عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - عدنان أبوزيد

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / الحيرة الحضارية
« في: 18:12 25/09/2019  »
الحيرة الحضارية
عدنان ابوزيد

يُرصد خللٌ بين التصورات المثالية، وتطبيقاتها على أرض الواقع، ذلك انّ المقاييس التي بوجبها تُسن القوانين، وتُنظّم الحياة، التي تضع حدا للصراعات الايديولوجية والفكرية، باتت تنظيرية أكثر منها تطبيقية، وهو أمر انتبهت له أمم نجحت في تخطي اخطار الحروب الطائفية والقومية، والكراهيات المجتمعية.

المثال في هذا الصدد، أوربا. ففي المشاهد اليومية التي يعيشها العربي والمسلم، يرصد حقيقة انّ التباين الشاسع بين الثقافات وتعدد الانتماءات، لم يعد مقياسا يقف حجرة عثرة، في طريق ترسيخ آلية مشتركة للتفاهم، ومن ذلك ان الفرد الذي صقلته حضارة العصر، يشعر بالقوة في سلوك التسامح والصفح ومحاولة فهم الاخر، على الرغم من انه غير مؤدلج عقائديا، فيما أفراد شعوب أخرى، حضّها من التعليم أقل، وتتحمس لتعصبها العقائدي والفكري، تجدها تعيش في أوربا بنفس روح التشدد والغلو والانتقام والثأر، بل وفي فرض القيم والأخلاق الخاصة بفئة معينة حتى على المجتمعات الاوربية التي يعيشها فيها ضمن اقلية.

ثمة حاجة الى صياغة النظريات الجديدة في بلادنا، لصقل السلوك الجمعي، باتجاه ثقافة التساهل والمحبة، والتفاعل مع المختلف، حيث التجربة الناجحة في أوربا، تجعلنا ننسخ أمثلة، تساهم في بث الحماس بين أفراد مجتمعاتنا، ففي القارة البيضاء ومنذ القرن التاسع عشر، انحسرت بشكل واضح المفاهيم التي كانت تسيطر على الذهنية الغربية، في تحديد العلاقة بالآخر على أساس القومية والدين، وأصبح البديل هو الأداء، والانجاز.

انحسرت عن هذه الدول، على رغم شعورها، بتفوقها في مجالات العلم والثقافة والأدب على الدول الأخرى، العنصرية الأوروبية التي تعكس تفوق ثقافة ودين الرجل الأبيض، وانّ الذي يجب ان يقود العالم، الثقافة الاوروبية البيضاء المستمدة جذورها من حضارة الاغريق، وانّ الثقافة المسيحية يجب انْ تسود بحكم أجندتها الحياتية والفكرية وقدرتها على الاقناع.

عكس التسامح الأوربي، فانّ هناك حتى في داخل أوربا نفسها، من يصر على التمايز السلبي، متوهّما بانّ ذلك يمكنّه من التأثير والشعور بالبقاء، على الرغم من كونه أقلية مهاجرة، وهو سلوك ناجم عن التربية المغذية للتحجر والحذر من الآخر، والشعور بالنقص، او بالتفوق أمامه، ففي كلا الحالين، فان ذلك مدعاة الى عدم الاندماج، في المجتمعات الجديدة والعيش على الهامش فيها.

انّ أحد أسباب النجاح الأوربي، هو تجاوز الغلواء والذاتية، في التعامل بين افراد المجتمع، من مواطنين اصليين ومهاجرين، وهو عامل أهّل هذه الشعوب على الابتكار والخلق، وتحولها الى المعلم الأول للعالم، على رغم ندرة خطابها المؤدلج لكسب الاتباع، وانحسار أسلوب الوصاية على الدول الأقل شأنا، وكان ذلك سببا في تحولها الى بلدان تلونها الهجرات المتعددة والعادات والتقاليد المختلفة، القادمة من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب.

مع مرور الأيام، فان لا مفرّ من توقع اندماج واسع وجذري لثقافة أوربا التي كانت في يوم من أيام، تجد نفسها متميزة وهي الابنة المدللة للملك الفينيقي التي أغدق عليها الاله الاولومبي سيوس قوته وجماله وذكاءه، مع ثقافات المسلمين والهندوس والبوذيين والأديان الأخرى، في تجانس تاريخي بين تراث الشرق ودياناته وثقافاته ومنتجات الحضارات الهيلينية والمسيحية والعلمانية والإسلامية.

تأريخيا، فانّ ذلك حدث يوما على أيدي العرب المسلمين، في الاندلس، حين ذاب  العرب في الارض التي وفدوا اليها، وتعلموا ثقافتها، واكتسبوا رقة اهل الاندلس الأصليين، وتبادلوا معهم الثقافات، واصبحوا اكثر انفتاحا حتى من الأندلسيين أنفسهم، وتجاوزا في علومهم الميثولوجيا الدينية، الى العلم والفن والادب، واختلطت أفكار ابن رشد، فيلسوف قرطبة مع اطروحات توماس الاكويني، المعلم الأول للأوربيين.

يقود التسامح أوربا، الى إزالة السدود أمام الهجرات من الخارج، وبات توطين الاسلام في اوروبا الغربية، امرا واقعا يتجانس مع دين اوروبا التاريخي، المسيحية، ما يملي عليك التمعن كثيرا في قدرة الانفتاح لا الانغلاق، في بناء الحياة والكف عن الشعور بالنقص أمام الاخر، والتشكيك الدائم في أهدافه، واعتباره، عبر أفكار مسبقة متآمرا، يسعى الى تدمير ثقافتنا ومعتقداتنا.

2
شعوب وثِقت من نفسها بعد اليأس   

عدنان أبوزيد


تعصف الاحداث السياسية والأمنية، بالثقة التي يسعى العراقيون الى تعزيزها، سواء بأنفسهم، او بالقرار السياسي الذي يوجّه مقادير البلاد، بسبب خطاب اعلامي خارجي ومحلي، ورسائل نفسية، تتعمّد تعظيم الهواجس في الذات العراقية، لجعلها تنسحب على نفسها، وتنزوي عن الدور الوطني، وحتى الحياتي، ترقبا لإعلان مؤسف عن الاستسلام، بسبب الخيبة.

دروس التاريخ، تكشف عن انّ اغلب الشعوب صاحبة الإنجازات العظيمة، مرّت بمرحلة من انكماش الثقة في الذات والوطن، بسبب الحروب والاخطاء، والفساد، لكنها في النهاية، ظفرت، وتطوّرت، وباتت على مستوى واحد من القوة والتطور، مع الدول التي كانت في يوم ما، متفوقة عليها، بل ومستعمِرة لها.

استفاد العقل الأميركي من أزماته في الحروب الاهلية والاحتلال الأجنبي، وأعتق نفسه من الأفكار الملغومة في العنصرية والمناطقية، والانجرار الى العقد التاريخية باتجاه صناعة الديمقراطية بهياكل فولاذية، قادت الى استقرار كبير، أدى الى تطور في التربية والتعليم، باتجاه الانتاج والابداع والابتكار، وقادت الارادة القومية في التفوق، الى نقلة نوعية في الحياة، ولم يكن هذه التفوق، وليد قرار قسري، بل تدرج طبيعي بسبب صواب السياسات والخطط.

في روسيا، أدرك بوتين، انهيار الدولة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، فكانت المهمة الأولى له رئيسا لروسيا العام ٢٠٠٠، هي توحيد الشعب الروسي، قائلا ان "العمل الإبداعي لن يتم في ظل انقسامات داخلية وتشتت المجتمع"، ومعتبرا ان "مفتاح روسيا في الانتعاش والنمو يكمن في دولة قوية وذات سلطة".

اليابان، بعد الهزيمة النكراء خلال الحرب العالمية الثانية وتحولها الى أمة منكسرة وفقيرة، بتوقيع إمبراطورها لوثيقة الاستسلام وتعيين جنرال امريكي، حاكمًا فعليًا، أبرأت جروحها، لتصبح اليوم، الاقتصاد الثالث عالميًا بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين، بدخل قومي يبلغ نحو الخمسة تريليون دولار، والثالثة في تصنيع السيارات والأولى في صناعة الإلكترونيات، والدولة الأكثر إقراضًا للدول الأخرى.

ألمانيا بعد حرب الثلاثين عاماً الطائفية، بين البروتستانت والكاثوليك، والحرب العالمية الثانية منتصف القرن الفائت،
نهضت باقتدار بسرعة قياسية رغم عدم امتلاكها نفطا أو غازا أو أية موارد طبيعية أخرى، لكن استثمارها في التربية والتعليم، لخلق جيل يؤمن بالعمل والعلم، حسم الموقف لصالح إعادة الإعمار فائق السرعة، وتمكين الشعب من امتلاك أدوات النيوليبرالية القائم على اقتصاد السوق الاجتماعي لإعادة تشكيل الأموال والسير وراء سلطة مركزية، وحّدت الشعب الألماني.

الصين التي توجد اليوم، في كل مكان، وتصنع قطع غيار طائرات بوينغ 757 ، وتكتشف الفضاء بالصواريخ، وتجذب رؤوس الأموال، كانت الى وقت قريب، دولة زراعية متخلفة، تعاني من الكثافة السكانية الهائلة، بأكثر من مليار نسمة، معظمهم من الفلاحين، يسود بينهم الجهل والتخلف، ارتقت الى مصاف الدول المتطورة، بواسطة تحريض الفرد على النشاط والابتكار، بعد تأهيله بالتعليمٌ المجاني، ليصاحب ذلك السيادة الوطنية على الموارد، وتبني سياسة السلام، لطمأنة الدول المجاورة من النهضة العملاقة، فضلا عن إصلاح متدرج للاقتصاد و تطوير البنية التحتية والتصدي الحاسمٌ للفساد.

قائمة طويلة للشعوب التي بعثت تطورها وتقدمها من رماد الحروب والتخلف وروح الانهزامية، تسامت فيها الطاقة السلبية الى إيجابية، واضمحل انكماش الثقة، وسخّرت الحمولة المعرفية والارث التاريخي، الى دروس في التربية والتعليم عن كيفية إدارة الازمات، ليس على مستوى النخب بل على مستوى الفرد، الذي هو الأساس في تجاوز حقبة من الشعور بالخذلان والانهزامية، يُراد لها ان تطول.


3
المنبر الحر / مفخّخة في أمستردام
« في: 18:09 22/08/2019  »

مفخّخة في أمستردام

عدنان أبوزيد
 
لا يزال النصْب "العراقي" في العاصمة الهولندية، أمستردام، ويجسّد "أشلاء" سيارتين مفخختين جلبتهما منظمة ( أي كي في ) الهولندية للسلام، من بغداد، يجذب الزوار، مذكّرا بإرهاب عمّ أنحاء العالم، واستقرّ في العراق، بشكل خاص.

وإذا كان مستوعَبا، أنّ هذه النصب المتفرّد، المثير للمتابع الغربي، هو ادانة لعمليات القتل بواسطة تفخيخ الاشخاص والسيارات في الساحات العامة، لقتل أكبر عدد ممكن من الناس، الا انه يكشف عن غياب "الاستثمار" في العراق لمرحلة العنف التي مرّ بها، وانحسار كتابة التاريخ بالنصب والتماثيل، وصناعة الرموز، التي تساهم في وحدة الصف ونبذ العنف والفتن القومية والطائفية، عن طريق استذكار مآسيها وضحاياها.

وإذا كانت مفردة "المفخّخة" مخيفة بعض الشيء، للجمهور الغربي، غير إنّ عرْض هذه الهيكل الحديدي المتهالك، في ساحة (لايدسه بلاين) في قلب امستردام اضفى على المكان "روعة" خاصة، لأنه أصاب الغاية، عبر التقاط صورة "دخيلة" على البيئة الهولندية، "تذكّر الجميع بانّ السلام واجب عالمي، وانّ على الشعوب التعاون من اجل ذلك"، وفق مستطرق هولندي وصلت كلماته الى مسامعي، حيث أقف الى جواره.

استنهاض ذكرى الويلات، بالأشكال الجمالية والنصب الفنية، بات ضرورة تحتاجها مدن العراق، كي لا تنسى الأجيال، معاناة الآباء والاجداد، ولعل البلدان الاوربية سبّاقة في هذه المجال، فلم تترك موقفا تاريخيا، سواء في السلام او الحرب، إلاّ، وجسّدته بأمانة، اعترافا منها بأهمية تحويل التاريخ الى إشارات مادية حاضرة.
 
لم يعد التاريخ سجلا ورقيا في رفوف المكتبات، أو مخزونا رقميا في أجهزة الحواسيب، بل حالة يومية يعيشها الانسان
وهو يتجول في ميادين المدن الكبرى التي تضم صروحا ونصبا وحدائقا، تؤرّخ لحدث أو تذكّر بشخصية، فيما لم ينسحب
التاريخ العراقي الى الآن على الحالة اليومية، وساحات المدن، ليستقر الى حدود كونه كتابا مدرسيا، او بحثا في الجامعات، لا يتعدى في أهميته، حدود الدرس والبحث.

أنشأت اليابان متحفا للسلام في هيروشيما في حديقة قرب مكان سقوط القنبلة الذرية، يعرض تفاصيل الضربة التاريخية، ودمار المدينة، بأحدث الاجهزة السمعية والبصرية، وفق بناء معماري، مهيب.

وحوّلت حكومة المانيا الغربية ملجئا للحماية من الصواريخ النووية، الى متحف يصوّر فترة الحرب الباردة.
 
واقيم نصب تذكاري في واشنطن لضحايا الحقبة الشيوعية، لاستيعاب دروس الحرب الباردة، حيث "الشر والكراهية أديا إلى مقتل ملايين الأشخاص في القرن العشرين"، وفق تعبير الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، الابن.

بل إنّ الولايات المتحدة خلدّت ذكرى 4 آلاف كلب نفقوا في الحروب التي خاضتها خارج حدودها.

وفي لندن، يرتفع في الفضاء، نصب تذكاري لتكريم الحيوانات والحشرات التي تحمّلت المصاعب مع القوات المسلحة البريطانية.
 
لم تعد مسؤولية تسجيل الاحداث تقتصر على المؤرخ التقليدي، وحده، بل واجبا على الفنانين والمهندسين والمثقفين،
وحكومات المدن، والجامعات، من أجل كتابة التاريخ، لاسيما القريب منه، حيث الاضطراب الأمني والسياسي، يحول دون أرشفة الكثير من الاحداث المهمة، التي تشكّل حلقة مهمة في التاريخ العراقي.
 
لا تزال الفرصة سانحة، أمام روح الإبداع، فنيا، وادبيا، وهندسيا، في استحضار المنهج العلمي في تخطيط المدن والساحات، واغناءها برموز الاحداث القريبة، لاسيما تلك التي سببّت الآلام والاوجاع، للعراقيين، لكي لا يقتصر استذكارهم لمآسيهم وحروبهم، بزيارة قبور الضحايا والشهداء فقط، بل في رموز فنية وهندسية دقيقة الصناعة، تعيش معهم في كل الأماكن واللحظات.


4
الإعلام الجديد.. اجتماعي لا سياسي

عدنان ابوزيد

وضع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان إذاعة "صوت أميركا" في منزلة برامج غزو الفضاء من ناحية الأهمية لمصالح البلاد، وايصال الخطاب الرسمي، منتقدا الإهمال لهذه المؤسسة الإعلامية، وهو ما دفعه الى التعويض عن ذلك بتأسيس محطة "تقوية" لبثّها، العام 1984.
وفي العام 2018، يتكرّر المشهد، لكن في روسيا، حيث رئيسها بوتين، بات يهتم شخصيا بالإعلام وخطابه، مؤكدا على أهميته للأمن والصحة، فيما منافسوه يتهمونه بالسيطرة على شبكة "إن تي في" والقنوات الروسية الرئيسية.

ووجد ممثلو "الأوليجارشية" او "الروس الجدد" فرصتهم في الاعلام للسيطرة على السياسة والاقتصاد، ونجحوا عبره من
الحصول على الجاه السياسي، والاجتماعي، وجني الثروات الطائلة.

وفي روسيا الحقبة السوفيتية، كان الإعلام كحاله في كل الأنظمة الشمولية، تابعا الى الحزب الواحد، الذي سعى عبر خطاب مؤدلج الى نشره مبادئه في العالم، ونجح بشكل منقطع النظير في بسط نفوذ الأيديولوجية الشيوعية.

وانبرت الصين، بعد "حقبة إعلامية" مظلمة، الى تطوير التقنيات التي تجعل منها رائدة في الحضور الإعلامي العالمي، ونجحت بشكل واضح في تحدي وسائل الاعلام الغربية، بل والتفوق عليها في الكثير من الحالات.

وفي تركيا، أصبحت تهمة استخدام التمويل العام في قطاع الإعلام تتقاذفها قوى الحكومة والمعارضة، بعد ان صار معروفا بان من يمتلك ناصيته، يفوز.
 
ولكي لا نسهب كثيرا في الوقائع، نشيرا أخيرا، الى فضيحة "ووترغيت" التي كشفها الاعلام، وأدت إلى استقالة رئيس الولايات المتحدة الأميركية، ريتشارد نيكسون، في أغسطس/ آب 1974.

لقد كانت الصحافة على الدوام، المرصد الذي يحسم مستقبل السياسيين والمشاهير، ما يجعلها المحور المحرّك للأحداث، والضامن لنتائجها، في اتجاه معين، حتى في الأحداث الصغيرة ما يفسّر جرأة مديرة أمن رئاسة الوزراء في العاصمة الفرنسية على الاستقالة، بعد فضيحة فساد كشفتها، احدى المقالات.
 
وفي عصر التواصل، أدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خطورة وسائل الاعلام على مستقبله السياسي ليصفها
بانها "عدو الشعب" وهو تعبير كان الزعيم السوفيتي الراحل، جوزيف ستالين، قد استعمله، ونهى عنه نيكيتا خروتشوف.

و من الخطاب الشمولي الى ديمقراطية إعلامية، فان مواقف وحوادث كثيرة ترسم العلاقة المضطربة بين السياسي والإعلامي. وثمة امثلة كثيرة لا يسعف المجال لذكرها.

كل الأمثلة الواردة، تكشف عن ارتباط الاعلام التقليدي بالسياسة أولا، وفي بعض الأحيان بالسياسيين حصرا،
لكن الإعلام الجديد اليوم، حيث تتدفق المعلومات عبر وسائل اتصال حديثة، متاح، لأي فرد في المجتمع، وبات للإعلام وظيفة اجتماعية اكثر منها سياسية، كما تحول الفرد الى صحافي واعلامي، بسبب امتلاكه تقنيات النشر المباشر، نصا وصوتا وصورة.

لم يعد الاعلام يختص بطبقة السلطة وتوابعها، لأنه صار نافذة لكل الناس، ومن الصعب اليوم، حصره في رؤية واضحة ونسق واحد، وهدف مشترك، لعدم قدرة أية جهة على احتكاره، والسيطرة عليه، حتى لو ارادت ذلك.

لكن وهج الإعلام "الاجتماعي" الجديد، سوف يتألق، اذا ما ضمنت الشعوب، وعي الفرد في استخدامه، لتجاوز نقاط الضعف في موضوعية الطرح، وإيجابية الهدف، والخبرة المهنية، لكي يكسب الخطاب قناعة المتلقي، أولا قبل التأثير عليه وتوجيهه.
انّ الديناميكية المحركة الواجب توفرها في الإعلام العراقي، والعربي، هي في نقل المعلومة بأمانة ودقة، وعدم التفريط في التسييس، وتعزيز الخبرة والمهنية والالتزام الاخلاقي في مداولة المعلومة وتحليلها.
في المشهد، تزدحم اعداد الذين يعملون في قطاع الاعلام، وتتناسل الفضائيات بشكل خاص، لكنها لم تحقّق من النجاح المهني، القدر الذي يُعوّل عليه، بعد انْ اجترّت الكثير من المواضيع وحتى التقنيات، ولابد لهذا القطاع، ان يستفيد من تجارب الدول المتقدمة للخروج من حلقة الإعلام النمطي.
 


5
جيش الخدمات المهزوم في العراق

عدنان أبوزيد 

يفتقر العراق الى صناعة الخدمات التي باتت ركنا أساسيا في اقتصاديات الدول الناجحة لتشغيل الملايين من الأفراد، وتحويل مناصب الخدمات الى مصدر مهم للمال.

لايزال الكثير، مخطئا، في الاعتقاد بان التقدم الاقتصادي هو فقط في المنتج الملموس الذي تضخه المعامل والورش الى الأسواق، فيما دولة مثل هولندا، تشغّل الآلاف من العمال في مزارع الورود، وتضخ الى العالم ما مقداره 8 مليار دولار، سنويا.

وفي غابات ألمانيا الشاسعة، يعمل الملايين من "الحطاّبين"، إذا صحّ استخدام هذه المفردة المنتمية الى عصر ما قبل الصناعة، يقطعون الاخشاب التي توفّر المادة الأولية لمصانع الأثاث وشركات البناء، فيما يزرعون الأشجار، أيضا، لديمومة الغابات، وعدم التفريط بالغطاء النباتي.

الذي زار أوربا أو عاش فيها، يرى جيوشا من العاملين في الحدائق العامة، والساحات الخضراء، يعملون طوال النهار في الزراعة والتنظيم، وادامة المحيط العام.
وفي حديقة مجاورة للحي الذي اسكنه في هولندا، ثمة حديقة بمساحة 2 كيلومترا مربعا، يعمل فيها يوميا نحو السبعة اشخاص يوميا، طوال العام، ومعهم معدّاتهم وأدواتهم الحديثة.

وحدثّني مدير شركة توظيف في الحدائق، ان شركته تحقق أرباحا جيدة في العام، عدا تأمينها رواتب العاملين، وتسديد الضراب للحكومة، مشيرا الى ان تشذيب الأشجار، وبيع المواد الأولية لصناعة الأسمدة وجذوع الاشجار، وتجارة الورود، وتوفير الخبرة لأصحاب الحدائق في البيوت والشركات، وساحات المدن، يدرّ على الشركة تلك الأموال الهائلة.

وفي بيت للعجزة، يتألف من خمسة طوابق ويسكنه المئات من كبار السن، يعمل نحو الثلاثمائة شخص، في ايندهوفن الهولندية، وهي مدينة بحجم مدينة صغيرة في العراق، ولك ان تحسب عدد الدور الموجودة في دول مثل المانيا فرنسا و بلجيكا والولايات المتحدة واليابان.

يعمل في هذه الدور، وفي مراكز اللجوء، والحماية من العنف، والرعاية الصحية، ورعاية الاسرة، الآلاف من الباحثين الاجتماعيين، الذين لا عمل لأقرانهم في العراق بعد ان أصبحت التشريعات الاجتماعية واحدة من الأنظمة الراسخة في أوربا.
 
ولا أحدثك عن المَزارع التي تجذب فرص العمل للمهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين الذين يعانون من البطالة في العراق.

وينجذب الجلّ الأكبر من شباب المدارس الثانوية الى التلمذة الصناعية، حيث لا عيب في الانضمام للمدارس المهنية والفنية، فيما يتسابق عراقيون على الشهادات العليا فقط من دون مهارات، ويسقطون في اول امتحان لهم في فرصة طلب العمل لاسيما اذا ما سافر خارج البلاد ووجد نفسه في مستوى علمي ومهني لا يتناسب وحجم اللقب الذي تحمله أوراقه.

وإذا تحدثنا عن القطاع المصرفي المتهالك في العراق، سوف نرى كيف ان المال القومي يتسرب الى خارج البلاد، بسبب تخلف المعاملات البنكية التي توفر ملايين فرص العمل لخريجي الاقتصاد، والمبرمجين، والصيارفة.

كل تلك الوظائف تغيب في العراق، حيث الاقتصاد لا يمتد بصورة افقية، ويفشل في ابتكار الفرص ليظل المجال محصورا في التوظيف الحكومي بدل الخدمات التي هي الأساس في تطور البلدان.

وفي ابتكار للوظائف، أسس رسامون هولنديون ورشة عمل تنظّم المعارض في مدن متعددة، يعمل فيها العشرات من الفنانين الذي ينتجون اللوحات، والنصب، وتلجأ اليهم البلديات في الاستشارات الجمالية والتصميم، لتحقق هذه الورشة أرباحا عظيمة في كل عام.

لم تعد الوظيفة في الدول المتقدمة محصورة بالحكومة، ومكاتب الوزارات والدوائر الرسمية، بل ان هذا النوع من الوظائف ينحسر تدريجا بسبب التقنيات الحديثة في الإنجاز ومعالجة المعاملات، الامر الذي يدفع الى ابتكار طرق مبتكرة في خلق فرص العمل  في مجالات الخدمات المدنية.
ومنذ تطورت صناعة الخدمات في أوروبا منذ القرن العشرين الميلادي، فان العراق والدول العربية، بعيدة عن التحولات الاقتصادية الكبرى التي ضمنت مصادر العيش الكريم للمواطن، ورسّخت الاستقرار وعزّزت ثقة الفرد بدولته ومجتمعه.

6
بغداد والمدن.. الانحدار بعيدا عن الحواضر العصرية

عدنان أبوزيد


تغيب عن مدن العراق بشكل مفرط، الميادين الواسعة التي أضحت معلما ثقافيا وسياحيا، وحضاريا، لا غنى للحواضر العصرية عنه.

مدن يقترن اسمها بالباحات المترامية الأطراف، يلتقي فيها أبناء البلد والسواح، في ملتقى للتراث الشفوي والتبادل الثقافي، والتعارف وتلاقح الأفكار، والاستماع الى الخطب، وأنواع الفنون، في فناء منفرج يستقطب القاصي والداني.
انها متاحف مفتوحة، بالمجان، تعج بأنواع البشر، واختلاف الأذواق، يتدفق اليها الناس، في موجات داخلة وخارجة، تضفي على المدينة رونقا أخّاذا، فضلا عن كونها مشروعا اقتصاديا، تدر الأرباح الطائلة، حيث المحلات التجارية والمطاعم والنصب، والنافورات، وأصحاب الهوايات، والمواهب.

وإذا قصدت اسبانيا ولم تزر ساحة "بلازا مايور"، فكأنك لم تر هذه الدولة المترامية الأطراف. وعلى رغم انها تقع في قلب مدريد، الا انها تستضيف مصارعة الثيران، ومباريات كرة القدم، فيما تمثال فيليب الثالث يحدّق في الزائرين.

وينتصب أقدم نصب تذكاري وطني في بوينس آيرس في ساحة "بلازا دي مايو" التي لا يحدها بصر، لوسعها، فيما تغيب عن مدن العراق، ساحة مثل "الطرف الأغر" في لندن التي تخلد المعركة الشهيرة التي انتصر فيها اللورد نيلسون على نابليون العام 1805، فيما تمثالها الطويل القامة للغاية، يحضر بقوة بين الزائرين.
 
ويقف الزائر منذهلا امام سعة "ساحة تيانانمن" في بكين عاصمة الصين، التي تعد أكبر ساحة مدينة في العالم، وتدر على المدينة أرباحا طائلة، فضلا عن كونها جسرا ثقافيا يربط بين أبناء الصين والسواح من الدول، وقد تحولت مع مرور الزمن الى رمز وطني.

وفي حين تندثر في بغداد، أحياءها التاريخية، ورموزها التراثية، والتي تحوّلت اما الى حواضن مهمّشة، مهملة، او في طريقها للاندثار، فان المدينة البولندية كراكوف، تتوفّر على أكبر ساحة بلدة في القرون الوسطى في أوروبا والتي يعود تاريخها إلى القرن الثالث، ولازالت تتجدد وتتطور مع الزمن، من دون الحاق ضرر، أو تغيير في المنازل التاريخية، والقصور والكنائس المحيطة بالساحة.

تغيب الساحات المفتوحة في العراقِ، حتى عن الاماكن الدينية المعروفة التي تجذب آلاف الزائرين سنويا، كما تحاصر البنايات والمشاريع التجارية والمساكن، المراقد المقدسة والمساجد التاريخية، في انسداد للأفق، يشوّه المشهد العام. وعلى هذا النحو لا يمكن مقارنتها عمرانيا، بساحة القديس بطرس أمام كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان، والتي تتسع لنحو 200.000 شخص، فيما الزائرون للمراقد المقدسة في العراق، يبلغون اضعافا مضاعفة مقارنة بهذا الرقم.

كان يمكن لساحة التحرير في بغداد، أنْ تتحول الى "ساحة حمراء" عراقية، كالتي في العاصمة الروسية، موسكو، تتعدّد فيها ألوان الفرجة التي يقوم بها فنانون شعبيون وموهوبون، وباعة متجولون، لكنها ومنذ تأسيسها تنتقل في مراحلها التاريخية من الفناء الواسع الى الفضاء الضيق، لينتهي بها الامر الى رقعة صغيرة الحجم، لم تعد تشكل أهمية حضارية او فنية، او سياحية على الرغم من كونها، أقدم الساحات في الشرق الأوسط.
 
والميدان الكبير أو "غراند بلاس" وسط مدينة بروكسل في بلجيكا، لا يختلف في المساحة والارث التاريخي عن ساحة الميدان في بغداد، لكن الفرق ان بلدية بروكسل جعلت منه ساحة كبرى بالابتكار المعماري، والتطوير العمراني،
والمحافظة على الأصالة، وإبقاء رموزه مثل كنيسة القديس ميخائيل، والكثير من المباني الحكومية، فيما ساحة الميدان في بغداد، تراجعت كثيرا وفقدتها أهميتها التاريخية بل وحتى حاضرها القريب.

ولكي لا تتحول المعالجة الى مقاصد سياحية واعلانا مجانيا لمدن العالم، فان المقال تناسى عمدا، الكثير من ساحات المدن الكبرى في العالم، فيما الحرص على أشدّه في الإشارة الى ان العراق، في امس الحاجة الى استراتيجية تتبنى رسم فضاء جديد للمدن المغلقة، على نفسها، فلم تعد نظريات العمران في العالم تعبأ للأبنية العالية، وناطحات السحاب، ومراكز التسوّق والمولات، قدر تشييد الساحات المفتوحة على شكل متاحف وملتقيات ثقافية وتعليمية. 
 
 


7
هل الجامعات للشهادات فقط؟
عدنان أبوزيد 

نبّهني طالب عراقي في جامعة آيندهوفن الهندسية في هولندا، الى أنّ الدروس التي يلقيها أستاذه في مادة الديناميكا، على الطلاب، تشغل نحو العشرين بالمائة من وقته، فيما الجزء الأكبر منه، يقضيه في البحوث والاستشارات العلمية التي يقدّمها للمعامل والمصانع، والورش، فضلاً عن إيجاد الحلول للمشاكل، وتطوير طرق الأداء، والتصنيع.

مثل هذا الأستاذ، حيث أغلب زملاءه على نفس النمط، لم يعد يجشّم الجامعة كلفةً، بل على العكس من ذلك، إذ انّ ثمار جهود هؤلاء الأساتذة الجامعيين، ينتج عنها أموالا طائلة ترفد ميزانية الجامعة، ما يفسّر كيف انّ صروحا علمية، باتت مصدرا للمال والاستثمار والمشاركة في تنمية المدن، والاقتصاد، على عكس ما يحدث في جامعات العالم الثالث، ومنها العراق، حيث يستنزف تفريخ الجامعات، كماً، لا نوعاً، الكثير من ميزانية أحادية تعتمد على النفط، فقط.

لا يقتصر الأمر على الجامعات الهندسية، ذلك أنّ الاستشارات التي تقدّمها كليات ومعاهد الفن، الى مشاريع تجميل المدن، وبيع النصب واللوحات الفنية، وإقامة الفعاليات الفنية، والمهرجانات، تدرّ على هذه الجامعات، رؤوس أموال طائلة، أيضا، محوّلة هذه المراكز المعرفية الى مصادر تمويل تسهم في إنعاش الاقتصاد، وتؤسّس لنمط إنتاج اقتصاد المعرفة الذي طغى في البلدان المتقدمة، على نمط الإنتاج التقليدي.

في العراق، يحدث العكس تماما، فلا زالت الجامعات التي فاقت في أعدادها، مثيلاتها في الدول المقارِبة للعراق في الظروف الاجتماعية، وتعداد النفوس، تشكّل عبئاً ثقيلاً على الميزانية، فضلاً عن تخريجها الآلاف من الشباب سنويا، والذين يتراكمون على مصطبات العاطلين، بغض النظر عن احتياجات السوق.

تبرز الحاجة، اليوم، أكثر من أي وقت مضى، الى دعم الجودة، لا الكمّ، في الجامعات، وتحويلها الى مراكز معرفة حقيقية، وصاحبة أدوار في تغيير المجتمع، لا مصادر لشهادات أكاديمية لا فرصة لها في سوق العمل العراقي والمحلي لاسيما حين يكون الخريج، في مستوى متواضع من القدرات المعرفية، والمهارات، وقدرات الابتكار.
 
لا يقلّ طلاب العراق، قدرة على التفكير، والإبداع عن شباب العالم المتقدم، لكن غياب تقنيات التعليم المتطورة، وتخلّف المناهج، وعدم مواكبة تقنيات التواصل المعرفي مع العالم، يضعهم في مستوى أداء ادنى، ومن ذلك انّ اغلب خريجي البلاد، لا يجيدون اللغات الأجنبية المهمة في التواصل المعرفي، مثل الإنكليزية، فضلا عن ضعفهم حتى في اللغة الام، العربية.

لا يلمس المراقب، دورا حيويا للجامعات والمعاهد العلمية في العراق، في توظيف المعرفة في التطوير والتنمية، وقد روى لي أستاذ جامعي عراقي انّ كل البحوث التي يقوم بها الطلبة الخريجون، فضلا عن رسائل الماجستير، والدكتوراه
والدراسات العليا، لا تتعدى كونها نصوصا إنشائية، ليس لها أي دور في النهوض بالبلاد، وهي تركن على الرفوف، ومصيرها النهائي، النفايات، والأدراج.
بسبب ذلك كله، فانه ومنذ العام 1492، حيث طلبت ملكة قشتالة من كريستوف كولومبس، الخروج في رحلة استكشافية من أجل الذهب، احتكر العالم المتقدم، العلوم والمعارف، ونجح بشكل مذهل في تحويل النظريات والعلوم الى تطبيقات، وأصبحت الدول الخمس التي لا تشكّل سوى 12 في المائة من العالم، هي مصدر المعرفة المهيمن بكل مجالاتها، الهندسية والطبية، والعلوم الإنسانية، والادب، والثقافات المختلفة، بعد أنْ ساد نمط ديكارت في البحث والتقصي، منذ أواسط القرن السابع عشر، بعباراته المشهورة "أنا أفكر إذن أنا موجود"، وعزّز ذلك الفيلسوف ديكارت في ترسيخ آلية التفكير.

ما يزيد من فداحة الخلل، استثمار القطاع الخاص في التعليم، الذي يحوّل الجامعات الأهلية، الى مشروع تجاري، حتى بات الكثير منها، غريبا حتى في "الشكل"، عن الجامعة بملامحها المعرفية المرموقة، لتتحوّل الى مصنع لا يتوقف من تفريخ الشهادات، بدلا من انتاج المعرفة، واستثمارها في الإنماء.
 



8
المنبر الحر / عنف خلف الستار
« في: 17:33 28/06/2019  »
عنف خلف الستار
عدنان أبوزيد.. هناك عنف لا نتحدث عنه، نمرّ عليه في مرافعاتنا، مرور الكرام، وهو العنف السلوكي في البيت والمعمل والمؤسسة والشارع، لا يقل خطورةً عن بطش الإرهاب، الذي ينتهي بمجرد القضاء على أدواته، لكن العنف الاجتماعي متأصّل في الثقافات والعادات والتقاليد، ويوغِل في الانتشار، في بيئة تنتعش فيها الأسباب.

يصفع المعلم، التلميذ في المدرسة، وتسهم فيديوهات الميديا في نشرها على نطاق واسع، فيما تطورت طرائق التربية، في دول، وانتعش فيها الوعي الحضاري، فيلجأ التلميذ الى المعلم، قبل الوالدين، في أسراره ومشاكله.

في مشاهد يومية، يُعنَّفُ الطبيب في المستشفيات، ويتعرض الى الانتقامات العشائرية، لأسباب شتى. ولا يسلم المحامون من أعمال الثأر التي يقوم بها أشخاص وعصابات.

الاحتجاجات تنقلب الى بيئة زاخرة بالعنف، حتى بين المتظاهرين أنفسهم، وتنتهي الخلافات الى مناوشات، واشتباكات، ويزداد العنيف وحشية، بعد نجاحه في الذوبان في الجماعة المتظاهرة، محتمياً بها.

وروى لي صديق أنّ متظاهرا في ساحة التحرير، لم يسلم من التهديد من محتجين شاركهم التظاهرة، فأما ان يرفع ذات الشعارات، أو يُطرد.

وتحت وطأة من الشعور بالقهر والاستلاب، يتنقّل المواطن تحت تـأثير الانعكاسات اللاواعية للعنف ضده، حاملا أوراقه بين طوابير الموظفين، الذين ينظرون إليه بازدراء، فيما هو يحاول أنْ "يتمسكن" أمام جبروت الكراسي، عسى ان يرحمه صاحب القرار ويحسم طلبه، و تحت وطأة سيكولوجية الإنسان المقهور، فان هذا المواطن لا مانع لديه من منح "الرشاوى" تحت عباءة  "الهدية"، كي تُنجز أوراقه.

يقع تحت هذه التأثير حتى الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم "واعين" اجتماعيا، و"متنوّرين"، ويرفضون الاسهام في مكافحة الفساد، إذ حدثني صديق مقيم في ألمانيا، انه دفع نحو مائتي دولار في العراق، كي تُنجز "أوراقه".

وحتى نقاط التفتيش الأمنية، آلت الى شكل من العنف المتبادل بين المواطن ورجل الأمن، في علاقة ناجمة عن الإحساس بالعجز وقلة الحيلة وانعدام الوسيلة أمام وسائل السلطة، وهو سلوك لا يرقى الى مستوى السلوك المتحضر الذي رسّخته الشعوب في حياتها اليومية.

مقابل ذلك، يحاول المواطن الانتقام من رموز السلطات، عبر التشنيع والاشاعات، والنكات، ضدها، في الشارع والتواصل الاجتماعي، في شكل من أشكال العنف "اللفظي" وإرهاب "المعلومة"، ناجم عن الاحاسيس الاضطهادية للمواطن، بسبب نقص الخدمات، وتعقيد المعيشة.

لا تبتعد ظاهرة تخريب الممتلكات العامة، أيضا عن كونها عملية ثأرية من النخبة، من قبل أفراد الفئة الاجتماعية الهشة الشاعرة بالإقصاء والتهميش.

وفي حين يجتاح عنف الملاعب الرياضية، الدول، فانه يتنامى في العراق أيضا، بمستوى أكثر خطرا بسبب انعكاسات الطائفية والقومية والمناطقية عليه، فيما يمكن وصف ما يحدث في دول أوربا -على سبيل المثال لا الحصر - بانه عنف "رياضي" خالص لا تنحسب عليه، المشاكل السياسية والاقتصادية.

وعلى رغم انحسار العنف الطائفي بشكل واضح في العراق، لكن الخشية من عودته تبقى ماثلة، بسبب شعور فئات بالقهر السياسي والاقتصادي، فضلا عن تنامي الشعور بالهويات الفرعية، بدلا من الوطنية.

حوادث انتحار على جسور نهر دجلة في بغداد بين الحين والآخر، تمثل حالة عنفية، يقترفها انسان اضطربت عنده منهجية التفكير، مبرزةً ذهنية انفعالية في وجدانه، تشعره بعدم وجود قيمة له في الحياة.

العراق من بين دول قلائل في العالم، يتناسل فيه قهر المرأة واستلاب حريتها، فيما الثأر العشائري، يتفاقم حيث قانون القبيلة فوق السلطة الرسمية، وانتزاع الحق من خلال الحوار بات وسيلة غير مجدية.. في شرعنة عرفية للعنف.

غير ذلك الكثير.. لكن المهم، في إعادة الاعتبار للمشاعر الراقية، والسلوك المتحضّر، ونبذ التضخم النرجسي، الفردي والمؤسساتي، والعمل على التأسيس لآليات مستدامة تعزّز ثقافة السلوك السلمي، بين الأجيال الجديدة، وترتيب أنماط السلوك، في مجتمع متحوّل يرفض الجمود على الحالة التي هو فيها.

 

9
المنبر الحر / الحرب والحوار
« في: 08:11 15/06/2019  »
الحرب والحوار
عدنان ابوزيد

الحرب شجاعة بجبروتها في القتل والتقويض وإلحاق أفدح الأضرار بالشعوب، فيما الحوار أكثر شجاعة منها، بإرساء السلام والبناء والحفاظ على البشرية من الهلاك.

وبين الحرب والحوار، خصلة، إذا لم تكن شعْرة، لا يقطعها الزعيم الذكي، وإنْ امتلك أسباب البأس، فيما الزعيم الطائش يقطفها ولو بأسنانه، إشباعا لرغباته في سفك الدماء، وتعبيرا عن الاختلال في بنيته الفكرية وأدواته السياسية.

وعبر التاريخ، حين تحلّ الحرب محل التشاور، تنتهي المعادلة الى نتائج سلبية، أبرزها الندم وعدم الاحتكام الى العقل، لكن
حين يكون السيف قد سبق العذل، ولات حين مناص.
يقول انيس منصور وهو على حق: "كما أن الحرب لا تبدأ عند بدايتها إنما قبل ذلك بكثير، فإن الحرب لا تنتهي عند نهايتها إنما بعد ذلّ بكثير أيضا".
وحتى الظافر في الحرب، خاسر، يشعر بالخزي، حين ينظر الى أفق بلاد مهدمة، وبنية تحتية منهارة، وآلاف الايتام والمشردين، والمهجرين.

والمشكلة في خيار الحرب، انه مفتوح وسالك، وحين يصبح عقيدة، فهذا يعني تحول كل أزمة او خلاف سياسي الى اشتباك.
النزاع على الحدود، هو مشروع حرب.
والصراع حول آبار البترول في الشرق الأوسط، مشروع حرب.
والخلاف على مصادر المياه بين وفلسطين ولبنان وسوريا وتركيا والأردن، مشروع حرب.
العلاقات التجارية بين أمريكا والصين، مشروع قتال..
النزاع على الأرض بين العرب وإسرائيل، مشروع حرب..
الخلافات العقائدية والدينية، مشروع سفك دماء..
تقاسم مياه النيل مع دول الحوض وأثيويبا، مشروع يمكن ان يقتل الآلاف..
الخلافات حول الصواريخ والترسانة الذرية بين روسيا وامريكا، مشروع إبادة شاملة.
الاتفاق النووي وتداعياته بين أمريكا وإيران، مشروع انهيار أمم.

لكن كل هذه الاحتمالات تسقط، اذا ما حرصت الشعوب وزعاماتها على الانسان والحياة.
وكلها تتداعى حين يحرص الزعيم على أنْ لا يصغر حجم رغيف الخبر، وأنْ تكون مقاعد المدارس كافية للطلاب،
والمستشفيات توفر الخدمة الصحية للمواطن، والفرد في المجتمع يجد العمل المناسب، وينام هانئا مطمئنا.
 
الاغرب من ذلك انّ الذين يختارون الحرب، نسوا او تناسوا إنّ نهايتها حوار، لكن بعد خراب وخسائر باهظة في البشر والحجر، فلماذا لم يكن هو الخيار الأول الذي يسبق الرصاص.

سنوات من الحرب، دمّرت سوريا، وفي النهاية لابد من الحوار.
 
الحرب الأهلية اللبنانية حصدت الآلاف من البشر، وفي النهاية كان الحسم على طاولة المحادثات..

الحرب العالمية الأولى، ( 1914- 1918 ) قتلت أكثر من 70 مليون انسان، وفي النهاية، كان لابد من
الحوار عبر معاهدة فرساي.
الحرب العالمية الثانية ( 1939 - 1945) الحرب الأوسع في التاريخ، شارك فيها أكثر من 100 مليون شخص، وأودت بحياة نحو مليون شخص، وشهدت القاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي، في اليابان، وفي النهاية، كان الحوار بين منتصر خاسر، وخاسر منهار.

الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 1988-)، كلّفت العراق وايران ملايين الضحايا، ومئات المليارات من الدولارات، حتى اضطر الجانبان الى الحوار، الذي وجد طاولة له بعد فوات الأوان.
ولا أحدثك عن الحروب الاهلية بين أبناء البلد الواحد، مثل الحرب الأهلية الأمريكية، وسنوات الحرب الطائفية في العراق.
ولن أحدثكم عن حروب الوكالة في فيتنام والكوريتين، حين تتحول الشعوب المسالمة الى حطب نار الصراع بين القوى الكبرى.
العراقيون الذين كانوا ضحايا حروب متعددة، بأسبابها المختلفة، يدركون جيدا، اكثر من غيرهم، جدوى الحوار، الذي
وإنْ طال، وتشعّب، واستنزف الجهد والوقت، فانه أفضل مليون مرة من لحظة يتغلّب فيها الطيش على الحكمة، لتنطلق رصاصات حرب، يتحكم المتصارعون في بداياتها، لكنهم يعجزون عن وضع نهاية لها، وهي نهاية تفضي مهما كانت
نتيجتها الى حوار، لكن بعد دمار وموت.



10
المنبر الحر / العقوبات والقوة
« في: 18:13 31/05/2019  »
العقوبات والقوة
عدنان أبوزيد

تقف قوة جبارة وراء العقوبات، تحميها وترسخّها، وهي قبل كل شيء دلالة رمزية ومادية على العظمة، والجبروت.
ليس من السهل على دولة ما ان تشن حرب العقوبات على دولة أخرى، فتؤيّدها دول العالم، وتخشى سطوتها وتسارع الى تلبية نداءها.
والعقوبات مظهر من مظاهر البأس، تفتل به دولة ما، عضلاتها، بسبب قدراتها الاقتصادية والعسكرية والعلمية والتنظيمية، ولأنّ الولايات المتحدة هي القوة العالمية الأولى، فأنها تستخدمها كسلاح تهدّد به الخصوم، في إبراز لإمكانياتها الساحقة. اما الدول الواهنة، حتى التي بلغت شأوا من الازدهار في الاقتصاد والسلاح، فانها الى الان عاجزة عن استخدام هذه السلاح المؤثر.

غرّد الرئيس ترامب الدولار، رئيس الدولة المهيمنة على النظام العالمي، في التمويل والتجارة الدولية، والمفرِطة في استخدام العقوبات الأحادية الجانب، عبر التاريخ، بـ(سحب) حزمة عقوبات على كوريا الشمالية، وهي الدولة ذات التاريخ الطويل من فرض العقوبات الدولية عليها، بسبب تجاربها النووية الخمس منذ 2006، حتى سبتمبر 2016، لتعاني من حظر الصادرات العسكرية والكثير من السلع و التكنولوجيا، وفرض حظر السفر على المسؤولين والنخب، وتجميد اصولهم المالية.

وحصد العراق من الحصار الدولي، الذي استمر قرابة 13 عاما، والذي نتج عن قرار الأمم المتحدة رقم 661 الذي صدر في العام 1990، عقوبات اقتصادية خانقة، حرمت المواطنين من الغذاء والدواء ووسائل التكنولوجيا، ما أدى إلى وفاة نحو مليون ونصف مليون طفل، نتيجة الجوع ونقص الدواء.
 
الحصار الأطول في التاريخ كان على كوبا، والذي استمر نحو 55 عاما منذ نجاح ثورتها العام 1959 بقيادة فيديل كاسترو، بعد قيام النظام الاشتراكي الجديد بتأميم الشركات الأمريكية.

ومنذ الإعلان عن اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية، شنّت السعودية والإمارات والبحرين ومصر مجتمعةً، مقاطعة اقتصادية وسياسية على دولة قطر منذ العام 2017. 
 
وفٌرضت عقوبات مشددة على روديسيا الجنوبية (زيمبابوي)، العام 1966 بعد إعلان الأقلية البيضاء، الاستقلال من جانب واحد، لتستمر حتى العام 1969 بعد تحقيق الهدف السياسي منها، في وصول حكومة أغلبية سوداء الى السلطة.

وشنّت الأمم المتحدة حصارا اقتصاديا على جنوب أفريقيا للضغط على نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا، لتنجح الضغوط الاقتصادية في النهاية في تنصيب حكومة غير عنصرية في مايو/أيار 1994.

ولطالما حصد العرب، حصة الأسد، من العقوبات الدولية، اذ فرضت واشنطن سلسلة عقوبات اقتصادية على السودان بسبب اتهامات لحكومته في رعاية الإرهاب.

وشهد العام 1996 تشريع الكونغرس الأمريكي، عقوبات اقتصادية على الشركات التي تتعامل مع إيران وليبيا. وفي 2013، صوت النواب الأمريكي، لصالح فرض عقوبات مشددة، على ايران. وبعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في العام 2018 عادت العقوبات تدريجيا ضد إيران بعد ما رُفعت وفقاً للاتفاق النووي العام 2015، لينتهي الأمر اليوم، بعقوبات هي "الأشد على الإطلاق" تشمل صادرات النفط، والشحن، والمصارف، والقطاعات الأساسية في الاقتصاد.

وإذا كانت كل دولة، تستطيع ان تستخدم الأسلحة الفتاكة في حروبها، فان استخدام سلاح العقوبات، ليس كذلك، ولن يتسنى إلاّ الى الدول التي تمتلك القوة العارمة، التي تجعل الاقتصاد العالمي، طوع قرارها.

ما أحوج الدولة التي رفستها أقدام العقوبات أجيالا وأجيالا، لأنْ تطور مجتمعها واقتصادها، وتنظّم شعبها، لتصبح قوة كبرى، مهابة الجناب، لا تُفرض عليها القرارات والأوامر، بل هي سيدة نفسها، لا تقبل العقوبات الدولية على الأمم الأخرى، الا بما يناسب مصالحها وأهدافها، ولن يتأتى ذلك الا بالتأسيس للدولة المتينة في الاقتصاد والمجتمع والعلم، والإدارة.

11
هل نحن مستعدون لجيل النت الخامس "5G"؟

عدنان أبوزيد

نحن على أعتاب انترنت الجيل الخامس "5G"، الأسرع مائة مرة من الجيل الرابع، واستجابة لحظية لا تتعدى الملي ثانية، ما يفرض على الشعوب واقعا افتراضيا جديدا، ينعكس على حياة البشر، في السياسة والاقتصاد وتداول المعلومة.

وفي حين لا تبدو دول العالم الثالث، مستعدة بالشكل الكافي، لاستقبال هذه الثور التقنية، والمعلوماتية العظيمة، فانّ الدول المتقدمة، وفرّت فرص النجاح، لإدراكها بأنها ثورة اجتماعية أيضا، بمعنى الكلمة، تمهد لبناء مجتمعات ذكية، بشكل تام،
قادرة على التواصل مع بعضها بنفس الكفاءة، وللفرد فيها المهارة والمعرفة، والادراك على استيعاب التطور الجديد سواء بـ "المشاهدة والنقر" و "العرض والشراء"، فضلا عن القدرة على اجادة التقنيات، وتحليل المعلومة، واستيعاب إنترنت الأشياء (IoT) بشكل كامل والقدرة على الانسجام معه.

الجيل الخامس، سوف يُحدث تغييرا كبيرا في ميزان القوى لصالح الصين التي تحتكر تقريبا هذه التقنية وتتفوق على أوربا والولايات المتحدة، الى ان درجة ان مؤسسة الدفاع الأمريكية باتت تخشى من أن بكين قد تتمكن من تعطيل الاتصالات العسكرية الأمريكية أو شن حرب غير متكافئة.
مرجع هذا القلق يعود الى ان أجهزة شبكات الجيل الخامس تنتجها خمس شركات فقط في العالم، في المقدمة منها "هواوي"، و"زد تي إيه"، الصينيتان، وشركتان أوربيتان هما نوكيا وإريكسون، وشركة من كوريا الجنوبية، وفق خبراء أمن وتكنولوجيا المعلومات.

وإذا كان العراقيون قد عاشوا تفاصيل الجيل الثاني (2G) الذي شهد البث الصوتي، والجيل الثالث (3G) الذي فتح الباب أمام البيانات المتنقلة والمحتوى الغني، فيما الرابع أحدث (4G) زيادة في السرعة أطلقته ثورة بث الهاتف المحمول، فان الجيل الخامس سيكون أساس الاتصالات وحوسبة الغد، ما يفرض تحديات حاسمة أمام المعنيين بشؤون الاتصالات، والحكومة تحديدا.

وإذا كان الاهتمام في العراق بهذا الحدث العظيم، لا يتعدى استخدامات الانترنت التقليدية، من تصفح المواقع،
ومشاريع غير متطورة في مجال الحكومة الالكترونية، حيث الوزارات والمؤسسات في العراق، لازالت بعيدة عن
توظيف الذكاء الصناعي بشكل كامل في مفاصلها، وأساليب اداؤها، فان الدول المتقدمة تهيأت لهذا الحدث العظيم، في تطوير صناعاتها، وتأسيس المجتمعات الذكية، وإنتاج السلع المتطورة، وتحديث المصانع بالروبوتات الذاتية القيادة، فضلا عن القطارات والسيارات ومركبات الفضاء التي تقود نفسها بنفسها، وكل ذلك يتيح للدول مجالا حيويا أكبر في السياسة والاقتصاد وحتى الجغرافيا.

انه العصر الذي ينتهي فيه الصراع بالأسلحة التقليدية، الى الحروب الذكية بالتقنيات، التي تجعل من العالم كله عبارة عن لعب إلكترونية تدار بالريموت كونترول، فيما الهاتف المحمول عالي السرعة يوسّع نطاق سيطرته الى الروبوتات وأجهزة الاستشعار والتحكم عن بعد.

الجيل الخامس، يتدخّل حتى في الخصوصيات، حيث بيانات الأشخاص تتحول الى رقائق رقمية، تجعل السلطات لو شاءت ان تعرف اين يقف هذه الشخص، وماذا يفعل في تعقب الكتروني، خاطف.
شوارع المدن، سوف يُسيطر عليها رقميا، فيما السيارات والقطارات تتحكم في مسارها الأقمار الصناعية، وسوف تكون الاتصالات عبر ارجاء المعمورة، بالمجان بشكل كامل، وبسرع تفوق عشرات المرات عن الجيل الرابع، فيما يُرجّح ان تتحول وسائل الاعلام الى رقمية بالكامل، والسيارات بدون سائق ستكون قادرة على "التحدث" مع بعضها البعض عبر أنظمة تحكم، عالية في الدقة.
تخيّل أسراب من طائرات بدون طيار تتعاون لتنفيذ مهام البحث والإنقاذ وتقييم الحرائق ومراقبة حركة المرور، وكلها تتواصل لاسلكيًا مع بعضها البعض.
العراق الذي كان سباقا في استعمال السيارة، والتلفزيون والراديو بين دول الإقليم، قبل ان تحطم الحروب، اقتصاده وبنيته التحتية، جدير اليوم بان يستعد لنيل القصب السبق في خدمات الجيل الخامس، لان ذلك سيكسبه نفوذا اقتصاديا وتقنيا واسعا في الشرق الأوسط.

 

12

الخوارزميات تنهزم أمام الأخبار الكاذبة

عدنان أبوزيد

ما يُحسب لصالح الصحافة التقليدية، ندرة الأخبار الملفّقة، وجودة المحتوى، فيما الصحافة الرقمية، وأخبار الموبايل والتواصل الاجتماعي، تعجّ بالزيف والتدليس، الذي يتكاثر بشكل أميبي، لا اتّجاه له، تعجز عن لجمه، التقنيات والتطبيقات الخوارزمية، ومهارات الذكاء الاصطناعي.

نعم، انها نعمة، في تعزيز العلاقات والتفاعل الاجتماعي، والحصول على المعلومة اللحظية المتدفقة من دون بوابات سيطرة، ولا حسيب أو رقيب، لكن آثارها السلبية، باتت فادحة، وتنذر بالخطر على المجتمعات، لاسيما حين تتناول الحساسيات الطائفية والدينية والقومية، وخصوصيات الأفراد، لاسيما النساء، عبر سلاسل من الإشاعات الممنهجة، ومن ذلك ان منظمة العفو الدولية رصدت 800 رسالة مسيئة موجهة الى نساء معروفات، في العالم، بما في ذلك عضوة في الكونجرس الأمريكي، ونائبة في المملكة المتحدة. وأظهرت بيانات الاتحاد الأوروبي العام 2017، أن 70 في المائة من تعليقات الكراهية غير القانونية، تم الإبلاغ عنها.
لكن ما يحدث في العالم الثالث، لاسيما العراق والدول العربية، أفظع من ذلك بكثير، فيما وسائل الردع أقل، مقارنة
بوسائل الغرب في الدفاع الرقمي.

وكلما انحدر الوعي، لم ترتفع معدلات الاخبار الكاذبة، فحسب، بل يزداد المصدّقون بها، فتنسحب على ردود افعالهم ومواقفهم، ويبدو ذلك جليا في التواصل العراقي والعربي، اذ غالبا ما ينسجم المئات مع خبر، ويتفاعلون معه، افتراضيا وواقعيا، فيما هو في الواقع، كاذب، ليس له أدنى نصيب من الصحة.
 
إنّ أيّ تحليل للبيانات المتعلقة بفعاليات العراقيين في اعلام التوصل الاجتماعي، من ناحية دقة المعلومات والصدق في مواقع التواصل الاجتماعي، سيدرك جيدا ان هذه النافذة العظيمة، يُساء استخدامها في العراق، والبلاد العربية اكثر من اية دولة أوربية، على سبيل المثال لا الحصر.

تجارب العراقيين في خارج البلاد، تفيد بان الشاب الهولندي، مثلا، يستثمر وقته على الفيسبوك، لأغراض ضرورية مثل التواصل مع العمل او مع صديق دراسة، او لأجل الأسئلة المتعلقة بالمهنة والهواية. وفي ألمانيا، فان التواصل الاجتماعي، باعتباره متعة وقضاء الوقت بلا طائل، يكاد لا تجد له اكتراثا، على رغم الانترنت السريع.

في الدول العربية يُوَظّف التواصل الاجتماعي، في أغراض سلبية، عديدة، ومتنوعة، أبرزها التهييج الطائفي والديني، والانتقاص من الشعوب والعقائد، والترويج الحزبي، والتحرش الجنسي، والتمييز بين النوعيات البشرية فيما يندر ذلك بشكل واضح في الشعوب ذات المستويات الجيدة في التربية والتعليم.

لا أحد ينكر، إنّ شركات الخوارزميات، ليست بعيدة عن الاتهامات بغضّها النظر عن الاخبار الزائفة التي يتابعها الملايين من المتابعين، فهي تفضل ارصدتها المالية، على المكاسب الأخلاقية والإنسانية.

سيكون أمراً عظيماً، لو اخذ الفرد في نظر الاعتبار، السلوكيات الأخلاقية والإنسانية في التعامل مع آلات التواصل الجديدة.
وسيكون مجدِيا جداً، إذا ما وُظّفت تقنيات التواصل الحديثة في انجاز معاملات المواطنين، من قبل المؤسسات الحكومية، كما يحدث في هولندا مثلا، حيث تخبرك البلدية والمؤسسة والصيدلية، بموعدك، ووقت استلام دوائك، ولحظة تلبية طلبك من متجر، واكتمال اصدار هويتك من قبل الجهة المعنية، عبر التراسل الفوري في الموبايل.

كما سيكون الأمر ذا نفع عظيم، حين نجد أنفسنا وقد تحولنا الى "كائنات اجتماعية" تديم الثقة وتعزز الصدق عبر
التراسل الافتراضي، وان نقدّم أنفسنا الى الاخرين، كما نحن، قلبا وقالبا، من دون الاختباء خلف شخصية افتراضية غامضة، أو وهمية.

ثمة حاجة الى تعزيز محتوى تواصلي عراقي، يرفد المتابع بالمعلومة الصحيحة، فيما على الجهات المعنية، ايجاد آلية مراقبة حديثة كما في أوربا، تغلق الثقوب السوداء التي يتسلل منها الكذب والتزييف، لكنها لا تتجاوز على حرية الرأي.

13
المنبر الحر / صحافة الموبايل
« في: 09:06 05/05/2019  »
صحافة الموبايل
عدنان أبوزيد

تُبدِّل الصحافة التقليدية رويداً، رويداً، شكلها، ومحتواها، بأساليب جديدة في النشر والتحرير، وفّرتها تقنيات الرصد   والتغطية اللحظية المتطورة.
انه التغيير الكبير، الذي يرسي دعائم إعلام جديد، يختلف جذريا عن الوسائل التقليدية، ولنركّز في هذا المقال على صحافة الموبايل، الذي أصبح مؤسسة كاملة لصناعة الأخبار.

الدراسات تفيد بان الكثير من صحافيي العالم، بدأوا يفضّلون صحافة الموبايل، يشجّعهم على ذلك الهواتف الذكية التي تسخّر لهم تقنيات تحرير المحتوى، بأسرع وقت، وبأدوات محدثة، وعلى أوسع نطاق.
في دول مثل اليابان، بات الهاتف، المصدر الأول لتلقي الخبر، ونشره، والرد عليه.
في أوربا، لا يجادل أحد في انّ الهاتف الذكي سوف يسيطر على الاعلام.
وفي دولة مجاورة مثل السعودية، أفادت دراسة بانّ نحو 82 بالمائة من الصحافيين يمارسون صحافة الموبايل.
وفي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، يصل الثلث من المستهلكين الى غاياتهم عبر الأخبار التي يوفّرها الهاتف الذكي. وسجّل موقع الجوال في نيويورك تايمز، 19 مليون حالة عرض في مايو 2008.

تنمو هذه الصناعة الجديدة بشكل واضح في العراق. وباتت النخب على مشاربها، والمواطنون يتابعون الاخبار ويصنعونها ويبثونها عبر مواقع التواصل، ومجاميع التراسل الفوري، و الرسائل القصيرة أو التطبيقات بواسطة الموبايل.

لقد سهّل التطور المذهل في صناعة الخبر ثم نشره بسرعة هائلة، توسيع مشاركة الناس في توجيه الحدث، والمشاركة
حتى في صناعة القرار، لتتشكّل بشكل نهائي، صحافة المواطن، البعيدة عن سيطرة الحكومات، والمتحررة من توجيه النخب والسلطات.

تفيد التوقعات، بانّ عصر الصحافة التقليدية على وشك أنْ يُدفن، وانّ أجهزة الاعلام الرسمية والنخبوية الى انحسار كبير إنْ لم يكن الى زوال، بل أنّ من المتوقع انه حتى دوائر القرار والزعماء والمسؤولين، سوف يلجؤون الى صحافة الموبايل لبث الاخبار والنشاطات، لاسيما وانّ التطلعات ستجعل كل شخص في العالم يمتلك الموبايل، فيما لا تحتاج دول أوربا الاّ الى جهد هيّن لجعل الموبايل بمثابة الهوية الشخصية والمنبر المتحدّث باسم الشخص، حتى في الدوائر الرسمية. 

أدركت الوكالات الخبرية العالمية، مثل رويترز، و ياهو، وفرانس بريس، وسي ان ان، وبي بي سي، أنّ لا مفرّ من حقيقة هذا التطور، لمقاومة الانقراض، فبدأت تعزّز المحتوى التفاعلي، لصالح حضور اكبر لصحافة الموبايل والمواطن الصحافي الذي يبلغ عن الاحداث عبر حساباته في التواصل الاجتماعي، فيدركها الصحافي المحترف ويحوّلها الى مادة أكثر عمقا، اذا تطلب الامر.

انتشرت أخبار وفاة مايكل جاكسون في العام 2009 على وسائل التواصل قبل أية شبكات أخبار كبرى، قبل نحو الساعتين من تأكيده من قبل لوس أنجلوس تايمز، وأسوشيتد برس. وفي العراق، ينقل ناشطون أحداثا لاتصل اليها الصحافة التقليدية، في القرى، والمناطق النائية، كما التقط مواطنون صورا ومقاطع فيديو، لحادثة "العبّارة" في الموصل وهي تغرق، ونقلتها عنهم وسائل الاعلام المحلية والعالمية.
 
ينتظم عراقيون في مجموعات تراسل فوري، حيث يتراوح أعضاء كل مجموعة بين 100 الى 1500 من المشاركين.
وفي لحظات، يمكنك ارسال الخبر الى المجموعة، وفي لحظات أيضا يمكن صناعة الخبر، نصا وصورة، ليتداوله خلال دقائق، المئات، بل الالاف من المتابعين.
تتطلب هذه الصناعة في العراق، وعيا أكثر بتأثير الخبر على الناس، مثلما تقتضي مستويات جيدة من التعليم والثقافة،
لكي لا ينساق المواطنون وراء الاخبار الكاذبة، التي تؤثّر في المجتمعات الجاهلة، فيما تأثيرها محدود، في نظائرها الواعية والمتعلمة، حيث الأفراد يميّزون قيمة الخبر، ومصداقيته، بسهولة.

adnanabuzeed@hotnmail.com


 
 
 

14

التسامح.. سرّ التفوق والإبداع

عدنان أبوزيد

تعددّت الأسباب، لكن الهجرة واحدة، بين من ينصرف عن بلاده، هربا من الحرب والاقتتال، وبين الذي يقرّر مغادرة وطنه بحثاً عن لقمة العيش، وتحسينا لوضع عائلته الاقتصادي التي ترك أفرادها، مرغماً.
في اغلب الأحوال، إنْ لم يكن كلها، فانّ الهجرة تقصد البلدان المتسامحة، التي لا تقيّم الفرد على أصوله، ودينه وطائفته، وقد نجحت هذه الدول، بسبب هذه النزعة الإنسانية - مهما شكّك البعض في مقاصدها-، ايّما نجاح، في استقطاب الكفاءات والعقول، والأيدي العاملة الذكية.

أميركا وأستراليا وكندا وهولندا والسويد، وغيرها من "الدول المضيّفة"، تستقبل كل عام، الآلاف من المهاجرين الباحثين عن الحرية والفرص والمساواة. وفي حين نجحت الاغلبية من المهاجرين، في ضمان مصدر العيش الكريم والمستقبل الخالي من القلق، بسبب النظام الاجتماعي العادل، الذي يوفّر السكن والراتب الشهري حتى للعاطل عن العمل، فان هناك من المغتربين من نجح مهنيا، في الطب والهندسة، والأعمال الحرة، وارتقى المراتب العالية، اما في السياسة فحدّث عن النجاح، ولا حرج.

من ذلك، انّ عائلة بوش ذات أصول إنجليزية وألمانية، أصبحت السلالة السياسيّة الأكثر نجاحًا في التاريخ الأميركي، بعد هجرتها.
الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، ابن بائع جوال من أب مهاجر، هو ويليام جيفرسون بلايث الأول (1918-1946)، وقد توفي والده بحادث سيارة بعد ولادة بيل، بثلاثة شهور.
زوجته هيلاري، التي ولدت العام 1947، من عائلة بريطانية في الأصل، يعمل أفرادها في المناجم.

ولأنّ التسامح يضمن اعتراف المجتمع بحق العيش في نظام قيمي يحترم الانسان، من دون شعارات وتنظيرات بلا تطبيق، افرزت الحالة الاجتماعية، والإدارات المؤسساتية الحقة، الابداع والخلق، مهما كان مصدره، سواء من ابن البلد الأصلي، أو من المهاجر.
ألبرت أينشتاين من عائلة يهودية، ولد العام 1879، وكان والده هيرمان يمتهن بيع الرّيش المستخدم في صناعة الوسائد، وعملت أمّه بولين كوخ في ورشةٍ لتصنيع الأدوات الكهربائية، لكن التسامح، أتاح لعقله الابداع والابتكار، قبل ولادة البعبع النازي المتشدد.
 
وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كسينجر، مهاجر من المانيا، والوزيرة السابقة، أولبرايت، مهاجرة من تشيكوسلوفاكيا‏، فيما‏ كولن باول مهاجر من جامايكا، وكان والده محاسبا، وأمه خيّاطة‏.
 
الرئيس الكولومبي السابق خوليو طربيه، ابن مهاجر لبناني، وكارلوس منعم الذي حكم الأرجنتين، سوري الأصل، وغيرهم الكثير من النخب المهاجرة في أمريكا اللاتينية.

وكلما اتّسعت مساحة التسامح، زخر التنوع الذي يغني المجتمع بالأفكار والمشاريع، والابتكارات، وحيثما حلّ التعصب،
انحدرت الشعوب الى التخلف والحروب الاهلية، ومعارك الكراهية التي تقتل زهور الابداع، وتمنع الشمس عنها.

وهناك الكثير من المهاجرين الذي لا يبحثون عن المال، ومنهم من بلدان عربية ونفطية غنية، وعلى رغم انهم يتمتعون بمعدلات دخل عالية، في أوطانهم، فانهم يهجرونها، ويهرعون الى دول ديمقراطية متسامحة.
بل انّ رجال اعمال ومليارديرات، يؤاثرون بلدان الغرب بسبب الحرية والاعتدال، والأمن، فيحرصون على نقل أرصدتهم من بلدانهم اليها، ويفضّلون الاستثمار فيها.

فواز حجار، مهاجر سوري، بدأ عمله بمشروع "بيتزا" صغير، وحين دخل الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الأب، وزوجته باربرا بوش، مطعمه، صدفةً ، لشراء قطعة بيتزا، سمحا له بإطلاق اسميهما على المأكولات التي يحضّرها، لتطبق شهرته، الآفاق. 
 
ووصلت ثقافة تقبّل الآخر، واحترامه، الى اقصى انفتاحها، حين تجد مهاجرا نجح في دولة مثل الولايات المتحدة او ألمانيا، لكنه يجاهر بحبّه لبلده الأصلي، ويرفع علمه حتى في المحافل الرسمية، من دون ان يثير ذلك، الحفيظة.

كان الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية نيكسون، يتحدث دائما على القيم الإنسانية والرحمة، التي طُبّقت بشكل عملي لا تنظيري، كما هو الحال في البلدان العربية والإسلامية، حيث يكثر الكلام وينقص الفعل، وانتقد ذات يوم افراد شعبه بالقول ان "بعض الأمريكيين يميل إلى تصوير المسلمين على أنهم نمط واحد من الناس غير المتمدنين، غير النظيفين، المتوحشين وغير العقلانيين"، محذرا من نزعة العنصرية والكراهية، التي إذا ما تمكّنت من الشعوب، نخرتها، وحالت دون وقوفها، قوية، ماجِدة، تحت الشمس.
adnanabuzeed@hotmail.com


15
السؤال الخالد.. لماذا تخلّفنا؟

عدنان أبوزيد

لا يزال السؤال التقليدي الذي تنشغل به مختلف المنابر الفكرية والإعلامية، منذ عقود، يضغط بشكل غير مسبوق: لماذا تأخر العرب عن حضارة العصر؟.

تصفّح غوغل، يتيح رصد أعداد لا حصر لها من البحوث والدراسات، من مختلف الاتجاهات الفكرية، يتقاذف فيها أسباب الانكفاء الحضاري، علمانيون واسلاميون، من سياسيين واقتصاديين ورجال دين، وباحثين، فيما لم يسفر هذا الجهد عن نتائج محسوسة تساهم في تقليل الفوارق بين الأمم المتحضرة والمتأخرة، بعد ان تحوّل الى نقاش عبثي للدفاع عن المصالح والعقائد، لا الحقائق.

الجديد في الإشكالية الحضارية هذه، انّ الكثير من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، باتوا يٌخدعون بوهم تقلّص التفاوتات، لاعتقادهم ان حيازة الأدوات المادية من سيارة وتلفون ووسائل اتصال، وتقنيات، يجعلهم في مصاف الدول المتطورة، فيما الحقيقة ان التباينات تتّسع بشكل غير مسبوق، لا سيما في مجالات الاستقرار المجتمعي، والسلم الأهلي، والصناعات والابتكارات المحلية، والهوية الثقافية، والسلوك الحضاري.
وفي الدول النفطية الغنية، بشكل خاص، يكاد ينعدم تمييز الاختلافات الحضارية، بسبب الغشاوة على العيون والعقول التي تتسبّب بها الحضارة الخدمية الجاهزة، التي لا يبدع فيها المواطن، ولا يشارك فيها الا بقدر بسيط، حيث كل شيء مستورد وجاهز، وهو ما يحصل في العراق، على سبيل المثال، لا الحصر.

لقد نجحت الدول "النامية" انْ لم تكن "المتخلّفة" في جعل مجتمعاتها سوقا مفتوحة ليس للبضاعة المادية فحسب، بل
للسلعة الثقافية والفكرية، وهو انفتاح محمود، لكنها فشلت في التأسيس لسلعة وطنية على ذات المستوى من التأثير والأداء، وفيما اتخُمت الشوارع بالإعلانات الضوئية عن الأحزاب، والمشاريع الثقافية والمعرفية، والاقتصادية، فان هذه الكيانات تحوّلت الى نجوم ناجحة إعلاميا، لكنها فاشلة في التغيير والبناء وانتشال الناس من التخلف والضياع.

واستعارت الدول، تجارب منظمات المجتمع المدني، ومنتديات الحوار، والمؤسسات الاجتماعية، والبحثية، لكنها أصبحت في النتيجة أذرعا سياسية للقوى المتنفذة، وغرقت في الفساد.

وحتى في وسائل الإنتاج المادي، فانّ الذي استورد المكائن الانتاجية، أنتج سلعا فاسدة لا تضاهي المنتوج الأجنبي.

كل ذلك، يعود الى اعتماد الانقلاب الشكلي، والديكورات السياسية والاجتماعية والعلمية، فيما بقيت الأمراض والمشاكل، على حالها، بعد ان تحولت القيميّة الى ادّعاء.

أحد الأمثلة الشاخصة في عراق اليوم، العدد "المرعب" من الجامعات في مختلف المدن التي تخرّج مستويات متدنية
في العلم وتطبيقاته، وفي دولة مثل هولندا فانّ مهارات خريج مدرسة صناعة تتفوق على تلك التي يمتلكها خريج جامعة في العراق في ذات الاختصاص.

كما ان الفلاح الألماني يتفوق كثيرا في مهنيته، وابداعه وقدره على الابتكار، من الكثير خريجي كليات الزراعة ومعاهدها، في بلدان "العالم الثالث".
 
أحد أسباب الترهّل في الانطلاق الى المستقبل الذي يمسح الفوارق الحضارية، هو بنية الانسان الفكرية، المدمنة على الأنماط الفكرية النقلية، التي تلتفت كثيرا الى الماضي، وتنظر من خلال ثقبه الى المستقبل، الامر الذي يجعلها تسير بأثقال من العقد التاريخية والدينية ومظاهر النفاق الاجتماعي.
وكان نتيجة ذلك، تحوّل الفرد الى شخص تنظيري عاطفي، ومجادل بارع في النصوص الدينية والسياسية والتاريخية، فيما الابداع والابتكار، ينحسر.
 
التكدسات الماضوية، وهي تتفاجأ بتطورات العصر السريع المستوردة وليست المستنبطة من قبل الفرد، ولّدت غالبية مشوّهة فكرياً وسلوكياً، قادت الى انفصام واضح في ذات الفرد، بين مثاليات تحفل بها النصوص المحفوظة عن ظهر قلب، وبين الواقع المرير الذي يعاني من نقص الخدمات في مختلف القطاعات.
انّ الارتهان إلى الخطاب الاجتماعي والسياسي، والإعلامي، الحالي سوف يعوق وظيفة العقل الجمعي الابتكاري،

لان التلقين والتربية في المدرسة والمجتمع القائم على النرجسية الماضوية، والافتخار بأمجاد غابرة، واليقين بانّ ما لدينا من معتقدات هي أفضل من مثيلاتها لدى الاخرين، تضغط على العقل، وتجعله أسير الحدود التي رسمها لنفسه، وتقذف به خارج معادلة التطور والانفتاح.

adnanabuzeed@hotmail.com


16
هل يحترم العراقيّ الوقت؟

عدنان أبوزيد

مع انّ الوقت الذي يفرّ من أيدينا كل يوم، هو رحلة الى المستقبل، الا اننا نشعر بخسارته، ويتعاظم الإحساس بفقدانه أكثر، كلما تقدّم بنا العمر، وزاد الالتفات الى الماضي.

الفرق بين الشعوب المتقدّمة والمتأخّرة، انّ الأولى لا تستدير الى الوراء، بل تجري الى الأمام، فيما الشعوب التي تعطّلَ الزمن عندها، تعيش في الماضي، وتنهل منه حاضرها، بأدق التفاصيل، ما جعل منها في حالة من ازدواجية التفكير، ماضوية الأدوات، لا تهتم للمستقبل الا كونه نسْخاً مطابقا للماضي.

لا ابالغ في القول، حسب تجربتي في العيش مع شعوب مختلفة، لاسيما الأوربية الغربية منها، انّ الزمن لدى الانسان العراقي يمر في حالة "تراخ شديد"، وانّ عقارب الساعة تتحرك بسرعة أقل، إذا ما عبّرنا عن ذلك مجازيا، واستسلمنا لنسبية الزمن.

والشعوب مثل الأفراد، فالفرد الذي تجاوز سن الأربعين، يشعر بمرور الوقت بدرجة أسرع، من الشخص الثلاثيني،

فيما الوقت كان بطيئا جدا في طفولة كليهما، ليتسارع رويدا، مع السنين.

الوقت الذي تقيسه المشاعر، يتباين كثيرا عن الذي يؤشره بندول الساعات الجامد الإحساس، وقد قرر العلماء في جامعة "هارفارد" الامريكية انشاء شبكة من الساعات الدقيقة، تحدّد الوقت بدقة متناهية لم يعرفها العالم من قبل تعتمد على سيل من معلومات توفرها ساعات تنشر في جميع أنحاء العالم بحسب تقرير نشرته مجلة "الفيزياء والعلوم الطبيعية" الامريكية.

الساعات تعتمد في الوقت الحاضر، على شبكات افتراضية وليست حقيقية ترتبط مع بعضها البعض في انحاء الكرة الارضية. ويعتقد العلماء ان هذه الطريقة الجديدة في حساب الوقت ستوفر دقة تعادل مائة مرة، أدق ساعة ذرية عرفها العالم الى الان، لا يتم تعديل انحرافها إلا بأقل من ثانية في كل 14 مليار سنة. وترتبط شبكة الساعات هذه بعشرة من الأقمار الصناعية، وتتواصل مع بعضها البعض ومع ساعة ذرية في المدار حول الأرض، حيث يرسل القمر الصناعي المعلومات الى الساعات على الأرض، لتصحيح أي انحراف في الوقت.

هذه الاكتراث للوقت هو سر تقدّم الأمم التي تسعى الى ساعات أكثر دقة، لكي يكون تعاملها مع المستقبل، أكثر حيوية، وأجزل عطاء، فلم يعد الوقوف طويلا عند الماضي، يشغل الشعوب طويلا، طالما انّ لا وقت يتوفر للانتظار على اطلاله بعد ان تعددّت أدوات اختزال الدقائق والساعات في العمل والدراسة، للوصول الى نتائج أفضل بأقل جهد، وأقصر وقت.

العراقيون الذين سُرق زمنهم لنحو عقود، تبدّد خلالها الوقت، والثروة، والبشر، مطلوب منهم تعويض ذلك اضعافا مضاعفة اذا ما ارادوا اللحاق بالمستقبل والخروج من نادي الدول التي لا تحترم الوقت ولا تدور في عجلة الزمن.

بل انهم يحتاجون الى تقويم زمني يختلف في تفاصيله توقيتاته عن الشعوب التي لم يفتها قطار التعليم والسلام والأمان،

وان لا تدع عقرب الساعة يقف عند محطة بابل واشور وأور، لأنها في مفردات العصر، ليست سوى أطلال زمنية، نعتز بها، ولا نقف عندها.

انّ الرؤية المكانية للوقت، تحتم ديناميكية التفكير، والتخلي عن التعصب الزمني، الذي يقود الى "التخشّب" الذي يخدع سهم الحاضر ويجعله يتّجه الى السالف، الآنف، لا الآتي، المُقْبِل.

وفي الواقع، فإننا لا زلنا نتعامل مع الوقت بمفردة عنفية، تقول: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، وهو مفهوم، لم يقدّم لنا مفهوما عمليا، او يحقّق لنا إنجازا، لأنه يصوّر الزمن غريما، يجب الانتصار عليه، من دون امتلاك أدوات مناسبة للحرب معه.
الكفاءة في "ترشيد" الوقت، يقرّب من الشعوب المتقدمة التي وضعت "العقرب" الصاعد للمستقبل، لا النازل الى الماضي، رمزا مقدسا.

بعد كل ذلك، انطلق في أفكار المقال، من التسليم بان المتابع يدرك الفرق بين الزمن والوقت.

صفحات: [1]