عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - المطران سعد سيروب

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / عنف الانجيل الجديد
« في: 15:11 03/01/2015  »
عنف الانجيل الجديد

يورد الانجيلي متى أية تبدو غريبة جدا علينا عندما نقرأها الآن، في قول للرب يسوع المسيح لتلاميذه: "ملكوت السماوات يُغتصَب، والمغتصبون يأخذونه عنوة... من له أذنان فليسمع" (متى 11/ 12-15). أية تبدو اليوم مشكّكة وغامضة. فلم يُعط حتى اليوم تفسير مقنع لها. ولا أقول أني أريد أن أعطي جواباً شافياً فهذا أتركه لحكمة الله وعلمه الواسع أن يكشفه لنا. ولكني أريد أن أقرأها على ضوء ما جاء في بقية الانجيل.
لقد رأى العديد من المفسرين للكتاب المقدس، أن هذه الآية تحتوي على "عنف باطني" وذهبوا الى أنها تمثل تعليم المسيح للمرء الذي يطلب القداسة، أن يعنّف ذاته ويقهر أهواءه ويُضحي بملذاته. وأعتقد بان التفسير هذا معقول. ولكني اعتقد بأن الاية تنطوي على ما هو أكثر وخفي على الفهم! هناك قول للبابا بيوس الثاني عشر عن الكتاب المقدس، جميل جداً، أورده هنا للقارىء الكريم: "انه ليس من المستبعد على الاطلاق أن تدركنا نهاية العالم قبل أن نتمكن من فهم بعض ما أوحاه المسيح في الكتاب. وما هذا في الحقيقة إلا البرهان على أن كلامه يسمو علينا وعلى مداركنا، وانه يحمل في اعماق ذاته المطلق الذي يأتيه من وجود الله فيه. إلا أنه يجدر بنا ألا نقف  مكتوفي الأيدي أمام المقاطع الصعبة، بل المطلوب أن نصغي الى علامات الازمنة، وهي أقدر مما نظن على مساعدتنا لاستجلاء معاني الكتاب. فلا يبعد أن يكون لكل زمان، ولكل مشكلة جديدة تواجه الانسان، جواب حاضر يخبئه المسيح، ويترتب علينا اكتشافه بالخضوع للروح القدس الذي لا يني يعمل ويكشف لنا عن كلّ شيء".

العنف المتطرّف
العنف أخطر قضية من قضايا عصرنا وزماننا. ليس العنف جديداً على الانسان، فهو منذ البدء. وليس العنف اليوم عامل قوة دفاع فحسب، بل أنه مفهوم فلسفي وسوسيولوجي وسياسي وحتى لاهوتي. فهناك عنف الثورات الدامية؛ وهناك عنف المظاهرات والاضرابات والاستنكارات؛ وعنف التمرد والعصيان والرفض، هناك العنف عند المقتدرين الذين يلجمون الحريات؛ وعنف الفقراء الذين يطلبون العدالة الاجتماعية والمساواة؛ هناك العنف ضدّ السلطة الدينية؛ وعنف الحروب والمعارك...
العنف موقف محيّر وصعب التفسير. فالمسيح في العظة على الجبل طوّب الودعاء وهنّأ المسالمين (متى 5/ 1-11). فالمسيحي يجد نفسه بين أمرين: ان يسكت ويصمت ويخضع ملتزماً بما يعلمه الانجيل، وبين أن ينبذ الظلم والتنكيل والهميش، فيحمله هذا على ركوب موجة العنف المضطرب! ولهذا نرى العديد من المخلصين يتوجهون نحو الكنيسة، نحو المسيح فيطلبون اليه الهدى، لا بل يطالبونه به.
وهنا أعتقد بأننا بحاجة الى قراءة معمّقة في الانجيل واستجلاء لكنوز الحكمة الموجودة فيه بمزيد من الصدق والشجاعة والعزيمة، للوصول الى جواب الله عن المشكلة التي نواجهها اليوم.

عنف يوحنا المعمدان
يجب علينا وقبل كل شيء أن نقرأ هذه الآية بعد أن نضعها في اطارها الكامل. فهي ترد في معرض جواب يسوع على تلاميذ يوحنا الذين جاؤوا ليسالوه عن المسيح. وبعد أن أجاب المسيح، أخذ يعلم يسوع الجموع عن يوحنا المعمدان ويقول عنه أنه ليس "بقصبة تهزها الرياح" (متى 11/ 7) وأنه لا يشبه أولئك الذي "يلبسون الثياب الناعمة ويسكنون في قصور الملوك" (متى 11/ 8). فهو لا ينصاع للضغوط ولا يغير مبادئه بسبب الاغراءات. "أنه نبي" و"أفضل من نبي". فهو يمثل إنساناً جاهد ودخل بقوة الى ملكوت الله.
العنف الذي يتكلم عنه المسيح يأتي من صورة المعمدان الشخصية التي عرفها، فقد كان يسوع قد سمع وربما شاهد سلوك يوحنا وتصرفه ومواقفه. فمن هو يوحنا، "أعظم الانبياء" و"أعظم من قام في مواليد النساء"؟ يوحنا نابذ للأعراف وثائر على التقاليد والاتباعية. يوحنا متمرد، يُضادّد مجتمعه البرجوازي والطبقي. هو صلب الطباع ومتزهد الى حدّ أن طعامه الجراء وعسل البر (متى 3). هو ثائر، يقوم على الرياء والخبث، وعلى الظلم بانواعه. لا يحابي الامتيازات الاجتماعية، ولا يتملق لأصحاب السلطة الدينية (متى 3/ 7-8).
يوحنا غيور يدفعه عنفه المقدس الى "التحدي" و"التطلب". لا يخاف من المخاطر ولا يجمل الالفاظ ليتغاضى عن المظالم. فهو عنيف، ولكن عنفه أعزل وأمام ترتجف الحجارة. أنه عنيف ولكن عنفه يتمثل وعياً وإدراكاً بأن عليه التضحية بحايته للدفاع عن الدالة والمظلومين. عنفه عنف لا يقتل بل يبذل حياته ويُعرّي زيف المجتمع والسلطة الدينية الزائف، ويكشف للفقراء والصغار الإله الحق "الذي جاء يدافع عن المظلومين".
موقفه وكلماته تقوده الى السجن، وأخيراً الى الموت. ولكنه يعرف بان ملكوت الله لا يمكن أن يأتي إلا بصعوبة وعنف، لا بالتنازلات الجبانة. يوحنا لا يعرف الحياد والرقص على حبال المواقف: فهو يقف بوجه هيرودس ويقول له: "لا يحق لك أن تأخذ أمرأة أخيك" (متى 14). يوحنا العنيف الاعزل يجلجل قصر هيرودس المتسلح الخائف. انه العنف المجرد من السلاح، الضارب بقوة الحقيقة. انه جبروت العنيف البار النزيه، الذي له من القوة الادبية والروحية والانسانية ما يخيف البغاة والظالمين. عنف يعرض حياته للخطر، لكي يحافظ على حياة الاخرين. لقد أُعجب به المسيح.

عنف يسوع
يسوع كان عنيفاً أيضاً. فهو لم يخاف ولم يتوانى من التنديد بمساوىء عصره ومجتمعه، وعنفه هذا قاده الى الصليب. عنفه كان بعطفه على المساكين ومحبته للخطأة وانتقاده للسلطة الدينية التي تتخاذل وتتنصل من واجباتها الدينية. عنفه أقوى من بطش السلطات.
يظهر هذا في جواب يسوع لتلاميذ يوحنا المعمدان: "العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون" (متى 11). هذه هي رسالته وهذا هو عنفه. رسالته هي خلاص أصغر الناس، وأخر الاخرين، الذين لا جاه لهم ولا فعالية ولا اقتدار. انها التفاته الى الفقراء والكادحين والخاطئين هو أخطر الاساليب العنف لمواجهة الظالمين.
عنف يسوع يكمن في كلامه مواقفه التي هزت بدن الفريسيين ومكانتهم، وانتقدهم على تحميل الناس أثقالاً وأحمالاً، استعبدت الإنسان بدلاً من تحريره وعتقه. انه عنيف كيوحنا الذي رفض الاعتراف بألوهية قيصر: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (متى 22/ 21). عنفه لا سيف له: "رُد سيفك الى مكانه. فمن يأخذ بالسيف يهلك بالسيف" (متى 26/ 52). ولكن كلمته وموقفه وصدقه وامانته وحبه الفادي والمخلص أمضى من كلّ سيف ذو حدين.
عنف يسوع يفترض شجاعة أدبية مذهلة وعزة نفس عظيمة: "إن كنت قد اسأت في الكلام، فقل ليّ أين الخطأ؟ وان كنت أحسنت فلماذا تضربني؟" (يوحنا 18/23). عنيف يرفض العنف الهمجي والدموي والقتل والسرقة والنهب. عنفه يضع حدّا واضحاً بين بين جبانة الانهزام والاستسلام أمام بطش الاقوياء، وبين التصدي له بغير أدواته.
موت يسوع على الصليب هو عنف الصدق والاستشهاد دون قضيته السامية. ليس الصليب تبريراً للعذاب، ولا هو استسلام لشوكة الموت، ولا هو تعظيم محموم لأهمية الضحية. انه عنف جديد نقيض العنف الملتبس كل المظاهر. يفضح صليب يسوع جوهر وطبيعة كل سلطة هدامة، سياسية كانت أو دينية. ويفضح بالتالي كل نظام ظالم ومتسلط. كشف يسوع عن محبة الآب للبشر وعن منطق الحب الوحيد القادر على تخليص الانسان من حالة العنف الراهنة. 

عنف جديد
كتب الصحفي واللاهوتي الاسباني خوان آرياس بهذا الصدد يقول: "إن كان الشرط لخلاصي أن أبذل نفسي لإخوتي، بل للجميع، فمن الطبيعي ألا يكون العنف الذي يتكلم عنه المسيح عنفاً داخلياً فحسب، بل أيضاً عنفاً يساعدني على الدفاع عن قريبي، ومساعدته وافتدائه. وإن كانت شريعتي هل المحبة، فلا يسعني أن أرى زوجة أخي يأهذها متجبر محتكر، وأظل مكتوف اليدين. ولا يسعني أن أسير الى جانب العميان والبرص والمقيدين والجائعين والمظلومين واليائسين والمنبوذين والذي حُوِّلوا إلى آلات واستُغلوا، دون أن أمتشق سلاح العنف، عنف التنديد القاطع، عنف المقاومة دون هوادة – في الامانة للروح ولرسالتنا الخاصة – عنف المجازفة بكل شيء – في الامانة لمواهبنا الخاصة – عنف التنديد المخلص، الشريف الفعال".
ألخص واقول بأن الانجيل يرفض كل عنف مسلح دموي يتعدى على حياة الاخرين، ولكنه لا يستبعد روح الثورة والتنديد بالظلم والتعسف والاضطهاد والشرّ. والكنيسة التي تسكت على الظلم لا يمكن ان تكون كنيسة المسيح! وأعيد هنا ما كتبته في مرّة سابقة: "الكنيسة التي لا تعرف إلا تبخير الناس وتداهن الاقوياء وتجمّل صورة الواقع المرير، هي كنيسة لا تستحق ملكوت الله. عاجزة وفاقدة لروح النبوة. كنيسة لا تستحق التسمية، أي أن تكون كنيسة المسيح.
 
 

2
السلطة الكنسية
الاسقف، رعاية بأبوّة ومحبة
 


الله هو الخادم الاعظم
لقد اختار الله ومنذ الازل ان يكون في وجوده من أجل الآخر. أنه إرادة وحركة حبّ عميقة غايتها أن يكون الآخر بشكل مستقل، وما تجسد ابن الله الحي إلا تحقيقاً لرغبة الله العميقة هذه: أن يكون مع ومن أجل الانسان، وقد كشف عن هذا بفعل تخلي وتجرد عميقين: "أخلى ذاته أخذاً صورة العبد وصائراً في شبه انسان، لكي يفتدي كل أنسان" (فيليبي 2/ 6-7). يتخلى الله عن سلطانه من أجل الانسان ويعطيه مثالاً عن الحبّ والبذل والعطاء: "ابن الانسان لم يأتي ليُخدم بل أن يخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مرقس 10/ 45). الحياة الحقيقية هي بذل وعطاء، ومن هنا فأن السلطة في جوهرها خدمة للانسان، لا تسلطاً واستبداداً. وفي نظام الجماعة المسيحية التي أسسها يسوع، الكبير هو ذاك الذي يخدم وليس الذي يتسلط: "رؤساء الأمم يسودونها وعظماءها يستلطون عليها، أما أنتم فلا يكن هكذا بينكم. فمن أراد أن يكون فيكم كبيراً فليكن لكم خادما، ومن أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم عبداً" (متى 20/ 24-27). فالسلطة في المسيحية هي في خدمة الآخرين وخاصة الصغار والضعفاء منهم. الخدمة بذل وعطاء مستمر من أجل ان يكون الآخر ويحيا حياته بفرح ومحبة. 

انتقد يسوع موقف الفريسيين الديني بموجة من الانتقادات التي عند قرأتها تعيدنا الى ذاتنا وتحثنا على الانتباه الى طريقة حياتنا التي قد تكون مضطهدة وضاغطة لحياة الآخرين! فقد يكون تطبيق القانون مهم بحد ذاته ولكنه، يمكن أن يكون مجحفاً ولا إنسانياً وأنانياً ولا غاية أخرى له إلا مجد الانسان الباطل (متى 23). لقد علّم المسيح تلاميذه درساً بقى خالداً في ذهنهم وايمانهم عندما قام في ليلة العشاء الأخير ليغسل أرجلهم وبهذا أعطاهم مثالاً حيّاً في الخدمة والتواضع وتصغير الذات: "إذا كنت أنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فكم بالأحرى أن تغسلوا أرجل بعضكم بعضاً" (يوحنا 13/ 13-15). فكلمات يسوع هذه ليست مجرد كلمات فارغة بل تجسيد حيّ لجوهر رسالته الخلاصية: الخلاص في الموت على الصليب، ومنه يمكن التلميذ أن يستمد كلّ قوته وحيوية رسالته. لسنا فوق الناس، أننا بكليتنا من أجلهم؛ ولسنا من أجل أن نتسلط عليهم بل أن نخدمهم بمحبة لا متناهية وعطف وحنان. لقد غيّرنا يسوع الناس بمثال انسانيته، مثال البذل والعطاء والخدمة.

أبوّة السلطة

ليس المفهوم الابوي للسلطة والرئاسة في الكنيسة جديدا أو غريباً، بل يرتبط بالتكوين الاجتماعي عينه، ومعطياته الكتابية والكنسية عبر الاجيال بادية بوضوح، وننبه منذ البداية ان المقصود هنا غير النزعة القبلية العشائرية ولا الابوية المتطرفة (Paternalism). انما ما يرد في الكتاب المقدس، سواء عن أبوّة الله، كما عن أبوّة الاباء (البطاركة...)، وكذلك عن الابوة والامومة في العائلة (رسالة الوالدين) (أنظر آباء وأب، معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، بيروت 1986، ص 19-24).
وتزخر الاشارات الى الابوة في اصالة التقليد، فالاساقفة في كل الازمنة والامكنة هم آباء، والمشاركون في المجامع هم أساقفة بنوع متميز (لا سيما آباء مجمع نيقية) المنعقد عام 325، فهم الاباء الثلاثمئة والثمانية عشر. لماذا؟ ان الاسقف أب لجميع مؤمني أبرشيته. تختاره كنيسته، باكليروسها ومؤمنيها العلمانيين أيضا، ليكون أبا حقيقياً. كيف؟ لانه اختيار الهي بنعمة الله وفعل تدبيره، وبصفة روحية لفضل المشاركة في سرّ الكنيسة. ويأتي اختيار الاسقف بحرية وفعل ايمان، وعن محبة هدفها الخير العام (سر الخلاص)، فيكون الاسقف أبا، وراعيا، ومرشداً لرعيته، يعاونه كهنة وشمامسة (الاكليروس) ورسل غيارى.
الرسل القديسيون هم آباؤنا الحقيقيون. وبفضل التقليد الرسولي العريق، يغدو كل شيء في كنيسة المسيح منسجما مع حقيقة الايمان والواقع، لان الرسل جماعة. وهذا ما يجعل من الابوة، في كنيسة المسيح جماعية، لا فردية، والسبب؟ لان الاب الحق واحد، هو الله، والجميع ابناؤه.

نحو نموذج جديد
من أهم وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني الدستور العقائدي في الكنيسة نور الامم (Lumen Gentium). في هذه الوثيقة، لم يتردّد المجمع من استعادة مفهوم الكنيسة كسرّ. ليست الكنيسة مؤسسة ومنظمة، وليست ديانة شريعانية، أو قاعدة فرائض وصمام أخلاقي، بل أكثر من ذلك! الكنيسة كائن حيّ، تولد بالعماد، وتتغذى بالقربان، وتنمو وتتوحد بالحبّ. أنها شعب، رأسه المسيح، والمسيح قدوس، بينما في الكنيسة جماعة خطأة، وعليها ان تطهّرهم بالدم الزكي، فتبعث النقاء في الارض كلها، وتعمق الاخاء والتضامن، فهي رسالتها (رقم 13).
ومن هنا فأن الاسقف، كذلك الذي وكلت إليه مهمة رعاية القطيع، انما جاء ليَخدُم لا ليُخدَم (متى 20/28؛ مر 10/45)، ويبذل نفسه عن نعاجه (لا أن يهرب ويترك قطيعه). وعلى الاسقف، الذي أُخذ من بين الناس وهو متلبس بالضعف، أن يكون حليماً تُجاه أهل الجهل والضالين (عب 5/ 1-2) ولا يستنكفن من الاصغاء الى مرؤوسيه، محوطّاً إياهم كأبناء حقيقين، ومحرضّاً إياهم على العمل معه بابتهاج (رقم 27). ومن هنا فأن سلطته هي عناية وليست قوة، عليه أن يرعى ويُشرف ويعلم ويقدس بالصلاة والوعظ وباعمال المحبة، فهو المديون للجميع وليس العكس (روم 1/ 14-15).
الاسقف هو أب، وإذا فقد الرحمة والحب في تعاملاته، فأنه سوف يفقد جوهر دعوته ورسالته. السلطة لا تكون بالاستئثار، بل بالبحث عن خير النفوس. ليس الاسقف حارساً للقانون الكنسي. القانون ليس غاية بحدّ ذاته، بل أداة يستتب من خلالها الخير العام للنفوس في الكنيسة. ففي بعض الحالات يمكن للأسقف أن يعفي من القانون الكنسي العام، المؤمنين الذين تجري عليهم سلطته شرعاً، إذا كان يرى في ذلك خير النفوس وبنائها في المسيح (مهمة الاساقفة الراعوية في الكنيسة، رقم 8، ب).
لا مجال لأثبات الذات في الخدمة. فلنحب القطيع المعهودة خدمته لنا من قبل الكنيسة الأم ولنرعاه بأبوّة وحنو لا متناهي. أنها صفة الله الآب، ونحن أبناء الآب. 

3
50 عام على المجمع الفاتيكاني الثاني
الحلقة (2)
موضوع وطبيعة الوحي الالهي،
قبوله بالايمان

من أنجيل يوحنا 14/ 8-11
فَقَالَ لَهُ فِيلِبُّسُ: «يَاسَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا!» 9فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «مَضَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ الطَّوِيلَةُ وَأَنَا مَعَكُمْ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَافِيلِبُّسُ؟ الَّذِي رَآنِي رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ: أَرِنَا الآبَ؟ أَلاَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ، وَأَنَّ الآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أَقُولُهُ لاَ أَقُولُهُ مِنْ عِنْدِي، وَإِنَّمَا الآبُ الْحَالُّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ أَعْمَالَهُ هَذِهِ. صَدِّقُوا قَوْلِي: إِنِّيِ أَنَا فِي الآبِ وَإِنَّ الآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي بِسَبَبِ تِلْكَ الأَعْمَالِ.

ان جوهر التجديد الذي قام به المجمع الفاتيكاني الثاني يكمن في أرجاع الانتباه الى مركزية كلمة الله. فقد عمد آباء المجمع على وضع كلمة الله كأساس ومبدأ كلّ شيء. فالايمان ليس مجرد تقليد بين تقاليد عدة توارثناها، أنه الجواب على الله الذي يوحي بذاته للانسان. فالوحي الالهي ليس مجرد مجموعة من العقائد التي علينا قبولها بشكل أعمى، بل انه عطية حياة الله التي يمكن أن نلمسها في شخص يسوع الناصري الذي يدعونا للدخول في شركة عميقة معه. فالوحي الالهي ليس حدثاً تمّ في الماضي ولمرة واحدة وانتهى، بل انه حدثٌ يتحقق باستمرار في كل زمان ومكان يوجد فيه البشر. فالكلمة والاحداث التاريخية، بحسب التقليد الكتابي، تصبح مقاييسا يتحقق من خلالها الوحي الالهي باستمرار، وتظهر نعمة الخلاص المعطاة من الله باستمرار.

قراءة من الدستور العقائدي "كلمة الله" 2-3، 5
لقد حَسُنَ لدى الله، بجودته وحكمته، أن يكشف عن ذاتِهِ ويُعلِنَ سِرَّ إرادته (راجع أف 1 / 9)، الذي به يتوصَّلُ البشر إلى الآب في الروح القدس، بالمسيحِ الكلمةِ المتجسِّد ويصيرون شركاءَ في الطبيعةِ الإلهيَّة (راجع أف 2 / 18؛ 2 بط 1 / 4). فإنَّ الله غير المنظور، (راجع كول 1 / 15؛1 تيم 1 / 17) بفَيضٍ من محبته للبشر، يُكالِمهم كأحباءَ (راجع خر 33 / 11؛ يو 15 / 14-15) ويتحدَّثُ إليهم (راجع با 3 / 38) ليدعوهم إلى شركته ويقبلهم فيها. وتدبيرُ الوحي هذا يقومُ بالأعمال والأقوال التي ترتبط فيما بينها إرتباطاً وثيقاً، بحيثُ أنَّ الأعمال التي حقَّقَها الله في تاريخ الخلاص تُبرِزُ العقيدةَ والحقائقَ التي تُعَبِّرُ عنها الأقوالُ وتدعمُها، بينما الأقوالُ تعلنُ الأعمالَ وتوضح السرَّ الذي تَحويه. أمَّا الحقيقة الخالصة التي يُطلعنا عليها الوحي، سواءَ عن الله أم عن خلاصِ الإنسان، فإنَّها تسطعُ لنا في المسيح الذي هو وسيطُ الوحي بكامِلِه وملؤُهُ في آنٍ واحد.
إنَّ الله الذي يَخلُقُ كلَّ شيء بالكلمة (راجع يو 1 / 3) ويحفظُهُ، يُعطي البشرَ شهادةً دائمةً عن ذاته في الخليقة (راجع رو 1 / 19-20). علاوةً على ذلك فإنَّه مُنذ البدء أَظْهَرَ ذاتَه لأبوينا الأولَين، إذ أراد أن يفتحَ لهما طريق الخلاصِ العُلوي. فبَعدَ أن سقطا ووعدَهما بالفداء، أقامَهما على رجاءِ الخلاص (راجع تك 3 / 15) وأحاط الجنسَ البشريَّ بعنايةٍ مستمرَّةٍ، ليَهَبَ الحياةَ الأبديةَ لكلِّ مَن بالصبرِ على العمل الصالح، يَطلُبُ الخلاص. (راجع رو 2 / 6-7). وفي حينه، دعا إبراهيمَ ليجعل مِنه أُمَّةً عظيمةً (راجع تك 12 / 2) علَّمَها بواسطةِ الآباء، ومن بعدهم بواسطةِ موسى والأنبياءِ، أن تعرفَهُ هو الإلهُ الوحيدُ الحيُّ والحقيقيُّ، الآبُ المُدبِّرُ والقاضي العادل، وأن تنتظرَ مجيءَ المُخلِّصِ الموعودِ به. وعلى هذا المنوال مهَّدَ اللهُ الطريقَ للإنجيلِ مدى الأجيال. 
إنَّ طاعةَ الإيمان أمرٌ واجبٌ لله الموحي (رو 16 / 26؛ راجع رو 1 / 5؛ 2 كو 10 / 5-6)، وبهذه الطاعةِ يُفوِّضُ الإنسان أمرَه إلى تدبيرِ الله بكامِلِ حرِّيتِهِ، فيُخضِعُ لهُ تماماً عقلَه وإرادتَه، ويَقبَلُ، عن رضى، الحقائقَ التي يَكشفُها له. إنَّما لكي يؤمنَ هكذا، فهو بحاجةٍ إلى نِعمةِ الله السابقةِ والمُسانِدة، وإلى معرفة الروح القدس الداخليّة، الذي يُحرِّكُ القلبَ ويردُّه إلى الله، ويفتحُ بصيرةَ العقلِ ويُعطي الجميعَ العذوبةَ في قبولِ الحقيقةِ والإيمان بها. وهذا الروحُ بالذّات لا يفتأ يُكمِّلُ الإيمان بمواهبِهِ، لكي يَتَعمَّقَ تَفَهُّمُ الوحي يوماً بعد يوم.

أسئلة للحوار مع الذات
1.   يذكرنا المجمع بان الوحي الالهي يتحقق من خلال دينامية "الكلمة – الحدث"، فهل تعلمت كيف أقرأ مشيئة الله من خلال أحداث حياتي، أو من خلال الأحداث في حياة من هم حولي، أو في أحداث تأريخ الجنس البشري بصورة عامة؟
2.   هل أستطيع أن أتذكر الاحداث التي ساعدتني على اكتشاف المعنى من حضور الله فيها؟ هل يمكنك ان تتذكر اللحضات التي أكتشفت فيها جمال الايمان بالله، وجمال كونك شخصياً مدعو ومختار من قبله؟
3.   هل أيماني هو جواب على نداء شخصي (نداء يسوع المسيح)، أم انه مجرد اندفاع عام لقلب مدهوش بسرّ الحياة؟

صلاة
أيها الإله القدير، الذي كسر الصمت بكلمته، ودعانا باسمائنا، وميّزنا عن مشروع طبيعي. ففي كلمتك الموت والحياة، الحب وعطاء الذات، وفيها يجد عملنا ومجتمعنا معناه ورجاؤه الأخير. نشكرك على نعمة كلمتك والتي بها نستطيع أن نقول: "بنورك نرى النور". نصلي إليك لكي ما يكون أعلان الخلاص مسموعاً في جماعتنا والعالم أجمع، فيتحول أيماننا الى رجاء ورجائنا الى محبة. نسألك هذا بالمسيح ربنا وأبنك الوحيد. أمين. 


4
رد على تعليقات الحوار الساخن
حول اللغة السريانية

شكرا جزيلاً على الردود على تعليقي، فمن الجميل أن يتعلم أبناء شعبنا المسيحي الحوار والنقد البنّاء، وخاصة بما يتعلق بقاضايا ترتبط إرتباطاً وثيقاً بوجودهم وبقضيتهم أينما كانوا. ودعوني أعلّق على ما ورد في الردود.

1.   تعليقي جاء في أطار علاقة الايمان باللغة. أنا لم أتكلم عن اللغة كعامل وعنصر يدخل في تكوين القومية والهوية (عموماً على هذا الموضوع اختلاف كبير بين الباحثين في نشأة الاقوام والشعوب وتكوينها، ولا أريد هنا أن أدخل في تفصيل هذا وأتركه الى كلّ الباحثين في اللغة للتعمق فيه!). ولهذا فتعليقي كان عن علاقة الايمان باللغة. ومع هذا دعوني أطلق تعليقاً أخراً على هذا الموضوع وأضعه على شكل تسأل: أي لهجة أقرب الى السريانية الحقيقية (أو السوريايا): هل هي السريانية الشرقية (الكلدانية والاشورية) أم أنها السريانية الغربية؟ هل نريد أرجاع اللهجة الى اللغة الفصحى؟ هل نريد تبني اللهجة أم الفصحى؟ وماذا عن مراحل تطور اللغة السريانية التي ذكرها الدارسين للغة نفسها: راجع أوجين منّا؛ البير أبونا... وغيرهم. أخوتي لا توجد سريانية واحدة!   

2.   اللغة أمرٌ أساسي وأداة جوهرية للتواصل مع الآخرين، ولكنها تبقى أداة، ولغتنا ليست استثناءاً عن هذا الأمر. وهنا أريد أن أقول لكل من يعتقد أن اللغة الكلدانية أو اللغة السريانية يجب أن تسود على أبناء شعبنا المسيحي أينما كانوا: ماذا يفعل العربي (السوري واللبناني والمصري والاردني والفلسطيني...) الذي ينتمي الى كنيسة المشرق (كلدانية، سريانية وآشورية)؟ ماذا يفعل التركي الذي ينتمي الى كنيستنا المشرقية؟ ماذا يفعل الروسي والجورجي الذي ينتمي الى كنيستنا المشرقية؟ ماذا يفعل الايراني الذي ينتمي الى كنيستنا المشرقية؟ ماذا يفعل الهندي الذي كان جزءاً من كنيستنا المشرقية؟ ماذا يفعل أولادنا في دول الغرب (فرنسا؛ ألمانيا؛ السويد؛ بريطانيا وأمريكا وأستراليا) والذين لا يتكلمون اللغة السريانية؟ ماذا يفعل من يؤمن بالمسيح عن طريق كنيستنا: هل عليه ان يتعلم السريانية لكي ما يحتفل معنا؟ هل تريدون أن تفرضوا على الجميع تعلم اللغة لكي ما يستيطعوا الاشتراك بالقداس أو بصلواتنا؟ عجبي من هذا المنطق العقيم؟

3.   أنا لم أتكلم عن "الخلاص": هذا أمر بين الانسان وبين خالقه. أنا تكلمت عن الكنيسة كحقيقة سماوية وأرضية: تهتم بالجميع وترعى الجميع وتتواصل بالايمان مع الجميع، وتعلن المسيح للجميع، وتصلي مع الجميع.. هذه الكنيسة التي يجب ان تهتم برعاياها ومؤمنينها وأن تغذي إيمانهم وتواكب أجيالهم وتعاصر تطورهم وتقدمهم. هذه الكنيسة لا يمكن أن تكون حبيسة لغة وقومية أنها كنيسة للجميع. وقد استشهدتم بأبائنا أيها الاخوة، وأنا أقول يجب ان لا نطوب الأزمنة الماضية: هل تريدون أن نرجع الى الزمن الذي كان في المطران يُرسم في بلادنا ويُرسل الى الهند؟ هل تريدون الوقوع في غطرسة المشرقي على الآخر؟ ومع هذا، من جانب أخر أعتقد من خلال دراستي وبحثي بأن أبائنا تمتعوا بحس روحي كبير: بايمانهم وانفتاحهم ومحبتهم للمسيح. أباؤنا كانوا أشجع منّا ليتورجياً وأدبياً وايمانياً: لم ينزل طقسنا من السماء، لقد تكونت "الحوذرا" (كتاب الصلاة في كنيسة المشرق) في فترة تتجاوز ال 12 قرن (أذهبوا وأبحثوا جيداً في تأريخ صلاتنا وقداسنا وتفحصوا من الأمر). نعم، هم المنتجون ونحن مستهلكون؛ هم مبادرون ونحن مجموعة من السلبيين؛ هم نشيطون ونحن لسنا إلا أولاد كسالى؛ هم منفتحون ونحن متعصبون!! 

4.   أنا لم أسمع عن أحداً أهتدى الى المسيحية من خلال اللغة (هذا أمر غريب بالنسبة لي). وأعتقد أن على مَن يعيش هذه الخبرة عليه أن يعلنها ويعلمها: فلم يكن المسيح بليغاً في اللغة، حتى أن بعض الباحثين والدارسين يقولون بأن المسيح لم يعرف أن يتكلم غير الارامية الفلسطينية والعبرية! ورأي الشخصي في هذا الامر هو: ان الايمان الذي يأتي مع اللغة ينتهي في اللغة! 

5.   أنا أقدر لغتنا بقدر ما هي لغة تعبر عني، ولكن في الوقت الذي تعجز هذه اللغة عن التعبير عني وعن أحلامي وأمنياتي وعالمي فأن لا اتردد في اللجوء الى اللغات الأخرى، وأنا أعرف حق المعرفة بأني لا أخون لغتي ولا قوميتي ولا أيماني. أجمل ما كتبته هو أطروحتي في الدكتوراه في الفلسفة وكانت باللغة الايطالية وليس بالسريانية أو العربية! أين الضرّر، فاللغات نعمة من الله وغنى للبشرية.

6.   وأكرّر ما قلته: أن الكنيسة التي لا تعرف كيف تتكلم مع الجميع بلغتهم، ليست إلا كنيسة عاجزة، وكسولة وتستأهل هجران أولادها لها. الكنيسة المارونية التي ذكرتموها في ردودكم، هي أقوى كنيسة بالشرق الأوسط وأكثر كنيسة منظمة ومنتجة على الصعيد الثقافي والروحي والتربوي والتعليمي. لقد تبنت العربية وجددت طقوسها وترجمت طقوسها لكل اللغات في الدول التي توجد فيها وهي فخورة بمارونيتها وقديسيها وتراثها. القومية ليست لغة، القومية شعور داخلي ووجداني بالانتماء، وحذاري يا أخوتي من أفساد هذا الشعور بسبب اللغة. 

تمنياتي لكم بالتوفيق في تعلّم وتعليم اللغة السريانية لأبنائنا. والله موفق الجميع.

أبونا سعد سيروب
كنيسة مار يوسف الكلدانية


5
عن الايمان واللغة
تعليق على موضوع الحوار الساخن

شكراً للأخ يوحنا بيداويد على موضوعه. لقد قرأت موضوع الحوار الهادىء وأريد أن أعلّق عليه من وجهة نظري ككاهن في الكنيسة ومكرّس للمسيح من أجل الناس. أقدّر جيداً غيرة العديد من أخوتي وأخواتي الذين يحاولون الحفاظ على لغتهم، إلا أني أجد نفسي مدفوعاً للكلام عن هذا الموضوع وعن علاقة الكنيسة بمؤمنيها، والايمان باللغة. هذه بعض الملاحظات:
1.   الكنيسة هي جماعة موجودة من أجل الجميع. ومثلها حقيقة "الايمان" الذي يمثل جوهر الانسان: الانسان كائن يؤمن، يتسامى على ذاته باتجاه الآخر كلياً. لا يمكن للكنيسة، وكذلك حقيقة الايمان، أن تكون حبيسة لغة معينة ولا سجينة قومية معينة. قوة الكنيسة في قدرتها على تبني لغات عدّة لإيصال حقيقة الايمان الى الآخرين. اللغة أداة ووسيلة لا يمكن أن تكون غاية بحد ذاتها. الدين والايمان المُنغلق على لغته هو إيمان محدود وغير إرسالي، محدود باشكاله ومحدود بمواضيعه وطرق إيصاله.
2.   ان الكنيسة الأم ترغب أشد الرغبة في أن يحمل المؤمنين جميعهم على المشاركة الكاملة والواعية والفاعلة في احتفالات الليتورجيا هذه التي تقتضيها طبيعة الليترجيا نفسها، والتي أصبحت من حق الشعب المسيحي وواجبه، بفعل المعمودية، ولأنه جيل مختار وكهنوت ملوكي وأمة مقدسة وشعب مقتنى. (دستور عقائدي في الليتورجيا، رقم 4014). على الكنيسة أن تستخدم كلّ اللغات لكي ما تشرك الجميع في سرّ الخلاص. ولا يجب أن نفكر في العربية وحسب، بل في كل اللغات في الدول المتواجدة فيها كنيسة الشتات: الانكليزية، الالمانية، الفرنسية، السويدية، الدنماركية... الخ.
3.   أعظم اللغات عاشت منطق الموت والحياة. اللغة اللاتينية مثالاً كانت من أعظم لغات الارض وأكثرها أنتشاراً واستخداماً؛ كانت لغة الدين والثقافة والتعامل بكافة أشكاله. ومع ذلك، لم تستطع مقاومة شغف التغير والوعي واللغات المحلية ولم تقاوم قوة وضرورة نشر الايمان وأسبقيته. رأت الكنيسة بان اللغة صارت عائق في تنشيط الايمان وأحيائه، ولهذا أخذت الكنيسة اللاتينية القرار الشجاع بالترجمة الى اللغات المحلية، وبدأت نوعاً وشكلاً جديداً من الوحدة الكنسية والايمانية، لا تعتمد على اللغة، بل على اليقين والعلاقة بشخص يسوع المسيح.
4.   بسبب الحفاظ على اللغة عاشت الكنيسة زمناً من الرتابة والجمود والانفصال عن الواقع. بسبب اللغة عجزت كنيستنا عن تطوير صلواتها ومخاطبة ابنائها. بسبب اللغة لا نزال فقراء في الصلوات وفريسة لتكرار رهيب قتل تقريباً كلّ روحٍ خلاّقة وابداعية في نفوس ابنائنا وعلمائنا. فبسبب الحفاظ على اللغة لا نزال نكرّر نفس الصلوات كلّ يوم حتى أفقد مؤمنينا الشعور بها، وفصلتهم عن الصلاة العقلية والقلبية. بسبب اللغة ترك ابنائنا كنائسنا، ولجئوا الى كنائس بديلة واعتنقوا بدائل إيمانية. بسبب اللغة منعنا الكثير من المبدعين من التواصل مع كنيستهم وإيمانهم. بسبب اللغة همشنا عقول مؤمنينا وفهمهم لإيمانهم. بسبب هذه الروح التعصبية تجاه اللغة واستخدامها في الطقوس لا تزال كنيستنا: لا تملك إلا صيغة قداس واحدة نكرّرها كلّ يوم وكل قداس؛ وصلوات ثابتة تقرأ في كلّ يوم وفي كل مناسبة؛ لا نملك ترجمة رسمية للغات أجنبية ومعترف بها لصلاة الصباح والمساء... الخ.

5.   أنا كاهن منذ 11 سنة. خدمتُ في رعيتين في بغداد واثناء الدراسة في الخارج زرت العديد من الارساليات وخدمت في بعضها ولمدة لا بأس بها من الزمن. لمست عن قرب حاجة الناس ومشاكلهم وتوقهم الى التجديد. اختبرت الفقر الشديد الذي تعيشه رعايانا ومؤمنينا من ناحية الصلاة والوعظ والارشاد والليتورجيا. عشت خبرة انقسام الجماعة وسمعت شكوى العديد من الناس حول لغة غير فهومة وعدم اهتمام الكنيسة بمؤمنيها. عانيت من ابتعاد الكثير من شبابنا وتغربهم عن كنيستهم وبالنهاية عن مبادىء ايمانهم وانجيلهم. وأنا لا ألوم اللغة بحد ذاتها، ولكني ألوم مَنْ يتعصب وينغلق عليها، رجال دين وعلمانيين! أنظروا بواقعية الى ما آلت إليه خورناتنا، مجرد آلة طقسية تطحن برحاها كلّ أبداع وتجديد وتأسر عواطفنا لا عقولنا.

حافظوا على اللغة وأحيوها كيفما شئتم، أنشؤوا المدارس والدورات وغيرها، علموها لاولادكم واحفادكم، ولكن أتركوا الكنيسة تكون مكاناً للقاء والنمو في معرفة الله ومحبته التي يمكن أن تأتي بأي لغة ولون وشكل وطريقة. أريد أن أذكركم بكلمات الرسول بولس لأهل غلاطية: "بعدما جاء الإيمان، تحرّرنا من سلطة المؤدب. فأنكم جميعاً أبناء الله بالايمان بالمسيح يسوع. لأنكم جميعاً الذين تعمدتم في المسيح، قد لبستم المسيح. لا فرق بعد الآن بين يهودي ويوناني، أو عبد وحرّ، أو ذكر وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع" (3/ 25-28). يقول الانجيلي لوقا في سفر أعمال الرسل عن بداية الكنيسة وفي يوم حلول الروح القدس على التلاميذ: " لمَّا دوى الصوت، تَوافَدت إِلَيهم الجموع، وقد أخذتهم الحيرة لأَنَّ كلّ واحد كَانَ يَسْمعهم يتكلمون بلغته" (أعمال الرسل 2/ 6). 

 
الاب سعد سيروب
كنيسة مار يوسف / بغداد
fr.saadsirop@gmail.com


6
"سنة الايمان"
50 عاماً
على المجمع الفاتيكاني الثاني
أنوار وإيمان

الحلقة (1)
المسيح الحاضر في الليتورجيا

قراءة من سفر اعمال الرسل 2/ 42-47 
وَكَانَ الْجَمِيعُ يُدَاوِمُونَ عَلَى تَلَقِّي تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَعَلَى حَيَاةِ الشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ. وَلَمَّا أُجْرِيَتْ عَجَائِبُ وَعَلاَمَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ، اسْتَوْلَتِ الرَّهْبَةُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ. وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ مُتَّحِدِينَ مَعاً، فَكَانُوا يَتَشَارَكُونَ فِي كُلِّ مَا يَمْلِكُونَ، وَيَبِيعُونَ أَمْلاَكَهُمْ وَمُقْتَنَيَاتِهِمْ وَيَتَقَاسَمُونَ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ احْتِيَاجِ كُلٍّ مِنْهُمْ، وَيُدَاوِمُونَ عَلَى الْحُضُورِ إِلَى الْهَيْكَلِ يَوْمِيّاً بِقَلْبٍ وَاحِدٍ، وَيَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، وَيَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ مَعاً بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ، مُسَبِّحِينَ اللهَ ، وَكَانُوا يُلاَقُونَ اسْتِحْسَاناً لَدَى الشَّعْبِ كُلِّهِ. وَكَانَ الرَّبُّ، كُلَّ يَوْمٍ، يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ.

قراءة من المجمع الفاتيكاني الثاني دستور في الليتورجيا المقدسة رقم 7
وللقيام بعمل عظيم كهذا لا ينفكّ المسيح حاضراً إلى جانب كنيسته ولا سيّما في الأعمال الليترجيّة. إنّه حاضر في ذبيحة القداس وفي شخص خادم السرّ، "فالذي يقدّم الآن بوساطة الكهنة هو نفسه الذي قدّم ذاته على الصّليب حينذاك"، وبأعلى درجة تحت أشكال الإفخارستيّا. إنّه حاضر بقوّته في الأسرار بحيث إنّه إذا عمّد أحد كان المسيح نفسه هو المعمّد. إنّه حاضر في كلمته، فإنّه هو المتكلم اذا قرئت الكتب المقدّسة في الكنيسة، إنّه حاضر أخيراً عندما تصلّي الكنيسة، وترتّل المزامير، هو الذي وعد وقال: "حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فأنا أكون هناك في وسطهم" (متّى 18: 20). وللقيام فعلاً بهذا العمل العظيم، الذي يتمجّد به الله أكمل تمجيد ويتقدّس البشر، يتعاون المسيح دائماً وكنيسته، عروسه الحبيبة، التي تبتهل إليه على أنّه سيّدها، وبه تتقدّم بالعبادة إلى الآب الأزليّ. فالليترجيّا تعتبر بحق ممارسة لوظيفة يسوع المسيح الكهنوتيّة يعبّر فيها، بإشارات حسيّة، عن تقديس الإنسان الذي يتّم وفاقاً لكلّ شخص، ويجري فيها جسد يسوع المسيح السرّي، رأساً وأعضاءً، عمل العبادة العامة الكاملة. وهكذا فكلّ احتفال ليترجيّ، من حيث كونه عمل يسوع الكاهن وجسده الذي هو الكنيسة، فهو عمل غاية في القداسة لا يوازي فاعليتّه قيمة ودرجةً أيّ عمل آخر من أعمال الكنيسة.

أسئلة:
1.   الطقوس، وخاصة العيد، هي لحظات يعبّر بها الانسان عن شكره وحمده لله. فهل حاولت ان تنتقل من مرحلة الحضور الى القداس كواجب ديني وأخلاقي الى مرحلة عيش القداس كلقاء حي بالله الذي تُحب؟
2.   يقول يسوع في انجيل يوحنا 15: "بدوني لا تقدرون ان تعملوا شيئاً".. فهل انا على يقين بان العلاقة مع الرب هي التي توجّه أعمالي وسلوكي، وبدونه تصبح أعمالي فارغة ومجرد نشاط بشري؟ كيف أعيش يوم الأحد؟
 

فلنصلي معاً... يا الله الحاضر في الذبيحة الالهية الذي ينيرنا بالمجد المنعكس على وجه المسيح، اعطنا قوة روحك القدوس، لكي ما نشهد للحق الذي يحرّرنا، بواسطة علاقات جديدة مع أخوتنا ومع الخليقة كلها، فنحرّر الأخرين. بأسم المسيح ربنا. أمين. 

7
النوادي والمحال والمراكز الثقافية والاجتماعية
وجهة نظر!

1.   ما حدث هذه الأيام في مدينة بغداد: الأحداث الأخيرة الخاصة بالاعتداء وتخريب النوادي الثقافية والاجتماعية في بغداد، صار موضوع يُكتب عنه ويُندّد به في كل وسيلة اعلامية. لا يختلف أثنان على أدانة أي تصرف يحدّ من الحريات الشخصية ويحاول أن يتجاهل القانون والدستور. الحرية مكفولة للجميع في الدستور والقانون العراقي، ولا يمكن لأحد، مهما علا شأنه ومركزه، أن يتجاوز الدستور والقانون. فمن المفروض أننا نعيش في بلد ديمقراطي وتجمعنا دولة مدنية والتي أحد أسسها هو الحرية الشخصية واحترام الآخر وكرامته.
2.   ولا يوجد من يختلف أيضاً على أن هذه الظاهرة (النوادي والمراكز الثقافية والاجتماعية، محلات بيع الخمور وتعاطيها، والملاهي وغيرها) تحتاج الى ضوابط وقوانين تنظم عملها ومكان تواجدها. هناك قوانين عدّة ومعروفة منذ زمن طويل تنظم وتقنّن فتح هذه المحال: تتعلق بمكان المحل، وبعده عن أماكن العبادة، ساعات عمله، طريقة فتحه وديكوره ومنظره الخارجي... الخ. ولكن لا يمكن لقوات الجيش والشرطة العزيزة على قلوبنا جميعاً لما تقدمه من تضحيات لحماية أمن وكرامة هذا البلد، أن تقوم بهذا العمل لوحدها وبدون تخطيط مسبق. كُلنا يعرف بوجود قسم خاص للشرطة تابع لوزارة السياحة والآثار تقوم بعمليات اصدار الاجازات وتنظيم عمل هذه النوادي والمراكز الاجتماعية وعليها تقع مهمة التفتيش والرقابة والغلق والفتح وبأسلوب حضاري وأخلاقي.
3.   بعد هاتين الملاحظتين اريد أن أقول: لا يمكن بأي حال من الأحوال إقحام هذه القضية في الديانة. لا يجوز ان نربط هذه المراكز والمحال بالمسيحيين بأي حال من الاحوال. أصحاب هذه المحال عدّة: عربي وكردي، يزيدي ومسيحي... ومتعاطوها عديدٌ ومختلفٌ أيضاً: أجنبي وعربي وكردي، مسلم ومسيحي ويزيدي وصابئي. فلا يجوز ومن غير المقبول اعتبار هذه العملية اضطهاد أو استهداف للمسيحيين: لا علاقة للديانة المسيحية بفتح النوادي والمحال، هذا أمر يخصّ السلطة المدنية والدولة. ولست هنا بمعرض الدفاع عن المسيحيين: فأصولنا وتاريخينا ودورنا الحضاري والثقافي والديني معروف للقاصي والداني في هذا البلد، تشهد عليه أرض العراق من شمالها الى جنوبها ومن شرقها الى غربها. ومن الخطأ قراءة هذه الأحداث على ضوء الدين، ومن عدم الحكمة أن يقوم أي كاتب بالكتابة عن الموضوع وكأنه اضطهاد للمسيحيين أو تحجيم لوجودهم. يا ليت كتبنا في قضايا حقيقية مسيحية وانسانية وليس في هذا المجال (الحرية الدينية؛ قيمة الانسان وكرامته المطلقة؛ التربية والتعليم؛ حقوق المرأة والطفل، المساواة المدنية في الحقوق والواجبات.... الخ!!!
أيها الاخوة والاخوات، الكتاب الأعزاء، أصحاب الرأي والرأي الآخر: الى متى نُبقي معالجاتنا لقضايانا جزئية ومصلحية ومنفعية؟ والى متى نبقى نُركّز على القشور وننسى الجوهر؟ الى متى نستغل المواقف لكي ما نضرب الواحد بالآخر ونضيع حقوقنا وقضيتنا؟ الى متى تضلّ المشاعر والعواطف هو ما يوجّه خطابنا وننسى صوت العقل المتوازن والدائم الصحيح؟ فلنراجع أنفسنا  ونعدّل أسلوبنا وإذا اردتموها بكلام الرب يسوع المسيح: توبوا وأمنوا بالإنجيل.

الأب سعد سيروب
كنيسة مار يوسف / بغداد    



8
الوجود المسيحي في العراق
بين الكتابة والواقع

انطلق في مقالي هذه من مُعطى احصائي (غير رسمي) يقول ان اعداد المسيحيين في العراق تناقصت الى الثلث مما كانت عليه قبل عام 2003. وقد اصبح هذا بيناً من أعداد المسيحيين في بغداد لكونها المدينة الأكبر من حيث العدد (وربما لغاية الآن) في العراق. هذا المُعطى يكاد لا يختلف عليه إثنان اليوم، وقد لا يختلف حول اسبابه أيضاً. مع هذا، أعتقد بان تشخيص الاسباب وقراءتها بعمق ووضوح هو من الصعوبة الكبيرة التي يمكن ان نختلف عليها جميعاً. وذلك لعدة اسباب منها: الغموض في المعطيات نفسها؛ القصور في الرؤية الذاتية؛ الجهل الثقافي والديني عند المحلل؛ جزئية المعطيات التي تصلنا... وغيرها. كلّ هذا يجعل من عملية التشخيص وقراءتها وتأوينها عملية صعبة وشاقة وتأتي بنتائج عكسية. وأريد هنا أن أذكر بعض المواضيع المهمة والشائكة والتي يمكن ان تكون محوراً لهذا المقال أو ذاك، وإشكالية هذه المحاور بالنسبة للفرد المسيحي والكنيسة والمجتمع بالعموم. 
1.   موضوع الهوية: اعتقد ان هذا الموضوع من المواضيع الاكثر مختلف عليها: فمن نحن؟ وما هي هويتنا الحقيقية؟ هل الانتماء للمسيح هو الذي يُحدد هويتنا؟ أم أنه الانتماء الطائفي والقومي؟ فاذا كان هذا الأخير فالى أي قومية ننتمي وخاصة وإننا نملك نفس اللغة (الى حدّ ما) ونعيش في نفس الرقعة الجغرافية ولنا نفس الدين ونملك نفس العادات والتقاليد وان اختلفت بجزئياتها؟ وقد عرفنا التاريخ على أننا نمثل أصل واحد؟ فمن نحن حقاً؟ وماذا نريد أن نكون؟ تأريخنا غير متفق عليه، لا في الماضي ولا في الحاضر، ويبقى المستقبل مفتوحاً على عدة احتمالات! لا بل أقول ان تاريخنا مجتزأ من قبل هذا وذاك، ولمصلحة هذا الطرف وذاك. غياب مفهوم الهوية يؤثر وبشكل مباشر على: من هو الذي ندافع عنه؟ وما هو الذي ندافع عنه؟ وما الذي نريده حقاً؟
2.   علاقة المسيحية بالسياسة: لا يمكننا أن ننفي واقعاً يقول بأن معظم التجمعات السياسية واحزابنا المحترمة ولدت بعد 2003! في حين أن الكنيسة موجودة منذ مئات السنين (ألفي عام). فأي علاقة للدين والمؤسسة الكنسية بالسياسة؟ أ يكفي أن نقول أن لا علاقة بين الاثنين ونحن نعرف بأن الواقع يخالف ذلك! ألا يزال الدين يمنع، بحق أو بغير حق، الكثير من التشريعات المدنية والقوانين المجتمعية، على الاقل في البلدان الاوربية وأمريكا؟ وفي العراق، هل يمكن ان نقول ما هي طبيعة هذه العلاقة وكيف يجب ان نحددها؟ هل يمكن للكنيسة أن تسكت عن الظلم الاجتماعي؟ وعن انتهاكات حقوق الانسان؟ وعن تهميش دور الدين والله في المجتمع من قبل الحزب السياسي؟ وعن الافكار الالحادية المدمرة؟ وعن الانحرافات الاخلاقية في المجتمع؟ وعن المصلحية السياسية التي تُجهض الكثير من الخير العام؟ 
3.   علاقة المسيحية بالاسلام: تعتبر هذه القضية من القضايا المفصلية في كتاباتنا. تربطنا صلات قوية بالمسلمين كافراد ومجتمعات. اننا نعيش في مجتمعات ذات أغلبية مسلمة. تاريخياً كان لدينا الكثير من الادوار المشتركة وقمنا بدور كبير في بناء المجتمع وتجديده وتطويره. سياسياً كانت العلاقة تتأرجح بين حسنة وصعبة وسيئة وذلك بسبب التحولات الدينية والسياسية والتدخلات الخارجية. الاسلام ليس واحداً، كما أن المسيحية ليست واحدة! الاختلاف حقيقي وواقعي؟ اعتقد اننا نرتكب خطأ كبيراً في وضع الاسلام في مكان واحد وتصنيف واحد! لا يمكن الكلام من الخارج (لأنني خارج الخطر) والناس تتأثر في الداخل! هل من الافضل تعميق الفوارق أم ايجاد المشتركات؟ لا يمكن ترك المجال مفتوحا للعواطف والمشاعر في هذا المجال؛ علينا الاحتكام الى العقل والفطنة والشجاعة الرسولية (كرسل المسيح وتلاميذه). لا يمكن بناء مجتمع مسيحي، بل علينا بناء المسيحي في المجتمع! لا يمكننا عيش السلام بمفردنا، بل مع الآخرين. أنها ليست مجرد حاجة مجتمعية، بل انها رسالة مسيحية.
4.   الكنيسة والكنيسة: مادة أخرى ومهمة من مواد كتاباتنا هو الكنيسة وحالها ودورها. أمر واقع هو الاختلافات في الكنيسة، لا بل أمر واقع هو الخلاف في الكنيسة. كنيسة المشرق (الكلدانية والسريانية والاشورية) منقسمة على ذاتها وعلى هويتها وعلى رسالتها! المرض الأكبر الذي أصاب كنيستنا، ويعود الى قرون مضت (منذ القرن 13)، هو عدم القدرة على تمييز ذاتها عن الطائفة! كنيستنا تحولت الى كنيسة قومية وطائفية، وهذا ما أفقدها بُعدها الأرسالي (أي ان تكون رسولية). ملتهية بالدفاع عن حقوق الطائفة الى الحد الذي أفقدها رسالتها ودورها الحقيقي والاصيل في بناء الانسان روحياً وثقافياً. منتبهة الى تأكيد المصلحة الذاتية للطائفة، أكثر من تأكيدها الخير العام والهدف الأسمى من وجودها والمبرر لها، وهو المسيح. دور العلماني فيها ضعيف؛ واستبداد الاكليروس فيها فضيع. الجهل الديني مستشري، والوعي الايماني مرتبك. الرأس فيها قوي ومستقل الى حدّ الموت عن بقية أعضاء جسده. الجسد فيها ضعيف وخامل لا يستطيع استثارة الرأس.
5.   الكنيسة والثقافة: وهذا محور أخر في كتاباتنا. أمر واقع أيضاً بأن اغلب الانتاجات الثقافية (ولا أريد أن اكون جازماً في هذا الموضوع) وُلدت في حضن الكنيسة. اللغة تطورت وتجددت بفضل الكنيسة. وأغلب الآداب السريانية صيغت على يد مؤمنين ومن داخل الكنيسة والدير. ولكن أرى ان العصر قد تغير والأمر قد تبدّل: فاليوم المثقف موجود خارج الكنيسة أيضاً. اللغة تتطور بمعزل عن الليتورجيا الكنسية وأدابها. الأعلام منفصل عن الكنيسة وعن الشأن الديني، في بعض المرات منتفع به ومستغل له! يسود خلط كبير بين الانتماء الى الكنيسة (أساسه الايمان) وبين اللغة (أساسها الثقافة والبيئة).

هذه وغيرها من المواضيع المهمة التي تحتاج مناقشة ودراسة بروح علمية وروحانية عالية من قبل الجميع. نحتاج الى التوازن في الطروحات بين الداخل والخارج، بين الوطن والمهجر. نحتاج الى انسجام العقل والقلب فيما نقول, وإلا سيكون التشرذم حالنا وسيغيب المنطق في دعوتنا وكتاباتنا. فهناك الكثير ممن هم في الداخل ولا يكترثون له شيئاً؛ وهناك الكثير ممن هم في الخارج ولا يهمهم شيئاً؛ ولكن هناك الكثير ممن هم في الداخل والخارج ممن يهمهم هذا وذاك. فالحكمة مطلوبة لان المسؤولية كبيرة. لست في مركز يسمح لي بتأسيس جمعية أو هيئة على المستوى العالمي (ولا أنوي القيام به)، وذلك لأني منشغل برسالتي المسيحية في بلدٍ معقد وظروف صعبة. ولكن لا يمكن ان انقطع عن حال أهلي في الداخل والخارج.
أعتقد، وعلى عكس الكثيرين، ان زمننا الصعب هذا ليس نقمة، بل نعمة على ضوء الايمان الله. فالأزمة فرصة لتجديد العهد والحياة والانسان. النار تنقي الذهب، والصعوبات تخلق التحدي. لا يمكننا التسرع في الاحكام؛ ولا استعجال النتائج؛ والدينونة الاستباقية خطيئة؛ الدقة مطلوبة والموضوعية جانب مهم من الحقيقة؛ والمثالية مرضها الانفصال عن الواقع؛ والواقعية المبالغة مرضها الانغلاق.

الأب سعد سيروب
بغداد 10/12/2011
fr.saadsirop@gmail.com

9
يا كتابنا الكلدان السريان الاشوريين
رفقاً بنا،  هداكم  الله


حرية الرأي حرية تكفلها شرعة حقوق الانسان. فالتعبير عن الاراء وحرية الكلام من حقوق الانسان الاساسية في أي مجتمع ديمقراطي وحرّ. ولكن ما يحدث اليوم بالنسبة لنا المسيحيين هو بعيد كلّ البعد عن هذا المبدأ وتطبيقاته. فالمبدأ لا يعني ان أقول كلّ شيء في كلّ حين وفي كلّ مكان وعن كلّ شيء.
للأسف، صارت صفحات الانترنت واجهة وفرصة لكل من هبّ ودب للكتابة عن حال المسيحيين في العراق، والذين أعرف منهم  شخصياً العديد، ممن لا يكترث، لا بالمسيحيين ولا بوجودهم في العراق. فنرى كتابنا يصدرون النداءات والاقتراحات وحتى المسبات والانتهاكات الفكرية، وكأنهم الوحيدون الذين يدركون ولا غيرهم، وكأنهم المدافعون وليس أحد لا من قبلهم ولا من بعدهم.
والعجب العجاب في اصدار الاحكام وهم على بعد آلاف الاميال. الناس هنا تتعذب وتتلوى من مرارة الوضع والحالة وردة الفعل الهوجاء ولا عقلانية البعض، فيما ينصرف كتابنا المحترمين الى إلقاء الشعارات والهتافات التي لا يعرفون كم ستؤثر على شعبنا المسيحي في العراق. فيا أخوتي، رفقاً بشعب مسكين وببلد ممزق وأمة أُبتُليت بالجهل والعنف والثأر.
1.   يستغلون كلّ مناسبة مهما كانت أليمة لكي ما يتباهوا بقضايا لا نعرف أصلها ولا فصلها.
2.   يتكلمون باسم المسيح وهم عن المسيح بعيدون جداً.
3.   يُسيسوون الحدث بأي طريقة كانت، ويريدون تمرير قضايا على دماء أهلنا وحال شعبنا المسيحي.
4.   يفتقرون للموضوعية في مقالاتهم، ويتخبطون في صياغات لغوية فارغة ويفتقرون الى منطق عقلي وفلسفي واضح. 
5.   يُرجعون كلّ شيء الى كلّ شيء، ويحكمون خالطين الأمور مع بعضها البعض.
6.   لا يناقشون الموضوع والقيم، بل جلّ همّهم فرض وجهة النظر مهما كلف الأمر ومهما كانت النتائج.

اعتقد بان افضل من كل هذا:
1.   ان ندرس حالنا ونتعمق في التفكير بقضايانا ونتعلم كيف يمكن ان نمثل شعباً وفكراً وحضارةً باسلوب عصري وفكري رصين.
2.   بالاحرى أن نصلي من أجل الناس ونتضامن معهم دون شماته بحالهم، بل ان نتأمل في كلمة الله ونتعلم منها النافع والمفيد للانسان.

انها دعوة أخوية للوقوف على حقيقة الأمور والالمام بالامور من كلّ الجوانب، والصلاة من أجل المتألمين والعمل الهادىء والحقيقي، وأنّنا لنسال الله أن يحفظ شعبنا والانسان خليقته بكرامة أينما كان.

الأب سعد سيروب
بغداد 6/12/2011
fr.saadsirop@gmail.com


10
الكنيسة والثورات العربية

لقد تزايدت هذه الايام المقالات والاصوات المنتقدة الى موقف الكنيسة والمسيحيين من الثورات العربية، حتى تهيأ للبعض ان المسيحيين والكنيسة في الدول العربية مؤيدون لسياسة هذه الانظمة ومستفيدون من بقائها. المسالة معقدة وتحتاج الى الكثير من التحليل والدراسة، وما مقالي هذا إلا مساهمة بسيطة للفت الانتباه لدى اصحاب هذه المواقف وغيرهم. اتكلم هنا عن خبرة المسيحيين في العراق وعن تجربة الكنيسة في السنين الثامن الاخيرة. 

1.   تدرك الكنيسة وبعمق بان الانظمة السياسية من أكملها ديمقراطية والى أقساها دكتاتورية هي انظمة نسبية وناقصة في وجوه عديدة من احكامها وتطبيقاتها. ان موقف الكنيسة هذا ينبع من ايمانها وولائها الاول والاخير الى الله وحده. لذا فمهما كانت موافقة الكنيسة لنظام معين، فان هذه الموافقة وهذا القبول هو قبول نسبي يعتمد على مدى مقاربة هذا النظام ومحافظته على كينونة ووجود الكنيسة وعدم معارضته لاحكام ووصايا الدين المسيحي. انظمة ديموقراطية كبيرة ومعروفة في العالم الغربي صارت محط انتقاد من قبل الكنيسة لمخالفتها حقوق الانسان وهضم حقوق الضعفاء والفقراء في الكثير من تطبيقاتها وسياساتها. ليست الكنيسة مؤسسة دكتاتورية أو ديمقراطية، راسمالية أو اشتراكية. انها كنيسة المسيح وتستمد قوتها وبقائها من ايمانها بالمسيح والبقاء امينة لتعاليمه.
2.   ان دور المسيحيين في الحياة السياسية العربية ينبثق من تقليد تاريخي قديم. لقد ساهم المسيحيون في البلاد العربية منذ اوائل القرن العشرين في حركات التحرّر السياسية للتخلص من وضعهم الاجتماعي المنقوص ومحاربة الاقطاع الزراعي والاقتصادي الذي مارسته الدولة العثمانية ولهذا عملوا على قيام دول ذو انظمة سياسية وايديولجيات فكرية (قومية، وليبرالية واشتراكية)، وخاصة ما بين الحربين العالميتين وبعدهما بقليل. ولا أريد ان اتطرق هنا الى دور المسيحيين في تنمية الحياة الاقتصادية والفكرية والتربوية من خلال نشاطهم الاقتصادي – التجاري واهتمامهم بالتربية والتعليم والصحة وغيره الكثير من المجالات. فالمسيحيون حاضرون منذ البداية في حركة التحرر العربي ومساهمون بشكل فعال في تحرّر شعوب البلاد العربية وتنمية الحياة بكل جوانبها. 
3.   التغير السريع بمبادىء واهداف الثورات. الفرق الشاسع بين المبادىء المعلنة (قبل وعند قيام الثورة) والتطبيق العملي لهذه المبادىء (بعد نجاح الثورة) يخلق جواً مشحونا بالخوف والقلق من المستقبل. فالعديد من الثورات تبدأ بفكرة الاصلاح وتمرّ بفكرة تغيير النظام وتنتهي بفكرة السياسة الواحدة ذا الطبيعة الدينية أو الطائفية. لا وجود لدولة مدنية متطوّرة في بلداننا العربية (بعض الاستثناءات البسيطة). انه النظام مرّة أخرى مقيد بحبال الطائفية الدينية أو القومية، واحتكارية الاغلبية السياسية. اصبح هذا المناخ العام للثورات العربية ونتائجها يربك المسيحي ويخيفه كاقلية دينية وقومية وسياسية ويجعل منه طرفاً ضعيفاً ومعرضاً للاستخدام بطريقة خاطئة من قبل الاطراف السياسية الأقوى.
4.   المشكلة بالنسبة الى المسيحي ليست في تغيير الانظمة، بل في تغيير الافكار والنظرة للانسان والمجتمع والحقوق والواجبات. أنها مسألة ثقافية وفكرية أكثر منها سياسية. ان خبرة الكنيسة والمسيحيين في العراق لهي أكبر دليل! فالديمقراطية العراقية ديقراطية عرجاء وعوجاء والناس لم تكن جاهزة لمثل هذا النظام الفكري والسياسي، ولهذا انزلقت وبسهولة كبيرة الى دكتاتوريات مجزئة ووفي بعض الاحيان مشرعنة. فلا تحول حقيقي ولا تغيير حقيقي في البنية المؤسساتية. من هذا يخاف المسيحيون ويخشون على مصيرهم اللاحق للثورة.
5.   التعصب الديني المتنامي وأسلمة الكثير من قطاعات المجتمع وافكاره، يشكلان عاملين اساسيين يمنعان المسيحي من المشاركة الفعالة والوقوف بعيدا عن مثل هذه الحركات الثورية. ولا أقصد الدين، فالدين معتدل بذاته (فلا اكراه في الدين). المشكلة في المُتدين نفسه! هناك تضيق كبير في الحريات؛ تهديد لكيان الدين الآخر؛ فرض الاراء الواحدة على الجميع ...الخ. فقد أدت الحرب الاخيرة في العراق وقيام النظام الديمقراطي الى هجرة أكثر من اربعمائة ألف مسيحي واضعاف الوجود المسيحي والدور الكنسي في بلد عاش المسيحيون فيه بفعالية وانتاج لقرون طويلة وعلى كافة الاصعدة والمستويات.
6.   الكنيسة تخاف من مصاردة اهداف الثورة من قبل جهات سياسية داخلية وخارجية وجهات دولية امر واضح وبين في الكثير من الثورات العربية. فما حدث في تونس ومصر وملابسات ما بعد الثورة يجعل من المسيحي مترددا في المشاركة في مثل هذه الثورات.
في مجتمع متعدد الايديولوجيات والانتماءات، من واجب المسيحي المساهمة في بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد على ضوء تعاليم ايمانه. فالمسيحيون، كما يُعلمنا المجمع الفاتيكاني الثاني، مدعون ليكونوا نموذجاً صالحاً من خلال سيرةِ حياتِهم المسؤولة والتزامهم بالخير العام للانسان ويجب عليهم أن "يبرهنوا بالوقائع امكانية خلق الانسجام بين السلطة والحرية، وبين المبادرة الشخصية والتضامن في المجتمع ككل، وبين الوحدة المنشودة والاختلافية النافعة" (الكنيسة في عالم اليوم، رقم 75). على الكنيسة مبدئيا ان تكون غير خاضعة لاي نظام سياسي حالي او مستقبلي مهما كانت مبادئه وغاياته، وعليها ان تتجنب التوافقية السياسية. فلا يمكن للكنيسة ان تتخذ موقفاًُ لا اباليا او تجاهليا تجاه اي نظام سياسي غاضة النظر عن طريقة ادارته او حكمه للمجتمع. استقلالية الكنيسة تجاه الانظمة السياسية يحتّم عليها اتخاذ موقف يتسم بالنقدية وعدم التبني السلبي لطروحات اي نظام سياسي وخصوصا اذا كان قائما على احكام مسبقة عن الآخرين. فالكنيسة، لكي ما تكون كنيسة المسيح ولكيما تقوم برسالتها بامانة واخلاص لسيدها يجب ان تكون مستقلة وحرة.
هذه ملاحظات اولية لما يمكن ان تأخذه شكل المخاوف المسيحية والكنسية من ثورات تحتاج الى الكثير من الوضوح الفكري والسياسي المدني.

الأب سعد سيروب
fr.saadsirop@gmail.com




11
رأي مسيحي في
الطائفية والوجود الطائفي

لقد تحدثت في مقالات سابقة عن رأي المسيحية في الطائفية  والقومية وبيّنت في أكثر من مداخلة معنى الطائفة وما هي المخاطر المتأتية من المغالاة في تبنّيها والمخاطر الاكبر من خلط الدين بها وجعله منطلقاً لتبني هذا الموقف الطائفي أو غيره. للطائفية جوانب وابعاداًن مختلفة: منها التاريخية ومنها الاجتماعية والسياسية ومنها الاقتصادية. وعلينا كلُّنا ان نساهم في التوعية إليها وفي السعي لإيجاد الحلول المناسبة على صعيدها.
ولكن في هذا المقال أتعرّض لبعدها الاساسي والمحوري، إلا وهو البعد الديني. وأعتقد بأنه تحصيل حاصل أن أعتبر البعد الديني بُعدا أساسيا في المشكلة الطائفية: أوليس الانتماء الديني هو المبرّر الاساس لوجود الطائفة؟ أولا تتخذ منه تسمياتها؟ أولا يشكل القاسم الاهم لأفرادها؟ وهذا البعد مغيّب تماماً عن فكرة الطائفية! وعادة ما يتخذ رجال الدين موقفاً منقسماً من الطائفية، فانهم يلمحون في خطاباتهم العامة على العموميات الدينية، كدعوة الدين الى الآخاء والمحبة، ولكنهم في الخفاء يعملون على تقوية الطائفة والامتيازات والحقوق حتى تتحول مواقفهم الى مواقف تدفع نحو الطائفية والانقسام والتحزّب واللاوحدة.
أريد أن اقول بان البعد الديني يُشكل بُعداً اساسياً وجوهرياً في نشوء الطائفية. لاني أعتقد بأن الانتماء الديني هو منطلق التجمعات الطائفية؛ ولآن الدين يجيّش في الناس، مشاعر قوية وراديكالية يستقطبها المطلق في الاساس، ولكنها مهدّدة ان تتحول عن غايتها الاولى فتجعل المطلق في غير موضعه مستبدلة أياه بصور من نسج الأهواء، وبهذا تنحرف المؤسسة الدينية عن غايتها الاساسية والاولى. وبدلاً من أن تصبح المؤسسة الدينية شاهدة للمطلق وخادمة له، تصبح الطائفة هي المطلق بحدّ ذاتها وتتحول خدمتها الى خدمة للافراد والجماعة مدفوعة بالمصلحة الفردية والأنانية. لذا فأرى أنه لمن الضروري نقد الطائفية ومبرارتها الدينية التي تتستر وراءها وتفنيد كل موقف يحاول ان يعادل بين الدين والطائفة ورفض كل ما من شأنه أن يسخر المشاعر الدينية لمآرب بعيدة كلّ البعد عن خط الايمان وأهدافه.
الطائفية كذهنية، موقف بموجبه تتخذ مجموعة بشرية ما، من انتمائها الديني، ذريعة للتقوقع على مصالحها الخاصة، بحيث يكون همّها الأول أن تؤكد ذاتها ولو على حساب العدل والآخاء والواقع التاريخي والأرث الايماني، فتنهمك في السعي إلي تعزيز كيانها وإعلاء شأنه بحيث تهمش كلّ من يعيش خارج هذا الكيان وكلّ من يختلف عنها حتى من داخل الكيان. ان التمركز الطائفي حول كيان الفئوي وعزّته ومصالحه، ينشىء حتماً تجاهلاً  للآخر ورفضاً ضمنياً للاعتراف بوجوده المميّز. ففي الطائفية اغتراب عن الآخر وفيها نزعة سافرة أو مبيّتة الى إزالته من طريقنا وغالباً ما ينفجر هذا الموقف بشكل انفعالات هوجاء ممزقة للجسم الاجتماعي او الديني أو الانساني الواحد.   

الموقف الطائفي على ضوء الانجيل
1.   ليس الايمان امتيازاً بل مسؤولية. انه خدمة للآخر (متى 20/25-28). فالكنيسة كجماعة لا يسعها أن تكون أمينة لسيدها، إلا أن تكون مثله خادمة، همّها لا أن تسود وتحكم وتتمتع بامتيازات، بل أن تكون سباقة في الخدمة وتسخير كل طاقاتها ومؤسساتها لخدمة الانسان وتحرّره ونموه وأنسنته. لذا فلا يمكن لها ان تدّعي الطائفية أو تدعمها أو تحرض لهان بل تعلم الانفتاح والمحبة وخدمة الآخر.
2.   موقف المسيحي المؤمن هو موقف الحبّ الذي لا يعرف حدود اللون والقومية والطائفية (لوقا 10/34-45). لقد قلب يسوع مفهوم القرابة إذ أكد على أنها لا تتحدّد على أساس صلات الدم والجنس والقومية وحتى الدين، انما تنشؤها مبادرة المحبة المجانية التي علمنا أياها ربنا يسوع المسيح. إنجيلياً لا مبرّر للتكتل الطائفي الفئوي. 
3.   لا يمكن تحديد الهوية المسيحية على أساس طائفي أو مذهبي: لسنا مسيحيين بالاستثناء أو بالانعزال عن الآخرين. لقد بدء هذا الموقف يظهر في العديد من قطاعات وطوائف الكنيسة، التي تتسم بالحنين إلى اسطورة المسيحية الطائفية مستندة الى الى الانتماء العرقي والطائفي. عن هؤلاء يقول القديس اوغسطينوس فاضحاً الكثير من المواقف المغالية والتكتلات الجماعية مايلي: "الكثير ممَن هم في الخارج، هم في الحقيقة في الداخل، والكثير ممَن هم في الداخل، هم في الحقيقة في الخارج".
4.   الهوية المسيحية هو عمل روحي. الحياة المسيحية هي حياة روحية، ديناميّة ومنفتحة. يمكن أن تكون الطائفية، كتبني لموقف جماعي، هروباً من المسؤولية الايمانية الشخصية وبهذا تقلّل من أهمية الاختلاف وضرورة الاختيار الحرّ والواعي لمبادىء الحياة وقيمها. فالانسان، بمثل هذه الذهنية الطائفية، يُعتبر، بصورة آلية، عضواً في الطائفة التي ينتمي إليها بصدفة الولادة. هويته الطائفية والقومية تحدّدها ولادته، لا اختياره. ولهذا يمكن ان نجد الكثير من الذين ينتمون الى الطائفة ولكنهم لا يعرفون ابعاد وعمق طائفتهم وانتمائهم ويتحولون الى منافقين بحقّ أنفسهم وبحقّ الطائفة التي ينتمون إليها. 
في الختام، أريد أن أقول بان كنيستنا المشرقية بكل اقسماها تمكنت على مرّ تاريخها ان تحتضن الى جانب الكلداني والاشوري والسرياني، العربي والفارسي والافغاني والمغولي والهندي والصيني (حتى أن منهم مَنْ تقلّد مناصب كنسية مختلفة مثل منصب: بطريرك أو أسقف وغيرها من المناصب الادراية والروحية العالية). انها كنيسة جامعة (كاثوليكية) ليس فقط بعقيدتها، بل بتنوعها الثقافي والحضاري وانفتاحها على كل أمة وشعب ولسان.
انا مسيحي وكاهن وانتمي الى الكنيسة الكلدانية وافتخر بأني انتمي الى هذه الكنيسة العريقة ولكني اعرف بأن وجودي هذا ليس عائقا لقبول الآخرين ولا يمكن بأي حال من الأحوال ان يكون سبباً في خلق تكتل بأي شكل من الاشكال. دوري هو أن أخدم الجميع وأكون مع الجميع كما كان ربي وإلهي ومعلمي الاول يسوع المسيح. لا يمكن ان أنمّي الروح الطائفية لا في نفسي ولا في نفوس الآخرين، واعتبر بأن ولادتي في طائفة معينة ليست إلا منطلق للخروج نحو الوجود الأكبر وهو الوجود مع الآخر ومن أجل الآخر في المسيح.   
الأب
سعد سيروب حنا
fr.saadsirop@gmail.com



12
قراءة في واقع الهوية المسيحية في كنيسة العراق
على ضوء الواقع السياسي المسيحي
(جزء ثاني)

شهدنا في السنين السبع الاخيرة تغييرات سياسية كبيرة ومهمة في العراق؛ فنشوء الاحزاب السياسية المتعددة أدخلنا في نظام التعددية الحزبية والانتخاب والمشاركة وغيرها من المفاهيم التي كانت وما زالت جديدة وغير واضحة تماماً. دخلت الكنيسة في نمط علاقة جديد مع هذه الاحزاب ومع ممثليها. فمرّة تحاول الكنيسة ان تفرض هيمنتها على هذا الحزب أو ذاك، ومرة أخرى يحاول هذا الحزب ان يفرض نفسه على هذه الكنيسة أو رئيسها بشكل أو بآخر. استُخدمت وسائل عديدة: الترغيب والتخويف والترهيب وغيرها.
كيف تعاملت الكنيسة مع هذا الامر وكيف أثر في هوية الكنيسة وواقعها. هذه بعض الملاحظات:
1.   على الكنيسة مبدئيا ان تكون غير خاضعة لاي نظام سياسي مهما كانت مبادئه، وعليها ان تتجنب التوافقية السياسية. فلا يمكن للكنيسة ان تتخذ موقفا لا اباليا او تجاهليا تجاه اي نظام سياسي غاضة النظر عن طريقة ادارته او حكمه للمجتمع. استقلالية الكنيسة تجاه الانظمة السياسية يحتّم عليها اتخاذ موقف يتسم بالنقدية وعدم التبني السلبي لطروحات اي نظام سياسي وخصوصا اذا كان قائما على احكام مسبقة عن الآخرين. فالكنيسة، لكي ما تكون كنيسة المسيح ولكيما تقوم برسالتها بامانة واخلاص لسيدها يجب ان تكون مستقلة وحرّة. ان تكون أول من يدافع عن المظلوم والفقير والمعوّز، وآخر مَن يسكت عن الظلم والاجحاف واستغلال الانسان (المجمع الفاتيكاني الثاني، الكنيسة في عالم اليوم، رقم 73، 75).
خبرة الكنيسة في العراق في هذا المجال خبرة غير ناضجة. فقد حاول بعض رجال الدين الارتماء في سياسة هذا السياسي أو ذاك وهذا أما ضعفاً، او خوفاً، أو مصلحة. هذا الموقف اضعف الكنيسة وجعلها في كثير من الاحيان توافقية وغير مبدئية. كما وقد حاولت بعض الاحزاب جرّ الكنيسة الى مواقف تبتعد عن روح الانجيل والرسالة المسيحية. لا يمكن للكنيسة ان تقف موقف المتفرج السلبي من قضايا الانسان المسيحي والعراقي بالعموم. فالكثير من القضايا التي تبدو سياسية في الظاهر، إلا ان انها تملك تبعات كبيرة على واقع وجودنا المسيحي في العراق.   
2.   لم يكن هناك تمييز واضح بين "الدين" و"القومية"، والذي باعتقادي لا يقل اهمية عن مبدأ فصل "الدين" عن "الدولة". الدين كايمان عميق بالله هو موقف يُغيرني من الداخل والاعماق ويدفعني الى فعل انفتاح شامل على الآخر وعلى الوجود المختلف بكليته بفعل محبة ورحمة غير محدودتين. أما الانتماء "القومي" "العرقي" "الاثني" فهو حالة أولية وبدائية من الوجود التي يجب في نهاية الامر تخطيها نحو الوجود الاكبر والاشمل والاعمق، والذي هو الوجود الانساني، أو الانسان. أنا مدعو كمؤمن مسيحي ان اتجاوز حدودي العرقية والقومية والطائفية من اجل الوصول الى الآخر الانساني باختلافيته ومحبته بكل قوتي كحبي لله: "احبب قريبك مثل نفسك". هذا هو الموقف الاساسي الذي عاشه ربنا يسوع المسيح بحياته وعلاقته بالله الآب وبأخوته البشر: بالعائلة، بالوطن، بالعرق والجنس. عاش يسوع المسيح بروح منفتح بالحبّ والرحمة والسلام تجاه كلّ انسان: "من هي امي ومن هم أخوتي؟ (…) من يعمل بمشيئة الله هو أخي وأُختي وأمي" (مرقس 3/ 33-34). 
اعتقد اني تكلمت عن هذا الخلط الكبير بين القومية والدين في الجزء الاول من هذا المقال الصغير.
3.   لقد كانت قضية الارض والاقليم الخاص بالمسيحيين من القضايا التي رفعها كشعار لهم العديد من السياسيين ولكن لطالما اختلف عليها الآخرون من سياسينا المسيحيين. وأريد هنا أن أشير الى ان الخطر الكبير الذي يأتي من هذه المسألة يكمن في جعلها قضية دينية. قضية "الحكم الذاتي في سهل نينوى" ليست "قضية مسيحية" وليس "حكماً ذاتيا للمسيحيين" كما يريده البعض. المسيحي لا يحتاج الى منطقة محدودة ليعيش فيها. فهو "ملح الارض" (متى 5/ 13) وهو "نور العالم" (متى 5/ 14). انه موجود في كل مكان من العراق ويعيش مع الجميع بأخوّة ويُحب الجميع باحترام وسلام. البعض من السياسيين يجملها من خلال القول بانها قضية قومية، ولكني اعتقد اننا حالمون وغير واقعيين: فنحن لحد الآن الآن لمنتفق على أمور أساسية: كالتسمية، القومية ... وغيرها. لا يمكن تعممي هذه القضية على المسيحيين. المسيحية لا تحتاج الى دولة أو وطن أو أرض. أنها في كل وطن وكل أرض، وكلّ أرضٍ ووطن توجد فيه هو أرضها ووطنها. 
4.   من واجب الكنيسة الروحي والراعوي حراسة القيم الدينية والانسانية. من واجب الكنيسة ومسؤوليتها الاولى "أنسنة المجتمع" (الكنيسة في عالم اليوم، 76). لذا يجب عدم تبني روح التعارض أو التنافر بين الكيانات الدينية والسياسية بأي شكل من الاشكال. في السنين الاخيرة شهدنا مواقف دينية وسياسية تبعث على التنافر بين الكيانات السياسية وحتى بين الكيانات الدينية. الميل الى جهة سياسية معينة لا يمكن ان يكون على حساب الروح والاخلاق المسيحية. مسافة واحدة من الجميع. اصغاء جاد للجميع. والعمل مع الجميع من اجل رفعة الانسان وكرامته.
5.   لم نُعدَّ ولم نثقّف سياسيينا بالروح الاخلاقية المسيحية. وان كنت لا أشكك بايمان أي شخص، ولكني أعتقد اننا افتقرنا الى ممثلين مدنيين عارفين وداركين لمبادىء المسيحية واخلاقها كما تعلّمها الكنيسة والانجيل. السياسي المسيحي سياسي غير ناضج مسيحياً. سياسي متحمس قومي، ولكن لا يمتلك رؤية مسيحية عامة. يمكن ان يصوّت على قرار دون معرفة ما اذا كان هذا القرار يناقض مبادىء الايمان المسيحي أم لا؟ 
أختم واقول هنا ما قلته في مقالات سابقة بأنه من الضروري اليوم العمل على خلق خطاب سياسي قومي (كلداني - أشوري - سرياني) موحّد. على الكنيسة ان تعمل على خلق خطاب لاهوتي مشرقي أصيل يتسم بالاصالة والتجدد والانفتاح على الانسان والعالم ككلّ.
الايمان بالله والمسيح هو فعل وجودي وقدرة روحية قائمة على أساس الانفتاح على الآخر المختلف تماما وتتجه نحو تغير وجودنا البشري المتمركز على فكرة الـ "أنا" و "الفردية" لتوسعه وتمتد به نحو التعايش والتضامن والاخوّة والسلام مع كل انسان. القومية تعمل كقوة تغلقني وتحددني ببني جنسي ولوني ولغتي. الايمان هو فعل يدفعني الى الدخول في علاقة محبة لا تنتهي مع مَنْ هو مختلف عني، غيرمتساو معي، ليس شبيها بي، مع الخاطىء، وحتى العدو (متى5/ 43-45). 

الاب سعد سيروب
كنيسة مار يوسف

Fr.saadsirop@gmail.com

13
قراءة في واقع الهوية المسيحية في كنيسة العراق
على ضوء نمو الشعور القومي والطائفي
(جزء أول)

أية قراءة منتبهة الى تاريخ بلادنا تكشف على الفور دورا وحضورا كبيراً للمسيحية في العراق. فالمسيحية دخلت العراق منذ نهاية القرن الاول الميلادي. عانت الجماعة المسيحية من صعوبات ومضايقات كثيرة دينية واجتماعية وسياسية. كانت طبيعة الحياة المسيحية تشكل مصدراً للخلاف عند الكثيرين، أفراد وشعوب. حياة المسيحي المتمركزة حول شخص المسيح يسوع والاتحاد الشخصي الحياتي به، كان ينسحب على تصرفات واقوال ومواقف المسيحي اليومية، وهذه كانت تناقض بشكل مباشر الكثير من مبادىء الحياة العامة في الدول والامبراطوريات التي وجدت فيها. هذا ما جعل المسيحية تتعرض الى الكثير من الاضطهادات في القرون الاربعة الاولى وحتى بعدها.
ماذا يحدث في العراق؟ منذ عام 2003 والتغير السياسي لا ينفك يضرب كيان الكنيسة والوجود المسيحي. سقوط نظام قائم على الشمولية، ونشوء نظام قائم على التعددية؛ بروز مفهوم الطائفة الدينية والقومية؛ نظام الطائفية السياسية في تقاسم السلطة؛ اهمية المصلحة القومية والطائفية على المصلحة الوطنية؛ غياب مفهوم الخير العام من المجتمع؛ نشوء جماعات اسلامية متشددة؛ أسلمة الكثير من الاجهزة والمؤسسات التابعة الى الدولة؛ اجندات اقليمية وغربية تُفرض بالقوة؛ جهل بالمفاهيم: الديمقراطية، الدين، الشراكة، المؤسسة... الخ. كل هذا أنعكس على واقع الكنيسة في العراق.

كيف وما هي المجالات التي تاثرت بها الكنيسة؟

1.   بروز الروح الطائفية لدى بعض رجال الدين وبعض العلمانيين (القوميون الجدد). حيث بدأ الكثيرون باعطاء أهمية الى الطابع الاجتماعي الطائفي للكنيسة بعيداً عن المعاني الدينية التي من المفترض ان تكون الطائفة خادمة لها. الطائفية بالمعنى الروحي هي اعتبار الكنيسة تكتلاً اجتماعياً في الاساس يقوم تجاه تكتلات أخرى، لا يميزه عن الهيئات الاجتماعية كافة سوى شعائر فُصلت عن مضمونها ولغة أُفرغت من معناها. وقد ظهر هذا في مواقف عدّة منها: التاكيد على التسميات القومية المنفصلة؛ الاحزاب بتسميات قومية بدون مشروع سياسي مدني؛ مواقف كنسية متشنجة وغير مدروسة (فصل الكلدان عن السريان في المعهد الكهنوتي؛ تسمية مؤسسات كنسية على اساس طائفي وقومي...الخ).     
2.   من اهم الانحرافات في هذه الفترة هو اخضاع الكنيسة للطائفة. فالطائفة للكنيسة وليس العكس. ولكننا شهدنا العديد من رجال ورؤساء الطوائف الذي استخدموا الرسالة الكنسية ومؤسساتها لتقوية الروح الطائفية والوجود الطائفي. هذا ما دفع البعض الى استخدام المبادىء الروحية ومعانيها لخدمة الطائفة، على حساب الحياة الروحية. صارت الطائفة او القومية مصدراً للانتفاخ الاجتماعي والتباهي الفارغ.
3.   فصل مقيت وقتّال للحالة القومية والطائفية عن المعنى الروحي والمسيحي الذي كان يجب عليها ان تخدمه وتقويه. يظن البعض بان أمور تخص الطائفة أو القومية يمكن ان تستعمل بشكل بعيد عن الغاية الروحية. استخدام الاوقاف المسيحية في الاستثمارات الزمنية والمدنية وبحثها من أناس لا يعرفون الانجيل ولا يهمّهم أمره.
4.   تشويه الهوية المسيحية. اصبح الانتماء الى المسيح يمرّ عبر الانتماء الطائفي والقومي. صار الدفاع عن الطائفة أو القومية هو دفاع عن المسيحية. نسينا كلام يسوع وهو يقول لنا: "الويل لكم" ... "لا تقولوا إن لنا أبراهيم أباً، فان الله قادر على أن يقيم من هذه الحجارة ابناء لابراهيم" (لوقا 3/ 8). افرغنا الشعائر الدينية من مضمونها. في حديث لي مع أحد القوميين قال لي: "ان القومية مهمة بنظره أهمية الله بالنظر للمؤمن". وهذا باعتقادي هو نكران ضمني لله ووضع الطائفة والقومية في مركزه. انه تقديم الله ذبيحة على مذبح الطائفية والقومية.
5.   قتل الحريات. الايمان عطية تجعلني أنساناً حراً. أما القومية والطائفة تسلبني حريتي. ففي نظر بعض الكلدانيين المتزمتين: لا يمكن ان أكون كاهناً كلدانياً إلا اذا كنت بالقومية كلداني. أمانتي للكهنوت تمرّ عبر أمانتي للطائفة الكلدانية. اصبح الموقف الطائفي والاجتماعي يحدّد هويتي الكنسية والمسيحية. وهذا يظهر ايضاً في كثير من الارتباطات الاجتماعية على مستوى الزواج والشراكة في العمل وغيرها، حيث يفرض الانتماء الطائفي والقومي قيوداً على مثل هذه الارتباطات. 
6.   الدين في خدمة الطائفة. اصبح الله شعاراً وتبريراً لمواقف طائفية وقومية. فقد راينا مواقف طائفية وقومية تسخر الله لخدمة مصالح عامة وفردية. فهناك من ممكن ان يخون مبادئه الدينية من أجل "عزّة الملّة" و"رفعة الطائفة"، ويمكن ان يدوس على الكثير من الانجيل من اجل مناصب أكبر ووظائف ونفوذ وجاه. فيجب ان تأخذ الطائفة حصتها ومكانتها مهما كانت الظروف. الطائفة هي السيدة الاولى. صارت القضية قضية اقتسام مغانم  باسم الله. استغلال الشعور الطائفي لتثبيت النفوذ. الاول في الطائفة هو الاول في الكنيسة. للأسف ضرب هذا حتى رجال دين ورؤساء طوائف، خلاف لما كان المعلم يسوع المسيح يريده لتلاميذه: "إن رؤساء الامم يسودونها وعظمائهم يتسلطون عليها، أما أنتم فلا يكون ذلك فيما بينكم، بل من أراد أن يكون فيكم كبيراً فليكن لكم خادماً، ومن اراد أن يكون فيكم أولاً فليكن للكلّ عبداً" (متى 20/ 26-27).
وأريد أن اذكر هنا، كيف تورط الكثير من رجال الدين والمتنفذين في جمع أموال مهولة وضخمة باسم الطائفة وفقرائها، ولكنها في الحقيقة تذهب الى جيوب افراد معينة وتمنع الكنيسة من نعمة التطوّر والتقدّم. استغلال حالة الكنيسة المضطهدة والطائفة المضلومة حجة لجمع الاموال، التي في الحقيقة لا تُصرف على ابناء الكنيسة ومن اجل الاهداف الروحية، بل تستخدم لخدمات فردية وخاصة.
ان الطائفة أو القومية، إذ تولّه ذاتها، تتغرب عن الله وتتغرب عن الآخرين. فالروح الطائفية والقومية تنحدر بالله الى مستوى أهواء الانسان لكي تجنبه (أي الانسان) عناء الارتقاء والتشبه باخلاق ومشاعر الله. انها تُنزل المدينة السماوية لتحولها الى مدينة أرضية بشهواتها وأهوائها، بدل أن تصعد وترتقي بالارضي نحو السماوي.
اصنام جديدة ملئت عالمنا، دخلت الى بيوتنا، تعشعشة في أفكارنا، ولن يُحرّرنا منها إلا العلاقة الصحيحة مع الله وانجيله يسوع المسيح.

الاب سعد سيروب حنا
كنيسة مار يوسف / كرادة
Fr.saadsirop@gmail.com   


14

السياسة كذب وخداع
توبوا فقد اقترب ملكوت الله

افكار تعيش في الاجساد ام اجساد تذبح من اجل الافكار؟! كم هو عجيب ما يفعله الانسان باخيه الانسان، ولا حيوان يفعل ببني جنسه ما يفعله الانسان بأخيه! نرى اليوم أناساً يستخدمون كرامة وحياة ومصير الآخر ليصعدوا على حسابه نحو الشهرة والغنى والسلطة. للاسف، هذا ما يحدث اليوم بين سياسيينا وبرلمانيينا والمتنفذين من شعبنا. على حساب ارواح الناس وحياتهم يطالبون بهذا المقترح أو ذاك. لا يشعرون بألم الناس ومعاناتهم، ما يهمهم هو ارضاء ذاتهم واشباع سعيهم  للوصول الى ما هو أكبر وأكثر تسلطاً.
سياسيون وبرلمانيون، بلا مبدأ ولا ثوابت ولا رؤية انسانية حقيقية. يتسلقون جبال السلطة والمال على حساب الناس الفقراء وأرواحهم. يلقون اللوم على دول الخارج ليخفوا عجزهم وضعفهم وفشلهم. يطالبون بمحافظة وارض خاصة وهم قد هجروها وتركوها واستهانوا بها مسبقاً. أناس زاغت ضمائرهم وتعطلت عقولهم عن الحكم الصحيح. ولكن ماذا اقول لمن ينحني لقوة المال وتجربة السلطة.
لا تشركوا المسيحيين بمخطاطاتكم، بل قولوا اننا قوميون! لا تطالبوا باسم المسيحيين، فانتم لا تمثلون إلا قومياتكم. أرحموا شعباً بِعتم برأسه وحصدتم على اجساده مناصب ومكاسب. اتقوا الله وتوبوا اليه. ألبسوا المسوح ونادوا واصرخوا الى الله عسى ان يرحمكم ويرحمنا جميعاً.
أخوتي وأخواتي في الايمان: يقول الرسول يوحنا في رسالته الاولى: "لا تصدقوا كلّ روح، بل أمتحنوا الارواح لتروا هل هي من الله، لان كثير من الانبياء الكذابين جاؤوا الى العالم" (1 يوحنا 4/ 1). عندما جاءنا المسيح برسله، تركنا الأرض والقومية والعشيرة والمال والسلطة وكلّ صنم لنكون له وحده. له وحده فقط. أ تُرانا اليوم نريد ان نترك المسيح والانجيل من اجل القومية والارض والعالم؟ أريد أن اذكركم بما قاله الله للشعب عند دخوله الارض: "اذا قام فيما بينكم متنبىء أو حالم حلم، فوعدكم بمعجزة أو عجيبة وتمت هذه المعجزة أو العجيبة وقال لكم: "إذا تعالوا بنا الى آلهة غريبة لم تعرفوها فتعبدوها"، فلا تسمعوا لكلامه لأن الرب إلهكم يمتحنكم ليعلم هل أنتم تُحبونه من كلّ قلوبكم ونفوسكم. الرب ألهكم تتبعون وبه تثقون، ووصاياه تحفظون، ولصوته تسمعون، وإياه تعبدون وبع تتمسكون" (تثنية الاشتراع 13/ 2-5).
ايها المسيحيون، أدعوكم ككاهن للمسيح. لا تجعلوا أحداً يتلاعب بهويتكم المسيحية وحياتكم. لقد عانيتم الكثير والله يرى هذا! لا تلميذ أعظم من معلمه، ولا خادم أعظم من سيده. يكفي التلميذ أن يكون مثل معلمه والخادم مثل سيده (متى 10/ 24-25). هذا هو شرفنا وفخرنا العظيم ان نكون مثل المسيح بحياته وآلامه.
الى كلّ من خرج من هذا البلد، الله يوفقكم اينما كنتم: لا تنسوا ايمانكم،
ولا تهملوا مسيحكم، كونوا على المحبة مثابرين ومن اجل الحق والعدل شهداء.

الى كل من بقى في هذا البلد، اعلموا اننا معكم ولن نترككم.
مَنْ يخرج ليكن الله معه ومَنْ يبقى ليكن الله معه.

الاب سعد سيروب حنا
راعي كنيسة مار يوسف
بغداد 25/11/2010
fr.saadsirop@gmail.com


15
اعتذر عن كل اساءة سببتها للكاهن
أنا آسف لسوء الفهم


الى كل من يهمه الامر... لقد كتبت في الآونة الاخيرة عدة مقالات وردود عن الكاهن وهويته وعن حالة كنيستنا والحالة التي نمرّ بها ككهنة في العراق وخارجه. لقد وردتني عدة ايميلات من اصدقاء كهنة وعلمانيين، منهم من يؤيد البعض مما كتبته، ومنهم من يؤيد كل ما كتبته ومنهم من يرفض بعض كلماتي ويستهجنها ولا يتفق معي على كل الخصوصيات التي كتبتها.
قبل كل شيء، اريد ان اقدم اعتذراي الى اصدقائي واخوتي الكهنة في خورنات الخارج والداخل الذين يخدمون شعبنا المسيحي المؤمن اينما وجد في هذه الارض. اعتذر من كل كاهن مخلص جرحته كلماتي وآذته، فان لم اعن الجميع ولم اشمل الجميع! اعتذر عن سوء الفهم الذي سببته لبعض الكهنة الغيورين والمخلصين وعلمانيونا الملتزمون، فانا لم أرد ان اشوه صورة الكاهن ولا مكانته. فانا كاهن، وانا فخور بذلك. اجمل حياة هي حياة الكاهن. كلها بذل وعطاء وعيش لقيم انسانية وروحية لا يمكن عيشها بنفس الكثافة في أية حالة أخرى.
ولكني اريد ان اقول بان الكثير من النقد الذي ورد في مقالاتي يأتي عن خبرة ودراية شخصية ومعرفة عامة بحالة الكنيسة في العراق وفي الخارج. لقد درست وتعلمت في أحسن الجامعات وحصلت على شهادة الدكتوراه في الفلسفة واللاهوت من احسن جامعات اوروبا وباعلى تقديرات، وعملت في خدمة رعايانا في عدة بلدان اوروبية؛ القيت المحاضرات في عدة مناسبات ونشاطات على المستوى الكنسي المحلي والدولي. اعرف جيدا حالة خورناتنا في الخارج وطبيعة الصعوبات والمشكلات التي تواجهها. رجعت الى بغداد في وقت كان يريد الكثير تركها، وتركها فعلاً.
لم افكر او اعتقد في يوم ان الذي يعمل في بغداد افضل من الذي يعمل في الخارج، والله شاهد على ما أقول. ولكني مع هذا لا استطيع ان اقف صامتاً أو متغاضياً عن الاخطاء التي يرتكبها بعضنا هنا وهناك. لا استطيع السكوت على اللامسؤولية في السلوك، وعن اللاحكمة في تصرف البعض منّا. عشت واختبرت جيدا كيف ان تصرفات انانية وفردانية لبعض الكهنة والاساقفة وضعتنا في مشكلات كبيرة مع واقعنا العراقي! عشت شخصيا تصرفات لمسؤولين في الكنيسة واكليروسها اوقعتنا في انقسامات طائفية وبرود ديني وشبهات عديدة. اعرف جيداً كيف ان تصرفات لا مسؤولة وغير مدروسة دفعت جهات كثيرة واعطتها المسوّغ للاعتداء على كنيستنا وكهنتنا. لذا فمن قام بهذا لا اعتذار منه، بل هو عليه الاعتذار من الناس والكنيسة، وعندئذ المغفرة والسماح. مهما كان منصبه ومهما كانت مكانته.
الى جميع الاخوة الكهنة والعلمانيين الملتزمين: لسنا بحاجة الى المشاعر والعواطف، والتعاطف السلبي مع من نحب، بل الى المواقف التي تاتي من ايماننا بيسوع المسيح. نعم اننا بحاجة الى المحبة، ولكننا بحاجة اكثر الى محبة في الحقيقة Caritas in Veritate.  مرة أخرى، أنا آسف لكل من سببت له الآذى من اخوتي الكهنة في الخارج والداخل. وانا اقدّر شخصيا خدمتكم وعملكم لخدمة كنيستنا الكلدانية. لا حاجة لي ان اتملق لكم، فالاحترام المتبادل موجود والله يعرف القلوب ويفحص الكلى.

الاب سعد سيروب
بغداد 26/6/2010 

16
ماذا بعد؟
مراجعة جادة للذات
وتحمل للمسؤولية الرسولية
على المستوى الشخصي والمؤسساتي
اساقفة واكليروس وعلمانيون

قال البابا يوحنا الثالث والعشرون في بداية المجمع الفاتيكاني الثاني ان الانجيل ما زال مجهولاً ينتظر من يكتشفه. وبعده البابا بولس السادس قال: "يجب علينا ان نطبّق الانجيل... فقد خيل إلينا فهمناه حقاً وعشناه، ولكننا لمسنا الآن وأدركنا خير الإدراك اننا بحاجة الى اعادة كل شيء منذ البداية".
إلا اننا اذا انتقلنا الى مرحلة التطبيق هذه، خشينا الاعتراف المتواضع بأغلاطنا. فكم من مرّة ومرة حورنا رسالة المسيح وأفقرناها. نعم فخطايا عديدة، خطايا العمل وخطايا الاهمال، خطايا التأويل وخطايا الجبن، خطايا التهاون وخطايا الانانية. فبهذه الخطايا نشوه كل يوم وجه المسيح المشرق. وأريد هنا أن أستشهد بما قاله كاتب مسيحي مشهور (خوان ارياس في كتابه Le Dieu en qui je ne crois pas) : "من أصعب ما يعترضنا في الانجيل قراءته ببساطة، أعني أن نقرأ فيه البياض حيث كُتب البياض، ونقرأ السواد حيث كتب السواد، مما يختلف بلا شك عمّا هو بَيْنَ بَيْن، في لون "الرماد". فالبساطة فيها قوى متفجرة، لذا نخافها، ونخاف بساطة إنجيل "يُقرأ" ولا "يأول" (ص 112).   
يجب ان نقول باننا نعيش أزمة كبيرة في الكنيسة (على الاقل في كنيستنا في العراق). ونقول بان الازمنة ضربت ميادين: السلطة، والطاعة، والايمان، والاخلاق، والرجاء المسيحي. والجميع في كل مكان يشعرون بحاجة ماسة الى مضاعفة الجهود للخروج من هذه الازمات، ظاهرة كانت أم خفية. ولكن يجب ان لا تكون هذه الحاجة الى حلّ الازمة مجرد رغبة دفينة في الرجوع الى هدوء الماضي، والهرب مما تجلبه إعادة الامور على بساط البحث من عدم ارتياح، والتنصل من الالم الناتج عن كل تقويم في العمق، وعن كل اعتراف دامٍ باغلاطنا وحدودنا.
في خضم هذه الازمة لا يزال المسيح النور الامين: "الى من نذهب وكلام الحياة الابدية عندك؟" (يوحنا 6/ 68). ولابد لنا، ساعة تحتدم الازمات في تاريخنا المسيحي، من أن نتخطى الاجوبة الفلسفية والثقافية والعلمية وما هو منها على مستوى الانسان فقط، فهي وحدها لا تكفي. وليكن المسيح جوابنا الحي. وليكن كلمة سهلة بحيث يستطيع كل انسان ان يقرأها، كلمة عصرية بحيث تساعد في حل كل المشاكل وأشدها خطورة، كلمة جديدة ثوروية بحيث تلبي أعمق المتطلبات في الذين يبحثون باستمرار، والذين يحبون التجديد، والذين يريدون اجوبة مستحدثة عن مشاكلهم الخاصة. 
ففي هذه السنين الثمانية الاخيرة، كتبت مقالات عدّة عن حالة الكنيسة في العراق والخارج، وعن المستوى الذي وصلت اليه الكثير من النفوس، ممن هم في موقع المسؤولية والخدمة، ممن استغلوا السلطة، وجروا وراء الثروة والمال؛ وتركوا الكنيسة الكلدانية ولجئوا الى كنائس أخرى هربا، وممن أُهمِلوا ككهنة وعلمانيين من قبل الرئاسة الكنسية وحُربوا من السلطة؛ شهدنا انقسامات حول الاولويات في حياتنا الروحية؛ شهدنا لجوء سريع الى السلطات السياسية بحجة حماية الجماعة المسيحية، ولجوء اسرع منه الى أموال مسيّسة بحجة مساعدة الكنيسة لجني الاموال وبنائها... وغيرها الكثير من القضايا. ماذا يدّل هذا؟ ان هذا وان دلّ فانه يشير الى وجود أزمة على المستوى الكنسي المؤسساتي، كما على المستوى السياسي والقومي.
ماذا بعد؟
1.   على المستوى الروحي: رجوع جاد الى الذات وعودة الى الله بالقلب والفكر. نحن بحاجة الى قوة جديدة، هي قوة الروح القدس، لنستطيع قراءة الانجيل بجدية وحماس الرسل وبعصرية ومسؤولية زماننا. يتم هذا باعتراف حقيقي بالخطايا التي ارتكبناها في الماضي. لا غفران بلا اعتراف. لا تجدد بلا تواضع في الايمان والمحبة. 
2.   على المستوى المؤسساتي: بناء مؤسساتنا الكنسية بما ينصح ويرشد به القانون الكنسي. خلق مسؤوليات حقيقية وليس مجرد اسماء على ورق، واختيار اناس يتحلون بالمسؤولية والغيرة على الايمان والمحبة والرجاء، والتخلي عن المحسوبية والمصلحة والمال.
3.   على المستوى الراعوي: عمل مشروع راعوي يهتم بالكبار والصغار من ابناء الكنيسة. يأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات والثوابت، ويبني روح الجماعة والمقاسمة والتشاور بين اعضاء الكنيسة الواحدة.
4.   على مستوى الخدمة: اشراك الجميع في العمل الكنسي. العمل على اشراك العلماني حسب تعليم الكنيسة في المجمع الفاتيكاني الثاني. العمل على بناء كنيسة يشارك الجميع في ادارتها ويعمل على ازدهارها ونموها.
الكنيسة التي لا تعرف إلا تبخير الناس ولا تخضع قط للاضطهاد، الكنيسة التي تخون مواهبها الخاصة عن خوف أو مصلحة، تكون كنيسة بلا روح، كنيسة بلا قوة ونبوة. أجل، الكنيسة التي لا تعكس صورة مسيحها وأنبيائها العظام، تكون كنيسة جاحدة.

الأب سعد سيروب
بغداد 14/6/2010



17
من العراق بلد الاطلال والبكاء
الى الاب سرمد والمهجر بلد المغامرة والبقاء

لقد قرأت مقالك عن الهجرة، ورأيت كيف تستخدم الامثلة الكتابية بالشكل الذي تراه مناسباً. ولكني أستغرب شيئاً واحد!! اذا كان واضحاً التفسير الكتابي لهذه الامثلة والنصوص والآيات كما تقول وتشرح أنت، فلماذا تُصرّ كنيستنا الأم الكاثوليكية، التي ننتمي أنا وأنت إليها، على بقاء المسيحيين في الشرق الاوسط وفي العراق؟ لماذا تُناشد الكنيسة الدول العربية على حماية المسيحين للبقاء في ارضهم، أرض أجدادهم وتراثهم والحفاظ على ثقافتهم وحضارتهم؟ لماذا تُصرُّ الكنيسة على عقد مؤتمرات (مؤتمر من اجل مسيحي الشرق الاوسط في اوكتوبر المقبل) لدراسة احوال المسيحيين والمحافظة عليهم في هذه الارض (العراق، بلد الاطلال كما تسميه)؟ هل لأنها لا تفهم الكتب المقدسة كما تفهمها انت؟ أم لانها تملك تفسيرات أخرى مختلفة كلّ الاختلاف عن الذي تملكه، ولأن رؤيتها تختلف كلّ الاختلاف عن رؤيتك؟
يا أبونا سرمد: أ لم تدرس في الكتاب المقدس وتاريخه ما يسمى بالاطار التاريخي للنصوص والثقافة الكتابية والاطار الحضاري؟ فكيف تفهم هجرة ابراهيم على انها هروب من الارض؟ يا عزيزي، أنها بحث عن الله؟ انها دعوة الله له. أنها سعي وراء الاله الحقيقي والحي. ليست هروبا سلبياً وهجرة؟ ويسوع، ربنا وإلهنا، لم يغادر أرض أسرائيل أبداً؟ أقرا وانت تعرف؟ لم يهرب من اضطهاد شعبه وبيته، بل بالعكس، ساعدهم على الايمان والاكتشاف والبحث عن الله الحقيقي! أمر الرسل للذهاب الى خراف اسرائيل الضآلة ومنه الى العالم، وهو ذاته لم يغادر بيته وارضه؟!! لقد ذكرت القديس اوغسطينوس وشارل دي فوكون الذين هما من المهجر أتيا ليقيما في أرضنا؟!!
مع هذا أقول: الهجرة حق طبيعي للانسان. انها قرار حرّ يتخذه الانسان معتمدا على رؤيته لنفسه وللمستقبل الذي يريده. ولكن عندما يكون الكاهن أول المهاجرين، حتى قبل الرعية، هذا ما يشكل علامة استفهام كبيرة؟ اذا الكاهن اول الباحثين عن البقاء والقوة والعلاء، فمن يبقى في دار البذل والضعف والرثاء؟ اذا الكاهن والراهب أول من يحوك ويخطط للبحث عن سفرة الى الخارج، لكي ما يجد رعية في أوروبا وكندا وأمريكا، فلماذا تقول الكنيسة للناس عليكم البقاء في العراق!؟ أسال نفسك شخصياً يا أبونا: هل أرسلتك الكنيسة رسمياً الى كندا؟ أم أنك خرجت الى سوريا في سفرة لزيارة الاهل ومنه الى كندا؟ أ لم تتوسل الكنيسة بك للبقاء في العراق مثلك مثل اخوتك الكهنة، ولكنك ضربت بعرض الحائط كل التوسلات والطلبات من الكنيسة؟
يا أبونا انت تتكلم عن الهجرة وتدافع عنها. ولا ضير في ذلك. ولكني أريد ان اقول لك بان الكنيسة عندما تريد ان تبعث كهنة الى المهجر فانها تبعثهم بعد تخطيط ودراسة وبالاتفاق مع المصاف الاسقفي والكهنوتي الموجود في الداخل والخارج. أما كنيستنا فلا يوجد فيها لا تخطيط ولا عمل مدروس! الكهنة فيها يلوون الذراع (أما أخرج من الكهنوت أو أذهب الى أوربا) ويهربون بحجة الزيارة ويختفون في أوربا وراء فشلهم في الحصول على مناصب ويسجلون بالامم المتحدة طالبين اللجوء الانساني؟!
صحيح كما قلت ان مياهنا الراكدة تحركت بهذه الهجرة واخرجت ما كان مخفي في طيات حياتنا المسيحية؟ أقول: عجباً ارى كهنة المهجر في بلدنا صامدين وكهنة بلدنا في المهجر قابعين ولاجئين؟ انا انقد واقعاً صرت فيه طرفاً. لم انقد الكهنة ككل. فهناك القديس والذي يعمل، ولم أسمي أوربا بلد الفساد والضلال، كما سميت العراق بلد الاطلال والبكاء. ان نهاجر ككهنة، فهذا يجب ان يكون بعد دراسة وتخطيط وتلبية لحاجاة الكنيسة في المهجر. لذا فارجوك لا تصفنا بالتزمت والبكاء على الاطلال. تذكر مقالك السابق عن أهل المهجر؟! يا ترى هل غيرت فكرك في شهر؟ أي عمقاً هذا؟!
تحياتي وامنياتي الطيبة لك ولكل الكهنة الذين في المهجر، ان يوفقكم الله، وان تخدموا الكنيسة، الكنيسة فقط.

ابونا سعد سيروب
بغداد 6/6/2010  


18
من هو الكاهن؟
من فقد حياته من أجلي وجدها
في ذكرى استشهاد الاب رغيد كني

تنمو الكنيسة بدماء شهدائها. تنمو الكنيسة بالحب الشخصي العميق والايمان الملتزم والجاد بالمسيح وكنيسته. تنمو الكنيسة عندما يعرف التلميذ ان يكون كمعلمه (لوقا 6/ 40). تنمو الكنيسة عندما يعرف المؤمن كيف يعيش حياته وهو مملوء من حب المسيح وافكاره وشغله الشاغل الوحيد هو بناء ملكوت الله بين البشر.
تمر في هذه الايام علينا ذكرى استشهاد الأب رغيد كني ورفاقه. واعتقد أنها في هذه السنة الكهنوتية تحمل معاني خاصة جدا. لقد أرتسمت أنا والأب رغيد كني في روما. لقد رجعنا الى العراق لكي نخدم الكنيسة، والكنيسة فقط. نال هو نعمة الشهادة التي اتمنى لو كنت نلتها، ولكن، أراد الله ان يبقيني من المعترفين في الايمان ("موديانه" مثل غيري من أخوتي). فالكلام عن الكاهن: "مَنْ هو؟ وما هي رسالته؟" يجد غناه الجديد وعمقه الروحي على ضوء شجاعة ومحبة الأب رغيد كني وغيره من الشهداء للرب ومسيحه. أنه دعوة لكل واحد منّا لكي يفكر من جديد ككاهن وكمؤمن بالمسيح. انه دعوة لمراجعة الحياة والوقوف عند أصول دعوتنا الكهنوتية. انها مناسبة للكلام عن الكاهن وكيف انتهى به المطاف في العراق وفي كنيستنا الى هذه الصورة الحرجة.
للأسف، لقد شوّه بعض الكهنة صورة المسيح من خلال سيرة حياتهم ولا مسؤوليتهم في كهنوتهم، وذلك من خلال عيشهم لصور ولاشكال بعيدة عن روح الانجيل وبعيدة عن أرادة يسوع المسيح:
1.   فمن الكهنة اليوم من هو مقاول وبنّاء. همّه الأول والاخير هو البناء والنشاط الخارجي! نراه ينصرف وراء البناء لينسى الانجيل وبشارته! نراه يجلس وراء المكتب، فينسى الكرازة والتعليم والتبشير! ينسى الصلاة والتامل وينصرف الى العمل والتشتت والدعاية والاعلان. يريد ان يقنع نفسه بأنه يقوم ببناء الكنيسة المادي، ولكنه في الحقيقة ينسى ان الكنيسة تُبنى بروح الايمان والمحبة والصلاة وعيش كلمة الله. مع أني أومن بان البناء المادي ضروري في حالة كنيستنا، إلا أني أعتقد بأن عملنا الرئيسي هو التعليم والصلاة والخدمة، وليس تخليد الاسماء بالبناء والتعمير!
2.   من الكهنة اليوم من يبحث عن الراحة في الكهنوت. يعتقد بعض الكهنة انه وبعد مرور عشر سنوات على الكهنوت (أقل أو أكثر)، يصبح من حقّه ان يرتاح في رعايا جيدة وبلدان يتمتع فيها بالامن والرجاء. فقد هجر ابرشيتنا بغداد ومنذ 2003 أكثر من 20 كاهن (كنّا 36 كاهن واليوم نحن 14) بحجة ان الاوضاع صعبة، وأخذ الكثير بالبحث عن تعويض لما عاناه وقاساه في سني كهنوته هنا في بغداد. فمَنْ فشل في الحصول على الاسقفية في العراق أو المنحة الدراسية الى روما أو غيرها، راح يبحث عن عمل في ابرشيات الخارج، وكأن الكاهن في اوربا او امريكا يعني امتيازاً أكبر وأفضل من ذلك الذي يوجد في العراق. هذه صورة شائعة للكاهن اليوم.
3.   من الكهنة مَن يبحث عن الاسقفية فحسب، والبطريركية فيما بعد. انه نموذج الكاهن الذي يعمل كل شيء من أجل ان يصبح أسقفاً. فلا يقوم بعمل، ولا يطيع رئيساً إلا لكي يجلب الانتباه والاعجاب الارضيين (ليس لانه يؤمن بالطاعة كنذر خلاّق في الحياة الكهنوتية)! يبيع نفسه لهذا وذاك من السياسيين الزمنيين ويبيع ذمته للذي يعطي أكثر. يخرس عن قول الحقّ ويسكت على التقصير البشري الفاضح من جانب رئاسته الكنسية والمدنية، لكي لا يظهر لها كمن يقاومها وينقدها. يعتقد بانه من الافضل ان تترك الامور كما هي، فالله هو حلالها! أنه الكاهن اللامسؤول والغير المؤمن، الذي يلبس صورة الكاهن المطيع والخاضع. انه الذئب بلباس الحمل.
4.   الكاهن اللابالي والنرجسي. انه كاهن لا يحب إلا نفسه وبالرغم من انه يعمل بعض الخدمات أمام الناس، إلا أنه لا يعمل شيئًا، إلا لكي ما يرتاح أكثر وأكثر على المستوى النفسي والاجتماعي. لا يعطي إلا لكي يحصل على أكثر. يَنغلق في مجموعة من العلاقات السطحية التي أقامها مع فريق من الناس، وينعزل عن الآخرين؛ ينغلق على زمرته واصدقائه، فينسى الآخر البعيد والمهمّش والفقير والمحتاج والمريض. ينسى معنى التضحية الحقيقية والرسالة االواجب بنائها. 
بين هذه الصورة وتلك يضيع الكثير من كهنتنا واساقفتنا، حتى بدأت الكنيسة تضيع فيهم. يا أخوتي الكهنة فلنتب عن خطايانا وتقصيراتنا، ولنرجع الى الله الآب لنكون خليقة جديدة بالابن يسوع المسيح، ولنسمح لروحه القدوس ان يقودنا لبناء جماعة أكثر ايمان ومحبة للرب. كنيستنا بحاجة الى عمل دؤوب يتجذر في كلمة الله وتعاليم الكنيسة. كنيستسنا بحاجة الى كهنة يعرفون كيف يعطوا أكثر مما ياخذوا. كنيستنا بحاجة الى كهنة ذو موقف وروح مسيحية وانجيلية عالية. كنيستنا بحاجة الى كهنة ينتبهون الى الناس وصحتهم الروحية. كنيستنا بحاجة الى كهنة يعرفون كيف يختاروا المسيح فوق كل شيء آخر.
هل أقول هذا للنقد؟ نعم. لا أقول لأني في بغداد وغيري لا! أقوله لأني أرى واقرأ واختبر حال كنيستي الضعيفة وروحانيتها المفقودة التي جعلتنا نخسر مؤمنينا ورسالتنا؟ وأنا لا أخاف في الرب شيئاً. كلنا بحاجة الى التوبة والرجوع الى الله. من كان له أذنان للسمع فليسمع.

الاب سعد سيروب
بغداد 1/6/2010   
saadsirop@hotmail.com 

19
"أسهل على الجمل ان يدخل من ثقب أبرة
من أن يدخل الغني ملكوت الله" (مر 10/ 25)
الى الاغنياء من ابناء شعبنا المسيحي

أني الأب سعد سيروب حنا راعي خورنة مار يوسف البتول في الكرادة / خربنده اتوجه الى ابناء هذه الرعية وغيرهم من الموجودين في داخل البلد وخارجه، وخاصة الى الاغنياء واصحاب الاملاك في منطقة الكرادة الشرقية وغيرها من المناطق. أريد أن أقصّ عليكم معاناةً راعوية نواجهها هنا في بغداد وانتم طرف فيها بشكل مباشر أم غير مباشر، وألتمسكم التفكير فيها على ضوء الايمان والالتزام الاخلاقي.
اننا نواجه محنة عصيبة ومؤلمة بدأت تؤثر على الكثير من ابناء خورنتنا: فأغلب الناس التي بقيت في المنطقة (وفي بغداد عموماً) هم من الطبقة المتوسطة الحال والفقيرة، وهي تسكن بيوتا مؤجرة، قام اصحابها بتأجيرها لهم وهم الآن يسكنون دولاً اجنبية هاجروا اليها. فاليوم وبعد استقرارهم في بلاد المهجر رأوا في ارتفاع قيمة الاملاك الجنونية وارتفاع ايجاراتها فرصة للاستفادة من هذه الاملاك واستغلالها للمنفعة الاقتصادية: فالكثير من اصحاب البيوت والعمارات السكنية يريدون بيع هذه البيوت أو رفع ايجاراتها الى اسعار خيالية أو اخلائها وتأجيرها الى شركات اجنبية وعراقية. الامر الذي يصعب تحمله من قبل هذه العوائل المسيحية المتبقية. فقد وصل بدل الايجار الى أكثر من 750,000 (600$ امريكي) دينار عراقي للمشتمل الصغير والقديم و1,000,000 دينار للبيوت القديمة واما الحديث منها فحدّث بلا حرج.
المشكلة تكمن في ان هذه العوائل التي بقيت داخل العراق وفي بغداد خصوصاً هي عوائل  ذات دخل محدود (موظفين وعمال ومسنين متقاعدين)، وقد صار صعباً جدا عليها ايجاد فرصة سكن كريمة في الكرادة بعد الآن، وهي المنطقة التي سكنتها لأكثر من 20 و30 و40 سنة من حياتها. حيث يجد الكثيرون منهم صعوبة كبيرة، بعد ان عاشوا مراحل حياتهم (الطفولة والشباب)، في الذهاب للسكن في مناطق بعيدة ونائية من بغداد! ناهيك عن تغيير الطبيعة السكانية لهذه المناطق الأخرى. فتضطر هذه العوائل الى الهجرة وترك البلد وبهذا تفرغ مناطقنا من المسيحية وعوائلها المسيحية. فالمتبقي في الكرادة من العوائل المسيحية 400-500 عائلة هاجر ضعفي هذا الرقم الى الخارج. واليوم نشهد هجرة أخرى بسبب صعوبة ايجاد السكن!!   
أنا لا ألومكم على استخدام أملاككم، فلا حكم لي عليكم. ولكني أطلب اليكم التعامل بايمان، كمسيحيين يشعرون باخوتهم الفقراء، وارجو منكم التريث قليلاً وأمهال الناس الوقت وتركهم يعيشون بسلام الى ان تقوم دولتنا الجديدة (التي هي سبب كلّ المشاكل) ببناء مساكن ومجمعات سكنية يمكن لهذه العوائل اللجوء اليها. فالكثير منكم يملك أكثر من مُلك في بغداد وهو يسكن في الخارج، ولكنه يُّصر على تصفية ذاك الذي يقع في هذه المنطقة والذي فيه عوائل مؤجرة للاستفادة منه مادياً. انكم تساهمون وبطريقة غير مباشرة في هجرة المسيحيين من البلد والى افراغ هذا البلد من الروح المسيحية التي عرفها منذ القرن الاول الميلادي.
ليس الغنى عيباً. لقد أحبّ المسيح الفقراء والاغنياء. لقد جلس في بيت الاغنياء أمثال متى وزكا وسمعان الفريسي ومنحهم الخلاص كبقية الناس. ولكنه في الوقت نفسه نقد الاغنياء وبكّتهم على قساوة قلوبهم تجاه أخوتهم الفقراء. ليس الغنى خطيئة، ولكنه يصبح كذلك عندما يقودونا الى عدم الاكتراث والمشاركة والتقاسم مع الفقراء من أخوتنا. اعرفوا بان غناكم لم يأتي إلا بفضل بركة الله ونعمته، وعليكم اليوم وأكثر من أي يوم مضى، ان تشكروا الله وتخدموه باموالكم.
المشكلة في ان الكنيسة لا تتكلم؟! فهي ضعيفة ولا كلمة لها، لا في الداخل ولا في الخارج؟! لا تكونوا انتم والزمن على الفقير والمعوّز. اعملوا بالمعقول واقنعوا بالربح الكافي، الى أن ينجلي الليل وتشرق الشمس بيوم يكون سعيدا للجميع. أصلي الى الله ان يبارك الجميع وينيرهم بحكمة محبته. آمين.

الاب سعد سيروب حنا     
راعي خورنة مار يوسف
الكرادة / خربنده



20
يا شعبنا المسيحي
تشجع فان الرب معك

أبونا سعد سيروب
اننا نعيش اليوم أياماً محزنة وأليمة... نرى أخوتنا وأخواتنا المسيحيين يذبحون ويموتون ويخطفون ويصيرون ضحية مخطط سياسي وتعصب ديني وقومي أعمى. اكتب هذا وانا اعرف من قريب وبعيد الاشخاص الذين أصابهم هذا. اكتب من بغداد التي خُطفت من أحدى كنائسها يوم 15/8/2006 وعُدت إليها قبل أكثر من سنة وانا حامل شهادة عليا وكليّ أمل في المساعدة والحفاظ على ما تبقى من وجودنا الكنسي والمسيحي في العراق.
يسالني الناس وأسأل نفسي في كثير من الاحيان: لماذا هذا الاصرار على البقاء؟ ولماذا هذا الالتزام بالعراق الذي لم يعد يلتزم بنا؟ أريد أن أجيب: الاجابة النظرية والعقلية صعبة! ولكني أريد ان أجيب: أنا أومن بكلمات المسيح وهو يقول لنا: "انتم ملح الأرض" (متى 5/ 13)؛ أومن بالمسيح وهو يقول لنا: "انتم نور العالم" (متى 5/ 14). لماذا هذه الأرض؟ لان عليها بُذلت دماء الآلاف من شهادئنا الابرار وعلت أصوات المعترفين أمام طاغوت الاباطرة والملوك الذين اضطهدوا الكنيسة والمسيحية. لماذا هذه الارض؟ لاني أومن بان الله قد سلّم لنا رسالة لكي ننقلها الى هذه الشعوب، ونعرف باننا لا يمكن ان نتخلى عن دعوة الله لنا ولا يمكن ان نتملّص من الشهادة له مهما كانت الظروف ومهما كانت التحديات. أومن بالطيبة الموجودة في هذه الارض وفي قلوب الناس؛ أومن بالخير الذي يمكن ان نحمله للناس عندما نعيش تعاليم المسيح امامهم.
أيها الاخوة والاخوات، دعونا لا نسمح لأحد ان ينال من كرامة انسانيتنا ومسيحيتنا؛ لا نستسلم للحقد والعنف ومنطق التعصب والانغلاق فلا نسمح لاحد أن يقوّض شهادتنا ورسالتنا المسيحية. هناك من يريد ان يجرّنا الى منطقه وفلسفته التي لا تعرف سوى السيطرة والقوة والعنف والقتل باسم الله والقومية والمشروع السياسي. العراق بحاجة الى حضورنا الايماني والانساني لنكون صوتاً يُضادد التعصب والحقد والانغلاق القومي والطائفي.
أدعو كل من لديه السلطة مدنياً ودينياً الى عدم التستر على المجرمين والظالمين الذي يقومون بهذه الاعمال. أدعو الكنيسة برؤسائها وكهنتها الى الوقف بكل حزم وشجاعة والمطالبة بالكشف عن الجهات المتورطة بهذه العمليات ضدّ المسيحيين. ندعو رجال الدين والمؤسسة الدينية (أياً كانت) الذين تركوا انفسهم وذممهم في أيدي السياسيين وأموالهم الى الرجوع الى الله ومخافته وتغيير الذات فان الله حازم بوجه الخطيئة. أدعو الكنيسة الى أدانة تقصير الحكومة وكلّ الجهات السياسية والامنية في الحفاظ على أرواح المواطنين؛ ان نتعامل مع النظام الحاكم لا يعني ان نسلم بيديه كرامتنا وايماننا! 
انها دعوة لنا نحن المسيحيين الى التوحّد في المسيح والثبات على مبادىء الانجيل. فلا نسمح لأحد ان يُسيّس موت شهدائنا أو يسخّره لدعم نظرة طائفية وحزبية. انها دعوة لجميعنا الى الثبات على الايمان والبقاء على لغة المحبة والتسامح والتعايش. فلا نحاولن ان نستخدمه لتبرير قيام منطقة سياسية أو تكتل طائفي. علينا ان نقيم الصلوات ونقرأ الانجيل وننظر الى "رئيس ايماننا ومكمّله يسوع المسيح" (عب 12/2). ان دماء الشهداء التي سالت يجب ان تقودنا الى وحدة أعمق في المحبة وثبات اكبر في الايمان.




21
رأي مسيحي في الطائفية

لقد أثيرت في بلدنا في السنين الأخيرة قضية الطائفية بشكل قوي ومركز، حتى صارت حديث كلّ من يهتّم بحياة بلد بُني نظامه وكيانه الاجتماعي والسياسي الجديد على أساس طائفي. وأني أرى أن الناس منقسمون على هذا الوضع، فمنهم من يتمسك به ومنهم من يرفضه رفضاً قاطعاً ومنهم من يعتبره أمراً مؤسفا لكن لا بد منه. ولكن قلّ ما يُبحث هذا الموضوع من وجهة نظر دينية بحتة. فالناس هنا يقومون الطائفية بالنسبة الى اعتبارات وطنية وسياسية واجتماعية وحسب، متسائلين في معظم الأحيان موقف الدين من القضية. والاخطر من هذا، اننا نرى من يخلطون بين الدين ووجهه الطائفي فيشملون كليهما في إخلاص واحد أو نقمة واحدة. ولهذا أردت أن أكتب بالرجوع إلى الإعلان الإنجيلي، وان أطرح رأياً مسيحياً في الطائفية التي نعيشها في العراق.

ما معنى الطائفة؟ وما هي الطائفية؟  
يمكن تعريف الطائفة على انها ذلك الكيان الاجتماعي الذي يملك عددا ومؤسسات وأبنية وأوقاف وشعارات وعادات. وجودها ضروري، ولكنها تفقد صفتها ووظيفتها إذا لم تعبّر عن حياة دينية أصيلة، هي في جوهرها سعي الجماعة إلى الله وطاعة محبته ومحبة أعضائها بعضهم لبعض ولكل إنسان من دون استثناء. ومن هنا، أريد أن أُحدّد بأن الطائفية، من حيث هي موقف روحي، هي أن يُعطى للكيان الاجتماعي الطائفي، أهمية بحدّ ذاته، بغض النظر عما يفرض أن يعبر عنه هذا الكيان من معان دينية، من حياة روحية الله مصدرها ومرجعها. انها التوقف عن المظهر الاجتماعي للكنيسة واهمال رسالتها الأصيلة المميزة. انها اعتبار الكنيسة تكتلاً اجتماعيا في الأساس يقوم تجاه تكتلات أخرى، لا يميزه عن الهيئات الاجتماعية كافة سوى شعائر فصلت عن مضمونها ولغة أفرغت من معناها. وما حدث في العراق في السنوات الأخيرة، هو ان الطائفة صارت تكتلاً سياسياً تقتسم الحكم وتتوزع الوظائف، وهذا بدوره دعم الموقف الروحي الذي أفرغ الطائفة من معانيها الدينية. ولهذا أريد أن أبين بعض الانحرافات الدينية الخطيرة الذي يؤدي إليه الموقف الروحي الطائفي الذي تغذيه الطائفية السياسية.

الانحرافات الدينية الناتجة من الموقف الروحي الطائفي
1.   أفراغ المؤسسة من غايتها الروحية

لقد وجدت المؤسسة الطائفية بالأساس لخدمة المعاني الروحية التي هي مبرر وجود الجماعة الدينية. ليس الغاية منها اعتزاز الطائفة أو تعظيمها، بل خدمة الناس والله. فما الفائدة من كنائس مزينة ومجملة، بلا كهنة أكفاء ومستحقون يعلنون كلمة الله ويبثونها. فمالفائدة من بناء الهياكل، في حين أن لا اهتمام بالانسان وبناءه، بالمسكين والفقير والمهمّش؟ اتجهت المؤسسة الطائفية الى القشر وأهملت الجوهر!؟
2.   علمنة الشؤون الكنسية
لقد صارت شؤون الطائفة أموراً يمكن بحثها من منظار اجتماعي أو اقتصادي. هذا يعني البحث في أمور الطائفة وأوقافها ومصادرها من زاوية علمانية مستقلة عن رسالة الكنيسة التي لم توجد الاوقاف إلا لخدمتها. 
3.   تشويه الهوية المسيحية
ان نتيجة مثل هذا التوجه الطائفي، دفعت الى اعتبار الإنسان مسيحياً لمجرد أنه ولد في طائفة مسيحية. هذا ما يجعل من الهوية المسيحية أمراً اجتماعيا بحتاً ويفرغها من بعدها الدينية الأصيل. الإيمان قضية ثانوية! فقد يشغل شخصاً ما منصباً أو وظيفة في الدولة باسم الكنيسة وهو غير مؤمن بها. وبهذا توضع الكنيسة بين يدي جماعة لا تعترف بالله ولا بكنيسته. فقد يتعايش الالحاد مع الانتماء إلى جماعة لا مبرر لوجودها كجماعة سوى إيمانها الديني. في أحدى روايات الكاتب المصري نجيب محفوظ يعترف أحد الشخوص قائلاً: "إني لا ديني وقبطي معاً، أشعر في أحايين كثيرة بأن بالمسيحية وطني لا ديني، وربما إذا عرضت هذا الشعور على عقلي اضطربت ..." (السكريّة، مكتبة مصر 1964، ص 176). ألا يوجد في بلدنا عدد من المسيحيين ينطبق عليهم هذا الاعتراف؟! المنظار الطائفي يتنكر لضرورة الاهتداء الدائم (التوبة)، فيعتبر الإنسان نفسه مسيحياً وقد انتهى الأمر.   
4.   تسخير الله لخدمة المصالح الانانية
الموقف الطائفي ينحدر إذاً بالله الى مستوى تصورات البشر، ولكنه أيضاً يسخره لخدمة المصالح، لخدمة الانانية الفردية والجماعية. أقصد بالمصلحة الجماعية "كرامة وعزّة الملّة"، والتي تكون على حساب المسيح معلمها وسيدها الذي جاء "لا ليُخدم بل ليخدم وليقدم نفسه فداء عن كثيرين" (متى 20/ 28). وأما المصلحة الفردية فهي أن ينتفخ بعض أفرادها بانتمائه الى كتلة مكرّمة، مهابة، وان يتمكن من الوصول الى الوظائف والنفوذ والجاه.   
5.   نبذ المحبة الأخوية
لا بد ان تمر علاقتنا بالله بعلاقتنا بالانسان، الذي هو المكان المفضل لتجلي الله. قبول الله يأتي بقبول الآخر. الموقف الطائفي يجعل من الطائفة كتلة منغلقة على مصالحها وأمجادها، ولذا فلا بد لهذه الكتلة في تهالكها وراء المغانم الترابية والمجد الدنيوي من أن تصطدم بغيرها من الكتل المتهالكة وراء المصالح عينها. من هنا يأتي الحق وتنشأ الكراهية. حيث تبحث كل جماعة عن مصالحها رافضة الله والآخرينـ دائسة على الايمان ومتنكرة للمحبة.
من هنا يمكننا القول، بان الطائفة إذ تؤله ذاتها، تتغرب عن الله وفي آن واحد تتغرب عن الآخرين. يصبح الآخر هو الغريب المجهول وبدلاً من معرفته على حقيقته نلصق به العيوب لا نود الاعتراف بوجودها فينا، فنتهمه بالكفر واللاأخلاقية والاعوجاج.

الأب د. سعد سيروب
saadsirop@hotmail.com   

22
رسالة من كاهن
إلى أبناء شعبنا المسيحي في العراق


كم أُحب بلدي وأقدّر شعبي، فالله عالم بما أكنّ له من حب واعتزاز. كرست حياتي لأكون كاهناً وفي داخلي رغبة عميقة لخدمة المسيح وخدمة أهلي وشعبي من خلاله. لم أكن أفكر يوم بأن أصير كاهناً لهذه الطائفة أو تلك، كلدانية أو أشورية أو سريانية! فقد كُّنا كشباب نعمل سوية، أثوري وسرياني وكلداني، نخدم في نفس الكنيسة. صرت كاهناً وأمامي المسيح الكاهن الأعظم وأمنا العذراء.

اليوم بعد ستة سنوات من تغيير النظام والظروف التي مررنا بها، لم تتغير نظرتي ولكني أشعر بتغير أهلي وباختلاف شعبي: أراه ضعيفاً وحائراً، تعباً ومنقسماً على نفسه. فالانقسام السياسي صار انقساما قومياً وطائفياً، بل أكثر، صار انقساما على هويتي الإنسانية. لهذا أردت أن اكتب هذه الرسالة محذراً إياكم:

1.   لا تسمعوا إلى رجال الدين (بعض رجال الدين) الذين يستخدمون الدين لخدمة مصالحهم الشخصية. فأي رجل دين هذا، الذي يدعي الحزبية والطائفية؟ وأي رجلُ دين هذا الذي يبيع مبادئه وإيمانه من أجل المال والسياسية؟ أي رجل دين هذا الذي لا ينفك يمدح ويشكر جميع السياسيين، ولكنه ينسى شكر الله ومجده؟ هؤلاء هم الذئاب الخاطفة والأنبياء الكذابين الذين قال عنهم المسيح (متى 23؛ يوحنا 10).     
2.   لا تسمعوا إلى القوميين المتطرفين... جُلّ همهم مصلحتهم وأيديولوجياتهم. الحزبية من التحزب، والتحزب سببه الانغلاق والتعصب. لقد دمّرت الأيديولوجيات السياسية والقومية (الشيوعية والرأسمالية والنازية والفاشية) شعوبها وبلدانها. أحذروهم فهم بألف رأي، لا بل أقول كلَّ يوم برأي. لا يهمهم إلا حصولهم على منصب، وعلى الامتياز الاجتماعي والمكسب المادي. لقد قسموا شعبنا وأضعفوا كنيستنا وشوهوا وجودنا الإنساني والحضاري في بلدنا.
3.   لا تسمعوا لمن يريد أن يطالب بالحكم الذاتي... لم يكن لنا يوما حكماً ذاتياً؟! بل كان لنا ثقلاً أدبياً، وأخلاقياً، وثقافياً وروحياً مؤثراً في هذه البلاد. حقوقنا يحفظها القانون وهويتنا تكمن في إنسانيتنا وتعايشنا مع الجميع، أينما كان ومهما كان. نحن أبناء هذا البلد من الشمال إلى الجنوب، نحن الأصل.
فلنسمع إلى ضميرنا، الذي يعرف بالمسيح كيف يميز الخير عن الشر، والحقيقة عن الكذب والخداع. فلنسمع إلى تاريخنا وتاريخ أبائنا، فهم آية في الانفتاح والأصالة والوحدة. فلنسمع إلى صوت أبائنا الروحيين وقديسينا وشهدائنا من أجل المسيح، فلم يوجد فيهم كلداني أو آشوري أو سرياني، بل كانوا جميعاً مشرقيين، أنهم للمسيح ولهذا كان المسيح لهم.
التحدي كبير والصعوبات كثيرة ولكني واثق باننا سننهض من كبوتنا ونعود الى رشدنا... أملي بكل شبيبتنا المثقفة والواعية: الايمان بالله والمسيح هو فعل وجودي وقدرة روحية قائمة على أساس الانفتاح على الآخر المختلف تماما وتتجه نحو تغير وجودنا البشري المتمركز على فكرة الـ "أنا" و "الفردية" لتوسعه وتمتد به نحو التعايش والتضامن والأخوة والسلام مع كل إنسان. القومية بنزعتها الأثنية تعمل كقوة تغلقني وتحددني ببني جنسي ولوني ولغتي. الإيمان هو فعل يدفعني الى الدخول في علاقة محبة لا تنتهي مع من هو مختلف عني تماما، غير متساو معي، ليس شبيهاً بي: مع الخاطئ، وحتى مع العدو (متى 5/ 43-45). القومية بفعلها ألانتمائي العرقي واللغوي تغلقني على من هو من بني جنسي ولغتي ومتساوي ومتشابه معي.  
 

23
الحكم الذاتي
بين الحقيقة والوهم

نُشرت في هذه الايام الأخيرة العديد من المقالات، منها التي تمثل مطالب ومنها ما يمثل رداً على مطالب وملاحظات. مقالات طالبت ومازالت تطالب بالـ "حكم ذاتي" لشعبنا الكلداني الاشوري السرياني في المناطق والقرى ذات الاغلبية المسيحية، والمحصورة في منطقة جغرافية محددة، المسماة "سهل نينوى". يملك مثل هكذا طلب شرعيته ومنطقيته من الظروف الجديدة التي طرأت على الساحة السياسية في بلدنا والى الظروف التي مرَّ بها شعبنا المسيحي في الخمسة أو الستة سنوات الأخيرة. يُبرر اصحاب هذا الرأي مطالبهم على أساس ضمان مشاركة سياسية وادراية في ادارة البلد ومؤسساته. وكلّنا صار يعرف بان المشاركة السياسية في المجتمعات الديمقراطية تملك منهجيات وسبل مختلفة، تختلف تماماً عن ما يُنادى به في العراق. أريد أن أعطي بعض الملاحظات بخصوص هذه القضية وتحليل مدى تأثيرها على طبيعة الحياة المسيحية ورسالتنا في هذا البلد الجريح والمتألم بفعل الطائفية والقومية والعنف والقتل...

1.   يملك الحكم الذاتي أساسه الدستوري بلا شك. الاعتراض الحقيقي هو المطالبة به بأسم المسيحيين وهذا الأمر بحد ذاته يملك بُعداً دينياً ولا يحق لأحد ان يتكلم بأسمها، إلا لمن أُعطي لهم. ولهذا أقول بان ما يطالب به السياسيون والقوميون، ليس مشروعاً مسيحياً بل قومياً، مكانه محدّد والجماعة التي يشملها محدّدة. فالحكم الذاتي في سهل نينوى شأنٌ يخص أهل سهل نينوى مع بقية المناطق المحيطة به، وهو لا يشمل المسيحيين كلهم.   

2.   ان تعبير "مناطق تاريخية للمسيحيين" يفتقد الى الكثير من الصحة والدقة ويدخلنا في أشكالية كبيرة مع طبيعة وجودنا المسيحي في العراق ككل! فلا توجد مناطق مسيحية بالمعنى الذي يقصده البعض، اي وجود مناطق ينحصر وجود سكانها على المسيحيين. توجد قرى مسيحية في أقضية ومدن أكبر منها متعددة الشعوب والاديان والقوميات. تأريخنا شاهد كبير على التنوع الثقافي والشعوبي وصورة حيّة على تداخل معقد وتركيبة تعايشية فريدة تمتد الى اكثر من ستة الآف سنة.

3.   مثل هذه التعابير والشعارات والمشاريع السياسية، وخاصة في وقتنا هذا، تؤثر على واقعنا الديني وحقيقتنا التاريخية المهمة التي لطالما ميزت وجود المسيحين في هذه البلاد. فقد تعرّض أبنائنا في الكنيسة الى القتل والخطف والاضطهادات خلال الخمس سنوات الماضية، وكان سببها الجهل في حكم الآخر عنّا والجهل في حكمنا عن أنفسنا. فمن السهل علينا ان نفكر ونخطط على حساب حياة الآخرين، وخصوصاً إذا كنت خارج البلد. ومن السهل علينا نشر أفكار سياسية يتحمل تبعاتها المسكين والفقير والمضطهد من ابنائنا!

4.   لا يمكن ان نتخلى عن رسالتنا وتاريخنا في العراق ونحصر أنفسنا في مناطق محددة، ومع الزمن ستصبح معزولة ومغلقة على ذاتها. أظن أنه لخطأ كبير وجسيم ذاك الذي سنقع فيه عندما نترك الواقع السياسي المرير والموسوم بالانقسام والطائفية والعنف السياسي يُحدد ويَرسم تاريخنا ومستقبلنا في هذه البلاد. علينا ان نكون نحن من يُحدد واقعنا السياسي وان لا اترك نفسي ضحية وسجين لمشروع سياسي أياً كان خيره وحلوله الحالية والمؤقتة.

5.   نحن منقسمون. قوميونا أنفسهم منقسمون بين محافظ ومتجدد، بين من هو موجود في البلد وبين مَن هو موجود في خارجه. فنحن لا نملك موقفاً موحّداً بخصوص القومية. فما زالت انقساماتنا تؤثر على قرارتنا بخصوص هويتنا القومية. البعد عن الواقع يمنعني من تكوين صورة كاملة وواقعية عنه. لذا نرجو من الجميع الحكمة في الفكرة وعدم اطلاق كلمات وشعارات غير مسؤولة، لا تعبر إلا عن أوهام لا تمت الى الواقع بصلة.

أدعوك أيها المسيحي العراقي الى مغامرة أخرى أكبر وأجمل وأنبل: انها مغامرة الانسانية. فلنبني الانسان في كل واحد منّا وفي كل من هم حولنا، ففيه الخير الاعظم والخلاص الاوحد. الانسان صورة الله (تك 1)، الانسان صورة يسوع المسيح (متى 25)، الانسان الحي مجد الله (أيريناوس). فلنطالب بحق الانسان، وبالعدل للانسان، والسلام للانسان، عندئذ فقط يمكننا ان نقول باننا نعيش الانسانية والديمقراطية ونبني بلد صحيح الاساس. فاذا كانت القومية خير، فالانسانية خير أعظم وأكبر. عاشها يسوع وهو يدعونا اليوم لنعيشها.


[
b]الأب
سعد سيروب حنا[/b]
saadsirop@hotmail.com
   

24
المسيحي والسياسة
ماهي السياسية ومن هو السياسي المسيحي؟



مقالتي هذه تاتي تكميلا لمقالتين عن موضوع "الكنيسة والسياسية" نشرتها على صفحة "عنكاوا كوم" واريد من خلالها ان اثير بعض القضايا والمفاهيم الاساسية التي قد تساعد المسيحي (اكليروس وعلمانيين) بصورة عامة، والسياسي المسيحي بصورة خاصة، الى ترتيب قيمه واعطاء الاولوية للايمان في حياته قبل وفوق كل شيء أخر. ستلحق هذه المقالة مقالات اخرى عن نفس الموضوع. ابدأ بثلاثة تعريفات اساسية ومن ثم أقدم موضوعي الرئيسي.
 
السياسة
يشير مطلح "السياسية" بصورة عامة الى "فن سامي" وهو فن قيادة الدولة أو المدينة (πολις) والى طريقة تنفيذ هذه القيادة من قبل السلطات العامة من اجل الخير العام. لذا فالسياسة بمعناها العام تعني مجموع العوامل والظروف الاقتصادية والقانونية والاقتصادية والثقافية التي تسمح للمواطن، كفرد وكجماعات، الى تطور حياته بحرية والارتقاء والنمو بها نحو الخير والحق. لذا فالمفهوم الاول والاساسي للسياسة هو انها "خدمة" تُمارس من أجل تحقيق وترسيخ الخير العام. فهي ترتبط ارتباطا مباشر بمفهوم "السلطة"، ويتحدد دورها في استخدام السلطة لخدمة الناس والمجتمع. بحسب الفهوم الكتابي (الكتاب المقدس)، يجب على مثل هذه السلطة ان تُنجِد اولاً الضعفاء في المجتمع (الطفل، المرأة، الشيخ، المريض، المعوز، المحتاج، النبات والحيوان...). لذا يجب على السياسي ان يعي ذاته كانسان "مؤتمن" على المُلك العام وان يمارس سلطته بكل امانة واخلاص، لانه يعرف جيدا بان "السلطة تأتي من الله"!؟ فمن يصعد الى سدة الحكم، عليه ان يعرف بانه يؤدي خدمة من اجل انتصار الخير والحق. والكنيسة من جانبها تعتبر "السلطة السياسية" صورة وشكل من اشكال المحبة. فهي "دعوة للخدمة" بكل معنى الكلمة.

الشخص البشري
ليس الانسان مجرد "شخص في علاقة"، بل فرد مميز ومتفرد الصفات. عرّف ارسطو الانسان على انه "حيوان سياسي"، اي الانسان الذي لا يمكن ان يعيش الا في "المجتمع"، وهو بهذا يختلف عن بقية الحيوانات، التي وان كان بعضها يعيش في جماعات او تجمعات، الا انها لا تكون مجتمعات. كلمة "مجتمع"، بالنسبة الى ارسطو، اوسع بكثير من مجرد "تجمع"، فهي تعني ثقافة، علم، عمل… الخ. هذا التعريف، اخذه القديس توما الاكويني وطوّره ليصبح: "كائن سياسي واجتماعي". فالانسان كائن اجتماعي طبعا ووجودا. ومن خلال العلاقة بالآخر، يتجاوز الانسان "عدم كفايته" ليكتمل في الآخر.
هذا التعريف يبرز ثلاثة ابعاد (اوجه، اركان، اسس) رئيسية في وجود الانسان:
1.   بعد "التسامي": يشير الى انفتاح الانسان على "المطلق"، وهذا ما يميزه عن بقية المخلوقات الاخرى.
2.   بعد "الذاتية": يشير الى ان الانسان يتأسس على "الوجود" وليس على "التملك". 
3.   بعد "الغيريّة": يشير الى ان الوجود البشري يأنسن ذاته من خلال علاقته بالاخرين، من خلال عطائه ودعوته للآخر.



الجماعة
الجماعة هي مجموعة الاشخاص الذين يرتبطون بفعل اصولهم وغاياتهم المشتركة بعضهم ببعض ويمارسون نشاطا جماعيا. لذا فان مصدر ومعنى الجماعة ينبع من "الفعل". "فالفعل" هو الذي يوحّد ويؤسس الجماعة. يرتبط كل فرد بالجماعة علاقة متبادلة: مع ان دور الافراد في اية جماعة هو دور رئيسي، فمنه تنطلق كل مبادرة وفيه تجد كل مباردة غايتها الاخيرة. فالجماعة هي منظومة اجتماعية. ومن الجماعات الصغيرة، تصدر الجماعة السياسية التي تمتلك صفة قانونية اعلى من سلطة الافراد والجماعة الصغيرة الاخرى. فالجماعة السياسية هي الجماعة الشاملة لكل الناس. القديس توما، يتفق مع ارسطو على القول بان "الجماعة السياسية" هي "الجماعة الاسمى" من باقي المؤسسات المخلوقة من الانسان. "الدولة" هي "الجماعة السياسية".

المسيحي والسياسية
فبحسب المفهوم المسيحي اذن: "السياسة" هي "خدمة"، خدمة محبة وتضامن من أجل الآخرين. ولهذا يجب على السياسة ان تتحرر من اية "ايديولوجية" أو "انظمة خاصة" او "انتماء لجماعة" لكي ما تحافظ على معناها الاصيل كفعل انساني وتأنسن الانسان بكل خدمة وتساعده على النمو والتطور، كفرد وكشعب وكشعوب.
يجب على المسيحي ان يضيف على السياسة اصالة فعل الايمان الذي لا يفصله عنها، بل يدفعه للمساهمة في بناء المجتمع وكمال البنى والمؤسسات المجتمعية. فالسياسة هي "المكان" حيث تتخذ القرارات الكبيرة المتعلقة بشكل الحياة العامة في المجتمع والتي تؤثر على شكل الحياة الخاصة للفرد.
يجب على السياسة كسلطة منظمة ومنفذة ان تهتم بكل انسان، فردا وجماعة، جماعات ومنظمات. يجب ان لا ينسى السياسي بان الشخص البشري هو "مبدأ"، "مركز" وغاية النظام السياسي، الاقتصادي والاجتماعي. فالشخص البشري، بمفهومه المتكامل كحقوق وواجبات، هو نقطة الانطلاق ونقطة اللقاء والمقياس الاخلاقي للفعل السياسي ومن اجل الفعل السياسي.
فاولوية الشخص البشري ومركزيته يجعل النظام السياسي والسياسة حقائق نسبية، ويريد ان يؤكد على طابعهما الوظيفي والخدمي. مثال الخدمة هو المسيح، الذي أخذ صورة الـ "عبد" "عبد لله" واطاع حتى موت الصليب (فيلبي 27/ 7-8). فالايمان بالمسيحي يدعو ويحث المسيحي باستمرار الى اكساب التزامه السياسي طابع السخاء والتكريس، طابع المحبة وانكار الذات.
فالسياسية التي تقلص مجال حرية الافراد وتضيّق دائرة حقوقهم وتستبدل نفسها باختيارات المواطنين وتفرض عليهم ارادتها بتسلط، لا يمكن ان تكون سياسة مفيدة ونافعة للخير العام ولخير الناس.
العلماني المؤمن مدعو اذن للمشاركة في حياة البلد السياسية والالتزام سياسيا يقوده لتحقيق هذا ايمانه وضميره المسيحي المستقيم. ويجب على الاكليروس ان ينتبهوا لئلا يسلبوا العلمانيين دورهم في النظام الزمني، وعلى العلمانيين ان يتجنبوا نوعا من "الدينية أو الاكليروسية" التي يمكن ان تُظلم علمانية الدولة السياسية.
اختم هذه المقالة بكلمات البابا يوحنا بولس الثاني الذي كان يقول: "العمانيون مدعون الى الالتزام بالحياة السياسية، بحسب قابلياتهم وظروفهم الزمانية والمكانية، والعمل لصالح الخير العام بكل متطلباته، وخصوصا ما يتعلق منه بتحقيق العدالة لخدمة المواطنين، كاشخاص (…) فالعلمانيون المسيحيون مدعون الى اعطاء المثل الصالح والامين في الحياة السياسية، وان لا يبحثوا عن مصالحهم الشخصية، او يستخدموا طرقا غير شرعية لخدمة قضاياهم الجماعية والحزبية، او يتبونا طرقاً يمكن ان تقود الى أضعاف المثل والقيم النبيلة، الانسانية والدينية" (يوحنا بولس الثاني، الاوسرفاتوري رومانو، 14 أبريل 1994).


ابونا
سعد سيروب

 fr.saadsirop@gmail.com       
--------------------------------------------------------------------------------
مرة أخرى
الكنيسة والسياسة
 تمييز وعلاقة

اشكر كل الذين علقوا على الموضوع واريد في الوقت نفسه توضيح بعض المفاهيم الاساسية في موضوع علاقة الكنيسة والدين بصراحة اكبر للحاجة الماسة الى بيان نقاط الفصل والتداخل الذي يمكن ان ينشأ بينهما. سأعلق على قضية الحكم الذاتي، التي تذهب الأراء حولها بين رافض وقابل، بين مؤيد ومعارض. تستخدم الكثير من المقالات تعابيراً مثل: "الحكم الذاتي في منطقة سهل نينوى" "الحكم الذاتي للمسيحيين" "اقليم للمسيحين" "وطن قومي للمسيحيين"… وغيرها من التعابير والشعارات التي تُرفع هنا وهناك بخصوص هذه القضية. للاسف يظهر رأي السلطات الكنيسة وكأنه غير واضح ومشوش وفي كثير من الاحيان البيانات الصادرة هي بيانات ارتجالية وغير مدروسة وغير دقيقة في طرحها. يدفعني فقط ضميري وحبي لكنيستي وبلدي الى الكتابة في هذا الموضوع، مدركا الاخطار والانتقادات التي يمكن ان توجّه اليّ من جرائها. ولكني مع هذا اختار وافضّل الكتابة والكلام بحرية واحترام كل الاراء على السكوت والكلام الغير النافع المتستر والمُضر.
1.   مبدأ الفصل بين الايمان (الدين) والقومية
لقد دعوت في كلمات سابقة الى مبدأ فصل "الدين" عن "القومية"، والذي بحسب رأي لا يقل اهمية عن مبدأ فصل "الدين" عن "الدولة". اقصد بالدين هنا: فعل الايمان العميق بالله الذي يُغيرني من الداخل والاعماق ويدفعني الى فعل انفتاح شامل على الآخر وعلى الوجود المختلف بكليته بحركة محبة ورحمة غير محدودتين. وأقصد بالانتماء "القومي" "العرقي" "الاثني" (سموه كما شئتم) تلك الحالة الاولية والبدائية من الوجود التي يجب في نهاية الامر تخطيها نحو الوجود الاكبر والاشمل والاعمق، والذي هو الوجود الانساني، أو الانسان. يجب عليّ كمسحيي مؤمن ان اتجاوز حدودي العرقية والقومية والطائفية من اجل الوصول الى الآخر الانساني باختلافيته ومحبته بكل قوتي كحبي لله: "احبب قريبك مثل نفسك". هذا هو الموقف الاساسي الذي عاشه ربنا يسوع المسيح والذي عرف من خلال حياته وعلاقته بالله الآب وبأخوته البشر كيفية توسيع مفاهيم كان من الممكن ان تُغلقه او تأطره: كالعائلة، الوطن، العرق والجنس والشعب. عاش يسوع المسيح روحا من الانفتاح الكامل المطبوع بالمحبة والرحمة والسلام تجاه كل انسان مهما كان وايا كان لينظر اليه من خلال علاقته بالله: "من هي امي ومن هم أخوتي؟ (…) من يعمل بمشيئة الله هو أخي وأُختي وأمي" (مرقس 3/ 33-34). 
نحتاج اليوم في ظل هذه البلبلة السياسية الى تحديد التعابير وتوضيح المواقف تجاه الاحداث. المسيحي الحقيقي هو الذي يعيش حالة من الايمان أقوى بكثير من انتماءه القومي والعرقي والأثني. على المستوى العملي: يجب ان لا نعمم ما يطلبه القوميون ايا كانوا: كلدانيون، اشوريون، سريانيون أو عربيون، على كل المسيحيين. المسيحية والمسيحي شيء والقومي والقومية شيء آخر. يجب ان نتعلم كيف نوازن بين عيش الشعورين او الانتمائين معطين الاولوية للايمان بالمسيح. وعلى الآخرين، وخصوصا في مجتمعنا ذو الاكثرية المسلمة، ان يعرفوا بان ما يطلبه القومي ليس بالضرورة مطلبا مسيحيا. وما تطلبه القوميات لا يعبر عن موقف المسيحية والكنيسة. كنائسنا ليست كنائس قومية. القومي مرتبط بالفعل السياسي الحزبي، ولهذا فموقفه يعبر عن موقف حزبه ومنظمته القومية ولا يمكن باي حال من الاحوال ان يجوّزَ موقفه على الجميع. اني لا ادعو هنا الى القطيعة بين الدين والقومية، ولكني اريد ان اميز تمييزا صريحا وواضحا بن المفهومين. المسيحي مدعو الى عيش انتماءاته الاخرى منطلقا من روح الايمان بربنا يسوع المسيح.
الحكم الذاتي في سهل نينوى
على اساس ما قلته، أريد ان اؤكد على ان قضية "الحكم الذاتي في سهل نينوى" ليست قضية مسيحية وليس حكماً ذاتيا للمسيحيين. المسيحي لا يحتاج الى منطقة محدودة ليعيش فيها. فهو "ملح الارض" (متى 5/ 13) وهو "نور العالم" (متى 5/ 14). انه موجود في كل العراق وفي كل مكان ويعيش مع الجميع بأخوة ويُحب الجميع برحمة وسلام. مسألة الحكم الذاتي هي "مسالة سياسية" يعود قرارها الى أهل سهل نينوى. لا يمكن تعمميها على كل المسيحيين. يجب على اهل سهل نينوى تقريرها بحريتهم وبالاتفاق مع السلطات السياسية القائمة في البلاد. وهو امر مرفوض تماما ان تتحول هذه القضية الى قضية دينية او مسيحية. فالمسيحية لا تحتاج الى دولة، لانها موجود في كل دولة. المسيحية لا تحتاج الى وطن لانها موجودة في كل وطن. المسيحية لا تحتاج الى ارض، فالارض كلها ارضها. المسيحية لا تحتاج الى حدود، لانها تعيش لتتجاوز الحدود لتصل الى الآخر بكل محبة واحترام وتآخي.
لا يجوز اذن ان نقول ان هذه المنطقة هي منطقة للمسيحيين، هذا ما ترفضه الكنيسة وتقف بوجهه. المسيحيون موجودون في العراق من جنوبه الى شماله. على اهل سهل نينوى ان يقرروا مسألة حكمهم الذاتي دون إلصاق هذه بالمسيحية أو بالدين وعلى السياسيين والفئات الاخرى ان لا تخلط بين المسيحية كديانة وبين النزعة القومية لبعض المسيحيين. مرة اخرى اقول: على اهل سهل نينوى: مسيحيون واسلام، كلدانيون واشوريون وسريان وعرب وكرد وإزدية وشبك… ان يقرروا حالهم بانفسهم، انها قضيتهم هم مع الحكومة والاطراف الاخرى المشاركة في العملية السياسية. لذا نرجو من كل السياسيين والحزبيين المسيحيين ان يكفوا عن استخدام تعابير دينية في مقالتهم، لانها تُضر بواقع حضورنا المسيحي في كل البلد وبواقع التعايش بين ابناء بلدنا العراق.
2.   مبدأ فصل الدين عن الدولة: استقلالية وحرية
أياً كانت طبيعة العلاقة بين الكنيسة والدولة في الماضي، نلاحظ ان الديمقراطيات الحديثة تحاول تجنب حالة الصراع مع المؤسسات الدينية. وعلى هذا الاساس الجديد، تحاول هذه الديمقراطيات بناء نسيج من العلاقات يقوم على الاحترام والاستقلال المتبادل والدور المتخصص لكلتا المؤسستين، الدينية والدنيوية. تعلن الكنيسة  في وثيقتها الصادرة عن المجمع الفاتيكاني الثاني "الكنيسة والعالم" ما يلي: "تتميز الكنيسة بحكم عملها واختصاصاتها عن الجماعة السياسية، ولذا فلا يجوز الخلط بين المؤسستين ولا يمكن للكنيسة التعلق باي نظام سياسي محدد" (عدد 76).
أساس الكنيسة هو المسيح الذي أسسها على جماعة الرسل، في حين ان اساس الجماعة السياسية (الدولة) هي نزعة الانسان ورغبته العميقة بالاجتماع وتكوين المجتمع. رسالة الكنيسة هي اعلان الخلاص واعلان البشرى السارة التي أتى بها المسيح، في حين ان مهمة الدولة والمجتمع المدني تتركز في تحقيق الخيور الزمنية للمواطنين. ومن هنا فان اختصاص الكنيسة يتركز في المجال الروحي والراعوي وحراسة القيم الدينية والانسانية، في حين تكمن مهمة الدولة في بناء المجتمع وتنظيم الدولة والارتقاء بمستوى المواطنين المعاشي وخلق تعايش اجتماعي سليم والارتقاء بالثقافة الانسانية الى اعلى درجاتها.
لهذا فواجب الكنيسة ومسؤوليتها الاولى "أنسنة" المجتمع، من خلال اشاعة روح السلام والمحبة وزرع روح التعاون بين الناس وتقريب القلوب من بعضها البعض. يؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني على استقلالية وخصوصية المؤسسة الدينية والمدنية (الكنيسة والعالم، 76)، الا ان هذا لا يعني باي شكل من الاشكال تبني روح التعارض او التنافر بين الكيانيين الديني والسياسي. يجب على كل من الدولة والكنيسة العمل من اجل خدمة الانسان، ولا يمكن لأي منهما تولي استراتيجية تقلل من كرامة الانسان او حقوقه.
تمتلك كل من الدولة والكنيسة الاسباب المعقولة لوجودهما وعملهما وكل منهما يملك استقلاليته وخصوصيته تجاه الآخر. هذا الامتياز الذي تتمتع به كلتا المؤسستين يُحتم عليهما ان تكونا حرتان وغير خاضعتين الواحدة للاخرى. فسيطرة الدين على الحكم والدولة موقف غير مقبول تماماً، ولكنه مرفوض في الوقت نفسه اي تهميش للكنيسة او المؤسسة الدينية على اساس الليبرالية والعلمانية. فلا يمكن لحرية الكنيسة ان تحتويها حرية الدولة.
من الناحية النظرية، الاستقلالية والحرية تتعلق بمجال عمل كل من الجماعتين: الكنيسة تهتم بالجماعة الدينية والدولة بالجماعة السياسية. فلا يجوز ان تغزو اي من المؤسستين اختصاصات الاخرى ومجالاتها. ولكن من وجهة نظر عملية، تبقى بعض القطاعات والمجالات صعبة التحديد. فبعض المواد والاختصاصات يصعب تحديد عائدية القرار فيها للدولة وليس للمؤسسة الدينية، والعكس صحيح، آخذين بنظر الاعتبار الارادة الصالحة للطرفين. ومن هنا تأتي مركزية ومبدئية الشخص البشري وخدمته، لتحدد طبيعة العلاقة بين المجالين، مجال الكنيسة ومجال الدولة. يجب ان يتم اختيار ما هو صالح للانسان وموافق لكرامته ويحافظ على حقوقه وحريته. 
فبينما تحاول الانظمة الديمقراطية الحرّة ان تعترف بامتيازات كل مؤسسة واحترام حقوق الانسان والشعوب، نجد ان الانظمة الشمولية والتسلطية تحدد حرية الكنيسة وتضطهدها وتقلص مجال عملها واختصاصها. ففي ظل هكذا انظمة تفقد الكنيسة حريتها واستلاليتها. ولهذا يجب عليها ان تخرج من سيطرة الدولة التي تحدد بنيتها وتشوه فعلها الخدمي.

3.   الكنيسة والنظام السياسي
يجب على الكنيسة ان تتمتع بالاستقلالية، ليس فقط تجاه كيان الدولة، ولكن تجاه النظام السياسي الحاكم. فالنظام السياسي هو نتاج الثقافة والتقليد وتاريخ الشعب. ولهذا نجد ان الانظمة الشمولية والتسلطية لا تحترم الحقوق الاساسية للانسان وتهمّش مكوناته المختلفة. هذه الانظمة لا يمكن ان تكون تعبيرا عن ارادة شعوبها، بل تجسيدا لنزاعات مجموعة معينة او حزب معين مهيمن وتسلطي.
على الكنيسة مبدئيا ان تكون غير خاضعة لاي نظام سياسي مهما كانت مبادئه، وعليها ان تتجنب التوافقية السياسية. فلا يمكن للكنيسة ان تتخذ موقفا لا اباليا او تجاهليا تجاه اي نظام سياسي غاضة النظر عن طريقة ادارته او حكمه للمجتمع. استقلالية الكنيسة تجاه الانظمة السياسية يحتّم عليها اتخاذ موقف يتسم بالنقدية وعدم التبني السلبي لطروحات اي نظام سياسي وخصوصا اذا كان قائما على احكام مسبقة عن الآخرين. فالكنيسة، لكي ما تكون كنيسة المسيح ولكيما تقوم برسالتها بامانة واخلاص لسيدها يجب ان تكون مستقلة وحرة.
ان هذه الحرية والاستقلالية تسمح للكنيسة ان تعلن موقفها الصريح والواضح تجاه الانظمة السياسية. "تدين كل صور واشكال الاستعباد وقهر الحريات المدنية والدينية، وتدين كل نظام سياسي يحاول ان يتجاهل مبدأ الخير العام ويحوله الى مبدأ لخدمة مصلحة فردية او مصلحة حكومية" (الكنيسة والعالم، 73). فالمجمع الفاتيكاني الثاني يعلن صراحة "ان الانظمة السياسية التسلطية والدكتاتورية هي انظمة مرفوضة، وان على الانظمة ان تعمل من اجل تحسين مجال الحريات وحقوق الانسان ويعلن بان الديمقراطية الليبرالية هي الصيغة الانجع للحكم ويدين في الوقت نفس تضييق الحريات من قبل انظمة سياسية على اساس فكرة الصالح العام، وتدعو الى فتح باب اوسع للحريات في المجتمع (الكنيسة والعالم، 75).
كذلك تعلن الكنيسة بان السلطة يجب ان تكون في خدمة الشعب وان تعبر عن سيادة الشعب. وتؤكد على احقية الشعوب ان تحكم نفسها وفقا لانظمة تنسجم مع ثقافتها وتقاليدها الحضارية، ولكن دائما انطلاقا من احترام حقوق الانسان وكرامته. فمصادرة الارادات والحريات هي جريمة بحق الانسان، يدينها الانجيل والضمير الانساني. ولا يمكن للشعب ان يتحول الى كيان سلبي يتحمل قرارات وتسلط الاخرين.

الأب
سعد سيروب

fr.saadsirop@gmail.com
   

25
الهوية المسيحية
في مواجهة التعصب الديني والقومي

بعد مقالتي التي كتبتها عن "المسيحي والعنف"، ارى من الضروري طرح تساؤل اساسي عن "هويتنا المسيحية". فمن نحن كمسحيين؟ وعلى ماذا تقوم هويتنا المسيحية؟ ما هو جوهر هويتنا؟". اعتقد ان التساؤل اصبح ضروريا اليوم اكثر من البارحة. ان الازمة الدينية والسياسية والاجتماعية التي يعيشها بلدنا جعلت طرحه ملحا، اذ لم يعد الجواب التقليدي والجاهز كافيا ويبدو ان الجواب الجاهز الذي نعطيه لم يعد يعبر: "عن سبب الرجاء في حياتنا". يدرك المسيحي بان الجواب على هذا السؤال يعتمد على الزمان والمكان الذين يعيش فيهما المسيحي. الانجيل "هو هو أمس واليوم والى الابد"، إلا ان تجسيده يعتمد على الزمان والمكان الذي نوجد فيه. يجب علينا الانتباه من جديد الى مركز وجوهر رسالتنا وايجاد السبل الافضل لعيش بشارة المسيح وتجسيدها باصالة وايمان اكبر! فالتيارات المختلفة التي تتقاذف مؤمنينا والتغييرات السياسية والقومية والدينية التي تمسّ هويتنا كمسيحين تؤثر على نوعية حياتنا وعلى تجسيدنا للانجيل. فمسيحيتنا تقف عند مفترق للطرق وتعيش إنعطافة كبيرة وخطيرة وتحتاج إلى فهم جديد واصيل لكثير من تجسيداتها وقيمها.

بعض النقاط الاساسية لفهم هويتنا ووجودنا المسيحي:
1.    ليست الهوية عملية منتهية وتامة! انها عملية مفتوحة على المستقبل وهشّة في بنيتها. فلا يمكننا القول أننا قد امتلكنا شخصية مسيحية وانتهينا من تكوينها. انها موضوع بحث مستمر ومكلّف، وغالباً ما تكون عرضة للأزمات التي تثير الكثير من التساؤلات والقلق. فالهوية بالنسبة الى المسيحي هي واجب روحي: لأنها تجعل الحياة المسيحية حياة روحية، ديناميكية ومفتوحة. في مجتمعنا هذا الغير آمن والغير مستقر الذي نعيش فيه، تصبح قضية تكوين هويتنا واجباً جوهرياً وأساسياً، لأن التيارات السائدة تدفع الكثيرين الى التهرب من مسؤوليتنا الشخصية وتقلل من اهمية الاختلاف والارادة والحرية.
2.   ان البحث عن الهوية هي سمة اساسية من سمات الإنسان الحي، الذي يعيش ويتأثر بعوامل متعددة تأتي من المحيط الذي يعيش به. لذا فبحثنا عن هويتنا المسيحية وبنائها وتكوينها في داخلنا ومجتمعنا، يعتمد على قدرتنا على تكامل أوجه وابعاد الحياة الانسانية المختلفة في هويتنا المسيحية. فالهوية تعني ان نكون قادرين على خلق تواصل وانسجام بين كل الانتماءات المختلفة مثل: الجنس، العائلة، الكنيسة، الوظيفة والإيديولوجيات المختلفة، سياسية، دينية و كونية، اخلاقية …الخ. فإذا لم تحدث هذه المحاولة لتوحيد كل هذا سيكون مصير الإنسان الانقسام والفردية والشزوفرنية الروحية والداخلية.
3.   الهوية المسيحية لا يمكن ان تبنى على اساس انتقائي. فهناك من يقف موقفا انتقائيا من الدين، يختار منه ما يناسبه ويحوّله الى جانبه ويعدله على اساس قضيته ومصالحه الشخصية. هذا النوع من المواقف يواجه خطر الانغلاق والتقوقع على الذات الفردية ويخفي خوفا نفسيا من الايمان بالله والمسيح كنقطة مرجع اساسية واولية في حياتي.
4.   لا يمكن تحديد الهوية المسيحية على أساس طائفي أو مذهبي: لسنا مسيحيين بالاستثناء أو بالانعزال عن الآخرين. لقد بدء هذا الموقف يظهر في العديد من قطاعات وطوائف الكنيسة، التي تتسم بالحنين إلى اسطورة المسيحية الطائفية وتتألم للتعددية الموجودة في الأديان في عالمنا. لا يجب أن ننسى أبداً أن المسيحي ليس مسيحياً "بالولادة، بل انه يصير مسيحياً" كما كان ترتليانوس يقول. فهذا يعني أن الهوية المسيحية تفترض هوية إنسانية، وان يكون المرء مسيحياً هو واحد من طرق عديدة ومفتوحة أمام الانسان الذي يريد عيش حياة انسانية اصيلة. فالمسيحية هي موقف حياتي خاص جدا والمسيحي ينتمي إلى الإنسانية قبل ان ينتمي إلى المسيحية. ليس المسيحي إلا إنساناً تبنى طريقة حياة معينة: أي طريقة حياة المسيح. يجب أن لا ننسى ما كان القديس اوغسطينوس يقوله فاضحاً الكثير من التيارات التعصبية التي تتجاهل الآخر: "الكثير ممَن هم في الخارج، هم في الحقيقة في الداخل، والكثير ممَن هم في الداخل، هم في الحقيقة في الخارج".
5.   ويجب أخيراً أن لا ننسى بأن الحياة المسيحية تملك أفقاً اواخريا: فتلميذ المسيح لا يصل إلى تمام الحياة المسيحية. لا يمكن للكنيسة ان في سميرتها نحو الملكوت السماوي أن تستنفذ غنى الحياة المسيحية. فالله هو الذي يتمّم العمل ما بدئه مع كلّ مسيحي بالعماد (فيلبي 1/6)، وسيتممه بالموت، أي بالخروج الفصحي من العالم. لقد كتب القديس أغناطيوس الانطاكي اثناء اقتياده للشهادة في روما ما يلي: "حتى وأنا مقيد، لست بعد تلميذاً… سأصل إلى ملئ التلمذة عندما يكون جسدي قد تلاشى من العالم". لكي يخط كل واحد منا هويته المسيحية، عليه أن يتذكر أنه في إتباع دائم للمسيح وفي مستمرة تجعل منه مبتدئاً في طور النضوج، وغالباً ما نحاول أن نسوي بين مراحل الحياة المسيحية المختلفة بعضها عن بعض. ولكن العهد الجديد يذكرنا بأن المسيحي، المعمّد، يحتاج قبل كل شئ تعليم أولي عن المسيح (عب2/1)، فهو يحتاج إلى الحليب، ولكن متى كبر، فعندها يحتاج إلى طعام قوي لكي ينمو وينضج (عب 5/13-14). لذا فان الهوية المسيحية هي دائماً عملية ديناميكية وغير تامة.
نحتاج الى اعادة طرح السؤال على انفسنا كأفراد وكجماعات مسيحية: مَنْ نحن؟ والى نحن ماضون؟ وما هي رسالتنا في هذا البلد؟ الاجابة على هذه الاسئلة لا يمكن ان يكون الا انطلاقا من ايماننا بالمسيح.  كل الانتماءات الاخرى ليست الا انتماءات نسبية نسبة الى علاقتي المطلقة بالمسيح. لا يمكن للمسيحي، الاسقف والكاهن (المكرّس) والعلماني، العادي والسياسي، ان يدخل في ارتباط او انتماء بجهة ما إلا بعد ان يكون ان رسخ انتمائه وايمانه بمبادىء الانجيل والمسيح. يجب ان يُلهم المسيح افكاري وعقليتي وسلوكي. انتمائاتي القومية والحزبية والعرقية هي انتماءات تتحدد على اساس علاقتي بالمسيح، وفي كثير من الاحيان احتاج الى الدخول في صراع مع تحديداتها وتنظيماتها لكي ما احافظ على سمو مبادئي وقيمي الايمانية الانجيلية والمسيحية.

الأب
سعد سيروب حنا
saadsirop@hotmail.com

26
المسيحي والعنف
بين منطق القضية و موقف المحبة والرحمة؟

لقد قرأت في الايام المنصرمة، وخصوصا بعد حادثة شهيد المسيحية المطران بولس فرج رحو، مقالات تدعو الى تحرك مسيحي مبرمج لاستخدام العنف وتكوين مجاميع مسلحة لحماية انفسهم والدفاع عن جماعتهم. ومع الخلط الكبير الذي يدور في أذهان هؤلاء بين حق "الدفاع عن النفس" واستخدام العنف لحماية الهوية خيط رفيع جدا يمكن ان يقودنا الى التهلكة والدمار الانسانيين. وهذا ما يريده مُستخدم العنف: ان يقود الاخرين الى منطقه والى اسلوبه حتى لا يبقى فرق بينه وبين الآخر. واذا كنا قد وصلنا الى الحد الذي نقول فيه بتكوين ميلشيات او مجاميع مسلحة مسيحية، فاتصور بانهم قد حققوا مآربهم وغايتهم: جرّنا الى مستنقع العنف والقتل والغاء خصوصية مسيحيتنا التي بذل اباؤنا أنفسهم من ا<ل ايصالها الينا نقية وطاهرة!! 
فحالة الضعف والتشرذم الراهنة التي يعيشها بلدنا العراق على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والدينية طرحت تساؤلات عديدة على انساننا العراقي بصورة عامة والمسيحي بصورة خاصة وجعلته يطرح تساؤلات عن شرعية استخدام العنف. للأسف نعيش حالة اقتحم فيها "العنف" نفوسنا وبيوتنا وشاشات تلفزيوننا وبدأت تؤثر على تصرفاتنا ومواقفنا الاجتماعية والدينية وعلاقتنا بالآخرين! لذا فاصبح التساؤل عن موقف المسيحي المؤمن تجاه عمليات العنف السياسية والشخصية ضرورة ملحة: فهل من حق المسيحي او من واجبه استعمال العنف كمبادرة منه؟ او كردة فعل في وجه العنف (أي عنف) بما فيه العنف المبرر لمواجهة الظلم والدفاع عن الذات والكيان والوجود (الذاتي والطائفي والديني والوطني)؟ وهل العنف مطروح كوسيلة انسانية؟ وغيرها الكثير من الاسئلة. يبدو ان هذه الاشكالية قد قسمتنا  الى كنائس ولاهوتيين ورجال دين. ولا أنوي تقديم كلمة الفصل في موضوع العنف، بل أريد أن انطلق من  كلمة المسيح وتعليم الكنيسة وفهمها بابعادها التأريخية واللاهوتية وتأوينها لتناسب يومنا هذا.
نحتاج وقبل كل شيء الى تعريف "العنف" والاتفاق على مفهوم أولي له. "العنف" هو كل مبادرة تتدخل بصورة خطرة في حرية الآخر وتحاول سلبه حرية التفكير والرؤيا وتحوله الى أداة. أو بكلمات أخرى: هو فعل قوة يطال الآخر في شخصه وكيانه وفكره ومصيره وحقوقه وممتلكاته، أي في وجوده السياسي والاقتصادي والديني و الفكري. فهل من مبرر للعنف، وان كان من أجل الحق وفي مواجهة الظلم؟

العنف والإنسان
أبدأ فاقول بان "العنف" نظام مخالف لنظام الإنسان الطبيعي. فقد ميز أرسطو بين "فعل موافق لطبيعة الانسان" و"فعل عنيف": الأول يحاول أرجاع الأشياء إلى موقعها الطبيعي، في حين يعمل الثاني على إبعادها وتشتيتها (ارسطو ،عن السماء، الكتاب الأول، 8، 276 أ 22). هذا النوع من التشويه الذي يأتي به العنف، يمتد ليشمل مجالات قانونية وادبية واجتماعية وسياسية اوسع. فاستخدام العنف لتغيير واقع سياسي يقود في نهاية الأمر إلى استخدام عنف اكبر منه وهو فرض النمط السياسي الواحد على الجميع (كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعدائه، 1945). 
لقد اعتقد بعض العلماء إن الإنسان يمتلك غريزة عدوانية توارثها من السلالة الحيوانية التي تحدّر منها، وهي لا تزال قائمة في أعماقه ولا يقوى عقله عليها (كونراد لورانز). إن هذا الموقف النفسي يبغي إضفاء صبغة الشرعية على المواقف الحياتية التي يستخدم الإنسان فيها العنف في تعاملاته مع الآخرين ومع الأشياء. إلا أن الدراسات العصبية الحديثة اثبت سطحية هذا التصور الذي يبغي التبسيط ويبين عجز الانسان عن البحث عن الأسباب الحقيقية التي تدفعه إلى استخدام العنف. فقد أكد فريق من العلماء المختصين بعلم النفس بعدم وجود الغريزة العدوانية في الإنسان وقالوا بوجود مجموعة من الإمكانيات السلوكية الفطرية التي تخولّه الحصول على ما يلبي حاجاته وتجنّب ما يعارضها؛ وبعض هذه الإمكانيات تتصف بالعدوانية التي تنشأ من تفاعله بحاجاته ووضعه ومحيطه الخارجي.
ان معنى ذلك هو: ان لا وجود لحتمية بايولوجية تقود الانسان الى استخدام العنف، بل سلوكاً يتأثر ويتلون بكافة العوامل المتفاعلة والمتصارعة في وضعه الراهن، من شخصي وظرفي واجتماعي وثقافي. لا يولد الإنسان عنيفاً بل يصبح عنيفاً. فالعنف ليس حتمية بايولوجية بل قضية مطروحة امام مسؤولية الانسان. ومن هنا أهمية التربية والتوجيه لمواقف الإنسان وخبراته وخياراته. أنا مسؤول عن نفسي وبنائها وتكوينها.
 
يسوع والعنف
لقد تصرف يسوع وكأنه يمثل فعل الله الأخير لخلاص الانسان. فقيمة افعاله ليست زمنية ومحدودة بتاريخه ومحيطه فحسب، بل انها افعال خلاصية تتسامى على الزمن لتشمل كل انسان في كل زمان ومكان. لقد اعتبر يسوع ان كلّ لقاء مع الآخر هو مواجهة، بل مجابهة تُمتَحن فيها ضمناً طاقته وقدرته على احترام حرية وكرامة كل منهما. ان كل من يسعى إلى فرض آرائه وخياراته بالقوة أو بالقهر ومن لا يعتمد عنصر الوقت (متى 13/ 24-31) أو الصداقة المسيحانية (يوحنا 4/ 1-42) للفوز بموافقة الآخر الحرّة، فذاك يهدم ولا يبني. فالعنف هو نفاذ الصبر في التعامل مع الآخر. انه اليأس من الانسان الآخر واليأس من الاقناع ببرهان الحجة واللجوء إلى البطش لفرض الانصياع. إذا كانت ميزة العلاقة الإنسانية إنها تقوم على الحوار والتفاهم والمواثيق المسؤولة، أصبح من المؤكد أن العنف هو ذاك اليأس من إنسانية الإنسان، حيث يهتك الإرهاب عهد التحاب بين الناس وينتهي اللقاء بالإفناء. فالقوي يخضع الضعيف، لا محالة، والذات المستضعفة تمسي ذاتاً مستعبدة.

1.   يسوع يقاوم الشرّ
قاوم يسوع الشرّ والأذى حيثما كان. فخاصمته السلطات الدينية والسياسية آنذاك. لقد قاوم التزمت الفريسي وانتقدهم على تحميل الناس أثقال وأحمال، واستعبدت الإنسان بدلاً من تحريره وعتقه. لقد قاوم يسوع العنف السياسي الذي يمكن أن تمارسه السلطات السياسية. لقد رفض جذرياً تأليه السلطة وإكراه مواطنيها على الامتثال لها: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (متى 22/ 21). لقد جُرّم يسوع بتهمة التمرد على السلطة السياسية، فصلب. لم يحرض يسوع على العنف ولم يرض على استخدامه من قبل تلاميذه: "رُد سيفك الى مكانه. فمن يأخذ بالسيف يهلك بالسيف" (متى 26/ 52).
يدل هذا على أن يسوع رفض استراتيجية العنف. أراد يسوع أن يوقف حلقة الشرّ المفرغة التي لا يمكن ان تكون حلاً لمشاكل الإنسان. إن موقف اللاعنف الذي يدعو إليه يسوع يفترض الشجاعة الأدبية التي تطلب تبريراً لعنف أصابه في حضرة رئيس الأحبار في قوس المحكمة: "إن كنت قد أسأت، وان كنت أحسنت فلماذا تضربني؟" (يو 18/23). وهكذا يكون يسوع قد رفض مجاراة عنف اخصامه، فرفض منازلة العنف بمثله. فيسوع يرفض العنف أصلاً، كما يرفض منطق استعماله. يفترض اللاعنف شجاعة أدبية. إن القوة الأدبية عند اللاعنفي القادر على الردّ والاستسلام هي الحد الفاصل بين جبانة الانهزام والاستسلام أمام بطش العنف، وبين التصدي له بغير أدواته.

2.   يسوع لا يدين الأشخاص
لقد رفض يسوع دينونة الإنسان الآخر رافضاً استبدال العنف ودينونة الآخر بدل الرحمة. يؤمن يسوع بالإنسان وبالخير الموجود في داخله ولهذا فهو يؤمن بإمكانية الحوار والنقاش للوصول إلى الحقيقة. لم يدن يسوع السامرية ولا الخاطئة ولا العشارين ولا الزانية "اذهبي ولا تعودي تخطئين".ان يرفض امتهان كرامتهم بسبب أخطائهم أو بحجة اوظاعهم الاجتماعية، بل راح يخالطهم ويؤاكلهم ويتبين مدى أذى عنف مَن يرذلهم، فيحقرهم أو يهمشهم لاعتبارات ظالمة قاسية. يكمن منبت العنف، بنظر يسوع، في قساوة القلب وأطماع العين وإهانات اللسان، متى اصابت المحبة قلب الانسان تداعى العنف وعادت الوداعة.

3.   يسوع ينقض العنف بصليبه
يشير موت يسوع على الصليب الى أن اللاعنف يؤدي بصاحبه متى كان صادقاً الى الاستشهاد دون قضيته السامية. ليس الصليب تبريراً للعذاب، ولا هو استسلام لشوكة الموت، ولا هو تعظيم محموم لأهمية الضحية. بل هو نقض للعنف الملتبس كل المظاهر. يفضح صليب يسوع جوهر وطبيعة كل سلطة هدامة، سياسية كانت أو دينية. ويفضح بالتالي كل نظام ظالم ومتسلط. لقد كشف يسوع عن محبة الله للبشر وعن منطق الحب الوحيد القادر على تخليص الانسان من حالة العنف الراهنة. 

موقف المسيحي اليوم
امام الشاهد العنيفة التي نتعرض لها والتي تقتحم ضمائرنا من خلال شاشات التلفاز وقنوات الاقمار الصناعية المسيحي مدفوع الى اتخاذ موقف يذهب به بعيداً عن موقف يسوع الذي تكلمنا عليه. اني اتعجب من مواقف الكثير من الناس الذين يبدون وكأنهم وثنيون لم يسمعوا حتى ابسط كلمات الانجيل، وهذا ما يدفعهم الى أتخاذ مواقف تشبه لا بل تتطابق مع موقف كل من لم يعرف المسيح ولم يؤمن به. ان المخططات السياسية والغايات الاجتماعية اصبحت سبباً في العديد من مظاهر العنف التي تضرب بانسانيتنا وتفسد جيل اولادنا اخلاقياً.
ان رسالة الكنيسة النبوية في مجتمعنا العراقي هذا تحتم على الكنيسة اتخاذ موقف يدين العنف وكلّ ما يمكن ان يزيده او يدفع اليه. يجب على المسيح انطلاقاً من ثوابته الانجيلية وايمانه بالرب يسوع المسيح ان يدين أي فعل يحاول ان يحطّ من كرامة الانسان وقيمته الاعلى. 

الاب سعد سيروب حنا
saadsirop@hotmail.com

27
منطقة تاريخية للمسيحيين
أم تأريخ المسيحيين في المنطقة؟


لقد كثر الحديث في الآونة الاخيرة عن قضية الحكم الذاتي في "المناطق التاريخية للمسيحيين" (ارجو الاطلاع على المقالات، وهي كثر، المنشورة على مواقع مثل: عنكاوا كوم، نركال كيت، عشتار) التي ينادي بها سياسيي شعبنا "الكلداني، الآشوري، السرياني" واحزابه، ونُشرت العديد من المقالات التي تطالب بـ "حكم ذاتي" على المناطق والقرى المسيحية، المحصورة في منطقة جغرافية محددة، المسماة "بسهل نينوى". بالتأكيد، يستمد مثل هكذا طلب شرعيته ومنطقيته من الظروف السياسية الراهنة التي مرّ بها بلدنا بالعموم وشعبنا المسيحي بالخصوص. ولقد لاحظت ان الكثير من المقالات التي نُشرت تؤكد على ضرورة انشاء مثل هذه المنطقة ليس فقط لمجرد حماية المسيحيين وتوفير أمنهم، بل يذهب البعض الى تبرير ذلك على أساس ضمان مشاركة سياسية في ادارة البلد ومؤسساته. ولا أريد هنا الدخول في معنى المشاركة السياسية وطبيعتها في المجتمعات الديمقراطية التي بالتاكيد لها خصائص وطرق مختلفة وتختلف تمام الاختلاف عن ما ينادي به هؤلاء في مقالاتهم وخطاباتهم. لكني أريد من خلال كلمتي هذه أن أقف على عبارة "مناطق تاريخية للمسحيين" وتحليل مدى تأثيرها على طبيعة الحياة المسيحية ورسالتنا في هذا البلد الجريح والمتألم بسبب الانقسامات والتشرذمات والعنف والقتل...

1.   ان تعبير "مناطق تاريخية للمسيحيين" يفتقد الى الكثير من الصحة والدقة العلمية ويدخلنا في وهم كبير بخصوص طبيعة وجودنا المسيحي!؟ فباعتقادي، ليس هناك مناطق تاريخية للمسيحيين (بالمعنى الذي يقصده البعض!) اي المعنى الذي يقول بوجود مناطق ينحصر وجود سكانها على المسيحيين فقط .  من الصحيح القول بوجد قرى مسيحية وأقضية مطبوعة بطابع مسيحي، بحكم تواجد مسيحي أكبر، الا انه لا يوجد "منطقة" مسيحية صرفة. تاريخ بلاد ما بين النهرين شاهد كبير على ما تمتعت به هذه البلاد من تنوع ثقافي وشعوبي (من كلمة شعوب) وصورة حيّة على تداخل معقد وتركيبة تعايشية فريدة تمتد الى اكثر من ستة الآف سنة. في الحقيقة، المناطق التي يقول السياسيون القوميون (المسيحيون) بانها مناطق مسيحية بحتة، كانت منذ القديم تحوي اقوام وشعوب (سومرية، اكدية، اشورية، كلدانية، بابلين، عربية وفارسية...الخ) وديانات مختلفة (وثنية، زرادشتية، يزيدية، يهودية، مسيحية ومسلمة) جاءت على مرّ التاريخ وسكنت وهاجرت من منطقة الى أخرى بسبب ظروف طارئة عديدة.
ليس صحيحاً أذن الكلام عن تاريخ مناطق مسيحية! اعتقد ان من الأصح ان نتلكم عن تاريخ المسيحيين في المنطقة وعن تاريخ وجود مسيحي في العراق. فالمسيحيون متواجدون في كافة انحاء البلاد: من جنوب العراق (بلاد ما بين النهرين) الى شماله ومن الفرات الى اقصى الشرق (الصين). كنيستنا المشرقية، التي كانت تتواجد على مساحة جغرافية تقدر باكثر من 8000 الآف ميل، ادركت في الماضي، ونتمنى ان تدرك اليوم، بانها مدعوة لكي تشع وتعيش حضور المسيح في كل مكان ومع كل انسان. اعتقد بان مثل هذه الطروحات المطبوعة بطابع "سياسي – مصلحي" تريد تحجيم وجودَنا وأقصار دورَنا الثقافي والحضاري وتحويله من حضور عام وضروري لكل مناطق العراق الى حضور قومي وجغرافي. فالمسيحي موجود في كلّ المناطق كما قلت وفي كلّ العراق من جنوبه الى شماله ومنذ مئات السنين، وما المناطق والقرى المسيحية إلا جزء بسيط من تأريخ قديم وعريق وأصيل أكبر وأوسع يشمل العراق والشرق باكمله. ولا أقول هذا لمسحنة العراق (اي جعله مسيحيا)، فالعراق لم يكن ولا في أي وقت من الاوقات مسيحياً بصورة مطلقة، بل هو ومنذ الآف السنين موطن لكل العراقيين بمختلف أقوامهم وأديانهم على مرّ التاريخ، شهد حضورا مسيحياً مزدهرا في اوقات عدة ولكنه لم يكن مسيحيا بصورة مطلقة وشاملة ولم تكن هناك مناطق مسيحية صرفة. هناك حضور مسيحي في قلب كل منطقة وفي كل العراق. فمن الخطأ الكلام عن مناطق مسيحية، ومن الافضل الكلام عن الحضور المسيحي في العراق والشرق.  واريد ان اقول بان على المسيحي واجب روحي ورسالة انسانية في اي ارض ومكان وجد فيه، ومثل هذه التعابير والشعارات والمشاريع السياسية في وقتنا هذا تؤثر على واقعنا الديني وحقيقتنا التاريخية المهمة التي لطالما ميزت وجودنا في هذه البلد. فلا يمكن ان نتنصل او نتخلى عن رسالتنا وتاريخنا في العراق ونحصر أنفسنا في مناطق محددة، ومع الزمن ستصبح معزولة ومغلقة على ذاتها.
أظن أنه لخطأ كبير وجسيم ذاك الذي سنقع فيه عندما نترك الواقع السياسي المرير والموسوم بالانقسام والطائفية والعنف السياسي يُحدد ويَرسم تاريخنا ومستقبلنا في هذه البلاد. فأنا شخصياً، أفضّل ان اكون أنا هو من يُحدد الواقع السياسي على أن أترك نفسي ضحية وسجين لمشروع سياسي أياً كان خيره وحلوله الحالية المؤقتة.
2.   اعتقد ان الوقت قد حان لكي نفصل في خطاباتنا ومقالاتنا بين الدين والقومية. استعمل كلمة دين لانها الكلمة الاكثر مستخدمة لوصف الشعور والتنظيم الديني، مع اني افضل كلمة "ايمان". الدين ليس  القومية، ولا يمكن ان يكون قومياً. وديانتنا المسيحية (ايماننا المسيحي) لا يمكن ان تكون ديانة قومية. كنيستنا ليست قومية ولا يمكن ان نقولبها على حدود قومياتنا الكلدانية – الاشورية – السريانية - العربية. لقد استطاعت كنيستنا على مرّ تاريخها ان تحتضن الكلداني، الاشوري، السرياني، (الارامي)، العربي، الفارسي، الافغاني، المغولي، الهندي والصيني (منهم مَنْ تقلّد مناصب كنسية مختلفة مثل منصب (بطريرك مغولي أو أسقف صيني) وغيرها من المناصب الادراية والروحية العالية). انها كنيسة جامعة (كاثوليكية) ليس فقط بعقيدتها، بل وبتنوعها الثقافي والحضاري وانفتاحها على كل أمة وشعب ولسان.

للأسف، يريد البعض اليوم تحويل كنيستنا في العراق الى كنائس قومية: كلدانية، اشورية أو سريانية أو عربية، وهذا ما لا يتماشى مع مضمون الايمان وجوهره. الكنسية الكلدانية ليست كنيسة القومية الكلدانية. انها كنيسة الكلداني والاشوري والعربي والفارسي والكردي ولا يجوز، باي حال من الاحوال، ان تكون مسرحا للدفاع عن قومية معينة. اصبحت كنائسنا كلدانية كاثوليكية، أشورية (نسطورية)، سريانية (ارثذوكسية) لانها أختلفت عقائديا وليس لانها كنائس قومية كلدانية أو أشورية أو سريانية أو عربية كما يدعي البعض! الكنيسة هي في المسيح، مع المسيح  وللمسيح وحده.
أختم واقول أن من الضروري اليوم العمل على خلق خطاب سياسي قومي (كلداني - أشوري - سرياني) موحّد وفصله عن الخطاب المسيحي الروحي. وان تعمل الكنيسة في بلدنا على خلق خطاب لاهوتي مشرقي أصيل يتسم بالشمولية والاصالة والتجدد والانفتاح على الانسان والعالم ككلّ.
الايمان بالله والمسيح هو فعل وجودي وقدرة روحية قائمة على أساس الانفتاح على الآخر المختلف تماما وتتجه نحو تغير وجودنا البشري المتمركز على فكرة الـ "أنا" و "الفردية" لتوسعه وتمتد به نحو التعايش والتضامن والاخوّة والسلام مع كل انسان. القومية بمفهوما الانتمائي الأثني تعمل كقوة غالقة فتحددني ببني جنسي ولوني ولغتي. الايمان هو فعل يدفعني الى الدخول في علاقة محبة لا تنتهي مع من هو مختلف عني تماما، غيرمتساو معي، ليس شبيها بي، خاطىء تجاهي، بل وحتى عدو لي (متى5/ 43-45). القومية بفعلها الانتمائي العرقي اواللغوي تغلقني على من هو من بني جنسي ولغتي ومتساو ومتشابه معي.

المسيحي مدعو الى الايمان


الأب
سعد سيروب حنا
saadsirop@hotmail.com
   

28
الكنيسة والسياسة
كلمة ثانية


لقد كنت قد نشرت مقالاً أول عن "الكنيسة والسياسة" أشرت في خلاصته إلى بعض المبادىء الاساسية التي تحكم وتنظم علاقة الكنيسة بالدولة على ضوء كلمة الانجيل والايمان بشخص المسيح. وأريد هنا أن أكمل الجواب على الاسئلة التي كنت قد طرحتها في بداية مقالتي تلك، مركزا على علاقة الكنيسة بالاحزاب السياسية وعلى دور المسيحي في هذه الاحزاب السياسية.

يُبنى موقف الكنيسة من الاحزاب السياسية المتعددة، التي تشكل عنصراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنها في أي مجتمع ديمقراطي ومتعدد الايدولوجيات، على أسس ومبادىء تنظم علاقة الكنيسة بالدولة بصورة عامة. فالاحزاب السياسية هي مؤسسات مدنية لا تخضع لادارة الكنيسة. ولهذا فقد تأتي الكثير من المواقف الحزبية والبرامج السياسية غير مبالية ولا تُعير أية أهمية لمبادىء الايمان والاخلاق المسيحية. ويؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني من خلال توجيهاته على أن ضرورة المشاركة في "تنظيم الامور الارضية" ويعتبر "أختلاف الرأي شرعياً" (الكنيسة والعالم، مادة 75). ويؤكد أيضاً على ان الاختلاف في وجهات النظر لا يُعطي الحق لاي جهة كانت ان تدعي استحواذها على سلطة الكنيسة: "فلا يحق لأحد ان يدعي استحواذه على سلطة الكنيسة بما يتعلق ورأيه الخاص" (الكنيسة والعالم، مادة 43). ففي مجتمعنا الحالي المُتسم بتعدد الايديولوجيات، يمكن للكنيسة ان تجد نفسها مُجبرة على تقديم تحفظات معينة وتوجيه انتقادات الى البرامج السياسية للأحزاب أنطلاقاً من صفتها كراعية للايمان وصائنة للأخلاق.

ومن هنا يمكننا ان نسنتنج بعض النقاط المهمة:
1.   في ظل مجتمع ديمقراطي متعدد وعند عدم وجود أحزاب تضادد وتناقض الايمان والاخلاق المسيحية ببرامجها السياسية، يحق للمؤمن المسيحي (الكاثوليكي) وبكامل حريته الشخصية الانتماء الى الحزب الذي يختاره.
2.   تدعو الكنيسةُ الاحزابَ الى أعطاء اعضائها الحرية في الانتماء اليها بحرية ضمير كاملة وعدم اجبارهم على تبني هذا الموقف او ذاك ما يمكن ان يناقض ايمانهم المسيحي ومبادئهم الاخلاقية.
3.   عند تبني أي حزب سياسي اهدافاً ومقرارت تُناقض الايمان والاخلاق المسيحية، فعلى اعضاءه، الذين يأتون من انتماء مسيحي، ان يمتنعوا عن التصويت لمثل هذه المقرارات. وأريد هنا ان أعلق على الشعار السطحي الذي يرفعه العديد منّا وهو: " لا علاقة للدين بالسياسية" وأقول ان هذا الشعار مغلوط في فهمه عند الكثيرين. فاذا كنا نقصد به مبدأ الفصل بين الدين والدولة فلا بأس، وهذا ما اتفقنا عليه في المقالة الاولى وكمبدأ اول لعلاقة الكنيسة بالدولة، وأما اذا كنا نريد به نفي اي امكانية للكنيسة لأعطاء رأيها في القضايا الحياتية والمجتمعية والاخلاقية الانسانية التي تخطط لها هذه الاحزاب، فنحن على خطأ. لقد كان البابا بيوس الحاي عشر يشير الى وجود انواع من السياسة تقتحم الكنيسة وتدمر المذابح. فالاحزاب السياسية تُحدد قربها وبُعدها من الكنيسة اعتماداً على برامجها السياسية ومضمونها الانساني والاخلاقي.
4.   ففي مجتمع متعدد الايديولوجيات حيث يمكن لكثير من البرامج السياسية لكثير من الاحزاب السياسية ان تأتي متناقضة مع مبادىء الايمان والاخلاق الجوهرية، يحق لبعض المواطنين تشكيل حزب سياسي مع المسيحيين. ولكن لا يمكن وبأي حال من الاحوال اعتبار هذا الحزب مؤسسة كنسية أو حزباً طائفياً دينياً. فهو مجرد حزب سياسي وحسب، مسؤول عن الخير العام للشعب كله. ولا يمكن لاي حزب، مهما كان ولائُه للتعاليم المسيحية كبيراً، ان يدعي بأنه تحت وصاية الكنيسة، ففي نهاية الامر، هو ليس إلا حزباً يستوحي مبادئه من الايمان المسيحي وعقيدة الكنيسة الاجتماعية ولا يمكن لهذا الحزب ان يدعي امتلاكه للسلطة الكنيسة.
من حق كل مؤمن مسيحي أن ينخرط بالعمل الحزبي السياسي لبناء المجتمع والدولة الديمقراطية، ولكن لايمكن ان يتخلى عن مبادىء ايمانه واخلاقه المسيحية من اجل معتقد الحزب او المنظمة أياً كانت عقيدة حزبه ليبرالية أو اشتراكية أو قومية أو...

وأريد هنا أن أعلق أيضاً بالقول: في مجتمع متعدد الايديولوجيات والانتماءات، من واجب المسيحي المساهمة في بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد على ضوء تعاليم ايمانه. فالمسيحيون، كما يُعلمنا المجمع الفاتيكاني الثاني، مدعون ليكونوا نموذجاً صالحاً من خلال سيرةِ حياتِهم المسؤولة والتزامهم بالخير العام للانسان ويجب عليهم أن "يبرهنوا بالوقائع امكانية خلق الانسجام بين السلطة والحرية، وبين المبادرة الشخصية والتضامن في المجتمع ككل، وبين الوحدة المنشودة والاختلافية النافعة" (الكنيسة والعالم، مادة 75). ولكن يجب ان نسجل فرقاً مهماً بين تصرف المسيحي كفرد وكمواطن محكوم بواسطة ضميره الاخلاقي، وبين تصرف وسلوك المسيحيين كجماعة بأسم الكنيسة في شركة راعيها (الكنيسة والعالم، مادة 76). فما يفعله بعض الافراد، وان كان مبني من على أُسس ضميرية واخلاقية، الا انه لا يمكن ان يكون صوتاً يُعبر عن الكنيسة ككل، فالكنيسة لا يعبر عنها الا الكنيسة بوحدة رعاتها مع راعيها الاول يسوع المسيح.
ان المسيحي مدعو للشهادة لمبادىء ايمانه في كل مجالات الحياة المختلفة: العمل، الوظيفة، الدراسة، السكن والمنظمة... فاذا ما غابت هذه الشهادة عن أفقه، لن تتمكن الكنيسة من ملىء المجال الروحي في المجتمع، وعندها يمكن لقوى أخرى أن تتطور وتفرض نفسها وتحاول زعزعة علاقة الكنيسة بالدولة.


الاب
سعد سيروب حنا

29
الكنيسة والسياسة

كلمة أولى

مقدمة وايضاح
ان التغييرات السياسية التي حدثت في العراق بعد 19 ابريل 2003 أثرت بشكل مباشر على واقع الحياة فيه واحدثت تغييراً كبيراً في طبيعة العلاقة بين الاديان والقوميات المختلفة والاحزاب السياسية وأثرت على طبيعة علاقة بين الانسان وآخر. ولا يمكن استثناء الجماعة المسيحية والكنيسة من هذه التغيرات، لا بل يمكننا ان نقول، ان الكنيسة كانت الـحقيقة الاكثر تأثراً في ظل هذه التغييرات، وكان المسيحيون الشريحة الاكثر تضرراً من جراء هذا التغير. فقيام احزاب على اساس ديني وقومي واستخدامها للدين كغطاء لها أثّر بشكل مباشر أو غير مباشر على الجماعات الدينية الموجودة في داخل البلد، ودفع بالكثير منها الى أضفاء صفة المطلق على قراراتها ومواقفها. والاحزاب القومية التي اتخذت من المسيحية واستندت الى بعض السلطات الكنسية وجذبت الكثير من الناس اليها، هي الاخرى دفعت الكنيسة بشكل مباشر أو غير مباشر الى اتخاذ موقف بشأن هذه القضية أو تلك، لصالح هذه الجهة او تلك. ليس موضوعي هنا استعراض طبيعة العلاقة بين الكنيسة والاحزاب السياسية "المسيحية" في العراق خلال هذه السنوات الاربعة الماضية، مع أني أعتقد ان دراسة من هذا القبيل قد تكون مفيدة للكنيسة والاحزاب نفسها. ما أريده هنا هو توضيح بعض القضايا المهمة والنقاط الاساسية التي تحكم علاقة الكنيسة بالسياسة بصورة عامة وطبيعة هذه العلاقة في ظل التغيرات المجتمعية والسياسية الجارية.
فما هي العلاقة بين الكنيسة والسياسة؟ ومن أين تنطلق الكنيسة في تحديد موقفها من القضايا السياسية؟ وما معنى ان نقول ان الدين منفصل عن الدولة والسياسة؟ وهل هذا مسوّغ للسياسي ليفعل ما يريد دون وازع او رقيب؟ وهل للكنيسة الحق في قول رأيها بخصوص القضايا السياسية المختلفة؟ وما هي هذه القضايا السياسية التي يجب ان تتكلم عنها الكنيسة؟ هل موقف الكنيسة هو موقف خاضع للسياسة، أم ينطوي على نقد وفي بعض الاحيان، "الانتقاد" ايضاً لهذا الموقف او ذاك؟
كل هذه الاسئلة وغيرها سوف تشكل محوراً لمجموعة من المقالات القصيرة عن علاقة الكنيسة بالسياسة. بالتأكيد، لا يمكنني ان أجيب على هذه الاسئلة دفعة واحدة، لذا رأيت بانه من الافضل ان اكتب في مجموعة حلقات متواصلة عن هذه المواضيع المختلفة والمهمة ولا غاية لي منها سوى توعية أبناء شعبنا المسيحي وكنيستنا في العراق ايمانياً وانسانياً، وتوضيح بعض الحقائق التي يمكن ان تقودنا الى التزام اكبر بالحياة المسيحية والى أصالة اكبر في الشهادة للأنجيل ولرسالة المسيح القائمة على المحبة والسلام والحوار، والى بناء موقف مسيحي واضح يستند الى مبادى الانجيل وتعليم الكنيسة والقيم الانسانية العظمى.
اعتمدت لغة بسيطة وأساسية لكي ما تكون المفاهيم واضحة وأنطلقت من هويتي ككاهن كاثوليكي كلداني في صياغة الافكار الموجودة في هذه المقالة وقارنتها بالطروحات اللاهوتية المعاصرة. أريد ان أبدأ من موقف يسوع المسيح وعلاقته بالله الآب وتأثير هذه العلاقة على حياته الانسانية وعلى مواقفه من السلطة السياسية والدينية الدنيوية.

يسوع والسلطة السياسية
تتمحور حياة المؤمن حول حقيقة اساسية ومركزية وهي "ربوبية الله وسيادته على كل شيء وفوق كل شيء". هذا ما تُجسدُه أولى وصايا: "أَحبوا الربَّ إِلهكُم مِنْ كلِّ قلوبكُم وَنفوسكُم وقوتكُم" (تث 6/ 5). "محبة الله وسيادته على كل شيء" هي الحقيقة التي تستقطب كل افعال الانسان الحياتية وتحدد بشكل مباشر علاقته بالاخر المختلف سواء كان أنساناً، مجتمعا، أو عالم ككل. وهذا ما يقوله يسوع في جوابه لمعلم الشريعة: "أحب الرب الهك من كلّ قلبك وكلّ نفسك وكلّ فكرك" (متى 22/ 37). فالله يجب ان يكون مركزاً لحياتنا ولافعالنا، وعلاقتنا بالخالق تحكم وتنظم علاقتنا بالناس والعالم من حولنا. والوصية تحوي شطراً ثانياً اساسياً وهو: "أحب قريبك كنفسك" (متى 22/ 39). فالعلاقة مع الالهي مرتبطة اساسياً بالعلاقة مع الانساني، فالايمان الحقيقي هو التزام تجاه الله والقريب. ولايمكن لهذه الحقيقة ان تكون مجرد مبدأ "عام ونظري يحكم "جماعة ما" أو "شعب ما" فحسب، بل يصبح بالنسبة الى يسوع نفسه، قضية أساسية وشخصية؛ الكلام موجّه "شخصياً" الى كل انسان مؤمن وكل انسان مدعو شخصياً لكي ما يعطي جواباً حياتياً يشرح من خلال هذه الحقيقة الاساسية.
ان علاقة يسوع بالآب السماوي كانت محور حياته وتعليمه وافعاله، وجميع مواقفه من الآخر المختلف المتمثل بالانسان والمجتمع (السلطة الدينية والسياسية) والعالم. كلّ شيء، بالنسبة الى يسوع، يأخذ حقيقته من هذه العلاقة الشخصية بالله الآب (يمكننا ان نقول ان كل شيء يبدو نسبياً على ضوء علاقته بالمطلق الالهي، الله الآب). ومن هنا يمكننا ان نتكلم عن موقف يسوع من السلطة السياسية وطريقة تعامله معها والمواقف التي كان يبديها تجاه السلطة السياسية والدينية. فعلى الرغم من أن يسوع لم يعارض السلطة السياسية الموجودة في زمانه بصورة مباشرة ولم يقوم بتأسيس حركة سياسية لمعارضة السلطة الموجودة آنذاك (كما كان يفعل الغيوريون)، الا ان كلامه لم يخلوا من تعليم على طبيعة العلاقة بين الانسان المؤمن والسلطة المدنية.
من ناحية المبدأ، عارض يسوع سلطة الرؤساء المستبدّة على شعوبها فنراه في جوابه على طلب أم ابني زبدى يركز على أختلافها عن طبيعة السلطة في الكنيسة في هذا العالم: "تعرفون أن المعتبرين حكاماً على الامم يسودنهم، وأن عظمائهم يتسلطون عليهم، أما أنتم فلا يكن ذلك بينكم، وأنما من أراد ان يكون عظيماً بينكم، فليكن لكم خادماً" (مر 10/ 42-43؛ لو 22/ 25). فهذا الاعلان يتضمن رفضاً أساسياً لأي نوع من الاستبداد والغطرسة بين الرؤساء وشعوبها ويرفض صفة الاطلاقية التي يمكن منحها الى السلطة السياسية البشرية.
ففي مشهد مهم من مشاهد حياة يسوع قبل التسليم والصلب يقول قوله المشهور: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (مر 12/ 13-17؛ متى 22/ 15-17؛ لو 20/ 20-26)، ويميز بشكل أساسي ومبدئي السلطة الالهية والسلطة البشرية ويعتبر ان أية عملية خلط بين السلطتين او توحيدها في واحدة بأي شكل من الاشكال مرفوضاً مبدئياً واساسياً. كما ويرفض بشكل جذري اي محاولة لتأليه السلطة الزمنية وينقد اية محاولة من قبل السلطة بأدعائها صفة الاطلاقية: فالله وحده هو القادر ان يطلب كل شيء من الانسان (تعليم الكنيسة الاجتماعي). ولكن في الوقت نفسه، يؤكد يسوع على ان السلطة الزمنية لها استحقاقات: فيسوع لا يعتبره شيئاً محرماً اعطاء الجزية لقيصر، وهذا ما يمكن ترجمته بالقول بالواجبات تجاه السلطة المدنية. 
لقد حارب يسوع المسيحانية السياسية التي تتصف بالسيطرة على الشعوب (متى 4/ 8-11؛ لوقا 4/ 5-8)، فهو ابن الانسان الذي جاء لكي "يخدم ويبذل نفسه" (مر 10/ 45؛ قا متى 20/ 24-28؛ لوقا 22/ 24-27). لقد علم تلاميذه أن العظمة تكمن في الوداعة  والتواضع وخدمة الجميع (مر 9/ 33-35)، وأن افضل طريق لأتباعه هو طريق الصليب (مر 10/ 35-40).

الكنيسة الاولى
انطلاقاً من الايمان بشخص يسوع المسيح القائم من بين الاموات عاشت الجماعة المسيحية الاولى دعوتها ورسالتها في المجتمعات وفي العالم، وحاولت ان تجسد قيم المحبة والسلام وتنشر رسالة الخلاص فيها. 
يرى الرسول بولس ان خضوعاً ضميري، وغير سلبي، للسلطة البشرية الزمنية يتوافق مع ارادة الله ومع النظام المصمم من قبله: "لذلك فمن الضروري أن تخضعوا، لا أتقاء للغضب فقط، بل مراعاة للضمير أيضاً" (رو 13/ 5). لقد عرفت الكنيسة الاولى ان الخضعو للسلطة لا يمكن ان يكون مجرد  خضوعاً سلبياً ئقوم على قبول كل شيء مهما كان كان معارضاً للقيم الانسانية والالهية، بل يجب ان يحكم الضمير الايماني والاخلاقي جميع ممارساتي للحقوق والواجبات المترتبة عليّ تجاه السلطة المدنية. يدعو الرسول أيضاً الى ضرورة دفع الضرائب للدولة، وهذا ليس لتبرير سلطة الحاكم، بل بالاحرى لمساعدة الجماعة المسيحية على عمل الخير "أمام جميع الناس" (رو 12/ 17؛ رو 13/ 17)، ويدعو السلطة السياسية الى ان تكون في خدمة الله من أجل خير الشخص البشري (رو 13/ 4؛ ا تيم 2/ 1-2؛ تي 3/ 1).
ومثل هذا الموقف يمكننا ان نراه عند الرسول بطرس، الذي يدعو المسيحيين الى الخضوع للسلطات الزمنية البشرية (1 بط 2/ 13)، وان يستخدم المؤمن الحرية المعطاة لهو من قبل الله بمسؤولية ويعمل على احترام السلطة التي تحقق العدالة وتعمل من أجل المصلحة العامة (1 بط 2/ 14-17).
لقد عاشت الكنيسة الاولى رسالتها المنفتحة على كل العالم في ظلّ الانظمة الحاكمة أنذاك، لم تخضع لهم خضوع العميان ولم تعترف بسلطتهم الالهية، بل حاولت دائماً ان تكوّن موقفاً ينطلق من ايمانها بالرب يسوع المسيح القائم من بين الاموات ومن حقيقت شخصه كرب ومخلص. فقدمت الالف من الشهداء بسبب رفضها الاعتراف بإلوهية الامبراطور او سلطته المطلقة على حياة ابناءها، عملت على ان يكون خضوعها محكوماً بمبادىء الانجيل وتعليم الكنيسة والرسل. فعندما كان السلطان البشري يستبد ويخرج عن الحدود التي وضعها الله له، اي يعمل على تاليه سلطته ويطلب الخضوع المطلق له، كان يصبح الوحش الذي يتكلم عنه سفر الرؤيا، الذي هو رمز للسلطة الأمبريالية التي يضطهد ويشرب "دم شهداء يسوع الذين قتلهم" (رؤ 17/ 6). فالسلطة التي تحاول ان تحكم من خلال روح الاستبداد والاضطهاد تمثل روحاً نبوياً كذاباً يقوم على الخداع والتضليل. ولكي تقاوم الكنيسة هذا النوع من السلطة، يقول الرسول يوحنا، فليس أمامها إلا "الشهادة من أجل الايمان": فبهذا الشكل يؤكد المسيحيون على ان السلطة هي فاسدة وشيطانية، وانها لا تملك اي سلطان عليهم. فعدم استخدامنا العنف تجاه الاخر وشهادتنا في سبيل المسيح هي اكبر ادانة للظلم والاستبداد.
تعلن الكنيسة ان المسيح، الذي غلب الموت، هو ملك الكون وفادي الكون بدمه. وملكوته يمتد في الزمن الحاضر ويختم بمجيئه من اجل الدينونة (1 كور 15/ 20-28). فالمسيح يكشف ويعطي السلطة البشرية معناها الحقيقي والاصيل من خلال اعتبارها سلطة في خدمة للانسان. فالسيادة هي لله.       

خلاصة
1.   لقد مييز يسوع تميزاً حقيقياً بين السلطة الالهية والسلطة البشرية الزمنية، الله وحده هو المطلق في حياة الانسان، واية سلطة زمنية هي مجرد واسطة مؤقتة ويجب ان تعمل بحكم طبيعتها الديناميكية المتغيرة على خدمة الانسان وتطويره وخيره العام وحفظ حريته (الدينية والاجتماعية والسياسية).
2.   الاسلوب الوحيد للتغيير السياسي هو طريق المحبة والسلام واللاعنف القائم على قوة الكلمة (وليس على كلمة القوة) والحوار يجب ان يسود كل نقاشاتنا ومواقفنا والشهادة في سبيل الايمان تصبح قمة حياتنا المسيحية. 
3.   موقف ناقد من السلطة البشرية السياسية، يتمثل في عدم الخضوع السلبي لها، وذلك من خلال الوعي بالحقوق والواجبات المترتبة تجاه الحكم والسلطة البشرية والعمل بمسؤولية على معارضة ما يناقض ويشوه علاقة الانسان بالله والآخرين.


الاب
سعد سيروب
saadsirop@hotmail.com
 

30
هذا هو موقف الكنيسة.
فما هو موقف الاحزاب السياسية
ذات الطابع القومي "المسيحي"؟

في الايام القليلة الماضية قرأنا الكثير من البينات وشهدنا العديد من المواقف والكلمات الجيدة من رجالات الدين المسيحي والكنيسة في العراق وممن هم مهتمين بشأننا في هذا البلد، مما أرجع الينا الأمل في ضرورة بناء موقف واضح وصريح بخصوص القضايا التي تخص شعبنا المسيحي وتواجده في العراق.
ففي لقاء قداسة البابا بندكتوس السادس عشر بالمؤتمرين من مؤسسة الرواكو، بيّن البابا قلقه حيال وضع المسيحيين وحالة السلام في المنطقة ودعا كافة المسؤوليين الى التحرك الفعلي من اجل ضمان الحرية الدينية واحلال السلام في المنطقة قائلاًً: "أني أقرع مجددا قلب الله، الخالق والأب، لأطلب بثقة كبيرة عطية السلام...أقرعُ قلب الذين يضطلعون بمسؤوليات خاصة كيما يشاركوا في واجب ضمان السلام للجميع، وعلى حد سواء، محرّرين إياه من المرض القتّال، مرض التمييز الديني، الثقافي، التاريخي أم الجغرافي"

ولقد صرح غبطة أبينا البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي قائلاً بشان التقسيم الاثني والطائفي: "لا معنى للتقسيم الطائفي والعرقي في العراق، المسيحيون متواجدون في كلَّ مكان أسوة بالسُنة والشيعة، فلا يجوز تقسيم بلدنا العراق". وقد عبّر غبطة أبينا البطريرك عن رفضه لأي تقسيم للعراق وبالتالي لأي مشروع لحكم ذاتي مسيحي وأكد موقف الكنيسة بالعموم قائلاً: "إننا نعارض أي تقسيم عرقي او طائفي للعراق، والمسيحيون متواجدون في كل العراق ونحن نملك علاقات طيبة وصداقات وطيدة مع الجميع ولا يمكن ان نتخلى عنها. فالعراق كان دوماً بلداً موحداً". وهذا ما كرّره سيادة المطران شليمون وردوني النائب البطريركي بقوله: "ان انشاء منطقة حكم ذاتي للمسيحيين هو حل غير صحيح. فالمسيحية هي كالملح للارض، وكالنور في العالم، توجد في كلّ مكان ولا يمكن ان تنغلق على نفسها. فمن الضروري الدفاع عن الحرية الدينية واحترام المسيحيين ومن غير المنطقي الانغلاق في قفص معين. واذا قمنا بفعل هذا فاننا سنصبح عرضة للهجمات وفريسة سهلة. لدينا آثار في كل مكان والامكان المقدسة المسيحية تملىء العراق، فكيف يمكن لنا ان نترك كلّ هذا واللجوء الى مكان محدود؟". فكل هذا يؤكد أن موقف الكنيسة بعيدٌ كلّ البعد عن أي دعم لمنطقة خاصة بالمسيحيين، لا بل يمكننا القول ان الكنيسة تعمل وتؤكد باستمرار على ضرورة العيش المشترك والسلمي مع الجميع والعمل على بناء وطن يعطي حق الانسان ويحفظ كرامته بعيداً عن أي تمييز طائفي، عرقي و ديني.

إلا ان هذا الموقف سيكتمل اذا كان هناك تحرك واضح وصريح من الاحزاب السياسية القومية والمسمّاة "بالمسيحية" التي ما تزال متخبطة بين موافق ورافض، بين مؤيد ومعارض! فهذه الاحزاب غير واضحة وغير منسّقة ويعمل معضمها مدفوعين إما بمصالح شخصية  أو حزبية ضيقة أو قومية متعصبة، دون الاكتراث الى معاناة شعبنا المسيحي ودون ان يتفهموا طبيعة التواجد المسيحي في العراق. فمنهم من يؤيد هذا الجهة او تلك، ومنهم من يريد خدمة مصلحة هذا او ذاك، ومنهم من ينحاز الى الداخل والاخر الى الخارج. ومنهم من يقوده الجهل بالسياسية الى الخلط بين الافكار: فقد خلطوا، بين مفهوم الحكم الذاتي وبين مفهوم ادارة المناطق والمجالس المحلية، وبين مفهوم منطقة جغرافية وعلاقته بالتمثيل السياسي في العراق، وغيرها الكثير من المفاهيم التي يحتاج اعادة النظر فيها ودراستها وتقييمها. للأسف، كل هذا أثر على تمثيلنا السياسي في العراق ووأضعف موقفنا كمسيحيين.

لذا فاني أدعو الاحزاب السياسية:
1.   أن تعملوا على تنسيق العمل فيما بينهم. فلا نريد تفاقم الانقسام وتعميق الهوّة بين أبناء شعبنا المسيحي في العراق. يبدو اننا لن نصل الى وحدة قومية! ولكن دعونا ننسق ونوحّد الخطاب السياسي حول ثوابت عامة تستطيع ان تجمعنا وتمثلنا بصورة صحيحة.
2.   نريد أن يكون هناك تحرك جدي وفعال وأعلامي من الاحزاب السياسية لتوضيح موقفها لدى الاحزاب الاخرى الموجودة في الساحة العراقية، وخصوصاً تلك التي تملك ميليشيات مسلحة، والعمل معها على تقليل الضغط الذي يتعرض له شعبنا المسيحي في العراق من قتل وخطف وتهجير.
3.   ان يكون هناك مشروع وطني يأخذ بنظر الاعتبار عمق الدور التاريخي والحضاري والثقافي لشعبنا المسيحي في العراق، دون ان يكون هناك انحياز الى هذه القومية أو تلك، ودون ان يكون هناك تهميش لهذا الطرف او ذاك، فكلنا ابناء شعب واحد ولغتنا واحدة وارضنا واحدة ودينتنا واحدة.
4.   اختيار لغة سياسية سليمة ومفهومة من قبل الجميع، تعتمد على الدستور العراقي وعلى حقوق الانسان، والانتباه الى ما هو تجزيئي وقومي وطائفي. 


الاب
سعد سيروب حنا 
 

31
رد على تقرير السيد غسان يوسف توما
حول انشاء منطقة خاصة بالمسيحيين

أود قبل كلّ شيء أن اشكر كلّ من يعمل ويتكلم بصدق وأمانة لأجل قضية الوجود المسيحي في العراق. نحن بحاجة الى آراء مختلفة والى أفكار مختلفة لتقييم حالتنا بصورة صحيحة والخروج بأراء أكثر شمولية وواقعية. لا يمكن أن أحقق هذا وأنا أحمل في داخلي روح تهجمية أو أكون ممن يعتبر ان كلّ من يقول فكرة مخالفة ليّ أو متباينة مع رأي بأن رأيه غير جدير بالثقة. هذا النوع من الخطاب يبدو لي غير بنّاء وغير مجدي ولا يقود إلا الى التفرقة والتعصب.

وأريد هنا أن أعلق على ما ورد في تقرير السيد غسان يوسف توما:

الأمر الاول يتعلق بخصوص وجودي خارج العراق: أنا يأ أخي لم أهرب من العراق، ولا أحتاج للهروب من العراق، فهو بلدي وأرضه أرضي وعليها يعيشُ شعبي وكنيستي وأهلي وأصدقائي وأحبائي… أنا لا أعيش في الخارج وكأني مستقر فيه الى الابد… أنا في الخارج للدراسة، لأكمال دراستي والحصول على شهادة الدكتوراه التي كلفتني رئاستي الكنسية بأكمالها من أجل مستقبل الكنيسة في العراق. وكل مَن عمل معي عندما كنت راعي كنيسة مار يعقوب أسقف نصيبين أو في نشاطات الشبيبة المسيحية أو في كلية بابل التي أدرس فيها، يعرفني جيداً ويعرف مقدار الحب الذي أكنه لبلدي وكنيستي وشعبي. ويعرف الجميع بعدم انتمائي لأي جهة سياسية مهما كانت، قومية كلدانية، أشورية أو سريانية، فأنا كاهن كاثوليكي على الطقس الكلداني وهذا يكفي لكي يجعلني لجميع الناس. وللمعلومة، رجعت الى العراق في شهر كانون الثاني وشباط للتدريس في كلية بابل...
ومن هنا أعتقد أن أمر المسيحيين يخصني بالتأكيد، كما ويخصّ أي أنسان أخر سواء كان داخل أو خارج البلد. الجميع له الحق في أن يقول كلمته ويعبر عن رأيه في أي من القضايا التي تخص المسيحيين، وبالذات بخصوص قضية خطيرة مثل هذه القضية، وهي أنشاء منطقة خاصة بالمسيحيين…   
رأيي هو رأيي أنا لوحدي، وأنا لا أعبر عن الكاثوليك أو الكلدان أو الاشوريين أو السريان، هؤلاء جميعاً لهم رئاستهم الكنسية التي يمكن ان تُصدر بيانات رسمية توضح فيها موقفها من القضية الفلانية. لذا أرجو من جميع من يسمعني أو يقرأ المقالة، ان يعتبره موقفاً يعبّر عن أفكار شخصيّة، فانا ليس لدي الحق لأدعي الوصاية او الولاية على الاخرين، ولكني بالتأكيد أريد أن ابين أن وجهة نظري قد تكون صحيحة.

الامر الثاني يتعلق بموضوع الحكم الذاتي أو منطقة خاصة بالمسيحيين.
1.   أنا أعتقد أن الموضوع هذا شائك جداً ومعقد، وليس يوجد مَن يقدر أن يجزم قطعاً ان هذا المشروع لن يتحقق مطلقاً، كلّ شيء جائز! ولكني أريد أن أبين أمراً مهماً وهو: ان استخدام كلمة "مسيحيون"، يعطي للموضوع طابعاً دينياً ويجعله يصبح قضية "دينية" أكثر منها "سياسية"، ومن هنا تأتي معارضة الكثير من الكهنة والاساقفة لهذه القضية، لكي ما يقولوا ان الموضوع ليس قضية دينية ولا يمكن تحميله صفة دينية أو طائفية. والجميع يعرف ويدرك جيداً مقدار تأثير مثل هذا النوع من الخطابات على وضع المسيحيين وعلى حالة البلد بالعموم، التي هي بطبيعتها متأزمة ومشتعلة.
2.   لقد بينت في المقالة التي نشرتها، ان هذا الموضوع لا يفيد الجماعة المسيحيية في العراق ويضرّ بوجودها في هذا البلد، أعني كلّ البلد. لما يحمل من انغلاق على كل المستويات الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. لا يمكن ان نستخدم تعابير بدأ الجميع يفهم ويدرك عجزها عن اعطاء تمثيل صحيح في الحياة السياسية والعلنية في البلد. بالتأكيد املك أسبابي التي تجعلني أعارض مثل هذا المشروع: منها ما هو ديني (المسيحية هي ملح الارض ومدعوة للوجود في كل مكان)؛ منها ما هو أجتماعي (تفرقة الجماعة المسيحية في العراق)؛ منها ما هو انساني (سيطرة أناس على أناس اخرين واحتكار السلطة)؛ منها ما هو سياسي (أنا اعتقد ان كل العراق هو لكل مسيحي أو مسلم أو صابئي أو يزيدي أو...).
3.   وقد اشرت في المقالة نفسها بأن من غير الجائز ان يقوم رجال الدين أياً كانوا بدعم هذا المشروع. لأن هذا، بأعتقادي، لا يتماشى مع وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية أو مع مبادئنا الانجيلية بالمعموم. فهذا المشروع سيصور الكنيسة منحازة الى جهة على حساب جهة أخرى وتفضل جماعة على أخرى وسيؤدي الى انقسام في صفوف شعبنا المسيحي، الذي عانى ما عاناه من الانقسام بسبب الخطاب القومي الطائفي الذي تبناه بعض اساقفتنا في بداية العملية السياسية في العراق، والذي نحاول اليوم تجاوزه ولكن للأسف بلا جدوى!

الامر الثالث والاخير: تقريرك لم يشرّ الى المقترحات الايجابية التي اوردتها ولهذا اريد أن اقول بعضاً منها هنا:
1.   العمل على تبني خطاب يكون بعيداً عن الطائفية والتحزبية والقومية يؤكد على السلام والعيش المشترك ونبذ العنف وأحترام الآخر وحقوق الانسان اينما كان...
2.   توحيد الخطاب السياسي القومي المسيحي، فالاحزاب السياسية اختارت للأسف ان تكون احزاباً سياسية قومية مسيحية. فما نحتاج اليه هو تحريك الخطاب السياسي القومي المسيحي ومحاولة تنسيقة بحيث يمكن لكل الاحزاب السياسية ان تشارك في البناء والتمثيل لرأي سياسي قومي مسيحي يعبّر عن الجميع. لذا كفانا انقسامات وتشرذم وتجاهل الواحد للآخر وتهميش لهذا الطرف على حساب الآخر.
3.   دعوت في المقالة الى اتخاذ موقف اساسي نحتاجه اليوم وأعني به: في هذا الوقت من الافضل ان نقوم بمساعدة العوائل المسيحية النازحة واحتضانها بكل كرامة وانسانية، مساعدة أبناء شعبنا الذين تضرورا نتيجة الاضطهاد والتشريد والقتل والخطف،  الاهتمام بالمهجّرين من عوائلنا ومتابعة قضيتهم لدي الجهات السياسية المختصة... بدلاً من الدخول في سجال ونقاش غير مجدي وغير مفيد...
4.   دعوة الى عمل مصالحة بين كل ابناء شعبنا المسيحي، والمسلم ايضاً. علينا ان نصالح بين الاخوة الاسلام المتخاصمون، سنة وشيعة! أنه دور لن ينساه التاريخ لنا.
هذا هو ما قلته في المقالة والحكم يبقى للجميع. بالتأكيد أردت أن اجمع وأوحّد وأصالح ابناء شعبنا المسيحي الذي رأيت فيه الانقسام في هذه السنين. أردت ان أوجه خطاباً الى كل رؤساونا المسيحيين، فهم لم يفعلوا إلا القليل لحد الآن، لكي ما يأخذوا دورهم الحقيقي من اجل حماية وحفظ وجود شعبنا المسيحي في العراق.
والله يوفق الجميع

ابونا
سعد سيروب حنا
 

32
دم الشهيد أبونا رغيد
دعوة للمسيحي والمسلم


ان احداث الايام الماضية، استشهاد الأب رغيد كنّي ورفاقه الشمامسة، عصفت بكنيسة العراق وأهل العراق. الامانة والمحبة الكبيرة التي جسدها هذا الأب في حياته أدهشت الناس جميعاً والشجاعة التي واجه بها الشرّ بموته علمتنا معنى الثبات على الايمان. الشهادة كانت دائماً سلاح المحبة الذي واجه المسيحيون به موجات الشرّ التي أرادت النيل من إرادة الخير وتقويض ايماننا المسيحي. كنيسة العراق هي كنيسة الشهداء ܥܕܬܐ ܕܣܗܕܐ التي لا تنقطع عن التهليل والزمير لشهدائها ܥܘܢܬܐ ܕܣܗܕܐ لكي تطلب المعونة وقوة الايمان والامانة للانجيل.
علينا ان نعرف ان لا يمكن ان تمرّ هذا الاحداث دون تأمل ونظر في وضع بلدنا بالعموم ووضع المسيحيين بالخصوص. فموجة التعصب الطائفي والديني التي تغلغلت بين ابناء العراق عقدت وتيرة التعايش واضعفت العلاقة بين الاديان والطوائف المختلفة، الاسلام والمسيحيين والصابئة واليزيدية.
تمثل احداث يوم الأحد دعوة قوية الى كافة المسلمين لأعادة التفكير في ما أفضت اليه مفاهيم هذه المجاميع المتطرفة والتعصبية والوعي بالتشويه الكبير الذي لحق بمبادى الدين، مبادىء التسامح والمحبة. فاسلوب القتل والعنف قصر مجال الحوار والتعايش. فالمسلم يجب ان يعرف ان المسيحي هو أخٌ له وعضدٌ له، والتاريخ مليء بالوقائع التي تشهد لهذا التناغم والتعايش السلمي المثمر. فلا ندعن لمشاعر الحقد والضغينة ان تتغلب على مواقف المحبة والالفة والتعاون، ولا نتركن أنفسنا أسرى لافكار متعصبة تبعدنا عن روح الدين وكيانه. فليسترجع المسلم روح دينه الذي حرّم "قتل النفس"، ومنع "الاكراه في الدين" ودعا الى معاملة الآخر "بالتي هي أحسن"... ان الدين دعوة الى الارتقاء بالنفس في سلم المحبة والتقوى، ولا يمكن ان يتم استغلاله لتحقيق مأرب سياسي او ايديولوجي. لذا انها دعوة الى مسلمي العراق لوقف التناحر الطائفي بين الشيعة والسنة واخماد نار الفتنة التي زُرعت بين الاخوة، والى احترام الآخر المختلف مسيحي وصابئي ويزيدي.
انها دعوة لنا نحن المسيحيين الى التوحّد في المسيح والثبات على مبادىء الانجيل، فلا يمكن ان نستخدم موت هؤلاء الشهداء لمصلحة سياسية او ان نسخره لدعم نظرة طائفية وحزبية. فاستشهاد أبونا رغيد يجب ان يكون دعوة لجميعنا الى الثبات على الايمان والبقاء على لغة المحبة والتسامح والتعايش. فلا نحاولن ان نستخدمه لتبرير قيام منطقة سياسية او تكتل طائفي. علينا ان نقيم الصلوات ونقرأ الانجيل وننظر الى "رئيس ايماننا ومكمّله يسوع المسيح" (عب 12/2). علينا ان نمدّ يد العون الى عوائلنا المهجّرة ونحتظنهم ونساعدهم في محنتهم. على الغني ان يعضد الفقير في هذا الوقت، وعلى القوي ان يعضد الضعيف، والكبير أن يقبل الصغير... ان احداث الاحد ودماء الشهداء التي سالت يجب ان تقودنا الى وحدة في المحبة وثبات على الايمان.

أبونا
سعد سيروب حنا
روما 07/ 06/ 2007 

33
الى سيادة الحبر الجليل مار فرج رحو السامي الاحترام،


فاجعة كبيرة نزلت بالكنيسة في العراق استشهاد الأب العزيز رغيد كني والشمامسة الثلاثة وخسارة كبيرة لبلدنا وشعبنا المسيحي في العراق. لقد كان الأب رغيد كني أخي وصديقي في الدراسة والكهنوت، فقد رُسمنا مع بعضنا في يوم 13 تشرين الاول 2001 وعدنا للعمل في العراق في عام 2003. كان نِعمَ الأب الغيور والمحب للمسيح وللكنيسة ولقد أظهر في حياته كامل الوفاء والامانة لخدمة ابناء شعبه المسيحي في العراق، ولهذا فان شهادته ستكون بذرة ونبع حياة تروي كنيسة العراق الى الأبد.
أقدم تعازي الى شخصكم الكريم والى أهالي الشهداء طالباً من الآب السماوي ان يخفف الآم وآحزان شعبنا المسيحي في العراق وليقويكم الرب في الشهادة للأنجيل والمسيح.

أبونا
سعد سيروب حنا
روما 06.06.2007

صفحات: [1]