفية تعاطيه مع الإشكاليات السياسية والديموغرافية التي ورثها العراق من النظام السابق ودفاع مجموعة من التكتلات البرلمانية أو الأعضاء عن تلك الإشكاليات واعتبارها واقع حال وأخطاء ممكن تجاوزها، يدرك مدى الاختراق الكبير لقوى حزب البعث والمؤسسات العسكرية والأمنية السابقة للعملية السياسية ومؤسسات العراق الجديد، وبالذات تلك التغييرات التي تم أحداثها في العقود الأربعة السابقة لسقوط حزب البعث ومؤسساته الخاصة على الشكل الديموغرافي لمحافظات نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين.

   إن كل هذا التلكؤ والتسويف وإعاقة الحلول الدستورية والسياسية لكثير من قضايانا المهمة منذ ما يقرب من ست سنوات ما هو إلا نتيجة لتأثيرات تلك القوى وهيمنتها على مفاصل مهمة في الأداء الوطني العراقي بعد سقوط هيكل دولة الدكتاتورية وانتقالها أي تلك الدولة للعمل على شكل طفيليات تعتاش على هشاشة العملية السياسية وضعف كوادرها بل وتعيين كوادر شبه أمية على أسس عشائرية أو عائلية أو محاصصة مذهبية وعرقية مقيتة، إذ لا يعقل إطلاقا أن تكون هذه القوى البديلة للنظام الساقط لا تمتلك كوادر حزبية أو إدارية إلا بمستويات ابتدائية أو متوسطة تقود المجتمع العراقي من الجنوب إلى أقصى الشمال، وتستوطن في مواطن الإشكاليات والعقد الخلافية بين الإقليم والحكومة الاتحادية بل إنها انتشرت في أهم أجهزة الدولة الجديدة وبالذات المؤسسة العسكرية والأمنية مما جعل العراق ساحة مفتوحة للإرهاب الدولي والجريمة المنظمة التي تنفذها مجاميع من عشرات الآلاف من كبار المجرمين الذين أطلق صدام حسين صراحهم قبل سقوطه بفترة وجيزة مقابل الدفاع عن نظامه والعمل مع أجهزته الخاصة في الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية وفدائيو صدام.

   وإذا كان البعث قد استقل القطار الأمريكي في انقلابه عام 1963م حسب اعتراف أمين سر قيادتهم القطرية الأسبق علي صالح السعدي إلا أنهم هذه المرة سيحاولون ركوب قطار الديمقراطية العرجاء في بلاد يعاني أكثر من نصف سكانها من الأمية والفقر والحاجة والخوف والتهجير والفساد والإفساد والخرق والبطالة وسيادة المنافقين والانتهازيين ومصاصي الجيوب والدماء، ويسود فيها حكام لا يفرقون في معظمهم عما كانوا يحكمون العراق طيلة العقود السوداء الماضية في سلوكياتهم ومصداقيتهم، بينما تتكلس وتتكثف في معظم مفاصل المجتمع ثقافة القرية وشيخ العشيرة والأنظمة القبلية المقيتة التي تستنزف الحضارة والتقدم وتعمل على التقهقر والاستكانة بما يعيق تقدم عملية التحديث والانتقال الى المجتمعات المدنية والديمقراطية.

  في مثل هذه الظروف تتجه الأمور إلى انتخابات 2010م لكي تحدث تغييرا نوعيا كما يتصور الكثير من المتفائلين للأحداث المتوقعة بعد انجاز هذه الانتخابات، وربما قراءة أولية للآليات التي استخدمت وطريقة الوصول إلى قانون متفق عليه للانتخابات ونوعية المرشحين وآليات الترشيح لهذا السباق الذي يذكرني بتشبيه احد الشيوعيين السوفييت للديمقراطية الأمريكية بسباق الوصول إلى الهدف وحرية اختيار الوسيلة لذلك السباق يؤكد شكل النتائج ونوعية أولئك الواصلون بأمر الخليفة وأمواله وكمية المصروف من الأوراق الخضراء للجيوب المناضلة. 
 





kmkinfo@gmail.com

323
بين الرئيس ودولة الرئيس؟

                                                                                          كفاح محمود كريم
 
  لم يتعود العراقيون إجمالا على استخدام مصطلحات التفخيم والتعظيم على الطريقة التركية أو الإيرانية في مخاطبة الما فوق واختصروها بمصطلح عسكري معروف في التداول وهو ( سيدي ) وربما على العهد الملكي سادت مفردات البيك والباشا المستوردة من فلكلور الدولة العثمانية.

   وفي كل ذلك كانت هناك ثقافة تصاحب الكثير من العاملين في إدارة البلاد وعلى مختلف المستويات مستمدة من ارث غائر في التاريخ يتكثف دوما في ثقافة وسلوك وتعاطي الحكام من الملوك والرؤساء في مجمل منطقتنا وبالذات بلادنا.
   
    ولم يعد خافيا على الجميع إن الرئيس الأسبق صدام حسين ليس وحده من يستحق أن يحاكم ويعاقب على ما اقترفه بحق الشعب والوطن تحت مختلف التسميات والشعارات، وربما لا أكون متطرفا إذا ما قلت إن ( سيادته ) قد يكون أفضل من كثير من أقرانه أو من ما هم أقل درجة من وظيفته السابقة والذين أنتجهم أو سهل إنتاجهم عبر العقود الأربعة الماضية في إدارة الدولة العراقية.

   وهذا لا يعني إن النموذج أعلاه قد تم إنتاجه وتصنيعه خلال هذه العقود الأربعة، بل يمتد في جذوره إلى قرون عديدة من العقلية والثقافة المغلقة والسلوك الأحادي المكثف بشخص واحد أو عدة أشخاص والذي تسبب في ما آلت إليه مجتمعاتنا حتى هذا اليوم، فلم يك البعثيون وغيرهم ممن أتيحت لهم فرصة الانقلاب والتفرد في الحكم والسلطة أصحاب هذه المدرسة في العنف والإرهاب وإلغاء الآخرين، بل هم نتاج منظومة فكرية وتربوية متراكمة عبر مئات السنين، ربما كانوا مبدعين في ترجمة تلك الأفكار والأهواء إلى الحد الذي لم ينافسهم أحد فيما مضى من الأيام.

     أقول قولي هذا (!) وأنا أراقب نماذج أخرى يفترض أن تكون بديلة لذلك الذي ننزف دما لأجله حتى هذه الأيام، فمنذ سنوات تحقق ما كنا نصبو إليه عبر مئات السنين ( بصرف النظر عن آلية التغيير ومشروعيته ) وكان يفترض أن تكون النماذج البديلة ( في الحد الأدنى ) متناقضة تماما في ما كنا نعاني منه من استئثار للسلطة وتشبث بالمناصب سواء رضي الناس أم لم يرضوه، وتسخير امتيازات السلطة وأبوابها من أجل ذلك الكرسي وصلاحياته وسحره الأخاذ.

     كنا نتوقع جميعا ( ربما حتى ضحايا السقوط ) أن يكون البديل مغايرٌ تماما لما كان أيام ( القائد الضرورة ) و ( الحزب القائد ) وتنتهي والى الأبد مصطلحات ( البيعة ) و ( أنريدك يا صدام أنريدك ) وتسيير عشرات الآلاف من ( الجماهير المناضلة ) في مظاهرات التأييد من البصرة حتى الموصل ( لتأييد القائد ) واستنكار من لا يريد القائد.

     كنا نتوقع جميعا أن ( نخلص ) من القنوات الإعلامية الحكومية التي تمجد الحكومة وتوهم ( الشعب المناضل ) بعظمة القائد ومنجزاته، وأن يتم حل دائرة العشائر في ديوان الرئاسة ووضع حد لشيوخ تلك العشائر من تدخلاتهم في ما لا يعنيهم من أمور السياسة والإدارة إسوة بحل وزارة الإعلام والدفاع والأوقاف!؟

    إذن هي ليست مشكلة ( الرئيس صدام حسين ) بشخصه وحتى بنظامه، بل هي مشكلة سلوك تربوي وأخلاقي وممارسات فعلية لا تتفق مع ( معسول الكلام ) وشعارات الاستهلاك العاطفي والغريزي للجماهير المناضلة بقدر ما هي تعبير عن الأحادية والنرجسية والدكتاتورية وعقلية المؤامرة والاعتقاد بأن كل مخاليق الله إنما خلقت لخدمة الرئيس وأهدافه المقدسة سواء كان هذا الرئيس رئيسا للوزراء أو الجمهورية أو شيخا لعشيرة أو مديرا عاما أو رئيسا لجوقة من الطبالين والحمالين؟.

     حقيقة؛ كانت التوقعات كبيرة بكبر أوجاعنا وعمقها ولكن ما حدث وما ( أخشى أن يحدث ) كان صغيراً لا يتلاءم مع الزلزال الذي وقع في نيسان 2003 وما تبعه من هزات طائفية وعرقية وتدمير شبه تام للبلاد على أيدي الاحتلال سواء كان أمريكيا أو محليا أو إقليميا أو إرهابيا؟.
 
    ربما لم نصب بالإحباط لحد الآن، والخشية في تراكم ( الأخطاء ) وتقزيمها بما لا يتناسب وحجمها مبدئيا، ففي ذلك مؤشر خطير قد يهدد بالعودة إلى الوراء وإضاعة فرصة تاريخية لبقاء كيان كان ذات يوم يسمى العراق سواء بالمذكر ( جمهورية العراق ) أم بالمؤنث ( الجمهورية العراقية )؟.

324
الإعلام وحل النزاعات
     
      كفاح محمود كريم
 
     للإعلام دور بالغ التأثير على اتجاهات الرأي العام ومزاج الأهالي سيكولوجيا كما له نفس الإيقاع على صناعة العُرف الاجتماعي والقبول العام للظواهر أو الممارسات التي تتحول تدريجيا تحت الفعل المركز والمكرر للإعلام إلى شبه حقائق مسلم بها وإن كانت أحيانا كثيرة سلبية في معانيها وقاتمة في ظلالها لاحقا، حيث تأتي معظم تلك التغطية الإعلامية لنوع من الممارسات أو الأفعال أو الأفكار لتهيئة أرضية وأجواء مناسبة لاتخاذ أو إصدار  قرار ما من قبل أي سلطة أو محكمة أو إدارة لتمرير فعل معين أو ممارسة بحد ذاتها أو غرس مفاهيم أو آراء معينة، كما يحصل في معظم أجهزة الإعلام الموجهة في النظم الشمولية، ويبدو ذلك واضح أيضا في القضايا الشائكة والخلافات حتى على مستوى الأفراد أو المجموعات حينما تهيئ الأطراف المتنازعة أرضية إعلامية اجتماعية لكسب المؤيدين لمواقفهم من خلال شن حملات دعائية لا تخلو من المبالغة والدعائية والتشهير بين الأطراف ذات العلاقة.
   وعلى مستوى الحركات السياسية والدول فأن الإعلام يلعب دورا نوعيا في تعقيد النزاعات وتأخير حلها أو العكس في تسهيلها وتسريع حسمها من خلال مجموعات إعلامية على مختلف الأصعدة وأشكال الإعلام المسموع والمرئي والمقروء في حملات موجهة لمساحات واسعة من الأهالي.
   وقد كانت الصورة واضحة جدا لتأثير الإعلام ووسائله على تطور كثير من النزاعات الدولية سلبا وإيجابا وربما النزاع العراقي الإيراني كان يخضع في كثير من صفحاته لتأثير تلك الوسائل الإعلامية التي صورت لسنوات طويلة التنافس والخلاف الإيراني العراقي على إنه عداء فارسي عربي ( عرقي ) أو كما كانت تسميه وما زالت بعض وسائل الإعلام بالعداء الصفوي تارة والمجوسي تارة أخرى ( ديني ) وفي الجانب الإيراني أيضا لم تكن وسائل الإعلام هناك اقل شأنا من مثيلاتها في الجانب العراقي، حيث عمدت هي الأخرى لاتهام الطرف الآخر بالكفر والزندقة.
    وفي النزاع الكويتي العراقي شهدنا نمطا آخرا من الإعلام التهييجي واستجداء مشاعر وتأييد عامة الأهالي من خلال الخطاب الإعلامي للنظام السابق في تصوير الغنى الكويتي بأموال قارون الذي نسف الله الأرض من تحته ( احتلال الكويت ) وان ما حل بالعراق من ويلات وظنك العيش والديون الكبيرة إنما جاءت  نتيجة الحرب العراقية الإيرانية التي أشاع الإعلام في حينها انه من الأسباب الرئيسية لتلك الحرب هي الدفاع عن دول الخليج ومن ضمنها دولة الكويت ( التي كان لها يوم من أيام الحرب وقصف المدن بالصواريخ ) والمتهمة الآن بسرقة النفط العراقي والمطالبة بالديون(!). 
    لقد عانت كثير من الأطراف من سلوك الإعلام أو تأثيراته على شكل النزاع ونهايته ولعل أهم ما واجه الشعوب من تعقيدات هو قيام الإعلام الحكومي الأحادي والمرتبط برأس النظام السياسي حزبا كان أو شخصا بالانفراد في إعطاء وجها واحدا للحقيقة أو الادعاء بامتلاكها مطلقة كما يصورها الرئيس والحزب القائد مع تهميش أو إلغاء الرأي الآخر ومعاداته، مما أدى دوما إلى بعد المسافة بين الطرفين المتنازعين وانفراد احدهما بالسلطة ومن ثم إلغاء الآخر أو استمرار الصراع والحرب كما في القضية العراقية التي تمثل واحدة من أهم القضايا التي لعب فيها الإعلام الموجه داخليا وخارجيا عبر أكثر من أربعة عقود إلى تعقيد كل النزاعات وتحويلها إلى حروب وصراعات حادة كادت أن تدمر البلاد وما جاورها من بلدان بما فيها النزاعات الداخلية سواء مع الآخر المختلف أو مع قضايا مصيرية مثل القضية الكردية والحروب التي أنتجتها تلك الماكنة الإعلامية المحرضة على العنف والإرهاب.
    وخلال عقود طويلة من امتلاك واستخدام الأنظمة الحاكمة لوسائل الإعلام بكل أشكالها المرئية والمسموعة والمقروءة دفعت الشعوب فاتورة ذلك الإعلام الشمولي والتحريضي المزيد من الضحايا وضياع فرص التقدم، وأنتجت نمطا من الإعلام والإعلاميين الذين يمارسون نفس السلوك حتى بعد انتهاء وسقوط النظام الدكتاتوري، حيث فعلت كثير من وسائل الإعلام وفي مقدمتها الفضائيات فعلتها في عدم الاستقرار السياسي ومن ثم إدامة دوامة العنف بين الكيانات السياسية أو استغلال المنظمات الإرهابية لتلك الفجوات الداخلية لاختراق الساحة ومنع أي تقدم باتجاه استقرار الأوضاع والأعمار، إضافة إلى دورها في تعقيد المشاكل الداخلية التي أنتجها النظام السابق وبالذات المناطق التي شهدت تغييرا ديموغرافيا في مكوناتها وخرائطها الجغرافية والإدارية على خلفية عنصرية أو مذهبية كما حصل في كركوك والموصل وديالى وصلاح الدين والرمادي والنجف وكربلاء، واستخدمت أسلوبا دعائيا تهييجيا وغرائزيا ومعلومات مسطحة وحقائق تم توظيفها وتأويلها بشكل غريب كما تم تصوير عودة النازحين من هذه المدن إلى أماكنهم الأصلية بعد سقوط النظام على أنها عملية تغيير ديموغرافي للمنطقة وذلك لتمرير خطاب إعلامي مشوه للحقائق ومثير للتفرقة مثل التأكيد على عراقية كركوك وعروبة الموصل ووحدة أراضي الرمادي وكأن الرسالة الإعلامية المرادة هنا أن كيانا لا علاقة له بالدولة العراقية يعمل على استلاب هذه المدن أو يستقطعها متناسيا الحقائق الدستورية والجغرافية والتاريخية التي تربط كل هذه المدن مع بعضها في كيان واحد هو الدولة العراقية مهما كثرت الأقاليم والمحافظات.
         

325
( الإعلام والتحريض على العنف )

              كفاح محمود كريم

    رغم أن التلفزيون العراقي هو الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط تمتلكه الحكومة، إلا أن الإذاعة المصرية كانت الأوسع انتشارا وريادة في مجال الإعلام وتأثيراته الاجتماعية والسايكولوجية والسياسية على عموم المستمعين والأهالي في معظم دول المحيط العربي وعلى اتجاهات الرأي العام ومزاج الجمهور الواسع ابتداءا من بث حفلات أغاني أم كلثوم ولوعاتها كل آخر خميس من كل شهر وانتهاءا ببرامجها الحماسية والمثيرة التي كانت  تنقل خطابات الرئيس عبدالناصر ثم يعقبها نمط من التعليقات الأكثر حماسية والتي برزت بأسلوبها التهييجي والمبالغ به في حرب حزيران عام 1967م وبالذات في تعليقات طيب الذكر الإعلامي احمد سعيد وانتشار شعار رمي إسرائيل في البحر الذي اعتبره كثير من المراقبين واحدا من أهم أسباب انتصار وقبول إسرائيل عالميا وإعلاميا.

  وفي العراق الذي كان لفترة ليست قصيرة، مستقبل ومتفاعل جيد مع وسائل الإعلام المصرية آنفة الذكر إلا إن بداية ظهور مدرسة إعلامية محرضة ومرعبة كان بعد قيام الجمهورية وانقلاب 8 شباط تحديدا ومن ثم  تعاطي الإعلام العراقي الموجه مع مفردات الحرب وما قبلها في بث مجموعة من البرامج والمشاهد المثيرة، وربما لن ننسى تلك المشاهد البشعة للإعدامات في الميادين والساحات وإبقاء جثث المعدومين معلقة على أعمدة المشانق أو الكهرباء لساعات وأيام، سواء مباشرة أو من خلال شاشات التلفزة التي نقلت تلك المشاهد منذ أحداث الموصل وكركوك وما حصل في  أعوام 63 وما بعدها في 68 وأكملت دورتها الإعلامية على صفحات الجرائد التي نشرت تلك الصور للمعدومين المعلقين على أعمدة المشانق.

   لقد كان برنامج ( صور من المعركة ) واحدا من اخطر تلك البرامج التي كانت تبث يوميا بعد نشرات الأخبار الرئيسة في محطات التلفزة العراقية ابان الحرب مع ايران ولسنوات طويلة وربما كان هناك مثله على الجانب الإيراني، وما كان يعرض فيه من مشاهد  بشعة عن الحرب وضحاياها وأشلاء الجنود وعمليات الدفن الجماعي للضحايا في حفر كبيرة وما إلى ذلك من صور حية من ساحة المعركة بما فيها مشاهد القتل والتدمير التي ترافقها دوما موسيقى صاخبة ومارشات عسكرية وتعليقات حماسية غرائزية تثير نزعة الانتقام وتكرس الكراهية والعنف وتديم تشنجات الحرب وتعقيداتها لتبرر بذلك كل المآسي والويلات.   
 
    لقد اعتمدت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الأنظمة السياسية الدكتاتورية أسلوب الترهيب والرعب لتخويف الأهالي وغرس تلك الصور في أذهانهم إن هم عارضوا أو وقفوا بالضد من حكمهم ولسنوات طويلة  استخدموا وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لتصوير وتوثيق عمليات الإعدام الجماعي في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي وما كان يرافقها من عمليات بتر الأيادي أو الأكف أو قطع الألسن والأذان ووشم الجبين، كأسلوب دعائي وإعلامي لخدمة النظام وإدامة الحرب من خلال إشاعة الرعب والإرهاب لدى الأهالي سواء من كان منهم مدنيا أو عسكريا، حيث يتم عرض تلك الأفلام المصورة عن الإعدامات الجماعية للهاربين والمتخلفين والمعارضين السياسيين وبحضور ذويهم وأمام جمهرة من المسؤولين الحزبيين والعسكريين في إشاعة الخنوع والاستكانة وزرع الخوف والرعب وما يترتب على ذلك من سلوكيات منحرفة ومرضية ظهرت تباعا منذ سقوط النظام وحتى يومنا هذا في ما يجري من دوامة العنف والإرهاب والنهب والسلب وما سمي بالحواسم من عمليات السرقة المنظمة للدولة من قبل النظام السابق ومنتسبيه.

   ولقد بدا واضحا تأثير تلك البرامج وذلك الإعلام الموجه في كثير من الممارسات التي رافقت الحرب سواء في إقليم كوردستان أو في الاهوار أو ما حصل في بعض المدن والبلدات التي تعرض فيها الرئيس أو أي مسؤول رفيع لمحاولة اغتيال وكيف كانت تتعامل القوى الرسمية الحكومية مسلحة أو غير مسلحة مع المدنيين أو حتى مع الأسرى والمسجونين والجرحى بإرهاب وقساوة لا نظير لها بما يؤكد مديات ذلك التأثير البالغ لوسائل الإعلام والبرامج الموجهة إذاعيا أو تلفزيونيا، بما يؤثر قيميا على المستمع والمشاهد حتى يكفي تصريح رسمي لمسؤول ما باتهام سكان أي قرية أو بلدة بالتعامل مع المخربين أي المعارضين كونهم كفارا وخارجين عن الملة لإبادة تلك القرية وقتل كل أفرادها واستباحة أموالهم وممتلكاتهم كما كان يحصل في مداهمة القرى والمدن أبان سبعينات وثمانينات القرن الماضي في كوردستان العراق وتسعيناته في الوسط والجنوب في أسوء عمليات إبادة السكان فيما أطلق عليه بالأنفال وصفحة الغدر والخيانة التي راح ضحيتهما مئات من الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ والتي سبقتها حملة إعلامية مكثفة ضد سكان تلك القرى والاهوار بما يمنح منفذي تلك العمليات مسوغات نفسية وانفعالية وشرعية للإفراط في تنفيذ أوامر النظام دونما اعتراض أو تفكير.

   إن للإعلام دورا مهما في التأثير على مجريات الأحداث وأنماط السلوك واتجاهات الرأي العام سلبا وإيجابا على خلفية ما ذكرناه آنفا، فكما باستطاعته إشاعة الأمن والسلم الاجتماعي والاستقرار النفسي والتآلف الاجتماعي، فانه أيضا وسيلة خطيرة في إشاعة الخوف والقلق ومن ثم التحريض على العنف واستساغة أكثر الصور بشاعة في القتل، كما يحصل في العديد من القنوات التلفزيونية وهي تعرض بدراية أو بغيرها صورا دموية عن ضحايا الحروب أو الانفجارات وعمليات الإرهاب المنظم وصور الذبح والإعدام وما يصاحبها من أفعال وردودها لدى الضحايا والجلادين بما يخلق جوا من القبول أو عدم الامتعاض التدريجي لتلك الأحداث ومن ثم إدامة دوامة العنف والتحريض عليه.

   لقد تم الاتفاق والتوقيع في مناسبات كثيرة على وثائق واتفاقيات تحت مختلف التسميات تحضر استخدام الإعلام وأجهزته لإشاعة ما يحرض على العنف والكراهية أو الانتقام، إلا إننا ما زلنا نحتاج إلى آليات وعهود عملية وتنفيذية في منع وصناعة برامج عنفية أو تحريضية لأي شكل من أشكال العنف والإرهاب وصوره على الشاشة بما في ذلك صور أشلاء الضحايا  والدماء وعمليات القتل أو التعذيب التي يتم بثها في العديد من القنوات المحلية أو الفضائية، بما ينتج ما ذهبنا إليه من قبول أو استساغة تدريجية لتلك الصور من شرائح الأطفال والشباب وما ينتج لاحقا من تطبيقات عملية لتلك المشاهد والصور كأحداث تحت أي من المسميات السياسية أو الدينية مثل ما ظهر من مشاهد تدريبية لأطفال ومراهقين انتحاريين على تلك الخلفية.   

 

326
الإعلام بين حرية التعبير والعدائية

                                                                                              كفاح محمود كريم

  يفرز النظام السياسي والاجتماعي أنماطا من الإعلام الذي يعبر عن منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية والسايكولوجية السائدة في أي دولة أو مجتمع ما في العالم حيث تبرز مدرستان مختلفتان تماما في الأداء الإعلامي مع الرأي الآخر أو في مواجهة تحديات التحول الديمقراطي اجتماعيا وسياسيا حيث يتبلور شكلان في السلوك الإعلامي والتعبير عن الرأي أولهما كون الإعلام أداة من أدوات البناء والتقويم ونقل الحقيقة ومن ثم وسيلة للتعبير عن الرأي والرأي الآخر بما يكرس وحدة المجتمع ويقارب الاختلاف في محطات الثوابت المشتركة والمصالح العليا، وثانيهما الذي يعتمد امتلاك الحقيقة الكاملة والرأي الواحد وما ينتج من ذلك من شمولية وتهميش وإقصاء للآخرين والعداء لكل من يختلف في الرأي والتعبير. 
  ومنذ انتشار وسائل الاتصال السريعة وثورة المعلومات وأدواتها وصولا إلى العولمة التي نعيشها الآن هناك صراع حاد بين التوجهين الإعلاميين وفلسفتيهما في النقد والتعبير عن الرأي، فبينما تصر الأولى على حرية الرأي والتعبير بأسلوب خلاق وموجه معتبرة وسيلة الإعلام واحدة من الآليات المؤثرة في بناء المجتمعات وتحضرها ومراقبة الحاكمين في أداء أعمالهم بما يجعلها الحارس الأمين للأكثرية، نرى الأخرى تمارس أسلوبا سلبيا وعدائيا مع الآخر في التعبير عن الرأي بل وإلغائه لحساب النظام الحاكم، وفي منطقتنا التي تتميز بأنظمتها المغلقة والشمولية سواء في الهيكل السياسي للدولة أو في البناء والتركيب الاجتماعي حيث تنتج أنماطا كثيرة من الإعلام الذي يتحمل كثير مما حصل ويحصل الآن في المجتمع العراقي عبر أجيال كانت تتلقى جرعات إعلامية كرست سلوكيات سلبية وعدائية عنيفة تسببت لعقود طويلة في تهميش الآخر وإلغائه.
    وحينما انزاح النظام السياسي العراقي إثر احتلال البلاد في نيسان 2003م لم يصاحبه تطور بنفس الاتجاه والقوة على المستوى الاجتماعي ونمط التعاطي النقدي البناء، فقد خلفت سنوات طويلة من الحكم الدكتاتوري المستبد في معظم بلدان الشرق الأوسط منذ قيام دولها اثر توقيع اتفاقية سايكس بيكو في مطلع القرن الماضي مجتمعات اعتادت الهروب إلى الدهاليز ووراء الأسوار خوفا من بطش تلك الأنظمة الدكتاتورية وممارسة النقد والتعبير عن الرأي همسا وايماءا، وإذا ما استثنينا الحركات السياسية المعارضة والتي في معظمها أحزابا وحركات تحرر كانت تستخدم النشريات والدوريات وأجهزة الراديو إضافة إلى العمل المسلح في معارضتها لتلك الأنظمة فقد كان الأسلوب الشعبي للتعبير عن الرأي باستخدام أسلوب الدعايات وتناقلها أو ربما كتابة ذلك النقد وتلك الهواجس على جدران دورات المياه أو على الجدران الخلفية في الزوايا المظلمة ضد رأس النظام أو حزبه كما كان يحصل هنا في العراق لعشرات السنين أو ربما أكثر في التعبير عن حالات الرفض والشعور بالظلم والإحباط في ظل نظام إرهابي لا يعرف إلا الموت عقابا لمن يخالفه الرأي، وقد استمرت هذه الأنماط من النقد والمقاومة السلبية لعقود كثيرة وربما ما زالت هي الوحيدة المستخدمة في بلدان مخنوقة بنظمها الشمولية وحكوماتها البوليسية الجاثمة على أنفاس تلك الشعوب، مما ولد نوعا من التعبير عن الرأي تسوده السلبية والعدائية إلى حد كبير حتى مع وجود أي انجازات مهمة للنظام السياسي كما كان في العراق الذي ابتلى منذ تأسيسه بالعديد من الحروب العنصرية والعشوائية والكوارث التي مرت بهذه البلاد التي كانت تسمى بأرض ما بين النهرين أو بلاد الرافدين حيث صراعات الدول والإمبراطوريات ومئات الحروب وملايين الضحايا التي أنتجت سلوكا بكائيا شاكيا حزينا في مجمل تفاصيل حياته حتى أصبحت معظم أغانيه ذات مسحة حزينة باكية شاكية لحد يومنا هذا.
   وفي هذا الصدد يقول الأديب والكاتب عبدالستار نورعلي :
( كلما فتحنا قناة فضائية عراقية على نشرة أخبار أو لقاءات مع الناس نسمع شكاوى من كل شيء، ومن كل حدب وصوب، من الفقير والمسكين والمحتاج إلى المرفه النائم في ريش الحمام والمولدات الكهربائية والمائية الضخام. كما نصغي إلى بكاء مرير يُقطّع القلب ويثير الرثاء! ونشاهد وجوهاً يملأها الحزن والأسى واللوعة، عن صدقٍ أو عن تمثيل، وتتصدّع رؤوسنا باستجداءات مخزيةٍ لا تنتهي، عن حقّ أو عن باطل.
   إنّ بعض هذه الشكاوى والبكاء نابع من معاناة حقيقية، وبعضها ادعاءات لغاية في نفس يعقوب، سياسيةٍ كتشويه سمعة الدولة، أم بحثٍ عن مصلحةٍ ذاتيةٍ كمثل مكرمة مادية من أحد المسؤولين أو أحد المتبرعين من أصحاب السلطة والمال الباحثين عن الأجر والثواب أو اللاهثين خلف الشهرة والظهور بمظهر التقي الورع السخي الكريم المهموم بمعاناة الفقراء والمحتاجين! أو المساعدة من الفضائية المعنية لدعاية خاصة لها مثل معالجة المرضى والمعاقين والمشوهين، وتقديم الهبات المالية بالدولارات الأمريكية، أو الأموال العربية التي تنهال مساعدات، بالتأكيد ليست لوجه الله!
  ومن سمات الفرد العراقي المتأصلة في عمق النفس والتاريخ هو الحزن المرافق حتى في الأغاني التي تمتاز بمسحة الشجى والألم . ولذا حاول البعض تلمس الأسباب الكامنة وراء هذا الحزن والتشكي. )
   وقد بدت الأمور أكثر وضوحا حينما زال النظام السابق اثر حرب مدمرة أدت إلى احتلال العراق وانهيار نظام الدولة الدكتاتورية وظهور عشرات الأحزاب والجمعيات والمنظمات يقابلها المئات من المطبوعات اليومية والأسبوعية ومثلها من وسائل الإعلام المسموعة والمرئية بشكل منفلت يعبر عن كبت كبير تعرض له العراقيون طيلة أكثر من نصف قرن، فلم تك كثير من وسائل التعبير عن الرأي التي انفلتت بشكل عشوائي وفوضوي وبالذات من الحركات التي تأسست بعيد انهيار وسقوط النظام السابق تنطلق وفق أسس وبرامج تربوية أو مهنية متعارف عليها بل كانت في معظمها تعبر عن اراء شخصية أو فئوية ضيقة لا تمت بعملية النقد والبناء بأي صلة لما امتازت به من سلبية وفضائحية ودعائية أكثر من كونها نقدية وبناءة، وهذا ما فعلته معظم وسائل الإعلام العربية في تعاملها السلبي مع القضية العراقية بما خلق جو من التوتر الشعبي في علاقته مع معظم دول المنطقة.
  وإذا ما استثنينا القلة القليلة من وسائل الإعلام الحالية في نهجها الناقد والبناء الذي يعتمد حرية التعبير في حدودها الأخلاقية العليا التي تنشد عملية التقويم والتقوية، فان معظم الوسائل الأخرى تنتهج منهجا دعائيا متشكيا مليئا بالسلبية والعدائية منذ سقوط النظام السابق وحتى يومنا هذا في تناولها للقضية العراقية، حيث التركيز على الجانب السلبي والفئوي الذي ينطلق من منطلقات مناطقية أو طائفية أو شوفينية ويبدو في كثير من صوره امتدادا أو استنساخا لثقافة إعلام النظام السابق، ولعل ابرز ما شاهدناه وسمعناه في كيفية ونوعية الأداء النقدي والتحريضي والعدائي في كثير من أشكاله مع حدثين مهمين جدا:
   أولهما ردود الأفعال بعد حادثة تفجير قبتي الإمامين العسكريين علي الهادي وحسن العسكري في شباط 2006م في مدينة سامراء والتداعيات التي أفرزتها الحملة الإعلامية لوسائل الإعلام العربية والعراقية والتي تسببت في تأليب الرأي العام تارة ضد أتباع المذهب السني وتارة أخرى ضد الشيعة عموما، حتى وصل الأمر إلى التكفير والتحريض على القتل وتدمير المساجد التي تعرضت إلى عمليات نسف وتدمير منظم بعيد الحادث مباشرة، وما تبع ذلك من تقتيل عشوائي لأتباع كلا المذهبين.
 وثانيهما كانت موضوعة كركوك وخارطة الحلول التي وضعها قانون إدارة الدولة المؤقت ومن ثم الدستور الدائم لحل تلك الإشكالية التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من العوائل الكوردية والتركمانية والمسيحية التي هجرت من المدينة وأطرافها منذ استيلاء البعثيين على الحكم في شباط 1963م واستقدام مئات الآلاف من مواطني محافظات جنوبية ووسطى وتوطينهم هناك في بيوت وأملاك وأراضي أولئك المهجرين والمرحلين قسرا مما أنتج مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية على مدى عدة عقود من الزمن أدت إلى تأخير التقدم وتدهور الأوضاع الإنسانية لتلك الآلاف المؤلفة من المرحلين.
  وفي هذه المشكلة لعبت وسائل الإعلام المحلية والعربية دورا سلبيا عدائيا تشويهيا محرضا ضد طرف دون آخر وكان الضحايا مرة أخرى هم من يدفع الثمن نتيجة تلك السياسة الخاطئة في استخدام وسائل الإعلام استخداما عدائيا متشنجا، مما يؤدي إلى نتائج كارثية وهذا ما حصل فعلا في موضوع قبتي الإمامين وما يخشى أن يحصل في الموضوع الثاني إذا ما استمرت وسائل الإعلام الموجهة تحديدا بلعب دور التحريض والسلبية وتشويه الحقائق لإشاعة العدائية بين الناس والعامة منهم بالذات حيث يفعل التحريض العرقي أو الديني والمذهبي فعلته الغرائزية الخطيرة في مجتمعات ما زالت ترضخ للنظام الاجتماعي القروي والقبلي. 
 

327
المصالحة أم المعالجة؟
                                                                                               
                                                                                               كفاح محمود كريم

     في مقال سابق تحدثنا عن تجربة إقليم كوردستان العراق وكيفية تعاطيه مع مخلفات النظام السابق من مؤسسات وميليشيات عسكرية ومئات الآلاف من المرتزقة والوكلاء الذين فضلوا البقاء في الإقليم المحرر بدلا من الهروب إلى مناطق نفوذ النظام سواء بنية حسنة أو بأمل عودة النظام السابق. فقد كانت الأمور في غاية التعقيد عشية انتصار الانتفاضة أمام الإدارة الجديدة في الإقليم قبل إجراء الانتخابات وانبثاق المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية وأول تلك الأمور كيفية التعامل مع هؤلاء الذين أفرزهم النظام وتركهم في الإقليم بعد هروبه وانسحاب إداراته سواء من مرتزقة أو من أعضاء في حزبه ممن اختاروا البقاء كما ذكرنا آنفا.

   حقيقة كانت الأمور تجري باتجاه الانتقام وتصفية الحسابات على خلفية تلك الجرائم التي اقترفها هذا الحزب ومنظماته وأجهزته الخاصة وتاريخهم المعروف في بالدموية والعنف والإرهاب، وقد حصلت فعلا بعض عمليات الانتقام من ذوي الضحايا أثناء الانتفاضة واقتحام أوكار ومقرات البعث وأجهزته ولكن سرعان ما تمت السيطرة عليها وإيقاف تلك العمليات ومنح القضاء فرصته لممارسة صلاحياته القانونية، بل إن الكثير من منتسبي ذلك النظام وأجهزته ممن لم يقترفوا أعمالا إرهابية واضطهادا للسكان تمت حمايتهم من قبل قوات الانتفاضة ونقلهم إلى مناطقهم خارج الإقليم مع ذويهم وما يمتلكون بسلام وأمان.

   إن تجربة الإقليم مع ارث النظام السابق لا تقع في تقديري تحت سقف المصالحة الوطنية بل هي معالجة وطنية لكيفية التخلص من ذلك الإرث ومعالجة تلك البقايا بعيدا عن الانتقام وبأسلوب تربوي أو قضائي   لاستئصال تلك الأورام وتنقية الجسد وتطهيره، ولذلك فان ما حدث في   الإقليم لم يك تصالحا مع تلك القوى أو تفاوضا معها على أي شيء بل إنه عالجها كحالات مرضية تحتاج إلى علاج وإعادة تأهيل لكي تعاود دورة حياتها بشكل طبيعي بعيدا عن سلوكيات وعقلية ذلك النظام وأمراضه وعقده، حيث اشترطت العملية أصلا التخلي كليا عن ذلك النهج واعتباره أثم وعار شخصي واجتماعي وأن العودة إليه تعتبر خيانة عظمى للشعب والوطن ومما شجع على ذلك هي القناعة الشعبية لدى أوساط واسعة من الناس على اعتبار تلك السلوكيات عار شخصي يصيب صاحبه بالخزي، وإن ما يجري من ترتيب الأوضاع مع تلك البقايا والأجهزة ليس مصالحة كما يتصورها البعض، إذ أن المصالحة تأتي بين أطراف وطنية مختلفة في أدائها وطريقتها ووجهات نظرها لتحقيق نفس الأهداف أو على الأقل من اجل مشتركات وثوابت كثيرة وليست بين نظامين مختلفين تماما ونموذجين متباعدين بل ومتصارعين على طول الخط أولهما حزب البعث بكل تعريفاته المعروفة عبر أربعين عاما من تجربته في العراق وأسلوبه الدكتاتوري والشوفيني والثاني هو النظام المناقض له تماما في النهج والفكر والممارسة والذي يعمل العراقيون جميعا لبنائه منذ انهيار وهزيمة ذلك النظام ومن ثم سقوطه.

     إن ما يطلق عليه بالمصالحة الوطنية ربما يعني تقاربا بين أطراف العملية السياسية وفعالياتها المختلفة في ما بينها بسياقات الإدارة أو الحكم  والبعيدة كل البعد عن النظام السابق والطاهرة من آثامه وعاراته ونهجه التدميري وليس تصالحا مع أولئك الذي دمروا البلاد وقدموها على طبق من ذهب للمحتلين وعصابات الإرهاب والجريمة المنظمة في كل العالم، وأي محاولة لإعادة تصنيع الماضي ومنح النظام السابق أو بقاياه تحت أي ذريعة كانت فرصة اختراق أو الاندساس إلى العملية السياسية ستؤدي إلى تشتيت العراق وتمزيقه وربما إلى قيام صراعات حادة تؤدي إلى حرب أهلية تجهز على ما تبقى من البلاد.

  ما يحتاجه العراق اليوم هو معالجة وطنية لبقايا النظام السابق وليست مصالحة وطنية كما يتصور البعض أو انتقام وتصفيات لا تحقق الهدف السامي للتحول الذي يجري في المجتمع العراقي، معالجة لتطهير تلك الأنفس من شرورها ونزعاتها العدوانية وسلوكياتها المنحرفة بأسلوب تربوي يبعدها تماما عن مصادر إعادة الحياة لثقافتها الهدامة في الإدارة أو الجيش أو الأمن الداخلي، أو بأسلوب قانوني قضائي بعيد عن ثقافة الانتقام والعنف والإرهاب، بما يؤهلها أي تلك البقايا من الحزبيين العقائديين أو المرتزقة من موظفي حزب البعث ومؤسساته الخاصة في الدولة والتي عرفت بالأجهزة الخاصة ومعظمها قوات أمنية ومخابراتية بحتة، لإكمال دورة حياتها بعيدا عن تلك الأمراض والسلوكيات التي كادت أن تدمرها وتدمر البلاد معها.
 

329
لماذا كوردستان آمنة؟
                                                                                                       
                                                                                             كفاح محمود كريم

    بعد حرب الخليج الثانية ونجاح انتفاضة آذار 1991م في كوردستان العراق وهزيمة قوات نظام صدام حسين العسكرية والأمنية وميليشيا حزبه قررت الحكومة العراقية آنذاك سحب كافة موظفيها وخبرائها وفنييها ودوائرها من كل المدن والبلدات والمعامل والمزارع والجامعات بما يعيق نجاح شعب كوردستان وقياداته السياسية والعلمية والإدارية في إدارة تلك المدن والمحافظات وما يتعلق بحركة الحياة والمجتمع، وفرضت حصارا شديدا على الإقليم بعد أن طوقته بعشرات السيطرات والمفارز الراجلة التي كانت تلاحق المواطنين الداخلين والخارجين منه واليه، وتمنع دخول ابسط أنواع المواد الغذائية والخضراوات في واحدة من أقسى عمليات الحصار التي تواجهه الشعوب والدول إضافة إلى الحصار الاممي الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق عموما، وبذلك أدرك شعب كوردستان حجم التحدي الذي سيواجهه في اختياره الفيدرالي والديمقراطي بعيدا عن السلطات المركزية للنظام.
   كانت أولى التحديات هي تحصين الجبهة الداخلية وتنقية المجتمع من شوائب السلطة ونظامها الفكري وثقافته الشمولية قبل إعادة تنظيم الإدارة وهيكلتها، فقد ترك النظام وراءه مئات الآلاف من المرتزقة المسلحين الذين جمعهم من خلال شيوخ العشائر والأغوات في أفواج لمقاتلة أبناء جلدتهم في قوات الثورة والذين عرفوا في كوردستان بـ ( الجته أو الجحوش )  ولدى الدولة بقوات الفرسان، حيث تجاوزت أعداد أفواجهم الخمسمائة فوج كما صرح بذلك وزير الدفاع العراقي الأسبق أثناء محاكمته أمام محكمة الجنايات العراقية الكبرى، هذه الأفواج من البشر التي احتاجت سنوات من الجهد والصبر في إعادة تربيتهم من جديد وبنائهم وطنيا وإنسانيا من خلال احتوائهم وإشراكهم وأبنائهم في عملية البناء والاستقلال الذاتي التي تطلبت إصدار عفوا عاما مشروطا بعدم العودة تحت أي شكل من الأشكال والظروف إلى النهج السابق واعتباره خيانة عظمى للوطن والشعب يحاكم عليها مرتكبيها بأقسى العقوبات.
   لقد كانت الخطوة الأولى باتجاه البناء القويم والاحتواء الوطني والإنساني لمئات الأفواج من المرتزقة وجلهم من القرويين السذج الذين يأتمرون حتى الموت بأوامر أغواتهم وشيوخهم المرتبطين بالنظام وأجهزته في كوردستان ولا يعرف الكثير منهم سوى انه لن يخدم في الجيش وانه يلبي رغبات وأوامر شيخ عشيرته ليس إلا، وإزاء ذلك كانت الجبهة الكوردستانية التي تقود العملية السياسية والإدارية في كوردستان قبيل إجراء الانتخابات الأولى في 1992م وانبثاق أول برلمان كوردستاني أمام مسؤولية تاريخية ليس أمام الشعب بل أمام الرأي العام العالمي في كيفية مواجهة وحل مشكلة هذه القوات التي فقدت قدرتها وأصبحت في حكم الأسر بعد نجاح الانتفاضة بل واستثمار التحول الكبير في الأداء الوطني لكثير منها بالمشاركة المهمة في الانتفاضة ومساعدة قوات الثورة، لتكون الخطوة الحضارية الأولى لبناء تجربتها في الإدارة الذاتية وإعادة اللحمة إلى بناء المجتمع وتحصينه داخليا لمواجهة تحديات الخارج سواء ما كان منها من النظام نفسه أو من الدول الإقليمية، وذلك من خلال إلغاء فكرة الانتقام تدريجيا في ذاكرة الناس والبدء في إحلال فكرة العفو والتسامح مع المهزوم والمغرر به والذي تم اعتباره ضحية هو الآخر من ضحايا ذلك النظام الدكتاتوري، وبهذا الأسلوب تمكنت تلك القيادات من ضبط المجتمع وإشاعة السلم الداخلي رغم كل التحديات الخارجية التي نجحت في ظروف معقدة لإشعال نيران الحرب الأهلية بين القوتين الرئيسيتين التي كادت أن تحرق الأخضر واليابس.
   ويبقى أهم ما فعلته القيادات السياسية والعسكرية في تحصين الجبهة الداخلية بعد قرار العفو عن المتورطين في عمليات القتال ضد قوات الثورة والعمل من اجل احتوائهم وإشراكهم في عملية بناء وإدارة الإقليم هو تحصين مؤسسات الدفاع والداخلية والقوات المرتبطة بهما من البيشمه ركه والاسايش من الاختراق بأي شكل من الأشكال وتحت أي من الظروف بما يحفظ هذه المؤسسات ونقائها في الولاء والدفاع عن تجربة وامن وسلامة الإقليم ومؤسساته، ويحفظها من أي عملية اندساس أو اختراق لأي سبب كان سواء من عناصر تلك القوات المنحلة أو المشبوهين في علاقاتهم المريبة مع النظام السابق، حيث تفرغت تلك المؤسسات لخدمة الأمن والسلام الاجتماعيين وحفاظ امن الإقليم وسلامة أراضيه ومجتمعه من حواضن الإرهاب والجريمة. أن أهم ما يواجه العراق اليوم في إشكالية الأمن والسلم الداخلي يتعلق  بأداء قوات وزارتي الدفاع والداخلية التي بنيت على أسس ارتجالية ومحاصصة مذهبية وعرقية بعيدة عن مبدأي المواطنة والولاء المطلق للعراق الجديد الذي يفترض عدم إشراك بقايا النظام السابق بأي شكل من الأشكال في مؤسسات هاتين الوزارتين تحديدا حتى انجاز تطهير البلاد من عصابات الإرهاب والجريمة المنظمة وتحقيق الأمن والسلام الداخلي والخارجي.
 

330
المرأة والزواج والحرية

                                                                                       كفاح محمود كريم

    يعتقد العديد من الباحثين والناشطين في المجال الاجتماعي ومنظمات حقوق الإنسان والمرأة منذ شرعنة هذه الحقوق على شكل إعلان عالمي عام 1948م وحتى صدور العهدين الدوليين عام 1966م، إن الكثير من المشاكل الاجتماعية والظواهر السلبية التي تعيق تقدم مجتمعاتنا وتحررها من قيود متوارثة ترتبط إلى حد كبير بحرية الاختيار والمساواة في الزواج وأشكاله وما ينتج عنه بسياقات غير مسيطر عليها أو خاضعة لتقاليد وعادات متوارثة ولعل في مقدمتها الزواج القسري لكلا الجنسين والأكثر للنساء اللائي يجبرن على الزواج في سن مبكرة أو من شخص معين لا يرغبونه لو تم تخييرهم تحت مظلة القرابة أو النظام القبلي والديني أو تحت ظروف اقتصادية غاية في الصعوبة تكون المرأة دائما هي ضحيتها.
  ويأتي تعدد الزوجات بنفس الأهمية في إنتاج التعقيدات الاجتماعية في البناء النفسي والعلاقات بين أفراد الأسرة والمجتمع مما يؤدي إلى تكاثف سلبي في تلك التعقيدات وإنتاج لنمط من العلاقات العدائية ومجاميع من الإخوة الأعداء بما يمس قدسية علاقات الإخوة ومن ثم يهدد كيانات الكثير من الأسر التي تتعدد فيها الزوجات إضافة إلى كونها انتهاك كبير لحقوق المرأة وكرامتها وبالتالي يضيف عبئا ثقيلا على مجتمعات ما زالت في أطوار تقدمها وتحولاتها الأولى، وحتى على مستوى الزوجة الواحدة ما زالت مشكلة تعدد الأولاد والبنات واحدة من مظاهر العقلية الزراعية والعشائرية التي تسيطر على مفاصل مهمة من مجتمعاتنا عموما وهي في حالة صراع عنيف مع متغيرات العصر في المدن والمراكز الحضرية مما يخلق إفرازات كثيرة تتحول في اغلب الأحيان إلى ظواهر خطرة تهدد الأمن والسلم الاجتماعيين.
  وإذا ما تفحصنا كثير من الأعراف المدمرة لنسيج مجتمعاتنا وبالذات تلك التي يسمونها بالنهوة والفصلية والكصة* والزواج المبكر للفتيات مع علمنا بأن نسبة الأمية في صفوف النساء في الريف تقترب من 90% ندرك أي مأساة تعيشها المرأة في بلادنا الشرقية عموما والعراق خاصة، فهي الضحية على طول الخط لما يتحمله الرجل من مسؤولية في مجتمع ذكوري يمنحه سلطات لا مدى لها ولا حدود بينما يقنن المجتمع وعاداته المتوارثة وتفسيراته السطحية للشرائع الدينية والأعراف الجاهلية حركة الحياة للمرأة بالشكل الذي يلبي رغبات الرجل وحدود حكمه وصلاحياته الواسعة.
  وفي كل ما ذكرنا يفرض الرجل الشكل الذي يريده في العلاقة مع المرأة سواء في تعدد الزوجات أو الإنجاب الكثير أو حتى موضوع الطلاق الذي يمتلك الرجل فيه صلاحيات تشبه إلى حد كبير صلاحيات الرؤساء أصحاب الحكم المطلق في النظم الدكتاتورية، فهو الذي يقرر مدى صلاحية الزوجة واستمرارها وعدد الأطفال والنساء ومكان السكن والإقامة، وعلى المرأة دوما أن تنفذ تلك الرغبات وإن رفضتها في عقلها الباطني لكي تحصل على وسام الزوجة الصالحة والمطيعة.
   كل ذلك يأتي من خلال منظومة التقاليد والعادات المتوارثة والمسندة دوما بأعراف اجتماعية ترتقي إلى قوانين حادة وتفسيرات دينية لا تمت بأي شكل من الأشكال إلى فلسفة الأديان وجوهرها بل تخضع على مدى العصور لنواميس تلك العادات القبلية التي وصفت دوما في القرآن الكريم بالجاهلية لتستمر حتى يومنا هذا بلبوس ديني وتفسيرات مزاجية ظالمة لأساسيات الأديان في حرية الإنسان والعدالة الاجتماعية وإقامة مجتمع متكافل وحر وبالذات ما يتعلق بقتل النساء على خلفية الشرف الشخصي والاجتماعي مناقضين أقدس النصوص التشريعية الواردة في القرآن الكريم والإنجيل في معالجاتها لموضوعة الجنس خارج شرعية الزواج.
   أن العنف المستشري في مجتمعاتنا الشرقية ضد النساء وفي الريف بشكل واسع وفي مقدمة ذلك عمليات القتل الغامض للنساء لأي سبب كان خارج دائرة القانون والقضاء يعد من أبشع الممارسات الإرهابية في عصرنا الحالي ضد المجتمع وسلامته مما يؤدي دوما إلى إشاعة الكراهية وتفكيك المجتمع وإنتاج أجيال من الرجال والنساء المعاقين نفسيا وتربويا على خلفية ثقافة جاهلية لا تختلف بأي شكل من الأشكال عما كان يفعله الرجل في المراحل البدائية قبل ظهور الإسلام في الجزيرة العربية من قتل منظم للنساء تحت طائلة الفقر والإملاق أو دفاعا عن منظومة تعاريفه ومفاهيمه للشرف الشخصي والاجتماعي مستبعدا في كل الأحوال ما يقترفه هو من نفس ( الجرائم ) باعتباره خارج حكم ذلك القانون الجاهلي والاعتماد على عرف قروي عشائري لا يمت بأي صلة بالدين أو الشرف أو القيم العليا للمجتمعات وقوانين وتشريعات الأديان وفلسفتها بل ينحصر في بدائية ذكورية غرائزية تستمد سلطاتها وهيمنتها بإلغاء النصف الثاني من المجتمع واستعباده والتحكم في مصيره تحت شتى الذرائع والحجج.
  
  إن مدى ومعيار نجاح النظام الديمقراطي وارتقائه ليس بتداول السلطة من خلال صناديق الاقتراع فحسب بل من خلال تكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق والواجبات والإيمان الفعلي بحرية الإنسان وخياراته رجالا ونساءا بما يعزز كرامته ويحترم رأيه بصرف النظر عن نوعه أو عرقه أو لونه أو دينه وفي مقدمة كل ذلك الإيمان الفعلي والحقيقي بحرية المرأة وكرامتها وخياراتها وموقعها الرائد في المجتمع وحقوقها الإنسانية التي لا تختلف قيد أنملة عن الرجل تحت أي ظرف كان أو حال.
      

•   النهوة:
وهي  منع ابن العم زواج ابنة عمه من غيره حتى وإن تزوج هو من غيرها اذا طلبها ورفضت الزواج منه وتبقى المرأة أسيرة هذا المنع ربما حتى الموت.
•   الفصلية:
وهي تبادل منح البنات بين الأطراف المتنازعة كجزء من صفقة المصالحة، وهي عادة تمارسها العشائر في الأرياف وخصوصا في أحداث القتول فتكون جزء من الدية ويخير أصحاب الحق للتنازل عن الثأر بأخذ ما يشتهون من البنات كزوجات لهم!
•   الكصة:
وهي البديلة التي تؤخذ مقابل زوجة أخيها حتى وان رفضت ذلك الشخص ورغم إرادتها.    
 

331
الطفيليات السياسية

                                                                                                كفاح محمود كريم

    في مجتمعات تتأرجح بين النظام القبلي والشد العشائري والاستبداد السياسي تنمو وتنتشر أنواع من الطفيليات السياسية والاجتماعية التي تعتاش على أجساد مكونات وشخصيات سياسية واجتماعية أفرزتها وتفرزها تلك المنظومة المستبدة سواء ما كان منها في السياسة أو في مفاصل وتركيبات المجتمع ومكوناته القبلية والقروية التي انتشرت في المدن بعيد قيام الجمهورية وحتى يومنا هذا، حتى أنها تغلغلت في مفاصل كثيرة ومهمة من مراكز القرار والتشريع.
   وربما كانت في أطوارها الجنينية أو في بداية ظهورها قبل شخصنة الإدارة والحكومة أيام الحكم الملكي، ومن ثم تسلط فئات أو عصابات في انقلابات تشبه إلى حد كبير سلوك المافيا وتصرفاتها كما حصل في انقلابي 1963م و 1968م اللذان قادتهما مجاميع منظمة من الإرهابيين وما أعقب ذلك من قيام نظام العصابة وجمهورية القرية والعشيرة التي أنتجت وطورت أجيالا خطيرة من الطفيليات السياسية التي بدأت منذ سقوط النظام بتطوير نشاطها ومجالها الحيوي وتحولت إلى قنوات لعبور كل أنواع الفساد والإفساد ورجال المهمات التدميرية في الاقتصاد والتخريب والقتل والتذبيح وإشاعة الفتنة الطائفية وتأليب الرأي العام ضد طائفة أو قومية أو حزب ما ليتسنى لها الاستمرار والبقاء.
    أن الكثير من هذه السلالات الطفيلية يعود إلى أواخر أيام الدولة العثمانية وبقاياها وما زرعته على أديم العراق بالتعاون مع الذين وقعوا الصلح في لوزان وأشعلوا الفتنة والاضطهاد في كوردستان وما آلت إليه الأمور بعد إلحاق الموصل بالمملكة العراقية ونشوء أجيال من الطفيليات العرقية والسياسية التي تعتاش على مركزة السلطات في بغداد وتهميش بقية الأجزاء والأجناس.     
   وليس ببعيد عن العراق وما حصل فيه منذ تأسيسه وحتى سقوط نموذجه المتخلف في الإدارة والحكم كثير من الأنظمة التي ادعت الثورية وانقلبت في عمليات سطو مسلح على أنظمة حكم في بلدانها وأطلقت على تلك العمليات بالثورات ومجموعة الشعارات التي كانت تلامس عواطف الأهالي والعموم، حتى أنها وفي غياب الديمقراطية توهمت بأنها تمثل 99,99 من رأي الشعب وأصواته في تمثيليات الانتخابات التي كانت تجريها على مسرح عملياتها، وهي بالتالي عصابات قبلية أو بيتية أو ربما مناطقية تجتمع لغايات بدوية أو غرائزية في المال والسلطة تحت شعارات وهمية لتخدير الأهالي والرأي العام وما يحصل في كثير من هذه البلدان المعروفة برؤسائها وملوكها ( القادة الأفذاذ ) الذين يقودون عصاباتهم منذ عقود طويلة بانتخابات الــ  99% .
  هذه الطفيليات نمت وتربت في كنف أنظمة الاستبداد وفقدت مواصفاتها الإنسانية لتتحول مع الأيام إلى طفيليات تقتاد على فساد الأنظمة الدكتاتورية وتنمو بعيدا عن رأس النظام أو مراكز القرار لتبني لها عوالمها الخاصة في تخريب المجتمعات والاستحواذ على المكاسب من خلال انتشارها افقيا في مؤسسات الدولة ومفاصلها الاقتصادية والعسكرية والأمنية. إن هذا الانتشار الواسع لهذه الطبقة أنتج ترديا كبيرا في أداء الدولة وتقهقرا في السلوكيات الاجتماعية بسبب إفرازها لأنواع من السلوك الانتهازي التكسبي الذي يعتمد التملق والتدليس أساسا في علاقاته والذي لا يأبه بالمصالح الوطنية والإنسانية للفرد والمجتمع ويختصر كل الوطن وما عليه  بل الدولة وما فيها في شخص واحد أو مجموعة أشخاص.
   ولعل أوضح صورة ظهرت عليها تلك الطفيليات هي ما نشاهده اليوم في اختراق مؤسسات العراق الجديد منذ سقوط نظام العصابة، حيث تغلغلت هذه الطفيليات من خلال القوى الانتهازية وكثير من عناصر النظام السابق مع الأيام الأولى لدخول قوات الاحتلال إلى معظم الأحزاب السياسية ومؤسسات النظام الجديد ( السلطات الثلاث ) إضافة إلى تعاونها مع مفاصل مهمة في القوات الأمريكية والبريطانية وبالذات الكثير من القيادات الحزبية والعديد من شيوخ العشائر الذين انتجتهم دائرة العشائر في ديوان الرئاسة السابق ممن تم تصنيفهم إلى ثلاثة موديلات أ ، ب ، ج والذين استحوذوا على ممتلكات الدولة وآلياتها وموجودات مخازنها عشية هروب ( الرئيس القائد ) إلى الحفرة الشهيرة وسقوط النظام في نيسان 2003م على خلفية ما أطلق عليه صدام حسين وأحله لهم مما عرف بـ ( الحواسم ) أمام مرأى ومسمع وحماية القوات الأمريكية التي حولتهم فيما بعد إلى مقاولين ومجهزين رئيسيين لتلك القوات وفي كثير من المحافظات مثل الموصل والبصرة وكركوك مستشارين للأمور الخاصة جدا.     
   

333
من دولة العصابة إلى عصابات الدولة؟
                                                                                               
                                                                                          كفاح محمود كريم

   عاش العراق والعراقيون تحت ظل دولة العصابة التي حكمت العراق اثر انقلاب دموي في شباط 1963م وهيمنتها على مفاصل مهمة من القوات المسلحة العراقية وكثير من أجهزة الأمن الداخلي ودوائر المال العام حتى سيطرت على معظم الدولة لقرابة سنة من الرعب والإرهاب الذي اجتاح العراق بأجمعه ولم يسلم منه أي مكون من مكوناته العرقية أو الدينية أو السياسية، وأنتجت في ما بعد أجيالا من عصابات القتل والنهب والسلب والاغتصاب وإشاعة ثقافة الإبادة الجماعية لغرض زرع الإرهاب والرعب ومن ثم الاستكانة والتطويع كما حصل في عمليات الاغتيال والتصفية التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف شخص خلال عدة أيام بعد انقلاب شباط 1963م في العاصمة بغداد كانت جثثهم ترمى وتهان كما تفعل العصابات والمجاميع الخاصة الآن.
   إن ما حصل من كرنفالات القتل والإعدام خلال الأشهر الأولى من انقلاب تموز 1968م وما تبع ذلك من حروب قذرة شنتها تلك العصابة على الشعب العراقي في الشمال والجنوب ثم عمليات الإبادة الجماعية للأحزاب الوطنية والقوى الديمقراطية وأخيرا جرائمها ضد الإنسانية جمعاء في الأنفال وحلبجة والمقابر الجماعية في طول البلاد وعرضها يؤكد بلا أدنى ريب إن من كان يحكم العراق لم يتجاوز في حكمه سلوكيات العصابات الإجرامية في العالم وأخلاقياتها. 
    وبعيدا عن التفاصيل ومن يسكن فيها وبين تضاريسها منذ سقوط دولة العصابة وحتى يومنا هذا سنقارن بين ما حدث مؤخرا في ما سمي بالأربعاء الدامي ( 19 آب 2009م ) في بغداد وما أوردته تلك الوثيقة التي عثر عليها بعد سقوط النظام والصادرة من ديوان الرئاسة في كانون ثاني 2003م والتي تضمنت أوامر رئيس النظام إلى مسؤولي فروع حزب البعث وشعبه وإدارات أجهزة الأمن والمخابرات وفدائيو صدام بضرورة الانتماء إلى الأحزاب التي ستظهر بعد سقوط ( القيادة السياسية للحزب والثورة ) وخصوصا الأحزاب الدينية وتحويل الجوامع إلى مقرات لتجمع تلك التنظيمات ومسؤوليها، والعمل على اختراق كل المؤسسات التي سيتم تشكيلها وبالذات العسكرية والأمنية منها.
   كما كانت الأوامر والتعليمات صريحة جدا ومباشرة حيث يطلب رئيس النظام تدمير كل محطات المياه والكهرباء وخطوط نقل الطاقة والبترول والقيام باغتيال رجال الدين والشخصيات الاجتماعية والوجهاء ورجال السياسة الجدد وإيقاف أو عرقلة أي تقدم أو تطور للنظام الجديد باستخدام كل الوسائل والأسلحة ومهما كانت الأمور أو الخسائر والضحايا على خلفية إن العراق لا يمكن أن يكون بيد غير البعثيين سوى حفنة من تراب.
    واستعراض سريع لما حدث ويحدث قبل السقوط وبعده يكتشف المرء أن العصابة التي كانت تحكم العراق أصبحت الآن عصابات كعناقيد الفايروسات والجراثيم تستوطن الدولة الجديدة وتمارس من خلالها عمليات القتل والاغتصاب والتدمير والسلب والنهب وفرض الإتاوات على التجار وأصحاب الناقلات التي تنقل المنتوجات النفطية وتحمي خطوطها تحت مختلف التسميات والشعارات وهي كما عهدناها خلال أربعين عاما تتحالف مع الشياطين من اجل تمرير ما تريده أو تهدف إليه، فقد أدخلت كل عصابات الإرهاب والجريمة إلى العراق حتى قبل سقوط نظامها وأصبحت عناصر القاعدة تسيطر على كثير من المدن التي كانت تتمتع بأكثرية بعثية أو مذهبية كما في الموصل والرمادي وديالى وتكريت وأطراف كركوك وبغداد.
    لا شك أن البعث ومن والاهم واعتاش على سحتهم يدركون انه ليس هناك شيء غالي أو عزيز عليهم كما لا وجود لمحرمات دولية أو وطنية أو دينية أو أخلاقية في منظومتهم الفكرية إلا غرائزهم وتشبثهم بالسلطة وعطشهم للقتل والاغتصاب والسلب كما كانوا يفعلون ببعضهم ( انقلاب صدام تموز 1979م ) أو مع من يتحالفون معه كما حصل مع الحركة التحررية الكردية والحزب الشيوعي العراقي منتصف السبعينات من القرن الماضي وفي غزوهم لدولة أمدتهم بالمال والسلاح طيلة حربهم المفتعلة مع إيران التي تحالفوا معها أيضا أبان حرب الخليج الثانية وأودعوا لديها خيرة أسلحتهم وطائراتهم.
    ويعرف العراقيون جيدا أهداف أي تحالف يعقده البعث مع أي جهة كانت في الداخل أو الخارج وطريقة تعاملهم معها تحت سقف ميكافيلي يبرر أي وسيلة أو أي نوع من المتحالفين لغرض تحقيق الهدف الذي يصبون إليه وقد شهدنا عبر عقود تحالفاتهم الانتهازية مع الأمريكان والسوفييت ومع أقصى اليسار وأقصاه في اليمين.
  وهكذا تراهم اليوم أيضا يتعاملون مع كل الأطراف والمتناقضات في الداخل والخارج من أجل إعاقة وإسقاط التجربة العراقية الجديدة بما يؤمن عودتهم إلى السلطة باستخدام كل الوسائل بما فيها تعاونهم مع حلفائهم القدماء والجدد من الأمريكان والبريطانيين وغيرهم من اللاعبين الإقليميين الجدد حتى لو استدعى ذلك إبادة كل الشعب وتدمير كل العراق.
   لقد تحولت معظم تنظيمات البعث المهمة وقياداتهم وأجهزتهم الخاصة إلى عصابات انتشرت في كل مفاصل الدولة وبالذات مؤسسات الدفاع والداخلية والنفط واستطاعت أن تخترق مجلس النواب ومجالس المحافظات تحت مسميات سياسية مستنسخة ووهمية والانكى من ذلك كله أنها لاقت دعم لوجستي كبير من قبل جهات مهمة في الحكومة أو في الكيانات السياسية على خلفية التنافس أو الصراع واستخدام مقولة عدو عدوك صديقك التي ينتهجها بعض السياسيين لتبرير تعاملهم المتميع مع حزب النظام السابق والمحسوبين عليه ومحاولة إعادة تصنيعهم كما حصل في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة التي جاءت بعض حكوماتها المحلية واجهات لحزب البعث وسياسته الفاشية في العراق لما يقرب من أربعين عاما.
   إن التسويف والتباطؤ في حل مشكلات صنعها النظام السابق وعدم الجدية في تطهير القوات المسلحة والجهاز الإداري والمالي ومداهنة بعض التكوينات وشيوخ العشائر ممن أدمنوا الارتزاق في تشكيلات شبه عسكرية على غرار ما كان يفعله النظام السابق في إقليم كوردستان وأطرافه فيما سمي بالفرسان أو الجحوش على خلفية مواقفها مع القاعدة أو الإرهاب عموما ومنحها امتيازات مالية وإدارية على شاكلة الإسناد والصحوة أتاح الفرصة إلى تغلغل حزب البعث وغيره من القوى الظلامية والمتخلفة للانتقام من العراق الجديد وإعاقة تمكنه من تجاوز محنته وإعادة اعماره وتطهيره من بقايا ذلك النظام وثقافته البائسة التي أدت وتؤدي إلى تدمير بنيته السياسية والاجتماعية والسيادية من خلال تلك الجرائم التي ينفذها يوميا في الموصل وكركوك وديالى وأخيرا في العاصمة بغداد والتي تستهدف زرع الرعب والإحباط واليأس لدى الشعب وقواه الفاعلة.


 

334
قناة فضائية كوردستان
 
برنامج لنتحاور
 
 
كوردستان ونضال الشعب العراقي
 
الضيوف

 
آشــــتي أحمد   
  سكرتير رابطة الانصار الشيوعيين العراقيين    
 
هناء ياسين
ناشطة في حقوق المرأة
 
منال المالح
ناشطة سياسية
 
 
 
 
في الاوقات التالية
 
10.45 بغداد 
 
ويعاد بثه الاحد
1.45
ب.ظ
   

335
الفوز والاستحقاقات الميدانية

                                                                                         كفاح محمود كريم                                                                                                        

    أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات النتائج النهائية والرسمية لانتخابات برلمان كوردستان التي تضمنت فوز القائمة الكوردستانية بــ 59 مقعدا من أصل 111 مقعد، تلتها قائمة التغيير التي حصلت على 25 مقعدا، فيما فازت قائمة الخدمات والإصلاح بــ 13 مقعدا، فيما توزعت المقاعد المتبقية على بقية الكيانات بواقع 1 إلى 3 مقاعد لكل كيان من الذين حصلوا على 4198 صوت فما فوق، في حين أظهرت تلك النتائج فوز السيد مسعود بارزاني برئاسة الإقليم لدورة جديدة بحصوله على 1.266.397 صوتا فيما حصل السيد كمال مير اودلي على 460.334 صوتا من مجموع الأصوات الكلية المشاركة والبالغة أكثر من 1800000 بقليل.  
    إن القراءة الأولى للنتائج النهائية لانتخابات كوردستان العامة التي جرت في الخامس والعشرين من تموز 2009م والتي تقدمت فيها القائمة الكوردستانية التي تضم تحالفا بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني على قائمتي التغيير التي يقودها المنشق عن الاتحاد الوطني الكوردستاني ناوشيروان مصطفى وتحالف الأحزاب الأربعة ( الاتحاد الإسلامي وجماعة علي بابير والكادحين والاشتراكي )، والتي بدأت بعقد اجتماعات الغرض منها تشكيل ائتلاف أو كتلة برلمانية مؤثرة بمجموع كراسيها التي تتجاوز الثلاثين كرسيا من مجموع 111 كرسيا برلمانيا ربما ستتبلور في الأشهر القادمة إلى معارضة برلمانية لمراقبة أعمال الحكومة ومتابعة برامج الإصلاح التي دعت اليها كافة الكيانات السياسية في حملتها الدعائية.
     ويتفق معظم المراقبين والمهتمين بالشأن الكوردستاني بأن الانتخابات كانت بمستوى متميز وشفافية عالية والاهم أنها مرت بسلام وأفرزت نتائج مغايرة لما كانت عليها الأمور خلال السنوات الثمانية عشر منذ استقلال الإقليم ذاتيا عن بغداد إثر حرب الخليج الثانية واندلاع انتفاضة الربيع في كوردستان العراق عام 1991م، حيث الأداء النوعي والخطاب الوطني والتنافس الحار تحت سقف نهج ديمقراطي متفق عليه وعلى نتائجه من قبل كل الأطراف المشاركة.
     ويبدو من القراءة الأولى لنتائج هذه الانتخابات بأن شعب كوردستان قد صوت لإنجازات الحاكمين منذ عقدين ولطبيعة السلام الاجتماعي الذي أمنه نظامهم السياسي دون أن ينسى جانبا آخرا يتعلق بالطرف الثاني لمعادلة وتوازن المجتمع والنظام السياسي في البلاد حيث أحرز الآخر هنا ما يقترب من ثلث الناخبين الذين يمتلكون تحت أي ظرف كان وجهة نظر مغايرة ربما تتبلور خلال الأشهر أو السنوات القادمة إلى معارضة حقيقية تعمل تحت سقف المصالح العليا للبلاد.
     وفي كل الأحوال فقد اجتاز شعب كوردستان محنة الخيار الصعب ويبدو أنه يتجه تماما بوضع أطر معارضة حقيقية وتغيير مهم في طبيعة العملية السياسية التي يقودها ائتلاف بين الحزبين الرئيسيين والتي قد تضم مساهمين أو مشاركين رئيسيين من كتلة المعارضة المفترضة إما بصيغة التوافق السياسي أو الاستحقاق الانتخابي، وفي كل الأحوال فأن الفائزين يحملون معهم إلى قبة البرلمان رصيدا كبيرا من المشاريع الضخمة التي أنجزوها في البلاد خلال أعوام صعبة وغاية في التعقيد قبل وبعد سقوط النظام العراقي السابق، وأحدثوا تغييرا جذريا في بنية المجتمع والدولة بما أهل الجمهور للدخول والتنافس في انتخابات كانت غاية في التنظيم والشفافية والنزاهة بينما يدخل الآخرون ببرامج ووعود مفترضة تحتاج إلى بلورة مواقف بناءة ومساهمة في الحفاظ على تلك المنجزات وكيفية تطويرها وإن ميدان العمل الآن أصبح البرلمان وليس مقرات الأحزاب ومنابر الخطابات والحملات الدعائية والميدان يفرق كثيرا في مفرداته عن الخطابات والوعود.
     لقد منح الشعب شرف المسؤولية والقيادة للكتل المشاركة في الانتخابات كل حسب حجمه وتأثيره بما فيها تلك التي حصلت على مقاعد قليلة قياسا بما حصلت عليه قوائم التغيير والإصلاح جنبا إلى جنب مع الفائزين الكبار في القائمة الكوردستانية وليس هناك فرق في الأداء الوطني الخالص بين حجم الفعل وعدد الكراسي تحت قبة البرلمان ففي التجارب الديمقراطية التي سبقتنا تفعل المعارضة الوطنية ميدانيا بقوة ربما تتجاوز في تأثيرها على الأغلبية الحاكمة من خلال مراقبتها الدقيقة والبناءة للأداء الحكومي في كل مفاصل الدولة ومناحيها على خلفية التنافس في خدمة الوطن والمواطن تحت سقف المصالح والثوابت العليا لا التنافس الكمي والعددي المحموم من أجل تضخيم حجم الأحزاب على حساب النوعية وأفواج من الانتهازيين والمتسلقين.
     إن شعب كوردستان يدرك تماما من يخدمه ومن يضحي من أجله ومن يعمل بصمت لكي يرتقي بالبلاد إلى مستويات رفيعة وراقية في كل مناحي الحياة، وان الميدان كان وسيكون ساحة الامتحان الحقيقي لكل الوعود والبرامج التي طرحتها كل الأحزاب والقوائم التي ساهمت وفازت في انتخابات تموز الكوردستانية، التي ستواجه ملفات في غاية الأهمية وفي مقدمتها على المستوى الداخلي معالجة ظواهر الفساد المالي والإداري وتحديث البنية التحتية للخدمات والإنتاج بما يحد من استهلاكية المجتمع، وعلى المستوى الخارجي ما زالت مناطق سنجار وكركوك وخانقين خارج الإقليم وما يترتب على ذلك من تدهور في أوضاع السكان هناك بسبب ازدواجية العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليمية، إضافة إلى ملفات النفط والغاز وحجم قوات حرس الإقليم والمشاركة الحقيقية في صنع القرار وميزانية الإقليم والبنية التحتية في الكهرباء والصناعة والزراعة والمياه والمواصلات.      

336
الانتخابات الكوردستانية وآفاق المستقبل

                                                                                              كفاح محمود كريم
 
    اتفق معظم المراقبين الذين جاءوا من مختلف بلدان الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة والجامعة العربية على أن الانتخابات الكوردستانية كانت ناجحة بشكل كبير وتميزت بشفافية عالية رغم وجود شكاوى وطعون عديدة وصفت من قبل رئيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بأنها لم تؤثر على هيئة وشكل ومصير الانتخابات، وقد وضع الكثير منها في حقل الطعون الكيدية.
   وقد وصف السيد محمد خلبيشي الأمين العام المساعد لشؤون الإعلام والاتصال ورئيس وفد الأمانة العامة في جامعة الدول العربية لمراقبة انتخابات برلمان ورئاسة إقليم كوردستان العراق، الانتخابات الكوردستانية بأنها خطوة مهمة لنجاح الديمقراطية في العراق وفرصة ناجحة لمواصلة المصالحة الوطنية.
   ولعل ابرز ما يميز انتخابات كوردستان الاخيرة هي انتهاء نسب الفوز الساحق القريب من الــ 99% وتحقيق مؤشرات قريبة من الواقع الحالي في الاقليم لخارطة الفعاليات السياسية وانتشارها افقيا في المجتمع وشرائحه، وبروز توافق وطني كبير حول الرئيس مسعود بارزاني حيث حصل على ما يقرب من ثلاثة ارباع اصوات الناخبين ( اكثر من 69% ) الذين تجاوزت نسبتهم 78% من مجموع الناخبين البالغ مليونين ونصف المليون.
  وبالتأكيد فأن الاصوات التي حصل عليها الرئيس المنتخب لم تكن لمؤيدي الديمقراطي والاتحاد الوطني فقط والا لكانت بحدود النتيجة الاولية التي اعلنت لصالح القائمة الكوردستانية وهي 57% من الاصوات، وهذا يدلل على نضوج في الخطاب الوطني الذي وإن اختلف في رأيه حول الاحزاب لكنه قد يتفق على مرشح من احدها كرئيس كما حصل مع السيد بارزاني.
 إن وجود عدة مرشحين لرئاسة الاقليم تأتي لأول مرة في انتخابات كوردستان وبهذا الشكل الذي يوصل واحد من المرشحين الى ما يقرب من ربع اصوات الناخبين ( 25% ) في عمليةٍ اصر رئيس الاقليم المنتخب على اجرائها باقتراع مباشر من الاهالي بدلا من اجرائها في البرلمان كا جرت في الانتخابات السابقة، وهي واحدة من أهم ما ميز هذه الانتخابات وبدأ برسم خارطة جديدة للنظام السياسي في الاقليم مع بداية ظهور معارضة وطنية قد تتبلور خلال الاشهر القادمة في انتقالها من النقد السلبي والمواقف العدائية الى النقد البناء والمواقف التنافسية في خدمة الاهالي والبلاد.
 
 
 
 
   وتتجه الأمور الان وبشكل مبكر في الحياة السياسية الكوردستانية إلى حراك برلماني وسياسي يتوقع أن يؤدي في المستقبل القريب إلى وضوح صورة المواقع والحجوم تحت قبة البرلمان بعد الانتخابات العامة التي أفرزت قوى سياسية تعارض النظام السياسي المعتمد وهي ما زالت غير واضحة الأبعاد اثر تشتت ائتلاف مرحلي بين سبع حركات سياسية قادت مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق منذ انتخابات 2005م.
  وقد بدأت منذ إعلان النتائج الأولية للانتخابات الأخيرة عملية بلورة تكتل برلماني يفترض أن يكون معارضا إلا أن البعض من المراقبين يراه متأرجحا بين ما يفترض أن يكون عليه كمعارضة حقيقية تختلف وتتفق تحت مضلة المصالح العليا للبلاد، وبين ما يخشى أن يكون على شاكلة تكتل عدائي غرضه التسلط وتصفية حسابات إيديولوجية أو قبلية لا تمت بصلة  إلى مصالح البلاد والعباد أو أداة تنفيذية إقليمية مباشرة أو تعمل عن بعد.
   ورغم الاختلاف الكبير في وجهات النظر بين الكتل السياسية واحزابها يرى المتفائلين بأنه يتبلور الان خطاب موحد في الثوابت الوطنية يتجه بالجميع الى النقاط الساخنة في فضاء الاقليم واهمها ملفات المناطق المتنازع عليها مع الحكومة الاتحادية وفي مقدمتها كركوك وقوانين النفط والغاز واستثمار الحقول الجديدة ونسبة الميزانية وقوات حرس الاقليم وحجمها وصلاحيات الاقليم والتعديلات الدستورية وغيرها في ما يتعلق بمبدأ المشاركة الحقيقية في صنع القرار في كل مفاصل الدولة العراقية الجديدة.
   ولعل اهمية هذه الملفات وشموليتها ستجعل كل الاطراف السياسية تحت قبة البرلمان الكوردستاني اكثر اتفاقا او تقاربا في وضع الحلول والبرامج الناجعة لتقليص مساحات الفساد المالي والاداري والتقرب اكثر من هموم ونبض الشارع بما يرفع مستوى الاداء التنفيذي والميداني لكافة اجهزة الدولة ويؤدي الى رفع مستوى الخدمات وتحديث اليات الاداء نوعا وكما باتجاه الانتاج وتقليص الاستيراد والانفاق الاستهلاكي.
   وفي كل الاحوال فأن المواطن يدرك تماما بأن اقليمه هذا كان يمتلك جامعة واحدة ومرآب بائس في وسط اربيل حتى نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي فأصبح يفتخر اليوم بثمان جامعات واكثر من عشرين معهدا تقنيا ومطارين دوليين ومدن جميلة وشبكة واسعة من الطرق والجسور ومستوى معاشي اعلى من بقية اجزاء البلاد بما يجعل نسبة الفقر اقل بكثير عن كل محافظات العراق الاخرى، ويأتي كل ذلك نتاجا للسلام والامن الاجتماعي الذي جاء حصيلة انتهاج الطريق الديمقراطي وقبول الاخر والتعامل معه تحت سقف المصالح العليا للبلاد.
  حقا انها انجازات يفتخر بها شعب كوردستان وفعالياته السياسية جميعا فهي التي انجزت هذا التغيير الكبير في بنية المجتمع والدولة خلال السنوات الماضية بتآلفها وعملها من اجل غد افضل مما يتطلب من الجميع الحفاظ عليها وتطويرها اكثر واكثر في السنوات الاربع القادمة بنفس حماس التنافس الذي شهدناه للوصول الى قبة البرلمان، ولعل في مقدمة كل ذلك هو الاسراع في التصويت القريب على الدستور الدائم للاقليم وحسم تبعية المناطق المستقطعة من كوردستان جغرافيا وتاريخيا.   

337
الانتخابات الكوردستانية وآفاق المستقبل

                                                                                              كفاح محمود كريم

    اتفق معظم المراقبين الذين جاءوا من مختلف بلدان الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة والجامعة العربية على أن الانتخابات الكوردستانية كانت ناجحة بشكل كبير وتميزت بشفافية عالية رغم وجود شكاوى وطعون عديدة وصفت من قبل رئيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بأنها لم تؤثر على هيئة وشكل ومصير الانتخابات، وقد وضع الكثير منها في حقل الطعون الكيدية.
   وقد وصف السيد محمد خلبيشي الأمين العام المساعد لشؤون الإعلام والاتصال ورئيس وفد الأمانة العامة في جامعة الدول العربية لمراقبة انتخابات برلمان ورئاسة إقليم كوردستان العراق، الانتخابات الكوردستانية بأنها خطوة مهمة لنجاح الديمقراطية في العراق وفرصة ناجحة لمواصلة المصالحة الوطنية.
   ولعل ابرز ما يميز انتخابات كوردستان الاخيرة هي انتهاء نسب الفوز الساحق القريب من الــ 99% وتحقيق مؤشرات قريبة من الواقع الحالي في الاقليم لخارطة الفعاليات السياسية وانتشارها افقيا في المجتمع وشرائحه، وبروز توافق وطني كبير حول الرئيس مسعود بارزاني حيث حصل على ما يقرب من ثلاثة ارباع اصوات الناخبين ( اكثر من 69% ) الذين تجاوزت نسبتهم 78% من مجموع الناخبين البالغ مليونين ونصف المليون.
  وبالتأكيد فأن الاصوات التي حصل عليها الرئيس المنتخب لم تكن لمؤيدي الديمقراطي والاتحاد الوطني فقط والا لكانت بحدود النتيجة الاولية التي اعلنت لصالح القائمة الكوردستانية وهي 57% من الاصوات، وهذا يدلل على نضوج في الخطاب الوطني الذي وإن اختلف في رأيه حول الاحزاب لكنه قد يتفق على مرشح من احدها كرئيس كما حصل مع السيد بارزاني.
 إن وجود عدة مرشحين لرئاسة الاقليم تأتي لأول مرة في انتخابات كوردستان وبهذا الشكل الذي يوصل واحد من المرشحين الى ما يقرب من ربع اصوات الناخبين ( 25% ) في عمليةٍ اصر رئيس الاقليم المنتخب على اجرائها باقتراع مباشر من الاهالي بدلا من اجرائها في البرلمان كا جرت في الانتخابات السابقة، وهي واحدة من أهم ما ميز هذه الانتخابات وبدأ برسم خارطة جديدة للنظام السياسي في الاقليم مع بداية ظهور معارضة وطنية قد تتبلور خلال الاشهر القادمة في انتقالها من النقد السلبي والمواقف العدائية الى النقد البناء والمواقف التنافسية في خدمة الاهالي والبلاد.
 



   وتتجه الأمور الان وبشكل مبكر في الحياة السياسية الكوردستانية إلى حراك برلماني وسياسي يتوقع أن يؤدي في المستقبل القريب إلى وضوح صورة المواقع والحجوم تحت قبة البرلمان بعد الانتخابات العامة التي أفرزت قوى سياسية تعارض النظام السياسي المعتمد وهي ما زالت غير واضحة الأبعاد اثر تشتت ائتلاف مرحلي بين سبع حركات سياسية قادت مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق منذ انتخابات 2005م.
  وقد بدأت منذ إعلان النتائج الأولية للانتخابات الأخيرة عملية بلورة تكتل برلماني يفترض أن يكون معارضا إلا أن البعض من المراقبين يراه متأرجحا بين ما يفترض أن يكون عليه كمعارضة حقيقية تختلف وتتفق تحت مضلة المصالح العليا للبلاد، وبين ما يخشى أن يكون على شاكلة تكتل عدائي غرضه التسلط وتصفية حسابات إيديولوجية أو قبلية لا تمت بصلة  إلى مصالح البلاد والعباد أو أداة تنفيذية إقليمية مباشرة أو تعمل عن بعد.
   ورغم الاختلاف الكبير في وجهات النظر بين الكتل السياسية واحزابها يرى المتفائلين بأنه يتبلور الان خطاب موحد في الثوابت الوطنية يتجه بالجميع الى النقاط الساخنة في فضاء الاقليم واهمها ملفات المناطق المتنازع عليها مع الحكومة الاتحادية وفي مقدمتها كركوك وقوانين النفط والغاز واستثمار الحقول الجديدة ونسبة الميزانية وقوات حرس الاقليم وحجمها وصلاحيات الاقليم والتعديلات الدستورية وغيرها في ما يتعلق بمبدأ المشاركة الحقيقية في صنع القرار في كل مفاصل الدولة العراقية الجديدة.
   ولعل اهمية هذه الملفات وشموليتها ستجعل كل الاطراف السياسية تحت قبة البرلمان الكوردستاني اكثر اتفاقا او تقاربا في وضع الحلول والبرامج الناجعة لتقليص مساحات الفساد المالي والاداري والتقرب اكثر من هموم ونبض الشارع بما يرفع مستوى الاداء التنفيذي والميداني لكافة اجهزة الدولة ويؤدي الى رفع مستوى الخدمات وتحديث اليات الاداء نوعا وكما باتجاه الانتاج وتقليص الاستيراد والانفاق الاستهلاكي.
   وفي كل الاحوال فأن المواطن يدرك تماما بأن اقليمه هذا كان يمتلك جامعة واحدة ومرآب بائس في وسط اربيل حتى نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي فأصبح يفتخر اليوم بثمان جامعات واكثر من عشرين معهدا تقنيا ومطارين دوليين ومدن جميلة وشبكة واسعة من الطرق والجسور ومستوى معاشي اعلى من بقية اجزاء البلاد بما يجعل نسبة الفقر اقل بكثير عن كل محافظات العراق الاخرى، ويأتي كل ذلك نتاجا للسلام والامن الاجتماعي الذي جاء حصيلة انتهاج الطريق الديمقراطي وقبول الاخر والتعامل معه تحت سقف المصالح العليا للبلاد.
  حقا انها انجازات يفتخر بها شعب كوردستان وفعالياته السياسية جميعا فهي التي انجزت هذا التغيير الكبير في بنية المجتمع والدولة خلال السنوات الماضية بتآلفها وعملها من اجل غد افضل مما يتطلب من الجميع الحفاظ عليها وتطويرها اكثر واكثر في السنوات الاربع القادمة بنفس حماس التنافس الذي شهدناه للوصول الى قبة البرلمان، ولعل في مقدمة كل ذلك هو الاسراع في التصويت القريب على الدستور الدائم للاقليم وحسم تبعية المناطق المستقطعة من كوردستان جغرافيا وتاريخيا.   

338
( ونجحنا يا كوردســتان ! )

                                                                                          كفاح محمود كريم
 
    بعد أكثر من ثمانية عشر عاما من الاستقلال الذاتي بصيغة الفيدرالية التي اقرها الدستور العراقي الدائم بعد سقوط النظام السابق، وثلاث انتخابات عامة نجح شعب كوردستان بتجاوز محنته في الخيار الديمقراطي وإصراره على تداول السلطة من خلال صوت الشعب المكثف في صناديق الاقتراع التي استقبلت يوم الخامس والعشرين من تموز 2009م أكثر من 78% من مجموع ناخبيه الذين يربو عددهم على المليونين ونصف المليون ناخب، وهي نسبة تدلل على إصرار هذا الشعب على اختيار الطريق الديمقراطي في بناء تجربته الرائدة هنا في العراق. وبصرف النظر عن النتائج النهائية ومن سيفوز بأكثرية الكراسي البرلمانية فان ما تحقق خلال الأيام القليلة الماضية اثبت بأن الناجح الأول هو الشعب بكل أطيافه وطبقاته وشرائحه الذي أدرك إن الطريق إلى المستقبل الزاهر هو الاعتراف بالآخر وقبوله ومشاركته في السلطة والمال والقرار والابتعاد كليا عن العنف وإلغاء الرأي الآخر أو مصادرته.

    لقد أثبتت فترة الدعاية الانتخابية نضوجا واضحا في خطاب معظم الفعاليات السياسية حيث كان التعاطي مع الشارع والرأي العام عموما يحفظ مسافة الاحترام بين تلك الفعاليات في أدائها الإعلامي والدعائي، وقد أدت مؤسسات الدولة واجبها بنفس المسافات المتساوية بين الفعاليات والأحزاب والكتل، حيث لم تفرق قنوات التلفزة والإذاعة المملوكة للدولة بين أحزاب رئيسية أو كبيرة وأخرى صغيرة أو منافسة في تقديم الدعاية والإعلان لتلك الأحزاب ومرشحيها.

   ورغم ذلك كانت هناك خروقات في الإقليم عموما أجملتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بما يقرب من تسعين شكوى في معظمها لم تؤثر على مجريات الدعاية أو الانتخابات، بل وكانت حسب ما أعلنه الكثير من المراقبين الدوليين ومنهم مراقبي الجامعة العربية بأنها أقل من المستوى العالمي في هكذا انتخابات، هذا وقد بلغ عدد المراقبين نحو 45 ألف مراقب بينهم 350 مراقبا دوليا من دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة والجامعة العربية، إضافة إلى العشرات من المراقبين الآسيويين من تركيا وإيران وكوريا واليابان.

    لقد وصفت هذه الانتخابات بأنها الأكثر إثارة وتنظيما وقد تميزت بإقبال شديد وخطة أمنية محبوكة بين كل أجهزة الأمن الداخلي وحرس الإقليم بما لم يظهر أي تواجد غير طبيعي في الشارع ويؤمن تماما حركة الناخب وسلامته من البيت إلى مكان الانتخاب وعودته بما لا يؤثر على حركة الحياة حيث تم رفع الحضر على
المركبات والتجوال بعد ساعات قليلة من بدأ الاقتراع، وتحولت العملية برمتها كما قيل إلى عرس وطني ساهمت به كل الأطراف المتنافسة في الإقليم.

    إنها فعلا الخطوات الأولى باتجاه بلورة معارضة حقيقية وناضجة تعمل تحت سقف المصالح العليا للبلاد بما لا يجعل الخلافات في الرأي والاتجاه يؤثر سلبا على لحمة المجتمع وثوابته العليا، وقد ظهرت إشارات ايجابية كبيرة على خيار الشارع الكوردستاني في التعاطي السلمي بمفردات الصراع الفكري أو السياسي وهذا ما كان ظاهرا في الحملة الدعائية التي توقع الكثير من المراقبين حصول خروقات أمنية أو تصادمات عنيفة على خلفية الخلافات الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية بين القوى المتنافسة على كراسي البرلمان أو الرئاسة، وأكثر ما ميز انتخابات هذه الدورة البرلمانية والرئاسية هي الإجماع الوطني الكبير على الرئيس مسعود بارزاني التي تشير أولى النتائج على تقدمه بنسبة 70% من أصوات الناخبين رغم الاختلاف السياسي على كراسي البرلمان إلا انه يؤشر التفافا واضحا ومهما حول الرئيس.

     إن الأيام القادمة ستشهد حراكا سياسيا بمستوى الأداء الذي شهده الشارع الكوردستاني يوم الانتخابات وخلال الحملة الدعائية بما يبلور كتل برلمانية مهمة سواء في الحكم أو المعارضة تنتظرها ملفات وطنية داخلية تتعلق بتنفيذ مفردات برامجها التي وعدت الأهالي بها وفي مقدمتها البنية التحتية للبلاد في الخدمات والإسكان والإنتاجية والتحديث في وسائل الإدارة ونظمها والإصلاح المالي، إضافة إلى ملفات المناطق ذات الأغلبية الكوردية في محافظتي نينوى وديالى وحسم موضوع كركوك وبقية المشاكل مع الحكومة الاتحادية في بغداد بما يعزز الاتحاد الاختياري بين مكونات الشعب العراقي واحترام الدستور واعتباره المحطة التي يجتمع فيها كل أبناء البلاد ومرجعيتهم القانونية والتشريعية.
 إنها بحق واحدة من أهم نجاحات شعب كوردستان التي جاءت لتحقق ما ذهب إليه منذ الأيام الأولى لحركة التحرر الكوردية الزعيم مصطفى البارزاني في انتهاج الديمقراطية طريقا لتحقيق الأهداف والقبول بالآخر بما يعزز قوة الشعب ونظامه السياسي ويؤسس لتقاليد تداول السلطة وفق أسس متحضرة وراقية تجعل الدولة ونظامها السياسي أكثر قوة ومنعة بمعارضتها الوطنية الناضجة.

   حقا كانت كلمات قليلة إلا أنها كبيرة في معانيها حينما صرخت إحدى مراقبات المراكز الانتخابية بعد انتهاء الانتخابات مباشرة: (لقد نجحنا يا كوردستان).

339
في كوردستان:
 الحاضر ينتخب المستقبل
                                                                                                   
                                                                                                 كفاح محمود كريم
   
    بعد انتصار انتفاضة آذار 1991م لم يكن أمام شعب كوردستان إلا خيار الديمقراطية وبناء المؤسسات وفق ذلك الخيار بعد أن انسحبت معظم إدارات الحكومة المركزية وخبرائها وفنييها وكل ما يتعلق بإدارة المجتمع والحياة من معظم إقليم كوردستان العراق حيث تركت ثلاث محافظات مدمرة في بنيتها التحتية ومواردها المالية وفرضت عليها حصارا مزدوجا مع الحصار الاممي الذي شمل كل العراق، وضاعفت قبضتها الاستبدادية على الأجزاء الأخرى في كركوك والموصل وديالى بمواصلتها لسياسة التطهير العرقي والتعريب والتغيير الديموغرافي لتلك المدن والبلدات ذات الأغلبية الكوردية.
    لقد ورثت الجبهة الكوردستانية التي قادت الانتفاضة ( وهي ائتلاف بين الديمقراطي والاتحاد والشعب والاشتراكي ) أكثر من أربعة آلاف قرية تم تدميرها وإزالتها من الوجود بسكانها البالغ عددهم قرابة المائتي ألف من الرجال والشيوخ والنساء والأطفال الذين ابتلعتهم صحراوات السماوة والنجف وبادية الحضر في ما سمي بمعارك الأنفال التي انتهت بقصف مدينة حلبجة والعديد من المدن والقرى الأخرى بالأسلحة الكيماوية في أبشع عملية قتل جماعي منذ كارثة هيروشيما وناكازاكي في الحرب العالمية الثانية.
     ورغم كل هذا الإرث والتحديات التي خلفتها ممارسات النظام السابق في هذه المناطق من كل النواحي قررت الفعاليات السياسية التي تقود المجتمع إجراء انتخابات عامة لتأسيس برلمان وحكومة وطنية منتخبة مباشرة من الشعب ولأول مرة في تاريخ العراق المعاصر وإقليم كوردستان، لينبثق المجلس الوطني الكوردستاني وينتخب حكومة إقليمية تبدأ اولى مهامها في صناعة حاضر جديد دون ما الالتفات إلى الماضي إلا بما يدفعها إلى الأمام.
    لقد كانت اولى تلك التحديات هي مدى قبول المحيط الإقليمي لهذه البذرة بل وكيفية التصدي لمحاولات إجهاضها أو على الأقل عدم السماح لها بالإنبات، وهذا ما حصل فعلا حيث اجتمع كل المختلفين في المحيط على إجهاضها والعمل من اجل عدم السماح لنموها أو حتى إنباتها من خلال تكريس الحصار وإشاعة الفرقة والفتنة والاقتتال الداخلي بين القوى السياسية بما يمنع أي تطور للتجربة الديمقراطية في الإقليم ومن ثم تحقيق الأهداف المرجوة لعموم الأهالي الذين كانت لهم وقفتهم الحاسمة في نجاح التجربة وفشل الانقسام والاقتتال الداخلي والانطلاق في ائتلاف سياسي واجتماعي من اجل بناء كوردستان وتقدم شعبها.
  وخلال عدة سنوات أنجزت مؤسسات الإقليم التشريعية والتنفيذية وفي كافة مجالات الحياة ما عجزت عنه كل الحكومات المتعاقبة على حكم العراق خلال أكثر من ثمان عقود منذ تأسيس الدولة في عشرينات القرن الماضي وحتى انهيارها في مطلع عام 2003م، وربما كان السلم والأمن الاجتماعيين أهم ما أنجزته تلك المؤسسات بالتعاون مع المجتمع ومنظماته المدنية حيث قضت على ظاهرة الانتقام وتصفية الحسابات على خلفية تلك الثقافة البائسة التي زرعها النظام السابق من خلال ميليشياته العشائرية المسلحة التي شكلها وكان يستخدمها في حربه مع الثوار، فقد نجحت تلك المؤسسات بدءا بالجبهة الكوردستانية وانتهاءً بالبرلمان من أن تشرع قانونا للعفو العام يؤسس لثقافة التسامح وإعادة اللحمة للمجتمع ومكوناته، وأن تنجز حاضرا اجتماعيا متميزا يقود عملية السلام وتوحيد الإدارتين التي أفرزتها الحرب الأهلية والانتقال إلى الاندماج الكلي للمجتمع والإدارة تحت سقف المصالح العليا للإقليم بالتعاون مع كل القوى الخيرة في المنطقة والعالم.
  أن السلام والأمن الاجتماعي الذي تميز به الحاضر الكوردستاني وفر الأجواء المناسبة للانطلاق إلى بناء الإقليم وبنيته التحتية وفي مقدمة تلك الأجواء هي الانفتاح العربي والدولي، حيث نجحت تلك المؤسسات في عقد أول اجتماع عربي كبير في العاصمة اربيل للاتحاد البرلماني العربي في آذار 2008م بحضور أكثر من 150 شخصية تمثل 19 بلدا عربيا نجحت في إزاحة الكثير من تلك الصور المشوهة التي رسمتها ماكينة الدعاية الشوفينية عن تجربة الإقليم بل وساهمت في إرساء علاقات جيدة مع معظم البلدان العربية وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية والجمهورية العربية السورية وليبيا والكويت والسعودية والأردن وقطر الإمارات العربية التي زارها جميعا السيد مسعود بارزاني بصفته رئيسا لإقليم كوردستان العراق.
     لقد أنجز البرلمان مجموعة من القوانين تتيح انتقالا نوعيا للعلاقات الاجتماعية والسياسية للمجتمع ومؤسساته ومن أبرزها قانون الاستثمار وقانون الصحافة وقانون تنمية الإنتاج الزراعي ومشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية وقانون مجلس الشورى ومشروع قانون دستور إقليم كوردستان، فضلاً عن إعلان رئيس برلمان الإقليم عن قرب مناقشة قانون السلطة القضائية وقانون الرقابة المالية مشيراً إلى أهمية استقلال السلطة القضائية وديوان الرقابة المالية.
    وفي الجانب الآخر نجحت حكومة إقليم كوردستان في إرساء قاعدة علاقات دبلوماسية وتجارية وصناعية مع معظم دول العالم ( أكثر من عشرين قنصلية وممثلية في العاصمة اربيل ) في أمريكا وأوربا واسيا ودول المحيط الإقليمي مثل تركيا وإيران التي أصبحتا شريكتان مهمتان في التجارة والاستثمار الصناعي والسياحي مع إقليم كوردستان، إضافة إلى عشرات الشركات العالمية المهمة التي تستثمر أموالها وخبرتها في مجالات الصناعة والنفط والمصارف والسياحة بما يؤمن حاضرا مزدهرا ومستقبلا واعدا للإقليم والعراق عموما، وفي هذا السياق افتتحت العديد من ممثليات الدول وقنصلياتها في العاصمة اربيل وكان آخرها القنصلية الفرنسية التي افتتحها وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير في نيسان 2008م اثر زيارته للإقليم العام المنصرم، إضافة إلى قنصليات بريطانيا والمانيا وروسيا والتشيك وكرواتيا وايران ومكتب العلاقات الأمريكية والكثير من الممثليات التجارية لدول اوربا واسيا، إضافة إلى العديد من جمعيات الصداقة بين شعب كوردستان وبقية الشعوب العربية والأجنبية التي افتتحت مقراتها في الإقليم.
   وفي حقل النفط والغاز نجح الإقليم بمؤسساته المختصة من اكتشاف واستثمار حقول جديدة للنفط والغاز بما يؤهله لسد حاجاته المحلية ويتجاوز ذلك إلى التصدير وهذا ما حصل فعلا في الأول من حزيران هذا العام حيث بدأ الإقليم بتصدير نفطه المنتج لأول مرة عبر الخط التركي إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط بطاقة ابتدائية هي مائة ألف برميل يوميا قابلة للزيادة إلى نصف مليون برميل خلال عام واحد. وفي نفس الاتجاه تعمل الشركات المحلية والعالمية في إنشاء مصافي مهمة للبترول في الإقليم ومحطات كبيرة لإنتاج الطاقة الكهربائية بما يسد حاجة السكان وينهي أزمة الكهرباء المستعصية.
   وفي مجال التعليم والتعليم العالي انتقل الإقليم إلى نظام تربوي متطور بأجرائه عملية تحديث شاملة للمناهج والأساليب والنظم المستخدمة في الإقليم بعد أن اقر البرلمان عملية التحديث وتغيير المناهج السابقة واعتماد احدث المناهج والفلسفات التربوية الحديثة من خلال فتح المئات من المدارس الحديثة وكليات التربية الأساسية لتخريج كادر تعليميي بمستوى عملية التحديث والتغيير والتطور الكبير في أعداد التلاميذ الذي أصبح اليوم مليونا و320 ألف تلميذ وتلميذة من رياض الأطفال وحتى الثانوية بعد أن كانوا 580 ألفا في عام 1991م، يدرسون في أكثر من 5110 مدارس بعد أن كانت لا تتجاوز 1310 مدارس في 1991م، يعمل فيها 83 ألف معلم ومدرس بعد أن كانوا 22 ألفا في عام 1991م..
  وفي حقل التعليم العالي والجامعات حيث كانت هناك جامعة واحدة في الإقليم عام 1991م هي جامعة صلاح الدين التي كانت تضم سبعة كليات و81 قسما علميا و582 تدريسي و سبعة آلاف طالب وطالبة وما يقرب من 18 طالب وطالبة فقط للدراسات العليا وعدد ضئيل من المعاهد ودور المعلمين، أصبح لدينا الآن أكثر من ست جامعات كبيرة وعشرين معهدا تقنيا وثلاث كليات تقنية تضم أكثر من مائة كلية 384 قسما علميا وأكثر من أربعة آلاف كادر تدريسي وألفين من المعيدين وما يقرب من ثمانية عشر ألف موظف و76 ألف طالب وطالبة، منهم 2150 دراسات عليا، تنتشر في معظم محافظات الإقليم وابرز ما يمثل الحاضر في هذا الإقليم الواعد  ويميزه هو فتح العديد من الكليات والمعاهد في القرى والأرياف بما يمنح فرصا كثيرة لتطوير هذه المناطق وتقليص الفوارق بينها وبين المدن.
  لقد أنتجت هذه الطفرة النوعية في انتقال الإقليم من أوضاعه المتخلفة قبل عام 1991م تحولا نوعيا في حياة المجتمع وفي نمط العلاقات الخارجية مع العالم وبالذات بعد سقوط النظام السابق والانفتاح الكلي للإقليم حيث تحولت عاصمته اربيل إلى مركز للمعارض التجارية الدولية التي تقام سنويا، إضافة إلى المنتديات الاقتصادية الإقليمية والدولية مثل المنتدى الاقتصادي الياباني والكوري والإيراني، بما يجعل كوردستان بوابة الدخول لكل المستثمرين والشركات العالمية إلى العراق والمساهمة في حملته الواعدة للأعمار والبناء.
انه بحق الحاضر الذي ينتخب المستقبل في كوردستان خاصة والعراق عامة.

340
المنبر السياسي / دستور كوردستان
« في: 23:02 14/07/2009  »
دستور كوردستان

                                                                                كفاح محمود كريم
 
    صادق برلمان إقليم كوردستان العراق في الرابع والعشرين من حزيران 2009م على مسودة مشروع أول دستور إقليمي منذ قيام الدولة العراقية ولأول مرة في تاريخ شعب كوردستان، حيث وضعت مسودته التي تتكون من 122 مادة لأول مرة بعد انتفاضة الربيع عام 1991م وقيام الإدارة الكوردستانية المستقلة عن حكومة صدام حسين السابقة وقد تمت مناقشته طيلة السنوات الثلاث المنصرمة من عمر برلمان كوردستان من قبل مكونات الإقليم وفعالياته السياسية، حيث توزعت معظم الآراء بين موافق بشكل مطلق ومعارض نسبي على بعض المواد ورافض لبعض آخر منها، ورغم ذلك تمت المصادقة عليه ودفعه إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات للتصويت عليه مع انتخابات البرلمان ورئاسة الإقليم في الخامس والعشرين من تموز 2009م حيث أعلنت المفوضية في بادئ الأمر موافقتها الأولية على التصويت تزامنا مع انتخابات البرلمان والرئاسة.
    إلا انه وبعد اقل من شهر من الموافقة على إجراء التصويت اكتشفت المفوضية صعوبة إجرائه فنيا وان ذلك سيؤثر سلبا على مصداقية التصويت ونزاهته(!) على حد وصف بيان المفوضية قبل عدة أيام في اقتراحها لتأجيله حتى الحادي عشر من آب 2009م، ورغم تبريرات المفوضية في قضية التأجيل وعدم ممانعة برلمان الإقليم والإدارة السياسية فيه، إلا إن البعض من المراقبين وكثير من الأوساط ذات العلاقة ترى ضغوطات سياسية داخلية وخارجية في تأجيل التصويت على خلفية اعتراضات داخلية وخارجية.
    وإذا استبعدنا كثير من الاعتراضات التي جاءت كخطابات سياسية دعائية أكثر من كونها اعتراضات دستورية أو قانونية على الدستور الكوردستاني وهي بالتالي تأتي على خلفية سياسية ذات موقف سلبي معروف من الدستور الاتحادي أولا والثوابت الأساسية للعراق الجديد ثانيا وثالثا وهو الأهم موقفها من الإقليم وما يتعلق به عموما. قلت إذا استبعدنا تلك الاعتراضات التي تشبه إلى حد ما ظاهرة العواصف الترابية هذه الأيام، سنتوقف عند أهم ثلاث اعتراضات خارجية حول الدستور الكوردي وهي:

    الأولى تتمحور حول الحدود الجغرافية للإقليم حيث يرى المعترضون الاتحاديون أنها تتقاطع مع المادة 140 من الدستور الاتحادي حول حل مشكلة المناطق المتنازع عليها متهمين المشرعين الكوردستانيين بالتجاوز على الدستور واستباق الحلول، بينما يرى المشرع الكوردستاني توافق تام مع المادة 140 من الدستور العراقي حيث ينص الدستور الإقليمي في مكان آخر على اعتماد تلك المادة في تثبيت الحدود الجغرافية والإدارية للإقليم.

    أما الثانية التي يفسر فيها المعترضين إلزام الحكومة الاتحادية في بغداد على استحصال موافقة الإقليم عند إبرام الاتفاقات والمعاهدات الدولية خروجا على الدستور والاتحاد، يبرر المشرعون الكوردستانيون تلك المادة بأنها متطابقة مع روحية الاتحاد العراقي ومبدأ المشاركة الفعلية في القرار وتكريس وبناء الثقة بين الشركاء في الوطن.

     ويأتي الاعتراض الثالث على خلفية اعتبار دستور الإقليم مرجعا في حل القضايا الخلافية مع بغداد، حيث يعتقد مشرع دستور الإقليم بأن الدستورين الاتحادي والإقليمي متطابقين في الثوابت والمصالح العليا وعليه فلا خلاف دستوري في اعتماده مرجعا قانونيا لتلك الخلافات بين الطرفين.

     أما في الداخل فقد انحصرت معظم الاعتراضات بين العجالة في الاستفتاء عليه ( رغم وجوده كمسودة لأكثر من ثلاث سنوات ) أو استخدام مصطلحات هلامية من قبيل ( التمرير ) علما بأنه قد تم التصويت عليه من قبل 96 نائبا من مجموع 97 كانوا حاضرين جلسة التصويت من أصل 111 عضو يشكلون برلمان كوردستان، بينما يرى البعض أن ثمة مواد في الدستور تتجه إلى تكثيف السلطات في الرئاسة أو التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي في الإقليم ورغم جدية بعض الاعتراضات إلا أن الحملات الدعائية قد فعلت فعلتها في تضبيب الرؤية وتكثيف غبار الأجواء؟
   
    ورغم ذلك وبين الفعل ورد الفعل وكل هذا الحراك السياسي في الداخل أو الضغوطات من الخارج تتفق كل الأطراف على أن المحكمة الاتحادية العليا هي التي ستنظر وتحكم في النهاية وان ما يجري الآن من تأييد واعتراض خارج دائرة الدعاية الانتخابية أو المواقف المسبقة يعتبر بتقديري ظاهرة صحية وتطور في الخطاب السياسي حيث جاء قرار تأجيل الاستفتاء على الدستور الكوردستاني سلسا لم يترك عاصفة ترابية على الأقل لغاية أيلول سبتمبر القادم حيث يعتقد كثير من المراقبين إجراء التصويت عليه مما سيترك متسعا من الوقت للمعترضين وغيرهم في البحث والتمحيص والمطابقة وأخيرا التصويت والمصادقة.

342
لماذا مسعود بارزاني؟

                                                                                              كفاح محمود كريم

  قال الرئيس جلال طالباني في افتتاحه للحملة الدعائية لقائمة كوردستان وهي ائتلاف يضم الحزبين الكبيرين في الإقليم وينافس العديد من القوائم في الانتخابات العامة القادمة لكوردستان العراق في معرض حديثه عن مرشح القائمة لرئاسة الإقليم:

( أن الرئيس مسعود البارزاني هو أفضل شخص نجعله رئيساً لنا، لأنه رئيس مناضل وأبن القائد القومي الكوردي، وهو شخصية معروفة في العراق والمنطقة والعالم، لذلك فهو ضروري لإقليم كوردستان والعراق والمنطقة للاستفادة من قدراته وحكمته وتجربته. )

   وتأتي هذه الدعوة لتمثل تحولا مهما في الخطاب الكوردي إذا ما عرفنا إن الرئيس طالباني هو الأمين العام للاتحاد الوطني والحليف اللدود للديمقراطي الكوردستاني في الانتخابات الحالية والسابقة والذي خاض خلافا تاريخيا مع الديمقراطي لأكثر من أربعين عاما، انتهت بتوقيع اتفاق استراتيجي بين الحزبين الكبيرين وتوحيد الإدارتين للعمل تحت مظلة المصالح العليا والثوابت الوطنية لكوردستان العراق.
 
   وفي حوار أجريته مع الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل أثناء زيارته إلى إقليم كوردستان قال واصفا مسعود بارزاني:

  ( بأن المرء حينما يتحدث إليه يشعر بعمق حضارتكم وحكمة شعبكم وأصالته وامتداد جذوره وشموخ جباله ).

  وفي مؤتمر البرلمانيين العرب الذي انعقد في العاصمة اربيل كان للرئيس بارزاني إطلالة مهمة على أعضاء جامعة الدول العربية والممثلين المفترضين لشعوبها حيث أثار إعجاب أكثر الأعضاء سلبية في مواقفه من تجربة الإقليم وشعب كوردستان، وأتذكر هنا ما قاله لي وزير الإعلام السوري السابق عدنان عمران وكان قد شارك بصفته الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي:

( لقد أحدثت الساعات التي التقينا فيها بالسيد مسعود بارزاني وخطابه الكريم تغييرا مهما في الصورة السياسية وحقيقة الموقف هنا في شمال العراق أو كوردستان العراق )

  وحينما سألته عن موضوع كركوك وهل يخشى من أن يتحول الصراع عليها إلى صراع عربي كوردي قال:

( بوجود السيد مسعود بارزاني وحكمته المعهودة لن يكون هناك صراعا عربيا كورديا لا في كركوك ولا في غيرها من المناطق الأخرى ).  

  وفي حوار مطول مع السيد جاسم محمد الخرافي رئيس مجلس الأمة الكويتي بعد اجتماعه مع الرئيس بارزاني وسؤالي عن الخطاب الكوردي قال:

( حقا انه خطاب ناضج ومتوزان ويمثل امتدادا لحكمة وقيادة ونهج المرحوم ملا مصطفى البرازاني وهو أي السيد مسعود يسير بخطى واثقة من اجل العراق الجديد وكوردستان )
 
 يتمتع الرئيس بارزاني باحترام وإعجاب الكثير من القيادات المحلية والإقليمية والدولية فهو سليل عائلة تقود نضال شعب كوردستان منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا في ظروف بالغة التعقيد جغرافيا وسياسيا، وإذا ما غادرنا تلك المواقف التاريخية في الاستمرار بالمقاومة بعد انتكاسة آذار 1975م ومعركة خواكورك الشهيرة التي كانت بحق بوابة النصر والتحول الايجابي في سيكولوجية الشعب من الانكسار إلى الانتصار والثقة بالمستقبل، فأننا سنتوقف عند محطتين في غاية الأهمية والخطورة أيضا واللتان كان لهما تأثيرا بالغا ومصيريا على مجريات الأحداث ومستقبل شعب وإقليم كوردستان وهما:
 الأول قرار العفو التاريخي لقوات ما كان يسمى بالجحافل الخفيفة وهي ميليشيا مسلحة تتكون من شيوخ وأغوات العشائر الموالية للنظام الحاكم آنذاك وقد تورطت بعمليات القتل والسلب والنهب وعمليات الأنفال سيئة الصيت وكانت أعدادها تقترب من أربعمائة ألف مسلح وبصماتها وأثار عملياتها تكاد تنتشر على مساحة الوطن بأجمعه.
لقد كان قرارا صعبا وخطيرا في ذات الوقت لكنه أيضا كان قرارا شجاعا يتجه بالبلاد إلى ضفة الأمان والبناء، وفعلا كانت الخطوة الأولى باتجاه بناء الأمن الاجتماعي الرصين وغلق ملف الانتقام إلى الأبد وترصين المجتمع من خلال الصلح الاجتماعي وإعادة بناء أولئك الأفراد وطنيا وقوميا وإشراكهم في التجربة الجديدة كمواطنين صالحين بحيث أصبح الإقليم واحة للأمن والسلام في العراق.
  أما المحطة الثانية فقد كانت خيار الديمقراطية والدعوة إلى انتخابات عامة لتأسيس برلمان للإقليم وحكومة وطنية ومؤسسات دستورية في خضم صراعات إقليمية حادة وحصار مزدوج على المنطقة وبنية تحتية مدمرة بالكامل وأمية مستشرية ونظام قبلي معقد، وسط كل هذه الظروف دعا الرئيس مسعود بارزاني إلى تلك العملية التي كانت تحديا كبيرا ومرحلة دقيقة لانتقال الشعب الكوردستاني إلى ضفة الديمقراطية وخيار لم يكن سهلا بقدر ما كان تحديا لتلك الظروف وانتقالا إلى مرحلة البناء الديمقراطي والدستوري لمؤسسات الإقليم والمجتمع. 

343
كوردستان والخيار الديمقراطي

                                                                                          كفاح محمود كريم

     أثبتت تجارب الشعوب المضطهدة والتي ناضلت سنوات طويلة من اجل التحرر والانعتاق من الظلم والطغيان إن الخيار المسلح واستخدام العنف هي حالات طارئة واضطرارية تلجأ إليها تلك الشعوب حينما تعجز أنظمة الحكم  الدكتاتورية أو الاستعمارية عن إدراك الطريق الديمقراطي لحل المشاكل والصراعات سواء ما كان منها من اجل المشاركة في السلطة أو التعبير عن الرأي أو في التحرر وحق تقرير المصير، ولم يكن السلاح ومن ثم العنف بحد ذاته هدفا بقدر ما كان وسيلة تضطر إليها الشعوب وقواها الطليعية ضد التعسف والظلم والاستبداد.
    وفي كوردستان وعبر تاريخها  الطويل لم تكن البندقية إطلاقا خيارا اختياريا بل كان فعلا اضطراريا، كما إن العنف لم يتحول في  كل مراحل النضال من اجل الحرية إلى هدف بحد ذاته طيلة أيام الثورة ومقارعة الظلم والاضطهاد منذ  ثلاثينات القرن الماضي وحتى سقوط النظام السابق في نيسان 2003م.
    فقد كان الخيار الديمقراطي يتقدم دوما خيار المقاومة المسلحة بل ويشترط قيام الديمقراطية أولا لحل القضية الكوردية في ما بعد، وهذا ما اتضح جليا في شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان الذي رفعه الكورد منذ أواسط الأربعينات من القرن الماضي وأصبح هدفهم الاستراتيجي وخيارهم الأكثر أهمية، وليس ببعيد عن الذاكرة العراقية عامة والكوردستانية خاصة قرارات إيقاف القتال من طرف واحد من قبل الثوار لإفساح المجال لبصيص أمل في التوصل إلى حل سلمي وديمقراطي للقضية الكوردية في التعبير عن إن السلاح لن يحل أي إشكال، وان الصراع لم يكن في أي يوم من الأيام بين الشعبين العربي والكوردي بقدر ما كان صراعا بين النظم الدكتاتورية وبين كل مكونات الشعب العراقي التي ضحت وخسرت الكثير نتيجة استبداد تلك الأنظمة وتهميش دورها وإقصائها.
   وفي كل مرة تتوفر فرص إيقاف الأعمال المسلحة  يكون  خيار السلم والديمقراطية هو البديل الطبيعي  الذي اختاره الشعب دوما لتحقيق أهدافه ومطامحه وهو المطلب الأول في كل المباحثات والمفاوضات مع معظم الأنظمة التي حكمت العراق حيث الخيار الديمقراطي لكل البلاد من أجل تحقيق طموحات وأهداف شعب كوردستان، وهذا ما حصل فعلا في كل محطات السلام منذ ستينات القرن الماضي وحتى مفاوضات ما بعد الانتفاضة عام 1991م واستقلال الإقليم عن النظام الحاكم آنذاك، فقد دأبت قيادة الجبهة الكوردستانية على التفاوض مع نظام صدام حسين من اجل إحداث إصلاح سياسي يتم بموجبه التخلي عن النهج الدكتاتوري وإشراك قوى المعارضة الوطنية في الحكم لمواجهة الحصار الدولي وللخروج من ذلك النفق المظلم الذي أدى إلى تدمير البلاد حينما أصر النظام السابق على نهجه الشمولي ومعاداته للخيار الديمقراطي الحقيقي وإصراره على المراوغة والانفراد في السلطة والالتفاف على الحركة الوطنية العراقية.
   وبعد فشل المفاوضات مع النظام الحاكم آنذاك  كان الخيار الديمقراطي في طريقه إلى التطبيق في المناطق التي تم تحريرها بانتفاضة الربيع عام 1991م بعد أن حاول النظام إحداث شلل في البناء الإداري والمؤسساتي في المنطقة اثر سحب كافة الإدارات والخبراء والفنيين في كل أنحاء الإقليم ومفاصله الحيوية، فتوجه الناخبون الكوردستانيون في هذا الجزء من الإقليم إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أول برلمان كوردستاني في تاريخ هذا الشعب  وقيام أول حكومة منتخبة لكوردستان العراق، وبذلك ينفذ الكوردستانيون خيارهم الديمقراطي لأول مرة على جزء من الدولة العراقية التي يحكم جزئها الآخر نظام دكتاتوري مستبد، حيث بدأت القوى المضادة وفي مقدمتها النظام الحاكم والجهات ذات العلاقة من المحيط الإقليمي في مقارعة هذه التجربة ومحاولة إفشالها بشتى الأساليب ابتداءً بالحصار المزدوج على الإقليم وانتهاءً بالحرب الأهلية.
    ولأن السلام والحرية والديمقراطية هي خيارات الشعب الأساسية فقد توجه الناخبون الكوردستانيون ثانية إلى صناديق الاقتراع في أواسط عام 2005م لانتخاب برلمان جديد ولأول مرة انتخاب رئيس للإقليم وانبثاق حكومة وطنية عريضة تشمل ائتلافا واسعا ضم كافة مكونات وفعاليات كوردستان السياسية والاثنية والدينية وبرنامج طموح لتحديث الإقليم ومؤسساته والعمل الدءوب للانتقال بكوردستان العراق إلى مستويات متقدمة في البناء والأعمار والازدهار الاقتصادي والاجتماعي والتركيز على التنمية البشرية وتحديث برامج التربية والتعليم والنظم الاقتصادية والاجتماعية بإشراك المرأة بشكل واسع في كل مفاصل الحياة والعمل على تحريرها اقتصاديا واجتماعيا ومعالجة ظاهرة الفساد التي غدت واحدة من أهم المعوقات لمشاريع التمنية والتحديث بسبب ضلالها القاتمة. 
   واليوم وبعد ما يقرب من أربع سنوات من عمل البرلمان والحكومة يتوجه الناخبون الكوردستانيون في الخامس والعشرين من تموز المقبل إلى صناديق الاقتراع للمرة الثالثة منذ انتفاضة  شعب كوردستان في ربيع 1991م  لمواصلة خيارهم الديمقراطي في الحياة والإصرار على إدامته وتطويره مع بداية ظهور حراك سياسي مختلف ربما يتبلور خلال الدورة القادمة إلى معارضة حقيقية تعمل تحت سقف المصالح والثوابت الوطنية العليا للإقليم بما يعمل على حبك النسيج الوطني وتعزيز مفهوم المواطنة والحفاظ على المكتسبات والمنجزات التي تحققت منذ الانتفاضة وحتى يومنا هذا مع الإيمان والعمل من اجل تطويرها  وتقليص مساحات الفساد الإداري والمالي بما يعزز أفضل الفرص لبناء وأعمار الإقليم وبنيته التحتية في كل مضامير الحياة. 

   

344
انتخابات كوردستان
                                                                                             كفاح محمود كريم

     لقد أدرك شعب كوردستان منذ منتصف الأربعينات من القرن الماضي أن الديمقراطية هي الهدف الأمثل والطريق الأصلح لتحقيق ما يصبو إليه في الخلاص من الظلم والاضطهاد والتهميش، بل كانت الديمقراطية للعراق الهدف الأول  للكورد من اجل تحقيق غايتهم في الاستقلال الذاتي سواء الفيدرالي أو في حق تقرير المصير بأي شكل آخر، جنبا إلى جنب مع الاستخدام الثوري للعنف في مقارعة الأنظمة الشمولية التي توالت على حكم العراق منذ تأسيسه وحتى سقوط نموذجه العنصري في احتلال البلاد من قبل القوات الأمريكية ومن ثم عصابات الإرهاب والمخابرات الدولية المتورطة في الشأن الداخلي العراقي.
     وطيلة أكثر من ستين عاما كان شعب كوردستان يصر دوما وهو في أحلك الضروف وأكثرها مأساوية على الحل السلمي والديمقراطي لقضيته والتعاطي النبيل في تفاصيل الحرب مع العدو بما لا يجعلها هدفا - أي الحرب - بل واحدة من الوسائل لتحقيق ذلك الهدف، وليس ببعيد عن ذاكرتنا كيف تصرف القادة الكورد بعد اقل من أربع سنوات من كارثة حلبجة والأنفال، أبان حرب الخليج الثانية عام 1991م حينما كانت هناك فسحة للتفاوض من اجل الحل السلمي والديمقراطي للعراقيين عموما ولشعب كوردستان خاصة، ورغم تاريخ النظام الأسود في تعاطيه مع قضية كوردستان ووحشيته التي لا مثيل لها، إلا أنهم كانوا دوما يبحثون عن فرص السلام والديمقراطية لتطور الحياة وتحقيق الأهداف المرجوة، وكذا فعلوا في مطلع الستينات من القرن الماضي أيضا حينما كانت هناك بعض فرص ربما استخدمها أصحابها في النظام لأجل المراوغة وكسب الوقت إلا إن الطرف الثاني كان يتعامل ضمن ثوابت ومبدأ السلام والديمقراطية هي الطريق الأمثل لتطور مجتمعاتنا وتحقيق ما نصبو إليه من عدالة في الحقوق والواجبات وان العنف والسلاح خيار غير مرغوب واستثنائي وطارئ.
    وفي سنوات المقاومة كانت الديمقراطية واحدة من أهم المرتكزات التي يعتمدها الثوار في تعاملهم اليومي مع تفاصيل الحرب جنبا إلى جنب مع كل القوى السياسية العراقية المعارضة للدكتاتورية ومن جميع الأطياف والتي لجأت إلى جبال كوردستان وجعلت منها مواقع متقدمة للنضال من اجل الحرية والانعتاق للعراقيين عامة ولشعب كوردستان الذي اعتمد التسامح والتعايش وقبول الآخر بين مكوناته العرقية والدينية والمذهبية، حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون والايزيديون على مختلف مشاربهم ومذاهبهم وطبقاتهم على أساس المواطنة والانتماء دونما أن يكون هناك صراع على أساس ديني أو عرقي مما أعطى هذه المجتمعات أساسا متينا للسلوك الديمقراطي كثقافة لقبول الآخر والمختلف.
   وفي أول فرصة ينالها شعب كوردستان لتحقيق ذاته دون وصاية أو حكم دكتاتوري بعد انتصار انتفاضة الربيع في آذار 1991م أعلن الرئيس مسعود بارزاني الخيار الديمقراطي في تأسيس المؤسسات الدستورية والحكومية التي أراد النظام السابق بسحبها من مدن ومحافظات الإقليم  إحداث الشلل والإرباك في المجتمع والدولة بغياب مؤسسات الإدارة والتشريع، فكانت انتخابات مايو/ايارعام 1992م ردا حضاريا وتحديا كبيرا للنظام الدكتاتوري وانتصارا للمبدأ الذي طالما تم اعتماده أساسا لحركة شعب كوردستان التحررية.
   في هذه الانتخابات تنافس الحزبان الكبيران الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني إلى جانب مجموعة من الأحزاب الوطنية الأخرى لشغل مقاعد البرلمان المائة وإحدى عشرة في أول تجربة من نوعها في تاريخ هذا الشعب وربما منذ أكثر ثلاثة عقود من تاريخ العراق السياسي بعد سقوط الملكية، متحدين بذلك أجندات محلية عراقية تابعة لنظام صدام حسين ودولية إقليمية ذات علاقة بالملف الكوردستاني في الشرق الأوسط كونها سابقة وتجربة تكاد تكون الأولى من نوعها في المنطقة بهذا الشكل الإقليمي.
   ورغم كل المعوقات التي رافقت تلك العملية فقد اجتاز شعب كوردستان انتخاباته الأولى بنجاح كبير ومشاركة منقطعة النظير وبأشراف مباشر من مئات الشخصيات والمنظمات العالمية لحقوق الإنسان من أوربا وأمريكا إضافة إلى ممثلي الاتحاد الأوروبي  والأمم المتحدة، لينبثق أول برلمان كوردستاني في تاريخ هذا الشعب يضع لبناته القانونية والتشريعية الأولى للحفاظ على نهج الخيار الديمقراطي للكورد وبقية المكونات الأخرى في الإقليم.
   وقد أعقبت تأسيس البرلمان الكوردستاني مرحلة بناء وانبثاق مؤسسات الإقليم التنفيذية والقضائية وفي مقدمتها الحكومة الكوردستانية الأولى التي نالت ثقة البرلمان وبدأت بإدارة الإقليم والعمل على مواجهة حصارين مزدوجين في آن واحد؛ الأول من قبل الأمم المتحدة للعراق بأكمله والثاني من قبل النظام في بغداد الذي منع دخول أي شيء إلى الإقليم بما في ذلك المواد الغذائية والأدوية بكافة أنواعها ووسائل الطاقة من كهرباء ووقود وكل ما يتعلق بإدامة الحياة صناعيا وزراعيا.
   ورغم إن النظام السابق وحلفائه من دول الجوار المعنيين بملف كوردستان وشعبها  أنفقت الكثير من الأموال والجهد من اجل إفشال التجربة الديمقراطية في الإقليم وإيقاف تطور مؤسساتها ونجحت إلى حد ما في إشعال وإدامة حرب أهلية كادت أن تدمر البلاد والعباد لولا حكمة الكثير من القيادات السياسية والاجتماعية وتدخل الأصدقاء والحلفاء في العالم الديمقراطي والذي أوقف تلك الحرب المدمرة بل وحولها إلى دافع لتوحيد الجهود ومعالجة الجراح والانطلاق إلى بناء المجتمع ومؤسساته وتوحيدها في إدارة واحدة تحت سقف القانون ومؤسساته الديمقراطية ومرجعيته البرلمانية التي التأمت مرة أخرى في كانون أول 2005م حيث توجه الناخبون الكوردستانيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب من يمثلهم في برلمان كوردستان من خلال جبهة أو ائتلاف ضم معظم القوى الاجتماعية والسياسية الديمقراطية والعلمانية والدينية أيضا، إضافة إلى المجموعات العرقية والقومية الأخرى في الإقليم ولأول مرة بالتزامن مع انتخابات عراقية حقيقية لانتخاب مجلس للنواب العراقي أيضا بعد سقوط الدكتاتورية وقيام العراق الاتحادي.
    واليوم وبعد أربع سنوات مليئة بالعمل الدؤوب من اجل تكريس الوحدة الاجتماعية والسياسية في الإقليم والنجاح في توحيد الإدارات على مستوى السلطة التنفيذية ووزاراتها وتشريع العشرات من القوانين والتشريعات التي تحفظ هذا النهج الديمقراطي وتعزز مشاركة المجتمع ومنظماته المدنية وتحافظ على تجربته الديمقراطية تأتي الانتخابات المزمع إجراؤها في الخامس والعشرين من تموز المقبل الثالثة منذ انتفاضة الربيع عام 1991م والتي يبلغ فيها عدد الناخبين ( 2,518,229 )  ناخب على خلفية عدد سكان المحافظات الثلاث اربيـل ودهـوك والسـليمانية والبالغ  ( 4,382,291 ) باستثناء سكان المناطق التي ما زالت خارج الإقليم والمشمولة بالمادة 140 والجالية الكوردستانية في المهجر، حيث تتجه الفعاليات السياسية أحزابا وكيانات إلى صناديق الاقتراع لانتخاب برلمان جديد ودماء جديدة وقوانين طموحة تمنح النساء مقاعد أكثر من ذي قبل ( 30% ) والشباب فرصا أكثر للمساهمة في صنع وتشريع القرار والقانون ( قبول الترشيح لأعمار 25 سنة فما فوق )، وتطور واضح في نشوء معارضة مختلفة تماما عما كانت عليه في الانتخابات السابقة وربما الأولى من نوعها منذ تمتع الإقليم بوضعه الفيدرالي، حيث برزت في هذه الانتخابات كيانات وحركات تدعو إلى إحداث تغييرات وإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية، ثم إن هذه الانتخابات المثيرة للجدل أكثر من سابقتيها سيتم الاستفتاء فيها أيضا على منصب رئيس الإقليم بطلب خاص من الرئيس مسعود بارزاني الذي أصر على انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب، وعلى ضوء ذلك اقر البرلمان قانونا لانتخاب الرئيس مباشرة حيث أعلن خمسة مرشحين منافستهم للرئيس بارزاني على موقع الرئاسة في سابقة هي الأولى من نوعها في الإقليم والعراق عموما.
   ويبدو أن مهام كبيرة وقضايا شائكة تنتظر الدورة البرلمانية الجديدة في شكلها الذي سيضم إلى جانب قائمة الحزبين الكبيرين كيانات أخرى وأحزاب تدخل الساحة السياسية لأول مرة، وعدت جميعها الناخبين بأجراء تغييرات وتحديثات مهمة في المجتمع والإدارة وبتقليص مساحات الفساد المالي والإداري بما يحقق مكاسب أكثر للمواطن والمجتمع وبنيته التحتية ويطور شكل الحياة في كافة أوجهها ومتطلباتها ليس في الإقليم فحسب وإنما في ما يتعلق بأكثر من ثلث نفوس كوردستان الذين يعيشون خارج حدود 19 آذار 2003م في سنجار وزمار والشيخان وكركوك وخانقين ومندلي وبقية المناطق الأخرى في الموصل وديالى وتكريت المشمولة بالمادة 140 من الدستور الدائم.
 

345
مركزة الدولة وإلغاء التوافق؟
                                                                                                كفاح محمود كريم

   منذ فترة ليست بالقصيرة بدأت بالظهور دعوات إلى مركزة العملية السياسية والعسكرية في الدولة وإعادة تقوية المركز على حساب الأقاليم والمحافظات ومن ثم تكثيف الفرد السياسي ( الشخصنة أو الحزب القائد ) على المجموع السياسي، بما يتقاطع مع الأساسيات التي اعتمدت مبدئيا بعد سقوط نظام مركزية السلطة والمال وانهيار نظام الحزب القائد والفرد الأوحد.
  وفي نفس السياق هناك من ينظر إلى التوافق السياسي في هذه المرحلة التأسيسية عائقا لطموحاته في شخصنة الدولة ومركزتها ثانية ليتسنى لمجموعة ما بالانفراد سلطويا تحت مضلة الأغلبية الطائفية تارة والقومية تارة أخرى، بدعوات إجراء تعديلات جذرية على الدستور الدائم والتصريح المكثف حول عجالة وضع الدستور والتشكيك في نجاح وأهمية الصيغة التوافقية لهذه المرحلة من تاريخ بلد لم يعرف التعامل مع الآخر المختلف إلا بالإذلال والإلغاء أو الموت كما حصل عبر عقود من إبادة الأحزاب السياسية المعارضة للحزب القائد أو الرئيس الضرورة وأنفلة ( تغييب وإبادة ) الكورد والشيعة والمعارضين الآخرين عبر أكثر من أربعين عاما.
  وجاءت كثير من التصرفات والسلوكيات التي يمارسها أصحاب هذا النهج والتوجه شبيهة إلى حد كبير بتلك الممارسات والسلوكيات التي مارسها النظام السابق في تعامله السلطوي والميكافيلي والتعبوي أحيانا كثيرة وخاصة في ما يتعلق بنشاطات واجتماعات ( الرئيس القائد ) وتنظيراته مع شيوخ العشائر ( بموديلاتها الثلاث أ،ب،ج ) ومؤتمراتها التي كان الحزب القائد يديرها ويوجه ربابنتها من اجل التعبئة الأفقية وتوجيه الرأي العام بأسلوب التلقين والتسطيح.
   ولعله من المفيد أن نذكر بعض ما حدث مؤخرا من استغلال كبير للسلطة وأدواتها وميزانيتها في حملات الدعاية الانتخابية لمجالس المحافظات والأساليب التي استخدمت في شراء ذمم وأصوات البسطاء من الناس وغلق عين أو الاثنتين معا لوصول البعثيين والمتطرفين القوميين إلى تلك المجالس تحت مسميات معروفة في الشارع العراقي هنا وهناك وبخاصة في الموصل، بل واستخدام ذات الأساليب التي استخدمها النظام السابق مع الحركة التحررية الكوردية في دعم كل المناوئين لها من تجار الحروب وما أطلق عليهم بــ ( الجحوش ) أو قوات الجته الحكومية، حتى اتضحت الأمور أكثر في تصريحات رئيس الحكومة الاتحادية مؤخرا والتي أشار فيها إلى انه ( الكورد جزء من العراق، لدي علاقات معهم وخاصة مع مثقفيهم، ولكن قياداتهم لا يسمحون بهذا !؟ ) وهي نفس اللغة التي كان يستخدمها رئيس النظام السابق ومعاونوه حينما يتحدثون عن الكورد وكوردستان.
  إن معاداة الكورد وإلغاء دورهم أو إقصائهم وتهميشهم واللعب من خلف ظهورهم على خلفية تصنيع بدائل وتشكيلات كارتونية، تارة تحت يافطة جحافل صلاح الدين الخفيفة ولاحقا تحت مسميات الصحوة والإسناد ( في الموصل وكركوك وديالى ) وتارة أخرى محاولة إعادة الحياة لتلك الجحافل من المرتزقة والجحوش تحت تسميات سياسية على طريقة تصنيع أحزاب الزينة كما حصل مؤخرا في تلك المحافظات يدلل على  عدم جدية الانتقال إلى نظام جديد بل والسماح بنشوء جيوب لذلك النظام  تستخدم عند الحاجة كأوراق ضغط ومساومة في مفاصل كثيرة من الدولة بما يثير الشكوك  في جدية الحكومة الاتحادية وتوجهاتها في حل المشاكل وانجاز حكومة وحدة وطنية حقيقية.
  لقد أكدت الأحداث والتجارب على إن إتباع هذا النهج والتعامل من وراء المؤسسات الدستورية لإقليم كوردستان وقياداتها سيقود العملية السياسية إلى الفشل الذريع وربما إلى انهيارها بالكامل، ولعل ما حدث وما آلت إليه الأمور منذ تأسيس الدولة العراقية في اعتماد هذا النهج واستخدام سياسة معاداة الكورد وإتباع أساليب المراوغة والتحايل والتسويف تؤدي دوما في نهاية المطاف إلى ما انتهت إليه كل الأنظمة السياسية التي حكمت العراق وانتهجت تلك السياسة، بل وإنها تسببت في تدمير البلاد والعباد وحرمانها من التطور السلمي والاستخدام الحضاري للثروة ووسائلها.
  إن المراوغة والتسويف في حل القضايا العالقة بين الإقليم والحكومة الفيدرالية أو بين الكتل السياسية الأخرى ومحاولة تصنيع مشاكل جانبية أخرى أو إحداث إشكاليات لدى الأطراف المقابلة ومركزة الدولة وتكثيف السلطات وشخصنتها ومحاولة إلغاء التوافق السياسي ودعم أطراف محسوبة على النظام السابق على خلفية ( عدو عدوك صديقك ) لتحقيق مآرب فئوية أو حزبية ضيقة أو ربما أجندة دولية معينة سيعقد الأمور أكثر ويؤخر الخروج من هذا النفق الذي يكلف العراق ومكوناته الكثير من فرص التقدم والأعمار والسلام ويساهم دوما في إدامة الفساد وإطالة عمره وتغلغله في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها.
  إن أكثر ما يثير الخشية الآن هو أن الزلزال الذي أصاب العراق في نيسان 2003م وأدى إلى احتلاله وتدميره وانهيار واحد من أعتى النظم الدكتاتورية في العالم وأكثرها كذبا وتبجحا وادعاءا، لم ينجح في إزالة تلك العقلية الشمولية التي سيطرت عليه طيلة أكثر من أربعين عاما، بل إن الكثير من الذين حاولوا اختراق العملية السياسية بتسلقهم عربات القطار الديمقراطي ما زالوا يظنون أنهم قادرين على استنساخ ذلك النظام الذي ورط العراق في أربعة حروب خلال حكمه والتي أنتجت مئات الآلاف من القتلى والمعاقين وأحرقت آلاف المليارات من الأموال على تلك الحروب وملحقاتها وأضاعت فرصا تاريخية لتقدم البلد وتطوره.
 
   

348
( لكي لا تتوالى المخازي!؟ )
                                                                                             كفاح محمود كريم
 
   كانت وما زالت الموصل مدينة ولا أجمل منها بين المدن لما امتازت به من تنوع في الأعراق والأجناس وتعدد في الأديان والمذاهب والمعتقدات وما حباها الله من طبيعة خلابة تجمع بين أقاليم الجبل والسهل والصحراء، وعقدة تلتقي فيها كل ممرات التجارة بين الدول والقارات، فقد كانت عبر تاريخها الغائر في أعماق الزمان عاصمة لإمبراطوريات سادت ثم بادت مخلفة على ثراها وفي نفوس من ورثها من الأشوريين والميديين ومن جاء بعدهم عادات وتقاليد لا مثيل لها فيما حواليها من مدن وحواضر على تخوم الجبال أو شواطئ البحار، لقد كانت محطة لكل الأقوام وساحة حروب بين الدول والإمبراطوريات حتى لم يعد هناك شبرا من أراضيها ما لم يضم جزء من رفات إنسان قضى هناك في واحدة من صراعات الماضي وحروبه الغابرة. 
  إنها الموصل؛ واحدة من درر التاج العثماني ومركز إحدى أهم ولايات الإمبراطورية التي كانت تضم اربيل ودهوك وسنجار وكركوك والسليمانية وما تبعهم من العراق العجمي حتى غدت عاصمة لكوردستان العراق وشماله اقتصاديا واجتماعيا وإداريا والتي مابرحت وريثة أملاك بني عثمان في آسيا الصغرى تركيا اليوم تطالب وما زال لعاب ( باشاواتها العسكر ) يسيل في أطراف هذه المدينة التي حسمت انتمائها جغرافيا في حدود عام 1925 م إلى مملكة الشراكة العربية الكوردية في العراق، حين استفتي السكان فيها من قبل عصبة الأمم على عائديتها بين الأستانة وبغداد العراق بعد قيل وقال ولجان وأموال وناس تذهب وتجيء في السر وفي العلن، وهنا يقول شاهد عيان كان ساعتها يشهد ذلك الحدث، إنه خيرالدين العمري الذي يقول في كتابه الموسوم بـ ( مقدمات ونتائج الجزء الثاني صفحات 257 وحتى 259 ):
   كان المرحوم فيصل والانكليز والحكومة العراقية قد مهدوا طريق النجاح لحل المشكلة لصالح العراق
   (( وقد سطر الصفحة الذهبية في هذا الاستفتاء أبناء الشمال الأكراد الأشاوس فقد انضم الأكراد وفاز العراق.. )).

 
  وعن موقف بعض الأهالي في الموصل يقول العمري :
 
   كان بعض العرب يتهربون من مواجهة لجنة الاستفتاء محافظين لخط الرجعة فيما لو عاد الأتراك إلى هذه البلاد. ويضيف العمري قائلا:
    وقد تهافت بعض عرب الموصل على تقبيل أياد جواد باشا الممثل التركي، وهتف آخرون بحياة مصطفى كمال ( ولولا الشغب الذي أحدثه بعض المخلصين تخويفا للباشا الموما إليه ليمتنع عن الخروج والتجول في المدينة لتوالت المخازي )!؟

 
   بل وتم إيقافها حينما منح الكورد الموصل عراقيتها وانتمائها بحسب ما وصفه خيري الدين العمري بالصفحة الذهبية في تاريخ هذه المدينة التي واجهت في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات من القرن الماضي أبشع عمليات التصفية والتطهير العرقي بحق الكورد والكلدان والآشوريين والديمقراطيين التقدميين من مناضلي القوى الوطنية، حتى تسلط البعثيون الشوفينيون ثانية على الحكم بعد انقلابهم في 1968م لتبدأ واحدة من أكثر صفحات التاريخ العراقي سوادا في محافظتي الموصل وكركوك، حيث التشويهات الديموغرافية للمدن والبلدات وتمزيق خرائطها الادارية وترحيل  السكان الأصليين القسري واستقدام الآلاف من الأسر العربية  لإسكانها في مناطقهم وأراضيهم وإرغام من تبقى منهم على تصحيح قوميته إلى العربية ليتسنى له الحفاظ على بيته وأملاكه ومستقبل أسرته، حيث جرت هذه العمليات في مطلع الستينات من القرن الماضي على أيدي البعثيين بعد انقلابهم عام 1963م ومن ثم 1968م حيث أخذت عمليات التعريب السيئة الصيت مداها الأكبر في التطهير العرقي الذي نال الكورد والتركمان والكلدان والآشوريين بما يلغي وجودهم ويقصي دورهم في العملية السياسية أو الإدارية أو الاجتماعية طيلة أكثر من ثلاثين عاما تم إبعادهم عن الحياة السياسية، لا بل منعوهم حتى من امتلاك الدور أو الأراضي السكنية أو الزراعية واستخدام الأسماء غير العربية أو حتى تسجيل ملكيات المركبات بأسمائهم.   
   واليوم وبعد أكثر من ثمانين عاما من تأسيس العراق وأكثر من ست سنوات من سقوط ذلك النموذج العنصري الحاكم تغرق الموصل في طوفان أجندات دولية من الجوار وما بعد الجوار، فبعد أن كانت تركيا لوحدها صاحبة الشأن قبل عقود ثمانية ونيف، أصبحت القائمة اليوم أكثر عددا لتتوالى سلسلة المخازي التي خشي منها العمري قبل ثلاثة وثمانون عاما، بل إن الذين منحوا الموصل هويتها العراقية مطلع القرن الماضي يتم تصفيتهم وتهجيرهم منها تسهيلا لمنحها هوية أخرى على أنقاض مدينة يتم مسخها بإقصاء الآخرين واستخدام ذات الأسلوب الذي استخدمه البعثيون والعنصريون والذي أوصل العراق إلى ما هو عليه الآن؟
   
 
 
 

349
في كوردستان
تتعانق الأعراق والأديان

                                                                                          كفاح محمود كريم
 
 
  هنا في العراق أو في كوردستان من أقصى ممالك ميديا إلى أقصى ممالك آشور، نزولا إلى أور وطيات الهجرات الأولى لشعوب وأقوام شمال مابين النهرين إلى جنوبه حيث الحضارة الأولى والحرف السومري الأول في مقامات الكلام وصفحات الحضارة الأولى، صعودا إلى تلك الهضاب بين أكد وبابل الحضارة والإنسان وأختام القوانين وبدايات عصر الدستور وأنسنة الإنسان.
  هنا في كوردستان تعايشت كل الأعراق والأديان، وكما هي تضاريس هذه البلاد واختلاف أشكالها وألوانها، جبالها ووديانها، توزعت مشارب البشر وانتماءاته في العرق والعقيدة، بين الكورد والكلدان والآشور والسريان، عربا وتركمان، جمعتهم ارض تمازجت فوقها كل الألوان حتى غدت في يومها الأول نوروز أجمل اللوحات وارق الألحان.
  في كل أرجاء الدنيا وعند كل شعوب الأرض يسكن البشر في أوطانه إلا في كوردستان فهي التي تسكن بين القلوب والعيون، وتستقر حيثما تنبض القلوب حبا وعشقا، تسامحا وتعايشا، فمنذ البدء كنا وكانوا هنا وهناك، في كل قرية ومدينة، في قمم الجبال وأطراف الوديان، أينما تواجدنا وتواجدوا، كنا الأقرب إلى بعضنا عبر كل ما جمعنا في التاريخ والجغرافية، وفي الحروب والعلوم والآداب، حتى تشابكت أحداثنا ومن ثم مشاعرنا وأحاسيسنا، واختلطت دماؤنا وهي تنزف في حروب خضناها معا من اجل الحياة أو من أجل بعضنا، اختلطنا  وتناسبنا فامتزجت أنسابنا وألواننا وسحناتنا حتى لم تعد تفرق بين العربي والكوردي، أو بين الكلداني والآشوري.
     لم يكن هناك أي صراع بين كل هذه المكونات والأعراق وبالذات بين العرب والكورد، بل ليس للكورد إخوة وأصحاب غير هذه المكونات من العرب وغيرهم من الأعراق والديانات، لقد كان الصراع مع الأنظمة السياسية التي حكمت الجميع واستهانت بحقوق الآخرين أقواما كانوا أم أديان، وكان الجميع ضحايا لتلك الأنظمة الدكتاتورية وأساليبها القمعية والظالمة. 
    لقد قال الزعيم  مصطفى البارزاني رائد النهضة القومية الكوردية، منذ الأيام الأولى للثورة إننا لا نحارب العرب بل نقاوم تلك السلطات والنظم السياسية الدكتاتورية الظالمة والقاسية، وكان يوصي أركان ثورته ورجال حربه بان لا يخلطوا بين الشعب وما تقوم به تلك الأنظمة الدكتاتورية البائسة، بل كان يطلب التعامل مع أسرى تلك الحروب بأنهم متورطون لا حول لهم ولا قوة، واعتبارهم مواطنين وإكرامهم وإطلاق سراحهم فور استسلامهم أو أسرهم.
   إن العرب لا يتحملون وزر تلك الأنظمة وجرائمها، لأنهم هم أيضا من ضحاياها، ولقد أثبتت مجريات الأحداث عبر التاريخ بأن الشعبين العربي والكوردي هم اقرب الشعوب إلى بعضهما، في التاريخ والجغرافية والمجتمع والعلاقات الإنسانية الأخرى، وقد اختلطت دماؤهم في كل مراحل التاريخ والحياة حتى لا تكاد تفرق بينهما. وفي أول عملية اختيار بين خيارين لا ثالث لهما في مشكلة ولاية الموصل ( إقليم كوردستان الحالي ) بين الاتحاد مع العرب في مملكة العراق أو الانتماء إلى تركيا بعد إقصاء فكرة الاستقلال قسرا، اختار الكورد الاتحاد مع العرب في مملكة العراق تحت مبدأ المشاركة في مطلع القرن الماضي، ورفضوا أن يكونوا جزءً من الكيان التركي آنذاك، لسبب واحد هو أنهم اختاروا الأقرب إلى قلوبهم وعقولهم وتاريخهم.
    إن ما تعرض له الكورد والكلدان والاشوريون عبر تاريخهم من حروب شنتها الأنظمة الدكتاتورية والشوفينية، زادتهم قوة وإيمانا بقضيتهم وبعلاقتهم التاريخية النقية مع الشعب العربي. ولم تترك رغم مأساتها ( أي تلك الحروب القاسية ) أي أثرٍ للحقد أو الانتقام أو ما يبعد الأخ عن أخيه. ولعل ما حدث إبان انتفاضة آذار1991م وما بعدها، حينما تحررت كوردستان من دكتاتورية النظام السابق وكيفية التعامل مع عشرات الآلاف من الجنود وحتى مع الكثير من الموظفين العرب العاملين في محافظات الإقليم، دليل على عظمة ونقاء الشعب الكوردستاني بكافة مكوناته وأطيافه وعلاقته التاريخية مع الشعب العربي.
    أن أصدقاء ومناصري الكورد والكلدان والاشوريين والسريان في الشرق الأوسط معظمهم من العرب، وهذه فلسطين ومنظماتها المناضلة تشهد روعة ومتانة العلاقة بين الشعبين والثورتين الكوردية والفلسطينية منذ انبثاقهما وتعاون معظم المنظمات الفلسطينية مع الثورة الكوردية في كثير من المجالات، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها.
    ولم يبقَ متسع من ثرى الشام والعراق وفلسطين والكنانة حتى طوى آلافا مؤلفة من خيرة مقاتلي كوردستان من المسلمين والمسيحيين والايزيديين في حروب العرب والمسلمين عبر قرون وقرون، فاختلطت الدماء والرفات، وامتلأت مقابر الشهداء رجالا جاءوا من كوردستان دفاعا عن العروبة والإسلام.
    وكما يذكر التاريخ رجالات كوردستان  في حياة العرب، فان التاريخ عامة وتاريخنا  بشكل خاص سيذكر باعتزاز أولئك الرجال والنساء من العرب الذين تبنوا قضيتنا وناصروها، بل وتعرضوا من اجلها إلى أشد المخاطر والويلات من قبل الأنظمة السياسية الدكتاتورية والشوفينية.
    وحتى في العراق أبان الحرب القذرة التي شنها النظام السابق، فلقد سجل التاريخ والأحداث وذاكرة الشعبين عشرات وربما المئات من المواقف الخلاقة والنبيلة لكثير من الجنود والضباط الذين كانوا يرفضون همجية النظام ومؤسساته الخاصة في تعاملهم مع شعب كوردستان، وإزاء ذلك فقد الكثير من هؤلاء مواقعهم أو فروا هاربين لكي لا يتحملوا وزر تلك الجرائم البشعة.
    ولعل الكثير يتذكر المئات من البيشمه ركه العرب والكلدان والآشوريين في مختلف المنظمات والأحزاب الوطنية العراقية ممن كانت كوردستان وأحضان الكورد ملاذا آمنا وكريما لهم ولعوائلهم، وساحة لانطلاقهم في مقاومة الظلم والدكتاتورية مع وجود الاختلاف الفكري والسياسي بينهم وبين الثورة الكوردية، إضافة إلى المئات منهم ممن آمنوا بقضية الكورد وحقوقهم وناضلوا بالسلاح مع إخوتهم لتحقيق أهداف الشعب في الحرية والانعتاق. ومن لم تسنح له الحياة وضروفها لحمل البندقية دفاعا عن القضية الإنسانية للكورد، فقد حمل قلمه سلاحا نافذا في عواصم العرب من بيروت إلى القاهرة، ولعل ذاكرة العرب والكورد تتذكر العشرات من تلك الأقلام الحرة والمناضلة من اجل القضية الكوردية وحرية الشعب الكوردي ومعاناته، ولست هنا بصدد تعداد تلك القوافل من الإخوة العرب في بيروت وعمان والقاهرة ودمشق ودبي والرياض وطرابلس الغرب وبقية عواصم الدول العربية، إذ لن تكفيها صفحات مقالنا هذا لتدوينها كأشخاص وأفراد، بالإضافة إلى كل القوى الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي التي ناضلت منذ تأسيسها في بداية القرن الماضي وحتى هذا اليوم من اجل القضية الكوردية وشرعيتها وحلها سلميا وإدانة كل الحروب التي وقعت ضدها. ولعلنا نتذكر المئات من الديمقراطيين العرب الذين اعتقلوا وسجنوا وتعذبوا واعدموا من اجل مواقفهم من القضية والثورة الكوردية.
    وبصرف النظر عن مواقف الكثير من القوى المضادة والشوفينية التي لا تخلو منها كل شعوب الأرض، فان ما بين العرب والكورد وما بين كل مكونات الإقليم والعراق أقوى وأمتن من أن تناله مواقفهم وحتى حروبهم الأكثر قساوة وعنصرية في الأنفال السوداء، فقد كانا أي العرب والكورد بمستو إنساني راقي ونبيل في الساعات الأولى لانتفاضة الربيع في آذار 1991 حينما تحولت بيوت ومساجد كوردستان إلى أحضان دافئة لآلاف مؤلفة من الجنود والضباط والموظفين الذين تخلى عنهم صدام حسين يواجهون مصيرهم!
    وكذلك ما حصل بعد انهيار وهزيمة دولة البعث وهروب قيادتها العسكرية وقائدها العام في نيسان 2003 وسقوط فيلقين من فيالق الجيش العراقي السابق أسيرا في كوردستان، لقد ارتقت مشاعر الأخوة والإنسانية فتجاوزت أحقاد وجروح الحرب وآلامها، وظهر معدن هذا الشعب الأصيل في تسامحه ونقائه، وأصبح هؤلاء الأسرى ضيوف أهليهم في كوردستان معززين ومكرمين، على خلفية ما زرعه الزعيم مصطفى البارزاني من أن الصراع ليس بين مكونات العراق العرقية والدينية عربا كانوا أم كوردا، مسيحيون أو ايزيديون أو مسلمون، بل بين أولئك الطغاة العنصريون والأحرار في كوردستان، وليس بين أفراد الجيش المغلوبين على أمرهم والمغرر بهم، والمضللين في معارفهم ووعيهم عن الكورد ودورهم في تاريخ العرب والعراق.
   إن التعايش الأبدي في كوردستان والعراق عموما عبر التاريخ القديم والحديث يؤشر حضارة راقية لدى كل سكان هذه المنطقة من العالم، ليس هنا في كوردستان العراق فحسب وإنما هناك أيضا إلى الشمال والشرق والغرب، حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون والايزيديون من الكورد والعرب والكلدان والاشوريون والارمن في تسامح وتعاطي خلاق  منذ أجيال وأجيال. لقد دخلت المسيحية في قرونها الأولى إلى كوردستان العاجة بديانات أخرى كالزرادشتية والايزيدية واليهودية، وسرعان ما استقرت تلك التعاليم السامية واستوطنت في بلاد تحتضن كل الأفكار والعقائد الخلاقة، ولعل معابد جبل سنجار في حوالي  375 م والتي تجاوزت العشرات من المعابد المسيحية التي لم ترتقي حينذاك إلى كنيسة تؤكد ذلك التسامح النبيل لدى سكان كوردستان، وما وجود أربع كنائس عامرة في جبل ومدينة سنجار بعد أقل من مائة عام من دخول المسيحية إليها إلا دليل على التعايش الإنساني الراقي لمجتمعات هذه المناطق.
  لقد كانت كوردستان برمتها وما تزال تنتهج مبدأ التعايش والتسامح الراقي والنبيل بين الأديان والمذاهب والأعراق برغم محاولات المتطرفين من العنصريين عرقيا أو دينيا تمزيق هذا النسيج إلا إن طبيعة تركيبة السكان الاجتماعية والسيكولوجية والأخلاقية لا تسمح بنشوء هكذا توجهات أو أفكار والدليل هو تحول هذا الإقليم إلى ملاذ آمن لعشرات الألوف من المضطهدين مذهبيا ودينيا وحتى عرقيا من كل أجزاء العراق الأخرى، وما يشهده الإقليم حاليا من نهوض ثقافي وحضاري لجميع مكوناته يدلل على هذا النهج السامي والأفكار النبيلة التي يتميز بها هذا الشعب الذي تسكن في قلوبه وعيونه كوردستان وطنا للحب والأمان.
 
 

350
كوردستان جنائن البلدان
                                                                                 
                                                                                       كفاح محمود كريم
 
 
    في مطلع القرن الماضي وقبل قيام الدولة العراقية وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وفي حدود العقد الثاني عينت السلطات البريطانية حاكما لجبل سنجار في أقصى غرب كوردستان العراق من الكورد الايزيديين في أول محاولة لاستيعاب المكونات العرقية والدينية قبل قيام الكيان العراقي، وسنجار أو كما يطلق عليها سكانها شنكال واحدة من أقدم المدن في بلاد ما بين النهرين وربما واحدة من أكثر المدة إثارة وجدلا في موقعها وتاريخها وطبيعة تكوين مكوناتها العرقية والقومية، حيث تسكنها أقوام عديدة تعتنق مختلف الديانات والمذاهب، وكانت لدهور طويلة ملاذا آمنا لكثير من الأقوام أو الأفراد الهاربين من نير الظلم والتفرقة، حيث احتضنت عبر تاريخها مختلف الأقوام والأديان والمذاهب، وحينما تعرض الأرمن وعموم المسيحيون والكورد في تركيا إلى الإبادة والترحيل لجأ معظمهم إلى سنجار وجبلها وقراها المتناثرة عند سفوحه.
   هناك بين أحضان تلك العشائر الكوردية منها والعربية، المسلمة والايزيدية اكتشفت تلك الجموع مدى سمو ورفعة أخلاقيات سكان هذه المدينة وتعاملهم الإنساني الراقي مع المهجرين من ربوع بلدانهم بصرف النظر عن أعراقهم أو أديانهم فكانوا لهم أهلا ووطنا بديلا وملاذا آمنا وعزيزا، حتى أصبحوا فيما بعد جزءا من تكوين هذه المدينة ومواطنيها المخلصين.
  أعود إلى ما بدأت به أول بحثي هذا حيث تم تعيين  كورديا ايزيديا حاكما على جبل سنجار، وتقول واقعة يتناقلها الأهالي من كل الأديان والأعراق لحد يومنا هذا عن مشاغبين نجحوا في إقناع الحاكم بمنع الآذان في جامع سنجار مما دفع احد أمراء الطائفة الايزيدية وهو الأمير سعيد بك إلى دعوة وجهاء وأعمدة القوم في المدينة للتداول في أمر هذا المنع، حيث اتفق المؤتمرون على بطلانه ووجوب إلغائه فورا.
   وذهب المؤتمرون جميعا إلى الحاكم فور وأبلغوه بضرورة إلغاء ذلك الأمر وترك المسلمين وشأنهم وعدم التدخل بأمورهم الخاصة والحفاظ على طبيعة العلاقة التي تربط السكان بصرف النظر عن الدين أو العرق، وفعلا تحقق ما أراده المؤتمرون الذين أرسلوا إلى إمام الجامع وطلبوا منه رفع الآذان كما هو متعارف عليه وطلبوا من الحاكم أن يكون حاكما لكل الأهالي على مختلف مشاربهم وأديانهم وأعراقهم وإلا فترك الحكم أفضل.
   بنفس هذه الروحية والسلوك السامي تعامل القس برصوم راعي كنيسة الارثيدوكس في سنجار في تصرف خلاق ونبيل حينما أقام مجلس الفاتحة على احد ضحايا الحرب العراقية الإيرانية من الكورد المسلمين أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي في داخل كنيسة الارثدوكس بسنجار لثلاثة أيام، كان فيها يستقبل المعزين ويودعهم بل ويقوم بواجب الغداء والعشاء للضيوف القادمين من أماكن بعيدة عن مركز المدينة ولم تتوقف قراءة القرآن طيلة مجلس الفاتحة من داخل أروقة الكنيسة.
   وحينما أتوقف عند القس برصوم فأنني أتذكر بفخر كبير ذلك الرجل الرائع إمام وخطيب جامع سنجار الحاج طه الحسن الذي كان مثالا لرجل الدين والتسامح والإخاء بين أبناء البشر دون النظر إلى أعراقهم أو أديانهم وهو يمر على مقابر المسيحيين في أعياد الفطر والأضحى ليسلم عليهم قبل مروره على مقابر المسلمين، بل ليوجه أجمل كلماته ودعواته لهم وكأنهم أحياء بيننا في رسالة للأحياء قبل الأموات بأننا إخوة في الإنسانية قبل كل شيء.
   ولن أذهب بعيدا حينما أتوقف عند مشاهد أقل ما يقال عنها إنها تمثل إرادة هذا الشعب الأصيل بكل مكوناته العرقية والدينية وهنا اذكر للتاريخ  موقفا لأحدى العشائر العربية في هذه المدينة الكوردستانية التي تعرضت في أواسط السبعينات من القرن الماضي إلى أبشع عمليات التغيير الديموغرافي الذي تسبب في ترحيل وتهجير آلاف الأسر من المدينة إلى محافظات دهوك واربيل والسليمانية والموصل، ومصادرة أملاكها غير المنقولة من الدور والبساتين والأراضي الزراعية.
   وبعد أن تمت العملية في تهجير وترحيل الأهالي في مركز المدينة أرسل الحاكمون في إدارة القضاء إلى شيوخ عشيرة البو متيوت* ليخيروهم في استملاك بيوت وقصور الكورد المرحلين بأجور رمزية.
   لقد رفض أولئك الشيوخ تلك الدعوة أو تلك المنحة وقال احدهم إننا والكورد أصحاب وأقرباء وبيننا علاقات حميمة عبر الأجيال، وإذا كان هناك بينكم كحكومة وبينهم كرجال للحركة الكوردية خلاف أو صراع فنحن لسنا طرف في هذا الخلاف ورفضوا استملاك تلك القصور والبيوت احتراما لتاريخ العلاقات بينهما في هذه المدينة.
  في سنجار المدينة الواقعة عند تخوم الصحراء وظلال جبل سنجار اختلطت الأعراق وتداخلت الأديان وتبعتها العادات والتقاليد، فلا تكاد تفرق بين الكورد والعرب إلا حينما يتحدثون، وكذا الحال بين المسلمين والايزيديين والمسيحيين الذين تختلط أعيادهم وتقاليدهم إلى الحد الذي لا يمكن أن تفرق بينهم بسهولة حيث الاحترام الكبير لمعتقدات بعضهم لبعض، بل انه هناك واحد من أروع التقاليد في الاحترام المتبادل للمشاعر والعادات بين السكان حيث يمتنع سكان مدينة شنكال من أكل أو تداول أي شيء بيعا أو شراء، تحرمه الديانة الايزيدية والعكس صحيح في ما يتعلق بالمسلمين والمسيحيين.
   ولعل اربيل واحدة من تلك المدن الكوردستانية التي تمتزج فيها الأطياف دون ما انصهار أو استعلاء بل محبة وتسامح وإخاء، ففي عينكاوه الجميلة وهي ناحية من نواحي العاصمة هولير يفتخر المرء بانتمائه اليها لما تمتاز به من تسامح وتمازج بين الكورد والكلدان والآشوريين والسريان في أجمل كرنفال وجنان للأعراق والأديان.
   ليست الأمور هنا في كوردستاننا العراقية هكذا فحسب وإنما في كل أجزاء هذا الوطن الجميل الذي لا يعرف إلا التسامح والمحبة والتعايش واحترام الإنسان لإنسانيته لا لعرقه أو دينه أو لونه، وهذا ما نراه في كل مكان من وطننا بعيدا عن تأثيرات النظم السياسية وتعاملاتها مع مكونات الشعب في معظم المدن والقرى التي تجتمع فيها الأقوام والأعراق والأديان التي تعايشت منذ الأزل على أديم هذا الوطن وبنت فيه حضاراتها وتجاربها وعاداتها وتقاليدها دون أن يمسها الآخرون أو ينتقصون منها، فقد تعايش المسلمون الكورد مع أقرانهم من الايزيديين في كل القرى والمدن التي احتضنتهم منذ البداية ولولا تدخل الغرباء وأطماعهم لما حصل أي تناحر ديني عبر التاريخ وكذا الحال بين المسلمين والمسيحيين الذين عاشوا كل تاريخهم الحلو والمر معا، واشتركوا سوية في كل الثورات والانتفاضات عبر حركة تحرر هذا الشعب ضد قوى الطغيان والاستبداد، ولن تنسى ذاكرة كوردستان البيشمه ركه البطل ملك جتو كما تسجل ذاكرة التاريخ اسم فرانسو حريري بأحرف من نور مع المئات من أولئك الأفذاذ من الآشوريين والكلدان والسريان والايزيديين الذين حملوا نبض هذا الوطن وقاتلوا من اجله وضحوا بدمائهم الزكية من اجل مستقبل مشرق لكل شعب كوردستان، وها هي قوافل الشهداء الأبرار في وطننا الأجمل تزين تاريخ نضال هذا الشعب بكل مكوناته يتقدمهم ذلك الشهيد البطل محمود ايزيدي وهو يحمل راية كوردستان ورمزها في الحرية والانعتاق.
 
     
* عشيرة البو متيوت :
 من العشائر العربية التي استوطنت سنجار منذ أواخر القرن التاسع عشر وتسكن جنوب مدينة سنجار بحوالي 15 كم، وقد حاول النظام السابق زرع إسفين بينها وبين السكان الكورد طيلة أكثر من ثلاثين عاما لكنهم فشلوا وبقيت العلاقات بينهم وبين الكورد المسلمين والايزيديين على ما يرام حتى يومنا هذا.    
 
 

351
المحكمة الدولية والأنظمة الشمولية

                                                                                      كفاح محمود كريم
 
     بصرف النظر عن مدى جدية مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير والآلية التي سيتم تنفيذها لاحقا، إلا إنني أرى تطورا نوعيا في تعامل المجتمع الدولي ومؤسساته مع الأنظمة الشمولية منذ تدخل الأمم المتحدة ومؤسساتها في معالجة أوضاع بقايا دولة الماريشال جوزيف تيتو التي غرقت في جرائم الإبادة الجماعية للسكان على طريقة حزب البعث وقادته في إبادة سكان حلبجة بالأسلحة الكيماوية، وحتى إن كان هذا التعامل مجرد قرارات أو بيانات تدين سلوكيات هذه الأنظمة وتدعو إلى الكشف عنها أو إيقافها أو كما حصل مؤخرا الدعوة إلى تقديم رئيس إحدى تلك الأنظمة إلى العدالة.
    بلا أدنى شك فان طبيعة النظام الحالي في السودان طبيعة  شمولية رغم محاولات تجميله من بعض الأطراف  كونه يمتلك نموذج برلماني من نوع البرلمانات  الاحتفالية والتمثيلية على شاكلة المجلس الوطني العراقي أيام النظام السابق، وعلى خلفية الحل السلمي لقضية الجنوب السوداني وهو يشبه بذلك نظام بغداد أبان السبعينات من القرن الماضي وعمليات التجميل في ما سمي وقتذاك بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي استخدمها النظام لإبادة المؤتلفين فيها أو استنساخهم كما فعل لاحقا البشير بحليفه الترابي في السودان. 
     لقد أكدت الأحداث منذ استحواذ هذا الجنرال ومجموعته على رئاسة الدولة السودانية نزعته القبلية والانفرادية في إدارة النظام السياسي، وما حصل ويحصل في السودان وأقاليمه ما هو إلا نتيجة هذا النمط من السلوك الانفرادي والشمولي في السلطة والإدارة ونتاج العقلية الدكتاتورية المستبدة، وهو بالتأكيد يتحمل مسؤولية ما حدث ويحدث من فضائع في إقليم دارفور وغيره، سواء على يد ميليشياته أو من خلال سياساته العنصرية والدكتاتورية تجاه الآخرين من سكان المنطقة.
     وتبقى مذكرة الاعتقال إشارة إلى تغير نوعي في الأداء الميداني للمؤسسات الأممية ذات العلاقة بالتعاطي بين الحكومات والأهالي، ويبقى السؤال أيضا إلى أي مدى يمكن تطبيق تلك المذكرة وما هي آلية التنفيذ وأداتها، خصوصا وان التجربة الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق لا تشجع تماما على تكليف الشرطي الأمريكي بتنفيذ الاعتقال، لما آلت إليه الأمور من خسائر وتدمير يفوق الغاية التي من أجلها دخلت الولايات المتحدة مستنقع التحرير في كل من العراق وأفغانستان.
     وعلى ذات الخلفية هل ستطال هذه المحكمة شخصيات أمريكية وعراقية كان لها دور مماثل لرئيس السودان في جرائم الإبادة والفساد المالي الذي لا يقل عن إبادة السكان بعد احتلال العراق وتحديدا على ما اقترفه الحاكم الأمريكي المدني بول برايمر ومجموعته التي أسست لتفكيك وتدمير الدولة وسرقة عشرات المليارات من الدولارات  حسب ما نشرته وسائل الإعلام الأمريكية!؟.     
     اعتقد تماما بأن مؤسسات مهمة في العالم بإمكانها أن تفعل الكثير من أجل إيقاف النظم الشمولية ومكافحتها لتدعم ما تذهب إليه المحكمة الدولية سواء مع اعتقال البشير أو العشرات من أمثاله حول العالم وليس حصرا في منطقتنا التي تتميز دوما بهذه الأنماط المستبدة، فهناك الكثير من الدول الديمقراطية التي اقترفت قواتها أو من ينوب عنها خارج بلدانها افضع الجرائم بحق الإنسانية بالتعاون مع أنظمة دكتاتورية كما حصل في التعاون الأمريكي والأوربي مع النظام العراقي السابق ومع كثير من الأنظمة الشبيهة به حتى يومنا هذا، أو من خلال الممارسات اليومية والميدانية التي تقع تحت طائلة التنفيذ المفرط للسلطة أو العنف  بذريعة مكافحة الإرهاب والذي يذهب ضحيته الكثير من الأبرياء والمعتقلين لمجرد الاشتباه بهم. 
   
   

352
نوروز الحرية واليوم الجديد
       
                                                                                               كفاح محمود كريم
     
   منذ أن اسقط كاوه الحداد دكتاتورية الضحاك منذ أكثر من ألفين وسبعمائة عام والشعب الكردي ومن جاوره من شعوب هذه المنطقة يحتفل سنويا في ربيع كل عام بذكرى تلك الثورة ورمزها شعلة النار التي أضاءت طريق الحرية والانعتاق للكرد وبقية الشعوب، وأشرت بداية العام الجديد في يومه الأغر نوروز، تلك الشعلة التي أوقدها كاوه الحداد حينما انتصر على الدكتاتورية الظالمة، أصبحت عنوانا ورمزا للانعتاق وشروعا ليوم جديد في تاريخ هذا الشعب على مدى ما يقرب من ثلاثة آلاف عام.
 يعتبر عيد نوروز من أقدم وأكثر المناسبات أهمية في تاريخ الكورد لكونه يعبر عن نبض شعبي صادق في أثبات الوجود القومي والوطني لهذا الشعب، فهو يختزل شعورا قوميا عاليا بالحرية والانعتاق عبر أجيال وأجيال ليستنبط من تراثه وفلكلوره الثر أجمل العادات والتقاليد التي تتحول إلى كرنفالات للفرح ومهرجانات للغناء والرقص في أول أيام الربيع ورأس السنة الكوردية ( 21 آذار من كل عام )  حيث يخرج الأهالي بشكل منقطع النظير لإقامة مهرجانات نوروز في كل مروج وجبال كوردستان ذات الطبيعة الخلابة وهي بذلك تدفع رسالة حب إلى الإنسانية جمعاء من قبل أبناء شعب تواق إلى الحرية  والحب والسلام.
   وفي أصل الحكاية تاريخيا رؤيتان مهمتان لعيد نوروز، حيث  تؤكد الأولى على إحياء هذه المناسبة كعيد للربيع والنماء وتحرر الطبيعة من الانجماد والانكماش نتيجة العواصف الثلجية التي تجتاح مناطق كوردستان في الشتاء نحو الانفتاح والحركة والإنتاج، وبالتالي عيد الربيع أرث تاريخي قديم لسكان كوردستان الذين يعتبرون من أقدم شعوب الأرض حيث بدأوا بالزراعة وأقاموا أقدم المستوطنات البشرية (القرى الزراعية في زوي جمي وكهوف شاندرا وسنجار )* في أول عملية انتقال الإنسان من الصيد إلى الزراعة في كهوف كوردستان كما تؤكد المراجع التاريخية والاثارية.
  وهذا الجانب أقدم بكثير من الجانب الثاني الذي تزامن مع هذه المناسبة قبل أكثر من  2700 سنة والتي تتجسد في قيام  ثورة الشعب ضد الظلم والطغيان بقيادة كاوه الحداد للقضاء على أكبر رمز من رموز الاستبداد والاضطهاد في تلك الفترة العصيبة من تاريخ الكورد لإنهاء حكم الطاغية ضحاك.
   إن ثورة كاوه الحداد ضد الظلم والطغيان كما يشير إليها المؤرخ الكوردي الكبير شرف خان البتدليس في كتابه المشهور (شرف نامه) أعطت خصوصية للشعب الكوردي من بين الشعوب الآرية لإحياء ذكرى هذه المناسبة في كل سنة والتزامه التام بها فضلا عن تمسكه بها كشعب من الشعوب التواقة للحرية والتحرر منذ أقدم العصور.
   وهكذا نرى بأن الرؤيتان تلتقيان في هدف واحد وهو فكرة ومبدأ الحرية، حرية الطبيعة والحرية السياسية والاجتماعية للإنسان بهدف العيش في آمان ووئام بعيدا عن الظلم والاضطهاد سواء كانت من الطبيعة أو من بني البشر.

   نوروز هذا اليوم الجديد ( وهذا معناه في اللغة الكردية والفارسية ) الذي ابتدأ فيه الزمن الكردي مع الساعات الأولى لفجر الحادي والعشرين من آذار، توزع على خارطة شعوب الشرق الأوسط وحمل في كل ارض من أراضيها لونا من ألوان الربيع واسما من أسماء تلك الشعوب دون أن يختلف في مضامينه احد منهم، فهو عيد الحرية والانعتاق وهو عيد الربيع والشجرة والخصوبة واليوم الجديد والى آخر ما اجتمعت على تسميته والاحتفال به كل ربيع من كل عام، من الهند إلى مصر مرورا بكوردستان في أجزائها الأربعة وإيران والباكستان وكثير من شعوب ودول آسيا وأوروبا.
   وخلال آلاف السنين سادت حضارات ثم بادت ونهضت دول وإمبراطوريات وأخرى أزاحها الزمان وانكفأت، لكنها نوروز شعلة الحرية والانعتاق، بقيت  كما هي تضيء  للقادمين عبر الأجيال طريق الحرية والاستقلال لتسجل في تقويم الأزمان وشهادة التاريخ موقفا من مواقف الإنسان ضد الظلم والطغيان.
   وبقيت أعالي الجبال وذراها في كوردستان منذ أوقد قائدها الأول شعلة الحرية وأذن باليوم الجديد، تتحول مع الساعات الأولى لنوروز إلى مشاعل للضوء والنيران في احتفال مهيب عبر الأجيال ترافقه دبكات الشباب والصبايا وزغاريد النسوة وأهازيج الأطفال وتمتزج فيه أجمل ألوان فلكلور كوردستان في الملبس والغناء والرقص في أروع كرنفال لإشاعة السلام والأمن الاجتماعي والتحابب بين الناس جميعا دونما تفريق في اللون أو العرق أو اللغة أو الدين أو المكان، ففي أيام نوروز هنا في كوردستان العراق كما في كوردستان تركيا أو سوريا وإيران، يخرج الكورد وأصدقائهم من كل الأطياف والأجناس في رحلات وكرنفالات جماعية إلى المروج والحدائق والساحات، تمتزج خلالها الأفراح والعادات لتمنح الطبيعة أهزوجة الفرح والتحابب.
   حيث تكاد المدن والقرى تفرغ من سكانها في ذلك اليوم الجميل، فتقام الدبكات الشعبية المعروفة في كوردستان والعراق تصاحبها فرق للغناء احتفاءً باليوم الجديد وبربيع كوردستان الخلاب وبشكل عفوي مثير، حيث آلاف مؤلفة من العوائل وكل ما يتعلق بفلكلورها وعاداتها في الأكل والملبس والألعاب والغناء والرقص لتلتقي جميعها في لوحة ربيعية معبقة بالحب والفرح تمنح الزمان في ساعاته الأولى نسمات الأمل والتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقا وجمالا.


* سيتون لوئيد: انتصار الحضارة


353
التأثيرات السلوكية للأعلام الشمولي
     
                                                                                              كفاح محمود كريم

   يتعرض الأطفال في منطقة الشرق الأوسط وربما في الشرق عموما وتحديدا في المجتمعات العربية والإسلامية إلى نمط من البرامج التلفزيونية الموجهة، فكل هؤلاء أي سكان هذه المنطقة  يمثلون ثقافة متقاربة، ومنطقة جغرافية متلاصقة، ومجتمعات متداخلة، تدين معظمها بالإسلام عقيدة ومنهجا تربويا واجتماعيا.
    إن معظم هذه المجتمعات بكل شرائحها واقعة تحت تأثير نمط من الإعلام الموجه من قبل الأنظمة السياسية الحاكمة  ومن أهمها الإعلام المرئي وبالذات قنوات البث الفضائي، وربما كانت شرائح الشباب والنساء والأطفال أكثر تأثرا من غيرها بحكم طبيعة مجتمعاتنا ونظمها التربوية.
    إن الطفل وكما يعلم الجميع ورقة بيضاء ونقية وشفافة جدا، تتأثر بنسائم الأحداث والكلمات والصور والأفعال، فما بالك من إغراءات الشاشة ووسائلها السحرية في جذب الأطفال إلى عالمها، ومن ثم ترك بصماتها لاحقا على مسار نموها وتطورها السيكولوجي والاجتماعي والأخلاقي، مما يجعلها أسيرة أنماط من السلوك المرتبط بنوع تلك البرامج وتأثيراته أي ذلك النوع من البرامج التي يراها الطفل.
    لقد كانت التجربة العراقية بالغة وقاسية في تأثيرات الإعلام المرئي على شخصية وسلوك الطفل ونموه خلال ثلاثة عقود من تاريخ العراق، فالأطفال العراقيون الذين كانت أعمارهم خمس سنوات ابان الحرب العراقية الإيرانية، شاهدوا وقائع تلك الحرب القاسية من خلال برنامج ( صور من المعركة ) الذي كان يبث فضائع تلك الحرب وصور القتلى وأشلائهم، ولقطات حية من عمليات القتل خلال المعارك إضافة الى صور دفن أكوام من القتلى وأشلائهم في شقوق أرضية تنفذها البلدوزرات، وقبل ذلك عمليات الإعدام العلني وفي الساحات العامة وأمام الناس وفي وضح النهار سواء في العراق أو السعودية والباكستان ولبنان وإيران وأفغانستان والعشرات من هذه الدول، مما ترك آثارا بالغة على شخصية أولئك الأطفال الذين أصبحوا رجالا الآن ومنهم تطورت الكائنات الانتحارية؟.
   ولستُ هنا بصدد الحديث عن شكل الشخصية التي تكونت على خلفية ذلك النمط من الإعلام الموجه، والذي لم ينتبه إلى تأثيراته على هذه الشريحة من المجتمع بقدر الإشارة الى ما نراه اليوم من قسوة وأحداث دامية وعمليات قتل بدم بارد سواء بالأسلحة الاوتوماتيكية أو بالذبح من الوريد الى الوريد أو بالقتل الجماعي للسكان بالسيارات المفخخة والانتحاريين المفخخين، إنما يعود إلى ذلك الإعلام والتربية والحروب التي عاشها وعايشها طفل ذلك اليوم وتلك المناطق.
    وبقدر تأثيرات هذا النمط من الإعلام على شخصية الطفل، فان النمط المنفلت في البرامج الفنية والثقافية وأفلام ( الأكشن ) والكارتون ونوع الأفكار التي تتبناها تلك البرامج، يكون تأثيرها بليغا على نمو وسلوك الطفل لاحقا وباتجاه لا يقل مأساوية وانحرافا عن السلوك الأولي في القسوة والقتل البارد والنزعة الى حل المشكلة بإفناء طرفها الآخر.
   إن الأعلام الفضائي يخترق كل الحواجز وربما يدخل عنوة الى العقل والعاطفة لدى الشباب من كلا الجنسين ويكون تأثيره أكثر عمقا وتقليدا لدى الأطفال.
  ففي مجمل مناطق الشرق، والأوسط أكثرها، والإسلامية جميعها تقريبا، تسخر هذه الوسائل لإشاعة العبودية والاستكانة من خلال تأليه القائد أو الرئيس أو الملك أو النظام وجعله صورة أخرى للإله، حيث توظف ألاغاني والأناشيد والألحان الجميلة في تصنيع صورة للقائد لا مثيل لها على الأرض وربما في الكون في مخيلة وذاكرة الأطفال، بما يقلل من شأن المتلقي وتحويله تدريجيا الى ما يشبه قطيع الأغنام أو غيرها من الحيوانات التي يقودها الإنسان، ولست مغاليا إذا ما قلت ربما تكون الحيوانات معذورة في انقيادها للإنسان كونه من نوع ارقي في التكوين والجنس، والكارثة حينما يلقن ويربى الإنسان على انه هناك من صنفه ونوعه مما هو أرقى منه ويمنحه حق أبادته أو استعباده وإلغاء إنسانيته تدريجيا.
   وبالتأكيد هناك فروقات قيمية وأخلاقية وحضارية بين مجتمعاتنا هنا في الشرق عموما عما موجود هناك في غرب الأرض، وليس كل ما ورثناه فاسدا أو لا يصلح للحياة المعاصرة، وربما كان التطرف واحدا من أشد أمراضنا حتى في موضوعة التربية والسلوك والأعلام.
    علينا إذن أن ندرك تماما بأن مجتمعاتنا تتميز بثقافة خاصة بها، ولا يمكن استنساخ تجربة الأوربيين هنا، في نوع توجهاتنا وعلاقاتنا الاجتماعية والفنية والدينية، وعليه يجب أن نكون أكثر جدية في تحصين أطفالنا وتوجيههم وتوعيتهم ببرامج ملائمة لنمط ونوعية ثقافتنا وحضارتنا دونما الانغلاق والتقوقع أو التطرف والغلو بما يشوه منظومتنا الأخلاقية والقيمية العليا، واخذ ما هو مفيد فعلا والابتعاد عما لا يتناسق مع ثقافتنا وبنائنا الأخلاقي والاجتماعي لا بعدوانية وكراهية للآخرين باعتبارهم أقوام منحرفة أو ساقطة كما يشيع المتطرفون للتعريف بالآخرين، بل بالتأكيد على وجود حضارات وثقافات مختلفة تصلح في مكان ما وربما لا تصلح في أمكنة أخرى.
    إن الإعلام المرئي ذو تأثير بالغ أكثر من أي شكل من أشكال إيصال الأفكار وأنماط السلوك، لما يتمتع به من مميزات الصورة والصوت وفنون الإخراج والحيل السينمائية والخيال الذي يعتمد عليه أساسا الطفل في تصوراته للأحداث من حوله، ولذلك كان تأثير الشاشة واضحا على سلوك وثقافة أطفالنا وخاصة الأكثرية الساحقة منهم والذين يعيشون في القرى والأرياف ويعتبرون هذا الجهاز أي التلفزيون منارا تربويا وسلوكيا.

354
النظم الشمولية وصناعة الآخر
                                                                                        كفاح محمود كريم

 
   في حديث مطول لرئيس ما كان يسمى بالجبهة الوطنية والتقدمية العراقية أبان السبعينات من القرن الماضي السيد نعيم حداد لقناة البغدادية التي تبث برامجها من القاهرة، وصف تلاشي الجبهة بتبخر المؤتلفين فيها خلال سنوات الحرب القاسية مع إيران حيث ابتلع حزب البعث أحزاب ما كان يسمى بالجبهة الوطنية والتقدمية التي صنعها في عقد السبعينات وغدر فيها بالديمقراطي الكوردستاني ومن ثم الشيوعي العراقي و(علس) الباقي كما تقول الدارجة العراقية وانتفت الحاجة لتلك الأحزاب الملساء التي حاول استنساخها ( بعد انسحاب الديمقراطي والشيوعي ) وبدت أكثر رخاوة وربما تبخرت تدريجيا أو اندمجت اندماجا قذافيا بعد منح أعضائها نفس درجات الرفاق في الحزب القائد، حيث برزت أمور أكثر زينة وبهرجة للمشهد السياسي والاجتماعي العراقي في دولة الانتصار الدائم على العدو الامبريالي الانفصالي الشعوبي الاستعماري الفارسي المجوسي إلى آخر قائمة التسميات التي أنتجتها دوائر إعلام وفكر النظام السابق ضد معارضيه حتى وان كانوا ملائكة أو ممن يتغدون ويتعشون مع الأنبياء والرسل، والتي ما زالت تستخدم بجدارة من تلاميذ ومريدي القائد الضرورة حتى يومنا هذا.

   أن هذه الثقافة التي تنتج الآخر وتستنسخ أجيالا من الانتهازيين الضعفاء  لم تسقط مع سقوط تلك التجربة المريرة في العلاقات مع معطيات الحياة في حقولها المختلفة في عراق يتدحرج إلى الأعلى تارة ويتسلق الحضيض تارة أخرى، فعادت فايروساتها تنشط من جديد منذ الأشهر الأولى لسقوط النظام وتنمو بشكل مضطرد خارج أجواء المختبرات هذه المرة لتخرج من أقبية مخابرات دول الجوار بأجمعها دونما استثناء لأحد، ولتتكون أحزاب ومنظمات مستنسخة جديدة تم تدجين أفرادها في عواصم الدق والرقص على أنغام ذبح العراقيين وسرقة خزائنهم، وامتلأت مدن العراق بمقرات أحزاب وأسماء أمناء عامين ومكاتب سياسية رنانة تم صنعها وفبركتها في ما تبقى من تنظيمات حزب الطليعة الأوحد ورجال مخابراته واستخباراته ممن انقطعت بهم السبل بين الشعارات التي كانوا يتناولونها صبح مساء وما حصل لهم ولنظامهم خلال اقل من عشرة أيام من دولة تم بناؤها في أكثر من ثلاثين عاما، إضافة إلى عشرات الآلاف من الذين أنتجهم ذلك النظام سواء ما أطلق سراحهم قبل سقوطه فيما سمي بعمليات ( تبييض السجون ) أو ما تم تربيتهم وإعدادهم من داخل العراق ومن خارجه لتحويل العراق إلى حفنة تراب كما تعهد الرئيس الضرورة في تدمير العراق أرضا وشعبا إذا ما سقط هو ونظامه.

   وبعد سنوات من انهيار وسقوط  ذلك النظام ما زالت تلك الثقافة  تفعل فعلتها في المشهد السياسي والاجتماعي العراقي وقد أفرزت فيما أفرزته سلوكا منافقا ومزدوجا في التعاطي مع العملية السياسية فأصبحت هناك أحزابا تعمل في قاعات البرلمان بينما تنشط مؤسساتها الأخرى ليلا وحتى نهارا ( بالتلثم ) في التخريب والاختطاف والاغتصاب للمال والبشر وإشاعة الفوضى والإرهاب في أبشع عمليات القتل والتعذيب التي تجري في دهاليز مقراتها أو حتى في كثير من بيوت الله والشعب من خلال قواتها المسلحة ( الجيش الشعبي ومستنسخاته وان اختلفت التسميات ) أو من خلال بعض سفراء الحزب القائد والقاعدة في مجلس النواب العراقي؟.*

   لقد أثبتت الأحداث التي وقعت وما تزال منذ سقوط النظام إنها نتاج تلك الفترة المظلمة من تاريخ هذا البلد وتربية ذلك النظام لعدة أجيال من الناس الذين ينفذون اليوم ما تعلموه خلال أكثر من 35 عاما وشاهدوه وهم أطفال وفتية وشباب، ابتدءاَ من كرنفالات الإعدام التي كان ينفذها النظام في الشوارع والساحات العامة وكيل الاتهامات الكاذبة جزافا لكل من يعارضه وانتهاء بتلك المشاهد البائسة والقاتلة من ( صور من المعركة ) التي كانت تبث يوميا وتُظهر آلاف الجثث الممزقة الأشلاء وعمليات دفنها بالبلدوزرات على أنغام الأناشيد الوطنية، الى تسطيح عقول ووعي الناس بتصنيع أحزاب وجمعيات للرقص أوقات الحاجة لها من ما كان يسميه النظام بالاتحادات والنقابات المهنية والفرق الفنية التي لا هم لها ولا غم إلا التغني بالقائد الذي لا مثيل له في الدنيا وربما لو بقوا عدة سنوات أخر لقالوا انه متعهد الآخرة أيضا.

   إن تراكمات هائلة من النظم التربوية الخاطئة والتي وصلت في كثير من مفاصلها إلى الخطيئة والسلوك المنحرف في تعليم وإشاعة الكذب والخوف والتدليس والاستكانة والقسوة وتحليل وإباحة المحرمات في المال والأعراف وإرعاب الناس باعداءٍ مفترضين لا وجود لهم إلا في مخيلة ذلك النظام الذي أراد بواسطتهم إشغال الملايين عن الإبداع والإنتاج، كما ساهم النظام من خلال برامجه الإعلامية والتربوية من إلغاء وتحطيم مفهوم المواطنة العراقية وذلك من خلال إذابتها بمفاهيم شوفينية ووهمية أساسها العرق والمذهب الواحد، على حساب تهميش وإلغاء الملايين من أبناء العراق الشيعة والكورد والكلدان والتركمان وبقية الأعراق والأديان بإذابتهم في بودقة الأمة العربية والوطن العربي.

  إن سقوط النظام لم يسقط ثقافته وتبعات تربيته وسلوكيات أفراده وعقود من تراكمات التلقين والتصرف الببغائي والكيل بمكاييل وليس بمكيالين، فهم أي ما أنتجه النظام مما نشاهده اليوم ذوو أوجه وألوان حرباوية وأشكال هلامية وملساء تصلح للزينة وللقبح وتمارس كل الأدوار الانتهازية والوصولية وخصوصا ما كان له علاقة بالحملة الوطنية للأيمان والذبح والتفخيخ والإبقاء على كل ما له علاقة بالنظام السابق وقراراته وقوانينه وبدائيته، من خلال إشاعة اليأس والتشكيك في قدرة العراقيين على بناء تجربتهم الديمقراطية.
     
   
* أعلنت وزارة الداخلية أكثر من مرة تورط أعضاء وأحزاب وكتل في مجلس النواب بعمليات إرهابية وآخرها النائب محمد الدايني.


355
الآخـــر بين القبول والتصنيع ؟
                                                                                          كفاح محمود كريم

    ليست الديمقراطية أقراصا مهدئة أو علاجا سحريا يرمم بناءات المجتمع  الاقتصادية والسياسية الآيلة للسقوط والموبوءة بأمراض تكلست عبر أزمان ودهور ومناهج تربوية أكل عليها الزمان وشرب، بل هي ممارسة وسلوك ومنظومة أخلاقية لا يمكن حصرها بتداول السلطة السياسية فقط وهي بالتالي امتداد لتحضر المجتمعات وتقدمها في كل مضامير الحياة بدءً من القراءة والكتابة والتحول من البداوة إلى المدنية وصولا إلى أعلى مراتب التقدم الاجتماعي والاقتصادي.
    وتبدو موضوعة قبول الآخر واحدة من أهم مرتكزات الديمقراطية وممارساتها على الصعيدين الاجتماعي والسياسي وهي بذاتها العلة الأكثر تعقيدا وربما السبب الأكثر خطورة في ضآلة فرص نجاح معظم التجارب السياسية التي مرت وتمر بها منطقة الشرق الأوسط عموما والمحيط العربي خاصة وهي بالتالي سببا رئيسيا لنكوص المجتمعات وبطئ تقدمها.
   إن مسألة قبول الآخر والتعاطي معه هي الأخرى ليست وصفة جاهزة للتنفيذ والأخذ بها بقدر ما هي نتاج نظام تربوي وأخلاقي واجتماعي تتميز به المجتمعات المتقدمة التي ينسجم فيها البناء الفردي والمجتمعي بما يحفظ حقوق الاثنين ومصالحهما وتتوازن فيها مصالح البلاد العليا مع مصالح الفرد المواطن دون ما تمييز في العرق أو الدين أو الرأي، وهي بالتالي معادلة قيام الدول المتحضرة ومجتمعاتها المتقدمة.
   إنها بحق عملية تربوية وأخلاقية تبدأ من الأسرة ومن ثم المدرسة ومناهج التربية والتعليم وصولا إلى الجامعات و مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، وفي كل ذلك تحتاج عملية التحديث هذه إلى دور الأم والأب والمعلم بدرجة أساسية لوضع أسس صحيحة لزرع مفاهيم البناء الديمقراطي للمجتمع ومنها بالتأكيد المرتكز الأساسي الأكثر أهمية وهو قبول الآخر.
   لقد اعتادت معظم الأنظمة السياسية الحاكمة في هذه المنطقة وغيرها من العالم المولعة بالشموليات والاوحديات أن تبتكر نماذج من الديمقراطية وتمنحها أسماء وأصناف ومواصفات بحسب موديلات تلك الأنظمة وطبيعة سلوكها حيث ذهبت الكثير من هذه الأنظمة إلى ابتكار أنواع وأصناف من الديمقراطية للالتفاف حول مفهومها الأصلي في تداول سلمي للسلطة وقبول الآخر واحترام الرأي المختلف، وهي بالتالي تنتج ( آخرا ) حسب ما يتوافق مع نظامها لتزين به تجاربها السياسية وأنظمة حكمها الاستبدادية، ولعلنا نتذكر تلك الأحزاب والجمعيات التي تصنعها دوائر المخابرات لتزين بها جبهات وطنية تدعي قيادتها للدولة كما عمل النظام السابق ( وأشباهه ) في تكتيكاته بتصنيع ما كانت تسمى بالجبهة الوطنية والتقدمية ومن ثم الالتفاف على عناصرها الأصلية ومحاولة إفراغها وتصنيع ( آخر ) حسب القياسات والمواصفات المطلوبة من النظام الحاكم وتزيين عمليته السياسية بأحزاب و( آخرٍ ) مدجن بموجب ما تقتضيه مصالح النظام والثقافة الأحادية.
   وإزاء هذا الإرث والتراكمات المتكلسة من مجموعة القيم التي كرستها الأنظمة السابقة سياسيا واجتماعيا ونفسيا، تحتاج مجتمعاتنا إلى تحديث شامل للنظام التربوي ومناهجه وعناصره في كافة المراحل، وإحداث تغييرات نوعية في بنية المجتمع وتوجهاته وفصل الدين عن الدولة وإعطاء المرأة دورها الأساسي الفاعل في تطوره وانتقاله من ثقافة القرية والبداوة إلى الثقافة المدنية والسلوك الديمقراطي وقبول الآخر.     

356
تداول السلطة والقطار الديمقراطي
                                                                                        كفاح محمود كريم


   هل يتجه العراقيون فعلا إلى ترسيخ القيم الديمقراطية وقبول الآخر أم انه هناك سلوك آخر وربما أهداف أخرى تختبئ وراء كواليس أو طوابير الواقفين أمام صناديق الاقتراع منذ أكثر من خمس سنوات؟
هل أن ما يجري يؤشر تغيرا نوعيا في نمط التفكير والسلوك لدى النخب السياسية والاجتماعية أم انه استخدام لوسيلة من وسائل تداول السلطة بعد انعدام فرصة ركوب كرسي الحكم بالانقلابات المتعارف عليها في بلداننا؟
   وسواء كانت الإجابة على السؤالين سلبا أم إيجابا فإننا إزاء عملية تحول مهمة أفرزتها الانتخابات الأخيرة لمجالس المحافظات بصورتين تكاد تكونا مختلفتين عن بعضهما ومتقاربتين في فلسفتيهما السياسية.
   الأولى هي استخدام الآخر وسيلة تداول السلطة عن طريق طوابير الناخبين وصناديق الاقتراع، وهو نفسه أي هذا الآخر هنا الذي وقف ضد العملية السياسية برمتها منذ الاحتلال وسقوط النظام الشمولي السابق وادعائه إن كل المؤسسات التي قامت بعد سقوط نظام صدام حسين بما فيها مجالس المحافظات ومجلس النواب والحكومة والرئاسة هي مؤسسات غير شرعية وعميلة للاحتلال، ورغم أنها كانت تعمل من خلال كثير من الكتل والأحزاب في الساحة السياسية التي اخترقتها تحت مسميات كثيرة مسلحة وغير مسلحة تحت عباءة المقاومة والتحرير بميكافيلية عالية جدا، إلا أنها دخلت هذه المرة إلى عربات القطار الديمقراطي للوصول إلى ذات الهدف الذي كان يوصلها اليه قطار الليل أو الانقلابات في ما مضى من فلكلورنا السياسي؟
    وهنا أيضا علينا أن نسأل هل جرى تحولا نوعيا في تفكير هذه القوى ورؤيتها للأحداث والمتغيرات في ما حولها أم انه تكتيك آخر للوصول إلى السلطة والعودة إلى صناعة الماضي بأسلوب آخر، خصوصا وهي مصرة حتى الآن على ثوابتها وشعاراتها القديمة والمجملة أو المعطرة بالوسيلة الجديدة في تداول السلطة ولو إلى حين تمكنها من ذلك؟
  وليس أدل على انتمائها لشعارات الماضي إلا تشبثها بأوحدية القائد شخصا كان أم حزبا ممثلا بقومية سائدة أو مذهب بذاته، وليس غريبا أن تعتبر هذه القوى كل ما مضى في تاريخنا السياسي قبل الاحتلال وسقوط النظام انجازات كبيرة بل مكاسب شعبية عظمى وعليه فليست جرائم الأنفال وحلبجة والمقابر الجماعية وتهجير مئات الآلاف من العراقيين داخل وخارج البلاد سوى تشدد في ممارسة الحكم أو مجرد أخطاء عابرة سببها الضحايا الذين نفذت بهم الأحكام، فهي لا ترى في كل ذلك إلا ردود فعل من النظام وليس لها أي تعريف مغاير لتعريفات النظام السابق لسياسات التهميش والإقصاء والتعريب والتغيير الديموغرافي للمدن والقصبات!؟
   والصورة الثانية هي عمليات تكثيف السلطات وتركيزها وشخصنتها باستخدام ذات الأساليب الإعلامية والنفسية في تصنيع القيادات الاوحدية واستخدام وسائل السلطة وخيراتها في شراء ذمم تكوينات عشائرية إما بالمال أو التعبئة الانفعالية باستخدام الشد القروي والقبلي لدى هذه التكوينات التي استخدمها النظام السابق بذات الأسلوب والنهج طيلة عقود، والغريب أنها تستخدم الاستمالة الاستجدائية بمعاداة طرف آخر إلى حد إلغائه أو تهميشه على ذات الخلفية التي اعتمدت لعشرات السنين.
   والعجيب أن الاتجاهين رغم اختلافهما نظريا إلا إنهما ينشدان نفس الهدف ويستخدمان ذات الأساليب للوصول إلى دفة الحكم والاستئثار بمقاليد السلطة والقرار مما يؤشر اتجاها تدريجيا إلى إعادة تكثيف القوة والسطوة وتركيزها ولكن هذه المرة باستخدام قطار الديمقراطية الليلي.

358
النظم السياسية والأصولية الدينية

                                                                                               كفاح محمود كريم
    تتميز معظم الأنظمة السياسية الحاكمة في الشرق الأوسط والدول العربية خاصة بكونها تدعي استمداد قوتها وتعاليمها وشرعيتها من السماء، بمعنى أن النظام السياسي ومن يقوده إنما هو مرسل إما نعمة من نعم السماء ( كما وصف ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث الرئيس العراقي السابق صدام حسين ) أو ربما يتمادى الكثير منهم فيعتقدون بأنهم جزء من ألذات الإلهية أو ربما كلها، ويتصرفون في حكمهم وكأنهم فعلا آلهة أو على أقل تقدير فأنهم يمثلون الرب في حكمهم للعبيد من الجماهير المناضلة ( كما أراد أن يوحي للناس نائب رئيس النظام السابق عزة الدوري في توصيفاته لرئيسه صدام )، ومن هذا المنطلق والتصور وعلى هذا الأساس يتم بناء الحلقات والدوائر المحيطة بالرئيس القائد أو بالملك المعظم والمفدى أو بالأمير العظيم، من فرق الحماية والحرس الملكي والجمهوري والمؤسسات الأمنية والمخابراتية  المدربة بشكل عال لقمع أي تحرك للشعوب المستعبدة في تلك الدول، وتسخير كل إمكانيات الدولة والجيش والنفط وأي شيء آخر تمتاز به دولهم من اجل الإبقاء على القائد والنظام ومنظومته سواء كانت حزبا طليعيا يدافع عن الأمة ومستقبل قائدها أو حاشية لا تقل شأنا عن فعالية أي حزب طليعي مثل رفاقنا التقدميين جدا أو وكلاء الأنبياء والرسل وممثلي الملائكة على الأرض أو من لديهم تفويض رباني أو تاريخي ليقود الأمة إلى الوحدة أو إلى جنان الخلد.
  وعلى أساس هذه الخلفية المقدسة للرئيس القائد أو الملك العظيم والمفدى أو الفارس الأوحد ( عقلية شيخ العشيرة والقرية ) لا يمكن لأي فرد أن يخالفه في رأيه وفلسفته ونظرته للحياة لأنها تطبق نظاما إلهيا وبرنامجا تاريخيا، كما لا يمكن ويعتبر من المحرمات القاتلة التعرض إلى ذات الرئيس أو الملك بأي شكل من الأشكال إلا المديح والتأليه ( في العراق كان هناك قانون يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد لمن يتعرض إلى الذات الرئاسية، بينما يحكم بالسجن ثلاث سنوات من يتعرض للذات الإلهية!؟ )، كما لا يمكن لأي قوةٍ معارضة أن تزحزحها عن عرشها لكون بنائها اعتمد نظاما ربانيا في التصور والسلوك والقدسية كما كان في العراق وما هو موجود ربما بدرجات اقل أو أكثر في بقية الدول العربية والإسلامية.
    إن معظم أنظمة الشرق الأوسط السياسية جزء من هذه المنظومة الشمولية المعقدة في تركيباتها السياسية والاجتماعية والمتناغمة مع الحركات الأصولية في المضامين والسلوكيات أيضا وان اختلفت سطحيا فأنها تلتقي استراتيجيا وفي محطات معروفة لدى كل سكان الشرق الأوسط في كيفية استخدامها للدين كوسيلة دفاعية أو هجومية حينما يضيق عليها الخناق، ولذلك ترى تعاطفا واسعا مع كثير من الحركات الأصولية المتطرفة من قبل تلك الأنظمة وربما يصل التعاطف الى درجة المشاركة الفعلية بكل نشاطاتها الجهادية التي يتم تنفيذها كل يوم وفي معظم أنحاء المعمورة، والعجيب إن معظم قادة هذه الدول لديهم ( تخويل سماواتي ) أو نبوي رسالي امتدادا للأنبياء والرسل، والأكثر غرابة إنه ليس هناك رئيس واحد إلا وادعى إن جده رسول الله أو يحمل توصية رسالية أو ربانية لهذه الأمة أو ربما جاء ليكمل المسيرة كما كان رئيسنا السابق وأقرانه من القادة الميامين(!).
   ولعل الكثير من أئمة الجوامع والعديد ممن يدعون أنهم علماء دين يمثلون امتدادا لأولياء أمورهم من القادة العظام رؤساء كانوا أم ملوكا في وعظهم وخطبهم وتدليسهم لأولياء نعمتهم وإشاعتهم الكراهية والأحقاد وتحريضهم على القتل والإرهاب كما جاء في دعوة أكثر من ثمانين عالما وأستاذا جامعيا في إحدى الدول المجاورة للعراق لإباحة الجهاد فيه والإفتاء بقتل الكورد والشيعة، وتشير إحصائيات وزارتي الداخلية والدفاع إن معظم الانتحاريين هم من هذه الدولة إضافة إلى سوريا ودول شمال افريقيا واليمن وفلسطين وايران.
     إن مؤسسات هذه الأنظمة والدول الفقهية والكثير من أساتذة جامعاتها الدينية وأجهزة إعلامها تقوم بإصدار وترويج عشرات الفتاوى التي تبيح قتل الكورد والشيعة والديمقراطيين والليبراليين واعتبار العلمانيين أناسا ملحدين يقام عليهم الحد بالسيف، وما عمليات الإبادة الجماعية للسكان المدنيين في العراق أو أفغانستان أو حتى اوربا كما حصل في قطارات لندن ومدريد والتي تقام بذريعة الجهاد في سبيل الله واعتبارهم أي أولئك الذين يصادف قتلهم في موقع الانتحار الجهادي شهداء من الدرجة الثالثة أو ربما الخامسة إلا نتاجا لتلك الثقافة التي دفعت مئات من الشباب والمراهقين والمحبطين والمرضى في البلدان العربية وغيرهم من المسلمين إلى التحول إلى قنابل شديدة الانفجار لقتل اكبر عدد ممكن من الأطفال والنساء والمدنيين عموما من العراقيين وغيرهم، ليذهبوا بعدها إلى الآخرة ويتناولوا الغداء أو العشاء مع الرسول(ص) أو الملائكة (؟) كما يدعون وكما يلقنون ضحاياهم مثل ما جاء في اعترافات كثير من الإرهابيين المعتقلين قبل تنفيذ جرائمهم، في أكبر عملية كذب على الإسلام ورسوله الكريم وعملية تشويه لدين اعتمد مبدأ المساواة والتسامح.
 

 
 
 

359
جمهوريــــــة القرية !
كفاح محمود كريم

    ربما إن الكثير من المتفائلين كانوا يعتقدون أن النظام السابق هو مجرد ترويكة قيادية لا يتجاوز عددها المئات من الكوادر السياسية العليا والعسكرية والخاصة وبسقوطها وهزيمتها انتهت حقبة من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، ولم يلتفت أو ينتبه الكثير إلى نوع الثقافة التي أنتجتها هذه الأنظمة عبر عشرات السنين لدى قطاعات واسعة من الأهالي بل وكيفية توظيفها لتراكمات من العادات والتقاليد البدوية والقروية البالية واستخدام مفردات الشد العشائري والقيم القبلية التي اندثرت لدى الكثير من دول العالم حتى الشرقية والإسلامية منها، وإعادة تصنيعها وزركشتها وتقديمها كسلوكيات أصيلة في مجتمعات ما زالت تبحث عن هويتها الوطنية ولم يكتمل بنائها المدني المتحضر لحد هذا اليوم، فهناك نسب كارثية في ألامية والتخلف الحضاري والفقر المدقع والولاء للفرد والقبيلة والمنطقة، بما يؤشر انعدام مبدأ المواطنة وانحساره لصالح الانتماء إلى العشيرة أو القرية والمنطقة، حتى يبدو للكثير ذلك الانتماء أكثر قدسية من الانتماء للشعب أو الدولة والوطن.
     لقد عملوا منذ الساعات الأولى لانقلابهم وسيطرتهم على مقاليد السلطة والمال في البلاد على إقامة جمهورية القرية بكل ما تعنيه هذه المفردة من معانيها وتفاصيل ما يرتبط بثقافة القرية وعاداتها الايجابية منها والسلبية، بل وأنجزوا في مراحل متقدمة من حكمهم مؤسسات ادارية في اعلى مستويات الدولة تحت تسميات دوائر العشائر والانساب ومن ثم انتاج شيوخ العشائر بمواصفات واصناف ودرجات ( أ، ب، ج ) للمستويات، ثم استحداث رؤساء الافخاذ ضمن العشيرة الواحدة، وكل ذلك يتم تغطيته برواتب ومخصصات شهرية وواجبات خاصة يقوم بها هؤلاء الاشخاص خدمة للنظام ورئيسه.
    إن نظاما حكم العراق قرابة أربعين عاما وأشاع ثقافة الحزب الواحد والعرق الواحد والمبدأ الأوحد والرئيس الضرورة والأب القائد ومبدأ نفذ ثم ناقش ومئات الآلاف من الأميين الذين استقدمهم من القرى والأرياف كعناصر لقوى الأمن والاستخبارات والمخابرات وأسكنهم في مراكز المدن وأطرافها بكل عاداتهم وتقاليدهم وسلوكياتهم والالاف من الشيوخ الذين انتجتهم دوائره، لا يمكن التخلص من آثاره بمجرد إسقاط هيكله الإداري وأدواته في عدة أشهر أو سنوات.
    لقد مارس خلال اربعة عقود عمليات اشاعة وزرع مفاهيم شمولية وعسكرية وعنصرية لدى قطاعات واسعة من الأهالي وبالذات القروية والنازحة من القرى والأرياف إلى حافات المدن ومن ثم إلى مراكزها في العيش والقرار، وعسكرة تلك القطاعات وشحنها بمفاهيم مغلقة لا تمت إلى العصر أو الحضارة بأي صلة كانت بل على العكس كانت وما تزال تتغني بأمجاد الغزو والعشيرة والبداوة وتشوه التاريخ وحقائقه بما يتناسب وانتماءاتها الطائفية والعرقية ويعمل على إلغاء أو تهميش الآخرين لحساب مفهوم الشيخ والاغا وسلوكيات القطيع.
     لقد أشاعت الأنظمة السياسية العربية في معظم بلدان الشرق الأوسط ثقافة القرية والبداوة، لا بتلك القيم المشرقة فيها بل بتلك الثقافة المغلقة والبدائية في تعاطيها مع مفردات التطور الاجتماعي والاقتصادي في المدن ومجتمعاتها المعاصرة، وحينما نتحدث عن القرية فإننا نتحدث عن القرية في دولنا من العراق وحتى المغرب، المغمورة بالأمية والبدائية والفقر المدقع والتحسب بل والخوف من المدن والتخلف في معظم مضامير الحياة إلا ما كان استثناء لا يخضع للقياس العام، بل واستبعدت ثقافة المدينة والطبقة المتوسطة تماما في كثير من بلدان الشرق الأوسط وعملت على تدمير هذه الطبقة وإنهاء وجودها وتشويه طبيعة وهوية المدن بعمليات النقل العشوائي لسكان القرى إليها، خصوصا في النصف الثاني من القرن الماضي وبداية عصر الانقلابات العسكرية والدكتاتوريات الجمهورية المؤدلجة بنظرية الحزب الواحد وملحقاته. هذه الثقافة التي لا تعترف بالآخر وتنظر إليه بمنظار التبعية الدونية كونها سلطة منفردة ومخولة دائما من السماء ومن الشعب كما تشتهي هي لنفسها، حيث تراكمت لديها معارف القرية ومجالسها المغلقة وقيمها القبلية ونظامها الاقتصادي البدائي المعروف في مناطقنا بالشرق الأوسط عموما منطلقة من الترابط في النسب ومن مبدأ شيخ العشيرة ( الأب الكبير ) الآمر والناهي دونما نقاش أو اعتراض.
    هذه الثقافة المحصورة في أعماق التكوينات النفسية للفرد والمشبعة بالخوف والتحسب البدائي من الآخر والولاء للأسرة والعشيرة في الانكماش والتعاطي المقرون بالعدائية لكل ما هو خارج مفهوم الأسرة والعشيرة نتيجة تراكمات فكرة الغزو المتوارثة عبر مئات السنين أو ربما أكثر، وقد كرست معظم الأنظمة السياسية العربية هذه الثقافة وأمدتها تارة بوسيلة الدين وتأويلاتها وتفسيراتها القروية السوداوية لنصوصه ( تأثيرات ملالي القرى والكتاتيب التربوية ) وذلك لإشاعة الكراهية وفكرة الواحد في كل شيء امتدادا من ذلك البدوي الذي كان يمتطي حصانه في أعماق الصحراء ولا يرى غيره في تلك الأرض المترامية الأطراف وصولا إلى فكرة الرئيس القائد والأوحد، والرأي المقدس الغير قابل للنقاش أو الاعتراض وإسقاط هذه المفاهيم على علاقة الفرد بالشيخ أو الرئيس، وتارة أخرى بالضرورة التاريخية لوجودها ووجود نظام الفارس والقائد والملهم والذي لا مثيل له بين البشر، حتى تحولت مجتمعاتنا إلى ما يشبه نظام القطيع في السلوك والتعاطي مع المافوق دائما وفي معظم تفاصيل الحياة حتى ما كان منها بعيد عن السياسة أو الإدارة ليس في شخص الرئيس أو الملك بل نزولا إلى اصغر حلقات الإدارة وانتقال السلطنة من أعلى الهرم إلى أسفله في السلوك والتعاطي مع الآخرين، ومن ثم انتشار ظواهر التملق والتدليس والنفاق الاجتماعي وانحسار حرية الرأي وجرأة التعبير بل وانعدامها كليا لصالح شخصية المدير والشيخ ومن ثم القائد والحزب أو النظام المهيمن، وبذلك تم تسخير ومن ثم تأويل وتفسير أكثر النصوص قدسية في الكتب الدينية وأحاديث الأنبياء والرسل والأئمة والأولياء لخدمة نظام الواحد الأحد المتمثل بشيخ العشيرة ومن ثم الأمير أو الملك المفدى وأخيراً الرئيس أو القائد الضرورة في معظم جمهوريات الشرق الأوسط ومن تبعه وماثله جغرافيا واجتماعيا إلى يوم الدين وتحويلها تدريجيا إلى جمهوريات وممالك قروية في أحدث عمليات ترييف المدن والدول!؟


360
العراق والمواطنة
كفاح محمود كريم

    لقد أعتقد البريطانيون في وقت مبكر من القرن الماضي انعدام مفهوم المواطنة لدى معظم سكان العراق أو ربما هشاشته مقارنة مع مناطق أخرى من العالم الذي كان ما يزال ( ينعم ) بشمس جلالة الملكة التي لا تغيب، وإن سكان هذه الولايات الثلاث ( بغداد والبصرة والموصل ) تنتمي إلى عشائرها ومناطق سكناها ( قرى ومدن ) أكثر من انتمائها إلى مفهوم الشعب والوطن العراقي، وليس أدل على ذلك من عجزهم في العثور على مرشح متفق عليه لعرش مملكة العراق المزمع إنشاؤها بعد احتلاله لبلاد ما بين النهرين الذي خرج للتو من تحت عمامة  دولة بني عثمان.
    فلم تتفق العشائر والبيوتات في الولايات الثلاث على ملك يعتلي العرش لوطن يؤسس  للتو بين هذه الولايات ومكوناتها، فكل عشيرة أو مدينة كانت تصر على أن يكون العرش من نصيبها، مما دفع الإدارة البريطانية إلى استيراد ملك من ارض نجد والحجاز ومن بيت عتيق لا تختلف عليه العشائر والمدن والقرى وهو الملك الهاشمي الشريف فيصل الأول، الذي أدرك منذ بداية توليه إدارة  هذه البلاد مكوناتها وطوائفها وأنها ليست شعبا واحدا بل شعوبا وقبائلا، أديانا ومذاهب، في أول إطلالة له على تركيبة  العراق ومكوناته العرقية والدينية والمذهبية.
   ورغم هذا التنوع والاختلاف قرر البريطانيون تأسيس مملكة العراق  من هذه الشعوب والقبائل التي أرادت لها الإدارة البريطانية أن تكون واحدة من مستعمراتها تحت الانتداب، وزعمت إن ملكا هاشميا سيوحدها وسيخلق انتماءً لهذا الكيان بصرف النظر عن القرية والعشيرة والمكان، رغم شكوك   الكثير من الساسة الانكليز بإمكانية توحيد هذه المكونات العرقية والدينية تحت عرش الملك الهاشمي.
  وطيلة ما يقرب من ثمانين عاما لم تنجح كل الأنظمة السياسية التي توالت على حكم العراق من الاتفاق على تعريف موحد لمفهوم المواطنة الذي يرتقي بالانتماء للعراق أولا وأخيرا واعتبار الانتماء العرقي والديني مسالة شخصية لا علاقة لها بارتباط الفرد بالأرض والوطن، وخلال هذه العقود الطويلة سادت أنظمة سياسية كانت تمثل في معظمها عرقا واحدا ومذهبا دينيا من دون غيره في مفاصل القرار الرئيسية، وهي الأخرى سحقت تحت عجلات انقلاباتها تلك الطبقة المتوسطة في المدن لتسهل انتقال القرية تماما إلى مراكز القرار والقيادة والتوجيه مما قزم العراق إلى قرية صغيرة ومكوناته الى حزب سياسي بحسب انتماء رئيس الجمهورية وأصوله أو الحزب وإيديولوجيته كما فعلت مجموعة النظام السابق القبلية.
    وليس ما حصل خلال ما يقرب من أربعين عاما في اختزال بلد من اعرق البلدان وشعوب من اعرق شعوب المعمورة في أصولها وحضاراتها في قرية وعشيرة تكاد تكون من اصغر القرى والعشائر قاطبة في العراق الا دليلا على ذلك وسببا رئيسيا لما آلت إليه الأمور بعد احتلال العراق وهزيمة نظامه السياسي وسقوط كثير من المفاهيم والثوابت ولعل أهمها موضوعة الانتماء والمواطنة، حيث ظهرت الانتماءات القروية والقبلية اقوى مما كانت عليه حتى في أول مراحل تأسيس الدولة العراقية إضافة إلى احتدام الصراع المذهبي إلى درجة الاقتتال والتذابح حد الإبادة والتطهير في كثير من الأماكن من العاصمة وفي أطرافها، ومن ثم تسلط الانتهازيين والنفعيين وانصاف الاميين والجهلة على مقاليد الامور في كثير من مفاصل الدولة مما أدى الى تداعي الاوضاع الاجتماعية واختزال الوطن ثانية في قرية وعشيرة أو مذهب أو اجندة لا علاقة لها بالوطن او الشعب.
  لقد فشلت الانظمة الشمولية وحروبها الاربع من أن تنتج مفهوما للمواطنة والانتماء بعيدا عن القرية والعشيرة والعرق والدين، فهل سينجح النموذج الحالي، وهل هذه الهجمة الشرسة عليه منذ قيامه تؤشر الخشية من نجاحه؟
السنوات القادمة ربما ستمنحنا اجابات كثيرة!
   

361
دكتاتوريات الهزائم !
                                                                                                                                             
                                                                                                                                                                                                                   كفاح محمود كريم
   
    منذ أن وضعت الحرب أوزارها في عام 1948م والمخازي تتوالى وتتعاقب مع الهزائم التي أنتجتها الأنظمة العربية الدكتاتورية على أيدي قادتها وأبطالها المصنوعين في دوائر إعلام القادة المنافقين والانتهازيين وملمعي الجوخات* من التدليسيين عبر أكثر من قرن من الزمان يوم تولوا قيادة هذه الشعوب والبلدان وعاثوا في الأرض والناس فسادا وعدوان.
   ولعلنا نتذكر واحدة من تلك المخازي حينما أشاعت أجهزة الاستخبارات ووسائل الأعلام الساذجة آنذاك بان مجموعة من جنود الجيش العراقي سلقت جنديا إسرائيليا قرب تل أبيب، ليتم أكله فيما بعد (!) أثناء حرب 1948م التي التهمت فلسطين وكشفت عورات الأنظمة العربية التي تدق طبول الحرب والجهاد منذ ستين عاما وتنتصر في كل حرب لتكرس رؤساء منقذين للأمة يتناوبون على هزائمها كل حقبة من الزمان.
   تلك الهزيمة التي أنتجت جمهوريات الانقلابات وولدت دكتاتوريات الهزائم التي مازالت تتوالد حتى يومنا هذا لتفرخ أحدث هزيمة في غزة الذبيحة تحت شعارات كاذبة ومجاميع من السياسيين المسعورين بدكتاتورية الكراسي وإمارات العشائر والأحزاب القائدة.
   ومن ثم لتحيل فلسطين من بلد واحد ابتلعته الخباثة البريطانية واللؤم الإسرائيلي والخيانة العربية إلى أكثر من عشرين بلدا داخل فلسطين وخارجها في تشتيت مقاومته وتحويلها إلى دويلات تابعة إلى الأنظمة العربية صاحبة إمبراطوريات العشائر المنتشرة على ضفاف المحيط والخليج وصاحبة المال والنعمة وقرار التحرير ونطق اللاءات الثلاث سواء من الخرطوم أو من مكان آخر؟.
    إنها سلسلة من الهزائم والانكسارات تنتج بالتوالي دكتاتوريات تتولى صناعة أمجادها على مئات الآلاف من القتلى ومثلهم من المعاقين، وهزائما تحولها ماكينات الإعلام اللا أخلاقي إلى انتصارات للأمة والتاريخ، وكلنا يتذكر تلك الهزائم من ثغرة الدفرسوار إلى أم المعارك الصدامية وما أعقبها من انهيارات وتدمير كلي للعراق وقبله مصر وسوريا وبعدهم لبنان المنكوب هو الآخر بطرزانيات الخطف والمساومة لتحرير الأرض من البحر إلى النهر بأكاذيب وهرطقات لا أساس لها إلا في أذهان أولئك النرجسيون الذين يدمرون شعوبنا.
    حقا إنها سلسلة من مخازي الدكتاتوريات التي أنتجت كل هزائم هذه الأمة منذ حرب 1948م وحتى ذبح غزة والمتاجرة بدماء أبنائها البررة الذين تحرقهم وتجز رؤوسهم ماكينة الحرب الإسرائيلية والتي حولتهم حماس إلى طعم رخيص وسهل لتلك الماكينة كما فعل قبلهم حسن نصر الله بشعب لبنان الأصيل وكما فعل صدام حسين ببلد الحضارات والخيرات وأحاله وشعبه إلى ارض جدباء ودمار شامل وشتات.
    إنهم الكذابون عبر التاريخ منذ تولوا أمور هذه الشعوب وهم في حرب دائمة مع أعداء مفترضين وهزائم تتوالى ونياشين تعلق على صدور جنرالات من ورق وانتصارات إعلامية ومن بعدها تخاذل وانكسار وتبويس اللحى والأيادي للحفاظ على الكراسي، إلا اللهم تلك الانتصارات على شعوبهم ومكونات بلدانهم كما حصل في مجازر بيروت وحلبجة والأنفال وحماه أبان عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
     بلدان وشعوب تدفع فاتورة تلك الحماقات والأكاذيب وتجارة الحروب على أيدي مجموعة من الدكتاتوريات منذ أكثر من ستين عاما واقتصادياتها من اضعف الاقتصاديات في المنطقة وأوضاعها الاجتماعية تتقهقر وتنتشر بين سكانها أعلى مستويات الأمية والتخلف والبطالة وهشاشة بنيانها أمام اقل أزمة أو كارثة نتيجة استهلاك معظم قواها المادية والمعنوية في حروب عشوائية لا هدف لها إلا الإبقاء على تلك الأنظمة البوليسية ورؤسائها، ولعلنا نتذكر بألم كل حروب هذه الأنظمة مع إسرائيل ومن ثم مع بعضها البعض أو مع شعوبها وجيرانها وما أنتجته من مآسي وتقهقر وتشويه لكثير من المفاهيم الوطنية بل وقتل الشعور بالمواطنة والانتماء وترك شعوبها تواجه مصيرها في حروب غير متكافئة في العدة والعلم والمدد مع عدو طاغي وظالم ومستكبر.


* مثل بغدادي يطلق على المنافقين الذين يمسحون ويلمعون أكتاف مسؤوليهم.
 

362
استنساخ المزايدات وذبح غزة ؟
                                                                                                            كفاح محمود كريم


    بينما يتم ذبح غزة من الوريد الى الوريد كما ذبح العراق في ثمانينات  وتسعينات القرن الماضي وما زال يذبح منذ اكثر من خمس سنوات، وكما يحاولون اغتيال لبنان الحضارة والانسان ينبري المزايدون والراقصون  في حمامات دماء الشعوب وعلى اشلاء الابرياء  من الاطفال والنساء بمزايداتهم الكاذبة وشعاراتهم الطنانة واسلحتهم التي تشبه  دمى الاطفال والالعاب النارية، ثم يخرجون ليتحمدوا الله ( البريئ منهم ومن اكاذيبهم ) على  انتصاراتهم الخائبة وبقاء منظماتهم وانظمتهم السياسية وقادتهم الميامين!؟
   لم يعد خافيا على الجميع أسلوب المزايدات الذي أنتجته نظم الاستبداد منذ قيام دول سايكس بيكو إثر انهيار امبراطورية آل عثمان وتوزيع ممتلكاتها من الولايات على الورثة الجدد الموقعين على الاتفاقية وما تلاها من معاهدات واتفاقيات في عشرينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، ومع تقادم الزمن وتكلس الآلام وشيوع الاستكانة والخنوع لدى أجيال وأجيال من أبناء وبنات المنطقة والعراق بالذات، وتحول ذلك الأسلوب إلى صفة ملازمة لكثير من القطاعات الملاصقة أو القريبة من مراكز القرار في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها وتركيبات المجتمع وطبقاته، وما تحمله تلك الصفة من مظاهر التملق والتدليس وتأليه الما فوق وتضبيب الرؤيا وتشويه الحقائق حتى غدت ظاهرة المزايدات لدى الكثير من الناس هي الطريق الأقصر للوصول إلى الأهداف الخاصة وربما العامة.
   وقد أبدع النظام السابق في تطوير المزايدات وتعميمها حتى ظن الكثير إنه دولة عظمى تمتلك إرادة القرار وأسلحة الانتصار كما أوهمنا جميعا بامتلاكه أسلحة تحرق نصف إسرائيل وتحول النصف الثاني إلى جواري وغلمان لفرسان الأمة وصناديدها، وحتى عشية الحرب الأمريكية على النظام كان الرفاق يتحدثون عن مفاجآت رهيبة وأسلحة مرعبة سيستخدمها القائد في اللحضة المناسبة، ويتذكر العراقيون جيدا مقولات الرئيس السابق عن كيفية معالجة طائرات الشبح الأمريكية وكيف سينتحر الجنود الأمريكان على أسوار بغداد، وقبل ذلك ما كان يوحي به النظام من تصنيعه وتطويره لأسلحة تتجاوز ما أنتجته كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
   والطامة الكبرى حينما كانت الأكثرية تصدق هذه المزايدات من نظام يقود دولة أكثر من نصف سكانها لا يجيدون القراءة والكتابة وربما نصف سكانها من الفقراء والمساكين، المغيبين والمسطحين، وأكثر من نصف تعداد جيشها من الفلاحين ألاميين الخارجين عن الزمن، وما تبقى من المغلوبين على أمرهم، المساقين عنوة وانكشارية، وربما أكثر من نصف سكانها يسكنون في أكواخ وأعشاش لا تليق بالصنف البشري، وأكثر من ذلك لو فتحنا آلامنا المتكلسة منذ عقود طويلة ومؤلمة، سواء تلك الآلام التي تقرحت وتركت تشويهات في السلوك والانتقام والأحقاد من لدن سكان الريف والقرى التي سحقت وأهينت وأبعدت عن مراكز الحضارة بإغفالها وتكريس تخلفها وتجهيل سكانها مما أدى إلى نزوح مرعب إلى المدن وتشويه هوياتها وتحويل أولئك النازحين من القرى إليها إلى أدوات لتنفيذ مشاريع الأنظمة السياسية المتخلفة من خلال تسطيح ثقافتها وربطها برأس النظام السياسي ومزايداته. أو في المدن التي غدت هي الأخرى مرتع للجهلة وأنصاف المثقفين وخليط مقزز من الأفكار والأيديولوجيات المستنسخة والقابلة للتغيير حسب أمزجة القائد الضرورة وامثاله هنا وهناك.
   لقد تحولت المزايدات ( الوطنية ) و ( القومية ) و ( الدينية ) إلى واحدة من أخطر ما يواجه مجتمعاتنا إلى حد هذا اليوم، فقد سادت هذه الظاهرة في أدبيات الساسة وحتى الكثير من المناضلين ورجال الدين وعلمائه، حتى غدا الواحد منهم مرجعية إلهية لايمكن الاعتراض عليه أو منافسته، ويتذكر العراقيون جيداً مدرسة المزايدات طيلة أكثر من أربعين عاما من الحكم ألبعثي للعراق وكيف إنهم أي البعثيون ورثة رسالة خالدة ومن يقف في طريقهم أو يختلف في طروحاته معهم فأنه خائن للأمة والشعب ويستحق على ذلك الموت الزؤام، وهكذا فعل ويفعل الكثير من رجال الدين وعلمائه في تكفير الآخرين وإلصاق تهم الإلحاد والردة والخروج على شريعتهم لكل من يخالف طروحاتهم وتفسيراتهم للنصوص الدينية.
   ولم تقتصر تلك المزايدات على العراق وحده بل تخطت حدوده الجغرافية إلى ( أشقائنا ) في جيبوتي واريتريا وجزر القمر والصومال وطنب الكبرى والصغرى والسودان وتشاد وفرعنا في الكويت وأهلنا في عربستان إيران، وأصبحنا بين ليلة وضحاها دولة عظمى أو أمم متحدة تحتضن ملايين من الجياع والمرتزقة والعاطلين وخريجوا السجون والحفاة وتجار الأحزاب و المبادئ من هذه الدول وغيرها، حتى فقد الكثير من العراقيين هويتهم ليزايد عليهم هؤلاء كما يفعل الآن أولئك المحتلين ممن أتوا ليحرروا العراق من الأمريكان وكأنما أرحام العراقيات قد نضبت أو جفت؟!
   وهكذا تراهم اليوم يستنسخون تلك المزايدات بينما تشن اسرائيل هجمة بربرية على شعب اعزل تم تخديره وايهامه كما حصل للعراقيين وكثير من اهالي لبنان في فواجعهم بحروب رؤسائهم وعنتريات احزاب وحركات متطرفة تعتمد التهييج والانفعالات الطائشة في سياستها وتسلطها ومنظومة من الاكاذيب والادعاءات على حساب حياة ومستقبل شعوبها، فلم يكتفو بتحويل فلسطين الجريحة الى دولتين ونظامين وتشويه النضال الفلسطيني وتحويل قضيته من قضية انسانية تتعاطف معها كل شعوب العالم الى قضية ايديولوجيه دينية متطرفة، بل اقحموا شعب غزة وشرطتها في اتون حرب غير متكافئة ستنتهي الى كارثة انسانية يدفع فاتورتها هذا الشعب الغلبان. 

kmkinfo@gmail.com

363
البحث عن بطل من ورق ؟
                                                                                                كفاح محمود كريم

    في غياب المؤسسات الديمقراطية وسلطة القانون وانتفاء الحاجة للعدالة ببدائل يختزلها الفرد أو مجموعة متسلطة، تبحث قطاعات واسعة من مجتمعاتنا عن رمز أو بطل يملأ تلك الحاجة أو الفراغ الرهيب في تكوينات ومفاصل مجتمعنا النفسية والسياسية.
   أو ربما البحث عن مارد أو أسطورة من تلك الحكايات التي اختزنتها ذاكرة مجتمعاتنا عبر الأجيال والدهور، وهي تستدعى إلى الذاكرة في كل انكسار أو هزيمة أو ضياع في غياب نظام متطور للحياة الاجتماعية والسياسية وفي حالة فقدان للعدالة الاجتماعية وسلسلة من الهزائم والانتكاسات والكبوات المرة والضربات القاسية التي أدت إلى فيض من الإحباط واليأس من الأنظمة التي تحكم معظم بلداننا في الشرق الأوسط .
   هذا التراكم الكمي الكبير من الخذلان والانكسار يأتي أمام طغيان الحيتان وفقدان العدالة الاجتماعية  وتسلط القوى الانتهازية وربما هيمنتها على مراكز القرار إلى جانب النظم الشمولية والكولينيالية، دافعا الفرد والمجتمع عموما ( في غياب مفهوم ناضج للمواطنة وتوازن في العلاقة بين الفرد والدولة) إلى البحث الجدي عن مخلص أو منقذ أسطوري أو بطل بأي شكل من الأشكال وأي نوع من الأنواع في محاولة لجبر حالة الانكسار والإحباط ومداراة حالة اليأس والقنوط التي تلازم الفرد والمجتمع عموما.
    وفي عملية البحث هذه يتسلق الفرد المنكسر أو المجتمع المحبط أول درجة من درجات أي سلالم تنقذه من هذا التردي المتراكم، وليس اندفاع  الكثير وربما معظم وسائل الإعلام العربية ومنتدياتها على ظاهرة الحذاء الذي تحول خلال ساعات إلى رمز من رموز المقاومة والوطنية، وتحول صحفي مغمور إلى شخصية تكاد تنافس عنترة في ذاكرة التراكم ألانكساري إلا دليل هذا الانكماش إلى الداخل والانكسار نتيجة ضغوطات هائلة على تكوينات الفرد والمجتمع النفسية والاجتماعية والاقتصادية بسبب الاحتلال وما قبل الاحتلال من استلاب وإلغاء وتهميش لكيان الفرد وحريته ومن ثم مصير المجتمع وديمومة حياته حرا خاليا من الأمراض النفسية والسياسية والاقتصادية.
   لقد أنتجت هزائم الحروب في اربعينات القرن الماضي الرئيس عبدالناصر ومؤسسات حكمه، كما انتجت هزائم حزيران عام 1967م  صدام حسين وحافظ الاسد، واخيرا تنتج ماكنة الهزائم بعد اجتياح لبنان وسقوط بغداد حزب الله وحماس ومن لف لفهما في تخدير شعوب هذه المنطقة وسوقها الى اتون حرب مدمرة وانتكاسة جديدة كما حصل في هزيمة حزيران وحرب الخليج الثانية وسقوط بغداد وتدمير لبنان واخيرا ذبح غزة من الوريد الى الوريد تحت شعاراتهم وعنترياتهم الفارغة التي جاءت كالعادة صدى لتلك الماكنة الاعلامية البائسة التي تستهين بعقل الناس وتحول على شاشات التلفاز تلك الهزائم المخزية الى انتصارات تشبة ذلك الانتصار البائس في حرب الخليج الثانية وجعله ( ام المعارك ) بعد تدمير العراق بالكامل، واعتبار تدمير لبنان انتصار لفرسان الامة ونصر الله؟ 
    إن لجوء الفرد والمجتمع في مثل هكذا أجواء وعلى تراكم من الهزائم والانكسارات وتحت مطرقة أنظمة استبدادية ودكتاتورية إلى البحث عن منقذ أو رمز أو بطل مهما كان حتى لو كان حامي هدف أو مهاجم في ملعب كرة  قدم أو الصحفي أبو الحذاء سيستمر طالما كانت الامية والتخلف الحضاري وغياب دولة القانون والعدالة والغاء الاخر ومقارعة الديمقراطية كونها تخالف الشرع وثوابت الشيخ والقرية والعشيرة؟   

364
الشرق والهروب من الحرية؟

                                                                                                      كفاح محمود كريم
 
    حدثني ذات مرة احد الرعاة عن الذئب حينما يستفرد قطيعا من الشياه، والراعي غافل أو نائم، وكيف ينقاد له القطيع دونما إرادته إلا إرادة الاستكانة والخوف، فالذئب مهما بلغ لا يحتمل كل القطيع في افتراسه؟
 واستطرد الراعي قائلا:
    رأيته يجرجر إحدى النعاج بعد أن قتلها، بينما تتبعه العشرات وهن صاغرات، حتى داهمته فهرب وبقت النعاج تتبعه وهو هارب منكفئ؟
    لست هنا بصدد الخوض في سيكولوجية الحيوان ونظرية الأقوى والابقى في عالم الحيوانات بقدر الفات النظر الى موضوعة الانجرار الى الخلف والتقهقر وسيكولوجية الخوف والاستكانة التي تراكمت في تركيباتنا الباطنية حتى تكلست وغدت سلوكا غريبا ورهيبا أيضا.
   دعونا نتذكر بألم وأحيانا باستغراب أو استهجان ربما، ظاهرة التعاطف مع المجرم حينما يتم تنفيذ حكم الإعدام به مثلا، ولعل إعدام الرئيس السابق والكيفية التي تم إخراج عملية الإعدام وفبركتها بالشكل الذي يتماشى أو يتناغم مع تلك الأوتار التي تعزف التعاطف مع الجلاد الذي يحين موعد تنفيذ استحقاقات بعض العدالة النسبية معه أو مع بعض من رفاقه.
   وحتى مع كثير من المجرمين العاديين الذين كانت الدولة ( تتمتع أو تعتقد بأنها تربي الآخرين ) بتنفيذ حكم الإعدام بهم أمام الناس وفي الساحات العامة، وكيف كانت الأكثرية تتعاطف مع الضحية هنا، بصرف النظر عن شرعية الحكم من عدمه. ولعلنا نتذكر جيدا تلك العقلية الساذجة التي تحملت أسطورة رؤية الزعيم الأوحد على وجه القمر بعد إعدامه على أيدي البعثيين في شباط 1963م، وكاد التاريخ أن يعيد نفسه في نفس هذه العقلية برؤية القائد الضرورة على وجه القمر في عمان وطرابلس الغرب وضواحي دمشق والرقة، وبزيه العسكري المعروف، مع الفارق الكبير بين الزعيم عبدالكريم قاسم ورئيس النظام السابق صدام حسين؟
   عشرات السنين بعد عملية إعدام الزعيم وما زالت الجموع ترسم صور قادتها على وجه القمر!؟ وربما مئات السنين وهي تتلذذ بإيذاء ذواتها حزنا أو انتقاما أو هروبا إلى العبودية والانكفاء بين صفحات الظلام والخشية من الضياء والحرية؟
    عشرات أو ربما مئات الظواهر التي تعكس هذه التركيبات النفسية المتراكمة منذ عقود طويلة من الدكتاتورية المستبدة وإلغاء الآخر حتى تقزيمه وسلبه إرادته وتشويه إنسانيته، وبالتأكيد الآخر هنا في بلادنا هو كل الشعب منقوص منه جموع الانتهازيين والمنافقين وتجار السياسة في كل الحقب والأنظمة، حتى يضن المرء إن دكتاتورية الظلام أفضل من أنوار الحرية التي ربما تعمي الأبصار فتحيل الأحذية إلى سلالم للمجد والانعتاق!؟

365
المنبر الحر / الشرف المعلق !؟
« في: 20:59 23/12/2008  »
الشرف المعلق !؟
                                                                                                    كفاح محمود كريم

    لقد عمل الإسلام كنظرية وفلسفة من أجل تغيير مفاهيم الشرف الشخصي للفرد والمجتمع وتحريره من تحجيمه في أعضاء المرأة التناسلية واستخداماتها، إلى ربطه بالأيمان بالله والفروسية والصدق والكرم والنزاهة ودماثة التعامل مع الآخرين.ِ
فمنذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة خرج رجل أمي من أعماق الصحراء بشريعة أوقفت تعريفا باليا للشرف في الشرق وعموم الأرض، ووضعت قانونا سماويا لعلاقة الرجل بالمرأة إبتداءً من فراش الليل وحتى صغائر الأمور بين الكائنين. وساوت بين العبيد والأحرار في الحقوق الإنسانية، بل دعت إلى تحرير العبيد واستكراه استعباد الإنسان لأخيه الإنسان كما جاء في مقولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض): كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟.
  ورغم تلك الاشراقات المنيرة من الأفكار والقيم التي أنتجها الإسلام وحاول زرعها كمفاهيم بديلة لتلك الجاهليات من منظومات التفكير والسلوك، إلا إن الكثير من المجتمعات الإسلامية العربية منها وغير العربية المتعايشة معا، ما زالت تمارسُ وتسلك نفس ممارسات وسلوكيات ومفاهيم تلك الجاهليات في التفكير البدائي والبدوي في تعريفها لكثير من القيم والعادات والتقاليد.
   ولعل أبرز تلك المفاهيم هو مفهوم الشرف وتعريفاته في مجتمعاتنا وحصره دوما في أعضاء المرأة التناسلية فقط والتي يتم استخدامها خارج منظومة الشرعية.
   ونعرف جميعنا ( في مجتمعاتنا وبالذات القروية منها والقريبة في سلوكياتها من نظام القرية والقبيلة ) بان الرجلَ يكفيه أن يكون شريفا من ناحية الأعضاء التناسلية لكي يتم غض النظر عن الكثير من السلوكيات الأخرى في حياته، والى فترة ليست ببعيدة زمنيا لم تك السرقة إلا صفة من صفات الفروسية والشجاعة لدى الكثير من الناس، وعلى الأقل لم تكن عيبا أو عارا اجتماعيا للفرد أو المجتمع.
   بل أن الكثير من طبقات مجتمعاتنا لا تعتبر سرقة المال العام عيبا أو حراما أو شرفا شخصيا للفرد، موظفا كان أو عاملا، بل لم تثقف أو تربي مؤسسات مجتمعنا المدنية ابتداءً من منبر الجامع ووعظ الملالي والى مرابع ومضايف القبائل وشيوخها وأغواتها، حتى رأينا بأم أعيننا كيف ينهب العراق بأكمله يوم سقوط حكومته ودولته، فلو كانت هناك قيمٌ خلاقة وسلوكيات وطنية وتربوية لما حصل ما حصل بعد سقوط بغداد.
  ولو كان للشرف معنى آخر غير ارتباطه بأعضاء التناسل لاستطعنا الحفاظ على بلادنا حتى ولو سقط ألف طاغية. ودخلت كل جيوش العالم، لكنه ذلك المفهوم المتدني للشرف هو الذي أغرق العراق في بحور من الدماء والدموع وأباح كل المتدنيات في السلوك والاحتفاظ فقط بسلامة أجهزة التناسل.
  ذلك الشرف الذي أباح وأفلت العنان لوحوش بشرية في جنوب العراق وكردستانه، شرقه وغربه، كي تعوث في الأرض والشعب فسادا واغتصابا وتقتيلا ونهبا وسلبا، للحفاظ على شرف الأمة ومستقبل الجماهير؟
  أي شرفٍ هذا الذي يبيح اغتصاب المئات من النساء والفتيات أو ربما الآلاف منهن منذ ( عروسة الثورات ) عام 1963 وحتى هذا اليوم وتحت أي مسمى كان؟
  أي شرفٍ هذا الذي يبيح السرقة والقتل والنهب والسلب والكذب والافتراء والإقصاء وتدمير وطن بأكمله في مائهِ وهوائهِ ونفطهِ وزراعتهِ وصناعتهِ وسكانهِ وتحت أي مسمى من المسميات إلا ما آمن بها ( رفاقنا ) في تبرير الوسيلة لتحقيق هدفهم للعودة إلى قيادة الشرف العراقي ثانية؟
  وأعود مرة أخرى إلى هذا الخزين العجب من القيم والسلوكيات المتناقضة والمتضادة والمزدوجة في مجتمعنا، فهو الذي يتحدث ملأ شدقيه عن الوطنية والقومية والعراق، وهو الذي سرق دولة بأكملها من سكان يفترض أن يكونوا أشقاء له في الدين أو العرق أو المذهب، ثم ما لبث أن سرق نفسه ووطنه، ليس الكل بالتأكيد ولكن الكل أيضا لم يفعل شيئا إلا الخنوع والسلبية والتفرج واللا مسؤولية.
   خليط رهيب من المفاهيم وتعريفاتها المزاجية وكيفية التعامل معها من وقت إلى آخر. ومن أقصى يسار تعريفها إلى أقصى يمين تحليلها والانتقال من لونها الأكثر بياضا إلى الأكثر عتمةً وسواداً.
  وربما ما يحصل الآن من ازدواجيات في المواقف والتعريفات لأبسط الأمور يعكس التدني المرعب في التعامل الأخلاقي مع المفاهيم الوطنية والاجتماعية، ابتداءً من القتل على الهوية المذهبية والعرقية وحتى المناطقية والعشائرية وانتهاءً بعمليات التهجير والتطهير وإشاعة العنصرية والشوفينية كما يحصل الآن في الموصل وكركوك على أيدي أولئك الذين ما زالوا مغرمين بعمليات الأنفال القذرة والمقابر الجماعية وبيع الفتيات العراقيات إلى المخابرات الأجنبية.
  إنها سنوات رهيبة من السلبية والازدواجية المقيتة في التعامل مع الحدث والمفاهيم وتعريفاتها ووظائفها، فأي شرف شخصي هذا بإمكانه أن يكون طاهرا وهو يسمح لنفسه بالعبث أو العدوان على شرف الآخرين لمجرد إنه يمتلك القوة والسلاح كما حصل أثناء حكم النظام السابق وجرائمه في كوردستان وبقية أنحاء العراق جنوبا ووسطا منذ انقلابه في عام 1963 وحتى سقوطه المخزي في نيسان 2003 وما جرى على أيدي أزلامه ومؤسساته الحزبية والخاصة وتلك التي هيمن عليها من القوات المسلحة ومفاصل الدولة عبر أربعة عقودٍ من أحلك حقب التاريخ الذي عاشته شعوب بلاد ما بين النهرين.
   لقد كرس النظام السابق أكثر القيم ظلامية وانحرافا في مفاصل مجتمعاتنا العراقية، وزرع أكثرها ظلما وعنصرية وقسوة في نفوس أطفالنا، ومسخ مفاهيم وفلسفات في الدين والاشتراكية والعلمانية، مقدسة ومتحضرة وحولها إلى سلوك منحرف ووسيلة لأغراضه في الهيمنة والتسلط والدكتاتورية والشوفينية. وبدلا من الانطلاق إلى مفاهيم متحضرة ومعاصرة لكثير من القيم والتقاليد التي ورثناها عبر مئات السنين، انحدر نظام البعث إلى مستويات متدنية من الازدواجية والنفاق السياسي والاجتماعي في علاقاته وتعريفاته لمفاهيم اجتماعية ووطنية وأخلاقية، ابتداءً من إلغائه للوطنية العراقية ومواطنتها بمزايداته القومية الساذجة وصولا إلى استهانته بالشرف والأرض والمال العراقي حتى وصل العراق إلى ما وصل إليه الآن حيث يتم اختزال مفاهيم الشرف والوطنية بين الأعضاء التناسلية والأحذية.   

366
ذيــــــــــــــــــــــــــــــــــــول الذيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــول ؟!
                                                                                                        كفاح محمود كريم
   
  أثناء الحرب الباردة انقسم العالم إلى معسكرين كبيرين ابيض واسود ومعسكر ثالث رمادي اللون ادعى انه محايد ولا يهوى الانحياز ولكنه بقي يمارس التأرجح بين المعسكرين بما يشبع رغبات قادته ومصالح بقائهم ووجودهم، وبالتأكيد ليس الكل لكنني ازعم الأغلبية منهم التي مارست سلوكا ذيليا في تعاطيها السياسي مع القوى الكبرى والمؤثرة دوليا.
   ما يجري الآن في عالم القطب الواحد وكواكب الأفلاك ومنها منطقتنا الساخنة دوما وبالذات العراق ومنذ أكثر من خمس سنوات ودوامة التأرجح هنا وهناك، تعيدني إلى ذلك الشيخ الحلي الجليل أيام النفي في سبعينيات القرن الماضي حينما كنت الجأ إليه في ساعات الحنين إلى الوطن والشعور بالحاجة إلى الحرية، كان الحاج بيعي من المعروفين في مدينة الحلة بمناوأته لنظام حزب البعث والثنائي البكر وصدام، ومن الزبائن الدائمين لمديرية أمن الحلة لانتقاداته اللاذعة لسلوك البكر وصدام وحزبهما.
  حدثني ذات يوم عن تاريخ البعثيين وعلاقاتهم المشبوهة مع كل الأطراف التي يدعون معاداتها علنا وفي مقدمة ذلك الأمريكان وغيرهم من القوى ( الرجعية والمحافظة ) التي يدعون مناوأتهم لها على طول الخط الإعلامي، بينما يلتقون معها خلف الكواليس منذ جريدة الحرية والثنائي حمودي ( جعفر وسعد قاسم حمودي، أعضاء القيادة القطرية لاحقا)، وأكثر ما أثارني هو مصطلح ( ذيول الذيول ) الذي وصف به البعثيين آنذاك!
   وحينما استفسرته عن المقطع الثاني للمصطلح أجابني متهكما: أولئك الذين يطبلون ويزمرون ليل نهار للوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، ثم أردف قائلا يعني لازم انسوي وحدة من (الجفل) ويقصد ناحية الكفل في محافظة بابل بالفرات الأوسط إلى جمهورية البليساريو.
    وهنا أردته أن يسمي الأشياء بأسمائها فقال:
 هذه الدول الكلش تقدمية والجدا اشتراكية وتزايد على مؤسسي الاشتراكية والتقدمية في الشرق والغرب وكان يقصد القاهرة وطرابلس الغرب ودمشق آنذاك أيام الوحدات الاندماجية والاشتراكيات العربية والشيوعيات المعدلة على قياسات العشائر والأفخاذ حسب أهواء تلك الأنظمة.
   كان يقصد إن تلك الأنظمة كانت ذيولا لعواصم الدنيا المؤثرة والفاعلة وإن نظام البكر صدام ذيلا لتلك الذيول على حد تعبيره وتشبيهه!؟
   وما أشبه اليوم بالبارحة إلا بغياب ذلك الرجل الطيب الذي أغمض عيناه ولم يكحلهما برؤية جيل متطور من ذيول الذيول ذات المواصفات الكاملة أي ( الفوول اوبشن ) كما يقولون وهي تنفذ أجندات دولية وجوارية وتجرجر العراق برمته خلف قاطرات لها علاقة بكل الأشياء إلا العراق، والغريب إن معظم هذه الأجندات الدولية والجوارية وأؤكد على (الجوارية) ما هي إلا ذيول للعرابين الكبار في العالم، وأعتقد إن الحاج بيعي يقصدهم لو كانت الأقدار قد أمهلته ليرى مدرسة العقود الماضية ماذا أنتجت؟
   وبقراءة أولية لخطب ومداخلات بعض النواب وبعض المسؤولين، حتى وهم يناقشون التصديق على موافقة العراق للانضمام إلى منظمة بلدان بلا حدود فأنهم سيصرحون بأن قوات البيشمه ركه ستغلق تلك الحدود بما يمنع التوقيع على الاتفاقية؟
   إضافة إلى تصريحاتهم وأحاديثهم وبكائياتهم المسرحية للفضائيات العربية والشرقية عن الخطر المرعب القادم من إقليم كوردستان أو من أي صوت باتجاه إقامة الفيدراليات في البصرة أو غيرها من ارض العراق الواسعة وما يشكله ذلك من خطر جسيم على مستقبل الأمة وتاريخها، وهم بذلك يزايدون على الرفيق علي حسن المجيد في ولائه للأمة ونضالها ومستقبلها في الموصل وكركوك وديالى والنجف والرمادي الذي كان واضحا في انتصاراته في معارك الأمة المجيدة في الأنفال والمقابر الجماعية والاهوار.
   أخشى ما أخشاه أن نترحم ذات يوم على من أعدمتهم المحكمة الجنائية العراقية بجرائم الدجيل والأنفال والفيليين والتجار والبارزانيين، لو أن هؤلاء الذين يزايدون عليهم امتلكوا يوما ما ربع ما امتلكه أولئك ( الرفاق ) من سلطة وجيوش وأموال!؟

367
الانتهازيون وتدهور القيم الاجتماعية !
                                                                                                             
                                                                                                  كفاح محمود كريم
   
    قرأت ذات يوم إن الفكرة يصنعها المثقفون وينفذها المولعون بالسياسة أو ربما الثوار وتبدأ المرحلة الثالثة التي يستثمرها التجار وفي رواية أخرى الانتهازيون، أولئك الذين لا طعم لهم ولا رائحة وملمسهم انعم من الدخن على عادة إخوتنا الحليين في وصفهم للصاغرين أو ربما الناعمين جدا؟
   أتذكر جيدا تلك الآلاف المؤلفة التي كانت حناجرها تصدح باسم الزعيم الأوحد وماكو زعيم إلا كريم والتي تحولت خلال ساعات بعد انقلاب شباط الذي سرق فيه البعثيين سلطة الثورة بهتافاتهم المخادعة للزعيم أمام وزارة الدفاع التي كانت ساعتها عرينا لعبدالكريم قاسم، كيف تحولت إلى النقيض تماما باستثناء من هرب أو اختفى أو قتل عند حافات تمثال للزعيم كما حصل في إحدى ساحات مدينة النجف الاشرف.
  وتحولت مجاميع ( دق الثوم بالعكوس ) وهو مثل موصلي يطلق على الفضوليين والتدليسيين من ماكو زعيم إلا كريم إلى عارف عارف ويقصدون أول رئيس عراقي يمنح نفسه رتبة المؤمن قبل الرئيس الضرورة.
  كما أتذكر جيدا في مدينتي الصغيرة يوم سقطت طائرة الرئيس المؤمن الأول عبدالسلام عارف وكيف تداعى أعمدة القوم ووجهائها إلى مبنى المكتبة الفرعية العامة وهي أفخم بناية في الإدارة المحلية للمدينة آنذاك   ليقيموا مراسيم التعزية يتقدمهم دائما وأبدا أئمة الجوامع وخطبائها وإدارة المدينة ووجهائها ليستقبلوا الجماهير الحزينة جدا على رئيسها المنقذ وملامح الحزن والـتأثر والفاجعة واضحة على ملامحها (!؟)، طبعا ودوما كل رؤسائنا وملوكنا منقذين لنا ( والى اليوم لم أعرف عملية الإنقاذ من أي شيء؟ ) وملهمين من السماوات بأفكارهم ونظرياتهم!؟
  لم تمض إلا سنوات قليلة جدا حتى تداعت نفس الأوجه والشخصيات، التي رأيتها في تعزية الرئيس عارف الأول إلا من أستغفر ربه وعاد عن غيه وأبى الحضور حتى يدرك هوية القادمين الجدد، تجتمع هذه المرة عند إدارة القضاء لتقديم الولاء والتأييد للثورة البيضاء وحزبها المحمول في عربات قطار الإخوة الأعداء؟
  وتبدأ من هنا مرحلة جديدة من مراحل الانتهازية السياسية والاجتماعية ومدرسة متميزة من مدارس التدليس والنفاق الاجتماعي والانحدار الأخلاقي في التعاطي مع السياسة ومع الثوابت الوطنية ومصالح البلاد العليا وحتى وصول البعثيين ثانية إلى سدة الحكم بعد انقلابهم في تموز 1968 م، لكي تبدأ فصول اكبر عملية تصنيع للانتهازية ربما في تاريخ المنطقة او العالم.
  هنا اختلطت الألوان ولم يعد هناك دليل أو عنوان إلا ما يريده صاحب النظام ودهاقنة الحزب القائد بتنظيم كل من يريد الاستمرار بالحياة في صفوف الحزب إلا من اختار التنفس الاصطناعي والعيش في الأنفاق أو الكهوف أو الهجرة خارج الأوطان، وبذلك وضعت أسس دولة الخوف التي أنتجت عبر هذه الحقبة من الزمان ما نراه اليوم من تداعيات اجتماعية وانهيار في الأمن الاجتماعي وفقدان رهيب للثقة والأمان.
       

368
العراق بين الاسلاف والاخلاف؟
كفاح محمود كريم


   لم يكن الرئيس السابق صدام حسين لوحده ذلك النموذج الدكتاتوري والشخصية النرجسية التي تحكم في العراق وغيره من دول المنطقة على أقل تقدير، وربما ليس وحده أيضا في من تبعوه على دفة الحكم منذ احتلال العراق وإسقاط  نظامه المنخور.
   وربما لا أكون متطرفا إذا ما قلت إنه قد يكون أفضل من الكثير من أقرانه أو مِن مَن هم أقل درجة من وظيفته السابقة، والذين أنتجهم أو سهل إنتاجهم عبر العقود الأربعة الماضية بثقافته التي أشاعها عبر ما يقرب من أربعين عاما، لو أنهم امتلكوا ربع ما كان يمتلكه من مال وقوة؟
  وهذا لا يعني إن النموذج أعلاه قد تم إنتاجه وتصنيعه خلال هذه الحقبة، بل يمتد في جذوره إلى عقود عديدة من النظم التربوية المغلقة والبناء الأحادي للمجتمع القائم على إلغاء الآخر وعدم قبول الرأي المضاد أو المختلف واعتماد القوة والعنف في التغيير أو الإلغاء ابتداءا من الأسرة والمدرسة ووصولا إلى مستويات الإدارة العليا في المجتمع والدولة.
فلم يكن البعثيون لوحدهم ممن أتيحت لهم فرصة سرقة الحكم والسلطة أصحاب هذه المدرسة في العنف والإرهاب وإلغاء الآخرين، بل هم نتاج منظومة فكرية وتربوية متراكمة عبر مئات السنين، ربما كانوا مبدعين في ترجمة تلك الأفكار والأهواء إلى الحد الذي لم ينافسهم أحد فيما مضى من الأيام.
  أقول قولي هذا وأنا أراقب نماذج أخرى يفترض أن تكون بديلة لذلك الذي ننزف دما بسببه حتى هذه الأيام، فمنذ سنوات تحقق ما كنا نصبو إليه عبر عقود طويلة ( بصرف النظر عن آلية التغيير ومشروعيته ) وكان يفترض أن تكون النماذج البديلة ( في الحد الأدنى ) متناقضة تماما في ما كنا نعاني منه من إستأثار للسلطة وتشبث بالمناصب سواء رضي الناس أم لم يرضوه، وتسخير إمتيازات السلطة وأبوابها من أجل ذلك الكرسي وصلاحياته وسحره الأخاذ.
  كنا نتوقع جميعا ( ربما حتى ضحايا السقوط ) أن يكون البديل مغايرٌ تماما لما كان أيام ( القائد الضرورة ) و ( الحزب القائد ) وتنتهي والى الأبد مصطلحات ( البيعة ) و ( أنريدك يا صدام أنريدك ) وتسيير عشرات الآلاف من ( الجماهير المناضلة ) في مظاهرات التأييد من البصرة حتى الموصل ( لتأييد القائد ) واستنكار من لا يريد القائد.
  إن ما يحدث اليوم في استنساخ ما كان يفعله الرئيس السابق في اجتماعاته المهلهلة مع العشائر وهتافاتها وزغاريدها وشيوخها الذين لم يتبدلوا منذ قيام الدولة العراقية وحتى يومنا هذا باستثناء من تذكرهم عزرائيل، فهم على طول الخط مع كل الرؤساء والملوك ودائما هم  سيوف بتارة بيد الرئيس أو الملك ( طبعا أي رئيس كان أو ملك )، والغريب إن الرؤساء والملوك تغيروا وقتلوا وهربوا وبقت طوابير الشيوخ والأغوات هي هي مع كل الأنظمة والرؤساء تؤدي دوما فروض الطاعة والولاء المستميت؟ 
  كنا نتوقع جميعا أن ( نخلص ) من هذه الاحتفالات البائسة وأن تنتهي دائرة إنتاج وترميم الشيوخ في ديوان الرئاسة وتتوقف القنوات الإعلامية الحكومية عن تمجيد الحكومة وإيهام ( الشعب المناضل ) بعظمة القائد ومنجزاته!
  ولكي لا أطيل سلسلة التوقعات فقد كنا ( أيضا ) نتوقع ( أن تكون الشورى بينهم ) وأن تختفي الكواليس والمؤامرات وجر الحبال طولا وعرضا على افتراض إن ( الأخوة ) جميعهم من ضحايا ( النظام البائد ).
  إذن هي ليست مشكلة ( الرئيس صدام حسين ) بشخصه وحتى بنظامه، بل هي مشكلة سلوك تربوي وأخلاقي وممارسات فعلية لا تتفق مع ( معسول الكلام ) وشعارات الاستهلاك العاطفي والغريزي للجماهير المناضلة بقدر ما هي تعبير عن الأحادية والنرجسية والدكتاتورية وعقلية المؤامرة والاعتقاد بأن كل مخاليق الله إنما خلقت لخدمة الرئيس وأهدافه المقدسة!.
  حقيقة؛ كانت التوقعات كبيرة بكبر أوجاعنا وعمقها ولكن ما حدث وما ( أخشى أن يحدث ) كان صغيراً لا يتلاءم مع عظمة ما حصل قبل سنوات ( بصرف النظر عن كيفيته ).
   فقد استطاعت عقلية النظام السابق وفلسفته أن تشق طريقها عبر منافذ تلك الجوانب غير المرئية في تكوين الكثير من الشخصيات والأحزاب المؤثرة والساندة بأطرٍ وأشكالٍ مجملةٍ وذات نفس المضمون.
   ربما لم نصب بالإحباط لحد الآن، والخشية في تراكم ( الأخطاء ) وتقزيمها بما لا يتناسب وحجمها مبدئيا، ففي ذلك مؤشر خطير قد يهدد بالعودة إلى الوراء وإضاعة فرصة تاريخية لبقاء كيان كان ذات يوم يسمى العراق.
     
     

369
الحيتان تغزو العراق ؟
                                                                                              كفاح محمود كريم
  عمليات الغزو المنظم في منطقتنا الشرق أوسطية يمتد إلى حقبة الغزو البدوي بين القبائل والذي تطور فيما بعد بين الدول التي تبتلع إحداهما الأخرى أو بعض منها وما عليها كما حصل حينما ابتلعت إسرائيل كل ما حواليها في عام 1967م وما فعلته إيران والعراق في عمليات الابتلاع المتبادلة وأخيرا عملية مضغ الكويت وبلعها خلال ساعات ومن ثم شفط العراق وما عليه خلال أيام من قبل أولاد العم سام، وخلال عقود أو ربما أكثر صاحب عمليات الغزو والاستحواذ على السلطة وإقصاء الآخرين نمو أنماط من الأحياء التي تعملقت وبدأت هي الأخرى في غزوها مفاصل الحياة وعقد الحركة ومراكز التطور في المجتمعات والدول.
 هذه المخلوقات المائية الهلامية الناعسة تنحدر من سلالات رخوة وملساء، تطورت بسرعة مذهلة وغادرت مياهها لتنتقل إلى المدن والقصبات، لتنشئ مستعمراتها وعشرات المستوطنات وتمتص ما حولها من ماء ودماءٍ وأموال دونما أن يشعر بها أحد، إلى أن يصاب بالجفاف من دمائه وأمواله ورطوبته!
  هي إذن ليست تلك المخلوقات التي احتاجت ملايين السنين لكي تتطور في فسلجتها ووضائف أعضائها، لقد اختصرت الزمن أو أحرقت المراحل على ثقافة أهل الانقلابات والأحزاب الجدا ثورية والانقلابية في دفع دولهم إلى الأمام وابتداعهم للخطط الخمسية والانفجارية التي أنتجت هذه القطعان من الحيتان الوديعة الملساء.
  ولكي لا نجهد أنفسنا في البحث عن الجذور الأولى لهذه المخلوقات، ونستقدم من القبور السيد داروين أو مندل أو الآخرين، فإننا سنتناول نوعين مهمين منها، وهما النوعان اللذان يعيشان معنا ويمارسان ( نشاطيهما الحياتي ) وسط مجتمعاتنا التي اكتظت بهما.
   الأول؛ بدأ بالتحول مع قيام جمهوريتنا العتيدة في 1958 من مخلوقات انتهازية مسطحة الأدمغة هلامية الأشكال عاطلة عن العمل والتفكير، جائعة وغرائزية الطباع، لا تنتمي إلى أي طبقة أو عرق أو دين أو مذهب معين، فهي تستخدم كل هذه ( المقتنيات والتقنيات ) من اجل عملية تطورها إلى حيتان ( وديعة ملساء )، جاءت من العصر الملكي ودخلت الحقبة الجمهورية الخالدة وهي ما زالت تهتف للملك المفدى عبد الكريم قاسم، لا خباثة في ذلك بل هذه كل معلوماتها وثقافتها ونيتها الصافية النقية!.
   وسرعان ما تغلغلت و ( إندحست ) إلى مفاصل الأحزاب الثورية جدا والرجعية جدا جدا والقومية أو الدينية جدا جدا جدا، والى الجمعيات والمنظمات التي كان من المفروض إنها تمثل مخلوقات إنسانية، فأصبحت خلال سنوات مراتع للحيتان.         
    وخلال سنوات قليلة تحولت هذه المخلوقات إلى حيتان وديعة ملساء التهمت كل ما حواليها من نِعم الأحزاب والانقلابات الثورية والقوات المسلحة في حروبها ( القومية والتحررية ) وتأميم النفط وتحويل موارده للعشائر الحيتانية في كل أنحاء العالم لخدمة مصالح الأمة ووحدتها ومستقبلها الذي نشهد اشراقاته الآن؟
   وخلال اقل من نصف قرن تحولت تلك المجاميع ممن ذكرتها في أول المقال إلى طبقات وعشائر من أصناف وأنواع رهيبة، لا تمت للإنسان العادي بأي شكل من الأشكال، وانتشرت في ربوع العراق بوداعة تلتهم كل شيء إلا ( الحلال ) تحت ظلال السيوف والمبادئ والوطنيات ومستقبل الجماهير والأمة!
  والغريبُ فيها، ألوانها ونعومة ملمسها ووحشيتها في ذات الوقت، فهي تتلون مع البيئة التي تعيش وتترعرع فيها فلا تكاد تعرف ألوانها وهي تغيرها من لون إلى لون وأماكن عيشها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ومن الرفيق ماركس قدس سره إلى الرفيق المجاهد القرضاوي دام ضله، فهي تتنقل برخاوة وانسيابية رهيبة بين كل هذه العوالم دونما أي خسائر تذكر، سوى نوعية الأقنعة وأساليب التدليس و( الاندحاس)!
   وخلال سنوات عشر من حقبة الجمهورية التي أعقبت العصر الملكي تفننت هذه الحيتان في أساليب الامتصاص والتهريب والنهب والسلب للأموال وقطعان الماشية من الأغنام والماعز والأبقار من ربوع كوردستان ومن خلال قيادات الجيش العراقي الباسل جدا وللعظم في تصنيعه ورعايته لأكثر الحيتان نعومة وضخامة.
   حتى أطلت علينا ( الثورة البيضاء جدا ) في تموز 1968 لكي تبدأ مرحلة أخرى من مراحل تطور وانتشار وتكاثر هذه الحيتان العقائدية المناضلة. وخلال اقل من ثلاثين عاما تخرجت من مدارس ومختبرات ومعامل الحزب القائد آلافا مؤلفة من أجيال أكثر تطورا من الحيتان وبكل الأحجام والأشكال والأعراق والمذاهب، وأول الوجبات المطورة كانت تلك التي لبست قناع المقاولين في السنوات الأولى لحقبة الثورة البيضاء جدا، ما لبثت حتى تم تطوير أنواع زيتونية عسكرية مع مطلع الثمانينات وقيام الحرب بين ( أحفاد القعقاع والمجوس )، فانتشرت قطعان من الحيتان المعسكرة بالرتب وأنصافها وأشكالها والزيتوني ودرجاته والمجحشة وأفواجها، حتى غرقت البلاد وطافت العباد وأصبحت الحيتان تصول وتجول في مشارق البلاد ومغاربها، بألوانها الزيتونية ورتبها وأوسمتها التي كانت تقدم بالمناسف والصواني، حتى بدأت (غزوة الأنفال المباركة ) فهبت جموع الجماهير المناضلة ورفاق العقيدة والصناديد من فرسان الأمة لنهب مدن وقرى كوردستان، تتقدمهم أفواج من الحيتان المدربة على امتصاص الدماء والأموال في تمرين تعبوي لمعركة كبرى قادمة لا ريب!
   وجاءت غزوة الكويت العظمى لتبدأ تطبيقات غزوة كوردستان ولتتحول الكويت خلال ساعات إلى ساحة لتلك القطعان من الحيتان التي ( شفطت كل شيء ) وكنست الكويت بأكملها من دولة إلى متصرفية أو محافظة.
   المهم في كل هذه الغزوات والحقب والعصور بقت الحيتان هي الحيتان، فمِن (عاش الملك المفدى ) إلى ( ماكو زعيم إلا كريم ) وصولا إلى ( صدام اسمك هز أمريكا )، لا يهمها شخص من يحكم أو حزبه بقدر ما تهمها غرائزها في ( اللغف والشفط ) والامتلاك والامتصاص، وهي ذكية جدا رغم رخاوتها وبساطتها في التكيف مع تبدل الأنظمة وتغيير الأسماء والاتجاهات!.
   وهكذا دخلت هي الأخرى حقبة ما بعد صدام بشكل مثير في ذكائها واندحاسها بين صفوف ( المناضلين جدا ) بل والمزايدة على أولئك الذين قاوموا صدام وحزبه طيلة ما يقارب من أربعة عقود لتتبوأ مراكز الصدارة في معظم مراكز القرار وحواليه بدوائر تشبه تلك التي تنتجها قطعة الحجر في بركة ماء، مدربة ومروضة بشكل لم يعد العقلاء التمييز بينها وبين المساكين من أبناء هذا الشعب العجب، فقط إنها بدأت بالتهام الأخضر واليابس وكل ما حواليها من أراض وأبار وأنابيب بترول ومباني وطرق وحتى الأرصفة والمناصب البرلمانية والوزارية ومواقع السياسة والإدارة في الأحزاب التي استطاعوا صناعتها أو التي اخترقوا مفاصلها من الأحزاب العاملة على الساحة.
   وابتكرت أنواعا واساليبا متطورة في الالتهام والاحتواء للأموال العامة وغير العامة من خلال تصنيعها لمراكز ومنظمات المجتمع المدني جدا جدا، وإقامة المؤتمرات والمهرجانات والندوات المتخصصة بأعمار وبناء البلد، ودعوة كبار العلماء والخبراء وأباطرة المؤتمرات في العالم.
   بل ولم تكتفِ هذه الحيتان الوديعة بشهاداتها العليا ضد الكوليرا والتايفوئيد والابتدائية أو المتوسطة فاقتنت شهادات الدكتوراه والتخصص العالي من جامعة سوك مريدي الشهيرة التي لا تلزم طلبتها بالحصول على أي شهادة قبل الدكتوراه، وهكذا أصبح لدينا أجيالا متقدمة ومتطورة من هذه الكائنات الوديعة والملساء والمتكيفة للعيش في كل المناخات والتضاريس المائية والجبلية وحتى الصحراوية إذا اقتضى الأمر لذلك، فهي أجيال متطورة جدا.
 

370

موعد البرنامج
السبت 19.20

371
بقايا الإمبراطوريات والمثلث الملتهب !
                                                                                                            كفاح محمود كريم
   
  في أواخر عام 1979 م كان زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر يتحدث عن أزمة الشرق الأوسط في برنامج تلفزيوني أمريكي مشيرا إلى مناطق مؤهلة للالتهاب الشديد غير مراكز السخونة المعروفة آنذاك بين العرب وإسرائيل أو بين تركيا واليونان أو حتى بين الهند والباكستان بعيدا إلى حد ما من الشرق الأوسط، وحينما طلب منه محاوره أن يحدد تلك المناطق قال له اذهب إلى الخارطة وضع إصبعك في مركز التقاء بقايا ثلاث إمبراطوريات حكمت مساحات واسعة من كوكبنا الأرضي وكان لها سيطرة وسطوة في حينها!؟ 
   فقادني الفضول حينذاك بينما كان يتحدث إلى أطلس مدرسي كان على طرف المكتبة حينها، فذهبت إلى حيث التقاء تلك الإمبراطوريات وبقاياها اليوم في مثلث يعرف الآن بالمثلث العراقي التركي الإيراني الساخن حد الاتقاد.
   بسقوط  إمبراطورية آل عثمان انتهت حقبة الإمبراطوريات الكلاسيكية لكي تبدأ حقبة أخرى من دول القبائل والعشائر وتحديدا بعد معاهدة سايكس بيكو ومن ثم لوزان التي أرست خارطة تلك الدول إلى يومنا هذا على أنقاض معاهدة سيفر وعلى حساب الكورد والأرمن والفلسطينيون وغيرهم ممن قامت على أشلائهم هذه الدول وبقايا إمبراطورياتها!
   واليوم وبعد ما يقارب من قرن من الزمان على انهيار تلك الإمبراطوريات وما جرى خلاله من حروب ومآسي راح ضحيتها الملايين من البشر في هذه المنطقة الملتهبة لحد يومنا هذا بسبب إصرارها على إعادة الحياة لتلك المنظومة الإمبراطورية المتوفاة؟
   وخلال عشرات السنين من الصراع المستميت وترليونات من الأموال وملايين من الضحايا والمعاقين والعديد من الحروب من اجل الحصول على المفاتيح السرية للإمبراطوريات الحديثة، وهي خفايا وخبايا الأسلحة النووية التي تعتقد هذه البقايا إن امتلاكها سيعيد إليها ما فقدته وسيمنحها صفة العضوية في النادي النووي ومهمة ( اخصاء ) الآخرين من حولها، لم تتقدم أنملة واحدة هذه الدول بالاتجاه الصحيح بل على العكس تقهقرت إلى الوراء وهي تظن إنها إنما حققت انتصارات باهرة كانتصارات قادسية صدام والأنفال وأم المعارك والحواسم هنا في هذا الجزء من البقايا الإمبراطورية وما يقابلها من الطرف الآخر إلى الشرق في إيران التي انتهجت طرقا قدسية للوصول إلى النادي النووي على حساب تقهقر عشرات الملايين من البشر الذين ما زالوا يُستخدمون كفئران تجارب لدى هذه الأنظمة النووية جدا، وما يجري في آسيا الصغرى التي أصبحت تسمى بعد تقزيم الإمبراطورية العثمانية بدولة تركيا الحالمة بعضوية النادي الأوربي الذي سينقلها إلى مستوى أكثر تحضرا كما تعتقد، يدلل على فشل اتجاهاتها القمعية مع مكوناتها وأعراقها وبالذات ما يحصل بالقرب من المثلث الملتهب؟.
   حقا إنه المثلث الملتهب تحت سياط أنظمة تعيش أحلام يقظتها على عذابات الشعوب وحقوق الإنسان في العيش بحرية واستقلال وسلام بعد أن فشلت وهي في أوج عظمتها من أن تحافظ على بقائها وديمومتها.، فهل سيكون هذا المثلث مفتاح هدايتها أو ربما تشرذمها وانهيارها!؟
 

372
ايزيدي لرئاسة العراق ومسيحي لرئاسة الحكومة؟


 ترى ماذا سيحصل لو تجاوزنا المألوف في سياقات حياتنا السياسية في عموم الشرق الأوسط والدول ذات المكونات والدينية والعرقية المختلفة ومنها العراق، وانتقلنا إلى مرحلة أكثر تحضرا ورقيا في البناء الإنساني للمواطنة الحقة والانتماء، ودفعنا إلى دفة الرئاسة مواطنا عراقيا بعيدا عن الانتماء العرقي أو الديني والمذهبي واكتفينا ببطاقة المواطنة الصالحة، من معتنقي الديانة الايزيدية، وأخرا من معتنقي المسيحية لرئاسة الحكومة، وعراقيا صميميا من الصابئة المندائيين لرئاسة مجلس النواب وامرأةً عراقية لوزارة الدفاع.
 ربما سننجح هذه المرة في تجاوز المحاصصة للمكونات الكبيرة ونلغي باقتدار ما يسمى بحصة الأقليات الصغيرة وموقعها في بناء الدولة العراقية الحديثة خصوصا إذا ما أقرينا عربا وكوردا بأن هذه الديانات والمكونات الاجتماعية هي أساس الحياة في بداية تكون المجتمعات العراقية هنا في ما بين النهرين أو ربما في ما حول النهرين أيضا.

 وإنها ربما فرصة تاريخية للتطهر من آثام وخطايا أكثر من ثمانية عقود من التهميش والإقصاء، تارة تحت مضلة القومية العنصرية وتارة أخرى خلف أبواب حديدية من الفكر الديني المتطرف وما رافق كل ذلك من نافورات للدماء والدموع، خصوصا وأننا خضنا كل تجارب الحكم وأشكاله وفلسفات النظم السياسية وأيدلوجياتها من ملكية وراثية إلى جمهوريات يسارية ويمينية، قومية ومذهبية وأحيانا علمانية الشكل ومتطرفة المضمون، حتى كدنا نخسر كل ما فوق أديم العراق من ماء وارض وإنسان!؟

 لقد سقطت كل تلك التجارب وفشلت فوق أطلال ما تبقى من بلد نتباهى حتى فوق خرائبه بأنه الأكثر حضارة في عمق الزمان والتاريخ وشعوبه الأكثر حيوية وديناميكية حتى وهي تتذابح من شارع إلى شارع ومن حي إلى حي وهي تنشد الشعر وترقص على حبال الموت.

 حقا لقد آن الأوان أن تتغير كل تلك الأشكال والنظم والموروثات السياسية التي فشلت على مدى أكثر من ثمانين عاما وندفع إلى الخطوط الأولى لواجهة هذه الدولة بل كل الدول التي تشابه وضعنا في العراق، مَن هُم أقدم من سكن أديمها، ولتكن كرسي الرئاسة لمواطن عراقي من الديانة الايزيدية ورئاسة الحكومة لآخر من المسيحيين وليتربع على كرسي رئاسة مجلس النواب مندائي، بينما ندفع واحدة من نساء العراق إلى وزارة الدفاع!؟
 ثم لنسأل :
هل أن ذلك سينتقص من عظمة امة العرب أو الكورد أو يؤذي الدين والعقيدة في دولة المؤسسات والدستور؟
وهل نشك بأن هؤلاء لن يكونوا بررة للعراق ومصالحه العليا وهو خيارهم الأبدي في الحياة؟
 إنها فرصة لإعادة كتابة العراق في ذاكرة الآخرين بصورة أكثر إشراقا وحضارة وتميزا.

كفاح محمود كريم

373
التعصب القومي والتشويه الديموغرافي في العراق؟

كفاح محمود كريم


   لم يشهد العراق منذ تأسيسه وحتى سيطرة التيارات القومية المتعصبة أي تغييرات ديموغرافية حادة أو نشاط باتجاه الترحيل القسري للسكان على خلفية الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي إلا ذلك الذي اقترن دوما بموجات من العنصرية أو الشوفينية، فقد كانت خرائط وحدود البلدات والمتصرفيات ( المحافظات ) وحتى القرى في تقسيماتها العشائرية بشكل لا يمس الآخرين ولا يتجاوز على حقوق الإنسان تحت ثقافة العنصرية أو شبيهاتها في التعصب الديني أو المذهبي، وحافظت على تلك التخوم والحدود في الصحراء أو الجبال وفي أطراف المدن ومراكزها بما لا يخلق نقاط احتكاك أو صراعا بين الأعراق أو الأديان.
   ولعله من المفيد أن نذكر إن المجتمعات العراقية من الاهوار والى أعالي الجبال في كوردستان العراق وفي أقصى الغرب وصحاريه وهضابه، استطاعت عبر مئات السنين أن تضع تخوما أو حدودا بين القرى أو العشائر بما يضمن حقوق الجميع دونما مساس بالآخرين أم حقوقهم وحرية التصرف بأملاكهم، سواء كانت تلك العشيرة كبيرة أو صغيرة في حجمها وتعداد سكانها وكذا الحال فيما يتعلق بالمدن أو المتصرفيات ( المحافظات ) حيث تحتوي أحيانا محافظات صغيرة في تعداد سكانها على أضعاف مساحات الأراضي لمحافظة أخرى اكبر في عدد سكانها قياسا إلى الأرض، ولعل الرمادي كانت نموذجا على اتساع مساحتها قياسا إلى عدد سكانها مقارنة مع محافظات أخرى أو ربما أقضية اصغر منها أرضا وأكثف منها سكانا، ولم تكن تلك مشكلة أو منطقة متنازعا عليها بسبب الأرض أو الاتساع المساحي ( المورفولوجي ) ونقيضه، حتى سيطرة الفكر القومي الشوفيني على مقاليد الحكم ومفاصل الدولة العراقية الحديثة وبداية مرحلة سوداء في تاريخ العراق وشعبه.
   حيث دأب هذا الفكر الشوفيني المتطرف منذ استحكامه في السيطرة على الدولة ومفاصلها المؤثرة على تمزيق نسيج المجتمعات العراقية ليس في كوردستان فحسب وانما من أقصى الجنوب في الاهوار وحتى تخوم الغرب مع الأردن وسوريا بما فعله من عمليات تغيير حادة في التركيبات السكانية للمدن والقرى وخرائطها أو عائديتها، إما بنقل مجاميع كبيرة من السكان العرب إلى مناطق غير مناطقهم وتشتيت الآخرين من سكان تلك المناطق من الكورد أو التركمان أو غيرهم من الأعراق في قرى ومدن ذات كثافة عربية عالية في عمليات الإذابة والصهر القومي والعنصري التي تعرض لها الكورد منذ أربعينيات القرن الماضي حينما بدأوا بتوطين البدو في مناطق ربيعة وزمار وأطراف تلعفر وسنجار وصولا إلى عمليات التطهير العرقي السيئة الصيت في كركوك وخانقين والشيخان ومندلي ومخمور والكثير من مدن العراق شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، حيث استقطع مدنا أو مجاميع من القرى والمساحات من محافظة لأضافتها إلى محافظة أخرى وذلك لأحداث تغيير في ديموغرافيتها أو توازنها المذهبي والعرقي كما حصل بين النجف والرمادي أو بين الرمادي والحلة وكربلاء وكذا الحال في الموصل وتكريت وكركوك وديالى وبغداد العاصمة في أبشع عملية تغيير التوازن العرقي والمذهبي لصالح فئة معينة في النظام السياسي.
أما في ما يتعلق بالسيادة الوطنية والمال العام فقد اقترف النظام السابق جرائم كبرى في التنازل عن مساحات شاسعة وغنية من الأراضي المتاخمة للحدود الدولية مع كل من الأردن والسعودية لصالح هذه الدول مقابل صفقات من السلاح والتأييد الأعمى له في حربه مع إيران، وكذا الحال حتى مع إيران التي منحها الأرض والسلاح والمال في أبشع عملية تنازل عن السيادة الوطنية مقابل الاحتفاظ بكرسي الحكم في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وما جرى من تنازلات مخزية في ترسيم الحدود مع الكويت، تعتبر واحدة من اكبر جرائم المس بالسيادة الوطنية وخيانة كبرى بحق الدولة والشعب.
    ونعود إلى الداخل العراقي لنشهد أبشع عمليات التغيير الديموغرافي التي أزاحوا فيها وهجروا مئات الآلاف من السكان الأصليين من قراهم وبلداتهم إلى القرى والأرياف ذات الكثافة العربية العالية وبواقع مجاميع صغيرة من العوائل وتوزيعها على القرى أو البلدات أو المدن، مثل ما حصل لعشائر الميران والهسنيان والكركرية والموسى رش في غرب دجلة وتحديدا في مناطق ربيعة وزمار وعوينات وصولا إلى أطراف الموصل منذ أربعينات القرن الماضي بترحيلهم وتشتيتهم في القرى والأرياف والمدن خارج مناطقهم، واستقدام الآلاف من العوائل البدوية وغيرها وتوطينها في مناطق هذه العشائر تحت مظلة توطين البدو، ومن المفيد أن نذكر للتاريخ إن كثيرا من الأشخاص الذين منحوا مساحات واسعة من الأراضي ملكا في الطابو من خارج سنجار وزمار وربيعة وتلعفر وأكثرهم من أطراف الشرقاط وبيجي وسامراء، كانوا لا يعرفون بالضبط أين تقع تلك الملكيات التي منحوا إياها في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي على الورق ( السند )، فيما سمي في وقته بتوطين البدو في أواسط الأربعينيات وبالتسوية بين أعوام 1945 م و1965 م في مناطق ربيعة وسنجار وزمار والشيخان وكركوك وخانقين ومندلي وكثير من البلدات والقرى التي مسخت أو أزيلت من على الأرض.
   إن تسمية المناطق المتنازع عليها ربما تتجنى على حقيقة ما حدث في هذه المدن والبلدات وتعتبر تلك السياسة العنصرية التي اعتمدها النظام السابق وتسببت في تدمير كوردستان وجنوبي العراق وما خلفته من مآس وويلات عبارة عن واقع حال علينا الاعتراف به والتعاطي معه كما تثقف عليه بعض الأطراف في الحكومة والبرلمان، وليس آثار جرائم أدت إلى تدمير مجتمعات وأجيال من الناس التي فقدت فرصها في التقدم والبناء والتطور، بل عملوا على تقطيع جذورها وانتمائها كما حصل للكورد الذين تم ترحيلهم إلى الوسط والجنوب أو كما حصل للعرب الذين تم إغراؤهم وترحيلهم إلى المناطق ذات الكثافة الكوردية لغرض عنصري وشوفيني الهدف منه القضاء على طموحات الكورد وأهدافهم القومية والسياسية في عراق اتحادي ديمقراطي تعددي، وزرع إسفين وجدار من الكراهية والحقد بين العرب والكورد أو التركمان أو بين السنة والشيعة أو حتى بين منطقة وأخرى.
    لقد كانت كل القوى العراقية التي قاومت النظام السابق وعارضته في الداخل والخارج من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والتي تداعت إلى مؤتمر لندن وصلاح الدين قبل سقوط ذلك النظام أو التي اجتمعت بعد سقوطه في بغداد، والتي تحكم اليوم دولة العراق الجديد مع من اخترقوا صفوفها من بقايا النظام السابق وأزلامه المتلونين ومجاميع الانتهازيين والمتسلقين، قد اتفقت على إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل تولي البعث السلطة في العراق وتحديدا إلى إحصائيات عام 1957 م فيما يتعلق بالتركيبات السكانية للمدن، وخرائطها الإدارية وعائدية بلداتها وقراها إلى ما قبل عام 1968م، وقد حولت ذلك إلى مادة قانونية في قانون إدارة الدولة العراقية بعد السقوط مباشرة ومن ثم إلى مادة دستورية تحت رقم ( المادة 140 ) في الدستور الدائم.
   إن ما يحدث اليوم منذ انكشاف عمليات المماطلة والتسويف في ماراثون ما يسمى بتطبيع الأوضاع في المناطق المتنازع عليها وما حدث في الثاني والعشرين من تموز 2008م حول موضوع كركوك والنيات المبيتة لذلك يدلل على إن الذين اخترقوا صفوف الحكم الجديد في العراق نجحوا في ركوب قطار يشبه ذلك الذي أقلهم في شباط عام 1963م بفارق الوسيلة والأسلوب وبذات العقلية والفكر، تارة تحت تسمية شروط المشاركة بالعملية السياسية وتارة أخرى في طروحات المس بالدستور وثوابته من خلال إعادة النظر في صلاحيات المركز وتكثيف السلطات فيه على حساب صلاحيات الأقاليم وما ينتج عن ذلك من إعادة الدكتاتورية القومية والمذهبية تحت قبة الديمقراطية بعيدا عن روح التوافق والمشاركة.
على القوى السياسية الأصيلة والمناضلة طوال أكثر من أربعين عاما ضد ذلك النهج العنصري والدكتاتوري أن تعيد النظر في تعاطيها مع هذه القوى التي اخترقت صفوفها تحت أي تسمية كانت والتي تعمل من خلالها على بث سمومها وإيديولوجيتها العنصرية في كل ما يتعلق بالحرية وحقوق الإنسان وثوابت العراق الجديد.
    فليس هناك في تقدير أي منصف أو مراقب منطقة متنازع عليها في عراق ديمقراطي اتحادي تعددي لو أبعدت هذه القوى البعثية والعنصرية عن مراكز القرار من خلال تشريع قانون يحرم فكرها وسلوكها على غرار تحريم الفكر الشوفيني والفاشي في كل من المانيا وايطاليا، ولن تكون هناك أي معضلة لا في كركوك ولا في الموصل طالما يحكمنا دستور دائم اتفقنا عليه وآمنا به ونعمل بكل إخلاص وتفان من اجل تطبيقه خدمة للعراق ولشعبه دونما تأويل مشبوه أو تفسير مغرض.

374
الموصل.. تاريخ مشرق وحاضر بائس!؟
 
                                                                                                        كفاح محمود كريم

    الموصل واحدة من أجمل مدن العراق وأكثرها اختلاطا وتمازجا في الأجناس والأعراق والأديان، إن لم تكن أجمل مدن العالم لو لم تخضع باستكانة إلى ثقافة الإقصاء والتسلط الشوفيني والاستعلاء القومي المقيت الذي استهدف هذه المدينة العريقة منذ مطلع الستينات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، وأبلى فيها بلاء الفايروسات في جسد يكاد يفقد المناعة والمقاومة إزاء هجمة بربرية استهدفتها ومسخت هويتها الحضارية المعروفة في انتمائها إلى المهنة والمهارة والأصالة المدنية ومقتها لثقافة القرية والبداوة والعنصرية العرقية أو التطرف الديني أو المذهبي.
   هذه المدينة التي بنت حضارتها على أجمل فنونها وفلكلورها وصناعاتها وإنتاجها الزراعي والصناعي والحرفي على أيدي سكانها  الذين منحوها هويتها العراقية منذ أكثر من ثمانين عاما من الكورد والعرب والتركمان والكلدان والأرمن ومعتنقي الإسلام والمسيحية واليزيدية، وعاشوا على ثراها آلاف السنين اختلطت فيها دماؤهم وأنسابهم وعاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم حتى ظهرت خصوصية الموصل في كل مناحي الحياة؛ لغة وأدبا وفنا وفلكلورا وصناعة وتقاليد بما منح هذه المدينة انتماءا تجاوز أصول سكانها العرقية أو الاثنية أو الدينية، فيكفي أن تكون موصليا لتعوض عن كل انتماء أو طبقة أو دين!؟ 
   هذه المدينة التي تجمع بين ظهرانيها وعلى ضفتي النهر الخالد كل أجناس البشر هنا في العراق وممن مروا على ارض بلاد ما بين النهرين سلما أو حربا منذ آلاف السنين، أقاموا فيها إمبراطورياتهم وحضاراتهم وتركوا على ثراها أجمل آثارهم، أعراقا وأجناسا وديانات ومذاهب جمعتهم هذه المدينة وهي تترفع عن العرقية والتطرف الديني أو المذهبي حتى جاءتها موجات الهمج الشوفينية حينما استصغرت واحتقرت مكونات الموصل الأساسية والأصيلة من الكورد والكلدان والآشوريين ومعتنقي المسيحية والايزيدية، وأطلقت عليهم شتى الأوصاف والتقريع والاستصغار وإيحاءات التشويه والانتقاص وابتداع قصص من خيال مريض بعنصريته وشوفينيته وشعوره بالنقص تجاه الآخرين، ولعل قصة ذلك ( العفري ) نسبة إلى تلعفر الذي تحول إلى حمار في أذهان أولئك العنصريين الشواذ حينما ادعت مجموعة من الشوفينيين إن مواطنا من أهالي تلعفر قد تحول إلى حمار وتم نقله إلى مركز الشرطة العام في وسط المدينة ومن ثم تم نقله إلى محطة القطار!
  هذه القصة المثيرة للتقزز والاستهانة بكرامة الإنسان  والانتقاص من قيمته العليا التي كرمه الله فيها، أرادوا بها اهانة ذلك الإنسان الحيوي الطيب من أهالي مدينة لا تعرف إلا  العمل الدؤوب والإنتاج المبدع، لقد كانت تلك القصة البائسة واحدة من بدايات الاستهانة بالآخرين والتي سبقها طوفان من التوصيفات المهينة للكوردي والمسيحي والايزيدي، ولعل توصيفهما بــ ( برجة كغدي أو برجة نصغاني ) كناية بتصغيرهما والاستخفاف بإنسانيتهما تدلل على وضاعة تلك العقلية الشوفينية التي أدت إلى اغتيال وتصفية الآلاف من الكورد ومعتنقي المسيحية والايزيدية والشيعة على أيدي الحرس القومي ومن بعده الجيش الشعبي ومؤسساته القمعية وصولا إلى ما فعله نظام صدام حسين وحزبه العنصري في ترحيل آلاف العوائل من الشبك والتسبب في تهجير آلاف من عوائل المسيحيين إلى أوروبا في حقبة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، إضافة إلى جرائمهم تجاه الكورد وما يجري اليوم من عمليات تطهير عرقي واسعة ضد الكورد ومعتنقي المسيحية والايزيدية ما هو إلا نتاج تلك الثقافة العنصرية المقيتة، حيث سبقتها عمليات تدمير للكنائس والأديرة وبيوت الكورد خلال السنوات الماضية والتي أخذت منحى خطيرا هذه الأيام، وبالذات بعد تصريحات عصبة من مجموعة نواب الموصل المعروفة بعدائها للكورد وغيرهم من غير العرب والمسلمين في الموصل ومنذ عدة أشهر حول قوات البيشمه ركه  العاملة في المدينة وأطرافها وبطلب من الإدارة والدفاع ومتعددة الجنسيات  لحماية السكان المدنيين من هجمات الارهابييين المسنودين من مفاصل مهمة  في  الحكومة والبرلمان  كما يتضح من خلال تصريحاتهم في الدفاع عن أعمال الإرهابيين وذلك بادعاء إن كل هذه العمليات في التفخيخ والأحزمة الناسفة وتقتيل الكورد والمسيحيين والايزيديين إنما تقوم بها قوات البيشمه ركه الكردية(!).
   ولعله من المفيد أن يتذكر الجميع ما اقترفته هذه المجاميع  في إحداث الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة من خلال إعلامها في هيئة علماء المسلمين وبقايا النظام السابق ومرتزقته ممن اخترقوا أجهزة الدولة الحديثة، والتي كادت أن تدمر العباد والبلاد لولا حكمة هذا الشعب وأصالته، وها هي بعد فشلها في إدخال عصابات الجريمة المنظمة من كل شتات الأرض لتلك الفتنة تعاود تكتيكاتها المفضوحة لإحداث فتنة إسلامية مسيحية أو كوردية عربية. وهنا أيضا علينا أن نستدرك ما فعلته ماكينة الأعلام العربي من فضائيات وصحافة الكترونية وورقية  حينما أعلنت الحكومة العراقية نيتها تطهير الموصل من الإرهابيين والتكفيريين وأزلام النظام السابق في مطلع العام الجاري.
  وقد سبقت هذه التكتيكات أوسع عملية تضليل للرأي العام وتشويه للحقائق وتهيئته لقبول عمليات الانتقام المنظم والتطهير العرقي والديني في الموصل وذلك من خلال اتهام الكورد بإدخال الأمريكان وتسهيل مهمتهم في احتلال العراق وقبول المسيحيين بهذا الاحتلال والتعاطي معه على خلفية دينية حسب أهوائهم المريضة والمهوسة بالتطرف ومعاداة الآخرين، ويتذكر الموصليون الاصلاء تلك الشعارات العنصرية التي كانت تكتب على جدران الأبنية في كل المدينة والتي تساوي بين الكورد واليهود تارة وبينهم وبين الصهيونية تارة أخرى وكذا الحال مع المسيحيين والشيعة وحتى مع بعض العشائر كما فعلوا مع عشيرة شمر وشيوخها وأباحوا قتلهم أينما ثقفوهم، وتناسوا إن من أدخل الأمريكان هم أولياء نعمتهم من البعثيين وقياداته ومراجعهم من الأنظمة العربية وغير العربية في المنطقة، التي أدخلت أكثر من ثلاثة وثلاثين جيشا ( استعماريا ) إلى ارض العرب في الخليج وأرض الأنبياء في العراق، وليس الكورد أو المسيحيين أو الشيعة، وهم الذين استقبلوا الجنرال بيتاريوس قائد الفرقة الأمريكية الرابعة في بيوتهم وتعليلاتهم في أول أيام الاحتلال الأمريكي للموصل للتقرب من مركز القرار والصعود إلى درجات السلطة على أكتاف المحتل وكأنهم يعيدون أحداث التاريخ أيام الاستفتاء على عائدية الموصل مطلع العشرينات من القرن الماضي في وقوفهم مع الأتراك يومها،  وليس الكورد كما يضللون الرأي العام ويهيؤنه لأبشع عملياتهم بعد الأنفال وحلبجة في تهجير آلاف العوائل الكوردية والكلدانية ومعتنقي الايزيدية والمسيحية وعشائر الشبك وشمر من مدينة الموصل إلى مناطق كوردستان الآمنة الأخرى؟
   إن تبرئة أزلام النظام السابق وعصابات القاعدة  ومافيا المخابرات الدولية من الجرائم التي تقع يوميا وعلى مدار الساعة في الموصل ما هي إلا مشاركة فعلية بتلك الجرائم وهي نتاج تلك الثقافة العنصرية والشوفينية التي تنتقص من الآخرين وتوصفهم بتوصيفات تقلل من شأنهم وهي التي أنجبت هذا السلوك المنحرف لدى أولئك الذين يعتبرون الكورد والمسيحيين والايزيديين غرباء عن الموصل وعليهم تركها وإلا فأنهم سيبيدونهم، وفعلا إن ما يجري اليوم ومنذ عدة سنوات ما هو إلا نتاج هذه العقلية والثقافة التي تدافع عنها ثلة من مجموعة أعضاء مجلس النواب عن الموصل والذين يتقدمهم السيد أسامة النجفي في أخطر عملية تحريض على الارهاب والقتل والتطهير العرقي يشهدها العراق منذ سقوط النظام السابق وحتى يومنا هذا.
   ولعلهم في اعتبارهم الايزيديين عربا وفرقة إسلامية مرتدة وعشائر الشبك عرقا وبقايا الأفواج الخفيفة من الجحوش ممن لفضتهم كوردستان وشعبها، وطنيون أحرار، يؤكدون انتمائهم إلى فكر صدام حسين وحزبه وسلوك علي كيمياوي والحقبة السوداء في تاريخ العراق، وإنهم امتداد لتلك المنظومة من التفكير والسلوك بتحالفهم اليوم مع بعض من مستشاري الأفواج الخفيفة الملطخة أياديهم بدماء شعبنا في الأنفال وحلبجة وتكوين روابط وتكتلات انتخابية لدخول مؤسسات العراق الجديد بقطار الانتخابات هذه المرة، إنها بحق عملية لإعادة صفحات الماضي ومحاولة لتصنيع أو استنساخ مآسي وجرائم بشعة دفع العراق وما يزال يدفع ثمنها دماءً ودموعا.
  إن هذه المجموعة ومن يشابهها في العقلية والسلوك ممن اخترقت أنظمة ومنظومات الدولة الجديدة، لو امتلكت ربع ما امتلكه صدام حسين من مال وسلاح وسلطة لفعلوا أضعاف ما فعله في حلبجة والأنفال والمقابر الجماعية في الجنوب وكفى ذلك تحذيرا وإنذارا.
 

375
الموصل بين الحكايات وواقع الحال!؟
                                               
                                                                                                            كفاح محمود كريم

      في سنوات الدراسة أو بعدها كلما كنا نذهب إلى بغداد أو إلى أي من مدن الجنوب العراقي ونجالس أصدقاء لنا أو زملاء يفاجؤننا بنكاتهم عن البخل الموصلي أو الحيلة والمكر وأحيانا كثيرة عن  تغيير المواقف تحت شعار موصلي قديم ( ألف قلبي ولا غلبي ) ليصلوا في نهاية هذه التوصيفات إلى إن المصلاوي أكثر حيلة ومكرا من الواوي أي الثعلب وبذلك تكون عشرة الواوي أهون من عشرة المصلاوي!؟
    وكم كنا نتضايق أحيانا من هذه النكات أو التوصيفات وأحيانا أخرى نرد عليهم بنكات وتوصيفات مقابلة، إلا إنه  في نهاية اللقاء أو الجلسة  نغادر ونحن كما يقول المثل المصري ( صافي يا لبن وعسل يا قشطه ) دونما أن تترك تلك التوصيفات آثارا جانبية في النفس.
    لكننا وفي كل مرة نعود بها إلى موصلنا الجميلة نندس في جلسات ( الشياب والختيارية ) لنسألهم عن حقيقة هذه التوصيفات وأصل هذه الأمثال والحكايات:
   وذات يوم جمعتنا جلسة جميلة لمجموعة خيرة من ختيارية موصلنا الأصيلة كان فيها الفنان المرحوم  إسماعيل الفحام  وصديقه أحمد كجك وبعض أخر لا تسعفني الذاكرة في أسمائهم حينما قلنا لهم حكاية الواوي والمصلاوي فأجابنا الفحام ضاحكا بحكاية جميلة عن شراكة  إبليس والمصلاوي في  مشروع للزراعة عند أطراف النهر، حينما قال المصلاوي لإبليس دعنا نزرع البصل  فهو نبات مبروك ويحبه أهل الموصل وبالذات أوراقه الخضراء الجميلة واللذيذة، وطالما  قبلت شراكتي فأنني في هذه المرة سأعطيك  ما ينتجه هذا المحصول فوق الأرض وليكن ما تحت الأرض لي فشراكتك لوحدها تعتبر ربحا كبيرا!
  رضي ابليس بهذه القسمة ضنا منه إن المصلاوي على نياته، ويوما بعد يوم تنمو مزرعتهم البصلية وتزداد أوراق البصل طولا ونضارة، ويبدأ إبليس بجني محصوله يوميا من الأوراق الخضراء حاملا إياها إلى سوق المخضر، يبيع نصفها ويرمي النصف الآخر في آخر النهار، حتى جاء الصيف فبدأت الأوراق بالجفاف ولم يبيع إبليس ربع ما دفعه في بداية الشروع بالزراعة، فقال للمصلاوي وماذا ستفعل أنت وقد خسرنا أكثر من نصف رأس مالنا، فرد عليه قائلا:  القناعة كنز لا يفنى،  ومثل ما اتفقنا لك ما فوق الأرض من محصول وقد رضيت انا بما تحت الأرض!
   وأخذ المصلاوي يجنى محصوله من البصل وينقله إلى سرداب بيته دون أن يفكر بالبيع، مما جعل إبليس يشتاط غضبا قائلا له ماذا تفعل أيها المصلاوي فرد عليه بمسكنة لا مثيل لها إنه ينقل  محصوله إلى البيت لعدم إمكانية بيعه الآن!؟
   حتى جاء الشتاء فباع أخينا بالله محصوله بثلاثة أضعاف سعره وقت جنيه! مما جعل إبليس يجن جنونه ويكاد يفقد عقله فذهب إلى المصلاوي غاضبا متوعدا حتى أن دخل بيته أي بيت المصلاوي فأخذه بالأحضان ونادى أهل بيته أن آتوه بماء بارد وفاكهة لذيذة وقال له العن الشيطان يا إبليس(!) وتوكل على الله فان الأرزاق ليست بيدنا وكن قنوعا مثلي وارتضي القليل لتأخذ الكثير؟
   فقال له إبليس وكيف أعوض خسارتي فرد عليه صاحبنا أن نزرع هذه السنة الطماطة ولك أن تختار أي المحصولين لتعويض ما فاتك فقال له دونما تفكير أريد ما تحت الأرض!؟
  ولك أن تعرف عزيزي القارئ ما جرى لاحقا بين الشريكين حينما بدأ كل واحد منهما بجني محصوله. 
   بالتأكيد هي قصة من نسج الخيال الذي يتباهى بشطارة المصلاوي وإمكانيته بغلب حتى إبليس إذا ما تعامل معه في بيع أو شراء أو شراكة، وهي نفس المخيلة التي تبيح ( ألف غلبي ولا قلبي ) حينما تكون الثقة مفقودة تماما في مدينة عاشت معظم دهورها حصارا وحروبا واغتيالات من أيام نادر شاه الفارسي وحتى إرهابيو البعث والقاعدة هذه الأيام وما خلاها من أيام الحرس القومي وسحل الناس خلف سيارات الحمل وتعليق الجثث على أعمدة الكهرباء وحملات الاغتيالات المعروفة في الموصل منذ قدوم البعث وحتى يومنا هذا في موصل الحضارة والتاريخ، وكأنما تلك الأيام تعيد نفسها ثانية حيث الاغتيالات والذبح من الوريد إلى الوريد في مدينة لا تكاد تودع غازٍ حتى تستقبل آخر أكثر قساوة ووحشية لتبقى هي تبحث عن حيلة للبقاء أو محاولة للتنصل من حصار قد تُغلبُ فيه فتقلب قبل فوات الأوان!؟
  وها هي اليوم الموصل الجريحة تدفع ثمن شطارتها أو على الأقل ثمن ادعائها الشطارة والفهلوة دماءً زكية لخيرة شبابها وعلمائها وأساتذتها وأعلامها من كل الأعراق والأجناس والملل التي كونت عبر مئات السنين هذا النسيج الراقي من تكوينات العراق والذي اسمه المصلاوي الذي يتعالى على العرق والدين والمذهب واللون والجنس وكأنما يقول للآخرين إنما نحن المصالوة قوما أو عرقا أو ثقافة لا يعلوها انتماء آخر؟
  اليوم تدفع الموصل ثمن شطارتها وحيويتها والإصرار على بقائها حمامات من الدماء والخوف والإرهاب على أيدي من حاول تشويه هويتها ومسخ حضارتها بأفواج من القرويين والأميين الذين عبثوا بحضارتها المدنية عبر آلاف السنين ومسخوا عنوانها وشكلها وحتى لهجتها ونقلوا كل تقاليد وعادات القرية والبداوة البائسة إلى مفاصل الحياة فيها حتى يكاد ابنها يكون غريبا فيها، بل أصبح غريبا تماما الآن؟
فهل يا ترى ما زال المصلاوي حيالا أو ماكرا وهو ( يقلب إلف قلبة لكي لا يغلب ) أم انه يسحق يوميا منذ أكثر من ثلاثين عاما تحت عجلات البعث ويقاوم للحفاظ على ذاته ولكي لا يتم إلغائه أو مسخه، سواء من دويلة العراق الإسلامية المسخ أو من بقايا البعث والعودة وأصابع دول الجوار المندسة إلى أعمق أعماق جراحنا العراقية!؟
  اليوم تذبح الموصل برمتها ويغتال العراق بأجمعه في موصل الحضارة والمدنية والإنسان على أيدي من يعتبر سكانها الأصليين أغرابا ودياناتها القديمة كافرة ومرتدة، اليوم لا يقتل الكوردي والمسيحي أو الايزيدي لوحده في الموصل بل تقتل حضارة الموصل ومدنيتها واصالتها وديمومتها وخصوصيتها برمتها.
 


 
 

376
يا بؤس من يعادي شعباَ ؟
                                                                                                            كفاح محمود كريم*

    ربما يختلف الكثير من الناس في آرائهم وطريقة تفكيرهم وحتى في أسلوب معالجاتهم لكثير من الإشكاليات، بل ويتقاطعون مع الآخرين أفرادا أو جماعات  ضمن مؤسسات نيابية أو مجتمعية أو حزبية، لكنها في النهاية لا تمثل رأي كل الناس إطلاقا أو إنها تستحوذ على تأييد ومساندة مطلقة من أي شعب من الشعوب في العالم.
  وكذا الحال عن أي حزب أو جمعية أو منظمة في تمثيلها لعموم الأهالي أو الشعب، فليس هناك في العالم أي حزب مهما بلغ حجمه التنظيمي وتأثيره الإعلامي أن يدعي تمثيلا مطلقا للشعب، وربما نتذكر الحجم التنظيمي للحزب الشيوعي السوفييتي قياسا إلى مجموع نفوس ذلك الاتحاد وكذا الحال مع الصين أو في العراق وتجربة حزب البعث في تبعيث العراقيين جميعا وما آلت إليه هذه السياسة بعد ذلك.
  ولذلك نرى إن الأنظمة الديمقراطية التي سبقتنا في  هذا المضمار تتجه إلى توسيع مساحات تمثيلها للرأي العام بإنشاء تكتلات برلمانية من العديد من الأحزاب والجمعيات والأشخاص في محاولة لكسب مساحة أوسع من الرأي العام، حتى وإن كانت من أجل عملية انتخابية صرفة بعيدا عن الانسجام الكلي في المبادئ والأفكار.
  وفي تجارب الشعوب الأكثر تقدما في ممارساتها الديمقراطية والبرلمانية كثيرا ما تختلف الأحزاب أو المنظمات مع بعضها البعض في توجهاتها أو آرائها ونظرتها لقضية معينة، إلا إن ذلك لا يعني الخلاف الأبدي وعلى طول الخط، إذ انه هناك دوما محطات يتوقف فيها الخصوم أو المختلفون وربما يتحول ذلك الخلاف أو النزاع إلى تحالف وانسجام كبيرين كما يحصل في كثير من البلدان الديمقراطية في تكتلاتها البرلمانية والائتلافية،  فليست هناك صداقات دائمة أو خصومات دائمة في العمل السياسي بل هناك مصالح متبادلة.
   لقد أردت بمقدمتي هذه أن أصل إلى إن الخلافات لا ترتقي إلى مستوى معاداة شعب بأكمله من خلال التصريح والتهجم الإعلامي لأي كائن من كان سواء كان فردا أو حزبا مهما كانت الخلافات في وجهات النظر أو حتى الخلافات الحادة على الحدود أو الثروات، وحتى بين الشعوب أنفسها ليست هناك عداوات مطلقة كما تدعي بعض وسائل الإعلام والتحريض على الكراهية وإشاعة الأحقاد، وما حصل بين الهند والباكستان أو بين العرب وإسرائيل أو الفلسطينيون أنفسهم والدولة العبرية وبعد ذلك الولايات المتحدة ومنظومة الدول الاشتراكية أو الصين وهونك كونك وتايوان، يؤكد إنه ليس هناك عداوة دائمة بل إن نهاية أي خلاف مهما كان هو الحل والتصالح ومن ثم التعايش.
  أعود الآن إلى تصريحات بعض من أعضاء مجلس النواب العراقي المولعون بالمؤتمرات الصحفية وهم يتحدثون لفضائيات عربية ومحلية بلغة لا ينقصها التعميم وخلط الأوراق وإشاعة الكراهية والصراعات العرقية والطائفية حينما يتحدثون عن الكورد أو الشيعة في الموصل وديالى وبغداد وكركوك وبلدات هذه المدن وقراها وكأنما يتحدثون عن أعداء تاريخيين لهم وحتى للعراق بل ويشككون في انتمائهم لهذه الدولة، ساعة بإلغاء وجودهم تماما في تلك المدن كما كان يفعل النظام السابق في سياسة التعريب أو كما فعلت تركيا في سياستها التتريكية للعرب والكورد وكما فعلت إسرائيل في صهينة فلسطين في السياسات الشرق أوسطية البائسة فيما سميت بالتعريب والتتريك والاستيطان، من قبيل التصريح بأن نسبة الكورد في الموصل لا تتجاوز 3 % من مجموع عدد السكان في المحافظة أو عملية تشتيت وشرذمة بعض العشائر الكوردية من الشبك أو من معتنقي الديانة الايزيدية تارة بكونهم عربا وتارة أخرى بكونهم أعراقا وقوميات، أو التعامل مع معطيات جرائم التعريب في كركوك وديالى والموصل وكأنها واقع حال علينا الإذعان لها والقبول بها تحت يافطة العراق الواحد وحرية مواطنه في السكن والعيش أينما يريد(!) متناسين تلك جرائم الترحيل والتهجير وتصحيح القومية، في محاولة لدس السم في العسل وقول كلمة حق مغمسة بالباطل، وتارة أخرى في صناعة قوميات جديدة من عشائر كوردية وإعادة تصنيع وتأهيل قوات ( الجحوش ) السيئة الصيت من عملاء ومرتزقة النظام السابق مما كانت تعرف بالأفواج الخفيفة ويطلق عليها العراقيون تسمية ( الجته ) من مستشاري الأفواج الخفيفة في الموصل، على شكل أحزاب كارتونية شبيهة تماما بتلك التي كانت تصنعها مديرية الأمن العامة في النظام السابق، أو من خلال تصريحاتها غير مسؤولة وينقصها الانضباط  بخطورة وجود قوات البيشمه ركه في الموصل وكركوك وديالى والإيحاء للرأي العام بكون هذه القوات تشبه تلك الميليشيا سيئة الصيت في بقية أنحاء العراق على خلفية ما جرى خلال السنوات الأخيرة في التقاتل الطائفي المقيت والتصور الشعبي السلبي عن أي قوة مسلحة أخرى،  والتعتيم على ما تفعله عصابات البعث والقاعدة والمخابرات الدولية ذات الشأن العراقي في هذه المحافظات، والعمل على تشويه الحقائق وتشويه ما يجري في هذه المدن من عمليات تصفية واغتيال لكل كوردي أو شيعي أو مسيحي أو إيزيدي والتصريح بخطورة الأكراد ومحاولتهم لاحتلال الموصل وتكريد كركوك وسنجار في عملية لنشر الحقد والكراهية العرقية والعنصرية بين أبناء الوطن الواحد كما فعلوا في إشعال الحرب بين السنة والشيعة في تصريحاتهم الطائفية المقيتة. متناسين حقيقة هذه المناطق وما تعرضت له خلال حكم البعث العنصري طيلة ما يقرب من أربعين عاما.
   وفي ما يتعلق بمدينة ومحافظة الموصل وبمقارنة بسيطة مع معطيات البطاقة التموينية في تحديد نسبة السكان الكورد في المحافظة نرى إن صاحب هذا التصريح وهو السيد أسامة النجفي عضو مجلس النواب قد ( أعدم ) تماما عشرات أو ربما مئات الآلاف من السكان الكورد الذين يشكلون أغلبية مطلقة في أقضية سنجار والشيخان ونواحي زمار وبعشيقة ومع الكلدان والاشوريين والسريان في تلكيف وبلدات سهل نينوى.
   إن اعتماد هذا النهج في التفكير والممارسة يعيدنا إلى ما قبل المربع الأول أو إلى نقطة الشروع التي ابتدأنا منها تحركنا جميعا من أجل حل المشكلات والمآسي التي خلفها النظام السابق باعتبار الايزيدية عربا وتبعيثهم وكذا الحال مع عشائر الشبك ومع معتنقي الديانة المسيحية سواء من كان منهم كورديا أو من الأعراق الأخرى مثل الكلدان والآشوريين وغيرهم، وقد أدت هذه السياسة أي عمليات التحريض ضد الكورد وغيرهم من الأعراق والأقليات الدينية التي انتهجتها مجموعة من أعضاء مجلس النواب إلى عمليات تصفية وتقتيل مئات وربما آلاف الأشخاص من الكورد والشبك ومعتنقي المسيحية والايزيدية منذ تشرين أول 2004م وحتى يومنا هذا، حيث كان التركيز في تصريحاتهم على استخدام كلمات الأكراد في الموصل وكأنهم شعب من خارج العراق أو من خارج محافظة الموصل بما يوحي للرأي العام بأنهم ( محتلون ) لزرع الكراهية والحقد تجاههم تارة بكونهم أتوا بالاحتلال  وتارة أخرى كون المسيحيين تعاطوا مع الاحتلال وكأنهم أقرباء في إشارة لوحدة الدين المسيحي؟
  إن معاداة شعب بأكمله عمل بائس ومشين يدلل على سوء التفكير وضيق الأفق والنظر وعلينا أن نستذكر دوما إن كل عمليات الإبادة الجماعية التي استخدمها النظام السابق وقادته العسكريين والأمنيين في الشمال والجنوب ضد الشيعة والكورد لم تنتج إلا ما نراه اليوم في إقليم كوردستان من نهوض لشعب ينمو كما قال عنه ذلك البدوي الذي شهد عمليات الضرب الكيمياوي في كرميان وبهدينان أيام كان جنديا هناك وعاد إليها ثانية بعد سقوط النظام فقال والله إنكم  شعب لا يقهر مثل زرع الأرض وهذه الجبال!
  وحري اليوم أن يعرف الناس والرأي العام عموما حقيقة ما يجري في الموصل وكركوك وبقية المدن التي انتهكها نظام صدام حسين ومسخ هويتها ويعمل وكلائه ومرتزقته على إدامة تلك العمليات في تطهير الموصل من الكورد والكلدان والاشوريين والشيعة ليس الآن فحسب وإنما منذ سقوط النظام وحتى اليوم، حيث عمليات التقتيل المنظم للكورد وإرهاب المواطنين المدنين ودفعهم إلى الهجرة والرحيل وهذا ما جرى فعلا وامتلأت محافظات دهوك واربيل والسليمانية بعشرات آلاف من العوائل الكوردية  والشيعية من عشائر الشبك ومعتنقي الايزيدية وأخير الحملة الهتلرية الشوفينية ضد معتنقي المسيحية وإجبارهم على ترك الموصل والرحيل خارجها مما دفع مئات العائلات المسيحية بالاندفاع إلى إقليم كوردستان وأطرافه المحمية من قوات حرس الإقليم بحثا عن ملاذ آمن .
  حقا يا بؤس من يعادي شعبا وقد رأينا مصير من كان يعتقد إنه حكم العراق إلى الأبد وإنه أعدم شعبا وأنهى ثورة ونضالا، يا بؤس من يحاول تصنيع الماضي وجرجرة عقارب الساعة إلى الوراء وإخفاء نور الشمس بغربال متهرئ رث.
     
* كاتب وإعلامي

377
في الموصل: تمخض الجمل فولد فأراً !؟ *

  منذ  بداية هذا العام 2008 م  بدأت وسائل الإعلام المحلية والدولية تعلن تحضيرات الحكومة العراقية وتجييشها للجيوش من الشرطة والحرس الوطني والتشكيلات بدءً بالأفواج والألوية ووصولا إلى قيادة عمليات الموصل وأركانها كما وكأنهم جالسون في مؤتمر عسكري مغلق، وكل ذلك يجري أمام وسائل الإعلام بما في ذلك  مواعيد الحركة والتحضيرات والتجمع ومن ثم حتى موعد الهجوم الذي تتناقله تلك الوسائل إما عن طريق تصريح لوزير الدفاع أو في إحدى جولات قائد عمليات نينوى، حتى وصل الأمر بعصابات الإرهاب والمخربين من البعثيين ورجال ما يسمى بـ دولة العراق الإسلامية أن يعرفوا حتى موعد إجازات الضباط وتوقيتاتها،  بل وادعوا في وسائلهم الإعلامية الالكترونية وحلقاتهم الاجتماعية في مدينة الموصل بأن كثير من الحركات والقطع العسكرية يعرفون أمرائها وأسماء ضباطها ومكان حركتها قبل جنودها وضباطها أحيانا، بما فيها اجتماعاتهم ومؤتمراتهم التحضيرية لتطهير الموصل!؟
  والغريب إن معظم قيادات وزارة الدفاع والداخلية عقدوا العديد من المؤتمرات الصحفية والإعلامية للإعلان عن خطتهم وتفاصيلها وقوة القطعات وأنواعها اقصد صنوفها طيلة أكثر من ثلاثة أشهر من ( تطويق ) الموصل والتحشدات حول المدينة وكيفية غلق منافذها بما يجعل الإرهابيين  محاصرين تماما في المدينة وأطرافها بعد الغلق الجزئي للمنفذ الحدودي في منطقة ربيعة التي يسكنها البدو وعشائرهم على طرفي الحدود بين سوريا والعراق والتي تعتبر أكثر المنافذ خرقا وعبورا للقادمين من ( المجاهدين العرب ) من السعودية ومصر والمغرب العربي وسوريا وبقية الدول العربية عن طريق مهربين محليين من كلا الطرفين في نفس المنطقة التي تحولت منذ سقوط النظام السابق إلى مشيخة تشبه مشايخ الخليج بداية ظهور النفط(!)
   ليس هذا فحسب بل إن كثير من المؤتمرات الصحفية والبلاغات كانت تتضمن إشارات إلى شكل الخطة ومحور التوجه ومن أين ستكون البداية والى آخر هذه التسريبات والفعاليات الطاووسية للحملة.
  وأخيرا بدأت ( زئير الأسد )  بعمليات استعراضية وإعلانات  مبوبة عن اعتقال عشرات المئات من الإرهابيين والكشف عن مخازن للأسلحة تكفي لتجهيز جيش دولة من دول الأشقاء في افريقيا، وقد ذكرتنا تلك البلاغات والبيانات بأيام حرب حزيران عام 1967 م حيث تم إحصاء وجمع عدد القتلى من الإسرائيليين الذين أعلنتهم بلاغات القيادة العامة في مصر وسوريا والأردن فتبين إنهم ضعف عدد الجيش الإسرائيلي بكافة صنوفه وأضعاف ما يملكه من دبابات وطائرات، رغم إن الحقيقة بانت بعد أقل من أسبوع وظهرت إسرائيل وهي تحتل الجولان والضفة وسيناء.
  وبعد أيام قليلة وصل القائد العام للقوات المسلحة ووزير دفاعه وداخليته وأركان حملته إلى مركز المدينة ومبنى المحافظة في المنطقة الخضراء من الموصل، على صدى الانتصارات الباهرة لصناديد القرن الواحد والعشرين، ليتخذ قرارا تاريخيا باستبدال ( زئير الأسد ) بــ زقزقة العصافير والبلابل الربيعية تماشيا مع العصر الديمقراطي والرومانسي الذي يعيشه العراق العظيم، فأطلقوا عليها اسم ( أم الربيعين ) تيمنا بالدنيا ربيع والجو بديع والرياحين الفواحة من انتصارات البواسل في قواتنا المسلحة وشرطتنا الحنونة؟.
  وخلال عدة أيام تداعى أعمدة القوم والوزراء وشيوخ العشائر المولعين باللعب على الحبال في كل الأزمان والأحوال في هكذا مواقع  من الموصل وغيرها من مناطق العراق المزدحمة بالقيل والقال وقلة العقل وكثرة الحيلة والأموال وبالذات ما كان منها على أطراف الحدود في التبادل والتهريب في مواقع المنافذ والكمارك والتي تحولت إلى إمارات ومافيا لتهريب كل ما هو كفيل بتخريب العراق ابتداءً من المجاهدين العرب وانتهاءً بالأدوية الفاسدة والذي منه من أدوية تعمير وتسخين الجمجمة عبر الإخوة الأعداء في كل من سوريا وإيران؟
  وبعد عمليات ( واسعة ) في المركز وأطراف المدينة امتدت في بعض الحالات إلى أقصى منطقة الجزيرة وإعلان ( الانتصار الكبير ) وعقد مؤتمرات صحفية يتبارى فيها المنتصرون ( على من لا نعرف ؟ ) في التصريحات وإعلان أن الموصل منطقة آمنة ويلعب فيها الذئب مع الغنم؟
كما يصرح هناك المسؤولين من العسكر وغيرهم من الإدارة الفيدرالية في بغداد وها هي الموصل آمنة مطمئنة فيها قوات ( المجاهدين والرفاق البعثيين ) وعلم العراق ذي النجوم الثلاثة ورابطة الجحوش من مستشاري الجحافل الخفيفة وأيتام النظام السابق ورايات عروبة الموصل التي تقود حملة انفالية جديدة ضد الكورد والشيعة ومعتنقي الديانتين المسيحية والايزيدية في أبشع عمليات التطهير العرقي بعد الأنفال سيئة الصيت التي تنال اليوم الكورد ومعتنقي المسيحية والايزيدية والمذهب الشيعي في الموصل بعد عدة أشهر من عمليات ما سمي بزئير الأسد ومن ثم بأم الربيعين.
  لقد اتجهت الأمور في الموصل بعد هذه العمليات اتجاهات خطيرة تثير الشبهات بل وتؤكد خللا كبيرا ومثيرا للجدل والشبهات معا فيما حصل ويحصل في طريقة التعامل المتميع مع الأحداث ومسببيها في المدينة إلى الحد الذي يجعلنا نتساءل عن دور كثير من أعضاء مجلس النواب الذين يحرضون الرأي العام الموصلي على الأكراد والمسيحيين والشيعة والايزيديين واتهامهم بأنهم عملاء الاحتلال وأدواته في الموصل وإن الموصل إنما تعاني من وجود هؤلاء فيها، في رسالة واضحة لعمليات التطهير العرقي والديني الجارية الآن ومنذ عدة سنوات على أيدي نفس الذين شوهوا ومسخوا هوية الموصل وتاريخها ومكوناتها وعملوا ما لم يعمله علي حسن المجيد يوم أراد تدمير الساحل الأيسر بصواريخ أرض أرض في انتفاضة الربيع عام 1991م، حيث تتم العملية الآن بدون استخدام الصواريخ وباستخدام المفخخات والاغتيالات والتهديد والاختطاف وكل ممارسات مدرسة البعث وفصولها المعروفة لدى كل العرقيين.
  إن الحملات الإعلامية التي يشنها مجموعة أعضاء مجلس النواب والتي تدعي تمثيلها لسكان الموصل على الكورد وغيرهم من السكان الأصليين للمدينة في كثير من الفضائيات العربية أدت إلى قتل الآلاف من المواطنين الكورد ومعتنقي المسيحية والايزيدية وقد تجلت عملية إفراغ الموصل من المسيحيين واضحة وجلية للرأي العام رغم تناسق الادعاءات بين النائب أسامة النجفي وما يسمى بهيئة علماء المسلمين ودولة العراق الإسلامية وبقايا البعث حول اتهام الكورد بتلك العمليات في محاولة مفضوحة وساذجة لتغطية واحدة من أبشع عمليات التطهير الديني للمدينة بعد عمليات الأنفال عام 1988م التي أنتجت هي وسابقتها مع الكورد والشيعة الشبك على إثر تصريحات وزيارات مجموعة نواب الحقد على الموصل وسكانها من الكورد والمسيحيين والايزيديين والشيعة، قبل وخلال حملة أم الربيعين التي  تمخضت فولدت ما يجري الآن من أحداث!؟

* كشف قائد القوات البرية رئيس لجنة تقصي الحقائق بالموصل مؤخرا عن وجود خطة شاملة للسيطرة على مدينة الموصل(!)






378
حوار مع الكاتب والإعلامي كفاح محمود كريم
بقلم عبدالرحمن الباشا – مدير تحرير مجلة الصوت الآخر
( من يحاور من !؟ )
حوار أجراه عبدالرحمن الباشا لمجلة الصوت الآخر
العدد 212 في 24 أيلول 2008 م

 
 
  برنامج لنتحاور،برنامج حواري يقدمه الزميل كفاح محمود على الهواء مباشرة كل يوم سبت من فضائية كوردستان .

  في العاشر من أيلول الحالي ، أنهى البرنامج عامه الرابع قدم خلالها أكثر من 190 حلقة في المواضيع السياسية والثقافية والاجتماعية ، في إقليم كوردستان والعراق عموما.
  واستضاف خلال السنوات الأربع ، الكثير من السياسيين في العراق وكوردستان والبلدان العربية ،منهم الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل والسيد عبدالعزيز الحكيم والأستاذ فاضل ميراني والسيد حاجم الحسني رئيس الجمعية الوطنية السابق والسيد عدنان المفتي رئيس البرلمان الكوردستاني إلى جانب الكثير من زعماء الأحزاب العراقية والعربية من أمثال السيد حسين عبدالرازق أمين عام حزب التجمع المصري ورئيس مجلس الأمة الكويتي والإماراتي واليمني.، و العديد من رجال الفكر والإعلام من أمثال الدكتور سعدالدين إبراهيم ومحمد بن نصر والدكتور كاظم حبيب وفالح عبدالجبار وصالح قلاب وحماده الفراعنة ورجائي فايد وسالم وهبي وفريدة النقاش وغيرهم .


أولا: لماذا ( لنتحاور ) ؟ ومن يحاور من ؟

وما هو البديل؟ لقد جربنا كثيرا من الوسائل نحن هنا شعوب الشرق الأوسط ولعل أتعسها تلك اللغة الخالية من الحياة والتي دفعنا أثمانها باهظة من حياتنا عبر عشرات السنين، تذكر معي الملايين التي قضت عبر الصراع العربي الإسرائيلي في موضوعة فلسطين وما حصل لكلا الطرفين من ضياع لفرص ثمينة للتطور الاجتماعي والاقتصادي وكل مناحي الحياة.
قالها الرئيس الأسبق بورقيبة في وقت مبكر من الصراع ودعا الطرفين إلى الحوار وقبول البعض بدولتين تضمنان حقوق المكونين الفلسطيني والإسرائيلي، إلا أنهم أخرجوه من الملة بل واعتبروه خائنا مرتدا وها هم بعد عشرات السنين يطمحون إلى أطراف مقترحاته؟
  وكذا حصل بين الهند والباكستان حتى جلسوا وتحاوروا وتركوا لغة الموت إلى إشعار آخر، إنه الحوار والتحاور في آخر المطاف لو أدرك المتخاصمون فالحوار لغة راقية بل هي الأرقى والأكثر حضارة بعد أن جرب الطرف الأول كل وسائله في التعاطي مع مفردات الحياة وثوابت العيش الكريم باستخدام العنف والإلغاء وتهميش الآخر والإصرار على تنفيذ مآربه بلغة الموت والدمار!؟.
 علينا أن نتحاور مع أنفسنا بداية وتلك بربي أول الخطوات لبناء بيت قوي ورصين ، واقصد هنا البداية وأول حلقات المجتمع وهي الأسرة، واعني الأب والأم والأولاد واستخدام نظام تربوي متحضر يعتمد لغة الحوار والإقناع بدلا من الإملاء وإلغاء الآخر من خلال تعبئته وتهميش إنسانيته ليتحول إلى إنسان آلي ليس إلا.
 في برنامج لنتحاور اعتمدنا هذه الأسس مع الآخر، والآخر هنا كل من يحاول أن يلغي الآخرين أو يقصيهم أو يهمشهم، وهو محاولة تربوية أيضا لإشاعة الحوار وقبول الآخر وان اختلف في الرأي أو الفكر، وهنا لا أعني من يجلس معنا في الأستوديو تحديدا بل ربما نكون نحن الاثنين أنا وضيفي ندفع إلى الآخر لغة الحوار في رسالة إعلامية نقصد فيها إن الحوار هو لغتنا مع الآخرين.


ثانيا: لماذا نبادر نحن، وندعو الطرف الآخر للمحاورة، ولماذا لا يكون العكس ؟

ربما لأننا نحترم الحياة وندرك تماما ماذا تعني الحروب أو الوسائل الأخرى غير الحوار، نحن أكثر شعوب الأرض ربما تقديسا للسلام والأمان والحياة، وبإطلالة بسيطة على فلكلورنا ودقائق حياتنا ندرك شفافية مجتمعاتنا ورقتها وتشبثها بحياة راقية ملؤها الحب والتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقا.
ربما نحن من الشعوب القلائل على الأرض  لا تحب الحروب وتجيدها بما يميزها في المقاومة والبسالة، فلم يتعرض شعب في التاريخ المعاصر كما تعرض له شعبنا في الحروب والإبادة والتهجير وتخريب المدن والقرى طيلة عشرات السنين حتى اعتقد العدو والصديق إننا انتهينا وأصبحنا جزء من الماضي!
ولكننا وبفسحة صغيرة من السلام والأمان وبسنوات قليلة جدا نهض شعبنا كما نراه اليوم وأصبح جزء مهم من حاضر المنطقة بجامعها لا جزء من ماضيها.
الطرف الآخر ليس بالضرورة من حاربنا طيلة عقود بل ربما يكون من ضحايا تلك الثقافة البائسة التي زرعها العنصريون هنا وهناك في أذهان كثير من الناس التي باتت لا تنظر إلينا إلا من فوهة البندقية التي لا يجيدون استخدامها بفروسية كما فعلوا في التصفيق لاؤلئك الذين اقترفوا جرائم حلبجة والأنفال بحق المدنيين العزل من الأطفال والنساء والشيوخ.
ثق إن الطرف الآخر بدأ يدرك تماما إن الحوار هو ملاذه الأخير معنا بعد أن انهار مشروعه العنصري ليس هنا في العراق فحسب بل اجزم إن ما حصل هنا بعد انتفاضة الربيع عام 1991 م  وما بعد سقوط نموذج صدام حسين الشوفيني عام 2003 م، رغم تشبثه ببقايا تلك الثقافة والتربية الفاسدة التي أدت بالعراق إلى ما نراه اليوم، بل في كل البلدان التي تتكون من مجموعة أعراق وطوائف في الشرق الأوسط تحديدا.
  نعم فلنكن دوما نحن المبادرين إلى الحوار والتحاور  فتلك واحدة من ارقي الصفات وارفع ما يميز الإنسان المتحضر عن سواه، السنا نحن الذين تعاملنا مع أسرى فيلقين بكل فروسية وسمو؟
ألا تتذكر كيف كان البيشمه ركه يتخلون عن أغطيتهم ومعاطفهم وحتى وجبات غذائهم للأسرى من جيش العدو بينما كان الآخرون يعدمون أسرانا في الجانب الآخر؟؟
ألا يكفي كل هذا أن نكون نحن المبادرين دوما بما يليق بهذا السلوك وهذه الأخلاقيات؟


ثالثا: برنامج ( لنتحاور ) موجه لمن ؟ المشاهد العراقي أم المشاهد في الوطن العربي ؟

لنتحاور برنامج موجه للمشاهد الناطق بالعربية هنا في الإقليم أو في العراق وخارجه وهو يستهدف في أطروحاته العقد الخلافية سواء منها ما يتعلق بين الإقليم والمركز أو بين العرب والكورد والآخرين من المكونات المتعايشة في الإقليم وبقية أنحاء العراق بما يقرب وجهات النظر بعيدا عن التشنجات أو إثارة الكراهية والنعرات العنصرية، وبما يشرح قضية شعبنا  ويدفعها إلى الرأي العام في الدول العربية وبين الناطقين بها في العالم.
  ودعني أكون أكثر شفافية معك الآن ، نحن نستهدف المشاهد العراقي هنا خارج الإقليم حيث يتعرض هذا المشاهد إلى ضغوطات إعلامية  وإيديولوجية مشحونة بأفكار شوفينية وأجندات أجنبية فيما يتعلق بالعقد الخلافية مع الحكومة الفيدرالية في كركوك وسنجار وخانقين موضوع النفط والغاز وكثير من المواضيع العالقة لحد الآن.


رابعا: هل أثمر الحوار ، بعد أربعة أعوام من البرنامج ، هل أقتنع ( الآخر ) بوجهة نظرنا ؟

لا استطيع أن اجزم تماما فهذه اللغة ليست سلاحا اتوماتيكيا سريع الإطلاق، بل هي لغة هادئة وشفافة تحترم الزمن وتقدس الحياة وتتناول بشفافية أحاسيس الآخرين وتحتاج إلى قناعات ربما تستغرق زمنا أطول، إلا إنني مؤمن تماما بأن هذه اللغة سواء في البرنامج أو ما سبقها من تطبيقات سلوكية عبر عقود من النضال  إنما هي تطبيق  لما كان يدعو إليه الزعيم مصطفى البارزاني دوما وفي معمعة القتال والثورة في الركون دائما إلى لغة الحوار مع الآخر حتى يستقيم ويدرك بأنهم لن ينالوا منا بلغة الحرب وعليهم أن يتحاوروا معنا.
ازعم الآن بأن أصدقاءنا من العرب والترك والإيرانيون أكثر من أي وقت آخر وهذا بحد ذاته انتصار لفلسفتنا في الحوار واعتمادنا لغة ديمقراطية متحضرة تعتمد احترام وقبول الآخر.
في معظم حواراتي مع النخب العربية غير العراقية اكتشف بأنهم لا يعرفوا شيئا عن الكورد إلا صلاح الدين الأيوبي بقدر تعلق أمره بموضوع فلسطين تاريخيا ودوره كقائد عسكري مسلم في تحرير القدس العربي ليس إلا؟
وتلك بتقديري كما يزعم أكثرهم تعود لسببين أساسيين الأول هو عدم اكتراث هذه النخب بالأعراق غير العربية التي تعيش في هذه المنطقة خوفا من نشوء كيانات أخرى كما يزعمون ويطلقون تسمية ( إسرائيل الثانية ) على  محاولة أي عرق غير عربي  بالتحرر أو المطالبة بالحقوق السياسية.
والثانية هي عجز الإعلام الكوردي في إيصال القضية إلى الرأي العام العربي  وتلك أيضا محكومة بسببين مهمين الأول ذلك الحصار غير المعلن على هكذا مواضيع في معظم وسائل الإعلام العربي الرسمي وغير الرسمي والثانية هي ما يعانيه الإعلام الكوردي نفسه في موضوع الإعلام باللغة العربية واللغات الأخرى.


خامسا: هل إن البرنامج ( لنتحاور ) ولد من وحي ( أكثر من رأي ) أو ( الاتجاه المعاكس ) ؟

ليس هناك أي مشروع أو فكرة نابعة من فراغ، وازعم إن كل تفاصيل الحياة بما فيها المبادرات هي فعل ورد فعل بل إن كثيرا من أعمالنا ما هي إلا تصحيح لأعمال أخرى أو تطوير لها أو  لفكرتها من وجهة نظرنا، وهي أيضا في أوجه أخرى تحديات إنسانية وأعمال إبداعية تتفرد في شكلها ومضمونها.
حقيقة كنت أراقب معظم البرامج الحوارية التي تقدمها الفضائيات هنا في منطقتنا وهي تمتاز أي تلك البرامج بإمكانيات فنية وتقنية راقية وتعكس في أدائها مجموعة الأفكار والثقافة التي يمتلكها صاحب تلك القناة دولة كانت أم أفراد وأحزاب ومن ضمنها هذين البرنامجين الذين ذكرتهما رغم إن الأول أكثر تقدما من الآخر في طروحاته وأسلوبه الحواري بعيدا عن تشنجات وصراخات الآخر.
اعتقد إن برنامج لنتحاور يختلف في أدائه عن معظم هذه البرامج الحوارية وأنا لا ازعم هنا بالأفضلية لأنها ليست من مهماتي فهي مهمة الجمهور والمتلقي وهو في الآخر من يمنحنا في رضائه تفوقنا.
  في لنتحاور هناك حوار من اجل حل معضلة ما أو من أجل شرح موضوع معين يهم المشاهد وهناك بين هذا وذاك محاولة لإيصال الخطاب الكوردي إلى الرأي العام العربي  دونما تشنجات وإشاعة للكراهية أو الأحقاد وصولا إلى قواسم مشتركة من اجل مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة.
  ودعني أن أقول لك  بكل صراحة وشفافية أن الشاشة تدخل كل البيوت ويراك فيها معظم الناس وهنا أنت تمثل حضارتك الشخصية ومجموعة القيم والآداب التي تحملها وتتصف بها، وتحمل أيضا أمانة أن لا تجرح أو تخدش حياء الناس المتلقين لك من المشاهدين والمشاهدات، كما أيضا من واجبك الأخلاقي أن لا تكون سببا في صناعة الانفعالات والتشنجات التي تؤدي إلى الكراهية والعنف وربما إلى القتل!
 هل تتذكر تصريحات  وحوارات بعض من أعضاء مجلس النواب عن الموصل في فضائيات معينة هنا في العراق ودول الجوار التي تناولت القضية الكوردية وموضوع كركوك والموصل والتي أدت إلى قتل المئات من الكورد في الموصل وتهجير عشرات الآلاف من المواطنين الكورد والتركمان والكلدان؟
  من هنا ندرك أهمية اللغة الرصينة والخلق العالي والحوار المهني والنبيل لأنه بالتأكيد يصل إلى كل الناس بمختلف مستوياتها، وهذه باختصار هي رسالتنا إلى الآخرين فليس ذلك الصراخ والشتائم والتحريض على الكراهية والعنف حوارا بل قتالا بائسا!؟


سادسا: أهم الحلقات وأبرز الضيوف !؟

ما زلت أتذكر جيد الحلقة صفر التي قدمتها في التاسع من أيلول 2004 م وكان ضيفي في حينها الزميل كروان عبدالله واكتشفت بعد انتهاء البرنامج بأنها لم تك إلا امتحانا عمليا لي في تقديم البرنامج !؟
حقيقة كانت  حلقة جميلة رغم إنها كانت امتحانا ولم تبث على الشاشة،  وفي اليوم الثاني وهو العاشر من أيلول كانت الحلقة الأولى  مع الزميل فوزي الاتروشي وكيل وزارة الثقافة العراقية الآن وقد تميزت على ما أتذكر بان الزميل العزيز الاتروشي لم يمنحني وقتا حتى لمجرد أن اسأله فقد أدرك بأنني ( مستجد ) وأراد أن يسعفني في تغطيته للموضوع رغم مقاطعتي له أكثر من مرة!
  وطالما نتحدث عن الحلقات المتميزة أراني ملزم أن أذكر المحاورين المتميزين في لغة الحوار واحترام وقت البرنامج والتركيز في الإجابات وأبرزهم الأستاذ المناضل فاضل ميراني سكرتير المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني ، فهو محاور من الطراز الأول بما يتميز به من سرعة البديهة والثقافة الموسوعية، وهنا أيضا أذكر الأخ الدكتور محمد إحسان وزير شؤون المناطق خارج الإقليم حيث يتميز بشفافيته وجرأته وعباراته المركز والبليغة والمباشرة.
ومع الأستاذ والزميل البارع جورج منصور أشعر وآنا أحاوره بأنني في  امتحان إعلامي أو صحفي، فهو بارع كما  عرفناه صحفيا وإعلاميا، ولا أنسى هنا الدكتور منذر الفضل وكاظم حبيب ورجائي فايد وسعدالدين ابراهيم وفريدة النقاش والعشرات  مما لا تسعفني الذاكرة أن أتذكرهم فجميعا كانوا متميزين في حواراتهم مما جعل البرنامج متميز في أدائه وتأثيره! أليس كذلك؟


سابعا: تعريف للبرنامج

برنامج لنتحاور برنامج  حواري يعرض على الهواء مباشرة كل يوم سبت وعالج في حلقاته التي تجاوزت أكثر من 190 حلقة على مدى أربع سنوات منذ حلقته الأولى في العاشر من أيلول 2004 م عشرات المواضيع السياسية والثقافية والاجتماعية في إقليم كوردستان والعراق عموما.
وقد استضاف خلال سنواته الأربع الكثير من السياسيين في العراق وكوردستان والبلدان العربية ومنهم  الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل والسيد عبدالعزيز الحكيم والأستاذ فاضل ميراني والسيد حاجم الحسني رئيس الجمعية الوطنية السابق والسيد عدنان المفتي رئيس البرلمان الكوردستاني ، إضافة إلى الكثير من زعماء الأحزاب العراقية والعربية  من أمثال السيد حسين عبدالرازق أمين عام  حزب التجمع المصري ورئيس مجلس الأمة الكويتي والإماراتي واليمني.، إضافة إلى العديد من رجال الفكر والإعلام من أمثال الدكتور سعدالدين ابراهيم ومحمد بن نصر والدكتور كاظم حبيب وفالح عبدالجبار  وصالح قلاب وحماده الفراعنة ورجائي فايد وسالم وهبي وفريدة النقاش.
  ومما يذكر أنه خلال الأربعة أعوام لم يتأخر البرنامج عن موعده إلا ثلاث مرات كانت الأولى والثالثة بسبب خلل فني في البث من أستوديو دهوك والأخيرة من أستوديو اربيل، أما الثانية فكانت في نهاية حزيران وكنت وقتها في بيروت وتأخرت الرحلة 24 ساعة عن موعدها مما تسبب في تأجيل البرنامج!

379
طالما فعلوها مع الالوسي.. فلتكشف كل الأوراق!
                                                                                                         كفاح محمود كريم

    في مهزلة مثيرة للضحك والبكاء اقترفت مجاميع انفعالية من أعضاء مجلس النواب العراقي واحدة من المهازل التي لا تقل في مزايداتها وألاعيبها عما حصل في الثاني والعشرين من تموز الماضي في صفحة من صفحات تلك الثقافة البائسة التي ما زالت تعشش في زوايا ومفاصل كثير من مؤسسات عراقنا الجديد ومراكز قراره وتشريعاته.
   ولست هنا مع أو ضد السيد مثال الالوسي بل ملزم هنا أيضا أن أرفض أي تجريح أو تشويه أو تشكيك في وطنية هذا الرجل وعراقيته الخالصة  ومشاعر ووطنية عشرات  الآلاف من الناخبين  العراقيين الذين أوصلوه إلى مقاعد مجلس النواب.
   أن موضوع العلاقة مع إسرائيل وشماعة العداء التاريخي والصراع العربي الصهيوني ما هي إلا سلالم يستخدمها أولئك المنافقون والانتهازيون وأصحاب الدكاكين السياسية المعروفين على مدى التاريخ السياسي لهذه المنطقة الموبؤة بالنفاق السياسي والازدواجية المثيرة منذ حرب 1948 م الهزيلة وحتى ثغرة الدفرسوار وحصار الجيش المصري الثالث في حرب العبور عام 1973م، للوصول إلى أهدافهم باستخدام هذه الوسائل البالية وتخدير الشارع العربي والاستمرار بالحكم الشمولي تحت يافطة حرب التحرير أو النفط من اجل المعركة.
   لقد بدأ الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة اولى خطوات الحل العقلاني للقضية الفلسطينية بمشروعه الذي رفضته ذات الأصوات التي سمعناها في مجلس نوابنا والتي راحت اليوم تبحث على عشر ما حصل عليه في ذلك الوقت الحبيب بورقيبة، وكذا فعل الرئيس المصري أنور السادات برحلته التاريخية إلى إسرائيل بعد أن استأذن كل العرب وراح يخاطب العدو في عقر داره ليصنع السلام والنصر بدلا من الكذب والنفاق والمزايدات، ولو وافق هؤلاء في حينها وأشباههم لحصل الفلسطينيون ودول الجوار هناك على أكثر مما تحاول الحصول عليه اليوم.
   واليوم وبعد سنوات من المهاترات والكذب على الجماهير فان العلاقة بين الدول العربية وإسرائيل اليوم هي على أحسن ما يرام  وبالذات مع الإخوة  الفلسطينيين أصحاب الشأن والجرح سواء من كان منهم في إمارته بالقطاع أو في حكمه الذاتي برام الله، ولعل لقاءات الود بين الرئيس الفلسطيني والإسرائيلي تؤكد نفس الروحية في لقاءات الملك الأردني أو المصري  مع أولاد العم في تل أبيب، وما شاهدناه قبل فترة من مشاهد الصداقة والود في زيارة المسؤول الإسرائيلي الرفيع ووزيرة الخارجية إلى قطر وقناتها المناضلة والمجاهدة تؤكد تطور العلاقة وتجعل الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات قرير العين في برزخه الأبدي مع الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة.
    وليست بقية الدول العربية وأعضاء المؤتمر الإسلامي سواء ما كان منها في العلن أو ما كان منها بين أحضان الحليف الأكبر في بلاد العم سام وأشقائه في بريطانيا أفضل من هذه الدول التي تتمتع بعلاقات ودية جدا مع الكيان الصهيوني!.
    وهنا دعونا نتوقف برهة عند إخوتنا في الدين وحزبهم المتدين الذي يقود البلاد في بقايا إمبراطورية بنو عثمان  في آسيا الصغرى ( تركيا ) وعلاقتهم بإسرائيل منذ تأسيسها وحتى مبادراتها الإنسانية في الحوار السوري الصهيوني الأخير، كما نتذكر هنا للفائدة صفقات حزب حسن نصر الله مع إسرائيل والمسرحيات التي تلي كل لقاء واجتماع  بالنصر المبين؟.
   وإذا كان لابد من ( تجريم ) السيد مثال الالوسي فعلينا أن نكشف كما قال كل الأوراق والملفات لكثير من الذين يتبجحون بمزايداتهم الفهلوية وانفعالاتهم الساذجة وخطاباتهم العنترية  ونتساءل هنا بكل حسن نية وحرص على الجميع:
حول العمالة وتعريفاتها:
هل للعمالة تعاريف عدة ومستويات عالية ومنخفضة وهل هناك عمالة سلبية وأخرى ايجابية؟ أم أن المبدأ واحد في العملية برمتها؟
ما الفرق في أن تكون عميلا لإسرائيل أو أمريكا أو إيران أو سوريا أو حتى بنكلاديش؟
حول الخيانة ومفهومها:
هل للخيانة معنى غير الذي ادر كناه غريزيا منذ الأزل؟ وهل هناك كما في العمالة مستويات للخيانة؟
ما الفرق بين خيانة صدام حسين وازلامه للعهد مع الكورد وزعيمهم مصطفى البارزاني في محاولة اغتيال الزعيم بعد اتفاقية آذار بعدة أشهر، وبين خيانة نواف زيدان الحامد لأنجال صدام حسين عدي وقصي في الموصل؟
وأخيرا في موضوع زيارة السيد مثال الالوسي إلى إسرائيل:
هل الآخرين ممن رفعوا عنه الحصانة البرلمانية مؤهلين وطنيا في أن يتصدوا لزيارته ويسقطوا حصانته هكذا؟
وهل أن زيارة طهران وأجهزتها الخاصة وفيالقها القدسية والتنسيق معها في الصغيرة والكبيرة أكثر طهرا من زيارة الالوسي إلى إسرائيل، وخصوصا إن ما بيننا وبين الجارة إيران بحور من الدماء والقتلى وعشرات الآلاف من المعاقين ومليارات من الأموال والتعويضات مقارنة مع اسرائيل ؟
وكذا الحال مع الحكومة السورية ومخابراتها الضالعة في كل صغيرة وكبيرة منذ سقوط النظام السابق وحتى يومنا هذا، ومع الدولة التركية وتعاون العديد من أعضاء البرلمان بل والأحزاب السياسية معها ومع أجهزتها الخاصة كما يعرف الجميع في زياراتهم المكوكية حول الشؤون العراقية البحتة بما يعيق بناء العراق واستقراره؟
   كنت أتمنى أن نسجل سابقة برلمانية متحضرة فنستدعي السيد مثال الالوسي إلى الحوار بهدوء وبروح وطنية أصيلة وبعيدة عن الإسقاطات والتهم الجاهزة ومناقشته كشخصية وطنية عراقية مرموقة عن سبب زيارته إلى إسرائيل وما فائدة تلك الزيارة للوطن العراقي وما جناه للعراق بحضوره ذلك المؤتمر، من خلال هيئة متخصصة من لجان الشؤون الخارجية في البرلمان والأمن والدفاع ومستشار الأمن القومي ومتخصصين في العلاقات السياسية والقانون الدولي ووزارة الخارجية لكي نظهر للعالم إننا قد تقدمنا أنملة باتجاه بناء دولة  ديمقراطية متحضرة، كما أقترح الدكتور فؤاد معصوم عن قائمة التحالف الكوردستاني.
   وأخيرا علينا أن نتذكر جيدا إن الدول الممنوعة من السفر في الجواز العراقي أيام النظام السابق ولعقود طويلة كانت : إسرائيل وإيران وسوريا، وقد تم إسقاط دولتين منهما لحد الآن وهذا يعني إننا نتجه إلى رفع المنع كليا عن كل دول العالم ما عدا المريخ!؟
 
   

380
وأخيرا يا كركـــــــوك!؟
                                                                                                                 
كفاح محمود كريم

    بعد خمس سنوات من سقوط هيكل النظام السابق وتركيباته الإدارية والعسكرية والامنية المعروفة، وتحوله من فوق الأرض إلى ما تحتها وبين الزوايا المظلمة والشوارع السياسية الخلفية وفنادق بيروت وعمان ودبي وخلف كواليس ويافطات الكثير من أحزاب الزينة التي استحدثها قبل وبعد سقوطه المخزي عام 2003 م، ومن وراء تكوينات وشخصيات تمثل ثقافته وتدافع عن سلوكياته ومنجزاته ومعطيات عنصريته وشوفينيته في التعامل مع الكورد والكلدان والتركمان وغيرهم مذهبيا او سياسيا، دفعها لاختراق مفاصل مهمة في الدولة العراقية الجديدة سواء في مجلس النواب أو الحكومة أو العسكر والمؤسسات الأمنية أو من خلال بعض رجال الدين من معتمدي أجهزة مخابراته ودوائر أمنه والذين أحالوا منابر المساجد إلى أبواق لإشاعة الكراهية والحقد على الكورد وغيرهم ممن يتقاطعون معهم، بل والى التحريض على قتلهم أينما ( ثقفوهم ! ) تارة كونهم عملاء للكفار وتارة كونهم من الرافضة الشيعة، إضافة إلى المئات من ما تم تصنيعه من شيوخ للعشائر في ديوان الرئاسة بأنواعهم المعروفة والمصنفة بالدرجات  أ،ب،ج، سواء في كركوك أو الموصل أو بغداد وغيرها من المحافظات أو في الحكومات المحلية ومجالسها، والتي أصبحت اليوم أدوات للمساومة الرخيصة مع الحكومة والدولة الجديدة في خيار انتهازي مقرف، فهي إما أن تكون مع الإرهاب وقطاع الطرق والسراق وأما أن تكون كيانات عسكرية أو سياسية نافذة تنافس أولئك الذين امتلأت ارض العراق بأشلائهم وارتوت بدمائهم من شهداء الأنفال والانتفاضة الشعبانية والمعارضة الوطنية.
   بعد كل ذلك وما جرى ويجري خلال خمس سنوات ينحصر الصراع الأخير الآن بين طرفين أساسيين عبر أكثر من أربعين عاما من الصراع المستميت، حزب البعث والقوى الشوفينية والطائفية وابطال فرهود الحواسم من بقايا ذلك النظام وثقافته وما ذكرناه من تكوينات أو شخصيات اخترقت العملية السياسية لتنسفها من الداخل كما أعلنت هي عن نفسها ذات يوم من أيام 2005 م حينما ادعت بانها ستعمل على نسف هذه العملية من داخلها بعد أن فشلت في ذلك من خارجها(!)
   وبين الكورد الذين كانوا ومنذ البداية في صراع مستميت معهم تاريخيا ومنذ انقلابهم الأسود في شباط 1963م وحتى يومنا هذا وتجربتهم في إقليم كوردستان الفيدرالي متجليا بما يحدث منذ وضع سيناريو الحلول لإنهاء سياسة التعريب والتبعيث والتطهير العرقي في كوردستان بالمادة 58 من قانون إدارة الدولة، وصولا إلى المادة 140 من الدستور الدائم، تارة بالادعاء بانتهاء مفعول المادة وتارة أخرى بعراقية كركوك وكونها عراقا مصغرا من خلال الاعتراف بمعطيات عمليات التعريب العنصري للمنطقة طيلة أكثر من أربعين عاما راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر على خلفية عفى الله عما سلف؟، وتارة أخرى بحملاتهم الدعائية ضد الكورد كونهم يعملون في مطالبتهم بكركوك من اجل دولتهم المزعومة وتمزيق العراق وتشتيت اواصره وهم الذين باعوه دونما مقابل لكل اجهزة المخابرات في دول الجوار وما بعد الجوار!.
   وللحقيقة أقول:
   إن الصراع لم يكن في يوم من الأيام بين العرب والكورد في العراق أو في جزئه الشمالي في كوردستان سواء في  سنجار أو الموصل أو الشيخان أو مخمور وخانقين ومندلي وكركوك وزمار وكل المدن ذات الأغلبية الكوردية، كما يزعم البعض من أولئك الذين نجحت ماكنة الدعاية البعثية والشوفينية من تسطيح تفكيرهم وغسل أدمغتهم باتجاه معاداة الكورد وكوردستان كما كان يفعل العنصريون في تشويه الثورة الكوردية ونضالات القوى الديمقراطية في العراق منذ خيانتهم لثورة 14 تموز وسرقتهم للحكم في شباط 1963م وحتى يومنا هذا، بقدر ما هو صراع بين أنصار الحرية والسلام وأنصار الكراهية والعنصرية والارهاب، وصراع بين الديمقراطية وحقوق الإنسان والقيم الحضارية العليا وبين الدكتاتورية وامتهان حقوق البشر وقيم الهمجية والبربرية والشوفينية.
    صراع بين أن يبقى هذا العراق الجديد بدستوره الراقي وحرية أبنائه ومكوناته وأن تبنى تجربته الخلاقة ليكون منارا لكل الشعوب في العالم الثالث، أو أن يتم اغتياله وإعادة الماضي ونظامه السياسي المعروف حتى وان اختلفت التسميات أو الأشخاص، وقد ظهر ذلك جليا في موضوعة كركوك وغيرها من مراكز الصراع مع نظام البعث منذ ستينات القرن الماضي.
 
   إن الموضوع اليوم في كركوك ليس مع العرب كما هو ليس مع التركمان بقدر ما هو صراع بين البعثيين وعملائهم والمستفيدين من عمليات السلب والنهب والاستحواذ على املاك السكان الاصليين الذين تمت تصفيتهم بالقتل او التهجير.
   فالصراع اليوم ليس بين العرب والكورد او الكورد والتركمان او العكس بقدر ما هو صراع بين الماضي البعثي بكل صفحاته السوداء والمؤلمة وبين الحاضر المشرق بعد سقوط ذلك النموذج الهمجي، صراع بين بقايا تلك العقلية البربرية والشوفينية وبين عقلية العراق الديمقرطي التعددي.
  إنهم يتحدثون عن كركوك بنفس لغة البعث وثقافته وكأنما كوردستان جزء من المريخ وليس العراق، وكأن كركوك ستنضم إلى كيان آخر مفترض في مخيلتهم وهم يثقفون الآخرين على الانفصالية والانعزالية منذ عقود متهمين الآخرين بها في عملية اسقاط سايكولوجي يمثل امراضهم السياسية المعروفة، أليسوا هم انفسهم من اعتبراكثر من ثلث سكان العراق من الصفويين والشعوبيين العملاء لايران حتى ايام الشاه لمجرد كونهم على المذهب الجعفري، وكذا فعلوا بل واعتبروا الكورد والتركمان والكلدان مواطنون من درجات دنيا ما لم يصححوا قوميتهم وينتسبوا عرقيا للأمة؟
     نعم يا كركوك يا سيدة العراق الأولى وقلب كردستان النابض، ها هو الصراع ينحصر اليوم أخيرا بين البعث وبين كل العراق على ثراك حيث تعاود بقايا الماضي وأشباحه الظلامية محاولاتها لإعادة الزمن إلى الوراء وإطفاء شمس الحرية والانعتاق وإعادة قانون الغاب والهمجية النازية.
   وها هم اليوم يفعلون فعائلهم في زراعة الأحقاد وإشاعة الكراهية بين الكورد والعرب بعد أن فشلوا في إشاعة الحرب الأهلية بين السنة والشيعة طيلة خمس سنوات من حربهم القذرة ضد العراقيين جميعا، ولو امتدت اياديهم الى اقليم كوردستان لفعلوا اضعاف ما فعله سيدهم وعرابهم، بل إن الكثير منهم الان ممن اخترقوا مجلس النواب او الحكومة لو امتلك عُشر ما كان يمتلكه نظام صدام حسين من المال والسلاح لأحرق كوردستان الف مرة؟
   نعم يا كركوك ها هو الصراع ينحصر اليوم أخيرا بين البعث وبين كل العراق على ثراك،  حيث تعاود بقايا الماضي وأشباحه الظلامية ومرتزقته ممن ادمنوا السحت الحرام واباحوا املاك الاخرين من الاراضي والبيوت والبساتين، محاولاتها لإعادة الزمن إلى الوراء وإطفاء شمس الحرية والانعتاق.
  إنهم يحاولون إعادة معسكرات الاعتقال والأنفال والمقابر الجماعية وكرنفالات الإعدام  من خلال هجمتهم البربرية على كل شعب العراق في الموصل وكركوك وديالى وكل محافظات العراق التي امتلأت بجروحهم وجرائمهم.
  إنهم يتكالبون من كل العواصم حواليك يا مدينة الترحيل والتهجير وتصحيح العرق والقومية، بأقلام البترول وكوبوناته وشلالات الدماء التي نزفها العراقيون ويتاجرون بها في أسواق النخاسة القومية وعراقية كركوك وبترولها المكتشف للتو، وكأنما الآخرون سكان من قارات أو دول أخرى، بذات اللغة التي اعتمدها أولئك العنصريون الطغاة يوم باعوا العراق بأجمعه لرعاع من كل شتات العالم استقدموهم ليدمروا بلادا وشعوبا احتضنت أرقى حضارات البشر.
  اليوم فقط أدركوا عراقية كركوك وأنها ارض عراقية وان كوردستان ومحافظاتها اربيل ودهوك والسليمانية ارض خارج العراق والغوا بجرة قلم مليء بالحقد والكراهية عراقية ربع سكان العراق كما أراد أن يفعل ذات يوم على كيمياوي بإبادة سكان هذه المحافظات بما سمي في حينها بالأنفال أو في إبادة الشيعة في ما سمي بصفحة الغدر والخيانة أو كما يصرح بعض من أعضاء مجلس النواب العراقي عن الموصل بأن نسبة الكورد في المحافظة لا تزيد عن ثلاثة بالمائة فقط(!)
   وها هم يجتمعون من كل حدب وصوب لأنفلة ما تبقى من سكان شمال العراق تحت يافطة كركوك العراقية، ثم يتداعون واحدا تلو الاخر الى احدى عواصم الجوار تستقبلهم دوائر معروفة هناك باللعب على الحبال وخيوط مسرح العرائس!
  أخيرا يا كركوك هذي أنت منذ أكثر من ثلاثين عاما تنتظرين يومك الموعود في حل اشكاليتك وإقفال ملفك المؤلم مع شقيقاتك في سنجار وخانقين ومخمور ومندلي والشيخان وزمار التي تعرضت لأبشع عمليات التجريح والتشويه وإلغاء الهوية والجذور، ليس هنا فقط في كوردستان العراق بل هناك أيضا بين الرمادي وكربلاء وبين تكريت والموصل وبين تكريت وبغداد وبين وبين، إنهم شوهوا كل العراق ومزقوا نسيجه الجميل وشتتوا أهاليه وسكانه، وها هو اليوم الموعود لإعادة خارطة العراق كما كانت قبل عمليات التشويه العنصري والشوفيني البدائي ليختار بعدها السكان شكل ادراتهم أو تبعيتهم الإدارية بعد معالجة تلك الجروح وتقرحاتها في عراق ديمقراطي تعددي اتحادي.
  اليوم يجتمع عليكم يا مدن العراق كل الذين حاولوا تشويهكم ومصادرة أموالكم وأراضيكم وبيوتكم ولغة لسانكم وعمق جذوركم وانتمائكم وحتى اسماء اطفالكم واحيائكم ليس في كوردستان فحسب وإنما في كل المدن التي حاولوا تشويهها قوميا ودينيا ومذهبيا وحضاريا وأحالوها إلى قرى في ثقافتها وبداوة سلوكياتها من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال.
    اليوم سيدتي العراقية الأولى كركوك يا قلب كوردستان النابض بالحب للعراق يتركز الصراع بين طرفين وحيدين في كل ما جرى ويجري، بينك وتاريخك ومعاناتك من جهة وبين بقايا البعث والعنصرية والشوفينية ومن والهم إلى يوم الدين في الجهة المقابلة.
    اليوم هي معركة العراق من اجل القضاء على آخر جيوب البعث وممارساته الفاشية ليس في كوردستان فحسب وإنما في كل العراق الأشم من كركوك إلى البصرة.

 

381
العراق وحفنة التراب!؟
                                                                                                       كفاح محمود كريم

    قبل ما يقارب من خمس سنوات وبالتحديد بعد سقوط النظام بعدة أشهر نشرت جريدة التآخي البغدادية الغراء وثيقة رسمية صادرة عن رئاسة الجمهورية في النظام السابق قبل سقوطه بأقل من ثلاثة أشهر موجهة إلى كافة فروع حزب السلطة في العراق ودوائر الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية تطالبهم في حالة ( سقوط بغداد والقيادة السياسية لا سامح الله بيد قوات الامبريالية الأمريكية والاستعمار الانكلوسكسوني ) وهكذا كان مكتوبا، بالعمل وفق الفقرات التالية على ما أتذكره الآن ( بإمكان أرشيف الوثائق في الجريدة نشر ذلك):

أولا: تدمير كافة محطات المياه والكهرباء أينما وجدت في الريف أو مراكز المدن مع تدمير كافة محطات إنتاج الكهرباء والخطوط الناقلة له بين المحافظات.
ثانيا: نسف وتدمير مصافي النفط وخطوط نقل البترول والمنتجات بين المحافظات أو الخطوط الدولية التي تصدره إلى الموانئ.
ثالثا: اغتيال الشخصيات البارزة اجتماعيا والمؤثرة جماهيريا، ورجال الدين من كلا المذهبين، وبقية الأديان.
رابعا: الانتماء إلى الأحزاب التي ستظهر وخصوصا الدينية منها والعمل من خلالها.
خامسا: الاعتماد على الاغتيالات والتصفيات الجسدية واعتمادها أساسا في العمل اليومي.

    والى آخر توصيات القائد العام للقوات المسلحة والأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي التي وردت في هذه الوثيقة التي تظهر حقيقة ما يجري الآن ومنذ خمس سنوات من القتل والتخريب والإرهاب والاندساس لتحويل العراق إلى حفنة تراب كما تعهد ( بطل التحرير الوطني القومي شهيد الأمة صدام حسين ) أن يفعل ببلده وشعبه ذات يوم.
   وتراه اليوم قد أوفى العهد ونام قرير العين والعراق ينزف دما ودموعا على أطفاله ونسائه وشيوخه الذي استقدم لذبحهم كل سقط المتاع والمنحرفين من شواذ الآفاق والأخلاق في العالم القريب والبعيد وآواهم في بيوت من بيوتات تنظيماته ( المجاهدة ) ليكيلوا الصاع صاعين لشعب لم يدافع عنه وعن حزبه في أبشع عملية انتقام عرفها تاريخ الشعوب، وليفتح كل الأبواب للمحتلين من عصابات الجريمة المنظمة ومافيا التطرف الديني والمذهبي من كل إنحاء العالم، في سابقة لا مثيل لها في التاريخ باستقدام الأجانب لمحاربة شعبه وأهله بدءً بالمحتلين أنفسهم حينما منحهم فرصة احتلال العراق وتدميره على أيدي قيادات حزبه وموظفيه في فرهود العراق أو ما سمي بالحواسم حيث تم سلب ونهب محتويات دولة تأسست منذ ثمانين عاما!؟
  لقد سرقوا كل شيء يمكن حمله أو نقله ولعلنا نتذكر كيف أحل صدام حسين بخطابه أو رسالته من السجن كل تلك الممتلكات المنهوبة والمسلوبة من قبل رفاق العقيدة والسلاح من سيارات وأموال وممتلكات عامة واعتبارها ملكا حلالا لهم.
  والتفتوا بعد ذلك لتدمير أنابيب نقل البترول إلى تركيا أو إلى البصرة، إضافة إلى تدمير خطوط نقل الطاقة الكهربائية ومحطاتها في كل أنحاء العراق، وتلويث مياه الشرب في بغداد وغيرها من المدن. واستخدموا عمليات الحصار على كثير من المدن والبلدات ومنع مفردات البطاقة التموينية من الوصول إلى الأهالي من خلال تهديد سواق الشاحنات التي تنقل هذه المواد أو الموظفين الذين يجهزونها من المخازن كما حدث لمدن سنجار والشيخان وتلكيف وزمار وناحية الشمال وكثير من بلدات ديالى وكركوك.
   واليوم تراهم يندفعون من بين أولى حلقات الضعف في التوافقات بين الأطراف الرئيسية في العملية السياسية أولئك الذين اندسوا من البعثيين ومريديهم ومقلديهم إلى صفوف الكيانات السياسية العاملة بعد سقوطهم المخزي، للدفاع عن مكاسب الحزب والثورة والقائد تحت غطاء البرلمان والشرعية الدستورية ومظلة الأكثرية والأغلبية في احدث موديل للقطارات التي تقلهم إلى السلطة، وتظهر أنيابهم ثانية لتعلو أحقادهم وترتفع أبواق دعايتهم في كل مكان للنيل من الكورد وتاريخهم بهجمة إعلامية لا مثيل لها إلا أيام (الرئيس القائد) ووزير إعلامه المعروف، فتنبري كل تلك الأقلام والأبواق المعروفة بولائها الكوبوني لمبادئ الحزب والثورة.
    تذكرت ذلك وأنا استمع لكلمة الرئيس المالكي في مبنى مجلس النواب الجديد وهو يخاطب الحاضرين بان ما يجري هنا في العراق إنما هو من فعل البعث وبقاياه المعششة في رؤوس العنصريين والدكتاتوريين الذين يستغلون حماقة المتطرفين الدينيين والقوميين الشوفينيين كما تذكرت ما حصل في الثاني والعشرين من تموز الماضي في مجلس النواب وظهور بوادر عودة البعث من خلال مجاميع من المهوسين بالعنصرية وكراهية الكورد ودفاعهم المستميت عن مكاسب البعث وسياسته تجاه الكورد وغيرهم من الوطنيين العراقيين.
  حقيقة إن ما جرى في مجلس النواب العراقي وتحت خيمة الدستور ومن خلال العملية السياسية وتحت شعار المصالحة الوطنية ما هو إلا محاولة يائسة للعودة إلى الوراء ومن ثم نسف عملية التحول الديموقراطي للعراق وتحويل مجلس النواب إلى حفنة لا من التراب فحسب بل إلى (سيرك) ما كان يعرف بالمجلس الوطني العراقي لصاحبه حزب البعث العربي الاشتراكي!
  وما عمليات الاختراق التي يكشفها القضاء العراقي الا تأكيدا لذلك النهج الذي تبناه حزب السلطة قبل ما يقرب من اربعين عاما، والا بماذا نفسر تورط ابناء احد زعماء الكتل البرلمانية في اغتيال ولدي السيد مثال الآلوسي واعتقال احدهما مؤخرا وهو يزرع عبوة ناسفة على حد تصريح رسمي من وزارة الداخلية؟
  ماذا نفسر صدور حكم الاعدام شنقا حتى الموت على وزير الثقافة السابق والقيادي في احدى الكتل البرلمانية وأمام احد الجوامع المحرضة على ( المقاومة والجهاد لقتل اكبر عدد من العراقيين؟)
  وقبل ذلك شهدنا جميعا احد أعضاء مجلس النواب يعلن جهاده ويعود إلى صفوف من اخترقوا به مؤسسات العراق الجديد ومجلس نوابه، بعد أن انكشف أمره وانتهت مهمته المكلف بها؟
   ماذا نفسر ما يجري في الموصل وديالى وبلداتها التي حمتها قوات حرس الإقليم منذ خمس سنوات من مذابح ومجازر الإرهابيين في سنجار وزمار ومخمور والشيخان والحمدانية وخانقين؟
   كيف سيتم التعامل مع تصرفات وسلوكيات قطعات وقيادات في وزارة الدفاع وهي تمارس دورا بعثيا صداميا بحتاً؟
   ماذا يمكن للمراقب أن يفسر مظاهرات تجري في النجف ( تحديدا وليس في تكريت والرمادي أو حتى كركوك ) وتطالب بمحاربة الكورد وتحرير كركوك(!) والحفاظ على عروبة المدينة!؟
   وأخيرا وليس أخرا من يغتال العشرات بل المئات من الضباط والمراتب والخبراء والسياسيين والعلماء وحتى الكثير من قيادات البعثيين الذين رفضوا التعاطي والعمل مع بقايا الدوري وصدام حسين والأحمد منذ سقوط النظام وحتى كامل شياع، مرورا بعشرات الصحفيين والإعلاميين الأحرار؟
   من يعرف أسرار العراق غيرهم في النفط والمصافي وأجهزة السيطرة في المؤسسات ومحطات إنتاج المنتجات النفطية والكهرباء، وعقد الأنابيب الناقلة للبترول ومنتجاته ومضخاته الرئيسية والفرعية، ومن يسرق كل ذلك غيرهم ومن يتعاون معهم هنا أو في دول الجوار؟
   وأخيرا في موضوعة كركوك كيف تداعى كل الرفاق دفاعا عن نتائج ومكتسبات النظام السابق واعتبار كل ما حصل في كركوك وغيرها من المدن التي تم تشويهها في سياسة عنصرية بشعة، إنما هو واقع حال علينا أن نحترمه ونرضخ له، وان كركوك مدينة عراقية لا يمكن فصلها عن الجسد العراقي وكأن محافظات شمال العراق في إقليم كردستان جزء من دولة أخرى وليست محافظات عراقية منتظمة في إقليم فيدرالي حسب اعتراف الدستور الدائم بها.
   هكذا إذن تنفذ عمليات تحويل العراق إلى حفنة من التراب كما تعهدوا ذات يوم من أيامهم الغبراء، فهل سيغفل العراقيون هذه المرة تحت تأثير أفيون شعاراتهم الغوغائية حول كركوك وغيرها، وإن نجحوا هذه المرة لا قدر الله فأنهم سيلتفتون ليلتهموا الآخرين في الجنوب والوسط تحت ذريعة العمالة والشعوبية والصفوية؟
  وهل نسينا عودتهم بعد انتكاسة الانتفاضة الشعبانية وماذا فعلوا بعشرات الآلاف من ابنائنا وبناتنا وأهلينا، حتى من أبناء قياداتهم البعثية في الحلة والناصرية والبصرة والنجف وكربلاء، ولو استطاعوا في شمال العراق لاقترفوا جرائم لا مثيل لها إلا في تاريخ من سبقهم من النازيين والفاشست!
   إن ما جرى في الثاني والعشرين من تموز الماضي وما يجري الآن في الموصل وكركوك وديالى نذير شؤم ليس للكورد فحسب وإنما لكل العراقيين الذين احترقوا عبر أربعين عاما من حكم البعث وثقافته الدكتاتورية والشوفينية.
   لقد كان الصراع منذ البداية مع نظام البعث ورئيسه ومن شابههم وآمن بمعتقداتهم وأفكارهم وحتى يومنا هذا، ليس الكورد فقط وإنما كل الفعاليات السياسية المناضلة من الشيوعيين والديموقراطيين والمستقلين الوطنيين وحزب الدعوة والمجلس الأعلى، بل والكثير من العسكريين الذين رفضوا تلك الثقافة البائسة وانحازوا للشعب وقواه الديمقراطية.
  وها هو الصراع ثانية ينحصر الآن بين بقايا النظام السابق ومنظمات حزبه ومريديهم ومرتزقتهم وبين الكورد وقوى الشعب العراقي المناضلة التي لم تتلوث بأفكارهم وثقافتهم ومالهم المغمس بدموع ودماء العراقيين.
  إنها ثقافتهم البائسة وميكافيليتهم في الوصول إلى السلطة بصرف النظر عن الوسيلة أو الأسلوب، فهم لمجرد الخشية من تأثيرات الانقلاب الإيراني في 1979 م أقاموا حربهم التدميرية للشعبين العراقي والإيراني لكي لا يسقطوا، وسقطوا في آخر المشوار.
  وكذا فعلوا في غزوهم للكويت وتدمير ما كان يسمى بالتضامن العربي وفتحوا كل الأبواب والمقدسات والأحضان لقوات الأمريكان وغيرهم للدخول إلى المنطقة واحتلالها من سلطنة عمان وحتى سواحل المغرب.
   لقد نفذوا اليوم إلى أهم واخطر مؤسسات الدولة العراقية الجديدة متمثلة في مجلس النواب وكثير من مفاصل الحكومة والدفاع ويعملون من خلالها إلى إعادة تصنيع الماضي، بل والى عرقلة أي تقدم باتجاه استقرار العراق ونظامه السياسي وتنفيذ الدستور الدائم أو احترام مبادئه، متجهين إلى التنفيذ الدقيق لمقولة وتعهد رئيسهم صدام حسين بتحويل العراق إلى حفنة تراب ما لم يكونوا هم قادته وأولياء أموره دون منازع أو مناقش.
 

382
سنجار كركوك خانقين ؟
                                                                                                       كفاح محمود كريم

    تراجيديا المدن الثلاث وما حولها من قصبات وقرى احتضنت سكانا ربما كانوا أقدم من سكنوا بلاد ما بين النهرين وأطرافهما، وربما في كهوف شلو وتبه 1 وتب2 وزوي جمي أقدم مستوطنات البشرية على الإطلاق*.                     
   هذه المدن بدأت عمليات إخراجها من زمنها وسلخ مكوناتها وتقطيع جذورها وأوصالها منذ بداية الستينات من القرن الماضي بشكل منظم ومدروس، وإن سبقت ذلك عمليات شبيهة إلا إنها لم تكن بهذا النسق والحدة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
    ففي منتصف الثلاثينات من نفس القرن بدأت عمليات مريبة لإسكان البدو العرب المستقدمين من تلول الباج في الشرقاط  وبيجي وأطراف تكريت والرمادي، بين دهوك في شرق دجلة وسنجار في غربه بما يشكل حاجزا قاطعا بين المنطقتين إضافة إلى الحاجز الطبيعي المتمثل بالنهر نفسه.
   وكذلك فعلت السلطات إلى الجنوب من سنجار وحول مدينة خانقين نزولا إلى بدرة وجصان، والى الجنوب والغرب من مدينة وأطراف كركوك بما يؤدي إلى إحداث طوق عرقي مغاير لما موجود في المنطقة، إضافة إلى ما فعلته تلك الدوائر البريطانية الخبيثة بتعريب منشآت النفط في كركوك باستقدام العمالة من خارج المنطقة واستبعاد السكان الأصليين.   
    ولعل تلك الممارسات التي نبه إليها الزعيم مصطفى البارزاني بعد عودته إلى العراق اذبان ثورة 14 تموز 1958م  قادة ومسؤولي الثورة وفي مقدمتهم الزعيم عبدالكريم قاسم أدت إلى ما آلت إليه العلاقة بين الحركة التحررية الكوردية والإدارة العراقية الجديدة وما تطور عنها من قيام ثورة أيلول عام 1961م .
   إلا إن العمليات الجدية والمنظمة بدأت بعيد انقلاب البعثيين الأول واستحواذهم على السلطة في بداية الستينات حينما انقلبوا على عبدالكريم قاسم بالتعاون مع عبدالسلام عارف وبعض الأوساط الأمريكية التي أسماها علي صالح السعدي ( أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث آنذاك ) بالقطار الأمريكي الذي استقله البعثيون للوصول إلى بغداد وقصرها الجمهوري.
   حيث بدأت عمليات التطهير العرقي و( الفرهود البعثي ) الشبيه إلى حدٍ كبير بفرهود الحواسم، في كركوك مع الأيام الأولى لانقلابهم في شباط 1963 م، وعمليات تصفية الموظفين والعمال الكورد في كافة دوائر الدولة الرسمية وشبه الرسمية ونقلهم خارج محافظة كركوك، بدءً بموظفي وعمال قطاع النفط إنتهاءً بالمعلمين والمدرسين وحراس وفراشي المدارس والدوائر الأخرى، في واحدة من أبشع عمليات التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي في تاريخ العراق، حيث بدأت عمليات التهجير والترحيل واستقدام المواطنين من جنوب ووسط وغرب العراق وتوطينهم على أطلال بيوت ومزارع وأراضي السكان الأصليين من الكورد والتركمان والكلدان حتى وصلت أوج عظمتها في تفكيك محافظة كركوك وتمزيق أوصالها وتجريف بيوت سكانها الأصليين، كما فعلوا في أقضية سنجار والشيخان ومخمور وعقره وخانقين ومندلي وعشرات البلدات والقرى ومئات الآلاف من السكان المشردين والمشتتين في أصقاع العراق والعالم، لا لذنب اقترفوه إلا لانتمائهم لعرق غير العرب.
  وما زالت عشرات الآلاف من العوائل الكوردية والتركمانية والكلدانية تتذكر عمليات تجريف بيوتها ومزارعها في كركوك وسنجار وخانقين ومندلي وزمار والشيخان وغيرها من مدن جنوب الاقليم وهي مازالت خارج بيوتها بل وخارج هذه المدن أو تسكن في مسقفات بائسة عند اطرافها بعد خمس سنوات من سقوط النظام.
  إن ما جرى لهذه المدن والقصبات من تغيير ديموغرافي واضطهاد قومي وتهجير وترحيل وإلغاء للذات والجذور، لم يجرِ لأي مدينة في العراق عبر تاريخه ومنذ تسلط العنصريون على دفة الحكم في بغداد عام 1963م، فليست هناك أي مدينة سواهم طلب من سكانها الرحيل إلى محافظة أخرى لكونهم كوردا أو تركمان أو أن يتم تغيير قوميتهم في ما سمي بتصحيح القومية!؟
  هل جرى ذلك في البصرة أو كربلاء أو الرمادي أو الناصرية؟
  هل فرض عرق مغاير أو قومية مغايرة على سكان الفلوجة أو الشطرة أو ناحية الفهود؟
  إن ما حصل في هذه المدن وغيرها يندى له جبين الإنسانية جمعاء وليس العراقيون لوحدهم، إذ أنها جريمة بحق الإنسان كما هي جريمة بحق العروبة والإسلام، إذ لا يذكر تاريخ العرب أو المسلمين جرائما بهذا الشكل استخدمته أي من القوى السياسية عبر تاريخ العرب والإسلام سوى البعثيين ومن قبلهم الإسرائيليين في فلسطين والأتراك في كوردستان الشمالية والمدن العربية في تركيا التي تعرضت هي الأخرى لسياسة التتريك الشبيهة بالتعريب البعثي أو التهجير والتقتيل الذي تعرض له الكورد والأرمن في تركيا.
  لقد أراد من قام بهذه الجرائم أن يفسد العلاقة بين العرب والكورد أو أن يزرع بذور الكراهية بين القوميتين الأكثر التصاقا وحبا من غيرهما ولعلهم فشلوا منذ الأيام الأولى ولم يستطيعوا أن يخترقوا ذلك الجدار الرصين بين العرب والكورد، والدليل على ذلك هو عشرات الآلاف من العرب العراقيين الذين يعيشون في كنف أهليهم ووطنهم كوردستان العراق بعد أن ضامتهم الأيام السود على أيدي الإرهاب البعثي أو الطائفي.
  وقبل ذلك حينما رفض الشيخ العلامة ناظم العاصي من أجاويد كركوك وأسيادها سياسة البعث في التعريب والتبعيث لكركوك وغيرها من مدن كوردستان العراقية على أيام البارزاني الخالد حينما قال لصدام والبكر ( إن البارزاني لا يرفض أن يسلمني مفاتيح كوردستان إن طلبتها منه، لكنني عاهدت الله أن لا أغدر به وأن أكون معه في ما يناضل من اجله ).

   إن الجرائم التي اقترفت في كركوك والموصل وسنجار وخانقين والشيخان وزمار ومخمور ومندلي لا يتحملها إلا من شارك فيها في الاستيلاء على أملاك وممتلكات الكورد وساهم عن سابق دراية ومعرفة بالجريمة، وهم الآن أنفسهم قد اخترقوا العملية السياسية في كل مفاصل العراق الجديد وهم الذين يقفون ضد إصلاح الأمر في هذه المدن وإعادة الحق إلى نصابه.
  إن ما جرى في الثاني والعشرين من تموز 2008م في مجلس النواب العراقي يؤشر مدى الاختراق البعثي للمؤسسة التشريعية والكتل البرلمانية والأحزاب السياسية والعمل من خلالها في عرقلة بناء العرق الديمقراطي الاتحادي التعددي باستخدامها الميكافيلي والتسلقي لبعض نقاط ضعف التجربة الديمقراطية العراقية.
  إننا أحوج ما نكون إلى تشريع يحرم الفكر الشوفيني والعنصري متمثلا في طروحات البعث وما شابهه لدى كل العراقيين، بما يماثل قانون تحريم الشوفينية الهتلرية في المانيا والنمسا، وتطوير قانون اجتثاث البعث إلى تشريع دستوري يحرم هذا الفكر وممارساته والدفاع عنه أو التعامل مع منجزاته كمكاسب أو تحصيل حاصل بل معالجة كل نتائج تلك الجرائم عبر تاريخه منذ استيلائه على الحكم في 1963 م وحتى سقوطه في نيسان 2003 م .

  إن الدفاع عن الحقائق التي صنعها النظام السابق في كركوك والموصل وسنجار وخانقين والشيخان وزمار ومندلي في استقدام مئات الآلاف من العوائل العربية المنكوبة اقتصاديا وثقافيا من جنوب العراق وغربه المدقع بالفقر والحاجة، واستخدامها واستغلال فقرها في المال والوعي واسكانها على أنقاض سكان هذه المدن الأصليين وترحيلهم إلى خارج تلك المدن، إنما هي الجريمة بعينها إن لم تكن أبشع منها.
  وهنا أتذكر وأذكر للتاريخ ما حصل في سنجار عام 1975 م من شيوخ ووجهاء واحدة من العشائر العربية الأصيلة وهي عشيرة البو متيوت* في تعاطيها مع عملية التعريب والاستيلاء على ممتلكات الكورد بعد مصادرتها لصالح وزارة المالية، إذ رفض شيوخ هذه العشيرة ووجهائها عرض مسؤول حزب البعث والقائم مقام في استملاك بيوت بعض وجهاء الكورد وقصورهم التي صادرتها سلطات البعث آنذاك في سياسة التعريب وقالوا بالنص: ( إننا والكورد إخوة وأشقاء وما بينكم وبينهم خلاف سياسي ونحن لا نقحم أنفسنا فيه، إن لنا بيوتا ومزارع ولسنا بحاجة إلى أملاك الغير؟ )، وهم الشيوخ الأجلاء ( رحمهم الله جميعا ) محمد علي الجارالله ونجرس البلو وعلى الوهب والشيخ هلوش الهيجل.

  إن معظم الذين استحوذوا على ممتلكات الكورد وغيرهم في سياسة التعريب والتهجير، إما من المغرر بهم من الفقراء ممن أطلق عليهم بــ ( عرب العشرة آلاف )* ممن كانوا يسكنون السقائف وبيوت الصفيح ولا يجيدون القراءة والكتابة، أو من عوام الناس ونكراتها التي لا تقدر عواقب ما سيحدث مستقبلا، وأقولها للحقيقة لم أرى شخصا محترما قبل لنفسه ملكا من بيت أو ارض أو مزرعة لمرحل أو مهجر كوردي في كل المدن التي تعرضت للتعريب والتبعيث، بل كانوا معظمهم من المغضوب عليهم عربا وكوردا وتركمانا ويستثنى من ذلك من استأذن صاحب الملك ووعده بأن يعيده له فور تغير الأوضاع وهذا حصل في كثير من الحالات في كل من سنجار وخانقين وكركوك لدى أولئك الاصلاء من عرب هذه المناطق.
  لقد أثبتت الأيام ومجريات الأحداث منذ عشرات السنين إن العلاقة بين الكورد والعرب لا يمكن تمزيقها أو تخريبها وقد ذكرت هنا بعضا من الشواهد التاريخية من مئات المواقف المشرفة بين العرب والكورد، وفي هذا السياق علينا دوما أن نتذكر حينما أجدب العراق في مطلع هذه الالفية ففتحت ابواب كوردستان لمئات الآلاف من قطعان الماشية القادمة من أقصى جنوب العراق إلى أقصى غربه، وكيف كانت ذرى الجبال ملاذا لكل المناضلين العراقيين والهاربين من جحيم السلطات في بغداد، وكيف أصبحت كوردستان حضنا وملاذا آمنا لعشرات الآلاف من العوائل الهاربة من الإرهاب البعثي والطائفي.
   وأخيرا نعتقد إن التعامل مع نتائج سياسة التعريب والتبعيث وتغيير الطابع القومي لهذه المدن على إنها حقائق واقعية، ومحاولات المناورة والألاعيب والمخاتلات ستؤدي إلى نتائج وخيمة تعيدنا إلى مآسي العراق منذ تأسيسه ولحد سقوط نموذجه المتخلف في 2003 م، ولن تمنحنا فرصة إغلاق ملفات هذه المدن والتفرغ إلى بناء العراق بأجمعه من كوردستان إلى أقصى البصرة دون فكر بعثي أو شوفيني، بعد أن ننتهي من موضوعة أن يكون العراق فعلا ملكا للجميع على حد سواء دون مواربة أو ملاعبة أو مخاتلة وبصدق في النوايا والتوجهات، حينها لا يفرق أن تكون اربيل تابعة للبصرة أو كركوك تابعة لدهوك أو سنجار تابعة للحلة، كما هي بغداد تابعة لجميعهم.   
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*   كهوف في كوردستان العراق وتحديدا في سنجار والسليمانية وهي عبارة عن أول مستوطنات بشرية زراعية.
* البو متيوت: عشيرة عربية تسكن جنوب مدينة سنجار (15 كم ) منذ أواخر القرن التاسع عشر.
* عرب العشرة آلاف : أطلقت على العرب الذين كانوا يتركون مدنهم في جنوب ووسط العراق مقابل عشرة آلاف دينار عراقي أي ما يقابل حينها ثلاثين ألف دولار أمريكي والرحيل إلى كركوك في سياسة التعريب آنذاك.


383
المناورة والمخاتلة والتآمر !
                                                                                                                          كفاح محمود كريم
    في مقال للكاتب والسياسي العراقي المعروف الدكتور كاظم حبيب وتحت عنوان:
(هل الموقف الخاطئ من القضية الكردية له عواقبه الوخيمة في العراق؟) نشر يوم 14 آب 2008 م، وصف فيها عملية التعاطي مع القضية الكوردية منذ سقوط النظام الدكتاتوري السابق وبناء النظام الديمقراطي التعددي الاتحادي الجديد ( كما ورد في الدستور العراقي الدائم في وصف نظام الدولة العراقية التي قامت على أنقاض نظام حزب البعث الشمولي ) على حكم ثلاثة رؤساء حكومات بالتعاقب وهم:
   إياد علاوي وإبراهيم الجعفري ونوري المالكي، بالمناورة والمخاتلة والتآمر في موضوعة المادة 140 من الدستور الدائم وما عداها من حلول ومشاريع لحل العقد المستعصية منذ قيام الدولة العراقية مطلع القرن الماضي فيما يتعلق بالقضية الكوردية في العراق، إذ قال في هذا الصدد:
( يفترض الابتعاد عن المناورة والمخاتلة والتآمر في هذه القضية ويفترض الابتعاد عن التحالف مع إيران وتركيا لإلحاق الأذى بالكُرد , إذ أن النجاح الراهن لمن يمارس ذلك سيكون مؤقتاً وستكون له عواقب وخيمة على مجمل التطور في العراق. )
    وفي عودة تاريخية سريعة إلى الوراء قليلا كي نطلع على محطات التعامل مع هذه القضية في جزئها العراقي تحديدا ومنذ سقوط إمبراطورية آل عثمان وتقسيمها بين القوى الوارثة لأملاك ذلك (الرجل المريض)، كان الكورد ضحية ما أسماه الدكتور كاظم حبيب المناورة والمخاتلة والتآمر التي يمكن إدغامها جميعا بمصطلح اللعبة حيث تستوعب معاني الكلمات الثلاث مضافا إليها الكذب والحيلة والغدر، وقد كان ذلك جليا في مشكلة الموصل في الربع الأول من القرن الماضي والتي تعامل معها الكورد بمنتهى النبل والفروسية حينما وعدهم الآخرون بتحقيق مطالبهم مقابل اختيار الانتماء إلى الدولة العراقية التي تم تأسيسها حديثا، فمنحوا أصواتهم في استفتاء عراقية الموصل أو تركيتها إلى الخيار العراقي بينما أعطى معظم السكان الآخرون من غير الكورد أصواتهم لبقايا دولة آل عثمان التي أصبحت دولة آل طوران فيما بعد، بما فيهم أجداد من يزايدون اليوم على عروبة وعراقية الموصل(!).
    وبدأت اللعبة المشبوهة من هنا حينما غدرت تلك الأطراف بكذبها ومكرها في تحقيق تلك الأهداف التي اتفق عليها بعد أن أصبحت الموصل جزء من دولة العراق الحديث، وبدلا من السير في تنفيذ وتحقيق مطالب الكورد وحقوقهم الإنسانية المشروعة مارست تلك السلطات والحكومات المتعاقبة كل أنواع المناورة والمخاتلة والتآمر مع قيادات هذا الشعب وفعالياته السياسية والاجتماعية، تارة بالحروب الوحشية التي كانت تشنها على شعب اعزل، وتارة في سياسة التشتيت والتفريق ومن ثم التهجير وإلغاء الذات والجذور في أبشع عمليات استبدال العرق ومنح الصفة القومية الجديدة فيما سمي بتصحيح القومية في عمليات التعريب العنصرية سيئة الصيت، وأيضا تارة أخرى باسم الدين واللغة التي يتحدث بها سكان الجنة وان اللغة المحلية هذه ويقصدون بها اللغة الكوردية لا تنفع لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة(؟) وعليه ليس هناك أي مبرر شرعي أو وضعي لاستخدام هذه اللغة حالها حال لغات الكفار وألسنتهم!؟.
   ومنذ عودة الزعيم مصطفى البارزاني من الاتحاد السوفيتي بعد سقوط الملكية وقيام جمهورية العراق الأولى عام 1958 م وحتى يومنا هذا سلسلة من الألاعيب والمخاتلات والمؤامرات بدأت بالنكث والمماطلة في أوساط معروفة آنذاك جلهم من تجار الحروب والعنصريون الشوفينيون، أدت إلى هجمات عسكرية وحشية في السليمانية وغيرها من مدن كوردستان لإرهاب السكان وكسر شوكة الثورة والتمرد وتشويه القضية الكوردية بصناعة ما سمي بالجحوش من عملاء السلطة ومعتمدي أجهزة استخباراتها من تجار الحروب والمرتزقة، ومن ثم لتستمر بعد ذلك عمليات الإبادة المنظمة لشعب كوردستان وقواه الديمقراطية بعد انقلاب البعثيين الأسود في شباط 1963م وغدرهم وخيانتهم للكورد وقضيتهم المشروعة، والذي تمثل في عمليات كسب الوقت وادعاء الشروع بحل ( مشكلة الشمال ) كما كانوا يسمونها حتى عودتهم ثانية في تموز 1968 م والبدء بمناورة جديدة  تمثلت في التوقيع على اتفاقية 11 آذار 1970 م التي كانت بالنسبة لهم لعبة ( فهلوية ) للالتفاف بها على قيادة الحركة التحررية الكوردية، وهم أنفسهم الذين اقترفوا واحدة من أبشع الجرائم بحق الإنسانية بعد سنة واحدة من انقلابهم في تموز 1968 م حيث احرقوا عشرات الأطفال والنساء اللاجئين في احد كهوف قرية ديكان في منطقة الشيخان يوم 18 آب 1969 م، وبدا ذلك واضح أيضا في عمليتهم المخزية بإرسال الوفد الديني إلى الزعيم مصطفى البارزاني بعد عدة أشهر من اتفاقية آذار في محاولة لاغتياله في مقره أثناء استقباله لذلك الوفد المزعوم، ومناورة لكسب الوقت ومن ثم التآمر على الثورة بأسلوب ميكافيلي بالتلاعب مع كثير من التناقضات السياسية في المنطقة وربما أبرزها اتفاقية 1975م مع إيران التي تنازل فيها النظام السابق عن الكثير مما له علاقة بالسيادة الوطنية في الأرض وفي المواقف مقابل إفشال وتدمير الثورة الكوردية، وقبلها التوقيع على الاتفاقية الإستراتيجية مع الاتحاد السوفييتي والتي سميت آنذاك بمعاهدة التعاون المشترك لتوريط الشيوعيين لاحقا في جبهة تكتيكية ضدهم وضد القوى الديمقراطية الأخرى في العراق.
   لقد اعتمدت معظم الأنظمة السياسية هذا النمط من التصرف والسلوك مع واحدة من أهم قضايا العراق والشرق الأوسط بعد القضية الفلسطينية ألا وهي قضية الكورد هنا في العراق منذ تأسيسه مطلع القرن الماضي، وبسبب تلك السياسة المتخلفة والشوفينية البدائية خسر العراق فرصا تاريخية للنمو والتطور وبقيت واحدة من أجمل وأروع وأثرى مناطق العراق ساحات حرب وصراع مستمر بل وأرضا محروقة كما كان يفعل البعثيون وغيرهم فيها منذ 1963م ولغاية انتفاضة الربيع في آذار 1991 م ، حيث اقترفوا جرائم بحق الإنسانية في استخدامهم الأسلحة الكيماوية في حلبجة وكرميان وبهدينان ومن ثم عمليات الجينوسايد أو ما أطلق عليها النظام نفسه بــ ( الأنفال ) التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ وأكثر من أربعة آلاف قرية أزيلت من على الأرض، كما راح مثلهم من ضحايا الانتفاضة الشعبانية وقبلها مئات الآلاف من الكورد في بغداد وأطرافها.
   إنه تاريخ من الجرائم والمآسي لا بحق الكورد والعراقيون عموما بل بحق الإنسانية جمعاء، جاء نتيجة ثقافة عنصرية شوفينية دكتاتورية أدت إلى تدمير البلاد وتأخيرها عشرات السنين وربما أكثر عن ركب الحضارة والتقدم وبناء بلد حر ديمقراطي يحترم الإنسان ويقدس الحرية الفردية ويعمل من اجل السلام والأعمار ويناضل من اجل مكوناته وتطورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي مهما صغرت في حجمها العددي، فهي بالتالي جزء من هذا البلد الذي يوفر لها البديل الإنساني للعيش المشترك.
   لقد سقط النظام السابق وهو يلهث وراء العودة ثانية بعد انهيارهم وهزيمتهم المخزية في نيسان 2003 م متصورين إن حليفهم سائق القطار سيحملهم ثانية في عربات شحن الأمتعة إلى الحكم كما فعل في ستينات القرن الماضي على حد اعتراف قائد من قادتهم آنذاك والمعروف بــ ( علي صالح السعدي ).
   وانتظروا لأجل ذلك عدة أشهر حيث رأى العراقيون مدى استقرار الأوضاع في كل العراق وبالذات في الموصل والرمادي وتكريت التي تمتعت بأمان لا مثيل له حتى في عهد قائدهم المظفر جدا صدام حسين،           وهنا اذكر للتاريخ مدى العلاقة الوطيدة بينهم وبين الجنرال باتريوس قائد الفرقة المجوقلة الرابعة الأمريكية في الموصل ( قائد القوات المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط الآن ) بعد سقوط النظام المخزي في نيسان 2003م، حيث عرف آنذاك في أوساط الأهالي من كثرة مودته للبعثيين بأنه محامي الدفاع عن الرفاق البعثيين أمام الشعب والقوى الديمقراطية(!)
   وحينما أيقنوا هذه المرة بأن سائق القطار عازم على البقاء والاسترخاء ولا مجال لديه لحملهم على الأقل هذه الفترة إلى حيث يريدون، بدأوا حملاتهم الهمجية المعروفة في أنفلة الشعب العراقي برمته هذه المرة وليس شعب كوردستان لوحده، ليثبتوا لعرابهم أو لسائق القطار بأنهم الجديرون بحكم العراق وان باستطاعتهم إفشال أي نظام سياسي غيرهم، فاستقدموا الكثير من تنظيماتهم القومية المعدة لتحويل العراق إلى حفنة تراب(!) إضافة إلى شواذ الآفاق والأخلاق من السراق والمرتزقة والفاشلين والمنحرفين والمحكومين في بلدانهم مع مئات الآلاف من المجرمين الذين أطلقوا سراحهم من السجون العراقية قبل الحرب بعدة أشهر، ليعيثوا في العراق فسادا وتدميرا تحت يافطات كاذبة باسم المقاومة تارة وباسم الجهاد تارة أخرى في أبشع عملية تشويه للدين الإسلامي الحنيف بأسلوبهم الميكافيلي في استخدام أقدس المقدسات لمجرد وصولهم إلى السلطة كما استخدموا الدين في كل مراحل حكمهم للعراق منذ انقلابهم الأسود في 1963م حينما أشاعوا إن الشيوعية كفر والحاد وان محاربتها واجب وطني وقومي وديني، وحتى يومنا هذا وهم أبعد الناس عن الدين ومقدساته الحقيقية.
   وكما شهدنا جميعا قبل انتخابات 2005 م هجمتهم الإعلامية وأبواقهم الدعائية في كل مكان وحتى في كثير من منابر الجوامع التي استخدموها لتحريض السكان على عدم المشاركة في الانتخابات وبالذات في مدينة الموصل وتكريت والرمادي وبعض مناطق ديالى، بل واتهموا من يشارك فيها بالكفر والعمالة للصهاينة والأمريكان، كل ذلك أمام الرأي العام المعلن أما ما خفي فقد كان مجاميع من المرشحين إلى مجلس النواب من خلال الكتل البرلمانية والأحزاب التي استطاعوا اختراقها ومن ثم العمل من خلالها، وهذا ما حصل فعلا وكشفته الأيام وبالذات بعد تشكيل لجنة صياغة الدستور الدائم والبدء بوضع الحلول الجذرية لمآسي العراق وشعبه عبر عشرات السنين وفي مقدمة تلك القضايا كيفية التعامل مع نتائج جرائم ذلك النظام في كوردستان ومدنها وبلداتها التي تعرضت للتعريب والجينوسايد، ابتداءً بقضية الكورد الفيلية وكركوك وسنجار وخانقين وكل المدن والبلدات التي تعرضت للتشويه في تركيباتها السكانية وحدودها وتبعيتها الإدارية وآلاف القرى التي أزيلت من على الأرض بمن فيها.
  واليوم وبعد خمس سنوات من السقوط الإداري للنظام وعذرا إن استخدمت هذا المصطلح الذي يبدو غريبا إلى حد ما، إلا انه يمثل مع كل الأسف حقيقة ما جرى ويجري منذ نيسان 2003 م وحتى يومنا هذا، إذ إن ثقافة وألاعيب ومخاتلة ومؤامرات حزب البعث وعقليته العنصرية ما زالت تعشعش في أدمغة وأفكار كثير ممن يتبؤون مواقعا ذات قرار في عراقنا اليوم وهم يتعاملون مع جراح أربعين عاما بعقلية من تسبب في تلك الجراح وأحدثها، فكيف سيعمل على علاجها !؟
  إنهم سقطوا إداريا وتنفيذيا لكنهم بقوا كممارسة وسلوك في كثير من مفاصل دولتنا الجديدة، بل وطوروا تلونهم وتكيفهم للضروف الحالية والمرحلة الراهنة كما يقولون هم أنفسهم في تعاملهم الليلي مع سائق القطار الذي اقلهم ذات ليلة مدلهمة، وفي ما يطرحونه من حشيشة وأفيون الشعارات التي أتقنوا توليفتها منذ عقود طويلة وأدمنوا عليها قطاعات واسعة من مسطحي العقول وشواذ الآفاق هنا وفي كثير من البلدان العربية التي تعاني من عقدة نقص الديمقراطية في دمائها السياسية والأخلاقية؟
  إنهم يعملون ليل نهار من اجل إفشال النظام السياسي والاجتماعي الجديد للعراق بمختلف الوسائل ومها كانت درجة نظافتها أو تلوثها فهم قد أدمنوا قراءة الميكافيلية حتى أصبحت واحدة من أدبياتهم وممارساتهم عبر حكمهم، مستهدفين كل مكتسبات الشعب العراقي ومكوناته من خلال نافورات الدم التي أشعلوها ويديموها في كل أنحاء البلاد من تفجير ونسف وتخريب واغتيالات واختطاف وكل ما يمت بالجريمة بصلة لإيقاف عملية بناء عراق ديمقراطي تعددي اتحادي، تارة بما يسمى بالمقاومة وتارة باسم الجهاد وأخرى من اجل عروبة الموصل وعراقية كركوك وتعديلات الدستور والتقسيم إلى آخر ألاعيب وشعارات أهل الحيلة المكر والمخاتلات التي أصبحت واحدة من أهم مواصفاتهم في الحياة. 
   

384
من يعيق تطبيقات الدستور الدائم؟

                                                                                                كفاح محمود كريم   

                                                                                 
  قبل التطرق إلى تفاصيل هذا الموضوع لعله من المفيد أن نستذكر بعضا من تاريخ التناقضات السياسية في دولتنا العراقية منذ تأسيسها قبل أكثر من ثمانين عاما وحتى يومنا هذا، وجملة المزايدات والمتاجرة بالشعارات وحتى بالمبادئ والثوابت الأساسية  والعلاقة مع ما كان يسمى في أدبيات تلك المرحلة بالامبريالية والرجعية والصهيونية والشعوبية والشيوعية والبهائية والماسونية وما إلى آخر هذه السلسلة من التهم الكفيلة بإرسال صاحبها إلى الجحيم؟
   إضافة إلى استهلاك والتهام أكثر الثوابت قدسية حينما تتقاطع مع مصالح وبقاء تلك الأنظمة السياسية الحاكمة، ولعل الدستور الدائم منه والمؤقت وما هو بين الاثنين منذ وضعت بنوده الأولى مع قيام مملكة العراق وحتى يومنا هذا، كان عرضة للالتهام والإغفال والتجاوز والاختراق والتسويف والتأويل والتأجيل والتعديل تحت مختلف التسميات والحجج والعناوين، ربما على عادة التهام الآلهة المصنوعة من التمر أيام الجاهلية الأولى حينما كان يمسهم البرد أو الجوع!؟
    نعود قليلا إلى ستينات القرن الماضي لنطلع على سلوك واحدٍ من أكثر الأنظمة تلاعبا وتحايلا وتجاوزا واختراقا وإهمالا للثوابت العامة والدساتير المؤقتة منها والدائمة والأكثر تناقضا وباطنية وازدواجية في تعاطيه مع الكثير من الأمور، ولنطلع بداية على حقيقة من الحقائق المثيرة عن حزب ما برح يزعم ويدعي وبإصرار وإلحاح بمقاتلة ومقاومة ومقارعة ومجاهدة الأمريكان والامبرياليين والانكلو سكسونيين في الدنيا والآخرة، طبعا تحت راية القائد المنصور بالله الذي مجرد اسمه هز أمريكا!؟ 
    ففي اعتراف له قال علي صالح السعدي وهو من كبار مسؤولي حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق قرابة أربعين عاما:
    (( إننا جئنا إلى الحكم بقطار أمريكي.. ))
   في أعقاب انقلاب مثير للجدل والشبهات بعلاقاته بأوساط أمريكية وخليجية وربما إسرائيلية أيضا إثر الانقلاب على حكم الزعيم عبدا لكريم قاسم في شباط عام 1963 م. التي يجمع معظم المؤرخين السياسيين بأنها بداية التحول إلى حكم القرية والبداوة السياسية في التاريخ السياسي العراقي المعاصر.
   لقد كانت هناك توجهات جدية للتحول إلى دولة متحضرة بعد التغيير الكبير الذي حصل في تموز 1958 م والانتقال إلى دولة المؤسسات والدستور الدائم بعيدا عن الشعارات والمزايدات، ولكن سرعان ما جاء القطار الأميركي كما يقول السعدي حاملا رفاق العقيدة والسلاح والكواليس والانكفاء إلى الجاهليات البعثوية والتهام الإلهة والثوابت، والتي أنتجت هذا العراق بعد أربعين عاما من حكمها؟
   حقيقة بدأت الأمور تأخذ منحاً مغايرا تماما لما كانت عليه الأمور في العراق قياسا حتى بالفترة الملكية، فقد بدأ البعثيون ينقلون عقلية القرية والقبيلة بشكل مريب إلى المدينة التي كانوا يعانون من عقد كثيرة فيها، بل أنهم نقلوا كل عقد الجاهلية في التعاطي مع المدينة ابتداءً من منظومة البداوة في التعامل مع مفردات الحضر والحضارة وصولا إلى الكفر بالثوابت التي يحددوها ويعلنوها كدساتيرهم المؤقتة والدائمة كما كان يفعل الجاهليون الأوائل في التهام آلهتهم حينما يمسهم جوع أو برد !؟.
    وليس أدل على ذلك إلا تصريحات رئيس النظام السابق صدام حسين وهو يتحدث عن القوانين والدساتير قائلا: ( ليس لدينا قانون أو دستور منزل من السماء، نحن نعمل القانون في الليل وإذا ما رأيناه لا يصلح قمنا بإلغائه صباح اليوم التالي )!!؟ وطبعا معروف لدى الجميع عملية تشريع القوانين وتعديلاتها وإلغائها وما هي الآلية التي كان يستخدمها هو ومجلس قيادة الثورة المنحل طيلة ما يقرب من أربعين عاما.
  ولكي لا نسرف في تعداد شواهد التاريخ وسلسلة الحلقات التي تطور منها هؤلاء الذين أوصلوا عراق الغنى والثراء وبلد الماء والطاقة والمطر وارض النبات والشجر إلى أفقر البلدان وأكثرها تقهقرا وتخلفا وجدبا، فإننا سنأتي إلى حقبة من أهم حقب تطوره، وفرصة من أندر فرص تحرره وانطلاقه إلى الأمام لتعويض ما فاته عبر عشرات السنين.
  ففي سابقة لا مثيل لها بين مجموعة دول الجامعة العربية يتم استفتاء الناس حقيقة وليس تمثيلا (على عادة معظم بلدان هذه المجموعة المولعة بالعدد تسعة ومضاعفاته)، على دستور لبلدهم منذ تأسيسه، كان هذا في العراق وفي مطلع 2005 م، حيث صوت أكثر من ثمانين بالمائة من الناخبين لصالح دستورهم الدائم الذي وضعت مسوداته مجموعة من كبار الخبراء والقانونيين والمختصين بالدساتير ولجنة من كافة الفعاليات السياسية والمكونات القومية والعرقية والدينية والمذهبية بما يدفع إلى الأمام نموذجا متقدما لدولة تنهض من بين الركام والتخلف والشمولية وإلغاء الآخرين.
    وخلال أكثر من ثلاث سنوات تحاول قوى كثيرة معظمها امتداد لثقافة النظام السابق أو قريبة منه ( رضاعة أو نسبا ! ) ممن قاطعت التصويت على الدستور بل وقاطعت الانتخابات النيابية وانتخابات مجالس المحافظات ورفضت الدخول إلى العملية السياسية من أبوابها الكبيرة مختارة الشبابيك التي فتحتها لها السفارة الأمريكية كما حدثنا التاريخ عن ذلك القطار الذي جاء بهم ذات يوم إلى محطة الحكم في بغداد.
   ومنذ دخولها من شبابيك العملية السياسية سواء في مجلس النواب أو لجنة كتابة الدستور أو مفاصل الحكومة ومؤسساتها العسكرية سواء في الجيش أو الشرطة وهي على تناقض حاد مع كل ثوابت العراق الجديد وتشريعاته وتوجهاته وهي التي تعيق التقدم ولو أنملة واحدة باتجاه تحقيق العراق الجديد، بل وتعمل ليل نهار لإعادة تصنيع الماضي بإطارات محدثة وأساليب أكثر تحايلا ومكرا في إشاعة اليأس والإحباط وشراء الذمم كما كان يفعل النظام السابق وبنفس الأدوات والأساليب التحريضية باستخدام الغرائز والأحقاد والتشنجات هنا وهناك.
  وما يحدث منذ قانون إدارة الدولة في تنفيذ متطلبات حل المشكلة الكوردية في العراق التي كانت واحدة من أهم أسباب تخلف العراق وسقوط بغداد المشين في عام 2003 م ومحاولاتهم الالتفاف على الدستور من خلال آلية التعديلات والمساس بالثوابت والتشكيك في إمكانية بناء عراق جديد، تارة بتصريحاتهم وتثقيفهم بأن الشيعة ليسوا رجال دولة أو حكم ومشكوك في ولائهم الوطني والقومي على خلفية ثقافة البعث كونهم شعوبيون صفويون ورافضة مشركون يقام عليهم الحد(!). وتارة بأن الكورد انفصاليون لا يحبون العراق ولا يريدون العمل من خلاله وإنهم يستحوذون على العراق وثرواته ويعملون من اجل دولتهم القادمة (!) 
   وما حصل في الثاني والعشرين من تموز 2008 م يؤكد ما نذهب إليه بعودة الكثير من الماضي وثقافته ونظام تفكيره إلى مراكز القرار على قطار أو طائرات شبحية(!)، وإلا ماذا بإمكان المراقب أن يفسر تداعي أعضاء هذه المجاميع في مجلس النواب إلى بغداد قبل تمرير القانون الأخير لانتخابات مجالس المحافظات وموضوعة كركوك ربما بساعات قادمين على طائرات خاصة ومستأجرة لهذا الغرض (!) من دبي وعمان والقاهرة وغيرها؟
   وفي اجتماعات مغلقة ومداولات حكمت الكثير منها ثقافة النظام الشوفيني السابق بل والتعاطي مع نتائج جرائمه في التعريب والتشويه الديموغرافي للمدن والبلدات والجينوسايد على أنها مكتسبات وطنية وواقع حال علينا الاعتراف بها وقبولها بل والاستمرار بتطويرها من خلال تلك الشعارات البائسة في عراقية كركوك وما يسمونه بتوسيع رقعة الإقليم الكوردي وكأن هذا الإقليم جزء من دولة أخرى وليس أرضا عراقية؟
  إن ما يحدث الآن من حملات مريبة وعدائية في الإعلام سواء المحلي أي العراقي أو العربي من خلال مجموعات الكتاب الموظفين لدى إدارة البعث ومنظوماته المنتشرة هنا وهناك، يدلل على المنبع الواحد لكل هذه الحملات التي تستخدم ذات العقلية والسلوك في توصيفها للكورد وحقوقهم القومية ونفس الخطاب البعثوي والشوفيني الذي استخدم طيلة اربعة عقود، وبالتأكيد فان ماكينة الإعلام البعثي وكوبوناته النفطية ما تزال تعمل من خلال مجموعة الفضائيات المنطلقة من القاهرة وعمان ودبي وغيرها، ومنظومة الأموال التي تمت سرقتها من قبل موظفي حزب البعث في الداخل والخارج من الشركات والمنظمات التي أسسها النظام السابق للعمل في الخارج.
   وبمقارنة بسيطة بين كل ما يكتب الآن أو يتم فعله في قضية كوردستان وموضوعة الفيدرالية وحرية الرأي وحقوق الإنسان وبين منظومة أفكار النظام السابق وأسلوب تعاطيه مع هذه القضايا يدرك تماما من يعمل على إعاقة تطبيق الدستور بل وإلغائه إن تمكن من ذلك.
  إن الكورد في الموصل وكركوك وديالى وبغداد وغيرها من المدن والبلدات حقيقة أراد النظام السابق إلغائها أو تشويهها من خلال جرائمه في التعريب والترحيل والأنفال كما حصل في تهجير وإبادة كورد بغداد وأطرافها وما زال يحصل حتى الآن في التباطئ والتسويف مع قضية الكورد الفيلية، ومع ما حصل في تطهير الموصل من الكورد وما يحصل منذ خمس سنوات في إبادة الكورد في المدينة بل والدفاع عن ذلك من قبل مجموعة من اعضاء مجلس النواب عن الموصل(!) حينما يقررون إعدام الكورد في المدينة بادعائهم إن هذه القومية لا تتجاوز 2 % من سكان الموصل؟
  وكذا الحال مع كركوك وسنجار وزمار وخانقين والشيخان ومندلي ومخمور وغيرها من القرى والبلدات التي دمرها النظام السابق بسياساته العنصرية والتي ما زال البعض يتشبث بها بل ويعمل ليل نهار من اجل الحفاظ على مكتسبات البعث فيها.
  إن معظم الذين يعيقون تطبيق الدستور الدائم هم من المستفيدين حكما من النظام السابق وممن سيخسرون الكثير من مواقعهم وممتلكاتهم التي استحوذوا عليها من أموال المهجرين والمرحلين وان التطبيق السامي والنبيل للدستور سيطهر العراق من كل تلك الخطايا التي اقترفت بحق الشعب ومكوناته ويعيد الحق إلى أصحابه بل ويمنع عودة الفاشية البعثية ثانية إلى الحكم بأي شكل من الأشكال.

385
من هم اعداء الدستور.. ولماذا ؟
                                                                                                            كفاح محمود كريم

    أكثر الذين يقفون موقفا سلبيا أو معارضا لتطبيق المادة 140 من الدستور الدائم ووضع العراقيل أمامها واستخدام أساليب الالتفاف والمماطلة أو التسويف منذ قانون ادارة الدولة وحتى ترحيلها الى الدستور الدائم، إما من البعثيين العقائديين أي الشوفينيين والمتطرفين أو من العنصريين العرب وغيرهم ممن تتقاطع مصالحهم الموروثة من النظام السابق مع معطيات المرحلة الجديدة التي ربما تجردهم من تلك المصالح والاستأثارات التي حققوها ايام النظام السابق، وممن يرتبط مصيرهم بأجندات أجنبية ومخابرات إقليمية لا يهمها الا هيمنتها على مقدرات العراق لابقائه سوقا مستهلكا وبقرا حلوبا.
   أو من أولئك الذين تربوا وترعرعوا في كنف تلك الأفكار والثقافة العنصرية والغرائزية البائسة، التي كانت تعتمد أساسا لا إنسانيا بل وأكثر افتراسا من تلك الكواسر المتوحشة، وأكثر هذه النماذج إما من الرعاع  والفاشلين وسقط المتاع والنكرات المسحوقة اقتصاديا التي نقلها حزب البعث على شكل موجات من المتطوعين في صفوف اجهزة الامن والاستخبارات والمخابرات والحرس الجمهوري والجيش الشعبي من القرى والارياف والتي تسلقت فيما بعد سلالم حزب البعث وأفكاره التي تتلائم ومنظومة توجهاتها وتكوينها الاجتماعي، فاستحوذت على أملاك وعقارت وأراض الكورد وغيرهم  في مناطق كركوك وسنجار وخانقين والشيخان ومخمور ومندلي، وفي سهل نينوى وبلداته وقراه.
  والعجيب إن هذه النماذج استطاعت تسلق أحزاب الزينة والموجة بعد سقوط النظام والتي تمت صناعتها من قبل بقايا البعث او باوامر من دول الجوار وما بعد الجوار، او بإيعاز من قيادات حزب البعث ومؤسساته المنتشرة في دمشق وعمان ودبي وصنعاء وانقرة وغيرها لادارة مليارات الدولارات من اموال العراق وكنوزه التي سرقوها مع هروبهم المشين اثناء الحرب وبعد سقوط النظام، هذه الاموال التي توظف في دعم عمليات التخريب والتقتيل والارهاب وارسال المرتزقة من المتطوعين العرب ( للجهاد !! ) في العراق على انقاض الاف الضحايا من الاطفال والنساء والشيوخ، أو بتكليف من مخابرات دول الجوار دونما استثناء لإدامة تلك الثقافة المتهرئة والإبقاء على ( مكاسب الحزب والثورة ) التي أنجزتها ثورة الحروب في كوردستان والجنوب، وإحراق ما يقارب من ألف مليار دولار من ثروات العراق خلال أربعين عاما؟
     بل وقد تسلق الكثير منهم مواقع في مجلس النواب والحكومة وكثير من مفاصل الدولة الحديثة المزمع إقامتها على أنقاض ذلك النموذج السيئ والمخزي الذي انهار في نيسان 2003م.
    فذاك الذي قتل والده الجندي أو العريف أو الضابط او الرفيق البعثي في حروب النظام ضد كوردستان منذ مطلع الستينات وما زال يحمل تلك العقد والأحقاد على الكورد، فاستحوذ أيام البعث على أملاكهم في خانقين او مخمور أو سنجار أو الشيخان أو كركوك أو غيرها، لتعويض تلك المركبات من الانتقام والسادية التي اشاعها البعث طيلة حكمه.
    وآخر يبتدع له قومية جديدة من عدة أسر في عملية من عمليات البعث ، وهو الذي كان يستنكف الانتماء الى أهله ويدعي انتمائه لغيرهم، متلونا كالحرباء بين حزب واخر ليستقر في مجلس النواب ويقع في شباك تلك الثقافة المستهلكة والمتهرئة تارة تحت لافتة المذهبية المقيتة وأخرى تحت تصنيع قوميات جديدة كما كان يفعل الحزب القائد في تصنيع الأحزاب والحركات الوطنية جدا جدا؟
   وآخرين ممن يريدون تحويل الأديان الى قوميات في أحدث ما أنتجته الحركات الدينية المتطرفة وغيرها من الظلاميين واعادة تصنيع ماضي البعث في قرارات ما كان يسمى بمجلس قيادة الثورة باعتبار الكورد الايزيديين عربا ودينهم فرقة اسلامية(!)، في ردة فعل متخلفة وساذجة، ترتبط بأجندات دولية ومشاريع شوفينية وعنصرية لا تمت لهذا العصر وتوجهاته بأي صلة، فتراهم تارة يدعون الى قومية إسلامية وآخرون الى قومية مسيحية وأخيرا قومية إيزيدية، وربما آخرون سيعيدون إنتاج قوميات تلك الإمبراطوريات التي حكمت قبل آلاف السنين فسادت ثم بادت.        وذاك الذي منح اجداده مدينة الموصل واقضيتها الى دولة تركيا في مطلع القرن الماضي حينما طلبوا من الاهالي الادلاء بأصواتهم فتبارى اهله وذويه الى منح اصواتهم الى تركيا، ولولا اصوات الناخبين الكورد كما قال خيري الدين العمري شاهدا تاريخيا، لكان الان واليا على ولاية الموصل التركية بدلا من كونه نائبا في مجلس النواب العراقي عن الموصل(!).
   وقد أكدت الأيام والسنوات المنصرمة منذ سقوط النظام وحتى هذا اليوم المماطلة والتسويف الناتجين عن نفس الثقافة البائسة التي كان يحملها النظام السابق في نظرته الى قضية شعبنا العراقي بشكل عام وشعب كوردستان بشكل خاص والتي أدت الى انهيار كامل للدولة العراقية وللأمن الاجتماعي ونسيج المجتمعات العراقية.
   فمنذ المادة 58 من قانون إدارة الدولة ظهرت بوادر المماطلة والتسويف والالتفاف على روح المادة وقضية المناطق المحررة من الإقليم بعد انهيار نظام البعث ودولة العرق الواحد والحزب الواحد وليس هناك أدنى شك في الدورالأمريكي والبريطاني ودول الجوار ذات العلاقة بتأخير تطبيق هذه المادة أو لاحقا المادة 140 من الدستور الدائم.
    لقد أكدت الأحداث التي رافقت سقوط النظام بُعيد ساعات فقط من انهياره المشين، هوية تلك المناطق وانتمائها الأصيل جغرافيا وتاريخيا الى إقليم كوردستان العراقي حيث هرب المستوطنون والمستحوذين على أملاك الكورد من أراض وعقارات وبيوت ومزارع سواء ما كان منها على شكل قرى استيطانية أو في مراكز المدن كما في الموصل وكركوك وسنجار وخانقين ومخمور والشيخان وغيرها، حيث هرب أولئك الذين استحوذوا على آمال وأفراح وأملاك أصحابها الحقيقيين وسلم الباقي مفاتيح بيوت ساكنيها المرحلين دون قيد أو شرط، وكادت الأمور أن تنهي تعقيدات أكثر من ثلاثين عاما لولا تدخل بعض الأطراف من قوات الاحتلال الأمريكي والبريطاني ومخابرات بعض دول الجوار ممن لديهم مصلحة في إدامة التعقيدات والإبقاء على أوضاع هذه المناطق معلقة لتبقى حافات النار قريبة دائما(!).
   واليوم اذ تستمر دوامة تلك الثقافة البائسة من خلال هذه المجاميع التي استطاعت النفوذ الى مفاصل الدولة العراقية الجديدة تحت مختلف التسميات او من خلال الكتل البرلمانية وتنظيماتها تحت يافطة التنافس المذهبي او المناطقي ومن ثم اشاعة الكراهية والاحقاد من خلال حملاتها الاعلامية المشينة ضد العراق الجديد والكورد خاصة، وما حدث في الثاني والعشرين من تموز 2008 م تحت قبة البرلمان العراقي يؤكد استمرار نهج البعث والشوفينية والعنصرية في التعامل مع ضحايا ذلك النظام البائس ومن خلال مؤسسات العراق الجديد.
    إن الكورد اليوم اكثر اصرارا وتصميما على تطبيق الدستور والالتزام به مرجعا وفاصلا بين ثقافتين وخطابين وسلوكين:
الاول  يمثل اكثر من ثمانين بالمائة من الشعب العراقي في انزه انتخابات تجري في تاريخه وتاريخ المنطقة ويعبر عن اسمى القيم الانسانية واكثرها رقيا ونبلا ويشيع من خلال مبادئه وفقراته ومواده اكثر الحقوق الانسانية دقة وحرية وحفاظا للكرامة الانسانية وحقها في العيش بصرف النظر عن العرق او اللون او الدين او المذهب، ويعتمد قيم الاخوة والعدالة والمساواة ودولة القانون والمؤسسات، بدلا من الحزب الاوحد والعرق الواحد والمذهب الواحد والرئيس الضرورة مدى الحياة.
    والثاني يمثل ابشع مراحل الانحدار الحضاري والاخلاقي والسياسي في تاريخ العراق والمنطقة والعالم ومعبرا عن اكثر السلوكيات عنصرية وشوفينية بتوحش وهمجية لا مثيل لها حتى في القرون الوسطى وامتدادا لاخلاقيات متدنية في السلوك واشاعة الكراهية والاحقاد والعبث بمفاتيح الغرائز.
   الاول الذي يريد أن يبني العراق على اسس متحضرة ويقيم نظاما سياسيا راقيا يعيد للانسان العراقي كرامته وللعراق وجهه المشرق، والثاني الذي يعمل لاعادة عجلة الزمن الى الوراء ليقتل ويسلب ويغتصب ويهجر مستخدما ابشع الاساليب العنصرية والطائفية في اباحة قتل الكورد والشيعة والديمقراطيون الوطنيون، وهو امتداد لثقافة المقابر الجماعية والانفالات وحلبجة ومدرسة التآمر والتحايل والتسلق والتلون على مدى تاريخ العراق منذ الغدر بالحسين وقبله التخلي عن الامام علي بن ابي طالب وحتى تآمرهم وخيانتهم للبارزاني الخالد بعد اتفاقية السلام عام 1970 م وقبلها انقلابهم المشين على الزعيم عبدالكريم قاسم.
    انه يمثل اي الدستور الدائم  نتاج نضال دؤوب للعراقيين عبر عشرات السنين وملايين الضحايا التي ابتلعتهم الحروب والسجون وصحراوات الوسط والجنوب واحتضنتهم المقابر الجماعية في كل ارض البلاد من الكورد والشيعة وغيرهم ممن كانوا لا يصطفون مع اولئك الجبابرة الطغاة.
     لقد اصبح اليوم هذا الدستور القاسم المشترك لكل القيم الخلاقة والعليا وهو الفاصل بين الخير والشر والخطيئة والفضيلة ولذلك فان الكورد يعتبرونه اساس الانتماء الى بلد متحضر ودولة متقدمة. بينما يعتبره الاخرون مرحلة طارئة وسيتم من خلال التعديلات نسف الدستور ومكتسباته؟
   الغريب انهم متفرقون لكنهم يجتمعون ضد اهداف الكورد وحقوقهم في عراق ديمقراطي اتحادي تعددي وما حصل ويحصل من مواقف وتحضيرات لمراحل جديدة في الصراع، ما هو الا محاولات للوصول الى سدة الحكم مرة اخرى تحت غطاء الاكثرية وباستخدام سلم الديمقراطية هذه المرة بدلا من القطار الامريكي او الانقلابات العسكرية البيضاء والملونة؟
     إن المساس بالدستور وروحيته ومعانيه السامية وثوابته في الديمقراطية والتعددية والفيدرالية وما حققه الشعب العراقي من خلاله من مكاسب في الحرية والعدل والمساواة يعتبر مسا بكيان الدولة العراقية وتنصلا عن المصالح العليا للبلاد ونية سيئة ومبيتة لاعادة الماضي وتصنيعه من خلال اولئك الذين نفذوا وتطفلوا على مؤسسات الدولة الجديدة باساليبهم المعروفة تاريخيا كما وصفها ذات يوم من سبعينات القرن الماضي السيد علي صالح السعدي في وصفه لوصول البعث الى السلطة على قطار امريكي؟
فأي قطار يحمل هؤلاء اليوم ؟

386
سنجار في استطلاعات
معهد دهوك للقضايا السياسية 


كفاح محمود كريم
 
    يعتبر قضاء سنجار ( شنكال ) من أقدم الاقضية في ولاية كوردستان ومن ثم الموصل على أيام الدولة العثمانية، إذ ورد اسمه في كثير من السالنامات العثمانية للولاية في أعوام 1850 م وحتى عام  1912 م كسنجق (قضاء) من سناجق الولاية يتمتع بمجلس بلدي يعاون القائم مقام في إدارته.
   لقد أصبح قضاء سنجار ( شنكال ) واحدا من أهم المشاكل التي تسببت في فشل المفاوضات بين الحكومة المركزية في بغداد وقيادة الثورة الكوردية في منتصف السبعينات من القرن الماضي حول عائدية هذه المنطقة إلى إقليم كوردستان بسبب الكثافة الكوردية العالية فيها وكونها امتدادا جغرافيا وتاريخيا لكوردستان العراق.
  ولقد حاولت حكومة بغداد ونظامها السياسي تعريب هذه المنطقة وإحداث تغييرات ديموغرافية حادة في تركيباتها الإدارية والسكانية طيلة أكثر من 35 عاما، أدت إلى تهجير الآلاف من سكانها وتدمير عشرات القرى والأحياء في مركز المدينة وإطرافها، مما أدى إلى سلخ أكثر من ثلثي أراضي القضاء وإضافتهما إلى قضاء البعاج ذو الأغلبية العربية وناحية القيروان.
   بعد سقوط النظام السابق استعادت المدينة والقضاء حريتها وبعض من عافيتها في التعبير عن هويتها القومية والجغرافية، وخلال اقل من ستة أشهر وفي أكتوبر ( تشرين أول ) 2003 م وتحت إشراف مباشر من قبل خبراء ومراقبين أمريكيين وبريطانيين أجريت انتخابات عامة واستفتاء لانتخاب قائم قام ومجلس قضاء لإدارة المنطقة بعد أن اعترض البعض من المواطنين العرب الذين استفادوا من سياسة التعريب أيام النظام السابق، وقد تم إشراكهم في العملية الانتخابية مع قبول مرشحيهم للإدارة ومجلس القضاء.
   وقد جاءت النتائج كما توقع معظم الأهالي حيث فاز الكورد بالأغلبية الساحقة من أعضاء مجلس القضاء الذي حصلوا فيه على اثني عشر مقعدا من أصل اثني عشر مقعدا، علما بأنه كان هناك ضمن ألاثني عشر عضوا اثنين من العرب على قائمة الأحزاب الكوردية. ولم يحصل أولئك الذين طلبوا إجراء الاستفتاء والانتخابات على أي مقعد من مقاعد مجلس القضاء وراحوا يبحثون عن حلول توافقية للحفاظ على ماء الوجه، حيث تدخل في وقتها محافظ الموصل غانم البصو ونائبه خسرو كوران والقائد الأمريكي في حينها الجنرال باتريوس ( قائد الفرقة 101 المجولقة والتي مقرها الموصل ) فأضافوا عضوين عربيين احدهما زوبعي والثاني من عشيرة الجحيش من باب التوافق فقط ليس إلا وخارج معطيات الانتخابات. 
  وتأتي الدراسة التي قام بها معهد دهوك للقضايا السياسية في كانون أول 2006 م لتعطي خارطة المنطقة السكانية وانتمائها الجغرافي والقومي على شريحة عشوائية من 400 شخص أكثرهم من الذكور، تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشر والستون.
  ومن قراءة أولية للشريحة التي اعتُمدت في هذه الدراسة يظهر أن ثلثي المشمولين بالاستطلاع هم ممن يسكنون مركز المدينة ونفس النسبة في اعتمادها على معتنقي الديانة الايزيدية التي تشكل ديانة أكثرية السكان في المنطقة، وكان هناك أكثر من خمسين عربيا شارك ضمن الشريحة المكونة من 400 شخص ونفس الحجم لأعراق أخرى، أي إن ربع الشريحة كانت من غير الكورد.
  وحول سؤال عن الرغبة في الارتباط بالإقليم أو البقاء مع المركز في بغداد جاءت النتائج لتؤشر رغبة   77.5  بالمائة من الشريحة المعتمدة في الارتباط بالإقليم بينما يرى  22.5  بالمائة البقاء مع المركز أفضل.
   وهكذا نرى نتائج السؤال حول الدراسة باللغة الكوردية التي جاءت مطابقة تقريبا لنتائج الرغبة في الارتباط بالإقليم حيث يرغب 77.5 بالمائة الدراسة بلغته الأم ( الكوردية ).
  وحول رعاية المنطقة والاهتمام بها من النواحي الخدمية والاقتصادية والأمنية من قبل حكومة إقليم كوردستان، يرى 65 بالمائة من الشريحة المعتمدة في هذه الدراسة إن الإقليم هو الذي يتابع المنطقة من النواحي أعلاه، بينما يرى 20 بالمائة اهتمام الإقليم ضعيفا وإن 15 بالمائة يعتقد إن الإقليم ليس له أي دور يذكر.   
  وحول مشاهدة الفضائيات الكوردية ومتابعة برامجها عن غيرها، أجاب   75.25 بالمائة على متابعة برامج التلفزيونات الكوردية، بينما يتابع   24.75 بالمائة برامج الفضائيات الأخرى، ولم يكن هناك سؤال عن رأي الأهالي بالبرامج ونوعيتها أو المشاكل التي يعاني منها الأهالي في موضوع وصول البث التلفزيوني والراديوي إلى المنطقة.

   تأتي هذه الدراسة بعد انتخابات 2005 م التي جاءت بنتائج مقاربة لنتائج تلك الانتخابات ومطابقة تقريبا لدراسات وبحوث أجراها كاتب المقال في عام 2002م   قبل سقوط النظام والموثقة في دراسة مطبوعة بعنوان ( التركيب السكاني في منطقة سنجار/شنكال ) بطلب من الفرع الأول للحزب.
  كما إن نتائج هذه الدراسة جاءت أيضا لتؤشر نفس النتائج التي خرجت بها انتخابات واستفتاء السكان في أكتوبر 2003 م لانتخاب قائم مقام القضاء ومجلسه المحلي والتي كانت تحت إشراف دولي من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا.
  لقد تميزت هذه الدراسة عن غيرها باعتمادها شريحة واسعة في حجمها حيث اعتمدت أربعمائة شخص بشكل عشوائي غير مشروط إلا من ناحية العمر الزمني للشخص، حيث لا يقل عن 18 عاما، كما تميزت أيضا في نسبة الشباب التي تجاوزت الثلثين من الشريحة.
   ومن ابرز ما يميز هذه الدراسة عن غيرها إنها جاءت بنتائج حول المستوى التعليمي والثقافي للمنطقة من خلال نتائج نوعية المشاركين في الدراسة من الناحية التعليمية، حيث تبين إن الذين لا يجيدون القراءة والكتابة يمثلون ما يقارب ربع السكان ونسبتهم هنا 28 بالمائة، بينما اظهر الاستطلاع نسبة خريجو الدراسة الابتدائية 18 بالمائة والدراسة المتوسطة 11 بالمائة بينما كانت الدراسة الثانوية 16.50 بالمائة  والمعاهد 10.50 بالمائة بينما كانت الجامعات 6 بالمائة.
  وربما لو كانت الدراسة قد اعتمدت نسبة اكبر من النساء رغم صعوبة ذلك في منطقة مثل شنكال ، كانت ستكون أكثر مثالية، وهذا أيضا يشمل لو أنها اعتمدت نسبة اكبر من سكان القرى الذين يشكلون أكثر من 75 بالمائة من عدد نفوس القضاء إجمالا، حيث اعتمدت في دراستها     62.5 بالمائة من سكان المدينة.

  وعلى ضوء هذه النتائج التي جاءت مقاربة لما خرجت بها بحوث ودراسات وانتخابات منذ 2002 م وحتى يومنا هذا، نرى إننا بحاجة ماسة جدا إلى استطلاعات من هذا النوع وفي معظم مجالات الحياة لإعطاء نتائج أولية مقاربة للحقائق على الأرض دون الاعتماد على افتراضات غير منصفة ومغايرة لواقع الحال ومن ثم الوصول إلى نتائج عملية لاعتمادها في أي خطط للتنمية الاجتماعية والتربوية والاقتصادية.
   كما أظهرت نتائج هذه الدراسة إن المنطقة تحتاج إمكانيات مهمة للبدء في عملية إعمارها وتحسين مستويات السكان الاقتصادية والمعاشية من خلال امتصاص البطالة الكبيرة بين الشباب ومعالجة البطالة المقنعة في الوظائف غير الإنتاجية.
  وبالاعتماد على نتائج هذه الدراسة في المستويات التعليمية التي جاءت مثيرة حقا بالمقارنة مع كثير من المناطق في الإقليم نرى انه بالإمكان الشروع فورا في فتح وتأسيس مراكز ومعاهد دراسية في الحقول الفنية والتقنية والزراعية والتربوية في المنطقة ، إضافة إلى الإسراع في بناء المدارس التي تضاعف عددها إلى عشرات المرات بعد فتح أكثر من    120 مدرسة ابتدائية ( جميعها من الطين ) يدرس فيها أكثر من أربعة وعشرين ألف تلميذ باللغة الأم للسكان، كما جاء في نتائج السؤال عن الدراسة بالكوردية ( 75.5 بالمائة من السكان ). 
  كما إن هذه الدراسة أظهرت حاجتنا الماسة إلى دراسات مهمة في حقول التربية والتعليم والثقافة والإعلام، إضافة إلى استطلاعات مهمة ومتخصصة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتنموية الأخرى، ليس في منطقة شنكال فحسب وإنما في كافة مناطق الإقليم.
   إن معظم الدول المتقدمة إن لم تكُ جميعها تعتمد مراكزا لقياس الرأي العام ومنظمات الاستطلاع المباشر للمواطنين من خلال انتخاب مجموعات عشوائية وبشفافية عالية للوصول إلى أحسن النتائج القريبة من الواقع والميدان الحقيقي لحركة الحياة في المجتمع. 
   إن إقليم كوردستان بنهضته الحالية أحوج ما يكون إلى مراكز إستراتيجية للبحوث والدراسات وقياس الرأي العام وإجراء الاستطلاعات والاستفتاءات للوصول إلى النتائج المرجوة والأهداف التي تصبو إلى تحقيقها الحكومة والبرلمان ومن ثم الأحزاب الوطنية، ليس على المستوى الوطني والقومي متمثلا بالرئاسة بل على مستوى الوزارات ومن ثم مجلس الوزراء والبرلمان وحتى الأحزاب العاملة في الساحة السياسية للإقليم.
   ومن هنا اقترح إنشاء مراكز إستراتيجية للدراسات والبحوث واستقصاء الرأي العام لكل من الرئاسة والبرلمان ومجلس الوزراء والوزارات المهمة ذات العلاقة المباشرة بحياة المواطن كالتجارة والزراعة والموارد والبيشمه ركه تعتمد الكفاءات العلمية والأكاديمية والبحثية والمتخصصين في مجالات قياس الرأي العام والاستطلاعات.

387
المنبر الحر / لنتحاور ...
« في: 16:36 15/04/2008  »
لنتحاور ...
                                                                                               كفاح محمود كريم


أسئلة تحيرني!

الأستاذ كفاح محمود كريم،
أشكرك على التعريف بقضايا شعبك وأنا كمثقف عربي أقف مسافة متساوية من الجميع لأقف على الحقيقية..
لي أصدقاء من كافة الملل والطوائف والنحل أرضيا وإلكترونيا..كنت أتحدث مع زميل عمل وصديق عراقي من آل الجلبي (هو صديق وزميل طفولة للدكتور علي القاسمي) عن الوضع العراقي أمس..

لا أحد يستطيع أن ينكر أن هناك مآسي وجرائم ارتكبت لكن ما يشغلني كمثقف عربي.. ( ويقصد هنا الانفال وحلبجة )!.
لماذا ارتكب النظام هذه الجرائم؟ وما الذي دفعه إلى ذلك؟ لا تقولوا لي ..أن النظام استيقظ في الصباح وقرر أن يرتكب هذه الجرائم!
ما هو ردكم على صور وعلاقات البارزاني مع الكي جي بي والموساد الإسرائيلي في الستينات؟
ماذا كنت ستفعل لو كنت مكان صدام حسين في الحكم وأنت ترى ما تراه الآن؟
لماذا لا يستطيع أحد أن يضبط الوضع العراقي حتى الآن؟
هل يصلح نظام ديموقراطي للعراق بهذه التركيبة المعقدة والمتفجرة؟
لماذا هناك شيعة لا يزالون يؤيدون ويدافعون عن صدام على افتراض أنه كان طائفيا؟
ماذا أفعل أنا كمثقف عربي وأنا أراكم ترون حكومة وإفرازات الاحتلال واقعا شرعيا؟
ماذا تطلب ككوردي من المثقفين والمفكرين العرب الأحرار ممثلين بهذا الصرح؟

الاستاذ الفاضل
الدكتور عامر العظم
رئيس  الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب

    بداية اشكرا لكم مداخلتكم الكريمة ومروركم الجميل هذا، كما بودي أن أشيد باهتمامكم شخصيا بما نكتبه سواء اتفقنا ام لم نتفق في وجهات نظرنا للامور، وهذه صفة خلاقة وراقية اتمنى ان تسود صفحات ومنتديات موقعنا الكبير هذا، وان يكون بحق الصوت والصوت الاخر، بل يكون صوتا لكل المضطهدين في الشرق الاوسط وعالمنا العربي والعالم.

    في تساؤلكم الاول عن سبب اقتراف النظام السابق لهذه الجرائم، حقا هولم يستيقظ فجرا ليقترف كل هذه المآسي؟
      ربما الكثير من الاشقاء العرب لا يعرفون طبيعة الذين حكموا العراق لأربعين سنة خلت ومنظومة افكارهم واسلوب ادارتهم وسلوك اعضائهم وقياداتهم تجاه من يعارضهم في الفكر او الرأي او ربما يزاحمهم على ادارة البلاد، ولو تسنى لسيادتكم وقرأتم الحلقات السابقة من مقالنا حول الانفال لأدركتم الكثير مما جرى ، وعموما لكي لا اطيل عليك اخي الفاضل فان النظام السابق لم يستيقظ فجرا لكي يبيد ويهجر اكثر من نصف مليون عراقي بحجة انهم من تبعية فارسية؟ وهذه واحدة من اكثر جرائمه بشاعة بحق المواطنين العراقيين بصرف النظر عن اصولهم العرقية او الاثنية، فكما تعلمون استاذنا الفاضل هناك ربما الملايين من العرب والمسلمين وغيرهم ممن استحصلوا جنسيات امريكية واوربية وغيرها حسب نظام الاقامة والتجنس في تلك الدول خلال اقل من عشرة سنين ، واصبح من حقهم ان يكونوا ليس فقط مواطنين من الدرجة الاولى فحسب بل رؤساء او وزراء او اي موقع آخر.
     وبصرف النظر ايضا عن الاسباب التي ادت الى الحرب مع الكورد ، واقول الكورد لأن النظام السابق لم يقاتل ويقتل قوات البيشمه ركه فحسب بل دمر اكثر من اربعة الاف قرية بكل ما فيها وعليها من بشر وحيوان ونبات وأحالها الى ارض محروقة، وتلك العمليات التي استمرت لأكثر من عام كامل، موثقة لدى الامم المتحدة واقرتها محكمة الجنايات العراقية العليا، وهناك منظمات اممية غير حكومية على اطلاع موثق بكل تلك الجرائم بحق الانسانية.
     اما فيما يتعلق باتهام الكورد وقياداتهم بالعلاقة مع اسرائيل فتلك شماعة مقرفة حقا، والاولى ان ندع هذا الموضوع للاخرين سيدي الفاضل ، فعلم اسرائيل يرفرف فوق اعلى المباني في عواصم العروبة وفي مقدمتهم عاصمة العرب وحضارتهم ونضالهم قاهرة مصر العروبة ومعظم عواصم الدول العربية الاكثر علاقة بموضوع فلسطين الجريحة ارضا واقتصادا وتاريخا.
    ان علاقة الكورد باسرائيل كما تدعي بعض وسائل الاعلام العربية واحدة من الشماعات المزرية والمثيرة للتقزز امام ما يجري الان من صفقات بين اسرائيل وكثير من الانظمة العربية وحتى كثير من القوى ذات العلاقة المباشرة بقضية فلسطين في الساحة الفلسطينية وغيرها.
    انا لن اكون في مكان احد في العراق فانا اشغل مكاني فقط، وكان على الرئيس السابق ان يقاتل بمستوى طروحاته وخطبه حتى الموت لا ان يخزينا جميعا بتلك الصورة والنهاية البائسة التي انتهى بها نظامه المهلهل والمليئ بالأكاذيب والشعارات الفارغة التي خدرت شارعنا العراقي والعربي منذ عشرات السنين، انظر يااخي الفاضل ماذا يجري في بلد يفترض ان يكون واحدا من ارقى بلدان العالم بتاريخه وثرواته وامكانياته وحضارته، بسبب تلك الاكاذيب والشعارات الكاذبة والاستبداد الفردي والقبلي والعرقي وحتى المذهبي، ليس في العراق فحسب، فهذه سمة معظم انظمتنا السياسية في منطقة الشرق الاوسط.
    الوضع العراقي سيتم ضبطه لو تخلت دول الجوار وما بعد الجوار عن اجنداتها في العراق، وتخلى الحاضنون لأجندات الخارج في العراق ممن يحنون للقائد الضرورة والدكتاتورية المقيتة ويتأملون باعادة عقارب الساعة الى الوراء. ويمنحون الوطنيون العراقيون فرصة تحرير البلد من الاحتلال والابادة الجماعية التي تقترفها دول الجوار في الشرق والغرب والشمال من العراق.
    لا علاقة بالديمقراطية بما يحدث الان في العراق، فكما يعلم جنابكم الكريم ان الديمقراطية نظام لتبادل السلطة باسلوب متحضر بعيد عن الاساليب التي اعتدنا عليها هنا بالانقلابات والتوريث، وما يحدث في العراق اليوم حرب بين الماضي والحاضر وبين ايران وامريكا وبين سوريا وامريكا وبين وبين الى اخر المتصارعين والمتورطين معهم من العراقيين وليس للشعب العراقي اية مصلحة في كل ذلك، وما يجري كله لحساب الامريكان والقاعدة وبقايا النظام السابق والقوى الدينية والمذهبية المتطرفة.
    رغم انني لا احبذ الرد بسؤال ولكنني اراني مضطرا للقول: وهل تستكثر على نظام وحزب حكم العراق مايقارب الاربعين سنة ان يكون له اتباع ومريدين من كل الشرائح والطبقات وحتى الاعراق والمذاهب؟
    صدقني ايها الشقيق الذي اكن له كل الاحترام والاعتزاز، لو كنا جميعا تركنا الفلسطينيون يقررون مصيرهم منذ البدايات لكانت الامور غير ما هي الان ، لقد زرعنا في فلسطين وأنشأنا اكثر من عشرين قطرا عربيا بكل ما تعني الكلمة من ايديولوجية ومخابرات وامكانيات ومرتزقة وجنابكم خير من يعرف حقيقة تأثير النظم العربية على مجريات القضية الفلسطينية والمتاجرة بها كما يحصل اليوم مع القضية العراقية. لو تركوا العراقيون يمارسون دورهم في التعاطي مع من استقدمهم ومنحهم فرصة الاحتلال من الامريكان وغيرهم، لاستطاع هذا الشعب ان يختصر الزمن لعلاج جروحه الغائرة. ليس الامريكان وحدهم يحتلون العراق فهناك الايرانيون وعصابات الجريمة المنظمة القادمة من خارج الحدود بكل مسمياتها والجهات القادمة منها وكل اجهزة المخابرات العاملة على ارض العراق. لم يكن الكورد هم الذين استقدموا الامريكان ايها الاخ الفاضل بل استقدمهم الاشقاء في الخليج وسوريا ومصر العربية والمغرب، بل وقاتلوا معهم وامامهم قوات الجيش العراقي وابادوه ابان ( غزوة ) الكويت.
    في هذا الصرح ايها الفاضل الكبير ارى بارقة امل لبناء صرح راقي للتعاطي مع الحياة ومفرداتها، متمثلة بطروحاتكم وجرأتكم في تناول كثير من القضايا المهمة بروح راقية ومتحضرة للوصول الى افضل النتائج.
     اتمنى ان يتفهم المثقف العربي قضيتنا ويتعاطى معها كما تعامل وتعاطى المثقف والانسان الكوردي العادي مع قضايا الشعب العربي في التحرر والاستقلال منذ صلاح الدين الايوبي وحتى يومنا هذا، لا ان يهمشنا وينظر الينا من زاوية شوفينية فيضطرنا للتعامل مع من يفهم ويتعاطف مع قضيتنا من غير جيراننا.
    حقيقة ايها الاستاذ  يعز علينا ان نرى الكثير من الاوربيين والامريكيين ممن يتعاطفون معنا من المنظمات المدنية والمؤسسات الاجتماعية وحتى الدول، في الوقت الذي لا نرى معنا من يشترك معنا في الدين والارض.
    خيارنا كما قلت في مقال سابق هو العراق وسوريا وليس لهم غيرنا اخوة واصحاب، صدقني والعكس صحيح.
شكرا ايها الاستاذ الفاضل عامر العظم..

388
  لا يا سوريا الأسد؟

                                                                كفاح محمود كريم


    حينما كان العراق جحيما وسياط الطغاة تلاحق المناضلين من مدينة إلى أخرى ومن حي إلى آخر كانت سوريا حافظ الأسد تفتح أبوابها لحاملي مشاعل الحرية والانعتاق، ليس هذا فقط فحسب وإنما لتقطع كل أشكال التعاون والعلاقات مع نظام البعث العراقي وقادته، وتغلق الحدود بكاملها وتمنع إي عبور أو اختراق إلا لأولئك الذين يقاومون النظام ممن يحكمون العراق الجديد هذا اليوم.

لم تكن قيادة حافظ الأسد تفرق بين عربي أو كوردي، شيعي أو سني، فقد احتضنت الجميع وتضامنت معهم ومع عوائلهم وأمدتهم بالمال والسلاح والخبرة والأمن والأمان، بل منحتهم جواز سفرها وهوية دولتها للعبور إلى حيث يرغبون، حينما جردهم نظام البعث العراقي ورئيسه صدام حسين من كل ما يثبت هويتهم وجنسيتهم وجواز مرورهم.

هكذا كانت سوريا الأسد مع العراقيين المعارضين والمقاومين لنظام البكر- صدام، دونما أن تقول لهم إنكم شيعة أو سنة، كوردا أم عربا، وكذا كانت في مطلع الستينيات من القرن الماضي لولا أن أصاب بعض مفاصلها فيروسات الشوفينية التي انتقلت من خلال مفكر تلك العقلية ميشيل عفلق ومجموعته التي انشقت لتؤسس كيانا مسخا على شاكلة ما أراد تأسيسه أدولف هتلر في ألمانيا.
ففي عام 1963م كلف أمين الحافظ أحد ضباطه برتبة ملازم وهو (محمد طلب هلال) لكتابة دراسة أو بحث عن الوجود الكوردي في سوريا وكيفية التعاطي معه وبالذات في منطقة الجزيرة السورية، ولم يتأخر ذلك الملازم المغمور في إسقاط مكنوناته الشوفينية ومركبات نقصه في بحث أقل ما يقال عنه، إنه صفحة من أبشع صفحات العنصرية هنا في منطقتنا وفي سوريا التي ما عرفت في تاريخها نمطاً كهذا من التعامل والتعاطي مع الآخرين، بل إنها ربما كانت في غفلة من كثير من القيادات السياسية الأخرى في سوريا.
لقد وضع ذلك الملازم مجموعة من مشاريع إفراغ الجزيرة من الكورد بتشتيتهم وإسقاط جنسياتهم وتهجيرهم تدريجيا إلى خارج سوريا أو تحويلهم إلى نزلاء فندق دون حق المواطنة وإذابة من يتبقى منهم في أغلبية عربية باستخدام استيطان الآخرين على أطلال قراهم ومزارعهم. فضلا عن اقتراح الأحزمة الأمنية وهي مجاميع من القرى العربية أقيمت على طول الحدود الدولية مع العراق بعد ترحيل وتهجير سكانها الكورد واستقدام عشائر لا تمت بصلة للمنطقة واسكانها هناك مع إعطائها امتيازات ومكافآت في الجيش وقوى الأمن الداخلي.
ولم تمض إلا سنتان وبدأت تلك القوى الشوفينية بتنفيذ مخططها العنصري في شق الصف السوري وزرع الكراهية بين مكوناته وأعراقه وشن حملة شعواء ضد واحد من أهم مكونات الدولة السورية من أحفاد ذلك القائد الذي حرر ذات يوم الأرض العربية في فلسطين! هذا المكون من الكورد الذين أسهموا في بناء سوريا بكل مجالات الحياة في الاقتصاد والصناعة والزراعة والسياسة والآداب والفنون، واستشهد الآلاف من شبابهم ومن مناضليهم لأجل سوريا وسيادتها وحرمة أراضيها منذ استقلالها وحتى آخر حرب من حروبها مع إسرائيل. وهكذا قاد أمين الحافظ ومجموعته من الجناح الشوفيني عمليات التهجير والفصل العنصري والأحزمة العازلة وإسقاط حقوق المواطنة عن مواطنين سوريين لا ذنب لهم سوى أنهم ليسوا عربا ومن القومية الكوردية ليس إلا!.
ويقول في هذا الصدد رئيس التجمع القومي الموحد في سوريا السيد رفعت الأسد على لسان ناطقه الرسمي انه قاتلهم ونهجهم (ويقصد تيار أمين الحافظ ومجموعته) في شوارع دمشق حتى أدى ذلك أخيرا إلى هروب أمين الحافظ وميشيل عفلق إلى بغداد.
ويستطرد الناطق باسم السيد رفعت الأسد في تعليقه على الإحداث الأخيرة في قامشلو قائلا:
ومن المؤكد أن الأوضاع السابقة ، قد لحق بها الكثير من التحسن بعد ذلك ، لكن الحقيقة التي لا ينبغي إنكارها ولا القفز من فوقها، أن الأمور ظلت، وإلى حد كبير ، محكومة بفكر لم يتحمل اسم حي الكورد التاريخي في دمشق ، حيث تم إلغاؤه ، وإعطاؤه اسما عربيا بديلا ، هو (ركن الدين).
إن ما يجري منذ سقوط نظام حزب البعث العراقي الذي كان يضع نظام حكم الرئيس حافظ الأسد بمستوى إسرائيل في التعامل والتعاطي إلى درجة إعدام أي شخص تثبت علاقته بالبعث السوري أو مجرد مدحه للرئيس الأسد بل إن مجرد العبور عبر الأراضي السورية أو زيارتها تعدو جريمة لا يغفرها النظام السابق، أن ما يجري ألان من احتواء واستقبال وإعادة الحياة لذلك النظام من بعض أوساط الحكم في دمشق لا يجد له إي تبرير أو مسوغ معقول إلا اللهم إن كانت هذه الأوساط تعمل لصالح ذلك النظام من خلال مؤسسات الحكم في سوريا قبل سقوطه وهي تداري تلك العلاقة الخطيرة الآن بادعاء مساعدة الشعب العراقي ومقاومته واتهام مناضلي الأمس بالعمالة للاحتلال!؟ خصوصا وقد فتحت كل أبواب سوريا لأولئك الذين كانوا يعتبرون نظام الرئيس حافظ الأسد أخطر من إسرائيل في أدبياتهم وسلوكياتهم. بل إن ما جرى في قامشلو منذ انتفاضتها وحتى الهجوم الأخير على مواطنين مدنيين سوريين كورد وهم يحتفلون بعيدهم القومي، وقتل أربعة من شبابهم وجرح العديد منهم تأتي ترجمة لعقلية ذلك النظام الذي كاد يدمر العراق وشعبه والذي ما زال يدفع فاتورة تلك السياسة العنصرية التي استخدمها البعث العراقي ضد الكورد والتركمان والشيعة.
ويتذكر ضحايا رئيس النظام السابق صدام حسين في سوريا والعراق بألم وأسى حينما رفع أولئك المندسون في مؤسسات الحكم السوري الأمنية وتنظيمات الحزب في القامشلو بعد الانتفاضة، صور ذلك الدكتاتور الذي ما برح يعتبر سوريا ورئيسها الراحل وحزبها اخطر من الكيان الصهيوني على حد تعبيره في خطابه بعد إعدام مجموعة محمد عايش عام 1979 م. إن كل ما حدث منذ أكثر من ثلاثين عاما من تاريخ حكم ذلك النظام من حروب ومآس وتدمير لكوردستان وللجنوب العراقي ولإيران والكويت وللبنى العراقية التحتية وهدر الثروة الهائلة للعراق إنما جاء نتيجة لتلك السياسة الحمقاء في التعاطي مع الكورد والشيعة ومع الجيران عربا وإيرانيين وأتراكا، وأدى آخر المطاف إلى احتلال العراق وإسقاط ذلك النظام الذي فشل في أن يبلور فكرة المواطنة الصحيحة بسياسته الرعناء طوال ما يقارب من أربعة عقود حتى سقطت بغداد دونما مقاومة تذكر وتحولت منظمات وتنظيمات ذلك النظام البائس إلى مجاميع من السراق واللصوص وقطاع الطرق في تنفيذ عمليات السلب والنهب في ما سمي بالحواسم حيث سرقوا كل شيء يتبع المال العام من الموصل وحتى البصرة.
إن الاستهانة بأرواح الآخرين وتهميش مكونات أساسية من الدولة السورية لا يتفق والإرث الراقي للحضارة الشامية والنسيج المحبوك للمجتمع السوري المعروف برقيه وسمو معانيه، ولا يتفق تماما مع ذلك النهج المتوازن للرئيس الراحل حافظ الأسد الذي أرسى نظاما علمانيا وطنيا يدعو للعدل وللمساواة بين مكونات الشعب السوري وأطيافه الزاهية. وبقي لعقود طويلة لا يساوم على مواقفه من النظام الاستبدادي والشوفيني الذي أقامه ميشيل عفلق ومجموعته في ما سمي بالبعث العراقي برئاسة صدام حسين، ودافع بإصرار عن المعارضة العراقية ومواقفها وتبنى موقفا ايجابيا ومناصرا من القضية الكوردية في العراق وقياداتها طوال العقود الثلاثة قبل سقوط النظام السابق.
إن دولة تنتهج نمطاً كهذا من السلوك لا يمكن لبعض مفاصلها أن تتصرف بما يسيء لسمعة هذا النهج وتقوم بعمليات أقل ما يقال عنها بأنها عمليات إجرامية بحق الإنسان وحقوقه المدنية وحريته في ممارسة شعائره وأعياده القومية والدينية.

حقا إن سوريا حافظ الأسد لا تقتل الصقور، لكنهم ربما كانوا خفافيش يختبئون في زوايا العتمة التي أسسها نظام البعث العراقي وارتحل دون رجعة تاركا أولئك المندسين هنا وهناك بثقافتهم البائسة ينشرون الجريمة والرذيلة أينما حلوا أو ارتحلوا.

389
       
زمار.. بين الاغراق والترحيل
                                                                                كفاح محمود كريم
   
   لم تكن عمليات التعريب والتغيير الديموغرافي محصورة في مراكز المدن في الموصل وكركوك وديالى فقد شملت هذه السياسة كل المناطق التي تقع غرب دجلة اعتبارا من ضفة نهر دجلة الغربية وحتى أقصى غرب سنجار، مرورا بربيعة التي كانت حتى مطلع الثلاثينات من القرن الماضي تعج بالعشائر الكوردية التي تم تصفيتها بالترحيل والإذابة بين المجتمعات العربية منذ ذلك الحين واستبدالها بعشائر شمر من الصايح والعبده ثم عشائر الجبور والعوجان وكثير من العشائر العربية التي تم تشجيعها للاستيطان هنا في هذه المنطقة لعزل كوردستان تماما عن جناحها الغربي في زمار وتلعفر وسنجار وبقية غرب  اقليم كوردستان العراق.
   ومنذ قيام الدولة العراقية اتجهت الأنظار إلى إجراء تغييرات ديموغرافية في هذه المناطق، حيث بدأت حكومة المملكة العراقية منذ ثلاثينات القرن الماضي بتمليك مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت تعج بالعشائر الكوردية إلى عشائر عربية لا تمت بصلة إلى المنطقة تحت مسميات مختلفة ربما أهمها هي مسألة توطين البدو في قرى ومجمعات واراضي هذه المنطقة، حيث تم استقدام عشائر البدو من مناطق الحضر والشرقاط والبيجي واطراف سامراء وتوطينهم في هذه المناطق.
   وهذا ما حصل فعلا، حيث تم تمليك المئات من شيوخ تلك العشائر آلافا من الدونمات الزراعية على طول الحدود مع الدولة السورية باتجاه الموصل شمالا وسنجارغربا ودهوك شرقا، مما يخلق حاجزا سكانيا يفصل تماما بين غرب وشرق اقليم كوردستان من طرفي محافظة دهوك والموصل.
  وخلال سنوات تم تهجير وإذابة الكثير من العشائر الكوردية من المنطقة إلى مناطق بعيدة عن مواطنها وإشغال أماكنها من قبل تلك العشائر التي استقدمت لغرض التعريب، وتمليكها الاراضي ووسائل الانتاج والاسلحة وتأسيس وحدات عسكرية او مخافر حدودية قرب قراها لربطها وتأمينها في المنطقة، وحينما اكتملت عمليات التهجير والاستيطان بدأت الحكومة بتنفيذ برنامجها في سد الموصل كما ذكرنا اعلاه، هذا السد الذي كان في اساسياته مشروعا لأرواء سهل تلعفر وسنجار كونهما يعانيان من شحة المياه واعتمادهما على الزراعة الديمية والامطار الموسمية والتي تقع معظم اراضيهما خارج الخط المطري المعروف في المنطقة، وكما يقول المؤرخ العراقي الدكتور سيار الجميل في مقاله عن سد الموصل وخطورته: 
    ( لم يكن سد الموصل وليد عهد صدام حسين، لقد ولدت فكرته لأول مرة عام 1950 ايام العهد الملكي، اذ كان يعد واحدا من المشاريع العملاقة لمجلس الاعمار في العراق واستغرقت دراساته اكثر من ثلاثين سنة من جانب شركات بريطانية وسويسرية وفنلندية وسوفياتية واميركية وايطالية وفرنسية ونمسوية وتشيكوسلوفاكية وغيرها. اذ ليس هناك عهد من العهود السياسية في العراق لم يعقد اتفاقيات مع شركات عالمية عدة للدراسة ومعرفة طبيعة الارض وجيولوجياتها. وقد اختير اكثر من موقع، وكان يطلق عليه اسم مشروع سد اسكي موصل (بسبب وجود قلعة اسكي موصل والتي غمرتها اليوم مياه البحيرة). وتقول المعلومات ان موقع بناء السد كان الى الاعلى من موقعه الحالي عند قرية "ضوء القمر" (60 كيلومتراً شمال الموصل)، ولكن تغّير بعد ذلك الى الموقع الحالي. كما دُرست ايضا مشروعات جدوى سد الموصل، وتقرر ان تعقبه اربعة مشروعات كبرى للري، اثنان غرب دجلة (ري الجزيرة الشمالي وري الجزيرة الجنوبي) ثم اثنان شرق دجلة (ري الجزيرة الشرقي لكل سهول الموصل واربيل). وذُكر ان السد سيؤمن بعد اكماله الزراعة الدائمة الكثيفة لمساحة تقرب من ثلاثة ملايين ونصف مليون دونم من الاراضي القابلة للزراعة على جانبي نهر دجلة كما سيؤمن المياه لاحتياجات الزراعة الصيفية في اواسط العراق وجنوبه. ومن اغراض السد ايضا توليد الطاقة الكهرومائية والسيطرة على مياه نهر دجلة لدرء اخطار الفيضان وبخاصة في مدينة الموصل ).
    حتى حوله النظام السابق ورئيسه صدام حسين الى مشروع شوفيني عنصري لا يخدم الزراعة بقدر خدمته اهداف ذلك النظام، وتحويله الى هدية الى منطقة ربيعة كما صرح هو نفسه حينما زار المنطقة وحرم سهل تلعفر وسنجار من المياه ليمنحها الى منطقة لا تحتاجها اصلا.
   ولعلنا نتذكر جيدا عملية إغراق بلدة أو مركز ناحية زمار واكثر من 25 الف دونم من افضل الاراضي الزراعية في حوض السد بما فيها اعرق قرى المنطقة وأقدمها تاريخا الا وهي قرية ( جفتكا عمري مستي ) التي يعود تاريخها الى عام 1878 م أي قبل تأسيس الدولة العراقية بأكثر من اربعين عاما، كما يذكر الدكتور موسى هسنياني الاستاذ المساعد في قسم التاريخ بكلية الاداب في جامعة دهوك. 
   اضافة الى تدمير قرية سي قبه الكبيرة ومعظم قرى الكورد في هذه المنطقة وترحيل قسم كبير من سكانها بعد عام 1975م والقسم الاخر على خلفية مشروع سد الموصل السياسي والتعريبي الذي افتضح أمره منذ عدة سنوات.
  وقد تم تمليك ما تبقى من أراضي بين منطقة ربيعة وناحية الشمال (سنون ) في قضاء سنجار من جهة، وبين ربيعة وعوينات من جهة أخرى للشيوخ من شمر ومن عشيرة زوبع وبقية العشائر العربية والبالغة عشرات الآلاف من أخصب الأراضي في مشروع أرواء الجزيرة ( مشروع ربيعة ) الذي تحول فيه سكان المنطقة الاصلييين من مالكين إلى أجراء يعملون عند إقطاعيات تم استحداثها في عملية التعريب هذه.
  ولم يكن هذا المشروع مشروعا اقتصاديا أو إنمائيا بقدر كونه مشروعا عنصريا، وذلك لتقطيع أوصال الاقليم وإنشاء عازل طبيعي بين كل من شنكال وزمار من جهة وبقية أنحاء كوردستان من جهة أخرى وبالذات منطقة دهوك. حيث مئات المزارع المملوكة للعرب وآلاف الأجراء الكورد وبالذات الايزيديون وحرمان سكان المنطقة الأصليين من الهسنيان والميران والموسى رش والكركرية من امتلاك أو استثمار أية أموال أو أراض زراعية كمزارع على مشروع ربيعة، لسبب واحد وهو إنهم كوردا.
   إن التصاميم الأساسية للشركات التي صممت وربما نفذت أجزاء من المشروع تؤكد بأنه يمتد الى أطراف قرية خانصور غربا والى شنكال وتلعفر الى الجنوب  والجنوب الغربي من المنطقة، إلا إنهم لم ينفذوا إلا الجزء الذي يحقق مآربهم العنصرية فقط.
     وفي تلعفر التي لا تضم إلا مجموعة صغيرة من القرى تم استبدال أصول وانساب كثير من العشائر الكوردية الأصل أو التركمانية بأصول وانساب عربية منذ تسلط البعثيين على الحكم وحتى سقوطهم في نيسان 2003م. حيث فرضوا على جميع العشائر في هذه المنطقة أن تختار لها أصولا عربية وتنظم شجرات لعوائلها تؤكد انها من انساب هذه الاصول الجديدة فيما عرف لاحقا بتصحيح القومية!؟.
   وكذا الحال في سياسة الترحيل والتهجير لسكان زمار وآفكني أو العياضية وعشرات القرى التي تم تدميرها بالكامل في هذا القاطع من غرب دجلة حتى اجتازت عاصفة التعريب نهر دجلة باتجاه زاخو ودهوك حيث وصلت العشائر العربية الى تخوم المدينتين.
   وباتجاه الغرب نثروا العشائر العربية قرب الحدود السورية ومع اتجاه الطريق الذي يربط ربيعة بتلعفر والموصل من جهة وباتجاه الطريق الذي يربطها مع سنجار حتى حدود جبل سنجار حيث قرية خازوكة التي تسكنها عشيرة الجحيش العربية، إضافة إلى عشرات القرى التي تم إنشاؤها على طول الحدود مع سوريا من نقطة الخابور وحتى تل صفوك في غرب سنجار وإسكان العشائر العربية المستقدمة من مناطق لا صلة لها تاريخيا ولا جغرافيا بهذه الأماكن مثل قرى الفاو وحصاويك والزكو وبني سبعة والتي دعموها بوحدات عسكرية من الجيش وحرس الحدود او مخافر الشرطة التي عينوا فيها ابناء تلك العشائر لكي ترتبط اكثر بالمنطقة وتنفذ مشاريع النظام في الكراهية والتسلط وإشاعة التفرقة بين الناس وتحويلهم الى درجات اعلى وأقل في المواطنة.
   واذا كان سقوط النظام السابق جاء نتيجة لتلك السياسات الشوفينية التي كلفت العراق ومكوناته خسائرا فادحة وفرصا ذهبية للتطور والازدهار بدلا من تلك السلوكيات والعبث الذي ادى الى زراعة الاحقاد والكراهية والظلم بين الناس، فان الحكومات التي أعقبت سقوط ذلك النظام ما زالت تراوح في مكانها وعند حدود نفس السلوك والممارسات المقيتة وعاجزة عن أن تصلح ما افسده ذلك النظام وتعيد الحق الى اصحابه بعد مايقارب من خمس سنوات على انهيار وسقوط نظام البعث.
   وأكثر ما يزيد المشكلة تعقيدا وجدلا إن الحكومات التي اعقبت حكومة صدام حسين وحزب البعث يفترض انها من ضحايا ذلك النظام ومن أشد المعارضين له وجاءت انما لتعيد الامور الى نصابها وتنصر المظلومين من ابناء العراق بصرف النظر عن اعراقهم او اديانهم او مذاهبهم ، وأن يكون مجلس النواب موطن صيحات واهات اولئك الذين جزتهم سكاكين النظام السابق لا أن يكون منبرا لهلوسات من يعيد الى الذاكرة ثقافة علي كيمياوي والابادة الجماعية والعرقية لغير العرب في الموصل وغيرها من مدن العراق، ويلغي مكونات مهمة من تركيب السكان في المحافظات والبلدات، بل يعتمد نفس احصائيات النظام السابق للمكونات العرقية المصححة القومية وتلك الثقافة البائسة في التعاطي مع الكورد والتركمان والكلدان والاشوريين وغيرهم من مكونات العراق القومية والعرقية او الدينية والمذهبية. بل وتمارس جهات مهمة من الدولة الجديدة نفس ممارسات النظام السابق في تأسيس قوميات واحزاب للزينة على خلفيات مصالحها في محاربة القوميات الاخرى، كما يحصل الان في تصنيع قوميات على اسس دينية اومذهبية مع بعض العشائر الكوردية في محاولة يائسة وبائسة لاستنساخ تجارب حزب البعث وممارساته التي دمرت العراق وشعوبه.
  إن عراقا جديدا ومعافى لا يمكن له أن ينهض دونما معالجة تلك الجروح واعادة الحق الى نصابه وإشاعة قيم المساواة والعدالة والانسانية وسيادة القانون بدلا من الشوفينية والنظرة الضيقة والفوقية في التعاطي مع الاخرين، ونبذ ثقافة الاقصاء والتآمر وزرع الكراهية والاحقاد على اسس دينية او قومية او عرقية.

390
الكورد وعراقية الموصل
                                                                                           
   كفاح محمود كريم
     
     قبل ما يقارب المائة عام كانت الموصل ولاية من ثلاث ولايات في مابين النهرين وحتى رأس الخليج، بعد البصرة وبغداد، تتبع الدولة العثمانية المترامية الأطراف، وكانت ولاية الموصل آنذاك عاصمة كوردستان الجنوبية و تضم محافظات كركوك واربيل والسليمانية إضافة الى الموصل وتوابعها بحدودها الى ما قبل قيام الجمهورية العراقية واستحواذ البعث والشوفينيين على السلطة بعد انقلابهم المشبوه والمدفوع الاجر( حسب ما صرح به احد قيادييهم في ستينات القرن الماضي )* في 8 شباط 1963م، وحتى سقوط نموذجهم البدائي في 9 نيسان 2003م، وبمدنها من سنجار على الحدود السورية والى بدرة وجسان على الحدود الإيرانية.
    وحينما انهارت تلك الدولة المتخلفة التي أسستها إحدى عشائر المغول معتمدة الإسلام وسيلة لسيطرتها وانتشارها في مشارق الأرض ومغاربها، تقاسم الخبثاء من البريطانيين والفرنسيين أنذاك ارث تلك الدولة التي أعلن وفاتها بعد ولادتها القيصرية لدولة في آسيا الصغرى سميت فيما بعد بجمهورية تركيا، والتي استمرت بالمطالبة بولاية الموصل بعد انكفائها الى ما وراء الحدود  شمالي العراق الحالي.
   احتل البريطانيون مركز ولاية الموصل عام 1918 م واستمرت تركيا تطالب بضمها الى أراضيها في ما عرف بمشكلة الموصل حتى تم رفعها الى عصبة الأمم والتي أرسلت بدورها لجنة تحقيق دولية بتاريخ 27 كانون الثاني 1925م حيث بدأت بمشاوراتها واستقصائها للحقائق الديموغرافية وآراء الناس الساكنين فيها.
   ولقد أكدت معظم المراجع بأن الكورد هم الذين حسموا انتماء الموصل وعراقيتها من خلال أصواتهم التي كانت تقارب الثلثين من التركيب السكاني للموصل مركزا وإقليما ولا يتسع المجال هنا لأيراد احصائيات اللجان العراقية والتركية والبريطانية وعصبة الامم المكلفة باحصاء سكان المدينة حسب اعراقهم وقومياتهم والتي أكدت جميعها اكثرية الكورد في المدينة، وبذلك منحوا الموصل هويتها العراقية واصالتها الكوردستانية، ولعل ما قاله خير الدين ألعمري كشاهد عيان عاصر وعاش تلك الإحداث بدقائقها وتفاصيلها، حيث يقول في معرض حديثه عن مشكلة الموصل:"1"
( كان المرحوم فيصل والإنكليز والحكومة العراقية قد مهدوا طريق النجاح لحل المشكلة لصالح العراق "وقد سطر الصفحة الذهبية في هذا الاستفتاء أبناء الشمال الأكراد، فقد انضم الأكراد وفاز العراق.)                   
    وعن موقف عرب الموصل كتب ألعمري يقول:"2"
    ( كان بعض العرب يتهربون من مواجهة اللجنة، محافظين لخط الرجعة فيما لو عاد الأتراك الى هذه البلاد.. )
   ويضيف ألعمري قائلاً:
    ( وقد تهافت بعض عرب الموصل على تقبيل أيادي جواد باشا الممثل التركي، وهتف آخرون بحياة مصطفى كمال (أتاتورك)،  ولولا الشغب الذي أحدثه بعض المخلصين تخويفاً للباشا الموما إليه ليمتنع عن الخروج والتجول في المدينة لتوالت المخازي. )         
    وكتب رئيس لجنة التحقيق الدولية( فيرسن ) يقول:"3"
( انه عندما اخذ جواد باشا بالتجول في الموصل، خرجت فوراً مظاهرات مؤيدة للأتراك وسلم المتظاهرون على جواد باشا (ممثل تركيا) وقبل عدداً منهم يديه، فتدخلت الشرطة وضربت المتظاهرين. )
  في هذا المختصر المفيد لتركيبة الموصل ودور الكورد في تبعيتها الى دولة العراق التي تأسست مطلع القرن الماضي أفضل رد لأولئك الذين يزايدون على الآخرين في وطنيتهم وانتماءاتهم، ويجردون الموصل من هويتها العراقية الكوردستانية بكوردها وعربها وكلدانها وكافة أديانها ومذاهبها، ويحرضون الناس على الكراهية والعنف بادعاءاتهم العنصرية والإرهابية والتي يدعون فيها إن نسبة الكورد في الموصل لا تتجاوز أكثر من ثلاثة بالمئة تارة وعشرة بالمئة تارة اخرى، وان الايزيديين عربا أو إنهم قومية مستقلة في سابقة هي الأولى من نوعها لتصنيع قوميات على اسس دينية ومذهبية لا علاقة لها بعرق الانسان وقوميته كما يفعل تجار السياسة هذه الايام في تصنيع قوميات واعراق على هواهم ومصالحهم حسبما تعلموه في مدرسة البعث ، حيث أدت هذه الادعاءات والتحريضات على تهجير الكورد وتقتيلهم في عمليات اغتيال واختطاف وعمليات ابادة جماعية لمعتنقي الديانتين الايزيدية والمسيحية ومن اتباع المذهب الشيعي في مدينة الموصل وأطرافها.
   إن ما حدث وما يجري الآن ومنذ سقوط النظام العنصري من عمليات واسعة لتصفية الكورد والكلدان ومعتنقي المسيحية والايزيدية والكورد الشيعة من عشائر الشبك وغيرهم إنما جاء تنفيذا وتطبيقا لتلك التحريضات التي يوجهها أعضاء في مجلس النواب العراقي مستغلين حصانتهم البرلمانية وامتيازاتهم الاعلامية في اشاعة الكراهية والتحريض على القتل والتهجير من خلال وسائل اعلام لا يهمها الا تأجيج الاوضاع في العراق وإدامة الفوضى واللاقانون، اضافة الى كثير من المسؤولين في دولة يفترض إنها قامت على أنقاض دولة عنصرية بائسة أدت الى تدمير العراق وتشتيته وتهجير ما يقارب من ربع سكانه في الداخل والخارج.   
   إن الكورد والكلدان والتركمان بمن فيهم المسلمون السنة والشيعة والمسيحيون والايزيديون في الموصل أرقاما ليست سهلة كما يدعي أولئك الذين خسروا بسقوط نظام السلب والنهب والإقصاء والتهميش ما استحوذوا عليه من عقارات وأملاك وأراض في سياسة التعريب التي استخدمها النظام السابق في الموصل وأطرافها.
   إنهم من أهم مكونات الموصل مركزا وأطرافا، وهم ما زالوا ذلك الرقم الذي جعل الموصل عراقية بدلا من أن تكون ولاية تركية، وهم أنفسهم الذين كان لهم شرف امتلاك العراق لأرقى دستور منذ تأسيسه وحتى اليوم.
  إن الموصل وعلاقتها بأقليم كوردستان لا يمكن أن تحددها تصريحات غير مسؤولة لأناس ساهموا مع النظام السابق في الاستيلاء على عشرات الالاف من الدونمات في مخمور والشيخان وبعشيقة ومناطق اخرى في سياسة التعريب سيئة الصيت. ولا يمكن لهم او لغيرهم تمزيق نسيج العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الموصل وبقية اجزاء كوردستان من دهوك الى اربيل مرورا بعقرة والشيخان وسنجار وبقية المدن والبلدات التي تشكل الرئتين الاساسيتين لعملية التنفس لمدينة الموصل اقتصاديا واجتماعيا.
  إن أي محاولة لقطع الموصل عن اقليم كوردستان هي محاولة اغتيال وخنق المدينة اقتصاديا وتجاريا واجتماعيا. واذا كان البعض يرفض الهوية الكوردية للموصل تاريخيا وجغرافيا على خلفية نتائج التعريب عبر عشرات السنين، فهي ايضا لا يمكن ان تكون بهوية عربية خالصة لسبب بسيط هو هذا التنوع في تركيبتها السكانية والعرقية والدينية. وهي بالتالي مدينة مختلطة من مجموعة من القوميات والاديان والمذاهب والاعراق ترتبط تاريخيا وجغرافيا واقتصاديا باقليم كوردستان اكثر من ارتباطها بأي اقليم اخر في العراق.   
                   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والهوامش
 * التصريح الشهير لــ علي صالح السعدي امين سر قيادتهم القطرية في كيفية وصولهم السلطة بقطار امريكي وأموال خليجية؟
(1)ينظر نص التقرير في جريدة الموصل، العدد (944) في 7شباط 1925 علماً أن التقرير أكد على عروبة الموصل، وهذه المسألة هي مثار نقاش وتحتاج الى دراسة تاريخية علمية وموضوعية.

(2)للتفاصيل ينظر مؤلفه المخطوط: مقدمات ونتائج، جـ2 ص257-259

(3)للتفاصيل ينظر: ي.أف فيرسن "ذكريات من الحرب والسلم" في جرجيس فتح الله، يقظة الكرد، تاريخ سياسي 1900-1925. (اربيل، 2002) ص323-381.

391
سنجار.. والخبز الحار

كفاح محمود كريم
 
     
    ربما كان القمح المنتج في سنجار من أقدم وأكثر أنواع الحنطة جودة في إنتاج الخبز، وربما كان هذا الإنسان الذي يعيش الآن فوق أديم سنجار هو حفيد أكثر من سبعين ألف سنة في العمق الزمني للحياة وأنتج أول حلقات الزراعة في تاريخ البشر، وربما أيضا ولتراكم قيمي وأخلاقي عالٍ كان الخبز السنجاري الذي لا يكاد يبرد ذا نكهة ومذاق عاليين، فهو الساخن دوما والخارج من تنوره المتقد فور وصول الضيف في أي قرية أو بيت من بيوت المدينة وأطرافها، وتلك والله أجمل ما يميز سكان المنطقة على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم وأصولهم ومستويات معيشتهم.
    سنجار واحدة من اعرق المدن الكوردستانية والعراقية بجذورها الممتدة عبر التاريخ الى ما وراء ما قبل التاريخ، حيث هجع إنسانها الأول في باطن أكثر من سبعين كهفا في وادي شلو المثير للجدل، في تخوم جبلها الممتد لأكثر من سبعين كيلومترا في سهلٍ يعانق الصحراء والسهل الممتد الى أقاصي كوردستان الغربية في عفرين وقامشلو.
   وإذا ما صدق ألآثاري الأمريكي سيتون لوئيد في تحقيقاته وتنقيباته الأثرية في عام 1936 حينما زار سنجار باحثا عن أجداده الأوائل، ليكتشف هناك أدوات ولقى تدله الى الحنطة والشعير والقرية والاستيطان، في سابقة لإنسان سنجار الأول وشقيقه في (زيوه جه مي)، الذي ابتدأ خطواته الأولى باتجاه الشمس والحضارة قبل سبعين ألف سنة كما توقع سيتون لوئيد!
   في هذه المدينة تختلط تضاريس متناقضة في أجوائها ومناخاتها وطوبوغرافيتها، لتمنحنا بانوراما رائعة من التكوينات الإنتاجية في الزراعة وملحقاتها والحيوانية بأصنافها ونوعياتها، ولتعطينا أيضا أشكالا جميلة ومثيرة أحيانا للتركيبات السيكولوجية والسلوكية للسكان في هذه التضاريس المتناقضة.
   فمن الصحراء التي تمتد جنوبا حيث البدو الرحل من العرب والكورد، وعشرات القرى القريبة من بعض الينابيع أو واحات الشتاء والربيع حول مدينة البعاج التي تقع الى الجنوب من سنجار حوالي 35 كم، والتي تمتاز في معظمها بتربية واحدة من أفضل أنواع الأغنام في المنطقة إن لم تك في العالم والتي تعرضت الى عمليات تهريب رهيبة على أيدي المهربين والتجار الى خارج العراق، ولعل عمليات التهريب التي كان يقودها سرا على حسن المجيد وأخيه عبد حسن المجيد وأقربائه عن طريق رجاله وعملائه في أواسط التسعينات من القرن الماضي والتي تحدثت عنها الصحافة الإسرائيلية دونما ذكر لأسماء المهربين واكتفت بالقول بوصول عشرات الآلاف من الأغنام العراقية الى إسرائيل، بينما كانت مجاميع أخرى تقوم بتهريب قطعان كبيرة الى دول الخليج والسعودية.
  والى الشرق والغرب من المدينة حيث السهل الممتد الى أطراف الموصل من جهةٍ والى الحدود الدولية مع سوريا من جهةٍ أخرى، والمعروف بخصوبة تربته وإنتاجيته العالية للحبوب، تنتشر الكثير من القرى التي تعتمد تربية الحيوانات والزراعة فيما يعرف بــ ( الماطورات ) وهي مزارع صغيرة تعتمد الآبار السطحية في الإرواء وتنتشر فيها بساتين التين والزيتون وأنواع أخرى من الفاكهة والمحاصيل الحقلية الموسمية كالبصل والثوم وأنواع الخضراوات الصيفية والشتوية.
   والى الشمال حيث جبل سنجار، ذلك الجبل المثير في موقعه وسط هذا السهل العظيم، يأتي امتدادا ربما لسلسلة جبال حمرين التي تشكل حدود كوردستان الطبيعية، ويمتد لأكثر من سبعين كم من الشرق الى الغرب حيث يتلاشى عند الحدود الدولية مع سوريا، ورغم شحة مياه هذا الجبل قياسا الى طوله وارتفاعه وعرضه أيضا إلا أن الفاكهة التي ينتجها تكاد تكون الأكثر جودة في المنطقة إن لم تكن في كوردستان والعراق جميعا وبالذات التين السنجاري المعروف بجودته ولذته، إضافة الى أنواع أخرى من الفاكهة والأعناب والزيتون، كما يمتاز عسل هذا الجبل بمذاق مثير بلذته ونقائه ونكهته ويشتهر في مجمل كوردستان والعراق ودول الخليج.
   سنجار إذن مدينة مثيرة للجدل والفضول والمميزات، بل ومدينة طالما كانت ملاذا آمنا للكثير من الناس الذين تركوا أوطانهم لأي سبب كان، وللمغامرين والتجار ورجال الحرف والمهن والصناع ودعاة الدين والإصلاح.
  ويذكر المؤرخون بأن سنجار كانت في كثير من الأوقات والمحن ملاذا لأمراء وملوك وقادة، كما كان يحصل في صراعات أواخر الإمبراطورية العباسية ودويلاتها في الموصل وسنجار ودمشق وحلب واربيل وغيرها، حيث يهرب الكثير من المتحاربين وممتلكاتهم الى هذه المدينة وأهاليها ليستقروا فيها آمنين مستأمنين على أموالهم ونسائهم.
     وهكذا حال الكثير من سكان سنجار الحاليين الذين قدم أجدادهم أو جدهم الأول قبل قرنين أو قرن أو ما بينهما من بلاد الشام أو من آسيا الصغرى أو من بقية أنحاء كوردستان والعراق كوردا أو عربا أو آخرين، فاحتوتهم المدينة وسكانها الأصليين ومنحتهم هويتها واصالتها، حتى لا تكاد تفرق بين سكانها الأصليين ومن قدموا إليها في الأزياء والعادات والتقاليد وحتى في الفلكلور.
   حتى وصل العنصريون إلى الحكم في مطلع الستينات من القرن الماضي وبداية عمليات التعريب سيئة الصيت بشكلها الرسمي والمبرمج والتي بدأت باستقدام الغرباء إلى المنطقة وتمليكهم آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية حول المدينة وأطرافها حتى حصلت انتكاسة 1975 م حيث  دمر العنصريون كل شيء وأحالوا تلك القرى الزاهية إلى خرائب ودمار في انفالاتهم التي بدأت هنا على سفوح جبل شنكال وقتلوا كل من عارض أو رفض الانصياع لعاصفة الشوفينية والعنصرية التي اجتاحت شنكال بعد انتكاسة آذار 1975، وجمعوا الآخرين في مجمعات أشبه ما تكون بمعسكرات الاعتقال النازية إبان الحرب العالمية الثانية.
   وبدأوا بفرض برنامج التغيير القومي واللغوي والثقافي عليهم وتفريغهم تدريجيا من كينونتهم بمنع تداول لغتهم الكوردية الأم، ومنع استخدام أسمائها للمواليد الجدد، بل العمل على تغيير الكثير من الأسماء الكوردية للقرى والأحياء وحتى الأشخاص، وصولا إلى المنع التام لأي شيء يتعلق بالكوردية لغة وثقافة وسلوكا.
  وخلال ثلاثة عقود ونيف، مارس العنصريون أبشع أنواع التعذيب والحصار والاضطهاد العرقي والديني والمذهبي للكورد في شنكال لتغيير قوميتهم وثقافتهم وأسمائهم وحتى اضطرارهم لاستبدال أنسابهم وأجدادهم بأجدادٍ لعشائر عربية أو انتماءٍ لتلك العشائر مقابل اعتبارهم مواطنين يحق لهم العيش والتملك والتعليم أو الرحيل خارج شنكال مع مصادرة أموالهم وممتلكاتهم ومحاربتهم في أرزاقهم وحياتهم وتعليمهم في المدارس والجامعات.
  إن هذا الشعب وهذه المجموعة من شعب كوردستان والتي تعرضت خلال قرون إلى حملات رهيبة لأبادتها سواء ما كان منها بسبب ديانتها الايزيدية أو قوميتها الكوردية، نهضت عشية سقوط النظام وكأن شيئا لم يكن من سياسات التشويه والتغيير القومي فصدحت الحناجر بكورديتها وتغنت تلك الجموع الهادرة في العاشر من نيسان 2003 وهي تستقبل قوات البيشمه ركه بنشيد ( ئي ره قيب ) القومي، لتعبر عن مكنونات هذا الشعب وأصالته ولتعيد للمدينة وجهها الحقيقي وهويتها الكوردستانية التي عمل النظام على تشويهها واغتيالها عبر أكثر من ثلاثين عاما من سياسة القهر والتطهير العرقي والإبادة الكلية لثقافة شعب عريق.
   وخلال أشهر من سقوط النظام استطاع هذا الشعب الأصيل والمتحضر بسلوكه أن ينظم انتخابات حرة ونزيهة لمجلس محلي للقضاء في أكتوبر 2003 لينتخب بعد ذلك قائم مقاما بالانتخاب الحر والمباشر في أول ممارسة من هذا النوع في تاريخ العراق بأجمعه منذ تأسيسه، ولتظهر حقيقة القضاء والمدينة التي أصر النظام العنصري السابق على تعريبها وإلغاء هويتها الكوردستانية، فجاءت نتائج الانتخابات في أكتوبر 2003 لتؤكد هوية شنكال الكوردستانية الحرة.
  ولأول مرة في تاريخ هذه المدينة تفتح أكثر من مئة وخمسين مدرسة للتدريس باللغة الكوردية من الصف الأول، كما تم افتتاح ثانوية كوردستان لأول مرة أيضا في المدينة بعد عودة كثير من العوائل التي تم تهجيرها في منتصف السبعينات من القرن الماضي. ولأول مرة أيضا يتم تدريس منهج الديانة الايزيدية لمعتنقي هذه الديانة في كل مدارس القضاء.
   لم يرق هذا التطور والتحول في حياة الناس بالمدينة وأطرافها وخصوصا وهي على أبواب العودة إلى أحضان الوطن في الإقليم على خلفية تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الدائم فبدأت برنامجها ألتدميري الذي مارسته طيلة ثلاثة عقود في كوردستان وبلداتها من سنجار إلى خانقين مرورا بكركوك، فكانت ضربتها الأولى قبل انتخابات كانون ثاني 2005 بيومين فقط لتحاول إيقاف التصويت للدستور الدائم والذي يعتبر صمام أمان العراق الاتحادي والديمقراطي والخطوة الأولى لعودة كل هذه المناطق إلى الإقليم. ثم عادوا ثانية في الرابع عشر من آب لينفذوا جريمتهم الكبرى بالتعاون مع مخابرات دولية إقليمية ذات صلة ومصلحة في إبادة الكورد من الايزيديين والمسلمين على حد سواء، وإيقاف مسيرة كوردستان والعراق في التنمية والتطور وتعويض سنوات الدكتاتورية في التقهقر والتخلف بما يدفع العراق نوعيا إلى الأمام.         فقد أرسلوا أربع شاحنات مفخخة بمئات الكيلوغرامات من المواد الشديدة الانفجار إلى اثنين من المجمعات القروية التي كانت قد سلخت في انفلة شنكال عام 1977 وقد حانت عودتها إلى القضاء ثانية، لتحيل المجمعين خلال ثواني إلى ما يشبه المناطق المنكوبة بالزلازل ولتقتل مئات الأطفال والنساء والشباب وتجرح وتعوق  مئات أخرى، وتدمر مئات البيوت الطينية وتحيلها إلى تراب كما فعلت سابقا في إزالتها لعشرات القرى في سبعينات القرن الماضي وآلاف القرى في ثمانينات نفس القرن في حلبجة وكرميان وبهدينان، مستخدمة ذات الأسلوب والعقلية والحقد الأسود منذ فرمانات العثمانيين وحتى أنفال البعثيين، لكنما دون جدوى فعقارب الساعة لن ترجع إلى الوراء وسنن الطبيعة والحياة لن تقبل هذه الهمجية ثانية أن تعود أو تسود.
  حقا إنها الفرمانات التي أنتجت الأنفال وها هي اليوم تتحد لتنتج هذا الحقد الدفين والقسوة الوحشية لأولئك الذين لا يفهمون لغة الحضارة والإنسان فيتقهقرون إلى الحضيض بينما تندفع شنكال وشقيقاتها من مدن الشمس إلى الذرى رافعة رغيف خبزها الحارالى القادمين من كل صوب وحدب إشارة للحب والسلام والجود.   

392
إسرائيل والعرب وشماعة العلاقة معها؟

كفاح محمود كريم
 
    منذ فترة فاجأني مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى وذو تاريخ معروف لدى الإعلاميين العرب في حروبه وجولاته في جبهات القتال، وهو في أروقة واستوديوهات قناة الجزيرة القطرية المثيرة للجدل في كل الأوساط السياسية والنخبوية في الشرق الأوسط، وكم كانت مثيرة تلك الألفة بين المسؤول الإسرائيلي والعاملين في القناة ذكورا وإناثا، القناة الأكثر إثارة وجذبا للرأي العام العربي في موضوعات تحرير فلسطين وإعلان الجهاد على الطريقة القرضاوية تارة أو على طريقة القائد الضرورة تارة أخرى ومن النهر إلى البحر.
   وربما نجحت تلك المفاجأة في إعادتي قليلا إلى بدايات القرن الماضي وتحديدا إلى الثالث من كانون ثاني 1919 حينما وقع فيصل ابن شريف مكة ( الحسين بن علي ) والذي أصبح فيما بعد ملكا للعراق، وكان حينذاك ممثلا للمملكة العربية الحجازية، اتفاقية ( فيصل_ وايزمان ) مع الدكتور حاييم وايزمان ممثل المنظمة الصهيونية، والتي جاء في ديباجتها: ( إن الطرفان يدركان القرابة الجنسية والصلات القديمة القائمة بين العرب والشعب اليهودي...الخ )*، حيث نصت الاتفاقية على تعاون الطرفين لتنفيذ وعد بلفور الصادر في الثاني من نوفمبر 1917م بما في ذلك اتخاذ جميع الاجرءات لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين وعلى مدى واسع.
وقد كادت تلك اللقطات الأليفة بين كادر المحطة والقائد الإسرائيلي أن تنسيني عشرات أو لعله المئات من الاجتماعات واللقاءات الأخوية العربية الإسرائيلية من غزة إلى القاهرة والرباط وعمان ودبي والدوحة وبقية الحواضر العربية الأخرى.
  ولست هنا لتسجيل ( مفاجأتي ) جميعها فمعظم المواطنين في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في المحيط العربي يعيشون حياتهم كلها بالمفاجآت والـ ( الجفلات ) سواء كانوا نياما أم نصف نيام، بقدر محاولتي في التعرف على بعض أوجه التعاطي مع كثير من الأمور وربما العلاقة مع إسرائيل واحدة من أكثر المواضيع المثيرة للجدل وللعواطف الإنسانية هنا في المحيطين العربي والإسلامي، ولنرى:
   إذا أردنا أن نغض النظر عن الاتصالات السرية التي كانت تجري على قدم وساق بين معظم الأنظمة السياسية العربية من المغرب وشقيقاتها هناك في شمال أفريقيا إلى قبلة الأنظار والجيوب عند تخوم الخليج وبلاد الشام وأردننا الصامد، منذ حربنا الجهادية الأولى في أربعينيات القرن الماضي التي أوهمنا فيها العالم بأننا نحن العراقيون آكلة لحوم البشر حينما أشاع الإعلام العربي والمخابراتي آنذاك رواية سلق أحد الجنود الإسرائيليين الأسرى أمام أقرانه، وحتى أكتوبر العبور إلى ضفة جوزيف سيسكو و ( الاسطة كيسنجر )، والتي فضح الكثير منها وما زال القليل الغالي طي الكتمان إلى أن يأذن الله والراسخون في العلم أو يرحل صاحب السر في انقلاب أو احتلال أو هروب!       
   فإننا سنتحدث عن علاقة إسرائيل المعلنة مع معظم قادتنا العظام وثوارنا الأشاوس ومحرري قدسنا الشريف من (الشهيد) ياسر عرفات إلى أمير المؤمنين في غزة الإسلام والمسلمين إسماعيل بهية وصحبته الأجلاء في حماس الجهاد والمجاهدين، مرورا ببطل التحرير القومي الذي مات ولم تحقق الأمة أهدافه في قطعة ارض على حدود إسرائيل، إلى أحفاد بيت النبوة الكرام في مغربنا وأردننا وإيراننا وصولا إلى التابعين الأخيار من ملوكنا وأمرائنا وقادتنا المناضلين جدا جدا عند ضفاف الخليج الأملس والبحر الأبيض ومرورا بخلفائنا المجاهدين والمعطرين بدماء المفخخات والتذبيح من أفغانستان إلى عراق المقاومات والمزايدات والتزاوجات الجهادية والبعثوية والعروبية، ولبنان النصر الإلهي الذي يشابه انتصاراتنا العظيمة جدا في القادسية الثانية وأم المعارك العظمى والحواسم التي نجني ثمارها الآن شرقا وجنوبا وغربا ووسطا وأكثر من ستمائة مليار دولار فقط في ذمة العراقيين والعراقيات الماجدات.
   وقبل الخوض في تفاصيل تلك العلاقات ربما يكون سؤالا كهذا مدخلا لكثير من أسرار تلك العلاقات المدهشة والمثيرة أحيانا والمقززة أحيانا أخرى!
   مَن مِن هؤلاء جميعا ممن ذكرتهم أعلاه لم يتمتع بعلاقة خاصة جدا أو عامة مع إسرائيل سواء بشكل مباشر أو عن طريق الأحباب منذ تأسست إسرائيل وحتى يومنا هذا وعلى أرفع أو أعرض المستويات؟
  وبالتأكيد سيجيب الكثير منهم بالنفي طبعا وهو كاذب ومراوغ وما زال يؤمن بان الجماهير ما هي إلا قطعان ماشية ولا يجوز لها أن تعرف الكثير من بواطن الأشياء أو تطلع على أسرار النضال والجهاد الليلي لقادتها الجدا ميامين.
  لقد كانت العلاقات العربية الإسرائيلية غاية في الود منذ مليك إمارة شرق الأردن الأول وحتى جلالة الملك المرحوم في المملكة المغربية مرورا بأمراء وملوك العشائر والقبائل والأسر على الضفاف الدافئة والرؤساء الضروريين جدا ( جمع الرئيس الضرورة ) لمهازل هذه الدول وعنترياتها الساذجة والمقززة في تخدير شعوبها وتسطيح عقولهم في صراع أداموه أكثر من ستين عاما، للحفاظ على كراسيهم وامتيازاتهم وأهانوا شعبا عريقا مكافحا لو تركوه لوحده أن يقرر مصيره لكان اليوم غير ما هو عليه الآن من تذابح وتقاتل وتقهقر. ويتذكر العرب جيدا تلك المليارات التي تم تقديمها كرشاوى لرؤساء الدول الإفريقية لقطع علاقاتها مع إسرائيل التي ما لبثت أن عاودت وأعادت علاقتها أقوى من ذي قبل مع الكيان الصهيوني، بل وزادت في إضافتها موريتانيا وجيبوتي وجزر القمر إلى قائمة الأصدقاء مع دويلة بني صهيون!؟
   لقد تمتعت كل الأنظمة العربية من المغرب وحتى عُمان، مرورا بكل دول الخليج بما فيها بلاد الحرمين وما بين النهرين وبلاد الشام أو سوريا العظمى كما يشتهي البعض حينما يريد إدغام لبنان والأردن مع بلاد الأسود كما تفعل جارتنا الغالية جدا تركيا في ايماءآتها بإدغام ( وصلة كاع ) من شمال العراق (!)
  وإذا كان الرئيس محمد أنور السادات أشجع من أعلن عن علاقته دون مواربة أو نفاق أو كذب، وذهب أمام الملأ ليخطب في الكنيست الإسرائيلي بشجاعة الفرسان، فأن الآخرين ادعوا بأنهم أعداء الدنيا والآخرة مع بني صهيون بينما كشفت الأيام تباعا علاقة معظم الذين كانوا يزايدون بعداء إسرائيل وبقذفها إلى البحر سواء بشكل مباشر أو عن طريق أولياء النعمة في واشنطون ولندن وباريس، أو من خلال الخدمات الجليلة المقدمة إليها بصواريخ سكود الذهبية التسعة والثلاثين وبغزوات الكويت وقبلها كوردستان وإيران.
  وخلال أكثر من نصف قرن خاضت هذه الأنظمة وملوكها ورؤسائها حروبا بائسة بشعوبها وقودا وحطبا حفاظا على كراسيها وتدميرا لأي قوة يمكن أن تؤثر على ناصيتها في الحكم.
  واستمرت إسرائيل في تطورها العسكري والمدني بينما تقهقرت تلك الأنظمة الفاسدة وانزوت في زوايا محاربة شعوبها وتبذير ثرواتها الوطنية في حروب وصراعات ومشاريع فوضوية وتحت مسميات بائسة كما حصل في العراق خلال أكثر من ثلاثين عاما وما يحصل في كثير من بلدان المنطقة وتحت نفس التسميات وباستخدام أسلحة فاسدة ومزرية ومثيرة للاشمئزاز تلك التي يطلقون عليها تسمية العلاقة مع إسرائيل.
   ويتذكر العراقيون والعرب في بلدانهم مئات الآلاف من الذين تمت تصفيتهم بتهمة العلاقة أو العمالة لإسرائيل والامبريالية والرجعية بمجرد معارضتهم لتلك الأنظمة الفاسدة في حكمها وثقافتها ومبادئها، والتي كانت وما زالت في أجهزة إعلامها تستخدم نفس تلك اللغة في التعامل مع شعوبها، وما يحصل الآن في أوساط إعلامية وغيرها من تشبيه إقليم كوردستان العراق بإسرائيل الثانية ما هو إلا نتاج تلك الثقافة البائسة والمقززة في إشاعة الكراهية للآخرين باستخدام أسلحة فاسدة ومزرية كاتهام الآخرين بالعلاقة مع إسرائيل وهم الغارقون حتى أذنيهم في علاقات تجارية أكثر دناسة من أي علاقة أخرى مع إسرائيل وغيرها في التآمر على العراق أو غيره من بلدان المنطقة وشعوبها، وإشاعة الإرهاب والعنف والأحقاد بين مكونات العراق ومذاهبه واستقدام عصابات الجريمة المنظمة من مختلف البلدان الأجنبية سواء من دول الجوار أو غيرها والتعاون مع كثير من أجهزة المخابرات الدولية لتعطيل الحياة في العراق، واحتضانها والعمل تحت أمرتها وتوجيهاتها لتحويل العراق إلى حفنة من تراب كما تعهد الرئيس السابق صدام حسين إذا ما تمت إزاحته عن السلطة.
   لقد أثبتت التجارب والسنين الماضية إن أكثر الناس ادعاءاً بمعاداة إسرائيل هم أكثرهم علاقة وتنسيقا معها وراء الكواليس، وإن الذين ما زالوا يتاجرون بهذه البضائع هم أكثر التجار ربحا في علاقاتهم مع كل المتناقضات في بلادنا وما حولها من خلال انتهازيتهم وميكافيليتهم التي تعلموها في مدارس النظام السابق واقرأنه في المنطقة.
   
* جورج انطونيوس / يقظة العرب، تاريخ حركة العرب القومية.

393
مجالس الصحوة في بعض المدن:

محاولة للتغييب أم إعادة لتصنيع الماضي!؟
                                                                                                                  كفاح محمود كريم


    منذ تأسيس دولة العراق في عشرينيات القرن الماضي وقدر هذه الدولة التي تأسست آنذاك دونما مراعاة لمكوناتها الأساسية في شكلها وهيكلها، أن تدفع شعوبها دوما فاتورة قرارات وإرهاصات قادتها وأنظمتها السياسية عبر مراحل تاريخها حتى يومنا هذا.
    ويتذكر العراقيون عامة والكورد بشكل خاص ما كانت تفعله الكثير من الأنظمة السياسية بمعاداتها لحركات المعارضة الوطنية سواء ما كان منها في كوردستان أو بقية أجزاء العراق، تارة باسم معاداة الشيوعية كونها كفر والحاد وتارة باسم الشعوبية والماسونية أو العمالة للاستعمار والرجعية، وما إلى ذلك من التهم الجاهزة وأبواق الإعلام المسخرة لذلك ، إضافة إلى الكثير ممن كانوا دوما حلفاء لكل الأنظمة التي حكمت هذا البلد من الانتهازيين والوصوليين.
  إن كثير من التجارب والنظريات تصلح في أماكن ومع مكونات وظروف وربما تحقق نجاحات في مضامينها وأهدافها لفترة معينة أو لفترات طويلة أو دائمة، إلا أنها إذ ما تم اعتمادها في مناطق أخرى ربما تؤدي إلى نتائج غير مرجوة أو إلى فشل ذريع لإغراضها واهدافها المعلنة. وفي كل هذه الحالات تكون النوايا الحقيقية هي التي تدفع أي تجربة أو ممارسة إلى النجاح أو الفشل.
   لقد انتهجت الأنظمة السابقة سلوكيات وتجارب على خلفية نواياها في كوردستان أو بقية أجزاء العراق في تعاطيها مع الثورة الكوردية أو المعارضة الوطنية العراقية بكافة ألوانها وأطيافها، ساعة بتدجين أحزابا للزينة وأخرى بتصنيع جحافلا من ( الجحوش ) سواء بواسطة رؤساء للعشائر أو شيوخا وأغوات من تصنيع دوائر الأمن والاستخبارات وديوان الرئاسة.
  وبعد سقوط النظام السابق وتجاربه البائسة في تشتيت الشعب الكوردي بشكل خاص وتطويع العراقي بشكل عام، أقدمت بقاياه والمتضررين من سقوطه والمتاجرين بالشعارات البراقة كما كان يفعل هو طيلة ما يقارب من أربعين عاما على إثارة الفتن والعمليات الطائشة والمسلحة والتي وصلت إلى ذروتها باستقدام عصابات الجريمة المنظمة ومافيا الإرهاب في المنطقة والعالم لتنفيذ أبشع جريمة في تاريخ البشرية لتحويل دولة وشعب إلى حفنة من التراب!؟.
   وما حصل في الرمادي ومدنها وبغداد وأطرافها وديالى وضواحيها يؤكد ذلك المشروع البائس الذي اشتغل عليه النظام السابق ومن أتى بهم قبل سقوطه أو احتضنهم بعد ما ولى دونما رجعة، حيث القتل الهمجي لكل أشكال الحياة في هذه المدن وغيرها من مدن العراق منذ سقوط النظام وحتى يومنا هذا، ربما كان سببه في كثير من الحالات تلك الإرهاصات التي أقدم عليها الأمريكيون في التعاطي مع القضية العراقية والتعامل بميوعة مع بقايا البعث ومفاصله المهمة( كما حدث في الموصل وكركوك وأطرافهما )، والقيام بعنتريات حمقاء أدت إلى تأخير عملية التغيير وتعقيدها، مثل حل الجيش العراقي بأكمله وتدمير هياكل وقواعد وزارة الداخلية والإعلام بشكل غير واعي أو مدروس، مما أدى إلى تفريخ مئات الآلاف من الجياع الذين تم استيعاب واحتواء وتسخير الكثير منهم لعرقلة تقدم عملية التغيير والبناء الديمقراطي للعراق الجديد.
  ربما كانت ردود الأفعال الأمريكية والعراقية في التعاطي مع الأحداث في الرمادي وديالى على خلفية الاعتماد على التكوينات العشائرية وشيوخها ورؤسائها التي كانت تتعامل أساسا مع البعثيين سابقا ثم مع أتباعهم لاحقا بعد سقوط نظامهم السياسي، والنجاح في إقناعهم بتشكيل ميليشيات مسلحة تحت إمرة مجلس أعلى في كل منطقة أطلق عليه مجلس صحوة العشائر وبمرتبات مجزية لإفراد الشيخ أو رئيس العشيرة من عشيرته والمتحالفين معه، في محاولة أو تجربة ربما حققت نجاحات مهمة في الرمادي وديالى إلى حد ما.
  أما أن تعمم التجربة على مدن أو محافظات لا تعاني من مشاكل أمنية أو إرهابية وفيها مؤسسات أمنية وقوات مسلحة تابعة لوزارة الدفاع وتقوم بكامل واجباتها بما يمنع أي عمليات إجرامية أو تخريبية من أية قوة كانت فتلك عملية علينا أن نعيد النظر فيها بل وأن نتوقف عندها قليلا لننظر إليها نظرة ثاقبة لنرى أهدافها وما الذي يرجى منها؟
  في معظم محافظات ومدن الجنوب والوسط العراقيين ليست هناك مشكلة أمنية بمستوى الخرق المعروف في الرمادي وديالى وبعض أطراف بغداد ومركز مدينة الموصل والهجمة الشرسة على كركوك، بما يبرر تشكيل ما يسمى بصحوة العشائر في هذه المدن والمحافظات، إذ أن عشائرها كانت صاحية منذ سقوط النظام واستطاعت أن تحافظ على أوضاعها بما يؤمن الحياة وديمومتها إلى حد كبير رغم المحاولات التي استهدفتها خلال السنوات الخمس المنصرمة.
  وفي الموصل لولا الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها الإدارة العسكرية الأمريكية في الفرقة ( 101 ) والتعاطي الخطأ مع الكثير من القوى في المنطقة لكانت الأوضاع غير التي هي عليه الآن، فقد استطاعت بقايا حزب البعث وعملائه الذين اخترقوا مؤسسات الدولة الحديثة في مجلس النواب والحكومة ومؤسساتها في الداخلية والتربية والجيش ومن ثم فسح المجال لعصابات أجنبية باختراق الجبهة الداخلية من خلال منظمات حزب البعث وتسهيلاته، استطاعت هذه القوى الأجنبية، وهي عبارة عن عصابات لمافيا الإرهاب والجريمة المنظمة في الخطف والسرقة والاغتصاب والمتاجرة بالمخطوفين وجمع السحت الحرام، من السيطرة على أجزاء مهمة من مركز الموصل وبعض الضواحي من المدينة، وخلال أكثر من ثلاث سنوات استطاعت هذه العصابات وباحتضان من منظمات حزب البعث ومؤيديه من العنصريين والشوفينيين من قتل آلاف الكورد من المسلمين والايزيديين والعشرات من المسيحيين وتهجير آلاف العوائل منهم إلى المدن التي تؤمن قوات حرس الإقليم ( البيشمه ركه ) أمنها وسلامتها مثل الشيخان وسنجار وزمار وبعشيقة وبحزاني وبرطلة وتلكيف وغيرها من هذه المدن التابعة إلى محافظة الموصل، وخلال كل تلك الفترة المؤلمة والمأساوية لم تحرك العشائر هناك قيد أنملة باتجاه الدفاع عن الكورد وغيرهم ممن ذاقوا الأمرين خلال حكم البعث وبعد سقوطه أيضا؟
   وإذا كانت الرمادي وديالى والى حد ما مركز مدينة الموصل ( وبشفافية واتفاق كل القوى هناك ) تحتاج إلى صحوة للعشائر لإيقاف نزيف الدماء وعمليات القتل والسلب والنهب والجريمة المنظمة من خارج الحدود، فان عشائر سنجار وزمار وتلعفر ومثلها البصرة والنجف وكربلاء وصلاح الدين كانت وما زالت صاحية منذ التاسع من نيسان 2003 ولم تسمح لأي كان من اختراق حواجزها ومجتمعاتها.
   إن العشائر العربية والكوردية غرب وشرق دجلة وكثير من مدن ومحافظات العراق أدركت معنى الأمن والسلام الاجتماعيين وتعاونت مع أجهزة الدولة الحديثة بشفافية ووطنية عالية لتمنع أي خرق محتمل لعصابات الجريمة المنظمة والإرهاب الداخلي والخارجي، وفي سنجار وزمار وتلعفر ومخمور والشيخان ومعظم شرق دجلة كانت العشائر العربية والتركمانية السند الأقوى لقوات حرس الإقليم منذ تحرير العراق وحتى يومنا هذا، وهي التي استقبلت قوات البيشمه ركه وطلبت من قيادات قوات التحالف أن تبقى هي في المنطقة بديلا عنها.
  ومنذ سقوط النظام السابق ورغم كل محاولات بقايا وزمر ذلك النظام والمستفيدين منه وكثير من تدخلات وتسهيلات دول الجوار لقوى الإرهاب الدولي القادم من المنطقة العربية وغيرها، بقيت هذه المناطق آمنة مستقرة إلا من خروقات خارجة عن السيطرة حتى في أي مكان آخر من العالم، وبقت مجتمعاتها على اختلاف أعراقها ومذاهبها وأطيافها السياسية وإن اختلفت متعاونة في موضوعة الأمن والسلام اللذان وفرتهما قوات البيشمه ركه في المنطقة.
   إن ما يجري الآن من محاولات لتجميع مجالس وتشكيل ميليشيات باسم الصحوة العشائرية ما هو إلا خرق للسلم والأمن الاجتماعي في هذه المناطق الآمنة والمستقرة، وعملية تصنيع للماضي الذي يذكرنا دوما بأولئك الذين كانوا يمتصون دماء عشائرهم في سرايا أبو فراس الحمداني وأفواج صلاح الدين وتغييب الوعي الوطني وإشاعة التهافت المادي واستغلال مظاهر البطالة والجفاف في المنطقة لتجميع أفواج من الجياع والمتهافتين والعاطلين عن العمل بأنصاف الراتب كما كانوا يفعلون على أيام الجحشايتي السيئة الصيت.
   إن المنطقة آنفة الذكر في غرب وشرق دجلة، أحوج ما تكون إلى مشاريعٍ إنتاجية في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات لكونها تتمتع بوضع أمني مستقر منذ سقوط النظام وحتى الآن، لكي يتم قطع الطريق أمام المراهنات المحلية والإقليمية على تجزئة العراق ومن ثم معالجة ظاهرة البطالة وجفاف الموسم الزراعي بتثوير المجتمع إنتاجيا لا إلى إشاعة الاتكالية والاستهلاك والتغييب الوطني والفتنة القبلية من خلال تصنيع أفواج من الميليشيا الوهمية التي تستنزف أموالا طائلة لحساب مجموعة من الأفراد وتحويل المجتمع إلى كائن خامل ومستهلك بدلا من تحويله إلى مجتمع حيوي ومنتج مع ما يتمتع به من أمن واستقرار ومواد أولية وضروف مناسبة لعملية الإنتاج الزراعي أو الصناعي.
   



394
           العلم العراقي ... ثانية !؟


كفاح محمود كريم
     
    ربما يتجاهل البعض حقيقة ما كان يحدث بعد كل انقلاب منذ قيام دولة العراق وحتى سقوط شكلها المتخلف الذي استمر قرابة الثماني عقود ونيف، وما كان يحدث من تصفيات دموية لكل ما له علاقة بالانقلاب الذي قبله من رجال ونساء واموال ورموز، حتى إن العلم العراقي واحد من اكثر اعلام الدول في العالم تغيرا، حيث كان يتم ابداله بعلم اخر وفق مزاجات وتصورات قادة اي انقلاب من انقلاباته.
    وربما ايضا هذه هي المرة الاولى التي سيقرر العراقيون جميعا شكل علمهم القادم رغم انه قد تأخر كثيرا قياسا بما كان يحدث في تاريخه، الا إن المثير للعجب هو الدفاع الغريب ( من غير البعثيين أو الذين فقدوا مصالحهم بغياب البعث عن السلطة ) عن هذا النموذج الذي طلب الكثير من الوطنيين العراقيين تبديله او احداث تغيير في مكوناته اللونية والرمزية بعيدا عن ما كان يرمز اليه ويمثله من حقبة يفترض إنها ولت دونما رجعة.
  واذا كان للبعثيين او ممن فقدوا امتيازاتهم وحواسمهم بسقوط النظام السابق حق الدفاع عن جزء من تراثهم وثقافتهم ورمز دمويتهم في شكل العلم العراقي، فبماذا نبرر ازدواجية ونفاق بل ودفاع الاخرين ممن يعلنون ليل نهار بانهم كانوا ضد النظام السابق ومن ضحاياه وبواسطة هذه الاقاويل والادعاءات اخترقوا صفوف مجلس النواب والحكومة ومفاصل الدولة الجديدة وادعوا إنهم يناضلون ضد دكتاتورية صدام حسين التي صاغت وشرعت واصدرت قانون العلم العراقي الصادر من مجلس قيادة الثورة عام 1986 وفي ما يلي نصه:

                                 قرار رقم 202
باسم الشعب
مجلس قيادة الثورة
استاناداً الى أحكام الفقرة(أ) من المادة الثانية والاربعين من الدستور.
قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 8/3/1986.

اصدار القانون الاتي:

رقم (33) لسنة 1986
قانون
علم العـــــــراق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المادة الاولى: يقصد في هذا القانون بــ(العلم) العلم الرسمي لدولة العراق وبـ(النظام) النظام المنصوص عليه في المادة الثانية عشرة من هذا القانون.
المادة الثانية: اولا_ يكون شكل العلم مستطيلا يبلغ عرضه ثلثي طوله، وينقسم الى ثلاثة مستطيلات افقية متساوية الابعاد، ويكون الاعلى منها احمر، والاوسط ابيض والاسفل اسود، وتكون في الاوسط منها ثلاث نجوم خضراء خماسية الزوايا وتتجه الذؤابة العليا لكل نجمة الى الاعلى تماما، وتكون الزوايا الخارجية لكل منها بمقدار 108 درجات، وتكون المسافات متساوية بين كل نجمة واخرى وبينها وبين حافتي العلم، وذلك وفق الشكل الملحق بهذا القانون.
ثانيا_ تمثل الوان العلم العراقي الوان الرايات العربية التي استخدمت في التأريخ العربي منذ فجر الاسلام حتى الوقت الحاضر، وتمثل النجوم الثلاث مبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية.
ان هذه الراية قد قاتل بطلها شعب العراق في قادسية صدام المجيدة وقدم في سبيلها التضحيات دفاعا عن الوطن وحرية الشعب واستقلاله، وهي تمثل سمات العطاء والشهادة والتضحية التي اتضحت في هذه المعركة المجيدة.
المادة الثالثة: لا ينكس ولا يخفض العلم في أي مناسبة، ولا يعلو عليه عند رفعه في أي مكان في العراق اي علم اخر يرفع معه في المكان نفسه، ويكون دائما في مكان الشرف عند رفعه في العراق مع علم دولة او اعلام دول اخرى او غيرها من اعلام، ويحدد في النظام مكان الشرف في كل حالة من الحالات التي تقتضي تحديده.

المادة الرابعة: تحدد البنايات التي يرفع عليها ومراسم رفعه والايام التي يرفع فيها في النظام.
المادة الخامسة: يجوز رفع العلم على وسائط النقل الرسمية، وتحدد حالات رفعه والوسائط التي يرفع عليها في النظام، مع مراعاة قواعد التعامل الدولي.
المادة السادسة: يرفع العلم عند شروق الشمس وينزل عند غروبها عدا ما يستثنى في النظام.
المادة السابعة: يرفع العلم وينزل وفق المراسم العسكرية، عدا ما يستثنى في النظام.
المادة الثامنة: لا يجوز رفع العلم على سارية في البنايات غير الرسمية.
المادة التاسعة: لا يجوز صنع العلم او طبعه بأي شكل من الاشكال ولا بيعه الا بأذن من وزير الثقافة والاعلام، وتحدد شروط منح الاذن بنظام.
المادة العاشرة: تحدد في النظام شروط استعمال العلم للزينة في المناسبات الوطنية والقومية والاحتفالات.
المادة الحادية عشرة:اولا_ لايجوز رفع العلم اذا كان غير صالح للاستعمال من حيث تغير الوانه او تمزقه.
ثانيا_ اذا اصبح العلم غير صالح للاستعمال يتلف سرا بطريقة تصون حرمته.
المادة الثانية عشرة: يصدر نظام لتسهيل تنفيذ احكام هذا القانون.
المادة الثالثة عشرة: يلغى قانون العلم الوطني رقم (28) لسنة 1962 .
المادة الرابعة عشرة: ينفذ هذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ويتولى الوزراء تنفيذ احكامه.

                                                      صدام حسين
رئيس مجلس قيادة الثورة

                                الاسباب الموجبة
كانت الراية في تأريخ العراق والتأريخ العربي بشكل عام رمزا مهما من رموز الكرامة والعزة الوطنية والقومية، وقد اولاها اجدادنا أهمية متميزة سواء في دفاعهم عن مبادئهم أو في احتفالاتهم الوطنية، واعتزازاً من ثورة السابع عشر/الثلاثين من تموز المجيدة بالعلم العراقي وما يمثله من قيم الرفعة والاعتزاز بالرمز الوطني، ونظرا لاهمية الاحكام والمراسم المتعلقة بالعلم، ولعدم تضمين قانون العلم الوطني رقم 28 لسنة 1963 لكل هذه الاحكام والمراسمفقد شرع هذا القانون(*).
(*) نشر القانونان(32 و 33 ) في جريدة الوقائع العراقية العدد(3090 ) الصادر في 24/3/1986 .




395
الموصل وكركوك وما بينهما !؟



   كفاح محمود كريم

    أكثر الذين يقفون موقفا سلبيا أو معارضا لتطبيق المادة 140 من الدستور الدائم ووضع العراقيل أمامها واستخدام أساليب الالتفاف والمماطلة أو التسويف، إما من البعثيين العقائديين أي الشوفينيين والمتطرفين أو من العنصريين العرب وغيرهم ممن تتقاطع مصالحهم الموروثة من النظام السابق مع معطيات المرحلة الجديدة وممن يرتبط مصيرهم بأجندات أجنبية ومخابرات إقليمية.
   أو من أولئك الذين تربوا وترعرعوا بكنف تلك الأفكار والثقافة العنصرية والغرائزية البائسة، التي كانت تعتمد أساسا لا إنسانيا بل وأكثر افتراسا من تلك الكواسر المتوحشة، وأكثر هذه النماذج إما من الرعاع والنكرات المسحوقة اقتصاديا التي تسلقت سلالم حزب البعث وأفكاره التي تتلائم ومنظومة توجهات تلك الشخصيات، فاستحوذت على أملاك وعقارت وأراض الكورد في مناطق كركوك والموصل وسنجار وخانقين.
  والعجيب إن هذه النماذج استطاعت تسلق أحزاب الزينة والموجة بعد سقوط النظام، إما بإيعاز من بقايا حزب البعث أو بتكليف من مخابرات دول الجوار لإدامة تلك الثقافة المتهرئة والإبقاء على (مكاسب الحزب والثورة) التي أنجزتها ثورة الحروب وإحراق ما يقارب من ألف مليار دولار من ثروات العراق خلال أربعين عاما؟
  بل وقد تسلق الكثير منهم مواقع في مجلس النواب والحكومة وكثير من مفاصل الدولة الحديثة المزمع إقامتها على أنقاض ذلك النموذج السيئ الذي انهار في نيسان 2003.
  فذاك الذي قتل والده الجندي أو العريف أو الضابط في حروب النظام ضد كوردستان وما زال يحمل تلك العقد والأحقاد تجاه الكورد وكأنما والده او قريبه قد قتل على فراش نومه في بيته(!)، فاستحوذ أيام البعث على أملاكهم في مخمور أو سنجار أو الشيخان أو كركوك أو الموصل أو غيرها، لتعويض تلك المركبات من الانتقام والسادية.
   وآخر يبتدع له قومية جديدة من عدة أسر، وهو الذي كان يستنكف بأنه من أهله ويدعي انتمائه لغيرهم ليقع في شباك تلك الثقافة المستهلكة والمتهرئة تارة تحت لافتة المذهبية المقيتة وأخرى تحت تصنيع قوميات جديدة كما كان يفعل (الحزب القائد) في تصنيع الأحزاب والحركات الوطنية جدا جدا؟
  وآخرين ممن يريدون تحويل الأديان الى قوميات في أحدث ما أنتجته الحركات الدينية المتطرفة وغيره من الظلاميين، في ردة فعل متخلفة وساذجة، ترتبط بأجندات دولية ومشاريع شوفينية وعنصرية لا تمت لهذا العصر وتوجهاته بأي صلة، فتراهم تارة يدعون الى قومية إسلامية وآخرون الى قومية مسيحية وأخيرا قومية إيزيدية، وربما آخرون سيعيدون إنتاج قوميات تلك الإمبراطوريات التي حكمت قبل آلاف السنين فسادت ثم بادت، كما يفعل بعض الشتات هنا وهناك من أصحاب الدكاكين السياسية. 
   وقد أكدت الأيام والسنوات المنصرمة منذ سقوط النظام وحتى هذا اليوم المماطلة والتسويف الناتجين عن نفس الثقافة البائسة التي كان يحملها النظام السابق في نظرته الى قضية شعبنا العراقي بشكل عام وشعب كوردستان بشكل خاص والتي أدت الى انهيار كامل للدولة العراقية وللأمن الاجتماعي ونسيج المجتمعات العراقية.
   فمنذ المادة 58 من قانون إدارة الدولة ظهرت بوادر المماطلة والتسويف والالتفاف على روح المادة وقضية المناطق المحررة من الإقليم بعد انهيار نظام البعث ودولة العرق الواحد والحزب الواحد وليس هناك أدنى شك في الدور الأمريكي والبريطاني ودول الجوار ذات العلاقة بتأخير تطبيق هذه المادة أو لاحقا المادة 140 من الدستور الدائم.
  لقد أكدت الأحداث التي رافقت سقوط النظام بُعيد ساعات فقط من انهياره المشين، هوية تلك المناطق وانتمائها الأصيل جغرافيا وتاريخيا الى إقليم كوردستان العراقي حيث هرب المستوطنون والمستحوذون على أملاك الكورد من أراض وعقارات وبيوت ومزارع سواء ما كان منها على شكل قرى استيطانية أو في مراكز المدن كما في الموصل وكركوك وسنجار وخانقين ومخمور والشيخان وغيرها، حيث هرب أولئك الذين استحوذوا على آمال وأفراح وأملاك أصحابها الحقيقيين وسلم الباقي مفاتيح بيوت ساكنيها المرحلين دون قيد أو شرط، وكادت الأمور أن تنهي تعقيدات أكثر من ثلاثين عاما لولا تدخل بعض الأطراف من قوات الاحتلال الأمريكي والبريطاني ومخابرات بعض دول الجوار ممن لديهم مصلحة في إدامة التعقيدات والإبقاء على أوضاع هذه المناطق معلقة لتبقى حافات النار قريبة دائما(!).

396
المنبر السياسي / أحزاب الزينة
« في: 23:47 03/10/2007  »
  أحزاب الزينة
(2-2 )

كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com



   خلال سنوات الحرب القاسية مع إيران ابتلع الحزب القائد أحزاب الزينة أو(علسها) كما تقول الدارجة العراقية وانتفت الحاجة لأحزاب الزينة الملساء والتي بدت أكثر رخاوة وربما تبخرت تدريجيا أو اندمجت اندماجا قذافيا بعد منح أعضائها نفس درجات الرفاق في حزب الأمة العربية المجيدة، حيث برزت أمور أكثر زينة وبهرجة للمشهد السياسي والاجتماعي العراقي في دولة الانتصار على العدو الفارسي المجوسي الإمبريالي الى آخر قائمة التسميات التي أنتجتها دوائر إعلام وفكر النظام القائد ضد معارضيه حتى وان كانوا ملائكة أو ممن يتغدون ويتعشون مع الأنبياء والرسل، والتي ما زالت تستخدم بجدارة من تلاميذ ومريدي القائد الضرورة حتى يومنا هذا.
   وكما ذكرت فقد برزت أشياء وأمور أكثر إثارة من أحزاب الزينة في تلك الفترة ألا وهي أنواط الشجاعة وأوسمة كثرت أسماؤها ومناسباتها حتى لم نعد نفرق بين واحدة وأخرى، كانت تعطى وتمنح بـ ( الصواني أو الكواني ) إضافة الى الرتب التي كانت تمنح كل رأس شهرٍ أو كل ستة أشهرٍ، بحيث كنت ترى الجيش العراقي الجدا باسل وهو يتزين بشباب لم ( تخط شواربهم بعد ) وهم يحملون رتبة لواء أو عميد أو عقيد كما يفعل الآن مقلدي النظام السابق ومريدي القائد الضرورة.
  وطبعا الزينة على طريقة رفاقنا المناضلين (كلش) لم تكن في الأحزاب والرتب فقط، فقد ابتكروا أياما لتزيين السنة العراقية بحيث تكون الأعياد والمناسبات مقاربة لعدد أيام السنة الكبيسة أو الحبيسة وبحيث لا يستطيع العراقي ( حك رأسه ) من الفرح والأعياد، فذاك يوم للشرطة والآخر للنخوة وهناك للميلاد وبقربه للبيعة وبصفه يوم الأيام وهكذا كان العراقيون يرقصون على أنغام وطن شد على الأفق جناحا منذ مطلع الفجر وحتى الليل الأخير من اليوم!.
   واستمرت تلك الأيام والأعياد بالتكاثر والتوالد حتى جاءت الحواسم في نيسان 2003 لتنهي حقبة مزينة بالدماء وأشلاء الضحايا وأنغام الأكاذيب والشعارات الفارغة وعساكر البهرجة والانكشاريات الشعبية و( الكشخات ) المزرية التي ابتكرها نظام من أكثر نظم العالم تخلفا وبدائية طيلة أكثر من ثلاثين عاما عجاف.
   لكنها تلك الثقافة البائسة والتربية المنحرفة لم تسقط مع سقوط تلك التجربة المريرة في العلاقات مع معطيات الحياة في حقولها المختلفة في عراق يتدحرج الى الأعلى تارة ويتسلق الى الحضيض تارة أخرى، فعادت فايروساتها تنشط من جديد منذ الأشهر الأولى لسقوط النظام وتنمو بشكل مضطرد خارج أجواء المختبرات هذه المرة لتخرج من أقبية مخابرات دول الجوار باجمعها دونما استثناء لأحد، ولتتكون أحزاب زينة جديدة تم تدجين أفرادها في عواصم الدق والرقص على أنغام ذبح العراقيين وسرقة خزائنهم، فامتلأت مشاهد السياسة الجديدة في العراق بأحزاب لا للزينة فحسب وإنما للتوحش والتقهقر والقباحة، وامتلأت مدن العراق بمقرات أحزاب وأسماء أمناء عامين ومكاتب سياسية رنانة تم صنعها وفبركتها في ما تبقى من تنظيمات حزب الطليعة الأوحد ورجال مخابراته واستخباراته ممن انقطعت بهم السبل بين الشعارات التي كانوا يتناولونها صبح مساء وما حصل لهم ولنظامهم خلال اقل من عشرة أيام من دولة تم بناؤها في أكثر من ثلاثين عاما، إضافة الى سقط المتاع الذين أنتجهم ذلك النظام البائس سواء ما أطلق سراحهم قبل سقوطه فيما سمي بعمليات ( تبييض السجون ) أو ما تم تربيتهم وإعدادهم من داخل العراق ومن خارجه لتحويل العراق الى حفنة تراب كما تعهد الرئيس الضرورة في تدمير العراق أرضا وشعبا إذا ما سقط هو ونظامه.
   وبعد سنوات من سقوط وانهيار ذلك النظام ما زالت تلك الثقافة البائسة تفعل فعلتها في المشهد السياسي والاجتماعي العراقي وقد أفرزت فيما أفرزته سلوكا منافقا ومزدوجا في التعاطي مع العملية السياسية فأصبحت هناك أحزابا تعمل في قاعات البرلمان بينما تنشط مؤسساتها الأخرى ليلا وحتى نهارا ( بالتلثم ) في التخريب والاختطاف والاغتصاب للمال والبشر وإشاعة الفوضى والإرهاب في أبشع عمليات القتل والتعذيب التي تجري في دهاليز مقراتها أو حتى في كثير من بيوت الله والشعب من خلال قواتها المسلحة ( الجيش الشعبي ومستنسخاته وان اختلفت التسميات ) ومجاهديها العظماء وكتائب ميليشياتها المنفلتة.
   إن ما يحدث اليوم وطيلة السنوات الماضية ما هو إلا نتاج تلك الفترة المظلمة من تاريخ هذا البلد وتربية ذلك النظام لعدة أجيال من الناس الذين ينفذون اليوم ما تعلموه خلال أكثر من 35 عاما وشاهدوه وهم أطفال وفتية وشباب، ابتدءاَ من كرنفالات الإعدام التي كان ينفذها النظام في الشوارع والساحات العامة وكيل الاتهامات الكاذبة جزافا لكل من يعارضه وانتهاء بتلك المشاهد البائسة والقاتلة من ( صور من المعركة ) التي كانت تبث يوميا ولثماني سنوات متصلة وتظهر آلاف الجثث الممزقة الأشلاء أو عمليات دفنها بالبلدوزرات على أنغام الأناشيد الوطنية، الى تسطيح عقول ووعي الناس بتصنيع أحزاب وجمعيات للرقص أوقات الحاجة لها من ما كان يسميه النظام بالاتحادات والنقابات المهنية والفرق الفنية التي لا هم لها ولا غم إلا التغني بالقائد الذي لا مثيل له في الدنيا وربما لو بقوا عدة سنوات أخر لقالوا انه متعهد الآخرة أيضا.
   إن ما يحدث اليوم وطيلة السنوات التي مرت بعد سقوط النظام ما هو إلا نتاج تراكمات من التربية الخطأ التي تصل في كثير من مفاصلها الى الخطيئة والسلوك المنحرف في تعليم وإشاعة الكذب والخوف والتدليس والاستكانة والقسوة وتحليل وإباحة المحرمات في المال والأعراف وإرعاب الناس باعداءٍ مفترضين لا وجود لهم إلا في مخيلة ذلك النظام الذي أراد بواسطتهم إشغال الملايين عن الإبداع والإنتاج، كما ساهم النظام من خلال برامجه الإعلامية والتربوية من إلغاء وتحطيم مفهوم المواطنة العراقية وذلك من خلال إذابتها بمفاهيم شوفينية ووهمية أساسها العرق والمذهب الواحد، على حساب تهميش وإلغاء الملايين من أبناء العراق الشيعة والكورد والكلدان والتركمان وبقية الأعراق والأديان بإذابتهم في بودقة الأمة العربية والوطن العربي.
  إن سقوط النظام لم يسقط ثقافته وتبعات تربيته وسلوكيات أفراده وعقود من تراكمات التلقين والتصرف الببغائي والكيل بمكاييل وليس بمكيالين، فهم أي ما أنتجه النظام مما نشاهده اليوم ذوو أوجه وألوان حرباوية وأشكال هلامية وملساء تصلح للزينة وللقبح وتمارس كل الأدوار الانتهازية والوصولية وخصوصا ما كان له علاقة بالحملة الوطنية للأيمان والذبح والتفخيخ والابقاء على كل ما له علاقة بالنظام السابق وقراراته وقوانينه وبدائيته، من خلال إشاعة اليأس والتشكيك في قدرة العراقيين على بناء تجربتهم الديمقراطية.

397
المنبر السياسي / أحزاب الزينة
« في: 23:09 28/09/2007  »
  أحزاب الزينة
( 1-2 )

كفاح محمود كريم                                           
Kmk_info@yahoo.com
                   
   

    حينما تتوفر حاجات الإنسان المهمة وتتقلص مساحة العوز والفقر، ينزع أحيانا الى تحسين و تزيين بيته أو شكله في الملبس والاكسسوارت أو ربما في نباتات الزينة و الحيوانات من الأسماك والكلاب والقطط وربما مؤخرا الحمير أيضا، وحتى سنوات ليست طويلة لم تكن كثيرا من هذه الحيوانات للزينة فقط بل كانت للحراسة كالكلاب وللعمل كالحمير، أما القطط والذباب والفئران فبقت على طول الخط اقرب أصدقاء الإنسان ومعايشيه في الضراء والسراء. ولست هنا بصدد الحديث عن هؤلاء ( المكاريد ) الذين ابتلوا بنا منذ بدء الخليقة والى الآن تارة بافتراسهم سلخا وجلدا وتارة بأسرهم وإذلالهم.
    يبدو إن ( فيكة ) أحزاب الزينة هذه المرة ليست من إنتاج رفاقنا المناضلين جدا في حزب الطليعة العربية رغم أنهم أجادوا في ممارستها وتطويعها ومن ثم تطويرها بما يتناسب وموروثنا العظيم في الثقافة والسلوك عبر التاريخ، بما يجعلهم يتجاوزون ( الاسطة ) منذ انقلابهم الأبيض جدا جدا وللعظم في تموز 1968 ولحد هذا اليوم في تطبيقاتهم التي لا مثيل لها في مشارق الأرض ومغاربها.
    لقد كان رفاقنا الحمر في أوروبا الشرقية ربما أول من أنتج أو طور هذا النوع من أحزاب الزينة بعد أن شاء الله وتم تحرير بلدانهم من الاستعمار والإمبريالية والصهيونية بعد الحرب العالمية الثانية، في ترويكات النظم السياسية وحدائقها الغناء في ديمقراطياتهم الشعبية أو الشعبوية على عادة مفكرنا الخلدوني الدكتور سعد الدين إبراهيم بعد انتصار جماهير موسكو المناضلة في بلغاريا وألمانيا الديمقراطية جدا وبقية الشعبويين ( وليس الشعوبيين على عادة رفاقنا المجاهدين العفالقة ) في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية والأخيرة بأذن الله والراسخين في العلم والمشورة.
   هناك في تلك الدول الغناء بجمالها وديمقراطيتها الشعبية تم تطوير أنواع من الأحزاب والجمعيات والاتحادات والمنظمات، ارتأينا تسميتها بأحزاب الزينة لما اتصفت به من جماليات ومتعة للأبصار وإثارة للضحك والاسترخاء وأريجا للأنوف وجمالا للمشهد السياسي طيلة نضالها الدؤوب تحت راية القادة والمناضلين جدا في الأحزاب الشعبوية المكلفة من السماء أحيانا أو من الرفيق الأمين العام أحيانا أكثر، فكانت أحزاب الفلاحين والديمقراطيين والأسماء لا تحضرني الآن ( لانقراضها مع كل الأسف ) أحزابا تجميلية تشبه الى حد بعيد ربما يصل حد التطابق مع نباتات وحيوانات الزينة على أيامنا هذه.
   وفعلا كانت هذه الأحزاب تناضل تحت راية القادة الضرورة في بلدانهم من أمثال الأمين العام الملهم هونيكر وطيب الذكر جيفكوف والشهيد جاوجيسكو وطويل العمر رفيق العقيدة والسلاح والسيكار فيدل كاسترو وأحزابهم الطليعية التي تمثل الأمة وطموحاتها على أديم كوكبنا العظيم. بل وكانت هذه الأحزاب التزيينية تزايد على الأحزاب التي أنتجتها في تنفيذ برامج ومبادئ القائد العظيم أو الحزب القائد، وفي كثير من المواقف والمعارك كانت شيوعية أكثر من لينين أو ماو أو تروتسكي في تزيينها للفكر الاممي والنضال من اجل الاشتراكية والبشرية المفجوعة، وفي نفس الوقت فهي أيضا محسوبة على القوى الوطنية والمعارضة جدا جدا للأنظمة في بلدانها!.
   وهنا في عراقنا العظيم ( كلش ) بكل شيء، بدأ العفالقة من دهاقنة البعث ومنظريه وقادته الميامين طليعة الأمة والرجال الرجال، بتطوير أجيال من أحزاب الزينة المدجنة تدجينا مختبريا وحقليا في دهاليز الأمن العامة ومختبرات الاستخبارات العسكرية، بعد التفافهم وخيانتهم للثورة الكوردية في اتفاقية آذار عام 1975، فقد كانوا قد هيئوا لها في مختبراتهم منذ عام 1973 وزرعوا أنماطا ملساء وناعمة ورخوة، وضِعت في أنابيب اختبار وحقول زجاجية الى ما بعد عام 1974 حيث أعلنوا عنها وعن مكاتبها السياسية ومقراتها وسكرتيرها العام وهي تحمل نفس الاسم الذي كان يقود الثورة الكوردية المعاصرة مضافا إليها حزبين آخرين في غاية الرخاوة والنعومة والبهرجة و( الهشك بشك ) مما سمي في حينه بالحزب الثوري(جدا) الكوردستاني وجبهة تحرير كوردستان ( أكيد من الوطنيين الكورد)، واعتقد بأنهم حاولوا إقناع الرفاق شيوعيو الجبهة التقدمية والوطنية جدا جدا حينذاك بقبول هذه الأحزاب كأحزاب مناضلة وذات ( قاعدة ) جماهيرية واسعة وليست ( كبيرة ) على عادة عادل إمام كي لا تفسر العبارة بشكل آخر ضد الرجعية والإمبريالية واليمينية.
    إلا إن الإخوة الأعداء شيوعيو جبهة القوى التقدمية كانوا في حيرة من أمرهم آنذاك بما لا يحسدون عليه، بين نعيم السلطنة وجحيم المبادئ والحقيقة، حتى داهمهم غول البعث الذي لا يفرق بين أخ وعدو وصديق وحليف واكتسحهم عن بكرة أبيهم، بمباركة وموافقة إيحائية من الرفيق الأممي ألكسي كوسيجن ورفاقه في المرجعية العليا بكرملين المقدسة، لتكون الجبهة عامرة بزينتها وأحزابها الملساء والرخوة والساطعة بحراشفها اللماعة، وليخرج أولئك المشاغبون من المخربين الكورد والشعوبيين الشيوعيين عملاء موسكو ومنغوليا!
  وبذلك ضمن القائد والحزب أحزابا جبهوية وبعثية أكثر من أخينا في الإسلام ( على ذمة بيان ديوان الرئاسة يوم إعلان وفاته ) ميشيل عفلق وعروبية أكثر من الرئيس السابق صدام حسين وإسلامية إيمانية أكثر من ( مريد ) القائد السيد النائب الصوفي الرفيق المناضل عزة الدوري! بل وأكثر عداءً للكورد وكوردستان من علي حسن المجيد.
   ويصبح مشهد العراق السياسي بجبهته المزينة بتلك الأحزاب المقززة والمدجنة أو المصنعة بتعبير أدق في مختبرات حزب السلطة ومؤسساته الأمنية المعروفة آنذاك عشية دخول العراق وإيران حربهما المدمرة والتي أنتجت أكثر من مليون قتيل من كلا الدولتين والعديد من الملايين المعاقين نفسيا وسلوكيا وجسديا، لينعم قادة العراق وإيران بالنصر الإلهي العظيم لكليهما وفي مخيلتهما المريضة فقط، ولتضمحل والى الأبد تلك الأحزاب المخزية في زينتها وقباحتها حيث (علستها ) قادسية بطل الإبطال وإمام الأمة الوالي العظيم!؟.

398
   
  وعادوا ثانية يا سنجار..
                                                                                                 

  كفاح محمود كريم
   

    قبل أربعة وثلاثين عاما وفي أواخر تموز وأوائل آب من عام 1972 اندفعت عشرات الدبابات والمدرعات وآلاف الجنود ترافقهم عصابات حزب البعث الى قرى وبساتين وتلال سنجار لتحرق الأخضر واليابس وتطمر عشرات الينابيع وتحرق مئات من خلايا النحل وأبراج الحمام وتسحق المئات من الأرانب البرية في طريقها للبحث عمن اغتالوا قائم مقام سنجار في السابع من تموز نفس العام.
  في ذلك الصيف الحارق وبينما الفلاحون البسطاء يحصدون غلالهم سبقتهم سيوف الأعداء فجزت رؤوسهم وبعثرت قذائف الدبابات أشلائهم، وما زلت اذكر أولئك العمال البؤساء وهم يحملون أكياس القمح من الحقل الى الشاحنة حينما داهمتهم مفرزة من الجنود والمدنيين من أعضاء حزب البعث آنذاك لتطلب منهم أن يضعوا أيديهم فوق رؤوسهم ويلتفتوا الى الشاحنة، ليمطروهم بزخات من الرصاص فتتهاوى أجسادهم وهي تتمزق وتنزف دماءً لتمتزج بالقمح والتراب؟   
   وتبقى تلك الأجساد العشرة تتلوى على الأرض وهم يضحكون قائلين إن الايزيديين نقصوا عشرة، وحينما كان احدهم يأن أو يتلوى كانوا يمطروه برصاص حقدهم حتى تنطفئ الروح في جسده الذي تمزق، وتسمو عاليا مبتعدة عن عالم النجاسة هنا.
   كان العاشر مسلماً، اسمه خطاب عمر، لم تنفعه الشهادتين وهو يتلوها نازفا من كل أنحاء جسده الذي مزقه رصاص الجنود ورفاقهم أعضاء حزب البعث؟
  في مكان آخر كانت الغيلان تداهم قرى في حواضن الجبل وظلاله لتحرق أشجار التين والزيتون وتحرق معها قسم الإله الأعظم بقدسية الشجرتين، وحينما قال لهم الشيخ الطاعن في السن:
   تلك أشجار الله التي انتقاها للقسم والتباهي دعوها ربما تتمتعون بثمارها، ضربوه بأخمص بنادقهم على رأسه حتى لفظ أنفاسه تحت ظلال واحدة من شجرات التين، التي لم يشفع لها قسم خالقها بها؟
  لم يتركو قرية أو حقلا أو بستانا أو ينبوع ماء، فقد داست حوافرهم كل شيء، بيوت النمل والنحل والأرانب والفراشات وأعشاش الطير والحمام والعصافير، ثم سرقوا قطعان الماشية من الأغنام والماعز وحرقوا حقول القمح والشعير ومعها أعشاش الطير والقطا؟
  وحينما اقتربت مفارزهم ومدرعاتهم من واحدة من أجمل القرى الصغيرة في حضن الجبل من ناحية الشمال (سنون)، كان الأهالي البسطاء من الفلاحين الجبليين يتصورونهم ضيوفا أو ربما لديهم واجب تدريبي هناك، حتى انهالت قذائف مدفعيتهم ورصاص أسلحتهم الخفيفة لتحصد تلك الرؤوس اليانعة الصغيرة لعشرات الأطفال من الأولاد والبنات والمتدلية من على أسطح البيوت الطينية التي كانت تتمتع برؤية تلك القطعات أو القطعان الهائجة.
  وفوق سماء جبل سنجار الأشم كانت طائرات الهليكوبتر تحوم لتقذف حممها على الرعاة والماعز والأغنام وتحرق بساتين التين والرمان والزيتون وتملأ الكهوف بنيران صواريخها لتحرق من فيها من أطفال ونساء وشيوخ الرعاة ومربي الماعز والأغنام.
  عادوا ثانية يا مدينة القمح والخبز الحار.. عادوا يا سنجار يحرقون من جديد براعم الحياة والأطفال ويدمرون المدارس ويحيلون البيوت والمعابد والبناء الى أكوام من الطين والأحجار.
عادوا ثانية يا سنجار في مساء الرابع عشر من آب 2007 بعد خمسة وثلاثون عاما من هجمتهم البربرية في آب 1972 ليحرقوا الأخضر واليابس، عادوا ليحملوا في شاحناتهم أحقادهم السوداء وعنصريتهم المقيتة وقسوتهم التي لاتطالها بربرية هولاكو والهكسوس والحيوانات المفترسة.
  عادوا بنفس أنفاسهم المليئة بالسموم ورائحة الموت والخراب والكراهية والبغضاء، عادوا ولم يشبعوا أو يملوا آلاف آلاف الجثث التي دفنوها في صحراوات بربريتهم وبدائيتهم.
 عادوا يحملون ثانية أنين أطفالنا وبكاء نسائنا وجروح شبابنا هدايا يوزعوها ذات اليمين وذات الشمال، ليستبدلوا الفرح والبناء بالدموع والدماء، وليحيلوا أكواخنا الى تنانير جحيم وتراب.
  عادوا ليقتلوا ثانية رشو وجردو وبسي وخناف وعيشان ودلوفان وآلا وكاروان، وليحرقوا أجسادا غضة ما كانت تحتمل ضوء الشمس فاكتوت بالنيران، عادوا ليكرروا القتل ثانية كما قتلوا أجدادهم هؤلاء وآباءهم منذ أعوام، ثانية جاؤوا هذه المرة ليخلطوا ترابنا بدمائنا ودموعنا بمياهنا، وليدمروا مدارسنا وحروف لغتنا ويحرقوا أغانينا وأناشيدنا، عادوا ثانية في خلسة من الزمن الذي طحنهم والعفونة التي انتجتهم، عادوا ولأنهم لا يدركون ضوء الشمس ودفأ الندى في مساءات سيبا شيخ خدر وكر عزير ونسائم كرزرك وكروفي ورمبوسي وكل القرى العاشقة في سنجار التاريخ والهوية، فإنهم يفجرون أنفسهم انتحارا أمام حقائق بربريتهم وحضارتنا ضنا منهم إننا سننتهي وقد نسوا إننا حينما نموت تكون الحياة قد ابتدأت ثانية فينا.

399
حياك الله رئيسا لكوردستان
     كفاح محمود كريم
     
   في رده مؤخرا على صحيفة ( آكشام ) التركية حول امكانية زيارته الى دولة تركيا قال رئيس اقليم كوردستان مسعود بارزاني (لن أزور أي بلد مالم أكن مدعواً بصفة رئيس إقليم كوردستان ) وفي حواره مع صحيفة ( الخليج ) الاماراتية قال (لن ازور أية دولة لا تعترف باقليم كردستان ).
   في هذا التصريح الواضح والمباشر والذي يختزل واحدة من أهم قضايا الشعوب في الشرق الاوسط والعالم أجمع ما زالت لم تحقق الحد الادنى لحقوقها الانسانية والاعتراف بها كأكبر أقلية على سطح هذا الكوكب لم تستقل وتحقق مصيرها في دولة على ارضها الممزقة والمشتتة بين بقايا ثلاث امبراطوريات عفى عنها الزمن.
   هذه العقلية والثقافة البائسة في التهميش والاقصاء التي ادت الى حروب وتقهقر وانحدار الى الحضيض في معظم دول الشرق الاوسط وضياع فرص ذهبية وتاريخية لتقدم هذه الدول وشعوبها لولا تلك العقلية الظلامية في التفكير الشمولي الدكتاتوري الذي جعلها في دوامة من الحروب مع شعوبها ومكونات مجتمعاتها وفعالياتها السياسية والديمقراطية، ولعل العراق واحد من تلك الدول الذي ما زال ينزف دما ودموعا بسبب تلك العقلية المنغلقة والاحادية في التفكير والسلوك والممارسة مما جعل واحدا من أغنى بلدان العالم بثرواته ومياهه وأرضه وانتاجه الزراعي افقرها وأكثرها تخلفا في معظم مناحي الحياة، هذا البلد الذي احتضن اكثر الحضارات تأثيرا في توجيه تطور البشرية واكثرها عمقا في التاريخ، يأن اليوم جروحا وديونا وتذابحا وفقرا وفسادا وربما سيحتاج سنوات طويلة قبل أن ينهض ويداوي جروحه.
   وليس دول الجوار بأحسن حال منه، وإن بدت الان قياسا به أكثر استقرارا، لكنها ستدفع هي الاخرى فاتورة تلك العقلية المتخلفة والبائسة في تهميش الاخرين ومحاولة الغائهم او عدم الاعتراف بهم، وربما قد أضاعت فرصا كثيرة في تطورها أو انتمائها الى العالم المتحضر، طالما لم تجري اصلاحا وتحديثا في نظامها السياسي الاحادي البسيط والاعتراف بمكونات دولها العرقية والقومية والثقافية بما يؤهلها للحاق بركب المتحضرين في عالم اليوم.
   في العراق وبعد اكثر من ثمانين عاما سقطت دولة العرق الواحد والحزب الواحد والمذهب الواحد ليس لأن الولايات المتحدة احتلت هذا االبلد فسقط نظامه، بل لأنه كان نظاما متهرءاً ومنخورا من داخله بفساده وعجزه وانهيار مؤسساته الاساسية واعتماده على عصابات من الامن الخاص والمخابرات وميليشيا حزبه الفاسد، وتهميشه للصوت الاخر والمكون الاخر والرأي الاخر.
   ورغم نافورات الدماء التي يصنعها بقايا النظام وعصابات المافيا القادمة من الزوايا المظلمة في عواصم الجوار وما بعد الجوار فان عراقا جديدا ينهض أساسه الاعتراف بالآخر وبمكونات العراق القومية والدينية، عراقا ديمقراطيا تعدديا اتحاديا سيشق طريه وسط هذا التقهقر لقوى الظلام.
   حقا انهم سيتقهقرون اولئك الذين لا يعترفون بنور الشمس وفرسانها وستنتصر دوما ارادة الشعوب وستبقى الشمس تنير الارض اعترف بها الظلام ام لم يعترف !
   حقا يا رئيس كوردستان لن تتشرف اي دولة في العالم تحاول اقصاؤنا او تهميشنا بزيارتك لها مالم تعترف وتقر بوطنك وبشعبك الكريم المتحضر.
   تحية لك ايها الاخ الكبير رئيس اقليم كوردستان العراق.

400
  شنكال
من الفرمانات الى الأنفال
                                                                           
 
    كفاح محمود كريم
   
     سنجار أو شنكال كما ينطقها أهاليها منذ آلاف السنين، مدينة ترعرعت عند أطراف جبل مثير في موقعه وتضاريسه، احتضنت في المائة الأولى من العصر الميلادي مملكة معنو الآرامية التي أسقطها الرومان وأقاموا فيها ثغرا من أهم ثغورهم على تخوم الإمبراطورية الفارسية على أنقاضها، ثم ما لبثت أن أصبحت واحدة من درر تاج الإمبراطورية الفارسية أيام شابور الثاني، لكي تعود بعد قرون الى ما يشبه المملكة في أواخر العصر العباسي، حينما تحولت الى أتابكية في نهاية القرن الثاني من الألفية الماضية على يد الزنكيين، ولكي تكون واحدة من ثلاث اتابكيات تشبه الفيدراليات على أيامنا هذه، مع اتابكية الموصل وحلب، وأخيرا لتسقط بيد العثمانيين في عام 1516 بقيادة محمد الفاتح.
   عذرا إن اختزلت تاريخا مليئا بالإحداث والمآسي والحروب بعدة أسطر، لكي انتقل الى أربعمائة سنة من الفرمانات ( الحملات العسكرية العثمانية على الكورد الايزيديين ) التي نالت المدينة وسكانها من الايزيديين ما لم ينله شعب أو مجموعة بشرية على الأرض، حتى الهنود الحمر لم ينلهم مثل ما نال هؤلاء الكورد عبر أكثر من سبعين حملة عسكرية لأبادتهم بدعوى إنهم كفرة مارقون؟.
   الأروع في هذه الملحمة هي الإصرار على الحياة والديمومة فيها رغم كل ما تعرض له فرسان هذه الملحمة في أكثر من سبعين عملية ابادة جماعية بسبب العرق والدين، شاركت فيها الآلاف المؤلفة من الجندرمة والانكشارية الطورانية والعثمانية وعملائهم ومرتزقتهم، أرادت أبادتهم عن بكرة أبيهم وصهرهم تماما في مجتمعاتها وإلغاء هويتهم القومية ومعتقداتهم الدينية بذريعة الكفر والأيمان، إلا إنها بقت محافظة على تراثها ومفردات لغتها الكوردية الأصيلة وفلكلورها الجميل طيلة قرون من الحروب والغزوات التي تميزت ببشاعتها وقسوتها، ولعل أروع ما يميز الايزيديون ولغتهم الكوردية إنها اللهجة الوحيدة في كل لهجات الكورد الأكثر نقاءً وصفاء في مفرداتها، حتى اذكر توجيها للبارزاني الخالد في مطلع سبعينات القرن الماضي حينما كان المجمع العلمي الكوردي يعمل على تنقية اللغة الكوردية من المفردات الدخيلة عليها من لغات الشعوب المجاورة، حيث وجههم الى قرى سنجار حيث النقاء والصفاء في اللغة والمفردات البديلة لتلك الدخيلة على اللغة.
   وربما تذكر لنا دواوين الشعر والمقامات الغنائية المعروفة بــ { الأسترهانات } والتي وثقت تلك الحملات البشعة في ابادة الكورد الايزيديين، حيث لم تكتب لنا المراجع التاريخية إلا ما كان يشوه الحقائق ويغض النظر عن جرائم بشعة كما حصل حتى في أواخر الثمانينات من القرن الماضي وتجاهل الأعلام لكل ما حدث في حلبجة والأنفال.
   ولعل أجمل تلك السترهانات أو المقامات التي تحكي واحدة من قصص الفرمانات وأكثرها إيلاما تلك المعروفة بقصة { حسن وغزالة } التي وقعت أحداثها بحدود 1865 م في مدينة سنجار وأطرافها، حينما غزت مجاميع من جندرمة وانكشارية بنو عثمان مدينة سنجار لتستبيح الأرض والإنسان ولتحرق بمدفعيتها آنذاك الأخضر واليابس، حينما صرخت سنجار بفارسها المغوار حسن ليقتل خاطف زوجته أمير الجند العثماني ويحرر غزالة الجبل الأشم الطاهرة.
  وما كادت الفرمانات العثمانية ومرتزقتها أن تنتهي حتى بدأت مرحلة أخرى من عمليات الابادة لهذا الشعب وإلغاء هويته وثقافته الكوردية الأصيلة منذ قيام الدولة العراقية وحتى كارثة الرابع عشر من آب 2007 م.
  ربما يعتقد الكثيرون أن عمليات الأنفال بدأت مع ربيع عام 1987، لكنني أجزم بأنها إنما بدأت بأخوتنا الكورد الفيليين في بغداد والكوت وبعقوبة والفرات الأوسط منذ نهاية ستينات ومطلع سبعينات القرن الماضي، إن لم تك قد بدأت حقيقة أيام الحكم الملكي في محاولاته لتهجير الكورد الفيليين بدعوى كونهم يحملون التبعية الإيرانية مع غض النظر على من يحملون التبعية العثمانية، وهي نفس الفرية التي اعتمدها العنصريون في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم.
  ولنعود الى سنجار التي ابتدأ البعثيون فيها أنفالاتهم العنصرية البشعة حينما دمروا وأزالوا أكثر من مئة وخمسون قرية ببساتينها وحقولها وعيون الماء فيها بعد أشهر من انتكاسة ثورة أيلول الكوردستانية عام 1975 إثر تآمر دولي وإقليمي رعته وباركته الولايات المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
  لقد تم تدمير قراهم ومصادر عيشهم وعجلة إنتاجهم واقتصادهم وتم تحويلهم الى مستهلكين غير منتجين لتدميرهم نفسيا واستلابهم تدريجيا لتحويلهم الى عبيد وأجراء بعد أن كانوا منتجين وأحرار!؟
  كانوا يعيشون في قرى تنتشر حولها بساتين الفاكهة وبالذات التين والزيتون وأنواع الأعناب والفواكه الأخرى إضافة الى حقول المحاصيل الصيفية والشتوية التي كانت تديم عجلة إنتاجهم واقتصادهم مع ما يربونه من حيوانات كالأغنام والماعز والأبقار، إضافة الى عشرات المناحل التي كانت تنتشر في كل القرى لتنتج واحدا من أرقى أنواع العسل في المنطقة بأسرها.
  لقد دمر العنصريون كل شيء وأحالوا تلك القرى الزاهية الى خرائب ودمار في انفالاتهم التي بدأت هنا على سفوح جبل شنكال وقتلوا كل من عارض أو رفض الانصياع لعاصفة الشوفينية والعنصرية التي اجتاحت شنكال بعد انتكاسة آذار 1975، وجمعوا الآخرين في مجمعات أشبه ما تكون بمعسكرات الاعتقال النازية إبان الحرب العالمية الثانية.
   وبدأوا بفرض برنامج التغيير القومي واللغوي والثقافي عليهم وتفريغهم تدريجيا من كينونتهم بمنع تداول لغتهم الكوردية الأم، ومنع استخدام أسمائها للمواليد الجدد، بل العمل على تغيير الكثير من الأسماء الكوردية للقرى والأحياء وحتى الأشخاص، وصولا الى المنع التام لأي شيء يتعلق بالكوردية لغة وثقافة وسلوكا.
  وخلال ثلاثة عقود ونيف، مارس العنصريون أبشع أنواع التعذيب والحصار والاضطهاد العرقي والديني والمذهبي للكورد في شنكال لتغيير قوميتهم وثقافتهم وأسمائهم وحتى اضطرارهم لاستبدال أنسابهم وأجدادهم بأجدادٍ لعشائر عربية أو انتماءٍ لتلك العشائر مقابل اعتبارهم مواطنين يحق لهم العيش والتملك والتعليم أو الرحيل خارج شنكال مع مصادرة أموالهم وممتلكاتهم ومحاربتهم في أرزاقهم وحياتهم وتعليمهم في المدارس والجامعات.
  إن هذا الشعب وهذه المجموعة من شعب كوردستان والتي تعرضت خلال قرون الى حملات رهيبة لأبادتها سواء ما كان منها بسبب ديانتها الايزيدية أو قوميتها الكوردية، نهضت عشية سقوط النظام وكأن شيئا لم يكن من سياسات التشويه والتغيير القومي فصدحت الحناجر بكورديتها وتغنت تلك الجموع الهادرة في العاشر من نيسان 2003 وهي تستقبل قوات البيشمه ركه بنشيد ( ئي ره قيب ) القومي، لتعبر عن مكنونات هذا الشعب واصالته ولتعيد للمدينة وجهها الحقيقي وهويتها الكوردستانية التي عمل النظام على تشويهها واغتيالها عبر أكثر من ثلاثين عاما من سياسة القهر والتطهير العرقي والابادة الكلية لثقافة شعب عريق.
   وخلال أشهر من سقوط النظام استطاع هذا الشعب الأصيل والمتحضر بسلوكه أن ينظم انتخابات حرة ونزيهة لمجلس محلي للقضاء في أكتوبر 2003 لينتخب بعد ذلك قائم مقاما بالانتخاب الحر والمباشر في أول ممارسة من هذا النوع في تاريخ العراق بأجمعه منذ تأسيسه، ولتظهر حقيقة القضاء والمدينة التي أصر النظام العنصري السابق على تعريبها وإلغاء هويتها الكوردستانية، فجاءت نتائج الانتخابات في أكتوبر 2003 لتؤكد هوية شنكال الكوردستانية الحرة.
  ولأول مرة في تاريخ هذه المدينة تفتح أكثر من مئة وخمسين مدرسة للتدريس باللغة الكوردية من الصف الأول، كما تم افتتاح ثانوية كوردستان لأول مرة أيضا في المدينة بعد عودة كثير من العوائل التي تم تهجيرها في منتصف السبعينات من القرن الماضي. ولأول مرة أيضا يتم تدريس منهج الديانة الايزيدية لمعتنقي هذه الديانة في كل مدارس القضاء.
   لم يرق هذا التطور والتحول في حياة الناس بالمدينة وأطرافها وخصوصا وهي على أبواب العودة الى أحضان الوطن في الإقليم على خلفية تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الدائم فبدأت برنامجها التدميري الذي مارسته طيلة ثلاثة عقود في كوردستان وبلداتها من سنجار الى خانقين مرورا بكركوك، فكانت ضربتها الأولى قبل انتخابات كانون ثاني 2005 بيومين فقط لتحاول إيقاف التصويت للدستور الدائم والذي يعتبر صمام أمان العراق الاتحادي والديمقراطي والخطوة الأولى لعودة كل هذه المناطق الى الإقليم. ثم عادوا ثانية في الرابع من آب لينفذوا جريمتهم الكبرى بالتعاون مع مخابرات دولية إقليمية ذات صلة ومصلحة في ابادة الكورد من الايزيديين والمسلمين على حد سواء، وإيقاف مسيرة كوردستان والعراق في التنمية والتطور وتعويض سنوات الدكتاتورية في التقهقر والتخلف بما يدفع العراق نوعيا الى الأمام. فقد أرسلوا أربعة شاحنات مفخخة بآلاف الكيلوغرامات من المتفجرات الشديدة الى اثنين من مجمعات كانت قد سلخت في انفلة شنكال عام 1977 وقد حانت عودتها الى القضاء ثانية، لتحيل المجمعين خلال ثواني الى ما يشبه المناطق المنكوبة بالزلزال ولتقتل مئات الأطفال والنساء والشباب وتجرح مئات أخرى وتدمر مئات البيوت الطينية وتحيلها الى تراب كما فعلت سابقا في إزالتها لعشرات القرى في سبعينات القرن الماضي وآلاف القرى في ثمانينات نفس القرن في حلبجة وكرميان وبهدينان. مستخدمة نفس الأسلوب والعقلية والحقد الأسود منذ فرمانات العثمانيين وحتى أنفال البعثيين، لكنما دون جدوى فعقارب الساعة لن ترجع الى الوراء وسنن الطبيعة والحياة لن تقبل هذه الهمجية ثانية أن تعود أو تسود.
  حقا إنها الفرمانات التي أنتجت الأنفال وها هي اليوم تتحد لتنتج هذا الحقد الدفين والقسوة الوحشية لأولئك الذين لا يفهمون لغة الحضارة والإنسان فيتقهقرون الى الحضيض بينما تندفع شنكال وشقيقاتها من مدن الشمس الى الذرى.

401
سنجار لا تبكي  بل تصرخُ وتستبقُ الموت !


 كفاح محمود كريم
 

    مدينة لا تعرف البكاء، وقوم اعرفهم حينما تدلهم المصائب وتختلط الألوان وتفيض الأجساد دماء وجروحا، وتبقى المآقي لا تدمع إلا فرحاً أو شاخصة كعيون الصقور والأسود.
    تلك سنجار المدينة الأكثر إثارة في تاريخها وجغرافيتها وسكانها. إنها شقيقة حلبجة وبارزان وقلعة دزة وعشرات من مدن فرسان الشمس.
    لقد تعرضت عبر مئات السنين أو ربما الآلاف منها الى حروب ومعارك وحصارات فاقت في همجيتها كل ما قرأناه عبر التاريخ الأسود للدكتاتوريات والشوفينيات القومية والتعصب الديني الأحمق والأسود.
  يقول سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، عن حوادث السلاجقة لسنة 449 هـ في الصفحة 22 عن واحدة من أبشع معارك سنجار عبر التاريخ قبل حادثتها الأخيرة:
( أغار عليهم ((طغرل بك)) فسحقهم حتى وصل سنجار فحاصرها طويلا وقطع عنها كل ما له علاقة بالحياة وديمومتها، إلا أن أهالي سنجار تحدوا السلاجقة تحديا أسطوريا رغم معاناة الحصار وقيل ((أنهم اخرجوا جماجم من كانوا قتلوا وقلا نسهم وتركوها مشهورة على رؤوس القصب))
  فقد ((طغرل بك)) أعصابه فقرر زيادة عدته وعدده، مضاعفا حصاره الوحشي على المدينة حتى فعل الحصار فعلته وانتصر سيد الشجعان الجبناء (الجوع) ففتحت المدينة أبوابها عنوة تحت سياط الجوع والمرض فاقتحم السلاجقة مدينة سنجار ليستبيحوها ويمعنوا في سكانها قتلا وتعذيبا وفي خيراتها نهبا وسلبا و بعمرانها خرابا وتدميرا حتى قتل أميرها آنذاك (مجلي بن جرجي) ومعه آلاف من رجالها حتى قيل أنهم بلغوا أربعة آلاف رجل !؟ .)
  حدث كل ذلك في بداية عام 1057 م، أي قبل أكثر من تسعة قرون على ما حدث لها في آب من 1972 و آب 2007، وتتحدث كثير من المراجع عن عدد سكانها في المعركة الأولى التي راح ضحيتها أكثر من أربعة ألاف مقاتل من الرجال بأكثر من خمسة وثلاثين ألف نسمة أي ما يقارب عدد نفوس مركز مدينة سنجار اليوم.
  لم تبكِ سنجار حينما حاصروها حتى الموت، كانت تصرخ بوجه الطغاة وترفع رؤوس قتلاهم على رؤوس القصب لترعبهم وهي تتلضى جوعا وعطشا.
  وعبر أكثر من ثلاثين عاما منذ اتفاقية آذار حيث نهضت مدينة الشهيد سامي عبدالرحمن وبطل البيشمه ركه علي شنكالي لتعلن للعالم اجمع هويتها التي تعرضت عبر قرون لمحاولات التشويه والإلغاء.
   تعرضت المدينة وسكانها الكورد من المسلمين والايزيديين الى أبشع عمليات الابادة الجماعية والتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي للمنطقة، فقد تم ترحيل المئات من العوائل الكوردية من مركز المدينة وأطرافها الى محافظات الموصل ودهوك واربيل والسليمانية ومصادرة ممتلكاتها من بيوت وأراض زراعية ومحلات تجارية بتعويضات رمزية في وقتها وبتنازل فوري عن أي حقوق تذكر.
  أما في أطراف المدينة وسفوح جبلها الأشم ووديانه العميقة التي كانت تحتضن العشرات من أجمل قرى كوردستان بطبيعتها وبساتينها وروعة سكانها وكرمهم الكبير وأصالتهم التي تمتد آلاف السنين وإصرارهم على الحياة والمحافظة على هويتهم القومية والدينية رغم ما تعرضوا له من مآسي وحملات ابادة بالعشرات، كادت أن تقضي عليهم وتقرضهم لولا هذا الإصرار على البقاء والديمومة.
   لقد بدأوا بتدمير القرى ومسحها من الأرض بعد انتكاسة عام 1975 بما في ذلك البساتين وعيون الماء والآثار والمعابد والمساجد، حتى يضن المرء أن زلزالا قد ضرب المنطقة بأكملها فأحالها خرابا يبابا؟
  لقد دمروا خلال اقل من ستة اشهر أكثر من مئة وخمسون قرية من اعرق قرى كوردستان وأكثرها جمالا في سفح وحضن الجبل ووديانه، ونقلوا سكانها الى مجمعات بدائية على حافة الصحراء من طرفي المدينة شمالا وجنوبا، كل ذلك لأجل أن لا يبقى أثرا لهوية شنكال وكوردستانيتها وأصالتها الكوردية من خلال رجال كانوا بحق فرسانا للشمس ولكوردستان.
  وحينما انهارت دولة العنصرية والتطرف والشوفينية في نيسان 2003 نهض هذا الشعب صارخا بلغته ألام ها هي شنكال تعود ثانية حاضرة من حواضر كوردستان الجميلة، لقد صرخت بأعلى صوتها في أكتوبر 2003 منتخبة مجلسها الأول وقائمقامها الأول بعد نور الحرية والديمقراطية لتستعيد شنكال هويتها التي طالما حاول أولئك البؤساء مسخها وتشويهها بسياستهم البدائية الرعناء.
  وحينما أيقن ذلك العدو المتقهقر والمنهار إن شنكال ستخرج عن بكرة أبيها في استفتاء الدستور ومجلس النواب، أرسلوا مفخختهم ليرعبوا مدينة ويمنعوا سكانها من الإدلاء بأصواتهم، كان ذلك قبل انتخابات كانون الثاني 2005 بيومين فقط!؟
  ما حدث بعد ذلك كان حقيقة الشنكاليون الذين لا يرعبهم غدر أولئك الذين يحتمون ببهائم انتحارية لا تفقه معنى الحياة، فخرجوا عن بكرة أبيهم رجالا ونساء ليحسموا شرعنة الدستور الدائم بأصواتهم الحرة الصارخة.
  وحينما اقترب الوعد في عودة تلك الأجزاء التي سلخوها منذ أكثر من ثلاثين عاما عادوا كالغيلان المتوحشة ليفجروا شاحنات أحقادهم وجبنهم في أوساط الأطفال والنساء والشيوخ في أبشع عملية لأباد اكبر عدد من المدنيين الذين سيدلون بأصواتهم من أجل الحرية والتقدم والازدهار.
  سنجار لا تبكي سادتي بل تصرخ وتستبق الموت وصولا الى أحضان كوردستان.
سنجار لا تبكي بل تدفع ضريبة انتمائها جروحا وشهادة ودماء!
سنجار تصرخ وتستصرخكم أيها المناضلون والفنانون والشعراء والكتاب والمؤرخون والمطربون أن تكون سنجار عروس أفكاركم ونبض قلوبكم ولونا من ألوانكم ونغما شجيا من أنغامكم فقط ليس إلا أيها السادة المبدعون!؟ واطمأنوا تماما:
سنجار إن بكت أو أدمعت مدامعها فابشروا إنها تزف الى أوطانها.

402
سنجار ومساء الثلاثاء الأسود


كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

       
    منذ أكثر من ثلاثين عاما تم سلخ سيبا شيخ خدر وكر عزير ( القريتان الصغيرتان انذاك ) من جسد قضاء شنكال وإضافتهما الى ناحية البعاج جنوبي قضاء شنكال(سنجار) بــ 35 كم.
   كان ذلك في منتصف السبعينات من القرن الماضي، واليوم وبعد أكثر من ثلاث عقود ثقيلة ومرة، وفي مساء الثلاثاء الأسود في الرابع عشر من آب 2007 إقترف العنصريون الشوفينيون جريمة بشعة يندى لها جبين الانسانية في إرسالهم أربع شاحنات مفخخة بآلاف الكيلوغرامات من المواد شديدة الانفجار، لكي تنفجر الأولى في قلب قرية كرعزير القديمة والمبنية من الطين والخشب، تتلوها الثانية قرب السوق الرئيسي للمجمع والقريب من ملعب بدائي وترابي لكرة القدم.
   وفي نفس هذه التوقيتات كانت شاحنتان اخريتان تشق طريقهما الى صدور الاطفال والنساء والشيوخ في مجمع سيبا شيخ خدر، ولم تتوقف انفجارات الحقد بالشاحنات الاربع، حيث بدأ القصف بالهاونات بعيد اللأنفجار بدقائق قليلة لتقضي على المتبقين من اولئك الكورد الذين يصرون على الحاقهم بأقليمهم في كوردستان العراق؟
   مئات من القتلى ومئات آخرين من الجرحى والمفقودين بين ركام أطنان من الاتربة التي تتكون منها تلك الاكواخ؟
   مئات بل ربما الاف الاشلاء المتناثرة فوق كل مساحة المجمعين من اشلاء الاطفال الندية والفتيات اللاتي اعتدن التزين يوميا في المساء وقبل الغروب والجلوس قرب الابواب او جدران البيوت الطينية؟
  مئات البيوت الطينية التي هوت جميعها على ساكنيها الغض من الاطفال والنساء؟
لماذا ؟؟
لماذا كل هذه القسوة والحقد الأسود؟
من أين أتت وما هي حدودها ؟
ترى ما الذي يحدث؟
   ما هذا التقهقر في الاخلاق والمبادئ والانسانية والاتجاه الى السقوط والانحطاط؟
   من يقف وراء هذا التدمير للأنسانية باطفالها ونسائها وشبابها؟
هل هم اولئك الايتام الذين تركهم النظام السابق يمثلون بالعراق تقتيلا وتدميرا؟
ويمسخون حضارة الانسان ويحيلون الضوء الى ظلام والخراب مكان الاعمار؟
من يحرك هذه النوازع البدائية البربرية؟
  هل هم اولئك الذين يعملون في النهار مع العراق الجديد وفي الليل ينفثون سمومهم في جسد كوردستان والعراق..
فيحرقون اطفالا مابرحوا من الزمن الا اشهر او سنوات؟
  ويقتلون امهات ويبقرون حواملا ويذبحون فتيات ما مسهن الا هواء؟
  لمصلحة من يقتل اكثر من خمسمائة طفل وامرأة وشيخ؟
  ويجرح المئات وتزال اكثر من مائتي دار وتدمر غيرها العشرات؟
  هل هي دول اقليمية لا يريق لها مايحصل في بلاد مابين النهرين؟
ام هي دول الجوار التي مابرحت التورط في كل ما يخص العراق منذ سقوط النظام ولحد اليوم؟
   ماذا يريد كل هولاء مجتمعين من فقراء تحت خط الفقر في قريتي سيبا شيخ خدر وتل عزير المسلوختين من جسد شنكال منذ ثلاثين عاما بجريمة لا تقل عن جريمة مساء الثلاثاء الاسود، حينما دمروا عشرات القرى والبساتين وينابيع المياه وأهانوا سكانها وقتلوا من رفض وقاوم، وجمعوهم في مجمعات جنوب المدينة وألحقوهم بناحية البعاج العربية، وغيروا اسماءهم فأصبحت سيبا شيخ خدر ( مجمع الجزيرة ) وتل عزير ( ناحية القحطانية ).
وها قد اقترب موعد اعادتهما الى احضان الوطن في كوردستان الجميلة الآمنة، بتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الدائم؟
اذن لمصلحة من ما جرى في مساء الرابع عشر من آب؟
   ومن هم الذين يرفضون عودة هذه المناطق الى جسدها الطبيعي والتاريخي في اقليم كوردستان؟ 
   اذا أجبنا على كل هذه التساؤلات سندرك من هم الذين قتلوا اطفالنا ونسائنا وشيوخنا؟
ودمروا قرانا وبساتيننا وينابيع المياه في سهولنا وجبالنا؟

403
دول الجوار بين الدق والرقص على أنغام الموت في العراق؟

       كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com               


     ربما يتساءل المرء عن مصلحة دول الجوار العراقي في ما يحصل الآن على أراضي العراق، وربما أيضا يتوقف الكثير عند مجموعة الروابط العرقية والمذهبية التي تربط العراق بهذه الدول، وعلاقة هذه الروابط بما يحصل وما حصل عبر تاريخ هذا البلد منذ تأسيسه الهش وحتى يومنا هذا.
    ولربما نتساءل أيضا كيف تم توزيع الأراضي والمقاطعات والأقاليم والولايات ومناطق النفوذ النفطي والاستراتيجي حينما جلس القصابون في مؤتمر سايكس بيكو ليؤسسوا دولا وكيانات تأتي متناغمة مع رغباتهم ومستقبل إمبراطورياتهم وتنزف دماءً ودموعا طيلة ما يقارب المائة عام. هذه الروابط التي كانت عبر عقود الزمان سببا ودافعا لكل مآسي الشعوب العراقية وما حصل لهذا البلد المنكوب طيلة ثمانين عاما منذ استوردوا له ملكا حتى باعه في المزاد رئيسه السابق صدام حسين. بدلا من أن تكون سببا في استقرار العراق وقوة علاقاته مع دول الجوار.
    ولعل الاختلاف العرقي والمذهبي وامتداداته في كل من إيران وتركيا وسوريا لعب دورا بليغا في كل مآسي العراق وحروبه ومع معظم جيرانه، فلقد تحارب صدام حسين ونظامه مع إيران لثماني سنوات في واحدة من أقسى الحروب بعد الحرب الكونية الثانية وأطولها وربما أتفهها لكي لا يمتد مذهبها الجعفري بشكله الثوروي والسياسي إلى بطون ما بين النهرين المحكوم بمذهب أبو حنيفة النعمان ورفاقه الثلاثة الآخرين، بل واستغنى قبلها عن نصف شط العرب وآلاف الكيلومترات من الأراضي لإيران كي لا ينتصر الكورد في ثورتهم حينما اتفق مع شاه إيران على تقاسم شط العرب عام 1975 فيما عرف باتفاقية الجزائر التي اغتالت الثورة الكوردية المعاصرة، التي كانت قد اندلعت في أيلول 1961، وكذا فعل في تنازلاته للأشقاء جدا في السعودية والأردن بآلاف الكيلومترات من الأراضي على الحدود الدولية معهما لأرضائهما بمساعدته كي لا يتسع ( المد الشيعي الفارسي المجوسي وأخيرا على عادة البعض من سياسيينا ( البلباكيت ) في توصيفهم للأخوة الأعداء بالصفويين ).
   وعلى الجانب الآخر لم يكتف القائد الضرورة (رحمه الله وأطال بقائه في البرزخ حتى يلتحق به الرفاق في القيادتين ) في كرمه مع الطورانيين في آسيا الصغرى لكي يساعدوه بحروبه المقدسة في الشمال والجنوب ويديموا عجلة اقتصاده المنهوك بأساطيل و( تنكرات ) فقرهم وبؤسهم الممتدة من أنقرة الى إبراهيم الخليل، فاستقدمهم إلى أرضه وعرضه كما فعل أبا رغال في بغدادنا ذات يوم من أيام تاريخنا المجيد جدا جدا؟
    وفي مغارب بلادنا التي ابتلت بنا وابتلينا بها حتى العظم، فقد أراد رئيسنا الملهم بنائبه الأسطورة وأركان حزبه العظيم أن يبتلع الشام وما عليها من اسود وثعالب في وحدة اندماجية يكون هو رئيسها الضرورة من شواطئ المتوسط وحتى ضفاف الخليج الهادر!
   وحينما لم يرضى الرفاق الأعداء ذلك، احرق صاحبنا الأخضر واليابس، وقتل الصديق والرفيق، وأغلق الحدود وأقام عليها السدود، وألغى من ذاكرتنا لأكثر من عقدين من الزمان بلادا في غربنا وشعبا مثلنا لا حول له ولا قوة.
   ولننتقل الآن إلى بانوراما الإخوة الأعداء في دول الجوار وسيمفونياتهم التي يعزفونها على مسرح عراقنا الجريح منذ خليقته والنازف منذ ولادته، والمحسود في فقره وغناه.
   فمنذ أن عرفنا عراقنا عراك ودول الجوار تدق وترقص على أحزاننا ومآسينا تارة على أعراقنا وأخرى على مذاهبنا، وكثير منها على بترولنا ومياهنا وما طاب ولذ مما تنتجه حقولنا ومزارعنا،  وهي اليوم تقاصص شعبا لا حول له ولا قوة منذ أن فعل الخبيث سايكس واللئيم بيكو فعلتهما في توزيع ارث آل عثمان كما يشاءون هم دونما مراعاة لمصالح شعوب تلك المنطقة التي تنزف دما ونفطا وماءً لحد اليوم والى ما شاء الله.
   ترى هل تبحث الجارة في مشارق العراق عن مجال حيوي أسوة بالراحل هتلر لتجد بحجة الدين ومذاهبه الزاهية جدا جدا مدخلا الى هذا المجال على جماجم وجثث العراقيين من بنجوين والى الزبير، أم إنها تعاني من نقص في الأراضي أو السكان لكي ( تعلسُ ) جزءً من أراض أصبحت ملك عشائر وبطون وليست ملك بلاد وقانون.
  وهل الآخرون في شمال الكنز يبحثون عن وقود لتدفأ تهم، أم يخشون أن تتوقف أساطيل تنكراتهم البائسة أم ربما يخشون بدرا قد يظهر لاحقا في جنوبهم فيزيح الظلام ( وتطلع الشمس على الحرامية ) فيكتشفون أنهم أقلية في بلاد اسمها أسيا الصغرى وفيها كوردستان وارمينستان وعربستان وما هم إلا حفنة من بقايا البيكات والباشات الفلكلورية.
   وهل سيبقى الإخوة الأعداء في مغارب دولتنا العجب يصرون على أننا جزء منهم وربما جزء من ورث حزبهم العتيد الذي سجل البلاد العربية باجمعها ملكا صرفا باسمه في دائرة طابو العرق الأنقى والأرقى على طريقة الألماني أدولف هتلر، وهم الوحيدين الذين لهم خيار الموافقة والرفض في أي شيء يتعلق بمصيرنا وشكل دولتنا أو نظامنا، لأننا ما زلنا في نظر إخوتنا اللدودين أولاد قاصرين تحت وصاية ولي الأمر المختلف عليه فيما بين دول جوارنا من فارسستان الى سوريستان مرورا بآسيا الصغرى أو الباشاتستان، وحتى يثبت النسب ستبقى دوائر الصراع بيننا وبين ( ولاة أمورنا ) من دول الجوار الذين يدقون ويرقصون على أنغام وإيقاعات ذبحنا واغتيالنا ليل نهار الى ما شاء الله والراسخون في الاحتلال ومقاومة الحياة في كل مكان من ارض العراق طفولة ونساءً وشيوخا بحجة إخراج المحتلين.
 

404
البارزاني مصطفى والطريقٌ إلى الشمس
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com
 
   في تاريخ الأمم رجال تختارهم مراحلهم وحقبات أزمانهم من بين ملايين الرجال، ليشقوا طريق شعوبهم إلى المستقبل الزاهر أو المظلم، ويذكر التاريخ بإجلال أولئك الذين استبدلوا حياتهم بحياة شعوبهم، كما يذكر بمأساة وألم أولئك الذين قادوا شعوبهم إلى التقهقر والانكفاء.
   وفي تاريخ شعب كوردستان الحافل برجالات وأبطال انتجتهم منظومة من الأخلاق الرفيعة في شعب أصر منذ البدء أن يكون أفضل من يصنع الأخلاق والقيم العليا، وأروع من مارس فكرة التسامح والعفو عند المقدرة، والأكثر إيثاراً، ومشاركة مع الآخرين في قضاياهم وحروبهم وآلامهم وأفراحهم، دون أن يلتفت إلى ذاته عبر قرون وقرون.
   هذا الشعب الذي كافح من اجل الآخرين، واحتضنت ارض العراق وفلسطين والكنانة وبلدان كثيرة الآلاف من رفات خيرة رجاله المقاتلين دفاعا عن قضايا لا تمت بصلة إلى قضيتهم، لقد كانوا كما قال المفكر التونسي د. محمد بن نصر( لقد كان الكورد أمميون حينما كان الآخرون قوميون عنصريون ).
   من قلب هذه المنظومة الأخلاقية والسلوكية انطلق البارزاني مصطفى وآلاف الرجال والنساء إلى قضيتهم في الحرية والانعتاق منذ أواسط القرن الماضي متجها إلى الشمس في بلاد تحتضن الضياء والثلج والحب ممرغة بالاستلاب وقبح المحتل وكراهية القسوة وإلغاء الآخر، تحكمها مجاميع من المهووسين بالسلطة والعنصرية المقيتة وعملائهم من المتنفذين الغرائز يين من الحيتان البشرية ومرتزقة الحكومات عبر التاريخ.
   حمل البارزاني هموم وآلام هذا الشعب متكئاً على تلك الأخلاقيات العالية والسامية في رجاله ونسائه لمقاومة ذلك الخليط من العفونة التي تفرزها سلطات الاحتلال ومفاصلها.
   لم يكن البارزاني في طريقه إلى شمس كوردستان يبحث عن دائرة ضوء لذاته أو خصوصية له ولأتباعه بقدر ما كان يبحث عن موضع قدم لشعبه تحت الضوء، فانطلق بكل هذه المنظومة النبيلة من الأخلاقيات والسلوك لإنتاج فلسفة التعامل مع العدو لكسبه لا لتدميره، ولإصلاحه لا لاكتساحه، بصوفية ثورية لا مثيل لها بين ثورات كثير من الشعوب في العالم، قد أسس البارزاني لمدرسة أخلاقية وسلوكية دون التنظير المعقد في إيديولوجيات ونظريات مكتوبة، بل بمجموعة من السلوكيات والتعامل الميداني مع الأحداث والظواهر ومفردات التعاطي اليومي مع تفاصيل حياة الناس و البيشمه ركه وتعاملهم مع بعضهم البعض و مع المافوق إداريا و مع العدو وما تنتجه المعارك من جرحى وقتلى وأسرى.في رسالة تطبيقية في الأخلاق النبيلة والسامية بين البشر مهما كانوا وكيفما يكونوا دونما الخوض في الوعظ أو النصائح النظرية. لقد كان الرجل إنسانا ميدانيا وتطبيقيا لمبادئ وفلسفة شعب يذهب إلى الشمس لكي يُضاء ويضيء.
   ولعل تطوع معظم جرحى العدو بعد شفائهم مع البيشمه ركه في الثورة، ورفض أكثرية الأسرى العودة إلى ذويهم بل والتطوع كثوار مع قوات البيشمه ركه، دليل على عظمة تطبيقات فكر وسلوك البارزاني في قيادته للثورة منذ اندلاع ثورة كوردستان الكبرى في أيلول 1961 م.وتعامل قوات الثورة الكوردية ومفاصلها مع هؤلاء الأسرى الذين تحولوا بفعل تلك الأخلاق السامية إلى ثوار مع رفاقهم أحرار كوردستان.
   منذ الساعات الأولى لانطلاقه نحو شمس كوردستان أدرك البارزاني مصطفى إن الصراع والعتمة في العلاقات ليست مع شعوب المنطقة التي تقاسمت الوطن في أبشع عملية تقسيم وذبح لبلد كان له أن يكون واحدا من أجمل وأروع بلدان الشرق الأوسط لولا اقتراف جريمة تجزأ ته بين كل من ما سمي لاحقا بتركيا والعراق وإيران وسوريا.
   ومن هنا زحف البارزاني إلى أول انبثاقة لشمس كوردستان في مها باد ليكون الأقرب إلى فرسانها في أول جمهورية كوردستانية، وليضع أساس دولة ديمقراطية متحضرة في عالم يكاد أن لا يُرى لشدة ظلامه في إمبراطورية بائسة متآكلة تخنق الشمس حول مها باد ومملكة تم صنعها في دوائر الخارجية البريطانية وأخرى في باريس لتحاصر شمس كوردستان جنوبا وغربا وتمتص خيراتها، وبقايا إمبراطورية مريضة متهشمة في تخلفها وانكفائها إلى آسيا الصغرى بدولة أطلقوا عليها اسم تركيا على أنقاض ذلك المريض الذي احتضر في مطلع القرن الماضي.
    ومنذ الساعات الأولى لمسيرة البارزاني ورفاقه باتجاه الشمس والحرية أدركوا بأنهم ضحايا لنظام سياسي متخلف وشمولي وان الشعوب الأخرى التي تعيش معهم ليسوا بأحسن حال منهم إلا من ارتضى أن يكون جزء من تلك الأنظمة السياسية المتخلفة، وكان ذلك فصلا مبكرا بين الشعوب وأنظمتها السياسية الحاكمة، درءا لزرع بذور الحقد والكراهية بين هذه الشعوب وإبعادها عن أي جروح غائرة في علاقاتها للأجيال القادمة.
   فقد كان البارزاني حريصا على علاقات إنسانية راقية ومتينة مع العرب والفرس والترك كشعوب تتعايش مع الكورد، ولا تتحمل أية مسؤولية سياسية أو أخلاقية عما تقترفه تلك الأنظمة ومؤسساتها وأفرادها من جرائم بحق الكورد وكوردستان. واستطاع هذا القائد الكبير من مد جسور المحبة والوئام مع شعوب كل من العراق وتركيا وإيران وسوريا من العرب والترك والفرس وغيرهم من غير الكورد، من خلال علاقاته مع رجال الفكر وقوى الديمقراطية ورجال الدين من المسلمين والمسيحيين وأعمدة القوم من رجال المجتمع والعشائر. بما لا يدع مجالا لقطع قنوات وجسور العلاقة والتواصل ويبرئ هذه الشعوب من جرائم وذنوب أنظمتها السياسية، وبما يزيد أصدقاء الكورد وقضيتهم العادلة.
   وفي طريقه إلى الشمس لم يدع أي مجال لاعتباره ملكا لحزب أو طبقة أو دين أو عرق دون سواه في كوردستان، فقد كان سلوكه وتطبيقاته الميدانية لفلسفة راقية تتجلى فيها أروع وارفع قيم الأخوة الإنسانية والنزاهة والمصداقية في صغائر الأمور وكبائرها، فقد كانت أروع تجلياته تكمن في بساطته وقربه من الطبقات الأكثر فقرا وبساطة من الفلاحين والموظفين الصغار دونما تخديش لمشاعر طبقات أخرى من المجتمع أو على حسابها. لم يكن ينحاز إلى طبقة دون سواها رغم ملاصقته الدائمة للطبقة الأكثر اتساعا بين صفوف الشعب وشرائحه، كان دوما مع الفقير حتى تحل مشاكله ومع المحتاج حتى تقضى حوائجه، ودوما مع المظلوم مهما كان وأينما كان حتى تؤخذ حقوقه.
   لم يكن عدوا لأحد، حتى للذين كانوا يحملون السلاح ضده، كان يوصي بهم حينما يسقطون جرحى أو أسرى، ويؤكد دوما بأن ساحة المعركة لا تبيح كل شيء حتى وإن كان العدو قاسيا، إذن هو يؤسس لسلوك راق ونبيل للعلاقات الإنسانية وصنع الحياة حتى في الساحة التي لا تفهم إلا لغة الموت والنار، وبذلك كان يحول عدوه من مقاتل ضده إلى مقاتل معه، وكان ذلك له بالمئات ممن اخترقتهم مبادئ هذا النمط من التعامل وطورت سلوكهم وارتفعت به إلى مصافي الثوار.
   في طريقه إلى الشمس مع هذا الشعب لم يكن يؤمن ورفاقه بأن الحرب هي من اجل الحرب وأنها الحل الوحيد في الصراع مع النظم المستبدة والعنصرية. وكثيرا ما كان يوقف الحرب والقتال لا من اجل العدو بل لأجل استراحة الثوار والأهالي وحتى لأفراد العدو المغلوبين على أمرهم كما كان يصفهم دائما.
   كان لا يدع شاردة أو واردة تمر دونما تمحيص ودراسة وقرار، حتى في أحلك الضروف كان يراقب الفلاحين والمزارعين ونتاجا تهم الزراعية فيوقف الحرب في كثير من الأوقات كي يمارس هؤلاء الفلاحين أعمالهم في الحصاد والتسويق بعيدا عن إرهاصات الحرب والنار. ويدفع الحياة باتجاه اشراقاتها المنتجة بعيدة عن آلة الحرب والدمار وإيقاف الحياة وإطفاء أنوارها، كان على طول المسيرة يكرر ويصر بان الحرب واحدة من الخيارات القسرية والحلول المفروضة علينا وليست المختارة.
   إن الحرب هي الاستثناء دائما والقاعدة هي السلام، والحوار هو اقصر الطرق للوصول إلى الحلول مهما بلغت الخلافات من تعقيدات وتشابكات. كان يبحث دوما عن الحوار مع ألد أعدائه وأعداء شعبه، ويستجيب لأي بادرة لوقف القتال أو الإذعان للتفاوض حتى مع شكوكه بتكتيكات العدو، لكنه كان يستبق الخير دوما مع استباقته للموت أيضا.
   لقد أنشأ البارزاني أنماطا من السلوك الراقي والنبيل والروح الوثابة للخير والسلام وهي تتجه إلى الحرية وتأسيس نظام راقي للحياة في كوردستان بما يميز هذا الشعب عن غيره في سلوكه وأخلاقياته ونزاهته وترفعه وصفائه، فقد كان يدرك تماما بأن هذا الشعب سيحقق ما يصبو إليه في المستقبل القريب، وعليه أن يجد له مكانا تحت الشمس بما يميزه ويوازي تضحياته ونضاله في منظومة أخلاقية وسلوكية نقية ونبيلة. بما يجعل كل الشعوب التي تعايشت معه تدرك أصالته وعمق حضارته ونقاء سريرته، وتؤمن بشرعية طريقه إلى الشمس، وما بقاء المئات من الأسرى في معارك البيشمه ركه في صفوفها والنضال معها إلا تطبيقات لسلوكيات وأخلاقيات ذلك البارزاني الحكيم الذي ورث عمق ميديا وانطلاقة كاوه إلى شمس الحرية.

405
البيشمه ركه.. ذرى الجبال والرجال


كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

  يقول المؤرخ الموصلي الكبير بسام ألجلبي عن الكورد ( حينما أتحدث إلى كوردي اشعر بأنني أقف إمام واحدا من الأمراء والنبلاء، لما يتميز به هذا الإنسان من رقي وسمو في الخلق والأدب الساميين ).
   تذكرت تلك الكلمات وأنا أشاهد أفواجا من البيشمه ركة تدخل المدن بعد تحريرها في انتفاضة الربيع عام 1991 بعد سنوات عجاف قاسية في مرارها ووقعها وتضحياتها، هؤلاء الرجال والنساء الذين كانوا يحملون قرص الشمس الى مدن كوردستان التي غرقت في ظلام مدلهم دامس منذ سنين طوال، وتحمل الفرحة والأمل القادمين من بين ثنايا وصدى كلمات حكيم كوردستان الخالد البارزاني مصطفى، لآلاف الثكلى ويتامى الشهداء العظماء من أبناء الشمس ورجال القمم في وطن الجبال والرجال.
  أفواج من رجال غادروا المدن منذ أن اكتسحها ظلام الأوباش ليحموا ذراها في قمم كوردستان، يستبقون الموت ليصنعوا الحياة للمدن القادمة بعد سنوات.
  رجال ونساء من بيشمه ركة كوردستان أضاءوا القرى والمدن في بدايات ربيعٍ سيستمر مع الأيام في عهد جديد منذ أسس كاوه عهده الأول ثم ارتحل، ليحل ألف ضحاك وضحاك عبر أجيال وأجيال.
   كانت كوردستان تغص بجنود الظلام وأشباح حزبٍ استباح الأرض والمال وحرية الإنسان ووصايا دكتاتورٍ عنصري مراوغ أحرق الأرض والماء والإنسان، وسَجن كل ما له علاقة بأولئك الأبطال من رجال القمم وحماتها، حتى امتلأت سجونه ودهاليزه بأمهات وآباء أولئك البيشمه ركة الأفذاذ، والمئات من المناضلين الوطنيين في تنظيمات المدن والقرى ممن القي القبض عليهم أو اعدموا أو ماتوا بالتعذيب ولم يعرف لهم اثر أو قبر؟
   لقد كانت كوردستان عشية التحرير ودخول رجال الشمس والضياء من البيشمه ركة، تأن من جروح غائرة في جسدها من شنكال حتى خانقين وتذرف دماءً ودموعا من اجل أولئك الذين غيبتهم أنفال البعث وصدام حسين ورجال حربه ضد الأطفال والنساء ممن اقتادوهم الى صحراوات القبور الجماعية في أقصى جنوب وغرب العراق؟
  كوردستان التي كانت تزف عرائس مدنها في كرميان وبهدينان الى محرقة الموت الكيماوي في نهاية ثمانينات القرن الماضي، كانت قد التهمت من عائلة كل بطل من الأبطال الذين دخلوا اليوم مدن الشمس في انتفاضة الربيع ابنا أو بنتا أو زوجة أو أبا أو أما أو عزيزا أو ربما كلهم معا!
  هكذا إذن كانت بانوراما المشهد في الصبح الأول من ربيع الانتفاضة وهي تطرق أبواب وطنٍ ينهض من جديد لصدى صيحات كاوه والشيخ الحفيد والبارزاني الخالد، تستنهض تاريخا من الإصرار على البقاء والوجود.
  في هذا الصبح وان كان فجرا أو بعض ليل يجر أذياله باتجاه الشمس، انغمرت كوردستان ببشائر النور والضوء الآتي من مشاعل كاوه منذ آلاف السنين، تحملها جموع من رجال ونساء يستبقون الموت ليمنحوا الحياة لوطن الحب والحياة.
  بكل هذا الإرث دخلت جموع البيشمه ركه الى كوردستان السهل والقرية والمدينة، الشارع والزقاق والحديقة، دخلت تنثر الورد والبهجة وتحمل أروع ما لديها من خلق ونبل وسمو الى أولئك الذين حرقوا البستان والحقل ودمروا القرية والمدينة، دخلوا هؤلاء الرجال والنساء تختلط دموع الفرح والحزن في مآقيهم وهم يحررون الأرض والإنسان ويطلقون صيحات الحرية والاستقلال، ويستنهضون أولئك الشهداء الأحياء أن انهضوا ها نحن قد أتينا نحمل بشائر الوطن الناهض من بين قبور الشهداء ودموع الأمهات والزوجات وحسرات اليتامى وأحلام الصبايا والفتيات، قادمون أليكم يا شهداء الشمس والنور.
  هنا في كوردستان اختلطت ألوان الربيع وعطر الحرية ودفئ الدموع بلقاء أنبل الثوار وارفعهم قيما واسماهم سلوكا، هؤلاء البيشمه ركه الذين يحملون الوطن في قلوبهم وبين مآقيهم دموع الفرح والحزن وسيمفونية الشمس والأرض في كوردستان، تحتضنهم الأرض والأشجار وأحضان الأطفال وتغمرهم هلاهل الصبايا والفتيات، يوجهون فوهات بنادقهم الى السماء، لا يفكرون بإزاحة قطرة دم واحدة، فشمس كوردستان تكتسح الظلام وتتساقط أشباح العتمة والعفونة وتنهار أصنام الاحتلال والاستعمار.
   لا تقتلوا أحدا، دعوهم ينسحبون بسلام إلا من أراد ثانية أن يغتال السلام، أكرموا من يستسلم وأرسلوه آمنا مكرما الى أهله وذويه، افتحوا لهم بيوتكم ومساجدكم إنهم مغلوبين على أمرهم ومغرر بهم، هم ليسوا أعداء!
   كانت هذه وصايا قيادات البيشمه ركه وهي تنطلق في كل قرى ومدن كوردستان، تستذكر خطابها الإنساني منذ كاوه والحفيد والبارزاني الخالد، في التعامل الخلاق مع العدو وأفراده بسلوك قل نظيره في تجارب كثير من الشعوب والأمم.
  لقد تحولت كوردستان خلال ساعات وأيام الى مضايف كريمة لآلاف الجنود والضباط ممن كانوا يحتلونها لسنوات طويلة، وحضن دافئ لمئات من الموظفين الذين كانوا يعملون فيها من خارج الإقليم، فاستضافت المساجد والبيوت هؤلاء المغرر بهم من جنود جيش كان يحرق كوردستان قبل سنتين دونما أحقاد أو كراهية، بوعيٍ تام وشعور عال بالمسؤولية الإنسانية والوطنية تجاه الأسرى أو الذين استسلموا دونما قتال مع الثوار.
  حقا إنها انتفاضة الثوار النبلاء والشعب الراقي، انتفاضة الربيع الزاهي بجمال ألوانه وعطور أوراده وسمو إنسانه في كوردستان الشمس وذرى الجبال والرجال

406
       عارات الأنفال والتاريخ الأسود !؟
                                      ( 4_4 )
    كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com


   إن ضحايا الأنفال الحقيقيين ليسوا أولئك الذين هامت أرواحهم الطاهرة في صحاري نكرة السلمان أو النجف أو كربلاء أو الحضر فقط، بل تلك الآلاف المؤلفة من الكورد في بغداد والكوت والعمارة والفرات الأوسط ممن عُرفوا بالتبعية الإيرانية والكورد الفيليين الذين تم تصفيتهم بالكامل وتغييبهم منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي، إضافة إلى آلاف البارزانيين وكورد غرب دجلة في كل من سنجار وزمار وتلعفر من المسلمين والايزيديين الذين تم تهجيرهم واعتقالهم في مجمعات قسرية بائسة أو إصدار قرار من مجلس قيادة الثورة في منتصف السبعينات باعتبارهم من القومية العربية هم وآلاف الكورد من سكان الموصل وغيرها.
   إن ضحايا الأنفال تجاوزوا المليون إنسان تم تصفيته بتلك الأساليب البربرية المتوحشة منذ شباط 1963 ولغاية نيسان 2003 إضافة إلى عمليات الصهر القومي المخزية التي تدنت إلى مستويات منع الأسماء الكوردية من التسجيل أو الحصول على الوثائق الرسمية، كما حصل في ما سمي بقرار تغيير القومية في كل من الموصل وكركوك ومدنهما وبلداتهما، إضافة إلى تهجير مئات الآلاف من الكورد وترحيلهم وإجبارهم إلى مغادرة البلاد إلى أوروبا وأمريكا ودول الجوار.
  وبذلك لم تعد هذه الجرائم قضية كوردية يتذكرها الكوردستانيون لوحدهم كل عام يمر، بل هي حدث عالمي وملك للبشرية اجمع، لأنها كانت بحق النوع الإنساني من وحوش بشرية لا تمتلك مقومات الإنسان السوي في فكره وسلوكه وأخلاقه. ولكي لا تتكرر مثل هذه المأساة والجرائم الهمجية بحق الإنسانية في أي مكان آخر من كوكبنا وضد أي مجموعة عرقية أو قومية أو دينية، ولأن الكثير من الذين اقترفوا تلك الجرائم والمآسي ما زالوا طلقاء وربما في مواقع التأثير في القرار أو التوجيه، ولأن الساكتين والمؤيدين والمدافعين عنها مازالوا لحد الآن على مواقفهم من تلك البربرية الهمجية، علينا أن نحولها إلى قضية عالمية لتشترك كل الحكومات والشعوب الديمقراطية والمتحضرة في تنبيه العالم إلى خطورة وجرائم هذا النهج البدائي والهمجي في التعامل بين البشر. وأن نبدأ هنا في العراق، سواء في بغداد أو في إقليم كوردستان وبقية محافظات واقاليم العراق الأخرى، بإنشاء مراكز متخصصة للبحث والدراسة في عمليات الأنفال بشكلها الواسع منذ شباط 1963 ولغاية نيسان 2003، ووضع آلية لكشف أسرار تلك العمليات والبحث عن مئات أو ربما آلاف المجرمين الذين اقترفوا تلك الجرائم واخفوا الآلاف من النساء والأطفال ممن لم يقتلوا، وتاهوا أو غُيبوا بين القرى و العشائر في أقاصي العراق خارج كوردستان.
   علينا أن ننطلق وفق رؤيا علمية متحضرة وطريقة أكاديمية متقدمة للبحث عن آلاف الأسرار والقضايا التي لم تكشف لحد الآن لما يزيد على مليون من ضحايا الأنفال منذ أكثر من أربعين عاما وعلى كافة الأصعدة والمستويات الرسمية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني. إنها عملية في غاية الأهمية والضرورة، فإذا كانت حقب الزمن السحيق من تاريخ الكورد وكوردستان قد غيبته الأديان والانصهار في أممية مبكرة عاشها الكورد وكانوا عناوين الإيثار فخسروا فرصتهم المبكرة في إنشاء كيانهم ودولتهم أسوة بشعوب المنطقة، فالأجيال المعاصرة والقادمة لن ترحمنا إذا لم نعط إجابات وافية لكل ما جرى في أنفال القرن الماضي، إنها وثيقتنا إلى المستقبل، وشهادة تخرجنا من عالم الاستعمار إلى الحرية والاستقلال.
   إن ما قدمه الكورد من قرابين في التاريخ المعاصر على مذبح الحرية والدفاع عن القيم الإنسانية العليا لا يضاهيه تضحية في كل الأرض وشعوبها قياسا لضروفه وعدد سكانه وقسوة تلك الهجمة البربرية عليه وما أنتجته من سمو في أخلاقياته ونبل في تصرفه بعيدا حتى عن نوازع الانتقام أو الثأر أو حتى التشفي بانكسار أعدائه، إذ طالما أعطى البشرية أروع الدروس بالتعامل حتى مع الأعداء، ففي أوائل عقد التسعينات من القرن الماضي وحينما كانت هناك فرصة للسلام مع من احرقوا كوردستان وقتلوا أكثر من مليون من سكانها، ترك البيشمه ركه السلاح جانبا وجرحاهم ما زالوا في المستشفيات ليحاولوا شق طريق إلى السلام، لأنهم لم يكونوا يحاربوا من اجل الحرب، وليست في أجندتهم منظومات للانتقام أو مركبات للنقص فهم فرسان للشمس ودعاة للمثل العليا، وفعلا ذهبوا إلى العدو وباشروا مفاوضاتهم رغم معرفتهم بان العدو لم يتغير في تركيبته الفكرية ومعالجاته للقضية الكوردية، إلا إنها دعوة للسلام ربما تحقق تقدما معين. وتعطي العدو درسا متحضرا في التعاطي مع الشعب الكوردستاني بعيدا عن عقد الحروب وإرهاصاتها.
    إن الأنفال وجرائمها عبر أربعة عقود، تمثل تراجيديا الاندفاع الكوردي باتجاه الحياة الحرة الكريمة، وهي صفحات مهمة وخطيرة من تاريخنا المعاصر، علينا أن نوثق ونكشف كل أسرارها الآن وفي المستقبل، لا لكونها قضية كوردية بل لأنها أصبحت عنوانا ورمزا لإصرار الشعوب على الحياة ومقارعتها لأعتى دكتاتوريات العصر وأكثرها انحدارا وانحطاطا، وهي بالتالي صفحة من صفحات المأساة البشرية وإصرار الإنسان على الحياة برغم كل الضروف، وان الشعوب لا تفنى ولا تستبدل مهما بلغت قسوة الآخرين وهمجيتهم.
   وإذا كانت الأنفال تسجل تاريخا مشرفا للكورد وكوردستان فهي قد سجلت عارا ما بعده عار عبر التاريخ لاؤلئك الذين تصوروا أنهم سيقضون بأسلحتهم الكيماوية ومقابرهم الجماعية على شعب تمتد جذوره في أعماق التاريخ وترتفع هامات رجاله البيشمه ركه الذين يستبقون الموت في صناعة الحياة، حقا كانت مأساة كبيرة وعظيمة قدمت فيها كوردستان قرابين الحرية والكرامة بما يجعلها تتباهى بين الأمم بتاريخها المجيد في المقاومة والإصرار على الحياة الحرة و الراقية، والاندفاع إلى المستقبل بتراكم عظيم وتاريخ مجيد من أعظم وارقى صفحات مقاومة الشعوب وإصرارها على الحياة والوجود. 

                                                                                                                   
وللبحث صلة...

407
     
عارات الأنفال والتاريخ الأسود !؟
                                     ( 3_4 )
   

 كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com



   وفي مطلع الثمانينات مارست سلطة البعث في العراق واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية واللا أخلاقية بحق البارزانيين حينما انتقت الذكور منهم، بما يقارب الثمانية آلاف من الأطفال والشباب والرجال البارزانيين، لتقوم بقتلهم جميعا بأسلوب بدائي لم تقترفه أكثر الأقوام همجية في تاريخ البشرية في كل العالم بهذا الأسلوب لقتل الذكور، في عملية ابادةٍ للبارزانيين ضنا منهم في قطع نسلهم وإنهائه؟
   وما كادت الحرب مع إيران تنتهي حتى عادت العقارب من جديد تنفث سمومها في مكونات العراق وشعوبه، لتعبر ثانية عن مركبات النقص الهائلة في تكوين مفاصلها وقياداتها وأحقادهم العنصرية ضد الكورد والتركمان والكلدان وغيرهم من الأعراق والأقوام.
   وتبدأ عمليات الأنفال ثانية من جديد بأساليب أكثر وحشية وبدائية، حيث أعطت لقطعانها الهائجة والمليئة بالحقد ومركبات النقص والانفلات الأخلاقي بالهجوم على كوردستان والبدء بالسلب والنهب والقتل والاغتصاب وتدمير كل شيء، على شعب اعزل تماما، ضرب عدة مرات بضربات كيماوية دمرت مدنه وقراه. وسيقت آلاف العوائل إلى مصيرها المجهول بعد تدمير قراها وبساتينها وينابيع المياه والمساجد والكنائس والمدارس وكل شيء له علاقة بالإنسان والحيوان والنبات في هجمة عنصرية بربرية على الحياة.
   لقد كان أبشع ما في الأنفال عمليات فصل الأطفال عن أمهاتهم وإعطائهم لأمهات أخر أثناء عمليات نقلهم إلى خارج كوردستان، لقد توقفت كثيرا عند هذا السلوك وبحثت في جرائم مماثلة في التاريخ الأسود للبشرية فلم أجد مثيلا لهذا السلوك لا في التاريخ القديم أيام الهكسوس أو المغول والبرابرة ولا أيام النازية والفاشست في مطلع ومنتصف القرن الماضي ولا حتى لدى الصهيونية وإسرائيل أو في رواندا ويوغسلافيا، إلا عند من اقترفه في أنفال حزب البعث والجيش العراقي وعصابات ما كان يسمى بالجيش الشعبي المتخصصة بالسلب والنهب ( إلا ما كان منهم مغصوبا وترفع عن اقتراف تلك الجرائم ).
  ولعل من أبشع صور الانفالات ما لم يذكر أو يقال لحد الآن، وما لم تشهده الكاميرات أو الوثائق، ولا زلنا نتذكر تلك المجاميع من الرعاع وسقط المتاع ممن هم خارج مؤسسة الجيش وميليشيا الحزب ممن شجعتهم أجهزة الأمن العسكري والاستخبارات على نهب وسلب القرى والبلدات من المدن والقرى المتاخمة لكوردستان لكل شيء ممكن أن يسرق ويحمل ليباع في الأسواق، إضافة إلى عشرات أو ربما مئات النساء اللاتي خطفن وزوجن لرجال في القرى والأرياف خارج كوردستان في أبشع صور النخاسة العنصرية البائسة.
  وهنا لست بصدد التعرض لتواريخ وتفاصيل ما جرى في واحدة من أقذر صفحات تاريخنا في العراق وتاريخ البشر في العالم وأكثرها سوادا وخزيا في ما سمي بالأنفال، بقدر ربط الماضي لهؤلاء الذين حكموا العراق في غفلة من زمن السقوط والتردي وما اقترفوه منذ الساعات الأولى لاغتصابهم السلطة في ذلك اليوم الأسود من شباط 1963 حينما بدأنا نؤرخ لسقوط القيم والأخلاق والإنسانية لبلد كان ذات يوم مسرحا لحضارات وأقوام تناحرت وتعايشت لكنها ما اقترفت عُشر ما اقترفه العنصريون الذين حكموا العراق منذ فجر 8 شباط 1963 وحتى سقوطهم المخزي في نيسان 2003، من جرائم بحق البشرية في العراق وكوردستان.
   هذه الجرائم التي اقترفت في العراق وكوردستان يتحمل وزرها بنفس الكم والحجم الأخلاقي كل من سكت عليها ومارس التعتيم والتضليل للرأي العام، أو ساهم فيها ممن قدموا خدماتهم الرخيصة في الإعلام أو السلاح أو النهب والسلب التي رافقتها أو المرور عليها مرور الكرام وقبولها دون اكتراث من الشياطين الخرس ممن ارتضوا لحد هذا اليوم تبريرها أو السكوت عنها واعتبارها مجرد أخطاء رافقت العمليات العسكرية وليست جرائم يندى لها جبين الإنسانية.

                                                                                                                         وللبحث صلة...

408
     
عارات الأنفال والتاريخ الأسود !؟
                                      (2_4 )

كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com


    في صبيحة ذلك اليوم الأسود من تاريخ العراق وشعوبه يوم الثامن من شباط 1963 أنقض البعثيون وازلامهم على مدينة السليمانية البطلة فاعتقلوا المئات ليعدموهم في ساعات في أول درس من دروس الابادة الجماعية والتطهير العرقي ضد الكورد، ويدفنوهم جميعا في مقبرة هي الأولى في سلسلة المقابر الجماعية على ثرى كوردستان العراق.
   لقد كانت بحق الدروس الأولى للأنفالات وعاراتها التي استخدمت فيما بعد، بل وقد اعتُمدت تلك السياقات في التعامل مع الكورد وقضيتهم حتى بعد الانقلاب عليهم من قبل عبد السلام عارف، وتحجيمهم وإبعادهم عن السلطة. فقد أصبحت ثقافتهم وممارساتهم سلوكا لمعظم قطعات الجيش العراقي الذي كان يحتل كوردستان فيما بعد إزاحتهم المتميعة من قبل عارف الأول.
   ومع عودتهم في انقلاب 1968 ابتدأوا عصرا من الخباثة والحقد الأسود واللؤم الجبان تجاه كل القوى الوطنية والديمقراطية وفي مقدمتها شعب كوردستان وثورته المعاصرة. وانهالوا على كوردستان أرضا وشعبا بحرب هوجاء قاسية وقذرة في محاولة لسحقها أو إضعافها تماما في أول أيام اغتصابهم للسلطة بعد انقلابهم الأسود في تموز 1968. وحينما لم يفلحو في كسر شوكة هذا الشعب وإصراره على الحياة الحرة الكريمة التفوا حوله في محاولة استدراجه إلى ما سمي وقتها باتفاقية آذار التي غدروا فيها قيادة كوردستان بعد اقل من شهرين من توقيعها في محاولة اغتيال البارزاني الخالد.
    وخلال أربع سنوات بعد اتفاقية آذار مارسوا فيها شتى أنواع الكذب والمماطلة وسياسة التعريب والاغتيالات من سنجار إلى مندلي وخانقين، عملوا فيها على إفشال أول محاولة لحل القضية الكوردية بالطرق السلمية، ليتآمروا مع نظام الشاه وبمباركة من الاتحاد السوفييتي السابق وكل الأنظمة العربية والإسلامية لذبح الثورة الكوردستانية وسحق الكورد في العراق، بأنفالات لا تقل عما جرى في نهاية الثمانينات من القرن الماضي.
    فقد بدأت عملية تهجير واسعة للسكان بعد انتكاسة الثورة في آذار 1975 من المناطق الكوردية إلى الجنوب والوسط العربي من العراق في عملية بشعة لا مثيل لها في التاريخ المعاصر، حيث تم تشتيت الغوائل والسكان وتوزيعهم على القرى في الجنوب والوسط، وتشجيع وإغراء السكان في هذه المناطق إلى التزوج من بناتهم مقابل مبالغ مغرية من المال، بعد تعريضهم للجوع والعوز والإذلال لأشهر طويلة. ومن ثم بدأت عمليات التصفية للرجال دون الخمسين سنة ممن يعترضون أو يظهرون غضبهم أو استيائهم من الأوضاع.
    وفي جهة أخرى بدأت عمليات أكثر بشاعة ضد الكورد في بغداد والكوت وديالى والفرات الأوسط، في ما عرفت في وقتها بالتبعية الإيرانية، حيث تعرض ما يقارب المليون من الكورد في هذه المناطق إلى عمليات التهجير ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة واحتجاز الشباب والرجال ورمي آلاف العوائل خلف الحدود الدولية مع إيران.
   لقد شهدتُ في عامي 1978 و1979 وما تلاهما أبشع صور الانهيار الأخلاقي والإنساني للسلطة الحاكمة آنذاك، فقد رأيت عملية تهجير عدة عوائل كوردية في الحلة وكيفية إخراجها في الصباح الباكر من بيوتها إلى ناقلات الجيش المعروفة بالزيل، وسط هتافات الأطفال وترديدهم لأناشيد تمجد( البعث والقائد الضرورة ) دون أن تحمل أي شيء معها من أثاث بيتها، وتسلم كل وثائقها الرسمية من هويات الأحوال المدنية وشهادات الجنسية وسندات الأملاك وجوازات السفر وشهادات التخرج من المدارس أو الكليات، إضافة إلى سرقة كل أموالهم ومصوغاتهم الذهبية.
   وبعد أن هجروا مئات الآلاف منهم قاموا بقتل آلاف مؤلفة من شبابهم ورجالهم الذين كانوا قد فصلوهم عن عوائلهم قبل التهجير في معتقلات وسجون سرية، شهدت نهايتهم في أبشع عمليات التطهير العرقي والمذهبي للسكان في الشرق الأوسط إن لم يكن في العالم.
   بهذه الأخلاقيات والسلوكيات حكم النظام ألبعثي دولة العراق ومكوناته، ليدخل عقد الثمانينات ويبدأ حربه مع إيران، في أتفه حرب عرفتها المنطقة في تفاصيلها ونتائجها وعبثيتها وخسائرها الكارثية على العراق وإيران، في ضل صمت عربي وعالمي رهيب لعملية ذبح مئات الآلاف من الرجال والأطفال، وتدمير آلاف القرى والبلدات، ولكي تحرق الأخضر واليابس في أغنى دولتين من دول المنطقة.

                                                                                                                                                                        وللبحث صلة...

409
     
عارات الأنفال والتاريخ الأسود !؟
                                      (1_4 )




كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com


 
    منذ جريمة استخدام السلاح النووي في أواسط القرن الماضي من قبل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية وحتى أواخر الثمانينات لم تُقترف جريمة بشعة طيلة هذا الزمن إلا على أيدي النظام ألبعثي الذي كان يحكم العراق قبل نيسان 2003.
   حيث استخدمت الأسلحة الكيماوية ضد شعب كوردستان من أقصى شرقها والى أقصى غربها في عمليات مخزية أطلق عليها أسم ( الأنفال ) معتبرا هذه الحملات غزوات دينية على الكفار والمشركين ومتشبها بما كان يحصل في صدر الدعوة الإسلامية في التعامل مع الكفار وأموالهم وأراضيهم وأعراضهم، حيث أباح ذلك النظام لقواته وميليشيا حزبه ( الجيش الشعبي ) كل كوردستان أرضا وشعبا وأموالا، واعتبرها غنائما وسبايا، في واحدة من أقذر أنماط السلوك البدائي حتى في عصوره القديمة.
    وفي سابقة لا مثيل لها من التعتيم والتضليل الإعلامي والمعرفي ما لم تعرفه كل شعوب الأرض بما فيها تلك البدائية، ساهمت فيه معظم الدول العربية والإسلامية ودول أوروبا الشرقية ودولة دكتاتورية البروليتاريا التي ذبحها نظام بغداد ألف مرة، في تستر بشع ومخزي على أفضع جريمة من جرائم الابادة الجماعية والتطهير العرقي في التاريخ المعاصر ضد شعب بأكمله.
   لقد ابتدأ شعب كوردستان ثوراته وانتفاضاته ضد الاستعمار والأنظمة السياسية التي كانت تحكم أجزائه الأربعة منذ بدايات القرن الماضي ومنها كوردستان العراق، وبصرف النظر عن طبيعة القسوة التي كان يستخدمها العدو مع الثوار ومع الشعب في محاصرته له، إلا إنهم أي تلك الأنظمة لم تستخدم أسلحة ذات تدمير شامل أو ابادة كلية كما حصل منذ استلام البعثيين للحكم في العراق بداية الستينات من القرن الماضي، فلقد كانوا أول من استخدم النابالم وبراميل البنزين والأسلحة المحرمة والأكثر فتكا، وهم الذين مارسوا عمليات حرق القرى وابادة المدنيين ونهب ممتلكاتهم منذ عام 1963 وحتى عودتهم ثانية في عام 1968.
    لقد شهدت الأعوام الممتدة من 1963 ولغاية 1968 تطورا بشعا في أساليب الحرب التي كان يستخدمها الجيش العراقي ضد قوات البيشمه ركه وعوائلهم وقراهم.
    ففي مراكز المدن والبلدات انتشرت زمر من ميليشيا ما يسمى بالحرس القومي التي شكلها حزب البعث في بداية شباط 1963، من أعتى رجال العصابات والقتلة والمنحرفين من شقاوات الليل، مع مفارز من عناصر الأمن والاستخبارات العسكرية كي تقوم بعمليات قذرة من الاختطاف وعمليات التصفية والاغتيالات الفردية التي طالت المئات من المدنيين وخاصة من موظفي الدولة نساءً ورجال ممن لم يكونو موالين لحزب البعث ومتعاطفين مع الثوار البيشمه ركه وثورة شعب كوردستان.
   وخلال عدة أشهر غصت معتقلات ودهاليز مقرات حزب البعث وميليشياته بالمئات وربما الآلاف من أبناء وبنات كوردستان والذين تم تصفية غالبيتهم أثناء التعذيب، بينما اغتالت عصابات أخرى من عصاباتهم العشرات في الشوارع والأزقة كما يحصل اليوم في بغداد والموصل وكركوك.
   ويتذكر البغداديون جيدا إنتاج البعثيين ليوم واحد من المقتولين غدرا بعد انقلابهم في شباط 1963 بأكثر من ألفين وخمسمائة جثة ملقاة في الأزقة وعلى أرصفة الشوارع من الشيوعيين والديمقراطيين الكوردستانيين والكورد الفيليين والآخرين من الوطنيين العراقيين.
   وفي جبهات القتال وميدان المعركة بدأت طائراتهم باستخدام قنابل النابالم وعمليات حرق القرى الواسعة، في أول ممارسة لسياسة الأرض المحروقة التي كانت القوات الأمريكية تستخدمها في فيتنام، بل والأكثر من ذلك بشاعة وبدائية، هو استخدام مادة البنزين في رشها على القرى والبساتين برمي عبوات منها ومن ثم قذفها بالقنابل وحرق أكبر مساحات ممكنة من الأرض والبشر والحيوان، وبالذات في فصل الصيف مع نضوج المحاصيل الحقلية من الحبوب وغيرها.

                                                                                                وللبحث صلة...

410
  وما أدراكم ما الحيتان ؟

   

كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

    ما هي إلا مخلوقات مائية هلامية ناعسة تنحدر من سلالات رخوة وملساء، تطورت بسرعة مذهلة وغادرت مياهها لتنتقل إلى المدن والقصبات، لتنشئ مستعمراتها وعشرات المستوطنات وتمتص ما حولها من ماء ودماءٍ وأموال دونما أن يشعر بها أحد، إلى أن يصاب بالجفاف من دمائه وأمواله ورطوبته!
  هي إذن ليست تلك المخلوقات التي احتاجت ملايين السنين لكي تتطور في فسلجتها ووضائف أعضائها، لقد اختصرت الزمن أو أحرقت المراحل على ثقافة أهل الانقلابات والأحزاب الجدا ثورية والانقلابية في دفع دولهم إلى الأمام وابتداعهم للخطط الخمسية والانفجارية التي أنتجت هذه القطعان من الحيتان الوديعة الملساء.
  ولكي لا نجهد أنفسنا في البحث عن الجذور الأولى لهذه المخلوقات، ونستقدم من القبور السيد داروين أو مندل أو الآخرين، فإننا سنتناول نوعين مهمين منها، وهما النوعان اللذان يعيشان معنا ويمارسان ( نشاطيهما الحياتي ) وسط مجتمعاتنا التي اكتظت بهما.
   الأول؛ بدأ بالتحول مع قيام جمهوريتنا العتيدة في 1958 من مخلوقات انتهازية مسطحة الأدمغة هلامية الأشكال عاطلة عن العمل والتفكير، جائعة وغرائزية الطباع، لا تنتمي إلى أي طبقة أو عرق أو دين أو مذهب معين، فهي تستخدم كل هذه ( المقتنيات والتقنيات ) من اجل عملية تطورها إلى حيتان ( وديعة ملساء )، جاءت من العصر الملكي ودخلت الحقبة الجمهورية الخالدة وهي ما زالت تهتف للملك المفدى عبد الكريم قاسم، لا خباثة في ذلك بل هذه كل معلوماتها وثقافتها ونيتها الصافية النقية!.
   وسرعان ما تغلغلت و ( إندحست ) إلى مفاصل الأحزاب الثورية جدا والرجعية جدا جدا والقومية أو الدينية جدا جدا جدا، والى الجمعيات والمنظمات التي كان من المفروض إنها تمثل مخلوقات إنسانية، فأصبحت خلال سنوات مراتع للحيتان.         
    وخلال سنوات قليلة تحولت هذه المخلوقات إلى حيتان وديعة ملساء التهمت كل ما حواليها من نِعم الأحزاب والانقلابات الثورية والقوات المسلحة في حروبها ( القومية والتحررية ) وتأميم النفط وتحويل موارده للعشائر الحيتانية في كل أنحاء العالم لخدمة مصالح الأمة ووحدتها ومستقبلها الذي نشهد اشراقاته الآن؟
   وخلال اقل من نصف قرن تحولت تلك المجاميع ممن ذكرتها في أول المقال إلى طبقات وعشائر من أصناف وأنواع رهيبة، لا تمت للإنسان العادي بأي شكل من الأشكال، وانتشرت في ربوع العراق بوداعة تلتهم كل شيء إلا ( الحلال ) تحت ظلال السيوف والمبادئ والوطنيات ومستقبل الجماهير والأمة!
  والغريبُ فيها، ألوانها ونعومة ملمسها ووحشيتها في ذات الوقت، فهي تتلون مع البيئة التي تعيش وتترعرع فيها فلا تكاد تعرف ألوانها وهي تغيرها من لون إلى لون وأماكن عيشها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ومن الرفيق ماركس قدس سره إلى الرفيق المجاهد القرضاوي دام ضله، فهي تتنقل برخاوة وانسيابية رهيبة بين كل هذه العوالم دونما أي خسائر تذكر، سوى نوعية الأقنعة وأساليب التدليس و( الاندحاس)!
   وخلال سنوات عشر من حقبة الجمهورية التي أعقبت العصر الملكي تفننت هذه الحيتان في أساليب الامتصاص والتهريب والنهب والسلب للأموال وقطعان الماشية من الأغنام والماعز والأبقار من ربوع كوردستان ومن خلال قيادات الجيش العراقي الباسل جدا وللعظم في تصنيعه ورعايته لأكثر الحيتان نعومة وضخامة.
   حتى أطلت علينا ( الثورة البيضاء جدا ) في تموز 1968 لكي تبدأ مرحلة أخرى من مراحل تطور وانتشار وتكاثر هذه الحيتان العقائدية المناضلة. وخلال اقل من ثلاثين عاما تخرجت من مدارس ومختبرات ومعامل الحزب القائد آلافا مؤلفة من أجيال أكثر تطورا من الحيتان وبكل الأحجام والأشكال والأعراق والمذاهب، وأول الوجبات المطورة كانت تلك التي لبست قناع المقاولين في السنوات الأولى لحقبة الثورة البيضاء جدا، ما لبثت حتى تم تطوير أنواع زيتونية عسكرية مع مطلع الثمانينات وقيام الحرب بين ( أحفاد القعقاع والمجوس )، فانتشرت قطعان من الحيتان المعسكرة بالرتب وأنصافها وأشكالها والزيتوني ودرجاته والمجحشة وأفواجها، حتى غرقت البلاد وطافت العباد وأصبحت الحيتان تصول وتجول في مشارق البلاد ومغاربها، بألوانها الزيتونية ورتبها وأوسمتها التي كانت تقدم بالمناسف والصواني، حتى بدأت (غزوة الأنفال المباركة ) فهبت جموع الجماهير المناضلة ورفاق العقيدة والصناديد من فرسان الأمة لنهب مدن وقرى كوردستان، تتقدمهم أفواج من الحيتان المدربة على امتصاص الدماء والأموال في تمرين تعبوي لمعركة كبرى قادمة لا ريب!
   وجاءت غزوة الكويت العظمى لتبدأ تطبيقات غزوة كوردستان ولتتحول الكويت خلال ساعات إلى ساحة لتلك القطعان من الحيتان التي ( شفطت كل شيء ) وكنست الكويت بأكملها من دولة إلى متصرفية أو محافظة.
   المهم في كل هذه الغزوات والحقب والعصور بقت الحيتان هي الحيتان، فمِن (عاش الملك المفدى ) إلى ( ماكو زعيم إلا كريم ) وصولا إلى ( صدام اسمك هز أمريكا )، لا يهمها شخص من يحكم أو حزبه بقدر ما تهمها غرائزها في ( اللغف والشفط ) والامتلاك والامتصاص، وهي ذكية جدا رغم رخاوتها وبساطتها في التكيف مع تبدل الأنظمة وتغيير الأسماء والاتجاهات!.
   وهكذا دخلت هي الأخرى حقبة ما بعد صدام بشكل مثير في ذكائها واندحاسها بين صفوف ( المناضلين جدا ) بل والمزايدة على أولئك الذين قاوموا صدام وحزبه طيلة ما يقارب من أربعة عقود لتتبوأ مراكز الصدارة في معظم مراكز القرار وحواليه بدوائر تشبه تلك التي تنتجها قطعة الحجر في بركة ماء، مدربة ومروضة بشكل لم يعد العقلاء التمييز بينها وبين المساكين من أبناء هذا الشعب العجب، فقط إنها بدأت بالتهام الأخضر واليابس وكل ما حواليها من أراض وأبار وأنابيب بترول ومباني وطرق وحتى الأرصفة والمناصب البرلمانية والوزارية ومواقع السياسة والإدارة في الأحزاب التي استطاعوا صناعتها أو التي اخترقوا مفاصلها من الأحزاب العاملة على الساحة.
   وابتكرت أنواعا واساليبا متطورة في الالتهام والاحتواء للأموال العامة وغير العامة من خلال تصنيعها لمراكز ومنظمات المجتمع المدني جدا جدا، وإقامة المؤتمرات والمهرجانات والندوات المتخصصة بأعمار وبناء البلد، ودعوة كبار العلماء والخبراء وأباطرة المؤتمرات في العالم.
   بل ولم تكتفِ هذه الحيتان الوديعة بشهاداتها العليا ضد الكوليرا والتايفوئيد والابتدائية أو المتوسطة فاقتنت شهادات الدكتوراه والتخصص العالي من جامعة سوك مريدي الشهيرة التي لا تلزم طلبتها بالحصول على أي شهادة قبل الدكتوراه، وهكذا أصبح لدينا أجيالا متقدمة ومتطورة من هذه الكائنات الوديعة والملساء والمتكيفة للعيش في كل المناخات والتضاريس المائية والجبلية وحتى الصحراوية إذا اقتضى الأمر لذلك، فهي أجيال متطورة جدا.

411
ومَن لكم غيرنا إخوة وأصحاب ؟
                   
     كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com             
     

    منذ البدء كنا وكانوا هنا وهناك، أينما تواجدنا وتواجدوا، كنا الأقرب إلى بعضنا عبر كل ما جمعنا في التاريخ والجغرافية، وفي الحروب والعلوم والآداب، حتى تشابكت أحداثنا ومن ثم مشاعرنا وأحاسيسنا، واختلطت دماؤنا وهي تنزف في حروب دخلناها معا من اجل العرب أو من اجل الدين أو ربما تحالفت عشائرنا وقبائلنا لتحارب مجاميعا أخر من نفس الأعراق أو غيرها، كما اختلطت حينما تناسبنا فامتزجت أنسابنا وألواننا وسحناتنا حتى لم تعد تفرق بين العربي والكوردي في العراق وسوريا ما لم يتحدثا.
     لم يكن هناك أي صراع بين العرب والكورد، بل ليس للكورد إخوة وأصحاب غير العرب، وكذا العرب أيضا في علاقتهم مع الكورد، لقد كان الصراع مع الأنظمة السياسية التي حكمت الكورد والعرب معا، وكانا الشعبين ضحية تلك الأنظمة الدكتاتورية وأساليبها القمعية والظالمة.
    لقد قال البارزاني مصطفى القائد التاريخي للكورد منذ الأيام الأولى للثورة إننا لا نحارب العرب بل نقاوم تلك السلطات والنظم السياسية الدكتاتورية الظالمة والقاسية، وكان يوصي أركان ثورته ورجال حربه بان لا يخلطوا بين الشعب وما تقوم به تلك الأنظمة الدكتاتورية البائسة، بل كان يطلب التعامل مع أسرى تلك الحروب بأنهم متورطون لا حول لهم ولا قوة، واعتبارهم مواطنين وإكرامهم وإطلاق سراحهم فور استسلامهم أو أسرهم.
   إن العرب لا يتحملون وزر تلك الأنظمة وجرائمها، لأنهم هم أيضا من ضحاياها، ولقد أثبتت مجريات الأحداث عبر التاريخ بأن الشعبين العربي والكوردي هم اقرب الشعوب إلى بعضهما، في التاريخ والجغرافية والمجتمع والعلاقات الإنسانية الأخرى، وقد اختلطت دماؤهم في كل مراحل التاريخ والحياة حتى لا تكاد تفرق بينهما. وفي أول عملية اختيار بين خيارين لا ثالث لهما في مشكلة ولاية الموصل ( إقليم كوردستان الحالي ) بين الاتحاد مع العرب في مملكة العراق أو الانتماء إلى تركيا بعد إقصاء فكرة الاستقلال قسرا، اختار الكورد الاتحاد مع العرب في مملكة العراق تحت مبدأ المشاركة في مطلع القرن الماضي، ورفضوا أن يكونوا جزءً من الكيان التركي آنذاك، لسبب واحد هو أنهم اختاروا الأقرب إلى قلوبهم وعقولهم وتاريخهم.
    إن ما تعرض له الكورد عبر تاريخهم من حروب شنتها الأنظمة الدكتاتورية والشوفينية، زادتهم قوة وإيمانا بقضيتهم وبعلاقتهم التاريخية النقية مع الشعب العربي. ولم تترك رغم مأساتها ( أي تلك الحروب القاسية ) أي أثرٍ للحقد أو الانتقام أو ما يبعد الأخ عن أخيه. ولعل ما حدث إبان انتفاضة آذار 1991 وما بعدها، حينما تحررت كوردستان من دكتاتورية النظام السابق وكيفية التعامل مع عشرات الآلاف من الجنود وحتى مع الكثير من الموظفين العرب العاملين في محافظات الإقليم، دليل على عظمة ونقاء الشعب الكوردي وعلاقته التاريخية مع الشعب العربي.
   ونتذكر باعتزاز تلك الأخلاقيات النبيلة والسامية التي ميزت علاقة الكورد بالعرب بعد سقوط النظام وسقوط أكثر من فيلقين من فيالق الجيش العراقي في اسر قوات البيشمه ركه والشعب الكوردي، وكيفية التعامل معها بشكل نبيل يرتقي إلى مستوى تلك العلاقة التاريخية بين الشعبين الشقيقين، حتى مع قيادات كثيرة لحزب البعث من التي لم تتلوث أياديها بدماء شعب كوردستان.
    أن أصدقاء ومناصري الكورد في الشرق الأوسط معظمهم من العرب، وهذه فلسطين ومنظماتها المناضلة تشهد روعة ومتانة العلاقة بين الشعبين والثورتين الكوردية والفلسطينية منذ انبثاقهما وتعاون معظم المنظمات الفلسطينية مع الثورة الكوردية في كثير من المجالات، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، وكأنما صلاح الدين ما زال يصلي إماما بالجميع.
    ولم يبقَ متسع من ثرى الشام والعراق وفلسطين والكنانة حتى طوى آلافا مؤلفة من خيرة مقاتلي الكورد في حروب العرب والمسلمين عبر قرون وقرون، فاختلطت الدماء والرفات، وامتلأت مقابر الشهداء رجالا جاءوا من كوردستان دفاعا عن العروبة والإسلام.
    وكما يذكر التاريخ رجالات الكورد في حياة العرب، فان التاريخ عامة والكوردي بشكل خاص سيذكر باعتزاز أولئك الرجال والنساء من العرب الذين تبنوا قضية الكورد وناصروها، بل وتعرضوا من اجلها إلى أشد المخاطر والويلات من قبل الأنظمة السياسية المعادية للعرب والكورد على حدٍ سواء.
    وحتى في العراق أبان الحرب القذرة التي شنها النظام السابق، فلقد سجل التاريخ والأحداث وذاكرة الشعبين عشرات وربما المئات من المواقف الخلاقة والنبيلة لكثير من الجنود والضباط الذين كانوا يرفضون همجية النظام ومؤسساته الخاصة في تعاملهم مع شعب كوردستان، وإزاء ذلك فقد الكثير من هؤلاء مواقعهم أو فروا هاربين لكي لا يتحملوا وزر تلك الجرائم البشعة.
    ولعل الكثير يتذكر المئات من البيشمه ركه العرب في مختلف المنظمات والأحزاب الوطنية العراقية ممن كانت كوردستان وأحضان الكورد ملاذا آمنا وكريما لهم ولعوائلهم، وساحة لانطلاقهم في مقاومة الظلم والدكتاتورية مع وجود الاختلاف الفكري والسياسي بينهم وبين الثورة الكوردية، إضافة إلى المئات منهم ممن آمنوا بقضية الكورد وحقوقهم وناضلوا بالسلاح مع إخوتهم لتحقيق أهداف الشعب في الحرية والانعتاق. ومن لم تسنح له الحياة وضروفها لحمل البندقية دفاعا عن القضية الإنسانية للكورد، فقد حمل قلمه سلاحا نافذا في عواصم العرب من بيروت إلى القاهرة، ولعل ذاكرة العرب والكورد تتذكر العشرات من تلك الأقلام الحرة والمناضلة من اجل القضية الكوردية وحرية الشعب الكوردي ومعاناته، ولست هنا بصدد تعداد تلك القوافل من الإخوة العرب في بيروت وعمان والقاهرة ودمشق ودبي والرياض وطرابلس الغرب وبقية عواصم الدول العربية، إذ لن تكفيها صفحات مقالنا هذا لتدوينها كأشخاص وأفراد، بالإضافة إلى كل القوى الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي التي ناضلت منذ تأسيسها في بداية القرن الماضي وحتى هذا اليوم من اجل القضية الكوردية وشرعيتها وحلها سلميا وإدانة كل الحروب التي وقعت ضدها. ولعلنا نتذكر المئات من الديمقراطيين العرب الذين اعتقلوا وسجنوا وتعذبوا واعدموا من اجل مواقفهم من القضية والثورة الكوردية.
    وبصرف النظر عن مواقف الكثير من القوى المضادة والشوفينية التي لا تخلو منها كل شعوب الأرض، فان ما بين العرب والكورد أقوى وأمتن من أن تناله مواقفهم وحتى حروبهم الأكثر قساوة وعنصرية في الأنفال السوداء، فقد كانا أي العرب والكورد بمستو إنساني راقي ونبيل في الساعات الأولى لانتفاضة الربيع في آذار 1991 حينما تحولت بيوت ومساجد كوردستان إلى أحضان دافئة لآلاف مؤلفة من الجنود والضباط والموظفين الذين تخلى عنهم صدام حسين يواجهون مصيرهم!
    وكذلك ما حصل بعد انهيار وهزيمة دولة البعث وهروب قيادتها العسكرية وقائدها العام في نيسان 2003 وسقوط فيلقين من فيالق الجيش العراقي السابق أسيرا في كوردستان، لقد ارتقت مشاعر الأخوة والإنسانية فتجاوزت أحقاد وجروح الحرب وآلامها، وأصبح هؤلاء الأسرى ضيوف أهليهم في كوردستان معززين ومكرمين، على خلفية ما زرعه البارزاني الخالد من أن الصراع ليس بين العرب والكورد، بل بين أولئك الطغاة العنصريون والأحرار في كوردستان، وليس بين أفراد الجيش المغلوبين على امرهم والمغرر بهم، والمضللين في معارفهم ووعيهم عن الكورد ودورهم في تاريخ العرب والعراق.
     في لحظة نسي الجميع كل تلك الحروب القذرة التي شنتها الأنظمة البائسة ضد شعب كوردستان، لكي تندمل الجروح وتستمر حركة الحياة الجديدة باتجاه الشمس والنور، وتحولت كوردستان إلى ملاذ آمن لكل تلك الآلاف المؤلفة من المغرر بهم من جنود جيش يحارب ستين عاما دون أن يدرك لماذا يحارب ومع من يتحارب؟
    واليوم؛ حينما ضاقت الأرض بسكانها في بغداد والبصرة وكل العراق من طوفانات الدم والتقاتل الطائفي المقيت تحولت كوردستان كما هي في كل مرة إلى حضن دافئ وحنون لأبناء العراق من عربه سنة وشيعة وصابئة وتركمان وكلدان وآشوريين، تمنح الجميع دفأ حنانها وبريق نقائها ونبل إنسانيتها في أروع تعانق بين العراقيين في بلاد الكورد وموطن الشمس والجبال، كوردستان الجمال والحب والعراق الجديد.
   ولأول مرة منذ سنين طوال تزدحم كوردستان ومؤسساتها الثقافية والفكرية والسياسية والاستثمارية من كل البلدان العربية وعلى رأسها جمهورية مصر العربية ولبنان والأردن والأمارات العربية المتحدة، في انفتاح عربي كبير على إقليم كوردستان في كافة المجالات، لترى المواطنين الكورد والكوردستانيون هنا أكثر حبا وتعاطفا معهم دون غيرهم، ألم اقل لكم ليس للكورد إخوة وأصحاب مثل العرب والعكس صحيح!.

412
وطنان في دولة متحدة

   
   كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

    بلاد ما بين النهرين أو الميزوبوتاميا أو ارض السواد أو العراق، هذه البلاد الجميلة والعريقة عراقة الحضارة التي انبثقت من بين جبالها وسهولها وإنسانها الأول وحروفها الأولى وقدحات حضاراتها، كانت أيضا تسمى بالعراق العربي والعراق العجمي ( والعجمي تعني ما هو غير العربي وليس الفرس حصرا كما هو مشاع في العراق، وهنا كان الكورد هم المقصودين بالأعاجم غالبا).                   
     والعراق العربي كان يمتد من بغداد إلى الجنوب وصولا إلى البصرة وغربا إلى الرمادي أما العراق العجمي فيتكون من الأراضي التي تمتد من شمال بغداد إلى الحدود التركية الحالية تقريبا شمالا والحدود الإيرانية الحالية تقريبا شرقا والسورية غربا. وقد تقاسم الكورد والعرب هذا الوطن منذ القدم ولربما يكون الكورد أقدم سكنا في هذا القسم من الأقوام الأخرى حسبما تؤكده معظم المراجع التاريخية والانثربولوجية خصوصا إذا ما أخذنا النظرية التي تعتقد بأن السومريين الأوائل هاجروا من أراضي وجبال كوردستان الحالية.
   وقد مرت قبائل وأعراق كثيرة في حقب تاريخية بهذه المنطقة وانصهرت في بودقة هاتين القوميتين تحت عوامل وتأثيرات حضارية أو عنصرية أو دينية أو عسكرية، كثيرة ربما كان الدين واحدا من أهمها.
     من هنا يتضح وبدون الخوض في تفاصيل تاريخية أو جغرافية، بأنه هناك مجموعتين بشريتين رئيسيتين تقاسمت أرضا كانت تسمى بلاد ما بين النهرين وفيما بعد العراق الحديث، والمجموعتان هما الكورد والعرب.
    وقد حاولت النظم السياسية المتعاقبة منذ تأسيس العراق كدولة حديثة في بدايات القرن الماضي أن تهمش المجموعة الثانية وتبعدها خارج التاريخ ودائرة الضوء وقد استخدمت أساليب متخلفة وبربرية ضدها ولعل أكثرها سذاجة وبدائية تلك المحاولات البائسة التي استهدفت أجزاء من تلك المجموعة (الشبك - الفيليين - الايزيديين) وادعت تارة أنهم عربا أو أنهم اثنيات مختلفة عن الكورد أو إنهم فرق إسلامية مارقة كالايزيديين، ومما يؤسف له انه هناك أصوات أو ربما صدى لأصوات ذلك المشروع العنصري الذي دمر العراق وكاد أن يدمر منطقة الشرق الأوسط بأسرها، لا يزال هذا الصدى يرن على مسامعنا من بقايا ذلك النظام المتخلف والبدائي. 
    لقد عشنا عربا وكوردا في القسمين الجنوبي والشمالي من الدولة العراقية الحديثة وتأكد لنا ولمعظم الذين تعايشوا في هذا البلد من غيرنا انه هناك وطنين في دولة واحدة إذا اتفق الشريكان،  هما كوردستان والعراق العربي.
     وليس غريبا في زمن العولمة والانفتاح والديموقراطية أن تتعايش أقوام واديان في فيدراليات تجمعها (إن شاء الشركاء) دولة متحدة، ولا ضير أن يعيش في كوردستان (إقليما فيدراليا أو دولة مستقلة) كلدانا وعربا وتركمانا أو غيرهم في هذا الوطن والعكس صحيح. لكن المهم أن لا يحاول البعض تجزئة الكورد مثلما فعل العنصريون قبل 9/4/2003 والعكس صحيح أيضا في العراق العربي.
     إن الشبك و الفيليين والايزيديين ليسوا أقليات بل هم أجزاء أساسية من قومية عريقة وكبيرة هي القومية الكوردية، وشرف كبير أن يدافع هؤلاء عن هويتهم الكوردية بدلا من الضياع في بقايا العفونة والبدائية الشوفينية التي تصنعها دوائر المخابرات الدولية وبقايا تلك الثقافة البائسة التي أوصلت العراق وغيره إلى مستويات متدنية في الحضارة والتقدم. 
  وان الأعراق الأخرى كالتركمان والكلدان والأرمن والآشوريون وغيرهم مواطنون كوردستانيون أو عراقيون، لهم ما للمواطنين الآخرين من حقوق وواجبات.
       إن هويتهم تكتمل بانتمائهم إلى أصولهم التاريخية والانثربولوجية وعلى الآخرين أن لا يقعوا في مستنقعات بائسة عفا عليها الزمن وأصبحت جزء من الذاكرة المأساوية للشعوب العراقية.
   فلا يمكن أن نجزأ عرب العراق إلى عرب الدليم أو عرب الجزيرة أو عرب الفرات الأوسط أو الجنوب إلى قوميات واثنيات لمجرد اختلافهم في بعض المفردات اللغوية في لهجاتهم الدارجة أو مذاهبهم الدينية أو عاداتهم أو بعض تقاليدهم.
   كما لا يمكن للدين أن يكون عرقا أو قومية كما يحاول البعض تصنيع قوميات وأعراق جديدة أساسها الثقافة أو الاعتناق الديني أو المذهبي، فكما إنه ليس هناك قومية إسلامية فليس هناك قومية مسيحية أو يهودية أو ايزيدية، ولم تصنف الأديان والمعتقدات الفكرية أعراق أو اثنيات ذات يوم عبر التاريخ.
   إن ما يجري الآن من محاولات لدى بعض القوى والفعاليات السياسية والهيئات الدينية وبعض دول الجوار ومخابراتها للعزف على أوتار البعثية الشوفينية في تشجيع مثل هذه الحركات البائسة للنمو ما هي إلا عملية إعادة الحياة لنظام بائس أصبح جزءا من الماضي الأسود للدولة العراقية. فالعراق لم يعد تلك الدولة البسيطة ذات النظام الاجتماعي والسياسي الشمولي الذي يتحكم به فردا واحدا أو حزبا قائدا أو عرقا سائدا. فقد انهارت تلك الثقافة ومقوماتها المادية، وما تبقى منها مجرد بقايا أفكار بائسة ورفسات لنظام متهرئ سقط وهوى وأصبح جزء من ماضٍ أسود لشعوب العراق والشرق الأوسط عموما.[/b][/font][/size]

413
أدب / كوردستان... وطنٌ يسكن فينا
« في: 15:16 10/02/2007  »

كوردستان... وطنٌ يسكن فينا

كفاح محمود كريم




منذ الأزلْ
وحدكِ يا كوردستان
وطناً
يسكن القلبَ
دون كللٍ
أو ملل..

                 
***

وحدكِ
يا حبيبة القلبِ
منذ الأزل
هي الأحلى
وبين الأوطانِ
هي الأجمل
وحدكِ
ليس لنا
في الأرض غيرها
عشقا
دونها مكان
أو محل
كوردستان
هي الأبهى
مذ خلقنا
وهي الأرضُ
وفيها زُرعنا
كوردستان
يا وطنا
بشغاف القلب
معلق
وبعطر الدماء
معبق
كل الناس
تسكن أوطانا
إلا أنتِ
قلوبنا لكِ منزلاً
وجبالا
في صدورنا
تُختَزن..


***

كوردستان
يا نغمةً
من فرحٍ
وانين
بين اللما
تحتسي الوجدَ
وتراقصُ
الحنين
تنتهكها
قطرات الندى
في شفاه الصبايا
وأطفال الرياحين
كوردستان
يا وطنا
تزهر في جنباته
جروحا
من العشقِ
وتنزفُ أوراده
عطرا
وياسمين
كوردستان
يا بسمةً
منثورة
بحياء
وكبرياء
تشيعُ في الروحِ
جمالا
وانتشاء..

           
***


كوردستان
يا وطنا
يسكن القلوب
بجباله والربوع
ويا شيخا
حمل قرص الشمس
وارتحل فينا
فأضاء الدنيا
من حولنا
وأشعل الشموع...
كوردستان
يا طائرا
يضم الشمس
بجناحيه
يغازل آيات الجمال
في الفضاء
وأطيافُ اللونِ
في السماء..


***

كوردستان
أنشودة
أوتارها
زغب الطفولة
و المرابع
ودفء أمطار الشتاء
و الشفاه
كوردستان
يا عشق قلب
لا ينتهي
و إن بلغ العمر
منتهاه...




أوائل 2007

   

414
( العراق بين الازدواجية والنفاق )
                              القسم الرابع                       
                العراق... والشرف المعلق بالدماء
              [/color]
                 

    كفاح محمود كريم
   Kmk_info@yahoo.com


قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة خرج رجل أمي من أعماق الصحراء بشريعة أوقفت تعريفا باليا للشرف في الشرق وعموم الأرض، ووضعت قانونا سماويا لعلاقة الرجل بالمرأة إبتداءً من فراش الليل وحتى صغائر الأمور بين الكائنين. وساوت بين العبيد والأحرار في الحقوق الإنسانية، بل دعت إلى تحرير العبيد واستكراه استعباد الإنسان لأخيه الإنسان كما جاء في مقولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض): كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟.
     لقد عمل الإسلام كنظرية وفلسفة إلى تغيير في مفاهيم الشرف الشخصي للفرد والمجتمع وتحريره من تحجيمه في أعضاء المرأة التناسلية واستخداماتها، إلى ربطه بالأيمان بالله والفروسية والصدق والكرم والنزاهة ودماثة التعامل مع الآخرين.ِ
    ورغم تلك الاشراقات المنيرة من الأفكار والقيم التي أنتجها الإسلام وحاول زرعها كمفاهيم بديلة لتلك الجاهليات من منظومات التفكير والسلوك، إلا إن الكثير من المجتمعات الإسلامية العربية منها وغير العربية المتعايشة معا، ما زالت تمارسُ وتسلك نفس ممارسات وسلوكيات ومفاهيم تلك الجاهليات في التفكير البدائي والبدوي في تعريفها لكثير من القيم والعادات والتقاليد.
   ولعل أبرز تلك المفاهيم هو مفهوم الشرف وتعريفاته في مجتمعاتنا وحصره دوما في أعضاء المرأة التناسلية فقط والتي يتم استخدامها خارج منظومة الشرعية.
   ونعرف جميعنا ( في مجتمعاتنا وبالذات القروية منها والقريبة في سلوكياتها من نظام القرية والقبيلة ) بان الرجلَ يكفيه أن يكون شريفا من ناحية الأعضاء التناسلية لكي يتم غض النظر عن الكثير من السلوكيات الأخرى في حياته، والى فترة ليست ببعيدة زمنيا لم تك السرقة إلا صفة من صفات الفروسية والشجاعة لدى الكثير من الناس، وعلى الأقل لم تكن عيبا أو عارا اجتماعيا للفرد أو المجتمع.
   بل أن الكثير من طبقات مجتمعاتنا لا تعتبر سرقة المال العام عيبا أو حراما أو شرفا شخصيا للفرد، موظفا كان أو عاملا، بل لم تثقف أو تربي مؤسسات مجتمعنا المدنية ابتداءً من منبر الجامع ووعظ الملالي والى مرابع ومضايف القبائل وشيوخها وأغواتها، حتى رأينا بأم أعيننا كيف ينهب العراق بأكمله يوم سقوط حكومته ودولته، فلو كانت هناك قيمٌ خلاقة وسلوكيات وطنية وتربوية لما حصل ما حصل بعد سقوط بغداد.
  ولو كان للشرف معنى آخر غير ارتباطه بأعضاء التناسل لاستطعنا الحفاظ على بلادنا حتى ولو سقط ألف طاغية. ودخلت كل جيوش العالم، لكنه ذلك المفهوم المتدني للشرف هو الذي أغرق العراق في بحور من الدماء والدموع وأباح كل المتدنيات في السلوك والاحتفاظ فقط بسلامة أجهزة التناسل.
  ذلك الشرف الذي أباح وأفلت العنان لوحوش بشرية في جنوب العراق وكردستانه، شرقه وغربه، كي تعيث في الأرض والشعب فسادا واغتصابا وتقتيلا ونهبا وسلبا، للحفاظ على شرف الأمة ومستقبل الجماهير؟
  أي شرفٍ هذا الذي يبيح اغتصاب المئات من النساء والفتيات أو ربما الآلاف منهن منذ ( عروسة الثورات ) عام 1963 وحتى هذا اليوم وتحت أي مسمى كان؟
  أي شرفٍ هذا الذي يبيح السرقة والقتل والنهب والسلب والكذب والافتراء والإقصاء وتدمير وطن بأكمله في مائهِ وهوائهِ ونفطهِ وزراعتهِ وصناعتهِ وسكانهِ وتحت أي مسمى من المسميات إلا ما آمن بها ( رفاقنا ) في تبرير الوسيلة لتحقيق هدفهم للعودة إلى قيادة الشرف العراقي ثانية؟
  وأعود مرة أخرى إلى هذا الخزين العجب من القيم والسلوكيات المتناقضة والمتضادة والمزدوجة في مجتمعنا، فهو الذي يتحدث ملأ شدقيه عن الوطنية والقومية والعراق، وهو الذي سرق دولة بأكملها من سكان يفترض أن يكونوا أشقاء له في الدين أو العرق أو المذهب، ثم ما لبث أن سرق نفسه ووطنه، ليس الكل بالتأكيد ولكن الكل أيضا لم يفعل شيئا إلا الخنوع والسلبية والتفرج واللامسؤولية.
   خليط رهيب من المفاهيم وتعريفاتها المزاجية وكيفية التعامل معها من وقت إلى آخر. ومن أقصى يسار تعريفها إلى أقصى يمين تحليلها والانتقال من لونها الأكثر بياضا إلى الأكثر عتمةً وسواداً.
  وربما ما يحصل الآن من ازدواجيات في المواقف والتعريفات لأبسط الأمور يعكس التدني المرعب في التعامل الأخلاقي مع المفاهيم الوطنية والاجتماعية، ابتداءً من القتل على الهوية المذهبية والعرقية وحتى المناطقية والعشائرية وانتهاءً بعمليات التهجير والتطهير وإشاعة العنصرية والشوفينية كما يحصل الآن في الموصل وكركوك على أيدي أولئك الذين ما زالوا مغرمين بعمليات الأنفال القذرة و(قائدها الضرورة صدام حسين) ومن لف لفه من ( المناضلين والمجاهدين ) حاملي شرف (العروبة والإسلام) في المقابر الجماعية وبيع الفتيات العراقيات إلى المخابرات الأجنبية.
  إنها سنوات رهيبة من السلبية والازدواجية المقيتة في التعامل مع الحدث والمفاهيم وتعريفاتها ووظائفها، فأي شرف شخصي هذا بأمكانه أن يكون طاهرا وهو يسمح لنفسه بالعبث أو العدوان على شرف الآخرين لمجرد إنه يمتلك القوة والسلاح كما حصل أثناء حكم النظام السابق وجرائمه في كوردستان وبقية أنحاء العراق جنوبا ووسطا منذ انقلابه في عام 1963 وحتى سقوطه المخزي في نيسان 2003 وما جرى على أيدي ازلامه ومؤسساته الحزبية والخاصة وتلك التي هيمن عليها من القوات المسلحة ومفاصل الدولة عبر أربعة عقودٍ من أحلك حقب التاريخ الذي عاشته شعوب بلاد ما بين النهرين.
   لقد كرس النظام السابق أكثر القيم ظلامية وانحرافا في مفاصل مجتمعاتنا العراقية، وزرع أكثرها ظلما وعنصرية وقسوة في نفوس أطفالنا، ومسخ مفاهيما وفلسفات في الدين والاشتراكية والعلمانية، مقدسة ومتحضرة وحولها إلى سلوك منحرف ووسيلة لأغراضه في الهيمنة والتسلط والدكتاتورية والشوفينية. وبدلا من الانطلاق إلى مفاهيم متحضرة ومعاصرة لكثير من القيم والتقاليد التي ورثناها عبر مئات السنين، انحدر نظام البعث إلى مستويات متدنية من الازدواجية والنفاق السياسي والاجتماعي في علاقاته وتعريفاته لمفاهيم اجتماعية ووطنية وأخلاقية، ابتداءً من إلغائه للوطنية العراقية ومواطنتها بمزايداته القومية الساذجة وصولا إلى استهانته بالشرف والأرض والمال العراقي حتى وصل العراق إلى ما وصل إليه الآن. [/b] [/font] [/size]

415
العراق بين الازدواجية والنفاق
                        القسم الثالث         

               البحثُ عن وطن للإيجار ؟
[/color]

     كفاح محمود كريم
  ثانية يا عراق المجد والحضارات وعراق الكتابة والديانات يبحث سكانك عن وطن للإيجار حتى تنتهي الصراعات وتتوقف النزاعات وتهدأ النفوس وتلملم الجراحات.
    ثانية يا عراق النزف في الدمع والدم والماء والعطاء، ننتشر في مغارب الأرض ومشارقها نبحثُ عن وطن يأوينا حتى يتوقف النزف وتعود الطيور ثانية إلى أعشاشها المهترئة أو المحروقة، لتبنيها من جديد.
    ثانية يا سيدي العراق المجروح من الوريد للوريد ومن الشريان للشريان، ليس اليوم، أنت مذبوح يا عراق، فقد ذبوحك منذ صنعوك، لتنزف دوما دونما وقوف، ولكي لا تنهض ذات يوم يا عراق.
    قبل خمسين عاما أو ربما أكثر كان الرحيل وكان الهجير وكانت هناك قوافل من أناس تساق إلى خارج أرضك يا عراق، بعد أن اقتلع جذورها الرفاق من كل أنحاء العراق، تارة باسم الفرس وأخرى باسم الكورد وقبلها أحرقت طائرات غيرهم الآلاف من مواطنيك يا بلد الدماء والرثاء باسم المخربين والمتمردين والاثوريين.
    منذ خمسين عاما وهم يرحلون مواطنيك ويسقطون هوياتهم وعناوين ارتباطهم بقلبك يا عراق؟
    منذ خمسين يا عراق والملايين تبحث عن وطن للإيجار وهوية وجواز سفر مستعار، وتهيم في بلدانٍ بمشارق الأرض ومغاربها ليعيش الرعاع والسراق والمنحرفين من شواذ الآفاق والأخلاق، ممن انتجتهم دوائر العفونة القومية والدينية المتطرفة من العروبيين وغيرهم ممن أدمنوا حرق الأوطان والأديان في مخيلتهم المريضة بالوطن الأكبر والعالم الأوسع، حتى صغرت أوطانهم وكادت أن تتلاشى.
   خمسون مرة باعونا وباعوا العراق، قتلونا وأزاحوا حدودا لوطن اسمه العراق، مقابل مجاميع من رعاع الأرض والأصقاع. استقدموها واستبدلوا بها أهل العراق، وأقاموا لها وطنا بين جروحنا وآلامنا، حينما قذفونا وراء الحدود، دونما هوية أو جواز سفر؟
   هل تتذكرون أولئك الذين امتدت شرايينهم إلى أعمق أعماق العراق من الشورجة في بغداد إلى البصرة في أقصى جنوب العراق، أولئك الآلاف المؤلفة التي عاشت مئات وربما آلاف من دهور وتواريخ، يقتلعها الأعراب فجأة من تاريخها وجذورها ويسقط كل حقوقها ويقذها خارج الوطن وخارج الحياة؟
   إنهم الاصلاء من اعرق اعرق من سكن واخلص للعراق، هم أولئك الفيليون من الكورد الذين امتدت جذورهم في ثرى العراق إلى أعمق أعماق الأرض والتراث والطيبة والإخلاص، هم أولئك الذين تتباهى بغداد بحضاراتهم ورجالاتهم وتجارهم وأساتذتهم، هم أولئك الذين عاداهم كل متخلف عنصري أهوج، يعاني من عقد الحضارة أو البداوة أو مركبات النقص في تركيبه النفسي والتربوي.
  هؤلاء هم الذين أسقطت جنسيتهم العراقية وقذفوا إلى خارج الحدود منذ عشرات السنين، وقتل الآلاف من خيرة شبابهم ورجالهم، ومثلهم يا عراق فعلوا بأهل كوردستان، فاحرقوا الأخضر واليابس وشردوا مئات الآلاف من أعرق سكان الشرق والعراق، أحرقوا كوردستان واقتلعوا خمسة آلاف قرية بسكانها من على أرضك يا عراق، وارتحلوا بهم إلى جحيم صحراواتهم ليدفنوهم هناك ألافا مؤلفة يا عراق المجد والحضارات باسم العروبة والأمة العظيمة والتاريخ المجيد!.
   منذ خمسين وأكثر هذي الملاجئ فيما حوالينا تشهد بحثنا عن وطن للإيجار حتى ما يتم أو يكتمل بناء وطننا العتيد، عراق الازدواجيات وارض النفاق والشقاق(!)
   كورد وعرب وتركمان وكلدان وغيرهم من أعراقك يا عراق، شيعة وسنة، مسيحيون وايزيديون وغيرهم من عبيد الله يا عراق، يرحلون ويقتلون منذ خمسين عاما وأكثر، يبحثون في أوطان غيرهم عن وطنٍ للإيجار ريثما يكمل البناء ويتوقف النزف والشقاء.
  واليوم وبعد بحور من الدماء والدموع، وعارات الأنفال وحلبجة والجنوب الذبيح والكسيح، ما زال الرفاق ورجال الحملة الإيمانية المنافقة مصرون على تحويل العراق إلى حفنة تراب وأبحرٍ من دماء، يذبحون الأطفال والنساء، يدمرون أنابيب البترول ومصافيه، وينسفون محطات الكهرباء وأبراج نقله، يسممون مياه الإسالة كما سمموا ينابيع كوردستان، يقتلون الأساتذة والعلماء ويخطفون الأطفال والفتيات، وأيضا كل ذلك من أجل أهداف الأمة العظيمة وكرامتها ومقاومة الاحتلال وتماشيا مع الشرع وعقيدة الجهاد من اجل القائد الأسير؟
   ألم أقل لكم ذات يوم إنهم يتناسلون كالقطط الشتائية، فها هم اليوم رفاقنا البعثيون أكثر عددا وعدة، وكانوا حزبا واحدا فأصبحوا أحزابا وميليشيات بالعشرات وبدلا من (كيمياوي) واحد أصبح لدينا المئات من تلامذته ومريديه ممن يطورون يوميا عمليات الأبادة الجماعية للشيعة والسنة والكورد والناس أجمعين وفي كل قرية وشارع ومدينة. وبدلا من قائد واحد للضرورة أصبح لدينا (هيئات) من قيادات الضرورة التاريخية والمرجعية الدنيوية والآخروية.
  وبدلا من عدة ملايين من الذين يبحثون عن وطن للإيجار أصبح أكثر من نصف العراقيين يبحثون عن ملاذ آمن في دول الجوار وأخواتها من دول ( الدك والرقص على أنغام الموت في العراق ) ريثما يتحقق حلم القائد والأمة ويتحول العراق بأكمله إلى حفنة تراب.
  وحتى ذلك الحين ستبقى دول الجوار بدون استثناء وما بعد الجوار تمنحنا غرفا للإيجار وهي ترقص طربا على أنغام الموت في سهول ووديان وشوارع العراق وطن ( الكفر والنفاق )؟! [/b] [/font] [/size]

416
(العراق بين الازدواجية والنفاق) 
                                               القسم الثاني
[/color]

 
                            
  من تجارة الرقيق إلى تجارة الأوطان
[/color]
       كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com


 منذ الصغر تعلمنا بأن عراقنا محطة للقوافل والتجارة بين الشرق والغرب، وان موقعه ممر لتجار البضائع بأشكالها وأنواعها، حلالها وحرامها كما يشتهي أعمدة القوم في حينها وأحوالها.
   علمونا في كتب التاريخ منذ تعلمنا القراءة والكتابة نحن وآباؤنا وحتى أجداد أجدادنا، بأننا أحفاد رجال حرب وتجارة وجواري، وغزاةٌ من قبيلة إلى قبيلة ومن قرية إلى قرية، نستبيح الحرائر والأطفال، ونقتل الشيوخ والرجال، ثم نحيل الحرائر إلى سبايا وجواري ورقيق، فنتاجر بهم في أسواق النخاسة، حتى ملك كبارنا أمراء كانوا أم ملوك، المئات وربما الآلاف من حرائر أقوام وقبائل جواريا وأحالوا أطفال الأحرار منهم عبيدا وغلمان.
  علمونا بأن العقوبات أهونها جلدٌ أو رجم بصرف النظر عن عدة الجلدات أو كمية الحجر، وإن الذبح عقوبة تمارسُ أمام كل البشر، وأيضا بصرف النظر، عن الأسباب أو نوع الرأس وتأثير ذلك على نفسية هذا البشر. وإن الترحيل والتهجير أهون العقوبات، لأن صاحبها كل يوم في ارضٍ والى ارض يرتحل، راكضا وراء الماء والخضراء والوجه الحسن.
    في كل كتب التاريخ التي تعلمناها، كانت بلادنا دوما مركز الحضارة والتجارة ومنها إلى كل أصقاع الدنيا تذهب صادراتنا التي طالما بحثتُ عنها فلم أجد لها أثرا إلا على أوراق كتبنا وفي ذاكرة مؤرخينا، وان عاصمتنا المدورة بغ داد كانت ممر كل تجارات الشرق والغرب، حتى اعتقدتُ إن أجدادنا لم يكونوا إلا مجاميعا من البقالين والقوميسيونية وتجار الخردوات.!
    ودوما حينما يكون الحديث عن الأجداد فإنهم أولئك ( العظام ) الذين أنتجوا كل هذه الحضارات التي امتدت من عملية اغتيال الإمام علي بن أبي طالب وابنه الحسين وتحويل كل الشعوب إلى قطعان من العبيد والموالي، والى نموذج الأمة الأعلى في القومية والحضارة والتاريخ والأمن والسلام والمتمثل بـ ( الرئيس القائد المنصور بالله الأسد الأسير وقائد الجمع المؤمن والأمين العام الغائب لحزب الأمة ومجاهديها ). والذي حول الأمة وأقطارها إلى دكاكين وبقالين وباعة شعارات وأقاويل إلى يوم يبعثون !.
   وإذا ما استبعدنا الكثير من أوجه حضاراتنا في الآداب والعلوم اللغوية والدينية والتي يكثر فيها الآلاف من الذين (صهرهم) الدين الحنيف من أعراقهم وأصولهم وحولهم إلى مبدعين أعرابا وأعلاما في فن العروبة أدبا ودينا ولغة.
   فقد كانت بلادنا منذ أن أصبحت مدورتها عاصمة للشرق، بلاد بيعٍ وشراء وعمولات وبقالين وعطارين وتجار رقيق وجواري في أروع أسواقٍ عرفتها المعمورة منذ ذلك الحين.
   وفيها تعلم وعلم اجدادُ أجدادنا فن التجارة والبقالة والمزايدة على كل شيء وبدون قيد أو شرطٍ إلا المال وكميته وملحقاته من السلطة والجاه.
   وكما كانت تباع الحرائرُ من النساء اللاتي يتم سبيهن بعد كل عملية غزوٍ غرائزية لقبيلة أو قرية أو مدينة، في أسواق النخاسةِ ببغداد أو غيرها من حواضر إمبراطورياتنا التجارية، كانت تقطع وتؤجر وتباع البلدان والأوطان هي الأخرى حالها حال النساء والأطفال في أسواق العبودية والرقيق بألوانه المختلفة.
    فلا غرابة اليوم وأمس حينما كان (الرئيس القائد ورفاق عقيدته) لا يعترف بوطن أو دولة اسمها العراق بل يعتبره جزءً من وطن مفترض وخيالي، ومنح كل مقدرات هذه الدولة لأجانب أفترضهم هذا الرئيس ومنظومة أفكاره أبناء العراق والأمة، لا لشيء إلا لأنهم أعضاء في حزبه القومي ومواطنين دولته المفترضة من الخليج إلى المحيط، في أحدث تطوير لمفهوم العمالة للأجانب والتعامل معهم، بل جعلهم أسيادا على مواطني العراق الحقيقيين بامتيازات وحصانات لا يتمتع بها الأهالي الأصليين.
   ويتذكر العراقيون بألم شديد ذلك التفريط المرعب بالأرض العراقية في ما سمي بترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية والأردن والتي تنازل فيها ( شيخ العشيرة ) عن الآلاف من الكيلومترات المربعة للأشقاء من شيوخ الأمة، في نفس الوقت الذي استباح وطنا ودولة من اجل بضعة كيلومترات، أحرق فيها الأخضر واليابس.
   ولأنهم لا يؤمنون بوطن عراقي، ولا حدود لهذا الوطن ولا من يعيش عليه سواهم، ولأجل أن لا يقف أحد في طريق هيجانهم أو يعطلهم، منحوا الأتراك حرية العبور إلى الأرض العراقية في كوردستان واستباحة سكانها وتدمير قراها متى شاءوا، وكذلك فعلوا مع إيران حينما استغنوا عن شط العرب وآلاف الكيلومترات المربعة من الأراضي العراقية في اتفاقية الجزائر المخزية، لا لشيء إلا لكي لا ينتصر جزء من الشعب العراقي في حريته وكرامته.
   وإزاء ذلك لم يكن لديهم أي شيء مقدس ابتداء بالأرض وحياة البشر الذي فوقها وانتهاء بأعراض الناس وشرفها، كل الناس حتى الذين كانوا معهم، ولذلك كان العراق رخيصا لديهم أرضا وشعبا ومالا، فهو سلعة تباع وتشترى حالها حال تلك الجواري والحرائر المسبية في غزواتهم الجاهلية عبر العصور.
   ولقد بان رخص العراق وقيمته لديهم بما حدث منذ مطلع نيسان- ابريل 2003 وحتى يوم التاسع منه، حيث هرب القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية وكل رموز الأمة والبعث والرسالة الخالدة إلى أرض الله الواسعة أو حفرها أو حاضناتها في دول العشائر والقبائل، بينما تفرغت القيادات الوسطى والقاعدية للحواسم وعملية توحيد العراق وممتلكاته مع بيوت الرفاق وجيوبهم.
   إن ما يجري اليوم على أرض الرافدين هو صدى لتلك الأفكار والسلوكيات المتوارثة عبر أزمان وعصور من اللا انتماء واللا هوية إلا لغرائز التملك والتسلط والمتاجرة والتقاتل والإلغاء والإقصاء للآخرين وعبودية ألذات والنرجسية القاتلة والغزو وعقلية القبيلة والقرية التي لم تبرح حدودها ولا مفاهيمها وهي ترتدي السترة والبنطلون ومعهما الجينز والتيشيرت.
   وها هم يستقدمون كل قتلة العالم العربي من الخليج إلى المحيط ليفتكوا بالعراق وبأهله عربا وكوردا، سنة وشيعة، مسلمون ومسيحيون وايزيديون وصابئة، تارة باسم الدين وأخرى باسم العروبة وثالثة باسم المقاومة، وفي كل هذه الأكاذيب فهم أفضل من يمثل تجارة الرقيق والأوطان وثقافة الموت والدمار وعقلية التقهقر والظلام. [/b] [/font] [/size]

417
العراق بين الازدواجية والنفاق
[/color]
                                                               
                                     

          كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com
( 1 )

           واحدة من أبشع إمراضنا المستعصية منذ قرون، تلك التي شطرتنا إلى كائنين متضادين في أفكارهما وسلوكياتهما ومتعايشين في جسد واحد وتركيب بشع ومعقد، تلك الازدواجية الرهيبة التي تعيش في دواخلنا وتظهر عند الحاجة المطلوبة في سياق الحدث والموقف. وتتجلى بشكل واضح في علاقاتنا الاجتماعية والسياسية والدينية.
  وعبر مئات السنين وتحت مظلة أبشع أنواع النظم السياسية والاجتماعية تفاقمت هذه الازدواجية وتحولت إلى واحدة من أهم مظاهر سلوكنا في كل مناحي الحياة، ومسخت الكثير من مواصفات شخصياتنا الإنسانية، حتى امتلك الواحد فينا مجموعة رهيبة من الشخصيات في آن واحد. وأصبح الكذب بأنواعه وألوانه أبرز ما تتصف به هذه الشخصيات التي تقوم بتمثيل أدوارها حسب الحاجة ودرجة الخوف والتدين والتدليس.
   لقد عاش مجتمعنا لسنوات طويلة ومملة مغيب تماما ومرعوب في ذاته ومقهور حتى مسحت شخصيته الإنسانية بشكل شبه كامل، حيث لا يعدو الفرد في المجتمع أكثر من رقم ممكن مسحه من جدول الأرقام متى ما شاء النظام أو الرئيس القائد عبر العصور.
  ولم تكن النظم السياسية لوحدها سببا لهذه الأمراض، بل يتحمل بنفس القدر من المسؤولية المجتمع ومؤسساته المدنية ابتداءً من البيت و الكتاتيب وبعدها المدارس ومنابر الجوامع والكنائس ومجالس العشائر والمقاهي وصولا إلى منظمات المجتمع الحديثة. وليس بعيدا عن ذاكرتنا ما فعله الكثير من أئمة الجوامع في قرانا وبلداتنا الصغيرة منذ عشرات السنين في تأويلاتهم وتفسيراتهم ووعظهم القروي البسيط والساذج من تخريب لمفاهيم الدين واشراقاته العظيمة وتحويله إلى مقصلة ودهاليز لتعذيب النفس البشرية، حتى تحول سلوك الكثير من الأجيال إلى سلوك يحكمه الرعب والخوف والخنوع، وكذا فعلت الكثير من مجالس القبائل والعشائر في تداولها لميثولوجيا بائسة وقصص وروايات من نسج خيال مليئ بالامراض والمركبات النفسية المعقدة، لكي تتحول خلال عقود إلى نواميس وأعراف وتقاليد وعادات بالية يعتنقها المجتمع دونما مساءلة أو نقاش، على إنها أعراف وتقاليد تقترب من القدسية الدينية بسطحية وسذاجة لا مثيل لها، حتى غدت واحدة من قوانين المجتمع ومحاكماته. وعلى طول الخط كانت المرأة أكثر الضحايا تأثرا بهذا النمط الغريب من التربية الاجتماعية وتوارث العادات والتقاليد التي انتقصت في كثير منها إنسانية المرأة وكرامتها، وابتعدت تحت طائلة هذه التقاليد والأعراف حتى عن سنن الدين وفروضه ومعالجاته وتشريعاته الإجرائية بحق المرأة والرجل من الذين يمارسون العلاقات الجنسية خارج دوائر الشرعية، فبينما يعفى في أكثر الحالات الرجل من هذه ( الجريمة ) تحكم المرأة بالإعدام فورا لمجرد شكوك أو وشاية أو علاقة غير مثبتة كما جاء في النص القرآني، وهكذا ترى في معظم مجتمعاتنا عمليات القتل البشع للنساء لمجرد الشك بهن، علاوة على اللاتي فعلا مارسن هذا النوع من العلاقات بأشكاله، ودونما أي شهود كما ورد في التشريع الديني.
   لقد غلبت تلك العادات والتقاليد والأعراف التي أنتجتها جاهلية اجتماعية ودينية عبر منابر متعددة ابتداءً من الكتاتيب ومجالس القبائل والعشائر من خلال هيمنة أنصاف المتعلمين والأميين وذوي العاهات الفكرية والإمراض النفسية، وعشرات المقاهي التي كانت تظم كسالى الفكر والإنتاج ممن أدمنوا مضغ حكايات وأساطير وأقاويل في الناس والمجتمع، والمئات من مؤدي ألاغاني الشعبية وكثير من ألاغاني التي زرعت وكرست مفاهيم مازوشية وسايكوباثية في تركيب الشخصية لملايين البشر نساءً ورجال، حتى أصبح التلذذ بالإيذاء والعذاب واحدة من سمات الكثير ممن كانوا في أو قرب مراكز القرار بكل مستوياته ابتداءً من الأسرة ووصولا إلى مؤسسات الإدارة العامة للدولة، وبالتأكيد لا يخضع العديد من هذه المجالس لهذا القياس سواء ما كان منها للعشائر أو الكتاتيب والتي كانت بدورها مدارسا للتنوير والإصلاح الاجتماعي بكل أشكاله، ولكنها على الأغلب كانت محصورة ومحدودة، وحتى بمحدوديتها استطاعت هذه المجالس أو الكتاتيب أو المنابر من خلال أناس متنورين أن يتركوا بصما تهم الايجابية في العديد من تكوينات المجتمع. إلا إن الغالب كان التأثير المرعب لتراكمات من الثقافة القروية والقبلية وسيادة أنصاف المتعلمين والأميين في مفاصل مهمة من المجتمع والدولة خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، مما أنتج مجتمعات مهزوزة ونظم سياسية بائسة وتشريعات أكثر بؤسا منها، وأنماط من السلوك والتفكير الأحادي المستبد والإلغاء الكامل للآخرين ابتداءً من المرأة وحتى المكونات الأخرى للمجتمع وفعالياته السياسية والاجتماعية.
   وبالتأكيد كان الخوف والإرهاب الأسري والتربوي والاجتماعي هو الأب الشرعي لأعراضٍ تفتك بمجتمعاتنا حتى هذا اليوم، ولعل أكثر أنواع هذه الأعراض فتكا هو الكذب والرياء، والذي أصبح لعقودٍِ طويلة سمة من سمات مجتمعاتنا، وأسلوبا مباحا إلى حدٍ خطيرٍ في التعامل بين المادون والمافوق. وأنتج ما نطلق عليه بالنفاق الاجتماعي والتدليس ومضاعفاته في العمل السياسي والإداري.

    وللبحث صلة... [/b] [/font] [/size]

418
المرأة بين الخطيئة والفضيلة
[/color]
   
كفاح محمود كريم  


بداية لنتفق حول مفهوم الخطيئة هنا في مجتمعاتنا الشرقية، رغم أنها أي الخطيئة لا تختلف في تعريفاتها الأساسية في كل العالم حسب ثقافاته ومستويات حضارته، إلا في تحليلها والتعامل معها كحالة اجتماعية غير طبيعية، ربما تصل إلى درجة الانحراف عن المسار العام لتطور المجتمعات وطبيعة علاقاتها الاجتماعية وظواهر النشاط الاقتصادي والاجتماعي فيها.
     يتركز مفهوم الخطيئة هنا في عالمنا الشرقي ومحيطنا العربي بالعلاقة الجنسية غير السوية أو ما هو خارج مؤسسة الزواج، وما يتبع ذلك من علاقات جنسية غير طبيعية بين النساء أنفسهن أو ما يعرف بالسحاق، أو بين الرجال فيما بينهم وما يعرف باللواط. ومن ذلك المفهوم يتركز الشرف الشخصي للفرد والأسرة في نوعية العلاقة الجنسية التي يمارسها الفرد، وتتعلق مواصفات الشرف بالأعضاء التناسلية للمرأة والرجل، بغض النظر عن الكثير من تعريفات الشرف الشخصي المتعلقة بسلوكه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وعلى طول الخط وعبر مئات السنين تتحمل المرأة لوحدها عبأ هذا المفهوم وتداعياته، فهي الحاملة الأولى للشرف وعنوانه المحصور بسلوكها الجنسي فقط، وهي لوحدها المسؤولة عنه وعن إدامته أو إعدامه، بصرف النظر عن من يشاركها هذا الخروج عن المفهوم العام المتفق عليه ضمن قوانين وأعراف المجتمع.
   وإذا ما عدنا إلى التشريعات الدينية، فإننا سنرى عظمة تلك الاشراقات الإلهية في التعامل مع موضوعة النشاط الجنسي خارج مؤسسة الزوجية ( الزنا ) حيث التعامل الدقيق والرصين الذي يحفظ كرامة الإنسان رجلا كان أو إمرأة، ولعل إقامة الحد على الزنا يدلل على عظمة الخالق ودرايته بمخلوقاته ومكنوناتها الغريزية، ولذلك تراه يشترط شروطا قريبة من الاستحالة في مجتمعاتنا الإسلامية لكي يقام الحد على الزناة، ولست هنا بصدد تفسير لنصوص دينية يعرفها الجميع في موضوعة الرذيلة التي عالجها الدين منذ اكثر من ألف وأربعمائة سنة من ألان، بقدر الإشارة إلى فلسفة إقامة الحد وكيفيته وآليته وتعريفه للرذيلة أو الزنا.
   وأراني هنا وفي سياق الحديث عن معالجات الزنا أن أذكر واحدة من أروع معالجات الرسول (ص) لهذه الحالة وعلى عهده، حينما جاءته زانية لتعترف بممارستها الجنس خارج مؤسسة الزوجية، ( فقال عن الزانية التي تابت فَسَمِعَ نَبِيّ اللّهِ صلى الله عليه وسلم سَبّهُ إِيّاهَا. فَقَالَ "مَهْلاً يَا خَالِدُ! فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُغِرَ لَهُ". رواه مسلم جاءت زانية إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وطلبت منه أن يطهرها وكانت حاملا. أمرها الرسول أن ترجع بعد أن تضع حملها. رجعت بعد أيام وهي تحمل طفلها وطلبت من الرسول أن يطهرها. أمرها الرسول بالذهاب وعدم العودة إليه إلا بعد أن تفطم رضيعها.. ذهبت ورجعت وطفلها يمشي إلى جوارها وهو يمضغ كسرة خبز.. فأعطى الرسول الطفل إلى أحد الصحابة وطلب منه أن يربيه مع أطفاله وأمر بحفر حفرة للزانية ووضعت فيها وأمر الصحابة بإقامة حد الزنى عليها فأخذ الصحابة يرجمون الزانية. وحدث وأن تطايرت قطرات من دمائها وأصابت ثوب أحد الصحابة رضوان الله عليهم فسبها .. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم " مه.. لقد تابت توبة لو وزعت على أهل الأرض لكفتهم.")
    لقد كان الإسلام إشراقة عظيمة على هذه الأرض قبل ألف وأربعمائة عام، جاء ضرورة قصوى لتغيير المفاهيم والتقاليد والعلاقات الاجتماعية، وأنجز ثورة عظمى في هياكل المجتمع وطبقاته وتعريفاته للظواهر الاجتماعية والطبيعية والاقتصادية، وحرر الإنسان من عبودية أخيه الإنسان ومن عبوديته لذاته في تمييز المرأة واحترامها وموقعها في الأسرة والمجتمع.
   وهنا لابد لنا من مجموعة من التساؤلات عن مفاهيم وتقاليد وأعراف وتعاريف لكثير من سلوكياتنا إزاء الرذيلة والفضيلة، وربما لن نجافي الحقيقة لو أدركنا فلسفة الأديان والأفكار الوضعية في تقويم المجتمع وإصلاحه لا في معاقبته وبتره، وهنا دعونا نتساءل:
هل الشرف معلق بالأعضاء التناسلية للمرأة فقط؟
أم هو صدق ونزاهة وحكمة وشجاعة ووفاء؟
هل المرأة وحدها مسؤولة عن الرذيلة؟
أم هناك دوافع أخرى، يكون الرجل أهمها؟
إذا كانت المرأة ناقصة عقل ودين، من يتحمل إذن وزر أخطائها؟
أليس من المفترض أن يكون الرجل مسؤولا، كونه الأكمل؟
هل هناك مفهوم متكامل عن الزنا، على ضوء التوضيحات الدينية وغير الدينية؟
وهل هو جريمة تستحق القتل، إذا ما عرفنا ضروفه وأسبابه وموجباته؟
هل سنزايد على شريعة السماء في سترها للزنا بتصعيب إقامة الحد؟
أم ننقاد إلى مجموعة الأعراف الجاهلية؟
هل المرأة وحدها مسؤولة عن الزنا؟
لماذا تعاقب هي ولا يعاقب الرجل؟
من يمتلك حق إقامة الحد؟ ولي الأمر المباشر( الأب و الأخ وأبن العم والزوج.....الخ ) أم القانون والمحاكم؟
من أغوى من؟
من كذب على من؟
من كان السبب في التمهيد للرذيلة؟ ومن يرتادها ويديمها؟
وربما هناك آلاف الأسئلة ولكنني أستدرك فأقول:
هل من حقنا نحن كأفراد أن نسلب أو أن نجرد أو أن نسقط إنسانية المرأة أو الرجل لمجرد كونه زانيا أو زانية ونعتبرهم حيوانات وهل هذا ينطبق على السارق والكاذب والمختلس والمنافق والهابط في فنه أو أدبه أو عمله العام؟
     ربما ستكون الإجابات على هذه الآلام المصاغة كأسئلة مثيرة للجدل أو حتى الملل واليأس أو ربما التشنج بعقلية سطحية لا تفقه مأساتنا وتردي مجتمعاتنا في انتقالها أو في حيرتها بين موروثاتها الجاهلية وبين إشراقات ديننا العظيم وإبداع حضارات البشر عبر قرون عديدة. وهل سندرك إن المرأة ما زالت تدفع فاتورة سلوك الكثير من الرجال وهي ضحية أولى لانحرافهم وتسلطهم وغرائزهم المنفلتة، وهي على طول الخط من يَغسلُ لوث شرفه بدمائها بينما يتربع الجاني على عرش الشرف الذي أراقه هو بسلوكه وتربيته، ومتى ما أدركنا إن الشرف كما هو معلق بالمرأة فهو أيضا معلق بسلوك الرجل وتصرفاته معها، وهو أيضا ليس ممارسات جنسية فحسب، إنما مجموعة كبيرة من أنماط السلوك والتعامل والخلق، والخطيئة في مجتمعاتنا فيما يتعلق بالشرف الشرقي يتحمل وزرها الرجل زوجا كان أم أبا، صعودا إلى بقية المؤسسات التي يقودها الرجل وهي بتقديري كل مؤسساتنا دونما حصر أو تحديد، وبذلك ما زلت مصرا إن الرجل هو الذي يقف وراء أكثر الخطايا التي تقترفها المرأة.
   إننا إزاء عملية معقدة من إعادة تعريف كثير من المفاهيم والسلوكيات ودراسة الأسباب والمسببات في الرذيلة والفضيلة والخطايا قبل أن نحكم بالإعدام على ضحاياها، رجال كانوا أم نساء.
   ولعل مناهجنا التربوية في المدارس والجامعات وأسلوب تربيتنا في الأسر والبيوت وطبيعة التوجيه في منابرنا الدينية على مختلف اتجاهاتها وسلوكنا ألذكوري في المجتمع وتغييب المرأة وإلغاء دورها وطبيعة أنظمتنا السياسية البالية هي المتهم الأول في الخطايا وما ينتج عنها. [/b] [/font] [/size]

419
لا تقتلوا الرئيس... هذه المرة !؟
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

       منذ تأسيس العراق كدولة في مطلع القرن الماضي وحتى انهيارها في نيسان 2003 تم تصفية كل ملوكها ورؤسائها قتلا شنيعا وسحلا همجيا دون اعتبار قانوني أو إنساني أو حضاري، بصرف النظر عن هوية ذلك الملك أو ذاك الرئيس أو مدى شرعيته أو مستوى تجريمه.
    فلقد قتل الجميع دون محاكمة أصولية أو حتى فرصة للهروب أو الدفاع عن النفس وتم تصفيتهم بأسلوب اقل ما يقال عنه هو الدموية، مما أضاع فرصة الإطلاع على حقائق الأمور وأسرار أولئك الملوك والرؤساء وتجاوزاتهم القانونية والدستورية بل وحتى علاقاتهم السرية جدا مع كثير من الإطراف الدولية التي أوحي لنا عبر عقود طويلة بأن العلاقة معها هي الحد الفاصل بين الوطنية والخيانة.
    وإذا ما استثنينا الملك الأول و الفريق عبد الرحمن عارف الذي ورث الحكم من أخيه الرئيس المؤمن عبد السلام الذي ( طيرهُ البعثيين لحما وأنزلوه كبابا ) كما كان يتفكه العراقيون بعد حادثة سقوط طائرته المفتعل من رفاقه في العقيدة والسلاح أبان زيارته للبصرة والقرنة، يبقى لدينا ( الأب القائد) على توصيف الرئيس السابق صدام حسين للمهيب الركن أحمد حسن البكر الذي تم( مضغه ) بأسلوب تمثيلي مثير للسخرية، حيث قضي الأمر وجف الحبر ورفع القلم وأرسل ( الأب القائد ) مسموما، مكرما ومعززا في تشييعه إلى جنان الخلد ورفاق العقيدة من الذين سبقوه إلى هناك بأمر من الخليفة أو السلطان.
    فلم ينجُ ملكا أو رئيسا من القتل رميا بالرصاص أو سحلا في الشوارع حتى التلاشي هو ومن أكرمه الله بالوقوع بأيدي جماهيرنا المنتفضة والثائرة على الطغيان والتي هي كالعادة مصدر السلطات والتشريع والقضاء ولا داعي لقصر الوقت الثوري لأجراء روتينيات المحاكمة أو انتخابات مجالس التشريع أو انتخاب رئيس بديل للمقتول ملكا كان أم رئيسا.
    ثمانون عاما نمارس القتل والتقتيل، تارة باسم الدين وأخرى باسم العروبة والإسلام وحدود العراق ومصالح الجماهير المناضلة، حتى أصبح العراق بحورا من دماءٍ ودموع.
   واليوم وبعد أكثر من ثمانين عاما، يقع ( رئيسنا ) حياً في قبضة الأمريكان بفضل ( دهائه ) البطولي والسياسي واختبائه في حفرة الفروسية والدفاع عن العراق العظيم، ويمثل مع شلة من ( رفاق العقيدة والسلاح ) في محكمة لا مثيل لها في ذاكرتنا البعيدة والقريبة.
   محكمة لم نتداولها منذ قرون وقرون، وحوارات ومداخلات تزكم الأنوف تارة وتثير منابع الألم تارة أخرى، تراجيديا الحكم في العراق منذ أن أصبح العراق عراق، وأصبح صدام مالك الأرض والشعب والسماء.
   ماذا لو فكرنا أن نغير هذا التقليد الدموي ولا نقتل الرئيس إعداما بالرصاص كما يشتهي هو لنفسه، وكان بمتناول يديه قبيل دخوله حفرة الأمة العربية الخالدة ولم يفعل نزولا عند مبادئ الحزب القائد وأفكار القائد المؤسس الذي دخل الإسلام خلسة دونما ختان بفتوى من إمام الأمة وقائد حملتها الإيمانية الرفيق عزة الدوري الذي يقود طلائع البعث التدميرية تحت ضلال السيوف التي جزت رؤوس الآلاف من العراقيين ( الخونة ) أطفالا ونساءً وشيوخاً. ولا حتى شنقا خنقا حتى الموت، وتعديل عقوبته إلى السجن المؤبد ليعيش بقية حياته ( أطالها الله ) في زنزانة لا تخضع للعفو العام ولا الخاص ولا إلى مكرمة القائد أو المرجع أو أي شيخ من شيوخ الحكم في بغداد أو زعماء الفرق القاهرة وعصابات الخرق والاختراق في مفاصل دولتنا الطاهرة جدا.
   ربما سيقول البعض أن مقتله أفضل من بقائه رمزا للمقاومة وخصوصا وإنه يحرص على تقمص شخصية خالد الذكر عمر المختار في حمله للمصحف وأدائه الصلوات في أوقاتها في أجمل عمل درامي يؤديه في صالة المحكمة الجنائية مع شلته من الكومبارس في هيئة الدفاع عن شريعة الغاب، ومجموعة الممسوخين من الطبالين و ( مساحي الجوخ ) من رفاق العقيدة والسلاح!
   إن بقاء الرئيس السابق حيا، أفضل ألف مرة من إرساله إلى الماضي، لأننا بذلك سنفقد واحداً من أبرز( قادتنا ) وسنبقى نتغنى كعادتنا بالماضي المجيد، فدعونا هذه المرة نتغنى بماضينا الذي أبقيناه لحاضرنا، ونستذكر إنجازاته وبطولاته وربما يحتاجه البعض في تنظيم برامجه للشمال السليب والجنوب ألصفوي، خصوصا وإنهم يتداولون في كيفية إعادة هيبة العراق وأمجاده العظيمة في حلبجة والأنفال والأهواروالمقابر الجماعية وبقية إنجازات الثورة البيضاء.
    لا تقتلوا الرئيس لأنه يمثل جزءً مهما من تاريخنا وسلوكنا وتطلعاتنا وطموحات الكثير من المساهمين في العملية السياسية لتحقيق ما لم يحققه الآخرون طيلة ثمانين عاما من حكمهم الوطني جدا.
    لا تقتلوا الرئيس وتذكروا بأنه حكمكم أكثر من ثلاثين عاما، وكنتم حفاة عراة وجياع فأشبعكم وألبسكم ( من فوق ومن تحت )، وحول نكراتكم وجهلتكم وأنصاف الأميين إلى أساتذة وقادة عسكريين ومناضلين ليل نهار من أجل أشقائنا في جيبوتي وجز القمر والصومال واريتريا والسودان وأشقائنا في عربستان وحلفائنا في فلسطين ولبنان.
    ألم يبتكر في سابقة لا مثيل لها إلا عند تلامذته ألان في ترفيع العرفاء والمفوضين إلى رتبة فريق أول طيار، وهو الأول في تعيين خريجي الأبتدائيات ومحو الأمية، أعضاء قياديون في حزب الأمة العربية وبعد ذلك وزراء ومحافظين ووووالخ؟.
    ألم تؤسس في عهده وتحت مظلة أفكاره ونظرياته أعظم وأسرع جامعة في العالم وهي جامعة ( سوق مريدي ) الشهيرة، وهي التي تمنح شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه لخريجي الأبتدائيات والمتوسطات والثانويات وفي كل الاختصاصات؟
    لقد ( علسنا ) معظم ملوكنا ورؤسائنا ومن رافقهم وعمل معهم إلى الجد الرابع ولم يبقى من ريحتهم إلا ( رئيسنا المفدى ) فلندعه رمزا لماضينا يعيش معنا حاضرنا، ولندعو له بطول العمر ليرى بعينيه خلاصة ما فعلت أفكاره وأفعاله طيلة أربعة عقود من الزمن بهذا الشعب العجب.
    وربما بقاؤه بيننا أفضل من إرساله إلى الراحة الأبدية ومن ثم نسيانه، ليبقى لنا درسا وموعضة فما زال فينا من يحلم بمواصفاته أو تقليده أو صلاحياته، وأخشى ما أخشاه أن نندم ذات يوم على سقوطه في واحد من تلامذته أو مريديه فيسبقه في الصنعة ويتجاوزه في الطموح.[/b][/size][/font]
 
   

420
التافهـــــون... وراية الرذيلة والخطايا ؟
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com                             

         منذ احتلال العراق في آذار 2003 وانهيار النظام السياسي الذي حكم العراق منذ نهاية الستينات من القرن الماضي وحتى هذا اليوم ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة ربما هي الأعظم في تاريخ العراق والعالم العربي عموما إلا إن الإخفاقات في كثير من الأمور كانت سببا في تدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية والاقتصادية بشكل يؤشر منعطفا خطيرا قد تمر به الأوضاع لاحقا وربما تؤدي إلى عودة عكسية في كثير من أجزاء البلاد إلى الوراء.
     ولعل واحدة من أخطر ما واجه العراقيون بعد انهيار النظام السياسي لحزب البعث وهروب قيادته بشكل مخجل على أقل تقدير لأولئك الذين كانوا يعتقدون إنه أمل العرب في تحقيق أهدافهم وطموحاتهم، وانهيار تلك القوة العسكرية التي تم صنعها من جماجم وأهات الملايين من العراقيين، هي التعامل مع موروثات ذلك النظام التوتياليتاري ومواجهة مخلفاته بشكل حاسم.
    وكما يعرف معظم العراقيين في أن علم دولتهم ومنذ تأسيسها كان يصدر دون استشارتهم أو حتى معرفتهم إلا بعد رفعه على مباني المؤسسات الحكومية، وليس بخافٍ على أحد جملة القرارات التي كانت تصدرها مؤسسات ما تسمى بمجلس قيادة الثورة لكل الانقلابات التي حكمت هذه البلاد، ولعل العلم والنشيد الوطني وحتى أسم الدولة وحياة ما قبلهم كانت تصدر بجرة قلم أو قرار يتخذ على مائدة غداءٍ أو عشاء أو ربما حلم من أحلام الرئيس الضرورة والتي تتحول في اليوم الثاني إلى قوانينا أقوى وأنفذ من ما كان يسمى ظلما بالدستور.
    وطبيعي بعد كل تغيير أو ( انقلاب ثوري ) يتم تبديل كل ما له علاقة بالنظام الذي سبقه دعك عن رجاله الذين يرسلون إلى الجحيم أو يسحلون في الشوارع حتى تتلاشى أجسادهم، وهكذا أستبدل العلم العراقي بعد 14 تموز 1958 وتحول العراق من مملكة غير خالدة إلى جمهورية خالدة ومعه النشيد الوطني الملكي إلى النشيد الجمهوري، ولم يدم هو الآخر إلا عدة سنوات لكي يقفز البعثيون بالطريقة التي يعرفها العراقيون وأولي الأمر في لندن وواشنطون والأخوة في القاهرة والشام آنذاك، وخلال دقائق تم تصفية كل شيء يتعلق بالزعيم الأوحد وجمهوريته التي لم تعد خالدة في فجر الثامن من شباط 1963 ابتداءً من رجالاتها وحتى حماياتهم ومستشاريهم ومن عمل معهم حتى الدرجة الرابعة كما كان يصنفهم الأنقلابيون الجدد، وطبعا كان في مقدمة هؤلاء الشيوعيون والديمقراطيون الكوردستانيون وغيرهم من الوطنيين العراقيين.
    وخلال أشهر أصبح الزعيم وجمهوريته الخالدة، جمهورية العرب والأكراد في ذمة الخلود أوربما على تعبيرات الرفاق البعثيون إلى مزبلة التاريخ، ورفرف علم جديد يحمل ثلاث نجيمات تمثل إمبراطورية الأمة الواحدة من ضفاف البحر المتوسط إلى ضفاف الخليج العربي أو الفارسي ( لكي لا يزعل علينا صناديد الأمة الجدد في حزب الله ) وبالتأكيد كان هذا العلم نتاج وقرار منظمة من منظمات حزب( الأمة العربية ) لا أكثر وأصبح علم العراق ونفوسه التي تتجاوز آنذاك الثمانية ملايين (مكرود) وتحت لوائه تم إنشاء الحرس القومي الذي سيحرس شرف الأمة وحدودها ويحرر فلسطين والأسكندرونة وجبل طارق والأندلس وعربستان، بما عرفه العراقيون من نضاله ( المشرف ) وبالذات مع شرف العراقيات وأرواح العراقيين الذين أرسلهم خلف الشمس(!).
   تحت ضلال هذا العلم انتهكت الأعراض وأحرق الأخضر واليابس في كوردستان والجنوب، وامتلأت معتقلات وسجون العراق بأشر ف خلق الله من المناضلين والأشراف، حتى عادوا ثانية في فجر 17 تموز 1968 ليصبح للعراق علمين، علم النجوم الثلاثة وعلم الأمة العربية وثورتها التي ابتكرها أخينا في الإسلام ميشيل عفلق ( عبد المهيمن )! .
   وتحت هذا العلم قتل الكوردي والشيعي والسني والمسيحي والأيزيدي والتركماني والصابئ ومن لم يقتل، عليه أن يكون ذليلا أو مهاجرا أو ثائرا، وفي كل هذه الحالات كان محكوما بالإعدام، حتى خط القائد الضرورة بيده ( المباركة ) حروف الله اكبر ليصبح هذا العلم راية الحواري والحوريات وأنهر الخمر واللبن والشهادة والجهاد في سبيل ( البعث العظيم ) ورجاله الصديقين من صحبة القائد وأقربائه الميامين ورفاق مسيرته يتقدمهم قائد الحملة العامة للأيمان ونائب الأمين العام بطل الأبطال والقائد المغوار الفيلد ماريشال الخليفة عزة الدوري.
   تحت هذه الراية قتل الملايين في أقذر حروب الأرض وأوسخها وانتهكت أعراض أشرف الناس وأطهرهم وأبيدت أجمل قرى العراق وأهواره وينابيعه ونخيله وبساتينه، هل نسينا أيها الشعب العجب كل هذي القذارات والجرائم وأصبحنا ضحايا للمزايدات والمهاترات لمجرد أن يقرر جزءً من العراق أن يكون وفيا لأولئك الأشراف والشهداء الذين تم خنقهم بهذا العلم وإذلالهم؟.
   هل نسينا أطفالنا ونسائنا وأحزاننا وفواتحنا السرية وطوفان الدماء في الثمانينات في كل زقاق وقرية، هل نسينا ذلك العلم الأسود حينما يلفون به أجساد فلذات أكبادنا في واحدة من أتعس الحروب العبثية في تاريخ البشرية؟
   إنها حالة شاذة لا مثيل لها في التاريخ السياسي في العالم، دولة بأكملها تسقط وتذهب إلى الماضي غير المشرف، ليبقى علمها ورايتها أربع سنوات يمثل جبننا وعجزنا وعبثنا؟
   في كل تجارب العالم وانقلابات دول الفقر والعوز والقهر يتم استبدال العلم ووكل شيء يتعلق بما مضى، تصوروا حتى اليابان أجرت تعديلا على علمها حينما أيقنت إنها تنتقل لمرحلة جديدة في حياتها وحياة مجتمعها. إنها حقيقة حالة شاذة لشعب عجب ولقيادات أكثر أعجوبة وربما أكثر اشمئزازا.
   في كوردستان العراق لم يحسس مواطنها لدقيقة واحدة إن هذا العلم وحتى غيره منذ تأسيس هذه الدولة العجب يخصه بشيء إلا الرعب والقتل والأنفلة، لم يكن رمزا للحب والانتماء والإخاء لكل مواطني كوردستان في أقصى قراها التي أبيدت تحت أفيائه ورفرفته، وأدنى مدنها التي تعوم على عشرات المقابر الجماعية التي احتضنت آلاف الضحايا تحت رفرفة راية الرذيلة والخطايا وأنغام وطن مد على الأفق جناحا.
   أي قدسية يمثل هذا العلم المغمس بالرذيلة والخطيئة ؟
   أي شعب تمثله هذه الراية: العراقي أم السوري أم المصري في نجومه الثلاث؟
   وفي ألوانه من يمثل، الكورد أم العرب السنة أم الشيعة أم التركمان و الكلدان؟
   وأي رب يقصده صدام في حروفه؟
   أي قانون يحميه أيها التافهون المصرون على رفعه ؟
   وأي عراق يمثله هذا العلم ؟
   عراق الأوغاد والفاشست والجبناء؟
   عراق الرعاع والحزب الواحد والبطل الخرافي ؟
   عراق العشيرة الواحدة والاسم الرباعي والمذهب الأوحد؟
   عراق عدي خاطف الحرائر ومغتصب الفتيات؟
   عراق علي كيمياوي ومن لف لفه من سقط المتاع؟
   أم عراق الشهداء والثكالى والأيتام الذين يخجلون ألان منكم؟
   أم عراق الذبح من الوريد إلى الوريد؟
   عراق الحفنة تراب وتدمير كل شيء وأي شيء وفي كل مكان؟[/b][/size][/font]

421
16 آب 1946
بين الحزب والمؤسسة القومية
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

   لقد عاش الكورد مئات السنين من تاريخهم يتعاطون الحياة مع جيرانهم العرب والفرس والترك دونما شعور بأن الآخرين أقوام اقل منهم شأناً أو مكانة إنسانية وعلى العكس من ذلك فقد تبنوا عبر تاريخ هذه الشعوب قضاياهم وآلامهم وبنائهم للبلدان والأوطان واندمجوا في تفاصيل حياتهم وناضلوا من أجل العيش معا، وقتل مئات الآلاف منهم لأجل قضايا تلك الشعوب بصرف النظر عن الكيفية والوسيلة.
   وعبر مئات السنين أيضا حاول الآخرون إذابة الكورد في بودقاتهم، وإلغاء هويتهم القومية، تارة باسم الدين وتارة أخرى على خلفية شوفينية عنصرية استعلائية، وسرقة تاريخهم أو مسخه بما لا يترك أثرا حضاريا لهم، رغم أنهم ساهموا حتى مفاصل القيادة الأولى في كياناتهم السياسية كما فعل صلاح الدين الأيوبي حينما انصهر كليا في بودقة الدولة الدينية الإسلامية وأقام صرح دولته الأيوبية ذات الغطاء الإسلامي والباطن القومي العربي، وما حققه للعرب والمسلمين من إنجاز لم يتحقق حتى يومنا هذا في تحرير فلسطين آنذاك. ومثل ما فعل هذا فعل المئات من أمثاله في حقول الثقافة والآداب والعلوم والفنون للفرس والعرب والأتراك.
    ولم يشفع هذا السيل من الذوبان والمشاركة الأصيلة في منع أصحاب القرار لمئات من السنين في فكرة قبول الكورد كيانا سياسيا وقوميا مستقلا، لا في الجزء الذي اندمج مع العرب ولا في الجزأين الذين اندمجا مع الفرس والأتراك، بل راح الأخوة الأعداء يمعنون في برامجهم وسياساتهم بكل الوسائل على تمزيق كوردستان وصهر شعبها تارة كونهم أتراك الجبال وتارة الأخ الأصغر لفارس الأكبر وتارة أخرى في بودقة الإسلام ولغة أهل الجنة، وهكذا دواليك السنين والأزمان، فما ارتضى الكورد استكانة أو امتهان، فقامت لهم انتفاضات وثورات وعاشوا أزمانا من القهر والقتل والتشرد والتهجير والتفقير، حتى انقسموا أربع أجزاء في أربعة دول، وآلافٍ من العشائر والقبائل واللهجات والثقافات، وأعراض رهيبة لشعب أسير ومعتقل في وطنه من اختلاف الولاءات والاتجاهات، حتى غدت القرية والعشيرة هي الأساس في الارتباط والانتماءات. وتسطيحٌ للمفاهيم والتعليم ومنع اللغة ونشر الأمية وتسييدِ جهلة ونكرات، حتى ضن القوم إننا ضعنا في طوفان الإلغاء والأنفالات.
    من يجمع هذه الأمة التائهة بين ذئاب ووحوش كاسرة من كل الجهات وقطعان من التخلف وطوفان من التشتت والاستلاب والتغييب وعشرات من اللهجات وملايين من علامات الاستفهام والاستفسارات، وانتماء لقرية أو عشيرة أو دين أو فكر، لكنها جميعا بعيدة عن ما كان يفكر به ثلة من رجال صاحبوا الشمس في ظلمة الليل، وفارس جليل يحمل شعلة كاوه وفوانيس ميديا ورفعة جبال امتدت على خارطة الوطن المجزأ كبرياء وعنفوان وجود.
    كان ذلك في أواخر النصف الأول من القرن الماضي وأواخر عامه السادس والأربعين وتحديدا في السادس عشر من آبٍ اللهاب بأيامه وأحداثه التي ستغير مجرى التاريخ والأحداث.
   هناك؛ جمع فارس الشمس البارزاني مصطفى تاريخ أمة، وتشتتَ شعب، وإصرار وجود، وتحقيق هوية وعنوان.
    القرية والعشيرة واختلاف اللهجات والانتماء للاشيء والتدين القروي وتعدد الفكر ومدارسه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وطبقات الناس من أدناها فقرا وعوزا إلى أعلاها ثراءً وإقطاعا، وشرائح من ناس، أدباء وفنانين وعلماء وضباط ومتعلمين وأميين وأنصاف مثقفين وأرباع متعلمين وعلمانيين ورجال دين مسلمين وايزيديين ومسيحيين وملحدين، من شرق الوطن وغربه ومن الشمال وأساسه في الجنوب.
         من هنا كانت البداية...
         أين يكمن الألم..؟
    وأين هي أوجاع متكلسة عبر أزمان وأزمان وتاريخ من الضياع بين أمم حاولت مصادرة الهوية والعنوان، لم يكن مهما لديها أن تكون فقيرا أو غنيا مثقفا أو أميا حضاريا، مسلما أو مسيحيا أو ايزيديا، ماركسيا أو ليبراليا، يساريا أو يمينيا، المهم أن تكون بلا هوية أو عنوان.
    هنا أدرك البارزاني مصطفى وفرسان الشمس الذين إبتدأوا المشوار إن السر في جمع كل هذه المتناقضات في كوردستان يكمن في البحث عن الهوية والعنوان، فكان الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
    لم يك حزبا تقليديا كما الأحزاب في كل مكان يمثل شريحة أو طبقة أو دينا أو عرقا بل كان مؤسسة قومية ووطنية وإنسانية احتضنت كل أطياف وشرائح وطبقات وأعراق وأديان ما كان ينقصهم جميعهم وهو الهوية والعنوان. فكان مؤسسة ديمقراطية تزهو فيها كل النظريات وتلتحم حولها كل الأيديولوجيات والطروحات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يجمعها ثابت واحد ونهج بلوَر سلوكياته وتطبيقاته الزعيم مصطفى البارزاني وأبدع في جمع شمل كل هذه المتناقضات في بودقة مؤسسة قومية تضم آلام وأوجاع الملايين من الكوردستانيين في كل مكان، حتى غدت خلال أعوام منارا لكل الأحرار لا في كوردستان لوحدها بل لكل العراق من أقصى جنوبه إلى أقصى غربه.
    لم يتبنى الحزب مبدأً عرقيا عنصريا أو طبقيا محددا بل كان كوردستانيا منذ اللحضة الأولى فجمع بين صفوفه الكورد والتركمان والكلدان والآشوريين والأرمن والسريان وآخى بين المسلمين والأيزيديين والمسيحيين في ثابت الوطن والهوية والعنوان، ولم يلغ خصوصية أي مكون عرقي أو طبقي أو فكري لحساب نظرية أو فكر معين، وبذلك نهضت مؤسسة وطنية وقومية كبرى أفرزت فيما بعد ثورتها الكبيرة في أيلول 1961.
   لقد كان البارزاني مصطفى يدرك بحسه العميق وفهمه لطبيعة كوردستان وشعبها وآلامها عبر مئات السنين إن نظرية أو إيديولوجية قومية أو عرقية أو دينية لن تفلح في جمع مكونات ومتناقضات هذا البلد حول ثابت واحد يدفعها برمتها إلى النضال والكفاح من أجل هدف واحد ألا وهو الهوية والعنوان.
   وأصبح الحزب الديمقراطي الكوردستاني ملاذا لكل الأحزاب الوطنية في كوردستان والعراق وحضنا دافئا وكريما لكل الاتجاهات الفكرية والسياسية بتنوعها من اليمين إلى اليسار وملاذا لكل طبقات المجتمع وشرائحه، فكان البارزاني مصطفى منارا تلتقي عنده كل هذه المكونات وكأنه يمثلها جميعا وهو كذلك، لم يكن ملكا لحزب أو عرق أو دين أو طبقة بقدر ما كان زعيما وطنيا وقوميا ومؤسسة كوردستانية، يجد الجميع فيها ما يصبو إليه. وهكذا كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني مؤسسة وطنية وقومية مشاعة لكل أطياف المجتمع وأعراقه وطبقاته وأديانه دونما التدخل في خصوصياتها، بحيث يجد الجميع أمالهم وأهدافهم ومصالحهم العليا في مؤسسة البارتي.
    ومنذ البداية تبنى الحزب أرقى ما أنتجه العقل البشري في نظم العلاقات الاجتماعية والسياسية وهي الديمقراطية، بل وجعلها هدفا استراتيجيا من أهدافه في كوردستان والعراق، وربط بعلاقة جدلية بين الديمقراطية في العراق وتحقيق أهداف شعب كوردستان فكان شعاره الذي ناضل من أجله ( الحكم الذاتي لكوردستان والديمقراطية للعراق ).
   إن سر ديمومة هذا الحزب هو انتهاجه لسلوك وطروحات وأخلاقيات قائده التاريخي الزعيم الخالد مصطفى البارزني الذي حول الحزب إلى مؤسسة قومية كوردستانية ذات أخلاقيات سامية تلتف حولها كل شرائح المجتمع وطبقاته وأعراقه حول ثابت الهوية والعنوان لوطن مغيب منذ آلاف السنين. أن العودة للينابيع الأولى في نهج البارزاني الخالد في معالجة التناقضات والإشكاليات التي تفرزها كل حقبة ومرحلة كفيلة بحلها والتسريع في الانتقال إلى مرحلة أكثر تطورا واستقرارا.[/b][/size][/font]


422
كوردســــتان... ايزيدخــــان
الوطن الأم والعنوان
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com


 فيما كانت البشرية قبل ألاف السنين تبحث عن معبود تعبده فتجد ضالتها في حجر أو صنم أو ربما شجرة أو ظاهرة طبيعية، كانت هناك مجموعات أخرى من البشر بين جبال ووديان وسهول كوردستان قد شقت طريقها إلى فكرة الله الواحد الأحد، وابتدأت مسارها باتجاه التحرر من الخوف والانعتاق من إشكالية التسلق عبر مجسمات لآلهة مفترضة كما كانت تفعل شعوب أخر، واستطاعت عبر بحثها الدءوب واستقرارها النفسي أن تتفرغ لصناعة الغذاء بينما كانت البشرية تبحث عنه.
   في أرض ما بين النهرين كانت القدحة الأولى للحضارة البشرية عموما ومنها انطلقت أشعتها إلى كل الأصقاع، من تلك الكهوف التي اختزنت بين صخورها أولى نماذج هذا الكائن البشري ونظامه الأسري وسلوكه باتجاه تصنيع الغذاء كأول حلقة من حلقات الانطلاق إلى عوالم التقدم والتطور وإيقاف مرحلة البحث المتوحشة عن الغذاء.
   من هنا انطلق الإنسان الأول حاملا إبداعين تاريخيين سينقلان البشرية في ما بعد إلى مرحلة تاريخية مهمة وخطيرة، اولهما اكتشافه لفكرة الإله الواحد المتجلي والبعيد عن الحواس المادية، والنأي بالعقل والنفس البشرية عن مجسمات الآلهة المفترضة كالأصنام الحجرية والأشجار والظواهر الطبيعية والحيوانات وما كان يخشى منه أو يعشقه الإنسان آنذاك، وثانيهما اكتشافه صناعة الغذاء والزراعة والكف عن البحث القاتل والمتوحش.
   في الأول، تحرر الإنسان من مخاوفه مما حوله ومن ثم تفرغه الذهني والحسي إلى عملية تصنيع الغذاء وتخلصه من التشتت في معرفة سر الكون والخوف وتركيزه فكرة الإله برمزٍ غير محسوس وقادر على كل شيء، ومن ثم الانتقال إلى عملية تصنيع الغذاء والانطلاق إلى عوالم رحبة في تطور سلوكه وحاجياته التي أنتجتها إبداعاته في الوصول إلى فكرة الله الواحد.
   إنساننا الأول هذا رفض تقزيم فكرة الله وتحجيمها في مجسمات وظواهر طبيعية واستلهم من كبريائه وعظمة وطنه وشموخ جباله واتساع حلمه ورِقَة مشاعره وسموها، طريقا إلى الله، فلم تثبت التنقيبات الاثارية ولا الدراسات التاريخية والدينية أي أثر لمعبود مجسم من حجر أو حيوان أو ظواهر معينة في أرض كوردستان عبر تاريخها الممتد لآلاف السنين.
    لقد كانت الديانة(المسماة الآن) الايزيدية هي الديانة السائدة وليس غيرها في كل ارض كوردستان بأجزائها الأربع الحالية، حتى ظهور الديانات الأخرى كاليهودية والمسيحية وأخيرا الإسلام، ولقد تعرضت خلال آلاف السنين إلى القضم سواء من خلال حملات التبشير أو حملات الفرمانات العثمانية وما رافقها من عمليات تطهير عرقي وديني، وعبر أربعمائة سنة من حكم العثمانيين تعرضت هذه الديانة إلى حملات واسعة وشرسة من الابادة الجماعية أو الاضمحلال الديني والقومي جاءت على خلفية حملات سبقتها إمارات أواخر الحقبة العباسية وما أقترفه بدر الدين لؤلؤ أبان تسلطه على حكم أتابكية الموصل وسنجار وجرائمه في حملاته على الايزيديين في الموصل وضواحيها.
   ونتيجة لتلك الحملات الشرسة التي تعرض لها أتباع هذه الديانة فقد انحسرت لدى أولئك الذين قاوموا حتى الموت والانقراض وجابهوا أنواع الإذابة والاحتواء خلال مئات السنين من حملات الأنفال الأولى التي دشنها أشباح الظلام في الإمبراطورية العثمانية وجحوشها آنذاك بما أطلق عليه بالفرمانات العثمانية وغير العثمانية والتي اعتمدت أساسا في نهجها وهو الابادة الجماعية للعرق الكوردي باستخدام الدين غطاء لتلك الجرائم البشعة فأوقعوا في صفوفهم طوفانا من الدماء والسبايا وخرابا لكل قراهم ومدنهم وما نجت حتى قبور موتاهم.
   ولعل أروع ما سجله هؤلاء البشر لتراجيديا تاريخهم ذلك الثراء في فلكلورهم وأغانيهم التي وثقت مآسيهم وعمليات أبادتهم التي أراد الكثير من المؤرخين إضاعتها أو شرعنتها تحت مضلة الدين والقومية. لقد استطاع الأيزيديون بكل إصرار ومقاومة لا مثيل لها المحافظة على هويتهم ولغتهم الكوردية الأصيلة، ولعلهم ينفردون من بين كل شعب كوردستان في أجزائه الأربعة بنقاء لغتهم الكوردية من المفردات الدخيلة سواء ما كان منها عربية أو غيرها، وأذكر هنا واقعة من التاريخ الحديث لنقاء لغتهم، حيث أوعز الزعيم الكوردي الخالد مصطفى البارزاني في مطلع السبعينات من القرن الماضي إلى المجمع العلمي الكوردي بإرسال لجنة متخصصة في اللغة والآداب إلى قرى الأيزيدية في شنكال( سنجار) للبحث عن بدائل لمفردات دخيلة عجز المختصين عن تكريدها، لقد كانت وما تزال اللغة التي يتداولها الأيزيديون من أنقى اللهجات الكوردية وأفصحها، وأكثرها اكتنازا وتنوعا في معانيها ووصفها رغم كل عمليات التعريب والإذابة والقهر القومي والديني الذي تعرضوا له عبر كل مراحل التاريخ.
   لم تكن شنكال أو سنجار ملاذا آمنا لهم في عمليات الابادة الجماعية التي تعرضوا لها سواء في كوردستان الجنوبية ( العراق ) أو الشمالية ( تركيا ) أو الشرقية في إيران أو غرب كوردستان في أجزاءٍ من سوريا كما يدعي بعض المؤرخين، بل حصنا أمينا وجزءاً من وطن تشردوا منه على أيدي العثمانيين وجحوشهم في أبشع عمليات الابادة للجنس البشري بسبب الدين والقومية، فلقد احتضنت شنكال تاريخا ثريا من الميترائيات الأساسية للديانة القديمة للكورد قبل آلاف السنين ولم يرتقي تاريخ القبائل غير الكوردية في هذه المنطقة إلى أكثر من مائة وخمسين عاما ممن استوطنوا إلى حد هذا اليوم، وقد ذكر المؤرخين ورود بعض القبائل العربية من البدو الرحل طلبا للماء والكلأ ما لبثت أن هاجرت أو استوطنت إلى الجنوب من سنجار.
   لقد كانت كوردستان موطن واحدة من أقدم ديانات البشرية إطلاقا، التي اهتدت إلى فكرة الله الواحد غير المحسوس والمتجلي على صفات المخلوق والبعيد عن التشبيه والتوسيط، ولعل مفردة ايزيدا أو ايزدا وهي أسم من أسماء الله في هذه الديانة تعني الخالق لنفسه بنفسه كما هي كوردستان صانعة نفسها بنفسها.
   وعلى مدى قرون طويلة حاولت كل الأقوام التي كانت تجاور كوردستان وشعبها ابتلاع أراضيها ومسخ سكانها تارة بسياسة الاسلمة المبطنة بالتعريب أساسا والقضاء على القومية الكوردية وإذابتها ومسخ ثقافتها وتاريخها وفلكلورها كما حصل مع السكان الأصليين لكوردستان وهم ما يطلق عليهم الآن بالأيزيديين باعتبارهم خارجين عن الإسلام تارة وكفرة تارة أخرى، حتى بلغت حملاتهم أكثر من اثنتين وسبعين حملة عسكرية كادت أن تقرضهم تماما لولا صمودهم الأسطوري ومقاومتهم العنيدة من أجل البقاء والحفاظ على معتقداتهم وفلكلورهم وتاريخهم شفاها بسبب الإرهاب الذي استخدم ضدهم.
   ولعل ما تعرضوا له خلال القرن الأخير كان أبشع من ما سبقه من ويلات وفرمانات حيث استخدمت كل النظم السياسية التي حكمت العراق منذ تأسيسه سياسة التهميش والإهمال والتفقيرومصادرة وسائل عيشهم وتطورهم وتحويلهم تدريجيا إلى مجتمعات فقيرة للغاية اقتصاديا وثقافيا وتعليميا بما يلغي وجودهم وتأثيرهم ومن ثم استعبادهم، ولعل مشروع أرواء الجزيرة في منطقة ربيعة دليل على هذه السياسة العنصرية الخبيثة، فقد أوقفوا إيصال قنوات المياه والارواء إلى أراضيهم والاكتفاء بالمنطقة التي يسكنها ويملكها العرب لإجبارهم بالعمل كفلاحين بأجورهم الشهرية أو الموسمية ومنع أطفالهم من التعليم وتشغيلهم في مشاريع الملاكين والإقطاعيين.
   ولم يكتفو بذلك بل أصدروا مجموعة من القرارات اعتبروهم من القومية العربية وما يترتب على ذلك من تغيير في اللغة وتشويه في التاريخ والفلكلور ومنع استخدامهم للأسماء الكوردية الأصيلة التي كانوا وما زالوا يتميزون فيها عن بقية شعب كوردستان، إضافة إلى تدمير قراهم وبساتينهم والاستحواذ على أراضيهم وتجميعهم في مجمعات قسرية أشبه ما تكون بمعسكرات الاعتقال وتدمير حلقات الإنتاج وتحويلهم إلى مجتمعات استهلاكية خدمية ليس إلا.
    وخلال ساعات فقط بعد سقوط النظام سقطت معه كل مظاهر التعريب التي مارسها معهم وعادت اصالتهم إلى حيث الوطن ألام والعنوان الأكبر الذي يؤشر تاريخا من الصمود والمقاومة العنيدة والإصرار على البقاء والاستمرار ولكنهم ما زالوا الأكثر فقرا وبؤسا وما زالت قراهم وبساتينهم تأن من ظلم مئات السنين، فبعد أكثر من ثلاث سنوات من سقوط النظام لم تلحق مناطقهم بالإقليم ألام والوطن الأصيل فأصبحوا ضحية الازدواجية في العلاقة بالإقليم أو مع الحكومة الاتحادية في بغداد أو الموصل مما أخر بشكل كارثي تطور المنطقة وإنقاذها من التدهور الاقتصادي والعمراني والحضاري والتربوي وخصوصا بعد الانقطاع الكامل عن الموصل نتيجة عمليات القتل على الهوية الدينية والقومية التي يتعرض لها أهالي هذه المناطق.
    ونتيجة للتباطؤ في إعادة ربط هذه المناطق بإقليم كوردستان عادت برامج وسياسة التعريب بمظاهر لا تقل بشاعة عن تلك التي استخدمت عبرما يقارب الأربعين عاما خلت فأصبح الأيزيديون ضحية تنافسات سياسية انتخابية بائسة أو عنصرية شوفينية لبعض القوى والكتل السياسية العراقية والأجنبية سواء من دول الجوار أو غيرها مما ضاعف حالة التردي في معظم مجالات الحياة الاقتصادية والزراعية والاجتماعية والحضارية رغم ما تقدمه مؤسسات إقليم كوردستان والتي تتعرض لمضايقات شتى من قبل هذه القوى ومراكزها في الحكومة الاتحادية.
   أن محاصرة المنطقة وتحويلها إلى قطاع غزة كوردستاني، حيث القطع الكلي عن تلعفر ومن ثم الموصل وحصر الاتصال بالإقليم عن طريق شريط ضيق وطريق طويل ووعر بمحاذاة الحدود العراقية السورية يتجاوز المائتين وخمسين كيلومتر للوصول إلى محافظة دهوك عبر جسر متهرئ على نهر دجلة بالقرب من فيشخابور ضاعف مأساة الأهالي وتدهور إنتاجهم الزراعي واضمحلاله وتعرضهم إلى المخاطر والاغتيال أثناء ذهابهم وإيابهم.
   إن منطقة شنكال ( سنجار ) ذات الأغلبية الكوردية والأغلبية في الديانة الأيزيدية تنتمي جغرافيا وثقافيا وتاريخيا إلى إقليم كوردستان وهي الامتداد الطبيعي والجغرافي لهذا الإقليم، حيث اللغة والتاريخ والعادات والتقاليد المشتركة وهي تمثل الامتداد الغربي لكوردستان العراق من ضفاف نهر دجلة في أقصاه الشمالي الغربي وصولا إلى الحدود الدولية مع سوريا في غرب منطقة شنكال.
   وإذا كانت اليوم منطقة شنكال( إيزيدخان مصغرة ) فأنها تمثل الأيزيدخان الكبرى في التاريخ وهي كوردستان بكافة أجزائها الأربع حيث كانت تدين بكاملها بهذه الديانة عبر الزمن القديم، وهي عنوان الوطن الأم والشعب الأصيل واللغة النقية والكوردايه تي الخالصة والإصرار على البقاء والمقاومة الشرسة من أجل الحفاظ على الوجود واثبات الهوية القومية والدينية وهي التي حافظت أمام عشرات الحملات العسكرية في الأبادة والصهر على مقوماتها القومية وهويتها الوطنية وانتمائها إلى الوطن الأم كوردستان وعنوانها الأيزيدخان.[/b][/size][/font]

423

عبيــــر
والشرفُ المراق... يا عــــراق





عراقُ... يا عراق
يا دما منذ الأزل
يُلملمُ... ثم يراق!!
وجرحٌ..
ما وقف نزيفه
                ولا اندمل...
                               يا عراق..
يا أرضاً...
            تخضرُ وتحترق
وأنهراً من دماءٍ..
            تفيضُ وتندفق
وأقوامٌ...
           تطفأ أنوارها
وصغارها تدفن أحياءٌ
                      ... يا عراق
وأطفال غضةٌ..
                 مثلَ نبعِ الوردِ
تلهبها شعيعاتُ الشمس
في طلوعها...
وتكوى النواعم بأنوارها...
أمطروها بلهيبٍ
                  من جحيم
وجعلوها أحطابا
                   في أوارها
ثم أحرقوها... يا عراق

هل تعرف عبير يا عراق؟
وقبلها مئات وألوف
من أشرفِ خلق الخلق
                        يا عراق...
نساءٌ محصناتٌ..
                 أمهاتٌ..
                       وصبايا
                               وفتيات...
ما لمسهن هواءٌ
                    ولا رقراق
                                   ياعراق...
دهموهم ودفأ الليل
                      في حواضنهم
اغتصبوا الحلم
                 وغفوة الوليد
 بين اللما
                وحلمة النهيد
وأسكنوا الغصة
                  في حناجرهم
ثم ساقوهم
             كما الأنعام تساق
يا عراق
نساءٌ...
       وصبايا
أمهات...
          وفتيات
وهجيعُ الليل منتهكٌ
والحلم المغتصبٌ
في الغصةُ الموؤدةٌِ
وعواءُ الرفاق
               بالروح... بالدم
نفديك يا عراق!!!

أجسادٌ قتلت ثم اغتصبت
باسم شرفك
يا عراق...!
وفي سوق النخاسة
باعوا الأحياء منهم
بشرفك...أولئك الرفاق...
هل تعرف عبيرا
                    يا عراق؟
وكم ربيعٍ في عمرها
                    أنتهكه الرفاق
منذ أربعين عاما
يدنس شرفك يا عراق
وينتهك فيك العرض
والمال... والأرض
والشرف... يراق
يا عراق...
منذ أربعين عاما
تغتصب عبير
وما) اهتزت شوارب الرفاق(!
منذ أربعين عاما
تغتصبُ عبير
وما زال على التلِ
ذياك البعير...
يهتف باسم شرفك
يا عراق؟؟؟



كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com
17 تموز 2006
دهوك



424
عبيــــر والشرفُ المراق... يا عــــراق

كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

عراقُ... يا عراق
يا دما منذ الأزل
يُلملمُ... ثم يراق!!
وجرحٌ..
ما وقف نزيفه
                ولا اندمل...
                               يا عراق..
يا أرضاً...
            تخضرُ وتحترق
وأنهراً من دماءٍ..
            تفيضُ وتندفق
وأقوامٌ...
           تطفأ أنوارها
وصغارها..
             أحياءٌ تدفن
                         ... يا عراق
وأطفال غضةٌ..
                 مثلَ نبعِ الوردِ
تلهبها شعيعاتُ الشمس
في طلوعِها...
وتكوى النواعم بأنوارها...
أمطروها بلهيبٍ
                  من جحيم
وجعلوها أحطابا
                   في أوارها
ثم أحرقوها... يا عراق

هل تعرف عبير يا عراق؟
وقبلها مئات وألوف
من أشرفِ خلق الخلق
                        يا عراق...
نساءٌ محصناتٌ..
                 أمهاتٌ..
                       وصبايا
                               وفتيات...
ما لمسهن هواءٌ
                    ولا رقراق
                                   ياعراق...
دهموهم ودفأ الليل
                      في حواضنهم
اغتصبوا الحلم
                 وغفوة الوليد
 بين اللما
                وحلمة النهيد
وأسكنوا الغصة
                  في حناجرهم
ثم ساقوهم
             كما الأنعام تساق
يا عراق
نساءٌ...
       وصبايا
أمهات...
          وفتيات
وهجيعُ الليل منتهكٌ
والحلم المغتصبٌ
في الغصةِ الموؤدةِ
وعِواءُ الرفاق
               بالروح... بالدم
نفديك يا عراق!!!

أجسادٌ قتلت ثم اغتصبت
باسم شرفك
يا عراق...!
وفي سوق النخاسة
باعوا الأحياء منهم
بشرفك...أولئك الرفاق...
هل تعرف عبيرا
                    يا عراق؟
وكم ربيعٍ في عمرها
                    أنتهكه الرفاق
منذ أربعين عاما
يدنس شرفك يا عراق
وينتهك فيك العرض
والمال... والأرض
والشرف... يراق
يا عراق...
منذ أربعين عاما
تغتصب عبير
وما(  اهتزت شوارب الرفاق) !
منذ أربعين عاما
تغتصبُ عبير
وما زال على التلِ
ذياك البعير...
يهتف باسم شرفك
يا عراق؟؟؟[/b][/size][/font]



17 تموز 2006
      دهوك

425
ثلاثية الانتقام:
التأميم والسُم الأسوَد والسحت الحرام!   
( الحلقة الرابعة )
     

 

     كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

   
 خلال السنوات الأربع التي تلت اتفاقية آذار 1970 مارس النظام شتى أنواع التحايل السياسي والميكافيلية الرخيصة في تعامله مع كافة القوى السياسية والشخصيات الوطنية العراقية دونما أي وازع وطني أو احترام لما تمثله هذه القوى في تاريخ العراق منذ تأسيسه وحتى وقوعه فريسة بيد النظام السابق. بل عمل على تنفيذ أبشع عملية تطهير عرقي في تاريخ المنطقة بتهجيره لمئات الآلاف من الكورد الفيليين من بغداد وجنوب وشرق العراق وقتل الآلاف من شبابهم في معسكرات لاتقل بشاعة عن معسكرات النازية الألمانية.
     ومن جهة أخرى كان النظام قد نجح تماما في استدراج الاتحاد السوفييتي ومنظومته في أوروبا الشرقية وتحييد فرنسا بإغرائها تجاريا في المستقبل القريب على افتراض تحول العراق إلى قوة اقتصادية مهمة في المنطقة وتعويضها عما ستخسره من عملية السيطرة على الثروة النفطية. وبذلك لم يعد أمام النظام وبرنامجه سوى الشيوعيين المتورطين في تحالف هش والمقيدين بتوجيهات الرفيق الأكبر في موسكو.
     وفيما يواصل الرفاق الحمر في موسكو وملحقاتها في مشارق الأرض ومغاربها الدفاع عن التجربة الاشتراكية البعثية وتطور الاتجاه التقدمي للرفاق القوميين في العراق كان النظام قد أعد عدته للانقضاض على كوردستان وإنهاء الحركة الوطنية الكوردستانية إلى الأبد، وهذا ما حصل في محاولاته حتى مع الإخوة الأعداء في الولايات المتحدة وعمتها إنكلترا حينما باشر اتصالاته معهم بقنوات دقيقة غير مرئية لطمأنتهم من الحبكة مع السوفييت.
     وخلال سنة من القتال الضاري والمعارك الكبيرة في كوردستان العراق كان النظام قد رتب أموره تماما مع نظام الشاه من جهة ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى، قبل أن ينهار عسكريا، وهذا ما أعترف به الرئيس السابق في أكثر من مناسبة حينما قال لم يعد لدينا في الأيام الأخيرة من المعارك شيء مهم من الأسلحة والاعتدة، إلى جانب انهيار معنويات قواته التي كانت تقاتل في كوردستان.
     وكما هو معروف عن طبيعة ذلك النظام وحزبه في تغيير مواقفه ومبادئه وتكييفها مع بقائه في سدة الحكم بصرف النظر عن طبيعة تلك العلاقات وأهدافها، فقد كانت الغاية امتلاك الثروة وسحق القوى الوطنية في الشمال والجنوب وعليه فلا أثم من علاقة مع الإمبريالية والاستعمار من اجل تحقيق أهدافه. وهكذا نرى المشهد عشية انتكاسة آذار 1975 تحالفا وتوافقا بين أطراف متناقضة تماما ولكنها متوافقة في مصالحها دونما الأخذ بالاعتبار حياة ومصير شعب ومستقبله.
     في الجزائر اجتمعت كل تلك المتناقضات ليوقع المتآمرون وثيقة آذار 1975 والتي بموجبها سيتم ذبح شعب كوردستان بمباركة من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة والإمبراطورية الشاهنشاهية وتصفيق حاد من تجار البترول العرب وأئمة المؤتمر الإسلامي وغيرهم في ذلك المؤتمر الذي قاده الرئيس الجزائري هواري بومدين وأبدع في ثوريته الدبلوماسية بتقريب وجهات النظر بين إيران والعراق في كيفية سحق الأكراد، حتى وان أدى ذلك إلى الاستغناء عن حقوقٍ طبل وزمر لها النظام منذ استحواذه على السلطة في 1968 سواء ما كان منها ارض عراقية أو جزر إماراتية.
    وبعد ساعات من توقيع تلك الوثيقة السوداء تم محاصرة شعب كوردستان أرضا وجوا ومن كل حدوده وأغلقت إمامه كل منافذ الحياة، وكان الخيار الوحيد الاستسلام والموت وليس الموت أو الاستسلام كما هو متعارف عليه في الحروب، إذ أثبتت مجريات الإحداث ومآسيها بعد ذلك هذا الخيار.
    لم تعط إيران أكثر من بضعة أيام لدخول مئات الآلاف من عوائل المقاتلين الكورد إلى أراضيها التي اشترطت فيهم أن يكونوا مجرد لاجئين لا أكثر ولا أقل فيما امتنعت تركيا عن استقبال هكذا أعداد من البشر، وفي الجانب العراقي كان النظام قد أصدر للرأي العام والاستهلاك المحلي عفوا عاما لكافة المقاتلين الذين وصفهم ب ( العائدين إلى الصف الوطني )، وفعلا عاد الكثير من رجال الثورة وعوائلهم لا إلى قراهم ومدنهم بل إلى تهجير وتقتيل بنظام معد لهم بدقة وتأني.
    ولقد شهدت مدن الجنوب والوسط وصحاري الرمادي معسكرات الشعب الكوردي الذي تم تهجيره بوحشية لا نظير لها حتى لدى أسلافهم في ألمانيا وايطاليا في أربيعنات القرن الماضي، فقد اقتادوا مئات الآلاف من العوائل الكوردية في اكبر عملية تفريغ وطن من السكان وتشتيته وأبادته في التاريخ المعاصر، ويتذكر الجنوبيون مأساة تلك العوائل وأفراد أسرها التي تم تقتيل ذكورها من أعمار سبعة سنوات فما فوق إما بدفنهم أحياءً أو باستخدامهم كفئران تجارب في أولى عمليات التصنيع الكيماوي العسكري والمخابراتي في العراق، ولعل من أبشع أنماط السلوك العنصري وبدائيته عمليات تزويج الإناث الكورديات لرجال عرب ومنح أولئك الرجال مغريات مادية كبيرة للقضاء تماما على العرق الكوردي في العراق.
    لقد بدأت ملامح البرنامج ( الحضاري وبشائر التأميم ) لثورة تموز البعثية تتضح تماما بعد التآمر الكبير الذي أداره النظام لسحق الثورة الكوردية والقوى الوطنية العراقية بتوريط قوى دولية وعظمى من خلال إغرائها في مواقع متقدمة في المنطقة أو تسهيل مهماتها الاقتصادية والاستراتيجية كما حصل مع فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي.
    وبذلك لم يعد أمام الحكومة العراقية التي يقودها حزب البعث بعد انتكاسة الثورة الكوردية سوى تنفيذ برنامج القضاء كليا على الحزب الشيوعي العراقي والقوى الوطنية الأخرى وإعلان نجاح سيطرته الكاملة على الثروة النفطية لينتقل إلى مرحلة الانتشار الحيوي في المنطقة والعالم.
                                                    وللبحث صلة...[/b]

426
البيشمه ركه... فرسان الشمس     


 
        كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com


           في كوردستان اختلطت الدماء والضياء فأنجبت الجبال فرسانا للشمس، ورجالا شقوا طريقهم إلى الفداء وصولا للحياة والوطن الناهض من بين ركام التشتت بين بقايا إمبراطوريات الظلام والاستبداد.
       فرسان الشمس هؤلاء انطلقوا من جنوب البلاد إلى شعاع الشمس المنبثق من مهاباد ذات يوم من أيام ولادات الشموس على ارض كوردستان يقودهم حكيم ميديا القادم من بارزان حاملا بشائر صبح جديد للقادمين من أرحام الظلام وأزمان العفونة إلى حيث منبت الشمس والطهارة والضياء.
    منذ القدحة الأولى أدرك البارزاني الحكيم ذلك الإرث المتراكم عبر أزمان الضياع والألم المتكلس في ذاكرة قرون من الغياب والتغييب والقتل والتقتيل والهجرة والتهجير والانتماء إلى أمم وبلدان وضياع الهوية والعناوين، حاملا على أكتاف فرسان الشمس ضحكات أطفال سيولدون بعد دهور ودهور وعشق نساءٍ سيتطاول فيلامس حدود الأرض ويرسم خريطة الوطن المشتت أوصالا وأوصال ويجمع آهات عصور من الغربة والاستلاب.
     كانت الخطوة الأولى باتجاه الشمس في أواسط الأربعينات من القرن الماضي حينما انطلقت مجاميع من رجال اختارها البارزاني الحكيم لخطوات ستصبح ذات يوم طريقا إلى الوطن الحلم والمرتجى، كانوا رجالا يمتدون في جذورهم إلى أعمق أعماق وديان كوردستان ويتطاولون في هاماتهم فيلامسون قرص الشمس الذي سيشرق على ربى بلاد أنهكتها جحافل الظلام.
     هناك حيث منبت الشمس، مهاباد.. الحلم والبيان، حينما اغتالت جحافل الظلام إشراقة وطن سيلتهم العتمة ويحقق الآمال، كانت أشباح العفونة والتقهقر تزكم أنوف المكان والزمان وتحيل منبت الشمس إلى إطلال وركام، ورجال يسمو بهم فرسانا للشمس حكيم جاء من أعماق التاريخ ليضيء بهم أزمنة العتمة والضياع، ويشق بهاماتهم طريقا إلى الوطن الموعود.
     فرساننا... هؤلاء شقوا طريقنا منذ ذلك الزمان إلى وطن النور والثلج والجبال وصنعوا لنا أمة وتاريخا ومقال.
    فرساننا... فرسان الشمس، ما تركوا منبتها إلا وزرعوا بذور الحرية والاستقلال في رحلة آراس والحكيم أبن بارزان. فنثروا ضياءً وأمال وأسسوا بدايات وطن في أوطان.
    فرساننا... بيشمه ركة كوردستان
أزاحوا في أيلول أزمان من النسيان، ودهور من الطغيان
    فرساننا... فرسان الشمس
القادمون عبر تواريخ شعب صنعته قمم الجبال ومبادئ الإصرار
وحكيما أنتج الحكمة أجيال بعد أجيال
أيها البارزاني الحكيم: أولائي جندك وفرسان نهجك
فنم قرير العين ما احتظنت ثرى رجلا صنعت أفكاره فرسانا للشمس


   
    [/b]

427
ثلاثية الانتقام
التأميم والسم الأسود والسحت الحرام !!
( الحلقة الثالثة )
[/size][/color]




كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

         

          لقد جاء قرار السيطرة على الثروة النفطية في حزيران 1972 على خلفية سحق القوى الوطنية في البلاد والاستفراد كليا بالنظام السياسي من خلال لعبة مافيوية وميكافيلية معقدة تخللتها تحالفات تكتيكية مع تلك القوى التي كانت تندفع إليها حرصا على مصالح البلاد العليا وخشية من حمامات دماء جديدة يروح ضحيتها الآلاف من البشر، إلا إن ذلك لم يكن يهم قيادة النظام بل ولم يك جزء من أجندته التي أعدها لمرحلة ما بعد إنجاز    السيطرة على الثروة الرئيسية في البلاد.
        ولكي تكون العملية ذات بعد عسكري فقد هيأ النظام معاهدة للصداقة والتضامن والدفاع المشترك بينه وبين الاتحاد السوفييتي، وأقنع الشيوعيون العراقيون بالتحالف في جبهة وطنية وقومية في تموز 1973 للتصدي ومقارعة الإمبريالية التي أمم نفطها، وخصوصا انه أوحى لهم وللسوفييت بتنفيذ برامجهم الاشتراكية في البناء الاقتصادي والاجتماعي من خلال جملة التغييرات السطحية والهامشية التي أنجزها وبأدوات وقيادات قروية متخلفة وبائسة وسطحية في فهمها لمعطيات ما يجري من كوادر حزبه في كافة المجالات والقطاعات التي شملتها تلك التغييرات، ويتذكر العراقيون تلك الجمعيات والاتحادات والنقابات التي شكلها النظام في تلك الفترة وأوهم الكثير من الذين تعاملوا معه انه ينتهج نهجا اشتراكيا قابلا للتطوير كما كان يبرر الكثير ممن تحالفوا معه.
      ومن جهة أخرى نجح النظام في إقناع قيادات شيوعية معينة بأهمية إسقاط قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وإنهاء حركته القومية التحررية واحتوائها من خلال تثقيف أعضاء وكوادر الحزبين المتحالفين على رجعية وعشائرية القيادة الكوردية وعدم ملأمتها للتطورات الاشتراكية في العراق، وكانت البداية عملية الخرق لقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني من خلال إحداث انشقاق ومن ثم دعمه وتهيأته لمرحلة ما بعد 1974 التي اتفق عليها منذ توقيع اتفاقية آذار 1970 وهي السنوات الانتقالية الأربع التي يفترض أن ينجز فيها التطبيع في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والجغرافية، ويصاغ إلى دستور دائم ومؤسسات دستورية وفصل للسلطات الثلاث بما يعزز الديمقراطية للعراق والتي كانت هدفا استراتيجيا من أهداف الثورة الكوردية إلى جانب الحكم الذاتي لإقليم كوردستان.
     ولم يمض أكثر من ثمانية أشهر على تحالف النظام مع قيادة الشيوعيين ألا وكان التحالف الفضفاض مع الديمقراطي الكوردستاني قد بدأ بالتمزق والانهيار حسب الخطة التي وضعها النظام وفرض فيها مشروعا بائسا لقانون الحكم الذاتي ومؤسساته المفرغة من محتواها الدستوري والديمقراطي، والبدء بتهيئة القوى المضادة للثورة الكوردية مما عرف بالجحوش في كوردستان وفرسان صلاح الدين لدى النظام، وهم مجاميع من المرتزقة والانتهازيين ورجال العداوات العشائرية والمصالح الشخصية والذين احتواهم النظام وجعلهم ممثلين عن شعب كوردستان، إضافة إلى تصنيعه مجموعة حركات وأحزاب في دوائر مخابراته ممن انشقوا أو استسلموا لأرادته واستنساخ حزب ديمقراطي كوردستاني كما حصل مع المنشق هاشم عقراوي وأمثاله من أحزاب أخرى بما يشوه الحركة الوطنية وممثليها من الأحزاب والجمعيات العراقية وتحويلها إلى تكوينات كارتونية هزيلة تأتمر بأوامر من مراتب دنيا في مديرية الأمن العامة أو المخابرات.
    بهذه العقلية التامرية والتخريبية بنى النظام السابق علاقاته مع حركات وطنية عراقية أصيلة ومناضلة ولها تاريخ مليء بالتضحية والمقاومة من اجل عراق متحضر وديمقراطي، بحيث لم تنجو أي حركة أو حزب عراقي مهما كانت توجهاته من تشويهات النظام ومحاولاته التدميرية لتلك الحركات والأحزاب، ولم يكتف بذلك فقاد حملة ضد الشخصيات العلمية والأدبية والثقافية والاقتصادية من العلماء والنخب التي لا تنتمي إلى فكره وتوجهاته السياسية والاجتماعية، وخيرها بين الاحتواء وبين الاغتيال أو الهروب من الوطن، بهذا التوجه والعقيدة السياسية أراد النظام أن يقنع الآخرين بأن سيطرته على الثروة النفطية إنما هي خطوة اقتصادية لبناء عراق جديد على أنقاض فعالياته السياسية الأصيلة ومكوناته الأساسية ورجالاته المبدعين.
    ونتيجة لتلك الحبكة المعقدة من الوسائل والغايات المليئة بالتآمر والانتقام وعقلية الاستبداد والتفرد بكل شيء وسحق كل القوى الوطنية أو مسخها والتنازل عن أكثر الثوابت خطورة كما حصل في اتفاقية الجزائر مع الحكومة الإيرانية آنذاك ولاحقا مع حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد أكثر من ثلاثة عشر عاما، ومع الحكومة التركية في سابقة لا مثيل لها في العلاقات الدولية، منح على أثرها القوات التركية فرصة التوغل واحتلال أراضي عراقية في إقليم كوردستان، وتناغما مع أهداف ومصالح دولة عظمى كان يتهمها النظام بالإمبريالية والصهيونية على طول الخط رغم تعاملاته المعروفة مع دوائرها الاستراتيجية منذ انقلابه في شباط 1963 على عبدالكريم قاسم وحتى قبيل سقوطه في نيسان 2003، تم سحق الثورة الكوردية في آذار 1975 بتآمر معروف وتحالف مشبوه اشتركت فيه إلى جانب النظام، إيران الشاه وجزائر بومدين وبمباركة من القوتين الأعظم في العالم ناهيك عن القوى الوطنية التي تورطت معه في هذا السلوك وأصبحت فيما بعد الضحية التالية.
           وللبحث صلة...
 
                                                     
    [/b]

428
ثلاثية الانتقام:
التأميم والسم الأسود والسحت الحرام !!


كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

-2-

         لقد أدرك البعثيون بعد تصفيتهم لمعظم القوى المضادة بعيد انقلابهم في تموز 1968 بأقل من سنتين، وعجزهم الكامل عن تصفية الثورة الكوردية في كوردستان العراق، أنهم قد سرقوا دولة خاوية لا تكاد تفي بمعاشات موظفيها وعسكر جيشها المنتشر في أنحاء كوردستان، والبدء بتنفيذ برنامجهم القومي الكبير من المحيط إلى الخليج وذلك بتوحيد الأمة تحت راية حزب البعث ومن ثم تحرير فلسطين والاسكندرونة والأندلس وعربستان ناهيك عن تعريب كوردستان.
    وإن ذلك يستدعي الهيمنة على الثروة النفطية بكامل مراحلها وتمزيق العلاقة التوأمية بين الشيوعيين العراقيين والسوفييت ومن ثم مصادرة كوردستان وشعبها، وبدأت اللعبة الميكافيلية القذرة التي انتهجها النظام السابق وعقده السيكولوجية منذ تموز 1958 مع كل القوى العراقية الوطنية التي كانت سائدة في الشارع العراقي ومكوناته، ولم ينسى هذا النظام عقده ومركبات نقصه إزاء الآلاف المؤلفة من جموع المقهورين والجياع والمستلبين والمهمشين وملايينهم في كل أنحاء العراق الذين خرجوا من دهاليز الملكية المستوردة إلى المالك الأصلي الآتي على صهوة (زعيمنا الأوحد) في صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 أو نصف بغداد الذي خرج لاستقبال القائد الكوردي الكبير مصطفى البارزاني بعد عودته من منفاه في الاتحاد السوفييتي.
    لقد أدرك الرفاق من فرسان الخيمة والصحراء وجوب تطهير العراق من هذه الملايين من أعداء الحزب والأمة، وأكثر ما أغاضهم وفجر مكامن عقدهم وضعفهم أولئك السكان الكورد من الفيليين وغيرهم من العراقيين ( أب عن جد ) الذين ملؤا بغداد زهوا وحبا، تاريخا وأصالة، عشقا وتعلقا، عنوانا وملامح.
    وكما ذكرنا كان لابد لكل هذه المعارك القومية من أموال وعسس وسلوك لا مثيل له لا في أقصى اليمين ولا في أقصى اليسار، وسرعان ما جمعوا حولهم أقرانهم من الشوفينيين ومرضى الهوس القومي والثقافة القروية وبقايا حرسهم القومي وبدأوا برنامجهم في بناء دولة البعث.
    وبدأت مهرجانات الدماء وكرنفالات الإعدامات في الساحات العامة منذ الشهور الأولى( للثورة البيضاء) لتحصد المئات وربما الآلاف من الذين لم نسمع أنينهم أو عويلهم فاختفوا في أعظم مدرسة من مدارس الإرهاب في العالم ( قصر النهاية )، وكانت تلك أولى عمليات تطهير العراق من سكانه وإسقاطا لتلك المركبات الرهيبة من الحقد والكراهية، وما أن انتهت تلك الحمامات الدموية حتى التفت الرفاق إلى كوردستان فأمطروها بقنابل النابالم وعبوات البنزين ليحرقوا الأخضر واليابس وتدور معارك وحروب دون ما أن يحقق الرفاق ما كانوا يحلمون به من ابتلاع العراق والانطلاق صوب الأشقاء.
    لقد أجبرتهم قمم هندرين وكاره وهورمان وبارزان وسفين ورجال الشمس من بيشمه ركة كوردستان والعراق إلى التقهقر إلى الحل السلمي والاقتناع بأن برنامجهم لن يتحقق في ربى كوردستان وجبالها، وان ما لديهم من موارد لاتتلائم مع مشاريعهم في تأسيس إمبراطورية الرئيس والحزب القائد فبدأوا تكتيكا من نوع آخر لاحتواء الثورة الكوردية والتغلغل من خلالها إلى مبتغاهم إلى الرأي العام وتغطية حملاتهم في التطهير العرقي التي تعرض لها مئات الآلاف من الكورد الفيليين وغيرهم من العراقيين من الأصول غير العربية وحمامات الدم التي أقاموها للقوى الوطنية العراقية في بغداد وبقية المحافظات.
                                                               
     ولم تكن اتفاقية آذار عام 1970 بين قيادة الثورة الكوردية والحكومة العراقية إلا تكتيكا استخدمته قيادة حزب البعث متمثلة بالرئيس السابق صدام حسين تمهيدا للعبور إلى المرحلة الثانية من برنامجهم السياسي والاقتصادي والمتمثل في تحسين سمعتهم عالميا والتحالف مع السوفييت وإغرائهم بالتقرب من المياه الدافئة في الخليج وإحداث تغييرات اجتماعية واقتصادية سطحية وإيمائية تصرف النظر عن إمكانية إعطاء أي دور للشيوعيين العراقيين وبرامجهم في نفس المضمار، بل والعمل من تحت خيمة التحالف مع السوفييت على سحق الحزب الشيوعي العراقي وبقية الأحزاب الوطنية وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني من خلال مسخ وتفريغ مشروع الحكم الذاتي بما يؤدي إلى إنهاء الوجود الوطني الكوردي.
    وهكذا أعطت اتفاقية آذار متنفسا للنظام ينطلق من خلاله إلى موضوعة السيطرة على الثروة النفطية مع وجود حليف مهم هو الاتحاد السوفييتي ومجاله الحيوي في أوروبا الشرقية بما يشكل عمقا استراتيجيا لمرحلة الانقضاض على الثروة النفطية ومن ثم الالتفاف على القوى الوطنية العراقية وسحقها ابتداءً بالحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي تعرض بعد أشهر قليلة من اتفاقية آذار عام 1970 إلى مؤامرة اغتيال رئيسه الزعيم الكوردي مصطفى البارزاني وشروع النظام بسياسة سلخ وتشتيت وتعريب إقليم كوردستان وعملية تمزيق التحالف الاستراتيجي بين الشيوعيين العراقيون والثورة الكوردية بالتحالف الذي أجرته قيادة البعث آنذاك تكتيكيا ومن ثم الاستفراد بالقوى الفاعلة في الساحة السياسية العراقية تاريخيا وسحقها تماما كما حصل لاحقا للشيوعيين ولحزب الدعوة وبقية القوى الوطنية.
     على هذه الخلفية التأمرية والدكتاتورية أعلنت حكومة حزب البعث السيطرة على الثروة النفطية في حزيران 1972 لتوهم الشعب والرأي العام بقرارها الوطني، خصوصا ما كان يعاني منه العراقيون من فقر وبؤس وتخلف مريب في البنى التحتية والحضارية لدولة مهمة في الإنتاج النفطي.

                                        وللبحث صلة...[/b]

429
ثلاثية الانتقام
                             
التأميم والسمُ الأسود والسحت الحرام
[/size]



كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com                                             


-1-
[/size]

 
             يتذكر العراقيون جيدا بعد نجاح التأميم عام 1972 وما رافق تلك العملية بعد حرب 1973 العربية الإسرائيلية، باستخدام النفط كورقة ضاغطة على مصادر القرار في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، وما ترشح من خلال تلك العملية من ارتفاع كبير في أسعار النفط في الأسواق العالمية ومن ثم تظخم واردات الدول النفطية ومن ضمنها العراق مما أدى إلى وفرة مالية كبيرة، كانت تستدعي القيام باستثمار تلك الوفرة المالية بإنجاز تنمية كبرى للبنى التحتية العراقية والانتقال بالبلاد إلى مصافي الدول المتقدمة.
     ورغم ما أنجزه النظام في تلك الفترة من مشاريع كبيرة حينما كانت هناك فرصة أو هامش من الكفاءات العلمية والتخطيطية التي تعمل تحت مظلة بعض من القيادات الوطنية المخلصة في تركيبة النظام، إلا ان ما حدث بعد هيمنة مجموعة صدام حسين على مقاليد الحزب والسلطة غيرت بالكامل أسلوب استخدام تلك الوفرة المالية.
     وبدأت الدولة العراقية تتحول تدريجيا إلى دولة بوليسية مخابراتية تستقطب ما أطلق عليه في تلك الفترة بالحركات الثورية والتحررية ومنظمات الإرهاب الدولي في كل أنحاء العالم، وتحولت الدولة العراقية إلى ممول وحاضن لكل هذه المنظمات والحركات العربية منها والدولية، ولم يكتفِ النظام بذلك بل بدأ بشراء وتأجير أنظمة سياسية في كل من أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وكثير من أنظمة شرق أوروبا ودويلات الاتحاد السوفييتي، وبدلا من أن يملأها برجال المال والاستثمار واستقطاب الخبراء ورؤوس الأموال من أجل تنمية بلد متعب وفقير ومتخلف راح يجمع حوله رجال العصابات وتجار الانقلابات ومنظمات المافيا السياسية من كل أصقاع الدنيا، ويزرع رجال مخابراته في كل عواصم العالم، لا ليسرق أو ليشتري خبرات علمية أو يقنع شركات عملاقة للعمل والاستثمار في العراق، بل لاغتيال أو خطف المئات من المعارضين لنظامه وتصفية العلماء العراقيين ممن لم يخدمو توجهاته.
    وفي اتجاه آخر، وبدلا من البدء في بناء عراق متحضر، راح يجمع ( سكرابات ) الأسلحة من كل دول الشرق والغرب ليؤسس دولة عسكرية، وليبدأ بالتصنيع العسكري وتسخير كل مقدرات وإمكانيات العراق لهذا الهدف، تحت قيادات يعرفها العراقيون جيدا، ابتداء من حسين كامل ومرورا ببرزان التكريتي وعزة الدوري وحسن علي وانتهاء بعلي حسن المجيد والمئات من أقرانهم في المستوى العلمي والأخلاقي، حتى أصبح العراق سجنا رهيبا لسكانه وجنة غناء للغرباء الذين انتشروا في كل أنحاء العراق. فقد كانت البلاد ملاذا لملايين الأجانب، وكانت الأبواب مفتوحة دونما قيد أو شرط لدخولهم وخروجهم، بل لعملهم في أكثر مفاصل الدولة أهمية وحساسية.
     وقد استخدم النظام الورقة الفلسطينية والإسلامية بديماغوجية رهيبة وأستقطب أكثر رموزها تطرفا سواء في اليمين أو اليسار وعمل على شق صفوفها وزرع الفتنة بين فصائلها ومن ثم استخدامها لأغراضه الخاصة، ونتذكر جميعا تعاملاته مع معارضي النظام السياسي الإيراني والسوري والعُماني ( أيام حركة ضفار) والمصري والسوداني والأردني وثوار( البتاوين ) من الأشقاء في الصومال وجيبوتي وتشاد والسودان واريتريا وغيرهم من كل بلاد العالم.
      ومن بين تلك الملايين التي استقدمها النظام جند عشرات الآلاف منهم للعمل معه وربط مصائرهم بمصير النظام ومستقبله وزرعهم في كل مكان من ارض العالم من حوله، بل كانوا جيشا مجهزا ومدربا لمقاتلة المعارضين العراقيين وهذا ما حصل على أيدي قوات مجاهدي خلق الإيرانية حينما استخدمها النظام ضد كوردستان وضد الانتفاضة الشعبانية في الجنوب والوسط. وفي نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي أصبح النظام يملك جيشا من آلاف المتطوعين ( المجاهدين ) القوميين والدينيين ( المهووسين والمخدرين بالشعارات والأكاذيب ) الذين تم غسل أدمغتهم وملئ جيوبهم وغرائزهم وضمان مستقبل عوائلهم في خارج العراق من الدول العربية والإسلامية.
      وعشية الحرب الأمريكية على النظام السابق كانت هناك عدة آلاف من هولاء ( الاستشهاد يين ) الذين هيأتهم المخابرات العامة والعسكرية للقيام ( بعمليات جهادية ضد الكفرة والصليبيين وأتباعهم من العراقيين ) بالتنسيق مع منظومات خاصة ومحددة وبعيدة نسبيا عن تنظيمات حزب البعث ومرتبطة مباشرة بالرئيس السابق ومجموعة من أقرب الرجال إليه من تنظيمات المخابرات والاستخبارات العسكرية والأمن العامة وفدائيو صدام والحرس والأمن الخاص من المتدينين والمؤمنين ( بعبد الله المؤمن قائد الجمع المؤمن ).
       وحينما انفرط العقد وهرب الرئيس الضرورة و القائد العام للقوات المسلحة، واختفى قائد الحملة الإيمانية، وتبعثر الجمع المؤمن وتحولت تنظيمات الحزب القائد إلى فرسان و( حشنشلية ) الحواسم التي أعتبرها قائد الجمع المؤمن أمانة لديهم حتى ظهوره وعودته ومن ثم في إحدى كلماته الموجهة من الحفرة الثورية إلى جماهير الأمة العربية العظيمة أعتبرها غنائم لهم، وهي كل أموال الدولة والشعب التي تعرضت للسلب والنهب وما زالت تتعرض لعمليات تحويلها إلى ( حفنة تراب ) كما تعهد الرئيس القائد في ثمانينات القرن الماضي.
       قلتُ حينما انفرط العقد، وسقط نظام البعث وهرب أمينه العام وقياداته، أصبح العراق ساحة مفتوحة ومملوكة لأولئك الآلاف من المرتزقة الذين تم إعدادهم لهذا اليوم لكي ينفذوا برنامج الحزب والثورة حتى عودة القائد ورفاقه لإكمال المسيرة حسبما جاء في وصايا الرئيس القائد.
       وهكذا دواليك بدأت طلائع الأمة بتنفيذ مشروعها الحضاري وتوكلت على الله فيالق المجاهدين برسم الطريق إلى جنان الخلد وتوحيد الأمة تحت راية طالبان وأمير المؤمنين ملا عمر وولاته في العراق وولاياته، وانتشروا في حواضن أسسها خليفة الرئيس السابق برايمر ومجموعة الأخطاء التي اقترفتها القوات الأمريكية والإدارة السياسية في البيت الأبيض مما هيأت فرصا ثمينة لأولئك المرتزقة القادمين من البلاد العربية وغيرها لينظموا صفوفهم ويشنوا حربهم ضد العراق والعراقيين. ولكي يتحول العراق إلى (فلتر) لترشيح الإرهابيين، غضت معظم دول الجوار النظر عن عبورهم من أراضيها، بل وتقديم أفضل الخدمات للوصول إلى أرض الجهاد والمجاهدين.

                            وللبحث صلة ...[/b]

430
العـــــراق و مدرسة المزايدات
كــفاح محــمود كــريم
kmkinfo@Gmail.com
         
         لم يعد خافيا على الجميع أسلوب المزايدات الذي أنتجته نظم الاستبداد منذ قيام دولة العراق في عشرينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، ومع تقادم الزمن وتكلس الآلام وشيوع الاستكانة والخنوع لدى أجيال وأجيال من أبناء وبنات العراق وتحول ذلك الأسلوب إلى صفة ملازمة لكثير من القطاعات الملاصقة أو القريبة من مراكز القرار في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها وتركيبات المجتمع وطبقاته، وما تحمله تلك الصفة من مظاهر التملق والتدليس وتأليه الما فوق وتضبيب الرؤيا وتشويه الحقائق حتى غدت ظاهرة المزايدات لدى الكثير من الناس هي الطريق الأقصر للوصول إلى الأهداف الخاصة وربما العامة.
      وقد أبدع النظام السابق في تطوير المزايدات وتعميمها حتى ظن الكثير إنه دولة عظمى تمتلك إرادة القرار وأسلحة الانتصار كما أوهمنا جميعا بامتلاكه أسلحة تحرق نصف إسرائيل وتحول النصف الثاني إلى جواري وغلمان لفرسان الأمة وصناديدها، وحتى عشية الحرب الأمريكية على النظام كان الرفاق يتحدثون عن مفاجآت رهيبة وأسلحة مرعبة سيستخدمها القائد في اللحضة المناسبة، ويتذكر العراقيون جيدا مقولات الرئيس السابق عن كيفية معالجة طائرات الشبح الأمريكية وكيف سينتحر الجنود الأمريكان على أسوار بغداد، وقبل ذلك ما كان يوحي به النظام من تصنيعه وتطويره لأسلحة تتجاوز ما أنتجته كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
       والطامة الكبرى حينما كانت الأكثرية تصدق هذه المزايدات من نظام يقود دولة أكثر من نصف سكانها لا يجيدون القراءة والكتابة وربما نصف سكانها من الفقراء والمساكين، المغيبين والمسطحين، وأكثر من نصف تعداد جيشها من الفلاحين ألاميين الخارجين عن الزمن، وما تبقى من المغلوبين على أمرهم، المساقين عنوة وانكشارية، وربما أكثر من نصف سكانها يسكنون في أكواخ وأعشاش لا تليق بالصنف البشري، وأكثر من ذلك لو فتحنا آلامنا المتكلسة منذ عقود طويلة ومؤلمة، سواء تلك الآلام التي تقرحت وتركت تشويهات في السلوك والانتقام والأحقاد من لدن سكان الريف والقرى التي سحقت وأهينت وأبعدت عن مراكز الحضارة بإغفالها وتكريس تخلفها وتجهيل سكانها مما أدى إلى نزوح مرعب إلى المدن وتشويه هوياتها وتحويل أولئك النازحين من القرى إليها إلى أدوات لتنفيذ مشاريع الأنظمة السياسية المتخلفة من خلال تسطيح ثقافتها وربطها برأس النظام السياسي ومزايداته. أو في المدن التي غدت هي الأخرى مرتع للجهلة وأنصاف المثقفين وخليط مقزز من الأفكار والأيديولوجيات المستنسخة والقابلة للتغيير حسب أمزجة القائد الضرورة.
    لقد تحولت المزايدات ( الوطنية ) و ( القومية ) و ( الدينية ) إلى واحدة من أخطر ما يواجه مجتمعاتنا إلى حد هذا اليوم، فقد سادت هذه الظاهرة في أدبيات الساسة وحتى الكثير من المناضلين ورجال الدين وعلمائه، حتى غدا الواحد منهم مرجعية إلهية لايمكن الاعتراض عليه أو منافسته، ويتذكر العراقيون جيداً مدرسة المزايدات طيلة أكثر من أربعين عاما من الحكم ألبعثي للعراق وكيف إنهم أي البعثيون ورثة رسالة خالدة ومن يقف في طريقهم أو يختلف في طروحاته معهم فأنه سيخون الأمة والشعب خيانة عظمى يستحق عليها الموت الزؤام، وهكذا فعل ويفعل الكثير من رجال الدين وعلمائه في تكفير الآخرين وإلصاق تهم الإلحاد والردة والخروج على شريعتهم لكل من يخالف طروحاتهم وتفسيراتهم للنصوص الدينية. ولم تقتصر تلك المزايدات على العراق وحده بل تخطت حدوده الجغرافية إلى ( أشقائنا ) في جيبوتي واريتريا وجزر القمر والصومال وطنب الكبرى والصغرى والسودان وتشاد وفرعنا في الكويت وأهلنا في عربستان إيران، وأصبحنا بين ليلة وضحاها دولة عظمى أو أمم متحدة تحتضن ملايين من الجياع والمرتزقة والعاطلين وخريجوا السجون والحفاة وتجار الأحزاب و المبادئ من هذه الدول وغيرها، حتى فقد الكثير من العراقيين هويتهم ليزايد عليهم هولاء كما يفعل الآن أولئك المحتلين ممن أتوا ليحرروا العراق من الأمريكان وكأنما أرحام العراقيات قد نضبت أو جفت؟!
    وبعد عقود طويلة ومملة من المزايدات بأنواعها الوطنية والقومية والدينية فقدت كثير من الكلمات والمفاهيم معانيها الحقيقية وتلاشت بشكل مرعب مواصفات المواطنة التي تعطي السكان هويتهم الوطنية وانتمائهم لدولة أو وطن معين وبدلا من صناعة مفهوم خرافي للوطنية البعثية بتحليل مفهوم العراقية وإلغاء الوطن العراقي من الذاكرة لحساب الانتماء إلى الأمة والوطن العربي الكبير من إمارات الخليج وممالكها إلى جماهيريات شمال أفريقيا، أصبحت المواطنة في النظام السابق وربما إلى حد هذا اليوم لدى قطاعات مهمة من السكان هي الانتماء للعشيرة أو القرية أو المذهب الواحد وتفرعاته. ولم يعد مهما لديهم مصلحة البلاد العليا بقدر حرصهم على مصالحهم العشائرية والفئوية والمذهبية، وبذلك تم تقزيم كثير من المفاهيم والعناوين والهويات، فيما بدأنا بحصاد نتاج تلك الثقافة البائسة بعد سقوط دولة البعث من على سطح الأرض وانكفائها في الدهاليز وعمليات القتل والخطف وتدمير البنى التحتية للعراق وإشاعة الفوضى في مزايدات جديدة مخضبة بالدماء على حساب أولئك الذين لا ناقة لهم ولا جمل في كل ما يحدث!؟
     وبدلا من احتلال واحد أصبح العراق يتمتع بأكثر أنواع الاحتلال قساوة ألا وهو احتلال المزايدات الدينية والقومية والوطنية والأحزاب البيتية، فأصبح لدينا مجموعة من ( العراقات )، عراق الشيعة وعراق السنة العرب وعراق المجاهدين وعراق الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة وعراق الميليشيات وعراق الجامعة العربية وعراق الهيئة المباركة، حتى كادت أن تكون بعض القرى والبلدات عراق عظيم، ورغم ذلك مازالت دوامة المزايدات على العراق ومستقبله والعلاقة مع إسرائيل واجتثاث البعث وهيئة النزاهة والفيدرالية والكل غارقون حتى آذانهم في مستنقع هوسهم السلطوي ومصالحهم الشخصية والفئوية، وحينما تتكشف الحقائق أمامهم ينبرون بإسقاط ما بهم على غيرهم، وتبدأ دوامة جديدة من الاتهامات والمزايدات على عراق واحد وفق مواصفاتهم وتعريفاتهم الوطنية والقومية والدينية. وفي كل هذه الدوامات تدفع شعوب العراق ومكوناته ثمنا باهضا من دمائها ومستقبل أبنائها.[/b]  [/size]  [/font]
   

431
الأعراب
والعلاقة مع إسرائيل من الباب إلى المحراب ؟
كفاح محمود كريم
kmkinfo@gmail.com     

           منذ ما يقارب التسعين عاما ارتأت الخبيثة بريطانيا أن تزرع فتنة في قلب الشرق الأوسط لا لسواد عيون( أبناء عمومتنا ) الذين ما برحوا يرفضون هذا النسب وإن أصرينا، بل شاءت خباثة سدنتها أن ترتزق عقودا وربما دهورا من حروب وصراعات ومعارك تحرير وانقلابات وثورات بيضاء وملونة، وتجارة لا تبور للسلاح والخبراء والمعدات.
    وهكذا وضع اللئيم سايكس ومثيله بيكو أول عقد للخباثة واللؤم والبقالة السياسية في قلب العالم ومركز الثروة الآتية عبر آبار السم الأسود واستثمارات الشيوخ والرفاق المناضلين، تجار المبادئ والنظريات والشعارات والوحدات الاندماجية من الخليج إلى المحيط. ولم يأبه أولئك الخبثاء الباردين لما ستؤول إليه الحال بعد حين ولا إلى انهر الدماء وجيوش الأرامل والأيتام والمساكين.
    وحين بعد حين تنهض ممالك وإمارات وجمهوريات واشتراكيات وملوك وأمراء وأباطرة وقادة ليس مثيلهم في الأرض ولا في السماوات إلا في صفائح الخبيثة بريطانيا التي تمتلك أسرار الأرض والحكومات، وفي خضم هذه التداعيات ( تنعلس- تمضغ ) كوردستان وفلسطين وتمنح عشائر دولا وإمارات لا يتجاوز سكانها أعداد الناخبين في محافظة من المحافظات.
    وتنهض إسرائيل دولة من بين ركام التناقضات والمؤامرات والمصالح والمزايدات وتصبح واقع حال تفرضه الارادات رغم حروب التحرير التي أنتجتها نظم الجهالة للحفاظ على كراسيها مما فعلته أجهزة إعلامها وأئمة منابرها بملايين البشر من سكان دولها وإماراتها، حيث الإثارة والتهييج والعبث بمفاتيح الغرائز وتسييس الأديان وإشاعة فكرة الجهاد لمقاتلة الكفار، وإلغاء العقل والحكمة في حل الإشكال، كل ذلك لا لشيء إلا لأبعاد طوابير الجياع والمحرومين وإلغاء الآخرين وقمع المعارضين واحتكار المال والسياسة والدين.
    وتصبح فلسطين راقصة بلا جسد على كل المسارح وفي كل العواصم، تتناقلها الاحضن الملوثة في قصور الرئاسة ورئاسات الأركان وأقبية المباحث والاستخبارات وأبواق الطبالين والزمارين في أجهزة الأعلام من الخليج إلى المحيط، وعلى أنين المهاجرين وبؤسهم تقام المهرجانات والاحتفالات وتتخم الجيوب والبطون بالتبرعات وصفقات السلاح والبترول وعشرات المؤتمرات ذات اللاءات والصيحات وخلف الكواليس يتعانق أبناء العمومة القادمين من الكرمل وجبل صهيون بينما ينتظر الملايين قرارات القمم وخطابات القادة الميامين.
    ستون عاما وفلسطين راقصة بلا جسد تنتهكها قوانين الخيمة والصحراء، وأعراف الملالي وسلاطين الظلام !
    ستون عاما وقادتنا العظام يجيشون دماءنا وأملاكنا و حتى مصروف أطفالنا وكرامتنا وحريتنا وأوطاننا جيوشا وفيالقا لمقاتلة الأوهام !
    ستون عاما من تهميش العقل والعقلاء واغتيال الحكمة والحكماء ومسخ المواطنة واعتماد العواطف والغرائز ونوازع الشر والحرب وقوانين القرية والصحراء؟
    ستون عاما وممنوع حتى الموت الصوت والكلمة والحرية، وهم يضاجعون وطنا سليبا مع الإخوة الأعداء في الليل ويقاتلون رعاياهم في النهار لأجل الشرف المنتهك والوطن المستباح!
    ستون عاما وكل الأعراب دونما استثناء من الباب إلى المحراب يتغازلون مع( ابنة العم ) في الليل والنهار!
    إن خجلوا تبادلوا رسائل العشاق وأن خافوا تبادلوا الإيماء وحينما زال الخوف وسقطت نقطة الحياء، رفرفت رايات عشيقتهم بنت صهيون فوق أجمل مبانيهم وقصورهم وأحلى عواصمهم ومدنهم!
    ستون عاما وما انقطعت أو توقفت علاقاتهم ب(ابنة العم) إسرائيل سرا أو علانية، وربما أكثرهم عداوة أو غيرة من آخرين منح( ابنة العم ) المدللة أكثر مما يمنحه الآخرين، فصاحبنا أبو الصواريخ التسعة والثلاثين منحها من حيث يدري أو لا يدري ! مليارات ومليارات من المال والسلاح والتعاطف والاتساع وحينما لم يحرق نصفها طلب ( قطعة ) أرض على حدودها ليخسر كل أرضه وقصوره، كما حصل لأستاذه قبل سنين حينما أقسم برميها في البحر، فغرق هو في الفقر والتقهقر إلى حين.
   ستون عاما من التضليل والكذب والادعاء والازدواجية والضحك على الذقون والشعارات النارية والاستهلاكية في تحرير فلسطين، وعلى طول الخط كانت الشعوب في أرض فلسطين وما حواليها خير من يدفع فواتير الحرب دماءً ودموعا، مالا وحضارة، أيتاما وأرامل.
   منذ البداية أضاعت هذه الثقافة البائسة فرصا ذهبية لحل مشكلة فلسطين منذ ستين عاما حينما تاجر أعراب النظم السياسية والدينية بحقوق ومستقبل شعب كريم ومعطاء كان يمكن له أن ينشئ دولته منذ ذلك الحين، وتصوروا معي كيف كان من الممكن لشعب حيوي مثل شعب فلسطين أن يكون الآن؟
   وهكذا فعلوا بشعب كوردستان قبل ثمانين عاما حينما أغفلوه، وتصوروا معي كيف كان من الممكن لشعب أصيل وحيوي أن يكون اليوم لو حلت قضيته كما ينبغي أن تحل، وهو الذي أنجز خلال عشرة أعوام ما يعجز عنه الكثيرون في عشرات السنين؟
    واليوم بعد ستين عاما من قيام دولة إسرائيل، وأكثر من عشرين عاما على الزواج العلني بينها وبين نظم الأعراب وانتشار سفاراتها وقنصلياتها من موريتانيا حتى دولة قطر مرورا بعاصمة العرب قاهرة المعز والنحاس وعبدالناصر والسادات والمبارك، وامتداد مصالحها التجارية والسياحية والصناعية والاستخبارية من الرباط إلى طرابلس الغرب وتونس وصولا إلى سوريا الأسد ولبنان جنبلاط ونصر الله وإمارات الخليج الهونكونكية، وجولات حماس وفتح وبقية المنظمات المكوكية مع( أبناء العم ) في تل أبيب سواء للمصالح الحياتية للسكان أو لمستقبل الوطن الذي تأخر قيامه بمزايدات الأعراب وعنترياتهم الفارغة، هل ستبقى آذان صاغية لتلك المزايدات الرخيصة والبلهاء عن العلاقات مع إسرائيل، والتهم البائسة لكل من يفضح نظامهم المتخلف وعقليتهم الجوفاء التي أوصلت شعوبهم إلى هذا المنحدر الخطير من التقهقر والضياع بينما يتسلق الآخرون ناصية الحضارة والسمو؟
     ودعونا نتجرد قليلا عما ورثناه من أسلوب في التفكير ونمط في السلوك ونتطهر ولو برهة من أنجاس النفاق والتدليس والازدواجية والإلغاء والإقصاء والاستبداد وثقافة المؤامرة وكيل التهم، وندع ضميرنا الإنساني يصحو قليلا لنسأل أو نتساءل:
     هل كان السادات وضيعا إلى درجة العمالة والخيانة وهو على رأس دولة العرب العظمى؟
     هل كان نكرة من النكرات لا جذور له في تاريخ بلده السياسي؟
      هل كان جبانا وهو يصرخ ناقدا في قلب مؤسسة إسرائيل البرلمانية ويدعو إلى سلام الأبطال وهو الخارج من حرب حطم فيها ذلك الحاجز التاريخي من الهزائم؟
      هل كان يستحق ذلك الإعدام البربري؟
      هل كان عبدالناصر وضيعا حينما أرسى مع روجرز و سيسكو وعرابهما كيسنجر حجر الأساس لسلام الفرسان مع أولاد العم في إسرائيل؟
       وكذا الحال والسؤال مع الملك حسين وعبدالله من قبله و سليل الهواشم في المغرب وأصحاب المعلقات الجدد في موريتانيا الإسلامية وفي تونس الخضراء وأمراء قطر وأشقائهم من حولهم، وفي لبنان وفرسان تفاهم نيسان من حزب الله وما يجري خلف وأمام الكواليس في قاسيون أو الجولان؟ وأشقاؤنا في أفريقيا ألقذافي؟
       هل نعدم نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس بتهمة العلاقة مع إسرائيل؟
        وكيف لنا أن نُعرف سميح القاسم وادينوس وعشرات من أعضاء الكنيست الإسرائيلي من عرب ودروز إسرائيل وفلسطين؟
        وأخيرا هل سنكتفي بإعدام ولدي( مثال الآلوسي ) لأن والدهم زار إسرائيل فارسا عراقيا يبحث عن سلام الأبطال، أم نذبح أهالي الرمادي صغارا وكبار؟
        وهل وهل... وربما مئات الآهات وأسئلة الحيرة والوجع المتكلس، وحتى يهدينا رب العباد( ولن نهتدي) فلا حاجة لنا بعلاقة مع( ابنة العم ) إسرائيل لأننا لم ننجز علاقاتنا مع بعضنا كما ينبغي (على عادة رئيسنا المحبوس) وما زلنا نتذابح من الوريد إلى الوريد. وصدقوني يا سادتي يا كرام ما قتل على أيدينا من الخليج إلى المحيط من خيرة أبناء شعوبنا منذ تأسيس دول العشائر والقبائل قد يزيد على عدد سكان إسرائيل فأنا لله وأنا إليه راجعون؟[/b][/size][/font]
       

432
كوردستان والبيشمه ركه ... صنوان لا يفترقان
             
كفاح محمود كريم

   ربما يتساءل البعض عن سر قدسية البيشمه ركه لدى الكورد وكثير من العرب الذين انخرطوا في تنظيماتها عبر عشرات السنين من تاريخ كوردستان والعراق، وربما أيضا يسمح البعض لنفسه بمقارنتها مع جماعات مسلحة أنتجتها نظما سياسية أو أحزاب تسلطت على الشعب كما حصل مع تجربة البعث وحرسه القومي ثم جيشه الشعبي والتي كان هدفها الأول والأخير الإرهاب بعينه والدفاع عن ذلك النظام المستبد، ويعرف العراقيون جيدا دون غيرهم ماذا كانت تعني مجموعات الحرس القومي والجيش الشعبي وتاريخها مع الشعب وقواه الوطنية.
    ورغم أن تاريخ شعوب الشرق الأوسط نادرا ما يعرف في تراثه تنظيما عسكريا وشعبيا متينا إذا ما استثنينا تنظيمات الفدائيين الفلسطينيين والجزائريين كالذي عرفه في نظام البيشمه ركه التي بزغت للوجود في أواخر النصف الأول من القرن الماضي حينما قاد البارزاني عدة مئات من الفدائيين الكورد باتجاه أول جمهورية كوردية في التاريخ المعاصر بكوردستان الشرقية (إيران) والتي كونت فيما بعد أساسا لحركة شعبية عسكرية استمدت قوتها وبعدها الروحي والأخلاقي من مأساة الكورد عبر التاريخ فتحولت خلال السنوات الأولى من ستينات القرن الماضي بقيادة البارزاني مصطفى إلى مؤسسة قومية وطنية ضمت بين صفوفها كل شرائح المجتمع وطبقاته واتجاهاته من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين يجمعها وحدة الهدف وحرية الفكر والتعبير وسمو الأخلاق ومصداقية التعامل والسلوك وشجاعة الفرسان وبطولتهم، وسرعان ما تحول أفرادها إلى رموز اجتماعية وشعبية وتحولت تسميتها ( البيشمه ركه ) إلى واحدة من المصطلحات العسكرية والوطنية ذات الوقع النفسي والتأثير الوطني البالغ في سيكولوجية المجتمع ومفهومه للوطنية والمقاومة.
    لقد أدرك البارزاني مصطفى ضرورة بناء مؤسسة عسكرية غير اعتيادية أو كلاسيكية تعتمد في سياقاتها العملية علوما عسكرية بحتة وابتكارات غير اعتيادية في حرب العصابات دونما الإخلال في قوانين الحرب والفروسية، متجاوزة تلك القيود البيروقراطية في العلاقات ضمن المؤسسة العسكرية المعمول بها في الجيوش وأيضا دونما المساس في هيكلية التنظيم الذي تميزت به قوات البيشمه ركه ابتداءً من القيادة العامة ومرورا بالهيز والبتاليون والى الوحدات الصغيرة من تشكيلاتها.
    ومنذ أن بدأت قوات البيشمه ركه أعمالها الوطنية في المقاومة والتحرير منذ الحادي عشر من أيلول 1961 وضعت نصب عينيها الجانب الأخلاقي لأفرادها في التعامل الفروسي مع العدو واعتماد قوانين الحرب المتفق عليها دوليا في التعاطي مع تفاصيل ما تنتجه المعارك من أسرى وجرحى وقتلى، وكانت توجيهات البارزني مصطفى تنصب في كل سنوات القتال على إن الجندي والضابط في جيش العدو ليسوا أعداءً بل مضطرين أو محكومين بتنفيذ إرادة النظم السياسية في العراق، وعليه وجب التعامل معهم في حالات الأسر والإصابة كأفراد من أفراد البيشمه ركه، بل والاعتناء بهم أكثر من ذلك، ولقد شهدت كافة تشكيلات البيشمه ركه وفي كل سنوات الحرب منذ اندلاع الثورة الكبيرة في أيلول 1961 وحتى سقوط الفيلق الخامس بأسره تحت أيديهم في مطلع التسعينات من القرن الماضي أروع الصور في الفروسية والتعامل بأخلاقيات قل نظيرها في الشرق الأوسط والعالم الثالث.
    ولعل الآلاف من الجنود والضباط العراقيون يتذكرون باعتزاز أيام أسرهم لدى قوات البيشمه ركه منذ اندلاع العمليات العسكرية في أيلول 1961 وحتى سقوط النظام عام 2003 وكيف كان أفراد هذه القوات يتخلون عن حاجاتهم الأساسية في التجهيزات الإدارية لصالح أسراهم من القوت العراقية في الوقت الذي كانت نفس هذه القوات تقتل أسرى البيشمه ركه وجرحاهم وتحرق قراهم وتنهب ممتلكاتهم وتهدم بيوتهم وبساتينهم، ورغم ذلك حافظت هذه القوات على ثوابتها الأخلاقية والقانونية التي اعتنقتها منذ الانطلاقة الأولى للثورة الكوردية ولم تتعامل بالمثل مع العدو لأيمانها بعدالة قضيتها وارتقاء مستوياتها الأخلاقية والحضارية كونها تمثل إرادة شعب وتاريخ وطن انتهكته قوى الظلم والظلام عبر عشرات السنين. ولم تنحدر هذه القوات في كل تاريخها إلى مستويات متدنية في الانتقام أو الاغتيالات الفردية أو الجماعية ولم تؤمن بالعنف طريقا أو أسلوبا في الحياة إلا دفاعا عن النفس ومقاومة للطغيان والاحتلال والاستبداد.
    لقد أصبحت قوات البيشمه ركه خلال سنوات قليلة محط احترام وتقدير عال من كافة أوساط الشعب وشرائحه وطبقاته ومكوناته الدينية والاثنية وفعالياته السياسية وحتى أولئك الذين كانوا يحاربونها منذ عشرات السنين اعترفوا بأخلاقياتها وفروسيتها في الحرب والسلم.
   إن البيشمه ركه لم تكن جماعات مسلحة أو ميليشيات كما يحلو للبعض في توصيفها بل كانت بحق مؤسسة كوردستان للمقاومة والفداء من اجل الوطن والشعب، وجيشا أنتجته مئات السنين من القهر والاضطهاد، حمل معه وعلى أكتافه قضية هذا الشعب وعبر عن أخلاقه وموروثه الحضاري في سلوك أفراده حربا وسلما.
   ولم تكن قوات البيشمه ركه حكرا للكورد فقط، بل احتضنت المئات من البيشمه ركه العرب والتركمان والكلدان الذين كانوا يقاتلون من اجل قضاياهم العادلة بغض النظر عن آرائهم وأفكارهم ورؤاهم السياسية والتي ربما كانت تتقاطع في بعض تفصيلاتها عن الخطاب السياسي والفكري لهذه القوات، ويتذكر الشيوعيون والليبراليون العراقيون من غير الكورد وحتى القوميون العرب ممن آمنوا بأحقية القضية الكوردية وكثير من الفعاليات السياسية الدينية والمذهبية العراقية، كيف كانت مقرات هذه القوات ملاذا آمنا لهم ولكل القوى التي تقاطعت مع طروحات النظم السياسية العراقية الشوفينية منذ قيام الدولة العراقية وحتى انهيارها دونما التدخل في شؤونها السياسية وحتى العسكرية حينما كانت ترتقي إلى عمليات ضد الأنظمة الدكتاتورية منطلقة من كوردستان.
   ومع تقادم السنين وتراكم الخبرة وارتقاء الأساليب المتحضرة في السلوك والتعامل أصبحت هذه القوات جزء كبيرا من الوصف الوطني والهوية القومية والحضارية لشعب كوردستان، بحيث ليكاد المرء أن يعرف وطنا اسمه كوردستان دونما مؤسسة اسمها البيشمه ركه، ولذلك فهما صفتان لبعضهما، تصف الواحدة الأخرى وتعرفها ولا يمكن الفصل بينهما لأنهما صنوان لا يفترقان.[/b][/size][/font]
   

433
تأسيسُ العــــراق
بين الطهــارةِ والتدنيس !
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com
   
     منذ البدءِ كانت الجريمة في تأسيسك يا عراق، حينما لم يتقو الله في شعوبك ومللك وأطيافك، وغيبوا عن عمدٍ وخباثةٍ خيرة مكوناتك أيها البلد الجريح مذ عرفناه، فأشاعوا الظلم والإقصاء وفرضوا العرق الواحد والمذهب الأوحد ومن ثم الحزب القائد ليتبعه الأب القائد والقائد المؤسس وأخيراً القائد الضرورة ولا غيره من ضرورة في الحياة الدنيا، فهو نعمة من السماء ومنة على الرجال والنساء.
     كانت الغاية منذ البداية امتلاك مفاتيح الغرائز للتحكم بالناس وتحويل مخاليق الله إلى مجرد نزلاء في فندق أسمه العراق تمتلكه مجاميع عرقية ومذهبية وعشائرية أفضلها كانت تجيد القراءة والكتابة أو ربما أنتجتها كليات الجيش والغزوات ! وهيأتها فنياً لسحق أولئك (الأوغاد) الذين يحاولون تحويل الفندق إلى شيوع بين الورثة.
     منذ البداية أطيح بأي مشروع للحضارة في بلدٍ أنتجته حضارات أجناس من بني البشر، وما كانت إحداها من بنات الجن أو أحفاد ملائكة أو مخلوقات راقية جاءتنا من عطارد أو زحل، فقد تم استيراد مليكا لا ناقة له فيه ولا جمل، وتم تأسيس حكومة أعيان وأطيان، لا أكثر ولا أقل (!).
     منذ البداية اشتركت كل عصابات الشر والعمى القومي والمذهبي بمباركة من العراب الإنكليزي وغيره ممن كانوا يخططون لحصاد هذا اليوم، فاغتالوا معاهدة (سيفر) واستنسخوا مسخا في (لوزان) لتعتمر مائدة سايكس ورفيقه بيكو في وليمة كان الذبيح فيها هذا الذي ينزف دما ودموعاً حتى اليوم.
     كانت الخطيئة في مملكة استهانت منذ الولادة بأصايل العراق واستقدمت (أشرافاً) ما عرفوا سر ما اقترفوا حتى ذُبِحوا. ولم يدركوا حقيقة مكونات العراق وأطيافه، فعبثوا بمقدراته ومفاتيح خلاصه.  ولغسل عارات الولادة وما تلاها، جاء التغييرُ يتيماً يلملم جراحات وطن أنهكه الإقصاء والأبعاد والتهميش وسذاجة في الحكم والتأسيس، وحلول مجتزأة لظواهر الأمراض دونما المساس في أصل البلاء، حتى عادت نيران الحرب تلتهم أرض الكورد في شمال ما سمي بالعراق، ووحوش الفقر تفترس سكان الجنوب.
     وهكذا انهمكت الجمهورية الخالدة بصراعات تمتد جذورها لذلك التأسيس البائس لدولة العراق، وبدلا من أن تصلح ما أفسدته دهور التخلف وفرضته عصابات الشر وعرابيها آنذاك، وتعترف بحقيقة مكونات العراق وأساس بلائه، عادت لغزوات الأعراب وصراعات القبائل والأحزاب لتلتهم زعيمها الذي غدره الأصحاب والأحباب، حتى عادت تلك القوى المتخلفة في تفكيرها وسلوكها ونهجها الشوفيني، لتستولي على العراق ولتبدأ دورة الظلام ودوامة التقهقر لأرض عرفت ذات يوم بأنها أرض الكتابة والعجلات.   
     
     وتولى البعثيون أمر هذا البلد العجب قبل أكثر من أربعين عاماً حينما افترسوا اللواء عبدالكريم قاسم، وانتشرت في أزقة بغداد وضواحيها مئات الجثث لرجال ونساء وأطفال قتلوا وعذبوا حتى الموت كما نرى هذه الأيام، غير الذين سحقتهم سرف الدبابات على أنغام وهتافات الجماهير المناضلة (!) ولم تكن الصورة أفضل من بغداد في الموصل وكركوك والبصرة وكل حواضر العراق، حيث الانتقام والقتل على الهوية والسحل والتعليق على أعمدة الكهرباء على أصوات الهتافات والأناشيد الوطنية والقومية، كل ذلك حدث في أسبوع واحد من عمر(عروس الثورات). حيث بلغ عدد الذين تم تصفيتهم (على طريقة الرئيس القائد حين شبه عمليات التصفية البعثية، بتصفية الرز والقمح من مخلفاتهما) أكثر من ألفين شخص في بغداد فقط وخلال أسبوع واحد لا غير(!).
      ثم ما لبثوا فأنتجوا لنا أول جيل من عصابات المافيا التي أطلقوا عليها أسم (الحرس القومي). ثم عادوا في نهاية الستينات ليطوروا جيلا آخرا من عصاباتهم التي أسموها هذه المرة ب(الجيش الشعبي). وسواء الأولى أو الثانية فلم يتم استيراد أفرادها من كواكب أخر،  أو على أقل تقدير من دول أخرى، باستثناء بعض التعديلات على ( الموديل ) الأخير وذلك بإدخال بعض التحسينات ( المصرية واليمنية والأردنية والفلسطينية ) على الشكل العام للنموذج ( القومي ).
      ويكاد ينفرد الرفاق بتأسيسهم لمثل هذه الميليشيات وبالشكل الذي تطور لاحقاً فأصبح جيوشا من الانتهازيين والخانعين واللاهثين وراء المال و(السترعلى الحال)حتى غدت المشاركةُ في طقوسها من الفروض اللازمة وتركها يقترب من المحال (!)
      وهكذا غدت هذه الفروض سلوكاً ونظاما وعادات وتقاليد، تراكمت عبر عشرات السنين وبدأت بإنتاج نماذج متخلفة ومرعبة من النظم السلوكية والاجتماعية التي انتشرت بين الملايين من البشر على أرض العراق وأنتجت (قواطعاً) و(فيالقاً) و(جيوشاً) من شواذ الآفاق والخانعين والأمعيين والأبطال الجبناء والانتهازيين والنرجسيين والقتلة والسراق والساكتين عن الحق والمسطحين والتافهين ومئات من الأحزاب (البيتية والعشائرية وعصابات الليل والدولار) وموديلات من رجال الدين المرسلين والمصنعين من وفي دهاليز الظلام والغباء ومدارس الحملة الإيمانية ودوائر العراق في (دول الجيران الشرفاء)ممن آلوا على أنفسهم تحرير العراق من شعبه أطفالا ورجالا ونساء.
     وهكذا يا عراق؛ أربعون عاماً يلقن الأطفال منذ الرضاعة مبادئ الإلغاء والإقصاء، وإنهم أحفاد أمة ولا غيرها من أمم، وفرسان للقتل والأبادة والأنفلة وافتراض العداوة لكل الشعوب والملل!. وان القائد الملهم هو الإله الأصغر وليس غيره أو مثله بين البشر، فبه تنهض الأمة وتتوحد الدول!
     إن ما يحدث اليوم بعد سنوات من انهيار ذلك النظام إنما يعبر عن منظومة فكرية وتربوية وسلوكية أختزنها مئات الآلاف من البشر إن لم يكونو ملايينا، وأعراضُ أمراضٍ مزمنة ابتلى بها الملايين من سكان بلاد ما بين النهرين عبر مئات السنين.
     إن المشكلة باعتقادي لا تنحصر بطبيعة الأنظمة السياسية التي توالت على إدارة هذه البلاد، لأنها تحصيل حاصل، ونتاج لتربية وتثقيف خاطئ أمتد من المنبر والمضيف والمقهى ومن ثم من المدرسة ومناهج التربية والتعليم والمئات من الكتب الدينية والتفاسير الخاطئة والأجتهادات الظالمة لرجال الدين، البعيدة عن فلسفة الأديان وأشراقاتها والخاضعة لتأويلات أولئك الذين استخدموا الدين حصاناً لتنفيذ مآربهم وظلاميتهم، وصولا إلى الأسرة ومن ثم إلى المجتمع عموماً. وبذلك تم أنتاج مفاهيم وسلوكيات لا تنحصر بالعمل السياسي فحسب، بل تمتد لتشمل مجمل نواحي الحياة الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والدينية، لتأتي النظم السياسية نتاج لها.
     ولعلنا بقليل من التساؤلات نضع أصابعنا على مواقع الألم، وربما يكون ما حدث في نيسان 2003 هو الطريق الصحيح للانتقال إلى مرحلة العلاج إن امتلكنا شجاعة التشخيص وإرادة المعالجة والإصرار على الشفاء.
     أليس من المأساة ونحن نعيش في كيان واحدٍ يستصغرُ وينتقص أحدنا من الآخر؟
     ثمانون عاماً ومعظمُ السنة يكفرون الشيعة ويتهمونهم بالولاء لدولة غير العراق؟ ويعتبرونهم خارجين عن العقيدة ومشركون بالله؟
     ثمانون عاما ومعظمُ الشيعة يتهمون السنة بمسؤوليتهم عن اغتيال الأمام وذبح الحسين وأفراد أسرته بعد أكثر من ألف عام؟ وأن إسلامهم ظاهر وأيمانهم مبتور وعقيدتهم ناقصة؟
     ثمانون عاماً يلقن الملايين بكفر الشيعة وعداوة السنة لآل البيت ونهج الأمام؟
     ثمانون عاماً ومعظم السنة والشيعة لا يعرفون عن الكورد إلا أنهم عصاة ومخربون؟ وجبال ونكاتٌ وانتقاص حتى أوهموا أنفسهم بأنهم أعداءٌ وجب قتالهم كل حين؟
     ثمانون عاماً من التربية والتثقيف بأن العرب وحدهم أسياد العراق والآخرون عبيد وأملاك؟
     ثمانون عاماً والسنة وحدهم يقررون مصير العراق وشعوبه ومقدراته؟ وما على الآخرين إلا الإذعان والانسياق؟
     ثمانون عاماً ونحن دون مواطنة لأن الكورد مخربون والشيعة كفرة مارقون والسنة أوغاد مجرمون والمسيحيون بلا هوية لأنهم ذميون وكذا الصابئة والآيزيديون، والتركمان والكلدان والآشوريون؟
     ثمانون عاماً ونساؤنا جارياتٌ وعبيد؟ والمرأةُ حرمةٌ مهدورة الدم ومباحة الحدود؟ مهانةٌ في إنسانيتها، مغلوبة في أمرها، مسلوبة في قرارها، مثلومة في كرامتها، تارة باسم الدين وأخرى بالتقاليد، والدين براءٌ في أصله بالتحديد؟
     ثمانون عاماً تحكمنا أعراف القرية وتقاليد الأشقياء والأغبياء، ونواميس الجاهلية والبداوة؟ 
     ثمانون عاماً من التغييب والتسطيح والتجهيل والإلغاء والإقصاء والتكفير والإعدام لكل من يخالفنا الرأي والأصل والدين؟
     ثمانون عاماً والسرقةُ شطارة ورجولة وأموال الدولة غنائمٌ مباحة أو مكاسب متاحة، والنهب والسلب أعراف تبيحها قوانين الغزو والإطاحة؟
     بعد كل ذلك هل من سؤال لماذا يجري ما جرى منذ إنهيارالنظام، ولماذا سرقنا أنفسنا ونهبنا أموالنا وحرقنا مكتباتنا ومتاحفنا، وحتى مدارسنا وجامعاتنا؟ ونحرق كل يوم نفطنا وكهرباؤنا، ونقتل أساتذتنا وعلمائنا وأطبائنا؟ ونخطفُ الرجال والنساء ونقايضهم بالمال والإذعان؟
     من له (إذن) مصلحة في كل ذلك؟؟ على أن لا نتهم الإمبريالية والصهيونية على عادتنا عبر ثمانين عاماً؟ ونجعل من الأمريكان وغيرهم شماعة لضعفنا وجبننا وقصورنا وقلة حجتنا وتخلفنا وازدواجيتنا ونفاقنا، وحينما ندرك حقيقة الأشياء والظواهر وبواطنها وأصولها، وأننا شركاء في بلد ما زال أسمه العراق، ولسنا نزلاء فندق لمالك بعينه، حينها سيكون العراق عراق(!).[/b][/size][/font]
 
 

434
تأسيس العراق بين الطهارة والتدنيس
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com
   
     منذ البدءِ كانت الجريمة في تأسيسك يا عراق، حينما لم يتقو الله في شعوبك ومللك وأطيافك، وغيبوا عن عمدٍ وخباثةٍ خيرة مكوناتك أيها البلد الجريح مذ عرفناه، فأشاعوا الظلم والإقصاء وفرضوا العرق الواحد والمذهب الأوحد ومن ثم الحزب القائد ليتبعه الأب القائد والقائد المؤسس وأخيراً القائد الضرورة ولا غيره من ضرورة في الحياة الدنيا، فهو نعمة من السماء ومنة على الرجال والنساء.
     كانت الغاية منذ البداية امتلاك مفاتيح الغرائز للتحكم بالناس وتحويل مخاليق الله إلى مجرد نزلاء في فندق أسمه العراق تمتلكه مجاميع عرقية ومذهبية وعشائرية أفضلها كانت تجيد القراءة والكتابة أو ربما أنتجتها كليات الجيش والغزوات ! وهيأتها فنياً لسحق أولئك (الأوغاد) الذين يحاولون تحويل الفندق إلى شيوع بين الورثة.
     منذ البداية أطيح بأي مشروع للحضارة في بلدٍ أنتجته حضارات أجناس من بني البشر، وما كانت إحداها من بنات الجن أو أحفاد ملائكة أو مخلوقات راقية جاءتنا من عطارد أو زحل، فقد تم استيراد مليكا لا ناقة له فيه ولا جمل، وتم تأسيس حكومة أعيان وأطيان، لا أكثر ولا أقل (!).
     منذ البداية اشتركت كل عصابات الشر والعمى القومي والمذهبي بمباركة من العراب الإنكليزي وغيره ممن كانوا يخططون لحصاد هذا اليوم، فاغتالوا معاهدة (سيفر) واستنسخوا مسخا في (لوزان) لتعتمر مائدة سايكس ورفيقه بيكو في وليمة كان الذبيح فيها هذا الذي ينزف دما ودموعاً حتى اليوم.
     كانت الخطيئة في مملكة استهانت منذ الولادة بأصايل العراق واستقدمت (أشرافاً) ما عرفوا سر ما اقترفوا حتى ذُبِحوا. ولم يدركوا حقيقة مكونات العراق وأطيافه، فعبثوا بمقدراته ومفاتيح خلاصه.  ولغسل عارات الولادة وما تلاها، جاء التغييرُ يتيماً يلملم جراحات وطن أنهكه الإقصاء والأبعاد والتهميش وسذاجة في الحكم والتأسيس، وحلول مجتزأة لظواهر الأمراض دونما المساس في أصل البلاء، حتى عادت نيران الحرب تلتهم أرض الكورد في شمال ما سمي بالعراق، ووحوش الفقر تفترس سكان الجنوب.
     وهكذا انهمكت الجمهورية الخالدة بصراعات تمتد جذورها لذلك التأسيس البائس لدولة العراق، وبدلا من أن تصلح ما أفسدته دهور التخلف وفرضته عصابات الشر وعرابيها آنذاك، وتعترف بحقيقة مكونات العراق وأساس بلائه، عادت لغزوات الأعراب وصراعات القبائل والأحزاب لتلتهم زعيمها الذي غدره الأصحاب والأحباب، حتى عادت تلك القوى المتخلفة في تفكيرها وسلوكها ونهجها الشوفيني، لتستولي على العراق ولتبدأ دورة الظلام ودوامة التقهقر لأرض عرفت ذات يوم بأنها أرض الكتابة والعجلات.   
     
     وتولى البعثيون أمر هذا البلد العجب قبل أكثر من أربعين عاماً حينما افترسوا اللواء عبدالكريم قاسم، وانتشرت في أزقة بغداد وضواحيها مئات الجثث لرجال ونساء وأطفال قتلوا وعذبوا حتى الموت كما نرى هذه الأيام، غير الذين سحقتهم سرف الدبابات على أنغام وهتافات الجماهير المناضلة (!) ولم تكن الصورة أفضل من بغداد في الموصل وكركوك والبصرة وكل حواضر العراق، حيث الانتقام والقتل على الهوية والسحل والتعليق على أعمدة الكهرباء على أصوات الهتافات والأناشيد الوطنية والقومية، كل ذلك حدث في أسبوع واحد من عمر(عروس الثورات). حيث بلغ عدد الذين تم تصفيتهم (على طريقة الرئيس القائد حين شبه عمليات التصفية البعثية، بتصفية الرز والقمح من مخلفاتهما) أكثر من ألفين شخص في بغداد فقط وخلال أسبوع واحد لا غير(!).
      ثم ما لبثوا فأنتجوا لنا أول جيل من عصابات المافيا التي أطلقوا عليها أسم (الحرس القومي). ثم عادوا في نهاية الستينات ليطوروا جيلا آخرا من عصاباتهم التي أسموها هذه المرة ب(الجيش الشعبي). وسواء الأولى أو الثانية فلم يتم استيراد أفرادها من كواكب أخر،  أو على أقل تقدير من دول أخرى، باستثناء بعض التعديلات على ( الموديل ) الأخير وذلك بإدخال بعض التحسينات ( المصرية واليمنية والأردنية والفلسطينية ) على الشكل العام للنموذج ( القومي ).
      ويكاد ينفرد الرفاق بتأسيسهم لمثل هذه الميليشيات وبالشكل الذي تطور لاحقاً فأصبح جيوشا من الانتهازيين والخانعين واللاهثين وراء المال و(السترعلى الحال)حتى غدت المشاركةُ في طقوسها من الفروض اللازمة وتركها يقترب من المحال (!)
      وهكذا غدت هذه الفروض سلوكاً ونظاما وعادات وتقاليد، تراكمت عبر عشرات السنين وبدأت بإنتاج نماذج متخلفة ومرعبة من النظم السلوكية والاجتماعية التي انتشرت بين الملايين من البشر على أرض العراق وأنتجت (قواطعاً) و(فيالقاً) و(جيوشاً) من شواذ الآفاق والخانعين والأمعيين والأبطال الجبناء والانتهازيين والنرجسيين والقتلة والسراق والساكتين عن الحق والمسطحين والتافهين ومئات من الأحزاب (البيتية والعشائرية وعصابات الليل والدولار) وموديلات من رجال الدين المرسلين والمصنعين من وفي دهاليز الظلام والغباء ومدارس الحملة الإيمانية ودوائر العراق في (دول الجيران الشرفاء)ممن آلوا على أنفسهم تحرير العراق من شعبه أطفالا ورجالا ونساء.
     وهكذا يا عراق؛ أربعون عاماً يلقن الأطفال منذ الرضاعة مبادئ الإلغاء والإقصاء، وإنهم أحفاد أمة ولا غيرها من أمم، وفرسان للقتل والأبادة والأنفلة وافتراض العداوة لكل الشعوب والملل!. وان القائد الملهم هو الإله الأصغر وليس غيره أو مثله بين البشر، فبه تنهض الأمة وتتوحد الدول!
     إن ما يحدث اليوم بعد سنوات من انهيار ذلك النظام إنما يعبر عن منظومة فكرية وتربوية وسلوكية أختزنها مئات الآلاف من البشر إن لم يكونو ملايينا، وأعراضُ أمراضٍ مزمنة ابتلى بها الملايين من سكان بلاد ما بين النهرين عبر مئات السنين.
     إن المشكلة باعتقادي لا تنحصر بطبيعة الأنظمة السياسية التي توالت على إدارة هذه البلاد، لأنها تحصيل حاصل، ونتاج لتربية وتثقيف خاطئ أمتد من المنبر والمضيف والمقهى ومن ثم من المدرسة ومناهج التربية والتعليم والمئات من الكتب الدينية والتفاسير الخاطئة والأجتهادات الظالمة لرجال الدين، البعيدة عن فلسفة الأديان وأشراقاتها والخاضعة لتأويلات أولئك الذين استخدموا الدين حصاناً لتنفيذ مآربهم وظلاميتهم، وصولا إلى الأسرة ومن ثم إلى المجتمع عموماً. وبذلك تم أنتاج مفاهيم وسلوكيات لا تنحصر بالعمل السياسي فحسب، بل تمتد لتشمل مجمل نواحي الحياة الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والدينية، لتأتي النظم السياسية نتاج لها.
     ولعلنا بقليل من التساؤلات نضع أصابعنا على مواقع الألم، وربما يكون ما حدث في نيسان 2003 هو الطريق الصحيح للانتقال إلى مرحلة العلاج إن امتلكنا شجاعة التشخيص وإرادة المعالجة والإصرار على الشفاء.
     أليس من المأساة ونحن نعيش في كيان واحدٍ يستصغرُ وينتقص أحدنا من الآخر؟
     ثمانون عاماً ومعظمُ السنة يكفرون الشيعة ويتهمونهم بالولاء لدولة غير العراق؟ ويعتبرونهم خارجين عن العقيدة ومشركون بالله؟
     ثمانون عاما ومعظمُ الشيعة يتهمون السنة بمسؤوليتهم عن اغتيال الأمام وذبح الحسين وأفراد أسرته بعد أكثر من ألف عام؟ وأن إسلامهم ظاهر وأيمانهم مبتور وعقيدتهم ناقصة؟
     ثمانون عاماً يلقن الملايين بكفر الشيعة وعداوة السنة لآل البيت ونهج الأمام؟
     ثمانون عاماً ومعظم السنة والشيعة لا يعرفون عن الكورد إلا أنهم عصاة ومخربون؟ وجبال ونكاتٌ وانتقاص حتى أوهموا أنفسهم بأنهم أعداءٌ وجب قتالهم كل حين؟
     ثمانون عاماً من التربية والتثقيف بأن العرب وحدهم أسياد العراق والآخرون عبيد وأملاك؟
     ثمانون عاماً والسنة وحدهم يقررون مصير العراق وشعوبه ومقدراته؟ وما على الآخرين إلا الإذعان والانسياق؟
     ثمانون عاماً ونحن دون مواطنة لأن الكورد مخربون والشيعة كفرة مارقون والسنة أوغاد مجرمون والمسيحيون بلا هوية لأنهم ذميون وكذا الصابئة والآيزيديون، والتركمان والكلدان والآشوريون؟
     ثمانون عاماً ونساؤنا جارياتٌ وعبيد؟ والمرأةُ حرمةٌ مهدورة الدم ومباحة الحدود؟ مهانةٌ في إنسانيتها، مغلوبة في أمرها، مسلوبة في قرارها، مثلومة في كرامتها، تارة باسم الدين وأخرى بالتقاليد، والدين براءٌ في أصله بالتحديد؟
     ثمانون عاماً تحكمنا أعراف القرية وتقاليد الأشقياء والأغبياء، ونواميس الجاهلية والبداوة؟ 
     ثمانون عاماً من التغييب والتسطيح والتجهيل والإلغاء والإقصاء والتكفير والإعدام لكل من يخالفنا الرأي والأصل والدين؟
     ثمانون عاماً والسرقةُ شطارة ورجولة وأموال الدولة غنائمٌ مباحة أو مكاسب متاحة، والنهب والسلب أعراف تبيحها قوانين الغزو والإطاحة؟
     بعد كل ذلك هل من سؤال لماذا يجري ما جرى منذ إنهيارالنظام، ولماذا سرقنا أنفسنا ونهبنا أموالنا وحرقنا مكتباتنا ومتاحفنا، وحتى مدارسنا وجامعاتنا؟ ونحرق كل يوم نفطنا وكهرباؤنا، ونقتل أساتذتنا وعلمائنا وأطبائنا؟ ونخطفُ الرجال والنساء ونقايضهم بالمال والإذعان؟
     من له (إذن) مصلحة في كل ذلك؟؟ على أن لا نتهم الإمبريالية والصهيونية على عادتنا عبر ثمانين عاماً؟ ونجعل من الأمريكان وغيرهم شماعة لضعفنا وجبننا وقصورنا وقلة حجتنا وتخلفنا وازدواجيتنا ونفاقنا، وحينما ندرك حقيقة الأشياء والظواهر وبواطنها وأصولها، وأننا شركاء في بلد ما زال أسمه العراق، ولسنا نزلاء فندق لمالك بعينه، حينها سيكون العراق عراق(!).[/b][/size][/font]
 
 

435
هيئة الأعراب
والدفاع عن شــــــريعة الغــــاب
كفاح محمود كريم
kmk_info@yahoo.com
               
             في سلسلة محاكمة الرئيس السابق ورجال حكمه وحلقاتها التي ربما تمتد أشهر وسنوات إن أمد الله بعمره وأطال طلته علينا وزادنا من فضائل فكره وفلسفته وأنعم علينا بنصائحه ومواعضه، وذكرنا بأنه ما زال رئيسنا، وعَيَرَنا بأنه كان يحكمنا منذ أربعين عاما.
    وبصرف النظر عما جرى ويجري من مجريات الأحداث في صالة المحكمة التي ما برح رئيسنا القائد يذكرنا بأنها واحدة من منجزاته ومكاسب ثوراته، وفيما يتعلق بأداء القاضي الأول والثاني وأجتهاداتهما في التعامل والتعاطي مع المتهمين بليونة أو خشونة وكيفية إدارة المحكمة وهامش الحرية الممنوح للمتهمين في التعبير عن آرائهم ونظرياتهم وتحويل صالة المحكمة إلى ما يشبه تلك الصالات التي كان رئيسنا الضرورة يطل من خلالها على جماهير الأمة العربية المجيدة ورعاع شعبنا العراقي المتخم بمبادئ الحزب والثورة ومتابعة أحوال الأشقاء في جيبوتي والصومال والرفاق المناضلين في أريتيريا وعرب الجنسية في بلاد الشام والبوابة الشرقية للأمة. فأنها محكمة ربما تكون الأولى من نوعها في تاريخنا منذ مئات السنين أو ربما أكثر، فلم يذكر لنا التاريخ وكتابه إن أميراً للمؤمنين أو مليكا أو أميرا مبجلاً أو رئيسا قائدا أو غير قائد (وهم قلة قليلة) قد حوكموا كما يحاكم رئيسنا الضرورة بهذا الشكل الممتع، بل تعودنا على إنهاء الخلاف بدقائق وإن تكرمنا بساعات وبضربة سيف أو فقع عين أو محاكمة ثورية باسم الشعب الذي فقد أسمه منذ مئات السنين وأعطى وكالة عامة بالتصرف نيابة عنه لزعمائنا وقادتنا الميامين، وفي كل محاكماتنا التي جرت لتغيير الملوك والرؤساء كانت منظومة التهم جاهزة وموروثة وهي الخيانة العظمى والعمالة للاستعمار والرجعية والشيوعية ولا حاجة للمتهم بمثل هكذا أعمال أن تتأخر محاكمته أكثر من دقائق أو ساعات ومن ثم إرساله إلى الجحيم بمن معه كما حصل لأولاد الشريف حسين المستقدمين لإدارة العراق من أرض الحجاز لعدم ( توفر هكذا ملاكات آنذاك في بلد أنجز الكتابة والعجلات قبل آلاف من السنوات ) وما حصل للزعيم الأوحد في أولى محاكمات البعث لشعوب العراق، حيث أنجز الرفاق المناضلون مهمتهم الثورية خلال ساعات أو ربما أقل وأرسلوا كريمنا الأمين ورفاقه الميامين إلى الجحيم بتهمة الخيانة والشعوبية والكفر والإلحاد.
   إذن يبدو إن (الشغلة) جديدة علينا نحن المحكومين منذ مئات السنين ولم نسمع أو نشهد إلا ما أنجزته حضارة (المنحرفين) في غرب الدنيا، حيث لا كبير عندهم إلا الدساتير والقوانين، وإننا إن اختلفنا فالحد بيننا السيف والدم.
   يبدو لي إن مداخلات الرئيس السابق ورجال حكمه وأسلوبهم المسرحي في الحديث والأداء، هناك ما يبرره على خلفية ثقافتهم ونمط تفكيرهم وسابق علاقاتهم بالأخوة الأعداء ممن استباحوا العراق أرضا وشعبا ومن تجربتهم معهم في عاصفة الصحراء أو كما يشتهي صناع الشعارات (أم المعارك)، حيث اكتشفوا بأن الرئيس القائد شيطان عاقل وهو أفضل ألف مرة من شيطان أحمق ( على ذمة الراوي )وعليه قرروا أن ينتصر الجمع المؤمن على ثلاثة وثلاثين جيشا ودولة، وتستمر مأساة شعوب العراق بين حصار العالم وحصار القائد الملهم وشعارات الصبر والصمود والعبور.
   في هذه المحكمة كانت ملة الكفر واحدة، فالأعراب هم الأعراب ما تغيروا ورب الكعبة منذ سيدهم أبا لهب وأبا سفيان وحتى قائدهم بطل التحرير القومي، رغم أن الكثير اعتقدوا في مرحلة ما بعد تحرير الكويت إن تغيراً جوهريا أصاب مواقف الكثير منهم، إلا إن الأحداث التي تلت سقوط بغداد ومعها انهيار وهروب (القيادة السياسية للحزب والثورة)، وتبعثر أشلاء حزب كان يظم الملايين من أعضاء السخرة والأنكشارية، وتبخر مقولات القائد الهمام في إعطائه قطعة أرض بجوار إسرائيل التي سينهي وجودها خلال ستة أشهر وما إلى ذلك من مخدرات المبادئ والشعارات.
    بعد كل ما حدث من زلزال أو تحرير أو احتلال أو ما شئتم أن تسموه في نيسان 2003 توضحت الأمور أكثر لدى أولئك الذين يعولون على دول الأعراب ونظمها وإمكانية التعاطي معها، خصوصا ما كان منها ملاذا آمنا لقوى وشخصيات معارضة أو مختلفة مع نظام الرئيس صدام.
    فمنذ الوهلة الأولى انبرى أقصى اليسار وأقصى اليمين في دول الأعراب للتعاطي مع بقايا وأشلاء النظام الهارب والمنهار واستقبال عناصره وغنائمهم، فمنهم من أستقبل عوائل (آل الرئاسة) وما خف حمله وغلى ثمنه ومنهم من حول بلاده إلى ضيعة لحالمي العودة إلى دولة البعث، ناهيك ما تفعله وسائل إعلامهم منذ فجر التاسع من نيسان وحتى أن أصبح العراق حمامات دماء بفعل إصرارهم على تسطيح العقول وتشنيج العواطف والعبث بمفاتيح الغرائز لتخريب العراق وتحقيق نبوءة صدام بأن العراق سيصبح حفنة تراب إذا ما أسقط نظامه، وقد تلاحقت الأحداث وكأنما هناك تناغما بين جميع دول العشائر والقبائل، فأطلق صدام سراح مئات الآلاف من القتلة والسراق والمغتصبين وناكحي المحارم وشواذ الآفاق والأخلاق عشية احتلال العراق، وفي المقابل أطلق سراح المئات من تجار المخدرات والمهربين وتجار السياسة والانقلابات في أحدى دول الجوار من الأعراب شرط تسفيرهم إلى أرض العراق لإعانة الرفاق، وبدلا من (عوجة) واحدة أصبح لدى الرفاق عشرات العوجات من عمان إلى الرباط مرورا بدمشق وحلب ودبي وأبو ضبي وقطر وكثير كثير من فرسان ورايات الأنفال والمقابر الجماعية وحراس البوابة الشرقية.
    إذن؛ هيئة الدفاع عن السيد الرئيس صدام حسين ورفاقه كما يحلو لرئيسها في تسميتها تداعى لها سدنة الحضرة الأعرابية وقابضي كوبونات النفط من كل الأرجاء، فذاك من عمان وشقيقه من قطر العروبة والجزيرة وثالثهما ممن يطربه مزمار الملوك وتفزعه سيوف الحروب وشقيقتهم المصون رفيقة القائد أيام العز والقصور ورابعتهم في الطريق وخامسهم خادمهم المطيع كبير قضاة الأخوة الأعداء ومن يدري من سيأتي بعد ذلك حينما يحتدم الوطيس.
    ورغم أيماني المطلق بالعملية القانونية والقضائية وسير أحداثها وعدالتها وإيماني بأنه للمتهمين حقوقاً لاتقل عن حقوق المدعين في المحكمة، إلا أني أرى إننا لا نحاكم شخصا بذاته لجريمة جنائية مجردة مما يحيط بها من أفكار وسلوك وإصرار إلى هذا اليوم من قطاعات واسعة من الناس، خصوصا إذا ما تمعنا في دفوعات المتهمين من أنهم كانوا ينفذون واجبات وطنية ودستورية حسبما جاء في قوانين ودستور العراق أبان حكمهم وعليه كنت أرى أن تنظر المحكمة في شرعية النظام بمجمله منذ اغتصابه للسلطة بقوة السلاح والتآمر يوم 17 تموز 1968 ومحاولة عناصره في اغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم التي أعترف بها صدام حسين جهارا أمام المحكمة في جلستها الخامسة عشر وكل التجاوزات القانونية منذ استيلائهم على السلطة اغتصابا وحتى جريمة هروب القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية في نيسان 2003. وترويج دعاوى وقضايا القتل والاغتيال فيما بينهم منذ انقلابهم وإفشائهم لأسرار الدولة العراقية لأشخاص أجانب ممن كانوا يشاركوهم في حكم العراق فيما عرف بالقيادة القومية، إضافة إلى قضايا إشاعة الأفكار العنصرية والشوفينية وتكفير المذاهب والأديان الأخرى والخيانة العظمى مع الكورد منذ الأشهر الأولى بعد اتفاقية آذار عام 1970 وتخليهم عن أراضي عراقية لدولة أجنبية فيما عرف باتفاقية الجزائر.
    إن هيئة الدفاع عن صدام حسين ورجاله لا تدافع عن شخص الرئيس وجماعته بقدر دفاعها عن نهجه وأسلوب حكمه وتفكيره وطبيعة نظامه القائم على الشكل الذي عاشه العراقيون منذ 1963 وحتى هذا اليوم، وأقول هذا اليوم لأنهم ما زالوا يحكمون الناس بنفس الأسلوب والتفكير والأبادة والتقتيل وإشاعة الرعب والإرهاب والاغتيال والاختطاف والتعذيب سواء ما كان من خلال ما يسمونه بالمقاومة أو من خلال عناصرهم التي زرعوها في أجهزة الدولة الجديدة والتي تمارس نفس السلوك وبمسميات مختلفة.
    إن هيئة الدفاع عن النظام السابق، إنما تبرر وتصوغ وتشرعن كل ما جرى في العراق وفي كوردستان من إبادة جماعية للطبيعة والإنسان وتعتبر مئات الآلاف من ضحايا الأنفالات وحلبجة والجنوب والأهوار من النساء والرجال والأطفال، مجرمين استحقوا الموت الزؤام لما اقترفته أيديهم ضد دستور دولة البعث والأعراب وهي تقر وتعترف بأن كل ما حدث كان لحماية الثورة وحزبها مع الإصرار والترصد.[/b][/size][/font]

436
جامعة الأعـــــراب ومؤتمرات الأزلام والأنصاب
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com   

           حينما تداعت إمبراطوريات القبائل وتقزمت لتتحول إلى غنائم تقتنصها بيوتات وعشائر من الأعراب حتى غدت دولا وممالكاًَ في مشارق الأرض ومغاربها ، لا تجمعها إلا الغزوات والولائم وجمع الأموال والنواعم ، حتى ظهر ( السم الأسود ) فقامت الدنيا ولم تقعد ، وأنجبت فرسانا وجيوشا وعسسا ، وسلاحا وعتادا ، يكفي الدنيا أرضا وسماءً (!) وأنتجت ملوكا ورؤساءً لا مثيل لهم في الأرض ولا في السماء ، فهم المنقذون والملهمون والقادة المؤمنون ولولاهم ما بزغت شمسا ولا اخضرت أرضا ولا رقرقت مياهاًً ولا هبت رياحاً (!) .
    وعلى عادة عشائرنا وشيوخها ، فأن لكل شيخ ( ربعة ) أو ( مضيف ) يجتمع فيه الناس ويتداولون في أحاديثهم أحوال الأمة وأحداثها ويمضغون التاريخ مضغا كما يفعل أشقاؤنا من عشائر اليمن السعيد ( جدا ) وبالتأكيد فالجميع في ( الربعة ) ينهالون على الشيخ مدحا وتدليسا ، حتى ينتصف الليل أو يقترب فيغادرون إلى أعشاشهم كما جاءوا .
    وحينما اكتملت العدة والعدد وغدت الجيوش فيالقا ومدد ، وأصبحت البيوتات والعشائر ممالكا وجمهوريات ، تداعى قادة ( الأمة ) وفرسانها إلى جامعة ( عكاظية ومربدية ) يتبارى فيها قادتنا العظام شعرا وخطابات ، شتائما وتبويسا للحى ، ومن ثم ولائم تنحر فيها مع الحباري والغزلان ، شعوبا وآمال .
    وصنعت لنا الأزلام والأنصاب جامعة للأعراب ، يتداعون إليها كلما اهتزت عروشهم وضربت الرياح مرابعهم ومضايفهم أو قلة ( خرجياتهم ) فتستقبلهم قاهرة الفقراء وارض العظماء في مرابع من حرير ( والذي منه ) حتى تمتلأ الكروش والجيوب وتستقر الغرائز والنفوس فتستنفر الفيالق والجيوش وينادى الله اكبر للجهاد ، فتندفع جموع الفيالق والمجاهدين ( بحماوة الشعر والخطابات ) وبركات أحفاد آلهتنا ( هبل والعزى واللات ) ، وتقتحم العساكر جبالا وصحراوات لتحرر أرض الميعاد من الصهاينة الأنجاس والأشتات .
    وهكذا عبر أكثر من ستين سنة وعشرات من المؤتمرات ومئات من العزائم والحفلات وآلاف القصائد والأغاني والخطابات وترليونات من العتاد والسلاح والدولارات وملايين من المعاقين والشهداء وآلاف مؤلفة من السجون والمعتقلات أنتجت شعوبا مشوهة في الشكل والمضامين ، مسطحة في الإحساس والتفكير ، غائبة في حضورها ، مستلبة في إرادتها ، مغلوبة في أمورها ، قدرية في تحليلاتها ، خانعة ، مستكينة ، لقضاء وقدر آلهتها التي ما تبدلت منذ سيدنا أبا لهب وحتى قائدنا الملهم حفظه الله وأطال عمره حتى نموت جميعا ؟
   هذه جامعتنا أيها الأعراب منذ بدأت أسواق الشعر والنخاسة في عكاظ والمربد ، حتى بيعت في أروقتها عشيقتنا فلسطين بأبخس الأثمان، وتداعت إليها كل عفونة الأزمان ، منذ اغتيال الراشدين وإمامهم أبا حيدرة وحتى محرقة حلبجة واجتياح كوردستان .
    أيها السادة الكرام ؛ ماذا أنتجت جامعة الأعراب في مؤتمرات الأزلام والأنصاب ؟
  دعونا نستذكر ألاف القرارات والتوصيات ومئات المنظمات والاتحادات وآلاف مؤلفة من الاجتماعات والندوات والمهرجانات والعشرات العشرات من المقرات والبنايات وملايين الأطنان مما لذ وطاب من الأكل والمشروبات (!)
  تذكروا أولا وقارنوا بين ما كانت عليه ( عشيقتنا ) فلسطين قبل قيام جامعة الأعراب وبعد عشرات السنين وما رافقها مما ذكرتُ من جدول حسابات ازلامها والأنصاب ؟
  غايتها وعلى ذمة قادتها ، الوحدة والتحرير ، فكم كانت دولها قبل التبرك بقيامها وكم أنتجت بعد بركات انبثاقها ؟
  يقول مؤسسيها وورثتها : أنها للتعاون والتقدم بين أقطارها ، وإشاعة علاقات الأخوة والتضامن من منطلق التاريخ المشترك والدين والثقافة وأواصر الدم والقرابة (!؟) وفي كل ( مؤتمر قممي ) يضمن هذا النص المقدس حتى سحقنا الكويت ولبنان والأماغيز وجنوب السودان وأنفلنا وأحرقنا كوردستان ،وأستباحينا الأرض والمال والشرف والإنسان وحولنا شعوبنا ( التي ولدتهم أمهاتهم أحرارا) إلى عبيد وقطعان ، تقودهم العصبيات والغرائز والاستكانة ومركبات النقص والأنانية والحرمان (!)
   ماذا بعد يا جامعة الأعراب ؟
  عشرات المنظمات والأتحادات للطبالين والزمارين في أروقة قصور الأزلام والأنصاب ، وآلاف من وعاظ السلاطين في دوائر الدعارة السياسية وأعلام السمسرة والنفاق والتدليس ؟
  ومئات من الاتفاقيات في السياسة والاقتصاد والدفاع المشترك أنتجت مئات المؤامرات وعشرات الحروب البائسة من حرب فلسطين الأولى وحتى ( حرب تحرير العراق )  ؟
       وبعد يا جامعة الأزلام والأنصاب ؟
   أربعون عاما يذبح العراق في جنوبه وفي كوردستان وما ( اهتزت شواربكم ) ولا تحركت في مشاعركم غيرة أو نخوة كما تدعون ؟
   ثلاثون عاما يُسحق لبنان وتستباح حرائره ويستعبد فيه الإنسان ؟
   أربعون عاما أو أكثر يمسخ الشام ويستهان بأصايله من الكورد والعربان ؟
   ويسحق الجنوب ويهان الشمال في السودان ؟
   وكذا مغارب عالمكم ومشرقه ما كانت أفضل حياتهم ولا الأحوال ؟
   ستون عاما أو تزيد تنتهك ( عشيقتنا فلسطين ) في اليوم ألف مرة ، وأنتم كما قال النواب ( أولاد ...... هذي عروس عروبتكم ! ) ؟ فماذا فعلتم ؟؟؟
        وبعد يا معبد الآلهة وسدنتها  ( عبد الرحمن عزام باشا (1945 ـ 1952) ـ محمد عبد الخالق حسونة (1952ـ 1972) ـ محمود رياض (1972 ـ 1979) ـ الشاذلي القليبي (1979 ـ 1990) ـ أحمد عصمت عبد المجيد: ( 1991ـ 2001) ـ عمرو موسى ( 2001 ـ حاليا ) الأحياء منكم والأموات كيف تقرأون الآن خارطة البلدان وحال شعوبها وما آلت إليه حواراتكم في مؤتمرات الطرشان ؟
    عذراً وعاظ السلاطين ، فأنتم أتقنتم المهنة وتعلمتم وبقينا نحن ، أكثر من نصف شعوبنا من الأميين (!)
    عذراً معاشر الطبالين والزمارين ، فأنتم أجدتم ( أكل الأكتاف ) وبقينا نحن ، أكثر من ثلاثة أرباع شعوبنا نسكن أكواخا من طين وخيام في بلاد من حريرونفوط وأنهار وأطيان ؟
    عذراً حيتان بلادنا الأفاقين فقد أحسنتم اللعبة وتركتم شعوبا من ( المهووسين ) يتاجرون بالشعارات ومخدرات المبادئ وطقوس عبادة القادة العظام ؟
    وعذراً أيها العراقيون إن حاولتم الخروج من هذا السرب فأنتم تذبحون من الوريد إلى الوريد ويقتل فيكم ألف حسين في اليوم وما ( اهتزت شوارب الأعراب ) ، قالها يوما أحد أنصابهم وكان يسقط ما في دواخلهم على الآخرين ؟
    عذراً سادتي الكرام فهذي جامعة الأعراب ستبقى إلى حين ، وربما نلتهمها ذات يوم ، كما كان يفعل أجدادنا العظماء ( فيعلسون - يمضغون ) آلهتهم ويصنعون أخريات من الأنصاب ، وحتى ذلك الحين حيوا معي الطبالين والزمارين والأفاقين والمتملقين والحيتان ورجال الكوبونات النفطيين ووعاظ السلاطين من أزلام وسدنة جامعتنا ومؤتمراتها القممية العتيدة . فهم رموز ( الأمة ) وعناوينها وكتابها وإعلامييها وفضائياتها ومنظري إيديولوجياتها الوحدوية من الأنفال وقبورها الجماعية على أرض كوردستان وحتى أم المعارك الخالدة (!) .[/b][/size][/font]

437
مصطفى البارزاني : خلاصة التاريخ
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com
           
       ليس من السهل ولوج حياة رجل اختزل تاريخ شعب عبر أكثر من ألفين وسبعمائة عام ، لكنه ببساطة الحكماء أوحى لنا جميعا بأن الحياة رغم تعقيداتها أصغر من أن تعترض إرادة الإنسان وتحدياته الصادقة . لقد شق طريقه عبر قساوة الطبيعة والحياة واتجه نحو الشمس ، حاملا راية الحرية لشعب يمزقه ظلام التخلف والاضطهاد .
     لم يكن البارزاني مصطفى مجرد ثائر يقود شعبه للأنعتاق ، بل كان سلسلة من حقب الأزمان منذ كاوه الحداد وحتى انتفاضة آذار ، لقد أختزل تاريخا وأختزن سلوكا أصبح فيما بعد نهجا ومدرسة للتربية والأخلاق ، وفلسفة في التعامل والتعاطي مع مستجدات وثوابت الحياة .
     لقد أدرك منذ البداية بأن شعبه أرق من نسمات الصيف في أعالي هورمان وأصلد من جبال كاره وحصاروست ، وأن وطنه تشكيلة من التضاريس الحادة والمتناقضة بين تخوم حمرين وشنكال جنوبا وحدود آسيا الصغرى شمالا ، فأندفع بكل ثقل التاريخ وأرثه باتجاه الشرق عله يجد ضالته بين أحضان مهاباد ، فكانت خطوته الأولى باتجاه الشمس .
     هناك كان المخاض الأصعب والولادة الأعسر والقرار المستحيل ، اجتمعت فيه كل وحوش الشرق المفترسة حاملة معها جوع العنصرية وفقر الشوفينية وانتهازية الرفاق الحمر آنذاك ، متربصة تلك الولادة لتنقض على الوليد افتراسا وتمزيقاً .
      في قلب هذه التراجيديا كان البارزاني مصطفى قد أدرك استحالة ديمومة الوليد في طوفان من الهمجية والبربرية ، فتداعت الأحداث واندفعت قطعان البهائم الهائجة لتفترس وتسحق فرسان الشمس ، ولأنه أدرك كل ذلك فقد حمل الوليد بين أضلعه وأندفع مع ثلة من رجال الشمس في كل اتجاهات الأرض من حوله شاقاً طريقه المعروف في رحلته الأسطورية إلى وطن الرفاق الحمر ، ليستقر هناك في استراحة الثوار وليمنح ذلك الوليد فرصة النمو والحياة .
       
       لم تكن سنوات الأبعاد إلى ( الاتحاد السوفييتي ) إلا مرحلة للتأمل والتهيؤ لحقبة خطيرة في تاريخ هذا الشعب الذي سيبتدا أولى خطواته نحو تحقيق ذاته في خضم عالم مليء بالتناقضات والأستقطابات في دنيا الحرب الباردة التي جاءت على أنقاض حربين قذرتين لتقاسم ( العبيد ) و ( الغنائم ) من إمبراطوريات ودول القبائل والعشائر . وكان أهم نتاجات تلك الحرب الباردة ما أطلق عليه في أدب شعوب الشرق بالثورات والانقلابات التي جاءت بأنظمة إما مصنعة بالكامل في دهاليز ودوائر المتصارعين الكبار أو تم احتوائها لاحقا من قبلهم .
        وقد أدرك البارزاني هذه الحقائق قبل عودته إلى بغداد عاصمة ( الجمهورية الخالدة ) التي عاد إليها بعد تغير الشكل وبقاء المضمون ، وكان يعرف جيدا إن إقامته في الجمهورية الأولى ليست طويلة وإنه ذاهب إلى حليفه الأبدي وحضن وليده الذي خرج به قبل اثنتي عشر عاما .
         
        يقينا كان البارزاني في تأملاته يرى كاوه الحداد في وجوه أولئك الذين يحتضنون جبال كوردستان باحثين عن طريق إلى الشمس ، وقد أدرك بحسه التاريخي وتحليلاته العميقة إن الخطوة الأولى ستكون حتما من قلب كوردستان وليس من بغداد التي ما أن وصلها حتى اكتشف إنها واحدة من نتاجات الحرب الباردة التي أفرزتها حروب العبيد والغنائم وكان ( الوليد ) ضحية من ضحاياها .
     
         وكانت ثورة الخريف ( 11 أيلول 1961 ) بعد أكثر من ( 2661 ) سنة من ثورة كاوه الأول التي أزاحت ظلام العبودية والتي تبعتها مئات الثورات وأنتجت العديد من الأمارات والمشيخات لكنها لم تحدث خرقا تاريخيا وتحولا اجتماعيا كما أحدثته ثورة كاوه الثاني مصطفى البارزاني .
       كان البارزاني مصطفى رجلا ميدانيا ينتج الفلسفة ولا يؤلفها ويطلق عنان الثورة ولا ينظر لها ، كان بحد ذاته نوعا من السلوك والتربية والتعامل الإنساني الذي يقترب في تفاصيله من زهد الزاهدين وصوفية الناسكين ، كان يعمل جنديا وقائدا في آن واحد دونما أن يُثقلَ على حركة وقانون الحرب ، ويتحسس مشاعر العدو وأفراده ويفترض دائما أنهم ضحايا مجبرين ويوصي بجرحاهم وأسراهم حتى من كان منهم قاسيا في أدائه الواجب أثناء الحرب .
       ومنذ البداية أقر الفصل بين الأنظمة والشعوب وبشر الآخرين بأن مفتاح الحل هو الديمقراطية في تحقيق أهداف الشعب سواء ما كان منه في كوردستان أو في العراق ورفع شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان ، مؤكدا بشكل دائم بان العرب والكورد ضحايا الدكتاتوريات وأنه لا خلاص إلا باحترام حقوق الآخرين والاعتراف بهم .
       كان قائداً عنيدا ولكنه لم يوصد الأبواب في عناده أمام من كان يصارعهم حينما يرى مرونة في سلوكهم أو تغييراً في مواقفهم ، فهو لم يصارع من أجل إسقاط نظام سياسي واحتلال مواقعه ، كان يحمل آلام وآمال أمة ، وتاريخ وطن ، وجغرافية أرض مقطعة الأوصال ، لم تكن لديه أحقاد أو عقد شخصية تجاه نظام أو شخص ما بقدر تعلق الأمر بقضية شعبه . ولأجل ذلك كنا نراه مقاتلاَ صلبا وعنيدا وفي نفس الوقت حينما يتطلب الأمر الجلوس مع العدو كان كريما ورحيما بما لا يلغي العلاقات الإنسانية التي تدفع باتجاه تقنين الخسائر حتى لدى أعدائه .
       لقد أنتج مؤسسة قومية لا تقوم على أساس التنظير والأدلجة ووجهات النظر الفكرية وأرستقراطية الثقافة وصراع الطبقات بل تعتمد أسساً وثوابت عملية تتضمن الإخلاص للمصالح العليا للثورة والوطن وسلوكا أخلاقيا رفيعا ينحاز للأكثرية ويحترم الأقلية ، وأنتج قاسما مشتركا يجمع كل المنظومات الفكرية حوله ذلك هو النضال من أجل الشعب ومستقبله دونما أن يلغي دور الفرد وخصوصيته على حساب المجموعة . كان إنسانا واقعيا يدرك ويتحسس ويحترم مشاعر الأغلبية الأعظم من الأهالي وينحاز لهم على طول الخط وهو القائل أبدا ( إنني فقير وسأبقى مع الفقراء دوما ) والذين كانوا الأكثر في كوردستان دائما .
      لم يكن حزبيا بمعنى التحزب الضيق ، رغم كونه رئيسا للحزب ، فقد كان يترجم في سلوكه إبناً بارا لشعبه وخادما أمينا لمصالحه وكان يوصي دائما بأن الشعب أكبر من الحزب مهما بلغ ، وأن قوة أي حزب ليست في أعضائه بل في مؤيديه من المستقلين .
      البارزاني مصطفى لم يكن قائد ثورة فحسب بل كان تاريخا من الحكمة والفلسفة والزهد ومنظومة من السلوك والتربية والأخلاق .
      البارزاني مصطفى لم يكن رئيس حزب فقط ، بل كان مؤسسة قومية اكبر بكثير من أي حزب أو تنظيم سياسي فغدى بذلك رمزا تاريخيا لشعبه ولشعوب البشرية .
       كان بسيطا متواضعا أبعد نفسه عن هالات وبروتوكولات ( الرئاسة ) وبيروقراطيتها ومظاهرها وشخصية فذة ورئيسا قديرا حينما يتطلب الأمر وضع النقاط على الحروف .
       
       لقد أخترق أدق مشاعر وأحاسيس شعبه حتى حسبه الناس أبا وعما وأخا كبيرا .
       حقيقة لقد أقتنع الناس تماما بكل مشاربهم وشرائحهم وطبقاتهم واتجاهاتهم وأديانهم إنه خير ما يمثلهم ويعبر عن آلامهم وآمالهم .
        واليوم بعد أن أصبح رمزاً ونهجاً وعنواناً لتاريخنا المعاصر وحكاية شعبنا منذ كاوه الحداد وحتى يومنا هذا :
       هل وفينا الرجل حقه ؟
حقيقة : هل وفينا البارزاني مصطفى حقه ؟[/b][/size][/font]

438
تاريخ الهمجية
بين مذبحة الحسين ومحرقة حلبجة
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com

         ربما يتوقف البعض عند هيروشيما وشقيقتها ناكازاكي ليسجل للآخرين عنوانا للهمجية العسكرتارية الأمريكية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من اليابانيين لأجتهادات أولئك الوحوش من رجالات مراكز القرار آنذاك ، وربما يضع هذا البعض بداية للتوحش البشري بعد قرون من تطوره النوعي في معظم مجالات الحياة .
   ولكن ما بين مذبحة الحسين ومحرقة حلبجة تاريخ من الهمجية الفكرية والسلوك المتوحش الذي ساد أنظمة ومجتمعات عبر مئات السنين ، وخلف أنماطا بشرية متوحشة تفترس الأسوياء من بني آدم منذ ذبح الحسين حتى حرق آلاف الأطفال في حلبجة والأنفال .
    إنه تراكم من الهمجية والبدائية وموروث متعفن من العادات والتقاليد الموبؤة بالتسلط والنرجسية وإلغاء الآخرين وفرض سطوة الإرادة الأحادية بعيدا عن القيم الخلاقة والمجتمع الإنساني.
    ألم يذبحوا الحسين وأبناء بيته السبعين من الوريد إلى الوريد وهم أدرى العالمين بحقيقة الحسين ومن تبعه ؟
    ألم ( يؤنفلوا ) ذرية بيت رسول الله إلى يومنا هذا ؟
    كانوا يلاحقونهم من بيت إلى بيت ومن قرية إلى قرية حتى انتشروا في كل أصقاع الأرض وما نجوا حتى اللحضة (!) .
همُ الأعراب ما تغيروا ، منذ ( ألطف ) في كربلاء وحتى ( حلبجة ) كوردستان .
    ربما كانوا أحفاد أولئك الهمج الذين دمروا أول حضارة بشرية أقامها أجدادنا عند تخوم الخليج في ( أور ) وما برحوا يدمرونها حتى يومنا هذا (!) .
    في حلبجة كوردستان جُرحَ العالم برمته ، وأهينت حضارة الإنسان بعد أكثر من أربعة عقود من خطيأته الكبرى في أرض اليابان ، وسنين طوال من الجرح والألم وحقوق الإنسان ، يأتي الأوباش من خبايا التاريخ وعفونة الأزمان ، ليقتلوا الإنسان ويطفؤا قدحة الحضارة من جديد .
    هم الأعراب ما تغيروا ، وما بدلت أربابهم ، تناسخوا فكان أبن معاوية ( هبل ) عصره وغدى ( صدامنا ) اللات وأبن عمه ( العزى ) ، وماإختلفوا عن أجدادهم بل زادوا ، فوأدوا الكبار والصغار أحياء في صحراواتهم .
   في حلبجة كوردستان وأنفلة الكورد اجتمعت كل صراعات التاريخ وعفونة السلوك ولا أخلاقية الحروب والشعارات حتى بانت عورات الحضارة وجبن الادعاء ، وإيماءات الرضا وفضيحة السكوت ؟
   هل كانت أصوات أنيننا وعويلنا ونحن نحترق أو ندفن صامتين أضعف من أن يسمعها ( المتحضرون ) في القاهرة وبيروت والرياض والكويت وقطر والأمارات والجزائر وباريس وروما وبون وأنقرة والمغرب وتونس  ؟
   أم إن ( الأخوة ) كانوا منهمكين بقادسيات اللات والعزى وغنائم ( الأنفال ) ؟
   أين كانت جامعة الأعراب وعشائرها (  اتحاد المحامين العرب وأشباهه من الأفخاذ الأخرى ) من محرقة حلبجة كوردستان ومذبحة أبناء الحسين في انتفاضة شعبان ؟
   أين كانت منظمة مؤتمر ( مسلمي الجنسية ) على عادة الرئيس القائد في ( عرب الجنسية ) ، هل كنا يهودا ً أم صهاينة ، كما قال مدير حزب ( الله )  قبل أيام ؟
    وهل كانوا شيعة الجنوب فرساً مجوساً أم هم أيضاً أحفاد غولدا مائير وبن غوريون ؟؟

          في تساؤلاتي هذي لا أبحث عن الإجابات لأنني متيقن تماما إن صدام حسين ليس وحده صدام حسين الظاهرة والسلوك والتفكير ، ولكنني لا أريد تقزيم الأحداث وأسبابها ومسبباتها ومقارنتها مع مثيلاتها من الفواجع والمآسي عبر تاريخنا المؤلم المليء بالويلات والمذابح والدكتاتوريات المتعفنة عبر الأزمان .
          إن حلبجة لم تكن الأولى فيى هذا التاريخ القذر من الهمجية والبدائية والشوفينية المقيتة بل سبقتها حواضر كوردستانية أخرى، ففي منتصف السبعينات نالت ( قلعة دزة ) ما نالته من نار الهمجية الشوفينية ، وفي نهاية الستينات كانت كوردستان برمتها تحرق بالنابالم على أيدي هولاء ( الأبطال من جيش العراق وطياريه ورفاق العقيدة والرسالة الخالدة ) ونالت كرميان وبهدينان وشنكال وخانقين والشيخان ما نالته من أبشع عمليات الجينوسايد والتطهير العرقي وما تعرضت له كركوك منذ أن أكتشف فيها ( السم الأسود ) وحتى يومنا هذا .
          إن هذا السلوك الهمجي لم يكن حكراً على البعثيين وصدام حسين فقط ، فهو تاريخ معقد ومستنسخ وموروث عبر أزمان وأنظمة سياسية واجتماعية توالت على حكم هذه الشعوب عربية كانت أو كوردية أو غيرها . وما يحصل اليوم بعد سقوط هذا النموذج وتشبث أصحابه بعمليات القتل والذبح والتدمير ما هو إلا إصرار على بقاء هذا النمط من التفكير والسلوك الذي لا يزال يعشعش في أذهان الكثير من الناس الذين لا زالوا يعتقدون إن الكورد ( مارقون وعملاء وكفرة ) وإن الشيعة ( مشركون وشعوبيون ومجوس ) وإن السنة جميعهم ( أوغاد ومجرمين ) وما لم يتم استأصال هذه الأدران ستبقى دوامة الهمجية إلى حين .

مجدا .. حلبجة كوردستان طريق الجبال إلى الشمس
ومجدا أيها الأمام الشهيد أسطورة الحرية والإنسان .[/b][/size][/font]

439
إذا أردتم الحريمَ حرائراً ...
فحرروا الرجال !
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com     

       منذُ الأزل ، ومع اختلاف نظريات التكوين في ما بينها ، سواءٌ ما كان منها ديني أو من بنات أفكار البشر ، لم تنتقص هذه النظريات من شأن النساء ودورهن كقطب من قطبين لا ثالث لهما في النشوء والتكوين ، ربما تتجنى بعض التفسيرات للنصوص ( السماوية ) وتبتعد عن المعاني السامية لفلسفة الأديان في وصفها للمرأة ودورها في المجتمع ، إلا أن ذلك لا يعني تماما إن الأديان قد حولت النساء
إلى قطيع من العبيد ؟
    إذن ، دعونا نتفق أولا بأن هاذين القطبين كانا المؤسسين لمجتمعنا العاقل بصرف النظر عن أصول تكوينهما سواء كانا قردين أو حوتين على فكرة أخينا (جارلس دارون) رحمه الله أو كما جاء في كتبنا المقدسة إبتداءً من أبينا آدم وأمنا حواء وانتهاءً إلى ما آلت إليه الشراكة بين القطبين ، وتحولت السيدة حواء إلى ( حرمة ) والسيد آدم إلى دكتاتور بغيض (!) .
    وسواء اتفقنا أم لم نتفق فقد اتفقت معظم الأديان والفلسفات القديمة إن لم أقل جميعها على احترام المرأة وموقعها ، وتقديسها لدى الكثير من الشعوب في ميثولوجياتها الموروثة ... ولكن ؟
    مالذي حول شريكة الحياة إلى ( حرمة ) أو ( عورة ) الله يحشم (!)
    هل هي النظم الاقتصادية وتداعياتها عبر الأزمان ؟
    أم هي تلك المنظومة من العلاقات الاجتماعية التي أفرزتها ماكينة الاقتصاد وطبيعة البيئة والصحراء (!) والتي كبلت الرجل وجعلته أكثر عبودية لغرائزه ومن ثم ذكورته ؟
    هل كانت التفسيرات المزاجية والذاتية للنصوص الدينية التي تخدم في تأويلاتها مصالح الذكور سبباً في عبودية الرجل لذاته التي كونها من إلغاء ومصادرة بعض حقوق وإمتيازات شريكته ؟
    أم هو صراع سلطوي في الشراكة واتخاذ القرار ؟
مع كل هذه التساؤلات يبقى الرجل ( باعتقادي ) هو من يحتاج الحرية والتحرر لأن شريكته مسجونة في عبوديته (!) ، وعبوديته مجموعة متناقضة من أنماط السلوك والتصرف والادعاء وأمراض النرجسية والازدواجية .
      دعونا نتساءل بشفافية وقليل من الجرأة ، ربما نتعرف أكثر على أوجاعنا التي لم نعد نحس بها ؟
كم منا سمح ( لنسائه ) أن تفعل كما يريد هو أن يفعله بنساء الآخرين بصرف النظر عن النوايا ونوع السلوك ؟
كم منا أجاز ( لحريمه ) ترجمة أفكاره ( المخملية ) في التحرر والأنعتاق والمشاركة الفعلية في الأنشطة السياسية والثقافية والفنية بغض النظر عن توجهاته هو ؟
كم رجلٌ منا ( مهما كنا ) أحل لسجيناته حرية الاختيار دونما تأثير وضغوطات حتى ( الإقناع ) ؟
من منا لا يتهم المرأة ( المتحررة ) بالفريسة السهلة والخفيفة؟
كم من النساء قتلنا لمجرد علاقة أو دعاية أو وشاية لم تثبت كما جاء في القانون القرآني السامي ؟
كم منا يعتقد بأن الشرف سلوك رجالي كما هو نسائي ؟
كم منا يؤمن بأن الشرف صدق وأمانة وشجاعة وحرية لا مجرد أعضاء تناسلية فحسب ؟
كم منا يرفض ( بصدق ) هذا النظام الاجتماعي في أسرته ويعمل فعلا على استبداله ؟
    إذن ، التساؤلات كثيرة وربما تثير أوجاعنا التي تكلست ، ولكن الإجابات على ما سبق مهما كانت فهي بالتأكيد لا تخضع للقياسات العامة التي تمنحنا استنتاجات لبناء بدائل أخرى في هذه الحقبة من الزمن ، وعلى العموم فأننا أمام خيارين : إما أن يكون هذا النظام هو الأفضل لحد الآن على ضوء واقع الحال ، حيث أن القطب الثاني  ( يبدو والله أعلم ) راضيا عن هذه ( القسمة ) . أو إننا أمام ثورة اجتماعية كبرى تستدعي طاقات وتضحيات وأزمان ليست طبيعية ، وفي كل الأحوال علينا أن نتذكر دوما بأننا نعمل بأقل من نصف طاقاتنا وإحصائياتنا وأرباحنا ونستهلك أكثر من كامل حجمنا نساءً ورجالاً وتلك معادلة خاسرة تماما .
       وعلى ضوء ذلك لا زلتُ مصراً بأن الرجال هم أولى باسترجاع حقوقهم الإنسانية المحضة والتحرر من عبودية ألذات ( الأقوى ) وحينذاك ستكون ( الحريم ) حرائراً ولكن بعد حين .[/b][/size][/font]

440
كوردســــــتان بين علي كيمياوي  وحسن نصرالله !
كفاح محمود كريم
Kmk_info@yahoo.com     

           بداية ؛ افترضَ ( العريف أول أركان حرب )علي حسن آل مجيد أن سكان ( شمال العراق ) صهاينة أنجاس ومعادون للشعب والأمة ، للحزب والقائد ، معتمداً في افتراضاته هذه على مطالباتهم المتكررة لاستخدام لغتهم الأم في التعليم والمحادثة لِما في ذلك من كفرٍ وخروج على تراث الأمة ولغتها ( كونها لغة أهل الجنة ) وهذه اللغة من لغات أهل النار (!) ، كما إنهم يلحون على تولية أمورهم لأناس من بينهم ، وهذه أيضا منافية لمبادئ الأمة والحزب القائد ، والأهم من كل ذلك إنهم عملاء الإمبريالية والصهيونية والرجعية وما إلى ذلك ممن يقفون في الخندق المضاد لأفكار الحزب والقائد .
   وعلى أساس هذه المبادئ ابتدأ القائد المغوار ( علي كيمياوي ) وبتوجيه من الرئيس القائد والقيادة العامة للقوات المسلحة غزوته الكبرى ضد ( شمال العراق ) وسكانه من ( الصهاينة ) والتي أطلق عليها أسمٌ من الأسماء القرآنية المقدسة وهي ( الأنفال ) ، وبذلك أنهى صفحة سوداء من تاريخ ( شمال العراق ) بإزالته لأكثر من خمسة آلاف قرية مع سكانها ( أطفالا وشيوخا ونساءاً ، وينابيعا ملوثة   (بالصهيونية) وبيوتا وبساتينا وحقولا ومساجدا ) حتى بلغت أعدادهم أكثر من ربع سكان إسرائيل ، حيث أرسلوا إلى ( الجحيم ) كما قال الرئيس القائد أثناء استقباله ( لأعمدة القوم ) في اربيل أبان ( قادسية صدام المجيدة ).
وحينما شعرت القيادة السياسية بأنه هناك بقايا من ( صهاينة شمال العراق ) في حلبجة ، قررت أبادتهم بالأسلحة الكيماوية نهائيا ، فأطفأت حلبجة ومن فيها ، وبذلك تم تطهير القاطع الشمالي تماما من الصهيونية والإمبريالية والرجعية (!) .
       حقيقة أن علي حسن آل مجيد ( الرئيس العام في منطقة كوردستان أبان عقد الثمانينات من القرن الماضي ) لم يأت باستنتاجاته هذه من الفراغ بل ورثها متراكمة منذ قيام دولة العراق التي همشت وأقصت ثم ألغت تماما مكونين أساسيين من مكونات سكان العراق وهما ؛ الشيعة المتهمون على طول الخط بالشعوبية والصفوية والباطنية والمتعوية والتقيوية والرافضية والأشراك والعمالة لإيران المجوسية والشاهنشاهية والخمينية ، والكورد ( أبناء الجان والأبالسة ) المتهمون دائما وأبدا بالإمبريالية والرجعية والصهيونية والتمرد والتخريب . ¨
حتى نجحت هذه الأنظمة في إقناع أو إيهام كثير من الدول العربية ( وزعماء بعض أحزابها المناضلة ) بان هولاء الكورد والشيعة ما هم إلا شراذم منحرفة يعادون العروبة والإسلام (!) وهذه الصفات والتهم كافية لإرسالهم إلى الجحيم بالمفرد والجملة .
       إذن فالسيد حسن نصر الله مسؤول حزب الله في الشقيقة لبنان يعزف مارشات الرئيس القائد والعريف أول أركان حرب علي حسن آل مجيد ليبتدأ غزوة مباركة أخرى على كوردستان أو ربما ليهيئ لها الأذهان والعواطف الإيمانية الجياشة ، متناسياً أن شمال العراق وطن من أوطان المسلمين يسمى كوردستان حسبما جاء في دستور العراق المؤقت والدائم ، ويسكنه قرابة السبعة ملايين من البشر معظمهم من المسلمين الذين أنتجوا أكثر من خمسة آلاف مسجد وحسينية وجامع يؤمها ملايين من ( الصهاينة ) المسلمين (!) .
       ربما أراد السيد ( نصر الله ) أن يذكرنا ب ( شيعة صدام ) التي لا تختلف عن ( سنة ألزرقاوي ) ، فالجماعتين تنهل من نفس الينابيع ، وتعتمد أفكاراً وتنظيرات أساسها إلغاء الآخرين وأنفلتهم وإسقاط مركبات نقصهم على من يخالفهم في الرأي .
       ربما ( لكثرة مشاغله ومقاوماته وخطاباته وتفاهماته النيسانية ) نسي السيد مسؤول حزب ( الله )
أن شمال العراق ( كوردستان الحرة ) كانت وما زالت حضناً وحصناً أميناً وكريماً لأحفاد الأمام الثائر أبا عبدالله الحسين منذ قيام دولة العراق وحتى يومنا هذا .
       في تسعينات القرن الماضي أنتج ( الرئيس القائد ) دائرةً عُرفت بدائرة الأنساب والعشائر وألحقها بديوان الرئاسة ، ثم أصدر لها مجموعة من القوانين والتشريعات والأختام الرئاسية ، وباشرت أعمالها في إنتاج ( شيوخ التسعينات بموديلاتها الثلاث ألف وباء وجيم ) الحديثة والمعدلة .
ثم ما لبثت أن بدأت بإنتاج موديلات مطورة من ( أشجار النسب ) التي ظمت فوق أوراقها ( أشكالا وألوانا ) من البشر الذين رقتهم إلى أنساب غير أنسابهم زوراً وبهتاناً ، والخشية أن تكون تلك الدائرة ونتاجاتها قد استنسخت وانتشرت في أصقاع أخرى غير العراق .
       شعبُ كوردستان أيها السيد الفاضل شعب عريق بإسلامه ووطنيته وتاريخه الذي يُشرف الإنسانية جمعاء وهو جزءٌ من الشعوب العراقية الأصيلة التي تحررت تواً من نير الدكتاتورية والعنصرية والمذهبية المقيتة التي ما برحت ( شيعة صدام وسنة ألزرقاوي ) تؤجج نيرانها في كل حدبٍ وصوب من عِراقنا الجريح ، فلطفاً بنا أيها ( السيد ) واتقي الله فينا (!) .[/b][/size][/font]


صفحات: [1]