حضورنا الكرام... الرفيقات والرفاق الأعزاء
نودع بألم شهدائنا رعد بولص ميخو وخيري وطلال ياقو شمو توماس بعد استشهادهم قبل مايقارب الربع قرن ، ونقف إجلالاً لذكراهم وذكرى شهداء ألقوش بشكل خاص وشهداء العراق الأبرار بشكل عام ، هذه الذكرى التي ستبقى محفورة في وجدان الشيوعيين وكل من تعز عليهِ قضية الحرية والسلام والديمقراطية والتقدم ، وها نحن تذرف الدموع الممزوجة بالحزن للوداع الأبدي ودموع الفرح والأمل لأننا نرى أنفسنا في وسط هذا الجمهور الغفير من أهالي ألقوش وكردستان والمناطق المتفرقة من عراقنا الحبيب ، حيث وإياكم نوارى الثرى جثامين الشهداء في مسقط رأس الآباء والأجداد " ألقوش " الحبيبة ، نعم وقبل أشهر قليلة إحتضت ألقوش أيضاً بين جناحيها أبنها البار القائد الشيوعي الكبير توما توماس وزوجتهِ المناضلة ألماص زلفا ، وقبلهِ استقبلت ألقوش جثمان المناضل الشيوعي الكبير سليمان يوسف بوكا وعشرات الشهداء الآخرين ، وهناك شهداء آخرين من حزبنا تنتظر ألقوش مواعيد استقبالهم بفارغ الصبر...بالإضافة إلى عشرات من الشهداء وضحايا الإرهاب والجريمة المنظمة ، الذين لم يتمكنوا ذويهم من معرفة أماكن استشهادهم ودفنهم قبل وبعد سقوط الطاغية ، أسمحوا لي أن أصف بلدتنا ألقوش ، التي لها الفضل علينا جميعاً ، ببعض من الأبيات الشعرية المتواضعة :
ألـــــقـــــوش
انتمائك للـوطـن هــوية الكبرياء جماهيركِ طينة من أهـل الـعـراق
وهـبـتِ للــوطــن فـلـذات أكـبـادكِ عُرفت بآدميتك وأنتِ فخراً للعراق
عُــدتِ منبـعاً من مــنـابـع الــثـوار أعدتي أجيالاً فـي دروب الـنـضال
ياحاضنة الأبطال ومدرسة الأجيال ياحـامية الـسـلام ومـلـبـيـة الآمــال
نستذكر المآثر البطولية التي إجترحوها الشهداء في حرب الأنصار في الخطوط الأمامية وبعمق قوات أعتى نظام دكتاتوري في العالم منذ الحرب العالمية الثانية ، حيث حملوا السلاح وخاضوا الكفاح المسلح لاحباً للسلاح والعتاد ولا حباً بالعيش في الكهوف وقمم الجبال وسفوحها ، بل إنما أجبرهم النظام الديكتاتوري على ممارسة الكفاح المسلح كأرقى أشكال النضال ، وفق المنطق المبدئي ، العنف الثوري المنظم ضد العنف الرجعي التعسفي .
نعم بكم أيها الشهداء امتلكنا النخوة وبياض الجبين ، وعلا شأننا بوطنيتكم العالية المستمدة من شهداء قادة الحزب الأوائل ، فهد وحازم و صارم ومئات آخرين ،مسترشدين بمقولة الخالد فهد مؤسس حزبنا الشيوعي العراقي لدى دفاعهِ عن وطنيتهِ الحقة قائلاً " لقد كنتُ وطنياً قبل أن أكون شيوعياً...وعندما أصبحت شيوعياً صرت أشعر بمسؤولية أكبر تجاه وطني "
أعزائنا الحضور
كان بودنا أن تشارك معنا والدتنا أم صباح "أم أبو ليلى" في هذه المراسيم لتودع فلذات أكبادها لابل كان أمنيتها الوحيدة ، إلا إن وضعها الصحي حال دون وجودها معنا، وهنا لابد أن أهدي لوالدتنا ، والدة الحزب وأم مناضلة ومربية ، بعض من الأبيات الشعرية بعنوان
يا أُماه :
يا من أوصيتي الحذر والحيطة للحزب صيانة وحماية محيطه
أبـنائــكِ أفــدوا الحياة للـقـضية مـنـكِ تـلـقـوا الدرس والوصية
طـوبى لـكِ للــصبر الـمـديــــد الحــنــكـة ســـلاح أُم الشـهـيـد
أنـطق كلمـتـكِ لـفـلذات أكبادك بالرحمـة وللحـزب بـقـاء الحياة
ســــــُنـكِ الـخـامــس والثمانون قـلـبـكِ النابض مبعث لـلـتصميم
إن أم صباح " أم أبو ليلى " كانت ولازالت تعتز وتفتخر بأولادها لكونهم شيوعيين ، وبالتالي كانت تنسب هذا الاعتزاز والفخر إلى الحزب الذي صقل معدن أولادها وساهم في تربيتهم تربية إنسانية مفعمة بحب الوطن والدفاع عنهُ والولاء للشعب وحب لكردستان ، ففي السبعينات من القرن الماضي كان جميع أولادها منخرطين في صفوف
الحزب الشيوعي العراقي، ففي ظروف الانتعاش السياسي كان منزلها أحياناً صالة لاجتماعات الهيئات الحزبية المختلفة لأولادها ، وأحياناً أخرى قاعة للاحتفاء بالمناسبات الأممية والوطنية المختلفة ، وكانت الفقيدة زكية خليفة تتردد إلى بيتنا أسبوعيا تقريباً ، وتتحدث مع والدتنا بين فترة وأخرى ، وفي إحدى المرات راحت عمة زكية تشكر والدتي على الواجب الذي تؤديهِ تجاه الحزب ورفيقات ورفاق أولادها ، وكان رد والدتي كالتالي " لم أقدم شيء يذكر للحزب لحد الآن...وعندما يستشهد أحد أولادي من أجل الوطن والشعب...سأكون قد قدمت وردة حمراء إلى الحزب " وبدأت الرفيقة زكية تذرف الدموع ، وراحت تنشف دموعها وهي تحتضن وتقبل والدتي ، نعم أم صباح تنبأت قبل
حوالي عشر سنوات من استشهاد أولادها بأنها ستقدم وردة أو وردتين حمراء من أجل حرية الوطن وسعادة الشعب... وطوبى لمن يقدم نفسهِ قرباناً للعراق أرضاً وشعباً...
أما في أيام المحن والويلات ولاسيما أواخر عام 1978 فكان دار أم صباح وكراً حزبياً لإخفاء الرفاق والأنصار ، أتذكر في أحد الأيام كان في الوكر 6 رفاق ونصيرة واحدة ،كما إن الرفيق أبو فاروق عضو المكتب السياسي لحزبنا آنذاك مكث أكثر من 10 أيام في هذا الوكر، وكذلك الفقيد سليمان يوسف بوكا ( أبو عامل ) قبل اعتقاله وبعد الإفراج عنهُ أيضاً أستخدم بيتنا كوكر حزبي أمين وغيرهم من الرفاق الآخرين ، كل هذا بفضل أم صباح ، التي كانت على الدوام تنصحنا بالحذر واليقظة وصيانة أسرار الحزب ، حيث وصل مستوى إخلاص أم صباح للحزب الشيوعي العراقي إلى درجة تهددنا بعدم توقيع البراءة من الحزب الشيوعي العراقي ، التي فرضها رأس النظام الدكتاتوري المقبور على شعبنا آنذاك ، لأن ذلك تعتبره الوالدة طعناً بسمعة عائلتنا الشيوعية ، وكانت بمثابة حارساً أميناً ومراقباً صارماً وحامية أسرارنا وعلاقاتنا الحزبية ، بحيث استطاعت أن تحافظ على هدوء واستقلالية البيت وإبعاد الشبهة على كون أفراد الأسرة من الشيوعيين .
لايفوتي هنا ذكر الجميل والعرفان والمواقف الوطنية الأصيلة لأهل بيرموز الطيبين ، هذه القرية الصغيرة الجميلة ، قرية الشهيد البطل محمد أمين عبه البيرموزي ، التي كانت لسنوات طويلة مقراً شبة مستقر لأنصار الحزب الشيوعي العراقي ، ولهذا السبب كانت هدفاً لمدافع وطائرات وقوات ومرتزقة جميع الأنظمة الرجعية والدكتاتورية التي تعاقبت على الحكم في العراق منذ انقلاب 8 شباط الأسود ، نعم لأهل بيرموز الشكر الجزيل لحماية مقابر الشهداء ولمواقفهم المبدئية ، وإن عائلتنا بشكل خاص لاتنسى مواقفهم وحديثهم معنا بخصوص الشهداء حين قالوا لنا مراراً وتكراراً " إن الشهداء المدفونين في قريتنا ، هم أولاً شهدائنا وأمانة بأعناقنا ونعتز بهم وبما إجترحوه من مآثر بطولية وصمود رائع حتى الاستشهاد ، ومن ثم هم شهدائكم وشهداء الوطن والشعب "
كما نشكر منظمة الحزب الشيوعي العراقي في ألقوش على تسمية مجلتها الفصلية ، باسم " بيرموز" ، التي تعني بالشؤون السياسية والفكرية والثقافية العامة ، إعتزازاً بهذه القرية البطلة وأهلها المناضلين ، ولقيامها بهذا الواجب النبيل تجاه شهداء ألقوش بشكل خاص وشهداء العراق بشكل عام ، وباسم العائلة نشكر أهلنا في ألقوش وكل الذين ساهموا وحضروا معنا هذه المراسيم ، وكذلك الذين تضامنوا ولم تسمح لهم ظروفهم المشاركة معنا ، من كردستان العزيزة ومن باقي مناطق العراق الحبيب...
رعد وخيري وطلال نامو قريري العين إن رسالتكم الخالدة ومبادئكم الثورية بأيادي وطنية أمينة، لازالوا رفاقكم
وسيبقون كذلك عند عهدهم بمواصلة الطريق المشرف الذي سرتم عليهِ ، وضحيتم بحياتكم من أجلهِ ، مستلهمين من مآثركم البطولية وصمودكم الباسل العزم والإصرار على تقديم المزيد في خدمة الشعب ، ومواصلة العطاء لتحقيق طموحاتهِ وتطلعاتهِ إلى بناء الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية، كاملة السيادة ، يتمتع أبناؤها بالحرية والعدالة الاجتماعية والحياة الكريمة
وختاماً إن الحزب الشيوعي العراقي وصياً وحيداً على شهدائهِ، ودماء الشهداء ملكاً لحزبهم، حزب الشهداء والتضحيات...
نعم ... بحزبكم نفتخر
وبمسيرتكم نسير
وبمآثرك نصمد
وبخلودكم نمجد
وبأسراركم نصون الحزب
المجد كل المجد للواهبين دماً من أجل حرية الوطن وسعادة الشعب
الدكتور رمزي ياقو توماس 29.04.2011