عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - عبدالخالق حسين

صفحات: [1]
1
هل حقاً العلاقة مع إيران وأمريكا تسيء للسيادة والكرامة؟

د.عبدالخالق حسين

أرى من المفيد مواصلة النقاش حول علاقة العراق المعقدة مع الدولتين المتخاصمتين، إيران وأمريكا. وما يزيد في التعقيد، أن الشعب العراقي منقسم على نفسه إلى مكونات دينية وأثنية ولغوية وعشائرية، وغيرها، وهذا الانقسام لم يكن جديداً، بل هو نتاج التاريخ والجغرافية، ولكن عبَّر عن نفسه بشكل غير معهود، وبكل وضوح وشراسة في النظام الديمقراطي بعد 2003، لأن الديمقراطية تسمح للناس أن يعبِّروا عن آرائهم ومشاعرهم، الإيجابية و السلبية، بمنتهى الحرية إلى حد الإساءة للحرية والمصالح الوطنية، بينما الأنظمة الدكتاتورية تقطع لسان كل من يتحدث عن أي نوع من الانقسام، لذلك يدَّعي أعداء العراق الجديد، أن العراقيين كانوا موحدين في عهد صدام، وكل العهود التي سبقته، وأن هذه الانقسامات والصراعات جلبتها لنا الديمقراطية الأمريكية التي شكلت الحكومة على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية. وعلى وفق هذه الانقسامات حصل استقطاب القوى المتصارعة لهذه الدولة وتلك، للإستقواء بالخارج. وراحوا يتفننون في توظيف التراث والمفردات اللغوية مثل الكرامة والسيادة، لتعميق الصراعات وإلقاء اللوم على أمريكا، وتعليق غسيلهم على شماعة الآخرين.   

وقد لاحظنا ذلك عام 2011، عندما رفض رئيس الوزراء الأسبق السيد نوري المالكي، وبضغوط من إيران وأنصارها من القوى السياسية العراقية المشاركة في السلطة، رفض إبقاء عدد قليل من القوات الأمريكية في العراق ضمن إطار الإتفاقية الاستراتيجية العراقية – الأمريكية (SOFA)، لمساعدة القوات الأمنية العراقية في محاربتها للإرهاب. وهذا القرار الخاطئ هو الذي سهّل تسليم المناطق العربية السنية إلى داعش. ولم يكتف أنصار إيران بهذه الكارثة، بل رفضوا حتى الدعم الأمريكي للعراق في محاربة داعش، بحجة أن هذا الدعم يسيء إلى الكرامة والسيادة الوطنية، علما بأن الإرهاب وكما هو معروف في عصر العولمة، هو مشكلة دولية، وليس مشكلة محلية فحسب، لذلك تتطلب محاربته جهوداً ومشاركة دولية. والمستفيد من رفض الدعم الأمريكي هو تنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية. لذلك كتبنا في وقته، مقالاً بعنوان (الكرامة والسيادة في خدمة "داعش")(1). ولكن أخيراً، انتصرت الحكمة في قبول دعم التحالف الدولي الذي ضم قوات نحو خمسين دولة بقيادة أمريكا لدعم القوات العراقية في حربها على الإرهاب الداعشي في العراق إلى أن تم النصر المؤزر، ولو بتكاليف باهظة في الأرواح والممتلكات والأموال.

وما جعلني أن أعود إلى موضوع الكرامة والسيادة وعلاقتهما بالتحالفات، هو الضجة التي افتعلها و أثارها أنصار إيران وفلول البعث، بمناسبة زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للجنود الأمريكان في (قاعدة عين الأسد) غربي مدينة الرمادي بمناسبة أعياد الميلاد (كريسمس). وهذا تقليد متبع في العالم أن رئيس أي دولة يزور جنوده في مثل هذه المناسبات. ولكن في العراق، وكالعادة أثيرت ضجة واسعة، وقامت قيامة المعارضين، أن زيارة ترامب هذه، وعدم لقائه بالمسؤولين العراقيين في بغداد، تُعتبر إهانة كبيرة للكرامة والسيادة. بل وراح البعض منهم يوجه إهانات لرئيس الوزراء، وينعته بكلمات نابية لا تليق بذكرها في هذا المقال. علماً بأن ترامب وبعد زيارته للجنود الأمريكيين في قاعدة عين الأسد، توجه إلى ألمانيا وزار القطعات العسكرية الأمريكية المرابطة هناك منذ الحرب العالمية الثانية، ودون أن يلتقي بأي مسؤول ألماني، ولم تثار أية ضجة حول الكرامة والسيادة كما أثيرت في العراق.

والمفاراقة، أنه لأول مرة يلتقي أيتام البعث مع أنصار إيران في ذرف دموع التماسيح على الكرامة والسيادة الوطنية، ولكل غرضه الخاص من هذه الضجة، وكل يبكي على ليلاه! فغرض إيران وأنصارها هو فرض الضغوط على حكومة عادل عبدالمهدي، كما ضغطوا على نوري المالكي من قبل، ليرفض أي تقارب مع أمريكا، وبالأخص الوجود العسكري لها، ويعتبر هؤلاء أن العراق أصبح مستعمرة أمريكية، ونفطه ملكاً لأمريكا!! وأن أمريكا أسقطت حكم البعث الصدامي لا لسواد عيون العراقيين، بل للهيمنة عليهم ونهب نفطهم!!.
وكما ذكرنا في مقالنا السابق الموسوم (هل المطلوب منا التضحية بالعراق في سبيل إيران؟)(2)، أن فلول البعث وأتباعهم، استخدموا نفس الحجة وراحوا يحرضون الحشد الشعبي، والمليشيات المدعومة من إيران، للتحرش بالجنود الأمريكان في عين الأسد، لإعطاء مبرر لأمريكا لضربهم وسحقهم نيابة عن البعثيين ودواعشهم (وخليها تعلك بيناتهم!)، على حد قولهم.

والجدير بالذكر أن كلمات مثل الكرامة والسيادة، هي معنوية مجردة (abstract)، غير مادية، يمكن استخدامها لأغراض مشروعة، وغير مشروعة، يسهل معها خدع الجماهير، وحتى استخدامها من قبل أطراف متخاصمة ضد بعضها البعض، وهي أشبه بما حصل في استخدام اسم (الله) في الحرب العراقية-الإيرانية. فالإمام الخميني كان واثقاً من النصر لأنه كان يعتقد أن الله معه. ولما سأل صحفيون صدام حسين فيما إذا كان هو الآخر واثقاً من النصر، فأجاب بنعم، لأن الله معه!
وهكذا قضية الكرامة والسيادة اليوم. فأنصار إيران يعتبرون أن أي تقارب مع أمريكا وخاصة وجود قوات عسكرية أمريكية في العراق، إساءة للسيادة الوطنية. وفي هذا الخصوص طالب السيد هادي العامري المقرب من إيران، وزعيم كتلة الفتح، بطرد الأمريكان، وأن يكون يوم خروجهم في 31 كانون الثاني من كل عام عطلة رسمية(3).
 
وكذلك البعثيون وأنصارهم، وما يتمتعون من قدرات تكتيكية في اللعب على عدة حبال، وتوظيف كل ظرف لصالحهم، رفعوا عقيرة الكرامة والسيادة، ولكن في الاتجاه الآخر، إذ يرون أي تقارب مع إيران هو إساءة للسيادة الوطنية، وأن العراق بعد 2003، صار مستعمرة إيرانية، ويدَّعون أن ممثلي الشيعة في الحكومة العراقية إيرانيين، أو من التبعية الإيرانية، والشيعة الصفوية!!!!. والمفارقة أنه في الوقت الذي يحرضون الحشد الشعبي لضرب الجنود الأمريكان، يقوم ممثلو البعثيين في أمريكا بعقد لقاءات ومؤتمرات في مشيغان، يتوسلون بالمسؤولين الأمريكيين لدعمهم وتحرير العراق من "الهيمنة الإيرانية"، وأعادتهم للسلطة. وهذا واضح من بيانهم الختامي لمؤتمرهم المشبوه في مشيغان. والجدير بالذكر أن أحد ناشطي المؤتمر هو أيهم السامرائي، الهارب من السجن بعد إدانته من قبل القضاء العراقي بجريمة سرقة 300 مليون دولار عندما كان وزيراً للكهرباء في حكومة أياد علاوي الانتقالية.

اعتراض آخر على العلاقة مع أمريكا، أنها منحازة إلى إسرائيل، وأنها تضغط على الدول العربية والمنطقة من أجل فرض سياسة التطبيع مع إسرائيل. وفي هذا الخصوص نقول، شئنا أم أبينا، فإن التطبيع قادم لا ريب فيه، والذين يعارضون التطبيع فهم يؤجلونه فقط إلى أمد غير معلوم وبدوافع عاطفية، وبذلك يزيدون من عذابات شعوبهم، ويقودون دولهم إلى المزيد من الدمار. فإستراتيجية أمريكا في المنقطة باتت معروفة وثابتة، وهي حماية إسرائيل، وأصدقائها الخليجيين، وضمان تدفق النفط إلى الغرب. راجع مقالنا بعنوان (حول إستراتيجية أمريكا في الشرق الأوسط)(4)

فالتاريخ القريب أثبت صحة سياسة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، حينما قال عام 1978، أنه استرجع جميع أراضيه المحتلة من إسرائيل بدون سفك دماء، وعلى الذين يعارضونه، فليسترجعوا أراضيهم بالطريقة التي يفضلونها. وبعد أربعة عقود، لم يفشل هؤلاء في استرجاع أراضيهم فحسب، بل وكلفوا شعوبهم المزيد من الدمار، والبؤس، والتخلف، وهلاك الملايين، وتشريد الملايين الآخرين. والعديد من الدول العربية الآن لها علاقات دبلوماسية متبادلة مع إسرائيل، وأخرى لها علاقات تجارية، وحتى تحالفات عسكرية واستخباراتية غير معلنة مع إسرائيل، وفي مقدمتها مملكة خادم الحرمين السعودية. ولهذا لا تحتاج أمريكا وإسرائيل أن تشنا الحروب على الدول العربية المناهضة للتطبيع، إذ تقوم السعودية وحليفاتها الخليجيات بشن الحروب نيابة عنهما، سواء بشكل مباشر كما هو جار في تدمير اليمن، أو عن طريق المنظمات الإرهابية كما حصل في العراق وسوريا وليبيا.

والجدير بالذكر أنه في عام 1964 قدم الرئيس التونسي لحبيب بورقيبة مبادرة إلى الرئيس المصري عبدالناصر، بحل الصراع العربي- الإسرائيلي سلمياً، لتوفير الطاقات البشرية والمادية العربية للتنمية، بدلا من تبديدها وهدرها في هذا الصراع اللامجدي. فأيده الأخير في أول الأمر، ولكن ما أن أعلنها بورقيبة، وثارت عليه الجماهير العربية، تنصل عبدالناصر من وعده للرئيس التونسي، وكان ما كان من الدمار الشامل المتواصل ابتداءً من نكبة 5 حزيران 1967 وإلى الآن. فإلى متى يستمر هذا الدمار بسبب رفض التطبيع مع إسرائيل؟ يرجى مراجعة مقالنا: (سياسة " كل شيء أو لاشيء".. إلى أين؟)(5)

وقبل أيام اثيرت ضجة جديدة في العراق على تصريحات وزير الخارجية العراقي السيد محمد الحكيم، اشار فيها الى ان العراق يؤيد حل الدولتين، اسرائيل وفلسطين. فقامت قيامة الثوريين المستفزين من محور مؤيدي ايران، طبعا بدفع من نفس الجهات المحرضة على ضرب القواعد الاميركية، وطالبوا باستدعاء وزير الخارجية ومحاكمته في البرلمان، مع ان الرجل وضح المسألة وطبيعة تصريحاته.علماً بأن مشروع الدولتين أقرته الأمم المتحدة، والجامعة العربية، والحكومة الفلسطينية منذ عهد الراحل ياسر عرفات وإلى الرئيس الفلسطيني الحالي السيد محمود عباس. ولكن إيران وحماس ضد هذا المشروع، فما زالوا يحلمون بتحرير الأرض من النهر إلى البحر وإلقاء اليهود في البحر لتأكلهم الأسماك!!! لذلك يريدون من العراق أن يحذو حذوهم، ويكون ملكياً أكثر من الملك، وفلسطينياً أكثر من الشعب الفلسطيني وقيادته.

ملاحظة أخرى جديرة بالذكر وهي، منذ سقوط حكم البعث الجائر، يتردد في أوساط العراقيين وغير العراقيين، وخاصة من أعداء الديمقراطية، أن أمريكا جاءت بهؤلاء الفاسدين والفاشلين للحكم. لا شك أن هذا القول غير دقيق، لأن أمريكا اسقطت أبشع نظام دكتاتوري فاشي مستبد في العراق، وحررت الشعب العراقي من جوره وطغيانه، وأقامت مكانه نظاماً ديمقراطياً بكل معنى الكلمة، وفسحت المجال للشعب العراقي ليختار حكامه بالانتخابات الحرة والنزيهة، وتحت مراقبة دولية. وإذا ظهر هؤلاء الحكام غير كفوئين، أو فاسدين وفاشلين، فاللوم على الحكام انفسهم، لأنهم لم يكونوا بمستوى المسؤولية، وخانوا ثقة الشعب بهم، وليس ذنب أمريكا. فلماذا ننتقد أمريكا على فشل العراقيين الذين أنتخبهم الشعب؟

اعتراض آخر على العلاقة مع أمريكا من صديق في إحدى مجموعات النقاش، مفاده أن ترامب شخص متقلب لا يؤتمن جانبه، وذكر أمثلة عديدة منها تنصله من الاتفاق النووي مع إيران. وأنا إذ أتفق مع الصديق، ولكن يجب أن نعرف أن ترامب رجل غريب الأطوار، وغير طبيعي، ويتصرف بشكل غير لائق مع الجميع، وحتى مع حلفائه في دول الناتو، والوحدة الأوربية، بل ويدعو إلى عزل أمريكا عن العالم وفق شعاره (أمريكا أولاً). و ترامب ليس أمريكا، فهو مكروه ليس من قبل العالم فقط، بل وحتى من قبل غالبية الشعب الأمريكي، فأغلب الناخبين الأمريكان صوتوا لصالح منافسته هيلاري كلنتون التي تفوقت عليه بثلاثة ملايين صوت، ولكن النظام الانتخابي الأمريكي الغريب هو الذي جاء بترامب. لذلك فهو رجل طارئ، وله مشاكل مع الجميع، بما فيه الإعلام الأمريكي وغير الأمريكي، ولا يجب أن نحكم على أمريكا من خلال ترامب، فهو زائل، وأمريكا كدولة مؤسسات باقية، لذلك نجد صحفيين بل وحتى مسؤولين في إدارته وفي حزبه وقفوا في وجهه بمنتهى الشجاعة وتحدوه، بل وحتى اتهمه بعض علماء النفس الأمريكان بالجنون. ولمعرفة المزيد عن ترامب يرجى قراءة مقال الكاتب والإعلامي العراقي الدكتور حميد الكفائي، الموسوم: (حروب ترامب والإنكفاء الأميركي)(6)

خلاصة القول، أن العراق بوضعه الهش، وتفتت وحدته الوطنية، والصراعات الشرسة بين قواه السياسية، مازال مهدداً بالإرهاب، لذلك فهو بأمس الحاجة إلى مساعدة أمريكا العسكرية،  مع إبقاء علاقة ودية مع الجارة إيران. ويمكن للعراق أن يمنع استخدام الوجود العسكري الأمريكي ضد إيران في حالة نشوب الحرب بين أمريكا وإيرن، وهو مستبعد، إذ تكتفي أمريكا بالضغوط الاقتصادية على إيران، و نعرف أن لأمريكا قاعدة عسكرية في أنجرليك جنوب تركيا، وفي عام 2003، رفضت تركيا السماح لأمريكا باستخدام هذه القاعدة ضد صدام حسين، وأذعنت أمريكا للموقف التركي. لذلك نؤكد، أنه ليس بإمكان العراق ولا من مصلحته معاداة أمريكا، وإلا سيعود مسلسل السيناريو احتلال داعش للمناطق الغربية، ولا نرى في الوجود العسكري الأمريكي في العراق أي إساءة للكرامة أو السيادة الوطنية، وذكرنا أمثلة كثيرة من الدول الكبرى التي لأمريكا قواعد عسكرية فيها، ودون أن تمس كرامتها، أو سيادتها الوطنية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة
1- الكرامة والسيادة في خدمة "داعش"
http://www.akhbaar.org/home/2014/9/177006.html

2- د. عبد الخالق حسين: هل المطلوب منا التضحية بالعراق في سبيل إيران؟
http://www.akhbaar.org/home/2019/1/253218.html

3- العامري يدعو إلى أن يكون يوم خروج المحتل في 31 كانون الأول من كل عام عطلة رسمية
http://www.akhbaar.org/home/2019/1/253160.html

4- د. عبدالخالق حسين: حول إستراتيجية أمريكا في الشرق الأوسط
http://www.aafaq.org/masahas.aspx?id_mas=859

5- عبدالخالق حسين:  سياسة " كل شيء أو لاشيء".. إلى أين؟
http://www.aafaq.org/masahas.aspx?id_mas=2062
6- د. حميد الكفائي: حروب ترامب والإنكفاء الأميركي
http://www.alhayat.com/article/4617892/%D8%B1%D8%A3%D9%8A/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A/%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D9%83%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A
 




2
هل المطلوب منا التضحية بالعراق في سبيل إيران؟

د.عبدالخالق حسين

بعد نشر مقالي الأخير الموسوم: (مخاطر عدم الوجود العسكري الأمريكي في العراق)(1)، وصلتني تعليقات كثيرة من الأخوة القراء، أغلبها مؤيدة، ما عدا واحد رأى أني أناقض نفسي بنفسي، فمن جهة أتهم أمريكا بأنها ساهمت في تأسيس تنظيم داعش، وغيره من التنظيمات الإسلامية الإرهابية، وأن أمريكا غضت الطرف، أو حتى أوعزت باحتلال داعش للمناطق العربية السنية، نكاية برئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لرفضه بقاء أي عسكري أمريكي في العراق، وفي هذه الحالة، كيف تصح لي مطالبة الحكومة العراقية بعدم معاداة أمريكا ومحاربتها؟

لقد كتبتُ العديد من المقالات حول تعقيدات العلاقة بين العراق والدولتين المتخاصمتين، أمريكا وإيران. فأمريكا دولة عظمى، لها الفضل في تحرير العراق من أسوأ نظام دكتاتوري فاشي عرفه العالم على مر التاريخ، إذ لم يكن بإمكان الشعب العراقي تحرير نفسه بنفسه من ذلك النظام الجائر دون تدخل المجتمع الدولي بقيادة الدولة العظمى. ومعظم دول العالم تسعى اليوم لإقامة علاقة ودية مع أمريكا للاستفادة من إمكانياتها الاقتصادية وغيرها. وفي نفس الوقت، دعوتُ إلى علاقة حميدة بين العراق وإيران لأن هناك روابط تاريخية ودينية وجغرافية بين البلدين لا فكاك منها. وعلاقة العراق الودية مع هاتين الدولتين (أمريكا وإيران) ممكنة، لو اتبع المسؤولون العراقيون فن الدبلوماسية الحكيمة، لأن نتائج هذه العلاقة الحميدة في صالح الجميع.

أما الذين مازالوا سجناء عهد الحرب الباردة بين المعسكرين، الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والغربي الرأسمالي بقيادة أمريكا، ولا يرون في أمريكا إلا الشر المطلق، فذلك العهد قد انتهى بعد أن دفع العالم الثالث ثمناً باهظاً، و بالأخص شعبنا العراقي. لذلك فقد تغير العالم، وعلينا أن نتغير أيضاً، فنحن نعيش اليوم في عصر العولمة، حيث المشكلة المحلية هي مشكلة دولية، مثل انتهاك حقوق الإنسان، وحروب الإبادة من قبل حكومات جائرة، والمجاعات، والكوارث الطبيعية، التي لا يمكن حلها إلا بجهود دولية مشتركة، وفي هذه الحالات لا مجال لإتباع سياسة البلطجة البعثية. فالعراق لم يستطع تحرير أراضيه المحتلة من قبل داعش، لولا مساعدة التحالف الدولي بقيادة أمريكا، ومن ينكر هذه الحقيقة فهو مكابر ومعاند.

والجدير بالذكر أن هناك جهات داخلية وخارجية تعمل على دفع العراق إلى الصِدام المسلح مع أمريكا، والادعاء بأن أمريكا عدوة الشعوب، وبالأخص الشعوب العربية، لذلك يجب معاداتها ومحاربتها. فيقوم هؤلاء بتحريض الشعب العراقي والقوى السياسية، ومليشياتها، لمحاربة أمريكا وفق مقولة (شيِّم البدوي وخذ عباته). وفي هذا الخصوص بعث لي أحد الأخوة في العراق، وهو صحفي متميز، تعليقاً، وبعد ترحيبه بمضمون المقال، قال:
((...انا كتبت العديد من المنشورات بنفس المعنى وخاصة بعد الضجة التي اثارها الصداميون، ومن ورائهم من العربان والاردنيين بسبب زيارة ترامب بحجة انتهاك السيادة ليخدعوا الحشد الشعبي، وبعض الفصائل المؤيدة لإيران، ودفعهم لمهاجمة القوات الاميركية، وعند ذاك تجد اميركا مبرراً جاهزاً فتسحق الحشد ومن يقف معه. ظهر ابراهيم الصميدعي وطرح نفس افكاركم، ولكن المحاور الآخر وهو إسلامي رده بعنف، فقال الصميدعي واقسم بان سياسيين سنة ممن تملق للشيعة ولسليماني وحصلوا على مناصب مهمة، لاموني وقالوا حاول أن تدفع وتشجع قادة الحشد على ضرب قاعدة عين الاسد (وخليها تعلك بيناتهم). طبعا بعض الشيعة ابتلعوا الطعم وراحوا يرددون معزوفة السيادة. فاستعملتُ اسلوب المنشورات الملونة وذكرتهم بخيمة صفوان وكيف سلم صدام العراق الى اميركا من دون قيد وشرط)) انتهى.
نعم، هذا هو الواقع المؤلم من وراء تحريض العراقيين على الصدام مع أمريكا، وذرفهم دموع التماسيح على السيادة الوطنية "المنتهكة" من قبل أمريكا.

أعيد ثانية ما قلته في مقالي السابق، وذلك لأهميته، أن إصرار السيد المالكي عام 2011 ، وبضغوط من إيران، وأنصارها من القوى السياسية العراقية، على رحيل آخر جندي أمريكي من العراق، لا يدعو للثناء، لأن البديل كان سقوط ثلث مساحة العراق بيد داعش، وتدنيس الأرض، وهتك العرض، وما تطلب ذلك من تضحيات جسيمة بالأرواح والأموال لتحريرها. وبذلك فقد خسر المالكي السيادة الوطنية، وخسر المنصب، بل وراح خصومه، وحتى الذين فرضوا عليه رحيل القوات الأمريكية، يحمِّلونه مسؤولية جميع الكوارث التي حلت بالعراق على يد داعش من مجازر ودمار الممتلكات.

نعم، السياسة فن الممكن، لتحقيق أكبر قدر من المصالح للشعب، وتجنب الخسائر، وهذا المبدأ ليس مزحة كما يحاول بعض صبيان السياسة التهكم منه في كتاباتهم البكائية والتحريضية الرخيصة. ولعل الحسنة الوحيدة في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم مساوئه الكثيرة، أنه صريح بلا مواربة، فقد رفع شعار (أمريكا أولاً)، وقال بحق، أن رئيس أي دولة لا يتخذ مصلحة بلاده أولاً، فهو خائن لوطنه وشعبه. وإذا كان الأمر كذلك، والكل يسعى وراء مصلحة بلاده، فلماذا على العراقيين وحدهم أن يضحوا بمصلحة وطنهم وعبهم  في سبيل إيران، ويعرضوا العراق إلى الصدام مع الدولة العظمى؟ وإذا كانت أمريكا سيئة إلى هذا الحد، فهل من واجب العراق المنهك من تركة حكم البعث، ولم يتعافى بعد من الحروب الصدامية العبثية، والداعشية الإرهابية، أن يمرغ أنف أمريكا في الوحل ويعطيها درساً في الأخلاق؟ إن الذين يدفعون العراق للصدام مع أمريكا، يريدون تحقيق نبوءة سيدهم صدام حسين حين قال: (إن الذي يحكم العراق من بعده يستلمه أرضاً بلا بشر).

ولذلك، فعندما ندعو إلى علاقة ودية مع أمريكا، وعدم استفزازها، ليس حباً بها، وإنما لتجنب الصدام معها، والاستفادة من إمكانياتها. وهذه ليست انتهازية، أو ماكيافيلية ، أو انبطاح كما يردد البعض من البعثيين وأشباههم.(راجع مقالنا: مناقشة حول العلاقة مع أمريكا، الرابط في الهامش-2).
وفي هذا الخصوص لنا دروس من التاريخ. إذ نعرف أن النبي محمد عندما انتصر في فتح مكة، قال: "من دخل بيت أبي سفيان فقد آمن". وهذا القول يعتبر وساماً منحه الرسول إلى أبي سفيان. والسؤال هنا، أما كان الرسول يعرف من هو أبو سفيان الذي كان يتآمر عليه لقتله، وإفشال رسالته؟ نعم كان يعرف ذلك جيداً، ولكن الرسول كان سياسياً محنكاً أيضاً، إذ منح أبي سفيان هذه المكافئة، وشمل المؤلفة قلبوهم في غنائم الفتوحات، ليتقي شرورهم ويكسبهم إلى جانبه. ولنفس السبب، نقول يجب كسب أمريكا إلى جانب العراق لتوقي شرورها والاستفادة من إمكانياتها. وأوضح دليل على ما نقول، قارنوا بين كوريا الجنوبية ذات العلاقة الحميمة مع أمريكا، وكوريا الشمالية التي بددت كل ثرواتها على التسلح النووي لأنها في حالة عداء مع أمريكا، وبالنهاية لا بد وأن يحصل لها كما حصل لألمانيا الشرقية.

وما يُفرح أن هناك شريحة واسعة من الشعب العراقي، وخاصة شريحة المثقفين، بدأوا يدركون هذه الحقائق، وما يخبئه المحرضون للشعب من نوايا خبيثة لدفعه إلى الصدام مع أمريكا. فهم مع مضمون مقالي المشار إليه أعلاه، إذ كتب لي صديق أكاديمي مرموق قائلاً: "في حواري مع  گروب من خريجي هندسة البصرة، اكثرهم لا زالوا في العراق، كتبتُ لهم في حوار يتعلق بموضوع مقالك، وكنتُ مندهشاً على اتفاق الاّراء عدا قلة قليلة منهم....لذلك فالعراق لايزال بخير! ). ثم ذكر لي تفاصيل الحوار الجميل الذي لا مجال لإعادته هنا لتلافي الإطالة.

نعم، ليس من مصلحة الشعب ترك المجال لدعاة الباطل، بتضليل الشعب بلباس الوطنية، ونشر أباطيلهم بثياب الحق، إذ كما ذكَّرني صديق بقول رائع للإمام علي: (لو سكت أهل الحق عن الباطل، لأعتقد أهل الباطل أنهم على حق)...
لا يا صديقي العزيز، سوف لن نسكت عن أباطيلهم، ومحاولاتهم الخبيثة لتضليل الشعب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة بالموضوع
1- د. عبد الخالق حسين : مخاطر عدم الوجود العسكري الأمريكي في العراق
http://www.akhbaar.org/home/2019/1/253139.html

2- د. عبدالخالق حسين: مناقشة حول العلاقة مع أمريكا
http://www.akhbaar.org/home/2014/9/176030.html


3
مخاطر عدم الوجود العسكري الأمريكي في العراق

د.عبدالخالق حسين


في البدء، أتقدم بالشكر الجزيل للأصدقاء الأعزاء الذين راسلوني وهم يتساءلون عن انقطاعي عن الكتابة خلال ما يقارب الثلاثة أشهر الأخيرة. إن السبب وكما بينته لهم، أني بين حين وآخر أصاب بالنفور من الكتابة، الحالة التي يسميها البعض بـ(الإنغلاق الكتابي)، إذ إني سأمتُ من الذهنية السائدة على المستويين السياسي والإعلامي: فالسياسيون يحكمون العراق وقد تفشى بينهم الفساد واللا أبالية، و بعض الكتاب ينظِّرون ويحللون، ويضللون المجتمع. فالكتّاب في رأيي ينقسمون إلى ثلاثة أقسام. القليل منهم يكتبون بما تمليه عليهم مصلحة البلاد وفق الظروف الصعبة، وما تتطلبه اللعبة السياسية من مناورات، والعمل بمبدأ (فن الممكن)، وتجنب الخسائر إلى أقصى حد. وقسم آخر يرددون ما ينشره أيتام البعث الفاشي من أن العراق قد انتهى من بعدهم، وأن حكمهم كان أنزه وأشرف حكم عرفه العراق، بينما في الحقيقة لم يأت نظام أضر بالعراق مثل حكم البعث الغاشم. وقسم ثالث، ديدنهم كتابة اللطميات والبكائيات والشتائم، والتسقيط، وتضخيم السلبيات ونفي الإيجابيات، القصد منها تدمير معنويات العراقيين ودفعهم لليأس القاتل، وهم بذلك، شاؤوا أم أبوا، بقصد أو بدونه، يخدمون فلول البعث.
وبين هؤلاء وأولئك، شعرتُ بأني أنفخ في قربة مثقوبة، أو أغني خارج السرب، وأننا نكتب لأنفسنا دون أن يكون لنا أي تأثير على الساحة. لذلك سأمتُ من هذا الوضع المزري، وشعرتُ بالنفور من الكتابة.
وما دفعني للخروج من صمتي وكتابة هذا المقال هو الصديق أياد السماوي مشكوراً، بمقاله الموسوم: (مخاطر الوجود العسكري الأمريكي في العراق)(1). وإني لا أشك أبداً بحسن نوايا الأخ السماوي، والعديد ممن يتخذون نهجه وبنوايا حسنة فيما يكتبون، ولكني أختلف عنهم في العديد من المواقف والآراء، وكما قيل: (الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية).

فهؤلاء الأخوة سامحهم الله، يطالبون الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003 وإلى الآن باتخاذ موقف معادي من أمريكا، وعدم السماح بوجود قطعات عسكرية أمريكية في العراق، بدعوى أن هذا الوجود يسئ إلى السيادة الوطنية. وكمحاولة إبتزازية، راح البعض منهم يتهمون كل من يخالفهم في هذا الرأي، بالانبطاح لأمريكا، والعمالة لها ولإسرائيل، إلى آخر الاسطوانة المشروخة من الاتهامات السخفية. نقول لهم، أن عملاء أمريكا وإسرائيل الحقيقيين هم الذين يشتمون أمريكا وإسرائيل علناً، ويخدمونهما بالسر.

أما الذين ينهجون هذا النهج وعن حسن نية، فإنهم لا يدركون مدى الدمار الذي سيلحقونه بالعراق لو اذعنت الحكومة العراقية لمطالبهم. ودليلنا على ذلك هو تجربة عام 2011، يوم أصر رئيس الوزراء الأسبق، السيد نوري المالكي، وبضغوط من إيران، والقوى السياسية العراقية التي تأتمر بأوامرها، على عدم السماح لأمريكا بإبقاء أي قطعات عسكرية لها في العراق. وقد حذرنا آنذاك من مخاطر هذا الموقف، وطالبنا السيد المالكي بعدم الإذعان لضغوط إيران وأنصارها في العراق، ولكن بلا جدوى. وكانت النتيجة احتلال ثلث مساحة العراق من قبل فلول البعث باسم داعش. (راجع مقالنا: (الكرامة والسيادة في خدمة داعش)(2)

فهل حقاً وجود عدد قليل من القوات الأمريكية في العراق لدعم قواته المسلحة، والمساهمة في حمايته من الإرهاب والعدوان، يسئ إلى السيادة الوطنية، والعراق بأمس الحاجة إلى دعم الدولة العظمى في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها؟ فلو كان الأمر كذلك لكانت دول كبرى مثل بريطانيا وألمانيا واليابان، وكوريا الجنوبية، وعشرات الدول الأخرى ناقصة السيادة.

إن إصرار السيد المالكي عام 2011 على رحيل آخر جندي أمريكي من العراق لا يدعو للثناء، لأن البديل كان سقوط ثلث مساحة العراق بيد داعش، وما تطلب ذلك من تضحيات جسيمة بالأرواح والأموال لتحريرها. وبذلك فقد خسر السيادة وخسر المنصب، بل وراح خصومه يحملونه مسؤولية جميع الكوارث التي حلت بالعراق على يد الداعش.

فعندما نطالب الحكومة العراقية بعدم معاداة أمريكا، وكسبها إلى جانب العراق، لا لخدمة أمريكا، بل لخدمة الشعب العراقي، ونحن نعلم أن أمريكا ليست مؤسسة خيرية، خاصة في عهد اليميني المتطرف ترامب. ولكننا نعرف أيضاً، أن أية مواجهة عسكرية أو حتى مجرد خصومة مع أمريكا، معناها انتحار جماعي. فإذا امتنعت الحكومة العراقية عن السماح لبقاء قوات عسكرية أمريكية في العراق، فالنتيجة هي إعادة احتلال داعش للمناطق السنية، و تحت أي اسم آخر، بل وحتى تشجيع حكومة إقليم كردستان للتمرد على بغداد، وهذا ما حصل عام 20014 يوم تم تسليم المناطق الغربية إلى داعش، واحتلا كركوك من قبل حكومة الاقليم، وما تطلب ذالك من تضحيات هائلة في الأرواح والأموال، وتعطيل التنميىة البشرية والمادية.

ليفهم هؤلاء أن الشعب العراقي الذي انهكته الحروب الصدامية العبثية، والعمليات الإرهابية بعد 2003، وبوضعه الحالي الهش والمتشرذم، و الصراعات الطائفية الغبية، واستعداد كل فئة من فئاته التعاون حتى مع الشيطان في سبيل إلحاق الهزيمة بالفئات المنافسة، ليس بإمكان هذا الشعب المواجهة مع الدولة العظمى في حروب محسومة النتائج. فبإمكان أمريكا وبمجرد إشارة خفيفة إلى أي من الفئات العراقية المتناحرة، بإعلان التمرد على حكومة بغداد. وهذا ما حصل يوم سلَّمت القوى السياسية السنية محافظاتها إلى داعش بدون إطلاق رصاصة واحدة في 10 حزيران 2014. فامتنعت أمريكا مساعدة العراق في محنته، حيث قال الرئيس الأمريكي أوباما آنذاك، أنه لن يتعاون مع العراق في محاربة داعش طالما بقي المالكي رئيساً للوزراء، مما اضطر الأخير للتنحي، ومجيء الدكتور حيد العباد لرئاسة الحكومة، والذي بكسبه أمريكا، نجح في تطهير جميع الأراضي العراقية من دنس داعش، ولكن بثمن باهظ في الأرواح والأموال. كما استطاع الدكتور العبادي استرجاع جميع المناطق المتنازع عليها بما فيها محافظة كركوك من هيمنة حكومة الإقليم اللادستورية، إلى آخره من المكتسبات وبدون حرب. والحقيقة يجب أن تقال، وهي، ما كان بإمكان السيد العبادي تحقيق كل هذه الانتصارات لولا الدعم الأمريكي له.

وعندما نقول أنه ليس من مصلحة العراق معاداة أمريكا، لا يعني ذلك أننا ندعو إلى معاداة إيران، إذ من مصلحة أمريكا وإيران أن تكون للعراق علاقة جيدة معهما. فإذا كانت أمريكا وإيران والسعودية وسورية وكل دول العالم وراء مصالحها، وترفع شعار بلادها أولاً، فلماذا على العراقيين وحدهم أن يضحوا بمصلحة بلادهم في سبيل مصالح غيرهم؟
يجب على دعاة وضع العراق في مواجهة غير متكافئة ومحسومة النتائج، مع أمريكا، أن يعرفوا أن أمريكا هي التي جاءت بحكم البعث للعراق في الستينات، وهي التي أزاحته عندما اقتضت مصالحها لذلك، وأمريكا هي التي سمحت بإحتلال داعش للمناطق السنية، وربما بالإيعاز منها، و هي التي ساعدت على دحره فيما بعد، لذلك وفي حالة أي عداء جديد لأمريكا، فهي مستعدة لإعادة كل السيناريوهات السابقة، وهكذا يبقى الشعب العراقي محروماً من أي استقرار والتمتع بثرواته الوفيرة، ويواصل الحروب والتضحيات البشرية والمادية الإستنزافية إلى حد الإنهاك التام، كل ذلك من أجل أن يُشبع البعض غرورهم، وهم يتنعمون بنعيم الغرب، بتحد أمريكا، والدول الغربية "الكافرة" والرأسمالية "المتوحشة" على حد تعبيرهم. فهؤلاء يريدون نعيم الغرب لأنفسهم، ولكنهم يحرضون الشعب العراقي ضد هذا الغرب باسم السيادة الوطنية. إنه قول حق يراد به باطل.

فمقابل تحرير المناطق المحتلة من داعش، دفع الحشد الشعبي نحو 50 ألف شهيد، ونفس العدد من القوات العسكرية النظامية، إضافة إلى صرف عشرات المليارات الدولارات، ودمار شامل للمناطق المحتلة، وفرار الملايين من السكان، وعشرات الألوف من اللقطاء. فأيهما أفضل، السماح لإبقاء عدد قليل من القطعات العسكرية الأمريكية لمساعدة الجيش العراقي في حماية حدوده، وأمنه الداخلي من الإرهاب الغاشم، أم رفض ذلك باسم السيادة الوطنية، والنتيجة تسليم ثلث مساحة العراق إلى الدواعش؟ وأية سيادة هذه في ظل الاحتلال الداعشي المتوحش؟ هذا السيناريو الرهيب ينتظر العراق فيما لو أذعن السيد عادل عبدالمهدي لضغوط إيران وأنصارها واتبع سياسة السيد نوري المالكي عام 2011.
اللهم إني بلغت، فهل من يسمع؟
ـــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
أياد السماوي: مخاطر الوجود العسكري الأمريكي في العراق
http://www.akhbaar.org/home/2019/1/252997.html

د.عبدالخالق حسين: الكرامة والسيادة في خدمة "داعش"
http://www.akhbaar.org/home/2014/9/177006.html








4
كلا، لم يحن الوقت بعد لذبح البقرة السعودية!

د.عبدالخالق حسين

لا شك أن مقتل الصحفي السعودي المعارض، جمال الخاشقجي في القنصلية السعودية في تركيا على أيدي رجال الأمن السعوديين يوم 2 أكتوبر الجاري، يعتبر جريمة بشعة لا مثيل لها في الوحشية، يندى لها الجبين، لذلك أثارت غضب واشمئزاز واستنكار العالم كله، خاصة وقد أكدت الحكومة التركية أن لديها أدلة بالصوت والصورة، عن وقائع الجريمة، وليس بإمكان الحكومة السعودية إنكارها. كذلك اهتمام الاعلام العالمي والمنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة بهذه الجريمة، مما أضطر حتى الرئيس الأمريكي دولاند ترامب، الصديق اللدود المقرب للعائلة السعودية الحاكمة، إلى استنكار الجريمة وإدانتها، وتهديده بمعاقبة السعودية عقاباً شديداً إذا ما ثبت ضلوعها بالجريمة! و"لكن بدون إلغاء صفقات السلاح"!!(1)

ورغم أن مقتل صحفي ليس بالأمر الجديد، إذ هناك عشرات الصحفيين يُقتلون سنوياً في مناطق مختلفة من العالم، بل وحتى هناك شعوب تتعرض للإبادة كما الحرب السعودية على الشعب اليمني الآن، ولم يثر هذا الاستنكار والإدانة العالمية، إلا إن الطريقة الوحشية الهمجية البشعة التي مارسها المسؤولون السعوديون في قتل الخاشقجي، هي التي أثارت كل هذا الاستنكار والاشمئزاز، حيث تم قتله إثناء التحقيق معه تحت التعذيب الوحشي في القنصلية السعودية في اسطنبول، ومن ثم تقطيع جسده بمنشار عظام جلبه فريق الأمن السعودي معهم، جاؤوا خصيصاً لتنفيذ هذه الجريمة حسب تقرير مراسل بي بي سي (BBC Radio4  صباح يوم 16/10/2018)، ليسهل عليهم التخلص من جثة القتيل وإخفاء معالم الجريمة.

وإزاء تهديدات ترامب ضد السعودية، استبشر الأخيار في العالم خيراً أن نهاية مملكة الشر قد دنت، خاصة وأن أمريكا لم تعد بحاجة إلى النفط السعودي، وذلك لوجود مصادر الطاقة المتجددة، وغيرها، وأنه (ترامب) قال مراراً خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2016، وبعدها، أن السعودية هي البقرة الحلوب، وإذا ما جف ضرعها فإنها ستذبح. وقد حان الوقت، وهاهي أمريكا تتهيأ لذبح البقرة السعودية بعد جفاف ضرعها، وتصاعد وتيرة جرائمها ضد الإنسانية، وتدهور سمعتها إلى الحضيض.

في الحقيقة البقرة السعودية لم يجف ضرعها بعد، إذ مازالت وحسب تصريحات ترامب نفسه، أنها تملك أموالاً هائلة تقدر بالتريليونات الدولارات، وعليها أن تدفع لأمريكا تكاليف حمايتها، وأنه لولا الحماية الأمريكية لما صمدت السعودية يوماً واحداً...الخ. كذلك تشكل السعودية مع إسرائيل الذراع الضاربة لأمريكا في المنطقة، فالسعودية ليست تملك أموالاً هائلة فحسب، بل ومازالت أمريكا والغرب بحاجة إلى النفط السعودي، إضافة إلى العقيدة الدينية الوهابية التكفيرية التي بواسطتها تمت برمجة وتسميم عقول مئات الألوف من الشباب المسلمين، وتحويلهم إلى قنابل بشرية، وتشكيل منظمات إرهابية مثل القاعدة وطالبان وداعش وغيرها كثير، تشكل ما يسمى بـ(الجيل الرابع) في شن الحروب، واستخدامها هراوة تضرب بها أية حكومة تهدد أمن إسرائيل، ومصالح أمريكا في العالم.

لذلك، فأمريكا مازلت بحاجة إلى النظام السعودي، وما تهديدات ترامب للسعودية إلا مسرحية لذر الرماد في العيون، والإستهلاك المحلي، فقد أشغلت الإدارة الأمريكية نفسها في الأيام القليلة الماضية في عملية إيجاد طريقة للخروج من المأزق، وتمهيد الطريق لتبرئة القيادة السعودية العليا من الجريمة، وبالتالي تبرير عدم معاقبتها، واستمرار العلاقة الودية وخاصة التجارية معها و(Business as usual).
فقد قال ترامب للصحفيين بعد مكالمة هاتفية أجراها مع الملك سلمان بن عبد العزيز، إن العاهل السعودي نفى تماما علمه بما حدث لخاشقجي. و إنه بعث وزير خارجيته، مايك بومبيو، إلى السعودية لإجراء محادثات عاجلة مع الملك سلمان.(نفس المصدر-1)

وماذا نتوقع من هذه التهديدات والاتصالات؟
لا بد أنه تم الاتفاق بين أمريكا والسعودية وحتى تركيا، إذ تحدثت صحف عربية عن إمكانية التوصل إلى "صفقة" ثُلاثيّة، أمريكيّة تركيّة سعوديّة، لإغلاقِ ملف اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي.
وتتم الصفقة بإيجاد ذريعة لتبرئة القيادة السعودية كالتالي: أن تعترف السعودية بأن الصحفي جمال الخاشقجي فعلاً تم قتله في القنصلية السعودية في تركيا إثناء التحقيق معه على أيدي بعض الموظفين في القنصلية، ولكن بدون علم القيادة السعودية العليا (أي الملك سلمان وابنه الأمير محمد ولي العهد). وأن قتل الصحفي المعارض حصل خطئاً كحدث طارئ (by accident)، إثناء التحقيق معه بواسطة موظفين مارقين (Rogue officials). وأن "قتلة خارجون عن السيطرة ربما كانوا وراء اختفاء خاشقجي". وربما سيتم معاقبة عدد منهم واتخاذهم اكباش فدى، وتبرئة الملك سلمان، وابنه المهيمن على كل شيء في السعودية. فهل يُعقل أن تحصل هكذا جريمة كبرى في سفارة دولة بوليسية مثل السعودية، بدون أوامر أو حتى علم من الملك وابنه؟ هذا مستحيل.

هذا مجرد تبرير واهي لإعادة العلاقة بين أمريكا والسعودية إلى حالتها الطبيعية الودية. وقد قالها ترامب صراحة عندما سأله الصحفيون عن نوعية العقوبة التي يهدد بها السعودية، وهل ستشمل تصدير السلاح؟ أجاب: كلا، لأننا في هذه الحالة سنعاقب أنفسنا ونخسر عشرات المليارات الدولارات سنوياً.
وهكذا نستنتج أن السعودية تحتاج أمريكا لحمايتها من شعبها، وأمريكا تحتاج السعودية لحلب ضرعها الذي مازال يدر لها المئات من مليارات الدولارات.

فالسعودية لن تسقط على يد أمريكا، بل إذا شاء لها السقوط فإنها ستسقط على يد شعبها، وبالأخص بسبب الصراع الدائر بين أمراء العائلة الحاكمة أنفسهم، وتذمرهم من تصرفات الطاغية ولي العهد محمد بن سلمان الذي أثبت أنه نسخة من صدام حسين في تهوره، واستبداده، وتعامله بمنتهى القسوة مع كل من يعارضه في الرأي.
وفي هذا الخصوص تفيد الأنباء أن أحد الأمراء، واسمه خالد بن فرحان آل سعود (41 سنة)، اللاجئ حالياً في ألمانيا، كشف أن السلطات السعودية قد وعدت بإعطائه مبالغ كبيرة من الدولارات مقابل ذهابه إلى القنصلية السعودية في القاهرة، والتحدث إلى السلطات، إلا إنه رفض خوفاً من أن يلقى مصير الخاشقجي. وقال إن خمسة من أفراد الأسرة الملكية حاولوا رفع صوتهم ضد اختفاء خاشقجي، وقد تم احتجازهم على الفور، واضاف أن هناك العديد من الأمراء في السجن الآن في المملكة العربية السعودية. وأنه قبل خمسة أيام حاولت مجموعة من الأمراء زيارة الملك سلمان، للإعراب عن خوفها على مستقبل عائلة آل سعود، وذكروا قضية السيد خاشقجي، فتم وضعهم جميعاً في السجن ولا يُعرف مصيرهم، وأن الجميع خائفون.(2)

ومن كل ما سبق، نعرف أن غضب ترامب على السعودية، وتهديداته بالعقوبة الشديدة ما هي إلا مسرحية من نوع الكوميديا السوداء، وأن البقرة السعودية لم يجف ضرعها، لذلك لم يحن الأوان بعد لذبحها، بل الأمل هو في انهيارها من الداخل، وذلك بسبب ما يرتكبه ولي العهد المتهور، محمد بن سلمان من جرائم بشعة ضد الشعب السعودي، وبحق الإنسانية جمعاء، ومصيره ونظام حكمه سيكون كمصير أي طاغية في التاريخ.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر
1- تقرير بي بي سي: ترامب: قتلة خارجون عن السيطرة ربما كانوا وراء اختفاء خاشقجي
http://www.bbc.com/arabic/middleeast-45864878

2- خمسة أمراء من العائلة المالكة مفقودون في السعودية
5 members of Royal family missing in Saudi Arabia: Royal prince
https://www.siasat.com/news/5-members-royal-family-missing-saudi-arabia-royal-prince-1420427/

رابط ذو صلة:
صحيفة أمريكية تزعم ارتباط 5 مشبوهين في اختفاء خاشقجي بولي العهد السعودي
http://www.akhbaar.org/home/2018/10/250092.html

د.اسامة فوزي: ذبحوه ومحمد بن سلمان شخصيا حقق معه عبر دائرة تلفزيونية مغلقة (فيديو)
https://www.youtube.com/watch?v=7gYp8mTZV1Y

 



5
المطلوب من عادل عبد المهدي تلبية مطاليب الشعب لا الأحزاب

د.عبدالخالق حسين

لا شك أن تكليف السيد عادل عبدالمهدي بتشكيل الحكومة الجديدة قد وضعه في موقف لا يحسد عليه، فمهمته صعبة، ولكنها ليست مستحيلة، خاصة وقد استجدت ظروف نتيجة فشل الأحزاب السياسية المتنفذة. فهذه الظروف تساعده على فرض شروطه في اختيار وزرائه من أصحاب الكفاءات التكنوقراط المستقلين. لذلك، و كمواطن عراقي في المهجر، متابع ومهتم بالشأن العراقي، أود تقديم بعض الأفكار والاقتراحات قد تساعده على جعل مهمته ممكنة.

ولكن قبل تقديم الاقتراحات، أود أن أشير إلى الحقائق التالية:
أولاً، إن الشعب العراقي منقسم على نفسه إلى طوائف وأثنيات، وكل منها متفتت إلى أحزاب سياسية متناحرة. إضافة إلى ما تعرض هذا الشعب لأكثر من نصف قرن إلى كوارث الدكتاتورية، من الحروب العبثية وغيرها كثير، لذلك من المستحيل إرضاء الجميع، خاصة وهناك قوى مستعدة للتعاون مع الشيطان، وحتى مع عصابات داعش وأخواتها، من أجل تسقيط المنافسين في الحكم والنفوذ. لذلك يجب أن يعتبر الأمر مسألة عادية إذا ما تعرض الرئيس المكلف للهجوم وحملات التسقيط.

ثانياً، لقد اتخذ خصوم السيد عادل عبدالمهدي من انتماءاته السابقة في أوقات مختلفة، لثلاثة أحزاب متناقضة في الأيديولوجية (البعثي، والشيوعي، والإسلامي)، نقاط ضعف ضده، بينما هي في الحقيقة نقاط قوة لصالحه، لأنه انتمى لهذه الأحزاب حينما لم تكن (هذه الأحزاب) في السلطة، ومنها كانت مضطهدة أشد الاضطهاد مثل الحزب الشيوعي، والمجلس الإسلامي الأعلى، وأخيراً ليبرالي مستقل. لذلك فانتماءاته لتلك القوى لم تكن بدوافع انتهازية كما يصورها خصومه، بل بدوافع القناعة والبحث عن الحقيقة خلال تطوره الفكري. وعليه، فإنتماءاته السابقة، والمناصب السيادية التي تبوأها بعد 2003، أكسبته خبرة واسعة تساعده على مواجهة المهمات الصعبة. 

ثالثاً، إن فشل الأحزاب السياسية المتنفذة طوال 15 سنة الماضية في تلبية احتياجات الشعب منحه فرصة ذهبية لتنفيذ برنامجه الإصلاحي، ومعه الشارع العراقي الساخط على الأحزاب الفاشلة.

رابعاً، التظاهرات الجماهيرية الاحتجاجية التي اندلعت في محافظة البصرة، خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة وانتشرت في المناطق الأخرى من العراق، كانت مشروعة لأنها كانت تطالب بتوفير أهم الخدمات الأساسية لحياة المواطنين في بلد يتمتع بثروات طبيعية هائلة، وهي: توفير الخدمات، ومحاربة الفساد، و إيجاد العمل للعاطلين.

المقترحات
1- هناك البعض يحاول إيعاز الأزمات العراقية، وخاصة الاقتصادية منها، إلى سيطرة الدولة على المؤسسات النفطية، لذلك يحاولون الترويج إلى الخصخصة، أي بيع مؤسسات الدولة إلى القطاع الخاص. العلة ليست في تأميم المؤسسات النفطية وسيطرة الدولة عليها، بل في سوء استخدام وارداتها. فبدلاً من توظيفها لإعمار العراق، استخدمها حكم البعث الصدامي في عسكرة المجتمع، وشن الحروب العبثية الداخلية والخارجية. كذلك هناك من يروِّج إلى منح المواطنين أسهماً في النفط بذريعة النفط ملك الشعب. نعم، كل الثروات الطبيعية هي ملك الشعب، ولكن هذا لا يعني توزيعها على الأفراد وبيعها في سوق الخردة، بل يجب إدارتها من قبل الحكومة نيابة عن الشعب، واستثمار وارداتها للإعمار وتوفير الخدمات...الخ. لذلك نحذر من بيع المؤسسات الاقتصادية، النفطية وغيرها إلى القطاع الخاص.

2- هناك نحو 180 منشأة ومؤسسة حكومية معطلة، من بينها معمل الورق في محافظة البصرة، وخطوط الهاتف الأرضي على سبيل المثال. يجب بذل كل الجهود لتجديد هذه المنشآت وبعث الحياة فيها.

3- دعم القطاع الخاص، في الوقت الذي نبدي فيه حرصنا على القطاع العام وعدم المساس به، نرى من مصلحة الشعب دعم القطاع الخاص أيضاً، لأنه ضروري لتحريك الاقتصاد وإيجاد العمل للعاطلين. فالعراق يواجه مشكلات كبيرة وعديدة منها على سبيل المثال، الانفجار السكاني، وشح المياه، والتصحر وتلويث البيئة. وهنك نحو 25 جامعة وعشرات المعاهد، ومئات المدارس الثانوية في العراق، إضافة إلى انتشار الكليات الأهلية، والتي بمجموعها تخرِّج سنوياً أكثر من مليون متخرج، يبحثون عن عمل. وليس بإمكان الحكومة توفير العمل لهذا الجيش الكبير من الخريجين العاطلين. لذلك يجب تشجيع القطاع الخاص، والاستثمارات الوطنية والأجنبية، وتوفير التسهيلات لها بإصدار قوانين تشجع الرأسماليين في الداخل والخارج على الاستثمار في العراق.

4- في محاربة الفساد: إن أهم سبب لفشل السيدين نوري المالكي وحيدر العبادي في محاربة الفساد، هو إعلانهما بين حين وآخر أنهما يمتلكان ملفات الفساد ضد حيتان كبيرة، ولكن دون أي إجراء عملي ضد الفاسدين. لذلك فالمطلوب من السيد عبدالمهدي، أن لا يوعد ولا يهدد ما لم يكن مستعداً وقادراً على التنفيذ. إذ يجب الكشف عن ملفات الفساد بكل شجاعة وصراحة، وسيتلقى الدعم من المرجعية الدينية، والشارع العراقي، والجماهير الواسعة الساخطة على الأحزاب السياسية الفاشلة، بل وحتى من الأحزاب السياسية التي ترى أنها مهددة بالاختفاء إذا ما وقفت ضد هذه الاجراءات. وإذا ما فشل في هذا الأمر، فعندها من حقه أن يلوِّح ويهدد بورقة الاستقالة كإجراء أخير، بعد أن يقدم شرحاً مفصلاً في مؤتمر صحفي أمام الشعب، يفصح فيه عن المعوقات التي تقف ضد مكافحة الفساد بما فيها الأحزاب والشخصيات المتنفذة.

5- في السياسة الخارجية، يطالبه أنصار إيران بمعاداة أمريكا والسعودية، ويطالبه أنصار أمريكا والسعودية بمعاداة إيران. وهذه سياسة انتحارية، لأن العراق يحتاج إلى صداقة الجميع. لذلك فالمطلوب من الرئيس المكلف أن لا يسمح لتلك الحكومات بنقل صراعاتها وحروبها بالوكالة على الساحة العراقية. وأن من مصلحتهم ومصلحة العراق أن تكون للعراق علاقات ودية مع الجميع.
 
6- العراق الجديد يواجه عدواً شرساً من فلول البعث، وحلفائهم من عصابات داعش، يمتلكون إمكانيات مادية وإعلامية واسعة، وخاصة في عصر الانترنت والتواصل الاجتماعي، في التضليل، وتلفيق الأخبار الكاذبة لتشويه صورة الديمقراطية والعملية السياسية، لذلك أقترح تشكيل لجنة من الاعلاميين، مرتبطة برئاسة مجلس الوزراء، لمتابعة هذه التلفيقات، والرد عليها أولاً بأول، وتفنيدها وهي في المهد.

خلاصة القول، اعتقد بأن السيد عادل عبدالمهدي هو الآن أقوى من الأحزاب السياسية، لأن الشعب يتوقع منه حكومة مستقلة وكفوءة قادرة على انتشال العراق من وضعه المزري خلال فترة قصيرة جدا، والتجربة علمتنا بأن الأحزاب غير قادرة على الاتيان بمثل هذه الحكومة.
وما يساعده لمكافحة الفساد هو أن يحيط نفسه بكوكبة من ذوي الكفاءات الشرفاء، إذ كما قال جان جاك روسو: إعطني قليلاً من الشرفاء، وأنا أحطم لك جيشاً من اللصوص والفاسدين والعملاء.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com


6
ماهي مبررات ترشيح الاستاذ الدكتور محمد الربيعي لوزارة التعليم العالي؟

د.عبدالخالق حسين

هناك الكثير من المؤشرات تدعو للتفاؤل بحكومة السيد عادل عبدالمهدي المرتقبة لأنها ستكون حكومة التكنوقراط المستقلين من أصحاب الكفاءات العالية، ومن ذوي الماضي الوطني المجيد. فالسيد عبد المهدي نفسه هو تكنوقراط ومستقل، إذ يحمل شهادة الماجستير في الاقتصاد من إحدى الجامعات الفرنسية، ومؤلف لعدد من الكتب، وعدة بحوث في هذا المجال، إضافة إلى خبراته السياسية من انتماءاته الحزبية الماضية، و المناصب السيادية التي تبوأها في عراق ما بعد 2003، وهو الآن مستقل. وقد تم تكليفه من قبل السيد رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح (التكنوقراط)، لتشكيل الحكومة القادمة على أساس الكفاءة والنزاهة والاستقلالية.

وعليه، وبدوافع حرصي على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، باختيار ذوي الكفاءات العالية لإدارة السلطة التنفيذية التي عانت الكثير من القصور في الحكومات المتعاقبة، ونظراً لمعرفتي للدكتور محمد الربيعي عن قرب لأكثر من ربع قرن، وإطلاعي المستمر على انجازاته العلمية والتربوية، وعلى مواقفه السياسية، أود أن أرشحه لمنصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وذلك للأسباب التالية:

أولاً، بطاقة التعريف
1- بروفسور محمد علي الربيعي، هو مستشار فخري لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق وفي فترات مختلفة منذ عام 2003، وإلى الآن، وهو أستاذ متمرس (Emeritus professor)، للهندسة البيوكيميائية، ورئيس شبكة العلماء العراقيين في الخارج (نيسا).
2- حصل على شهادة البكلوريوس من كلية العلوم /جامعة بغداد بدرجة جيد جدا عام 1969، وعمل معيدا في كلية العلوم/جامعة بغداد من سنة 1969 الى 1974، حيث سافر إلى إنكلترا للتخصص في علم الوراثة، فنال الدكتوراه في علم الوراثة الاشعاعية من جامعة لندن عام 1979.
3- عمل مدرسا في جامعة برمنغهام الإنكليزية العريقة، وتدرج في المناصب الاكاديمية ليصبح بروفسور للبيوتكنولوجي في نفس الجامعة.   
4- انتقل الى الكلية الجامعة دبلن  (UCD)ليتبوأ كرسي الهندسة البيوكيميائية، ولينشئ ويدير في الجامعة مركز بحوث زراعة الخلايا.   
5- عمل مستشارا علميا لعدد من شركات الانتاج الطبي في امريكا وايرلندة وعضوا في المجلس الاستشاري لشركة Sigma-Aldrich وشركة Vivalis الفرنسية،
6-عمل محرراً لدورية Cell Engineering  ولمجلة(Tissue Culture Methods)  Cytotechnology وعضوا في هيئات التحرير لعدد من المجلات العلمية،
7- عمل كعضو في اللجان المشرفة على انتقاء البحوث في مجلس بحوث العلوم البايولوجية البريطاني (BBSRC) ومؤسسة العلوم الايرلندية  (SFI)، ومؤسسة العلوم والتكنولوجيا البرتغالية (FCT)
8- منحته جامعة برمنغهام لقب بروفسور بعد ان تركها في عام 2005  وكذلك بروفسور زائر، وممتحن خارجي في الجامعة الوطنية الماليزية، وبروفسور (Adjunct Professor) في جامعة كوينزلاند (Queensland) الاسترالية،  واستاذ زائر في جامعة جون هوبكنز(الأمريكية)، ومنحته عدد من الجامعات العراقية لقب أستاذ زائر،
9- عمل مشرفا على وزارة التعليم العالي ضمن فريق مجلس اعادة اعمار وتطوير العراق لإدارة الوزارات العراقية في عام 2003
10- اصبح مستشارا خارجياً لوزارة التعليم العالي في عام 2003-2004، ومستشار فخري لرئيس الجمهورية العراقية منذ بداية عام 2006 والى 2014
11- عمل كخبير لمنظمة اليونسكو- العراق في شؤون التعليم العالي (2008-2014)
12- الآن مستشار فخري لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي – العراق منذ 2017 وإلى الآن،

ثانياً، انتاجه العلمي:
1- اول من اكتشف الموت الخلوي المبرمج في الخلايا المزروعة ،
2- استطاع من اطالة عمر الخلايا المنتجة للمواد الطبية ،
3- تمكن من انتاج اجسام مضادة وأدوية من خلايا حيوانية خارج الجسم،
4- من الأوائل الذين تمكنوا من انتاج كريات الدم الحمراء بصورة اصطناعية خارج الجسم،
5- من الاوائل الذين تمكنوا من زراعة وهندسة غضروف الركبة خارج الجسم وكذلك من تكوين كبد اصطناعي.

ثالثاً، المنح والجوائز:
1- تقدير الاتحاد الأوربي (EU Framework 4, 1994-1998) لأحسن مشروع بحث تعاوني اوربي في البيوتكنولوجي،
2- حصلت بحوثه في تقييم البحوث البريطاني على اعلى المعدلات في دوراته الثلاث الأخيرة 1996 و 2001 و 2008. 
3- تقدير مؤسسة العلوم الايرلندية  (SFI)عام 2005 ومنحه منحة مالية ولقب  SFI Professor
4- وسام دولاند (Donald Medal)  العالمي لعام 2008 لمساهماته المتميزة في حقل زراعة الانسجة والهندسة البيولوجية ،
5- جائزة افضل بحث في مؤتمر هندسة زراعة الخلايا 1994،
6- جائزة افضل بحث في مؤتمر الجمعية الاوربية لتكنولوجيا الخلايا الحيوانية 1979
7- جائزة مؤسسة استيلاس اليابانية Astellas و منحة مالية 2007
8- رئيس المؤتمر الاوربي للخلايا الحيوانية في دوراته المنعقدة في 1997 و 2001 ورئيس مؤتمر هندسة الانسجة والخلايا المنعقد في 2002
9- زميل الجمعية البيولوجية البريطانية (FRSB)
10- زميل معهد كونوي للعلوم الطبية (Conway Institute)(2003-2015)   
11- حاصل على منح مالية بحثية من مانحين دوليين تقدر باكثر من 20 مليون يورو
12- حصل مركزه (Centre for Formulation Engineering) في جامعة برمنغهام عام 2011 على جائزة الملكة،
13- مؤشر اتش للنشر العلمي له يبلغ 49

رابعاً، مؤلفاته ومساهماته العلمية
1- سلسلة من الكتب بعنوان هندسة الخلية (Cell Engineering)،
2- عدداً من الكتب في مواضيع زراعة الخلايا وهندسة الانسجة (Cell Culture, Stem Cells, 3- كتاب (الوراثة والانسان – سلسلة عالم المعرفة الكويتية- 1986)،
4- كتاب (اطار ضمان الجودة وتحسين الجودة للبرامج في الجامعات العراقية، من إصدارات اليونسكو – العراق، 2017)
5- كتاب (نظام المقررات، من إصدارات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، العراق، 2017)
6- نشر ما يزيد عن 500 بحث اصيل وفصل كتاب واستعراض ومنشور علمي وبراءة اختراع
7- اشرف على عدد كبير من أُطروحات الدكتوراه ، والماجستير في جامعتي برمنغهام ودبلن،

خامساً، مقالاته التربوية
وقد نشر الأستاذ الربيعي أكثر من مائة مقالة ودراسة حول تطوير التربية والتعليم في جميع المراحل، وخاصة حول التعليم العالي في العراق، تجدها في الصحف العراقية، الورقية والإلكترونية، أدناه رابط أرشيف هذه المقالات على موقع الأخبار:
    www.akhbaar.org/home/for-the-author/?auid=52
 
سادساً، نشاطاته الإنسانية والاجتماعية
1- أسس منظمة رعاية اطفال العراق بعد حرب الخليج 1991 التي قامت بأعمال انسانية عديدة لإغاثة الاطفال والعراقيين بصورة عامة.
2- ساهم في تأسيس جمعية الأمل الانسانية ،(www.iraq-alamal)  والمنتدى العراقي في بريطانيا (www.iraqiassociation.org)، ورابطة الاكاديميين العراقيين، وشبكة العلماء العراقيين في الخارج  (www.nisairaq.com)
3- شغل مناصب في الهيئات الإدارية لعدد من المنظمات الإنسانية والمهنية  والآن هو رئيس شبكة العلماء العراقيين في الخارج (نيسا)

سابعاً، وأخيراً : كان من اوائل المعارضين النشطين ضد الدكتاتورية طيلة العقود التي سبقت سقوطها، وناضل من اجل حقوق الانسان في العراق.

وبناءً على كل ما تقدم، ولمصلحة العراق وليس لأي سبب آخر، فإني لن أتردد إطلاقاً في ترشيح العالِمْ العراقي الفذ، الأستاذ الدكتور محمد الربيعي لمنصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي، خاصة وأن هذه الوزارة ليست جديدة عليه، إذ كان في تماس مباشر معها منذ سقوط حكم البعث عام 2003، وقد بذل قصارى جهوده لرفع مستوى التعليم في العراق. لذلك فتسنمه وزارة التعليم العالي سيفسح له المجال لتوظيف إمكانياته العلمية والتربوية والإدارية، فهو عالم، ومربي، وتربوي، خدم العراق وخاصة بعد سقوط الدكتاتورية، وكان مؤثراً جداً في توجيه السياسات العلمية والتربوية، وفي نشر ثقافة التعليم والتربية الحديثة، وتعميق المعرفة الاكاديمية في الجامعات العراقية، بما يتعلق بالأنظمة التربوية العالمية الحديثة في الدول المتطورة. لذلك فهو في رأيي من افضل من يمكن ترشيحه لقيادة التعليم العالي والتربية في الوقت الراهن، وفق مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب.
فهل من يسمع؟
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com





7
مرحى لسروة عبدالواحد رئيسة لجمهورية العراق

د.عبدالخالق حسين

أفادت الأنباء أن النائبة السابقة عن حركة التغيير، سروة عبد الواحد، أعلنت يوم الأحد، المصادف 23/9/2018، ترشيحها لمنصب رئيس الجمهورية "كعراقية كردية مستقلة"، دون دعم حزب سياسي معين، ودون توافقات سياسية. وقالت في بيان لها إنه "بعد التوكل على الله وإيماناً مني بحتمية الوقوف جميعا كي ننقذ وطننا العزيز من الأزمات التي يعاني منها، فإني أعلن ترشيحي لمنصب رئيس الجمهورية العراقية وفق الدستور العراقي"، مضيفةً أن "ايماننا بالدستور يبدأ من تطبيقه بمساواة وعدالة للعراقيين كافة دون استثناء، وأن منصب رئيس الجمهورية يمنح العراقيين حصانة لحماية الدستور وترسيخ الوحدة الوطنية وتأكيد عراقية الدولة".(1)

وأنا كاتب هذه السطور، كمواطن عراقي أؤمن بدولة المواطنة، والديمقراطية والعلمانية والحرية والمساواة والعدالة، والإخاء، والانتماء العراقي يأخذ عندي الأولوية فوق جميع الانتماءات الأخرى، الأثنية والقومية، والدينية، والطائفية، والمناطقية، والجندرية (الجنسية)، فإني أعلن دعمي وتأييدي لترشيح هذه السيدة العراقية الأصيلة لمنصب رئاسة جمهورية العراق، وأهيب بجميع العراقيين الشرفاء دعمها بكل ما أوتوا من قوة.

فمن خلال مواقفها السياسية، ومقابلاتها التلفزيونية، وتصريحاتها الناضجة المنحازة إلى الوطنية العراقية، وأسلوب تعاملها الذكي الهادئ مع الإعلام، أثبتت السيدة سروة عبدالواحد أنها إمرأة عراقية سياسية شجاعة، ناضجة، وحكيمة ذات قدرات ثقافية واسعة، وخطابية ممتازة، تؤهلها لهذا المنصب السيادي. وبذلك ستعطي للعالم أجمع، الصورة الجميلة والذكية والحكيمة واللامعة عن العراق وشعبه، وتزيح تلك الصورة الكئيبة المشوهة التي اعتادها العالم عن العراق، أنه الأول في الفساد، والأسوأ للعيش فيه، وعاصمته الأقذر في العالم، وبرلمانه الأكثر تكلفة، والأقل عملاً، وغيرها من المواصفات البذيئة المقرفة.

إن إقدام السيدة سروة عبدالواحد على ترشحها لرئاسة الجمهورية أثبتت أنها بطلة وذكية وشجاعة وواعدة إلى أقصى حد، خاصة وأنها كإمرأة في مجتمع ذكوري عشائري، يمر بمرحلة تاريخية عاصفة يسعى للخروج من تخلفه، وتقاليده الضارة، وأعرافه البالية، و لتحقيق نقلة ثورية إلى مجتمع ديمقراطي متعدد القوميات والأديان والطوائف، الكل يعيش فيه بسلام و تكافؤ الفرص، وجعل الهوية العراقية أولاً، وجميع الهويات والانتماءات الأخرى ثانياً، وبذلك نجعل من الماضي الأسود خلفنا، ونساهم جميعاً لبناء مستقبل مشرق أفضل. كذلك وكما قالت السيدة عبدالواحد في بيانها: لكسر احتكار التقليد السيئ الصيت الذي تبناه الحزبان الكرديان (الاتحاد الوطني الكردستاني- يكتي، والديمقراطي الكردستاني- حدك) أن يكون رئيس جمهورية العراق منهما. وهذه خطوة عملية رائعة للتخلص من المحاصصة.

لذلك أهيب بجميع نواب الشعب أن يصوتوا بالإجماع لصالح السيدة سروة عبدالواحد لهذا المنصب الرفيع، وبذلك يدفعوا بالعملية السياسية والديمقراطية العراقية قفزات واسعة إلى الأمام، و نحو النضج بعد 15 عاماً من عملية المخاض العسير، وهي الخطوة الأولي والضرورية ليحسِّنوا سمعة البرلمان العراقي، ويقدموا الدليل العملي أن هذه الدورة ليست كالدورات السابقة التي كان أعضاؤها لا يهتمون إلا بمصالحهم الشخصية، مثل زيادة رواتبهم، وامتيازاتهم أكثر من اهتمامهم بمصلحة الشعب. ليكون تركيز هذه الدورة على الوحدة الوطنية العراقية قبل أي شيء آخر. ولتكن سروة عبدالواحد جاندارك العراق تعمل على ترسيخ الوحدة الوطنية، ويثبت العراقيون للعالم أنهم فوق الطائفية والعنصرية والجندرية، وغيرها من عوامل التفرقة البغيضة، ولأول مرة ليثبت العراقيون أن إمرأة كردية علمانية تقدمية تتبوأ أعلى منصب في الدولة العراقية، وتكون رمزاً للوحدة بين العرب والكرد وبقية الأثنيات.

ما أحوج العراق إلى سيدة ذكية وناشطة ومثقفة مثل سروة عبدالواحد التي قالت في بيانها: "أترشح اليوم كعراقية كردية مستقلة عن أي حزب سياسي ولكني منتمية لأهلي وشعبي من زاخو إلى الفاو، واعتز بعراقيتي ومفتخرة بكرديتي، اني اترشح من دون دعم حزب سياسي معين ومن دون توافقات سياسية وإنما اترشح وأنا امثل كل القوى الوطنية العراقية الصادقة، والتي تسعى لبناء وطن كريم لشعب عزيز يعاني منذ عقود، كما أمثل المرأة العراقية التي يحاول بعض الجهات السياسية تهميشها رغم انها شريكة في البناء، اعاهدكم بأني سأكون عراقية اولا، وكردية وعربية وتركمانية ومسلمة ومسيحية وصابئية وايزيدية وسنية وشيعية ثانيا"(1).
والجدير بالذكر أن السيدة سروة عبدالواحد دعت نظرائها المرشحين لرئاسة الجمهورية الى مناظرة تلفزيونية(2)، تماماً كما يحصل في الغرب. ولا شك فإن هذه المناظرات ستقدم دروساً بليغة لتعلم قواعد الديمقراطية في العراقي الديمقراطي. 

مرة أخرى، أيها السادة نواب الشعب، أهيب بكم وألح عليكم أن ترتقوا إلى مستوى المسؤولية، وتصوتوا لهذه السيدة العراقية البطلة، وبذلك ستثبتون للعالم أن الشعب العراقي حقاً مؤهل للديمقراطية التي هي من أروع وأعظم ما انتجته الحضارة البشرية.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط ذو علاقة بالموضوع
1- سروة عبد الواحد: رشحت نفسي لرئاسة الجمهورية كعراقية كردية مستقلة عن أي حزب
http://www.akhbaar.org/home/2018/9/249097.html

2- سروة عبد الواحد تدعو نظرائها المرشحين لرئاسة الجمهورية الى مناظرة تلفزيونية
http://www.akhbaar.org/home/2018/9/249129.html

8
حول لصوص الكلمة مرة أخرى
د.عبدالخالق حسين

اخترتُ العنوان أعلاه لأني كنت قد نشرتُ قبل 12 عاماً مقالاً بعنوان (حول لصوص الكلمة)، حيث تعرضتْ إحدى مقالاتي للسطو من قبل أحد اللصوص، وقد نبهتني يومها جماعة متفرغة للكشف عن هذا النوع من اللصوصية والسرقات الأدبية، فبعثوا لي رابط مقالي الأصلي مع رابط مقال السارق، وتبيَّن لي صدق قولهم، مع تغيير طفيف في بعض الجمل هنا وهناك، وعندها كتبتُ المقال المذكور الذي نشرته في إيلاف ومواقع أخرى، حول الموضوع، واعتذرت الصحافة الورقية والإلكترونية التي نشرت المقال باسم السارق عن ذلك، وقررتْ عدم نشر أي مقال آخر له مستقبلاً. والغريب أني وجدت العديد من الكتاب والشعراء قد تعرضت نتاجاتهم لهذه القرصنة، ومنهم على سبيل المثال، الشاعر العراقي المبدع الأستاذ يحيى السماوي، الذي نشر مقالاً في هذا الخصوص بعنوان:" أيها اللصوص أعيدوا إليَّ قصيدتي".
واليوم أعود لنفس الموضوع مُكرهاً، وبنفس العنوان مع إضافة (مرة أخرى)، لأني اكتشفتُ بالصدفة عندما كنتُ أبحث من خلال غوغل، عن رابط مقال قديم لي بعنوان (مقترحات لمواجهة الهستيريا الطائفية!)، لإضيفه في هامش مقالي الأخير الموسوم (لأهل البيت رب يحميهم)، ولكن، ويا للهول والمفاجأة الصادمة، اكتشفتُ أن أحد هؤلاء اللصوص قد سطى على المقال ونشره باسمه (حسين الركابي) في صحيفة (الصباح الجديد) البغدادية، قبل عامين أي عام 2016، وبنفس العنوان، ونفس النص حرفياً دون أي تغيير(copy and paste).

المقال المسروق وكما أشرت أعلاه، هو، (مقترحات لمواجهة الهستيريا الطائفية!)، كنت قد نشرته في البداية على موقع الحوار المتمدن يوم 29 أيار/مايس 2016، وبعد يومين، وحسب الاتفاق، أعدتُ نشره على أكثر من خمسين موقع آخر. وأخيراً قد اكتشفتُ أن المدعو حسين الركابي قد أعاد نشر نفس المقال في صحيفة (الصباح الجديد) بعد أسبوع من نشره على موقع الحوار المتمدن، وتحديداً يوم 6 يونيو/ حزيران 2016. وفي هذه الحالة لا يستطيع أن يتهمني بأني أنا سارق "مقاله"، لأنه منطقياً وعملياً لا يمكن سرقة مقال قبل نشره، خاصة وليس بيننا أي تواصل أو حتى معرفة سابقة.
وأنا إذ أعيد رابط مقالي (مقترحات لمواجهة الهستيريا الطائفية!)، المنشور على الحوار المتمدن باسمي،
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=518754

ورابط نفس المقال وبنفس العنوان المنشور في صحيفة (الصباح الجديد) بتوقيع حسين الركابي:
http://newsabah.com/newspaper/86268

راجياً من القراء الأفاضل الانتباه إلى تاريخ النشر في الصحيفتين، والمقارنة بين التاريخين، ليصدروا حكمهم العادل، ويعرفوا من هم لصوص الكلمة.
والجدير بالذكر، أني أرسلتُ شكوى قبل خمسة أيام إلى رئيس تحرير صحيفة (الصباح الجديد)، الأستاذ إسماعيل الزاير، على عنوانه الإلكتروني في نفس الصحيفة، إلا إنه وللأسف الشديد، لم يتكلف بالرد، وهذا لا يخدم الثقافة، ولا يحمي حقوق المثقفين من القراصنة. فالسرقات الأدبية مسألة خطيرة جداً، وتُعد جريمة مخلة بالشرف، يعاقب عليها بالقانون في البلدان المتحضرة. لذلك فالمطلوب من رؤساء التحرير الدقة في نشر ما يصلهم من مقالات وتقارير، وحماية حقوق الكتاب من القرصنة، ومعاقبة اللصوص بعدم نشر ما يصلهم من أصحاب السوابق، والعمل على تعرية وفضح كل من تسول له نفسه التعدي على جهود الآخرين وسرقة أفكارهم، وانتهاك حقوقهم الفكـريـة.

9
لأهل البيت ربٌ يحميهم
د.عبدالخالق حسين

منذ سقوط حكم البعث الفاشي الجائر، وتبني النظام الديمقراطي، يتعرض الشعب العراقي إلى مختلف المخططات الشيطانية الخبيثة لتمزيق صفوفه. ومن نافلة القول أن أخطر أعداء العراق الجديد هم فلول البعث الذين فقدوا سلطتهم، وكشفوا في السنوات الأخيرة عن حقيقتهم البائسة فتحولوا إلى دواعش، و راحوا يمارسون أقذر الوسائل لإثارة الفتن الطائفية بغية إشغال هذا الشعب في صراعات دموية تهلك الحرث والنسل، وليكون المنتصر في النهاية حزبهم الفاشي وعودته للحكم بنسخته الداعشية الوهابية المتوحشة.
مناسبة هذه المقدمة أني استلمت قبل أيام فيديو من صديق، نشاهد فيه شاب معمم ذو لحية كثة، يشتم فيه أهل البصرة وينفي عليهم حقهم في تظاهراتهم الاحتجاجية ضد شح الماء والكهرباء وارتفاع البطالة والفقر، وغيرها من المشاكل، مدعياً أنه يدافع عن (أهل البيت)، ويبث سمومه على شكل حوار عبر الهاتف بينه وبين سائل مفترض أنه من المحتجين في البصرة. وقد علق الصديق في تعميمه الفيديو بالتالي:
(استمعوا الى هذا الفقيه المعمم ... بصراحة انني سعيد جدا لنشر وتوزيع مثل هذا الفيديو ليطلع أكبر عدد من الناس على زيف إدعاءات أفراد من المؤسسة الدينية لتنكشف الأمور، وتظهر على حقيقتها دون حرج.  انها مرحلة الصراع داخل الدين الإسلامي حين ينكشف دعاة الدين والظلام، وتظهر تناقضات الدين من أساسها) انتهى.

نشاهد في الفيدو الذي هو من نوع (MP4)، وليس رابط، لذا يصعب إرفاقه مع المقال، حيث يوجه البصري سؤالاً للمعمم لماذا لم يدعم رجال الدين اهل البصرة في مطالباتهم بحقوقهم، وتحسين الخدمات ... الخ، فيرد المعمم بتهكم لإحراج السائل بقوله: (لعد إحنة نطالب بحقوق الدولة البيزنطية؟.. أيهما أولى، حقوقكم أم حقوق أهل البيت؟)، فيجيب السائل مُحرجاً وبصوت خجول: (حقوق أهل البيت).
الشيخ: وهل خرجتم يوماً بمظاهرة احتجاجاً على أبي جعفر المنصور الدوانيقي الذي قتل الإمام الصادق في بغداد؟ وهل خرجتم يوماً احتجاجاً على المناهج الدراسية الموجود فيها ذكر عمر وأبي بكر اللذين قتلا فاطمة الزهراء؟ ثم يفتعل المعمم صراخه في مخاطبة أهل البصرة: والله لن تنتصروا طالما لم تخرجوا بمظاهرة احتجاجاً على عمر وأبي بكر..الخ).

ثم يتمادى المعمم أكثر فأكثر في توجيه الإهانة لأهل البصرة، وضد الرموز الإسلامية بكلمات نابية، القصد منها استفزاز مشاعر أهل السنة ضد الشيعة، وإبراز فقهاء الشيعة أنهم ضد الصحابة، وضد أهل السنة. في الحقيقة هذا المعمم ليس من فقهاء الدين، بل هو دجال مرتزق وجاهل في كل شيء، إذ لا يعرف أن الإمام الشيعي السادس وهو الإمام جعفر الصادق قد وُلِدَ في المدينة المنورة وتوفي فيها، ولم يقتله المنصور في بغداد. لذلك فكل ما قاله هو باطل يراد به باطل، لتحريض طائفة على أخرى. 

وعلى شاكلة هذا المعمم الدجال هناك دجال آخر(كويتي)، يدعى ياسر الحبيب، الذي كان يشتم الرموز الدينية التاريخية الإسلامية مثل أبي بكر وعمر وعثمان والسيدة عائشة لأغراض استفزازية معروفة. ولكن بدلاً من محاكمته ووضعه وراء القضبان، طردته الحكومة الكويتية وأسقطت عنه الجنسية، ورحل إلى لندن، ليفتح له أسياده قناة تلفزيونية يمارس فيها دوره الحقير لإثارة الفتن الطائفية بمنتهى الحرية، مقابل دجال آخر نسيت اسمه، معمم سني بلوشي إيراني يشتم رموز الشيعة والحكومة الإيرانية. وقد كتبت إحدى الصحف البريطانية مرة أن كليهما يمولهما مصدر واحد.

والجدير بالذكر أن أحد قادة داعش لما وقع أسيراً قبل سنوات، و سُئِل إثناء التحقيق من قبل الأمن العراقي، كيف يجندون الشباب فقال:( نأتي بالمجند  ونجلسه بغرفة ونفتح له قناة فدك فقط، ونجعله يسمع ويرى ماذا يقول مشايخكم عن الصحابة وعن عائشة فانه يصبح جاهزاً خلال اسبوع لكي يفجر نفسه حتى ولو لقتل طفل شيعي)، وقال داعشي آخر: (نعرض عليهم فيديو من خطابات ياسر الحبيب، فيمتلئون غضباً على الشيعة، وينضمون إلينا).

لا شك عندي أن كاتب السيناريو للسائل والمعمم الدجال المدعو (علي الصالحي) في الفيديو المشار إليه أعلاه، هو مصدر واحد، وله علاقة بداعش، أو أية جهة تريد حرق المنطقة بحروب طائفية. فالشيعة ليسوا أغبياء إلى هذا الحد بحيث يسكتوا عن مشاكلهم الحياتية الراهنة، ويشربوا الماء الخابط، ويتحملوا نقص الخدمات، وتفشي البطالة في بلد عائم على بحر من النفط، ويصدر يومياً نحو 4 ملايين برميل من النفط، ليستجيبوا إلى دجال يحرضهم على التظاهر احجاجاً على أحداث وهمية على أنها حصلت قبل 1400 سنة، ويسكتوا عن معاناتهم اليوم بحجة الدفاع عن أهل البيت.

كما ونشاهد في فيديو آخر مجموعة من الشباب يدعون أنهم من تظاهرات البصرة، وهم في حالة هيستيريا مفتعلة أشبه بالتمثيلية، يصرخ أحدهم بافتعال واضح: (عمي بطلنا من الماء، بطلنا من الكهرباء، ما نريد وظايف ...بس نريد الوطن، ردوا لنا الوطن... الوطن..يا عالم الله أكبر!!.). هذا المطلب في الحقيقة قول حق يراد به باطل، ويؤثر في الناس البسطاء، وتمهيد للطعن بالدولة ومواصلة الاحتجاجات حتى ولو استجابت السلطة لجميع المطالب المشروعة، فيمكن لهؤلاء مواصلة الصراخ (إنريد الوطن!!)، وهذا يعني أنه لا وطن إلا بعودة البعث للسلطة، ولكن هيهات.

في الحقيقة، البعثيون وغيرهم من أعداء الديمقراطية يستغلون هذه التظاهرات المشروعة ليندسوا فيها ويحرفوها عن مسارها الصحيح، وهي فرصة ذهبية لهم للقيام بالتخريب وضرب مؤسسات الدولة وتشويه سمعة المتظاهرين. ندرج في هامش المقال تقريراً بعنوان:  (بالاسماء..المباني التي تعرضت للحرق والتخريب في البصرة). كذلك ندرج أدناه روابط تؤكد دور المندسين في التخريب وإشعال الحرائق في مؤسسات الدولة، مما حدا بانسحاب تنسيقية البصرة من التظاهرات، كذلك ما طرحه محافظ البصرة (السيد أسعد العيداني) في البرلمان العراقي والملاسنة التي حصلت بينه وبين رئيس الوزراء الدكتور حيد العبادي.(الروابط في الهامش).

وبالعودة إلى دفاع الدجال عن أهل البيت نقول أن أهل البيت ليسوا ضد أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة، كما ادعى المعمم المنتحل بأنه فقيه شيعي. فلو كان الأمر كذلك، لما أطلق الإمام علي أسماء الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه على ثلاثة من أبنائه، وهم أبو بكر وعمر وعثمان، وكلهم استشهدوا مع أخيهم الحسين في واقعة الطف بكربلاء (راجع كتاب: الفتنة الكبرى لطه حسين، ج2). ومكانة أبو بكر معروفة عند الشيعة، حيث قال عنه الإمام الشيعي السادس جعفر الصادق: (لقد ولدني أبو بكر مرتين)، في إشارة إلى أن إحدى جداته، ووالدته من حفيدات أبي بكر. فكيف والحالة هذه يجب على الشيعة أن يتركوا مشاكلهم الراهنة، ويخرجوا بتظاهرات احتجاجاً على أبي بكر وعمر وعثمان لأحداث مفتعلة لا وجود لها في كتب التاريخ؟ وأنا واثق أن هذا الدجال ليس مقيماً بالبصرة أو العراق، بل على الأغلب هو مرتزق مقيم في الخارج مدفوع الأجر هو والسائل، لإشعال الفتنة الطائفية وتتفيه عقول الشيعة، وتبرير قتلهم من قبل الدواعش. والملاحظ أن هناك توزيع الأدوار في التحريض والتخريب وارتكاب الجرائم، وتضليل الرأي العام وإرباك السلطة. وعلى السنة والشيعة أن ينتبهوا إلى ما يحاك ضدهم من مخططات جهنمية لتمزيق وحدتهم الوطنيه، وتدمير البلاد والعباد.
يقول علي الوردي: "لو كان الجدل حول أفضلية علي وأبي بكر يدور في نطاق البحث عن المبادئ التي تمس مشاكلنا الراهنة لكان جدلاً نافعاً له أهميته الاجتماعية. ولكن الجدل يدور حول منزلة الرجلين في الدين. وهذا يدخل في نطاق السرائر والضمائر التي لا نعرف عنها شيئاً على وجه اليقين. والله وحده هو الذي يستطيع أن يحكم فيها حكماً قاطعاً".

قصة أبرهة مع عبد المطلب:
تفيد الرواية التاريخية أن (خرج أبرهة بجيش عظيم ومعه فيلة كبيرة تتقدم الجيش لتدمير الكعبة. وعندما اقترب من مكة المكرمة، وجد قطيعاً من النوق لعبد المطلب سيد قريش فأخذها غصبًا. وعندما ذهب عبد المطلب ليسترد نوقه سأله أبرهة لماذا لا يدافعون عن الكعبة فقال: "أما النوق فأنا ربها، وأما الكعبة فلها رب يحميها". وتقول الرواية، أنه عندما رفض أبرهة طلب عبد المطلب أبت الفيلة التقدم نحو مكة، وعندها أرسل الله سبحانه وتعالى طيوراً أبابيل تحمل معها حجارة من سجيل قتلتهم وشتتت أشلائهم.)

ونحن إذ نرد على هذا الدجال الذي يريد إثارة الفتنة الطائفية باسم أهل البيت، وأهل البيت منه براء، نقول له ولغيره من المشعوذين أن ما يهم أهل البصرة هو تلبية احتياجاتهم الضرورية للحياة البشرية اللائقة اليوم، أما أهل البيت، فلهم رب يحميهم. وأنت ليس قصدك الدفاع عن أهل البيت، بل أنت دجال تريد إشعال الفتن الطائفية لخدمة أسيادك البعيثين الدواعش، أو أية جهة أخرى حاقدة على العراق. لقد باتت لعبة العزف على الأوتار الطائفية مكشوفة عرفها السنة والشيعة، وهي نشاز فقدت مفعولها. لذلك عليكم اختراع لعبة أخرى يا عبيد الدواعش.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ـــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
د.عبدالخالق حسين:  مقترحات لمواجهة الهستيريا الطائفية!
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=518754

بالفيديو: مشادة العبادي - العيداني داخل قبة البرلمان
http://www.akhbaar.org/home/2018/9/248579.html

مجلس البصرة يكشف عن الجهات التي حرقت مكاتب الأحزاب ومقرات الحشد
http://www.akhbaar.org/home/2018/9/248578.html

تنسيقية البصرة- تعلن انسحابها
https://baghdadtoday.news/ar/news/57665/%D8%AA%D9%86%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%AD%D8%A7%D8%A8%D9%87%D8%A7
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملحق
أدناه تقرير يكشف بكل وضوح حجم التخريب الإجرامي بممتلكات الدولة والناس، ومع ذلك يصر البعض أن تظاهرات البصرة لم يكن فيها مندسون بعثيون ودواعش وأشباههم، يستغلون معاناة الجماهير، ويحرفون مسارات تظاهراتهم المشروعة لأغراضهم الدنيئة. والملاحظ  أن هذا التخريب لم يصب أي مقر من مقرات التيار الصدري المعروف بأنه صار الملاذ الآمن للبعثيين.

بالاسماء..المباني التي تعرضت للحرق والتخريب في البصرة
http://glgamesh.com/archives/8268
كلكامش برس:
كشف مصدر محلي في البصرة عن المباني والمؤسسات التي تعرضت للتخريب والحرق خلال التظاهرات الاخيرة وما رافقها، والمباني التي احرقت وخربت هي:
1- مبنى محافظة البصرة / حرق ثلات مرات
2- مبنى مجلس محافظة البصرة/ حرق
3- مديرية بلديات البصرة/ حرق
4- هيئة الحشد الشعبي / تخريب
5- بلدية ابو الخصيب/ حرق
6- قائمقامية ابو الخصيب / حرق
7- مديرية جنسية ابو الخصيب / حرق
8- دائرة التنفيذ في ابو الخصيب/ حرق
9- بلدية الزبير /حرق
10- مقر منظمة بدر / حرق
11- مقر حزب الفضيلة / حرق
12- مقر حزب الدعوة / حرق
13- مقر المجلس الأعلى / حرق
14- مقر تيار الحكمة / حرق
15- مقر عصائب أهل الحق / حرق
16-مقر الدعوة تنظيم الداخل/ حرق مرتين
17- القنصليه الايرانية في البصره / حرق
18- مكتب وزير الاتصالات / تخريب
19- بيت وزير النقل / تخريب
20- بيت النائب السبق عواطف نعمة – الزبير / تخريب
21- بيت احمد السليطي عضو مجلس محافظة البصرة – الزبير / حرق
22- مكتب فالح الخزعلي – عضو برلمان/ حرق
23- مكتب الحكمة- المدينة / تخريب
24- بيت قائمقام شط العرب / حرق
25- الإعدادية المركزية – البصره/ تخريب
26- مكتب الحكمة – الزبير / حرق
27- مكتب قيس الخزعلي – بريهه / تخريب
28- بيت أمين وهب عضو مجلس محافظة – ابو الخصيب/ تعرض
29- مكتب الحكمة – الهوير / تخريب
30- قناة العراقية – البصره/ حرق
31 -قناة الفرات – البصره / حرق
32- دار ضيافة المحافظ/ حرق
33- بيت زهرة البجاري – عضو برلمان/ تعرض
34- مستشفى الحشد الشعبي/ تخريب
35- مكتب الدعوة – المعقل/ حرق
36- سيطرة مدخل حقل القرنه ٢/ حرق
37- كرفانات متفرقة لبلديه عدده ٦/ حرق
38- مدرسة السراج / حي الحسين / تخريب
39- المجلس المحلي في ابو الخصيب/ حرق
40- حوزة الامين – الطويسه/ حرق مع سرقة القاصه
41- مكتب الشيخ اليعقوبي/ تعرض
42- مقر فرقة العباس القتالية/ تعرض
43- كرفان مول التايم سكوير/ تخريب كرفان
44- محولة كيوسك كبيرة – بريهه/ حرق
45- بيت وليد كيطان /رئيس المجلس وكالة تعرض
46- بيت النائب السابق حيدر صبخة الجوراني حرق مع تعرض
47- مقر منظمة بدر / الزبير حرق
46- مستشفى التعليمي / تعرض
49-مستشفى ابو الخصيب/ تعرض
50- آليات عسكريه وشرطة (4) تخريب تام
51- سيارة اسعاف مستشفى الحشد / تخريب تام
52- عدد القتلى المعلن 18
53-عدد الجرحى المعلن 7
54- مقدار الخسائر الماديه لكل القطاعات حوالي (132) مليار دينار عراقي
55- حسب التخمينات الاقتصاديه الخسائر للبصرة جراء الأوضاع الاخيرة حوالي (186) مليار دينار عراقي


10
الأزمة الأخلاقية هي أم الأزمات في العراق
د. عبدالخالق حسين

بعد نشر مقالي الأخير الموسوم (البصرة المنكوبة بالعطش والقتل بالرصاص)(1)، استلمت تعليقات مفيدة على مواقع التواصل الاجتماعي. وكنت قد ذكرتُ فيه أنه كان من واجب المسؤولين أخذ إجراءات احترازية لمنع كارثة شح المياه الصالحة للاستخدامات البشرية، في البصرة، من بينها إنشاء محطات تحلية المياه ...الخ. ومن هذه التعليقات تعليق من صديق جاء فيه:
((إن موضوع التحلية لم يُهمل تماماً، وهناك مشروع ضخم في البصرة تحت الإنجاز وبمساعدة اليابان، ويقال ان نسبة إنجازه وصلت لـ 85%، ومشاريع كهذه تُعتبر مشاريع " ستندر"، ولا تحتاج الى خبرات خارقة. إذن لماذا لم يُنجز كاملاً ؟)). ويجيب: ((أعتقد أن السبب الرئيس هو المال الفاسد. فموظفو الموانئ لا يفرجون عن أيةِ مواد يحتاجها حتى بخراب البصرة، إلّا بحصةٍ ! ولمديريهم حصة، ولأحزابهم حصة. المشكله الحقيقية هي أن كل المسؤولين يصرخون بأن الفساد المالي هو ما يجب أن يُحارب، إلا إن حقيقة الأمر واضحة، وهي أن حيتان الفساد أنفسهم هم الأعلى صراخاً! لقد قلناها في أكثر من مداخلة.. إذا أردنا لمشاريعنا المخطط لها او المتوقفة أن تُنجز بكفاءةٍ يجب كأولوية أن نقضي على حيتان الفساد بأيةِ طريقة.)) أنتهى.
وقد أرفق الصديق مشكوراً فيديو يؤكد صحة ما تفضل به حول مشروع تحلية الماء في البصرة، يرجى فتح الرابط:
مشروع تحلية ماء البصرة... تعطيل متعمد، فيديو جدير بالمشاهدة(2)
http://www.akhbaar.org/home/2018/9/248580.html

كذلك قرأتُ مقالاً قيماً بعنوان: (أزمة المياه في العراق .. هل لها حلول؟) للأكاديمي الدكتور مهند محمد البياتي، جاء فيه: ((والغريب في الأمر ان محافظة البصرة لديها 43 محطة تحلية طاقتها التصميمية بحدود 51 ألف متر مكعب في اليوم، ولكنها لا تنتج سوى 2104 متر مكعب من الماء العذب في اليوم، أي تعمل بكفاءة 4 بالمائة فقط، ولو كانت هذه المحطات تعمل بكامل طاقتها التصميمية في البصرة، وتم توزيع مياهها مباشرة على مواطني البصرة والبالغ عددهم بحدود 3 ملايين شخص، لكانت حصة الفرد الواحد 17 لتر من الماء العذب يوميا، وهي اضعاف ما يحتاجه الفرد من المياه لأغراض الشرب والطبخ اليومي فقط، اضافة لذلك فان هنالك 25 محطة صغيرة منصوبة في البصرة وتعمل بالطاقة الشمسية، طاقتها التصميمية هي بحدود 1608 متر مكعب في اليوم، ولكن انتاجها من المياه هو صفر، علما ان باقي المحافظات في العراق لديها محطات تحلية طاقتها التصميمية 43 الف متر مكعب في اليوم، وتنتج بحدود 18 الف متر مكعب من الماء العذب يوميا، اي ان كفائتها التشغيلية هي 42 بالمائة، اي عشرة اضعاف كفاءة محطات البصرة.))(3). انتهي الاقتباس.
يرجى من القارئ الكريم التركيز على عبارة (أن محطات التحلية في البصرة تعمل بكفاءة 4% فقط من طاقتها التصميمية؟) لماذا؟

كما وصلني من صديق أثق به، وهو كاتب وصحفي مطلع على مجريات الأمور، وخوفاً على حياته، لأنه مقيم في بغداد، طلب عدم ذكر اسمه، بعث لي المعلومة التالية، أنقلها كاملة: ((المرجعية قبل 4 سنوات خاطبت الحكومة وألحت على حل مشكلة الماء في البصرة . ولما يئستْ خاطبتْ المسؤولين في البصرة عن كمية المحطات التي يحتاجونها وأسعارها فأجاب مسؤولو البصرة الفاسدون: "نحتاج 13 محطة سعر الواحدة 150 مليون دولار، لكن الكوادر الهندسية التي تشرف على مشاريع العتبات في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء لم تقتنع بالإجابة، فخاطبوا الشركات المنتجة للمحطات فأجابوا بان سعر المحطة 10 ملايين دولار فقط !!!". شايف حجم الفساد والخيانة؟ فوافقتْ المرجعية على شرائها على ان تصل بأسرع وقت. فأجابت الشركات المنتجة بان لديها فرع في تركيا وممكن ان يوصلها خلال يوم واحد. وفعلا وصلت المحطات وبإشراف ممثل المرجعية سيد احمد الصافي، وكوادر العتبات الهندسية وبجهود استثنائية ليل نهار، تم تشغيل المحطات خلال 10 ايام وبالضبط يوم الخميس الماضي. فقامت الاحزاب الفاشلة بالتشويش على هذا الإنجاز، ودعت الى عقد جلسة برلمانية طارئة يوم أمس السبت (8/9 الجاري،) لتغطي فشلها، ثم امرت جهلتها بالهجوم على مقرات الحشد والحركات المناوئة للسعودية، وعلى مستشفى الحشد، وعلى القنصلية الايرانية، بينما وفروا الحماية للقنصلية السعودية والأميركية، مع ان المرجعية تعمل بصمت. ولا تريد دعاية او تعاطفا من الاحزاب. اتصلنا بمعارفنا في البصرة، فقالوا الماء بدأ يغطي ثلثي البصرة حين اندفع الرعاع لحرق المقرات، والمستشفى، والقنصلية الايرانية )). أنتهى.

والسؤال الأول هنا، لماذا لم يسمح موظفو الكمارك والموانئ بوصول مواد الشركة اليابانية لمكان المشروع لإكماله بعد أن تم إنجاز نحو 85% منه، وأهمل، ليعاني المواطنون من أزمة شح المياه؟
والسؤال الثاني: لماذا لا تعمل الـ 43 محطة تحلية المنجزة في البصرة إلا 4% من طاقتها التصميمية؟
فما هو تعليلنا لهذا التقصير ومن المسؤول عنه؟ الجواب الوحيد هو خيانة المسؤولين لواجباتهم، ولأسباب أخلاقية. ومن هنا نعرف أن أهم أزمة يعاني منها العراق هي الأزمة الأخلاقية التي هي أم الأزمات.

فقبل أسابيع بعث لي صديق آخر، تعليقاً على مقال لي بعنوان: (الذكاء العراقي المدمر) مؤيداً لمضمونه، وكان قد عاد تواً من زيارة له إلى العراق بعد أن بقي فيه ثلاثة أشهر، فكتب ملاحظاته عن العراقيين كما يلي:
((* الهوس الديني غير العقلاني، وكأن الدين أصبح غاية وليس وسيلة،
* الهوس بالانتماء العشائري واللجوء الى المثل العشائرية القديمة كالفصل حتى في المدن ،
* الانهيار الأخلاقي المتمثل بإجازة السرقة والرشوة والكذب والنصب والتعدي على الآخرين وانعدام الشعور بالمسؤولية بين قطاعات واسعة من الناس، واعتبار ذلك شيء اعتيادي ومقبول،
*هبوط الشعور الوطني الى درجة خطيرة ،
* السوداوية وانعدام الأمل بشكل عام بين العديد من العراقيين.)) انتهى

ومن كل ما تقدم، نستنتج أن ألد أعداء العراق هم العراقيون أنفسهم، إذ يبدو أن معظم العراقيين المسؤولين في مرافق الدولة (نعم أقول معظم العراقيين وليس بعضهم)، قد تخلوا عن الوطنية والأخلاق وروح المسؤولية، وصار همهم الرئيسي هو النهب والرشوة والفساد والثراء السريع.

إن سبب روتين الكَمارك في تعطيل وصول الأجهزة المطلوبة لإتمام المشروع المائي في البصرة هو ليس القوانين كما يدعون، بل رغبة هؤلاء الموظفين الصغار والكبار للحصول على الرشوات، كما يحصل في جميع دوائر الدولة، فبدون رشوة لا يؤدون واجبهم في خدمة المواطنين.

كذلك نعرف أن هناك جهات قصدها تخريب وتدمير العراق من بعثيين وأعوانهم الدواعش، تستغل غضب الجماهير المحرومة من الخدمات، وشح الماء والكهرباء، وتفشي الفساد والبطالة، فتندس في صفوف المتظاهرين المحرومين، وتحرف مسيرتهم، وتقودها إلى أغراض تخريبية غير أغراضها المشروعة. إذ أفادت الأنباء عن قيام المندسين في صفوف المتظاهرين في البصرة بحرق القنصلية الإيرانية، ومقر عصائب أهل الحق، وكتائب سيد الشهداء، وأخيراً الهجوم على مقر الجيش الشعبي وحرق سيارة لهم، وغيرها كثير من الأعمال التخريبية.
كما أفادت الأخبار عن سقوط صواريخ ثقيلة (120 ملم)، قبل أيام على المنطقه الخضراء في بغداد بالقرب من السفارة الأمريكية، ولم يُعرف مصدرها(4).

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من المستفيد من حرق المقرات المذكورة في البصرة؟ الجواب: لا بد وأن تكون الجهات التي تخدم المصالح السعودية والأمريكية والإسرائيلية المعادية لإيران. فالسعودية لا تريد أن تحرق السفارة الإيرانية في الرياض للثأر من حرق سفارتها في طهران، بل تعمل على حرق القنصلية الإيرانية في البصرة وعلى أيدي العراقيين.
والسؤال الآخر هو من المستفيد من ضرب المنطقة الخضراء بالصواريخ وسقوط معظمها قرب السفارة الأمريكية؟
الجواب لابد أن تكون المليشيات التي تخدم المصالح الإيرانية.
وهكذا نعرف أن هذه الحكومات تريد أن تتخذ من العراق ساحة لها للحروب بالوكالة. ولكن لم ترسل جيوشها لتتحارب فيما بينها، بل تستخدم العراقيين وعلى أرض العراق ليكونوا مطايا لهم، لتدمير وطنهم ومواطنيهم لقاء المال والسحت الحرام.

والسؤال الأخير هو: لماذا فشل البرلمانيون في تشكيل الكتلة الكبرى رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الانتخابات الأخيرة؟ إنها أزمة أخلاق، وتغليب المصالح الشخصية والحزبية، على المصالح الوطنية.

كذلك أود التوكيد أن الأزمة هي ليست لأن الأحزاب الإسلاميه لها اليد العليا في إدارة الدولة فحسب، إذ لا شك في ذلك، فالأحزاب جزء من المشكلة، و تستخدم الدين للوصول إلى السلطة، ولكن حتى العلمانيين في العراق فشلوا في توحيد صفوفهم، والتخلص من الفساد، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر حازم الشعلان وزير الدفاع الأسبق سرق 800 مليون دولار، وأيهم السامرائي وزير الكهرباء الأسبق سرق 300 مليون دولار، و كلاهما هربا إلى الخارج، وكلاهما علمانيان، وكلاهما كانا في حكومة أياد علاوي (العلماني حتى النخاع) .
 
ومن كل ما سبق نستنتج أن العراقيين لم يبلغوا بعد مرحلة النضج السياسي، وهم ألد أعداء أنفسهم ، يسيرون نحو الهاوية وهم نيام، وأن جميع الأزمات العراقية هي نتاج الأزمة الأخلاقية التي هي أم كل الأزمات، والتي هي بدورها من نتاج أربعين سنة من حكم التيار القومي العروبي الدكتاتوري، وخاصة فترة البعث الفاشي المتوحش.

فما الحل؟ هل نتخلى عن الديمقراطية، ونقول أن الشعب العراقي لم يكن مؤهلاً بعد للنظام الديمقراطي؟
الجواب كلا وألف كلا؟ لأن البديل هو النظام الدكتاتوري، والنظام الدكتاتوري هو الذي أوصل بلادنا إلى هذا الحضيض المظلم. فالحل ليس بالتخلي عن الديمقراطية، لأن هذا هو بالضبط ما يريده أعداء العراق والديمقراطية من البعثيين والطائفيين والدواعش، وغيرهم في الداخل والخارج. إذ كما قال المفكر الهندي (أمارتيا كمر سن Amartya Kumar Sen)، الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 1998: "يجب ألا نسأل أنفسنا هل شعب ما مؤهل للديمقراطية أم لا، وإنما يجب أن نعرف أنه لا يصبح أي شعب مؤهلاً للديمقراطية إلا من خلال ممارسته لها. لذلك فالديمقراطية هي ليست الغاية فحسب، بل والوسيلة لتحقيقها".
أي لا يمكن تحقيق الديمقراطية في بلد ما، إلا من خلال ممارسة الديمقراطية نفسها، وفي هذه الحالة لا بد من وقوع أخطاء، وحتى كوارث. فالشعوب تتعلم من أخطائها وكوارثها إلى أن تنضج وتصبح الديمقراطية جزءً من ثقافتها الاجتماعية والسياسية، وهذا ما حصل في الدول الديمقراطية العريقة، والعراق ليس استثناءً.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د. عبد الخالق حسين: البصرة المنكوبة بالعطش والقتل بالرصاص
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=610767

2- مشروع تحلية ماء البصرة... تعطيل متعمد، فيديو جدير بالمشاهدة
http://www.akhbaar.org/home/2018/9/248580.html

3- د. مهند محمد البياتي : ازمة المياه في العراق .. هل لها حلول ؟
http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=930569&catid=288&Itemid=601

4- هجوم على المنطقة الخضراء ببغداد والقذائف تسقط قرب السفارة الأمريكية
https://kitabat.com/news/%d9%87%d8%ac%d9%88%d9%85-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%b7%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b6%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%a8%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b0/


11
البصرة المنكوبة بالعطش والقتل بالرصاص

د.عبدالخالق حسين

قالوا عن البصرة أنها ثغر العراق الباسم، وبلد النخيل والحناء، وتسقى بساتينهم بالمد والجزر وهم نيام، وهي حوض شط العرب، وفيها الموانيء، وإنتاج وتصدير النفط. المحافظة التي تمنح العراق 90% من ميزانيته. البصرة أم الخيرات هذه محرومة من خيراتها، وتعاني في العهد الديمقراطي من العطش، والماء المالح والخابط بالطين، ولعشرات السنين لم يتم تعيين أي من أبنائها وزيراً إلا مؤخرا و بوزير واحد للنقل. وتعبير (بعد خراب البصرة) مثل عراقي شائع حتى في البلاد العربية، عما حدث فيها من دمار شامل إثناء ثورة الزنج فيها، في القرن الثامن الميلادي، وراح مثلاً يضرب لوصول النجدة بعد فوات الأوان.

فالبصرة تعرضت للتخريب في جميع مراحل التاريخ، ناهيك عما أصابها من خراب شامل في عهد الطاغية صدام حسين، بسبب حروبه العبثية ضد إيران وغزوه للكويت، حيث كان أهل البصرة من أكثر فئات الشعب العراقي تعرضاً لكوارث الحروب، وعانت الكثير من الخراب، إذ كما وصفها سناتور أمريكي خلال زيارته للمحافظة بعد تحرير العراق مباشرة من الفاشية، بأن ثلثها فقط قابل للسكن، والبقية خراب تحتاج إلى صرف المليارات لإعمارها، وجعلها مكاناً لائقاً لمعيشة البشر في القرن الحادي والعشرين.
كان أهل البصرة يتوقعون من الحكومات المتعاقبة ما بعد صدام، أن تولي اهتماماً لمحافظتهم بعد تعرضها للخراب والإهمال المتعمد في عهد البعث الفاشي، ولكن الذي حصل هو العكس، أي الإهمال المتعمد من ذوي القربى أيضاً، ومعاملة المحافظة كالبقرة الحلوب لتدر الخيرات على العراق، ودون أن ينال أهلها أي تحسن في أحوالهم المعيشية، إلى أن بلغ السيل الزبى، حيث عانى أهل البصرة من قطع التيار الكهربائي في شهر آب اللهاب، وأزمة مياه الشرب والاستخدامات المنزلية والزراعية، إلى حد أن وصلت مياه الخليج المالحة إلى شمال شط العرب.

طبعاً هناك عوامل عديدة لأزمة المياه، منها أن معظم مياه العراق تأتي من تركيا وإيران (دول المنبع)، وهاتان الدولتان إضافة إلى سوريا، أنشأت السدود للاستفادة من المياه على حساب حصة العراق. وكذلك  كون جميع البنى التحتية لإسالة المياه في البصرة، كما في بقية المحافظات، هي قديمة جداً بعضها يرجع تاريخها إلى ما قبل 70 أو 80 سنة، مما يحمِّل الحكومات المتعاقبة مسؤولية كبرى في إهمالها المتعمد تحديث شبكات الإسالة والصرف الصحي، وإقامة مشاريع تصفية المياه، وتعقيمها وجعلها صالحة للإستخدامات البشرية. كذلك لا عذر لحكومات العراق الجديد في عدم اتخاذها الإجراءات الاحترازية اللازمة، إذ كانت هناك علامات واضحة تشير إلى انفجار الأزمة في أي وقت منذ السبعينات من القرن الماضي، فلماذا لم تتخذ الحكومات العراقية، وخاصة ما بعد 2003 الإجراءات اللازمة إلى أن انفجرت الأزمة في وجوههم وبعد فوات الأوان، وقال أهل البصرة (كفى إهمالاً)، وللصبر حدود؟

كان المفروض بالحكومتين، الاتحادية، والمحلية ما بعد 2003، أن تتوقع هذه الأزمة منذ سنوات، وتتحضر لها، وذلك ببناء مشاريع تحلية المياه، كما هو جار في الدول الخليجية، بل وحتى في الدول الأوربية مثل بريطانيا التي رغم ما تتمتع به هذه البلدان من أمطار غزيرة، ولكن الحكومات المتحضرة التي تحترم شعوبها وتحرص على أمنها وسلامتها، تتخذ الاجراءات اللازمة تحسباً للأزمات قبل حصولها. فالعراق لا تنقصه الأموال، ولا خبرات فنية أو علمية، فمن بين أبرز خبراء تحلية المياه في العالم، هو عراقي، ألا وهو البروفيسور عادل شريف، أستاذ تحلية المياه في جامعة سري (Surrey) البريطانية، والحائز على عدة جوائز عالمية ومنها جائزة ملكة بريطانيا لاكتشافاته العلمية، واختراعاته التقنية لتحلية مياه البحر عن طريق الضغط الأسيموزي ذو التكاليف الواطئة، وقد استفادت منه الدول الخليجية وغيرها. وعلى حد علمي وكما هو واضح في الفيديو في الهامش(1)، أن الدكتور عادل شريف طرح مشروعه على الحكومة العراقية منذ سقوط الحكم البعثي عام 2003، لإنقاذ أهل البصرة خاصة، والمحافظات الجنوبية الأخرى بصورة عامة، من كارثة الأزمة المائية المتوقعة، وأن يتهيئوا لها قبل وقوعها، إلا إن كلماته وقعت على أذن صماء، فلم يلق أي اهتمام من المسؤولين العراقيين، إما عن عمد أو عن جهل، أو كليهما.

نحن نعيش في عصر العولمة والديمقراطية، والانترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، وأهل البصرة كغيرهم من شعوب العالم، لا يمكن لأية قوة أن تمنعهم من حقهم في التظاهرات الاحتجاجية السلمية، ونشر مشاكلهم ومطالبهم المشروعة على وسائل الإعلام، لذلك شاهدنا بالصوت والصورة المياه الملوثة والخابطة بالطين تصب من صنابير البيوت والتي لا تصلح حتى لتنظيف الشوارع، وحتى بعد تصفيتها فهي مالحة أو مج، وملوثة بمياه المجاري القذرة التي تصب في الأنهر وشط العرب، وملوثة بالجراثيم ونقلها للأمراض. فحسب تصريحات رئيس صحة البصرة، هناك أكثر من 18 ألف إصابة بالإسهال، وحتى عودة الكوليرا، مما حدى ببعض الدول الخليجية منع مواطنيها من السفر إلى البصرة، وهذا دليل على أن البصرة محافظة منكوبة ومهملة من الحكومة. وتجد معظم أنهار البصرة، وخاصة نهر العشار الجميل، أصبحت مكبات للقمامة تهدد البيئة كما هو واضح من الصورة في بيان حول الكارثة البيئية و الصحية في محافظه البصرة(2).

فكيف تعاملت الحكومة المحلية والقوى الأمنية مع غضب الجماهي؟ تفيد الأنباء أن التظاهرات السلمية وفي هذا العهد المفترض به عهد الديمقراطية، الذي يمنح فيه الدستور الناس حقهم في التظاهر السلمي، ولكن واجهت تظاهرات أهل البصرة بالرصاص الحي، وهذه كارثة، وصفحة سوداء في سجل العهد الديمقراطي، تلك المواجهات التي لم يعرفها العراقيون إلا في العهد الملكي، وعهد البعث الصدامي. إذ هناك تقارير تفيد بوقوع حوادث العنف بين المتظاهرين والقوات الأمنية أدت إلى: (مقتل وإصابة 25 متظاهراً وحرق ديوان المحافظة وفرض حظر للتجوال)(3). وفي تقرير آخر يفيد: (أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة عن أنّ حصيلة أحداث الثلاثاء العنيفة في البصرة بلغت خمسة قتلى من المتظاهرين و68 جريحاً منهم 41 مدنياً و 27 من منتسبي القوات الأمنية)(4).
ما كان لهذه المواجهات الدموية أن تحصل لو تعاملت القوات الأمنية بضبط النفس، والتعامل بالحسنى مع الجماهير المنكوبة.

ما العمل؟
إذا أرادت الحكومة أن تستعيد بعضاً من سمعتها، وما تبقى من ماء وجهها، أن تأخذ الإجراءات الفورية التالية، وعلى جناح السرعة:
أولاً، إعلان محافظة البصرة كمحافظة منكوبة تحتاج الدعم السريع كما يتعرض أي شعب للكوارث الطبيعية، إلا إن كارثة البصرة هي من صنع البشر المسؤولين عن أمنها وسلامتها.
ثانياً، توفير المياه الصالحة للشرب والاستخدامات المنزلية فوراً،
ثالثاً، البدء الفوري بإقامة مشاريع تحلية المياه في مختلف الأقضية والنواحي والمدن في المحافظة، والاستفادة من الخبرات العراقية والأجنبية في الداخل والخارج.
رابعاً، الاتصال بالحكومات والشركات الأجنبية ذات الخبرة الواسعة والسمعة الطيبة في مجال المياه ، للاستفادة من خبراتها، وإمكاناتها للقيام بتجديد شبكات إسالة الماء والصرف الصحي، وإنشاء مشاريع تحلية المياه، وحفر الآبار الارتوازية للمياه الجوفية وغيرها،
خامساً، أن تستخدم الحكومة العراقية ورقة العلاقات الاقتصادية على إيران وتركيا بإطلاق حصة العراق من المياه، وفق القوانين الدولية، خاصة أن هاتين الدولتين مستفيدتان من الاقتصاد العراقي، لذلك يمكن للعراق أن يفرض العامل الاقتصادي لحمل إيران وتركيا على الاستجابة لحاجة العراق من المياه.
سادساً، على الحكومة الاتحادية توفير الخطط العلمية لإقامة مشاريع بعيدة المدى وتخصيص الأموال اللازمة لها، لتوفير المياه ليس فقط للاستخدامات البشرية فحسب، بل والزراعية أيضاً.
وبدون هذه الاجراءات وغيرها كثير، سيصبح العراق بلداً صحراوياً غير قابل للعيش.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- البروفيسور عادل شريف الحسيني والأزمة المائية في العراق
https://youtu.be/zmHfKe7s6Cg

2- بيان حول الكارثة البيئية و الصحية في محافظة البصرة، تلاحظ صورة نهر العشار الذي صار مكباً للنفايات وخطراً على الصحة
http://www.akhbaar.org/home/2018/9/248405.html

3- البصرة: مقتل وإصابة 25 متظاهراً وحرق ديوان المحافظة وفرض حظر للتجوال
http://www.akhbaar.org/home/2018/9/248412.html

4- عدنان حسين: العبادي إذ يُنكر
http://almadapaper.net/Details/213011/شناشيل-العبادي-إذ-يُنكر

5- د. حميد الكفائي: عطش البصرة والصراع على السلطة يخنقان العراق
http://www.alhayat.com/article/4601327/%D8%B1%D8%A3%D9%8A/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A/%D8%B9%D8%B7%D8%B4-

12
هل يمكن للحكومة العراقية التخلص من (تهمة) المحاصصة؟

د.عبدالخالق حسين


منذ سقوط حكم البعث الفاشي عام 2003، وتشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة من كل مكونات الشعب العراقي، وعلى وفق ما تفرزه الانتخابات البرلمانية، وُصِفت هذه الحكومات بالمحاصصة الطائفية والعنصرية، وألقي اللوم في كل الأخطاء، والمساوئ، والفساد المستشري في مفاصل الدولة، على هذه المحاصصة "البغيضة".

والملاحظ أن جميع الكيانات السياسية، وقياداتها الحكيمة، و(غير الحكيمة)، تشتم المحاصصة في تصريحاتها وخطاباتها دون استثناء، ولكن في نفس الوقت، كل هؤلاء يصرون على حصتهم في السلطة والنفوذ.

وقد كتبتُ مراراً عن مشكلة المحاصصة، وعلى سبيل المثال مقال بعنوان: (حول إشكالية حكومة المشاركة أو المحاصصة)(1). وما جعلني أن أعود إلى هذا الموضوع الخطير، هو ما يجري الحديث في هذه الأيام ، وبعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت يوم 12 مايس/أيار 2018، وإقرار صحة نتائجها من قبل المحكمة الاتحادية، حيث تجددت المطالبات من جميع الجهات بتشكيل الحكومة الجديدة على أساس الكفاءة وليس المحاصصة.

والجدير بالذكر، أن الانتخابات الأخيرة – التي شابها تهم التزوير والخروق- أفرزت عن اختيار {232} نائباً جديداً من أصل 329 نائباً يشكلون البرلمان الجديد، أي ان نسبة التغيير هي {70.5%} عن البرلمان السابق(2). وهذا يعكس رغبة الشعب في التغيير وصحة الانتخابات، كذلك حجم الفاشلين في الانتخابات من النواب السابقين وعددهم 280 نائباً من مجموع 329 وقدرتهم في التأثير على الرأي العام في التشكيك بنزاهة الانتخابات وتضليل الرأي العام.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل حقاً يمكن أن تتخلص الحكومة الجديدة القادمة، وغيرها من الحكومات اللاحقة في المستقبل، من تهمة ولعنة المحاصصة؟

أعتقد أن وصف الحكومات العراقية المتعاقبة ما بعد صدام بالمحاصصة الطائفية لن يزول، لا في الحكومة الجديدة القادمة، ولا في أية حكومة في المستقبل المنظور، إلا إذا عاد حزب البعث للسلطة لا سامح الله، وهذا لا يعني اختفاء المحاصصة مع عودة حكم البعث، بل لأن البعث سيواجه كل من يتهمه بالمحاصصة بالإعدام في أحواض الأسيد، كما كان يفعل مع معارضيه. فالبعث كان محتكراً للسلطة، وكان يضم في تشكيل حكومته بعضاً من المكونات الأخرى للديكور فقط.

والاحتمال الآخر للتخلص من لعنة المحاصصة هو أن يتبوأ رئيس مجلس الوزراء شخص عربي سني. ولكن في هذه الحالة سيصف الناقمون عليه وعلى الديمقراطية بأنه سني صفوي، كما وصفوا من قبل الكثير من عقلاء اهل السنة الذين قرروا المشاركة في العملية السياسية و السلطة، بأنهم من سنة المالكي (نسبة إلى نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق)، أو من أتباع إيران...إلى آخره من الاتهامات التسقيطية الباطلة، بل وحتى الجيش العرقي الجديد وصفوه بأنه الجيش الشيعي، والجيش الصفوي، وجيش المالكي..الخ.

فالشعب العراقي مكون من عدة مكونات دينية ومذهبية، سنة وشيعة ومسيحيين، وأيزيديين، وصابئة، كذلك من قوميات عديدة: عرب، وكرد وتركمان، آشوريين وكلدانيين...الخ، وكل من هذه الأثنيات والقوميات تنقسم إلى مختلف الأديان والمذاهب ، إضافة إلى انقسام كل مكون إلى كيانات سياسية بلغت نحو 400 تنظيم سياسي أو أكثر... وهكذا. لذلك فأية حكومة قادمة لا بد وأن يكون فيها سنة وشيعة وكرد وتركمان، ومن مختلف القوى السياسية، وحسب حجمها في البرلمان. ولا بد أن تكون هناك كيانات سياسية لم يحالفها الحظ في الفوز في الانتخابات، أو المشاركة في الحكومة، وهذه هي الديمقراطية. ولكن الجماعات التي فشلت في الانتخابات لا تريد أن تقر بفشلها كما هي الحال في الديمقراطيات الناضجة، بل تلجأ إلى اتهام الانتخابات بالتزييف، والحكومة بالمحاصصة، وفي هذه الحالة ليس بإمكان الحكومة منع الناس من وصفها بالمحاصصة كما يشاؤون.

كذلك يقر الدستور، أن تكون الحكومة تضم ممثلين عن جميع مكونات الشعب العراقي دون استثناء كنظام ديمقراطي ودولة المواطنة، لذلك لجأ أعداء الديمقراطية باختراع كلمة بذيئة مثل (المحاصصة) لتسقيط الديمقراطية وتشويه صورتها في نظر الشعب. وقد نجحت اللعبة، وراح الناس يشتمون الديمقراطية، و ينعتونها بأسوأ الكلمات البذيئة، وبأنها جلبت علينا المحاصصة، وهي في الحقيقة أشبه بحكاية (ملابس الإمبراطور الجديدة)، للكاتب الدنيماركي هانس كريستيان أندرسن.
 
فالكرد لن يتنازلوا عن منصب رئاسة الجمهورية، والسنة لن يتنازلوا عن رئاسة البرلمان، والشيعة لن يتنازلوا عن المادة الدستورية التي تخول زعيم الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة. وطالما الشيعة يشكلون نحو 60% من الشعب، فكتحصيل حاصل هم يشكلون الكتلة الأكبر في البرلمان، ولذلك يتمسكون بهذه المادة الدستورية.
كذلك يبدو أن البعض تشابه عليهم تعبير المحاصصة، فاعتقدوا أن الحكومة غير المحاصصاتية تعني حكومة من مكون واحد!! وعلى سبيل المثال، عندما شكل مقتدى الصدر في العام الماضي أو قبله، لجنة من الخبراء لاختيار أعضاء مستقلين لتشكيل حكومة التكنوقراط، ضمت اللجنة شخصيات من مختلف مكونات الشعب، فعلق أحد الأخوة في مواقع التواصل الاجتماعي، أنه (ما سوينا شي، أشو هذه اللجنة هم بيها محاصصة!!). وعليه أعتقد أن لعنة المحاصصة ستبقى لاصقة بأية حكومة عراقية ما بعد 2003 ، وإلى أجل غير مسمّى، طالما فيها من كل مكونات الشعب العراقي، بينما مشاركة الجميع في هذه الحالة يجب أن تتلقى الترحيب، و في صالح الديمقراطية ودولة المواطنة وليس العكس.

يجب أن نفهم أن الشعب العراقي يتكون من عدة مكونات، ولا بد للحكومة الديمقراطية أن يشارك فيها ممثلون من مختلف الانتماءات وحسب ما تفرزه صناديق الاقتراع، وعليه فتعبير (المحاصصة) لا يمكن أن تختفي. ولا بد من أن أستشهد مرة أخرى بمقولة عالم الاجتماع الراحل علي الوردي في هذا الخصوص قبل أكثر من خمسين عاماً:
"إن الشعب العراقي منشق على نفسه، وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي آخر- باستثناء لبنان- وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية. ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية، وهذا هو أوان الاعتبار! فهل من يسمع؟".

كما ويجب التوكيد هنا أن المقصود بالمشاركة كل حسب نسبتها العددية، المشاركة في المجلسين،  البرلمان و الوزراء فقط، وليس تحويل الوزارة إلى إقطاعية للوزير ليملأها بأقربائه، وأبناء عشيرته، ومنتسبي حزبه، وإجراء التطهير المذهبي و الأثني. فهذه جريمة لا تغتفر. كذلك يجب التوكيد أيضاً أن المنصب الوزاري هو منصب سياسي وليس منصب لصاحب اختصاص تكنوقراط، أو كما يعتقد البعض أن حكومة التكنوقراط هي حكومة الملائكة خالية من أية مشاكل. فهذه نظرة سطحية وطوباوية ساذجة. إذ نرى الحكومات الغربية الديمقراطية العريقة تتشكل ليس من أصحاب الاختصاص التكنوقراط حتى ولو كان هؤلاء من الحزب الحاكم، ففي العديد من هذه الدول تجد امرأة لم تخدم في الجيش يوماً واحداً، تتبوأ منصب وزارة الدفاع مثلاً، ونادراً ما تجد طبيباً يتبوأ منصب وزارة الصحة، لأن المنصب الوزاري هو منصب سياسي وإداري بحت، ويجب أن يكون الوزير من الكتلة البرلمانية الاكبر، حتى يتحمل حزب الوزير مسؤولية أخطائه وعدم كفاءته، فتشكيل الحكومة من تكنوقراط مستقلين مخالف لجوهر الديمقراطية، أي تفريغ الديمقراطية من مضمونها، ولكن في جميع الأحوال يكون الوزير محاطاً بعدد من الخبراء من أصحاب الاختصاص كمستشارين يستفيد من خبراتهم وكفاءاتهم في سير شؤون وزارته، وعلى وفق برنامج الحكومة في إدارة شؤون الدولة وخدمة الشعب,
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ـــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- حول إشكالية حكومة المشاركة أو المحاصصة
http://www.al-nnas.com/ARTICLE/KhHussen/29muh.htm

2- أرقام مهمة في انتخابات برلمان 2018
http://www.akhbaar.org/home/2018/6/244860.html




13
لماذا العراق أولاً؟
د. عبدالخالق حسين

يبدو أن العراق محكوم عليه أن يتحمل تبعات كل ما يجري من صراعات بين دول المنطقة، وخاصة بين إيران، والسعودية وتركيا، وبالطبع وراء هذه الصراعات أمريكا وإسرائيل وحسب ما تقتضيه سلامة وأمن الأخيرة. فالمعروف أن كل القوى السياسية في كل دولة من دول العالم لا بد أن تدخل بصراعات داخلية فيما بينها حول مصالحها الفئوية، والمنافسة على السلطة والنفوذ، ولكن عندما تكون بلادهم مهددة بخطر خارجي، فسرعان ما ينسون خلافاتهم، ويتوحدون صفاً واحداً كالبنيان المرصوص، دفاعاً عن مصلحة شعوبهم و أوطانهم.

ولكن مع الأسف الشديد يبدو أن هذا المبدأ غير قابل للتطبيق في العراق. فمنذ سقوط حكم البعث الفاشي، انقسمت القوى السياسية فيما بينها، كل منها لجأت إلى دولة من الدول الاقليمية تستجدي منها الدعم ضد القوى المنافسة لها، وحسب انتمائها الطائفي والأثني، مفضلة مصلحتها الفئوية على المصلحة الوطنية.

حصل هذا مؤخراً، وبكل وضوح عندما قامت إدارة ترامب بفرض عقوبات اقتصادية جائرة على الشعب الإيراني انتقاماً من  الجمهورية الإسلامية الإيرانية بسبب سياساتها المعادية لأمريكا وإسرائيل، وبرنامجها النووي، ودعمها للقضية الفلسطينية. إذ يذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن في أوائل مايو الماضي، انسحاب واشنطن من الاتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي. وقرر لاحقا إعادة العمل بجميع العقوبات المفروضة على طهران، بما في ذلك العقوبات الثانوية، أي التي تطال بلدانا أخرى تقوم بالتعامل مع إيران. وقد هددت الخارجية الأمريكية الحكومة العراقية إذا ما رفضت الالتزام بالعقوبات الأمريكية ضد إيران، وقالت إن منتهكي نظام العقوبات يمكن أن يخضعوا هم أنفسهم للعقوبات.(1)

ونحن كعراقيين عانوا كثيراً من العقوبات الاقتصادية الجائرة لثلاثة عشر عاماً من الحصار الاقتصادي الدولي، بسبب سياسات النظام البعثي الساقط الإجرامية على اثر غزوه للكويت عام 1990، نعرف أن هذه العقوبات لا تضر بالنظام الحاكم، وإنما يتحمل وزرها الشعب، حيث الدمار الاجتماعي و الاخلاقي والحضاري والهجرة المليونية، بحثاً عن لقمة العيش بكرامة...الخ.

وهنا وجدت حكومة الدكتور حيدر العبادي نفسها بين (حانة ومانة)، كما يقول المثل العراقي، بين إيران وأمريكا. فإيران هي جارة تربطنا بها علاقات جغرافية، حيث لنا معها 1400 كلم من الحدود، وتاريخية لعشرات القرون، ودينية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية وأمنية...الخ، لا يمكن التفريط بها إطلاقاً. وفي نفس الوقت للعراق مصالح سياسية وأمنية واقتصادية مع أمريكا التي قامت بتحرير الشعب العراقي من أبشع نظام جائر في التاريخ، وخلصته من الحصار الاقتصادي الأممي، ومئات المليارات الدولارات من الديون، وتعويضات الحروب العبثية التي شنها النظام الساقط على دول الجوار. وفي هذه الحالة ليس بإمكان الحكومة العراقية أن تفرط بعلاقتها مع أمريكا لتأخذ موقفاً منحازاً إلى إيران.

لذلك فموقف الدكتور العبادي هو أشبه ببطل السرك الذي يمشي على حبل مشدود، لا بد وأن يحافظ على توازنه كي لا يسقط. وإنصافاً للرجل، أقول أن تصريحاته الأخيرة حول موقف العراق من العقوبات الأمريكية على إيران كانت جداً متوازنة، آخذاً بنظر الاعتبار مصلحة الشعب العراقي فوق مصلحة أي بلد آخر، تماما كما تفعل حكومتا إيران وأمريكا وغيرهما، و أية حكومة لا تعتبر مصلحة شعبها أولاً، هي حكومة خائنة لشعبها.

فماذا قال العبادي بالضبط في هذا الخصوص كي يثار ضده كل هذا الغضب من إيران، وأنصارها في العراق؟
قال العبادي وحسب ما نقلته وكالة رويتر للأنباء: ‭‭" من حيث المبدأ نحن ضد العقوبات في المنطقة. الحصار والعقوبات تدمر المجتمعات ولا تضعف الأنظمة“. وأضاف ”نعتبرها خطأ جوهريا واستراتيجيا وغير صحيحة، لكن سنلتزم بها لحماية مصالح شعبنا. لا نتفاعل معها ولا نتعاطف معها، لكن نلتزم بها“.(2)

والعبارة التي أثارت غضب إيران، وأنصارها في العراق هي "لكن نلتزم بها". وهل بإمكان أي رئيس حكومة، حريص على مصلحة شعبه أن يقول غير ذلك؟ هل بإمكان العبادي أن يقف بوجه جبروت أمريكا؟ وهل يتعظ العراقيون من تجاربهم المؤلمة و خيباتهم السابقة؟

لقد حاول السيد نوري المالكي، رئيس مجلس الوزراء سابقاً، وتحت ضغوط من إيران، وأنصارها في العراق، تحدي أمريكا، ورفض طلبها بإبقاء قطعات عسكرية أمريكية في العراق لتدريب القوات العراقية، ومساعدتها في حربها على الإهاب. فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة احتلال ثلث مساحة العراق من قبل شذاذ الآفاق من الإرهابيين البعثيين الدواعش لثلاثة أعوام عجاف، ولم يتم تحريرها إلا بمساعدة أمريكا والقوات الدولية، و إزاحة المالكي عن رئاسة الحكومة، وتدمير البنى التحتية بشكل كامل في المناطق المحتلة، واستشهاد عشرات الألوف من القوات المسلحة والحشد الشعبي وغيرهما، وقتل عشرات الألوف من المدنيين من قبل الارهابيين، إضافة إلى صرف عشرات المليارات من الدولارات على العمليات الحربية بدلاً من استثمارها في الاعمار والتنمية البشرية.

لقد طلع علينا بعض أنصار إيران من العراقيين بمقالات نارية غاضبة ضد حيدر العبادي بسبب قوله (لكن نلتزم بها)، أي بالعقوبات. وعلى سبيل المثال لا الحصر: كتب السيد محمد مجید الشیخ، وهو سفير عراقي سابق في طهران، مقالاً بعنوان (إيران خط أحمر) جاء فيه: " ان ایران وكما تحدثنا 'الروایات المتواترة' هی قاعدة الامام المهدی (ع)، الذی سیقود جیوشها للقضاء علي السفیانی الذی یدخل العراق ویعیث فسادا فی الارض، ثم یتجه الامام (ع) الي بیت المقدس محررا وفاتحا. وإذن فان إضعاف ایران فی العقل الاستراتیجی (الصهیو إنكلو امریكی) هو لعرقلة تحقق هذا الوعد الالهی .. ولكن خسئوا فان الله منجز وعده ولو كره الكافرون."(3)

ومع احترامنا لمعتقدات الناس الدينية والمذهبية، إلا إننا نرفض استغلال هذه المشاعر لأغراض سياسية تضر بمصلحة بلدهم، وهو يمر بأحلك الظروف تهدد وجوده، لمصلحة بلد آخر. فهل يمكن لأي عاقل مسؤول على رأس الحكومة أن يضحي بمصلحة شعبه بناءً على هذه السفسطات المتافيزيقية التحريضية  التي لا تسمن ولا تغني من جوع ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين؟ فالعراق يمر بمرحلة تاريخية وجودية خطيرة، ليس هناك أي مجال للتلاعب بمشاعر البسطاء من الناس، الدينية والمذهبية، بل يجب اتباع المنطق العلمي العقلاني السليم، وسياسة فن الممكن، والالتزام الكامل بمبدأ (العراق أولاً) ومصلحته فوق مصلحة أية دولة أخرى، والتخلي عن هذا المبدأ يعتبر خيانة وطنية.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
مقالات أخرى للكاتب
http://www.alakhbaar.org/home/for-the-author/?auid=17
ـــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- واشنطن تهدد العراق إذا لم يلتزم بعقوباتها ضد إيران
http://www.akhbaar.org/home/2018/8/247591.html

2- العبادي: العراق لا يتعاطف مع العقوبات على إيران لكن سيلتزم بها
https://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN1KS1QC
3- محمد مجید الشیخ:  إیران خط احمر
http://www.irna.ir/ar/News/82999077
4- د. حميد الكفائي: لماذا تُطالَب بغداد برعاية مصالح طهران؟
http://www.alhayat.com/article/4597910/رأي/سياسي/لماذا-تطالب-بغداد-برعاية-مصالح-طهران
5- عدنان حسين: لسنا محمية ايرانية
http://almadapaper.net/Details/212627/شناشيل-للتذكير-لسنا-محميّة-إيرانيّة

14
التظاهرات التخريبية دائماً تبدأ بمطالب مشروعة!
د.عبدالخالق حسين

تشهد هذه الأيام محافظات الوسط والجنوب العراقية ذات الأغلبية الشيعية، تظاهرات احتجاجية التي هي حق يكفله الدستور، بدأت بمطالب مشروعة، منها توفير الخدمات مثل الكهرباء، والماء، والعمل للعاطلين...الخ. وقد لقيت هذه التظاهرات تعاطفاً وتأييداً من الجميع، وحتى من السلطة التنفيذية، وعلى رأسها رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي الذي وعد بتلبية هذه المطالب. إلا إن هذه المشاكل هي مزمنة تحتاج إلى إقامة مشاريع كبيرة وعديدة لا يمكن تحقيقها بعصى سحرية، أو بين عشية وضحاها.

بدأت هذه التظاهرات في محافظة البصرة لأنها المحافظة التي عانت ودفعت الثمن الباهظ بالأرواح والممتلكات أكثر من أية محافظة أخرى بسبب الحروب العبثية التي شنها النظام البعثي على إيران، ومن ثم غزو الكويت، والحرب الدولية لتحرير الكويت، وأخرى لتحرير العراق من حكمه الجائر، ثم تبعات سقوطه...الخ. فهذه المحافظة التي تسهم بنحو 80% من واردات خزينة الدولة، ما زالت تعاني أكثر من أية محافظة في العراق من البطالة والحرمان من الخدمات بسبب الإهمال، والفساد المستشري في صفوف المسؤولين. لذلك بلغ ظلم ذوي القربى، أي ظلم سلطات ما بعد 2003 إلى حد الانفجار، فكانت حصيلته هذه التظاهرات الاحتجاجية التي انتشرت شرارتها في المحفظات العراقية الأخرى كالنار في الهشيم.

بالطبع نحن مع التظاهرات السلمية، ولكن المشكلة أن هناك دائماً مجالاً للمجرمين المخربين ليندسوا ويخترقوها ويحرِّفوها عن خطها السلمي، وأهدافها المشروعة، ويحولوها إلى فرصة ذهبية لهم للقيام بأعمال التخريب، والاعتداء على ممتلكات الدولة، وإشعال الحرائق فيها، والاعتداء على مقرات الأحزاب، وخاصة تلك التي تناهض البعث الساقط أمثر من غيرها، ورفع شعارات ومطالب مشبوهة لم تدر في خلد الناس الأبرياء الذين بدؤوا تلك التظاهرات، منها مثلاً: دعوة البعض بعدم الاكتفاء بتوفير الخدمات، بل الاستمرار حتى إسقاط الحكومة، وتحت مختلف الأساليب الخادعة.

وهؤلاء لهم جيوش على مواقع التواصل الاجتماعي يتمتعون بالخبرة في التضليل والتسقيط، لدعم التخريب واعتباره عملاً وطنياً لتحرير الوطن من احتلال الحكومة العميلة لإيران وأمريكا على حد قولهم، بل والاستهزاء من كلمة (المندسين)، وكأنه لا يوجد مندسون إطلاقاً. فقد قرأنا تقريراً مقلقاً من (مفوضية حقوق الانسان تعلن اجمالي عدد المتوفين والمصابين منذ انطلاق التظاهرات)(1) عن المصادمات بين المتظاهرين، والقوات الأمنية، راح ضحيتها 13 قتيلاً من المتظاهرين، و729 جريحاً، بينهم 460 من القوات الأمنية، و269 من المتظاهرين. والملاحظ أن عدد الجرحى في القوات الأمنية نحو ضعف عددهم في صفوف المتظاهرين. والسؤال هنا كيف جُرح هؤلاء من القوات الأمنية، إن لم يكن من بين المتظاهرين أناس مسلحون جاؤوا خصيصاً للمواجهة والتخريب.

كذلك قرأنا أخباراً مقلقة تفيد عن قيام مجرمين بقطع أسلاك الكهرباء من أجل إدامة الأزمة، وتبرير استمرارية التظاهرات وتصعيدها إلى اعتصامات تخريبية، أي إلى إسقاط الحكومة، لإشاعة الفوضى العارمة من أجل إظهار الشعب العراقي للعالم أنه غير مؤهل للديمقراطية، تمهيداً للانقضاض على العملية السياسية، وإلغاء الديمقراطية، وإعادة العراق إلى عهد الظلام البعثي ما قبل 2003.

وقد لاحظنا في مثل هذه الحالات أن تتفتق عبقرية العديد من الكتاب لتقديم اقتراحات، منها صادقة وبنوايا حميدة، وأخرى من نوع (قول حق يراد به باطل)، غرضها التشويش ونشر البلبلة الفكرية، وتضليل الجماهير، وإرباك السلطة.

يجب على الشعب العراقي أن يستفيد من تجاربه السابقة، وتجارب الآخرين، ويستخلص منها الدروس والعبر، وأن لا يُلدغ من جحر عشرات المرات. لذلك نطالب جماهير شعبنا باليقظة والحذر من المندسين، بأن لا ينساقوا وراء المخربين البعثيين الدواعش الذين يتربصون بهم شراً، وأن لا يكونوا من أمثال الذين وصفهم الإمام علي (ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح).

دروس من التاريخ القريب والوقت الراهن
فما أشبه اليوم بالبارحة، إن ما يجري في العراق اليوم يذكرنا بما قام به البعثيون في عهد حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم عندما رفع سعر غالون البنزين مبلغاً طفيفا، فقادوا التظاهرات الاحتجاجية في بغداد، وراحوا يحرقون باصات المصلحة، ومحطات البنزين، وغيرها من ممتلكات الدولة. كذلك التظاهرات الطلابية التي قادها البعثيون والقوميون أواخر عام 1962 التي مهدت لإنقلاب 8 شباط 1963 الأسود الذي أدخل العراق في نفق مظلم لم يخرج منه لحد الآن.

وهناك تجارب مماثلة في مناطق أخرى من العالم، ففي أيامنا هذه هناك تظاهرات احتجاجية في مناغوا عاصمة نيكاراغوا، ضد الرئيس الوطني الاشتراكي دانيال أورتيغا. بدأت هذه التظاهرات بمطلب مشروع، وهو عندما أقدمت الحكومة بتخفيض رواتب المتقاعدين. فانطلقت التظاهرات الاحتجاجية من قبل المتقاعدين، مما حدا بالحكومة إلغاء القرار، إلا إن المتصيدين بالماء العكر استغلوا الفرصة، واختطفوا تلك التظاهرات وطالبوا بالانتخابات المبكرة، وإزاحة الرئيس أورتيغا. ثم أحالوا هذه التظاهرات إلى أعمال تخريبية ضد ممتلكات الدولة، وبالتالي إلى مواجهات مسلحة مع القوات الأمنية، راح ضحيتها لحد الآن أكثر من 300 قتيل من الجانبين. وهي بالمناسبة تتلقى الدعم والتأييد من أمريكا وغيرها من الدول الغربية التي ساندت عصابات الكونترا في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغن في الثمانينات من القرن المنصرم.

كذلك التظاهرات الاحتجاجية التي اندلعت في البلاد العربية أواخر عام 2011، والتي سميت بانتفاضات وثورات(الربيع العربي). فكانت هناك مبررات مشروعة لهذه الانتفاضات مثل مظالم الأنظمة الدكتاتورية الجائرة بحق الشعوب العربية، وتفشي الفقر والبطالة والحرمان من الخدمات، والتي دفعت الجماهير الشعبية للإنفجار، والمطالبة بتغيير الأنظمة المستبدة الجائرة. ولكن تم اختطاف هذه الانتفاضات من قبل قوى داخلية وخارجية، فبعد إسقاط حكوماتها، تركوا هذه الشعوب في حالة فوضى عارمة مثل ليبيا، واليمن. ونفس السيناريو تكرر في سوريا، حيث بدأت بمظاهرة طلابية في مدينة درعا الجنوبية بمطالب مشروعة عام 2011، فاختطفتها قوى الشر المدعومة من السعودية وقطر وتركيا، وأمريكا، وأحالوها إلى حرب العصابات الإرهابية ضد سوريا حكومة وشعباً، ولحد الآن.

ما العمل؟
وفي أوقات الأزمات، وكما أشرنا أعلاه ينبري البعض بتقديم اقتراحات لحل الأزمة، منها صادقة، ومنها للتشويش ونشر البلبلة الفكرية. لذلك أرى من واجبنا تقديم قائمة من الاقتراحات نأمل من أبناء شعبنا والحكومة الأخذ بها وهي كما يلي:
أولاً، نهيب بجماهير شعبنا عامة، و شريحة المثقفين بخاصة، أن ينتبهوا جيداً إلى ما يحاك ضدهم، ونبذ المخربين المندسين من البعثيين الدواعش وأشباههم في صفوفهم الذين غايتهم إفشال تظاهراتهم المشروعة، و اختطافها لتحقيق أغراضهم التدميرية. وأن يكونوا حذرين قبل إقدامهم على تأييد كل من هب ودب من الذين يقدمون اقتراحات وشعارات ظاهرها حق وباطنها باطل، يراد بها نشر التشويش وصب الزيت على النار المشتعلة. 
ثانياً، على الحكومة أن تعرف أن الشعب يمهل ولا يهمل، فخمسة عشر عاماً بعد سقوط الفاشية، ليست بفترة قصيرة، إذ مازال هناك تقصير فضيع في الخدمات، وكذلك تفشي الفساد المالي والإداري في جميع مرافق الدولة من القاعدة إلى القمة، ولم نسمع من السيد رئيس الوزراء الحالي، ولا الذي قبله إلا وعوداً بمحاربة الفساد والكشف عن الفاسدين ومحاكمتهم، لكن دون أخذ أي إجراء عملي مكشوف لتحقيق هذه الوعود. العراق بحاجة إلى قانون فضح الفاسدين (Name and shame)، والعمل الجاد لحل مشكلة نقص الخدمات وغيرها من المشاكل التي تمس حياة المواطن مباشرة.

ثالثاً، هناك اقتراح من خبراء مخلصين مفاده السعي الحثيث برفد مؤسسات الدولة وخاصة الكهرباء، بأصحاب الكفاءات والسمعة النظيفة لحل مشكلة الكهرباء وجعل الأسلاك الكهربائية تحت الارض، وكجزء من بنية تحتية متينة ومتماسكة وحتى يجد المخربون صعوبة في النيل من البنية التحتية، وكذلك الحال في توفير مياه الشرب، والخدمات الأخرى مثل الصحة والتعليم، والمواصلات وغيرها. وكذلك العمل على دعم وتشجيع القطاع الخاص باستخدام الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء للبيوت والمعامل والمؤسسات الحكومية، فهي طاقة متجددة ونظيفة.

رابعاً، هناك خبر عن تشريع مجلس النواب المنحل، لقانون جديد لامتيازات البرلمانيين قبل اشهر ولم يتم نشره في الجريدة الرسمية إلا في يوم 16 تموز 2018. وسمعنا أخيراً أن السيد رئيس الوزراء طالب المحكمة الاتحادية بإيقاف العمل بهذا القانون(2 و3). وفي حالة عدم استجابة المحكمة لهذا الطلب لأسباب قانونية، فعلى السلطة التشريعية القادمة إلغاءه. كذلك يجب تخفيض رواتب النواب، والوزراء والمسؤولين الكبار بما يتناسب مع إمكانية العراق في ظروفه الراهنة.
خامساً، العمل على بناء مشاريع تحلية المياه قبل فوات الأوان وخاصة في البصرة. لا شك أن هناك مقترحات أخرى كثيرة تخص الأزمة الحالية، من واجب الحكومة تبني بما يفيد منها وترجمتها إلى عمل مفيد.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
الموقع الشخصي للكاتب على موقع الأخبار
http://www.alakhbaar.org/home/for-the-author/?auid=17
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- مفوضية حقوق الانسان تعلن اجمالي عدد المتوفين والمصابين منذ انطلاق التظاهرات
http://www.akhbaar.org/home/2018/7/246645.html
2 العبادي يطلب من المحكمة الاتحادية ايقاف العمل بقانون امتيازات النواب
http://www.akhbaar.org/home/2018/7/246627.html
3- الاتحادية: وقف تنفيذ احكام المواد المطعون بعدم دستوريتها بقانون مجلس النواب وتشكيلاته
http://www.akhbaar.org/home/2018/7/246664.html
 


15
ومتى كان العراق مستقراً؟
د.عبدالخالق حسين

بعد أن نشرتُ مقالي الأخير عن (منجزات ثورة 14 تموز 1958*)(1)، دار سجال في إحدى مجموعات النقاش التي لي شرف المشاركة فيها، بين مؤيدين ومعارضين له. وأرى أن هذا الجدل لا يخلو من فائدة، فمن خلاله نعرف ما يفكر به شريحة من المثقفين، وهو أشبه باستطلاع الرأي العام إلى حد ما. وأنا في الحقيقة أستفيد من الطرفين، وخاصة من المعارضين لأفكاري وكتاباتي، لأنهم يحفزونني للإجابة على اعتراضاتهم، إما كردود ضمن المجموعة، أو مقالات ليطلع عليها جمهور أوسع من القراء الكرام.
فمن المعترضين صديق يستغرب أني ما زلت أسمي ما حدث يوم 14 تموز 1958 ثورة، وهو يطلق عليه إنقلاب! ورغم أني أجبته بأسلوب علمي، مستشهداً بآراء مفكرين كبار أجانب مثل المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسن الذي قال: "أن الثورة العراقية هي الثورة الوحيدة في البلاد العربية"، وكذالك شهادة المؤرخ وعالم الاجتماع الأمريكي حنا بطاطو، الذي اعتمد على ما تلقت الثورة من دعم جماهيري واسع، وما حصل في العراق من تغييرات جذرية عميقة في بنية المجتمع العراقي، السياسية، والاجتماعية والاقتصادية، التي ترافق الثورات وليس الانقلابات العسكرية، إلا إن كل هذه الأدلة والشهادات لم تزعزع موقف الأخوة قيد شعرة، وليس هذا بالأمر الغريب. ولا أريد هنا أن أقول المزيد في هذا الخصوص، إلا إني اتمنى عليهم قراءة مقال قديم لي حول هذا الموضوع بعنوان: (هل ما حدث يوم 14 تموز ثورة أَم انقلاب؟)(2)، أضع رابطه في الهامش، ففيه ما يكفي لكل من يرغب في البحث عن الحقيقة، وبعقل منفتح وليس بمواقف عاطفية منحازة.

ولكني أود الرد على اعتراض آخر قدمه أحد الأخوة، لأهميته، لأنه يتكرر بين حين وآخر من قبل آخرين على شكل مقالات في الصحافة الورقية والإلكترونية، مفاده أن العهد الملكي في العراق كان عهداً زاهراً ومستقراً، وواعداً بالخير والديمقراطية، وأن "المسلسل الدامي المؤلم ابتدأ منذ تموز 1958 في العراق ولَم يتوقف لحد الآن..". نسي هؤلاء الأخوة سامحهم الله، أن العهد الملكي لم يكن يوماً مستقراً إطلاقاً. وأشير عليهم بقراءة مقال سابق لي بعنوان: (هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟)(3).

لذلك أرى من المفيد أن أعود إلى الموضوع، وفق مبدأ (في الإعادة إفادة!). فمن طبيعة البشر أنهم دائماً يحنون إلى الماضي، ورغم ما في هذا الماضي من آلام ومظالم، والسبب، أن متاعب ومشاكل العهد الجديد تنسيهم مآسي العهد السابق أو البائد، فيحنون إليه، ولكنه لو عاد لحاربوه، كما حاربوه في حينه. والمشكلة أنه عندما نذكرهم بمظالم العهد الملكي، يردون عليك بسرعة أنهم لم يقولوا أن رجال ذلك العهد كانوا ملائكة!! و بالطبع إننا عندما ننتقد أية حكومة لا نتوقع أن يكون رجالها ملائكة، ولكن التاريخ يؤكد أن حكام العهدي الملكي منعوا التطور التدريجي السلمي، وتمادوا في غيهم وأمعنوا في ظلمهم للجماهير المسحوقة وأحزابها الوطنية المعارضة رغم ادعاءهم بالديمقراطية. فالتطور السلمي هو صمام الأمان لمنع تراكم المشاعر بالظلم، والذي بدوره يصعِّد الضغط، وتيأس الجماهير وأحزابها الوطنية من الإصلاح السياسي بالوسائل السلمية، وبالتالي يؤدي إلى انفجار الجماهير والثورة المسلحة التي عادة تكون مصحوبة بالدماء والدموع والخسائر البشرية والمادية.
 
إن الذين يمجدون العهد الملكي، ويبررونه من الأخطاء القاتلة، بل وحتى من الجرائم، ناتج عن ضعف ذاكرتهم، و جهلهم بتاريخه، و بقوانين حركة التاريخ. فالثورات والانتفاضات المسلحة أشبه بالكوارث الطبيعية مثل الزلازل، والبراكين والأعاصير، لا تعرف المنطق، بل تحصل بدون فرمان من أحد، أو أنها ستؤدي إلى نتائج كارثية.

إذ لا يمكن مطالبة الشعب وأحزاب المعارضة بالسكوت على الظلم وعدم الثورة خوفاً من احتمال أن يكون البديل أسوأ، لأن الأمور مقرونة بأوقاتها، وليس من حق أبناء جيل اليوم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أن ينتقدوا جيل الخمسينات من القرن الماضي، فلكل جيل أفكاره وتطلعاته ، و طموحاته وفق ظروف المرحلة التاريخية. فاحتمال الفشل موجود دائماً في جميع الحركات الثورية والانتفاضات الشعبية في التاريخ.

إن مطالبة الناس بالخنوع للمظالم خوفاً من الفشل والعواقب الوخيمة، يفندها منطق التاريخ. هذا الموضوع ناقشه عالم الاجتماع الراحل علي الوردي في كتابه (منطق إبن خلدون). وإبن خلدون هذا كان ضد الثورات إلا الناجحة منها. ويحاجج الوردي موقف إبن خلدون من الثورات قائلاً: "لو اتبع الثوار هذا المبدأ الخلدوني منذ قديم الزمان لما ظهر في الدنيا أنبياء ولا زعماء ولا مصلحون، ولصار الناس كالأغنام يخضعون لكل من يسيطر عليهم بالقوة، حيث يمسي المجتمع بهم جامداً يسير على وتيرة واحدة جيلاً بعد جيل." (الدكتور علي الوردي، منطق إبن خلدون، دار كوفان، ط2، سنة 1994، ص216).

وهل حقاً كان العهد الملكي مستقراً؟
يخبرنا التاريخ بأن العراق لم يعرف الاستقرار في جميع مراحل تاريخه منذ كتابة التاريخ وإلى يومنا هذا، وبالأخص في العهد الملكي. فالشعب العراقي معروف بصعوبة حكمه، وهناك مقولات مشهورة كثيرة في هذا الخصوص، ذكرناها في مقالات سابقة. فالشعب في العهد الملكي كان في حالة غليان وانتفاضات شعبية، ووثبات وطنية، وانقلابات عسكرية، إذ حصل فيه نحو 8 انقلابات وانقلابات مضادة، أشهرها حركة مايس 1941 التي تُعرف خطأً بحركة رشيد عالي الكيلاني، وغيرها. وأغلب الانتفاضات الشعبية والمظاهرات الاحتجاجية السلمية كانت تقمع بمنتهى القسوة من قبل الجيش والشرطة، يذهب ضحيتها المئات، وأحياناً الألوف كما حصل في المجزرة التي ارتكبها الفريق بكر صدقي ضد الآثوريين، والتي راح ضحيتها نحو 30 ألف. كذلك تم قصف انتفاضات العشائر بالطائرات. وحتى الإضرابات العمالية مثل إضراب عمال الموانئ في البصرة، وعمال النفط في كركوك التي عُرفت بمجرة (كاور باغي)، لم تسلم من المجازر. أما الانتخابات البرلمانية فكانت تزيَّف جهاراً نهاراً، وبشهادة حتى رجال العهد الملكي. أما البرلمان، فدورة برلمانية واحدة فقط أكملت مدتها الدستورية أربع سنوات، إذ كلما كان يأتي رئيس وزراء جديد يقوم بتعطيل البرلمان ويعلن انتخابات جديدة، وكان 50% من عمر العهد الملكي تحت الحكم العرفي العسكري، كما تم تسقيط جنسيات سياسيين وطنيين لا لشيء إلا لأنهم معارضين للسطة، وتم تهجير مواطنين عراقيين إلى إيران بتهمة التبعية، وقائمة جرائم العهد الملكي طويلة. باختصار، إن جميع الجرائم التي ارتكبها حكم البعث الصدامي الفاشي كانت لها جذور وأسبقية في العهد الملكي.

وبناءً على كل ما سبق من جرائم العهد الملكي، من حقنا أن نسأل، في أي وقت كان العراق مستقراً ليقولوا أن "المسلسل الدامي المؤلم ابتدأ منذ تموز 1958 في العراق ولَم يتوقف لحد الآن.."

نعم، إن ثورة 14 تموز قد بدأت كإنقلاب عسكري، وهو واحد من تلك الإنقلابات التي كانت تحصل في العهد الملكي، ولكنه اختلف عن غيره من الانقلابات بفضل قيادته الوطنية المخلصة، وبرنامجه الإصلاحي الذي أعدته اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، ولكنه بعد ساعة من إعلان البيان الأول من اذاعة بغداد، خرجت الجماهير المليونية من أقصى العراق إلى أقصاه، وبكل مكوناته، فحولت الإنقلاب إلى ثورة شعبية عارمة، وهذا التأييد الجماهري الواسع كان عبارة عن تصويت أضفى الشرعية على الثورة والعهد الجمهوري الجديد، وكذلك ما تحقق بعد ذلك اليوم من إنجازات كبيرة وكثيرة تؤكد ثورية الحدث(1).

لذلك نؤكد ثانية، أن ما يجري في العراق اليوم من عدم الاستقرار هو استمرار للحالة السائدة منذ العهد الملكي، وله علاقة وثيقة بطبيعة الشعب العراقي، وتركيبته الديموغرافية، وثقافته الاجتماعية الموروثة، وتراكم المظالم، والتي تحتاج إلى دراسات علمية رصينة، وليس إلى تدبيج البكائيات واللطميات والمناحات، و إطلاق الاتهامات الباطلة، والمقالات التضليلية.
وخير من درس المجتمع العراقي هو العلامة على الوردي. فقد كشف الرجل الكثير من العيوب و الأمراض الاجتماعية لهذا الشعب ونقائصه، لذلك تعرض إلى النقد الشديد من قصيري النظر، واتهموه بأنه يريد وهن هذا الشعب. فرد عليهم قائلاً:
((إن الشعب الذي لا يعرف نقائصه ولا يدرك مكامن الضعف في نفسه لا يسهل عليه أن يكون قوياً إزاء أعدائه. والعدو الكامن في داخل النفس ربما كان أشد خطراً من العدو المتربص لها في الخارج. إننا إذا ألقينا في روع الشعب بأنه شعب كامل ثم صدق الشعب بما نقول له، كان ذلك من أسباب الغرور فيه، ولعله سيندفع بغروره بما ينفع الأعداء ويفتح لهم في صفوفه ثغرة ينفذون منها إلى الاعتداء عليه مرة أخرى. لقد ذهب زمان الغرور الشعبي كما ذهب زمان الغرور القومي قبله. ويؤسفنا أن نرى الناس بالأمس يتهموننا بـ"الشعوبية" لأننا كنا لا نجاريهم في غرورهم القومي، واحسبهم اليوم يتهموننا بـ"الرجعية" لأننا لا نجاريهم في غرورهم الشعبي.)) (علي الوردي، الأحلام بين العلم والعقيدة، دار كوفان، لندن، ط2، 1994، ص 329-330).

ولعل أشد نقد للشعب العراقي وعن فهم عميق، جاء من الملك فيصل الأول في مذكرته عام 1932م التي عممها على عدد محدود من رجال الحكم المحيطين به، ذكر فيها الكثير من المشاكل من أجل أن يجدوا حلولاً ناجعة لها. وفيما يخص الشعب العراقي فقد قال الملك: "وفي هذا الصدد أقول وقلبي ملآن أسى: إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتقاض على أي حكومة كانت، فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه وندربه ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل. هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي… " (عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي، ج1، ص12).
ولكن لسوء حظ الشعب العراقي أن الملك فيصل الأول مات بعد ثلاثة أشهر من كتابة هذه المذكرة، فترك المجال للسياسيين من خريجي المدرسة العثمانية الذين طبقوا سياسة الحكم التركي العثماني في التمييز الطائفي واضطهاده، ليسوموا الشعب سوء العذاب، ويوقفوا التطور السلمي، فكان ما كان.

والسؤال هنا: ما الذي تغير منذ كتابة هذه المذكرة قبل 86 سنة وإلى الآن؟ بل أرى هذا الشعب مازال ممزقاً ومنقسماً على نفسه "إلى كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية"، بتقسيمات دينية وطائفية وأثنية، وأحزاب سياسية متناحرة. هذا الوضع ليس بجديد، لكي يحمِّلوا ثورة تموز وزرها، إذ كان على أشدها في العهد الملكي، وكانت أية مظاهرة جماهيرية سلمية تقابل بالنار والحديد.

خلاصة القول، إن ما يجري اليوم من عدم الاستقرار هو نتاج تركيبة الشعب العراقي، وثقافته الاجتماعية الموروثة (culture)، والمظالم الشديدة التي تعرض لها عبر قرون على أيدي الحكام الطغاة في مختلف مراحل التاريخ. ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن فترة حكومة ثورة 14 تموز كانت من أعدل وأخلص الحكومات، وأوسعها شعبية، وأقربها إلى الشعب العراقي في تاريخ العراق القديم والحديث، وقدمت منجزات للشعب أكثر من أية حكومة في تاريخ العراق القديم والحديث. أما الزعيم عبدالكريم قاسم فباعتراف العديد من المفكرين، وحتى من أعدائه الذين تآمروا عليه، كان أعدل وأنزه وأخلص وأنظف حاكم عرفه العراق في تاريخه الحديث، بل وحتى في تاريخه القديم إذا ما استثنينا الإمام علي. بل وحتى المجرم صدام حسين اعترف أخيراً بوطنية وإخلاص عبدالكريم قاسم للعراق(4).
ولذلك تكالبت الدنيا على الثورة وقيادتها الوطنية المخلصة. والآن يسعون لتشويه صورتها أمام الجيل الجديد والأجيال القادمة، ولكن هيهات، إذ لا يمكن حجب الشمس بالغربال كما يقولون.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د. عبدالخالق حسين: منجزات ثورة 14 تموز 1958*
http://www.akhbaar.org/home/2018/7/246392.html
د. عبدالخالق حسين: هل ما حدث يوم 14 تموز ثورة أَم انقلاب؟
http://www.akhbaar.org/home/2012/07/132954.html
2- د.عبدالخالق حسين:  هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟
http://www.akhbaar.org/home/2017/7/231226.html
3- صدام حسين في تسجيل سري يوضح تفاصيل ألعملية التي قام بها لاغتيال ألزعيم عبدالكريم قاسم ويمدحه
https://youtu.be/GVDNiTLfebQ


16
منجزات ثورة 14 تموز 1958*
د.عبدالخالق حسين

مقدمة

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الستون لثورة 14 تموز العراقية المجيدة، وهي بحق كانت ثورة الشعب والجيش، الثورة التي رحب بها كل الشعب، وحققت الكثير من المكتسبات والمنجزات في عمرها القصير، أربع سنوات ونصف، ضعف ما أنجزه العهد الملكي خلال 38 سنة. لذلك تكالبت عليها الدنيا من الداخل والخارج، ووظفوا لها حزب البعث الفاشي لضربها كرأس حربة لما اتصف به من شراسة وعدوانية إلى أن اغتالوها يوم 8 شباط 1963 الأسود، فأدخلوا العراق في نفق مظلم لم يخرج منه إلى الآن. وقد حاول حتى الذين رحبوا بها أول الأمر، بإلقاء اللوم على الثورة اليتيمة، أنها هي سبب فتح المجال للانقلابات العسكرية وحكم العسكر، والذي مهد لمجيء البعث الصدامي، وأنه كان من الممكن أن يتطور العراق بدون الحاجة إلى الثورة.

يدعي هؤلاء أن العهد الملكي كان عهد استقرار وأمان، وديمقراطية والحياة البرلمانية. في الحقيقة كان العهد الملكي عهد الانقلابات والانقلابات المضادة، والأحكام العرفية، والانتفاضات الشعبية، إلى أن تكللت بثورة 14 تموز المجيدة.

إن منطق الذين يحمِّلون ثورة تموز بما حصل من كوارث بسبب انقلاب 8 شباط  1963 وما تلاه من انقلابات ومصائب، لا تؤيدها قوانين حركة التاريخ. فالثورات لا تحدث بفرمان من أحد، بل تحدث إذا حصل تناقض بين البنية الفوقية (السلطة)، والبنية التحتية (الطبقات الاجتماعية)، عندئذ لا بد وأن يحصل الانفجار، وبغض النظر عن النتائج.

وفي هذه الخصوص يقول المفكر الأمريكي بيتر ف دركر (Peter F. Drucker) في كتابه القيم (القطيعة مع الماضي): "أن الثورة لا تقع ولا تصاغ ولكنها (تحدث) عندما تطرأ تغييرات جذرية في الأسس الاجتماعية تستدعي (إحداث) تغييرات في البنية الفوقية تتماشى مع (التغييرات) التي حدثت في أسس البنية المجتمعية، فإن لم يُستَبقْ إلى هذه الأحداث تنخلق حالة من التناقض بين القواعد التي تتغير، وبين البنية الفوقية التي جمدت على حالة اللاتغيير. هذا التناقض هو الذي يؤدي إلى الفوضى الاجتماعية التي تقود بدورها إلى حدوث الثورة التي لا ضمانة على أنها ستكون عملاً عقلانياً ستثمر أوضاعاً إنسانية إيجابية".
لقد لعب نوري السعيد الذي تبوأ رئاسة الحكومة 14 مرة، دوراً رئيسياً في العهد الملكي في خلق عقبة كأداء أمام تطور البنية الفوقية (السلطة)، إذ كان يحكم حتى في الفترات التي لم يكن فيها هو رئيساً للحكومة. وعلى سبيل المثال، في الانتخابات البرلمانية عام 1954، حصلت أحزاب المعارضة الوطنية على 11 مقعد فقط من مجموع 131 مقعداً، وكان رئيس الوزراء آنذاك أرشد العمري. فلم يتحمل نوري السعيد هذا العدد القليل من نواب المعارضة، فما كان منه إلا و أن قام بانقلاب القصر على زميله العمري، بعد 24 ساعة من افتتاح البرلمان بخطاب العرش، فعطل البرلمان، وأعلن الأحكام العرفية (حالة الطوارئ)، وألغى الأحزاب ومنظات المجتمع المدني، وأغلق الصحف إلا تلك المؤيدة للسلطة، وشكل الحكومة برئاسته. ولهذا السبب وعشرات الأسباب غيرها، يئِست المعارضة الوطنية من أي أمل في الإصلاح والتغيير بالوسائل السلمية. وعليه حصل الانفجار، والمسؤول عنها هم أولئك الذين رفضوا التغيير السلمي. ومن يرغب في الإطلاع على المزيد عن أسباب الثورة يرجى فتح الرابط  في الهامش(**). فالغرض من هذا المقال المعاد، هو تذكير القراء الكرام بما أنجزته الثورة خلال عمرها القصير.
****
منجزات الثورة
إننا ننظر إلى إنجازات الثورة بالإرتباط إلى ما حققته من تحولات كبيرة في المجتمع العراقي وبقيت تأثيراتها حتى اليوم رغم الثورات المضادة، نلخص أهمها كما يلي:

اولاً- المنجزات السياسيةً الداخلية:
1-إلغاء الملَكية وإقامة النظام الجمهوري.
2- تفجير الوعي السياسي لدى الجماهير الشعبية الواسعة التي كانت محرومة من المساهمة في النشاطات السياسية، وبذلك رفع مستوى الوعي لدى الجماهير بحقوقها وواجباتها الوطنية، وانغمرت في نشاطات الأحزاب السياسية. وإطلاق السجناء السياسيين، وحرية التعبير والتفكير والعمل النقابي والسياسي والثقافي وشكل واسع منقطع النظير..الخ
3- تعزيز الإستقلال السياسي، حققت الثورة الحفاظ على كيان العراق السياسي، واستقلاله الناجز وسيادته الوطنية الكاملة، وإلغاء جميع المعاهدات الإستعمارية الجائرة والمخلة بالسيادة الوطنية.
4- في مجال الوحدة الوطنية وحقوق القوميات: التأكيد على شراكة العرب والأكراد في الوطن العراقي. وهذا ما أكد عليه الدستور المؤقت (المادة الثالثة) ولأول مرة في تاريخ العراق، مع ضمان حقوق جميع القوميات الأخرى في المواطنة الكاملة.
5-ألغت الثورة سياسة الانحياز نحو الغرب والأحلاف العسكرية التي سار عليها النظام الملكي، والتي أدت إلى إضعاف العراق عسكرياً، لأن الدول الغربية لم تجهز العراق بالسلاح خلال تلك الفترة حيث كشفت ثورة 14 تموز بأن العراق لم يكن يملك حتى شبكة رادار بالرغم من كونه عضواً في حلف بغداد. أما سياسة الحياد التي سار عليها النظام الجمهوري فقد أدت إلى حصول العراق على الأسلحة من كلا المعسكرين الشرقي والغربي.
 6- صدور قانون الجمعيات عام 1961، والذي بموجبه أجيزت ما يقارب من 700 جمعية. وإجازة الأحزاب السياسية المؤمنة بالديمقراطية.
7-ألغت الأبعاد الطائفية والعرقية من ممارسات الدولة الرسمية، ووضعت الأسس لإلغاء التمييز الطائفي في العراق، تلك السياسية التي مورست خلال الحكم العثماني واستمر عليها العهد الملكي.
8- اعتماد وتعزيز مقومات الهوية الوطنية العراقية.

ثانياً- في السياسة العربية والمواقف القومية:
 1- توقيع معاهدات ثقافية واقتصادية وعسكرية مع الجمهورية العربية المتحدة. والعمل على تقوية التضامن العربي وتنشيط دور العراق ضمن مؤسسات الجامعة العربية.

2- دعم حركات التحرر الوطني العربية، منها، دعم الثورة الجزائرية وتخصيص مليوني دينار سنوياً من الميزانية لها، وكان هذا مبلغاً كبيراً في وقته إذ كان يشكل نسبة 2% من الميزانية العراقية. وكان العراق أول دولة تعترف بميلاد الجمهورية الجزائرية. كما أجزلت حكومة الثورة في دعم ثورة ظفار، ومساعدة الإمارات العربية في الخليج قبل تراكم الثروة النفطية عندهم. ودعم نضال الوطنيين اللبنانيين ضد حكومة كميل شمعون والتدخل الأمريكي.

3- تأسيس جيش التحرير الفلسطيني. فسح المجال أمام الشباب الفلسطيني للتدريب والعمل في الجيش العراقي ومعاهده. كما وأقترح قائد الثورة الزعيم عبدالكريم قاسم، تأسيس الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية التي كانت تحت حكم الأردن، وقطاع غزة الذي كان تحت حكم مصر آنذاك. فعارضه بشدة الحكام العرب وعلى رأسهم الرئيس جمال عبد الناصر. ولو تحقق هذا الإقتراح وتأسست الدولة الفلسطينية آنذاك، لكانت تحظى بالإعتراف والشرعية الدولية، ولما استطاعت إسرائيل إحتلالها عام 1967 وإلغاءها كدولة، ولما حصل ما حصل من كوارث فيما بعد.

ثالثاً: في السياسة الخارجية:
1-لقد حررت ثورة 14 تموز 1958 سياسة العراق الخارجية من كل سلطان وتوجيه خارجي، وأصبحت لا تستهدف إلا مصلحة العراق ومصلحة العرب والحرية والسلام في العالم.
 
2-الإنسحاب من الأحلاف العسكرية، وإقامة العلاقات المتوازنة مع التكتلات الإقليمية والدولية والأفرو-آسيوية. حيث تم الإنسحاب من حلف بغداد يوم 24 آذار 1959. وفي الحقيقة أعتبر الحلف ميتاً من أول يوم الثورة. أما تأخير الإعلان الرسمي فكان لأغراض سياسية وتكتيكية لصالح العراق، منها مثلاً، ضمان عدم تدخل دول الحلف ضد الثورة، وبالأخص بعد الإنزال الأمريكي في لبنان والبريطاني في الأردن بعد أيام من تفجير الثورة لوأدها والقضاء على الجمهورية الفتية. ولضمان اعتراف دول الحلف بحكومة الثورة وبالنظام الجمهوري في العراق. وعدم قطع العلاقة بدول الجوار. كذلك كتكتيك ذكي من الزعيم قاسم ورغبة حكومة الثورة في استمرار الحصول على الأسلحة من الدول الغربية. حيث ذكر الزعيم في 20 آب 1958: " إن المساعدات العسكرية الأمريكية ستصل في الأسبوع القادم، وإن مبدأنا أن نكون أصدقاء مع دول العالم لذلك لا يوجد سبب لرفضه" (أنظر صحيفة الجمهورية، العدد 31، التاريخ 21 آب 1958، بغداد).
كذلك إن تجميد نشاطات العراق في الحلف منذ اليوم الأول للثور أعتبر بمثابة الانسحاب منه، وعدم رغبة العراق في إثارة الحكومة البريطانية ضدها وخلق المشاكل السياسية والاقتصادية لها عن طريق شركات النفط والأرصدة العراقية هناك. (ليث الزبيدي، ثورة 14 تموز 1958، ص330-331.)
3- ساهم العراق بدور فعال في تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، والذي صار سلاحاً ماضياً لحماية حقوق الدول النفطية.
4-توقيع معاهدة صداقة مع الإتحاد السوفيتي والدول الإشتراكية.

رابعاً:- إجتماعياً:
1-إلغاء العلاقات الإقطاعية، وإلغاء قانون حكم العشائر الذي كان يخوِّل شيوخ الإقطاع بحسم القضايا الجزائية في مناطقهم، وهو قانون سنه الإنكليز لإرشاء شيوخ العشائر ومن أجل كسب ولائهم. كان سكان الأرياف يشكلون حوالي 70% من الشعب. وبذلك فكانت سلطة القضاء محصورة على المدن فقط دون سكان الأرياف الأمر الذي كان له مردود سلبي على تطوير الريف حضارياً.
2-إصدار قانون الإصلاح الزراعي وإلغاء الإقطاع. وهذا بحد ذاته ثورة اجتماعية لصالح الملايين من الفلاحين الفقراء.
3-قامت الثورة بتشريع قانون الأحوال الشخصية، الذي بموجبه أعاد الإعتبار للمرأة العراقية التي كانت مسحوقة في جميع الأزمنة ما قبل الثورة. وأقر القانون مساواتها بالرجل في الميراث، وشهادتها في المحاكم تعادل شهادة الرجل، كذلك مسألة تعدد الزوجات في صالح المرأة. وبذلك أعادت الثورة للمرأة اعتبارها كإنسانة لها كرامتها وشعورها بآدميتها، وفسح المجال أمامها لتلعب دورها الكامل في بناء الأسرة والمجتمع ومساواتها بأخيها الرجل في الحقوق والواجبات. 
4-نشر التعليم. لقد أزداد عدد المدارس والمعاهد العلمية وعدد الطلبة والمدرسين خلال أربع سنوات ونصف السنة من عمر الثورة إلى ضعف ما حققه النظام الملكي خلال 38 عاماً. إضافة إلى إرسال آلاف الطلبة إلى الخارج في بعثات دراسية في مختلف المجالات العلمية اللازمة لبناء الركائز الإقتصادية وإدارتها وإدامتها وخاصة المرافق النفطية.
5-تبنت الثورة سياسة العدالة الإجتماعية على المستوى الطبقي والجغرافي حيث عممت المشاريع  في كافة ميادين النشاط الإجتماعي والمدن العراقية.
6- قللت من الفوارق بين المدينة والريف وتعزيز الصلة بينهم.

خامساً: إقتصادياً:
1-تحرير النقد العراقي من الكتلة الإستريلينية. وتعتبر هذه الخطوة من أهم الخطوات في تحرير الإقتصاد العراقي من قيود التبعية البريطانية. فبدلاً من الإعتماد على الإسترليني ومشاكله في تذبذب قيمته في أسواق العملة كرصيد احتياطي للدينار العراقي، اعتمدت العملة العراقية في عهد الثورة على تنوع الأرصدة، من الذهب والدولار، وعملات صعبة أخرى مما قوى قيمة الدينار العراقي، خاصة في فترات تعويم الإسترليني الذي انخفض إلى نصف قيمة الدينار العراقي.

2-إلغاء الإمتيازات البترولية في الأراضي العراقية ما عدا المناطق المستغلة فعلاً. فأصدرت حكومة الثورة قانون رقم 80 لعام 1961 فحررت بموجبه 99.5% من الأراضي العراقية من سيطرة الشركات النفطية العالمية. وهذا بحد ذاته يعتبر ثورة حررت العراق من شكل آخر من الإستعمار. وبذلك وضعت الأسس القوية لتأميم الثروة النفطية في وقت لاحق. كما وسنت حكومة الثورة قانون تأسيس شركة النفط الوطنية، ويقال إن لائحة القانون هذا قد عجَّل في إغتيال الثورة، وكان مع الزعيم عبد الكريم قاسم إثناء إعدامه يوم 9 شباط 1963. كما وأرسلت الحكومة آلاف البعثات الدراسية إلى الخارج وخاصة في مجال هندسة النفط، الأمر الذي سهل تأميم النفط فيما بعد. فلم تهتم السلطة في العهد الملكي بتدريب كوادر عراقية في مجال النفط.

3- إبرام التعاون الإقتصادي مع الإتحاد السوفيتي وبموجبه أنشأ العراق الكثير من المؤسسات الإقتصادية، مثل مد الخط العريض بغداد- بصرة.، معمل الزجاج في الرمادي، معمل الأدوية في سامراء، معمل الجلود في الكوفة، معمل التعليب والألبان في كربلاء، معمل الورق في البصرة وغيره كثير.
4- بناء ميناء تجاري عميق في أم قصر، والميناء العميق لتصدير النفط في شمال الخليج، 25 ميلاً جنوب مصب شط العرب. وبذلك حقق توسعاً في مياهنا الإقليمية في الخليج ووسع من صادراتنا النفطية. ولم يسمِ قاسم أي من الميناءين بإسمه، ولما جاء البعثيون إلى السلطة عام 1968، سمّوا المناء العميق بميناء البكر، ومدينة الثورة في بغداد والتي بناها قاسم أيضاً بمدينة صدام.
وتحقق الكثير في الإزدهار الإقتصادي في عهد الثورة وذلك لإعتماد الزعيم عبد الكريم قاسم على خيرة الكفاءات الوطنية المخلصة والمتحمسة لخدمة الوطن وتطبيقاً لمبدأ: (الشخص المناسب في المكان المناسب) بدون أي تمييز. ويشهد يذلك باحثون أجانب مثل حنا بطاطو الذي يقول: "ومما له مغزى أن أصحاب المصانع لم يعرفوا إزدهاراً كالذي عرفوه في عهد عبد الكريم قاسم (1958-1963)، الذي كانت سياساته الإقتصادية والمالية موحى بها - إلى درجة غير قليلة- من الوطنيين الديمقراطيين، وبدقة أكبر، من محمد حديد الذي كان له في تلك السنوات نفوذه في الحكومة حتى عندما كان خارجها".( راجع بطاطو، المصدر السابق ج1، ص346.)
وبشهادة حسن العلوي في كتابه (عبدالكريم قاسم رؤية بعد العشرين)، أن الزعيم عبد الكريم قاسم قد نجح في تنفيذ 17 هدفاً من مجموع عشرين من أهداف الثورة التي اتفقت عليها اللجنة العليا للضباط الأحرار كما ذكرها اللواء الركن محسن حسين الحبيب، عضو اللجنة، وهو من مناوئي قاسم منذ الأيام الأولى للثورة، في كتابه (حقائق عن ثورة 14 تموز في العراق). وبأسلوب الإختبار المدرسي، يتوصل العلوي إلى أن الزعيم قاسم يستحق 85 درجة بالمائة في هذا الإمتحان. وهذه درجة إمتياز.

لقد فشل الزعيم عبد الكريم قاسم في تحقيق ثلاثة أهداف:
1- الوحدة العربية (ولم تكن الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة ضمن أهداف الثورة، إلا في حالة تعرض الجمهورية العراقية إلى خطر هجوم خارجي)(نفس المصدر).
2- فشل في تأسيس نظام  ديمقراطي. ولم يكن هذا ذنبه، وسنأتي على هذا الموضوع في فصل خاص من هذا الكتاب لاحقاً.
3- كذلك فشل في حل القضية الكردية، والذي خصصنا له فصلاً خاصاً أيضاً نظراً لأهميتيه.

وإنصافاً للرجل وللتاريخ، فالأهداف التي فشل في تحقيقها الزعيم عبدالكريم قاسم خلال 4 سنوات ونصف السنه من حكمه الحافل بالمؤامرات والغليان، فشلت جميع الحكومات القومية العروبية التي ساهمت بإغتياله، والتي حكمت العراق من بعده منذ إغتياله يوم 9 شباط 1963 ولحد عام 2003 عام سقوط الصنم البعثي، أي خلال ما يقارب الأربعين عاماً. ليس هذا فحسب، بل وصارت مفردات القومية والوحدة العربية والديمقراطية في عهد حكم العروبيين من الممنوعات في العراق الذي أعادوه إلى مرحلة ما قبل القومية، حيث أحيوا فيه روح القبلية والمناطقية وحكم العشيرة والأسرة. أما القضية الكردية فقد اعتمد هؤلاء الحكام في حلها على اسلوب إبادة الجنس مثل عمليات الأنفال والغازات السامة في حلبجة، والحروب الداخلية وغيرها، وتدمير أكثر من خمسة آلاف قرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
* هناك قائمة طويلة بالمنجزات نشرت على مواقع الانترنت بوم 13 تموز 2018، وهذا رابطها:
منجزات الزعيم عبدالكريم قاسم خلال فترة حكمه
http://www.akhbaar.org/home/2018/7/246337.html

** عبدالخالق حسين: أسباب ثورة 14 تموز 1958
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=%20267069


17
العراقيون ضحية مثالياتهم
د.عبدالخالق حسين

لا شك أن تعليقات الأصدقاء والقراء الكرام تشكل مصدراً مهماً لأفكار تحفز الكاتب على كتابة المزيد من المقالات. ومن التعليقات على مقالي الأخير الموسوم (ذكاء العراقيين المدمر)(1)، كتب لي صديق، لعب دوراً نضالياً مشرفاً في إسقاط نظام العهر والفاشية، قائلاً: (وتعقيبا على الأفكار التي كتبنا عنها حول طبيعة العراقيين وجدتُ هذه المقولة لفولتير بالإنكليزي:
"Don't allow the perfect to be the enemy of the good" أي (لا تسمح للمثالي أن يتحول إلى عدو للجيد). ويضيف الصديق: "ونحن كعراقيين كم مرة ذبحنا، أو أحيانا وأدنا العمل (في باكورة إنتاجه) أو الجهد الجيد من أجل فكرة مثالية".
في الحقيقة أنا كتبت في الأعوام الماضية عدة مقالات بهذا المعنى مثل مقالي الموسوم: (شاف القصر هدَّم كوخه) وغيره (2، 3، 4)

لقد لخص الصديق باقتدار، مأساة العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وإلى الآن.
فكلنا نعرف أن العراق قبل الحرب العالمية الأولى كان خرائب وأنقاض، وأغلب مدنه، رغم قلتها، كانت أقرب إلى قرى عشوائية واسعة منه إلى مدن. أما بغداد، وكما نشاهد من صورها التاريخية قبل وبعد سقوط الدولة العثمانية مباشرة، فهي الأخرى كانت عبارة عن قرية مترامية الأطراف ليس فيها أي شارع حديث إلا شارع واحد الذي بناه آخر ولاة العثمانيين، وهو خليل باشا، وسمّاه باسمه، والذي أُطلِقَ عليه فيما بعد بـ(شارع الرشيد.)

فلما دخل الإنكليز بغداد عام 1917 وطردوا الأتراك من العراق، واجهوا حرب الجهاد من العراقيين دفاعاً عن الاحتلال التركي العثماني "المسلم"، ضد الاحتلال الانكليزي "الكافر"، ثم ثورة العشرين الوطنية، التي على أثرها اضطر الانكليز إلى تأسيس الدولة العراقية و بحمايتهم، وجلبوا لها الأمير فيصل بن الحسين من الحجاز ونصبوه ملكاً، والذي صوت عليه معظم قادة ثورة العشرين.

لقد واجه جميع من في السلطة الجديدة من عراقيين، وإنكليز، حجم الخراب البشري، والمادي، الموروث المتراكم منذ عزو هولاكو عام 1258 وإلى عام 1921، عام التأسيس، فالشعب الذي قدروا تعداده نحو ثلاثين مليون نسمه في العهد العباسي، بقي منه نحو مليونين أو أقل عند طرد الأتراك. وهذا يعني أن الشعب العراقي كان على وشك الانقراض لولا تحريره من الاستعمار التركي المتخلف. وقد حاول المسؤولون آنذاك بناء دولة حديثة من هذا الخراب الشامل الذي استمر نحو ثمانية قرون.

بطبيعة الحال لم تكن الدولة الوليدة مثالية، ولا يمكن أن تكون كذلك وسط الخراب الشامل، ولكنها كانت بداية مقبولة، بل وحتى جيدة حسب ظروف المرحلة القاسية آنذاك. إلا أن أغلب العراقيين المتشبعين بثقافة "المثالية"، وخاصة تلك التي تلقوها من رجال الدين، و وعاظ السلاطين، لم يوافقوا على وجود الانكليز في العراق، أو أية علاقة ارتباط معهم، بل أصروا على الاستقلال التام، ورحيل آخر جندي بريطاني، في وقت لم تتوافر فيه للعراقيين إمكانية إدارة دولة، وحمايتها من أي عدوان خارجي، ولا حتى حماية أنفسهم من أنفسهم.

لذك راحت الانتلجنسيا العراقية، المدنية والدينية، تحرض العراقيين ضد ما تحقق لهم، وبالأخص ضد النظام الملكي الذي جعلوا منه رمزاً للشر المطلق، و يمكن اختصار هذا التحريض ببيت شعر من إحدى قصائد شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري الذي قال:
أنا حتفُهم ألج البيوت عليهمُ---- أّغري الوليدَ بشتمهم والحاجبا
وهكذا كانت جل قصائد الجواهري، وقصائد أغلب الشعراء الآخرين، وكتابات الكتاب، وخطابات الخطباء من هذا النوع التحريضي، يصب حمماً على جميع رجالات العهد الملكي. وكذلك موقف المعارضة الوطنية، والشخصيات الدينية، بالأخص الشيعية، فصار العراقيون، وبتأثير تلك الثقافة، ينظرون إلى العهد الملكي كنظام معادي للشعب، وعميل للاستعمار البريطاني والأمريكي، لذلك صارت عندهم إزالته من أقدس الواجبات الوطنية!

وبسبب هذه الثقافة المتشبعة بالمثالية المفرطة، حُرِّمَ العهد الملكي من أي استقرار، حيث واجه الانتفاضات الشعبية، والوثبات الوطنية، والانقلابات العسكرية، الناجحة والفاشلة، إلى أن تكللت نضالات الشعب بثورة 14 تموز عام 1958، التي بدأت كانقلاب عسكري، ولكن بعد أقل من ساعة خرجت جماهير الشعب من أقصى العراق إلى أقصاه في تظاهرات جماهيرية صاخبة مؤيدة بمنتهى الحماس، فأحالت الانقلاب العسكري إلى ثورة شعبية حقيقية، وهذه التظاهرات المليونية كانت عبارة عن تصويت على شرعية الثورة وقيادتها.

ولحسن حظ الشعب العراقي أن قائد الثورة، الزعيم عبدالكريم قاسم، كان في منتهى الوطنية والعقلانية والرحمة، وضد العنف، وشكل الحكومة من الأحزاب الوطنية، ولكن مع ذلك، لم يستمر شهر العسل بين تلك القوى وقيادة الثورة أكثر من سنة، حتى وبدت المثاليات والأحلام الطوباوية تلعب دورها المدمر في تمزيق القوى السياسية، ومناهضتها لحكومة الثورة، لأن الأخيرة لم تكن "مثالية" بما فيه الكفاية، وحسب مواصفاتهم الأيديولوجية. فرغم أن الثورة حققت للعراق مكاسب كبيرة لا تُقدَّر خلال أربع سنوات ونصف السنة من عمرها القصير بما يعادل ضعف ما حققه العهد الملكي خلال أربعة عقود، وكان الزعيم قد هيأ لكتابة الدستور الدائم، وإجراء انتخابات برلمانية، لافتتاح البرلمان في الذكرى الخامسة للثورة، كما وبذل الزعيم قصارى جهوده لمنع أعمال العنف الجماهيري، وحذرهم من مغبته وعواقبه، ودعى القوى السياسية إلى وحدة الصف، وحماية مكتسبات الثورة، إلا إن كلماته وقعت على أذن صماء، فنجحت جهود أعدائهم في اغتيال الثورة وقيادتها الوطنية المخلصة. وهكذا دمروا الجيد الممكن لأنه في رأيهم دون المثاليات التي لا يمكن تحقيقها إلا في خيالات الطوباويين الحالمين.

ولكن هل كانت مثاليات هؤلاء السياسيين العراقيين موحدة ومتجانسة؟ الجواب كلا، فلكل فئة مثاليتها الخاصة بها، ومتضاربة مع مثاليات الفئات الأخرى. فمثالية القوميين العروبيين والبعثيين كانت تعني إلغاء الجمهورية العراقية، و ضمها إلى الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا)، وهم يرددون (وحدة ما يغلبها غلاب)، أما مثاليات الشيوعيين فكانت (حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي)، و مثاليات الإسلاميين، وعلى ضعفهم حينئذ: (حكم إسلامي)، وتطبيق نظام (الحاكمية لله) السنية، ولم تكن نظرية (ولاية الفقيه) الشيعية معروفة بعد، ولكن المرجعية الشيعية أصدرت فتوى (الشيوعية كفر وإلحاد)، التي استهدفوا بها حكومة الثورة لأنها أصدرت قانون الأحوال الشخصية التقدمي الذي أنصف المرأة. ونتيجة لهذه المثاليات، خسر العراقيون أشرف قيادة وطنية نزيهة، لأشرف ثورة تقدمية واعدة بالخير، وأدخلوا العراق في نفق مظلم منذ انقلابهم يوم 8 شباط 1963 ولم يخرج منه إلى الآن، و أسوأه هو عهد البعث الصدامي الذي دمر العراق وأذلَّ العراقيين.

والكارثة، أنه لما توافرت للعراقيين مرة أخرى، فرصة تاريخية نادرة عام 2003، على يد قوات المجتمع الدولي بقيادة الدولة العظمى، لخلاص الشعب من حكم البعث الفاشي الجائر، وإقامة النظام الديمقراطي دون عزل أي مكون من مكونات الشعب، وكالعادة، انشق العراقيون على أنفسهم في  صراعات دموية من أجل المصالح الفئوية، وهم مصرون على تدمير كل ما تحقق لهم من نظام ديمقراطي، لأن البعض منهم يرى أن النظام الجديد هو دون مستوى ما في الدول الديمقراطية العريقة في الغرب، وآخرون يريدون العودة إلى الدكتاتورية المقبورة. نسي هؤلاء أن النظام الديمقراطي لم يولد في أي بلد متكاملاً، بل ينمو مع تطور الشعب(5). وهكذا، بدلاً من القبول بالممكن، والعمل على دعم الوليد الجديد ورعايته، وتطويره، وتكامله نحو الأفضل، نراهم يبذلون قصارى جهودهم لتدمير كل ما تحقق لهم، وجر العراق إلى المربع الأول، أي العودة إلى الدكتاتورية الطائفية والعنصرية، وإغراق البلاد والعباد في مزيد من الدماء والدموع، والمقابر الجماعية، وكم الأفواه، وتشريد المزيد من العراقيين. فمتى نتعلم من أخطائنا؟
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ـــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د. عبد الخالق حسين: ذكاء العراقيين المدمر
 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=602070

2- د. عبد الخالق حسين: في مواجهة ثقافة التدمير
http://www.akhbaar.org/home/2010/12/101955.html

3- د. عبد الخالق حسين: الاتفاق على تدمير العراق
 http://www.akhbaar.org/home/2011/08/115746.html

4- د. عبد الخالق حسين: شاف القصر هدَّم كوخه
http://www.akhbaar.org/home/2016/3/208603.html

5- عبدالخالق حسين - الديمقراطية لا تولد متكاملة ولن تكتمل http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=6436

18
ذكاء العراقيين المدمر
د.عبدالخالق حسين

في إحدى مداخلاتي في سجال مع الزملاء في مجموعة النقاش حول تمرد العراقيين على حكوماتهم، وصعوبة حكمهم عبر التاريخ، القديم والحديث، ذكرتُ أن أغلب مقولات المفكرين والسياسيين في أهل العراق كانت سلبية، بما فيها مقولات للإمام علي بن أبي طالب الذي قال عنهم: (لقد ملأتم صدري قيحاً)، وهناك خطابات عديدة للإمام في ذمه أهل العراق. (ولمن يريد المزيد فليفتح الرابط رقم 1 في الهامش). وقلتُ أيضاً أن المفكر الوحيد الذي أثنى على العراقيين في تمردهم وخروجهم على الحكومات هو الجاحظ الذي قال عنهم: ((العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء، وطاعة أهل الشام، أن أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة. ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث. ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح، والترجيح بين الرجال، والتمييز بين الرؤساء، وإظهار عيوب الأمراء)).

فردَّ الصديق الباحث الإسلامي الدكتور غسان ماهر السامرائي، أنه لم يقرأ مقولة الجاحظ، ولكنه كان دائماً يقول أن أهل العراق ذو "ذكاء مدمر"، ويقصد تدمير أنفسهم وليس تدمير أعدائهم. وهذا في رأيي صحيح جداً. وما يهمني هنا هو تعبير (الذكاء المدمر) الذي أدخلته في عنوان مقالي هذا، أنه هو من إبداع الصديق السامرائي، يستحق عليه الثناء، إذ يصلح ليكون اصطلاحاً معبراً بكثافة عن سايكولوجية الإنسان العراقي المقموع والمقهور عبر التاريخ، ليضاف إلى القاموس السياسي العراقي الحديث.

ومن الأخطاء السائدة لدى أغلب الناس أنهم يرفضون إضفاء صفة الذكاء على أعدائهم حتى لو كانوا عباقرة، وعلى سبيل المثال، أعداء صدام حسين يصفونه بالغباء. ولكن كيف يكون صدام غبياً وقد حكم 30 مليون نسمة لخمسة وثلاثين سنة، رغم أنه أضطهدهم أشد الاضطهاد، وأهلك الحرث والنسل، وملأ العراق بنحو 450 مقبرة جماعية، وتسبب بقتل نحو مليونين نسمة، ودمر اقتصادهم، وشرد نحو 5 ملايين منهم إلى الشتات، ومع ذلك كان العراقيون يهتفون له (بالروح بالدم نفديك يا صدام)، وحتى بعد هلاكه المخزي راح أتباعه يدمرون العراق انتقاماً له؟ فهكذا الشخص لا يمكن أن يكون غبياً، بل يقدم أوضح نموذج للذكاء المدمر، أو حتى عبقرياً ولكنه عبقري في الإجرام (Criminal genius).

كذلك يخلط الناس بين الذكاء والحكمة والضمير. بينما هذه المفردات ذات معان مختلفة، إذ يمكن أن يكون الإنسان ذكياً جداً، وحتى عبقرياً، ولكنه عديم الحكمة والضمير والأخلاق، يستخدم ذكاءه للدمار مثل صدام حسين، وهتلر، وموسيليني، وغيرهم من المجرمين في التاريخ الذين تسببوا في هلاك الملايين من شعوبهم ودمار أوطانهم.

ومن دلائل ذكاء العراقيين في تدمير أنفسهم، لاحظوا حملة الافتراءات ضد الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سقوط حكم البعث الفاشي الصدامي وإلى الآن، بذريعة محاربة الفساد، حيث لم يتركوا أي صفة ذميمة إلا وألصقوها بهم ودون استثناء، وكأن الشعب العراقي أصابه العقم، لا ينجب إلا الفاسدين واللصوص.
وراح هؤلاء ينبشون في بطون كتب التراث عسى أن يعثروا على أية حكاية أو حادثة تاريخية تفيدهم في هذا الخصوص، ليجيِّروها في تسقيط وتسفيه وتخوين وتحقير رجال حكومات ما بعد صدام. إضافة إلى ما تتفتق به قرائحهم من إبداعات في تأليف هذا النوع من الحكايات (fables) ذات مغزى مؤثر، لاستدرار عطف القارئ وثقته، وكسبه وتضليله بشكل غير مباشر. والمؤسف أنهم حققوا نجاحاً كبيراً في هذا المجال، ومهما كان القارئ مثقفاً وأكاديمياً المفترض به إعمال عقله ليميز بين المعقول واللامعقول. ولكن للأسف ما أن تصلهم إحدى هذه الحكايات ذات المضامين والأغراض الخبيثة كالسم بالعسل، حتى ويتسابقون في تعميمها، ونشرها على نطاق واسع دون أن يدركوا أنهم يقدمون خدمة كبيرة وبالمجان لأعدائهم البعثيين، وأشباههم من أعداء العراق وأعداء الديمقراطية الوليدة.

انتقدني أحد البعثيين قائلاً بأنني ألقي كل مشاكل العراق على البعثيين! نعم، أنا ألقي كل الدمار الذي لحق بالعراق بالبعثيين منذ إنقلابهم الدموي الأسود يوم 8 شباط 1963 وإلى الآن. فالبعث خلال حكمه الجائر لأربعة عقود تقريباً، بذل كل جهوده، وسخر كل موارد الدولة الهائلة، واستدان عليها مئات المليارات الدولارات، بددها في عسكرة المجتمع، والحروب العبثية، الداخلية والخارجية، وأرسل ألوف البعثات من مرتزقته الانتهازيين للخارج، للدراسة في مختلف العلوم الاجتماعية والنفسية والاعلامية، للسيطرة على الشعب وتشكيل شخصيته وفق أيديولوجيته العنصرية الطائفية، وتوجيهه الوجهة المنحرفة التي يريدها الحزب الحاكم الذي كان شعاره، وكما ذكر حنا بطاطو: (إلما يمشي على سكتنا خلي يكعد ويَّ مرته)، أي أن كل من لا يسير على نهجنا فلينعزل ويجلس مع زوجته في بيته. وبهذه الكفاءات المضلِّلة نجح حزب البعث في الهيمنة شبه الكاملة على الشعب العراقي، وإعادته إلى البداوة وتدمير الفكر والأخلاق، والوطنية، وملأَ العراق بالمقابر الجماعية لمعارضيه مما أدى إلى تشريد الملايين إلى مختلف القارات، وأغلبهم من اصحاب الكفاءات كان ممكن توظيفها لخدمة الشعب وتطويره، ولكن شاء البعث أن يحقق أغراضه المدمرة. ولا أدري بعد كل هذا الدمار بأي وجه يريد هؤلاء أن يدافعوا عن البعث الفاشي. حقاً ما قاله المثل العراقي: (الدجاجة تموت وعينها على المزبلة).

التراث العربي الإسلامي حافل بأحداث يمكن لأي مطلع عليه أن يغترف منها ما يشاء ويوظفها ضد خصومه. فعندما أقنع الأمريكان والسعوديون صدام حسين بشن حرب على الثورة الإيرانية الإسلامية، استخدم صدام (حرب القادسية) بين العرب والفرس قبل 1400 سنة، وسمّى حربه العبثية على إيران بحرب(القادسية الثانية) ضد "الفرس المجوس" واستخدموا الشحن الطائفي لتهييج الجماهير.

كذلك بين حين وآخر تصلنا عبر الإيميل، ومواقع التواصل الاجتماعي نماذج من استخدام التراث للتسقيط السياسي، وعلى سبيل المثال نقرأ هذه الأيام حكاية تراثية بعنوان: (دريد بن الصمة ادرك هذا الخلل قبل 1400 سنة .. ونحن لم ندرك الامر بعد)، بقلم المدعو (عدي الكفاري)، وهو بالتأكيد اسم مستعار. والغرض منها كما يذكر الكاتب في النهاية، تحريض العراقيين ضد رجال السلطة فيقول: (لا احد يقنعني ان فلان وفلان الذي تسكن اسرته لندن منذ سنوات وهو الآن يحكم العراق، أو يحتل منصبا مهما في العراق ..سيدافع عنكم... الخ). أي أن الذين يحكمون العراق هم عراقيو الخارج، ولولاهم لما عرف العراق الفساد والإرهاب، وخلاصكم أيها العراقيون هو التخلص من هؤلاء "الأجانب"، وأن وأشرف عهد ذهبي عرفه العراق هو عهد حكم البعث الصدامي!

والكل يعرف أنه لولا فرار هؤلاء العراقيين المعارضين لحكم البعث إلى الخارج لكان معظمهم هياكل عظمية في المقابر الجماعية. فعراقيو الخارج، وعلى الرغم من معاناتهم الشديدة في ظروف الغربة القاسية، هم الذين قاموا بتنظيم أكبر معارضة سياسية في العالم ضد أشرس سلطة ديكتاتورية همجية متوحشة. وبات من المؤكد أن هكذا سلطة (دولة المنظمة السرية)، و(جمهورية الخوف)، تعاملت مع شعبها بمنتهى القمع والقسوة، ما كان بالإمكان إسقاطها بجهود المعارضة الذاتية. لذلك كان دعم المجتمع الدولي بقيادة أمريكا ضرورياً ولا بد منه، ولولاه، ولولا عراقيو الخارج، لكان صدام وأبناؤه وعصاباته مازالوا ينشرون الدمار الشامل، والمقابر الجماعية، وتشريد ملايين آخرين من أبناء الشعب في الشتات. لذلك لا نغالي إذا قلنا أن الذين يحرضون ضد عراقيي الخارج هدفهم إفشال الديمقراطية، وهم من فلول البعث الساقط المتضررين من العهد الجديد.

مثال آخر على الذكاء المدمر، هو ما يكتبه الصحفي المخضرم عدنان حسين في صحيفة (المدى) من كتابات التحريض والتسقيط ضد عراق ما بعد صدام، وزرع اليأس في نفوس العراقيين. فعندما كان في لندن يكتب في صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية،  كتب مرة مقالاً بعنوان: (من يرفع الصوت ضد مقتدى الصدر؟)، استحسنته في البداية لأنه كان ينتقد مقتدى الصدر الذي زعزعت مليشياته(جيش المهدي) أمن العراقيين، ولكن خاب أملي في النصف الثاني من نفس المقال حيث طالب فيه السعودية والكويت وبقية الدول الدائنة للعراق في عهد صدام، بعدم التنازل عن ديونها، وذلك عقاباً للشعب العراقي كي لا ينجب دكتاتوراً آخر مثل صدام، وكأن صدام جاء للحكم وشن حروبه العبثية بإرادة الشعب العراقي. تظاهر السيد عدنان حسين بالشجاعة في نقده مقتدى الصدر عندما كان مقيماً في لندن بعيداً عن مليشيات الصدر، ولكنه ما أن جاء إلى العراق وبدأ العمل في صحيفة المدى لصاحبها فخري كريم، أول عمل قام به هو زيارته لمقتدى الصدر وإعلان التوبة وتقديم الولاء له، والتهجم على خصومه. وقد بلغ هذا الولاء حداً أنه قبل أيام عندما حصل انفجار في حسينية في مدينة الصدر (الثورة)، التي استخدمها أتباع الصدر كمخزن للأسلحة والذخيرة، فبدلاً من توجيه النقد لمقتدى الصدر وفضح المجرمين الحقيقيين، صبَّ عدنان حسين جام غضبه وهجومه على رئيس مجلس الوزراء السيد العبادي في مقال بعنوان: (ضحايا تفجير الحسينيّة برقبة العبادي)، بحجة أن رئيس الوزراء هو المسؤول دستورياً عن حماية الشعب، ودون أن يشير ولو تلميحاً إلى السيد مقتدى. نعم (من يرفع الصوت ضد مقتدى الصدر؟). كان عدنان حسين ناقداً لمقتدى عندما كان في لندن، وسكت عنه عندما جاء إلى العراق، وهذه ليست شجاعة يا سيد عدنان، ففي النظام الديمقراطي بإمكان أي إنسان نقد الحكومة، ولكن أتحداك لو توجه أبسط نقد إلى المسؤول الحقيقي عن هذا الانفجار الإجرامي الرهيب.
كذلك شبَّ يوم أمس (10/6) حريق التهم 3 مخازن تحوي صناديق مفوضية الانتخابات في الرصافة/ بغداد(2 و 3))، ولا شك أن هذا الحريق متعمد قام به الذين تسببوا في تزوير نتائج الانتخابات ليخفوا معالم جريمتهم، ولا شك أيضاً أنهم من أعضاء المفوضية "المستقلة". وفي هذه الحالة لا نستبعد أن يطلع علينا عدنان حسين بمقال آخر ليحمِّل الدكتور العبادي بهذه الجريمة. فعدنان حسين هذا هو الآخر يقدم نموذجاً واضحاً للذكاء العراقي المدمر.

كما و يتفنن هؤلاء الكتاب "الأذكياء" جداً في التلاعب بالألفاظ لجعل الجميل قبيحاً والقبيح جميلاً، وعلى سبيل المثال هناك كاتب يستخدم اسم ثلاثي شيعي ليؤكد انتماءه المذهبي، ويطرح نفسه كمدافع عنيد عن حقوق الشيعة، ولكنه في الحقيقة ينفث السم الزعاف ضد الشيعة، وهو غزير الانتاج، ينشر بمعدل مقالة أو مقالتين يومياً، يدعو فيها إلى استقلال الشيعة في دولة خاصة بهم، تمتد من بغداد إلى الفاو، ويتهجم بشدة على أهل السنة، وإيران وأعداء البعث. ومن أقواله أنه لا يجب اقتلاع البعث فقط، بل اقتلاع أعداء البعث أيضاً. والملاحظ أنه يدافع دفاعاً محموماً عن الوهابية ودولتها السعودية. وكان من غلاة دعاة عدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية العراقية، وقال بهذا الخصوص (المقاطعون يمثلون ثورة فعلا (ثورة الاصابع البيضاء).. بعدم تلطيخ ايديهم بنكاسة الحبر البنفسجي..) (كذا). هذا هو الذكاء المدمر.

نموذج آخر من الذكاء المدمر، هو موقف السيد نوري المالكي في الانتخابات الأخيرة، حيث قام بشق كتلة دولة القانون لغايات شخصية وحباً للزعامة. كان على السيد المالكي أن لا يقف ضد العبادي إطلاقاً، وأن لا يشق حزب الدعوة وكتلة دولة القانون إلى قائمتين متنافستين، بل كان عليه أن يدعمه ويكون عوناً له، فلو كان قد فعل ذلك لكسب المالكي حب واحترام الجميع، ولكنه بإصراره على شق دولة القانون خسر الجميع. علماً أن العبادي هو رئيس المكتب السياسي لحزب الدعوة والمالكي أمينه العام.
ومن نتائج هذا الذكاء المدمر لم نجد أي شعب منقسم على نفسه كالشعب العراقي. فقد أفادت الأرقام التي أعلنتها مفوضية الانتخابات المستقلة أن 320 حزباً سياسياً وائتلافاً وقائمةً انتخابية شاركت في انتخابات 2018. لا شك أن هذا العدد يعكس مدى الانقسام الذي ساهم في تبديد الأصوات، وزعزعة ثقة المواطن العراقي بالديمقراطية، والعملية السياسية برمتها. يكاد العراق هو البلد الوحيد في العالم ينفرد بهذا العدد الكبير من الكيانات السياسية. والسبب هو أن كل سياسي يريد هو أن يكون رئيساً، وهذا ليس بالأمر الجديد، إذ كما قال عنهم الشيخ علي الشرقي في وصفه تهالك العراقيين على القيادة والزعامة منذ العهد الملكي: قومي رؤوس كلهم .....أرأيت مزرعة البصل.

أنا لا أريد هنا الدفاع عن السلطة، أو أدعو إلى عدم نقدها في حالة ارتكابها أخطاءً، أو خيانة بحق الشعب، ولكنني ضد حملات التسقيط والتحريض وتلفيق الأخبار الكاذبة ضد المسؤولين. فالعراقي لا يحتاج إلى تحريض، لأنه محرض ضد السلطة مع الرضاعة، ومعاداة السلطة جزءٌ من الموروث الاجتماعي العراقي، ولكن الإمعان في التحريض من أجل التسقيط يؤدي إلى حرق الأخضر بسعر اليابس، و إضعاف مؤسسات الدولة، و إسقاطها بدون بديل مناسب، وبالتالي إغراق البلاد والعباد في فوضى عارمة لا يستفيد منها إلا أعداء الشعب. ففي النظام الديمقراطي ليس هناك أسهل على الكتاب، وخاصة المقيمين منهم في الخارج، أن ينتقدوا الحكومة، ولكن المبالغة في حملة تسقيط المسؤولين، وتلفيق الأخبار الكاذبة، وركوب موجة التملق للجماهير، وتضليلها، هي شعبوية رخيصة ومقرفة، لها مردودات معكوسة وكارثية على الجميع. فالعراق يعاني من الانقسامات وتشتت قواه السياسية، بأمس الحاجة إلى تهدئة الوضع وإطفاء الحرائق، و وحدة الصف. فالوضع يتطلب سلطة مستقرة وقوية لتتمكن من فرض سلطة القانون. لأن بدون سلطة القانون يعني العودة إلى شريعة الغاب، وعندها نقرأ على العراق السلام.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- إبراهيم الحيدري  هل العراقيون أهل شقاق ونفاق؟!   
http://www.elaph.com/Web/ElaphWriter/2009/11/501910.htm

2- حريق يلتهم 3 مخازن تحوي صناديق مفوضية الانتخابات في الرصافة
http://www.akhbaar.org/home/2018/6/245194.html

3- رئيس وزراء العراق يتحدث عن مؤامرة تهدد البلاد
http://www.akhbaar.org/home/2018/6/245227.html


19
حول تحالف الشيوعي العراقي مع التيار الصدري الإسلامي

د.عبدالخالق حسين

من التطورات غير الاعتيادية التي أفرزتها الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، هو التحالف غير المتوقع (سائرون)، بين الحزب الشيوعي العراقي، والتيار المدني، والتيار الصدري (الإسلامي)، بزعامة رجل الدين الشيعي الشاب السيد مقتدى الصدر، المعروف بتقلباته، وتغيير مواقفه السياسية خلال 15 سنة الماضية، والذي لمع نجمه مباشرة بعد سقوط حكم البعث الفاشي بواسطة القوات الدولية بقيادة أمريكا، حيث رفع السيد مقتدى الشعار الإيراني: (كلا كلا أمريكا)، واليوم يرفع شعار: (إيران برة برة... بغداد صارت حرة)، وله علاقات إيجابية مع السعودية، والدول الخليجية الأخرى الحليفة لأمريكا والمعادية لإيران.

وقد أثار تحالف (سائرون) جدلاً محتدماً في أوساط المهتمين بالشأن العراقي، في الداخل والخارج، بين معارض ومؤيد. فالمعارضون يرون هذا التحالف عبارة عن كوكتيل غير متجانس من أيديولوجيات متضادة (الشيوعية والليبرالية والإسلاموية)، لا بد وأن يكون مآله الفشل كما انتهى تحالف الشيوعيين مع البعث في السبعينات من القرن الماضي بكارثة. ويسأل هؤلاء ما هو ضمان النجاح؟
وكنتُ قد ساهمتُ في بعض هذه المناظرات في مجموعة النقاش، مؤيداً هذا التحالف، ومرحباً بالتطور الذي حصل في مواقف السيد الصدر، وأنه يجب أن نرحب بأي تقارب بين القوى الوطنية، وليس هناك أي ضمان للنجاح، بل الحكمة تفيد (أن تحاول وتفشل خير من أن لا تحاول أبداً)، فبدون محاولات وتقبل نسبة من مخاطر الفشل،لا يمكن أن نتقدم أبداً، و هذه هي سنة الحياة.

كذلك بعد نشر مقالي ما قبل الأخير الموسوم (المقاطعون انتصروا على أنفسهم)(1)، علَّق الصديق العزيز، المفكر المصري الدكتور محمد البدري مشكوراً: (احييك على هذا المقال وأتمني ان نقرأ لك اياب وتداعيات نتائج الانتخابات العراقية. فان يكون حزب مقتدي الصدر والحشد الشعبي والماركسيين أغلبية فهو مؤشر له دلالته في تغيير ثقافي وهوياتي يمثل قلقا مقصودا لمملكة الكراهية في الجنوب خاصة مع كراهية ضدها في سوريا واليمن جنوبا).

كما و استلمت رسالة تأييد من المفكر العراقي الأستاذ فياض موسى، مشكوراً، بعد قراءته مداخلاتي في مجموعة النقاش حول قائمة "سائرون"، ونظراً لأهميتها، رأيت من المفيد نقل بعض فقراتها التي قال فيها:
" ان تحليلك لنهج وسياسة التيار الصدري والشيوعيين والتطورات الأخيرة التي طرأت على موقفيهما، وكيفية التعامل معهما، كان في غاية الموضوعية، والعقلانية، ويدل على إدراك واعٍ للصراع القائم والمحتدم على الساحة العراقية، وكيفية الخروج منه بما يقوي ويعضد إرساء مفاهيم الوطنية والديمقراطية، والتكافل المجتمعي، وبناء دولة المؤسسات، ولزاماً على المثقفين الديمقراطيين العمل على دعم هذا التوجه للوقوف بوجه أعداء العملية السياسية والعاملين على إفشالها وإسقاطها، وكبح جماحهم، وهذا لا يتم من خلال سلبية الموقف والمماحكة وإستخدام لغة التسقيط، بل يتم عبرالنأي عنهما."
وأضاف الصديق: "لقد التقيت في بغداد - ولأكثر من لقاء- بعضوين في قيادة التيار الصدري و وجدت فيهما عقلاً تنويرياً منفتحاً، ونفساً وطنياً عالياً، وتفهماً للصراع الدائر على الساحة، والإثنان لهما تأثير على تطور مواقف مقتدى المتقدمة، وهما من أقنعاه على إنتقاء اللجنة المقترحة والمكلفة باختيار الوزراء التكنوقراط المستقلين، عندما شرع العبادي بتشكيل كابينة وزارته، وكان من أعضائها كل من الدكاترة: المرحوم فالح عبد الجبار، عامر فياض، وفارس نظمي، مما يدل على التطور والتحول الذي حصل على مفاهيم مقتدى. كذلك التعاون والتنسيق الذي كان قائماً بين "التيار المدني" والتيار الصدري في التظاهرات والإعتصامات التي حصلت لأكثر من سنتين، وتقارب الإنتماء الطبقي والمصالح المشتركة بين قاعدة هذين التيارين..علينا أن ننتظر التطورات القادمة حتى يَتضح صواب حكمنا عليه. تحياتي)) انتهى 

فعلى ماذا تشير هذه التحولات الحادة ليس في مواقف السيد مقتدى الصدر فحسب، بل وفي مواقف القوى السياسية العراقية الأخرى على ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة التي جرت يوم 12 مايس/أيار 2018؟ فوفق أرقام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في 19 آيار 2018، تفيد: ((... حصل تحالف سائرون 54 مقعداً وتحالف الفتح 47 مقعداً وإئتلاف النصر 42 مقعداً وإئتلاف دولة القانون 26 مقعداً والحزب الديمقراطي الكردستاني 25 مقعداً وإئتلاف الوطنية 21 مقعداً وتيار الحكمة الوطني 20 مقعداً، والاتحاد الوطني الكردستاني 18 مقعداً، وتحالف القرار العراقي 11 مقعداً.))(2)
وما يهمنا في هذه المداخلة هو قائمة "سائرون" التي برزت كأكبر قائمة انتخابية (54 مقعداً)، وليست الأغلبية المطلقة. وهذا يعني أنه ليس بإمكان أية قائمة تشكيل الحكومة لوحدها ما لم تتحالف مع قوائم أخرى لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، التي يجب أن يكون مجموع مقاعدها أكثر من 165 عضواً.
والمؤسف أن بعض المشاركين في هذه النقاشات لم يتردد في تحقير وتخوين وتسقيط الطرف الأخر، فمثلاً يتهم معارضو قائمة سائرون، مفوضية الانتخابات بأن تم شراءها من قبل أمريكا والسعودية وإسرائيل. وهناك ضجة واسعة حول احتمالات تزوير النتائج عن طريق التلاعب بالفرز الإلكتروني، لذلك أصدر البرلمان قراراً بإعادة الفرز اليدوي. والبعض يعتبر هذا القرار غير دستوري، ونحن بانتظار ما تتمخض به الأيام.

والسؤال هنا، لماذا يجب دعم التحالف الشيوعي- الإسلامي، أو أي تحالف وتقارب بين القوى السياسية الأخرى؟
لقد أفادت الأرقام التي أعلنتها المفوضية أن 320 حزباً سياسياً وائتلافاً وقائمةً انتخابية شاركت في انتخابات 2018. وهذا الرقم يعطينا فكرة عن مدى تشرذم وتفتت القوى السياسية. نعم نحن مع التعددية السياسية، ولكننا لسنا مع التفتيت والتشرذم، بل من واجبنا العمل على جمع هذه القوى في عدد مقبول للكيانات السياسية، فكلما كثرت هذه الأحزاب ضعفت الحكومة، واستشرى الفساد، وبالتالي انعدم الاستقرار السياسي.

لذلك أوجز أسباب تأييدي للتقارب الشيوعي –الصدري بما يلي:
أولاً، الوضع العراقي ليس مثالياً، ولا البشر مثاليين، ولا يمكن أن يكونوا كذلك، ولذلك يجب التعامل مع هكذا وضع سياسي معقد بمنتهى الحذر والموضوعية والمسؤولية الأخلاقية.
ثانياً، شئنا أم أبينا، وكما أثبتت الانتخابات الأخيرة، أن لرجال الدين، وخاصة مقتدى الصدر وعمار الحكيم، تأثير روحي كبير على قطاع واسع من الجماهير، بدليل فوز قائمة (سائرون) بأكبر عدد من المقاعد (54)، مقعدان فقط للشيوعيين، والبقية للتيار الصدري الديني. كذلك عمار الحكيم، الذي خرج من المجلس الإسلامي الأعلى، وشكل تياره (الحكمة)، فازبـ 20 مقعداً، بينما انتهى المجلس الإسلامي بلا شيء.
ثالثاً، السياسة فن الممكن، وخدمة الجماهير وخاصة الفقيرة، وأغلبها وضعت ثقتها بقائمة (سائرون). والديمقراطية تحتم علينا احترام رأي الناخبين ومعتقداتهم الدينية، ومواقفهم السياسية، بغض النظر فيما إذا اتفقت مع معتقداتنا الفكرية ومواقفنا السياسية أم لا.
رابعاً، لا أعتقد أن مقتدى الصدر سياسياً محنكاً، ولكنه رجل بسيط تنقصه الثقافة والخبرة، فعندما دعى إلى تشكيل حكومة (أبوية)، لا يعني ذلك بالمعنى الفلسفي المعروف في العلوم السياسية عن الحكومة الباترياركية في العصور الاقطاعية في أوربا، بل يقصد بحكومة ترعى مصالح الجماهير كما يرعى الأب الحنون الحريص على مصلحة عائلته. ولكنه في نفس الوقت يمتلك تأثير روحي كبير على الجماهير الشيعية الفقيرة، بسبب مكانة عائلته الدينية، و في نفس الوقت بدأ الرجل يتعلم من أخطائه، وحتى هناك تطور ثقافي في قيادات تياره.

خامساً، كذلك نعرف من التاريخ أن معظم الثورات والانتفاضات الجماهيرية في الماضي كانت تحصل بغطاء ديني. وهنا أود الاستشهاد بما ذكره الراحل حسين مروة، الزعيم الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني، في هذا الخصوص فيقول:
"يرشدنا المنهج العلمي الحقيقي إلى حقيقة مهمة في تاريخ تطور المجتمعات البشرية والحضارات، هي أن التراكمات الكمية ضمن مجرى هذا التاريخ يمكن ان تتخذ أشكالاً مختلفة في تحولها الكيفي. يمكن مثلاً، ان تتحول إلى كيفية سياسية، أو إجتماعية، أو فكرية نظرية، أو إلى نوع من العنف الثوري. لقد تابع إنغلز أشكال المعارضة الثورية لإقطاعية القرون الوسطى كلها، فوجد ان الظروف الزمنية، كانت تظهر هذه المعارضة حيناً في شكل تصوف، وحينا في شكل هرطقات سافرة، وحيناً شكل إنتفاضات مسلحة.(ماركس-إنغلز: المؤلفات، المجلد 8 ص 128-129). إن شكل التحول الكيفي في هذا المجتمع أو ذاك، وفي هذا الزمن أو ذاك، إنما تحدده طبيعة الظروف الملموسة في الواقع الملموس. وربما كانت الظروف هذه مؤهلة وناضجة أحياناً لحدوث تحولات كيفية مختلفة الأشكال في وقت واحد، أي قد تجتمع في ظروف معينة تحولات سياسية واجتماعية وفكرية معاً، قد ترفقها انتفاضات مسلحة، وقد يستغني بها التطور عن أشكال العنف الثوري."(حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية، ج1، ص 837.)
لذلك يجب أن لا نستغرب من تحالف الشوعيين مع الصدريين، فالغالبية العظمى من أتباع التيار الصدري هم أحفاد وأبناء اليساريين من شيوعيين ووطنيين قاسميين، ولكن الظروف القاسية في عهد حكم البعث الفاشي هي التي جعلت هؤلاء يلجؤون إلى الدين ويتخندقون في المذهب بعد أن يئِسوا من القوى المادية لخلاصهم من الظلم، وهم الذين قاموا بانتفاضة أيار 1991 بعد هزيمة صدام من الكويت.
لذلك يجب أن لا نستغرب من هذا التحالف، فأي تقارب بين الشيوعي والتيار الصدري الديني، وغيرهما يجب أن نرحب به ونشجعه، لأن الجماهير تعاني اليوم من فساد المسؤولين، وهذا التحالف يمثل قفزة نوعية في الوعي السياسي العراقي، ودليل على التطور الحاصل في ذهنية العراقيين في التعامل مع المختلف، و أن مشاكلنا المستجدة لا يمكن حلها بالوصفات الأيديولوجية الجاهزة التي وضعها مصلحون قبل قرون. فنحن نعيش في عصر السرعة بما فيها سرعة التحولات السياسية والاجتماعية، وما يتمخض عنها من مشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة، لذلك هناك إعادة اصطفاف القوى وفق القواسم المشتركة حتى ولو كانت على حساب الأيديولوجيا، وإدراك القيادات السياسية أن هذه المشاكل الجديدة تحتاج إلى وصفات جديدة والتخلي عن الأيديولوجيات التي اثبت الزمن فشلها في حل مشاكل العصر، سواءً كانت دينية أم شيوعية.

سادساً، يؤاخذ البعض على مقتدى الصدر سكوته عن أمريكا، وتركه لشعار (كلا كلا أمريكا). وأنا أعتبر هذا التحول إيجابي يجب الترحيب به. فالمعروف عني أني أعتبر معاداة العراق لأمريكا انتحار جماعي، لذلك أطالب دائماً بكسب أمريكا إلى جانب العراق لا حباً بها، بل لتوقى شرورها، والاستفادة من إمكانياتها العلمية والعسكرية والاقتصادية الهائلة. فهذه كوريا الشمالية الشيوعية، العدو اللدود لأمريكا الرأسمالية، راحت تقترب من أمريكا، وأبدت استعدادها للتخلي عن برنامجها النووي، مقابل الاستفادة من اقتصاد أمريكا. ومن يدري، عما قريب ستكون كوريا الشمالية مثل فيتنام والصين في علاقة تجارية قوية مع أمريكا وأوربا، والتخلي عن الاقتصاد الشيوعي الماركسي كما حصل في الصين وفيتنام. كذلك ممكن أن تتكرر تجربة الوحدة الألمانية في كوريا. فإذا كان كل هذه التحولات ممكنة في العالم، فلماذا يعتبرون أي تقارب بين القوى العراقية كفر وإلحاد، وخيانة للأيديولوجية والوطنية؟ فالحقيقة الساطعة تؤكد أن المرحلة تتطلب تغليب الواقعية على الأيديولوجية.
سادساً، انتقدني بعض الأخوة في مجموعات النقاش أني كنت أعارض مقتدى الصدر في الماضي، ورحت أؤيده اليوم، ويعتبرون هذا تقلباً وتذبذباً في المواقف!!. في الحقيقة هذا ليس تذبذباً كما يتصورون، بل هو دليل على فهم الواقع العراقي المعقد، والذي يحتاج إلى مرونة وصراحة في مواجهة الخطأ. فإذا أخطأ القائد السياسي ننتقده، وإن أصاب، فمن واجبنا دعمه وتشجيعه. وهذا من صلب واجبات المثقف والكاتب السياسي.
والجدير بالذكر، إن تغيير المواقف من شخصيات مختلفة ليس بالأمر الجديد، بل نجده في مختلف مراحل التاريخ، وهذا هو التاريخ الإسلامي يؤكد لنا أنه عندما انتصر النبي محمد(ص)، في فتح مكة، كافأ خصومه مثل أبو سفيان بقوله: (من دخل بيت أبي سفيان فقد آمن)، وهذا يعتبر أعلى وسام يمنحه الرسول إلى شخص معروف بتآمره وعدائه له. وكذلك موقف النبي من المؤلفة قلوبهم بمنحهم حصة من الغنائم. فلماذا كافأ النبي هؤلاء؟ السبب هو ليتوقى شرورهم، وتحويلهم من قوة مدمرة إلى قوة داعمة لرسالته.

خلاصة القول، شئنا أم أبينا، مقتدى الصدر يمتلك شعبية واسعة في أوساط الجماهير الشيعية في العراق، وفي السنوات الأولى من تحرير العراق استخدم مقتدى قوته للدمار وزعزعة الأمن، فإذا أمكن توظيف هذه القوة للبناء والإعمار والاستقرار بدلاً من الدمار فما الخطأ في ذلك؟ كما يجب حماية الديمقراطية من أعدائها، ونرحب بأي تقارب بين القوى الوطنية. فالعراق اليوم بأمس الحاجة إلى الأمن والاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي. والواجب الوطني يحتم علينا تغليب الواقعية ومصلحة الشعب على الأيديولجيات التي عفى عليها الزمن. فالمبادئ والأيديولوجيات جاءت لخدمة الإنسان وليس العكس.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة:
1- عبدالخالق حسين: المقاطعون انتصروا على أنفسهم!!
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=599976

2- أرقام مهمة في انتخابات برلمان 2018
http://www.akhbaar.org/home/2018/6/244860.html

3- مقال عن مقتدى الصدر في مجلة شؤون العالم
The Populist Revolt Reaches Iraq
by Michael J. Totten,   World Affairs Journal
https://www.meforum.org/articles/2018/the-populist-revolt-reaches-iraq

20
حول قرار البرلمان لمعالجة تهمة تزوير الانتخابات

د.عبدالخالق حسين

في العراق كل شيء صعب، وبالأخص العملية الديمقراطية التي وُلِدت بالعملية الجراحية القيصرية، وشرطها الأساس الانتخابات. فالمرشح العراقي الخاسر لم يتعود بعد ليواجه خسارته بروح رياضية ويقدم التهنئة لمنافسه الفائز، بل مازال ينظر إلى الخسارة كإهانة لشخصه ومكانته، لذلك يريد تبرير خسارته بتوجيه تهمة التزوير إلى المسؤولين عن سير الانتخابات. ولكن من الجانب الآخر، وفي الظروف العراقية الملتبسة ، من حق الخاسر أن يوجه مثل هذه التهمة، خاصة و أن العراق غارق بالفساد من القمة إلى القاعدة، وأن الإنسان ضعيف أمام الاغراءات المالية.

و ما جعل الناس يشكّون في النتائج هو البون الشاسع بين نتائج الانتخابات المعلنة من قبل المفوضية، ونتائج عمليات استطلاع الرأي التي سبقتها، والتي معظمها أكدت على أن قائمة النصر بقيادة رئيس الوزراء حيدر العبادي، ستحقق نصراً ساحقاً، وذلك لما حققه رئيس الوزراء من إنجازات كبيرة وعلى رأسها تحرير المناطق الشمالية الغربية من الاحتلال الداعشي، وكذلك إعادة المناطق المتنازع عليها إلى سيطرة الحكومة المركزية الاتحادية وبدون سفك دماء، وغيرها من الانجازات في صالح العراق.

لذلك كثرت الشكاوى والاتهامات والشكوك ضد مفوضية الانتخابات المستقلة، خاصة وإنها لأول مرة تستخدم فرز التصويت إلكترونياً، وهي الطريقة التي يمكن بواسطتها تغيير النتائج بالتلاعب بالبرمجة وبسهولة. لذلك تصاعدت الأصوات ضد النتائج، وبالطبع من قبل الخاسرين، فمنهم من طالب بإلغاء النتائج كلياً، وإعادة الانتخابات، ومنهم من طالب بإجراء الفرز اليدوي ومقارنتها بنتائج الفرز الإلكتروني. وإذا كان الفارق كبيراً عندئذ يجب محاسبة المسؤولين عن التزوير.

وأمام هذه الاتهامات، استجاب البرلمان العراقي بعقد جلسة استثنائية يوم الاثنين 28/5/2018، برئاسة رئيسه سليم الجبوري، وحضور 165 نائبا، للنظر في هذه الاتهامات، وصوت على عدة قرارات منها: إلغاء الانتخابات البرلمانية في الخارج، والتصويت المشروط في مخيمات النازحين في الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى لما توفرت عليه الأدلة من تزوير إرادة الناخبين باستثناء اصوات الاقليات المشمولة بالكوتا. كما وأكد بيان البرلمان أن "القرار اشتمل على إعادة عملية العد والفرز اليدوي بما يقل عن 10 في المائة‎ من صناديق الاقتراع في المراكز الانتخابية، وفي حال ثبوت تباين بنسبة 25 في المائة مما تم فرزه، وعده يدوياً يتم اعادة العد والفرز يدوياً لجميع المحافظات وتزويد الكيانات السياسية فوراً بنسخة الكترونية وصور ضوئية لأوراق الاقتراع ونتائج الانتخابات".(*)

أعتقد هذا أفضل قرار اتخذه البرلمان العراقي في تاريخه، ويجب تأييده، ودعمه، والأخذ به وتطبيقه كلياً من أجل إنقاذ العملية الديمقراطية من أولئك المتربصين لوأدها. وإذا تأكد التزوير، يجب محاسبة المسؤولين عنه بأشد العقوبات القانونية.

اقتراحات
وبهذه المناسبة، ومن أجل أعادة ثقة الناخب بالانتخابات و نتائجها، والعملية الديمقراطية، أقترح ما يلي:
أولاً، اختيار اعضاء مفوضية الانتخابات المستقلة من شخصيات مستقلة فعلاً، وبدون ترشيحها أو تزكيتها من قبل الكيانات السياسية، و يجب على المرشحين للمفوضية تقديم أدلة ثبوتية تؤكد استقلاليتهم، ونزاهتهم، وكفاءتهم و وطنيتهم، ونظافة تاريخهم، وإيمانهم العميق بالنظام الديمقراطي، وتقديم شهادات تزكية لهم من قبل شخصيات يوثق بها، وإدخالهم دورات تثقيفية لتعميق شعورهم بالمسؤولية الأخلاقية، وحرصهم على المصلحة الوطنية. وفي حالة اخلال أي عضو بواجباته ونزاهته فيما بعد، يجب فضحه ومعاقبته، واعتبار جريمته مخلة بالشرف.

ثانياً، عدم إلغاء الفرز الأكتروني، ففي عصر التقنية الإلكترونية لا يمكن الاستغناء عن هذا الإنجاز العلمي الرائع، فالخطأ ليس بالتقنية بل بإساءة الاستخدام من قبل أشخاص مسيئين. والحل لمنع إساءة الاستخدام هو بعد كل انتخاب، يجب فرز الأصوات وعدها إلكترونياً ويدوياً، وبذلك يمكن معرفة سلامة الفرز الإلكتروني والتأكد من صحته بمقارنته مع الفرز اليديوي. ويجب الاستمرار على الفرز الثنائي (اليدوي والإلكتروني) لعدة دورات انتخابية قادمة إلى أن تعاد الثقة بالعد الإلكتروني، وكذلك تترسخ ثقافة الديمقراطية في المجتمع العراقي.
ثالثاً، وكما اقترحنا قبل أعوام، إلغاء الانتخابات في الخارج كلياً، إذ لا فائدة ترجى منها، إذ لا تغيِّر النتيجة النهائية، وإنما تكلف ميزانية الدولة مئات الملاين من الدولارات التي من الأفضل توفيرها لإعمار العراق. وها هو البرلمان ألغى نتائج انتخابات الخارج لهذا العام، وأعتقد أنه إجراء صحيح كبقية الإجراءات الأخرى اتي أشرنا إليها في أعلاه ونطالب بتنفيذها.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
بقية مقالات الكاتب: http://www.akhbaar.org/home/2011/03/106890.html
 ـــــــــــــــــــــــــــــ
* البرلمان العراقي يعقد جلسة استثنائية ويصوت على قرارات بشأن الانتخابات
https://arabic.cnn.com/middle-east/2018/05/28/iraqi-parliament-votes-decisions-elections
 


21
المقاطعون انتصروا على أنفسهم!!
د.عبدالخالق حسين

منذ اليوم الأول من سقوط نظام البعث الفاشي وأصنام صدام، دعى البعثيون وأنصارهم في الداخل والخارج، إلى محاربة العراق الجديد بكل ما في حوزتهم من إرهاب، وإعلام مضلل لمنع الجماهير من المشاركة في العملية السياسية، وبالتالي لإجهاض الديمقراطية الوليدة. وكانت نشاطاتهم تتصاعد خاصة في أيام الانتخابات التي هي الآلية الشرعية الحضارية السلمية الوحيدة لدى الشعب لاختيار حكوماته المحلية والمركزية.

لا نستغرب إذا طالب البعثيون وحلفاؤهم، وأشباههم بمقاطعة الانتخابات والتهديد بقتل الناخبين، لأنهم فقدوا فردوسهم، ومصالحهم، وامتيازاتهم التي أدمنوا عليها، ولكننا نستغرب من أولئك الذين يدَّعون الوطنية، وعانوا كثيراً من الدكتاتورية البعثية، أن يشاركوا أعداءهم في حملة المقاطعة. فالتفسير الوحيد لهذه الظاهرة المرَضية هو أنهم ضحية التضليل، فاستخدموا كل ما في إمكانياتهم الكتابية للمشاركة مع أعدائهم لتضليل الجماهير ودعوتها إلى مقاطعة الانتخابات، متعكزين على الفساد. شاء هؤلاء أم أبوا، فهم وقفوا مع أعداء العراق الجديد من البعثيين والدواعش في خندق واحد، ويسيرون معهم نحو الهاوية وهم نيام.

إذا كان عذركم الفساد، فالفساد أيها السادة لا يمكن محاربته بمقاطعة الانتخابات، بل بالمشاركة الفعالة والمكثفة فيها لاختيار المرشحين النزيهين الشرفاء والتخلص من الفاسدين. أما التحجج بان نفس الوجوه والشخصيات والكيانات السياسية السابقة ستفوز، فهذه الحجة باطلة، لأنه حتى ولو جاءت نفس الوجوه والكيانات، فهذه هي الديمقراطية التي تحتم علينا احترام نتائجها حتى ولو كانت ضد اختياراتنا. لذلك فإن رفضكم لنتائج الاقتراع دليل على رفضكم للديمقراطية، وعدم احترامكم للجماهير التي تدعون أنكم تتحدثون باسمها وهي منكم براء. (راجع مقالنا: لماذا يجب أن نقبل نتائج الانتخابات وإن بدت مخيبة لآمالنا-1).

لقد أفادت الأرقام التي أعلنتها مفوضية الانتخابات عن انتخابات 2018، أن تنافس فيها 320 حزباً سياسياً وائتلافاً وقائمةً انتخابية، موزعة على النحو التالي: 88 قائمة انتخابية و205 كيانات سياسية و27 تحالفاً انتخابياً، وذلك من خلال 7 آلاف و367 مرشحاً، وهذا العدد أقل من عدد مرشحي انتخابات العام 2014 الذين تجاوز عددهم 9 آلاف.... وأفادت المفوضية أيضاً، أن "عدد الذين يحق لهم التصويت بلغ 24 مليوناً و353 ناخباً"، و"المجموع الكلي للناخبين الذين صوتوا بلغ 10 ملايين و840 الفاً و989 ناخباً"، وبذلك تشكل نسبة المشاركين في الاقتراع الكلي 44.52 من عدد الناخبين".(2)

والسؤال هنا، أليس من بين 7367 مرشحاً أي نزيه وشريف يستحق أصواتنا؟
فإذا قلتم كلا، فهذه إهانة للشعب العراقي واتهامه بأنه لا ينجب إلا الفاسدين والإرهابيين، وبالتالي فالشعب كله فاسد.. وهذا تجاوز على الشعب و لا يقبله العقل السليم. فالدراسات الأكاديمية لاستطلاعات رأي الشعوب في الدول الديمقراطية العريقة المتحضرة، تأخذ عيِّنات من المجتمع نادراً ما تتجاوز الألف، وعلى ضوء هذه العينة يعرفون رأي الشعب وموقفه من قضية ما، وأي حزب سيفوز في الانتخابات، ويضعون احتمالات الخطأ في حدود (5%)، وهذا مقبول. وتفسيرهم لذلك أنك يمكن أن تعرف طعم برميل من الماء بتذوق قطرة منه، ولا تحتاج أن تشرب كل البرميل!!
فإذا كانت معاهد استطلاع الرأي في العالم، وهي تعتمد على أكاديميين بارزين في معرفة رأي الشعوب على عينة بحدود الألف شخص، فلماذا نرفض رأي (10 ملايين و840 الفاً و989 ناخباً من الشعب العراقي)؟
وما هو دليلكم على أن موقف المقاطعين كان يختلف عن موقف المشاركين؟ وهل المقاطعون جميعهم من حزب واحد وقائمة واحدة أو مكوَّن واحد؟ كلا وألف كلا، فكما اختلف المشاركون في مواقفهم من المرشحين، كذلك المقاطعون. وعليه فأنتم على خطأ كبير وقدمتم خدمة بالمجان لأعدائكم.

والأدهى والأنكى من ذلك، أن راح أنصار مقاطعة الانتخابات يتباهون بهبوط نسبة المشاركين في التصويت (45%)، ويشمتون، وفرحوا فرح الأطفال السذج، وادعوا الانتصار، ولكنه في الحقيقة هو انتصار على أنفسهم. وهذا يذكرني بطريفة ذات مغزى ذكرها عميد الأدب العربي طه حسين، في سيرته الذاتية (الأيام)، مفادها أنه عندما كان طالباً في جامعة القاهرة، قام الطلبة مرة بالإضراب عن الدوام لسبب ما. ولما جاء أستاذ اللغة اللاتينية، وهو إيطالي، ليلقي المحاضرة، فوجد الطلبة خارج القاعة، وطلب منهم الدخول ليلقي الدرس، فرفض الطلبة وأخبروه أنهم مضربون. وهنا قال لهم الأستاذ: ولكن أنتم الذين ستخسرون، فقالوا ليكن!! وهنا ضحك الأستاذ وقال: أنتم تتصرفون مثل ذلك الإيطالي الذي تشاجر مع زوجته وأراد أن يعاقبها، فأخصى نفسه!!! ويعلق طه حسين أنه منذ تلك الساعة كره الإضرابات ولم يشارك فيها.

أيها المقاطعون أنت انتصرتم، ولكن على أنفسكم باخصائكم لأنفسكم، وذلك بالتخلي عن حقكم في التصويت الذي وفره لكم النظام الديمقراطي. أما الانتخابات فقد سارت على قدم وساق، وبنجاح وسلام رغم مقاطعتكم لها، فالشرعية الدستورية للانتخابات مضمون حتى ولو شارك فيه أقل من 10% من الذين يحق لهم التصويت. إذ كما علقّ أحد الأصدقاء: (... ماذا يريد الذين يتحدثون بالنسبة المتدنية؟ إلغاء الانتخابات؟ طيب، ألغيت، ثم أعيدت، وشارك عدد أقل، فماذا نصنع؟ الانتخابات جرت وهي شرعية و نصر للديمقراطية، ويجب سد الطريق أمام أعداء العراق- بعد- 2003 وفي مقدمتهم البعث والسعودية، فهؤلاء كانوا ما بين انتخابات فاز فيها بطل التحرير القومي بنسبة 100% تماماً ولا صوت واحد ضده، وبين بلد ربما لا يعرف الكثيرون فيه معنى مصطلح انتخابات.)

إن الدعوة لإلغاء الانتخابات يعني منح الحجة لأعداء الديمقراطية بعدم شرعية الحكومة، والعمل على إغراق البلاد في فوضى عارمة، وإعطائهم الذريعة للعودة إلى عهد الانقلابات العسكرية، والبيان الأول، ونشيد (ألله أكبر فوق كيد المعتدي)، وإعادة الدكتاتورية البعثية بنسختها الوهابية الداعشية المتوحشة.
فبعد كل الكوارث التي جلبها الاستبداد البعثي وغير البعثي لن يسمح لكم الشعب بذلك. 
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
الموقع الشخصي للكاتب على الحوار المتمدن:
http://www.ahewar.org/m.asp?i=26
ـــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: لماذا يجب أن نقبل نتائج الانتخابات وإن بدت مخيبة لآمالنا؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=599180

2- بالأرقام .. المفوضية تعلن نسب المشاركين بالانتخابات
http://www.akhbaar.org/home/2018/5/244066.html


22
في وداع المناضل عادل مراد
د.عبدالخالق حسين

رحل عنا إلى عالم الخلود صباح يوم الجمعة،18 أيار 2018، في إحدى المستشفيات الألمانية في مدينة كولن، المناضل العراقي الكردي الفيلي، الصديق العزيز عادل مراد بعد صراع طويل مع مرض عضال، عن عمر ناهز 68 عاماً، فهو من مواليد 11 ديسمبر 1949. والفقيد بدأ النضال مبكراً منذ كان طالباً في مرحلة الثانوية في بغداد، وعانى كثيراً من الاضطهاد من قبل السلطات الفاشية البعثية، وهو أحد مؤسسي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مع رفيقه الفقيد الرئيس السابق لجمهورية العراق مام جلال طالباني.

وكنتُ قد تشرفت وأُسعدتُ بصداقته من خلال متابعتي لكتاباته المنشورة على مواقع الإنترنت، ولقائي به مرتين. الأولى، عندما شاركته مع آخرين، في ندوة سياسية في لندن لمناقشة نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية عام 2010، والثانية في بيت صديقنا المشترك الدكتور نجم الدين غلام في لندن أيضاً، في 10 حزيران 2014، أي في نفس يوم سقوط مدينة الموصل تحت هيمنة داعش، وكان الراحل على اتصال عبر هاتفه النقال مع رفاقه البيشمركة يتابع ما يجري هناك أولاً بأول.

ومن خلال لقاءاتي به عن قرب وعن بعد، عرفته ذلك الإنسان المناضل الكبير الذي ينظر بعيداً فوق أي تعصب قومي أو طائفي، إذ كان يناضل في جبهتين قد تبدوان متصارعتين، ولتحقيق هدفين قد يبدوان متناقضين لدى أصحاب العقول الصغيرة، الذين تقوقعوا في شرنقة القومية المتطرفة في الجانبين العربي والكردي. فهو من جهة كان حريصاً على الوحدة العراقية، إذ كان يرى أن العراق أقوى بكردستان. وفي نفس الوقت كان يناضل لتحقيق الحقوق القومية المشروعة لشعبه الكردستاني، ولكن ضمن الفيدرالية العراقية الديمقراطية لأن كردستان أقوى لو بقي مع العراق. وهذا الموقف يختلف عن موقف المتطرفين من الجانبين، العربي، والكردي بجناحه البرازاني. فهذان الطرفان لا يريان تحقيق الأهداف إلا من خلال تدمير الآخر. فالقومي العروبي بنموذجه البعثي الصدامي رأى أن لا حل للعراق إلا بإبادة الشعب الكردستاني، لذلك استخدم كل وسائل الإبادة من أنفال وضرب حلبجة بالغازات السامة، وحرب طويلة المدى على الكردستان. والأخر بقيادة مسعود بارزاني يرى أن الحل الوحيد لتحقيق حقوق الشعب الكردي هو الانفصال، والتحالف مع أعداء العراق لتدمير الدولة العراقية. وهو الذي عُرف بترديده عبارة (لم يبق شيء اسمه العراق)!!

بينما موقف الراحل عادل مراد كان على النقيض من المتطرفين، إذ رأى أنه من الممكن تحقيق الحقوق القومية للشعب الكردي ضمن الفيدرالية العراقية الديمقراطية. طبعاً هذا الموقف الوطني، والقومي الإنساني المعتدل، لم يرض الطرفين، لذلك عانى منهما الكثير. فبعد سقوط البعث الفاشي حاول التقريب في وجهات النظر بين بغداد وأربيل، وقال أن بغداد أقرب إلينا من أنقرة وطهران، إضافة إلى نقائه الثوري في محاربة الفساد الذي استشرى في كردستان أيضاً، وموقفه المدافع عن الشعب الكردي في تركيا وسوريا، مما أثار غضب إردوغان، الأمر الذي جعله في صراع حتى مع رفاقه، لذلك جرت محاولات من داخل حزبه الاتحاد الوطني الكردستاني لعزله، وإبعاده عن مركز صنع القرار، وتجريده من مسؤولياته كأمين عام للجنة المركزية للحزب. ولكن شعبية الراحل عادل كانت واسعة لدى قواعد الحزب، والمثقفين الكردستانيين، فنشروا العديد من مقالات دفاعاً عنه.

لا شك إن رحيل الشخصية الوطنية، المناضل عادل مراد خسارة كبيرة لنا جميعاً، يترك فراغاً يصعب ملأه في الجبهتين الوطنية العراقية، والقومية الكردية. وبهذه المناسبة الأليمة نقدم عزاءنا الحار لأسرته الكريمة، وأصدقائه ورفاقه في الحزب الوطني الكردستاني، ولفقيدنا الذكر الطيب.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com

23
لماذا يجب أن نقبل نتائج الانتخابات وإن بدت مخيبة لآمالنا؟

د. عبدالخالق حسين


تحذير
هذا المقال للذين يؤمنون بالديمقراطية ولكنهم أصيبوا بالإحباط لأن نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة التي جرت يوم 12/5/2018، جاءت مخيبة لآمالهم. أما الذين يعتبرون الديمقراطية كفر وإلحاد، أو يريدونها فقط إذا جاءت النتائج في صالحهم، وإلا فهي كذبة، فهذا المقال ليس لهم، وأرجوهم أن لا يضيِّعوا وقتهم بقراءته، لأني أعتقد جازماً وبكل تأكيد، أن كل الكوارث التي لحقت بالعراق كانت بسبب الأنظمة الدكتاتورية الفاشية، لذلك ليس هناك أي خلاص للعراق من أزماته إلا بالنظام الديمقراطي، ومهما كانت البدايات صعبة.

حقائق عن الديمقراطية
أولاً، لا ديمقراطية بدون انتخابات: كثيراً ما يردد البعض أن الديمقراطية ليست الانتخابات فقط، وهذا صحيح، ولكن يجب أن يعرف هؤلاء السادة أنه لا ديمقراطية بدون انتخابات أيضاً. فالانتخابات البرلمانية وغير البرلمانية، شرط رئيسي من شروط الديمقراطية، لأن الديمقراطية تعني حكم الأكثرية السياسية التي لا يمكن فرزها إلا بالانتخابات الحرة والعادلة، وبدون إهمال حق الأقلية المعارضة في مراقبة نشاطات الحكومة، ونقدها، وحقها في التعبير عن أفكارها بحرية لإقناع الناخبين بجدوى برامجها لخدمة الشعب، وأنها تلتزم بالوسائل السلمية لتبادل السلطة، وممارسة كافة الحقوق الديمقراطية الأخرى التي أقرها الدستور.

ثانياً، وكما قال ونستون تشرتشل: "أن الحكومة الديمقراطية هي ليست الحكومة المثالية، ولكن لحد الآن لا توجد حكومة أفضل منها".
الحقيقة الثالثة: في الأنظمة الديمقراطية هناك مبدأ (One member one vote)، أي صوت واحد لكل مواطن سوي بالغ سن الرشد (18 سنة)، بغض النظر عن مؤهلاته ومستواه الثقافي، فصوت أكبر عالم وفيلسوف ومفكر، يساوي صوت الجاهل الأمي. ومبررات هذا المبدأ الذي وضعه فلاسفة التنوير أن يكون أعضاء البرلمان يمثلون معدل العقل الجمعي للشعب. وهذا يحتاج إلى شرح!

لماذا يجب أن يكون البرلمانيون يمثلون معدل العقل الجمعي للشعب؟
قال أفلاطون أنه لا يمكن أن يعيش المجتمع بسعادة في مدينته الفاضلة، ما لم يصير الملوك (الحكام) فلاسفة، أو الفلاسفة حكاماً. ورغم مرور نحو ألفين و أربعمائة سنة على هذا المشروع الإفلاطوني، إلا أنه لا الحكام صاروا فلاسفة، ولا الفلاسفة صاروا حكاماً. فكما علّق علي الوردي على المقولة الأفلاطونية، أنه من حسن حظ الشعوب أن لم يحكمها فلاسفة، لأن الفلاسفة يذهبون بعيداً ويحمِّلون شعوبهم فوق طاقتها. وهناك تجربة وحيدة تحققت في هذا المجال عندما تسلم لينين (وهو فيلسوف بلا منازع)، ومن بعده ستالين (أدعى الفلسفة)، استلم السلطة أضطر إلى اضطهاد الشعب وقتل الملايين لفرض حكمه بالنار والحديد، وانهارت التجربة بعد سبعين سنة من دكتاتورية "حكم الفلاسفة".

يمكن تشبيه البرلمان بهيئة التحكيم (Jury) في المحاكم الجنائية في الغرب. ففي حالة محاكمة متهم بجريمة، تشكل المحكمة هيئة تحكيم مؤلفة من 12 عضواً، يتم اختيارهم من عامة الشعب بالقرعة (Lottery) عن طريق الكومبيوتر. ومن شروط العضوية أن لا يكون العضو خريج كلية القانون، أو مارس المحاماة، وليس له تاريخ عمل في القضاء أي كان، وأن لا يكون طبيباً...الخ. ويجلس أعضاء هيئة التحكيم في المحكمة إثناء المرافعة، يستمعون إلى حيثيات القضية التي يقدمها الخبراء في القانون وهم الادعاء العام، ومحامو الدفاع بإشراف القاضي. وفي النهاية تجتمع هيئة التحكيم في مكان ما، وتناقش القضية على ضوء ما جرى أمامهم من مناقشات إثناء المرافعة، ويتم التصويت فيما إذا كان المتهم مجرم أم بريء. ثم يحضرون أمام القاضي الذي يسألهم: هل المتهم مذنب أم بريء؟ فإن قالوا بريء يخرج المتهم حراً طليقاً، وإن قالوا أنه مذنب، فالقاضي هو الذي يقرر العقوبة. وينتهي دور هيئة التحكيم.
والسؤال هنا، لماذا أقرَّ المشرعون أن لا يكون أعضاء هيئة التحكيم خبراء في القانون أو الطب؟ الجواب هو لأن الخبراء يستطيعون التلاعب بالكلام والعقول، وجعل البريء مذنباً، وبالعكس، وبالتالي تخسر العدالة. لذلك أراد المشرعون أن يحققوا العدالة من خلال فهم عامة الشعب لها، فجاءوا بعينة من المواطنين العاديين يمثلون عامة الشعب لتتحقق العدالة من خلالهم.
وبالمثل، فمن تختاره غالبية الشعب في الانتخابات العامة هو المقبول حتى وإن بدى للبعض غير عادل، علماً بأن رضاء الناس غاية لا تُكسب.

وأعيد ما قلته في مناسبات سابقة، أن الانتخابات وما يرافقها من حملات انتخابية من قبل المتنافسين، عبارة عن دورات دراسية عملية للشعب لتعلم قواعد اللعبة الديمقراطية. والنظام الديمقراطي لا يخلو من أخطاء، ولكنه في نفس الوقت يمتلك آلية تصحيح أخطائه، فإذا اخطأ الشعب في اختيار نوابه فسيدفع الثمن، ويتعلم من أخطائه ويرفضهم في الانتخابات اللاحقة، فالإنسان ليس معصوماً من الخطأ، والناس يتعلمون من أخطائهم.
والشعب العراقي معروف عنه عبر التاريخ أنه يصعب حكمه، واشتهر بثوراته وانتفاضاته المتواصلة ضد الحكام، ويُعتقد أنه يتميّز عن غيره من الشعوب في ممارسته للعنف بإفراط، وأنه متطرف في كل شيء، في الحب والكراهية، في القسوة والرأفة، والمبالغة في الكرم، والثأر والانتقام، وسريع الغضب ..الخ، ويضربون أمثلة كثيرة على ذلك في التاريخ، ويذكرون أقولاً مأثورة عنه لرجال الفكر والسياسة لا مجال لذكرها في هذه العجالة.

لقد فوجئ كثيرون بنتائج الانتخابات، إذ كان معظم المراقبين والمحللين السياسيين يتوقعون فوزاً ساحقاً ًلقائمة النصر، التي يتزعمها رئيس الوزراء، الدكتور حيدر العبادي، لأنه حل الكثير من المشاكل الكبيرة التي ورثها من سلفه السيد نوري المالكي، وعلى رأسها تحرير المناطق من الاحتلال الداعشي المتوحش، واسترجاع مدينة كركوك، وجميع المناطق المتنازع عليها، والمداخل الحدودية، والمطارات التي كانت تحت سيطرة الإقليم، إلى سيطرة الحكومة الفيدرالية وبدون سفك دماء. كذلك حقق تقارباً مع السعودية والدول الخليجية الأخرى، مع بقاء علاقة ودية مع إيران، إضافة إلى كسبه الدعم الأمريكي و دعم الوحدة الأوربية وغيرها من دول العالم في حربه على الأرهاب.. وغيرها كثير من الإنجازات. ولكن مع ذلك جاءت قائمته ما بين المرتبة الثالثة والخامسة في محافظات الوسط والجنوب ذات الغالبية الشيعية، بينما فازت كتلة (سائرون) التي تضم التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي وقوى مدنية أخرى، بالمرتبة الأولى أو الثانية في أغلب هذه المحافظات.

إن أهم سبب لمجيء قائمة العبادي (النصر) ما بين المرتبة الثالثة والخامسة هو إصرار السيد نوري المالكي رئيس كتلة (دولة القانون)، على خوض كل منهما الانتخابات بقائمة مستقلة، ولكن الجانب الإيجابي أنهما (العبادي والمالكي)، اتفقا مسبقاً على تكوين كتلة برلمانية واحدة بعد الانتخابات لدعم العبادي. وفي هذه الحالة تكون كتلة العبادي هي الكتلة البرلمانية الأكبر. وهناك مداولات بين الكتل لدعم العبادي في ولاية ثانية.

وللأسباب آنفة الذكر، أعتقد أنه يجب أن نقبل بالنتائج، فهي حكم غالبية الناخبين، وهذه هي الديمقراطية. والجدير بالذكر أن تحالف (سائرون) خطوة نوعية جيدة نحو الأفضل لإنضاج العملية السياسية، فهو تحالف بين التيار الصدري الإسلامي، والشيوعي العلماني المعروف عنه أنه ضد أسلمة السياسة والمجتمع. لذلك ينبغي أن نرحب بهذا التقارب ونعتبره خطوة في الاتجاه الصحيح، ودليل على انتصار العقلانية و تفشي روح التسامح والتقارب بين القوى المختلفة أيديولوجياً في سبيل القضاء على الفساد، وحل المشاكل التي يعاني منها الشعب، وخاصة الطبقات الفقيرة.

كذلك أرى من الممكن والمفيد أن يستمر السيد حيدر العبادي برئاسة الحكومة لولاية ثانية، فهو الوجه المقبول من قبل الغالبية في الداخل والخارج. ولعل من أخطر ما يواجهه العراق هو محاولة الدول الاقليمية جره إلى أحد المحاور المتصارعة، ولحد الآن نجح الدكتور العبادي في عدم الانجرار ودون أن يخسر أي طرف.

كذلك أعتقد من المستبعد أن يطالب السيد مقتدى الصدر، أن يكون رئيس الحكومة من قائمته (سائرون)، لأن كسبه لهذه الشعبية جاء من خلال رفعه ورقة محاربة الفساد والتظاهرات التي قادها منذ عام 2015 ضد الفساد. لذلك وهو يعرف أنه ليس بالإمكان القضاء على الفساد بين عشية وضحاها و بعصا سحرية، وأنه سيخسر شعبيته ودوره الشعبوي فيما لو ترأس الحكومة شخص من كتلته.

ومن إيجابيات هذه الانتخابات هو التقارب المذهبي وخاصة في محافظة نينوى إذ تشير النتائج أن الموصل السنية المغلقة انتخبت قائمة النصر(1)

خلاصة القول، مهما كانت نتائج الانتخابات، يجب علينا قبولها، وأن نرحب بالتحالفات الجديدة التي أغلبها عابرة للطائفية والأثنية والأيديولوجية، وهذا دليل نضج، وخطوة مهمة نحو الأمام في إنضاج الديمقراطية، وإنجاح العملية السياسية. فالديمقراطية هي الحل.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
الموقع الشخصي للكاتب على الحوار المتمدنhttp://www.ahewar.org/m.asp?i=26   
ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- الموصل قالت شكراً كبيرة للعراقيين بحجم العراق
http://www.akhbaar.org/home/2018/5/244153.html

2- معلومات مفيدة عن الانتخابات العراقية 2018
http://www.bbc.com/arabic/43781944

3- مشروع إعادة إنتاج البعث، هذه آلياته وهؤلاء القائمون على تنفيذه
http://www.akhbaar.org/home/2018/5/244033.html


24
نجاح الانتخابات انتصار للعراق الديمقراطي

د.عبدالخالق حسين

رغم كل حملات التخويف والتهديد بتفجير مراكز الاقتراع، التي أصدرتها خلايا البعثيين الدواعش النائمة، و النداءات والمقالات الهستيرية من أعداء الديمقراطية، والعراق الجديد، لإقناع الناخبين بعدم المشاركة في التصويت، إلا إن الانتخابات البرلمانية الرابعة التي جرت يوم السبت 12/5/2018، قد جرت في جميع أنحاء العراق وخارجه بهدوء وسلام ونجاح، ذلك بفضل القوى الأمنية، ونضج وعي المواطنين، واحترامهم للقوانين والإجراءات المطلوبة. ولعل الشيء الوحيد الذي يؤسف له أن نسبة المشاركة في التصويت 44.5% كانت أقل مما في عام 2014 التي بلغت نحو 60%. ولكن وفق الأعراف والمعايير الديمقراطية في العالم، فهذا الهبوط في نسبة المشاركين في الانتخابات لا يقلل من شرعية نتائجها. فالناخبون لهم الحق في المشاركة أو عدمها. والمعروف أن نسبة المشاركة في دولة ديمقراطية عريقة مثل سويسرا نادراً ما تتجاوز 30%. ولكن في حالة المقاطعة يكون المقاطعون هم جردوا أنفسهم بإرادتهم من حقهم في تغيير السلطة كما يشاؤون.

وهناك أسباب عديدة لانخفاض نسبة المشاركة، وعلى رأسها، وكما أشرنا أعلاه، الحملة الهستيرية من أعداء الديمقراطية، محاولين بشتى الوسائل إقناع الناخبين بمقاطعة الانتخابات، إضافة إلى تهديدات خلايا الدواعش النائمة، بالانتقام من المشاركين، وكذلك إلى تعقيدات الوضع العراقي ما بعد سقوط حكم البعث، والتركة الثقيلة من المشاكل التي ورثها العهد الجديد من الحكم الساقط الجائر، ومعاناة المواطنين من الفساد، ونقص الخدمات، وارتفاع نسبة البطالة، والفقر والأزمات الاقتصادية...الخ.

والجدير بالذكر أنه جرت حملة منسقة وبمنتهى الخبث والدهاء والمهنية في الشر، لتضخيم سلبيات العهد الجديد واختلاق الأكاذيب والافتراءات، ونشر روح اليأس والتشاؤم بين المواطنين، والإيحاء لهم أن العهد البعثي هو أفضل عهد عرفه الشعب العراقي. إذ كما جاء في تقرير نشرته (المسلة) بعنوان: (مشروع إعادة إنتاج البعث...)، جاء في مقدمته: (بعد أن رصدت " المسلّه " تدوينات و أفكار متفرقة في وسائل التواصل الإجتماعي، حول خطة عمليه بإدارة متخصصين وممولة بشكل جيد، لإعادة تأهيل البعث و تشويه العمليه السياسية بعد 2003 ، تأكدت " المسلّه" عبر مصادرها الخاصة من صحة المعلومات عن مشروع إعادة إنتاج حقبة صدام من جديد، والعمل على مسح جرائمه من الذاكرة العراقية، مقابل تضخيم حالات الإخفاق والفشل بعد 2003، والتعتيم على إنجازات الديمقراطية والحرية، وإرتفاع المستوى المعيشي، والقضاء على داعش، والإيحاء إلى المواطن العراقي بأن مستقبله "ميئوسٌ" منه وإن لا جدوى من كلِّ ذلك إلّا بإعادة إنتاج البعث.)(1)

ولذلك يجب أن لا نستغرب من انخفاض نسبة المشاركة في التصويت لهذه الدورة. ولكن يجب أن يعرف المواطن الواعي بواجباته وحقوقه، أن هذه المشاكل المتفاقمة لا يمكن حلها بمقاطعة الانتخابات، لإن المقاطعة تصب في مصلحة أعداء الديمقراطية. فالانتخابات هي الثورة السلمية الحضارية الراقية التي تمارس فيها الجماهير حقها عن طريق صناديق الاقتراع فتستخدم قصاصة ورقة لتغيير الحكومة إلى أخرى تلبي لهم طموحاتهم وتحقق آمالهم، بدلاً من الرصاص والدبابة، وبدون سفك قطرة من الدماء.

لذلك نهنئ شعبنا العراقي البطل، وخاصة أولئك الذين تحدوا تهديدات الدواعش، ولم يتأثروا بالحملات التضليلية، نهنئهم على هذا النصر، كما ونعزي أعداء الديمقراطية والعراق الجديد من البعثيين وأشباه البعثيين الذين حاولوا في البدء تأجيل الانتخابات، وإقامة حكومة صرف الأعمال من أجل شل عمل الحكومة ومنحهم مجالاً للتخريب. ولما فشلوا في التأجيل، لجأوا إلى طريقة أخرى فقد تصاعدت نداءات من قبل البعض منهم، وعلى رأسهم البعثي السابق أياد علاوي، زعيم إئتلاف الوطنية، بعد أن عرف فشله فطالب بإلغاء نتائج هذه الانتخابات، مع إبقاء الحكومة الحالية لتصريف الاعمال، لحين توفير الظروف الملائمة لإجراء انتخابات جديدة..." (2).

الملاحظ أن هذه المطالبة سبقتها محاولات بعض كتبة المقالات الذين بذلوا قصارى جهودهم لإفشال العملية السياسية، وعلى سبيل المثال لا الحصر نشر المدعو سيار الجميل نداءً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان: (من أجل تشكيل جبهة الرفض الشعبية العراقية وتأسيس كتلة تاريخية)، جاء فيه: (يا ابناء العراق الغيارى، تحياتي الكبيرة  لكم، كتب لي قبل قليل الاخ الاستاذ المهندس مصطفى الامارة [اسم وهمي]، الرسالة التالية ونشرها على صفحتي قائلا : "بعد النتائج المنخفضة والمعلنة للمشاركين في الانتخابات و اعداد المقاطعين الذين يزيدون على ضعف المشاركين... ندعوكم الى المبادرة لتشكيل جبهة الرفض الشعبية ورص الصفوف تحت قيادة كتلة تأريخية سيفجرها الجمر الذي تحت الرماد وتسعى للتغيير خارج مؤسسات العملية السياسية هذه (الحكومة والبرلمان) وليعلم المحتلون والمتنفذون في أرض الرافدين أن الشعب قد سئم ألاعيبهم ومل سياساتهم الفاشلة ويعد بالثورة السلمية للحفاظ على الوطن والشعب والثروة. ". وبعد أن يطرح الرسالة الملفقة باسم وهمي، يضيف سيار الجميل متظاهراً بالتعقل، قائلاً: "انني اطرح هذا " المشروع" عليكم جميعا، سواء  كنتم من المقاطعين ام  من المشاركين، وبنهج ديمقراطي هادئ واضح، متمنيا معرفة ارائكم خدمة للعراق واهله الكرام،" ثم ينصح: "بعيدا عن التشهير وعن العواطف الساخنة من اجل  التغيير الجذري وبناء المستقبل...اخوكم سيار الجميل). انتهى

 وهكذا (من هل المال حمل جمال)كما يقول المثل العراقي. وإني أخاطب هؤلاء المخربين، أيها السادة، لقد جربكم شعبنا منذ إنقلابكم الإسود في 8 شباط 1963، الإنقلاب الذي أدخل العراق في نفق مظلم لم يخرج منه إلا بعد سقوط نظامكم البعثي الفاشي يوم 9 نيسان/أبريل 2003. ومنذ ذلك اليوم بذلتم كل مساعيكم، وتعاونتم مع الإرهاب والدول التي تموِّل وترعى الإرهاب، لإفشال العملية السياسية، ووأد الديمقراطية الوليدة، ولكن شعبنا تحمل كل كوارثكم بصبر أيوب، وأصر على إنجاح العملية السياسية والحفاظ على الديمقراطية. وها أنتم يا "فرسان البيان" لقد سخرتم كل إمكانياتكم الكتابية للتضليل، وبدوافع عنصرية وطائفية التي تغلبت على ثقافتكم التي تتباهون بها، ولكن ما ينقصكم هو الضمير والأخلاق والوطنية. فأنتم على استعداد للتعاون مع الشيطان في سبيل إعادة حكم البعث الفاشي، وتحت مختلف المسميات. لقد أثبتم أنكم لم تأخذوا من الحضارة إلا قشورها واخترتم الجانب الخطأ من التاريخ وضد الإنسانية، وحقاً ما قاله أفلاطون قبل ألفين وأربعمائة سنة: (الإنسان يحتاج إلى تعليم جيد وطبع جيد، لكي يصبح الأقدس والأكثر تمدناً من بين كل الحيوانات، ولكن إذا ما لم يتثقف، أو تثقف بثقافة خاطئة، سيكون الأكثر وحشية وهمجية من جميع الحيوانات.) لذلك نراكم تعاونتم مع الإرهاب المتوحش في سبيل إعادة حكم البعث المتوحش.

خلاصة القول، لقد نجحت الانتخابات رغم محاولاتكم التخريبية. إن هذه الانتخابات هي عبارة عن دورات دراسية عملية يتعلم فيها شعبنا قواعد الديمقراطية، إلى أن تصبح جزءً لا يتجزأ من ثقافته الاجتماعية الموروثة، ويتقبل المواطن نتائجها حتى لو كنت ضد حزبه أو مرشحه. فكما قال حكيم: (الديمقراطية هي ليست الغاية فحسب، بل وهي الوسيلة أيضاً لتحقيقها.) وها هو شعبنا بدأ يتعلم الديمقراطية، وأصر على إنجاحها، ولن يتخلى عنها مطلقاً. وموتوا بغيظكم يا أعداء العراق الديمقراطي، فالقافلة تسير ولا يضيرها نبح الكلاب.
 abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- مشروع إعادة إنتاج البعث، هذه آلياته وهؤلاء القائمون على تنفيذه
http://almasalah.com/ar/News/135911

2- ائتلاف الوطنية يطالب بإلغاء الانتخابات وتشكيل حكومة تصريف الاعمال
http://www.akhbaar.org/home/2018/5/244086.html




25
انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني..أسبابه وتداعياته

د. عبدالخالق حسين

أسباب إنسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني كثيرة، وعلى رأسها ما يسمى بـ(عقدة أوباما). فمنذ بدء حملته الانتخابية عام 2015 ركز ترامب هجومه على كل ما حقق سلفه الرئيس السابق باراك أوباما من إنجازات، مثل برنامج الرعاية الصحية التي سميت بـ (Obama Care)، وتوقيع الاتفاق النووي مع إيران وغيرهما كثير، ووعد بإلغائهما. فمنذ تسلمه الرئاسة راح ترامب يعيد بمناسبة وبدونها، أن الجمهور الذي حضر حفل تدشين رئاسته كان ضعف ما حضره في حفل تدشين رئاسة أوباما، بينما حسب تقديرات الإعلاميين أن الحضور كان يقُدر بنصف الحضور لأوباما. وقد بلغ حقد ترامب على سلفه حداً، وكما نشرت صحيفة الغارديان اللندنية تقريراً جاء فيه "أن استعان مساعدون لدونالد ترامب، بوكالة استخبارات إسرائيلية خاصة بتنظيم حملة "قذرة" ضد أفراد رئيسيين في إدارة أوباما ساعدوا في التفاوض حول الصفقة النووية الإيرانية..."(1)

وأخيراً نفذ ترامب وعده بانسحاب أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران(2)، و الذي تم توقيعه بين إيران وست دول أخرى (خمس دول كبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي: أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا + ألمانيا) في يوم الأحد 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013. وحسب هذه الاتفاقية وافقت إيران على تخفيض تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية فقط، وتحت مراقبة دولية، مقابل رفع الحصار الاقتصادي عنها. وقد اعتبر القادة الغربيون هذا لاتفاق رغم أنه لم يكن مثالياً، إلا إنه أفضل ما يمكن تحقيقه بعد عشرة أعوام من المفاوضات المارثونية المضنية. ولم يستغرب أحد أن عارضته إسرائيل والسعودية إلى حد الجنون.
وقد أثار قرار ترامب بالانسحاب من هذا الاتفاق سخط قادة العالم، وبالأخص قادة الدول الخمس الأخرى التي استهجنت هذا السلوك المقرف، إضافة إلى الانتقاد اللاذع من معارضي ترامب في أمريكا وعلى رأسهم الرئيس السابق أوباما، ووزير خارجيته السابق جون كيري. وحسب ما جاء في الأنباء، فقد أصدر الرئيس الأمريكي السابق، أوباما، بيانا مطولا وصف فيه قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران بأنه "خطأ خطير"، ودافع عن الاتفاق الذي تفاوضت إدارته لتحقيقه. وقال "من دون خطة العمل الشاملة المشتركة لتحقيق الاتفاق، كانت الولايات المتحدة ستُترك في النهاية أمام خيار خاسر بين إيران مسلحة نوويا، أو حرب أخرى في الشرق الأوسط".(2)
أما جون كيري وزير الخارجية الأمريكي في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، الذي أسهم في التفاوض للتوصل إلى صفقة الاتفاق النووي مع إيران، فقد أصدر بيانا انتقد فيه قرار ترامب الأخير، وقال إن "إعلان اليوم يضعف أمننا، وينقض كلمة أمريكا ويعزلنا عن حلفائنا الأوروبيين".(2)

فقد ورد بيان مشترك للقادة الأوروبيين الثلاثة (ماكرون وميركل وماي)، أن "حكوماتنا تبقى ملتزمة ضمان تنفيذ الاتفاق وستعمل مع جميع الأطراف الآخرين المعنيين بحيث يبقى الأمر على هذا النحو على أن يشمل ذلك ضمان استمرار الفوائد الاقتصادية المرتبطة بالاتفاق للشعب الإيراني". وكذلك أعلنت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني من روما أن الاتحاد "مصمم على الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني بعد قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب منه." بينما الرئيس الإيراني حسن روحاني أعلن إلتزام بلاده ببنود الاتفاقية مع خمس دول فقط بعد انسحاب أمريكا". كما ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق النووي مع إيران إلى الالتزام بتعهداتها بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب بلاده من الاتفاق. وهذه المواقف الدولية الموحدة في دعم الاتفاقية يؤكد عزلة أمريكا عن العالم وخاصة عن حلفائها الأوربيين.
والجدير بالذكر أنه لم يؤيد ترامب في قراره الخطير هذا سوى إسرائيل والسعودية والإمارت العربية.(3)
باعتراف أغلب القادة السياسيين أن أمريكا بإدارة ترامب هي التي خسرت مصداقيتها أمام العالم، وظهرت بعدم التزامها بقراراتها، لذلك يمكن أن يضر باللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون حول إبرام اتفاق مماثل. لذلك فوجئ العالم بزيارة غير متوقعة للرئيس كيم جونغ أون إلى الصين للتباحث مع نضيره الصيني شي جين بينغ، وعلى الأغلب للتباحث حول قيمة وجدوى أي اتفاق يتم توقيعه مع ترامب.

والسؤال هنا، لماذا أقدم ترامب على الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، ومن المستفيد، وما هي دلالاته؟
السبب الأول وكما أشرنا في المقدمة هو (عقدة أوباما)، أي أن ترامب يريد أن يعارض سلفه على كل شيء، حتى أصبح اسم أوباما هوساً يطارده في يقظته ومنامه.
كذلك يدل هذا الانسحاب على أن إسرائيل هي التي تسيِّر ترامب وإدارته. فقد بقيت إيران تثير الرعب في الرئيس الإسرائيلي بنجامين نتنياهو رغم أنه يعرف جيداً أن إيران لا تريد شن حرب على إسرائيل، وإنما العكس هو الصحيح، أي أن إسرائيل هي التي تشن حرباً على القواعد العسكرية الإيرانية في سوريا، إضافة إلى ضربها للقوات السورية، أي أن إسرائيل تحارب من يحارب الإرهاب في سوريا وهذا يعني أن إسرائيل وأمريكا تدعمان الإرهاب ويستخدمانه لتدمير سوريا ودول المنطقة. وغني عن القول أن هذه السياسة هي جزء من الضغوط التي تفرضها أمريكا وإسرائيل وحلفائهما من الدول الخليجية على إيران وسوريا وكذلك العراق، إلى أن توافق هذه الدول على تبني سياسة التطبيع مع إسرائيل.
والمستفيد الآخر والأكثر من انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، ودق طبول الحرب هو شركات الأسلحة الغربية وخاصة الأمريكية، وذلك بتخويف الدول الخليجية الغنية من البعبع النووي الإيراني، لشراء المزيد من الأسلحة وإجبار بقية دول المنطقة لتبديد ثرواتها على سباق التسلح بدلاً من استثمارها في التنمية البشرية والازدهار الاقتصادي، وبالتالي غاية أمريكا وإسرائيل إبقاء شعوب المنطقة متخلفة لتتباهى إسرائيل بأنها هي وحدها واحة الديمقراطية المزدهرة في وسط الصحارى الدكتاتوريات العربية المتخلفة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
للمزيد من مقالات الكاتب:
http://www.alakhbaar.org/home/for-the-author/?auid=17
ــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- تقرير صحيفة الغارديان اللندنية
Revealed: Trump team hired spy firm for ‘dirty ops’ on Iran arms deal
https://www.theguardian.com/uk-news/2018/may/05/trump-team-hired-spy-firm-dirty-ops-iran-nuclear-deal?CMP=share_btn_link
2- ترامب يعلن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران
http://www.bbc.com/arabic/live/44038996

3- أسف فرنسي وأوروبي وترحيب إسرائيلي بالانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني
http://www.akhbaar.org/home/2018/5/243936.html

4- ما هي أهم بنود الاتفاق النووي الإيراني؟
http://www.bbc.com/arabic/middleeast-44056226


5- عبدالخالق حسين: الاتفاق النووي الإيراني انتصار للعقل والاعتدال
http://www.akhbaar.org/home/2013/11/158377.html

26
مرة أخرى، لماذا نؤيد أمريكا في العراق ونعارضها في سوريا؟

د.عبدالخالق حسين

توضيح لا بد منه
سبق وأن نشرت هذا المقال في العام الماضي إثر القصف الأمريكي لسوريا بتهمة استخدام القوات السورية النظامية السلاح الكيمياوي في خان شيخون، وقد شجبتُ القصف الأمريكي بمقال، فعارضني عليه بعض القراء، واعتبروه تناقضاً مني في تأييد أمريكا في العراق ومعارضتها في سوريا، لذلك نشرتُ المقال أدناه لتوضيح موقفي. ومع الأسف يبدو أن ذاكرة الناس ضعيفة، فبعد تكرار نفس السيناريو في دوما السورية قبل أيام، وتكرر معها القصف الثلاثي هذه المرة (الأمريكي-البريطاني-الفرنسي)، وعلى أثره نشرت مقالين، الأول فندت فيه التهمة، والثاني أدنتُ فيه هذا العدوان، وتكرر نفس الاعتراض ضدي من قبل البعض، وعليه رأيت من المفيد إعادة المقال، إذ كما قيل: في الإعادة إفادة !.
19/4/2018
*****

سألني عدد من القراء الأفاضل: لماذا تؤيد أمريكا في العراق، وتعارضها في سوريا؟ أليس في هذا الموقف تناقض و ازدواجية؟ فأمريكا هي أمريكا، وراء مصالحها، سواءً كانت في العراق أو سوريا، أو أي بلد آخر... وليس لسواد عيون الشعوب، و أن البعث هو بعث، سواءً كان في العراق أو في سوريا، وبشار الأسد لا يختلف عن صدام حسين...الخ. ولا ننسى أن بشار الأسد كان يجند الإرهابيين من شذاذ الآفاق، وبمساعدة السعودية والدول الخليجية الأخرى يوم كان على وئام معهم، ويرسلهم إلى العراق لقتل العراقيين الأبرياء وتدمير مؤسساتهم الاقتصادية، فلماذا هذا الدفاع عن النظام البعثي في سوريا؟
وفي سجال مع صديق، قال: (ان ما يريده نظام الأسد هو ان يصبح خيار العالم هو بينه وبين داعش، لذلك تعمد ان لا يحاربها في أول الأمر، وركز على محاربة القوى الأخرى لأنها تشكل خطراً اكبر على نظامه كونها تمثل معارضة شرعية لدكتاتوريته البعثية العائلية.) ويضيف: (لا اعتقد ان نظاماً أدى الى تهجير ثلث شعبه ومقتل مئات الآلاف من الممكن اعادة تأهيله، لأنه مرفوض من قبل غالبية شعبه. ومن الضروري ان نتذكر ان غالبية اللاجئين والدمار في المدن السورية هو بفعل قوات النظام وليس عمليات داعش على العكس من الوضع في العراق)). انتهى الاقتباس.

لا شك أن أغلب هذه الاعتراضات صحيحة ومشروعة، فقد عانى الشعب العراقي الكثير من الإرهابيين الذين أرسلهم بشار الأسد إلى العراق إلى أن أنقلب السحر على الساحر، ولكن كعراقيين، نحن نواجه اليوم أزمة كبيرة ومعقدة، اختلطت فيها الأوراق، وتداخلت فيها الخنادق كما يقولون. وعليه يجب أن نكون دقيقين وحذرين في التمييز بين الوضع في البلدين، ونحسب حسابات المستقبل، من الذي سيحكم سوريا بعد إسقاط النظام الحالي.

في البدء، أود أن أؤكد على مسألتين: الأولى، أن الوضع العراقي سواءً في عهد صدام، أو بعده، يختلف كلياً عن الوضع السوري، إذ ليس هناك تشابه بينهما إلا في اسم الحزبين (البعث). وهناك مبدأ طبي يقول: (Every case should be treated on its merits)، أي (كل حالة يجب أن تعالج وفق استحقاقها). وهذا المبدأ صحيح في جميع المجالات وبالأخص في السياسة. ولكن المشكلة أن هناك من لا يرى إلا اللونين الأسود والأبيض فقط، ولا يرى الألوان الأخرى، أو المساحة الرمادية التي يختلط فيها الأسود والأبيض.

والمسألة الثانية، أنه من حقنا التمسك بحرية التعبير عن موقفنا من أمريكا و إيران و سوريا، أو أية دولة أخرى، و حسب ما تتخذه حكومات هذه الدول من مواقف وإجراءات، نراها صائبة أو خاطئة وفق اجتهاداتنا. نؤيدها إن كانت صائبة، ونعارضها إن كانت خاطئة. وهذه الصراحة في التعبير عرضتنا إلى اتهامات بالعمالة لهذه الجهة أو تلك، أو بالتذبذب في المواقف. وعلى سبيل المثال هناك كاتب يتهم كل من يختلف معه في الرأي بالعمالة لأمريكا وإسرائيل!!. لذلك نقول لهؤلاء أن عملاء أمريكا وإسرائيل هم الذين يشتمونهما في العلن ويخدمونهما في السر. نحن نؤيد أمريكا في العراق لأنها حررت الشعب العراقي من أبشع نظام همجي في التاريخ، والآن تساعده في حربه الضروس على الإرهاب البعثي الداعشي المتوحش، ولسنا من ناكري الجميل. وننتقد أمريكا في سوريا لأنها قصفت مطاراتها بناءً على فبركة استخدام السلاح الكيمياوي وهي تهمة باطلة، بدليل أنها أي (أمريكا) لحد الآن تعارض التحقيق في مصدر السلاح الكيمياوي في خان شيخون.
 
لذلك لا أرى  في موقفي هذا أي ازدواجية أو تذبذب كما يرى البعض، بل أعمل وفق الاختلاف بين ظروف البلدين، و ما أتوقعه من نتائج لما يجري فيهما، وذلك كما يلي:
أولاً، أنا لا اعتقد أن (بشار تعمد ان لا يحارب داعش، وركز على محاربة القوى الاخرى "المعتدلة"). إذ هكذا تم تخطيط لما سمي بانتفاضة "الربيع العربي" عند اندلاعها عام 2011 في سوريا، بتظاهرة قام بها تلامذة مدرسة ابتدائية في درعة، وانتشرت في العديد من المدن الأخرى وبسرعة تحولت إلى "انتفاضة" مسلحة تقودها منظمات إسلامية متطرفة مثل جبهة النصرة والأخوان المسلمين، ومن ثم داعش، وعشرات التنظيمات الإسلامية المتوحشة الأخرى التي عملت كل ما في وسعها لتدمير الحضارة وآثارها التاريخية وحرق البشر والشجر وكل شيء جميل في سوريا. والكل يعرف أن هذه التنظيمات كانت وما زالت ممولة ومدعومة من قبل السعودية وقطر وتركيا.
وليس صحيحاً أن الجيش السوري لم يحارب داعش وأخواتها، فالجيش السوري قام وبدعم من حلفاء سوريا بتحرير محافظة حلب وتدمر ومناطق عديدة أخرى كانت محتلة من قبل داعش وجبهة النصرة وغيرهما من التنظيمات الإرهابية المتوحشة.

وربما المقصود بالقوى الأخرى، ما يطلق عليها في الغرب بـ(المعارضة المعتدلة)، التي تناضل من أجل الديمقراطية العلمانية. بينما الكل يعرف أن المعارضة الديمقراطية العلمانية الحقيقية لا تحمل السلاح إلا نادراً، وفي حالة الدفاع عن النفس فقط، لأنهم أناس مثقفون مسالمون يريدون الإصلاح السياسي بالوسائل السلمية وليس بحرق البشر وهم أحياء. أما المعارضة "المعتدلة" التي تحمل السلاح، وتدعمها أمريكا، فبشهادة صحيفة الإندبندت اللندنية، هي غير موجودة إلا في الإعلام الغربي. وعلى سبيل المثال قامت أمريكا بتدريب نحو 150 مقاتلاً سورياً "معتدلاً" في أمريكا، وجهزتهم بأحدث الأسلحة والتكنولوجية الحربية المتطورة، وصرفت عليهم وعلى تجهيزاتهم ما قدر بنصف مليار دولار. ولكن بعد إكمال تدريبهم، ما أن دخلوا سوريا عبر الحدود مع تركيا، حتى وانضموا إلى داعش بكامل تجهيزاتهم. و لا أعتقد أن الاستخبارات الأمريكية غبية ومغفلة إلى هذا الحد بحيث لم تكن تعرف حقيقة هؤلاء المعارضين "المعتدلين". ومن هنا نعتقد أن أمريكا تعمدت في التظاهر بالغفلة لتدريب الدواعش القتلة مموهين بثياب الاعتدال والديمقراطية.

ثانياً، إن إنتفاضة الشعب السوري ليست عفوية كما حصل في تونس وغيرها، بل تم التخطيط لها في الدوائر الغربية. ففي مقابلة تلفزيونية مع المحطة الفرنسية (LCP)، كشف الوزير الفرنسي للشؤون الخارجية السابق رولان دوما، أنه تم التخطيط للحرب ضد سوريا قبل عامين من "الربيع العربي"، إذ قال: (كنت في إنجلترا لأعمال الأخرى قبل عامين من بدء العنف في سوريا. التقيت مع كبار المسؤولين البريطانيين الذين اعترفوا لي أنهم كانوا يستعدون لشيء في سوريا... وكان ذلك في بريطانيا وليس في أمريكا. وكانت بريطانيا تقوم بتنظيم المتمردين لغزو سوريا. وطلبوا مني إذا كنت راغباً في المشاركة على الرغم من أنني لم أعد وزير الشؤون الخارجية آنذاك،... وبطبيعة الحال رفضتُ، وقلت أنا فرنسي لا مصلحة لي في هذا الشأن). التقرير الكامل في الهامش(1)، ولقطة فيديو قصيرة (دقيقة ونصف) مترجم إلى العربية (2) من المقابلة. كما ويرجى مشاهدة (خطاب السفير السوري د.بشار الجعفري في مجلس الأمن يوم 12-4-2017)(هامش رقم 3) 

ثالثاً، وعليه فقد تم تحريض وتجييش الشعب السوري، وتنظيم العصابات الإرهابية ضد حكم بشار الأسد بإثارة الطائفية، وبتمويل ودفع من السعودية وقطر وتركيا، وأمريكا وبريطانيا، لأسباب باتت معروفة وعلى رأسها تقارب الأسد مع إيران وروسيا، ورفضه المصالحة وتطبيع العلاقة مع إسرائيل.
بالمناسبة، أنا لست ضد المصالحة مع إسرائيل على شرط ضمان حقوق الشعب الفلسطيني بقيام دولته المستقلة. وبالتأكيد لم يكن قصد السعودية وقطر وتركيا إقامة نظام ديمقراطي في سوريا، فـ"فاقد الشيء لا يعطيه".

رابعاً، صحيح أن بشار الأسد هو بعثي ودكتاتور، إلا إنه لم يكن بشراسة وغطرسة صدام حسين. فجرائم البعث الصدامي ضد الشعب العراقي وشعوب المنطقة لا تعد ولا تحصى، يعرفها الجميع ولا أرى ضرورة لذكرها. ولا ننسى أن البعث السوري قد استضاف المعارضة العراقية في عهد صدام بجميع فصائلها وانتماءاتها الإسلامية والقومية، واليسارية والكردية والتركمانية وغيرها دون أي تمييز.

خامساً، إن التدخل الأمريكي في العراق كان ومازال في صالح العراق. فوضع العراق في عهد صدام لم يشبه وضع سوريا الآن، إذ لم يكن نصف مساحته محتلة من قبل داعش وجبهة النصرة كما الحال في سوريا الآن، عدا كردستان التي كانت شبه مستقلة ومحمية من قبل أمريكا وبريطانيا منذ عام 1991 بقرار من الأمم المتحدة، ومازالت كردستان شبه مستقلة. وقد حاول الشعب العراقي مراراً التخلص من البعث الصدامي من خلال انتفاضاته المسلحة التي باءت بالفشل، وانتهت بمئات المقابر الجماعية، والغازات السامة، والأنفال، وفرار خمسة ملايين في الشتات. لذلك لم يكن أمام المعارضة العراقية في الداخل والخارج سوى مطالبة المجتمع الدولي بقيادة أمريكا لتحريره من هذا النظام المتوحش. بينما أمريكا في سوريا تريد إسقاط حكم بشار الأسد على الطريقة التي اسقطت بها حكومة معمر القذافي في ليبيا بالقصف الجوي عن بعد وتخريب البلاد وقتل العباد، وترك الشعب في فوضى عارمة بلا حكومة، نعرف نتائجها الآن في ليبيا.

سادساً، في الحالة العراقية عملت أمريكا لتحرير العراق، ليس من النظام الجائر فحسب، بل وحتى من ديونه التي بلغت مئات المليارات الدولارات، وتخفيف تعويضات الحروب العبثية التي أشعلها صدام حسين في المنطقة، إضافة إلى ما ساهمت به أمريكا بعشرات المليارات الدولارات لإعمار العراق. أما التداعيات التي حصلت ما بعد تحرير العراق، فهي من نتاج فلول البعث بدعم وتحريض وتمويل دول الجوار مثل السعودية وقطر وتركيا، التي أشعلت الفتن الطائفية وأرسلت الإرهابيين لقتل العراقيين بغية إفشال العملية السياسية ووأد الديمقراطية. ولكن بفضل يقظة المخلصين من أبناء شعبنا، و وجود القوات الدولية بقيادة أمريكا، صمدت العملية السياسية ونجحت الديمقراطية رغم الظروف الصعبة وضجيج الإعلام المضاد لتشويه صورتها.

سابعاً، لو كان رئيس الوزراء السابق السيد نوري المالكي مرناً بما فيه الكفاية، وعمل بفن الممكن في السماح لبقاء عدة آلاف من القوات الأمريكية في العراق، لما تمكنت داعش من احتلال ثلث مساحة العراق، وما كلف ذلك من دمار و دماء ودموع العراقيين لتحرير هذه المناطق الآن. لذلك نعتقد أن وجود القوات الأمريكية في العراق عند تحريره، وحالياً ومستقبلاً، ضرورة ملحة تفرضها ظروف العراق ومصلحته وأمنه وسلامته ورفاه شعبه، وسنأتي على هذا الموضوع بمقال لاحقاً.

ولكل ما سبق، ولأسباب أخرى كثيرة، نعتقد أن الوضع السوري يختلف كلياً عن الوضع العراقي، فعند إسقاط نظام البعث الصدامي، كان العراق تحت سيطرة القوات الدولية بقيادة أمريكا، التي حافظت  على أرواح الناس من أعمال انتقامية على قدر الإمكان، وساعدت في إقامة  نظام ديمقراطي ضم جميع مكونات الشعب العراقي، بينما إذا ما سقط نظام بشار الأسد الآن، فليس هناك أي بديل ديمقراطي يحل محله، ولا قوات أمنية قادرة، سورية أو أجنبية لحماية أرواح الناس وممتلكاتهم من الأعمال الإنتقامية، إذ كما صرح سفير أمريكي سابق لدى الحلف الأطلسي في مقابلة له مع البي بي سي، محذراً من مغبة إسقاط حكومة بشار الأسد، لأن إسقاط الأسد سيترك فراغاً أمنياً وسياسياً يملأه الإرهابيون المتعطشون للدماء، والانتقام من الأقليات الدينية وإبادتها. وبالتالي إقامة نظام التوحش والفوضى العارمة الهدامة، شبيهاً بنظام طالبان في أفغانستان، أو على الأقل شبيهاً بما حصل في ليبيا. أما في العراق فلو كان البديل عن صدام حسين هو الإرهاب الداعشي لاخترنا نظام صدام. ولكن لحسن الحظ كان البديل هو المعارضة الديمقراطية التي ملأت الفراغ، وأقامت نظاماً ديمقراطياً لم يشهده العراق في كل تاريخه، يضم ممثلين لجميع مكونات الشعب العراقي دون إستثناء، وحسب ما أفرزته صناديق الاقتراع، وبرعاية الأمم المتحدة ودعم القوات الدولية بقيادة أمريكا.

خلاصة القول، إذا كان المطلوب منك أن تختار بين الخير والشر، فلا تحتاج إلا إلى ذكاء الإنسان العادي لتختار الخير. ولكن أن تختار بين الشر والشر، فهنا تحتاج إلى أكثر من الذكاء العادي، إذ تحتاج إلى الحكمة التي تحتم عليك أن تختار الأقل شراً، أي أهون الشرين. و بما إن بشار الأسد أقل شراً من داعش وجبهة النصرة وبقية شلة التوحش، فمن الحكمة والأفضل دعمه في هذه المرحلة العصيبة، خاصة وأن الرجل أخذ درساً بعد كل هذه الكوارث، وهو على استعداد لإجراء التغيير بعد تطهير سوريا من دنس الوهابيين الدواعش، وترك الأمر للشعب السوري ليقرر مصيره، ودون إغراق سوريا في فوضى عارمة كما حصل في الصومال بعد محمد سياد بري، أو أفعانستان في عهد طالبان، أو ليبيا بعد القذافي، وهو خطر وبيل على جميع دول المنطقة.
ومن كل ما سبق من اختلاف بين البلدين، أرى من الحكمة تأييد الدور الأمريكي في العراق، ومعارضته في ضرب سوريا. أي معالجة كل حالة وفق استحقاقها.
14/4/2017
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
كافة مفالات الكاتب:
http://www.akhbaar.org/home/for-the-author/?auid=17
ــــــــــــــــــــــ
مصادر
1- شهادة لوران ديما وزير خارجية فرنسا السابق تتعلق بما يجري بسورية في 15/6/2013
  Former French Foreign Minister: The War against Syria was Planned Two years before “The Arab Spring”
http://www.globalresearch.ca/former-french-foreign-minister-the-war-against-syria-was-planned-two-years-before-the-arab-spring/5339112

2- لقطة فيديو (دقيقة ونصف) مترجمة إلى العربية من المقابلة التلفزيونية، قنبلة فرنسية فجرها لوران ديما وزير خارجية فرنسا السابق تتعلق بما يجري بسورية
https://www.youtube.com/watch?v=qe98iMZXUPs

3- خطاب السفير السوري د.بشار الجعفري في مجلس الأمن 12-4-2017 (فيديو 20 دقيقة)  https://www.youtube.com/watch?v=InGHVRUP3Ng&app=desktop   

4- Ex-UK Ambassador: Assad wasn't behind the chemical attack
https://www.youtube.com/watch?v=pS6Oa_aDS6E

روابط لمقالات أخرى للكاتب، ذات صلة بالموضوع
أغراض القصف الأمريكي لسوريا
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=896
الهجوم الأمريكي على سوريا إلى أين؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=895
ما الغاية من مجزرة الموصل؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=893
من المسؤول عن مجزرة الموصل؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=892

27
شيطنة العدو لتبرير إبادته
د.عبدالخالق حسين

الملاحظ من أدبيات وفتاوى شيوخ التنظيمات الإرهابية، القاعدة وداعش وغيرهما، أنهم يحاولون إبراز خصومهم بأسوأ ما يمكن، والحط من قدرهم إلى ما دون مستوى البشر، وشيطنتهم (Demonizing them)، ونعتهم بالشر المطلق، وأنهم أعداء الله والبشرية، وحتى دون مستوى الحيوان، ولذلك فهم لا يستحقون الحياة، وإبادتهم واجبة للتقرب إلى الله، وكسب مرضاته، وقال الشيخ حسن الترابي مرة في هذا الخصوص: "وهل هناك أكثر قربى إلى الله من إرهاب أعدائه".

هذا التكتيك الإعلامي لمسخ العدو، الذي اتبعه الإرهاب السلفي الوهابي، يمارسه الآن الإعلام الغربي ضد الرئيس السوري بشار الأسد، وحلفائه، روسيا وإيران وحزب الله اللبناني، لتبرير ضرباتهم الصاروخية وإسقاط الحكومة السورية.
فالإدارة الأمريكية فبركت تهمة استخدام السلاح الكيمياوي ضد حكومة بشار الأسد عندما تأكد لهم اقتراب ساعة النصر على الإرهاب، لكي يجهضوا النصر(1). فالمتتبع لتغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخطابه عند إعلانه الهجوم الصاروخي فجر يوم 14 نيسان/أبريل الجاري، يراه يصف الرئيس الرئيس السوري بشار الأسد بالغول، وبأنه حيوان وحشي همجي قاتل الأبرياء، وخاصة الأطفال والنساء، ويردد الإعلام الغربي هذه التغريدات إضافة إلى مشاهد بالصوت والصورة صب المياه على رؤوس الأطفال لإزالة الغازات السامة المزعومة منهم، في فبركة تم فيها استخدام آخر التقنية المعلوماتية المتطورة إلى أرقى مستوى ليحدثوا أكبر تأثير في نفوس المشاهدين، وليبرروا هجومهم الصاروخي على سوريا وتدمير ما تبقى منها. كما وجه ترامب خطابه إلى روسيا وإيران قائلاً لهم أي نظام همجي هذا الذي تدعمونه؟ و قال أيضاً: "حشدتْ بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية قواها الخيرة ضد البربرية والوحشية". فهو هنا يصف قواه بقوى الخير وقوى خصومه بقوى الشر والبربرية والوحشية. وهذا هو الأسلوب المتبع لتجريد العدو من أية صفة بشرية، وإبرازه بالهمجي ضد الحضارة والإنسانية لتبرير تصفيته وإبادته.

ولكن لو ألقينا نظرة حيادية على ما يجري في المنطقة، لرأينا أن أقرب حلفاء أمريكا وبريطانيا وفرنسا مثل السعودية والإمارات ودولة قطر، هم الذين يقومون، ولعامين متتاليين بأبشع هجمة همجية بربرية على الشعب اليمني المغلوب على أمره، وتسببوا في قتل عشرات الألوف من الأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير شبه كامل لمؤسساته الأقتصادية والخدمية، وتخريب المدن والقرى وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها في قصف جوي مستمر وبالأسلحة الأمريكية والبريطانية والفرنسية، وبمباركة من حكومات هذه الدول. فإذا كان الرئيس الأمريكي وحلفاؤه يتألمون ويذرفون دموع التماسيح على أطفال دوما في سوريا، فلماذا يشاركون ويباركون في قتل أطفال اليمن؟ ولماذا، على الأقل، لا ينصحون حلفاءهم بوقف هذه المجازر ضد الشعب اليمني البائس؟ 
كذلك يسكتون عن جرائم نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية في ارتكابه المجازر ضد الشعب الفلسطيني الأعزل عندما يقوم هذا الشعب بمجرد تظاهرة سلمية ضد احتلال بلاده؟ ومن هنا نرى مدى النفاق والكذب ودموع التماسيح على أطفال دوما السورية. 

استنتاجات من الهجمة الصاروخية
كشف لنا العدوان الثلاثي (الأمريكي-البريطاني-الفرنسي) الأخير على سوريا حقائق عدة، و كما يلي:
أولاً، أن رؤساء الحكومات الغربية، وخاصة الكبرى منها، هم ليسوا من يحكمون ويتخذون القرارات، بل هناك ما يسمى بالتجمع السري(secret society)، هو الذي يحكم من وراء الكواليس. فقبل فبركة تهمة السلاح الكيمياوي ضد سوريا، صرح ترامب أنه يريد سحب القوات الأمريكية من سوريا، وأعطى إشارات أنه يخطط للانسحاب من منطقة الشرق الأوسط المضطربة ، لأنها كلفت أمريكا ترليونات الدولارات خلال العقود الماضية ودون أية فائدة لأمريكا. فهذا الموقف يرفضه صناع القرار في التجمع السري، وخاصة اللوبي الصهيوني المناصر لإسرائيل، لذلك ما كان منهم إلا وفبركوا تهمة السلاح الكيمياوي في دوما، وأبرزوا على شاشات التلفزة مناظر الأطفال "المصابين" بالغازات السامة المزعومة، وبذلك أرغموا ترامب على التراجع عن قراره في الانسحاب من سوريا واتخاذ قرار الهجوم الصاروخي عليها.

ثانياً، وقد سبقت هذه المسرحية زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى بريطانيا وأمريكا، والتي تم خلالها عقد عدة صفقات ضخمة لشراء الأسلحة تقدر قيمتها بمئات المليارات الدولارات(2)، وأكَّد لهم دفع تكاليف الصواريخ التي سيقصفون بها الشعب السوري وباسم حمايته من بشار "الحيوان الوحشي" على حد تعبير ترامب.

ثالثاً، والجدير بالذكر أن الوسائل الإعلامية الغربية رغم ما تتمتع به من حرية التعبير، والنقد والاستقلالية، إلا إنها في حالات معيَّنة مثل هذه، تلتزم بسياسة حكوماتها حتى ولو كانت باطلة، وعلى سبيل المثال، عندما قام صدام حسين باستعمال الغاز السام في حلبجة، تبنى الاعلام الغربي جانب العراق ووضع المسؤلية على ايران، لأن صدام في ذلك الوقت كان صديق الغرب الحميم، وينفذ سياساتهم ضد إيران الإسلامية. ولكن لما قام صدام بغزو الكويت، وصار عدواً للغرب،عندها قامت الحكومات الغربية ووسائل إعلامها بقول الحقيقة وتوجيه التهمة إلى صدام حسين في تسميم حلبجة في كردستان وأهوار الجنوب. ولم يكتف الإعلام الغربي بهذه الحقائق ضد صدام، بل وفبركوا ضده الأكاذيب أيضاً، مثلاً تهمة قيام الجنود العراقيين بسرقة حاضنات الأطفال الخدَّج من مستشفيات الكويت، وجاؤوا بفتاة أدعوا أنها كانت ممرضة كويتية في إحدى تلك المستشفيات، وهي تبكي على الأطفال، وتبين فيما بعد أنها كانت ابنة الشيخ سعد الصباح، وزير خارجية الكويت آنذاك، وكانت التهمة فبركة اعترف بها الاعلام الغربي، ولكن بعد أن نفذت التهمة غرضها.

رابعاً، كذلك نعرف العلاقة الحميمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولكن لما حصلت عملية تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في بريطانيا، بغاز الأعصاب، واتهام روسيا بها، وتصعيد الحرب الدبلوماسية ضد روسيا وبوتين لتشويه صورتهما في العالم، قامت أمريكا وبقرار من ترامب، بطرد نحو مائة دبلوماسي روسي من أمريكا. وعلى الأغلب أُرغم ترامب على أخذ هذا القرار ضد رغبته، مما يدل على أن أمريكا يحكمها ناس وراء الكواليس، وحسب ما تقتضيه مصلحة المؤسسات الحاكمة في الغرب. والجدير بالذكر أن كل هذه الاجراءات تصب في مصلحة إسرائيل.

خامساً، نلاحظ أن أمريكا التي سارعت في الهجوم الصاروخي ولم تنتظر إعلان نتائج إجراء تقصي حقيقة السلاح الكيمياوي، اقترحت بعد القصف على مجلس الأمن الدولي تشكيل لجنة من خبراء "مستقلين" لتقصي الحقائق في سوريا. وبالتأكيد، الغرض من تشكيل هذه اللجنة بعد القصف هو لمعرفة نتائج القصف الصاروخي الأخير، ومدى جدواه. والسؤال هنا، ماذا سيكون موقف أمريكا لو خرجت اللجنة بنتيجة تنفي فيها استخدام السلاح الكيمياوي من قبل القوات السورية؟ والملاحظ أيضاً أنهم من الآن راحوا يقولون أن القصف لم يدمر كل مخازن السلاح الكيمياوي، وذلك ليمهدوا للاتهامات القادمة كلما اقترب النظام السوري من النصر على الإرهاب، فهم لا يريدون هزيمة الإرهاب وخلاص الشعب السوري منه، بل ليستمر إلى أن يحقق الدمار الكامل لسوريا وإرغامها على المصالحة مع إسرائيل.

سادسا، رغم ما يثيره الإعلام الغربي، وخاصة الأمريكي من انتقادات لاذعة، وهجوم بالغ على الرئيس الأمريكي ترامب، وإبرازه بالمجنون والمختل عقلياً، والإباحي والمهووس جنسياً، وأنه فاز بالانتخابات الرئاسية بمساعدة بوتين...الخ، وآخر ما قيل في هذا الخصوص، تصريحات جيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي(FBI) السابق، لمحطة (ABC) الأمريكية، (أن ترامب غير لائق اخلاقياً ليكون رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، ويعامل النساء كما لو كن "قطعا من اللحم.")(3)، إلا إن جميع وسائل الإعلامية الغربية هذه، وحكوماتها وقفت مع ترامب وقفة رجل واحد وبصوت واحد في هجومه الصاروخي على سوريا.
ربما سيسارع البعض باتهامنا بأننا نؤمن بنظرية المؤامرة، ولكن كل ما ذكرناه أعلاه هو الحقيقة الواضحة للعيان، وليس له أي تفسير آخر.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د. عبد الخالق حسين: تهمة الكيمياوي السوري ذريعة لتدمير المنطقة
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=595436

2- تقرير عن صفقات الأسلحة التي عقدها محمد بن سلمان مع أمريكا في زيارته الأخيرة لواشنطون
Rabat – President Trump offered what many are describing as “embarrassing” welcome to Saudi Prince Mohamed bin Salman in the White House on Tuesday.
https://www.moroccoworldnews.com/2018/03/242836/donald-trump-mohamed-bin-salman/

3- مدير أف بي آي السابق، جيمس كومي: ترامب "غير لائق أخلاقيا" لرئاسة الولايات المتحدة
http://www.bbc.com/arabic/world-43781761



28
تهمة الكيمياوي السوري ذريعة لتدمير المنطقة

د.عبدالخالق حسين

هناك عدة أسباب تجعلنا نعتقد بأن التهمة الموجهة للنظام السوري باستخدام السلاح الكيمياوي ضد المعارضة هي ملفقة من قبل إدارة دونالد الترامب، وحلفائها، والأسباب هي:
1- من غير المعقول أن يقوم النظام السوري باستخدام الكيمياوي ضد المعارضة وهو على وشك النصر النهائي، والحرب على وشك الانتهاء. وفعلاً تحقق هذا النصر حسب تقرير بي بي سي اليوم 12/4/2018 : (القوات السورية "تسيطر على الغوطة الشرقية بالكامل وترفع العلم في دوما"(1).

2- ولماذا تعطي الحكومة السورية ذريعة لأمريكا بالتدخل المباشر خاصة وهي تعرف من تجربتها السابقة أن أمريكا ستستغل هذه الحجة للتدخل المباشر وإجهاض النصر.
3- وكما قال المندوب السوري في مجلس الأمن الدولي، السيد بشار الجعفري: (الغريب ان المواد الكيميائية المزعومة لا تصيب المسلحين بل تستهدف الاطفال والنساء فقط!!)(2). والملاحظ أن ترامب يسكب دموع التماسيح على أطفال دوما في مسرحية هزيلة ومفضوحة، بينما لم يحرك ساكناً إزاء ألوف الأطفال الذين يموتون في اليمن عن طريق القوات السعودية وبالأسلحة والطائرات الأمريكية  وبمباركة أمريكا ورئيسها ترامب.
4- لماذا رفضت أمريكا تشكيل لجنة من الخبراء المستقلين للتحقيق في حقيقة استخدام الكيمايوي، وأصرت أن بلادها ستتدخل بغض النظر عن موقف مجلس الأمن الدولي؟
5- قبل عدة أسابيع هددت فرنسا بأنها ستتدخل إذا ما استخدم النظام السوري الكيمياوي ضد المعارضة، وهذا يعني أنهم كانوا يهيئون المناخ لهذا التدخل، والآن لفقوا هذه التهمة لتبرير تدخلهم.

ومن كل ما تقدم، نرى أن الغرض من هذه التهمة الملفقة هو إيجاد الذريعة لتدخل التحالف الثلاثي: (الأمريكي-البريطاني-الفرنسي) المباشر بعد أن فشلت محاولاتهم في إسقاط النظام السوري بواسطة التنظيمات الإرهابية لسبع سنوات ماضية، وبالتالي لإيجاد ذريعة بالتدخل المباشر بنفس الطريقة التي تم بها إسقاط حكومة معمر القذافي في ليبيا، خاصة وأن الحرب السورية على وشك الانتهاء بتحقيق النصر لصالح النظام السوري.

السؤال الآخر هو: لماذا يعمل التحالف الثلاثي لتدمير سوريا؟
في الحقيقة ليست سوريا وحدها المستهدفة من هذه المغامرة الخطيرة، وإنما حلفاء سوريا أيضاً، وهم: روسيا، وإيران، وحزب الله اللبناني.
وأما سبب العداء لروسيا فهو لأن الغرب لا يريد أية دولة تنهض بحيث تنافس نفوذ أمريكا وحلفائها في الشرق الأوسط خاصة، والعالم بصورة عامة. وهذا العداء كان في عهد الاتحاد السوفيتي بحجة الخطر الشيوعي المهدد للنظام الديمقراطي الرأسمالي الغربي حسب زعمهم. لذلك استمروا في الحرب الباردة، والحروب الساخنة بالوكالة، والحملات الإعلامية بتخويف شعوبهم من البعبع الشيوعي. ولما سقط النظام الشيوعي كانوا يأملون أن تبقى روسيا ضعيفة ومفككة لا تستطيع النهوض، وساعدهم في ذلك السكير بوريس يلتسن، الذي باع ممتلكات الدولة بسعر التراب على المقربين والانتهازيين الروس وخلق منهم مليارديرية بين عشية وضحاها، وجعل نحو ثلث الشعب الروسي يعيشون على الكفاف والقمامة.

ولما جاء فلاديمير بوتين إلى الرئاسة عام 2000، وأثبت القوة والنشاط والدهاء السياسي في إعادة بناء روسيا الاتحادية على أسس قوية بحيث صارت دولة قوية كبرى تنافس الغرب، وعلى رأسه أمريكا، أعاد الغرب العداء لروسيا، والعمل على تشويه صورتها، وبالأخص صورة الرئيس بوتين. فروسيا اليوم صارت تنافس أمريكا في احتلال مواقع النفوذ في الشرق الأوسط، وهذا لا يلائمها. و أخيراً بدأت الحملة الجديدة بحرب الجواسيس الروس في الغرب، وقضية تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في بريطانيا، وتصعيد الحرب الدبلوماسية ضد روسيا وبوتين لتشويه صورتهما في العالم.
أما تهمة الكيمياوي السوري، فالمستهدف هو النظام السوري، وإيران، وحزب الله اللبناني، لأن هذا التحالف يهدد إسرائيل التي هي ولاية أمريكية في المنطقة، وأمنها من أمن أمريكا. لذلك طالما بقيت دول الرفض (سوريا وحلفائها) في حالة رفض التطبيع مع إسرائيل، فهذه الحروب ستستمر في المنطقة بمحتلف الأشكال، غير المباشرة بواسطة التنظيمات الإرهابية المدعومة من حلفاء أمريكا في المنطقة مثل إسرائيل والسعودية وقطر والإمارات، أو التدخل المباشر علن طريق القصف الجوي كما حصل لليبيا واليمن، وهذه الحروب من شأنها تأخير الاستقرار، والأمن والتنمية البشرية، والازدهار الاقتصادي في دول المنطقة الرافضة للتطبيع. كما ونجحت أمريكا في كسب الدول الخليجية الغنية مثل السعودية وغيرها، إلى جانبها وجانب إسرائيل.

وباختصار شديد، أن السبب الرئيسي لهذا الصراع هو ليس الدفاع عن الشعب السوري من دكتاتورية بشار الأسد كما يدعون، فأبشع دكتاتورية في العالم هو النظام السعودي العائلي الاستبدادي المطلق الحليف لأمريكا وإسرائيل. وكذلك لمحاربة النفوذ الروسي في المنطقة والعالم.

فالعالم اليوم على كف عفريت، والقصف الصاروخي الأمريكي وحلفائها المرتقب ضد سوريا قد يشعل الحرب العالمية الثالثة. فقد هدد السفير الروسي في لبنان أن أي هجوم صاروخي على سوريا ستواجهها روسيا بإسقاطها، وضرب مصادرها، أي البوارج الحربية الأمريكية في الأبيض المتوسط التي ستنطلق منها الصواريخ. لذلك، لا نبالغ إذا قلنا أن تهمة الكيمياوي الجديدة المفتعلة والتي راد منها إيجاد الذريعة لضرب سوريا من قبل أمريكا وحليفاتها، قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الدولتين الكبريين، روسيا وأمريكا، وبالتالي إلى إشعال فتيل حرب عالمية جديدة لا تبقي ولا تذر.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذو صلة
1- بي بي سي: القوات السورية "تسيطر على الغوطة الشرقية بالكامل وترفع العلم في دوما"
http://www.bbc.com/arabic/middleeast-43737702

2- بشار الجعفري يوجه ضربة قاضية للمتآمرين في مجلس الأمن
http://www.alalam.ir/news/3484871








29
قانون شركة النفط الوطنية أكبر جريمة بحق الشعب العراقي
د. عبدالخالق حسين
عاتبني أصدقاء على "سكوتي" عما يجري من جريمة نصب واحتيال لسرقة الثروات النفطية العراقية، المصدر الرئيسي لمعيشة الشعب العراقي، وإعمار ما خربه العهد البعثي البائد، وذلك بتمرير قانون شركة النفط الوطنية العراقية من قبل البرلمان العراقي يوم 5/3/2018، ومصادقة السيد رئيس الجمهورية عليه دون تأخير(1).

في الحقيقة إن سبب عدم مشاركتي في الكتابة حول هذا الموضوع الخطير هو: أولاً، أن الموضوع من أصحاب الاختصاص من الخبراء في النفط، وما أكثرهم والحمد لله، وأغلبهم أبلوا بلاءً حسناً في تنبيه الشعب عن هذه المؤامرة القذرة، وثانياً، أني بين حين وآخر أمر بفترات النفور من الكتابة، ولكن هذا لا يعني أن ليس لنار رأي في هذا الخصوص، أو التوقف عن المتابعة، إذ كنت أقوم بتعميم ما تفضل به الزملاء من مقالات رائعة في هذا المضمار، وهذا يعني أني معهم في آراءهم وطروحاتهم قلباً وقالباً. على أية حال، غرضي من هذا المقال السريع هو استجابة لمن طالبني مشكورين، أن أدلو برأيي بهذا القانون، وأحث وأنبه مع غيري، الجماهير عن مخاطره، للإتنتفاض بإلغائه وهو في المهد.

ولعل أخطر ما جاء في هذا القانون التآمري، ومقالات مؤيديه، أنهم قاموا بالتلاعب بالألفاظ، وسوء تفسير مواد الدستور، فمثلاً  تقول المادة (111) من الدستور (النفط والغاز ملك للشعب العراقي)، وقد حاول الذين كتبوا القانون خدع الشعب، وليّ عنق الحقيقة بـ(أن النفط هو ملك الشعب وليس ملك الحكومة!!!)، وبذلك فهم يريدون شق خندق بين الشعب وحكومته المنتخبة، وتحريض الشعب لدعم هذا القانون باعتباره هو المالك الحقيقي للثروة وليست الحكومة. يعني (شيِّم البدوي وخذ عباته!). وهذا أكبر كذبة في التاريخ. فالشعب يتكون من عشرات الملايين من الأفراد، تحكمه حكومة ديمقراطية منتخبة من قبل نواب الشعب. وبالتالي فالحكومة هي وحدها المخولة للتصرف بواردات ثروات الشعب وإدارة شؤونه، وليس مجلس إدارة الشركة غير المنتخب.

لذك حاول هؤلاء إرشاء المواطن العراقي لشراء تأييده للقانون وسكوته عن الجريمة، فقد نصت المادة (13- ثالثا، ب من القانون)، على جعل نسبة من أرباح الشركة تقرر بموجب الموازنة السنوية توزع على أسهم متساوية القيمة لجميع المواطنين المقيمين في العراق (ولا يجوز بيع أو شراء أو توريث الأسهم، وتسقط عند الوفاة)(2)
في الحقيقة، وحسب تحليل الخبراء، هذه النسبة ضئيلة جداً لا تنقذ المواطن الفقير من فقره، وإنما تضر بميزانية الدولة، وتخلق بيروقراطية ضخمة وباهظة التكاليف لإدارة هذه النسبة وتوزيعها على المواطنين.

لا شك أن الغرض الرئيسي من هذا القانون هو التمهيد لخصخصة الثروات النفطية، وذلك باستنساخ التجربة الروسية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، حيث قامت حكومة السكير بوريس يلتسن ببيع المؤسسات النفطية الروسية على المقربين منه والنصابين والمحتالين بسعر التراب، وتبين فيما بعد أن قيمة هذه المؤسسات الحقيقية تعادل آلاف المرات سعر بيعها، فتحول هؤلاء النصابون بين عشية وضحاها، إلى مليارديرية ، ومنهم من فر إلى الغرب لينعم بثرواته الهائلة التي سرقها من الشعب الروسي، وجعلوا ثلث الشعب الروسي في فقر مدقع يعيش على القمامة.
أيها العراقيون يجب أن تستفيدوا من تجارب الشعب الروسي.

يجب عدم السماح لخصخصة مؤسسات الدولة إطلاقاً، وتحت أية ذريعة كانت.
لذلك نهيب بجماهير شعبنا، وأحزابه الوطنية، ومنظمات المجتمع المدني، ونخبه المثقفة الواعية، القيام بكل الوسائل المشروعة لإلغاء هذا القانون الإجرامي، وجعله مادة انتخابية في الانتخابات القادمة، بأن يشترط الناخب على المرشح البرلماني بأن لا يمنح صوته إلا لمن يشمل إلغاء هذا القانون في حملته الانتخابية، و يتعهد له بذلك في حالة فوزه.
فالحكومة أمامها واجبات كبيرة ومسؤوليات خطيرة لإعمار العراق بعد عشرات السنين من الحروب العبثية، وتدمير مؤسساته الاقتصادية، وبناه التحتية، وهذا الإعمار ومؤسسات التعليم والصحة وغيرها من المؤسسات الخدمية يحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات، ولذلك لا يمكن إطلاقاً التخلي عن مؤسساته النفطية وبيعها في سوق الخردة على مجموعة من الفاسدين واللصوص والنصابين والمحتالين.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- المصادقة على قانون شركة النفط الوطنية.. انتقدته محافظات منتجة ورفضته أخرى
http://www.akhbaar.org/home/2018/3/242239.html

2- فؤاد قاسم الأمير: قانون شركة النفط الوطنية العراقية، هل هو قانون لشركة نفط وطنية أم لتهديد وتبديد العوائد النفطية؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=593754




30
علي الوردي وفالح عبد الجبار: هل فاق التلميذ أستاذه؟

د.عبدالخالق حسين

بعد الرحيل المبكر لعالم الاجتماع العراقي الدكتور فالح عبدالجبار وهو في أوج نضاله ونشاطه الفكري، لا يكل ولا يمل رغم قلبه المُتعب، كتب العديد من الكتاب الأفاضل مقالات تأبينية عنه، تقديراً لنضاله، وتثمينا لعطائه الفكري الغزير. ولعل أعمق مقال تأبيني قرأته عن الراحل، في رأيي، هو مقال الكاتب والإعلامي الدكتور حميد الكفائي الموسوم: (فالح عبد الجبار: عاش فاعلاً ومات واقفاً)(1)، المنشور في صحيفة الحياة اللندنية. وكان المقال بحق عميقاً ومكثفاً في تقييم الراحل، ودوره في النضال العسير، والطويل إلى آخر لحظة من حياته، حيث انتابته أزمة قلبية إثناء مقابلة تلفزيونية في بيروت مقر إقامته، أودت بحياته.

ومما قاله الكاتب معاتباً السلطة العراقية: " لم ينل فالح ما يستحقه من اهتمام عراقي رسمي، على رغم أن الجميع يعترف بفضله على المثقفين والصحافيين والباحثين، عراقيين ومهتمين بالعراق، عبر أبحاثه الرصينة وتعاونه معهم. لم يهتم قادة العراق الجدد بهذا العالم الكبير الذي فاق علي الوردي في قيمة الأبحاث التي قدمها والنشاطات التنويرية التي مارسها. ...الخ"

وقد لفت انتباهي، وأثار فضولي قول الكاتب أن الراحل فالح عبدالجبار (قد فاق علي الوردي في قيمة الأبحاث التي قدمها والنشاطات التنويرية التي مارسها. ...الخ.) فلحد علمي لم يتفوَّق كاتب أو عالم اجتماع عراقي على الراحل علي الوردي، الذي يعتبره البعض ابن خلدون عصرنا، وقد أكون مخطئاً ، ودون إنكار دور الراحل فالح في رصانة و دقة أبحاثه العلمية التي لا تقدر.

لذلك اتصلت بالصديق الكفائي حول هذا الموضوع، ودخلنا في نقاش ودي عبر البريد الإلكتروني جرنا إلى المقارنة بين العالمين الجليلين، ودون أن ينكر أي منا فضلهما في خدمة الشعب العراقي. ومما قاله الأخ الكفائي في هذا الخصوص أن فالح كان يقول عن علي الوردي (أنه استاذه ومعجباً به... ). ويعلق الصديق قائلاً: (... ولكن فالح أعمق وأكثر جدية منه وأكثر دقة. علي الوردي يتميز بأنه كان يكتب للناس العاديين وهذا سر نجاحه،  بينما فالح يكتب للمتخصصين...). ثم عدد الأخ الكفائي نقاط الاختلاف بين المفكرين العملاقين، مثلاً قوله أن (فالح اهتم بكيفية بناء الدولة العصرية ومسؤوليات هذه الدولة تجاه المجتمع وإمكانية تغييره نحو الأفضل عبر الدولة، بينما اهتم الوردي بشخصية الفرد وتفكير الأفراد، ودور رجال الدين فيه، وفي اسناد الحكام ونحى بذلك منحى تأريخيا فاصبح مؤرخا من حيث يدري أو لا يدري ....إلى آخره).

هذه المحاورة الممتعة أوحت لكل منا بكتابة مقال حول الموضوع. الأخ د.حميد أن يكتب مقارنة بين هذين العالمين الجليلين. وأنا أكتب عن ضرورة التزام المصلح الاجتماعي بالوضوح والبساطة في كتاباته لإيصال أفكاره إلى أكبر عدد ممكن من القراء بغض النظر عن مستوياتهم الثقافية، مع التوكيد أنه من الصعوبة إيفاء الموضوع حقه في مقال، لأنه واسع وممتع ومتشعب خصوصا وأن المقال يتناول شخصيتين عملاقتين هما الوردي وفالح.

لقد قرأت جميع مؤلفات الوردي أكثر من مرة، كذلك كنت أتابع مقالات فالح على الانترنت، واحتفظت بالكثير منها في حاسوبي، منذ عام 1999. كما وقرأت له عدة كتب عندما كان عضواً في الحزب الشيوعي. ولكن لم يخطر ببالي أنه فاق العلامة علي الوردي... فكل شيء ممكن، ولا شك أن الراحل كان معجباً بالوردي. والجدير بالذكر أني عارضته مرة في عام 1999 عندما نشر مقالاً في صحيفة السفير اللبنانية، بعنوان: (معارضة تاريخية.. معارضة ظرفية)، وكان ضد تحالف المعارضة مع أمريكا في ذلك الوقت، بينما أنا كنت مع الرأي القائل أن المعارضة لوحدها لا تستطيع إسقاط النظام بدون الدعم الأمريكي، لذلك كتبتُ رداً عليه بمقال: (معارضة عملية... معارضة شعاراتية)، ونشرته السفير أيضاً، ومازلتُ محتفظاً بالمقالين. كذلك شاركتُ معه مرة في ندوة في لندن بعد سقوط النظام، وكعادته، كان رائعاً. لا شك أنه مؤسف جداً أن نخسر هكذا قامة علمية وطنية باسقة، وهي في أوج عطائها الفكري والنضالي.
والجدير بالذكر، أن هناك اتجاهين لدى الإصلاحيين، الأول يرى أنه من الأفضل أن يبدأ الإصلاح الاجتماعي، أو السياسي، أو الديني، من فوق إلى القاعدة (Top down)، أي أن يكسب المصلح الطبقة السياسية الحاكمة، والنخب المثقفة من المتخصصين الإنتلجنسيا. ويبدو أن د.فالح عبدالجبار كان من هذا الاتجاه. لذلك كان يخاطب المتخصصين والنخب المثقفة. أما الاتجاه الثاني فيرى البدء في الاصلاح من الجماهير أي من القاعدة إلى الأعلى (Bottom up). وعلي الوردي من هذا الاتجاه، لذلك اتبع اسلوباً اتصف بالبساطة والوضوح لمخاطبة الجماهير وكسبهم، وقد نجح في ذلك.

لا شك أن هناك فوارق كثيرة بين على الوردي و فالح عبدالجبار، فالأول كان أستاذاً جامعياً وأكاديمياً في علم الاجتماع، ولم يكن سياسياً أو منحازاً لأي حزب سياسي، وجاء في عهد يختلف كلياً عن العهد الذي عاشه الثاني. ولكنه في نفس الوقت كان الوردي جريئاً في انتقاده الشديد للسلطات المتعاقبة، والجماهير، ورجال الدين المثاليين، وخاصة الذين كانوا يداهنون السلطة عبر التاريخ، فأطلق عليهم عبارة (وعاظ السلاطين) التي هي من ابداعاته، وكان على الدوام ومنذ العهد الملكي يطالب بتبني النظام الديمقراطي الليبرالي دون كلل أو ملل.

بينما الراحل فالح عبدالجبار انخرط في الأحزاب السياسية الثورية، ففي بداية نشاطه السياسي في شبابه انضم إلى حزب البعث، وحتى كان حرساً قومياً أثناء انقلاب 8 شباط 1963 الدموي. ولكن ما يُسجل له أنه أدان هذا الحزب الفاشي، وتبرأ منه، والحزب مازال في السلطة، وانضم إلى الحزب الشيوعي المعارض الذي كان مضطهداً من قبل سلطة البعث، ومعظم أعضائه إما مشردون، أو في السجون يواجهون الموت والتعذيب. وهذه صفة نادرة في التاريخ، ودليل على وعي وحيوية ضمير فالح. كذلك ومنذ التسعينات من القرن الماضي استقل الدكتور فالح وكما الوردي، تبنى الديمقراطية الليبرالية، وواصل نشاطه كباحث أكاديمي مستقل في الشأن العراقي.

فأي من المدرستين (Bottom up Vs Top down) على صواب؟
في رأيي أن المصلح الاجتماعي والسياسي يجب أن يكون واضحاً في لغته، وطرح أفكاره كي يفهمها الناس العاديون قبل المتخصصين، ليكون لكتاباته تأثير فعّال على أوسع الجماهير، وبالتالي يكسب الشارع إلى جانبه، وهذا ما اتبعه الوردي وحقق نجاحاً باهراً كما أشرنا أعلاه. فعلي الوردي لم يكن حكواتي أو قصخون، كما يتصور البعض من نقاده، بل كان مصلحاً اجتماعياً من واجبه إيصال أفكاره التنويرية إلى جماهير الشعب، بأسلوبه السهل الممتنع، يضفي عليها بعبقريته البساطة، ويجعلها سهلة الفهم من قبل الناس ومهما كان مستواهم التعليمي أو الثقافي.

أما إذا كتب المصلح للخاصة المتعلمين وبلغة غامضة ورطانة علمية لا يفهمها إلا المتخصصون، ترفعاً على العوام، فهو كما يقول المثل المصري: (يبيع المية في حارة السقايين). و مما يذكر أن هناك كتّاب وفلاسفة إما يتعمدون في جعل كتاباتهم غامضة على الفهم، وذلك باستخدام الحذلقة اللفظية، والتعبيرات المزوقة، واستخدام الرطانة العلمية (jargons)، أو ليست لديهم فكرة واضحة لينشروها بوضوح.

وفي هذا الخصوص يقول الفيلسوف الأمريكي دانيال دانيت، أستاذ الفلسفة في (MIT)، في كتابه القيم (Breaking the Spell)، أنهم دعوا مرة الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، ليلقي محاضرة، وبعد أن انتهى من الإلقاء، سألته سيدة: يا سيد فوكو نحن افتهمنا محاضرتك، وكنتَ واضحاً في كلامك، فلماذا جميع كتاباتك غامضة يصعب علينا فهمها؟
فأجاب فوكو قائلاً، أن السبب هو أن في فرنسا عادة متأصلة، إذا كان الكاتب واضحاً في كتاباته لا يعترفون به كفيلسوف، لذلك، وليعترفوا به فيلسوفاً، ولا يتهمونه سطحياً، يجب عليه أن يجعل على الأقل 25% من كتاباته غامضة عصية على الفهم!!!
هذه العادة، مع الأسف، شائعة في مجتمعاتنا العربية أيضاً، إذ هناك رأي مفاده أنه كلما صعب علينا فهم كتاب أو مقال، كان دليلاً على عمق ثقافة الكاتب والكتاب، وأن القارئي لم يصل بعد إلى مستوى يجعله يفهم ما يقوله الكاتب!
 
لذلك أنا أميل إلى أسلوب الوردي الواضح، وبدون حذلقات لفظية، وتعبيرات غامضة. فالبساطة والوضوح في التعبير فن يطلق عليه (أسلوب السهل الممتنع). وفي هذا الخصوص يقول أينشتاين: "إذا لم تستطع شرح فكرتك لطفل عمره ستة أعوام، فأنت نفسك لم تفهمها بعد! فأي أحمق يستطيع أن يجعل الأمور تبدو أكبر وأكثر تعقيداً، لكنها تحتاج للمسة من عبقري لتبدو أبسط!"

على أية حال، وبالعودة إلى كتابات الراحل فالح عبدالجبار، فإنها لم تكن من الغموض والتعقيد بحيث لا يمكن المتعلم العادي أن يفهمها. ولا شك أن بحوثه كانت عميقة ودقيقة، وأنها كانت موجهة للمتخصصين لكي يكسبهم إلى الإصلاح. وكما استنتجنا (الأخ الكفائي وأنا)، أننا في الحقيقة بحاجة إلى الإثنين، الوردي وفالح، فكل منهما مكمل للآخر. ولهما الذكر الطيب.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة:
1- د. حميد الكفائي: فالح عبد الجبار: عاش فاعلاً ومات واقفاً
http://www.alhayat.com/Opinion/Hamid-Al-Kafaee/27772590/فالح-عبد-الجبار--عاش-فاعلاً-ومات-واقفاً
 
2- الموقع الفرعي لفالح عبدالجبار في الحوار المتمدن
http://www.ahewar.org/m.asp?i=787







31
ما البديل عن مؤتمر الكويت لاعمار العراق؟

د.عبدالخالق حسين

بدأت الحملة الضارية ضد مؤتمر الكويت (المنعقد في 13-14 فبراير/شباط 2018)، لاعمار العراق، وطبَّلوا وروَّجوا بفشله حتى قبل انعقاده. والمتتبع لهذه الحملة يرى وراءها  نفس الوجوه والجهات التي حاربت، وما تزال تحارب العراق الجديد منذ 2003 وإلى الآن. فهؤلاء يغيظهم أي نجاح، أو عمل جيد لصالح العراق، وهم خبراء في تشويه الحقائق، وتضليل الرأي العام، ونشر أقوال ظاهرها حق وغاياتها باطلة. وكالعادة تمسكوا بذريعة الفساد لإلحاق المزيد من الضرر بالعراق، وكأن الشعب العراقي لم ينجب إلا الفاسدين.

أعتقد أن مؤتمر الكويت كان ضرورياً ولم يكن منه  بد، وليس كما يروج البعض أن العراق راح يستجدي العالم لإعمار ما خربه الإرهاب والفساد. فالعراق تضرر أكثر من أي بلد آخر من الإرهاب البعثي الداعشي، ودفع عشرات الألوف من الشهداء من أبنائه في محاربة الإرهاب نيابة عن العالم، إضافة إلى الدمار الشامل لمدنه، وخاصة مدن المناطق الشمالية الغربية التي احتلتها عصابات داعش. لذلك فمن حق العراق أن يطالب العالم أن يتحمل قسطاً من مسؤولياته من تكاليف الإعمار، وهذا ليس استجداءً أو إهانة لكرامة الشعب كما يروِّج البعض. فالعراق لا يعاني من عقدة الكرامة.

والجدير بالذكر أن أمريكا قامت بإعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وفق (خطة مارشال)، ولم يقل أحد أن هذه المساعدات كانت استجداءً، أو إساءة لكرامة الشعوب الأوربية وسيادتها. كما وساعدت أمريكا في إعمار العراق بعد 2003 بما لا يقل عن 60 مليار دولار لغاية 2014. فنحن في عصر العولمة  حيث أصبحت المشكلة الوطنية مشكلة دولية. ومحاولة عزل العراق عن الدعم الدولي ليست جديدة، إذ سبق أن طالب هؤلاء حتى بعدم مشاركة أمريكا والقوات الدولية في دعم العراق في حربه على الإرهاب بعد 2014، بدعوى أن وجود هذه القوات في العراق إساءة للسيادة الوطنية، ولا يعتبرون احتلال داعش لثلث مساحة العراق إساءة للسيادة الوطنية. وبنفس الاسطوانة المشروخة أدعوا أن أمريكا هي عدوة للعراق وهي التي خلقت داعش والقاعدة... الخ، وأوجدت داعش لكي ترسل قواتها للعراق ثانية بحجة محاربة الإرهاب!! لا شك أن هذه الدعوات تصب في خدمة (داعش) وفلول أيتام البعث وأشباه البعث. 

فالعراق، وحسب تقديرات الحكومة العراقية يحتاج إلى 88 مليار دولار لاعمار مدنه المخربة، وكان يأمل من المؤتمر أن يتعهد الحلفاء بهذا المبلغ. وقد شارك في المؤتمر 77 دولة، كما و حضره الأمين العام للأمم المتحدة السيد غوتيريس، و وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موريغيني و حشد إعلامي عالمي كبير، فكان المؤتمر عبارة عن تظاهرة دولية لدعم العراق وإبراز ما تضرر من الإرهاب. ورغم ما تحقق من تعهدات المشاركين كان دون الطموح، إذ كما صرح وزير خارجية العراق الدكتور إبراهيم الجعفري: إن "المؤتمر تمكن من جمع 30 مليار دولار امريكي، ونحن نثمن الدول والمنظمات التي اعطتنا منح او قروض او استثمارات خلال المؤتمر". إلا إن هذا المبلغ بحد ذاته ليس قليلاً، ولا يعني أن عقد المؤتمر كان خطأً، أو إهانة للشعب العراقي كما يدعون. وماذا كانوا سيقولون لو لم تسع الحكومة العراقية لعقد مثل هذا المؤتمر؟ بالتأكيد لرفعوا عقيرتهم بالصراخ أن هذه الحكومة ليست مهتمة بما أصاب العراق من دمار.

والمضحك المبكي أن ادعى آخرون ضد المؤتمر أن في حالة نجاحه سيوفر الفرصة للفاسدين في الحكومة لسرقة المزيد من الأموال. فما الحل في هذه الحالة، هل إبقاء الخراب على حاله، وعدم محاولة الاعمار، وإلى متى؟ المؤتمر أيها السادة لم يفشل كما تمنى أعداء العراق، نعم كانت نتائجه أقل من الطموح، فالاتصالات لم تنه بعد، ولحد الآن وكما ذكرنا أعلاه، نجح المؤتمر في ما تعهدت به الدول الحليفة للعراق بنحو ثلاثين مليار دولار على شكل منح واستثمارات وديون، وهذا المبلغ يجب أن لا يُستهان به (1 و2). وفي جميع الأحوال، نجح المؤتمر أم فشل في تحقيق الطموح فهو إجراء لا بد منه، إذ كما قيل: أن تحاول وتفشل خير من أن لا تحاول.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- مؤتمر الكويت لاعمار العراق يختتم اعماله بجمع 30 مليار دولار
http://www.akhbaar.org/home/2018/2/240717.html

2-
Allies promise Iraq $30 billion, falling short of Baghdad's appeal
https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-iraq-reconstruction-ku/allies-promise-iraq-30-billion-falling-short-of-baghdads-appeal-idUSKCN1FY0TX



32
ما البديل عن رحيل القوات الأمريكية؟
د.عبدالخالق حسين

نقرأ في وسائل الإعلام تصريحات من بعض المسؤولين العراقيين، في مزايدات وطنية رخيصة، يطالبون فيها برحيل القوات الأمريكية التي ساهمت مع القوات الدولية بدعم القوات العراقية في حربها على الإرهاب وتحرير ثلث مساحة العراق من الإحتلال الداعشي الإرهابي الغاشم. فلولا هذا الدعم لكان الخلاص من الإرهاب أكثر تكلفة للعراق في الأرواح والأموال. وآخر تصريح في هذا الخصوص هو لعضو برلماني أدعى أن (بقاء القوات الأمريكية في العراق مخطط لتقسيم البلد)(1). والكل يعرف أن رحيل القوات الأمريكية في نهاية عام 2011 هو الذي أدى إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات شبه مستقلة.

تفيد الحكمة أن (العاقل يتعلم من أخطائه، والأعقل يتعلم من أخطاء غيره، أما الغبي فلا يتعلم حتى من أخطائه)، ويبقى يعيد نفس الأخطاء إلى ما لا نهاية. نسي السيد النائب هذا أنه لولا إصرار السيد نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، وبضغوط إيرانية ومن الموالين لها من المسؤولين العراقيين، على رحيل القوات الأمريكية لما سيطرت عصابات داعش على ثلث مساحة العراق وبدون إطلاق رصاصة واحدة، بينما كلَّف تحريرها عشرات المليارات الدولارات، وعشرات الألوف من أرواح العراقيين، ودمار شبه شامل لتلك المناطق التي ستكلف إعادة إعمارها أرقاماً فلكية ولعدة أجيال من الزمن.
والسؤال هنا، لماذا هذا الإصرار والعناد على تدمير البلاد والعباد؟ وهل يحتاج العراق إلى احتلال إرهابي آخر على غرار الاحتلال الداعشي  السابق، وتحت أسماء أخرى مثل عصابات (الرايات البيض) المدعومة من جناح مسعود بارزاني، لكي يتأكد هؤلاء السادة أن الإصرار على رحيل القوات الأمريكية ليس في صالح العراق بل لتدميره تماماً؟

الذين يطالبون برحيل القوات الأمريكية من العراق هم من ثلاث فئات: جماعة تتزايد بالمشاعر الوطنية لأغراض إنتخابية، وهم على خطأ في فهم مزاجية الشعب، وأخرى بأوامر إيرانية، وثالثة من أيتام البعث والطائفيين لتسهيل عودة الدواعش حيث لهم آلاف الخلايا النائمة تنتظر الأوامر للإنطلاق في اللحظة المناسبة. إنهم كعادتهم، مصرون على تدمير العراق، لذلك يجب أن لا نسكت عنهم.

ومهما كانت دوافع أمريكا في دعم العراق، سواءً عند تحريره من أبشع وأشنع احتلال فاشي ألا وهو الاحتلال البعثي الصدامي، أو في حربه على الإرهاب، فالإرهاب أيها السادة هو مشكلة دولية تهدد الحضارة البشرية كلها، وأية مشكلة دولية تحتاج لمواجهتها إلى دعم دولي بقيادة الدولة العظمى التي هي أمريكا. والعراق محظوظ في هذه الحالة أن تتوافق مصلحته مع مصلحة العالم وعلى رأسها الدولة العظمى، ومن حق أمريكا أن تهتم بالشأن العراقي، فأمريكا دفعت في تحرير الشعب العراقي من الاحتلال البعثي الصدامي، أكثر من أربعة آلاف قتيل، وأكثر من أربعين ألف جريح ومعاق من قواتها المسلحة، ونحو ترليون دولار من التكاليف.

واليوم نحن نعيش في عصر العولمة، لذلك وكما ذكرت آنفاً، إن المشكلة الوطنية وخاصة الإرهاب الإسلامي الوهابي البعثي الداعشي، هي مشكلة دولية تحتاج إلى جهود دولية مشتركة بقيادة أمريكا لمواجهتها. لذلك يجب على العراقيين أن يكونوا واقعيين، ويتخلصوا من نزعة العداء لأمريكا التي تفشت في عهد الحرب الباردة. فوجود عدة ألاف من القوات الأمريكية في العراق لتدريب قواته لا يسيء إلى السيادة الوطنية. فالقوات الأمريكية موجودة حتى في بريطانيا، وعشرات الدول الأخرى مثل ألمانيا، و اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها. فعن أية سيادة وطنية يتحدثون عندما احتلت عصابات داعش ثلث مساحة العراق، ودنست الأرض وهتكت العرض، وكانت كردستان عبارة عن إمارة بارزانية مستقلة، ومسعود بارزاني يهدد الحكومة المركزية؟

كذلك يحتاج العراق إلى الدعم الإيراني ، وعلى الحكومة الإيرانية ومن يواليها من المسؤولين العراقيين أن يتفهموا الموقف العراقي في علاقته مع أمريكا وفق (الاتفاقية الأمنية الإستراتيجية SOFA)، كما على أمريكا أن تعي أهمية وظرورة العلاقة الودية بين العراق وإيران، إذ كما أكد السيد رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي مراراً، أنه ليس من مصلحة العراق أن تصبح أراضيه ساحة لحروب الوكالة بين إيران من جهة، والسعودية وأمريكا وحلفائها من جهة أخرى. فالعراق بوضعه الهش، وشعبه الممزق، وعشرات المليشيات الحزبية المسلحة، ليس من مصلحته الدخول في الاستقطابات الدولية والإقليمية. فالعراق يحتاج دعم الجميع.

لذلك نهيب بالسيد رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي، أن لا يذعن لضغوط هؤلاء المطالبين برحيل القوات الأمريكية، وإلا سيكون مصيره كمصير سلفه السيد نوري المالكي الذي أذعن للضغوط الإيرانية. أي عودة احتلال إرهابي جديد، وتكرار سيناريو كل ما حصل منذ 10 حزيران 2014 إلى اليوم، وهذا يعني المزيد من الدمار، وأنهار من الدماء.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
 




33
لماذا المشاركة في الانتخابات واجب وطني؟

د.عبدالخالق حسين

إن أعداء الديمقراطية والعملية السياسية في العراق كثيرون ولكل أسبابه وغاياته، بينهم المتضررون من الديمقراطية، الذين لجأوا حتى إلى الإرهاب البعثي الداعشي، وتأليب عدد من دول الجوار، من أمثال طارق الهاشمي والأخوين النجيفي ومن لف لفهم، ومنهم من يريد تدمير الدولة العراقية لتحقيق إمارة باسم عائلته مثل مسعود بارزاني. وهؤلاء وأولئك لهم جيوش من الإعلاميين وكتاب مواقع التواصل الاجتماعي، يحاولون تضليل المواطنين والتشويش عليهم وبلبلة افكارهم. هؤلاء جميعاً مارسوا كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق مآربهم الشريرة، ابتداءً بالإرهاب ، و حملات الاعتصامات في ساحات المدن والمناطق الغربية تمهيداً لتسليم مناطقهم إلى داعش.

وبعد أن فشلت كل محاولاتهم، بدءً بهزيمة داعش وتدمير مناطقهم، وتشريد أهاليهم، وافتضاح أمرهم بالتآمر على الوطن لمصالحهم الشخصية، حتى فقدوا جماهيريتهم في مناطقهم، فلجأوا إلى حملات إعلامية تضليلية مطالبين في البداية بتأجيل الانتخابات، متذرعين بذرائع واهية مثل الانتظار إلى عودة النازحين إلى مناطقهم. والكل يعرف أن هذا العذر غير ممكن وغير صحيح، لأن العودة الكاملة للنازحين قد تتأخر إلى أجل غير معلوم، كذلك تعهدت مفوضية الانتخابات بتوفير الشروط اللازمة لتمكين النازحين من الإدلاء بأصواتهم وهم في مناطق نزوحهم. ولكن بعد أن فشلت محاولاتهم هذه في التأجيل بإصدار المحكمة الاتحادية العليا قرارا يقضي بإجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر في 12 مايو/أيار المقبل وفق نصوص الدستور وعدم تأجيلها(1)، عندها شنوا حملة ضارية مضللة أخرى يحرضون فيها المواطنين بمقاطعة الانتخابات، بحجة أنها ستأتي بنفس الوجوه من الفاسدين، وكأن الشعب العراقي أصيب بالعقم لا ينجب إلا سياسيين فاسدين !!

ومن دعاة عرقلة الانتخابات صحيفة المدى لصاحبها فخري كريم، المعروف بولائه لولي نعمته مسعود بارزاني، ومن خلال أجيره عدنان حسين الذي كرس كل إمكانياته الصحفية لخدمة أولياء نعمته حتى ولو بإلحاق الضرر بمصلحة شعبه وبذريعة خدمة الشعب. فعندما كان يعمل في صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية اللندنية، كتب عدنان حسين مقالاً يطالب فيها السعودية، والكويت، وكل الدول الدائنة للعراق في عهد صدام إلى عدم التنازل عن ديونها، ليكون ذلك درساً للشعب العراقي كي لا ينجب قائداً مجرماً مثل صدام حسين في المستقبل!! وكأن صدام حسين استلم السلطة من خلال صناديق الاقتراع، وشن حروبه على دول المنطقة بعد استفتاءات شعبية حرة وعادلة لكي يعاقب هذا الشعب والأجيال القادمة بجريرة صدام. فالرجل منذ تعيينه في صحيفة (المدى) راح يواصل مناهضته للعملية السياسية تحت مختلف الذرائع، تارة باسم مناهضة الإسلام السياسي، رغم أنه يداهن ويتقرب إلى مقتدى الصدر وتياره الإسلامي، وأخرى باسم محاربة الفساد. طبعاً لم نقرأ له يوماً أي مقال ينتقد فيه جرائم مسعود بارزاني وما ألحقه من أضرار بالدولة العراقية.
يعرف عدنان حسين كصحفي محترف، كيف يدس السم بالعسل، ويلبس الباطل بلباس الحق، إذ يقول في عموده يوم 28 كانون الثاني/يناير الجاري: "مقاطعة الانتخابات، أيّ انتخابات، حقّ لمن يرغب فيها وله غاية منها، يعادل تماماً الحقّ في الانتخاب، ففي الحالين يكون الفرد قد مارس حريته الشخصية المقدّسة، ولا حقّ لأحد في لومه أو إرغامه على تغيير موقفه...الخ". ومن قراءة بقية المقال نعرف أنه يميل على المقاطعة.
نعم للمواطن الحق في المشاركة أو عدمها، ولا يجوز إرغامه على التصويت، ولكن بمثل ما يحق للسيد عدنان حسين التحريض على عدم المشاركة، كذلك يحق لغيره لوم من يرفض المشاركة، وحثه على المشاركة، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، ولأن المشاركة في الانتخابات عمل وطني في خدمة الديمقراطية، وعدم المشاركة يخدم أعداء الوطن والديمقراطية.

والجدير بالذكر أن مناهضة الانتخابات البرلمانية لم تتوقف على بعض الصحفيين، بل طلع علينا قبل
أيام رجل دين شيعي معمم أصدر فتوى حكم فيها بـ«وجوب مقاطعة هذه الانتخابات بل وحرمة الحضور في مراكزها ولو لشطب الاستمارة "(2). يذكَّرني هذا الشيخ بالحديث المنسوب للنبي محمد(ص) قوله: "أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون". هذا الحديث ينطبق على هذا الشيخ المعمم الضال و المضلل، وهو على الضد مما يدعو إليه عالم الاجتماع الراحل علي الوردي الذي قال أنه لو كان رجل دين لأفتى بجعل المشاركة في الانتخابات واجباً دينياً ملزماً. فالانتخابات هي ثورة سلمية تزحف فيها الجماهير بتغيير الحكومة بقصاصة ورقة بدلاً من الرصاص (ballet instead of bullet)، لذلك يضيف الوردي في مكان آخر: أن "الحكومة التي لا تدرب رعاياها على اتباع طريق الثورة السلمية الهادئة، أي الانتخابات، سوف تجابه من غير شك ثورة دموية عنيفة في يوم من الأيام".

والمفارقة هنا أن الحكومة العراقية الراهنة هي التي تدعو للانتخابات، بينما بعض السياسيين والإعلاميين، ووعاظ السلاطين، وأولياء نعمتهم الذين يدعون زيفاً حرصهم على الديمقراطية، يطالبون الشعب بعدم المشاركة فيها... حقاً أنها لمهزلة.

أما التعلق بذريعة الفساد والخوف من عودة نفس الوجوه ، فالفساد لا يمكن محاربته بمقاطعة الانتخابات التي هي أهم شرط من شروط الديمقراطية، بل بالمشاركة الفعالة فيها من قبل جميع الذين يحق لهم التصويت، وحث الناخبين بانتخاب المرشحين الوطنيين الشرفاء. أما المقاطعة فهي عملية شل الناخب وتحويل صوته إلى صفر، والمعروف أن مجموع آلاف الأصفار هو صفر على الشمال لا قيمة له. لذلك فالذين يحرضون على المقاطعة هو اعتراف ضمني قاطع منهم أنهم فقدوا شعبيتهم، ولا أمل لهم بالفوز، لذلك يضللون الجماهير بحثهم على المقاطعة ولسان حالهم يقول: "عليًّ وعلى أعدائي يا رب".

الانتخابات أيها السادة هي عبارة عن دورات دراسية عملية لتدريب جماهير الشعب على ممارسة الديمقراطية وتعلم قواعدها واحترام نتائجها ومهما كانت. فكما قال ونستن تشرتشل: "الحكومة الديمقراطية هي ليست الحكومة المثالية، ولكن لحد الآن لا توجد حكومة أفضل منها". فالحكومة الديمقراطية قد تأتي ببعض الفاسدين، ولكنها في نفس الوقت تمتلك أدوات تصحيح أخطائها. وإذا ما فاز الفاسدون، على المقاطعين أن لا يلوموا إلا أنفسهم، فالدعوة لمقاطعة الانتخابات عملية إخصاء الجماهير وتجريدها من إرادتها ودورها في التغيير نحو الأفضل.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- المحكمة العليا العراقية تؤكد موعد الانتخابات البرلمانية
http://www.aljazeera.net/news/arabic/2018/1/21/المحكمة-العليا-العراقية-تؤكد-موعد-الانتخابات-البرلمانية
2- دعوات لمقاطعة الانتخابات في العراق بعد رفض التأجيل
مرجع شيعي يفتي بحرمة المشاركة والبعض يعتبرها موقفاً شخصياً
https://aawsat.com/home/article/1154026/دعوات-لمقاطعة-الانتخابات-في-العراق-بعد-رفض-التأجيل
3- د.عبدالخالق حسين: حذاري من تأجيل الانتخابات!
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=939

34
لا للتجنيد الإجباري!
د.عبدالخالق حسين

بين حين وآخر، وخاصة عندما تمر ذكرى تأسيس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني/يناير من كل عام، نقرأ بعض الدعوات تطالب بإعادة التجنيد الإجباري الذي انتهى بعد  سقوط النظام البعثي في 9 نيسان/أبريل 2003. لا شك أن أغلب هذه الدعوات تصدر من عراقيين لا يُشك بوطنيتهم، وحسن نواياهم. وحجتهم في ذلك أن الخدمة العسكرية الإلزامية هي مدرسة للوطنية، يتعلم فيها العراقيون على حب الوطن، وتغرس فيهم الاستعداد للتضحية دفاعاً عن بلادهم، وعن حدودها من الأعداء، وتنمي فيهم الشعور بالمسؤولية ازاء الشعب والوطن، كما و تعوِّدهم على الانضباط. أما التجنيد الطوعي وبراتب مغري كمصدر رزق للجندي المحترف يعتمد عليه في معيشته، ومعيشة عائلته، فهذا قريب من الارتزاق في رأيهم. ولتأكيد هذا الرأي، يستشهدون بما حصل في يوم 10 حزيران/يونيو عام 2014 عندما امتنع الجيش العراقي عن حماية الموصل والمحافظات الغربية الأخرى من الاحتلال الداعشي، رغم أن القوات الأمنية العراقية المسلحة (الجيش والشرطة) المرابطة هناك كانت تفوق الدواعش بمئات المرات في العدة والعدد. وعليه يستنتجون أن التجنيد الإجباري كما كان قبل عام 2003، هو الحل الصحيح لمنع تكرار ما حصل من احتلال داعشي.

ورداً على هذا الموقف أعلاه، كتب لي صديق قائلاً: "بمناسبة الذكرى البهيجة لتأسيس الجيش الذي ذاق على يده أبناء الشعب المر والهوان ،،،، طلع علينا تنظيم سياسي بالدعوة للعودة الى نظام التجنيد الإلزامي سيء الصيت والذكر ،،،،، متناسيا ان التجنيد الإلزامي هو استعباد حقيقي أذاق أبناء الشعب انواع الذل والقهر" وأضاف: "طبعا أبناء المسؤلين يعيشون في الخارج حفظهم الله، وهم غير مشمولين بالتجنيد الإلزامي الذي يدعو اليه ذلك التنظيم وفقه الله!!). انتهى

وأنا إذ أؤيد بقوة كل ما جاء في رسالة الصديق، وأضيف أن الحكومات السابقة، كانت تستخدم الخدمة العسكرية الإجبارية كذريعة لعدم توفير فرص عمل مأجور لآلاف من خريجي المدارس والجامعات لمدة سنتين على الأقل. و لم يكن الأمر فقط العمل بدون أجر، ولكن أيضا وسيلة للسيطرة على المعارضة السياسية التي كان الشباب يشكلون غالبيتها. 
وفي الظروف الحالية لن يلتحق الا افرادا في التجنيد الاجباري ففي ايام البعث كانت فرقا عسكرية وأخرى حزبية وأمنية ودوائر انضباط تطارد الفارين وغير الملتحقين، ونفذ حكم الاعدام ببعضهم وقطعت آذان البعض الآخر، ووشمت جباههم بالحديد والنار، ومع ذلك لم تتم السيطرة على الحال فكيف الآن والبلد غارق في الفساد والمشاكل؟

كذلك من نافلة القول أن التجنيد الطوعي ليس السبب في سقوط المحافظات الغربية بيد داعش، ولا التجنيد الإجباري يعطي الضمانة والحصانة ضد تكرار الاحتلال الداعشي، إذ لا يمكن إلقاء اللوم على الجنود فيما حصل، فالجنود مأمورون بتنفيذ أوامر الضباط، سواءً كان التجنيد طوعياً أو إجبارياً. وغني عن القول أن الضباط في جميع العهود من تاريخ العراق، هم متطوعون اختاروا الخدمة العسكرية كمهنة لهم بعد دخولهم وتخرجهم في الكليات و المعاهد العسكرية، وانضموا إلى الجيش كعسكريين محترفين بإرادتهم الحرة، سواء كان قبل عام 2003 أو بعده. وهم الذين يعطون الأوامر للجنود (المتطوعين أو الإجباريين)، ويتحملون النتائج. فالجندي ملزم على تنفيذ أوامر الضابط ، وبخلافه يعاقب وفق القوانين العسكرية الصارمة قد تصل العقوبة إلى الاعدام رمياً بالرصاص.

أما احتلال المحافظات الغربية من قبل الدواعش عام 2014، فقد تم بالتواطؤ بين بعض القيادات السياسية المشاركة في العملية السياسية، وبين الضباط من أبناء تلك المناطق بحجة الإقصاء والتهميش، ودون إطلاق رصاصة واحدة كما بات معروفاً لدى القاصي والداني، ولا علاقة له بكون الجنود كانوا متطوعين. و قد كتبنا عن ذلك عدة مقالات، وعلى سبيل المثال نشير إلى مقالنا الموسوم: (تسليم الموصل لداعش بالتواطؤ)*، أكدنا فيه أن سقوط هذه المناطق بيد (داعش)، كان بسبب مؤامرة محلية و دولية، شارك فيها ضباط قياديون في الجيش بدوافع طائفية وعنصرية، كان ولاءهم لقياداتهم السياسية، وليس للقائد العام للقوات المسلحة الذي هو رئيس الوزراء في العراق الديمقراطي كما نصَّ الدستور. وهؤلاء الضباط هم الذين أمروا الجنود بالذهاب إلى بيوتهم في إجازة مفتوحة، أما هم (الضباط)، فإما ذهبوا إلى بيوتهم أو لجأوا إلى أربيل، أو انضموا إلى تنظيم "داعش" الذين سموهم بالثوار.

ليس هذا فحسب، بل ارتكب هؤلاء الطائفيون الدواعش مجزرة بشعة ضد طلبة الطيران في القاعدة الجوية في تكريت، عُرِفت بمجزرة سبايكر، راح ضحيتها نحو 1700 شهيد بدوافع طائفية انتقامية لا لشيء إلا لأنهم من الطائفة الشيعية. ولنفس السبب قتل الدواعش نحو 670 سجيناً في سجن بادوش في الموصل على خلفيات طائفية.

ومن جانب آخر، أبلت فصائل الحشد الشعبي، بلاءاً حسناً مضحين بأرواحهم، في سبيل تحرير الأرض والعرض من دنس داعش، وهم متطوعون استجابوا للفتوى الجهاد الكفائي، مع بقية القوات الأمنية المسلحة الباسلة التي تم تطهيرها من الضباط المتخاذلين، والمتواطئين.

كذلك نرى معظم الدول الديمقراطية العريقة في العالم تخلصت من التجنيد الإجباري، وأسست قواتها المسلحة من المتطوعين، وبذلك بنت قوات عسكرية قوية محترفة للفنون القتالية بجميع الصنوف و المراتب. وبهذه الجيوش المحترفة حققت هذه الدول انتصارات ساحقة في الحروب. أما في العراق، وفي جميع العهود ما قبل 2003، كان الجندي الإجباري أول ما يتم تجنيده ينذر الذبائح لتسريحه سالماً،! وكانت مناسبة تسريحه من الجيش أسعد أيام حياته، لا بل أسعد من تحريره من السجن!

ومن كل ما تقدم نستنتج أن سبب انتصار، أو هزائم الجيوش في الحروب ليس بسبب كون التجنيد فيها على أساس إجباري أو طوعي، بل على مدى إيمان الضباط برسالتهم الوطنية، وبالقضية التي يدافعون عنها، وإخلاصهم للشعب والوطن، وانضباطهم العسكري وما تلقوه من تدريب.

لذلك ، نهيب بالمسؤولين في الدولة العراقية، وعلى رأسها الرئاسات الثلاثة والبرلمان بعدم الاستجابة للدعوات المطالبة بعودة التجنيد الإلزامي، لأنه مضيعة للوقت والجهد، بينما الجيش المبني على التطوع يكون أكثر مهنياً وإنضباطاً، والتزاماً برسالته الوطنية، وهذا واضح مما حققته قواتنا الباسلة من انتصارات ساحقة على الإرهاب الداعشي بعد أن توفرت لها القيادات المخلصة.
8/1/2018
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــ
* رابط لمقال ذو صلة
* د. عبد الخالق حسين: تسليم الموصل لداعش بالتواطؤ
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=656




35
هل ما يجري في إيران هو استنساخ للسيناريو السوري؟

د.عبدالخالق حسين

لا شك أن ما يجري من تظاهرات احتجاجية ضد النظام الإسلامي في إيران له مبرراته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما حصل في جميع البلدان العربية فيما سمي بانتفاضات الربيع العربي. فالشعب الإيراني عريق بحضارته وتاريخه المجيد، وتطلعاته لحياة مرفهة راقية تواكب الحضارة الحديثة، فيما عملت الحكومة الإسلامية إلى إعادته إلى القرون الوسطى و السير به إلى الوراء ضد سنة الحياة و قوانين حركة التاريخ التقدمية.

كما إن إيران بلد غني بثرواته الطبيعية، إلا إن الحكومة الإسلامية خلقت لها أعداء كثيرين وعلى رأسها أمريكا، الدولة العظمى، وبددت وارداتها الهائلة على عسكرة المجتمع والتسلح، والبرنامج النووي، إضافة إلى تكاليف مشاركتها في حروب الوكالة في سوريا ولبنان واليمن، وتهديدها بإزالة إسرائيل من الخارطة، التهديد الذي كلفها كثيرا، وتحمل الشعب الإيراني الكثير من شظف العيش، وارتفاع الأسعار ، ونسبة البطالة بمعدل 12.5% في عموم البلاد، والتي بلغت في بعض المدن إلى 60% ،  حسب تصريحات مسؤول إيراني.

هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتأزم لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، إذ كما قيل: (الشعب يمهل ولا يهمل)، فإذا لم تتدارك الحكومة الموقف، وحل هذه الأزمات وأسبابها، فلا بد للشعب أن ينفجر. وهذا ما حصل في الأيام الأخيرة من تظاهرات تتحدى رصاص السلطة، في عشرات المدن الإيرانية بما فيها العاصمة طهران، بل وحتى مدينة قم التي تعتبر مركز القيادة الدينية المؤيدة للنظام، ولحد كتابة هذه السطور، بلغ عدد القتلى أكثر من 20 من الطرفين (المتظاهرين والقوات الأمنية)، إضافة إلى إشعال النيران في بعض مؤسسات الدولة.

هذا الوضع لا بد وأن يتم استغلاله من قبل الحكومات الأجنبية المعادية للنظام الإسلامي في إيران مثل أمريكا وإسرائيل والسعودية، خاصة وقد هدد ولي العهد السعودي قبل أشهر أنهم يسعون لنقل الحرب إلى إيران نفسها. و بعد ذلك التهديد حصل هجومان إرهابيان احدهما داخل البرلمان الايراني، والآخر في مرقد الامام الخميني في يوم 7 حزيران 2017. وأعلنت وزارة الأمن الايرانية أن اكثر من مجموعة مسلحة حاولت تنفيذ عمليات ارهابية في طهران صباح ذلك اليوم، وألقي القبض على احداها قبل تنفيذها أي عملية ارهابية. وأعلن مسؤول الطوارئ الايراني أن الهجومين اسفرا عن 12 قتيلاً و 42 جريحا.
لذلك ليس مستبعداً أن ما يجري هذه الأيام في إيران من انفجار جماهيري كرد فعل على معاناة الجماهير من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تم اختطافها وتفجيرها من قبل الحكومات الرجعية المعادية للنظام الحاكم.
هذا الاحتمال وارد، حيث حذرت منه اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإيراني (تودة)، في بيان له بعنوان: (نضال الشعب الإيراني- المُحبط من الاضطهاد والطغيان والغلاء والاستبداد- ضد الدكتاتورية حقيقي ويجب ألا يُسمح باختطافه)(1). كذلك نشرت صحيفة الغارديان اللندنية مقالاً تحليلياً قيماً حذرت فيه من نتائج هذه الانتفاضة الجماهيرية، بعنوان: (الأفضل لاعداء إيران أن لا يتمنوا تغيير النظام)، جاء فيه: أن "التوترات مع المملكة العربية السعودية مرتفعة، و أي إضعاف للحكومة الإيرانية يمكن أن يؤدي إلى تصعيد خطير في المنطقة"(2).

فرغم ما يشاع عن الأزمة الاقتصادية في السعودية، إلا إن هذه "الأزمة" هي ليست وفق معايير الدول النامية، بل وفق معايير السعودية نفسها التي لا تقل وارداتها نحو مليار دولار يومياً، ولا تمنع ولي العهد محمد بن سلمان الذي شن حملة ضد الفساد،  قد اشترى له قصراً فارهاً بملغ يزيد على ثلاثمائة مليون دولار في لوفيسين بفرنسا، و يختاً طوله 440 قدماً من تاجر روسي بما يقرُب من خمسمائة وخمسين مليون دولار، ولوحة لدافنشي بسعر 450 مليون دولار. فهكذا دولة يصرف ولي عهدها مئات الملايين على الترف، وعشرات المليارات الدولارات على تدمير العراق وسوريا وليبيا، واليمن، لا مانع لديها أن تصرف بضعة مليارات أخرى على تدمير إيران، وأن تعيد فيها السيناريو السوري في تدمير المدن الإيرانية وتحيلها إلى خرائب وأنقاض. إن هذا السيناريو ممكن، و تداعياته على دول المنطقة وخاصة العراق، أشد وأنكى مما حصل في سوريا واليمن وليبيا. فهكذا بدأت الانتفاضة السورية عام 2011 فيما سيمت بانتفاضات الربيع العربي، بدأت بتظاهرات طلابية سلمية في مدينة درعا الجنوبية، ثم انتشرت كالنار في الهشيم في جميع المدن السورية، والتي لم تنتهي إلى اليوم، وأحالت المدن السورية إلى خرائب وأنقاض.

لذلك، على الحكومة الإيرانية أن تستفيد من تجارب غيرها. فمهما قيل عن القبضة الحديدية التي تستخدمها القوات الأمنية الإيرانية ضد المتظاهرين، إلا إن إرادة الشعب أقوى ولا بد أن تنتصر. فالنظام الإسلامي في إيران ليس أقوى من النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وبقية الدول الاشتراكية التي سقطت في أوائل التسعينات من القرن الماضي، لا بسبب التدخل الخارجي، بل بسبب انتفاضة الجماهير ضد الأنظمة الشمولية التي فشلت اقتصادياً وفكرياً وسياسياً وأخلاقياً، ولم يبق أي مبرر تاريخي لوجودها. فالنظام الإسلامي الشمولي في إيران أو غير إيران محكوم عليه بالفشل ومهما استخدموا سلاح القمع. وللتقليل من الأضرار، عليهم أن يقوموا بالتغيير بأنفسهم على غرار ما قام به آخر رئيس سوفيتي، ميخائل غورباتشوف الذي بدأ بالانفتاح (غلاسنوت)، وبرنامج إعادة البناء (برسترويكا)، والذي مهد للتحول الديمقراطي بأقل ما يمكن من أضرار. وبدون ذلك ستكون العواقب وخيمة ليس على إيران وحدها، بل وعلى جميع دول المنطقة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- بيان اللجنة المركزية لحزب توده الإيراني: نضال الشعب الإيراني- المُحبط من الاضطهاد والطغيان والغلاء والاستبداد- ضد الدكتاتورية حقيقي ويجب ألا يُسمح باختطافه
http://taqadomi.com/%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A9-

2- رابط مقال الغارديان، بعنوان: الأفضل لاعداء إيران أن لا يتمنوا تغيير النظام
Iran's enemies would be wise not to wish for regime change
Tensions with Saudi Arabia are high, and any weakening of the Iranian government could lead to a dangerous escalation.
https://www.theguardian.com/world/2018/jan/01/iran-enemies-wise-not-wish-regime-change

 












36
الحشد الشعبي ما بعد داعش
د.عبدالخالق حسين

يمكن تقسيم مواقف العراقيين من الحشد الشعبي إلى ثلاث، موقف مؤيد بمنتهى الحماس، ويؤل له كل الانتصارات على داعش مع تجاهل دور جيشنا الباسل، وآخر معادي له ويعتبره مجرد مليشيات مسلحة لفصائل سياسية تابعة لإيران، لا تختلف في خطورتها عن داعش. وفريق ثالث معتدل، يرى أن الحشد تأسس في وقت مناسب استجابة لفتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها الإمام السيستاني يوم كان العراق مهدداً باحتلال داعش من شماله إلى جنوبه. والجدير بالذكر أن الإمام السيستاني كان دائماً بمثابة صمام الأمان للشعب العراقي، دون أي انحياز لهذا المكون أو ذاك، وهو صاحب مقولة (أهل السنة هم أنفسنا).

ومن شدة حماسه، راح الفريق الأول يطالب بترشح الحشد في الانتخابات وتحويله إلى تجمع سياسي لمكافأته على تضحياته، الأمر الذي رأيتُ فيه خطراً على مستقبل العراق والعملية السياسية، لذلك نشرتُ مقالاً بعنوان: (لا لمشاركة الحشد الشعبي في الانتخابات)(1). وقد عاتبني البعض منهم على دعوتي هذه، بينهم كتاب معروفين بإخلاصهم للعراق، إذ سألني أحدهم: (ماهي المسوغات الشرعية و العرفية و الانسانية و القانونية لرفضكم مشاركة الحشد في الانتخابات؟).
فأجبته بما يلي:
المسوغات هي كون الحشد الشعبي تنظيم عسكري مسلح من تنظيمات الجيش العراقي، وبقية القوى الأمنية المسلحة. ووفق الدستور العراقي الدائم الذي صوت عليه الشعب عام 2005، لا يجوز للقوات المسلحة أن تمارس أي نشاط سياسي، ومنه الترشح للانتخابات المحلية والبرلمانية. وقد أثبتت التجارب العالمية أنه في حالة مشاركة القوات المسلحة بالسياسة، سيحلون خلافاتهم بالرصاص بدلاً من النقاش الهادئ، و التصويت والأخذ برأي الأغلبية. وذكَّرتُه بما حصل في اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1986 عندما حلَّ خلاف في صفوف قيادة الحزب الحاكم (الماركسي)، فانشق إلى جناحين انفجرت بينهما أزمة سياسية استخدموا فيها السلاح بدلاً من التصويت، فقُتل الآلاف من نفس التنظيم، من بينهم زعيم الحزب اليمني الاشتراكي، والمنظر الثوري المعروف عبدالفتاح اسماعيل، وعدد غير قليل من القياديين. لذلك فالسماح للقوات المسلحة، ومنها الحشد الشعبي بالترشح للانتخابات وممارسة السياسة ، يعني آخر مسمار في نعش الديمقراطية والاستقرار في العراق.

أما الفريق المتوجس خيفة من الحشد فيطالب بحله "الآن الآن وليس غداً"!!، وحجته أنه يجب حصر السلاح بيد الدولة فقط، وهو قول صحيح ونؤيده بقوة، ولكن الحشد ليس خارج الدولة، بل هو جزء من القوات المسلحة حسب قانون أصدره البرلماني العراقي، وهو تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة.
كذلك نرى أن وضع العراق هش، فرغم قضائه على الجناح العسكري من داعش، إلا إن هناك مئات الخلايا الإرهابية النائمة، واحتمال ظهور تنظيمات داعشية أخرى في أي وقت وبمختلف الأسماء. فهناك قيادات سياسية رغم مشاركتها في العملية السياسية، ولكنها مدمنة على خلق المزيد من المشاكل للعراق، ونحن نعرف دور مسعود بارزاني والأخوين النجيفي في جلب داعش إلى العراق بحجة التهميش والاقصاء، وبدعم حكومات أجنبية.

كذلك فما أن انتصرت الدولة على داعش، واسترجعت المناطق المتنازع عليها ومنها كركوك من هيمنة الانفصاليين بقيادة البارزاني، حتى وبرزت لنا ظاهرة جديدة باسم (تنظيم الرايات البيضاء)، والتي يعتقد أن رئيس إقليم كردستان السابق مسعود بارزاني قام بتشكيله لـ"زعزعة امن واستقرار المدن الشمالية"، وأنهم من الدواعش الذين سلموا انفسهم للبيشمركة".(2)

وكما تفيد الحكمة: (لا يصح إلا الصحيح)، فها هي المرجعية الدينية العليا، وعلى لسان ممثلها الشيخ عبد المهدي الكربلائي، تدعو الى دمج قوات الحشد الشعبي بالمنظومة الأمنية" مشددة على "محاربة الفساد والفاسدين بكل حزم وقوة".(3)... وهذا يعني أن المرجعية هي الأخرى تؤيد عدم السماح للحشد بالترشح للانتخابات البرلمانية والمحلية، أو أي نشط سياسي. وقد أيد الدكتور العبادي رئيس الوزراء هذه الدعوة متعهداً للمرجعية بـ "محاربة الفساد المستشري والتصدي له بكل أشكاله"(4).

وبناءً على كل ما سبق، ما زلنا نعتقد أن أفضل حل للحشد الشعبي، ومكافئته على تضحياته في مساهماته البطولية مع جيشنا الباسل في دحر داعش، هو دمجه مع القوات الأمنية، وعدم  زجه في صراعات سياسية التي لا تسلم من تلويث السمعة بالفساد.
17/12/2017
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: لا لمشاركة الحشد الشعبي في الانتخابات
 http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=935

2- عضو في الامن النيابية يتهم بارزاني بتشكيل تنظيم أصحاب الرايات البيضاء.. هؤلاء عناصره
http://www.akhbaar.org/home/2017/12/238182.html

3- المرجعية العليا تدعو الى دمج الحشد بالمنظومة الامنية ومحاربة الفساد بكل حزم وقوة
http://www.akhbaar.org/home/2017/12/238123.html

4- العبادي يتعهد للمرجعية بـ "محاربة الفساد المستشري والتصدي له بكل أشكاله"
http://www.akhbaar.org/home/2017/12/238138.html


37
لا لمشاركة الحشد الشعبي في الانتخابات

د.عبدالخالق حسين

هناك سجال في الأوساط السياسية العراقية حول عزم بعض قادة الحشد الشعبي في المشاركة بالانتخابات المحلية والبرلمانية، وذلك بتشكيل قائمة انتخابية باسم (تحالف المجاهدين)، بدعوى أنها تضم الفصائل المشاركة في الحرب على داعش في العراق. ولحسن الحظ هناك أصوات عاقلة من قياديين آخرين في الحشد يحذرون من مغبة هذه المشاركة، ومنهم القيادي في منظمة بدر، السيد كريم النوري الذي عدد عشرة مخاطر من بينها: "استغلال الجهاد والتضحيات والانتصارات لأغراض استقطابية وانتخابية اساءة واضحة لعنوان الجهاد المقدس"، و "ليس بالضرورة ان من يفقه المقاومة والجهاد ويحسن اداءهما سينجح في الميدان السياسي ومتغيراته،...الخ)(1). ونحن إذ نؤيد بقوة السيد النوري في تحذيراته.

في الحقيقة، أن مشاركة الحشد في الانتخابات ليست إساءة للجهاد المقدس فحسب، بل ويشكل أكبر خطر على الديمقراطية، وربما تعني نهاية الديمقراطية في العراق بعد كل هذه التضحيات الجسام، ودعوة لحروب أهلية قادمة بحل الخلافات السياسية بالسلاح. وقد أدرك الذين كتبوا الدستور، هذه المخاطر، لذلك فرضوا مادة يمنع بموجبها مشاركة القوات المسلحة بالعمل السياسي والانتخابات المحلية والبرلمانية. وهذا لا يمنعهم من التصويت بل يمنعهم من الترشح.

وحسناً فعل السيد رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي عندما أعلن رفضه الشديد لهذه المشاركة، إذ جاء في خطاب له: "لا يجوز أن تخلط السياسة بالجانب العسكري هذا أمر مهم لأننا مقبلون على انتخابات محلية وبرلمانية ولا ينبغي لفئات سياسية تحمل السلاح أن تشارك في الانتخابات ... توجد ضرورة لفصل السلاح عن العمل السياسي"... "بحسب الدستور العراقي لا وجود لأي جماعات مسلحة خارج إطار الدولة".. "من يحملون السلاح خارج إطار الدولة يعتبرون خارجين عن القانون وسنواجههم"... "قانون الحشد الشعبي يأتي بهؤلاء الذين قاتلوا بشجاعة وبسالة وضحوا بأنفسهم من أجل الدفاع عن العراقيين ليكونوا ضمن هذه المنظومة تحت القيادة العراقية".(2 و3)

كذلك هناك محاولات للتشويش على الرأي العام، وذلك بزج اسم الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني، أنه يحاول فرض مشاركة الحشد في الانتخابات. ونحن إذ نشك بذلك، وإن صدق فعلى المسؤولين العراقيين تحذير السيد سليماني من التدخل في الشأن العراقي. وربما الغرض من هذه الإشاعة هو لتضليل الرأي العام أن العراق واقع تحت النفوذ الإيراني، و ومحاولة لتشويه صورة الحشد الشعبي بأن ولاءه لإيران... إلى آخره من الإشاعات المسمومة.
و يذكر أن مجلس النواب العراقي صوت في الـ 26 نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2016، على قانون هيئة الحشد الشعبي...، وعليه فالحشد هو جزء من القوات العسكرية التي هي بقيادة القائد العام للقوات المسلحة، وبذلك يُطبق عليه ما يُطبق على بقية القوات العسكرية والأمنية من المواد الدستورية، أي منع الحشد من المشاركة في الانتخابات وأي عمل سياسي. وإذا رغب أي شخص في هذه القوات المسلحة بالترشح في الانتخابات فعليه أن يستقيل من وظيفته العسكرية، لان الدستور يمنع الجمع بين السياسة والعمل المسلح.
وأهم خطر على الديمقراطية من زج حامل السلاح بالسياسة، فإذا حصل خلاف في الرأي أو أي موقف سياسي، هناك خطر اللجوء إلى السلاح في فرض الرأي بدلاً من التصويت والأخذ برأي الأغلبية كما هو معروف في الأنظمة الديمقراطية.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- النوري يعلن موقفه من مشاركة الحشد في الانتخابات ويطرح عشرة مخاطر
http://www.akhbaar.org/home/2017/12/237520.html

2- العبادي يؤكد أن الحشد الشعبي لن يشارك في الانتخابات
https://arabic.rt.com/middle_east/869377-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A-

3- ماذا قال رئيس الوزراء حيدر العبادي عن الحشد الشعبي ومشاركتة في الانتخابات؟ (فيديو دقيقتين)
https://www.youtube.com/watch?v=DuFbwXCb7VE


38
المخفي من مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية

د.عبدالخالق حسين

انتقد بعض الأخوة الأفاضل من أصحاب النوايا الحميدة، في مداخلاتهم دفاعاً عن مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية، سواءً على شكل مقالات، أو ضمن مجموعات النقاش، أو رسائل شخصية، مفادها أن أغلب الذين انتقدوا مشروع التعديل لم يطلعوا على التعديلات المقترحة التي أغلبها تقدمية، وفي صالح المرأة والطفولة، وقالوا أن مشروع التعديل لم يشر إلى فرض الزواج بالقاصرات، أو في التاسعة أو حتى مفاخذة الرضيعة، وأن كل هذه الضجة التي أثيرت لا مبرر لها، وأنها زوبعة في فنجان!!

وعلى سبيل المثال لا الحصر، جاء في رسالة صديق أن: "رفض  تعديل قانون الاحوال الشخصية حق، و مطلب ديمقراطي لا غبار عليه، ولكن تحميل هذه المطالب بادعاءات واكاذيب يضر بحق الاحتجاج".
وصديق آخر قال: "لا يوجد "قسر" في القانون مطلقاً - هناك فتح للباب أمام الزواج بسن أصغر من القانون الحالي، فلم يقل القانون "يجب" تزويج البنت عندما تبلغ التاسعة." وأضاف في تعليق آخر: ((كما قال أحدهم: عندما يتم التصويت على قانون المثلية الجنسية في دولة أوروبية فهي ديمقراطية، ولكن عندما يتم التصويت على قانون الأحوال الشخصية في العراق بما لا يعجبهم، فهو تخلف واعتداء على حقوق الإنسان وآخر القائمة... وهكذا فاقدو الهوية دائماً.))

أتفق مع الصديقين، أنه لم يأتِ في تعديل القانون على ذكر الإجبار، أو فرض تزويج القاصرات، ولكن تم دس مخاطره في المشروع بطريقة خبيثة وغير مباشرة، و ذلك بإخراج ملف الأحوال الشخصية من القضاء العراقي المدني، و تسليمه لحكم فقهاء الدين، سنة وشيعة، والذين بدورهم يجيزون الزواج بالقاصرات وحتى بالأطفال الرضع، وما تقره الشريعة الإسلامية حسب أتباع المذاهب المختلفة. ونحن نعرف أن الشريعة الإسلامية تبيح الزواج بالقاصرات، وإن لم تفرضه فرضاً. وهذا يعني أن التعديل يبيح الزواج بالقاصرات وحتى لو كانت في التاسعة.

فقد جاء في المادة الأولى من قانون التعديل: ((يضاف ما يلي إلى أخر المادة الثانية من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 ويكون البند (3) لها: 3-  أ- يجوز للمسلمين الخاضعين لأحكام هذا القانون تقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية، لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الذي يتبعونه.  ب- تلتزم المحكمة المختصة بالنسبة للأشخاص الوارد ذكرهم في الفقرة (أ) من هذا البند عند إصدار قراراتها في جميع المسائل التي تناولتها نصوص قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل و غيرها من المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية، بإتباع ما يصدر عن المجلس العلمي من ديوان الوقف الشيعي ، و المجلس العلمي و الإفتائي في ديوان الوقف السني ، و تبعاً لمذهب الزوج، و يصح أن يكون سبباً للحكم.  ج- يلتزم المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه الشيعي و فتاوى الفقهاء الأعلام، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي (المرجع الديني الأعلى) الذي يرجع إليه في التقليد أكثر الشيعة في العراق من فقهاء النجف الأشرف.   د- يلتزم المجلس العلمي و الإفتائي في ديوان الوقف السني بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه السني))( أدرج أدناه رابط مشروع التعديل القانون، يرجى الاطلاع عليه)(1)

وبما إن غالبية فقهاء الدين الإسلامي، سنة وشيعة يجيزون زواج القاصرات، وحتى في التاسعة أو دونها، فهذا يعني أن تعديل القانون قد أباح الزواج من القاصرات أيضاً. أما القول بأن التعديل أجاز الزواج من القاصرات، ولم يفرضه فرضاً فهو الآخر خطأ، لأن الزواج من القاصرات في المجتمعات المتحضرة جريمة يجب إدانتها، وليس الافتاء بجوازها. ففي بعض الحالات تضطر العائلات الفقيرة بتزويج بناتها القاصرات بدافع الفقر، والأب هو الذي يتحكم بأمر التزويج، وليست الطفلة القاصرة التي لا حول لها ولا قوة. فيمكن استغلال جواز القاصرة دينياً، وتزويجها بموافقة ولي الأمر بدافع الفقر والجهل، وهذا استغلال بشع من قبل الأثرياء للفقراء، تكون الطفلة البريئة هي الضحية، وبمباركة رجل الدين الذي صار يحكم في هذا الشأن.

أما تشبيه قانون زواج القاصرات في العراق بقانون جواز المثلية في الدول الأوربية ، فهذا غير صحيح. لأن أي ممارسة جنسية مع القاصرات وحتى تحت غطاء الزواج تعتبر جريمة في جميع المجتمعات البشرية المتحضرة. بينما المثلية (Homosexuality)، ليست من اختيار الشخص، بل مفروضة عليه من الطبيعة، و في علم النفس وعلم الاجتماع لا تعتبر المثلية مرضاً أو إنحرافاً، بل إختلاف في الخلق تلعب فيها الجينات الوراثية والبيولوجية دوراً كبيراً، أشبه بمن يستخدم يده اليمنى (Right handed)، أو اليسرى (Left handed)(2). فالمثلية ليست في الغرب فحسب، بل في كل مكان في العالم، ولكن الفرق أن مثلية الغرب على المكشوف ومقننة في بعض البلدان، بينما في الدول العربية والإسلامية تجري في الخفاء. لذلك فإصدار قوانين تبيح المثلية للبالغين، حق من حقوق الإنسان، ونوع من الشفافية والديمقراطية، واحترام حق الفرد في ممارسة حقوقه الشخصية، ودليل على التحضر ورقي المجتمعات الغربية، وما بلغته من روح التسامح مع المختلف. وهذا يختلف عن إصدار قوانين تبيح الزواج من القاصرات. أما إذا حصلت ممارسة الجنس مع القاصرات في الغرب، فهي حالات لم تقرها الدولة بإصدار قوانين ، بل تعتبرها جريمة يحاسب عليها الجاني بقوانين متشددة، خاصة إذا ما حصلت بين رجل بالغ مع فتاة قاصرة حتى ولو بالتراضي. وحصول هذه الحالات في الغرب يجب أن لا يبرر صدور قوانين في العراق تجيز الزواج من القاصرات(3).

ومن كل ما تقدم، نستنتج أن مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية قد أجاز الزواج بالقاصرات في  سن التاسعة حتى ولو لم يشر إليه، لأنه سلّم القانون إلى الجهة التي تجيز الزواج بالقاصرات وتحت مبرر ديني ، وهذا في رأينا خطأ يجب تصحيحه.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959
http://www.nrttv.com/Ar/Detail.aspx?Jimare=62698
2- مقال عن أسباب المثلية
Homosexuality may be caused by chemical modifications to DNA
By Michael Balter
http://www.sciencemag.org/news/2015/10/homosexuality-may-be-caused-chemical-modifications-dna
3- سلوى جراح: ممارسة الجنس مع الأطفال زواج أم مرض نفسي؟
http://www.akhbaar.org/home/2017/11/236392.html



39
عودة إلى مقال: الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ(2-2)

د.عبدالخالق حسين

توضيح لا بد منه
(نشرتُ هذا المقال قبل عشرة أعوام على حلقتين، وأثار في وقته جدلاً بين الكتاب الإسلاميين والعلمانيين. وبمناسبة عزم البرلمان العراقي تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، بتطبيق الشريعة الإسلامية التي تسمح للرجل بالزواج من أربع نساء، وحتى بالرضيعة بعمر السنتين، والاستمتاع بها مفاخذة، والولوج بها في التاسعة، وتسليم هذا القانون لرجال الدين ومنحهم الحرية الكاملة بالتصرف في قضايا الأحوال الشخصية، وحسب المذاهب التي يعتنقونها بعد ان كان بيد القضاء العراقي، الإجراء الذي من شأنه تكريس الطائفية، وتفتيت المجتمع المفتت أصلاً، وتجريد الدولة من مسؤولياتها في هذا الخصوص... لذلك رأيت من المفيد إعادة نشر المقال، وهذا هو القسم الثاني والأخير!).
****

مقدمة

بعد نشر الحلقة الأولى من هذه المقالة(1)، استلمت ردود أفعال متباينة وخاصة فيما يخص عملية التفخيذ، أو المفاخذة على حد تعبير الإسلاميين، وهي عملية جنسية يجريها رجل بالغ ومهما كان عمره مع الطفلة ومهما كان عمرها وحتى الرضيعة، باسم النكاح (الزواج)، لفظاً أو كتابة، بشكليه الدائم والمؤقت، حتى السن التاسعة، وبعدها يحق للزوج ممارسة الجنس معها ولوجاً. ونظراً لأهمية الموضوع وما نال من اهتمام بالغ من جمهرة واسعة من القراء الكرام، وعدد من الكتاب الأفاضل، أرى من المفيد مواصلة البحث والتوسع فيه وذلك خدمة للحقيقة والمصلحة العامة.
يمكن تصنيف ردود الأفعال على المقالة إلى ثلاثة أقسام. الأول يضم الأغلبية، حيث وصلتني رسائل إلكترونية ومحادثات هاتفية بالعشرات وما زالت، إضافة إلى العديد من المقالات نشرت في صحيفة (صوت العراق) الإلكترونية، معظمها تدعم مضمون المقال ما عدا واحدة. وقال البعض من أصحاب الرسائل الإلكترونية أنهم لأول مرة يسمعون بجواز هذه الطريقة من الممارسة الجنسية في الإسلام، وأنهم يدينونها بشدة لأنها لا إخلاقية وتتعارض مع القيم الإنسانية، ومع قوانين حقوق الإنسان في عصرنا الحاضر، وانتهاك صارخ لحقوق الطفولة وبراءتها.

المطالبة بعدم الخوض في المسائل الدينية
أما القسم الثاني من أصحاب الردود، فقد أدانوا العملية ولكنهم نصحوا بعدم إثارة هذا الموضوع لحساسيته، وأنه يجب توجيه طاقاتنا الكتابية في هذه المرحلة العصيبة إلى الجانب السياسي، والمحنة التي يمر بها العراق، وشعوب المنطقة بدلاً من الخوض في القضايا الدينية، لأن هكذا سجال يستفز الإسلاميين ويدفعهم إلى ردود أفعال عنيفة ومتشنجة نحن في غنى عنها، ونريد إرضائهم بدلاً من إثارتهم.

وهنا أود أن أذكِّر هؤلاء الأخوة من أصحاب النوايا الحميدة، بالحكمة القائلة: أن "الطريق إلى جهنم معبد بالنوايا الحسنة". ففي وقتنا الحاضر اختلط الديني بالسياسي، بحيث صار الإسلاميون سياسيين يوظفون النصوص الدينية لفرض سلطتهم السياسية على الشعوب، وبذلك تسببوا في جلب الكوارث على مجتمعاتنا العربية والإسلامية. فنحن نمر الآن بنفس مرحلة النهضة والتنوير الأوربية في صراع المثقفين مع الكنيسة، وسيطرتها على مصائر ورقاب الناس. وبسبب تلك السيطرة أعاقت الكنيسة تقدم أوربا في القرون الوسطى والتي سميت بحق بالعصور المظلمة. واستمر نضال المثقفين الليبراليين الإصلاحيين إلى أن انتصروا في فصل الكنيسة عن الدولة، ونجحوا في إقامة أنظمة علمانية ديمقراطية. ونتيجة لهذا الفصل بين الدين والسياسة، انطلقت أوربا في مسيرتها التاريخية، وحررت العقل من القيود وفجرت الطاقات الخلاقة لشعوبها في مختلف المجالات، وحققت هذا التقدم المذهل في العلوم والتكنولوجية والفنون والديمقراطية وحقوق الإنسان.
لذلك، فإني استميح الأخوة عذراً في هذا الخصوص، إذ أرى من واجبنا ككتاب لبراليين، أن لا نتردد في طرح هذه المسائل وإن بدت قضايا دينية، إلا إن لها علاقة مباشرة بالسياسة وبحقوق الإنسان، وفي هذه الحالة تعتبر (المفاخذة) اعتداء صارخ على حقوق الطفولة البريئة التي هي بحماية المجتمع، والساكت عن الحق شيطان أخرس، أو كما قال مارتن لوثر كنغ: "المصيبة ليس في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار". ويجب أن يعرف أصحاب النوايا الحسنة أنه كلما تنازلنا للإسلاميين في أمر ما، فإنهم يتمادون ويطلبون منا المزيد من التنازلات إلى أن يسيطروا على كل شيء وننتهي بلا شيء. مثلاً طلب منا البعض بعدم استخدام مفردة (العلمانية)، واقترحوا (النظام المدني) بدلاً منها، لأن كلمة العلمانية تستفز الإسلاميين الذين يعتبرونها كفراً، وبذلك سيتهموننا بالكفر أيضاً. وهذا النهج هو الآخر أثبت خطأه. فالمطلوب منا الإصرار على استخدام مصطلحاتنا مثل العلمانية، والليبرالية، والديمقراطية وحقوق الإنسان...الخ، وعدم التنازل عنها أبداً. أما سلاحهم البائس وهو توجيه تهمة الكفر، أو الإساءة للإسلام والمقدسات، فهو ديدنهم الدائم المعروف في كل زمان ومكان، وسلاحهم القديم يشهرونه في وجوه المفكرين الأحرار، وكل من يتجرأ ويوجه نقداً لهم. لذا يجب عدم الخضوع لابتزازهم، بل مواصلة السير قدماً وحتى النصر المؤزر، فمسار التاريخ في صالحنا.

كذلك نؤكد للمرة الألف أن النظام العلماني الديمقراطي الليبرالي ليس ضد الأديان، بل هو الضامن الوحيد للأديان وحرية ممارسة شعائرها وطقوسها. والإسلاميون يعرفون هذه الحقيقة الساطعة جيداً، ويستغلونها أبشع استغلال لأغراضهم كما نراهم في البلدان الغربية. إذ قارن بين حرية الأديان والطوائف في الدول ذات الأنظمة الإسلامية مثل إيران والسعودية والسودان، مع الدول الأوربية العلمانية الديمقراطية. فالأنظمة الإسلامية هي طائفية، تبيح حرية العبادة لطائفة الفئة الحاكمة فقط، وتمنعها على أتباع الأديان الأخرى، وحتى على الطوائف الإسلامية الأخرى في ممارسة شعائرها. ولذلك نرى معظم الإسلاميين الهاربين من جور أنظمة حكوماتهم الإسلامية يفضلون اللجوء إلى الدول الغربية التي يتهمونها بالكفر على العيش في الدول ذات الأنظمة الإسلامية التي يُطبق فيها حكم الشريعة.

جدال حول التفخيذ أول المفاخذة
أما القسم الثالث من الردود فكان ضد المقال، ولحسن الحظ ضم لحد الآن ولحد علمي، شخصاً واحداً فقط ، وهو السيد أسامة النجفي (وليس النجيفي)، الذي أيد عملية التفخيذ، وراح يدافع عنها بحرارة في مقال مطول له نشر في صحيفة (صوت العراق) الإلكترونية يوم 16/2/2007 ومواقع أخرى، بعنوان: (حول الزواج من الصغيرة: رد على عبد الخالق حسين )، وأعدت نشره على موقعي الشخصي(2). 

بادئ ذي بدء، أود أن أشكر جميع الأخوة والأخوات الذين بعثوا برسائل التأييد وشاركوا في النقاش وأغنوا الموضوع بآرائهم القيمة بما يحفز على التفكير ومواصلة السجال في هذا الموضوع الخطير. كما وأشكر الأخوة الذين عبروا عن آرائهم ومواقفهم من هذه القضية على شكل مقالات نشرت في صوت العراق، وأخص بالذكر منهم: الأستاذ حسن أسد في مقاله (اُسامة النجفي ... أراد يكحلها عماها )، والدكتور لبيب سلطان (التفخيخ والتفخيذ - النفاق واجتماع المذاهب عند اسامة النجفي )، والدكتور عزيز الحاج (الدعاة الإسلاميون وكرامة الأطفال.. )، وابن العراق (الاخ اسامة النجفي المحترم )، والسيد سعد الفحام (المفاخذه: سلاح دمار شامل بحق الطفولة)، وآخرون، سأضع روابط بعض مقالاتهم في نهاية هذه المداخلة لمن يرغب الإطلاع عليها.

كذلك أود أن أشكر السيد أسامة النجفي على رده المعارض لي، والذي لم يؤيد صحة ما أوردته عن فتوى السيد الخميني (رحمه الله) بإباحة المفاخذة مع الرضيعة في الإسلام فحسب، بل ودافع عنها وبررها ووفر لي وللباحثين الآخرين عناوين مصادر إسلامية عديدة، مؤكداً صحة الخبر الذي أوردته، وأن هذه العملية عليها إجماع من جميع الفرق والمذاهب الإسلامية. ولكنه تعامل مع الموضوع كما لو أني أتهم الإمام الخميني وحده بأنه أتى ببدعة غريبة عن الإسلام. ولذلك ركز جل رده على الإثبات بأن ما جاء في كتاب الخميني (تحرير الوسيلة) هو أمر مسموح به، وعليه إجماع من جميع الفقهاء المسلمين. لذا أود التأكيد بأني لست ضد الإمام الخميني، بل ضد عملية ممارسة الجنس مع الأطفال، وحتى لو كانت تحت ذريعة الزواج. أما إذا كان عليه إجماع فالمصيبة هنا أعظم. وقد أسهب الكاتب كثيراً وأطال في مقاله البالغ 2450 كلمة، فيها تكرار ممل، لا تخرج عن محتوى الفقرة الأولى من المقال والتي يقول فيها:
" مرة اخرى يخرج لنا عبد الخالق حسين في مقاله (الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ...!) المنشور في صوت العراق، محاولا الاساءة لاحكام الاسلام الفقهية. ولتوهيم القارئ يضيف ما يسميه هو الاسلام السياسي (ولاادري ماعلاقة الاسلام السياسي بزواج الصغيرة!). فهل هنالك اسلام سياسي وغير سياسي؟. فاحكام الاسلام غطت كل جوانب الحياة ابتداءا من ولادة الانسان وحتى موته وما السياسة وهي فن الحكم الا جزءا من الحالات التي عالجها الإسلام. والواقع فان هناك هجوم منظم وحملة قوية للوهابية وبعض الليبراليين او كما يسمون انفسهم كذلك من أجل تشويه وتسقيط مذهب أهل البيت(ع)، والاسلام، ويريدون من ذلك اظهار صورة للإسلام مشوهة عموما. تركز مقال عبد الخالق حسين حول مسالة نكاح البنت الصغيرة والاستهزاء بفقهاء المسلمين. ونحن ان شاء الله ندحض جميع حججه ونثبت له ان ما تقوله ليس له اثبات وان زواج البنت الصغيرة كعقد لفظي أو كتابي هي مسالة قانونية بحتة عليها إجماع المسلمين بكل طوائفهم. بل حتى احكام الدين اليهودي والمسيحي تجوز الامر من قبيل ولاية الاب على البنت الصغيرة." انتهى.

نلاحظ من هذا الرد المتشنج، ذات الطريقة التقليدية المعروفة عند الإسلاميين في ساجلاتهم مع الآخرين، إذ دائماً وأبداً يلجؤون إلى سلاحهم الوحيد وهو توجيه تهمة " الاساءة لاحكام الاسلام الفقهية". والسؤال هو: هل مناقشة أحكام فقهية والاختلاف معها يعني الإساءة لها والإستهزاء بالفقهاء؟ كذلك يتساءل الكاتب: " فهل هنالك اسلام سياسي وغير سياسي؟" وقد رد الأخ الدكتور لبيب سلطان على هذا السؤال مشكوراً في مقاله المشار إليه أعلاه قائلاً: (وكأن القاعدة وحركات الجهاد والشورى وجيوش الخلفاء والأئمة- هي جمعيات خيرية دينية- و أحزاب مثل التوافق والإسلامي والدعوة والمجلس – هي أندية فقهية لا علاقة لها بالحكم .)

وإضافة إلى ما ذكره الدكتور لبيب، أود أن أوضح للسيد أسامة النجفي ما يلي:
نعم هناك إسلامان، الإسلام الديني والإسلام السياسي. الأول، هو دين المسلمين البالغ عددهم مليار وأربعمائة مليون نسمة، والذي جاء في كتابه المقدس، القرآن الكريم، (لا إكراه في الدين قد تبن الرشد من الغي)، وأنه جاء رحمة للعالمين. والدين مسألة خاصة بين الإنسان والخالق ولا يحتاج إلى وسيط. أما الثاني، أي الإسلام السياسي، فهو نقمة على العالمين، ولم نر منه سوى الإرهاب المنظم المختص بالمفخخات والتفجيرات والقتل العشوائي للأبرياء بالجملة لنشر الرعب في أوساط المدنيين. وأرجو من السيد أسامة أن ينظر إلى شاشات التلفزة ليرى بعينيه ما فعله الإسلام السياسي بالعراق وأفغانستان ولبنان وغزة وبالي ومدرسة بسلان في جنوب روسيا، ومدريد ولندن وباريس ونيويورك وغيرها من المناطق في العالم، حيث حول هؤلاء الإسلام إلى آيديولوجية للإرهاب، وجعلوا من كل مسلم إرهابياً في نظر العالم إلى أن يثبت براءته، وهذا بفضل الإسلام السياسي الذي تدافع عنه.

يقول السيد النجفي موجهاً خطابه لي: "... ونحن ان شاء الله ندحض جميع حججه ونثبت له ان ما تقوله ليس له اثبات وان زواج البنت الصغيرة كعقد لفظي او كتابي هي مسالة قانونية بحتة عليها اجماع المسلمين بكل طوائفهم..." فكما رد عليه الأخ حسن أسد: "أراد أن يكحلها عماها".
ولا أدري ماذا أراد أن يدحض، فالكاتب أيد كل ما ذكرته، بل وزاد عليه قائلاً: " ان زواج البنت الصغيرة كعقد لفظي او كتابي هي مسالة قانونية بحتة عليها اجماع المسلمين بكل طوائفهم..". ويضيف في مكان آخر من رده: " وإني أتحدى أي فقيه سني او شيعي او اي مذهب اخر يقول أن هذه الفتوى خلاف الفقه بكل المذاهب .. فعلى صعيد المذاهب الأربعة (كما سنذكر ذلك)، يرون في زواج رسول الله (ص) من عائشة وعمرها ست سنين ودخوله بها وهي تسع سنين دليل على أن المسألة مسلمة فقد روى مسلم عنها في صحيحه المشهور أنها قالت ( تزوجني النبي (ص) وأنا بنت ست سنين وبنى بي وأنا بنت تسعة سنين " (صحيح مسلم ج2 ص1039)) . وفي مكان ثالث يقول: (فإذا كان الاعتراض على تزويج الرضيعة بالخصوص (وهو أمر نظري بحت) فهو من مسلمات المسلمين).

إذنْ "تزويج الرضيعة هو من مسلَّمات المسلمين". وهنا لا يسعني إلا وأن أتقدم بالشكر الجزيل للكاتب على هذا التأكيد. ولكن اختلافي معه هو أنه لماذا يتهمني بـ" الاستهزاء بفقهاء المسلمين." يا أخي، أنا لم استهزئ بأحد، بل غاضب وناقد وأرفض الاعتداء الجنسي على الصغيرة وحتى في حالة الزواج، ولأن الزواج من الرضيعة هو اغتصاب يندى له الجبين بكل معنى الكلمة. أما لكونه عليه إجماع من جميع المذاهب الإسلامية، فهذا لا يعني أن هذه العملية صحيحة ومن المسلَّمات، بل يثبت أن الجميع شركاء في الجريمة. وهذه دعوة إلى الشاذين جنسياً من الرجال الذين يميلون إلى الجنس مع الأطفال ويسمونهم في الغرب بـ pedophiles يُمنعون من العمل في الأماكن التي يتواجد فيها الصغار، مثل المدارس ورياض الأطفال. فلو يعلم هؤلاء الشاذون في الغرب أن ممارسة الجنس مع الصغيرة مباحة في الإسلام، ويمكن الزواج حتى مع الرضيعة لتحول أعداد كبيرة منهم إلى الإسلام، وهاجروا إلى بلاد المسلمين لإشباع شبقهم الجنسي وحبهم بممارسة الجنس مع الصغيرات هناك. وقصة المغني البريطاني (Gary Glitter) باتت معروفة في الغرب، حيث افتضح أمر شذوذه الجنسي مع الأطفال، وخسر مجده، فرحل إلى فيتنام حيث الفقر، على أمل أنه يمكن استغلال وضعهم الاقتصادي لإشباع نهمه، ولكن هناك أيضاً افتضح أمره بممارسة الجنس مع القاصرات، فألقي القبض عليه وحوكم وهو يقضي الآن ما تبقى من محكوميته بالسجن.

وقد وجه الدكتور لبيب سلطان، وابن العراق، وآخرون، سؤالاً فيما إذا يقبل الشيخ أسامة النجفي وغيره من الفقهاء المسلمين بتزويج بناتهم دون التاسعة والتمتع بهن تفخيذاً من قبل الرجال، أم أنهم يبيحونها فقط لبنات الخايبة الفقراء؟ وكعادته، أجاب بإسهاب ولكن بغموض شديد تهرباً دون أن يوضح لنا ما أراد قوله. ففي عالمنا المتحضر الراهن، للإنسان كرامة ومهما كان صغيراً، بمعنى ليس من حق الأب تزويج الصغيرة ويعاملها كبضاعة أو نعجة يحق له بيعها متى شاء. الطفلة الرضيعة إنسانة لها كرامتها وحق الحياة والعيش والرعاية والتربية والحماية من العدوان بشتى أنواعه إلى أن تصل سن البلوغ وهي 18 سنة. وعندها هي التي تختار شريك حياتها، وما دور ولي الأمر في هذه الحالة إلا مساعدتها، وتقديم النصح والإرشاد لها بما ينفعها، وليس بيعها وهي رضيعة كبضاعة جنسية (Sex toy)، وممارسة الجنس معها متى ما اشتهى الرجل.

الإسلاميون يمارسون الإرهاب الفكري
يتظاهر الإسلامويون بأنهم مسالمون يدعون إلى الحق بالحوار الهادئ وإقناع الخصم بالأدلة والمنطق، وطالما رددوا بعض النصوص مثل، "إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن." ولكن عملياً ما أن يعجزوا في مواجهة الآخر بالمنطق، حتى تراهم يلجؤون إلى أخس أساليب الابتزاز وتوجيه اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان، وذلك باتهام الخصم بالتجاوز على الله والرسول والمقدسات. وفي زماننا هذا نعرف عواقب هذا التحريض، حيث صارت حياة الإنسان عندهم أقل قيمة من الحشرة. وهذا التهديد واضح فيما كتبه الشيخ أسامة النجفي في القسم الأخير من رده قائلاً: "نعم يُشم من استهزاء عبد الخالق حسين للفتوى رائحة اعداء الاسلام في شتمهم لرسول الله (ص) بتجويز الزواج من الصغيرة، ورد هذا الاعتداء ليس تكليفنا فقط و إنما هو تكليف كل مسلم يدافع عن إسلامه ونبيّه أمام هذه الهجمة الكافرة غير المنطقية ..".
فأي نقد إلى الخميني صار شتماً لرسول الله، معاذ الله. أليس هذا تهديد وإرهاب فكري؟ أليس في هذا الاتهام تحريض على القتل؟ ونحن نعرف أن الإسلاميين عندهم مقولة: "الذي يجادلنا بالقلم نرد عليه بالرصاص". فهل يتفق هذا الكلام مع (وجادلهم بالتي هي أحسن؟). إن هذا التهديد وحده يكفي لتقديم الشيخ النجفي إلى القضاء بتهمة التحريض على القتل، وإني أحتفظ بحقي في هذا الأمر.

الدين والعقل وحق النقد
يبدو أن حوارنا مع الإسلاميين أشبه بالحوار بين الطرشان. فنحن كعلمانيين ولبراليين نستخدم العقل والعقلانية، والمنطق في التحقيق من صحة الأشياء، ونضع دائماً الشك واحتمال الخطأ نصب أعيننا، وعلى استعداد تام أن نغير مواقفنا وآرائنا من أية مسألة حالما تتوفر أدلة جديدة تثبت صحة الجديد فنأخذ به ولا نرى عيباً في ذلك. أما الإسلاميون فلا يعترفون بالعقل، بل بالنقل وتصديق كل ما قاله السلف في غابر الأزمان، و الأخذ به دون تمحيص وإعمال العقل، وبذلك أعطوا عقولهم إجازة دائمة، أي بتعبير آخر أن الموتى هم وحدهم يحكمون. وهذا هو أحد أسباب تخلف العالم الإسلامي. وما جاء في رد الشيخ أسامة النجفي يؤكد موقف الإسلاميين من العقل. إذ يعتبر ما قاله السلف وأجمعوا عليه هو من "المسلَّمات" أي البديهيات التي لا يجوز لنا حتى مجرد مناقشتها، وإذا ما تجرأنا وناقشناها فنكون قد أسأنا إلى المقدسات، ويجب أن نعاقب عليها. نعم هناك قوانين في الإسلام تبيح زواج الصغيرة وحتى الرضيعة والاستمتاع بها مفاخذة، ولكن حتى لو كان عليها إجماع من قبل فقهاء المسلمين، فهذا الإجماع في عصرنا الراهن لا يجعل من هذه القوانين "مسلَّمات" لا يحق لنا مناقشتها ونقدها.
وإصرار الشيخ أسامة النجفي على الأخذ بما قاله السلف دون مناقشة هو تأكيد لما قاله الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو: "الدين عقل مجتمع لا عقل له". ففي رأيي ورأيي الملايين من أمثالي أن التمتع مفاخذة مع الرضيعة ليس خطأً، بل جريمة يندى لها الجبين، ويجب معاقبة من يمارسها وحتى لو كان بذريعة الزواج، لأنه لا يجوز الزواج من الصغيرة، وفق القوانين المدنية، ناهيك عن الرضيعة. فكيف يمكن اعتبار التمتع بالصغيرة من "المسلمات" التي لا تقبل النقاش والمساءلة؟ ألا يدل هذا على عدم عقلانية هذا الرأي؟ أقول ذلك وأنا واثق من صعوبة تغيير موقف الشيخ أسامة من هذه المسألة، إذ يقول ألبرت آينشتاين: "إن فلق الذرة أهون من اقتلاع قناعة مسبقة لدى أحدهم".
فككتاب ليبراليين، من واجبنا النقد، نقد كل شيء دون استثناء بما فيها المقدسات. إذ كما قال كارل ماركس أن "النقد أساس التقدم، ونقد الدين أساس كل نقد". فالغرب لم يحقق هذا التطور المدهش والمذهل في الحضارة وجميع المجالات إلا بعد أن تبنى حق النقد وبالأخص نقد الدين، وحق الاعتراض، وتحرير الإنسان من هيمنة الكنيسة، وفصل الدين عن السياسة، وتبني النظام العلماني الديمقراطي، وسن قوانين حقوق الإنسان والحيوان وحتى البيئة وحمايتها من عبث العابثين.

الثابت والمتغيِّر
نعم، نحن نعرف أن الدين ثابت والسياسة متغيرة مع الوقت كما الحياة نفسها. فالمتدين يؤمن بدون مناقشة أو دليل، والعالِم يشك ويبحث عن الدليل. ولهذا السبب نرى أنه من الواجب فصل الدين الثابت عن السياسة والعلوم المتغيَّرة. ففي العلم والفلسفة والسياسة كل شيء يخضع تحت مجهر النقد والتمحيص والمراجعة وقابل للتغير. ولذلك إذا كان المسلم يقول (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة)، فمقابل ذلك يقول الفيلسوف البريطاني برتدراند راسل: (لست مستعداً أن أموت في سبيل أفكاري، لأنها قد تكون خاطئة). فالدين مع اليقين من صحة موقفه إلى الأبد، بينما العلم يشك ويبحث ويغيّر المواقف من وقت لآخر، يعنى التجديد المستمر بدون توقف، وهذه هي سنة الحياة. ولهذا السبب لا يمكن للمجتمع أن يعيش بسلام إلا بفصل الدين الساكن الثابت عن السياسة المتغيّرة وإطلاق حرية العقل.

موقف الإسلاميين من الديمقراطية
هنا يجب التأكيد على حقيقة مفادها أن الإسلامويين لا يؤمنون بالديمقراطية وإن تظاهروا بقبولها. فالتجارب التاريخية الحديثة تؤكد صحة ما نقول. إذ قال قادة الإسلاميين الجزائريين إثناء الانتخابات البرلمانية عام 1992 عندما بدت لهم تباشير فوزهم، أن الديمقراطية "كفر وإلحاد"، وأنهم سيلغونها حين استيلائهم على السلطة، لأنها بضاعة غربية استعمارية مستوردة ضد الإسلام. كذلك نلاحظ ما عمل حسن الترابي زعيم الإسلاميين في السودان عندما تحالف مع الجنرال حسن البشير، وقاموا بانقلاب عسكري ضد حكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطياً. كذلك نشاهد ما عمله النظام الإسلامي في إيران. أما ما يعلنه قادة الأحزاب الإسلامية في العراق، سنة وشيعة، من تأييدهم للديمقراطية، فما هو إلا خدعة وبسبب وجود القوات الأمريكية وعلمهم الأكيد أن وجودهم في السلطة مرتبط بالحماية الأمريكية، وتأييدهم للديمقراطية، شأنهم شأن الأحزاب الشمولية، مثل حزب البعث، ما أن يضمنوا السلطة حتى يتنكروا للديمقراطية. وأصدق إسلامي شيعي عبَّر عن رأييه بهذا الصدد هو الشيخ محمد الطباطبائي، إمام مسجد الكاظمين عندما قال في إحدى خطبه: «الغرب ينادي بالحرية والتحرر، الإسلام لا ينادي بذلك. الإسلام يرفض هذه الحرية. الحرية الحقيقية إطاعة الله». أما من هو ممثل الله على الأرض لطاعته فهو الحاكم بأمر الله، مثل الملا عمر أيام حكم طالبان في أفغانستان، والسيد علي خامنئي، مرشد النظام الإسلامي في إيران في الوقت الحاضر، وهكذا.
لذلك نحن نختلف عن الإسلاميين في الأمور الدنيوية، وندعو إلى تحرير الدولة من الدين، وتحرير الدين من الدولة، فبدون فصل الدين عن الدولة هناك المزيد من الكوارث. إذ كما قال الرئيس الباكستاني الأسبق برفيز مشرف: "لقد دهورنا الإسلام إلى الحد الذي جعل شعوب العالم تعتبره مرابطاً للأمية والتخلف والتعصب».

خلاصة القول، الإسلام كدين سيكون بخير في ظل حكم العلمانيين الديمقراطيين، ومهدد بالخراب إذا زج به في السياسة، لأن في هذه الحالة سيتحول إلى الإسلام السياسي، وهو حركة فاشية دينية لا تختلف عن الفاشية القومية العنصرية، إذ كما قال رجل الدين الشيعي آية الله السيد حسين الخميني، حفيد الإمام الخميني: "الدين يفسد السياسة والسياسة تفسد الدين".
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــ
مقالات ذات علاقة بالموضوع:
 1- د.عبدالخالق حسين: الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ (ثانية)
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=578390
 
2- اسامة النجفي :حول الزواج من الصغيرة: رد على عبد الخالق حسين –
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=232
 
اُسامة النجفي . أراد يكحلها عماها - حسن أسد
http://www.sotaliraq.com/articles-iraq.php?id=46104
 
 التفخيخ والتفخيذ - النفاق واجتماع المذاهب عند اسامة النجفي - د. لبيب سلطان
http://www.sotaliraq.com/articles-iraq.php?id=46112
 
الدعاة الإسلاميون وكرامة الأطفال.. - د. عزيز الحاج
http://www.sotaliraq.com/articles-iraq.php?id=46129
 
المفاخذه: سلاح دمار شامل بحق الطفولة - سعيد الفحام
http://www.sotaliraq.com/articles-iraq.php?id=46144
 
المسلمون هم من يسيئون الى الاسلام - فائق الطالقاني
http://www.sotaliraq.com/articles-iraq.php?id=46210
 
 الاخ اسامة النجفي المحترم - أبن العــراق
http://www.sotaliraq.com/articles-iraq.php?id=46128
 
 


40
عودة إلى مقال: الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ(1-2)

د. عبدالخالق حسين

توضيح لا بد منه
(نشرتُ هذا المقال قبل عشرة أعوام على حلقتين، وأثار في وقته جدلاً بين الكتاب الإسلاميين والعلمانيين. وبمناسبة عزم البرلمان العراقي تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، بتطبيق الشريعة الإسلامية التي تسمح للرجل بالزواج من أربع نساء، وحتى بالرضيعة بعمر السنتين، والاستمتاع بها مفاخذة، والولوج بها في التاسعة، وتسليم هذا القانون لرجال الدين ومنحهم الحرية الكاملة بالتصرف في قضايا الأحوال الشخصية، وحسب المذاهب التي يعتنقونها بعد ان كان بيد القضاء العراقي، الإجراء الذي من شأنه تكريس الطائفية، وتفتيت المجتمع المفتت أصلاً، وتجريد الدولة من مسؤولياتها في هذا الخصوص ... لذلك رأيت من المفيد إعادة نشر المقال، وسيليه القسم الثاني، إذ كما تفيد الحكمة: في الإعادة إفادة !.)
********
قال النبي محمد (ص): "بدأ الإسلام غريباً وينتهي غريباً". كما وقال الإمام الشيعي الخامس، محمد الباقر(ع): "أخاف على أمتي من أئمة ضالين". أعتقد إن الإسلام يقترب الآن من هذه المرحلة، أي مرحلة الاغتراب والخطر. ولكن يا للمفارقة، فإن الإسلامويين يسمون هذه المرحلة بـ(الصحوة الإسلامية). وفي رأيي، إذا كانت هذه صحوة، فهي صحوة الموت وذلك بفضل الإسلامويين أنفسهم. فألد أعداء الإسلام اليوم ليس العمانيون و الليبراليون وغير المسلمين كما يدعي الإسلاميون، بل هم دعاة الإسلام السياسي أنفسهم الذين يعملون على هدم الإسلام كدين وتحويله إلى آيديولوجية لا إنسانية في مواجهة دموية غير متكافئة مع العالم المتحضر، تغذي الإرهاب، لا تختلف كثيراً عن آيديولوجية الفاشية والنازية إن لم تبزهما. فإذا كانت حركات الفاشية والعنصرية تميِّز بين البشر على أساس عنصري، فالإسلام السياسي أخطر من الحركات الفاشية العنصرية لأنه يميّز بين البشر على أساس ديني مع إضفاء القداسة على هذا التمييز، ويبشر أتباعه بالجنة إذا ما قاتلوا في سبيله. وهنا يكمن خطر الفاشية الدينية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، يقول مهدي عاكف، مرشد حزب الأخوان المسلمين في مصر، إنه "يفضل ماليزي مسلم رئيساً لمصر على القبطي المسيحي المصري." كما وطالب زعيم الإخوان المسلمين السابق مصطفي مشهور بأنه: "يجب إخراج الأقباط من الجيش المصري وأن يدفعوا لنا الجزية وهم صاغرون"، علماً بأن الأقباط هم سكان مصر الأصليون وبناة حضارتها العريقة. والأدهى والأنكى من ذلك أن التمييز في الإسلام السياسي لا يتوقف ضد الأديان الأخرى فحسب، بل ويتعداها إلى التمييز بين المذاهب من داخل الإسلام نفسه وبذات القوة. ولتحقيق هذه السياسة الفاشية يعمل الإسلام السياسي على تحويل أتباعه إلى مفخخات وعبوات بشرية ناسفة لقتل أكبر عدد ممكن من الأبرياء بسبب التمييز الديني والمذهبي، لخلق سايكولوجية الرعب. وقد نجحوا في ربط اسم الإسلام بالرعب والإرهاب، وهم يعتمدون في إرهابهم على النصوص الدينية مثل قوله تعالى: "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم."(الانفال60).
لا شك أن هذه المحنة التي يمر بها الإسلام هي من صنع رجال الدين المسلمين المسيَّسين أنفسهم عندما زجوا بدينهم في السياسة ودفعوا الشباب المحروم من الثقافة ومتع الحياة إلى أعمال انتحارية ضد الأبرياء. فكما هو معروف، هناك إرهاب إسلامي يفتك بالعالم مستخدماً تكنولوجية التدمير من المتفجرات الناسفة وتفخيخ السيارات والبشر وحتى الحيوانات بالعبوات الناسفة لقتل أكبر عدد ممكن من المدنيين الأبرياء باسم الله والإسلام. ويتلقى هذا العمل الإجرامي، المباركة من رجال الدين من أمثال القرضاوي وعشرات غيره الذين يصدرون فتاوى التحريض بدعوى الجهاد ضد الكفار، كأقصر طريق لدخول الجنة والتمتع بحور العين والولدان المخلدين.
والسؤال هو، كيف نجح دعاة الإسلام السياسي في تحويل أتباعهم إلى مفخخات؟ يجيب الدكتور رياض عبد، الأخصائي في الأمراض العقلية، في بحثه القيم (سايكولوجية الإرهاب) على هذا السؤال قائلاً: "هناك بدايات لبعض النظريات التي طرحها بعض علماء النفس الغربيين والتي تحاول تفسير عملية التغيير السايكولوجي التي يمر بها الفرد لكي يصبح إرهابياَ. وتبدأ عملية التغيير هذه بإختزال هوية الآخر إلى هوية أحادية مسطحة (خائن، عميل، كافر...الخ) تليها اختزال هوية الذات الى هوية أحادية بسيطة (مجاهد، مقاتل، شهيد...الخ) وبعد ذلك يتم انتزاع صفة الآدمية عن العدو ليصبح بعدها العدو في نظر الشخص كائناَ لا قيمة له لا يستحق الشفقة ولا يستحق الحياة. والمرحلة الأخيرة هي إضفاء صفة الشر المطلق على الضحية أو الضحايا (demonization) وإنكار أية صفات خيرة أو حميدة لها." وهذا ما يجري فعلاً في العراق ومناطق أخرى من العالم على أيدي المجاهدين الإسلاميين. هذا فيما يخص التفخيخ.
أما التفخيذ، فقد سمعت به لأول مرة عندما قرأت كتاب (تحرير الوسيلة) للمرحوم آية الله العظمى الإمام روح الله الخميني، زعيم الثورة الإسلامية في إيران في حق الرجل بممارسة الجنس مع الزوجة مهما كان فارق العمر بين الزوجين. فيحق للرجل الزواج من طفلة وحتى الرضيعة على أن يتجنب ممارسة الولوج بها قبل أن تبلغ "الزوجة" التاسعة من العمر. ولكن يحق له ممارسة التفخيذ معها أي مع الرضيعة!! والتفخيذ أو المفاخذة عملية جنسية يندى لها الجبين، يمارسها الشواذ البيدوفيليا (paedophiles)مع الأطفال القصر وحتى مع الرضيعة في عمر السنتين. والغريب هنا هو أن أفتى بجواز هذه العملية وأباح بها وناقشها في كتابه المشار إليه أعلاه إمام شيعي وزعيم الثورة الإسلامية في إيران ألا وهو الإمام الخميني.
إذ يقول الإمام الخميني في "- مسألة 12- لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى مع الرضيعة،..." (الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، ج2، ص216، دار المنتظر، بيروت- لبنان، ط2، 1405هـ-1985م). فالإمام يبيح الزواج من الطفلة في التاسعة من العمر، كما ويبيح سائر الاستمتاعات الجنسية الأخرى مثل الضم والتفخيذ حتى مع الرضيعة!
قد يعترض القارئ الكريم، فيقول أن هذه الممارسات الجنسية موجودة حتى في الغرب، فلماذا الإعتراض عليها عندما يصدر رجل دين مسلم حكماً بإباحتها؟ نعم تحصل هذه الممارسات ضد الأطفال في الغرب ومعظمها من قبل أولياء أمورهم أو أقاربهم، وهنا الكارثة. ولكن هذه الأعمال الفاحشة تُعامل في الغرب كجرائم أخلاقية فظيعة مخلة بالشرف، وتصبح عناوين بارزة في الصحف وغيرها من وسائل الإعلام، ويحال مرتكبوها إلى المحاكم التي تنزل بحقهم أشد العقوبات. وحتى عند انتهاء مدة عقوبتهم يعتبرون خطيرين ويوصمون بتسمية الشبق الجنسي بالأطفال، توضع أسماءهم في سجلات خاصة.

أجل، في الغرب وكافة الدول المتحضرة، تعتبر أية ممارسة جنسية مع الأطفال اغتصاب جنسي يعاقب المرتكب عليها بقانون، ولا أعرف أي قانون هذا يسمح بالزواج من طفلة رضيعة وممارسة الجنس معها تفخيذاً قبل التاسعة من عمرها ودخولاً بعد هذا العمر؟ فلو أباح أي إنسان هذا العمل في مقال أو كتاب، أو مارسه، وعرفت السلطات الحكومية عنه، يحال إلى لجنة من الأطباء الأخصائيين في الأمراض العقلية، ليتأكدوا من صحته العقلية، وهل هو سليم العقل أو مصاب بلوثة عقلية. فإذا كان مصاباً بلوثة عقلية يرسل إلى مصح عقلي للعلاج. أما إذا كان سليم العقل، فيحاكم ويدخل السجن. والغرض من كلتا الحالتين هو حماية المجتمع من شرور هذا الإنسان الشاذ في جميع الأحوال. ولكن ماذا نقول لو أباح رجل دين وزعيم أمة يقود ثورة دينية من وزن الإمام الخميني الزواج وممارسة هذا النوع من الجنس حتى مع الرضيعة؟

أرجو من القراء من أتباع الإمام الخميني أن ينظروا إلى الأمر بجدية، ومن منطلق إنساني وعقلاني وفكري، وليس من منطلق الولاء للانتماء الطائفي وفق مبدأ (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً). المطلوب من هؤلاء أن يتجنبوا الصراخ والعويل والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، فما ذكرته من فتوى السيد الخميني تبيح الزواج بالطفلة الرضيعة ممارسة الجنس معها تفخيذاً ليس افتراءً مني، معاذ الله، بل حقيقة ذكرها الراحل في كتابه (تحرير الوسيلة) المشار إليه أعلاه.
فما أباحه الإمام الخميني هو اغتصاب جنسي بعينه وجناية كبرى بحق الطفولة البريئة التي هي بحماية أبويها والمجتمع والسلطة، بشقيها الديني والسياسي. فإذا أصدر زعيم ديني-سياسي مثل الخميني حكماً بإباحة هكذا عمل فعندئذ نقرأ على الإسلام السلام. لذا أرى من واجبي ككاتب أن أثير هذه المسألة الخطيرة إلى الرأي العام وألفت إليها انتباه أعلى المراجع الدينية والسياسية ومنظمات حقوق الإنسان والطفولة بما فيها منظمة الأمم المتحدة.

الاغتصاب في الإسلام
وطالما نحن بصدد الاغتصاب في البلدان التي يطبق فيها حكم الشريعة مثل السعودية وإيران والسودان، أو المرشحة لهذا الحكم، مثل العراق ومصر وفلسطين وغيرها، أرى من الضروري أن أذكر أنه من الصعوبة بمكان، إثبات جريمة الاغتصاب الجنسي أو الزنا وفق الشريعة الإسلامية. فالمطلوب في إثبات هكذا جريمة وفق الشريعة وجود أربعة شهود عدول ذكور، على أن يكون كل منهم قد شاهد العملية الجنسية بالكامل أي الولوج penetrative sex أو ما يسمى باللغة الدينية (الميل بالمكحلة). فالملامسات الجسدية بقصد الشهوة الجنسية بالقوة لا تعتبر اغتصاباً في الإسلام ما لم يرافقها ولوج جنسي يشهده أربعة شهود (ذكور) عدول. وقصة المغيرة بن شعبة، والي الخليفة عمر بن الخطاب في البصرة معروفة مع المومس أم جميل، ومفادها أنه بينما الوالي كان يمارس معها الجنس في كوخ من قصب أو سعف النخيل (صريفة)، هبت عاصفة وطارت الصريفة فافتضح الوالي وهو في وضع مشين شوهد من قبل أربعة أشخاص بالغين كانوا مارين بالصدفة. فرفع هؤلاء الأمر إلى الخليفة عمر الذي دعاهم مع الوالي إلى المثول أمامه في المدينة المنورة. وجرت المحاكمة وقدم ثلاثة من الشهود وصفاً دقيقاً للعملية بما فيها (الميل بالمكحلة). أما الرابع فأيد معظم ما ذكره الشهود الثلاثة إلا إنه قال بأنه لم يشهد منظر الميل بالمكحلة. وهنا أمر الخليفة بجلد الشهود الثلاثة الأوائل وبرأ ساحة الوالي وأعاده إلى وظيفته في البصرة. وهذه الرواية مذكورة بأدق تفاصيلها في كتاب (تاريخ الطبري). ومن هنا نعرف أنه من المستحيل إثبات جريمة الاغتصاب أو الزنا في الإسلام. ويدَّعي رجال الدين أن الإسلام فرض هذه الشروط الصعبة على إثبات الزنا أو الاغتصاب من أجل الستر. ولكن ماذا عن الاغتصاب؟ وأين حقوق الضحية؟ قد يعترض أحد فيقول أن جاء في الإسلام أن النساء مصدقات على فروجهن. ولكن في هذه الحالة، لماذا لا يمكن إثبات جريمة الاغتصاب في الدول التي تطبق فيها الشريعة الإسلامية وسأذكر مثالين أدناه.
المثال الأول، أتذكر قصة مأساوية قرأتها في الصحف، حصلتْ في السعودية في التسعينات من القرن الماضي حيث وقع اعتداء جنسي على تلميذ في مدرسة متوسطة من قبل عدد من المعلمين (gang rape)، وكان المجني عليه ابن أستاذ جامعي من إحدى الدول العربية. ولما قدم والد الطفل شكوى إلى السلطات المسؤولة ولم يستطع تقديم أربعة شهود وفق متطلبات الشريعة الإسلامية، عوقب هو بالجلد بتهمة الكذب والافتراء.
المثال الثاني، مأساة النساء في باكستان. ففي مقابلة بثتها إذاعة بي بي سي قبل شهرين مع محامية في منظمة نسائية تدافع عن حقوق المرأة في باكستان. قالت أن جرائم الاغتصاب شائعة جداً في هذا البلد، ومعظمها على شكل اغتصاب جماعي من قبل شبان ما أن يروا فتاة تسير لوحدها في مكان خال حتى وانقضوا عليها كالذئاب على الفريسة واغتصبوها. وفي معظم الحالات تبرئ المحاكم ساحة الجناة وتحكم على الضحية بالسجن لعدم إمكانها جلب أربعة شهود ذكور. وقالت المحامية أنه خلال 25 سنة الماضية استطاعت المحاكم إدانة حالتين فقط بجريمة الاغتصاب. فهل يعقل في بلد مثل باكستان، البالغ شعبه 170 مليون نسمة أن تقع فيه خلال ربع قرن جريمتان فقط في الاغتصاب الجنسي؟ بينما هناك أعداد كبيرة من النساء حكمت عليهن المحاكم بالسجن في مثل هذه القضايا بدعوى الافتراء. وكما أفادت المحامية أن كثير من الضحايا ينتحرن لشعورهن بالخزي ونظرة المجتمع القاسية إلى الضحية.
وأخيراً، وتحت ضغوط دولية، نجح الرئيس برويز مشرف في تغيير القانون والاعتماد على نتائج الفحوصات الطبية والمختبرية عن طريق الـ (DNA)، لإثبات أو نفي الجريمة. وكالعادة في مثل هذه الحالات، ثارت ثائرة رجال الدين ضد القانون الجديد لأنهم يرفضون الاعتماد على العلم، وقالوا أن هذا القانون يدعو إلى الإباحية... فتصور!! فهل هناك مهزلة أكبر من هذه؟
ورحم الله الإمام الشيخ محمد عبده حين قال قبيل وفاته:
ولستُ أبالي أن يُقال محـمد    أبلّ أم اكتظت عليه المآثــم
ولكن ديناً قد أردتُ صلاحه    أحاذر أن تقضي عليه العمائم.

لا شك أن هذا الدين مهدد، ولكن من قبل الإسلاميين السياسيين وليس من قبل العمانيين كما يدعون.

يتبع
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات صلة
د.عبدالخالق حسين: السماح بالزواج من القاصرات جريمة ضد الطفولة ومخالَف للدستور
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=931

د.عبدالخالق حسين: حذارى من (التحرش) بقانون الأحوال الشخصية!
  http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=925

41
السماح بالزواج من القاصرات جريمة ضد الطفولة ومخالف للدستور

د.عبدالخالق حسين

سمحتْ هيئة رئاسة مجلس النواب خطأً في جلسة لم تكتمل النصاب يوم الخميس، 2/11/2017، بالتصويت "المبدئي" على مشروع تعديل قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، النافذ، رغم اعتراض 15 نائباً من مختلف الكتل على تلك الطريقة، وخروجهم من الجلسة لكي لا يكتمل النصاب. فكما اعربت القوى التقدمية، أن هذا التعديل يعتبر "نكسة للمرأة العراقية"، وإهانة لمكانتها، وحقوقها الانسانية والقانونية والدستورية، وله مخاطر مدمرة على نسيج المجتمع العراقي، إذ يراد منه العودة إلى الزمن الغابر الذي طبق فيه ما يسمى بـ"القانون الجعفري"، والذي يسمح للرجل بالزواج من الطفلة الرضيعة بعمر السنتين عن طريق تفخذيها، والولوج بها في عمر التاسعة، يعني تحويل الطفلة البريئة إلى لعابة جنسية (sex toy). فهل يقبل أصحاب مشروع التعديل والمصوتون عليه تحويل فلذات أكبادهم إلى بضاعة جنسية (Sex toy)؟؟ إن هذا خزي وعار على عراق ما بعد صدام، ويعطي الذخيرة الحية للبعثيين الصداميين لتشويه صورة العراق الجديد والديمقراطية.(1)

والجدير بالذكر أن أخطر ما جاء في التعديل هو تسليم هذا القانون لرجال الدين ومنحهم الحرية الكاملة بالتصرف في قضايا الأحوال الشخصية، وحسب المذاهب التي يعتنقونها بعد ان كانت هذه الأمور بيد القضاء العراقي.

لقد حذرنا في مقال سابق لنا بعنوان: (حذارى من (التحرش) بقانون الأحوال الشخصية!)(2)، من أي تعرض لقانون الأحوال الشخصية رقم 88 لعام 1959، الذي صدر في عهد حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم، و يُعد من أفضل القوانين التي أنصفت المرأة والطفولة والمجتمع في تاريخ العراق. ولكن المشكلة أن أكثر من عارض هذا القانون التقدمي الإنساني، هم رجال الدين الشيعة، حتى أنهم تحالفوا مع حزب البعث المجرم، والجهات الأجنبية المعادية للعراق في أوائل الستينات من القرن الماضي، وأطاحوا بأخلص وأنزه حكومة وطنية عرفها العراق في تاريخه الحديث، ودفعوا ثمناً باهظاً لفعلتهم الشنيعة تلك.

في الطب وفلسفة الأخلاق، وعلوم الاجتماع والنفس، تعتبر الطفولة من الولادة إلى سن السادسة عشر، كما أقرته جميع القوانين الوضعية بما فيها قوانين الأمم المتحدة، أن سن الرشد هو بلوغ  18 عاماً من العمر، حيث يسمح له بالتصويت في الانتخابات.

ففي الدول المتحضرة، أية علاقة جنسية مع أي إنسان وحتى في حالة الزواج دون سن البلوغ، يعتبر جريمة اغتصاب ولو بالتراضي، والمرتكب لهذه الجريمة يُعد من المنحرفين جنسياً، والمصابين بمرض الولع الجنسي بالأطفال (Paedophiles)، يوضعون تحت المراقبة من قبل الأجهزة الأمنية لحماية الأطفال من انحرافهم، وإذا ارتكبوا الجريمة يوضعون وراء القضبان حسب القانون.

لكن ماذا نقول لو قامت جهة مشرِّعة مثل برلمان دولة هي عضو في الأمم المتحدة، بتشريع قانون يبيح فيه الزواج من القاصرات، بممارسة التفخيذ معها من الرضيعة بعمر عامين، والولوج بها بعمر تسعة أعوام. فهذا القرار مخالف لجميع القوانين الدولية، وحقوق الإنسان، وحقوق الطفولة، وحقوق المرأة، وأنه يمثل خطوة أخرى تكميلية لما فعله النظام البعثي الساقط في الردة الحضارية، والعودة بالمجتمع إلى عصور الهمجية، والجاهلية الأولى. فهذا التعديل يعتبر المرأة بمختلف مراحل عمرها، من الولادة إلى الوفاة، عبارة عن بضاعة يتصرف بها الرجل كما يشاء أسوة بأية بضاعة جامدة أخرى، بعد تجريدها من آدميتها، وإمكانياتها العقلية، ومشاعرها وحقوقها الإنسانية.

فكما ذكرنا في مقالنا السابق، لقد تذرع النواب الإسلاميون المطالبون بتعديل القانون، بالمادة الثانية من الدستور أنه (لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الاسلام). ولكن نفس المادة أقرت أيضاً (لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الديمقراطية). ولا شك أن حقوق المرأة هي من ثوابت حقوق الإنسان والتي هي بدورها من ثوابت الديمقراطية، ولا يجوز إصدار أي قانون مخالف لهذه المادة الدستورية. وعليه فالتعديل المنافي للديمقراطية مخالف للدستور.

ما العمل؟
أولاً، يجب على جميع النواب التقدميين من مختلف الكتل السياسية، وخاصة النساء، معارضة هذا التعديل المجحف بشدة، وشن حملة جدال مع زملائهم في البرلمان من المؤيدين والمترددين لكسبهم ضد هذا التعديل المخالف للأخلاق والقيم الإنسانية، والمفتت للنسيج الاجتماعي.

ثانياً، عدم مغادرة الجلسة المخصصة لهذا التعديل بذريعة عدم إكمال النصاب لسد الطريق على مؤيديه. بل يجب حضور الجلسة والمشاركة الفعالة في المناقشة ما قبل التصويت، للتأثير الإيجابي على بقية النواب، والتصويت ضد التعديل. فمغادرة الجلسة يفسح المجال للنواب الإسلاميين وحدهم للتصويت وبدون معارضة فعالة.
ثالثاً، على جميع الكتاب التقدميين، والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، والصحافة وكافة وسائل الإعلام شن حملة توعية واسعة للجماهير لحثهم على إجهاض محاولة الالتفاف على قانون الأحوال الشخصية، وذلك بتنظيم التظاهرات ونشر المقالات، والبيانات، والنداءات ضد هذا التعديل.

رابعاً، في حالة نجاح النواب الإسلامويين بتعديل القانون كما يريدون، يجب على النواب العلمانيين ومنظمات المجتمع المدني تقديم شكوى إلى المحكمة الإتحادية العليا، لإبطال التعديل لكونه مخالفاً للدستور، وضد الديمقراطية، ومناهضاً لحقوق الإنسان، ومسيئاً للشعب العراقي وسمعته في العالم.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- نواب ينتقدون بشدة رئاسة البرلمان لسماحها بالتصويت عليه
http://www.akhbaar.org/home/2017/11/236048.html

2- - د.عبدالخالق حسين: حذارى من (التحرش) بقانون الأحوال الشخصية!
  http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=925



42
لماذا العراق غير قابل للقسمة؟
د.عبدالخالق حسين

لو نقرأ تاريخ العراق المعاصر، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ولحد الآن، وما حصل من صراعات وأحقاد طائفية وعنصرية بين مكوناته، لا بد و أن نستنتج أن أفضل حل للمشكلة العراقية المزمنة المعوِّقة لتقدمه واستقراره، وازدهاره هو تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، أو كانتونات، واحدة للشيعة، وثانية للسنة، وثالثة للكرد، وكفى الله المؤمنين شر الجدال والقتال. والجدير بالذكر، أن الدولة العراقية بحدودها وخارطتها الحالية، قد تم تأسيسها وفق اتفاقية سايكس- بيكو عام 1916، التي "كانت اتفاقا وتفاهمًا سريًا بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الدولة العثمانية، المسيطرة على هذه المنطقة، في الحرب العالمية الأولى." ولكن المشكلة أن هذه الاتفاقية التي يشتمها أغلب المثقفين والسياسيين العرب، ويحملونها كل مشاكل المنطقة، نراهم في نفس الوقت يرفضون بشدة الخروج عليها.

وحسب هذه الاتفاقية وقع ظلم فاحش على الكرد بحرمانهم من تأسيس دولتهم القومية آنذاك أسوة ببقية القوميات الأخرى في المنطقة، وذلك بسبب تضارب مصالح الأقوياء، فتم تقسيم الشعب الكردستاني على أربع دول: إيران، وتركيا، والعراق وسوريا. ولكن، لو ألقينا نظرة تأملية فاحصة، ومنصفة، لتوصلنا إلى استنتاج مفاده أنه في تلك الظروف وحتى الآن، لم يكن بالإمكان أفضل مما كان، أو أفضل مما حصل، وذلك لأسباب كثيرة، ولتضارب مصالح مختلف الأطراف.

وبالطبع لم يسكت الشعب الكردي على ما ناله من ظلم وحيف، إذ قامت حركات وثورات من قبل الكرد في إيران، والعراق وتركيا، وأخيراً في سوريا بعد أحداث ما يسمى بالربيع العربي عام 2011، ولكن كلها باءت بالفشل والكوارث على الشعب الكردي وشعوب المنطقة. ومن الانصاف القول أن كرد العراق حققوا لهم مكتسبات لم يحققها أشقاؤهم في البلدان الثلاث الأخرى، وخاصة بعد 2003، حيث لعب قادة الكرد دوراً فعالاً في تشكيل الحكومة، وكتابة الدستور، وفق ما كانوا يطمحون إليه بأن يكونوا شركاء حقيقيين في الدولة العراقية الديمقراطية الفيدرالية الجديدة.

كما أثبت التاريخ أن الدمج القسري لكردستان العراق بالدولة العراقية جلب الكثير من الكوارث على الشعبين العراقي والكردي منذ تأسيس الدولة العراقية وإلى الآن. لذلك قد يبدو على السطح أن الطلاق في هذه الحالة هو أفضل حل، ولكن كما حصل بعد الاستفتاء الذي أصر عليه السيد مسعود بارزاني، الرئيس غير الشرعي للإقليم، أنه غير دستوري، ورغم تصويت غالبية المشاركين لصالح الانفصال والاستقلال، إلا إنه بات واضحاً للجميع أن الانفصال غير ممكن لأسباب محلية وإقليمية ودولية، وجغرافية، رغم أن العراق سيكون المستفيد الأكبر والأكثر من انفصال كردستان عنه. فكردستان الآن دولة مستقلة مصرفها على العراق، إضافة إلى حصتها في حكم دولة أخرى اسمها جمهورية العراق. وهذه حالة عجيبة وغريبة لا مثيل لها في العالم يجب وبالضرورة أن تنتهي.

من يريد تقسيم العراق؟
يبدو أن غالبية الكرد يريدون الإنفصال (92% حسب الاستفتاء الأخير). أما الشيعة فهم ضد أي تقسيم، وهم أكثر من دفع من الضحايا في سبيل الوحدة الوطنية العراقية في جميع العهود. كذلك العرب السنة، فهم منذ تأسيس الدولة العراقية، كانوا مع الوحدة العراقية طالما هم أصحاب القرار السياسي دون غيرهم من مكونات الشعب العراقي، ولكن ما أن تغيَّر الوضع عام 2003 حتى وناهضوا العراق الجديد، لأنه فرض النظام الديمقراطي لأنه ساوى بينهم وبين المكونات الأخرى وكل حسب حجمه في الشعب العراقي، وما تفرزه صناديق الاقتراع، وتشكيل الحكومة حسب نسبة الكتل السياسية في البرلمان. لذلك رفضت الكيانات السياسية السنية الديمقراطية، ونعتتها بشتى النعوت التسقيطية مثل حكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية..الخ، ولجأت إلى الإرهاب لفرض شروطهم في حكم العراق.

فالشعب العراقي كأغلب شعوب العالم، متعدد المكونات، وهي مشكلة من نتاج التاريخ والجغرافية. فالكرد يقطنون منطقة في شمال شرقي العراق، تسمى بكردستان، والعرب السنة في شمال غربي العراق، يفصلهما شريط ممتد من الحدود التركية شمالاً إلى محافظة ديالى جنوباً، والذي يسكنه التركمان، وأقليات أخرى، ثم محافظات الوسط وجنوب العراق، غالبية سكانها من العرب الشيعة، وأقليات من أتباع الأديان والطوائف الأخرى. إضافة إلى هذه الظروف الموضوعية، كان ظلم حكم البعث الصدامي على المكونات طائفياً وعنصرياً. ولهذه الأسباب مجتمعة، تشكلت الأحزاب السياسية العراقية وفق الانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية لحماية أنفسها من الإبادة، ولفقدان الثقة بالمكونات الأخرى.

لذلك، فمشكلة المحاصصة فرضتها ظروف موضوعية من الصعوبة الخروج عليها في الوقت الحاضر، إلى أن تتشكل أحزاب عابرة لهذه الانقسامات على غرار الأحزاب البريطانية والدول الغربية الأخرى. والجدير بالذكر أن هذه المحاصصة كانت متبعة منذ تأسيس الدولة العراقية وبشكل مجحف للكرد والشيعة ، ولكن الحكومات الدكتاتورية المتعاقبة منعت الاعتراض عليها، أو حتى الحديث عنها، وكانت هذه الحكومات تعين بعض الشيعة والكرد في المناصب الحكومية الثانوية كديكور ودون استحقاقهم بما يتناسب ونسبتهم السكانية في صنع القرار السياسي، ونصيبهم في الثروة وحقوق المواطنة.

وبعد 2003، حاول جميع الشركاء في هذا الوطن الاستقواء بالخارج من أجل تحقيق المزيد من المكاسب والنفوذ في السلطة على حساب المنافسين الآخرين، فالسنة العرب لجأوا حتى إلى الإرهاب ومنظماته المتوحشة مثل القاعدة وداعش لتحقيق أغراضهم، وكذلك الكرد وخاصة جناح بارزاني، راحوا يتحالفون مع أعداء العراق من أجل ابتزاز الحكومة المركزية وإضعافها، فنسبتهم السكانية وحسب قرارات الأمم المتحدة، لا تزيد عن 13%، ولذلك كانت الأمم المتحدة في عهد صدام تدفع لهم من واردات النفط 13% فقط، ولكن لأسباب سياسية نفعية وانتهازية رفعها أياد علاوي إثناء ترؤسه للحكومة المؤقتة عام 2005 إلى 17%، إلا إن القيادة الكردية بزعامة مسعود بارزاني تمادت وأمعنت في ابتزازها وإلحاحها على المزيد...مستغلة ضعف الحكومة المركزية وانشغالها بمحاربة الإرهاب بمختلف أشكاله وتنظيماته، إلى أن انقلب السحر على الساحر، وانقلب الإرهاب المدعوم من قبل حكومة الإقليم، وبقية الشركاء حيث جلب عليهم الكوارث، عندئذ أدرك الجميع أنه يجب حل المشكلة بأقل ما يمكن من خسائر. وهكذا تنطبق على القيادات السياسية العراقية مقولة (أن الإنسان لا يستخدم الطرق الصحيحة لحل المشاكل إلا بعد أن يستنفدوا جميع الطرق الخاطئة).

حول مبدأ حق تقرير المصير
إن مبدأ حق تقرير المصير قول حق، ولكن لا يجب تطبيقه بدون مبرر في كل زمان ومكان، و بدون إعمال العقل والحكمة. ففي العالم هناك أكثر من 12 ألف قومية وأثنية، فلو طبق هذا المبدأ كيفما اتفق، لكان الآن أكثر من 12 ألف دولة، أي نصل إلى حد أن كل أثنية يجب أن تكون لها دولة، وهذا غير ممكن لأنه غير عملي، ولأنه يعيد المجتمع البشري إلى المراحل البدائية، أي إلى ما قبل تكوين الشعوب والدول. ففي الهند وحدها أكثر من 150 أثنية ولغة، وآلاف الأديان، ولكن مع كل هذه التعددية الهائلة، نرى الأمة الهندية تعيش بسلام وأمان في دولة عظيمة مستقرة تعد أكبر دولة ديمقراطية في العالم.
فالتاريخ هو تقدمي، ونحن نعيش في عصر العولمة بفضل التطور المذهل في تكنولوجية الاتصال والمواصلات التي ساهمت في التقارب بين الشعوب، ومنح الأولوية للمصالح الاقتصادية على النعرات القومية والدينية والطائفية التي يمكن تجاوزها، لذلك نجد تشكيل اتحادات سياسية واقتصادية بين دول العالم على حساب تآكل سيادة الدولة القومية.
أما ما نلاحظه الآن من تصعيد النزعات القومية والانفصالية عن بعض الدول ذات التعددية القومية في بعض مناطق العالم، مثل بريطانيا وأسبانيا، فهو ردود أفعال على العولمة، والكوسموبوليتانية، وسرعة التطور، خوفاً على الهوية القومية والإنتماءات الثانوية مثل الدينية والطائفية والمناطقية، كما حصل ذلك في سكوتلاندا، وكاتالونيا وغيرهما. ولكن هذه النزعات هي مؤقتة إذ نجدها ضعيفة عند الشباب الذين تغلب عليهم النزعة الإنسانية والأممية، و قوية عند الشيوخ المسنين ذوي النزعة القومية الشوفينية كما أظهر ذلك تحليل المصوتين في استفتاء الشعب البريطاني للخروج من الوحدة الأوربية. فشعوب العالم تسير نحو التآخي والتقارب بين البشر وليس العكس.
كذلك فما يجري في العراق من تخندقات طائفية وعنصرية هي مؤقتة ونتاج مظالم الحكومات الدكتاتورية الجائرة السابقة، نقول مؤقتة لأنها ضد مسار التاريخ، خاصة وأنها قد جلبت الكوارث على جميع مكونات الشعب العراقي، وبالتالي لا بد وأن يستيقظ الشعب العراقي عاجلاً وليس آجلاً، ويدرك أن سياسة التخندقات الطائفية والعرقية مخجلة وتضر بهم وبمستقبل الأجيال القادمة، والحل الوحيد هو التخلص من هذه التخندقات، ومنح الأولوية إلى الانتماء الوطني العراقي وقيمة الإنسان بغض النظر عن انتماءاته الثانوية، الأثنية والدينية والمذهبية.

عواقب التقسيم
إن تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات غير ممكن للأسباب التالية:
اولاً، دولة للعرب السنة، لحسن الحظ وكما ذكرنا آنفاً، أن العرب السنة لا يريدون الانفصال لأنهم يعرفون أن دولتهم هذه لو تأسست، فهي غير قابلة للبقاء إقتصادياً، وفي هذه الحالة إما أن ينضموا إلى دولة أخرى مجاورة مثل المملكة الأردنية الفقيرة، أو السعودية الغنية، وفي الحالتين يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية، و كالأيتام على موائد اللئام. وهذا بحد ذاته جنون، إذ يجردهم من وطنهم العراق الذي حكموه لمئات السنين. كذلك ما أن يتخلصوا من عدوهم المشترك المتخيَّل (الشيعة والكرد)، حتى وستبدأ الصراعات العشائرية والمناطقية فيما بينهم.
ثانياً، دولة الكرد: لقد اثبت استفتاء الشعب الكردي يوم 25 أيلول/سبتمبر الماضي، أن الدولة الكردستانية الموعودة غير قابلة للبقاء بسبب الحصار الذي ستفرضه عليها الدول المحيطة بها. أما تمادي مسعود بارزاني في إهانة الدولة العراقية، فقد كان نتيجة ضعف الحكومة المركزية، خاصة في قواته المسلحة. وهذا الضعف لم يعد موجوداً الآن كما أثبتت الأحداث الأخيرة حيث الانتصارات الساحقة على داعش، واستعادة الجيش لكركوك وغيرها من المناطق بدون سفك دماء.
ثالثاً، الدولة الشيعية في الوسط والجنوب: هذه الدولة لو تحققت لا سامح الله، فهي الأخرى غير قابلة للصمود والبقاء في مواجهة الدول الخليجية السنية التي تعتبر هذه الدولة خطراً على أمنها ووحدتها الوطنية، وذلك بإنعاش آمال المكون الشيعي في تلك الدول وتحفيزها للثورة والانفصال عن دولها، والانضمام إلى الدولة الشيعية العراقية، وهذا انتحار لهذه الدول والدولة الشيعية العراقية على حد سواء، ومصدر حروب طاحنة بين الدول الخليجية وإيران، وجر دول أخرى مثل إسرائيل وأمريكا لهذه المحارق البشرية. لذلك فالحالمون بالدولة الشيعية (من سامراء إلى الفاو)، عليهم أن يستفيقوا من أوهامهم وأحلامهم الفنطازية الإنتحارية.

دلالات استعادة المناطق المعتدى عليها
أود التوكيد على أن استعادة كركوك، وبقية المناطق المعتدى عليها إلى حضن الوطن كان عملاً عظيماً، لم يتم حسب اتفاق مسبق مع قيادات البيشمركة الكردية بتوسط الجنرال الإيراني السيد قاسم سليماني، كما أشاع الإعلام المضاد، وحتى غير المضاد عن سذاجة وقلة الإدراك. فالغرض من هذه الإشاعات السامة هو التقليل من قوة ودور القوات العراقية المسلحة، وقوة الحكومة المركزية. فسبب انسحاب البيشمركة هو أن قيادتها أدركت قوة الجيش العراقي، إذ كما قالت النائبة آلا طالباني في مقابلة تلفزيونية، أن قرار قائد قوات البيشمركة في الانسحاب من كركوك بعدم المواجهة والصدام مع الجيش العراقي قد أنقذ عشرة آلاف مسلح كردي في البيشمركة من الموت المحقق. كذلك قال بافل طالباني (نجل الراحل جلال طالباني): "أن قوات البيشمركة قاتلت إلا أنها لم تتمكن من الصمود بوجه القوات العراقية المدججة بالأسلحة." وإذا ما سارع كاك مسعود باتهام قوات البيشمركة التابعة للإتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، بالخيانة بسبب هذا الانسحاب، فلماذا انسحبت قوات البيشمركة التابعة لحزبه الديمقراطي الكردستاني (KDP)، من المناطق المتنازع عليها، ودون إطلاق رصاصة واحدة؟ السبب مرة أخرى هو إدراك بارزاني أن الجيش العراقي اليوم يقوده ضباط وطنيون مخلصون أكفاء، وليس كما كان عام 2014 الذي سلم الموصل وبقية المناطق ذات الغالبية السنية لداعش، وكركوك لبارزاني بالتواطؤ(1).
وبناءً على كل ما تقدم، نتوصل إلى حقيقة مفادها أن تقسيم العراق إلى دولتين، واحدة للكرد، وأخرى للعرب وبقية المكونات، أو إلى ثلاث دول، غير ممكن، لأنه عملية انتحارية وإبادة للجميع، ولأنها ستشغل هذه الدول الثلاث والدول الإقليمية وغيرها في حروب طاحنة على الحدود، وعلى مصادر الثروات الطبيعية، وبالتالي تبديد جميع طاقاتها البشرية، و ثرواتها المادية على الحروب، بدلاً من توظيف هذه الطاقات والثروات للتنمية والتقدم والازدهار الاقتصادي الذي سيجلب الخير العميم للجميع.

لذلك نستنتج أن العراق غير قابل للقسمة إطلاقاً، وأن الواقع أقوى من رغبات وتمنيات فنطازية لبعض القادة الطوباويين الحالمين، أوحملة مبادئ غير قابلة للتطبيق. فأيهما أفضل للشعب الكردي، دولة مستقلة يرأسها دكتاتور مثل مسعود بارزاني الذي هو عبارة عن صدام كردي صغير، وأبنائه وأقربائه، دولة محاصرة بالدول المعادية المحيطة بها (العراق وإيران وتركيا وسوريا)، ولا اتصال لها بالبحر، وربما معرضة للهجوم المسلح عليها وتصفيتها كما حصل لجمهورية مهاباد الكردية في إيران عام 1946، والتي لم تدم أكثر من 11 شهراً، أم حكم ذاتي وشريك حقيقي ضمن الدولة العراقية الديمقراطية الفيدرالية؟ الجواب واضح لكل ذي عقل سليم، إلا من أعماه التعصب القومي الشوفيني والطائفي.

ربَّ ضارة نافعة
يقول الفيلسوف السكوتلندي آدم سميث: (عواقب غير مقصودة لأفعال مقصودة، ولكن في نهاية المطاف تكون في صالح المجتمع البشري). وهذا بالضبط ينطبق على استفتاء مسعود بارزاني، الذي كان يأمل من استفتائه إحراج الحكومة المركزية، وإعلان دولته الكردية، ويدخل التاريخ كقائد مؤسس للدولة الكردستانية، فجاءت النتائج على غير ما أراد، بل نقمة عليه، وعلى حزبه، ونعمة للشعب العراقي بما فيه الشعب الكردستاني. فهذا الاستفتاء جاء كضربة قوية على يافوخه، أيقظته من أحلامه وأوهامه و هذياناته. فالنتائج غير المقصودة أدت إلى التقارب والوحدة بين مكونات الشعب العراقي، والتقارب الإيراني التركي في تدمير أحلام بارزاني، وأظهرته على حجمه الحقيقي بعد أن سكر بخمرة غروره وعنجهيته، وعنترياته، وبمادى في تجاوزاته على الدولة العراقية، وتحالفه مع إسرائيل، وصمَّ أذنيه ضد كل النصائح التي جاءته حتى من الدول المتعاطفة مع طموحات الشعب الكردي. لقد خسر مسعود كل هذه الجهات لأنه استمع إلى مجموعة من المستشارين الغربيين من أمثال برنارد كشنير، وبرنارد لفي، وزلماي خليل زاد، وعشرات غيرهم من المرتزقة الذين أغدق عليهم من أموال الشعب الكردستاني، والنفط العراقي المسروق.

لذلك، فاستفتاء بارزاني وفر الفرصة الذهبية التاريخية للحكومة المركزية، وعلى رأسها الدكتور حيدر العبادي، أن يفرض حكم الدستور والقانون، ويعيد للدولة العراقية هيبتها و وحدتها ومكانتها اللائقة في العالم، بعد أن استغل مسعود إنشغال الدولة العراقية بمحاربة الإرهاب، فحاول بكل الوسائل إهانة العراق وإظهاره بالرجل المريض المشرف على الموت، وأراد أن يجعل من حكومة الاٌقليم أقوى من الحكومة المركزية، والبيشمركة أقوى من الجيش الاتحادي، ولكن خاب أمله. لا شك أن مسعود قد أصابه الغرور، فأعلن نفسه هو من يعين رئيس الوزراء، وحاول حرمان الجيش العراقي من السلاح لمحاربة الإرهاب ، وذلك بالادعاء أن هذا الجيش يراد به إبادة الكرد...الخ. والآن راح يطالب كرد الخارج بالتظاهر والاعتداء على السفارات العراقية في المدن الغربية كما حصل قبل أيام من هجوم بربري على القنصلية العراقية في مانجستر، والهجوم على القنصلية الإيرانية في إربيل، وهو خزي على حكومة الإقليم.

ما المطلوب من العبادي في التعامل مع كردستان؟
1- أن تكون الحدود، ومنافذها، والمطارات ومداخيلها المالية تحت إدارة وإشراف الحكومة المركزية،
2- أن يُعامل مواطنو كردستان أسوة بمواطني العراق في المحافظات العراقية الأخرى، يعني حصة كل محافظة كردستانية من الموازنة المركزية حسب عدد سكانها كما هي الحال في حصة أية محافظة عراقية مثل السماوة والبصرة، أو الرمادي، و حصة كل محافظة تُسلّم إلى مجلس المحافظة وليس إلى رئيس الإقليم.
3- احترام سيادة الحكومة الاتحادية على المنافذ الحدودية والمطارات والثروات السيادية وقوات البيشمركة والاجهزة الامنية الكردية، وفرض القانون في المناطق المتنازع عليها، ومنع اي سلوك منافي للدستور من قبل الاقليم.
4- تغيير دستور الإقليم ليكون ولاء قوات البيشمركة وجميع القوات الأمنية في الإقليم، للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، وليس لرئيس الإقليم،
5- السياسة الخارجية، ودوائر جوازات السفر، ومنح تأشيرات دخول الأجانب من مسؤولية الحكومة المركزية، وليس حكومة الإقليم.
6- لا يجوز لحكومة الإقليم عقد اتفاقيات مع الحكومات الأجنبية، فهذه من مهمة الحكومة المركزية فقط،

وبإختصار شديد، يعني لا حوار مع القيادة الكردستانية إلا إذا وافقت على تطبيق الدستور الدائم الذي ساهمت القيادة الكردية في كتابته، وصوَّت الشعب الكردستاني عليه، لا أقل ولا أكثر.
 
وفي حالة رفض القيادة الكردستانية لهذه الشروط، وهي دستورية، فعلى الحكومة المركزية اعلان كردستان دولة مستقلة بحدود عام 1991 الذي أقره مجلس الأمن الدولي، ووافقت عليه القيادة الكردستانية مع الحكومة العراقية آنذاك. وعلى حكومة الإقليم أن تدبر حالها في حالة تعرضها لمضايقات أو حصار أو حتى حروب مع إيران وتركيا، والعراق في حل من مسؤولية الدفاع عن كردستان.
هذه فرصة تاريخية ذهبية لن تتكرر، لبناء العراق الجديد الديمقراطي الفيدرالي المزدهر والمستقر على أسس حضارية وتقدمية وعلمية، يجب على الدكتور حيدر العبادي رئيس الوزراء، والقائد العام للقوات المسلحة، استثمارها وعدم التفريط بها قيد شعرة، وهي فرصة ذهبية له ليدخل التاريخ وتذكره الأجيال القادمة أنه أنقذ العراق من الفوضى والوهن والتمزق، كما أنقذ فلاديمير بوتين روسيا من الانهيار وأعاد هيبتها في العالم.
ألا هل بلغت، اللهم إشهد.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــ
روابط ذات صلة:
1- د. عبد الخالق حسين : تسليم الموصل لداعش بالتواطؤ
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=656

2- مقال الدكتور حيدر العبادي في صحيفة نيويورك تايمز
النسخة العربية:
http://www.alkawthartv.com/news/99488
 
3- النسخة الإنكليزية الأصلية
New York Times, Iraq Will Remain United
By HAIDER al-ABADI  ,  OCT. 18, 2017
https://www.nytimes.com/2017/10/18/opinion/iraq-will-remain-united.html


43
تحية لقواتنا الباسلة على تحريرها كركوك
د.عبدالخالق حسين

لا شك أن يوم الأحد 16/10/2017، يعتبر يوماً حاسماً في تاريخ العراق الحديث، حيث تم فيه تحرير مدينة كركوك ومناطق أخرى من هيمنة وطغيان مسعود بارزاني، وهذا التحرير لا يقل أهمية عن تحرير الموصل من دنس داعش، حيث أعادت الدولة هيبتها، كما وأعاد الجيش العراقي معنوياته التي حاول مسعود وأمثاله من أعداء العراق تدميرها يوم تآمروا مع داعش بتسليم المناطق الغربية مقابل تسليم كركوك لحكومة الاقليم.(1)

و تحية إلى رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي لقراراته الحكيمة والشجاعة، وقيادته للسفينة العراقية وهي تواجه أعنف وأخطر وأشد العواصف التاريخية عربدة، وقد تسلح بالحكمة وصبر أيوب في التعامل مع الطاغية الصغير مسعود بارزني الذي ركبه الغرور، فكلما تساهل معه العبادى، تمادى وأمعن أكثر في غروره وطلباته وتجاوزاته على الدستور، وراح يملأ الدنيا صراخاً وعويلاً أن "حكام بغداد" يتجاوزون على الدستور، وأنه لم يبق أي أمل للكرد للتعايش في عراق موحد. وراح يعزف على الوتر القومي والعنصري والطائفي لإثارة الكرد وكسبهم إلى جانبه لتحقيق أغراض شخصية وحزبية.

والجدير بالذكر، والأدهى والأمر، أن مسعود بارزاني الذي خلق كل هذه المشاكل لشعبه وللعراق، هو رئيس غير شرعي، وجميع قراراته تعتبره مخالفة ليس للدستور العراقي فحسب، بل وحتى لدستور الإقليم، إذ انتهت رئاسته عام 2013، فمدد له برلمان الإقليم رئاسته لمرة واحدة ولسنتين، أي لنهاية عام 2015 غير قابلة للتمديد، وعلى برلمان الاقليم اختيار رئيس جديد. إلا إن مسعود قام بتعطيل البرلمان، ومدد رئاسته إلى أجل غير مسمَى (يعني رئيس مدى الحياة). ولذلك فهو غير شرعي وبالتالي قراراته غير شرعية. ولهذا السبب راح يلعب على الوتر القومي والطائفي ليكسب الشعب الكردي إلى جانبه.
بارزاني ركبه الغرور، وتحدى النصائح من جميع الجهات، الكردية، والعراقية، والدولية التي طالبته بعدم إجراء الاستفتاء، لأن الوقت غير مناسب، ولكنه تحداهم جميعاً، على أمل أن يكسب الشعب الكردي إلى جانبه ويحرج منافسيه الكرد، ويعلن إمارته البارزانية، ويدخل التاريخ كمؤسس للدولة الكردية المستقلة.
وهو الذي تعاون مع داعش عام 2014 في تقسيم الغنائم، موصل والمناطق العربية السنية لداعش، مقابل كركوك لحكومة الإقليم. وهذا ما حصل يوم 10 حزيران 2014، مخالفاً بذلك الدستور الذي أقر تبعية كركوك وجميع "المناطق المتنازع عليها" للعراق، وخصصت المادة 140 من الدستور لحل هذه المشكلة سلمياً في عراق فيدرالي موحد. إلا إن مسعود ألغى من جانب واحد هذه المادة من الدستور وأعلن أن (كل ما تحقق بالدم لن يتنازل عنه إلا بالدم)، وأن مشكلة داعش هي صراع سني- شيعي لا علاقة للكرد فيه. والمعروف أن بارزاني هو الذي امر بسحب قوات البيشمركة من سنجار وتسليمها لداعش التي قامت بعملية إبادة الجنس وهتك الأعراض ضد الأيزيديين، ولم يتحرك بارزاني ضد داعش إلا بعد أن وصل الدواعش إلى تخوم إربيل، وعندها أدرك أن داعش هي ليست صراع سني- شيعي، بل مسألة حياة أو موت لكل العراق بما فيه الكرد.

لقد أثبت بارزاني جهله بالسياسة والثقافة والتعلم، وأنه مجرد بندقية للإيجار لتدمير العراق. فتعليمه المدرسي لم يتعدى الصف الأول متوسط، ويتباهى أنه ترك الدراسة وحمل الكلاشنكوف وهو في عمر 16 سنة. فماذا تتوقع من هكذا قائد سياسي شبه أمي، استلم القيادة بالوراثة لأنه ابن الملا مصطفى بارزاني ليس إلا. ولذلك جازف بالقضية الكردية العادلة وكرسها لأغراض عائلية وحزبية.
لقد نال الكرد من مكتسبات باهرة ضمن الفيدرالية العراقية الديمقراطية أكثر مما لو كانت كردستان دولة مستقلة. فحكومة الاقليم كانت ومازالت تحكم كردستان كدولة مستقلة إضافة إلى حصتها في حكم العراق ووارداته المالية. ولكن مسعود لم يتخلص من حقده الأسود على العراق وشعبه، إذ لم يترك مناسبة إلا وراح يصرح ضد العراق، وأخيراً تبنى نفس النغمة الطائفية النشاز بأن العراق قد أنتهى، ولا أمل في الشراكة مع حكومة بغداد "الطائفية"(2)، ويقصد طبعاً السياسيين الشيعة، وجعل من كردستان ملاذاً آمناً لفلول البعث وأيتامهم من الذين تآمروا على العراق الديمقراطي، بل شارك حتى في مؤتمر عمان الذي مهد لاحتلال داعش للموصل عام 2014.

وعلى الضد من بارزاني، فقد أثبت الدكتور حيدر العبادي، رئيس الوزراء، حنكة سياسية، متسلحاً بالحكمة والصبر في التعامل مع مسعود بارزاني وبشكل عجيب. وكلما قدم العبادي تنازلاً لمسعود، تمادى الأخير أكثر فأكثر في غيه وتجاوزاته على سيادة الدولة العراقية إلى حد أنه رفع علم الإقليم على جميع الدوائر في كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها، متجاهلاً  الدستور ونصائح العبادي في الكف عن هذه التجاوزات ولكن بلا جدوى، وراح أتباعه في الدول الغربية يذرفون دموع التماسيح والادعاء بأن الحكومة المركزية هي أسوأ من عهد صدام، وهي التي تتجاوز على حقوق الكرد، وتخالف الدستور. وقام مسعود بتجويع شعبه، حيث أوقف دفع رواتب العاملين في الإقليم من أجل تحريض الشعب الكردستاني، وكسب العطف العالمي ضد الحكومة المركزية، واتهامها بتجويع الكرد وعدم دفع رواتبهم، علماً بأن مسعود كان يصدر نحو 900 ألف برميل من النفط الخام، خلافاً للدستور، فأين ذهبت الواردات؟
لقد استغل مسعود انشغال القوات العراقية في معاركها ضد داعش، حيث انتصرت قواتنا المسلحة بجميع فصائلها على قوى الظلام والتوحش، واستعادت هذه القوات هيبتها التي حاول أعداء العراق من أمثال بارزاني تدمير معنوياتها، مدعياً أن الجيش العراقي أنهزم أمام داعش، بينما الكل يعرف كيف تم تسليم هذه المناطق بمؤامرة محلية ودولية لتحقيق غايات سياسية مؤقتة، وها هو الجيش نفسه يحرر الأرض والعرض من دنس الدواعش، كما حان الوقت يوم 16/10/2017 لاسترجاع كركوك ومناطق أخرى من هيمنة مسعود، وإلحاق الهزيمة به، وتركه يلعق جراحه، ولم يبق له من صديق سوى إسرائيل التي تعتبر صداقتها لمسعود خزي وعار عليه.

وأخيراً أثمرت حكمة العبادي وصبره، بينما مسعود بارزاني الآن لم يبق له سوى إلقاء اللوم على القيادات الكردية المعارضة له واتهامها بالخيانة. وهكذا ينطبق عليه قول الشاعر:
إذا كان الغراب دليل قوم.... فسيدلهم إلى أرض الخراب
وها هو مسعود فقد تسبب في عرض كل ما حققه الشعب الكردي من مكتسبات عبر عشرات السنين من النضال المرير، إلى الضياع. وقد أدرك بعض القادة الكرد هذه الحقيقة، فقد شن مسؤول جهاز مكافحة الإرهاب في كردستان لاهور شيخ جنكي طالباني، هجوما على رئيس كردستان المنتهية ولايته مسعود البارزاني، لافتا اننا "لن ندفع ابنائنا" للموت من أجل كرسيه(3). كذلك قال السياسي الكردي المعروف، د. محمود عثمان أن (العبادي ذبح البرزاني بسكين ناعم)(4). كتعبير عن انتصار حكمة وصبر العبادي على غرور وتهور مسعود.

لقد أصر بارزاني على إجراء استفتائه سيئ الصيت رغم معارضة حكومات مناصرة للقضية الكردية، مثل أمريكا على لسان وزير خارجيتها تلرسون، الذي أبدى استعداد بلاده دعم طموح الشعب الكردي بما فيه إقامة دولته المستقلة، فقط أن يؤجل الاستفتاء إلى وقت مناسب في المستقبل، لأن إجراءه الآن يشكل عقبة في الحرب على داعش(5). إلا إن بارزاني أصر واستكبر، لذلك خسر حتى أصدقاءه في الداخل والخارج، والآن يلعق جراحه، وراح مثقفو الكرد يطالبونه بالتنحي(6).

وكما تفيد الحكمة: (رب ضارة نافعة). فبإصراره على إجراء الاستفتاء، فقد أوقع مسعود نفسه في الفخ، وعلى العبادي الاستفادة من هذه الفرصة الذهبية، بأن يفرض حكم الدستور، وعدم التخلي عن أية فقرة منه. فكردستان تتمتع بالحكم الذاتي، وحصتها من الموازنة 17% لدفع رواتب جميع العاملين في الاقليم بمن فيهم قوات الشرطة والبيشمركة، خاصة وأن البيشمركة هي مليشيات حزبية ولاؤها ليس للحكومة المركزية، ولا حتى لرئيس الإقليم، بل للقيادات الحزبية السياسية. لذلك على الدكتور العبادي الثبات على موقفه الذي أعلنه في رده القاطع على دعوة الاقليم للحوار(7 و8) ودون أية تنازلات عن حق الشعب العراقي، ويجب معاملة جميع أبناء الشعب بالعدل والمساواة وفق ما أقره الدستور، لا أقل ولا أكثر.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د. عبد الخالق حسين: تسليم الموصل لداعش بالتواطؤ
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=656

2- سالم مشكور: سلاح الطائفية.. كرديّاً!
http://www.akhbaar.org/home/2017/10/235183.html

3- طالباني: لن ندفع بأبنائنا للموت في سبيل كرسي مسعود
http://aletejahtv.org/permalink/186805.html

4- محمودعثمان : العبادي ذبح البرزاني بسكين ناعم
http://kitabat.info/subject.php?id=107099

5- نص الرسالة التي وجهها تيلرسون إلى البارزاني قبل يومين من إجراء الاستفتاء
http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/65011-2017-10-15-07-01-08

6- شيرزاد شيخاني: آن لبارزاني أن يريح ويستريح
http://www.akhbaar.org/home/2017/10/235218.html

7- رد قاطع من مكتب العبادي على دعوة الإقليم للحوار
http://www.akhbaar.org/home/2017/10/235012.html

8- العبادي يدعو البيشمركة في كركوك الى أداء واجبها تحت القيادة الاتحادية
http://www.akhbaar.org/home/2017/10/235202.html



44
لعبة إستخباراتية أجنبية لضرب الوحدة الوطنية

د.عبدالخالق حسين

نعم، هناك مخططات ومحاولات متواصلة أجنبية قذرة تحاك ضد العراق، ولكن يجب أن نعرف أنه لن يتمكن الأجانب من تنفيذ مؤامراتهم هذه إلا بالاعتماد على العراقيين أنفسهم. فما أن تحقق القوات المسلحة الباسلة بمختلف فصائلها، انتصاراً على الإرهاب الداعشي المتوحش، حتى وتخرج علينا جماعة بلعبة جديدة وباسم المقدسات الدينية والمذهبية لشق الصف الوطني وإرباك الحكومة.

تمر هذه الأيام ذكرى عاشوراء نسبة إلى اليوم العاشر من محرم الحرام،  حيث يستذكر فيها المسلمون الشيعة في العالم واقعة الطف التي حصلت فيها مأساة الإمام الحسين وأهل بيته قبل أكثر من 14 قرناً. وهي درس تاريخي بليغ في البطولة، والتضحية بالنفس من قبل أهل الحق في مواجهة وتحدي أهل الباطل. لم يستشهد الإمام الحسين وأصحابه الميامين من أجل توظيف مأساتهم لطقوس مقززة مثل التطبير، وضرب الصدور، وجلد الظهور بالسلاسل، والزحف على البطون، بل لمواجهة الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية. فالمفروض توظيف هذه المناسبة لتثقيف الجماهير بملحمة الحسين الشهيد، والأسباب التي استشهد هو وصحبه الأبطال من أجلها، و تثوير الجماهير ضد الظلم والباطل، ورفع وعيهم، وتقوية اللحمة الوطنية، واحترام أتباع الأديان الأخرى، واحترام الإنسان كقيمة مطلقة، عملاً بقول الإمام علي ابن أبي طالب في خطابه لمالك ابن الأشتر: "إن الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، المقولة المأثورة التي قال عنها الأمين العام السابق للأمم المتحدة، السيد كوفي عنان: "يجب أن تعلَّق على كلّ المنظمات، و أن تنشدها البشرية)، و اقترح أن تكون هناك مداولة قانونية حول كتاب الإمام علي إلى مالك الأشتر.

ولكن الذي يحصل الآن في العراق، وباسم الحسين ابن علي ابن أبي طالب، هو العكس تماماً، إذ يحاول البعض وباسم الحسين وشيعته، المتاجرة بمأساته، بإثارة النعرات الطائفية لضرب الوحدة الوطنية. فقد جاء في الأنباء أن "مصادر المرصد الآشوري لحقوق الإنسان، علمت بانتشار رايات طائفية على أسطح الأديرة والكنائس في مدينة الموصل المحررة من تنظيم داعش... فقد شوهد ارتفاع راية (يا حسين) على سطح دير مار كوركيس التاريخي، والذي يبعد 9 كم شمال مركز مدينة الموصل، والتابع للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، والذي كان قد قام في وقت سابق عناصر تنظيم داعش الإرهابي بتفجير أجزاء منه ملحقين أضراراً كبيرة فيه والمقبرة المجاورة له".(1)

ونحن أيضاً نعتبره عملاً استفزازياً مدبراً من قبل أعداء العراق المندسين، يستغلون المناسبات الدينية لتحقيق مآربهم الشريرة. فهل هناك قلة أماكن في العراق لرفع مثل هذه الرايات الحسينية؟ ولماذا الأديرة المسيحية بالذات؟ هل لأن الأخوة المسحيين ناس مسالمين، ليعتبرونهم أضعف حلقة في الشعب، فيسهل على المتصيدين بالماء العكر استهدافهم، واستفزازهم ليعطوا صورة مشوهة عن عراق ما بعد صدام؟
لقد عاش المسيحيون وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى في العراق في عهد حكم الإمام علي بأمان وسلام ، ولم يتعرض لهم، أو يضايقهم في ديانتهم وطقوسهم ودور عباداتهم ، فلماذا الآن ونحن في القرن الحادي والعشرين، لا شغل لنا سوى استفزاز من يختلف عنا في الدين والمذهب؟
لقد اتهم البعض مرتزقة إسرائيل والسعودية وراء هذا العمل، وأني لا استبعد التهمة، لأن هاتين الدولتين هما المستفيدتان منه.

وقبل هذه الحادثة قرأنا في وسائل الإعلام تقريراً آخر بعنوان: (إفتتاح مدرسة "الامام الخميني" في برطلة/محافظة نينوى) جاء فيه: (شهدت ناحية برطلة بمحافظة نينوى، إفتتاح مدرسة "الامام الخميني  الابتدائية في الناحية من قبل منظمة الخلاني الايرانية، و بإشراف مباشر من القنصل الايراني. وأضاف المراسل، أن هناك مدرسة أخرى قيد التنفيذ في برطلة ايضا.)(2)

والسؤال هنا: لماذا في الموصل حيث أغلبية السكان من أهل السنة حيث مازالوا يعانون من جرائم داعش، أليس هذا لأجل إثارة الفتن الطائفية؟
لذلك نرى من واجب السلطة والقوات الأمنية أن تمنع مثل هذه الأعمال الاستفزازية، لأن الغاية منها شق الصف الوطني، وتمزيق الشعب بإثارة النعرات الطائفية في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة إلى الوحدة الوطنية، لمواجهة الإرهاب والفساد. وعلى وزارة الخارجية العراقية مطالبة الحكومة الإيرانية، إذا كانوا فعلاً  حريصين على وحدة العراق وسلامته، أن يحترموا حساسية الشعب العراقي، المتعدد الأعراق والأديان والمذاهب، بأن يوقفوا أي عمل من شأنه إثارة الفتن الطائفية، مثل نشر صور الرموز الدينية الإيرانية، وبناء مدارس بأسماء هذه الرموز في العراق... وإلا فهي تفتح أبواب الجحيم على نفسها وعلى العراق من قبل أعداء العراق وما أكثرهم.

حقاً ما قاله أبو العلاء المعري قبل ألف عام:
إن الشرائع ألقت بيننا إحنا   وعلمتنا أفانين العداواتِ

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- مرصد آشوري يدين رفع راية حسينية فوق أحد أديرة الموصل ويعده "استفزازاً"
http://www.sahafahn.net/show1573880.html

2- إفتتاح مدرسة "الامام الخميني" في برطلة/محافظة نينوى
http://www.alkawthartv.com/news/93602



45
حذارى  من (التحرش) بقانون الأحوال الشخصية!

د.عبدالخالق حسين

جاء في الأنباء أن مجلس البرلمان العراقي قد (أتم القراءة الاولى لمقترح قانون تعديل قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 والمقدم من اللجنتين القانونية والاوقاف والشؤون الدينية والذي جاء انسجاما مع ما أقرته المادة 2 من الدستور من أنه لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الاسلام وما أقرته المادة 41 من ضمان حرية الافراد في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب ديانتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم وللحفاظ على المحاكم كجهة قضائية موحدة لتطبيق الاحكام الشرعية للأحوال الشرعية بعد الرجوع الى جهة ذات الاختصاص.(1)

والمقصود بهذا التعديل هو الالتفاف على حقوق المرأة في مساواتها مع الرجل في الميراث والشهادة في المحاكم...الخ. وهذه ليست المحاولة الأولى في الإطاحة بهذا القانون، بل سبقتها محاولات كثيرة خلال الخمسين سنة الماضية، وكلها انتهت بالفشل بفضل يقظة ونباهة المثقفين والسياسيين المتنورين.

شئنا أم أبينا، إن السلطة العراقية ما بعد 2003 محسوبة على الشيعة، لأنهم (الشيعة)، يشكلون نحو 60% من الشعب العراقي. وفي النظام الديمقراطي والتمثيل النسبي لا بد وأنهم يشكلون نفس النسبة في السلطة التشريعية والتنفيذية، حيث رئيس الحكومة هو شيعي، وكذلك غالبية نواب البرلمان من الكيانات السياسية الشيعية. والملاحظ أن القادة السياسيين الشيعة يحاولون تنفيذ سياساتهم وفق ما يرضي رجال الدين الشيعة لنيل مباركتهم من أجل التلاعب بعقول ناخبيهم. ولكن إذا ما استثنينا الدور المشرِّف للمرجع الديني الكبير، الإمام علي السيستاني، في الحفاظ على السلم المجتمعي، فإن دور رجال الدين الشيعة في إدارة الدولة اتسم على العموم بالسلبية وعلى الضد من اتجاه مسار التاريخ الذي يجب أن يكون تقدمياً وإلا يهدد بالإنقراض وفق قانون التطور. وهذه السلبية أساءت كثيراً لسمعة الشيعة في السلطة، وبالتالي كمكوَّن كبير من الشعب العراقي.

يبدو أن السياسيين الشيعة قد انتهوا من حل جميع مشاكل العراق، من إرهاب وفساد، وتفشي الخرافة، وتردي التعليم بجميع مستوياته، ومحاولات بارزاني لتفتيت الدولة إلى دويلات،... والقائمة تطول، لم يبق لديهم سوى التعرض لقانون الأحوال الشخصية، الذي أنصف المرأة. فنحن الآن نواجه كارثة حضارية رهيبة تهدد بإعادة الشعب العراقي 1400 سنة إلى الوراء، إلى عهد الرق و الحريم والجواري وما ملكت أيمانكم لإشباع شهوات الرجل الجنسية، وأطماعه الاقتصادية في المجتمع الذكوري الشوفيني على حساب المرأة. والملاحظ أن القاسم المشترك بين رجال الدين الشيعة ومشايخ الوهابية هو غلوُّهم في عدائهم للمرأة (Misogyny)، وانحيازهم للعشائرية والإقطاع.

فبدلاً من تصحيح ما أرتكبه حكم البعث الصدامي من جرائم بحق الشعب العراقي، مثل التجهيل المتعمد للمجتمع وتفتيته، وإحياء العشائرية، ونشر الفساد وتفشي الخرافة ضمن الحملة الإيمانية المزيفة...الخ، قامت السلطة الجديدة بتكريس هذا الخراب في المجتمع، وإضفاء القداسة الدينية عليها، والمتاجرة بالإسلام وتعاليم المذهب الشيعي. و صدق ما قاله الفيلسوف ابن رشد في هذا الخصوص: " التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المُجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردتَ التحكم في جاهل، عليك أن تُغلّف كلّ باطل بغلافٍ ديني". وقال ابن خلدون: "الفتن  التي تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة في عصور التراجع الفكري للمجتمعات ". وهذا هو وضع العراق اليوم.
ففي عهد حكومة ثورة 14 تموز المجيدة بقيادة الزعيم الشهيد عبدالكريم قاسم، أصدرت الحكومة قوانين ثورية عديدة لصالح الشعب العراقي وفق ما أملته ظروف العصر، ومتطلباته لمواكبة التطور الحضاري. ومن بينها  ثلاثة قوانين اعتبرتها المرجعيات الدينية (الشيعية والسنية)، مخالفة للإسلام، وهي: قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، وقانون إلغاء حكم العشائر، وقانون الإصلاح الزراعي. ولكنها أي(المرجعية) ركزت على قانون الأحوال الشخصية، لأنه أنصف المرأة العراقية، فساواها بالرجل في الميراث، وشهادتها في المحاكم، وحق حضانة الطفل إلى سن البلوغ ، كذلك منع تعدد الزوجات إلا في حالات استثنائية. والسبب هو أن المرجعية اعتبرت إقرار هذه الحقوق في قوانين ضد مصلحة الرجل الاقتصادية، وإشباع شهواته الجنسية كما يشاء بذريعة أنها مخالفة للشريعة الإسلامية.
لذلك شنت المرجعية الشيعية، وعلى رأسها السيد محسن الحكيم حملة ضد القانون وضد الزعيم عبدالكريم قاسم واعتبره "فاسقاً". ولكنه (السيد الحكيم)، اصدر الفتوى باسم محاربة الشيوعية (الشيوعية كفر وإلحاد)، والمستهدف هو حكومة الثورة، علماً بأن نحو 85% من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي كانوا من الشيعة. وهذا يعني دعوة صريحة لقتلهم باعتبارهم مرتدين عن الإسلام. وبهذه الحملة ساهمت المرجعية بدور كبير في انقلاب 8 شباط 1963 الدموي الأسود. و حاولت حكومة الإنقلاب الاستجابة لطلبات المرجعية، ولكن دون المطلوب. وقد دفع السيد محسن الحكيم ثمناً باهظاً لدوره في تسليط البعث على رقاب الشعب، حيث كان جزاءه أن قتل البعثيون بعد مجيئهم الثاني إلى السلطة، نحو ستين شخصاً من آل الحكيم، ولاحقوا ابنه السيد مهدي الحكيم إلى السودان واغتالوه هناك بدم بارد.
والسؤال هنا: ما هو سر هوس أسرة الحكيم خاصة، والمرجعية الشيعية عامة، بمناهضة قانون الأحوال الشخصية؟
فما أن أسقطت القوات الدولية  بقيادة أمريكا الحكم الصدامي الجائر، وجاء دور السيد عبدالعزيز الحكيم (نجل السيد محسن الحكيم) برئاسة مجلس الحكم بشكل دوري، أول عمل قام به هو إصدار قرار رقم 137 سيئ الصيت، القاضي بإلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959.  القرار الذي أثار ضجة واسعة ضده من قبل الكتاب والصحفيين والسياسيين والبرلمانيين التقدميين، مما اضطر بول بريمر، الحاكم المدني للقوات الدولية، التدخل، وإلغاء القرار.

لقد تذرع النواب الإسلاميون المطالبون بتعديل القانون، بالمادة 2 من الدستور من أنه (لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الاسلام). ولكن نفس المادة أقرت أيضاً (لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الديمقراطية). ولا شك أن حقوق المرأة هي من ثوابت حقوق الإنسان والتي هي بدورها من ثوابت الديمقراطية.

يقول الإسلاميون أن الإسلام كرَّم المرأة بأن منحها حقوقاً كانت محرومة منها في الجاهلية. وهذا صحيح. ولكن في نفس الوقت هذه الحقوق هي نسبية تتغير مع الزمن وحسب التطور الحضاري. ففي ذلك العصر، كانت المعيشة في المجتمع العربي البدوي تعتمد على الغزوات والحروب، وكل يكسب رزقه بحد سيفه ورمحه، حتى ينقل عن النبي محمد أنه قال:(بُعثتُ بالسيف، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي...)، وهو حديث ضعيف، ولكن يعكس طبيعة المرحلة الإجتماعية، حيث كان الرجل أقوى من المرأة عضلياً مما يؤهله للغزو، بينما المرأة كانت محرومة من كل شيء. وطبيعي  عدم السماح للمرأة بالاختلاط والتعلم تصبح بهيمة وهذا ينطبق على الرجل أيضاً فيما لو منِع من الخروج من البيت والمساهمة في النشاط الاجتماعي وكسب المعرفة، لذلك قيل عن النساء (ناقصات عقل ودين). فهل ينطبق هذا القول على المرأة اليوم، ونحن في عصر العلم والتكنولوجيا المتقدمة حيث يعتمد كسب الرزق على العقل والمعرفة، وليس على القوة العضلية والسيف والرمح؟ وقد أثبت العلم أنه لا فرق إطلاقاً بين الرجل والمرأة في القدرات العقلية والذكاء وكسب المعرفة. ففي ظل التعليم الاجباري للجنسين، راحت المرأة تنافس الرجل في جميع المجالات بل وتبزه أحياناً، فصارت طبيبة ومهندسة وعالمة وأديبة، وفنانة وفيلسوفة ومعلمة وأستاذة جامعية، وصحفية وسياسية برلمانية، و وزيرة و رئيسة لحكومات دول كبرى، وحتى صارت مقاتلة في الجيوش، وصعدت إلى المحطة الفضائية. فنحو 20% من منتسبي الجيش الأمريكي اليوم من النساء، بينهن مقاتلات في ساحات الحروب، و قائدات لطائرات حربية...الخ. فهل يصح القول في هذا العصر أن نعتبر النساء ناقصات عقل ودين ونحرمهن من حقوقهن؟ والآن نحو 25% من أعضاء البرلمان العراقي نساء. فكيف والحالة هذه يراد منح المرأة العراقية نصف حقوق الرجل؟ فهل يجوز مثلاً اعتبار شهادة أستاذتين جامعيتين تعادل شهادة رجل واحد جاهل وأمي؟ أي عاقل يقبل بهذا الحكم؟

والجدير بالذكر أن هناك قرارات دينية تعتبر من الجرائم بحق الإنسانية مثل ممارسة الجنس مع الأطفال بعقد زواج بما يسمى بالتفخيذ الذي سمعت به لأول مرة عندما قرأت كتاب (تحرير الوسيلة) للمرحوم آية الله الإمام روح الله الخميني، زعيم الثورة الإسلامية في إيران الذي أباح للرجل ممارسة الجنس مع الزوجة مهما كان فارق العمر بين الزوجين. فيحق للرجل الزواج من طفلة وحتى الرضيعة على أن يتجنب ممارسة الولوج بها قبل أن تبلغ "الزوجة" التاسعة من العمر. ولكن يحق له ممارسة التفخيذ معها أي مع الرضيعة!! والتفخيذ عملية جنسية يندى لها الجبين، يمارسها الشواذ مع الأطفال القصر وحتى مع الرضيعة في عمر السنتين. وهذا بالطبع شذوذ جنسي (paedophiles) يحاسب عليه بقانون في المجتمعات المتحضرة. فكيف إذا أفتى بصحته وأباحه بذريعة عقد زواج مع الرضيعة، إمام شيعي وزعيم الثورة الإسلامية في إيران ألا وهو الإمام الخميني؟
إذ يقول الإمام الخميني في "- مسألة 12- لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى مع الرضيعة،..." (الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، ج2، ص216، دار المنتظر، بيروت- لبنان، ط2، 1985م).

وينقل لنا الكاتب والشاعر صفاء خلف في بحثه القيم بهذا الخصوص: (فيما الفقه الشيعي يجعل سن التاسعة سقفاً للتزويج الفعلي، وما دون ذلك، سنٌ يصح فيه كتابة عقد لـ"المداعبة الجسدية" دون "دخول شرعي". وأثبت كبار الفقهاء الشيعة في فتاواهم هذا "التصور الاجتهادي" كالمراجع محمد كاظم اليزدي، وأبي الحسن الموسوي الأصفهاني، ومحسن الحكيم، والخميني، وأبي القاسم الخوئي، والسيستاني الذي رفع أحكام زواج الرضيعة من فتاواه، فيما رفضها آية الله محمد حسين فضل الله وآية الله محمد باقر الصدر.)(2)

أما التعلل ضد قانون الأحوال الشخصية بذريعة أنه لا يجوز الاجتهاد في النص القرآني، فقد اجتهد الخليفة الراشدي الثاني، عمر بن الخطاب في كثير من الآيات القرآنية، فمثلاً، أوقف العمل بآية قطع يد السارق في عام الرمادة، ونسخ آية المؤلفة قلوبهم بعد أن استقوت شوكة الإسلام. ويقال أن عمر أجرى نحو 40 تعديلاً في النصوص المقدسة بعد عشر سنوات من وفاة الرسول، فكم تعديل سيدخله عمر لو جاء اليوم بعد مرور أكثر من 1400 عام؟
في الحقيقة إن جميع الدول الإسلامية (ما عدا السعودية)، أوقفت العمل بآية جلد الزانية والزاني، وقطع يد السارق، وتنفيذ حكم الإعدام بقطع الرقاب بالسيف. وراحت تركيا التي يحكمها حزب إسلامي (حزب التنمية والعدالة) إلى أبعد من ذلك، إذ لا تعتبر ممارسة الجنس خارج الزواج بالتراضي جريمة. والسؤال هنا: إذا كان الاجتهاد ممكناً في كل هذه الأمور، فلماذا لا يجوز وقف العمل بآية (للذكر مثل حظ الأنثيين)، و مساواة المرأة مع الرجل في الميراث والشهادة في المحاكم وغيرها من الحقوق الإنسانية، ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين حيث تبوأت المرأة أعلى المناصب السياسية والأكاديمية بل وحتى العسكرية وأثبتت جدارتها؟

لذلك نهيب بكافة المثقفين، والسياسيين، والبرلمانيين المتنورين الأحرار، الوقوف صفاً واحداً بجرأة وشجاعة ضد كل المحاولات البائسة الرامية من قبل البعض لإلغاء أو تغيير أو تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، وإذا ما كانت هناك حاجة لأي تعديل فيجب أن يكون نحو الأفضل وليس نحو الأسوأ، أي لزيادة حقوق المرأة، كما حصل في الجمهورية التونسية حيث طالب رئيس الجمهورية بإقرار حق المرأة المسلمة بالزواج من رجل غير مسلم، كما يجوز للرجل المسلم الزواج من غير المسلمة.

وأخيراً، وصلني قبل أيام نداء من صديق عزيز متألم من تفشي موجة الإلحاد في العراق، وقال أنه يريد أن يفعل شيئاً لمواجهة هذه الموجة، مخاطباً المؤمن بالله وغير المؤمن به على السواء راجياً ان يساهم في النقاش ويشارك بالحوار. فأجبتُ الصديق: أن السبب الرئيسي لتفشي الإلحاد وابتعاد الناس عن الدين هو زج الدين بالسياسة، إذ كما قال السيد حسين الخميني (حفيد الإمام الخميني، وهو مجتهد): (السياسة تفسد الدين، والدين يفسد السياسة.) لذلك إذا أردتم إعادة الاحترام والقدسية للدين ورجاله، يجب إبعاد الدين ورجاله عن السياسة. فالدين علاقة روحانية بين الإنسان وربه، ومهمة رجل الدين الإرشاد والنصيحة، (إنما الدين النصيحة)، (ولا إكراه في الدين)، (وما أنت عليهم بوكيل).
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- البرلمان يقيل محافظ كركوك ويصوت على قانوني الري وتخليد تضحيات شهداء الحرب ضد داعش (فيه إشارة عن تغيير قانون الأحوال الشخصية)
http://www.akhbaar.org/home/2017/9/233464.html   

2- صفاء خلف: "الجعفري" يَسوق نساء العراق لعصر الجواري
http://arabi.assafir.com/Article/10330





46
"الجعفري" يَسوق نساء العراق لعصر الجواري

صفاء خلف
السفير اللبنانية، 12/9/2017

أحاط المتشددون من رجال الدين الشيعة، فكرة إخضاع "الأحوال الشخصية" إلى "الشريعة" بالعناية منذ أن صار لهم دور سياسي في العراق، وظلّت محاولاتهم حثيثة لفرض أحكام بدائية مقابل تهشيم قانون الأحوال الشخصية التقدمي الذي أُقرَّ في العام 1959، والعمل على إلغائه مستقبلاً بعد إفراغ محتواه وتشويه نصوصه بسلسلة تعديلات في مرحلة ما بعد 2003، سبقتها تعديلات "سياسية" قام بها نظام صدام حسين على مدى ثلاثة عقود.
تنطلق الدعوة الجديدة من كراهية قديمة نمت من القناعات ذاتها التي انطلق منها رجال الدين الشيعة قبل ستة عقود، ومحاولتهم "أسلمة" المجتمع وإخضاعه لسلطة بطريركية، وتوزيع المصائر الشخصية على غرف يجلس فيها رجال دين على الأرض ــ كدلالة على التواضع ــ فيما يمارسون دوراً هائلاً في تسيير المجتمع باعتبارهم حُراساً على الإيمان ــ كدلالة على الكبرياء ــ متحكمين وفق التفسيرات الغامضة التي يُخرجوها من بطون كتب عفا عليها الزمن والتطور الاجتماعي، كدلالة على التمسك بالشريعة وعلى الحاكمية.
 
سيرة مضطربة
تعود الجذور الأولى للموقف المتشدد من تشريع أي قانون أحوال شخصية يخضع لضرورات التطور المدني والمديني في العراق، وإخراج "الأسرة" و"الأفراد" من الأعراف واجتهاد رجال الدين والتأثيرات الاجتماعية الواقعة عليهم نظراً للبيئة الذكورية القابضة على مصائر النساء والمُسيّرة للمصالح اليومية طبقاً للصبغة العشائرية والقبلية، والتحرر من نسق "المحاكم الشرعية" العثمانية الذي ظل سائداً إلى ما بعد تفكيك هذه الدولة بنحو عقدين ونيّف. الرفض الشيعي لتحرير "المعاملات الشخصية" من الفقه هو نتيجة مخاوف فقدان السلطة الروحية على "الأتباع" واضمحلال المكانة الاجتماعية – السياسية عند السلطات. لذا كان هذا الرفض موجهاً على نحو دقيق إلى "الحاكمية" على الأحوال الشخصية، فيما الفئة الأكثر تضرراً ستكون بالضرورة النساء اللواتي يخضعن لهيمنة الأعراف والشروط الدينية القاسية التي تجعل خياراتهن الفردية محط "تحكم" اجتهادات حراس الشريعة، عبر السلطة المفوضة إليهم دينياً وغير المعترض عليها اجتماعياً نتيجة السيادة الذكورية التي تخشى تحطيم صورتها التقليدية في المجتمعات الشرقية عموماً.
بدأت معركة الإخضاع الاجتماعي، في العام 1876، حين استكملت السلطات العثمانية ما يمكن اعتباره لائحة قانونية رسمية حديثة لتنظيم التعاملات اليومية المتعلقة بالتجارة والعقود والعقوبات، عرفت بـ"مجلة الأحكام الشرعية" وكتبت على مدى ستة عقود واعتمدت فقه المذهب الحنفي، وسرت أحكامها في المدن العراقية، مع إغفال متعمد لتنظيم الأحوال الشخصية. لكن الإشارة "الثورية" للوثيقة كان باعترافها بضرورة قانون "مدني" ينظم العلاقة بين الأفراد: "... والحاصل أن الإنسان من حيث أنه مدني بالطبع لا يمكن أن يعيش على وجه الانفراد كسائر الحيوانات بل يحتاج إلى التعاون والتشارك ببسط بساط المدنية".
 
الفقه الشيعي يجعل سن التاسعة سقفاً للتزويج الفعلي، وما دون ذلك يصح كتابة عقد لـ"المداعبة الجسدية" دون "دخول شرعي". أثبت كبار الفقهاء الشيعة في فتاواهم هذا "التصور الاجتهادي" فيما رفضه آية الله محمد حسين فضل الله وآية الله محمد باقر الصدر.
 
ظلت الأحوال الشخصية أيضاً عائدة إلى "حاكمية" رجال الدين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. الصدام الأول وقع حين أقرّ قانون "العائلة العثماني" في العام 1917، الذي رفضه رجال الدين الشيعة، ما جعل عامة الشيعة يعرضون عن تقديم قضاياهم إلى القضاة الرسميين فيما يخص "الدعاوى الشخصية"، ونقل عن أحد قضاة كربلاء وقتذاك أنه "مكث في منصبه تسعة أعوام لم يرَّ فيها ولا دعوى واحدة".
فالحاكمية الشيعية اعتبرت تحييدها بما يخص "الأحوال الشخصية" كاعتداء مباشر على سلطتها، على الرغم من أن الموقف الشيعي كان مؤيداً لدستور الاتحاد والترقي 1908 الذي نص على التحرر من "الشريعة" في حكم الدولة، والذي رفضه رجال الدين السُنة. إلا أن قانون العائلة العثماني المنبثق من ذاك الدستور قوبل برفض شيعي وموافقة سُنية. ومن المفارقة أن قانون العائلة العثماني ما زال مطبقاً في المدن الفلسطينية المحتلة عام 1948 و1967 والواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الآن، بضمنها كل التشريعات الخاصة بالمجالس الروحية اليهودية والمسيحية وغيرها من الطوائف والديانات دون أي تعديل. فيما يحتكم القانون اللبناني في بعض نصوصه إلى ذاك القانون.
 
محاكم لضمان الولاء
عقب تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921، ولضرورات سياسية بحتة، ولتقريب العلاقة بين الطائفة الشيعية والبلاط الملكي السُني نتيجة المخاوف الوطنية من انقسام يهدد العرش العراقي غير المستقر، طرح أبرز كتبة الدستور العراقي الملكي، ناجي السويدي، بوصفه وزيراً للعدلية آنذاك، قانون المحاكم الشرعية المتأسس على القانون الوقتي للمرافعات الشرعية المُقر في العام 1921، والذي عززته المادة 77 من القانون الأساسي العراقي عام 1925 (الدستور الملكي). فجاءت تلك الخطوات إرضاءً للموقف الشيعي المتزمت من إدارة الأحوال الشخصية، والذي قُسّم بموجبه "الاحتكام الشرعي" على أساس محاكم شرعية "جعفرية" و"سُنية"، والأخيرة التزمت بقانون العائلة العثماني، وترأس المحاكم الجعفرية العالم الشيعي هبة الدين الشهرستاني. يُقرّ موظفين بريطانيين رفيعي المستوى، وهما إدجار بونهام كارتر (قاضي رفيع) ونيجل ديفيدسون السكرتير القانوني للمفوض السامي البريطاني بأن الحكومة البريطانية كانت وراء منح "الأحوال الشخصية" إلى رجال الدين الشيعة لـ"ضمان دعمهم للنظام ولنا"، على الرغم من اعتراض الانتلجينسيا الحضرية الممثلة بالنخبة العراقية المدنية والعسكرية التي خدمت في الدولة العثمانية، وصارت فيما بعد النخبة الحكومية من روؤساء وزارة ووزراء ونواب وقادة عسكريين، لاعتقادها بأن العراق يحتاج إلى "قانون مدني" وليس لاجتهادات شرعية يتحكم بها معمَّمون.
 
على مدار عقود، قاد آية الله محسن الحكيم التحريض المباشر ضد التحديث. اعتبر عبد الكريم قاسم "فاسقاً" وحكومته "مخالفة للشرع"، وكفّر الحزب الشيوعي واعتبر أعضاءه ــ وغالبيتهم من الشيعة ــ "كفاراً"، مبرراً مواقفه برفض الحكومة إلغاء قانونين: الأحوال الشخصية، والإصلاح الزراعي.
 
لكن الود الشيعي – الملكي لم يستمر طويلاً، واصطدم الطرفان في العامين 1933 و1945 نتيجة رغبة حكومات العرش بإيجاد قانون أحوال شخصية موحد، لينتهي الصدام بإلغاء التشريع بموجب قانون ذيل قانون أصول المرافعات المدنية والتجارية رقم 88 لسنة 1956، وذيل قانون رقم 40 لسنة 1963.
مثّل المجتهدون الشيعة الصخرة العنيدة إزاء طرح أي تعديل لقوانين الأحوال الشخصية، على الرغم من تحفظاتهم على قانون المحاكم الشرعية الذي منحهم حيزاً كبيراً لإدارة شؤون الطائفة اجتماعياً، إلا أن رغبتهم الدائمة كانت تتمثل بفصل كل ما يتعلق بـ"الفرد الشيعي" اجتماعياً ومالياً عن الدولة، وإخضاعه لسلطة رجال الدين وحدهم، تعزيزاً لمكانة الطائفة، وخشية من صهر "المجتمع الشيعي" بـ"مجتمع الدولة" التي تتعاطى سياسياً على أساس الولاء للمواطنة المتمثلة آنذاك بالعرش والمملكة، مع بروز التيارات القومية الجارفة والماركسية التي حظيت بترحيب بعض الأوساط.
طرحت الحكومة الأولى للقومي رشيد عالي الكيلاني في العام 1933، مسودة مشروع لتوحيد قوانين الأحوال الشخصية السارية في المملكة العراقية، بوصفها أبرز تمثلات "الانقسام الاجتماعي الوطني العراقي"، كأحد مشاريع حزب الإخاء الوطني لمؤسسه ياسين الهاشمي، وشكل الكيلاني لجنة تدوين قانوني لإعداد مسودة القانون، لكن المسعى تعثر نتيجة اخفاق الحكومة سياسياً وحلها في أواخر العام نفسه، فضلاً عن ضغوطات نجفية.. ليعاد إحياء الفكرة مجدداً في العام 1945من حكومة حمدي الباجه جي والتي استمرت عامين وسميت بـ"حكومة القوانين"، حين شكلت لجنة من أربعة قانونيين لوضع "لائحة قانون الأحوال الشخصية"، وأنجزت هذا المشروع. لكنه ظل حبيس أدراج تلك الحكومة نتيجة الاعتراض الشيعي القوي الذي أطلقه آية الله محسن الحكيم، بدعم من مرجع الطائفة الأعلى محمد حسين آل كاشف الغطاء. وكشف الحكيم عن موقفه الرافض لقانون 1945 في رسالة إلى حكومة انقلاب البعث في شباط 1963، مجدداً المطالبة بإلغاء قانون 1959 الذي أقرته حكومة عبد الكريم قاسم، بأنه – أي الحكيم – رأى أن القانونين "خالفا الشرع" وأنه في "العهد الملكي أرسل أحد أولاده إلى مجلس الأمة لحث النواب على عدم إقرار القانون، فانصاع النواب واضطرت الحكومة إلى إحالته على لجنة مختصة لدراسته وإعادة النظر فيه".
 
ظّل العمامة
شكّلَ آية الله محسن الحكيم جدار المعارضة الصلد لأية محاولة تحديث لواقع الأحوال الشخصية في العراق، وظل على مدار عقود يقود التحريض المباشر ضد المساعي الحكومية للتحديث، ووصل به الأمر إلى جعل عبد الكريم قاسم "فاسقاً" واعتبار حكومته "مخالفة للشرع"، ليختتم صراعه مع التقدمية العراقية بـ"تكفير" الحزب الشيوعي العراقي واعتبار أعضاءه الذين بغالبهم من الشيعة "كفاراً" في العام 1959، مبرراً مواقفه المتطرفة تلك لرفض الحكومة الجمهورية إلغاء قانونين ينصفان الأفراد العراقيين من الاستغلال، وهما قانون الأحوال الشخصية، وقانون الإصلاح الزراعي.

تحرير المرأة، كان سبب الصدام الأول بين قاسم والحكيم، ومعاداة الحكم الجمهوري لـ"الحجاب" بنى حاجزاً بين الرجلين، ما انسحب ليكون حاجزاً بين السلطتين. وبحسب أول متصرف جمهوري (محافظ) لكربلاء والنجف، فؤاد عارف، فإن حكومة الثورة رفضت منح ترخيص لطباعة كراس ديني نجفي بعنوان "العفاف بين السلب والإيجاب" بوصفه يحوي على "أفكارٍ رجعية"، فتفجرت الأزمة بين الرجلين، فضلاً عن ازدياد النشاط النسوي في التظاهرات المؤيدة للثورة ذات الصبغة اليسارية التي قادتها نساء سافرات في كربلاء والنجف، ما جعل رجال الدين الشيعة يجمعون أنصارهم على مرتين متتاليتين بإشراف الحكيم والخروج بتظاهرات مناوئة.
كان الاعتراض الشيعي المباشر على قانون الأحوال الشخصية الذي ينظم الزواج والطلاق والإرث، ويحدد تعدد الزوجات، ويشترط تزويج النساء بعمر يتراوح حده الادنى 16 – 18 عاماً منسجماً مع الفقه السني ولا سيما الحنفي منه، فيما الفقه الشيعي يجعل سن التاسعة سقفاً للتزويج الفعلي، وما دون ذلك، سنٌ يصح فيه كتابة عقد لـ"المداعبة الجسدية" دون "دخول شرعي". وأثبت كبار الفقهاء الشيعة في فتاواهم هذا "التصور الاجتهادي" كالمراجع محمد كاظم اليزدي، وأبي الحسن الموسوي الأصفهاني، ومحسن الحكيم، والخميني، وأبي القاسم الخوئي، والسيستاني الذي رفع أحكام زواج الرضيعة من فتاواه، فيما رفضها آية الله محمد حسين فضل الله وآية الله محمد باقر الصدر.
وتحقيقاً للثورية في القانون الجديد، بات الإرث يوزع مناصفة بين المرأة والرجل، لكن هذه المادة عُدلت عقب انقلاب شباط/فبراير 1963، لجعلها مطابقة لـ"الحكم الشرعي"، إلا أن تعديل القانون لم يلغ من معاداة الحكيم والنخبة النجفية له.
ويمكن أن نرجع هذا التزمت الفقهي لكبار الشيعة إزاء أي قانون منصف للمرأة ومدنية الأحوال الشخصية، إلى رؤية المرجع الشيعي الأعلى محمد حسين آل كاشف الغطاء، بشأن المجلة العثمانية التي قيدت القضاء بالقضاة المعينين من قبل السلطة بأن "القضاء والحاكمية عند الإمامية منصب إلهي لا دخل له بالسلطان، ولا بغيره، ينصبه العدل وجامعية الشرائط، ويعزله زوال بعض الصفات الركنية من العقل والعدالة والاجتهاد، فلا يتقيد بزمان ولا مكان".
 
العودة إلى الجذور
 حين قبض صدام حسين على السلطة وحتى قبل إعلانه رئيساً مطلقاً للعراق، قامت السلطة بسلسلة تعديلات على قانون الأحوال الشخصية الذي وضعته الجمهورية الأولى. وعلى مدى 30 عاماً، أدخلت أكثر من 10 تعديلات على القانون على الأقل، كانت تستهدف حرمان المعارضين من حقوقهم الزوجية والإرثية، فضلاً عن الظواهر التي أفرزتها الحرب الطويلة مع إيران، لاسيما مع زيادة عدد الأسرى والمفقودين، وبعضها منح النساء حركة أكبر داخل المجتمع. لكن تعديلات أخرى سرت في التسعينيات واتجهت نحو "الأسلمة" بعد أن أطلق رأس النظام "حملة إيمانية" لترقيع العلاقة المنهارة بين السلطة والمجتمع العراقي، ولاسيما الغالبية الشيعية، على الرغم من أن ذاك الترقيع الديني أخذ منحى متطرفاً، أفرز ظواهر عادت بالمجتمع إلى حقبة ما قبل الدولة الحديثة، مع الدعوة إلى تبني "الدين" كمنهج حياتي يومي، والترغيب بـ"الحجاب" وإطلاق حمى التنافس الشيعي– السُني على أهلية الشريعة لحكم المجتمع، في محاولة من السلطة للحفاظ على نفسها.
 
مخاطر العودة الى طرح "القانون الجعفري" قائمة بإعادة تقديمه مجدداً بـ"مسمّى" آخر قد يُغطِّي على الحساسية الطائفية للتسمية مع الابقاء على المحتوى.
 
لحظة سقوط نظام قابض وشمولي، كان ثمة فورة عنف مجتمعي آخذة بالتصاعد على نحو مقلق ومثير في عموم البلاد، وفي جنوبه (البصرة) تحديداً، مع بروز محاولات فرض "الأسلمة" بنمطها "الشيعي"، مستثمِرة قبول غالبية السُكان المتأثرين بالعاطفة الدينية كتعبير عن حالة "الكبت التاريخية" منذ أن برز تيار التدين بعد حرب الخليج الثانية (غزو الكويت)، وكأن الأمر نوع من التعويض القهري لمعاداة أفكار وممارسات النظام السابق.. لكنه كان نوعاً من التخبط الديني المريع الممزوج بالعاطفة السطحية لتبرير الدفاع عن الذات المقموعة، وطريقة للانتقام من "العلمانية" التي انتعشت منذ بداية تشكل العراق البريطاني الحديث في العام 1921.. كانت الحلقة الأضعف لفرض النمط الجديد من الأفكار هو التعدي على حرية النساء المكتسبة عبر نضال طويل، وعبر سياسات إيجابية منذ صدور قانون 1959. فكانت النكبة المؤلمة في محاولة الرئيس الدوري لمجلس الحكم عبد العزيز الحكيم (نجل المعارض المتشدد للقانون آية الله محسن الحكيم) إصدار القرار 137، الذي مَثّلَ ردة رجعية إلى ممارسات يتحكم بها رجال دين ويفرضون تفسيراتهم على المجتمع، ويعودون به إلى ما قبل التنظيم المديني للدولة الحديثة. وعلى الرغم من إلغاء هذا القرار فيما بعد بتصويت غالبية أعضاء مجلس الحكم، إلا أن فكرة إخضاع الأحوال الشخصية التي أحاطها المتشددون الشيعة بالعناية ظلت مطروحة، ونجحوا بفرضها (وإنْ بتقنين للاسلمة الاجبارية) بوضع مادة دستورية تجعل احتكام الأفراد في شؤونهم الشخصية وفقاً للمادة 41 من الدستور العراقي الدائم المُقرّ في 2005 بأن "العراقيين أحرارٌ في الالتزام بأحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون". وهذه الصياغة جاءت من طرف السفير الأميركي في بغداد حينها (2005) لإرضاء المتشددين الشيعة الساعين إلى إلغاء القانون ذاته.
واجه القرار موجة اعتراضات واسعة، ورأت عدد من النائبات العراقيات أن تلك المادة "تفتح الباب لفتاوى عشوائية في مقدرات ومصائر الأسر مما يؤدي إلى تفككها وتشرذمها، بالإضافة إلى ترسيخ الطائفية والتفكك الأسري في المجتمع العراقي". ومع وصم رجال الدين بوصمة المناهضين للمرأة، كان أيضاً ثمة جهد في المقابل، لوصم الناشطين في مجال حقوق المرأة بالمناهضين للإسلام وبكونهم لا يمثلون مجمل المجتمع العراقي. وكثيراً ما جرى تصوير الناشطين كمنفصلين عن الوقائع في العراق. وهو ما تُرجم لاحقاً في البصرة بهجمات مريعة ضد النساء بحجة مخالفتهن الشريعة والأعراف الاجتماعية، لاسيما بين عامي 2005 و2008.
وطبقاً لسجلات الشرطة وإحصاءات جمعتها على مدى ثلاثة أعوام (2005 – 2008)، فإن عدد النساء المقتولات في البصرة بحجة "مخالفة الشريعة"، بلغ 85 ضحية في العام 2005، وارتفع العدد في العام 2006 إلى 96 ضحية، فيما شهد العام 2007 أكبر حملة قتل منظمة، بلغ عدد ضحاياها 133 ضحية، لينخفض بعدها معدل القتل إلى أقل من 50 قتيلة في العام 2008 إثر حملة عسكرية شنتها الحكومة ضد الميليشيات المتطرفة.
وعلى الرغم من الإنكار الحكومي المحلي حينها، والادعاء بأن حالات القتل "فردية" ولا تمثل منهجاً منظماً ضد النساء، على الرغم من أن معظم النساء قتلن على الشبهة فقط وبدافع "جرائم غسل العار"، أو انتقاماً من فتيات رفضن إقامة علاقات مع رجال الميليشيات بسبب الفارق الطبقي والاجتماعي، إلا أن تشابه طرق القتل المروّعة وتطابقها أشّرت على أن جهات القتل واحدة، وهي تنوعت بين التعذيب الجسدي الوحشي بآلات حادة، وإطلاقات نارية في الجسم، وبقر البطن، وسمل الأعين، والتعذيب حتى الموت بالمثقاب الكهربائي.
 
القانون الجعفري
 بمنتصف تموز/ يوليو 2013، فاجأ وزير "العدل" حسن الشمري الأوساط بالإعلان عن مشروع قانونين مرتبطين معاً، وهما  "قانون القضاء الشرعي الجعفري العراقي" و"قانون الأحوال الشخصية الجعفرية"، وتقديمهما إلى الحكومة التي بدورها إحالتهما إلى مجلس النواب. لكن عاصفة اعتراضات من مراكز الثقل المدنية في المحافظات الجنوبية وبغداد، فضلاً عن الاعتراض النيابي السُني والنسوي، شكلت حائط صد لعرقلة تشريع القانونين، اللذان مثّلا سابقة خطيرة في ترسيخ الانقسام الطائفي في البلاد، لاسيما وأن وزارة العدل لم تقم بالوقت نفسه بوضع مسودات قوانين موازية للطائفة السُنية أو بقية الأديان الأخرى لتبرير تمييز الشيعة دون غيرهم بقانون، ما رسخ الاعتقاد بأن حركة الشمري يقف وراءها حزب الفصيلة الإسلامي وزعيمه الروحي آية الله محمد اليعقوبي، تمهيداً للفوز في الانتخابات التي أجريت في العام 2014، بعد أن خسر الحزب ثقله السياسي ومقاعده في مجالس المحافظات ومجلس النواب. فكانت مغامرة سياسية "طائفية" قد تودي بوحدة البلاد المهددة، لحيازة عدد من المقاعد والامتيازات السياسية.
معاداة قانون الأحوال الشخصية العراقي انتقلت من آل الحكيم إلى حزب اليعقوبي تحت الإطار نفسه: تحقيق الهيمنة السياسية والاجتماعية على الشيعة العراقيين، ونزع الصفة المدنية للدولة العراقية وإعادتها إلى حقبة الغرف الصغيرة في القرى التي يتحكم عبرها رجال الدين بالمصائر، دون مراعاة مخاطر الانقسام الاجتماعي في ظل فورة من دعوات التقسيم "الطوائفية" و"المناطقية". إلا أن مخاطر عودة طرح "القانون الجعفري" متاحة مع تلميحات نيابية بإعادة طرحه مجدداً بـ"مسمّى" آخر قد يغطي على الحساسية الطائفية للتسمية مع بقاء المحتوى بالخطورة ذاتها، ولاسيما مع وجود دعوة أثارت سخرية وانتقاد العراقيين للنائبة جميلة العبيدي التي طالبت بسن قانون يشجع على الزواج بأكثر من امرأة للقضاء على العنوسة.
* شاعر وكاتب من العراق

إقرأ أيضاً
 وأد من نوع آخر في ريف العراق
من دفاتر السفير العربي..

نساء يرتضين بدور "النسوان" في العراق
http://arabi.assafir.com/Article/10330

47
مخاطر محتملة لما بعد الاستفتاء
د.عبدالخالق حسين

يبدو أن رئيس إقليم كردستان السيد مسعود بارزاني، المنتهية ولايته، مصر على إجراء استفتاء شعب الإقليم للإنفصال والاستقلال، رافضاً الإصغاء لمطالبات من مختلف الجهات، كردية وعراقية ودولية بإلغائه أو تأجيله. وقد ذكرنا في مقالنا السابق الموسوم (إستفتاء كردستان العراق، حق تقرير المصير أم ابتزاز؟)(1)، أنه من حق الشعب الكردستاني ممارسة حقه في تقرير مصيره، فيما إذا يريد البقاء مع العراق الديمقراطي الفيدرالي، أو يريد تحقيق حلمه الأزلي بتأسيس دولته المستقلة. ولكن هناك جهات مهمة حريصة على مصلحة الشعب الكردستاني معارضة لهذا الاستفتاء والانفصال لأسباب يرونها مشروعة، تهدد بعواقب وخيمة على المنطقة.

فالشعب الكردستاني تحمَّل البقاء مع العراق في ضل الأنظمة الدكتاتورية التي كانت شراكته في هذا الوطن غير عادلة، تعرض خلالها لحروب إبادة الجنس، فلماذا يريد الآن الانفصال وهو مشارك فعال في عراق يتمتع بنظام ديمقراطي حقيقي، بدلاً من الانفصال ومخاطره؟ وهذا ليس موقف العرب في الشعب العراقي فحسب، بل وموقف الكثير من الكرد أنفسهم، سياسيين ومثقفين. وعلى سبيل المثال، فقد أدلى مسؤول كردي رفيع، وهو السيد لطيف رشيد، مساعد رئيس الجمهورية لشؤون الأكراد في حوار مع وكالة تسنيم الإيرانية قائلاً: " أمل من أكراد العراق أن يخطوا خطوة في اتّجاه حل مشاكلهم مع الحكومة المركزية، و فيما خص الاستفتاء فيجب طرح هذه القضية أولا مع الحكومة المركزية، والدول المجاورة، كما ينبغي أن يقدّم الطلب لإجراء الاستفتاء الى البرلمان لا أن يكون شعارا حزبيًّا أو شخصياً". وأضاف "لا أعتقد أن الأرضية متوفرة حتى الآن من أجل إجراء هذا الاستفتاء الّذي يجب أن يمر عبر نواب الشعب، ويجب على البرلمان أن يخصص الوقت الكافي لبحث وتحليل أبعاد هذا الموضوع؛ برأيي فإنه ليس فقط أرضية الاستفتاء لم تتوفر حتى الآن، بل حتى الهدف من إجراءه ليس واضحاً".(2).

فهناك انقسام في الشعب الكردستاني نفسه حول هذا الاستفتاء، حيث الحزبان الكبيران (حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة السيد جلال طالباني)، و(حزب التغيير)، معارضان للاستفتاء.
وفي هذا الخصوص قال السيد عادل مراد، السكرتير العام لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني: " ان كل شيء يؤخذ بالقوة لن يصمد أمام التهديدات، وان استغلال ضعف الدولة العراقية لإعلان الاستقلال امر غير لائق، لان الاستفتاء وحق تقرير المصير حق لشعب كردستان، وليس منة من أحد، لذا على الكرد، المطالبة به عبر اجراء حوار بنّاء مع بغداد وفقا للسياقات الدستورية، مشيرا الى أن اصرار الحزب الديمقراطي على اجراء الاستفتاء يضع القضية الكردية في موقف منزلق خطير قد ينتج عنه اتخاذ مواقف مضادة من الدول الصديقة."(3)
وأخطر ما حذّر منه السيد مراد هو وجود مخطط تركي للهيمنة على الاقليم، وتأسيس دولة كردية ضعيفة، وتحويلها الى قبرص جديدة، فتركيا لديها مخطط يهدف الى استنزاف موارد الاقليم من نفط وغاز تكون ظهيرا لتركيا، وحاجزا بينها وبين قوات حزب العمال الكردستاني المعارضة المتواجدة في جبال قنديل، وقطع طريق التواصل بين اكراد تركيا والكرد في سوريا.

ومن معرفتنا للسياسة التركية، وخاصة بزعامة رجب طيب أردوغان، ليس مستعبداً أن يتخذ الأخير من حماية التركمان، وهيمنة بارزاني على محافظة كركوك، ذريعة لاحتلال "جمهورية كردستان" الوليدة، أو قسماً كبيراً منها، تماماً كما فعلت تركيا باحتلال شمال قبرص عام 1974 بحجة حماية أتراك الجزيرة آنذاك، وبقيت المنطقة الشمالية من قبرص تحت الاحتلال التركي لحد الآن. هذا المصير يمكن أن يحدث بعد الاستفتاء فيما إذا صوتت غالبية الشعب الكردستاني للانفصال، وقرر مسعود بارزاني إعلان الاستقلال، فسيكون مصير كردستان كمصير شمال قبرص.

كذلك هناك نقطة مهمة تجعل بارزاني يتعجل الاستفتاء والانفصال و الحرب مع العراق، فبالإضافة الى موضوع انتهاء ولايته، هناك وثائق إدانة له عن تواطئه مع تركيا وداعش لاجتياح الموصل. كما ان مشكلة موارد النفط وعلاقاته المالية المشبوهة مع تركيا، والديون المتراكمة على كردستان، والتي تجاوزت 60 مليار دولار أو أكثر، (والبعض يعتقد أن هذه الديون بلغت نحو 93 مليار دولار حسب تصريحات أمريكية). كذلك كشف موقع ويكليكس عن رسائل إلكترونية بعثها وزير الموارد الطبيعية في إقليم كردستان العراق، اشتي هورامي، الى نظيره التركي يعرض فيها بيع عدد من الحقول النفطية في الاقليم مقابل مبلغ 5 مليار دولار، في صفقة سرية بعيدا عن انظار بغداد بين أربيل وانقرة لتسديد ديون إقليم كردستان.(4)
كل هذه الأمور ستجعل الحرب هي الخلاص لمسعود بارزاني من مأزقه كما يظن، ولكن هيهات.
والجدير بالذكر أن مسعود بارزاني لن يتردد في اللجوء إلى أسوأ الجهات، وحتى لو كانت من ألد أعداء الكرد، من أجل تحقيق أغراضه الشخصية والحزبية عندما يجد نفسه مهدداً بالسقوط. ففي عام 1996 عندما تسبب في حرب أهلية بين الأخوة-الأعداء مع حزب طالباني، وكانت أربيل على وشك السقوط،  طلب بارزاني النجدة من جزار الشعب الكردستاني صدام حسين الذي سارع بإرسال جيشه إلى أربيل، وارتكب المجازر ضد قوات غريمه، وقوات المعارضة العراقية هناك. وكانت صفحة سوداء في تاريخ بارزاني.
وعلى قدر ما يهم الشعب العراقي، وحسب ما ألمسه من أغلب ما يردني من آراء، فإن الشعب العراقي، سنة وشيعة، مع استقلال كردستان إن صوتت غالبية الكرد لصالح الاستقلال وفي ظروف ملائمة. لذلك أشير على المسؤولين العراقيين عدم معارضة الاستقلال، لأن بقاء كردستان ضمن الدولة العراقية بشكل قسري، كان أحد أهم اسباب الكوارث والحروب بين الحكومة المركزية و الحركة الكردستانية ما يقارب القرن، وعدم استقرار العراق، على  شرط أن يتم الاستفتاء والاستقلال بالطرق الدستورية والقانونية، وبدون قضم وضم أراض الغير، وأن يتم في ظروف محلية وإقليمية ودولية ملائمة. ولكن الآن كل المؤشرات تؤكد أن الاستفتاء الذي خطط له السيد بارزاني هو غير قانوني، وفي هذه الحالة، و كما أكد رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي مراراً أن "استفتاء اقليم كردستان مرفوض ولا قيمة له وإجرائه غير دستوري وقانوني ويبعث المزيد من النزاعات" .
لذا، فإن استقلال كردستان في الظروف الحالية سيكون ليس بداية لحروب إقليمية مدمرة فحسب، بل ولحروب بين القوى السياسية الكردستانية وقواتها المسلحة أيضاً، لا تبقي ولا تذر.

وبناءً على كل ما سبق، نهيب بعقلاء الشعب الكردستاني من قادته السياسيين، وكذلك المسؤولين العراقيين العمل بروح من المسؤولية العالية، والتآخي والمودة، والالتزام بالدستور وشروط العدالة والأخوة الإنسانية لحل هذه المشكلة المعقدة بالعقل والحكمة، وإذا كان لا بد لاستفتاء شعب كردستان واستقلاله في دولته القومية، فليكن ذلك طبقاً للدستور والقانون وفي ظروف إقليمية ودولية ملائمة، وإلا فهي عملية تدميرية تعم شرورها الجميع.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــ
مصادر
1- د.عبدالخالق حسين: إستفتاء كردستان العراق، حق تقرير المصير أم ابتزاز؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=920

2- تصريحات صادمة لمسؤول كردي رفيع عن إستفتاء الإقليم
http://www.akhbaar.org/home/2017/8/232757.html

3- عادل مراد يدعو الى تأجيل الاستفتاء وفتح حوارٍ جاد بين أربيل وبغداد
توقّع أن يكون مخططاً لتركيا لإنشاء قبرص جديدة في المنطقة
http://www.akhbaar.org/home/2017/8/232495.html

 4- ويكليكس يكشف تفاصيل صفقة سرية بين اقليم كردستان وأنقرة.. اربيل تبيع آبار النفط لاطفاء ديونها
http://sumer.news/ar/news/15427/%D9%88%D9%8A%D9%83%D9%84%D9%8A%D9%83%D8%B3-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81-


48
هل حقاً أمريكا قامت بحل الجيش العراقي؟

د. عبدالخالق حسين

توضيح
نشرت هذا المقال قبل ست سنوات، ولكن هناك من يعتمد على ضعف ذاكرة الناس، فيحاول التضليل باستخدام بعض نصف الحقيقة لتمرير الباطل. وعليه رأيت من المفيد إعادة نشره بعد تحديثه بما استجد من معلومات تؤكد صحة ما ذهبنا إليه.
 ****
سؤال يتكرر باستمرار من قبل الكثير من الناس وهو: لماذا قامت أمريكا بحل الجيش العراقي بعد إسقاط حكم البعث؟ ويوجهون أصبع الاتهام إلى أمريكا، وبالأخص إلى بول بريمر، الحاكم المدني لقوات التحالف في العراق في السنة الأولى من التحرير، ويدَّعون أنه لو لم يتم حل الجيش، لما حصلت أعمال الفوضى والإرهاب بعد إسقاط حكم البعث الصدامي، ولما حصل الإرهاب...الخ. وهذا الموضوع هو الآخر مثير للجدل حتى بين أشد المؤيدين للدور الأمريكي في تحرير العراق من حكم البعث الفاشي، بل وحتى من قبل بعض السياسيين في الغرب، وخاصة أمريكا وبريطانيا.
سأحاول في هذا المقال مناقشة وتوضيح التعقيدات والملابسات التي رافقت عملية سقوط حكم البعث، والتي دفعت البعض من أصحاب النوايا الحسنة إلى هذا الاعتقاد الخاطئ. لذا فكلامي هنا ليس موجهاً إلى الحاقدين على تحرير العراق، فهؤلاء يعرفون و يحرفون، يشوهون الحقائق لتضليل الناس مع سبق الإصرار، إما لأنهم من فلول البعث، أو كانوا مستفيدين من كوبونات النفط التي أغدق عليهم ولي نعمتهم صدام حسين، أو لأنهم ضد أمريكا لأسباب أيديولوجية. والفريق الأخير معظمهم من اليساريين، و رغم معارضتهم لحكم البعث، إلا إنهم كانوا يفضلون بقاء صدام يحكم العراق على أن يتم إسقاطه بواسطة أمريكا، وكان شعارهم (لا للحرب.. لا للدكتاتورية)، الشعار الإنتهازي البائس الذي لا يقدم ولا يؤخر، فلو طبق لبقي حكم البعث جاثماً على صدر الشعب إلى الآن، وإلى مستقبل غير منظور.

بدءً، أود التوكيد على أن الجيش لم يتم حله، بل تفكك واختفى عن الأنظار من يوم دخول القوات الأمريكية في أم قصر. فالقرار الذي أصدره بول بريمر حول الجيش جاء بعد ثلاثة أشهر من سقوط حكم البعث، وطيلة هذه الفترة لم يكن لهذا الجيش أي وجود، لا في الشارع، ولا في الثكنات العسكرية.

على أي حال، كانت هناك ثلاث إرادات التقت على تفكك و اختفاء هذا الجيش، والشروع في بناء جيش جديد على أسس علمية سليمة يلائم الوضع الجديد، وهذه الإرادات هي:

الإرادة الأولى، إرادة صدام حسين
لقد صرح أحد قادة البعثيين الفارين من وجه العدالة، في لقاء نشرته صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية اللندنية، أن "السيد القائد صدام حسين" هو الذي أعطى تعليمات إلى قيادة الحزب والدولة والقادة العسكريين، بأن في حالة وقوع الحرب، على الجيش أن يختفي عن الأنظار، ويتجنب المواجهة مع الجيش الأمريكي، لأن هذا الجيش ليس بإمكانه مواجهة قوات التحالف في حرب نظامية، وللحفاظ على قوته، يجب على الجيش الاستيلاء على جميع المعدات والذخائر العسكرية، ونهبها وخزنها في أماكن سرية كانت قد أنشئت منذ سنوات لهذا الغرض، والاختفاء عن الأنظار، ومن ثم شن حرب العصابات فيما بعد. وهذا ما حصل.
والدليل على ما تقدم، أن الجيش فعلاً اختفى عن الأنظار قبل سقوط النظام بأيام قليلة. ولذلك لم تواجه قوات التحالف الدولية أية صعوبة أو مواجهة، ما عدا بعض الصدامات الخفيفة مع فدائيي صدام في ميناء أم قصر، وبعض المناطق الجنوبية من العراق، وهؤلاء اتخذوا من النساء والأطفال دروعاً بشرية في مواجهة القوات الزاحفة نحو بغداد. وعند وصول القوات الأمريكية إلى العاصمة، شاهدنا على شاشات التلفزة المناظر المخزية لهروب الضباط العسكريين الصداميين بملابسهم الداخلية. أما المحافظات الشمالية الغربية، معاقل البعث، فلم تطلق منها رصاصة واحدة، حيث تم تسليم المنطقة بكاملها باتفاقات باتت معروفة، فدخلتها قوات التحالف بسلام آمنين!. ومعظم هؤلاء القادة الذين سلموا مفاتيح بغداد والمدن العراقية الأخرى إلى قيادة القوات أمريكية، كانوا من أقرب الناس إلى صدام حسين. ومن هنا نود أن نسأل العرب العاربة والمستعربة، من هم يا ترى، أحفاد ابن العلقمي، هل هم خصوم البعث من الشعب العراقي، أم العسكريون البعثيون؟
أما بيان الحاكم المدني الأمريكي، بول بريمر، حول "حل" الجيش، وكما ذكرنا آنفاً، فقد جاء بعد ثلاثة أشهر تقريباً من إسقاط النظام، وكان بمثابة توقيع شهادة وفاة لهذا الجيش.

الإرادة الثانية، وهي إرادة المعارضة العراقية وأمريكا
وهنا أود أن أبدأ في الرد على أولئك الذين يقولون أن أنظمة سياسية تم تغييرها مثل الإتحاد السوفيتي، و جنوب أفريقيا العنصري إلى ديمقراطي ليبرالي، والثورة الإسلامية في إيران، كل هذه الدول حافظت على جيوشها، فلماذا في العراق فقط تم حل الجيش والمؤسسات الأمنية؟
في الحقيقة لا يمكن مقارنة ما حصل في الدول الآنفة الذكر مع ما حصل في العراق. فالحزب الشيوعي السوفيتي بقيادة الرئيس ميخائيل غورباتشوف هو الذي مهد للتحولات التدريجية من النظام الشيوعي إلى النظام الديمقراطي، إذ بدأ الرئيس السوفيتي غورباتشوف من أول ما جاء إلى السلطة عام 1985 بالغلاسنوت (الإنفتاح)، وبريستريوكا (أي إعادة بناء)، وأنتهى بالتغيير الديمقراطي. وكل الذين حكموا روسيا وبقية الجمهوريات التي استقلت بعد التغيير، كانوا قياديين في الحزب الشيوعي السوفيتي. وكل جيوشهم وأجهزتهم الأمنية وقفت مع التغيير ولم يلحقو أي ضرر بمؤسسات الدولة كما عمل البعثيون في العراق ومن اليوم الأول من التحرير. ونفس الكلام ينطبق على النظام العنصري في بريتوريا، صحيح أن الشعب في جمهورية جنوب أفريقيا ناضل بقيادة الزعيم نيلسون مانديلا لعشرات السنين، إلا النظام أضطر أخيراً ليقوم بتغيير، أما الثورة الإيرانية الإسلامية في إيران، فقد انحاز الجيش وكل الأجهزة الأمنية أخيراً إلى ثورة الشعب، بينما في العراق لم يقم حزب البعث الصدامي الحاكم بالتغيير، بل حصل التغيير بالغزو الخارجي، والذي بدونه كان صدام مازال يمارس هوايته في توسيع المقابر الجماعية وتشريد الشعب. لذلك ما كان هناك أي أمل بتغيير النظام البعثي الصدامي إلا بالطريقة التي حصلت.
وفي هذه الحالة، من الطبيعي أن أية قوة عسكرية في حالة حرب مع قوة عسكرية لدولة أخرى أن تعمل على تدمير قوة العدو، وحل جيشه في حالة المواجهة الجدية، وهذا ما حصل في الحرب العالمية الثانية مع جيش ألمانيا النازية، والجيش الياباني. ولكن مع ذلك، لم يكن هناك قرار مسبق، أو لاحق، لحل الجيش العراقي، لأنه لم تحصل مواجهة فعلية وجدية بين الجيش العراقي وقوات التحالف، وما القرار بتشكيل الجيش الجديد إلا استجابة للأمر الواقع، وهو ليس قرار حل جيش سابق الذي اختفى بقرار صدام كما أشرنا أعلاه. أي على طريقة تحرير ألمانيا من النازية الهتلرية. وتشبيه الوضع العراقي بما حصل في الإتحاد السوفيتي أو أي دولة أخرى مغالطة كبيرة فيها الكثير من التضليل وتشويه للحقائق. فالوضع العراقي يمكن تشبيهه فقط بوضع ألمانيا الهتلرية إبان الحرب العالمية الثانية، حيث تم حل الجيش وكل الأجهزة ألأمنية والحزبية و الإعلامية وغيرها في الدولة النازية. كذلك قامت القوات المحرِرة والحكومة الديمقراطية بقيادة أديناور في ألمانيا بعملية اجتثاث النازية Denazification وكل مؤسساتها، التي يقابلها في العراق قانون إجتثاث البعث Debaathification.
 
ولإلقاء المزيد من الضوء على هذه الحقيقة، وضرورة وحتمية حل الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى في العراق، ننقل أدناه نصاً من مقابلة أجرتها صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية، في عددها الصادر يوم  10/5/2009، مع بول بريمر، مع الاعتذار عن طول الاقتباس، ولكنه مهم لكي يطلع القراء الكرام على الحقيقة كما هي، وأضع رابط المقابلة في الهامش لمن يرغب في المزيد من الإطلاع*.

س: نسمع الآن عدة قصص حول حل الجيش العراقي، بعض الناس يقولون إنه لم يكن قرارك. بعضهم يقولون إنه كان قرار وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، هل ما زلت متمسكا بروايتك التي رويتها في الكتاب، أم أن هناك شيئاً يمكن أن تقوله حول هذا الموضوع؟
ج ـ إليك هذه الحقائق، بعد تحرير بغداد في 9 أبريل 2003 تفكك الجيش العراقي. قائد القوات الأميركية قال في 17 أبريل من تلك السنة لم تكن هناك ولو وحدة عراقية واحدة قائمة، ومعظم الجنود والضباط عادوا إلى منازلهم. أغلب الجنود كانوا من الشيعة والضباط من السنة. السؤال الذي واجهَنا ليس حل الجيش، والكلمة الصحيحة ليس «حل الجيش العراقي» بل «إعادة استدعاء» الجيش العراقي. نحن لم نستعمل هذا التعبير (حل الجيش) وهو خطأ. كما كتبت في كتابي، كانت المشكلة تكمن في حجم الجيش العراقي ومدى إمكانية عودة الجميع إلى جيش كان نظامه قاس جدا. كان الجيش العراقي يضم حوالي 12 ألف جنرال في حين أن الجيش الأميركي فيه 307 جنرالات فقط، لذلك كان أمرا صعبا استدعاء هذا الجيش للخدمة. والصعوبة الأخرى أنه لم تكن توجد ثكنات عسكرية، حيث تم تدمير معظم هذه الثكنات، والقرار تمت مناقشته بعمق في البنتاغون، ولم يطرح أي اعتراض واحد على القرار.
س: لم يعترض أي أحد؟
ج:  لم يعترض أحد
س: حتى في البيت الأبيض لم يكن هناك اعتراض؟
ج: ولا اعتراض واحد. أنا شخصيا أقف حتى الآن مع ذلك القرار وما زلتُ أعتقد أنه كان قرارا صائبا.
س: لكن لماذا يقول كثيرون اليوم، حتى بعض الأميركيين، إنه كان قراراً خاطئا؟
ج: لا أجد أي سبب للقول بأنه كان قرارا خاطئاً، بل هو قرار صحيح والناس الذين يعتقدون أنه قرار خطأ عليهم واجب أن يبينوا لماذا كان قرارا خاطئا. هم يقولون ذلك وأنا لن أتجادل معهم.
س: بعض الناس يقولون إنه كان من الأفضل تطهير الجيش القديم وبناء جيش جديد اعتمادا على الجيش القديم بدلا من تصفيته لأنه لم يكن كل الضباط موالين لصدام حسين؟
ج: ما قمنا به هو عمليا بناء جيش جديد، وقلنا إن أي شخص من الجيش القديم يريد أن يتطوع في الجيش الجديد يمكنه ذلك.] انتهى.

ومن هذه الفقرات المقتبسة من المقابلة الصحفية نعرف أنه لم يتم حل الجيش العراقي كما يدعي كثيرون، بل تفكك الجيش واختفى، ومن ثم كان لا بد من تشكيل الجيش الجديد من الجيش القديم وبشكل انتقائي، وهو لا يختلف عن تطهير الجيش من الضباط الموالين لصدام.

الإرادة الثالثة، إرادة الاستحقاق التاريخي:
معروف تاريخياً أن الجيش العراقي تأسس قبل تأسيس الدولة العراقية، بل الجيش الوحيد في العالم الذي كان يمتلك دولة، وليست الدولة تمتلك جيشاً. فكان جميع ضباطه عند تأسيس الدولة العراقية الحديثة من بقايا الجيش التركي من العراقيين، خريجو المدارس العسكرية في الدولة العثمانية، كانوا قد حاربوا إلى جانب الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ولم ينتموا إلى الثورة العربية بقيادة الشريف حسين وأولاده إلا بعد انهيار الدولة العثمانية ويأسهم منها، حيث أطلق عليهم بـ(الضباط الشريفيون)، وساهموا في تأسيس الدولة العراقية الحديثة فيما بعد، وحرصوا على إبقاء الموروث التركي العثماني في التمييز العرقي والطائفي. لذلك كان هذا الجيش مسيَّساً منذ ولادته، ولعب دوراً رئيسياً في عدم الاستقرار السياسي في العراق، وكان سبباً للقطيعة مع التطور السلمي التدريجي الذي بدأه الملك فيصل الأول حتى وفاته عام 1933. فراح العسكر يتدخلون في السياسة ويقومون بانقلابات عسكرية بين حين وآخر، الأمر الذي حرم الشعب العراقي من الاستقرار السياسي والنمو الطبيعي وتحقيق الديمقراطية.
ولما اغتصب البعثيون السلطة ثانية عن طريق انقلاب عسكري عام 1968، ارتكبوا جريمة أخرى بحق هذا الجيش، ألا وهي أدلجته، أي فرض الأيديولوجية القومية البعثية على جميع منتسبيه من الضباط وضباط الصف، وطرد أو سجن أو قتل كل من يُشك في ولائه لحزب البعث الحاكم وقيادته المتمثلة في شخص صدام حسين. ففتحوا دورات عسكرية للآلاف من الفاشلين دراسياً من الشباب البعثيين لمدة أربعة أشهر، ويتخرجون برتبة نائب ضابط تلميذ حربي (ن. ض. ت.ح). وهؤلاء سيطروا على الجيش بالكامل بعد أن فسحوا لهم المجال ليتدرجوا في الرتب العسكرية إلى جنرالات. فصار الجيش عبارة عن حزب سياسي عقائدي منظم وملتزم بالانضباط الحديدي القاسي، إضافة إلى مهمته العسكرية. كما عمل النظام البعثي على منح امتيازات كبيرة للضباط العسكريين بحيث صاروا ينظرون إلى المدنيين نظرة دونية، يخامرهم الشعور بالتعالي عليهم بأنهم أسمى من بقية أبناء الشعب.

ورغم أن شعار الجيش هو الدفاع عن حدود الوطن وفق نشيد (الجيش سور للوطن) الذي كنا نغنيه في المدارس، إلا إنه استخدم لحماية الحكومات الجائرة المتعاقبة من نقمة الشعب في جميع مراحل تاريخ الدولة العراقية الحديثة، سواء في العهد الملكي، حيث تم استخدام الجيش لضرب العشائر العربية في الجنوب، وارتكب مجزرة بشعة ضد الآشوريين في الشمال عام 1933، والتصدي للحركة الكردية في الشمال، وضرب المظاهرات الاحتجاجية السلمية، أو في العهد الجمهوري الصدامي بضرب الجماهير بالكيمياوي كما حصل ضد الأكراد في حلبجة، وحملات الأنفال، أو ضد عرب الأهوار في الجنوب، وقمع الانتفاضة الشعبية عام 1991، إضافة إلى دور الجيش في شن الحروب على دول الجوار في العهد الصدامي. وهذا لا يعني أنه لم يكن هناك ضباط غير مسيّسين ومخلصين للشعب والوطن، ولكن كيف يمكن التمييز بين هؤلاء وغيرهم من العقائديين والموالين للبعث وبهذه العجالة وفي هذه الظروف العاصفة بعد التغيير؟
كذلك يزعم البعض أن تسريح نصف مليون جندي دون إيجاد عمل لهم قد ساهم في دفعهم إلى أحضان التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة. هذا غير صحيح، إذ كان التجنيد قبل 2003 إجبارياً، وكان الجندي يقدم النذور والقرابين من أجل تسريحه، بل وحتى كان البعض منهم يقوم بتعويق نفسه في سبيل إخراجه من الجيش. فلماذا تحول التسريح بعد تحرير العراق إلى جريمة؟ كذلك ضم الجيش الجديد نحو نصف مليون من هؤلاء الجنود المسرَّحين وأعادهم كعسكريين متطوعين محترفين، وبإرادتهم الحرة، ورواتب سخية. كذلك تم رفد عدد كبير من خيرة ضباط الجيش السابق المستقلين، وخاصة من الذين أضطهدهم البعث. أما بقية الضباط الذين لم يستوعبهم الجيش الجديد، فقد مُنِحوا رواتب تقاعدية تعادل مائة مرة أوأكثر مما كانوا يتقاضونه إثناء الخدمة في الجيش في عهد صدام، وإلى جانب ذلك، فقد وجد عدد غير قليل  من المسرحين أعمالاً حرة، مثل التجارة والمقاولات وغيرها إضافة إلى ما يستلمون من رواتبهم التقاعدية السخية. أما الذين انخرطوا في الإرهاب فكان ذلك بدوافع أيديولجية، وموقفهم محسوم مسبقاً، ولم يكن بالإمكان تغييره مطلقاً، وبقاؤهم في الجيش كان يوفر لهم فرصة أوسع لتدمير العراق الجديد، كما يحصل الآن من بعض المندسين في القوات المسلحة.

ومن كل ما تقدم، نعرف أن الجيش العراقي القديم المسيَّس والمؤدلج بآيدولوجية البعث الفاشية، لا يمكن أن ينسجم مع حكومة ديمقراطية، ولا يمكن الوثوق به والاطمئنان إليه في الحفاظ على أمن واستقرار البلاد والعباد، وضمان عدم الانقضاض على الحكومة المدنية المنتخبة واحترام الديمقراطية. فبقاء الجيش القديم على وضعه يعني استمرار الانقلابات العسكرية، وعدم الاستقرار، وبقائه سيفاً معلقاً على رقبة الحكومة الديمقراطية كسيف ديموقليس، إذ لا يمكن الجمع بين جيش مسيَّس ومؤدلج بالعقيدة البعثية و حكومة ديمقراطية.
ولهذا فكان ومازال العراق الديمقراطي يحتاج إلى تغيير جذري لكل شيء، وخاصة في بناء قواته المسلحة التي يجب أن تكون متحررة من الأيديولوجيات السياسية، و فوق الميول والاتجاهات، وأن تكون في حالة قطيعة تامة مع العقلية الانقلابية والسياسية والأيديولوجية القديمة، يتعهد فيها الضابط على احترام قيم الديمقراطية، وحماية أمن المواطن وسلامته وكرامته، والدفاع عن حدود الوطن من العدوان الخارجي، وعدم التدخل بالسياسة مطلقاً. وهذا لا يتم إلا بتشكيل جيش حديث يتثقف أفراده بالقيم الحضارية الديمقراطية الجديدة. وهذا الذي حصل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مقابلة صحفية
بريمر لـ «الشرق الأوسط»: لم نستعمل تعبير حل الجيش العراقي.. وهو خطأ.
طلحة جبريل، الشرق الأوسط، 10/5/2009، العدد: 11121
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=11121&article=518522

مقال ذو صلة بالموضوع:
رعد الحافظ:  إعادة إستدعاء، أم حلّ الجيش العراقي؟ قراءة لمقال...
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=275771



49
العراقيون ولاؤهم لمن؟ ولماذا؟
عبدالخالق حسين

صديق أكاديمي، وهو عالم لامع، وأستاذ في إحدى الجامعات الإنكليزية العريقة، ومهتم بالشأن العراقي، ومتابع لحيثياته، أرسل لي تعقيباً على مقالي الموسوم: (هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟)(1)، ونظراً لأهميته، أنقله كاملاً:
(عزيزي... ، مقال رائع وتحليل جداً ممتع. بودي ان أرى مقال منك يضاف الى مقالاتك وتحليلاتك الرائعة حول الظاهرة العراقية التالية:
 (العراقيون الملكيون ولاؤهم للملك الذي هو ليس عراقي. العراقيون الشيوعيون ولاؤهم للاتحاد السوفيتي، ورموزهم لينين وماركس وغيرهم الذين هم غير عراقيين. العراقيون القوميون ولاؤهم لجمال عبدالناصر والذي هو ليس عراقي. البعثيون ولاؤهم لميشيل عفلق الذي هو ليس عراقي. الاسلاميون العراقيون الشيعة ولاؤهم للخميني وإيران، الذي هو ليس عراقي. والإسلاميون السنة ولاؤهم للسعودية وتركيا ومصر و أردوغان، الذين هم ليسوا عراقيين. والكُرد جناح مسعود بارزاني يتحالفون مع أية حكومة أجنبية تعمل على تدمير العراق مثل السعودية وقطر، وتركية أردوغان. والمثقفون العراقيون من غير تلك الانتماءات، رموزهم أوروبية، أو غير عراقية على العموم. العراقيون  في معظمهم يصفقون للخونة والمجرمين كصدام وأمثاله، ويحاربون الوطنيين كعبدالكريم قاسم وأمثاله. يصدقون الكاذب، ويكذبون الصادق، ويفلسفون كل شي.)
ويسأل الصديق: (هل نحن امام مشكلة نفسية معقدة، أم طبيعة اجتماعية غريبة؟ ام ماذا؟ انتظر جوابك في مقال .....)
وختم تعليقه بنكتة تعكس نوعا ما بعضاً من جوانب الشخصية العراقية!
((اليابان صنعت مرآة ووضعتها في المطار، يقف أمامها المسافر فتقول له اسمه، ومتى تقلع طائرته !!!
جبار مسافر عراقي وقف أمام المرآة فقالت له :أنت جبار وطائرتك تقلع الواحدة ظهراً !! تعجب جبار وأراد ان يتحدى المرآة، فراح وغيَّر ملابسه، ولبس باروكة ونظارات و وقف أمام المرآة : فقالت له أنت جبار وطائرتك تقلع الواحدة ظهراً !! فزاد التحدي عند جبار وراح غير لونه بوضع اصباغ على وجهه، فتغير شكله ووقف امام المرآة فقالت له :كبر(قبر) لفَّك جبار طيارتك طارت... وأنت باقي تتمكيج هنا)).

ويستنتج في الختام :
((نحن العراقيين بحاجة للتغيير الفكري والاجتماعي قبل السياسي والاقتصادي. لا بد للجيل العراقي الشاب بالتحديد الفخر والاعتزاز والاقتداء بالرموز العراقية في كل المجالات العلمية والرياضية والفنية والثقافية والسياسية,,, الخ، وأن يسعوا ويسمحوا ان يكونوا رموزاً وطنية. كل شعوب العالم صنعت لنفسها رموزاً وطنية في كل المجالات، وأصبحت هذه الرموز مصدر إيحاء وافتخار وتحفيز لأجيالهم وتماسكهم. الإعلام اليهودي خلق من أينشتاين مخ وعقلية العصر، وهو لم يساهم عمليا بأي شيء سوى وضع نظرية النسبية التي ليس لها اثر عملي في حياة الناس. أنا لا اقلل من مساهماته العلمية، ولكن أثرها في حياتنا محدود، ومع ذلك جعل اليهود منه رمزاً وقمة علمية وتاريخية دون الوصول اليها!
((هكذا تعمل الشعوب، ونحن العراقيين نذبح صقورنا، ونخون رموزنا الوطنية. لا بد لهذه السلبية العراقية ان تتحول الى شعور إيجابي تجاه الرموز العراقية. وظيفة الكتّاب الوطنيين والمثقفين المتنورين هو إبراز الايجابيات بالحقائق، وليس بالتملق والتهويل. انا متأكد انت عندك  الكثير من الخبرة والأمثلة لكتابة مقالات في هذا الموضوع المهم. احد أسباب العقلية السلبية للشخصية العراقية هو كثرة الاحتلالات التي تعرض لها العراق على مر العصور، والتي أدت الى ذوبان الشعور الوطني، وظهور طبقة العملاء والخونة والانتهازيين والمتملقين... الخ.)) أنتهى 
*******
شكراً للصديق العالم الجليل، على حسه الوطني، وملاحظاته القيمة، أتفق معه في كل ما قال. فقبل عشر سنوات نشرت مقالاً مطولاً بأربع حلقات، ثم أعدتُ نشره بحلقتين، بعنوان: (الخراب البشري في العراق)(2 و3)، حول هذه الظاهرة الخطيرة. كما تطرق كثيرون من علماء الاجتماع إلى هذا المرض العراقي الوبيل، مثل أستاذنا الراحل علي الوردي الذي قال ما مؤداه (وأنقل من الذاكرة)، أن العراق كان مصدراً للأديان ومهبط الوحي للعديد من الأنبياء والأئمة والمصلحين، فظهرت فيه أغلب المذاهب الإسلامية مثل الشيعة، وأهل السنة الأشعرية، والحنبلية، و الحنفية، ومذاهب فكرية، كالمعتزلة، وأخوان الصفا، وغيرهما. ولكن بعد الدمار الذي أصاب العراق منذ غزو هولاكو عام 1258م، ومن ثم الاستعمار التركي العثماني لأربعة قرون، أصيب العراق بالعقم، والشلل الفكري في انتاج المفكرين والقادة السياسيين الكبار، فقام العراقيون في القرن العشرين باستيراد المذاهب والمدارس الفكرية من الخارج بدلاً من إنتاجها محلياً، وراحوا يعتنقونها، ويتعصبون لها، بل ويتقاتلون في سبيلها على حساب وطنهم، ويستعينون بالأجانب لقتال من يختلف عنهم من أبناء جلدتهم. وقد تجلّى ذلك خلال المائة سنة الماضية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وإلى الآن. وعلى سبيل المثال لا الحصر، اندلع  الصراع الدموي بين القوميين العروبيين، الناصريين والبعثيين من جهة، وبين الوطنيين واليساريين من جهة أخرى بعد ثورة 14 تموز 1958 مباشرة. العروبيون أرادوا إلغاء الجمهورية العراقية، فرفعوا شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر)، بينما الشيوعيون رفعوا شعار (اتحاد فدرالي..صداقة سوفيتية). وراح الزعيم قاسم يتوسل بهم لوقف صراعاتهم، وحماية جمهوريتهم من المؤامرات التي تحاك ضد العراق، فوقعت توسلاته على أذنٍ صماء. (صم بكم عميٌ فهم لا يفقهون)، إلى أن حصلت الكارثة في 8 شباط 1963 الأسود.

ولعل الملك فيصل الأول هو أول من شخَّص هذا المرض العراقي العضال (عدم الولاء للعراق)، فالرجل رغم أنه هو الآخر كان مستورداً من الخارج (الحجاز)، إلا إنه أحب العراق، وأخلص له، وأراد أن يؤسس مملكة عصرية ديمقراطية متماسكة، فعمم مذكرة على النخبة الحاكمة المقربة منه عام 1932، جاء فيها:
(الموقف خطر في هذا الصدد وقلبي ملآن أسى، انه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية، خالية من أية فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة ، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتقاض على اية حكومة كانت..الخ)(3)
ووضع الملك برنامجاً لمعالجة هذه المشكلة، ولكن لسوء حظ الشعب العراقي أنه مات في ظروف غامضة في سويسرا بعد أشهر قليلة من كتابة تلك المذكرة. والذين حكموا العراق من بعده عملوا على تعميق هذه الانقسامات والولاءات للخارج. فما الذي تغيّر منذ كتابة تلك المذكرة قبل 85 عاماً وإلى الآن؟ لا شيء إن لم نقل نحو الأسوأ.. لماذا؟ الجواب واضح، وهو غياب الولاء للعراق، وتقزيم أبطالنا وتعظيم أقزامنا.
ومن نتائج هذه الولاءات لشخصيات ومذاهب أجنبية، أنه عندما ظهرت شخصيات عراقية بارزة في مختلف المجالات، تستحق أن تكون رموزاً وطنية يعتز بها، مثل جعفر أبو التمن، رائد الوطنية العراقية، وعبدالكريم قاسم مؤسس الجمهورية العراقية، واستشهد في سبيلها، وعلي الوردي، مؤسس علم الاجتماع في العراق، كرس حياته لدراسة المجتمع العراقي، ومعالجة أمراضه الاجتماعية، و محمد مهدي الجواهري، شاعر العرب الأكبر، ونزيهة الدليمي أول وزيرة في العالم العربي، وصبيحة الشيخ داود أول حقوقية، وأول قاضية في البلاد العربية، وعبدالجبار عبدالله عالم كبير، وأول رئيس لجامعة بغداد، وهو من أبناء الأقلية الصابئة المندائية، كدليل على عدم التفرقة بين أبناء الأمة في المناصب العليا، ونازك الملائكة صاحبة مدرسة في الشعر الحديث، والشيخ محمد رضا الشبيبي، من نوابغ الشعراء المتأخرىن، وزعيم وطني، ومصلح اجتماعي، ومحمد حديد أول عراقي تخرج من مدرسة لندن للاقتصاد (LSE) ورجل صناعي ناجح، وقائد سياسي، و وزير مالية في عهد حكومة عبدالكريم قاسم، وأنجح وزير مالية في تاريخ العراق، و الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، المعروف بمواقفه الوطنية إضافة إلى كونه زعيم ديني عراقي عربي معروف، والسيد محمد سعيد الحبوبي احد قادة ثورة العشرين، والشهيد السيد محمد باقر الصدر، المفكر الاسلامي المعروف، والدكتور الشيخ احمد الوائلي الباحث في التاريخ الاسلامي والخطيب الذي كان يحذر دائماً في خطاباته التنويرية من الطائفية وشرورها. وكذلك السياسي الدكتور أحمد عبدالهادي الجلبي الذي نجح بجهوده الشخصية بتكوين لوبي لنصرة العراق في واشنطن لإقناع أمريكا بتحرير الشعب العراقي من أبشع نظام دكتاتوري همجي في التاريخ. والعراق غني برموز في الطب كفرحان باقر، ومحمود الجليلي، وتحرير الكيلاني وآخرون، وفي الفن عندنا الرسام والنحات جواد سليم، والمعماري محمد مكية، والمعمارية العالمية الشهيرة زهى حديد التي طبقت شهرتها الآفاق. كذلك هناك رموز في الغناء مثل محمد القبنجي، وناظم الغزالي وفؤاد سالم، ورضا علي، وكاظم الساهر الذي أكسب الغناء العراقي شعبية واسعة في البلاد العربية. أما في الرياضة فعندنا علي كاظم، وفلاح حسن، وغيرهما، والقائمة تطول، ومعذرة لمن فاتتني أسماؤهم، فالعراق غني بأصحاب الكفاءات التي تستحق أن تكون رموزاً وطنية يفتخر بها الشعب العراقي، تعمل على تماسك وحدته الوطنية، وتعزيز الشعور بالانتماء الوطني للعراق. ولكن كل هؤلاء في طي النسيان لأنهم عراقيون، ولأن الولاءات الأيديولوجية ليست للعراق، ولعب التمييز الطائفي والعنصري دوراً رئيسياً في هذا الإهمال.

ولمن لم يسمع بجعفر أبو التمن من الجيل الجديد، فهو أحد مؤسسي الوطنية العراقية، وأحد قادة ثورة العشرين، ومؤسس الحزب الوطني العراقي في العهد الملكي، جمع حوله شخصيات وطنية بارزة مثل: كامل الجادرجي، ومحمد مهدي كبة، وعبدالحميد البستاني، وغيرهم كثيرون على أساس الولاء للعراق، وبناء دولة المواطنة بلا تمييز عرقي، ديني، مذهبي. فيشبِّه حنا بطاطو أبو التمن بجذع شجرة، وهذه الشخصيات فروعها، ومن بعده صار كل واحد منهم زعيماً وطنياً اتبع نهجاً سياسياً مختلفاً، فالسيد محمد مهدي كبة  صار زعيماً لحزب الاستقلال، وهو حزب قومي عروبي، وكامل الجادرجي أسس الحزب الوطني الديمقراطي، وهو ليبرالي، أما عبدالحميد البستاني فاتجه نحو اليسار (الشيوعي).
ويشبِّه الدكتور خالد التميمي في كتاب له (رسالة دكتوراه) عن الراحل أبو التمن، دوره في العراق بدور عبدالكريم الخطابي في المغرب، والأمير عبدالقادر الجزائري في الجزائر، وعمر المختار في ليبيا، وقد خلَّدت شعوب هذه البلدان في شمال أفريقيا رموزها، بينما أهمل العراقيون مؤسس الوطنية العراقية وبقية رموزهم.
أما الزعيم عبدالكريم قاسم، مؤسس الجمهورية العراقية، فمازال المسؤولون في الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003 وإلى الآن يجادلون جدلاً بيزنطياً سخيفاً فيما إذا كان عبدالكريم قاسم يعتبر شهيداً أم لا؟؟!!! فهؤلاء وغيرهم من الرموز الوطنية العراقية لم ينل أي منهم أي تقدير، لأسباب طائفية، وسياسية حاقدة، ما عدا الجواهري الذي أقام الكُرد له تمثالاً في أربيل وآخر في السليمانية، لأنه ناصر الحركة الكردية.
نعم، الشعوب الحية تعظّم رموزها، وتجعل منها مفاخر وطنية (National prides)، من أجل تقوية اللحمة الوطنية و تماسك أبناء الشعب، واعتزازهم بوطنهم، ويكونوا مصدر إلهام للأجيال القادمة في خدمة الشعب والوطن. ففي بريطانيا، اطلقوا اسم المغني جون لنون (John Lennon) من فريق البيتلز على مطار ليفربول الدولي، وكذلك أطلقت حكومة أيرلندة الشمالية اسم جورج بَست الأيرلندي، النجم الرياضي في لعبة كرة القدم على مطارها الدولي. فرنسا أطلقت اسم الجنرال شارل ديغول على مطارها الدولي في بارس، والجزائر أطلقت اسم زعيمه هواري بو مدين على مطارها الدولي في العاصمة، وهناك مئات الأمثلة الأخرى حول تقييم الرموز الوطنية.
ولو قارنا هذا بذاك، هل هناك شارع، أو مطار أو أي نصب تذكاري في العراق باسم أي من الرموز العراقية المذكورة أسماؤهم أعلاه؟ نعم هناك تمثال للزعيم قاسم في رأس القرية بشارع الرشيد المهجور الآن، أقمته له الجماهير المحبة له بعد سقوط حكم البعث الصدامي. ولكن هل هذا كل ما يستحقه الرجل الذي قدم الكثير لهذا الشعب وضحى بالكثير بما فيه حياته. ألا يستحق أن يطلق اسمه على مطار بغداد مثلاً، وهو مؤسس الجمهورية العراقية، والذي بنى مدينة الثورة وعشرات المدن والأحياء السكنية الأخرى، وميناء أم قصر العميق وغيرها كثير، ولم يطلق اسمه على أي منها. فجاء مقتدى الصدر وأطلق اسم عائلته على مدينة الثورة، فأسماها (مدينة الصدر) دون وجه حق. ماذا قدم مقتدى الصدر للعراق حتى يستحق هذا التكريم على حساب من قدموا حياتهم للعراق مثل عبدالكريم قاسم الذي لم يتركوا له حتى قبراً ليضم جثته الممزقة برصاص الغدر والخيانة؟
مقتدى الصدر دشن نشاطه السياسي بقتل السيد عبدالمجيد الخوئي، وصحبه في صحن الإمام علي في النجف في اليوم الثاني من سقوط الفاشية، وبمنتهى الوحشية. مقتدى الصدر ألحق أشد الأضرار بالعراق منذ سقوط صنم الطاغية ونظامه الجائر إلى الآن. ومعروف بتقلباته و تغيير ولاءاته، فتارة يردد الشعار الإيراني : (كلا كلا أمريكا)، ثم انقلب على إيران ليردد أتباعه (إيران برة برة، بغداد صارت حرة)، وهي نفس الأهزوجة التي كان يرددها البعثيون الدواعش في ساحات الاعتصامات والتي مهدت لتسليم مناطقهم لداعش. وبعد أن قام مقتدى بزيارة السعودية، شاهدنا أتباعه في فيديو يرددون (كل العجم فدوى للسعودية). أما لهذه المهزلة أن تنتهي؟

نعم، أتفق مع صديقي الأكاديمي الجليل، أن الأزمة العراقية ناتجة من أزمة ولاءات قياداته السياسية للخارج على حساب الولاء للوطن العراقي. وطالما لم تتم معالجة هذا المرض الوبيل، فإن العراق مازال مهدداً بالمزيد من الكوارث.
ــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=916

2- د.عبدالخالق حسين: الخراب البشري في العراق (القسم الأول) 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=441

3- الخراب البشري في العراق (القسم الثاني)
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=78

4- مذكرة الملك فيصل الاول
http://i3aq.yoo7.com/montada-f4/topic-t14.htm


50
الصراع العربي-الإسرائيلي وتهمة معاداة السامية

د. عبدالخالق حسين

من نافلة القول أن الصراع العربي- الإسرائيلي هو السبب الرئيسي (من بين الأسباب الأخرى)، لتخلف دول منطقة الشرق الأوسط، وعدم استقرارها، وتبديد ثرواتها، وطاقاتها البشرية في الحروب، والتنظيمات الإرهابية وغيرها. وقد وصفه كاتب إسرائيلي معتدل (أنه صراع بين الحق والحق)، أي من حق الشعب الفلسطيني أن تكون له دولة قابلة للحياة، وكذلك من حق إسرائيل أن تعيش بسلام مع جيرانها في المنطقة. ولذلك فهذا الصراع هو معقد جداً، وملتبس على الكثير من الناس بحيث أدى إلى انقسام العالم واستقطابه إلى هذه الجهة أو تلك. وقد كتبتُ عدة مقالات في هذا الخصوص انتقدت فيها الحكومات العربية والقيادات الفلسطينية، على رفضها الحلول الواقعية الممكنة، وتبنيها شعارات وأهداف خيالية غير قابلة للتطبيق مثل تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وإزالة إسرائيل من الخريطة...الخ، الشعار الذي جلب الكوارث والنكبات، ليس على الشعب الفلسطيني فحسب، بل وعلى جميع الشعوب العربية ودول المنطقة.(1)

فقد استغلت إسرائيل المظالم التي وقعت على اليهود خلال الألفي عام، و خاصة في أوربا، واتخذتها ذريعة لمظالمها ضد الشعب الفلسطيني، فما أن يوجه أي شخص أبسط انتقاد للحكومة الاسرائيلية، إلا ورفع اللوبي الإسرائيلي بوجهه سلاح معاداة السامية (Antisemitism)، ولم يسلم من هذه التهمة حتى اليساريون البريطانيون المعروفون بمواقفهم الإنسانية، ونضالهم من أجل العدالة الاجتماعية وضد العنصرية، مثل السيد كِن لفنكستون، عمدة لندن الأسبق، بل وحتى النائب العمالي اليهودي الراحل جيرالد كوفمان، المعروف بانتقاداته اللاذعة ضد الحكومة الإسرائيلية في تعاملها العنصري الفض مع الشعب الفلسطيني، فاتهمه اللوبي الإسرائيلي بمعاداة السامية. (راجع مقال صحيفة الغارديان اللندنية، الرابط في الهامش)(2)

مناسبة هذه المقدمة أنه بعد نشر مقالي الأخير حول زيارة الفتاة العراقية الأيزيدية، نادية مراد إلى إسرائيل(3)، وما أثارت من ضجة ضدها، تلقيتُ عدة تعليقات، بعضها على موقع الحوار المتمدن، وأغلبها بأسماء مستعارة، وهجومية لا تخلو من توجيه تهمة العنصرية ومعاداة السامية، مع استخدام عبارات نابية لا تليق بأدب الحوار، مما اضطررتُ منع نشر البعض منها.

في الحقيقة كان المقال دفاعاً عن الفتاة نادية مراد، المظلومة، وعن طائفتها المنكوبة التي تعرضت لحرب الإبادة (جينوسايد)، من قبل تنظيم داعش الإرهابي المتوحش، مع تقديم نصائح وإرشادات لها، إذ رأيتُ أن هذه الزيارة لم تكن في محلها، حيث استغلتها إسرائيل لتلميع وجهها، وتوظيف مظلومية الطائفة الأيزيدية لإبراز نفسها بأنها هي الأخرى ضحية الإرهاب في المنطقة، والمتضرر من هذه الزيارة هو: نادية مراد نفسها، وطائفتها الأيزيدية، والمستفيد منها هو إسرائيل وداعش.

وكنت على غير عادتي، قد فتحت باب التعليقات للقراء الكرام في صحيفة (الحوار المتمدن) الإلكترونية، للاستفادة من آرائهم عن هذه الزيارة المثيرة للجدل. ولكن شارك عدد قليل من القراء، ومعظم تعليقاتهم هجومية، ومن مضامينها بدت لي أن عدداً منهم من إسرائيل، وتحت أسماء عراقية أو أسماء غريبة مثل (سيلوس العراقي)، وآخر باسم (Nasha)، وربما ثلاثة منهم لشخص واحد، استخدمت عبارات بذيئة، ليس دفاعاً عن نادية وطائفتها المنكوبة، بل دفاعاً محموماً عن إسرائيل، وبالطبع توجيه تهمة العنصرية ومعاداة السامية.
فقد شارك المعلق باسم (Nasha) بعدة تعليقات جاء في أحدها قائلاً: (من الطبيعي ان المظلوم يلتجئ الى المظلومين مثله لان الظالم واحد وهو العنصرية.). وهذا دليل يؤكد أن زيارة نادية مراد، وإلقائها  كلمة في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، قد قدمت دعاية مجانية لإسرائيل، و عرضت طائفتها الأيزيدية للمزيد من الأذى والانتقام كما جاء في تعليق من قارئ أيزيدي، سأذكره أدناه بعد قليل.

كما وعلق القارئ عبدالحسين سلمان قائلاً: (أنت تعيش في بريطانيا، مركز الماسونية العالمية، وتحمل الجنسية البريطانية،... والجميع يعلم ان بريطانيا كان لها دور قذر في العراق. فهل نستطيع ان نوجه لحضرتكم التهم التي قذفتها بوجه هذه الشابة بسبب هذا؟؟ الامر غير معقول. هذا الخطاب القومي البعثي الذي يقول أن (إسرائيل تعتبر عدوة للعراق)، يجب يُلغى من خطابنا السياسي. أنا لا ادعو للحوار مع إسرائيل، ولكن دعوا المضطهد يبحث عن ساحل نجاة حتى لو كان الشيطان. مع احترامي و تقديري) أنتهى
جوابي على الأخ عبدالحسين سلمان هو كالآتي:
أولاً، لا يمكن معاملة بريطانيا كإسرائيل، وإلا لكان على جميع الدول العربية والإسلامية التي قاطعت إسرائيل، أن تقاطع بريطانيا أيضاً، وهذا مستحيل. فتشبيه وجودي في بريطانيا بزيارة نادية مراد لإسرائيل أمر غريب إن لم يكن مضحكاً، ففي بريطانا أكثر من ربع مليون عراقي، فكم عراقي يوجد في إسرائيل ما عدى اليهود العراقيين الذين رحلوا قسراً أو طوعاً. ثانياً، أنا لم أوجه تهمة قذرة بوجه (هذه الشابة)، بل تعاطفتُ معها واعتبرتها ضحية تستحق الحماية والدعم. ثالثاً، أنا أيضاً أتمنى أن ينتهي العداء مع إسرائيل، ولكن رسمياً العداء موجود منذ عام 1948 وإلى الآن، فالحكومات العراقية المتعاقبة وحتى ما بعد 2003 لم تتجرأ بحذف هذا القرار، لأن ظروف العراق الراهنة لن تسمح بذلك. لذا، شئنا أم أبينا، فإسرائيل مازالت رسمياً تعتبر عدوة. والكرة الآن في ملعب إسرائيل، فهي وحدها تستطيع تبديل هذه العلاقة من عدائية إلى طبيعية ودية، وذلك بأن تقبل بحل الدولتين. وعندئذ ليس من حق العراقيين أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الشعب الفلسطيني.

كذلك وصلتني تعليقات من أصدقاء كورد، أحدهم كاتب مرموق، مع مقالات، أكدوا فيها أن لبارزاني يد في هذه الزيارة، لتوريط هذه الفتاة وطائفتها وإيقاعها في الفخ الإسرائيلي، وبالتالي تأجيج المتطرفين على الأيزيدية. وهذا ليس بغريب في السياسة الاخطبوطية التي يتبعها حزب بارزاني.

كما وتلقيتُ رسائل من أصدقاء أكاديميين معروفين بمواقفهم الوطنية، والإنسانية، ودفاعهم عن حقوق الشعب الفلسطيني، انتقدوا موقفي الناقد للزيارة، واعتبروا إسرائيل دولة ديمقراطية يسود فيها حكم القانون، ومن حقها أن تستقبل هذه الفتاة الأيزيدية، ومن هذه الرسائل، أشير إلى واحدة منها، أجتزئ منها الفقرة الأولى:
(شكراً على هذا المقال المتعاطف مع النكبة والجينوسايد الذي تعرض له اليزيديون والذي أؤيدك فيه تماماً. لكن ما أختلف فيه معك هو تشبيه إسرائيل بداعش. فمع أن من المسلَّم به هو أن إسرائيل تمارس التفرقة العنصرية المفضوحة ضد الفلسطينيين، وتنتهك حقوقهم، الا أنها مع كل ذلك هي بلد تحكمها القوانين، وفيها نظام ديمقراطي تمثيلي، يشارك فيه الفلسطينيون حاملي الجنسية الإسرائيلية. وأعتقد أن مثل هذه المقارنة قد تصب دون قصد في تجميل صورة داعش، والتغاضي عن بربريتها ووحشيتها التي ليس لها مثيل في التاريخ الحديث.) انتهى
ورسائل أخرى تتقارب في المضمون مع الاقتباس أعلاه، لا أجد ضرورة نشرها لتلافي الإطالة. وجوابي على تعليقات الأصدقاء كالتالي:
شكراً على ملاحظاتكم القيمة، أتفق مع معظمها، أنا لم أشبِّه إسرائيل بداعش، بل قارنتها بداعش، فالاختلاف بينهما بالدرجة وطريقة التنفيذ. إسرائيل لا تحرق الفلسطينيين في أقفاص حديدية وهم أحياء كما تفعل داعش مع ضحاياها بطريقة وحشية لا مثيل لها، بل تحرقهم بطريقة "حضارية"، وقانونية معترف بها دولياً، أي في حالة حرب بذريعة الدفاع عن النفس! وذلك عن طريق القصف الجوي وهم أحياء ودون أي تمييز بين العسكريين والمدنيين. ففي كل مرة تطلق حماس وعن جهل ونتيجة اليأس والاستماتة ، نوعاً من الصواريخ البدائية (جينكو)، صناعة محلية من السكراب، أو كما يسمى بالإنكليزية (Homemade missiles)، التي غالباً تنحرف عن أهدافها، ولا تقتل حتى نعجة في المرعى، تقوم إسرائيل بقصف غزة بآخر طراز من الصواريخ المتطورة ذات القدرة التدميرية الهائلة. ففي كل حرب بين حماس وإسرائيل، إذا قتلت حماس ثلاثة إسرائيليين، تقوم إسرائيل بقتل ألفين أو أكثر من الفلسطينيين في غزة، و تدمير البنى التحتية... وغيرها كثير، إضافة إلى الحصار المفروض على غزة.

نعم إسرائيل دولة ديمقراطية تحكم شعبها بقوانين، ولكنها ظالمة بحق الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبشهادة القس ديزموند توتو من جمهورية جنوب أفريقيا، والذي زار فلسطين قبل سنوات فقال: "أن العنف الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يولد إلا المزيد من الكراهية والعنف المتبادل..." وفي عام 2002 قال: "إن سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين لا تضاهيها إلا سياسة التمييز العنصري التي كانت تنتهجها حكومة بريتوريا ضد السود في جنوب أفريقيا".

لقد رفضت إسرائيل جميع الحلول التي قدمتها الأمم المتحدة، وهذا الظلم يخدم الإرهابيين الإسلاميين إذ يتخذونه ذريعة في خدع الشبان المسلمين الفارغين فكرياً، والمحرومين من الثقافة والتفكير النقدي العلمي، فيشحنونهم بالحقد الأعمى على الغرب المتعاطف مع إسرائيل، ويبثون بينهم نظرية المؤامرة وغيرها.
والتعليق الوحيد الذي جاء مؤيداً للمقال هو من القارئ الأيزيدي، السيد خالد علوكة، وموقفه الواقعي والمؤيد ناتج عن كونه أيزيدي يعرف الوضع جيداً، فأهل مكة أعرف بشعابها، جاء فيه: (شكرا على المقال الحريص على البراءة والضعفاء وتقديم الحلول لهذه الكبوة. فعلا انا شخصيا اتصلت بمقربين جدا لها، وقلت لها لا تذهبي لأنه فخ ولكن كبوة فارس، وقد اضرت بمستقبلها وزادت اعداء الايزيدية، علما لا يزال آلاف من الأيزيدية بيد داعش أسرى وسبايا، ونحتاج الى مساعدة اي انسان لغرض عودتهم ومعرفة مصيرهم، وليس جلب النقد لأهلها. ومن الله العلاج والاعتذار ودمت لوفاء الانسانية).

خلاصة القول
هناك سوء فهم من بعض القراء، وربما لأني لم أكن واضحاً بما فيه الكفاية، وعليه أود توضيح موقفي من إسرائيل. أنا لست عنصرياً، ولا معادياً للسامية أو اليهود. بل أسعى بكل إمكانياتي المتواضعة لإقناع الرأي العام العربي، و أهل الحل والعقد، أن من حق الدولة الإسرائيلية أن تعيش بسلام، وتتمتع بعلاقات طبيعية مع دول المنطقة، مقابل قبول إسرائيل بحل الدولتين، أي قيام الدولة الفلسطينية بحدود 4 حزيران 1967، والقدس الشرقية عاصمتها، الحل الذي تبنته الأمم المتحدة، والمحافل الدولية الأخرى مثل اتفاقية أوسلو، ووافقت عليها القيادة الفلسطينية برئاسة السيد محمود عباس.

ولكن المشكلة أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنجامين نتنياهو وقفت معارضة لهذا الحل بمختلف الحجج الواهية، ومع هذا الرفض والتعنت تعقد الصراع، و نتجت عنه مآس، وآلام، وكوارث، وحروب في دول المنطقة، وما التنظيمات الإرهابية الإسلامية إلا من نتاج هذا الصراع العربي- الإسرائيلي، الذي يجب أن ينتهي عاجلاً، لتوجيه كل الطاقات للتنمية والإعمار بدلاً من الحروب والدمار.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: العراق وسياسة المحاور.. والصراع العربي-الإسرائيلي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=905

2- مقال صحيفة الغارديان عن معاداة السامية وانتقاد إسرائيل
Antisemitism and criticism of Israel
https://www.theguardian.com/world/2014/sep/10/antisemitism-and-criticism-of-israel

3- د.عبدالخالق حسين: نادية مراد بحاجة إلى من يحميها من الزلل
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=917


51
نادية مراد بحاجة إلى من يحميها من الزلل

د.عبدالخالق حسين

نادية مراد، الفتاة الإيزيدية العراقية الشجاعة، ضحية الدواعش، الوحوش الضارية الكاسرة، وخوارج العصر، مرة أخرى تتألق في سماء الإعلام العراقي والعالمي، ولكن هذه المرة لا كضحية الدواعش التكفيريين، بل كشخصية مثيرة للاختلاف والجدل نتيجة قرارها الخاطئ لزيارة إسرائيل وإلقاء كلمة في برلمانها (الكنيست).

نادية مراد كغيرها من مئات، وربما ألوف النساء الأيزيديات، وقعت ضحية الاغتصاب والعدوان على إنسانيتها وكرامتها من قبل الإرهاب الداعشي المتوحش، ولكنها من القلة إن لم تكن الوحيدة، التي اتخذت موقفاً شجاعاً وحكيماً، فرفعت قضيتها، وقضية بنات جنسها ومكونها الأيزيدي، إلى المحافل الدولية، حيث ألقت كلمة مؤثرة في مجلس الأمن الدولي بكل شجاعة وبلاغة وفصاحة، فاستطاعت بذلك أن تكسب عطف وقلوب وعقول ومشاعر العالم كله لقضيتها العادلة، وإدانة الجناة، أكثر مما استطاعت كل وسائل الإعلام العراقية والعربية. وبذلك أصبحت نادية، بكل استحقاق، أشهر من نار على علم، ونجمة لامعة، فتم تعيينها سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة، وترشيحها لجائزة نوبل للسلام لعام 2016، وحازت على جائزة زخاروف لحرية الفكر، كما راح رؤساء الدول و برلماناتها، والقنوات الفضائية، يتسابقون على دعوتها ليحظوا بمقابلتها، وإبداء تعاطفهم معها، ودعم رسالتها في حماية المكون الأيزيدي والإنسانية من الأوباش، كما وألقت كلمة في البرلمان الأوربي وغيرها من البرلمانات.

وأخيراً، استغلت إسرائيل مكانة وقضية نادية وتعاطف العالم معها، فدعتها لزيارة تل أبيب، لغرض الدعاية (propaganda) لها، وليس للتعاطف مع محنتها، ولسوء حظ الجميع، استجابت نادية لهذه الدعوة الملغومة، وألقت كلمة في الكنيست الإسرائيلي، فانفجر اللغم في وجهها، فأثارت كل هذه الضجة الإعلامية ضدها، والتي ما كان لها أن تحصل لو أحسنت نادية في أخذ القرار السليم برفض الدعوة. فإسرائيل تدعم داعش في سوريا، وقامت مراراً بقصف القوات السورية التي تحارب داعش وجبهة النصرة، وغيرهما من التنظيمات الإرهابية التي هي امتداد لداعش في العراق. وهناك تقارير تؤكد أن إسرائيل تعالج جرحى الإرهابيين في مستشفياتها، لا بدوافع إنسانية، بل لدعم الإرهابيين وتدمير سوريا، إضافة إلى استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني لعشرات السنين، ورفضها للحلول الصحيحة التي اقترحتها الأمم المتحدة بحل الدولتين. لذلك أعتقد أن قرار نادية مراد بزيارة إسرائيل كان خطأً كبيراً أساءت لها ولقضيتها العادلة.

لا شك أن قرار نادية مراد هذا ناتج عن قلة خبرتها في التعامل مع الأمور السياسة المعقدة التي يستغلها بعض السياسيين الخبثاء لمصالحهم، فهي مازالت شابة لم يتجاوز عمرها 24 عاماً، قليلة التجربة والخبرة في خوض مثل هذه النشاطات، وإذا بها فجأة وجدت نفسها نجمة لامعة تحت أضواء الإعلام العالمي. وإنصافاً لها، فقد أجادت نادية في كل هذه الأمور خلال العامين الماضيين، ما عدى هذه الزيارة المشؤومة لإسرائيل.

وفي هذه الحالة، وطالما أصبحت نادية رمزاً لطائفتها الأيزيدية، وقراراتها تؤثر على قومها، لذلك فهي بحاجة ماسة إلى أن تحيط نفسها بعدد من أبناء قومها من ذوي الخبرة، تلجأ إليهم في أخذ المشورة منهم في مثل هذه الأمور، كي تحمي نفسها من الانزلاق، إذ لا شك أن هناك جهات تستغل مكانة نادية الرفيعة وسمعتها الدولية الجيدة، وما تمثله من رمزية، لأغراضها الدعائية غير الحميدة كما فعلت إسرائيل.

وخطأ يلد خطأً آخر، فكما أخطأت نادية في قرارها لزيارة إسرائيل، كذلك أخطأت في تبرير هذه الزيارة للرد على نقادها، وأغلب ردودها لم تكن مقنعة، فإسرائيل لا تقل ضراوة من داعش في معاملتها مع الشعب الفلسطيني كما أشرنا أعلاه إلا بالأسلوب وبدرجة القسوة. وعليه فقد أساءت نادية مراد إلى نفسها بالدرجة الأولى حيث وضعت نفسها في هذا الموقف المحرج، كما وأساءت إلى طائفتها المكون الأيزيدي الضحية.

لذلك فالجهة المستفيدة من هذه الزيارة، هي إسرائيل التي تستغل كافة المناسبات لتظهر نفسها بأنها هي الأخرى ضحية التنظيمات الإرهابية، وأنها في مقدمة المدافعين عن حقوق الإنسان، بينما الواقع يؤكد العكس، فهي أكبر متجاوزة على حقوق الشعب الفلسطيني.
والجهة الأخرى المستفيدة من هذه الزيارة طبعاً هي داعش وبقية التكفيريين، فبهذه الهفوة قدمت نادية لداعش، و وسائل الإعلام المتعاطفة معها، ذخيرة حية لتبرير جرائمهم بحق الأيزيدين وغيرهم. وهذا ليس في صالح الإيزيديين، ولا الضحايا الآخرين، وعلى الشرفاء أن يستمروا في دعمهم للضحايا.

لذلك أقترح على الآنسة نادية مراد أن تعيِّن ناس قريبين منها، يتمتعون بالخبرة والإخلاص الوطني لتقديم المشورة الصحيحة لها في مثل هذه الأمور، والظروف المعقدة، لتحمي نفسها من الزلل، وتسد الأبواق المتعاطفة مع داعش، وكافة التنظيمات الإرهابية. وأن تعيد النظر في زيارتها لإسرائيل بأن تعتذر عن هذه الزلة الناتجة عن قلة الخبرة، وأنها وقعت ضحية في فخ الدبلوماسية الإسرائيلية الخبيثة.
فكما يقال: لكل جواد كبوة، ولكل حليم هفوة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــ
رابط ذو صلة بالموضوع
ما قالته نادية مراد بحق الحشد الشعبي عند عودتها إلى مدينتها سنجار مسقط رأسها
https://twitter.com/MaanKhider/status/891041406848049152


52
هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟

د.عبدالخالق حسين

في مثل هذا شهر (تموز/يوليو)، من كل عام، ينشغل العراقيون بذكرى ثورة 14 تموز 1958، فمنهم (وبينهم كاتب هذه السطور)، يراها ثورة وطنية تقدمية حتمية، لم يكن منها بد، فجرتها ظروف موضوعية تطلبت تحولات في البنية السياسية الفوقية (السلطة)، لتتلاءم مع التحولات التي حصلت في البنية التحتية الاجتماعية، ولانتفاء الوسائل السلمية الديمقراطية لتحقيق التحولات المطلوبة، وتوافر لها الظروف الموضوعية والعوامل الذاتية (القيادة)، حصل التغيير بالعنف الدموي وما رافق ذلك من هزات عنيفة واضطرابات خطيرة في المجتمع، بغض النظر عن النتائج.

الكلام أعلاه ذكرته في مقالي السابق الموسوم: (تعقيب على مقال السيد بهاء الدين نوري عن ثورة 14 تموز)(1)، اضطررت لإعادته هنا للرد على مجموعة أخرى من الكتّاب يرون أن ما حصل يوم 14 تموز 1958، كان مجرد إنقلاب عسكري مشؤوم، فتح الباب للانقلابات العسكرية وحكم العسكر، قادوا العراق إلى هذا المصير الأسود. ومن هؤلاء السيد مازن الشيخ الذي نشر مقالاً في موقع صوت العراق، بعنوان: (تعقيباً على مقال الأستاذ عدنان حسين أقول: 14 تموز انجبت 17 تموز)(2 و3). فهو الآخر ينحي باللائمة على هذه الثورة اليتيمة، وقائدها في كل ما أصاب العراق من كوارث، منذ 8 شباط 1963 وإلى الآن.

يقول السيد الشيخ: "... يمكن التأكيد بأن العراق كان يمكن ان تكون افضل دول المنطقة وأكثرها رقيا وتقدماً لولا الانقلاب العسكري الذي وقع في 14 تموز 1958 و اطاح بالدولة الواعدة وتركها تواجه كل انواع المخاطر والمصائب".

هذا الكلام قد يكون صحيحاً فيما إذا كان التاريخ يسير وفق ما يتمناه البعض من ذوي النوايا الحسنة، ولكن كما تفيد الحكمة (تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن). فمسار التاريخ له قوانينه الخاصة التي تشبه القوانين الفيزيائية، إذ كما ذكرنا مراراً، أن الثورات لا تصاغ حسب الطلب، بل تحدث، وهي أشبه بالكوارث الطبيعية. والمسؤول عنها هم أولئك الحكام الذين يرفضون إجراء التغيير التدريجي الهادئ في السلطة ليتلاءم مع التحولات الاجتماعية. وكغيره من أنصار الملكية، يعتقد السيد الشيخ، أن الذين أيدوا، ومازالوا يدافعون عن "إنقلاب 14 تموز" حسب تعبيره، هم اليساريون فقط، ويقصد الشيوعيين، وينكر أن النظام الملكي قد جمد ورفض التطور، وحصل بون شاسع بين الشعب والسلطة، أقتضى التغيير الثوري.

فالنظام الملكي الذي هيمن عليه الثنائي، عبدالإله ونوري السعيد، أصابه الجمود الكلي، وفي هذا الخصوص قال الشيخ علي الشرقي وهو من رجالات العهد الملكي: "أن نوري السعيد أصر على حكم العراق في الخمسينات بعقلية العشرينات". وقال عنه الصحفي البريطاني بول جونسن عام 1957: " إن نوري السعيد، وإن كان ما يزال حياً، فهو أشبه بالمخلفات التاريخية البالية." كما ونشير على أنصار الملكية أن يقرؤوا مذكرات المرحوم عبدالكريم الأزري، وكتابه القيم (مشكلة الحكم في العراق)، و الذي حذر الثنائي عبدالإله، ونوري السعيد مراراً، إذا لم يقوموا بإصلاحات سياسية فإنهم يحثون الخطى لهدم البيت على رؤوس الجميع. ولكن لا حياة لمن تنادي... إلى أن حصل "الإنقلاب المشؤوم".

ونحن نؤكد هنا و باعتراف أكاديميين أجانب مثل حنا بطاطو، أن ما حدث يوم 14 تموز 1958 كان ثورة بكل معنى الكلمة. ويقول المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون: "أن الثورة العراقية هي الثورة الوحيدة في البلاد العربية". راجع مقالنا: (هل ما حدث يوم 14 تموز ثورة أَم انقلاب؟)(4)

إن أقصر رد على السيد الكاتب هو: إذا كانت ثورة 14 تموز أنجبت إنقلاب 8 شباط 1963، والأخير أنجب انقلاب عبدالسلام عارف على البعثيين في تشرين من نفس العام، وهذا الانقلاب أنجب 17 تموز 1968...الخ، يعني أشبه بـ(دومينو رالي!!)، فبنفس المنطق يصح القول أن العهد الملكي هو الذي انجب ثورة 14 تموز 1958، وعليه كان الأفضل البقاء على الحكم العثماني (العصملّي!!)، لأن كل مرحلة تنمو في رحم المرحلة السابقة إلى أن نصل إلى أبينا آدم. في الحقيقة لو كان العهد الملكي واعداً، ومستقراً وديمقراطياً كما يردد أنصاره، لما حصلت ثورة تموز التي كانت حصيلة سلسلة متواصلة من الانتفاضات والوثبات الشعبية، والانقلابات العسكرية في العهد الملكي، تكللت بثورة تموز التي كانت تتويجاً لتلك النضالات.

كما ونؤكد لهؤلاء السادة، أنه من الهراء والجهل القول أن ثورة تموز فتحت الباب للانقلابات العسكرية، فقد حصل في العهد الملكي ثمانية انقلابات عسكرية بعضها نجح مثل انقلاب الفريق بكر صدقي عام 1936، وهو بالمناسبة، أول إنقلاب عسكري في البلاد العربية، وما تلاه من انقلابات أخرى مثل انقلاب الأول من مايس 1941 الذي قام به العقداء الأربعة بقيادة صلاح الدين الصباغ، وسمي خطأً بحركة رشيد عالي الكيلاني، والذي انتهى بالاحتلال البريطاني الثاني للعراق في نفس العام...الخ.
أما تهمة أن ثورة 14 تموز فتحت الباب لحكم العسكر، فهي الأخرى باطلة، لأن معظم الذين أسسوا الدولة العراقية كانوا جنرالات في الجيش العثماني، وأن نوري السعيد نفسه الذي تسنم رئاسة الحكومة 14 مرة كان جنرالاً. علماً بأن 50% من فترة العهد الملكي كانت في حالة الحكم العرفي العسكري.

لذلك فالذي يتهم ثورة تموز بفتحه باب الانقلابات العسكرية، وحكم العسكر وعدم الإستقرار، يفضح جهله بتاريخ العراق، وهذا أمر معيب على كل من يكتب عن العراق وهو لم يدرس تاريخه، وخاصة تاريخه الحديث.

أما الذين يتحدثون عن "عبقرية" نوري السعيد وديمقراطيته الليبرالية، فيكفي أن نذكِّرهم بحادثة واحدة فقط على سبيل المثال لا الحصر، وهي في عام 1954 أجرت حكومة أرشد العمري انتخابات برلمانية، ورغم الضغوط الحكومية على الناخبين، ومحاولات تزييف النتائج، فازت أحزاب المعارضة الوطنية بـ 11 مقعدا من مجموع 131 مقعد، فلم يتحمل "الديمقراطي جداً" نوري السعيد هذا العدد القليل من نواب المعارضة، لذلك قام بعد يوم واحد فقط من خطاب العرش، بانقلاب القصر على زميله أرشد العمري، وعطَّل البرلمان، وشكل الحكومة برئاسته، وأعلن الأحكام العرفية. هكذا كانت "الدولة الواعدة" التي يدافع عنها السيد الشيخ وزملاؤه.

وفي هذا الصدد قال الراحل العلامة علي الوردي: "روى لي أحد الثقاة قصة تكاد لا تصدق لو رويت في بلد غير هذا البلد. يقول الراوي: إنه سمع ذات يوم، في موسم من مواسم الانتخابات الغابرة، بأن برقية هبطت على متصرف اللواء من بغداد تأمره بانتخاب شخص معين. وقد ذهب هو وجماعة معه لتهنئة الشخص المحظوظ، فقبل الشخص منهم التهنئة. هذا مع العلم أن يوم الانتخابات الرسمي لم يكن قد حان وقته، وأن الاستعداد للانتخابات كان قائماً على قدم وساق كما يقولون.".
ويعلق الوردي على ذلك قائلاً: "إن نائباً يُعيًن في مجلس النواب على هذه الصورة لا يشعر طبعاً بأنه ممثل الشعب، والشعب كذلك لا يشعر بأن في الحكومة من ينطق باسمه ويدافع عنه حقاً..  على هذا المنوال تتسع الثغرة بين الشعب والحكومة وينشق الضمير والأمر لله الواحد القهار."
وقد أيد هذه الرواية المرحوم أحمد مختار بابان في مذكراته، أنه هو الذي كان متصرفاً في لواء البصرة والذي شكل الوفد لتقديم التهنئة لذلك النائب العتيد.

ومن كل ما تقدم، نؤكد للسيد مازن الشيخ الذي اعتبر اليساريين وحدهم دون غيرهم، انتقدوا العهد الملكي بدون برهان، أن الشيخ علي الشرقي، وعلي الوردي، وعبدالكريم الأزري (وزير في العهد الملكي)، وأحمد مختار بابان وغيرهم، أدلوا بهذه الشهادات هم جميعاً ليسوا شيوعيين ولا حتى يساريين، وأن الأخير تسنم رئاسة الحكومة في السنة الأخيرة من العهد الملكي.

في الحقيقة كان العهد الملكي نظام ديمقراطي في الظاهر فقط، وإقطاعي رجعي في الجوهر، وكان محكوماً عليه بالزوال وفق قوانين التطور (البقاء للأصلح)، لذلك سقط ولم يدافع عنه أحد، بل خرجت الجماهير من أقصى شمال العراق إلى أقصى جنوبه في تظاهرات مليونية تأييداً لما حصل يوم 14 تموز، وحوَّلت (الانقلاب العسكري) إلى ثورة شعبية عارمة. بينما العكس من ذلك عندما حصل الانقلاب البعثي الفاشي يوم 8 شباط 1963، حيث هبت الجماهير ضد الإنقلابيين الشباطيين، دفاعاً عن الثورة وزعيمها، مما اضطر العسكريون البعثيون حمل صور الزعيم على دباباتهم لخدع الجماهير بأنهم ذاهبون لنصرته، وعندما وصلوا إلى وزارة الدفاع حيث مقر الزعيم، أطلقوا نيرانهم عليه، وهذا دليل آخر على أن البعث لا وجود له بدون الكذب والغش.
كما نؤكد لأنصار الملكية أن جميع الجرائم التي ارتكبها حكم البعث الصدامي، مثل العزل الطائفي، والعنصري، والتهجير القسري بتهمة التبعية، وإسقاط الجنسية عن المعارضين السياسيين، لها جذور في العهد الملكي.

أما جريمة مقتل العائلة المالكة، التي يصرخ بها أعداء الثورة، فالمعروف أن ليس هناك ثورة في التاريخ خلت من حوادث العنف المؤسفة، والكوارث التي تفلت من السيطرة. فالذي قتل العائلة المالكة هو النقيب عبد الستار سبع العبوسي الذي لم يكن من تنظيمات ضباط الثورة، بل قام بتصرف فردي وبدوافع قومية انتقاماً لضباط حركة مايس 1941، الذين أعدمهم عبدالإله وبصق على جثة الصباغ وهي معلقة بحبل المشنقة، و خوفاً من تكرار السيناريو في حالة فشل الثورة. وقد ذكرتُ التفاصيل عن هذه المجزرة في كتابي عن الثورة، في الفصل التاسع بعنوان (حوادث العنف في عهد الثورة)، الرابط في الهامش(5)

ويكفي حكومة الثورة وزعيمها فخراً، أنها خلال أربع سنوات ونصف من عمرها القصير، حققت ضعف ما حققه العهد الملكي من إنجازات خلال 38 سنة. وباختصار شديد، استطاع قائدها الزعيم عبدالكريم قاسم أن يبني 25 مستشفى، من بينها الصرح الشاهق مدينة الطب في بغداد، ومئات المستوصفات، و أن ينشأ 10 مدن سكينة، و44 مصنعاً إضافة الى تشييد 22 جسراً منها الجسر المعلق في بغداد، و 2334 مدرسة في عموم العراق، والخط العريض السريع بين بغداد والبصرة، وميناء أم قصر العميق، ومئات المشاريع الأخرى، وأرسل آلاف البعثات الدراسية إلى الخارج في مختلف الاختصاصات العلمية والهندسية، وأصدر المئات من القوانين التقدمية مثل قانون الإصلاح الزراعي، والأحوال الشخصية، وقانون رقم 80 الذي استرجع بموجبه 99% من الأراضي العراقية من سيطرة الشركات النفطية الأجنبية، وأسس شركة النفط الوطنية، وقرار إلغاء قانون حكم العشائر..الخ. أما الإدعاء بأن هذه المنجزات كانت مشاريع خططها العهد الملكي، وهو مشكوك به، فهذا لا يقلل من فضل الثورة وقائدها، فما قيمة هذه المخططات إذا كانت مجرد حبر على ورق محفوظة في الأدراج والرفوف العالية؟ فهذا لا يقلل من فضل الزعيم عبدالكريم قاسم الذي حول هذه المخططات المنسية إلى مشاريع منجزة. ولقراءة المزيد عن منجزات الثورة يرجى فتح الرابط (منجزات ثورة 14 تموز 1958)(6).

خلاصة القول: إن الذي جلب البلاء على العراق هو نوري السعيد وعبدالإله، اللذان سيطرا على كل مقادير البلاد والعباد، ولولاهما لما كانت هناك حاجة للثورة، ولكن هذا لم يمنع من حصول ثورات وانقلابات أخرى، لأن في نفس الوقت كانت هناك تنظيمات في الجيش ومنها تنظيمات القوميين والبعثيين، تخطط للثورة أو الإنقلاب. أما الذين يطالبون بأن كان على الشعب أن يصبر على دكتاتورية الحكام الجائرين خوفاً من الفشل، أو حصول الأسوأ، فهذا كلام غير منطقي، لأنه لو تم تطبيقه لعاشت البشرية كالخرفان يحكمها الطغاة من أمثال صدام حسين، ومعمر القذافي، وبول بوت، وغيرهم، إلى الأبد ولما تقدمت الحضارة.

ومن كل ما سبق نستنتج أن ثورة 14 تموز كانت ثورة حتمية وطنية وشعبية نقية، حققت الكثير من الإنجازات والتحولات الثورية لصالح الشعب، وخاصة الطبقات الفقيرة، وجميع الانقلابات الأخرى التي حصلت بعد ثورة تموز كانت ثورات انتقامية مضادة ، قامت بها قوى داخلية رجعية، بالتعاون مع حكومات ومخابرات أجنبية، انتقاماً من الثورة والشعب العراقي. لذلك بقيت ثورة 14 تموز وقيادتها الوطنية حية في وجدان الشعب العراقي، بينما الثورات المضادة (من إنقلاب شباط الأسود 1963 إلى 17 تموز 1968) انتهت في مزبلة التاريخ.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة:
1- د.عبدالخالق حسين: تعقيب على مقال السيد بهاء الدين نوري عن ثورة 14 تموز*
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=914
 
2- مازن الشيخ: تعقيبا على مقالة للاستاذ عدنان حسين اقول:- ان 14 تموز انجبت 17 تموز
http://www.sotaliraq.com/2017/07/18/%D8%AA%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%A8%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B0-%D8%B9%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-14%D8%AA/
 
3-عدنان حسين: : 14 تموز .. هل كانت شرّاً مطلقاً؟ 
http://kitabat.com/2017/07/15/14-%D8%AA%D9%85%D9%88%D8%B2-%D9%87%D9%84-%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA-%D8%B4%D8%B1%D9%91%D8%A7%D9%8B-%D9%85%D8%B7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%8B%D8%9F-2/

4- د.عبدالخالق حسين: هل ما حدث يوم 14 تموز ثورة أَم انقلاب؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=529

5- د.عبدالخالق حسين: حوادث العنف في عهد الثورة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl//?news=766

6- عبدالخالق حسين: منجزات ثورة 14 تموز 1958
http://www.abdulkhaliqhussein.nl//?news=759
_____________
مقالات ذات صلة
د.عبدالخالق حسين: أسباب ثورة 14 تموز 1958 (1-2)
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=757

د.عبدالخالق حسين: أسباب ثورة 14 تموز 1958(2-2)
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=758

فاصل بولا: مداخلة على هامش ما كتبه الاستاذ عبد الخالق حسين
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=915

رابط النسخة الإلكترونية لكتاب د. عبدالخالق حسين: ثورة وزعيم
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=776

53
تعقيب على مقال السيد بهاء الدين نوري عن ثورة 14 تموز*

د. عبدالخالق حسين

نشر السياسي الشيوعي المخضرم، الأستاذ بهاء الدين نوري، في صحيفة (الحوار المتمدن) الإلكترونية، يوم 13/7/2017، مقالاً عن ثورة 14 تموز الوطنية المجيدة، بمناسبة ذكراها التاسعة والخمسين*، ذكر فيه الكثير من الحقائق عن الثورة وأسبابها ومنجزاتها، وأخيراً أسباب إغتيالها، إلا إنه وكغيره من بعض الكتاب، أنحى باللائمة على الزعيم عبدالكريم قاسم، و"دكتاتوريته"، في اغتيالها بالإنقلاب الدموي يوم 8 شباط 1958 الأسود، بقيادة حزب البعث، وبمساعدة نحو أربعين جهة أخرى تآمرت على هذه الثورة الوطنية، من المرجع الديني الشيعي السيد محسن الحكيم، ومروراً بجمال عبدالناصر، وكميل شمعون، والملا مصطفى البارزاني، وعشرات الجهات والحكومات الأخرى، إلى الاستخبارات الأمريكية  والبريطانية.

في البداية ما كان في نيتي أن أكتب هذا المقال، بل أكتفي بتعليق قصير أنشره في قسم التعليقات على مقال السيد بهاء الدين نوري، إلا إني رأيت مساحة التعليق ضيقة خاصة وأن الغرض الأساسي من تعليقي كان نقل شهادة السيد مسعود بارزاني بحق الزعيم، وهي شهادة منصفة، على الضد من شهادة السيد بهاء الذي أقترح عليه قراءتها ليعرف من الذي انحرف عن الثورة، ومن خذل من.

أجل، لم يكن السيد بهاء منصفاً بحق الزعيم، فألقى عليه اللوم في كل ما حصل من اضطرابات وأعمال عنف وغيرها، ناسياً أن هكذا ثورة عظيمة غيرت موازين الصراع بين الغرب والشرق، في مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين، الشرقي الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والغربي الرأسمالي بقيادة أمريكا، كانت على أشدها، وفي مثل هذه الأوضاع لا بد وأن ترافق هكذا ثورة أعمال عنف وتآمر من قبل الجهات المتضررة منها.

وتلافياً للإطالة، لا أريد مناقشة كل ما ذكره السيد بهاء في مقاله، بل أكتفي بالإشارة إلى بعض اتهاماته للزعيم قاسم، وردي عليها باختصار شديد:
أولاً، موضوع عدم إشراك الحزب الشيوعي في الحكومة
لقد اتهم أعداء الثورة أنها ثورة شيوعية وحتى بدون إشراك الشيوعيين في الحكومة، فكيف لو شارك فيها شيوعيون معروفون بانتمائهم للحزب الشيوعي؟ فلو كان الحزب قد شارك بالسلطة، أو استلمها عنوة، لحصل في العراق في الخمسينات ما حصل في أفغانستان في نهاية السبعينات وما بعدها. لذلك وكما سمعت من بعض الشيوعيين المنصفين، أنه كان من حسن حظ الحزب الشيوعي العراقي أنه لم يستلم السلطة أو يشارك فيها، بل كان على الشيوعيين الالتزام بنصيحة الاتحاد السوفيتي لهم، وذلك بدعم الثورة، وبدون المطالبة بالشراكة فيها إطلاقاً، لكي لا يستفزوا الدول الإقليمية والغربية وتقدم لهم المبرر لغزو العراق يوم ذاك. راجع مقالنا الموسوم: (الثورة والحزب الشيوعي العراقي)، وهو فصل من كتابنا (ثورة وزعيم)
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=764

ثانياً، تهمة دكتاتورية قاسم وقضية الديمقراطية
أما تهمة الدكتاتورية وعداء الزعيم قاسم للديمقراطية، فأكتفي هنا بشهادة الراحل محمد حديد الذي قال في مذكراته، أن عبدالكريم قاسم كان أكثر ديمقراطياً من معظم السياسيين المدنيين الذين ادعو الديمقراطية في ذلك الزمان. ففي السنة الأخيرة من حكمه شكل الزعيم لجنة برئاسة الراحل حسين جميل لكتابة الدستور الدائم، ومهَّد لإجراء انتخابات برلمانية في حزيران 1963، وافتتاح البرلمان في الذكرى الخامسة للثورة، أي في يوم 14 تموز 1963. لذلك عاجله أعداءه بالانقلاب البعثي القومي، لأن القوميين كانوا يعرفون جيداً أن لا نصيب لهم بالفوز في النظام الديمقراطي. راجع مقالنا الموسوم: ( ثورة 14 تموز وموضوعة الديمقراطية).
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=760

ثالثاً، تهمة محاربة قاسم للحركة الكردية
لقد أثبتت البحوث الأكاديمية عن الثورة، ومنها رسالة ماجستير للدكتور ليث عبدالحسن الزبيدي، أن ما سمي بثورة أيلول الكردية عام 1961، قام بها الأغوات، أي شيوخ الإقطاع وعلى رأسهم حسين المنكوري، وبدفع ودعم من شاه إيران لكي لا تصل عدوى قانون الإصلاح الزراعي إلى إيران. و قد انضم إليها الملا مصطفي البارزاني فيما بعد، وبتأثير من المخابرات الأمريكية والبريطانية. وهناك شهادات كثيرة من قادة الحركة الكردية تؤكد مدى حب قاسم للشعب الكردي وإخلاصه له، وما قدم لهذا الشعب، ومنهم السياسي الكردي د. محمود عثمان، وغيره، وقد تطرقتُ لهذا الموضوع بالتفصيل في نفس الكتاب وهذا هو رابط المقال (الثورة والقضية الكردية).
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=763

رابعاً، شهادة مسعود بارزاني بحق الزعيم عبدالكريم قاسم
ولكن أهم شهادة منصفة من قيادة الحركة الكردية بحق الزعيم عبدالكريم قاسم، جاءت من السيد مسعود بارزاني الذي رغم مساوئه الكثيرة بحق العراق ما بعد 2003، إلا إنه أنصف الزعيم بشهادة له وردت في كتابه الموسوم: (البارزاني والحركة التحررية الكردية)، أنقلها أدناه مع الاعتذار عن طول الاقتباس، لأن هذه الشهادة مهمة جداً، وهي الغرض الرئيسي من مداخلتي هذه، وأرجو من السيد بهاء الدين نوري الاطلاع عليها ليعرف أن الحقيقة لا يمكن حجبها بغربال، كما يقول المثل.

قال السيد مسعود بارزاني ما يلي:
«كنت في قرارة ضميري أتمنى أن لا تنشب ثورة أيلول في عهد عبد الكريم قاسم، وأنه إذا قُدر لها أن تنشب فلتكن قبل عهده أو بعده، وربَّما عَذرني القارئ عن خيالي هذا حين يدرك أنه نابع عن الإحساس بالفضل العظيم الذي نُدين به لهذه الشخصية التاريخية، وأنا أقصد الشعب الكُردي عموماً، والعشيرة البارزانية بنوع خاص...
«إني أسمح لنفسي أن أبدي ملاحظاتي وأستميح كل مناضلي الحزب الديمقراطي الكردستاني والشعب الكردي الذين مارسوا أدوارهم في تلك الفترة، عذراً لأن أقول وبصراحة بأنه كان خطأً كبيراً السماح للسلبيات بالتغلب على الإيجابيات في العلاقة مع عبدالكريم قاسم، مما ساعد على تمرير مؤامرة حلف السنتو وعملائه في الداخل والشوفينيين وإحداث الفجوة الهائلة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وعبدالكريم قاسم. فمهما يقال عن هذا الرجل فإنه كان قائداً فذاً له فضل كبير يجب أن لا ننساه نحن الكرد أبداً. لا شك أنه كان منحازاً إلى طبقة الفقراء والكادحين وكان يكن كل الحب والتقدير للشعب الكردي وكان وطنياً يحب العراق والعراقيين وكان التعامل معه ممكناً لو أحسن التقدير. . يُتَهَمّ عبدالكريم قاسم بالإنحراف والديكتاتورية، أتساءل هل من الإنصاف تجاوز الحق والحقيقة؟ لقد قاد الرجل ثورة عملاقة غيَّرت موازين القوى في الشرق الأوسط وألهبت الجماهير التواقة للحرية والإستقلال وشكل أول وزارة في العهد الجمهوري من قادة وممثلي جبهة الإتحاد الوطني المعارضين للنظام الملكي ومارست الأحزاب نشاطاتها بكل حرية.
« ولكن لنكن منصفين ونسأل أيضاً من انقلب على من؟ إن بعض الأحزاب سرعان ما عملت من أجل المصالح الحزبية الضيقة على حساب الآخرين، وبدلاً من أن تحافظ أحزاب الجبهة على تماسكها الذي كان كفيلاً بمنع عبدالكريم قاسم من كل إنحراف، راحت تتصارع فيما بينها وبعضها تحاول السيطرة على الحكم وتنحية عبدالكريم قاسم، ناسية أولويات مهامها الوطنية الكبرى. إني أعتبر أن الأحزاب تتحمل مسئولية أكبر من مسئولية عبدالكريم قاسم في ما حصل من انحراف على مسيرة ثورة 14 تموز (يوليو)، لأن الأحزاب لو حافظت على تماسكها وكرست جهودها من أجل العراق، كل العراق ووحدته الوطنية الصادقة، لما كان بإمكان عبدالكريم قاسم أو غيره الإنحراف عن مبادئ الثورة. إن عبدالكريم قاسم قد انتقل إلى العالم الآخر، ويكفيه شرفاً أن أعداءه الذين قتلوه بتلك الصفة الغادرة فشلوا في العثور على مستمسك واحد يدينه بالعمالة أو الفساد أو الخيانة. واضطروا إلى أن يشهدوا له بالنزاهة والوطنية رحمه الله. لم أكره عبدالكريم قاسم أبداً حتى عندما كان يرسل أسراب طائراته لتقصفنا، إذ كنت امتلك قناعة بأنه قدم كثيراً لنا، كشعب وكأسرة لا يتحمل لوحده مسئولية ما آلت إليه الأمور. ولا زلت أعتقد أنه أفضل من حكم العراق حتى الآن. »- مسعود البارزاني

وإذا لم يكتف السيد بهاء الدين نوري بهذه الشهادة من السيد مسعود بارزاني، فليشاهد الفيديو القصير لشهادة العدو اللدود لعبدالكريم قاسم والشعب العراقي، ألا وهو صدام حسين الذي ساهم في محاولة اغتيال الزعيم، فيديو حصري ونادر: ماذا قال صدام حسين عن عبدالكريم قاسم في اجتماع للقيادة القطرية سنة 1995،وماذا قال عن عبد السلام عارف، وجمال عبدالناصر؟ يرجى الضغط على الرابط
https://www.youtube.com/watch?feature=share&v=BcyIJRckBho&app=desktop

وللمزيد من الشهادات من شخصيات فكرية وسياسية معروفة، بحق الزعيم قاسم، يرجى فتح الرابط التالي: قالوا عن الزعيم عبدالكريم قاسم
http://www.abdulkhaliqhussein.nl//?news=775

هل الثورات حتمية؟
وأخيراً أود أن أقول لأولئك الذين ينشطون هذه الأيام ويتهكمون من تعبير (حتمية الثورة) ويحمِّلون ثورة 14 تموز وقائدها الزعيم عبدالكريم قاسم كل ما حصل للعراق من مآسي، ابتداءً من جريمة 8 شباط 1963 وإلى الآن. أقول لهم أن بذور ثورة 14 تموز قد نمت في رحم العهد الملكي نفسه، وأن الثورات أشبه بالكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين والعواصف والأعاصير، لا يمكن تفجيرها "حسب الطلب"، أو بفرمان من أحد، وإنما هي نتيجة حتمية لانفجار تراكمات مظالم ومتطلبات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وعندما تنتفي الوسائل السلمية الديمقراطية لتحقيق هذه التحولات المطلوبة، وتتوافر لها الظروف الموضوعية، والعوامل الذاتية أي القيادة والتنظيمات، عندئذِ يحصل التغيير بالعنف الدموي، وما يرافق ذلك من هزات عنيفة واضطرابات خطيرة في المجتمع.

وأفضل وصف لظاهرة الثورات جاء في كتاب (عصر القطيعة مع الماضي)، للمفكر الأمريكي بيتر ف دركر (Peter F. Drucker) الذي قال: "أن الثورة لا تقع ولا تصاغ ولكنها (تحدث)، عندما تطرأ تغييرات جذرية في الأسس الاجتماعية تستدعي (إحداث) تغييرات في البنية الاجتماعية الفوقية تتماشى مع (التغييرات) التي حدثت في أسس البنية المجتمعية، فإن لم يُستَبقْ إلى هذه الأحداث تنخلق حالة من التناقض بين القواعد التي تتغير، وبين البنية الفوقية التي جمدت على حالة اللاتغيير. هذا التناقض هو الذي يؤدي إلى الفوضى الاجتماعية التي تقود بدورها إلى حدوث الثورة التي لا ضمانة على أنها ستكون عملاً عقلانياً ستثمر أوضاعاً إنسانية إيجابية".

ولقراءة المزيد عن أسباب الثورة، يرجى مراجعة مقالنا في حلقتين:
(أسباب ثورة 14 تموز 1958 (1-2)
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=757

أسباب ثورة 14 تموز 1958(2-2)
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=758

رابط النسخة الإلكترونية لكتابنا (ثورة وزعيم)
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=776
ـــــــــــــــــــ
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــ
رابط ذو صلة
* بهاء الدين نوري: ثورة 14 تموز 1958 كما يراها سياسي معاصر لها
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=266935

54
لمنع ظهور نسخة جديدة من داعش

د.عبدالخالق حسين

بجهود وتضحيات أبطال القوات المسلحة من جميع التشكيلات والمكونات، تم أخيراً دحر داعش، و دولتها الخرافية، وإلقائها في مزبلة التاريخ. فقد أعلن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، من داخل مقر عمليات تابع لقوات مكافحة الإرهاب، رسميا الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الموصل. ولكن هذا لا يعني أن المعركة قد انتهت، إذ مازالت هناك بلدات تحت حكم الدواعش، مثل تلعفر، والحويجة، ومناطق غربي الرمادي وغيرها، إضافة إلى الأيديولوجية الداعشية الوهابية المضللة التي مازلت تعشش في رؤوس المضللين.

لقد كتب كثيرون عما يجب عمله ما بعد داعش، وعلى جميع الصعد، وفي جميع المجالات، لمنع عودة التنظيم، وربما تحت اسماء أخرى. وآخر نصيحة وتحذير في هذا الصدد، جاء من ضابط كبير في الجيش الأمريكي في العراق، وهو ليفتنانت جنرال ستيفن تاونسند في مقابلة مع بي بي سي: "بأن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية لم تنته بعد رغم الانتصار "التاريخي" في الموصل. وإن " مقاتلي التنظيم اما زالوا في العراق، وعلى الحكومة العراقية الآن محاولة التواصل والتصالح مع العراقيين السنة وجعلهم يشعرون بأن الحكومة العراقية تمثلهم، لوقف التنظيم الجهادي من طرح نفسه بصورة جديدة".(1)  في رأيي، هذا الكلام حق، ويراد به حق أيضاً، وعلى الحكومة الأخذ بها.

ولكن الملاحظ أن أغلب الكلام واللوم كان ومازال موجهاً للحكومة الفيدرالية في بغداد، والتي عادة ما توصف بـ"الحكومة التي يقودها الشيعة"، لتتلوها بين قوسين العبارة الدائمة(الموالية لإيران). ولم نقرأ ولو لمرة واحدة، أي مقال يوجه النصيحة إلى الزعماء السياسيين من العرب السنة المشاركين في العملية السياسية، بأن عهد حكم المكون الواحد قد انتهى وإلى غير رجعة، ولا بد من أن يتكيفوا مع الوضع الديمقراطي الجديد، وقبول ما تفرزه صناديق الاقتراع، بل كان كل اللوم منصباً ضد الحكومة الفيدرالية وضد الديمقراطية بتهمة سوء استخدامها.

لذلك أرى من المفيد، بل ومن الواجب أن أساهم في تقديم النصح والتحذير لمنع عودة تنظيم داعش، وتحت أي اسم كان. فعلى جميع السياسيين العراقيين، سنة وشيعة، كرد وتركمان، ومسيحيين وصابئة وأيزيديين، وغيرهم من جميع مكونات الشعب العراقي، أن يعرفوا بأن عهد حكم المكون الواحد قد انتهى وإلى الأبد، وأنه كان المسؤول الأول والأخير عن عدم استقرار العراق، وعرقلة تقدمه، وسبب كل المصائب التي نزلت على الشعب منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وإلى الآن. وأن سياسة ودعاية عزل وتهميش وإقصاء أي مكون سيؤدي إلى المزيد من المصائب والدماء والدموع.

فسياسة التهميش اتبعت في جميع العهود، عدى في عهد حكومة ثورة 14 تموز بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم، الذي حاول القضاء التدريجي على التمييز الطائفي والعنصري والمناطقي، لذلك انتقم منه المستفيدون من التمييز بمختلف أشكاله في الحكم. فمنذ العهد الملكي بدأت حملة تهميش وعزل الشيعة بنشر كتب ومقالات وأدبيات تدعي أنهم (الشيعة)، من بقايا الفرس الساسانيين، أو هنود جلبهم محمد القاسم من الهند مع الجواميس، لذلك فهم أجانب، والأجانب لا يحق لهم المشاركة في الحكم، وذلك لتبرير احتكار السلطة من قبل المكون العربي السني، الذين اعتبروا أنفسهم وحدهم يتمتعون بالحق التاريخي في الانفراد بحكم العراق.
وبعد سقوط البعث الفاشي عام 2003، وبدء مرحلة الديمقراطية التي من شروطها مشاركة الجميع في السلطة، لم يتحمل الأخوة العرب السنة هذه المشاركة، ولم يتنازلوا عن "حقهم التاريخي" في احتكار السلطة، وصنع القرار، فرفعوا شعار العزل والتهميش والاضطهاد من قبل الشيعة. وهذا الموقف ضد الشيعة تبنته حتى الحكومات والشعوب العربية في عدائها للديمقراطية في العراق، و وصفتها بأقذع الكلمات التسقيطية، وشنت حملة الفتاوى الطائفية من مشايخ الوهابية في السعودية وقطر وغيرهما.

وفي هذا الخصوص كتب لي صديق مقيم بالسويد قائلاً: "وبحكم عملي في الصليب الاحمر لمدة 18 سنة، التقي بكثير من المواطنين من مختلف الأقطار العربية والإسلامية، حيث أن الانطباع السائد لديهم هو ان الشيعة في العراق يضطهدون السنة، وأنهم استولوا على الحكم بمساعدة إيران والإمبريالية الأمريكية والصهيونية. وان هناك مجازر جماعية ترتكب ضد السنة في العراق... وبهذا الأسلوب الرخيص والمبالغة والتهويل، تم تجنيد الآلاف من الانتحاريين من جميع أنحاء العالم لإبادة "الرافضة المجوس"، حتى إني صرت أخاف أن اجادلهم في الموضوع، لأنهم في غاية الشحن الطائفي. وقد تم تفجير مسجدين للشيعة في السويد من قبل هؤلاء، احدهما في ستوكهولم والآخر في مالمو." انتهى الاقتباس.

ما نود التأكيد عليه، أننا نعيش في عصر الديمقراطية، وأن المارد قد خرج من القمقم، و عهد التهميش والعزل لأي مكون قد ولىّ وإلى الأبد، ويجب الاحتكام إلى ما تفرزه صناديق الاقتراع في التبادل السلمي للسلطة. فالمطلوب من الجميع، الكف عن مثل هذه الدعايات السامة، فقد أثبتت تجارب الـ 14 سنة الماضية أن هذه السياسة تضر بالكل. والحل الوحيد للشعب العراقي هو النظام الديمقراطي، وفصل الدين عن السياسة. والعمل وفق مبدأ (الدين لله والوطن للجميع). وأرى من المفيد أن استشهد مرة أخرى بما قاله عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي قبل أكثر من أربعين سنة، لحل المعضلة العراقية في الحكم، فقال:
"إن الشعب العراقي منشق على نفسه، وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي آخر- باستثناء لبنان- وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية. ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية، وهذا هو أوان الاعتبار! فهل من يسمع؟".

يعتبر البعض هذا القول دعوة للمحاصصة الطائفية. ولكن لماذا نستخدم عبارات تسقيطية للديمقراطية مثل المحاصصة؟ أليست الحكومات الائتلافية في الدول الأوربية الديمقراطية العريقة تتشكل وفق هذا المبدأ في حالة عدم فوز أي حزب بالأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية العامة، ويسمونها حكومة الشراكة الوطنية بدلاً من المحاصصة؟ راجع مقالنا الموسوم: (حول إشكالية المشاركة أو المحاصصة) (2).

نعم، نحن نتمنى أن تكون جميع الأحزاب السياسية علمانية، ودون تقسيمات طائفية، أو أثنية، أو مناطقية، تماماً كما في الأحزاب الأوربية حيث يضم كل حزب أعضاء من جميع مكونات الشعب. ولكن لنكن واقعيين، ففي وضع العراق الراهن وجدت ظروف موضوعية، تاريخية وجغرافية، أدت إلى هذه التقسيمات، ولا يمكن تجاوزها بين عشية وضحاها وفق التمنيات الطوباوية. لذلك فالحل الواقعي هو قبول الممكن، والعمل الجاد على التطوير التدريجي لتحويل الأحزاب ذات التوجه الديني إلى أحزاب علمانية عابرة للطائفية والأثنية والمناطقية، وحث الخطى لإنضاج الديمقراطية تدريجياً، بدلاً من مبدأ (كل شيء أو لا شيء) الذي دائماً يؤدي إلى لا شيء.

ولمنع ظهور نسخة جديدة من داعش نقترح ما يلي:
أولاً، العمل على إعمار المناطق المدمرة وذلك بطلب المساعدات الدولية، لأن العراق في حربه على الإرهاب لم يدافع عن نفسه فحسب، بل كان يمثل رأس الحربة بدماء أبنائه، دفاعاً عن العالم كله من شرور الإرهاب الدولي.

ثانياً، العمل على ما اكده رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي في بيان النصر على داعش، ان "توجه الحكومة المستقبلي يجب ان يتركز على الجانب الاقتصادي، والتنموي، والتعليمي، الذي هو اساس لنهضة الدولة والمجتمع، وضرورة محاربة الفساد الذي اضرّ بالدولة والمجتمع، وتفعيل القانون."(3)

ثالثاً، في الوقت الذي يجب الالتزام بالدستور بتكليف رئيس أكبر كتلة سياسية برلمانية بتشكيل الحكومة، وتحديد نسب وزراء كل كتلة سياسية فيها وفق ما حصل عليه أي حزب أو كتلة من مقاعد في البرلمان، لأن المناصب الوزارية هي سياسية تقررها صناديق الاقتراع في الأنظمة الديمقراطية، يجب تجاوز المحاصصات الحزبية والطائفية والفئوية في تعيين المسؤولين في دوائر الدولة من جميع المستويات، واعتماد مبدأ الكفاءة والنزاهة والولاء الوطني.

رابعاً، تبني أساليب علمية حديثة متطورة ومجدية في محاربة الفساد الإداري والمالي، ولا ضير من الاستعانة بخبرات وتقنيات وأساليب من الدول المتقدمة، وطلب المساعدة منها في شن الحرب على هذه الآفة، لأن الفساد الإداري والمالي أصبح يهدد الأمن والاستقرار، والازدهار الاقتصادي وكيان الدولة بالانهيار، لا يقل خطورة عن الارهاب.

خامساً، يجب التركيز على التعليم من الابتدائية إلى الجامعة، وتنقية مناهجه من كل شائبة تحريضية ضد الآخر، والتركيز على ما يقوي اللحمة الوطنية، ومنع أي تحريض ديني أو طائفي أو عنصري، واعتباره جريمة يعاقب عليها بقانون. وفي هذا الخصوص نشير إلى مقال الأستاذ الدكتور محمد الربيعي، الموسوم (التعليم ما بعد داعش)(4)

سادساً، لقد آن الأوان لكشف المعلومات المتعلقة بسرقة النفط العراقي في المناطق التي كان يحتلها الإرهابيون وما زالوا، مثل الحويجة وغيرها، والجهات التي كانت تشتريه، وبأية أسعار، وكيف يتم تحويل الواردات الى جيوب الداعشيين؟ وما هو عدد العراقيين المنتمين لداعش، ولماذا لا تُعلن أسماؤهم؟ وما هي الجهات التي تزود الأرهابيين بالمال والأسلحة والسيارات، وعن أي طريق تدخل العراق؟ كما ويجب على الحكومة أن تنشر أسماء المتواطئين مع داعش وعدم التستر عليهم؟ أسئلة كثيرة بحاجة الى إجابات صريحة. فالتستر والتساهل والتسامح في هذا المجال يكون في صالح الإرهابيين، لأن في العراق (من أمن العقاب مارس الإرهاب).

وختاماً، إن ما حصل من دمار، وخاصة في المناطق الغربية ذات الأغلبية العربية السنية التي ابتليت بحكم داعش، يجب أن يكون درساً للجميع، وخاصة للقادة الأشرار الذين اعتمدوا الإرهاب والاستقواء بالحكومات الخارجية لتحقيق أغراضهم السياسية، ومصالحهم الشخصية والفئوية، أن هذه السياسة انتهت بالفشل الرهيب، وجلبت الكوارث والنكبات على الشعب، وبالأخص على المناطق ذات الأغلبية السنية. لذلك، فيا حكماء أهل السنة، أرجو احتكام العقل، بأن لا يصلح لحكم العراق إلا النظام الديمقراطي، وأن الديمقراطية هي الحل، وقد آن الأولن أن تزيحوا هؤلاء الأشرار من قيادتكم، ويتولى الأخيار منكم هذه القيادة، إذ كما قال سقراط الحكيم: "إذا تخلى الأخيار عن السياسة، فسيعاقبون بتولي أشرارهم عليهم"
فهل من يسمع؟
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
___________
روابط ذات صلة
1- قائد عسكري أمريكي: يجب على العراق منع ظهور نسخة جديدة من تنظيم الدولة الإسلامية
http://www.bbc.com/arabic/middleeast-40565237

2- عبدالخالق حسين: حول إشكالية المشاركة أو المحاصصة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=329

3- العبادي : لن نصدر عفوا عن القتلة وتوجهنا المقبل سيتركز على جانبين الأقتصادي والتنموي
http://www.akhbaar.org/home/2017/7/230750.html

4- أ. د. محمد الربيعي: التعليم ما بعد داعش
http://www.akhbaar.org/home/2017/7/230356.html



55
تحررت الموصل ولكن بثمن
د.عبدالخالق حسين

زار رئيس الوزراء حيدر العبادي، مدينة الموصل يوم الأحد المصادف 9/7/2017، لتهنئة القوات الحكومية والشعب العراقي بـ"النصر"، على داعش. فقد خاضت القوات العراقية، مدعومة بقصف جوي أمريكي، قتالا لاستعادة السيطرة على المدينة، منذ السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي. والجدير بالذكر أن تنظيم داعش سيطر على المدينة في 10 يونيو/حزيران من عام 2014، قبل أن يستولي على كثير من الأراضي التي يقطنها العرب السنة، ويعلن عن الخلافة الإسلامية، التي تضم أراض في كل من العراق وسوريا. وشارك في الحملة العسكرية، الجيش العراقي والحشد الشعبي، و البشمركة، ورجال قبائل سنة، ودعمها تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة. (1 و2 و3)

أرجو من القراء الأعزاء أن يفتحوا الرابط أدناه ، ليروا صور الخراب الذي سببته القوى الطائفية الظلامية لمناطقهم، ومن ثم مواصلة القراءة. الرابط:(خراب الموصل Mosul in Ruins )(4)
https://www.theatlantic.com/photo/2017/07/mosul-in-ruins/532782/?utm_source=nl-atlantic-weekly-070717
 
إن ما شاهدتموه سيداتي وسادتي، ما هو إلا الجزء القليل الضئيل المرئي من الخراب، عدى المأساة الإنسانية التي تعرض لها أهل الموصل، وبقية المناطق التي حكمتها "داعش" لثلاث سنوات عجاف، إضافة إلى آلاف الشهداء من الأبطال الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل التحرير. فقد حصل كل هذا الخراب لسبب واحد وهو إلغاء الديمقراطية التي أقرت مشاركة كل مكونات الشعب العراقي في حكم بلادهم، فسخروا لها فرسان البلاغة والبيان، لاختراع أبشع الألفاظ وأسوأ النعوت التسقيطية ضد الديمقراطية الوليدة، لتبشيعها وتشويه صورتها، فأطلقوا عليها (ديمقراطية المحاصصة الطائفية والعنصرية)، من أجل إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 2003، إلى حكم دكتاتورية المكون الواحد، والحزب الواحد، والشخص الواحد.

نعم، تحررت الموصل الجريحة، وتحطمت خرافة "داعش" التي حاولت القوى الدولية والمحلية ووسائل إعلامها أن يصنعوا منها أسطورة ملحمية لا يمكن "وقف زحفها على بغداد"، لتدمير كل العراق، بل ودول المنطقة، ومنع التنمية فيها.

فمن المسؤول عن جريمة القرن؟ وما هو ثمن التحرير هذا؟ وهل كان من الضروري أن يمر شعب العراق بكل هذه الإرهاصات، والعذابات، وتجربة داعش، لكي يثبتوا أنه لا يصح إلا الصحيح، وأن النظام الديمقراطي لا رجعة عنه، وأنه محكوم له وعليه بالنجاح، لأن ليس هناك أي نظام آخر صالح لحكم العراق، متعدد المكونات إلا النظام الديمقراطي، وأن دكتاتورية المكون الواحد هو وحده المسؤول الأول والأخير عن كل ما مر به العراق من حروب ودمار وعدم الإستقرار خلال المائة سنة الماضية؟

فمن هم المسؤولون عن هذه الجريمة الكبرى؟
- المسؤولون هم أولئك الذين أثاروا الفتن الطائفية، ورفعوا شعار "المقاومة الوطنية الشريفة"، ضد "الاحتلال الأمريكي الغاشم" الذي حررهم من أبشع نظام همجي عرفه التاريخ، ولكن نشروا الإرهاب والإبادة الجماعية في الأحياء المأهولة بفقراء الشيعة من أجل تفجير حرب أهلية؟ وليقولوا لهم هذه هي ثمار الديمقراطية التي تريدونها!!
- هم أولئك الذين نظموا ساحات الإعتصامات، وأقاموا فيها ورشات عمل لتفخيخ السيارات بالمتفجرات لتفجيرها في ساحات مساطر الفقراء الباحثين عن عمل يومي لإعالة عوائلهم في بغداد والحلة وغيرها من المحافظات في الوسط والجنوب،
- هم أولئك الذين كانوا ومازالوا يرددون هتافات عائدون يا بغداد، وسنحررها من سيطرة الفرس المجوس،
- هم أولئك الذين حرضوا سكان الموصل والفلوجة والرمادي وتكريت ضد الجيش العراقي، وأسموه بجيش المالكي، والجيش الشيعي الرافضي، والجيش الإيراني المجوسي، وغيرها من الأسماء التسقيطية، وكانوا يرمون الجنود بالحجارة ويبصقون عليهم؟
-أولئك الذين خدعوا العرب السنة بدعايات أيتام البث وأسيادهم السعوديين بأن العراق صار مستعمرة إيرانية، وأن الجنرال الإيراني قاسم سليماني هو الحاكم الحقيقي للعراق،
- هم أولئك الذين اعتبروا كل من يتعاون مع الحكومة الفيدرالية في بغداد، من السنة والكرد، أنهم سنة المالكي، وكرد المالكي! وكانوا مهددين بالقتل.
- هم أولئك الذين عقدوا عشرات المؤتمرات الطائفية التآمرية في أربيل وعمّان واسطنبول وأنقرة والرياض ودبي وقطر، وبروكسل، وباريس، ولندن وغيرها، التي مهدت لداعش.
- كذلك الحكومات مثل السعودية والقطرية والتركية التي مولت الإرهاب وحرضت على الفتن الطائفية لوأد العملية السياسية وتدمير العراق.

وكما افتضح أمرهم بعد أن نشب الصراع بين الحرامية، بين السعودية وقطر، وبغفلة منه انحاز الإرهابي طارق الهاشمي إلى قطر، مما أغضب أولياء نعمته السعوديين، وللإنتقام منه اعترفت صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية أن المملكة قدمت له (للهاشمي)، 2.5 مليار دولار. هذا المتآمر والأخوين النجيفي، و رافع العيساوي، ومسعود بارزاني، وخميس الخنجر، وعشرات غيرهم من الذين ضللوا أهاليهم من أجل إجهاض العملية السياسية، هم المسؤولون عن هذه الجريمة، ويجب أن يحاكموا أمام الشعب لينالوا جزاءهم العادل لما ارتكبوا من جرائم بحق الملايين من أبناء الشعب العراقي.

نعم، تحقق النصر ولكن بثمن باهظ جداً، فقد شاهدنا صور المقابر للشهداء الأبطال من أبناء القوات المسلحة والجيش الشعبي، وفرسان العشائر، ولولا شجاعتهم وتضحياتهم بأرواحهم ودمائهم الزكية لما تحقق هذا النصر. لقد شاهد أهل الموصل عملياً كيف خدعتهم قياداتهم السياسية في إثارة عدائهم للجيش العراقي، وحكومة بغداد بكذبة التهميش، فسلطوا عليهم الدواعش "الثوار"، لثلاث سنوات، حتى عرفوا الحقيقة بأنفسهم، فقد جرب أهل السنة الدواعش وحكمهم المتوعش.
لقد تحررت الموصل، وهناك معارك أخرى تنتظر لتحرير تلعفر، والحويجة وغربي الرمادي وغيرها مازالت بأيدي الدواعش. وكذلك أيديولوجية الإرهاب مازالت باقية يستخدمها السياسيون الطائفيون، أعداء الحضارة والإنسانية لغسل عقول المزيد من الشباب، فما زالوا يسعون لعقد مؤتمرهم الطائفي التآمري في بغداد يوم 17 تموز، لاحظوا التاريخ وما يحمله من رمزية لإحدى أكبر الجرئم التي ارتكبها البعثيون بحق العراق.
مرة أخرى نقول أنه لا يمكن اعتماد الإرهاب أو أية وسيلة شريرة لتحقيق أغراض سياسية عادلة، وعلى أهل السنة أن يعرفوا جيداً أولئك الذين خدعوهم و قادوهم إلى هذا المصير البائس. فيا أهل السنة الكرام، وبعد كل هذا العذاب، وكما قال الجواهري:
ويهْتِفُ بالنَّفَر المُهطِعين.... أهينوا لئامكم تكرموا.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في الموصل للاحتفال بـ"النصر" على تنظيم الدولة الإسلامية
http://www.bbc.com/arabic/middleeast-40548043

2- العبادي: العالم لم يتصور أن العراقيين سيقضون على "داعش" بهذه السرعة
http://www.akhbaar.org/home/2017/7/230628.html

3- العبادي يعلن رسميا النصر على تنظيم الدولة في الموصل
http://www.bbc.com/arabic/media-40561113

4- الموصل في صور خراب شامل Mosul in Ruins
https://www.theatlantic.com/photo/2017/07/mosul-in-ruins/532782/?utm_source=nl-atlantic-weekly-070717

5- الموصليات يحرقن النقاب (فيديو)
https://youtu.be/5J5t87SsW7g? t=9


56
وأخيراً سقطت دولة الخرافة
د.عبدالخالق حسين

بشهادة مراسل بي بي سي، استعادت قوات الأمن العراقية السيطرة على موقع حطام جامع النوري الكبير في الموصل بعد طرد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، وأن " الخلافة المزعومة للتنظيم المتشدد تنهار من الداخل والخارج". كما وقال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إن استعادة السيطرة على منطقة جامع النوري "نهاية دويلة الباطل الداعشية".(1)

وبهذه المناسبة التاريخية السعيدة، نقدم التهاني الحارة لقواتنا المسلحة الباسلة، وفصائل الحشد الشعبي، والبيشمركة، والعشائر، والقوات الدولية، على انتصارها الساحق على قوى الشر والظلام. وهو انتصار ليس على داعش فحسب، بل وعلى قياداتها السياسية المشاركة في العملية السياسية، الذين مهدوا لمجيء داعش باعتصاماتهم ومؤتمراتهم سيئة الصيت، و قدموا مناطقهم لقمة سائغة للدواعش "الثوار" على حد تعبيرهم، من أجل إفشال العملية السياسية ووأد الديمقراطية، ولكن رُدت سهامهم إلى نحورهم، وباؤوا بالفشل المبين. وهذا درس يجب أن يستوعبوه، وإلا فمصيرهم كمصير سيدهم صدام حسين، في مزبلة التاريخ.

وكما ذكرتُ في مقال لي بعنوان (تسليم الموصل لداعش بالتواطؤ)(2)، أن تسليم الموصل إلى داعش قد تم بمؤامرة شاركت فيها قوى محلية ودولية لتحقيق غاية حقيرة وعلى رأسها التخلص من رئيس الوزراء السابق السيد نوري المالكي بعد أن فشلوا في إزاحته بالوسائل الديمقراطية، غير مبالين بما ستكلف هذه المؤامرة الشعب العراقي من تكاليف باهظة في الأرواح، والممتلكات، وتعطيل التنمية و الإعمار، وثلاث سنوات عجاف عانى منها أهاليهم أشد المعاناة.

كما وأود التأكيد مرة أخرى، أن ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، ما هو إلا فلول البعث و جيش الحرس الجمهوري الذي أسسه حزب البعث بعد اغتصابه السلطة عام 1968. وقد حافظ صدام حسين على هذا الجيش، فلم يزجه في حروبه العبثية، و جهزه بأرقى الأسلحة والتكنولوجية، والتدريب، والولاء والشحن الأيديولوجي، والانضباط العسكري، وكانت مهمة هذا الجيش حماية السلطة البعثية من غضبة الشعب. وحتى المدعو (أبو بكر البغدادي) هو بعثي، وكذلك المرشحان الحاليان لخلافته هما ضابطان من بقايا ضباط الحرس الجمهوري البعثي.

لذلك، فما يسمى بـ(داعش) ما هو إلا فلول البعث الساقط الذي اتخذ من داعش اسماً وغطاءً لتدمير العراق. فقد بات معروفاً للقاصي والداني أن البعثيين ارتكبوا جميع جرائمهم الإرهابية ضد الشعب العراقي بجميع مكوناته بأسماء تنظيمات إسلامية وهمية مثل: جند الإسلام، وجيش محمد، وجيش النقشبندية، وأخيراً استقروا على اسم (داعش). ففي العراق داعش تعني فلول البعث، وهو في تحالف مع القاعدة. يعني (داعش) وأيديولوجيتها المتخلفة هما نهاية البعث.

لذلك، فهزيمة داعش يوم 29 حزيران 2017، تعتبر السقوط الثاني للبعث بعد سقوطه الأول يوم 9 نيسان/أبريل 2003، والسقوط الأخير الذي تم في الموصل هو سقوط البعث بنسخته الداعشية، ويمثل سقوطاً في نظر أهل السنة الذين خدعتهم قياداتهم فربطوا مصيرهم بالبعث وبدوافع طائفية. فهذا السقوط أكد لهم مرة أخرى أن البعث شر على الجميع، و أنه لا يصح إلا الصحيح، وأن من يتخذ الإرهاب وسيلة لتحقيق أغراضه السياسية مصيره السقوط والهزيمة والعار والشنار. والجدير بالذكر أن هذا السقوط لا يعني نهاية الإرهاب في العراق، إذ لا بد وأنهم زرعوا آلاف الألغام في الأماكن التي احتلوها، ولا بد من خلايا نائمة، تقوم بأعمال جبانة هنا وهناك بين حين وآخر، فهذه الأعمال الإجرامية تحصل حتى في أوربا.

ما بعد داعش
كتب كثيرون من الزملاء مئات المقالات عما يجب عمله ما بعد داعش. أما ممثلو داعش السياسيون من أمثال الأخوين النجيفي وغيرهما، فمازالوا يهددون بما سيأتي بعد داعش، و راحوا يتوعدون بداعش آخر، وبأشكال وأسماء أخرى أشد توحشاً إن لم تستجب الحكومة المركزية لمطالبهم!! وهذا ممكن. والسؤال هنا: ما هي مطالبهم؟ إعادة الشرعية لحزب البعث، وإصدار عفو عام عن كافة المجرمين الذين تورطوا في الإرهاب، وإلغاء الديمقراطية طبعاً وإبقاءها بالاسم فقط.

كما و حذر بعض المخلصين من احتمال قيام فلول داعش وخلاياهم النائمة بعمليات انتقامية ضد أهل السنة لعدم وقوفهم معهم. وهذا وارد أيضاً، فالبعثيون الدواعش، معروفون بنزعاتهم الانتقامية حتى مع أهاليهم، و تاريخهم الأسود حافل بالعمليات الانتقامية مثل قيامهم بتفجير مساجد أهل السنة في ديالى، والبصرة، واغتيالهم شخصيات دينية من أهل السنة، وأخيراً تفجيرهم لجامع النوري ومنارته الحدباء في الموصل.(3)
لذاك نهيب بالأجهزة الأمنية، وكل أبناء شعبنا بأخذ الحيطة والحذر من محاولات الدواعش المهزومين، فهم اليوم أشبه بالوحوش الجريحة التي تهاجم و تنهش كل من يقترب منها. كما ويجب على السلطات الإسراع في تسهيل إعادة النازحين إلى مناطقهم، ومدهم بالغذاء والدواء وفتح المدارس للأطفال.

و مما تجدر الإشاره إليه، أن هناك محاولات من قبل الذراع السياسي لداعش بعقد مؤتمر في بغداد هدفه سرقة النصر من أصحابه الحقيقيين الذين ضحوا بأرواحهم، والإدعاء بأنهم هم المحررون، ويطالبون اليوم بتطبيق مبدأ (عفا الله عما سلف، والعفو عند المقدرة...الخ)، الشعار الذي طبقه الزعيم عبدالكريم قاسم ودفع ثمنه مع شعبناً غالياً. فالذين تلطخت أيديهم بدماء شعبنا لا يعرفون لغة عفا الله عما سلف، إذ كما قال الشاعر العربي:
فمن يجعل المعروف في غير أهله.... يكن حمده ذماً عليه ويندمِ
والعاقل لا يلدغ من جحر مرتين. لذلك يجب إفشال هذا المؤتمر المشبوه، ما لم يمنعوا مشاركة كل من ارتكب جرائم بحق شعبنا وتواطأ مع داعش.

وأخيراً، نؤكد على السيد رئيس الوزراء العبادي، للمرة العاشرة، أن يواصل سياسته الحكيمة في كسب إيران وأمريكا إلى جانبه، وعدم معاداتهما، بل كسبهما والإستفادة منهما لصالح شعبنا، وعدم زج العراق في أي محور من المحاور المتصارعة التي ليس للعراق فيها ناقة ولا جمل.
المجد والخلود للشهداء الأبرار الذين دفعوا حياتهم ثمناً للنصر وتحقيق الوحدة الوطنية، وعزاؤنا لذويهم، وتمنياتنا للجرحى بالشفاء العاجل، والخزي والعار لأتباع دولة الخرافة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- معركة الموصل: استعادة السيطرة على موقع جامع النوري
http://www.bbc.com/arabic/middleeast-40446899

2- د. عبد الخالق حسين : تسليم الموصل لداعش بالتواطؤ
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=656

3- د.عبدالخالق حسين: داعش تفجر جامع النوري في الموصل
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=910

57
داعش تفجِّر جامع النوري في الموصل

د. عبدالخالق حسين

أقدمت القوى الظلامية البعثية الداعشية على جريمة أخرى تضاف إلى القائمة الطويلة من جرائمها بحق الشعب العراقي والإنسانية، والرموز التاريخية والمعالم الحضارية. وآخر جريمة قام بها تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، هي جريمة تفجير جامع النوري التاريخي المعروف بمنارته المائلة (الحدباء)، ذات الدلالة الرمزية التاريخية للمدينة التي سميت بها (الموصل الحدباء). وهذا دليل يأسهم وإنهيارهم، إذ كما قال رئيس الوزراء العراقي الدكتور حيدر العبادي: "إن تفجير جامع النوري في الموصل يعتبر بمثابة إعلان هزيمة لتنظيم الدولة الإسلامية". كما ودانت منظمة اليونسكو الجريمة فقالت إن "تدمير جامع النوري ومئذنته الحدباء مأساة ثقافية وإنسانية". و كالعادة، قال التنظيم عبر الانترنت إن طائرات التحالف الدولي هي التي قصفت المسجد ومئذنته، بينما وصف الجيش الأمريكي تدمير المسجد بأنه "جريمة" بحق الشعب العراقي.*

غني عن القول أن لهذا الجامع قيمة تاريخية لا تثمَّن، فقد جاء في موسوعة ويكيبيديا، أن "... جامع النوري الكبير هو من مساجد العراق التاريخية، ويقع في الساحل الأيمن (الغربي) للموصل. وتسمى المنطقة المحيطة به محلة الجامع الكبير. والجامع بناه نور الدين زنكي في القرن السادس الهجري أي أن عمره يناهز التسعة قرون، و يُعتبر ثاني جامع يُبنى في الموصل بعد الجامع الأموي، وأعيد إعماره عدة مرات كانت آخرها عام 1363هـ/1944م."

هذه الجريمة تؤكد مرة أخرى أن ما يسمى بـ(الدولة الإسلامية) أو (داعش)، لا اهتمام لها بالدين، ولا بالإسلام ومعالمه التاريخية، فالجامع هذا هو لأهل السنة وليس للشيعة حتى يبرروا نسفه كما نسفوا ضريح الإمامين الشيعيين في سامراء من قبل، ودور عبادة لأتباع مختلف الأديان الأخرى. وهذا يؤكد أن داعش ما هو إلا فلول حزب البعث المنحل، لأن الجريمة تحمل بصمات البعث. فمن سياسة البعثيين أنهم عندما يتأكدون من هزيمتهم، ينفذون سياسة الأرض المحروقة، وتطبيق مبدأ شمشون في هدم المعبد على رأسه، (عليّ وعلى أعدائي يا رب، وليكن من بعدي الطوفان)، فيقومون بتدمير كل ما يتمكنون الوصول إليه في البلاد. وهذا ما قاموا في الكويت عند هزيمتهم، فقاموا بتدمير ما يقارب 1073 بئر نفطي، ... أدى حرق أكثر من 727 منها إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات السامة والدخان على مدى ما يقارب من الثمانية أشهر.

ومن خبرتي عن البعث في التدمير في حالة يأسهم وهزائمهم، فعندما كنت في العراق في السبعينات، سمعت عدة مرات من أصدقاء بعثيين كانوا قد انتموا للحزب لتلافي شرورهم، وليعيشوا بسلام، قالوا لي أنهم تلقوا أمراً سرياً للغاية، أنه في حالة سقوط حكمهم، سواءً بإنقلاب عسكري أو قوة خارجية، عليهم أن يقوموا بتدمير كل مؤسسات الدولة، والركائز الاقتصادية، والبنى التحتية...الخ . وهذا ما حصل عند سقوط حكمهم الفاشي في يوم 9 نيسان 2003 الأغر وإلى الآن، فقاموا بتدمير كل ما بنته الأجيال السابقة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، فأشعلوا النيران في الآبار النفطية في الشعيبة، وتفجير المحطات الكهربائية، وغيرها، ولم يسلم منها حتى المستشفيات والمدارس، ومؤسسات اسالة الماء،
وحتى دور العبادة لمختلف الأديان، و أضرحة الأئمة والأولياء المسلمين، ولا حتى المكتبات ومراكز الأرشفة والسجلات والبحوث العلمية والتاريخية.

لذلك فتفجير جامع النوري بالموصل يؤكد أن معظم الدواعش هم بعثيون حاقدون على العراق وشعبه، إذ كما نعرف، أن البعثيين لا اهتمام لهم بالدين، أو أية عقيدة دينية أو مذهبية، وإنما تظاهروا بالتدين الزائف، وأعلنوا اسمهم الجديد (داعش) الذي يستحقونه بجدارة، فاستخدموا الدين لإثارة الفتن الطائفية لأغراضهم السياسية، وارتكبوا جرائمهم البشعة ضد الشعب والوطن بغطاء داعش.

وهذا درس للشعب العراقي، أن البعث منذ أن سمعنا به لأول مرة بعد ثورة 14 تموز الوطنية، أنه عدو شرس لكل ما هو وطني وشريف، هدفه الوحيد اغتصاب السلطة، وإعادة البلاد إلى ما قبل تكوين الدولة الوطنية، وتكوين الشعوب، لذلك قاموا بتمزيق الشعب عن طريق إثارة الفتن الطائفية، والعنصرية، وإحياء القبلية، والأعراف العشائرية التي ابتلى بها العراق. فكل ما يصيب الشعب من بلاء منذ سقوط نظامهم هو من نتاج هذا الحزب الفاشي الخبيث اللئيم، ليلقوا اللوم على الديمقراطية. 

وهو درس أيضاً لأولئك الذين خدعوا شعبنا في المناطق الشمالية الغربية بمعزوفة العزل والتهميش، فنظموا الاعتصامات الطائفية التي مهدت لظهور داعش واحتلال مناطقهم، فجلبوا البلاء على أهاليهم.
والغريب في الأمر أنه حين تمت محاصرة الدواعش، تعالت اصوات ممثليهم السياسيين محذرة الجيش والحشد من المساس بمسجد الحدباء، وكأن أجداد الدواعش الأمويين لم يهدموا الكعبة 3 مرات، وكأن بني سعود لم يقصفوها للقضاء على انتفاضة جهيمان ومجموعته ... وحين تم تفجير جامع النوري على أيدي الدواعش لم يستنكروا الأمر ولم يدينوا داعش، وإنما وضعوا اللوم على الحكومة، وأن المالكي هو من اسقط الموصل،... والله عجيب أمر هؤلاء ... 

لذلك على الشعب نبذهم ومحاسبتهم، فمن يزرع الشوك لا يحصد إلا الشوك، ومن يستخدم الإرهاب لأغراض سياسية، أو لأي غرض كان، لا ولن يحصد إلا الدمار الشامل. وحقاً ما قاله الشاعر العربي:
إذا كان الغراب دليل قوم... سيهديهم إلى دار الخراب
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
 ــــــــــــــــــــــ
رابط ذو صلة
* اليونسكو: تدمير جامع النوري ومئذنته الحدباء مأساة ثقافية وإنسانية
http://www.bbc.com/arabic/middleeast-40365401




58
الإرهاب والإرهاب المضاد، والعواقب غير المقصودة

د.عبدالخالق حسين

من البديهي أن العقول الشريرة تبتكر أفكاراً وطرقاً شريرة، ولهذا نرى الإرهابيين، وهم جميعاً بالطبع أصحاب العقول الشريرة، يبتكرون بين حين وآخر طرقاً جديدة في تنفيذ إرهابهم حسب ما تتطلبه ظروف البلاد التي يقيمون فيها، لإلحاق أكبر قدر ممكن من الأذى والضرر بالأبرياء، وتحقيق أوسع دعاية لهم. فبالإضافة إلى استخدامهم الأسلحة التقليدية، ابتكروا التفجيرات الانتحارية. وفي الأماكن التي يصعب عليهم الحصول على المتفجرات وغيرها من الأسلحة التقليدية، اخترعوا أخيراً طريقة شريرة جديدة لم تكن في الحسبان، وهي استخدام الشاحنات في الأماكن المزدحمة لدهس المارة الأبرياء في المدن الأوربية. والجدير بالذكر أن أول عملية إرهابية من هذا النوع، حصلت في مدينة نيس الفرنسية عام 2016 التي قُتِل فيها 84 شخصاً، وأصيب نحو 100 شخص. ثم صارت هذه الطريقة الإجرامية تقليداً، تبناها الإرهابيون الدواعش في ألمانيا ولندن هذا العام.

تفيد القاعدة الفيزيائية أن "لكل فعل رد فعل، مساو له في المقدار، ومعاكس له في الاتجاه". هذا القانون نجده في العلوم الاجتماعية أيضاً. فالإرهاب الوهابي التكفيري لا بد وأن يؤدي إلى ردود أفعال مضادة، يحترق فيها الأبرياء. فإثارة الأحقاد الطائفية والعنصرية تنتج ذات المشاعر لدى الأطراف الأخرى. فسلاح مشايخ الإرهاب الإسلامي الوهابي هو إثارة العداوة والكراهية ضد غير المسلمين، وحتى ضد المسلمين من أتباع المذاهب غير الوهابية السلفية، وإقناع أتباعهم من منفذي الإرهاب المغرر بهم، أن أعداءهم هم أعداء الله، و دون مستوى البشر، لذا لا يستحقون الرحمة والحياة، وإرهاب هؤلاء وقتلهم يقرب المنفذين إلى الله. لذلك نرى خطباء المساجد يصرخون ليل نهار (اللهم اهلك اليهود والنصارى)، وأضاف شيوخ الوهابية إليهم الشيعة أيضاً، ويعتمدون في ذلك على النصوص الدينية من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، تُرهِبون به عدوّ الله وعدوّكم."
ومن علامات رد الفعل هنا، هو ما نلاحظه بعد كل عملية إرهابية في المدن الأوربية، تتصاعد موجات الكراهية ضد الجاليات الإسلامية، ومعها وقوع اعتداءات على المساجد، وعلى الناس من ذوي الملامح العربية والإسلامية.
وهذا ما حصل بعد منتصف ليلة 18/19 حزيران الجاري. إذ أفادت الأنباء أن شاحنة صغيرة "van" دهست عددا من المارة ما أسفر عن مقتل شخص واحد، وجرح 9 آخرين بالقرب من مسجد في منطقة فينسبري بارك، شمال لندن، حيث صعدت الشاحنة على الرصيف وصدمت مجموعة من الناس، ويُعتقد أن معظم الضحايا من المسلمين الذين كانوا يؤدون صلاة التراويح في المسجد. ومجلس مسلمي بريطانيا يقول إن الشاحنة دهست مصلين "عمدا"، واعتقلت الشرطة مشتبها به، 48 عاماً، وهو رجل أبيض.(1 و2).
وهذا يعني أن المشتبه به هو من السكان الأصليين، قام بهذه العملية الإرهابية انتقاماً لضحيا العمليات المماثلة (استخدام الشاحنات)، التي قام بها الدواعش وقتلوا أبرياء من غير المسلمين. هذه الأعمال الإرهابية الإجرامية وغيرها كثير، هي (نتائج غير مقصودة لأعمال مقصودة)، حسب تعبير آدم سميث.
و بتعبير ماركس: "يصنع الناس تاريخهم بأنفسهم وبوعي، ولكن النتائج غالباً تأتي على غير ما يرغبون."
فلو تأملنا مصدر الإرهاب وأسبابه، لوجدنا سلسلة من الأحداث والأعمال و الأعمال المضادة، أشبه بسلسلة التفاعلات النووية (chain reactions)، والتي قام بها القادة السياسيون المتنفذون ومشايخ الوهابية في الشرق والغرب... نوجزها بالشكل التالي:
قام عسكريون أفغان بإنقلاب عسكري على الملك محمد ظاهر شاه في أفغانستان عام 1978. و من ثمَّ قام الشيوعيون بالانقلاب على الانقلاب الأول، و اعلنوا الحكم الشيوعي في بلد مازال يعيش في مرحلة الرعي والإقطاع، لذلك واجه حركة عصيان مسلح من قبل الإقطاعيين، والقبائل، ورجال الدين، مما اضطر النظام الشيوعي إلى الاستعانة بالسوفيت لحمايته، فحصل الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، الأمر الذي دفع أمريكا وبريطانيا، وبدعم من باكستان والسعودية والدول الخليجية الأخرى، إلى تشكيل التنظيمات الإسلامية الجهادية بما فيها القاعدة وطالبان ومدها بالمال والسلاح، وشحنها بالعقيدة الوهابية التكفيرية. وبعد الانسحاب السوفيتي عام 1989، وتفككه عام 1991، وسقوط الحكم الشيوعي في أفغانستان عام 1992، وأخيراً سيطرت طالبان على الحكم، وعاد المجاهدون "الأفغان العرب" بمن فيهم الأوربيون، إلى بلدانهم ليمارسوا إرهابهم فيها. ولم يسلم من هذا الإرهاب حتى البلدان الخليجية التي أسست و مولت هذه التنظيمات. ولعل أخطر وأكبر ما حصل هو كارثة 11 سبتمبر 2001 ضد أمريكا.
والآن الإرهاب الذي أسسته أمريكا وبريطانيا لمحاربة الشيوعية في أفغانستان راح يهدد أمن وسلامة الشعوب في كل مكان. وهذه هي "العواقب غير المقصودة لأعمال مقصودة". لا شك أن هذا المد الإرهابي لا يمكن القضاء عليه بين عشية وضحاها، بل سيستغرق أجيالاً، لأنه مثل فرانكنشتاين الذي خرج عن سيطرة خالقه وانقلب ضده.

لقد حاول المسؤولون الغربيون وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، تجنب الربط بين الإرهاب والإسلام كدين، مجاملة واحتراماً لمشاعر المسلمين. ولكن لهذا الصبر حدود، فبعد العملية الإرهابية الأخيرة، قالت السيدة تريزا مي، رئيسة الحكومة البريطانية: (Enough is enough)، أي كفاية. وهذا تحذير، ودعوة لأئمة المساجد وقادة الجاليات الإسلامية في الغرب، ما لم يقوموا بواجبهم في وقف نشر التطرف الديني الذي أدى إلى هذا الإرهاب، فستكون العواقب وخيمة عليهم وعلى الجميع. و غني عن القول، أن تفشي الإرهاب الإسلامي، وموجات اللاجئين، هما من أهم أسباب تصاعد الأحزاب اليمينية في أوربا وعلى سبيل المثال، فقد ارتفعت نسبة الأصوات لزعيمة حزب الجبهة الوطنية، مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة إلى 33.9% في الجولة الثانية. وهذا يعني دق ناقوس الخطر.

ولذلك حذرت في ختام مداخلتي في مؤتمر روما "لإصلاح الإسلام" عام 2012، بالتالي:
"إذا ترك الوضع على هذه الحالة ولم نتخذ، نحن من خلفيات إسلامية، إجراءات لوقف هذا الجنون، فصبر الغرب محدود، وربما سيؤدي في المستقبل إلى انفجار الوضع، وظهور أحزاب نازية وفاشية تستلم السلطة مثلما حصل في النصف الأول من القرن العشرين، ويحصل لنا تماماً كما حصل ليهود أوربا، وفي هذه المرة سيكون العرب والمسلمون المقيمون في الغرب هم حطباً لمحارق الهولوكوست القادمة."(3)
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- شاحنة صغيرة تدهس عددا من الأشخاص "لدى خروجهم من مسجد" شمالي لندن
http://www.bbc.com/arabic/40322850

2- تريزا ماي تتعهد بالتصدي لكل أشكال التطرف بعد الهجوم على مصلين في لندن
http://www.bbc.com/arabic/live/40324900

3- د. عبدالخالق حسين: غفلة الغرب عن مخاطر الإسلام السياسي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=557


59
مفاجآت الانتخابات البريطانية 2017
د. عبدالخالق حسين

متابعة الانتخابات في الدول الغربية العريقة في الديمقراطية، أمر شيق وممتع، يقدم دروساً مفيدة للشعوب التي تبنت حديثاً هذا النظام الحضاري الإنساني التقدمي الذي هو أفضل أنواع الأنظمة في الحكم. ولكن ليس هناك شيء بلا ثمن، فالديمقراطية ليست سهلة، بل من أصعب الأنظمة لما يتطلب من حيطة وحذر، إذ كما قال السياسي البريطاني اليميني الراحل، إينوخ باول: "إن أغلب السياسيين ينتهون بالفشل".
وهذا ما حصل للسيدة تريزا ماي، رئيسة الحكومة البريطانية، ولسلفها السيد ديفيد كاميرون. وسبب الفشل لهاتين الشخصيتين هو المجازفة بأخذ قرارات خطيرة لا مبرر لها، على أمل تحقيق المزيد من المكاسب السياسية. ففي العام الماضي دعى كاميرون إلى استفتاء الشعب البريطاني فيما إذا يريد البقاء أو الخروج من الوحدة الأوربية، ولم يكن ملزماً لإجراء هذا الاستفتاء إطلاقاً، إلا إنه أقدم على هذه الخطوة لإسكات بعض الأصوات في حزبه من الذين كانوا ضد انضمام بريطانيا للوحدة الأوربية، ولأسباب قومية شوفينية. وكان هو وحكومته وأغلب نواب الأحزاب المتنفذة والإعلام مع البقاء. لذلك فعندما دعى كامرون للاستفتاء كان واثقاً من فوز أنصار البقاء، لكن جاءت النتيجة صادمة للجميع ولو بفارق قليل(4%)، لصالح الخروج، مما أدى به إلى الاستقالة و اعتزال السياسة وهو مازال في أوج نشاطه، فتسلمت السيدة ماي قيادة الحزب والحكومة.

ولكن كل أزمة تلد أزمة أخرى، فالسيدة ماي لم تتعلم من فشل سلفها، إذ أعادت ذات الغلطة، وانتهت بذات النتيجة. فقد كررت نفس الخطأ هذا العام عندما فاجأت الشعب البريطاني في 18 أبريل/نيسان الماضي بإجراء انتخابات مبكرة في يوم 8 حزيران الجاري، و قبل موعدها المقرر بثلاثة أعوام، وهي الأخرى لم تكن بحاجة إلى هذه الانتخابات، لأن حزبها الحاكم كان يتمتع بالأغلبية المطلقة المريحة نسبياً وبزيادة 6 مقاعد. إلا إنها انخدعت ببعض استطلاعات الرأي التي بالغت في شعبيتها، وتدني شعبية خصمها السيد جرمي كوربين، زعيم حزب العمال، فجعلت الفارق بينهما 21 نقطة في صالح السيدة ماي، الأمر الذي صور لها مساعدوها أنها إذا ما أجرت الانتخابات المبكرة، فإنها ستحقق فوزاً ساحقاً بزيادة مائة مقعد على الأقل، وخسارة ماحقة لغريمها كوربين. وبهذه الأغلبية يمكن أن تتفاوض مع الوحدة الأوربية بقوة وهي واقفة على أرضية صلبة، لتحقق أكبر قدر ممكن من المكاسب لبريطانيا. ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، و" حساب الحقل لا ينطبق على حساب البيدر"، إذ ظهرت النتائج صادمة، ومزلزلة، ومهينة لها ولحزبها وحكومتها، فبدلاً من أن تكسب مائة مقعد إضافي على ما كان عندها، خسرت  13 مقعداً، و رغم أنها حصلت على أغلبية المقاعد في البرلمان (318)، وأغلبية أصوات الناخبين (44%)، إلا إنها دون الأغلبية المطلقة التي هي 326 من مجموع 650.

بينما حصل العكس لغريمها جرمي كوربين، زعيم حزب العمال، الذي زعمت نتائج استطلاع الرأي تردي شعبيته في الشعب البريطاني، وكذلك ما كان يواجهه من معارضة وتذمر من قبل نسبة كبيرة من نواب حزبه بسبب يساريته التي اعتبرها البعض متطرفة لا تلائم مزاج غالبية البريطانيين، وهو لم يكن كذلك، إلى حد أن علقت صحيفة الاندبندنت اللندنية، (أن كوربين ممكن أن يفوز إذا سمح له نواب حزبه بذلك)، وهي حقاً مفارقة. ولكن مما لا شك فيه أن كوربين كان يتمتع بشعبية واسعة لدى قواعد حزبه، وكذلك بين الشباب وخاصة طلبة الجامعات، حيث وعد بإلغاء أجور الدراسة الباهظة التي بلغت 9 آلاف جنيه سنوياً. لذلك جاءت المفاجأة الأخرى في هذه الانتخابات، وهي أن الذين راهنوا على خسارة ماحقة لحزب العمال، فاجأهم كوربين بقيادة حكيمة لحملة انتخابية ناجحة، وبرنامج انتخابي (مانيفستو) ممتاز، ونتائج جيدة نسبياً فاقت توقعات خصومه، حيث فاز بـ(262) مقعدا، أي بزيادة 30 مقعداً إضافياً، ونال 40% من أصوات الناخبين، وهو رقم قياسي في الأصوات لحزب العمال منذ عام 1945. 

لذلك، فالنجاح والفشل في هذه الحالة لا يقاسان فقط بما يحققه القائد من أعلى النتائج، بل لمن يحقق توقعات الناس. فرغم أن حزب المحافظين حصل على أعلى النتائج في عدد المقاعد (318)، والأصوات 44%، إلا إنه دون ما كان متوقعاً ومؤملاً بكثير، وحتى دون الأغلبية المطلقة (326)، لذلك تعتبر النتيجة خسارة كبرى ليس للحزب فحسب، بل وإهانة مذلة لشخصية زعيمته تريزا ماي، لأنها لم تستطع تشكيل الحكومة إلا بالتحالف مع حزب آخر يكون الأقرب لحزبها في المبادئ والمواقف السياسية. وهذا الحزب هو حزب الوحدويين الديمقراطي الأيرلندي (Democratic Unionist Party-DUP)، وهو حزب بروتستانتي يسعى لإبقاء شمال أيرلندة متحداً مع بريطانيا، والذي فاز بعشرة مقاعد. والجدير بالذكر أن هناك نواب من حزب المحافظين ضد الاتفاق مع هذا الحزب لأنه محافظ أكثر من اللازم في القضايا الاجتماعية مثل الموقف من الإجهاض، وزواج المثليين.

بينما حزب العمال رغم أنه هو الآخر لم يحقق الغالبية المطلقة لتشكيل الحكومة، إلا إنه يعتبر حقق فوزاً كبيراً لأنه فاجأ الذين كانوا يراهنون على خسارة كبيرة له، فقد كسب 30 مقعداً زيادة على ما حققه الحزب في الانتخابات السابقة عام 2015 بزعامة إد مليباند. لذلك يعتبر هذا نصراً كبيراً للسيد كوربين، وهزيمة مذلة للسيدة ماي.

أسباب فشل الجميع:
هناك أسباب كثيرة أدت إلى عدم نجاح أي حزب بالفوز بالأغلبية المطلقة، الحالة التي تسمى بـ(البرلمان المعلق Hung parliament)، يعني لا يستطيع أي حزب تشكيل الحكومة لوحده.

فبالنسبة للسيدة ماي أنها ركزت في حملتها الانتخابية على نقطتين فقط، على شخصيتها، وعلى الخروج من الوحدة الأوربية، وكأن ليس للشعب البريطاني غير هاتين المشكلتين. إذ كانت دائماً تركز على شخصها، فتقول أن بريطانيا بحاجة إلى قيادة قوية لتتفاوض مع الوحدة الأوربية، والخروج بأفضل النتائج، وأنها هي تلك الشخصية القوية، وليس جرمي كوربين. كما اتبعت في حملتها أسلوب سلبي وهو تسقيط الخصم، شيطنة كوربين والإدعاء بأنه غير صالح لقيادة السلطة والبلاد...الخ، الأمر الذي ارتد عليها وأفاد خصمها. 
بينما تركت المشاكل المهمة الأخرى التي يعاني منها الشعب البريطاني، مثل اتساع الفجوة بين الفقر والثراء، وتفشي البطالة وخاصة بين الشباب، وبالأخص بين خريجي الجامعات، وكذلك الأجور الدراسية الباهظة التي فرضتها حكومة المحافظين في السنوات السابقة على طلبة الجامعات، إضافة إلى مشاكل الخدمات الصحية والتعليم، والأهم، مشكلة الأمن، حيث حصلت ثلاثة أعمال إرهابية فضيعة في أقل من ثلاثة أشهر الأخيرة، اثنتان منها إثناء الحملة الانتخابية، فحمَّلها معارضوها مسؤولية كبرى في تعريض الشعب إلى الإرهاب، لأنها كانت قد فصلت نحو 20 ألف من ضباط الشرطة عندما كانت وزيرة للداخلية لتقلل من النفقات. كما وتجنبت ماي المناظرات التلفزيونية وجهاً لوجه مع بقية قادة الأحزاب، فحسبت عليها نقطة ضعف. وكاعتراف بغلطتها، ففي أول لقاء لها مع نواب حزبها بعد الإنتخابات، اعتذرت لهم السيدة ماي وقالت: " أنا أدخلتكم في هذه الفوضى وأنا سأخرجكم منها".

أما نجاح كوربين النسبي، فهو لأنه قاد حملة انتخابية بنجاح فاق التوقعات، إذ كان هادئاً ومرحاً، ومريحاً، ولطيفاً، و سريع الرد المقنع على أسئلة الجمهور والإعلاميين، ومهما كانت استفزازية أو محرجة. كما أصدر برنامج انتخابي أعطى الأمل للجميع وخاصة الشباب، وبالتالي غيَّر السياسة في بريطانيا.

تشكيل الحكومة
رغم عدم فوز حزبها بالأغلبية المطلقة، إلا إن السيدة ماي هي وحدها المؤهلة لتشكيل حكومة الأقلية لأنها حصلت على الأغلبية النسبية من المقاعد أكثر من أي حزب آخر، وكلما تحتاجه هو الاتفاق مع حزب صغير آخر بحيث يكون مجموع نواب الحزبين أكثر من 50%. وتحقق ذلك بالاتفاق مع حزب الوحدويين الديمقراطي (DUP) في أيرلندا الشمالية، الذي فاز بعشرة مقاعد، وبذلك يكون المجموع 328 من 650 ألعدد الكلي لنواب مجلس العموم.
أما إدعاء زعيم حزب العمال بأنه هو المؤهل لتشكيل الحكومة وأنه مستعد للقيام بذلك، فهذا غير صحيح، لأنه حتى لو شكل ائتلافا ضم نواب جميع الأحزاب الصغيرة القريبه منه، فالمجموع هو دون الـ 51%. لذلك فهكذا حكومة غير قابلة للبقاء.

المستقبل
راهنت السيدة ماي على الانتخابات المبكرة غير المبررة، وخسرت الرهان، فبدلاً من أن تذهب إلى بروكسل للتفاوض مع الوحدة الأوربية وهي قوية، حصل العكس، فهي الآن ضعيفة، ورهينة قياديي حزبها، الذين فرضوا عليها مشاركتهم في صنع القرار، وإلا ستواجه المطالبة بالتنحي، خاصة وأن حزب المحافظين معروف بتاريخه في تبديل قياداته. فهناك تذمر داخل حزبها، وعلى سبيل المثال، وصفها جورج أزبورن، وزير الخزانة السابق الذي فصلته ماي عند توليها رئاسة الحكومة في العام الماضي، قال عنها أنها إمرة تمشي وهي ميتة (Dead woman walking).
الحل الآخر، هو ما يطالب به زعيم حزب العمال السيد كوربين، وهو إعادة الانتخابات هذا العام، أو في العام المقبل. إلا إن الشعب البريطاني ليست لديه الشهية لخوض انتخاب آخر في القريب العاجل، حيث مل من ضجيج الحملات الانتخابية، والذهاب إلى صناديق الاقتراع ثلاث مرات خلال الثلاث سنوات الأخيرة.

ولهذه الأسباب أعتقد أن السيدة ماي باقية في المنصب، لا لأنها قوية ومحنكة، بل لأن لا أحد من قادة حزبها يرغب ليحل محلها، و قيادة حكومة بهذا الضعف، وفي هذه الظروف الصعبة. كذلك مل الشعب البريطاني من الانتخابات في فترة قصيرة حسب رغبات السياسيين. ولكن مع ذلك، من الصعب جداً التكهن، فالأمور تسير بوتيرة متسارعة، والمستقبل حافل بالمفاجآت.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــ
رابط ذو صلة
جدول مهم جداً، جدير بالإطلاع والحفظ لمن له اهتمام بهذا الشأن، يوضح بالأرقام نتائج الانتخابات البريطانية لعام 2017، وما حقق كل حزب من مكاسب، أو خسائر في المقاعد والأصوات، مقارنة بانتخابات عام 2015.
UK Election 2017 results
http://www.bbc.co.uk/news/election/2017/results



60
قطر والسعودية، نزاع بين شرين
د.عبدالخالق حسين

النزاع الذي انفجر مؤخراً بين قطر والسعودية بعد زيارة الرئيس الأمريكي ترامب للسعودية مباشرة، لم يكن الأول، ولا الأخير من نوعه. فالصراع هو تاريخي قديم بين الحكومتين، على المصالح الاقتصادية، والحدودية، ومنافسة شرسة بينهما على زعامة المنطقة وخلق القلاقل فيها، رغم أنهما من نفس القومية والدين، بل وحتى المذهب، فكلتا الدولتين تدينان بالعقيدة الوهابية التكفيرية التي توصف بالفاشية الدينية لموقفها المعادي للبشرية، ليس لغير المسلمين فحسب، بل وحتى لأتباع بقية المذاهب الإسلامية (سنة وشيعة)، الذين لا يوافقون الوهابية على إنحرافها.

والسبب المعلن من قبل السعودية في هذا الصراع الأخير هو تحالف قطر مع إيران، كما تدعي. بينما الحقيقة هي أن قطر ليست حليفة لإيران، ولا يمكن أن تكون، وإنما طالبت بعدم تصعيد العداء ضد إيران نظراً لما للأخيرة من أهمية حضارية، وقوة عسكرية، ودور كبير في استقرار المنطقة. هذا الموقف القطري أغضب الأخ الأكبر السعودي.

لم تكتف السعودية بتأويل السبب إلى تقارب قطر من إيران، بل أعلنت أن قطر تدعم الإرهاب، وجماعة الأخوان المسلمين، وحماس، وحزب الله اللبناني، وبذلك تهدد الأمن و الاستقرار لدول المنطقة. وهددت أنه لا يمكن إعادة العلاقة الطبيعية معها إلا إذا غيرت قطر علاقتها مع هذه الجهات، وتبنت الموقف السعودي منها. فمن يسمع هذا التبرير يعتقد أن السعودية هي حمامة السلام. بينما الواقع يؤكد أن السعودية وقطر كلتاهما تدعمان الإرهاب، وتساهمان بنشر التطرف الديني في العالم.  بل والسعودية تفوق قطر في هذا المجال، بحكم مساحتها وسكانها ومواردها المالية التي تفوق قطر بعشرات المرات. فالدولتان تملكان المال الوفير، وبعقلية البداوة السائدة على النظامين في الحكم، أي النظام البدوي القبلي المستبد. وكلتاهما ساهمتا في دعم الإرهاب، ولهما تنظيمات إرهابية قامت بتدمير العراق وسوريا، كما قامت السعودية بشن حرب مباشرة على الشعب اليمني الفقير، وأعادته إلى ما قبل الثورة الصناعية.

و وقفت كل من الكويت وسلطنة عمان، في ظل هذه الأزمة، موقف الحياد، وتقومان بدور الوساطة لتخفيف التوتر بين الأطراف، فيما تبنت البحرين والإمارات ومصر الموقف السعودي، بينما أعلنت الأردن وجيبوتي ومالديف وموريتانيا خفض تمثيلها الدبلوماسي مع الدوحة. كذلك، أنهت رابطة العالم الإسلامي عضوية يوسف القرضاوي المقيم في قطر، في مجمع الفقه الإسلامي إثر تصنيفه على قوائم الإرهاب الصادرة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات والبحرين ومصر.(1)، حيث أعلنت هذه الدول تصنيف (59) فردا و(12) كيانا في قوائم الإرهاب المحظورة لديها وأغلبها في قطر.(2)
لا شك أن تصنيف هؤلاء الأفراد والكيانات من قبل حكومات ومؤسسات سنية هو عمل جيد ومن فوائد وحسنات هذه الأزمة، فلو كان هذا التصنيف قد صدر من جهات شيعية لقالوا أنها بدوافع طائفية.

أما اتخاذ قطر موقفاً ودياً من إيران، فهذا لا يعني أنها تبنت سياسة عقلانية تريد تحقيق الاستقرار في المنطقة كما تدعي، بل بغضاً للسعودية، فقطر تعارض السعودية في كل شيء. وكما السعودية، سخرت قطر إمكانياتها المالية الضخمة في رعاية الإرهاب، وشذت عنها في إيواء حزب الأخوان المسلمين الذي تخرجت من عباءته جميع التنظيمات الإرهابية والتشدد الديني الوهابي. كذلك تقوم قطر بتضليل وتشويه الرأي العام العربي من خلال فضائيتها قناة (الجزيرة)، ذات النفوذ الإعلامي الواسع، إضافة إلى استضافتها المؤتمرات الدولية للجماعات الإرهابية التي تخطط لتدمير العراق مثل فلول البعث الصدامي المنحل. ولا ننسى أن قطر تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة التي غرضها الرئيسي المعلن هو حماية الدول الخليجية من إيران، كما يدعون. في الحقيقة إن جميع الدول الخليجية عبارة عن محميات أمريكية، ولذلك طالب ترامب خلال حملته الانتخابية هذه الدول بدفع ترليونات الدولارات لأمريكا مقابل حماية الأخيرة لها. وكان أول خطوة في تنفيذ هذا الطلب الأمريكي هو الصفقة التجارية التي بلغت 460 مليار دولار مع السعودية.

وقد بلغ العداء السعودي وحليفاتها ضد قطر إلى حد محاصرتها اقتصادياً، في البر والبحر والجو، الأمر الذي أثار ذعر وهلع الشعب القطري من خطر المجاعة والعطش، لذلك هرع الناس لخزن المواد الغذائية، ومياه الشرب، مما دفع إيران إلى المبادرة في تقديم الدعم الغذائي وجلب المياه إليها.

إن انفجار الأزمة بين السعودية وقطر يقدم لنا دليلاً قاطعاً آخر، لما أكدنا عليه مراراً، وهو إن سبب عداء السعودية وحليفاتها لإيران والشيعة، ليس بسبب الاختلاف المذهبي (سني- شيعي)، بل لأسباب سياسية واقتصادية، وعلى رأسها موقف إيران من أمريكا وإسرائيل. إذ نعيد القول مرة أخرى أن العلاقة بين إيران والسعودية كانت حميمة جداً في عهد الشاه الذي كان صديقاً لإسرائيل وأمريكا، ولكنها تحولت إلى عداء شديد مع ولادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لأن الأخيرة تبنت موقفاً معادياً من أمريكا وإسرائيل. فلو كان الاختلاف المذهبي هو السبب، فلماذا تعادي السعودية إمارة قطر وهي من نفس المذهب الوهابي الذي يدين به النظام السعودي أيضاً؟ وهذا يؤكد لنا أن الاختلافات الدينية والمذهبية هي ليست السبب الرئيسي في العداء والصراعات كما يبدو على السطح، بل يتم توظيفها لتجييش الجماهير خدمة للأغراض السياسية.

ولهذا السبب قال الملك السعودي سلمان في كلمته في القمة الإسلامية التي حضرها الرئيس الأمريكي ترامب في الرياض: (إن "النظام الإيراني يشكل رأس حربة الإرهاب العالمي منذ ثورة الخميني وحتى اليوم"، وأضاف: "إننا في هذه الدولة منذ 300 عام لم نعرف إرهاباً أو تطرفا حتى أطلت ثورة الخميني برأسها عام 1979".(3)

يقول المثل (رمتني بدائها وانسلت). لا نريد هنا الدفاع عن إيران، ولكن ليس من الإنصاف السكوت عن الحقيقة، فالساكت عن الحق شيطان أخرس. نعم تزامن الإرهاب مع الثورة الإسلامية الإيرانية، ولكن هذا لا يعني أن إيران هي وراء الإرهاب والتطرف الديني، إذ تزامن هذا الإرهاب أيضاً مع قيام الحكم الشيوعي في أفغانستان والدعم السوفيتي له، لذلك قامت السعودية والدول الخليجية، وبأوامر ودعم من أمريكا وبريطانيا، بتشكيل التنظيمات الجهادية الإسلامية، التي من بينها القاعدة وطالبان ضد النظام الشيوعي ووجود الجيش السوفيتي في أفغانستان، والتي بعد إسقاط ذلك النظام وعودة "المجاهدين" الذين أطلق عليهم بـ"الأفغان العرب"، قاموا بالإرهاب ضد شعوب وحكومات بلدانهم كما حصل في الجزائر وغيرها. فالسعودية هي التي بادرت بتأسيس التنظيمات الإرهابية، ودفعت صدام حسين إلى شن حرب طاحنة على إيران الإسلامية دامت ثمان سنوات، أهلكت الحرث والنسل في البلدين.

الإرهاب من جوهر الوهابية منذ ولادتها قبل 300 عام، فغزواتها للنجف وكربلاء، ونهب الثورات وكنوز أضرحة أئمة الشيعة، وقتل الألوف من السكان، كلها جرائم معروفة في التاريخ المعاصر، بل وحتى في العشرينات من القرن الماضي كان الوهابيون يقومون بشن الغارات على العراق والإردن، وكانت القوات البريطانية تصدها. فالعقيدة الوهابية هي بالأساس إرهابية، لاسيما وأن السعودية هي وطن منظمة (القاعدة)، وزعيمها بن لادن، و15 من 19 إرهابياً الذين قاموا بجريمة 11 سبتمبر 2001 ضد أمريكا كانوا سعوديين ، وليسوا إيرانيين. وشهد ترامب نفسه بدور السعودية في الإرهاب خلال حملته الانتخابية، و قانون (جاستا) أيضاً يشهد بذلك، فما الذي تغير ليجعل من إيران رأس حربة الإرهاب العالمي كما يدعي الملك المخرف سلمان؟ في الحقيقة إن إيران ساعدت العراق وسوريا في محاربة الإرهاب الممول سعودياً وقطرياً.

ومما يؤكد أن السعودية، وليست إيران، هي رأس حربة الإرهاب العالمي، فقبل أيام رفض المنتخب السعودي الوقوف دقيقة حداد على ضحايا لندن، قبل انطلاق المباراة التي جمعته بمضيفه الأسترالي ضمن الجولة الثامنة من منافسات المجموعة الثانية للتصفيات الآسيوية المؤهلة إلى مونديال روسيا.
وهذا دليل قاطع على أن الإرهاب متكرس، ضارباً جذوره في عمق التربية السعودية والعقيدة الوهابية، بحيث حتى منتخبها الرياضي يستحرم الوقوف حداداً على ضحايا الإرهاب، مع بقية الفرق الأخرى، عملاً بالثقافة الإنسانية الكونية التي تدين الإرهاب. وهذا دليل أيضاً على أن السعودية تتعاطف مع الإرهاب الذي صار جزءً من ثقافتها وأعرافها ومعتقداتها الدينية.(4 و5).

خلاصة القول، إن السعودية وقطر دولتان تدينان بالعقيدة الوهابية التكفيرية، سخرتا عقيدتهما الفاشية لنشر التطرف الديني في العالم، وتمويل ودعم الإرهاب الذي يهدد الحضارة والبشرية في كل مكان دون استثناء. وربما الأزمة الخليجية هذه عبارة عن لعبة، وقطر هي جزء منها، بعلمها أو بغبائها، وعلى غفلة منها، يراد منها استدراج إيران، وربما العراق وحزب الله اللبناني، لدعم قطر لإيقاعهم في الفخ القطري وشن الحرب عليها. والجدير بالذكر أن أردوغان صادق على موافقة البرلمان التركي لإرسال خمسة آلاف جندي إضافي لتعزيز القاعدة التركية العسكرية في قطر. وهناك أنباء عن عزم باكستان إرسال أكثر من 20 ألف جندي إلى قطر بناءً على الاتفاقية العسكرية بين أنقرة وإسلام آباد(6). والسؤال: لماذا كل هذه التحركات العسكرية، خاصة وأن تركيا هي عضو في حلف الناتو، لا يمكن أن تحمي قطر من القوات الأمريكية أو السعودية. فهل بإمكان تركيا وباكستان إرسال قوات إلى قطر بدون موافقة أمريكا التي لها أكبر قاعدة عسكرية فيها في الخارج؟

وختاماً نقول: إن الصراع بين قطر والسعودية هو صراع بين الأشرار، وعلى العراق أن لا ينحاز لأي طرف منهما، وأن يتمثل بالأقوال المأثورة: (كيدهم في نحرهم)، و (إبعد عن الشر وغني لو)، و(نارهم تاكل حطبهم).
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- رابطة العالم الإسلامي تنهي عضوية القرضاوي بعد وضعه على قوائم الإرهاب
http://www.akhbaar.org/home/2017/6/229240.html

2- السعودية ومصر والإمارات والبحرين تصدر بيانا مشتركا بخصوص قطر
http://www.akhbaar.org/home/2017/6/229233.html

3- د. غسان نعمان ماهر الكنعاني: سلمان ينفي التهمة عن الوهابية ضمنياً يكاد المريب يقول خذوني! (1-2)
http://www.akhbaar.org/home/2017/5/228659.html

4- المنتخب السعودي يرفض الوقوف دقيقة حداد على ضحايا لندن
http://www.akhbaar.org/home/2017/6/229215.html

5- رعد الحافظ: الروح الرياضيّة تموت مع الثقافة البدويّة!
http://www.akhbaar.org/home/2017/6/229260.html

6- باكستان ترسل 20 ألف جندي إلى قطر.
http://www.akhbaar.org/home/2017/6/229271.html


61
السعودية تنقل الإرهاب إلى إيران
د. عبدالخالق حسين

أفادت الأنباء عن "قتل ما لا يقل عن 12 شخصا وأصيب 42 آخرون في هجومين على مجلس الشورى (البرلمان)، وضريح الخميني في طهران. وشن مسلحون وانتحاريون الهجومين.. وادعى تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية أنه وراء تنفيذ الهجومين.. وإذا ثبتت مزاعم التنظيم المتشدد، فستكون تلك الهجمات الأولى التي يشنها التنظيم داخل إيران."(تقرير بي بي سي-1). لا شك أن الهجوم الإرهابي على البرلمان وضريح الخميني في قلب طهران العاصمة، له دلالة رمزية فائقة، لذلك لا بد وأن رد الفعل الإيراني سيكون حاداً وشديداً.

والسؤال هنا من وراء هذه الهجمات، خاصة وقد جاءت متزامنة مع الأزمة القطرية، التي حصلت مباشرة بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسعودية، وموقف قطر المعارض لتصعيد العداء مع إيران، والتي واجهتها السعودية وحليفاتها الإمارات والبحرين ومصر ودول عربية أخرى، بقطع العلاقة معها ومحاصرتها براً وبحراً و جواً، مع اتهامها "بدعم الإرهاب"، والسعي إلى تعزيز علاقاتها مع طهران.

نؤكد أن عنوان مقالنا هذا ليس رجماً بالغيب، ولا نريد أن نطلق الكلام على عواهنه، أو توجيه الاتهام جزافاً إلى السعودية في نقل الإرهاب إلى إيران بدون دليل، بل جاء بناءً على تصريحات أدلى بها  ولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وهو وزير الدفاع، والمعروف بتصريحاته النارية، وبتهوره في إشعال الحرب في اليمن، حيث صرح قبل أسابيع قائلاً:" ... ولن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سنعمل لكي تكون المعركة عندهم في إيران وليس في السعودية."(2)
لذلك نرى من حق إيران أن توجه إصبع الاتهام إلى السعودية، ومقاضاتها أمام الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، والمحاكم الدولية، كدولة راعية للإرهاب(3).

وها هو محمد بن سلمان ينفذ تهديده، فماذا نريد أكثر من هذا الدليل. والكل يعرف، بما فيه الغرب، حكومات وشعوب، وإعلام وباحثين أكاديميين، أن السعودية هي الممول الأكبر للتنظيمات الإرهابية ونشر التطرف الديني حسب تعاليم المذهب الوهابي التكفيري في العالم. وهذا الإرهاب الذي وقع اليوم في طهران، ليس تهديداً لإيران فحسب، بل وضد قطر أيضاً، فمن الممكن أن تحصل تفجيرات في الدوحة في المستقبل القريب، لتقابلها بالمثل في السعودية. فكلتا الدولتين (السعودية وقطر) تمتلكان المال الوفير، والأيديولوجية الوهابية الشريرة التي تبيح قتل الأبرياء، وتسيطران على تنظيمات إرهابية تنفذ لهما الأوامر. فالسعودية تسيطر على ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، وتنظيم القاعدة. وكذلك قطر تسيطر على (جبهة النصرة)، و(جماعة الأخوان المسلمين)، وفضائية الجزيرة التي تمثل صوت الإرهاب. فهاتان الدولتان هما حاضنتا وراعيتا الإرهاب الوهابي وتحت مختلف الأسماء، قامتا بتدمير العراق وسوريا، كما قامت السعودية بتدمير اليمن بالقصف الجوي. وقد أكدنا مراراً في مقالات عديدة عن دور السعودية في الإرهاب، وعلى سبيل المثال نشير إلى مقالنا الموسوم (السعودية دولة إرهابية يجب مقاضاتها)(4).

وفيما يخص استخدام الإرهاب في الحروب الحديثة بالوكالة، أو كما يسميها الباحث الإماراتي الدكتور جمال سند السويدي في كتابه (آفاق العصر الأمريكي)، بـ(الجيل الرابع من الحروب)، هو استخدام الإرهابيين، ليكونوا جزءً من مزيج الإرهاب والتقنية المتقدمة، وعناصر أخرى مثل الدين والأيديولوجيا  والهجوم من الداخل على ثقافة المجتمع، كعناصر تنتج صراعات من الجيل الرابع. (ص 563).

لذلك، فلما صرح محمد بن سلمان بأنه يعتزم نقل المعركة إلى إيران، فكان يعني ما يقول، وهذا يؤكد لنا أن للسعودية تنظيمات من الإرهابيين (داعش). وهذه التنظيمات كانت قد قامت بأعمال إرهابية في منطقة بلوجستان جنوب إيران عدة مرات، ولكن لم تصل إلى طهران من قبل. إن توجيه ضربة إرهابية في قلب طهران يقدم دليلاً آخر على مدى إمكانية توظيف الدين والمال لتحويل البشر إلى إرهابيين، وأن للسعودية، وحتى قطر، خلايا نائمة من الإرهابيين في كل مكان في العالم، يمكن إيقاظها وزجها بالعمل الإرهابي في أي وقت يشاء الأسياد.

وبناءً على ما تقدم، فإن السعودية، التي يقودها ملك مخرف، ووزير دفاع شاب متهور، تلعب بالنار وتدفع دول المنطقة إلى المزيد من الحرائق وعدم الاستقرار. فهل تنجح السعودية في مهمتها الإرهابية الإجرامية؟ وهل هي مستقلة في اتخاذ مثل هذه القرارات الخطيرة أم بأوامر السيد الأمريكي؟ لقد أثبت التاريخ أن من يشعل الحرائق فلا بد و أن تصل النار إلى بيته، وأفضل دليل على ذلك هو ما عمله الرئيس السوري بشار الأسد في دعم الإرهاب في العراق، إلى أن انقلب السحر على الساحر، حيث دمر الإرهاب بلاده، وقتل نحو نصف مليون، وشرد أكثر من نصف شعبه في الشتات. والسعودية لا يمكن أن تكون بمنجى ومنأى من الحرائق التي أشعلتها في دول المنطقة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- تقرير بي بي سي: مقتل 12 شخصا في هجومين على البرلمان وضريح الخميني في طهران
http://www.bbc.com/arabic/middleeast-40184807

2- محمد بن سلمان: لن نُلدغ من إيران مرتين.. وسنعمل لتكون المعركة عندهم وليس في السعودية
 https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/05/03/saudi-mohammed-bin-salman-relationship-iran

3- اتهامات إيرانية للسعودية بالوقوف وراء الهجمات في إيران
http://www.akhbaar.org/home/2017/6/229142.html

4- عبدالخالق حسين: السعودية دولة إرهابية يجب مقاضاتها
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=740


62
أغراض غزوة ترامب للسعودية!
د.عبدالخالق حسين

في الحقيقة إن ما قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السعودية والمنطقة لم يكن زيارة تقليدية يقوم بها رئيس دولة لدولة أخرى، وإنما كانت غزوة بكل معنى الكلمة، ولكن بدون جيوش جرارة وسفك دماء، حالياً على الأقل، إذ حقق كل ما تحققه الجيوش الغازية المنتصرة من مكاسب ضد الدولة المهزومة. فكانت الحصيلة الآنية لهذه الغزوة هي صفقات تجارية واستثمارية بأرقام خيالية قد تصل في المستقبل القريب إلى تريليون دولار. فكما جاء في أحد التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي أن " الجزية التي أخذها المسلمون من المسيحيين خلال 1400 سنه على مر التأريخ استرجعها ترامب في جلسةٍ واحدةٍ". حقاً ما قاله حكيم صيني: (النصر الحقيقي هو النصر الذي تحققه على عدوك بدون حرب).

لقد أثبت ترامب أنه أكبر مخادع سياسي في التاريخ وبلا خجل، فقد كال في حملته الانتخابية سيلاً من الوعود الجذابة للجماهير الأمريكية وغير الأمريكية، مثل حماسه في محاربة الإرهاب، والتطرف الإسلامي، وتهجمه على السعودية ووصفه لها بأنها راعية الإرهاب، و تهديده بمحاسبتها وفق قانون (جاستا) على جريمة 11 سبتمبر 2011، وإرغامها على دفع تكاليف الحماية الأمريكية لها طوال العقود الماضية والقادمة. وهو الذي قال: "أن السعودية هي  البقرة الحلوب لأمريكا، ومتى ما جف ضرعها ولم يعد يعطي الدولارات والذهب، عند ذلك نأمر بذبحها او نطلب من غيرنا بذبحها او نساعد مجموعة اخرى على ذبحها". كما وأشاد ترامب في حملته الانتخابية بالرئيس السوري بشار الأسد، والرئيس الروسي  بوتين، لدورهما الفعال في محاربة الإرهاب، وأنه يمكن العمل معهما لدحره. ولكن الذي حصل بعد فوزه، وتسلمه الرئاسة، هو العكس تماماً، إذ دشن عهده بقصف القوات السورية المحاربة للإرهاب، واعتبار الأسد شريراً لا يمكن العمل معه، ويجب إزاحته. أما موقفه من السعودية، فقد كافأها كأول دولة يزورها في جولته الخارجية، حيث استقبل استقبالاً حاراً لم يحظى به أي رئيس من قبل.

ومن منجزاته في هذه الزيارة عقد تحالف "الناتو العربي الإسلامي"، وضم إسرائيل إليه، والتطبيع الكامل معها، ومحاربة كل من يعارض هذا التطبيع واتهامه بالإرهاب. فترامب هذا "اتفق مع الحكومة السعودية على صفقات تجارية واستثمارية بلغت 450 مليار دولار، من بينها صفقة الأسلحة التي بلغت 110 مليار دولار لهذا العام، تحت واجهة محاربة التطرف والإرهاب، إذ كما قال إثناء توقيع العقد "يمكن أن تمنح المؤسسة العسكرية السعودية دورا مهما في المجال الإقليمي، لتعزيز السلام والأمن في الشرق الأوسط."(1)

فهل حقاً لعبت السعودية أي دور لتعزيز السلام في المنطقة؟
الواقع يجيب: كلا، وألف كلا...، فالسعودية هي على رأس الدول التي ساهمت في زعزعة الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، حيث دمرت سوريا، والعراق عن طريق إثارة الفتن الطائفية، ودعمها للعصابات الإرهابية، مثل داعش وجبهة النصرة وقبلهما القاعدة، وغيرها. كما وشنت السعودية الحرب الظالمة على الشعب اليمني الجريح، وقامت بتدمير كل بناه التحتية وركائزه الاقتصادية، وقصف المستشفيات والمدارس، ومخازن الأطعمة، ولم يسلم من القصف السعودي حتى مجالس العزاء لضحاياهم. إضافة إلى عواقب هذا الدمار مثل المجاعة و تفشي الأمراض والأوبئة، ومنها الكوليرا التي فتكت بالألوف،  فهل هذا هو تعزيز السلام الذي يريده ترامب؟

ثم تأتي الطامة الكبرى في خطاب ترامب أمام مؤتمر القمة الإسلامي في الرياض يوم 21/5/2017 والذي جمع نحو خمسين من رؤساء وملوك وأمراء الدول الإسلامية والعربية. فمن قرأ الخطاب أو سمعه، يعرف وكأن الذي كتبه هو وزير الإعلام السعودي، فالخطاب كله عبارة عن مقتطفات ترددها وسائل الإعلام السعودي على الدوام في هجومه على إيران وسوريا وحزب الله اللبناني وحماس وكل من ليس على وفاق مع أمريكا وإسرائيل. ومما جاء في هذا الخطاب أمام قادة العالم الإسلامي للتعاون لمكافحة التطرف، أنه اتهم إيران بزعزعة أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، و"أن الأسد ارتكب جرائم لا يمكن وصفها وكان مدعوما من طرف إيران." متهماً إيران، وليس السعودية، برعاية الإرهاب وتمويلها وتسليحها، وقال إنها "تسلح وتمول الميليشيات التي تنشر الدمار واالفوضى، وأن السياسة الإيرانية مسؤولة عن الكثير من الصراعات التي ادت إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة."(1)

ونحن لا نريد هنا أن ندافع عن إيران، ولكن الحقيقة يجب أن تقال، وإلا ستنهار القيم، ونقرأ على الأخلاق السلام. فالكل يعرف، و من اعترافات وتصريحات قادة الإدارة الأمريكية السابقة، وحتى من خطابات ترامب نفسه إثناء حملته الانتخابية، أن السعودية، هي راعية الإرهاب. والكل يعرف أيضاً أن إيران تساعد العراق وسوريا في حربهما على الإرهاب، وليست راعية للإرهاب كما يدعى ترامب. فالدول الراعية للإرهاب هي السعودية وقطر وتركيا، حليفات أمريكا وإسرائيل. ولكن المصالح الاقتصادية، وتوقيع صفقات استثمارية بقيمة 450 مليار دولار، هي التي تميت الضمائر وتعمي البصائر، وتحيل الحق إلى باطل والباطل إلى حق، وتجعل السياسة بلا أخلاق، وتعتبر الجهات الراعية للإرهاب هي محاربة له، والتي تحارب الإرهاب هي راعية له. فترامب هذا يعامل السعودية وكأنها قلعة الديمقراطية، إذ كما قال محمد جواد ظريف، وزير خارجية إيران في رده متهكماً على ترامب: "إيران التي أنهت للتو انتخابات حقيقية تتعرض لهجوم من رئيس الولايات المتحدة في معقل الديمقراطية والاعتدال. هل هي سياسة خارجية أم استخلاص 480 مليار دولار من السعودية ببساطة؟".(2)

والمؤسف، أن البعض يعتبر خطاب ترامب أمام مؤتمر القمة الإسلامي في الرياض تكراراً لخطاب أوباما في جامعة القاهرة في عام 2009. وهذا تجني على الحقيقة، إذ شتان ما بين المناسبتين والخطابين والقصد منهما. فخطاب أوباما كان من أجل بناء الجسور بين العالم الإسلامي وأمريكا للقضاء على التطرف والإرهاب، بينما خطاب ترامب هو لإشعال الحروب على إيران والشيعة والمقاومة الفلسطينية، وتعميق الصراع الطائفي السني-الشيعي في العالم الإسلامي، واعتبار كل من يطالب بحق الشعب الفلسطيني مثل حماس وحزب الله اللبناني، وأية حكومة تدعم هذا الحق، هي جهات إرهابية في رأيه.

إذنْ، ما هي أغراض غزوة ترامب للمنطقة:
أولاً، تحويل (الصراع العربي-الإسرائيلي)، إلى صراع بين المسلمين أنفسهم، أي إلى (صراع عربي-إيراني)، و(صراع سني- شيعي)، وبالتالي تحقيق تحالف إسلامي إسرائيلي ضد إيران الشيعية. وبما أن إيران وسوريا والقوى المتحالفة معهما هي ضد التطبيع مع إسرائيل، فإيران في نظر ترامب هي المسؤولة عن زعزعة الوضع في الشرق الأوسط، وليست السعودية.

ثانياً، وعد ترامب الشعب الأمريكي أن يستحلب السعودية والدول الخليجية الغنية إلى آخر دولار، لجلب الاستثمار إلى أمريكا. وهاهو قد حقق هذا الغرض بتوقيع صفقات بلغت قيمتها لحد الآن نحو 450 مليار دولار كوجبة أولى والبقية تأتي.

ثالثاً، إثارة مخاوف الدول الخليجية من البعبع الإيراني والبعبع الشيعي، ودفعها لسباق التسلح، خدمة لشركات ومعامل ولوبيات السلاح في أمريكا وغيرها من الدول الغربية.

رابعاً، نجح ترامب بعقد الصفقات التجارية مع السعودية في تخفيف الهجوم عليه في أمريكا، ولو إلى حين، إذ من المتوقع أن يواجه قريباً محاكمة دستورية أمام البرلمان بتهمة إفشاء أسرار أمنية تتعلق بالأمن القومي إلى روسيا، ويمكن أن يكون مصيره كمصير الرئيس الأمريكي الأسبق، رتشارد نيكسون في السبعينات من القرن الماضي في فضيحة ووترغيت.

خامساً، أثبتت زيارة ترامب أن حكام الخليج وخاصة العائلة المالكة السعودية، عبارة عن عبيد مطيعين لأمريكا، وأن مصيرهم وبقاءهم في السلطة مرتبط بالحماية الأمريكية لهم، وليس بالاعتماد على شعوبهم، لأن شعوبهم غاضبة عليهم، وما أن تسحب أمريكا حمايتها لهم، فإنهم سيسقطون كأوراق الخريف. 

خلاصة القول، إن نتائج زيارة أو غزوة ترامب خطيرة جداً على أمن واستقرار المنطقة، فهي ليست ضد الإرهاب والتطرف كما يدعي، بل العكس تماماً، أي لدعم الإرهاب، وشن حرب على كل من يحارب الإرهاب، و ذلك خدمة لإسرائيل.
فما هو تأثير هذه الغزوة على العراق، وماذا يجب أن يكون موقف العراق منها؟ هذا سيكون موضوع مقالنا القادم.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــ
رابط ذات علاقة
1- ترامب يدعو من السعودية لمكافحة الإرهاب ويتهم إيران بزعزعة استقرار المنطقة
http://www.bbc.com/arabic/middleeast-39990477

2- تعليق لاذع من إيران على الصفقات التي وقعها ترامب مع السعودية
https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201705211024139090-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%82-

3- د.عبدالخالق حسين: ترامب في خدمة الإرهاب
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=882



63
فوز ماكرون انتصار للاعتدال والوسطية والعقلانية

د.عبدالخالق حسين

هناك صراع مجتمعي حاد في الشعوب الغربية (الأوربية وأمريكا الشمالية)، وذلك بسبب التطور السريع في مختلف المجالات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. وهذه بدورها من ثمار التطور المذهل في العلوم والتكنولوجية، وخاصة في وسائل الإتصال (IT)، والمواصلات (النقل السريع)، والعولمة، وتنشيط السياحة، والاختلاط والتقارب بين الشعوب، وتكوين اتحادات اقتصادية وسياسية.
وإلى جانب النتائج الإيجابية المذكورة أعلاه لهذه التطورات، فهناك نتائج سلبية أيضاً، منها: الهجرات المليونية من العالم الثالث إلى العالم الأول، والتطرف في الإسلام السياسي، وما جلب من إرهاب يهدد الحضارة البشرية، والخوف على الهوية القومية، وفقدان السيادة الوطنية، وضياع الثقافة والأعراف والتقاليد المتوارثة من الأجداد.

هذه السلبيات والمخاوف أدت إلى ردود أفعال عنيفة وعلى رأسها صعود مد اليمين القومي في الغرب، والذي من نتائجه، التصويت للخروج من الوحدة الأوربية في الاستفتاء البريطاني، و فوز ترامب في أمريكا، وهجومه على العولمة، وبرنامجه ضد الهجرة، ورفعه شعار (أمريكا أولاً)..الخ. وهذه المشاعر دفعت إلى تصعيد حصة التصويت في الانتخابات البرلمانية والرئاسية لمرشحي الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوربا، مثل حزب الجبهة الوطنية في فرنسا بزعامة مارين لوبان، وحزب الحرية في النمسا، وحزب الحرية في هولندا، وأحزاب يمينية متطرفة أخرى في إيطاليا وألمانيا وغيرها، إلا إن المفرح أن صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة لم يصل بعد إلى حد وصولها للسلطة، ولا أعتقد أنها ستحقق هذه الغاية. وهذا دليل على أن معدل العقل الجمعي للشعوب الأوربية قد بلغ حداً من النضج بحيث لم يسمح لفوز أي تطرف بالسلطة، يميني أو يساري، وفوز إيمانويل ماكرون، مرشح الوسط هو أفضل دليل على ما نقول.

وهذا لا يعني أن خطر صعود اليمين قد توقف، بل مازال في صعود، وخاصة في فرنسا. فقد تضاعفت نسبة الأصوات لزعيمة حزب الجبهة الوطنية، مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث بلغت نحو 22% النسبة في الجولة الأولى و 33.9% في الحولة الثانية، وهذه ضعف ما حصل عليه والدها جان ماري لوبان (18 بالمئة) في عام 2010. كذلك لم يصوت للسيد إيمانويل ماكرون في الجولة الأولى أكثر من 25%، بينما صوت له في الجولة الثانية 66.1%، وهذا يعني أن 41% من الذين صوتوا له في الجولة الثانية كان بدافع كرههم لليمين المتطرف وليس لبرنامجه الانتخابي. ومع ذلك هذا دليل على انتصار العقلانية على التطرف.

وقد أقر ماكرون، الذي فاز بثلثي الأصوات الصحيحة للناخبين، بأن المهمة التي تواجهه شاقة، وأنه يتفهم مشاعر الفرنسيين الذين صوتوا لليمين المتطرف، وسيبذل قصارى جهوده لمعالجة المشكلة كي لا تتكرر هذه الحالة مستقبلاً.

وفي مقابلة إذاعية لراديو في الشرق الأوسط، سألني محاوري أن البعض يعتقد أن صغر سن الرئيس المنتخب، وكونه حديث العهد في السياسة، ومن خارجة المؤسسة الحاكمة، هي صفات سلبية ضده. فأجبته بأن هذه الصفات هي ليست سلبية، بل إيجابية وفي صالحه. أولاً، أن الرجل ليس حديث العهد بالسياسة إذ كان وزيراً للاقتصاد في حكومة فرانسوا هولاند، كوزير مستقل، وهو ذو خبرة في الاقتصاد، أما كون عمره (39 سنة) فهو في صالحه أيضاً حيث في أوج نشاطه الحيوي و العقلي والفكري، وأقرب إلى الشباب والتحسس بمشاكلهم المعيشية، إضافة إلى كونه مع الوحدة الأوربية وإصلاحها وليس ضدها.
والشباب الفرنسي متجاوب معه، ومع الحركة السياسية الوسطية المستقلة التي أسسها حديثا، (إلى الأمام)، وأنه يسعى الآن لتحويل الزخم السياسي الذي تتمتع به الحركة إلى مقاعد في البرلمان (الجمعية الوطنية)، تساعده في تحقيق أجندته التشريعية. فالانتخابات التشريعية القادمة على الأبواب يومي 11 و18 حزيران/يونيو القادم. وعلى الأغلب سيحقق فوزاً بنسبة مريحة تساعده على تحقيق برنامجه الإصلاحي.
خلاصة القول، مهما بلغ ضجيج التطرف، يميناً ويساراً، فالعقل الجمعي الأوربي مع الاعتدال والوسطية، والزمن في صالحه. فالشباب هم مع العولمة والتقدمية، والوحدة الأوربية، والتقارب بين الشعوب، وهذا ما ظهر في الاستفتاء البريطاني في شهر حزيران 2016، حيث أظهر تحليل النسب العمرية للمصوتين أن الشباب تقدميون، ومع البقاء في الوحدة الأوربية. و أتوقع أن تكون نفس النسبة هي في أوربا ضد الفاشية، والعزل وغيرها من المشاعر والمواقف الشوفينية. ولكل هذه الأسباب، أرى أن فوز ماكرون هو انتصار للإعتدال والوسطية والعقلانية. فالمستقبل للتقدم والتقارب بين الشعوب، وليس للفاشية بشتى أشكالها، العنصرية والدينية.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/


64
الاحتلال البعثي للعراق هو الأبشع
د.عبدالخالق حسين

نحن في مواجهة حرب كلامية لا تقل ضراوة وخطورة عن الحرب الحقيقية، لأن (الكتابة حرب)، كما قال فولتير. فنحن أمام حزب فاشي عنصري وطائفي، أحكم قبضته على رقاب الشعب 40 عاماً، وخلال هذه الفترة لم يعتمد في ترسيخ حكمه على تبعيث القوات المسلحة والأمنية، وكافة أجهزة الدولة فحسب، بل، وأسس جيوشاً جرارة من فرسان الكلام في علم النفس، وعلم الاجتماع، والإعلام، والتربية والتعليم، للسيطرة على عقول أبناء الشعب وتوجيههم كما يشاء، فعن طريق الكلام والتلاعب بالألفاظ يمكن تحويل الحق إلى باطل وبالعكس، والهيمنة على المجتمع وتسييره كما يشاء الحاكم، إضافة إلى ممارسة إرهاب الدولة. أما بعد السقوط، فاعتمدت فلول البعث على الإرهاب أيضاً، وحروب الإبادة، وعلى القلم في صناعة الإشاعات السامة، والأخبار الكاذبة لتضليل العقول، وتشويه المفاهيم الوطنية والإنسانية.

وقد أشرت في مقالي السابق الموسوم (مخاطر الأخبار الكاذبة)(1)، وقبله العديد من المقالات(2،3)، إلى الأساليب الشيطانية الخبيثة التي يستخدمها مرتزقة البعث وأشباههم في التضليل، منها تأليف تقارير كاذبة وأخبار زائفة، والإدعاء بأنها من ويكيليكس، أو أية صحيفة غربية مشهورة، أو تنسيب تصريحات كاذبة بحق العراق الجديد، و شخصياته المعروفة، والادعاء أنها صادرة من مسؤولين أمريكان كبار، هذا السلوك صار أمراً مألوفاً، وهم يعرفون أن القارئ ليس لديه الوقت الكافي، أو الوسيلة للتحري عن مصداقية هذه التقارير و مصادرها. وقد فضحنا، مع غيرنا، الكثير من هذه الألاعيب الخبيثة.

ومصدر آخر ييستخدمه هؤلاء في التضليل، وهو ما يجدونه في التراث الشعبي من حكايات، وحتى تأليف الجديد منها لخدمة أغراضهم. ومن هذه الحكايات على سبيل المثال، واحدة نقلها أحدهم ضمن إحدى مجموعات النقاش، تضم نحو مائة مستلم، أنقل نصها مع الاعتذار عن الإطالة وذلك لضرورة الالتزام بالنقل... تقول الحكاية:
(يحكى أن جيشاً أراد أن يدخل مدينة .. فوقف عند أطرافها ، و أرسل عيونه تستقصي عن أخبارها ..
فوجدوا شيخاً كبيراً يحتطب الحطب، يرافقه فتى صغير ...قالوا له: أخبرنا عن بلدك،  وكم عدد جيشكم، و كيف نستطيع أن ندخلها و ما هي منافذها ...؟ فقال لهم: سأخبركم لكن بشرط أن تقتلوا هذا الشاب، قبل أن أقول لكم شيء .. لكي لا يكون شاهداً على ما سأقوله لكم .. فقالوا: لك ذلك.. فأخذ أحدهم السيف و قطع عنقه، فسال الدم ليملىء الأرض و يشربه ترابها، والشيخ العجوز ينظر إلى الأرض وهي تشرب روح الفتى. فقال لهم: أتدرون من هذا الذي جعلتكم تقتلوه؟ قالوا... أنت أعلم منا به. قال: هذا ولدي ... خشيت أن تقتلوني أمامه فتنتزعون منه ما تشاؤون من القول، ففضلت أن يُقتل على أن ينطق حرفاً واحداً يساعدكم في غزو بلدي .. تركه الجنود و هو يحتضن جثة ولده.. وعادوا أدراجهم و قصوا للملك القصة، فقال الملك: أعيدوا الجيش و انسحبوا من هناك ، فبلدة يضحي بها الآباء بالأبناء لأجلها، لن نستطيع غزوها، وإن غزوناها فلن ننتصر ..) انتهت الحكاية، ويضيف مرسلها أو مؤلفها: (لعنة الله على كل من خان بلده، وتآمر عليه إلى يوم الدين ...)(كذا).

هذه الحكاية تذكرنا برواية (أخرج منها يا ملعون) بقلم (كاتبها)، والتي يُعتقد أن كاتبها صدام حسين.
طبعاً نعرف أن المقصود بهذه الحكاية الخيالية الرمزية، هو المعارضة العراقية في عهد صدام، والتي توصلت إلى استنتاج أن لا أمل في تحرير العراق بدون الدعم الخارجي.
ونحن أيضاً نقول (لعنة الله على كل من خان بلده ، وتآمر عليه إلى يوم الدين ...). ولكن هؤلاء يحاولون تشويه الحقائق، فأبشع إحتلال تعرض له العراق هو احتلال البعث الفاشي، سواءً كان احتلالهم الأول يوم 8 شباط 1963 الأسود، أو احتلالهم الثاني في عام 1968، وفي كلا الاحتلالين كان بمساعدة المخابرات الغربية وعلى رأسها الأمريكية.
وخلال الاحتلالين بذل البعثيون قصارى جهودهم لتضليل الشعب وتفتيت نسيجه الاجتماعي لتسهل لهم السيطرة عليه وحكمه بالقبضة الحديدية، ومن هذه الأساليب وكما جاء في تعليق وصلني من الأستاذ صلاح كبة، مشكوراً، على مقالي الأخير (مخاطر الأخبار الكاذبة) أجتزئ منه ما يلي:
(.... نعم وألف نعم انها الصناعة الجديدة القديمة التي أتقنها هذا الحزب الشوفيني الذي دمر العراق وسوريا والمنطقة العربية بأجمعها. انت وانا نتذكر بحكم أعمارنا كيف دشن هذا الحزب جهاده بحرب الشائعات، فقبل انقلاب ١٩٦٨ المشؤوم مَلئوا أسماعنا بأخبار كاذبة عن فساد حكومة طاهر يحيى وسرقاته للملايين. ومع تحفظنا عن سياسته الا إنه ظهر بعد ان جاؤوا الى الحكم انه (اي طاهر يحيى) لا يملك الا داره التي لم يكمل سداد ديون بنائها. ثم جاؤوا الى الحكم فحكموا عن طريق الهاء الناس بالشائعات، فمن ابو طبر، وإخافة الناس به، الى عدنان القيسي والهاء الناس به ، الى قصص التسمم بالزئبق، الى قصص تشويه سمعة ضحاياهم. مهنة الشائعات انها المهنة التي أتقنها البعثيون وعرفوا كيف يسخرونها لمصالحهم. وها هم بعد 2003 لم يتوقفوا عن شن هذه الحملات يدعمهم جهل أشباه المثقفين وحب العراقيين لاخبار المبالغة، ونظريات المؤامرة. لهذا تراهم يبالغون بأخبار الفساد (مع اعترافنا بوجوده) فيُحوِّلون المليون الى بليون! ويتهمون من يتجرأ ويذكر إيجابية واحدة لوضع العراق بعد 2003 بأنه من (مستفيدي الوضع الجديد)، حتى تراهم بشائعاتهم ومبالغاتهم بسلبيات هذا العهد أفقدوا كثير من الناس ثقتهم بالنظم الديمقراطية، وبالحقيقة القائلة بان لهذه النظم ميزة تصليح نفسها بنفسها، وأصبح الكثيرون يفكرون جديا بان هذه الديمقراطية لا تصلح لنا!!! الحمد لله بوجود أناس وكتّاب واعون مثلكم نستطيع من خلالها ان نرد على منطق اذناب هذا الحزب المعوج الذي ما زال يبث سمومه هنا وهناك.) انتهى.

هذا المعلق الوطني الشريف الواعي النبيه اللبيب، والملايين من أمثاله هم أملنا، ودليل على أن البعثيين وأشباههم وأذنابهم، فشلوا في تضليل كل الشعب، إذ كما قال ابراهام  لنكولن: (يمكن أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنك لن تستطيع خدع كل الناس كل الوقت.)

لقد دفع شعبنا الكثير إلى أن تعلم الدرس، ولكن مع ذلك مازال هناك ناس ينخدعون ويدفعون الثمن. والمؤلم أن من بين هؤلاء المخدوعين مثقفون لا نشك بوطنيتهم وحسن نواياهم، ولكنهم مع الأسف ضحايا التحجر الأيديولوجي اليساروي، والعداء المترسخ للغرب إلى حد الإضرار بالشعب والوطن، ومن هؤلاء كاتب نشر مقالاً بعنوان (البيان الأول للدمار الشامل)، يرد به على مقالي الموسوم (علاقة العراق بأمريكا بين الممكن والدمار الشامل")(2)، فيه الكثير من التشويه والعاطفة وسوء الفهم، والذي من شأنه خدمة البعث الداعشي. يعتبر الكاتب مقالي بمثابة "البيان الأول لزيارة مرتقبة  للرئيس الأمريكي ترامب الى العراق.." ويضيف: " نتجنب ذكر اسمه أملاً في ان يُصدر ايضاحاً يكذب فيه نفسه ليُطمأن المواطن العراقي على مصيره". والسؤال هو: لماذا تتجنبون ذكر اسم صاحب المقال وهو معروف من عنوان مقاله!! نسي الأخ أن من أعز أمنيات أعداء العراق هو تحريض أمريكا ضد العراق.

مع احترامي للكاتب وعواطفه الوطنية الجياشة، (ومن الحب ما قتل)، فلو تتبعنا كتاباته خلال العامين الأخيرين لوجدنا أنه نشر نحو مائتي مقالة، إلا إنها في الحقيقة هي مقالة واحدة، أعاد كتابتها مائتي مرة مع تغيير طفيف في عناوينها، وإعادة ترتيب جملها، وهي في أغلبها لطميات ومناحات وبكائيات على اللبن المسكوب، أدمن عليها العراقيون، سواءً في كتاباتهم، أو أشعارهم، أو أغانيهم الحزينة مثل أغاني سلمان المنكوب (أمرَّن بالمنازل منازلهم خلية...الخ)، التي يقول عنها العلامة علي الوردي: كأن الطاعون كرف أهله وبقي هو وحده في الدار صارخاً (معلَّم على الصدمات خايب با كلبي- قلبي).

نؤكد ثانية أن أبشع احتلال تعرض له الشعب العراقي هو الغزو البعثي الفاشي، الذي أهلك الحرث والنسل وهدد وجوده بالفناء. فهكذا شعب لا يحتاج إلى بكائيات وحكايات العجائز، والمقالات العاطفية، والتخوين والتسقيط والتشهير، والتحريض ضد من يمد يده لمساعدته، وإخراجه من محنته، بذريعة أن أمريكا هي التي جلبت البعث إلى الحكم، بل يحتاج إلى التحليل العقلاني المنطقي، وإيجاد الحلول العلمية الصحيحة. هؤلاء فقدوا بوصلتهم، شاؤوا أم أبوا، فإنهم برفضهم دعم التحالف الدولي بقيادة أمريكا، فإنهم يعملون على إبقاء العراق تحت إحتلال داعش إلى مستقبل غير منظور. فلو كانت الحكومة العراقية قد نجحت في كسب أمريكا إلى جانبها، لما تجرأت تركية والسعودية وقطر وعملاؤهم في الداخل، التجاوز على السيادة الوطنية واحتلال ثلث مساحة العراق من قبل مرتزقتهم البعثيين باسم داعش، ولما تجرأ السلطان إردوغان باحتلال بعشيقة واستهان بالسيادة الوطنية العراقية.

إن حكاية الشيخ الحطاب الخيالية، تشبه حكاية الرجل العراقي الواقعية، وربما مقتبسة منها، الرجل الذي قتل ابنه لأنه ارتكب جريمة أخلاقية تمس شرف العائلة، وللتخلص من العقوبة، ادعى الأب القاتل أنه قتل ابنه لهروبه من جبهة القتال في الحرب مع إيران وبذلك وجلب العار للعائلة، فقتله غسلاً للعار! فسارع الطاغية صدام حسين بتوظيف الجريمة لمصلحته في حملته الدعائية، بمنح الأب القاتل وسام الرافدين من الدرجة الأولى أمام الشعب في التلفزيون، وبذلك وضع صدام سابقة سيئة في تكريم قتل الآباء لأبنائهم من أجل الطاغية، والتي أدانها الشعب.

هناك سوء في فهم المفاهيم الوطنية والإنسانية لدى هؤلاء حيث راحوا يستخدمونها ضد أغراضها الحقيقية، وما أشبه اليوم بالبارحة.
إذ ينقل لنا التاريخ، أن سأل رجلً الإمام علي (ع) ذات يوم: " أيمكن أن يجتمع الزبير وطلحة وعائشة على باطل؟ فأجابه الإمام: "إنك ملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يُعرفان بأقدار الرجال، إعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله." (طه حسين، الفتنة الكبرى، ج2، ص 40).
وهذا ينطبق تماماً على أولئك الذين التبس عليهم الأمر، فلا يفرقون بين الاحتلال البعثي الفاشي الذي دمر البلاد والعباد، وبين ما يسمونه خطأً، بالاحتلال الأمريكي الذي أنقذ العراق من كوارث البعث وهي كثيرة وباتت معروفة للجميع إلا الذين في نفوسهم غرض، أو أصيبوا بالجهل وعمى الألوان، وفقدان القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الخطأ والصواب؟

فما تسمونه بالاحتلال الأمريكي، هو نفسه الذي حرر الشعب الألماني وجميع الشعوب الأوربية من النازية والفاشية، فهل الجنرال ديغول وأنصاره الذين دخلوا فرنسا مع قوات الحلفاء، وأسقطوا حكومة فيشي التي أعلن قيامها المارشال فيليب بيتان بمساعدة  الألمان، وهي تشبه حكومة صدام التي قامت بمساعدة أمريكا في الستينات، ثم انقلب عليها، فهل كان ديغول وأنصاره، وأديناور الألماني وأنصاره، والاٌيطاليون الذين تعاونوا مع قوات الحلفاء وأطاحوا بالفاشي موسليني، قد خانوا أوطانهم يستحقون اللعنة ؟

وهل المعارضة العراقية التي قاومت صدام حسين ونظامه الجائر، واستعانوا بنفس الدول التي حررت العالم من الفاشية والنازية، خونة وملعونون؟ إذا كنتم تحلمون بأن الشعب العراقي وحده كان يجب عليه تحرير بلاده من رجس البعث الفاشي، فقد حاول هذا الشعب مراراً وخاصة في انتفاضته الشعبانية الكبرى عام 1991، ولكن قابلها صدام بقتل 300 ألف من المنتفضين في محافظات الوسط والجنوب، وملأ العراق بالمقابر الجماعية، كما أباد الشعب الكردي بالغازات السامة والأنفال وأحرق نحو 5000 قرية.

المشكلة، أن هؤلاء السادة يستخدمون تاريخ أمريكا في الحرب الباردة ذريعة لرفض دعمها للعراق في حربه على فلول البعث الداعشي، ولا شك أن هذا الموقف يخدم داعش، ومن يقف وراءها، وله ضرر كبير على الشعب العراقي. فالحكمة تفيد: إذا كان بيتي يحترق، فمن السخف والهراء والغباء أن أسأل عن هوية فريق الإطفاء. أمريكا نجحت في تحرير العراق من أبشع احتلال داخلي فاشي، وأقامت فيه نظام ديمقراطي في صالح جميع مكونات شعبه، محكوم عليه بالنجاح رغم ما يواجه من معارضة، ولكن أمريكا لا يمكنها أن تحرركم من جهالتكم، وأحقادكم، وعنصريتكم، وبداوتكم، وطائفيتكم، الضاربة جذورها في عمق التاريخ، فهذه الأمراض المزمنة تحتاج إلى أجيال لتتعافوا وتشفوا منها.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: مخاطر الأخبار الكاذبة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=901

2- د.عبدالخالق حسين: حول إستراتيجية أمريكا، ثانية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=899

3- د.عبدالخالق حسين: علاقة العراق بأمريكا بين الممكن والدمار الشامل
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=900

65
مخاطر الأخبار الكاذبة
د.عبدالخالق حسين

صارت الأخبار الكاذبة (Fake news)، صناعة شائعة وسهلة في كل مكان، خاصة و نحن نعيش في عصر الانترنت ومشتقاته (غوغل، والفيسبوك، وتوتر، واليوتيوب والإيميل وغيره)، الذي جعل فبركة الأخبار والتقارير عملية سهلة على المحتالين والنصابين وذوي المقاصد السيئة ، في حملات تسقيطية ضد الخصوم المنافسين لهم، وقد برع فيها البعثيون إلى أقصى حد في تشويه صورة عراق ما بعد صدام. ولا شك أن لهذه الصناعة مخاطر كبيرة على وعي وأمن واستقرار المجتمع. فعلى تلفيق الأخبار يعتمد هؤلاء في إثارة الفتن الطائفية، وتحريض الشباب وتجنيدهم للمنظمات الإرهابيةـ، وتبرير أفعالهم الإجرامية بحق الإنسانية.

وليس مستبعداً أن تكون بعض المؤسسات الاعلامية لها يد في هذه الصناعة الإجرامية، فالملاحظ أنه ما أن تنشر أخبار زائفة أو تقارير كاذبة  على مواقع التواصل الاجتماعي حتى ويسارع كاتب في صحيفة معروفه يستشهد بها في مقالاته ليمنحها المصداقية والترويج. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ظهر قبل عام اسم (فلاح القريشي)، الذي فبرك مقابلة مع السياسي الكردي المعروف الدكتور محمود عثمان، أطلق له العنان في تشويه سمعة السياسيين العراقيين. وبعد أيام نشر الدكتور عثمان تكذيباً له وطالب بمقاضاته، ولكن كيف يمكن مقاضاة أشخاص ينشرون أكاذيبهم بأسماء مستعارة، وحتى حساباتهم على الفيسبوك بأسماء وهمية. وبعد أسابيع طلع علينا نفس "القريشي" هذا، بفبركة أخرى مفادها أن المحكمة البريطانية العليا رفضت طلب سيدة سورية للجنسية واسمها ( فدوى رشيد) التي" تزوجت سراً" من مسؤول عراقي كبير، والذي أرسلها إلى لندن ومعها 76 مليون دولار لشراء عقارات... إلى آخر الحكاية امفبركة. فما كان من الصحفي عدنان حسين إلا وينشر في عموده اليومي في صحيفة (المدى)، مقالاً عن الفساد مستشهداً بقصة (فدوى رشيد)، لمنحها المصداقية، الأمر الذي جعلنا نعتقد أن هناك علاقة بين المدى والمدعو فلاح القريشي. وإلا هل يعقل أن صحفياً محترفاً مثل عدنان حسين لا يعرف أن هذه الحكاية مفبركة؟ لذا فلا بد أن هناك غاية مقصودة.

وهناك عشرات الأخبار الكاذبة والمقالات المضللة، الغرض منها بث الإشاعات المسمومة لتشويه السمعة والتسقيط السياسي. ولم يسلم من هذه الحملة حتى المرجع الديني، آية الله السيد علي السيستاني من افتراءات في منتهى الخسة والدناءة، أشهرها، أن دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع في إدارة الرئيس الأمريكي بوش الإبن، أشار في مذكراته أنه زار السيد السيستاني قبل الحرب التي اسقطت نظام صدام حسين، وقدم له رشوة مقدارها 200 مليون دولار مقابل عدم إصدار فتوى الجهاد ضد الأمريكان، وأن السيد قبل الرشوة. وبعد التحري تبين أنه كذب في كذب. كما ولفقوا أكاذيب أخرى ضد سماحة السيد، لا داعي لذكرها لتفاهتها وتفاهة الأشخاص الذين فبركوها وقاموا بترويجها.
 
وما جعلنا نعود إلى هذا الموضوع الخطير هو قيام البعض هذه الأيام بترويج تقرير جديد بعنوان (ويكليكس باخطر وثائقه يكشف السبب الحقيقي لاحتلال العراق)، أستلمته قبل أكثر من أسبوع، وتم ترويجه عبر الإيميلات ومواقع التواصل الاجتماعي، و قرأته بإمعان واحتفظت به ضمن قائمة التلفيقات. أدعى مروجه الأول، أنه من بعض الوثائق السرية الموجودة في موقع ويكليلكس، وأن كاتبه هو احد زعماء (فيدرالية الاخوة العالميةIFB)، المزعومة بأنها منظمة سرية عالمية تتحكم بأمريكا وغالبية الدول الغربية"، كتب التقرير وهو على فراش الموت !!!

لم نسمع من قبل بهذه المنظمة السرية التي "تتحكم بأمريكا وغالبية الدول الغربية" إلا الآن. خلاصة ما يريد قوله، أن أمريكا احتلت العراق لأنه عظيم جداً بحضارته وتاريخه وموقعه الجغراقي، مما يشكل تهديدأ خطيراً جداً على الحضارة الغربية، ولهذا السبب وليس لغيره، قررت أمريكا احتلال العراق لإنقاذ الحضارة الغربية...(كذا).
يعرف الكاتب كيف يدغدغ مشاعر العراقيين في تعظيم حضارتهم وتاريخهم من أجل أن يستميلهم ليصدقوه. وبالطبع يذكر الكثير من الحقائق التاريخية والجغرافية والثروات الطبيعية التي يتمتع بها العراق، ولكن بهذه الطريقة يحاول النصابون خلط الأوراق، وتمرير الكثير من الأباطيل والأكاذيب، وبالتالي إلى استنتاج باطل، وبطريقة أشبه بفيلم هندي، تفنن كاتب السيناريو في كتابته،  وكما وصفه أحد الأصدقاء بحق: (انه كلام "أمسفط" ويفتقر الى العلميه والموضوعية).

المؤسف أن صدق به البعض وراحوا يروجون له، سواءً عن حسن نية أو سوئها. فلو كان هذا التقرير حقاً من وثائق الويكيليكس لوضع لنا رابط من ويكيليكس وباللغة الإنكليزية. وقد قمت بدوري بالبحث عنه في غوغل فلم أعثر عليه في أي مصدر يوثق به إلا على صفحات الفيسبوك الذي صار حقلاً لكل من هب ودب لنشر الأخبار الكاذبة والتقارير المفبركة. ولكن الكاتب بدلاً من أن يدلنا على مصدر موثوق قال في نهاية التقرير المزعوم أنه (منقول من صفحة الفيسبوك للأستاذ سعيد ياسين موسى). وحتى (فيدرالية الاخوة العالميةIFB) هذه لا وجود لها إلا في مخيلة الكاتب، وأمثاله المروجين لنظرية المؤامرة.
والسؤال المهم هنا: لماذا تأخر زعيم هذه الفيدرالية المزعومة، 14 سنة ليكتب تقريره العتيد في اللحظات الأخيرة من حياته وهو على فراش الموت؟
وهذا يؤكد لنا أن هذا التقرير لعبة أخرى من ألاعيب البعثيين وأشباههم، ليصوروا لنا أن صدام كان بطلاً يقود حضارة شامخة، وجعل العراق ينافس أمريكا، ويهدد الحضارة الغربية، ولهذا السبب احتلوا العراق لينقذوا حضارتهم من الحضارة العراقية بقيادة "القائد الضرورة". والكل يعرف أن نظام البعث الصدامي هو الذي دمر الحضارة العراقية، والعقل العراقي والنسيج الاجتماعي، ونشر الخراب الشامل في ربوع العراق. لا أعرف كيف يمكن تمرير هذه الأكاذيب على ناس مثقفين وحملة شهادات جامعية عليا، المفترض بهم إعمال عقولهم كي لا تعبر عليهم هذه الألاعيب البعثية.

بالله عليكم، هل دولة تمتلكها المافيا البعثية،، وتسمى بـ(دولة المنظمة السرية)، و(دولة المقابر الجماعية)، و(جمهورية الرعب)، والوطن كله يسمى باسم الجلاد صدام حسين (عراق صدام)، مستباح لأفراد عائلته وعشيرته، والذي طبق عملياً مقولة (أنا الدولة والدولة أنا)، دولة استخدمت فيها الغازات السامة، ومجازر الأنفال، ضد شعبها في حروب إبادة الجنس، وشردت منه خمسة ملايين في الشتات، ودمرت الاقتصاد الوطني، وشنت الحروب العبثية على دول الجوار.. وووو إلى آخر القائمة من الكوارث... استحلفكم بالله، هل دولة كهذه تستحق أن يأسف على سقوطها أحد؟
لذلك، أعتقد جازماً، وكما أفهم من قراءاتي لعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي، أن الذين يأسفون على سقوط هكذا دولة جائرة بحقهم، فلا بد وأنهم مصابون بمرض المازوخية، والشيزوفرينيا، والانفصام الكلي عن الواقع، حيث استمرؤوا الذل والهوان والعبودية إلى حد الإدمان.
غني عن القول، أن مهمة الكاتب والصحفي الشريف هي نشر الحقيقة وتنوير الوعي، وليس التضليل والتزييف. لذلك فإن فبركة المقالات المضللة، والتقارير المزيفة، وصناعة الأخبار الكاذبة، ونشرها، هي إهانة لذكاء القراء وإستهانة بعقولهم، و شكل من أشكال الإرهاب والفساد والإجرام.

وبناءً على كل ما سبق، أتمنى على جميع الوطنيين الشرفاء، أن يكونوا حذرين من ألاعيب البعثيين وأشباههم، من تلفيقاتهم التي لا نهاية لها، وإعمال عقولهم في التمييز بين الغث والسمين، فكما جاء في القرآن الكريم: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- عبدالخالق حسين: حول ماكنة الدعاية البعثية في التضليل
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=505

2- قائمة موجزة من افتراءات ضد العراق الجديد
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=698

66
علاقة العراق بأمريكا بين الممكن والدمار الشامل
د.عبدالخالق حسين

في مقالي السابق بعنوان:( حول إستراتيجية أمريكا، ثانية)(1)، ناقشت فيه إستراتيجية أمريكا الثابتة، والتي من بينها عدم السماح لبروز دولة عظمى أخرى تنافسها في النفوذ. والدولة المرشحة الآن لتنافس أمريكا هي روسيا. كذلك عدم السماح لأية دولة غير صديقة لأمريكا وإسرائيل بامتلاك سلاح الدمار الشامل. وما الحرب في سوريا إلا حرب بالوكالة بين روسيا وأمريكا، ولكن بدماء الشعب السوري وحلفائه.
أما العراق، وكما ذكرنا مراراً، فهو في وضع لا يحسد عليه، حيث تكالبت عليه قوى الشر والعدوان في الداخل والخارج. وهو في هذه الحالة من التمزق، يطالب البعض الحكومة العراقية بتحدي أمريكا ومعاداتها، وتبني سياسة مشابهة لسياسة إيران وكوريا الشمالية، وشعارهم هو(الموت واقفاً على قدميك خير من الحياة جاثياً على ركبتيك)، يعني (شيِّم البدوي وخذ عباته)، ثم أدفعه إلى الهاوية، وكأن ليس أمام العراقيين سوى هذا التطرف، ومشاكسة الدولة العظمى، فإما الانبطاح، أو الانتحار الجماعي. نسي هؤلاء أن النظامين، الإيراني والكوري الشمالي، هما نظامان شموليان، وحكم الحزب الواحد، وشعباهما غير منقسمين إلى فئات متناحرة، وليس فيهما من يقوم بأدوار تخريبية مثل مقتدى الصدر، أو أياد علاوي، أو الأخوين النجيفي، أو الخنجر أو بارزاني، ولا داعش وإلى آخر القائمة، بل في العراق نظام ديمقراطي ليبرالي أكثر من اللازم، وشعبه منقسم على نفسه إلى مكونات دينية وطائفية وعرقية، ومئات الكيانات السياسية المتناحرة، وكل منها مستعد للتعاون مع الشيطان لإلحاق الهزيمة بمنافسيه، ومحاط بدول تتربص به شراً.
يجب أن يعرف دعاة معاداة أمريكا أن إسرائيل تبذل كل ما في وسعها لتحريض أمريكا ضد العرب والمسلمين وتشويه صورتهم في العالم، كما وتسعى إسرائيل والسعودية في تحريض أمريكا لمعاداة العراق وتفتيته إلى دويلات متحاربة يسهل ابتلاعها من قبل دول الجوار.

يمارس دعاة إبعاد العراق عن أمريكا مختلف الوسائل وأقوال حق يراد بها باطل لتحقيق أغراضهم الشريرة. فيعود البعض منهم إلى تاريخ أمريكا في مرحلة الحرب الباردة، ودورها المخرب في الإطاحة بثورة 14 تموز المجيدة، وتصفية قيادتها الوطنية النزيهة. وغرضهم ليس الانتقام من أمريكا والثأر لتموز كما يتظاهرون، بل العكس هو الصحيح، فأغلب هؤلاء هم طائفيون ومن خلفيات بعثية، ساهموا بالتآمر على تموز، من أمثال سعد البزاز وغيره، ولهم الآن لوبيات ناشطة في واشنطن، يلعقون أقدام الأمريكان وإسرائيل، من أجل إعادتهم للسلطة كما كانوا قبل 2003.(شاهد الفيديو في الهامش رقم 2).
والسؤال هنا، هل أمريكا وحدها ساهمت في الإطاحة بثورة تموز؟ لقد اشترك في التآمر على الثورة الوطنية أكثر من أربعين جهة، وكل منها لها غايتها الخاصة بها، من سيد محسن الحكيم، إلى عبدالناصر وكميل شمعون وعجيل الياور شيخ شمر، وبارزاني، وعشرات القوى السياسية والإقطاعية الرجعية، وحكومات ومخابرات إقليمية ودولية. فلماذا التركيز على أمريكا وحدها بعد مرور أكثر من نصف قرن، وما حصل من تغيير هائل في العلاقات الدولية في العالم بفعل الزمن؟
والجدير بالذكر أنه قبل سقوط البعث كان هؤلاء يحذروننا من أمريكا، وغرضهم الحقيقي هو إبقاء نظام البعث الصدامي على رقاب العراقيين لعقود أخرى. وتحذيرهم اليوم من أمريكا هو لإبقاء الدواعش يعيثون في الأرض فساداً، فكما لداعش جناحها السياسي في السلطة، كذلك لها كتابها يظهرون بشتى المظاهر، يتاجرون بالكرامة والسيادة الوطنية وبدماء الجماهير في الداخل، وهم يرفلون بالأمان والنعيم في الدول الغربية. وهؤلاء من انتماءات مختلفة: بعثيون وطائفيون وأشباههم لاستعادة فردوس حكمهم المفقود وشعارهم: (إيران برة برة، بغداد صارت حرة)، وفئة المتأثرين بإيران ومازالوا يرددون شعارهم المحبب (الموت لأمريكا وإسرائيل)، ويساريون صارت عندهم معاداة الغرب وخاصة أمريكا جزءً من سايكولوجيتهم وأيديولوجيتهم السياسية. والمفارقة أن أمنية جميع هؤلاء العيش في أمريكا والدول الغربية "الكافرة"، ويتبادلون التهاني عندما يحصلون على جنسية دولة غربية. ولكن إذا ما حاولت أمريكا وحلفاؤها مساعدة الشعب العراقي في خلاصه من نظام العهر والقذارة والاستبداد، ودواعشهم، رفعوا عقيرتهم صاريخين: وامعتصماه، و اكرامتاه، يا عالم إنها إهانة للسيادة الوطنية !!! فالكرامة والسيادة الوطنية عندهم مفقودة إلا بحكم البعث، أو احتلال داعش لثلث مساحة العراق، وهتك العرض وسلب الأرض.
نقول لهؤلاء، شكراً لكم على حرصكم على الكرامة والسيادة الوطنية، ونحن نعرف ماضي أمريكا وحاضرها جيداً، ولكن هذا لا يعني عدم الاستفادة منها سواءً في دورها بالإطاحة بنظام صدام حسين الذي جلبته أمريكا نفسها قبل أكثر من نصف قرن، أو الاستفادة منها الآن لسحق داعش، حتى و لو كانت أمريكا عدوة لنا في السابق، فالحكمة تفيد (أضرب العدو بيد عدو آخر). علماً بأن ليس في السياسة عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح دائمة. لذلك نؤكد أن مساعي دعاة حرمان العراق من الدعم الأمريكي تحت مختلف الذرائع، ليست بريئة وإنما خدمة لداعش وبقية أعداء العراق.

وقد بلغ الغلو في أحد هؤلاء (لا أريد ذكر اسمه، لأن من أمنياته أن أهبط إلى مستواه في مهاترات عقيمة لا تليق بي ولا أريد أن أحقق له ذلك)، بلغ به الحقد  إلى حد أنه راح يتهمجَّم عليَّ شخصياً بمناسبة أو بدونها، سواءً في هذياناته المسعورة التي يسميها مقالات، أو ضمن مجموعات النقاش، وبأسلوب شوارعي ساقط، فكتب مرة يقول: "الدكتور عبد الخالق حسين من ابشع الكتاب في ترويجهم للاحتلال.."(كذا)، وفي مكان آخر قال: (ان التدمير الذي قام به عبدالخالق حسين لا يقارن إلا بقيادات داعش او ربما يزيد على اي منها).
يقول نابليون: "لا تنبه عدوك على أخطائه، بل دعه يخطأ حتى يتعفن، وعندئذ احمل عليه بالضربة القاضية". في الحقيقة هذا الموتور السخيف لا يحتاج مني إلى ضربة قاضية، إذ هو نفسه أصر على التعفن إلى حد التفسخ والسقوط في القاع. فقد بلغ به الحقد حداً في رده على أحد محاوريه الذي استهجن هذه المقارنة الفجة، قائلاً: "من الصعب حقا ان نقيس ايهما اكثر تدميرا للعراق، قائد في الحشد أم عبد الخالق حسين، لكن هذا يعتمد على رؤيتنا لما يحدث". وقد استغرب محاوره من هذا الرد الحاقد على الحشد الشعبي، ووصفه بأنه خارج عن إجماع الشعب، ولكن في نفس الوقت مد له حبل النجاة، بإيجاد عذر له لإخراجه من مأزقه قائلاً: "ربما كان كلامك هذا ناتج عن خطأ مطبعي غير مقصود." فسارع الموتور بتبني العذر، ليضع داعش بدلاً من الحشد. فالخطأ المطبعي يكون بحرف أو حرفين وليس بكتابة سطر كامل من البذاءات. تقول الحكمة: "تظهر الحقيقه عند زلة اللسان وقد يراها البعض ما تخفيه القلوب"
فالمفروض في حالة الاختلاف أن يتم الحوار بأدب، وتفنيد الرأي الآخر بالحجة والمنطق، وليس بالشتائم السوقية. فالأسلوب البذيء دليل على الإفلاس الفكري والأخلاقي. يقول العلامة علي الوردي عن هذا النوع من المتثاقفين: "يجب أن لا ننسى أن الكثيرين منا متحضرون ظاهرياً بينما هم في أعماقهم لا يزالون بدواً أو أشباه بدو، فإن قيم البداوة التي تمكنت من أنفسهم على توالي الأجيال ليس من السهل أن تزول عنهم دفعة واحدة بمجرد تقمصهم الأزياء الحديثة أو تمشدقهم بالخطب الرنانة".

نؤكد مرة أخرى للذين أعمتهم أحقادهم وغباوتهم، أننا ندعو الحكومة العراقية إلى تبني علاقة متوازنة مع أمريكا لا حباً بها، ولسنا من طلاب المناصب، أو المال، بل لأننا نرى أن من مصلحة الشعب العراقي أن يستفيد من إمكانيات الدولة العظمى في تحقيق الأمن والإعمار. فالعراق بوضعه الحالي البائس لا يستطيع لوحده مواجهة التحديات الإرهابية وما يعانيه الشعب من تشرذم، حيث وارداته تصرف على الحروب لدحر الإرهاب بدلاً من الإعمار. ففي عصر العولمة المشكلة المحلية هي مشكلة دولية، وتحتاج إلى تضافر جهود دولية وخاصة الدعم من الدول الكبرى، ولا شك أن الإرهاب مشكلة دولية. فأعداء العراق في الخارج وعملاؤهم في الداخل يحرضون على حرمان العراق من الدعم الأمريكي بذريعة أن أية علاقة مع أمريكا تسيء إلى الكرامة والسيادة. فلأمريكا قواعد عسكرية في اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وبريطانيا وعشرات البلدان الأخرى، فهل كل هذه الدول بلا كرامة ولا سيادة، فقط كوريا الشمالية وإيران وحدهما احتفظتا بالكرامة والسيادة؟
ويقولون، أن العراق ليس اليابان ولا ألمانيا ولا كوريا الجنوبية، وأنه غارق بمشاكله واختلافاته..الخ. ونحن إذ نرد عليهم: أن هذا الاختلاف وكثرة المشاكل وتعرض العراق للإرهاب والتكالب عليه في الداخل والخارج، وعدم تمكن القادة العراقيين من حل مشاكلهم لوحدهم وتحقيق وحدتهم، يجعل العراق أكثر حاجة من تلك الدول لدعم أمريكا والاستفادة منها، وليس العكس.

خلاصة القول، أمريكا ليست الشر المطلق ولا الخير المطلق، ولا هي مؤسسة أو جمعية خيرية، بل هي دولة عظمى وراء مصالحها، ولكن في نفس الوقت تتنافس الدول وحتى الكبرى منها، على كسب ودها والإستفادة منها، لذلك على العراق العمل بالحكمة وفن الممكن، وذلك بكسب أمريكا إلى جانبه، للإستفادة من دعمها، وتجنب شرورها. وهذا لا يعني معاداة إيران وروسيا، أو أية دولة أخرى، فمن مصلحة أمريكا أيضاً أن تكون للعراق علاقة حسن الجوار مع إيران، (راجع مقالنا: خطاب مفتوح إلى الدكتور حيدر الحيدري)(3). وبدون علاقة جيدة معها والإستفادة من دعمها، فبإمكان أمريكا أن تخلق آلاف المشاكل للعراق وإشغاله بالحروب ضد الإرهاب إلى ما لا نهاية ليعم الخراب الشامل في ربوعه.
ألا هل بلغت، اللهم إشهد,
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د. عبدالخالق حسين: حول إستراتيجية أمريكا، ثانية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=899

2- فيديو: فضيحة لقاء سعد البزاز مع اسرائيل، صاحب قناة الشرقية مترجم
https://www.youtube.com/watch?v=AnPF0hOx0Yc

3- عبدالخالق حسين: خطاب مفتوح إلى الدكتور حيدر العبادي
http://www.abdulkhaliqhussein. nl/?news=680


67
حول إستراتيجية أمريكا، ثانية
د.عبدالخالق حسين

نحن نعيش في عصر التحولات السريعة في جميع المجالات، السياسية والاجتماعية والعلمية وغيرها، ويتم كل ذلك على حساب القيم الاجتماعية، والتقاليد، والأعراف والهويات والثقافات الموروثة. وفي هذه الحالة تشتعل الصراعات الحادة، ويحصل التطرف، وينشق المجتمع إلى شقين متصارعين متطرفين إلى حد الصدام الدموي. وهذا ما أسماه العلامة علي الوردي بـ(التناشز الاجتماعي) أو التنافر. و لا نجد هذا الصراع في العراق أو الدول العربية والإسلامية فحسب، أو بين الشرق والغرب كما ذكر ساميول هنتنغتون في كتابه (صدام الحضارات)، بل وحتى بين الدول الغربية المتقدمة نفسها بما فيها أمريكا، الدولة العظمى، وحتى داخل كل دولة ومجتمع. وهذه التحولات السريعة هي نتاج العولمة على حساب الهويات الوطنية والقومية والدينية. وما انتصار ترامب في الانتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، وفوز أنصار خروج بريطانيا من الوحدة الأوربية (Brexit)، وتصاعد اليمين المتطرف في أوربا، إلا دليل على تفشي هذه الظاهرة.

في هذه المداخلة أود توضيح دور أمريكا فيما يجري في العالم من إرهاب وصراعات وحروب، وهل لها علاقة بإستراتيجيتها الثابتة، أم كل ما يجري، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، هو مجرد نتاج الإسلام، والنصوص الدينية المقدسة الداعية للتطرف في محاربة غير المسلم أو المختلف، والصراعات الطائفية بين السنة والشيعة كما يبدو لنا في الظاهر؟

فقد كتبت قبل عشرة أعوام مقالاً بعنوان: (حول إستراتيجية أمريكا في الشرق الأوسط)(1)، ذكرت فيه عن الثوابت الأمريكية وحلفائها، بدأته بما يلي: "هناك شبه إجماع لدى الباحثين في شأن الإستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ، لأمريكا أربعة ثوابت لا يمكن أن تتخلى عنها، ومستعدة من أجلها خوض حرب ضروس إذا ما تعرض أي منها إلى الخطر. وهذه الثوابت بطبيعة الحال تمس المصالح الأمريكية الأساسية بشكل مباشر أو غير مباشر، وهي كالتالي:
1- ضمان أمن وسلامة إسرائيل،
2- ضمان تدفق النفط للغرب،
3- ضمان أمن وسلامة الدول العربية الحليفة لأمريكا في المنطقة، وخاصة المصدرة للنفط منها (أي الخليجية).
4- عدم السماح لأية دولة غير حليفة لأمريكا بامتلاك السلاح النووي وغيره من سلاح الدمار الشامل الذي من شأنه أن يهدد الثوابت الثلاثة الأولى.

هذه الاستراتيجية مازالت قائمة وفاعلة وغير قابلة للتغيير في المستقبل المنظور. وما جعلني أن أعود إلى هذا الموضوع، هو ظهور إستراتيجية أمريكية أخرى للعيان لم نكن ندركها من قبل، بل ورغم بروزها الآن، مازال كثيرون يرفضون التصديق بها، حتى بعد افتضاحها على لسان الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، وإذا ما أشرنا إليها وأكدناها بالدليل القاطع، رفعوا في وجوهنا سلاح "نظرية المؤامرة".
هذه الاستراتيجية الأمريكية في الحقيقة ليست جديدة، بل قديمة منذ انتصار الحلفاء بقيادة أمريكا على دول المحور في الحرب العالمية الثانية. و الاستراتيجية هي: عدم السماح لأية دولة أن تصبح عظمى تنافس أمريكا في النفوذ والهيمنة على العالم. والجديد في الأمر أن ترامب كشف عن هذه الحقيقة متباهياً بأن بلاده في عهده ستستعيد عظمتها، وراح يلمِّح بأنه لن يسمح بظهور أية جهة منافسة لها حتى ولو كانت حليفة مثل الوحدة الأوربية، لذلك بدأ حملته ضد الوحدة الأوربية وجميع الاتحادات الاقتصادية الأخرى والعمل على تفتيتها.

إلا إننا في العراق نواجه مجموعتين متطرفتين في الموقف من أمريكا. مجموعة ترى في أمريكا الشر المطلق، وعلى الحكومة العراقية مواجهتها بالرفض حتى ولو تطلب الأمر فناء الشعب العراقي بأجمعه. وشعارهم: (الموت واقفاً على قدميك أفضل من العيش جاثياً على ركبتيك!!)، يعني (شيِّم البدوي وخذ عباته) وأدفعه إلى الهاوية، وكأن ليس أمام العراقيين سوى هذا التطرف، إما الانبطاح أو الانتحار الجماعي. في الحقيقة أن هؤلاء، خاصة الذين هم من خلفية بعثية، ليس قصدهم محاربة أمريكا، بل إفشال العملية السياسية، ودعم الإرهاب الداعشي بحجة الكرامة والسيادة الوطنية، والموت واقفاً!! لأن لهم لوبيات نشيطة في واشنطن يلعقون أقدام الأمريكيين من أجل مساعدتهم على إلغاء الديمقراطية وإعادة الحكم لهم.
ومتطرفون آخرون يرون في أمريكا مؤسسة خيرية إنسانية نبيلة تسعى لمصلحة العالم دون أي مقابل!! وأي انتقاد معقول نوجهه لأمريكا يتهموننا بنكران الجميل. وإذا ما خالفنا هذين الطرفين المتطرفين، اتهمنا الطرف الأول بالإنبطاح لأمريكا على حساب الكرامة والسيادة الوطنية، أما الطرف الثاني فيتهمنا بأننا وقعنا في فخ نظرية المؤامرة، ونكران الجميل لما لأمريكا من فضل على العراق بتحريره من أبشع نظام همجي عرفه التاريخ. نحن لسنا مع هؤلاء ولا أولئك، ولسنا من ناكري الجميل ولا من دعاة محاربة أمريكا، بل نتبع فن الممكن، وما يخدم شعبنا بدون أي تطرف، لنكسب أمريكا إلى جانبنا لما تتمتع به من إمكانيات عسكرية وعلمية واقتصادية يمكن الاستفادة منها.

فلو تأملنا كل ما يجري في منطقة الشرق الأوسط من صراعات دموية بواجهة الصراع الطائفي والتهميش، تنفذها التنظيمات الوهابية البعثية الإرهابية، لوجدنا أن لها علاقة بالإستراتيجية الأمريكية وأمن إسرائيل. ونشير هنا إلى مقالنا الموسوم (هل داعش صناعة أمريكية؟)(2)، وكذلك كتاب الباحث الإماراتي الأكاديمي الدكتور جمال سند السويدي، الموسوم (آفاق العصر الأمريكي-السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد)، والذي كتبنا عنه مراجعة ندرج رابطها في الهامش(3).

هناك أدلة واضحة وكثيرة تؤكد الاستراتيجية الأمريكية في محاربة أية دولة تنافسها في المكانة والنفوذ وذلك كما يلي:
أولاً، كل هذا الصراع في سوريا وليبيا واليمن والعراق هو لمحاربة النفوذ الروسي - الإيراني وعدم السماح لروسيا بمنافسة أمريكا في النفوذ، ولأن هذه الدول ترفض المصالحة وتطبيع العلاقة مع إسرائيل.
ثانياً، علاقة السعودية والدول الخليجية الأخرى كانت حميمة جداً مع إيران في عهد الشاه، وبدون أي صراع طائفي في المنطقة، لأنها (إيران الشاه) كانت على علاقة حميمة مع إسرائيل وأمريكا، وقامت بدور شرطي الحراسة في حماية الدول الخليجية من أية حركة يسارية، رغم أن إيران كانت شيعية في عهد الشاه، ولدينا فيديو يبين الاستقبال الحافل مع رقصة أمراء العائلة المالكة السعودية للشاه عند زيارته للسعودية في الخمسينات من القرن الماضي.(فيديو رابط رقم 4)، مما يؤكد أن عداء هذه الدول لإيران وإثارة الطائفية ناتج عن عداء الأخيرة لأمريكا وإسرائيل.
ثالثاً، تم تفعيل وتفجير الألغام الطائفية (الصراع السني- الشيعي)، من قبل مشايخ الوهابية السعودية، وبدفع من أمريكا وحلفائها في الغرب والمنطقة، لتجييش الجماهير، وبث الفرقة والعداء بين أبناء الشعب الواحد، لأغراض سياسية وليس لأسباب فقهية، أو دينية كما يتصور بعض المتطرفين من الطرف الآخر.
رابعاً، تم خلق المنظمات الإرهابية وخاصة داعش وغيرها لاستخدامها هراوة لضرب أية حكومة تبدي علاقة ودية لروسيا والعداء لإسرائيل أو لأمريكا. وهذا هو سبب دعم السعودية وقطر وتركيا لداعش وجبهة النصرة تنفيذاً لأوامر أمريكا. (نفس المصدر-2)
خامساً، وهو البيت القصيد، أن العداء الأمريكي لم يتوقف على روسيا والصين فحسب، بل وتعداه حتى إلى الوحدة الأوربية. لأن أمريكا، سواءً في عهد المسالم أوباما، أو اليميني المتطرف ترامب، لا تسمح بتقدم دولة أو إتحاد دول مثل الوحدة الأوربية، لتصبح قوة اقتصادية وعسكرية عظمى تنافس أمريكا. وهذا هو سبب تجسس المخابرات الأمريكية على تلفونات الزعماء الأوربيين من أمثال أنجيلا ميركل، وفرانسوا أولاند وغيرهما في عهد أوباما. كذلك قام ترامب منذ حملته الانتخابية بتشجيع أنصار خروج بريطانيا من الوحدة الأوربية، واستقبل اليميني البريطاني المتطرف نايجل فراج زعيم حزب (UKIP) عدة مرات خلال حملته الانتخابية وبعد فوزه، وأثنى عليه بأنه أستعاد استقلال بلاده (بريطانيا) من الهيمنة الأوربية، وراح يشجع بقية دول أعضاء الوحدة بالخروج منها. كذلك أعلن أنه لن يتفاوض مع الوحدة الأوربية من خلال إدارتها المشتركة في بروكسل، بل مع كل دولة على حدا. والغرض من ذلك تفكيك الوحدة الأوربية وفرض شروطه عليها، لأنه رأى في هذه الوحدة تهديد لنظام القطب الواحد. وهذا الإمعان في سلوك الإدارة الأمريكية الجديدة، دفع ممثلة الشؤون الخارجية للوحدة الأوربية السيدة فدريكا موغيريني للقيام بزيارة إلى واشنطن والتوسل بإدارة ترامب بعدم دعم الحركات اليمينية المتطرفة في أوربا وتشجيعها على مغادرة الوحدة الأوربية، لأن في هذه السياسة نهاية الغرب. وأخيراً وافق ترامب في التفاوض مع الوحدة الأوربية في التبادل التجاري بدلاً من التفاوض مع كل دولة على انفراد، لأنه رأى الحالة الأخيرة  تستغرق وقتاً وجهداً بلا حدود.

ومن كل ما تقدم، نستنتج أن أمريكا هي ضد أية دولة أو إتحاد دول، حتى ولو كانت صديقة وحليفة لها يمكن أن تنافسها في النفوذ والهيمنة على العالم، وبالأخص منطقة الشرق الأوسط. ولإبراز عضلاته العسكرية، قام ترامب بقصف سوريا، وإلقاء "أم القنابل" على كهوف داعش في أفغانستان، والتهديد بضربة نووية ضد كوريا الشمالية، أي دفع العالم إلى حافة حرب نووية. ربما أغلب هذه الضربات هي بهلوانية من أجل إثارة مخاوف العالم من جبروت أمريكا، إلا إن الغريب حتى زعماء دول الوحدة الأوربية الذين تشاءموا من فوز ترامب، وقفوا أخيراً متحدين إلى جانب ترامب في عمليات إبراز عضلاته العسكرية ضد الدول المعتدى عليها وضد روسيا. (راجع مقال روبرت فسك،5).

هذه هي أمريك