عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - الأب نويل فرمان السناطي

صفحات: [1]
1
الأب يوسف عتيشا الدومنيكي، مسيرة حياة مشرقة
(تلكيف، حزيران 1928- باريس، حزيران 2019)
[/font][/font]

الأب نويل فرمان السناطي
________________

انتشر الخبر الذي وزعته مايليس ديلوزارشز، من سكرتارية اقليم فرنسا للآباء الواعظين- الدومنيكان، عن رحيل الأب يوسف ميخا عتيشا، يوم الاحد 2 حزيران 2019 (المولود في تلكيف 29 حزيران 1928)، ومنذئذ والمَشاهد عن حياته تتعاقب في الذاكرة... فرأيت ان اشارك بها القراء الكرام، ممن عرفوه أو يتطلعون الى معرفة هذه الشخصية الدومنيكية المنحدرة من أسرة كلدانية عريقة.
لسنوات خلت، عاش الأب الراحل، في دار لرعاية الآباء المسنين بفرنسا، التي قصدها منذ 2015 مستجيبا لطلب الرئاسة العليا، عندما تجاوزت به السنوات عمر الاعتماد على الذات، فكان يعيش فيما سماه زميله الراحل قبله، عن المكان عينه، الأب توما كوسماوو - سائق الشوفرليت 57- "صالة انتظار الأبدية".
بعض أصداء سنوات الانتظار هذه أوردها الأب رامي شاول، المتتلمذ على يديه في أولى خطواته الرهبانية، منذ أن وقـّع أمامه بابتسامة، في صيف 1994، وعلى مرأى مني إذ كنت مررت في تلك اللحظة هناك، أثناء عملي بالدير، على طلب الانتماء الى هذه الرهبانية، كواحدة رهبانيات الكنيسة الكاثوليكية. جاء ذلك خلال قداس أقامه عن راحة نفس الفقيد يوم الثلاثاء 4 حزيران 2019 في كاتدرائية القديس يوسف بالسنتر، سيادة جان بنيامين سليمان، مطران ابرشية اللاتين في العراق بمشاركة الدومنيكان من دير بغداد وأبوين من الابرشية وحضور صاحب النيافة المغبـّطة الكردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكلدان، ومعاونيه الثلاثة مع سكرتير السفارة البابوية وكهنة من بغداد، من مختلف الكنائس. وحضرت القداس رهبانيات متنوعة مع جمهور من المؤمنين.

من الكلمة التأبينية للأب رامي الدومنيكي
____________________________

 عن تلك المرحلة وما الهمته من استرسال عن خبرته معه، تحدّث الأب رامي، رئيس دير الآباء الدومنيكان في بغداد، خلال كلمته التأبينية، مخاطبا الحضور ومشيدا باستجابته، حال إعلان القداس قبل يوم واحد فقط، قال:
"آخر مرة التقيت فيها أبونا عتيشا كانت في شهر أيلول الماضي عندما زرته في ديرنا في باريس المخصص للإخوة كبار السن. كان لقاءا صعبا جدا معه هو الذي كان يحب الحلويات، رغم ان مرض الزهايمر دمر ذاكرته منذ حوالي خمس سنوات، الا انه لم ينسى حبه للحلويات خلال تلك السنين، لكن هذه المرة لم تعجبه ولا قطعة من المجموعة المختارة التي قدمتها له. وأيضا لم ترنّ على مسمعه كلمات مثل: العراق، التعليم المسيحي، المقالات، مجلة الفكر المسيحي، معهد التثقيف المسيحي وكلية بابل... كلمات كانت سابقا تحرك ذاكرته فيذكر الشي غير قليل من حياته العراقية. وبعد نقاش طويل عن كل نشاطاته، يتوقف، يأخذ نفسا ونفسين ثم ينظر إلي باستغراب ويسالني: من أنت؟  لماذا انت هنا؟ كأنه يذكرني بأول لقاء لنا في بغداد حيث سألني من انت؟ قدّم نفسك؟ وبعدها يسألني: ماذا تريد؟
وفي حينها (سنة 1994) وما بعدها ساعدني الأب في الإجابة على هذين السؤالين: من انا؟ وماذا أريد؟ وخاصة عندما بدأ يحكي لي عن الدعوة، ودعوة الله لأبينا إبراهيم، ودعوة صموئيل النبي وصولا  الى الدعوة الرهبانية والدومنيكية. طريق طويل رافق خلاله الاب عتيشا الكثير من الشباب بل أيضا الشابات، منهم من اختار ان يواصل حياته في طريق آخر والبعض واصل السير في الطريق على خطى ابينا القديس عبد الاحد او في رهبانيات أخرى او دخل المعهد الكهنوتي (السمنير)."
وفي مقارنة بين خبرة الراهبين الواعظين (الأول من خلفية كلدانية، والثاني من خلفية آشورية) قال الأب رامي:  "ساعدتني كثيرا خبرته الشخصية الرهبانية، وخاصة ما يتصل بخبرته من جانبه مع أهله عندما علموا أنه قرر أن يسافر الى فرنسا ليصبح راهبًا دومنيكيًا، ومع أنه، هو في حينها، كان أصلا قد ارتسم كاهنا كلدانيا وخدم في البصرة حوالي سنتين، لكن بكاء اهله وتفكيرهم في قطيعته، كل هذا لم يثنه عن السفر لفرنسا، إزاء ما كانوا يحسون به من صعوبة بشأن ذهابه إلى بلاد الغربة والهجرة والفراق..." 
أما عن عطائه الفكري، فذكر الأب الواعظ، أنهم سوف ينظمون مناسبة بشأن ما قدمه، في حياته الفكرية الغنية والكتب العشرة او أكثر التي قام بتأليفها، واحد منها بالاشتراك مع الاب البير ابونا وآخر بالاشتراك مع غبطة البطريرك ساكو وسيادة المطران يوسف توما. إلى جانب عشرات المقالات في مجلة الفكر المسيحي ونجم المشرق، وعمله في الدورة اللاهوتية حيث حاضر لمدة 19 سنة، إلى جانب تدريسه في كلية بابل للاهوت او معهد التثقيف المسيحي، او خدمته الراعوية في هذه الكاتدرائية وغيرها، إلى جانب خدمته، ومشاركته في عدد من خدمات الخورنات.
 
حياته الرهبانية
 _________

"أما عن حياته الرهبانية، فبعد نذوره المؤبدة في فرنسا، عاد إلى العراق سنة 1965 ليساهم في تأسيس وافتتاح دير الدنح في بغداد. هذه العودة والتواجد في العراق حافظ على وجود الآباء الدومنيكان في العراق، لان الحكومة السابقة وفي سبعينات القرن الماضي أخرجت تباعا كل الآباء الدومنيكان الفرنسين. لولاه ولولا الاب المرحوم خليل قوجحصارلي لا نعرف هل كان سيكون اليوم دومنيكان في العراق أم لا؟" وأردف:
"عاش الحروب والحصار ومشاكل الحياة العراقية والديرية والجماعية، الا انه رفض ان يترك العراق. فتنقل بين تلكيف مسقط رأسه، والموصل وبغداد والبصرة وباريس وبغداد والموصل وقره قوش وعينكاوه الا أنه رفض ترك العراق الا بأمر الطاعة من الرئيس الإقليمي بسبب اشتداد المرض عليه وذلك في سنة 2015 ولم تكن في العراق الإمكانية لمتابعته صحيا..."
الدومنيكان: الصلاة والتأمل، الدراسة والكرازة
"أحب حقا عيش الحياة الدومنيكية بكل ابعادها، من الصلاة والتأمل، الدراسة، الكرازة والوعظ والحياة الجماعية. لم ينقطع عن الصلاة والتأمل يوما، لا بسبب محاضرة ولا بسبب كتابة ما. عاش الفقر والعفة والطاعة بكل أمانة وبكل ابعادها. يكفي انه بعد 40 سنة في بغداد وافق على الانتقال الى مدينة ودير الموصل في سنة 2004 لكي نتمكن من افتتاح مرحلة الابتداء للإخوة الجدد."
"ولا يعلم الكثيرون كم اهتم الاب عتيشا بالفقراء اهتماما كبيرا وهو الذي أسس صندوق الفقراء في دير بغداد وفي فترة الحصار كانت سفراته الى أمريكا مصدر خير وبركة لصندوق الفقراء حيث كانت تبرعات الاحبة والأصدقاء وخاصة عائلته (بيت عتيشا) في أمريكا الدور الأكبر في تغذية الصندوق ومساعدة الفقراء."

حب العراق
__________

عن حب العراق اختتم الأب رامي كلمته بالقول:
حافظ الاب عتيشا على حبه لهذا البلد حتى بعد ان كانت ذاكرته قد بليت، فكان يقول لي في كل مرة ازوره في فرنسا: رجعني معك للعراق، أقول لك رجعني معك  للعراق! وأنا أقول له الى اين ترجع؟ ستموت خلال أيام!  ليجيب بثقة وصدق: ما يخالف رجعني  للعراق... فيا أبانا يوسف عتيشا، اليوم العراق يتقدم نحوك ليحتضنك بقوة في عيون وصلاة وقلوب كل من عرفوك واحبوك واحبوا العراق."

مشهد كتابي من تعليم الأب يوسف عتيشا
__________________________

بقي عالقا في الذاكرة، من محاضراته في الدورة اللاهوتية بكاتدرائية القديس يوسف، السنتر، ذلك المشهد المكون من صورتين متناظرتين:
وبما يجعل الصورة الاولى، كأنما المرآة للصورة الثانية، بما تحمله من معالم ورموز:
الصورة المرآة: شجرة المعرفة في الإرث النهريني وامتدادها إلى شجرة عدن، الرجل آدم لصيقا بالشجرة، المرأة حواء أمام الشجرة، وينحدر على مرأى منهما نهر الفردوس.
الصورة الثانية: المشهد الحقيقة التي عكسته المرآة: الشجرة، خشبة الصليب، المعرفة الجديدة، والجهالة عند الأمم، آدم الجديد، يسوع المسيح لصيقا بشجرة الصليب، المرأة حواء الجديدة التي داست رأس الأفعى، في ونهر الملكوت، في المشهد: نهر دم وماء يجري من جنب آدم الجديد لصيق خشبة الصليب.

ذكريات وطرائف
___________

خلال العشر سنوات التي أمضيتها في مجلة الفكر المسيحي، بعد تسلم إدارتها من قبل الاباء الدومنيكان، تحضرني بعض الذكريات. منها أنه يوما ما أحسسني بمسؤوليتي، في نشر مقالاته عن التعليم المسيحي، فيما كنت أحسب مع نفسي أني لست الطرف الوحيد المسؤول عن تقرير نشر المقال، وتلك كانت المرة الأولى التي أتذكره فيها في موقف: عندما تهتز الشوارب.
ولكن الطابع الذي رافق طلعة الأب عتيشا، هو أن وجهه يعكس كالمرآة علامة الحزن، امام أمر مؤسف وأمام الصعوبات التي مرّت بها البلاد، وبالقدر عينه، كانت تعكس سلامه الداخلي، وفرحه وابتسامة عينيه قبل شفتيه عندما يخاطبك.
وعندما يحدث طارئ، يأخذه بروح النكتة لدى استذكاره، خصوصا مع سيارته، التي كان أول عهده بها، عندما كانت مركونة في كراج الكنيسة. فعندما أراد أن يخرجها، حول محرّك السرعة إلى أمام بدل أن يحوله إلى الخلف، فهمّت السيارة بالخروج من الحائط المقابل.
وعندما حدث له حادث على طريق الموصل، مع حمار سائب، قال: لم يكن الذنب ذنبي، بل الحمار جاء وارتطم بالسيارة.
وكانوا يدعونه في الدير، باسم جوزيـيـف، كاسم دلع، وذلك لتمييزه عن أسم أخيه في الرهبانية الأب (المطران) يوسف توما، ورافقه الأسم، كما سنرى حتى لدى انقاله إلى قره قوش.
وكان يقال، إنه لشغفه بالقراءة، كان يمضي ساعات من عطلته الصيفية السنوية في فرنسا، في غرفة بالدير بقراءة كتاب أو مقال في جريدة...

مقتطف من كتاب الأب (المطران) نجيب ميخائيل
________________________________

تهيأ لي أن اترجم للأب (المطران) نجيب ميخائيل، كتابه الصادر بالفرنسية، وسوف يطبع بعنوان: انقاذ الفكر وانقاذ البشر. وجاء في الكتاب ذكر لبعض النكات المتبادلة بينهم:
في الطابق العلوي، ما زال جوزيف (أ. يوسف عتيشا) نائما على سريره. أعرف ذلك من خلال سماعي لشخيره، مثلما يسمعه الآخرون في المحيط...! فقمت، في ليلة بتسجيله ليتأكد من ذلك! لكنه رفض الاعتراف بذلك. قائلا  أن ذلك ليس بشخيره، وأنني قمت بتوليف ذلك من خلال تسجيل صوت غسالة الملابس...
ومن باب شر البلية ما يضحك، ذكر اسمه، هو الذي كان يتحاشى أفلام الرعب، وذلك عند الخروج المرعب من بلدة قره قوش، أمام غزو تنظيم الدولة الاسلامية داعش، وجاء في الكتاب:
ها هي الساعة 11 ليلا. إنها النهاية هذه المرة. لقد باتت طلقات الكلاشنكوف قريبة جدا. إذن ليس أمامنا سوى الفرار. وها قد امتلأت السيارتان بالمخطوطات، ولكن ثمة حاجة قليلة إلى المزيد من المكان...
... وتقترب المعارك. استقلّ الأخ هاني السيارة الأمامية. ونوشك على الانطلاق... وإذا به يقفز من سيارته. "جوزيف! لقد نسينا جوزيف!" ونذهب كلانا إلى غرفته، حيث لم يزل نائما، لنأخذ صديقنا الشيخ من ذراعيه وهو بعد ببجامته. وإذا به يقول: "أدويتي!" قال ذلك بعد أن تيقـّن أنه ليس في حلم.

نم قرير العين
_________

أجل ايها الأب العزيز (جوزيف) لم يكن ذلك حلما، بل كابوسا حقيقيا وانتهى، وعاد الكثيرون الى قره قوش وسائر بلدات سهل نينوى، في الأشهر الأولى من 2017، وكنت آنذاك قد دخلت في حلم انتظارك لراحتك الأبدية وقد حانت، هذه الأيام، فنم قرير العيش، باسما مشرقا في قلوبنا ومع أجمل الذكريات.

2
أوضاع العراق ومسيحييه في سين و جيم
[/b]

الأب نويل فرمان السناطي
_________________
غالبا تطرح على المرء، أسئلة هنا أو هناك، في حديث عابر، في مراسلة خاصة او مع سائق تاكسي، عندما يعرفونه مسيحيا؛أسئلة مثل الاسئلة الثلاثة التي اوردها في هذا المقال، ورأيت أن تتبلور في هذا المقال، على شكل إجابات تأخذ بعين الاعتبار الطابع الخاص بالأوضاع الراهنة في العراق، مقارنة بما تتطلع إليه البلدان التي قطعت شوطا مقبولا في التقدم والالتزام بلائحة حقوق الانسان.
أترك القارئ الكريم، مع الاسئلة ومع محاولاتي المتواضعة في الإجابة.


1- سين: ما هو مدى تقبل المجتمع لعادات المسيحيين وتقاليدهم وخاصة بوجود متطرفين ومتشددين.
_____________________________________________________________________

جيم: غالبا ما تأتي صيغة هذا السؤال، من خلفية محافظة أصلا، وبروح من الاطلاع يوحي وكأن المسيحيين، هم في حالات ليبرالية متطرفة ومنفلتة عن عادات وتقاليد عموم الناس. وهذا يضع صاحب السؤال في وضع المراقب غير القلق من وضعه الشخصي تجاه وضع المسيحيين وكذلك تجاه منتقديهم. مع أنه يكرر بالتأكيد الإشارة الى القيم الأخلاقية الانسانية لديهم وروح المواطنة والاخلاص في العمل والنزاهة والصدق.
إزاء كل هذا فإن وجود المتطرفين والمتشددين هو حالة غير طبيعية، وبالعكس فإن وجود تنوع ثقافي في المجتمع المعاصر هو الحال الطبيعية خصوصا في مجتمع مثل العراق وقبل استفحال ظواهر التطرف فيه.  ولهذا فإن افتراض وجود تطرف وتشدد من أي نوع كان، يعد بحدّ ذاته حالة ترفضها المجتمعات، من مختلف المذاهب، و هو تحدّ  لكل نظام أو حكومة تبدو فيها مثل هذه الظواهر.
ولا شك أن المسيحيين، تجرعوا مرارات مريعة استهدفتهم بالذات، عندما صاروا ضحية باردة للعبة الصراعات السياسية، وهم يفتقدون إلى اي قوة تحميهم وأي كثافة عدديه. لكن يبقى وضعهم، في هذه المعاناة، مثل وضع الكثير من المضطهدين، من الغالبية الصامتة، من مختلف العراقيين المتنورين المنفتحين المعاصرين المواكبين لتطلعات العصر والقانون الدولي في حقوق الإنسان وواجباته. هؤلاء أيضا يشتركون مع المسيحيين وغالبية أخرى فيما وصف بالعادات والتقاليد، سواء في اختياراتهم لنوع اللبس، أو في ممارسة حياتهم الاجتماعية بالشكل الذي يكفل حريتهم ويحترم حرية الاخرين.
من ناحية اخرى، فإن إخلاء البلدان من المسيحيين، وبلدان الشرق الأوسط تحديدًا، لا بدّ وأنه يعد نزعة مريضة لدى الجماعات الاصولية والمتعصبة عندما تتحكم في مقاليد الحكومات. ويفتضح الهدف من ذلك، بأنهم يريدون أن  يخلقوا مجتمعا عراقيا منغلقا على العالم الخارجي ممسوخا، لم تشهده البلاد من قبل، ويشكلون بالتالي خطرا في تصدير الارهاب والمظاهر الاصولية من التحريض على الكراهية وعدم قبول الاخر المختلف، في مجتمعات متنوعة ومتعددة. هذا من جهة، ومن الجهة الثانية، فإنهم يخلقون في الداخل مجتمعا متناحرا بين كل من المتطلعين الى الحضارة ضدّ العائشين في القرون الوسطى. ويولـّد هذا مجتمعا تسوده الصراعات الداخلية بين مختلف المذاهب والطرائق والمدارس الدينية والمذهبية.
وثمة مظهر آخر من مظاهر الرفض الجماهيري. وهو ما حدث في هذه السنة، من تعاطف عمومي مع احتفالات العالم كله في الاحتفال بالسنة الميلادية واعياد ميلاد يسوع المسيح، برغم ما صدر، سنيا وشيعيا، من خطاب تكفيري إقصائي محرّض على الكراهية، حيث خرج في بغداد بتحدٍّ ظاهر، ما يبلغ اربعة ملايين ونصف من مجموع 8 ملايين يشكلوا عدد سكان العاصمة، انطلقوا مشاركين في ليالي الاحتفالات بأعياد الميلاد ورأس السنة.
واذا تركز الحديث في السؤال، عن العادات والتقاليد، في اشارة ضمنية الى مظاهر الملبس، فإن نسبة كبيرة من المحجبات، تفوق بكثير عدد غير المحجبات من المسيحيات وغيرهن، هذه النسبة، لا تلبس الحجاب التقليدي (غطاء الرأس والثوب المسترسل الفضفاض) بل يلبسنه كإسقاط فرض، بالاكتفاء بغطاء الرأس، ومسايرة اللبس اللائق ولكن بعصرنة ألـِفها سواد المجتمع. 

2-سؤال:  هل يضمن الدستور العراقي حقوق المسيحيين؟
____________________________________________

- جواب: إن الدستور العراقي يغمط حقوق الكثيرين، من اثنيات وطوائف ومذاهب متنوعة، وليس فقط شريحة معينة، وهو يقيّد حرية الفرد في اختيار فكره ومذهبه ودينه، ويشل حركته في ممارسة حقوقه الانسانية. أما التجاوز الصارخ على حقوق المسيحيين فهو أسلمة القاصرين، عندما يختار أحد الزوجين، ان يعتنق الاسلام بالزواج من مسلمة، فيفرض على الطرف الاخر من الوالدين، أن تتم أسلمة الاولاد القاصرين الذين هم أصلا في عهدة الطرف المسيحي، لحين بلوغهم الثامنة عشر من العمر، ليختاروا لهم الديانة التي يريدون، أو البقاء على مسيحيتهم. ولكن ثبت ان المماطلة كانت الحل خلال هذه السنة لحرمان البالغ حتى من ممارسة هذه الحق.
وعلى أيّ حال، فإن الدستور بوضعه الحالي، يواجه الرفض من أصوات كثيرة. بالإضافة إلى أن الرأي السائد، عموما هو ان العراقيين يعيشون في دولة اللا دستور واللا قانون، ويشهدون في الواقع ظاهرة الدولة العميقة وسلوكيات التشريع العشائري، وحكم الميليشيات.
ومن ثم فإن هذه حالة استثنائية شاذة في البلاد وفي المنطقة. حيث ان بلادًا تحكمها الطائفية والمذهبية والمحاصصة، هي بلاد خارجة عن الركب الحضاري والانساني المعاصر. وقد تدوم هذه الحالة، حتى افتضاحها مع الوقت، وحتى سقوط الديانة كنظام دولة، واقتصارها كما في بلدان المجتمع المدني، على القناعة الخاصة بالأفراد والجماعات لممارسة عقائدهم وبما لا يتعارض مع حركة الشارع والنظام الاقتصادي وحرية الاخرين.
هذا الانتظار هو انتظار الكثيرين، من عموم العراقيين. وقد بانت بوادره مع ظهور هذا السيل الهادر من غير الممارسين للشعائر الدينية الموسمية، وممن يحملون الانتماء الديني في مظهره وتسميته وحسب، مع وجود اعلان صريح او مبطن بعدم الايمان بل حتى بالإلحاد وعلى نطاق أشار مراقبون إلى أنه تجاوز مئات الالاف. كل هذا يحدث بعد الفشل الذريع الذي مني به المجتمع، عندما صارت الطائفية هي التي تحكم. وصار الكثير من رجال الدين من ممارسي النشاط السياسي الحزبي يشكلون بعبعا في نظر سواد الشعب، وخصوصا المقهورين. ليشهد العراق، حالة غير مسبوقة من الفساد الاداري والمالي، على مستوى فضائحي واسع.

3- س: هل اثرت الاحداث في وضعكم الاقتصادي خاصة بعد التهجير وتعرض املاككم لسرقة والنهب؟
____________________________________________________________________

-ج:
الجواب على هذا السؤال ينطبق عليه ما جاء في الجواب على السؤال السابق. خصوصا من ناحية ما يسببه وجود دولة اللاقانون، وسيادة حجة الأقوى. وعندما يكون الأمر هكذا، يمكن للمرء أن يسأل كم من غير المسيحيين أيضا تأثروا في وضعهم الاقتصادي، وسرقة الأملاك والنهب، حتى وصل الحال إلى السطو الى مباني الكليات والاتحادات والمباني الرسمية، للاستئثار بها لهذه الجهة الطائفية أو تلك، فاختار الكثيرون الهجرة من مختلف ألوان الطيف العراقي.
مثل هذه الحالات، قلما تشهد الانحسار، ما لم يصل اليوم الذي يختفي فيه مثل هذا الوضع غير الدستوري وغير القانوني، والمحكوم بالمحاصصة والطائفية والميلشيات، وعندما يصار إلى اجتثاث الفساد والمتسببين والمنضمّين إلى تشكيلة متنوعة من الجماعات الشمولية والدكتاتورية.
وهذا من المؤمل ان يتحقق باتساع القاعدة الجماهيرية الرافضة للحالة، والمطالبة، تحت رقابة قانونية دولية، بأن يحصل التغيير الجذري ليعيش الناس ضمن المعايير العالمية، في العيش المشترك بين المجتمعات المتنوعة.

 

3
قراءة متأنية لزيارتَي البابا  فرنسيس الى الإمارات والمغرب
[/b][/size]

الأب نويل فرمان السناطي

هناك ملامح تتناسق الى حد واسع بين الزيارتين اللتين قام بهما قداسة البابا فرنسيس إلى الامارات والمغرب في غضون أسابيع متقاربة. وثمة أهداف واضحة انعقد من أجلها «المؤتمر العالمي للأخوّة الإنسانية» تمثّـلت في إرساء  قاعدة ثقافة السلام والتأكيد على ما تتوخّاه الأخوّة الإنسانية من قيم وثوابت مثل فتح آفاق الحوار، وإزالة ما يعترضها من  حواجز وصفها البابا بهذه الكلمات: "من يبني الجدران يبقى سجينًا فيها" ومن ثمّ الدعوة لإنماء مبادئ التسامح والتعايش، ورفض خطاب الكراهية والفرقة.
الإمارات- وثيقة الإخوّة الإنسانية ومواجهة التحدّيات
وتكلل مؤتمر الإمارات بصدور «وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» وقّعها في 6 شباط 2019 البابا فرنسيس  مع شيخ الأزهر، الشيخ  أحمد الطيب، كمرجع إسلامي؛ ومع انه ليس المرجع الوحيد في العالم الاسلامي، لكنه يمثل جناحا كبيرا منه. هذه الوثيقة أريد لها أن تؤسس لدور الأديان، وهنا في الاقل ما يخص مهمة كل ديانة من المرجعين المذكورين، في الاضطلاع مع سائر الاديان، بدور حماية السلام العالمي ونشر ثقافة المحبة، مع تأكيد ما سمّته الوثيقة الشراكة الكاملة بين اتباع هاتين المرجعيتين... ولكن تبقى هذه الخطوة لبنة في توعية مطلوبة على نطاق أوسع، لأنه ولجريمة حصلت بنيوزيلاندا حصلت ضدّ مسلمين في مسجد، ليس باسم المسيحية، حصلت للمسيحيين في نيجيريا واماكن أخرى اعتداءات جسيمة باسم الاسلام...

المغرب نحو حرية الضمير ولا لنزعة الاقتناص، أو الضمّ البغيض (Proselytism)
_________________________________________________
إزاء وثيقة الإخوّة الإنسانية، لا نفترض ان المشتركات التي تجمع بين الأديان، تجرّها بالضرورة إلى الانصهار ببعضها ضمن  نزعة "النسبية Relativism" التي لا تتوخاها أي ديانة قائمة بذاتها، وإلا لما قامت ديانة بجانب أخرى، فلكل واحدة خصوصيتها. أمام هذه الخصوصية، يتطور خطاب البابا  فرنسيس في زيارته الى المغرب، إلى حالة أخرى بأنه دعا إلى مجابهة "التعصب والأصولية" بـ"تضامن" جميع المؤمنين، وأيضا جميع الذين يستخدمون فكرهم وضميرهم، مدافعا بذلك عن "حرية الضمير" وليس فقط "الحرية الدينية". جاء هذا في كلمة مار فرنسيس يوم  السبت 30 مارس 2019 بساحة مسجد حسان بالرباط، في افتتاح زيارته إلى المغرب بدعوة من الملك محمد السادس.  وقال: "من الضروري أن نجابه التعصب والأصولية بتضامن جميع المؤمنين، جاعلين من قيمنا المشتركة مرجعا ثمينا لتصرفاتنا". وأضاف "إن حرية الضمير والحرية الدينية -التي لا تقتصر على حرية العبادة وحسب بل يجب أن تسمح لكل فرد بالعيش بحسب قناعاته الدينية- ترتبطان ارتباطا وثيقا بالكرامة البشرية".
ومن جانبه شدّد العاهل محمد السادس ملك المغرب،  في خطابه على العقلانية بعيدا عن الجهل، ودعا أن يكون ذلك ضمن أجواء ابراهيمية،  إذ نوّه بالديانات السماوية الثلاثة بأنها وجدت "للانفتاح على بعضها البعض" بهدف مواجهة التطرّف من خلال التعارف، للتصدّي لتحدّيات الحاضر عن طريق التربية كسبيل لا غنى عنه لمواجهة التطرف، لأن مصدره، على حدّ تعبير العاهل المغربي، هو "انعدام التعارف المتبادل، والجهل بالآخر، بل الجهل وحسب".
وفي الوقت عينه، نعتقد ان القراءة المتأنية لخطاب محدد للبابا فرنسيس   وجهه  إلى كهنة المغرب ورعاياهم ، وجاء على مسمع من الجهة المضيفة من المغاربة، وذلك  خلال القداس يوم الاحد في الرباط، حذّر فيه من أمر أُسيئت ترجمته بجهل أو بعدم دقة وهو ما عناه بكلمة (Proselytism) ومرادفاتها في عدة لغات غربية، وهي الضم البغيض أو الاقتناص (وليس التبشير)، وهكذا تم ترويج المفرجة خطأً بالتبشير ... في قوله: (إن دروب الرسالة لا تمرّ من خلال انشطة "الضم البغيض" من فضلكم) والمصطلح يعني " الاقتناص" بينما البابا لا يحذّر من التبشير و لشهادة حق فهي من قانون حقوق الانسان، ولأن التبشير هو التبشير بقيم الانجيل بشهادة الحياة. هكذا فإن البابا  قصد  (Proselytism) تلك النزعة الدعائية "التبشيروية" التي تنجرّ إليها بعض الجماعات الكنسية من غير الكنائس الرسولية.
التصدّي لعدم الدقة المغرض او غير المقصود في الترجمة
وبينما المقال هذا كان قد أوشك على النشر، توالت أصوات عديدة لتشخص ما تم الاشارة اليه من عدم الدقة في الترجمة، منها ما نشره موقع أبونا، عن مقال كتب مع هالة حمصي من جريدة النهار اللبنانية، وصف فعلا كلمة (Proselitismo) الايطالية التي استخدمها الحبر الروماني بالإيطالية، بأنها تعني "الضمّ البغيض" وسبق للبابا الفخري مار بندكتس أن أشار الى ذلك بالقول: "إن الكنيسة لا تنمو من خلال انشطة (الضم البغيض proselitismo)  بل بواقع الجذب والشهادة". وأضاف المقال التوضيحي: ما لا يرغب به البابا هو النشاط الذي يهدف إلى استقطاب الآخرين واستمالتهم إلى المسيحية بوسائل منافية لحرية الإنسان في اختيار معتقده، أو نتيجة استغلال لأوضاع مادية أو نفسية أو اجتماعية، وان البابا يؤكد على أن المسيحي هو مسيحي نتيجة لقاء حقيقي مع السيد المسيح وليس ثمرة استقطاب أو اقتناص...
وبمعنى آخر، فرّق البابا فرنسيس أمام الاكليروس المحلـّي في المغرب بين "عرض الإيمان للآخرين" من خلال الأعمال وشهادة الحياة وبين "فرض الايمان على الآخرين". وبالتالي فإن تصريحاته متوافقة مع تعليم الكنيسة الكاثوليكية الرسمي وتعليم البابوات السابقين.
هذا التوجّه في الاقتناص، مطروح على أي ديانة كانت، فهو يقصي الآخر ويتعالى عليه، ويعدّه مسبقا على خطأ، ويتحرّك على حساب حرية ضميره ومعتقده وتصرفه اليومي  الحرّ. إنه التوجّه الذي يتوخّى منه أصحابه فرض انفسهم وتقاليدهم وطقوسهم وتراثهم على حساب قناعة ضمير الآخر وسلامته، مما لا زلنا نجده في عالمنا وأيامنا.
الزيارة الدينية الطقوسية بين الزائرين وغير الزائرين
وإزاء ما تقدم من خطابات ووثائق تستجيب بفحواها الى تطلعات عالمنا، لا بد من القول إن عطش انسان اليوم، هو حقا بان يتحرر من الجهل ويتحرر إلى أن يعمق معرفة الآخر من مصادره الرسمية وليس عن طريقة الشائعات والترويج المغرض،  ويحترم اختلافه، وليس التصرف على حساب رزقه وعطشه وطعامه وصحته ورغبته في التنقل وحقه في الذهاب الى المستشفى، مثل حقه في استنشاق الهواء. هذا ما يجدر توخيه حفاظا على مكانة الزيارات المقدّسة وأبعادها، كما في أي ممارسات جماهيرية او مليونية، طقوسية كانت أو فولكلورية، حيث يخطط لمساراتها مهنيا وعلميا مع مراعاة عناصر الأمان للجميع. والا فإن موضوع اقصاء الاخر، والعمل على حساب راحته، يمثل صفعة واضحة، في وجه التعايش المتكافئ المحترم، كما يقلل من وقع الزيارة على المتلقي ولا بدّ أن لها إسقاطاتها على الزائر، بما قد يلتفت إليه من ردود أفعال.
وبعدُ إن زيارة البابا في مطلع العام إلى الإمارات، كان لها صداها العظيم في العالم الإسلامي والمسيحي، وزيارته البابوية في هذه الأيام الى المغرب، بما ارسله مع مضيفيه من خطابات – رسائل محمّلة بقيم التنشئة على التعارف والتعايش. هذه الزيارة تزامنت مع زيارة دينية مليونية جرت في بغداد بمناسبة استشهاد الامام موسى الكاظم احد الائمة الاثني عشر عند اخوتنا الشيعة، تبيّن الحاجة إلى المزيد من الحكمة من كل الأطراف، والتوعية بروحانية هذه الزيارة ومعانيها،  بنمط مقبول في بلد  متنوع الأديان والمذاهب والاعراق.

4
المنبر الحر / يوم في البطريركية
« في: 11:18 30/03/2019  »
يوم في البطريركية


الاب نويل فرمان السناطي

أجل! تمر الأيام في البطريركية كالسحاب، ولكل يوم سحابته الحبلى بالأحداث والمفاجآت والمفارقات، مما هو في الوقت عينه مقولب ضمن منهاج شبه رهباني لهذا الصرح الكنسي المهم، فرأيت ان ارسم لوحة عما  يحمله يوم من أيام البطريركية مع ما له من ألوان.
ولكن اليوم من هذه الايام إذ يقع حاليا ضمن اسابيع الصوم، فهو يحمل في البطريركية كما في الطعام نكهة ومذاقا. ولا بدّ من الإقرار، أني قبل الحلول في هذا المكان، كنت أكتفي بما نوصي به في الكنائس، أن الكنيسة سهلت الصوم على عباد الله أبنائها، بصيام أول اسبوع ثم آخره، بل حتى منتصفه. وإذ وجدوني جديدا على صيام البطريركية، تركوا لي بكياسة جمة المجال لأعمل بتلك التسهيلات، ومضوا في سياقهم السنوي… وهو الصيام كل أيام الصوم لغاية الظهر، حتى طاوعت نفسي مع الأيام على ذلك ، فوجدته أقل صعوبة مما كنا، أنا وصحتي نتوقعه.
وهكذا يبدأ النهار بالصلاة، وكانت في الاسبوع الاول صلاة (شاووعا) سابوع الصوم. وخارج الصوم، يبدأ النهار بصلاة الصبح – المجددة-  سواء للايام العادية أو الآحاد، ولكل منها خصوصية ورونق وروحانية. وفي القداس، وبحسب السياق، يبادر المحتفل، وغالبا ما يكون غبطة البطريرك، لمشاركة الحضور من راهبات واكليروس، بفكرة تأملية  قصيرة عن القراءة الكتابية. أما نيات القداس فهي تتفاعل مع تحمله الحوليات من احداث في العراق والعالم ، أو ما نحن عليه مقبلون من انشطة واستقبالات وزيارات، أو مناسبة للكنيسة الجامعة والمحلية باكليروسها ومؤمنيها. كلها نحملها مع قرباننا من الرب كي ينظر اليها بعين الرحمة.
ثم “يتصومع” كل واحد في غرفته، ليعمل أمام شاشته المكتبية أو أحيانا امام شاشته اليدوية، فتمر ساعات الصبح خلوا من جلبة أقداح أو عبق يدلف في الاروقة من رائحة قهوة الصباح. وسرعان ما تتوالى مفردات البرنامج، سواء داخل الصرح البطريركي، من مقابلات واستقبال مسؤولين حكوميين وكنسيين وناشطين مدنيين ومراجعين لهم معاملات وطلبات وكأن البطريركية دائرة شؤون الناس… وما بين كل هذا تجري مهاتفات، أو زيارات في بغداد أو خارجها. ومن يوم لآخر، يطـّلع احد المسؤولين في طاقم المرافقة والنقل، على تقويم اليوميات، ليعرف طبيعة واجب اليوم، او ليجري الاعدادات لواجب خارج العاصمة مما يقتضي بعض السياقات والكتب الرسمية.
وبين أجواء من اصوات المؤذنين، والتلاوات المنتشرة عبر مكبرات الصوت القريبة، تحين ساعة الظهر، للافطار، في وجبة اعدت بطقوسية خاصة: شاي وقهوة، وفقرات طعام تتفنن الأخت الراهبة  عفاف في تنويعها من قوائم طعام الصوم؛ وتزيد فتشرح لهذا أو ذاك من متناولي الطعام، فوائد صحية لهذه المادة أو تلك، وما تحمله من هذا التمثيل الغذائي وتفتقده من ذاك.
ويخلد الديوان البطريركي إلى سويعة قيلولة، تنقض عليها جلبات من الاصوات وابواق السيارات، وتعليمات شرطة النجدة والمرور في الشارع لتخترق الشبابيك وتزاحم بأصواتها الجهورية مديرة المدرسة الجارة بتوصياتها وممنوعاتها. وبعد هذه الساعة، يتفاوت المنهاج بعد "عصرونية" الشاي بين العمل واستقبال وفد أو اجتماع مخطط أو طارئ.
ثم يحين وقت صلاة المساء، بين صلاة طقوسية او الوردية أو صلاة صامتة او التأمل، قبل اللقاء على مائدة تتميز بزهدها، ولكن تخيم عليها التعليقات والنكات، بين الاخوة والاخوات والاب والابناء والبنات، من مماحكة ونكتة واجابة هاتف، او التوقف أمام خبر من الشاشة، قد يفسد علينا كأس الماء البارد، أو يجعله شافيا للغليل.          
بعد العشاء، تكون جلسة راحة بقدر ما تتيحه انباء القنوات، تأتي طقوس المشية المسائية  في  فناء البطريركية الذي تتوسطه الحديقة باشجارها وورودها، ثم يفترق كل الى سبيله، منصرفا الى الكتابة او القراءة أو الاعداد لحدث مقبل، كل ذلك بانتظار سحابة يوم بطريركي جديد تحت سماء بغداد، تبشر أكثر فأكثر بالأمان وبغد أفضل من الخير العميم.


5
استفسار بطريركية الكلدان ببغداد لجريدة الزمان عما نشرته عن محامية باسم (مريم)
 
بقلم الأب نوئيل فرمان السناطي

إلى حضرة الأخ الاستاذ سعد البزاز المحترم  رئيس تحرير جريدة الزمان الغرّاء
مع التحية الى الاخ د. أحمد عبد المجيد المحترم رئيس تحرير طبعة العراق
 
أرجو أن تكونوا بخير وسلام مع اعتزازي الطيب بكم وبعد،
    أكتب لكم، بعد ان اطلعت على مقال بعنوان "محامية  مسيحية سابقة تثير شفقة أهالي العاصمة العراقية- بغداد" نشره موقع عنكاوا.كوم، الرائج في مجتمعنا العراقي والمسيحي في الوطن وخارجه، نقلا عن جريدة الزمان ومعتمدا بلا شك في كل مضمونه على مصداقية جريدتكم الغرّاء، التي نشرت في 17 شباط 2019 مقالا حماسيا تعبويا ملفتا للنظر، تحت عنوان "محامية تستجدي الناس" مع صورة للكاتب واسمه: ماجد عبد الرحيم الجامعي.
وتتقارب إلى حدّ بعيد قصة المحامية المذكورة في هذا المقال مع قصة حقيقية معروفة عن المحامية المسيحية التي عاشت كشهيدة حية، فاقدة الصواب، كضحية للنظام السابق والمتوفاة قبيل سنوات. واذ أن الفحوى شبه متطابقة في القصتين، إلا ان الكاتب أورد القصة الجديدة بتباين في الأسم: مريم (لوحده!) مقارنة باسم الشخصية المعروفة سابقا تحت اسم المحامية الراحلة: لهيب كشمش نعمان. وكتب عن وفاتها حينذاك، من ذلك مقال: ماذا بعد وفاة المحامية لهيب كشمش، ويمكن العثور على مقالات تحت هذا الاسم الثلاثي.
ويبدو أنه ولزيادة في التشويق، وإدخال عناصر جديدة على سيناريو هذه القصة الجديدة، فقد تم الاشارة إلى ان هذه المحامية (مريم!)، كانت قد رفعت دعوى بسبب قتل عدي صدام حسين لخادمه (لم يذكر اسم الخادم!) بينما مع واقعة المحامية لهيب، كان القتيل مدعوًا باسم: كامل حنا ججو، وكان خادمًا لأبي عدي، وليس خادما لعدي والذي قتله ليس برصاصة طائشة بل بعقوبة.
أخي العزيز سعد، إن القصص الحقيقية كثيرة بين ابناء الشعب العراقي، وما زلتُ لا أصدق أن هذا المقال يحكي عن قصة مختلقة، ومع حسن الظن لا أخاله موضوعا روائيا لحالات مماثلة كثيرة في مختلف العقود السابقة، لأن الكاتب أكد في مقاله أنه شاهد (مريم) بأم عينه.
ولهذا السبب وددت ان أوجه إلى حضرتكم، الاستاذ القدير سعد البزاز، ومن خلالكم الى الاخ د. أحمد عبد المجيد، استفسارا رسميا من بطريركيتي، بطريركية الكلدان في العراق والعالم. ويحمل هذا الاستفسار التساؤل الجاد عمن تكون تلك المحامية الضحية والمسيحية (مريم) وبالمواصفات الدرامية الواردة في حبكة المقال الجديد، والمشابهة قصتها مع القصة المعروفة عن لهيب كشمش نعمان، وذلك بغية أن يتسنى للبطريركية أن تعمل ما يتيسر بشأنها، ونعلمكم ان القنوات الكنسية المتوفرة في بغداد، ليست على علم بمثل هذه الحالة، وأن الكنيسة تساعد حالات مثل هذه من دون النظر الى هوية المحتاج.
وفي الآخر إذا تبين في تحرّيكم المشكور سلفا، ان الموضوع روائي مبتكر فحسب، نرجو الاشارة الى ذلك مهنيًا، والتقويم المسؤول عما دفع الكاتب الى تشخيصه الروائي لحالة مسيحية. لأن الحالات المأساوية في عراقنا المنكوب هي كثيرة وحقيقية أصلا، وقد طالت وتطال شعبنا العراقي بكل شرائحه. وفي هذه الحالة، إني واثق بأن موقع عنكاوا.كوم الأغرّ، وهو الواحد ضمن 50 موقعا الكترونيا الأكثر قراءة في العالم، سوف يتحرى مستقبلا للتمييز بين ما هو روائي وبين ما هو واقعي في ما تنشره جريدة الزمان الرائدة، ويتمحص فيما يكتبه الكاتب السيد ماجد عبد الرحيم الجامعي بهذه المواصفات.
وأخيرا، آمل أن تتوفر لي يوما الفرصة لزيارة ودية إلى الزميل د. احمد عبد المجيد في مقرّه، وأن أسأله عنكم شخصيا ، وأحييكم.
ودمتم بسلام  لرسالة الكلمة الحرة الهادفة.
أخوكم وزميلكم، نوئيل السناطي


6
رسالة مفتوحة الى رعاتنا البطاركة الأجلاء
لمناسبة مقدمكم الميمون، أمنيات بقيت مؤجلة

الأب نويل فرمان السناطي
بغداد
 
منذ صدور بيان الموقع الالكتروني البطريركي الكلداني المرحب بقدوم  اصحاب الغبطة والنيافة البطاركة (26-30 تشرين الثاني 2018) ومع البهجة بلقائهم على أرض العراق الجريح، يفيض القلم بأمنيات بقيت مؤجلة، هذا بعض منها. وإني ممتن لهذا الموقع، في بطريركية بابل، وهي البطريركية الكاثوليكية الوحيدة في العراق، ممتن لهم إذا تفضلوا بنشر هذا المقال.
بادئ ذي بدء، ولما كان الحديث عن قدوم بطاركة الشرق، ربما رواد البعض وأنا أحدهم انطباع بسيط لحد السذاجة ان الحديث كان عن بطاركة كنائس الشرق، وليس البطاركة الكاثوليك حصرا. فنجم عن هذه الفرحة المؤجلة، هذه الاسطر الحبلى بالامنيات الانسانية والمكتنزة بالرجاء المسيحي.

فأن تأتوا يا رعاتنا الأحبة الى بغداد بعد كل ما عاشته بغداد، وأن تجتمعوا فيها، فهذه فرحة حققتموها بعد طول انتظار، مع أمنية أن يكون قدومكم نقطة انطلاق جديدة فيها الكثير من التطلعات:
 وأن تتداول الاخبار بأنه ضمن تطلعاتكم بشأن هذا اللقاء، هو التطلع الى الوحدة، مع احترام وجهات النظر والأفكار، فهذا تطلع يجعل المرء يضرب كفا بكف، متسائلا:

فأن يتعلق الأمر بوحدتكم وشركتكم التامة مع الكرسي الرسولي، فهذا أمر مفروغ منه بنعمة الرب.
 وأن تتطلعوا الى الوحدة مع الكنائس الشقيقة لكل من كنائسكم، فالمسار هذا بذاته، أخذ منحى التداول المباشر على قدم وساق بين تلك الكنائس الرسولية غير الكاثوليكية وبين الكرسي الرسولي؛ وفي هذا الصدد كان الكردينال روجيه ايتشيغاراي قد قال ما معناه: ما أن تتفق الكنائس الارثوذكسية مع الكرسي الرسولي على موقع البابا في الوحدة، فإن شقيقاتها الكنائس المتحدة بروما عابرة... وجاء الوصف ضمن عبارة
Se déraper
مما يصعب ترجمته بمجرد فعل العبور.

أما أن يكون التطلع الى وحدتكم فيما بينكم، فهذا بالفعل هو بيت القصيد، ولجملة ملاحظات:
عدد مبارك من بطاركتنا الاحبة يتجاوز عدد اصابع اليد، مع اننا، لم نحفظ  من اسمائهم الا ما هو أقل من النصف، وقلما نستطيع ان نضع الاسماء على وجوه عدد منهم. وخصوصا لما ترافق الاسماء قائمة من الاسماء الطقسية العريقة.
أما كمسيحيين في الشرق الاوسط، فنحن والحمد لله نتجاور ونتصاهر، نتعاشر ونتسامر. مع أن كنائسنا المتجاورة ايضا، كادت كل منها تواجه التحديات لوحدها، بين البقاء والزوال. وتكاد تحير كل منها لوحدها بشحة الكهنة، وقلة الدعوات الكهنوتية والرهباينة والعلمانية، مثلما تواجه الأعباء المادية في الصيانة والحماية كما في إدارة بيت مال المؤمنين.
أما في بلدان الانتشار، في المهجر، فيحاججني مؤسسو الخورنات الجديدة لتتجاور هي الاخرى مع الخورنات الكاثوليكية الشرق الاوسطية، والتي لا يفصل المؤمنين فيما بينها سوى شارع أو إشارة ضوئية، يحاججوني، بأن كلا من كنائسنا تحمل غناها الطقسي الليتورجي والتراثي وكنوز ميراثها الروحي.
في الحقيقة، أقرّ بأني لست أدرى، عن أي تميز يتكلمون، وعسى ألا يكون التميّز في الاعياد الوطنية والفولكلورية، فهذا تحققه المجتمعات المدنية والبلدان وتنظمه جمعياتها العلمانية في العالم.
أجل أتساءل عن أي تميّز يتكلمون، وقداديسنا جميعا، من بغداد إلى اقاصي الارض، إلى جانب ما يقام منها باللغة الطقسية، قداديسنا جميعا تستخدم اللغة العربية، وتترجم ترانيمنا الطقسية في مجمل كنائسنا المشرقية، الى اللغات العالمية المحلية.
وأتساءل والحال هذا على ما تتنافس الخورنات مع بعضها، وهي بمجملها الصلاة بالعربية أو اللغات المحلية.
إنها تتنافس على رؤوس مؤمنيها؛ ومؤمنوها حائرون مع انفسهم، وفيما بينهم، إلى اي كنيسة يذهبون.
 حائرون بين أن يذهبوا الى كنيسة قريبة، أم كنيسة ألفها أولادهم، ام كنيسة يجتذبهم كاهنها إليه بشتى الطرق، وفق مبدأ لا يوجد فرق بيننا كلنا من العائلة الكاثوليكية.

فإذا كانت الكثافة السكانية في بلدان الكرسي البطريركي، لم تزل تسمح بشيء من الاستقلالية وفرض الضوابط الادارية في منح الاسرار والتفسيح والبطلان، فإن الكثافة هذه باتت مهددة يوما بعد آخر، ومواجهة النقص في خدام الاسرار متزايدة خصوصا أمام تحديات وجودنا في ظروف بقيت بمرور الزمن استثنائية. فكيف الحال مع خورناتنا في المهجر سواء في المدن المركزية الكبرى أو المدن النائية؟ 

لا يرمي هذا المقال إلى يندب الحال، بل يحمل تمنيات باتت مؤجلة بحثا عن حلول جذرية، أمام الواقع هذا، الذي يكاد عائق الاختلاف فيه، يضاهي عائق الوحدة مع الكنائس غير الكاثوليكية. لقد تفرّق مسيحيونا في النواحي الطقسية والادارية خلوا من الحدّ الأدنى من التنسيق المركزي الراعوي لخدمة جميع مؤمنينا في كافة رعايانا، وذلك لذرائع ليس الآخر فيها الواعز المادي المالي، مما أدى إلى تشرذمهم إلى فئات مجهرية، تشرذم قد يكون السبب في تسرب الكثيرين من مؤمنينا الى الكنائس غير الكاثوليكية رسولية كانت أو انجيلية.
افكار كانت في ذهني، عندما قلت يوما في المطار لأسقف زائر من إحدى ابرشياتنا الكاثوليكية المشرقية: سيدنا اتفقوا فيما بينكم، بشأن التنسيق في الخدمات الكنسية والأسرارية، كرعاة ابرشيات، فنحن الكهنة متفقون اصلا.

لذلك فإن مثل هذه التطلعات، وككاهن في بلاد الانتشار، كنت قد سعيت الى عرضها في مقال سابق تحت عنوان: مع انضمام ابرشية سريانية الى الابرشيات المشرقية، ملف جزئي عن خارطة الابرشيات الكاثوليكية بكندا (في الرابط أدناه)

ومن المعروف أن بقاء خصوصية الكنيسة ذاتية الطقس والادارة، كان احدى تطمينات الكرسي الرسولي في محافظتها على اصالتها، لكن هذه الاصالة باتت، مع تواتر الزمن، شبه متحفية، ويمكن صونها بطرق ابتكارية ومعاصرة عدة.
لذلك لم يكن من فراغ ما بادر البطريرك الكردينال مار لويس روفائيل ساكو، عندما تمنى في أحد اللقاءات أن يصار الى انتخاب عميد للبطاركة الكاثوليك، وبتواضع اقترح غبطته واحدا منهم.

من ناحية أخرى، وللنظر في خبرات مماثلة إلى حد ما، يمكننا أن نقارن التباين الثقافي التراثي واللغوي في الخورنات العاملة ضمن الابرشيات الكاثوليكية (اللاتينية) عندئذ نجد أن هذه الابرشيات توفر مساحة مناسبة ومتكافئة من الخدمة، كما توفر الوئام بين الكهنة، والمناورة في الحاجة الادارية والخدمية:
ففي احدى الابرشيات الكاثوليكية ذات اللغة الانكليزية، توجد خورنات كاثوليكية منها المانية واسبانية واوكرانية وهنغارية وايطالية وبرتغالية، وفرنسية،  يلتم كهنتها مع بعضهم، وينسقون فيما بينهم في الخدمات حسب الحاجة، تحت اشراف مطران كاثوليكي واحد في المدينة، ولكل من هذه الكنائس تراثها، وعندما يغيب عنها كاهن، أو يرحل، يعوضها الاسقف بكاهن يعرف لغتهم او يتعلمها، فيما يدأبون على الاجابة والقراءات بلغاتهم الطقسية. ليستجد التساؤل الآتي:
 كيف يا ترى لا يمكن لاسقف كاثوليكي من الشرق أن ينسق في الخدمات الكهنوتية لرعاية شرقيين كاثوليك يتكلمون العربية ذاتها، في حين يصعب ايجاد كاهن طقسي لرعية ذات عدد ضئيل.

معالجة ما نعيشه من تشتيت للطاقات الخدمية الاسرارية قد تكون واحدة من هذه الامنيات المؤجلة، ويراود المرءَ العشمُ كل العشم، أن يصار الى حد أدنى من الحل بشأنها في اجتماع رعاتنا الأجلاء. فلو تحقق شيء، باتجاه توحيد الخدمات الاسقفية في المناطق النائية، ومنح الصلاحيات ثنائية الطقس للكهنة، لو حصل شيء منها، فمن المرجح انه سيتوفر المزيد من الكهنة لخدمة المؤمنين المشرقيين حسب الحاجة الفعلية لعددهم. ومع حلول في توأمة بهذا الاتجاه من المعتقد أنه سيتوفر عدد أكبر للاساقفة في أبرشيات جديدة منتشرة في بلدان المهجر. كل هذا في سبيل رؤية مسيحية مشرقية موحدة...
أمنيات من القلب موضوعة أمام الآنظار الأبوية لرعاتنا الأحبة

7 تشرين الأول 2018
رابط المقال المنشور سابقا في موقع عنكاوا دوت كوم بعنوان:
((مع انضمام ابرشية سريانية الى الابرشيات المشرقية، ملف جزئي عن خارطة الابرشيات الكاثوليكية بكندا))
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=807674.msg7463130#msg7463130

7
مع اعلان روميرو قديسا
منعطف واضح للموقف الكنسي المقدام من الشأن العام

بقلم الأب نويل فرمان السناطي
بغداد

منذ تطويب المطران اوسكار روميرو، قبيل سنوات، وحتى اعلانه قديسا في 14 تشرين الأول أكتوبر الجاري، بات هذا الوجه الكنسي المعاصر، موضع التحليلات والالهامات عن موقف الكنيسة في الشأن العام، بما في ذلك كفاح رئيس الكنيسة من أجل قضية العدالة الاجتماعية في ظل أنظمة القهر والاستبداد

مؤشرات المسار الشائك نحو التطويب وإعلان القداسة

على أن ملف تطويب اوسكار روميرو حتى إعلان قداسته، مر بمسار شائك نعرضه في عدد من المؤشرات:
- لم يكن ثمة عوائق مالية بشأن أعباء وتكاليف قضية التطويب، كما كان الشأن مع تطويب شارل دي فوكو، والرهبانية الفقيرة المقتفية آثاره، بحيث استغرق التطويب، حتى عام 2006 مع الذكرى التسعين لوفاته مغتالا بأيدي عصابات جزائرية في 1916. فالاسقف روميرو شخصية عامة حظيت بالتفاف ودعم بنحو منقطع النظير. ما هو الجانب الشائك إذن؟

ذريعة التصفية السياسية

- في البدء طرح بعض المتزمتين، موضوع مدى صحة الإقرار بأن موت روميرو كان من أجل الإيمان، مع ان الرجل استهدف في ذبيحة قداس لم يستأنف حتى النهاية. فتساءلوا: من يقول انه استشهد من اجل ايمانه، بما أن الذين قتلوه هم كاثوليك معمذين، في مقارنة فاجعة مع مراجع دينية عليا ما زالت تتخاذل في تكفير تنظيم الدولة الاسلامية في كل ما اقترفه تجاه اتباع الديانات الأخرى. فكان المتحفظون على الملف، في ضوء هذه الملاحظة يتذرّعون بحجة ان موته كان قضية تصفية سياسية.

التباس الخلط المشبوه مع لاهوت التحرير

- كان ملف تطويب روميرو، أمام تحدّ آخر مفاده، أنه بالرغم من كونه كاثوليكيا محنكا وفي خط الكنيسة الجامعة، وأحد اساقفتها المفوّهين، فإن مواقفه المجاهرة بالمطالبة المسيحية الانجيلية بالعدل والسلام لصالح المظلومين والمقهورين والجياع، خلطت بشأنه الأوراق، مع خط مسيحي تعدّى الخطوط الحمراء في الولاء لكنيسة روما، هو خط لاهوت التحرير، بما حمله من رموز مثيرة للجدل، شأن القس (سابقا) ليوناردو بوف الذي ترك الكهنوت وتزوج سكرتيرته.

الحرج من بيروقراطية السفير البابوي آنذاك

- يضاف الى المسار الشائك، عنصر آخر، أدّى الى أن تطويبه من قبل الكرسي الرسولي، كان أخيرا نوعا من الانعتاق من حرج واضح بشأن بيروقراطية فاتيكانية مارسها ضد المطران روميرو، السفير البابوي (القاصد الرسولي) في السلفادور آنذاك. حكاية القاصد الرسولي، الذي كان على ما يبدو على قدر حاله، يحسب كتحصيل حاصل، ان بإمكانه أن يعطي التعليمات الى روميرو، كمن يعطيها لتلميذ، وذلك بما قام من تحفّظ على الحركات الجماهيرية للمطران وخطاباته اللاهبة. تلك الخطابات التي كانت تنتشر في الجماهيرعبر الاثير، انتشار النار في الهشيم. ولسان حال روميرو نحو القاصد الرسولي، كالجبل الأشم يخاطب التل الرملي: الناس تحترق، والشعب يجوع، ومؤمنو الكنيسة يقهرون عن بكرة أبيهم، وانت توصيني بالصمت . فكان حظ السفير البابوي من مواقف روميرو، أن الأخير مضى بشجاعة نحو القيم التي يمليها عليه ضميره..
وكان أيضا من طينة السفير البابوي ذاك، عدد من العلمانيين سواء المتعاطفين مع النظام المستبد، لمصالح متباينة، او من كانت تراودهم في الشأن السياسي أحلام وردية، فكانوا يستفزون روميرو بالقول: خليك في شأنك الكنسي الروحي، ودع لنا السياسة. وهكذا جاء التطويب واعلان القداسة، بأن ذلك نتج بوضوع عن فصل الخيط الأبيض عن الأسود، إذ صار من خلال اعلان القداسة أن ثمة التمييز المبدئي، بين أن يمارس الاسقف نشاط التنظيم السياسي، وبين أن يطالب بالعدالة والسلام والحقوق المتساوية، وهو على مسافة واحدة من ممتهني السياسة وخلط الشأن الديني بالتنظيم الحزبي والطائفي.

هذا ما أمكن استخلاصه من عدد من القراءات بشأن الاسقف روميرو منذ تطويبه، ابرزها جريدة رائدة في الاعلام المسيحي المسؤول: وسترن كاثوليك ريبورتر، والتي تجاري في خطها الاعلامي المباشر الشجاع، مطبوعات دورية مثل (لا كروا) و(لافي) الفرنسيتين ومجلة (الفكر المسيحي) العراقية.
على أن المجلة الكاثوليكية الكندية لتلفزيون سالت اند لايت – ملح ونور، برغم دبلوماسيتها وكلامها المزوّق عن مخاض التطويب للاسقف روميرو، إلا أنها في مقال بقلم كيفن كلارك، لم تعوزها الشجاعة في التأكيد بأن كنائس امريكا اللاتينية ومنها كنيسة السلفادور، كانت بحجّة عدم التدخل في السياسة تسعى، لمصالح ضيقة، إلى تحالف ضمني غير معلن مع السلطات السياسية، بالرغم من أن هذه السلطات كانت تمارس أحيانا أبشع أنواع القهر والاستبداد.

العودة الحاسمة الى الموقف الكنسي المبدئي لصالح المقهورين

ولكن الحق استعاد مكانته التي لا يعلى عليها، مع مواقف روميرو المنسجمة مع مقررات سينودس اساقفة امريكا اللاتينية بمدينة ميدلين (في كولومبيا) في أيلول سبتمبر 1968، الذي أعلن التأكيد على اصطفاف مصالح الكنيسة إلى جانب الخيار الأوحد لصالح الفقراء والمقهورين.
وهكذا فإن القديس أوسكار روميرو إذ قلب أولويات الكنيسة ضد انتظارات الحكام المشبوهة، اصبح بذلك واحدًا من أوائل الأحبار اللاتينو- امريكيين الساعين إلى ترجمة الخطابات الطنانة إلى ارض الواقع من خلال حملة اجتماعية ملموسة، رامية الى التغيير الجذري والى العودة السلمية إلى جادة العدل والسلام. هذا كله حققه مار روميرو بثمن حياته، وعلى مذبح الاوخارستيا.

فيستجد القول ختاما:
لعله تراود البعضَ أحلامٌ مريضة في تجميد دور الكنيسة تجاه الشأن العام والاصطفاف مع المقهورين، بغية أن يخلو لهذا البعض اللعب في السياسة كل بحسب اجندته وأهوائه في الأضواء. لكن القديس الشهيد أوسكار روميرو، وبعيدا عن تأسيس حزب وامتهان مشروع سياسي باسم الدين والطائفية، بيّن في حياته، وقوفه  الحبري المبدئي البطولي تجاه الشأن العام، بصفته رأس كنيسة في مدينة سان سلفادور. وبذلك صار أنموذجًا متفرّدًا، في توصيف جديد لشهادة الدم من أجل الإيمان. وهكذا نستطيع القول بشأنه، ولئن كره الكارهون، بأن مار روميرو لم ينل هالة القداسة والشهادة بسبب نوع الميتة التي ماتها فحسب، بل أيضا وبالأحرى، بنوعية الحياة المكافحة التي عاشها.

18 تشرين اول 2018
 
 
 



8
محبة اللغة غير الشهادة الحية لها، الأديب قشو ابراهيم نيروا إنموذجا 

بدل أن تقول انك تحب أمرا، أحببه
(الأب الراحل د. يوسف حبي)

الأب نويل فرمان السناطي
_________________

قد يكتب كل منا باتجاهات متباينة، لكني أحترم قناعاته ما دامت منبثقة من عمق قناعته، ويعبر عنها بنحو حضاري وباحترام. على أن ما يجمعني به، هو امنية تتحقق فيه، ينفذها ويعيشها، وهي عن اللغة المشتركة بيننا في حضارتنا النهرينية.
لم أجد غيره في مثابرته المتواصلة، في مجال الكتابة على صفحات موقع عنكاوا كوم، ولا على مواقع أخرى. ولا بدّ أنه يوجد غيره في مواقع أخرى، ومجالات أخرى، وبأسلوبهم الخاص ممن لم يحالفني الحظ في معرفتهم، إلا انه بارز للناظر من خلال حضوره في موقع منتشر كموقع عنكاوا، والحق يقال. وهو يعوّض عما نفتقده في عيش وممارسة لغة بلاد ما بين النهرين. ونأمل أن يكون أبا لأجيال متواصلة في هذا المنوال.
لم التق به شخصيا، ولا اعرفه إلا من خلال تحايا تبادلناها من خلال قريب لي، وصديق مشترك، خبير الطباعة والنشر الاعلامي منصور قرياقوس السناطي.
إنه الكاتب قشو ابراهيم نيروا. من الواضح، أنه يعرف جيدا لغة بني طي، ويقرأها ويتفاعل مع ما يطرح بها، بدليل تعليقاته على كل ما يلفت انتباهه ويوحي له بالتعليق.

على أن ما يتفرد به الاستاذ نيروا، استخدامه للأدوات المتاحة في الطباعة على الموقع الالكتروني، وتملكه ناصية اللغة الاعلامية المحكية للغة شعبنا- لشانا خاثا- وهو يستخدمها وبما يبين لنا انها لم تزل لحد الآن لغة عاملة، تجمع تحت كنفها كل من يلهجون بها في البيت والمطبخ والسفرات ومن تصدح حناجرهم بها. مؤكدا بذلك أنها لم تزل لغة معاصرة ولغة حية. ولكن لسان حاله ايضا  ينذر في الوقت عينه، أن هذه اللغة، مهما استخدمناها في الأغاني، أو في البيت، ستؤول الى الاختفاء.

وعلى ذكر المطبخ، من لي برابي قشو، بأن يحفز مثاله، أخواتنا المتخصصات في المطبخ، ان يخرجوا ببرنامج تلفزيوني أو باليوتوب عن الطبخ، يعممن في ذلك البرنامج لغة شعبنا، بنحو متوازن مشترك في المفردات قدر الامكان، ولعل ذلك موجود ولم أحظ به لسبب أو آخر.
وعلى ذكر اللغة المحكية المشتركة قدر الامكان لشعبنا، اطلعت على بعض الدراسات تفيد بأن لغة جيراننا ومواطنينا، اللغة العربية الفصحى كادت أن تكون لغة إلى التقهقر، على أساس قلة الذين يلمون فيها، وبسبب اقتصارها على الكتب الدينية للاخوة المسلمين، فلا يفسرها سوى المتخصصون. فيما اصبحت شعوب البلدان العربية، تتكلم لغات متباينة، بين مصر ولبنان وسوريا والعراق، وثمة مسافات شاسعة في الفهم بينها وبين عربية شمالي افريقيا، من المغرب والجزائر وتونس وليبيا (زنقة زنقة)، بحيث أصبح معدل متزايد من ابناء الدول العربية، يجهلون لغتهم الفصحى، باستثناء مفردات الصلاة، ويقدمون الاخبار بها اضاف الى التعليق الرياضي والشعر الغنائي بحسب كل بلد.

وعليه، يقدم الملفان قشو ابراهيم نيروا، لغة قريبة من اللغة الفصحى، سواء الطقسية او الكتابية، مما يسهل على القارئ، أن يرتبط باللغة الأدبية والكتابية. وعلى ذكر اللغة الكتابية، هناك لغويون آخرون، يهتمون بتقديم نسخة للغة المحكية عن الطقوس الكنسية مثل الشماس خيري داويذ تومكا. وهناك جهود جبارة يبذلها الشماس سمير ميخا زوري، وتسانده زوجته بمثابة ذراعه اليمنى، لانجاز ترجمة علمية للأسفار المقدسة لـ... لغة شعبنا، ومنها طاب لي أن استوحي الترتيل المسجل لنصوص الأناجيل.

هناك ايضا الدكتور بشار حنا بطرس بيت خيزو الذي قبل استقراره في استراليا، كان قد انجز في ادمنتون بكندا نسخة جديدة لقاموس اوجين منا، وذلك بالابجدية المتسلسلة للمفردات كما هي وليس من مشتقاتها. كما كان قد أدار محفلا فيسبوكيا واسع النطاق لتعليم لغتنا الأم.
واذ يتناول هذا المقال الدور الريادي الذي يقوم بها رابي قشو، في مجال كتابة المقالات والتعليقات، كنت أود لو ينضم إليه عدد آخر من كتاب المنتديات، وأن تتحول حلبة نقاشاتهم بلغة شعبنا ايضا، ومع دأبنا على قراءتهم أكثر فأكثر، لعلي ولعل غيري سيكونوا أكثر آهلية للتعامل في التعليقات بهذه اللغة، التي لهج بمفرداتها سيدنا يسوع المسيح. وقد ذكرني مثاله العملي، بكلمة لمعلمنا الأب الراحل د. يوسف حبي إذ قال: بدل أن تقول انك تحبب أمرا، أحببه.

هذا المقال، بقي ينتظر ان اظهره للعلن، وفي كل مرة اقرأ للأخ قشو، بقيت اقول لا بد من الكتابة عن هذه الظاهرة، فاللهم أني بلغت. وإذ يسرني أن أورد صفحة من مختاراته، وهي سيرة القديس زيعا، أشد على ايدى هذا الرائد الذي آمل أن أكون يوما ضمن الكثيرين ممن يتوفر لهم ويتهيأ لهم أن يلتحقوا بتجربته النيرة.
 




9
وحدة الكنائس مع الكرسي الرسولي غنى وقوة وليس افتقارا وانتقاصا

بقلم الأب نويل فرمان السناطي
_________________________
 
من دواعي الارتياح، ما قرأناه عن اعلام الموقع البطريركي، من كلمة تطمين بشأن الموقف مما يكتب، والمضي في ما هو بنّاء  ويسعى للتقويم، ومبعث رجاء، في مرحلة صعبة تضاهي مراحل حرجة مختلفة عاشتها الكنيسة عبر التاريخ المسيحي.
وفي هذا المجال، استجدت لي مراسلة جانبية مع أحد الآباء البيض ستيفن جولن Stephane Joulain متخصص في التحليل النفسي، ومؤلف كتاب عن مكافحة الاعتداءات، أصدرته مؤخرا دار ديكلي براور الفرنسية. من تلك المراسلة استخلصنا من جانبينا "أن تطور المعلوماتية، جعل حشودًا من العدوانيين يبثـّون سمومهم، أمام كل شاردة وواردة، عن الكنيسة أو حتى عن المجتمع عموما، مع اضافات تسقيطية، يهدفون منها التأثير على مختلف الخصوم، بحيث يصيبون فيهم اقوى قدر من الضرر، لحين انجلاء الأمور.
والحال، وفي رؤية ذات نطاق محدود في مجتمعاتنا، انتفخت في هذه الأيام أوداج عدد من غير الكاثوليك، او المحسوبين على الكاثوليك، سواء كانوا مسيحيين مسخـّرين لسياسات قومية وأجندات محددة، أو كتابًا شبه مستقلين قد يطلق على واحدهم "ربيب الانترنيت- نائب في جمهورية الانترنيت!" ويكتب لنزعات وأغراض مختلفة. فتراهم  يترصدون كل حركة في الكنيسة الكاثوليكية  متشفـّين، وضمنها الكنيسة الكلدانية التي ترتقي استعادتها الشركة التامة مع كرسي روما إلى قرون، بعد انقطاع دام قرونا عديدة.
 
لغة الأرقام
_________
وفيما يتوهم البعض ان الكنائس المرتبطة مع روما هي حفنة من كنائس الشرق الأوسط، ممن جاء المرسلون لدمجها مع روما لظروف محرجة وغامضة، فإن الكنائس ذات الشركة مع كنيسة روما الكاثوليكية (اللاتين) يصل عددها الى 23. هذه الكنائس تتمتع بحقها القانوني الخاص ولا يوجد عليها فرض. وتؤكد روما على هذا الحق وعلى أصالة طقوسها وتأوينها وخصوصيتها الثقافية والتراثية… من هذه الكنائس على سبيل المثال لا الحصر:
المطرابوليطية الاثيوبية- اديس أبابا، المطرابوليطية الاريترية- اسمره، اليونانية البيزنطية- اثينا، الالبانية\الايطالية البيزنطية في صقلية، البيزنطية البيلوروسية، اليونانية الروسية، ومثلها البلغارية في صوفيا، السلوفاكية، الكرواتية\ الصربية، الهنغارية، الرومانية، والمقدونية، عدا الاخرى المعروفة من شرقنا الأوسط والهند. 
 
ديمغرافيات
___________
وماذا عن نظرة إحصائية لجوانب ديموغرافية؟ في هذا المجال، نرى أن الكنيسة الكاثوليكية يشكل أبناؤها نسبة 17 % من سكان الأرض. كما نلحظ أنها متفردة عن سائر حواضر الأديان بإقامة علاقات دبلوماسية مع 183 مع دولة، مقارنة بعدد 174 دولة في 2005 في ختام عهد البابا القديس يوحنا بولس الثاني، و 48 دولة في نهاية العهد المتتابع سريعا للبابوين يوحنا بولس الأول والطوباوي بولس السادس، وقياسا بحوالي 20 ممثلية في 1902. وبنحو يسهل تفسيره عموما، لا يقيم الكرسي الرسولي علاقات دبلوماسية، مع 13 دولة فقط منها: افغانستان، السعودية، الصين، عمان، الصومال، فيتنام، كوريا الشمالية، والبقية من هذا العدد 13 هي بلدان من قبيل جزر القمر، المالديف، وأسماء مغمورة اوفر اسماءها على صبر القارئ.
ولعل أسباب تعدد التسميات، لهذه الكنائس الكاثوليكية الشرقية إزاء شقيقاتها الأرثوذكسية، هو استقلالية الكنائس الارثوذكسية عن بعضها خلوا من المركزية ، أي من مجمع كنائسي أعلى أو تنسيق هيراركي-تراتبي موحد. ولعل المشترك فيها لا يزيد عن المشترك بين الكلدان والآشوريين من كنيسة المشرق، أو عن السريان الكاثوليك والأرثوذس من كنيسة انطاكيا. إضافة إلى ذلك فإن تراكم الخصوصية الليتورجية والزمكانية بين الكنائس الشقيقة، جعل الجانب الكاثوليكي منها يستجيب لرغبة المسيح في الوحدة مع الاحتفاظ بما باتت تحمله كل كنيسة من تلك الخصوصيات المتباينة.
 
أضواء على الوحدة مع الكرسي الرسولي
________________________________
وإلى جانب هذا المسار الطبيعي والأساسي نحو الوحدة المسيحية، فإن هذه الكنائس حظيت بتنشئة  راقية للاكليروس، بما يستحق وصفه من الصديق والغريب، بالثقافة العالية لمهنية التعليم فيها وبنحو حيادي موضوعي، بدليل أن طبيعة التنشئة هذه جعلت الكنائس غير الكاثوليكية ترسل طلابها إلى روما للدراسة، كما كانت ترسلها إلى كليتنا الحبرية المحلية ببغداد وفي أربيل حاليا.
وتجدر الملاحظة، إن الكنائس الأرثوذكسية الرسولية التي كافحت طويلا من أجل أصالتها، قد تستحيل، مع الزمن، في ظل العولمة الى كنائس مجهرية، متجزئة على ذاتها بأكثر من تسمية. وقد بيـّن الزمن، كيف بات من الصعب عليها، حتى اعادة اللحمة بين جزئيها  نذكر على سبيل المثال الكنيسة الشرقية القديمة وكنيسة المشرق الاشورية، حتى مع زوال الكثير من مسببات وعناصر التجزئة.
وإذ يعدّ الكثيرون ان علاقة الكنائس المتحدة مع الكرسي الرسولي بروما هي علاقة مسيحية متينة مزدهرة ومنتعشة لا تضاهيها علاقة، فإن وحدة الكلدان، وهذا ما يخص حالنا مع الكرسي الرسولي، جعلت هذه الكنيسة قوية بسبب هذا الارتباط عينه؛ هذه الوحدة غدت عنصرا يصون مسيرتها الانسانية والعقائدية في خضم شتى الصعوبات والخلافات. فبدل مخاطر الانقسام الداخلي، تصبح روما بالتالي صمام الأمان لها وليس العكس. ولعل هذا، في زمن الانترينت، حدّ ضدّها أقلام من هبّ ودبّ.
 
فقر أم إثراء؟ ضعف أم قوة؟
_______________________
من جهة المشاركة الفاعلة والإثراء المتبادل بين مختلف الكنائس والكرسي الرسولي، ليس ثمة احصائية عن الكنائس التي تحمل رئاستها الطقسية او البطريركية، صفة الكردينالية ضمن سن المشاركة الفاعلة، فإن اختيار كردينال في الكنيسة الكلدانية من شأنه أن يسهم بنحو مباشر في مسيرة الكنيسة الكاثوليكية، وذلك بالإسهام في اقتراح حلول خبرتها على ضوء خبرتها في المجال اللاهوت الأدبي، وفي اختيارات الحياة الكهنوتية المكرسة، وتكريس الاختيار بين قيام كهنة متزوجين أو كهنة غير متزوجين، ولا بدّ وأن غدا لناظره قريب. 
ونأتي إلى ما يخص انفجار "دمّلة" الاعتداءات بشكل مدان تمامًا، وبما أدّى إلى تشخيص الذين أجرموا في هذا الصدد، أو الذين انجرّوا الى كتل، ذكر المحللون أنها اخترقت الكنيسة بنحو مخطط ومنظم. هذا ما جاء في كلمة تحليلية عن هذه المأساة أحالها اليّ الناشط  براين مورفي Brian Murphy رئيس مؤسسة God's Plan for Life تلك الكلمة التي القاها الأب روبرت ألتير Robert Altier من كنيسة سان رافائيل في بلدة كريستال بولاية مينسوتا الامريكية. في تلك الكلمة أشار أبونا روبرت، الى محاولات التأثير على الكنيسة باختراقها من الداخل بعد أن فشل ذلك من الخارج. فقام بالتنويه في هذا الشأن بمحورين:
المحور الأول شبكة مروّجي المثليّة الجنسية المؤسسة في 1924 التي كانت عنوان كتاب انريكي روايدا 1982ُ.
المحور الثاني أشار فيه رابي روبرت الى التغلغل الشيوعي في الكنيسة منذ بدايات القرن 20، كما جاء في كتاب السيدة بيلا دوود، عن خبرة اهتدائها من الشيوعية إلى الإيمان المسيحي في 1953 وأدلت بشهادتها أمام الكونغرس، بشأن مخطط استغلال الأكثر وسامة والأكثر كفاءة لترغيبهم على عيش الحياة المزدوجة، وتأهيلهم الى أعلى المرتبات الكنسية، فانفضح ما انفضح، تحت عبارة كشف فيها استاذ للاهوت من هذه الطينة إذ قال: مارتن لوثر، قام بالخيار الصحيح، ولكنه نفذه بنحو خاطئ: بخروجه من الكنيسة الكاثوليكية...
 
أصوات نبوية
___________
وعودة الى الضجة العاصفة ضد الكنيسة، فإن أكثر من صوت نبوي بقي ينادي بكنيستنا، كنيسة رجاء، عند الإشارة إلى خروج أعداد من الاكليروس، عن جادة الالتزام الايماني والكهنوتي. هذا العدد مهما كان مهولا ومأساويا لمرتكبي الاعتداءات، فإنهم يبقون يشكلون نسبة يهوذا الاسخريوطي على مجموع الاثني عشر تلميذا، من مجموع يصل إلى نصف مليون كاهن كاثوليكي في العالم، وأكثر من خمسة آلاف أسقف كاثوليكي في العالم، ضمن مليار و301 ألف مسيحي في العالم. من هذه الأصوات اخترت اثنين:
موقف الراهبة الفرنسية فيرونيك مارغون في افتتاحيتها  L'édito de Sr. Véronique Margon ليوم 4 أيلول الجاري، الموسومة بعنوان: لست كاثوليكية من أجل الكهنة…  حتى الأفضل فيهم، كما لست كاثوليكية من أجل الأساقفة حتى الأكثر أصالة منهم، بل أنا كذلك من أجل يسوع المسيح... ولأني اؤمن بكلام الله. وانا اؤمن ان الكنيسة الكاثوليكية سوف تخرج من بعض الازمات اكثر نقاوة  وقداسة وقوة.
فأثنى على كلامها الفرنسيسكاني اتيين ميولر Etienne Muller في الصفحة التي تجمعني معه على الفيسبوك، إذ علـّق على قول ماسير فيرونيك مارغون بالقول: بل أنا مسيحيي أيضا لأن رجالا ونساءًا من الكنيسة وفروا لي التنشئة على الايمان المسيحي حتى وان كانوا غير مثاليين بسبب محدوديتهم البشرية. وأنا كاثوليكي لأني اؤمن بكنيسة واحدة، مقدسة جامعة ورسولية، صفات لن تفقدها بسبب تجاوزات او حتى جرائم ارتكبها بعض منتسبيها...
هل تكون فرصة للنخوة من قبل الكنائس غير الكاثوليكية؟
_________________________________________________
وبعد، إذا وضعنا هذه الجوانب وغيرها في نظر الاعتبار، عندئذ قد نكون مدعوّين إلى معاينة كل جموع الملتفــّين بالوحدة مع الكنيسة الكاثوليكية من مختلف الكنائس ذات الحق القانوني الخاص؛ وبالتالي قد تستجد للكثيرين فرصة مؤاتية، وهي: اذا التفتنا الى الاختراقات التي شاءت العناية الربانية ان يماط عنها اللثام، قد تكون هذه فرصة للالتفاف اكثر من اي وقت مضى حوالي الكنيسة الكاثوليكية! لماذا؟
الجواب إن هذه فرصة لمزيد من الدعوة الى الاستجابة لنداء الرب، ليكون المسيحيون واحدًا، بدل أن يكونوا جماعات معزولة عن بعضها أمام هذا السيل الهادر من التحدّيات. والوحدة لعلها تكون أكثر طبيعية عندما ترتبط بمركز الاستقطاب، بدل ان تتبعثر ثنائية أو ثلاثية خارج المركز وفي أطرافه.
 وبالطبع للكنائس التي لم تصل الى هذه القناعة المسكونية، أن تختار سواء أن تكون محمولة على أكف المساندة والصون والقوة، بالشركة مع الكرسي الرسولي، أو تختار أن تمضي في مسيرتها راجلة، مع الارتياح الى ما يجمعها من اعتراف متبادل بالعماد ما بين الكاثوليك والأرثوذكس، باستثناء بعض الكنائس الأرثوذكسية. وتأسيسا على هذا التقارب الطيب، وعلى وفق مبدأ (ماكو فرق) من باب الارتياح ان نجد بأن الكنائس الكاثوليكية، تتيح استخدام مبانيها للأرثوذكسية الشقيقة. ولم يجد أحد ضيرا، ان من كتلة الكاثوليك، سواء من الكلدان أو السريان، من الموارنة أو الملكيين، عندما  يبرز بينهم من يؤسس للأشقاء غير الكاثوليك، رعية لهم هنا أو هناك، وعندما يظهر آخر يترأس مجلس ملتها وخورنتها. هذا إلى جانب المساعي الخيرة للكنائس الكاثوليكية، لاحتضان المهجرين والمساعدة على استقرارهم الانساني والكنسي. وضمن المسيرة التعاونية المشتركة، نرى، كما أسلفنا، الاستعداد الطيب في روما لتنشئة اكليروس الكنائس الارثوذكسية الشقيقة.
ولكن برغم كل هذا يبقى أبناء هذه الكنائس على تواصل عزلة كنائسهم، مهددين بالانصهار في الكتل الكبرى الغالبة في عالم اليوم، عاجلا ام آجلا، والطامة الكبرى، أن تكون تلك الكتل كتلا قومية او الحادية أو غنوصية.
من كل ما سبق ذكره، لعلنا نستخلص أن سر التواصل في الوحدة مع الكنيسة، يكمن في الحاجة الماسة للتكاتف المسيحي إزاء مختلف المواجهات. هذه ما تفسره، بضع مؤشرات، نسوقها على سبيل المثال لا الحصر:
الاسقف اللوثري السابق Joseph Jacobson الذي انضم الى كنيسة ادمنتون للكاثوليك، وفسّر لي ذلك بالقول: إن ترك العنان الى اختيارات الجماعة بدون وجود سلطة تراتبية عليا، سلطة تميز الغث من السمين مما يتم التصويت عليه، في مجال مختلف القيم، أمام كل هذا وجدت أنه لا يمكن الاستغناء عن الكرسي الرسولي…
خورنة مار يوحنا الانجيلي الانكليكانية في كالكري St. John The Evangelical Church، التي اعتنقت الايمان الكاثوليكي مع قسيسين اثنين فيها و75 في المائة من مؤمنيها، مع الحفاظ على تقاليدها وأصالتها، وانضموا جميعا لمدة سنة كاملة إلى دورة تنشئة تحت ارشاد الأب مايكل استوريه.
ما هو يا ترى لسان الحال عند الذين اختاروا الوحدة بدل العزلة، وعند العشرات المنضمين الى الأبرشيات الكاثوليكية في مطلع كل صوم، لعل لسان حالهم يردد من كل صوب، بشأن مسار الاتحاد باتجاه الكرسي الرسولي، وبرغم كل ما حدث: ما أحلى الرجوع إليه.


10
البروفسور الراحل افرام يوسف
مع الفصل الأخير من (عطور الصبا في سناط) عائلة الفقيد تشكر المعزين
 
المقال الثالث 3-3

الأب نويل فرمان السناطي
________________
 

عائلة الفقيد تشكر المعزّين
______________

في مطلع هذا المقال أود أن أشير إلى أنه في تواصل مع أحد إخوة الفقيد، تم التنسيق على نشر شكر العائلة للمعزين، من منبر موقع عنكاوا دوت كوم، بعد أن أوفوا بذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.
فقد جاء على لسان السيد بريخا يوسف، شقيق الراحل، وهو الآن الأخ الأكبر بعد الراحل من بين أخوته، جاء حوار وجداني مؤثر، متبوعا بالامتنان للمعزين، ومما ورد فيه:

وداعاً وسلاماً ايها الاخ العزيز. لقد نلت قسطا ليس بقليل من الألم… قبل خطفك عنوة من العائلة والتي كنت عمودها الرئيسي الذي يستقر عليه البناء؛ ولمن يعتبر، كنت ترشد وتنصح بدون ملل، وكنت دائما تنثر حكمك إلى اقربائك واهلك واصدقائك دون تكلفة او كلل او ملل.
والأن يا اخي العزيز أريد ان ازيدك علماً بانك كنت صائباً باخلاصك الى محبيك، فقد انهالت علينا رسائل ومكالمات وفاكسات وبرقيات، وعبر مختلف وسائل الاتصالات، ومن مختلف الجهات الرسمية وغير الرسمية.
بدورنا نقدم كل الشكر والتقدير لكل احبائنا وأصدقائنا المتصلين من كافة الدول واخص بالذكر احباءنا من شخصيات ومسؤولين وكبار قومنا ووجهاء ديارنا واغوات منطقتنا، والذين تسارعوا بمشاركتهم معنا بهذا الألم. أكرر شكرنا وامتناننا لهم بكل تقدير.
ارقد بسلام يا أخي، وثق بأنك لن تلقى منا ألا ما زرعته من الطيبة والأمان والوفاء والإخلاص في نفوسنا. لاننا نؤمن بهذا المبدأ القائل: ما تزرعه تحصده.

ومثل هذا جاء في كلمات أخيه الأصغر سليم يوسف، عن (عائلة المرحوم البروفسور أفرام عيسى يوسف) متقدمين بجزيل الشكر الى جميع الذين شاركونا احزاننا من خلال تقديم تعازيهم المباشرة أو من خلال المكالمات الهاتفية ووسائل التواصل الاجتماعي ....

وبدورها، إذ أشارت الأخت استير يوسف، ابنة شقيقه جميل يوسف - أبو جهاد- بمشاعر الشكر الجزيل والامتنان لكل الأهل والأصدقاء الذين حضروا والذين "اتصلوا لتقديم تعازيهم برحيل العم العزيز الدكتور أفرام عيسى يوسف .. فقد خصت باسم العائلة بالذكر، باسم ابيها واعمامها وعمتها، الذين قدموا كل وسائل المساعدة في فرنسا منهم: الأب العزيز فادي ليون، الأخ الصديق وليد قريو، الخال العزيز كريم والأخ حازم.

وكان الصديق والقريب د. وليد قريو، المقيم في فرنسا، أول من نشر خبر النعي.

وكذلك نعاه وجهاء بارزون من سناط في مقدمتهم، من يعد من حيث السن والعطاء والنشاط الأدبي والبحث التاريخي والفلكلوري، يعدّ عميد الاسرة الأدبية لأبناء سناط، الكاتب جميل زيتو عبد الاحد، وجاء في نعيه:
توشحت سناط والوسط الأدبي والثقافي بوشاح السواد لدى تلقينا نبأ كالصاعقة بسقوط النجم اللامع والاديب البارع والمؤرخ الفطحل البروفيسور افرام عيسى يوسف في باريس اليوم، الذي كرس طيلة حياته لتدوين وتوثيق مآثرنا وتاريخنا من خلال إصداراته وكتبه القيمة التي نهل وارتوى من ينابيعها الكثيرون.
اسرعت الخطى إلى العالم الآخر وكأنك يأست من هذا العالم الفاني الذي لم يجازيك ولم يكافئك لقاء ما قدمت من اعمال وخدمات وانجازات عجز الآخرون عن ادائها، كنت وفيا لشعبك كنت مخلصا لقومك شعارك كان التوحيد والنزاهة والأمانة والخدمة.
أيها الأدباء، ايها الكتاب، أيها المؤرخون شاركونا وقاسمونا الحزن العميق بأفول زهرة فواحة وصديق ومؤرخ فاح أريجه في جميع الأوساط والذي كان داعما وساندا ومؤيدا لمواقفنا . وختم نعيه الذي وقعه بعبارة (أخوك الحزين) بهذه الكلمات:
نم استاذي العزيز قرير العين في الاخدار السماوية وتنعم بالفردوس السرمدي وبأحضان ربنا يسوع المسيح والعذراء مريم. الراحة الابدية اعطه يا رب ونورك الدائم فليشرق عليه.

وجاء في نعي صديق آخر ومن أبناء قرابته،  ومن الأكاديميين أيضا، د. صبحي زورا:
مصابنا الاليم بفقدان علم من إعلام تاريخنا المعاصر وتراثنا العريق. أتحف الفقيد المكتبات الفرنسية والعلمية بخيرة الكتب والبحوث التاريخية والاثنولوجية عن شعبنا وحضارتنا وربط الماضي بالحاضر بحذاقة المفكر العبقري والبحاثة القدير. كان لي شرف استقباله هنا في مدينتنا برمنكهام وتعريفه على المكتبات الانكليزية في برمنكهام وأوكسفورد والتي تحتوي على المخطوطات السريانية والعربية التي تتحدث عن تاريخنا. وكان ايضا لي الشرف ان أساهم بترجمة احد كتبه (عطور الصبا في سناط) الى اللغة الانكليزية (Childhood Fragrances in Sanate) لتعريف الشباب والقارئين الإنكليز عن هذا التاريخ الثري. تألمت لفقدانه وحزنت جداً.
وختم د. صبحي عبارات النعي متوجها إلى ذوي الراحل: أشارككم جميعا وخاصة اخوته وذويه العزاء، واصلي وأتضرع الى الرب ان يحتويه بعطفه وحنانه ويسكنه الجنة المًُعٰدّة للأبرار والصديقين.


فصل أخير من (عطور الصبا ...)
_______________________

أنشر، الآن ما توفر من الفصل السادس والأخير الذي سبق نشره في جريدة الأديب البغدادية (2004) من كتاب البروفسور الراحل أفرام عيسى يوسف: (عطور الصبا في سناط)، الصادر بالفرنسية من دار هارماتان 1994 ، باريس، تحت عنوان (Parfums d'enfance à Sanate) وأعيد طبعه بنسخة جديدة معدلة. وشأنه شأن العديد من كتبه الأخرى ترجم أيضا إلى الانكليزية، كما ذكر سابقا. في هذا الفصل، يتذكر المؤلف أول وعيه بخصوصيته الاثنية من أبناء شعبنا الكلداني النهريني، وأول وعيه بخصوصيته الدينية، مقارنة بالديانات الاخرى.
وقتا طيبا، من نفحات هذا الكتاب.

الفصل السادس - مفاجآتي الأولى
___________________

 في أحد الأيام، علمت ويا للمفاجأة أني أنتمي إلى خصوصية قومية اثنية. وكان حادث قد جعلني أفهم ذلك آنذاك
ففي صبيحة من عام 1950، وأنا استيقظ، سمعت صراخات في الزقاق.
هرعت إلى أمي مستفسرًا عن سبب تلك الجلبة. قالت لي:
- يا ولدي إن أهل القرية يقومون بتنحية عمك حنا وهو المختار منذ عشر سنوات، مختار جيد، حاذق ومضياف. فسألتها:
-      ولكن لماذا؟
-       إنها غيرة ارتفعت لدى القبائل الأخرى تجاهنا، مع أننا عملنا الكثير في أجل سناط.
…… وهكذا تبين لي أني عضو في قبيلة، مثل ما هو الحال لدى سائر أبناء القرية.
وكانت الحياة الاجتماعية فيها ترتبط بمستوى العلاقات الطيبة أو المتوترة ما بين القبائل. وهذه تسمياتها:
1- بي إسحق 2- بي زيا 3- بي كمايا 4- بي كنـّو 5- بي كـرّا 6- بي نيسان- بيشمون 7- بي شليمون 8- بي منكنا 9- بي كورييه و10- بي شينا.
فكان في البدء عشرة رجال، قدموا من مناطق متجاورة واستقروا في سناط، واستثمروا أراضيها التي تقاسموها بالعدل والسلام.
وبذلك تكونت الأصول القبلية مع تطور القرية.
ترعرع أبناؤهم، وأخذت كل عائلة توسع البناء حوالي بيت الجد، على قطعة الأرض العائدة إليه.
ففي الشرق، يتطور الفرد في داخل القبيلة. فيها يجد انتماءه وهويته ومنها يتلقى الضمانات والحقوق.
***
المفاجأة الثانية، عندما عرفت أني أنتمي إلى خصوصية اثنية لها لغتها الخاصة! ففي سن العاشرة من عمري، أخذني أبي بيدي إلى العم ليوس (لويس) معلم اللغة الآرامية. سألت بابا:
-      لماذا جئنا هنا؟
-      لقد ورثنا، يا ولدي، لغة خاصة بنا، إنها الأرامية وتسمّى أيضًا السريانية، وعلينا أن نحافظ عليها. فسألته:
-      وهل أناس المنطقة كلها، لا يتكلمون بمثل هذه اللغة.
-      كلا، يا ولدي، منهم من يتكلم الكردية وغيرهم العربية وهكذا…
-      في أي مناطق يتحدثون الآرامية؟
وشرح لي يوسف كيف أن هذه اللغة هي موغلة في القدم فترجع إلى أكثر بكثير من ألفي عام.
والمسيح تكلم ووعظ بهذه اللغة الآرامية.
وهي التي ألهمت كتابًا عمالقة مثل القديس أفرام الذي يوصف بكونه كنارة الروح القدس.
لم أكن أدرك كل هذه الشروحات التاريخية التي كان يقدمها أبي. ورحت أسأله:
-      لماذا إذن لا يتحدثون الآرامية في كل مكان؟ ليجيبني:
-      إن العالم متكون من قبائل وشعوب متنوعة، ولكل شعب وكل بلد ثقافته وحضارته، وأنت أيضا لديك كذلك، ولهذا السبب جئت بك إلى بيت السيد ليوس.
الواقع، ما كان يهمني كثيرًا أن أذهب لتلقي الدروس الخصوصية لدى الساعور. لكني لمرضاته أخذت أتمتم:
-      أجل، أجل، اتفقنا.
وهكذا ذهبت لأربع أو خمس مرات عند السيد ليوس. أخذ يعلمني الأبجدية، وكنت أجد هذه الحروف صعبة ومعقدة.
بعد بضعة أيام قررت عدم الذهاب إلى الدروس، التي كنت أرجع منها بمزاج متعكر. كنت بالأحرى أفضل التنزه مع أقراني في البساتين. في حين كان أبي قد وعد بنعجة إلى السيد ليوس مقابل خدماته تلك. ولم أجد أن أن دروسي تستحق أن يدفع عنها النعجة الموعودة!
مع ذلك تم تسوية كل شيء، إذ أعطى والدي كمية قليلة من النقود إلى الساعور، ولم يعد أحد يتحدث عن هذه المسألة.
كنت أجهل آنذاك ما تمتلكه هذه اللغة من هيبة ومكانة، وكنت أجهل انتمائي لأسرة الساميين الكبيرة في الشرق.
لقد كان كل السناطيين يستعملون هذه اللغة. أما في القرى المجاورة فكانوا يتكلمون الكردية. إذ تجاور في شمالي العراق شعبان اثنان: الشعب الكردي، وشعب الآثوريين- الكلدانيين. ويُعرف العرق الكردي بالانتماء إلى الأصول الهندو اوربية، ويعيشون في كردستان في العراق وتركيا وإيران.
وكنت منذ الطفولة أجدني متجاورا مع هذا الشعب الذي كان له تأثيره في آدابنا وعاداتنا.
***
 
العامل الديني، كان أيضًا سبب دهشتي. وكان عيد الميلاد.
في الصباح استيقظت وكلي فرح. وكنت أقوم بارتداء أجمل ملابسي، حين جاءنا جار ليقدم لنا التحية باللغة الكردية، ويتمنى لنا عيدًا سعيدًا. فأجبته:
-عيدك مبارك أنت أيضًا، أنا فرح بمجيئك.
عندما تفوهت بهذه الكلمات، رمقتني جدتي بنظرات توبيخ. ولم أفهم أني كنت أبديت قلة كياسة. فجذبتني الجدة إلى جانبها لتقرّعني بالقول:
-هل أنت أحمق. كيف تتمنى عيدًا مباركا لهذا السيد؟ عنده لا يوجد معنى لعيد الميلاد!
فسألتها بإلحاح:
-ولماذا؟ أليس اليوم عيده أيضًا.
-إن هذا الرجل ليس مسيحيا. إنه مسلم. والمسلم، يا ابني، هو شخص يمارس ديانة تختلف عن ديانتنا وهي الإسلام. ويؤمنون بنبي اسمه محمد. ولكنهم يؤمنون أيضًا بالله الذي يخلـّص الإنسان. وفي الإسلام تقاليد مهمة مثل رمضان.
كان عمري خمس سنوات، وما كان بوسعي استيعاب الاختلاف بين الإسلام والمسيحية. فسألت جدتي:
-وما هي المسيحية؟
-إنها ديانة المسيحيين. ولهم أيضا نبي، مخلص، هو يسوع ولد قبل حوالي 2000 سنة في فلسطين. وقد علم يسوع المسيح الجموع، وعمل الكثير من المعجزات. ثم سيق إلى الموت، لكنه بعث حيا وصعد إلى السماء.
وشرحت لي الجدة: "وبعدئذ، وفي أعقاب الصعود، قام رسل يسوع بإعلان الإنجيل الذي انتشر في الشرق والغرب.
ومضيت أسأل جدتي:
-إذن جميع الناس على الكرة الأرضية هم من المسلمين أو المسيحيين.
-كلا، يا ولدي، يوجد يهود وهندوس وبوذيون، توجد ديانات عديدة.
-ولماذا لا توجد ديانة واحدة؟
-كفاك تطرح عليّ مثل هذه الأسئلة المحرجة. هذا ليس شغلك، ولا شغلي، أردت فقط أن أوصيك بأن تكون لطيفًا، فلا تهنئي مسلما، بعيد ليس عيده، مثل عيد الميلاد.
و بانفعال بادٍ، أخذت الجدة تغزل.
أما أنا فكنت محتارًا أمام عدد الديانات.



11
البروفسور الراحل افرام يوسف
متابعة لفصول مترجمة من كتابه (عطور الصبا في سناط) 2-3
 
ترجمة الأب نويل فرمان  السناطي
______________________
 
مقالات نشرت في جريدة الأديب البغدادية (2004)
 
في هذا الجزء الثاني عن البروفسور الراحل افرام يوسف، فصلان لاحقان (الرابع والخامس) من الفصول التي سبق وأن ترجمتها لجريدة الأديب البغدادية، فنشرتها لحين توقفها عن الصدور.
ويتزامن الأن نشر هذين الفصلين، مع غداة تشييعه، المناسبة التي يلتئم فيها الأقارب والأصدقاء المحبون للمشاركة بمشاعر العزاء والمحبة، واسترجاع الذكريات المشتركة مع الفقيد. ولما كانت مثل هذه المجالس لا تخلو من الظل الخفيف، خصوصا في زمن أحد ظرفاء سناط، المرحوم مرقس وردا، يستحثـونّه لبثّ البسمة وإشاعة سلام القلب، هكذا بنفس النسق، نجد الظل الخفيف لمن يعتبر عند روّاد مجلس العزاء، الاخ والصديق وابن العم والمعلم ورفيق الدرب، إذ تبثـّنا روحه في هذه المناسبة، ما كتبه في الفصلين أدناه من كتابه بالفرنسي (Parfums d'enfance à Sanat عطور الصبا في سناط)، عن طرائف طفولته (4) وعن أولى فرحاته (5). وأترك القارئ الكريم مع نفحات مما كتبه الغائب الحاضر د. أفرام الراقد تحت جفون الذاكرة، وبرعاية العناية الربانية.

الفصل الرابع
طرائف طفولتي
_________________

تعود إليّ  سنوات طفولتي الأولى لتقودني من يدي إلى جبال كردستان، ما بين ذويّ وأقاربي. وذلك، في يوم من الأيام، وكنت بين الثالثة او الرابعة من العمر، عندما اشتد نقاش حارٍ داخل العائلة، والتفتت إلى أن ثمة قلقًا كبيرًا، بدون أن يتهيأ لي أن أحزر ما هو السبب.
بقي والديّ في حيرة أمام أمر عليهما أن يحسمانه. وأخيرًا وبعد المزيد من التداول، توصلا إلى القرار بالتحرّك الفوري.
في الواقع، كانت تدور وشوشات، منذ أسابيع.
-      هناك قراصنة قادمون من تركيا لخطف بغالنا وغنمنا وحميرنا.
ما هو الدفاع الذي ينبغي القيام به؟ كانت العائلة تسكن في الطابق الأول من البيت.
في الطابق الأرضي، كان يقيم البغل كيندو والثور بزو، وفي حجرة أخرى من الطابق عينه  كانت تسكن معزاتنا. ولم نكن بعد قد اقتنينا البغل فيردو (الذي تحدثت عن في فصل سابق). هكذا كنا مثل أنكيدو في ملحمة كلكامش نعيش برفقة الحيوانات.
-      وكان لا بد من انقاذ الحمار، إذ يشكل ثروة ثمينة لنا. فقررنا أن نستضيفه في طابقنا الأول، ليقيم فيما بيننا.
فكانت لنا، فوق، غرفة معيشة وغرفة نوم حيث كنا نضع حوائجنا، إلى جانب حجرة  فارغة كنا نودع فيها الخضراوات ومؤونة الشتاء.
ولم أزل أتذكر والداي والقلق يخيم على وجهيهما، وهما يتساءلان:
-      كيف يا ترى سنستطيع أن نجعل الحمار يصعد إلى هذا الطابق.
وعندما حلّ المساء، سعينا لأن نجعله يصعد درجات الطابق. فرفض التقدم خطوة. عرضنا له طعاما دسما. وفي الآخر، حسم أمره، وإذا به يقفز من درجة إلى أخرى، حتى وصل إلى فوق، اجتاز غرفة المعيشة، ثم غرفة النوم حتى وصل إلى غرفة المؤونة التي كانت قد أفرغت من المواد.
وكم كانت سعادتي وأنا لي مثل هذا الجار. وجعلت أشيد بثوبه ذي اللون الترابي. ورأيت أننا مزمعون ان نغدو صديقين.
ولكن في فجر اليوم التالي، جاء صوت جعلني اقفز من السرير: نهيق الحمار الجائع. فهم لم يكن يتردد إذن من إيقاظي. فهرعت أمي إلى إطعامه ليسكت ويدعني أنام.
وطوال ذلك الشتاء، كان علينا أن نكرر هذا المشهد الطريف ونتحمل في كل صباح نهيق كيندو.
كان والداي، من جهتهما راضيين لكونهما أنقذا الحمار.
وكانت لنا معزة، تدعى بالي، وأكثر من خمسين جديا.
في نهاية الخريف، كان قطيع العائلة يرعى بسلام تحت حراسة راعيين شجاعين، أخذا على عاتقهما الاهتمام بغنم المنطقة.
كان الجبل جميلا، في هذا الصيف، وكانت المعزات تدر الحليب الوفير. وإذا بمجموعة ذئاب تهاجم القطيع، فتمزق حوالي 15 من الحيوانات.
وعبثا حاول الراعيان الدفاع بالهراوات، إذ كانت الذئاب كثيرة وشرسة. فجاء أحدهما نحو القرية وهو ينادي بصوت عالٍ
-      النجدة، النجدة.  فتسلح المزارعون ببنادقهم لكي يقضوا على الذئاب وينقذوا الخراف.
وحال وصولهم إلى موقع الحادثة، جمعوا حوالي ثلاثين من الغنم والماعز بين ميتة وجريحة، وبضمنها معزتنا بالي المجروحة جروحا بالغا.
وذهبت كل عائلة لتستعيد غنمها. فأخذ والدي المعزة (بالي) إلى البيت، ولكنه عرف أنها موشكة على الموت لا محالة. فلم يكن منه إلا ذبحها، فتوفّر لنا قدر من اللحم لبضعة أيام.
كنا سعداء في ذلك المساء، برغم نحس الحالة التي أصابت الغنم، بأن نتذوق شواء لحم الماعز. فهيأ والدي "اشياش تكة" تفوح منها رائحة الشواء المكتمل. 
لكن الجدة أجهشت في البكاء.
-      ما لك تبكين؟
-      أبكي على موت المعزة التي كنت أحبها كثيرًا. لن أستطيع البتة هضم  لحمها. كلا، كلا، لن آكل منها. يحرم عليّ أكلها.
عبثًا حاولنا كل السبل لإقناع الجدة، إذ رفضت بإصرار أن تتناول لحم حيوانها المحبّب، إذ كانت ترتبط معها بعاطفة طيبة.
وبقيت طوال السهرة تعطينا الأذن "الطرشة"، بينما كنا نستسيغ ذلك الشواء، بملء شهيتنا.

سنة ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين. عبير خاص من هذه السنة يعطر فكري وذاكرتي.
كان أبي ينتج لنفسه خمره الأحمر (حوالي عشرين لترًا).
كان يملك كرما يدر له العنب بسخاء مما كان يفيض عن حاجتنا.
ففي إحدى الأمسيات طلب مني أن أجلب طاسة خمر يشربها مع بضع أصدقاء.
كنت ألحظ ان متناولي هذا الشراب، سرعان ما يغدون مرحين، غريبي الأطوار وغير واعين. أما أنا فما كنت قد ذقت طعم الخمر.
ذهبت إذن لأغرف الخمرة من بتلك الطاسة الكبيرة، من الجرّة وكان فيها ما يقل عن اللتر.
فراودتني تجربة أن أتناول من الشراب للمرة الأولى. فشربت جرعة، ثم أخرى، أعجبتني نكهته ولئن كانت ممزوجة ببعض المرارة.
وعندما عدت إلى الوالد بالخمر، وكنت قد شربت منه جزءًا لا بأس به.
-      لما لم تملأ الطاسة؟
ترددت  في الإجابة، ولمح يوسف اضطراب عينيّ وتثاقل رأسي، فسألني:
-      ماذا فعلت؟ فتمتت:
- لا أعرف. فألح في السؤال:
- هل شربت شيئا من الخمر؟ فاعترفت له:
- أجل ذقته.
وبدأ رأسي يدور، وجاءت أمي لتأخذني إلى السرير وأمرتني أن أنام. كانت الساعة العاشرة ليلا. فاستغرقت في نوم عميق...
في اليوم التالي، استيقظت منتعشا، نشطا برغم هذه الخبرة الأولى. لقد كنت قد خلطت بين هذا السائل الأحمر وبين ما كنت أشربه من حليب وماء، تعوّدت على ارتشافه بدون أن يؤثر فيّ بشيء.


وجاءت طريفة أخرى لتفقدني توازني وتغرقني في في خضم واقع غير مألوف.
كنت قد تعوّدت على انتظار يوسف في عودته من زاخو.
وكنت أعرف على وجه التقريب، ساعة وصوله. وكان يتهيأ أني لست أترقّب والدي  بل هارون الرشيد المتنكر بثياب تاجر.
فكنت أحتل مكانا في مدخل القرية لأستقبله بما يليق من حفاوة. وكان الوالد سعيدا جدا برؤية ابنه القادم لاستقباله ويُنسيه تعب الرحلة ومخاطرها.
فلا يكف في غمرة فرحه يعانقني ويهدهدني على كتفه، أو يحملني على ظهر دابته، على هذا النحو كنا نقطع بضعة الأمتار التي تفصلنا عن البيت، حيث كان يقدّم لي عندئذ، الحلوى والملابس القشيبة.
وفي إحدى المناسبات المماثلة، وعندما كان أبي يحملني إلى الدار، بقيت أنتظر بفارغ الصبر مفاجأة الرحلة، سواء كانت من الحلوى أو النستلة أو أي ملبس.
ويا لخيبة الأمل، لم يكن لوالدي أي شيء لي. بقيت تحت هول الصدمة. ثم هجمت على "يشماغه" (غطاء رأسه) الكردي الملفوف، ورميته أرضًا.
فهم الوالد رد فعلي العنيف. ومنذئذ، كنت كل مرة ينسى فيها الوالد أن يجلب لي شيئا، انتقم من غطاء رأسه الملفوف كقبعة، فأحلها وأرميها ارضًا.
وتبنّى أخي هذه العادة أيضًا وبقي يثور بالطريقة عينها، عندما يعود الوالد فارغ اليدين.
...
تلك المرحلة من العمر بقيت تحفظ لي ذكريات أخرى.
كنت آنذاك صبيا صغيرًا جدًا، عندما ربت وارينة غنمة كـ "ربيطة" للشتاء. ذبحها يوسف، ثم دعا أصدقاءنا ليحتفلوا معنا في هذه المناسبة.
وعندما طبخت اللحوم وضعتها في جرار كبيرة مركونة في الحجرة الداخلية لرطوبتها المناسبة. بعد أيام خرجت الوالدة من تلك الحجرة، وأعلنت أن لحم "القليا" كاد أن ينفد.
من هو يا ترى الذي التهم كل تلك الكمية من اللحم؟ كان الوالدان حائرين قلقين، ينبشان في رأسهما. وخلصا إلى أن السارق، لا يمكن أن يكون إلا القط. وانه استمكن مكان اللحم من رائحته الشهية. فقرر والدي ووالدتي ومعهما الجدة أن يحسما الأمر بسرعة.
من أين كان يأتي هذا الحيوان؟ فكلفوني أن أنصب الكمين لمقدمه. أكان سيمرّ من تحت الباب ام من غرفة الاستقبال: ومنذ الساعة الثامنة، كانت كل العائلة في حالة إنذار مترقبة "البزّون"، كل واحد منا في موقع مراقبته.
حوالي الساعة العاشرة رأيت هرًا كبيرًا أسود يعبر من فجوة في حائط غرفة الاستقبال.
فصرختُ إلى والدي: ها هو الهر.
فأخذ الوالد العصا. أما الهر فاندس إلى الحجرة إياها، وهناك رطب منخريه برائحة اللحم الطيب، تركناه يقترب إلى الجرّة، وتقدّم والدي على رؤوس الأصابع…
فأحس الهر أن أمره قد افتضح. فأخذه الرعب، والقى بنفسه في وجه الوالد الذي وجّه إليه ضربة عصا. فانحرفت العصا إلى الجرة، فانسكبت قطع اللحم على الأرض. كان الباب محجوزا بحراسة أمي وجدّتي، فلم يكن بوسع الحيوان الهروب، وأخذت نار الغضب تقدح من والدي الذي وجّه إلى الحيوان البائس ضربة ثانية فأرداه قتيلا.
كل هذه الضجة، أثارت شكوك الجيران وتساؤلاتهم إزاء هذه الجلبة وهذه الأصوات، متسائلين بقلق:
ترى هل طرأ حادث ما؟
فقرروا المجيء للاستفسار عما جرى. كل ما حسبوه، أن والدي أخذته نوبة غضب لسبب ما، وانهال على أمي ضربًا. لكنهم وجدوا هذه الأخيرة جالسة على العتبة تضحك. فطمأنهم الوالد أنه لم يحدث شيء. وأقفلوا راجعين بدون أن يفهموا من الموقف شيئًا.

مغامرة أخرى عجيبة تؤشر لي في الذاكرة من بعيد.
كان أبي قد اعتاد على زراعة التبغ في بستانه، مما كان يوفر عليه شراء علب السجائر.
كانت الأرض مرتوية من الماء، وجيدة الفلاحة، وكان التبغ ينمو ويرتفع، ومن نوعية جيدة. ولكن في ذلك الوقت، كان الناس يحتاجون إلى موافقة رسمية، خاصة بالمزارعين الذين كانوا ينتجون هذه المزروعات لمختلف معامل التبغ.
وإذا بالخبر يتسرب في القرية أن مفتشا حكوميا كان في طريقه إلى سناط. فإذا كان سيكتشف نباتات التبغ، كان سيفتح لا محالة تحقيقًا ضد المزارعين الذين يتجاوزون القانون.
كان الوقت حوالي الساعة الخامسة عصرًا، وكان سكان القرية من شدة المفاجأة في حيرة من أمرهم، فلا يعرفون ماذا يفعلون. وكان أبي غائبًا، وجميعنا، أمي وجدتي وأنا، نعاين الجيران يتراكضون إلى حقولهم ليقتلعوا     نباتات التبغ.
عندئذ قررت وارينة أن نمضي نحن أيضًا لنقتلع شتلاتنا، تحاشيًا للغرامة الضخمة. وبيديّ الصغيرتين طفقت أقلع النبتات الأصغر.
وكنا نراقب الغرباء القادمين شيئا فشيئا نحو القرية، والمفتش ممتطيا حصانه مع ثلاث حراس يرتدون الملابس المدنية.
واذا بالخبر الجديد يطير بسرعة، مفاده أن ذلك لم يكن مفتشًا حكوميًا بل إنه الخوري بيكوما. كان قادما من زاخو لزيارة سناط وتفقد المؤمنين. وما كان أعضاء جماعتنا قد رأوا من قبل كاهنًا بلباس مدني، فكيف لهم ان يتصوروا بأن هذا الفارس هو قسيس. فكان الجميع مخذولين: الخوري إذ علم بأنه تسبب بمثل هذا الرعب والمأساة، والقرويون لأنهم فقدوا تبغهم.
وعندما جاء أبي، عائدًا من مهمته، عرف أننا اقتلعنا التبغ بدون استشارته، فركبه غضب عارم. ورفض اللقاء بالخوري المسكين (المقيم حاليا في أمريكا) لتسببه بمثل هذه الاضطرابات في العوائل.

أما نكتة سرقة الخيار، فقد تركت عندي ذكرى أليمة.
كان أهلي، يزرعون، منذ سنوات، الخيار في بستان آخر لهم يقع بقرب القرية.
وكانوا في كل موسم، يزرعون مختلف الخضراوات، فيما كانوا يخصصون المساحة الأوسع للخيار.
في إحدى السنوات حرث يوسف الأرض وزرعها، بانتظار موسم القطاف. وكانت الخضراوات تنمو بانتظام، وأخيرًا حل وقت الجني. بكرت مع والدي لأخذ الفاكهة، واقضم بملء أسناني أجسادها الغضة.
وعندما وصلنا إلى المكان، وجدنا الخيار بين مسروق ومدمر من قبل صعاليك القرية.  فكانت ردة فعل يوسف قوية، وهو يقتلع المتبقي من الشتلات.
...
وصول الراديو إلى القرية كان حدثًا بحق. عمي حنا كاكو، ذاك الأسمر، الضخم والشجاع والحكيم، كان قد انتخب مختارًا.
وفي سفرة له إلى مدينة الموصل عام 1949، قرر شراء جهاز راديو، جاء به إلى القرية، فوضعه في مكان مناسب في البيت، بعد أن ثبت "الأريل الهوائي" وبعد أن غذّى الجهاز بالبطاريات. وكنا نحن جيرانه.
في مساء أحد الايام، لحظت جمهرة من الرجال والنسوة، تجمعوا عند منـزل عمي، وكنت أصغر من أن أفقه لماذا كل هذا الجمع من الناس يحيطون بأحد أقاربي.
ففكرت بشيء من الحزن أنه ربما طرأ حادث جسيم على الأسرة. فهرعت لأرى ما الذي يحدث. وهيأت لي قامتي الصغيرة أن أندسّ بقرب عمي. فكم كان ذهولي عندما رأيت بقربه صندوقا يتكلم. لا بد وان الصندوق يضم جنّيًا. ولكن أيّ نوع من الجن. هذا هو السرّ الذي شغلني لمدة طويلة.

الفصل الخامس
فرحات أولى
___________________

ترتبط أفراحي الحقيقية بسني طفولتي. هكذا لم يلبث الطفل الرضيع، أن يستيقظ وعيه على ابتسامة أم وأب، وعلى التفاتاتهما الرقيقة.
لله درّه، بأي حماس ينفتح الطفل إلى الحياة والسعادة.
ويرتعش كيانه من النشوة، حتى أنه طوال حياته لا ينفك يسترجع انبهار السنوات الأولى.
ولم أزل احفظ بتأثر ذكرى تلك السعادات البالغة.
مثل أي صبي كانت تشدّني تلك الألعاب التي كنت أرتمي فيها أتحرك وأركض وأعيش ملء أيامي في جو من الحرية.
كان لنا عدة أنواع من المصاريع، نجعلها تدور في حركاتها الدائرية الجميلة، فوق السطوح وفي البساتين المتاخمة.
وكان اللعب يقتضي أن تضرب بما تملك من قوة على مصراع صاحبك في اللعب، والأخف من تلك المصاريع كان ينفلق من شدة الضربة. وهكذا كانت عدوانيتنا تتجلى في تدمير لعباتنا.
كما كانت لعبة الدعابل تحتلّ مساحة كبيرة في حياة صبيان القرية. وعندما كان أبي يذهب إلى المدينة، كان يجلب لي منها بألوان وأشكال متنوعة، ألعب بها مع الأصدقاء. فنرمي مع بعض تلك الدعابل الصغيرة بأشكال الكريستال، الواحدة ضد الأخرى، لنكسرها أو نغنمها.
وكانت للقرية لعبها الخاصة بها:. شاكا، اوبيل كبي وكيلاتا. كنت ارتمي فيها من كل قلبي. لكن ذلك كان يثير الشغب في الأسرة، إذ كنت أتأخر على موعد اقتسام وجبة العشاء مع الأهل.

وها أراني استسلم إلى سحر تلك الذكريات السعيدة.
فهذا أول غداء اقتسمته مع والدي، وبأي فرحة غامرة. إذ في قلب تلك الجبال في شمال العراق، كان الرجال، منذ أجيال سحيقة، يأكلون الطعام فيما بينهم. فكانت هناك خدمتان للوجبة الواحدة: الأولى، لرب العائلة، عميد الأسرة، تجري في أجواء الوجاهة والاحترام. الثانية، وجبة النساء والصبيان، تميّزها البساطة والتلقائية. وكنت منذ زمن انتظر بشوق فرصة تناول الطعام مع أبي. اذ كنت قد ضقت ذرعًا بالأكل مع النسوة.
في مساء أحد الأيام، ربما كنت ما بين الخامسة أو السادسة من العمر، قررت الأسرة أني من الآن فصاعدا، سوف أشارك في المائدة الرئيسية الأولى. وكان لي في المائدة، ماعون وقدح وملعقة معدنية مزخرفة ومطلية بالقلاي. وكان يفرش كل هذا على بساط ذا حياكة ملونة بألوان صارخة، وكانت توضع خلف الجالسين وسادات يتكئون عليها. وهابت بي الأم أن أكون متهيئا.
- لماذا؟ سألتها.
- لماذا؟ لأنك ستتناول الطعام مع والدك.
- يا للسعادة!
وبالفعل، دعاني يوسف حال دخوله الحجرة التي كانت دائما قليلة الضوء.
- يا ابني، من الآن فصاعدا، ستشاركني الغداء. ها قد اصبحت صبيا كبيرا، وبامكانك أن تمسك الملعقة بيدك، وان تبتلع اللقمة بشكل مناسب، إذن سوف تأكل معي.
كانت السعادة تغمرني، إذ أخذت على وفق تقاليد القرية، أجلس القرفصاء على الأرض، بجانب بابا، وأمامنا الطبق النحاسي الكبير، فكان لغذائي الأول معه مذاقًا طيبا بنحو خاص.
وإذا كنت في ذلك المساء، على تلك الدرجة من السعادة، فذلك لشعوري بأني أعبر عتبة لأدخل إلى عالم الرجال.
...
وهذه قصة أخرى، قصة قصب السكر، التي لم تزل تسحرني في سن النضج.
في أحد الأيام، خرجت كعادتي لاستقبال والدي العائد من زاخو. كنت أعرف وقت عودته. رأيته من بعيد، وعليه أمارات التعب، يسبقه الحمار وعلى ظهره حمولة المواد.
وما أن لمحني يوسف حتى هرع اليّ ليعانقني. كنت انتبه اليه بنوع من القلق، وكلي تساؤل، ما عساها تكون طبيعة الهدية التي جلبها لي.
ويا للمفاجأة السارة. هذه المرة أيضًا لم يخب أملي. فتح أبي الكيس الكبير الجاثم على ظهر الحمار، وأخرج منه قصبة يقارب طولها المتر: انها قصبة سكر.
عاينتها وأنا أعتقد أنها من الخشب الملون.  وما أن أمسكت بها حتى تبين لي أنها ليست كذلك.
- احترس فهذه القصبة قد تنكسر بسهولة، نبهني بابا، فهي من السكر.
تذوقتها للحال. فتولتني فرحة رقص لها قلبي، إذ كنت في ذلك اليوم قد تلقيت هديتين: قطعة حلوى، وقصبة سكر! التفت إلى أبي فقبّلته بحرارة. واستأنفنا الطريق إلى البيت. وما ان دخلنا الدار حتى ارتميت في أحضان أمي.
- ما أروع بابا، لقد جلب لي قصبة.
- قصبة! ولكن ما عساك تعمل بقصبة وانت في سنك هذه؟ فأجبت:
- ليست قصبة من خشب، بل من سكر.
لم تصدقني أمي. مد لها يوسف القصبة، فأذعنت.
أما أنا فبقيت اسبح في بحبوحة من السعادة، وكان الأهل أيضًا سعداء بفرحتي.
...
في عصر أحد الأيام، عندما رجع أبي من زاخو كعادته، أهداني زوج أحذية من البلاستك اللماع. وقال لي: بنبرة راضية: "وهكذا يا ابني لن يصيبك البرد". التمعت عيناي من البهجة، وأنا أعاين الحذاء. وتبين لي كيف أنه يختلف عن الحذاء الجلدي، وكأنه معمول بالحياكة على مادة طرية.
هذه أحذية لا ينفد فيها الماء، فلا يؤثر فيها المطر، كباقي الأحذية. وعندما تمشي في الثلج تبقى قدماك ناشفة، هكذا شرح لي الوالد.
ولما كنا في فصل الشتاء، كنت فرحا جدا. فالمعروف أنه خلال الفصل القاسي،  كانت قريتنا معلقة على ارتفاع 1900 متر، فكنا نعيش تحت الثلوج الساقطة بلا انقطاع طوال اشهر، وكانت الثلوج تغطي الأزقة والطرقات.
وعندما كنا نلبس الحذاء الجلدي، كنا نعود إلى البيت والقدمان مبللتان. وهكذا بفضل حذاء البلاستك، سوف يتيسر أن ألهو ما شئت مع الأقران، وتبقى القدمان في الدفء.
...
 وفي مساء آخر جلب لنا الوالد من البلدة، مصباحًا نفطيًا. احاط به جميع أفراد الأسرة،  وكلهم فضول ونشوة. حاول أن يشرح لنا كيف يشتغل. كنت في البداية، غير مصدّق، فأنظر إليه بعينين حائرتين وكلي تساؤل، كيف يملأ هذا المصباح حتى يضيء. لعله مصباح علاء الدين السحري.
أجل كانت مفاجأتنا كبيرة ونحن نرى نورًا وضاءً يغمر الحجرة. وبقيت مسحورًا امام هذا المصباح في البيت. لقد كان حدثًا مهما دفعنا إلى عتبة جديدة من العصر الحديث.
كان النور بخطوات راقصة يدخل بيتنا. ففي القرية، ومنذ زمن سحيق، بقي الناس يستنيرون بمصابيح زيتية صغيرة او بشمعة أو خيط شمعي (من الفنود)، كلها كانت وسائل غير عملية وقليلة الفاعلية. هكذا فإن هذه المادة الجديدة التي اشتراها الوالد، غمرتني بالفرح.
...
وها إني أراني اغوص في حكايات طفولتي مثل سباح خجول.
مع ابن عمي ميخائيل، قررنا، للضحك، أن نعدّ أحد المقالب. كانت زخّات من الثلوج تنهمر على القرية. وكان السناطيون يكنسون الثلج منها ويدفعونه إلى  الأزقة حيث كانت تتراكم يومًا بعد يوم حتى تصل أحيانا إلى ارتفاع ثلاثة أو أربعة أمتار.
وكان بيتنا يشرف على الزقاق الرئيسي المؤدي إلى الكنيسة والى خارج القرية. فأخذنا، أنا وابن عمي،  نحفر حفرة في ركام الثلج. فتكوّن هناك ثقب كبير في منتصف الزقاق، على طريق الناس، سرعان ما غطيناه بطبقة خفيفة للتمويه.
بعد أن أنهينا العمل، وقفنا جانبًا، لنرصد المارة. كان الوقت الرابعة عصرا حيث كان المؤمنون يتهيأون كي يتوجهوا إلى الكنيسة.
أما نحن، الملعونان الصغيران، فبقينا ننتظر، وعيوننا متيقضة شاخصة إلى ما سيحدث.
فمر شخص مسن، ووضع رجله على تلك الطبقة الخفيفة التي كانت تغطي الحفرة الثلجية التي سرعان ما سقط فيها حتى عنقه.
أخذ الرجل يصرخ، ويشتم صانعي هذه الحركة الخبيثة...
أما نحن فكنا على بعد عشرة أمتار، نبتهج من نجاح الكمين الذي نصبناه. واستغرقنا في الضحك حتى فضحتنا ضحكاتنا. كان الضحية، أحد الأعمام البعيدين في صلة القرابة. وفي ذلك المساء عينه، نلنا قسطا وافرا من القصاص. وبقيت مع ابن عمي، أحفظ ذكرى هذه المغامرة.
...
واستذكر حماقة طفولية أخرى. أليس في ذلك، علامة حيوية، أن يقوم المرء في صباه ببعض الحماقات!
كانت تسكن بقربنا مع عائلتها، امرأة شديدة بنحو خاص. ما كانت تسمح لنا أن نتنقل باللعب إلى سطحها، الذي ما كان يفصلنا عنه شيء. كانت تطردنا بصياحات كبيرة. فقررنا الانتقام.
وها نحن، في اليوم التالي، فوق السطح إياه حيث كانت فيه كوة بمثابة شباك صغير. وسرعان ما بدا لي ابن عمي، وكأن ثمة شيء ما يلهمه:
- سوف نبول من الفتحة إلى البيت.
- فكرة رائعة! أجبته.
فاتخذنا الوضع ونفذنا... وما كان يمكننا أن نحزر أن تحت تلك الكوة، التي كانت نهاية مدخنة، قدر طعام يطبخ لوجبة الغداء. وهكذا سقط البول في القدر وهو يغلي على النار. ومن المفارقة ان المرأة كانت بقربه، وانتبهت إلى هذا السيل الذي انهمر على قدر طعامها.
ولم نكد ننته من فعلتنا، حتى تصاعد إلينا صراخ معبأ بالشتائم والسباب. وخرجت علينا كتلة بشرية هائجة مسلحة بعصا.
هربنا، كل إلى ناحية. وصعدت من جانبي إلى المنزل. دخلت وأنا أركض. فسألتني والدتي:
- ما الذي جرى؟ هل هناك حادث ما؟
تلعثمت في الإجابة وقلت:
- كلا، كلا. واندفعت إلى الحجرة الداخلية الصغيرة التي كان لنا فيها، إناء كبير مكون من الأغصان المشبوكة. نضعه فوق الأطعمة لحمايتها من الذباب والحشرات، فاختبأت تحته، إذ كان ملجأ الصبية عندما تتهددهم عقوبة.
وسرعان ما دخلت الجارة إلينا، وقد فقدت صوابها من الغضب.
- ما الأمر؟ لماذا تنهرين ابني وتوبخينه؟ سألتها وارينة.
- ابنك وابن عمه، ارتكبا حماقة! اجابتها المرأة وكأنها تزأر في وجه أمي  كلبوة الأسد. إنهما صعلوكان.
وحكت لوالدتي، كيف قمنا بالبول من شباك المدفأة، وكيف أفسدنا لها طعام الغداء.
وعدتها والدتي، لكي تهدئ من روعها، بأنها سوف تقاصصنا.
وبعد مغادرتها، جاءت أمي وكشفت عني في مخبأي.
- أيها الملعون الصغير، ما الذي جاء في خيالكما أنت وابن عمك؟
- أجل نحن بلنا، ولكن ما كنا نعرف أين سيسقط بولنا.
الواقع اني تسلمت بضع صفعات من وارينة. لكني احسست بالرضا لكوننا انتقمنا، برغم من بعض الحزن على ما سببناه من  حرج لأهلنا.
***
لم يكن لديّ بعد، لا أخ ولا أخت. في مساء صيف، كنت عائدًا من البستان بصحبة يوسف، عندما خرجت كترو على عتبة الدار، لتبشرنا بخبر سار للغاية.
- لديك شقيق صغير، قالت لي، اسمه بريخا. وستلعب معه قريبًا.
توجه الوالد بفرح جنوني إلى الحجرة التي كانت ترتاح فيها وارينة ورضيعها.
دلفتُ وراءه فرأيت ماما متمددة… لماذا هي باقية هكذا في السرير، خلافا لعاداتها، ووجهها شاحب؟ ونظرت إلى  المولود الجديد، وهو يغفو في مهدي، رأيته جميلا بشعره الأسود. كان ذلك قد أثلج صدري فرحًا.



12
البروفسور الراحل د. افرام يوسف
فصول مترجمة من كتابه (عطور الصبا في سناط) 1-3


ترجمة الأب نويل فرمان  السناطي
______________________

مقالات نشرت في جريدة الأديب البغدادية (2004)

كنت قد بدأت بترجمة هذه الفصول لجريدة الأديب البغدادية، فنشرتها لحين توقفها عن الصدور. وكنت بدأتها بمقابلة مع صديقي وقريبي الراحل الكبير د. أفرام يوسف. في المقابلة، كانت ثمة اشارة سريعة الى صحته النحيلة، فطمأننا، وأجاب على الاسئلة برحابة ودماثة وبروح النكتة التي تحلى فيها، وذكرني بالطريقة التي كانت يتكلم فيها عن صحته: باسلوبه الفكه الخاص (البراغي حاليا مضبطـّة بشكل مقبول) وآمل في الحصول قريبا على تلك المقابلة لنشرها.   
أما الآن فلمناسبة رحيله قبيل أيام، الذي هز الاوساط العلمية، التي افتقدت شخصية فذة مثله، فمن باب التعزية والوفاء له، انشر، عبر مقالات متتابعة، هذه الفصول التي سعيت إلى ترجمتها ترجمة ادبية، من كتابه الفرنسي عطور الصبا في سناط (Parfums d’enfance à Sanat). تكشف هذه الفصول ذلك الاحساس المرهف الذي تحلى به، وتلك التفاصيل الجميلة والدقيقة التي يرويها عن صباه في سناط.

الفصل الأول: الجدي الموعود
____________________

على قول أمي وارينة، ولدت في يوم كان الأول من كانون الثاني، تحت نجمة المجوس الكلدانيين. كان ذلك اليوم عيدا مزدوجًا للمسيحيين في شمال العراق، لكونه يوم احتفالهم بالسنة الجديدة وذكرى تقديم يسوع إلى الهيكل.
في الصباح الباكر من ذلك اليوم، كان والدي راجعًا من القداس. وفي الطريق الذي كان يسبح في الظلام، لمح شابًا صغيرًا يتقافز إلى استقباله، ثم صاح بصوت عالٍ تصحبه اشارات كبيرة بالذراعين:
- يا يوسف، عندي لك خبر سار، أجل خبر سار جدًا. لقد ولد لك ولد، إنه ابنك البكر.
- الحمد لله! يا وديع، ايها البشير الصغير بالسعد، سأهديك أجمل جدي من قطيع أجدائي.
كانت تلك هدية رائعة بحق. وهكذا، بتأثر شديد، أسرع الاثنان، اليد في اليد، نحو الدار التي كانت تقوم في وسط القرية.
في الغرفة شاهدا المولود الجديد الذي قدمته لهما بكل فخر جدتي لأمي واسمها كترو. طفح قلب يوسف من الفرح. لامس رأس الرضيع وقال: " ليكن اسمك إيشو، بما أننا نحتفل اليوم باسم المخلص".
وهذا إيشو هو أنا.
كانت وارينة، الخارجة لتوّها من سن الطفولة،  ترتاح على سريرها. وكان ينسلّ من الشباك ضياء فضي ينير وجهها الشاحب المتعب.  فقد عانت كثيرًا من المخاض، وكم خافت من أن تموت خلال الولادة، كما يحدث ذلك أحيانًا. لكن كترو وقفت إلى جانب ابنتها في هذه المحنة، وكانت هي نفسها التي تقدم في القرية الخدمة المجانية للقابلة، وقد استطاعت أن تشجعها بالكثير من الكلام الطيب، وتلت أمامها السبحة الوردية، ورتلت طلبات القديسين وما حفظته من ترانيم.  وهكذا تلقت الرضيع بين ذراعيها، وغسلته، ومددته لينام في مهد خشبي مزوّد بقصبة للبول.
كانت عادة متبعة لدى عوائل القرية، ولا سيما في أسرتنا، "بيت اسحق" أنهم منذ اليوم التالي للولادة، يقدمون إلى أهل الصبي وجبات الطعام اليومية. إذ كان من الصعب على الأم الشابة التي تلد حديثا، أن تقوم بشؤون المطبخ. وهكذا جاءت نسوة "الأسرة الكبيرة"، في هذه المناسبة، لمساعدة أمي. كما مرت وارينة بوضع دقيق آخر، وهو أنها لم تجد في صدرها، الحليب الكافي لإرضاع مولودها الجديد. ولا يجدر بالطبع أن تغذيه منذ تلك الأيام، بحليب البقر أو الغنم. فاهتدت جدتي إلى الحلّ، وقالت بصوت متحمّس :
- لقد وجدت الحلّ، الأمر بسيط جدًا، هناك عدة نساء في مرحلة الرضاعة، ويمكنهن إرضاع إيشو.
لا أحتفظ بالطبع، بأي ذكرى عن عماذي، الذي احتُفل به بعد أسبوعين. بهذا السرّ أدخِلت ضمن الجماعة المسيحية، وفي الأسرة الكبيرة. فقد حدّثتني كترو فيما بعد، بأني كنت ألبس ثوبًا طويلا من قماش الساتان بلمعته المحببة، الأخضر الفاتح، وأني كنت الأول من بين المعمّذين الستة. وبفضل هذا الامتياز، استطاع أهلي أن يحتفلوا بهذه المناسبة التي دعوا إليها وجهاء القرية، بضمنهم القس متي، وهو رجل ذو لحية رمادية ، اشتهر بمرحه. ففرشوا أمام المدعوين أطباقًا شهية من الدجاج بالرز مع الزبيب، والتمر والرمان، وقدموا أيضا أقداح الشاي. ثم قدّموا إلى الكاهن هدايا دسمة، من نقود، ومنشفات وصوابين لزوجته وأولاده. وكان هذا الرجل بارعا في القصص الطريفة التي يحكيها، فيلطف الأجواء في كل مجلس. كما عُرف بموهبة الشفاء، فيقصده الناس من كل حدب وصوب.

الفصل الثاني: الأسرة
______________

لقد تزوج والداي وهما في شبابهما المبكر، فكان لأبي عشرون عاما، ولأمي 17، تم ذلك في أعقاب اتفاق تم بين العوائل والأصدقاء. وكان جدي الأول توما يمثل عظمة السلالة، لأنه كان قسيسًا. وبسبب برّه ومكانته المرموقة، اختير من بين وجهاء سناط، ورسم بوضع يد اسقف الأبرشية بعد دورة  في الإعداد الكهنوتي. أما العم حنا كاكو، الذي كان قد اختير منذ فترة قصيرة مختارًا للقرية، فقد ساند يوسف وهكذا جرى الاحتفال بكل بساطة.
لم تكن أمي منحدرة من سناط، بل من قرية هربول المجاورة الواقعة على مسافة 30 كلم.
فبعد الحرب العالمية الأولى، كان قد تمّ رسم الحدود ما بين العراق وتركيا، فجعل الخط الحدودي هربول، على الأراضي العثمانية. وكانت وارينة ابنة عيسى اوراها المختار. عندما مات هذا الأخير، تركت ابنته تركيا، مع جدتي كترو وخالي اوراها وحنا (والد المطران مثلث الرحمة مار بطرس هربولي- المترجم) ليستقروا في قرية بهنونا. ترعرعت هناك، واصبحت فتاة شابة رشيقة وحيوية، كريمة ومضيافة. كانت قد حبتها الطبيعة بوجه جميل ذي سحنة بيضاء، وشفتين بلون الرمان، وعينين مسحوبتين. وما أن لمحها أبي  حتى وقع في حبها للحال، وطلب يدها. كان الوالد ذا قامة متوسطة، قويا ومفتول الساعد، استطاع أن يجتذب المراهقة بسحنته البرونزية وشعره ذي اللون الأسود الغامق. كما أعجبها بهيئته الرصينة والمهيبة. كان يتيما، وتلقى تربية عصامية على يد جدتي سارة. وقد حفظ أبي تذكارا مريرًا عن أيام عرسه.
ففي ذلك الوقت، كان للشاب أن يدفع مهرا معيّنًا: فقبل اسبوع من الاحتفال، وتحديدا قبل ثمانية أيام من الموعد المحدّد، ذهب يوسف إلى شقيقي الفتاة الموعودة له.
ويا للمفاجأة، فقد طالبوه بثلاثين دينارًا. لم يكن الخاطب المسكين، قد توقع مثل هذه النفقات، فاضطر إلى بيع قطعتي أرض صالحتين للبناء، في مركز القرية.
استقرت كترو مع العروسين الجديدين، وساعدتهما على العيش المناسب. كانت امرأة كبيرة القامة، تنسدل على كتفيها القويين، ضفيرتان رماديتان، وكانت تتميز بصوت قوي، وقد عُرفت بطيبتها وذكائها وعنفوانها وبإمارات التقوى.
كان يوسف قد اقتنى عدة حقول، يستثمر فيها الفواكه والخضراوات، كما كانت له أراض لزراعة الحنطة والشعير وأنواع أخرى من الحبوب، على وفق المواسم الزراعية. كان يحرث البستان لزرع الطماطة والبطاطس والباذنجان والفاصوليا والتبغ. كان لأبي شغف في التدخين، مما كان يحدث النزاع بينه وبين أمي التي كانت تأسف أن أرضًا بمثل هذا الخصب تخصص للتبغ بمضاره.
إلى جانب ذلك، كان القطيع بحوالي خمسين من الماعز، يشكل في حياة الجبل مصدرًا ثمينًا للمعيشة، بما يوفره من زبد وجبن واللازم من الحليب طوال السنة. وكان الحلب في الموسم من اختصاص النساء. وكان لنا من الغنم ذات الفم والأقدام البنية، وذات فروة مجعدة وبذنب قصير ومكتنز.
وكانت ثمة فعالية أخرى، التجارة التي كانت تدر لنا موردا مستقرا. فكان يوسف رئيس قافلة، ويذهب ثلاث مرات في الأسبوع إلى زاخو الواقعة على مسافة 9 ساعات سيرًا على الأقدام. تلك كانت بلدة صغيرة ترتمي على سفح الجبل الأبيض، وهي تفترش مساحات سهلية واسعة وخصبة، تنمو فيها الحبوب والفاكهة وكروم العنب. وكان يتحلزن فيها على شكل طوق، رافد من نهر دجلة يدعى الخابور، تعلوه عدة جسور صغيرة، أشهرها كان قد انشئ من الحجارة في العهد العباسي. وكنا نلمح من بعيد قمة أرارات حيث رسىت سفينة نوح. وكان الوالد يشتري من زاخو بضائع بالجملة ليجلبها إلى سناط. كيف يا ترى استطاع ان يقطع تلك المسافة ذهابا وإيابا لأكثر من عشرين سنة في طريق محفوف بالصعاب والمخاطر، يرتاده قطاع الطرق الذين كانوا يقتلون المارة وينهبونهم. في كل رحلة كانت تراودنا الهواجس بشأنه، ولا نكف نتساءل:
- هل يا ترى سيعود سالمًا بجلده، أم سيكون ضحية للقراصنة.
وكنت أمنّي النفس، كما في الحكايات الأسطورية، أن أعطيه بساط ريح يأخذه ويعيده بسلام. فكان يوسف يذهب مع حماره كيندو، وكان الحيوان المسكين لا يقوى إلا على نزر يسير من الحمولة.  في أحد الأيام، ذهب أبي إلى الموصل، وهناك اشترى بغلا ضخمًا قويًا، عمره سنة، ويستطيع أن يحمل أكثر من مائة كيلو وبوسعه ارتقاء الطرق النيسمية المتصاعدة، سمّيناه فريدو. وكان في القرية، اقتناء بغل، بمثابة الترقي إلى درجة اجتماعية أفضل. إذ لم يكن بوسع الجميع أن يدفعوا نفقات مثل هذا الحيوان الذي كنا فخورين به أيما فخر. وكم كنت أحب أن أداعب ثوب جلاله الرمادي. في ظهيرة صيف، امتطى والدي صهوة فريدو وأخذني وراءه، لنقوم بجولة على تلك المرتفعات. كان الهواء منعشا جدا ونحن على ارتفاع 900 متر من مستوى سطح البحر. وهناك صعدنا إلى مغارة رعاة، على مقربة بضع كيلومترات من المكان.
لدى عودتنا، تراءت لي سناط، كأنها في إناء تطوقه الصخور، ويرتقي قيامها إلى اكثر من ثلاثة قرون. كانت القرية على مقربة من جبل زنارا، وفي جنباته كانت تنساب ساقية صغير تدعى نهيرا.
كان البغل ينحدر بهدوء وبخطوات هادئة رشيقة برغم الطريق المتعثر بالأحجار والصخور. وكنا نرى الأشجار بأنواعها تلقي بظلالها على البيوت المرصعة بالحجارة البيضاء والمتراصة على بعضها، تشتبك فيما بينها تلك أشجار الجوز والخوخ والرمان. وكنت ألمح من جديد، أطيافًا صغيرة للأشخاص على السطوح المبنية من التراب المفخور والمخلوط بالتبن. على ساحة صغيرة بوسط القرية، كان يرتفع برج ناقوس كنيسة مريم العذراء. وما لبث فريدو ان انسل بين الأزقة الضيقة المتعرجة والمتموجة بججارتها غير المنتظمة، والمليئة بالأطيان في فصل الخريف. تتوالى عليها الثيران والحمير والغنم تشق طريقها بكل حرية. مررنا بالمدرسة والمستوصف ومركز الشرطة. في تلك الساعة كان البقالون قد أغلقوا دكاكينهم. على الباب استقبلتنا الوالدة بابتسامة مرحبة بالقول:
- سفرة سعيدة. هلموا كلوا، والشاي حاضر.
ذهب الوالد ليربط الحيوان.
دخلت إلى صالتنا الكبيرة بحيطانها التي كانت تعانق تلك الدعامات الخشبية العذراء. فألفيت الجدة جالسة على الشباك، تعالج الصوف في مغزلها اليدوي. دعتني بهدوء:
اجلس بجانبي يا ايشو. لقد عملت اليوم كثيرًا وعيناي توجعانني. بعد الغداء، عدت بقربها وانا اتذوق معها ذلك القدح الحار والمهيّل، وأقص عليها أطرف مغامرات فريدو.
بقي البغل يرافق أبي طوال سبع سنوات، في رحلاته مع القافلة إلى زاخو. كنا نحب هذا الحيوان ونقدّره، لما تميّز به من طبع وقور ومستقل، لقد أصبح واحدا من أعضاء الأسرة.
وفي مساء شتاء، عندما كان فردو عائدًا من رحلة استغرقت عشرة أيام، إنهار وسقط ضحية أزمة قلبية. وجاء الوالد حزينًا تعيسًا ليعلن لنا النبأ المفجع:
-   لقد مات فريدو.
-   كيف حدث ذلك؟ سألت والدتي منتفضة من الصدمة، ومعها جدّتي. وأين هو الآن؟
-   إنه مجندل في الطريق على مسافة 300 متر من هنا.
فهرعنا راكضين، لنجد الحيوان المسكين ممدًا على الحافة السفلى للطريق. تلك مائة 100 كيلو من التمر، التي كان يحملها، تفرطت كلها واختلطت مع التراب، لكننا لم نولها اهتمامًا يذكر.
تألمت كثيرًا بسبب موت فريدو، وبصعوبة شديدة نمت تلك الليلة. كنت أتساءل إن كان يوجد فردوس للحيوانات، فيه جنان وينابيع وعشب طري وشعير. في اليوم التالي سحبنا جثة الحيوان ونحن يعتصرنا الألم، إلى أحد الوديان، وواريناها ببعض الحجارة. وكان على الوالد أن يكدّ كثيرًا حتى يشترى في غضون بضع أشهر لاحقة، بغلا جديدًا.

الفصل الثالث: الربيع في سناط
______________________
 
وتفتقّت براعم الربيع، المفعم بالدفء، وبعبقه المزدهر. كنت أنبهر لمنظر نمو الوريقات على أغصان الشجر، فيما تتفتق أشجار الرمان عن ورود بلون الياقوت، وكانت أشجار (العنجاص) والمشمش تتشح بألوان العيد.
وكان العشب بمرح يزاد اخضرارًا.
وتحت شمس خجولة بعد، كانت تقوم على ضفاف الجداول جنبدات بقلوب ذهبية.
وكانت العصافير تحلّق، وهي تطلق زقزقاتها العاشقة.
ويا ما كان يتملكني شعور من الخفة الجذلى، فكان حب الطبيعة يستغرقني في أحلام رقيقة.
ولئن تصاعد، بين الفينة والأخرى، دوي من بعض الصواعق، ما كان ذلك يخيفني بشيء.
فقد كنت ابن المطر وكنت ابن قوس وقزح.
في الربيع، كان أبي يأخذني كل يوم إلى الحقول، ليريني كيف تزرع البطاطس والباذنجان. كنت أعاينه بشغف واشتياق، لفرط الرغبة في التعلم على أعمال الحقول هذه. لما كانت تشدّني من ألفة مع الفجل والثوم والبصل التي كانت تطيّب وجبات غداء الأسرة.
وكنت أساعد الوالد في تنظيف جداول القرية، متقافزا في الماء بمرح.
كنت سعيدًا.
وكانت تندلع أحيانا بعض المشاجرات بين السناطيين  حول تجاوزات في الماء والأراضي ، بين من يفتقد روحية التعامل وبين من يفتقر إلى الشجاعة.
أما أنا فكنت ألجأ إلى الارتماء بين أحضان الحقول الدافئة.
وحدث أنه لأول مرة رأيت النساء من كل أسرة كبيرة، يتجمعن للخروج يوميًا من القرية على جماعات صغيرة.
وهكذا في حوالي الساعة العاشرة، أخذت أمي برفقة عماتي تغادر سناط. وعندما كانت تهمّ في الخروج، وجدتني أتشبثت بها، متوسّلا إليها أن تصطحبني معها. ولكنه كان من الصعب عليها أن تأخذني معها، فإذا كانت تستطيع حملي في الذهاب، لن يكون ذلك بمقدورها في الإياب، إذ لم تكن تشعر أنه بوسعها أن ترفعني إلى كتفيها وبيدها جرة الحليب.
فبكيت. كانت الأم تستجيب في الغالب إلى التماساتي.
لكني هذه السنة كبرت كثيرًا. فرفضت وارينة أن تأخذني معها. فتعالت صراخاتي وازداد ضجيجي، حتى وجدت واحدة من بنات عمي رضيت أن تحملني على ظهرها طوال طريق العودة التي كانت تستغرق خمسة أو ستة كيلومترات.
كنا نسير بصعوبة في طريق متعرج صعودا إلى أعلى الجبل، حيث تحلب النسوة الغنم، والكل في هرج من الثرثرة والكركرات والأقاصيص، ولا يخلو كل هذا من المشاحنات أحيانًا، وأنا لا أفقه من ذلك شيئا.
لدى العودة إلى دار، رأيت أمي تصنع الجبن. لقد تعلمت ذلك من كترو.
كانت تصنع من الجبن، عدة عشرات من الكيلوات، تجمعه في الجرار، تحتفظ بجزء وتطمر المتبقي في الأرض ليكون محفوظا في الشتاء.
فكان الجبن، غذاءً أساسيًا، في كل الأكلات طوال السنة. وكانت أمي تجيدها أيما إجادة.
وبعد إنجاز هذه العملية، كان يتوفر لنا طعام طازج لذيذ. كان أبي وأخي يستذوقانه جدا، ويستغرقان في تناوله بشهية كبرى.
في نهاية الربيع كنا نطلب من امرأة متخصصة، أن تصلح الجبن بالثوم الأخضر وما ينبغي من مطيبات، قبل أن ندفن الجرار في التربة.
فكانت تلك مناسبة احتفال تجمع أعضاء العائلة حول الجبن ملك المائدة في كل أسرة.
وكنا نستهلك أيضا الكثير من لبن البيت.
كانت الأم تغلي الحليب، في قدور عملاقة، لبرهة من الوقت، ثم تضيف شيئا من اللبن، وتغطيه حتى صباح اليوم التالي، وعندئذ ليس لنا سوى أن نملأ منه الأواني.
أما بخصوص تصنيع الزبد، فكانت وارينة تضيف إلى اللبن مقدارًا محددًا من الماء، وتسكب الخليط كله في "المشكا" وهو وعاء  من جلد الماعز، مصنـّع لعملية تحريك مكوكي لنصف ساعة، حيث كان الزبد يطفو على السطح شيئًا فشيئًا يتم استخراجه في كميات صغيرة.
هذه العمليات المطبخية،  واهتمامات الوالد الزراعية، كلها كانت تبهرني وتوقعني في أيما حيرة.
 

13
الكردينال الجديد مار لويس، والمرحلة الكنسية التاريخية الراهنة

بقلم الأب نويل فرمان السناطي

ليسمح لي النزهاء من الأعزاء القراء والكتاب الزملاء، ان اكتب عن موضوع التكريم الكردينالي هذا. وهذه الكتابة، ليست بالتأكيد، للبهرجة أمام خبر أصبح أصلا شبه قديم، ونحن على ابواب الاحتفال به يوم الخميس القادم، 28 حزيران في روما. فهي بالأحرى كتابة للبحث في ملامح هذا التكريم وما يحيط به..

وفيما لم يحصل ذلك مع بطاركة آخرين، فإن قداسة البابا، كما بلغني من مصادر مقرّبة من البطريركية الكلدانية، نسب أن يكون مار لويس، عميدا للكرادلة الجدد، ومن ثم سيلقي الكلمة بالايطالية باسمهم ضمن حفل منح القبعة الكردينالية.

وهكذا، إذ يلقي البطريرك الكردينال كلمته هذه، ، فإن العراق، سيتكلم، بمسيحيي كنيسته الكلدانية الأصلاء من خلال الدور البارز الذي يمارسونه، إلى جانب إخوتهم في الايمان والمواطنة، على تنوع المكونات الوطنية العريقة.

سيتكلم عن العراق بجروحه وبانتظاراته. كما سيتكلم، لا غرو، ضمن مرحلة جديدة ومتجددة من التشكيلة الكردينالية الحالية، في شأن الكنيسة الجامعة المعاصرة، بكل ما تحمله من جراحات وندوب، وإيمان ورجاء.

ولا بدّ أن مار لويس سيتكلم، بصفة كردينال فاعل، عن دور الكنيسة في عالم اليوم، ودور مجمع الأحبار ضمن الحقبة الكردينالية الجديدة، مع معاونتهم للبابا بشؤون متعددة ومتنوعة، تخص كنيسة اليوم.

ولما كان صاحب الغبطة والنيافة مار لويس، خلفا للكردينال مثلث الرحمة مار عمانوئيل الثالث دلي، الذي تم منحه رتبة الكردينال، عندما كان خارج السن القانوني للكردينال الفاعل، فإن مار لويس، هو بالتالي:

أول كردينال كلداني فاعل، في عصر مسيحيي كنيسة المشرق الكاثوليك، أي منتخب في السن القانوني بحق التصويت والانتخاب والترشيح،

ثاني كردينال في الكنيسة الكلدانية،

ثالث كردينال على مستوى احبار العراق مع الكردينال الراحل  مار جبرائيل تبوني وكان مقره في بيروت ولم يزر العراق.

وبحسب ما توفـّر من معلومات، يكون غبطته،

 ثاني كردينال  الى جانب صاحب الغبطة والنيافة مار بشارة  بطرس الراعي بطريرك الموارنة.

وبهذا الصدد، تجمعت معلومات أخرى، بأنه كان ثمة تساؤلات منها:

كيف لا يكون موقع البطريرك مرشحا تلقائيا للكردينالية؟ فكانت اجابة مار فرنسيس، وبإقرار واضح، بأن مرتبة البطريركية ترتقي اصلا على الكردينالية.

وعندما استجدّ، حينئذ، التساؤل لماذا إذن، لا يكون البطاركة بحكم كرسيهم، أعضاء في مجمع الكرادلة. هنا بحسب ناقلي التساؤلات، أطرق مار فرنسيس مذعنا مع النية بالتشاور بهذا الشأن.

ولكن تبين بعدئذ أن مسألة حضور البطاركة في اجتماعات الكرادلة، كان سيكون، في العصر الحديث، ولأسباب لم يفصح عنها، تحولا غير مسبوق. إذاك يـُستأنف تنسيب منح القبعة الكردينالية، ضمن السياق المعاصر، أي باختيارات شخصية، فجاء ذلك مع تنسيب مار لويس روفائيل ساكو إلى هذه المرتبة.

وفي هذا الصدد يذكر ان البطريرك الراحل مار موسى داود كان قد قبل بتجرّد وقداسة، أن يتنازل عن مسؤولياته البطريركية، ليخدم الكنيسة الجامعة كرئيس للمجلس الحبري للكنائس الشرقية. مما كان قد أثار، في حينه، التحفـّظ على المستوى الارثوذكسي. ومع أن هذا التحفـّظ وضع النقاط على الحروف، إلا أن أهميته تبقى نسبية كونه يصدر عن جهة لا وصاية لها على شقيقاتها الكنائس الشرقية الكاثوليكية، ويصدر ايضا عن جهة ليست مرتبطة أو معنية أصلا، من الناحية الرسمية بالمكانة البابوية ولا بالسياقات التراتبية الكاثوليكية.

ولا يتعلق هذا التحفّظ بالطبع، باللغط الألكتروني، الذي يعدّه الكثيرون بعيدا عن اللياقة والمسؤولية، خصوصا الذين كانوا، فيما تبين الآن من هشاشة موقف، كانوا يستندون إلى الكرسي الرسولي، في حيثيات مواقفهم المناوئة لمار لويس ساكو؛ أقول هذا مع الاحترام لضمير الأشخاص بما يتصرفون به من حرية تعبير، ومع الإقرار بأن كل إناء بما فيه ينضح.

وفي شأن متصل، يذكر ان الملكيين الكاثوليك، في زمن البطريرك الصائغ ،  رفضوا حصول بطريركهم على المرتبة الكردينالية، بسبب طبيعة مقارنتها مع الموقع البطريركي، ولكنهم في ذلك، إن صح هذا الموضوع،

يكونون قد خسروا دورا مؤثرا ضمن مجمع الكرادلة، وضمن رسم ملامح الفاتيكان والبابوية.

وكان سيبقى من حقهم امكانية استمرار التأكيد على الحصول على حق الكردينالية للبطريرك حقا مكتسبا.

ولا بد لي من الإقرار، بشأن توجسات سابقة، بقيت تعتمل في المرء، لحدّ اعتبار الكردينالية لمار ساكو، كمفاجأة سارة، لكنها بقيت مفاجأة، لمؤثرات عدة: تراتبية، إدارية ليتورجية. وفي مقدمة التوجسات، ما حسبته وراء تلك المؤثرات، أنه قد ينظر إلى هذا التعيين كمفاجأة طال انتظارها مع تراكم كل السنوات المنصرمة، بضمنها سنوات التحدّيات والمطالبات. لكن هذا التعيين جاء ليبين أن ما شهدنا من سنوات مخاض، في العلاقات مع الكرسي الرسولي، لم تعمل إلا في تثبيت مكان بطريرك الكلدان تجاه مختلف المواقف المحتدة على عدة صعد. وبما يعطي الزخم لأي مواقف مستقبلة، تبين ان ما يصدر من  الكرسي البطريركي، سيصدر بالصفتين الكاثوليكية والكلدانية، وبسلطة ثنائية، وشركة تامة مع الكرسي الرسولي.

وما دمنا في موضوع الرأي والرأي الآخر، ففي هذه الأجواء الديمقراطية، بما فيها الانفلاتات الالكترونية، يبقى الرؤساء ومنهم قداسة البابا فرنسيس، معرضين للانتقادات. ومن الطبيعي أن هذه الانتقادات تنبثق  من جهات وأشخاص طبقا لزواياهم ومعادنهم.

ويبقى ان هذا المنصب الجديد للبطريرك الكردينال، مار لويس ساكو، يُـعدّ مسؤولية مضافة على عاتقه، ضمن ما يجمعه من صفات ومؤهلات. مسؤوليات جديدة على المستويين البارزين: في الكنيسة الجامعة، كما أسلفنا. وفي المستوى المحلي في المنطقة، في عراق حضارات عريقة صار يمتهن اسمه الأصيل بوقائع مؤسفة على مستوى الفساد والانفلات الأمني، وهذا موضوع يمكنه أن يلهم للكتابة في مقالات لاحقة.

14
مع الغالبية الصامتة والعراقيين الاصلاء، هل ثمة بديل عن الانتخابات؟
[/size]

إزاء هذا المقال، كنت أمام خيارين ارسله مباشرة إلى موقع عنكاوا، وسائر المواقع، ليأخذ مكانه في المقالات الالكترونية على أنواعها، أم أضعه على المحك، ليخضع النشر في الموقع البطريركي، ومن ثم يأخذ موقعه ضمن ما ينشره الموقع، وبرغم ما يحتويه من مرارات ومصارحات انترنتيه، رأيت أن أرسله، مقلم الأظافر، ولا أخفي القارئ، مفاجأتي الفرحة، أنه مصحوبا بكل الارهاصات، اجتاز الحاجز ونشر. وها أني اعرضه بعد أن عملنا فيه ما يجدر عندئذ من تشذيب. مع تمنياتي بقراءة إيجابية موفقة.

الأب نويل فرمان السناطي
________________

لو لم يكن ثمة شبكات التواصل الاجتماعي، لحسب المرء المغترب أنه في واد وما يسمعه من  الاخبار عن  العراق في واد.
ولكن مما يتكشف أكثر فأكثر من مؤشرات، هو أن الإعداد للانتخابات، في هذه المرحلة، قد لا يكون مشهودا له من قبل، من حالة ابتذال، قياسا بالمراحل السابقة، التي ربما كان تدهورها، تدريجيا السبب في الوصول  إلى ما آل إليه الحال.
قد انسحب كل هذا على العديد من الحالات عند المكونات غير الغالبة، طائفيا، وكأن هذه هي التي فتحت الطريق، وهي التي رسخت التعليم الرديء على سلوكيات فاسدة ومظاهر غير ديمقراطية، والهيمنة على طريق التوارث السياسي الواضح،   ولكن استمرار استعدادها للبقاء بالجرأة عينها، دليل على استحواذها على الإمكانات والموارد، شاء الشعب المغلوب على أمره أم أبى.
ومما يحتاج إلى المزيد من التبصر، هو أنه إزاء ظهور محامين وأطباء وأدباء وأساتذة، يجابهونهم بهذا القدر من التجاهل والتقليل من الشأن وصولا الى ما حدث من حالات تسقيط، هو أيضا حالة مزرية كاشفة. وإن أبرز اشارة إلى ضحالتها هو توقيتها مع زمن الاستعداد للانتخابات. وهكذا فإن ثمة حالات منافسة، قد يكون الشعب مدعوا أكثر من أي وقت مضى، للتصويت لها بكل كثافة، من كل الديانات والقوميات والمذاهب. وقد يحسب الكثيرون أن الانتخابات هي موجهة لانتخاب لمن هو من الشريحة الطائفية او الخصوصية عينها، بينما، في سبيل التغيير، هناك حاجة لدعم كل من يتم التوسم فيه أنه الأصلح. انطلاقا، في سبيل التغيير، من عدم التعويل على المجرّب والجاثم على الصدور منذ عقد ونيف، يا للعيب.
كما يقتضي التبصر أيضا بشأن الالتفات إلى من لا ظهير له، في الدعاية الانتخابية بالاعتماد على السحت الحرام، او الثروة المتراكمة، بل ظهيره الوحيد هو رصيده الشخصي من علم وأخلاق وتاريخ، ضمن ما تشهده الساحة من وجوه جديدة متمثلة بكوادر وكفاءات وإمكانيات لضمان التغيير.
أما الاجابة عن السؤال إذا كان ثمة بديل عن الانتخابات؟ فقد تترشح على خطين يقومان للأسف على المدى البعيد وليس القريب:
–  حاجة الانضمام الى أصوات مبدئية قيمة في العالم المعاصر، تسعى للمطالبة بتغيير شمولي للعقلية في الاسرة الدولية من الداخل، بحيث لا يأتي الاقتصاد معتمدا على زرع زعماء فاسدين في البلدان المعتمدة على الدين، وبأن لا يتم التخطيط للاقتصاد باختراع الحروب وادامتها، لمجرد الإثراء على دماء الشعوب والابرياء. وهذا، كما يقول المحللون، لا يمكن ان يكون بمبادرة فردية، حتى لو كانت على مستوى رئيس، وإلا فسوف يرجموه، على حد قول أحد الخبراء الانثربولوجيين الفرنسيين،  بل على مستوى الانتشار في تغير العقلية من الداخل، وصولا إلى تزايد الكتل الضاغطة.
– هناك وضع مؤلم يتمثل اعتماد عدد كبير من رجال الدين المتشددين ، وعدم وجود آلية مبدئية، قانونية تسائل ذوي المنابر الفيديوية التي تضحك أمام الملأ على جمهور صامت...
وعليه فإن رد الفعل تجاه هذه الحالة، من لدن مناصري المجتمع المدني، من الذين فقدوا الايمان بسبب هذه الحالة، أو سواهم… إلى جانب المؤمنين المتنورين، في مختلف الديانات، كل هذه العناصر لا ينتظر منها ثورة باستيل، على المدى القريب.
وبعد، هل ثمة في الوقت الحاضر، حالة من إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ سؤال جدير بالتوقف:
هناك أمل  في  وصول النزهاء والاصلح، التكنوقراط، الكوادر الكفاءات وسائر الامكانيات، قد تبرز عندئذ غالبية، تسعى إلى تحجيم دور الطائفيين المتعصبين ، غالبية تصون كرامة النزهاء من رجال الدين أيضا، وتحول دون صعود  اشخاص وصوليين  يقودون  البلاد من سيء إلى أسوأ..
أخيرًا لعل التصويت بكثافة للاصلح، هو السبيل إلى إنقاذ ما يمكن انقاذه، في قيام جيش محترم، بسلطة مطلقة لسيادة القانون، هذا ما ينظر إليه المرء في المدى القريب، ولعله السبيل إلى تداول سلمي للسلطة من أيدي  الطائفيين  والمحاصصة إلى أيدي  وطنية منفتحة ومخلصة.

15
       آفاق وجدانية:
                     العطش الروحي والايمان المسيحي

الأب نويل فرمان السناطي
-----------------

مقدمة خارجة عن النص
----------------------
في أحد أبوابها (أوتار الانجيل)، نشرت لي، مؤخرا، مجلة الافق (اوپقا) الغرّاء، مقالا بعنوان: العطش المسيحاني. وقد رأيت ان أنشر على ضوئه هذا المقال في موقع عنكاوا الأغرّ لما قد يكون فيه من تعميم للفائدة، وهنا أضفت هوامش عن الشخصيات الايمانية التاريخية المذكورة في المقال، والتي من المرتقب ان تشير إليها المجلة في عدد لاحق، في باب التعليقات على المقالات. ومجلة (أوپقا) مجلة فصلية إيمانية ثقافية اجتماعية تصدرها بطريركية الكنيسة الشرقية القديمة في العراق.
إنها محاولة متواضعة أن اكتب في موقع عنكاوا في هذا المضمار الروحي المسيحاني، خصوصا اني لدى عرضي لكتاب د. عبد الله رابي - الرابط أدناه (*) استخلصت من الكتاب أن شعبنا النهريني الذي مزقته التسميات وأثرت عليه اجندات سياسية متضاربة، وتوجهات مذهبية متباينة، فرأيت أن مما قد يجمعه من عناصر متنوعة، اضافة الى العمل المشترك في المجالات الاجتماعية الثقافية والاقتصادية، قد تكون ايضا التطلعات الوجدانية المشتركة الضاربة جذورها في زمن اعتناقه بشرى الانجيل مع فجر المسيحية. فيتسامى شعبنا، بمجمل هذه العناصر المشتركة، على الاجندات السياسية، وينظر بواقعية وانفتاح الى التباينات في تفصيلات مذهبية وعقائدية. وبهذا يبتعد المقال عن دوريات الانضباط في منتديات الموقع، الذين تخالهم كما في العهود الشمولية، يستوقفون الناس/ الكتاب في تدقيقهم المتشابك: (هويتك أخي) وكل منهم يبت من جانبه، عن هوية من هي الحقيقية وهوية من هي المزورة...
وعودة إلى المقال المنشور في مجلة أوپقا يسرني أن أرى في هذه المجلة العزيزة، كواحدة من المجلات الرائدة في المضمار الوحدوي، إذ تقبلت نشر هذا الموضوع مع استشهاداتي بشخصيات روحانية في الكنيسة الجامعة، ربما ليست دائما مطروقة في أوساط هذه المجلة التنويرية الانفتاحية، وشرحتها في الهامش.
وقتا طيبا ارجوه للقارئ الكريم مع هذه الارهاصات الروحية التي قد تشدنا لبعضنا اكثر بكثير مما يسبب فرقتنا.

نص المقال
"إن عطش أحد فليقبل إليّ، ومن آمن بي فليشرب"  (يسوع المسيح)
--------------------------------------------
ضمن سلسلة متواصلة من الأحاديث، يعرض القديس يوحنا الحبيب في انجيله ما قام به يسوع خلال أيام عيد اليهود، وما صار بينه وبين الفريسيين من مواجهة كبيرة للعداء الذي أخذوا يناصبونه. عندما انفرز صفان: صف يسوع الذي جاء ليعلن نفسه مع الشعب ومع الناس العاديين، وصف رؤساء الكهنة والفريسيين، الذين كانوا يتهيأون أكثر فأكثر للانقضاض عليه. في أجواء المواجهة هذه، كشف يسوع بوضوح أوراقه كمخلص منتظر لهذا العالم.

مصدر ماء الحياة ونور العالم
-------------------
فبحركة جماهيرية، أخذ ينادي ويقول: إن عطش أحد فليقبل إليّ، ومن آمن بي فليشرب (يو 7: 37) ويضيف فيما بعد:  أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ (يو 8: 12).  إنه يوفر الماء للعطشان، ويسبغ بنوره على كل العالم.
والحال، مع ارتواء العطش ومع النور، تتكلل مسيرة المسيح في كل حياته. لقد كان الجواب الشافي لكل القلقين والضعفاء والخطأة، من العطاشى الحقيقيين إلى الحياة الحقة. هذا كان سبيله في سنوات بشارته، بدأها بتحويل الماء إلى الخمر، كرمز إلى العشاء الافخارستي وفرح العرس السماوي، وكاستجابة لما يسعد الانسان. وكان للماء هذا العنصر الهام، رمزية كبيرة في انجيل يوحنا، إنه يتحدث عن الماء مع السامرية، فإذا بها تكتشف عنده ماء الحياة، الذي لا يعطش من يشرب منه من بعد.

انتظارت عطشى
----------
وتبقى مسيرة يسوع مفعمة بهاجس إرواء الناس من العطش إلى الماء الحي، إلى الحقيقة، إلى الشفاء، إلى التحرر من الذنب ومن الخطايا. فيكون هو عندئذ الماء الحقيقي الذي يعالج انواع اخرى من العطش:
العطش إلى جمع المال، فيخلـّص منه الكثيرين من أمثال زكا العشار ومتى الانجيلي، من عطش كان يجعلهما يلهثان وراء المزيد من الماء بدون ارتواء. وإذا بهم يرتوون لديه ارتواء ما بعده ارتواء.
يخلص الخاطئة، التي كانت تحسب أن عطش سعادتها في شبق الخطيئة، فتجد عنده السعادة الحقة، سعادة الغفران والمحبة.
ضمن كل سنواته العلنية، وجدنا يسوع يعالج العطش إلى السعادة لكل بسطاء الناس، العطش إلى سد ما يعوزهم، ليكملوا مسيرتهم في هذه الحياة. استجاب إلى لهفة المقعد، وحسرة الابرص، وشوق الاعمى إلى النور وحنين الارملة إلى ابنها الوحيد الذي فقدته.
وبقي يسوع في كل المعجزات التي يقوم بها يرمز إلى مضامين تلك المعجزات، فيؤكد على أن الشفاء من الخطيئة ليس أقل أهمية من القيام والسير، بموجب ما قاله للمقعد الذي غفر له وقال له أن ينهض.

شرط الارتواء المسيحاني
----------------
على أن يسوع أكد أكثر من مرة، أن الطريق إلى ارواء العطش إلى الماء الحقيقي، له سر ومفتاح: إنه الايمان، فكان دائما يمتدح من يطلب منه بإيمان، فيقول له: إيمانك خلصك. وزاد الانجيلي مرقس (6: 1-6) فقال عن يسوع في موطنه الناصرة إلى الذين لم يؤمنوا به:  ولَم يَستَطِعْ أَن يُجرِيَ هُناكَ شَيْئاً مِنَ المُعجزات، سِوى أَنَّه وَضَعَ يَديَهِ على بَعضِ المَرْضى فَشَفاهم" : عبارة "لَم يَستَطِعْ أَن يُجرِيَ هُناكَ شَيْئاً مِنَ المُعجزات" هي من أكثر عبارات الانجيل جرأة وتُظهر بوضوح ان معجزات يسوع لم تكن أعمالاً سحرية، بل هي أعمالٌ مرتبطة ارتباطاً حيوياً بإيمان الشعب. ان عدم الايمان منع يسوع من ان يجري معجزة. فهناك علاقة بين الايمان والمعجزة ( مرقس 2: 5) . فالله تعالى في سلطانه لا يُجري معجزة اذا ما كان الانسان رافضا وعقوقا حتى النهاية، بما وصفه يسوع بخطيئة ضد الروح القدس. لترتبط المعجزة من ثم بالإيمان الذي هو جواب الانسان على مبادرة الله المجانية. وعليه أصبح إجراء المعجزات مستحيلا بسبب قلة أيمان أهل الناصرة، وليس عن قلة مقدرة يسوع، لأنه من خلال ايمان المرء الحر الواعي، تتحقق المعجزة الربانية القائمة ايضا على احترام حرية الانسان.

عطشك وعطش الاخر
--------------
ويتحدث يسوع عن دور الانسان، في إرواء أخيه الإنسان، في التفاتة المحبة نحوه بكاس ماء بارد. ويضع العطش وارواء العطش، ضمن تطويباته: كنت جائعا فأطعمتوني، كنت عطشان فسقيتموني. فبقي يقرن ما يفعله للأخرين، بما ينبغي لهم، أن يعملوه لغيرهم. ليؤكد في هذا النهج أن هناك سعادة أكثر في العطاء اكثر من الأخذ، وأن النعمة التي يتلقاها كل منا من الرب، يجدر بنا أن نشارك الناس بها، فكما سقانا هو من ماء المعرفة والنعمة والسعادة، يجدر بنا، وكشرط لأن نكون مقبولين في السماء، أن نسقى العطشان الذي يجعله الرب في طريقنا.
وهكذا بقي يسوع يؤكد على حالة متفردة من الارتواء تكمن في ضرورة العطاء إلى الاخر، حتى اعتبر يسوع الاخر مكانه: "كل ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه" إلى درجة أن أقوى عبارة اطلقها بصوت عال من على الصليب كانت: "أنا عطشان" وبها استنهض الاستجابة لعطش الاخرين لتغدو بمثابة الاستجابة لعطشه على الصليب. جاء هذا بحسب تشبيه ساقته لي الام تريزا في بغداد، عندما، في نهاية نهار صيف (حزيران 1991) رافقتها خلاله في زياراتها الرسمية، فأخذتني إلى معبد الصلاة الخاص بهم، ومثله في كل بيوتاتها، إذ وضعوا تحت الصليب، عبارة "أنا عطشان". إنه الشعار الذي وضعته القديسة المؤسسة لمرسلات المحبة، في المعبد الصغير لبيوتهم واديرتهم، لتصبح حياتهم مع المعاقين والمنبوذين من أحبة الرب، بمثابة الاستجابة لعطش ذلك الذي اخلى ذاته من أجل الآخرين.

ومضات في الارتواء من العطش المسيحاني
----------------------------
كبار الناس في الحياة المسيحية هم كبار العطاشى الذين لم يرتووا إلا بالكلمة الربانية المحيية. وكبار الناس في المسيحية هم الذي وضعوا امام اعينهم ان يسقوا العطاش. وجاءت منهم ومضات طبعت حياتهم المعجونة بين العطش والارتواء:
اليك يرنو قلبنا يا الله ولن يستريح الا بك، عبارة قالها مار أوغسطينوس (1) عندما اكتشف الحقيقة في المسيح.
"الله يحتاج الينا" نداء رمزي أطلقه منصور ابو الفقراء (2) في اشارة إلى اننا نحن الذين ينبغي ان نكون يد الله امام الاخوة المحتاجين الينا.
"ما اطيبك يا الله، حتى انك قصبة مرضوضة لا تكسر وفتيلا مدخنا لا يطفئ." قالها المهتدي الكبير شارل (3)، نقلا عن سفر اشعيا (42: 3) وهو يتملى في الصحراء الجزائرية مترامية الأطراف، إذ وجد كلام الحياة، بعد كل ضلالته، ووجد السعادة الحقيقية. فكانت صرخته عندما استنار بالايمان بوجود الله: حالما لمست وجوده، وجدت أني لن استطيع ان اعيش لأحد سواه.
ويبقى العطش المسيحاني دعوة للتفكير في العطش الحقيقي، والسبيل إلى ارواء.

___________________________
(*) رابط المقال عن كتاب د. رابي، بعنوان (استخلاصات من كتاب د. عبد الله رابي: قوميات بشعور محبب، وواقع التسويق الستراتيجي):
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=860397.0

هوامش عن الاسماء المذكورة في المقال:
__________________________
(1) القديس اوغسطينوس الكبير (354-430) ابن القديسة مونيكا، الذي عاش في افريقيا الشمالية تونس، وكان فيلسوفا وثنيا، اهتدى الى المسيحية من خلال البحث عن الحكمة القصوى، في بشارة الرب. وكنت اشتركت في اعداد سيرة حياته مع الاب منصور المخلصي، بعنوان: اوغسطينوس الافريقي. وتلك جملة معروفة عنه عالميا، في الأدبيات المسيحية عموما، وهي تعكس البحث الانساني الوجداني، والارتياح الى اقصاه باكتشاف الله.
(2) منصور ابو الفقراء، هو القديس منصور دي پول (1581-1660) المنتشرة جمعياته الخيرية، في لبنان، العراق وبقع كثيرة من العالم.
(3) شارل المهتدي الكبير، هو الطوباوي شارل دي فوكو (1858-1916) الذي عاش العقود الاخيرة من حياته واستشهد في الصحراء الجزائرية، وعلى نهج خطاه تأسست رهبانيتا إخوة و أخوات يسوع الصغيرات. وتلك كانت كلماته عند اهتدائه إلى الايمان، إذ كان غير مؤمن في الجزائر وبعد الاهتداء وتكريس نفسه للرب.الذي كنتُ اعددت سيرة حياته المصورة، وهي متوفرة على ما اعتقد وربما مع الكتاب أعلاه، في مكتبة الناصرة بإدارة الاخت زاهدة الدومنيكية.

16
استخلاصات من كتاب د. عبد الله رابي

                    قوميات بشعور محبب، وواقع التسويق الستراتيجي


الأب نويل فرمان السناطي
________________

"لو كنت قرأت الكتاب من قبل..." عبارة لا استطيع قولها الآن! لأن الكتاب صدر مؤخرا في 2016 وهو: الكلدان والاشوريون والسريان المعاصرون وصراع التسمية - تحليل سوسيولوجي- من تأليف الدكتور عبد الله مرقس رابي. وما كانت لي معرفة شخصية بالرجل، سوى من خلال مقالاته الرصينة في أكثر من موقع، وتوازن مناقشاته مع مختلف الفرقاء. ومن المفارقة أني مؤخرا تلقيت الكتاب كهدية من ناشره في استراليا 2017 الناشط الكداني في الرابطة الشماس عوديشو المنـّو.
وإقراري المقرون بـ لو... يعود إلى إني لو قرأته من قبل، لما كنت صرفت كل ما صرفت من وقت، وبالاتجاه الذي صرفته، في الكتابات عن الخصوصية الاثنية لشعبنا النهريني. وأقرّ أننا إذ كنا نسمع طروحات الأب (المطران) د. يوسف توما، بشأن الانتماء الديني والهوية القومية في هذا المحفل أو ذاك، كنا أمام أرضية  غير مستعدة تماما لقبول تنظيره الشمولي في مسافة مستقلة من الشؤون الخصوصية الاثنية، وتظهر الأيام الجانب الواقعي لتلك الأفكار.
على أننا نبقى بحاجة إلى منظرين أكاديميين، ومن العلمانيين، فقد يتقبل الناس آراءهم اكثر مما قد يحسبونه تضارب مصالح لدى المتحدثين عن الشأن عينه من الأكليروس. فتأتي أفكار د. رابي بعقلانية وواقعية يحتاجها المعاصرون من أبناء بين النهرين، لا بل نفتقد إلى أكثر من واحد مثله، إلى فريق يضمّه مع منظرين علميين حياديين منتمين للكنائس الرسولية العريقة مثل كنيسة أنطاكيا وكنيسة المشرق والكنيسة الشرقية القديمة.
مع تصفح الكتاب منذ مطلعه، يتبين أن الهدف المقصود منه، هو ان يكون القارئ "عونا في تحقيق السلام (فالنهرينيون- الرافدينيون، في الكتاب، في حلبة صراع) وينشد المحبة والاحترام المتبادل بين كل من يعتز بجماعته الاثنية"، في اشارة ضمنية الى ان الناس في مرحلة تسقيط وفرض الالغاء والانصهار لهذه المصلحة الستراتيجية او تلك.
وثمة ملاحظة أود تسجيلها لتواضع المؤلف، فبينما يصل نتاجه إلى مستوى الموسوعية والشمولية في التوصيف الاكاديمي للخصوصية القومية والاثنية، من منظور علم الاجتماع، مدعوما بالادلة والمراجع والبراهين، فإنه وفي سعيه لمعالجة شؤون الساعة، وجدت، في رأيي الشخصي، أنه من باب التنازل عنون كتابه عن "صراع التسمية" فيما يخص "الكلدان والاشوريين والسريان" فيما كان يمكن أن يكون صراع التسمية عنوانا فرعيا لاسم الكتاب وهو يتناول النظرة السوسيولوجية إلى الشأن الاثني القومي، وبما يجعله كتابا يندرج ضمن مواد الدراسة الجامعية في الاختصاصات ذات الصلة. أورت هذا المقترح لاعتقادي أن الكتاب يمكنه أن يكسب المزيد من القراء لو وجدوا في عنوانه عرضا شموليا عن الشأن القومي لباحث أكاديمي في علم الاجتماع، ويمكنه أن يكسب قراء آخرين، ممن ربما انصرفوا عن قراءته حالما حسبوه يقتصر على صراع التسمية.
وما دام الصراع عنوانا للكتاب، فأود الانحناء بعرفان وتقييم للنهرينيين من الكلدان والاشوريين والسريان، بأن هذا الصراع بقي صراعا راقيا متحضرا، يدل على جذور الشهادة بالحياة والدم لأبنائه الذين اعتنقوا رسالة المسيح منذ نحو ألفي عام، فما أكلوا بعضهم بعضا، وما اشتمل صراعهم عبر التاريخ على معارك دموية (باستثناء حالات نادرة جدا مثل اغتيال مار يوحنا سولاقا شهيد الاتحاد، كما وصفه المطران السناطي الراحل مار روفائيل ربان) فبقي الصراع عبر التاريخ سلميا إلى حدّ كبير، بعيدا عن المآسي التي حدثت في المناطق محدثة النعمة في الايمان المسيحي، مثل أفريقيا وايرلندا وما شابه، ولا تقارن، لا سامح الله بالحروب الاهلية بين طوائف المذهب الواحد والبلد الواحد والعشيرة الواحدة من خارج المسيحية.
أما الكتاب فقد اشتملت فصوله البحثية على 306 صفحة، عقبها ملحق و192 هامشا مفترشة 44 صفحة فيها اشارة الى عشرات المراجع ، لعلها في طبعة قادمة، ولا بد أنها قادمة، تصلح ان يفرد فيها باب مختصر مستقل للمراجع، الى جانب الاشارة الى تلك المراجع في الهوامش. وللاحاطة بالجانب الموسوعي للكتاب، نشير الى أنه خصص فصولا للاطار المفاهيمي عن القومية والاثنية والعرق والامة والشعب والهوية.
ثم تناول في فصل "التطور الحضاري في بلاد النهرين" مسحا لحضارات هذه البلاد: الفراتيين الاوائل، السومريين الاكديين، الكتويين، والحضارة السومرية الثانية وحضارة الاموريين،  والحثيين والكشيين، الحوريين، وصولا الى الحضارة الاشورية، الكلدانية الآرامية، وحضارة الفرس الأخمينيين، والسلوقية والفرثية والساسانية، وصولا الى العرب مع دخول الاسلام، ثم المغول والتتار والصفويين والعثمانيين.
وفي فصل لاحق تناول د. رابي "حصيلة التنوع الحضاري في بلاد النهرين" في موضوعات مثل: مفهوم الحضارة، الانتشار الحضاري والتغير الاجتماعي، العوامل المؤدية الى التغير الحضاري، كالحروب، الابداعات الفكرية، قوة الارتباط بين افراد االمجتمع، والهجرة والتجارة. وتناول هذه الحصيلة في مجال اللغة من خلال نتائج التلاقح الحضاري، وكيفية حدوث عملية الاقتباس الحضاري.
هذه الفصول الثلاثة الاولى وقد شكلت نصف الكتاب، كانت المدخل لفصول ثلاثة أخرى متعلقة بجزء من عنوان الكتاب في "صراع التسمية" بدأها بأسبابه: ما يكتبه الكتـّاب من كتابات متأثرة بالايديولوجيات السياسية، او تلك التي تفتقد الى الموضوعية والمنهجية، والأخرى التشويهية من غير الاختصاصيين. وبأسلوب متفرّد تناول المؤلف كتابات رجال الدين وتصريحاتهم، كما تناول "موضوع الاعتماد على كتابات المستشرقين". وكذلك اعتمد جملة مبادئ تعرّف اسباب الصراع مثل: الرجوع الى التاريخ والاشتقاقات اللغوية، كيفية تدوين التاريخ، استخدام المنطق القديم في التحليل، ولم تفته الاشارة الى الانشقاق الكنسي، أعقبها بالايديولوجيات السياسية، كما عرض جملة مبادئ تشرح الصراع مثل:
اللغة وعلاقتها بالتسمية، تداخل المفاهيم المرتبطة بالقومية، كما تناول عنصر الاعلام وكذلك الترسبات التاريخية السابقة للحكومات مقارنة بالامية الحضارية، وخلص في باب الاسباب الى تفاوت الوعي القومي بين الاثنيات الثلاث، والى التعصب والحقيقة.
وفي فصل آخر عالج المؤلف بحنكة بادية تداعيات صراع التسمية، من خلال زوايا عدة مثل:
تعاطي الحكومات مع الاثنيات، تشتت العمل السياسي، مرورا بزوايا كاشفة منها: فقدان الثقة بالاحزاب، الاحباط في نيل حقوق الاثنيات الثلاثة، التأثير في العلاقة بين رجال الدين والعلمانيين، التأثير في موضع الوحدة الكنسية بين الكنائس المشرقية، وما اعتورذلك من إحباط في (تسمية اللغة) الى الهوس في "الجدال الفكري العقيم" والتهميش، وأخيرا الاضطهادات المتكررة والهجرة.
ويستخلص الكاتب الحلول التي أراها تصلح اكاديميا لتنطبق على مختلف الاشكالات السوسيولوجية ذات الصلة، وليس في مجال صراع التسمية حصرا بين الاثنيات الشقيقة: الكلدان والاشوريين والسريان، وذلك بطرح محاور لمعالجة سوسيولوجية توفيقية، فعرض المحكات العرقية، الجغرافية، اللغوية، الدينية، الاجتماعية. كما عرض لما قد يشكل شرايين القومية من: الشعور بالانتماء الاثني، دافع الانتماء، وكيف يتكون دافع الانتماء هذا إلى الجماعة الاثنية، مختتما الكتاب بكيفية حدوث التنشئة الاجتماعية عند الفرد لتنمي دافع الانتماء. وفي معرض بحثه، اجاد المؤلف في المقارنة بين هذه الشعور القومي في بلداننا، والشعور القومي في البلدان الكبرى الحديثة والمعاصرة، وما تجاوزته وارتقت فيه هذه البلدان (مثل كندا من خلال العيش في الرقعة الجغرافية) على عوامل الدين والخصوصية الاثنية، مع حصة معتبرة جدا ولكن غير مطلقة على المدى القريب، ألا وهي عامل اللغة الرسمية للبلاد.
ولعل الكتاب قد يلفت الانتباه ايضا لدى الكثير من المعنيين، لما أفرده من الصفحات الاثنتي عشر في الملحق، عن المناطق البابلية والكلدانية التي شملها الترحيل الجماعي وإلى اين استقرت.
وقد تخلع على المؤلف، صفة ربما لم يقصدها او يتوخاها، وهي روح الفكاهة الذكية التلقائية بتندر من باب شرّ البلية ما يضحك، عندما أفرد في الكتاب قسما رابعا في الفصل عن صراع التسميات، تحت عنوان: كتابات رجال الدين وتصريحاتهم. كتابات وتصريحات قد تغيب عن البال، عندما تلاحظ متفرقة هنا وهناك في هذا المؤلف او ذاك، قديم او حديث، ولكن أن تجمع كلها في 22 صفحة من القطع المتوسط بالبونت الطباعي 14، فإنها قد تصلح لوصلة ترفيهية من فن المونودراما (مسرحية الشخص الواحد) ليعرض فيها، مجتمعة، كل تلك التسميات والتعريفات، بما تحمله من تناقضات وتباينات تستدرّ النحيب. مفارقات لعلها ابنة بيئتها الاجتماعية والكنسية، في اوقات تفاوت فيها التسامح، وتركزت فيها بطريقة أو أخرى، الإدانة والتحذير من المذهب الآخر؛ كما أن كل رجل دين مهما كان شمولي الحديث كان يتوجه به بنحو مخصص الى رعاياه، عندما كانت لرجال الدين ولمرحلة قريبة خلت، الكلمة الفصل في شؤون الدين والدنيا. وأطمح أني في هذا الطرح بحدّ ذاته عن تصريحات رجال الدين، ارغـّب سادتي القرّاء نحو فضول الاطلاع على الكتاب.
وفضيلة هذا القسم، في زمننا، هي أن الناس يمكنها ان تراجع الذات فيما يتصل بتصريحات رجل الدين، من غير الاختصاصيين، في الشأن الاثني أو أي شأن آخر غير متخصص فيه؛ ولكن حاشا أن يتمّ الغاء دوره، في تثبيت الخصوصية الثقافية عن التسمية الاصلية لكنيسته؛ علما بأن الكنائس الرسولية، كاثوليكية أوغير كاثوليكية، تنطلق في انفتاحها الانجيلي إلى الشعوب، بدون التخلي عن الجذور الاثنية أو الجغرافية التسموية التي انطلقت منها: كنيسة انطاكيا، الكنيسة الكلدانية، كنيسة اورشليم، كنيسة المشرق، الكنيسة الشرقية وكنيسة روما، وبدون ان تصهر في بوتقتها المنتمين إليها من مختلف الثقافات واللغات؛ وهذا ايضا لا يعني قبول هذا التخلي عن التسمية الاثنية التي وجدت معها، لحساب اجنده سياسية. ولعل هذه هي أساسا الحدود الفاصلة، بين الخصوصية الدينية لكنائسنا وبين اسمها الجغرافي أو الاثني المرتبط بجذورها.
وفي بالي العديد من الناشطين المتوازنين في الشأن القومي لشعب كنيستهم، مثلهم مثل الدكتور رابي، في الكنيسة الكلدانية، كما في كنيسة المشرق والكنيسة الشرقية إلى جانب كنيسة انطاكيا، وليس من الصعب عليهم أن يلتئموا مقابل من يلتئمون من الحاقدين والهدّامين والمتصيـّد، بافتضاح كالثعلب، في الماء العكر.
وإذا تساءل القارئ ما الذي جعلني أتأسف أني لم أطلع على مثل هذا الكتاب من عقود، أود الاشارة إلى نفائس توضيحية وردت فيه، الخصها بالآتي: الصراعات حول الهوية ابتدعها السياسيون، وبالاخص في البلدان النامية... لتكتسب "ظاهرة التعددية أهمية خاصة ووعيا متزايدا لأنها تعد عاملا مهما لنشوء الصراعات السياسية... أدت إلى نشوء حروب طويلة الأمد... ترسّخت على إثرها الصراعات الفكرية حول التسمية الأصح للشعب الرافديني التاريخي... مع... التنظير والتأكيد على الأصالة وإلغاء التسميات الأخرى.
ولعل الفقرة التي تعدّ في الكتاب مفتاح الإجابة لما يتعلق بالشعب الرافديني بكلدانه وآشورييه وسريانه، هي التي أوردها لي ناشر الكتاب في استراليا، الناشط الكلداني عوديشو المنو في مقابلة سابقة معه وهي: بسبب تلاقح الحضارات اجتماعيا وبايلوجيا وفقا لنظرية الانتشار والاقتباس الحضاري ، تلك الحضارات التي نشأت على ارض بلاد النهرين او تلك التي غزتها على حقبات مختلفة حيث استقرت بعضها مئات السنين واخرى الاف السنين ومن مختلف الجهات وقد تفاعلت مع بعضها وتداخلت... ولا يمكن ان نغير قناعة الواحد تجاه الاخر طالما قد تأثر بتنشأته الاجتماعية الاسرية منذ الطفولة في المسألة الانتمائية الاثنية او القومية... لأخلص مع السيد المنـّو، ومع حصيلة كتاب د. عبد الله رابي، أنه إذا كان غير ممكن أن نغير قناعات الواحد الاخر ، فليحتفظ كل منا باسمه الذي يعتز به ويفتخر به لكن علينا، مصيريا، ان نعمل معاَ.
ولما كان المؤلف يحمل صفة الدكتور، أتعشم ان يجد الكثير من قرائه، وقد أكون أحدهم، وصفات علاج تحمل الدواء لداء يمكن تسميته بذلك المرض الوهمي، مرض "النزعوية القومية".

17
رأي: هل تشكـّل المسيرة المسكونية قلقا دفاعيا احترازيا لدى بعض الكنائس

الاب نويل فرمان السناطي
________________

الكنائس المشرقية، بجناحيها الكاثوليكي والارثوذكسي هي بشعب واحد وثقافة مشتركة وتاريخ متقارب الجذور، ناهيك عن التحديات المصيرية التي يواجهها شعبها، وقيمه ومستقبل تراثه وثقافته وتقاليده المسيحية، في عصر تغلب عليه العولمة والليبرالية الفكرية والانفلات القيمي، وما يترتب على كل هذا الواقع من استغلال اصولي راديكالي يصل إلى تسخير الدين للطائفية والعنصرية والفساد والارهاب.
ولعل الشعب المسيحي في هذه الكنائس المشرقية، يختلف عن الشعب المسيحي في الغرب، أكان كاثوليكيا  أو غير كاثوليكي. ذلك أن أبناء هذه الاصقاع لهم منحدرات وقواسم مشتركة من حيث اللغة والحيـّز الجغرافي الذي بات يطلق عليه "حيـّز الامة الواحدة" على اختلاف خصوصياتهم، اثنيا او حتى لغويا.
أما الحديث عن الحال الراهن فهو ذو شجون مع شعب المؤمنين في الكنائس المشرقية بشقيها الكاثوليكي وغير الكاثوليكي.
فمن جانب، يلاحظ ان بعض الدكاكين السياسية غير المبدئية وغير المسؤولة قد قسمته اثنياً وقوميا وتسمويا. ومن جانب آخر، وهذا هو موضوع المقال: يخضع الشعب لزعامات كنسية تغلف تعليمها بنفـّس لا يشجع المسكونية، وتسكت في الوقت عينه أمام تقسيمات الدكاكين السياسية المذكورة.
فلما كان ثمة نهج مسكوني سلكه المسيحيون منذ اكثر من نصف قرن، ولما كان ثمة وعي متزايد، لدى المنظرين السياسيين الواعين لمخاطر التقسيم الاثني على حساب المصالح السياسية الضيقة، ها إننا نجد ان بعض زعامات الكنائس الشقيقة، لعلها من المدرسة القديمة، قد تحسب ان كراسيها تتزعزع بسبب ما تراه تحديا بمحورين:
الأول: قد ترى أنه تحدّي يزعزع استقلالية كنيستها، ما تراه في النهج المتطلع الى الجمع بدلا من الكسر والتقسيم،  وأن أبناءها تتوجه بروح منفتحة وبشعور وحدوي الى الكنائس الشقيقة، مستفيدة من اللجان المسكونية التي أتاحت هذا السبيل.
الثاني: قد ترى انه ايضا تحديا غير مباشر، ما رسمته الزعامات العليا في هذه الكنائس، مع الرئاسة الكاثوليكية، والتي تسعى الى ان تتجاوز تفاصيل في الخصوصيات الايديولوجية، في سبيل الوحدة المسكونية؛ وهكذا قد تحسب، الزعامات الفرعية، انها ستخسر امتيازاتها، فتراها تبرز الانقسامات بتفاصيل تجاوزها التاريخ وعالجتها اللقاءات المسكونية في جوانب عدة.
مثل هذه الكنائس تكاد توصف بالكنائس المجهرية، اذا قارنّا بضع مئات ألف في كل كنيسة مع حوالي المليار ونصف المليار. وإذا بزعامات مثل هذه بات جل اهتمامها هو السعي للمحافظة على خصوصية كنائسها، وهي في عالم اليوم محافظة مرحلية ليس إلا، أمام كل التحديات التي تجابه العالم المسيحي، فماذا تراها تفعل، إنها ضمن افق ضيق تعمل على جبهتين:
الجبهة الأولى، الحفاظ على الحالة الانفصالية، في داخل العائلة الارثوذكسية نفسها كقولها في هذه المقابلة أو تلك: إخوتنا الاقباط هكذا يرون طبيعة المسيح، اخوتنا في الكنيسة الاشورية هكذا يرون تسمية أمومة العذراء. كل هذا بدل أن يتآلفوا في كتلة واحدة، عقائدية مسكونية، ذات تراتبيات (هيراركية) منسجمة موحدة.
الجبهة الثانية، بدل انقاذ ما يمكن انقاذه بشأن الضياع الذي يتعرض له ابناء الكنائس المشرقية عموما، امام التحديات المعاصرة، ها إن زعامات الكنائس المهجرية، تسعى في المقابلات المعلنة، إلى تجديد سكك الانقسامات الايديولوجية، بإعلان تنظيرات لعل كل مغزاها يختصر بما يلي:
انتبهوا لا تتبعوا الكنائس الاخرى، فنحن الخط الارثوذكسي المستقيم ما بين الخطوط الارثوذكسية القائمة، ومن باب اولى أمام الخط الكاثوليكي.
وإذا تساءلنا بفرضية بديهية:
هل يا ترى بموجب هذا الخطاب، سوف "ترعوي" الخطوط الارثوذكسية الاخرى، والخط الكاثوليكي الاخر، لكي يتم اتباع الخط الايديولوجي المتفرّد لهذه الكنيسة او تلك؟ لا نعتقد ذلك البتة، فالتنظير المعاصر هو من أعلى وهو يبحث عن كل ما يجمع. فاذا كانت هذه الجهات لا ترعوي للالتحاق بركب الكنيسة اياها، اغلب الظن إذن ان هذه الكنيسة أو تلك، في خطها الانفصالي والتقسيمي، تريد التسمك برعاياها بأي قدر ولأي أمد ممكن، وليكن ما بعدها الطوفان.

وأخيرا سؤال واحد يطرح ذاته:
لو كانت هذه الزعامة الروحية الواعية حتما لجذور أبناء كنيستها المشتركة عقائديا واثنيا مع أبناء الكنيسة المختلفة بهذه التفاصيل الايديولوجية أو تلك، لو كانت بمثابة الاب والأم، تتعامل مع أبناء العائلة الواحدة، التي تضم المؤمن وغير المؤمن، الأمين والعقوق، النزق والمتسامح، أما كانت تعمل كل شيء لتجمع هؤلاء الابناء المختلفين على مائدة المحبة الواحدة، ترتقي فوق الاختلافات، وتستهدف العمل على ما يجمع، فكيف بالأمر لو كان على مستوى العائلة المسيحية المشتركة ما بين الكنيستين الشقيقتين يا أولي الألباب؟ وبالتالي من المرجح ان ثمة حاجة إلى الحذر من هذا التوجه، من قبل هذه الكنائس المشرقية الرسولية المتناثرة في الغرب، قبل غيرها، لماذا؟
الواقع أن كنائس العالم المسيحي لا بد لها أن تتجمع حول تطلعات مصيرية مشتركة ملحة اكثر فأكثر. من تلك التطلعات المصيرية، أن ابعاد احتمال الانصهار في الكتل الاكبر، المحدق من كل صوب، مرهون بنسبة كبيرة بأن الكنائس الرسولية المشرقية توحد مسيرتها، وتتعامل بنحو أكثر معاصرة بشأن التفاصيل العقائدية لتصبح من ثم امام تكاتف يبعد الانصهار وينعش الازدهار، وبضوء رغبة الرب يسوع (انجيل متى 12: 7): رحمة أريد لا ذبيحة.
عن الموقع البطريركي 24/11/2017


18
مار باواي سورو اسقفا للكلدان في كندا، مؤشرات وآفاق

بقلم الأب نويل فرمان السناطي
كندا


نقل موقع البطريركية اليوم 31/10/2017  خبر إقرار قداسة البابا فرنسيس لاختيار السينودس الكلداني سيادة مار باواي سورو أسقفا على أبرشية كندا للكلدان (*).  اود ان اتناول في هذا المقال مؤشرات وآفاق لسابقة حبرية تعيشها كنيستا المشرق الكلدانية والأشورية.

فما بين القبول السنهادوسي الكلداني في 2013 لعضوية مار باواي في المصاف الأسقفي للسينودس، وما بين طلبه الانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية، مرّت سنوات مخاض شهدها البيت  الكنسي الكلداني الداخلي ، من جهة، وما تبلور من قناعة فيما بينها وبين شقيقتها الكنيسة الاشورية من جهة أخرى، في انتقال أسقف من الكنيسة الاشورية الى الكنيسة الكلدانية.

إزاء السابقة الحبرية هذه،  يذكر المؤرخون أن الكنيستين الشقيقتين شهدتا أيضا قبل قرون، بضع انعطافات تاريخية، من حيث ترابطهما مع بعضهما ومن حيث العلاقة مع كرسي روما.

فنستخلص مما جاء في كتابين تاريخيين، الأول للأب ألبير أبونا (تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية ج 3 - 1993) والثاني للبطريرك مار لويس ساكو ( الكنيسة الكلدانية: خلاصة تاريخية -2015) إنه كان لجانب من كنيسة المشرق اتحاد أول مع روما في عهد مار يوحنان سولاقا سنة 1552، وبقي هذا الاتحاد لحوالي القرن حتى انقطع سنة 1662 في عهد البطريرك مار شمعون دنحا الثالث عشر، ومنه تنحدر سلسلة بطاركة كنيسة المشرق الاشورية الحالية. ثم حصل الاتحاد الثاني والاخير مع روما في عهد مار يوحنا هرمزد سنة 1830 عندما اندمج كرسي بطريركية آمد (ديار بكر) مع كرسي بطريركية دير الربان هرمز (ألقوش) بكرسي واحد وأقيم مقره في الموصل، ومن هذا الكرسي تنحدر سلسلة البطاركة الكلدان الحاليين.

ولعل هذا التشابك المتناوب في المنعطفات التي مرت بها الكنيستان المذكورتان، لظروف مختلفة، وما احتفظت به كل منهما من وديعة ايمان، ككنيسة رسولية، هو الذي جعلنا منذ ان وعَينا أن دماءنا مختلطة، برئاسات مختلفة، وبنحو طبيعي كانت تجري المصاهرة المتبادلة ، ومزاولة الطقوس الكنسية المشتركة، كما بقيت على العموم دالة أخوية تجمع أساقفتنا وكهنتنا ومؤمنينا.

وهكذا يتبوأ اليوم كرسي مار أدي للكلدان في كندا (**)، حبر تتمازج فيه الروح الأصيلة لكنيسة المشرق، كلدانية وآشورية. ولم يعد خافيا على أحد أنه لدى انضمام المطران باواي الى الكنيسة الكاثوليكية، (الى جانب انضمام بعض كهنة كلدان الى كنيسة المشرق الاشورية) حدثت إشكاليات ما بين فريق مار باواي وكنيسته الاشورية السابقة، في صعوبات وجروح اقتضت الكثير من الزمن، حتى يمكن أن يقال اليوم أنها اندملت بنحو أو بآخر في فضاء اللحمة الأخوية مع أشقائه الأحبار ومع المؤمنين؛ على أن الكنيسة الكلدانية بدورها تعاملت مع هذا الموضوع بروحية أخوية سامية تجاه الأشقاء، تطلـّبت من الأسقف المنضم  سنوات صبر وصمت؛ ويلاحظ أن الكنيسة الكلدانية قامت بهذا التعامل، بما يمكن أن يوصف بالبأس والاستقلالية الملفتة للنظر إزاء الكرسي الرسولي فجعلته، ومنذ 2006 ينتظر استقبال السينودس له حتى سنة 2013، ليعيّنه من ثم اسقفًا فخريا على أبرشية  فورزيانا؛ هذا التعامل بالذات، كما يرجـّح أكثر من مراقب، يدخل ضمن مراعاة اللحمة الأخوية عينها ما بين الكنيسة الكلدانية والكنيسة الآشورية؛ لحمة معززة بما يجمع الكنيستين من شركة عقائدية، وكل منهما مراعيةً، بخصوصية متفاوتة،  لمختلف ما اعتلج بين توجهات شعب كل من الكنيستين، في ناحية الاتجاهات السياسية القومية الاثنية والثقافية… فوُجد كلا الجانبين مواكبا لعصر تنويري يحترم الاختيارات الضميرية وحرية الرأي والمعتقد.

على أن الشركة العقائدية مع كنيسة المشرق الآشورية، كان فيها لجانب هذه الكنيسة (الاشورية) القدح المعلى؛ عندما جرى، بعد كل الظروف الجيوسياسية التي عاشتها هذه الكنيسة الرسولية الأصيلة، عبر التاريخ، بتثبيت صحة عقيدتها، كما أعلن ذلك في الاتفاق الكريستولوجي بروما في أواخر 1994، في زمن البابا يوحنا بولس الثاني، وعهد حبره الحازم رئيس مجلس العقيدة الايمانية الكردينال (البابا) جوزيف رايتسنغر.

أمام هذه السمفونية من التمازج والتشابك، لا يسع المرء إلى أن يفصح عن مشاعر حبور لسان حالها:
سقيا للحب الذي يجمع الكنيستين احبارا وشعبا..
وهنيئا لأنظار الكنيستين المشتركة إلى المؤسس والرأس الأعلى المسيح المخلص والملك المحيي…
وطوبى لما يجمعهم من تقوى تجاه الأم سامية القداسة أم المخلص بكل ما يحمله من ذات وصفات.
ومرحى للعرس الروحي الذي عاشه المؤمنون في احتفالية تنصيب مار عمانوئيل شليطا اسقف ابرشية مار بطرس بكاليفورنيا، حيث عمل مار باواي ، وبمباركة مشرقة لمطرانها المتقاعد مار سرهد جمـّو.
وأنعم بهم من أحبار اشتركوا أو حضروا قداس التنصيب، متعانقين  بتبادل قبلة المحبة ، فيما بينهم، وهم  من مختلف الكنائس المشرقية والغربية، وبضمنهم أحبار الكنيستين الكلدانية والآشورية يتوسطهم البطريرك مار لويس روفائيل ساكو إلى جانب  المطران مار باوى سورو، وبما يجمعهم جميعا من أنفاس أخوّة ضمن أحبار الكنيستين الشقيقتين.
وما أسعدها من مصالحة إنسانية وجدانية مسيحية، بين ابناء الكنيسة الواحدة كما بين أبناء الكنيستين اللتين أثبتتا عبر العصور أنهما كنيستان شقيقتان بامتياز على أي كنيسة أخرى.
كل هذا وبعد مخاض كانت الكنيستان شاهدتين له، يجعلنا مع كل الخيرين، وكل صانعي السلام وذوي النيات الطيبة والارادة الصالحة، نحتفي بمسيرة مار باواي سورو، وصولا لأسقفيته على ابرشية مثل ابرشية مار أدي للكلدان في كندا. في زمن، تحترم فيه الجماعات اختيارات بعضها البعض، وما يعيشه أبناؤها من تميّز لمسار كل منهم في حياته الإنسانية، الكنسية والروحية.

وإذا كنا نلاحظ هذا في العالم المسيحي الغربي، بما تشهده مجتمعاته الكنسية من مناقلات، فإن ما واكبتـُه شخصيا من مسيرة المطران باواي، وما كتبت عنه من بضع مقالات أو مقابلة، هذه المواكبة، لم تغلق بوجهي، أبواب التواصل الودود المخلص مع أحبار أحبة من كنيسة المشرق أكنّ لهم أسمى آيات التقدير، ممن سعدت بلقائهم في السنوات الأخيرة.

والأمل كل الأمل أن ما تحقق في خدمة مار باواي في كاليفورنيا، من اشراقة راعوية، يجعلنا مفعمين بالرجاء بأنه سيمارس خدمته الراعوية في ابرشيته الجديدة مار أدي، ببطاقة بيضاء، وبآفاق مسكونية وحبرية واعدة ومبشرة. ولا سيما ما هو معروف عن مار باواي بخصوص محبته المسيحية  واحترامه المتكافئ سواسية للكلدان والآشوريين.
مع التمنيات بفيض النعمة والخير لأبرشيتنا الحبيبة في كندا، راعيا وكهنة ومؤمنين.

  كالكري 31/10/2017

هوامش للمقال:
______________

(*) مار باواي سورو:

من مواليد كركوك 1954. نشأ في بغداد حتى انتقل في 1976 الى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث رُسم كاهنا في 21 فبراير/ شباط 1982 لكنيسة المشرق الآشورية في تورنتو كندا. وفي 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1984 رسم أسقفا لأبرشية كنيسة المشرق الآشورية غربي الولايات المتحدة الأمريكية متخذا الاسم الكنسي مار باواي.
وعلى مدى العشرين عام ونيف على اسقفيته، اشتملت انشطة مار باواي على عدة مجالات منها:
مسؤولا في المكتب المسكوني بالبطريركية الاشورية (1984- 2005)
أمين سر مشارك، في اللجنة المشتركة للحوار اللاهوتي بين كنيسة المشرق الاشورية وكنيسة روما الكاثوليكية (1984- 2004)
عضو اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي (1984- 1991)
رئيسًا مناوبًا لمؤسسة برو اورينتي السريانية (1994- 2005) إلى جانب عدد من اللجان المسكونية الأخرى.
التحصيل الأكاديمي، اللغات والاصدارات: حائز على شهادة الماجستير في اللاهوت الأساسي من الجامعة الكاثوليكية بواشنطن- امريكا، وشهادة الدكتوراه في اللاهوت من جامعة القديس توما الاكويني (الانجيليكوم) الحبرية في روما.
أصدر عدة مقالات في اللاهوت والتاريخ ونشر اطروحته في كتاب بالانكليزية، ترجم الى العربية ونشر في بيروت؛ ويتكلم الكلدانية والعربية والانكليزية.

(**) أبرشية مار أدي للكلدان بكندا في سطور:

31/10/2017 يتعين مار باواي سورو كمطران ثالث على ابرشية مار أدي للكلدان في كندا، ليتسلمها من سيادة المطران فرنسيس قلابات، الذي عيـّنه قداسة البابا فرنسيس مدبرا رسوليا لها، منذ شغور الكرسي في أغسطس/ آب الماضي.
آذار 2015 - آب 2017 مدة رعاية سيادة المطران عمانوئيل شليطا للابرشية والذي تعيّن على رأسها بعد ادارتها لقرابة السنة من قبل المونسنيور داود بفرو الذي عيـّنه البابا مار فرنسيس بصفة مدبر رسولي للابرشية في آذار 2014
تموز 2011- أيار 2014 مدة رعاية أول أسقف للابرشية، مثلث الرحمة مار حنا زورا، والذي تقاعد لدى بلوغه السن القانوني للتقاعد، وتوفي في 2 تشرين الاول 2016.
شباط 2006، لأول مرة يتعيّن زائر رسولي للكلدان في كندا، بقرار قداسة البابا بندكتوس السادس عشر، وهو سيادة المطران مار ابراهيم ابراهيم. وعلى إثر زياراته الميدانية لمختلف المدن الكندية ذات التواجد الكلداني، كان سيادته قد تقدم بتقرير وتوصية عن حجم التواجد الكلداني في كندا، مما أثمر على موافقة الكرسي الرسولي بإنشاء ابرشية باسم ابرشية مار ادى للكلدان في كندا.





19
التعامل مع الشأن السياسي لدى كل من الكنيستين الكلدانية والاشورية

بقلم الأب نويل فرمان السناطي

في ضوء الحملة الشرسة ضد احبارنا في أعقاب السينودس الكلداني 5-8 تشرين الأول 2017 ، ولغرض تقديم نقاط عملية عن الكنيسة والشأن السياسي، اكتب هذا المقال.

لا بد من المقارنة في هذا المجال، في مفارقة ملفتة للانتباه، أن كثيرين من ذوي الشأن يتقبلون ان يتحدث بطاركة وأحبار كنيسة المشرق الاشورية، عن المسألة القومية، وما تتركه من ظلال على الأمور السياسية؛ وفي الوقت عينه، نرى ذوي الشأن أنفسهم يتحفظون بشأن حق بطاركة وأحبار الكنيسة الكلدانية، بالحديث عن الأمور القومية وما تتركه من ظلال على الساحة السياسية.
لنقارن، إذن، كلا من التفاوت بين القبول والتحفظ من قبل ذوي الشأن، تجاه احبار الكنيستين الشقيقتين الكلدانية والاشورية.

إن أحبار كنيسة المشرق الاشورية ولظروف تاريخية وسياسية واجتماعية وجدوا بنحو محدد كأحبار "روحيين" وبنفس الوقت كزعماء زمنيين.
اما  أحبار الكنيسة الكلدانية، فلخصوصيتها الكاثوليكية، يحسب البعض عليها من التابوهات/ المحرمات بأن يكون لها رأي وتوجيه في الشأن القومي السياسي، إزاء القبول بذلك لدى أشقائهم في الكنيسة الاشورية؛ كل هذا أمام كون مسيحيي العراق في بلاد على صفيح ساخن من طائفية وعشائرية وقبلية، لكل من أطيافها زعامة وقول، في بلاد تهمش فيها الحقوق المدنية والدينية لعراقيين أصلاء من ذوي الخصوصية الاثنية والدينية لشعبنا. ويصر المعترضون على تقييد مجمع اساقفتنا بما يحسبونه من محرمات، على أساس انتمائهم الى الكنيسة الكاثوليكية الجامعة. ويفسرون هذا الحظر بما جاء في التعليم الكاثوليكي المسيحي البند 2442:
(ليس من اختصاص رعاة الكنيسة التد خل المباشر في البناء السياسي وتنظيم الحياة الاجتماعية. فهذه المهمة جزء من دعوة المؤمنين العلمانّيين، العاملين بمبادرتهم الخاصة مع أجل مواطنيهم. ويمكن ان يكون للعمل الاجتماعي ُسُبل واقعية متعددة. ويجب ان يكون أبدا لأجل الخير العام ومتوافقا مع الرسالة الأنجيلية والتعليم الكنسي. ويعود إلى المؤمنين العلمانيين "أن يُحيوا الشؤون الزمنية بغيرة مسيحية، وأن يسلكوا فيها َكفعلة سالم وعدالة.")
في الواقع هذا ما يتطلع اليه الاحبار من رعاة الكنيسة الكلدانية، بدعوتهم علمانييهم المؤمنين للعمل بروحية هذا التوجيه.
كما أن ثمة سؤالا يطرح نفسه كالتالي: عن أي من الرعاة، يتم الحديث؟ هل هم على سبيل المثال لا الحصر، الكاهن راعي كنيسة الصعود؟ أم  راعي كنيسة مار يوحنا، أم راعي كنيسة سلطانة الوردية؟ (تحية المحبة لكل منهم). وبالفعل يمكننا تصور هول الموضوع لو كان كل راع في كل خورنة يعمل مباشرة في مثل هذه المجالات السياسية؛ فيما اختلط في البلاد الحابل بالنابل، في تصريحات رجال دين غير مسيحيين، من كل حي أو زقاق.
أما أن يكون الحديث عن زعامة كنسية في أعلى الهرم الكنسي، مجتمعين ومُجمعين على مقررات في هذا الشأن الاجتماعي أو السياسي أو ذاك، فأعتقد ان الأمر يختلف.
ذلك أن الرعاة من الأساقفة، وخصوصا في الأزمات السياسية والاجتماعية، تكون لهم كلمتهم، بدون ان يعني ذلك انخراطهم في نشاط أو حزب سياسي.
أما فيما يخص الكهنة، فإنه بالفعل سبق وأن حذرت الكنيسة الكاثوليكية اكثر من كاهن، عندما انخرط حزبيا في العمل السياسي، منهم (القس) جان برتران ارستيذس الذي أصبح رئيس جمهورية هاييتي، واذا بالرجل وكأنه بانتظار التحذير والتخيير، ليترك الكهنوت بدل السياسة و... يتزوج.
أما المثال الآخر فهو عن القس ميغيل ديسكوتو، وزير خارجية نيكاراغوا في عهد دانيال اورتيغا (توفر لي سنة 1991 -لدى مرافقتي مستشار كاسترو، البروفيسور كامبرس- أن التقيه مع رئيس بلاده اورتيغا عندما قدم بصحبته الى بغداد وكانوا قد جاءوا في موقف متعاضد مع العراق الخارج مثخنا بجراحات الحرب). هذا القس السابق/ الوزير ديسكوتو، كان قد اوقفه الفاتيكان عن الكهنوت، وعند اعتزاله السياسة حصل من البابا فرنسيس التفسيح بالعودة لإقامة القداس قبل ان يحين أجله، تحقيقا لامنيته في أواخر حياته.
أما على مستوى الرعاة الأساقفة، فإن ثمة رعاة، من الذين كافحوا ضمن ظروف بلدانهم منهم:
- المطران الكاثوليكي كارلوس فيليب بيلو، من تيمور الشرقية، في أندونيسيا، الحائز على جائزة نوبل، لكفاحه من أجل استقلال تيمور الشرقية؛
- والاخر المطران الطوباوي اوسكار روميرو، الذي قيل أن تطويبه لم يكن فقط لأنه استشهد أمام مذبح القداس، بل ايضا للطريقة النضالية التي عاش بها اسقفيته في ظل حكم السلفادور، متحديا بيروقراطية سفير الفاتيكان في السلفادور.
ويوجد في الكنيسة الارمنية خير مثال. عندما بقيت تقف مع الشعب الارمني في نضاله، ولها مواقف سياسية واجتماعية متواصلة في المطالبة بحقوقه خصوصا في مجال الابادة الجماعية. إلا أنها حالما تم الحصول على استقلال دولة ارمينيا،  تركت الامور السياسية للسياسيين، وانسحبت عندئذ، على رؤوس الأصابع، للتفرغ للشأن الروحي وطوبى لها في ذلك.
ومن المثير للتساؤل، وما يستنفر التفسير والتحليل، أن الكنيسة الكلدانية تحديدا، لا تجد من يقول لها (عفارم) عندما تتحمل على الارض ثقل النهار وحره حتى وإن أوقدت الاصابع شموعا !
وهنا قد يجدر القول:
لا ضير من تمني الخير، واحترام الرأي لدى أبناء الكنيسة الكلدانية،  لكل من اقتنع بشأن قومي خارجًا عن توجه الكنيسة الكلدانية. ولكن هل من الانصاف، السكوت المطبق أمام كل ما تنجزه الكنيسة الكلدانية في العراق؟ وهل من الانصاف عندما يصدر رأي يختلف عن توجه الاخرين، سياسيا واجتماعيا، وحتى اذا كان هذا الرأي باجماع اسقفي في سينودس مقدس، أن يتهجم على الكنيسة أبناؤها قبل غيرهم.
إزاء اشكالية الانصاف هذه، ثمة اجابة، للمطران مار ميلس زيا، مطران استراليا ونيوزيلندا وبيروت، مفادها أن الكنيسة الاشورية تجد أن:
- ثمة حاجة لدورها أمام ما تراه من واقع سياسي راهن؛
- كما تربأ لأبنائها عن اي تهجم على العناوين الكنسية، من أية كنيسة كانوا، وقد اثبتت ذلك، في استراليا، بمواقف أبوية حاسمة.
ولكن في الكنيسة الكلدانية، هل ثمة حدّ أدنى من الثوابت الديمقراطية بين الكنيسة وأبنائها، سواء كانوا من الخصوصية الكلدانية، أو من الخارجين عنها. ولماذا يا ترى يقام الحظر عليها لدعوة صريحة لأبنائها بأن يضطلعوا بمسؤوليتهم كعلمانيين في الشأن الاجتماعي والسياسي، وبهدي توجيهات وثيقة التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية؟
وبعد،
فإن الكنيسة الكلدانية، مع كلمتها كمجمع أحبار، ورعاة، في الشؤون ذات الصلة، لها أن تشجع ناشطين مؤمنين علمانيين من الاكاديميين والاختصاصيين ومختلف الناشطين. فإن مثل هؤلاء العلمانيين ومع زعامات كنسية من الطرفين، ومن المتنورين، ينتظر منهم، باعتقادي، أن يكونوا سعاة محبة وسلام، وعناصر خير فاعلة في أزمة مستفحلة لا يستغنى عن امثالهم في تجاوزها والمضي قدما.

20
مع مار أميل نونا، مطران استراليا ونيوزيلندا:
لي رجاء بان يكون هناك وجود مسيحي قوي في مناطق شعبنا

حاوره الاب نويل فرمان السناطي
سدني استراليا 24 آب 2017
تصوير: سهيلة توما

في زيارة قصيرة الى سدني، وكنت بضيافة كريمة في مطراني الكلدان بسدني، توفر الوقت أن التقي سيادة المطران اميل نونا، برغم انشغالاته، والاستعدادات لرسامة الاب رودي في السبت اللاحق، مما جعلنا نتفق على رؤوس نقاط سرعان ما تتوفر الوقت لبلورتها، فكانت هذه المقابلة وبدأت بالسؤال عن الموقف الدولي من داعش.

سيادة رئيس الاساقفة المطران اميل نونا، كان لتصريحكم الى الصحافة الايطالية، بعد غزو داعش، وقع الصرخة المدوية الموجهة للغرب والتي تداولناها، خصوصا انها تزامنت في توقيت قريب مما حدث في فرنسا. السؤال: ما هو انطباعك بعد هزيمة داعش.

مار اميل: نبدأ بالشق الأخير من سؤالك حول هزيمة داعش، فاقول ان داعش لم يهزم بعد لا على المستوى العسكري ولا على المستوى الايديولوجي. ففي المستوى العسكري لا زال داعش يسيطر على مناطق عديدة في العراق وسوريا، بالاضافة الى انتشاره كخلايا صغيرة او افرادا في مناطق كثيرة جدا. اذن من السابق لأوانه بكثير ان نتكلم عن هزيمة داعش. واعتقد ان الوضع ليس بالسهولة التي تُقدّم احيانا في الاعلام كانتصارات كبيرة ونهائية على داعش.

اما بخصوص تصريحي الاعلامي الذي ذكرته حضرتك، فكان بالحقيقة موجّها الى العالم الغربي انطلاقا من الخبرة التي عشتها شخصيا وعاشها كل مسيحيينا في ما بين المجتمعات المسلمة التي رأينا صعود التطرف الفكري والعمل على تحقيقه كواقع في هذه المجتمعات. اذن المعضلة الاساسية تكمن في المجتمعات الاسلامية التي تسمح لهذه المجموعات بأن يكون لها حاضن اجتماعي واساس عقائدي وبيئة مشجّعة لها لتأسيس قاعدة لها وانطلاق العمل منها.
وقلت في حينها موجها كلامي للغرب انه اذا لم يتّعض من خبرة المسيحيين في الشرق فانه سيلاقي قريبا هذا التحدي، وفعلا حدث ذلك. ولا زالت المعضلة موجودة.
مار اميل: نحن مرسلين في بلدنا الاصلي العراق وايضا مُرسلين في اي مكان آخر نكون به.
 أ. نويل: ليست الصورة واضحة بعد بالنسبة لعودة المهجرين، ازاء ما توجد من تحديات، ولكن بلدة مثل القوش، تبقى شاهدا لاستمرار الحياة، فيها، وفي الدير المجاور دير السيدة، ما هي الذكريات التي تحملها وتقييمك لهذا الواقع من خبرة خدمتك في القوش قبل اسقفيتك.

مار اميل: كلّ ما احمله من ذكريات يعطيني القوة لاقول ان مؤمنينا هم ناس يريدون ان يعيشوا بكرامة وحرية كل جوانب حياتهم، لذا سوف يكافحوا من اجل هذا النوع من الحياة ويبحثوا عنه في مناطقهم او حتى غير مناطقهم. انا لي رجاء بان يكون هناك وجود مسيحي قوي في هذه المناطق او اقله في البعض منها لكن اعرف في نفس الوقت ان هذا ليس شيئا سهلا ابدا، بل هو تحدي كبير امام كل شخص وعائلة، وكل واحد له ظروفه ووضعه الخاص الذي يلزم ان نحترمه حينما يتخذ قرار البقاء او الهجرة. كمسيحيين لنا رسالة في العالم اينما كنّا، لهذا نحن مرسلين في بلدنا الاصلي العراق وايضا مُرسلين في اي مكان آخر نكون به.
 أ. نويل تكافح كنيستنا في العراق وخصوصا في شماله، للبقاء شاهدة للمسيح وانجيله، ولكن الناس مستمرين على طرق ابواب السفارات، سواء من بغداد، والبصرة وكركوك، او من القوش وسائر مدن العراق، كيف تفسر هذه الحالة؟

مار اميل: بصراحة ليس هناك شيء معروف وواضح ابدا لاي كان. الوضع في مناطقنا في شمال وشرق الموصل ضبابي جدا لاسباب عديدة تحتاج لوقت طويل للكلام عنها. والوضع ايضا مثله في المناطق الاخرى من العراق. إن مسيحيينا في هذه المناطق امام تحدي كبير جدا يكمن في البقاء او ترك المنطقة. من اجل البقاء لا يلزم ان يكون هناك فقط الامان على الحياة، لان متطلبات الحياة ورؤية الانسان اليوم لحياته تختلف جذريا عمّا كانت عليه في الماضي حتى القريب. انسان اليوم هو ابن الثقافة الحالية التي يريد ان يعيش كل ما تعرضه من طرق حياة واساليب ووسائل عيش ونُظم اقتصادية وسياسية واجتماعية عالمية تستند الى المبادئ العامة للديمقراطية وحقوق الانسان وغيرها من الحقوق والمسؤوليات.
اذن ان نحاول تقديم الامر وكانه شيء بسيط ممكن القيام به بمجرد ان يتم تحرير هذه المناطق، فهذا ليس بصحيح بشكل تام. وحتى لو تحققت العودة الى كل قرانا فان مستقبلها ليس بواضح لأنه –من واقع خبرتي الشخصية مع الناس-  سوف تكون وقتية الى ان يتم تدبير امرهم لتركها. وهذا علينا ان نقوله ولا نخجل او نواريه. المسيحيون المشرقيون يحبون الحياة ويريدون ان يعيشونها بملئها، لذا فانهم سيبحثون عن المكان والوسيلة والبيئة الافضل ليعيشوا حياتهم.
أ. نويل: التفتت الى ملاحظة صديق، بأن رواد كنائسنا المشرقية، ونسبتهم الغالبة التي قد تصل الى الـ 75 وحتى 85 بالمائة، هم من القادمين الجدد او المستقرين في بلدان الانتشار، منذ بضع سنوات، وأن القدامى قلما يترددون على الكنيسة، كيف تستقرئون الحضور المسيحي في استراليا، اذا مرت عليه سنوات اخرى، بعد ان تقلّ مع الزمن نسبة المهجرين؟

مار اميل: ملاحظة صديقك هي صحيحة الى حدّ بعيد. فما نراه في الكنائس هو بالحقيقة امتلائها بشكل كبير لكن النسبة الاعظم هي من الذين ولدوا في العراق وجاؤا الى هنا بالغين، او وصلوا كشباب. في بلدان الانتشار نحن امام معضلة كبيرة تكمن في كيفية التعامل مع الجيل الناشئ هنا او الذي يولد هنا. هذا الموضوع كان واحدًا من النقاط التي تكلمنا عنها في اجتماع كهنة الابرشية الاخير في نهاية آب.
الموضوع يحتاج الى وقت طويل للكلام عنه، لكن ممكن ان اختصره بان هناك فارق واختلاف الاجيال في جماعتنا، فنحن لنا اقله ثلاثة اجيال تختلف في طرق تفكيرها ورؤيتها للحياة بكل جوانبها:
الاول الذي ولد وتربى ونشأ في العراق ووصل هنا ناضجا،
الثاني الذي ولد في العراق لكنه تنشئ هنا لوصوله صغيرا،
والثالث الذي ولد ونشأ هنا.
الجيل الجديد الذي تربى او ولد هنا لا يرى الامور كما يراها والداه. ولاعطيك مثالا:
ان الابن يرى والداه يتكلمان على الاخرين بالسوء في البيت، ويغيران الحقيقة في تعاملهم مع دوائر الدولة من اجل مصلحتهم، ويعملان اي شيء سلبي بالخفية من اجل ذاتهم، ويراهم يذهبون يوم الاحد للكنيسة للقداس والصلاة. الجيل الحالي لا يقبل بهكذا نوعية حياة، فيرى كل شيء كمنظومة واحدة سلبية ومن ضمنها ايضا الكنيسة. لهذا لا ترى الاجيال الجديدة تاتي للكنيسة كوالديهم.
بالاضافة الى واقع ان الكنيسة يلزمها ان تعمل الكثير لتكسب هولاء الشباب فتتكلم بلغتهم – اقصد لغة الحياة وليس الكلام فقط - وطريقة تفكيرهم وتعاملهم مع مختلف جوانب العيش.
أ. نويل: هل ممكن ان تسلطوا بعض الضوء على ما يتم من انشطة راعوية ثقافية او ليتروجية، لا شك انها ستكون عاملا في رعاية المؤمنين.
في الناحية الليتورجية نحاول دائما ان نحافظ على طقوسنا الغنية والمهمة ليس كونها طقس بلغة ورتب محددة بل لانها تعطي ايضا الدافع لطريقة تفكير معينة هي مسيحية مشرقية تستند على الالتزام بالثوابت والمبادء الحقيقية. ولهذا حاليا في كنائسنا في سدني ومالبورن لنا كل يوم صلاة الصباح والرمش بلغتنا الكلدانية، ولم نقم بادخال الترجمات الى الان. كل احد هناك الصلوات الطقسية الصباحية في الكنائس مع القداديس التي اكثريتها هي بلغتنا مع وجود قداس واحد في الكنائس باللغة الانكليزية وايضا العربية.
نعمل على ان نصلي ونقوم بكل طقوسنا ورتبه في المناسبات وكما كانت في الماضي، ومن خبرتي مع هذا الموضوع إن كان في الموصل او هنا، فان الناس تستحب هذه الطقوس والرتب حتى لو كانت طويلة عندما تكون معمولة بشكل دقيق وباحترام كبير لهيبتها، وايضا محاولة اعطاء فكرة عنها ببعض الترجمات او استخدام الوسائل  الحديثة في العرض داخل الكنائس. والحمد لله نحن لا زلنا وسنظل بمشيئة الله ملتزمين بها.
من الناحية الراعوية هناك تحدي كبير لنا هنا، حيث ان تنظيم الابرشية ليس بالشيء السهل، فنحن في الداخل لا زلنا مشرقيين في طريقة تفكيرنا وتعاملنا، لكن نعيش في وسط وبيئة غربية، والتوافق هنا ليس بالشيء السهل. بالاضافة الى الحاجة الى كهنة اخرين للعمل في الكنائس، لان زيادة عدد مؤمنينا في استراليا هي نسبيا اكبر من عدد الكهنة الذي لنا والذي ياتينا. لهذا هناك فعلا صعوبات عديدة. لكن ما يقوم به الكهنة هو فعلا شيء جيد جدا قياسا لما عندهم من مسؤوليات.
النشاطات الخورنية لها ثقلها في الكنيسة ودورها المهم ونحن نحاول دائما ان ننظم ونرتب وضعها لتاخذ دورها ومسؤوليتها الحقيقية. وهذا ينطبق بشكل كبير على النشاطات الشبابية، ولهذا قمنا في السنة الماضية بعمل اول لقاء ابرشي لشباب الابرشية في سدني وجاء الشباب من مالبورن ومن نيولندا، وكانوا حوالي ثلاثمائة شاب وشابة، وهذا ليس بالشيء السهل، وان شاء الله سيلتئم اللقاء الثاني في شهر كانون الثاني المقبل. كما سيكون هناك ايضا نشاطات على المستوى الابرشي في القريب لفئات اخرى.
أ. نويل: هل لديكم رسالة محددة ترون توجيهها الى مؤمنينا في الوقت الحاضر.
مار اميل: المؤمن المشرقي عاش في بيئته الاصلية وحافظ على ايمانه بشكل كبير على الرغم من الصعوبات والاضطهادات الكثيرة، ولهذا رجائي ان نحافظ على ايماننا جميعا اينما كنّا، في بلدنا الاصلي او في بلدان الانتشار، لان الايمان هو يحفظنا بكل جوانب حياتنا، لانه شامل لثقافتنا وحضارتنا ومبادئنا واخلاقنا وكل ما نؤمن به. فلنحافظ على الايمان ونتعرف عل حقيقته بشكل كبير وبعمق كي نعيش سعادة المسيحية الحقيقية.
أ. نويل: شكرا سيدنا على وقتكم مع تمنياتنا الطيبة لكم بالمزيد من العطاء.

21
رسالة محبة ونخوة إلى إخوتي وأخواتي الأحبة أبناء كنيستنا الكلدانية
 
الأب نويل فرمان السناطي
 
أكتب هذه أول رسالة موجّهة إليكم شخصيا، في ظل الظروف الاستثنائية المفصلية التي تعيشها كنيستنا في بلادنا بين النهرين، ومع ما نعيشه نحن الكلدان من تحديات في بلدان الشتات.
وأتوجه بنحو خاص الى الزملاء الكتّاب الأحبة، الى من اختلط مداد أقلامنا بدماء عروقنا محبة لجذورنا وشعبنا.
إلى من أتاحت الشاشة الالكترونية الصغيرة، أن نطلق العنان لعواطفنا الجياشة، كل بطريقته، وفي نهاية الأمر جعلتنا كتاباتنا، نتفاعل وجدانيا ووديا تجاه كل ما يجمعنا.
إلى الذين دفعـَنا التعبير عن الرأي، الى بعض التقاطعات،
إلى الذين، ما أن لمسنا لمس الوريد اننا نعيش الارهاصات عينها، بطرق متفاوتة، حتى تواصلنا بمكالماتنا الهاتفية وسواها، بدون ان نرى بعضنا البعض، وتواصلنا عبر صورنا الالكترونية، وتصالحنا وتحاببنا.
إليكم وإلى جمهور قرائنا مشتركا بالارهاصات عينها،
أكتب من نبضِ ما يحرّك مشاعرنا من البلد الأم، بصداقة وصدق، وبروح انتخاء لتلك أقلامكم النزيهة الشريفة.
أكتب من ذكرى أزقة البتاوين والمربعة المهجورة، ومن ذكرى بغداد المهشـّمة،
 ومن ذكرى شوارع شمالنا التي قطع أوصالها مقاولو السوء والابتزاز.
أكتب من ذكرى وحنايا قباب كنائسنا التي يصلي في ظلها، جمهور من مؤمنينا، وصليت معهم.
أعرف أن جلّكم يكن لي الود والاحترام، ولعلّ الآخر يذعن بصمت بمسافة وبإطراق من لا اعتراض لديه.
فاسمحوا لي جميعا بدالّة مخاطبتكم كالاخ والابن والتلميذ.
أكتب إليكم والبلد تعصف فيه ريح صفراء لا تبقي ولا تذر.
تهدد سهلنا وجبالنا وقرانا الضاربة في عمق تاريخ المنطقة، وتشتهي أن تأتي على ما تبقـّى منّا في السهل والقرى فلا تترك منا اي أثر يذكر.
إن ما يجمعنا الآن يا إخوة، ليس كما أعتقد، مجرد تظاهرة هنا وهناك محتمين ببلدان الانتشار باعة الاخبار، إنه أكثر من ذلك.
إن ما يجمعنا، بعيد أن يكون، بأنّ نستفز في بلادنا الام، شمالها ومركزها، ونحرّك الغرائز التي تستهدف ما تبقى من أهلنا، عندما "يدفعون" بهم الى المحرقة تحت شعارات واجندات لا قـِبـَل لأهلنا بها.
إن ما يجمعنا، أبعد ما يكون روح الاستياء عن بُعد، فقد يجعل ذلك مواطنينا أنفسهم وأبناء البلد الواحد، يسوّقون أهلنا لقمة سائغة، ووقودا لصراعاتهم الاقليمية والاستراتيجية.
أكتب لكم والقلب يخفق نحو مسيحيينا وأبناء كنائسنا وهم وسط بؤرة صراع ومصالح متلاطمة.
فكل بقعة من بقاعهم وبقاع ابرشياتنا أصبحت تتحدى الواحدة الاخرى وعلى حساب من تبقى من شعبنا وسائر الاقليات.
أكتب لكم للوقوف على أمل الوقوف سوية وفقة صمت للتآزر مع من تحبون وتعشقون من عناوين وقامات تاريخية من أبناء كنيستنا...
أكتب إليكم حيثما كنتم، أفي ربوع البلدان الاسكندنافية الآمنة، أو في اوربا الراقية أو في امريكا الحرة أو في استراليا الدافئة،
كيما نرفع أناملنا جميعا عن لوحة مفاتيح شاشاتنا الصغيرة البيضاء،
بعيدا عن النقد الهدّام،
بل نضمّ بالأحرى أصابعنا أكفّا بأكف متشابكة،
تجمعها محبة كنيستنا التي لا شك أنها تسري في أحشائنا،
فلنعمل على وحدتها وتقدمها، فهي على الارض بأحبارنا وبطريركنا، وفي الميدان تحمل ثقل النهار وحرّه،
ولنحتضن أمنا الكنيسة، في شخوص أحبارها، ومن معهم من أحبار سائر كنائس بلادنا النهرينية، ممن أقرّوا أن مسيحيي بلادنا هم جميعا على متن سفينة واحدة تتقاذفها الامواج، ولنا برغم اختلافاتنا ان نجد ما يجمعنا لنشدان طريق للخلاص.
إن أبناء شعبنا الجريح، لا ينتظرون، كما أرى، من أقلامنا سوى أن تدعو إلى حكمة ترجيح العقل وحوار الفرسان،
وألا يكون شعبنا لقمة سائغة في أفواه المصالح، دون ان تأبه لزوال أي أثر لها، لنكتب متفهمين كنيستنا اليوم بما تشهده على الارض من واقع مرير.
لنتوجه برسائلنا وإيميلاتنا، أيها الأحبة، الى من يحبّه أي منكم من زعاماتنا الروحية معبـّرين لهم عن تآزرنا، مستفسرين منهم على أرض الواقع، عن سبل دعمهم للخروج من الأزمة، التي أوجدها الذين لا يهمّهم تسويق أهلنا، بدون أن يكون أمام مسوّقيهم شيء يخسرونه.
وهذه دعوة إلى أقلامنا الحرة الشريفة النزيهة، حيثما كانت، لكيما نشدّها مع بعضها حزما من سنابل الخير والرجاء، ولنقل لأحبارنا، سواء بصمت صلاتنا، او برسائلنا عبر موقع بطريركية مار أدي الالكتروني، أننا معكم قلبا وروحا.

22
مع المطران مار ميلس زيا:
الشعب الاشوري والشعب الكلداني كأنهما في سفينة واحدة تتقاذفها الامواج
 
حاوره في سيدني: الأب نويل فرمان السناطي
تصوير الشماس عوديشو بولس المنـّو
استراليا، 23 آب 2017
 
في شيكاغو، لدى تشييع مثلث الرحمة البطريرك مار دنخا (26 نيسان 2015) كان تعارف سريع مع مار ميلس ميطرابوليط استراليا ونيوزيلندا ولبنان. وخلال زيارة الى سدني، في آب الماضي، كان هذا أول لقاء مستفيض مع نيافته، بحضور الصديق الشماس عوديشو المنّـو الزائر من ملبورن. 
وبدون اتفاق صحافي مسبق، سرعان ما تحولت المواضيع المطروقة الى ما يصلح أن يكون مادة مقابلة صحافية، ورحب مار ميلس في أن تكون كذلك؛ عندها جرّنا الحديث الى تباين القِيم بين الغرب والشرق، بين الإرث المسيحي وثوابته الانجيلية والانسانية ، وتحديدا ما يتم، في المجتمعات الغربية، من ضغط لفرض سياقات رسمية غير مسبوقة في النظرة الى تكوين العائلة من المثليّين، لحدّ جعل ذلك على قدم وساق من المساواة مع الارث المعتاد في القيم الدينية. وما دفع جانب المؤمنين الى التحرك وكأنهم هم الاقلية الصامتة، وهنا لفتت انتباهي صيغة مطالبة يدعو مار ميلس الى التحرك بموجبها مع الجهات البرلمانية والحكومية فقال:
مار ميلس: حان الآن للمطالبة المسيحية المشتركة بتشريع قرار ينصّ على أن:
(الكنائس والمؤسسات الدينية، يكون لها الحق بأن تدير وتتـّبع تعاليمها العقائدية وتشريعاتها بكل حرية.)
وقد وردت على لسانه بانكليزية جميلة تسللت الى حديثه أكثر من العربية التي يجيدها ايضا وبهذه الصيغة:
To pass a legislation according to which, churches and religious institutions are free to administer and to follow their doctrinal teaching and laws, freely as they wish.
وعلل مار ميلس هذه المطالبة خصوصا وأن الطرف الاخر يعمل حثيثا في فرض الاتجاه المعاكس، كأن يذهب أحدهم فيوصي في رياض ومدراس الأطفال أنه يريد المعلمة ان تقول لهم: لا ضير من قيام العائلة والعلاقات أيضا على اساس المثليين جنسيا، واننا لا نريد قيام التربية على كراهية الاخر! فيتساءل مار ميلس:
ومن قال اننا نعلـّم أحدا على الكراهية! واستطرد قائلا: ولكنهم أمام تحضير نفسي للاطفال الى قبول هذا كواقع جديد. وهكذا تأتيني طفلة وتسأل: ما الضير في هذا؟ فأسألها من جانبي: اتعرفين يا ابنتي ما هي انعكاسات ذلك ونتائجه؟ أم أنك فقط تتكلمين هكذا؟ لتجيب: لا يهمني ما هي النتائج.
بين بناء الكنائس وبين انشاء المدارس الخاصة
 
وعليه فإن ما يحزّ في النفس باتجاه كنائسنا، على مختلف مسمياتها، أن الشيء الأول الذي كان الأولى أن يعملوه هو بدل ن يعطوا الاولوية المطلقة في الانفاق على المباني الكنسية، وتأثيثها وتزيينها الداخلي بأثمان باهضة تصل الى الملايين، بأ ينفقوا بالأحرى مقدارا رئيسيا من النقود على المدارس والمؤسسات التربوية. لأنه لم يعد لنا مكان فيه نستطيع ان نحمي أولادنا، غير المدارس الخاصة؛ ولأن الاولاد الذين يرسلونهم الى المدارس العامة، سرعان ما تختلف عندهم القيم بنحو مناقض. هذا ما يمكن ان نشاهده في مناطق شعبية من المدينة: مخدرات، مثليين، حشيشة، مشروبات كحولية، معارك شارع وعصابات...
أ. نويل: ما هو الرأي في مقترح ان مختلف الكنائس الآشورية الكلدانية، السريانية، الكاثوليكية والارثوذكسية واللاتينية وغيرها، أن يكون هذا الموضوع مشتركا بينها...
مار ميلس: هذا ما أودّ أن أقوله
أ. نويل: اما يوجد المجال لتحرّك مشترك في التأثير بمثابة كتلة ضاغطة...
مار ميلس: أبونا لو تعرف كم نعمل في مثل هذه الضغوط! لكن المسألة أنهم عملوا في استراليا الاحصائيات: فوجدوا أن 60 في المائة من الشعب الاسترالي هم من غير المؤمنين، من الإلحاديين، فماذا نعمل مع هؤلاء؟ في أحد الأيام كنت في اجتماع ضم انگليكان وكنائس متحدة وكنائس مشيخية... طالعت آجنده الاجتماع فإذا هي عن: النساء القسيسات، حقوق المثليين من الذكور والاناث، قيام قسس مثليين. قلت مع نفسي لننتظر ماذا يطرحون أيضا... وفي نهاية هذه النقاشات قلت لهم: هل يمكنني أن اقول شيئا؟ قالوا: أجل أجل، فنحن نريد أن نسمع موقف الأرثوذكس من هذا الشأن؟ قلت:
إني متعجب ومحتار ومتفاجئ، ففي هذا البلد يوجد أكثر من 60 % من الناس وهم غير مؤمنين ومن الالحاديين. فبدل أن تأتوا وتقولوا: تعالوا نرى ماذا نعمل لنشر بشرى الانجيل، ونعيد اهتداء الناس الى المسيح... أنتم جدول اجتماعكم اقتصر على مواضيع قد تناقشها اي جهة غير دينية، وعن المرأة القسيسة وما إلى ذلك... قسيسة لمن؟ إذا كانت كنائسكم فارغة؟ أقيموا ما تشاءون من قسيسات. ولكن اذهبوا إلى معابدكم، كنائسكم الانگليكانیه في  انكلترا حولتموها اما إلى شقق سكنية او مخازن او سينمات أو مقاهي أو نوادي أو جوامع. الكنائس المتحدة، تذهب إليها فتجد بعض المسنين، حوالي العشرين نفرا، يأتيهم القسيس للقربان... بل لا يوجد عندهم قربان، فقط نصف ساعة موعظة ثم يخرج مغادرا.
أ. نويل: ماذا كان جوابهم؟
مار ميلس: الواحد ينظر الى الاخر، بصمت، لكن كلمة الحق يجب ان تقال.
لقد حدث وجاؤا الى كنائسنا، فوجدوها مكتظة نهار الاحد بالمؤمنين، حوالي الالفين، فسألوني: هل كل نهار أحد لكم مثل هذا الكم من الناس؟ قلت لهم: نعم وهذا هو الحال في سائر كنائسنا المشرقية، الكاثوليكية، الأرثوذكسية، من كلدان وسريان وغيرهم. وقلت لهم: هذا الفرق بيننا وبينكم عندما يقتصر الحديث عندكم على الزواجات بين المثليين واقامة قسيسات ومواضيع عن حقوق الانسان... ومواضيع حوارات مع أديان قد لا تجدون معها في النقاش ارضية مشتركة. وآضاف مار میلس: اننا امام نوع محزن من انواع الجهل...
في لبنان تثبيت اسم الكنيسة الآشورية الأرثوذكسية
أ. نويل: سيدنا، لفتت انتباهي مفردة استخدمتموها في الحديث وهي وصف جانب الكنيسة الاشورية بـ (الارثوذكسية) وقد سبق واعتمدها الباحث الفرنسي جان پيير فالونيه، في كتابه (حياة وموت المسيحيين في الشرق الاوسط) عندما صنّف العائلات الكنسية المذهبية في الشرق الاوسط بين الكاثوليك وغير الكاثوليك، فسمى الاشوريين باسم: الاشوريين الارثوذكس، مقارنة بكلدان وآشوريين كاثوليك...
مار ميلس: نعم هذه المفردة تتجاوز الالتباس، وبها سجلت كنيستنا في الدوائر الرسمية بلبنان: الكنيسة الاشورية الارثوذكسية. وأضاف:
- في جانب التحاور مع الجانب الكاثوليكي، في شهر نوفمبر، نحن ذاهبون إلى الفاتيكان...
مع الفاتيكان، الاتفاق القادم على الأسرار
أ. نويل: يطالعني بفرح ما ارى من اعتزاز في لقاءاتك مع الباباوات، في الصور هذه التي بجانبنا...
مار ميلس: تعوز الصورة مع البابا يوحنا بولس الثاني، وانظر هناك، الصورة مع سيدنا ساكو، فنحن معه اصحاب، أصحاب...
وعن موضوع اللقاء في الفاتيكان قال مار ميلس: نحن في 26 و27 نوفمبر بصدد القيام بإعلان مشترك حول الأسرار السبعة.
أ. نويل: وكان حتى الان الاتفاق الوحدوي الذي بموجبه (حيثما يكون كاهن من احدى الكنيستين الشقيقتين: الكلدانية والاشورية، فهو يخدم ايضا الاسرار لأبناء الكنيسة الشقيقة الأخرى...)
مار ميلس: الان نتقدم نحو خطوات أكثر، على أساس اتفاق مشترك على الأسرار السبعة ومن ثم نتحول الى مرحلة ثالثة.
أ. نويل: هذا شيء مفرح، وماذا عن سر الزواج؟
مار ميلس: فعلا الزواج ليس ضمن الاسرار لدينا، ولكن الاتفاق ان يكون القبول المتبادل بالاسرار لدى الكنيستين الكاثوليكية والاشورية. نعم كان الزواج عندنا ضمن الأسرار وحتى طقس الموتى. ثم طرأت تغيرات في تحديد الاسرار.
أ. نويل: حتى الكنيسة اللاتينية سر الزواج فيها يعتمد على اعلان رضا الطرفين وقبول العلاقة الزوجية، أمام من يمثل الكنيسة كشاهد على السر.
وعن ذكرياته عن الفاتيكان قال مار ميلس:
عندما يكون وفدنا في روما، ننزل في نفس البناية التي صار يعيش فيها البابا فرنسيس، فيما كان البابوات يسكنون في شقة مستقلة. وهكذا في أحد الايام التقينا معه في نفس المصعد، وكنا معًا على العشاء بحضور البطريرك. دخلنا في مناقشات عن استراليا وأحداثها، وكان ذلك عبر مترجم انكليزي، مع المداخلة ببعض العبارات الانكليزية، وكان يبدي الكثير من الاهتمام بتلك المواضيع.
أرى بأن الكنيسة الكاثوليكية تحتاج الى التغيير وأن يكون تغييرا تدريجيا، وذلك لتفويت الفرصة على مختلف المناوئين. خصوصا فيما تستهدف به في هذه الناحية أو تلك، بهدف الاستغلال وكسب المال. الكنيسة الكاثوليكية بل كنيسة المسيح على الارض عموما، هي آخر سور منيع إزاء مختلف الحركات اليسارية المتطرفة وغيرها من الذين يضعون أمام أعينهم، أنه حالما غـُلبت كنيسة المسيح، عندئذ ينقضي كل شيء لصالحهم.
أ. نويل: نعم فالهدف مشترك. إزاء هذا، لنأخذ الكنيسة الاشورية والكنيسة الكلدانية، هناك أكثر من رأي أن ثمة تراكمات ايجابية ومنها متباينة بين الكنيستين، ولا يرون ضيرا في استقلاليتهما عن بعضهما، فإن كان الامر كذلك، ما هي خطوات التقارب على مستوى كنيسة روما الكاثوليكية. هذا التقارب نراه إذن يجري على مستوى الشركة العقائدية، وانتم بصدد التقارب بشأن الاسرار، إنه تقارب المحبة.
مار ميلس: الوحدة الكنسية ليست مسألة من يكون الرأس، المسألة هي أني أنا وأنت يربطنا حب المسيح وما يصيّرنا كمسيحيين في الشرق وما هو مشترك بيننا، فالداعشي عندما يذبح لا يفرق بين كلداني وآشوري.
أنا أدعو إلى أن نمضي في اللقاءات مع بعض بين جانبي الكنيستين الاشورية والكلدانية، نجلس مع بعض بمحبة، ونخرج ونشارك الشعب على ما اتفقنا عليه، وما نقوم به من خطوات. وبذلك تصير التوعية للشعب، بما يجمعنا كمسيحيي المشرق. وأدعو الى المزيد من الخطوات التي من شأنها توثق اواصر المودة، بين بعضنا وبيننا وبين الشعب. مثل هذه الخطوات نعيشها هنا ميدانيا، عندما يدعوني مار اميل الى مناسبة أذهب، ونعيش ونشهد لما يربطنا من مودة واحترام، في دعواتنا ولقاءاتنا المتبادلة. هذه العملية بقدر بساطتها، لكن صداها يتحسسه الشعب بارتياح. وهكذا نمضي بالبناء على مستوى لقاءات الكهنة، وتجمعات دورية للشبيبة، وسفرات من كنيستك ومن كنيستي، بحيث شيئا فشيئا نبني ذلك الشعور المحبب لدى الشعب، وتذوب فيما بينه السلبيات، ويكون الشعب عندئذ جاهزا للوحدة ومطالبا بها.
ما يجمعنا من تاريخ ومصير
ا. نويل: سيدنا ينحو حديثنا منحى يرشحه ليوثق اعلاميا، ما هو رأيك؟
مار ميلس: نعم وانا استجبت للكثير من المقابلات، آخرها من الرابطة الكلدانية في ملبورن، واسعى للاستجابة لها بعد ما يتوفر لي من وقت، فقد دعوني لأن أحاضر عن الطرق التي نستطيع من خلالها أن نبين للشعب الكلداني وللشعب الاشوري كل ما يجمعهما من عناصر، بغض النظر عما وضعته فيما بينهما الاحزاب الوطنية السياسية: فلقد قسّمونا بالتسميات وقسّمونا بأحزاب متضادّة، يشتمون الواحد الاخر في الانترنيت، يكتب هذا ضد هذا وهكذا...
جاءني مرة، ممثلون من مختلف الاحزاب، وبدأوا يتكلمون نحن ونحن الاثوريين... قلت لهم:
أريد أن اقول شيئا بسيطا جدا. شيء مما يسمى بالحقيقة الواقعة، الواقع العملي. يوجد شعب يسمي نفسه بأنه كلداني ويؤمن بذلك. لماذا انت تأتي وتقول لهذا: لا أنت بالرغم منك أشوري. عجيب! والله عجيب، أن أقول للكلداني أنت لست كلدانيًا انت آشوري. هؤلاء عندهم هذا الايمان ويؤمنون به. إذن يوجد شعب هنا وشعب هنا. هذا عنده فيما بينه علاقات وروابط وثقافة وتاريخ. سؤالي الوحيد ما هو الخطأ أو حتى الجرم، أن يقبل الواحد الثاني. ما الضرر أن يقول لي الموقر عوديشو أنا كلداني: أقول له: أهلا أخي الكلداني.
لماذا يخرج هذا أو ذاك بالانترنيت ليقول: لا ليس هناك شعب كلداني وآخر يجاوب. حالة مزرية عندما الواحد يلغي الاخر، بينما مصيرنا الاثنين هو مصير واحد.
أ. نويل: هل هذا هو تصريح شخصي من مار ميلس، أم ان ثمة مجموعة أساقفة بهذا الاتجاه؟
مار ميلس: هذا مني ومن مجموع اساقفة، ولا يوجد جماعة لا يكون فيها قلة من المدرسة القديمة. أجل إن هناك شيء اسمه حقيقة، كيف حدثت هذه الحقيقة، كيف جاءت... هذا موضوع، لكنها في نهاية الأمر واقع حال ولنا أن نقبل به.
مرة في تصريح تلفزيوني، قلت: نحن الاشوريين والكلدان: كثيرا ما اختلفنا وتشاحنا حول مسألة الاسماء وما إلى ذلك، لكني أود أن اقول لكم، نحن كلانا وكأننا في سفينة واحدة، الشعب الاشوري والشعب الكلداني، وهذه السفينة تتقاذفها الامواج، ونحن كلانا مهدد بالغرق، ليس باستطاعة كل منا أن يلقي نفسه في البحر، فالساحل بعيد لنخلص، ومع كل هذا لا نتفق كلانا على طريق الخلاص. كلانا في السفينة الواحدة يتهددنا المصير الواحد، ونحن نتعارك مع بعضنا.
أ. نويل: سيدنا، ما الذي يجعلك تقول اننا كلانا في سفينة واحدة؟
مار ميلس: الاشوريون والكلدان، فقدوا ثقافتهم، لم يعد بوسعهم أن يحموها. ليس لنا مؤسسة كبرى مشتركة تحمي ثقافة الاباء وارثهم، ولا اللغة استعطنا أن نحميها؟
أ. نويل: كيف؟
مار ميلس: اعطيك مثلا: اطبع كتابا بالسورث. من يشتريه؟ تطبع الف كتاب، خمسون منها يباع والباقي يبقى للتلف، لغة كتبنا لا احد يفهمها ويقراؤها. لغتنا تضيع وبالتالي هويتنا تضيع. والمرء الذي لا يحافظ على لغته، فحتى هويته ايضا تضيع. كل منا اصبح بين استرالي، نيوزيلندي، امريكي او كندي وغير ذلك.
الشيء الثاني، موضوع كنائسنا. أبونا في يوم من الايام وانت تكرز الموعظة، يمكنك ان تعاين الجالسين أمامك من المؤمنين، سترى الناس بغالبيتهم العظمى من المهجرين حديثي العهد او السنوات. ويمكنك ان تحصي كم واحدًا منهم ولد هنا، في بلد الانتشار. أجل إن كنائسنا مملوءة ولكنها مملوءة من القادمين الجدد، من جيلنا، ولكن أبناءنا لا يأتون: لماذا: لأن توجد حرية الاختيار. يقول لك قائل: أنا اذهب الى كرازة إحدى الكنائس المسيحية، إنهم يتكلمون بمفهوم قريب مني وبما أحتاجه من الكتاب المقدس. لماذا اذن اذهب عند الكلدان أو الاشوريين، وأبقى اسمع: لا تعمل هذا ولا تذهب الى كذا ولا تتصرف هكذا. إني أذهب الى كنيسة تناسبني. إن الذي يحدث مع شعبنا، إنه يذوب في الشعوب الاخرى.
أجل ان الشعب عندما يفقد اللغة، يضيّع ثقافته وأغانيه وأشعاره ولهجاته، عندئذ يضيع كل شيء، خصوصا أنه ليس لنا أرض يتشبث بها فيقول: هذه ارض اجدادنا: قل لأحدهم اليوم، كلداني أو اشوري، هذه ارض نينوى، وقد عملوا فيها حكومة باسمنا وجمهورية من عندنا، فهل تعود؟ لا أعتقد.
أ. نويل: مهما كان سيدنا، للمفارقة أقول اني فرحت، وان كنا مهددين، عندما قلت نحن كلانا في السفينة الواحدة. أود أن أسمع ما هي العناصر المشتركة بيننا لتسوق هذا التشبيه بأن نكون كلانا في سفينة.
مار ميلس: أجل، كلانا تجمعنا لغة واحدة، حياة مشتركة، موجودين في تاريخنا المشترك، لدينا علاقات مصاهرة وزواج، هذه وغيرها تجمعنا في هذه السفينة.
ولكن للاسف، هذه العناصر ايضا، ذاهبة نحو الاختفاء: لأن أبناءنا يتزوجون من المحليين، العلاقات العائلية تتبخر، وأبسط مثال على ذلك عندما تزور أحد البيوت وترى اولادنا وبناتنا، كل مشغول بهاتفه الجوال، أنت تتكلم لا أحد يسمع. هذا .... (مشيرًا الى الايفون) قطع العلاقات الاجتماعية. نحن الذين نعتبر كشعب اجتماعي، لسنا انعزاليين مثل شعوب اخرى، نحن نجلس معا نتكلم، نضحك نأكل ونشرب، هذا ايضا بدأ يقل في علاقاتنا الاجتماعية التي بدأت تغيب، وتغيب معها المقومات التي تجمعنا. ولا يوجد أمامنا في المدى المنظور شيء مطمئن للعيش الامن في المنطقة، خصوصا مع بروز الاصولية والارهاب والغاء الاخر. بينما تعمقت اساساتنا في بلدان الانتشار.
السعى الكنسي الى رحلات الحج إلى أديرتنا وكنائسنا
أ. نويل: ولكن سيدنا، يمكن التشجيع على التواصل مع البلد بطريقة أو بأخرى.
مار ميلس: نعم، فكرت مليا في هذا الحل. تأتي الشبيبة عندي ويقولون: سيدنا نذهب سفرة الى اورشليم. أقول لهم: في العام الماضي ذهبتم الى هناك، لماذا هذه السنة لا تذهبون الى شمال العراق: اربيل، الربان هرمز الاديرة الكنائس القديمة، وهكذا شجعنا أن تذهب مجاميع الى البلاد فقالوا: كيف يا سيدنا لم نأتي الى هنا من قبل.
فأنا أؤيدك ان التواصل ممكن عندما الكنيسة تعمل مثل هذه السفرات، هي افضل عملية تواصل مع البلد وبين ابناء الشعب.

23
رحلة ايمانية من بين النهرين

الأب نويل فرمان السناطي
عن محاضرة في مدينة ملبورن استراليا - آب 2017
* عدسة المصور سمير نونا صفار

لقد رأيت أن اقدّم هذا الموضوع، كشهادة مطروحة من زاوية صحافية أنثربولوجية، متعشقة بما دعاني إلى ان اقبل الكهنوت كمنحة مجانية، فيما قارنته بدعوة عمال الساعة الاخيرة، وأن تشمل المشاركة جانبا مما  يجعلني في الغرب، اتملّى بإيماني أمام مجتمع حديث الايمان، وأقدم الموعظة كمن يحضّر لتحقيق صحافي او مقال افتتاحي... كنت أسعى خلال ذلك قدر إمكاني البسيط للاستجابة المتجددة لنداء بطرس الرسول (كونوا مستعدين لأن تقدّموا جوابا مقنعا لكل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي في داخلكم 1 بطرس 3: 15.) وان استلهم في ذلك من ولادتي في  بيئة ترى أنها تفهم بيئة يسوع وما ساقه من أمثال ورموز في احاديثه وما عُرض في الانجيل من أحداث لا غرو ان اشارت اليها اللوحات الفنية العالمية ولكن جانبا منها ما كان يعكس المشهد كما عايشناه، اضافة الى اننا أصبحنا في أماكن متعددة من الغرب أمام جمهور، يكاد لا يعرف الا تاريخه المباشر والقريب.

قصة قائمة مستمرة
أجل إنها قصة قائمة ومستمرة، فهي ليست وصفًا لما مضى في وقته واوصلني الى الكهنوت. إنها بالأحرى انعكاس لما أدّى الى وضعي الحالي ككاهن، بقدر ما هي تأمل في يمكن من تعايش وتفاعل ايجابي مع العالم الذي حوالي. مع ما رافقني من مبادئ في السعي لتفهم معتقدات وثقافات من حولي من مؤمنين او غير مؤمنين.

معتقدات اجدادي النهرينيين
إني من أبناء بين النهرين، حيث تعامل أجدادي مع عناصر الطبيعة، وتأملوا في ما يمكن ان يحكمهم، من علاقة وجدانية مع هذه العناصر، علاقة كانت اول ما شدّ هؤلاء الأجداد الى القوى العظمى في هذا الكون. فحاولت أن أقرا من هذا المنظور ما ورثه آبائي وتداولوه من عادات وتقاليد ترتقي الى عدة آلاف من السنين.
يقترب إلى فهمي ما جاء من شفاءات يسوع المسيح لما سمي برؤوس الأهلة (ريشا دسيهرا) وما رتـّله القديس افرام في تبريكات العرسان (الشمس في حرّها لا تؤذيك ولا القمر في تبدلاته: شمشا بحومّـيه لا نكـّيخ وأپ لا سیهرا بشوخلاپه.)
فانبهرت عندما سألني يوما الوالد فرمان احد معمّري قريتي، عن تفسير ما كانوا يردّدونه برهبة أمام أول ظهور للقمر هلالا وهم يرسمون علامة الصليب: بجاهك وصلاتك يا قمر (خيلوخ وصلاواتوخ او سهرا.)

مبادرة أولية من الوحي الالهي للبشر من فوق أرضنا
هناك ما يدعوني الى ان أتأمل في اولى محاولات اجدادي للانفتاح الى الحالة الطقوسية والايمانية، في زمن الميثولوجيا، معوّلا على مبادرة الله الاولى ليكشف عن وجوده من خلال الكون، الذي انبهر به اجدادي. فكانت الذبائح الى عناصر الطبيعة: القمر، الشمس، الرعد... اولى اشارات تجاوب اجدادي مع جوانب خارقة من المطلق.
وفي كل هذا يسترعي انتباهي بانبهار ما يكتشف في الحقل الاريكوولجي الاثاري، فديانتي لا تقف سدّا منيعا امام اكتشافات العلم والمؤرخين بل تزوّد ابناءها بعناصر قراءتها الايمانية. مما يدعوني ان أقرأ أولى معالم التجلي الالهي للإنسان بنحو عام وابتدائي.
اسم قريتي والقرى المجاورة
فكم يكون اذن حبوري عندما ألمس أن اجزاء عديدة من الكتاب المقدس حُررت على ارض اجدادي المعروفة بكونها مهدا للحضارات. من ذلك القصة التعليمية للطوفان والتي جاءت كقراءة تحت الوحي الالهي والإيمان بالخالق وعلاقته مع البشر. من ذلك ملحمة  كلكامش، وما جاء في قصة الطوفان ونوح، مما ترك اثره على ذاكرتنا الجمعية، وبضوئها، تفاعلت مع ما طرحه المؤرخون من مضامين تسمية عدد من قرانا عندما تكشف لي ان القرية التي ولدت فيها (اسناخ – سناحت - سناط) وجدت جذور اسمها في المراجع الكتابية، تحديدا في قصة نوح والطوفان، حيث رست سفينة نوح: اس نوخ، المكان الذي ارتطمت فيه مرساة سفينة نوح... هذه القرية وعدد من القرى المحيطة، في ما نظر اليه كإشارة إلى أن هذه القرى تعدّ أبناءها منحدرين من جيل الانسانية الجديد لما بعد نوح. على وفق ما ذكره المؤرخ الدومنيكي الأب حنا فيـّيه، في كتابه آشور المسيحية، وهي  قرى مثل: دشتتاخ زرناخ، أپراخ، درناخ، گزناخ و ديرابون (وهذه الاخيرة تم تفسیر اسمها على انه تكتمل بهذا النحو: دير أبون نوح)...
 فكانت القراءة في قصة نوح ضمن مؤشرات العلاقة بين الله والانسان، على ضوء ما كان من دلالات وردت في ملحمة كلكامش الشخصية الاسطورية السومرية ، وما تلقّـاه عن جده اتونابشتم، بشأن مخطط كشفه له مُحبه احد الاله (أيا) عن هلاك الجنس البشري، مما دعاه الى انشاء الفلك بغية الخلاص من الطوفان. كما ان ثمة نظرة متصوفة عن شجرة المعرفة، وما قورن مع انفتاح كاتب سفر التكوين إلى  أول تعامل للانسان مع عناصر الخير والشر، والعلاقة مع الخالق. ووجدت هذا على ضوء انفتاح كنيستي، خصوصا مع انطلاق بحوث الكتاب المقدس، في القرن العشرين، للتجاوب الإيجابي مع  المعطيات العلمية والتاريخية وقراءة لعناصر الميثولوجيا في بلاد بين النهرين  من منظور الوحي في الكتاب المقدس.

بين النهرين وصلة الترابط بين الديانات "الابراهيمية"
على ضوء هذا تفاجأت باستغراب شديد خلال زيارة الى الارض المقدس (2013) لمتحف تاريخي في أورشليم، بمقارنة رأيتها تمتاز بالسطحية والادّعائية والسذاجة عندما اكتفوا بالقول ان اليهودية قدمت للبشرية كلا من تفرعات المسيحية والإسلام ... بينما من خلال رحلتي الايمانية، وما اجريته من مشاركات بشأن جذور ايماني، بقيت أتأمل بدهشة و بنحو معاكس، ان اجدادي هم الذين اعطوا للبشرية، مفهوما ايمانيا دينيا وطقوسيا، تكرس بمناح متباينة، في الديانات التي تعلن كل منها الانتماء الى ابراهيم؛ ولكن العطاء وجد قمته وذروته المجيدة، من خلال ما تكرس في المسيحية التي تمثل جزءًا ديمغرافيا كبيرا على الكرة الارضية، حيث تكرس مفهوم الحمل والقربان والذبيحة.
فما وصلني من تراث أجدادي النهرينيين، وما كان من انفتاح الكتـّاب الملهمين في عدد من اسفار الكتاب المقدس، هناك ما تناغم مع الميثولوجية النهرينية في تقديم الذبائح. فكان ابراهيم أبو المؤمنين وأحد أجدادي من اور الكلدانيين، عندما أوحي اليه بشأن ما يقدّمه قربانا للخالق الذي خاطب روحه المنفتحة لتعبّـد الله، فهم بأن أفضل ما يمكن أن يقدّمه لله، هو ابنه، في ايمان كبير منه بالخلود، من خلال انصهاره مع ابنه، ويرى الآباء في هذا واحدا من أسمى رموز الايمان بالأبدية. فكان كبش الفداء حاضرا، ليحلّ محل اسحق، وكان اسحق طبقا لمفهومنا المسيحي الانجيلي رمزًا ليسوع المسيح الابن الحبيب المقدّم قربانا للخلاص.
ومن ثم فإن قرابين الفصح عند اليهود، وتقديم قرابين الاضحى في الاسلام، هي المنحدرة مما تفتقت عنه الروح البشرية في أول انفتاحها في بلاد مهد الحضارات بين النهرين، من عصارة تعاملها مع السامي المطلق، في الضحايا، ذبيحة كفارة وشكر.
ومع تطلع أبينا ابراهيم للوحدة مع الذات الالهية من خلال تقديم ابنه على المذبح، ها هو بحسب إيماني، الكلمة المتجسد، الذي اتحد بنا لحما ودما، ها هو على مذبح الشكر الاوخارستي، يدعوني للاتحاد بالله عبر ذبيحة القداس الالهي.
ومن ضمن كل ما يجذر ايماني في عمق حضارتنا النهرينية اراني امام رسالة ازاء من حولي، خصوصا اولئك الذين أومن بأن ناموس الله مكتوب في ضمائرهم بقدر كونهم يسيرون بإرادتهم الصالحة نحو خيرالبشرية. فإن ما يميزني عنهم، بنعمة مجانية، هو ان مسيحيتي لا تدعوني الى العبادة المتباعدة والمبهمة تجاه خالق بعيد منال، فهي اتحاد بنوّة حميمة مع هذا الخالق، وهي رسالتي الى غير المسيحيين تهدف الى ان ينهلوا في ارادتهم الصالحة، وفي ضميرهم الصافي، ما يعمّـق اخوّتهم مع بعض بحثا عن البنوة مع الآب والخالق.

ايقونة حية متفردة احملها مسيحيا الى العالم
اذا كانت بلادي بلاد الزقورات وبرج بابل وشريعة حمورابي، فإن شعبي النهريني بمكوناته الثقافية وارثه العريق، يحمل ايضا في صدره ايقونة حية متفردة بين الشعوب، الا وهي اللغة التي تحدّث بها يسوع المسيح، وما يصِلني بالبيئة الانثروبولجية التي عاشها يسوع وتحدث برموزها.
فيقترب إلى فهمي ضمن البيئة إياها أحداث ساقها الإنجيل منها قصة المرأة الخاطئة مع يسوع على مائدة الفريسي، والتي اقتربت الى قدميه من الخلف. لأذكر سياقات المآدب الأرضية في قرانا الجبلية المرتقية الى زمن المسيح وما قبله، و كيف كان المدعوون متمددين جانبيا محلقين حول المائدة لتأتي المرأة التائبة بقارورة طيبها، على اقدام يسوع من الخلف.
وأفهم كيف فتح الناس بسبب زحام الجمهور سقف دار لينزلوا منها المُخَلَّع بغية عرضه على يسوع  ليشفيه. وأفهم كيف كان قارع الليل، يحرج صاحب الدار فلا يستطيع ان يفتح الباب في الظلمة خشية ان يدوس على اولاده النائمين. إذ غالبا كانت تنام العائلة في الصلة الوحيدة من البيت بعد ان يطفأ سراج الزيت...
 وأفهم قول يسوع  أنه يعمل ما دام النهار... فأبناء قريتي كان يخلدون الى النوم بعد غسق الغروب، ويبكرون الى العمل بعد أول شفق للشروق، وهم يعيشون ليلهم ونهارهم بهدي من جاء ليكون نور العالم.
وثمة ما يُموسِق عندي التطويبات بلغة المسيح بنحو متفرّد، وما يجعلني أصلي المزامير باللغة عينها التي خاطبنا بها المخلص وبها كان يصلي ليلا؛ كما أن صلاة أبون دبشميا بلغة شعبي، مقارنة بنظيراتها المترجمة الى اللغات ألأخرى هذه الصلاة التي يتناغم لفظها عندي بنكهة لا تضاهي. ومن ذلك أيضا مفردات باتت الترجمات الى مختلف اللغات، ترددها، تلقى صداها في لغتي الام، لغة يسوع، عندما اسمع الانجيلي يورد عبارات مثل: طليثا قوم (يا صبية قومي) وعندما يضع على لسان المجدلية وهي تخاطب يسوع الممجد بالمفردة الحميمة (رابوني) كصيغة مصغرة من باب التحبب لكلمة رابي - معلمي.
هذه كانت جولة شمولية متواضعة في الرحلة الايمانية لابن النهرين، وهي برأيي تدعو الى المزيد من الغور،  لاكتشاف هذا التناظر بين الحضارة البشرية وتاريخها، وبين الديانات الابراهيمية؛ وعندي يدخل هذا التعمق في باب الاستجابة لنداء هامة الرسل: بأن نعطي الجواب لكل من يسأل عن سبب الرجاء الذي في داخلنا.


24
2- يوميات من استراليا - في شؤون الرابطة الكلدانية وشجونها
حوار مع السيد عوديشو المنّـو

حوار أجراه الأب نويل فرمان السناطي
ملبورن، آب 2017

سلسلة يوميات

بنحو غير مخطط له، وفي أجواء ثقافية ونشاطات علمانية شهدتها لدى زيارتي لاستراليا، تكونت لديّ تدريجيا، سلسلة كتابات، بدأتها أصلا بالمقابلة التي نشرتها مؤخرا مع الزائر ايضا المطران بشار متي ورده رئيس ايبارشية اربيل، بشأن إغاثة المهجرين، فرأيت ان أوثق تلك المقابلة ضمن تسلسل هذه الكتابات ليكون هذا الحوار الجزء الثاني مما سميته (يوميات من استراليا).

تقديم

ففي مركز للآباء السالزيان للخلوات الروحية، بضواحي ملبورن، كان هذا الحوار مع الشماس عوديشو المنـّو، وهو زميل في التلمذة بسمنير مار يوحنا الحبيب، للاباء الدومنيكان- الموصل، وكان والحق يقال واحدا من ابرع التلاميذ في دفعتنا، وكنت واثقا انه عرف كيف يشق طريقه في الرسالة العلمانية، سواء ببناء عائلة متميزة، او بمشاركاته الاجتماعية المسؤولة، فلم أفاجأ حين علمت بأنه عضو في الرابطة الكلدانية فرع فيكتوريا، والمسؤول المالي فيها. ومن هذا المنطلق يحدوني الاعتزاز ان اقدّمه لسادتي القراء الكرام، في ما يسلطه من اضواء على الرابطة وهي في طور انطلاقها برعاية بطريركية مباركة.
ولا أخفي القارئ، أني ككاهن، وجدتني في هذا الحوار كالمتتلمذ على ناشط كلداني علماني في اطار خدمته الخاصة. وأهمس ايضا ان الحوار كان تسجيلا فيديوا مرشحا لمجرد التداول على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، وإذا به كما أعتقد، يقدم مادة مستفيضة جديرة بالتوثيق، بل مارس زميل التلمذة ابداعه بأن قام بتفريغ الفيديو تحريريا!
بدأت بالاستيضاح التعريفي من السيد عوديشو بولص المنـّو عن الرابطة فسألته:
- الاخ عوديشو، حضرتك من المهتمين بالشأن الكلداني وتنتمي للرابطة الكلدانية ممكن تحدثنا قليلا عن الرابطة؟ فأجاب:
- منذ اول يوم اقترح غبطة البطريرك مار لويس ساكو فكرة تأسيس رابطة كلدانية تعمل لبناء البيت الكلداني، كنتُ من المتحمسين والمؤيدين لها، وكنت على اتصال دائم مع الاخوة الباقين المهتمين بالشان الكلداني. لم تسنح لي الفرصة للاشتراك بالمؤتمر التأسيسي للرابطة ولا بالمؤتمر الثاني لظروف خاصة بي، لكن مع ذلك كانت فرحتي كبيرة عندما تبنى سينودس الكنيسة الكلدانية المقترح البطريركي وتم تأسيس الرابطة بحضور ومباركة غبطته ومطارنة اخرين.
عندما اراد الاخوة المهتمون بالشأن القومي الكلداني في مدينة ملبورن انشاء فرع الرابطة في هذه المدينة وطلبوا مني الانتماء للرابطة وافقتُ على الفور وكنتُ من ضمن الهيئة الادارية الوقتية لفرع فيكتوريا وكذلك في الهيئة الادارية المنتخبة سنة 2016  واني الان المسؤول المالي للفرع.
الهدف من تأسيس الرابطة وكما جاء في نظامها الداخلي هو بناء البيت الكلداني، لأن الكلدان كانوا مشتتين فلزم على مؤسسة او منظمة مدنية علمانية ان تعمل على توحيد صفهم وتدافع عن حقوقهم المدنية  والاجتماعية والثقافية وحتى السياسية في الوطن الام خاصة  وفي المهجر عامة. فكانت الرابطة تلك المؤسسة العالمية التي باستطاعتها تلبية طموحات الشعب الكلداني. وهي الوسيلة التي بامكان الكلدان ان يجمعوا شملهم من خلالها، ويتواصلوا مع بعضهم ومن كل جهات العالم حيثما يتواجدون. الرابطة اذن وسيلة التواصل بين الكلدان في الوطن الام والمهجر، وتساعد الذين في الشتات بان يتكيفوا في مجتمعاتهم الجديدة، وأن يحافظوا في الوقت عينه، على ثقافتهم وتراثهم ولغتهم، إذ لا تخلو دولة في العالم لا يوجد فيها كلدان . أكيد لدينا جمعيات كلدانية واتحادات ولكن هذه محلية اما الرابطة فهي عالمية ولها فروع في كل بلد، وان كل بلد له خصوصيته وظروفه فتعمل الرابطة وفق هذه الخصوصية.
وبما  ان فكرة تأسيس الرابطة وتحقيق ذلك جاء من الكنيسة  فهي اذن تعمل مع الكنيسة وبخط متوازِ معها ولا تتضارب معها او تعمل بالضد من اهداف الكنيسة.

الأب نويل: أما يستجد تساؤل بأن الرابطة قد تثير ريبة وحدويين كثيرين من أبناء شعبنا النهريني، على تعدد مسمياتهم القومية الاثنية، بينما يشترك شعبنا بمقومات عديدة؟

ج: ان هدف الرابطة والذي أعلن بوضوح، هو ألا تتقوقع على نفسها ولا تكون منغلقة فتعمل بالضد من باقي المسميات الاثنية لأبناء شعبنا من الاشوريين والسريان ، بل تعمل معهم بيد واحدة. وان التهمة الملصقة بالرابطة بانها انقسامية او انعزالية تهمة أراها باطلة وغير صحيحة. فالرابطة منفتحة على جميع اطياف الشعب العراقي وخاصة الاخوة المشتركين معنا بمقومات مشتركة كالاشوريين والسريان، وهذه المقومات هي الوطن الواحد واللغة والدين والتاريخ والتراث... ولا يجوز بتاتا ان تكون التسميات التي نتسمّى بها نحن الكلدان والاشوريون والسريان سببا لتفريقنا وتضاددنا، كما لا يجوز ان تكون عائقا للتعاون والعمل بيد واحدة. وكما يقول الاخ الدكتور عبدالله رابي في كتابه الموسوم" الكلدان والاشوريون والسريان المعاصرون وصراع التسمية" ما نصّه:  )بسبب تلاقح الحضارات اجتماعيا وبايلوجيا وفقا لنظرية الانتشار والاقتباس الحضاري ، تلك الحضارات التي نشأت على ارض بلاد النهرين او تلك التي غزتها على حقبات مختلفة حيث استقرت بعضها مئات السنين واخرى الاف السنين ومن مختلف الجهات وقد تفاعلت مع بعضها وتداخلت... ولا يمكن ان نغير قناعة الواحد تجاه الاخر طالما قد تأثر بتنشأته الاجتماعية الاسرية منذ الطفولة في المسألة الانتمائية الاثنية او القومية)  وإذا كان غير ممكن أن نغير قناعات الواحد الاخر ، فليحتفظ كل منا باسمه الذي يعتز به ويفتخر به لكن علينا، مصيريا، ان نعمل معاَ.
فهدف الرابطة كما قلتُ هو بناء البيت الكلداني ، اذ اننا ببناء هذا البيت وتوحيده نستطيع ان نعمل مع البقية وبقوة، لأنه حتى في العائلة الواحدة اذا انقسم البيت على نفسه تكون العائلة فاشلة ومشتتة.

موقف الكنيسة من الرابطة، ودعم وتشجيع المطران اميل نونا

س: ما هو موقف الكنيسة في استراليا من الرابطة الكلدانية؟
ج: ان موقف الكنيسة في استراليا بصورة عامة موقف جيد وايجابي وان سيادة المطران اميل نونا تربطه علاقة جيدة وايجابية مع الرابطة ان كان في سدني او في ملبون وهو من المشجعين والداعمين لها. ومؤخرا، وبالتحديد في 18/07/2017 ، استضافت الرابطة –فرع فكتوريا- سيادته في ندوة مفتوحة لابناء شعبنا في مدينة ملبورن . كان عنوان الندوة "الرابطة الكلدانية في المهجر من منظور الكنيسة ". تطرّق سيادته اثناء الندوة عن اهداف تاسيس الرابطة وكيف ان الكنيسة كانت صاحبة الفكرة واعطى شرحا مفصلا عن كل ذلك وقال بالحرف الواحد "ان الرابطة ليست اخوية تضاف على الاخويات الموجودة في الكنيسة الكلدانية، انما هي مؤسسة مدنية علمانية تعمل بخط متاوزِ مع الكنيسة لخدمة ابناء شعبنا الكلداني خاصة وشعبنا المسيحي عامة". وقد اعطتْ الندوة انطباعا ايجابيا عن الرابطة مما غير فكر اناس كثيرين كانوا حذرين من الرابطة، كما بين بانها مؤسسة مدنية علمانية مستقلة وليست حزبا سياسيا.

س: ماذا تنتظر الكنيسة من الرابطة وما هي تطلعات الرابطة عن الكنيسة؟
ج: على ضوء حديث سيادة المطران اميل نونا اثناء الندوة بان الكنيسة تريد من الرابطة ان تأخذ دورها كمؤسسة علمانية تهتم بالشأن الثقافي المدني للشعب الكلداني وان تعمل بخط متواز مع الكنيسة.
وان الرابطة تتطلع من الكنيسة بأن تدعمها معنويا وألا تتدخل بامورها تدخلا مباشرا، انما تسدي النصيحة لمنتسبي الرابطة اذا اقتضت الحاجة لان هؤلاء المنتسبين هم ابناؤها ولأن بناء البيت الكلداني هو في صالح الكنيسة ايضا.

س: ما هي الاضافات الاخرى التي تتطلع اليها لمستقبل الرابطة؟
ج: لكي تستمر الرابطة في مسيرتها وتتقدم، العشم كل العشم من الاخوة الكلدان بأن يؤازروها ويدعموها، وكلي ثقة بانه لو حصل هذا لحققتْ الرابطة اهدافها بنجاح متميز وعملتْ لخدمة شعبنا الكلداني. ولا ننسى بان عمر الرابطة ليس سوى سنتين، وكما تعرف بان كل مولود جديد بحاجة الى سنين لينمو ويتطور ويتقدم وينجح، فلنعط للرابطة الفرصة للعمل وبعدها نحكم عليها. وعوضا عن الوقوف بالضد منها فهذه امنية قلبية من ابناء الكلدان اينما تواجدوا ان يدعموها حتى ان لم ينتسبوا اليها . المعوقات والمشاكل لا بد ان تعتري طريقها ولكن بهمة الغيارى والمؤمنين باهدافها تتذلل هذه المعوقات وتحل المشاكل.

وبشأن المواقف من الرابطة، أضاف السيد عوديشو:
هناك بعض الاخوة المنتقدين للرابطة ممن كانوا يطالبون رأس الكنيسة الكلدانية بان يعمل شيئا للشعب الكلداني ويدافع عن حقوقه وعندما اقترحتْ الكنيسة فكرة انشاء وتاسيس الرابطة وقفوا بالضد منها !!.. الرابطة ترحب بكل نقد وفكر بناء. وكثيرون لا يفرقون بين النقد والانتقاد ، فالنقد يظهر الايجابيات والسلبيات ويبحث او يعطي حلولا للسليبات، اما الانتقاد فلا يذكر سوى السلبيات ولا يعطي اي حل.
وايضا ما يعزز نجاح الرابطة هو ان لا يعمل الشخص المسؤول فيها لمصلحته الخاصة بل يجب ان يضع "الأنا" جانبا ويعمل للمصلحة العامة، اذ ان العمل في الرابطة عمل طوعي ومجاني بدون مقابل، وايضا عليه ان يضحي من اجل خدمة شعبه الكلداني.

وسألت الزميل في التلمذة بكل بساطة وباسمي شخصيا ككاهن:
أخي عوديش، إسمح لي أن أسألك: ما المطلوب مني ككاهن في المنطقة والبيئة العلمانية التي اعمل فيها بوجود الرابطة الكلدانية؟ وما هو دوري؟ فأجابني بدالة وصراحة قائلا:
ج:  دورك ككاهن أراها بألا تقف بالضد من الرابطة بل تكون عونا وسندا لها، وان لا تخاف من الرابطة بانها ستأخذ دورك، اذ هناك تخوّف لدى بعض الكهنة بأن وجود الرابطة سيقلص دورهم في المجتمع  وانها ستاخذ مكانتهم وتأثيرهم على المؤمنين، لذلك على الكاهن ان يزيل هذه الهواجس من ذهنه ويتأكد بان وجود الرابطة هو في صالحه، لان احد اهدافها العمل يدا بيدِ مع الكنيسة . وبالتالي، على الكاهن ان يوعي الناس ويشرح لهم الهدف من تأسيس الرابطة وانها لخدمة الشعب الكلداني. كما ان منتسبي الرابطة عليهم ان يعوا ويتأكدوا بان الكاهن وأن الكنيسة ليست هنا لتملي عليهم اوامرها  بل انها تعمل مع الرابطة لخدمة الجميع.

س: في الكنيسة الكاثوليكية لرجل الدين دور مستقل عن الحياة السياسية  يبدأ بعد الشماس الانجيلي أي من الكاهن  وصاعدا الى اعلى المراتب الكنسية، وان هناك من العلمانيين من ليس لديهم ثقافة  مسيحية او لاهوتية او ثقافة علمانية عامة بل قد يكونوا من خلفية غير ايمانية ولكنهم يرغبون بالعمل ضمن الرابطة لان لهم اهتمام بالشان الكلداني...
ج: لا أجد الضير في ذلك. نعم هناك من له ثقافة روحية وايمانية ومن له معلومات او اطلاع اكثر بالشان الكلداني وهناك من هم اقل ثقافة او معلومات منه لكن هذا لا يعني بان الاول يفرض افكاره واراءه على الثاني وان على الجميع السير حسب افكاره، انما على المثقف ان يكون متواضعا في خدمته وعمله وان يكون قدوة لغيره.

س: وماذا يا أخي، لو كان هناك شخص من خلفية سياسية ومن المحتمل ان يجر الرابطة الى اتجاه سياسي معين، فما موقف الرابطة من ذلك؟
ج: من الممكن ان يكون هناك شخص له اتجاه سياسي معين وهو منتمي للرابطة فيحاول ان يجر الرابطة نحو افكاره وايديلوجيته، لكن الواجب يقع على مسؤولي الرابطة بان يضعوا حدا لتصرفات هذا الشخص  وان يبينوا له بان الرابطة ليست تنظيما سياسيا، وهذا معلن ومحدد في نظامها الداخلي .نعم الرابطة تدعم شخصيات كلدانية مستقلة واحزاب كلدانية تعمل في المجال السياسي للترشيح لاحد المجالس او البرلمانات في العراق وحتى في دول المهجر. وان انتماء شخص معين الى تنظيم سياسي ويريد ان ينتمي الى الرابطة من المحتمل بل من الاكيد ان انتماءه السياسي سيؤثر على عمله في الرابطة ، اذ سيعمل لصالح اجندة حزبه ويجر الرابطة الى تلك الاجندة .

س: هل يوجد تداخل  بين من ينتمي الى الرابطة وهو عضو في مجلس الخورنة، وتحديدا، هل كونه في مجلس الخورنة يتعارض مع انتسابه للرابطة؟
ج: برأيي الشخصي لا يوجد اي اعتراض لان مجلس الخورنة ليس تنظيما سياسيا انما هو عمل طوعي في خدمة الكنيسة وبما ان اهداف الرابطة لا تتعارض مع اهداف الكنيسة فلا مانع من ذلك كما أعتقد. من المحتمل ان بعض الكهنة لا يوافقون او يعترضون على انتماء عضو مجلس الخورنة للرابطة لكني أحسب أن هذا هو اجتهاد شخصي من لدن الكاهن المعني .

س: هناك اصداء تقول بان هناك تداخلا بهذا الشأن، اي بين انتماء الشخص الى مجلس الخورنة والرابطة فلعل ثمة حاجة إلى ان يتم توضيح هذه الفكرة فتتبلور اكثر في المستقبل؟
ج: نعم ممكن ان تُشرح الفكرة اكثر وتُوضح بان يشترط بألا يكون ثمة تداخل بين انتماء الشخص الى مجلس الخورنة وبين انتمائه للرابطة، وكما قلت في البداية بان الرابطة في دور التطور والنمو ومن الممكن ان تبدل مواد او تضاف مواد جديدة لنظامها الداخلي في المستقبل .

س: سؤالي الاخير ما هي رسالتك او كلمتك لاشخاص لديهم تنظيرات ثقافية ، تاريخية او قومية كلدانية ويعلنون انتماءهم القومي الكلداني وبدون اتجاه سياسي محدد، ولكن في نفس الوقت لديهم تحفظ عن الرابطة الكلدانية؟
ج: برأيي كل من لديه وعي كلداني وله التزام بان يعمل لمصلحة الشعب الكلداني فأمامه خيرحقل لنشاطه وذلك بأن ينتمي للرابطة لان هذه الاخيرة جاءت لخدمة الكلدان، وحتى بعض القوميين الكلدان والذين اقاموا مؤتمرات كلدانية ، كان هدفهم تأسيس تنظيم او مؤسسة تخدم الشعب الكلداني وحتى في مؤتمرهم الاخير في ديترويت اعلنوا عن تأسيس لوبي كلداني عالمي، لكن لم تتحقق الفكرة ولم تستمر، وقسم من هؤلاء الاخوة يقفون بالضد من الرابطة، وكما قلت في بداية حوارنا بانهم هم الذين كانوا يطالبون الكنيسة الكلدانية بان تدافع وتطالب بحقوق الكلدان وان تدعمهم، والان عندما لبـّت االكنيسة مطلبهم ودَعت لتأسيس الرابطة الكلدانية نراهم يقفون بالضد منها، ولا يألون جهدا في انتقاد الرابطة وانتقاد غبطة ابينا البطريرك. فانا ادعوهم للانفتاح الى فكرة الانتساب للرابطة والعمل معها واذا كان لديهم افكار جديدة تخدم الكلدان  يطرحوها ويؤخذ بها في حالة كونها تخدم الشعب الكلداني. 

س: في ختام هذه المقابلة، التي أشكرك عليها، احتاج الى توضيح أخير وهو اذا كان احدهم يعمل بالخط السياسي ولديه وعي كلداني وايديولوجية كلدانية هل من الممكن ان ينتمي للرابطة ولا يكون ضمن الهيئة الرئاسية او مسؤولا في احد الفروع؟
أجابني الأخ عوديشو بنفس الحدّية والحسم، كمن يفصل بين اللون واللون...
ج: الرابطة تتألف من الهيئة الرئاسية ولها فروع وفي كل فرع يوجد هيئة ادارية ولجان مختلفة. وان النظام الداخلي للرابطة واضح وهو بان لا يكون المنتسب منتمي لحزب سياسي لانه سيعمل من اجل حزبه وحسب اجندة حزبه. نعم الرابطة ليست تنظيما سياسيا لكنها تدعم الاحزاب الكلدانية ، وان هذه الاحزاب تحضر نشاطات الرابطة وكذلك بالنسبة للرابطة ايضا تحضر نشاطاتهم .
 



25
إعلاميان، أرثوذكسي وكاثوليكي علماني وكاهن ، يتساءلان:
أي منعطف يقف أمام كنيسة أنطاكيا الارثوذكسية؟

بقلم الأب نويل فرمان السناطي والشماس كابي جوزيف يوسف

منذ فجر المسيحية بقيت الكنيستان الكاثوليكية والأرثوذكسية من الكنائس الرسولية العريقة. وقد وصفت المسيحية بأنها تتنفس بالرئتين الكاثوليكية والأرثوذكسية.
الأب نويل فرمان السناطي والشماس كابي جوزيف  يوسف، اعلاميان تعرفا على بعضهما منذ الورشة الاعلامية التي شارك فيها الشماس (الأب) نويل بمبادرة وبصحبة الأب (البطريرك) لويس ساكو، في بكفيا- لبنان في مطلع العام الفين. ومنذئذ انعقدت بين الكاهن والشماس خيوط متنامية متينة من الروابط الودّية والعائلية في سوريا، دمشق، وصولا إلى كندا. فعندما يتحادثان، يتكاشفان بدون مواربة، ويتكلمان بالمباشر، هذا ما تمخض عنه هذا المقال.

ما يميّز، في المسيحية، العائلة الارثوذكسية، تجاه الكنيسة الرسولية الشقيقة من خط العائلة الكاثوليكية، أنها تتوزّع على عدة بطريركيات في الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا وأوربا الشرقية، وأن كل كنيسة بطريركية أرثوذكسية تحوز على كيان ذاتي خاص بها، بحسب الرقعة الجغرافية لكل كنيسة وأبرشياتها عبر العالم. ويجمعها نهج ارثوذكسي واحد وثوابت مشتركة تتبعها كل كنيسة بطريركية أرثوذكسية، وتحسب لها الحساب، بحيث لا تحيد عنها تحت طائلة أن ترفع عن هذه الكنيسة أو تلك الصفة الأرثوذكسية من قبل باقي البطريركيات الارثوذكسية. وكل كنيسة ليست تحت الوصاية الادارية والاكليريكية لأي من هذه البطريركيات. هذا ما يبيّنه أبناء الكنيسة الأرثوذكسية، في إشارة ضمنية الى ما يميّزها عن علاقات الكنائس الشرقية الكاثوليكية المتحدة بكنيسة روما. وهذا ما يوحي، في الوقت عينه، بنوع استقلالية أرثوذكسية، قد لا تجد بموجبها الحافز الى المزيد من الخطوات الاندماجية سواء نحو شقيقاتها الارثوذكسية او الكنيسة الرسولية الشقيقة الكاثوليكية.

على أن هذه الاستقلالية، ربما تتمخض عن هواجس ما، عندما تعصف انقسامات في إحدى الكنائس البطريركية الارثوذكسية، فقلما توجد ضوابط هيراركية (تراتبية) ترجع اليها البطريركيات في حالة حدوث انقسام ما في إحداها؛ وكأن الخط الاحمر فيما بين هذه البطريركيات هو ما تخطوه هذه الكنيسة أو تلك تجاه روما أو تجاه توحيد أعياد الفصح. فكم سُمع أكثر من مرة، عن اجتماعات متواترة تحكي عن وحدة السريان بشقيهم الأرثوذكسي والكاثوليكي، لكن ذلك لم يثمر عن شيء يذكر لحد الآن، مما يستحق وقفة مقال مستقل.

القلق الذي يتبادر إلى الذهن هو عندما يحدث انقسام بين مجموعة معترضة تتعدى أصابع اليد الواحدة، وبين غالبية ساحقة تلمّ ضمن تأثيرات متباينة أساقفة بعدد اكبر حوالي البطريرك. هذا ما قد يلفت الانتباه مع ما حدث في المدة الاخيرة، في رحم الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، ليكون حدثا غير مسبوق بخصوصيته، فأحدث الحزن، كما وردنا، في صف الغالبية الساحقة، قبل صف الأقلية المعترضة. ومما يوحي بأن هذه الغالبية تقودها يد صلبة، وأن ثمة خطوطا حمراء تمنعها من أن تتزعزع عن التفافها نحو القيادة الحازمة، تحت أنواع متباينة من الضغوط.

وكان قد طفى الانقسام على السطح، بسبب موقف تم تأشيره على قداسة بطريرك انطاكيا للسريان الارثوذكس، مار اغناطيوس أفرام الثاني، بشأن موقف علني وجد غير مألوف محليا وغير مقصود، وكان لصالح غير المسيحيين في المنطقة.
على أن ما أثار التساؤل أيضا هو أن التعامل الايجابي جدا مع السلطة المحلية في سوريا، والتآلف الملفت للنظر مع الغالبية الاسلامية في البلاد، كل هذا لم يوحِ، لا من قريب ولا من بعيد، بأي تطور يذكر، على نطاق تحرير المطرانين المخطوفين في سوريا، نيافة المطران بولس اليازجي من الروم الارثوذكس إلى جانب المطران الذي كان المرشح الساخن ، لخلافة البطريرك الراحل مار اغناطيوس زكا عيواص، وهو نيافة مار يوحنا ابراهيم؛ بحيث حصل الانطباع أن مصير المطران يوحنا ابراهيم بأن يكون طي النسيان، صار كتحصيل حاصل، وكأن ما تتمتع به الحكومة السورية من نفوذ على الساحة الدولية، لم تحفزّه قيد انملة مسألة المطالبة بانجلاء قضية المطرانين المخطوفين ومن بينهما ذلك المرشح سابقا للبطريركية السريانية الارثوذكسية مار يوحنا ابراهيم. ومما يزيد الحيرة والحزن أحاديث هنا وهناك تتكهن بإخفاء قسري أو تصفية جسدية تطال تلك القامة الروحية، مار يوحنا ابراهيم الذي طالما اسعدنا اللقاء به والعمل معه خلال مؤتمرات مجلس كنائس الشرق الأوسط.

بين الاعتذار وعودة الابن الشاطر: ومما طرح علينا اكثر من تساؤل مثير هو عن مدى مقارنة اعتذار الاساقفة الستة مع مثل عودة الابن الشاطر، وما مدى تطبيق رسالة الغفران للمسيح في الانجيل المقدس. ذلك ان عودة الابن الشاطر، الذي كان طوال الطريق قد حفظ درس توبة متسلسل ومتواصل، حالما يصل الى الأب. واذا بالأب الذي كان ينتظره من بعيد، ما ان وصل الابن الى احضانه، حتى لم يدعه يكمل تلاوة درس التوبة: أعود إلى ابي وأقول له يا أبتاه خطئت الى السماء وقدامك، وما أستحق... فإذا بالأب يأمر له بكل ما يعيد له بنوّته.

وعودة إلى مسببات موقف الاساقفة، فقد كان تأشير حالة رأوها غير طبيعية، وطالبوا باتخاذ الاجراء بشأنها. هذه الحالة كانت تتعلق بمجاملة مبالغ فيها لطرف الغالبية غير المسيحية في البلاد. فإذا بقداسة البطريرك يستيجب وبنحو جرئ وشجاع، مبينا ان الموقف من كتاب يقدّسه مواطنون آخرون لا يعني الاعتراف بكتابهم...

ومن الشجاعة الى التواضع: فمجرد استجابة قداسة البطريرك الى توضيح الموضوع، فإنه بذلك جمع بين موقف الاب تجاه الابن الشاطر، وبين الاحتكام إلى آلية الحوار فيما بين الإخوة وأخيهم الاكثر تقدما منهم.

كانت ثمة إذن استجابة، وكانت ثمة حاجة الى التوضيح، وكان توضيحا شجاعا. وكان يمكن عند هذا الحد ان تفيض المحبة فيما بين الاخوة خلفاء الرسل، وتتضاعف فرحة اعادة اللحمة. ولكن للاسف الشديد، رأينا ولعلنا واهمين، بأنه بدأ العدّ التنازلي في الابتعاد عن مؤشرات المصالحة المألوفة، وكما نراها، كسواد المؤمنين:

- فبيان التراجع للأساقفة المعترضين والاعتذار قوبل بأنه لم يكن وافيا بما فيه الكفاية.
- وعندما زاد الاساقفة بأن ذهبوا لملاقاة الاخوة الأحبار ومعهم البطريرك، لما نحسبه نوعا من مصافاة القلوب بروح الدالة الاخوية، إذا بالكيل يطفح في باب المقارنة، مع المصالحة المسيحية. إذ بدل ان يُستقبل الاخوة المعتذرون بالاحضان، اذا بهم يواجهون بما عليهم ان يدلوا به من صيغة اعتذار وتوبة، قد لا تكون بعيدة عن الإذلال.
في الواقع، بات ثمة تساؤل يتكرر أمام آليات انتخاب رهبان شباب بعمر الورد للأسقفية ليكونوا بمثابة خلفاء الرسل، وبين مسألة محاسبتهم بالطريقة التي سمعناها، وقد توحي بنوع من الطاعة العمياء.

بعد هذه المؤشرات، نرى ان ما يوشك من انقسام في الجسم الارثوذكسي لكنيسة انطاكيا، لا يوحي بالانسجام مع معطيات رسالة المسيح في أن أغفر لأخي سبعين مرة سبعة مرات، وأن انتهج نهج الفادي الذي غفر للمخلّع والزانية وحل ضيفا عند العشّار، وقبل توبة الخاطئة بدموعها وقارورة طيبها، ووعد لص اليمين بالفردوس.
هذه المؤشرات، لا بد وأن تكون أمام البطريركيات الارثوذكسية الأخرى فكيف الأمر وأكثر من مراقب يراها لا تحرّك ساكنا، باستثناء زيارات بروتوكولية تضامنية مع طرف الغالبية.
وهذه المؤشرات لا بد وان تأمّل بها الاساقفة المعترضون، أو الاساقفة السائرون وراء الغالبية الساحقة. فأي الحلول باتت بنات ساعتها.
تساؤلات تعتصر القلب، لابنين من الكنيستين الرسوليتين العريقتين الكاثوليكية والأرثوذكسية، كاهن كلداني كاثوليكي وشماس أرثوذكسي يعبران عنها بعيدا عن التعليقات الالكترونية الفورية الفاقعة، وقريبا من استصراخ الصوت النبوي نحو وحدة كنائسنا المقدسة في داخلها وفيما بينها؛
تساؤلات تنادي باستئناف المسيرة المسكونية الرسولية المسيحية، خصوصا وان الموضوع ليس بعد أمام نهاية العالم؛
تساؤلات تقف بمواجهة الكنائس المعنية والاساقفة المعنيين وإلهامات الروح القدس.

26
في ضوء تذكار ليتورجي كاثوليكي احتفاءً بالكرسي الرسولي للقديس بطرس
 
                              (أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات
                                وأبواب الجحيم لن تقوى عليها- متى 16: 18)
 
الأب نويل فرمان السناطي
 
تخصص الكنائس الكاثوليكية يوما محددا للاحتفاء بكرسي بطرس الرسول، وصادف ذلك في هذه السنة يوم الاربعاء الماضي 22 شباط 2017 . تقول الكتب الكنسية الطقسية بهذا الصدد: الاحتفال الليتورجي لهذا اليوم هو استذكار لاستقرار الرسول بطرس في روما، نحو سنة 60 للميلاد، ليجعل بذلك من "روما الكنيسة الأولى"، على حدّ قول القديس ايريناوس (مواليد آسيا الوسطى بين الاعوام 120-140)؛ وكنيسة روما تعدّ ايضا الرائدة في المحبة" بحسب قول القديس الشهيد اغناطيوس الانطاكي المتوفى سنة 107م. ومنذئذ يعدّ البابا أسقف روما، "مركز الوحدة في كنيسة المسيح" الذي خاطب سمعان بن يونا، فدعاه كيفا الصخرة وقال: أَنْتَ بُطْرُسُ (الصخرة باليوناني Πέτρος) وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا (متى16: 18).
 
خاطرة تأملية للبابا القديس لاون العاشر
 

قال مار لاون الكبير في تأمله بهذا الشأن: يا رب، تأتيني أيام، اودّ فيها ان اعلن عن مجمع عام ليتغيّر كل شيء في الكنيسة: فليس ثمة شيء يمشي بنحو جيّد، لكني أقول في الأقل أن ذلك هو على طريقتي الذاتية، أي أن هذا الأمر تنظيري بشري فحسب، وهو ليس بالتالي مطابقا لطريقتك في العمل يا رب.
والحال، ليس ثمة عظمة عند القديس بطرس هي التي أعطت السلطان لكلماته. بل إنها كلمتك التي منحت السلطة لضعيف مثل بطرس. وهذا ينطبق على واقع الحال لهذا اليوم. فهب لي يا رب أن أؤمن بنعمتك، واعطني ايمانا متواضعا لأرى نعمتك في حالة العمل لدى رعاتنا.
ويخاطب البابا لاون الكبير القديس بطرس في تأمله قائلا:
ها انك الآن بلا خوف أمام روما سيدة العالم، بينما كنت أنت الذي بالأمس ارتجف أمام عاملة في بيت كبير الكهنة. أجل إن ما يكتسب الغلبة هو قوة الحب.
 
 أكثر من كرسي يحمل اسم بطرس
 
وإذ ارتبطت أسماء الكنائس التاريخية  بأسماء الرسل، فإن كرسي مار بطرس اطلق على كنيسة اخرى هي كنيسة انطاكيا للسريان، اعتمادا على كون القديس بطرس  أول مؤسس لهذه الكنيسة، قبل أن يبشر روما ويصلب فيها. وتعترف كنيسة انطاكيا بروما كرسيا لمار بطرس، وهو اعتراف يضفون عليه حالة من الكرم تجاه كنيسة روما، إذ قال القديس يوحنا فم الذهب (سوريا ٣٤٧- ٤٠٧) في هذا الصدد، ما نقلته عنه موسوعة بطريركية انطاكيا: لأن امتياز مدينتنا على كل المدن قائم على اتخاذها من الأصل هامة الرسل معلماً، لأنه كان يجب أن يكون أول الرعاة في الرسل راعياً للمدينة التي دُعي فيها المسيحيون أولاً بهذا الاسم الشريف، ولكننا إذا اتخذناه معلماً لم نحتفظ به حتى النهاية بل تخلينا عنه لأجل مملكة روما، لكن إذا شئت فقل إننا احتفظنا به دائماً، أجل أننا لم نمتلك جسد بطرس وإنما امتلكنا إيمان بطرس، فامتلكناهُ نفسه.
 
كنيسة روما جامعة مع سائر الكنائس الرسولية
 
وكما اننا ككاثوليك، نتحدّث عن روما ككنيسة جامعة، لكنها ايضا تجتمع بصفة الجامعة مع المنضمين معها الى الكرسي الرسولي البابوي. مع العلم أن مفردة كاثوليكية وهي تعني جامعة، زحفت كتسمية مرتبطة بالكنيسة الرومانية (نسبة الى المدينة الخالدة روما) بينما معناها كجامعة ينطبق على كنائسنا الرسولية الأرثوذكسية الأخرى، فهي تنفتح في بشرى الانجيل الى أفق البشرية جمعاء، بصرف النظر عن اللغة والقومية  والتراث. وبذلك تجتمع كنيسة روما بصفة الجامعة مع سائر الكنائس الرسولية القانونية غير الكاثوليكية. والا لصارت هذه كنائس قومية منغلقة عن الانفتاح برسالة الانجيل الى العالم اجمع.
وهذه الكنائس الرسولية بمجامعها السينهادوسية، ضمن حركتها نحو الوحدة المسكونية، لها أن تنظر إلى معطيات من يكون ضمن الكنائس الرسولية الجامعة ومن يعدّ فيها خليفة لبطرس هامة الرسل، الذي يأخذ مكانة خادم خدام الرب بالمحبة.
ومن المفرح أن نجد أن الكنائس الرسولية غير الكاثوليكية وكنيسة روما، تنتهج خطوات الوحدة بنحو شبه ندّي إذ يفيد الطرفان من خبرات وحدوية سابقة، غنية وقد مرّت بمخاضات صعبة…
 
مواقف شجاعة تجاه روما
 
هذا ما يمكن أن يفهم من الحقوق التي سعت الكنائس المنضمة الى روما، ان تنتزعها من دوائر الفاتيكان كلما مالت الى البيروقراطية، لتنتزع الكنائس الشرقية الكاثوليكية حقوقها بمراس وصلابة ومطاولة. هذا ما دفع الى مقارنة البطريرك خالد الذكر مار يوسف أودو في مواقفه الشجاعة مع روما، مع مواقف حازمة نسبت الى البطريرك الاسبق مار بولس الثاني شيخو، وما جرى في السنوات الاخيرة من حركات مكوكية كانت أشبه بحركات لوي الذراع، مع دوائر في روما وقف منها البطريرك مار لويس ساكو موقف المحاسب علنا لتلك. ولما كان يُحسب تقليديا، أن الاتحاد بروما خط أحمر مع روما، فإن الرسائل الجريئة المسربة هنا وهناك والتي أوصلت الى روما، كان مفادها التحذير بأن ليس ثمة اختلاف مذهبي بين الكنائس الملتحقة بروما وبين كنائسها الشقيقة غير الكاثوليكية.
كل هذا التعامل، دعا الكنائس الرسولية غير الكاثوليكية في مسيرتها المسكونية، تنظر الى التعامل مع روما باستقلالية مطمئِنة، مما يقلل أكثر فأكثر من هواجس التأثير السياسي القومي على الزعامات الكنيسة غير الكاثوليكية.
 
الكنائس الرسولية والتنظيرات السياسية القومية
 
فأحيانا تأتي تنظيرات قومية للزعماء السياسيين باتجاه الخصوصية القومية واللغوية والتراثية وهي بذلك وبحسن نية المصلحة القومية، مع شيء من مفارقة التناقض... تتوخى جعل هذه الكنائس غير الكاثوليكية كانتونات محدودة الانفتاح على رسالة الانجيل الشاملة والمسكونية. وغالبا ما يلاحظ أن الرؤساء الدينيين يتركون للمنظرين السياسيين عنان التصريح، وعندما سئلوا في هذا الشأن، فكانت اجابتهم أنهم بسكوتهم ينطلقون من حرية المنبر وفردية القناة الاعلامية، فيتركون لهم التصريح بما يشاؤون، وإلا قالوا لهم: إن لم تعجبكم قناتي، فتحولوا الى متابعة قناة أخرى! وهكذا تمضي الكنائس غير الكاثوليكية بأحبارها الحكماء الأبرار في خطها ككنيسة (قاثوليقي) جامعة ، بدون ان تشغل بالها او تصرف الوقت في المماحكات الجانبية. ولهذه الرئاسات الكنسية، بحرصها على ديمومة رسالتها الانجيلية وبقاء كنيستها في عالم اليوم، لا بد وأنها تتطلع إلى الوقت المناسب لكيما تشق قدما نهجها المسكوني، وعندئذ سيكون للزعامات القومية خياراتها المتنوعة سواء لينخرطوا في سلك الاكليروس ويدرسوا اللاهوت في روما أي أي مكان آخر أو قد تكون ثمة خيراتها، ضمن ما تتيحه حقوق العالم المعاصر من حرية تعبير أو معتقد.
وإذ تكتب مثل هذه الافكار، فليس كموقف تجاه تنظيرات الساسة القومية، فهي تمضي في نهجها سواء بصمت أو بافصاح، بل يتوجه ايضا الى  عموم المعنيين من القراء لكيما تنفرز الرؤية بين الاجتهادات الدينية المتباينة للساسة القوميين، وبين العقيدة الثابتة الاصيلة المتجذرة الضاربة في عمق التاريخ المسيحي.

الأواني المستطرقة بين الكنائس الشقيقة
 
يحزّ في النفس، أن الكنائس الكاثوليكية في العالم، إذا قورنت بكنائسنا المشرقية الرسولية، فإنها تبقى تفتقد نفحة من روحنا المشرقية وقراءتنا البيبلية بنصوصها الاصلية وبأطرها الانثروبولوجية. وعليه من المعتقد أن مختلف الكنائس الرسولية غير الكاثوليكية، كمثل كنيسة انطاكية الأرثوذكسية، على سبيل المثال لا الحصر، عندما تحقق الوحدة مع كنيسة روما الكاثوليكية، لم يعد في ذلك ضير أن تحدث الوحدة بنحو مستقل عن شقيقتها كنيسة انطاكية الكاثوليكية الملتحقة بالوحدة في ظروف تاريخية سابقة، فمياه الأواني المستطرقة، لا بدّ أن تختلط مع بعضها وأغلب الظن أن مياه الكنيسة الشقيقة الملتحقة قبلها ستصب في عمق مياه الكنيسة الأم وأكثر، لا صغرا بها بل بمحبة انجيلية ومع تحرك دماء الانتماء المشترك. وهكذا، فإن خطواتنا الوحدوية تجاه كنيسة المسيح في الغرب، في عصر الاتصالات السريعة والتواصل الفوري، تعتبر عند الكثيرين مبادرة رحمة مع كنائس العالم الرسولية للإغناء المميز والمتفرّد، مثلما تشكل مسيرة الوحدة في أساسها استجابة لنداء الرب: أن يكونوا واحدا.
وبعد، قد يكون هناك رأي بشأن أن تكون الكنيسة الكاثوليكية في روما، كمقر للكرسي الرسولي لما تراه هي وتراه أيضا البطريركيات المنضوية معها، انه كرسي بطرس هامة الرسل. ذلك أن الذي يتبوأ هذا الكرسي، قد يكون من أصل ارجنتيني او بولوني أو أشوري أو كلداني او غير ذلك.  على أن الحبر الأعلى الذي يتبوّأ كرسي روما، في حين كان في حقب تاريخية سابقة، قبل المراجعة الذاتية في المجمع الفاتيكاني الثاني، بمثابة الرأس الأعلى لرؤساء الكنائس البطريركية، فإنه يحتلّ حاليا مكانة رمزية يشار إليها كما أسلفنا بعبارة (خادم خدام الرب بالمحبة) والدليل على ذلك، هو أنه ليس في روما للتفرع للرئاسة العليا، بل هو بالأحرى راعي كرسي أبرشية روما.
هذا ما استجدّ الحديث عنه في ضوء التذكار الليتورجي الكاثوليكي احتفاءً بالكرسي الرسولي للقديس بطرس، ولولاه لما استجدّ مثل هذا الحديث.

27
مار آوا روئيل: نتاج صوتي ليتورجي متميّز

عرض وترجمة
الأب نويل فرمان السناطي

 
مقدمة المترجم: لقد حان الوقت في هذه الأيام، أن أصدي لما وعدت النفس به، منذ لقاء سابق مع نيافة مار آوا روئيل، مطران كنيسة المشرق الاشورية في كاليفورنيا، لنتاج له وجدته من النفائس التوثيقية لليتورجية المشرقية، تخدم مؤمني كنائسنا. فان نيافته كان قد أهداني مجموعتين من الأقراص الليزرية، مسجلة بصوته، عن مزامير النبي داود، إلى جانب كتاب اختاره من مكتبته العامرة، ووقع الاهداء بكلمات رقيقة، مع صليب مزخرف بذكرى البطريرك الراحل مثلث الرحمة مار دنخا الرابع، حيث كان انطلق أول لقاء لنا مع ما تبعه من تواصلات أخوية، وذلك منذ صلاتنا المشتركة أمام جثمان البطريرك الراحل، عشية يوم التشييع في شيكاغو، الى جانب الاساقفة والكهنة والشمامسة وحشد المؤمنين.
 
مجموعتان نوعيتان، بتسجيل صوتي لمزامير داود
 
المجموعة الأولى تتضمن أقراص صوتية للمزامير وتحمل عنوان: كتاب مزامير داود، نسخة صوتية على الاقراص الليزرية السيديات، قراءة وتفسير نيافة مار آوا روئيل، الجزء الاول، ترجمة - تورجاما- باللسان الآثوري
 
المجموعة الثانية، تحمل عنوان: كتاب مزامير داود، نسخة صوتية على الاقراص الليزرية السيديات، قراءة وتفسير نيافة مار آوا روئيل، الجزء الثاني: القراءة باللغة الآرامية
 
وقد علمت بشأن اسلوب التسجيل للنص المترجم، انه مسجل بنحو ارتجالي تعليمي، مع الاعطاء احيانا لأكثر من خيار للمفردة الواحدة. يفيد هذا التسجيل في كونه يساعد على التعمق بمضمون المزامير، وما جاء فيها عن المسيح، او على لسانه له المجد، وباللغة الأم. فمن خلال التجارب بهذا المضمار قد يرى الكثيرون أن المزامير بقدر ما حفظناها، فإن معانيها بالفصحى بقي منها ما هو مبهم، كما تأخذنا بلاغتها السردية والشعرية، عن التوقف أمام المضمون. أما عندما نراها مترجمة الى لغة أخرى، فتستحثنا الترجمة الى ان نتذكر مبناها باللغة الاصلية التي ألفناها، من قبل في صلوات الصبح والمساء، (الصبرا والرمش). وكانت التجربة الملفتة للنظر في كنيسة مار ميخا وعدد من كنائس ابرشية القديس بطرس الكلدانية في سان دييغو، حيث دأب الشمامسة والشماسات يرتلون الصلوات والمزامير، بحسب الترجمة المحلية بالسورث.
وقد وردت نبذة بالانكليزية في كراس تقديم اقراص المزامير، وهذه الاقراص متوفرة في خورنات الكنيسة الشقيقة، كنيسة المشرق الاشورية. وجاء في هذه النبذة:
ما من شك ان أكثر استخدام نجده في كنيسة المشرق الاشورية هو مزامير داود. فإن ما يشكل الخاصية المتفردة لليتورجية المزامير في كنيسة المشرق، هو ترتيب هذه المزامير طقسيا، مع ما يرافقها من الردات، وكذلك الصلوات الكهنوتية الاستخلاصية الملحقة مع كل وحدة مزامير ثلاثة تسمى الهولالا.
 
عرض تاريخي موجز لمخطوطات المزامير وطبعاتها
 
من المرجح أن تنسيق المزامير تم في الدير الاعلى، برغم افتقاد تلك المخطوطات الى العناوين ذات الصلة، حتى جاء التجديد الطقسي للبطريرك (مار) ايشوعياب الثالث (حوالي السنوات 648/9 - 658/9 ب.م). وقد تبين أن عددًا من مخطوطات المزامير تضمنت ايضا طلبات للشمامسة مخصصة لغير ايام الاعياد، وتتلى خلال الصلوات الطقسية، وكذلك التسابيح المستخدمة في الصلوات الطقسية ليلا، في الايام الاعتيادية، الى جانب تلك التي ترتل خلال التناول. ومن المحتمل جدا أن هذه الاضافات جاءت، في مرحلة متأخرة على قيام المخطوطات الاولية في الدير الاعلى، وذلك في المنتصف الثاني من القرن السابع.
أما أقدم ما يتوفر من مخطوطات االمزامير، فهي تلك التي تحمل اسم ( دياربكر 36) وتعود الى القرن 12 للميلاد.
المزامير هذه تتبع في ترقيمها ترقيم الطبعة البيبلية البشيطتا - البسيطة، وهو الترقيم الذي يتباين عن الطبعة العبرية، وكذلك عن نسخة السبعين مترجما (the LXX the Septuagint) او الفولغات - الشعبية من ترجمة جيروم.
يقسم كتاب المزامير على عشرين وحدة مزاميرية تدعى هولالي - التهاليل، اضافة الى أناشيد أو مدائح موسى واشعيا. كما يتضمن السفر 57 مرميثا (وهي الصلوات الانتقالية بين وحدات الهولالي للمزامير، وهي موضوعة بنحو خاص لكل مناسبة، سواء بحسب السابوع الطقسي او العيد المحتفل به) وهي تشكل على وجه أمثل، مجموعات مكونة من ثلاثيات المزامير - الهولالي. وكل هذه الثلاثيات تعقبها صلاة كهنوتية نسبت الى البطريرك مار ايليا الثالث (1176-1190م) وكل ثلاث صلوات من المرميث، تستخلص الصلاة لكل من الوحدات الثلاثية للمزامير والمنضوية تحت اسم الهولال.
أما بخصوص التوزيع الوارد في البشيطتا، فإن المزامير تنقسم الى خمسة اسفار، على غرار النسخة العبرية، وتشتمل على 27 إصحاحا. في حين أن صلوات الطلبات القانونية (قانونا) تكوّن التأوين المسيحاني - المسيحي للمزامير المذكورة، وقد جاءت على شكل تضرع، تمجيد، تسبيح وتوقير، وهي منسوبة الى البطريرك مار آبا (آوا) الاول (540-552) أما العناوين أو رؤوس فقرات المزامير فتنسب الى تيودوريوس المصيصي.
 
وتختم النبذة المرفقة بالسيديات بالقول:
إن أول طبعة آشورية للمزامير، كانت في الواقع من أول الكتب الطقسية المطبوعة في اورميا على مطابع أرسالية رئيس اساقفة كنتربري سنة 1891 واشتملت على 188 صفحة في طبعتها الاولى، وأعادت الارسالية طبعها سنة 1908 وكذلك في السنتين 1912-1913. وقد صدرت فيما بعد طبعة تريشور بالهند سنة 1955، بإشراف دار طباعة مار نرساي، والتي استخدمت ذات التصميم للخط السرياني، والذي طبعت على غراره صفحات الكتاب الطقسي لكنيسة المشرق (الحوذرا).
أما المزامير بمجموعتها فقد تضمنتها الحوذرا الاثورية بأجزائها الثلاثة والمطبوعة سنة 1960. ويحتوي كل جزء ليس فقط على الفهرست الابجدي للمزامير، بل ايضا يضم الصلوات القانونية التي تتلى قبل المزمور، والخاصة بالصوم الكبير، مع التوجيهات الليتورجية المتعلقة أيضا بالصلاة الطقسية التي تقام ليلا.
 
نبذة لتقديم الأقراص الصوتية للمزامير
 
تعرض النبذة وصفا روحيا تفسيريا موجزًا للمزامير، وجاء فيها:
كلمة المزامير هي ما يزمر على انغام القيثارة. ويتضمن سفر المزامير 150 مزمورا وصلاة. يوثق لمشاعر عميقة وردت في العهد القديم. الكثير منها يحمل مضامين ارتقاء وتشجيع، ومنها ما يعكس خبرات متراوحة بين أحاسيس الانتقام والعقاب.
تحتوي المزامير على كم كبير من الاشارات الى المسيح. ففيها جاءت نبوءات عن المسيح. وقد كتب القديس لوقا في الانجيل
(24: 44) أن الرب عندما ظهر بعد قيامته، خاطب أولئك الذين كانوا خاصته وَقَالَ لَهُمْ: «هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ».
وفي عدد من هذه الصفحات البهية، لا يوجد أي شك أن المسيح كان موضوع تلك المزامير.
فإذا قالت اسفار الانجيل أن يسوع قد صلب، فإن المزامير تحكي لنا ما كان يعتلج في قلبه أثناء صلبه. وإذا أخبرنا الانجيل أن يسوع عاد إلى السماء، فإن المزامير تظهر لنا المسيح متبوّئا العرش في السماء.
 
وتختتم نبذة التقديم بالقول والتذكير:
يندرج سفر المزامير بشكل تسلسلي، مقسم على 20 (21) تهليلا، وسبعة وخمسين صلوات مرميثا. وأن المزامير في هذه مجموعة الاقراص تم قراءتها بالآرامية، ثم ترجمتها في اللسان الآشوري الحديث، من قبل نيافة مار آوا روئيل أسقف كاليفورنيا.
 
في نهاية هذا العرض الموجز عن النتاج الصوتي للمزامير، لا يسعني إلا ان أحيي نيافة الاسقف مار آوا روئيل الذي بعنفوان شبابه بذل مثل هذا الجهد الدؤوب والأكاديمي. إنه نتاج ينسجم حق الانسجام مع النهج الراعوي لخدمته الأسقفية في كنيسة المشرق الاشورية.



28
ملف شؤون مسكونية مع خلاصة شاملة للمقابلة مع مار باوي سورو- 1 و2

الأب نويل فرمان السناطي


التمهيد

أفكار في الخطوات المسكونية للكنائس

اختتم يوم 25 كانون الثاني 2017 اسبوع الصلاة من أجل الوحدة المسكونية. ويطرح السؤال نفسه:
إذا كانت عقارب الساعة في مسيرة الوحدة لا تعود الى الوراء، واذا كانت خطوات الوحدة لا يمكن أن تتوجه "عكس السير"، لحين إعادة الشركة بين الكنائس الرسولية لمرحلة ما قبل الانقسام، ومع خادم خدام الرب بالمحبة، فلا بدّ من القول بأن النهج المسكوني لهذه الكنيسة أو تلك نحو الشركة ضمن كنيسة جامعة، قد يأخذ بنظر الاعتبار خطوات الجماعات والكنائس الاخرى، لكيما يتم الافادة من الخبرات السابقة، وكذلك لكي يكون الاتحاد ضمن الكنيسة الجامعة، مرتبطا بكاريزما كل كنيسة، وحرصها على استقلاليتها الادارية والطقسية والثقافية، وواقفة على مسافة واحدة مع كيانات شعبها السياسية مع الانفتاح الى خط الرسالة الانجيلية على مستوى العالم.
وتشاء العناية الربانية، أن هذا يتزامن مع الحبرية المنفتحة للبابا فرنسيس، وما قدمته الكنائس البطريركية المتحدة مع الكنيسة الجامعة، من تضحيات وما حصلت عليه عبر عهود طويلة من نتائج بمواقف متفردة، من مار يوسف السادس أودو(1793-1878) وصولا الى مار لويس روفائيل ساكو،   حتى تصبح الخطوات المسكونية خطوات ثنائية تكاد تكون متوازية، بين جانبي الكنيسة الجامعة والكنائس الرسولية البطريركية في العالم.
ويبدو ان تحدّي الوحدة للكنائس الرسولية صار يتأرجح بين الماض السحيق وبين اليوم، بين ثقل ما أدّى إليه الانشقاق تحت ظروف تاريخية مشحونة بالحروب والقهر السياسي والاجتماعي ومعوقات الاتصال، وبين تحدّ آخر مختلف في عالمنا، وهو تحدّ المقاعد الوثيرة والتأثر بالاجندات السياسية، أو كتابات بعض "ضباط ركن" المواقع الالكترونية، مع انغلاق مريب على المكتسبات الستراتيجية.
كل هذا ربما أدّى إلى ضبابية الرؤية، إزاء تحديات ليست أقل من الامس، مثل الارهاب الديني وراديكالية نظام العلمنة وتخلخل القيم الاجتماعية. ويتفاقم الأمر عندما تختلط الرؤية بين ما يقوم من تجمعات مسيحية تمليها الظروف الجيوسياسية على الكنائس، إداريا وإقليميا، مع وهم اعتبار ذلك كخطوات مسكونية وحدوية، عندما تتحوّل هذه التجمعات كيانا شكليا وخليطا غير متجانس هيهات أن يستند على أرضية عقائدية رسولية أو تراتبية.
وافضل دليل على ذلك، ان انفراط عقد هذه التجمعات بين هذه الكنيسة وتلك لأي سبب، سرعان ما يتبين أن لا علاقة له ولا يتأثر بالشركة التامة التي بين كنائس رسولية كاثوليكية، فيما تبقى مسيرة الكنائس الرسولية الاخرى، متمحورة نحو الكنيسة الجامعة، عندما تنشد الوحدة بالشركة التامة.

خطوة مار باوَي والشأن المسكوني
ويبقى الاعتبار ان خطوة المطران باوي سورو في انضمامه الى الكنيسة الكاثوليكية ومن ثم الى الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية هي خطوة تندرج في الشأن المسكوني، بكل ما اكتنفها من تشابك. وهي خبرة تحتوي، بجوانبها المتعددة، على اكثر من عبرة.  هذه خلاصة شاملة للمقابلة، قد تكون أول مقابلة بحجمها مع  المطران باوي سورو يراد منها تسليط الضوء على خبرة اعتورها فعلا مخاض من أكثر من جانب.
تنشرهذه المقابلة بخلاصتها المستفيضة، في موقع عنكاوا الأغر، كمحور إزاء غيره من المحاور في ملف الشؤون المسكونية. وكان قد نشرها مشكورا، وعلى جزئين الموقع البطريركي الأغرّ للكنيسة الكلدانية.
تسلط المقابلة الضوء على ظروف انضمام المطران باوي إلى الكنيسة الكاثوليكية – الكلدانية، وظروف ما بعد الانضمام. وهكذا، بعد مضي عقد ونيف يتم تسليط الضوء على الموضوع، من حيث التوثيق التاريخي، من قبل المعني مباشرة، بما أمكن من حيادية وشفافية ومع حفظ التقدير لمختلف الجهات. ولدى النشر الأولي، في الموقع البطريركي، كان قد لوحظ بارتياح طيب، التعامل الراقي مع الموضوع من جهات عدة. ولا غرابة من ذلك، من خلال نبرة الاحترام التي تعامل بها الحوار، وما تمّ التداول عمّا هو مشترك بين الكنيستين، الكلدانية والاشورية، مع ما يميز كلا من الكنيستين من خصوصية، ومن توجه روحي وثقافي وقومي. في زمن أصبحت الاختلافات العقائدية والمذهبية والقومية والسياسية، بين الإخوة وبين أبناء العمومة، مواضيع يتم التعايش معها، بإيجابية وفي أحيان كثيرة باغتناء متبادل.
ونذكر ان المقابلة اجريت خلال الزيارة الشخصية التي قام بها المطران باوي سورو مؤخرا إلى كالكري مع الشماس المهندس عزيز رزوقي، الذي حضر المقابلة، وهو رئيس شمامسة ومستشار مالي في أبرشية سان دييغو،  ويتنقل بانتظام الى مدينة اغترابه الأولى كالكري حيث يتابع أعماله ويخدم أيضا الليتورجية الكنسية في خورنة القديسة مريم للكلدان، ضمن جماعته الأصلية في بلاد الانتشار، وتوفر له أن يعبر عن انطباعه في نهاية المقابلة.

الجزء الاول: مرحلة الانضمام الى الكنيسة الجامعة
مار باوي سورو: المسيح أسس كنيسة واحدة ويريدها كذلك


التقديم للمقابلة
تتناول هذه المقابلة بعض التفاصيل التي ربما لم يتم اعلانها من قبل، والتي عندما يأتي التعريف بها، من شأنها أن تسد الطريق الى العديد من التكهنات والتأويلات من التي اصلا عفا عليها التراكم الزمني. وكان في خلفية الأسئلة جملة نقاط مثل:
هل بقي مار باوي مقتنعا بما فعل؟ هل بعدَ كلّ ما عاناه، كان سيعيد الكَـرّة لو عاد به الزمن؟
هل ثمة جذور عميقة قديمة كانت وراء ما حدث؟
هل كانت حركته خيارا ضمن عدد متنوع من الخيارات؟ أم له قراءة إنجيلية خاصة بخطوته؟
تساؤلات منها أفصحتُ عنها خلال اسئلة المقابلة، ومنها سبقني بالإجابة عنها. لذا أدرجتها في هذه المقدمة، حتى يجد القارئ، صداها في هذه أو تلك من الإجابات. وما لفت الانتباه أنه كان يتكلم، عن أقسى الظروف التي عاشها، بثقة من وجد أن الأمور عادت إلى نصابها الطبيعي، وبهدوء عجيب وابتسامة رأيتها نابعة من سلام داخلي مقرون بشجاعة التشخيص المسؤول بما له وما عليه، مسكون بروح الغفران والحب، مما جاء مباشرة في كلامه.
وضعت المقابلة ضمن محورين رئيسيين:
في الجزء الأول، محور خاص بتوصيف خطوة مار باوي نحو الكنيسة الكاثوليكية – الكلدانية.
وفي الجزء الثاني محور يتناول حقبة ما بعد استقبال مار باوي في الكنيسة الكلدانية، بما تضمنته هذه الحقبة، من مراحل متباينة، بين ابرشية مار بطرس والكرسي البطريركي، تكللت بمشاركته الأخيرة، في السينودس الكلداني، شهر أيلول الماضي.
وبعدُ، فإن العالم، إذ غدا قرية صغيرة، فقد صار المختلفون، في العصر الحديث، يتعايشون ضمن المدينة الواحدة، على ما ينتهجون من مسارات متباينة ومتضاربة، تبقى في نهاية الأمر، كخيار حرّ للأفراد والجماعات، في عصر متقدم من حقوق الإنسان، قلما يتقبل القهر على هذا الاختيار أو ذاك. هذا الموضوع بالذات كان مدخل الحوار:
* الأب نويل: نتعرف عليك، سيادة المطران، كما انت معروف في الأوساط الكنسية والأوساط المسيحية بشكل عام في وقت صار من المعروف وأمرًا واقعًا بأن سيادتك انضممت إلى الكنيسة الجامعة ومن خلالها الى الكنيسة الكاثوليكية مع كهنة وعدد من المؤمنين. ومثل هذا يحدث في الكنيسة عبر القرون، بحسب الضمير وبحسب اختيار الناس وبحسب نظرتهم الإيمانية وضمن حريتهم في الاختيار. وفي العصر الحديث ايضا، نعرف الاسقف اللوثري سابقا، جوزيف جاكوبسون، في أدمنتون، الذي قام بهذه الخطوة مع عائلته وعدد من المؤمنين. وكذلك قبل بضع سنوات، انضم ما يقارب 75% من  رعية القديس يوحنا الانجيلي الانكليكانية في كالكري، مع راعيين، ملتحقة بالكنيسة الجامعة ضمن الابرشية الكاثوليكية المحلية، وبالخصوصية الكنسية القانونية (الاورديناريات) التي عندهم في شمالي أمريكا. ومن الجديد بالذكر أنه عندما تداول مطران كالكري مع الاسقف الانكليكاني بهذا الشأن، كتب اليه الاسقف الانكليكاني مخاطبا: اني احترم المسار الروحي الذي انتهجه هذان الراعيان وهؤلاء المؤمنون، واثق بأن هذه الخطوة قد قاما به ضميريا وبنزاهة، وعليه اعتقد انهم مع الرعية التي معهم قد يحتاجون إلى مبنى الكنيسة… لهذا نسمح لهم باقتنائها. ودخلت في السؤال قائلا:
* كيف كان، من الناحية الإدارية، انتقالكم الى الكنيسة الجامعة، ومن خلالها الى الكنيسة الكلدانية؟
– مار باوي: عندما صارت هذه القضية… لا بد أن أن نقول هناك فرق. والفرق الصحيح هو أن نفهم ماهية التمييز بين العقلية الغربية الشرقية. الآن نرى كيف يتصارع العالم، ونرى الحضارتين كيف تتصادمان مع بعضهما. في العقلية الغربية، عندما يحدث الاختلاف، حتى الاختلاف المذهبي، الذي يحتوي جوانب مهمة من الشخصية الإنسانية، يعالجون القضية بنحو خاص، المطران يقول لكهنته: "انتم خرجتم، ولكن لا بأس، فهذه قضية ضميرية هي التي دعتكم إلى ذلك، فإذا اردتم مبنى الكنيسة فأنا متجاوب". وبالفعل رجعوا إلى الكنيسة التي كانت لهم في السابق والتابعة لذلك المطران ليمارسوا فيها الخدمة ككهنة كاثوليك في الكنيسة الكاثوليكية. أما معنا فقد صار الأمر بالعكس نحن الشرقيين.
مخاض الانتقال
معنا كانت مشاكل متعددة، وقضايا كثيرة. وأنا بطبيعة الحال لا أضع اللوم فقط على جانب واحد، بل انا بنفسي آخذ اللوم مع جماعتي، نحن أيضا؛ من المؤكد، كانت عندنا تصرفات خاطئة ولـّدت المرارة… والآن بعد عشر سنين، نشعر أن الكثير من تلك المرارة اختفى. فقد وصلني بنحو غير مباشر، أنهم قاموا بتصفية بعض المتعلقات الحسابية، مما وجدت فيه تعاملا إيجابيا مع القضية… إذن بعد عشر سنوات استغرقها الأمر، نصل إلى المرحلة الايجابية التي وصل اليها اخواننا اللوثريون والانكليكان، ربما بعشرة أيام. فهذا هو الفرق الناطق، ولكن مع ذلك ينبغي على الواحد أن يبقى مصرّا على أن يغفر ويحب..

* سيدنا في هذا المجال، كيف تستذكر استقبال ابرشية مار بطرس في سان دييغو لكم أمام تلك الأحوال.
– بصراحة كان الاستقبال الذي رأينا فيه البصيص الوحيد. كنا كنيسة محلية في كاليفورنيا، كنيستنا الاولى، الكنيسة الآثورية، حاربتنا بشكل فضيع، وأعطيك فكرة: لقد صرفنا الأموال على المحاكم واستغرق الامر تقريبا 6 سنوات وهذا الأمر بحدّ ذاته، شيء إذا ما راجعته، تراه مملوءًا من الخطيئة، ولهذا اني اتحمل من جانبي ايضا مسؤولية من هذا الشيء. يا حبذا لو كنا بروح بسيطة وتفاهم، كنا نحلّ هذه المشاكل، بل على العكس، كان هناك الحدّية والعناد ونحن طبعنا الشرقي تولى كل امورنا، فكانت حالة مظلمة جدا.
* وعندما استوضحت من المطران باوي، عما أدّى إلى المحاكم. استخلصت أن ثمة ملابسات جعلت المؤمنين يظنون، أنهم إذا تبرعوا لكنيسة رعيتهم عندئذ يكون لهم الحق المادي في كنيسة رعيتهم، وليس الجهة الرسمية التراتبية التي ترتبط بها تلك الرعية. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه عندما يختلط الشأن القومي بالشأن الديني، تصل العدائية الى أبعاد مهولة، تختلط فيها المسؤوليات، وتتوجه الرغبة بالتسقيط الى كل الحدود المفتوحة، وهكذا وبالهدوء عينه، يورد الاسقف باوي أمرا مريرا، إذ قال مسترسلا في حديثه:
– طبعا بالنسبة لي، من خلال الكنيسة الآثورية، صارت شكاوى ضدّي، إلى الجهات الحكومية، إلى حد أنه تم اتهامي بالتجسس للإرهابيين، لأننا كنا نرسل الأموال إلى اللاجئين، في سوريا وفي تركيا، فاتهموني بأني ارسل هذه الاموال للارهابيين…
هكذا جاءت الدائرة الامنية الـ ( اف بي آي) عملوا التحقيق معي، وتكلمت معهم واريتهم الوثائق والسجلات، فقبلوا. ثم ذهبوا الى الـ (آي أر أس) دائرة الضرائب، هؤلاء بدأوا معي بصيغ التحقيق الإجرامي. لمدة ست سنوات كانت دائرة الضرائب تحقق معي، وهذا شيء صعب جدا، لأنك لا تدري ما الذي سيحدث. وكانوا يطالبون بمبلغ إضافي، وحتى النقود التي أعطيناها للمحامي، كانوا يقولون هذه من مدخولاتك، وعليك ان تدفع الضرائب عنها، حتى وان كنت تستخدمها لمحامي الدفاع. وهكذا كنا نعيش بصورة مظلمة، وصعبة.
أمام هذا تأتي الكنيسة الكلدانية بكاليفورنيا، المطران والكهنة يفتحون لنا أبوابهم ويستقبلوننا، ويتكلمون معنا كإخوة. هذا كان شيئا بديعا لم تصدقه عيوننا؛ اكيد انجذبنا اليهم كثيرا، و شكرنا الرب وشكرناهم. وكان ذلك بمثابة تحقيق أمل.
من ناحية أخرى كنت معجبا بالكنيسة الكاثوليكية منذ صغري، وكنت في المدارس الكاثوليكية، حيث كانت تدرسنا الراهبات وكهنة كلدان، فكان عندي من ثم التعلق الكبير بالكثلكة. لكن من المؤكد أن كاثوليكيتي هي كلدانية، لأن ذلك هو طقسي، لأنه أنا، لغتي شعبي، شخصيتي، كل هذا يخص كنيستي الام، وهي الكنيسة الكلدانية. فصار هذا كحلم يتحقق، وكمطلب يعيده لنا الله، بكل محبة واخوّة، فانتمينا وشكرنا الرب وكنا فرحانين جدا.

الانتماء روحيا - عقائديا
* بنظرة استرجاعية نتساءل، سيادة المطران، وهذا السؤال يطرح على اشخاص كثيرين يتخذون مواقف جديدة في حياتهم، ومدى قناعتهم بتلك المواقف فيما بعد. السؤال: ما هو مدى قناعتك الآن بذلك الاختيار، مع أنه، كما قلتّ قبل قليل، كان متأصلا لديك منذ زمن بعيد. نسأل هذا ذا قارنا وبحسب ما يشاع، ان الانفصال عن الشركة مع الكنيسة الجامعة، يبدو أنه يعطي الحرية للكنائس المنفصلة، بألاستقلال المطلق… يا ترى، مع الصعوبات التي لاقيتها، كيف وصلت لديك الآن هذه القناعة...
–مار باوي: صحيح انا دفعت الثمن الهائل بالنسبة إلى رغبتي في الانتماء الى الكنيسة الكلدانية، لكن اذا ترجع تسألني مرة أخرى، بعد فترة طويلة من هذا العيش، وأنا اذا ارجع بالزمن مرة أخرى، ماذا كنت سأعمل؟ الجواب:
بالضبط كنت سأعمل الشيء عينه، لأن هذه القناعة تنبع من مفهوم أن الاستقلالية هي عملية موجودة فقط في المجتمع الانساني السياسي. أما في الكنيسة فلا يوجد مثل هذه الاستقلالية، في الكنيسة يوجد انتماء فداء خدمة محبة، يسوع لم يؤسس كنائس حتى تكون مستقلة عن بعضها، يسوع اسس كنيسة واحدة، سمّاها كنيستي، ونصب بطرس صخرة لهذه الكنيسة كأساس. فكيف إذا كان الأمر يخص شخصا وجماعة مثل كنيسة المشرق الاثوريين، الذين لاهوتهم، منطقهم وطقوسهم وتاريخهم لا يؤشر الى أية حالة الا هذه الحالة. وهكذا لما بدأتُ هذه حركة الوحدة، ومعي كهنة وعلمانيون،  وكنا سوية في الكنيسة الاثورية، لم نستند الى اي منطق شخصي، لم نستند الى معرفتي وتحاليلي وكرازاتي، بل استندنا الى ما هو موجود في طقوسنا، من طقوس الحوذرا وما كان يستخدم، في الكنيسة الاثورية. ولكن مع الاسف صار الرفض لأنه، كان يوجد في نهاية الامر، مسألة تتعلق بالسلطة. فقرار البطريرك الراحل مار دنخا بشأن الوحدة، توصل عليه، أخبرني به، عندما قلت له في نهاية الامر، القضية هي قضية انتماء، والانتماء سوف يحصل اذا قداستك تقبل الرئاسة البابوية. فقال لي المرحوم مار دنخا: حتى اذا أردت أن أقبل هذا الشيء، أو عندي نوع من التفكير لكي أقبله، ولكن شعبنا سوف لن يقبله، ويوجد عندي مطارنة سوف ينفصلون. قلت له: "صحيح سيدنا ما تقوله، بالفعل، ولكن هذا واجب، واجبك وواجبي، أن نثقف شعبنا، ونعطي انفسنا عشر سنوات أخرى".     
*وبشأن عدد السنوات هذا يوضح مار باوي:
- لقد كان لنا مشوار مع هذا المشروع، منذ 1984 في أول زيارته (البطريرك الراحل مار دنخا) للفاتيكان، والى 1994 عندما وقع الاتفاق الكريستولوجي (المسيحاني)، وكان هذا حواري معه في عام 2004، حيث كنا وصلنا الى اتفاق الاسرار اي قبل أن أنفصل في 2005. وهناك كان التوقف، ولم يقبل، وهذا كان التحليل أو التعليل، لعدم المضي في ذلك، عندما قال سوف ينفصل بعض المطارنة، وقلت له ان نعطي لأنفسنا 10 سنين اخرى، أي الى 2014 نثقف شعبنا، نريهم، كم هو مهم لاهوتيا وانسانيا، حتى نتوحد، لاهوتيا مع الكنيسة الكاثوليكية، واجتماعيا، كنسيا مع إخوتنا الكلدان. قال أنا ارفض.
وعندما عرفت أن الطريق مسدود مائة في المائة، عندئذ رأيت أن إرادة الله لي، هي فوق ارادة البشر، كما جاء في سفر أعمال الرسل: فأجاب بطرس والرسل وقالوا: ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس (5: 29). هذا كان توجهي المعلن، ومن هناك بدأ قرار أن يفصلوني، بعد أن بينت أن هذا الشيء واضح في كلام يسوع بأن "يكونوا جميعهم واحدًا" (يوحنا17: 22). ربما هذا كان كلاما قويا، ولكن من المؤكد كان مهما، لأنه أعطى معنى لشخصيتي ولخدمتي التي قلت أني سأتواصل فيها، مهما تكن العواقب، وكنت اعرف ذلك، لأني كنت دارسا للتاريخ، مثل حركة الاتحاد في الكنيسة الكلدانية، وما حصل لمار يوحنا سولاقا شهيد الوحدة، وما صار للمطارنة الآخرين، حيث أدى الامر الى رجوع خط سولاقا، الى النسطورية التي تأتي منها الكنيسة الاثورية الحالية، ثم من الكنيسة النسطورية كانت الوحدة الثانية، والثالثة في عهد مار يوحنان هرمز من عائلة أبونا في القوش في نهاية القرن 19، إني اعرف هذا التاريخ، واعرف أنه باي مرة، وبأي مرحلة تاريخية، وبأي حادث، يكون ثمة قرار كبير، وتأتي رجالات تتخذ هذا القرار، ومن المؤكد يوجد ثمن يدفع من اجل ذلك. أما أنا فأعتقد أن الثمن الذي دفعته كان أبسط ثمن وأسهل ثمن، كان ممكن أن يكون أصعب بكثير. لهذا إذا تسألني مرة أخرى ما الذي سوف أعمله، فرأيي كمطران وكإنسان مؤمن: لا يوجد حل آخر.

الجانب القومي، الانتماء اثنيا وثقافيا
* سيدنا هذا المجال الذي تطرقت إليه سيادتك هو المجال الوحدوي المسكوني الروحي. من ناحية أخرى فقد سبق لي وانتبهت ان سيادتك، في مواعظك تركز ايضا ليس فقط على المجال الروحي، والعقائدي للكنيسة ولكن على خصوصية الكنيسة الكلدانية، والذي لفت انتباهي هو كيف صار الانتقال  بحيث ما تبناه شعب الكنيسة الكلدانية والتركيز على الاتجاه الكلداني، كيف تفسر هذا الشيء؟
– اول شيء انا من صغري تربيت في عائلة لم تكن ترى الفرق ولا علمتنا أن نفرق، فهذا الشيء بالفعل يساعد كثيرًا.
الشيء الثاني، نحن شعبنا متّحد اكثر مما هي عليه رئاساتنا الدينية خصوصا عندما كنا نعيش في الجبال والقرى حتى كان يوجد تزاوج بيننا، لهجاتنا ذاتها تتقارب، ربما لهجات زاخو مع الاثوريين الموجودين بالمناطق المجاورة لهم، هي اقرب بكثير من لهجة الاثوريين إذا قارناها بسهل نينوى. فعندما نعيش سوية، خصوصا بالغرب هنا، عندما يصير هذا التعايش، والاجيال تتربى مع الزمن، عندئذ تذهب أصلا هذه الفروقات، لأنها فروقات مرحلية تابعة الى ارض وحضارة، وبالاخير، انا أقول ثانية بسبب دراستي للتاريخ، اعرف أننا شعب واحد الى درجة ان الاثوري كلداني والكلداني اثوري، وأن النسطوري كاثوليكي والكاثوليكي نسطوري، في كنيسة المشرق تحديدا وبفحوى ومحتوى كنيسة المشرق. فالكاثوليك الاولون أي من سلسلة مار سولاقا، هم الاثوريون الحاليون، والبطريركية الخاصة بهم، ثم إن كنيسة ادي وماري هم الكلدان فصار اسم المتحدين على الكلدان، واسم ادي وماري على الاثوريين. فنرى هذا التعاكس الذي يحدث في الطريق، نحن متداخلين ببعضنا بقضايا متعددة جدا، من المستحيل أني انا اقدر أن أقول بأن دمي اثوري وليس هو كلداني، وبنفس الوقت أن اقول: دمي كلداني وليس هو اثوري.

مار باوي سورو: حتى القومية شيء مرحلي، الهدف هو المحبة التي تحدث عنها يسوع

* ويمضي الاسقف باوي ليقارن بين الجانبين الروحي والقومي في المسيحية، لعلّ هذه المقارنة هي التي تميّزه عن عدد من مناوئيه الداخليين والخارجيين، فيقول:
- القومية هي شعور. فأنا لما احبّك، اشعر بك، سوف آتي اتقرّب إليك، وفي نهاية الأمر حتى القومية هي شيء مرحلي، الهدف هو المحبة التي تحدّث عنها يسوع، لكن الوعي هو الذي ساعدنا وحدد طريقنا، هذه فائدة الوعي. وهذه الكنايات طيبة جدا لأنها هي من تاريخ بلادنا بين النهرين، كانت عملية سهلة جدا عليّ أن اقول لجماعتنا الكلدان في سان دييغو او في ميشيغان أو حيثما كنت أذهب: أنا كلداني مثلكم ويمكن أن أكون كلداني اكثر منكم، هذا هو الاتجاه الذي كنت اتحدّث به أيضا مع الاثوريين، وكنت اول واحد استطعت ان أجلب كلمة مثل (الكاثوليكي) و (الكلداني) في كرازاتي اليومية والاسبوعية. ما كنا نستطيع ذلك من قبل، كانوا يسمونهم (باباي- باباويين) فرنجاي او -عفوا- قليبايي، لكن قلنا: كلا، الانسان عنده كرامته، وعنده احترامه، مثلما تريد الناس أن تحترمك، انت ايضا بالمقابل واكثر يجب ان تحترم الاخرين وتدعوهم بالاسم الذي هم يريدون ان يكونوا مدعوين به. هذا الأسلوب لا يقبل الغلط، انا احترمك، يأتي يوم انت تعرف انت ايضا سوف تحترمني، لأن كلينا الله هو الذي خلقنا، وهذا شيء ضميري في قلب الانسان. أجل كانت حقا عملية سهلة وتلقائية لاني كنت مهيئا لهذا الشيء عائليا وثقافيا. 

الجزء الثاني
مرحلة ما بعد الانضمام الى الكنيسة الكاثوليكية، مار باوي سورو: من أطراف الكنيسة الى قلبها
مسار العلاقة بين البطريركية وابرشية مار بطرس
في البدء عرضت على مار باوي ما عرفته من خلفية العلاقة بين البطريركية وابرشية مار بطرس بالقول:
* سيدنا مرت ابرشية مار بطرس، بمراحل شهدت شيئا من الاحتكاك مع البطريركية. منه موضوع طقس القداس، سواء التجريبي الذي كانت أبرشية مار بطرس قد اتبعته بشكل انفرادي ثم استمرّت على ذلك حتى بعد صدور النسخة المؤوّنة الاخيرة. هكذا سيادتك عشت مرحلة، كان فيها هذا التباعد وطالت لحد معين حتى جاءت المرحلة الجديدة بعد تقاعد رئيس الابرشية السابق مار سرهد جمّو. صارت هذه الانتقالة إذ كنت صاحب القرار في مرحلة استحضارية، لحين مجي المدبر الرسولي، ورأيناك على رأس المستقبلين. وعلمت من جانبي، أنه صار تنسيق ايضا مع الشماس عزيز، رئيس الشمامسة الذي كان في حينها في كالكري، وكان استقبال حافل وحميم وجماهيري من المطار الى الكنيسة. وسيادتك ايضا تكلمت بتوازن طيب، وقارنت بين مرحلتين: قيّمت من جهة، عطاء المطران السابق عبر سنوات خدمته، وكذلك ركزت على الحالة الجديدة والارتباط مع البطريركية. اذا امكن  تكلمنا عن هذا موضوع العلاقة بين البطريركية وابرشية مار بطرس.
مار باوي: أجل صار تطوّر في الموضوع وأقول: إن الطريقة التي افهم فيها الكنيسة وأفهم نفسي، مما يؤدي إلى تفاهم مطابق ومتبادل، هو ان الكنيسة تعطي سلطة روحية للمطران فيعدّ خليفة الرسل وذلك عن طريق الفاتيكان وعن طريق الرسامة الاسقفية وعن طريق البطريركية. ومن خلال السلطة الممنوحة للمطران سرهد كرئيس ابرشية مار بطرس، استقبلنا في الكنيسة، وعن طريقه قدّم ملفي كمطران يعيش في رقعته، الى السنهادوس والى الكرسي الرسولي. فكان حالي معه حال الضيف. هناك رأيت أنه ليس من حقي ان اتصرف حسب ما اريد. كضيف، سأكون قبل كل شيء ضيفا عندك مستمعا إليك وإلى إرشاداتك وطلباتك، مما يجعلني جزءًا من الادارة والعائلة الكنسية الموجودة في هذا الواقع…

نوعية السلطة بين اسقف الغرب واسقف الشرق؟
الأب نويل: سيدنا، ما هي يا ترى السلطة التي يأخذها المطران الشرقي المقيم في الغرب في كنيسة ذات خصوصية  بطريركية؟ هل تختلف عن السلطة التي يمارسها كل مطران لاتيني؟ فهل نحن لأننا من كنائس بطريركية، يختلف اساقفتنا عن الاساقفة اللاتين؟
مار باوي: حضاريا وثقافيا نعم أعتقد اننا نختلف. ففي بداية الحديث تكلمنا عن العقلية الغربية والعقلية الشرقية. أرى أن الغربيين اهدأ واسهل، حتى اذا كان اختلاف بينهم، كما رأينا (اعتناق الخورنة الانكليكانية للنهج الكاثوليكي في كالكري) الا أننا نحن الشرقيين طبيعتنا تختلف فهي اكثر عاطفية. الأمر الآخر، هو أن الكنائس البطريركية الشرقية الكاثوليكية، صار لها مدة من السنين تسعى لأن تعالج موضوعًا ملحّا، وهو الحق القانوني للكنائس الشرقية عن اسلوب تعامل الابرشيات في الرقعة البطريركية مقارنة بالابرشيات الموجودة خارج الرقعة البطريركية في بلاد الشتات، المهجر. يوجد نوع من الاختلاف في نقاط معينة. إذا عولج هذا الاختلاف، تتبدّل العقلية شيئا فشيئا وتتقارب. عندئذ باعتقادي لن يكون هناك فرق، واعتقد هذا ما تحتاج اليه كنيستنا الكلدانية ونأمل ان يتم التوصل إليه. واعرف أنه توجد محاولات  جدية من الكنيسة الكلدانية كما من بقية الكنائس الشرقية، ضمن مجامعها البطريركية، لحل هذه المشكلة، وهي أن تكون ثمة قوانين موحدة لجميع الابرشيات، فلا يكون هناك ما يشبه مرجعيتين، بل مرجعية واحدة، مما يؤدي الى ازدهار افضل.
الاب نويل: لعل ما يعزز ضرورة القوانين الموحدة لجميع الابرشيات مع البطريركية، هو أن الأسقف ينتخبه السينودس ضمن البطريركية والكاهن ايضا يعين بالتنسيق مع البطريركية.
مار باوي: هذا مؤكد، وهذه القوانين الموحدة من شأنها، ألا تعطي أي تبرير أو تفكير انفصالي. ومن المؤكد أن فكرة الانفصال هي عندي مثل الهرطقة، فهي من ثم خطأ في خطأ. هذا الاعتقاد راسخ عند شخص مثلي ضحى بكل شيء، حتى يجئ الى الكنيسة الكاثوليكية. لا يمكن القبول بذلك، مهما كان السبب، ليس فقط ذلك، فأنا  سأبقى الى آخر يوم من حياتي في كنيستي الكلدانية الكاثوليكية.

العلاقة بين الفاتيكان وكرسي بابل، في المجالات الادارية والمتنوعة
والجهود البطريركية في تحديد هذه العلاقة

*وسألته عن العلاقة بين الفاتيكان والكرسي البطريركي، في ضوء الظروف مع ابرشية مار بطرس، فأجاب:
مار باوي: بشأن هذه العلاقة، فإن الظروف بين البطريركية وابرشية مار بطرس هي مثال لما سأورده. فقد اخذ الموضوع تقريبا سنتين. والان أرى، بحسب فهمي أن الفاتيكان قرر من خلال المجمع الشرقي، ان يقرّب فكرة قراراته اكثر الى خط القرارات البطريركية  الكلدانية، وهذا شيء جيد. إذ سوف نسمع النداء الواحد الموحد لا يوجد ايكو (صدى) ولا تناقض بالقوانين التي نقرأها ونسمعها والتوجيهات التي تأتينا من البطريركية ومن الفاتيكان. فبقدر ما نكون شخصية موّحدة، هذا الافضل لنا وأكثر صحية. حتى وان كان هناك شيء لا يعجبني، سأقبله بوضوح، ولن يكون هناك التباس ولا يؤدي بي أو بغيري إلى أي ضياع، وقد لمست هذا التقارب، من خلال جهود حثيثة للبطريركية بهذا الاتجاه وبما يتيح لنا أن نتطلع بأن القوانين التي تدير الابرشيات خارج الرقعة الجغرافية البطريريكة ستكون أقرب الى الأبرشيات في الداخل.
* لعل هذا سيوصلنا إلى الخطوات التي قمت بها، بعد ما كنتَ كضيف وتتعامل ضمن سلطة محلية وما بين فترة الاسبوع، الفترة الانتقالية...
مار باوي: نعم خلال اسبوع واحد كنت الشخص الذي يتخذ القرار: من إعلان تقاعد سيادة مار سرهد الى حيث عرفنا بوصول سيادة مار شليمون كمدبر رسولي. بهذا الاسبوع حيث كنت النائب الاسقفي، القرار الذي اتخذته كان كالآتي: نحن كنيسة كاثوليكية، ومئة بالمئة سوف نطبّق القوانين الكنسية التي تأتينا من الكنيسة الكاثوليكية، جاءتنا من البابا، منطلقة من المجمع السنهادوسي الكلداني الدائم في العراق، وعن طريق البطريرك وبقيادته وصلت الى روما، لهذا عند استقباله قلت: نحن كاثوليك كلدان، وإننا مِن قِبل كل الكهنة والخورنات، نقدّم طاعتنا الى قداسة البابا الى غبطة البطريرك واليك يا المدبر الرسولي. لا يمكن أن يشتغل الحال بغير طريقة.
الأب نويل: مع تقديم الشكر للراعي السابق، وتشبيه ذلك بالحالة العائلية...
مار باوي: نعم بالضبط لقد تذكرتَ كلماتي. أول شيء تشكر وتودع القديم  ثم تستقبل الجديد. وتشبيه ذلك كما يحصل في العوائل من تجديد الحياة: الطفل الذي يولد، تقريبا تكون ولادته قريبة من رحيل الجد أو الجدة. إنهم يرحلون حتى يتركوا المكان للطفل ليحلّ فيه. هذا ايضا يحصل في كنيستنا ونحن ما نقدر أن نكون مؤمنين بيسوع اذا نحن لا نكون مؤمنين بكنيستنا من خلال تواتر رجالاتها مطارنتها، بطاركتها وبابواتها وهم خلفاء الرسل.

مع المصاف الاسقفي
* ما هو الدور في هذه المرحلة الجديدة الذي تتطلع للقيام به ضمن المصاف الاسقفي في الكنيسة الكلدانية؟
مار باوي: المصاف الاسقفي للكنيسة الكلدانية هو المصاف الذي من كل قلبي، اردت الانتماء اليه، عندما قبلت اللاهوت الكاثوليكي والعقيدة الكاثوليكية، في كنيستي التي بالتأكيد هي الكنيسة الكلدانية. فأنت لا تقدر ان تكون مجرد كاثوليكي عام، يجب أن تكون متجسدًا في احد طقوسها، احدى كنائسها الخاصة، وانا قانونيا انتمي الى هذه الكنيسة وكمطران، هذا كان الحال. ولكن لأسباب بشرية لم افهمها في البدء، وبعدئذ فهمتها، لأسباب قد تعود الى سوء معين من تصرفاتي او أي شيء آخر، فإن قضية قبولي في هذا المصاف، اخذت فترة طويلة، كانت فترة جدا مظلمة لي شخصيا كرحلة روحية من أطراف الكنيسة الى قلبها. هذا الذي اردته انا، بأن أُعتَمد أن أُحتضن كأخ. أجل كانت هناك اسباب، صرت مع الوقت أفهمها وهي أنها قضية فرد مقابل كنيسة: شخص باوي سورو مقابل الكنيسة الاشورية الرسولية. وهذه بالفعل وجهة نظر مقبولة بل مهمة: لا تضحي بكنيسة كاملة لأجل شخص. ويردف مار باوي فيقول:
ولكن من جهة أخرى، كان عليّ أن أصبر، حتى تتبلور القناعة بمنطق. إذ كان ما درسته وفهمته من واقع، هو أن هذا الشخص هو الذي احبك، أراد أن يأتي معك وهو الذي طلب ذلك من كنيسته السابقة وجماعة محددة جاءت معه، ولكن تلك الكنيسة لم تقبل، والبقية من جماعتها  لا يريدون. فقد صارت مبادرات كثيرة من قبل البطريرك والأساقفة، طوال السنوات الأخيرة،  وكما قلت، الكنيسة الكلدانية بكل أحبارها توقفوا عن قبولي من أجل مبادرتهم، انا افهمها كمبادرة رائعة، خصوصا اذا كنت انا من الطرف الآخر. ولكن الطرف الآخر لم يقبل، وكنت أعرف ذلك، وأعرف لماذا لا يقبلون، إذ كنت جزءا منهم وأفهم عقلية الطرف الآخر.

تطلعات بشأن الكنيسة الشقيقة
وفي استرسال تحليلي، عن الطرف الآخر، الكنيسة الآشورية، يقول مار باوي:
- رأيي في هذا، أنه يحتاج إلى أن يصير تحوّل في العقلية لدى الكنيسة عند الاثوريين، وفي القاعدة التي يبنون عليها، والتفهم الروحي الخاص بهم. كل هذا يمكن تلخيصه بما تحتلـّه القومية من حالة ضرورية وكبيرة لديهم لأن ثقافتهم الاجتماعية مبنية على ثقافة قومية. كما يمكنني أن ألاحظ بأنه، ولأسباب متنوعة، لم تحصل عندهم الفرصة التي صارت عند الكلدان في التعمّق الروحي، بنحو أوسع، وبنوع التعلق بربنا يسوع المسيح القديسين والعبادات والطقوس. ولكن من دواعي الارتياح أنه في الآونة الأخيرة، صارت نهضة معينة عندهم، قام لديهم كهنة واساقفة درسوا في الخارج وبانفتاح الى الرسالة الكنسية الشمولية، يوجد الآن أمل، والحمد لله، بأنه بعد كم سنة سوف يتبلور هذا الشيء من حيث التعمّق الروحي للكنيسة وإلى رسالتها في عالم اليوم، ولا بدّ أن يتم التعبير عن ذلك بنحو أو بآخر، بما في ذلك بحسب طريقتهم الخاصة وخصوصيتهم.

الكنيسة الكاثوليكية مع المنضمين اليها
إزاء هذا الواقع، ومن ناحية أخرى، على الكنيسة الكلدانية أن تحتفظ بحقها بـأن تحتضن اي واحد يريد أن يصير كلدانيا من حيثما أتى، كالكنيسة الكاثوليكية التي تقبل كل الناس الذين يأتون إليها، يحتفلون بقدومهم. رأيت قداسا، خلاله تعمذ كاتب مصري (الصحافي مجدي علام- 23 آذار 2008) في زمن البابا بندكتس احتفلوا به، البابا بنفسه عمّذه وتكلم عن الحدث الذي كان في عيد القيامة. ثم أن الكنيسة الكاثوليكية احتفلت بعدد صغير جدا من الانكليكان، لما صاروا كاثوليك، كان عددهم اقل من عددنا عندما صرنا كلدان، احتفلوا بهم وأسسوا لهم نيابة ابرشية، ونظام اداري كنسي خاص بهم (فيكاريات - اورديناريت) وحتى الان يتكلمون عن الحدث بفرح واحتفال.
طبعا انا ما كنت لأنتظر ذلك بنفس الطريقة، فنحن كنيسة مضطهدة في العراق، بما فيه من حروب ومشاكل، وقلب الكنيسة الكلدانية على ظروف الكنيسة الاشورية. فلا انتظر المعاملة عينها، نحن عندنا خاصيتنا، ولكن في نهاية الأمر اترجى من ربي ومن كنيستي ان ينظروا إلينا كأناس مؤمنين، أخذنا خطوة ايمان راسخة. لهذا انت ستشاهدني في حياتي كلها لن اتراجع عن هذا الشيء لان التراجع عن الكثلكة وتراجعي عن الكنيسة الكلدانية هو تراجعي عن المسيح، هنا وبالضبط هنا، انا التقي مع ربي.

بين الجانب الروحي- الثقافي، وبين الجانب القومي، تشخيص تلقيته من سيادة مار سرهد

الأب نويل:  فاذن سيادتك لاحظت في الكنيسة الكلدانية الجانب الروحي والثقافي، بينما ركزت على الجانب القومي في كنيسة المشرق الشقيقة، يا ترى ما هو تنظيرك للخصوصية القومية للكنيسة الكلدانية؟
مار باوي: هناك شيء تعلمته بالسنين الاخيرة، يلزمني أن اقوله هنا، أمانة للتاريخ. أذكر أن سيادة المطران مار سرهد أفهمني نقطة في هذا الموضوع إذ قال لي:
هناك فرق نظري. أما كيف يتبعوه من الناحية العملية، فهذا يعتمد على الأشخاص. الفرق نظريا بين العملية القومية في كنيسة المشرق، والعملية القومية في الكنيسة الكلدانية هو: (في كنيسة المشرق، العملية القومية هي أيضا عملية سياسية، بينما في الكنيسة الكلدانية، القومية هي عملية ثقافية…)
وعزز المطران باوي هذا الرأي بمثال عملي، قال:  كنت، قبل مدة، مدعوّا لاحتفال بالذكرى الاولى لتأسيس الرابطة في سان دييغو، حيث قال رئيس الرابطة المحلي كلمة أثبتت هذا الشيء: نحن رابطة وسنبقى رابطة ولن نتحوّل في يوم من الايام الى حزب كلداني. هذا مفتاح الفهم والمقارنة، لماذا؟
لأن بالثقافة، عندك حق أن تدافع عن حقوقك الوطنية وحقوقك الانسانية، هذه حقوق، الله اعطاك إيّاها. لذلك نرحب بهذا التوجه، ونرحب بالرابطة ونباركها وبجهود البطريرك صاحب الفكرة والرؤية، وبما يشكل المعالجة تجاه اغلاط الكنائس الاخرى، مثل الكنائس الارمنية والاثورية. لقد تأثروا بذلك، والآن نرى أن الكنائس الارثوذكسية الشرقية أدخلت السياسة في القومية بالكنيسة. نحن لا نقول (لا) للاحزاب، بل أن يكون للكلدان احزابهم وللاثوريين كذلك وغيرهم من مسيحيين. لكن ككنيسة، عندما تدّعي القومية، انت منطلقك هو فقط ثقافي لغوي تاريخي حضاري مع توجّه نبوي فتدافع عن المظلومين، عن الناس وحقوقهم. هذا هو الشيء الذي أراه اليوم في فكر غبطة البطريرك مار لويس ونحن فرحانين به، لهذا نرحب بالرابطة، وهذا حقّنا. الله يوفقهم.

عن طقس القداس
الأب نويل: ضمن هذا الاتجاه الثقافي أيضا، فإن الكنيسة البطريركية وهي ذات ثقافة معينة، من الطبيعي ان تمارس طقوسها بخصوصية مشتركة للجميع. كيف تحدثنا عن موضوع القداس بين البطريركية وابرشية مار بطرس؟
مار باوي: لنتكلم عن طقس 2006 وطقس 2014 الذي عمّمته البطريركية.  فطقس 2006 كان فقط يمارس في ابرشية مار بطرس دون بقية الابرشيات والبطريركية، ولمدة تزيد على عشر سنين. وأقول بصراحة: فهمُنا كان بأن المجمع الشرقي أخذ هذا الملف عنده، واعطى صلاحية للطقسين ان يعتمدوا، فكنا نحن بوجود طقس 2006 نستمر عليه، ولكن بالدقيقة التي فهمنا بأنه من هذا الوقت وصاعدا يجب أن يكون طقس 2014 معمّما للجميع، رجعنا الى طقس 2014. وانا في الاحد السابق، قدست بهذا الطقس. بالحقيقة كان من احلى القداديس التي أنا قدستها بالكلداني. رأيت هناك فرق في الترتيب لكنه مقارب جدا. فكرتي عن الترجمات، تحتاج بعض الشيء الى شغل، كأي طقس جديد، هذا الامر موجود في كل الكنائس، وسيدنا البطريرك استقبل الاقتراحات، وتم معالجة الترجمات، وإن شاء لله يُعمّم في كتاب جميل، ليبقى طقسنا واحدًا من أحلى الطقوس.

دعوات التعايش مع الكنيسة في العراق
* سؤال أخير: كيف ترى دعوة غبطة البطريرك للتوأمة بين ابرشيات الخارج والداخل، وخصوصا بزيارات تعايش الاكليروس، وهل لديك في الافق تطلع لمعايشة في هذا المجال مع كنائسنا بالنسبة لك أو للاكليروس؟
مار باوي: الصديق في وقت الضيق، ولكن بكل صراحة يلزم على الانسان أن يكون عظيمًا حتى يساعد باكثر من المال، لما يساعد بنفسه بحياته، يخاطر يجازف من اجل الاخرين، وهذا شي لا تقدر أن تتوقعه او تنتظره من كل الناس، بشكل واحد، لأن محبة الله ومحبة يسوع ليست سهلة، في عدة حالات تقتضي التضحية، أما لنا ككهنة وكمطارنة فهذا واجب، والفرصة الاولى التي تسنح لي ان اظهر هذه المحبة، سأحتضنها بدون ان افكر دقيقة واحدة.

* إذا أمكن، سيدنا، أن تعبّر عن هذا الجواب، بالانكليزي، حتى ربما بعض أصدقائك ومحبيك يتلقونه مباشرة؟
Had I been living in Iraq, and had I been a clergyman or a bishop there, I would have expected and asked the rest of my Chaldean church to be as close, as sincere and as helpful to me, just as the Patriarch is asking. I think it is a very natural way of behaviour of expecting friends and brothers and sisters and people of the same faith  - followers of Christ - to behave."A friend in need is a friend indeed
So I would have done the same, however, being a realistic, usually people think on 2 or 3 different levels, when they express their love. So hearing about our people in Iraq, it is essential that we first pray for them, then we much help with money, but if you want to really belong to a higher rank, of brotherhood, you must offer a sacrificial love. I think that is what God has done for us and I think it is wonderful if we can do it to one another. I personally would love to take the opportunity to show that love to our people in Iraq, I pray for that opportunity, to be able to be with them, to see them, to console them and pray with them in order to fulfill my moral obligation, my human duty and my church responsibility to my people in Iraq and Syria, especially as a time like this.

مار باوي- بالسورث: شكرنوخ كبيرا رابي تا مبادرة  ادّيوخ وشكرن اخوني عزيزا شماشا عزيز، بدّايا محبة ديّه وصداقة ديّه وآها فرصة دويدالي طالي، ودها هم طالوخ، بسما كانوخ شماشا عزيز .
اديو اخاويوخ كخازوخ: ايتا ايلا كل مندي داتلان، ايلا عائلتـّن، تاما كخازخ لمارن، قديشي ديّان، قديشتا مرت مريم، أي قميثا وتاما كشقلاخ كل نعمتياتا داتلان، واخني، وبضمير ديّان كيذخ ديخ مارن كِبي دهاووخ بأيّا عيتا، فأخني عيزيوخ داوذخ مساعدة، دعيشوخ حياة كنسية مثالية، انا ليبي تا كاني اوذن آذي، انا عيزيون الـّوخ، ولفهامتا ديّوخ ولارشاد ديوخ ولمحبة ديوخ قد آيت شوقتلي تد آنا هاويلي خا ولادة خثتا وخا ناشا خاثا بالط مني.
يعني مشيحايي طاوي، إيلاي مخ قابلة ماذونة، دياوي ولادة دخا برناشا خاثا خديكد يمّا يوا خذا هويتا خثتا، وآين ايلا أورخا التفاهم (كومنيكشن) داديو يوما، آيت مبادرة ديوخ يوا، داتوت مني، قا داوذت تفاهم مني، وأن شوقتلي رأشن بأن آنا ايون خا ناشا ولو اتلي غلطي، بس آيت لبّوخ رابا يلي وكحيبتلي وشوقت طالي، ولبّوخ هم رابايله دفهمتلا وجهات نظر ديي، دمبصختلي، وانا باوذنخ كارانتي، آيت بشوقت أنا دبايشن خا ناشا خاثا هاون، ونفس شي انا طالخ، إذيله  معنى دعيتا، اوداخ تا اخذاذي اومندي دالاها ودلي طالن. كما دآوخ رابي بدرغا، هادخ دهاوخ اخ مارن مرحماني وشوقاني، وخلقاني دناشي خاثي تا شوحا دآلاها،
الأب نويل: وايّا رسالة ايلا من كل مشيحيايا لمشيحايا، من كل ابسقوبا لابسقوبا ولبطريركا.
مار باوي: تا كلن ايلا بصراحة، لان كلن ايواخ قذام كل مندي ناشي، يرأشوخ بناشوثا، ايله الاها بريا آيّا ناشوثا، مباثر هادخ، ايوخ عميذي، وبيشوخ زريئي (ويذي امبلانتت) بملكوثا دالاها، بعدين الاها يقاريلان إلـّد قريثا اديّان بخايي ديّان، إن ديلا دعوة عائلة، يان دعوة كهنوتا، بيولـّن فهماثا، بيولـّن موهوثا  (تالانت) ويولـّن خلياثا، شوحا تا شّميه وطوّا لدو ناشا عميذا ودرغايا دهاوي، كود مبلخلاي انّيه خلياثا دالاها تا عجبونا دالاها وتا شوحا ديه، انا يخشون حتى ان هاووخ سهدي، آها معنا دقديشوثا يلا.

الأب نويل: وهاوت بسيما، شماشا ايونكلايا عزيز رزوقي، باقذ ان اتلوخ خا تنيثا.
شماشا عزيز: شلاما الـّوخو، قمايا كشكرن سيدنا مار باوي سورو، دثمال ثيله إمي من ماثا دسان دييغو كاليفورنيا، تاد ياولي بوركثا تا شركا ديي هندسية، ديل مقر دياح، بكالكري كندا، وكشكرن أخوني عزيزا رابي نويل دشقله وقت ديح والتقيلان، وكطلبن من مريا، انه شاقلا ايتان تا قاما، وان شاء الله  بدزالا لقاما، لأن عما ديّان كبيرا كبيلا تا ايتيه، وبوركاثا دلالاها بد شاري بكاون بش كبيرا إيمن دهاوخ كلن خا.
تعريب الفقرة الاخيرة التي بالسورث من حديث مار باوي:
أشكرك كثيرا أبونا لمبادرتك، وأشكر أخي العزيز الشماس عزيز، لهذه المحبة ولهذه الصداقة ولهذه الفرصة التي وفرها لي ولك ايضا. شكرا، شماس عزيز.
نحن اليوم هنا،  نرى كيف أن الكنيسة هي كل ما لدينا، انها عائلتنا، فيها نرى الرب، القديسين وفي المقدمة السيدة القديسة مريم، وهنا نأخذ كل النعم التي لدينا، ونحن بضميرنا، نعرف كيف ان ربنا يريد أن نكون في هذه الكنيسة: فنحن نحتاج الى ان نتعاون، ان نعيش حياة كنسية مثالية. فأنا لا اقدر ان أعمل لوحدي بل احتاج اليك، الى تفهمك، وإرشادك ومحبتك، بحيث تجعل أن تكون لي ولادة جديدة، وأن ينبثق منّي انسان جديد. وهذا يعني أن المسيحيين الصالحين، هم مثل قابلة مأذونة، يعطون ولادة للإنسان الجديد، ومثل الأم التي تمنح الولادة الجديد. هذا هو طريق التفاهم في يومنا. فتكون مبادرتك تجاهي، بحيث نتفاهم معا، وتجعلني احس بإنسانيتي، حتى وان كنت مخطئا، لكن قلبك كبير، فانت تحبني وتغفر لي، وقلبك هو هكذا كبير بحيث تتفهّم وجهات نظري، فتبعث عندي الفرح، وأنا اعطيك الضمان  بأنك ستجعل مني بأن أكون إنسانا جديدا، والشيء عينه أكون عليه انا بالنسبة إليك. هذا هو معنى الكنيسة: أن نعمل مع بعضنا الشيء الذي عمله الله لنا. فمهما كنا كبارا في الدرجة، بقدر ذلك لنا أن نكون مثل الرب رحومين وغفورين، وخلاقين للناس الجدد في سبيل مجد الله.
الاب نويل: ولعل هذه الرسالة موجهة من كل مسيحي لكل مسيحي، من اسقف لاسقف أو بطريرك.
مار باوي: إنها موجهة الى كلنا بصراحة، لأن كلنا نحن، قبل شيء  بشر، الله هو الذي خلق بشريتنا. وأيضا لأننا معمّذون، وصرنا مزروعين في ملكوت الله الذي يدعونا بدعواته إلى كل منا في حياتنا، سواء دعوة العائلة، او الدعوة الى الكهنوت. ولهذا فإنه يعطينا الفهم، ويعطينا الموهبة، ويعطينا المزايا، التسبيح لاسمه. فطوبى لذلك الإنسان المعمّذ والمرسوم على درجة ما، عندما يوظف هذه المواهب لإرادة الله ومجده، وأنا أرى حتى وان اقتضى ذلك استشهادنا، فهذا هو معنى القداسة.
الاب نويل: والشكر الى الشماس الانجيلي عزيز، تفضل شماس اذا كان لديك كلمة؟
الشماس عزيز:  تحياتي لكم. قبل كل شيء اشكر سيدنا مار باوي سورو، حيث جاء البارحة معي من سان دييغو كاليفورنيا، لكي يبارك شركتي الهندسية بكالكري كندا، واشكر أخي العزيز الاب نويل للوقت الذي يجمعنا. واطلب من الرب أن يأخذ كنيستنا الى أمام، وان شاء الله تذهب كنيستنا قدما، لأن شعبنا يحب كنيسته محبة كبيرة، وبركات الله سوف تحل فينا وتغمرنا، عندما نكون كلنا واحدًا.

29
نقاط على الحروف عن مقترح مجلس الكنائس
وانسحاب الكلدان من مجلس رؤساء الطوائف المسيحية
 
الأب نويل فرمان السناطي
 
لا يمكن لأسباب عديدة الالتفات العميق إلى تنظيرات أو آراء هنا وهناك، من خارج الوطن أو من داخله، عن المواقف من انسحاب الكلدان من (مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في العراق) وبشأن فكرة تأسيس مجلس كنائس العراق. ولكن تبقى الأبواب مفتوحة على بيانات رسمية رصينة، كالتي صدرت عن ممثلي عدد من الكنائس الرسولية والطوائف من الجماعات الكنسية من حركة الاصلاح. إلى جانب آراء سديدة وشهادات إيمانية رصينة، تقرأ الأمور من وحي الأحداث، وبروح نبوية رسولية، وعليه جاءت هذه المحاولة لوضع نقاط على الحروف.
 
ولا بد من القول أن من عرفوا البطريرك لويس ساكو عن كثب، وشهدوا خطواته الوحدوية من جهة، وأيضا مبادراته ذات العديد من إشارات التنازل والتواضع، قد ينقسمون الى جانبين: جانب يفهمها وهي طائرة، وجانب يتساءل بثقة عن أن ثمة أسباب موجبة عن الموضوع، لا بدّ من انجلائها عاجلا أم آجلا.
فالبطريرك لويس ساكو هو الذي خطى تلك الخطوات المتفردة تجاه البطريرك الراحل مار دنخا الربع، وهو الذي بادر بمبادرته الوحدوية التاريخية بعد رحيله، وهو ذاته بعنفوان متميّز أوضح كيف من الطبيعي أن يكون لأبناء الكنيسة الكلدانية خصوصيتهم القومية والثقافية إزاء انفتاحهم إلى آفاق الوحدة المسكونية.
 
الحضور الكلداني في العراق والحضور الماروني في لبنان

والبطريرك ساكو، هو الذي في أحد الاجتماعات، نادى بالبطريرك الماروني عميدا لبطاركة الشرق، انطلاقًا من الحضور الثقافي والاجتماعي والتاريخي للكنيسة المارونية إلى جانب مكانتها في الساحة الحكومية، سواء على صعيد لبنان، أو على صعيد مسيحية الشرق الأوسط، وعالميا.
وإذا ذكر الشيء بالشيء، فثمة حاجة أيضا إلى التذكير بعدد من المسَلـّمات (بتشديد اللام). ويبدو ان الأمثلة هي وحدها التي تساعد على صرف الضبابية. فإن بطريركية مثل بطريركية الأقباط في مصر، مرتبطة بتاريخ البلاد وحجم الحضور على الساحة المحلية والإقليمية والدولية، وأعتقد انه يختلف الشأن مع هذه البطريركية في خلط الاوراق، لدى التجمعات المسيحية، من الناحية التراتبية و البروتوكولية. وفي الوقت عينه، فإن لبابا الأقباط مكانته الأفقية على مستوى الكنائس الارثوذكسية والكاثوليكية، من بابا إلى بطاركة.
لقد مضى الوقت الذي في عقود من العهد الشمولي، كانت تخلط الأوراق لخدمة استراتيجيات سياسية استيعابية، وإضفاء طابع غامض من النسبية على الخصوصيات المسيحية، الوطنية، التراتبية والوافدة. فكانت جميعها تخلط معا في قالب واحد، لتشكل مجموعة 14 "طائفة" آنذاك، فتأخذ حصتها من باقة ورد، وسلة معجنات من رئيس البلاد.
ولقد مضى الوقت الذي، لأسباب متشابكة ليس مجالها هذا المقال، وخلال ذلك العهد الشمولي، وجدت فيه الرئاسة البطريركية الكلدانية نفسها تابعا ورقما ضمن تراكم حصل مع الزمن، للحضور الكنسي، من مختلف المسميات والمستويات والجذور، سواء ما ارتبط بجماعات كنسية وافدة او ما يمثل رئاسات كنيسة شقيقة مقراتها من خارج الوطن ولها في البلاد عدة أبرشيات تاريخية، عندما كان الوطن بلاد اللون الواحد والشمولية وفردية القرار.
 
الجانب التراتبي للحضور الكنسي في العراق

ولا بد من التثبيت ان الحضور الكنسي التراتبي الرسمي في العراق، يشتمل على عدة مسميات وأكثر من توصيف:
فقد اشتمل الحضور المسيحي في البلاد على كراسي ذات حضور تاريخي متجذر، مثل كرسي كنيسة بابل الكلدانية، الى جانب حضور متجذر لكنائس رسولية مثل كنيسة المشرق الاشورية التي عاد كرسيها الى البلاد، الى جانب وجود الكرسي البطريركي للكنيسة الشرقية القديمة. وفي العراق ايضا حضور مسيحي متجذر لكنائس رئاساتها الكنسية خارج البلاد كالسريان الكاثوليك والأرثوذكس والأرمن، ولنا معها علاقات أخوية متطورة إلى جانب حضور مسيحي من المسميات الأخرى.
وإزاء ما سبق ذكره، لا يختلف اثنان، أن الكنيسة الكلدانية متمثلة بثمان ابرشيات ضاربة جذورها في عمق التاريخ، مما يجعلها في مسؤولية الخدمة الكنسية المسيحية الأولى في البلاد، ومن هذا المنطلق، لا بدّ من الانفتاح الى الخروج من هذه الضبابية، وتأصيل حضور تراتبي كنسي رسمي في العراق، مع احتضان ورعاية الى الممثليات الكنسية من مختلف المسميات.
 
ويفهم مما صدر من البطريركية، أن المسألة بشأن مجلس الكنائس هي مجرد مشروع ومقترح وأبعد أن تكون قرارا. لذا يرى المرء انه اذا بادرت البطريركية بمقترح تأسيس مجلس كنائس في العراق فمن الطبيعي بالتالي ان تتطوع لخدمة الرئاسة التأسيسية وتوفير ما يقتضي من خدمة ادارية ولوجستية، كما على مستوى رئاسة المجلس، كمجلس محلي، الا يكون نسخة طبق الاصل من هيكليات مجلس الكنائس العالمي في الشرق الاوسط والعالم. ولا غرو انه مع الوقت فإن انسيابية الرئاسة الى هذه الرئاسة الكنسية المحلية أو تلك، يمكن أن تخضع الى سبل للتدارس والحصول على اتفاق بشأنها ضمن آليات معاصرة. بل لأن الامر هو بمستوى مشروع ومقترح، فكان من الممكن، بل إنه من الممكن أصلا للمجلس (مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في العراق) دعوة الكلدان الى اجتماع خاص لمناقشة المشروع واجراء التعديلات عليه. وعُرف ان البطريركية كانت قد وجهت رسالة بتاريخ 14 اذار 2016  للقيام بهذه الاصلاحات وتفعيل المجلس حتى لا يبقى مجلسا شكليا... وحسب
 
وبعد، ثمة مشاعر محبة، تعتلج لدى كاتب السطور، تجاه قامات وعناوين واعضاء في المجلس إياه، مشاعر تدعوه أيضا إلى أن يعبر عن رؤيته، بما يتاح له من دالـّة ليقول:
إنها، كما نرى، خطوات تعدّ لمسؤولية تاريخية تصحيحية في مواجهة ما آلت إليه أحوال مسيحيينا في البلاد، منذ جاء تمثيلهم مجتمعين في هذا المجلس، كتحصيل حاصل كان من افرازات زمنه، في هيكلية عاف عليها الزمن وفقدت أسسها المفروضة والمختلقة، في مجلس خلعت عليه مفردات دخيلة على الخط الرسولي والانجيلي والروحي، ليدعى بين ليلة وضحاها (مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في العراق).

 وعلى ضوء توضيح الكنيسة الكلدانية:
"حول اسباب انسحابها وتاكيدها ان السبب ليس الاستحواذ على اموال"، فالمنصفون وذوي بعض المعلقين قبل غيرهم يعرفون ان هذا التعليق غير صحيح، وأن آخر  ما  تفكر به الكنيسة الكلدانية هو المال، وهي أول من بادرت إلى الإغاثة عندما استقبلت المهجرين  وقدمت  المساعدة لهم بمالها الخاص  قبل ان تبادر الجمعيات الخيرية المسيحية. لذا  نعتقد  انه عندما يقتصر الأمر على الاستغلال والانتفاع فالمواقف تنسحب عندئذ على المنتفع وليس على المعطي.

وبعد، لا بدّ وأن لاحظ المراقبون بأن سنوات توالت، وتراكمت المستجدات السياسية والمحن على مسيحيينا ، بحيث كانت بطريركية الكلدان، تترفع عن الكثير من الحقوق الاعتبارية، لتنصرف الى الخدمة والنجدة، لكل مسيحيي العراق، وتتفرغ لرفع قضيته الى المحافل الدولية. والبطريركية كما ذكرت ماضية في هذا النهج. فكما كانت مسوؤلية الرئاسة التأسيسية للمجلس المقترح،  تعد في موقع خدمة خدام الرب بالمحبة، بدون اي غرض آخر. فإن البطريركية ماضية في أن  حمل مسؤولية حضورها، كحضور رئيسي، وبالتأثير والحجم والتأصل والتجذر، ومنه تنطلق لخدمة مسيحيينا وأبناء شعبنا، بكل ما يجمعهم من عناوين. وهذه دعوة أخوية للأشقاء متسنمي الكراسي البطريركية، والكراسي الابرشية، وسائر الممثليات، للتعمق في مسألة أنه لا يصحّ إلا الصحيح ولخدمة مسيحيينا وشعبنا والمنطقة.

30
من الاسقف القديس امبروسيوس الى
الشهيد المطران بولس فرج رحو: أساقفة من طينة مشتركة


الأب نويل فرمان السناطي
7 كانون الاول 2016

تحتفل الكنيسة الجامعة، سنويا، في السابع من كانون الأول، بعيد القديس امبروسيوس (340-397)
Saint Ambroise
الذي كان حاكم مدينة ميلانو وقائد شرطتها، ثم نادى به الشعب أسقفا، وشددوا على اختياره لهذه الخدمة على الرغم من ممانعته إذ وجدوا فيه الشخص الذي يوحّد الصف تجاه بدعة الاريوسيين. ولعله في يومنا، يترشح هذا القديس أنموذجا راعويا، للعصر النهضوي الذي تتطلع إليه كنيستنا، والتي قد يقارنها المراقبون، بمراحل ما قبل الحركات النبوية في تاريخ الكنيسة الجامعة.
فالنبذة التي قدمتها اليوم الكتب الطقسية للكنيسة الجامعة لمناسبة الاحتفال بعيد أمبروسيوس، نوّهت بالعطاءات الفكرية التي قدمها هذا القديس، وبعمله على اهتداء الخطأة والبعيدين عن الايمان، في مقدمتهم اوغسطينوس الافريقي الذي كان قبل اهتدائه مرتميا في البدعة المانوية. ولم يفت سيرة البضع اسطر التي نشرت عن حياته أن تلفت الانتباه، إلى أنه حال استقالته كمحافظ لمدينة ميلانو وقائد شرطتها، حتى تخلى عن كل أمواله للفقراء، وتكرس لأعمال الرحمة، وتعميق الحس الليتورجي ودعم التعليم المسيحي وحرية تحرك الكنيسة.
وفي الزمن النهضوي لكنيستنا، هناك أمثلة كثيرة عن زهد عدد من أحبارنا، لكنهم إذ يبقون مشروعا للقداسة حتى الاكليل النهائي لحياتهم الارضية، فمن هذا المنظور، يستحق الحديث راحل شهيد، مثل المطران مار بولس فرج رحو، الذي تكللت حياته بأعظم شهادة، ومن دواعي السعد ان تم تحريك ملف تطويبه مع الشهيد الاب رغيد كني وآخرين. الى جانب هذا، يمكن الملاحظة أن وصية المطران الشهيد رحو، لم يكتبها من موقع الاختطاف مقبلا على الاستشهاد، بل حررها بخط يده في ظروف اسقفية شبه مستقرة، كما ذكرنا في مقال سابق، عندما قال ان ليس له ما يهبه لأحد من أقاربه، وأن كل ما تحت تصرفه هو خاص بالكنيسة، لنجده والحق يقال مع مار امبروسيوس اسقفين من طينة زهد مشتركة.

ذلك ان الزهد يبقى خيارا روحيا يقدمه الشخص، قبل أن يكون قانونا معلنا ومتبعا. فترى، بمشاعر الشكر للرب، أن اسقفا يزور رعيته، وينظم تكاليف السفر بقانون. وقد يعفي الأسقف هذه الرعية أو تلك من تكاليف السفر، بحسب ظرف كل رعية، وعندما يهيئ له عندئذ أبناء رعيته، هدية نقدية، يعزف عنها بحزم، ويطلب إحالتها الى صندوق الكنيسة.
لكن شعبنا الطيب والسخي، ولظروف متباينة، عبر تاريخ الكنيسة، وتفاوت تنظيمها الاداري في عهود سابقة، أصبح يحسب ان الزيارة الراعوية له من كاهن او أسقف تعني تحضير المظروف، خصوصا في الجاليات العريقة في بلدان الانتشار. فتسمع عن حالات مستشرية في هذا المجال. فلا يرتاحون إلا أن يعطوه، ولكنهم ايضا لا يرتاحون إلا بالتفاخر، فتحسب عدد الزيارات الراعوية، بعدد المظاريف ومدى تراكمها. وبعد هذا، يطالبون الراعي، بأداء راعوي وروحي وإداري، قد لا يكون بمستوى الطموح. كما يغدقون ما يغدقون على القادم من بعيد، على اساس توجهها الى مشاريع الرحمة، ولكن لا يتم التعامل مع ذلك بالاساليب المالية الاصولية.
من ناحية أخرى، من دواعي الارتياح، أن يزداد أحبار كنيستنا ممن يولون دوائرهم المالية، مسؤولية بناء المشاريع الأساسية، ويتفرغون للتعليم والكتابة والخدمة الروحية، وينأون بأسقفيتهم ان تختلط بمجال الاعمال الدنيوية والعمرانية.
وتبقى ثمة مسؤولية للمؤمنين، أن يغيـّروا نمط التعامل في الزيارات الراعوية، بأن يوجهوا ظروفهم أساسًا وبأسلوب أصولي، لمشاريع الرحمة في الكنيسة، مطمئني البال على أحوال الرعاة، كهنة واحبار. ومن دواعي الافتخار ان الجهات المالية من طرف العلمانيين الاختصاصيين تنشط في البطريركية ورعياتها. مع ظهور سياقات مهنية معتمدة في الدعم المالي للأغراض المقرة التي يمدّ به هذا الدعم لمختلف الكنائس. وللعلمانيين المؤمنين وفي مقدمتهم الشمامسة الانجيليين، وهم الجسور بين الرعية والراعي، مسؤولية تاريخية في صيانة مسيرة ما تتطلع اليه الكنيسة من نهضة نبوية.

31

من الاسقف القديس امبروسيوس الى
الشهيد المطران بولس فرج رحو: أساقفة من طينة مشتركة

الأب نويل فرمان السناطي
7 كانون الاول 2016

تحتفل الكنيسة الجامعة، سنويا، في السابع من كانون الأول، بعيد القديس امبروسيوس (340-397) الذي كان حاكم مدينة ميلانو وقائد شرطتها، ثم نادى به الشعب أسقفا، وشددوا على اختياره لهذه الخدمة على الرغم من ممانعته إذ وجدوا فيه الشخص الذي يوحّد الصف تجاه بدعة الاريوسيين. ولعله في يومنا، يترشح هذا القديس أنموذجا راعويا، للعصر النهضوي الذي تتطلع إليه كنيستنا، والتي قد يقارنها المراقبون، بمراحل ما قبل الحركات النبوية في تاريخ الكنيسة الجامعة.
فالنبذة التي قدمتها اليوم الكتب الطقسية للكنيسة الجامعة لمناسبة الاحتفال بعيد أمبروسيوس، نوّهت بالعطاءات الفكرية التي قدمها هذا القديس، وبعمله على اهتداء الخطأة والبعيدين عن الايمان، في مقدمتهم اوغسطينوس الافريقي الذي كان قبل اهتدائه مرتميا في البدعة المانوية. ولم يفت سيرة البضع اسطر التي نشرت عن حياته أن تلفت الانتباه، إلى أنه حال استقالته كمحافظ لمدينة ميلانو وقائد شرطتها، حتى تخلى عن كل أمواله للفقراء، وتكرس لأعمال الرحمة، وتعميق الحس الليتورجي ودعم التعليم المسيحي وحرية تحرك الكنيسة.
وفي الزمن النهضوي لكنيستنا، هناك أمثلة كثيرة عن زهد عدد من أحبارنا، لكنهم إذ يبقون مشروعا للقداسة حتى الاكليل النهائي لحياتهم الارضية، فمن هذا المنظور، يستحق الحديث راحل شهيد، مثل المطران مار بولس فرج رحو، الذي تكللت حياته بأعظم شهادة، ومن دواعي السعد ان تم تحريك ملف تطويبه مع الشهيد الاب رغيد كني وآخرين. الى جانب هذا، يمكن الملاحظة أن وصية المطران الشهيد رحو، لم يكتبها من موقع الاختطاف مقبلا على الاستشهاد، بل حررها بخط يده في ظروف اسقفية شبه مستقرة، كما ذكرنا في مقال سابق، عندما قال ان ليس له ما يهبه لأحد من أقاربه، وأن كل ما تحت تصرفه هو خاص بالكنيسة، لنجده والحق يقال مع مار امبروسيوس اسقفين من طينة زهد مشتركة.

ذلك ان الزهد يبقى خيارا روحيا يقدمه الشخص، قبل أن يكون قانونا معلنا ومتبعا. فترى، بمشاعر الشكر للرب، أن اسقفا يزور رعيته، وينظم تكاليف السفر بقانون. وقد يعفي الأسقف هذه الرعية أو تلك من تكاليف السفر، بحسب ظرف كل رعية، وعندما يهيئ له عندئذ أبناء رعيته، هدية نقدية، يعزف عنها بحزم، ويطلب إحالتها الى صندوق الكنيسة.
لكن شعبنا الطيب والسخي، ولظروف متباينة، عبر تاريخ الكنيسة، وتفاوت تنظيمها الاداري في عهود سابقة، أصبح يحسب ان الزيارة الراعوية له من كاهن او أسقف تعني تحضير المظروف، خصوصا في الجاليات العريقة في بلدان الانتشار. فتسمع عن حالات مستشرية في هذا المجال. فلا يرتاحون إلا أن يعطوه، ولكنهم ايضا لا يرتاحون إلا بالتفاخر، فتحسب عدد الزيارات الراعوية، بعدد المظاريف ومدى تراكمها. وبعد هذا، يطالبون الراعي، بأداء راعوي وروحي وإداري، قد لا يكون بمستوى الطموح. كما يغدقون ما يغدقون على القادم من بعيد، على اساس توجهها الى مشاريع الرحمة، ولكن لا يتم التعامل مع ذلك بالاساليب المالية الاصولية.
من ناحية أخرى، من دواعي الارتياح، أن يزداد أحبار كنيستنا ممن يولون دوائرهم المالية، مسؤولية بناء المشاريع الأساسية، ويتفرغون للتعليم والكتابة والخدمة الروحية، وينأون بأسقفيتهم ان تختلط بمجال الاعمال الدنيوية والعمرانية.
وتبقى ثمة مسؤولية للمؤمنين، أن يغيـّروا نمط التعامل في الزيارات الراعوية، بأن يوجهوا ظروفهم أساسًا وبأسلوب أصولي، لمشاريع الرحمة في الكنيسة، مطمئني البال على أحوال الرعاة، كهنة واحبار. ومن دواعي الافتخار ان الجهات المالية من طرف العلمانيين الاختصاصيين تنشط في البطريركية ورعياتها. مع ظهور سياقات مهنية معتمدة في الدعم المالي للأغراض المقرة التي يمدّ به هذا الدعم لمختلف الكنائس. وللعلمانيين المؤمنين وفي مقدمتهم الشمامسة الانجيليين، وهم الجسور بين الرعية والراعي، مسؤولية تاريخية في صيانة مسيرة ما تتطلع اليه الكنيسة من نهضة نبوية.

32
مواقعنا بين العلمانية الليبرالية والمنبر المسيحي المفتوح

أ. نويل فرمان السناطي

أود البدء، بالاشادة بما رأيته انعطافة مضافة، من لدن موقع عنكاوا، نحو نوع التعامل مع المقالات والتعليقات. هذا الموقع الذي أطلق منذ البدء بثقة عالية، المجال لنشر التعليقات مباشرة بدون مرورها بممر للتشخيص والاقرار. وبنحو عام اثبت الكتاب والمتعاملون مع الموقع قيما عاليا في التداولات في المنتدى، لكن هذا المقال يتوخى التعميم واليس التخصيص في الحديث عن هذا الموقع أو ذاك.
وعودة الى عنوان المقال، بشأن المقارنة في المواقع عندما تكون متأرجحة بين العلمانية الليبرالية وبين المسيحية بأبواب متباينة مشرعة على مصاريعها، فيتبادر لدى المراقب تساؤل هو موضوع ذو شقين:

الاول: عندما تقوم مواقع شعبنا باطلاق العنان للعلمانية الليبرالية، بحيث إذا جاء مقال لكاتب يظهر عليه الخط العلماني، سياسيا أو فكريا، ويكون من خلفية غير مسيحية، ويتحدّث عن محيط خلفيته الدينية الاصلية، سواء انتقد ظاهرة في الغيبيات، او شكك في مجال فقهي، وفي الوقت عينه نرى كتابا آخرين من خلفيات مسيحية، ينبرون في التعقيب، وبالاجندة العلمانية الفكرية أو السياسية إياها، لينكلوا بديانة مولدهم وأهلهم ومحيطهم، منطلقين من معلومات غالبا ما تكون سطحية. وهنا يكون التساؤل في الشق الاول: لو كان الخط علمانيا وليبراليا وبخلفية مضادة للدين وحسب، فهذا خط يفهمه متصفح الانترنيت فيميز اختياره لهذا الموقع أو ذلك، من حيث طابعه الفكري والسياسي. ولكن أن يكون هذا الخط في الوقت عينه، مفتوحا لمنابر مسيحية، تلك عندئذ تكون المسألة، وما سنراه في الشق الثاني.

الشق الثاني وهذا هو مثار الريبة، إن كان الموقع كما أسلفنا من الطابع العلماني الليبرالي، مع أن هذا يختلف عن اللاديني والالحادي، برغم تباين الطروحات بين ليبرالية وإلحادية، كيف نكون في الوقت عينه، أمام طروحات مناوئة في طبيعتها إن صح التعبير، للخط اللاديني والالحادي: طروحات روحية، تنظيرات لاهوتية، أخبار كنسية، إصداء  لآراء مسيحية؛ حتى انك عزيزي القارئ، وإذا ما وجدت هذا الخبر أو ذاك من الخط الكنسي، في المنتدى، عندئذ تجد أمامك تعليقات متنوعة بمكان حتى ليصعب عليك أن تميز بين كتابها، عندما يكونوا كتابا يحملون اسماء الانجيليين والرسل من قبيل: متى ومرقس ولوقا ويوحنا أو يوخنا، وسواهم، فقلما يمكنك أن تميز بينهم أن كانوا مسيحيين أو إن كانوا من خلفيات سياسية او ايديولوجية اخرى.

أمام هذا التساؤل ماذا يمكنك أن تستنتج: إذا كنت ترى الموقع، يطلق العنان لكتاب لا دينيين وضد الدين أي دين، مع تعليقات مؤيدة ذات اليمين وذات الشمال. وفي الوقت عينه تجد كتابا آخرين ينكلون برجل دين من مختلف المواقع، ويتابعونه لأي صغيرة وكبيرة، يسقط في يديك، وأنت تتساءل: هل هذا شماس، أم من احد الاحزاب السياسية اللادينية. وهنا تكون الريبة، إذا بقي الموقع يصمت، تحت ذريعة حرية التعبير الانفلاتي أحيانا، أمام الذي يكتبون ضد الدين، من جهة ويصمت أمام المعلقين الذين يستهدفون هذا أو ذاك من رجال الدين، وكأنهم متربصون متخندقون بانتظار ما يكتب أو يقول، كمن يكتب من الفريق الاخر، من غير فريقهم.
وكتحصيل حاصل، يفتقد الموقع بالتالي نخبة من الكتاب، وأذكر منهم كتابا مرموقين منهم من لملم أوراقه، وحذف مقالاته وانصرف. كما ان المنتدى عندئذ لن يكون منتدى جماهيريا عاما، بل يقتصر الى ان يكون مقهى الكترونيا لمعلقين معدودين على اصابع اليدين، وعندما يغدو الدخول الى المنتديات، محفوفا بمنغصات النقرات الحاسوبية الفورية والفوارة أو أحيانا النزقة.

ومع ما رأيته من انعطافة مسؤولة بهذا الصدد في موقع عنكاوا، آمل أن يكون شأنه وشأن مواقع أخرى بالاجابة عن هذا السؤال: ما هي هويتي كموقع الكتروني لأبناء شعبنا، وعندئذ يكون شأن هذه المواقع بين أن تفصح بأن يكون اسمها منبرا لمسيحيي المنطقة، وبواجهة معلنة مع الإيمان وليس ضدّه مما يساعد على تميّز الخط الاسود من الأبيض. فالرمادية تفقد المواقع الكثير من عمقها ومن نوع معتبر لمرتاديها.

33
أين مجتمعات بلادنا والمنطقة من حرية المعتقد والتفكير
 
بقلم أ. نويل فرمان السناطي
_______________
 
تجاه هذا العنوان، ثمة تساؤل مفاده: ما هو يا ترى السر في صمت المسؤولين والمراجع الاسلامية، إزاء ما اقترف ويقترف ضد غير المسلمين، وضدّ المسلمين الليبراليين، من جرائم، باسم تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام - داعش؟ أما يكون خلفه أصلا، موقف باطني في النظرة الى ديانة الآخر، وفكره ومعتقده، بحيث يكون هذا الاتجاه في طرف، فيما تكون العلاقات الطيبة والدبلوماسية، وحتى العيش المشترك عموما في طرف آخر مختلف تماما.

المفارقة الصادمة مع وزير
_______________

وأستحضر هنا أيضا، مفارقة صادمة مع وزير من زمن الحكم الانتقالي، ذكرتها في مقالي السابق المنشور في الموقع البطريركي بعنوان (لئلا يكون الموقف من داعش مجرد صوت في البرية). ولم أورد اسم الوزير، بسبب كل ما بقي عندي من شكوك أنه قلما حدث في جانب الانفتاح الضميري، على غير المسلمين، تغير كبير، لدى العديد من رموز الحكومات المتعاقبة، وتحديدا نظرة الجانب الرسمي المسلم إلى الجانب الاخر غير المسلم، والمسيحي تحديدا.
كان ذلك في لقاء اجريته مع الوزير، كنائب رئيس تحرير مجلة المسيحي. حينها وجدته رجلا مشرقا بالهدوء والطيب وحسن الاستقبال والتواضع. لكن ما صدمني فيه،  وما سأقوله عنه، قلما وجدته يختلف عن كثيرين غيره في الحكومات والوزارات المتعاقبة:
أجل كان حديث الوزير دقيقا حماسيا ومباشرا ويتطلع الى مشاريع ميدانية في مجال العراق الجديد وحقوق الانسان، وما إلى ذلك... ولكن ما أن عرجت بالحديث عن الحرية الدينية، حتى ضرب كل ذلك عرض الحائط بجملة واحدة، بقيت تطنّ في الاذنين، ولست أدرى إن تغيرت في فكر العديدين من المسؤولين في حكومة اليوم، وفي حكومات الدول العربية، إذ قال:
أنتم (يقصد المسيحيين) ما ان تتحدثون عن الحرية الدينية، في الواقع، لا تقصدون بها غير أن يسمح للمسلم بأن يصبح مسيحيا. وبصريح العبارة، لم أجد لدى الوزير إياه، إي انفتاح على حق الانسان بان يكون له حرية المعتقد والفكر، ويختار اتجاها غير الذي ولد عليه، وهذا يأتي باتجاهين:
 
أولا- لا شك أن لكل ديانة دفاعاتها، بشأن الحفاظ على معتنقيها، ولكن أن يصل ذلك، إلى حدّ ترهيبهم من تركها، او جعلهم يغادرون البلدان العربية والاسلامية، هذا ما يقف بالضد من حرية المعتقد والتفكير التي أقرتها شرعة حقوق الانسان.

 ثانيا- التعامل بمقياس مزدوج، مع الموضوع من الطرف الاخر، أي عند خروج المسيحي الى الاسلام، في البلدان الاسلامية، حيث يتمتع بكل الحرية في ذلك. وهنا نستذكر صرخة البطريرك مار لويس ساكو، بشأن مظلومية التأثير على معتنق المعتقد المسيحي، من القاصرين، اذا اسلم أحد أبويه، وغالبا ما يكون الموضوع، على وفق الكيل بمكيالين، بسبب زواج من مسلم، فيتبع القاصر ديانة الزواج الثاني لأحد أبويه. ونتذكر كيف انبرى أحد النواب للتفنيد ضد البطريرك، وبما تطابق مع موقف الوزير المذكور قبل عقد ونصف: موقف مضاد للمعتقد المسيحي ومساند لمن يترك المعتقد المسيحي لصالح غيره، أليست هذه حرية أحادية وحسب.

السيد الكشميري والموقف من الانفتاح الفقهي
_________________________

حالات الصمت هذه عند المراجع الدينية الاسلامية، ليست عمومية بنحو مطلق، بل ثمة استثناءات في حالات عديدة من الانفتاح الفقهي، من لدن رجال دين مسلمين. وقد توفر لي طرح السؤال في هذا الشأن، مع تقديم ذلك كحالة ديمقراطية واعدة، على السيد مرتضى الكشميري، وكيل السيد السيستاني وصهره، لدى زيارته الى كالكري (آذار 2011)، فكان جوابه: مثل هذا الخط لا يمت الى الاسلام بصلة، ومن يتحدثون فيه، هم رجال دين بملبسهم فحسب.
فإذا كانت الاراء، على حدّ سواء، بشأن الارهاب باسم الدين، وبشأن الانتفاح الديني، على ما يشكلان من طرفي نقيض، فتأتي بذات المفردات: (لا يمت الى الاسلام بصلة) لا بدّ، إذن من البحث الصادق، لايجاد وسطية تقترب من حرية التعبير والمعتقد والفكر، وتنسجم مع كنه الدين، لدى المسلمين المعتدلين، المتعايشين مع أناس من غير معتقدهم وفكرهم، دون أن يكون ثمة تهديد وقمع.
 
مفارقة في كتاب مرجعي عن ا لحوار
_____________________

المرجع الاسلامي اللبناني الراحل، السيد محمد حسين فضل الله (1935-2010) يؤكد في كتابه (في آفاق الحوار الاسلامي المسيحي) عقوبة الموت للمرتد عن الدين الاسلامي. فهل يمكننا أن نجد قبله، أو في غضون السنوات التي عقبت رحيله، فتاوي من مراجع عليا بغير ذلك، أو بما يخففه؟
الجواب نجده ربما في وصايا الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين (1936-2001) وغيره، على أن هذا يحتاج الى مقال مستقل، فيما بعد.
أما عن عقوبة المرتدّ، فقد جاء في ص 110 من كتاب السيد فضل الله:
(ونحن نعلم أن الإسلام يفرض على المرتدين عنه عقوبة قاسية، كما أن المسيحيين يفرضون عقوبة أخرى، وربما كانت العقوبة الإسلامية أقسى في الحكم بقتل المرتد، بينما يكتفي المسيحيون بالحرم...
ولكي يخفف المرجع الديني اللبناني، من وقع عقوبة المرتد ومن البون الشاسع بين مقارنة القتل بالحرم أضاف في معرض المقارنة إياها: ... بينما يكتفي المسيحيون بالحرم الذي قد يؤدي، من الناحية الواقعية، إلى إباحة دمه من خلال العقدة القاسية ضدّه.
وهذا لعمري، تخفيف يثير الكثير من الاستغرابات والتساؤلات، إذا وجدنا أن مثل هذه الحالات، لدى غير المسلمين، هي عموما غير اعتيادية، وإن حدثت، يعاقب عليها القانون، في دول اسلامية وعربية عديدة، هي ذاتها التي تسمح بالعقوبة إياها تجاه المرتدّ.
في الواقع، أقر أني بعد هذه الفقرة من الصفحة 110 لم أجد الوقت الكافي لأستأنف قراة الكتاب حتى صفحته الأخيرة 479. وقد يذعن معي القارئ الكريم، أن قراءة 110 من التنظيرات، قد تكفي لفهم كنه مثل هذا الحوار الاسلامي المسيحي.
 
إجابة الدكتور محمد سليم العوّا
_________________

الدكتور محمد سليم العوّا، مفكر مصري اسلامي، Mohammad Salim Al-Awa يُصنّف بنحو واسع، ضمن الجناح الاسلامي الديمقراطي المعتدل. في مطلع عام 2000 كنت طرحت السؤال عليه، عما جاء في كتاب السيد فضل الله، في مؤتمر  عن حوار الأديان بالعاصمة اللبنانية بيروت، وذلك في هامش محاضرته البليغة المحبوكة والمرتجلة على مدى ساعة، بدون أن تقع عيناه على ورقة يقرؤها، فأجابني على عجل، هذه العقوبة هي في واقع الحال غير قائمة... جواب يثير في أيامنا المزيد من التساؤلات.
وكنت فرّغت المحاضرة المسجلة، للاستاذ العوّا وعالجتها على شكل ملف للفكر المسيحي بعنوان: (تعدد الديانات حكمة سماوية) وفي حينها ارسلت له النص لإقراره أنه من بنات افكاره، فأيـّد الرجل ذلك، شاكرا ومؤكدا، أننا في هذا السبيل مدعوّون ان نصرف جهدنا ووقتنا.
على أنه في تصريحات له، قبل وبعد سقوط النظام المصري السابق، باتجاه الاراء الاعلامية المختلفة عن الاسلام، وجدت الدكتور العوّا، للاسف بعيدا جدا عن قبول اختلاف آراء الاخر. ولعل ذلك كان منسجما مع اطار حملته الانتخابية لرئاسة الجمهورية، من باب الحنكة السياسية.
 
تحليل إيجابي من المفكر التشادي عمر لامانا
_________________________

على أني وجدت ضالتي في هذا الشأن، مع عمر لامانا (Oumar Lamana) مسلم من دولة تشاد ومستشار في الفرانكوفونية بألبرتا، وهم من قارة محدثة الاسلام نسبية، في محاضرة له في كالكري (ت2 2010) إذ قال: نعم يوجد في الاسلام عقوبة قتل المرتد، لكني أنظر اليها في إطارها التاريخي والسياسي وكالآتي:
الإسلام -عند ظهور مثل هذه العقوبة ضدّ المرتدّ- كان في حالة حرب، فمن كان يخرج من الاسلام، كان يُعدّ خارجا عن صفوف جماعته الى صفوف الاعداء. أما الآن فنحن لسنا في حالة حرب، وغير المسلمين ليسوا من الأعداء.
مثل هذا الفكر المنفتح الذي أظهره عمر لامانا صديقي المسلم المفكر التشادي الفرانكوفوني، نتعشم أن نجده لدى مسؤولين ومسؤولات في حكوماتنا. فالتنظير الحواراتي الأحادي لطرف على حساب الطرف الأخر، قد يكون هو ذاته الذي أصبح ثمرة ثقافة عامة مشتركة، لم تتغير قيد انملة، وأدت بالكثيرين في الموصل أن يقفوا مع (الدولة الاسلامية في العراق والشام- داعش) ضد المسيحيين واليزيديين.
وتبقى الحاجة قائمة، لدى اصدقائنا المسلمين، ولا نشكّ في صدق مودتهم، هو أن يكون لهم تجاه الارهابيين الذين يعدّونهم لا يمتون الى الاسلام بصلة، موقف جادّ ينمّ عن الفكر المتنور والواضح وغير متجاهل إزاء من يعلنون ان الجنّة تضمن بقتل الابرياء.

وبعدُ، لعلنا اليوم أكثر من أي يوم مضى، بحاجة الى الالتفاف إيجابيا مع أصدقائنا من الفكر المتنور، وتوحيد الخطاب في سبيل نشر الوعي الانفتاحي والمطالبة به. هذا من شأنه أن يوحّد الكثير من الفرقاء بعيدا عن معارك جانبية لا تخدم المرحلة، والتعامل ايجابيا وباحترام مع نقاط الخلاف، باتجاه هدف بناء واحد. مثل هؤلاء الكتـّاب، على تباينهم في القومية والثقافة والمعتقد والاثنية، أراهم يستحقون مني وممن يتفق مع رأيي انحناءة الاحترام والودّ لهم ولمواقعهم الالكترونية الرائدة.
أخيرا اختتم مقالي بهذا التساؤل، بانتظار سقوط داعش وحلول مرحلة ما بعد داعش:
كيف يا ترى السبيل للوصول حقا إلى موقف رصين من قبل كل الجهات، بشأن حرية المعتقد والتفكير؟ فالاجابة المطمئنة عن هذا السؤال، سوف تجعل الجميع يقفون بتلقائية، ضد أي تهديد وقمع وإرهاب بسبب المعتقد أو الفكر.
 


34
علامة مسكونية جريئة
بفضل المؤمنين، رعيات اوكرانية كاثوليكية تحتفل بالقيامة مع شقيقتها الارثوذكسية

بقلم الأب نويل فرمان السناطي
_____________


مع احتفالات العالم المسيحي الكاثوليكي بأحد السعانين، لهذا العام، دخلت رعية سان جورج الاوكرانية الكاثوليكية، في إدمنتون بمقاطعة البرتا الكندية، السابوع الاول من الصوم لتحتفل بعيد القيامة في 1 مايس القادم. ولأن الخبر وجدته  طازجا وبتأوين صارخ، اتصلت بالكنيسة الاوكرانية، فتلقاني الاب انطون ترانسكو، من الابرشية الاوكرانية الكاثوليكية، راعي كنيسة سان جورج، وكان حوارًا ممتعًا، أن أخا في الكهنوت، وهو كاهن متزوج، يمتلك معلومات طيبة وثرية في الشأن الكنسي المسكوني، مما دعاني الى المزيد من البحث عن الاشارات والعناوين التي وردت في حوارنا. وفي الحوار تفاجأت ان سياق التطابق بين الرعية الاوكرانية الكاثوليكية المذكورة وشقيقنخت الكنيسة الاوكرانية الأورثوذكسية، هو موضوع يعود الى اكثر من ستين عاما بعد الحرب العالمية الثانية.

أعياد الفصح بين التقويم البابوي الغريغوري والتقويم الملكي اليولياني
___________________________________________
يعود الاحتفال بعيد الفصح بموجب التقويم الملكي اليولياني، الى القرون الاولى من المسيحية، كتقليد عريق. وقد رأى آباء الكنيسة، أن يفصلوا توقيت الفصح المسيحي عن الفصح اليهودي، لارتقاء مفاهيمه الى صلب وقيامة يسوع المسيح، والخلاص المتحقق، والذي كان عبور الفصح في العهد القديم رمزا له، وللحرية التي جلبها الخلاص بالفادي للمؤمنين به.
وبقي المسيحيون يتعلقون بهذا التقليد، بحيث ان الكثير من مسيحيي بلاد البلقان، على ما ذكر لي الاب أنطون، عندما اصبحت كنائسهم كاثوليكية بعد أن كانت أرثوذكسية، وبعد ان رأوا ان العمل بالعيد في الكنيسة الكاثوليكية كان بحسب التقويم الباباوي الغريغوري، وأنه كان يفرض عليهم فرضا، عندئذ رجعوا الى الكنيسة الارثوذكسية المنفصلة عن كرسي روما.

سابقة تاريخية انتزعها الاوكرانيون لدى وحدتهم مع الكرسي الرسولي: حرية الاختيار
_______________________________________
أما المسيحيون الاوكرانيون، فعندما أعادوا الشركة مع روما، كان من الأولويات ان يكون لهم خيار الالتزام بالتطابق مع كنائسهم الارثوذكسية الشقيقة، من حيث الطقوس وأيضا من حيث حرية اتباع التقويم اليولياني، من قبل هذه الرعية الاوكرانية أو تلك، بعد أن تستحصل موافقة رئاستها العليا. فترعرع عند ابناء هذه الكنيسة الكاثوليكية المفهوم ان الارتباط بروما عقائديا ومذهبيا لا علاقة له، بما يعدّ من المحرمات في الكنائس المشرقية الكاثوليكية، وهو أن تختار الرئاسة الكنسية، موعد العيد، بحسب هذا التقويم أو ذاك.
ويذكر، فيما يخص الكنيسة الاوكرانية، أن مؤمنيها خصوصا العائشين في اوكرانيا، الى جانب جالياتهم المستقرة في الشمال الامريكي، تشربوا عبر الاجيال من تقليد الارتباط القمري في توقيت العيد، ويؤكدون على ميلهم أن تكون الصلوات الطقسية لكنيستهم باللغة الاوكرانية الام، حتى وان كانوا في بلدان الانتشار، متحاشين ان تكون صلواتهم باللغة المحلية. خصوصا وأن تسميتهم القومية واحدة ولغتهم الأم واحدة. خلافا لكنائس المشرق الشقيقة، التي لا تجمعها تسمية قومية شاملة مقرة، بل حتى في مجال اللغة، لم تعد المفردة التي تجمع لغتهم الأم المشتركة، إذا صحّ التعبير، إلا الخط الاسطرنجيلي عندما تكتب به بعض طقوسهم ورسائل آبائهم.  وانتبه رعاة الكنائس الاوكرانية، أن المؤمنين الذين كانوا يلمسون لدى رعاتهم، استبدال اللغة الطقسية الاوكرانية باللغة المحلية، كانوا يفضلون مزاولة فروضهم الكنسية لدى الكنائس الاوكرانية الارثوذكسية.

جذور توقيت عيد الفصح
___________
وتبين الدراسات المتصلة، ان توقيت عيد الفصح ضمن التقويم اليولياني، يرتبط بواحدة من مرتين سنويا، يحل فيهما ما يسمى يوم (الاكوينوكس Equinox)، عندما يتساوى طول الليل والنهار في مارس آذار، الى جانب المرة الاخرى لهذه الظاهرة التي تحدث في ايلول سبتمبر. وانطلاقا من هذه الظاهرة في مارس، وعند اكتمال القمر، من تدرجه هلالا حتى يصبح بدرا، يحتسب الدخول في الصوم الفصحي ومن ثم عيد القيامة، وهذا يختلف مع التقويم البابوي الغريغوري  بسبب فارق الـ 13 يوما ويستع الفارق على مدار السنوات. ويحدث أيضا، أن يتطابق العيدان، ليس باجتهاد الرؤساء ورغبتهم المسكونية، بل، بعيدا عن ذلك، بمجرد مفارقة الدورة الزمنية، وهذا الحال سيحدث كما تقول الدراسات في عيد القيامة في العام القادم، شاء من شاء وأبى من أبى.

من معوّقات الوحدة
________
ومن المعروف أن معوّقات الوحدة المسكونية مع الكنيسة الجامعة، لا تقتصر على توقيت العيد، بل أيضا يتعلق الامر بتراكم عقائد إيمانية اعلنتها الكنيسة الكاثوليكية على مرّ الاجيال، بعد انفصال الكنائس الارثوذكسية عنها، مع أنها تدخل ضمن العرف التقليدي الايماني لدى الكنائس الأرثوذكسية. منها ما يخص أولوية الحبر الروماني. وبرغم الاعتبارالتاريخي من لدن الكثيرين لمكانته كخليفة بطرس هامة الرسل المستشهد تاريخيا في روما، إلا ان ثمة سلطات تراكمت مع الزمن مرتبطة بشخصه، مما يوحي أنه لم يكن ذلك واقع الحال، في أولوية بطرس وطبيعة التعاملات بين بطرس وبين سائر الرسل كأحبار على الكنائس الأخرى. وفي هذا السياق تتحدث الوثائق التاريخية، أن المطران الكرواتي جوسيب جوراج شتروسماير1815-1905 Josip Juraj Strossmayer كان معارضا بشأن صلاحيات البابا، وكان آخر الموقعين على وثيقة عصمة البابا، ووافق على التوقيع عندما وجدها أخيرا جاءت بصياغة إيمانية متوازنة. وكان هاجسه في ان هذا سيكون عقبة اضافية أمام عودة الارثوذكس الى الكنيسة الكاثوليكية. لكن مواقفه الجريئة في المجمع الفاتيكاني الأول (1869-1870) كلفته الخضوع لمجلس تحقيقي شديد في روما، خرج منه معافى، ومع ذلك، حرمته تلك المواقف من القبعة الكردينالية. في حين الرؤساء الكنسيين الشرقيين الذين عندما يعارضون مسيرة وحدوية او مسألة توحيد العيد، لهذا السبب أو ذلك، ليس لديهم ما يخسرونه، سوى خسارتهم لتعاطف المؤمنين الذين يعانون من هذه الانقسامات الشكلية والدراماتية للشعب المسيحي الذي امسى اكثر فأكثر اقلية تجاه غالبية غير مسيحية مضطهدة. وبهذا الصدد كان قد أخبرني أسقف من احدى الكنائس المشرقية، ان الشعب لو لمس لمس اليد اسباب مسؤوليتنا عن الانقسامات… (وأضاف ما معناه): لأنزل بنا الشعب اقسى العقوبات!
وعودة الى عصمة البابا وخلاف الكنائس على طبيعة أولويته، تنال مواقف الحبر الروماني الحالي، البابا فرنسيس، المزيد من الاعجاب والتأييد، خصوصا سعيه الحثيث إلى الوحدة المسكونية مع الكنائس الأخرى، بما في ذلك تخفيف العقبات في هذا السبيل. وبالأخص ما دعا اليه البابا فرنسيس عندما  شدد على اللاهوتيين أن يخرجوا بصياغة جديدة لمفهوم معاصرعن البابوية.

خطوة قبل 60 عاما... والحاجة الى خطوات من نوع ينسجم مع العصر
_______________________________________
خطوة الكنيسة الاوكرانية الكاثوليكية بالانسجام مع شقيقتها الارثوذكسية من حيث الطقس والتقويم، قد توحي بخصوصيات مماثلة لدى الكنائس الشقيقة الاخرى، في مجال توقيت الاعياد وخدمة الاسرار والمشتركات الطقسية، سواء الكاثوليكية والارثوذكسية، او الكاثوليكية فيما بينها. مثل السريان الكاثوليك والموارنة، وما بينهما وما بين كنيسة انطاكيا الارثوذكسية، وكذلك الجانبين الكاثوليكي وغير الكاثوليكي من الكنائس الملكية، وكنيسة المشرق، وغيرها.
وقد تأتي في الاولوية مسألة التقويم والاحتفال بعيد القيامة، وذلك للتحرر من وهم ان الاحتفال المشترك في عيد الفصح هو أمر لا تقرّه الكنيسة الكاثوليكية، اذا جمع مسيحيين من الاصول المشتركة، في مناطق اضطهاد ديني وشهادة مسيحية. وإذا ما اجتمع الشعب من كلا الكنيستين على مثل هذه الامور العملية، فإنه يترك لشغف الرؤساء الدينيين النقاش حول الخلافات البيزنطية العقائدية، إلى ما يشاؤون.

35
مع انضمام ابرشية سريانية الى الابرشيات المشرقية
ملف جزئي عن خارطة الابرشيات الكاثوليكية بكندا

بقلم الأب نويل فرمان السناطي
___________________

تهنئة تمهيدية،
بتقديم التهنئة الاخوية المخلصة الى الحبر الجديد، المطران أنطوان ناصيف راعيا لأبرشية السريان الكاثوليك في كندا، أستهل هذا المقال، الذي فيه وددت تسليط ما يتوفر من ضوء، بنحو شخصي وإعلامي، على خارطة التعايش بكندا لمسيحيينا الكاثوليك الناطقين عموما بلغة جيراننا العرب في الشرق الاوسط، مع تنوع اصول مسيحيينا وثراء جذورهم الطقسية. وفي حرية التعبير في هذا المقال،  آمل أن يشفع لي الى الحبر الجديد، ان ليس ثمة معرفة شخصية بسيادته، مما يعزز التأكيد ان ليس ثمة أي قصد مباشر وشخصي لأي من رموزنا الدينية الابرشية، وأن الموضوع هو تشخيص واقع معين بغية معالجته الانجيلية الجذرية، ونحن في ظل حبرية البابا فرنسيس الذي يوصي بالأنجلة الجديدة.

تجاور دبلوماسي وحذر بين الكنائس الرسولية الكاثوليكية ناهيك عن الأرثوذكسية
__________________________________________________
تمت الاشارة في الفقرة أعلاه إلى كنائسنا بأبنائها من روميين ونهرينيين وأقباط، ممن وصفهم الكاتب الاب ثيودورس داود، بأحفاد إبلا والرافدين والفينيقيين والفراعنة، وأنهم أهل المشرق وسكانه الأصليين. فإذا تم التنويه بالكاثوليك منهم، فهم ايضا وغالبا ما يتجاورون على مقاعد كنائسهم الشقيقة، ويتصاهرون مع اشقائهم من الكنائس المشرقية، الكاثوليكية، الارثوذكسية، ومع غيرها ايضا. لكنه تجاور مشوب أحيانا بالحذر مغلف بالدبلوماسية حتى بين الكنائس الكاثوليكية المشرقية. وثمة أيضا شعور بأن الكنائس البطريركية المشرقية الكاثوليكية تقيم، بمستويات متفاوتة، ما بينها وبين الكرسي الرسولي حالة من الضبابية والمظاهر التوفيقية عن علاقاتها المشرقية الكاثوليكية المتبادلة. وبأنه من الطبيعي أن يكون لها خوارنة يخدمون في المدينة الواحدة بنحو مستقل، لجماعات كاثوليكية ناطقة بالعربية ومتصاهرة احيانا، متجاورة في الحي الواحد، وباتت توزع طقسيا، هنا وهناك، وكأننا في ذات الحيّز الجغرافي الواسع بين العراق والشام وسوريا وسواها من بلدان الشرق الاوسط. بينما نحن في زمن اللقاء التاريخي بين البابا فرنسيس ورئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.
وخلافا للمجتمع الكاثوليكي عالميا،  لعلّ هناك فجوة إعلامية بين الاصوات العلمانية والاعلامية المسيحية. فتقدم الصورة الى الكرسي الرسولي بنحو اكليروساني أحادي. وإذا كان للقاصد الرسولي في المشرق تفاعله الطيب مع المحليين، فإن سفير الفاتيكان في الشمال الامريكي، من المؤمل ان يكون له إلمام بطبيعة وبيئة مسيحيي الشرق، أكثر مما كان مطلوبا منه في بلداننا بالشرق الاوسط، بعد ان حوّلت الاواني المستطرقة، الكتل المسيحية من هناك الى بلدان الاغتراب.
فالخشية هي أن يحمل أحبارنا معهم الى الغرب ايضا، التداعيات السياسية والتراكمية والحدود الجغرافية، التي تجعل الاحبار، يتزاورون ويتعانقون، بدون أن يكون ثمة تنسيق انجلة يذكر فيما بينهم، لما تقتضيه كل مرحلة في التأوين للكنيسة الجامعة. وربما ازكم ذلك أنوف الكثيرين بذرائع الخصوصية الطقسية والثراء الليتورجي لكل كنيسة، مما أدى إلى نوع من الجدران الادارية فيما بينها، بدون أن يكون ثمة تنسيق لتعشيق الامكانات المتوفرة لدى الجميع في خدمة الكل.
ونشير ايضا الى ان الانفتاح الرسولي والقانوني بين العائلتين الرئيستين في المسيحية: الكاثوليكية الارثوذكسية، حيث قطعت الكنيسة الكاثوليكية وشقيقتها الأرثوذكسية اشواطا طيبة، مما يضع أمام أحبارنا الكاثوليك الرسالة المشجعة لاتباع خطوات البابا فرنسيس في الانفتاح أيضا على عموم الجماعات الكنسية التي ظهرت بعد الحركة اللوثرية، لعل ذلك يخفف من تجزئتها المستمرة الى جماعات مسيحية مجهرية، إذا التحقت بركب الكنائس الرسولية القانونية.

مقارنة عامة لواقع الحال، للكنائس الكاثوليكية في المشرق وفي الاغتراب
نظرة الى كنائسنا البطريركية في الشرق، والتململ المتزايد...
_______________________________________

للوقوف بموضوعية أمام واقع تواجد مسيحيينا المشرقيين كمغتربين متجاورين في المدينة الصغيرة الواحدة، لا بد من الالتفات الى ما يحدث في الشرق الأوسط، من تململ على مستوى البطريركيات.
يواجه مسيحيونا على تنوع طقوسهم وكنائسهم البطريركية تحديات في الشرق الاوسط، تضغط في محاور مختلفة جيو- سياسية ودينية. ومع ذلك يوجد شعور أن البطريركيات تتفاعل من خلال ما تراه من افق ذاتي واستراتيجيات خاصة، لابداء الرأي في معالجة هذه أو تلك من التحديات، منها توحيد العيد. فعلى مائدة جمعتنا: كاهن كلداني، وكاهن من الروم الكاثوليك، في ضيافة كاهن ماروني، مع  أسقف ارثوذكسي متنور ووحدوي الى حد الثورية، أشار الأسقف أن أحد بطاركة الشرق، هو الذي وقف بالضد من ذلك التوجه بتوحيد العيد، ولسنا هنا بصدد الغور في الموضوع وحيثياته في اطار هذا المقال.
أما التململ الأكبر، على مستوى الكنائس البطريركية الكاثوليكية وغيرها، فقد جاء بخصوص التحديات التي تواجه شعبنا المهجر والمشرد والمضطهد، المستهدف بنية مبيتة لافراغ الشرق من أبنائه الاصلاء المسيحيين. حيث أن الكتل غير المسيحية والضاغطة نحو هذا الدرك، بنحو بعيد عن الوطنية ونكران الجميل لجيرة امتدت لدهور، لا تميز بالطبع بين طقوس مسيحيينا وكنائسهم، في استهدافهم بتعصب مذهبي وغلّ طائفي. وهكذا طفا على السطح تململ أمام تحرك أحد البطاركة، مار لويس ساكو، بغيرة انقاذ ما يمكن انقاذه لصالح رعاياه، عندما انتقدت تحركاته وما رآه يعود بالفائدة الى التواجد الواسع لرعيته ميدانيا بدون استثناء غيرهم من المسيحيين، وكأن المطلوب من غبطته هو أن يستأذن في كل خطوة يخطوها عندما تستجد الحاجة الطارئة لها، لما يسعف واقع ابناء رعيته بدون أن يحصر المطالبة لهم تحديدا.
ومن المعروف في ظروف منطقة الشرق الأوسط، فإن الكتل الديمغرافية الطائفية، سواء على نطاق عراق الرافدين، او في الشام ولبنان، باتت هي ذاتها تضغط ضد التواجد المسيحي في الشرق الأوسط، في إطار ارهاب متجانس واحد لا يفرق بين المذاهب المسيحية.

مسيحيونا المغتربون في ظل اللادينية والعلمنة والليبرالية
___________________________________
ويأتي مسيحيونا في بلدان الاغتراب، ليصطدموا أمام تحد مشترك واحد تختلط فيه النزعة العلمانية المضادة للمظاهر المسيحية، الى جانب العلمنة والليبرالية لتستهدف مختلف الشرائح وتستهدف الاجيال اكانت في مدارس أهلية-كاثوليكية أم عمومية. ونعني المسيحيين المستهدفين هنا،  أكانوا ضمن بطريركيات متحدة مع روما، أم كانوا تحت رعاية كاثوليكوس يرأس كنائس جاثاليقية أرثوذكسية. فإذا كان اضطهاد كنائسنا في الاوطان بهدف غلقها، فإن الكنائس في المهجر المشرقي المسيحي يتم تفريغها من مؤمنيها أمام التحديات المذكورة فتهدد اجيال مسيحيينا بالضياع.
إزاء هذه التحديات، نأمل ألا يغدو مسؤولا عنها ايضا، واقع انغلاق كنائسنا في كانتوناتها الادارية واللوجستية والحسابية. فتحصر كل منها جهدها الذاتي في خدمة الاسرار، بدون أن يكون ثمة تنسيق للخدمة الروحية والكتابية على مستوى المواهب المتوفرة في مجموع هذه الكنائس. ولكن كيف نشخص هذه الكنائس؟ هذا ما نراه في المقطع الاتي.

تراكمات بين بطريركيات الشرق الأوسط والتعامل معها في الاغتراب
__________________________________________
لا بدّ من القول، أن ثمة كليشاهات تلصق لكل كنيسة بطريركية تبعا لدولة محددة دون غيرها، مما يجرّ الى التمييزات الاقليمية والانجرارات السياسية. فثمة كتل بطريركية، منها مرتبط بموقع كرسي البطريركي، مثل كرسي بابل على الكلدان، ومنها مرتبط بانتشار خاص في هذه البلاد أو تلك، برغم امتدادات ابناء تلك الكنيسة الى هذه الدولة أو تلك مثل السريان في الشام ولبنان وفي العراق. لكن انحدارها أصبح  لصيقا عموما بمكان تواجد غالبيتها، مثل أبناء الكنائس المشرقية، الكلدان والاشوريين من العراق، على سبيل المثال، ولكنهم منتشرون نسبيا الى الشام ولبنان والاردن ومصر والاردن. أما السريان، فهناك من يقرنهم بالسوريين، برغم تواجدهم الكثيف في بلاد بين النهرين، وخصوصًا قلعتهم السليبة عروس السريان، الحمدانية، قره قوش تلك الارض الخصبة بالدعوات الكهنوتية والرهبانية والعلمانية. ولسريان العراق إلى جانب غيرهم بروز لرجالاتهم الدينية بنحو متألق روحيا، راعويا وعلميا، فهم ايضا متفاعلون مع الكتلة المرتبطة بسوريا، وكذلك مع نسبة سريانية معتبرة في لبنان، من حيث تواجد الكرسي البطريركي واكليريكية الشرفه ذائعة الصيت. وثمة الموارنة، بانحدارهم المعروف من لبنان مع توسعاتهم على مستوى ابرشية في الشام، وفي بلدان الاغتراب نراهم في استقرار مهجري إبداعي ضارب في القدم. وثمة تواجد الملكيين الروم الكاثوليك والارثوذكس، مع الكرسي الجاثاليقي لكل منهم في الشام، مع تواجد اكثر استقلالا وبعدا لدى الاقباط الارثوذكس والكاثوليك في مصر.

لبنان، عمق متفرّد لمسيحيي الشرق الأوسط
___________________________
شاء من شاء وأبى من أبى، فإن لبنان يكاد يحاكي روما الشرق الأوسط، بعراقته المسيحية، بإعلامه المسيحي، بدور نشره، بأدبه، بموسيقاه وألحانه. ولما كان لبنان يتفاعل ايجابيا مع المهجر، فإن مهجر اللبنانيين، متفرد بتأثيره أيضا.
فكيف إذا أسس المهجر اللبناني ابرشيات عريقة في القارة الأمريكية بشمالها وجنوبها، ومنذ النصف الاول من القرن العشرينز فكانت ابرشياته الحاضنة البارزة للمسيحيين الذين لظروف متباينة اصبحت لغتهم الطقسية اللغة العربية. فأصبح الالتحاق بهم من قبل سائر مسيحيي الشرق كالحنين إلى لبنان، فتنساب اللهجة اللبنانية كالشهد على السن المغتربين من ابناء الشرق الاوسط. وقامت الابرشيات وازدهر العديد منها، بتقنيات خبرات تسويقية، وضعت في خدمة الأنجلة منذ عقود. من تلك الخبرات صناعة الفرح وتقاسم موائد المحبة  في ظل الاعياد والمناسبات المسيحية. كل هذا على مستوى مسيحيي الشرق الاوسط الناطقين بالعربية، من أي كنيسة بطريركية كانوا. وحتى الذين لغتهم الطقسية الغالبة هي غير العربية، او كانوا تحت المظلة الرسولية الكاثوليكية او الرسولية الارثوذكسية، كانوا يرتادون الكنائس اللبنانية المارونية، لتلقي الاسرار الكنسية.

أساليب تنمية كنائس المسيحيين الشرقيين المغتربين
________________________________
على المستوى الأرثوذكسي: في لقاء سابق مع حبر من الكنائس الارثوذكسية، أخبر الحبر كاتب السطور ان كنائسهم، عبر الاجيال المهجرية، تنمو من خلال الخدمة لابناء الجاليات الاخرى سواء التي ليس لها كنيسة هناك، او الذين يغادرون كنيستهم لسبب أو لآخر.
أما فيما بعد الحروب المستشرية في العراق ومحيطه، وفي السنوات الاخيرة بسوريا، فإن عددا من الكنائس الشرقية في عموم كندا، لجأت الى مضاعفة نصابها، من خلال هجرة للعراقيين والسوريين.

الهجرة وغياب أولوية المساعي لاحلال السلام العادل في الشرق الاوسط
_____________________________________________
ما سبق ذكره يضع أمام هذه الابرشيات، تحديات التنسيق المشترك في شؤون مختلفة الى جانب الراعوية الروحية والتثقيف المسيحي، بأن تكون صوتا واحدا للمناشدة بأن تقوم الدول الكبرى بدور فاعل لاحلال سلام عادل في المنطقة، بدل قيام تلك الدول باشعال فتيل الصراعات، والتركيز على استقبال المهاجرين وكأنها بريئة من اسباب زرع هذه الصراعات وبيع السلاح لكافة الاطراف المتحاربة، وبالتالي لن يبق أمامها سوى التظاهر بالعجز عن اي دور في احلال السلام.

أحج الى كنيستي الأم لأستظل بقامات كهنوتية صادمدة
__________________________________
وأمام هذه الابرشيات ايضا، تحديات التفاهم المشترك فيما بينها، للانسجام مع توجهات عدة كنائس في العراق وسوريا، بالوقوف مع آخر مسيحي يمكنه البقاء في وطنه. أكتب هذا ليس من باب المبدئيات، بل من قبل شخص يقيم في الخارج، واستعد خلال أيام لامضاء المدة التي تسمح لي بها الظروف أن اقضيها في أحضان الكنيسة الأم لاستظل بقامات كهنوتية وحبرية وشرائح طيبة من المؤمنين، من الذين حملوا طوال السنوات الماضية، ثقل النهار وحرّه في ظروف صعبة غير مسبوقة.

نحو تماسك الكنائس لمساندة الابناء في الوطن
____________________________
أجل أننا نحلم ان تتماسك الكنائس مع بعضها، لمبدأ مساندة الابناء في الوطن، وأن يكون ثمة احترام للاتفاق على مناقبية ان لا تتوخى كنيسة التوسع على حساب الكنيسة الاخرى، ومراعاة المشترك فيما بينها كمصدر غنى، بدون التسبب بإذابته، بل ان تتفاعل مواهب ابناء الكنائس مع بعضهم البعض.

المماحكات الجانبية بين الخورنات المشرقية الكاثوليكية
_________________________________
في كالكري، على سبيل المثال لا الحصر، كانت الكنيسة المارونية، من أولى الكنائس المشرقية التي قامت في المنطقة. وعندما باشرت خورنة كلدانية في الاستقرار في الغرب الكندي، منذ أكثر من ثماني سنوات، لم يخل الموضوع من الحساسيات. خصوصا وأنه لم يدر بخلدنا ولم يخبرنا أحد من الجالية الكلدانية، أن نعد الحساب للرعية المارونية، كمن يتعامل مع رعية شاملة لمسيحيي الشرق الأوسط، وأن يتم التعامل معها من باب التمهيد والاعلام والاستئذان او التنسيق. وتبين فيما بعد أن الراعي آنذاك، قد تعلق بقلب أبوي مرهف بالعائلات الكلدانية التي خدمها  لسنوات، ولا بد ان علاقة وجدانية روحية شدته تجاهها. فبعد ان قام الراعي الماروني آنذاك باستقبال الكاهن الكلداني كزائر، بدأ في التململ، عندما رآه يستقر في المكان كأكثر من زائر. فبدت على السطح انفعالات بالهاتف، خصوصا عندما اقتضى الحال من الكاهن ان يكون توقيت قداسه عصرا، فقال له: ((انك قد خرّبت بيتي..!)) أجابه الكاهن الجديد، بكياسة الضيف الجديد وتفهم الصديق، ان هذا هو التوقيت الذي تم الحصول عليه. ومع الأيام، ومع استقرار الرعية كأمر واقع، تنامت علاقة ايجابية بين الجانبين، مع تعامل الكاهن الكلداني معه ككاهن أقدم وتنامل العلاقة الودية. وفيما بعد أصبحت العلاقة أخوية حميمة مع الراعيين الجديدين في ادمنتون وكالكري، في تعامل متكافئ. وكم كانت سعادة الكاهن الكلداني، ان كلا منهما، تعامل باسلوب الاستئذان وطلب التخويل حيثما اقتضى الحال.
 الى جانب هذا فإن  تلقائية أبناء الكنائس المشرقية، الكلدان، والكنائس غير الكاثوليكية الاخرى، بالتعلق بلغتهم الام، كانت الجواب الكفيل بإذابة تلك الحساسيات، بحكمة القبول بالأمر الواقع، وإنقاذ ما يمكن الاحتفاظ به من الكلدان، من الذين لم تكن اللغة الطقسية لغتهم الأم، بل العربية. غير أن هؤلاء ايضا، بقوا يبدون تعلقهم ومحبتهم للطقس المشرقي، مع احتفاظ التعامل مع الكنيسة المارونية الحاضنة، الى جانب الانسجام الاجتماعي بمعية عموم عوائل الشرق الأوسطية تحت خيمة ما درج احيانا على تسميته بالكنيسة العربية التي جمعتها الصلوات المشتركة بالعربي، الى جانب اللقاءات الاجتماعية على أنواعها. فبرهن الكلدان الناطقين بالعربية او من عرب المنذر بن النعمان، عن انتماء كلداني طيب، وانفتاح كاثوليكي عربي جدير بالتقدير.

العلاقات بين الابرشيات الكاثوليكية ذات الطقوس العربية
___________________________________
أذا كان حلول كاهن كلداني وخورنة كلدانية بهذا الحساسية، قبل حوالي عقد من الزمن، فماذا يا ترى ستكون التوقعات بشأن قيام خورنات تحتفل بطقوسها بالعربية، تحل الواحدة تلو الاخر، إزاء خورنات قديمة كبرت احجامها بعوامل الاسبقية، واستقطاب المهجاجرين؟
يعتقد كاتب السطور أننا أمام ازمة مستفحلة مع استمرار تنفيذ مخطط اخلاء الشرق الاوسط من مسيحييه، وتزايد استقرار المزيد منهم، سواء من خلال المنظمات العالمية، او الكنائس اللاتينية والشرقية.

تنافسات غير مطمئنة ومحيرة للمؤمنين
________________________
هنا نعود الى دور القاصد الرسولي، ودور الشعب المؤمن للتفاعل مع دوره، وذلك بتحسيس الكنيسة الجامعة بمسوؤليتها انها، وهي في مسارها للوحدة الكبرى مع المرجعيات الارثوذكسية، لا بد أن تعي دورها، بانعكاسات واقع الابرشيات المشرقية الكاثوليكية في المهجر. فإذا كان لها في بلدان الشرق الاوسط ما يبررها، فإن الحاجة في بلدان الاغتراب تدعو الى التساؤل أمام واقع متضارب: الابرشيات اللاتينية فيها مطران واحد لأكثر من 80 كاهنا وأكثر من 45 خورنة. أما الكنائس الشرقية، فلكل منها اسقف لبضع كهنة وخورنات بعدد الاصابع وقد تكون بمجموعها، وهي أبرشيات تجمعها الشركة العقائدية مع روما وتجمعها مع بعضها اللغة المشتركة، قد تكون بحجم ابرشية كاثوليكية واحدة في مقاطعة البرتا.
هذه الكنائس، إذا استمر بها الحال على التنافس مع بعضها البعض على ابنائها فيما بينها، فإنها ربما ستفقدهم سواء الى الكنائس غير الكاثوليكية أو الى اللاتينية، أو الى حالة عدم الانتماء الى كنيسة.

الكنيسة المارونية توأم الجذور مع الكنيسة السريانية، وتجمع بين ابنائهما اللغة الطقسية العربية
___________________________________________________________
في نهاية الأمر لا بد من الأذعان أن الكنائس المحتفلة بطقوسها بالعربية شكلت تراكما ثقافيا واجتماعيا لدى المسيحيين الناطقين بها حصريا، بصرف النظر عن الطقوس الاصلية لكنائسهم الكاثوليكية المارونية او السريانية او الملكية. فكيف إذا كانت مشتركة، بين مؤمنين منحدرين من بلدان متجاورة: سوريا ولبنان والعراق، يشتركون باللغة العربية، ولغتهم الطقسية الاصلية هي سريانية وكنيسة جذورهم المشتركة هي الكنيسة الانطاكية. وعلى العموم فإن الكنيسة المارونية ولدت من رحم الكنيسة الانطاكية في الشام الكبير، استقرت وتفردت بلبنان، بسبب ظروف تاريخية معينة. وشقيقتها في الشام مرت بظروف الانفصال عن الشركة الكنسية مع روما، وعندما التحق بالشركة العقائدية مع روما، جانب من كنيسة السريان الأرثوذكس، شاءت الظروف آنذاك، ان تكون جيوسياسا منفصلة عن لبنان، وإلا كان يمكن أن يقال لهم التحقوا بأشقاء لكم في مذهبنا الكاثوليكي، موارنة لبنان... وفيما تراكم ارث الطقس العربي لدى الكنيسة المارونية واتخذ فرادته، وتميزه ونكهته الخاصة، بقيت الكنيسة السريانية الارثوذكسية، تراوح على ما يجمعها طقسيا مع الكنيسة الأرثوذكسية، لكن الوحدة معها، على ما نعتقد، لن تكون بمسار ثنائي موضوعا قريبا المنال، مثل ابتعاد فرص الوحدة بين الكنيستيني الكلدانية والآشورية، بقدر ما يعتقد ان التقارب سيكون في الاولوية بين البطريركيات الارثوذكسية وكرسي روما.

وفي رأي متواضع نقول: الأمل كل الأمل أن يتبلور، خارج المجاملات الدبلوماسية، تفاهم تنسيقي عميق بين الهراركيات البطريركية والابرشية الكاثوليكية، بحيث يغدو كهنتهم، بمثابة العاملين في الحقل الانجيلي الواحد. وأذا تبلورت الصورة أمام الكرسي الرسولي، في واقعها المحتدم في المهجر، قد يكون ثمة توجيه رسولي، بتعاون اكثر مسكونية مما هو، وإلا فإن المؤمنين المنتمين الى مختلف الكنائس العربية الكاثوليكية واعون بما يجمعهم جميعا من قاسم مشترك: مذهبي وطقوسي وثقافي واجتماعي ولغوي ولن يقتنعوا بما يوضع فيما بينهم من جدران ادارية وحسابية، وسوف يراوحون بين هذه الكنيسة العربية الكاثوليكية وتلك ولبواعث ومحفزات متباينة. ومع استمرار هذه المراوحة،  يذوب الانتماء وينصهر المغتربون في الكتلة اللاتينية الأكبر او المحيط اللاديني.




36
مع هواجس الناس عن الهجرة والتنقلات الاكليروسانية

بقلم نويل فرمان السناطي
-------------------------

هذه مكاشفة مع الذات، ومع ما يستشف من نبض أبناء الكنيسة داخل "الوطن" وفي بلدان الانتظار، ومداولات جانبية مع تساؤلات البعض، فيها من يتساءل باستياء وآخر برغبة الفهم، والفرق شاسع بين الاثنين والتأثير على أحدهما دون الاخر: الاول اذا اعطيته الحجة سكت، بدون إبداء الرضا، والآخر إذ يفهم تنطلق أساريره ارتياحا ويجيب بفرح؛ وتأتي كتابة المقال، في أجواء من الدالة الأخوية والبنوية مع البيت البطريركي. واذا جاء المقال بهذا النحو المعلن، فلأن الكثيرين قد يكونون معنيين بالأمر، دونما أن يكون الغرض، الإشارة التشخيصية إلى هذا العنوان أو ذاك من رموزنا الكنسية الموقرة؛ فكانت الحاجة الى هذا النوع من المقال أكثر من حاجة التداول الالكتروني الثنائي. وعندئذ سيكون لكل من المعنيين في محيطه ان يستخلص ويدلي برأيه، ويشير الى الحالة عندما تستجد المناسبة. وما أحلى أن يكون التداول بالدالة إياها في التعامل مع التساؤلات المخلصة لأبناء شعبنا، بدل تلك الصيحات والتشكيات الالكترونية، مما يفرز ردود أفعال فورية قلما تكون محسوبة

عوامل الهجرة
جذور اقتلعت منذ عقود
_____________________
الاحداث الكارثية التي حلت في العراق وعدد من بلدان الجوار، منذ العقود الاخيرة للقرن العشرين، جعلت الكثيرين يقارنون بينه وبين الغرب، فكان لهم الشعور أنه لن تقوم قائمة لهذا البلد، طالما وجد موغلا في التقهقر وللمدى البعيد، مما جعل الكثيرين يخططون من زمن الى الاستقرار في الخارج. ثم جاء الغزو الامريكي الايراني، وجعل العراق ثم المنطقة، مختبرا لتجربة تجارة المواجهة الطائفية بدماء الابرياء، وعلى حساب وجود الاقليات الاثنية والمذهبية، لتفتح بوابة الهجرة على مصراعيها، سواء بسبب الحروب أو بعمليات لمّ الشمل بنحو عنكبوتي متواصل. بعد أن كانت الهجرة قد قامت منذ الستينيات، من العراق وقبلها بعقود من بلدان الشرق الاوسط، للرغبة في الاستقرار في عالم آخر. وتفاعلت الاحداث بنحو غير مسبوق وباتجاهين: مآس وكوارث لما ينطبق عليه من ابادة جماعية، واقتلاع جماعات بشرية من جذورها، على اساس اثني مذهبي وطائفي، لليزيديين والمسيحيين والصابئة وغيرهم.
كنيسة لا تألو جهدا من تحرك إعلامي
قامت رئاساتنا الدينية بتحركات اعلامية عالمية كبرى معتبرة، لكنها بقيت أمام مواجهة معلنة وما وراءها من أسرار رهيبة لم يُكشف بنحو واضح عن مخططيها ومنفذيها، مواجهة بين العالم وبين الاسلام السياسي والاصولي. مواجهة تبدو مكتملة الادوار في اللعبة بين الطرفين، طرف يخطط لمآرب استراتيجية وطرف يتأرجح بين من هم منفذي المخطط وكبار لاعبيه، وبين لاعبين آخرين كبار، يسعون الى التهدئة والتشويق، تحت غلاف الاسلاموفوبيا.

عقلية الغالبية، عقلية فوقية متوارثة
______________________________________
ومن ناحية أخرى، قامت في البلدان التي غالبيتها اسلامية، عقلية لا تقبل باختلاف الاخر وتعد التعايش
مع الآخر تسامحا مع غيّه المذهبي، وكذلك تعد ملامسة النقاش المذهبي النقدي، بمثابة الخط الاحمر دونه الرقاب. ولتشابك المصالح والتعقيدات المختلفة، لم يقم في الجانب الاسلامي لوبي رصين ومنتظم من داخل الاسلام يتصدى الى التعصب الطائفي والمذهبي، بنحو معاصر وباتجاه علماني يحترم الدين، ولا يسمح بأن تفسد الفتاوي غير المسؤولة البلاد والمجتمع وتطحن الارواح. يستثنى من ذلك، أصوات كبيرة ولكنها فردية معظمهما الكترونية في شمال افريقيا، وفي مصر والعراق، منها من بعض رجال الدين، وأخرى من الاصوات العلمانية الملتصقة بجوهر الدين وإلى جانب أصوات مستقلة عن الدين.
بعد هذه التقديمات التي توخت الشمولية، هذه محاولات استقراء لجوانب من هواجس المؤمنين، ومنهم المهجرين وطالبي الهجرة، مقارنة بموقف الكنيسة، مع محاولات للتفسير.

الرغبة  المشروعة في الهجرة وموقف الكنيسة
___________________________________________
هناك موقف مبدئي للكنيسة هو احترام الرغبة المشروعة في حرية اختيار الهجرة، لأي من الاسباب: لمّ الشمل، تفضيل نوع آخر من العيش، التخلص من معاناة خانقة وبسبب انتظار طويل تكتنفه المخاوف ومشاعر عدم الاطمئنان، تفضيل المغادرة على الرهان بأن الامور ستكون افضل نسبيا. وعن احتمال ان تصير الامور افضل نقول أنه يمثل نسبية فقيرة ضعيفة، أمام مقاييس حرية الفرد والتعبير عن الذات وعن الفكر بين الغرب والعراق الطائفي. ومن المعروف ان الكنائس البطريركية في البلدان الرازحة تحت الأحداث، تبقى مع رعياتها الخارجية، على الحياد من هجرة أبنائها الى الخارج، بل تترك ذلك لجمعيات المجتمع المدني، وذلك كرسالة للتآزر مع ابنائها الممتحنين في البلاد وهي تعيش في وسطهم. ويبقى هذا الموقف يفسر بكونه موقفا مضادًا للهجرة. لكن هذا الموقف الايماني المشرق بمبدئيته نراه ايضا في مواجهة مؤشرات أقل ما يقال فيها أنها لا تقويه:

مؤشرات قد تكون مؤثرة في موقف الكنيسة من الهجرة
مخطط على مستوى عالمي
_________________________________________________
لغير مرة، أعلن رؤساء الكنائس، ان ثمة مخططا كبيرا لافراغ المنطقة من المسيحيين. وأعلنوا ان هناك استلابًا لحرية التعبير، وأن ثمة مجاملات رسمية دونما عمل جدي، تجاه التعامل مع المسيحيين، وأن ما يعقد من لقاءات، هو حديث مؤتمرات غير متأسس على مشروع رصين.
طبيعة الاصوات المسلمة الداعمة للوجود المسيحي
الاصوات المسلمة التي تريد للمسيحيين البقاء، يميل الاعتقاد انها من الاصوات العلمانية ذات خلفية اسلامية بقيت تعلنها وترافقها؛ ولئن كانت هذه الأصوات في مستوى رسمي، غير انها قد تكون  من قبيل الاصوات الليبرالية، وكلها وجدت في مواجهة غير متكافئة مع الحكم الطائفي القائم، وليس ثمة ما ينبئ بنجاحها على المدى القريب، كما أنها لم تستطع، على موقعها الرسمي بين الكتل السياسية ان تحرك الكثير في أسباب الاضطهاد، من ذلك مظلومية البطاقة الشخصية المجحفة بحق القاصرين وطرف أبويهم المسيحي.
بين نوع علمانية في زمن سابق وزرع الطائفية للمدى البعيد
النظام المدني بعيد المنال وضعيف الفاعلية في دعم الاقليات.
_____________________________________________________________
من المراحل النادرة التي عاشها العراقيون بنحو شبه متكافئ عندما كانت مرحلة الحزب العلماني الواحد مع توافق مع أحزاب علمانية أخرى، وذلك قبل زرع الحكم الاسلامي في ايران، وقبل قيام حرب الخليج، التي اضطرت دكتاتورية البلاد الى حملة ايمانية، جاءت لترسخ التعصب المذهبي. ثم جاءت الطائفية، بعد السقوط، كوصفة لاضعاف البلاد لأجيال لاحقة.
اصداء عن ظروف المسيحيين الباقين في البلاد: بين الحجر والبشر
إزاء الفكرة أن ثمة أناس في العراق من المسيحيين يريدون البقاء جاءتني اصداء من نوع آخر:
حدثني مؤخرا صديق من قرية بسهل نينوى بحسرة حكيم ولهفة شاعر وأخذ يسوق مثالا يعرفه: إن عمي، يا أبونا، يعمل مزارعا وله حقول شاسعة، ومثله الكثيرون ولكنهم لأكثر من سنتين، يعيشون في خيبة أمل من الجهات الحكومية الزراعية التي لا تفي بالتزاماتها نحوهم. وأضاف: لدينا بيوت جميلة في بلدتنا ولكن ما الفائدة إذا لم يكن لشبابنا عمل كريم؟ وعليه فالحجر نفسه قبل البشر، يتحين فرصة مغادرة البلاد، لو اتيح ذلك، وإن عمي هو من ضمن أولئك الذين لم يعد لهم خبز يذكر على تلك الارض. إن غالبية الموجودين في ارض بلاد الرافدين، من المسيحيين، هم من الذين اجتثت جذورهم، بطريقة أو بأخرى سواء كانوا قد هجروا من قراهم الشمالية منذ الترحيل في السبعينيات، أو ممن حرمهم النظام من رزقهم  في حملة اغلاق المطاعم السياحية. بحيث بات لكل عائلة، في ما تبقى من وطن، عوائل وعشيرة كاملة في المهجر. أما التعايش المسيحي الاسلامي، فبقي على ما نذكر ويذكر اجدادنا، تعايشا، بين الاعلى والأدنى، والمسيحيون المتبقون، هم من يعيشون بطريقة تم تدجينهم عليها عبر التاريخ وبواقع الحال، مع جار يعدّ ذاته هو الأحق مذهبيا وهو المتسامح. ولم يظهر من المسلمين، موقف جاد في التعلق بجيرانهم المسيحيين، وليتنا كنا نرى ذلك ليس من خلال اصوات انفرادية بل من خلال تجمع منتظم متنامي القوة، ومن خلال منظمات انسانية مدنية، سواء من الجانب المسيحي او من الجانب غير المسيحي.

الاصرار على البقاء الى اين؟
____________________________
وفي صدى متصل آخر نجد أنه في مطلع الاربعينيات من القرن العشرين، فجر ناشطون يهود مواقع تواجد
اخوتهم اليهود، في طريقة لترويعهم بهدف المغادرة الجماعية. جاء ذلك باعتراف لوزير اسرائيلي من اصل عراقي، في معرض كتاب لمذكراته. وبرغم كل الذي حدث، فإنا رأينا بعد سقوط الحكم الشمولي في العراق، عجوزًا يهودية وحيدة في البصرة، وبعض عوائل في بغداد لا تتجاوز عدد اصابع اليدين. وهنا لا تنطبق المقارنة تماما: فعلى المستوى اليهودي، كانت عودة اليهود الى ارض موحدّة ويعتقدون بعائديتها، يتجمعون فيها، وهي غير بعيدة عن ارض حلمهم الثانية.
أما على المستوى المسيحي، فقد يتعلق الأمر برغبة عالمية مبيتة ان يترك المسلمون مع بعضهم، تداعب ذلك رغبات جانب من المؤذنين المسلمين، وجانب من الجيران طامعين بما يتركه الجار المسيحي من ملك أو سيارة أو قناني غاز. ولكن برغم ذلك، ولأنه ليس ثمة موقف تهجيري رسمي معلن، هناك العديد من الاسباب التي تدعو كنيسة العراق ان تبقى، لانقاذ ما يمكن انقاذه، وتبقى مع آخر جماعة منتظمة تروم البقاء، دون بضع عائلات.

هل تقوم كنائسنا بتشجيع للهجرة غير مباشر وغير مقصود وهي ترفضها علنا؟
________________________________________________________________________
إزاء واقع بقاء المسيحيين مع ما يمكن بقاؤه، وإزاء موقف الكنيسة المبدئي من الهجرة، وإزاء الخشية ان يكون خطاب الكنيسة عكسيا على الموضوع، هذه محاولات للاجابة عن بعض هواجس الناس، وبعض تساؤلاتهم المتكررة باصرار. المحاولات هي في نطاق ألا تكون العلامات التي يعطيها رجالات الكنيسة هنا وهناك، عاملا لتجميل الهجرة أمام المؤمنين بالبقاء أو الراغبين بالمغادرة وينتظرون في دول الانتظار وقد طال انتظارهم ويبحثون عمن يكون المسؤول عن هذا الانتظار.
ردود أفعال أمام ما يعدّ خطابا كنسيا معكوسا
هذه قصة جانبية، نهايتها تصب في صلب الموضوع: في تشييع البطريرك الراحل مار دنخا الرابع، كان المنهاج الذهاب مساء للصلاة على جثمانه، وفي اليوم الثاني المغادرة بعد قداس التشييع. ففي مساء الصلاة على جثمان الراحل الكبير بطريرك كنيسة المشرق الاشورية، خرجنا من الكنيسة مودعين بشكر مؤدب من قبل المسؤولين وكانوا تحت أعباء تنفيذ البرنامج. كنا مودّعين بكياسة وحيادية تنطبق على عموم الزوار، مما لم أحسبه ينطبق على أحبار وكهنة كنيسة شقيقة جاؤا بعدد استثنائي لحضور أخوي حميم في هذه المناسبة. وبعد انصرافنا بهذه الطريقة، كان بالتالي أمام الفريق الذهاب الى مكان لقضاء جانب من ذلك المساء في أحد الأماكن وتناول الطعام. وكم كان الود، أن يكون ذلك الجانب في لقاء وجداني على مائدة شاي وقدح ماء بارد مع الاشقاء في كنيسة المشرق الاشورية، خصوصا وأني كنت ببساطة عميقة أعد أعضاء فريقنا الزائر بمثابة ضيوف لهم في هذه المناسبة الوجدانية. وقد تم وضع صورة في الفيسبوك، لتلك الجلسة على مائدة دائرية تجمع الاحبار الخمسة وبضع كهنة: فجاءت الصعقة الكهربائية من أحد المعلقين، مختار من شمال الوطن: اضربوا صارت كلها لكم... فتم رفع الصورة على رؤوس الأصابع...
وتقول قصة أخرى، أنه في زمن النظم السابقة، عندما كان السفر استثنائيا، في ظروف الحرب والحصار، خاطب احد عموم الشعب المؤمنين صديقه أحد الكهنة العائد من السفر بالقول: هنئيا لكم هذا الحل والترحال! فأجابه الكاهن بدالة الصداقة عينها: وماذا لو صرت كاهنا انت ايضا لتخبر ما نختبر! واعتقد أن مثل تلك الرسالة كانت قد وصلت بطريقة وبأخرى في هالة للمهام الكهنوتية في الداخل والخارج، فاجتذبت، بزمن الحصار والحرب، العديد من الدعوات الكهنوتية، أكثر من الازمان الاعتيادية،  وإذا بها فرصة ذهبية لهم لاكتشاف جمال الرسالة الكهنوتية قلبا وقالبا، وصار العديد منهم كهنة، والعديد من اولئك الكهنة، صاروا من خيرة الكرامين في حقل الرب.
 كهنة صامدون وبضع اساقفة معتصمون وشعب مقطوع السبل
وقال متحدّث بشأن الحالة في الداخل: كثيرون من العوائل هم من الشعب مقطوع السبل للخروج، فالأمر يحتاج الى ميزانية خارجة عن حساباته. ومع ذلك فإن بقاءهم ينعشه، كهنة صامدون يقيمون معه، لا يغادرونه، مع بضع أساقفة معتصمين في رعياتهم. وبهذا الصدد هذه بضع تساؤلات طالما ترددت على مسامعنا ومعها محاولات إجابة:
* يتبادر تساؤل كهذا: هل هناك من داعي لهذا العدد من الأبرشيات والأساقفة، قياسا بأبرشيات كاثوليكية تشتمل كل منها على 50 خورنة وثمانين كاهنا ومن الخورنات مع يبعد عن المركز اكثر من 200 كم؟
- ما يفصل عن ابرشياتنا في البلاد، لا يقارن بما يفصل الخورنات في خارجها. فبلادنا التي ترزح تحت نير الفساد، ليس لها شبكة طرق أمينة، والتنقل فيها للامور الراعوية، هو مجازفة غير حكيمة.
- منذ الستينيات، تزامن انحسار عدد الابرشيات مع نزيف الهجرة، في ظل العراق المضطرب وتحت نير غالبية شمولية ساحقة، فبعد انحسار ابرشية عقرا والزيبار، في الستينيات من القرن العشرين، ها هي في العقود الاخيرة ابرشيات كلدانية تتحول الى مدبريات بطريركية أو أسقفية، في تركيا ومصر، واخرى اندمجت بين زاخو ونوهدرا، وبين السليمانية وكركوك. وهكذا في العقود الاخيرة شهدنا في داخل البلاد، بسبب الاضطرابات والهجرة انحسار خمس كراسي اسقفية عاصرناها في حياتنا. ولكن مهلا فلم يصل بنا الحال، بعد أن يكون لنا كاهن واحد يخدم في البلاد، مثلما يوجد الان كاهن لإحدى الكنائس في الكويت، وآخر في الامارات وثالث في قطر- بيث قطرايي.
*ما الذي يجعل أحبارنا بمجموعة مجتمعة، تغادر البلاد لهذه المناسبة أو تلك؟
-البيت البطريركي يمكن أن يعد بيتا متنقلا: هذا ما يمكن أن نستشفه بحسن نية، فالبطريرك لا يذهب للنزهة، ومن ثم فالبطريركية معه حيثما كان مما يجعل البيانات والتقارير الاخبارية، تنزل اولا بأول في الموقع البطريركي الالكتروني، من خلال السفر كفريق عمل، ولا بدّ لغبطة البطريرك اسبابه الشخصية، ولن يصعب عليه الادلاء بها في حينها.
*ما الذي يجعل أن عددا متبقيا من الكهنة مع بضع أساقفة معتصمين في ابرشياتهم يقومون بتمشية امور المتبقين في البلاد، بينما في خارج البلاد، يتواجد سواء بالتعيين او المهمات الرسولية والاعلامية، بنسبة 12 من أصل 16؟
 الجواب عن هذا السؤال رأيته في بضع محاور:
-قبل كل شيء، السؤال يوجه الى الاساقفة المعنيين المعتصمين في ابرشياتهم شمالا وجنوبا، لعلهم الافضل ممن يعبر عن نفسه؛ لكني أرى أن هؤلاء الاساقفة االماكثين في ابرشياتهم، هنا وهناك، علامة عافية ورجاء للشعب المسيحي الباقي في البلاد. وهم أيضًا، في المناسبات الاستثنائية تضطرهم الظروف لافراغ البلاد من الاساقفة، عندما رفع عن بغداد موقعها كقبلة اجتماع المجمع المقدس، لتحلّ محلها روما، بسبب ظروف تغير الخارطة الجغرافية للابرشيات. وفي الوقت عينه، فإن مساحة حركة الدائرة البطريركية، لا تقتصر على بغداد بل تمتد الى آفاق بطريركية ومسيحية واسعة النطاق.
-مهما تحدثنا عن ان الكوكب الارضي اصبح افتراضيا قرية صغيرة، فإن اللقاءات عن بعد، بالصورة والصوت، تبقى محصورة في نطاق البلد الغربي الواحد. أما المؤتمرات المهمة، فإن حضورها يعدّ كسبا لمسيحيي العراق والشرق الاوسط، ورعياتهم في بلدان الانتشار ولا تحصى الفوائد من ذلك، مما استقطب المنظمات الانسانية والاغاثة، ومما حرك بعض الشيء في الرأي العام، على أمل أن يكون كل هذا بمواجهة فاعلة أمام المخطط المحاك ضد المنطقة، لتغييرها في الجانب الجيو سياسي.  وإزاء هذه الأولويات، قد تستجد الحاجة إلى أن يكون ثمة تخصص اسقفي لشؤون المؤتمرات، مما يفرغ المجال للخدمة الراعوية، في زمن هاب البابا بأساقفة العالم بألا يصبحوا أساقفة مطارات.
استخلاصات: الخارطة الديمغرافية الجديدة لمسيحيينا الكلدان
وهذه محاولة إجابة أخرى عن سؤال تواجد أحبارنا المتواتر في خارج البلاد:
-لقد قام نوع من التوأمة الروحية والراعوية المشرقة، بين كنائس اوربية وخصوصا الفرنسية منها. هذه التوأمة ايضا عادت بمردود طيب على مسيحيينا في الداخل وبرسالة معبّرة للحكام والبرلمانيين في الداخل. كما أن التواجد الديمغرافي لأبناء الكنيسة الكلدانية إزاء ما يقابله من تواجد ديمغرافي متواضع في الداخل، لا بد وأنه يستقطب هذا الزخم من الحضور الحبري الكنسي في مختلف المناسبات.
-وقد افلحت الكنيسة ازاء ما يعقد من تجمعات في الخارج وبحسب الظروف والأمكانات، ان تعمل ما يشابه ذلك في الداخل، برغم محرمات (تابوه) الوصول الى العراق. ونأمل من الرب ان يمضي في إنارة القلوب والدرب على خلق مثل هذه المناسبات، في المناطق الاكثر استقرارا في البلاد ليكون التفاعل الديمغرافي ما بين أوربا والعراق متبادلا.
-أبناء الكنيسة الكلدانية، كعموم مسيحيينا في العالم، يشكل تواجدهم بنحو متفاوت الحجم هنا وهناك، كحالة تشبه الاواني المستطرقة، مثلما حدث في افريقيا الشمالية ومناطق أخرى من العالم عبر التاريخ: تنحسر المسيحية في مكان لتظهر بزخم آخر في مكان آخر. خصوصا وأن غبطة البطريرك قال فيهم: ان المسيحيين الذي هُجـّروا إلى الداخل والذين التجاؤا الى الغرب، وقد زرت معظمهم، لم يحملوا معهم سوى إيمانهم ولغتهم وتقاليدهم وأخلاقهم وثقافتهم العراقية والمسيحية وهذا يشحن رجاءنا.
-إن تواجد كنيستنا المتواصل والمشرق في رعايا بلدان الانتشار، هو حالة تشد من معنوية المهاجرين، كما هي، شئنا أم ابينا، طريقة غير مباشرة، لتطمين الذين يودون الهجرة، بأن ثمة حياة راعوية قريبة من قيم الشرق، يحملونها معهم وينمونها.
وأخيرا، الأمل كل الأمل هو الفصل بين ما توحيه رسالة تواجد أحبارنا في الخارج في شحن ايمان المغتربين، وتطمين الذين على طريق الهجرة بأنهم ليسوا أمام المجهول، وبين موقف الكنيسة البطريركية ورعياتها، بألا تكون الطرف اللوجيستي والاعلامي، وبمثابة نفير فرماني لاخلاء البلاد من مسيحييها، فكل شيء يأتي في حينه. وخلصت الى القول لصاحبي: لعله في المناسبات الاخرى، يا صاحبي، سيحسب الحساب لما طرحت وطرح غيرك من تساؤلات، ما دامت النيات الحسنة تجمع مختلف الاطراف.



37
ذكريات عن الشاعرين عبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ
وقراءة شاعرية لرسالة القديس بولس عن القيامة والحياة

بقلم الأب نويل فرمان السناطي
-----------------------------
لقد قُيـّض لي يوما أن أقدّم إشارة توقير الى الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، الذي رحل مؤخرا؛ وذلك بفضل المقابلة التي أجرتها معي المهندسة ايمان البستاني، تشكيلية مبدعة وأديبة، في حوار لمجلة كاردينيا الالكترونية، عندما اوردت مفارقة معه ضمن ذكرياتي القريبة. تلك  المقابلة التي نشرت في 5 تشرين الثاني نوفمبر 2013. وأكون عندئذ قد أديت التحية الى الشاعر الكبير في حياته. رحل الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في (9 تشرين الثاني 2015) بعد عشر سنوات من رحيل صديقه الشاعر يوسف الصائغ في 12 كانون الاول 2005. وينطلق موضوع هذا المقال، تحديدا، عن دور شهدته لعبد الرزاق عبد الواحد في جنازة يوسف الصائغ. وتوالت من ثم حزمة بسيطة من الذكريات.
 بدأ كل شيء، عندما كنت أخدم راعيًا لخورنة سانت تيريز في دمشق، وغداة وفاة الشاعر يوسف الصائغ. عندما هاتفني بهذا الشأن سكرتير البطريركية الكلدانية الاب (الراحل) بطرس حدّاد، وهو ينقل تحية المعاون البطريركي (مثلث الرحمة مار أندراوس أبونا). كما جاءتني مكالمة توجيهية من سيادة المطران انطوان اودو، رئيس ابرشية حلب للكلدان في سوريا، أن أقوم بمراسيم تشييع كنسي لجثمان المرحوم الشاعر يوسف الصائغ.

مقابلة الصائغ للطالبة عائدة فرمان
------------------------------------
برغم المفاجأة، في تلك التوجيهات، كانت تجمعت لديّ بعض خيوط، مما لم يكن يعلن عن الشاعر الراحل. اولاها عندما رتبت موعدا لشقيقتي معه، في بحر التسعينيات، لدى عملي السابق مع مجلة ألف باء مترجما ومحررا، وكان الأستاذ يوسف الصائغ مديرًا عامًا للسينما والمسرح، وذلك لتحاوره الشقيقة عن مسرحيته (اللعبة) كجزء من دراستها للبكالوريا. وكانت في حينها قد حدثتني عما تداولته معه بشان المقاربة بين مسرحية هاملت لشكسبير، من ثيمة مشتركة بشأن الشك في العلاقة الزوجية.
لكننا لم نتوقف كثيرا عند مفردات المقابلة، لسبب عودة أختي من بغداد الى الموصل. ولكن لما اتصلت بها في هذه الأيام وانا ارسم معالم هذا المقال، كشفت لي جيرمين (عائدة) عن نقاط أخرى، كنت أودّ لو عرفتها قبل ترؤسي لمراسم تشييعه، مما كان سيغنيني في المزيد عن تأبينه.
 قالت لي انها بعد ان قدمت نفسها على أنها عائدة فرمان، سألها ان كانت مسيحية، أجابته بنعم؛ فعقـّب عليها: وأنا كذلك ولدت مسيحيًا وعمي مطران، لكن توجهاتي الفكرية قد اختلفت، وعندها أخبرها عن تحفظاته بشأن الأمور الايمانية. قالت له: لدينا واعظ مرموق،  يقدّم هذه الأمور بنحو سلس ومقنع... فما كان من الصائغ أمام طالبة الكلية التي تعرض عليه التلمذة على واعظها المفضل، إلا أن يجيبها بنفور من يردّ الصاع صاعين... كاشفًا ما كانت تجهله عنه، انه يقف على مسافة واحدة من الأديان. وأردف في حديث متصل أنه سمى ابنته مريم، لمكانتها المرموقة في أكثر من ديانة.
وأخيرا أوردت عائدة عنه هذا الانطباع المتأرجح بين الإيمان بالطبيعة وبما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا) إذ قال: لو كان الناس يؤمنون بالله، ويذهبون للصلاة، لماذا نراهم يحتاجون الى الموسيقى، لكي يعيشوا تطلعهم الى الخالق، أما يكون إيمانهم به كافيا لإعطائهم السلام الداخلي؟ تساؤل يفترض الاحساس المطلق بالملكوت وبنحو مجرّد، ونحن بعد على الأرض، وكأننا من روح فحسب،والحال يرى المؤمنون ان يكون تواصل الانسان مع المطلق معجونا بعوامل الطبيعة، ويخاطب الحواس، فيرتقي بها المرء الى الخالق.

يوسف الصائغ خصوصية تجاهلها الكثيرون
--------------------------------------
وعندما عملت في هذه الأيام مسحا على المقالات التي تحدثت عن سيرته وعن رحيله، وجدت فقط ما يشير إلى أن أول زواج له كان من المرحومة (جولي) التي رافقته حتى وفاتها بحادث سيارة، ثم تزوج من مسلمة زميلة له، لتشير معظم المقالات في معرض الحديث عن رحيله، بمجرد عبارة تحول من المسيحية إلى الإسلام، بدون أن يثار شيء، عن تشييع جنازته في كنيسة، وقلمّا تمت الاشارة الى ايديولوجيته الشخصية تجاه الأديان، وموقفه الخاص من الإيمان.
وهنا أورد بعض المؤشرات التي تبتعد عن النمطية او الكلائشية التي تلصق بالناس، بمعزل عن خصوصيتهم وفرادتهم، وهي توضح ما تمتلكه المسيحية من صدر رحب تجاه أبنائها وتجاه الناس ذوي الإرادة الصالحة، بعيدا عن الدينونة، تاركين الدينونة للديان الأعظم.
وبهذا الصدد حدثني مرشدي الروحي لسنوات خلت، الاب الفرنسي الراحل روبير بيولاي من دير الكرمليين في بغداد، عن تأمل لا بد وأنه شاركه مع العديد من مريديه في الروحانيات المشرقية. قال وهو المهتدي الى المسيحية في عمر ناضج ومن عائلة لا دينية: عندما كنت امضي العطلة الصيفية في أسرتي، كنت أحس بأن أعضاء اسرتي، يرمقوني بنظرات ممتزجة بين الشفقة والتندّر لتوجّهاتي الإيمانية. ولكني بقيت أكن لهم الاحترام لنزاهتهم وصفاء ضميرهم، بحيث ان ايماني يجعلني أراهم داخلين الى الملكوت، بامتياز يختلف عني. هذا الامتياز وصفه الاب روبير بهذه الكلمات: فإذا كنت أعرف أن المخلـّص يعدني بالملكوت الذي اعيشه كل يوم على الارض، بحيث أني سأجد أجواء السماء عندي كما في حكم المألوف أو تكاد، إلا أن هؤلاء أهلي ذوي الإرادة الصالحة والضمير الصافي، عندما يفتح لهم باب الملكوت، سيفغرون الفاه انبهارا وعجبا وذهولا أمام الجمال الربّاني. وبذلك سيتميزون عني في نعمة الملكوت.
ويتفق مع هذا الاتجاه اللاهوتي الكندي والمفكر الأب د. رون رولهايزر (http://ronrolheiser.com) في عنوان مقاله بجريدة وسترن كاثليك ربورتر: ثمة قدر متكافئ من المقارنة بين مؤمن صادق وبين غير مؤمن نزيه.
وهناك في الواقع، اشارة ظريفة يقال فيها ان المسيحية لا تقطع رأس من يغادرها، كما لا تفرض قطع شيئا آخر منه إذا أراد الدخول فيها... ففي لقاء صحافي مع التربوي الفنان الراحل صبيح نعامة، حدثني عن مكانة يوسف الصائغ لدى مجتمعه الأصلي، ولقاءاتهم العائلية، وما يُعرف عن شريحة من مسيحيي الموصل، مع العهد الجمهوري، ممن اختاروا ايديولوجية سياسية بعيدة عن التوجه الكنسي، ولكن بقي انتماؤهم الاجتماعي متواصلا. واهداني نسخة من كتاب اعترافات المالك ابن الريب، مع تأشير الصفحة التي تحدث فيها الصائغ عن الفنان الرائد صبيح نعامة وأسرته، في سياق ذكرياته عن الموصل، وعن عمه المطران سليمان الصائغ.
وكانت قد جمعتني لقاءات مع الأب  أفرام سقط الدومنيكي، وهو يحضر لأطروحة الدكتوراه، في شأن استشارات ثنائية لترجمة موضوع اطروحته: أناشيد سليمان. وإذا بصديقي الدومنيكي الباغديدي، يريني مراجعة حصل عليها لترجمته الشعرية لأناشيد سليمان. وكانت بخط يد الشاعر والرسام يوسف الصائغ، تحمل من رشاقة الحروف والكلمات، ما يضاهي رشاقة رسام عملاق أمام لوحة شامخة.
أما لقائي الشخصي به فكان للتحدّث معه عن مادة مقترحة جديدة لعموده (جهينة) في احدى الصحف العراقية، عندما وصفت له ظروف مشاركة والدي، المسنّ نسبيا آنذاك، في حراسات الجيش الشعبي بقضاء عين سفني، فجاء عنوان عموده في اليوم التالي: حكاية المواطن فرمان.

الشاعران عبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ بين مشيّع وراحل
--------------------------------------------------------------
على كل حال، فيما يخص ظروف تشييغ الراحل يوسف الصائغ، فإنه لدى وفاته، كان من الواضح ان اصدقاءه ومريديّه وجدوا أنفسهم أمام طلب أن يشيّع شاعرهم الفقيد كنسيا. فحضروا التشييع وحضروا القداس والجناز عن روحه لمراسيم اليوم الثالث. وحضر معهم أعضاء من أسرة الشاعر الراحل قادمين من إحدى ولايات الخليج. وعندها التقيت بسيدة كان الشاعر الراحل على ما أذكر خالها، فحدّثتني عنه بشغف المحب، لقيمه، لطيبته ولتجذرّه مما ألهمني في كلمات التأبين.
لكني أذعن أن كل المؤشرات التي تجمّعت لدي الآن بتراكم زمني متباين، لم تكن حاضرة لديّ مجتمعة عندما كنت كاهن الكنيسة الكلدانية في دمشق. ففي يوم التشييع، وتحت هول المفاجأة، أقرّ أني كنت اجريت المراسيم، بنحو من كأنّ الغشاوة على عينيه: أمام حضور غير مألوف ومناسبة معقدة واستثنائية. وهنا تبدأ خاطرة الذكرى مع الشاعر الراحل حديثا عبد الرزاق عبد الواحد. فقد شاورني الشماس أركان ساعور الكنيسة، بعد قيامي بطقوس  التشييع، أنه لدى قراءتي للانجيل، كانت احدى الحاضرات مصرّة على البقاء جالسة برغم النظرات التي كانت تلاحقها. قلت للشاب اركان، دعهم يأتون الى صلاة الثالث وسنرى.

لقاءان سابقان مع الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد
________________________________________________
وكانت الذكرى هذه قد سبقتها مرّتان أخريتان رأيت فيهما الشاعر، الأولى في هلسنكي، في صيف 1981 إذ كنت ضمن مهمّة سياحية الى فنلندا، حيث كنا على مائدة أحد المطاعم، عندما حلّقت حواليه كالفراشات، مجموعة من الفتيات وعدد من العراقيين الزوار. ولما كنت لتوّي عائدا من الدراسة في الخارج، كانت من ثمّ الساحة الأدبية في العراق جديدة عليّ، وعندئذ فهمت أن عراقيينا، وهم المحبون للشعر والجمال والأدب،  ذهبوا اليه ليحيونه كشخصية أدبية معروفة.
أمااللقاء الثاني فكان خلال محاضرة ألقاها طالب الدكتوراه السيد خزعل الماجدي، عن المندائية في النادي المندائي بالزرواء، حضرتها مع الباحث الصديق الاستاذ سالم عيسى تولا. وعندما تلقى الباحث الشاب، سيلا من التعقيبات بلهجة تصويبية من جانب الوجهاء ورجال الدين  المندائيين، انبرى الشاعر الطيب، بالوقوف الى جانب السيد خزعل الماجدى، ليقول لهم ما مضمونه: ثمة حاجة، قبل ملاحظات التوصيب حتى في حالة تأسست على أرضية ما، ثمة حاجة الى الاشادة بجهود الباحث وغوره في تاريخنا المندائي، مما لم يطرقه الكثير من المعقبين. وأذكر أننا عندما غادرنا، عرض الصديق سالم عيسى تولا أن يقود السيارة أمامي وأنا أتبعه، حتى نخرج من الزوراء الى الشارع المناسب، فذهبت وراءه، حتى وصل الى تقاطع الشاكرية، المؤدي الى استعلامات القصر الجمهوري، فتوقف قليلا ليستدلّ وجهته، وفي هذا الاثناء، احاط به سرب مسلح من حراس القصر الجمهوري، ليطمئنوا إن كان يحتاج شيئا...

الشاعر عبد الواحد قارئًا لفصل كتابيّ في جنـّاز الصائغ
-----------------------------------------------------
وعودة الى مناسبة رحيل الصائع، فكانت قد حانت مراسيم صلاة اليوم الثالث. عندها كان لي بعض الاريحية مع ابرز الحضور، ومنهم الشاعر عبد الرزاق، فقلت له: سوف اقرأ الانجيل، خلال مراسيم القداس، وأود الملاحظة انه احترامًا للانجيل، فإن من يحضر مراسيم القداس، مطلوب منه الوقوف، إذا أراد البقاء في الكنيسة لحضور القداس، في إشارة الى تلك السيدة التي كانت جالسة فيما قبل. أجاب الشاعر بالقول: نعم افهم هذا وأرجو أن تطمئن أني سأتصرف بما هو مناسب. وعندما حان وقت قراءة كلام الله، كنت منتبها الى التفاصيل، منها ان السيدة، وكانت على ما توسمتها، شاعرة عراقية، بقيت جالسة، فالتفت اليها الشاعر عبدالرزاق بزاوية 90 درجة، وأشار إليها بإصرار هادئ أن تقف. لا اعرف ما قال لها، ثم عاد إلى زاوية مواجهته لقراءة الانجيل بخشوع واحترام، بعد أن اضطرها الى الوقوف، سامحها الله على ذلك الموقف.
وفي تنقلي بين سوريا وكندا، بقي عجبي ان من لا يقفون احتراما لقراءة إنجيلنا في العراق، بقوا كذلك في سوريا وكندا، كما شهدت ذلك في كالكري أيضًا. فهم مهما كانوا، وبالرغم من رهافة الشعر والحس الأدبي ومنهم من حملة الدكتوراه، كما الشاعرة المذكورة في دمشق، وجدتهم يتصرفون هكذا أيضًا، ليؤكدوا بهذه الطريقة أنهم يقصدون إظهار عدم الاعتراف بانجيلنا.
ولكن في الإشارة الى عنوان المقال، فإن المفارقة الرئيسة هي أني بتجليات المكان والزمان، رأيتني اطلب من الشاعر الكبيرعبد الواحد، وبدالة أبناء الخالة بيننا وبين الصابئة المندائيين أتباع النبي يحيى (الذي يقرنونه بشخص قديسنا يوحنا المعمدان ابن نسيبة العذراء مريم، برغم اختلافات في توصيفه مقارنة بما يعرف لدينا في حياته واستشهاده) أقول فقد وجدتني أطلب من الشاعر عبد الرزاق أن يقرأ القراءة الكتابية الاولى التي تسبق قراءة الانجيل، وهي في مناسبة الجناز تحديدا، قراءة من رسالة القديس بولس الأولى الى أهل قورنثية. فتفاجأ وقال: ولكني لم أعمل هذا في حياتي، فكيف اقرأها؟ قلت له: تقرأها كقراءتك لقصيدة، فكلمات هذه الرسالة مقاربة لقراءتك الجهورية عن ملحمة كلكامش، في وجدانيات البحث عن سرّ الخلود.
عندئذ صدح صوت عبد الرزاق عبد الواحد في كنيسة سانت تيريز للكلدان وهو يتلو كلمات بولس القائل:
فإن كان المسيح يُكرز به أنّه قد قام من بين الأموات، فكيف يوجد بينكم أناس يقولون بعدم قيامة الأموات؟...
فالآن قد قام المسيح من بين الأموات وصار باكورة الراقدين. وكما أن الموت صار بإنسان كذلك تكون قيامة الأموات بإنسان أيضًا. لأنه كما أن جميع الناس يموتون بآدم كذلك سيحيا جميعُهم معه بالمسيح....
وعندئذ وجدت ان كل شيء جاء على ما يرام، وأني بينت بمحبة ضرورة احترام كلمة الرب، وأن شاعر العراق عبد الرزاق عبد الواحد قرأ النص الكتابي وأبدع، فجاءت كلماتي، لدى التأبين، تخاطب الوجدان العراقي لمواطنيّ الحاضرين معي في الكنيسة التي تبعد بضعة أمتار من موضع عماذ المهتدي الكبير بولس الرسول، مزار القديس حنانيا، فقلت فيما قلت: نحن امام شاعر استطاع في وفاته هذه أن يجمع في هذه الكنيسة الكلدانية الدمشقية، أبناء العراق من مختلف انحداراتهم المذهبية، فنراه قد وحدّهم جميعا على كف قصيدة.
تلك كانت مناسبة فريدة وحيدة، غير معروفة عن قراءة ملهمة من أحد أسفار المقدس، قام بها الشاعر العراقي الكبير، المرحوم عبد الرزاق عبد الواحد، وفاء لصداقته مع الشاعر المتوفى الصائغ؛ مفارقة سقتها اليوم وقد فارقتنا روحاهما كلاهما إلى العالم الآخر.

38
عن البطاقة الوطنية (1)
تحية الى أخي في الايمان والمواطنة، فرج محمد صليوا

"اذا تم الاقرار بأن الرجل الذي يملك سلطة مطلقة قد يسيء استخدام تلك السلطة عندما يقوم بظلم خصومه، فلماذا لا تكون الأغلبية معرضة لنفس الانتقاد؟
(من كتاب طغيان الاغلبية أ. توكفيل)

بقلم الأب نويل فرمان السناطي
-----------------------------
مثل ما نلاحظ، يحمل فرج ضمن اسمه الثلاثي وسام جرح أصابه من أبيه عندما انجرف الى خارج بيته، فعاشر من دفعته الى أن يغير دينه واختفى. وكان فرج أحد أولاد (محمد) المرتد من المسيحية الى الاسلام، قد نال، كما هو مألوف، بركة المعموذية وهو طفل رضيع، وشبّ على التعليم المسيحي فتلقى المناولة الاولى للقربان المقدس، وجدّد مواعيد طقوس المعموذية والتثبيت، بأن كفر بالشيطان، واعماله وكل شروره.
وكنت قد تعرفت على الأخ فرج محمد صليوا، في ظروف القصف والغزو الأمريكي الذي انتهى بسقوط حكم شمولي، لتتوالى على العراق، حكومات محاصصة طائفية وضعت الغالبية الاثنية والمذهبية، بمثابة أغلبية ساحقة لدكتاتورية جماعية. وكنا نبحث عمن يصلح شبابيك الدار، غداة القصف العدواني، فلجأنا الى فرج، الذي كان يعمل في محل للزجاج في شارع تونس، مقابل كنيسة السيدة العذراء للسريان الأرثوذكس وبقرب ساحة النصر.

بحثا عن فرج
-----------
لست أعلم أين هو فرج الآن، ولعل الصديق ظافر (الذي كما أذكر دلّنا إليه في حينها) يساعد الان في أن نتواصل معه بمحبة عبر هذا المقال، على أمل أن يذيل فيه شهادته، إن أراد ذلك وبقدر ما تسمح له ظروفه حيثما يتواجد حاليا..
فلست أعرف إن كان قد غادر العراق، مع آله وبيته، عندما انفتحت أبواب الهجرة لحالات ليست أقل مظلومية من أحواله. ولعله وصل الى الدول ذات التراث المسيحي التي تحتضن الاقليات المذهبية، كما المضطهدين من كل الأديان، منهم المسلمين الهاربين من الإرهاب الديني والقهر والاضطهاد المذهبي والطائفي، مغادرين سوريا والعراق؛ بدون أن تظهر دولة عربية او اسلامية من الدول المقتدرة، لتدّعي كرامة استقبالهم والعمل على استقرارهم، وهم في بلدان انتظار صغيرة مثل لبنان والاردن.
ولا بد وأن فرج، إذا كان قد هاجر وقبلته دولة غربية، فعندئذ سيكون اسم الشهرة أو الأسم العائلي لأولاده، مأخوذاً من الإسم الثلاثي في جوازاتنا، فيصبح أسمهم العائلي:محمد. ومن ثم يصبح الاسم الكامل لابنه مثلا: شربل محمد، او اسم ابنته ريتا محمد... وعندئذ سليجأ إلى إجراء ديمقراطي تتيحه تلك الدول التي تحترم أقلياتها، كأساس لديمقراطيتها، فيعبّر عن حقّه في تغيير اسمه، ضمن معاملة تسمى (ليكال نيم شنج) أي التغيير القانوني للاسم. وبذلك يتخلّص أحفاد محمد صليوا أبي فرج، من الوصمة المتمثلة بفرض تسمية الشهرة عليهم لتكون (محمد)، بسبب اعتناق جدهم الاسلام: وهنا الوصمة بالطبع، هي في فرض الاسم، وليس في الاسم بحد ذاته، ويحمله الكثيرون من الطيبين، مع ولادتهم في بيئة هذا الاسم.

عند عبور حدود العراق: حالات من واقع فرج محمد صليوا
------------------------------------------------------------
لا اتذكر الاسم السابق لوالد فرج، وما فائدة ذلك، فهل يستحقّه؟ بل لعلّه تاب عن خطيئته، أمام ضميره وأمام الله والناس، بأنه لم يعتنق الاسلام إلا لأغراض الزواج، لعلّه إذن تاب فاستعاده، في بلاد الهجرة. فيقرر خارج العراق، غير ما اضطر إليه وهو تحت قانونه المذهبي الطائفي.
وهذا الشأن هو شأن شاعر عراقي كبير، المرحوم يوسف الصايغ، الذي عرف في العراق بأنه تحول الى الاسلام، بعد زواجه من امرأة غير مسيحية. فكان في أيامه الأخيرة خارج العراق في سوريا، وعندما توفي، كان اصدقاؤه وزملاؤه الشعراء ومعظمهم غير مسيحيون، كانوا أمام التوصية، بأن يتم تشييعه في كنيسة كلدانية، توصية عبرت عنها اسرة الشاعر الراحل (من الذين كانوا في الخليج وقدموا الى سوريا للتشييع) الى البطريركية والى مطرانية الكلدان. وهكذا كان راعي خورنة سانت تيريز وبتوجيه من البطريركية في بغداد والمطرانية الكلدانية في حلب، حاضرًا لتشييعه بحضور عدد من ذويه وعدد أكبر من المريدين والاصدقاء والمحبين، من مسلمين وغيرهم، وعلى رأسهم الشاعر الكبير الراحل عبد الرزاق عبد الواحد.
وهذا الشأن هو أيضا شأن ذلك الشاب، الذي ربطته علاقة بفتاة دليمية، فخرجوا من العراق، بأوراق المحكمة الشرعية، وحال وصولهم إلى برّ أمان، تقدمت (ز) مع خطيبها،  لتدخل دورة المتقدمين الى العماذ التي من أصولها التأكد أن الفتاة لا غصب عليها لاعتناق دين خطيبها، فإذا بها خلال دروس الدورة، تستبق الكاهن في الاجابة عما كان يشرحه من أسس الايمان بالمسيحية، لتؤكد بملء الفم: أجل عشقت خطيبي، ولكني عشقت ايضا دينه ودين الذي خلقه مسيحيا.
وهذا الشأن إياه كان مع الشاب الجنابي، الذي كان ياتي الى الكنيسة، خارج العراق، بخجل ولا يتقدم الى التناول، حتى علم راعي الكنيسة انه يريد ان يصبح مسيحيا، فتهيأ للعماذ ليستحق يد العراقية التي لم يكن يشأ أن يقترن بها في بغداد، فتحوّل دينها قسرا، بل هو الذي عشق دينها واعتنقه عن وجد (عن شغف).

وما حكاية فرج؟
--------------
وعودة إلى فرج: أتذكر الشيء القليل عن حكايته، ولعلّ أي قارئ صديق يعرف المزيد ويعدّل فيما أتذكره. فعندما شب فرج، لمس بعد أن ترك والده الدار لغير رجعة، ان الوالد أنكر دين آبائه لوقوعه في حب من لا يجوز لها شرعا أن تترك دينها إلا بحد السيف، فأسلم ليتزوجها. ولنا أن نتصور حالا كحال فرج وسواه، ممن بين ليلة وضحاها، وهو عائد، مثلا، من قداس أحد أو لقاء أخوية دينية، يجد نفسه على غير دينه، وهو لم يزل يعيش في محيطه واسرته وعشيرته وجيرانه.
وهنا بدأت المحاولات المستميتة، وعلى ما فهمت منه لتغيير هذا الواقع المجحف بحقه وبحقّ سائر اسرته، فحصل على تدخلات أبوية طيبة من مثلث الرحمة البطريرك مار روفائيل الأول بيداويد، في ظل النظام الشمولي السابق. ولأن الفساد كان مستشريا في ذلك الزمان ايضا، كما هو الآن وأكثر، فقد وصل الأمر بفرج الى اللجوء إلى التأثير بأي نفوذ متيسر، على ذلك النظام البيروقراطي في تسجيل الأحوال المدنية. وأخيرا عادت في سجل الأحوال المدنية، ديانة فرج من مسلم إلى مسيحي ثانية. ولكنه بقي يحمل اسم محمد؛ على انه كحالة تعويضية كان بكل شجاعة يقدّم نفسه بنحو معتاد، باسمه الثلاثي الكاشف: فرج محمد صليوا. ومن ثم كانت تتوفر فرصة توضيح ذلك.

ما أشبه اليوم بالبارحة
-------------------
أجل ايها العزيز فرج محمد صليوا وحيثما كنت، ها نحن، في هذه الأيام أيضا، نعود الى المربع الاول مع حكومة المحاصصة الطائفية، ليخرج لنا برلمانها بقانون يكرّس هذا الاجراء الذي طالما عانيتَ أنت منه وكافحت ضدّه، والذي ما هو إلا تدخل في شأن البيت المسيحي، وامتهان لحقوق الإنسان، وهو دعم قانوني من خلال هذا القانون المجحف، للطرف الخارج عن البيت بنزوة عشق، أو ما شابه، ليخرّب بيته مرتين، مرة بخروجه، ومرة بأسلمة القاصرين فيه وعدم توفر الفرصة المناسبة للطرف الباقي على مسيحيته، في الوفاء بعهود العماذ في تربية اولاده مسيحيا.
إن مثل هذا الإجراء يعود سببه إلى أن الحكومة العراقية غير قائمة على المواطنة ولا على توازن المجتمع المدني، بل على أساس المحاصصات الطائفية، وهذه إحدى ثمارها المتناقضة مع الديمقراطية الحقيقية المتسندة على أن الأقليات فيها تمتاز بالتمتع بأبسط حقوقها. فهنا نحن بالاحرى أمام تعسفية ودكتاتورية الغالبية الساحقة. وبموجب ما جاء في الجملة المأخوذة من كتاب طغيان الأغلبية الواردة في صدر العنوان،  بأن "الرجل الذي يملك سلطة مطلقة قد يسيء استخدام تلك السلطة عندما يقوم بظلم خصومه، فلماذا لا تكون الأغلبية معرضة لنفس الانتقاد؟"

الوضع الحالي للبطاقة الوطنية (العنصرية)
--------------------------------------
وإذا كان ما يثار حاليا وبشجاعة في هذا الشأن على المستويات الكنسية وعلى مستوى الجماهير المسيحية، فلا يحسبنّ الناس، أن كل يوم، يذهب لنا واحد أو واحدة يترك دينه، إن لم تكن تلك الشطحات التي تظهر بين الفنية والأخرى. ومن مفارقة التناقض في قانون البطاقة الوطنية الموحدّة أن ليس ثمة من يتاح له ان يترك إسلامه لأي سبب أو قناعة، كما سبق وأوردنا من أمثلة كاشفة، فسيكون عندئذ تحت طائلة أن يوضع عليه الحدّ، أي يدفع حياته ثمنا لذلك. أو يخرج من العراق ليتصرف بحريته الشخصية.
لكن يثار كل هذا، لأن كل حالة تحدث هي شرخ جديد في المظلومية، في إجراء ما هو الا من ثمار دفع المزيد من مسيحيي العراق الى الهجرة. فهل ثمة من يغير ما في النواب، ليصوتوا على خلاف ما صوتوا؟ كلا، بل هي المواقف الشجاعة لمجلس الطوائف ولبطريركية الكلدان، والتلويح بتدويل القضية، وطرحها كقضية رأي عام، أمام المحافل الدولية. على أمل أن يلتحق العراق بالركب الحضاري وبالديمقراطية التي تفتخر باحترام الاقليات، وتحت نظم يحكم فيها المجتمع المدني، تحترم الاختيارات الدينية ولا تفرض دينا على غيره، ولا تسن قانونا يغلّب دينا على غيره.

39
ملف بحثي:
لعل التقاطعات باتجاه الكنيسة الكلدانية، إدارية وسياسية أكثر منها قومية وعقائدية
بقلم الأب نويل فرمان السناطي
___________________

تساؤل ليس للتبرير، بل يتوخى واقعية البحث عن تفسير. فقد طفت مؤخرا على السطح وبنحو علني، بين بعض كنائسنا من الشرق الاوسط تقاطعات، منها ما هو غير مسبوق وعلى مستويات مختلفة. يبحث هذا المقال، في ما قد يحسبه عموم المؤمنين، اختلافا يرجع الى الجانب الكنسي أو العقائدي، في حين أنه قد لا يكون في الغالب الا حواجز تضعها  الرئاسات الكنسية، كدفاعات لخصوصياتها، واحتماءات على حساب الوحدة في الايمان، أمنية الرب الكبرى. وما يجلب الشكوك أكثر أن ذلك قد يحدث ايضا بين الكنائس الطقسية الكاثوليكية، عندما توضع في مدن نائية لبلدان الشتات، تحديدات هي إدارية أكثر منها أسرارية، على غرار ما هي عليه في الرقع الجغرافية والكتلوية الأكبر في الوطن الأم. هذا الأمر تجاوزته أبرشيات الكنيسة الجامعة منذ عقود، حيث تضمّ الأبرشية الواحدة عشرات الخورنات وتتعامل بانسيابية مع كنائس طقسية عديدة.

مع الكنائس الرسولية غير الكاثوليكية
_____________________________________
أما هذا المقال فيقتصر على الموقف من الكنائس الرسولية الشرقية التي أعادت الشركة مع الكرسي الرسولي مع شقيقاتها الشرقية في الجذور الكنسية، والتي ما زالت مستقلة عن روما؛ ويتناول تحديدا طبيعة التعامل في المسار الوحدوي بين الكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق الآشورية. فالأمل المسيحي هو أن يبقى ثمة مسار وحدوي، ينفتح إلى ما يستجد من ظروف؛ وليس مجرد تداول ما درج على تسميته دبلوماسيا، تعاملات الأخذ والعطاء. خصوصا وأنه ليس ثمة، بفضل الرب، جدار عقائدي إيماني عصيّ لا يمكن تجاوزه. فأن يكون الخلط بين المسألة الكنسية الإيمانية وبين مسألة الانتماء الثقافي واللغوي والقومي على قدم وساق من المقارنة، فهذا بات أمرًا قد يحتاج الى التوقف والتفحص الواقعي الدقيق والمحب، يتبيّنه عموم أبناء هذه الكنائس ، فينظروا بعيون الرحمة وبقلوب من الإيمان والرجاء، إلى كبار سياسييهم واكليروس كنائسهم، ويتبصروا مسار إيمانهم، على مستوى الرعية او على مستوى الأفراد في الرعية.

اللغة وعامل البقاء: كنائس شرقية بطقوس عربية
_____________________________
الكنائس التي باتت عموما تتبنّى اللغة العربية في طقوسها، كالكنائس القبطية والملكية وعددا من الكنائس الانطاكية، الكاثوليكية والأرثوذكسية، أصبحت في بلدان الانتشار تواجه التحدّي في تشتت أبنائها والذوبان في الكتل الكبرى. فأخذوا يشجّعون تعليم اللغة العربية للأجيال الجديدة، وكذلك يترجمون الخصوصيات الطقسية الى اللغات المحلية وبنكهة شرقية تتفاوت الآراء في مدى استساغتها. كما تتفاوت الرؤى والتساؤلات، لدى الكنائس الارثوذكسية، والحال ذاته لدى الكنائس الشرقية الكاثوليكية، بشأن عدد الاجيال التي يمكنها ان تتحمل مستقبل البقاء قبل الذوبان في المحيط الغالب. أما الكنائس الارثوذكسية منها، فلا بدّ أنها تحسب الحساب لهذا العامل، ضمن الخطوات المسكونية التي تخطوها لأي مقاربة في الوحدة مع الكنيسة الجامعة أو الكنائس الاخرى، لما لذلك من تأثير على جماعاتها المغتربة.
إعادة الكرسي البطريركي إلى الوطن مع قداسة مار كيوركيس الثالث صليوا
____________________________________________
وعليه فإن الخطوة التي خطاها المجمع المقدس لصالح الأشقاء في كنيسة المشرق الآشورية، لجعل الكرسي البطريركي في العراق، تعدّ خطوة ثورية وشجاعة بامتياز؛ واذا حسبناها كما هو مرجح، كاستجابة الى أنفاس الراحل الكبير البطريرك مار دنخا الرابع، فلن يمكن عندئذ تفسيرها كخطوة مرحلية مفصّلة على مقاس البطريرك الجديد قداسة مار كيوركيس الثالث صليوا، الذي كان كرسيه الأبرشي أصلا في بغداد. أكتب هذا مستذكرا مقطع حديث تلفزيوني، لمثلث الرحمة مار دنخا، عندما خاطب عوائل رعيته، يحثّهم على استخدام اللغة الام في البيت وإلا ما عليهم ان يتوقعوا بأن يتعلمها اولادهم بمجرد ارسالهم مرة في الاسبوع الى الكنيسة لتعلم اللغة. كلمات كانت بمثابة جرس انذار بأن حتى الكنائس ذات الخصوصية الطقسية واللغوية والمستقلة عن روما، مدعوة إلى التحصّن أمام الذوبان في الكتل العملاقة للعالم الغربي. ناهيك عن أن أولئك الذين، عندما تكون الكنيسة الكلدانية، في بلدة غربية ما، هي الكنيسة الوحيدة في المنطقة وتقيم طقوسها باللغة الأم، يذهبون الى الكنائس التي تقيم الصلوات والقداس بالعربية، لمجرد أنها غير كلدانية، فإنهم بذلك إنما يعجلون في الذوبان المذكور. وفي كل حال، وبنحو عام، تبقى حضارة التراث واللغة والخصوصية القومية هي اساسا ابنة ارضها الاصلية. فألف مبروك لإعادة كرسي ساليق قطيسفون إلى دياره الأصلية. وأطيب الأمنيات لقداسة البطريرك الجديد مار كيوركيس الثالث صليوا، الذي تشرفتُ بأن عرفتُه في بغداد، عندما كنا نزوره من قِبل مجلة الفكر المسيحي، وكان يستقبلنا بطيبته ودماثته وتواضعه، وكان يقدّم لنا الاسناد الالكتروني الفنّي بمهارته المتفردة؛ فكان قداسته، هو الذي يصلح لنا الصور القديمة عن قرانا الشمالية، لنشرها ضمن باب (بين الماضي والحاضر). وكان آخر لقاء لي مع قداسته في شيكاغو لدى تشييع خلفه البار مار دنخا الرابع.
الكنيستان الشقيقتان، المشرق الاشورية والشرقية القديمة

بين نعمة صون الايمان وبين الشأن التسموي
___________________________
التحدّي الذي تواجهه الكنائس الطقسية المستقلة (غير الكاثوليكية) يبقى بالطبع مرتبطا بمحافظتها على وديعة الايمان ككنيسة رسولية. وهذه نعمة من وعد الرب بأن يكون معنا مدى الازمان. وفي أزمان التحدّيات والاضطهادات والمطالبة بالحقوق العادلة، ثمة توجهات لدى الكنائس، لا تخلو منها الكنائس البطريركية الكاثوليكية، بموجب تلك التوجهات تقوم الرئاسة الكنسية -وليت ذلك يبقى على مستوى الرئاسة الكنسية- برعاية الجانب القومي بمختلف أبعاده اللغوية والثقافية والاثنية، وتتعامل مع العناوين السياسية في إطار توحيد الرؤى والخطوات المشتركة. وفي المبدأ يكون ذلك لحين استقرار الشعب المؤمن من ناحية حقوقه  في الجوانب الاثنية وصفات المواطنة في بلد متحضر يحترمها. عندئذ يتفرغ المزيد من المجال للكنيسة في الاضطلاع بعيش البشرى السارة والشهادة لها. ومع هذه المهمة المضاعفة الشاقة على عاتق الرئاسة الكنسية، يكون التحدّي، ببركة الرب، في صون وديعة الإيمان، على حساب التأثـّر بالكتل القومية والسياسية المتنفذة من أبناء شعبها.
وهنا ايضا يتمجد الرب بالطوبى لكنيسة المشرق الاشورية، إذ تحمّلت مهامًا دينية ومدنية، فيما مضى من عهود، وبرغم عاتيات الدهر، بقيت تحتفظ بأصولها العقائدية، وسلامة التقليد الرسولي، بحيث كانت على قدم وساق من التباحث الكريستولوجي مع الكرسي الرسولي في نهاية 1994. والشيء بالشيء يذكر، فإن الكنيسة الشرقية القديمة، وبرغم ظروف وحساسيات انفصالها عن كنيسة المشرق في بحر الستينيات، ها هي تحتفظ برونقها العقائدي.

خطوة الكنيسة الشرقية القديمة
__________________
ولا نحسب ان الشأن القومي والثقافي وحقوق ابناء الكنيسة في ظلّ الاضطهادات والتهجير كان غائبًا، حاشا، عن الكنيسة الشرقية القديمة، بما عُرفت به من تعامل محنـّك مع الجوانب السياسية. ولكنها أيضا زادت وأكدت، بموجب بما عرفنا من خطواتها، بجعل الأولوية القصوى في الحفاظ على الخصوصية العقائدية والرسولية للكنيسة المنفتحة مع رسالة الانجيل للعالم كلها. فمع أنه معروف عنها حفظ الاعتبار للخصوصية القومية لشعبها فقد طلبت، على وفق ما تداولته وسائل الاعلام والتصريحات جملة وتفصيلا، طلبت أن يرفع الاسم القومي من التسمية الكنسية، في حالة الوحدة الاندماجية بينها وبين كنيسة المشرق الشقيقة.
ومن السهولة جمع هذا الرأي المسيحي والانجيلي منسجما مع الحرص على الخصوصية القومية، وتفسيرهذا الرأي بتاريخية اسم كنيسة المشرق وامتياز حيازتها على هذا الاسم جغرافيا وثقافيا وقوميا لخصوصية كونها كنيسة المشرق التي بشرت بالمسيحية حتى الصين وأبعد. هذا الشرط، إن صحّ ما تلقينا من مفرداته لم يغمط، إذَن، الخصوصية القومية المعروفة لشعب الكنيستين الشقيقتين.
ولأننا شعب رجاء، ومسار الوحدة المسيحية هو دعوة مفتوحة، نترك لرؤساء الكنيسة الأجلاء، ما قدّروه من زواياهم، من أن الخطوات الموضوعية لم تكتمل بعد، حتى، بمشيئة الرب، تتوفر يوما فرصة تاريخية لإعادة اللحمة بين الكنيستين الشقيقتين.
وعلى المستوى عينه من الانبهار بوديعة الايمان المصانة في كنيسة المشرق الآشورية، لا بدّ وأن لها حكمتها في المناداة بخصوصيتها الآشورية ضمن ثلاثية التعلق بالكنيسة وبالمسيحية؛ ولا بدّ وأنها ترى بترفع أبوي، بعض تطرّفات السياسيين، أغلبها قد يكون من باب الشغف الانتمائي، عندما ذهبت تلك التطرّفات، الى ان تعدّ آشور اسمًا مرادفًا لله؛ بدليل أنه، ولئن لم نسمع الرئاسة الكنسية تستنكره، فإن ذلك لم يأت يوما على لسان أحد رجال الكنيسة من حيث التفسير أو التأويل.
على أنه من الملفت، أن رجال السياسة والاقلام القومية، لإخوتنا في كنيسة المشرق الاشورية، بقوا يحتفظون بمسافة واحدة مع الرئاسة الكنسية، والرئاسة الكنسية تبادلهم الموقف. حتى ليحسب البعض، من فرط عدم التقاطع، ان كلا من الجانبين يمشي في طريق موازِ؛ ويتهيأ للمرء، أن ثمة بالأحرى "كونغرس ظِلّ" بينهما يجمعهما على ثوابت متفق عليها، بحيث لا يكاد اي الجانبين يحيد عنها. باستثناء واحد ان الجانب الكنسي، يعلن اصطفافه القومي، لكن الجانب السياسي الليبرالي واللاديني، لا يعلن اصطفافه الى الجانب الكنسي.

الكنيسة الكلدانية، الخطوات الوحدوية وما قابلها من الجانب الشقيق
تساؤلات حول رفضهم تسميتنا المشتركة (كنيستـَي المشرق الكلدانية والآشورية )
__________________________________________________
وتحضرني مفارقة بشأن تسمية "كنيسة المشرق" تعود بي إلى منتصف التسعينيات. كان ذلك في أعقاب الاتفاق العقائدي المسيحاني- الكريستولوجي بين الكرسي الرسولي في روما، وكنيسة المشرق الآشورية نهاية عام 1994؛  حينها انطلقت تباشير وحدة موشكة، وبخطوات طيبة متبادلة من مثلثي الرحمات، مار دنخا الرابع ومار روفائيل الأول بيداويد. فبادر كاتبان، احدهما من الكنيسة الشقيقة، والآخر من الكنيسة الكلدانية، كاتب السطور، إلى تحرير مقال يستوحي في عنوانه التقارب بين ما سميناه، كلانا: كنيسة المشرق الكلدانية وكنيسة المشرق الآشورية، وهي العبارة التي على ما أذكر كانت محببة لدى الراحل الكبير ورائد التقاربات الوحدوية، الأب يوسف حبي. فتصادف وأن عرضتُ المقال، بسرور وفخر، الى مرجع كنسي حبري من الكنيسة الآشورية، وعندما وقع نظره على العنوان، قال بدالة وأبوّة وبأدب جمّ: كنيستنا هي كنيسة المشرق، قلت له: نعم سيدنا، هي كنيسة المشرق الاشورية، وكنيستنا كنيسة المشرق الكلدانية، فأجاب سيادته بابتسامة ودّية وبنحو لم يجرحني حقا: كلا، فتسمية كنيستكم هي الكنيسة الكلدانية وحسب. وكان ذلك التعامل درسًا بليغًا مفادُه: اختلف معك، تختلف معي، في هذا النحو أو ذاك، ولكن لِتبقَ المحبة فوق كلّ شيء.
تبيّن لي، من تلك المفارقة، ان هذه كانت القناعة لدى إخوتنا في الكنيسة الاشورية، من مؤمنين إلى أعلى المراجع: فيما يخصّ جذور كنيستي الاولى من بلاد بين النهرين التي ارتبط اسمها بالمشرق، تيمّنا بالنجم المنبلج من المشرق واهتدى بنوره ملوك المنطقة إلى ملك الملوك؛ فهل لو كنتُ قبطيا، واصبحتُ قبطيا كاثوليكيا، يقال لي لم تعدْ قبطيا من مصر. وبقي السؤال يراودني، ولم أجد له جوابا: ما الذي يا ترى يجمعني من جذور مشتركة في التسمية الكنسية، مع إخوتي في كنيسة المشرق الآشورية، اسوة بالارمن والسريان والروم والاقباط والاريتيريين، ممن تميزوا عقائديا بكاثوليك وأرثوذكس. الخشية أن يُقصد من هذا الرفض بأنه يطال الصفة الكاثوليكية للكنيسة الكلدانية وأنها لا تؤهلها لأن تحمل التسمية المشتركة، ككنيسة مشرق كلدانية. هذا الموقف كان في بحر التسعينيات، ولا نعلم إن كان ثمة اي تطور استجدّ بشأنه.

ردّ الأشقاء على الخطوتين التاريخيتين للبطريرك مار لويس ساكو:
=============================================================
1- شروط قومية في طريق الوحدة الكنسية
______________________________________
كان لا بدّ من مخاض صعب، يخرج فيه الكلدان، كنيسة وشعبا، بالقناعة أنهم أحاطوا الآن بمجمل السبل المنطقية والواقعية، التي تعشّموا أنها تؤدّي الى الوحدة المسكونية الروحية بين الكنيستين الكلدانية والاشورية، أمنية الرب، وكانت من ثم في أول سلم اوليات النهج المسكوني الوحدوي. وأمام هذه الأولوية، سعى البطريرك ساكو، كما لاحظ المراقبون، إلى أن يمهّد الكثير من العقبات النفسية والاجتماعية والثقافية، وصولا الى وضع الجانب الاثني القومي في مرحلة لاحقة. فكان المخاض صعبا بنحو مزدوج، من داخل محيط الكنيسة الكلدانية ومن خارجها.
وكانت الزيارة التي قام بها غبطة مار لويس إلى قداسة البطريرك الراحل مار دنخا الرابع في شيكاغو، في حزيران من العام الماضي 2014. وهنا أيضا يأتي الجواب الى المبادرة الكلدانية نحو الوحدة في جلسة حوار ودّي، وعلى مائدة تقاسم طعام المحبة، بأن الوحدة الكنسية، يجدر تأجيلها حتى تحصل الوحدة القومية بين شعب الكنيستين؛ ولم يردْ أي جواب للتساؤل الذي مفادُه ان المسيحية في بلاد بين النهرين، انفتحت الى اقوام متنوعة. لقاء معروف أشبعتْ مختلف الجهات، جوانب كثيرة منه سواء بالبحث والكتابة او بالصمت البليغ.

2- تراكمات ثقافية امام وحدة الكرسي البطريركي
_______________________________________________
وعودة الى ما سمعنا من مقترح الكنيسة الشرقية القديمة، برفع الاسم القومي من الكنيسة الرسولية، كخطوة الى الوحدة، مع كنيسة المشرق، فإن الكنيسة الشرقية القديمة، تكون قد تقاربت بذلك المقترح مع مبادرة بطريرك الكنيسة الكلدانية مار لويس ساكو، كسابقة تاريخية، والمتعلق بوحدة المجمع المقدس مع كل من كنيسة المشرق والكنيسة الشرقية، حين عرض التنازل عن الكرسي، ضمن تمييز للمسار الروحي المشترك بين الكنيستين والكنيسة الجامعة، عن الخصوصية القومية لمؤمني هذه الكنائس؛ وجاءت اجابات الاعتذار من جانب كنيسة المشرق، بأن تمحورت على حصيلة التراكمات الثقافية والتراثية بين الكنيستين. ولعلنا نستطيع تفسير هذا السبب بكونه ادرايا وسياسيا، وأنه أبعد ما يكون عن العقائدي، أو أي سبب قد يكشف سرّه الزمن القادم. ولنا أن نفهم من ثم ان ما وضع من شروط على الكنيسة الكلدانية في الوحدة، ليست شروطا تعجيزية بل طريقة للحفاظ على خصوصيتها وعلى منجزاتها وما تراه من امتيازات شخصية وادارية متراكمة؛ ويعيد السؤال طرح نفسه: ما الذي سعت كنيسة المشرق إلى تحاشيه، من دخول الكنيسة الكلدانية في الوحدة معها حفاظا على خصوصيتها؟ سؤال يترك للتاريخ.

البطريرك الكلداني يفصح عن دوافعه الوحدوية
____________________________________________
هذه خلاصة لموقف مار لويس ساكو من مبادرته ومن الردود بشأنها، مأخوذة من مقابلة غبطته مع قناة المخلص الفضائية الكلدانية (https://www.youtube.com/watch?v=tQpimhzNzs8).
دوافع المبادرة:
في إشارة الى الشعب المهجـّر والى العراق والمنطقة التي تفرغ من المسيحيين، وتناقصهم من كل الكنائس في النسبة والتناسب، فيما بينهم وما بين سائر مواطني العراق، أكد مار لويس الى أننا أمام هذه الظروف الاستثنائية : اذا اتحدنا ككنيسة واحدة نكون اقوياء، وعندئذ ايضا يمكن للشعب أن يتفق على تسمية متفق عليها، وبلا انغلاق. وتلقى البطريرك ما جلبته له مبادرته من استخفاف، حتى على المستوى الأسقفي في الكنيسة الشقيقة، بأن أشار أنه ليس أفضل من يسوع الذي "نعتوه ببعلزبول". واضاف انه في خطوته يستمد التآزر من كل اساقفة الكنيسة الكلدانية و"أنهم على خط الوحدة؛ اذا الاخرون مدّوا يدهم، نحن نكون كنيسة واحدة". واستند غبطته في مبادرته، على قاعدة مسيحية رصينة، قوامها ولله الشكر، أننا: " في شركة إيمان واحدة". ، مشيرا الى البيانات اللاهوتية من أعلى المرجعيات.  ويعزز غبطته هذا المبدأ بدليل "حوار الكنيسة الشقيقة مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، بأن كل هذا ليس إلا بنية صادقة من أجل الوحدة".
ولم يقلل مار لويس روفائيل الأول، في الوقت عينه، من أهميّة ما طرحه إخوتنا في الكنيسة الاشورية من ملاحظات تعيق الوحدة، بقول غبطته بأن قد: تكون هناك صعوبات في التقاليد والطقوس والادارة والاتفاق بين المجامع المقدسة... على أنه يضيف: "بارادة سليمة وصحيحة ومسيحية ممكن أن نتّحد  ونطلب من كنيسة روما ان تحترم صلاحيات البطريرك والسينودس في ادارة الكنيسة المحلية والسينودس" مشيرا الى أن "الكنيسة مع البابا فرنسيس تشجع هذا الاتجاه... وعلى مستوى كنائس الشرق الأوسط."
وقارن مار لويس عدم التمسك بالكرسي الزائل أمام ما حمّلنا الله من  "مسؤولية كبيرة اذا شعبنا تبعثر، بعد اجيال، ويذوبون في مجتمعاتهم"؛ مؤكدا على أهمية الوحدة الكنسية على الأرض الرافدينية، بقوله: "هويتنا جزء من الارض والارض جزء من هويتنا. وأن الغيرة تدفعنا من اجل الوحدة، إذ سيقول يسوع: انا صليت من اجل الوحدة وانتم رفضتم الوحدة."

                             لعلّها دعوة ضمنية من الاشقاء للاهتمام بالبيت الكلداني، روحيا وقوميا
                             _____________________________________________________________________
بعد ما سبق ذكره، تتبادر إلى الذهن هذه الأسئلة:
هل يقتنع الإخوة أبناء كنيسة المشرق الآشورية، بأنه لا تمكن ان تكون لهم الوحدة مع مؤمني الكنيسة الكلدانية، لمجرّد أن هؤلاء كلدان، وأن كنيستهم آشورية؟ وأمام كونهم يشتركون بوحدة الإيمان؟
أما يُشتمّ من هذا الموقف أن يكون سببه سياسيا وإداريا؟ وإلى أي حدّ قد يتحمل السياسيون جانب مسوؤلية أمام ضمائرهم؟
إلى أي الحدود يمكن لكنيسة المسيح أن تمضي في التماشي مع الخط القومي والسياسي؟
ومع كل هذا وذاك، فالرجاء كل الرجاء ان الرب يبقى مع كنيسته ويحمي فيها جوهرة الايمان، بالرغم ما تمليه عليها خصوصيتها وظروفها الضاغطة، بحسب ما يرى المراقبون، من عزلة تجاه الشركة الكنسية.
مما سبق ذكره، يعتقد كاتب السطور أن مواقف الكنيسة الآشورية، إزاء خطوات الكنيسة الكلدانية الوحدوية جملة وتفصيلا،  توحي بكونها ضمنيا وبنحو غير مباشر، دعوة أخوية ودّية للاهتمام بالبيت الكلداني، كنيسة وشعبا؛ وثمة جملة مؤشرات في مواقف كنيسة المشرق الآشورية:
- يُطلـَب منك التخلي عن الوحدة مع الكرسي الرسولي، حتى تتأهل لأن تحمل اسم كنيستك الاصلية كنيسة المشرق. فمنذ متى كان الانسان مضطرا للتخلّي عن فكر أو معتقد بدافع من خصوصيته القومية؟
- يقال لك: لا تمكن الوحدة الكنسية، بل ينبغي للشعب ان يتحد. ولا تستغرب لاحقا، إذا جاءت شروط الوحدة الشعبية بنحو مفروض أحاديًا.   
- أمام عرض بطريركك التنازل عن كرسيه البطريركي في سبيل الوحدة الكنسية، يتبين من الجانب الشقيق أنه لا يكفي للاندماج بين الكنيستني، ان تبرره وحدة الإيمان، ولا الظروف الحالية القاهرة، بل إن الاختلافات التراثية والطقسية والثقافية متراكمة بيننا.
وكخلاصة وبفصيح القول، فإن تقدمك الى الوحدة الكنسية يملي عليك: التخلي عن الشركة الكنسية مع الكرسي الرسولي، أن تتبنى الخط القومي لشعب كنيسة المشرق الآشورية.

الكنيسة الكلدانية والرابطة الكلدانية
_______________________________________
والحال، إذا كان ثمة توجه إعلامي قومي متميّز ومتمرّس في شعب كنيسة المشرق الآشورية الشقيقة؛ فإن المؤشرات تبيّن أيضًا ان الكنيسة الكلدانية لم تفتقد إلى المنظـّرين في المجال القومي، في وسط الباحثين من اكليروس وعلمانيين؛ ولكن لمدة طويلة وضع الموضوع في المرتبة الثانية، إن لم يكن قد رُكن جانبا، وذلك لاعتبارات مسكونية ووحدوية طيبة النية من قبل الكنيسة الكلدانية.
ولكن مع الوقت تحرّكت الاستقصاءات بشأن التنظير القومي، بحيث لم يحصر المنظـّرون، تكوّن الخصوصية الكلدانية في حقبة كاثوليكية محددة للكنيسة الكلدانية، بل ذهب التنظير والبحث الى ابعد من ذلك؛ وفي كل حال، لن يمنع شيء الاختصاصيين، سواء من الأطراف العلمية المحايدة، أو من محبّي وحدة أبناء الكنيستين، من أن يبزّوا بعضهم البعض بالحجة والبرهان والمراجع والمؤلفات.
على أن التضحيات من الجانب الكلداني، كانت بأن التنظير القومي للباحثين، ولمدة طويلة، جعل التناغم مع الكنيسة الكلدانية، ولكثير من الاعتبارات المذكورة، دون الحدّ الأدنى. فقد أدّى إلى شيء من تخلخل العلاقة بين العلمانيين الباحثين والكنيسة. هذا التخلخل في العلاقة، حجب عنهم الالتفات إلى أن رئاستهم الكنسية لم تنكر كلدانيتها، كما لم ينتبهوا إلى الضلوع الشخصي لرئاساتهم الكنسية، بطريركا وأساقفة، في عراقة الكنيسة الكلدانية مسيحيا وقوميا.
ومن المعتقد ان ظهور تجربة الرابطة الكلدانية، هو ضوء أخضر من الكنيسة للاضطلاع في شأن البيت الكلداني قوميا وثقافيا. ولا بدّ أن الحيادية المعلنة بين الكنيسة والرابطة، ستصل مع التمرّس وطبيعة النتائج، إلى تقويم تجربة الإرشاد الروحي الكنسي فيها، وأي إرشاد روحي هو مطلوب لها.

خاتمة
_____
كانت هذه أخي القارئ الكريم، محاولة بحثية متواضعة، لتناول عنوان هذا المقال، بنحو يخاطب فيه كاتب السطور احبة سامرهم وكاتبهم وزاملهم، ولسان حاله يقول: لقد التحقت بكهنوتي من زمن، وبتوجه كنيستي وشعبها الكلداني، وإن مساري توصّل الى استخلاصات قد تتقاطع مع قناعاتكم أنتم حتى الوقت الحاضر. فإن كنتم سياسيين في الخط القومي فهذا خطكم، واحترمه. وان كنتم من هذه الكنيسة أو تلك، فمبروك عليكم تمسككم بها مع تمسككم بأحلامكم الوحدوية؛ وللذين منكم هم من  كنيسة الكلدان فلا أحد من أقرانكم سيطلب منكم مغادرتها، لمعرفتهم قبل غيرهم بأن كنيستنا الكلدانية الكاثوليكية تحتضن مع شعبها الكلداني، قوميات متعددة ولغات وثقافات شتى.
أجل يا أحبة، في هذا المقال شاركتكم ببعض ما تمخض لدي من قناعات، وهي بهدي من القناعات التي تحوز على جل الاهتمام من لدن أحبارنا، اساقفة وبطريركا، في كنيستي ذات الشركة التامة مع الكرسي الرسولي وفي من اختار هذه القناعات من شعبها الكلداني.

ملاحظة:
______
مع امتناني لموقع  البطريركية ولموقع عنكاوا لنشر رأيي في هذا البحث، أرجو أن يسمح لي أن أورد الملاحظة الآتية:
نظرا لأنه يتعذر علي،  لظروف قاهرة، التداول المتواصل على صفحة الموقع، فإني في المعتاد الجأ الى المخاطبة الشخصية والمراسلة بالايميل، بشأن المداخلات والاراء وكل اصحابها احترمهم وأقدرهم. مع محبتي الدائمة.
الأب نويل فرمان السناطي
nfhermiz@yahoo.com

40
المؤسسة البطريركية الكلدانية في سنتها الثالثة:
ملف النقاط الساخنة

بقلم الاب نويل فرمان السناطي


مع الوقت قد تتكون لدى الكثيرين رؤية شمولية لمسار المؤسسة البطريركية؛ رؤية لها أن ترتفع فوق بعض التفصيلات والمماحكات مما قد يتوهم البعض ان يكون حصرا الصورة التي تغطي كل شيء. هذه محاولة تقديم ملف، حتى يتاح للقراء الكرام الاطلاع على الجوانب التي تلفت انتباههم فيه، مما سمي بالنقاط الساخنة في مسار هذه المؤسسة وهي قريبة من إكمال سنتها الثالثة.

لقاء باريس
ما حث على كتابة الموضوع هو الانطلاق من لقاء باريس الذي، بصرف النظر عما نشره الموقع البطريركي من متابعة خبرية طيبة وما صدر عن وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، فإنه عموما قوبل بصمت لعل سببه الذي نبحث عنه بحسن نية هو انشغالات الحياة اكثر من اللامبالاة إزاء ما يتحقق؛ فثمة حاجة إلى أية ومضة تنعش روح الرجاء، خصوصا أن المراقبين يعوّلون على الامل المرتجى من لقاء باريس الذي يعدّونه مميّزا ويقارن بلقاء مجلس الامن في نيويورك.
وإذا قلنا "المؤسسة البطريركية" فهذا يضم بطبيعة الحال غبطة البطريرك ومحيطه في الدائرة البطريركية وسائر تراتبية الابرشية البطريركية، والابرشيات الكلدانية في مقدمتها التي في العراق، بما تنجزه من انشطة روحية و إنسانية واجتماعية وثقافية، والتحرك الذي يجرونه سواء في الداخل أو في الخارج، مما يحظى بالالتفات؛ وغالبا ما تكون الجاليات والأبرشيات في الخارج بمثابة الاطار الذي يحتوى تلك الزيارات أو يستقبلها. والمؤسسة البطريركية هي ايضا ما تضم من كهنة في الابرشية البطريركية وفي ابرشيات العراق وكردستان العراق، وما يقومون به في ظروف القرن، من أعمال معظمها محتجبة ولكنها بطولية.
وعودة الى لقاء باريس، يأتي في المقدمة ما نلمسه من موقف حميم للكنيسة الفرنسية، يستمد جذوره من الوجود المسيحي الفرنسي في العراق من جهة، ومن جهة أخرى ما لقيته فرنسا من تأقلم طيب لدى الجماعات المسيحية من الشرق الاوسط. فكما عرفت فرنسا لزمن، راعية للحضور المسيحي اللبناني في الشرق الاوسط، خصوصا في أزمنة الشدّة، لعلنا نجدها تؤدي هذا الدور مع مسيحيي العراق، ليس من موقع فوقي بل بمشاركة وجدانية للقيم والنهل من العمق الروحي لمسيحيي الشرق؛ وقد يكون ذلك ايضا نوعا من التعويض لما أخذت، بلاد الغال، تفتقده في الجمهور الفرنسي من المدّ العلماني الراديكالي ضدّ الكنيسة الذي تفشّى باوربا، وما لقيته من لدن بعض مهاجري الشمال الافريقي من تطرف ديني بنعرة انتقامية من مستعمر الامس. كل هذا يدعمه ان الوجوه الكلدانية في المؤسسة البطريركة من العراق وسوريا ولبنان وايران، لم تكن غريبة على المجتمع المسيحي في هذه البلاد ولا على شعبها الفرنسي؛ هذه البلاد التي تعرف فيها ايضا آلية إعلامية عالية التقنيّة، تحسن تسويق الأحداث كنسيا وشعبيا ولها نفوذ يكاد يكون خطيرا في طريقة اختيار النجوم وصناعتهم وتسويقهم سلبا أو إيجابًا.
ومن المعروف ايضا ما لفرنسا بين الأمس واليوم من مؤسسات رهبانية فرنسية أو ناطقة بالفرنسية، للكرمليين والدومنيكان واليسوعيين والمخلصيين. ومن معظم هذه المؤسسات خرج أحبار كان وما زال لهم تواجدهم الفاعل في فرنسا والبلدان المحيطة واوربا. التواجد السابق للشخصيات الكنسية الكلدانية، تكثف عندما  تبوأ مار لويس ساكو السدة البطريركية في تأوين مناسب عجيب، إذ بادر غبطته بإقدام لم يخلُ من شجاعة المغامرة، على ضخ دماء جديدة، وبالثقة الكافية التي لم تجعله يتجنب احتمالات الخسائر، أو التطير من مواجهة واقع  يوليوس قيصر بصرخته الشهيرة: حتى أنت يا بروتس.
من ثمار الزيارة الاخيرة: المضي في تكريس التوأمة بين كنيستي العراق وفرنسا، مدّ المزيد من الجسور بين الشعبين العراقي والفرنسي، جعل القضية العراقية ومسيحيي العراق قضية رأي عام، خصوصا بحضور وجوه من المؤسسة البطريركية المؤتمر الخاص بدعم مسيحيي الشرق الاوسط في 3 ايلول الجاري وبحضور 60 وزير خارجية.
 وقد لقيت تحركات المؤسسة البطريركية لحماية الاقليات في فرنسا اصداء جيدة، كان آخرها كلمة رئيس الوزراء الفرنسي أمام الجمعية العامة لمجلس النواب: "ما هو على المحك هو بقاء مجتمعات بأكملها كالمسيحيين واليزيدين، ومعهم هذا التنوع الثقافي والديني والاثني لهذه المنطقة." وقال: " لقد استقبلت قبل أيام قليلة، كما أنتم، بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق لويس روفائيل ساكو الذي أطلق نداء جديدا للمساعدة. وقال لي أيضا أن ثقته كبيرة بفرنسا." هكذا اعتمدت فرنسا خطة عمل في باريس، وقال المسؤول الفرنسي عن الخطة: "واجبنا هو ضمان تنفيذها". كما لفت الانتباه حضور  الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، في المؤتمر واندهاشه  لما قاله البطريرك: "منذ عشرين قرنا  تقام القداديس في الموصل والآن لا يوجد مسيحيون ولا قداس في هذه المدينة العريقة" .كل هذا لا بد وان يدعو المؤسسة البطريركية ان تأمل خيرا في فرنسا. هذه التحركات التعبوية للمؤسسة الكلدانية البطريركية، لم يسبقها مثيل واضح سوى تحركات للبطريركية المارونية متصلة بالساحة اللبنانية في أزماتها خلال تاريخها الحديث.


المحور المركزي لوجوه المؤسسة البطريركية
والرجل الأول في هذه المؤسسة، مار لويس ساكو، على ما يُستشفّ من تصريحاته ومداخلاته، وهو غير جديد عن الأضواء الاعلامية وبغنى عن استقطابها، يتجه نحو محور مركزي محدد. هذا المحور تشترك فيه وجوه أخرى كلدانية من التي تلقت اضواء شبه نجومية كشخصيات كلدانية كهنوتية وأسقفيه غنية عن التعريف، في العراق وسوريا  وايران  وفرنسا واوربا واوقيانيا وشمالي أمريكا؛ وهي ابعد أن تكون نسخا من البطريرك، كلها شكّلت عموما أصواتًا معمدانية شجاعة في البرية، تتنفس روح التعبير التلقائي دونما قيود، محمية بموهبتها الكهنوتية، لتصبّ في محور أن تكون هذه المؤسسة على تنوع وجوهها وما لكلّ منهم من كاريسما خاص به، أن تكون مؤسسة نبوية جريئة، في أعمالها وتحركاتها، تخدم الناس، كل الناس.

بين باريس، جنيف، بروكسل ونيويورك:

خطاب ثابت بشأن تأثير التربية الدينية
ولدى استقبال رئيس الوزراء مانويل فالس للبطريرك ساكو، أكد غبطته ما أعلنه على منبر مجلس الامن في نيويورك، في التأكيد على أهمية التعاون مع دول الاسلامية والمرجعيات الدينية، في تفكيك هذه الايديولوجية المتطرفة التي تشكل خطرا كبيرا على البشرية جمعاء من خلال تقديم مناهج تربوية منفتحة ومعتدلة تحترم كل الديانات وتعزز العيش المشترك وتوطد السلام.
هذه التحركات الحثيثة جاءت في اعقاب النكبة المئوية التي حدثت منذ سنة ونيف على يد داعش وأخواتها ومموليها وسانديها باسم الايديولوجية المتطرفة ضد اليزيديين ومسيحيي الموصل وقرى سهل نينوى، بمختلف المكوّنات الاثنية العراقية؛ نكبة وصفت بحق كصدى مئوي لمجازر سيبا 1915 التي اقترفت تحت غطاء تعصبي ارهابي.
إزاء ما سبق ذكره من تحرّكات في باريس ونيويرك، قد يعتقد الكثيرون انها جاءت استثنائية أو بالمصادفة؛ بل هي ضمن نسق متواصل مثابر يطرق الحديد وهو حارّ، ما يؤكده التحرك في جنيف (مفوضية حقوق الإنسان) وثلاث مرّات مع الاتحاد الأوربي في بروكسل- بلجيكا، إلى جانب مؤتمرات في بلدان عدّة دفاعًا عن مسيحيي العراق والمنطقة.
 
الدور أمام أحداث التهجير الداعشي غير المسبوق
أمام النكبة الداعشية، كان للمؤسسة البطريركية وريادتها، بحكم ثقلها الخاص، للتعاون مع مؤسسات الكنائس الاخرى، أن تعمل بنحو استثنائي باتجاه عدة محاور، وأحيانا تعمل منفردة على الساحة، في خدمة منفتحة لجميع أبناء الشعب المسيحي المهجرين الذين لم يفرق العدو الغاصب بين انتماءاتهم الاثنية والدينية، من هذه المحاور:   
- استقبال العائلات النازحة بمختلف انحداراتها وتقديم العون لها.
- احترام حرية الراغبين في الهجرة، وتمييز ذلك عن الدعوة الى اخلاء مفاجئ ونهائي للعراق من مسيحييه، في سعي لانقاذ ما يمكن انقاذه والحفاظ على آخر فرصة للبقاء، بما في ذلك دعم الراغبين في البقاء ومساندتهم.
- الاضطلاع بالشؤون الادارية والعلاقات مع الابرشيات والتعامل مع الاعلام للتوعية بشأن مختلف المحاور المذكورة. توعية تأخذ بعدها الخاص، اذا ما قورنت ما بين من يتلظّى في الشمس الحارقة وما بين من هو تحت الظل الوارف.
- لأول مرة إطلاق فضائية المخلص الكلدانية، كقناة اعلامية عالمية.
- تحركات كلدانية أصدى لها اعلام البطريكية بموقعها الالكتروني الرسمي، داخل العراق مع الحكومة المركزية وحكومة الاقليم. والدفاع عن القاصرين ومطالبة اشراك المسيحيين في الحكومة والعملية السياسية...
- التحرك مع المجتمع الدولي: تحسيس الرأي العام العالمي بالمأساة، سواء مع الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي واستنهاض دور هذه المؤسسات في تحقيق المصالحة الوطنية والدفاع عن حقوق الاقليات وخصوصا المسيحية.
- أما على الصعيد الكنائسي، فتمحور العمل على اتجاهين:
مدّ الأيادي، بشكل غير مسبوق وبمواقف فروسية تاريخية، تجاه الوحدة المسكونية (منها توحيد الكرسي البطريركي ضمن كنيسة المشرق، لصالح الوحدة الاندماجية في اطار الكنيسة الجامعة) وبنحو يطمئن على مراعاة الخصوصية الثقافية والتراثية المتراكمة بحسب كل كنيسة شقيقة، ومن ثم عدم تجاهل ما يميّز الكنيسة الكلدانية من خصوصيات ثقافية قومية كلدانية، خصوصيات لا شأن لها، كما أثبتت المسيرات المسكونية، بالشركة الكنسية التامة بين الكنائس ومع الكنيسة الجامعة.
- وكان من الطبيعي أمام المسار المسكوني الروحي، ورغبة الاشقاء في ان يحتفظوا بلونهم وخصوصيتهم، ان ترى النور الرابطة الكلدانية. وقد وصف غبطته هذا التأسيس، في مقابلته مع قناة المخلص، بالمحاولة التي نأمل نجاحها، وأننا في كل الأحوال نكون سعينا جهدنا نحو ذلك.
هذه التحركات الاستثنائية بسبب ظروف كارثية غير متوقعة الحجم والأبعاد، من حل وترحال بين الداخل والخارج، وعودة الى المقر، والاندماج الفوري مع المناسبات الطقسية؛ أمام هذا الواقع المتفرد، لم يظهر على المؤسسة البطريركية وكأنها بانتظار الشكر والتقييم من أحد لا من الأشقاء ولا من الأبناء، بل كانت تواجه بقدر الامكان ما يردها من الهجمات الالكترونية والاعلامية، وخصوصا المزاجية منها، والتي كانت توحي بأنها لا تخاطب بطريركا أو اكليروسًا يقومون بهذا الجهد، بل توحي بأنها بمثابة رب عمل يحاسب عماله. وخير تفسير كاشف لهذا الامر بالنسبة الى أعضاء المؤسسة البطريركية، هو ما جاء في الانجيل: كذلك انتم ايضا متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا اننا عبيد بطالون .لاننا انما عملنا ما كان يجب علينا (لوقا 17: 10) وما قاله البابا فرنسيس: اخدموا الرعية على ركبكم.

الخطوات الوحدوية، وكنيسة المشرق الآشورية مقاربة تأوينية
انطلق يوم 16 أيلول الجاري سيندوس اساقفة كنيسة المشرق الاشورية، في عنكاوا، لاختيار بطريرك جديد. وهو واقع يمثل خصوصية متفردة: قرار اصحاب السيادة أحبار المجمع المقدس المتخذ سابقا بأن يكون كرسيهم البطريركي في بلاد بين النهرين؛ فقد يواجهون بدورهم – من خلال هذا القرار- تحديا من نوع خاص: من يقبل أن يتبوأ الكرسي في بلاد بين النهرين ضمن الاوضاع الجيوسياسية القائمة، وما تستدعيه المرحلة مع مسار الرسالة الانجيلية، بتوحيد الصفوف والتنسيق الوحدي المكثّف، ومواجهة حال المهجرين، والتعامل مع الحكومات المحلية بواقعها القائم، وبكل ما يميّز الصورة عما عليه السادة الأحبار في بلدان الانتشار المتقدمة الآمنة، وما يميّزها في المجالات الحضارية الثقافية السياسية والديمقراطية المتمرسة. وهذا يستدعي الموازنة بين ان يضطلع قداسة البطريرك الجديد الذي سيقبل بانتخابه من قبل اشقائه بطريركا، ان يواجه المهام المذكورة واكثر منها بكثير، مما هو محسوب ومما هو مفاجئ، بحيث يكون قبوله لهذه الخدمة بمثابة أنهم يقدمونه قربانا لكنيسة المسيح المقدسة يقاسي تعب النهار وحره؛ لتتعادل الموازنة مع واقعية أن يتفهموا وضع قداسة بطريركهم الجديد ويساندونه وهم من مواقعهم الاكثر راحة ورفاهية منه، بعيدا عن الاملاءات والتنغيصات والمطالبات التي قد يكون وقعها مختلفا ان كانت بين أفراد، هم على قدم وساق من المساواة في الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية.
واذا كان لهذه الصورة ما يناظرها في وضع المؤسسة البطريركية الكلدانية، فإن قداسة البطريرك الجديد سيرى في مار لويس روفائيل ساكو الاخ الشقيق واليد الممدودة لأي نحو من التعاون؛ سواء اختارت الكنيسة الشقيقة، بسبب ما وصف من تراكمات تراثية وثقافية، ان يكون مسارها المسيحي على الصعيد الأحادي بالوحدة المسكونية مع روما. هذا الاختيار سبق وان وجدنا له مثيلا مثيرا للعجب، لدى الكنيستين الانطاكيتين الشقيقتين، الكنيسة السريانية الكاثوليكية والكنيسة المارونية (الكاثوليكية)؛ فيكاد لا يميّز بينهما لا خصوصية طقسية أو لغوية ولا اختلاف عقائدي، كل ما يميّزهما هو التسمية الكرسوية؛ الاحتمال الآخر هو، في حالة هذه الوحدة مع الكرسي الرسولي أو قبلها، هو خيار العمل على صعيد كنيستين شقيقتين تنتميان، كما اكد البطريرك مار لويس، الى شركة عقائدية واحدة. فالحاجة ماسّة إلى التعاون في كل المجالات المتاحة في ظروف ليس افضل منها ولا اكثر منها استثناء لأي تنسيق مشترك، وعلى مسافة واحدة من المداخلات والتأثيرات السياسية ذات الصلة.

الكرسي البطريركي الكلداني:
نقاط متحققة وأمنيات وتساؤلات بنوية
 المؤسسة البطريركية في بغداد ومحك الاتصالات الخارجية: من ناحية أخرى، الكثير من المماحكات التي حدثت مع المؤسسة البطريركية، حدثت بحسب الظروف المتباينة التي اشرنا اليها ما بين بغداد ما بعد 2003 والخارج. بحيث اذا كان مار لويس روفائيل ساكو (المنتخب بطريركا في 1 شباط 2013) اذا كان المرشح المتفرد في المرحلة، فإنه قد قبل صليب البطريركية، دون غيره ولأسباب متعددة ومتباينة. هذا التباين في الرؤية والعقلية ما بين الداخل والخارج، قد يفسر بعض صعوبات التعاطي بين الجانبين، سواء على مستوى المصاف الاسقفي والاكليريكي او على مستوى الكتاب العلمانيين. ولا شك أن الكثير من تلك الصعوبات يموع بزوال الظروف الاستثنائية القائمة، خصوصا وان المماحكات بقيت تحدث في اطار الاخوة الكهنوتية والشركة الكنسية مع الكنيسة الكلدانية ومن خلالها مع الكنيسة الجامعة.
رتبة القداس الكلداني المؤن: في خضم هذا، عملت المؤسسة البطريركية على تقديم تأوين لرتبة القداس الكلداني و رتب الاسرار الأخرى. فاذا كانت المعلوماتية ووسائل الاتصال الالكترونية قد سهلت الكثير في انجاز ذلك، إلا أن هذا العمل يبقى بحد ذاته مثيرا للاعجاب، لكونه ظهر في زمن النكبة ووضع المهجرين والتحركات البطريركية في الداخل والخارج في هذا الشأن. ليتم تشخيص هذا الحدث ليتورجيا، كنقطة ساخنة في مسار المؤسسة البطريركية.
الكرسي الرسولي مصارحات معلنة: لأول مرة، في تاريخنا المعاصر، يتم التأشير بالبنان وعلى المستوى البطريركي الرسمي، الى الضعف البشري في آلية العمل ضمن الكوريا الرومانية، وطبيعة تعامل المجلس الحبري للكنائس الشرقية مع هذه الكنائس، بحيث يقتضي منها الامر، المطالبة والضغط في سبيل تغييره من حال الى حال. وازاء عدم الخلط بين الإشارة إلى هذا الواقع المؤسف، كشيء من المحرمات – التابوه، وبين قدسية الوحدة، يستجد عندئذ الفصل بين قدسية الكرسي الرسولي وبين الضعف البشري لهذا أو ذاك في أعضاء الكوريا الرومانية. نقطة ساخنة ما زالت، كما يظهر من مؤشرات عدة، رهن ممارسات الضغوط وصولا الى الاحتكام الى الحبر الروماني.


نقاط تثير بعض التساؤلات البنوية وتهدف الى الاستيضاح
طبيعة تعاملات المؤسسة البطريركية مع الداخل: في هذا المجال لا يخفي كاتب السطور حيرته ازاء بعض النقاط ، واذا يتم ايرادها في هذا الملف، فليس من باب النقد، بل من باب الاستيضاح البنوي الذي ربما يأتي من خلال توضيح تحت باب الاعلام البطريركي، لكشف ما يغيب عن الناظر الخارجي من رؤية داخلية. الموضوع يتعلق بطبيعة التعاملات مع الداخل العراقي:
في الشأن الديني: أشرنا إلى الخطاب الجريء والثابت دوليًا، (نيويورك وباريس، جنيف وبروكسل أنموذجا) من ضرورة تفكيك الايديولوجية الدينية المتطرفة. والحال، لم يلق هذا الخطاب على ما نعتقد، أي أذن صاغية، بشكل جادّ من لدن المعنيين داخل العراق الممتحن، أو خارجه ولا اتّخذ إجراء رصين في هذا الصدد، في المؤتمرات واللقاءات، ولا سُمعت على المستوى الديني الاسلامي الرسمي أي أصوات جريئة لمعالجة هذا الواقع.
إزاء الخطاب الجريء الثابت في الخارج، ينتظر المرء من المؤسسة البطريركية في الداخل شيئا أكثر يختلف عن استقبال زوار المناسبات، والمجاملات والتهاني المتبادلة مع تلك الجهات الدينية ذات الصمت المطبق والعجز عن التحرك. ما هو ذلك الشيء الأكثر؟ يصمت من الخارج امامه الكلام المباح...
في الشأن السياسي الحكومي: باستثناء ان الذي في الداخل يعرف ميدانيا غير ما يعرفه من يكتب من الخارج، مما يقتضي التوضيح الاعلامي كما أسلفنا، فإن القاصي والداني بات يعرف الواقع الحالي المزري للحكومة القائمة والحكومات المتعاقبة، وبما فضحته الوقائع التي كشفتها وسائل اعلام عدة. أمام هذا الواقع المرير، ينتظر المرء من المؤسسة البطريركية مواقف اكثر  من التعاملات البروتوكولية والدبلوماسية والمناشدات والدعوات، مما يوحي لغير مراقب بأن هذه التعاملات يستجديها الضعف الحكومي ويسجّلها لرصيده، وقلما ترتقي به الى واقع أفضل، مهما استرسل التزاور والتصافح.
فما الفرق يا ترى بين التصدّي الاعلامي على مستوى المؤسسة البطريركية، لما ارتكبته داعش بحق شعبنا، وبين استمرار التعامل الرسمي مع حكومات ليست بعيدة ان تكون سببا لدخول داعش، وأوصلت بشعبنا الممتحن تحت خط الفقر المدعق؟ التساؤل البنوي: هل يملي واقع الحال على الكنيسة وهي تعيش في ظل هذه الظروف، أن تستمر في طبيعة هذه التعاملات، مع التأكد من التعامل الانساني الطيب لمؤسستنا البطريركية ونواياها الحسنة؟ قد تكون ثمة حاجة للتوضيح ان كانت هذه المجاملات أكثر فاعلية من الصمت والمقاطعة، دون الذهاب الى المقارنة بين موقفين متباينين للبطريركين الاسبقين مثلثي الرحمات، مار بولس شيخو وما روفائيل بيداويد، فلكل حقبة خصوصيتها ورجالها. فما هو، يا ترى، الشيء الأكثر الذي يمكن ترقبه؟ لعله الاصغاء الى نبض الشارع او أكثر، مما يستطيع أن يقدّره من في الداخل خير تقدير.
 
التعامل مع الحراك الشعبي:
هذه النقطة ايضا تشتمل على محاور بحاجة الى ما قد يقتضي التوضيح :
- لا غرو ان المؤسسة البطريركية أعطت افضل مثل مسيحي عندما قدمت يد المساعدة للمهجرين من غير المسيحيين ايضا من ابناء الشعب العراقي في المحافظات ضحية الارهاب. ولكن في الوقت عينه، ثمة تساؤل، بشأن التظاهرات الحاشدة التي تحصل في العاصمة والمحافظات، وما يكشف من مظلوميات من قبل رجالات الحكومة  والبرلمان ومسؤوليتهم تجاه الشعب الممتحن. سؤال يطرح ذاته: أما يوجد سبيل للاصداء الى هذه التظاهرات وشيء من التفاعل معها، او التطرق على عدد من المطالب العادلة، سيما وان وجوها مسيحية حملت الشجاعة والبأس في الوقوف بصفها.
- التعامل مع الكيانات السياسية لأبناء شعبنا: هذه الكيانات بمختلف توجهاتها تسعى بطريقة أو بأخرى أن تكون ممثلة للشعب المسيحي بمختلف اطيافه، وربما سعت بحسب الممكن وضمن ظروف كل منها، لتعمل شيئا لصالح هذا الشعب، ويوجد نوع تعامل واستقبال لممثلي مكونات سياسية لشعبنا، ليطرح التساؤل نفسه:  هل هناك آلية ومقاييس يمكن بموجبها الوقوف على ان هذا المكوّن السياسي من أبناء شعبنا هو مؤهل للتعامل معه، وبين مكوّنات عشائرية وجماهيرية من العمق المسيحي تسعى الى تمثيل شعبنا مما يبدو وكأنه استبعد من نطاق المؤسسة البطريركية، في أي مجال من مجالات التعامل؟
- التعامل مع التنشئة المستديمة للاكليروس. في كل هذا الخضمّ، لا بد من التنويه بكم من رياضة روحية تمّت ولقاءات للاكيروس حول التنشئة المستديمة المبنيّة على الروحية العميقة والثقافة المنفتحة. وكم مقال ورسالة وجهها غبطتة الى كافة مراتب الاكليروس فضلا عن الرسائل الراعوية. هذا  الجهد لابد من نزاهة الإشارة إليه، ولا بدّ ان يعطي ثمرا.

الختام
نقاط حاول هذا الملف الاحاطة بها، بموضوعية وشفافية، باحثا فيها عما يبرز الصوت النبوي الجرئ في كل ما انجزته البطريركية، منذ شباط 2013. وكان فيه الكثير من المداخلات الرائدة للبطريركية في الشأن السياسي، عراقيا وعالميا. إنه الصوت النبوي المقدام ايضا الذي نتطلع اليه، في أن يكشف ويوضح لنا طبيعة تعامل المؤسسة مع موضوع التعاملات مع الداخل، سواء في تفسيره، او في عدّ الصمت والمقاطعة الصريحة بشأنه سابقا لأوانه.
نقاط تجعلنا نفخر بنعمة الرب التي رافقت المؤسسة البطريركية الكلدانية في انجازاتها المشار اليها خلال هذه الظروف الانسانية، كما سنفخر بسعة الصدر لاستيعاب التساؤلات البنوية الواردة في أواخر الملف.

41
هل كانت الافكار الشخصية للبطريرك الكلداني مار لويس القشة القاصمة؟

بقلم الأب نويل فرمان السناطي
---------------------------
*أعتذر  ابتداءً من السادة واصحاب السيادة القراء الذين كانوا اوصوني، ووعدتهم خيرا، بعدم كتابة المقالات الطويلة. لكني اليوم مضطر ان أضم عدة عناصر في هذا المقال، خشية بعثرتها عندما اكتبها بالأقساط.
بعد الأفكار الشخصية التي اصدت لها وسائل الاعلام بشأن الخطوات الوحدوية، أدلى البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو، بتصريحات هنا وهناك، وبما يوحي بالإيجابية والرجاء الوحدوي كدعوة مسيحية ثابتة ورسالة بعيدة المدى، وهذا وذاك ديدن عند مار لويس ومن الثوابت الانجيلية. إلا أن ما صدر من مراجع كنسية، استحثت الكتاب الكلدان الغيورين على انتمائهم الى الكنيسة الجامعة، إلى ان يبدوا ردود افعالهم، ليس ضد موقف مبدئي للبطريرك الكلداني، بل ازاء ما أصدت له وسائل إعلام تتبع لها الكنيسة الشقيقة، على شكل قهقهات او تعليقات مختتمة بتصريحات أنيقة، تحترم حرية التعبير عن هذه الأفكار وتعتذر عن قبولها، مما يمكن ان يعدّه البعض، إزاء الافكار المتنورة للبطريرك الكلداني، بمثابة القشة القاصمة للقضية الوحدوية المسكونية، لا سامح الله. ومما يضطر الى التفكير ببديل الانفتاح الى مرحلة أخرى هي استقبال مريدي الوحدة من الكنائس الشقيقة الاخرى، سواء بالالتحاق القطيعي مع أي راعٍ او الالتحاق الفردي نعجة نعجة  في الاستجابة لنداء الرب نحو وحدة الرسل وخلفائهم حول خليفة هامة الرسل مار بطرس.

قداسة مار لويس ساكو
_______________
اعرف ان مار لويس يوجه بدقة بشأن السياقات البروتوكولية في التسميات: قداسة غبطة نيافة سيادة. بما في ذلك صفة غبطة البطريرك مار لويس، مع ان من حاججوه قالوا له: إننا يا سيدنا وفي صلوات الطلبات (نقوم شبير) نصف أحبارنا بآبائنا القديسين...
لكني ارى ان أكثر من البروتوكول، ثمة رسائل ضمنية يمكن ان تعطى للكنيسة الجامعة كما للكنائس البطريركية من خارج سرب الوحدة الكنسية الجامعة، بأن الالتفاف حول كرسي خليفة بطرس، هو التفاف رمزي بمستوى قداسة الرسل الابرار والشهداء، وان البابا هو خادم خدام الرب بالمحبة. ولما بعد الحالة الرمزية، ثمة الحاجة الى التطمين بأن الكنيسة الكلدانية، ومثلها الكنائس البطريركية الكاثوليكية وهي سليلة كرازات الرسل الشهداء والقديسين، هذه الكنيسة خطت في تاريخها العريق، كاثوليكيا، خطوات بطريركية مقدامة، حتى تضمن أنواعا من الاستقلالية الطقسية والادارية والثقافية للكنائس الرسولية الملتحقة مع ركب الوحدة الطبيعي في المسيرة المسيحية استجابة لأمنية الرب الكبرى (ليكونوا واحدًا).
ولئن كنت أحسب، وبرأي شخصي متواضع يلتزم إطاعة الرؤساء، انه من الناحية العملية تكسب هذه الكنائس (البطريركية) اكثر، وتقدم اقل التضحيات مع الاحتفاظ بخصوصيتها، لو كانت مجرد مجالس اسقفية، حالها حال المجالس الاسقفية في اي حيز جغرافي ثقافي - لغوي او وطني: ألمانيا، كندا فرنسا وسواها. وذلك بالتحرر من تبعات الغسيل الداخلي، والسموّ فوق التقوقع المغلق لأهل البيت الداخلي الواحد، مع الاحتفاظ بالعاملين الطقسي والثقافي. المثال الواضح لذلك، هو استقلال كنيسة السيرو ملبار الكاثولويكية في الهند، مع انهم لم يختاروه تاريخيا، استقلال اداري وطقسي عن بطريركية كنيسة المشرق الكاثوليكية (الكلدانية). فأطلق هذا البعد الكاثوليكي لمؤمنيها واكليروسها طاقاتهم وانعش الدعوات الكهنوتية والرهبانية لديهم. هذا ما استخلصته من احصائية شرحها لي خلال زيارته الاخيرة الى ولاية البرتا الكندية، السكرتير السابق في السفارة البابوية بالعراق، وحاليا رئيس الاساقفة   المطران قرياقوس باهارانيكولانغارا (Mar Kuriakos Bharanikulangara) حيث ان لديه في 1200 تلميذ سمنير اكليركي، وما يربو على الستمائة راهبة في ابرشيته وحدها ابرشية فريدآباد بمدينة دلهي الهندية. وهنا لا ضير ان اذكر ما دمت اعرف شيئا عن موقف مار لويس بشأن المنصب والكرسي، اني عندما كتبت مقال صلاة الشكر في ليلة انتخابه، سمحت لنفسي ان سميته رئيسا لمجلس أساقفة الكلدان.

مسيرة مهدت الطريق لخصوصية الكنائس البطريركية
______________________________________
الرسائل التي يمكن ان تُطلق على الجانب غير الكاثوليكي المتطلق مسيحيا وانجيليا الى الوحدة المسكونية، فحواها ان ما قطعناه من شوط يضمن ان المقارعة المبدئية من قبل الموقف الكلداني في كنيسة شهدت بطاركة من طراز شجاعة مار يوسف اودو وصراحة مار لويس ساكو، ازاء حالات بشرية فاتيكانية في التعامل الاداري بين كرسي بطرس والكنائس البطريركية المتحدة معه. إنها رسائل تغني الجانب غير الكاثوليكي في هواجسه تجاه روما، سواء في مجال المقارعة او في مجال الحفاظ على المكتسبات الاثنية والثقافية للكنائس البطريركية ازاء كنيسة جامعة فتحت أبواء المجمع الفاتيكاني الثاني كما لم تفتح من قبل، سواء على مستوى الكنائس البطريركية التي تعيد الشركة مع الكرسي الرسولي، لمرحلة ما قبل انشقاق المجامع الاولى، كما في حالة كنيستنا المشرقية، او بمستوى الكنائس اللاتينية – او الرومانية (نسبة الى روما وليس الى بلاد تشاوشيسكو)؛ هذه الاخيرة، بصرف النظر عن اوطانها، كانت كنيسة روما ولعقود خلت، وفي ثقافة وحدوية كانت بنت زمانها، كانت تتعامل معها باللغة اللاتينية كلغة طقسية حصرية؛ حتى حان الوقت للاتينية  لغة الآباء والأجداد أن تعدّ لغة استلابية فتحال الى التقاعد على حساب اللغات الوطنية بحسب رقعات المجامع الاسقفية.

الأفكار وما ولدته من صدمة
_____________________
 أفكار البطريرك، جاءت على شكل مقال "ما قل ودلّ" عن الوحدة بخطاب السهل الممتنع والمباشر، فوضع بتلك الأسطر، حدّا لهواجس وتنظيرات قد تجول في خواطر الموارنة والكلدان وسائر الكنائس البطريركية الشرقية الكاثوليكية من سريانية وارمنية وقبطية والروم الملكية، هواجس مفادها أن ثمة التباس في المسيرات الوحدوية، ما بينها وبين الكنائس شقيقتها غير الكاثوليكية، التباس يعتقد بموجبه، ان الوحدة هي توحيد يوم عيد أو صلاحيات زواج وعماذ في هذه الكنائس وتلك، واتفاقات طقسية. مما بات يوحي أن إعادة الشركة مع روما ما هي إلا مسألة هامشية، بل ذهب البعض، ويا للمفارقة، الى عدّها وكأنها عقبة على طريق الوحدة، فوضع المقال حدّا لتلك التكهنات التي كان قد لامس البعض منها حدّ العنجهية والفوقية والسريالية.

شريحتان من المصدومين
____________________
وكان من الطبيعي ان نسمع ما صدم غير واحد، بالاستعداد البطريركي للاستقالة. وكان المصدومين، من شريحيتين:
الشريحة الاولى، الواهمة تحت تأثير الثقافة السمعية التي يصلها الخبر من آخره أي معكوسا بحصيلة تناقل الشفاه لما هو مثير للانتباه فحسب. فقلت لكهنة طرحوا السؤال (هل صحيح قدّم البطريرك استقالته؟): كلا لم يقدم استقالته، بل عرض الرجل الوحدة الشاملة لكنيسة المشرق مع كرسي بطرس، ومن الطبيعي ان يلتحق بسرب الاساقفة، في آلية انتخاب رأس جديد، خلفا للطرف غير الكاثوليكي من كنيسة المشرق العريقة، مع احتمال او حتى عدم احتمال التحاق الكنيسة الشرقية القديمة بها التي رأى أكثر من مراقب أنها انشقت عن الأولى ليس عقائديا بل لأسباب ليس لي قِبـَل بذكرها.
الشريحة الثانية وهي الواعية بالموضوع، واستوعبت الصدمة بمنطقية ولكنها تتحفظ على ما وجدته من روح مجازفة فيها،  ولسان حالها التساؤل الآتي: كيف لقداسة مار لويس، وهنا تتسربله صفة القداسة، من باب التواضع والتجرد والنزوع الوحدوي، أن يقدم على ذلك، مع كنيسة قبل ان تفكر بالارتباط بروما، وقبل ان يسمع شيئًا من مصافّه الأسقفي، فأجبنا المعني: يا شماس، إنها مجرد أفكار شخصية، وجد من حقه ان يطرحها، فهي ليست بيانا مجمعيا ولا تصريحا رسميا. أما التحفظ الآخر فكان على هذا الشكل: بعد ان وجدنا فيه ما وجدنا من بطريرك، سنفتقد في احد الاحتمالات عدم رؤيته بطريركا من بعد...! وهذا الأمر ايضا كان سيكون متروكًا للروح القدس، الذي من خلاله وعد المسيح أن يكون مع كنيسته المقدسة مدى الأيام.
أما إن كان ثمة أحبار في الكنيسة الشقيقة، استصغروا المبادرة، واذا كان فيها اعلاميون استخفوا بها، فمبروك علينا بطريركنا. ولعلنا نكتفي بالتعليق على رد الفعل من احد التصريحات الاسقفية بشأن التنعم بالحرية تجاه روما، سيأتي في فقرة لاحقة.

حرية الكنائس البطريركية خارج الشركة التامة
_____________________________________
تجربة الحرية والاستقلالية والفوز بالحصة الفضلى، راودت ابني زبدى، فثار عليهما سائر التلاميذ، بضمنهم يهوذا الاسخريوطي، فنبههم الرب، ان المقياس بينهم هو الخدمة والمكان الاخير.
الحرية نسبية من جهة وسيف ذو حدين من جهة أخرى.
الحرية في الكنائس البطريركية الكاثوليكية لها أن تنتزع انتزاعا، او تبقى نسبية. إنها قد تتراوح ما بين التودد لسكرتير القاصد الرسولي، في وضع بخور البسمة خلال قداس بطريركي، وبين الندّية مع هذا او ذاك من رؤساء المجامع الحبرية، في المساءلة والتمسك بالحقوق.
أما الحرية في الكنائس غير الرسولية، فحدّث عنها ولا حرج: إنها تتجزأ وتتناسل تجزءا، لتغدو أعدادها بمئات الآلاف، وليس مجرد الاعداد التلقيدية المعروفة من لوثرية وكالفينية ومشيخية وبنطقوستية، واسقفيات اقليمية قومية الطابع من اسقفية كانتربري وسواها. وعندما تؤثر ، اسقفية كانتربري، على سبيل المثال لا الحصر، في كنيسة رسولية، كأن يتزوج اساقفتها، أو يرسم كهنتها بعد زواجهم، فإن التأثر يجر التأثير، ولا يبقى عندئذ من الكنيسة الرسولية سوى اسمها.
وتبقى الحرية في الكنائس البطريركية غير الكاثوليكية، سيفًا ذا حدين، عندما تكون عرضة لهيمنة سياسية او عشائرية أو قومية، لا تأبه بالتقليد الرسولي والكنسي والانجيلي. إنها تشكل تحدّيا في الكنائس البطريركية الكاثوليكية ايضا، إزاء الكتل العلمانية السياسية أو القومية الضاغطة اذا طال التأثر مسارها العقائدي.
وعندما تتمادى النزعة القومية، تحت الغطاء الكنسي، قد تجعل الحرية من الكنيسة تابعة للقومية، في شأن وحدوي او في شأن انتخابي، او حتى في شأن عقائدي عندما يصل الحد الى المناداة برمز قومي إلها بالاستعاضة عن إله إبراهيم واسحق ويعقوب، والادعاء، انه أحد اسماء الإله الرب، حاشا. مما لا يجد له مثيلا الا لدى البدع السنكريتية في امريكا اللاتينية، التي اعادت اسماء القديسين الى اسماء آلهتها الميثولوجيا، تلك الالهة التي كانت تخشى من ذكرها في الظروف الكنسية المغالية في المحافظة، لتعود الآن فتستعيض الذبيحة الافخارستية القصوى والسامية، بنحر الذبائح لتلك الالهة والالهات، بعد ان كانت تزعم انها تذبح لاحتفال سان لا زارو وسان باتريك، وسيدة كوادالوبي، في احتفالات بعيدة عن القدسية الكنسية، وقد تشبهها أحيانا احتفالات نحر الذبائح في الشيراوات لمناسبة عيد هذا القديس أو ذاك، وأهمال الذبيحة الالهية في شيرا هذا القديس أو ذاك.
هذا شيء مما فسره لي، الاسقف اللوثري السابق، جوزيف جاكوبسن، وهو حاليا كاهن مساعد في كنيسة كاثوليكية بأدمنتون، عندما شرح اسباب عودته الى حضن الكنيسة الجامعة فلخصها بالتالي:
 الضمان العقائدي في الكنيسة الهيراركية برئاسة خليفة بطرس،
الضمان القيمي للفضائل المسيحية والعائلية التقليدية، بفعل تصويت غالبية شاذة عن كنه العقائد الانجيلية.

الأفكار البطريركية وما جلبته من ترحيب
________________________________
من دواعي الاعتزاز، وفي خضم هيمنة التيارات السياسية والقومية، على حساب المثل الانجيلية، بقي هناك منظرون قوميون في الكنيسة المشرقية الشقيقة، ممن قرأوا أفكار البطريرك بتعمق، ومن باب الثقة بالنفس والانتماء المسيحي (العلماني!) الأصيل رحبوا بالمبادرة وقيموها قبل ان تصدر اصلا تعليقات إعلامية ومرجعية من لون آخر.

إنها أفكار للتبصير وحاشا ان تكون للتصغير
__________________________________
في واحدة من المحصلات الايجابية، لقد حملت افكار البطريرك لدى الكثيرين، حالة من الارتواء وتنفس الصعداء تجاه الشأن الوحدوي، وتحديدا بما يفصل الخيطين الأبيض عن الأسود، تجاه الشركة الهيراركية الشاملة للأساقفة خدام الرب في كنائسه عبر العالم، تجاه خليفة بطرس خادم خدام الرب في المحبة. مبروك علينا وعليهم جميعا شركتهم، ومع امنيات الخير لسائر الكنائس في مسارها الايماني الضميري تجار نشر بشرى الخلاص للعالم أجمع.
من الحالات التي ينبغي مواجهتها بواقعية أن الكنيسة الشقيقة، تجمع لديها عبر القرون الستة الاخيرة، تراكم ثقافي وتقليدي وطقسي، له تمايز عما في كنيسة المشرق الكاثوليكية- الكلدانية. لعلها شهدت جانب انتعاش فكري ولاهوتي، ودعوات كهنوتية وعلمانية، ومؤسسات تعليمية لاحتضانها. ولا بد أن لها، إزاء تحاشي طروحات البطريرك الكلداني مار لويس، تصورها في ضوء الانجيل عن طريقها المسكوني، في الحوار المعمق وشركة المحبة والرحمة، المتبادلة وتجاه شعب المؤمنين. ونأمل أن مسارها المسكوني يمضي في التعمق والتأصل الانجيلي، ويتعدّى زيارات المجاملة أو سياقات الاخذ العطاء، طموحة تتعدى واعز ذر الرماد العيون.
ويبقى الأفق في عالمنا المنفتح على كل مديات المعرفة والنهل والارتواء، مفتوحًا تجاه دعوات فردية أو فرعية، تجاه الكنيسة الشقيقة أو تجاه الكنيسة الأم الجامعة، دعوات النعجة نعجة، عندما تلامس دعوة الرب شغاف القلب. وقد سنح لي أن أشهد ذلك بأم عيني، عندما كنت مارا بالمصادفة، في صالة الاستقبال لأحد الأديرة الرهبانية، وبالضبط عندما كان المرشد، يقول للمرشح للرهبانية، أن يوقع على انخراطه في حضن الكنيسة الجامعة الأم لكونه قادم من تقليد غير كاثوليكي، فإذا به بثغر باسم رامي الى اشاعة قناعته العميقة، ليوقع على الاستمارة برقي يلمح الى اصالة دعوته.
مثل هذه الدعوة المسكونية كانت طوال السنوات الثلاث الاخيرة حديث الساعة في ولايتنا الكندية، عندما انضمت الى الشركة مع الابرشية الكاثوليكية، خورنة انكليكانية، براعييها وبنسبة 75 في المائة من اعضائها، مع أحقية المحافظة على طقوسها وتراثها واسمها فكانت خورنة مار يوحنا الحبيب الانكليكانية الكاثوليكية. أما الآسقف الانكليكاني فجاءنا تصريحه الذي نقلته وسائل الاعلام، في مداولته بهذا الشأن مع الاسقف هنري: إني احترم المسار الروحي الانجيلي لهذه الخورنة واختيارها في مسارها المسيحي المسكوني، وكدليل على شعوري هذا امنحهم المبنى الكنسي ليكون لهم وتحت تصرفهم في احتفالاتهم الكنسية.
والشيء بالشيء يذكر يا صاحبي فلقد تجمع لدينا، في الكنيسة الكلدانية أيضا، الكثير الكثير من التراكم المشار اليه، عند الكنائس الشقيقة، الى جانب تعمق أصيل في الانتماء الاثني، نتمناه  ان يكون تلقائيا وينأى عن تعصب الفعل وردّ الفعل. لقد كان يا أخي رابي موشي، ويا أختي رابيثا جانيت تعمّقًا كدنا نتحاشاه ليس حرجا، بل تقربا مما يوحدنا عقائديا. ومن المعتقد، في الاقل حاليا، وضمن تفكيري الشخصي المحدود بحدوده، ان الخطوات على المستوى الثنائي استوفت كل مدى متوقعًا ان ينهل من منبع دعوتنا المسيحية في الانجلة المعاصرة.

فلا أدري، إلى كم من الوقت بعد، سندخل شبه غرباء في الكنائس الشقيقة غير الكاثوليكية، في مناسباتها، أكنا وفدا كبيرا أو صغيرا من أساقفة وقسس، ونغادرها الى سبيل حالنا أكثر من غرباء.
إن افكار مار لويس الشخصية ومبادرته في الاستقالة في سبيل الوحدة الشاملة لكنيسة المشرق مع كرسي بطرس، ولدت ردود افعال من مستويات مرموقة في الكنيسة الشقيقة، تحترم حريته في التعبير، وتعتذر عن قبولها، ولكن هل سيكون هذا في الشأن الوحدوي الاندماجي بين الكنيستين بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؟
لا أعتقد ذلك، ولا أرجوه، فالكنيسة ومؤمنوها مدعوون إلى ان يعيشوا على الأرض بإيمان واثق، يعيشوا المحبة كل المحبة، يعيشونها... في الرحاب الواسعة لفضيلة الرجاء.




42
في مقابلتي مع غبطته عن زيارته الراعوية لإيران، مار لويس ساكو:
وحدة اللغة تسهم في  وحدة القلوب والكنائس

الاب نويل فرمان السناطي
 -----------------------

تقديم
لفت الانتباه، الثقل الاعلامي الذي رافق الزيارة الراعوية لغبطة مار لويس روفائيل ساكو، بطريرك بابل على الكلدان الى ايران. ولعل الزيارة توحي بالمزيد من التساؤلات والاستيضاحات، الى جانب ما رافقها من تقارير اعلامية، شبه يومية. أسئلة طرحتها على غبطة البطريرك على هامش هذه الزيارة.
والحال، إزاء كل ما تلقفته من ايضاحات قد ينتظرها الكثير من القراء، وما تلقيته من عبر، كان يمكن ان يجعلني استرسل في التقديم، ولكن تعدد الاسئلة واستفاضة الاجوبة، وما يطالبني قارئ اليوم من اختصار، جعلني اجتر المشاعر، لعلها تجد طريقها يوما الى مقال بعنوان كعنوان: على هامش الزيارة الى ايران.
وأكشف للقارئ الكريم، ظروف هذه المقابلة، بالقول أنها كانت في البدء مجرد أسئلة استيضاحية بنهم عراقي مسيحي شخصي، ارسلتها بدالة الى غبطته بعد الآيام الأولى من الزيارة، متوقعا انه سينكب عليها عند عودته في اليوم التالي، واذا بها زيارة لأبرشيتين، اسغرقت قرابة اسبوعين، واذا بي مع الوقت احول الاسئلة الى مادة لحوار صحافي، تخللته مداولات عبر الاثير، فكانت ما يسعدني ان اسميه اول مقابلة لي مع غبطته، فأترك القارىء مع صفحات هذا الحوار، وبدأته بهذا السؤال يشوبه بعض التوجس من امكانية الصراحة فقلت:
 - لعل هذه الزيارة بأهميتها وتوقيتها وظروفها، تصلح ان تكون مادة كتاب وثائقي، وهي من باب أولى تستحث الكثيرين الى الرغبة في تسليط المزيد من الضوء عليها. نشكركم سيدنا البطريرك لموافقتكم على اجراء هذه المقابلة عن زيارتكم الراعوية لإيران، ومن ثم عشمنا بأن توافقوا على ما نطرح من أسئلة، وتتصرفون غبطتكم بما ترون من إجابة أو معالجة. سؤالنا الاول: اين تضعون هذه الزيارة على المستوى التاريخي للعلاقة بين بطريركية بابل وايران، ما عرف ببلاد فارس، ويحمل حاليا اسم جمهورية ايران الاسلامية.
 
الزيارة بوصفها لقاء وعيدا وزمنا قويا
_______________________________________

* غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو: هذه زيارة راعوية بكل معنى الكلمة؟ زيارة لابرشيتين عريقتين (طهران واورمية) ولمسيحية متجذرة. لقاءاتي مع المؤمنين شدتني اليهم وادهشني ايمانهم وتعلقهم بالرب وبالكنيسة. كانت زيارة مسكونية زرت فيها جميع الكنائس وشددت على الوحدة والتعاون من اجل حمل فرح الانجيل. كذلك لقاءتي المتعددة بالمسؤولين في الجمهورية الاسلامية كانت فرصة لتبادل الهموم والتعبير عن الحرص في ارساء سلام عادل وثابت يعيش فيه المرء بكرامة من دون خوف ولا مشاكل. وكانت هناك آذان مصغية من طرفي ومن طرفهم. إني اعدها زيارة مهمة. لقد كان كل ذلك لقاء وعيدا وزمنا قويا!
 
- لدينا ضمن جماعاتنا ببلدان الانتشار، عائلات من أصول ايرانية، تتفاوت ظروف خروجهم من ايران واسبابها. لكن معظمهم ينظرون اليها بروح الانسلاخ، وبكونها بلاد اللاعودة، مع شعور بالانتماء يكاد يكون معدما، ماذا رأيتم في أبناء رعيتكم في بلاد؟
غبطة البطريرك: صراحة  انه لأمر مؤسف ومحزن ان يفتقر بعض  المسيحيين في ايران والعراق الى الصبر والصمود. اجدادهم واباؤهم كانوا اقوياء وواجهوا صعوبات ومتاعب جمة لكنهم بقوا وارتبطوا بارضهم وتاريخهم وحافظوا على هويتهم. الصعوبات  نجدها  في كل مكان، ومن بقي من المسيحيين  واجه الصعوبات وثبت، والله يعطينا قوة ونعمة. ثم لا ننسى: العالم يتغير. ولا توجد حالة ثابتة الى الابد سلبا او ايجابا..

كنيسة واحدة وشعب واحد
_______________________

- في بلد لا يتكلم رسميا العربية، ومع رعية لا تتكلم غبطتك لغة بلادهم الرسمية الفارسية، كيف كان التداول معهم بمستوى اللغة الكلدانية السوادية التي يتداولونها والمصفاة من العربية أو الانكليزية ولا بد وان تكون متأثرة باللغة الفارسية؟
البطريرك: جميل ان الكل يتكلم لهجة واحدة هي لهجة اورمية ( اورمجنايا) التي تختلف عن السورث الذي تعودنا عليه. دبّرت امري. اعتقد ان وحدة اللغة تسهم في  وحدة القلوب والكنائس. شعرت انهم كنيسة واحدة بالرغم من اختلاف التسميات. مع المسؤولين في الحكومة  كنت اتكلم العربية ولمن لا يعرف العربية قام بالترجمة مشكورين كل من المطران رمزي كرمو في طهران وفي اورمية المطران توما ميرم..

_____________________________________
مار لويس روفائيل الأول ساكو:
* الحرية الدينية قادمة لا محالة
* فيختار الانسان دينه بلا ضغوطات
* ما نعيشه هو من القرون الوسطى
* لا بد أن تحترم الحريات الشخصية
___________________________________

سألت غبطته عن  الانتماء وعن مستقبل مسيحيينا في إيران وقلت:
- من خلال لافتة عن تقديم هدية لغبطتكم تم ملاحظة التسمية من قبل الجهة مقدمة الهدية، فوردت عبارة: الكنيسة الاشورية الكلدانية الكاثوليكية. ما هو المتداول بسلاسة في الساحة هناك عن انتماء ابناء كنيستنا. وبأي انطباع خرجتم عن مستقبل مسيحيينا في إيران ولنا فيها ابرشيتان كلدانيتان.

فأجاب غبطة مار لويس ساكو:
- يقيني هو ان اننا كنيسة واحدة وشعب واحد بتسميات مختلفة قسمتنا اكثر كاكليريكيين كما كشعب. وفي ايران، التسمية (الكلدان والاشوريين الكاثوليك) تسمية دارجة تعبر عن العقيدة الواحدة وقد تبنتها ابرشيات اخرى مثل ابرشية مار بطرس الرسول في سان دييكو.. اما مستقبل المسيحيين فكلي رجاء بانه سيكون افضل وان الحرية الدينية قادمة لا محالة وان الانسان سيختار دينه ومذهبه كما يريد من دون ضغوطات.. ما نعيشه هو من القرون الوسطى.. لابد الا يكون اكراه في الدين وان تحترم الحريات الشخصية.

__________________________________________________
غبطة بطريرك الكلدان:
* استقبالات حميمية وصادقة في كنيسة المشرق
* مسرور جدا ببوادر الوحدة بين كنيسة المشرق الاشورية والكنيسة الشرقية القديمة، هذه قوة!
____________________________________________________________________________________________

وعن المسكونية والكنائس الشقيقة جاء هذا السؤال إلى غبطة بطريرك بابل على الكلدان:
- على مستوى اللقاءات المسكونية، فإلى جانب زيارتكم لكنيسة الارمن، كنيسة المليون ونصف شهيد، تم الالتفات الى الحضور المريح والهادئ والمشرق كما يتهيأ للناظر من خلال تواجد سيادة المطران نرساي بنيامين مع غبطتكم لأكثر من مناسبة، ما هي التطلعات المرشحة عن لقاءاتكم معه وكانت اشبه بلقاءات معايشة يومية؟
 
البطريرك: الاستقبالات في كنيسة المشرق كانت حميمية وصادقة.. شعرت انني في بيتي وقد التفوا حولي وكأني أبوهم، ان كان في طهران او اورمية، والشيء عينه عند الكنائس الاخرى!  الحواجز  يضعها الناس الضعفاء وليس الناس الذين يعتمر قلبهم ايمانا ومحبة. انا مسرور جدا ببوادر الوحدة بين كنيسة المشرق الاشورية والكنيسة الشرقية القديمة. هذه قوة!

- في لقاءات صحافية سابقة عن كنيستنا في ايران، كان واضحا بأن المعنيين في الزيارة كانوا دائما يحرصون على مراجعة نص المقابلة بحذافيرها قبل النشر، لئلا تعبر رسالة مضادة الى المراقبين في ايران، هل ثمة جدار ما زال قائما في هذا الجانب؟

مار لويس: لا أظن، على العكس كانوا مهتمين وحريصين بنقل المقابلات.. حاولت ان اكون موضوعيا وحريصا على الخير العام. المهم عبرت عما يختلج في قلبي.
 
-الاشياء الايجابية التي رأيتها غبطتك واشرت اليها من باب الانفتاح، الحضور المتنوع وحضور العنصر النسوي، وغير ذلك، هل كلها تتناظر مع كفة مقابلة ينظر فيها الى ايران بغير هذا المنظار؟

غبطة مار لويس: اعتقد ان الامر مرتبط بالمجتمع، بالعقلية وبالثقافة. انه  نوع من النظام كما كان  في السابق موجودا في بلدان اخرى،. ارى ان الايرانيين منفتحين. لاحظت ان الحضور النسوي موجود في كافة المجالات ومؤثر. وهذا سيساهم  في التغيير.

_____________________________________________
مار لويس ساكو:
* انظر ماذا فعل الامريكان بالديمقراطية
* الديمقراطية الغربية غير ملائمة للتطبيق في البلدان الشرقية
_______________________________________________________________

- سؤال لغبطتك التصرف بشأن الاجابة عنه بنعم أو لا أو بأي شرح، أو بالترك: هل رجعتم من هذه الزيارة وفي ذهنكم تصور عن ان نهج جمهورية ايران الاسلامية، هو مشروع وجاهز للتصدير؟

غبطة البطريرك: انا لست مؤمنا بالانظمة الجاهزة والتي تفرض خصوصا في عالمنا اليوم. انظر ماذا فعل الامريكان بمشروع الديمقراطية. الديمقراطية الغربية غير ملائمة للتطبيق في البلدان الشرقية. أعتقد ان لكل بلد ثقافته  ومجتمعه  وهو قادر ان يختار النظام الذي يلائمه.. يمكن ان تكون هناك قواسم مشتركة للشيعة في كل مكان، كما للسنة وللمسيحيين من دون الدخول في التفاصيل الدقيقة والا المشاريع الجاهزة تخلق مشاكل غير متوقعة!
 
- هل لنا أن نسأل ما هو انطباع ايران، عن المشروع العالمي والاقليمي لإزالة الوجود المسيحي من المنطقة؟ هذا ان كان لنا أن نسأل أو نعبر الى السؤال اللاحق؟

البطريرك:- ايران لا تعمل من اجل ازالة الوجود المسيحي كذلك الدولة في العراق. قد تجد هنا وهناك اشخاصًا متشددين او تيارات متطرفة تزيل كل من لا يسير وراءها.. الكل يقول ان المسيحيين اصلاء وهم ورود ولهم دور في الحضارة العربية والاسلامية.
 
- هل كان يكفي لقاؤك، غبطة البطريرك، بالمستويات الرفيعة الدينية في الدولة الاسلامية ليعوض عن عدم لقائك برئيس هذه الجمهورية بصفتك اعلى مرجع ورئيس ديني لكتلة مسيحية مهمة في العراق المجاور؟ وبصفتك جليس البابوات والمتحدث في البرلمان الاوربي ومجلس الامن؟ أم ان اهتمام غبطتك كان منصبا على الزيارة الراعوية.

ببساطة اجاب البطريرك: المشكلة فنية. ان زيارتي تزامنت مع زيارة فخامة رئيس الجمهورية العراقية كما حصل ايضا في تركيا، وانا مسرور بمن التقيتهم.

-هل لنا ان ندرج هذه الزيارة ، على المستوى الرسمي، في خانة الزيارة لجهة لدى البطريركية معها علاقات ودية ان لم نقل دبلوماسية، و نتعامل معها بفن الممكن.
وهل شدت الى غبطتك دالة من المودة والحميمية من جانب اي من الرموز الدينية التي التقيتها؟

تساؤلات اختزل مار لويس الاجابة عنها بهذه الكلمات العميقة، بقول غبطته:

 الجميع اشعرني بالمودة والاحترام وشكرني على طروحاتي.

سؤال- هل كنت تشعر بالارتياح بالتعامل والتداول مع رموز دينية من منطلق موقعهم الرسمي والسياسي في الدولة،؟ وتحديدًا هل ثمة ما يميزهم عن المدنيين المسؤولين في الدولة، أم ان لهم في قيادة الدولة موقف وفي المسجد موقف.

البطريرك: اعتقد  يوجد تطابق.. هو نظام ديني تحسه في كل مكان.

سؤال: من خلال تعاملك ولقاءاتك مع رجال دين في العراق، بموقع رسمي في البرلمان، او في وزارة الأوقاف، هل وجدت في ساستنا من رجال الدين، نسخة أمينة لنظرائهم في الدولة الجارة.

غبطته: هناك اختلاف بين ما موجود في العراق وما هو قائم في ايران.. ثم ان الوجود المسيحي في العراق اكثر كثافة ومشاركة في كافة مفاصل الحياة.. في العراق لا توجد دولة ثيوقراطية.

_______________________________________
مار لويس ساكو:
* لا للحروب على وجه الارض والى الأبد
______________________________________


سؤال أخير سيدنا، وشكرا لسعة صدرك:
- ما هو انطباعك عن ايران وانت تزورها كعراقي، هل كان يوحي لك تعاملهم بشأن العراق الجار؟ هل كان يعتبر من قبلهم كبلد صديق شقيق، او بلد حليف، أم أن ثمة بينهم علاقة جار ومجرور؟
البطريرك: تكلمت عن حسن الجوار وعن ان ايران قوة اقليمية  يمكن توظيفها لإرساء السلام والاستقرار ودعوت الى المصالحة بين الشيعة والسنة والى احتضان المكون المسيحي. شعرت ايضا بثقل الحرب الايرانية العراقية في كل مكان: صور للشهداء  وشوارع ومحلات تحمل اسماؤهم كما شعرت بالأسرى العراقيين الذين ماتوا او فقدوا  وعائلاتهم وصليت ان تنتهي الحروب عن وجه الارض والى الابد..

43
الحوارات الهيراركية الكنسية راقية ببصماتها الروحية

الأب نويل فرمان السناطي

نشرت مؤخرا هذا المقال، في موقع كنسي، وبعد المراجعة لنشره في موقع عنكاوا، استجدت بعض الاضافات والمعالجات فاقتضى التنويه، مع الشكر.

المقدمة
انخرطت الكنيسة تدريجيا في ركب المعلوماتية، وظهرت عدة وثائق رسولية تؤشر هذا المسار. ومنذ زمن، ومع توفر الحريات الافتراضية في الانترنيت، التحقت بطريركيتنا الكلدانية بهذه المسيرة، خصوصا بعد تأسيس موقع مار أدي الالكتروني. وجاء غبطة البطريرك مار لويس ساكو، بعد خبرة متمرسة في الاعلام والتأليف، باحثا وكاهنا ورئيس أساقفة، بانتقالة نوعية فاجأت جمهرة من المتلقين. ولا ريب ان دخول مضمار الاعلام، مع ما يوفره من سرعة ايصال وتواصل،  له مواجهاته المتبادلة، التي كانت ستكون بطيئة في الاعلام الورقي، واذا بها شبه فورية. على أنها تقتضي التوقف فيما يوحيه لنا الاعلام المسيحي على مستوى التحاور مع السلم الهيراركي في الكنيسة، فجاء هذا المقال بحثا عن البصمات الروحية التي يمليها التحاور على مستوى الكنيسة ومعها.

ذكريات ذات صلة مع مار لويس ساكو
لا اخفي على القارئ اللبيب، معرفتي بالبطريرك مار لويس، منذ تلمذتي الاكليريكية. واعتقد اني اصبحت ألمّ مع الزمن، بأي حيّز يعطيه مار لويس للرأي الآخر. فوجدت الحيّز يتدرج عنده بأريحية وتلقائية وتواضع كلما حمل على كاهله حملا مضافا في الخدمة الكهنوتية والحبرية. ومن المعروف أن خدمة الكهنوت، في مقدمة الخدمات التي، لكونها تتعامل مع رسالة "أنْجَلـَة" سامية، لا تتقبل من صاحبها ان يستأسد كلما ازداد حمل خدمته.
عندما عرفت غبطة البطريرك في البدء، مع أيام التلمذة، كان قد سبقني بصف دراسي، مع فارق اكبر في العمر. وكانت لي صعوبة شخصية مع الزملاء،  لم يكونوا مسؤولين عنها، إذ دخلت الاكليريكية بوزن 27 كغم وما يناسبه من قامة، فلم يكن هيـّنا تبادل النقاش الديمقراطي مع من بهذه المواصفات وزنا وقامة. فكيف اذا كان التلميذ لويس يلقى الكلام كما في قلبه وبلا رتوش.
واذكر طرفة في هذا المضمار، تعود الى زمن اشتراكي مع التلاميذ الاكبر مني بارتداء الجبة السوداء. فكانت لي عطلة صيفية في مسقط الرأس. وكان التلميذ (لويس) في زيارة لتلك قرية خواله، بصحبة الاب (الاسقف) الراحل ميخائيل جميل. وكنا يوما نسير من قرية سناط الجبلية الى القرية التي تعود إلى جانب من أبنائها والملحقة بها من طرف الدشت- السهل، واسمها دشته- تاخ. فوجدتني مرة في مقدمة القافلة، بين السابلة والفرسان، وإذا بامرأة كردية تضع على الأرض طفلا على طريقي، في اسلوب شرحه له أحد متعهدي القوافل (الكرواني – او القرونايا) ان ذلك هو لطلب البركة، فصليت صلاة ومضيت، ولكن الزميل لويس، وهو المتقدم علي بالسن والحكمة، القى على مسمعها تعليقه التلقائي والفكاهي: ما بالك تلقين الطفل امامه، فهذا ليس بقسيس، بل مجرد تلميذ، أما أنا فتبلعمت...

وبعد كهنوته، جاءت مع الاب ثم الحبر مار لويس روفائيل ساكو نوع زمالة في الخدمة الكنسية الإعلامية، كشماس انجيلي وعامل في صحافة الفكر المسيحي. فكان ذلك بنعمة الرب منطلقا للتزامل الاعلامي على درب الكلمة.
وكانت المراسلات مغنية، تعبر عن الاحترام المتبادل للرأي والرأي الآخر والمقترحات. وهنا ايضا أذكر، أني بحسن نية، نوّهت يوما في مقال للمجلة، بحدث في كنيستنا كنت رأيت فيه حالة مرحلية إيجابية، وكنت بالطبع أكتب عن ذلك الحدث الكنسي، من غير الزاوية التي يعرفها الاسقف ساكو كعضو للسينودس الكلداني، ليكتب لي هامشا على المقال: ما هذا الاطناب يا نؤيل.
وتمر السنوات لأرى رجل الكنيسة في خدمته الحالية، لأجدني أخاطبه، بما يستأنف روح الزمالة الاعلامية على درب الكلمة، مكحلة بمنادى (غبطتك) عذبة الاجترار.
وعلى ذكر صفة (الغبطة) لا بد ان الكثيرين يلحظون معي ما نقرأه في الشبكة العنكبوتية، من قبل الذين مع استخدامهم صفة الغبطة مخاطبين البطريرك، ربما وصلوا الى حدّ هابط، قد لا ينتبهون اليه، في متن مقالاتهم بخطابات اقل ما يقال فيها، أنها تخلو من الكياسة، إن لم تكن جارحة، على ما أشار إليه إعلام البطريركية.

ليست الصراحة التي تجرح
وهنا لا بدّ من الإذعان أن ثمة صعوبة في مقال يكتبونه عن شخص يختلفون معه في الرأي أو يتقاطعون معه انطلاقا من مواقفهم الستراتيجية والتعبوية. الصعوبة ليست في الصياغة، حاشاهم من ذلك، بل أجدها في صرف شيء من الوقت لمراجعة المقال وتصويبه، بحيث يكون مقبولا دبلوماسيا، مع الابقاء على زبدة الموقف المختلف عليه، وذكر كل ما يقصدون بشأنه ولكن... بأسلوب راق. هذا هو الفرق بين أن يعبـّر المرء كاملا، للبطريرك، او لأي كاتب آخر، عن رأي مخالف تماما، وبين أن يكون الاسلوب جارحا انسانيا. ولعلي لا أجد في كتابنا وأدبآئنا سوى الغيرة الآكلة التي يُعبَّر عنها بمستويات متفاوتة، وهم في داخلهم مسكونون بالحنان والرحمة، وحاشا ان ينطبق عليهم القول المأثور : ليس من الأدب أن تجرح مشاعر الناس وتقول أنا صريح، هناك فرق بين الصراحة والوقاحة، وتذكر بأن ليس كل صامت غير قادر على الردّ.
 ولا أجرؤ على الظن، ان يكون ثمة مغانم او ترقيات اصطفافية في استخدام الاسلوب الجارح.

ووصف كل هذا يختصر في العبارة المنسوبة لفولتير بنحو مثير للجدل وتقول: سوف أستميت دفاعًا عن آرائي، لكني سأضحي بحياتي حتى تستطيع الدفاع عن آرائك.
Je défendrai mes opinions jusqu'à ma mort, mais je donnerai ma vie pour que vous puissiez défendre les vôtres.
واذا بتنا نلحظ مثل هذه المماحكات ما بين الاحزاب لاقتسام الكعكة الواحدة، او الفوز بحصة الاسد فيها، بشتى أنواع الخطابات. لكن الأمر يختلف على مستوى الكنيسة والتعامل مع شؤون شعبها، كمؤمنين، بأن  تحمل الحوارات بصمة روحية ترتقي بها وتسمو، لا سيما مع حبر، ليس لديه اصطفاف مناطقي أو تخندق سياسي.

تنفس الصعداء
وينسحب الأمر علينا كعموم كتاب، أكنا من وسط الاكليروس او الشمامسة، أو مؤمنين أو علمانيين، ونكتب في شأن يخص الكنيسة وبتماس مع الحديث عن شعبها المسيحي المؤمن. نحن بحاجة إلى ان نتنفس الصعداء، لنعبر عن أنفسنا مع الثقة الداخلية الكامنة، أن القارئ يعرف بأننا لا نقصد استهداف أحد بهذه المفردة أو تلك. فعصرنا يقف بالضد من الارهاب أيا كان نوعه، فكيف به ان كان تسمويا او تعبيريا.
ذلك أننا مقبلون على مرحلة، فهمنا فيها، توجهات البطريركية بشأن شعبنا وجذوره وأصوله، كنسيا وقوميا، لنجد أنفسنا ممن يعدون هذا الشعب، واحدًا في الجذور المشتركة ضمن شعب أصيل في البلاد النهرينية، فنتداول الحديث عن انتماء شعبنا وجذوره الاصلية، بتعبير حر، يحترم حرية من يستخدم أي تعبير آخر، سواء كان ممن يعتبر الاخرين أنهم منه، او كان ممن ّيعد نفسه منفصلا عنهم في بلادنا النهرينية. ولأن مقال اليوم لا يتعلق في الشأن التسموي تحديدا. فإن هذا الشأن سيكون موضوع مقال قادم بمشيئة الرب. ليكون فاتحة المقالات اللاحقة التي ستتوخى الافصاح دون التمويه.

وليسمح لي حضرة الكاتب المختلف مع غبطته أو غيره، في هذا الشأن وذاك، تأكد يا سيدي من قناعتي بأن كل ما تتفضل بكتابته، مما يدخل في خانة التعبير عن الاختلاف حضاريا وديمقراطيا، سيلقى إذنا صاغية ومحترمة. وليس لدي شك أن اعتبار الكاتب المختلف سيبقى محفوظا ليس فقط في نطاق تخندقه قوميا او سياسيا، بل ايضا سيحظى بالاعتبار عينه في خورنته، ان كانت له خورنة، أو إن كان ضمن سرب متناولي القربان الأقدس، الذين يُـنظر اليهم بكونهم المحلقين كل بإرادته الطيبة، ونيّته الصافية، نحو السموّ الانساني والروحي.

44
 في مناسبة مقدسة تاريخية كهذه، أحج الى كنيسة اجدادي وآبائهم
بقلم الاب نويل فرمان السناطي

عندما يرحل علم في أعلى هرمها، أحج الى كنيسته، لكونها كنيسة أجدادي وآبائهم.
أعرف أني منحدر منهم منذ قرابة العقدين، ولي جذور في إحدى أسرهم.
وأعرف أيضا اني، من خلال أجدادي المباشرين، منتم منذ قرابة العقدين الى كنيسة مشرقية عريقة تشترك مع كنيسة أجدادي وآبائهم، باللغة الأم وبالطقوس وبتاريخ مشترك. كنيستي متمسكة ومنذ عدة أجيال، بجذورها العائدة إلى فجر المسيحية، وعمق الرسالة الانجيلية المنفتحة الى العالم بثقافاته ولغاته.
لكني لا أعرف، كما لا اعرف الكثير من اشياء أخرى، هل يا ترى تكوّن تراكم ثقافي متباين، فقط عبر هذه الأجيال؟ على أني أعرف أننا كنا جميعا، سواء قبل عهد اجدادي السبعة ، وقبل عهد أبناء كنيستي لقرابة خمسة قرون خلت، اعرف اننا كنا ننتمي الى كنيسة واحدة، استقلت عن الشركة الكنسية مع سائر الكنائس البطريركية الكبرى، منذ المجمع المسكوني الثالث في افسس 431. وبنعمة الله، وبالخطوات الشجاعة لكل من مار دنخا الرابع، ومار يوحنا بولس الثاني والحضور التاريخي لمار روفائيل الأول بيداويد، انطلقنا جميعا منذ أواخر ١٩٩٤ في عهد جديد من الانعتاق عن الحرومات المتبادلة. وفي الافق القريب نعيش عهد مرحلة بطريركية منفتحة الى أي أمنية وحدوية.

كنا إذن أبناء كنيسة واحدة، في بلاد بين النهرين الشاسعة، ممتدة إلى المزيد من الثقافات والأعراق، وصولا إلى الصين والهند، واشتركنا مع المغول من جملة غيرهم، في عقائدنا الايمانية؛ مما يبين ان التباين في الخصوصية، بين كنيستي ذات الشركة العقائدية مع الكنيسة الجامعة، وبين كنيسة أجدادي هو تباين نسبي اذا ما قورن بانفتاح كنيسة المشرق العريقة الى ما وراء بلادنا النهرينية. وإذا كنا نشكل كنيستين شقيقتين تتعاشق جذورهما المشتركة عبر التاريخ، ولنا من كل جانب، الكثير من المشترك في الارث العقائدي والتراثي والتاريخي. إلا أننا بتنا في أيامنا أمام أفراد وأجيال ممن يظهر انتماؤه الكنسي لأي من الاتجاهين، مقتصرا على العماذ والزواج والجناز فحسب، أو من اختار، من الجانبين كنيسة غير "اسرارية"، أو من لم يعتمد أصلا أي شيء من أي منهما. هؤلاء ما زالوا في هذه المرحلة، مرتبطين بالكثير من المشترك التاريخي والتراثي والفولكلوري. حتى بلغ الأمر بالبعض، منعزلا عن هذه الكنيسة أو تلك، أن جعل من المشترك التاريخي والاركيولوجي دينا بحد ذاته.
ومن الملاحظ انه قلما يظهر في اي من كنيستينا الشقيقتين العريقيتن اي تأفف من هذا أو ذاك، بل احترام معاصر لخيارات الناس والتفهم للمسار الاجتماعي والتربوي الذي قادهم الى حيث هم، مع الامنية العميقة في أن يرجعوا الى الينابيع.
من أجل كل هذا أحجّ الى كنيسة الراحل الكبير، مع ابناء من كنيستي، وفي الروح أمنية، ان تتقارب الخطوات، في مسار روحي منزّه عما هو حزبي أو سياسي. والدعاء كل الدعاء، أنه بعد خير خلف انتهج بقدر ما أتاحته خصوصية كل ظرف، نهجا متقدما نحو الميثاق الكرستولوجي. الدعاء يا رب، أن يظهر خير سلف للراحل مثلث الرحمة، يجمع المختلفين في اللهجة والتراكم الثقافي والتطلع الاثني، والتميز الجغرافي والعرقي، ليكوّنوا وحدة مسيحية روحية، أمام التحديات الايمانية في عصرنا. وحدة مسيحية يبتعدون فيها عن كل عنصرية وتعصب، متحاشين من يدس السم في العسل، في أي سانحة، لصالح هذا الطرف أو ذاك أو لصالح تنازل أحادي.
فإن المشترك بين الكنيستين العريقتين، اكبر بكثير مما بات يظهر على السطح، من تباعدات من كل جانب عن الارث الروحي لحساب المجتمعات الدخيلة على قيمنا المشتركة. وما بات واضحا من الارتماء في المذاهب الدينية غير الأصيلة، والايديولوجيات المعاصرة من العلمنة واللادينية والشوفينية الاثنية متعددة الألوان.
 الأمنية كل الأمنية أن يعودوا بنا، بادئ ذي بدء، إلى منطق الاحتفال سوية بكبرى أعيادنا، ويتعاضدون متماسكين للحفاظ على المشترك القيمي والروحي والانجيلي، أمام أجيال من مختلف الاطراف مهددة بالضياع، وفقدان ما تبقى لها من اصالة، وتمضي بالانصهار في الكتل الثقافية الساحقة والذوبان في الحيز الجغرافي المهيمن.
لقد اختط مثلث الرحمة البطريرك الراحل، مار دنخا الرابع، معالم نهج يمكن البناء على المشترك من تلك المعالم. وتشاء محبة الأجيال، على وفق أمنية المخلص في أن يكونوا واحدًا، مما بالتالي، لا يحتمل البتة اعادة عقارب الساعة الى الوراء. ونحن في ظل البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو، في الانتظار وفي الاشتياق.

45

قراءة في الخطاب البطريركي للضمير الدولي بمجلس الامن
الإرهاب السياسي الديني كشأن عالمي: واقع وحلول
 
بقلم الأب نويل فرمان السناطي 27 آذار 2015

ألقى مار لويس ساكو، خطابه اليوم الى ضمير الاسرة الدولية، في مجلس الأمن الدولي، بالامم المتحدة في نيويورك. واذ يصدر من موقعه كبطريرك، وبدعوة من الاسرة الدولية ممثلة، بفرنسا، أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، فإن الخطاب، وقد شاءت العناية الربانية ان يجد الارض الخصبة لحيثياته، ليس من ثم خطابًا شخصيا، مهما سما قدر صاحبه، صائغا ومهندسا وملقيا. إنما هو عصارة خبرة شعب تمخضت عنها جلجلة معاناة وصليب معاش على الهواء، هو وصية جيل مسيحي نهريني لعالم القرن 21؛ هو رسالة الجماعة الاسقفية والاستشارية المحيطة بالبطريرك؛ هو مشاعر متدفقة من شغاف القلب النهريني. الخطاب يا سيدي، أي حبر كنت من أحبار من كنائس العراق وبلاد بين النهرين والمنطقة، ويا أخي الشماس، اختي الراهبة أخي الراهب والكاهن، سيدي العلماني وسيدتي العلمانية، هو خطاب كل منا. فلنتلقفه بالرعاية وصلاة الشكر وبرسالة. إنه ليس تعليمات داخلية بشأن البيت الكلداني أو الكنسي. فهو إذ صدر، ووصل الى العنوان الدولي المطلوب، يعدّ خطاب منا كلنا، وهو رسالتنا. هذه اضاءة عن الخطاب، تعد نفسها بتواضع، واحدة من الاضاءات، لنغترف من الرسالة الانجيلية التي اوحت الخطاب، نعيشها، مشرقين بها كل بقبس.

بطريركنا في مجلس الأمن بالأمم المتحدة: بين منطقة آمنة، واستئصال للديانات المسيسة
نحن اليوم في محنة ونحن في نكبة على طول ارضنا النهرينيه وعرضها، بين العراق وسوريا، بين كماشات دول الجوار، فلا هلاهل لكون بطريركنا ضيفًا على مجلس الامن، بالأمم المتحدة في نيويورك، ولا مباهاة في مشاعرنا تجاه انفسنا واخوتنا كلدانا ومسيحيي المنطقة بمكوناتهم الثقافية والاثنية الى جانب الاقليات المهانة الاخرى أمام الدين المسيس اذ يبطش وامام جريمة عالم اذ يصمت.
مرجع من المراجع الدينية العليا يطالب بالدولة المدنية
وبرغم المحنة، نجد الحالة في مرحلة متقدمة في التعامل مع النوائب التي يمر بها شعبنا، اذ منحنا، بمبادرة من المحفل العالمي دعوة ليكون لنا صوت امام الاسرة الدولية. صوت يتكلم عن العراق، بكلدانه، بمسيحييه بما وجد لهم من مكونات اثنية، وبسائر قومياته وأقلياته. صوت رجل دين من المواقع العليا، يطالب بالدولة المدنية، ويزن الكلمات بمثقالها. صوت من العقل والقلب، للروح والوجدان، يصب في مجرى المواطنة والدولة المدنية، وحرية الفرد وانعتاق المرأة.
لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: مطلب المنطقة الآمنة كأضعف الأيمان
الصوت لبطريرك من المشرق، من بلاد بين النهرين، من عراق اليوم، قبل أن يكون من شخص، لي ولك تجاهه هذه المشاعر او تلك، شاءت العناية الربانية ان يوصل النداء عبر العالم، كما لم يستطع ذلك في الظرف الحالي عراقي آخر. اطلق النداء في كل الجهات، حتى كان صداه، الدعوة الى مجلس الأمن، فكان له ان يحمل العراق كل العراق على كفه. إنطلق من مبدأ أضعف الأيمان، تمليه الحقبة الراهنة، في العالم والشرق الأوسط، وهي امام الوحش الكاسر، الجائع الى المال وبيع السلاح بأي ثمن، والعطش الى دماء الأبرياء.
فجاء مطلب الأول: المنطقة الآمنة قبل كل مداولة أو لجان وتفلسف. فالأولية لإنقاذ الشيوخ والنساء والأطفال وكل الأبرياء من بناة المستقبل.

ناقوس خطر من الدين المسيس
والمطلب الثاني، هو المطالبة بأن يأخذ العالم موقفا جذريا، من تفشي خبرة الدين المسيس، كوسيلة يسيل لها لعاب مخططي الحروب، تجار السلاح.
جاءت كلمات الخطاب، بأسلوب محكم، لمن لا منطقة آمنة لشعبه، ولمن، أبناء شعبه إلى جانب سائر المسيحيين بمكوناتهم الاثنية، مهددون في العراق وسوريا، بين مخالب الشيطان، على الأرض وفي الجوار، من كل النواحي.
وحتى يكون لكرسيه البطريركي، حصانة ضد الذئاب والديناصورات المحيطة،  تتيح له وضع النقاط على الحروف، حتى ينفتح الى أفق يتسع الى القدس وروما، فإن عباراته سعت، على ما يبدو، على قدر الامكان، أن تتجنب المجاملة. لم تأت عباراته في خطاب اليوم، اقل صراحة، لتضع الاصبع على الجرح. وفي ما يأتي جملة مؤشرات.

المطالبة بتحديد سلم أولويات مجلس الامن
 باستثناء واحد، نفهم بواعثه، وهو كان ثمة الحاجة الى المزيد من التعرية لمن يتاجرون بالدين، ويقودونه ويوجهونهم على وفق مآربهم ومخططات اسيادهم. هؤلاء ما كانوا يحتاجون الى التشجيع نحو الصواب، بل إلى الكي كآخر الدواء. فقد جاءت محاور الخطاب، لغبطة مار لويس روفائيل الأول ساكو، في البحث عن دواء حاسم لداء الدين المسيس، كما يأتي:
المسيحيون  بمكوناتهم  الاثنية والثقافية، وسائر الأقليات العراقية، ممتحنون في ذكراهم المئوية وعلى مر قرن من السنين، بسبب نظرة متخلفة عن الدين.
التعايش الإيجابي
يشخص المحنة انها استفحلت بسبب غياب قاتل لمبدأ هو: " أن التعايش الايجابي على اسس العدالة والسلام، بروح المحبة والمواطنة" و ينبغي أن يبقى في "أعلى سلم اولويات مجلس الأمن والأمم المتحدة".
كما جاءت الصرخة البطريركية، بسبب نظرة مأساوية لشريحة متنفذة من المتعصبين تتمثل بعدم : "فهم  الدين والدولة والمواطنة،  والفرد والجماعة  ودور المرأة  والتربية الوطنية، وامكانيّة العيش معًا بسلام واحترام".
وجاءت الاستغاثة تهيب بالأسرة الدولية، أنها لم تعي بعد مسؤوليتها التاريخية تجاه التيارات الاسلامية الرافضة "العيش مع  غير المسلمين، وتعمل على  اضطهادهم واقتلاعهم من بيوتهم وشطب تاريخهم". وبذلك يطلق البطريرك صافرة الانذار في أن العالم امام: "أزمة فكر، واحتكار السلطة، وتعطيل المؤسسات ، وتقييد الحريات".

ثوابت على مستوى القانون الدولي
 ويطرح مار لويس روفائيل، حلا لا ثاني له، ويقدمه كنهج عمل للأسرة البشرية المعاصرة ألا وهو: "ثوابت على مستوى القانون الدولي لمنع حصول كذا انتهاكات كارثية  بحق الانسان والانسانية". انتهاكات اقترفتها دولة منظمة ومنتظمة وفق دستور ديني محدد.
دفاعا عن الأغلبية الصامتة: وينتخي غبطته، المجتمع الدولي لشعبه العراقي، ليس بمسيحييه وأقلياته، بل أيضا لصالح جموع من: "الاغلبية السلمية الصامتة لاتباع الديانات الرافضة لتسييس الدين والمتطلعة الى المجتمع المدني".
القوة الكامنة والتربية الضامنة
ولا ينتقص البطريرك مار لويس ساكو، من ضرورة القوة الكامنة، بما سماه بالتدخل العسكري، بكونها أولى ضمانات إحلال السلام، تجاه من لا يعرفون سوى منطق الكبح المسؤول. إلا أن غبطته لا يعدّ القوة العسكرية كافية لضمان إحلال السلام، بل يطالب بأن تتقدم سلسلة آليات حازمة لها ان تتخذ "قرارات قانونية  واجراءات حاسمة  من خلال تبني حلول سياسية وثقافية وتربوية". وبذلك يفوّت الفرصة على الذين يبكون بدموع التماسيح على الأبرياء وهم يمدون بخيانة ونفاق، العون لكل الفرقاء.
مخاطر إهمال الفقراء والمحرومين
ويقرع مار لويس ناقوس الخطر عاليا، أمام واقع خطير مفاده أن ثمة "خطر قد يكون  اكبر وهو  وجود ملايين  الاطفال والاحداث   الذين حرموا  من متابعة التعليم، وملايين اللاجئين في المخيمات من دون عناية واهتمام. فالإحباط والبطالة والفقر  قد يدفع بهم ليكونوا بسهولة  بيئة جيدة للانتقام والتطرّف. لذا ينبغي الاهتمام باللاجئين و تلبية حاجاتهم والتخفيف عن معاناتهم".

خطة عملية  نافذة دستوريا امام الحلقة المفرغة
أجل إنها حلقة مفرغة تواجه العالم، وليس المنطقة، وتقتضي هبّة دولية، حفاظا على أمن الكرة الأرضية، وذلك بمراعاة نقاط غائبة بنحو مأسوي:
-الاسرة الدولية مطالبة بتغيير نافذ للدساتير وإصلاحها، طالما كانت تفتقد الى "المساواة  والكرامة للجميع على اساس المواطنة الواحدة، من دون اعطاء امتياز للبعض على حساب البعض".
-العالم بحاجة إلى ان يتخلص من مخاطر الحكومات المتعصبة مذهبيا والقائمة على أساس ديني، وذلك بقيام: "مشروع  دولة مدنية تقف على مساحة واحدة من الجميع،  وتعتبر نفسها مسؤولة عن حماية الجميع والحفاظ على حقوقهم كاملة".
بين التشجيع والتجريم...
وأعترف أني تحسرت امام توجب استخدام البطريرك، بسبب مقامه وظروف ملزمة، لعبارة تشجيع المرجعيات... وكنت اتمنى لو كان كرسينا البطريركي بالحصانة المطلوبة، فيقال عندئذ: بدلا عن عبارة (تشجيع المرجعيات على تبني خطاب معتدل...) لتحلّ محلّها عبارة: "تجريم" المرجعيات الدينية على عدم تبني خطاب ديني معتدل  يعمق  الشعور بالمواطنة، اي ثقافة  انتماء الناس الى وطنهم وليس الى طوائفهم أو عشائرهم.
 
التربية التعصبية طريق للارهاب فعالجوها
وبعد الموقف المحذر، بنوع من الرقّة، من المراجع الدينية المتعصبة، يشير البطريرك بالبنان، الى مسؤولية خطيرة تتحملها الدول المتأثرة بوسط مذهبي معين فتطالب بضرورة: "اصلاح  برامج التربية في المدارس،  بحيث ترسخ مفاهيم  الاحترام بين  المواطنين وتعزز قيم التسامح والحوار بين الديانات والمذاهب، وتنبذ  الفرقة والكراهية وروح الانتقام".
ويشير البطريرك ايضا الى خطورة الدين المسيس، وما يستعدي التحصين منه لما يتسببه من "عواقب التطرف والعنف والارهاب" خصوصا عندما لا يتوخى تقديم: فهم صحيح للنصوص الدينية وعدم السماح باجتزائها من سياقها.
وبقدر ما كنا نتمنى تجريم رجال الدين كأبواق للتعصب الأعمى، من المريح استخدام البطريرك هذه المفردة في مقترحه: "اصدار قانون بتجريم ومحاسبة  الدول والافراد  ممن يمولون  هذه الجماعات الارهابية  ماليا او فكريا وعسكريا باعتبارها جرائم تهدد السلم الاجتماعي".

ردّوا الاعتبار الملزم لمنظمات حقوق الانسان والمجتمع المدني
وفي إشارة لمّح فيها مار لويس ساكو إلى نوع من الاستخفاف الحكومي القائم، تجاه منظمات حقوق الانسان والمجتمع المدني، فقد طالب بلزوم: "دعمها بحيث يكون دورها، ليس استشاريا فحسب، بل تنفيذيا مسؤولا، على النطاق الاقليمي والدولي".
أجل أبانا غبطة البطريرك، علينا بمنطقة آمنة، ومنها منطلقا لانتزاع مبادئ افضل انسانية وضمانات أكثر أمانا.

46
مباركين ومشجعين الثلة الخيرة لشمامستنا الانجيليين بمختلف أبرشياتنا

بقلم الأب نويل فرمان السناطي

((تنويه لابد منه: الشماس الانجيلي، رتبة كنسية في الكنائس الرسولية الكاثوليكية والأرثوذكسية. ومع حفظ الاحترام والالقاب، لا علاقة لهذه الرتبة بمسميات الانجيلية في الكنائس البروتستانتية- الكاتب ))

مداخل تمهيدية

أوردت التنويه أعلاه، لحصول خلط في الأمر عندما كنت اساعد عمي القس جميل نيسان السناطي كشماس انجيلي في كنيسة الصعود، مما جعلني في الاحد اللاحق اقدّم الوعظة وبيدي السبحة الوردية.

وبعد، أود التعبير عن شعور الارتياح، لقبول الموقع البطريركي مار أدي، بنشر هذا الموضوع الذي يؤشر الى تطلعات بنوية مُحبّة، مرفوعة بوفاء الى  الأحبار الأجلاء والبطريركية التي سبق وأن قدّمتني شماسا انجيليا، لمدة زمنية مفتوحة بلغت الخمسة سنوات (1999-2004) وأتيحت لي فرصة طيبة للخدمة. هذا الموضوع أعالجه ايضا في هذا المدخل، قبل أن أورد نص المقال، في أدناه، بعنوانه الموسوم: مع شمامستنا، ترتيلا للإنجيل، ووعظا دوريا وخدمة للاسرار. وحرصت أولا ان أقدّمه الى الموقع البطريركي، للوقوف على مقبوليته من رئاستنا الجليلة، سيما وأنه يتعلق بسياقات ذات مستوى كنسي معتبر. فيكون من ثم التطلع منبثقا من داخل البيت الكنسي. مع مشاعر الحبور أن نشره يدل على انفتاح بطريركيتنا الى التجدد في ما من شأنه دعم مسيرة الكنيسة الايمانية.
وإذ أصدي للموضوع إياه على هذه الصفحات، فلكي يأخذ مداه تجاه القاعدة الواسعة من قراء الموقع؛ وكذلك لمواكبة مسيرة الكنيسة في احتضانها لرسالة المؤمنين العلمانيين، على مختلف الاصعدة، كالمجالس واللجان الخورنية وجوقات الكورال والتعليم المسيحي، والخدمة الليتورجية الطقسية، التي يقدمها الشمامسة الرسائليون؛ وهنا جاء التركيز، على الدور الذي يعود للكنيسة تشجيعه بما تراه مناسبا من حيث عيش الشماس الانجيلي الدرجة الكنسية التي منحت له بموجب الوزنة التي منحه الرب إياها.

دياكونية ما بعد الفاتيكاني الثاني

ومن بوادر السعد، أن عددًا من كنائسنا الرسولية، وكنيستنا الكلدانية، ضمن الكنيسة الجامعة قطعت أشواطا طيبة، في تشجيع الدعوات المسيحية على مختلف مواهبها، من التي تنبثق في صفوف العلمانيين، والتي تهيأ لي عيشها بالنعمة وليس بالاستحقاق، سواءً بالكتابة بالشأن المسيحي، أو التعليم المسيحي والخدمة الليتورجية، وأخيرا في خدمة الشماسية الانجيلية.
وبصدد الشماسية الانجيلية، كانت قد انطلقت في أبرشيات كركوك، وأربيل، وقبلها البصرة، وغيرها على سبيل المثال لا الحصر، خبرة وجود شمامسة انجيليين في ابرشياتنا وتكللت في ابرشية بغداد البطريركية، في 9 نيسان 1999، برسامة ثلاثة شمامسة انجيليين بوضع يد مثلث الرحمة مار روفائيل بيداويد، مباركة بذلك بنحو رسمي خطوات وجود هذه الدرجة الكنسية، ليس كمرحلة انتقالية للكهنوت، بل في ما يوصف في الكنائس الغربية، بدرجة الشماسية الانجيلية الدائمية، وذلك من خلال رسامة كل من: الشماس جرجيس إيشو ميخو والشماس (الاب) عمانوئيل القس كوريال وكاتب السطور.
ولأن هذه الخبرة، على مستوى الكنيسة الجامعة الكاثوليكية، والكنائس البطريركية المتحدة بها، في مرحلة ما بعد الفاتيكاني الثاني، تبقى خبرة فتية، من الطبيعي أنها تحتاج الى المتابعة والرعاية على مر الزمن، وذلك للتآلف مع الجديد وترسيخه، وصولا أن يبلغ كل هذا إلى بسياقات مقرة وثابتة.
كل هذا شكل تطلعات المقال تجاه بطريركيتنا بآباء مجمعها الأجلاء، وتحديدا السينودس الدائم.

أصداء في رسالتين

وفي هذه الغضون، وقبل نشر الموضوع في موقع عنكاوا جاءتني رسالتان أخويتان من شماسين انجيليين موقرين، من أماكن مختلفة في العالم، كلاهما أيّدا ما ذهب إليه المقال من حاجة الى دعم هذه المسيرة الصاعدة. فوددت التوقف عند آرائهما، قبل ترك القارئ الكريم مع المقال. خصوصا وأن الوقت، وللأسف الشديد، لا يسمح لي عمليا وكما كنت ارغب بشدة، في التعامل مع ما قد يرد من تعليقات، لا أشك مقدما في دورها البناء والمحب لكنيستنا ودعم نهجها الرسولي، في ظل الظروف التي تعيشها في الوطن وبلاد الانتشار.

الرسالة الأولى للشماس جرجيس، أكد فيها على ضرورة أن تتميز الخدمة الروحية المجانية للشماس الانجيلي كدرجة كنسية تكرسوا من خلالها، بعيدا عن أي توهّم بأن تكون منافسة لخدمة الكاهن، وما أوسعها من خدمة لكاهن اليوم بما على كاهله من أعباء راعوية متزايدة.
ولي رأي متواضع فيما يخص إشارته، إلى أنه قبل ان يكون لديهم كنيسة كلدانية، كانت توفر الكنيسة المارونية التي خدمها، مجالا واسعا للشماسية الإنجيلية. فأود التعليق أن ما رأيته بهذا الشأن في لبنان، زاد من اعتقادي بأن الشماسية الانجيلية في عموم الكنيسة الكلدانية، قطعت في مرحلة قصيرة أشواطا اوسع شقيقتها المارونية. في مقدمة التحليل غزارة الدعوات الكهنوتية والرهبانية من الجنسين، على تفاوت مستوى الأداء فيها. أما الكنائس المارونية في بلدان الانتشار، وهي على وفق ما أعرف، بحاجة الى الناس من حيثما جاؤوا مما يقتضي في نهاية الأمر، وخصوصا في أماكن الاغتراب التي تشهد قيام رعيات كلدانية وأبرشيات، الى التنسيق مع رعياتنا الكنسية تنسيقا أخويا مناسبا ومتكافئا، ومحترما لإمكاناتنا المتواضعة، لما يخص تبادل الخدمات للكنيستين، وبطريقة تتبعد عن المنحى التوسعي والاستيعابي. وهذا ليس مطلوبا بالتحديد على نطاق الشمامسة الانجيليين، بل على مستويات عديدة أخرى قد تكون مثيرة للتساؤلات.
ذلك أن الشركة العقائدية التامة التي تجمعنا، مع الكنائس البطريركية الشقيقة، تستوعب أيضا الاعتبار بحد من الآليات الراعوية. وهذا ما عشناه بين كنائس متجاورة سريانية وكلدانية في بغداد والموصل، يتحدث أبناؤها العربية ويشتركون بذات اللغة الطقسية.
أما إذا حتمت الظروف الجيوسياسية والاقتصادية والمتطلبات الراعوية الى ما يقارب الوحدة الكاثوليكية الاندماجية، عندئذ، وبتلقائية ومحبة، سيكون لكل حادث حديث.
وفي إشارة الشماس العزيز الى ترتيل الانجيل، يبقى هذا السياق، كما نعتقد بحسب توجه كاهن الرعية في ما يراه ضروريا لإيصال كلمة الله، مع بقائنا على مبدأ أن يكون للشماس الانجيلي دوره المعتاد في ذلك سواء من حيث الترتيل أو القراءة، وعلى وفق خصوصية كل مناسبة. على أمل أن يتم التوصل إلى تفاهم طيب بين الكهنة والشمامسة، إذ على المستوى الطقسي، اطلقت في عدد من رعايانا، ومنها كالكري، طاقات على نطاق الشمامسة الرسائليين والقارئين، فباركهم الرب بثمار رائعة لم تكن في الحسبان.
وهذا الرأي يأتي ايضا تفاعلا مع الشأن الطقسي المتصل، طرحه الشماس الانجيلي ليث عفان. كما تفضل أيضًا وأشار اشار فيها إلى انه في الرسامة الانجيلية وبسجود المرتسم على القدم اليمنى الواحدة اثناء حلول الروح القدس هو بذلك يحصل على وزنة واحدة .. مما يؤهله إلى استثمارها على مستوى الخدمة المتبادلة في "نطاق الكنيسة الكاثوليكية الواحدة. وهنا أود أن أشير إمكانية رعاية هذه بحيث تكون منطلقا للتفاعل المقبول مع الكنائس الأخرى، وليس بديلا لها في الكنيسة الأم بغية إنعاش رسالتها في بلاد الانتشار واحتضان أي مستوى متواضع  احتضانا رسوليا مسؤولا. فالكنيسة الجامعة تدعو الى المثاقفة والاثراء المتبادل، بين الشرق والغرب.
وزاد الشماس ليث وشخـّص، كما فهمت، مسألة مهمة وهي واقع الخلط بين الوضع شبه البروتوكولي للشماس الانجيلي بين كنائس روما الكاثوليكية وبين غيرها ككنائس رسولية، ونأمل ان مسيرة الوحدة والانفتاح الى اليها يجعلها تلتفت الى ضرورة تفعيل هذه الخبرة في الزمن المعاصر، قد تؤول فيه الكثير من تلك الكنائس خصوصا في بلاد الانتشار، الى الاستحالة الى كنائس مجهرية منعزلة، قد ينصهر رعاياها في المحيط الغالب. ولكن ثمة مؤشرات إيجابية متباينة في الأفق: تفاعلها مع مجلس الكنائس الاقليمي والعالمي، توجهها في خط العائلة الارثوذكسية مشتركة ومتحدة، وكلها مراحلها قد تقربها من الشركة الكنيسة الجامعة، تباشير ذلك خطوات مار فرنسيس المسكونية الوثابة.

بعد هذه المداخل التمهيدية، أترك القارئ مع بقية فقرات الموضوع وتحديدا، في جانبه المنشور في ا لموقع البطريركي، اقدمه بعد بعض المراجعة وبعض ماء السمّاق...

مع شمامستنا الإنجيليين ترتيلا للانجيل ووعظا دوريا وخدمة أسرار
لعل هذا يحدث عموما في أماكن عديدة يتواجد فيها شمامسة حائزون على الدرجة الكنسية الكهنوتية كشمامسة انجيليين، وهي ما سمي بدرجة الوزنة الواحدة. وأشك أنه يحدث في كل مكان بالقدر عينه. لهذا جاء هذا المقال لتسليط بعض الضوء، على هذا الموضوع، ولعله يصدر يوما في البطريركية أوعلى مستوى السينودس الدائم، تعليمات محددة بهذا الخصوص.
 إذا كان لدينا في كنيستنا المشرقية الكلدانية، خصوصية طقسية مستقلة ومتميزة، فلنا ككنيسة ذات شركة مع الكنيسة الجامعة أن نتناظر مع السياقات المماثلة لتعاملها مع درجة الدياكونية، للشماس الانجيلي. وإلا فلنا بالأصل، ما ليس للكنيسة الجامعة في الطقس اللاتيني. لنا شمامسة رسائليون، يخدمون الكنيسة الطقس بنحو متميز، بورع وبنكران ذات، وهم علمانيون متزوجون أو مؤهلون للزواج. ولولا الحاجة الى دور محدد للشماس الانجيلي، لما تم تنشيط هذه الدرجة منذ المجمع الفاتيكاني الثاني. وإذا أطلقت لدينا منذ التسعينيات وما قبلها، فلا بدّ ان يكون ذلك لكي تشغل فعلا حيزًا معينًا في الخدمة يبرر رسامة الشمامسة الانجيليين انطلاقا من كونهم شمامسة رسائليون.

المفهوم الشعبي والصفة الشائعة

لا نعتقد ان سواد الناس لهم فكرة محددة عن الفرق بين الشماس الانجيلي كدرجة كنسية وبين الشماس (هوبدياقنا -الشماس الرسائلي) كبركة اسقفية للخدمة. فمعظمهم عندما ينوّهون بشماس متميز، يؤكدون أنه (مرسوم عنجيلي اي إنجيلي) وعند التأكد من ذلك تجد انهم يتحدثون عن شمامسة رسائليين. ولفرط ما فرضت صفة الشماس نفسها، بنفس الاسلوب وشاعت، لتعني اي شماس، وحتى القارئ وخادم المذبح، فبتنا نألف الصفة بالإنكليزية تطلق على شمامستنا الكلدان في المجتمع الغربي تحت مفردة (Deacon) والتي لا تعني مجرد شماس، بل تعني الشماس الانجيلي، حصرا. فيما يكون الشماس الرسائلي (ولا زُغرا) يحمل بالإنكليزية صفة (Sub Deacon) وما تقارب بمعناها هوبدياقنا.
 
ما بين الكاهن والشماس الرسائلي

لمرحلة معينة، كان ثمة في كنيستنا الكلدانية المشرقية شمامسة، ارتقوا الى ثقافة طقسية تؤهلهم لخدمة الكنيسة في الليتورجية، كشمامسة رسائليين، ثم كشمامسة إنجيليين. وكدليل ان الشماس الانجيلي الحقيقي هو صاحب درجة كنسية، فإنه عرف بعدم امكانيته الزواج عندما يترمل في عنفوان الشباب، لا سامح الله. عندئذ تم مع الوقت، في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، الاكتفاء بخدمة الشمامسة الرسائليين، لعدم تقيدهم في موضوع الزواج الثاني بعد الترمل المفاجئ. فصار كتحصيل حاصل، الخيار ما بين، شمامسة رسائليين متزوجين أو كهنة متزوجين. وعندئذ اقتصر التحديد على رسامة الانجيليين كمرحلة انتقالية (Transitional) للكهنوت.
ولكن عندما انطلقت لدينا من جديد خبرة الشمامسة الانجيليين، بعد الفاتيكاني الثاني، ببضع عقود، سرعان ما اكتنفت الضبابية هذه الخدمة بحيث، بواقع عملي، لم يعد يوجد، أمام الكثيرين، فرق بينهم وبين الرسائليين، أو هذا هو انطباع عن بعد، لدى كاتب السطور. أما إذا كانوا أكثر من ذلك، فخير على خير، ويكون هذا المقال عندئذ لمجرد التأكيد ولبعض التنوير.
إنه لمن المحزن ان هذه الدرجة قد يؤول بها الحال، الى ان تضيع في سرب الشماسية الرسائلية حتى تختفي، اذا لم يتم تشجيعها من نواحي عملية، لما هم يستحقونه بفعل درجتهم. أما من يتعذر عليه ذلك لأسباب موضوعية، أو عمرية، فهذا لا يعني ان عددا غير ذي بأس من جيل شمامستنا الانجيليين المتنورين والدارسين والمواكبين، يحرمون من ممارسة حقهم؛ فيجدر ان يُحثوا الى ذلك بدعوتهم لبذل المزيد من الجهد، لممارسة دورهم بالحد المطلوب من الجدارة.
 
نسبة التهاون على مستوى الكنائس اللاتينية

ليس التهاون، في دعم الشماسية الانجيلية، ان وجد في بعض خورناتنا، حالة منفردة في كنيستنا الكلدانية، بل في الكنائس اللاتينية أيضًا. كما لمست ذلك في الكنيسة اللاتينية المضيفة للخدمة الاسبوعية لخورنتنا الكلدانية. فالشماس الانجيلي، صار له تقارب طيب معي، وكان صحفيا مرموقا في جريدة بارزة في المدينة: كالكري هيرالد. ما أن أحس بثقف ظل عند الخوري الجديد، حتى طلب التنسيب الى خورنة أخرى، فلاقى فيها ترحيبا أكثر.  قد يحدث ذلك إذن، ولكن ليس بنسبة مهمة، وذلك ضمن مؤشرين:
قد ينسحب الشماس الانجيلي في الطقس اللاتيني، إذا أخذت تهون قواه ولا يوحي بكفاءة متميزة، فيعتزل ويجلس ضمن المؤمنين. وبخلاف ذلك، فلهم قانونهم ورياضاتهم الروحية، واسبوعهم الدراسي الثقافي السنوي. كما يطالبون بالنقل من خورنة الى اخرى، مثل تنقلات الكهنة، لكيما يشحذوا همتهم، مع خوري يتعشمون ان يكون بتفهم الخوري السابق أو أكثر.
وكالمعتاد يُرسم الشمامسة الانجيليون بعد دورة مكثفة، أو بعد دورات شهرية لمدة ثلاث سنوات، ينتظمون فيها ومعهم زوجاتهم، بصفة حضور اطلاع وليس لأداء الامتحان.
 
مكانة الشماس الانجيلي في المناسبات اللاتينية الكبرى

ولنا أن نلاحظ المناسبات الكبرى، في الطقس اللاتيني. أكان مترئس الاحتفال، الحبر الروماني، او كردينالا أو أي أسقف. في تلك المناسبات يضطلع أحد الشمامسة المختارين، بدوره المتفرد الى جانب المترأس، وفي قراءة الانجيل. إنه دور لا يستهان به، ولا يزاحمه عليه اي من الكهنة المشاركين في القداس. ولا شك انهم يختارون في تلك المناسبة، من هو الاكفأ في قراءة الانجيل او ترتيله، من بين الشمامسة، وصولا الى مجرد قيامه بالقراءة الفصيحة دون الترتيل.
كما تُمنح للشماس الانجيلي ضمن قداديس الاحد، حصة دورية لإلقاء الموعظة. وقد لوحظ انه يطيلها بعض الشيء... ولكن لا تلغى هذه الحصة بل يلاحظ عليه ذلك،  ويطالب بالتحسن، سواء في حفظ الموعظة او بمجرّد قراءتها. كما يخدم الاسرار، مع عدا الاوخارستيا وسر الاعتراف. وكذلك يحثّونه على إجادة ترتيل الانجيل ولكن بدون استرسالات تجويديه قد نميل إليها في الشرق، إذا أطلق لنا العنان.
وكما ان المتميزين من الكهنة، دون غيرهم، يقومون باللقاءات الجماهيرية الكبرى، وليس جميعهم، فالموهوبون من الشمامسة الانجيليين لهم ايضا دورهم في الانجلة الجديدة في مثل هذه المناسبات، ومنهم من يصل الى النجومية، ويطلب على النطاق المحلي أو الوطني وهكذا تلقينا مرة، ككهنة مدينة كالكري،  دورة نهار كامل على طريقة الوعظ، على يد شماس انجيلي حائز على الدكتوراه.، استقدم لهذا الغرض من إحدى الولايات الكندية.
 
في كنيستنا الكلدانية

في كنيستنا الكلدانية، مثلما يتزين المذبح بوجود سرب جميل من الشمامسة الرسائليين لأداء الطقوس والاحتفالات الاوخارستية في الآحاد والاعياد المارانية، فإن الجماعة الكنسية تتبارك بأن يكون بين ظهرانيها، من اختيروا لدرجة الخدمة الدياكونية الانجيلية، بصفتهم متزوجين، منبثقين من صفوف المؤمنين وحاملي راية الرسالة العلمانية الملتزمة. ومن المعروف انه بوسعهم الوصول سواء بوظيفتهم، او موقعهم الاجتماعي، الى مختلف الاجيال وشرائح المجتمع، بالنحو الذي قد لا يتيسر للكاهن. وهم، من ثم، كما ترشحهم دعوتهم، يكونون عين راعي الابرشية واذنه، وأحد عناصر الوصل بينه وبين الرعية.

وبعد، 
لعل هذا المقال يشكل مناداة لنصرة الشمامسة الانجيليين ليعيشوا دعوة خدمتهم الروحية التي من أجلها تم منحهم هذه الدرجة الكنسية المقدسة. وعندما يحثون على ذلك، يكون شأنهم شأن اي كاهن مطالب بأداء ما عليه بدون تقاعس. وعندئذ سنجد فيهم من يجيد ترتيل الانجيل، بالنحو المقبول، أو يبدع في قراءته، كما يضطلع بالموعظة في دوره.
لكن هناك الخشية، أن اقرار هذه الحالة، سيكون متفاوت الاستجابة، وسيبقى التعامل معه اشبه بتعامل على مضض، وكأسقاط فرض حتى تمويعه.
وعليه فإن الاقرار العام لهذه الحالة لن ينجح حقيقة، إلا إذا كان ثمة قرار رسمي، إن لم يكن سينودسي مجمعي، يعهد إليهم بموجبه جهد الموعظة في أيام الاحاد بنوع دوري كأن يكون شهريا او فصليا.
وأكثر من هذا بان يبت في الامر بشكل حاسم، وذلك بأن تعهد إليهم بالدرجة الاولى مهمة قراءة الانجيل، ومن باب أولى ألا يستغنى عن وجودهم لهذه المهمة خصوصا في المناسبات الكبرى، كحالة اختصاص وحق.
24  شباط  2015

47
البطريرك بطريرك على رعاياه حيثما كانوا، وهذه في ذاكرتي، مفارقة (العالمية).
بقلم الأب نويل فرمان السناطي
17 شباط 2015

تمهيد
لا يتعلق هذا المقال،  بنحو مباشر،  بالاجتماع الذي ينظمّه مجمع الكنائس الشرقية اليوم الثلاثاء 17 شباط، للنظر في قضية احدى الابرشيات الكلدانية في بلدان الانتشار، وقضايا اخرى متعلقة بالكنائس الشرقية، ويشارك فيه غبطة البطريرك مار لويس رفائيل الاول ساكو بطريرك بابل على الكلدان. وليس فيه استقراء لما سيتمخض عنه الاجتماع.
لكن هذا المقال بقي موضوعًا مؤجلا، منذ آخذت تتردد في مناسبات سابقة  متعددة ومتباينة التوقيت، الاشارة الى شمولية كرسي بطريركي ما، بعبارة (في العراق والعالم) كأن يقال (في لبنان والعالم)، وكأن هذه العبارة تضيف شيئا ما آكثر من كون بطريرك انطاكيا على الموارنة، لا تقتصر حدود رعايته، بنواحي متعددة، على بكركي وما يجاورها.
وفكرة الكتابة هذه، جاءت أيضًا لتناول ما صادف كاتب هذا المقال، في حقبة زمنية معينة، من تماس مع استخدام عبارة (بطريرك الكلدان، في العراق والعالم) وليس هناك ما يؤكد أن استخدام تلك العبارة جاء آنذاك لأول مرة.
كما يتعامل المقال بشكل مستقل في بعض سياقه، مع تعامل الفاتيكان مع الكنائس البطريركية المتحدة مع الكرسي الرسولي، لكل ما يدعم مسيرتها وتواجد ابرشياتها في العالم، من حيث خصوصياتها ومن حيث وضعها الثقافي وايضا من حيث مكانتها في قلب الكنيسة الجامعة.

تحليل انساني جانبي
هناك الكثيرون ممن يمضي عليهم الزمن وهم في مصاف بسطاء القوم وسواد الناس، ولكن قد يكون لهم ايضا بصمات في هذا المسار أو ذاك من التاريخ. ليس لشئ إلا بسبب مجريات ظروف حياتية، بما يسميه البعض المصادفة، وبما يؤمن به من يؤمن، أنه من العناية الربانية.
وسبحانه من تدبير رباني، عندما يصل الحال بمن هم من سواد الناس، بأن يؤدّوا دورًا ما في حقبة زمنية. ولعلهم عند ذاك، ولحيرة مستصغريهم، يكونون أحيانا مدفوعين لا أبطالا. فتجدهم يعودون الى حال سبيلهم في الاحتجاب وعالم الابهام، والى ما قد يختارونه من حياة اعتكاف او كتابة.
وقد يبقى الأمر معهم أو بشأنهم طي الكتمان، لولا ايضا توفر بعض الظروف، أمام خيبة محبطة لمنافسيهم، فتبرزهم هذه المفارقة او تلك. وفي نهاية المطاف وفوق كل هذا، ليس ثمة كبير أمام الله، ويبقى اللاهثون وراء الصدارة يجرون ذيول العقدة والنقص، كلما ظهر هذا الشأن أو ذاك عند من استصغروهم، وهم يعدّون أنفسهم الوحيدين في الدنيا، ممن منذ طفولتهم، ركبوا الطائرة دون الحمار. وتبقى الامثلة والمقارنات من الجانبين تضرب ولا تقاس.
المفارقة في انتشار العبارة عن (البطريرك في العراق وفي العالم)
لا نعرف إذا كان قد أتى، من قبل، ذكر منصب بطريرك، بالطريقة المنتشرة حاليا، في الحديث عن بطاركتنا، وهو الاشارة اليهم تحت عنوان كعنوان: بطريرك الكلدان، أو الكنيسة الشرقية القديمة في (العراق والعالم). واذا ثبت أن هذا الاستخدام لم يرد حتى ايار سنة 1989، سنة تسنم مثلث الرحمات مار روفائيل الاول بيداويد السدة البطريركية، فهذا يعني ان المفارقة في التسمية أخذت منذئذ دورها في هذا المسار، وبخلافه ستكون المفارقة حالة آنية عابرة، أو تأكيد لواقع معروف ومتداول بهذه الصيغة.

في تلك الايام كان كاتب السطور، من الكتاب والمترجمين الخارجيين لمجلة ألف باء.  وكان يسعى للكتابة والترجمة في الموضوعات التي من شأنها تبين  الحضور المسيحي العراقي، من ذلك كتابته عن موضوعات مسيحية متنوعة، وما يحضر القلم منها: ساعة الآباء الدومنيكان،  دير الشيخ متي، ودير السيدة العذراء، والأب فرنسيس المخلصي، قصة أديث بياف وترازيا الطفل يسوع، ومكتبة الأب أنستاس الكرملي، وغير ذلك من العناوين. كان الكاتب يكتب التحقيق ويعطيه للقسم المختص حتى يأخذ طريقه إلى لنشر.
لكن حدث انتخاب بطريرك كان بحاجة الى تأوين واصداء ميداني. ففاتحتُ نائب رئيس تحرير مجلة ألف باء، الصديق المرحوم عبد الرسول الزبيدي، أبو رسالة الذي اغتالته عصابات ارهابية طائفية في عام 2004. فرأى أبو رسالة ان يتمّ الإصداء للموضوع ايضا على مستوى وكالة الانباء العراقية. واقترح أن اتحدث عنه مع مدير العام بالوكالة، في و.ا.ع. (وكالة الانباء العراقية) وكان آنذاك الكاتب (الراحل) داود الفرحان.
صعدت الى الوكالة، في أحد طوابق وزارة الاعلام، وتحدثت مع الفرحان، عن انتخاب البطريرك، فأجاب بأسلوب محبب وبروح النكتة التي وسمته، بأن معلوماته رجيجة (ركيكة) بشأن ما هو البطريرك. فشرحت له أنه الرئيس الاعلى، للمسيحيين الكلدان في العراق وأنه مرجع في نواحي عدة للكلدان المنتشرين في العالم. وتم في ضوء ذلك صياغة الخبر، وعلى ضوئه تم اعداد العنوان اياه، بوصف المنتخب، مار روفائيل الأول بيداويد، بطريركا للكلدان في العراق والعالم. وكذا الشأن في المقابلة المستفيضة التي أجريتها مع البطريرك الراحل على صفحات المجلة العراقية الأولى، ألف باء.  ومنذئذ، كلما ظهر الحديث عن بطريرك احدى الكنائس الشقيقة، كنت انتبه انه كان يذكر بصفة كونه بطريركا على رعاياه في العراق وفي العالم.

عبارة وليدة الحاجة الى النشر الاعلامي
والحال، أقرّ أن تلك العبارة لم تكن اكتشافا عبقريا، بل كانت وليدة الحاجة الى النشر الاعلامي فحسب. ولا بدّ من التأكيد أنه لم يفترض بها ان تضيف شيئا على صفة العالمية لكل بطريرك. مع أنه يبدو الآن انه درج على استخدامها وكأنها بصيغتها المروجة، أصبحت صيغة دستورية في القوانين الكنسية. بينما قصدت استخدامها لمجرد التنويه التوضيحي الذي لا يخلو من المباهاة، بمكانة البطريرك على ارض كرسيه وخارجها.

بين روما والكنائس المتحدة معها
عندما يكون بطريرك ما، كاثوليكيا كان أو غير كاثوليكي، في الرقعة الجغرافية لكرسيه البطريركي، لا بد ان تلك الرقعة من المكان الجغرافي، تبقى محدودة أمام تحرك القاطنين فيها، لتنفتح الى خارجها بنواح كثيرة متصلة بمرجعية الكرسي.
على ان في الكنيسة الكاثوليكية، يوجد امتياز آخر، وهو ان امتداد الكرسي البطريركي يعززه تناظر متفرّد من الشركة العقائدية الكاملة مع الكنيسة الأم وكرسي خليفة بطرس. من هذه الكراسي، كرسي انطاكيا للموارنة، فقد بقي كاثوليكيًا بنحو متواصل، منذ البدء. أما غير الكنيسة المارونية، من الكنائس البطريركية، فكان من تلك الكنائس التي في ظروف المجامع الكنسية في العصور الاولى للمسيحية، انفصلت عن الشركة مع روما. ثم استعادت أجنحة من تلك الكنائس البطريركية، بحجوم متفاوتة، الشركة مع روما.
هذه الكنائس البطريركية الكاثوليكية، بالإضافة الى خصوصيتها التاريخية، تشترك في التواصل مع روما بنحو يكاد يكون متقاربًا مع المجامع الاسقفية للكنائس الثقافية اللغوية، المنتشرة في العالم، من هنود واوكرانيين وغيرهم، ممن لهم رعاياهم المقيمين في البلاد وغيرهم المستوطنين خارجها. فتتواصل كنائسهم البطريركية أو مجامعهم الكنسية الوطنية مع الكرسي الرسولي بشأن المشترك العقائدي، والحياة الايمانية ونقل بشرى الانجيل، وكذلك في سياقات الموافقات الحبرية الخاصة بانتخاب الاساقفة واعفائهم، بنحو متناظر مع الاختيارات التي يطرحها اعضاء المجامع على المصادقة العليا للحبر الروماني. وطبقا لحجم رعاياهم في بلاد الاغتراب، يشكلون خدمة ارسالية، كما هو الحال مع الخدمة الارسالية للهنود السيرو-ملبار، في كالكري. او يقيمون كنائس واسقفيات، مثل ما هو الحال مع الكنيسة الاوكرانية الكاثوليكية في ولاية البرتا الكندية.
وما يعزز من سلامة الشركة، بين هذه الكنائس البطريركية وكرسي خليفة بطرس، هو أنها تقوم على اساس أن الحبر الروماني، إذ يكون اسقف روما برقعتها الجغرافية، يحمل ايضا صفة خادم خدام الرب بالمحبة، ولا يخرج عن هذا النطاق الا من خرج عن هذه الشركة لهذا السبب أو ذاك.
وما يجمع الاحبار في شركتهم الكنسية البطريركية، قد لا يختلف كثيرا عما يجمع أحبارًا في مجمع أساقفة تضمهم رقعة جغرافية على مستوى الأوطان والقارات، بقدر ما يعنيهم تميز خصوصيتهم الثقافية والطقسية، وحرصهم على الانسجام حولها. كما يحملون الاعباء الإدارية على قدر ما يحمله كاهلهم من العبء الجغرافي واللوجيستي، في مناطق تواجدهم وطنيا وقاريا، وطبقا للأمور ذات الصلة بالخصوصية التي تجمعهم. ويتحمل أي منهم عبء المساءلة من إخوته، في المجمع الاسقفي، مما يأخذ مجراه ومداه عبر الكرسي الرسولي؛ مساءلة قد تكون أمام اي تجاوز قانوني أو أخلاقي. وتكاد تتزامن محاسبته، بتوقيت قريب جدا، ما بين الجماعة الاسقفية في حيزها الاقليمي، وبين الاجراء المتخذ بحقه من قبل الكرسي الرسولي. هذا ما حدث مع اسقف كندي، ضبط متلبسا ضد القانون النافذ، على مستوى الاقليم كما على المستوى الدولي، وما يلقي بظلاله على وضعه الاسقفي المتصل بالكرسي الرسولي. فكان بيان مجمع الاساقفة ضدّه متزامنا مع قبول البابا بندكتوس استقالته.
وفي مثل هذه التعاملات تمت ايضا في المجمع الاسقفي في فرنسا، على سبيل المثل لا الحصر، اجراءات المجمع الاسقفي تجاه المطران جاك غايو، وبقي وضعه القانوني كأسقف كاثوليكي رهن التعامل مع روما.
ولولا الانسجام الافقي والعمودي، بين المجالس الاسقفية، او الكنائس البطريركية، والكرسي الرسولي، لكانت خرجت امور كثيرة، من نطاق الكنيسة الجامعة ولما استطاعت لزمن ان تحافظ على خصوصيتها بصفة كنيسة جامعة، في نطاق العقيدة الكاثوليكية المرتبطة بخليفة بطرس. لكن الرب قال أنه سيكون معها حتى انقضاء الدهور، يحميها، ولئن كان في حالتها البشرية، كإناء من خزف يحمل وديعة الايمان التي لا تثمن بثمن.
وفي الوقت عينه، يضحي من غير المنطقي ان يكون المصاف الاسقفي، او المجمع الاسقفي للكنيسة البطريركية، مجرد مكتب بريدي يصل أعضاءه ورعاياه بالكرسي الرسولي في اي صغيرة وكبيرة، وتترك على عاتقه أدارة شؤونهم. بل يعرف المتخصصون صلاحياتهم المجمعية، تجاه بعضهم البعض، وتجاه كهنتهم ورعاياهم وتجاه ما يجمعهم بالشركة العقائدية التامة مع كرسي بطرس.
أما اذا حدث ثمة التباس بين اسقف ومصافه الاسقفي، لأمر لا يرتقي إلى ان يكون مساسا في حالة قانونية أو أخلاقية أو مالية خاضعة للمساءلة، ولا يتعارض مع خطه العقائدي المنسجم مع روما. عندئذ لروما أن تتعامل مع الحالات كل على حدا، بحسب خصوصيتها وظروف اصحابها، سواء على المدى القريب أو البعيد. وبما يعالج طبيعة التعامل مع انسيابية الاحوال بين رعايا الاسقف المعني ورعايا  كنيسته الام ولحين عودة الامور إلى سياقها الطبيعي بفعل هذا الظرف الزمني أو ذاك. وحدثت مثل هذه الحالات، على مستوى كنائس ما سمي بالمعسكر الاشتراكي، وطبيعة تعاملها مع نظيراتها خارج ذلك المعسكر، سواء تلك المتحدة مع روما او تلك التي لم تستعد الشركة معها منذ زمن الانقسام. كما حدثت، في أعقاب المجمع الفاتيكاني الثاني، على مستوى الجناح الكاثوليكي المتزمت بزعامة الاسقف الفرنسي لوفيفر، الذي كان ينادي بالقداس بلسان الآباء، اللاتيني، وبعد بضع عقود من عهد لوفيفر، لم يكن بدّ لرعاياه إلا العودة الى حضن الكنيسة الكاثوليكية، بعد أن تُرك لقسسهم أن يقدسوا باللاتيني ويتسربلوا بالسوتانة الاكليريكية التقليدية.
ليكونوا واحدًا
ومن معالم السعد على مستوى الكنيسة الجامعة، أنها في أي من هذه الأحوال، تضع الشركة الكنسية التامة في الأولوية، على وفق امنية الرب يسوع: (ليكونوا واحدا كما نحن واحد). ولولا ذلك لكان حالة الكنيسة الكاثوليكية، ليس على اساس استقلال اداري معين في الكنائس الارثوذكسية، بل متجزئة على مستوى ما سمي بالكنائس المجهرية، وليدة الاصلاح البروتستانتي التي، كما تطرحها معلومات (كوكل) والتي تتكاثر مسمياتها، في كل عام بالعشرات ثم بالمئات.


48
رثاء حلم اسمه الامة

بقلم أ. نويل فرمان السناطي

أفتح في هذه الصفحة سجل عزاء.
فلم يعد من يمنع العين ان تذرف الدمع،
قول للعين يا عين جودي.
وتقول يا هذا، للحزن مرحبا يا حزن.
فلم يعد يا حزن غيرك من نديم.
ها قد جاءت طلتك، يا حزن، على حين غرة.
يا حزن الدهور المقبلة، جئت مثقل الخطى،  تجر وراءك ظلا أثقل
ظل حلم، مجرد حلم كان يحلو ان يداعبه الناظر، كطفل ينتظر العيد،
واذا بك تجرّ يا حزن، ظلك، في نعش حلم قتيل.
هوذاك يا حزن، ناهرا، أن عد يا هذا الى قلنسوتك
واكتف بمعبدك، خشوعا ومنبر روح،
ودع ذلك الحلم الذي طالما تمسكت به، تمسك الاطفال بيوم شمس.
تعال يا هذا وارتم في أحضان حزن،
على حلم ان تكون امتك واحدة.
تلك امتك الواحدة، لغة ونغمة ودبكة، ولونا وأمسا بعيدا بعيد، ومسيحا.
صلّ يا هذا على أمتك صلاة الثالث والسابع،
واجترّ حضانة القيح حتى الاربعين
وعندما تحلّ السنة، يا هذا
ودّع الأمة على رجاء القيامة،
على رجاء أن ترى من الامة شعبَها
شعبها الجريح المهجر الممزق المشرذم، واحدا واحدا في السماء.
ولكن يا حزن، وأيم حقك، علام حلّ بنا ما حلّ.
من ذا الذي ارهبته وحدتنا،
من هو من شعوذته لغتنا،
ما الذي ارعب مرعوبا لينحر، من الوريد للوريد، أمتنا.
أي اعداء خططوا حتى نتشظى بأيدينا إربا إربا.
وما عساهم جنوا من ذلك.
هل بلغ بنا الثراء ثراء دويلات الخليج،
ليُسمّى فينا كل فخذ من أفخاذنا ولاية.   
دويلات الخليج، غدت أمتهم، أمما،
وغدوا يتناحرون على الارض الواحدة شعوبا وقبائل.
طمع المقسمون في ثرائهم، فجزأوهم.
ماذا لعمري، أثارهم، فيجزؤوا أضلاعنا عظما عظما.
بماذا يا ترى، طمع في تمزيقنا، ممزق
على ما خطط لنكون ولايات مجهرية، وقبائل وكيانات أسرية ، غريبة عن بعضها في غربتها.
أمسٍ في التلمذة، كنا كلدان وسريان،   
وكان الاستاذ واحدًا يعلمنا أبجديتنا والقواعد،
يتنقل برشاقة بين لهجاتنا، والطقوس.
وفي كنيسة مار زيا بالدورة، كان الرابي، يشرح التورجاما، بسلاسة السلسبيل.
وكان الرابي، إذا ينزل الى الكمب، يمعن في تشويقنا،   
وتشويق التلاميذ عن الوحدة،
فيلفظ الحاء خاء، تارة، ويناغي الحاء حاء، طورا
ويا لقدر أمة ضاعت بين حاء وخاء.
يجلس السريان بين كاثوليك وارثوذكس، يتناظرون في طقس النهيرة.
ويصدح الموارنة، أمام سريانهم، كاثوليك وارثوذكس،
بكلمات العشاء الاخيرة، بلغة المسيح إياها.
فاسأل، وأيم حقك، الماروني، ما اختلافه عن سريانه الكاثوليك،
واسأل سريانيين اثنين، بين أرثوذكس وكاثوليك،
كيف يفسر شعبهما وسواد قسسهما ما يختلفهما من مذهب هذا وذاك؟
أهي ولايات خليجية رأسمالية، بناها كل أولئك الاقطاب،
من موارنة وغيرهم، من سريان كاثوليك وغيرهم، من كلدان وغيرهم
لتستظل كل ولاية منهم بعلم
برغم مسيح واحد، وجذور، ولسان ودم.
إبكِ يا عين لقلم لن يعود له بعد مأتم، أن يكتب،
عن أمة كانت، ولم يعد حتى للحلم لها من مكان.
فالموارنة، يا حسرة، لم يعد في كنائس اغترابهم من تمسك بالجذور سوى لغة طي،
وبات كتاب طقوسهم يبدأ افرنجيا ثم عربيا،
وتتوالى صفحاته بأعدادها من اليسار الى اليمين. أما لغة المسيح فحسبها اصحبت رمزا من الرموز.
وها هي سائر رعايا شعبنا الواحد، ترتمي في بلدان الانتشار،
تسلم لغتهم الطقسية زمامها للغة السائدة، استعدادا لانصهار الرعايا في بوتقة الشعوب المستقبلة.
امبراطوريات على انقاض امبراطوريات، بناها الجاه والمال وما إليهما،
من اجل البقاء للأثرى والاقوى،
حتى تضمحل الامبراطوريات كمن ورق،
الواحدة تلو الاخرى في حضن القادم الاقوى من حيثما ما كان.
شعب اصبح شعوبا، بلون كل مذهب.
لا الشعب يعرف ان يفصل اللون عن المذهب،
 ولا للرعاة شأن في اختلاط اللون بالمذهب،
فما عاد اللون من الالوان يغني ويسمن،
وغدا المذهب بين المذاهب والشعوب
 تتقاذفه الأمواج بين جارّ ومجرور.
أسئلة واسئلة حائرة على حلم غدا سرابا،

أجل لقد فتحت لأمتي سجل تعازي،
وما عاد عشمي من الاشقاء المعزين،
سوى أن يعزيني كل منهم،
ولكل سؤال بإجابة تعزية. 
 

49
أفكار ذكريات مع المطران الجديد مار عما نوئيل شليطا
بقلم الأب نويل فرمان السناطي

بوحي من الصلاة المريمية: تعظّم نفسي الرب
 
لم اجد افضل من كلمات هذه الترتيلة، للإصداء على خبر انتخاب المونسنيور عمانوئيل شليطا، كعضو في سرب اساقفة الكنيسة الكلدانية، راعيا على إحدى ابرشياتها، المترامية في أطراف العالم، ليكون بأسقفيته على أبرشية مار أدي في كندا، منضمّا إلى المجمع البطريركي المقدس الذي انتخبه، لخدمة أبناء الشعب المسيحي الكلدان، وبمصادقة الحبر الروماني مار فرنسيس.
 وقد أتاح المطران المنتخب، قبيل رسامته التي باتت على الأبواب وقبل تنصيبه، ان يأتي تسليط الضوء بمنحى شبه تعريفي. وعندما حدّثتُ هنا احد الاشقاء في الكهنوت عن مشروع المقال، سرعان ما التفتَ الى ضرورة ان يكون العرض يعكس مشاعر اشقاء الكهنوت، في مقدمة تلك المشاعر، اننا ونحن نستقبل هذا الحدث من بدايات العقد الاول من عمر الابرشية، وما عاشته من مخاض، فقد جاء الحدث كولادة اطلقت الاسارير بنحو واثق مستبشر.
سكرستية ساسكاتون
في المدة التي خدمت خلالها خورنة ساسكاتون، كنت أسر بمسألة عملية، أن أجد في السكرستيا (وهو مكان تبديل الكاهن والشمامسة في الكنيسة قبل القداس، ومقر مفاوضات التسوية بين الشمامسة في توزيع أدوار الخدمة والقراءات) أن أجد قميص خدمة ابيض، معه إزاره مخيطًا معه لعجبي (built in)، وبدلة كهنوت ذهبية اللون. و للعجب الآخر، كانت حلـّة الخدمة الاوخارستيا، الى حد قريب بقياس كاتب السطور (ميديوم كنك سايز) حتى عرفت أنه للكاهن الذي كان يزروهم في المناسبات، الأب (المطران) عمانوئيل شليطا. وتشاء العناية الربانية انه ذاته سيزور هذه الخورنة ضمن رعاياه الكلدان في كندا، والأن بصفة أسقفها الجديد. يبدو أنه تركها، لزيارات لاحقة، وفي الآخر قال لهم اتركوها لديكم للحاجة. وكانت أول فرصة للتفكير في أنه كان ضمن عدد من الكهنة الذين كانوا يستقدمون للخدمة في المناسبات. لتكون منذئذ تلك الجماعة المباركة، واحدة من أولى الجماعات الكلدانية التي عرفتها في كندا.
ولما كانت المعلومات البطريركية، عن الاساقفة المعلنين، وافية بما لا يقتضي الترديد، فهذا المقال يأتي على شكل افكار مسموعة، عما نعرفه عنه، وما رأيته في أكثر من زيارة قمت بها، الى كنيسة رعيته، مار كوركيس الشهيد، ونزولي في ضيافتهم.
وفي المرّات التي سنحت لي زيارة مركز رعيته، كان يقوم بتلقائية ليرتب معي موعد القداس، وهو النَفَس الذي يرافقه مع كل كاهن يزوره، أحدهم الأب مهند الطويل الدومنيكي، والذي جمعني المونسنيور معه ومع أهله في لقاء مؤثر، كان انطلاق صداقة كهنوتية عميقة.
وبادر لغير مرة، لتقديم قرص للقداس الذي كنت اقدسه في مقر رعيته ،مار كوركيس، هذه الكنيسة الكبيرة والجميلة جدا. ويزيد، فيكرم بكياسة، كل كاهن يقدّس لديه برغم قدومه بغير موعد مسبق. لسان حال يذكرنا بتحريض الام الطوباوية تريزا دي كلكتا مخاطبة الكاهن: أيها الكاهن، إعمل وانت تقدس القداس، وكأنه دائما بنكهة  المرة الأولى التي تقدّس فيها وأنه قد يكون بعبق المرة الأخيرة.
وكان شقيق الكهنوت يمارس مع الكهنة مثل هذه الكياسة، على حدّ علمي، حتى في زياراته التي كان يزور فيها الوطن، بشغف اللبناني الذي يقصد مسقط الراس في اجازته السنوية.
وأذكر أنه بعد أن قدمني قبل سنتين، في قداس أقمته في كنيسة رعيته أني، في كلمتي الجوابية للمونسنيور المكرّم حديثا في مناسبة يوبيله الفضي، استشهدت بكلمة يوحنا المعمدان عن يسوع: له أن ينمو ولي ان أنقص. لتمضي الأيام على المونسنيور، الذي جاء بعدنا، في التلمذة بإكليريكية مار يوحنا الحبيب، فيشاء الرب أن يكون راعيا لأبرشيتنا الكلدانية في كندا.
 
صورة بالكلمات
كيف أجده: عصامي مكافح، كاهن ميدان مكتف بنعمة الكهنوت، تراه مغتنيا بما عنده، زاهدًا بكل ما من بعده.
اذا احتسبنا اليوم، استحقاقه من العمر الكهنوتي الممتد لثلاث عقود، تجده بلسان حال من يتفاجأ،  فإذا انبهر، سيكون ذلك الانبهار بتبني صلاة الشكر للعذراء مريم وهي تقول:
"تعظّم نفسي الرب... لأنه نظر الى تواضع أمته."
أما وقد صار ما صار، وأن رجل الله قد قبل برغبة السينودس المقدس، فحسبه ان يعمل بواقعه الجديد بنفس الاكتفاء والاغتناء والارتقاء والثبات، فتلك سنّة الخدمة في الكهنوت المقدّس. كيف وبأي مؤشرات؟
هذه نتف، استقيتها من المرات التي التقيته فيها سابقًا، إلى جانب مهاتفات على مدد متفاوتة، آخرها  للتهنئة، جرى خلالها بنحو سريع وضع شيء من ملامح هذه الصفحات. وسبق وأن تكلمت معه لمناسبة العيد، قبل الاعلان، حيث تحدثنا بأجواء كانت اشبه بأجواء "الخطبة غير المعلنة"، متحفظين محترمين الكتمان بينه وبين الرعية التي سيقترن بها، حتى يعلنونها متمنين الخير.
 
الكاهن ومجالس العزاء
أبرز ما استقيته عن مار عمانوئيل، من لقاء أسبق، تقاليد المآتم ومآدب التعازي وبرتوكولاتها. فقد دخلت، في صبيحة أحد، دار الكهنة لكنيسة مار كوركيس، وهو خارج من الدار، ولم يكن عليه مظهر شيء يذكر، حتى انتبهت الى مسحة خبر جديد، تبين انه كان وفاة ابن أخيه، شابا صارع من اجل العافية لزمن حتى دعاه الرب. أجابني عندما سألته عن مراسيم العزاء، قال: أنا كاهن، تعزيتي القداس، ودعوتي الصلاة من اجل المتوفين، فما الحاجة الى الرسميات الاخرى. هذا ما يوحي بإرساء تقليد، يبرز الصلاة، ويخفف من عبء الرسميات، ويجعلها معقولة مقبولة.
وضع كنيستنا يعرفه، ويعرف مستواه وثقله، واذا كان يتهيأ له أن يشخصه، خلال أحاديثنا، فيفعل ذلك بدون تشكي، بل باقتراح الحلول.
 
في مجال القداس والليتورجيا
في هذا المجال كنت وجدت راعي خورنة مار كوركيس، قد جمع مجموعة شمامسة، بنحو يثير العجب، لكونهم بأعمار واماكن واتجاهات متباينة، كيف؟ هذا ما يمكن ان نعرفه ونتعلمه فيما بعد، فالحال بين خمسة شمامسة لا يختلف كثيرا عن الحال بين خمسين.
أما عن القداس، فيرى ان عمل اللجنة الطقسية فيه، يستحق الثواب، وان البطريركية قدمت الى الابرشيات نسخة متكاملة، جديرة بأن نتوحد بشأنها طقسيا في كل مكان، وما ينقاش، ينقاش في مجمع ويعلن رسميا. واذا احتجنا استفسارًا عن هذه الفقرة او تلك، فعنده الجواب. أحد تلك الاستفسارات كان بشأن ذبيحة القداس، وسيجد طريقه إلى التبلور، كما أخبرني سيادته، في الاجتماعات الاكليريكية القادمة:
فقد طرحت عليه مؤخرا، ان كان مناسبا مكانها في القداس، تلك ترتيلتنا المعروفة لدى التقادم: اتكالا اتكلت على الرب، جسد المسيح ودمه الثمين على المذبح المقدس... (مسبارو سبريت بمريا، بغريه دمشيحا ودمه يقيرا...) وكيف وُضِعت هذه الترتيلة، في بداية القداس، وقبل كلام العشاء الاخيرة، او دعوة الروح القدس، حيث خلالها كما قال، تتم الاستحالة في طقس كنيسة المشرق.
عندئذ شرح المطران المنتخب كيف ان عناصر متعددة من الصلوات تدعونا الى ان نسبح لحضور المسيح جسدا ودما فيما بيننا... سواء لدى فرز التقادم وإعدادها، أو من خلال صلاة التقادم، عندما نطلب ان يقبل هذا القربان، وغيرها الكثير.
 
وكان الحديث عن تواصل الابرشية، على المستوى الاعلامي
إنها احدى الابرشيات الكلدانية تتواصل مع بعضها ليتورجيا روحيا اعلاميا، بانسجام مع الخط الاعلامي للبطريركية،. هل يكون موقع الكتروني للأبرشية، نعم ولكنه لن يكون رقما مضافا إلى المواقع الالكترونية، بل له أن يعكس واقع حال الابرشية، انشطتها واعلاناتها، ويصبّ في المجرى الاعلامي العام لمنبر البطريركية، مع ضرورة البحث عن آلية، تجمع مواقع الابرشية حوالي الموقع البطريركي لتكون مواقع الابرشيات من موقع البطريركية، بمثابة الشعاع من البؤرة.
 
التعرف الميداني على الابرشية وخورناتها
المطران المنتخب، كان يمضي خلال التداول الالكتروني بشأن محاور هذا المقال،  فترة انتظار الرسامة، تسبقها رياضة روحية تحضيرية. وبعد الرسامة، ولحين يأتي موعد التنصيب، سيبدأ العمل، كما نوه في أول مقابلة صحافية مع الصحفي السيد ماجد عزيزة، حيث ذكر بتواضع، أنه من ناحية الأبرشية، لا يعرف كثيرا عنها، وأنه واثق أنه مع الزمن والعمل سيتعرف بالتأكيد عليها وعلى كل شيء فيها، وحين العودة بعد الرسامة سيبدأ كل شيء، كما قال: سأبدأ من (الصفر) كي أعرف كل شيء عن أوضاع الأبرشية.
 
تواصل اليوم المشرق مع أمسه
على أنه في إشارة طيبة، تنم عن تواصله الايجابي مع ماضي الأبرشية، خاطبنا، مار عمانوئيل برسالة الكترونية، بشأن سياق ذكر الصلاة من أجل الرؤساء الدينيين في صلاة نقوم شبير، كتعليق لتساؤلنا بهذا الصدد، في رسالة الكترونية متداولة. وطلب ان تذكر الاسماء فيها بالطريقة الآتية:
مار فرنسيس الحبر الأعظم بابا روما، ومار لويس الجاثاليق بطريركنا، ومار عمانوئيل اسقف رعيتنا، وأبينا مار يوحنان، وسائر أبناء خدمتهم...، وبذكر مار يوحنان، تكون أشارة محبة من المطران الأصيل إلى المطران المستقيل، والاعتزاز بوجود ما يوحنان زورا فيما بيننا كأب وأسقف سابق للابرشية.
كما يؤكد الأسقف العتيد على ابرشية  كندا، على السعي لتكون اللغة السوادية في صلوات الشعب، ذات صيغة مشتركة على عموم الابرشية. ونتوقع ان يتناغم ذلك الى حد بعيد، مع السياق في الابرشيات الكلدانية بالولايات المتحدة الامريكية. والطريقة الى ضبط تكل الصيغة، يراها بتعميم الصلوات التي يرددها الشعب، في القداس، بما فيها قانون الايمان والصلاة الربية، بحيث تكون صيغة واحدة تساعد على الانسيابية في الصلاة، ويتم فيها تحاشي الكلمات العربية، وما يكون صعبا للفهم في البدء، يتم التعود عليه مع الوقت. وان هذا مطلوب في الدرجة الأولى على مستوى الشعب، لأنها صلوات جماعية، تقتضي الانتظام التعبيري لدى تلاوتها. وقد يختلف الموضوع بعض الشيء، عن الصلاة الفردية للكاهن، عندما يميل لسانه في الصلاة، نحو استخدام عبارات الصلاة، من هذه اللهجة أو تلك.
 
الافاق الكلدانية لأبرشية مار أدي في كندا
هذه، قبل نهاية المطاف وقبل ان الملم الاوراق، افكار من التي آمل ان يستعرضها المطران الجديد ولم يتسنى لي مشاركته فيها.
فمع استقرار أبناء الابرشية،  في كندا، وتبلور سياقاتهم الاجتماعية والثقافية، لا بد وأن راعي الابرشية الشاب سيجد بحكمته وخبرته الاسلوب المناسب للتعامل مع الحس الاثني المتزايد اكثر فأكثر لإعلان تميّزه أمام المجتمع الفسيفسائي  في كندا، بدون ضبابية، هذا الحس الذي يجمع الجماعة ويتيح لهم أن ينتعشوا اجتماعيا، ويرسخوا بانفتاح واغتناء حضورهم الكلداني الثقافي والاجتماعي والاثني المتشرب من الأصل القومي النهرين، مع التساؤل عن دور الكنيسة في كندا إزاء هذه الظاهرة، تساؤل مطروح أمام المطران الجديد بخبرته وموهبته.
مع أطيب التمنيات للاسقف الجديد لأبرشية مار أدي الكلدانية في كندا مار عمانوئيل شليطا، وللاسقف المرتسم معه مار باسل (باسيليوس) يلدو اسقفًا على بيث زبداي شرفا، والمعاون البطريركيّ  خلفاً للمطران جاك اسحق، ومبروك لأبشية مار توما الرسول - استراليا، مطرانها الجديد مار اميل شمعون نونا، خلفا للمطران مار جبرائيل كسّاب

50
مع صحيفة كندية: تشخيص متوازن لإسلام
قراءة غربية في فكر البطريرك ساكو
تقديم الأب نويل فرمان

نشرت صحيفة كالكري صان، من كبريات صحف كالكري عاصمة البرتا الاقتصادية، في عددها الصادر يوم الاحد 18 كانون الثاني 2015، في عمودها الاسبوعي، تحت باب (ضيف العمود) مقالا موسوما بعنوان: "العالم بحاجة الى المزيد من الحقيقة، بحب" وكان ضيف العمود المطران فرد هنري، وله عمود اجتماعي أنثروبولوجي في عدد من صحف ومجلات البرتا. والصحافة العلمانية المحلية تعدّه الاسقف المشاكس بنحو محبب وبحجة، وصاحب الصوت الجريء ممن لا تثنيه في قول الحق لومة لائم. هذا ما كان سببا لشعبيته، سواء في المحافل الاجتماعية أو اللقاءات الحوارية.   
الجديد في الموضوع ان الاسقف هنري صاحب المواقف الجريئة في مساوئ الكازينو، وعدم قبول تبرع من ارباح القمار، والمنادي بالقيم الاجتماعية، في إطلاق الخطة الخمسية لإيواء المشردين، وجد إجابات عن تساؤلاته، في فكر البطريرك الكلداني مار روفائيل الاول ساكو. فقد جاء عنوان المقال، كترجمة فورية، لما كتبه بطريرك الكلدان مار لويس ساكو، عندما صارحه المطران هنري مؤخرًا: "نحن الغربيون نميل الى الخشية ان نكون مباشرين، لكن قيادتكم تعطي الثقة لنقول الحقيقة، وبحب."   
وفي العنوان الفرعي للمقال، جاءت هذه الكلمات: (نحن لسنا كلنا شارلي) كرد فعل للديباجة التي سرت كالنار في الهشيم في اعقاب اغتيالات باريس قبل ان يستدرك المفكرون والمراقبون الواحد تلو الاخر، بنحو مغاير لهذا الشعار. هذه إضاءات على مقاله، من باب الأصداء له، كتفاعل غربي إيجابي مع طروحات البطريركية، ومع مراعاتنا للنبرة الغربية في الطرح، فإن البطريركية تبقى تحتفظ بخطابها الخاص، وهي تصدي للمقال في كونه انعطافة غربية جديدة في التعامل مع حقائق قديمة طالما تم تجاهلها والمجاملة بشأنها. ونبدأ بما جاء في صدر المقال:   
في 7 كانون الثاني، جاء الهجوم الارهابي من خلال مسلحين اسلاميين على مكاتب الصحيفة الفرنسية الساخرة (شالي أبدو) في باريس، كمناسبة مؤاتيه لإدانة الإرهاب بنحو كاسح الانتشار.   
المجزرة طالت 12 مدنيًا بضمنهم شرطيين، أحدهما مسلم، في جريمة مقرفة، تستدعي تضامننا مع الشعب الفرنسي والعوائل المكلومة في هذا الشأن.    
وفي 10 كانون الثاني، اصدت وسائل الاعلام العالمي الى ان ما بلغ مجموع 2000 مدني، في مدينة باغا النايجرية وفي ضواحيها، تم ذبحهم من قبل الجماعة الاسلامية بوكو حرام.   
وما وجدته من سخرية المقارنة، ان الصحفيين كانوا مشدوهين بشأن استهداف حرية الخطاب والتعبير، في باريس، ولكنهم كانوا يمرون بتجاهل امام المجزرة الثانية التي طالت عددا خياليا من الضحايا البشرية.   
هذا مثال ينطبق بامتياز على ما وصفه البابا بثقافة الاسقاط.   
من حيث المبدأ أنا لست ضد أدب السخرية. فهو يتطلب موهبة وابداعا لكيما يطال شيئا ما، مما نجده على سبيل المثال، في السخرية الاجتماعية التي يمارسها ستيفن كولبرت عندما يقول: إذا كان هذا الحال بشأن الامة مسيحية بأن لا تساعد الفقير، فإما علينا أن نّدعي بأن يسوع كان ذاتيا كما نحن، أو علينا أن نعترف بأنه أوصانا بأن نحب الفقير ونخدم المحتاج بدون شرط، وبالتالي نقر بأننا، لا نريد ان نفعل ذلك وحسب.
غير ان استعمال الدعابة والسخرية، وتكبير الامور، او تحميق الاخرين، بعرض وانتقاد سخافات نجدها عند الغير، او تشخيص رذائلهم، او التركيز في ذلك على معتقدات دينية (قد يجدها المرء قابلة للاعتراض) كل هذا في التالي يفضي الى ان يقتصر المرء على انه بدعاباته يمارس شيئا غير ذي بال، ولا يعكس المعنى الحقيقي لتصرف أي انسان، فلا يكون من ثمة في عمله ذاك أي غرض مفيد ولا هدف للتغيير والاصلاح.   

بيان بطريرك الكلدان في أعقاب أحداث باريس:
دعوة لتفكيك ايديولوجية لتطرف الارهابي.   

بعد أحداث باريس، صدر بيان من بطريرك الكنيسة الكلدانية البطريرك لويس ساكو، الذي إلى جانب تعبيره عن أسفه قال": إزاء ما يحدث في المنطقة العربية وخارجها، مما هو غير مسبوق ويهدد العلاقات والتعايش، ندعو إخوتنا المسلمين الى أن يتخذوا المبادرة بأن من الداخل يفككوا ايديولوجية التطرف الارهابي. ويكوّنوا فكرا منفتحا ومستنيرا مما لا يقبل الاستغلال السياسي للدين."   
ان المضي في نشر الرسوم الساخرة ليس هو الحل، كما ليس كافيا استعراض فارغ لقادة العالم السياسي متأبطين أذرع بعضهم، مثلما ليس كافيا أبدًا القيام بمجرد الاحتجاجات.
وليس من الكفاية ان نقول: "هذا اليس من الاسلام بشيء" أو تجاهل نصوص مقتطعة من القرآن تعرّض بوضوح إلى العنف "الكفارَ" المقصود بهم غير المسلمين، او الاكتفاء بالقول: الاسلام هو ديانة سلام.   
والحال، سواء كنا نقرّ ذلك او لا، لا بدّ من القول أن الغالبية الواسعة من مجمل الاعتداءات الارهابية في العالم، يتم القيام بها باسم الاسلام، وتحت شعار الدفاع عن المعتقد او عن النبي. اعمال يتم القيام بها مع ترديد عبارة (الله أكبر) وبذلك يتم كل شيء تحت غطاء الله ونداء الاسلام، وصولا الى قتل من هو بريء.   
أمام جامعة الازهر في القاهرة بمصر، لمناسبة العام الجديد 2015، القى الرئيس عبد الفتاح السيسي خطابا قويا أمام رجال الدين ودارسي علوم الدين، قال:   
"انه من غير المعقول ان الفكر الذي نحمله، مما هو أقدس ما لدينا، يمكن ان يسبب للامة كلها –العالم الاسلامي- بأن تكون مصدر قلق وخطر مصدر قتل وتخريب لسائر اجزاء العالم. هل من المعقول، ان طريقة تفكير، ولا أقول ديانة، بل طريقة تفكير، قدسناها عبر عصور، تؤدي بنا إلى ان نجسد نصوصا وافكارًا تستعدي العالم بأسره. هل من الممكن ان مليار وستمائة مليون (مسلم) ينبغي عليهم ان يقتلوا الجزء الاخر من العالم، ما يعادل 7 مليار، لكيما هم يتسنى لهم العيش؟ من غير الممكن هذا. اقول واكرر اننا بحاجة الى ثورة دينية. أنتم الأئمة، مسؤولون أمام الله. إن العالم بأسره، أجل اقولها ثانية العالم بأسره ينتظر خطوتكم التالية لأن هذه الأمة اصبحت ممزقة، مدمرة، لقد آلت إلى الضياع، وبأيدينا نحن."   
ويمضي كاتب العمود فريدريك هنري في جريدة كالكري صان، الى القول: ثمة حاجة بأن يواجه الاسلام حالة كفاح من الداخل، والائمة لهم في هذا دور الريادة.
وثمة محوران بارزان يحتاجان الى المعالجة:   
1-تفسير النصوص   
بالنسبة الى المسلمين، أكان الموضوع يخص محافظين أم ليبراليين، فثمة حالة أساسية وهي ان القرآن يقدم على أنه عمل الله نفسه. وعليه فهو يتجاوز الزمن، وبتعبير آخر، لا يرتبط بالقرن السابع. فأن يكون ذلك كلام الله، فهذا يعنى انه مصان عبر الزمن. وهنا يتواجه رأيان: جانب الايمان المحافظ، ممن نسميهم الاصوليين، وهم يعتقدون ان كل آية له معناها الحرفي المطلق. أما الليبراليون فإنهم يقترحون ان يتم وضع النص في اطاره الخاص من حيث التفسير، آخذين بنظر الاعتبار ظروف الزمان والمكان. وعليه فإنهم يطالبون بضرورة ان يتم تبني تفسير النص ضم اطاره التاريخ، مقارنة بالأحداث القائمة وبالعصرنة. ولا بد من القول ان العصرنة، لا يقصد بها الالحاد، ولا مخالفة سلوك الآداب، أو عبادة المتعة، وكذلك رفض البعد الخاص بالديانات، كما غالبا ما يحدث في الغرب.   
2-التكامل
الاسلام هو نظام وليس مجرد دين. وهنا السؤال يطرح نفسه: هل بوسع المهاجرين ان يجدوا الطريق الى ان يشاركوا بشكل معقول في الحياة الاقتصادية والسياسية وكذلك في النظم التشريعية والاجتماعية؟   
للإجابة عن هذا السؤال، يختتم الكاتب بالإشارة الى ما يؤمن به البطريرك ساكو، بقوله:
ما يؤمن به البطريرك ساكو هو: إن مستقبل الانسان، يعتمد أساسًا العيش المشترك بسلام، بانسجام وتعاون، أمام ما نواجهه من تيارات اصولية تستهدف استخدام العنف. علينا أن نتقبل مسؤوليتنا التاريخية والأدبية، وذلك بإشاعة ثقافة الاعتراف بالآخر، القبول بالآخر واحترامه على أساس المبدأ التالي: لا إكراه في الدين، وأنه من خلال الحوار النزيه، الحكمة والرؤية الواضحة، والتنشئة الدينية المتميزة بالشفافية.
أجل بدل السخرية يا سادة، يقول المطران هنري، علينا ان نتعلم على قول الحقيقة وبحب.

نشر ايضا في موقع البطريركية تحت الرابط:
http://saint-adday.com/permalink/7018.html
ًأصل المقال في جريدة كاكري صن
CALGARY SUN – January 18/15
OPINION COLUMNISTS
SPECIAL GUEST COLUMN
The world needs more truth through love, not satire: A guest column from Bishop Fred Henry
0

BY BISHOP FRED HENRY
"We are not all Charlie."
The Jan. 7 terrorist attack by Islamic militants on the offices of the French satirical Charlie Hebdo in Paris brought, and rightly so, widespread condemnation.
The massacre of 12 civilians, including two policemen, one of whom was Muslim, constituted a heinous crime and there is a need to express our solidarity with the French people and the affected families.
On Jan. 10, the international media reported that up to 2,000 civilians in and around the town of Baga, Nigeria, were slaughtered by the Islamist group Boko Haram.
What I found particularly appalling was that journalists went ballistic about “an assault” on the freedom of speech and expression, while almost ignoring the second massacre involving an incredible loss of human life.
A classic example of what Pope Francis calls the “throwaway culture”.
In principle, I’m not opposed to satire. It takes talent and creativity to really nail something, for example, the social satire of Stephen Colbert when he says: “If this is going to be a Christian nation that doesn’t help the poor, either we have to pretend that Jesus was just as selfish as we are, or we’ve got to acknowledge that He commanded us to love the poor and serve the needy without condition and then admit that we just don’t want to do it.”
However, the use of humour, irony, exaggeration, or ridicule to expose and criticize people’s stupidity or vices or deeply held religious beliefs (that one finds personally objectionable) usually ends up being nothing more than a sophomoric exercise, demeaning to everyone, and truly offensive to the point of serving no useful transformative purpose.
After Paris, the Chaldean Church Patriarch Luis Sako, in addition to expressing his sorrow, said that: “In front of what is happening in the Arab region and abroad, which is unprecedented and threatens relations and co-existence, we call upon all our Muslim brothers to take the initiative from the inside to dismantle this terrorist extremist ideology. And build an open and enlightened Islamic opinion that doesn’t accept the political exploitation of religion.”
More satirical cartoons are not the answer, nor are empty symbols of political world leaders marching arm in arm, nor are simple protestations.
It is not enough to say, “This has nothing to do with Islam” or to ignore some texts taken from the Qur’an which clearly espouse violence against the infidel (non Muslim) or “Islam is a religion of peace.”
Whether we wish to admit it or not, the vast majority of all terrorist attacks in the world are carried out in the name of Islam, to defend the faith, or the prophet .
They do everything saying, “Allahu Akbar” (God is great), before doing it, putting everything under God and the call of Islam, even the killing of the innocent.
Speaking at the Al-Azhar University in Cairo, Egypt, on New Year’s Day, 2015, Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi made a forceful and impassioned plea to religious scholars and clerics:
“It’s inconceivable that the thinking that we hold most sacred should cause the entire umma [Islamic world] to be a source of anxiety, danger, killing and destruction for the rest of the world. Impossible! That thinking — I am not saying “religion” but “thinking” — that corpus of texts and ideas that we have sacralized over the centuries, to the point that departing from them has become almost impossible, is antagonizing the entire world. It’s antagonizing the entire world! ... Is it possible that 1.6 billion people [Muslims] should want to kill the rest of the world’s inhabitants—that is 7 billion — so that they themselves may live? Impossible! ... I say and repeat again that we are in need of a religious revolution. You, imams, are responsible before Allah. The entire world, I say it again, the entire world is waiting for your next move … because this umma is being torn, it is being destroyed, it is being lost — and it is being lost by our own hands.”
The struggle within Islam itself must be confronted and the imams will have to lead.
Two immediate flash points need to be addressed:
1. The interepretation of texts
For all Muslims, whether you are conservative or liberal, a basic premise is that the Qur’an is not the work of Muhammad but of God himself. Therefore it is timeless and not restricted to the seventh century; it is the word of God preserved unchanged over time. The orthodox (and particularly the fundamentalists) believe that each verse has an absolute value, regardless of the context. The liberals propose a contextualized reading and interpretation, taking into consideration place and time. Therefore, they emphasize the necessity of adapting the text to history, current events, and to modernity. Modernity that is not a synonym for atheism, immorality, hedonism and the denial of religious dimension of life, as often occurs in the West.
2. Integration
Islam is a system, not just a religion. Can immigrants to western countries find a way to meaningfully participate in existing economic, political, legal and social systems?
Patriarch Sako believes: “There is a future for us human beings only by living together in peace, harmony and co-operation as we were before the advent of the radical streams that use violence. We have to accept our historical and moral responsibility in spreading the culture of the recognition of the other, acceptance and respect him based on the principle that “There is no compulsion in religion” and “through honest dialogue, wisdom, clear vison, and intact religious upbringing.”
Rather than satire, we need to learn to speak the truth in love.​




51
وانطلق التحوّل: انتفاضة البابا على خطى المسيح الثائر

الأب نويل فرمان السناطي*

أطلق البابا فرنسيس، مؤخرا، موعظة مدوية، تناولت النص الانجيلي حول حدث تطهير يسوع للهيكل من المتاجرين به، مع إبداء قداسته مشاعر الحنان نحو طيبة المؤمنين، ونياتهم الحسنة... وهل ستبقى نيات أو حتى حسنات، بعد موعظته الحبرية؟
لم أبحث عن النص الأصلي للحديث، في الخبر الذي تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يحمل آثار الترجمة، ولم أرجع إلى تاريخ النص ومكانه، وهل الوقت يسمح بكل هذا، أمام اليقين أن الكلمات تحمل نبرة الرجل، ولم تعد تفاجئنا، أمترجمة كانت أو أصلية! هذه بعض أضواء خجولة على موعظة من مواعظ العصر.

حديث بنبرة المشاركة الوجدانية   
لم يتحدث الواعظ بالمبادئ والارشادات، بل تكلم بطريقة المشاركة الوجدانية من القلب للقلب، طريقة تعتمد شواهد من خبرة الحياة وبأمثلة حية.
البابا هو فرنسيس الأول، وهل جاء فرنسيس مماثل من قبله في عصورنا المنظورة! ولكنه في الأقل، كما يبدو، يفتتح عهدًا بابويًا يرجع إلى زمن بطرس، زمن معفـّر بتراب أقدام المسيح، وما أحدثه سوطه في الهيكل من عجيج غبار.   
تحدث حبرنا بأنفاس محبة نحو الشعب المؤمن، متفهمًا طيبته معجبا بورعه. لكنه في الوقت عينه يطلق الصدمة، أمام ما وصفه، بضمير الجمع بـ "عاداتنا غير الكهنوتية في الهيكل" إذ قال:   
"أنا أفكر بالصدمة التي يمكن أن نثيرها عند الشعب بمواقفنا -بعاداتنا غير الكهنوتية في الهيكل: صدمة التجارة، صدمة الدنيويات ... حتى اليوم كم مرة نرى عند مدخل الكنائس قائمة أسعار المعمودية، وصلاة البركة، وتقدمة القداس. "ويشعر الشعب بالصدمة".
وتحدث مار فرنسيس بالامثال، كسيده المسيح، مستشهدًا، ويا له من شاهد، بمثل حي في بدء حياته الكهنوتية، ليروي لنا على طريقة كاتب سيناريو:
كنت مع مجموعة من الجامعيين عندما قرر خطيبان الزواج. فذهبا إلى الرعية، لكنهما أرادا أن يحتفلا بزواجهما بقداس، فقال لهما المسؤول في الرعية:
"لا، لا، لا يمكنكما"!   
- "ولكن لماذا لا يمكننا إقامة القداس؟ فالمجلس الكنسي يوصي بالاحتفال دائما بالزواج في إطار القداس ...! "   
-" لا، لا يمكن، لأنه لا يمكن أكثر من عشرين دقيقة!
- "لكن لماذا؟"
- 'لأنه هنالك أدوارًا أخرى "
- " لكننا نريد القداس! "
–' فتدفعان ثمن دورين! ".
ولكي يتزوجا في إطار القداس دفعا ثمن دورين. هذه هي خطيئة الصدمة.
وأزعم كمترجم أن النص المترجم يقصد في عبارة الدورين ما معناه: إن الوقت من بعدكما محجوز لنشاط ليتورجيي آخر، إلا إذا كنتما تدفعان ثمن نشاطين ليتورجيين.
بعد هذه القصة، أشار الأب الأقدس، إلى مسؤولية المتسببين في الشكوك بقوله الذهبي:
عندما يصبح أولئك الذين في الهيكل – أكانوا كهنة أو علمانيين أو موظفين وهم مسؤولون عن إدارة شؤون الهيكل – عندما يصبحون رجال أعمال فإنهم يسبّبون الصدمة للناس. ونحن مسؤولون عما يجري. والعلمانيون أيضا. كلنا نتحمل المسؤولية. لأنني –كمؤمن علماني- إذا رأيت أن هذا ما يجري في رعيتي، يجب أن يكون لدي الشجاعة لأقف بوجه الكاهن.
ونوّه البابا اليسوعي بتسامح الناس لطيبتهم، بأن "شعب الله يغفر لكهنته، عندما يكون لديهم ضعف، أو يقعون في الخطيئة"، على أنه استطرد قائلا: " لكن هنالك شيئان لا يمكن لشعب الله أن يغفرهما: كاهن متعلق بالمال وكاهن يسيء معاملة الناس". معيدًا الاشارة إلى الصدمة بقوله: "عندما يصبح الهيكل، بيت الله، بيتاً للأعمال، كما حصل مع الخطيبين، فقد تم استئجار الكنيسة ". ويستند البابا فيما ذهب إليه، إلى مبدأ يسوع في غضبته وغيرته على بيت الله، وهو قول المسيح: لا يمكن أن تخدم ربّين "فإما أن تعبد الله أو تعبد المال ". ومن ثم، يستنتج السبب الذي من أجله "يسوع يمسك السوط ليطهر الهيكل."

البابا المدهش، هل من مزيد؟
البابا فرنسيس الاول، إذا كان في كل يوم يدهش العالم، لسنا نعرف، بعد موعظة تجار الهيكل، ان كان في جعبته المزيد. ولا بد وأنه سيكون المزيد على المستوى العالمي.
ولكن على مستوى الكنيسة هل من مزيد؟ سيكون حتما المزيد، بعد ما نحن أمامه من منعطف مفصلي تاريخي تحولي، تمثل في صيحته بألا يتم تدنيس الهيكل بالتجارة.
أجل لم يعد ثمة في هذا الشأن، لون آخر ما بين اللونين، الاسود والابيض. ولم يعد ثمة مماطلة او تجاهل، ولا صرف نظر أو تماهل، لا أمامنا كقسس ولا أمام المؤمنين قبلهم.
ولا يتردد البابا في كل هذا، مما سيجرّ من مردودات إجراءات كهذه، من شأنها وهي تقصد أن تعيد الكنيسة إلى أزمان البشرى الأولى، أن تغدو كنيسة فقيرة ببنيانها، بائعة للوحاتها، وأعمالها الفنية، موزعة على الفقراء هداياها، فقيرة بخدامها، وأن هذه الكنيسة في هذا التنظيف الجذري المتحرّر من ماديات كانت تستند على تخريجات وتبريرات، ها قد فقدت أي مسوّغ لها ضمن منظور البابا، لتكون كنيسة بشرى، كنيسة اشعاع وجذب إيماني الى البشرى السارة.
لم يعد ثمة، على ضوء أقوال البابا، من خيار أمام الكهنة ولا أمام المؤمنين، سوى خطوات عملية، لا تحتمل غير التطبيق، ليس لأنها جاءت من فوق، من أعلى هرم للكنيسة الكاثوليكية، بل ايضًا لأنها تستوحي أقوال المسيح وأعماله، التي حجبت جوانبَ منها، تراكماتٌ زمنية غلفتها القوانين الوضعية.
لم استعجل الكتابة، لادّعائية شخصية، معاذ الله أو أني أقل من غيري اشتهاء أو استحياءًا تجاه المال. ذلك أنه لم لم يعد ثمة مجال لتبرير أو دفاع عن النفس، ولست سوى واحد من كثيرين، لا يتبرر الواحد فيهم أكثر من غيره. فالكنيسة الجامعة اليوم، أمام حبرها الاعظم، مقصودة بغربها قبل شرقها.
لقد كتبت مرة في موقع مار أدي البطريركي، مقالا بعنوان:
استجابة لمقترح سابق لغبطة بطريرك الكلدان: شهادة عن الادارة المالية للخورنات اللاتينية
(http://saint-adday.com/permalink/5591.html
قصدت به المقارنة بين خبرة كنيسة وأخرى. وأقرّ اليوم، على ضوء الصدمة، بأن المقال ذاك، كتب بنوع من الاشادة، بل بالدعوة التي التناغم في خبرة السياقات بين الكنائس الشقيقة المتنعمة بالشركة العقائدية التامة. وأقرّ أن المرء آنذاك كان يستند من حيث لا يدري على تحصيل حاصل في جوانب أداريه عدة، في كنيستنا بغربها وشرقها، أخذت قوالب من القوالب التي لبست مع الوقت شرعنتها وشموليتها.
وها هي تلك السياقات الأدرية المقولبة مع الزمن، إذا وضعت تحت المجهر البابوي، في ضوء موعظة تطهير الهيكل، تجد، ويا للمفاجأة، من يزعزعها من جذورها... ومن سيكون ذلك سوى المدهش كل يوم، الجالس على كرسي بطرس. وعليه وجب الاذعان اليوم ان ذلك المقال بات في العديد من فقراته، يتحرّج من كلماته.
وبعد، يبقى التحدّي كل التحدّي هو أننا أمام مدرسة لاهوت حديثة في عصرها، وتحتاج الى الالمام بأبجديتها، هي مدرسة لاهوت متفرّد لعصرنا، مدرسة ترفض التنظيرات التوفيقية، لتشكل لاهوت فقر أنجيلي بحقيقته العارية، لاهوت فقر علماؤه البؤساء ورسوله المعاصر فرنسيس الأول، بابا الفقراء.

  *راعي كنيسة سانت فاميي للكنديين الفرنسيين، وكاهن خورنة مريم العذراء للكلدان، كالغري

52
مع رتبة القداس الكلداني 2014، بنصيه الكلداني والعربي، انشراح وآمال طيبة

بقلم الأب نويل فرمان السناطي

ما أصغر العالم، كقرية ألكترونية، فما أن بثت بطريركية الكلدان النسخة الالكترونية لرتبة القداس الكلداني، وقبل ان تتوفر للكثيرين الفرصة لزيارة الموقع الأم، الزيارة النظامية، كان رواد وسائل التواصل الاجتماعي، الفيسبوك (ش.م.م) السباقين الى تقاسمه فاطلعت عليها منذ ليلة الجمعة الماضية. هذه قراءة في نص الرتبة الصادرة صفحاته حاليا بعمودين يضمان النصين الكلداني والعربي.
إصدار في منعطف تاريخي
وفي الاشارة  الصريحة الواردة في رسالة نيافة الكردينال ساندري تحت مفردات مثل:
 (circonstanze particulari di disagio ecclesiale in cui versl al Chiesa Caldea)
ما ترجم بـ: "الظروف الاستثنائية الفوضوية التي تمر بها الكنيسة  الكلدانية"، فإن الرسالة توثق في منطعف للتاريخ، مرحلة دقيقة منه وحرجة تتعلق بمسار شعبنا المسيحي النهريني، بحيث تبقى الرتبة شاهدة للاجيال، لما خبرته الكنيسة من مخاض عسير داخلي، وجيو-سياسي، وبما لا شك أن سيشرحه المؤرخون المنصفون، عن  ظروف الاحتلال الارهابي للموصل وبلدات مسيحية أخرى، من قبل ما عرف باسم الدولة الاسلامية في العراق والشام، وما حدث من سابقة في الدهر من التهجير القسري لشعبنا. إشارة، في صفحة التقديم، ستبقى وسام يزينه هامة الكنيسة الكلدانية وسائر كنائس العراق والشام وشجاعة شعبهما العظيم المهجر وآبائهما الروحيين الأماجد. إشارة لها أن تذكرنا أيضا بالزمن الذي كتبت فيه رتبة القداس إبان حقب من الزمن لم تخلُ من الاضطهادات المتنوعة.
تواضع آبائنا القديسين في رتب القداس، على مر الأجيال
وهنا يحضرني شعور في مرحلة الممارسة الكهنوتية الاولى على القداس، عندما انبهرت من إمارات التواضع التي يطالب بها المحتفل في نصوص الرتبة المقدسة،، كنت بطريقة البسطاء، أحدث النفس قائلا: لله در أولئك الاباء القديسين، الذين كتبوا هذا الطقس الجميل، وهم يعبرون باتضاع في الصلوات، عن عدم استحقاقهم وضعفهم وانسانيتهم المعطوبة، مما كنت أجده في اشارات مثل: ويلي ويلي اني رجل دنس الشفاه... وأخرى من تلك التي للكاهن ان يصليها قبل التناول: لا يكن لي يا رب  جسدك ودمك الغافر الذي أتجاسر وأتناوله للدينونة والنقمة بل للرحمة والحنان... والتي كم اسعدني فيما بعد أن وجدتها مترجمة بنحو شبه حرفي في صلاة ما قبل التناول  بلغات طقس القداس اللاتيني:
May the receiving of your Body and Blood, Lord Jesus Christ, not bring me to judgment and condemnation
Seigneur J. C. que cette communion à ton corps et à ton sans n’entraine pour moi ni jugement ni condamnation…
 كما لدينا في رتبة قداسنا المشرقي صلوات تتضمن عبارات عميقة مثل: أهلتنا بالرغم من خطايانا. وفي رتبة ما بعد الكلام الجوهري:... نحن عبادك الضعفاء... فأحييتنا بألوهيتك ورفعتنا غافرًا خطايانا... ونصرت طبيعتنا الضعيفة بمراحمك.
ولعله اعتراف كهنوتي بسيط، أنه عندما يكون المرء قريبا من الرسامة الكهنوتية، يخالجه الشعور أنه قاب قوسين أو أدنى من القداسة، وتمر الأيام لتذكره هذه الصلوات انه هو ذات الخاطئ الذي كان شماسا انجيليا والخاطئ عينه الذي كان قبل ذلك وقبله، مما يجعل الانسان المسيحي، أكان علمانيا معمّذا على كهنوت ملك صادق، أم خادم أسرار حائزا بنعمة مجانية على هذه الدرجة الكهنوتية أو تلك، يبقى في مسار توبة متجددة حتى نهاية العمر.
وهكذا نكون شهود جيل على اصدار آبائنا في المجمع المقدس، رتبة لمدة خمس سنوات مرشحة لمراجعة نهائية، لتداولها الاجيال، كإرث نأمل أن يذكر التاريخ قداستهم بعد عمر طويل، بدون أن نكون قادرين في "الظروف الاستثنائية الفوضوية التي تمر بها الكنيسة الكلدانية... (الكردينال ساندري 20 اوكتوبر 2014)" على أن نعول ونحن أحياء على قداسة هذا أو ذاك، حيث ان الاصغر في الملكوت عدّه يسوع أكبر من يوحنا، حتى ينال شهادة المطاف الاخير في الحياة.

انشراح في وقته
أجل لا يسع المرء إلا ان يعبر عن السعادة بأن يكون لنا طقس موحد يتم اتباعه خلال الخمسية القادمة بلا أي "قارش وارش". وبكراس أنيق يرافق الكاهن والمؤمن حيثما يسافر، فيشارك أو يقدس القداس الاعتيادي بدون أن يأخذ تعليمات الخوري عن سياقات القداس عندهم، باستثناء المحطات التي تقرأ فيها لغة النصوص سواء بالكلدانية أو باللغة العربية أو غيرها، فلا يحس بالغربة الطقسية، كما يمكن ملاحظة انسجام طيب قريب فيه، مع رتبة الكنيسة المارونية الشقيقة، على وفق ما لحظته من تعليقات، مع مقاربة جيدة برتب رعيات الكنيسة الجامعة؛ وفيها يمكنك بالكراس عينه أن تشارك بالقداس، سواء في كنيسة المشورة الصالحة بواشنطن، على سبيل المثال لا الحصر، او في كنيسة الثالوث الاقدس في الكاهون. وفي كلاهما قدر لي ان أكون بضيافة دار الكهنة لديهما والمشاركة بالقداس والموعظة هنا أو هناك.
ثمرة جهود طويلة طيبة
لا علم لنا بحيثيات اقرار الرتبة من قبل آباء المجمع المقدس، بعد جهود مشكورة للجنة الطقسية التي تمخض عنها، ولكنها كلمة حق لا بد منها، أنني ولمتابعتي عن كثب، لصيغة رتبة قداس مجدد في احدى ابرشياتنا الكلدانية، أشعر كم أنه لا بد وأن تفاعلت اللجنة الطقسية مع تلك الطبعة ومع تلك الجهود من حيثما صدرت. وما كان أسهل علينا ان ننزل من الانترنيت نصوصا كاملة بالكلدانية أو الانكليزية او العربية، بجهد جبار لا بد وأنه ثمرة سنوات وممارسات طقسية مع المؤمنين.
أما وقد وصلنا إلى هذه الصيغة، فلا يمكن أن يحظى كل شيء، بذائقة كل واحد، كما جاء في توجيه غبطة البطريرك مار روفائيل ساكو، خصوصا وأن هناك آمالا بأن ما سيرد من ملاحظات، سواء يقدمها المؤمنون أو المحتفلون، ومن حصيلة ما تجمع عليه الآراء مما ينسجم مع رؤى آباء مجمع 2019، ستصل عندئذ الرتبة الى تخريج يضيف المزيد من البريق على هذه الدرة الطقسية ذات التأوين والمعاصرة.

في هذه الاثناء
لا تكفي طبعة أن تملأ شغف المحتفل، ولئن كان احس بغير الاستحقاق، في تقديس القداس، وعليه فالغور في المصادر والمقارنات في هذا المجال، من شأن ذلك إثراء روحانيته، وإغناء رصيد صلواته وتأملاته لما قبل القداس وما بعده، وما يتخلله من برهات استماع وصمت وتأمل.
في هذه الاثناء، نأمل أن تجمع البطريركية، خصوصا بإذن الله عندما تمر الظروف الاستثنائية لشعبنا وكنيستنا، كل ما يرده من المؤمنين المشاركين في القداس وكذلك المحتفلين، لكي تكون اضمامة متواترة تفيد باتجاه الصيغة النهائية للرتبة المقدسة.
وفي هذه الاثناء، آن الأوان ليأخذ الشعب المؤمن زمام المشاركة المتاحة له، ويشترك مع الجوقة، ليكون حضوره فاعليا أكثر من أن يكون متلقيًا، بعيدًا عن مجرّد سلطنة الاستماع الى أداء متفرد، أو آخر أقل تفردا. فلنا من ذلك تسجيلات لقداديس تكفي للسلطنة وتشنف الاذنين، سواء بقداس لأداء خدمة مثل وديع الصافي، أو الاب طوني الخولي. وآن الأوان ان ترى النور فكرة الاب الراحل فيليب هيلايي، أن يكون دور الشماس، للقراءات، لحمل المبخرة، ولردود مثل آمين بارخمار، بمدعيكون وبشليا. خصوصا وأن لهم مجالات ان يغرفوا منها لمشاركاتهم المتفردة، تكمن في صلوات الرمش والصبرا، والباعوثا، ونقوم شبير.

تنويع النصوص وتوحيدها
في النصين المتوفرين، بالكلدانية والعربية، نلاحظ التنوع الطبيعي من حيث المادة والحجم والجمالية، وهذا مألوف في الطقوس الاخرى، بحيث يتم الاختيار سواء بين النص الكلداني الاصلي، او النصوص المترجمة. فذائقة المؤمنين متنوعة وكذلك مطاولتهم، عندما يكون القداس بمشاركة مؤمنين غالبيتهم ممن يفهمون الكثير من النص الكلداني أو ترجمته الى اللهجة السوادية. أما النصوص العربية، وما يمكن أن يقابلها من ترجمات بنفس الحجم والجمالية، فإن الذين نشأوا بغير أجواء النص الكلداني، قد يستسيغون النص المختصر العربي، وإلا فلهم النص الكلداني.
على أن ثمة تطلع آخر هو أن نجد الصيغة الموحدة لنص قانون الايمان بالسورث، فقد وضعت بالأمس أمامي أكثر من خمس طبعات واستنساخات خورنية لنص قانون الايمان بالكلدانية الدارجة، فلم اجد نصين متشابهين تماما من اول القانون الى آخره. فما هي ستكون يا ترى المعضلة، ان يتوحد مؤمنو شقلاوة وتلكيف وألقوش ودهوك، بصيغة سيفهمونها مع الوقت، بمساعدة الشمامسة والكاهن، ويحفظونها بنفس الطلاقة، التي حفظت بها الخالة مادلين أم وديع، صيغة قانون الايمان باللغة الأم الأصلية. ونقصد بها اللغة الكلدانية كما نعتز بتسميتها في كنيستنا الكلدانية، وكما تسمى باللغة الاشورية في كنيسة المشرق، والسريانية في كنيسة السريان. هذه اللغة قد تحظى في المحافل الدولية بالتسمية السريانية، على وفق ما يتداوله علماء، على  عندما يكون موضوعا لغويا دراسيا على مستوى المحفل الدولي، او هناك من يسميها بالآرامية مع الكثير من التحفظات المشروعة. ويبقى من الحق الطبيعي أن يسميها أبناء الكنيسة الكلدانية، بالكلدانية لكل ما يضم ذلك من خصوصية وثراء متكامل مع ما يستخدمه أبناء الكنيستين الشقيقتين الاشورية والسريانية.

الصلاة الربية
نعتز بهذه الصلاة، أيما اعتزاز، خصوصا وأنها جاءت على لسان ربنا يسوع المسيح بواحدة من التسميات الكنسية القومية اللغوية الواردة في الفقرة السابقة. وهذه الصيغة تبناها يسوع عن صيغة كانت متداولة عند شعب العهد القديم، واضفى عليها، له المجد، خصوصيته المتفردة وجاءت بالنكهة الربانية التي نتداولها. هذه الصلاة التي جاءت في النص الكلداني لرتبة القداس، ولكن مع اضافات قدوس قدوس قدوس أنت... والتي ربما سيرى الآباء أن تستقل عنها في صيغة 2019، وربما سيرون رفعها من مقدمة الصلاة الواردة بقدوس، قدوس، قدوس، السماء والارض... ووضعها حيثما يناسب، ليس أبدا لكي لا يطالبنا الاحبة الشمامسة الغيورون أن نتلوها بالنص الحالي قبل مآدب التعازي، بل خصوصا، لتبرز بنص الصلاة الذي جاء على لسان يسوع له المجد، وكما في سائر رتب قداديس الكنيسة الجامعة.
ونأمل ايضا على غرار توحيد قانون الايمان باللهجة السوادية. فإن توحدت على مستوى شعب المؤمنين للكنيسة الكلدانية، ستكون اكثر انسيابية في صلواتهم بحجم تواجدهم في البلاد وبلدان الانتشار. فإذا توحدت في القداس بصيغة مترجمة واحدة، ستحصل عندئذ التسوية النهائية بين مفردتي مستيهلان ومخشخلن، او ما يراه أباءنا الأجلاء. وسوف يلمس المؤمنون بالبينة الجلية المطبوعة في رتبة القداس، إن كان بشأن فقرة أغفر لنا... إن كان الغفران لـ "خطايانا" أز لـ "ذنوبنا وخطايانا"، كما جاء في الصيغة الاصلية والمنسجمة مع الصيغة المارونية: حوبين وحطاهين، كناهيني وخطياثن، المختلفة عن الصيغة التي تقتصر على "حطاهي ديان".
 
الاختصارات الحميدة
بخصوص لاخو مار وقديشا آلاها، في صفحة التعليمات، كدت أفهم ان يتم التفضيل بين تجاوزها في الايام الاعتيادية، لأنها أيام عمل للمؤمنين، وأن يتم تفضيل الابقاء عليها احتفاليا في الآحاد. ويبقى التفضيل هامشا يتيح المرونة بين هذه الحالة أو تلك.
الصلوات الختامية، كانت تتيح استعراضا مقاميا مترهلا بعض الشيء، وعليه جميلة هي إمكانية المحتفل ان يختار منها، لكونها متنوعة أكثر من كونها مكررة. وهذا الاختيار يتيح اختصار الوقت، والتقليل من الاسترسال المقاماتي، وكذلك يمنح كل قداس، صلوات بنكهة متفردة.
 كل هذه الصلوات نأمل أن تلقى ترجمة موحدة لكافة اللغات واللهجات، وخصوصا نصوص السورث، باللهجة الكلدانية الدارجة، وبما يوسع حصيلة المفردات المحدودة نسبيا في هذه اللهجة. ويمكن في هذا الصدد الافادة من خبرة أخوتنا في كنيستي المشرق الاشورية والشرقية القديمة، حيث لم يتم عموما التساهل بضم المفردات الاجنبية الدخيلة عربية أو سواها، في نصوصها الطقسية المترجمة الى السورث، مما جعل لغتهم اليومية، كما اعتقد، ذات أصالة متفردة وحبكة شجية، قلما نجدها في لهجاتنا لأبناء الرعايا الكلدانية؛ لعل أقربها الى الاصالة المحببة والجاذبية للمستمع، لهجة ألقوش، بما شكلته هذه البلدة من حاضرة فكرية وطقسية وكنسية، وبنعمة قربها من دير كلداني عريق، دير السيدة للرهبان الانطونيين الكلدان.

تطلعات
لما كانت هذه الطبعة بصيغة البي دي إف، نشرت في الموقع حال اقرارها، نأمل من النسخ الورقية المطبوعة، مع النصوص المترجمة، أن تتصدّرها رسالة غبطة البطريرك مزينة بتوقيعه الكريم. كما نأمل أن نحصل يوما على صيغة الكترونية، معدة بطريقة الباور بوينت لسهولة عرضها على الشاشة.
ونتطلع أن يكون ثمة توضيح يوفق بين نقطتين في صفحة التعليمات: بين طلب "ان الجوقة تنتهي من الترتيل بانتهاء صلاة الكاهن"، فيتم تحديد ان كان ثمة صلوات معينة ترتل خلالها الجوقة، وبين ما جاء في النقطة 20 الاخيرة، ان لا توجد صلوات تقوية سرية، وأن الصلوات كلها ترتل أو تقرأ بصوت علني. أقول هذا مشيرا الى التضرعات وكهنتا التي يصليها الكاهن بعد دعوة الشماس بنداء: بمدعيكون صلاّو شلاما عمـّن (في أفكاركم صلوا السلام) بعد الكلام الجوهري وتستمر تلك التضرعات حتى صلاة دعوة الروح القدس.
ملاحظة عن دعوة الشماس في الصفحة 43 بعد التناول، هناك حاجة للتأكد عن أمر قد يبدو بديهيا: أن هذه الدعوة تأتي بعد التراتيل المذكورة في ص 44 والتي يرتلها الشعب، مثل مارن ايشوع، رازه دنسون، كتسبيحات شكر، خلال وقت المناولة للمؤمنين.
وفي نفس خط انسجام الحركات، مما سيظهر في الشريط المرفق في الكتاب، وعلى افتراض اننا قد لا نحصل على ذلك قبل بدء موسم البشارة، هذا تساؤل بشأن لحظات الصمت، هل تتم خلال جلوس الكاهن، أو وقوفه امام المذبح أو ركوعه أمام المذبح.
واستيضاح ختامي بشأن الصلوات الختامية، هل يصليها الكاهن على المذبح، ثم خلال آمين بارخمار، ينزل الى منصة البركة، أم يصليها من المنصة ويعقبها بالبركة الأخيرة.
هذه كانت تطلعات رأيت أن أضمها الى المقال، بدل أن اكتبها شخصيا، وذلك لاحتمال التفاعل مع تطلعات إخوة آخرين، ملاحظات سقتها، ونحن في مرحلة الممارسة وشغف الانتظار للتطبيق مع بدء موسم البشارة، لتكون الرعايا عموما على بينة منها.

وبعد، هذه تحية من القلب لجمع آبائنا الاحبار في السينودوس المقدس، وإلى جميع رؤساء أبرشياتنا المجيدة في البلاد وبلدان الانتشار، مع مشاعر التقدير للجنة الطقسية التي قيض لي شرف ان أكون، بمرحلة الشماسية، عضوا فيها لردح من الزمن (1993 – 1994) في ظل آباء أجلاء، الأب (سيادة المطران) جاك إسحق والحبرين الراحلين مثلثي الرحمة، مار أندراوس صنا ومار اسطيفان بابكا، وكانوا متواصلين مع الأبوين الجليلين المونسنيور بطرس يوسف في فرنسا، والاب (سيادة المطران) سرهد يوسب جمو في أمريكا.
 

53

ما نقدّره في إخوتنا ونحبه في أبنائنا، ونودع الأشقاء لعناية الرب

بقلم الأب نويل فرمان السناطي


أجل هناك الكثير مما نقدّره في إخوتنا، على درب الرسالة الكهنوتية، والكثير الكثير مما نحبّه في أبنائنا، في كنف البيت الكلداني الواحد... مشاعر نعيشها، وتختلج في صلاتنا قبل أن نكتبها. تختلط بين الحزن على سريعي العطب والحائرين، والحزم الأبوي مع غيرهم بالمحبة الدائمة والانتظار بالصبر الجميل؛ كل هذا نعالجه ببلسم كلمات من نمط "نصلي من أجلكم".
أما  الأشقاء عقائديًا من رحم كنيسة المشرق، وقد فصلتنا عنهم بضع دهور، ويزيد يفارقنا في كل جيل، شيء من تراكم التقاليد والاعراف من بنات التباعد، فإننا نبقى نصلي من أجلهم برجاء راسخ، وكل خطوة خطوناها ونخطوها تجاههم نابعة من روح الصلاة من أجل الوحدة، عندما ناشدناهم وعرضنا عليهم كل ما من شأنه يبعدنا عن المساس بأمنية الرب: "ليكونوا واحدًا" في دعوة منسجمة من دعوة مار بندكتوس ١٦، (ليعبروا دجلة Cross the Tiger)، فاستجابت لقداسته العديد من الخورنات الشقيقة من عائلات الاصلاح، رعاة وأبناء خورنات، من العالم: المطران اللوثري السابق جوزيف جيكوبسون، في أدمنتون عاصمة ألبرتا، القسس، لي راعي خورنة القديس يوحنا الانجيلي ومساعده القسيس جون في كالكري، والقسيس جيمس أستاذ جامعي دكتوراه مقارنة الأديان، القسيس ستيفن القادم من رعية إصلاحية في تورنتو، الشماس الانجيلي ادريان مارتينز، القادم من انكلترا. ونبقى نصلي أن يعيد الرب الى البيت ما له من خراف أخر. ولأن الرب حذرنا من أن ندين، نتركهم لعنايته له المجد، هو الذي يسبر غور القلوب، بل يهدي حتى العشارين والخطأة، ونبقى نناشده ان يجمعنا معهم يومًا.
وعودة إلى إخوتنا، وأبنائنا، وما قد يعتمل بين الفينة والأخرى، من احتكاك، كما اعتمل بين سرب التلاميذ، لهذا السبب أو ذاك، فهاب بهم الرب، أن يبقوا على مبدأ: كبيركم يكون لكم خادما.
أجل نقدّر في إخوتنا وهم يعوّلون على انتمائهم و انتمائنا غير المتزعزع إلى الكنيسة الأم الجامعة. عندئذ تكون المواقف محتدمة بين التلاميذ، والرب في وسطهم، اشبه ما تكون بزوبعة في فنجان.
وما نحبّه في أبنائنا، مشاعر الاحترام حتى ولئن تباعدت من العاطفة الوجدانية تجاهنا أو تجاه هذا أو ذاك من الآباء. هذا الاحترام يسمح لابن البيت الواحد أن يقول كل شيء بنوع صراخ، أو يفكر بصوت عال... وفي غفلة منه ومن الزمن، قد ينقر على الزر الالكتروني (ارسل) قبل أن يكون راجع هذه الكلمة أو تلك، أو قبل أن يتبلعم بقدْح أو شتيمة، فتخرج كتابته، مثل البحر إذ يلفظ على ساحله الأصداف والقواقع واللالئ... أما الأصداف فالقواقع، فتجد طريق الإهمال بين رمال الساحل، وأما الجواهر واللآلئ، فتتناوشها بشغف وحرص يد العارف المحب. فقد يكون الابن قال كل ما قال، بدون أن يعرف عن كثب، ما يعيشه الاباء من تجاذبات داخلية، ومحاولات مخلصة، قبل أن يطفو على السطح ما يطفو. ويبقى حال الابن من الابناء، دكتورا كان أو جليس مقهى، يكون لسان حاله بأنه  يقول هذا بيتي، ولم يمنعني شيء أن عبر عن نفسي، داخل جدران هذا البيت الفسيح.
هذا لسان الحال نحبه أيضا، عندما يتوجه ابن أو أخ بخطاب موسوم بعنوان: إلى الاب فلان...  إلى غبطة أو سيادة... المحترم، أو قد يتوجه الى أخيه في المعمودية، وعلى درب الكلمة الحرة النزيهة والمنصفة، بكلمة الأخ والسيد، قبل أن يسترسل بالحديث الصريح أو اكثر من ذلك.
هذا ومعه الكثير نحبه في إخوتنا، ونرعاه في أبنائنا، ويأخذ طريقه المناسب إلى ما يجعلنا نذر في الهواء بأنفاس المحبة ما قد يتطاير مع عاصفة الاحتدام. وبمبدأ لكل حادث حديث، وكل شيء مع الصبر يأتي في وقته، نختزن بأعين الحرص والرعاية والاعتبار، الكلمات النابعة من النية الطيبة والهدف النبيل.

54
للمسيحية روحانيتها، وللأحزاب فشلها:
فليصرخ الشعب المنكوب بصوت قومي واحد

بقلم نويل فرمان السناطي

سيدي القارئ الكريم، عنوان المقال بحدّ ذاته اتسع لمقدمة، فلندخل في الموضوع:

في مسارها المسكوني، الكنيسة نهج راعوي وبعد روحي
لقد عوّل الكثيرون، وبما لم يعد يسمح بانتظار المزيد، على الوحدة بين أبناء شعبنا النهريني، السورايا في عمومه، اعتمادًا على مسيرة الوحدة المسكونية للكنائس، متوهمين ان الشعب يتوحد قوميا بمجرد اتفاق الزعماء الروحيين حول نهج عقائدي او توافق على الاعياد.
لكن هذه المسيرة، أثبتت بأن لها استقلاليتها ووقتها الخاص ومسارها غير السياسي، كخط روحي ودعوة إنجيلية للمرء المؤمن، فيتوحد منسجما مع الذات ومع الآخر، من أضيق محيط إلى أوسعه. وقد تمثّل الوحدة المسيحية تحدّيًا إنسانيا وروحيًا على مستوى الأسرة الكبيرة الواحدة والجماعة الرهبانية الواحدة وصولا إلى الابرشية الواحدة.
ويُعرف أن لهذا التوجه في الكنائس غير الكاثوليكية فرادته، لاسيما تلك ذات الخصوصية الجغرافية الاقليمية أو الاثنية. فهي روحيا، ليست بأكثر توحدًا شعبيا، بل قد تنقسم كنسيًا على شؤون قومية وجغرافية، مثال ذلك انقسامات الكنائس الارثوذكسية السلافية في ظل الحكم الشيوعي بأوربا الشرقية، وأمريكا الشمالية، حتى لا نضرب بواقعنا المرير مثالا يبكينا دمًا.
وبالطبع لا يوجد أي حد أدنى للمقارنة مع الكنائس المبعثرة اصلاحيا، والتي وجدت لتتجزأ بسبب أي صغيرة وكبيرة. قد تتشضّى بسبب موقف ما من زوجة الراعي، أو بفعل ضغوطات اجتماعية عن قيم زواج الذكر والانثى، وتبنى طفل من قبل مسخ عائلي خارجًا عن ثنائية الزوج والزوجة. ناهيك عن الاختلاف في اجتهادات عقائدية متناسلة: جدالات عن الرب، وخلافات عن الأم الله العذراء، مغلفة بجملة تفسيرات كتابية عشوائية؛ إلى جانب كل هذا، شهوة التمرد الاحتجاجي (البروتستانتي) لوجاهة التفرد بمنبر، أو لفوائد ضرائبية، مما جرّ الوبال على هذه الجماعات الكنسية، التي منها ما هو مسيحي بالاسم فحسب، والتي تفسخت اليوم عن أكثر من تسعة واربعين رأسا كنسيا وتسمية ربانية. ولا شأن لهؤلاء بالطبع بأي خصوصية قومية.
على أن العديد من هذه الانقسامات هي بعيدة، كما أجرؤ على الاعتقاد، عن جماعاتنا العراقية والشرقية سواء في الوطن او في الشتات، لما حملته جماعاتنا هذه معها من قيم اصيلة، حبَتها بفراسة تميز الغث عن السمين، وجعلتها متناغمة الى حد كبير مع شقيقاتها الجماعات المسيحية من كنائسنا الرسولية القانونية الاصيلة.
أما الكنائس الكاثوليكية وغيرها، ذات الخصوصية القومية فيطبع كل منهما تميزان بارزان:
- الكنائس الكاثوليكية ذات الاصول الشرقية، المتمتعة بنعمة الشركة الكنسية التامة مع الكنيسة الأم الجامعة وذات البعد الانجيلي المنفتح الى العالم، فهي لم يعد لها، بعد انعطافة المجمع الفاتيكاني الثاني (1963)، نكران للخصوصية القومية الثقافية لرعاياها، بل تعطيها مكانتها بدون أن تكون الكنيسة تابعة طيعة للنفس القومي. قد يترشح عن هذا المبدأ استثناءات طارئة عندما يظهر في بعض زعاماتها الروحية من ينظّر لتلك الخصوصية الاثنية، سواء بسبب هواية شخصية أو شطحة قيادية ما هي إلا ابنة جيلها، ربتها في داخله حاشيات ضعيفة وقطيعية.
- ومن جهة الكنائس غير الكاثوليكية ذات الارتباط القومي، فهي أيضًا عرضة للتحديات الانقسامية في الجسم الواحد؛ على أنها علاوة على ذلك، وتلك مفارقة متناقضة مع صلب المبدأ المسيحي، تضع القومية فوق الشأن المسيحي. وهذه النزعة قد تؤدي إلى انقسام كنسي، كما يُقال أن ذلك حدث في كنائس غير كاثوليكية، في جزر هونولولو المتحدة. وتذهب الروايات أن زعيمًا لقبيلة السكان الأصليين، في تلك الجزر، عمد إلى تكريس هذا الانقسام الديني؛ وفي مثل هذا الأحوال يكون شعب الكنيستين الشقيقتين المنعزلتين دينيا، حاملا للخصوصية الموحدة إياها، ولكنه منسم طبقًا لقبعات زعاماته الروحية، مما عُرف فعلا عن كنائس أرثوذكسية أوكرانية وأرمنية، على سبيل المثال لا الحصر، لئلا نبكي على حالنا، في زمن غربة من أهلنا كان يفترض ان تتقارب القبعات مهما كانت بعيدة.
أجل في هذا المنعطف التاريخ الألفي، في زمن النكبة ومدّ العار الأسود، لم تعد من حاجة الى المحاباة ولا إلى الدبلوماسية بل الى الحقائق التاريخية العارية الصارخة تطرح على الشعب المكلوم وسواه، ومن يريد من يفهم الحالة كما هي فليفهمها وليرى موقعه المكشوف منها.

بين الكنيستين: الكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق
ما تم عرضه عن هذا التميز بالرؤى، كان في لب اللقاء الذي دار بين البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو، الزائر لشقيقه البطريرك مار دنخا الرابع. لم يكن لب الزيارة ما شغل آنذاك الرأي العام والجهات ذات الصلة، وما ألهم بعض التندرات، عن شؤون بروتوكولية، تتعلق بمن يتلقى من؟ وأين: أيكون الاستقبال على عتبة القلاية البطريركية، أم على خطوات من العرش البطريركي؟ وأي لون هو كرسي الحبر المضيّف، واي لون هو كرسي نظيره البطريرك الشقيق الضيف؟ والحال كانت تلك مجرد حسابات بسيطة تم تصفيتها ومرت بتلقائية؛ وقد تكون التصفية تراوحت بين رعونة حاشيوية وتلقائية بسيطة في الكياسة وبين الترفع والحكمة والشفافية. بعد التصفية تلك كان ممكنًا التأبط الجماعي بين  الوفدين الشقيقين للصلاة الربية. ولم يعد ثمة حاجة لاستعراض مراسيم الإجلاس أمام مائدة طعام كريمة.
أجل كان لب الموضوع ان صاحب القداسة البطريرك المضيف، افصح عن رأيه الذي جعلنا نفهم لماذا بقيت الوحدة الكنسية لكل هذه العقود، مسألة ثقيلة الظل، برغم رفع الحرومات المتبادلة بين الكنيسة الكاثوليكية، وبين كنيسة المشرق، ذات الصلة الشقيقة تاريخيا للكنيسة الكاثوليكية الكلدانية. فقد كشف لنا قداسة بطريرك كنيسة المشرق، في ذلك اللقاء، وأمام أعلى زعامة للكنيسة الكلدانية الشقيقة (الباحث المتعمق في التاريخ الكنسي، المتبحر في حوار المذاهب والديانات) الموقف الثابت وغير المتزعزع بشأن الوحدة  فقال قداسة بطريرك كنيسة المشرق: من وجهة نظرنا ان وحدة شعبنا القومية هي التي تحقق وحدة كنيستينا.
فخلص اللقاء الى تثبيت موقف بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، إذ رد غبطة البطريرك ساكو: "إن الوحدة القومية مسؤولية العلمانيين بالدرجة الأولى، بينما وحدة كنيستينا هي مسؤوليتنا، وان  وحدة شعبنا ستأتي لاحقا." وأيد الرأيَ رئيس أكبر ابرشية في المهجر، ابرشية مار توما  الرسول، إذ علق المطران ابراهيم، وهو الآن مطران ابرشية مار توما شرفًا، قائلا: "إن كنيسة المشرق كانت تضم شعوبا وقوميات عديدة فما الضرر ان تضم اليوم أقوامًا مختلفين لأن الكنيسة جامعة." وخلص التقرير الى هذه الصلاة: ونتضرع الى الروح القدس ان يقودنا جميعا الى هذه الوحدة التي صلى من اجلها الرب يسوع.
فجاء رأي الجانب الكلداني الكاثوليكي، هو أن الوحدة شأن روحي، وأن الوحدة القومية شأن الشعب. وأفضل دليل على ذلك، أن الوحدة الروحية، لا تحل بانتماء رهبان الى دير واحد، ولا إلى كهنة في ابرشية واحدة، بل هي مسار ومراجعة ذات وتوبة متجددة.

كنيستان شقيقتان بخصوصيتين متفردتين
ولمسار الكنيستين الشقيقتين، كنيسة المشرق والكنيسة الكاثوليكية الكلدانية، خصوصية متفردة بينهما: لقد فقد الشعب الواحد المنقسم بين كلتا الكنيستين، ما يجمعه من توصيف مشترك لتراثه وتاريخه ولغته وخصوصيته الاثنية.
حدث ذلك، منذ ان الجزء الرئيس من كنيسة المشرق، استعاد نعمة الشركة التامة مع الكنيسة الام، لما كان قبل القرن الخامس. وتمت الشركة في أواسط القرن السادس عشر فكانت الكنيسة الكلدانية.
أما الجزء المتبقي من كنيسة المشرق، فمن المصرح به من لدن الكثيرين، أنها أخذت تحمل في حقبة تاريخية محدّدة الاسم الذي توخّى استعادة أمجاد الامبراطورية الآشورية، لغة وتراثا وتاريخا وعراقة، بما عرف من ترسخ عميق لشعبها في أرضه النهرينية، من حيث الانتماء والنضال والتضحيات .
هذا الاختلاف في الافصاح عن الخصوصية الاثنية، جعل للأسف الكنيستين الشقيقتين لا تحظيان بما يحظى به شعب الكنيسة الارمنية أو الكنيسة القبطية او الأريتيرية وسواهما، في كونه في كل من تالك الكنائس، شعبًا موحدًا اثنيا وتاريخيا.
على أن الكنائس الشقيقة ذات الاسم المشترك، بين كاثوليكية وغير كاثوليكية ليست، كما كررنا، اقل عرضة للانقسامات والخلافات، باستثناء طابع الاسم المشترك، وهو لحسن حظها جنب أحزابها أن يتقاذف شعبي المذهبين تحت توجهات اثنية مختلفة.
هذه الاحزاب، في ظل النكبة الحالية، اثبتت للقاصي والداني، فشلها، بتفسيرات وتنظيرات تعود الى ذوي الشأن، ليس أقلها، تعرضها الى التشتت على وفق الولاء للنفوذ بعض الزعامات الروحية. ولا يستحق الموضوع هنا صرف المزيد من الوقت لتوصيفه.
الشعب الممتحن التفّ نحو مسيحيّته وحول رعاته الروحيين
إزاء ما تقدّم ذكره، لاحظ القاصي والداني، أن الجانب الديني لمسيحيينا كان عامل توحد، واشتراكا في المعاناة، والتفافً نحو الكنيسة كزعامة روحية، وفي وضعنا المشتت وجدت نفسها ايضا وبجدارة ميدانية كزعامة مدنية، خصوصا من خلال تفاعل الكنائس الكلدانية والسريانية الكاثوليكية والارثوذكسية، لتواجدها الميداني المشترك، مع دعم لا نظير له، من بطاركة الشرق الاوسط. إلا أن عدم الافصاح عن جانبه القومي، جعل العالم الليبرالي يحسب انها مجرد مسألة اختلافات دينية، لولا صرخات يتيمة لبعض الشخصيات الفرنسية: آخر الاراميين معرضون للزوال... وفي مكان آخر: آخر من يتكلم لغة المسيح.
الشأن النهريني
إزاء المد الإرهابي للدولة الاسلامية، إلى الموصل وقرى سهل نينوى، كان الشأن النهريني الارامي للشعب السورايا، سيمر مرور الكرام، لو كنا شعبا، يحمل أي خصوصية غير الخصوصية النهرينية الضاربة في جذور  الحضارة والتاريخ.
وكل هذا كان سيمر مرور الكرام، لو لم تكن المسيحية لدى شعبنا معجونة، تراثيا وليتروجيا بلغة المسيح.
وحتى من مسيحيينا الذين ربما انحدروا من بني تغلب وبني طي وآل ثويني، وغيرهم من القبائل العربية ذات الانحدار الارامي، فعندما اعتنقوا المسيحية، كانت لغة الطقوس الليتورجية هي السريانية الارامية، فكيف الحال ان معظمنا من النهرينيين، نحمل أيقونة اللغة التي تحدث بها المسيح.

ملاحظة ذات بال
على أن ثمة ملاحظة ذات بال: أجل لم تفلح الانقسامات العقائدية والكرسوية، في أن ترفع عنا اسم السورايي، ولم تفلح في أن تغير اسم لغتنا لغة السورث.

للشعب الممتحن ان يتفحص أن تبلور الحس القومي
كثير من الوقائع تشير، أن الدولار وحده لا يصنع القومية، وأن الأجيال المتراكمة لاحقًا، لن تعطي لغة السورث، قدرها الكافي، وعندئذ يتقدم الحال سنة بعد أخرى، أن تتم الطقوس في جوانب منها بالانكليزية.
وعلى المستوى الكنسي، قلما ينتظر من الزعيم الروحي ان يكون منظرا قوميا، ولئن حدث ذلك هنا وهناك بشكل طارئ، لفن ينتظر من الزعيم الروحي ان يكون قائدًا قوميًا سياسيا. وفي الخط الكاثوليكي في الاقل فإن الزعامة الدينية غير مرشحة لزعامة مدنية، لأن هذا التوجّه بعيد عن رسالتنا الانجيلية ولا يتناغم مع مسيحيتنا المنفتحة الى افق جميع الشعوب.
وهكذا بسبب الفشل الميداني الموضوعي لسياسيينا، قوميا، وبسبب ضياعنا الاثني كخصوصية قومية بقي التجاهل العالمي نصيب شعبنا المهجّر على رصيف الانتظار، عندما سمع العامل فقط بأن الموضوع هو اضطهاد لمسيحيين. فمن كان سيأبه بمثل هذا الحال، في عالم تسوده الليبرالية واللادينية أو التبعية لمصالح باعة السلاح.
واستمر الامر كذلك، حتى حدثت مجزرة إخوتنا اليزيديين، فبرز وضعهم كاسم قومي تاريخي وتراثي وخصوصية اثنية، فصلب فيهم المسيح من جديد، لتأتيهم النجدة المبشرة بالخلاص من العالم الغربي، ومعهم شعب "مسيحيي العراق" ضمن ما زاد على المائة ألف من  المهجرين، وما كان أحد يجسر أن يسميه باسمه اثني، يا للحسرة، بسوى كونه شعب من مسيحيي الكنائس الكلدانية والسريانية والاشورية، كلها قوميات وقوميات جهوية، والشعب الجريح واحد.
من لي بصرخة شعب
هذا الشعب النهريني، تنذر المؤشرات، بأن ارضه ستقسم الى جزء بابلي مقتطع صوب المركز، والى جزء عراقي آخر، يضم من جديد، كولاية كردية الى الامبراطورية العثمانية الجديدة.
من قلب هذا الشعب، يجدر ان تصدر الصرخة، تجاه العالم، يكتبها على اليافطات، ويخطها على الجدران، ويصيح بها أمام تجمع الزعماء الروحيين والمدنيين، يقرر نهرينيته التاريخية، ويصرح بكون الشعب السورايا سليل أعرق الامبراطوريات، حامل لغة اسفار بيبلية – كتابية عدة، وحامل لغة يسوع الارامية المعمذة مسيحيا باللغة السريانية أو السورث.
عندما يتحول الوطن عند هذا الشعب، الى حقيبة. كل ما ستحمله الحقيبة سيكون ابجدية تسعى الى الاجابة، في كندا فرنسا واستراليا، ونيوزيلاندا وبلجيكا وهولندا والمانيا، وايطاليا والدول الاسكندنافية وغيرها، الى تساؤلات من انتم:
هل انتم عرب؟ كلا نحن على عمومنا لسنا بعرب، فمسلمون منهم في البلاد استلبونا، واستوعبونا، وكنا بين الارجل في خلافاتهم المذهبية وحروبهم الطائفية.
هل انتم أكراد؟ كلا فقد قيل لنا، انهم الذين انسحبوا من سنجارنا اليزيدية بمسيحييها، وقره قوشنا وسائر قرى سهل نينوى  انسحبوا بلا سابق إنذار، ليعودوا بعدئذ لمطالبة العالم أن يساعدهم على استرجاعها.
هل انتم تركمان كركوك؟ كلا، بل كركوك، قيل لنا، أنها سلمت بغير مقاومة، ضمن صفقة لا نعرف فحواها.
هل انتم اتراك، لنجيب: لا بابا لا، فتركيا كما يبدو تسعى لتضمّ ارضنا التي عشنا فيها، لتضمها ضمن ولاية كردية الى امبراطوريتهم العثمانية المزعومة الجديدة.
إن لم تكونوا كذلك، ولا لغتكم هي بالعربية ولا هي بالتركية، ولا هي بالكردية، فمن انتم وما هي لغتكم؟
أسئلة تبحث عن إجاباتها في حقيبة وطن نهريني مستلب مهاجر، انقسمت كنائسه، سقط سياسيوه وضاعت هويته...
فحتى متى تسكت شهرزاد عن الكلام المباح.

55
بقلم نويل فرمان السناطي

((سيبقى مسيحنا الفادي متألما وينزف...)) من كلمات مهجرة

بالصلاة المنتشرة، خط ساخن مع السماء، ومثله أصداء من المهجرين الاحبة
مقبولة منكم، أحبتنا في الوطن،
مقبولة منكم، كل ما يصدر منكم، وانتم في العراء، وعلى الارض مفترشين،
مقبولة منكم، أنتم ومن يحيط بكم ومن يستقبلكم، ومن يمد لكم اي يد عنون، وأي كأس ماء بارد...
مقبولة منكم، ان صدرت، ولعلها صدرت، ولما لا ان كانت صدرت،
مقبولة منكم أن تبتئسونا، أن تستصغرونا، أن تتعالوا علينا، وهل أفضل منكم بعد الله ان يتعالى علينا
لقد أترفتنا الغربة، فاستلبتنا وشلّتنا، فأصبح بيننا وبين قاماتكم فرق متزايد تستحقون بكل تفاصيل معاناتكم.
قد نفرح على قدر قاماتنا المحجمة تجاهكم، اننا جمعنا شيئا لكم،
 ما جمعناه لكم، هنا وهناك، مهما كبر في أعين صغرنا،
فهو لا يساوي صرخة طفل، وحسرة اب، ودمعة أم، وتنهد جدة وبكاء ييتم.
نصلي هنا، ما وسعنا،
وانتم هناك جميعا، مهجرين كنتم ومستقبلين،
أنتم هناك كفند مثل فند الساعور الراحل العم نجم،
أنتم هناك كفند ملفوف ملفوف بطول باحة مسكنتة،
انتم هناك كفند طويل طويل تشتعلون وتشتعلون،
وأنتم هناك تحت الشمس كالشمع تذوبون.

هذا أقل ما يوحيه لنا، لكثير منا، ونحن نصلي، ونحن نجعل من الصلاة خطا ساخنا مع السماء،
ولنا خط ساخن مثله بقليل مع عدد من المهجرين، ومن الرعاة الطيبين، كلهم طيبون...
كلهم على قدر ما حباهم الله من وزنة أو وزنات طيبون طيبون.

أما بعد،
ونحن نتحدث عما يجدر ان يفسح لكم من خيار، من بقاء أو رحيل،
فإن الذين غادروا البلاد قبلكم، وأنتم على ما أنتم عليه من معاناة، فلا ذنب لهم سوى انهم قيّض لهم، بطريقة أو بأخرى، أن يسبقونكم، فتمنوا لهم الخير،
فلو كانت ملائكة السماء، تنظم طابور المتراصفين، على ابواب الغربة، لما كان بد من وجود أولين ولا كان بد من وجود آخرين. على ان لي همسة، تخص منكم الذين يبحثون عن جواز.
إنها همستي المتواضعة بشأن تخفيف معاناة طالبي الجوازات
فإلى الاخوة القائمين على الجوازات في اربيل يوم السبت، هذه همسة أخوية طيبة:
الجواز يا سادة كوثيقة سيكون وسيلة ترويح أولية لمن يحصل عليها، وتخفيف نسبي للعبء النفسي، بعدما حصل من تهجير وترك بيوت،
وبعد ما حصل من عدم امكانية الحصول على ما افتقد في البيت،
فإن الدولة الاسلامية، التي طبقت أحكامها الشرعية، بشأن الاهتداء أو الجزية، أو الرحيل، قد وضعت الزنجيل الاضافي على الباب، مع وسام حرف النون، فلم يتمكن الجيران الاصدقاء، من فتح الدار بما اودع لديهم من مفتاح...
وبعد يا سادتي القائمين على اصدار الجوازات، هناك مراجعون لديهم اطفال من دون سن العاشرة،
وهوية أحوالهم المدنية هي على وفق تلك السن، وما جرى من سياقات، هي من دون صور.
فرحماكم، إن كنتم لا تستطيعون إصدار الجوازات في مثل هذه الاحوال، أن ترفعوا الامر الى المراجع، فهم محبون وهم عطوفون، والاعلى فيهم قال: نعيش ونموت سوية.
ويبقى الجواز يا سادة وثيقة ثبوتية، للمرء ان يحصل عليها، أكان مسافرا أم غير مسافر،
على ان الحصول على هذه الوثيقة بجهودكم الطيبة، سيكون بمثابة تحرر من سجن معنوي آخر، مضاف الى سجن الاغتراب خارج البيت، وخارج الاحلام والطموحات.

سيبقى مسيحنا الفادي متألما وينزف
الى سائر القراء الكرام، أود أن اقدم هذه الاسطر من رسالة دامعة لقريبة، ذات شهادة عليا، وهي مع الكثيرين الكثيرين على رصيف الانتظار، كتبت فيما كتبت:
أبت أدام الله عليك الصحة والأمان والسلام
أود أن اطلعك على بعض الأمور التي تجري في عراقنا الجريح الآن
مثلما سمعت فقد اعلنت فرنسا حق اللجوء لمسيحيي العراق، وخاصة مسيحيي الموصل، كفرصة لكل واحد هُجر من بيته وأخذت ممتلكاته وشقى عمره وحتى لم يبق لنا بساط لنجلس عليه. فعندما أردنا التسجيل على هذه الهجرة على موقع الانترنيت، وجدنا ان الموقع مغلق، واستغربنا لأن الحكومة الفرنسية تقول بأن باب اللجوء لا زال مفتوحا... وفوجئنا ان اغلبية المسافرين، كانوا ذوي أقارب... ومنهم ليسوا من اهل الموصل، وليسوا من المهجرين ولا اولئك الذين أجبروا على ترك منازلهم وممتلكاتهم ولم يعانوا حتى من تهجير واحد للمسيحيين... أما بالنسبة للسفر إلى لبنان، فقد امتلأت كذلك من ذوي الاقارب...

ونحن الذين أجبرنا على ترك منازلنا ومقتنياتنا وأعمالنا وترك اكمال الدراسة العليا، وسلب داعش بيوتنا ونهبها وأفرغها من تعب العمر ومن ذكرياتنا ذكريات الطفولة واللحظات التي احتفظنا بها لأولادنا كي يشاهدوها ويتذكروها عندما يكبرون،  الآن نحن مبعثرون في اربيل نبحث عن بيت يأوينا وعمل نقتات منه حتى لم نحظ بسؤال عن أحوالنا من أحد ...  بحجة أنهم لا يعرفون كل العوائل بالرغم من أننا من المواظبين على الكنيسة ونشاطاتها  (علماً انه قبل دخول داعش بأكثر من سنة تم تشكيل لجنة بالموصل لتعداد المسيحيين وأخذت بياناتهم الدقيقة كاملة حتى ارقام الموبايلات ولا اعرف لما تم؟ ما هو الغرض منه وما الفائدة من عمله اذ لم يتم الاستفادة من اخذ هذه المعلومات واهدار الوقت والجهد فيها؟ وان العوائل التي تم تهجيرها من الموصل قسراً حسب قول الكنائس هي (250) عائلة فقط من كافة الطوائف؟

خيبة أمــــــــــــل كبيرة لنا في هذا الزمن الغادر، أين كلام السيد المسيح ...؟؟؟ اين تطبيقه؟؟؟
... ولا عجب من أن مسيحنا الفادي لازال متألماً وينزف ...والسؤال هو هل سيبقى هذا الالم والنزف؟؟؟

اعذرني ابتي  الغالي على هذه الكلمات، ولكن تأكد انها تخرج من قلب مفطور حزين...
إبنتك

هذه كانت بعض اصداء، ومنها ما ينقله التلفاز، وعساها أن تلقى آذانا صاغية
ونبقى بالصلاة على خط ساخن مع السماء ومثله بقليل مع أصداء من المهجرين الاحبة




56
اعترافات حول الكتابة قبل وبعد  عدوان "الخلافة الاسلامية"  في الموصل والمنطقة
بقلم نويل فرمان السناطي
لم  تعد الكتابة هيّنة، في الاقل عند كاتب السطور، وذلك خصوصًا بعد عدوان الدولة الاسلامية على الموصل وتخومها، وبعد جرائم الدولة الاسلامية بحق شعبنا السورايا في سهل نينوى وبحق مواطنينا اليزيديين وغيرهم من العلمانيين ومن منتمين لمذاهب اسلامية مغايرة لخط الخلافة المزعوم. ولصعوبة الكتابة، قد يحتاج المرء الى تعلم تدريجي للكتابة من جديد، وليس ثمة طريقة لإعادة تعلم الكتابة في سبعة أيام.
لا بد من الاقرار بادئ ذي بدء، بشأن المقارنة المستجدة بين عمق وجسامة ما يجدر التطرق اليه أمام خطورة الحدث وسخرية المنعطف التاريخي. فإن ما كان المرء يكتبه من قبل، بات بهذا المنظار، يبدو كمجرد مقالات تفصيلية من حياة شعبنا السورايا. مقالات تكاد تلامس البداهة في بساطتها، في حين كان القلم معها يحسب ذاته كمخترع الذرة.!
ولا بد ايضا من الاقرار أن نوع الكتابة سابقًا في تلك المقالات البسيطة لم يعد يرتقي إلى المستوى المستجدّ في الكتابة عند التعامل مع جسامة ما ارتكب في قرننا الواحد والعشرين. جرائم ارتكبت باستناد موثق إلى الايديولوجية الاسلامية، وبنحو لم يسبق له مثيل باستثناء مراحل من بدايات الاسلام المتوسع سياسيًا انطلاقا من وقت ظهور السورات المدنية. ومع ذلك كانت الكتابة البسيطة تلك، وهذه مفارقة أخرى، تمر بمخاض يحاصر الكاتب حتى يجعلها ترى النور وكأن عجلة أجداد الشعب السورايا في عراق ما بين النهرين، تخترع من جديد.
أما الآن فإن أفكار ومشاريع مقالات كاتب السطور عينه، تمر كسحابة صيف. فالافكار في ما يود المرء كتابته على هذه الصفحات، قلما تأخذ الآن وقتها في الاختمار. إذ سرعان ما تتبخر وتغيب، أمام تسارع الأحداث، بصدمات متتالية. يحدث ذلك حين تأتي سحابة أفكار مستجدة لتحل محلها. ويتمّ كذلك أمام ما يكتب في الساحة من ثيمات مشابهة بشأن الحدث إياه، وبما يكون كافيا وأكثر. أضف إلى ذلك ضرورة ترك القارئ يغترف من مقالات الكتاب اغترافا وانتظار ما يبدر من ردود أفعال.
وثمة سبب آخر يزعم التفسير للتأخر في الكتابة، إذ تساءل كاتب السطور إن كان نداء البطريركية الى كهنة الكنائس ورهبانها بعدم التصريح، يخص الكتابة ومحاولات التحليل والتنظير، حتى تبين أن ذلك كان بشأن تفاصيل تخص الموقف من الهجرة وبتفاصيل تخص التعامل مع تشرّد الشعب السورايا.
ويوجد  استطراد آخر الشأن المطروق، وهو أنه عندما أخذ المرء يكتب، بعد العدوان، لم يعد يكتب للكتابة، إن كان ثمة أصلا من يكتب للكتابة. فكل مقال يحتاج الى سحب تنهّد طويل، وانتظار ما يتلاطم في الساحة. ففي ما يخص الأحزاب المتصلة بشعبنا، باتت الاصوات تعلو من هنا وهناك بوضوح وتشخيص ووضع النقاط على الحروف. وهناك ردود افعال كاشفة. فحتى استقالة نائب في البرلمان، بسبب التفرّغ لمهامه الوزارية، كان انسحاب من البرلمان قد يحسبه الكثيرون لصالحه، امام ما وصل اليه البرلمان. ولم تخف على أحد ما أحدثته استقالة وزير، مع اعطاء السبب الوطني الصريح عن استقالته، من تعاطف وتشجيع.
التسمية المسيحية المسوّقة محليًا والمحدودة عالميا
وعلى فكرة، وعلى ذكر شعبنا السورايا، من المستغرب ان التسمية الدينية بقيت ترافق شعبنا، كمسيحي فحسب، بينما شعبنا متأصل، لغة وتراثًا وتاريخًا، في بلادنا النهرينية قبل المسيحية، وبالطبع قبل الغزو العربي لها. وهذا بالطبع ما جنيناه بسبب تمزق جسد الشعب على تسميات وأحزاب "تسموية"، أعريقة كانت أو وظيفية، أكانت نزعوية، أو مزروعة او طارئة. على ان تناسلها، كان منذ البدء يصب في المحصّلة المباشرة، في خدمة المصالح الاقليمية والمركزية.
تسميات جغرافية ترافق الحدث، ويا للعجب
ومن المفارقة أيضًا، والجرح بعد ينزف والناس مشردة وطلب النجدة من كل صوب وحدب، باتت التسمية الجغرافية المتداولة بشأن سهل نينوى، هي تسمية جنوب كردستان. ومما يدعو الى المرارة، هو الاضطرار الى تسويق تسمية مسيحيين، بدل دعم التسمية بشكل واضح على انهم مكون ثقافي بإرث انساني وبلغة كتابية ضاربة في القدم، ذلك إننا افتقدنا التسمية التي تمثل شعبنا السورايا مجتمعا. ومن يدري، ربما كان سيبقى التجاهل مستمرا، لولا ظهور كتلة جمعت مع دينها الاسم القومي ليستصرخ حال أحبتنا اليزيديين ومأساتهم ضمير العالم فاستجاب العالم بالقدر الذي استجاب.
كتابات بلا قفازات
هامش الحرية في بلد اوصلتنا اليه نسابة وقرابة وخدمة كنسية
وفي حين كانت الكتابة حتى قبل المنعطف التاريخي الحالي، يحومها التساؤل: أنكتب بالقفازات أم بدونها! إذا بالمرء، أمام ضرورة المصارحة، في زمن لم يعد للمصارحة الصارخة شأن يُذكر مع محاذير ولبس قفازات. أشكر الرب، على أنه اتاح لي أن أكتب وأنا في مكان أوصلني إليه فضل ذوي النسابة والقربى، واستقرت أقدامي فيه، بخدمة كنسية كانت ابنة حاجتها، كل هذا، ومع مشاعر الامتنان الابدي لذوي الفضل، يحتم عليّ واجب أن اكتب ما كان سيكون أصعب عليّ كتابته، لو بقيت حيث كنت من قبل.
لنلحظ أيضا الإخوة نبرة البابا في تصريحاته، وخطاب البطاركة والاساقفة في بياناتهم ومقابلاتهم، ولنمحص في اجماع مجلس الامن، تجاه عدوان مرتكب باسم الايديولوجية الاسلامية، ولندعم الصمت المصدوم والعاجز إن لم يكن متواطئا مع العدوان، لندعم ذلك الصمت الكاشف والمعاطف مع القرار العالمي بشأن مبدأ الايقاف الصارم لأي إرهاب ديني. أما الماركة المسجلة حاليا للإرهاب الديني، فهو كما قلنا الإرهاب المتأسس على الايديولوجية الاسلامية سياسيًا.. 
فلنكتب أيها الإخوة ولنكتب أيضا وأيضًا، إذ لم يعد للقفازات والمجاملات السطحية من فائدة ترجى... ألم يكن ذلك النوع الضعيف من الكتابات التمويهية هو الذي لم يجد له آذانا صاغية لدى كل المعنيين، فتدهور الحال من درك إلى آخر... 
ملاحظة اعتراف أخير: كان هذا المقال، مجرد مقدمة مسترسلة للمقال القادم الموسوم بعنوان:
ماذا عن الاسلام كدين قبل وبعد تساقط خلافته في الموصل وسائر المنطقة؟








57
                                                                    

بقلم الأب نويل فرمان السناطي

لا دُرّ دُرّه من قلم، فلكم ضرب أخماسًا بأسداس، أمام هذا المقال! في سعي ليجعل الموضوع غير شائك، منسجما مع ما يمكن ان ينشر في مواقع كنسية. فطفق المرء يختصر ويضيف، يشذب هنا ويعدل ويصحح هناك ، حتى أصبح ما كان مقصودًا للنشر بلا شكل ولا طعم ولا رائحة، كتلك المقالات الانشائية المحشوة بدون ان تقول شيئا فيه حظ. لهذا استقر الرأي أن يُترك للقلم أن يتنفس الصعداء، فيطلق المقال من قيود عديدة ليأخذ طريقه إلى النشر، عبر ما يُتاح عمومًا من مواقع.
إرهاصات شعبية أطلق لها العنان على صفحات التواصل الاجتماعي، بعد فرمان الموصل
للتذكير فقط بشأن التسمية، فإنه قبل حوالي القرن، كان فرمان الأتراك العثمانيين، لتهجير المسيحيين وارتكاب مجازر الإبادة بحقهم، لسبب رئيسي أنهم مسيحيون، حتى اشتهر اسم فرمان وأصبح صفة تطلق على كل مصيبة تحل بجماعة، فيقال عنها: لقد جلبوا لهم فرمانهم؛ ومن مواليد تلك الحقبة من أكراد ومسيحيين من الشعب السورايا، أخذوا يطلقون عليهم اسم فرمان، كوالد كاتب السطور. وكان الصديق المهندس الراحل عبد الستار فرمان الراوي، أمين عام اتحاد المهندسين العرب الاسبق، يطلق علىّ، في الوسط الصحفي، صفة أخيه بالأسم، نسبة للاسم المشترك لأبوينا...

أما بعد،
فلا بدأ أن احتصرت لدى الكثيرين، أفكار وأفكار، تأبى أن تطلق نفسها، مجاملة مع النسيب والقريب، وابن الخالة وابن العم، والصديق والزميل، ممن يشتغلون في هذا الشأن السياسي وذاك بما يتصل بشعبنا؛ فإذا صارحهم القلم بشيء، سيكون لسان حالهم، أكانوا، حراسا، أو ممثلي كتل، أكانوا مسؤولي استعلامات، أو سواق، أو مدراء مكاتب، أو وكلاء وظيفيين، أم مكلفين وظيفيا من قبل مراجعهم... فلسان حالهم قد يعاتب القلم بالقول: أما تدعنا إذن نشتغل ونكسب عيشنا.
ولكن القلم يحتار، أمام واقع مثير للتساؤلات: هل إن قيام 13 كيان سياسي، بما يضمه من كوادر وإداريين وخدميين وعناصر حماية وأمن، هل كان كافياً لأن يسد حاجات أبناء شعبنا السورايا قبل فرمان الدولة الاسلامية المعاصرة، خصوصًا وأن هذا العدد من الأحزاب بقي على هذا الرقم المثير للجدل 13، منذ عدة سنوات، أو في الأقل أنه لم يغادر هذا الرقم المثير للجدل ليصبح 12 أو 14...
على أن هذه الاعداد من الأحزاب ومشاريعها السياسية، وأسلوب التنافس فيما بينها، كان قد بقي، امام الشعب، قبل وبعد الدولة الاسلامية في الموصل، بقى، في الحقيقة والواقع، شأنا سياسيًا، يكفله القانون، وشأنًا من الأنظمة التي تقوم فيها الأحزاب، وعلى وفق قوانينها البرلمانية. ولا بدّ وأنّه كان لهذه الأحزاب الكثير من الأهداف التي تروم تحقيقها، عبر اللقاءات والمؤتمرات والمآدب والدعوات الرسمية وشبه الرسمية؛ ولا بدّ وأن هذه الأحزاب، حاولت جهدها، في تلك الفعاليات الاجتماعية والحاتمية، لتسعي أكثر مما كان سيسعى، إليه حزب أرمني لانتزاع حقوقه القومية والاثنية بغية ممارستها على أرض العراق، اسوة بالحقوق القومية التي تمارسها الخصوصيات القومية، في الغرب، وفي كندا على سبيل المثال لا الحصر.

مقارنة مع الاحزاب الارمنية
لكن تنتفض الأفكار أمام ذكر إخوتنا واشقائنا المسيحيين الارمن، فإنهم لم يستطيعوا إلا ان يقيموا على رقعة ديمغرافية لمليون و400 نسمة، أكثر من اربعة أحزاب مع حزب خامس معارض: الحزب الجمهوري المحافظ وحزب أرمينيا المزدهرة وحزب سيادة القانون والاتحاد الثوري الأرمني. حزب المعارضة الرئيسي وهو حزب تراث رافي هوفانيسيان الذي يؤيد عضوية الأرمن في نهاية المطاف في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. أما في بلدان الاغتراب عن ارمينينا، أي في سوريا فهناك فقط، على ما توفر من معلومات، حزب الطاشناق في لبنان وفي سوريا؛ ويعتبر الممثل الأكبر للسوريين المتحدرين من اصول ارمنية ومنظمهم إلى جانب أحزاب أرمنية أخرى حزب الهنشاق وحزب الرامغافار وكلها أحزاب غير معلنة و غير معترف بها في سوريا لكن لديها نشاطها المتميز في لبنان.
وعلى كل حال، فإن الأرمن في ارمينا وخارجها لم يبلغوا على ما يبدو من الشأو السياسي والحنكة الحزبية لتكون لديهم أكثر من هذه الاعداد، فيما تشظى جسد شعبنا إلى 13 حزب. ولهذا فإن هذا المقال لن يتطرق إلى هذا الشأن السياسي الحسابي. بل سيكون الموضوع، مدى تفاعل شعبنا مع الاتجاهات السياسية لمختلف الاحزاب هذه، لعدد متضائل من ابناء الشعب على أرض الوطن.
على أن ما حدث من هول في الآونة الأخيرة في الموصل، أطلق العنان لمشاعر شعبنا تجاه هذه الحالة، وقد تم التعبير عنها بأسلوب قاس. ومن المحيّر ان أبناء شعبنا اطلقوا عبارات قاسية على تلك العناوين السياسية للأحزاب المتصلة بشعبنا، مع أن تلك العناوين السياسية، ما كانت تذكر شعبنا إلا بالمديح والخير، بالكثير من الحب، إن لم نقل من التودد الانتخابي والتنافسي، فهي بليغة في محبة شعبنا، كل حزب من زاويته، ومطامحة. أما العبارات القاسية التي كانت تأتي على لسان تلك الاحزاب فكانت فيما بينها، في المجال التناحري والتسقيطي، وكل هذا بالطبع حبا بشعبنا. ولا غرابة أن تتفاجأ في هذه الأيام، بأن الشعب يشير إليه، بأكثر من بنان.
 وجهان للعملة في توجه شعبنا السورايا

ولعل المرء، في شأن الشعب السورايا، أمام وجهين للعملة الواحدة:
الوجه الاول ما تطرقنا اليه، في مقال سابق: الرابطة بين الكنيسة والشعب، والذي نشر، قبيل صدور الفرمان الإسلامي لتهجير المسيحيين من الموصل ونهب بيوتهم وتدنيس أديرتهم. حيث ان أبناء الكنائس عموما، مع ظهور توجه الرابطات، من الذين إذ تتضح لهم الرؤيا في العمل السياسي، يختارون الحياد السياسي ويكتفون بالشأن الثقافي والتراثي واللغوي والفولكلوري والتاريخ والاجتماعي، مما تناوله ذلك المقال، فيما يخص الانضواء تحت رابطة كلدانية، اسوة بالرابطة السريانية والمارونية وغيرها. وقد يجد الكثيرون منهم في هذا الانضواء بابًا من الانتعاش الوجداني والانساني وربما الاقتصادي، مما يغنيهم عن الانخراط السياسي. 
أما الوجه الاخر، فهو أبناء شعبنا السورايا، ممن توزعوا على الاحزاب العديدة المتصلة بشعبنا، لكن الواقع الجديد يضعهم أمام منعطف آخر في الاختبار:
إلى أي مدى يتوزع ابناء شعبنا على تلك الاحزاب والانشطة السياسية المتصلة بشعبنا، والتي كما يبدو كاد تكاثرها يرتبط بعدد من لهجات شعبنا.
أليس من المتوقع، أمام ظهور واقع جديد في تجمع ذي امتداد شعبي وثقافي غير سياسي، مثل الرابطات الاجتماعية، وأمام الصمت العاجز من لدن كل قادة العراق، فكيف بالأحزاب المتصلة بشعبنا... أليس من المتوقع أن تتغربل هذه الاحزاب، أمام تغير نظرات ومقاييس الشعب وتفقد الكثير من قاعدتها الجماهيرية.
أمام هذه الخيارين والتساؤلين، لا بد وأن يبقى في الحركات السياسية المخضرمون من ذوي المعادن النضالية التي تطمح الى العمل السياسي، على المستوى الوطني وعلى مستوى المشروع الحزبي والنضالي للحزب الذي يختارونه. ويسعون الى تعبئة جماهيرية واسعة نحو برامجها وأهدافها، فلا يكون نشاطها مجرد مجال عمل وظيفي اطلقته أساسًا لتشجيع تعدد الاحزاب، السلطات المتنفذة لإضعاف الخصوصية القومية للشعب السورايا، كل هذا ضمن آليات قانونية مشروعة.
ويبقى ذوو المعادن، ممن يختارون التحرك السياسي المندمج سواء مع المشاريع الوطنية الديمقراطية او الملكية، أو على مستوى وحدة الشعب السورايا، بدون أن يكون ثمة تداخل في ما يخص الكنيسة. وليس موقف الكنائس الكاثوليكية تحديدًا، في الحيادية الحزبية، شيء من الموقف المضاد للنشاط السياسي، بل انها من حيث المبدأ تقف على مسافة واحدة، من انشطة مختلف ابنائها، مع الوعي ان أنشطتها هي لخدمة شعبها وتصل فيها بالآخر، بطريقة أو بأخرى.
ومن هؤلاء من يختار إما الاندماج مع المشاريع الوطنية الديمقراطية او الملكية، على مستوى المواطنة، أو يفضل النشاط الحزبي على مستوى وحدة الشعب السوريا، بصرف النظر عن انتمائه الطقسي والكنسي، ومنهم ربما تراوده الطموحات ان يسعى مع القوى العظمى في العالم، كأن يؤثر في مجلس الدوما الروسي، أو الكونغرس الأمريكي إلى تغيير الخارطة الجيو سياسية في المنطقة، لصالح شعبنا، ويعد شعبنا بذلك كأولية في منهاجه السياسي والانتخابي! قد يعدّ هذا مجرد أحلام! ولكن لما لا، فحياتنا على قول جبران خليل جبران، من صنع أحلامنا.

وهنا قد تنفرز الحالة عن توجهين للشعب:
الأول الانخراط مسيحيا في الشأن التراثي الثقافي غير السياسي
والثاني الانخراط الصميم حزبيا في الشأن السياسي، 
هؤلاء وأولئك سيجدون كل الفضاء اللازم للتحرك، بدون أن يكون ثمة تداخل في ما يخص التوجه الكنسي، ما بين العمل الحزبي الوحدوي للشعب السورايا، وما بين التوجه المسيحي، مع أنه قد يصب في الهدف الإيجابي إياه، بطريقة أو أخرى، بحسب ما تتوصل اليه الاحزاب من تحالف يرحم مقادير الشعب ويرأف بمصيره ويقدس دماء شهدائه ليس لكونهم من هذا الحزب او ذلك بل لكونهم مسيحيين نهرينيين ومن ابناء الشعب السورايا على تنوّع مسمياته.

إطلالة الرحمة من شعبنا على الاحزاب السياسية المتصلة به
من الملاحظ، استخدام مفردة الاحزاب المتصلة بشعبنا، وليس أحزاب شعبنا؛ وهذا التحاشي، هو لصيانة توجه الحزب بنحو يقسم الشعب الواحد بحسب تواريخ اعياده وقبعات أحباره، كما هو لتنزيه الخط المسيحي الروحي للكنائس من التداخل السياسي، وما يجعلها تمضي على طريقتها وعلى هدي من الروح القدس، في مسار الدعوة الى الوحدة المسيحية.
وإذا كنا باتجاه عدم تداخل الاحزاب المتصلة بشعبنا، مع الشأن الكنسي، فإنها في الوقت عينه، معنية بالانفتاح الى مساحة الوطن والتفاعل السياسي على هذا المجال، خصوصا وأن التجربة المريرة التي عاشتها البلاد في هذه الايام، في أحداث مدينة الموصل. 
وأمام هذا، من المرتقب أن ينظر ابناء الشعب السورايا، من الجانبين، من الذي يخرجون عن تلك الاحزاب، والذين كانوا مستقلين عنها أصلا، من المرتقب أن ينظروا الى العاملين في الوسط السياسي، بإطلالة رحمة ورأفة تجاه محدودية نشاطهم امام تشرذم مخيف للأحزاب السياسية المتصلة بشعبنا، والذي كلما تنقاص عدده كلما تزايد سياسيوه، وتنوعت مشاربهم واستفحلت مؤتمراتهم ومقابلاتهم ومقاطعاتهم ودعواتهم وردود بعضهم على البعض الأخر، بين هجوم وهجوم مضادّ.
ولن يكونوا أكثر رأفة بهم وحنانا، مما يمكن ان يكونوا بعد ان تنبئ الاحداث لتغير الخارطة الجغرافية، لأماكن تواجد شعبنا المسيحي، أمام المواجهة الخطيرة التي تحدق بالعراق، تلك المواجهة ذات البعد العالمي، حتى تطلبت من ساسة البلاد ان يستنجدوا بالقوى الكبرى، ويقرعوا أبواب الامم المتحدة، وما كان لهم من بد في الشأن المحلي، لبيان حسن نيتهم وطيبة ارادتهم، سوى أن يستنفروا صبية الشارع وأولاد الأزقة. ولا بد ان أصوات ساسة العراق الحالي، قد طغت على اصوات الاحزاب المتصلة بشعبنا السورايا، فلا نزعم انهم لم يسعوا إلى ان يسمعوا صوتهم، ولكن من الواضح أن المجال يضيق في ذلك كما تضيع عطسة في سوق الصفافير؛ خصوصا وان كبار الزعماء لم يبرز فيهم من يوصل صوته الى المحافل الغربية عموما، ممن لفت الانتباه بنحو خاص؛ باستثناء، راعي ديني، شخص من الوسط الكنسي، يعدّ نفسه، كما ذكر ذلك في رسالته إلى برلمانيي العراق، يعدّ نفسه ذا صوت بسيط، كمرجعية دينية مسيحية عراقية... فـتأبط ذات اليمين وذات الشمال، ذراعي مطرانين عراقيين، المطران بطرس موشي، رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك، والمطران يوسف توما الدومنيكي، رئيس أساقفة كركوك، ليوصل معهم اصواتهم "البسيطة" الى البرلمان الأوربي، إنه البطريرك لويس روفائيل الأول ساكو بطريرك بابل على الكلدان.

آن الأوان لكتل كبيرة من شعبنا أن تودع أحزابًا كثيرة 
في أحد الأيام، كنت في بغداد، في مؤسسة ثقافية تعنى بالشأن القومي لشعبنا، وتهتم بوحدته، وقد التقيت، شخصا (والشخص كما معروف، قد يكون مؤنثـًا أو مذكرًا). فكنت بالبساطة، إن لم أقل بالسذاجة، التي تكلمت بها أمام الشخص الثوري المهتم بشأن وحدة شعبنا، فذكرت لذلك الشخص، أننا في نهاية الأمر مسيحيون سورايي، ولنا جذور طقسية وعقائدية مشتركة، فقال لي ذلك الشخص بلهجة المعلم الموجـّه وبإطلالة حنان: أنا، يا عزيزي، أعتقد أن أفضل سبيل هو ان نعزل توجهنا القومي عن الشأن الديني.
لا شك أن هذا الشخص مذكرا كان أو مؤنثا، في زمن أصبح رجال كثر نساء، وأمست نساء كثيرات رجالا، لا شك أنه كان يعني بأن الاتجاه القومي، يمكن للشعب أن يوحده بمعزل عن التوجهات الكنسية والطائفية. ولكن بقيت احتفظ في الذاكرة بتلك نبرته، نبرة نفور تجاه العنصر الديني، وهنا بيت القصيد؛ إذ عندما صعد الشخص المذكور في الشأن السياسي، في عراق ما بعد 2003 إذا به، يزور رجال الدين الواحد بعد الآخر، ولا أعرف ماذا كان يضمر لهم في قرارة نفسه، وكيف كان يسعى أن يجامل كل واحد بطريقة، في تلك الزيارات الرسمية وطبقا للأجندة المطلوبة.
إزاء أحداث الموصل، وإزاء الاستئصال بموجب الشريعة الاسلامية لآخر مسيحييها الأصلاء، فإن لسان حال العناوين السياسية لشعبنا قد يكون: ماذا تتوقعون ان نعمل، إذا كان رئيس الاقليم ورئيس حكومة المركز، يطلقون النداء في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ليس على مستوى التفاوض مع الدولة الموصلية الأسلامية حديثة العهد، بل لمجرد "معالجة وضع المسيحيين"، هؤلاء الذين للمرة الثانية، بعد كل الأجيال التي تلت ظهور الاسلام، يتم تطبيق أحكام القرآن بحقهم وتنفيذ بنود الشريعة الاسلامية بشأنهم.
الآن يمكن لشعبنا أن ينظر بنظرة خبيرة لكل توجه حزبي بشأنه وحواليه، كما هي فرصة لإطلاق السبيل لهذه الأحزاب، لكي تعرف من الان فصاعدًا بأي طريقة يمكنها أن تستقطب أصوات هذا الشعب، فهي اصلا بغير حاجة مباشرة إلى نقوده، واي خطاب يمكنها أن تخرج به أمام هذا الشعب الصابر الصامد المتألم الجريح. كل هذا، قد يحصل إذا حاولت أحزاب كثيرة أن تخرج من دكاكينها الصغيرة، وتتآلف فيما بينها، وتتحالف مع الحيز السياسي غير الطائفي وغير المذهبي الاوسع في البلاد، كمبادلة شريفة لمشاعر الرحمة مع شعبنا.

من ثمار الحيادية الدينية ما بين الأحزاب والشعب
إن عدم التداخل السياسي مع الشأن الكنسي، وتغربل المنتمين الحزبيين لحد الذين يحسون الرغبة في اعماقهم للعمل الحزبي السياسي البحت، قد يؤدي إلى تحجيم عددا فائض من الأحزاب والكيانات، مما يؤدي إلى ظهور عدد محدد من الأحزاب البارزة، ذات المشاريع الوطنية الكبرى، بعيدا عن التكتلات الضيقة، إزاء أحزاب وظيفية مجهرية متضائلة تذوب مع الوقت، أو تكون ملحقة وظيفيا بالأحزاب الكبرى المتنفذة.
وعندئذ ستبرز للعيان ثانية، مضار تعدد الاحزاب، مما ربما سيحفز الى المزيد من التحالفات المشروعة بين التحركات السياسية، بنحو يرحم مقادير الشعب السورايا ويرأف بمصيره ويقدس دماء شهداءه التي أهرقت أنهارًا، ليس لكونهم من هذا الحزب او ذلك بل لكونهم مسيحيين نهرينيين ومن ابناء الشعب السورايا، بمختلف مسمياته.
ما بين الوحدة القومية والمسيرة المسكونية

أمام هذا، تتضح صورتان:
التوجه نحو الوحدة القومية، يدخل ضمن نشاط الشعب وتعبئته جماهيريا بموهبة كاريزما مرتبطة بإنموذج الشخصية القيادية الاكثر حيازةً على الاستقطاب الشعبي.
في حين أن التوجه الوحدوي المسكوني بين مسيحيي الشعب السورايا، فيبقى شأنا روحيا ومسارا لا تؤثر فيه جرة قلم، ولكنه نداء من الاعماق في قبول الذات وقبول الاخر والتعايش مع الاختلاف والتراكم الثقافي والتراثي، مع السعي الضميري للزعامات الدينية السامية، نحو هذا التقارب والى القيام بخطوات عملية نحوه، بمسؤولية ودعوة مسيحية سيحاسبهم التاريخ عليها.

ذلك السعي المشكور
وهذا الانطلاق والتقويم من لدن أبناء شعبنا، نرى أن يكون مشفوعًا بعرفان الجميل من قبل شعبنا السورايا المسيحي، للحمل الثقيل الذي حمله سياسيو الأحزاب، بحنكة وصبر ومطاولة، أمام ما تقاذفهم من التيارات المذهبية والطائفية بين انتمائهم الحزبي وخصوصيتهم الطائفية من جهة، وعدم اكتراث عدد منهم بالشأن الديني أصلا، ولا بدّ وأنهم اضطروا لغير مرة أن ينظـّروا التوجه القومي من زاوية طائفية. وأزعم أنهم اضطروا بوحي من واجباتهم الحزبية، بمعزل عن قناعاتهم الروحية والايمانية، أن يذهبوا في المناسبات إلى الكنائس، ويقومون بالزيارات المكوكية لقسسها وأحبارها. ولا بدّ أنهم لاحظوا بحصافتهم السياسية، ضمن الاشياء التي كانوا يتوخونها في مخططاتهم الحزبية، أنهم في كل ذلك، مثل الذي يلم بالماء، ويردّ الكف الخالي خاليا. ولا بد أنهم، لمسوا لمس اليد، ما الذي جعل الشعب تتقاذفه الاتجاهات السياسية، فتتكاثر من حوله الأحزاب بشهية منقطعة النظير، ربما لفقدان الرؤية الواضحة في الافق، قبل أحداث الموصل. 
ولعل أخيرة هي: لعلّ عددا من الاحزاب التي قامت في العراق، عندما ابقت على زعامتها التاريخية شمالا وجنوبًا، كانت في ذلك أمام احتمالين:
إما أن ثمة حقوقا لا بدّ من الحصول عليها، وأهدافا بعيدة المدى لا بد من تحقيقها، أرضا وشعبًا، وتأثيرا في الأقطاب الدولية، والوحدة الأوربية، وعليه لا بدّ من بقاء القائد المحنك القائد الضرورة وعرّب المرحلة الدقيقة والحرجة للأمة القومية، أمام الاستعمار المستبد والامبريالية الغاشمة.
وإما أن ليس ثمة حقوقًا لا قريبة المنال ولا أهدافًا بعيدة المدى، قابلة للتنفيذ، أرضًا وشعبًا، وعليه، قد يوحون لأتباعهم بطريقة وبأخرى: لما إضاعة الوقت وتبديد الجهود باستبدال قائد بقائد.
كتبنا كل هذا، وكتب الكثيرون، ولكن الخشية كل الخشية، والحذر كل الحذر، أنه، طالما لم تسمّى الأشياء بأسمائها، فإن كل واحد، يحسب أن المقصود غريمه لا سواه، عندئذ ما عليه إلا أن يتبلعم ويمضي في سبيله.
وعليه أيضًا يستحق الشكر هؤلاء السياسيون، لما سعوا إليه، في مرحلة ما قبل الأحداث الدامية لشعبنا.. وشعبنا يطلّ عليهم من علياء صليب محنته، بإطلالة الرحمة. 












 




 




58
لمناسبة تبنّيها في مجمع الاساقفة:
بين الكنيسة والشعب، تطلعات بشأن الرابطة الكلدانية

الأب نويل فرمان السناطي

من غير المرجح أن الاتجاهات القومية والأحزاب السياسية المتصلة بشعبنا، قد رأت في قيام الرابطة الكلدانية، مجرد رقم آخر، يضاف إلى ما بات يُسمَّى بـ "كيانات" شعبنا. ومن غير المتوقع أنهم ينظرون إليها، دونما اكتراث يُذكر، على أساس كونها مجرد جمعية ثقافية، لا تستدعي التوقف مليًا، ثم ومن باب أولى، على أساس أنها غير سياسية أصلا؛ لكن الملاحظ، بل المفارقة، أن بلورة تأسيس الرابطة وطرحها على بساط البحث والتداول، صاحبه ما قد يلفت النظر من صمت "سياسي" عميق يـُشمّ منه شيء من اللامبالاة؛ مع أنها انبثقت من تطلعات بطريرك له ثقله الكنسي والوطني والقومي، البطريرك لويس روفائيل الأول ساكو، وله كلمته محليا، أوربيا ودوليا، في الاحداث السياسية على الساحة؛ ويستثنى من هذا الشعور والانطباع، قيام نخبة من الأقلام المتمرسة الرصينة والنزيهة الملتصقة بالشأن الكنسي بقناعة وإيمان، واللصيقة بشفافية بالهاجس القومي، سواء كانت ضمن اطار تنظيمي أو خارجه؛ وقد تناولت هذه النخبة موضوع الرابطة بمهنية وحيادية واحتضان، وبروحية من التفهم لتوجّهات البطريرك الكلداني الرامية إلى ازدهار الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وأبنائها، نحو الوحدة والاصالة والتجدد.

الرابطة الكلدانية والكنيسة الكلدانية
من المعروف أيضا أن هذه الرابطة تترسخ برعاية قريبة من الكنيسة الكلدانية كمرشدة محبة لشعبها المؤمن بدليل كونها، كما سبق ذكره، مشروعًا مباشرًا صادرًا من البطريرك، وأن هذه الرعاية للشعب الكلداني المؤمن تشمل توجهه الثقافي والإنساني والفني والادبي والفولكلوري وأصالته التاريخية وتجذره. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الكنيسة الكلدانية ببطريركها، وهي في زمن متفرد وضمن رقعة جغرافية واسعة وطنيا وعاليا، تحمل صوتًا في المحفل الرسمي المحلي والعالمي، لما يتعلق بشؤون مؤمنيها وحياتهم الانسانية والوجدانية.
ونحن الآن، في أعقاب صدور البيان الختامي لسينودس أساقفة الكلدان، نعيش مرحلة الإعداد المباشر لقيام هذه الرابطة، بعد أن تبنـّاها أساقفة المجمع المقدس، وعُهدت إلى أيدي متخصـّصين تكنوقراط؛ وزاد المجمع فأوكلها إلى متابعة أساقفة يجمعون بين الحيوية والخبرة؛ إذ جاء في البيان الختامي: "تبنى الآباء مقترح البطريرك بتأسيس رابطة كلدانية عالمية، فتشكلت لجنة من الأساقفة لمتابعة التأسيس مكوّنة من الأساقفة يوسف توما، بشار وردة وميخائيل مقدسي عن العراق، والمطران ابراهيم ابراهيم عن أمريكا، ويشرف على عملية التأسيس غبطة البطريرك". ونعرف ما لهؤلاء الأحبار مجتمعين من باع طويل في الشأن الإعلامي والتعامل الحكيم مع المحافل الرسمية والاجتماعية، الى جانب ضلوعهم الأكاديمي في الشأن الاثني وترابطه المتوازن مع الجانب الروحي والانتعاش الوجداني.

جهة متفاعلة ومنفتحة على رقعة واسعة وطنيا وعالميا
تكتسب الرابطة ثقلها وأهميتها الخاصة كونها تقوم على مساحة ديمغرافية لعدد واسع من المسيحيين الكلدان في العراق الحالي لحدّ كتابة هذه السطور وقراءتها؛ نقول الحالي، وذلك في أعقاب أحداث الموصل وكركوك وسواهما من مدن العراق، وما ألقته من ظلال على مواطنينا العراقيين والنهرينيين وخصوصا أبناء شعبنا ذي الجذور العميقة الضاربة في تاريخ البلاد. هذه المساحة الديمغرافية الممتدة أيضًا إلى الافق التاريخي لأرض ما بين النهرين؛ وهي تمتد في الخارج أيضا إلى مختلف اصقاع العالم.
وأكثر من هذا فإن الرابطة تنفتح بأبناء الكنيسة  الكلدانية، إلى سائر الأشقاء في الإيمان والجذور من مسيحيي البلاد والمنطقة ومواطنيهم في الخارج، متأسّسةً على الأمانة للدعوة الروحية المسكونية الكنسية الجامعة لرسالة البشرى السارة، الإنجيل.
وللرابطة الكلدانية العتيدة أن تغترف من خبرة الرابطة السريانية في لبنان الشرق الاوسط، والتي برزت بحجمها الإعلامي والمعنوي في ظروف الاستلاب والاختطافات، كمنبر نيـّر وصوت مسموع لمسيحيي لبنان والشرق الاوسط، انطلاقا من خصوصيتهم كأبناء للشعب السورايا الآرامي وتفاعلا مع أشقائهم الشرق أوسطيين في الإيمان.
وللرابطة الكلدانية أن تتناظر مع تاريخ العمق الماروني – السرياني، المنفتح إلى الإشراقة المسيحية عربيًا، في لبنان الأرز وخارجه؛ وكذلك مع الكنيسة المارونية، التي أثبتت الأيام كيف ترسخت كبعد متميّز لمسيحيي المنطقة؛ بحيث سبق للبطريرك لويس ساكو في احد لقاءات الاساقفة بلبنان، وبفخر وتواضع ومحبة وتأصل، سبق له وأن دعا للحبر الماروني البطريرك بشارة الراعي، بالعمادة الروحية والمسيحية والأخوية بين أحبار المنطقة الكاثوليك، مع الإنفتاح في خدمة المحبة إلى سائر الأحبار المسيحيين.

برعاية كنسية، الرابطة بمديات متنوعة منفتحة دونما توجس من أجندة خارجية أو سياسية
في مثل هذه الظروف، التي يمكن فيها التحسس من التدخل الحزبي والتكتلي في الشأن الكنسي، لعلّ قاعات الكنائس تفتح أبوابها مشرعة لأبناء الرابطة وأعضائها ومُريديها واصدقائها؛ وقد يكون لها إذا سُمح لي بتوقع ذلك وتنفيذه ميدانيًا، حصة من الإعلانات والتوصيات، في منبر ما بعد الطقوس الدينية، وذلك بدون أي حساسية مما سمي في العراق الحالي، بعد سنة 2003 بالأجندة السياسية لهذا الحزب أو التكتل أو ذاك، ولا بأي منافسة انتخابية.
هذا، كما أعتقد، قد يجعل  الشعب المؤمن المرتاد الى الكنيسة بمواظبة واقتناع، أن يحتضن هذه الرابطة دونما خشية أن تتقاذفه هذه التيارات أو تلك؛ وفي الوقت عينه، مع إبقاء وإنماء المودة للأهل والأصدقاء والأقارب المنخرطين في الشأن السياسي.
كما أن أبناء الكنيسة، سيتمكن من يشاء منهم، خارجًا عن الرابطة، أن يختار هذا التوجه السياسي أو ذاك، برؤية أوضح، أمام حيادية كنسية مطلقة إزاء العمل الحزبي السياسي، مسترشدا بقناعته على وفق ما يراه في هذا المشروع السياسي أو ذاك، ومستنيرًا بخبرة شعبنا تجاه مختلف الاحزاب، سياسية كانت أو وظيفية، سواءًا قبل أحداث الموصل 2014 أو بعدها.
هذا ما يجعل من الرابطة، في كنيسة كاثوليكية، كلدانية كانت أو سريانية أو مارونية أو أرمنية أو قبطية، تتيح التميّز المشروع والواجب، بين عالمين، الروحي والمدني، متعاشقين بشفافية، غير متداخلين، وبلا ضبابية، على وفق اتجاهات ابنائها؛ فيكون فيهم من سيكتشف ما في داخله من رغبة خاصة للعمل السياسي والقيادي على مستوى الوطن، وخدمةً للرقعة الجغرافية ذات الكثافة المسيحية؛ ويتبين من الجانب الآخر، من يهتم بالشأن الديني والثقافي والفولكلوري والتاريخي والأدبي لشعبنا السورايا في إطار مدني لرابطة مثل الرابطة الكلدانية.
هذه أفكار تم اجترارها منذ أسابيع بل أشهر، مع إعلان الرغبة البطريركية في قيام الرابطة الكلدانية، وعلى مدى ما تم متابعته، خلال المدة المنصرمة، من أفكار وأبحاث بهذا الشأن؛ حتى تكلل كل هذا بأن أقرّها آباء المجمع المقدس، لتنطلق بمتابعة فريق أسقفي فاعل وطنيا وعالميا.
وبعد، لم تكن هذه الصحبة تودّ، رغم كل الحبور الذي تنضح به، أن ترسم صورة مثالية ذهبية عن الرابطة، لكنها جاءت لتنشد كل العناصر التي تبشر بديمومة الرابطة وبكونها حقًا خطوة مفصلية، خطوة على الطريق الصحيح.




59
أساقفة شباب، وماذا بعد؟
الأب نويل فرمان السناطي
 
"لا يستهن أحد بحداثة سنك بل كن قدوة للمؤمنين في الكلام والسلوك والمحبة والإيمان والطهارة " (1طيمثاوس 4: 12)




أكتب هذا المقال، بمعزل عن مجريات المجمع المقدس لأساقفتنا الكلدان، الذي انعقد مؤخرا وننتظر بيانه الختامي. لكنها أمنيات تراود المرء، عما نترقبه من أساقفتنا الأعزاء، وبضمنهم الذين تم انتخابهم ونحن في وقت كتابة هذا المقال أو خلال قراءته منشورًا. الامنية الأساسية تتفاعل مع توصية بولس الرسول إلى تلميذه الأسقف طيمثاوس بما يقرنه مع حداثة سنّه من صفات وفضائل... ومعها أمنيات وتطلعات أخرى لا ترتبط حصريا، في اختيار الاسقف، بالحد الأدنى من السن أو الحدّ العمري المقبول. فأذكر أني في مقال سابق بعنوان "سابقة السوابق" كنت أشرت بعبارة "البطريرك الشاب" إلى بطريركنا الكلداني الجديد، مار لويس روفائيل الأول ساكو، مع أنه تعدّى الستين من العمر. ذلك أن السنوات تبقى، إلى حدّ ما، من غير قياس اذا كان القلب شابًا، ولا حاجة، في هذا الصدد، إلى أن نشير الى عمر البابا الحالي، مار فرنسيس الأول، المذهل بمفاجآته وبشبابيته.




هذا ما يدفع المرء إلى ان يتطلع بأن يكون الأسقف بمواصفات الروح الشبابية، ولئن تعدّى الخمسين أو الستين، عندما يتمتع بتاريخ من الأداء الكهنوتي  المقبول والمُرضي مع حدّ مناسب من الكفاءة العلمية، إذ يكون، عندما يتعدّى الخمسين، قد تبلور لديه اكثر فأكثر النضوج الإنساني والعاطفي والروحي..
الأسقف، مواصفات ومواصفات
وهنا أود الإشارة المتواضعة إلى بعض النقاط، التي نثق أنها حاضرة بنوع وآخر في التميّز الحكيم لآبائنا الاساقفة، لما يتوخّونه من تأثير للأسقف في أبنائه الكهنة والمؤمنين على المديين القريب والبعيد.
فٌأقول، بشيء لا يخلو من البديهية والبساطة، أنه لو ارتبط مقياس الأسقفية، بمن أكمل الحدّ الأدنى من سن الخامسة والثلاثين وبضع خمس سنوات من الخدمة الكهنوتية المقبولة والمرضية، بلا تفرّد معين عن أقرانه في نوع من كاريزما التواضع والروحانية والقداسة، فإن الطبيعة البشرية ومجتمعاتنا الشرقية، وما يحيطها من ميل جماهيري لتبرز انموذج الزعامة المدنية قبل الروحية، وقبل الخدمة وتمثيل ملوكية المسيح... كل هذا قد يصيب الزعيم المدني - الروحي، بظاهرة الانتفاخ، مما قد يؤدي الى الترهـّل أو الانفجار. وقد ينجرّ أحيانًا، وبمعزل عن مواهب الروح القدس وكاريزما الروحانية، إلى أن يقتصر على ممارسة الزعامة بنوع فني وبموجب ما وصفه خبير الانثروبولوجيا البريطاني ديسموند موريس، فيبث الزعيم في ظهوره العلني إحدى الاشارتين الجسديتين الهادفتين الى النقطة عينها وهما:




الاطلالة المعبّرة - سويتش أون
وقد شبّهها ديسموند موريس بطريقة معاصره آنذاك الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، الذي كان يمتاز بالضحكة الفاقعة والحركات الاستعراضية التي توحي بتطمين المشاهدين إلى أن الأمور لديه ماشية على ما يرام .
الإطلالة الحيادية – سويتش اوف
فهي التي لا تعبّر عن حالة داخلية، وشبّهها ديسموند بأسلوب ظهور الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، فما كان يبتسم ولا كان يعبّس، بل كان يوحي للجماهير أنه سيد الأمر ولا عليهم بالاهتمام بكيفية تدبّره للأمور وأن لا شيء يؤثر فيه أو يزعزعه في تمشيته لشؤون مسؤوليته .
أما أن يكون الشخص عبوسًا، مع أناس ومكشرا عن ضحكة عريضة مع آخرين، فهذا يعني ان ثمة مشكلة تحتاج إلى تسوية بينه وبين الذين يتجهّم أمامهم، دون غيرهم، على أن كل هذا وذاك يجعلنا أمام شخصية قيادية مهنيا، مما لا علاقة له بالروح الانجيلية المشرقة. 
واذا اقتصر الامر على هذا الجانب بدون عمق روحي يُذكر، ولا قرار في التغيير أو التجدد، فيحتمل عندئذ أن يبقى الاسقف الشاب من هذا النوع، وطوال خدمته الحبرية، جاثما على مقادير ابرشيته، ومجمعه الاسقفي والكنيسة الرسولية الجامعة. وعندئذ قد تبقى المشاكل بلا حلّ،  وعلى حد تعليم البطريرك الراحل الكردينال مار عمانوئيل الثالث دلي، كما نقل لي عنه صديق من تلامذته في الدير الكهنوتي، إذ قال أن هناك "مشاكل لا تجد حلا إلا بعد موت اصحابها" وبعد عمر طويل.
بين الزعامة المهنية وكاريزما الريادة الروحية
وعليه، فإن ارتباط المقياس بأن يكون الأسقف الجديد في هذه الكنيسة أو تلك قد أكمل الخامسة والثلاثين من العمر، يجعلنا لا نعتقد أن الأداء الكهنوتي المرضي والحدّ المناسب من الكفاءة العلمية يكفيان، بل أن يقترن ذلك بشهادة القداسة التي يجمع عليها كثيرون، مما يجعله فعلا قدوة للمؤمنين في الكلام والتصرف والمحبة والروح والايمان والطهارة. مع التنويه إلى أن الطهارة تبقى مسألة ترتبط بتوصية القديس بولس إلى الاسقف الشاب وحديث العهد، من خلال تلميذه طيمثاوس، ليعيش على وفقها بينه وبين ربّه، فهذه الفضيلة أبعد أن تكون مجرد حالة عذرية أو ماركة مسجلة، بل تبقى بالأحرى مسار حياة روحية يعيشها المرء بمحبة للرب والرعية وبتواضع وتوبة متجددة وعطاء لا حدود له. 
توصية البطريرك عن المقالات والمواعظ
وما دمنا في توصيات بولس رسول الأمم، أود أن أختتم بإشارة طريفة وبريئة، إلى أن إحدى المواصفات في عهد مار بولس وبعده ببضع أجيال، كانت ان يكون من اشتهى الاسقفية، متزوجا من امرأة واحدة. مع العلم أن الامور قد تغيرت فيما بعد، مع قيام الرهبانيات، لتكون مصدرًا رئيسا لاختيار الاساقفة. لكني كنت تلقيت معلومة، من الأخ العزيز القس جليل منصور (كاهن متزوج) راعي كنيسة مار نرساي الكلدانية في بغديدا، لا أعرف أين وجدها في مصادر الكنيسة الشرقية، يـُسمح بموجبها برسامة الكاهن المتزوج، اسقفًا إداريا. على أنه يجدر بالأحرى الاستشهاد برأي الكاهن المتزوج الراحل القس متي ربان الراعي السابق في قرية سناط، الذي بحسبه، يكفي الكاهن خورنته وزوجته والأولاد من نعمة وبركة واهتمام.
 لكن مثل هذا الموضوع، بين قربان الكاهن الاعزب، وكاهل الكاهن المتزوج، هو موضوع آخر، لعله يكون يومًا مادة لمقال أكثر تعمقا. فلا بد من عدم الاطالة، وطرح كل موضوع في مقال مستقل، إذ أوصانا غبطة أبينا البطريرك، خلال زيارته الميمونة إلى كندا، بأن نتوخى في الكتابة، المقالات القصيرة، وفي الكرازة، المواعظ الاقصر.




كالكري – كندا
26 حزيران 2014

60
خبرات متفاعلة بين ابرشيات الكنيسة الجامعة:
شهادة عن الادارة المالية للخورنات اللاتينية

الاب نويل فرمان السناطي


تقديم يتوخى خفة الظل

جوانب رئيسة من هذا المقال، نشرت في الموقع الالكتروني لبطريركيتنا الكلدانية، تحت عنوان (استجابة لمقترح سابق لغبطة بطريرك الكلدان: شهادة عن الادارة المالية للخورنات اللاتينية) ورأيت أن انشره هنا ايضا، لتعميم الفائدة، لما فيه يخدم تعميق خبرة كنائسنا، في هذا المضمار. وبادئ ذي بدء، أستهل بمقدمة صحافية اتوخاها خفيفة الظل، لتنعش ما يليها من اجواء لفقرات حسابية وماليه لم آلفها في مقال من قبل! فأود ان اعبر عن انبهاري، بسرعة التواصل، التي احدثتها الوسائل التكنولوجية والمعلوماتية الحديثة. ولا أخفي أني ابن جيل فتح عينيه على المراسلة والطوابع البريدية، طوال عقود؛ وكان انتظار الاجابة يستغرق أياما وأسابيع وأحيانا أشهر؛ واذا بنا نتحول، في الاقل منذ التسعينيات، الى مراسلات متبادلة بشكل شبه فوري. على أنه في تلك الحقبة ولعدة سنوات، لم يكن من السهل مخاطبة شخصية كشخصية مطران، خصوصا في الطلبات الرسمية؛ فوجدتني يوما، طرفا في حالة تنقلت فيها بين طريقتين: اتلقى بالبريد الالكتروني في بغداد من الخارج رسالة من صديق راغب في الكهنوت وتعتلج الدعوة في أعماقه، كان يوجهها الى مراجع كنسية، فأقوم بطباعتها وأضعها في الغلاف واذهب بها الى تلك الادارة الكنسية... ومرت الايام وكنت ببساطة أتساءل، هل لي ان اكتب رسالة ايميل الى مطران؟ ماذا لو أجرب. فجربت فكانت من أطيب تلك المراسلات مع الزميل الاكبر في التلمذة وفي الاعلام، اسقفا، ثم بطريركا. والان صارت المراسلة الالكترونية، جميلة وباهرة لمن عاشوا مرحلة ما قبلها عندما تلتمع اعينهم بالمقارنة العجيبة. أما المراسلة مع الاساقفة، ومع البطريرك، بالايميل او على رسائل الفيسبوك، فقد اصبحت تشفي الغليل، لهائم في الرمضاء بدون ماء.لا بل اصبحنا افراد في مجموعة ايميلات بين كهنة واساقفة وكتاب وشمامسة.

أولى لبنات هذا المقال

وبعد، فقد بدأت أولى لبنات هذا المقال، في مراسلة الكترونية مع بطريركنا مار لويس ساكو، عندما كان غبطته رئيس اساقفة كركوك. وكان طرحي وقتذاك بشأن ما يمكن التطلع نحوه عن الأبرشيات التي تنشأ في الخارج، ومدى تفاعلها مع السياقات العامة للأبرشيات الكاثوليكية المجاورة لها، وتناغم ذلك مع انشطتها الرسولية، كما مع الانظمة المالية ذات الصلة. وكنت نوهت في الطرح كأخ اصغر للراعي السابق لأبرشية كركوك، إن كان ثمة حاجة أن تقوم يوما ضوابط تسري على خورناتنا وتكون متناغمة مع الخط العام للكنيسة الجامعة. فاقترح مار لويس الشأن المالي: حبذا لو تنور القرّاء  بما هو موجود في الكنيسة اللاتينية، ويمكن ان  يكون على هيئة شهادة.

هذا المقترح الأبوي، بقي في داخلي، لكن مشروع الكتابة عنه بقي مؤجلا تحاشيا لأن يكون ذلك، في تلك الآونة، مجرد فقاعة عابرة في بحر متلاطم، أمام افق غامض. وبقيت أعتقد أن الكتابة في هذا الموقع المنتشر على مستوى كنائسنا الشرق اوسطية، لتسليط الضوء على خبرات ابرشيات الكنيسة الجامعة، قد يفيد الابرشيات في الكنائس عموما، حيثما تستجد فائدة، دونما تشخيص حالة محددة في هذه الكنيسة او تلك. ولا غرو ان في ابرشياتنا، من الخبرات الرائدة في هذه المضمار، ما يمكن الافادة منه، سواء ما قرأته عن مار لويس، في مقالاته ذات الصلة، منذ كان راعيا لخورنة ام المعونة، ثم مطرانا لكركوك. وثمة ايضا خبرة رائدة أخرى، سنح لي ان اطلع عليها عن كثب مع ابرشية حلب للكلدان في سوريا برعاية مار انطوان أودو، مطران الكلدان في حلب وسوريا، وأحيي سيادته من هنا، واتمنى له ولبلاد الشام العزيزة، السلام والامن والاستقرار. وهذا بالطبع بدون الانتقاص من خبرات الابرشيات الكنائس الاخرى، لكني لا اعرفها بدقة، ولا بد وان تلك الخبرات متناغمة بشكل أو آخر بمناقبية التعامل مع الانظمة والسياقات المالية القائمة.

الادارة بحكمة وشفافية

نستبشر خيرا، إذ تستقبل الكنيسة الكلدانية هذا السرب المبارك للأحبار الجدد المنضم الى المجمع المقدس للأساقفة، ممن كانت لهم في الرهبانيات، ومع الخورنات الكلدانية واللاتينية، خبرات لا بد وأنها ستعزز الخدمة المالية في أبرشياتنا. فعندما وقعت عيناي على كلمة شفافية (اعد ان ادبر بحكمة وشفافية، وبموجب القوانين المقدسة، اموال الكنيسة) هذه الكلمة التي جاءت في صيغة اعلان الطاعة التي قرأها السادة الاساقفة المرتسمون، احسست بالخطاب المعاصر لهذه الصيغة واهمية الفقرة التي تناولتها في العهد الذي يقطعه الاسقف على نفسه. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الشفافية تتعلق بسياقات سبق وأوصت بها بطريركية بابل، بشأن تحرير الكاهن والاسقف لوصيته، وبما يساعد على التمييز، فيما بعد، بين الملكية الشخصية وما يعود الى الكنيسة بشكل واضح. وهذا كان اقتراحًا سبق وأن عبر عنه احد كهنتنا في التسعينيات، اصبح فيما بعد مونسنيور، وذكره في جلسة خاصة، تحاشيت ذكر اسمه، فلعله نسى المقترح... ويحرجني! ويدعم هذا المقترح ما ينبغي من تحوّط لحدوث الغموض والارتباك بين مقتنيات الراعي الميراثية وبين الحقوق المالية للرعية. وقد لمست ان البطريركية الكلدانية ماضية في هذا المضمار وبالتفاعل مع الابرشيات.

ابرشيات غير معصومة، لكن القوانين جاءت للحماية والمساءلة

اذا تطرقنا الى خبرات ابرشيات الكنيسة الجامعة، فهذا لا يعني تبرئة العاملين فيها بشكل مطلق؛ إنما القوانين المالية فيها، تقوم على حماية المتعاملين في هذا المضمار، فيكون تجاوزها سببا للمساءلة القانونية على مستوى البلاد، حالهم حال المتجاوز في أي مؤسسة منتظمة أخرى علمانية أو غيرها. وقد سمعنا منذ سنوات، أن تجاوزات تحصل في أبرشيات هنا او هناك، كما في مؤسسات علمانية، وعندما ترصد، تخضع للمساءلة. وهذا ايضا ليس لتأشير خلل معين في ابرشياتنا، ففيها السياقات الحسابية التي تتبعها. كما نعيش في عهد بطريركي، بدأ، منذ أول أسبوع، بالتعامل بكل شجاعة، بشأن أي خلل إداري وخطأ بشري، مما يطمئن على ان المؤشرات ماضية قدما نحو الاحسن.

من ضوابط ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني:
التنقلات الدورية: كاهن للابد، في كنيسة المسيح، ولكن ليس في الخورنة ذاتها

تعتمد ضوابط الأبرشيات اللاتينية مبدأ أن خورناتها قلما ترتبط بكاهن راعيا لها حتى سن التقاعد او الوفاة. بل هناك سياقات لتنقلات كهنة الابرشية، من خورنة إلى أخرى، كل اربع او ست سنوات. وقد لا يسري ذلك بانتظام على الخورنات ذات الخصوصية اللغوية عندما لا يتوفر اكثر من كاهن كبديل لآخر في خورنة بلغة الاقلية في البلاد، كالإسبانية والفرنسية والالمانية، في بلاد ناطقة بالإنكليزية، على سبيل المثال. ولكن حتى في هذا المجال، لم يتردد في العام الماضي اسقف مدينة كالغري الكندية، من دمج خورنة تقدس بالإسبانية بخورنة ايطالية، ترعاها رهبانية متعددة اللغات، ونقل كاهن الخورنة الاسبانية –سيدة غوادالوبي- وهو يتكلم الانكليزية ايضا الى خورنة بعيدة تقدس بالإنكليزية.


السياقات المالية
المعادلة بين امكانية قيام خورنة، وبين اعطاء خدمات مجانية مع عيش كريم للكهنة

ضوابط تحمي الخدمة الكهنوتية وتخدم الرسالة الانجيلية

ما نجده من ضوابط، في تلك الكنائس، تجعل الكاهن يعيش بكرامة، ويتفرغ للخدمة الراعوية؛ كما لا تشغله تجربة الثراء، لو كانت معيشته مرتبطة على الخدمات والحصول على المركز الذي يوفر له المزيد من الخدمات المربحة، فلا يفترض به ان يطلب الثراء من خلال عمله. وكل هذا لا يجعل الكاهن يسترزق بعدد البوراخات التي تحدث في خورنات الابرشية؛ ولا يتطلع الى الدعوات للمشاركة فيها في الخورنات الاخرى، مقابل مكافأة، وبما لا يجعل حياته  منقسمة بين هموم اللقمة، وبين اعطاء الخبر الروحي. وان السياقات الحالية هي ايضا، بطريقة معاصرة، تعكس جانبا من القناعة والفقر الروحي بعيدا عن التطلع في الثراء، الذي يمكن ان يجرب الضعف البشري فلا يستشري في كهنة الخورنات الضخمة.

وسياقات مالية تسري على الخورنات سواسية، كبيرة وصغيرة

هكذا ان السياقات المالية ذاتها، تسري على هذه الخورنات سواء كانت صغيرة او كبيرة، بحيث لا يتهافت عليها الكاهن لدسامة حجمها، ولا يبتعد عنها لصغرها. إذ تنتظم فيها ضوابط الخدمات بالشكل الاتي:

نيات القداديس
لا يوجد وارد متضخم لصالح الكاهن، ناتج عن نيات القداديس بالجملة، مهما كان حجم الخورنة: فإن نيات القداديس، تدخل ضمن الايراد الخاضع للضربة، وتوزع كل نية بمفردها، على أيام الاسبوع عدا يوم الاحد، فلا تأتي النيات، بالجملة ليوم الأحد دون غيره من الأيام. لا بل في قداس الاحد لا تعلن النيات بالأسماء، اذ يُعدّ القداس مقدما على نية كل مؤمني الخورنة. وما عدا أيام الآحاد والأعياد –المأمور بها-  توزع نيات القداديس على التقويم الشهري لأيام الاسبوع؛ يقدس الكاهن عن هذه النيات، في قداسه اليومي، سواء بحضور اصحاب النية أو غيابهم، بعد أن تعلن في لوحة أو نشرة. وما فاض عن هذه النيات، في الجدولة لما اكثر من الشهرين او الثلاثة اشهر، فهو يجمع ويحول الى المطرانية، وبدورها وبمعرفتها، تمنحه الى الكهنة المتقاعدين، او ترسله مركزيا لخورنات العالم الثالث. وتعتبر الابرشيات اللاتينية ان هذه  فقرة عادلة وحكيمة إذ تحدّ من الإقبال في الخدمة، على خورنة كبيرة بعدد المؤمنين، دون الأصغر منها.

الخدمات الكنسية الاخرى
ولكن هذا الاجراء ليس الوحيد. فتنظيم سياقات للخدمات الكنيسة الأخرى، هو الآخر يحمي الكاهن من جدلية تجربة، حذر منها الرب،  بألا يتبع المؤمن ربين، الله والمال، وتنظم هذه الخدمات كالاتي:
العماذات: يتم الاعداد لها، مقابل تكاليف ادارية تجيـّر للخورنة، لتغطية نفقات السكرتارية وإعداد الشهادات واجراءات التسجيل، ولا ينتظر من المؤمنين، في العماذ غير ذلك.
خدمات الجناز وخدمات سر الزواج: فيما يخص الابرشيات اللاتينية الكندية، وما معروف عن ابرشية كالغري، تقرر الأبرشية، أن يستقطع مبلغ يجير للخورنة وكالتالي:
مائة دولار، لما يسمى هورار التشييع (Funeral stole)
مائتا دينار، لما يسمى هورار اكليل الزواج (Marriage stole) وبمعزل عن الزكاة السنوية او الشهرية التي يمنحها اعضاء الخورنة.
تحال هذه المبالغ الى حسابات الخورنة، ويستقطع منها المحاسب، نسبة عشرة بالمائة للكاهن، تعطى له في نهاية الشهر. اي عشرة دولارات للجناز، وعشرين دولار لإكليل الزواج. وهذه النسبة المتواضعة، مهما تعددت الزواجات والوفيات، لا تؤدي الى ثراء غير طبيعي للكاهن، من وراء خدمات الأسرار. مع الملاحظة أنه فيما يخص دورة المخطوبين المقبلين على الزواج، والتي تقام في أحد مراكز الابرشية اللاتينية، يدفع المشتركون، مبلغ 189 دولار، تتضمن الكتب والمحاضرات والتكاليف اللوجستية.
مثل هذه السياقات، تجد صداها في بيان للبطريركية الكلدانية مؤخرا، يقضي بمجانية خدمات الأسرار، في كنيسة يقدم فيها المؤمنون ما يستطيعون من عطاءات الزكاة.
وهكذا، بعدم بقاء الكاهن في ابرشية كبيرة مدى العمر، وبعدم التعامل التجاري الشخصي مع نيات القداديس بالجملة لصالحه ولسائر الخدمات الاخرى للأسرار، تقلل فرص تحوّل الكاهن إلى تاجر جملة في سوق مرموق؛  كما لا تجعل الخورنة تتحول الى واحدة من الشركات المتعددة الجنسية،  تستقطب الثراء، على حساب الرسالة الانجيلية، ومن عرق الفقراء وكدّهم.

خدمة المرضى
لا يتقاضى الكاهن في زيارة المرضى، بطريقة المضمد او الموظف الصحي الذي يعالج مريضا ما بزيارة خاصة. ففي كل مستشفى، يوجد قسم للرعاية الروحية لكهنة منسبين من الابرشية لهذا الغرض، وخاضعين للاستدعاء بالجهاز مثل الأطباء في الحالات الطارئة. أما إذا كان المريض من أحد أعضاء الخورنة، فيزوره الكاهن ليس كحالة طارئة، بل بحسب الوقت المتفق عليه.

 رواتب الكهنة: عيش كريم غير مرتبط بحجم خدمات الاسرار فهي مجانية

الراتب: تنطلق خدمة الكاهن، ضمن سلم الرواتب المقرة، وبما يحتسب الاستقطاعات اللازمة لأغراض التقاعد والعجز والإجازات المرضية والضرائب، ومن ثم يأتيه راتب مجزٍ ومناسب، يزداد سنويًا بنسبة اثنين ونصف بالمائة. وتسعى الابرشية، الى توفير مكان تقاعد مناسب له، عند بلوغه سن التقاعد.

المخصصات:
مخصصات التبضع: وهي مبلغ جزئي يدعم راتبه، وبما يوفر له حدًا أدنى من تكاليف الطعام يدعم راتبه، ويساعده لتناول الطعام مع الكهنة. وكذلك لديه هامش مبلغ بسقف مالي سنوي، يتيح له ان يقدم ما يسمى قوائم ضيافة، عندما يدعو ضيفًا الى طعام. ويحدد السقف المالي السنوي، لمساعدة الكاهن أن يتصرف الكاهن باتزان في هذا المضمار.

دعم العلاج: الحالات المرضية والمراجعات الطبية، يتم تغطيتها لعموم المواطنين، وتعامل بما هو مناسب، من قبل الابرشية، عدا الحالتين أدناه:

الاسنان: يتقاضى الكاهن، في مجال التأمين بشأن علاج الاسنان بنسبة 60 بالمائة، الى سقف سنوي محدد في المبلغ، لا يصرف شيء من بعده. هذا الدعم يقتصر على الاجراءات العلاجية: كالقلع والحشو وما الى ذلك، باستثناء الاجراءات التجميلية وما يخص عمليات تحسين الابتسامة.

العيون: لكون الكاهن بحاجة مطلقة إلى عينيه، فيصرف له العلاج بنسبة المائة في المائة، على مدى ما يرافق النور بصره. وتصرف للنظارات نسبة 70 بالمائة.
 كل هذا يوحي بأن الابرشيات، تأخذ بعين الاعتبار، مستوى علاج الكاهن، مقارنة بالنظام المحلي السائد وعلى وفق غلاء المعيشة في بلد كل ابرشية.

مخصصات التنقل
عند تنقل الكاهن، للخدمات في زيارات لاماكن بعيدة، لا يضع في جيبه المؤمنون المخدمون بعض النقود لما قد يفهم منه ضمن مصطلح: حق البانزينات؛ فله ان يقدم جردا شهريا، بالكيلومترات التي قطعتها سيارته، لهذه الخدمات او الرياضات الروحية واللقاءات الدراسية، فيتقاضى نسبة محسوبة، لتكاليف الوقود واندثار معين للسيارة.
ولكن كيف يتصرف الكاهن في بدء تعيينه، عندما لا تكون لديه سيارة. لقد فكرت الابرشية في ذلك، فهي تعطيه، لمرة أولى ووحيدة، قرضا وافيا، بدون فوائد، بالتقسيط المريح، لشراء سيارة؛ وتبقى السيارة مقيدة لدى شركة التأمين، باسم الابرشية لما يخص حالات الحوادث والتعويض، حتى يسدد الكاهن آخر سنت من القرض المريح. أما القرض فيغطي سيارة من نوع مناسب. ولعل قدوم الحبر الاعظم مار فرنسيس بابا الفقراء، ومثاله الابوي والشخصي في هذا المجال، وما يوصيه في مجال الانفاق، من شأنه ان يحث الكهنة بألا يفتشوا عن السيارات الاستعراضية الفارهة الفاقعة.
 السكن: يوفر للكاهن السكن المناسب، وبما يتضمن السكن من خدمات ومصاريف، من كهرباء وتدفئة وهاتف ارضي. أما الهاتف الخلوي فيمكن للكاهن ان يشتريه بحسابه الخاص، وتدفع له الخورنة ، مقدارا مقبولا من المصاريف الشهرية، عدا المكالمات الدولية وعبر البحار.

ضوابط قيام خورنة او اغلاقها او دمجها

يعتمد قيام خورنة وبناء كنيسة، على عدد كاف من المؤمنين. فتعتمد الخورنة، على ما يبادر المؤمنون لتقديمه، كعطاءات سنوية واسبوعية، خاضعة للإعفاء الضرائبي، وتتعامل مع سخاء المؤمنين، لما يخص النفقات العمرانية والصيانة وما الى ذلك من احتياجات، تخصص لهذا المضمار او ذاك مع تأمين عيش كريم للكاهن. أما الخورنة التي تتناقص فيها امكانية ادامة المتطلبات اللوجستية، وخدمات الصيانة، من خلال عطايا مؤمنيها، وان هؤلاء المؤمنين هم في اختفاء سواء من الناحية العمرية، او الناحية الجغرافية وموقع الكنيسة، ويكون التعامل مع الحجم والعدد بشكل مدروس احصائيا، وحسب موقع الكنيسة واستيعابها، فإن هذه الكنيسة تغلق وتدمج مع خورنة أخرى. واحيانا يباع المبنى، لجهة كنسية اخرى، تستطيع الاضطلاع بنفقات صيانته، سواء بسعر السوق، او بسعر دولار واحد، أي بسعر رمزي.

كنائس لا تبنى على اكتاف المعوزين

وكما توجد ضوابط لغلق الكنائس، فان ثمة ضوابط لتوسيعها، ليس بعرق الفقراء وعلى اكتاف المعوزين، بل باحتساب احصائي لاخر ثلاث سنوات من ايراد العطاءات، وبما يجعلها تستحق قرضا مصرفيا أو أبرشيا مناسبا لهذا الغرض، تتدخل الابرشية لتنظيمه. ولا تقوم ضوابط الأبرشية، بمجرد تقديم خدمات الاسرار لمؤمنيها، بل يحتسب السقف المالي لإيرادها السنوي، بما يجعلها في موقع المسؤولية، من خدمة الفقراء ضمن برنامج غذائي وايوائي تديره الابرشية، ويجعلها أيضا، تسهم في دعم الاراضي المقدسة، ودعم الارساليات في البلدان الفقيرة، ولها برنامج إعانة لما يطرأ من حاجات مساعدات دولية، كما حدث مع هاييتي والفيلبين واليابان وسواها، وبحسب التوجه المركزي للكرسي الرسولي.

لا تثقل الكنيسة مهما كان موقعها، ومهما كانت فخامة بنائها، كاهل المتزوجين الجدد وعموم المؤمنين، بتسعير خدماتها على اساس وجاهة موقعها وخصوصية بنائها، ولا تسعر خدماتها بحسب السوق. وإذا كان ثمة مبان كبيرة لعدد من الكنائس،  فهي تبنى لاستقطاب اكبر عدد متوقع للمؤمنين في تلك المنطقة، متبعة المناقبية المالية ذاتها مع اي خورنة أخرى، ومعتمدة رسالة إعانة الفقراء ونجدة الطوارئ. واذا استجدت حاجة إلى التبرعات، توضع ظروف لهذا الغرض امام أماكن الجلوس، ويشار إلى ذلك في النشرة او في الموقع الالكتروني.

بهذا السياق، وباعتماد الرسالة الانجيلية، اساسا للمشاريع الخيرية، لا تتحول هذه الكنائس الى شركات متعددة الجنسية، ولا يصرف الكهنة وقت مواعظهم بالحديث عن جمع التبرعات والإسهاب في شرح المشاريع العمرانية، وبشكل متكرر مما أوحته مقولة: كثيرون من الذين هم خارج الكنيسة، اصبحوا كذلك بسبب الذين في داخلها...

مثل هذه الاجراءات، من شأنها أن تحول دون التهافت على الكعكة الأكبر والتشبث بها؛ كما تحول دون ان ينقلب الاكليروس الى اباطرة أموال، من خلال ما يجمعونه من خدمات في الرعيات الكبيرة، في القداديس والبوراخات والعماذات والجنازات. وعندئذ يكون النقل منها الى رعية أصغر بمثابة اخذ قسط من الراحة في حقبتهم الكهنوتية. وهذه الاجراءات تحول كما يعتقد، دون أن يبدو الاكليروس في كنائس المسيح، كعنصر تشكيك للمؤمنين، من خلال ما يظهر عليهم وعلى ما حواليهم وعلى تنقلاتهم واسفارهم، من ثراء فاحش. فحاشى لهم ان يناقضوا قول المسيح بأن يجعلوا بيت أبيه بيت تجارة. واذا لم يكن ثمة، من سوط ليسوع يخرج التجار من الهيكل، فإنه عند التجاوز على ما مرسوم من انظمة مالية، يأتي بعد الضمير، سوط القانون، ليتكلم.

61
                                                 السينودس الكلداني، انعطافة متفردة ودماء مستمرة في التجدد

الأب نويل فرمان السناطي *
--------------------------------

منذ سنوات ولمسببات متعددة بقيت تسري في تشكيلات السينودس الكلداني دماء مستمرة في التجدد. وقد تناول الكتّاب ذلك في مقالات متعددة. في هذا المقال، نسلط الضوء على سابقة يمكن ان تعدّ منعطفا جديدا في السينودس الكلدان؛ هذه السابقة تضاف الى مضي السينودس بدماء مستمرة في التجدد والتضحية والعطاء، وهي تنسجم بشكل متميز مع مضي اساقفة السينودس باختيار شباب ذوي شهادات و"تكنوقراط" مثل الاب د. سعد سيروب حنا نائبا بطريركا، والاب حبيب هرمز النوفلي باحث متمرس، راعي الكنيسة الكلدانية في لندن، ليكون رئيس اساقفة للبصرة. والذين سبقوهم في اختيارات مجامع سابقة. أما هذا المنعطف المتفرد، فاراه يتمثل بحالتين مشرقيتين:
- التعامل الحكيم للسينودس بطريقة قبول المطران باوي سورو، الاسقف السابق في كنيسة المشرق الاشورية الشقيقة، كعضو في المجمع الاسقفي (السينودس) الكلداني.
- سابقة ال