اذاعة الحزب في كتاب مذكرات بهاء الدين نوري
وردا البيلاتي يآتي كتاب بهاء الدين نوري ضمن سلسلة مذكرات كتبها قادة سياسيون وعسكريون عراقيون في ظروف معقدة يمر بها العراق.
ورغم ان تلك المذكرات على اختلاف توجهات اصحابها تحاول تقديم حقائق تاريخية، تجمع بين سيرة ذاتية لصاحب المذكرات من جهة وبين دوره الموثر في القررات السياسية التي ارست حقبة من تاريخ العراق السياسي، فان الكثير من تلك المذكرات بقيت متمترسة في موقع الدفاع عن الذات اولا، اوعن وجهة نظر حزبية او قومية او طائفية ثانيا. لذلك فان اي معادلة لرصد تاريخ العراق السياسي من خلال رصد تلك المذكرات وجمعها تعطي صورة مشوشة لذلك التاريخ وتلقي بظلال كثيفة تحجب روية الحقائق كما هي، حيث ان تلك المذكرات تعكس الواقع اما بشكل ناقص او مزيف احيانا من لدى البعض . لكن هذا لا يدخل باب التعميم ولا يلغ الجهد الكبير الذي بذله اصحاب تلك المذكرات في رصد وبحث الحقائق التاريخية لتصبح مادة جاهزة للمناقشة والتعليق والاضافة والتعديل لمن يريد اغناء تلك الحقائق خاصة عندما تروى تلك الحقائق بشكل متناقض وسياقها التاريخي، وتكتب بعدة اوجه على لسان اكثر من كاتب. فعلى هذا المنهج اصبحت كثير من المذكرات ،التي كتبت ، موضع تعليق ومناقشة وتصويب للحقائق من قبل اخرين عاشوا نفس التجربة والاحداث.
وما يهمني هنا، كرفيق عاصر جزء من احداث ضمها كتاب بهاء الدين نوري القيادي السابق في الحزب الشيوعي العراقي، ان اشير الى الجهد الكبير الذي بذله الكاتب لتأريخ فترة من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وتسليطه الضوء على حقائق واحداث لم يتسن لنا معرفتها لو لم ترد في هذه المذكرات. فكثير من الاحداث التي وردت في الكتاب ظلت مجهولة لعقود من الزمن على رفاق الحزب و جماهيره وبعيدة عن التوثيق والكشف عنها، ربما لاسباب ومبررات عدة لا نريد الخوض في تفاصيلها الان. ان الكاتب وهو يستعرض كثير من التفاصيل والامور قد لا تسعفه الذاكرة على تسجيل احداث مرت عليها عقود من الزمن خاصة تلك الاحداث المعقدة التي رافقت فترة الكفاح المسلح عدا ان ما يسجل عليه وفي اكثر موءلفاته هو محاولته الظهور بمظهر البطل الذي توكل اليه جميع المهمات متجاوزا بذلك دور الاخرين في صياغة الاحداث. فهو ان صح التعبير مثله مثل الاقطاعي الذي ينسى دور الفلاحين في حراثة الارض وزراعتها ايام الحصاد عندما يتحدث عن غلة الموسم ويتباها امام الاخرين وهو يتكأ على دكة المضيف.
كنت رفيقا ضمن رفاق أخرين عاشوا قريبا من الاحداث التي يتناولها الرفيق بهاء في فترة الكفاح المسلح حيث كنت من اوائل الرفاق الذين اسهموا في دعم ونشاط وبناء نواتات حركة الانصار في نوزنك بعد ان سبقنا الى هناك الرفاق حنا (مام قادر) فرنسو والرفيق الشهيد لازار ميخو ابو نصير والرفيق توما توماس عضو اللجنة المركزية والرفاق ملا حسن وابو عمشة وابو سربست. وواصلت العمل حتى الانفال من عام 1988 في منطقة كردستان.
لعل سياسة الحزب لم تكن واضحة منذ خريف عام 1978 ففي هذه الفترة عمد البعث الى تصعيد هجومه على منظمات الحزب في الجنوب وتصفيتها وكانت منظمات الحزب تطالب بموقف من التحالف مع البعث في حين كان الابقاء على اصدار جريدة الحزب في بغداد ومواصلة العمل الجبهوي محور رئيس في سياسة الحزب، اما في كردستان فكان الحزب يعد العدة لخوض الكفاح المسلح بعد ان قطع صلاته بحزب البعث، وهكذا تبنى الحزب ثلاث توجهات متناقضة في آن واحد اضعفت موقفه على ما اعتقد. على ان هذه التوجهات لم تكن وليدة لحظتها انما هي امتداد لتراكمات سنوات التحالف وميل بعض قادت الحزب الى تكريس العمل من اجل صيانة التحالف كنهج مبدأي عبر وثائق الحزب لترضية البعث الحاكم دون الاخذ بمتغيرات الواقع ونوايا سلطة القمع وممارسات القمع والارهاب.
كانت احدى قرى دشت اربيل نقطة انطلاق للمفرزة التي ضمتني الى جنب الرفاق الشهيد المعلم يوسف ( ابو وسام) والرفيق سامي والرفيق هاشم ورفاق اخرين حيث استلمت البريد الحزبي مع مبلغ مائة دينار من الرفيق ابو حكمت عضو ل. م السابق في مقر اقليم كردستان وانطلقنا لتنفيذ المهام الموكلة الى مفرزتنا وبعدها التقينا المفرزة الانصارية التي كان مسوولها العسكري الشهيد مام كاويس ومستشارها السياسي ابو جنان العينكاوي، سلمت البريد مع المبلغ للرفيق مام كاويس حسب توصية الرفيق ابو حكمت. كان في حوزة مفرزتنا بندقيتان فقط وكان على المفرزة ان تقطع الطرق الوعرة للوصول الى تلك القرى المتفرقة بهدف تنفيذ مهماتها المتمثلة باقامة الندوات وتثقيف الجماهير بالكفاح المسلح. كان هذا الهدف، في تلك الفترة، يتقاطع مع اهداف بعض الرفاق ممن كانوا في بغداد يتابعون اصدار جريدة الحزب ويراهنون على عودة العلاقات مع حزب البعث ورأب صدع الجبهة الوطنية التقدمية. ، وبعد خمسة ايام من انطلاقنا احتفلنا بذكرى تأسيس الحزب في 31 آذار من عام 1979. وما اريد الاشارة اليه هو ان بهاء الدين نوري يميل دائما الى اخذ الاشياء بجاهزيتها وينسب حصاد جهود الاخرين في اي عمل الى الرفاق القادة بل احيانا يختزل الاحداث وتفاصيلها حتى تبدو وكأنها اوامر قد صدرت من جهات رسمية تم تنفيذها وفق عقود تم توقيعها من قبل، فعلى سبيل المثال يذكر في الصفحة 384 بخصوص اذاعة الحزب ما يلي :
" اكملنا انشاء الاذاعة وشغلنا المولد الكهربائي وتوفر جميع المستلزمات. ومع ذلك تأخر البث الاذاعي لسبب لم نعرفه نحن ولا الفني عادل مخلص. ومضت اسابيع واشهر قبل ان يسمع المذيع وهو يعلن بصوت جهوري .. هنا اذاعة صوت الشعب العراقي .."
لا شك ان تشغيل الاذاعة كان حدثا بالغ الاهمية بالنسبة للشيوعيين وكل المتعاطفين معهم كما يذكر الكاتب، لكنه لم يتطرق الى التفاصيل التي عاشها الرفاق قبل تشغيل الاذاعة والاشكالات التي رافقت نقل المولد والدور الذي قام به الرفاق لانجاز هذا العمل. وبدوري كرفيق اسهم في انجاز هذا العمل جنبا الى جنب جهود رفاق اخرين لا بد من توضيح بعض النقاط.
كانت قيادة الحزب قد كلفت الرفيق محمود البشدري ( كوخا محمود) الذي كان عضواً فيما يسمى بالمجلس التشريعي لمنطقة الحكم الذاتي بمهمة شراء مولد لتشغيل الاذاعة، وكان اختياره تم على اساس كون له معارف في كردستان ايران بالاضافة الى كونه كادر متقدم في الحزب وذو خبرة . عدا ان مهمة شراء مولد للاذاعة ونقله من ايران الى كردستان كان يعتبر من المهام البسيطة بالنسبة للرفيق كوخا محمود. كانت مهمة الرفيق كوخا محمود الشغل الشاغل لرفاق الحزب قيادة وقواعد، فهي لم تعد مهمة شراء ونقل مولد وانما الاسراع بنقل وايصال صوت الحزب الى الجماهير. كان أنتضار شراء المولد يثير حالة من الضجر والسخرية احيانا،والحماس واللهفة الى وصوله مولد الاذاعة احيانا اخرى، حتى ان الرفيق توما توماس كان يمسك بناضوره كل يوم ويستطلع قوافل البغال القادمة من بعيد وهي تتوالى ليبعث الامل في نفوس الرفاق عندما يعلق بصوت جهوري امام الرفاق بأنه يعتقد ان القافلة القادمة محمله بالسلاح او المولد، وهكذا تمر ايام واسابيع وهو يرى من خلال ذلك الناظور كل شيئ ما عدا مولد الاذاعة والسلاح.
بقيت الحال هكذا، وفي احد الايام اطل علينا الرفيق كوخا محمود بأناقته المعتاده مع اثنان من حمايته، كان لتلك الاطلالة وقع الكارثة على الرفاق حين علمنا ان كوخا محمود عاد، بخفي حنين، وان المولد بقي مكانه في طهران وينتظر من يعود به الى كردستان. انتشر الخبر بسرعة بين الانصار، وبدأت التعليقات، كل من وجهة نظره، لتنتهي بكاركتير للرفيق ابو الصوف يتناغم مع الحدث. اما الرفيق كوخا محمود فقد ادعى ان المبلغ الذي كان بحوزته 700 دينار لشراء المولد ) وكان المبلغ قد سُرق منه عندما قام بتأجير احد سيارات الأجرة في طهران. بقيت الاذاعة الهاجس الذي يلازم الرفاق ، وكثر الحديث عن اهميتها بين الانصار وجاشت في النفوس اسئلة واسئلة عن التلكأ في احضار المولد، كان هذا حتى عام 1980 حين قدم الرفيق عزيز محمد الى كردستان وبدأ مناقشة موضوع الاذاعة واسباب عدم البث حتى تلك اللحظة.
في أمسية من شتاء ذلك العام القارص التي غطت ثلوجه سفوح ووديان جبال كردستان الشاهقة كنا في جلسة رفاقية نتبادل الحديث عن شجون وشوون الحزب ، كنت امر فصيل في مقر قيادة الحزب،كان جميع الرفاق في المقر يتمتعون بعلاقات صداقة ولم يلحظ ان هناك حدود للنقاش في الامور التي يجري تناولها رغم تباين المستويات الحزبية، ربما كان هذا بسبب وحدة الموضوع وهو السلاح والاذاعة. كان الحديث قد قادنا من حيث لا ندري الى موضوع الاذاعة مرة اخرى، لكن هذه المرة كان اكثر جدية مع بعض الرفاق القياديين، فالرفيق كوخا محمود كان موضوع النقاش في تلك الجلسة، ولم نبخل عليه بما نملك من نقد وانتقاد وصل حد الاتهام بالاهمال واللاأبالية. كنت من بين الحاضرين وابديت رأيي فأنا اعرف، كما يعرف الجميع ان سرقة مبلغ المحول ما كان لها ان تكون عائقا امام مهمة الرفيق، فقد كان بامكانه ان يبادر ويلتقي رفاق منظمة الحزب في طهران او يتوجه الى حدك لطلب المساعدة، خاصة وان الرفيق محمود البشدري يمتلك من العلاقات والمعارف ما لم يمتلكه الاخرين في تلك الفترة. كان رأيي بمثابة اشارة الى ان الوقت حان لانجاز هذه المهمة بأسرع وقت غير ان ما لفت انتباهي هو القناعة والتكليف المباشر الذي عرضه الرفيق ابو ئاسوس عضو الجنة المركزية للحزب ونحن في نقاش خارج حدود البروتكولات الحزبية التي تتطلب اصدار قرار حزبي لانجاز هذه المهمة، فقد كان رده على ما طرحت من افكار هو معرفة رأيي فيما اذا أقبل التكليف بالقيام بهذه المهمة. أثار استغرابي هذا العرض المباشر من الرفيق ابو ئاسوس واختلطت لدي مشاعر غريبة تجمع بين النوايا الصادقة والثقة الكبيرة التي يمنحي اياها الرفيق والفخ الذي ينصب للجم اراء الرفاق، لكن سرعان ما انجلت الامور وتحول هذا النقاش الى تكليفي بهذه المهمة الحزبية.
دإبنا العمل لإنجاز المهمة والتحضير لها، كان هذا في كانون الثاني من عام 1980، تم تشخيص الرفيق عادل مخلص كاختصاصي في مجال الاذاعة. وقبل ان نعد العدة للرحيل الى طهران كان لقائنا الاخير بالرفيق احمد باني خيلاني( ابو سرباس) عضو اللجنة المركزية للحزب الذي سلمني المبلغ اللازم لشراء مولد الاذاعة وتوصية بضروة شراء المولد من طهران وضرورة اللقاء بممثل الحزب الديمقراطي في مدينة كرج في ايران لتسهيل مهمتنا.
تساقطت الثلوج بكثافة وكأنها تضيف عبئا اخر الى مهمتنا التى لا تعرف متى ستنتهي، حيث بدأنا المسيرة، فالطريق من مقر نوزنك الحدودي الى طهران كان محفوفا بالمخاطر في ذلك الشتاء، كل شيء يمكن ان يحدث للمرء وهو يقطع هذه المسافة. كان علينا ان نسير ساعات وسط تلك الجبال الشاهقة ونعبر الحدود لنصل الى النقطة التي بإمكاننا منها تأجير سيارة ومتابعة الطريق، كان المرور بناحية سردشت ومرورا بمهابات والمكوث ليلة في اورمية لاخذ قسط من الراحة والانطلاق في اليوم الثاني الى طهران هو ما جرى الاتفاق عليه. كل شيء كان يسير بهدوء وفق الخطة المرسومة وما ان حططنا الرحال في طهران توجهنا الى كرج حيث مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني. نزلنا في ضيافة الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد ان استقبلنا ممثلهم الشهيد فرنسوا الحريري وبعد حديث طويل اوضحنا فيه تفاصيل المهمة التي جئنا من اجلها عرفنا ان الرفيق لا يستطع مساعدتنا لمشاغلهم الكثيرة. وفي المقر نفسه كان لنا لقاء اخر مع رفاق حزبنا من الانصار الجرحى الذين قدموا للعلاج في طهران. لقد سعدوا بالقائنا وحملونا رسالة لابلاغها الى قيادة الحزب تتعلق بوضعهم السيئ وعدم توفر مستلزمات العلاج لهم رغم بقاء بعضهم فترة طويلة في طهران. ودعت الرفاق في مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني وشكرتهم بعد ان حصلت على رقم هاتف احد رفاقنا في طهران عله يستطيع مساعدتنا.
عدنا الى احد الفنادق المتواضعة في طهران لاخذ قسط من الراحة،كان علينا ان نصل الى رفيقنا في طهران عله يستطيع مساعدتنا، اخذت سماعة الهاتف واتصلت به، كنت شديد الانفعال وانا اكلم الرفيق لكنه كان خلافا لذلك لطيفا وتحمل لحظات الانفعال تلك، وأبلغني انه لا يعلم بمجيئي ومن اكون انا؟ اعطيته اسمي والجهة التي قدمت منها، تأملت الامر واعدت الحسابات فربما سببت ارباكا للرفيق .. فكيف له ان يتصل برفيق لا يعرفه. لكن يبدو انه تدارك الامر بمبادرة جيدة حيث اتصل بالرفيق حيدر فيلي الذي كان موجودا في طهران بمهمة حزبية لحل هذا الاشكال فقد اكد له الرفيق حيدران الرفيق القادم من مقر قيادة الحزب لابد ان تكون مهمته خاصة لذلك يجب اللقاء به بأسرع وقت. بعد ساعات من الانتظار الممل في الفندق المتواضع اطل علينا زائر وأ خبرنى ان هناك رفيق يود مقابلتي خارج الفندق. وبعد ان تأكدة منه خرجت معه وعبرنا الشارع المقابل للفندق وعلى بعد خطوات كان الرفيق في انتظارنا. قدمت نفسي اليه وقدم هو الاخر نفسه الي، كان يدعى الرفيق ابو علاء، لم التقيه سابقا. وبعد حديث وتفاصيل عن المهمة التي جئنا من اجلها ابدى الرفيق استعداد كامل لمساعدتنا وتسهيل مهمتنا، لكنه بنفس الوقت ابدى ملاحظة لا تخلو من لهجة الانتقاد الى الرفاق في قيادة القاطع لعدم ارسالهم اية رسالة له ليكون بعلم وجودنا والاستعداد لمساعدتنا واكد بذات الوقت لولا مبادرته بالاستفسار من الرفيق حيدر فيلي لما كان قد حضر هذا اللقاء واكد في النهاية ان القضية تبقى قضية الحزب وليست قضية الافراد. تجاذبنا اطراف الحديث عن وضع الرفاق في طهران، خاصة الرفاق الجرحى من الانصار الذين قدموا للعلاج ومن يتحمل مسوولية وجودهم في مقر حدك وانعكاس ذلك على معنوياتهم... كرر الرفيق انه لا يعلم حتى بوجودهم لكنه ابدى استعداده لمعالجة هذه القضية وتعهد بنقلهم الى بيوت الاصدقاء وتسوية هذه المسألة بشكل سريع وقد تم ذلك فعلا وبشكل سريع.
قبل ان نختم حديثنا ونفترق كانت وجهات نظرنا متطابقة في عموم القضايا التي تحدثنا فيها، بدى ان الرفيق كان يريد ان يمهد للاستفسار عن المهمة التي قدمت من اجلها من خلال النقاش السابق الذي دار بيننا حتى بادرني بالقول:
" ..اذن علينا بالجديد ما هي مهمتك؟ شرحت للرفيق تفاصيل المهمة ونوع المحول ( محول ديزل) الذي نرغب شرائه لتشغيل الاذاعة فأقترح ان نلتقي في اليوم الثاني لان ابن شقيقته مهندس كهربائي وبامكانه مساعدتنا في تدبير هذا الامر، وهكذا تكرر لقائنا في اليوم الثاني وبدأنا نجوب شوارع طهران بمحلاتها وشركاتها بحثا عن غايتنا المنشودة. وجدنا المحول المطلوب لكن سرعان ما اكتشفنا ان حجم ووزن محول الديزل لا يمكن نقله الى كردستان لان وسيلة النقل ( البغل) لا تتحمله، لذلك فضلنا شراء محول يعمل بواسطة البنزين لسهولة حمله وصغر حجمه، وما هي الا ساعات حتى تم شراء المحول. ها نحن قد انجزنا نصف المهمة بشراء المحول وبدلا من ان نخلد للراحة كان شعورا بالزهو يملأ القلوب ويدفعنا للعودة بأسرع وقت ممكن لذلك كان علينا الاتصال بالرفيق ابو علاء لمساعدتنا بالعودة، وحين عرضنا عليه الامر اعترته الدهشة لهذا الاستعجال بالرغبة في العودة وطلب الينا التريث الى وقت المساء معللا ذلك بعدم وجود سيارات نقل الان بالاضافة الى ان هناك بريد حزبي يجب نقله معنا ورفيق يود الالتحاق بفصائل الانصار،كان يدعى ابو سلام وكما عرفنا كان سجينا في سجون الأرانية، وسنأتي على ذكر قضية الرفيق لاحقا.
ودعنا الرفيق ابو علاء مساء ذلك اليوم بعد ان استلمت ما كان لديه من بريد للحزب والتحق بنا الرفيق ابوسلام ليزيد من عددنا، انطلقنا صوب مدينة اورمية التي وصلناها صباح اليوم الثاني، ابقينا المحول في كراج السيارات بعد ان اخذنا قسط من الراحة. كانت وجهتنا اللاحقة مدينة خانة، وهي مدينة قريبة من مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني، تحركنا باتجاه احد الكراجات لتأجير سيارة لنقلنا الى هناك لكن كانت المفاجأة مذهلة حيث رفض جميع السواق التوجه نحو خانة، لم نكن نعرف السبب. تركنا الكراج وتوجهنا الى الشارع العام حينها توقفت عند احد السيارات من نوع بيكاب وطلبت من صاحبها نقلنا الى احد القرى القريبة من خانة، رفض في البداية، استفسرت عن سبب رفضه بعد الحاح طويل فأجاب مستفسرا .. الا تكن انت من اهل المنطقة؟ اجبت بنعم واوضحت له اننا كنا في طهران خلال هذا الاسبوع ولا نعلم حقيقة ما يجري الان. قاطعني متداركا الامر وموضحا ان منطقة خانة تعيش معارك مع الكرد الان لذلك لا يمكن التوجه نحوها. اقنعته اننا لا نصل الى منطقة خانة بل الى احد القرى البعيدة عن ساحة المعركة وضاعفت له المبلغ ان هو وافق على نقلنا، وفي النهاية وافق على العرض.
حملنا امتعتنا الى داخل السيارة واخذ كل مكانه غير مبالين بكلام السائق الذي حدثنا عن خطورة الوضع في منطقة خانة والمعارك الدائرة هناك، كان الطريق ايضا محفوفا بالمخاطر فالثلوج المتساقطة كانت تعيق حركة السير على الشوارع الملتوية على اطراف القرى المتناثرة على الطريق. كان كل شيئ هادىء. تجاوزنا نصف الطريق باتجاه خانه قبل ان تستوقفنا احدى الدوريات التابعة للحرس الثوري الاسلامي، لوح احد الحراس بيده اشارة للتوقف فما كان من السائق الا الاستجابة للامر. كانت المشكلة ، تتمثل بسيل الاسئلة لمعرفة هويتنا ومن اين جئنا والى اين ذاهبون، تأخذ مداها بالنسبة للرفاق الذين لا يجيدون اللغة التركية، فقد كنت الوحيد بين الرفاق الذي اجيد هذه اللغة وربما ساعدتني لغة التفاهم معهم على تجاوز هذه المشكلة، فقد اخبرتهم بأننا عائدون الى مقرنا وانهم يعرفون مسوولنا الملازم علي، اقتنعوا بالامر لكنهم لم يصرفوا النظر عن توبيخ سائق السيارة الذي اعتبروه يخاطر بحياتنا من اجل نيل مبتغاه.
تجاوزنا هذه العقبة بعد ان غالبنا التعب، وواصلنا الطريق باتجاه احدى القرى القريبة من منطقة خانة، بدأت الثلوج تتساقط بكثافة على الطريق، غير المبلط، الموودي الى مشارف احدى القرى. امضينا في الطريق بحذر، لاحت في الافق بوادر طقس سيئ جعل من الطريق اوحال تتقاسمها تلك الحفر المنتشرة على جانبيه. كان اصرارنا على مواصلة السير هو الهدف، غير آبهين بما حولنا من مخاطر، لكن ما حدث
بعد لحظات كان بمثابة النهاية لهذه الرحلة الطويلة فقد غرزت السيارة في احد الاوحال على الطريق. كانت الجهود مضنية لاخراجها لكن دون جدوى. بعد محاولات عدة ونتيجة الالحاح واستعجال الخلاص من هذا المأزق تعطلت السيارة وانكسر (الكرنشفت) . ومع هذا الكسر هبطت معنويات سائق السيارة الذي حاول جاهدا اخراجها. كان السوآل الذي يتبادر في خلد كل منا هو كيف سنصل الى تلك القرية مع استمرار تساقط الثلوج؟ وكيف سيتدبر الرفاق الذين لا يجيدون اللغة التركية الامر عندما يتعرضون لاستفسار ما؟
قررت ترك الرفاق والتوجه الى مقر حدك في القرية التي توقفنا على اعتابها،كان الثلج المتساقط يزداد غزارة والبرد يطوق النفس ويشتد قسوة، سرت على الاقدام حتى وصلت القرية وسط هذه الظروف السيئة
دون ان اعرف شيء عن الرفاق الذين تركتهم ورائي. وصلت القرية التي خيمت عليها اجواء ذلك اليوم الكئيب وتوجهت الى مقر حدك بعد ان استفسرت عنه، رحب مسوول المقر الملازم علي بحرارة بي مستفسرا عن كيفية وصولنا الى هنا، اوضحت له اننا لم نصل بعد وان سيارتنا قد تعطلت على مشارف القرية وقد جئت لطلب مساعدتكم. اخذت لحظات الصمت طريقها الى ذهن ملازم علي، كان يبدوا انه يفكر بأكثر من حل لكن سرعان ما تبدد صمته بمبادره انهت كل المخاوف التي حملتها معي. اشار الى مجموعة بيشمركه، من الذين تواجدوا في المقر في تلك اللحظة، طالبا منهم احضار جرار( تركتور) من القرية لسحب السيارة واخراجها من الوحل.
عدت مع الرفاق البيشمركه على ظهر الجرار( التركتور) الى المكان الذي انطلقت منه، وجدت رفاقي الذين تركتهم وقد غيرالتعب ملامح وجوههم الكاحلة ، كان البرد قد اخذ مأخذه منهم ولاح الارهاق جليا على قسماتهم نتيجة البرد، اما سائق السيارة فلا استطيع وصف ملامح حزنه وكئابته لانه الوحيد الذي لا يعلم اي مصير سيلحق به فيما اذا تركناه وحيدا وسط المعارك الدائرة هناك وسيارته التي اكل نصفها الوحل. كانت السماء قد هبتنا الحياة من جديد حين اخرجنا السيارة من الوحل بواسطة الجرار ( التركتور) وعدنا الى مقر حدك من جديد بعد ان اعدنا البسمة الى محيى سائق السيارة ومسحنا حزنه بتعويض كان يكفي لاصلاح السيارة بالاضافة الى الاجرة المتفق عليها. عدنا الى مقر حدك من جديد وكنا في ضيافة ملازم علي ، بعد لحظات سمعنا تبادل اطلاق نار سألت ملازم علي عما يحدث هناك، اجاب انها معركة بين حرس الثورة الاسلامي ومقاتلي حدك الايراني والمعركة مازالت مستمرة منذ ثلاثة ايام لذلك اثار استغرابي كيفية وصولكم الى هنا، اجبته يعني من خلال حديثك ان من الصعب العبور مادامت هناك معارك؟ اجاب بنعم، مضيفا ان عملكم كان بمثابة مجازفة .. قاطعته قائلا كان بامكاننا ان نسلك طريق اخر لكن مشكلة تساقط الثلوج بغزارة وعدم وجود طريق اخر للسيارة اضطرنا الى هذه المجازفة.
غادرنا مقر حدك انا وجميع الرفاق على ظهر التراكتر بعد ان اوصى ملازم علي صاحب الجرار ان يوصلنا الى مكان آمن، وضعنا المولد على وسط الجرار وجلسنا فوق غطاء عجلات الجرار لعدم سعة المكان. كان علينا ان نسلك الطرق الوعرة حتى نعبر جبهة القتال المشتعلة منذ ايام، فلا مناص من هذا القدر المفزع، سرنا لمدة ساعتين ، كان الثلج فيها قد زاد من حدة سقوطه. على ظهر الجرار تذكرت مبادرة ملازم علي في تلك الساعات العصيبة وكيف كان بامكاننا الوصول بدونه، كان موقفه قد اسهم بقسط كبير في انجاز عملنا، لا بل حتى في تشغيل اذاعة الحزب لاحقا، فلولا ايصال المولد لما كان للاذاعة ان تطلق موجاتها عبر الاثير.
وصلنا بعد جهد مضني من ساعات النهار اول قرية من قرى كردستان ايران، فكرت بما يمكن عمله في هذه القرية واين سنقضي ليلتنا. سألت عن مقر حدك الايراني في القرية؟ اشاروا لنا صوب الجامع الذي احتل مكانه وسط القرية. تخيلت ان من سألته لم يعرف قصدي فكررت السوآل .. قلت نحن نريد مقر الحزب وليس الجامع، اجاب احدهم ان امام الجامع هو مسوول المقر. توجهت نحو الجامع وتعرفت على مسوول المقر وعرفته بنفسي ورفاقي واخبرته بأننا من الحزب الشيوعي العراقي وعلينا ان نقضي ليلتنا في القرية. تردد الرجل في البداية، كما بدى لي، لكن ما ان سألت عن مسوول منطقة خانة وسردشت ملا حسن الذي لي علاقة سابقة به،حتى تغيرت ملامحه و بدى اكثر اطمئنانا ودعانا الى داره التي كنا فيها بضيافته لمدة ثلاثة ايام، قدم فيها لنا ثلاث وجبات يوميا ،تكاد تكون متشابهه، من الجبن والشاي والخبز، علق حينها الرفيق عادل مخلص قائلا بأن معدته اصابها شيئ ما من تلك الوجبات حتى انه لم يذهب الى المرافق طوال تلك الايام الثلاث، قلت له ان معدتك لم تتعود على الجبن بعد.
بدت تلك الايام الثلاث التي قضيناها في ضيافة الرجل طويلة، فلم يكن لدينا اي خيار غير الانتظار والبحث عن سبل مواصلة الرحلة. اما سبب تأخرنا فكان يعود الى رداءة الجو فالثلوج المتساقطة غطت الطرق بكثافة وحالت من استمرار مواصلة سائقي السيارات رحلاتهم. كان لا بد من ايجاد وسيلة نقل فالثلوج كما يبدو سوف لن تكف عن ملاحقتنا. لاحت في الافق بوادر الانفراج عندما استطعنا استئجار جرار وعربة. حملنا انفسنا واخذ كل منا مكانه داخل العربة بكل حرية ، كانت رحلتنا هذه المرة اسهل من الرحلة التي سبقتها لكوننا جالسين في العربة وهناك متسع من المكان للجميع الا ان الرحلة لم تخلو من متاعب، خاصة في الاماكن العالية حيث صعود الجرار على الطرق المتجمدة كان يتطلب منا النزول ودفع الجرار. واصلنا الرحلة حتى وصلنا الى قرية الوتان وكانت هذه القرية هي اخر محطة تصلها السيارات.
حططنا الرحال في محطتنا الجديدة الوتان، هنا لم يكن لدينا قلق الايام السابقة من الرحلة ولا معانات البحث عن مأوى. فمسوول المنطقة الملا حسن من حدك الايراني كانت لي معرفة سابقة به وسيتدبر الامر حين نصله. وفعلا بعد ساعات التقيت ملا حسن الذي رحب بنا وابدى عرضه بتقديم كل ما يستطيع ، كما كنت اتوقع ، لكنه فاجئني عندما قال ان كاكا عزيز محمد وبعض الرفاق القياديين موجودين هنا. ذهبت معه للقاء الرفيق عزيز محمد والرفاق القياديين، صافحني الرفيق عزيز وقال : حمامة لو غراب ؟ اجبته حمامة، قال: يعني سوف نسمع صوت اذاعتنا من طهران ؟ اجبته: انها مهمة الفنيين بعد ان تنتهي مهمتنا. غادرت الرفاق بعد ان عرفت انهم يرومون السفر الى طهران.
بتوصية من ملا حسن بتنا ليلتنا في احد بيوت القرية، وفي الصباح الباكر ذهبت الى السوق، كانت المهمة هذه المرة تأجير بعض البغال، لنقل المولد الكهربائي، كنا بحاجة الى اربعة بغال لترتيب وضعنا. التقيت مجموعة من اصحاب البغال اتفقت معهم على اجرة البغال، لكن سرعان ما غيروا رأيهم بعد اول نظرة الى المولد الكهربائي،وقد علق احدهم قائلا: اتركنا بحالنا وندفع لك مضاعف ما اتفقنا عليه. جاء رفضهم قاطعا لا تراجع فيه. اذن ما العمل الان؟ هكذا دار في خلدي هذا السوآل الذي سرعان ما كانت اجابته حاضرة في الذهن. فقد قررت التوجه الى منطقة سردشت ومن هناك الى قرية بيروان حيث لدينا احد الركائز الحزبية الذي بالامكان تأمين المولد الكهربائي لديه بحيث يكون نقله اسهل الى موقع الاذاعة لاحقا. انها فكرة صائبة، هكذا كانت قناعتي، لذلك عدلنا عن تأجير البغال وسعينا لتأجير سيارة تنقلنا الى سردشت.
تم تأجير السيارة وتوجهنا نحو سردشت وفي منتصف الطريق قررنا التوقف عند احد المقاهي، بتنا في تلك المقهى حتى صباح اليوم التالي، استفسرت من صاحب المقهى عن امكانية تأجير بعض البغال من المنطقة فأشار بيده نحو احدى القرى التي لم تكن بعيدة عنا، ذهبت الى القرية وتركت الرفيقين في المقهى لحراسة الكنز ( المولد الكهربائي ) وكما هو العرف السائد في القرى التي يدخلها الغرباء لطلب شيء ما، سألت عن بيت مختار القرية وبعد السلام طلبت منه المساعدة، فرد بكل احترام قائلا: علينا تأجيل طلبك الى ما بعد الغداء واصطحبني الى مائدته العامرة، وما ان انتهينا من الغداء حتى سألني قائلا : ".. الان بأمكانك ان تقول ما المطلوب مني .." . اخبرته اننا نسعى الى تأجير بعض البغال من القرية لان لدينا حمل نريد نقله الى مقرنا. ونحن نتبادل الحديث، وبنفس اللحظة، كانت هناك مجموعة بغال تنزل حملها. قال المختار هل ترى تلك البغال، فهي التي ستحل مشكلتك، عليك التوجه الى هناك والتفاهم مع اصحابها. شكرته على حسن ضيافته مودعا اياه متوجها نحو مالك البغال للتفاهم معه. اخبرت مالك البغال الى اننا بحاجة الى تأجير اربعة بغال وان حملنا موجود في المقهى،التي أشرت نحوها. اتفقنا على السعر المطلوب، وتوجهنا الى حيث يوجد الحمل. لكن مشكلة تجليس المولد الكهربائي على ظهر البغل ادت الى نقض صاحب البغال للاتفاق، ورفضه نقل الحمل، وقد تركنا معللا ذلك بصعوبة حمل المولد الكهربائي وترتيب وضعه على ظهر البغل. اما نحن فبقينا في حيرة من امرنا لحل هذا الاشكال، وفي الحقيقة كان نقاشا حاميا بيننا، اقترحت على الرفيق الفني عادل مخلص ان نفكك المولد الى قسمين لتسهيل مهمتنا والا بقينا هنا، لكن الرفيق رفض باصرار هذا الاقتراح، اخبرته بأنني اتحمل المسوولية امام الحزب. اخذت العدة وبدأت بتفكيك المولد وما هي الا لحظات حتى امتدت يد الرفيق عادل لمساعدتي.
ما ان انتهينا من فك المولد حتى عدت مرة اخرى الى القرية باحثا عن المختار الذي ما ان رآني بادر قائلا، أما زلتم هنا ؟ شرحت له كيف تركنا صاحب البغال. بعد أن رأى الحموله ،مرت لحظات حتى اتفقت مع مجموعه اخرى من مالكي البغال في القريه وهكذا اصطحبتهم الى المقهى مرة اخرى بعد الاتفاق معهم، لكن المشكلة مازالت قائمه وهي صعوبة وضع المولد على ظهر البغل. واصرار رفض اصحاب البغال للحمولة. اثار هذا الرفض غضبي واحسست بخيبة امل كبيرة واحباط جعلني افقد اعصابي وبدأت باستخدام بعض العبارات القاسية ضد الناس في القرية واتهمتهم بأنهم يعملون ضد الثورة والبيشمركه، وانهم لا يستحقون العمل الذي نقوم به من اجلهم وكيف ان الناس تموت هناك وهم لا يفعلون اي شيء هنا. ووسط زحمة هذا الغضب المتفجر غيضا على الناس تقدم رجل مسن صوبي وطلب مني ان اهدأ وسألني عما انا فيه ، فأخبرته عن المشكلة، قال بهدوء يفيض بالثقة ، لا توجد هناك اي مشكلة. نادى على مالك البغال وانتقده على تصرفه. دعانا الرجل المسن الى داره ، وطلب مني ان اشتري كمية من التبن تكفي لملأ كيسان كبيران. قلت للرجل ماذا نفعل بهذا. قال ان وضع الاكياس على ظهر البغل وهي مملوءة بالتبن تجعل من ظهر البغل مسطح يقبل الحمولة ، شرط ان يتم نقل الحمولة بالتناوب بين البغال ، وهكذا ارسل اثنان من ابناءه لتدبير الامر، حينها احتسيت كمية لا بأس بها من الشاي على ما اتذكر.
اعددنا العدة لمغادرة القرية بعد ان رتبنا ربط الاكياس على ظهور البغال وودعت القرية متوجها نحو المقهى حيث ينتظر الرفاق. فرح الرفاق بعودتي، لكن اثار المشهد استغرابهم، كانوا يعتقدون اني عدت بحمولة اخرى لهم على ظهور البغال ولم يفقهوا الخطة التي ارشدنا لها ذلك الرجل المسن. شرحت لهم الخطة وبدأنا بوضع المولد على بغلين وتركنا البغل الثالث لحمل المناضل ابو سلام بينما بقي الرابع للتناوب على نقل المولد.
تحركنا باتجاه قرية بيوران، القريبة من الحدود العراقية، في الساعة الثانية ظهرا بهدف تأمين المولد لدى احد ركائزنا الذي كان يقيم في مكان اقرب الى موقع الاذاعة. كانت الثلوج ببياضها الناصع تغطي تلك المساحات الشاسعة من الجبال والوديان، وخشية خطر الانزلاق على الجليد كان الخوف يكبر في النفوس. في احد الاستراحات قال الرفيق ابو سلام... لقد هلكت من الجلوس على ظهر البغل ، لكن كيف وانتم تتحركون على هذه الثلوج ؟ اجبته سيأتي دورك لتكتسب هذه الخبرة اما نحن فقد تروضنا منذ زمن بعيد.
حل المساء عندما لاحت مشارف قرية بيوران هدف رحلتنا الاخير، كانت الساعات الخمس التي استغرقها الطريق الى بيوران، مع الاستراحات على الطريق، متعبة ومجهدة، تعانق فيها ثقل الخطوات الاخيرة مع تلك الارض المغطاة بالثلج ، وكان المساء جميلا ليس بطقسه الشديد البرودة بل بالغبطة التي ملأت القلوب بالانتصارعلى ما واجهناه من صعوبات وتحقيق المهمة بنجاح، انه شعور لا يمكن للمرء وصفه.
وصلنا الى دار رفيقنا في قرية بيوران بعد دقائق بأقدام متجمدة نتيجة تسرب الثلج الى احذيتنا، ذكرني هذا المشهد بأحد الافلام التي شاهدتها في السينما قبل سنوات، لكني اليوم احسست كم هو قاسي ألم البرد وكم من الشجاعة يحتاج المرء للانتصار على هذا الالم. استقبلنا رفيقنا بحرارة وأعد كل شيء بلحظات وطلب منا ان نخلع احذيتنا بسرعة ، لأنه خبير في مثل هذه الامور، ودعانا ان نجلس بعيدا عن الموقد. على مائدة العشاء تبادلنا الحديث عن متاعب رحلتنا لكن النوم كان قد غالب الجميع وألغى متعة الحديث. كانت الافرشة قد أعدت للنوم ، وما أحلى النوم بعد ان شح علينا في الايام الماضية. خلدنا في نوم عميق حتى الصباح، وما ان استيقضنا تناولنا افطارنا وسابقنا الريح للوصول الى مقر الحزب بعد ان تركنا المولد عند ركيزتنا في بيوران.
سرنا باتجاه مقر الحزب وما ان وصلنا ساحة المقر حتى توالت نظرات الاستغراب من الرفاق والانصار،كانوا محقين اذ لم يرونا نحمل اي مولد كهربائي، وتوجسهم الخوف من ان تكون اطلالتنا عليهم كاطلالة الرفيق ( كوخا محمود) . كان الرفيق بهاء الدين نوري واقفا بين الحاضرين امام باب احدى الغرف في المقر، لم يتمالك نفسه وصاح بصوت عالي، كما قال سكرتير الحزب عزيز محمد في الوتان، حمامة لو غراب ؟ هنا اجبته حمامة. قال اذن اين المولد ؟ اخبرته بأننا اختصرنا عليكم الطريق وتركناه في قرية بيوران ليكون نقله الى مقر الاذاعة اسهل. اجاب انها حقا مبادرة جيدة.
وهكذا اسدل الستار على مهمة احضار المولد وانتقل الامر الى الرفاق الفنيين بتشغيل الاذاعة، التي اصدح صوتها عبر الاثيرذات يوم وهي تنقل صوت الحزب الى الجماهير.
ملاحظه : نُشرت المقالة في ملحق كلدوآشور في صحيفة ريكاري كرستان ، طريق كردستان في أب 2003 .[/b]