عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - عبد الستار نورعلي

صفحات: [1]
1
أدب / لا ... للعنف
« في: 21:53 29/10/2014  »

لا ... للعنف

عبد الستار نورعلي

لم أزلْ أشتلُ في قلبيَ
أغصاناً منَ الزيتونِ،
شدّاتٍ منَ الوردِ،
قناديلَ منَ الشمسِ
ينابيعَ من الحبِّ غزيرةْ.

لم يزلْ قوسُ قُزَحْ
يملأ البيتَ بألوانٍ منَ الطيفِ
ونجماتٍ مُنيرةْ

لم تزلْ مائدةُ البيتِ
بأطيابِ ثمارِ القلبِ والحرفِ
وبالدفءِ كبيرةْ

لم تزلْ في الحُلْمِ
أطيافُ مواليدِ الغدِ
الزاهرِ والشاهرِ
منْ بينِ شقوقِ الصدعِ
أنغاماً أثيرةْ

فالرياحُ الصُفْرُ والأنواءُ
ما اسطاعتْ لتغتالَ
لبستانِ الأزاهيرِ غديرَهْ

ظلَّ منساباً ليرويْ
في شفاهِ الوردِ
فوّاحاً عبيرَهْ

لم تزلْ أرضيَ ولادةَ أسرابِ عصافيرَ
على جسرٍ منَ الأشعارِ
في حبيبةٍ أضحتْ
لأنهارِ الفراديسِ أميرةْ *

وحماماتُ السلامِ البيضُ
ما زالتْ على أشجارنا
غنّاءَ، هيفاءَ، نضيرةْ

لم يزلْ عُودُ الأناشيدِ يغنّي:
أنّ فولاذاً سقيناهُ، ونسقيهِ
منَ الألحانِ ما يُشجي 
عنِ الوادي الذي يزرعُ
كي يجنيْ مصيرَهْ

قلْ لمَنْ باعَ ضميرَهْ
لملوكِ الحربِ والإرهابِ
أنَّ الكونَ يأبى
أنْ يرى إنسانَهُ يوماً أسيرهْ
أنَّ نهرَ الحبِّ ما باعَ خريرَهْ
أنَّ زهرَ الحقلِ لا يبخلُ
أنْ ينشرَ في الوادي عبيرَهْ
ومصابيحُ بيانِ اللغةِ الأولى
مُنيرةْ

* كُتبتْ القصيدة في مشاركة مع "قافلة لا للعنف الشعرية" التي انطلقت من محافظات العراق ما بين 10-17 اكتوبر
** جسر: اشارة الى جسر العشاق في البصرة


الثلاثاء 21.10.2014

2
أدب / النجمة
« في: 18:38 20/08/2014  »
النجمة

عبد الستار نورعلي

ترتدي النجمةُ وجهي.
تختفي خلفَ ضبابِ الليلِ،
تستنفرُ تاريخي.
فهلْ ينقشعُ اليومَ الضبابْ؟

مُقفِرٌ هذا الذي يحدثُ،
ما بينَ شهيقِ الليلِ والصبحِ،
وما يُثقلُ ظهرَ الكلمةْ.

زارني الليلةَ قلبي،
شفَّهُ الشوقُ،
وألقاهُ على الساحلِ
معشوقاً بلا إثمٍ،
فسافرْتُ مع الربّانِ
في زورقِهِ السحريِّ
والموجُ اضطرابْ....!

نجمةُ البحرِ تناديني:
تعالْ!
قلبُكَ المحزونُ داءٌ،
ودواهُ عندَ ذاك الساحلِ
المطليِّ تبراً،
خلفَ أمواجِ المحيطْ...

رشقتْني الكلمةْ،
بسهامِ السحرِ،
أخرجْتُ مدادي،
فإذا الحمرةُ لونٌ
في نصالِ القلمِ المنزوعِ
منْ سِفرِ الخروجْ !

هلْ خرجْتُ
منْ ثيابي؟!

أنا لا أدري!
فهلْ تدريِ حروفي
وربابي؟

صبّني الضوءُ الذي
ينزفُ من آبارِ روحي،
صبَّني في قدحِ السهرانِ...
قلبي يحتسيني!

فأغِـثْني،
أيُّها الضوءُ العقيقيُّ المنارةْ!

هذهِ الليلةُ ليستْ ليلتي!
أغلقَ البستانُ في وجهيَ
بابَ الوردِ،
وخزُ الشوكِ بابُ الكلمةْ!

فادخلِ الآنَ جِنانَ العشقِ،
سامرْهُ، وغنِّ:
"أعطِني النايَ!"*
فقيثارةُ هذا الليلِ
تشكو غفوةَ الأوتارِ
في الموجِ الشهيدْ....

* تضمين من قول جبران خليل جبران: أعطِني النايَ وغنِّ...


الخميس 17 تموز 2014


3
أدب / إلى أطفال بلاد الأطلال...
« في: 11:57 05/08/2014  »


إلى أطفال بلاد الأطلال...



عبد الستار نورعلي


 
إليكمُ،
يافلذةَ الأوطانِ،
أُهدي حُلُمي:
في أنْ أكونَ طائراً،
يحطُّ في صدورِكمْ،
أفتحُ بوابةَ هذا الوجعِ
المُغلَقةْ !

ياصورةَ الوادي التي
مرآتُها ناطقةْ؟

قرأْتُ في عيونِكمْ
براءةَ الماءِ
منَ الشوائبِ العالقةْ!

وذُقْتُ في شفاهِكمْ
مرارةَ العطشانِ،
والجوعانِ،
في صحرائنا الحارقةْ؟

لمسْتُ في الأصابعِ الصغيرةِ
الغريرةِ
الجوعَ إلى اللُعبةِ،
والوردةِ
في أيديهم الباطشةِ
الذابحةِ
السارقةْ !

سمعْتُ في أقدامِكمْ
أنينَ هذا العَدْوِ
فوقَ الشوكِ،
والترابِ،
والخرابِ،
والحياةِ،
صوبَ اللقمةِ المارقةْ...!

قفزْتُ من داخلِ عيني،
أسكبُ الحبَّ على أهدابِكمْ،
فالحبُّ صَحْني،
وكؤوسي،
ورغيفي الساخنُ
المعجونُ بالنجومِ،
فهو كلُّ ما أملكُهُ
في رحلتي الطارقةْ!


 19 تموز 2014

4
أدب / العلمُ نورٌ ؟
« في: 12:30 12/07/2014  »
العلمُ نورٌ ؟
عبد الستار نورعلي


 

" العلمُ نورٌ "
هلْ أضاء طريقَنا
أم قد أضاءَ ..
طريقَ تجّارِ الدهاليزِ العميقةِ..
والأساطيلِ الصديقةِ..
والبنوكْ ؟!

"العلمُ نورٌ..."
شابَ رأسي..
صدّعوا العينينِ، والأذنينِ دهراً
كيْ نُفيقَ على أراجيزِ الحروبْ!

"العلمُ نورٌ.."
أنتَ فوقَ الأسطرِ الصمّاءِ..
والبكماءِ..
والعمياءِ..
تُلقي الصدرَ والعينينِ..
خطاً مستقيماً..
 هلْ ترى النورَ وفي آخرهِ..
أم انتظارُ الوعدِ حتى "أبداً" !

لا.. أبداً..؟!
هلْ تُثبتُ الأيامُ في قنديلهِ..
أعمدةَ العدلِ..
ومرسى الحُلُمِ الطائفِ..
في عينيكَ..
حتى آخرِ الأنفاقِ...؟
فاعذرْني،..
أنا العابرُ..
الناظرُ..
الطارقُ بابَ الريحِ..
لا شيءَ سوى أعينيَ الظمأى..
وقلبي  في أتونِ الدربِ موقودٌ..
يدي مربوطةٌ بالقيدِ في..
" العلمُ نورٌ"...؟

عبد الستار نورعلي
الجمعة 6/6/2014



5
أدب / الأوراس
« في: 19:28 26/05/2014  »
الأوراس
عبد الستار نورعلي


مهداة إلى الشاعر الجزائري القدير الصديق بوعبدالله فلاح:

يُحكَى
أنَّ الريحَ الْهَـبَّتْ مِنْ بين جبالِ الأوراسِ
تقاسمتِ القلبَ مع الحبِّ الصادقِ
من جيلِ الثورةِ ايامَ فتوةِ هذا الصدرِ
وذاكَ العصرِ.

ما كانتْ أيامُكَ قادرةً أنْ تغفوْ
مِنْ غيرِ الصورةِ ثائرةً
تغلي منْ خلفِ القضبانْ.

جسدٌ مِنْ لونِ ترابِ الأرضِ
مثلَ الشمسِ
فوقَ جبالِ الأوراسْ ..
صَـبُّوا النارَ على الجسدِ،
فاشتعلَ الغيمُ، وفارَ التنورْ....

المطرُ الهاطلُ فوقَ الجبلِ
بينَ أزقةِ قسنطينةَ
أحمرُ
منْ لونِ الأوجهِ يومَ اشتدَّ زحامُ شوارعِـها
وانفلقتْ أبوابُ بيوتِ الفقرِاءِ،
ونوافذُهمْ،
عنْ أعينِـهمْ ،
حمراءَ بلونِ الثورةِ،
فاشتدَّ زحامُ أزقةِ بغدادَ
بعيونِ جميلةِ بوحيرد.

هذا الوجهُ الصاعدُ فوقَ الشمسِ
سلالةُ عبد القادرِ والمليونِ المروا قافلةً
في ينبوعِ الفردوسِ...

هذي دجلةُ خيرُ الأحبابِ
وخيرُ الأهلِ، وخيرُ الأصحابِ
ترسمُ صورتَها وسطَ الماءِ
وفوقَ الأغصانِ الممتدةِ  في القلبِ
وفي الوادي.....

أفتحُ كُـتُبَ الثورةِ:
فأرى الوجهَ المملوءَ جمالاً،
إصراراً، وصموداً، ونضالاً،
بينَ القضبانِ وبينَ أيادي الفاشستِ
ورصاصِ الغدرْ ...

أفتَحُ عينيها: شعاعٌ منْ وهجِ الشمسِ
ونورِ القمرِ ينادمُني:
ـ هلْ أنتَ الصابرُ مثلي، ومثلَ الأرضِ
تحملُ فأسكَ بين حقولِ النارْ،
قدماكَ تصُـبّانِ الزيتَ على الجمرةِ،
كي يكتملَ المشوارْ ؟
هل أنتَ الحاملُ وجهَكَ
بينَ غناءِ الشعرِ الثوريّ،
وبينَ قوافي الألحانِ الغزليةِ،
فتصبُّ النورْ
في الديجورْ،
في دربكَ موصولاً بالأفقِ ؟
هل أنتَ تصبُّ الأرضْ
في عينيها ،
تُغرقُ عينيها
في تربةِ هذي الأرضْ ؟

ـ شِعري عيناها  والأرضْ،
والقلبُ نواةُ الرحلةِ بينَ الوادي،
وعينيها،
وصدى الأوراسْ....


ـ أطربَـني
شِعرُكَ مغزولاً مِنْ حِمَمِ الأرضْ،
رغمَ السجّانِ،
رغمَ الموتِ،
رغمَ النارْ ،
رغمَ جنازيرِ عصاباتِ الأشرارْ .....

ـ أطربَني
عشقُكِ مغسولاً بدماءِ المليونْ .
أنا في قمةِ نشوةِ رائحةِ البحرِ المائجِ بالسفنِ،
تمخرُ أمواجَ العشقِ المزروعِ بقمةِ تلك الأوراسْ ...
أطربَني:
وردةُ غنّتْ للثورةِ،
وجميلةُ تسبحُ مثلَ فراشةِ نارٍ
كالعنقاءْ
تُـولَدُ من بين النيرانْ ....

أنا موجودٌ بالحبِّ،
بغناءِ القلبِ،
مشغولٌ بالثورةِ منْ أيام زاباتا،
والأيامِ المئةِ الهزّتْ أركانَ العالمِ،
لوركا ، وأراغونَ، نيرودا،
وأيامِ أختُطِفَ القادةُ
فوقَ مياهِ البحرِ الأبيضِ.

التنينُ االرابضُ خلفَ الأبيضِ مهووسٌ
بالخطفِ، وبالقتلِ،
في العلنِ، وفي السرِّ،
في دارةِ ذاكَ النمرِ الورقيِّ،
والنسرِ الهمجيِّ،
ومِقصلةِ الثورةِ ....

أوراسُ نداءٌ جبّارٌ،
أقلقَ ذاك الأكبرَ،
وأخافَ الأصغرَ،
ليشدَّ نفوسَ أزقتنا المحبوسةِ
بقيودِ المنعِ،
وسياطِ القمعِ ....

العنقاءُ الكبرى قادمةٌ،
والثورةُ ساحرةٌ،
تنضجُ يومَ نشدُّ رحالَ الصوتِ وأشرعةَ السفنِ
صوبَ الميناءْ.......

عبد الستار نورعلي
الأثنين 8 يناير 2007  



6
أدب / اللصوص
« في: 18:53 08/05/2014  »


اللصوص



عبد الستار نورعلي



فها تنهالُ ضرباً ، أنتَ حربُ
على مرضٍ ويعجزُ فيهِ طبُّ

سوى قولٍ بفصلٍ أنتَ منهُ
شـرارٌ ، لا يدانيهِ  مَهـبُّ

بلادي قد حوتْ خيراتِ ربّي
يعيثُ بساحِها لصٌّ  وذئـبُ

وينهشُ لحمَها أمراءُ حربٍ
يُجفِّفُ كنزَها نهبٌ وسلبٌ

وتاريخٌ ، تربّى في ظلامٍ
سوادٌ في سوادٍ يشرئبُّ

صحائفُ منْ قرونٍ غابراتٍ
يُشَدُّ بحبلها عينٌ ، ولُبُّ

لصوصٌ منْ كهوفِ افتحْ يَسِمْسِمْ *
فليسَ بشـرعِهمْ  دينٌ ، وربُّ

بضاعتُهمْ كلامٌ في كلامٍ
تجارتُهمْ محاصصةٌ وحزبُ

ذبابٌ فوقَ كرسيٍّ صراعٌ
برامجُهمُ  أكاذيبٌ ونَصْبُ

فما همْ منْ رجالِ الحكمِ حُكْماً
ولكنْ همْ لنهبِ الكنزِ حَسْـبُ

فلمْ تشبعْ بطونُهمُ التهاماً
و لا يرويـهُمُ  زورٌ ، وكِذبُ

وشعبٌ راسفٌ في نيرِ فقرٍ
فزادوهُ افتقاراً  ليسَ يخبـو

فأهلُ الدارِ زادُهمُ سرابٌ
وينعمُ فيهُمُ شرقٌ وغربُ

ونحنُ بدارةِ الأغرابِ نصلى
بنارِ الغُرْبِ يجرفُنا المَطبُّ

هجرْنا دارةَ الأحبابِ جوراٌ
وفينا جمرةُ الذكرى تشبُّ

يُعاشرُ بعضُنا اليأسَ التصاقاً
فلليأسِ استكانوا واستحبّوا

وما لليأسِ حظٌّ في حياةٍ
إذا كنا لنورِ الشمسِ نصبو

ففي الآمالِ غرسٌ منْ ضياءٍ
وساقيها لنا أرضٌ ، وشـعبُ

فلا شعبَ ارتضى بقيودِ باغٍ
ولا بدجىً على الأنوارِ حربُ

هي الدنيا وآيٌ مُحكَماتٌ
فما ظلمٌ يطولُ ويستتبُّ



* اشارة الى قصة (علي بابا والأربعين حرامي) واخفائهم سرقاتهم في كهف ذي باب صخري ضخم لا يمكن فتحه إلا بكلمة السرّ (افتحْ يا سمسمْ !)


الجمعة 17 حزيران 2011  



7
أدب / الفيليون 2
« في: 13:07 20/04/2014  »

الفيليون 2
عبد الستار نورعلي


كنتُ في بيتي الذي ما هو بيتي
حينَ ألقى الساعيْ كالعادةِ في كلِّ صباحْ
حصةَ التوزيعِ في فتحةِ بابِ البيتِ..
في فتحةِ تسليم البريدْ،
وكما في كلِّ بيتْ.

كنتُ في المطبخِ، في حضن الفضائياتِ،..
في الضجةِ ، والتطبيلِ، والتزميرِ،..
والرقصِ على آخر أنواعِ اهتزاز الخصرِ،
والرأسِ، وأردافِ الحسانْ،
وعلى إيقاع أشباهِ الرجالْ،
يملأونَ الجوفَ قيحاً ومرارْ.
أحتسي الشايَ..
وفي الشرفةِ أنفاسُ السيجارْ،
لا السيجايرْ !
ما تعوّدْتُ على التدخين يوماً،
غيرَ أنَّ الدهرَ أنفاسُ سيجارْ!
وهنا، في سويدِ الثلجِ..
التدخينُ ممنوعٌ على الإنسانِ..
في الدارِ، وفي الصالاتِ،
حتى في المقاهي والمحلاتِ،
وفي كلِّ مكانٍ يجمعُ الناسَ،..
وفي كلِّ زمانْ،
ما عدا خارجَ أسوار المكانْ،
وبغير الحاجةِ القصوى إلى التذكير بالإعلانْ:
(التدخينُ ممنوعٌ).
فإنَّ الناسَ تدري وتنفِّذْ
باقتناعْ !
فهنا كلُّ قرارٍ بحسابٍ واقتناعْ!

كنتُ في بيتي،..
ومِنْ فتحةِ بابي،
دونَ أنْ أنظرَ مَنْ مرَّ ببابي،
وصلتْـنا ....
حقُّـنا في الانتخابْ،
ومكانُ الانتخابْ،
حيثُ نُدلي بالذي نرغبُ فيهِ ونريدْ.
وصلتْ للبيتِ أسماءُ القوائمْ:
كلُّ حزبٍ بالذي يدعو إليهِ:
اشتراكيٌّ،
محافظْ ،
ويسارٌ،
وسطٌ،
شعبيْ،
وبيئةْ،
وشيوعيْ،
إنْ أريدْ،
رغمَ أنّي في بلادٍ رأسماليٍّ عتيدْ.

كلُّ شيءٍ بحسابْ،
وبقانون انتخابْ،
وقوائمْ،ْ،
وبرامجْ
تصلُ البيتَ وفي جعبةِ ساعٍ للبريدْ،
وأنا أشربُ شاياً وأدخِّنْ،
وأشاهدْ:
خطباً رنانةً، ضرباً وطعناً،
رقصاتٍ،
أغنياتٍ،
عنْ ليالي العاشقِ الولهانِ،
والمعشوقُ سالي،
ياحبيبي،
يافؤادي،
نورَ عيني،
أنا لاأقوى على أيِّ احتمالِ!
حطِّم الماعونَ... دمِّرْ!
أحرقِ الأعصابَ مني!
نارْ... نارْ!
عُـدْ لي تاني!
حطِّم الأزرارَ، والزهرَ الأواني!
فأنا الولهانُ، والسهرانُ،..
لا ليليَ ليلٌ، لا نهاري،
أنا في الظلمةِ ساري،
يا حبيبي، ياحصاري !

وصلتْني،
حقّيَ المشروعُ في أنْ أنتخِبْ،
مَنْ أشاءْ.
صرتُ صوتاً يُحتسَبْ،
وأنا اللاجئُ بينَ الغرباءْ،
مِنْ سنينٍ ستةٍ صرتُ أنا!
أنا ليْ صوتٌ، له وزن أكيدْ،
ورصيدْ!

كلُّـهُمْ يَحسِبُ للصوتِ حسابْ.
أبيضٌ، أم أسمرٌ،
أسودٌ، أم أصفرٌ،
كلُّهمْ في خانةِ اللونِ سواءْ.

بشرٌ، يرفعُ عنْ كرسيهِ..
مَنْ لا يريدْ.
بشرٌ،
فهو مُهابٌ، ومُثابْ!

*  *  *  *  *  *  *

كانَ لي في الوطنِ،
وطني الكانَ هناكْ.....
كانَ لي صوتٌ، وأرضْ،
وبها قطعةُ أرضْ،
فوقها بيتي الذي ما كانَ بيتي!
نسبي يمتدُّ فيهِ لسنينٍ وسنينْ،
تتعدّى المئتينْ،
وتزيدْ،
استباحوهُ، وصاحُوا :
أعجميٌّ...!
لسْتَ في الأصلابِ، لستْ!
أغلقوا الأنسابَ، والأبوابَ دوني.
رحَّلوني،
وارتحلَتْ،
حيثُ يأتيني وفي جعبةِ ساعٍ للبريدْ
كلُّ شيءٍ... لا أريدْ،
وأريدْ...!؟

عبد الستار نورعلي
السويد   
1998.09.04


8
أدب / الفيليون 1
« في: 17:24 08/04/2014  »


الفيليون 1



عبد الستار نورعلي


الأرضُ تلفظُ كلَّ يومٍ جثةً،
وتُعيدُ أقوامَ الجريمةْ.

الأرضُ كلُّ الأرضِ..
مِرجَلَةٌ أليمةْ.

تتقاسمُ الأدوارَ،..
والأنهارَ،..
والذهبَ الغنيمةْ.

إنَّ التي ليستْ على مقياسِها،
فلْتفترقْ في الأفقِ،..
تلقفُها الأعاصيرُ الأثيمةْ!

ياأيُّها القومُ الموزّعُ نسلُكمْ،
ما كنْتُمُ ضمنَ الخطوطِ الخُضرِ..
في الأممِ القديمةْ.

فتناوبَتْ فيكمْ سيوفُ الناسِ،..
كلٌّ يعتلي سقفَ الجريمةْ.

ليفاخرَ الدنيا بمعزولٍ..
عنِ الأحلافِ، والديّاتِ،..
لا يقوى على صدِّ القبيلةْ.

حتى الذليلةْ
قويَتْ، وبانَ لها فخاراتٌ هزيلةْ!
وتلاعبَتْ فيها الظنونُ بأنَّ في
قَسَماتِها أمماً أصيلةْ.

فتعرتِ الأوراقُ،..
بانَ المشهدُ المرسومُ..
خلفَ ستائرِ المدنِ الرذيلةْ.

هي خلطةُ الأوراقِ..
والغاياتِ..
بالأيدي الذليلةْ.

قد قيلَ: فاحْذَرْ..
نقمةَ الجبنِ الغريقِ،
فإذا تحكّمَ صارَ،..
والصيرورةُ العشواءُ..
مذبحةٌ لأفّاقٍ طليقِ.

يا أيُّها المُلقَى بلا رسْمٍ على
أرضٍ.... وأرضٍ.... حائراً
ما بينَ أشلاءِ الحدودِ،
تُلقي على الناسِ السلامَ،..
وأنتَ مُرتهَنٌ بأيدٍ..
مِنْ سماسرةٍ عبيدِ،

في سوقِ نُخّاسِ المغانمِ ترتدي
حُلَلَ الكلامِ مُزوَّقاً بشذى الورودِ.

تُلقي على الدنيا السلامَ،..
وأنتَ تُنحَـرُ في حروبِ القومِ،..
تُرمَى بينَ غاراتِ الجنودِ.

لا أرضَ ترضى أنْ تلمّكَ..
بل مَنَصاتُ الوعيدِ.

يتسابقونَ على المجازرِ..
للقريبِ وللبعيدِ.
ولأنتَ في ناموسِهمْ
رَجْعٌ لأصداءِ البعيدِ.

يخشونَ منْ همَساتِ إنسانٍ..
يهيمُ معَ المواجعِ، ينتقي
لغةَ الحديدِ.

يخشونَ، والرجفاتُ..
تُنعشُ في الصدورِ..
مواسمَ الثاراتِ والتهجيرِ،..
والذبحِ المُنظَّمِ..
للوريدِ إلى الوريدِ.

ياأيُّها القومُ الذينَ تتابعَتْ
فيكمْ رياحُ الهجرِ..
مثلَ تتابعِ المطرِ الغزيرِ،
في كلِّ فصلٍ هجرةٌ محسوبةٌ
بكتابِ سُفيانٍ صغيرِ،

لا يرتوي مِنْ صاعقاتِ النارِ،..
أو منْ ذبحِ معشوقٍ وليدِ.


  1996
 

9
أدب / في سيرة آذار
« في: 18:23 22/03/2014  »

في سيرة آذار
عبد الستار نورعلي



آذارُ هذا الثلج يسكنُني
وأسكنهُ
وهذا النازفُ المحمولُ
يحملُني
ويقذفُني على آذارِ ذاكَ الوردِ
رائحةُ الحديقةِ نخلةٌ حُبلى
ونارنجٌ
كلبتوسٌ
وساقيةٌ
ووردٌ
في شذاهُ الشمسُ تغزو غرفتي
وسريري الخشبي
مكتبتي
وأحداقَ الدفاتر فوق منضدةٍ
عليها شارةُ التاريخِ
أقلامُ الرصاصِ
و مهرجانُ الشاي
والكعكُ المكسَّر
واجباتي المدرسيةْ .

آذارُ هذا الثلج
يستلُّ الرداءَ الأخضرَ المغسولَ
بالمطر المنقِّر فوقَ أفواهِ البراعمِ
سيرتي
وجدارَ ذاك البيتِ
و الجيرانَ
مدرستي
و جسراً فوق دجلةَ
والنسيمَ عليلهُ
وسمومهُ
و مزارعَ الرمان والليمونِ
أضرحةَ المدينةْ .

آذارُ هذا الثلج يحملني
ويقذفني على آذار ذاك القصفِ
والأشلاءِ
مدرستي
ومزرعتي
وبيتي
نخلةِ الجيران
جسرٍ فوق دجلة
واستكانُ الشاي فوق الأرض
دونَ أصابعٍ

عبد الستار نورعلي
آذار  2003
في يومٍ مِنْ أيام الاحتلال


10
بيني وبين السماويّ الكبير (2)
عبد الستار نورعلي


* هذا هو الجزءُ الثاني من منظوماتي الشعرية تعليقاً على قصائدَ للشاعر الكبير يحيى السماويّ:


 -1-

لو أنني القنديلُ،..
أو نجمٌ هوى،
رميتُ ضوئي شارةً،
في مرتعِ الزاهر منْ
بستانِكَ الريّانْ.

لو أنَّـني عصفورةٌ طليقةٌ،
لطرْتُ صوبَ القارةِ البعيدةِ الأفنانْ،
بأطرب الألحانْ،
وأغزر الدنانْ،
من خمرةِ الروحِ..
وممّا تُثمِرُ الجِنانْ.

لو أنني فصلٌ منَ الأفراحِ..
صُغْتُ أحرفيْ
قلادةً في جيدِ شعرٍ ناضرٍ
بخضرةِ الأغصانْ،
والوردِ، والنخيلِ، والأعنابِ، والرمانْ،
ورقةِ النفس التي ترفلُ بالحَنانْ،
والطيبِ منْ سماوةِ المطربةِ الألحانْ،
سماوةِ الفرسانِ والشجعانْ،
شعراً،
غناءاً،
وسلاحاً ماضياً
في صدرِ كلِّ ظالمِ
وفاسدِ وجانْ.*

فلْيفرحِ الشعرُ بما تنثرهُ،
زهراً، وصوتاً صادحاً
في  رحلةِ الكرْبِ الذي
يحملهُ الانسانْ.

* جانْ: منْ (جاني)، اسم منقوص نكرة وأصله (جانٍ) بمعنى معتدٍ لا (جان) بمعنى الجِنّ. وهو مجرور وعلامة جره  الكسرة المقدرة على الياء المحذوفة  للتنوين. وقد سُكّنتْ النون لضرورة القافية.


* تعليق على قصيدته/السماويّ (تحولات عائشة) على موقع المثقف بتاريخ الاثنين 13/9/2010

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=18501:2010-09-13-01-39-14&catid=35:2009-05-21-01-46-04&Itemid=55


-2-

ماذا نقول إذا كان الوحوشُ هنا
بين الظهورِ كما قد كانَ قابيلُ

كلامُهمْ عسلٌ، والفعلُ منْ ضَبُعٍ
وكلُّ ما فعلوا نهـشٌ وتقتيـلُ

إنَّ الإلـهَ بـريءٌ منْ فِعالِـهُـمُ
ما كانَ في صُحْفهِ للحقدِ تنزيلُ

همُ الوحوشُ الضواري منْ صدى كَهَفٍ
في عِرقهمْ لهوى التذبيحِ تأويـلُ

للنورِ والحبِّ ما في كُتْبِهمْ أثرٌ
فللظلام هُـمُ، للحقدِ تمثيلُ


* تعليق على قصيدته (يا طير أبابيل) على موقع النور 14/11/2010
http://www.alnoor.se/article.asp?id=97551


-3-

الحرفُ يعجزُ أنْ يطوفَ على فمي
وأناملي جمدتْ لفرطِ تأزُّمي

وأنا على أبوابِ شعركَ ذاهلٌ
ومُسَـكّرٌ ، بنبيذ خيرِ ترنُّـمِ

طافتْ بنا الأشعارُ  في إبحارها
فرسَتْ لديكَ  لتغتنيْ بالمَغنَمِ

ووقفْتُ في محرابِ حرفكَ ضارعاً
متوسِّلاً ، مثلَ الفقيرِ المُعـدَمِ

فمنحْتَني كنزَ الكلامِ  وسحرَهُ
فرجعْتُ في ثوبِ الغنيِّ المُنعَمِ

نشوانَ أرقصُ منْ نميرِ ثماركمْ
متسربلاً برداءِ أطيبِ مُلهَـمِ  

الشعرُ أولَ ما يكونُ من الهوى
فإذا تحكّمَ صارَ شُـغلَ مُعلّمِ *

ومُعلّمُ الأشعارِ يحيى هاهنا
بروِّيهِ يُطفي عذاباتِ الظمي


يحيـانِ يقتسمانِ شــهدَ قلوبنـا،
يحيى، ونبضُ الشعرِ يسري في الدمِ
.................................

* تضمين من قول عُلية بنت المهدي:
الحبُّ أولَ ما يكونُ مجانةً  
فإذا تحكّمَ صارَ شُغلاً شاغلا

تعليق على قصيدته (حلمٌ ولا أبهى ...) منشورة على موقع النور  23/12/2010
http://www.alnoor.se/article.asp?id=100593

فردّ السماويُّ قائلاً:

ياصاحبي .. ومُنادمي .. ومعلـمي
أنا منك : حرفٌ من سطور المُعْجَم ِ

تُـعْـيي بأسـئـلـة ِالبيان ِ ربابـتـي
كيف الجوابُ وأنت تُعْجزُ ليْ فمي ؟

صمتي جوابُ يراعتي ومحابري
فاعـذرْهما ياسـيـدي .. وتـكرّم ِ

نُذرا ً إذا قبّلتُ وجهَـك في غـد ٍ
تـقـبيـلَ مشتاق ٍ صدوقٍ  مُحْرِم ِ :

سأصومُ ـ صومَ الناسكين َ ـ تشكّرا ً
لله ِ حتى أخــريــات ِ مُــحَـــرّم ِ


ياصاحبي ولئنْ حرصْتُ على الهوى
فـلأنَّـه مني الرفـيـفُ من الـدّم ِ

أنّا أوّلُ العشاق مَنْ " نسجَ الشذا
وغزِلتُ للمحبوب ِ ضوءَ الأنجم ِ " *

وأنا ابتكرتُ من الرنيم ِ مُـدامَـة ً
عَـتّقـتُها دهرا ً بـزقّ تـهَـيّمي


بيْ طبعُ تنّور ِ الفرات ِ فخـبـزهُ
للعاشقين وليْ رمادُ تـضـرُّمـي


غـنِـمَ الحبـيبُ من الـربـيـع ِجنانهُ
أمّا الخريفُ المُسـتباحُ فمغـنـمي

  * إشارة إلى بيتي في قصيدتي المهداة إلى أخي الناقد الكبير أ . د . عبد الرضا علي المنشورة في صحيفة المثقف وفي كتاب تكريمه :
نسجتُ الندى بردة والغماما
وشاحا وطرّزته بالخزامى
وقد قال الناقد الشهير يوسف عز الدين عن هذا البيت أنه " ماركة مسجلة كابتكار صورة "

وبيتي :
غزلتُ الضوءَ للمحبوب ثوبا
شفيفاً فهو مرآة ٌ وتـبْـرُ

تحطُّ فِراشةٌ ظنا ً بنهد ٍ
زهورا ً فوحها خمرٌ وعطرُ

............................


عبد الستار نورعلي
السبت 4 يناير 2014


11
بيني وبين السماويِّ الكبير (1)

عبد الستار نورعلي

مقدمة
المنظومات اللاحقة هي تعليقاتٍ ارتجالية لي، على قصائدَ لشاعرنا الكبير يحيى السماوي نُشِرَتْ على موقعي مركز النور والمثقف. هي ـ والحالة هذه ـ منظومة بتأثيرها وفعلِ تذوقها. بمعنى آخر هي من وحيها وإلهامها، بعد إحداثها الأثرَ نحتاً ثمِلاً في الذائقة والنفس. ويُمكنُ نعتُها شيطاناً من شياطين وادي عبقر، ألقى رحاله في الاحاسيس، حين مخرَتْ عباب بحر القصائد تلك، ليفجّر أمواجَ هذه المنظومات مِنْ مكامنها الحسّية فتنطلق لترسو عند شاطئ النشر، فيرتشفها المتلقي.

لا فرق إنْ اسميناها (من أدب التعليقات)، أو نصوصاً ابداعية قائمة بذاتها، أو شذراتٍ ارتجالية، أو أية تسمية أخرى، علماً بأنَّ غالبيتها ليستْ منْ نفس وزن وقافية وشكل القصائد المُعلَّقة عليها، فهي ـ على كلّ حال ـ منظومات تستحق أن تخرج الى فضاء أوسع من زواياها التي رُكِنَتْ فيها. لعلّ بعضها يتحوّل يوماً الى قصائد طويلة في لحظة الهام ووحي وقراءة. وكم منْ منظومة قصيرة ـ تعليقاً كانتْ أم لحظةَ تجلٍّ وخلق ووحي ـ تحوّلت الى نصوص كاملة الإهاب، باسقةِ القباب، مُترَفةِ الثياب، عندما حلّتْ لحظة مخاضٍ عند المرور بها، والنظر فيها، لأنّها المُنتَج الفنيُّ للمبدع المُعلِّق. إنْ عدّها البعضُ منْ بابِ الأخوانيات، فلْيكنْ! فالأخوانيات فنٌّ شعريّ، وليستْ منَ المعيبات، أو النواقص لتُحسَبَ على الأديب سلباً، فيخجلُ منها. لذلك أرى أنّه من الجدير بالمبدعين أن يسجّلوا ما يكتبون من شذرات تعليقية مُبدَعة، ويحفظونها، لأنّها في لحظة كتابتها إبداعٌ عاطفيٌّ وروحيٌّ ونقديّ، وثمرةُ تذوّق وقراءةٍ ونَظَر. كما أنّها تحليل لنصوص قُرئَتْ بإمعانٍ وشغف، وتقويم لأصحابِها ـ وإنْ برزَتْ برداء النظم ـ فمن حقّ كُتّابها أن يعرضوها على الملأ خشية أن تضيع. وهذا ما اشار اليه الناقد الدكتور حسين سرمك في تعليقه على موضوعة الشاعر يحيى السماوي المسماة (اطلالة على كتاب ادب التعليقات) والمنشورة على موقع مركز النور الألكتروني بتاريخ 28/9/2010 ، ورابطها أدناه:
http://www.alnoor.se/article.asp?id=91249
حيث أشار: "لقد كتبتُ عشرات المرات في الصحف والمواقع الألكترونية أدعو المبدعين العراقيين جميعا إلى توثيق كل شيء وعدم التردد في الحصول على براءة اختراعه..". وقد سبق لنا في تعليق ماضٍ أنْ قلنا لشاعرنا الكبير بأنّه لو كان فينا بقية من صحة أو كنا في عمر أصغر لجمعنا تعليقاته في مؤلف ونشرناها باسم (ثمرات السماوي يحيى) على غرار كتاب (ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي) وغيرها منَ الثمرات. فكانت اشارة منا اليه بأن يوثّقها في كتاب، لما فيها من الكثير من الطُرَف والنُكَت الأدبية والتاريخية واللغوية، والحكايات الطريفة، وسواها من ألوان الأدب. ولما تتضمنه من خصائص ادبية وفنية راقية رقيَ كاتبها. وهو ما ذكره أيضاً غيرنا من الأساتذة الأفاضل من المبدعين في تعليقاتهم أو اتصالاتهم بالشاعر .

إنّ التعليقات التي تحمل في طياتها جوانب ابداعية ـ بمفهومها الفني الأدبي ـ هي بلا شك تراث المبدع لحظة كتابتها. وتمرّ، وقد تُنسى، فتضيع إنْ لم يحفظها صاحبها . ولا نقصد هنا التعليقات العامة التي فيها مجاملات او نقد أو تجريح . وحتى المجاملات فيها الكثير من المُبدَع الفني الأدبي اسلوباً ولغةً وبلاغةً ومشاعر. رغم أن البعض يرفض لغة المجاملات والألقاب والمسميات في التعليقات، ويعدُّها من باب التعظيم والتفخيم، فيقدح فيها ويعتبرها ثرثرة، مثلما يعتبر غيرها من الكثير من التعليقات.

لقد سبق لي قبل فترة أنْ شرعْتُ بجمع هذه المنظومات، فبدأت النظر فيها وادخال تعديلات طفيفة لغةً وتعبيراً على بعض الأبيات بحسب مقتضى الحال والضرورة ورؤيتي فيها. وقد قدّمت لها موجزاً مشيراً الى التعليقات في المواقع الألكترونية وامكانية تسميتها بأدب التعليقات تأسيساً على كتاب الشاعر التونسي كمال العيادي الذي جمع تعليقاته على قصائد الشاعر اللبناني شربل بعيني ونشرها في كتابٍ أسماه (شربل بعيني الملك الأبيض)، والذي أشير اليه أولاً في موقع دروب الذي يشرف على قسمها الأدبي الشاعر العيادي نفسه وتحت عنوان:
 (سبق تاريخي لكمال العيادي ودروب: أوّل كتاب ورقيّ يؤسّس لأدب التعليقات) :
http://www.doroob.com/?p=46627

بمعنى أنّ الكتاب الورقي هذا يؤسس لهذا النوع الأدبي ، ولم يقولوا أن الشاعر كمال العيادي هو رائدها، لأن التعليقات في المواقع الألكترونية تمتد الى سنوات خلتْ ،قبل العيادي وغيره، والكثير منها ابداعية بامتياز.

والحقّ أقول أنني تردّدتُ كثيراً في نشر منظوماتي هذه التي جمعتها. لكنني بعد نشر موحي المنظومات وملهمها شاعرنا الكبير يحيى السماوي لمقالته عن هذا اللون من الأدب، والإشارة فيها الى كتاب الشاعر كمال العيادي المذكور، ذكرتُ له في تعليقي إحجامي عن نشر هذه المنظومات، فأشار عليّ أنْ لا أتردد في نشرها. اضافة الى أني وجدتُ أنّ من حقّه هو أيضاً أنْ ترى هذه المنظومات النور، إذ هو جزء مكمّل فيها، إن لم يكن هو الكلّ. فبفضله وُلدتْ ومنْ حقّه أنْ يراها تجول في الهواء، ولربما تتحوّل يوماً الى مطولات. مَنْ يدري ؟!! وكذلك شجّعني على نشرها قول الناقد الدكتور حسين سرمك.

وهنا أود المرور ثانية على ما يمكن تسميته بأدب التعليقات، ففي رأيي الشخصي أنّ التعليقات على النصوص الأدبية الابداعية، أو غيرها من فنون الكتابة، هي من إيحاءات وتأثيرات تلك النصوص، ومن استلهاماتها، وما أحدثته من تأثير في نفس المعلّق وذائقته، وهي في القوت نفسه نتاج القراءة والنظر والرأي فيها، وكذا في الردود على التعليقات أيضاً. وبذا تصبح جزءاً متمماً لبعضها البعض دون انفصال، ولا يمكن فهمها واستيعابها دون مناسباتها وسياقاتها التي كُتبتْ فيها. فارتباطها ببعضها عضويّ لا انفصام فيه، ومكمل للمضمون والمعنى، وحتى الشكل، فتكون ناقصة الفهم وربما غير مفهومة حين تُفصَل عن بعضها فرادى. والاستثناء الوحيد كما أرى هي التعليقات التي  ترتدي رداء النصوص الابداعية ، كأن تكون قطعةً منظومة أو نثرية ، ففي هذه الحالة تُعدّ ابداعاً مُستلهَماً من وحي النص المُعلَّق عليه. فهل يجوز هنا اعتبارها من أدب التعليقات، فيما لو أُقرّ هذا اللون فناً أدبياً جديداً، كما يدعو البعض ، وإنْ كانت له جذور تراثية؟

لأنّني كما ذكرت أرى التعليقاتِ جزءً من جسد النصّ المُعلّق عليه، وتكملةً له، رأياً نقدياً سلباً كان أم إيجاباً ، أو تنبيهاً الى خلل أو سهو أو غلط ، أو توضيحاً كان أم إضافة. فالقارئ حين يقرأ التعليق منفصلاً عن المُعلّق عليه سيكون بعيداً عن الأجواء التي خلقت التعليق والدوافع التي كانت وراءه، اللهم إلا اذا كان التعليق نصاً ابداعياً كما أسلفتُ. وبناءً على ذلك فإني أعتبر منظوماتي هذه نصوصاً مستوحاة ومُستلهَمة من أجواء قصائد شاعرنا الكبير ولذا أفضّل أنْ أسميها (مُستلهَمات) ومن وحي السماوي يحيى، وتُسمى ربما بلغة الأدب والشعر من المعارضات بمفهومها الأدبي، رغم ما ذكرتُ منْ أنَّ أغلبَها من غير وزن وقافية وشكل. والله من وراء القصد.
والمنظومات التالية جزء من تلك المُستلهَمات وستلحقها تباعاً الأخريات.

 ـ 1 ـ
توّجْتَ قافيتي ، أنا المُحتارُ
وبشدو حرفكَ مُنتَشٍ فأغارُ

هذا صباحٌ لا شبيهَ لريحِهِ
ملأ الرويُّ كؤوسَهُ، فتُدارُ

خمراً معتقةً وليس كمثلها
ما صبّهُ باخوسُ، والأشعارُ

بلّغْتَ بالضادِ المنارَ فما الذي
من بعـدِ ضوئكَ تنثرُ الأقمـارُ؟

عيدان هذا اليومَ في وجداننا
عيدُ الأضاحي، والقصيدُ هزارُ

فازرعْ بكلِّ رقيقةٍ منظومةٍ  
هذا الفؤادَ ، بـذارُهُ النـوّارُ

* مستلهمة من قصيدته المهداة لي (قلبي كصحراء السماوة صبره) على موقع النور  بتاريخ 28/11/2009

  ـ 2 ـ
هل بعدَ هذا الشعرِ منْ كاسِ
نحسو بها منْ وَدقِ إحساسِ ؟

مُلئتْ جوانبُهُ.. بمُقطَتَـفٍ
منْ عطرِ أعطافٍ وأنفاسِ

أخجلتَ ربَّ الشعرِ منْ ألقٍ
رصّعتَ جيدَ الحرفِ بالماسِ

* مستلهمة من قصيدته (عذراً نديم النبض) على موقع (المثقف) الأحد 15 /11/2009

  ـ 3 ـ
ما بعد ما تقولُ مـنْ قولِ
أقرنْتَ قولَ الحرفِ بالفعلِ

نحنُ الذينَ ندورُ في فلكٍ
منْ حولِ نبعِكَ لذةِ النهلِ

نرنو  الى أصداءِ  قادمـةٍ
فنخوضُ وَعْرَ الصَعْبِ والسهلِ

حتى لقاءِ الروحِ  عامدةً
بجميلِ عطفكَ زاهرِ الفضلِ

* مستلهمة منْ تعليقه على قصيدتي المهداة اليه (ياأيها الفرد المحلّق في المدى) على موقع المثقف الأحد 15/11/2009

 ـ 4 ـ
ابنَ السماوةِ، قد حلّتْ بوادينا
سيلُ الجرادِ أباليساً شياطينا

قلنا الطغاةُ وقد ولّوا على صِغَرٍ ،
وريثُهمْ دقّ في الأوطانِ إسفينا

وأختُ هارونَ راحتْ في تصارعهمْ
على الكراسي تذوقُ النارَ والطينا

كانَ البغاةُ سـيوفاً في خواصرنا
واليومَ مظلومُ أمسٍ صارَ سِكينا

بالأمس تشكو لنا بغدادُ لوعتَها
ماذا دهاهم فزادوا البلةَ الطينا؟

نظلُّ نشكو احتراقاً في مرابعها
عبرَ القرونِ .. ودمـعٌ في مآقينا

شكواكَ من سنواتِ القهرِ صارخةٌ
ولا تزالُ ... وتبقى ... حرقـةً فينـا

*  مستلهمة من قصيدته (با أخت هارون) على موقع النور بتاريخ 31/7/2010

الأربعاء 29/9/2010

الخاتمة
بقيتْ هذه المنظومات بمقدمتها خلفَ قضبانِ النظر، وفي مُعتقَل الكومبيوتر، منذ تاريخ تدوينها، كما هو واردٌ في ذيلها، والى اليوم الجمعة 3-1- 2014 . وفي اللحظة هذه ـ الساعة التاسعة صباحاً ـ اتخذتْ قرارَ إطلاق سراحها. وستتلوها معتقلاتٌ أخريات تُسرّح، راجياً العفوَ والمعذرةَ والغفران منَ الأحبة الأخوان. وإنْ كنتُ على يقينٍ بأنَّ البعضَ سيلوي لسانهُ بالقدحِ وسوء الطوية، لغرضٍ في النفس! والبعضُ منْ منطلق معارضةٍ وطنية!




12
أدب / هل تهوى العراق؟
« في: 11:17 22/12/2013  »

هل تهوى العراق؟



عبد الستار نورعلي


سألوني مِنْ وراءِ الأَكَمَةْ:
أنتَ هلْ تهوى العراقْ؟!

قلْتُ مِنْ داخلِ بركانٍ بصدري،
وبجَمْراتِ احتراقْ:
نصفَ قرنٍ كُنْتُ في حُضْنِ العراقْ،
منذُ ميلادي إلى أنْ أجبروني بالفراقْ!
نصفَ قرنٍ أحتسيْ ماءَ العراقْ،
آكلُ الخبزَ سخيناً مِنْ تنانيرِ العراقْ.
أشربُ الشايَ استكاناً
في مقاهٍ وبيوتٍ في العراقْ.
وملذّاتُ شبابي
وانطلاقاتي على أرضِ العراقْ.
رعشةُ العشقِ الذي أرّقني،
ألهبَني،
أحرقَني،
ألهمني،
إحدى خريداتِ العراقْ.
وعلوميْ منْ كتابٍ،
وعلى أيديْ مُربٍّ في العراقْ.
وحروفيْ منْ يراعٍ في العراقْ،
وخياليْ
منْ سهولٍ وجبالٍ،
ونخيلٍ وحقولٍ،
وسواقٍ وترابٍ،
وجَمالٍ في العراقْ.
كلُّ أهلي، أصدقائي،
وأحبّائي نزيلٌ في العراقْ.
وزواجي،كلُّ أطفالي مواليدُ العراقْ.
وأبي، أمّي، وجَدّي، جَدّتي،..
ترقدُ في أرضِ سلامٍ في العراقْ.
ليَ بيتٌ،
باتَ محْجوزاً على أرضِ العراقْ.
ذكرياتي تعبرُ البلدانَ طيفاً
صوبَ آفاقِ العراقْ.
ثمَّ تأتوني سؤالاً:
أنتَ، هلْ تهوى العراقْ؟!!


الأحد 15-12-2013

13
أدب / أينَ الرئيسُ؟
« في: 21:14 10/12/2013  »



أينَ الرئيسُ؟




عبد الستار نورعلي


"قُمْ للعراقِ، ووفِّهِ التبجيلا"
وتعهّدوهُ ، شبيبةً وكهولا 1

في ماضياتِ الدهرِ أبرَقَ دُرَّةً
كونيّـةً ، ومُعلِّـماً ، ودليـلا

قُمْ للذي سنَّ الشرائعَ مِشْعَلاً
للسائرينَ على هداهُ سـبيلا

أيامَ تحبو في الحياةِ خليقةٌ
كانَ العراقُ كبيرَها المأهولا
 
وبهِ السفينةُ قد رسَتْ وحمامةٌ
غرسَتْ غصونَ الخيرِ فيه جزيلا

فببصرةٍ، وبمَوصلٍ، وبأرْبِـلٍ
دارُ السلامِ تألَّـقَتْ إكليـلا



شرفُ المَقامِ بـدارِهِ آثـارُهُ
وبهِ الحضارةُ كانتِ القنديلا

قُمْ للذي غنّى القصائدَ صادحاً
صاغَ الكلامَ  مُفجِّـراً ، وجميلا

فأبو مُحسَّدَ في الذرى أنشودةٌ
وأبو فراتٍ واصلَ الترتيـلا

والمُحدثـونَ كواكـبٌ لا تختبـي
ساروا على دربِ الحديثِ فحولا

اسحاقُ غنّى فانتشوا وتمايلوا
وبناظمٍ طرِبَ الغنـاءُ أصيلا 2

تلكَ الشوامخُ في الأعالي عِزّةٌ
تتقدّمُ الدنيـا ، صدىً ، وعقولا

فتسامقتْ بينَ النجومِ تفاخرَتْ
حُضـناً يضمُّ رواسـياً ، ونخيـلا
 *   *   *   *
إيهٍ، أيا وطنَ المواجعِ قد سرى
فيكَ الغـزاةُ ، فأمعنـوا تقتيـلا

غازٍ منَ الغرباءِ جاؤوا غِيلةً
لكنَّ غازي الأهلِ جاءَ وبيلا

فتجمّعوا وتقاسموا وتناهشوا
حتى صُرِعْـتَ مُمزَّقاً مخذولا

زمنٌ تعرّى عنْ رداءِ فضيلةٍ
أمسى الفضيلُ مُغرَّباً وفُضولا

ما بالُهمْ رفعوا لواءَ تخلُّـفٍ ؟
منعوا الشموسَ منافذاً ودخولا

كيفَ العراقُ يعيشُ مُخضَّر الرُبى
والمالكـونَ تلبَّـسوا عِـزريلا ؟!

ورئيسُهُ في غيبةٍ، هلْ يا تُرى
مِنْ عودةٍ ، أم للرحيلِ أُحيلا ؟

العرشُ خالٍ والرعيةُ حيرةٌ
تتناوبُ التحليلَ ، والتأويلا

ومِنَ المصائبِ دولةٌ لا تقتفي
أثرَ الرئيسِ، تقولُ: قالَ وقيلا !

ومنَ المهازلِ برلمـانٌ لا يعي
أينَ الرئيسُ، وهل يغيبُ طويلا؟!

مَسَكَ العصا مُتوسِّطاً مُتهادِناً
ومُهدِّئـاً، يُعطي الصراعَ حلولا

والآنَ ساحٌ للديوكِ عراقُنا
كلٌّ يُنتِّـفُ عاديـاً ، وخليلا

الأمنُ في خبرٍ لكانَ قد انتهى
ماعادَ في حُلُمٍ ، ولا مـأمولا

فوزيرُهُ وزراؤُهُ ! ورئيسُـهُـمْ
باتَ الأمينَ الأوحدَ المشلولا
        *   *   *   *
ناديْتُ شعري ، فاستشاطَ مُغاضِباً
فمشقْتُ عن سيفٍ قصيدي بديلا

لا سيفَ في جنبي ولا مِنْ خنجرٍ
الشعرُ أقسى في الفسادِ نـزولا

ولربَّـمـا حرفٌ بجـذوةِ فارسٍ
أقوى من الحدِّ الصقيلِ صليلا

السيفُ أحسمُ في المعاركِ مضرباً
والشـعرُ أجيشُ للنفـوسِ مَـقولا
            *  *  *  *
بيضُ الصنائعِ شمسُهُ ملءُ الدُنا
كيفَ استُميلَ إلى الغروبِ أفـولا؟!

خُضرُ المرابعِ صدرُهُ بزُمُردٍ
والرافدانِ وسامُهُ تجليلا 3

واليومَ أطلالٌ لفرطِ مفاسدٍ
نعبَ الغرابُ بأرضـهِا تهليلا

قيلَ: الرشيدُ رشادُهُ ورشيدُهُ
بينَ الرشيدِ وبينَ رُشدٍ حِيلا

هذا الذي ابتدعَ الكتابةَ  رائداً
أيسيرُ في ذيلِ الشعوبِ عليلا؟!

ماذا أعدّدُ يا عراقُ وبي جوىً
يزدادُ مِنْ حزنِ النخيلِ غليلا ؟!
 
الهوامش
1. تضمين لقول أحمد شوقي:
قمْ للمُعلِّمِ، وفِّهِ التبجيلا
كادَ المُعلّمُ أنْ يكونَ رسولا

2. اشارة إلى المغنّي العباسي اسحاق الموصلي، والى المطرب ناظم الغزالي.

3. بيضُ الصنائع، وخُضرُ المرابع: تضمين من قول صفي الدين الحلي:
بيضٌ صنائعنا، سودٌ وقائعنا،
خضرٌ مرابعُنا، حمرٌ مواضينا

عبد الستار نورعلي
الاثنين 9/12/2013

14
التآخي والكرد الفيليون!

عبد الستار نورعلي

نشر السيد وسام رحمن اليوسفي في جريدة التآخي بتاريخ 05-12-2013 في صحيفة التآخي مقالاً تحت عنوان (الكورد الفيليون وسياسة الترويض المكشوفة). هبط فيها ، مع الأسف الشديد، إلى مستوى من الشتيمة والانفعال لدرجة شبّه فيها الفيليين بالخنافس منقلبين، وأنهم غائمو الفهم متضاربو الميول فريسة الوهم والغرور، ونعتهم بفقدان الحاسة الذوقية، وضياع ركائز الصواب، وحبِّ الأنا المتعملقة، وأنهم عرضة للسخرية واللامبالاة وعدم الاكتراث، وأنهم آلة أجيرة ماهرة للنبش تعرف من أين يؤكل الكتف.
لا أدري كيف توصل الى كلِّ ذلك من الخصائص والنعوت، وعلى أيّ استطلاع للرأي استند ، أو على أيِّ بحث علمي وتاريخي ومتابعة ميدانية اعتمد، فتوصل الى هذه النتيجة منَ الصفات السلبية لملايين من البشر في العراق وفي بقاع الدنيا حيث يقيمون، وحيث هُجّروا وهاجروا وتغرّبوا، غصباً وقهراً وهرباً من ظلم واضطهاد وتمييز عرقيٍّ وطائفي وسياسي. إلا أنْ يكون ذلك نابعاً من حقدٍ وكراهية ونظرة عنصرية طائفية كامنة في نفس مطلقها. وهي تجرّنا الى النظر الدقيق في كلِّ ما يُقال، ويُكتب عن هذا وذاك، ومن هذا وذاك، من ألسنة وأقلام تتبرقّع ببراقع جميلة أو قبيحة، سلبية أو ايجابية. وعلينا أن لا نثق بالوجوه السياسية الضاحكة التي تستقبلنا وتعدنا بعسلٍ مصفى قادم. فلا بدَّ أنَّ وراء الأكمة ما وراءها؟
وقد قالَ الشاعر العربيُّ القديم:

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ مِنْ وقعِ الحُسامِ المهنّدِ

فهل بعد كلام قريبنا وسام اليوسفي نجدُ سيفاً أشدَّ مضاضةً وفتكاً ؟!
وهل سمعنا أو قرأنا عدوّاً قد قالَ فيهم مثلَ قولهِ؟!
أقسى ما وسمهم به النظام السابق (العدو) هي تهمة التبعية الايرانية، ولا أعتقد أنّها تهمة. فقد خلق الله الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا، لا ليتنابزوا ويتصارعوا بالألقاب والنعوت، فبئس الاسمُ الفسوقُ بعد الايمان، ومنه الايمان القومي بالمشاعر الجياشة الايجابية التي لاتصل الى حدِّ العنصرية المقيتة اللاغاية لكلِّ ما يخالف، بل الى الجدال بالأحسن لعلَّه يوصل الى رأب الصدع، إنْ لمسنا ما يسيء أو يضرُّ أو يصدع.

الذي ندريه أنَّ الناس الذين كانوا قريبين من الكرد الفيليين، والذين تعاملوا معهم مسؤولين وسياسيين واناساً من العامة، حتى الأعداء، يقولون فيهم تماماً غير الذي ينعتهم به قريبهم اليوسفي. وإنما هو موقف سياسي وقومي متعصب لتقدير خاطئ غير موضوعي منه.
لا يوجد في الدنيا كلها مَن ليس يانتمائين أو أكثر ، عرقي وديني وطائفي ووطني وسياسي، ومناطقي داخل الوطن الواحد. وقد يؤدي ذلك الى اختلاف وصراع عند البعض من المتطرفين أو حاملي جذور الكراهية المقيتة، وما حدث في اقليم كوردستان العراق من أحداث بعضها جسيم بسبب هذا إلا شاهد ودليل على نتائج تعدد الانتماء والولاء عند البعض. فإنْ كانت في الفيليين فليست سبةً، فهم لم يستخدموها في صراع ضد الأخر قومياً أو طائفياً. فإن كان فيهم منتمٍ  طائفياً ، فهناك من هو منتمٍ قومياً وبحماسٍ وتطرف. وهو اختيار فرديٌّ بحسب قوة الانتماء قومياً أو طائفياً. وهذا ينطبق على كلِّ القوميات والأديان والطوائف والشرائح والأٌقليات في العراق، وفي العالم كلِّه.
وكلمة الى السيد وسام رحمن اليوسفي:
كيفَ تجرأتَ أنْ تصمَ الكرد الفيليين بما وصمتَ من نعوتٍ، وهم منْ عِرقكَ؟! فإنْ كان هناكَ مسيء أو منحرف، مثلما ترى، فلنسمِ الأسماء بمسمياتها، ولا نطلق التعميمات على مجموعة بشرية بالكامل، وبمثل هذا الكلام المعيب. 
قال الشاعر:
لا تنهَ عنْ خُلُقٍ وتأتيَ مثلَهُ
عارٌ عليكَ إذا فعلْتَ عظيمُ

الأعجبُ والأكثر اثارةً للاستغراب:
كيف تنشر مثلَ هذا الكلام صحيفةٌ كرديةٌ لها تاريخ مشرّف ومشرقٌ طويل، ساهم فيه كرد فيليون تأسيساً وأقلاماً، وهي تمثّل فصيلاً كردياً مناضلاً ومهماً، هو من أوائل مَنْ دافع ويدافع عن الفيليين الكرد بحماسة وغيرة؟!

عبد الستار نورعلي
الثلاثاء 10-12-2013

رابط مقال وسام رحمن اليوسفي
http://www.altaakhipress.com/viewart.php?art=40249#pagebegin




15
أدب / هذا هو الشعر
« في: 12:49 23/11/2013  »


هذا هو الشعر



عبد الستار نورعلي


مهداة إلى الكبير يحيى السماويّ:

1
الشعرُ مَنْ أحيا الأملْ،
نثرَ النجومَ على قلوبٍ هدَّها
ليلٌ بلا حُلمٍ نزَلْ.

الشعرُ مَنْ نسجَ الجمالَ،..
العنفوانَ، سحائباً،
غيثاً هَطَلْ.

الشعرُ مَنْ
صاغَ القصائدَ بالزُمُرُّدِ،..
باليواقيتِ، اللآلئ،..
والكلامَ بماءِ تِبْرٍ قد غزَلْ.

الشعرُ مَنْ نزفَ الحنينَ..
على شفا جَمْرِ الغَزَلْ.

الشعرُ مَنْ ذاقَ المُدامَ،..
ومَنْ مِنَ اللهبِ انتهَلْ.

الشعرُ مَنْ وهبَ القبَسْ
للعاصبِ العينينِ،..
وهو يدورُ بالناعورِ معروقاً،..
بنورٍ ما اكتحَلْ.

الشعرُ مَنْ شقَّ الستارَ..
عنِ الخفايا..
خلفَ أروقةِ العِلَلْ.

الشعرُ مَنْ غنّى البلادَ..
ترابَها، أنهارَها،
ونخيلَها، وجبالَها،
وحقولَها، وقفارَها،
ودروبَها، وزقاقَها،
حتّى زوايا غرفةِ النومِ،..
الأسرّةَ وهي تمنحُنا القُبَلْ.

الشعرُ أنْ نطأَ الزُحَلْ.

 لا شعرَ إنْ لمْ يرتقِ
قمَمَ الجبلْ
نبعِ الأملْ،
ليُعيدَ للعطشِ البَلَـلْ.

       2
هذا هو الشعرُ،
وهذا الشاعرُ:
مُجمِّلٌ، مُزوِّقٌ،
مُرَقِّقٌ، مُحرِّقٌ،
مُحبِّبٌ، مُشوِّقٌ،
مُناضِلٌ، وثائرُ،

وفي سبيلِ الحقِّ،..
والانسانِ، والجمالِ،..
لا يُناوِرُ،

وفي الرُبى فراشةٌ تُعاقِرُ
رحيقَ كلِّ زهرةٍ
بحُسنِها تُفاخِرُ.

هذا هو الشعرُ،..
وهذا الشاعرُ:
مُجامِلٌ، مُحاوِرُ،
مُهاجِمٌ، مُخاطِرُ،
محاربٌ، مغامِرُ،
للفقراءِ، الضعفاءِ،..
في الورى مُناصِرُ.

وموبقاتِ الريحِ،..
والأغلالَ، والقضبانَ،..
والعروشَ، لا يُسايرُ.

فؤادُهُ
صوبَ غصونِ الشجرِ المُثمِرِ،..
والخريرِ، والغناءِ،..
 مثلَ بلبلٍ يُهاجِرُ.


الخميس 21/11/2013


16


الشاعر عبد الستار نورعلي بالاسبانية


ترجمة د. جاسم العبودي

قام الاستاذ الأديب والباحث د. جاسم العبودي بترجمة قصيدتي الشاعر عبد الستار نورعلي (لوركا، انهضْ!) و(الدوائر المتداخلة) إلى الاسبانية، مع مقدمة عن الشاعر، واضافة هوامش على القصيدتين مع ملاحظات نقدية ومقارنة، وذلك لشرح وتفسير ما ورد فيهما من اشارات وصور ومضامين.
كما قامت صديقته الدكتورة ماريا ديل كارمن هيريرو مشكورة، بناء على طلبه، بمراجعة نصوص القصيدتين بالأسبانية.
وحرصاً منه على أن تخرج القصيدتان بأجمل حُلّة، وأنقى شكل، وأدقّ صورة، طلب من صديقة الشاعر والكاتب الأرجنتيني خوان أنطونيو كارديت، بتنقيح النص الأسباني، قبل نشره في الموقع الأدبي الذي يشرف عليه في الأرجنتين.
وأدناه الموقع الذي نُشرت فيه القصيدتان، ضمن (اللغات والآداب)، الذي يشرف عليه الاستاذ خوان انطونيو كارديت.
http://lenguasyliteraturas.wordpress.com/2013/07/02/abd-al-sattar-nur-ali-traducido-por-jasim-alubudi/
كما سعى الدكتور العبودي أن تنشر القصيدتان في موقع أدبي آخر رصين، ذي شهرة في أمريكا اللاتينية، فبعث إلى صديقه الأديب فرانثيسكو شيرولو الذي يشرف على الموقع المذكور (لكسيا)، فقام الأخير مشكورا بنشر قصيدة (الدوائر المتداخلة) ضمن الصفحة الخاصة بالدكتور العبودي، باللغتين العربية والأسبانية. وهذا عمل نادر بالنسبة للنشر باللغتين، وخاصة العربية مع لغة أخرى.
فيما يلي رابط موقع صفحة الدكتور العبودي في موقع (لكسيا)، وفيه القصيدة المذكورة:
http://www.lexia.com.ar/Alubudi_Jasim.html
رابط الموقع (لكسيا) مع رابط قصيدة (الدوائر المتداخلة) مباشرة:
www.lexia.com.ar
http://www.lexia.com.ar/dos_poemas_presentativos_y_suges.html

وقد قدّم الشاعر عبد الستار نورعلي خالص شكره للجميع عن طريق الأستاذ العبودي، وباتصال مباشر شخصيٍّ من الشاعر مع الاستاذ كارديت .

وأدناه نصُّ الترجمة الاسبانية:

Abd al-Sattar Nur Alí

Jasim Alubudi
En honor a mi amigo el poeta Abd al-Sattar Nur Alí he realizado la traducción de de dos poema suyos (“¡Lorca! ¡Levántate!” y “Los círculos enlazados”) al castellano con todo respeto y cariño. Doy las gracias a mi amiga la Dra. María del Carmen Herrero que, desde Cataluña, ha tenido la amabilidad de revisar la traducción. En la misma línea, mis sinceros agradecimientos a mi amigo Juan Antonio Cardete por sus retoques finales y la publicación del poema.
Abd al-Sattar Nur Alí nació en el año 1942, en Bab al-Shaij, la misma zona de Bagdad donde nació al-Bayatí el año 1926, una de las principales figuras de la poesía árabe contemporánea y fundador del movimiento del “Verso libre” junto con los poetas Nazik al-Malaika (n. 1923) y al-Sayyab (n. 1926).
La diferencia entre los dos en ideología y etnia es que nuestro poeta es curdo de los fuelíes, que casi todos son chiítas; y al-Bayatí es árabe sunnita, donde vivían y viven en armonía y convivencia con otros elementos del mosaico iraquí (y no como lo que oímos hoy en día de los novatos corruptos políticos sobre que viven en permanente discrepancia). Además, ambos defendían a Iraq con todos sus elementos sin diferencia alguna.
Abd al-Sattar Nur Alí confiesa en una carta que aún le llaman “el poeta iraquí… a pesar de que él tiene la nacionalidad sueca”.
Tras licenciarse en 1964 por la Facultad de Letras, Departamento de la Lengua Árabe, en la Universidad de Bagdad, trabajó como profesor de la lengua árabe hasta su jubilación en el año 1989. Emigró con su familia a Bulgaria el 27 de enero de 1991. Vive actualmente en Suecia desde agosto de 1992.
Trabajó como aficionado a la poesía desde temprana edad, desde el año 1964, donde publicaba sus frutos literarios de prosa y de poesía en periódicos y revistas iraquíes y árabes. Fundó el periódico Mundial; que se publica en lenguas sueca, árabe, castellana y curda, donde trabajó en él como traductor. Publicó varios artículos y poemas en el periódico sueco Folket. También tiene varias obras publicadas tanto en árabe como traducidas al sueco.
¡LORCA! ¡LEVÁNTATE! [1]
¡Levántate!
Aunque la boda sigue sangrando.
La gente siguen sin ser personas.
Los fascistas siguen en pie, con el capote nuevo.
La tierra hierve su caldera,
“y los hombres parecerán, sin estarlo, ebrios” [2],
pero, la mayoría lo saben [3].
La poesía viaja en los ojos de los muertos,
en los dientes del próximo Drácula,
desde la profundidad de la tumba blanca,
construida por los cuellos del universo.
El sol tiñe tu cara,
los balcones están repletos de bodas enviando poemas [4]
hacia nuestras casas.
La pared de la cara de la plaza cuyos ojos están asediados,
por el cemento del silencio pálido del alboroto.
Las piernas con dos muletas,
se apoyan por las palabras,
sin ventanas de legisladores.
El mar volvió a la niebla del primer viaje,
Y descansó en la oscuridad de la creación,
en su primer origen,
cuando era oscuro,
cuyo espacio eterno era la noche que formó la primera de sus letras.
En cuanto al día, era signo de recompensa,
y el sustento misericordioso para la mesa del universo,
para que trabaje el ser humano,
y satisfaga a los dueños de los barcos llenos de oro.
Los diamantes son el ojo de la amante que se arrastra con sus piernas,
sobre la cara del cristal,
para que se convierta el agua en vino,
en las copas de los señores,
en el palacio de Aladino.
¡Lorca!
¡Levántate!
La casa de Bernarda Alba [5]
está en llamas de sed,
el amor reapareció,
con el viento en el océano de la sequía,
y la muerte rápida de los que la contemplan.
¡Lorca!
¡Levántate!
Franco viste un uniforme planchado,
y una corbata,
de las fábricas de las armas que van a procesar los cuellos,
según la escala de Richter,
y las mentes según la escala de la atmósfera,
este día.
Abd al-Sattar Nur Alí
عبد الستار نور علي

Traducción Dr. Jasim Alubudi
ترجمة د. جاسم العبودي

NOTAS A “¡LORCA! ¡LEVÁNTATE!”
[1] Se refiere al gran poeta español Federico García Lorca (5 de junio 1898-18 de agosto de 1936). Colombia y México, cuyos embajadores previeron que el poeta pudiera ser víctima de un atentado debido a su puesto de funcionario de la República, le ofrecieron el exilio, pero Lorca rechazó las ofertas y se dirigió a su casa en Granada para pasar el verano. Murió fusilado tras la sublevación militar de la Guerra civil española.
Antonio Machado escribió el poema «El crimen fue en Granada» en 1937 sobre el tema de la muerte de Lorca. El 11 de marzo de 1937, el periódico falangista de San Sebastián Unidad publicó un artículo firmado por Luis Hurtado Álvarez, titulado «A la España imperial le han asesinado su mejor poeta», una sentida elegía por su muerte.
En 2009, en aplicación de la ley para la recuperación de la memoria histórica, aprobada por el gobierno de José Luis Rodríguez Zapatero, se decide abrir la fosa donde supuestamente descansaban los restos del poeta. Aun así, no se encontró nada.
En junio de 2013, La Junta de Andalucía ha iniciado los trabajos de localización y delimitación de las fosas comunes del barranco de Víznar (Granada), donde se cree que puede estar enterrado el poeta Federico García Lorca junto a un número de víctimas que oscila entre los 1.000 y los 2.500 republicanos.
La obra poética de Lorca constituye una de las cimas de la poesía de la Generación del 27 y de toda la literatura española. La poesía lorquiana es el reflejo de un sentimiento trágico de la vida, y está vinculada a distintos autores, tradiciones y corrientes literarias.
Y por eso, él es el poeta hispano más famoso en la literatura árabe.
[2] Corán: 22,1-2: “y verás a los hombres ebrios, pero no estarán ebrios, sino que el castigo de Dios será intenso”.
[3] Este frase se repite mucho en el Corán, pero con negación: “pero, la mayoría no saben”, vid. Corán: 52, 47.
[4] Lorca escribió Bodas de sangre, que es una tragedia en verso y en prosa escrita en 1931. El tema principal tratado en este gran drama es la vida y la muerte.
[5] La casa de Bernarda Alba es una obra teatral en tres actos de Federico García Lorca, escrita posiblemente en 1936. La obra cuenta la historia de Bernarda Alba que, tras haber enviudado por segunda vez a los 60 años, decide vivir, con sus cinco hijas, los próximos ocho años en el más riguroso luto. En la obra destacan rasgos de la ‘España profunda’ de principios del siglo XX que vivía en una sociedad tradicional muy violenta en el que el papel que la mujer jugaba es secundario, mezclado con un fanatismo religioso y el miedo a descubrir la intimidad.
LOS CÍRCULOS ENLAZADOS
Sobre los bordes de los círculos enlazados él apura el final de la copa,
enlazado por la migraña por las cuerdas del aire, mezclado con el olor del incienso.
El silencio reina encima los suspiros de los rincones.
Las blancas velas palpitan con luz pálida cerca del teclado,
se reflejan en sus ojos,
como un rayo lejano en mitad de un camino lleno de barro,
entre los pantanos del deseo.
Él percibe una gata, desde la ventana a través de la larga calle,
saltando del bosque a la acera que está enfrente, huyendo
de las ruedas de los coches y las motos que pasan como un relámpago,
que con furia rompen el asfalto [1]
¡Grito!
ruido de las ruedas en los entresijos del teclado [2].
Los bolillos de las palabras se marean entre sus dedos.
¿Cuántas cabezas dan vueltas dentro del juego?
La gata bonita está en el piso de arriba,
está encima del borde del balcón,
cada vez que él sale del edificio,
ella dirige la vista a su cara curiosamente,
sacando sus ojos de las órbitas,
y los lanza como un ruego hacia el negro de las pupilas de él.
Ella está sola como él.
Tal vez ella escuche el sonido discontinuo del teclado,
cada vez ella se despierta con la aurora.
¿Qué sucede en la cabeza de la gata?
El ruido es un volcán sin fin.
Unos brazos se lanzan sobre el teclado.
Círculos enlazados con su trayectoria arrastran su memoria,
para que corra en el valle sagrado,
un río de humo.
El café mezclado con la leche.
Blanco mezclado con negro.
A él no le gustaba antes el café [3],
pero, después, se ha convertido en un cliente asiduo
del festival de las tazas negras.
El negro domina todos los puntos de la ciudad,
los barrios, las tiendas, las casas, las habitaciones,
las ropas, las camas,
las caras, los ojos, las bocas, los pies,
los periódicos diarios, la mesa redonda, la calle larga,
hasta los panes en el horno oxidado.
El árbol azufaifo está en medio de la casa [4], es como un círculo que fermenta como la caldera,
en el corazón, desde los días de la niñez de los dedos, los papeles y los lápices,
y la noche fiel de los setenta años.
Me pregunta alguien que pasa:
¿de dónde viniste [5]? ¿y adónde vas?
Mi lengua se ha cortado en la mitad del camino.
¿Tus ojos son dos bosques de palmeras [6]
o dos tazas de café amargo?
El teclado ha parado de escribir,
mientras el lápiz no para de dibujar los círculos del alma,
la cara de su madre y el universo balanceándose,
entre los dos cuernos del toro en los días pasados.
El secreto, todo el secreto está en los círculos enlazados sobre la tierra.
El teclado dice: dame una respuesta rápida.
El tiempo pasa y las sillas están fijas en su lugar,
clavadas por la historia petrificada y variable,
entre las estaciones y la carga sobre los hombros.
La lengua se ha convertido en una pieza de corcho.
Los ojos son ya dos trastos viejos.
La cabeza es la memoria débil de un ordenador antiguo,
tirado debajo del sofá roto.
Los dedos son como hielo.
La cabeza es un bosque muy extenso.
La desolación
y la oscuridad reinan en el lugar.
El ordenador que está bajo sus dedos ya no le dice
lo que tiene que hacer en la aurora,
¡y las noches de rendir cuentas [7] en esta edad!
¡Pare!
¡No hay más envíos!
Abd al-Sattar Nur Alí
عبد الستار نور علي

Traducción Dr. Jasim Alubudi
(28 de junio de 2013)

NOTAS A “LOS CÍRCULOS ENLAZADOS”

[1] Desde este verso el poeta dibuja círculos enlazados de escenas.
[2] El poeta en el original utiliza varias palabras inglesas; la de keyboard ”teclado” la cita seis veces, la de computer dos veces y la de laptop una vez. Las tres palabras, especialmente el teclado, forman el núcleo del poema.
[3] La mayoría de los iraquíes suelen tomar té varias veces al día.
[4] El árbol del azufaifo está presente en el paraíso, según el Corán (52: 28) “Estarán entre azufaifos sin espinas”. También viene citado en el viaje nocturno de la ascensión de Mahoma al séptimo cielo acompañado por el ángel Gabriel y llegando al “azufaifo superior”. Por lo tanto, es un árbol sagrado: por eso, los musulmanes lavan a los muertos con hojas de azufaifo molidas y alcanfor.
Y por ello, bastantes familias iraquíes, como nuestro poeta aquí, tiene este árbol frutal en el patio de la casa, como bendición.
[5] Esta pregunta se repite mucho en los poetas árabes. El gran poeta y filosofo libanés Elia Abu Madi (1889 o 1890-1957) tiene un bello poema titulado “No lo sé” que dice: “He venido, no sé de dónde, pero he venido”. En otra gran figura poética siria, Nizar Qabbani (1923-1998), leemos: “mi querida dice: ¿De dónde viniste? ¿Y cómo has venido?”. El escritor francés de origen marroquí al-Tahir b. Jallun (Fez, 1944) dice en unos de sus prodigiosos cuentos titulado “Drama de la soledad”: “deja de hablarme de tu sufrimiento, y dime de dónde has venido”, Vid. Revista de al-Arabí, Kuwait, 2006, nº 573.
[6] Es un verso del poema “El canto de la lluvia”, del gran poeta iraquí Badr Shakir al-Sayyab (1926-1964): “Tus ojos son dos bosques de palmeras al alba, o dos almenas de las que se va alejando la luna”. Vid. http://www.poesiaarabe.com/el_canto_de_la_lluvia.htm
[7] Vid. El Corán, sura nº 18, aleya 47, donde se puede ver que el significado de que el día de “rendir cuentas”, en el Islam, es el Día del Juicio.
* El poeta suele escribir su nombre Abdulsattar Noorali.
Sobre el poeta y sus poemas, pueden ver también:
http://almothaqaf.com/jupgrade/index.php/texts/9024.html;
http://www.ahewar.org/m.asp?i=828;
http://www.alnoor.se/author.asp?id=1756;
http://www.kitabat.info/subject.php?id=19810;
http://al-nnas.com/ARTICLE/AsNAli/14s2.htm
http://al-nnas.com/ARTICLE/AsNAli/14s2.htm;
http://www.diwanalarab.com/spip.php?auteur2125;
http://www.doroob.com/?author=472;
http://www.iraker.dk/index.php?option=com_content&task=view&id=8092&Itemid=74;
http://www.ankawa.com/forum/index.php?action=profile;u=39294;sa=showPosts
About these ads



17
أدب / ما الحياة؟
« في: 11:13 06/11/2013  »
ما الحياة؟
عبد الستار نورعلي

ما الحياةْ
غيرُ إنتاجِ الحياةْ !

يركضُ المرءُ منَ المهدِ ..
إلى اللحدِ ..
على خيطِ الحياةْ
لا هثاً ..
منْ أجلِ أنْ يبقى ..
على قيدِ الحياة!

يسألُ الناسُ:
وهلْ باقٍ ..
على قيدِ الحياةْ ؟!

مُتخَماً كانَ الفتى أم جائعاً،
لا بساً أم عارياً،
ضاحكاً أمْ باكياً،
واقفاً أم قاعداً،
صاعداً أم نازلاً،
صاحياً أمْ نائماً،
عالماً أمْ جاهلاً،
كلّها ليستْ على قيدِ الحياةْ،
إنْ تكنْ في صحبةِ النفسِ التي ..
أمّارةٌ بالموتِ ...
في دربِ الحياةْ

قيلَ: قد ماتَ! فقالوا:
يا تُرى، خلّفَ صوتاً
يُسمِعُ الناسَ؟
وهلْ خلّفَ عِلماً
يتفعُ الناسَ؟ ..
وهل خلّفَ جيلاً
يُصلحُ الناسَ؟ ..
وهل خلّفَ عرشاً
يحفظُ الناسَ؟..
وهلْ خلّفَ فنّـاً
يُبهِجُ الناسَ؟ ..
وهل خلّفَ خبزاً
يُشبِعُ الناسَ؟ ..
وهلْ خلّفَ ثوباً
يسترُ الناسَ؟ ..
وهلْ خلّفَ سقفاً
يجمعُ الناسَ؟ ..
إذنْ ما أخطأ القالَ: ..
"الذي خلّفَ ما ماتَ"، ..
فما زالَ على قيدِ الحياةْ!

عبد الستار نورعلي
صباح السبت 26/10/2013


18
أدب / النعمة والأفق
« في: 15:25 30/10/2013  »


النعمة والأفق



عبد الستار نورعلي

إلى المبدع القدير الطيّب حمودي الكناني:

1.   النعمة

هذا هو العاشقُ لا ينحني
أمامَ غيرِ الألـقِ الباهـرِ

ليس لهُ إلا الذي باسقٌ،
وعِرقُهُ في القلبِ والناظرِ

إنْ رامَ خَطْفَ العشقِ مَنْ يبتغي
خسـوفَهُ، فهو صـدى الخاسـرِ

فلا صدىً إلا صدى عاشقٍ
فوق ذرى الباسقِ والزاهرِ

الحمدُ للهِ على نعمةٍ
أغدقَها بفيضهِ العامرِ

نعمتُهُ سحائبٌ أمطرَتْ
محبَّةً في حقلِنا الناضرِ

لانعمةٌ تبقى بغيرِ الهُدى
بينَ فيوضِ النورِ والعاطرِ

ونعمةُ اللهِ التي أُنزِلَتْ
تُقيمُ في الروحِ ..
وفي الخاطرِ

2.   الأفق

كثُرتْ "سيوفُ اللهِ" في
هذا الزمانِ الأغبرِ

شارونُ سيّدُهمْ ..
وعبْدُهُمُ ..
عِمامةُ أصْفَرِ

ذبحوا العِـبادَ ..
منَ الكبيرِ ..
إلى الوليدِ الأصغرِ

نهشوا البلادَ ..
وأغرقوها ..
في الحريقِ الأنْكَرِ

فمتى تهبُّ الريحُ ..
عاتيةً ..
بزحفٍ أكْبَـرِ؟

فتُحيلهُمْ عَصْفاً ..
ومأكولاً ..
بأفقٍ أنـوَرِ

عبد الستار نورعلي
الأربعاء 22/10/2013


19
أدب / حرير وذهب وماس
« في: 18:25 23/10/2013  »


حرير وذهب وماس



عبد الستار نورعلي

الى إيزابيللا العربية د. إنعام الهاشمي :

هلْ أنا أفرطْتُ..
إذ قلتُ لها:
ماسٌ..
وقد قالوا: ذَهَبْ
وحريرْ؟!

إنّها ثالوثُنا الأزهرُ..
ما بينَ مزاميرِ السواقي
ومسلاتِ الهديرْ.

ما أنا المُفرِطُ يوماً،
علِمَ الداني..
وذا القاصي..
على الخطِّ يسيرْ.

ذهبٌ، ماسٌ، حريرْ:
هي في الافراطِ ايجازٌ..
وفي الايجازِ افراطٌ..
من الشمسِ، تنيرْ.

ما أنا المُفرِطُ ..
والمكنوزُ في أحرفها يشهدُ ..
أنَّ الماسَ في منجمِها..
فَرْطٌ.... غزيرْ.
 *  *  *  *
كلَّما قيلَ: ذَهَبْ،
يعتريني،
ببريقٍ منْ صداهُ،
كلُّ ألوانِ الطربْ.

كلّما رفرفَ فوق الشجرِ..
المُزهِرِ بالحرفِ حريرْ،
صارتِ الألفاظُ عصفوراً..
منَ الماسِ يطيرْ،
بجناحٍ مِنْ حريرْ.

إنّهُ الماسُ..
كريمٌ ، حجرٌ،
يخطفُ الأبصارَ..
أخّاذٌ، شفيفٌ،
صَلِـبُ العود..
عصيُّ اللينِ..
ما منكسرٌ.

هلْ أنا أفرطْتُ..
في نظمِ عقودٍ منْ حريرٍ،
بخيوطٍ منْ ذهبْ،
وبحبّـاتٍ من الماسِ..
وفي جيدِ كلامٍ
منْ حريرٍ وذهبْ؟!
*  *  *  *
يا حريراً وذهبْ!
عزفَ الغزوُ على..
أوتارِ ماسٍ قادمٍ..
بين فراديسِ حريرٍ وذهبْ!

فإذا اللحنُ على أوتارهمْ..
نارٌ....
رمادٌ....
وحَطَبْ....!

فاعترى القلبَ غضبْ،
يُسرجُ الخيلَ..
على جمرِ لهبْ!

أكذا يُمسي لنا الوادي الذي ..
أخصبَ عشّاقَ الأغاني
بلسانٍ منْ حريرٍ وذهبْ،
وببرّاقٍ من الماسِ..
على صدرِ نخيلٍ،
وجبالٍ،
وسهولٍ،
ومياهٍ،
وكريمٍ مِنْ نَسَبْ؟!

إنّها أسرابُ غربانٍ،
جرادٍ،
وشَغَبْ...

ملأتْ تاريخَنا موجاً..
منَ التزويرِ بالتزويقِ..
والتلوينِ بالألسنِ..
في مصنعِ شُطّارِ المَهاوي،
والعَطَبْ.

هو ذا الوادي..
على نارِ رَهَبْ،
وعلى موجِ صَخَبْ،
بينَ أيدٍ عاشرَتْ قتلاً..
وأيدٍ عاشرَتْ..
فنَّ دهاليزِ النَـهَبْ.

الجمعة 20/9/2013


20
أدب / أربيـل
« في: 18:50 05/10/2013  »

أربيـل

عبد الستار نورعلي

قالوا الكثيرَ عنكِ، قالوا: ..
إنّكِ المنفردةْ،
حُسناً، بهاءً،
قوةً مُوحَّدةْ.

في سالفِ الأيامِ قدْ
أوقفَني البوليسُ في
حدودِ بابِ الوطنِ المسروقِ ..
قالَ: مَنْ تكونُ؟!
قُلْتُ: إنّي لونُ تلكَ القلعةِ ..
الصامدةِ المنفردةْ
وهذه الأرضِ التي
أنهارُها، سهولُها، جبالُها
واحدةٌ مُوحَّدَةْ.

الموتُ والضباعُ والغِربانُ ..
والسيوفُ والقُضبانُ ..
والعيونُ فيها ..
مِنْ رياحِ هجمةِ الصحراء ..
مِنْ غَزْواتِ تلكَ الأحْصِنةْ،
مارقةً، وحشيةً، مُدَجَّنةْ.

جاءتْ من الكهوفِ خلفَ ..
الأسطرِ السوداءِ، والصفراءِ ..
في رداءِ سيلِ المَلْعَنَةْ
والكِذبةِ المُبطَّنةْ !

الأمنُ والآمالُ والنجاحُ ..
والغناءُ والمَـرَحْ
لا تستقيمُ في الذي
يحملُ في كتابِهِ الموتَ ..
ولونَ الدمِ، والسيوفَ، والتَـرَحْ،

لا يرتضي سبيلُهُ
مَنْ عاشَ وانشرَحْ.

الموتُ والدماءُ والدمارُ ..
في عيونهِ فَـرَحْ!

هوليرُ! ..
بغدادُ على طريقِهمْ
ساقيةٌ للدمِ ..
والبكاءِ والألمْ،

بغدادُ، قيلَ، منْ ذُرى القِمَمْ،
شامخةً، باسلةً
ترفلُ بالقوةِ والنِعَمْ!
واليومَ في القاعِ معَ الرِمَمْ.

فأينَ قلعةُ الأسودِ ..
والإباءِ والشَمَمْ؟!

وأينْ تاريخُ الحضاراتِ التي
تسمو على الأُمَمْ؟!

أينَ الخيولُ والرماحُ والسيوفُ ..
العالياتُ بالمعالي، بالهِمَمْ؟!

وأينَ شِـعرُ المدحِ والفخر الذي
صدّعَ تاريخَ العَـلَمْ؟!

أينَ العَلَمْ؟!

"اللهُ أكبرُ فوق رأس المعتدينَ"..
وهذهِ بغدادُ ..
بينَ المعتدينَ كراتُ لِـعْبٍ
في القَـدَمْ!

حتامَ  تبقى في القدَمْ
معجونةً بنجيعِ دَمْ،

وبسارقٍ ومُزوِّرٍ  ومخاتلٍ،
وبلاعقٍ وسَخَ القَدَمْ؟!

عبد الستار نورعلي
الخميس 3/10/2013


21



التضاد في (أطفئيني بنارك) ليحيى السماوي


عبد الستار نورعلي

التضاد في البلاغة العربية هو الجمع في الجملة بين ثنائيةٍ اللفظ وضده، وهو ما يُسُمّى اصطلاحاً (الطباق) ، و(المطابقة) كما أسماه ابن المعتز في كتابه (البديع).
قال تعالى:
"وما يستوي الأعمى والبصيرُ. ولا الظلماتُ ولا النورُ. ولا الظلُّ ولا الحرور." فاطر 19-21
وقال الشاعر دعبل الخزاعي:
لا تضحكي ياسلمُ منْ رجلٍ ... ضحِكَ المشيبُ برأسِهِ فبكى

والتضادُّ في الشائع لجوءٌ من القائل لبيان حُسْنِ الضدّ بذكر ضدّه، أو للمقارنة والمطابقة بينهما.  فذكرُه تعالى المتضادات: الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظلّ والحرور، ونفيه التساوي بين كلِّ متضادين، جاء نصّاً على بيان نِعمة البصر والنور والظلّ، وهي من فيض نِعمه على البشر.

أما الشاعر دعبل الخزاعي فقد أشار في مضمون ما صوّره في بيته الى ما يفعله المشيب بالانسان في الكِبر، من خلال تصوير طباقي تضادي في الجمع بين اللفظ وضده، إذ لجأ الى الاستعارة (ضحك المشيبُ) مع الجمع بين الضدين: ضحك وبكى. ونحنُ نستشعرُ معه الأثر النفسي الحسيّ للضحك علامةً للفرح والراحة، وأثر البكاء نتيجةً للحزن والألم. فهما صورتان متضادتان لحالتين على طرفي نقيض. وقد أتى بهما الشاعر جنساً بلاغياً للمقارنة والمطابقة بين الحالين، حال الضحك (الفرح) وحال البكاء (الحزن).

يحمل التضادُّ إذن، في دلالته وإيحائه، معنى التناقض والاختلاف بين حالتين على طرفي نقيض، لا تلتقيان. فالتضادُّ بمضمونه واستخدامه بلاغياً  مقارنةٌ بين متناقضين، لابراز حسن ونعمة واحد منهما دون الثاني كما قال الشاعر :
والضدُّ يُظهرُ حسنَهُ الضدُّ

عند النظر والتأمل في ديوان الكبير يحيى السماوي الصادر حديثاً (أطفئيني بنارك)، عن دار تموز في دمشق 2013 ، نلتقي بمطابقات تأخذ بقراءتنا إلى مضمون آخر للتضادّ: التضادّ الذي يحسنُ أحدهما بالآخر، مع اختلافهما وتناقضهما في المعنى والايحاء والحالة. ومن القراءة الأولى لعنوان الديوان نُدرك المعنى الجديد المُضاف سُماويّاً (يحيى السماويّ) للمتضادات، لنكتشف ما يقدمه الينا  الشاعرُ، وهو ينسجُ بلاغته الخاصة على مِنوَل مخياله الفسيح الفضاء، وبخيوط ماكنته الشعرية الفذة، المصنوعة بدقة أدواته اللغوية والبلاغية والمعرفية، ومُحسِّناته البديعية الخاصة بقاموسه الشعري المكتنز بأطايب الكلام والتراكيب والصور. وهذا القاموسُ كتابٌ منْ لذيذِ ينبوع طبعهِ العجيب. فقد قال الجاحظ: "الشعرُ طبعٌ عجيبٌ."

والعجيب هو الغريب غير التقليدي المألوف، وهو الذي يثير الدهشة والهزّةَ في النفس. والعجيب في الشعر يقتضي من الشاعر الموهبة الأصيلة المجبولة في خَلْقه، والدراية الفائقة بفنّ الشعر، والصنعة المتقنة في الابداع، والنسيج المبهر في النظم، والتصوير الخلّاق الجميل بعينٍ نافذةٍ، والصياغة الحاذقة الفريدة في عِقدٍ منظوم بدقةٍ ومكنةٍ حِرَفية. فقد قال الجاحظ ايضاً:
"إنّما الشعرُ صناعة، وضربٌ من النسيج، وجنسٌ من التصوير."
ونضيفُ: إنْ اجتمعتْ الى جانب الطبع العجيب فزنا بفريد في الفنّ، ووحيد في الزمان، وباسقٍ في وادي عبقر. وهذا ما نقتنصه في شاعرنا الكبير يحيى السماوي.

الإطفاء هو مضاد الإحراق (نارك)، فالنار تُطفَأ بالماء. فكيف يتسنى، علمياً مادياً، وعقلياً مجازياً، وبلاغياً تصويرياً، للمرء أنْ يُطفئ نارَه بالنار: " أطفئيني بنارك"؟!
هنا نتذكر بيت الشاعر كاملاً:
ضدانِ لما أستُجمعا حسُنا .... والضدُّ يُظهرُ حسنَهُ الضدُّ

وفي إطفاء النارِ بالنار، يمنحنا السماويُّ حُسنَ الضدين معاً، لا حسنَ واحدٍ دون آخر. فنارُهُ المُحرِقة لا تُطفَأ إلا بنارها (الحبيبة) المحرقة. يعني: حُسنُ الإطفاءِ وحسنُ الإحراق. فنارُها المحرقة ستكونُ سببَ انطفاء ناره المحرقة، والحريقان في الحالتين من لذائذ العشق، والاطفاء من محاسن الحريق. يقول في قصيدة (رغيف من الشبق على مائدة من العفاف)، ولْنلاحظْ جمعه بين ضدّين: السخين والبارد:
بعضُ "السخينِ" يصيرُ "برداً"
حينَ يُمزَجُ بـ"السخينِ"!

 وهذا المزجُ التوحيدي بين متضادين قمةُ الاندماج الحسيّ للقارئ والمستمع تلقياً، والتذوق جمالياً، واثارةٌ للدهشة والاهتزاز. ألم يقلْ الشاعر جميل صدقي الزهاوي:
إذا الشعرُ لمْ يهززْكَ عندَ سماعهِ
فليسَ خليقاً أنْ يُقالَ له : شعرُ

وهذا في شعر السماويّ حاصلُ البوح الروحي والحسيِّ، تحت ظلِّ التعبير البلاغي بالتضاد (الطباق) شعرياً. وبذا فهو غريب من طبع عجيب. فالحسنُ، في الانطفاء والاحتراق معاً، هو في عمق جذور شجرة العشق في روح العاشق والمعشوقة. هنا العشق صوفيٌّ روحيٌّ، يسمو فوق اللذائذ والشهواتِ الغريزية الدنيوية. نقرأ في قصيدة (كذبْتُ عليكِ كذبتُ عليَّ):
بلى
أدريكِ طاهرةً
وأؤمنُ أنَّ بعضَ العشقِ
يُمكنُ أنْ يكونَ تقرُّباً للهِ
أو يغدو لجرحٍ قاتلٍ نصلا

ويقولُ في قصيدة (كذّبتُ صدقي كي أصدّقَ كذبَها):
متماهيانِ
ترى سرابي كوثراً
وأنا أراها في بساتين الأنوثةِ والمنى
تفاحةَ الفردوسِ في حُلُمي القديمِ
ونخلةَ اللهِ الظليلةَ
والمبشرةَ البتولْ

فالمرأةُ عنده هي السماءُ الأرضُ، وهي ظلُّ اللهِ الظليلة، خلقَها لنستظلَّ بظلِّها كباراً وصغاراً، وقال لها: كوني! فكانت:
أهي السماءُ تأرَّضَتْ
أنْ قالَ فيها اللهُ
كوني؟
لبّتْ
فكانتْ ما أرادَ
ديارَ فردوسٍ أمينِ!

 لتتحولَ المرأةُ الأمُ والإبنةُ والرفيقة والصديقة، وهي المقدسةُ البتولُ الفردوسُ الأمينةُ المأمونةُ الظلُّ الظليل، لتتحوّلّ بشيرةً وهدايةً ومحراباً للرجلِ، وللشاعر العاشق، يصلّي في فردوسها ورحابها في تبتُّلٍ. يقول في (قديسة الشفتين):
في ليلِ اسراءِ المقدَّسةِ/البتولِ/
الابنةِ/الأمِّ/الصديقةِ/والرفيقةِ
أشرقتْ شمسانِ
شمسٌ خضَّبتْ بالضحكةِ العذراءِ
أوتار الربابةِ
فاصطفاها القائمون الى صلاةِ العشقِ
مئذنةً
وشمسٌ نورُها الصوفيُّ
 أكثرُ خضرةً من بُردةِ الفردوسِ
أسرى بيْ شذاها نحو مملكةِ الرحيقْ

وفي قصيدة (انجديني):
وأسمِّيني المصلّي بين محرابينِ
يستنشقُ
نعناعاً وطيبْ

وفي قصيدة (البشيرة):
فاشهدي يا حُجةَ اللهِ
على توبةِ قلبٍ
لم يكنْ يقربُ منْ قبلكِ
محرابَ صلاةِ

وفي (شمس عمري) :
وأقِلْ عثرةَ قلبي
وخطيئاتي.. وآثامي.. ورجسي
يا حبيبي

وفي (محاولات فاشلة):
فعرفتُ أنّي
حين اجنحُ عن صراطِ هواكِ
ابدأُ بالرزيئة والخطيئة والزوالْ

في استقراء واستكشاف شعر يحيى السماويّ في النسيب والغزل نحضى بلذاذةِ معنى الحبّ الحقيقي، في سموه الروحي الصوفيّ، وارتقائه الى فضاءاتٍ غير التي ترد في ذائقة المتلقي أول تناوله لكؤوس شعره الغزلي واغترافه منه، هو القائل:
أكملي دورَكِ ياصوفيّةَ اللذاتِ
في رسمِ حياتي

قد يدلو قارئ بدلوهِ فيقول بأنّ الطباق يكون بين لفظين: فعلين، أو اسمين، أو حرفين. فكيف تجوز مطابقة بين فعل "اطفئيني" واسم "نارك". فأقول المطابقة تكتسب عند السماويّ بلاغةً مستحدثةً لتكون بين لفظين لمعنيين متضادين : فعل (اطفئيني)، واسم (بنارك). والنار هنا احراق في مقابل انطفاء. وكأنّ الشاعر يقول: أطفئيني بأنْ تُحرقيني بنارك. فحذف (أنْ تحرقيني) مطابِق (اطفئيني) واكتفى بـ(بنارك) اشارة الى الاحراق. فالنار هنا مجاز الإحراق وعلاقته السببية.
*  *  * *  *  *  *  *
استخدم السماويُّ التضادَّ في أسماء قصائد عدة:
"عينايَ نائمتانِ لكنَّ القصائد ساهرةْ" نائمتان ¬+ ساهرة
"كذّبْتُ صدقي كي أصدّقَ كِذْبَها" كذّبتُ + أصدّق، صدقها + كذبها
"رغيف من الشبق على مائدة من العفاف" الشبق + العفاف

يُلبِسُ الشاعر التضادَّ رداءَ الحُسنِ. فالضدُّ وضدُّه متلازمان في وحدة روحية حسيّة، متمازجة إلى حدِّ الذوبان كليهما معاً. النومُ والسهرُ متوحدانِ، لا ضدانِ متواجهانِ على خيط نقيضٍ، ينقطع بأحدهما ليهويَ، ويرفعُ الآخرَ ليرتقيَ مشاعرَ الفوز، ويقيمَ مقامَ  الساكن المتربِّعِ في نعمة بستانِ الحسنِ والجمالِ. يقول في قصيدة (عيناي نائمتان لكنَّ النوافذَ ساهرة):
لملمْتُ أطرافَ اللذائذِ
والمسراتِ
الجمالِ
بعيدَها وقريبَها
وطريفَها وتليدَها
ودنيئَها والطاهرةْ
فوجدْتُ
أنَّ ألذَّها كانَ
احتراقي في مياهكِ
وانطفاؤكِ في لهيبي..
واكتشفْتُ خطيئتي
كانتْ صلاتي
قبلَ ادماني التهجُّدَ في رحابكِ
كافرةْ

انظرْ المتضادات (المطابقات):
بعيدَها + قريبها، طريفها (جديدها) + تليدَها (قديمها)، دنيئها + الطاهرة ، احتراق + انطفاء، مياهك + لهيبي، خطيئتي + صلاتي.
ثمّ هذا التضادّ المثير للتبصُّر في المعنى المَسكوبِ في قدح ذائقة القارئ ليحتسيه دهشةً وتأملاً متأنياً، ونظراً فيما وراء الظاهر من الكلام، ليثملَ فيجهدَ بحثاً متبصِّراً من أجل استكشاف باطن المضمون بالاندماج في التجليّ المكنون في روح النصّ:
كانتْ صلاتي
قبلَ ادماني التهجُّدَ في رحابكِ
كافرةْ

فالتهجُّدُ صلاة في رحاب الايمان ومحراب المؤمن ليلاً. وصلاته هو عشقُه، إذ كانت مستورةً (كافرة) داخل نفسه وقلبه قبل أنْ يصلّي في محراب عشقها المعبود، ليضحى عاشقاً هائماً، متوشّحاً بنور العشق السامي وروحه المُعتلية فضاء النجوم، فيؤمن به ينبوعاً من الفيض الالهي النوراني في كهف روحه وديجورها، وذلك في تجلٍّ صوفي. وهو ما ألهمه في خلق معادل يخاطبه شعراً فكان: "صوفائيل". وهذا من عجيب ما يأتي به السماويُّ في شعره:
أطلقْتُ قلبي ..
وانتظرتُ ..
فلم يعُدْ!!
خارتْ قوايَ
وكدْتُ أرميني إلى حيثُ القرارُ..
فصاحَ "صوفائيلُ" بيْ
إنهضْ وغُذِّ النبضَ
نحو
ظلالِ نخلتكَ الأمينةْ
(الوصول إلى اليابسة)

لِنستبطنْ استخدامه للتهجُّد في تبيان عشقه: فالتهجُّد يكون ليلاً، وفي الليلِ بهدوئه وصمته وسكونه ودجاه تتأجّجُ مشاعر العاشق الولهان المكتوي بالنار المُطفئةِ للنار الملتهبة فيه. وهذا ما يمنح الصورةَ والحالةَ الحسيةَ عمقاً ودلالةً في المعنى المقصود المنقول حسياً وبلاغياً على اوتار موسيقى الشعر الهادئ والايقاع الجميل الموحي بأجواء المضمون، وبحرارته وهيجانه، وبألمِه ووخزِ سنانِ الاحاسيس والمشاعر، وبالشوق والتوق والرغبة، وباللذة المُستثارة. يقول في قصيدة (قدّيسة الشفتين):
فأنا بها
المُتهَجِّدُ ..
الضّليلُ ..
والحُرُّ المُكبّلُ بالهوى القِدّيسِ ..
والعبدُ الطليقْ

المتضادات عند شاعرنا الكبير اشتقاقات لمعنى واحد، واستثارات لحالة عشق روحية متلاطمة متخالطة متواشجة عمقاً في الروح والفؤاد. تلتقي في لحمة داخل مشاعره التي تتفجّر في طبعه العجيب، لتنقلنا معه على زورقٍ منسابٍ في بحرهِ الهادئ الهائج في آنٍ واحد. انسيابُ الزورق بهدوء مثلُه في انطلاقهِ باضطرابٍ وبهيجانٍ. وذلك ببلاغةٍ رقيقةِ الحاشيةِ، مترفةِ اللفظ، جزيلةِ السبك، متينة الصنعة، مبدعة الصور. تنتظمُ في صياغةٍ مدهشة، مؤطَّرةٍ بماء الذهبِ والياقوت، حتى يذوبَ الفرقُ والتناقض والصراع بين الأضداد لتكون وحدةً حسيةً وروحيةً، ولوحةً متكاملة التلوين، تمتلك من الجمال والروعة ما يجعلنا نفغرُ أفواهَ ذائقتنا دهشةً واعجاباً، لحلاوة وطلاوة ما نغترفُ من صورٍ مبهرة ومعنى عجيب. يقول في (كذّبْتُ صدقي كي أصدّقَ كِذْبَها) :
كذَّبْتُ نفسي
كي اصدِّقَ ما تقولُ..
وكنْتُ أعرفُ أنّها كذَبتْ عليَّ
فلسْتُ أنضرَ منْ سوايَ
وليسَ في حقلي قطوفٌ
ليس تعرفها
الحقولْ
..........
صدّقْتُ كِذبي
كي أكذِّبَ صِدقَها
فأنا صديقي مرةً
وأنا عدوي والعذولْ
....
هنا يصوغ السماويّ مقابلة أي طباق (تضادّ) معنىً في استخدام جملتين متضادتي المعنى فيهما أكثر من تضادّ: "صدّقتُ كذبي" + "أكذّبُ صدقَها". الفعل "صدّقتُ" + الفعل "أكذّبُ". والاسم "كذبي" + الاسم "صِدقها".
وكذا في قوله في قصيدة (كذبتُ عليكِ، كذبتُ عليّ):
كذبتُ عليَّ..
ها أنذا أقولُ الصدقَ
أنتِ حبيبتي الأحلى
وأنتِ
بدايتي طفلاً
وأنتِ
نهايتي كهلا

المقابلة في : "بدايتي طفلاً" + "نهايتي كهلا".  والمطابقات في: بدايتي + نهايتي.  
و طفلاً + كهلا.

التضادّ عند السماويّ هو حالة من البحث عن الاشراق الروحي. يقول في (شمس عمري):
 وأذِبْ ثلجَ خريفي
بربيعٍ ناعمِ النيرانِ
وحشيِّ الدبيبِ
فعسى تُشرقُ شمسُ العمرِ
من بعدِ غروب

فارتكازه على التضادّ كان في استكشافه للاشراق الروحي وبحثه عنه تحت مظلة المتضادات المفضية احداها الى الأخرى: خريف + ربيع، تشرقُ + غروب.
ومنها أيضاً ما جاء في (قدّيسة الشفتين):
وأنا اللهيبُ الباردُ النيران..
والماءُ الذي أمواجُهُ
تُغوي بساتينَ اللذائذِ بالحريقِ
............
الماءُ أعطشني
فهل ليْ منْ سرابكِ رشفةً
تُحيي رمادَ غدي؟
الشواطئُ أوصدتْ أنهارَها
والنبعُ فرَّ
وليسَ من حبلٍ لأدلوَ
منْ سلافةِ بئرِ واديكِ العميقِ

تضاد المقابلات في : اللهيب البارد + الماء .... الحريق، الماءُ أعطشني + فهل لي من سرابكِ ...
بهذه المتضادات يسري شاعرنا من أجل نوال الاشراق، لتُشرَعَ نوافذُ الروح أمام بصره وبصيرته على بهاء نور العشق السامي يقيناً يُزيلُ الظنون.يقول في (رغيف من الشبق على مائدة من العفاف):
قسماً بجاعلِ مُقلتيكِ
أعزَّ عندي منْ
جفوني ..
وأتاكِ لي فجرَ اليقينِ
يُزيلُ بي
ليلَ الظنونِ

للتضادّ عند السماويّ شفاءٌ روحي وانطفاءٌ للهيبٍ يتأجّجُ في نفسه التائقة الى الخلاص بارتشاف البرد ونور اليقين وكؤوس الطلى منْ دنان العشق. يقول في (شمس عمري):
سرُّ دائي
أنّني من دونِ داءٍ
فابتكرْ داءً جديداً ليْ
وكنْ أنتَ طبيبي

فهو الباحثُ عن داءٍ هو دواءٌ شافٍ له في الآنِ نفسه، وهو (العشق النوراني) داءٌ ودواء. ويقول في قصيدة (محاولات فاشلة):
هيّأتُ في سردابِ ذاكرتي
سريراً باردَ النيرانِ مسعورَ الندى

فالسريرُ رغم نيرانه فهو بارد، ورغم نداه الرطب فهو مسعور اللهب. أي أنه الداءُ المضني، ودواؤه نقيضه (ضدّه). فالضدّان عند شاعرنا الكبير يحسنان باجتماعهما معاً. فهما متلازما أحاسيسهِ ومشاعره وتأمُّله في عرش العشق المائيّ الممزوج بالبريق والإشراق.

وهذا من غريب وعجيب السماويّ، وممّا يلذُّ للقارئ أنْ يتناوله بجشعٍ، لما فيه منْ أطايب ما يقدّمه على مائدته المثقلة بالبلاغة المنهمرة من سحائبه مطراً مُحمّلاً بماءِ الذهب والحرير والياقوت والزبرجد والجمان المنضّد، ومُعطّر برائحة الفلِّ والريحانِ والياسمين والآس:
في الدربِ
نحو النخلةِ المعصومةِ الأعذاقِ
صادفني من الشجرِ الكثيرْ
بعضٌ لهُ شكلُ الرماحِ
وبعضُهُ طبعُ الرياحِ
وبعضُهُ ألقُ الزبرجدِ والحريرْ
(إسراء نحو فردوسها)

ويقول في (انجديني):
وأسميكِ الفضاءاتِ المرايا
وأسميني المغيبْ
وأسمّي مهبطَ الياقوتِ في عقدكِ
سفحا
لهضابِ الفُلِّ والريحانِ
والآسِ الرطيبْ

الخاتمة

يقول اليوت:
"إنّ قسماً من الشعر يبتدعه الشاعر وإنّ قسماً آخر يدرُّ له التراث . وإنّ الجزء الحيّ من التراث يبقى مستمراً عبر الأزمنة وعبر الشعراء ، لأنه يمثل الانجازات الناجحة والثابتة مما ألفه الشعراء."

والتضادّ (الطباق) منْ ضمن ألوان وأجناس وعناصر الشعر الفنية البلاغية الأساس، ارتكز عليه شاعرنا الكبير في نقل احاسيسه وتجليات روحه وابتداع صوره الشعرية المذهلة. وهو ما درَّ له التراثُ من اجناس البلاغة الكثيرة، وهو من المنجزات التراثية العربية الناجحة والثابتة المستمرة، فاعتمدها ليبتدع جديداً مضافاً: وهو أنْ يُخرج من التضادّ صورة جديدة في اطار واحد يجمع نقيضين (ضدين) في لوحةٍ فيها من التجانس ما يجعل المتضادين واحداً في روح القصيدة، أي روح خالقها، وهي من ابتداعه الفني الجميل المدهش. وكذلك في ذائقة القارئ، بحيث لا يشعر بالفرق والنقيض والمقارنة بين المتضادين، بل يجدهما وحدةً في روح الصورة المُبتدَعة. فيقودنا هذا الى النظر بإجلال وإعجاب لمنجزات التراث الحيّ الناجحة المستمرة في ضمير الشعر الحقيقي الأصيل، النابض بالحياة، على مدى العصور، دون أنْ يفقد بريقه ومكنوزه الحسي والفني وأثره في النفس. والشعر الجديد الحامل لثروة القديم بألوانه الفنية المبدعة الحية وبسعة واحاطة ماهرة، هو الشعر النابض بالحيوية، والحاذق في ابتداعٍ مُضافٍ يُولَد من رحم التراث. هذا الشعر، المولود من رحمِ طبع شعريٍّ بموهبة فائقة وحرفية صياغية حاذقة، وذكاء في نسجِ ما هو غريب ومثير للاندهاش والاهتزاز في نفس المتلقي، هو الخليقُ بأنْ نقولَ عنه: هذا هو الشعر، وناظمُهُ هو الشاعر:
فضحَ الجَهْرُ عذاباتي ..
وزادَ السرُّ والتأويلُ فضحا
فأنا المفضوحُ في الحالينِ
إنْ صمتاً وبـَوحا
(أنجديني)

فـ"الجهرُ" وضدّه "السرُّ " واحدٌ في حال الشاعر فهو مكشوف العذاب في الحالين، وكذا مفضوح في صمته وبوحه.

لا يتأتى ذلك لكلِّ ناظم إلا منْ امتلك ناصية الشعر، مع ناصية الخلق والابتداع والإضافة، وناصية الثقافة الواسعة سعة المحيط، وناصية اللغة وبلاغتها وفنها التعبيري، ثم ناصية ابتداع الصور المُستَحدَثة بنقاء وصفاء، وبريق، ويسر وانسياب رقراق، من غير إفاضةٍ أوحشوٍ أو شوكٍ أو عقبةٍ أو صخرةٍ في طريق الذائقة.
وكلُّ هذا نقرأه في شاعرنا الكبير يحيى السماويّ.


الأحد 29 /9/2013


22
أدب / المقابر الجماعية
« في: 22:01 01/09/2013  »


المقابر الجماعية




عبد الستار نورعلي



في هذا الزمن المشحون المتأجّج بالحماقات
يقفز السنجابُ الأحمق سريعاً فوق شعر الثعلب
ليسكنَ في خلايا الرأس.

الرياح المارقة من بين فوهات الصواريخ
تتساقط على اسفلت الشوارع الهشة
المعبأة برائحة الفقر والخمول،
وأسمال الأرغفة المحترقة بنار الحروب،
والمعجونة بالغبار وشروى نقير وأجساد المذبوحين.

في هذا الوقت يستمر الصراخُ المحمَّل بالليزر
والصواريخ العابرة للقارات،
ليقذفَ حِممَ الموت والخراب فوق المنائر ،
ويستبيحَ الحمامات والعمامات في وضح النهار.

الأخوة الأعزاء، ذوو النشامة والكرامة والنخوة والقهوة العربية
المطبوخة بالهيل المعتّق،
يتسارعون متزاحمين في أزقة النعيق
ورفع العقائر على مصاريعها ....
وآخرون يلطمون على الصدور العاطلة العارية
أمواجاً ...... أمواجاً ......
السيوفُ الحادة ذات النصال المسنونة جيداً بمبرد القصاب
تهبط سرايا فوق الرؤوس الحليقة مثل طائرات   F16
المغيرة على الفلوجة.

الدماء تتفجّر فوق العيون والخدود الشاحبة،  
ثمناً لشراء الراحة وطرد الروح القلقة.
القاماتُ القصيرة والطويلة تتشح بالسواد
فيهرب الغربان هلعاً.

السواد .....
السواد ......
في كلِّ مكان،
على الوجوه والحيطان،
ومن قمة الرأس حتى أخمص القدمين،
وعلى الأبواب والجدران المتهالكة.

الخدودُ الشاحبة الغائرة في عظامها،
من أثر الجوع والحرمان والدخان والخوف،
والغبار الذي يملأ الشوارع المليئة بالمطبات،
ومن الغرف المغلقة دون نوافذ،
كلُّـها تنذر بموت أكثر درامية من زعيق الديناصورات التي رحلت،
وأخرى تنتظر على الأبواب والشبابيك
لتتسلّلَ عبر الأعتاب والقضبان إلى غرف النوم الخاوية الباردة .

الأشقاء الكبار مشغولون بالتنقل بالطائرات المكوكية المكيفة بالدفء وبالتبريد،
وعلى الفضائيات المولولة الناعقة،
وصفحات الصحف المولية أدبارها ،
والابتسامات العنقودية على مسرح الكلام المنمّق،
من أجل نصب مائدة الوليمة،
ليطلق كلُّ واحد قذائفَ اللسان في وجه الآخر بدلَ الملاعق !

كلٌّ يبكي على ليلاه،
وليلانا تبكي عليهم.

المدنُ، التي ولولتْ في حضرة المقابر الجماعية وشقّت الصدور،
مشغولةٌ بالتحضير لحفر مقابر جديدة،
على أرصفة الشوارع والأسواق وأزقة الفقر
وأبواب المساجد المحاصرة التي أُنتُـهكتْ زمناً ،
واستعادت انتهاكها في نشيج الرايات المرفرفة
وسط لهيب الحناجر.

الراياتُ الحُمر والخضر والسود
مزوقةٌ بالكلاشينكوفات و"بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة"!*

عاشقو الموت الخالد الدائم يتصدرون مواسم الصراخ،
في الأزقة التي ألفت واستلذّتْ بمنظر الطيور،
وهي تذبح فوق أسلاك الكهرباء،
والعصافير التي تشوى على مواقد الشاربين
في الأقبية السرية التي لم تكتشف بعد.
المشاهدون يستلذون بقرقعة عظامها الرخوة
تحت الأسنان المدجّجة بقذائف الرعب .

النسانيسُ الأنيقةُ في الصالات الفخمة خلف محيطات الغزو والدم
ترقص طرباً من غناء القذائف،
فوق الأعشاش المليئة بأعواد الأشجار الرقيقة الجافة العارية عن الغصون.

أذانُ الفجر يصرخ عالياً....
فلا المصلون وصلوا،
ولاالمنارة باقية،
ولا الأشقاء قادمون .

العيونُ الحادة، التي تخفي خلفها شجرَ الحماقة والزقوم،
نذرتْ نفسَها للموت من أجل المقابر الجماعية الماضية والمقابر اللاحقة
والفوضى الضاربة أطنابها في العواصم الكبرى!
مدنٌ يستبيحها مَنْ هبَّ ودبَّ، قادماً من زوايا المدن المستباحة الهاربة،
والمدن الفاتحة أشداقها لتبتلعَ الأخضر واليابس.

في هذا الزمن الموتور المتلاطم المتقلّب
الواقف على قرنٍ واحد للثور الهائج المائج الأعمى،
تترنّحُ الأشجارُ تحت وطأة الكلام يميناً وشمالاً ،
وتنزلق الطرقاتُ في شعاب الضياع.
العروشُ تخفي رؤوسَها، خشيةَ أنْ تتطايرَ تيجانُها
من هول حمم البركان وصدوع الزلزالِ العميقة.

"لا يُصلحُ الناسُ فوضى لا سراةَ لهم
ولاسراةَ إذا جُهّـالُـهم سادوا" **
فهم يتصادمون بالمناكب العريضة والهزيلة وبالصراخ والعويل .....
المناكبُ العريضة والصاخبة الصوت اختبأتْ تحت جلد الهزال.
فتحَتْ أبوابَـها مشرعةً أمام النسر
ذي الأسنان الحديدية والألكترونية،
وتعرَّتْ دفعةً واحدةً.  
فلا حجةَ بعد الآن للذي يتعرّى قطعةً..... قطعةً .....

البيوتُ تتفجّر.
الشوارع تُحفَـر.
المنائرُ  تتهاوى.
العمائمُ تتطايرُ عن الرؤوس مضمخةً بالدم.
ولا من سميع ولا من مجيب ..!

الجلودُ التي تُشوى،
والوجوهُ التي تحترق،
والسقوفُ والحياطينُ التي تُدكُّ فوق رؤوس أصحابها،
هي خمرةٌ في كؤوس القبائل التي ساومتْ
في أسواق البيع والشراء ....
باعت،
ولم تشترِ،
ولنْ تشتري !

أما البكاءُ فإرثُ القبيلة التاريخيّ،
مثلما المقابرُ  الجماعية،
والصراخ المدوي،
واللطم والتطبير .....

* تضمين من قصيدة نزار قباني: "هوامش على دفتر النكسة"
** تضمين لبيت منْ دالية الشاعر الجاهلي الأفوه الأودي

عبد الستار نورعلي
الخميس  2004.04.08


23
أدب / غضب
« في: 13:26 19/08/2013  »

غضب



عبد الستار نورعلي


إلى الصديق فلاح الشابندر الشاعر الغاضب على كلِّ سكونٍ ساكن:

غضبٌ، غضبٌ،
غضبٌ، غضبُ،
قططٌ سودٌ،
قططٌ غَضَبُ! *
تصطادُ الدَسْمَ منَ الذَهَبِ،
ذهبٌ سُوْدٌ،
ذهبٌ ذهبُ!
وجيوبٌ تُملَأُ، تنتهِبُ،
وعيونٌ ترقبُ، تنتحبُ،
وبطونُ الغرثى تلتهبُ،
غرثى بعراقٍ يُستَلَبُ
لا يتعافى، لا ينتصبُ !

هل يُكتَمُ في القلبِ الغضبُ؟!

عُرجانٌ، عُورانٌ، نُصُبُ،
أصنامٌ تلعبُ، تغتصِبُ،
هل يُخمَدُ بركانٌ غَضِبُ؟!
*  *  *  *
السكرانُ
صاحي القومِ في ثوبِ عافية،
يدري أنَّ الزمنَ رمادُ سيجارةٍ تحترقُ
في فمٍ مليانٍ بالكلامِ الممنوعِ منَ الصرفِ.
فاصرفْ أواخرَ الأسماءِ بقهوةٍ منْ شِـعرٍ غاضب!
السكرانُ بكأسٍ مضمّخةٍ بالكلمةِ اللهبِ
ثوريٌّ على حصانٍ منَ الشمسِ والغضبِ.
فاهبطْ منْ علياءِ السرجِ في الوادي المقدّسِ نَـوى!
ينوي الفارسُ، راجلاً على شوكٍ من قتادِ الروحِ،
أنْ يرفعَ رايةَ الغضبِ في ساحاتِ اعتصامِ الأقلام.
سكارى الأناملِ المُغَمَّسةِ في دمِ القلبِ
ينثرونَ السُكّرَ والنشوةَ والهيلَ في شرابٍ
من ينبوعِ الآمال.
سكارى كؤوسِ الطلى هم أصحى وأنقى وأقوى
منْ صخورِ الشواطئ الغربيةِ.
سكارى المالِ غضبٌ وبيلٌ يستحقُ البركانَ الجارفَ.
سكارى الكأسِ الملأى فرحٌ بالنزف وبالصدعِ،
وإيقادٌ للقلبِ على ضوء الشمعِ،
وفي محرابِ القلمِ النبعِ،
أملٌ في غضبٍ عارم، لا يبقي ولا يذر.
أنْ يغضبَ شابندرُ كلماتِ العاصفةِ
نحضى بكؤوسِ الغضبِ الساطع،
في وجهِ سكونِ العاصفةِ
في صحراءِ الكلامِ، وآبارِ النفطِ،
وشفطِ النفطِ ،
وكراسي السحتِ الغارقِ
في مستنقعِ لصوص التاريخِ الأهوجِ.
كيف نفكُّ الطلسمَ؟
الجنيُّ الخاتلُ في دهاليزِ الأبيضِ
صاحبُ مفتاحِ الطلسمِ المليانِ
بجرذانِ المالِ العام الفلتان!
ازرعْ كلماتِ الريحِ العاتيةِ، وافلحْ!
ثمّ احصدْ قمحَ الكلماتِ!
وناولْني رغيفَ التنورِ المسجورِ
في مرجلةِ التاريخِ اللاعنِ
حاملي الحقائبِ الفاتحةِ أفواهَها،
عبيدَ المالِ، أصحابَ الياقاتِ البيضِ القادمةِ
منْ خلفِ بحارِ القاراتِ السرية!

* تضمين للقول:
عجبٌ عجبٌ عجبٌ عجبٌ
قططٌ سودٌ، ولها ذنبٌ
تصطادُ الفأرَ من الأوكارِ
وهو ما حفَّظنا إياه معلمُنا، ونحن على مقاعد السنة الأولى في المدرسة الابتدائية.

 
السبت 3 آب/ أغسطس 2013


24
أين الشعب العراقي العظيم؟!!
عبد الستار نورعلي

في أدبياتنا كتابةً ومحادثةً، ونحنُ في أتون الحماسة السياسية والمبالغة المعهودة على لسان الشخصية العراقية، اعتدنا أن نطلق على شعبنا العراقي صفة (العظيم). ربما لأننا أبناء الأربعينات والخمسينات والستينات حتى السبعينات من القرن المنصرم، حيث شهدنا وعشنا الأحداث السياسية والنضالية والثقافية الكبيرة للشعب العراقي، بمختلف الاتجاهات، وعاصرنا رجالاً رجالاً على الأصعدة كافة، سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية وفنية ورياضية، كان لهم حضورهم على المستويين الداخلي والخارجي. إذ ذاك أصبحت كلمة (العظيم) في نفوسنا مرادفة للشعب العراقي، لتكونَ هويةً منحوتة عن قناعة وإيمان، فتجري عفوياً على ألسنتنا وأقلامنا فخراً واعتزازاً ونفخةً، نحسُّ معها أننا مرفوعو القامة والرأس. وكان مما يزيد من هذه النفخة أنّ الجوازَ العراقيَّ الذي كنا نحمله ونحن نجوب بلدان اوروبا والعالم، يُستقبلُ باحترام، وبسهولة ندخل من المطارات والحدود، سواحاً نشعر أنّ الناسَ ينظرون الينا بحسدٍ وكِبر. وكان الجواز هذا صيداً يسيلُ له لعابُ المهربين الدوليين. لذا كنا نحافظ عليه بحرص شديد خوفاً من السرقة.
ولنتأمّلْ ما حلَّ بنا اليوم،  وإلى أين وصلنا؟!

تذكّرتُ كلَّ هذا وأنا أتقلّبُ في الكرسي على نارٍ مشتعلةٍ، وأمامي على شاشات الفضائيات ملايين المصريين، 29 مليون حسب قول الفضائية المصرية، وهم يملأون الساحات والشوارع والأزقة بأعلام مصر المرفرفة وصور قادتها التاريخيين، جمال عبد الناصر وأنور السادات وعبد التفاح السيسي، وصور شهداء ثورتهم الراهنة، وهم في كرنفال ثوري، عظيم عظيم عظيم حقاً وصدقاً وحماسةً ومشاهدةً حيةً. كرنفال مدهش مؤثر تقشعّر معه الأبدان، تحت أضواء مصابيح الشوارع والساحات والبيوت واشعة الليزر والمصابيح الملونة فوق الرؤوس، بين العمارات الشاهقة الحديثة والساحات الفسيحة والشوارع العريضة الحديثة وفوق الجسور وبين الأشجار الوارفة، يخرجون من البيوت والأزقة والشوارع وأنفاق القطارات تحت الأرض، ليصرخوا بصوت هادر واحد: لا للإرهاب!

وعدتُ إلى الفضائيات العراقية (العظيمة!): شوارع أكلتها الأوساخ والنفايات ومليارات الذباب، بيوتٌ هدّها الزمن لتمسيَ خرائبَ وأطلالاً، مع أنّ كلمة الأطلال في ذاكرتنا تعيدنا إلى مطالع القصائد القديمة بجمالياتها وصورها الشعرية وذكرياتها مما كان يشتعل في قلوب العشاق. لكنَّ أطلال مدن العراق اليوم ماهي إلا خرائب وزرائب، يصول ويجول فيها الجرذانُ والذبانُ والأفاعي والعقارب. وفيها سواقٍ من الماء الآسن القائم، وجيوشٌ من البعوض الحائم. وأشاهدُ أناساً نصفَ آدميين يشحذون ويتسولون أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، ويدعون لأصحاب الفضائيات بالخير والبركة والصحة والعافية والتوفيق ومزيد من المال، طمعاً في صدقةٍ أو هدية.
وأرى أصحاب الكروش الجدد، من المسؤولين واعضاء مجلس النواب ذوي الياقات البيض، والبدلات الأنيقة اللامعة، والقصور الفخمة، وكراسٍ مذهبة، كأّنهم أباطرة وملوك. وبعضهم بين مزارعهم العامرة وبساتينهم الدانية القطوف، وسط عائلاتهم المترفة المنتفخة الأوداج، وأولادهم في المدارس والجامعات بخدود مليئة دماً وحمرةً وسمنة، وجيوب منتفخة من أموال الفقراء والمساكين من الشعب العراقي (العظيم).

كما أشاهد صورَ الأشلاء المبعثرة، والشوارع والأسواق المخضبة بدماء الناس الأبرياء من الباعة والمتجولين والفقراء الباحثين عن لقمة العيش. أرى ما يفعل الأرهاب الأهوج المنفلت في العراق منذ عشر سنوات بعد الاحتلال البغيض، دون أنْ يوقف ولا أنْ يتوقف.
وأرى الظلام يخيّم على مدن العراق شوارعاً وساحاتٍ وبيوتاً.
وأرى مظاهرات الاحتجاج على الواقع الخدمي المترديّ في الجنوب: عشرات من الشباب!
فأتساءل مع نفسي وجوفي يمتلئ قيحاً: أين الآخرون من الملايين المحرومة من الخدمات؟! إنْ لم يكونوا ملايين فعلى الأقل ألوفاً؟!

ملايين المصريين في الشوارع والساحات في مشهد رائع مهيب رفضاً للأرهاب، قبل أنْ ينفلت من عقاله، ورفضاً لأسلمة الدولة والمجتمع، وايقاعه في براثن التخلف والتراجع والتبعية وفي بئر ماضٍ ولّى. خرجت ثائرةً بعد عام واحد من حكمٍ، كشفوا مخططاته وأهدافه السياسية الخفية. وسيخرج التوانسةُ، وغداً الليبيون، وقبلهم أهل اليمن، وأهل الشام.

وملايين العراقيين (العظماء) في بيوتهم وشوارعهم ومحلاتهم ودوائرهم ينتظرون الذبح مستسلمين راضخين، وقد انفلت الإرهابُ المتوحش الأعمى من عقالِهِ ويشماغهِ ودشداشتهِ منذ عشرٍ من السنين العجاف، اضافةً الى النهب والسلب والجريمة المنظمة، وسرقة دولتهم وثرواتها، وتفشي الفساد والرشوة والمحاصصة، وتردي الخدمات الى الصفر، واشتداد الصراع على المناصب وتقاسم النفوذ، وانهيار القيم. 
المهم كيف وبأية وسيلة وسبب يمكنهم أن يقبضوا من عائدات النفط الهائلة، وكم، ومَنْ سيتفضّل عليهم بفتاتٍ مما يملك؟!

سلاماً على شعب مصرَ العظيم، وهو يعطي الدرسَ تلوَ الدرسِ.
سلاماً عليهِ يوم بنى الحضارةَ، ويومَ ثارَ، ويومَ ثارَ، ويومَ ملأ الشوارعَ والساحاتِ بالملايين.
سلاماً عليهِ يومَ وُلدَ، ويومَ يولَدُ منْ جديد.

وقد قال أبو القاسم الشابيّ:
إذا الشعبُ يوماً أرادَ الحياة
فلا بدَّ أنْ يستجيبَ القدرْ

طبعاً يقصد الشعب العظيم المحبَّ للحياة.

عبد الستار نورعلي
السبت 28 تموز 2013





25
أدب / ماجد الغرباوي و "مديات حلم"
« في: 21:42 16/07/2013  »

ماجد الغرباوي و "مديات حلم"



عبد الستار نورعلي


توغّلْ .. توغّلْ
فلذيذُ الطعنات
آلامُها

يتكرر هذا البوح بالألم، في قصيدة الباحث الأديب ماجد الغرباوي "مديات حلم". هذا التكرارُ خلاصةُ الجرح فيه، جسداً وروحاً. إنّه بيت القصيد، الذي يدور في دوامته النصّ. هو المخاضُ الذي وُلدَ من رحمه ما يحمل مضمونه من أحاسيس، وتفاصيل، وصور:
آهاتٌ تساقطتْ،
فراحتْ تـُلملم جـُرحَها،
ولمّا اقتحمت فناءكم،
كان عليَّ أن اعتذر لكم جميعا

هي الآهات إذن، الآهاتُ التي تساقطتْ، وهي تلملم جرحَها. جرحٌ أمطرَ في فنائنا هذا الشدو الشجيِّ، الموغلَ في عمق النفس المبدعة، لتمطرَنا بهذا البوح. إنّه القلب المضمّخ بالألم. الألم الذي يرفع الكلمة اضاءةً لما في داخل النفسِ من كلامٍ، يحمله الكاتبُ ليمرّ علينا بقنديلهِ، معتذراً لما قد يسيلُ من أنامله ما يقتحمُ قلوبنا جُرحاً فنتألم. مع أنّهُ ألم لذيذ نحتسيه. وهو الغرباوي المتوغل عميقاً. فيمَ يا تُرى؟:
في مدياتك القصية حلمٌ
شاسعان جناحاك
حلِّقْ ...
فلن تجدَ سوى الريح موطئا

هو الحلم. والتوغل ليس في عمق الأسفل، إنما هو في شاسعات الأعالي... هناك حيث أقاصي الفضاء الرحب. والتحليقُ بجناحين، فارعين شاسعين. بامكانهما الطيران الى أعلى فأعلى... هناك الحلم السابح في نور الشمس. هو حلم الخلاص من الجرح وآلامه، للتحليق ثانيةً الى أقصى فأقصى... حيث المدياتُ الفسيحة. واللهفة تشدّه. وقودهُ دمُه المراقُ، الذي يحرقُ جوانحهُ ألماً ورغبةً في الخلاص، وتوقاً إلى معانقة النجوم، وإلى الطيران في الهواء والفضاء الشاسع:
تشدُّكَ ازرارُ اللهفة
وقودُ حناياك دمي

هذه اللهفة في الخلاص، مشدودةٌ الى التحدي، تحدي الجراح للتخلص منها بقوة وعزيمةٍ وعمق كأنامل الشمسِ وهي تغور عميقاً لتمزّقَ الشرنقة فينطلق الغرورُ مقتحماً المدى للوصول الى الحلم المُنتظَر. لا يعني الغرورُ هنا التكبّرَ، وإنّما الثقة العارمة بالنفس وقدرتها على تحمّل صخرة الألم الثقيلة الخانقة. الانتظارُ ليس بالاستسلام للقدر ، وإنّما بالسعي الحثيث، والشجاعة الارادة الصلبة والاصرار على المواجهة، وجعل اليد سلّماً للوصول إلى النيازك لافتدائها. فاليد هنا علامة القوة والعزيمة في التصدي والمقارعة، والأمل في اقتناص الحلم:
عميقاً تهادت أناملُ الشمسِ
تمزّق شرنقةَ الغرورِ

سُلّـمٌ يدي
تفتدي
سنا النيازك

وهذا ما يُذكّرنا بما قاله حافظ ابراهيم :

مَنْ رامَ وصلَ الشمسِ حاكَ خيوطَها
سـبباـً إلى آمـالـهِ ..... وتعـلّقـا

روحُ التحدي للآلام وجراحها النازفةِ، ومواجهتها بالشجاعة والقوة النفسية والارادة الحديد، تعيدُنا الى الميثولوجيا الأغريقية وقصة الإله برومثيوس، التي وظّفها الكثير من الشعراء في مضامين قصائدهم لخدمة ما يرمون اليه. ومنهم أبو القاسم الشابي في قصيدته "هكذا غنّى برومثيوس"، قصيدة التحدي والمصارعة، ومقارعة الألم باشدِّ القوةِ والعزم والتحمّل، وبالاصرار على مواصلة الحياة ونشيدها، وبالانشداد الى حبِّ الانسان وحلمه في نشر النور والمعرفة والدفء، مثلما ترمز اليه قصة الإله برومثيوس، ومثلما كانت حياة الشابيّ انساناً وشاعراً:
سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ
كالنسرِ فوق القمّةِ الشمّاءِ

أرنو إلى الشمسِ المضيئةِ هازئاً
بالسُحْبِ ، والأمطارِ ، والأنـواءِ

لا أعرفُ الشكوى الذليلةَ والبكا
وضراعـةَ الأطفالِ ، والضعفـاءِ

كانَ برومثيوس سامقاً شامخاً، وهو يقارع آلامه متحمّلاً متحدياً قوياً، حتى خلّصهُ هرقل من عذاباته. وكذا كانَ أبو القاسم الشابيّ (برومثيوس). وهكذا هو الغرباويّ:
سامقا تعاقرُ آلهةَ الحبّ
مترعةٌ جداولُ الصباح
بذلك الضباب الرومانسي

فهل الحلم بالخلاص رومانسية ضبابية، أم هي القوة والشجاعة التي تعين على الصبر حتى مجيء الخلاص؟ وهل ننسى قصة النبي أيوب (ع) مع الصبر والتحمّل؟

إننا أمام برومثيوس صابراً هازئاً بالسحب والأمطارِ والأنواءِ. وعليه فهل يمكنُ لنا أنْ نسمّيَ النصَّ هذا (برومثيوس سامقاً)، وذلك لاحتوائه على اشارات السموق والترفّع عن الشكوى الذليلة. هو في أخدود نار الألم، يعاقر آلهة الحبّ خمور الحبِّ والنور والرومانسية الحالمة.

اعتماد أديبنا الغرباويّ على التكرار لنصٍّ داخل النصّ، هو للاشارة التأكيدية على معنىً. هذه الاشارة كما أسلفنا هي بيت القصيد. فما يدور حولها هو دخول في تفاصيلها، حسّاً، ومضموناً، وصوراً. إنّ الألم هو خالق النصِّ، بما أحدثه في النفس، لتتفجّر بما باحتْ لنا. إنه الألم الناشب أظفاره ، لكنّه مع طعناته لذيذ، لأنه يخطّ العمق والسموق واليد التي تطال النيازك، ويُفجّرُ جداول الصباح المنير مترعة بالرومانسية والقوة الذاتية. وهو الذي أبدع هذا النصَّ الزاخر بالحسّ الرومانسي الرهيف، واللغة الجميلة، والصور الشعرية الرقيقة.

للثقافة العميقة محيطاً شاسعاً، أثرُها في النفس وفي الفكر وفي البصر. في النفسِ فضاءً مشرقاً مفتوحاً على نوافذ عديدة. في الفكر تحليقاً بأجنحة، لا جناحين فحسب. في البصر منفتحاً على آفاقٍ بألوانٍ مختلفة. وعندما تكون الثقافة مستندة إلى جذع شجرة الموهبة والابداع، مدعومة بالقلم والكلمة، عندها نحضى بما يطيب، وبما ينفع، وبما يدهش. وهذا ما التقطناه في مبدعنا الكبير ماجد الغرباوي، المثقف المغرم بالكلمة مكتوبةً متفجّرةً، هو هذا المثقف المتعدد فنون الكلمة، ليبرزَ بحثاً وقصّاً... ثم شعراً.

عبد الستار نورعلي
فجر السبت 13/7/2013


نص القصيدة

 
 
مديات حلم / ماجد الغرباوي
 
عميقا تهادت أناملُ الشمسِ
تمزّق شرنقة الغرورِ
 
سُلّـمٌ يدي
تفتدي
سنا النيازك
 
توغّلْ .. توغّلْ
فلذيذُ الطعنات
آلامُها
 
سامقا تعاقرُ آلهة الحب
مترعة جداول الصباح
بذلك الضباب الرومانسي
 
توغّلْ .. توغّلْ
فلذيذ الطعنات
آلامُها
 
في مدياتك القصية حلمٌ
شاسعان جناحاك
حلقْ .. فلن تجدَ سوى الريح موطئا
 
تشدكَ ازرارُ اللهفة
وقود حناياك دمي
 
توغّلْ .. توغّلْ
فلذيذ الطعنات
آلامُها
 
 
آهات تساقطت، فراحت تـُلملم جـُرحَها،
ولمّا اقتحمت فناءكم، كان عليَّ أن اعتذر لكم جميعا
 
ماجد الغرباوي
5 – 7 - 2013
 






26
أدب / يوميات مدينة (4)
« في: 10:37 01/07/2013  »
 

يوميات مدينة (4)



عبد الستار نورعلي




أغبرت السماءُ هذا اليومَ دفئاً
وهواءاً ساخناً مثلَ رياح البيدِ
عند حافةِ المدينةِ الغارقةِ الوجوهِ
في الطوفانِ
كيفَ نمسحُ الغبارَ عن عيوننا ؟

في المكتبةِ،
في معرض اللوحاتِ،
البولنديُّ الفنانُ والمعلّمُ والتلميذَ ينحتانِ،
منْ طينِ هذي الأرضِ سلحفاةً وبيضَها،
صغيرُها يبتسمُ، الخطوطُ فوق الظهرِ
تقصرُ أنْ تبلغَ في النهايةِ الحدودَ
حيث النبعُ.*

السرابُ في النهايةِ،
والرملُ ظلٌّ تحت ظلّ البيضةِ،
والوجهُ ظلالٌ في الظلالْ.

أأنا أمشي ببطء،
أقفُ اليومَ على الصورةِ
منْ غير ظلالْ ؟

أنزعُ عنْ عينيْ غشاءً
من سنين القحطِ
فوق المسرحِ الجوّالِ،
والجمهورُ منْ قمةِ رأس القصةِ
حتى أخمصِ النهايةِ المحبوكةِ الفصولْ.

في الشارع الواصلِ بين سريريَ المهتزّ
والمكتبةِ العامرةِ الهازّةِ للرأس
سُلَحْفاةٌ منَ النومِ بظلٍّ زاحفٍ
نحوَ شروقِ النفَسِ الأخير.

أُشغِلُ كرسيّاً... وهزاتٌ ...
وأقدامي جذورٌ طالها الإسفلتُ،
فاشتدّ سعالي
منْ هواءِ الغابةِ العمياءِ
عند الخطّ  في نهاية الرحلةِ
تلكَ الغائبهْ.

أوصلَني الدربُ الى الحافّةِ
حيث العالمُ المرئيُّ منْ ثقبٍ
وفي العينينِ أضيقُ
من نقاطِ أواخرِ الأسطرِ
في خاتمةِ الفصولْ.

*اشارة الى معرض لفنان بولندي وتلميذه، ولمنحوتات من الطين لسلحفاة وبيوضها في المكتبةِ.

 الثلاثاء 12 أبريل 2011
الساعة 12.00/ المكتبة العامة



***


الصمتُ هنا عزفٌ منفردٌ .

هل تنهي سيناريو الأوتار؟

السيناريو بانوراما
لكواليس مناخ اللوحةِ.

الأوتارُ تُغني:
ارجعْ خلفكَ.
قلِّبْ ما اسطعْتَ فصولَ الصيفِ
وحرارتَهُ.

 كانتْ تلكَ الشمسُ
مثلَ عمودِ المعبدِ راسخةً
في قلبِ الصورةِ.

أرغبُ أنْ أنهي مراجعتي.
فالعَودُ على البدءِ ثباتٌ.
والمتحرِّكُ
أنْ تسمعَ موسيقى الصخبِ.

الموسيقيُّ الصاخبُ مشروعُ الحزنِ.
هل تبحثُ عنْ أوتارِ الليلِ ترافقها
حتى أرجوحةِ آخر هذا الصمتْ؟

البنتُ التجلسُ قُدّامي
تقرأ... تكتبُ... وتفكّرُ...

البنتُ هناكَ تنامُ على
أوتارِ الصمتِ وتشتعلُ.

فكّوا قيدَ الصوتِ الساكنِ
في الأوتار.

حرُّ الأيامِ الماضيةِ يمرُّ
عبرَ الأسطرِ وأصابعِـهِ.

ثقبُ الأوزون يذيبُ الباقي
مِـنْ توق الرغبةِ
لحرارة تلك الأيامْ.

الأيامُ تداولُـنا.
والدولة مركبُها صعبٌ.

الشاربُ كأسَ نمير النبعِ
يترنّحُ منْ صخبِ السُكْرِ
للدولةِ أيامَ القيضْ.

الفرحُ يودّعُ كأسَ الجالسِ.
لم يرمِ شِباكَ الضحكِ
على الشفتينْ.

جفّتْ عيناهُ من التحديقِ فينتظرُ...
لحظةَ فرحٍ تسكبُ ظلَّ الفرحِ.

يشربُ فنجانَ القهوةِ،
يمتزجُ بدخانِ سجارتِهِ،
يتأوّهُ مصبوبَ القلقِ.

يقفُ ببابِ المندبِ.
يندبُ صخبَ البحرِ.
اليمنُ الكانَ سعيداً
أمسى في غايةِ فقدانِ الوزنِ،
يقفُ...
يبكي حظّ الفرحِ العاثر.

ليس الفرحُ الغافي مَيْتاً.
لا تنعَ نضارةَ أيامِـهْ.
ليس الفرحُ الغافي مَيْتاً.

يتخفّى في وترِ الموسيقيِّ العارفِ
فنَّ الشدِّ والاسترخاءْ.
يتزيّا كلماتِ العشاقْ،
ورهافةَ شاعرنا الغافي.

 الخميس 21 نيسان 2011
الساعة 12.30 /المكتبة العامة


اسكلستونا/السويد

27
أدب / Windows 2000
« في: 21:57 03/06/2013  »
Windows 2000
عبد الستار نورعلي


دموعُ التماسيحِ  التي تتساقطُ
منْ عيني ذئبِ المدينةِ
لنْ تلقى أرضاً تهبطُ عليها
إلا في قاموسِ الصيادين المحترفين
الذين يُلقونَ شِباكَهمْ في ليل المدينةِ

يفتحُ التمساحُ أنيابهُ
على آخر الصيدِ
ينتظرُ....
حمامةً تهبطُ في النهرِ.

تلكمُ الحمامةُ
كيفَ استساغتْ
أنْ تسبحَ ضدَ التيارِ
في المستنقع الراكدِ
مليئاً بالتماسيح؟

أيجوزُ أنْ نفكَّ أكفَنا المُعلقةَ
بالضوءِ
فنتسلمُ رسالةً معبأةً
بعبوةِ ناسفةٍ
منْ دموعِ التماسيحْ؟

عندما ارتدى ذئبُ الغابةِ
لباسَ الجدةِ
عرفتْـهُ منْ صوتهِ
وعينيهِ
وأنيابهِ المشرعةِ.

في الغابةِ الحبلى بالأفاعي
والذئابِ
والتماسيحِ
لا مكانَ لطيورِ الحبِّ
و لا للكلامِ الجميلِ المصاغِ
بأجنحةِ العصافيرِ والأماني والنورِ
بينَ كماشةِ مخالبِ خمبابا.

الحيتانُ اليومَ تتهاوى
واحداً
واحداً
تحتَ وطأةِ المالِ والبنوكِ،
تتهاوى
في الحفرةِ التي عبّأتها بدموعِ المجاعةِ
ونيرانِ المدنِ العظمى.

"غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي"*
دمعةُ تمساحٍ
ولا نوحُ حمامةٍ
في منافي الغربةِ
عن الكون المدفونِ
في رصيدِ آلانْ غيتسْ.

الظلامُ يُرخي ستائرهُ على
Windows 2000
حيثُ أزرارُ الكيبوردِ اختلطتْ بالأصابعِ
منْ كلِّ لونٍ وطعمٍ
وحدبٍ وصوبٍ
وأصابعِ ديناميتِ العولمةِ.

نوبلُ ألبسَ قلبَ العالمِ ديناميتَ المليونْ دولارْ
فانفجرَ
ليلدَ سلامَ الشجعانِ!

* هو الشطر الأول من بيت المعري:
غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي     نوحُ باكٍ ، ولا ترنمُ  شادِ

عبد الستار نورعلي
الأثنين 20 أوكتوبر 2008


28
أدب / مقاطع شعرية مختارة
« في: 12:11 21/05/2013  »


مقاطع شعرية مختارة


اختيار وترجمة من السويدية
عبد الستار نورعلي



* المعاناة


أنْ تعانيَ صعبٌ
أنْ تعانيَ دون أن تحبَّ صعبٌ
أن تحبَّ دون أنْ تعانيَ غيرُ ممكن
أنْ تحبَّ صعبٌ

ـ غونار أكيلوف ـ
1907 – 1968


*  أمنية

من عالمنا المشمس كلّهِ
أتمنى أريكةً في حديقة فقط
حيث تتشمّسُ قطة ....
هناك يمكنني أن أجلسَ
ورسالةٌ في حضني ،
رسالةٌ صغيرة وحيدة.
هكذا يحلو لي حلمي ....

ـ أديث سودرغران ـ
1892 – 1923


* مقطع شعري في أبريل

الطريقُ الى فردوس الحبِّ
قديمٌ لكنّه جديد منذ الأزل:
يدان يمكن أن تلتقيا صدفةً
تحت مظلةٍ.
يدان يمكن أن تلتقيا في الفرح ،
يدان يمكن أن تلتقيا في الحزن.
ويدان يمكن أن تلتقيا من أجل الربح
في ساحة السوق العالمية.

- نيلز فرلين –
1898- 1961




* الحـبُّ

الحبُّ
طفلٌ
إنْ تلعبْ
تكسبْ رفقةً
إنْ تضربْ
تصبحْ وحيداً .

ـ بو  سترلند ـ
1923- 1991


* يوماً ما سنموتُ

يوماً ما سنموتُ
أنت وأنا
كلُّ الناسِ سيموتون
وكلُ الحيواناتِ
وكلُ الأشجار ستموتُ
والأزهارُ في الحقول
لكنْ
ليس الجميعُ في نفس اللحظة
إنّما بين حين ٍ وآخر
لدرجة أنَّ ذلك بالكادِ ملحوظ.

ـ باربرو  لندغرن ـ
ولادة 1937


* الوحدة

كنتَ حزيناً
ولم تدعْني أشاركك حزنكَ .

كنتُ فرحةً
واحتفظتُ بفرحي لنفسي.

نحن وحيدان.

-الشاعرة الفنلندية أغنتا  آرا-
ولادة 1945


* شعلة

حبَّني
لكن لا تقتربْ كثيراً
أتركْ مكاناً للحبِّ
كي يضحكَ سعيداً
دعْ دائماً شعلةً من شَعري الأشقر
تنطلق !

ـ الشاعرة الدانماركية ماريا واين ـ
1912- 2003




29


قصيدة للشاعرة بوديل مالمستن

ترجمة: عبد الستار نورعلي


* بوديل مالمستن Bodill Malmsten : شاعرة وروائية وكاتبة سويدية ولدت عام 1949

* نفَسٌ عميق منْ أجل الخالة ليلي
Ett bloss för moster Lillie


نحن الذين نحيا
لسنا سوى الميتين في إجازة
صنفٌ من ضيوف الصيف
وهكذا
خذْ نَفَساً من السيجارة منْ أجل الخالة لِـيلي
نفَساً عميقاً و كأساً حمراء
نفساً عميقاً منْ أجل الخالة ليلي لأنّ الخالةَ ليلي قد ماتتْ
لقد رحلتْ بجوارب مُحاكةٍ
وأحلام روك أندرول لا تموت
لقد رحلتْ إلى مكانٍ ما ـ
مكان ما إذ كان يوجد
علامة تقاطعٍ لتخفيف السرعة
من قصة الحيّ الغربي (1)
وهكذا
اجلسْ فوق شاهد قبرها
ودلِّ رجليكَ النحيفتين
هل تذكرُ وميضَ فخذيها
عندما كنتَ في الثالثةَ عشرةَ
كانتْ تكرهُ الأعرافَ والثرثرة
وكلماتٍ مثل اكرهْ وكراهية
وهكذا
خذْ نفَساً عميقاً منْ أجل الخالة ليلي
 سيجارة Lucky Strike وكأساً حمراء كبيرةً
نفساً عميقاً من السيجارة منْ أجل الخالة ليلي
لأنّ ليلي السعيدة قد ماتتْ
رحلتْ بكعبٍ عالٍ مترنِّح
على مرتفعاتٍ زلـِقة
قالتْ أنّها في الثانية والأربعين
وهذا ما لا يستطيع الانسانُ أن يُغيّره
وهكذا
لا تأبهْ بسنين عمرها
دعْ ويتس يمسك نعشَها (2)
ودعْها تذهب حين تذهب
الى سنغافورة
وتذكّرْ كلَّ نَفَسٍ تنفّستْ
وكلَّ رمادٍ فوق قبرها
في كلِّ الأيام المقدسة
وهكذا
خذْ نفَساً منْ أجل الخالة ليلي
نفساً عميقاً – كأساً حمراء مليئةً
واشربْ نخبَ ليلي السعيدة
التي رحلتْ إلى مكانٍ ما وماتتْ
وتذكّرْ تنورتَها الممزّقة
وأشجارَ المسك الفائحة العطر
والخاتم السمرقندي
وأشرطة حمّالة الصدر السوداء
تذكّرْ شرابَ البوربون والنبيذ الرخيص
تذكّرْ رائحة البنزين المحترق
وتذكّرْ كلَّ الأنفاس التي أطلقتها
وارقصْ على قبرها
في يوم الحبّ
وهكذا
خذْ نفَساً منْ أجل الخالة ليلي ودعْ الجمرةَ لا تخمد
نَفَساً عميقاً حرّاقاً من  Lucky Strike
لأنها يجبُ أنْ تموتَ
لقد رحلتْ وآلة التسجيل تشتغلُ
هناك لا يمكن الوصول اليها
لقد أخذت معها قطار داونتاون (3)
إلى برنس في مطر أرجواني (4)

1. قصة الحي الغربي West side story : فيلم غنائي أمريكي أنتج عام 1961  
2. ويتس: Tom Waits  موسيقي ومغنٍ وممثل ومؤلف نصوص أمريكي من مواليد 1949
3. قطار داونتاون Downtown Train : أغنية للمطرب توم ويتس  
4. برنس هو المطرب الامريكي المشهور Prince و مطر أرجواني Purple Rain هي احدى اغاني

ترجمة وهوامش: عبد الستار نورعلي
الأربعاء 4 نيسان 2012





30
أدب / الشاعر ماي تشنغ
« في: 09:59 05/05/2013  »


الشاعر ماي تشنغ

ترجمة: عبد الستار نورعلي

Maj Cheng شاعر صيني ولد عام 1962 في شينغ يانغ . يعمل شاعراً ورجل أعمال. كان اصداره البكر (أشعار ماي تشينغ) عام 2000 ، ثم أصدر في 2005 مجموعة (مغناطيس الكلمات) .



* الأصول


يفتح النجارُ باباً
في الجدار
ثم يتخفّى خلف
بابٍ آخر
كي يراقبَ الناسَ والأنظمةَ
التي تمرّ عبره

الباب
لنا لكي نتعلّمَ أن نتعارفَ

* بكاء خلف بكاء

حينَ حلَّ الليلُ
كان يُسمعُ دائماً
بكاءُ امرأةٍ
رأيتُ معها
صبياً في يده قدح
يصطادُ صوتها

الآنَ أتساءلُ
إذا كان الصبيُّ قد احتسى البكاءَ في القدح
أم سكبهُ

* من غير عنوان

سمكة
قادتني الى الماء
إنها تقول:
"كلما سبحَ المرء بعيداً
كان الماءُ أقربَ."

سألتُ السمكةَ:
"ما هو الماء؟"
أجابتْ:
"الماءُ هو عطشنا."


الثلاثاء 15 نوفمبر 2011


31
أدب / قصائد لتوماس تيدهولم
« في: 11:26 27/04/2013  »
قصائد لتوماس تيدهولم
عبد الستار نورعلي



توماس تيدهولم Thomas Tidholm:

شاعر ومسرحي وموسيقي ومترجم سويدي من مواليد 1943 ، كان والده مراسلاً صحفياً يكتب في الجريمة والرياضة. أصدر الكثير من المجاميع الشعرية والمسرحيات .


* الصرخة  Skriket   

لكلّ الأحياء صرخة . لكلّ الأحياء أغنية أيضاً. لكلّ الأحياء صرخة.
لكلّ الأحياء صرخة، مع أنه ليس من المؤكد أنْ تُسمَع.  في هذا الربيع البارد يقع الحقل بعيداً مثل إبرة خلال الأشياء كلِّها.
يراها الانسان هناك.  وفي الصيف في هذه الخضرة يمكن أنْ توجد صرخة في العشب ، لأنّ شيئاً لا يُحتمل يوجد هناك.
للبشر صرخة.
عندما يترك الانسانُ صرخته مسموعةً يتساءل المرء: منْ أين انطلقت هذه الصرخة؟
تواً كانتْ تقفُ هنا وتمشّط شعرها. لم يبدُ عليها أنها تفكّر بالصراخ. بدا عليها وكأنها تفكّر يالخروج لتتبضع طعاماً أو زهوراً.
لكنّ الصرخةَ انطلقتْ.
كانتْ صرخةً قديمةً جداً.
لم يسمعها أحدٌ من قبل . آخرون عاشوا معها لعشرات السنين ولم يسمعوا هذه الصرخةَ قط من قبل. لقد خرجت منْ حنجرتها مخنوقةً مثل قيثارة صدئة.
لقد كسرتْ تحفةً لملاكين واختفت خلال النافذة المفتوحة الى الخارج . بعدها جلست عند المائدة وتناولتْ لبناً بفاكهة. كانت متعبة لكنها لم تكن حزينة.
هل سمعتْ بنفسها ذلك؟
لم نرغبْ في السؤال.
لقد تبادلنا النظرات باندهاش. لكننا لم نجرؤ على السؤال.


* آذان خُضر  Gröna öron   


هل رأيتِ ، قلتُ ،
السماءُ تقريباً بيضاءُ الآنَ
وتأخذ النورَ معها من هنا، كما لو أنّها
تمتصُّه. لم تبقَ الظلالُ قطّ ،
لقد انمحتْ. هكذا هو الربيع ،
وعليكِ ألا تخافي ، نستطيع الدخولَ ،
لدينا بيت حيث الأغصانٌ
في مزهرية. هناك تأتي
آذان خضر. اجلسي هنا ودندني
بلحنٍ بينما أنا
أرتِّبُ الأسرّةَ
للرحلةِ

الأمر جادٌّ، ليس عندنا
وقتٌ كافٍ إذا أردنا
أنْ نرى الكراكي ، وهذا اليوم عند المساء
جاء طائرٌ كبير آخر
لكنكِ لم تلحقي أنْ تريه
إذ كنتِ
في مكانٍ آخر

لقد ناديتكِ
لكنكِ لم تأتي

* من مجموعة "كُتيّب عن الألم" 1997 En Broschyr om Smärta 


* تحت الجليد Under isen


تحت الجليد
جاء سابحاً
عليهِ أنْ يختارَ بين أنْ يعثرَ على فتحة
أو يبقى

انشغلَ بالذي أمامه
الهواء سيكفي إلى حدٍّ ما

الهواء ربما سيكفي
وربما عليه أنْ يجدَ وسيلةً جديدةً
لكي يتماسك

لا الأعلى ولا الأسفل
هما أكثر منْ حالةٍ على الطريق

للسمك حالةٌ
من الهدوء الأبدي والقلق على الطريق
إلى البحر ، أو أنّ
البحرَ على الطريق


* من مجموعة (الأرواح سعيدة اليوم) 2003 ""Andarna är glada idag 


* لقد اشتريتم مصباحاً  Ni har köpt en lampa     


لقد اشتريتم مصباحاً
حتى تتمكنوا من رؤية موبيلياتكم

الموبيليات عندكم من أجل
أنْ تكونوا بشراً
وتجلسوا عليها

تجلسوا عليها وتدخنوا
السجائر

تحتضنون بعضكم البعض
وتحنون الى الوراء
إلى السهول المعشبة

تمضي الثواني
الدقائق والساعات
أيام وأسابيع وسنون
قرون تقع بينكم
وبين السهول المعشبة

لقد اخترتم
المصباح والموبيليات والسجائر
لا السهول المعشبة

* من مجموعة (كنتُ كلباً سيئاً) 1981  "Jag var en dålig hund" 



ترجمة: عبد الستار نورعلي
المكتبة العامة في اسكلستونا
السبت 26 فبراير 2011


 

32
أدب / الشاعر الغجري لايوس رافي
« في: 11:29 19/04/2013  »
الشاعر الغجري لايوس رافي




عبد الستار نورعلي

وأنا أتنزهُ بين رفوف المجموعات الشعرية باللغة السويدية، كعادتي كلما ألقيتُ رحالَ عينيّ في بستان المكتبة العامة بمدينتنا، وقعتُ بين المجاميع الجديدة التي وصلت المكتبة مؤخراً على مجموعة شعرية اسمها (قاع ، ضربة إلى الأرض) للشاعر لايوس رافي، وحين قرأت غلافها الأخير عرفتُ أنه شاعر غجري هنغاري ، فقررت أنْ أبدأ رحلتي في أجواء عالم هذا الشاعر الذي أسمع باسمه لأول مرة ، وقد زادت رغبتي أكثر لكونه غجرياً . ولما طُفْتُ في حقلِ أول قصيدة (فبراير في غودوج) شدّتْ انتباهي، فسحرتني زهورُها وأنسامُها فجذبتني إلى أجوائها  جذباً، فاجتاحتني الدهشة، إذ هزّتني بجمالها ومضمونها الانساني وصورها الأخاذة .
واصلتُ سياحتي اللذيذة في هذا السفر الجميل من عالم الشعر الساحر، وما يكتنزه من صور، وما يتضمنه من تصوير حسيّ جميل ولذيذ لتجربة ذاتية حياتية لغجري ينقل فيها أحاسيس ومعاناة وآلام وأفكار وتجارب لهذه المجموعة البشرية بما تحمله البشرية من انطباع سلبيّ ضبابيّ عنها . إنها مجموعة شعرية مثيرة للدهشة واللذة ومتعة الشعر الجميل . وعندها قررتُ ترجمة بعض من قصائدها  لقرّاء العربية ليتعرفوا على عالم هذا الشاعر الغجري والغجر عموماً ، اضافة الى ترجمة موجزة عن حياته وشعره مما ورد في مقدمتها  التي كتبها (غيورغي باينا) وهو صحفي وشاعر وكاتب سيناريو لفيلم وثائقي عن الشاعر لايوس رافي.

وربّ قارئ يرى أنّ الترجمة عن ترجمة أخرى للشعر تفقد النصَّ الأصلَ حرارته وتجربته وأحاسيسه مرتين . وربما في هذا صواب ، لكننا كثيراً ما نعايش الترجمة وكأنها صياغة جديدة للقصيدة، يقودنا فيها المترجمُ البارع الماهر، وخاصة إذا كان شاعراً ، عبر عالمها الشعري الحسيّ، وهو يتذوقه ويحتسيه تجربةً وحسّاً، كما لو أنه النص الأصل ونبض الشاعر الحقيقي حين كتب وعبّر وصاغ. لأنّ ترجمة روح النص باحترافية مقتدرة تنقل أجواءه الى المتلقي، وتثير ذائقته، وتجعله يعايش تجربة الشاعر حين وُلِدتْ القصيدة . وهذا ما جاهدتُ أنْ أكونه إذ قررتُ أنْ أترجم بعضاً من قصائد هذا الشاعر الى العربية عن الترجمة السويدية التي قام بها المترجم السويدي المتخصص بالشعر الهنغاري (أوفه بريلوند Ove Berglund). فسواءً كانت الترجمة خيانة كما قالَ الشاعر الأمريكي الكبير روبرت فروست:"كلُّ مترجمٍ خائن."، أم كما يرى أدونيس بأنَّ الترجمات الشعرية خيانات جميلة، أم هي إعادة صياغة شعرية كما يرى الشاعر السويدي الكبير غونار اكيلوف الذي تخصص بترجمة الشعر الفرنسي واللاتيني، فإني احببْتُ أن أنقل تجربة الشاعر المهمة المثيرة وتجربة شعبه التي نقلتها الينا قصائد هذه المجموعة، وبما تهيّأ لي من معايشة ومعاينة وفهم وتعبير وصور وإمكانية، وعلى قدر عزمي، مثلما قالَ المتنبي: "على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ". وهنا أودُّ أنْ أعلمَ قرّائي الأحبّاء بأننا لا ندّعي ولم ندّعِ يوماً لأنفسنا الكمالَ أبداً، والحمد لله . ومن الله التوفيق والسداد.

ولد الشاعر لايوس رافي Lajos Rafi في رومانيا عام 1970 ويعيش هناك ، وهو من أصول غجرية هنغارية . كان أجداده من الحدادين، كما يذكر هو. وقد خسروا عملهم عندما تأسست الجمعيات التعاونية، فأخذوا يعيشون حياة الترحال والتنقل الدائمين، يعتاشون على صناعة الأواني المنزلية. أكمل دراسته الثانوية، وكان يأمل أن يصبح قسيساً كاثوليكياً. لكنّ حلمه لم يتحقق بسبب رفض قس الكنيسة المحلية رفضاً قاطعاً أن يساعده في مسعاه هذا. تمرّد الشاعر على قوانين الحياة الغجرية دون جدوى إذ كانت أقوى منه، فمثلاً أضطر الى الزواج وهو في الثامنة عشرة كعادة قومه. واليوم هو أب لستة أولاد،  مثلما زوّج أبوه حفيدته ابنة الشاعر دون أنْ يسألها او يسأله عن رأيهما، وقد أخبره من أجل أنْ يتحمّل تكاليف الزواج فحسب. أخذ بكتابة الشعر مبكراً. عارض أبوه ممارسته الشعر معارضةً شديدة، لأنه غير مألوف عند الغجر، إضافة الى خوفه من البوليس السري الروماني، فأحرق قصائده.
يكتب رافي عن الحبّ والطلاق والشيخوخة وعالم الغجر وثقافتهم كأقلية ضمن الشعب الهنغاري . المجموعة هذه تضم أربعين قصيدة قصيرة، وهي القصائد التي جُمعتْ مما كان متوفراً عند اصدقائه، وقد طبعت عام 2007  في العاصمة الهنغارية بودابست.

*  فبراير  في غودوج

 
الريح في الخارج تقطع ساقَ الشجرة
لا أعير اهتماماً لذلك . الغجري يتحدث عن النساء .
حنجرتي تشعر بالرغبة:
أريد أنْ أشربَ معه كأساً .

لأنّ الحقَّ معه ، فحياته تصلّبتْ
منْ الأرض ومن الألم .
هو أيضاً يحسّ بحلاوة الكلمات،
وإذا بكى قلبهُ:
يسقي حنجرته.

خلف الجبل تُحجَبُ الشمسُ الساطعةُ
بالدخان .
كان بإمكان كلِّ شيءٍ أنْ يكون جميلاً حتى لي ، لكنّ
الألمَ يطرقني . أتأمل الغجريّ .
في عينيه الزرقاوين سلامٌ بارق،
كأنه قد اصطاد نجمةً:
الآن ينقش صباحَ يومه على الخشب.

*  على كفّ الأرض

أنا مستلقٍ على كفِّ الأرض .
يا إلهي ـ  لقد سقطتُ ثانيةً هذا اليوم ....
لونُ وجهك البنيّ الخريفي
يصرخ من داخلي حتى السماء .

وأنا ألعن الغصن
الذي منحني لوني الأصفر ،
والآن رمادي ، بارد وشديد الحنين .
لقد حطّم حقيقتي .

أصلّي من أجل الأرض ، صلاةً صامتةً:
دع الصخورَ تبقى ، لكي
تتحول الى رمال وغبار ، إلى رماد .
هل يفتحُ هذا الصراع بوابةً ؟

أغنية جانبية:
من أجلك تبكي الأشجار والأعشاب ،
من أجلك أدخلُ قبرَ الكحول .

*  مايس أسود

بالطبع:
أرغب فقط بقدر
ما يطلبُ إنسانٌ آخر
بغريزته في العيش
وبشرف حياته.

كلُّ دقيقةٍ أحياها
طِيبة غير عادلة.
قاع ، ضربة إلى الأرض .
قاعٌ تُشكِّله الآلهة
مجدَداً في داخلي.

آلامي ، أعضّ عليها.
الخوف ، الحزن يلفانني ،
مثل المتواضع مرة
المسيح.
لقد تركوني للصليب.

كنتُ أريد فقط أنْ نمشيَ معاً.
أنا لا أخدعك . لحظة ...
براعم الشجرة تتفتح.
مايس أسود يُثقل رأسي .
هل أنا مزيّف ؟

 * قصيدة الشجيرة الحزينة


قَدَري آلام التراجيديات.
أستطيع الوقوف بين يدي الله وأبكي،
لكنه يحقّ لشفتيّ أنْ تقبّلا شجيرةً.

أتنقلُ بين طرق ترابية،
يكفي انصياعي لمدة تسعة وثلاثين عاماً.
جوع الحياة يستهلك ثقوبَ نعالي.

لا شهرة ولا تصفيق ،
لا شيء أحتاج غير صليب المسيح !
أتقاسم مع نفسي فرح الألم.

أرغب أن أجلس في صالة وأكتب الحكايات.

لا خطر، متعة الآلام تجعلني
أسكن في صمت الظلام.
اضعُ رأسي "البارد" في  خندق .
في الأعالي تقهقه الآلهة.

* زواج منزلي غجري

جاءتْ بهذيانها المرح
جاءت "بأنفها الجميل" ـ رأسها.
مشّطتْ بحماس شعرها البني
"فنظّفتْ كلّ أوساخ المدينة "

عندها صار نصف العالم ملكي.
في عينيها شعّ القمر.
فكّرتُ بأنّها الآن تعود
"هموم اللهجة القاسية"
غضائن عينيها الجميلة
كانت مثل ملائكة البرية
جسد رائع لخريفي الصامت.
جسد رائع لزواجها المنزلي.

* أغنية غجرية

لا تدقّي مسماراً في دماغي.
لا تدقي مسماراً في عذابي.
لا تميتي أحلامي.
لا تقتلي رغباتي.

قلتُ شيئين ، قلتِ أربعةً.
لماذا لا تصغين أبداً.
شيطانتي الحبيبة ، توقفي عن الهذر،
توقفي عن الشجار ، ـ توقفي عن الدمدمة!

*  لعنة غجرية


إلعبي معي:
آلامي ستصبح آلامكِ.
افرحي حين أفرح.
ألقي بين الصخور
كلّ أيامكِ .

أدعيتُكِ ستصبح لعنات.
لن تستطيعي أنْ تحلمي أبداً.
كلّ ما ستفعلينه لن يكفي.
كُلي بطريقة ما غرائزَك.

* خريف غجري

إذا كان هكذا ، إذا كان هكذا:
إذا لم  تكنْ ريح الخريف هكذا.
أُدخِلُ الغجريَّ في جيبي
وأثقبُ نفسي فتحةً للعالم .
لديّ غصن في جيبي:
لكي أفرح .
لكي أتدفأ.


* كلمة أخيرة

اليومَ تحوّل دمي ماءً.
إذا لم تكنْ الكلمةُ جارتك
تُضطرُ أنْ تناديَ الله.

خطيئتي فوق الوصف،
صخب الانسان مفزع ،
ـ بلا مستقبل ، تائه.

أخوضُ غمارَ الوحل هنا ،
في ماء مختلط بالدم ،
مريض بداء الكلب يبكي .

الآن تحلّ النهاية ـ بالتأكيد!
أنا لا أشكو ، بالتأكيد .
اتركْني للعالم الآخر.

عبد الستار نورعلي
الأربعاء /ثاني أيام عيد الأضحى المبارك 1431
17 تشرين الثاني 2010
 



33
أدب / يوهانس آنيورو
« في: 21:56 11/04/2013  »

يوهانس آنيورو
عبد الستار نورعلي


يوهانَس آنيورو Johannes Anyuru:
شاعر سويدي ولد عام 1979 . والده طيار أوغندي لجأ الى السويد بعد انقلاب عيدي أمين عام 1971 ، وأمه سويدية. أثارت مجموعته البكر  (الآلهة فقط هي الجديدة ) 2003 انتباه النقاد والأدباء. أعقبها بمجموعتين وروايتين. نال عدداً من الجوائز الأدبية.

من مجموعة (أوميغا  Omega) 2005

  1
خطوط الكفين
عندما يجمعهما المرء
لكي يشربَ
من الحنفيةِ
بعيداً عنْ صالةِ الجمناستيك:
حافاتٌ
من الكريستال

أيُّ نوعٍ
منَ المخلوقاتِ
هو الانسانُ
في الأصل؟

 2
كانَ لي صديقٌ
أوصلتُهُ معي على دراجتي
منذ زمن بعيد ، كانَ يُدعى ماتياس
ويُسمّي نفسهَ بالعملاق إيفيز * 
ماتَ بالسرطان منذ فترة قريبة
أفكارُه وأحلامُه
اختلطتا مثل الشاي
داخل الموجات العنيفة غير المرئية
مثل ساريةٍ
مثل الصيف
وقفْتُ عند النافذة ، المطر يهطل ، اسماؤنا
التصقتْ بأجسادنا لكننا
لا نمتلكها ، وأسماؤنا لا تمتلكنا

  3
بعد أيام من منتصف الصيف
واستوكهولم قد أُخليتْ بسبب البحر
أو بسبب حلمٍ ، نمشي

من كارولينسكا منحدرين الى كونغسان*
ونجلس عند الأسد الصخريّ، نأكل البوضة
في العالم بعد القنابل النووية خيّمَ

صمتٌ مطبقٌ ، تقريباً

لم تكن هناك حركة مرور هل تخاف من الموت كلا  بالرغم منْ
أني أريد أنْ أعيشَ ، هل قلتَ حسناً  يا رأس الانسان
مع شبكة معلومات عند سمكة ماكريل
أصطيدتْ في لؤلؤة زجاجية أيُّ نوعٍ من المخلوقات
هو الانسان في الأصل؟ كانت المرة الأخيرة التي
رأيتكَ فيها ، رأيتُه، رأينا بعضنا، رأيتُ نفسي، صعدنا
باتجاه المحطة الرئيسية، هناك
بمحاذاة أشعة الشمس العالية المظلمة
لمرآة الكون الحالمة
مثل حيواتنا
المزروعة غذاءً
للنور


* العملاق ايفيز: بطل لعبة الكترونية
* كارولينسكا: أكبر معهد وجامعة طبية ومسشفى في السويد، تقع في العاصمة.
* كونغسان: متنزه تاريخي يقع في مركز استوكهولم.

ترجمة: عبد الستار نورعلي
الأحد 29 نيسان 2012
 

34
أدب / رفقاً بالعظام!
« في: 15:29 05/04/2013  »
 

رفقاً بالعظام!  


عبد الستار نورعلي


الى شهداء المقابر الجماعية :

تعوي العاصفة عواءاً
عبر شقوق الآلام
تعوي ...
تعوي ...
ها أنتَ تفكِّكُ ذاكرتَك
وسط َزحامِ بقايا عظام
ها أنتَ تفكّك عينيكَ
أذنيكَ
 ترى
تسمع
تصرخ
يا....................
.........................
...........................
عبدَ الهادي الرحيبَ الرقيقَ الشفاه!
حلمٌ نائمٌ في هديلِ الضياءْ
ضاحكاً يتهادى كعادته
في سهرات المساء
بين كأس الهوى
وكؤوس الطلا
وانطلاق الغناءْ...

عَلَى كيفكْ ! *
ربّما هو في الكومة بين يديك
ضاحكاً
من هروبِ جنرال طواحين الهواء ،
ايها الباحثُ في الترابِ المتطايرِ
بين وجهك المُشمِسِ المتشظّي
ودشداشتكَ والرياح،
تغرز فأسَ الأظافر
لا فؤوسَ الأمم
لا شواربَ الجامعةِ العربية!!

هذه ذراعٌ
ساقٌ
ضلوعٌ
جمجمةٌ
هذه خِرقٌ من ثيابٍ أُكِلت
خصلاتٌ أُحرقتْ برصاص التتار
قد يكون نزارُ بينَ أصابعك
قد يكون جمالُ الجميل
ربما غازي العليل
ربما أكرم الخليل
ربما عباسُ وحيدُ أمهِ
ربما ...
ربما ...
ربما .................
........................
........................
يا إلهي !!!!

رفقاً !
أيها النابشُ بالأظافر ،
أظافرُك عشقٌ، لهفةٌ،
غضبٌ في الرماد.
رفقاً !
صرخةُ الطفل نزار تدوّي
بينَ الأنامل
في سرايا القبور ،
أسمعها !

رفقاً !
على كيفك !
 فالضلوعُ تتكسّرُ فوق ترابِ الفراتين
بلاد الهجمتين
بلاد الشباب التختفي
بين حربٍ و حربٍ وحرب...
بين ذبحٍ و ذبحٍ وذبح...
والطلقاتُ المدفوعةُ الأجر لا تزالْ
في سرير الرمالْ،
فرفقاً بالرمالْ!
رفقاً بالعظام !

 * على كيفك : اسلوب طلب باللهجة العامية العراقية بمعنى (تمهَّلْ) .


حزيران 2003

35
أدب / عبرالقارات سبايات
« في: 14:22 31/03/2013  »
عبرالقارات سبايات
عبد الستار نورعلي


إلى أمهات شهداء الكرد الفيليين في بغداد المقابر :

صوتك يندبني ، يا أمي !
ياعيني، ياروحي، ياقلبي،
ياقمرَ البيتْ !
صوتك يندبني ... يندبني ...
يصرخ عبر محيطات القارات:
سبيات ...

نوحك عبقٌ من رائحة أزقةِ باب الشيخِ
وآلام الغرف المنحنية فوق الأكتاف ،
وبيوت المهدود الحيل .
صوتكِ يحمل في الروح
لوعاً، معنىً، صدقاً، دفئاً
عاطفة النهر القادم من أرواح الغابوا
غابوا ...غابوا ....
من غير نسيم يعبقُ
أو روح تألقُ
أو صوتْ
غابوا ...

وسباياتُ بيوتٍ أرَّقها شوقٌ، حلمٌ، أملٌ ...
وسباياتُ مقابر زُرعتْ
ومقابرَ غابتْ
لم تعرفْ أظفارُ الفقراء طريقاً في الرمل إليها
لم تكشـفْـها لهفةُ مشتاقٍ للوجهِ المنحوتِ
على دائرة القلب النازفِ دمَهُ .

عبر أثير القاراتِ سباياتٌ، وسباياتْ ...
وأبو عبد اللهِ المظلوم ْ
 يحفظ ُكلماتٍ في الروح
عطشَ الأوجه لخرير الماءْ
عطشَ سماءْ
عطشَ هواءْ
عطشَ أصابعَ باحثةٍ في التربةِ، في الصخر
عطشي، عطشك
عطشَ مظلومٍ مدفونٍ من غير صلاةْ
منْ غير بكاءْ
من غير الكفن يغطّي بقايا الأضلاعْ
عطشَ مذبوحٍ فتحَ كتابَ العمر
في عينيهِ
فتح مرارةَ حلمٍ مقتولٍ بعد العشرينْ
قبل العشرينْ
قبل العشرة
قبل ...  وقبلَ ...
قبل تتار العصر الزاحفِ
من ظلمة أغوار سيوفِ برابرةِ التاريخ .

لم يعرفْ تاريخُ الشنقِ، صفحاتُ الغدرِ
مثلَ سلالةِ أحفادِ فنون القتلِ
فنونِ الغدر، فنونِ الذبح !

صوتُكِ من أسمال فقراء أزقةِ بغدادَ المذبوحة دوماً
من غرباء الأهل ، من الأهل
صوتكِ ألقٌ من حبِّ بخور السدرة والشمعةِ
ليلة خميس صلاة المغرب
في ذاك البيت المعتوق الموصول
بملائكة الرحمةِ ، بالرغبةِ
في شقِّ  سماء القمر الساطع
والنجم الثاقبِ .

نوحكِ يحفرُ في الروح ...
يحفرُ ... يحفرُ ....
يخرج سيماءَ القلب،
وشرارةَ عشقٍ مدفونٍ ...
وسباياتٍ ... وسباياتْ ...
لم يألفْ مزمارُ السبيّ على بابلَ
ما زرعتْ فينا الريحُ السوداءُ ،
ومقابرُ لم تحفرْها بغداد
لم تعرفها، لم تحصدْها .
عرفتْ بغدادُ سباياتِ السيِّدِ
سيدِ شهداء التاريخ !
وسباياتُ بقايا عظام الأحباب
عبرتْ خارطة العالم
جازت قاراتِ ميتافيزيقيا القتله
سفهاء حواري قبيلتنا ،
ولصوصُ الذهبِ الأسودِ والأخضر
تُـخرجُ ألسنةَ النيران
تبثُّ سمومَ أفاعي الغاباتْ
و سباياتْ ....
وسباياتْ ...
فأزقة بغداد تموج سباياتْ ....
وسباياتْ ....

عبد الستار نورعلي
    2003.5.29



36
أدب / يوميات مدينة/الجزء الثالث
« في: 11:16 23/02/2013  »


يوميات مدينة/الجزء الثالث



عبد الستار نورعلي



* السبت  16 يناير 2010
الساعة 13.00 / المكتبة العامة



هذهِ الأضواءُ تغزو العينَ والرؤيةُ صفرٌ

وأنا أسمعُ جازاً يطرقُ الأسماعَ
كالماء الذي ينسابُ في جدولِ هذا الكونِ
نحو البئرِ ، والبئرُ صموتْ

سمعَ الصدِّيقُ صوتَ الذئبِ
في ألسنةِ الإخوةِ
والذئبُ براءٌ من دمِ الماءِ
فيابئرُ ارفقي
فالطفلُ في خاصرةِ الحُلْمِ انتظارٌ
نازفٌ سبعاً سماناً
في تواريخ الممرّاتِ العجافْ

كانتِ الرؤيا نجوماً في سماءِ القمر البازغِ
والشمسُ سجودٌ، وبقايا السِـفر ظلَّـتْ
تُمطرُ الريحَ ، انطفاءَ العينِ
في البيتِ العتيقْ

ودمُ الأنيابِ مرسومٌ على لحم الأشقّاءِ
اهبطوا، بعضٌ لبعضٍ لعنةٌ
والجنةُ الموعودةُ الدانيةُ الأعنابِ
والأرطابِ والشهْدِ المُصفّى غربةٌ
في غابةِ الطوفانِ والقُمّلِ
والطاعونِ والليلِ وأفواهِ الحريقْ




* الخميس 11 فبراير 2010
الساعة 14.00 / المكتبة العامة



في حانةٍ في شارعِ الرشيدِ
همٌّ  وسُكارى
وغناءُ الحزنِ مبحوحٌ
صراخٌ ، هذرٌ ، ضحكٌ ، بكاءْ

الجنديُّ العائدُ من جبهات الحربِ
أمامي في الكرسيّ الخشبي

كأساً ...كأساً ... تفرغُ مائدةُ الليلةِ
وسجائرُ تشتعلُ
وكلامٌ يبحثُ عن أجوبةٍ

وجهٌ أسمرُ شاحب
في فمهِ توليدُ الخوفْ

عينانِ تدورانِ

ـ هل تبحثُ عن شيءٍ ضاع هنا ؟
أم في رابية الحرب هناك ؟

سنواتُ رضاعةِ أحلامٍ
عشقٍ وخيالٍ قد ضاعتْ
من أيدي التاريخِ
سقطتْ في قارعةِ الحربِ المشتعلهْ

لا تطفئها أنفاسُ الأيامْ

وطنٌ في عينيه السوداوين الساطعتينْ

يتحدثُ عن وطنٍ ضاعَ هناك
بين بساطيل الجنرالات وسوط القائدِ

أطبقَ عينيهِ على الكرسيِّ ونامْ


* الاثنين 22 مارس/آذار 2010
الساعة 13,00/المكتبة العامة


* الشاعر:

يرتدي قبعةَ الريحِ ويلقي بعصاهْ
بينَ أمواج هياج البحرِ
والليلُ اقترابُ الرأس
منْ أجنحةِ النارِ ، وحلمٌ
أنْ يكونَ الصبحُ أعياداً لعشبِ النورِ
في قاربهِ المبحرِ نحو النبعِ
في فردوسِ آدمْ

ثمّ يصحو دهشةً تهبطُ
منْ علياءِ عينيهِ على الأفْقِ انبهاراً
صبحُهُ كرّاسةُ الرسمِ
فضاءُ الطيفِ في زاويةِ الشارعِ
صمتٌ بينَ أمواجِ المحيطْ
وخشوعٌ ، وخضوعٌ لمواعيدِ الهبوطْ


* الجمعة 23 تموز 2010
الساعة 13.00/المكتبة العامة

أمسكتُ العتمةَ منْ أذنيها

أقبلتِ الريحُ الباردةُ
تتماوج
الساعةُ واقفةٌ
تتراوحُ في قبو الماضي

ها نحن نجرُّ الأذيالْ
نحو كهوفِ دواخلنا

عيناكَ العصفورانِ يقتفيانِ
أثر َ الشمسِ
وثمارَ الأشجار

حبّـاتُ اللؤلؤ
المعقودةُ بالبؤبؤ
تنفرطُ
مثلَ الأغصانِ عن الأشجارْ

هل تلتقط الحباتِ
أم لا تحفلُ أن تنحدرَ
في الهوةِ بين الرملِ
وأعشابِ الحقلِ المسدود ؟

عيناك شهابان اقتحما التاريخَ وعادا
بخفي حنين

نعلاك تمزّقتا
من كثرة أشواك الدربِ
وقيعانُ الرغبةِ أصداء رنين الأجراس

أتواصلُ سيرَكَ بعد الساعةِ
أم أنّ الساعةَ واقفةٌ عند القدمين؟

تلك الأيامُ نداولها عشقاً
شوقاً ، عرَقاً ، نزفاً،
تاريخاً يتراجعُ
جغرافيا تحترق
وأناساً من شمع

المتحفُ حدٌّ ما بينَ الرغباتِ الكبرى
وجمود الأعصابْ

حين وقفْتُ بباب القافلةِ
رحلتْ منْ دون وداعٍ
أو وعدٍ بلقاءْ

صرتُ وحيداً
أتعرّى من جلدي
في دار الغرباءْ

نعق غرابٌ فوق الرأس
ذكّرني بسفينة نوح
أنتظرُ طلوعَ حمامة غصن الزيتون
أنتظرُ... أنتظرُ ...

ذبُلَ الغصنُ على الشاطئ
والطيرُ تقافز من رمل والى حجرٍ

رملٌ حرّاق
حجرٌ صوان
ورياحٌ هبّتْ عاصفةً
بوجوهِ الأشجار

العصفور الغافي فوق الغصن
تهاوى في النار

أنا مسروقٌ
أنا محروقٌ
أنا مشنوقٌ
في داخل أقبية الكتبِ
وعيون الناس

لم تُفتحْ نافذةٌ
رغم الأنواءِ ورغم الإعصار




* الأثنين 24 يناير  2011
الساعة 23.00



ماذا يحدثُ في هذي الساعة؟

الصمتُ حديدٌ صُلبٌ
لا يتغيرُ من حالٍ الى حال
رغم الدقّ الهائلِ بالمطرقةِ
منْ داخلِ هذا الصمت

أأنا أهذي
أم أنّ الوقتَ ثقيلٌ؟

لا أدري

مَنْ يدري؟

العلمُ لدى العرّافِ النائمِ
في كتبِ الصمتْ

دقاتُ الساعةِ تُشعلني
منْ قمةِ رأسي
حتى أخمص قدَمَي حَرفي

قالَ أبي يومَ وُلِـدتُ:
في حُلمٍ بالأمسِ
كانَ ينامُ على حدِّ القمرِ
هذا المولودُ وحيدي
فليسترْهُ الستّار

اليومَ أنامُ على حدِّ الرأسِ
وعلى جمرِ الأسرارْ

الليلُ سميرُ الحيرانْ
ونديمُ السكرانِ ونارُ العاشقِ
المحرومِ من النيرانْ

كنتُ أصلّي في محراب الكوكبِ
كوكبِ ذاك الشرقِ
وهي تغني:
"سهرانْ لوحدي
أناجي طيفك الساري"
فسهرْتُ لوحدي... ولوحدي
حتى آخر رمقٍ في الكأسْ
فامنحْني ياربّي كأسَ رضاكْ
حتى آخرِ رمقٍ في الجمرةِ

أنا أهواكَ فأطلقْ أجنحتي ويديّا
أمّا القدمانِ ففي السعيِّ
وأنا الحاملُ قلبي قنديلاً في الصحراءْ

ايامُ السبيّ توالتْ
منْ أيامِ التابوتِ  وأيامِ النعلينِ
وعمامتهِ

أنا ابنُ السبيِّ الدائمٍ
منْ غير كلامْ

أوقدتُ كلامي منْ جمرٍ
منْ زهرٍ
منْ ماءٍ
منْ عبقِ الأيامْ

فاستلوا الخنجرَ طعنوني
ومنَ الخلفْ،

نصفي الروحيُّ ينامُ الآنَ
في المشفى منْ غيرِ كلامْ
لا ينطقُ... لا يتحركُ
لا يسمعُ قولي ونشيدي ونشيجي
لا يسمعُني
فالآلاتُ الأنفاسُ ، الدمُ ،
رمقُ الروحْ *

اللهمّ اسمعْ ما أدعو
فلْيسمعْني
فالروحُ
منْ أمركَ
فاسمعْني!



(*) اشارة الى أخي في الرضاعة وتوأمي الروحيّ وصهري الذي نشأنا وتربينا معاً منذ اليوم الأول الذي وُلدتُ فيه ولم نفترقْ يوماً ، هو لاعبُ كرة السلة الدولي السابق وعضو المنتخب الوطني الكابتن داود سلمان رمضان (داوي) ، وهو في لحظة كتابة اليوميات هذه راقد في المستشفى غائباً عن الوعي يحيا على شبكة من الآلات والأنابيب يصارع المرض .


اسكلستونا/ السويد






37
أدب / سقوط الكلمات المسروقة
« في: 11:00 15/02/2013  »

سقوط الكلمات المسروقة


عبد الستار نورعلي


في مهرجانِ البحثِ في أزمنةِ الكرِّ
صدى السيول ، والخيولُ مُلجَماتْ
تتساقطُ الخظواتُ
تُختصَرُ المسافاتُ
وتبقى نجمةُ العشاقِ واحدةً  
وفردوسُ العطاشى في صحارى الوجدِ واحدةً
وشمسُ الكونِ واحدةً
وأنتَ على خيوط الشمسِ
سطرٌ في كتابِ الزاحفينْ

تتناثرُ الحبّاتُ منْ شجرِ اللآلئ
في جنانِكَ
والعيونُ تدفُّقٌ في إثر خيلكَ
دهشةٌ وصبابةٌ ترقى ... وترقى ...

في انتظار القادم الآتي
على أصداءِ لحنكَ
نامتِ الأعينُ والألسنُ والأيدي
وكانتْ يقظةُ الغافي بعينٍ واحدهْ

وتصوغُ هذا اليومَ ملحمةً
وتسرقُها غداً
فتروحُ تذبحُ خطوَكَ
وتنامُ فوق فراش حرفكَ
تستعيدُ صدى الأناجيل التي
فتحتْ ستارَ الريحِ  للأرضِ ارتدتْ
لؤلؤةَ الشمسِ وشاحاً
وضياءَ القمرِ العاشقِ عيناً
فأشاعتْ حِرفةَ الحُلْمِ وقامتْ
بينَ آلافِ المسافاتِ المباحةِ للسياطِ
وللجواري ولغلمانِ الذي
يغرقُ في عرشِ الدماءْ

رقصةُ الآلهةِ السكرى بلونِ الفعلِ
والأكؤسُ حبلى بخمورِ النشوةِ العظمى
على ساقيةِ الفردوسِ
والعشقُ تجلٍّ وارتقاءْ

بينَ رنين الكأسِ والسيجارِ
وصوتِ تويوتا
تُختلَقُ السطورْ !

إنها الرحلةُ بين القمةِ العليا
وبين السفحِ
بين الشجر الطالعِ في اللؤلؤ
والطالع في الصحراءِ
بين اللون واللونِ
وموتِ اللونِ

إنها الهجرةُ منْ مزرعةِ العشقِ
الى مزرعةِ الشوكِ
ومنْ ساقيةِ الفردوسِ
صوبَ الأمنياتِ الغائبهْ

أيها الطيرُ المهاجرْ
فوق دفء المطرِ الهاطلِ في العينِ
سقطنا في انحباس الصوتِ
أوقفنا مراجلَنا ونمنا
فوقَ أصداءِ الحروفْ ...


الأربعاء 28/9/1977



38
أدب / قرأتُ كثيراً
« في: 13:00 08/02/2013  »



قرأتُ كثيراً

     

عبد الستار نورعلي
   


قرأتُ كثيراً،
أدباً، فناً، تاريخاً، جغرافيا،
وعلومَ سياساتٍ، فعلمْتُ
أنَّ السائسَ شيطانٌ أكبرْ،
ومسوسَ قبيلتنا مطحونٌ أكبرْ،
والقارئُ ممسوسٌ أكبرْ،

قرأتُ كثيراً،
كتبْتُ كثيراً،
أثقلْتُ القلبَ أناشيداً وأعاصيراً،
وشلالاتٍ منْ حبٍّ صيّرني عصفوراً
في دوامةِ ريحٍ عاصفةٍ،

كتبْتُ كثيراً،
أضحى الحرفُ كحدِّ السيفِ،
ولساني منزوعَ الخوفِ،
قاومْتُ صليلَ رياحِ العسفِ،
أغلقْتُ البابَ بوجهِ البردِ
وهمسِ الضعفِ،
كتفي
أدفأُ منْ أنفاسِ الصيفِ،

قرأتُ كثيراً،
شربْتُ كثيراً
همّاً، تعباً، قلقاً، سهراً،
شوقاً للمحبوبِ الساري
فوق خيولِ سكونِ الليلِ،

سألْتُ كثيراً،
بحثْتُ كثيراً،
بينَ زوايا الدربِ الموحشِ،
في ساحاتِ اللعبِ الملأى بسكارى،
ما هم بسكارى،
وأناسٍ فوق العرشِ سكارى،
وعيونُ مزاميري حيارى:

ماذا جنيتُ من القراءةِ والكتابةِ؟
ألهميني!
مَنْ يفكُّ القيدَ عنْ عنْقِ يقيني؟

رأيْتُ كثيراً،
اللصَّ على العرشِ أميراً،
الحاسمَ والمُعلِسَ في الحكمِ وزيراً،
الكذّابَ إعلاميّاً، وشهيراً !
الأحمقَ في قومي رأسَ القومِ،
القاتلَ منظِّرَ آياتِ الثورة والتشريعِ
عضواً في مجلس نوابِ الشعبِ
في غفلةِ تاريخِ الشعبِ،

غنّتْ كوكبُ ذاكَ الشرقِ
أيامَ فيوضاتِ الشرقِ:
"أنا الشعبُ، أنا الشعبْ
لا أعرفُ المستحيلا
ولا أرتضي بالخلودِ بديلا"

خلُدَ الشعبُ
في أسمالِ الجوعِ الخالدِ
والقيدِ المطبقِ حتى آخر طعنةِ موت،

ماذا أهدتني الكتبُ الملأى
بكلامٍ قالوا مِنْ ذهبِ ؟

أفنى التوحيديُّ حياتَـه
بينَ الأحرفِ والأوراق،
أنهى التوحيديُّ حياته
أحرقَ أنفاسَ الأوراق،
فأقام الحدَّ على الأحداق،
وأنا أحرقْتُ القلبَ ببابِ المدرسةِ،
أهرقْتُ كلامي ودمي،
سرقَ الكذّابُ الأكبرُ تاريخَ دمي،
وأقامَ متاريسَ السيفِ أمامَ فمي،

نزفَ الصوتُ من الحلقِ،
أشعلْتُ لساني بالصدقِ
فكانَ حصادي:
ريحٌ تُصفرُ في الزاويةِ،

رأيتُ كثيراً،
سمعْتُ كثيراً،
قرأتُ كثيراً،
كتبْتُ كثيراً،
حتى أشبعْتُ العينينِ والأذنينِ وروحي
برمادِ الريحْ...


الأربعاء 26/12/2012


39
أدب / الميناء
« في: 12:10 01/02/2013  »
الميناء
عبد الستار نورعلي

شهقَتْ روحُ نسيمِ الكونِ
أيقظْتُ سباتي،
وامتشقْتُ القلبَ بَرقاً
منْ غرامْ،

شاعَ بينَ النجمِ والأرضِ
بأنَّ العرباتِ المُثقَلاتْ
بالأغاني
حُشِرَتْ عندَ ضفافِ البحرِ
في ميناءِ تطويقِ الحمامْ،

نزعَ السلطانُ ثوبَ العُريِ
عن أجسادِ تاريخٍ منَ الصلصالِ
والشيطانُ في معبدهِ الطينيّ
فوق العرشِ مسنونُ الكلامْ،

هربَتْ أغنيةٌ
عندَ عيونِ البحرِ
في خيطٍ منَ الشمسِ
وصوبَ الأفُقِ الأزرقِ
مِنْ عينَيْ كتابِ العشقِ
والأبيضِ من قلبِ عشيقٍ
تاهَ في لُجِّ الهيامْ،

ألقَتِ الأيامُ حِملَ البصرِ النافذِ
منْ صَدعِ سحابِ الليلِ
أطيافاً من الإشراقِ
في صدرِ النيامْ،

هربَتْ أغنيةٌ،
غنّتْ مواويلَ الذي يبكي
على حاضرةِ الأنجمِ
منْ خلفِ جدارِ الصمتِ
يروي عنْ حكاياتِ الظلامْ،

خفقَتْ أجنحةُ الروحِ
على الأسوارِ،
مالَتْ،
شجرُ الحقلِ حزينٌ،
أفرعُ الأشجارِ جرداءُ
وفي العشِّ سِهامْ ،

زورقُ العشاقِ
عند الضفةِ الأخرى غريبٌ،
وترُ الموجِ حزينٌ،
شُدَّتِ الأنغامُ في الميناءِ بالأعماقِ،
والأصداءُ قنديلٌ بلا زيتٍ،
فهلْ في الخافقِ المعشوقِ جَمرٌ
مستفيضُ النارِ
منْ بينِ الركامْ؟

عبد الستار نورعلي
الأحد 16/12/2012



40
أدب / آني أمك يا شاكر
« في: 10:14 06/01/2013  »



آني أمك يا شاكر





عبد الستار نورعلي



(إلى روح فقيدة الفن العراقي زينب)

يتقاذفهُ الحزنُ
حزنُ مدينتهِ
يسكنهُ الحبُّ
حبُّ مدينتهِ

في يومٍ سافرَ في الريحِ
ممتطياً صهوةَ أشواقهْ
وعذوبةَ لهفةِ أحلامهْ
للنورِ يضيءُ مدينتهُ
فاستلَّ الصدرَ ليوصلهُ
بمدينتهِ
حلّقَ ....
حلَقَ ....
فوق النخلِ وفوقَ النهرينْ
بينَ الحاراتِ المنسيهْ
بينَ الأكواخِ الطينيهْ
وأتى بالمنشوراتِ السريهْ.

زينبُ تصغي
لرفيفِ فؤادِكَ ، يا شاكرْ،
تصغي ..
للحلمِ الشاهرِ في صدركَ
للومضِ النابضِ في عينيكَ
للهمسِ الرابضِ في شفتيكَ

ـ شاكر !
ماذا في العينينِ ؟
إنّي اشعرُ
إنّي أفهمُ
إنّي أعرفُ
أنّكَ منْ صوتِ النهرينْ
منْ أولئكَ .
شاكر!
حلِّقْ!
إنّي أفرحُ حينَ أحسُّكَ بينَ الناسِ
تدعو ... تتحدّثُ .. تنشرُ ...
تكتبُ ما فوق الجدرانْ
في الليلِ تناقشُ أحلامَكَ
خلفَ عذاباتِ الجدرانْ

وقفتْ زينبُ ذاتَ مساءْ
بينَ الأعمدةِ الخشبيةِ
وسط الدارْ
كالأشجارْ
كهديرِ مياهِ الأنهارْ
ودموعٌ تحبسُ عينيها
رعشةَ شفتيها
ويديها الماعرفتْ
غيرَ الخبزِ ونيرانِ التنورْ
وقفتْ بشموخِ كشموخِ الأرضْ
نُصُباً صُلباً فوق الأرضْ

دارتْ زينبُ بعباءتها
وبفوطتها
تخفي كلماتٍ ممنوعهْ
تعلنُ كلماتٍ ممنوعهْ
تفخرُ .. تزهو ..
ترفلُ ما بينَ النسوانْ
جرحٌ في الصدرِ وآلامْ

مشهد:

فوق المسرحِ تقفُ امرأةٌ
تتوشحُ بسوادِ الليلْ
القاعةُ حبلى بالناسْ
صمتٌ يُطبقُ
يُـغرقُ في لُجّـتهِ الناسْ
وعيونُهمُ تلمعُ ببريقِ النهرينْ
للمرأةِ فوق المسرحِ ،
هامتُها
تعلو فوق نخيلِ النهرينْ
وجهٌ مشحونٌ بالسُمرةِ
بالحزنِ وبالغضبِ وبالأصرارْ
الصوتُ صدىً
للهبِ القادمِ خلفَ الأشجارْ
-   آني أمك يا شاكرْ !
هذا المسرحُ لنْ يخلوَ منْ نظّارتهِ
منْ عادتهِ
وعيونُ الناسِ زوارقُ تمخرُ في عينيكَ
وفي عينيَّ ،
وقلوبهمُ تخفقُ ما بين القلبينْ
تعشقُ .. تغضبُ...
ترضى ، وتصرُّ ،
لا تعرفُ غيرَ الطيبةِ نهراً
وتـراً
يعزفُ في موج التيارْ ...


 * آني أمك يا شاكر: مسرحية من تأليف يوسف العاني، كتبها عام 1954 عن حقبة من النضال الوطني. وقد عُرضتْ بعد ثورة 14 تموز 1958 من تمثيل زينب الى جانب يوسف العاني. وقد شاهدتُـها عند عرضها الأول على مسرح قاعة الشعب في باب المعظم.


19 حزيران 1998

41
أدب / سيدتي بغداد
« في: 17:57 16/12/2012  »


سيدتي بغداد




عبد الستار نورعلي
   



الشعرُ في اصابعي يذوبُ
تستعصي عليّ الكلماتْ

سيدتي ،
في نزعاتِ الموجِ يغفو الشعرُ
يرتاحُ
يصبُّ الزيتَ في أروقةِ النارِ
يجوبُ الطرقاتْ
ثمّ تطفو الهمساتْ
ريحاً
صهيلاً
قنبلهْ  ،
العذرَ  
إنْ كانتْ بكفي سنبلهْ !

سيدتي ،
العشقُ يرتاحُ على أحضانكِ
بعد الذي أعيا حداءَ القافلهْ
ركبُ النجومِ ، زهرةُ الأٌقدارِ ،
شوقُ النزعةِ العظمى ،
وجيبُ الخارطهْ ،
تقفزُ منْ أصابعِ الشمسِ
إلى وجوهنا المحتشدهْ

نشهدُ أنَّ الشحنةَ المسافرهْ
في عرباتِ الريحِ
فوق السحبِ المُدجّجهْ
تُفجِّرُ النشوةَ في الموتِ وفي
سباقِ تاريخِ السطورِ المقبلهْ

دمي على كفكِ ، يا سيدتي ،
صوتٌ مع الأصواتْ
فلْتحملي مناسكي ،
عبادتي ،
لوني ،
احتراقي ،
طلقةً في ملعبِ الأمواتْ !

منْ بين كفيكِ توالتْ خيلُنا
زحفاً
رداءً
منْ بطونِ الكتبِ المحترقهْ

السفنُ المبحرةُ الحبلى
بعشق الخارطهْ
من بين عينيكِ استطالتْ
فوق أمواجِ البحارِ الطالعهْ
شراعُها
منْ مهرجانِ النسلِ
بين العقمِ
في خارطةٍ مُعطَّلهْ


 تموز 1979



42
الساحات ملأى بالخيل وأزهار الشوق

عبد الستار نورعلي

* كُتبتْ القصيدة عام 1975 ، ونُشرت في مجلة "البلاغ" اللبنانية

ترتقي الأشواقُ صوبَ الريحِ
تصطادُ الرغائبْ

ـ ما الذي تحملُهُ الريحُ ، حبيبي؟
ـ قمراً .
ـ الله ! ما أبهى القمرْ!

حينَ تستلُّ العيونْ
زهرةَ الشوقِ ، حبيبي!
فالليالي تحصدُ الريحَ
وتغفو
فوق أهدابِ القمرْ

فوق السورِ النابتِ في صدر الليلِ
تقفُ النجمةُ
تمتصُّ الرغبةَ منْ خلف الأستارْ
تسقطُ في الشوقِ الراعشِ
في أحداق الأطفالْ

لاتقفْ خلفَ المرايا
أيها النجمُ الذي تطلعُ في عيني وتغفو
تختفي الأشياءُ في الأشياءِ
والأسرارُ في الأسرارِ
تهوي صُوَرُ الماضينَ والآتينَ
تبقى الأرضُ حول الشمسِ في دائرةٍ
والقمرُ الغارقُ في الظلمةِ يحكي
قصةَ الشمس التي تشرقُ
تخفى
ثم تشرقْ

لا تقفْ خلف المرايا
أيها النجمُ الذي تهوي
على أفواهِ سُمّارِ الخليفهْ

بين الخيل المُلجَم في بيداء الشوقِ
والنجمةِ
مزرعةٌ منْ شوكٍ
هاويةٌ
وجهُ الليلِ العابقِ بالعطرِ
وبالسحرِ
بالدفْ الطالعِ من جسدِ الثلجِ
تتوالى الخيلُ
تسقطُ في الشوكِ
في الهاويةِ
تلتصقُ الأ‘عينُ بالسحرِ وبالدفءْ

شفةُ الأزهارِ تشتاقُ الى الدفءِ
الى الريحِ التي ترقصُ بين الأوجهِ السكرى
وقاماتِ التواريخِ
تجوبُ العينُ صحراءَ الشفاهْ

زهرةُ الشوقِ تحملُ العشقَ على أكتافِ الصبايا
في ارتقاء النهارِ الصاعدِ صوبَ الجداولْ

زهرةُ الشوقِ رصاصهْ
فوق هاماتِ السنابلْ
والجداولْ
بين آلافِ المتاريس التي تنصبها الأصنامُ
تنسابُ على الأفئدةِ العطشى
على مزرعةِ الحبِّ التي أنهكها الصمتُ
وأصداءُ طقوس الميتين

عبد الستار نورعلي
1975


43
أدب / وصايا داخلية
« في: 11:34 04/12/2012  »



وصايا داخلية



عبد الستار نورعلي


لا تعاشرْ
وجهَ هذا الغيمِ
يطفو بالغبارْ !

لا تصاحبْ
ذلك الأخفى موداتِ النهارْ
وتوارى خلفَ آياتِ القمرْ
شاهداً من نزواتِ السيفِ
إنجيلاً ظهرْ!

لا تُدارِ
وجهكَ البرَّاقَ
من لؤلؤةِ الريحِ
وأقداحِ السهرْ
عن أساريرِ الزهَرْ !

ها على عينيكَ
إيقاعٌ من الهجرانِ
حشدٌ من نواقيسِ الخطَرْ !

أيُّ كفٍّ
في أعاصيرِ المداراتِ تولَّتْ
قطعَ أعناقٍ وأرزاقٍ
وآياتِ النهرْ ؟!

أيُّ سفرْ
ألفتـْهُ وتلقتهُ
سواقي الروحِ غابتْ
في شعاراتِ الهَدَرْ ؟

أيَّ قدرْ
تندبُ الأرضُ التي
نامتْ على هزِّ الشجَرْ
وتغنّتْ بالنداءاتِ وجذرِ النارِ
سيلِ النصلِ في زندِ الصَخَرْ
وصهيلِ الخيلِ
في سرجٍ من الموجِ
وأرسانِ الخَطَرْ ؟

أيُّ نَظَرْ
لمحتهُ العينُ
في قَدْحِ الشرَرْ ؟

أيُّ شَرَرْ
يتوالى في تقاسيمِ بيوتِ العشقِ
والسُمَّارُ غابوا
في تلاوين الصُوَرْ ؟

لا تُماشِ
مَنْ نوى أن يُغرِقَ السابحَ
في الغيمِ وأطوارِ المطرْ !

أيُّ مطرْ
شربَتْهُ الأرضُ تغفو
فوق موتِ اللغةِ الكبرى
على طعنِ الخَدَرْ ؟

أيُّ خَدَرْ
بين قضبانٍ وسجنٍ موصدٍ
كلَّما داهمهُ الغلمانُ صرّ ؟! *

وحروفٌ أُثقِلتْ،
طارتْ مع العنقاءِ
في نارِ السَفرْ

لا تهادنْ
تلكمُ الخيلَ التي شدَّتْ خطاها
في جيوب الرملِ والخيمِ
وتاريخِ الظفَرْ
بألاعيبِ البحَرْ !

واستباحتْ مطرَ الآبارِ
في بيداءِ قتلاهم وهامتْ
في محيطاتِ أساطيلِ الخَوَرْ

لا توالِ سفنَ الماضين
فوق الموجِ
يحدوهم وتَرْ

في إهابٍ من رداءِ النارِ
طوفانٍ غَمَرْ !

لا تجاورْ
مَنْ روى مجمرة الإعصارِ
بالأنواءِ والعاصفِ
من غيمٍ نَشَرْ !

واقتفِ في
سابحاتِ الوجدِ والعشاقِ
نزْواتِ الزَهَرْ
وانكساراتِ النهَرْ
ومواويل الشجَرْ
وحواراتِ المطرْ !

لا تُراضِ
مَنْ نوى الذعرَ
وإغلاقَ البصَرْ !

لا تحاورْ مَن ظهَرْ
في رداءِ الليلِ والخيلِ
وفرسانِ الخوَرْ

والقصائدْ
والموائدْ
ناصباتٌ
في عكاظاتِ دلاء القهوة المرَّةِ
ألحانَ الفخَرْ
في الذي نادى سيوفاً ورماحاً
وأساطيلَ كلامٍ
ثمَّ بالليلِ وبالخيلِ
وبالسيفِ غَدَرْ !


* تضمين بتصرف لبيت الشاعر محمود سامي البارودي:

بين قضبانٍ وبابٍ موصدٍ
كلّما حرّكهُ السجّانُ صرّْ



 الأربعاء  2004.05.12

44
أدب / مِنْ سيرةِ داوود سلمان*
« في: 22:28 03/11/2012  »
مِنْ سيرةِ داوود سلمان*
عبد الستار نورعلي

أقفرَتِ الأيامُ،
وجهُ مدينتِنا يغرقُ
في الأصداءْ:
هذا تاريخٌ يطوي الصفحةَ
منْ نجمٍ،
كانَ يضيءُ الأرجاءْ،

ريحٌ صفراءُ اجتاحَتْ رِحلتَنا
في ديوانِ الغرباءْ،

الموتُ نداءٌ دقُّ البابَ، افتحْ،
يا ذا النهرُ الدافقُ منْ أيامِ أزقتنا،
ضُمَّ بريقَ النجمةِ في أحضانكَ،
قد حانَ الساعةُ،
صارَ النجمُ غياباً
في واديكَ،
فضُمَّ القلبَ الخِصْبَ، انثرْهُ
في صحراءِ الكونِ،
ستزهو خضراءْ،

أمسى الدفءُ غِياباً،
فارفعْ
عطرَ الزمنِ الفاتَ كؤوساً،
واشربْ
نخبَ الآتي اليكَ جذوراً
تمتدُّ الى الغورِ
لتثمرَ أضواءْ،

جبلاً منْ جلمودٍ كانَ،
رقيقاً كانَ،
هبوبَ النسمةِ في البيداءْ،

عشقُ الأرضِ حقولٌ تُعشِبُ
في عينيهِ،
ولسانُ الصدقِ رحيقُ الخضرةِ
منْ شفتيهِ،
معينُ رِواءْ،

فارفقْ بالقلبِ الشاجي
برحيلِ الحادي الباهي،
يا زمنَ الأنواءْ!

أسدلَتِ الأيامُ اليومَ ستائرَها
فوق رؤوس الطيرِ،
فهامتْ...
تاهَتْ...
عنْ دربِ القنديلِ البارقِ
بينَ فضاءِ الباسقِ
ورصيدِ زمانِ بهاءْ،

أرخيْتُ القلبَ زهوراً
فوقَ التربةِ
تُنشدُ للقلبِ الغابَ
وللوجهِ الغابَ
وللصوتِ الغابَ
وأقامَ هديلاً
في الأهدابْ

ماغابْ
مَنْ يزرعُ حقلَ الأيامِ زهوراً،
وبذوراً،
وحبوراً،
ورواسيَ منْ صُلبِ القلبِ،
وجذوراً كالصخرةِ
في وادي الأحلامْ،

الأشجارُ مصابيحٌ،
وأهازيجٌ،
وأراجيحٌ،
وثمارٌ منْ غَرْسِ النهرِ،
وضوعِ العطرِ،
وصُبحِ الفكرِ،
وصلابةِ تلكَ الأيامْ

* داوود سلمان (داوي): هو المرحوم المُعلّم الفاضل، والكابتن السابق للمنتخب الوطني العراقي لكرة السلة، الذي انتقل الى رحمة الله في الرابع من شباط 2011، مُخلِّفاً وراءَهُ إرثاً ابداعياً رياضياً خالداً، وسيرةً طيبةً مشرقةً، وتاريخاً نضالياً كبيراً.

عبد الستار نورعلي
الأربعاء 31 تشرين الأول/أكتوبر 2012


45
أدب / الخيـول
« في: 20:44 19/10/2012  »
الخيـول

عبد الستار نورعلي

(كُتِـبَتْ القصيدة عام 1972 . ونُشرت وقتها في مجلة "الهدف" لسان حال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)

ترتشفُ العيونُ مِـنْ
منابعِ الشمسِ
وكانتْ للهوى المسحورِ
في الأرضِ خزاناتٍ حديديهْ

ويستقرُّ النورُ في نورِها
مناسكاً للحبِّ والخضرةِ
أسراباً من الطيورِ في مدائنٍ
كنَّ ضبابيَّـهْ

رحلْتُ في أجوائها
ممتطياً خيلاً
من الأقمارِ والأنجمِ والريحِ
وأصواتِ المجاعاتِ
أقدامُها تـوقُ الرسالاتِ

ومرّتِ الخيولُ ترتاحُ في
منازلِ الخضرةِ في القدسِ
أحالتِ النيرانُ أنفاسَـها
ملحمةً تغفو على الأمسِ
يازهرةً، جفَّ على عينِـها
بريقُ مَنْ طافَ مع الشمسِ
قد رُحْتُ أستقصي هواكِ الذي
يطوفُ ليـلاً يحتوي رأسي
يازهرةً، نامَ على لونِـكِ
كلُّ حكاياتي مع النفسِ
حكايةٌ تسحبُ في ذيلِـها
حكايةً عنْ مدنِ الشمسِ 
لكنّما أحداثُها أسـهمٌ
تُمزِّقُ الأسماءَ في الرأسِ

وانزلقتْ أعنّةُ الخيولْ
على ضفافِ الأردنِ الحزينْ
ومزّقتْ ساريةَ الحنينْ
ثمّ ارتدَتْ أشرعةَ الأسلافِ والسنينْ

فدقّتِ الأجراسُ في كنائسِ المدينهْ:
لقد هوتْ منابعُ الشمسِ على أسوارِ
آلافِ الحصونِ الغافياتِ في كؤوسِ الخمرِ
مِنْ أحداقِ غانياتِ سُمّارِ الأميرْ
والرقصِ في حضنِ الأميرْ
فانتعشتْ مواسمُ الملوكْ

قالوا: البحارُ تمتلي مراكباً
لتحملَ الماضينَ صوبَ الحبِّ
في الريحِ، وتلكَ أعينٌ مصلوبةٌ
في الشمسِ قد
أطفأها صوتُ الملوكْ

ومرّتِ الخيولُ تسّابقُ
صحراءُ سيناءَ لها ساحَهْ
تنفثُ منْ أشداقها أنهراً
منْ لهبٍ لتوقظَ الواحَهْ
تحتبسُ المياهُ في جوفِها
فتستحيلُ الأرضُ نوّاحهْ
ياقمراً راحَتْ على وجههِ
عيونُ تلكَ الخيلِ سبّاحهْ
سيُصبحُ الرملُ على وقعِها
أسـنّـةً ، لليلِ ذبّـاحَـهْ

تهاوتِ الرؤوسُ في حِجركمْ
يا ملكاً يرقصُ في اليأسِ
الحـبُّ نبضٌ في أناشيدنا
لا ينثني عنْ دارةِ الشمسِ

 عبد الستار نورعلي
     1972


46



مشاهدات رائد مزمن لشارع المتنبي  في بغداد المتنبي



عبد الستار نورعلي  




نبكي، أم نصرخُ بأعلى الحرفْ
أم نصمدُ حتى آخر قطرةِ حرفْ ؟

فمياهُ النهرِ الأزرق من أيام هولاكو
تتدفقُ في الشارع زرقاءَ بلون الحبرِ
وحمراءَ بلون الدمْ

هذا الشارعُ يجمعُ عينيَ
وعينيكَ
وعيونَ القلمِ
ونزيفَ الحرفْ

هولاكو
يزحفُ مصعوقاً منْ مكمنهِ
فالمكتبةُ العامرةُ هناكَ
تبحرُ في آفاقِ الحرفْ :

صُـبُّوا الزيتَ على الحرفْ !
فُكُّـوا أغلالَ الصدرِ المشحونِ
بمحيطِ الأصفرِ واستلوا سيفَ النارِ المحرقةِ
كلَّ بيوتِ الحرفْ!
هذا عقلُ القادمِ من قرصِ الشمسِ يسيلُ
شعاعاً وهاجاً
كي يطفئ ظلمةَ هذا الكونِ
ويملأ هذي السفنَ المبحرِةَ
في ألوانِ الطيفْ...

هذا الشارعُ جسرٌ
بين الرأس المفتوح على البحرِ
وبين السفنِ العابرة
قاراتِ الحرفْ

الخيلُ المُسرجةُ
في ظلماءِ الأروقةِ السريةِ
ترفعُ أسنانَ سنابكها
لتدوسَ العينينِ وتغلقَ بابَ الأذنينِ

الظلمة لونُ الريح الصفراءِ
تصدُّ القنديلَ العالقَ
في رأس الرأسْ
  
ثمة أصواتٌ ترتفعُ
من بين مزامير كهوفِ الغيلانْ
تغرزُ سكينَ القلبِ المغموسِ
بسنان الحقدِ وريح الشيطانْ
تغرزها
في شجرةِ منْ يغفو ملءَ الجفن
عن شاردِها
ليتوجَ أهدابَ الحرفِ
ملكاً في بستانِ العشقْ

ثمة أصواتٌ سوداءْ
تصطادُ صهيلَ الكلماتْ
بحزامِ من حقدٍ نافثْ ...
 
لو أنَّ حروفَ الكتبِ المشرقةِ تموتُ
لماتَ المتنبي
منذ زمان تتار قرونِ الأحقادِ القاتلةِ
ومغول العصرْ
  
يومَ ارتفعتْ أقداحُ العقلِ
باناملنا
نخبَ ديوجينوسَ وضوء القنديلْ
كي نخطو خطوتنا الأولى صوبَ حروفِ الأكوانْ ،
ويومَ استفتحنا مائدةَ علي جواد الطاهر ومهدي المخزومي
وداود سلوم وابراهيم السامرائي وأحمد مطلوب
وحسين علي محفوظ وعبد الجبار المطلبي و...و...
كان الشارعُ في استقبال الأقدامِ
والأعينِ وصدورِ الأحلامِ
يفتحُ نوافذهُ والأبوابْ
في وجهِ الشمس الكونيةِ
  
مااسطاع رجالُ هولاكو وجنكيز خان
وسيوفُ الغزو وحرق الكتبِ
وأبناءُ ظلام الغاباتِ
وأولادُ الطرقاتِ
أن توقفَ شارعنا الغالي عن رحلتهِ
في أوقيانوس العالم
وآلام برومثيوس ْ

ذاتِ زمانٍ في لحظةِ احراق الصدرِ
بأنين الحرفْ
أوقدَ ابو حيان التوحيدي النارَ
في رأسهْ
لكنَّ نجومَ أناملهِ بقيتُ
في حالةِ اشراقِ دائم
تبحرُ في ساحاتِ شوارعنا
حتى اليوم...
    
ومغولُ الأركان الداجيةِ
لا تقدرُ أن تحرقَ فهرستَ الشمسِ
وعيونَ الحرفْ .

هذا الشارعُ مجبولٌ
منذ الأيامِ الأولى للحرفْ
أن يحملَ دفترهُ تاريخاً وسجلاً
وسطَ النار السريةِ
والتفخيخ العلنيِ وسيفِ المنعْ،
فهو الضدُّ القائمُ
الدائمُ
لتاريخِ الموتْ


* كُتِبَت القصيدة بتاريخ الثلاثاء 6 آذار 2007 ، بعد التفجير الارهابي الذي حدث فيه بسيارة مفخخة يوم الاثنين الخامس من آذار 2007. وقد أدى الى احتراق المكتبات العريقة فيه، والى مقتل وجرح أكثر من 68  من اصحابها ومرتاديها بحيث تفحمت جثث الكثير منهم.


الأحد 30/9/ 2012




 

47
أدب / مرثية شارع أبي نؤاس
« في: 12:22 19/09/2012  »
مرثية شارع أبي نؤاس
عبد الستار نورعلي

تحدّثت الأخبار عن مشروع تحويل مناطق من شارع أبي نؤاس الى طرق مبلطة ومواقف للسيارات ، وقد بدئ بقلع الأشجار لتمهيد الطريق  أمام تنفيذ المشروع .

أبا نؤاس،
قفْ ببغدادَ مثلما وقفْتَ
في حانةِ القصيدةِ الفاكهةِ القصيدْ !
انظرْ الى شارعكَ العتيقِ والعتيدْ !
فهناك بساطيل الفؤوس العوالي
تقلعُ الجذورَ
كي نحظى بساحاتِ وقوف سياراتِ
السادة وزراء ونواب الزمانِ الأخير،

نظرْتُ في شارعكَ
فالتقيتُ أصدقائي في كازينو الجامعة
وكازينو النصر :
مظفر النواب
بدر شاكر السيّابْ
رشدي العامل
عزيز السيد جاسم
ودفاتري وكتبي وأشعاري ,
حسوْتُ الكأسَ صِرفاً من حروفكَ
حتى الثمالةِ
وكان صاحبايَ احمد فؤاد نجم
والشيخ إمام
يغرّدانِ على مائدة الأصدقاء
وايقاعِ الدومينو،

يا أبا نؤاسْ ،
عُتِّقَتْ حتى لو اتصلتْ بلساني
ألهبَتْ بقايا الذكريات ،
عُتِّقَتْ
فعتُقْتُ ورأسي ملقىً
على وسادة شارعكَ ،

غجرٌ
بقرٌ
هدَرٌ
هذَرٌ
حُمُـرٌ مُستَنفَرهْ
ما بينَ طهرانَ وأنقرهْ
وفأسٌ من زمنِ كسرى
أنوشيروانَ ويزدجردْ
فعتُـقْتُ حتى النخاعِ
لأنني ابنُ شارعكَ الرئيس ،
لم أكنْ يوماً ابناً للرئيس
أو ابناً لكسرى أو أردوغانَ
أو لبوشَ وبلير ،
أنا ابنُك الطالعُ من بطون تواريح الصعاليك
في الصحراءِ اللافحةِ شمسُها
وقصائدِ الشعراء الذينَ ملأوا الأرضَ
ضياءً
وبرداً وسلاماً
ودفئاً وحَماماً
لا دجىً زاحفاتٍ وناراً وحِماماً
منْ بطونِ الكتبِ المسروقةِ الأهدابِ
باليةِ الثيابِ ،
أنا ابنُك الجالسُ على مائدةِ النخلِ
على شاطئ دجلة الخيرِ
لا دجلةِ الكؤوس المترعاتِ بالدمِ والدخانْ ،
أنا ابنُك السادرُ في غيِّ العشقِ
حتى آخرِ قطرةٍ في الفؤادْ ،

يا أبا نؤاس ،
"قمْ مِنْ (سهادِكَ)
واخلعْ حلّةَ (الوسَنِ)
فرايةُ (الفأسِ)
قد حلّتْ على الوطنِ" !؟
واحملْ دنانَكَ خمراً معتقةً بالشعرِ
بالكلامِ الجميلِ
بالغضبِ المدفونِ ،
وقفْ على رأس الجسرِ
فعيونُ المها بينَ الرصافةِ والجسرِ
بلون الماءِ ولونِ النخلِ
حتى ثمالةِ الجنّةِ الأخيرة

ابا نؤاس !
يا أبا نؤاس !
يا خيّرَ مَنْ غنّى ورفعَ الكاس !
رفعْتُ كأسي حاملاً قلبي
على رحْلِ الدروبِ
شممْتُ عطرَ دجلةَ المحبوبِ
أحببتُه من كلِّ قلبي
حينَ كانتْ تُقرعُ الكؤوسْ
ويُـغمَرُ اللسانُ والآذانُ في الجُلوسْ
قصائداً منْ أرضنا العروسْ
لم يُهتَكِ الناموسْ
يوماً على شارعكَ المهووسْ
بأجملِ الأحداقِ والكلامِ والنفوسْ
واليومَ فيهمْ تُهتَكِ العروسْ
ففأسُ كهفِ العينِ قد أقبلَ
كي يقتلعَ الذكرى
منَ التاريخِ والرؤوسْ

أبا نؤاسْ !
مَنْ يدّعي أنهمُ الحُراسْ
بوّابةَ الوادي وحُلمَ الناسْ
يغتالُ فينا أبهجَ الإحساسْ

عبد الستار نورعلي
الثلاثاء 18 سبتمبر 2012


48
أدب / الرواية الثالثة
« في: 16:30 30/08/2012  »
الرواية الثالثة
عبد الستار نورعلي


أقِمِ اليومَ على الجُـرْفِ
ولا تقفزْ إلى الموجِ
فتُسقى منْ صديدِ الغورِ ،
إيّـاكَ!
فإنَّ الخازنَ الموقوتَ في البرجِ على البندولِ
قد أشرفَ أنْ  يُشرعَ بابَ العرشِ
في وادي المنونْ

قد حملْتَ الجرحَ أياماً ... سنيناً
ولقد أحسنتَ في البحرِ الظنونْ

كانَ ريحاً صرصراً
مِـنْ رَجْـعِ ذاكَ القادمِ الموعودِ
مِـنْ خلفِ ضبابٍ في العيونْ

وسفينُ الرحلةِ الحاملُ
منْ كلِّ فجاجِ الفمِ
ألواناً من الأحرف
أسفاراً من الألواحِ
منْ غيرِ أسانيدِ رواةِ الدربِ
 أو رَجْـعِ السنينْ

فثمودٌ
نحرَتْ ناقتَها عند رمالِ البيدِ
والصالحُ في الوادي غريبٌ
وأنا في يدهِ قنديلُهُ نارٌ ونورٌ
والسرابُ اجتاحَ وادينا
فأطفأتُ ثيابي عندَ رجليَّ
ارتديْتُ الماءَ
علَّ الحرفَ فوق الجسدِ المكدودِ
يهديني سواءَ البحرِ
 أو عصفَ الحنينْ

ولقد تهْـتُ 
أقاموا حفلةَ الاطفاءِ في بابي
أنا المكدودُ يا ربِّي
أنا المقدودُ أنجدْني
فصوتُ الحَـلْـقِ قد أوقفَ بثَّ الصوتِ
عند السدرةِ الكبرى
فهلْ أيديكُـمُ طالتْ !
ونافذتي على الوادي انتظارٌ
سُـحُـبٌ تُسرعُ صوبَ الغرفةِ المنزوعةِ الجدرانِ
هذي عادُ قد عادتْ
إلى سالفِ عهدِ الكتبِ المحروقةِ الأهدابِ
في ألسنةِ الباغينَ طالتْ
ها أنا طالَ غيابي
قدماي اعتصما عندَ مُرادِ العنكبوتْ

إنّهُ الثالوثُ :
هذا الثلجُ
والغابةُ
والحرفُ الصموتْ

كلُّ نبضٍ منْ حواليكَ يموتْ

آهِ يا سيرةَ هذا الدربِ ،
أحجمْنا نفكُّ الخطَّ  نقفو
أثرَ الوادي ، وماءِ النهرِ ، والأشجارِ ،
والنورِ الخفوتْ

هل أنا الخافتُ
أم أسطرُ ذاكَ العنكبوتْ ؟

اشتهي أنْ أضعَ الخدَّ على صدركَ
كي تحمرَّ عينايَ
ورجلايَ تفكُّ الرمزَ
في سِـفْـرِ الصليبْ

أنا منذورٌ لأشواكِ الصليبْ

قد غرزْتُ القلبَ في أسنانها
أدميْتُ شرياني ، وريدي ،
جسدي ، عيني ،
وروحي ، ونذوري ،
وارتعاشاتِ الحبيبْ

وملأتُ الدِنَّ منْ خمرةِ أحداقي
وأشواقي وعشقي
ثمَّ فتّحْتُ كنوزَ الصدرِ
صوتي ، سفني ، ريحي ،
ولكنَّ رفيقَ الدربِ صارَ الثلجَ
مغرازَ اللهيبْ

مالكمُ كأكأتُمُ فوق وسادي وضحكتمْ:
في صدى رأسي جدالٌ وسجالٌ
وصراعٌ وقتالٌ
بين شرقِ البصرِ الماضي وغربِ القدرِ الآتي ،
شمالِ الكرةِ العطشى ، جنوبِ الكونِ ،
والأوسطُ مجنونٌ ومذبوحٌ بسيفِ الأولينْ
ولسانِ الآخِـرينْ

سربلوا صدري دماءً
وأداروني على ظهري
أناخوا فوق قلبي أثقلوهُ
وترابُ الأرضِ بينَ الجلدِ إشراقٌ
وسكينٌ من الظهرِ
ومرآةُ الوجوهِ الشوكُ والنارُ
وسيفُ العرشِ مشحوذاً برأس السـيِّـدِ
المُغتالِ في الطفِّ    
"أيا مَنْ وجههُ قمرٌ " *
ويامَنْ سحرُهُ أثـرٌ
سيبقى في ضميرِ النهرِ جَمْـعاً
حشدُهمْ دمعٌ وضربٌ
وانحدارُ اللقمةِ المرغومةِ الوجهِ رماداً
لا يباريهمْ
يساقيهمْ
حروفَ المعجمِ المطفيِّ في مكتبةِ التاريخِ
ما انفكَّ عُبيدُ اللهِ نسلاً شاهراً رايتَهُ
يشحذُ سكينَ الأعـزّاءِ
زليخا تنتشي في حِـجرِهِ
قارونُ في وَقْعِ الخديعةِ ساقطٌ عنْ عرشهِ
والكنزُ عند القَـدَمِ الزلزالِ وَقْـفٌ
في بنوكِ الآخَرينْ

آهِ يا سيرةَ هذا الحبِّ
القلبُ انشطارٌ بينَ سُـودِ الخَـطِّ
بينَ البيضِ تُخفي الوجهَ خلفَ الشاشةِ العمياءِ
والأقدامُ  في مزرعةِ الشوكِ ثباتٌ ومناجاةٌ :
تُرى هلْ مِـنْ سميعْ !

وشفيعي في مُرادي
أنَّ كفيَّ بياضٌ
ولساني منْ صداحِ العندليبْ

سمعوا الصوتَ
فناموا فوق مهدي
وأحالوهُ صداعاً
منْ مقاماتِ اللهيبْ

أنا أقفلتُ عيوني
ومددْتُ الرأسَ في الكهفِ
على هذا الوصيدْ
فافتحوها !
ألديكمْ شفرةُ المفتاحِ
أم ساعيْ البريدْ ؟

* (الرواية الأولى) نُشرتْ عام 1971 ، و (الرواية الثانية) 1972 

عبد الستار نورعلي
الخميس 8 ديسمبر 2011


49
ثورة 14 تموز
من الذاكرة (3)
عبد الستار نورعلي


الأثنين 14 تموز 1958

ــ  ستار قومْ ، قومْ !
فتحتُ عينيَّ والنومُ مايزالُ غافياً في جفوني المثقلات ، وأنا نائمٌ على سريري فوق سطح الدار  الكبيرة  في محلة سراج الدين بشارع الملك غازي (الكفاح بعد ثورة تموز) والقريب من مرقد الصوفي الكبير الشيخ عبد القادر الجيلاني (رض).
واستمرّتْ:
ــ ستارْ ، قومْ ! جعفر راح يطلع .
جعفر صادق ملا نظر ابن عم والدي الشيوعي المنفي الى ايران، إذ كان النفيّ الى ايران احدى العقوبات التي تصدر بحقّ السياسيين في العهد الملكي.
فتحتُ عينيَّ وضياء الصباح يداعبهما ، فوقعتا على وجه عمتي المشرق المدوّر، بصوتها الهادئ الحنون ، عمتي البسيطة الطيبة الوديعة ذات القلب الكبير ، والتي لم تؤذِ نملةً في حياتها ، فكيف بانسان؟ ولم ينطق لسانها كلمة سوء يوماً.
كانت الثورة في وعيها الفطري وإدراكها البسيط هي أنّ جعفر سيخرج من سجنه.  ارتسمت في عينيّ علامات التعجب . لم أدرك ما تعني . إلا أنها حين لمحت دهشةً واستفهاماً يرتسمان على وجهي أردفت :
ــ صارت جمهورية !
انزلقت من فراشي سريعاً، ونزلت حافياً من السطح، ليستقبلني الأهل ووجوههم مستبشرة تطفح فرحاً، وصوت المذياع والبيانات تتلى . ارتديتُ قميصي وبنطالي محتذياً نعليّ الجلديين أبوي الأصبع مسرعاً خارج البيت لألتقي بأقراني منْ فتيان المحلة ، ليلتقفنا شارع الملك غازي. التقينا بجماهير حاشدة تتجه صوب باب المعظم حيث وزارة الدفاع. فصدمنا برؤية جثةٍ عارية دون رأس تُسحل وسط الشارع في منظر بشع مقزز لا إنساني ، والجماهير هائجة مائجة تصرخ وتهتف. كانت الأخبار أنّ الملك وخاله الأمير عبد الاله وباقي العائلة المالكة والبعض من حاشيتهما ورجالات الدولة قد قُتلوا وسُحلوا .

ألفينا أنفسنا أمام وزارة الدفاع حيث كانت آلاف مؤلفة من الجماهير محتشدة قبالة بوابتها . كانت هناك جثة عارية أخرى بلا رأس أيضاً معلقةً على عمود كهربائي في فوهة الزقاق الضيق على الرصيف المقابل للوزارة، بالقرب من ستوديو للتصوير الفوتوغرافي عائد للملحن العراقي الكبير المرحوم عباس جميل ، تحت عنوان (ستوديو عباس القمري) إذ كان هو الاسم الرسمي المشهور به الملحن جميل منذ بداياته ، وقد غيّره لاحقاً الى (عباس جميل) ليكون أكثر فنيةً وقبولاً ووقعاً جميلاً في أذن الناس . هذا الاستوديو تحوّل اسمه الى (ستوديو العروبة لصاحبه عباس جميل) اثناء اتساع المدّ القومي العروبي متمثلاً بالقوميين الناصريين والبعثيين وغيرهم ، والذين كانت مناطق الفضل والوزيرية والأعظمية القريبة من الاستوديو مركز انتشارهم وحركتهم وامتدادهم . ثم بعد توسع نفوذ الشيوعيين والصراع الذي نشب بين الاتجاه القومي وعبد الكريم قاسم تحوّل اسم الاستوديو الى (ستوديو العروبة المتحرّرة) وهو المصطلح الذي استخدمه قاسم في مواجهة معارضيه القوميين العرب وشعاراتهم عن العروبة والوحدة العربية.

وفي أول خطاب ألقاه الشهيد عبد الكريم قاسم من شرفة مكتبه بوزارة الدفاع ، كنتُ في الصفّ الأمامي للجماهير الحاشدة المبتهجة التي حضرت هذا الحدث داخل الوزارة وتحت الشرفة مباشرة. كان بجانبه سكرتيره جاسم العزاوي الذي خانه مع الانقلابيين الفاشست في الثامن من شباط سنة 1963 ورئيس اركان الجيش اللواء المرحوم احمد صالح العبدي والشهيد المرحوم فاضل عباس المهداوي رئيس محكمة الثورة ، وآخرون لا أذكرهم . وحين وصل الى قوله الشهير (إنني ابن الشعب) هاجت الجماهير وماجت تصفيقاً وهتافاً .

في ذكرى معروف الرصافي

لغـزُ الحيـاة ، وحيـرةُ الألبـابِ 
انْ يستحيلَ الفكرُ محضَ ترابِ

أنْ يُصبحَ القلبُ الذكيُّ مفازةً
جرداءَ حتى منْ خفوقِ سرابِ

فيمَ التحايلُ بالخلودِ ومُلهَمٌ
لحفيـرةٍ ، ومُـفكِّـرٌ لتبـابِ ؟
........
ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبهِ
دمُ إخوتي وأقاربي وصحابي

هي بداية قصيدة الجواهري وآخر بيت منها ، وكانت في رثاء الشاعر معروف الرصافي . ألقاها لأول مرة في الاحتفال الذي أقامه اتحاد الأدباء العراقيين، الذي كان الجواهري نفسه يترأسه، في ذكرى رحيل الرصافي على قاعة الشعب في الباب المعظم ببغداد في 16 آذار 1959. وتتألف القصيدة من ستة عشر بيتاً، حيث لم تكتمل يوم القائها مثلما ذكر الجواهري نفسه في الاحتفال ، ولم تكتمل. منْ حسن حظي أنْ تُتاحَ لي فرصةٌ تاريخية نادرة ، والفُرَص لا تأتي إلا مرةً واحدةً فإنْ لم نقتنصْها ولّت الأدبار،  فأكون حاضراً في هذا الاحتفال، بعد حصولي على دعوة شرف وابن عمي وأقرب صديق لي حينها إذ كنا نسكن نفس البيت (عبد الصاحب صادق) شقيق المرحوم أبي دلير جعفر، والمقيم في موسكو منذ بعثته الدراسية عام 1961 ولحد اليوم . وكان حصولنا على بطاقتين عن طريق المرحوم أبي دلير، إذ وزّع الحزب الشيوعي ما حصل عليه من دعوات شرف على كوادره المتقدمة ، فكانت واحدة من نصيبي مع أنّني لم أكنْ كادراً متقدّماً ولا متأخّراً ! فطرْتُ بها فرحاً، لا تسعني الأرض ومَنْ عليها ، وخاصة أنّ الاحتفال كان برعاية الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم. ويالها من لحظات والزعيم والقادة السياسيون ورجالات الثقافة والفكر والأدب حاضرون أمامي بشحومهم ولحومهم ! لقد حفظتُ أبياتاً من القصيدة مباشرة منْ فم الجواهري وهو ينشدها فوق المسرح، ورحْتُ أردِّدُها مع نفسي لتبقى محفورة في حافظتي ، وأقرأها على أصحابي متباهياً منتشياً ، ولكنْ دون أنْ أمشي في الأرض مرحاً ، ولا أصعِّر خدي لأحد!

عيد العمال

في الأول من أيار 1959 جرى أول احتفال بعيد العمال العالمي بعد الثورة ، دعا اليه الحزب الشيوعي وحدّد له شعاراته. كانت مناسبة تاريخية لم يألفها العراقيون من قبل، وإنما يقرأون ويسمعون بالاحتفالات والمسيرات الضخمة التي كانت تقيمها الشعوب في أرجاء العالم بهذه المناسبة للتعبير عن تضامنها مع طبقة العمال والفلاحين وغيرها، والمطالبة بحريتها وحقوقها في البلدان التي كانت ترزح تحت سلطة حكومات دكتاتورية تضطهدها وتطمس حقوقها. وقد شارك في هذا الاحتفال مئات الألوف من العمال والفلاحين وفئات الشعب الأخرى، قدّرها البعض بمليون، يتقدمهم قادة الحزب ، وقد استمر الى صباح اليوم التالي . كان كرنفالاً رائعاً فخماً مثيراً للحماس والاندفاع والفرح. ردّد فيه المشاركون شعاراتٍ تمجّد العمال والفلاحين وحقّهم في حياة حرّة كريمة وعيش رغيد . شاركتُ وأقراني من شباب محلتنا في تلك المسيرة الهادرة، فلم ننم ليلتها وكأننا في عيد وعرس.

خرجت الجماهير بفعل حماسها عن الشعارات التي حُدّدت لها ، ليصدح هتافها عالياً وبقوة بشعار طغى على كل الشعارات وهو ( عاش زعيمي عبد الكريمي ، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي ) وشعار (سبع ملايين اتريد حزب الشيوعي بالحكم ). ولم تستطع محاولات قيادة الحزب على ايقافها فقد انتشرت بين الجماهير انتشار النار في الهشيم، إذ انفجر بركانها المكبوت، وأحلامها المُحرَّمة، وأفواهها المكبّلة، وحريتها المقيّدة . فكانت منْ أسباب الرعب الذي اصاب القوى المعادية داخلياً وخارجياً، اقليمياً وعربياً ودولياً. فبدأت دوائرها ودهاليزها السرية والعلنية تعمل بدأب ونشاط على حياكة المؤامرات للقضاء على الثورة.

والأغرب والمثير لدهشتنا في تلك المسيرة أنّنا فوجئنا بالشرطة العراقية وهي تشارك فيها، فللشرطة تاريخ سلبي معروف تجاه القوى الوطنية في العهد الملكي، لما لاقته هذه القوى من مطاردة واعتقال وسجن وضرر على يدها. فكانت العلاقة بين الشرطة وتلك القوى علاقة عداء وضدية وجفاء وكراهية . لكن مشاركة الشرطة في العيد هذا وبحماسة مشهودة قُرئتْ على أنها من باب الاعتذار، والتكفير عن الذنب،  وتحسين الصورة وتلميع الوجه ، إذ كان الشرطة المحتفلون يرددون شعار (اسألوا الشرطة ماذا تريد، وطنٌ حرٌّ وشعب سعيد). وكما هو معروف فشعار (وطن حرٌّ وشعب سعيد) هو الشعار المركزي للحزب الشيوعي العراقي. لقد كانت مشاركةً وشعاراً غريبين ومفاجئين وغير متوقعين . ومن الأغرب والأعجب حينها أنهم كانوا يرددون بقوة وحماس ملحوظ شعار (سبع ملايين تريد حزب الشيوعي بالحكم) !! فكنا نقول: سبحان مغيّر الأحوال!
ولله في خَلْقهِ شؤون. وللزمن وظروفه وأحواله من التحولاتِ والتقلبات والمصالح عجائبٌ وفنون!

مؤتمر الشبيبة الديمقراطية العالمي

وفي العام نفسه 1959 وفي الحادي عشر من حزيران انعقد في بغداد لأول مرة مؤتمر الشبيبة الديمقراطية العالمي على قاعة الشعب وافتتحه الشهيد عبد الكريم قاسم بخطاب وعد فيه ببناء مدينة الثورة لذوي الدخل المحدود. وقد اعتبر البعض من المشككين عبد الكريم حالماً طوباوياً . تحدّث الزعيم عن ذلك بعد أربعة اعوام ، وبالتحديد في الخامس من شباط 1963 ولمراسل صحيفة اللوموند الفرنسية إدوارد صعب :
ــ "- أتحدى ان يُذكر لي مثال واحد عن تعهد قطعته ولم التزم به. ففي يوم من الايام، وكان ذلك في 11 حزيران 1959 خلال مؤتمر الشبيبة الديمقراطية الذي انعقد في بغداد، قطعت وعداً ببناء «مدينة الثورة». آنئذ اعتبرني كثيرون مجرد حالم وطوباوي. لكن الجميع اليوم بإمكانهم الذهاب إلى هذه المدينة اللطيفة التي يعيش فيها ثلاثمئة وخمسون الفاً من السكان جميعهم من ذوي الدخل المحدود. وقريباً ستكون لها حدائق عامة وشوارع مبلطة ومسبح كبير. وفيها الآن عدد من المدارس ومستشفى ومستوصفات بنيت بالتزامن مع بناء المنازل." *

في يوم من أيام المؤتمر قامت الوفود المشاركة بجولة في منطقة باب الشيخ للاطلاع على معالمها ، ومشاهدة مناطق النضال الشعبي التاريخي في شارع الكفاح ، وهو الشارع الذي عاش أبرز نضالات الحركة اليسارية العراقية وتنظيماتها وتحركاتها السرية والعلنية ومظاهراتها ومواجهاتها مع السلطة الملكية في اربعينات وخمسينات القرن العشرين، ومنها وثبة كانون 1948 في ساحة السباع، وانتفاضة تشرين 1952 حيث تم فيها حرق مركز شرطة باب الشيخ. كنتُ شاهداً على ذلك الحريق، بسبب قرب دارنا من المركز، ورأيت النيران تلتهمه، ثم في اليوم التالي رأيناه ركاماً من الحجارة والتراب الأسود، سرعان ما أعيد بناؤه، لتعود حليمة إلى عادتها القديمة.

وقد استضاف الحزب الشيوعي الوفود في تجمع احتفالي في بيتنا الكبير (بيت الملا نظر)، لأنّ رحبته واسعة تتوسطها حديقة ، اضافة الى أنّ الاجتماعات السرية في العهد الملكي كانت تقام فيه ، وكذلك كانت تطبع فيه المنشورات الحزبية إذ كانت طابعة الحزب مخبوءة فيه . أقيم الاحتفال حيث ألقى كلمةً كلٌّ منْ رئيس الوفد الألماني (وارله لامبرغ) ، الذي توفي في حادثة سقوط الطائرة التي اقلته الى ليبيا بعد المؤتمر، ورئيسُ الوفد السوداني. كما أنشدَ شاعرُ العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري قصيدة (أزف الموعد). كنا نحتفظ في بيتنا بصورة التقطتْ له وهو يصدح بالقصيدة ، لكنّني للأسف الشديد لم أعثر عليها عندي ولا عند الآخرين منْ عائلتنا. ضيَّفَ الحزبُ المشاركين في الاحتفال بوجبة طعام مؤلفة من سندويجات !

كانت فرحتنا نحن أهلَ البيتِ نساءً ورجالاً، كباراً وصغاراً، وكذا أهل المنطقة، لاتُقدّر بهذه المناسبة التاريخية والفرصة الذهبية بوجود مثل ذلك الحشد من الشخصيات السياسية العراقية والعربية والعالمية البارزة، اضافة الى وجود شاعر العرب الأكبر وهو ينشد قصيدة عصماء في زاوية من بيت من بيوت المناطق الشعبية البغدادية.
كان الاحتفال المذكور كرنفالاً رائعاً لا تزال حلاوته في نفوسنا تنبض وستظلّ نابضةً.

كلية الآداب/جامعة بغداد


بفرح غامر تخرّجتُ من ثانوية الجعفرية الأهلية النهارية/الفرع الأدبي عام 1961. كان حلمي أنْ أكمل دراستي خارج العراق. ولما كانت هناك زمالات دراسية ممنوحة من الدول الاشتراكية قدّمت للقبول في احداها. قُبلت في تشيكوسلوفاكيا للتخصّص في الاقتصاد. كان الوالد الملا نورعلي معروفاً بصلابة رأيه ورأسه اليابس، ولأنّي الولد الوحيد الى جانب أربع بنات رفض سفري رفضاً قاطعاً مصرّاً ومهدداً بأنه لن يمنحني فلساً واحداً، ومتحججاً بأنّ في بغداد جامعة وكليات بمقدوري الدراسة فيها. وأمام اصراره تراجعْتُ فلم أسافرْ.

لم يبقَ أمامي بعدها إلا أنْ أتقدّمَ بطلب الدراسة في جامعة بغداد، فقُبلتُ في فرع اللغة العربية بكلية الآداب، مع أنني كنتُ في طلبي قد اخترتُ بالدرجة الأولى فرع اللغة الانجليزية، وبالدرجة الثانية اللغة العربية ، والثالثة علم الاجتماع. إذ كان على المتقدّم أن يختار ثلاثة فروع، لكنّ مجموع درجاتي التي حصلت عليها في الامتحان الوزاري كان دون مجموع آخر طالب قُبل في قسم اللغة الانجليزية، إذ كان القبول بحسب المجموع ، حتى في فروع التخصّص داخل الكلية الواحدة ، دون النظر الى درجة المادة التي يرغب المتقدِّم أنْ يتخصّص فيها ، إذ كنتُ قد حصلتُ في الانجليزية على 93% في الامتحان الوزاري للدراسة الاعدادية.

في العام الثاني لي من دراستي الجامعية ، قدّمتُ طلباً للانتقال من فرع اللغة العربية الى الانجليزية ، وكنتُ قد حصلت وأنا في فرع اللغة العربية على 95% في مادة الانجليزية أي أعلى من كل مواد التخصّص وبكثير . وفي المقابلة التي اجراها لي رئيس قسم اللغة الانجليزية الاستاذ الدكتور كمال قاسم نادر سألني عن السبب في طلبي مع علمي بأنّني إذا قُبلِتُ فعليّ أن أرجع الى الصف الأول، بمعنى أنني سأفقد سنة من دراستي. فأجبته أنها رغبتي الملحة ومن زمن طويل ولأنّني قوي في اللغة الانجليزية، واريد تطوير مقدرتي بسبب حلمي أنْ أعمل مترجماً للأدب الانجليزي الى العربية. حاول بجهد اقناعي قائلاً بأنه بامكاني أن أواصل مطالعاتي بالانجليزية وفي الوقت نفسه أقرأ العربية وأتخصص فيها لأكون أقوى لغوياً على الكتابة والترجمة ، ثم أنني في كلا الحالتين، سواءٌ أتخصّصْتُ في العربية أم الانجليزية فسأتعيّن مدرساً . لكنّني أصرّيتُ على طلبي، وأصرّ هو  على اقناعي، حتى تطوّر موقفُهُ الى رفض قاطع بالموافقة وإلى غضب، فقال بالعامية العراقية بالحرف وبحدة، إذ ما أزال أذكر ماقال:
ــ لو تطلعْ نخله براسك ما أوافق ، اطلعْ!

فخرجتُ من عنده أجرّ أذيالَ الخيبة والحزن. لكنني في الوقت نفسه كنتُ أعرف جيداً أنّه مع حدّتهِ معي وطردي بالثلاث فإنه ينطلق بالتأكيد من حرصه على مستقبلي وعدم خسارتي سنة من عمري ودراستي ، لأنّه كان من الاساتذة الكبار علماً ونفساً ، فقد كان عالماً في تخصصه. فشكراً له على كلِّ حال إنْ كان حياً، وألف رحمة على روحه الطيبة إنْ كان عند ربٍّ كريم. هذا الانسان الذي تخصّص بأدب شكسبير في دراسته العليا في جامعة أوكسفورد قد فُصل من وظيفته بعد انقلاب الثامن من شباط الفاشي الدموي سنة 1963 ، ذلك الانقلاب الذي كان ومايزال سببَ خراب العراق، وتحطيم البنية النفسية والاجتماعية والاخلاقية والثقافية والسياسية والمادية للشعب العراقي، ولحدّ اليوم، وإلى زمنٍ قادم. فظلّ عاطلاً هو وعدد من زملائه من الاساتذة الكبار الوطنيين التقدميين المفصولين معه ، وأذكر منهم أساتذتي المرحومين الدكتور علي جواد الطاهر ، والدكتور محمد مهدي المخزومي. وقد تكرّمتْ المملكة العربية السعودية حينها بالتعاقد معهم من خلال سفارتيها في بيروت وبغداد للعمل أساتذة في جامعة الرياض التي فُتحَتْ حديثاً وقتـها ، وذلك للإستفادة من علمهم وخبراتهم في تعليم أولادها وبناء جامعتها الجديدة وتطويرها ، دون النظر إلى خلفياتهم السياسية مثلما فعل المتخلفون المتوحشون الفاشست في العراق !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*  حوار اللوموند مع عبد الكريم قاسم عن موقع صحيفة المدى على الرابط:
http://www.almadapaper.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=46571

عبد الستار نورعلي
   2012


50
أدب / اختلال
« في: 16:21 08/07/2012  »

اختلال


عبد الستار نورعلي



القلب + العقل = اختلال في التوازن

القلب + القلب = توازن عاشق

العقل + العقل = اختلال في الروح

أنا موزونٌ
وإنْ قالوا بغير الوزن نرقى
أنا موجودٌ
وقد قالوا بوخز الوجدِ نصفى
أنا نبضٌ من قلوبٍ
أنا برقٌ من عقولٍ
فأنا المُحتَلُّ حين القلبُ يهوى
وأنا المُختَلُّ حين العقلُ أسرى

أنا بعضٌ
برضابِ الكلِّ أشفى
أنا كلٌّ  
بنزيفِ البعضِ أصفى
منْ مياهِ النبعِ
مابينَ الصخورْ
فاشربوني !

أنا مقسومٌ على مائدةِ الضوءِ
على مائدةِ النزفِ
على مائدةِ الخوفِ
على مائدةِ الخطفِ
على مائدةِ الحرفِ
فإنَّ الحرفَ قنديلُ الدياجي
حين تشتدُّ رياحُ الصدرِ
في ساحةِ أصداءِ الصدورْ

القرنان – قرن = اختلال

فكّوا وثاقي ،
فأنا المُختَلُّ !
سيفي منْ مناقير العصافيرِ ،
فؤادي وردةٌ ،
والفمُ مزمارٌ ،
وهذا الكونُ ثورٌ هائجٌ
قرناهُ في الشرقِ وفي الغربِ
وفي لحمي أنا هذا المهاجرْ
فضعوني
فوق ذاك المذبحِ المرفوع
صوبَ القمةِ العليا
وما بينَ سحابِ الضوعِ
مِـنْ فردوسِنا المفقودِ
منْ ايامِ :
فاخصفْ!

قد خصفْنا الريحَ
لا اوراقَ ذاك الشجرِ القُدسيِّ
إنّا قد بقينا في العراءِ الصورةَ المثلى
وللأمرِ وللنهي
حفاةً وعراةً
غيرَ أنّ الصوتَ عالٍ

قدري أنَّ ثيابي
منْ شفيفِ الضوءِ
كفايَ حمامٌ
من حقولِ القمرِ الغافي
على عينيَّ
والنبعُ نبيذٌ
عسلٌ
لا يقتفيهِ الفمُ
والعينانِ خلفَ الوهمِ
والواحةُ في الصحراءِ ظمأى

أَسَرابٌ كلُّ هذا الماءِ
وهمٌ وخيالٌ
وجناحٌ دونَ طائرْ ؟

اختلالٌ ... اختلالٌ .. اختلالْ ...
واحتلالٌ ... احتلالٌ ... احتلالْ ...

فهل الساقي لكأسي
وقناديلي وضلعي
هو ضربٌ منْ محالْ ؟


منتصف ليلة الأحد 27 مايس 2012













51
أدب / هنـد
« في: 19:16 18/06/2012  »
هنـد
عبد الستار نورعلي


إلى الكبير يحيى السماويّ:


أأعيدُ ماقالتْ لكَ الهنـدُ
والعُربُ قبلاً
بعدها السِـندُ ؟!

والفرسُ قد غنّتْ
وما سكنتْ
لمّا تـورّدَ فيهمُ  الرَّنْـدُ

والرَّندُ منْ بستانكمْ قُطِفَتْ
فتقاذفتْـها السندُ، والهندُ

*  *  *

هندٌ ، وما أدراكَ ماهندُ ؟
هي للفؤادِ الشوكُ والوِردُ

طلَّتْ على أشـعارنا قمراً
لحناً شجيّاً أشرَقَتْ تشدو

غارتْ وفي أنفاسهنَّ لظىً
ليلى وسُعدى قبلَهُنْ دَعْدُ

ما البدرُ إلا وجهُها اكتملتْ
فيهِ الرياضُ ، فـأزهرَ الخـدُّ

هامتْ بها الأحداقُ
مذْ نضُجَـتْ
فأقامَ فيها الدفءُ والبردُ

أسرى بها عشاقُها حُلماً
شِـعراُ بهِ الأنفاسُ تحتـدُّ

المصطلونَ بنارِها غَرَقٌ
والطارقون ببابها حشْدُ

وأنا الذي
أفردْتُ أجنحتي
لما ترقَّقَ عندها الصـدُّ

قد شُـدَّ قلبي
عندَ مُنطَلقٍ
منْ سهمِ عينيها ،
أنا الصيدُ

فسـقيتُها
منْ لهفتي وفمي
ما قدْ سقاني الدَلُّ والقـدُّ

إنّي غدوْتُ أسيرَ طلعتِها
أعدو إلى أخمارِها أعدو

كأساً على كأسٍ
شربْتُ هوىً
حتى غفوْتُ بظلِّها أشـدو

ثمِلاً شهقْتُ بها ويُسعفُني
شِعري الذي بسـتانُهٌ هندُ

ألقيتُهُ في حقلها بندىً
نيرانُها في مهجتي الـردُّ

*  *  *

هندٌ منَ الشرقِ ارتوَتْ هندُ
عشقاً عتيِّـاً سـاقَها الوجدُ

أسكنْتُها في أضلعي لهباً
وعلى فراشِ القلبِ تمتدُّ

غسَّلْتُ في أنوارِها ظُلَمي
فسطعْتُ صبَّـاً
صبَّهُ السَعْدُ

لأكونَ في قيثارِها وتراً
والعازفُ الشفتانِ والنهدُ

شوقاً بلا جهـرٍ شرقْتُ بهِ
طيفاً تزورُ فينتشي السُهْدُ

مالي أكتِّمُ مهجةً نزقتْ
وتهافتَتْ في إثرها هنـدُ *

أودعْتُها قلبي وأشرعتي
فتناوباني الجذبُ والشدُّ

وتصدّعَتْ نفسي بما ثقُلَتْ
صَدْعاً ، مع الأهواءِ يشـتدُّ

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

* "مالي أكتِّمُ ": تضمين من قول المتنبي:
مالي أكتِّمُ حبّاً قد برى جسدي
وتدّعي حبَّ سيفِ الدولةِ الأممُ

* القصيدة في الأصل كُتبتْ تعليقاً على قصيدة المهدى اليه (أوصيكِ بي شرّاً) في المثقف بتاريخ الخميس 22 ديسمبر 2011 ، وأعدتُ صياغتها ، وأضفتُ عليها أبياتاً أخرى لتكتمل مضموناً وشكلاً مثلما ألقيتُها هنا. وعسايَ وُفِّقْتُ. ومنَ اللهِ التوفيقُ ، وله الشكرُ والحمدُ على ما منحَنا من نعمة الكلمة وحرارة القلب .

* وقد أجابني السماويُّ حينها مُعلِّقاً:

أهدي هندك بعض عطر هندي :

حسناءُ صاهر وجهَها الوَردُ
فهما لقلبٍ ظامئ ٍ وِرْدُ


سكن الربيع فصولها وغفا
في مقلتيها الشهدُ والرَّندُ

واستعذب الريحان راحتها
فكأنّ راحة كفِّها خدُّ

لم تتخذ غير الهدى نسغا ً
فالنسك قرطٌ والتقى عقدُ


عبد الستار نورعلي




52
إخترنا لكم / البُغاث
« في: 18:38 21/04/2012  »
البُغاث

عبد الستار نورعلي


هزُلتْ تدِبُّ وتستطيلُ فتصفِرُ
"إنَّ البُغاثَ بأرضِنا يستنسرُ "

غابَ الأسودُ ،
ثعالبٌ طلعَتْ لنا ،
تتناوشُ الكتفَ السمينَ فتهبـرُ

عافُـوا البلادَ
لكلِّ أفّاقِ الورى
لصٌّ يسودُ ،
وقاتلٌ يتبخترُ

فغدتْ و مابينَ اللُتيا والتي
مشلولةَ الأطرافِ
ضرعاً يُعصَرُ

ليطولَ فوقَ سمائها وحدودها
عِلجٌ ، ومهزوزُ المقـامِ أُميِّـرُ  1

فرجعْـتُ ،
إيْدٌ منْ أمامي ، وأختُها
خلفي ،
وقلبي في الصليبِ مُسَمَّرُ 2
 
(1)   أُميِّر : تصغير أمير
(2)   إيْد : يد بالعامية العراقية والبيت فيه تضمين للمثل العراقي (رجع إيدْ من ورهْ وإيدْ من قدام) بمعنى عارٍ مفلس .

عبد الستار نورعلي
   2011   



53
إخترنا لكم / اليسار
« في: 21:11 12/04/2012  »
اليسار
عبد الستار نورعلي

قال سلام كاظم فرج:
"العتاب بباب اليمين خيانة" *
 *  *  *

أطلِقْ شراعكَ في الميناء الأيسر!
ففي اليمين يرقدُ خيرالله طلفاح
والعصبةُ أولو الأيدي الطويلة

كتبتُ يوماً بيساري
كلاماً منْ ذهب
فدخل عمالُ الميناء القصيدةَ
ينشدون نشيدي

قضمْتُ الحجرَ
فانكسرَ بين فكيّ
أهكذا الكتابةُ باليسار ؟

اليمينُ نزيفُ الصورة
والضربُ بالسيفِ والمنجنيق
وأساطيل بحر الظلمات

ألقَـوا يوسفَ في البئر بيمينهم
أقسموا أنّ الذئبَ أكلَ البذرةَ
قبلَ أنْ تتفتح
أشرعْتُ قافيتي في باب يوسفَ
فانشرحتْ

القِـرَدَةُ أنسنةُ الرقص على الحبال
حبالُ الغسيلِ تحملُ قمصانَ المتلونين
أنا لا أحبُّ التلونَ   
لوني أسمرُ قانٍ
وأحبُّـهُ
عينايَ سوداوان بلون الليل والحِـبر
لذا أنا مُفتِّحٌ باللبن

قفْ في ظلال الشجرة الوارفةِ! 
البكاءُ على الأطلال شيمةُ أهل الدارِ
أنا أغنّي ضاحكاً
فرموني خارج خيمتهم
احتواني يمينُ قافلة الشمال الغربيّ
فلم أقفْ عند اليمين
بقيتُ في مكاني

ألقي نفسي في البئر
عسى أنْ تلتقطني السيّارةُ
المتوجهةُ الى بلادٍ بعيدةٍ حيثُ
لا الذئبُ يأكل الحَمَلَ
ولا الرأسُ يشتعلُ شيباً
ولا الشيخُ يفقد اسنانهُ
ولا الوجهُ يرتدي قناعاً
ولا القصائدُ تُرتجَلُ في حضرة السلطانِ
ولا الحرفُ يرقصُ على الحبالِ
ولا اللسانُ يلعبُ على الحبلين

لا تقفْ على باب اليمينِ
ستسقطُ في غيابةِ الجُبِّ
لتلتقطك سيّارةُ بائعي
خردة التاريخ ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من نصه (قريباً من يوسف بعيداً عنه)

عبد الستارنورعلي
الاثنين 19 مارس/آذار 2012



54
أدب / مؤتمر القمة
« في: 21:56 27/03/2012  »


مؤتمر القمة



عبد الستار نورعلي




تنفَّسوا الصعداء!
الديمقراطيةُ والعدالةُ قادمتانِ
على طبقٍ منْ كلام ،

تنفّسوا الصعداء!
مؤتمرُ القمةِ ينعقدُ في عاصمةِ الرشيد،
كانَ للرشيدِ ثلاثةُ آلافِ جاريةِ
وعبيدٌ مخصيون
وقتلةٌ محترفون،
فهلْ أخصوكِ ، يابغداد
يا منارةَ البلادْ ؟!

المدنُ العربيةُ قِـيانٌ
ترقصُ في بلاطِ السلاطين ،

تنفّسوا الصعداء !
مؤتمرُ القمةِ يتجمّعُ على مائدةِ بغداد
سيلَ جراد ،

أبغدادُ ،
على منكبيكِ الجراحُ الكبيرهْ
وخبثُ العشيرهْ!

رقاعُ الشطرنج في خارطة الوطنِ الكبيرِ
تسّاقطُ ، واحدةً ... واحدةً ....

قالوا:
العُقُلُ ستطّايرُ ..
وها بغدادُ تجمعُها !

القِمَمُ قِمامةُ التاريخِ ،
"فالرؤوس قد أينعتْ
وحانَ قطافُها "

اللاءاتُ الثلاثةُ سقطتْ بالثلاث
في حضنِ نعمْ ، نعمْ ، نعمْ !

ها كلُّهمْ غنمْ
وهذهِ القِممْ
قِمامةٌ تجمعُها حضيرةُ الأمَمْ
أبيضها ، أشقرها ،
وكلُّهمْ رِمَمْ
تمشي ومنْ ورائِـهمْ
مثلَ قطيـعٍ منْ غَنَمْ
جميعُهمْ حاضرْ ، نعمْ
لسادةِ الأبيضِ كالعبيدِ والخَدَمْ !

قلَمْ ، قلمْ ، قلمْ ...
أشطبْ على عروشِهمْ بجرّةِ القلمْ
والصوتِ والشارعِ والنغمْ
وكلِّ هذا الفيضِ منْ ألمْ،
وثبِّتِ القدمْ
صلابةً تزدادُ كلّما انهزمْ
صَـنـَمْ
في إثرهِ صَـنَـمْ
أمّا القِمَمْ
فليسَ إلا جمعُ مصّاصٍ لدمْ
وبائعِ التاريخِ والأعراضِ والذمَمْ



الثلاثاء 27 مارس 2012


55
كارين بوي 2

عبد الستار نورعلي

كارين بُوْيَ (Karin Boye)   شاعرة وروائية وناقدة سويدية ولدت عام 1900 . توفيت منتحرة 1941 بابتلاع كمية كبيرة من الحبوب المنومة ، إذ عاشت الفترة القلقة المضطربة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية في القرن العشرين ، ممزقةً بين المثالية والتوق الى الموت.
أصدرت أول مجموعة شعرية عام 1922 (الغيوم) والتي عبّرت فيها عن تأملات شابة وتفكيرها في الله  وأزمات الحياة ومستقبلها الشخصي.
أصدرت خمس روايات، وخمس مجاميع شعرية، وتراجم منها ترجمتها لـ(الأرض اليباب) للشاعر ت. س. إليوت.


* سُـحُبٌ

انظرْ الى السُحُب الكثيفة، قممُها العاليةُ البعيدة
فخورةٌ، وامضةً ترتفع، بيضاء مثل ثلج أبيض!
هادئة تنزلق إلى الأمام حتى تموتَ في النهاية بهدوء
ببطء تتحلّلُ الى زخة من القطرات الباردة

صاحبةُ الجلالةِ السحبُ – خلال الحياة، خلال الموت
تتقدّمُ مبتسمةً في شعاع الشمس اللامعة
دون قلق مخفيّ في الاثير نقيةً تماماً،
تذهب بهدوء كبير، بازدراء هادئ لقَـدَرها.

كان رائعاً لي أنْ يتمكن فخرُ العيد هذا
منْ الارتقاء بي إلى الأعلى، حيث لا تبلغ سرعةُ العوالم
وكيف أنّ العواصفَ الهادرةَ تدور حولي بغضبٍ
لتحمل تاج شعاع الشمس الذهبي حول قمة رأسي.

* منْ مجموعتها البكر (سحب Moln) التي صدرت عام 1922


* المُتَدرِّعَة

حلمْتُ الليلةَ بسيف.
حلمْتُ الليلةَ بمعركة.
حلمْتُ أنّي أقاتلُ بجانبكَ
مُتسلِّحةً وقويةً ، الليلةَ .

برقَتْ يدُك بقوة.
فسقطَ الماردُ عند قدمك.
مجموعتُنا أنجزتْ مهمتها بيُسر وغنّتْ
في خطر الظلام الصامت.

حلمْتُ الليلةَ بالدم .
حلمتُ الليلةَ بالموت .
حلمْتُ بأنّي أسقطُ بجانبك
بجرحٍ قاتل ، الليلةَ.

لم تلاحظْ سقوطي أبداً.
كانَ فمكَ صارماً.
بيدٍ ثابتةٍ أمسكتَ الدرعَ
وسرْتَ الى الأمام .

حلمتُ الليلةَ بالنار.
حلمْتُ الليلةَ بالورود.
حلمْتُ بأنّ موتي كان جميلاً ولذيذاً.
هكذا حلمْتُ الليلةَ.

* عنوان القصيدة بالسويدية (Sköldmön)، والترجمة الحرفية له (عذراء الدرع) ، وهي تسمية أُطلقتْ على امرأة عذراء شاركت في معركة في العصور القديمة بالشمال الاسكندنافي. وقد آثرتُ أنْ أعنوّنَ القصيدة بـ(المُتَدَرِّعَة). والقصيدة من مجموعتها (بلاد مخفيّة Gömda land ) الصادرة عام  1924 .

* صلاة إلى الشمس

أيتُها اللامباليةُ بعيون لم ترَ الظلام أبداً !
ايتها المُحرِّرةُ التي تكسر كُتَل الجليد بمطارق ذهبية !
أنقذيني!

مستقيمةً مثل خطوط دقيقة تُمتَصُّ سيقانُ الورود فوق الهضبة:
أقربَ إليكِ تريدُ الأوراقُ أنْ ترتعشَ .
الأشجارُ تقذفُ قوتَها كإشارة باتجاه ارتفاعها:
أولاً هناكَ في الأعلى
تُمدِّدُ الأشجارُ أحضانَ الأوراق العطشى إلى النور ، ناذرةً.
لقد سحبْتِ الانسانَ
منْ ثباتِ صخرةِ الأرض ذات النظراتِ العمياء
إلى نبتةٍ جوّالة متمايلة مع ريح السماء على الجبين.
نبتتكِ ساقٌ وجذور. نبتتكِ عموديَ الفقري.

أنقذيه !
ليس حياتي. ليس جلدي.
فوق السطح لا تهيمنُ آلهة.
بعيونٍ مُغلقةٍ وأذرع مكسورةٍ
هو لكِ ، الذي عاشَ مستقيماً ،
وعند الذي يموتُ مستقيماً
موجودةٌ أنتِ، عندما الظلامُ يلتهم الظلامَ .
الضجة تعلو. الليلُ يشتدُّ.
الحياةُ تشعُّ عميقاً بثمنٍ غالٍ.
أنقِذي ، أنقِذي ، أيتُها الإلهةُ المُبصِرَةُ،
ما وهبْتِ.

*  ( Bön till solen )منْ مجموعتها (منْ أجل الشجرة För trädets skull ) الصادرة عام  1935 .

احتيار وترجمة عن السويدية: عبد الستار نورعلي
الخميس 2 فبراير 2012



56
إخترنا لكم / ابتهال
« في: 10:05 11/03/2012  »
ابتهال
عبد الستار نورعلي

يشاغلني الليلُ وصريرُ القُفلِ
أنْ أصلَ إليكِ
قدمايَ في وحل الصورةِ في السفحِ
معَ أنّ ولعي الطافحَ
أنْ أنظرَ منْ بُعدي إليكِ
أمدَّ يدي
خذيها منْ بين الوهجِ الطالعِ
منْ تحت ردائكِ المتوقّد!
ولْتغزلي منْ  أناملي ريشةً
خطّي اسمكِ فوق النجمةِ
وعلى القلبِ

حضنٌ وبلادٌ منْ دفءٍ
والنغمُ الحارقُ يحرقني

قلبي المُتيَّمُ في هواكِ أسيرُهُ
يقفزُ منْ أرجوحةٍ في قفصِ
إلى شِباكِ القفصِ

فوق حصان النجمةِ
روايةٌ عاشقةٌ
ونيّةٌ صادقةٌ
تلقى فراغَ القصةِ

هذا أنا
وحدي هنا 
خابيةٌ في الرؤيةِ
 
هلاّ رفعتِ جبهتي نوراً
وينبوعَ بكاء
حيثُ هواءُ اللوحةِ نارٌ
وبُقيا جسدٍ مكدودْ

أوردتي  أفرعُ أشجارٍ 
وماءٌ راكدٌ

أنا بعضٌ
أنا كلٌّ
من عشقٍ ذابَ مع النومِ
فاستلي رائحةَ اليقظةِ
منْ أحداقي

صمتكِ وسكونكِ  أنفاسٌ
في منتصف الليلةِ هذي
فأزقتنا وشوارعنا
ثرثرةُ المارّةِ
وسكارى

بردٌ ...

أرقودٌ يعقبهُ أمنٌ ؟
أصيامٌ يعقبهُ عيدٌ؟

يعقوبٌ يبحثُ عنْ يوسف

صمتُكِ جلجلةُ كلامٍ
تطرق قضبانَ الليلِ
 
الأجسادُ الخاوية عروشاً
ترقدُ فوق فراش الصخرةِ
ووسادتها شوكُ قتاد

الجذورُ استراقُ السمعِ في المدينةِ
بحثاً عن أمنٍ في تاريخ الميلاد

نقِّيني من اللاأمن
اغسليني بماء وجهكِ الوضّاحِ
كي تريني عارياً عنْ جسدي
احضنيني في رحاب ينبوعكِ
في الأعالي
أنا الذي أذنبْتُ حين سكنتُ الجسدَ
وقبلْتُ باللاأمن
فاحتسيتُ اللذةَ الهباء كؤوساً مترعاتٍ
وألقيتُ جسدي في مواقد نارها الأزليةِ
كلاماً زَبَداً
حروفاً منْ رصاص
أنا العاجزُ الفقيرُ إليكِ
 اغفري نزوتي واغترابي وغربتي
كسرةٌ من رغيف لسانكِ
من ضيائكِ
وكوزٌ من الحرفِ
كفايتي
في الطريقِ إليكِ
دثّريني بنقائكِ ورحيقك والتصاقكِ
خذيني إليكِ عارياً عنْ دمي المتخثّر
ذوّبيني في عشقكِ
كي أراكِ فيَّ وأراني فيكِ
صورةً
منْ حصاد .... 

عبد الستار نورعلي
الأربعاء 22 /9/2010



57
إخترنا لكم / الوردة
« في: 09:33 04/03/2012  »
الوردة

عبد الستار نورعلي


ولقد شممْـتُكِ وردةً
مرويَّةً بالسحرِ
بالبدرِ وبالنهرِ
وبالريحِ الرُخاءِ
فطرْتُ خفّاقَ الجناحْ

بالخافقِ المطليِّ بالتِـبرِ
وبالحرفِ المزنَّرِ بالصباحِ
فقلْتُ:
هذا قد جناه عليَّ عشقى
طاعناً قلبي بنصلٍ منْ ضياءٍ
نبضُهُ بينَ القصائدِ مُستباحْ

فأنا الشهيدُ برعشةِ العطر الشذيِّ
وبالرحيقِ العذبِ منْ شفتينِ
كالعسلِ المُقطَّرِ 
في كؤوسٍ منْ أقاحْ

إنّي المولّهُ بالتي
تأتي على همسِ النجومِ 
لكي تفكَّ القيدَ
عنْ عُنُقِ القصيدةِ
في مزاميرِ المِـلاحْ

فتكونَ للقلبِ الخليِّ
سميرَهُ روحاً وراحْ

إنِّي الحبيبَ منارُ هذ البوحِ في
ليلي الطوبلِ أضمُّ صدرَ الشِعرِ
برداً بالسلامٍ
وفي أخاديدِ الجراحْ

وأعاشرُ الوجعَ القتيلَ
أصبُّ منْ قلبي هديراً
منْ حياةٍ
في صهيلٍ منْ رياحْ

لتهبَّ بالنغمِ الجميلِ
من الرويِّ
منَ الأغاني
للجياعِ إلى الصُداحْ

ولْتأخذي أنتِ بنارِ الشوقِ
قلبي ولساني وعيوني
وقصيدي والجناحْ

طيري ،
فضاءُ الكونِ عشُّكِ ،
بينَ شِـعري
والبريقِ الصاعدِ الأنفاسِ
مِنْ نجمي المُباحْ

لكِ أنتِ ،
أنتِ حبيبتي
وخليلتي
وقصيدتي
في يقظةٍ
أمْ في اصطباحْ

طيفاً أمرُّ بمعبدِ العينينِ
والخديِنِ والنهدينِ
صبّاً ساجدأً متعبّداً
متقرِّحَ الأجفانِ
مكسورَ الجناحْ

فأنا أسيرُكِ في دروبِ العشقِ
والأشواقُ شوكٌ
في مواعيدٍ لعُرقوبٍ
فتذروها الرياحْ

فمَنِ الذي
يسقي الظميءَ المُستباحْ
بالشهدِ منْ ريقِ القواريرِ المِلاحْ ؟


عبد الستار نورعلي
الجمعة 3 فبراير 2012






58
إخترنا لكم / قصائد قديمة
« في: 09:50 05/02/2012  »
قصائد قديمة
عبد الستار نورعلي


* الأسرى

حملوني فوق أكتافِ الرعاةْ
أرجعوا صوتي إلى حلقي وناموا
فوق مهدِ الصيحة الأولى:
ألا هيّا ارفعوا الأحداقَ للشمسِ
احملوا الأضواءَ في اعينكم
تحرقُ أسوارَ الحصونْ.

شربوا الراحَ على أبوابِ آلافِ الحصونْ
سكروا
سقطوا
في خندقِ الآمالِ أسرى

  1972

* مسيلمة

في حضرةِ السارقِ والراقصِ والنهّازْ
والشاعرِ المأجورْ
أعلنها مسيلمهْ:
إنّي أنا الرحمنُ !
صفّقَ الحضورْ

وذاتَ يومٍ شاهدَ الجمهورْ
مسيلمهْ
مُعلّقاً
على جدارِ السورْ

فصارَ رحمنُ اليمامهْ
خبراً
منْ تلكمُ الأخبارْ

  1977


* يامـوقدَ النفسِ

يامـوقدَ النفسِ إكسـيراً لباردةٍ،
كأسُ المنايا يدورُ اليومَ ساقيها

بينَ الشفاهِ غزيراتٌ مشـاربُهـا
تستمطرُ الحبَّ تضليلاً وتمويها

وتُمطرُ العاصفَ الموبوءَ نازلُهُ
بالمُهلكاتِ أبابيـلاً تُسـاقيهـا

يانائماً باللظى كيفَ الرقودُ إذا
أحلامُنـا في غـدٍ ملّتْ لياليها؟

دارتْ مع الأرضِ أحداثٌ مُروِّعةٌ
فأسعرَتْ ماءَهـا غيضـاً وواديها

وحطَّتِ الرحلَ في أمواجِ عاتيةٍ
ألقتْ اليها بمنْ فيها وما فيهـا

يانازفَ الحرفِ ضُمَّ الحرفَ في دعةٍ
بينَ الحنايـا ، ولا تُحـْرقْ مراسـيها

  آذار 1985 





59
المنبر الحر / كارين بُوْيَ
« في: 11:16 26/01/2012  »
كارين بُوْيَ
عبد الستار نورعلي


كارين بُوْيَ (Karin Boye)   شاعرة وروائية وناقدة سويدية ولدت عام 1900 . توفيت منتحرة 1941 بابتلاع كمية كبيرة من الحبوب المنومة ، إذ عاشت الفترة القلقة المضطربة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية في القرن العشرين ، ممزقةً بين المثالية والتوق الى الموت.
أصدرت أول مجموعة شعرية عام 1922 (الغيوم) والتي عبّرت فيها عن تأملات شابة وتفكيرها في الله  وأزمات الحياة ومستقبلها الشخصي.
أصدرت خمس روايات، وخمس مجاميع شعرية، وتراجم منها ترجمتها لـ(الأرض اليباب) للشاعر ت. س. إليوت.
ومن اشهر قصائدها (بالطبع إنه مؤلم) من مجموعتها (منْ أجل الشجرة) 1935:

بالطبع إنه مؤلم حين تتكسّر البراعم.
وإلا لماذا على الربيع أن يحتارَ؟
لماذا كلُّ اشتياقنا الحارّ
مُقيّدٌ بالعتمةِ المُرّة الجامدة؟
كان البرعم مغطىً طيلة الشتاء.
ما الجديدُ الذي يلتهمُ وينفجر؟
بالطبع إنه مؤلم حين تتمزّقَ البراعم،
مؤلم على الذي يتفتحُ
                             والذي ينغلِق.

نعم ، بالتأكيد، صعبٌ حين تسقط القطرات
مرتعشةً من الخوف ثقيلةً تتدلّى،
تلتصق بالغصن، تنتفخ، تلمع ــ
الحِملُ يجرّها الى الأسفل، ما أشدَّ التصاقها!
صعبٌ أنْ تكون متردداً، خائفاً ومنشطراً،
صعبٌ أنْ تحسَّ بالانجرار الى الأعماق الباردةِ،
مع أنّك باقٍ في مكانك ثابتاً مرتجفاً فحسب ـ
صعبٌ أنْ ترغبَ في الارتقاء
وترغبَ في الهبوط .

آنذاك، حين تكون في حالةٍ أسوأ ولا أحدَ يمدُّ يد المساعدة،
تنفجرُ في البكاء مثل صراخِ براعم الشجرة.
آنذاك، حين لا يُطاق ايُّ خوف بعدُ،
تتساقطُ قطراتُ الغصن لامعةً،
تنسى أنّ الجديدَ قد أرعبها،
تنسى أنها ارتعدت من الرحلة ـ
تشعر للحظة بأقصى الأمان،
تستريح في الاطمئنان
الذي يخلقُ العالم.


* ومن أبرز قصائدها أيضاً (في حركة) من مجموعة (المواقد) 1927 :

اليومُ المُتخَمُ هذا، ليس الأكبرَ أبداً.
أفضلُ يوم هو يومٌ من الظمأ.

قَطْعاً يوجد هدفٌ ومعنىً لرحلتنا ــ
لكنّ الطريق هو الذي يستحق التعبَ.

الهدف الأفضل هو راحةُ الليل الطويل،
حيث النار تُوقدُ والرغيف يُقسّم على عجل.

على المكان، حيث ينام المرء مرة واحدة فقط،
يُمسي النوم آمناً والحلمُ مليئاً بالأغاني.

انهضْ! انهضْ! اليومُ الجديدُ يبزغ.
لانهائيةٌ مغامرتُنا الكبرى.


ومن قصائدها


* ايضاح

غارقةً في جمالكَ
أرى الحياةَ بجلاء
وإجابة اللغز المظلم
انكشفتْ.

غارقةً في جمالكَ
أريدُ أنْ أصلّي،
العالمُ مقدسٌ،
لأنكَ موجود.

مخنوقةً من الانشراح
مبللةً بالنور،
تمنيتُ أنْ أموتَ بين يديك،
غارقةً في جمالكَ.


* استيقاظ

تحوز الحياة على ايقاع لون آخر ـ
مرتعشة، مرتعشة، تضيء ثم تصمت،
مثل ومضة من الصخرة المبتلة في الحكاية
بالتفكير من الأعماق
يصعد كلُّ العالم متوهجاً.
يقظةً من جديد أرى الحقيقة،
هناكَ حلمٌ محبوس يخنق أنفاسي.
الهواءٌ حيٌّ، أتنفس حياةً،
حياةً منك، منك.


* مُحرَّرَة

العالمُ يفيضُ بالأوساخ، يملأهُ الفراغ.
جرحٌ أحدثه النهارُ يَبرأ حين يحلّ المساءُ.
هادئةً، هادئةً، أميلُ برأسي
باتجاه مشهدٍ مقدس، ذاكرتِك المترددة.
معبد، ملاذ، طُهر،
قدسيتي.
فوق سلالمك بعيدة عن الظلام مُحرَّرَة،
مطمئنة مثل طفل نائم.


* غيوم

انظرْ الى الغيوم الثقيلة، قممُها العاليةُ البعيدة
ترتفعُ فخورةً بارقةً ، بيضاءَ مثل الثلج الأبيض!
بهدوء تنزلق الى الأمام لكي تموتَ بهدوء في النهاية
وببطء تتحلّلُ الى زخات من قطرات باردة.

صاحبة الجلالة الغيوم  ــ خلال الحياة، خلال الموت
تجري باسمة الى الأمام في شعاع بارق من الشمس
نقيةً جليةً من غير اضطرابٍ مُعتم في الأثير،
تجري بهدوء فائق، صامتةً بلامبالاة نحو قدرها.

كنتُ أنا التي مُنِحْتُ بهجةَ عيدٍ والتي
بإمكانها أنْ ترفعَني الى الأعلى،حيث لا تبلغ عجلةُ العوالم،
وكيف أن الغضب حولي مثل صخب العواصف يمكن
أن يحملَ اكليلَ اشعة الشمس الذهبية حول قمة رأسي.


اختيار وترجمة عن السويدية: عبد الستار نورعلي
الأثنين 3 تموز 2009 



60
أدب / سِفرُ الضلع
« في: 22:31 21/01/2012  »

سِفرُ الضلع



عبد الستار نورعلي



أهدي القصيدة ، التي تُنشر لأول مرة ، الى المبدع المتألق والأخ العزيز عمّار المطلبي ، داعياً سبحانه وتعالى أن يعود بيتهم عامراً بأهلهِ ، تُزيّنه أزاهيرُ الفرح ، ومعازفُ الصحة .

- السبت 21 يناير 2012 -

*   *   *   *   *

سِفرُ الضلع

الى ضلعي التي رافقني محتضنةً أضلاعي
الى أم علي التي سقطت بنزيف الضلع :


ـ الحقووووننني ....!

تردّدَ الصدى
في عمقِ الأذنينِ فشقَّ الصدرَ ،
هي ضلعي تتلوى
بنزيفِ القلبْ

أتشظّى
فالضلعُ الناعمُ
القادمُ
منْ أيام أبينا آدمَ والتفاحةِ والشجرهْ
يتكسرُ بنزيفِ الصدرْ

ـ راح أموووتتت ...

صمتْ..... !؟

ضلعي يوجعُني اللحظةَ
والساعةُ ماضية
في دقِّ ستارِ الليلِ
ترميهِ بالضلعْ

ماذا خبّأ تاريخُ الرحلةِ
وخروجُ الأضلاع المكسورةِ
منْ صدرِ الدارِ المسبيةِ
منذُ الأيامِ الأولى في الأرضْ ؟

أبونا
قامرَ حتى باعَ الدارَ المبروكةَ
بخسا ً
دونَ قتال ْ
والعهدُ المكتوبُ
بدماءِ النهرِ
أضحى لعبةَ غلمانِ القضبانِ
وسيوفِ السَـجّانِ
ودماءِ الشجرهْ

ضلعي الثابتُ كالصخرةِ في جذرِ الأرضِ
وصمودِ الجبلِ الشامخِ
يرفعُ هذي الليلةَ رايتهُ
منكسراً
فوقَ حصانِ القلبِ
ليمضي

لكنَّ ملائكةَ الرحمةِ
والأضلاعَ
سورٌ منْ أنوار محبتنا الكبرى
وطريق الآلامْ

في حضن الأرضِ الدافئةِ
هناكَ
حيث الدارُ ليستْ داري
حينَ اشتدَ صراعُ الأضدادِ
وصارَ عبيدُ المالِ
والسلطانِ
وسيوفُ الغدرِ وأبناءُ الطرقاتِ
أمراءَ الدارْ
قلتُ لضلعي:
فلنمضِ في أرض اللهِ الواسعةِ
الأضلاعُ الصغرى أمانتُنا
والدارُ ما عادتْ داري
فلنمضِ !

ومضينا ...؟!

(العليمُ تكفيهِ الاشارةُ )

سقطَ الضلعُ
فوقَ سريرِ الرحلةِ مكسورَ القلبْ
في مستشفى ضفافِ النهرِ الغربي

أما الشرقيُ فما زالَ السادرَ
في صحراءِ الغيِّ
من غيرِ ضفافْ

الأضلاعُ المكسورة ُ
هناكَ
ماانفكّّتْ تتكسرُ
منْ وقعِ سيوفِ جنودِ السلطانِ
وخيلِ الغزوِ
وتفخيخِ الجوعْ



الأحد 10 ديسمبر 2006

* القصيدة هي الحلقة الثالثة في سلسلة (سفر التكوين) و (سفر الخروج)



61



في شعرية الدكتور عبد الله الفيفي



عبد الستار نورعلي


" وكنّا أشرنا في طرحٍ سابق إلى أنه يَحْدث في جدليّاتنا الحديثة، ولاسيما حول (قصيدة النثر)، مغالطاتٌ تستهدف معنى  "قصيدة" في السياق العربيّ.. لغويًّا وفنّيًّا.  ذلك أن "القصيدة" لم تسمَّ بهذا الاسم في اللغة العربيّة- ولغير العربيّة ما لها- إلاّ لأن النصّ "مقصّد"، أي منغّم، منظّم، مرتّل في وحدات موسيقيّة، وفي وزنٍ مستقيم، أو ما أطلق عليه الخليلُ مصطلح: بحر. لأن من معاني "القَصْد: استقامة الطريق... وطريقٌ قاصد: سهلٌ مستقيم... والقَصِيدُ من الشِّعْر: ما تَمَّ... سُمّي بذلك لكماله وصِحّة وزنه."

هذا ما يقوله الدكتور عبد الله الفيفي في الجزء الأول من دراسته (شعرية البناء الموسيقي ... مراجعات نقدية في خطابنا الشعري الحديث) ، وهو ما يمكن لنا اعتماده ملخصاً لموقفه من الشعر والقصيدة ، مثلما هو تعريف لمعنى القصيدة (الشعر) واختزالها في الموسيقى والنغم أي الوزن صحته وتمامه ، وبذا فهذا في رأيه هو شرط احتساب أيِّ نصٍّ أدبيٍّ وإجازته لدخول عالم القصيدة ، وبذا يُخرج ما اصطلحنا على تسميته بـ(قصيدة النثر) من هذا الفن الأدبي . ولا يتردد الدكتور الفَيفي في التأكيد على موقفه الرافض باصرار لاعتماها شعراً وقصيدةً عبر دراساته عن الشعر العربي ، ومنها سلسلة الدراسة المشار اليها ، إذ يقول فيها أيضاً:
"فعلى هذا فإنَّ ما ليس فيه من الكلام وحدات نغميّة تتقصّد فليس بقصيدٍ البتّة، وعلى أرباب قصيدة النثر، إذن، أن يبحثوا عن لفظٍ آخر غير "قصيدة"."

هذا الموقف الرافض الحازم مبنيٌّ على اعتقادٍ ثابت بتقديس ما توارثناه من قيم وثقافة وشعر ، ورسوخها في النفس ، وكأنّ محاولات تطوير القصيدة وتحديثها فنياً شكلاً ومضموناً هو مساسٌ بها وضربٌ من الآثام والذنوب التي لا تُغتفر . وينطلق ايضاً من المحافظة على منهجية الشعر وعناصره وقواعده وشروطه الفنية المعتمدة في الاشارة الى الجودة والضعف ، وإلى التفوق والرفعة ، والى الغثِّ والسمين كما وردنا عن القدماء. وعليها يُبنى التقييم وتكون النظرة الى الشعراء ، وبدرجة جودة وحسن وبلاغة وسلامة وجزالة وقوة وتأثير ما يبدعون ، ومن خلال المحافظة على تلك القوانين والشروط والعناصر الفنية وتوفرها في القصيدة وفي مجمل منتج الشاعر . لذا قسّم النقاد القدامي الشعراء طبقات مثلما فعل ابن سلام الجمحي مع فحول الشعراء في (طبقات فحول الشعراء) ، فحتى الفحول طبقات عندهم ، وإنْ كان تقسيم ابن سلام يعتمد معايير الزمان والمكان والجودة والفن الشعري الأبرز لدى الشاعر .

وهنا علينا النظر في عنصر وشرط (الجودة) بمعنى المعايير الفنية التي يجب توفرها في شعر الشاعر ليُوضع ضمن الطبقة المناسبة له . ومثلما كان يجري ماقبل الاسلام في اختيار أفضل وأجود القصائد، التي سميت بالمعلقات، سواءً جاءت التسمية لتعلقها في النفوس أم لتعليقها على جدار الكعبة ، فالذي نريده أنها اختيرت لأنها الأفضل والأجود والأجزل ، على أساس مدى تأثيرها في النفوس بفعل شعريتها ، من خلال جودة وجزالة وسلامة لغتها وصورها وأخيلتها ومضامينها حسّاً ومعنى ، وفق ما تعارفوا عليه من معايير القوة والضعف شعرياً ، مع خلو النظر النقدي آنذاك من المنهجية المدرسية بالشروط والقواعد الفنية التي وضعها النقاد القدامى فيما بعد، شكلاً ومضموناً، لتُعتَمد مقياساً منهجياً في نقد الشعر، وتقييم القصيدة ومنزلة الشاعر، دون الركون الى الذاتية في النظر من خلال الذائقة الخاصة والموقف الشخصي العاطفي خارج التقييم الموضوعي .

يقول القاضي الجرجاني (ت 392 للهجرة) في الأسس والمعايير التي سبقتهم في المفاضلة بين الشعراء ، والتي يصح لنا اعتبارها الشروط الفنية لتفوِّق الشاعر وقياس جودة القصيدة في ذلك العصر والتاريخ:
" وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن، بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشَبَّه فقارب، وَبَدَه فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته."
وإنْ اشار فيما قال الى عدم نظرهم في الأساليب والفنون البلاغية التي تمنح القصيدة ألقاً وجمالاً وحلاوة أكثر لتلامس الحسّ لدى المتلقي فتثيره وتؤثر فيه فتهزّه ، وعدم اكتراثهم بها مع أهميتها البالغة في الابداع الشعري حين اضاف :
 " ولم تكن تعبأ بالتجنيس، والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض."

وحصول عمود الشعر ونظام القريض هو في الاهتمام بعناصر وأسس هذا العمود ، وهي التي وضعها البلاغيون وهم النقاد المُعتمَدون في عصرهم ، فسُميت على ضوئها القصيدة الملتزمة بها والتي تتألف على نظامها وتتوفر فيها بـ(القصيدة العمودية). وهذه العناصر هي التي أشار اليها أبو علي المرزوقي (ت 421 للهجرة) في مقدمته لشرح ديوان الحماسة لأبي تمام وهي: شرف المعنى وصحته، جزالة اللفظ واستقامته، الإصابة في الوصف، المقاربة في التشبيه، التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، مناسبة المستعار منه للمستعار له، مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما.

ويمضي الدكتور الفيفي في رؤيته للشعر وفق المنهجية الفنية الكلاسيكية الى حدّ متعصب حين يردُّ على  مريدي قصيدة النثر والثائرين على القصيدة بشكلها العمودي وحتى على البناء الموسيقي (الوزن) في شعر التفعيلة بحجة الحداثة والتطور الثقافي والفني بالارتباط بالتطور الحضاري والتقدم البشري، فيقول في الجزء الثاني من دراسته :
" بل لا يكترث حين تحدِّثه، مثلاً، عن شِعريّة البناء الموسيقيّ في الشِّعر، وعن قيمتها التعبيريّة، (التي ما جُنَّ العربُ ليتّخذوها نبراسَ بيانٍ لألفَي عام)؛"

فالدكتور يرى في البناء الموسيقي في الشعر قيمة تعبيرية عليا ، والعنصر الأول والمحدِّد الاساس في اعتبار النصّ المنظوم قصيدة لكي تكون من فنّ الشعر ، وإلا فمن الكفر اعتبار الكلام النثري المرسل شعراً وقصيدة حتى لو احتوى صوراً شعريةً، وبناءً متيناً، ولغة جميلة، وعاطفةً وحسّاً رفيعاً. وهي من باب "الأقاويل الشعرية" كما سمّى النقد القديم هذا الشكل من القول ، على ما ينصّ عليه الدكتور الفيفي .
 
فإذا أطلق اسم "الأقاويل الشعرية" على هذا الشكل من النثر فمعنى ذلك أنها تحمل شحنة شعرية ، أي تمتلك عناصر من الشعر إلا الوزن، فهل من المعيب والمرفوض أنْ يسميها أصحابها من الكتاب المبدعين (قصيدة نثر) ويعتبرونها شعراً ومن باب التجديد والتحديث للقصيدة العربية، مثلها مثل غيرها من الفنون الابداعية الجميلة؟

يذهب الدكتور عبد الله الفيفي في نظريته الشعرية الى عدم القبول باطلاق تسمية قصيدة حتى على مايُسمى بشعر التفعيلة وما عُرف مدرسياً بـ(الشعر الحر) ، فها هو يقول في الجزء الأول من دراسته :
" أمّا شِعر التفعيلة، فلا يعدو تكرار التفعيلة، ووضع قوافٍ اختياريّة بين وقتٍ وآخر، ولا يُعَدّ ذلك وزنًا في شيء، ولا يقتضي أيّ مهارة موسيقيّة شِعريّة تُذكر، كما لا يَختبر قدرات الشاعر اللغويّة، وتحكّماته في مادّته اللغويّة.  لذا كان مَرْكَبًا سهلاً لكل عابرٍ في كلامٍ عابر. "
وهو يمضي في القول لاغياً كلياً هذا اللون الشعري والسِفر الضخم الذي ساد لعقود ومايزال، ولا أعتقد أنّ الشعراء سيتوقفون عن الابداع فيه ، فلقد أضحى من مسلمات التطوّر الفني الشكلي الذي طرأ على القصيدة العربية ، مثلما تطوّرت كلّ مناحي الحياة العربية حضارةً واجتماعاً وثقافةً وفنّاً:
" لقد جاءت قصيدة التفعيلة لتُلغي الوزن العروضيّ أصلا، بل لتُلغي كلّ العوائق والحواجز والتحدّيات أمام الشاعر، وتُلقيها برُمّتها عن كاهله، ليُعبِّر، وكأنه يكتب نثرًا مرسَلا، سِوى أنه يلتزم بتفعيلة يقلّبها بين كفّيه كيف شاء وشاءت له التداعيات التعبيريّة. فما ظنّنا بردّة فعل أُمّة عاشت أكثر من ألف سنة تعرف جِنس الشِّعر على أنه ذو معمار هندسيّ دقيق خاصّ، موزون مقفّى، وفجأة قيل لها: لا، سنهدم هذا القصر الشِّعري الشامخ، ونسمِّي هذه الأنقاض شِعرًا، وإنْ كانت بلا وزن ولا بناء؟!"

إنه ينكر حتى الوزن في شعر التفعيلة بانياً رأيه على الآتي:
" ومن هنا فما في شِعر التفعيلة ليس بوزن، وإنما هو نَغَمٌ فقط، يتماوج في وحداته في غير وزنٍ مطّرد، ولا اتّزان تركيبيّ، يَرْعَى التقابل والتناظر في معمار النصّ."

ويُعلّلُ رأيه هذا بالقول:
" إن مصطلح "الوزن" لا يتطابق معناه مع شِعر التفعيلة، من حيث إنّ الوزن هو اتفاق الشطرين في عدد التفعيلات وتكوينها، وكأنهما كفّتا ميزان، هذا مع اتّفاق القصيدة في نظام أبياتها، من حيث الزحافات والعِلل، في أعاريضها وأضربها وحشوها، فلا يختلّ ميزانها الدقيق وفق قوانين العَروض العربيّ.  ذلك هو ما يُطلق عليه: الوزن،"

إذن هو يرى أنّ القصيدة هي التي تحافظ على الأوزان الشعرية كما وردت الينا إرثاً فنياً شكلياً بتعدد التفعيلات وتناظرها وتوازنها واتفاقها عددياً وانتظامها في بيت ذي شطرين ، لذلك يسمّي القصيدة العمودية بـ(القصيدة التناظرية) ، وفق نظريته في القصيدة وتناظر تفعيلاتها . ونظريته كما نقرأها مبنية على أساس الشكل موسيقياً في اطار الوزن والبحور الشعرية ، فهي عنده العنصر والمعيار الوحيد للقصيدة . وعليه يجوز لنا أنْ نحسبه ممن أشار اليهم القاضي الجرجاني في قوله:
" ولم تكن تعبأ بالتجنيس، والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض."
وبالنسبة للدكتور عبد الله الفيفي: إذا حصل لها (القصيدة) الوزن .

ومع كلّ ما يراه الدكتور الفيفي في النظر الى القصيدة والشعر عموماً ، وفي موقفه الرافض لقصيدة النثر ولتسمية كاتبها بالشاعر ، إلا أنه يعترف في الوقت نفسه بشعريتها وبتسميتها حين يُشير قائلاً في مقالته (قصيدة النثر نزوعات ما قبل حداثية):
" إن قصيدة النثر قد تكون شِعريّة، بمعنى مصطلح (الشِّعريّة) الواسع، لكنها ليست "شِعرًا"، بمعنى الجنس الأدبيّ الخاص. أمّا بحسب معايير ما يسمّى "شِعرًا" في العربيّة، فهي محض نثرٍ فنّيٍّ، أو جميل، أو شاعريّ، أو لا بأس أن نسمّيها قصيدة نثر، شريطة أن لا ننسى ما ينصّ عليه المصطلح، من أنها "نثر"، وأن كاتبها "ناثر"، لا شاعر."

وهو يرى أنّ قصيدة النثر فتحت الباب لكلّ من هبّ ودبّ لينسج كلاماً يسميه شعراً ، فيمشي في الأرض مرحاً نافخاً أوداجه، ونافشاً ريشه، مدعياً أنّه شاعرٌ لا يُبارى ومبدعٌ لا يُجارى:
" ومِن ثَمَّ فَتَحَ مصطلحُ "قصيدة النثر" الباب على مصراعيه لادِّعاء آخر، هو: أن النثرَ "شِعرٌ". وصار كاتب قصيدة النثر يُعَرَّف على أنه شاعر، بل أمير الشعراء في مملكة الشِّعر الحديثة، ويكتب على أعماله بالخطّ الأحمر العريض: (شاعر)."

فمن دوافع نكرانه لقصيدة النثر شعراً هو فيما ذكر اعلاه ، وله الحقّ في ذلك وفي سخريته واستنكاره وغضبه ، لما نرى على الساحة من خلال مواقع النت العجيب والغريب من النصوص التي لا تمتلك حتى مقومات النثر الفنيّ ، فكيف بالشعر ؟

إنّه لا يرفض قصيدة النثر فناً من فنون القول الجميل ، فيها شعرية قولاً ، لكنه يرفض اعتمادها قصيدة وشعراً بسبب ما يرى في ما يعني الشعر وفق نظريته الخاصة المعتمدة على النظر في تاريخ الشعر العربي الطويل، وأهمية الشعر فناً لغوياً بديعاً عند العرب، وديواناً لهم ، وسجلاً تاريخياً لحياتهم ومشاعرهم وافكارهم والاحداث التي مرت بهم ، وهو ما يقتضي الحفاظ على قواعده ونظامه المتوارث المبني على عناصر وقواعد شكلية ومضمونية، عُرف العرب به (الشعر) تاريخاً ثقافياً وأدبياً ، كما لم تُعرف به أمة أخرى .

إنّ اهتمامه الأساس ونظريته في نظم الشعر وكما نقرأ له هو الحفاظ على موسيقاه عبر الحرص على الوزن ، وأهمية ذلك باعتباره موروثاً شعرياً ظلّ ثابتاً راسخاً عبر القرون ورغم كلّ التيارات والنظريات والمواقف والمحاولات التجديدية الحداثية والمؤثرات الغربية المستوردة :
" تظلّ موسيقى الشِّعر خاصيّة مهمّة من خصائص الشِّعر، (العربيّ منه خاصّة)، وأدوات تعبيره؛ من حيث إن اللغة نفسها، جوهريًّا: موسيقى. ولا معنى للتخلّي عنها، إذن، في الشِّعر."

هامش:
كنتُ قد رغبْتُ ففكرْتُ فخطَّطْتُ، ثم شمّرْتُ عن ساعدِ القرار للبدءِ بالكتابة في قصيدة الشاعر والناقد الكبير الدكتور عبد الله الفيفي (طائر الشعر) والتي مطلعها:
يا طائرَ الشِّعرِ، قُلْ لِيْ: كيفَ أَرْثِــــيْـــهِ؟
......... هذا الذي طَــيْرُ شِــــــــعْـــرِيْ مِنْ مَعانِيْهِ!
مُحَلِّقًا في سَمـاءِ الحـَرْفِ مُنْطَلِقًـــــــــا
.......  في مـا وَراءَ اندهاشاتـــــيْ وتَشْبِيْهِـــــــيْ
أَرَى الكَلامَ كَلِيْلاً في مَـدَى شَفَـــــتِيْ
........  مِنْ أَوَّلِ البَثِّ حتَّى شُــــقْرَةِ  التِّـيْـــــــــــهِ
أُعِــيْـذُ فِيْــكَ بَـيَـــــانِـيْ مِنْ تَلَعْـــثُمــِهِ
    .......   وقَــدْ  يَــهـــــلُّ بَـيــــانٌ  فــي  تَـــأبِّـــيـْــهِ!

 وشرعْتُ ، فكانَ ما عزمْتُ عليه هي مقدمة قصيرة كمدخل الى قراءتي في القصيدة. ولكنّني لما استرسلتُ في عرضي لرؤيته الشعرية وجدت نفسي أنطلق معه على سفينة الكلام ماخراً عباب أقواله وطروحاته وآرائه ومواقفه ، وكأننا جالسان معاً متقابلين على مائدة الأفكار نتكلم ونتناقش. فكنتُ على جناح طائر خيالي هذا محلِّقاً كأنني ميخائيل نعيمة حين قال: "وهل التأليف غيرُ مكالمة الناس ؟ " وهو يشير الى ما عُرف وسُئلَ عنه، وهو اعتزاله في صومعته على سفح جبل صنّين بين سكون الكهوف والصخور والأشجار والوادي ، حيث مزرعتهم (الشخروب) ، وهو يقرأ ويكتب ويتأملُ ، مثلما أنا في صومعتي ، ولكنْ بين الأمطار والثلوج والغابات والقطط والكلاب ، لا على سفح جبل . فكانت هذه السياحة معه، د. عبد الله الفيفي، في نظرته الى القصيدة، وفي موقفه الصارم الحادّ من قصيدة النثر، لتتمخّضَ عن قراءة مسهبة، رأيْتُ أنْ أبسطَها وحدها على مائدته وموائد القراء الأعزاء والباحثين الأجلاء ، عساني أرضيتُ، وكنتُ قد رضيتُ .

قصيدة الدكتور الفيفي المشار إليها (طائر الشعر) أثارت اهتمام العديد من الأدباء ومنهم الشاعر والناقد القدير الاستاذ سلام كاظم فرج،  فكتب عنها باعجاب واكبار، واندهاش وانبهار، بحيث وضع شاعرها في مقام زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني والحارث بن حلزة اليشكري. كما كتب الشاعر الكبير يحيى السماوي عنها وعن شاعرها .
 
لقد رأيتُ في القصيدة، على حدِّ قراءتي ونظري ورؤيتي، تطبيقاً عملياً منهجياً لنظرية الدكتور الفيفي في القصيدة، بأسلوبٍ يناظر الأساليب الشعرية القديمة في عصورها الزاهرة. فهي مفعمةٌ موسيقىً وجزالةً وفخامةً، وسبكاً متيناً، ولغةً وبلاغة راقية،. فظهر فيها المحافظ على عناصرها وقواعدها وشروطها مثلما ورثناها عن القدماء. وجدته العابدَ الواقف في محرابها، الساجدَ أمام أيقونتها متبتلاً عن ايمان وتقديس. وكأنّه، حتى في اختياره لعنوان القصيدة، يقولُ لكُـتّاب قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة:
- خذوا ! هذه قصيدة، وهذا شعر، وإلا فلا !.
 
كما وجدتُ فيها انعكاساً لعناصر عمود الشعر كما أوردها البلاغيون القدماء ، والتي ذكرناها ، لتكون القصيدة (طائر الشعر) عمودية (تناظرية) بامتياز . وهنا يحقُّ لنا أن نقولَ:
إذا كانت هناك قصيدة عمودية (تناظرية) ، إذن هناك قصيدة غير تناظرية. وهذا ما نستشفّه من مضمون قول الدكتور نفسه، بمعنى أنّ في فنّ الشعر ألواناً من القصائد ، وإلا لما احتجنا الى توصيفٍ مُحدِّدٍ للقصيدة طالما أنّ هناك (قصيدة) واحدة بشكلها وتعريفها ، وهي الشعر فقط، بحسب معنى كلمة (قصد) كما اشار اليه د. الفيفي ، وغيرها ليست كذلك .

وطالما أنّ (قصيدة) تعني نصّـاً شعرياً ، فلماذا إذن لا يرى الدكتور بأساً في اطلاق اسم (قصيدة النثر) على النصوص التي يعترض على تسميتها شعراً وكتابها شعراء رافضاً ذلك رفضاً بائناً ؟

قصيدة الدكتور طويلة تتألف من اثنين وتسعين بيتاً . وقد تكون لي عودة للنظر والكتابة فيها .


الخميس 5 يناير 2012  


62
من الذاكرة 2
 العدوان الثلاثي
عبد الستار نورعلي


مدارس كلية بغداد (Baghdad College)

الحديث عن مدارس كلية بغداد الأمريكية في العراق منذ تأسيسها هو مرور على بدايات التحرك والعمل الأمريكي في التسلل الى العراق من خلال التعليم والثقافة ببناء شخصية النشء والتأثير فيها وفي بنيتها الفكرية المستقبلية وصوغها بالاتجاه الرابط بالثقافة الأمريكية . لأنّ التعليم والثقافة عموماً هما العنصران الأهم والأكثر تأثيراً في المجتمعات وخلق توجهاتها وقناعاتها ومواقفها العامة والخاصة ، بفعل تغلغلهما داخل البنية العقلية الفكرية والروحية النفسية للفرد والمجتمع وتشكيلها وفق مناهج معدة ومخططة . ثم ربط هذه البنية لاشعورياً بالمحرّك الخفي المجهول أو الظاهر المعلوم لتحقيق هدف مرسوم سلباً كان أم ايجاباً ولمصلحة المخططين باتجاه توسيع دائرة نفوذ ايديولوجية فكرية أو سياسية أو روحية بخلق علاقة جذرية عميقة بين الباني والمبني . أو لتخريب بنية نفسية اجتماعية وثقافية في الطريق الى الهدف عند الحاجة الى تدمير ما يمكن أنْ يكون حصانة في وجه استراتيجية مُعدّة في الضد من مصلحة المجتمع المعنيّ بالتغلغل والسيطرة . فللأمر والحالة هذه وجهان سلبي أو ايجابي بحسب المخططين وأهدافهم أو كلاهما معاً . وليس أكثر قدرةً على ادراك المُخطَّط ووعي مكامنه من الذي عاش عن قرب داخل وعاء من هذه الأوعية المطبوخة على نار هادئةٍ خفية لكنها مرئية للناظر الحاذق والواعي الفطن الذي يرى ما خلف الستار من طبخ متسلحاً بخلفية تربوية اجتماعية عريقة وثقافية فكرية متينة مما يُحصّنه من الانزلاق والوقوع في المطبوخ ، بل ربما العكس في مراقبة ما يجري والحذر والنظر الدقيق والاستفادة الواعية من الايجابيات ، وعدم الانجرار الى السلبيات بل تشخيصها زاداً ينفعه ويثريه حياةً وفكراً ونظراً بعيداً .
*  *  *  *  *  *  *
   
في العام الدراسي 1956/1957 كنتُ طالباً في الصف الثاني من مرحلة الدراسة المتوسطة بـ(كلية بغداد Baghdad College) وهو الاسم الرسمي للمدارس الأهلية التابعة للكنيسة اليسوعية الأمريكية . ثم تأسستْ في أوائل الستينات من القرن العشرين (جامعة الحكمة) التابعة ايضاً الى مؤسسة كلية بغداد وقد بنيت في منطقة الزعفرانية ببغداد . أُمِّمتْ كلية بغداد وجامعة الحكمة مع غيرهما من المدارس الأهلية سنة 1974 . كانت إدارتها وغالبية مدرسيها من الآباء اليسوعيين الأمريكان .

لم يكنْ القبول فيها مُعبَّداً سهلاً ، إذ لا يُقبلُ إلا الطلاب المتفوقون في الامتحان الوزاري للصفوف السادسة الابتدائية . وكان يُجرى لهم في المدرسة امتحان باللغة الانجليزية تحريرياً وشفهياً ، وعلى الطالب أنْ يجتازه بتفوق ايضاً ، حيث كانت الاعداد المطلوبة محددة والمتقدمون كثرٌ ، لذا يُقبل الطلاب بحسب درجاتهم التي حصلوا عليها من أعلى فما دون . حصلتُ في الامتحان الوزاري للدراسة الابتدائية على 95% في مادة اللغة الانجليزية ، بلا مبالغة أو نفخ في الذات . كان معلمنا في مدرسة الفيلية الابتدائية الأهلية في بغداد/باب الشيخ هو المرحوم الاستاذ أبو داوود (سلمان رستم) ، الذي امتاز بالعلم والمهنية العالية تعليماً ، وبالشدة مع الرفق تعاملاً معنا ، وبحرصٍ وتفانٍ واخلاص في اداء واجبه التربوي والتعليمي . لا يتهاون في ضعف أو اهمال أو تلكؤ  في اداء واجب مدرسي ، يُقدّم هدية للمتفوّق ومن جيبه الخاص امام طلاب المدرسة في احتفالية رفع العلم التي كانت تقام صباح كل خميس في كل المدارس مع قراءة نشيد:
مليكَنا مليكَنا   
نفديكَ بالأرواحِ
عشْ سالماً   
عشْ غانماً
بوجهكَ الوضّاحِ

وأذكر أن هديته التي قدمها لي مرة لحصولي على أعلى درجة في الانجليزية هي برتقالة ، وكم كانتْ كبيرةً عندي ، طرتُ بها فرحاً محلّقاً متباهياً ولم آكلها إلا في البيت ليفرح أهلي معي فيفتخروا . لكنّني لم أصبحْ منتفخَ الأوداج نافشاً ريشي .

صباح خميسٍ من الأخمساء هذه أُختاروني كي ألقي قصيدة أمام الجمع ومن شرفة الطابق الثاني المطلة على صحن المدرسة ، فألقيت قصيدة ميخائيل نعيمة (أخي) بصوتٍ جهوريّ عالٍ كي يسمع الجميع . كانت القصيدة ضمن محفوظاتنا في منهج اللغة العربية :
أخي ! إنْ ضجّ بعد الحرب غربيٌّ بأعمالهْ
وقدّس ذكر من ماتوا وعظّم بطشَ أبطالهْ
فلا تهزجْ لمَنْ سادوا ولا تشمتْ بمنْ دانا
بل أركعْ صامتاً مثلي بقلبٍ خاشعٍ دام ٍ
لنبكي حظَّ موتانا

أخي إنْ عادَ بعدَ الحربِ جنديٌّ لأوطانهْ
وألقى جسمَهُ المنهوكَ في أحضان خلانهْ
فلا تطلبْ إذا ما عُدْتَ للأوطان خلانا
لأنَّ الجوعَ لم يتركْ لنا صحباً نناجيهمْ
سوى أشباح موتانا

كان تدريس اللغة الانجليزية في مدرسة الفيلية هذه يبدأ من الصف الثالث الابتدائي بعكس المدارس الرسمية التي كان تدريسها يبدأ من الخامس . ولا يغيبُ عن بالي أنّ أقلّ درجة حصل عليها تلميذ من تلاميذ أبي داوود في الامتحان الوزاري للدراسة الابتدائية للعام 1954/55  في دورتنا هي  65% . فلنتخيّلْ حجم الجهد الذي كان الرجلُ يبذله ، والبراعة التعليمية التي يمتلكها ونجاح أسلوبه في تقديم المادة حتى تترسّخ في أذهان تلاميذه . كنا نحبه حبّاً جماً ونحترمه أحتراماً فائقاً إذ كان لطيفاً مرحاً عطوفاً رغم شدّته وحزمه وعقوباته التي كنا نخشاها بعصاه الأبنوسية السوداء النحيفة التي قيل أنها جُلبتْ له من الهند، كنا نخافها أشدَّ الخوفِ وهي في كفّه ترتفع وتهبط وتذهب يميناً وتعودُ يساراً . كان يستخدمها في الاساس للاشارة على السبورة ، وعند الحاجة تهبطُ  بقوةٍ على كفيّ مسكينٍ مسيء أو مشاغب أثناء الدرس مع مقولته اللازمة الشهيرة " بَـلَهْ على راسك "، و بله أي بلاء . وظلّت هذه العصا معه تخترقُ السنين ، إذ رأيتها حين أصبحتُ مديراً لثانوية الفيلية الأهلية المسائية في بداية السبعينات من القرن المنصرم حيث كان مديراً للمدرسة الابتدائية ، والمدرستان تداومان معاً في بناية واحدة هي دار واسعة بطابقين وبغرف كثيرة ، ملحق بها بناية أخرى بطابقين وساحة أمامهما ، والبنايتان متصلتان بممر داخلي فيه حانوت المدرسة . وتقع الدار في باب الشيخ في الزقاق المقابل للحضرة الكَيلانية مرقد المتصوف الكبير الشيخ عبد القادر الكّيلاني (الجيلاني كما تلفظ وتكتب بالعربية عند البعض) في الرصيف المقابل للحضرة من شارع الكفاح ( شارع الملك غازي في العهد الملكي ) .

كانت هذه الدار من بيوت رئيس الوزراء الأول في العراق بعد الاحتلال البريطاني المرحوم عبد الرحمن النقيب وكانت داراً للضيافة . اشتراها احد كبار تجار الكرد الفيليين المرحوم (نوخاس مراد ) وتبرع بها للمدارس الفيلية التي تأسّستْ عام 1946 على يد سبعة من وجهاء الفيلية . والدار أثر تاريخي مهم ، فغرفة الادارة الواقعة في الطابق الثاني والتي يوصل بينها وبين مدخل الباب الرئيس للبناية سُلّم خاص ضيّق بعيداً عن صحن الدار ، كانت الغرفة صالةً للاستقبال حيث استقبل فيها عبدُ الرحمن النقيب المرحومَ الملك فيصل الأول عند وصوله الى بغداد . لذا كنتُ أحسُّ احساساً غريباً فيه شيء من النشوة وأنا أجلس فيها عند مكتبي الاداري ، كأنني جالس مع المرحومين الملك والنقيب . أشمّ رائحة الماضي وأنفاس الشخصيات تفوح منها فأتخيلهما وغيرهما من رجالات العراق في ذلك الزمن جالسين فأسمع ما دار من أحاديث بينهم تتردّد في أذنيَّ . إحساس غريب كان ينتابني ولذة خاصة لا توصف تجتاحني كلما جلست في هذا الأثر التاريخي . حينها كان يرد على خاطري رواية هربرت جورج ويلز العلمية (آلة الزمن) فأتمنى عندها أن تكون الآلة المتخيلة هذه حقيقةً لأمتطيها فأعود الى الوراء في الزمن لأشاهد تلك اللحظات مباشرة وعلى الهواء ! لقد بقيت الغرفة بشكلها وشبابيكها وشناشيلها وأبوابها وحيطانها المُغلَّفة بالخشب وديكوراتها مثلما كانت في الأصل لتعبق برائحة التاريخ السحرية .

تقع (كلية بغداد) في منطقة الصليخ على أرض خضراء واسعة . تتكون من عدة بنايات منفصلة عن بعضها بساحات للعب كرة القدة وكرة السلة وكرة الطائرة ولعبة البيسبول الأمريكية الشهيرة ، وكنيسة خلف ساحة كرة القدم . البناية الرئيسة في المقدمة مواجهة للمدخل الأمامي ذي البوابة الكبيرة وبعدة طوابق تشمل الادارة في الطابق الأول وبعض الصفوف في الثاني . أمامها ساحة مغطاة بالحصى . البناية مرتفعة عن الأرض بعدة درجات . كانت الصفوف الأولى خلفها بخط واحد متوازٍ . وهناك بناية خاصة بطابقين فيها الصفوف الرابعة والخامسة الاعدادية والمختبرات التي كانت قاعات كبيرة مُدَرّجة نتلقى فيها الدروس العلمية من كيمياء وفيزياء وأحياء . وكان الحانوت منفصلاً أيضاً في بناية خاصة تقع في الزاوية الخلفية للمدرسة بجوار ساحة البيسبول . وخلف المدرسة مباشرة تقع سدة ناظم باشا التي بناها الوالي العثماني ناظم باشا في القرن التاسع عشر حول بغداد درءً لها عن الفيضان ، ووراءها الصرائف وهي البيوت الطينية التي بناها الفلاحون النازحون من الريف العراقي الجنوبي بحثاً عن عمل وهرباً من ظلم الاقطاعيين ، فعانوا الأمرّين في مقامهم الجديد من فقر ومرض وإهمال متعمد وتمييز اجتماعي واقتصادي .

كان والدي يرغب في تسجيلي في ثانوية الجعفرية الأهلية القريبة من بيتنا كغيري من أبناء المحلة والأقارب ، لكنّ الذي أقنعه وأخذني بيده ليسجّلني في كلية بغداد هو ابن عمه المرحوم المحامي عبد الهادي محمد باقر أول كردي فيلي يتخرّج من كلية الحقوق في بغداد في الثلاثينات من القرن المنصرم ويخدم في الجيش العراقي ضابط احتياط . لكنه آثر العمل الحرّ فاشتغل وكيلاً للإخراج في كمارك بغداد ليصبح أحد أكبر وكلاء الاخراج وأبرز الشخصيات الاجتماعية العامة والغنية بين الكرد والعرب ببغداد .

كان الذهاب والإياب الى المدرسة بواسطة باصات خاصة تابعة لها صفراء اللون عليها اسم المدرسة وبأجرة مضافة على الرسوم الدراسية . نحن الطلاب من سكنة باب الشيخ والسنك والمناطق المحيطة كان موقف الباص المدرسي الناقل لنا والعائد بنا عند ساحة السنك المواجهة لبناية الكمارك القديمة المطلة على نهر دجلة في شارع الرشيد والتي بجوارها كان يقع فندق السندباد ، وهو الفندق الذي نزل فيه المرحوم الملا مصطفى البارزاني عند عودته الى العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 ، وقد شاركتُ حينها مع جمع من الكرد من منطقتنا في الترحيب بقدومه حيث ألقى فينا كلمة ومن شرفة الفندق في الطابق الثاني المطلة على حديقته على ضفة نهر دجلة . والى جوار الفندق هذا بمسافة قليلة باتجاه الباب الشرقي فندق آخر هو (فندق تايكرس بالاس Tigris Palace Hotell) حيث كانت تنزل فيه الروائية الانجليزية المعروفة (أجاثا كريستي) أكبر كاتبة لروايات الجريمة الغامضة في العالم وقتئذٍ ، إذ كانت تقوم بزيارات دورية لبغداد مع زوجها عالم الآثار في الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن العشرين . وقد كتبت رواية بوليسية صدرت في لندن عام 1951 بعنوان (They came to Baghdad ) من وحي اقامتها في بغداد وفي هذا الفندق بالذات عن جريمة غامضة تقع فيه ، طبعاً من وحي خيال قصصي لا عن واقع حقيقي . كنتُ أعشق رواياتها فألتهمها التهاماً وبلغتها الانجليزية . اعتدنا أنْ نشتري الكتب الأجنبية من مكتبة مكنزي في رأس القرية بشارع الرشيد وهي المكتبة التي كانت تبيع الكتب والمجلات باللغات الغربية .

كانت المواد الدراسية في كلية بغداد باللغتين العربية والانجليزية . بالعربية نفس المنهج الرسمي بمواده في المدارس العراقية ، وبالانجليزية تُدرس المواد العلمية (الكيمياء والفيزياء وعلم الأحياء والرياضيات) الى جانب العربية . يقوم بتدريس المواد العربية مدرسون عراقيون والمواد الانجليزية الآباء اليسوعيون الأمريكيون . أما مادة اللغة الانجليزية فكان يدرسنا أحد الآباء اليسوعيين .

كان كتاب المطالعةِ في منهج مادة اللغة الانجليزية ضخماً اسمه (Prose and poetry) بغلاف سميك أخضر . وهو مرجع قيّم في الأدب الأمريكي والانجليزي نثراً وشعراً ، قيل أنه من ضمن المنهج الدراسي الأمريكي نفسه ولنفس المراحل الدراسية .  فيه نصوص أدبية رفيعة المستوى قصة وشعراً ، إضافة الى نبذة عن حياة كتابها . احتفظتُ بالكتاب مرجعاً لي حتى هجرتي من العراق في 27 ديسمبر 1991 حيث بعتُ مكتبتي لتأمين تكاليف هجرتي وعائلتي . بعتها بثمن بخس دنانير معدودة . حتى أنّ المشتري الشاب أبدى استغرابه وحزنه وأسفه على بيعي إياها عندما رآها بكتبها الثمينة ، فظلّ متردداً طالباً مني أنْ أفكّر جيداً ، ولم يكن تردده للمساومة فقد قرأتُ الصدق في عينيه . ذكرتُ له حذراً وخوفاً أني أريد بناء بيت لذا أقدمت على هذه الخطوة لحاجتي الى المال . لكنني لمحت في عينيه الشكّ وعدم التصديق . كان من أهل النجف الهاربين الى بغداد بعد انتفاضة آذار 1991 عقب انسحاب الجيش العراقي من الكويت ليشتغل بائعاً للكتب على أرصفة شارع المتنبي .
اتصلت به عن طريق بحثي عن مشترٍ فلم أحظَ بسواه إذ كان سوق الكتب كاسداً كغيره من الأسواق وبسبب الأحداث الكارثية بعد حرب الكويت . والحقَّ أقول أنه فرح بها وخاصة بالمجموعة الشعرية الكاملة للشاعر سعدي يوسف لأنها كانت مفقودة في الأسواق وممنوعة ، اضافة الى ديوان الجواهري بأجزائه الكاملة بطبعة بيروت الأصلية (طبعة سعيد عقل) وبالطبعة العراقية الأولى والأصلية ايضاً في أوائل الستينات من القرن المنصرم بأجزائها الثلاثة وبشروح د. محمد مهدي المخزومي ود. علي جواد الطاهر ود. ابراهيم السامرائي ورشيد بكتاش محامي الجواهري الخاص على ما أذكر . أما ديوان مظفر النواب (للريل وحمد) الممنوع أيضاً وقتئذ فقد اعتذرت عن بيعه مع المكتبة لأنني وعدت قريبي المناضل المرحوم أحمد علي اكبر باهدائه له . كان بعض تلامذتي في الاعدادية و بعض الذين تخرّجوا يستعيرون كتباً من مكتبتي للقراءة أو كمصادر لبحوثهم الجامعية أو دراساتهم العليا ، وكذلك بعض الأصدقاء . وكم من كتاب قيّم ومرجع مهم ذهبَ ولم يعدْ ! وعلى كلّ حال ألف عافية على من لم يُعدْ كتاباً ، فهو مُحلَّلٌ وموهوب ! فقد رحلت الكتب كلها عن طيب قسرٍ وقسوةِ زمانٍ وجور حاكم . اجتاحتني غصة خانقة والكتبُ ترحلُ بسيارة بيكآب مُكوَّمة بعضها على بعض بعد أن كانت مرتبة منظمة مُقسَّمة بحسب المواد على رفوف مكتبتي الخشبية الكبيرة !

كنتُ معتزاً بكتاب (Prose and poetry) أيَّما اعتزاز لأنه جزء من تاريخي الشخصي والثقافي والفكري . من ضمن النصوص الشعرية التي احتواها الكتاب قصيدة للشاعر الانجليزي المعروف رديارد كبلنك (Rudyard Kipling ) المولود في بومباي 1865 ، وكان يُعدّ شاعر الاستعمار البريطاني لموقفه المعادي لنضال الشعب الهندي وتوقه الى الاستقلال والحرية إذ كان والده ضابطاً في الجيش البريطاني في الهند ويتجسد ذلك في قصيدته الشهيرة (The Ballad of East and West ) المعنية بكلامنا هنا  والتي يقول في مطلعها الذي ظلّ منحوتاً في ذاكرتي :
Oh, East is east, and West is west, and never the twain shall meet,
Till Earth and Sky stand presently at Gods great judgment seat,

أوه ، الشرق شرقٌ ، والغربُ غربٌ ، ولنْ يلتقيَ الاثنان أبداً،
حتى تقفَ الأرضُ والسماءُ قريباً أمام عرش قضاء الله العظيم ،

وقد ناقشتُ فيها الاستاذ إذ قلتُ ما معناه:
ـ لو كان كلامه صحيحاً لما بُنيت هذه المدرسة ولما كنتَ تقفُ أمامنا ، فها أنت الغربي ونحن الشرقيين نلتقي .
فابتسم وربت على كتفي .

من ضمن المنهج الدراسي مادة الدين ، وكانت دراستها تقتصر على الطلاب المسيحيين الذين كانوا كثرةً ملحوظة . حصتها يومياً في الساعة العاشرة قبل الظهر وتستمر عشرين دقيقة وتجري داخل الكنيسة . كنا نحن المسلمين نبقى طلقاء أثناءها نسرح ونمرح ونلعب في ساحات المدرسة الخضراء الواسعة . وللحقيقة الموضوعية والتاريخية أسجّل هنا أنه لم يحاول أحدٌ من طاقم المدرسة الادارية أو التعليمية أنْ يفرض أو يعرض علينا شيئاً فكرياً أو دينياً أو يعمل على تبشيرنا لا تصريحاً ولا تلميحاً .

في يومٍ من ايام تلك السنة الدراسية زار المدرسة المرحوم الملك فيصل الثاني وبرفقته خاله الأمير عبد الاله ونوري السعيد ووزير المعارف خليل كنه والدكتور فاضل الجمالي وحشد من الضباط والوزراء والمسؤولين . فأوقفونا صفوفاً متوازية بحسب المراحل الدراسية في ساحة كرة القدم ليمرّ بنا الملك بعد زيارته الكنيسة أولاً . فسار أمامنا وكأنه يتفقد فوجاً عسكرياً رافعاً يده بالتحية وسط تصفيقنا الحارّ . ثم توقّف فجأة مخترقاً الصفوف ليقف أمام تلميذ كان في الخطّ الذي أمامي تماماً وهو من مرحلة الصفوف الأولى ، فتكلّم معه بصوت خفيض وهو يبتسم رابتاً على كتفه . لم أسمع من كلامهما شيئاً . أحسستُ ساعتها بفرح وزهو ، فها هو الملك الشاب بلحمه وشحمه أمامي على بعد أقل من متر ! يا لها من لحظة تاريخية !
لم أكنْ أعرف الطالبَ سوى أنه في الصف الأول . لكنني سمعتُ بعد ذلك أنه من عائلة ارستقراطية متنفذة . منْ هي ؟ لم أسألْ ، ولم أدرِ ! ولا أدري لحد اليوم !
كان الملك أمامي على مسافة خطوة وهو في ريعان شبابه بوجهه الوضّاحِ ومحياه المشرق وعلى شفتيه ابتسامة عريضة لا تزال تبرق في عينيّ الى اليوم ، مرتدياً الزيّ العسكري وتحت إبطهِ عصاه العسكرية . وكان الأمير عبد الإله أيضاً يرتدي زيّاً عسكرياً . تذكرت يوم تتويجه عام 1952 وهو يمرّ بعربته المُذهّبة التي تجرها الخيول وخلفه موكب من العربات المزينة بالزهور الملونه وبأشكال مختلفة وفي كرنفال حلو بهيج في شارع الرشيد ، حيث كنتُ واقفاً على سياج السطح الخلفي لخان والدي (خان الطباطبائي) الواقع في مقدمة سوق الصفافير والمطلّ بسياجه الخلفي على الشارع أشاهد موكب التتويج المبهر الساحر والجماهير المحتفلة المحتشدة على رصيفي الشارع وهم يهزجون ويحيون الملك .
 
يوم العدوان الثلاثي على مصر 29 اكتوبر 1956

في صباح ذلك اليوم من عام 1956 ونحن في المدرسة سمعنا بخبر العدوان وغزو فرنسا وبريطانيا واسرائيل لمصر ، فانطلقنا مجموعة في مظاهرة قدناها أنا وصديقي العزيز الدكتور نبيل يعقوب النواب ، أطال الله عمره ، ولحق بنا عدد ضئيل من الطلاب ، فقد كان طلاب المدرسة من أبناء علية القوم من وزراء ومسؤولين وسياسيين وتجار واقطاعيين وميسورين وسفراء عرب ، منهم الطالب (غازي البركاتي) ابن السفير السعودي إذا لم تخني الذاكرة ، إذ كانت سيارة السفارة السعودية تأتي به الى المدرسة صباحاً وتعود به مساءً ، وكان الضلع الثالث من مثلث الأصدقاء وضلعاه الآخران أنا ونبيل النواب . كان صديقاً صدوقاً يمتاز بالطيبة والهدوء والصدق والثقة والكرم ، فتوطدت صداقتنا حتى تخرجنا من المدرسة المتوسطة ، إذ انتقلتُ أنا الى ثانوية الجعفرية النهارية/الفرع الأدبي الواقعة في منطقة السنك قرب ساحة حافظ القاضي خلف دائرة الكهرباء التي كانت تسمى بـ(العبخانة) ، لأنّ مدرسة كلية بغداد لم يكن فيها فرع أدبي بل علمي فقط . وبعدها لا أدري أين حلّ الدهر بغازي البركاتي! واستمرت علاقتنا أنا والدكتور نبيل النواب حتى هجرتي من العراق . مع فترة سنوات حيث درس خارج العراق في بريطانيا وامريكا حتى حصوله على الدكتوراه وعودته الى العراق ليعمل في وزارة التخطيط فتعود علاقتنا حتى هجرتي .

ومن بين زملائنا في تلك المرحلة ابراهيم ابن السياسي العراقي البارز حينها وأحد رؤساء الوزارات في العهد الملكي كما تقلّد وزارة الخارجية وهو المرحوم الدكتور فاضل الجمالي . كان أطول منا أشقر وسيماً  إذ كانت أمه أمريكية . ذهب الى أمريكا بعد اكماله الدراسة الاعدادية ليواصل تعليمه فلم نسمع به بعد ذلك . كنا نتناقش في الأمور السياسة أحياناً ، هو يهاجم عبد الناصر والاتحاد السوفييتي وأنا ونبيل ندافع عنهما ونهاجم الغرب ، ومع ذلك لم  يجد الزعل فرصةً كي يتسلل الى نفوسنا ، ولا سمحنا للغضب ولا القطيعة أنْ يفرّقا بيننا ، فبقيت علاقتنا وشيجة حميمة ومحبتنا غامرةً إلى يوم فراقنا وما انفكّت حلاوتها في قلوبنا لحد اليوم . 

تقدّمنا لنقف امام بناية الادارة نهتف بسقوط اسرائيل وبريطانيا وفرنسا وبحياة مصر وعبد الناصر . خرج علينا مدير المدرسة الأب سوليفان بوجهه الأحمر وملامحه الدقيقة ونظرته الحادة ، هو الذي لم نرَ يوماً ولو ظلّ ابتسامة على وجهه . كنا نهابه ونحترمه إذ كان شخصية قوية حازمة لكنه في الوقت نفسه يصغي الى الطلاب ومطالبهم وشكاواهم باهتمام وانتباه واحترام . خرج علينا واقفاً في أعلى سُلّم البناية الخارجي أمام بابها بوجهه المتجهم ونظرته الصارمة من عينين زرقاوين خلف نظارته الشفافة ويداه معقودتان على صدره ونحن نهتف في وجهه بشعارات سياسية معادية للعدوان ودوله الثلاثة وكأنه هو الأمريكي المقصود بغضبنا واحتجاجنا واستنكارنا . لم ينبس الرجلُ ببنت شفة ، ظلّ واقفاً منتصبَ القامة يحدّقُ فينا بحدّة حتى هدأنا وتفرقنا .

من اساتذتي في المدرسة تلك استاذ الفيزياء الأمريكي الأب تافت ، الذي كان شاباً في الثلاثينات عندئذٍ وسيماً جداً أشقر فارع الطول حادّ الملامح وبنظارة شفافة ، قيل أنه من أصل روسي . هذا الاستاذ كان صارماً جداً معنا فلم نحبه . لكنّ الحقَّ يُقال: كان عادلاً شديداً في الدرس لا تأخذه في العلم لومة لائم . كان مرشدَ صفنا . في حصة المطالعة الحرة التي كانت احدى الحصص التي يختار فيها الطالب ما يشاء أن يقرأ من مواد دراسية أو ينجز واجبه المدرسي وفي أول ساعة من الدوام الصباحي جاء الأب تافت بخارطة لقناة السويس والدول المحيطة بها الى الفصل اثر العدوان الثلاثي فكانت مفاجأة لنا . علّقها على اللوحة أمامنا وبدأ يتحدث عن اهمية القناة للمنطقة والعالم ، ثم أخذ ينتقد عبد الناصر ويعتبره المسؤول عما حدث . كان مكاني في الفصل في الصفّ الأول عند الشباك . رفعت يدي طالباً الإذن بالكلام فأذن لي . وقفتُ وناقشته ملقياً المسؤولية على اسرائيل وبريطانيا وفرنسا في اشعال الحرب والاعتداء على مصر . فتفاجأ واحمرّ وجهه وتجهمتْ أساريره وطلب مني الجلوس . خشيتُ بعدها من أنْ يشتدّ معي في التعامل ، وربما يرسّبني في درسهِ ، كعادة الطلاب العراقيين في الشكّ بأساتذتهم  واتهامهم حقاً أو باطلاً .

لكنّ الذي حدث كان عكس ما خشيته تماماً ، إذ تغيّرت معاملته معي فصار ودوداً لطيفاً . ولم يرسّبني ولا هم يحزنون . فكما ذكرتُ كان الرجلُ عادلاً مع تلامذته حازماً في درسه ودرجاته شديداً عند الغلط . وقد استفدت كثيراً من بعض ملامح شخصيته وبعض خصاله في التدريس وتعامله مع الطلاب مثالاً لي في حياتي التدريسية ، فكنتُ ليناً دون أنْ أُعصَر وصلباً دون أنْ أُكسَر . ولا أدري إنْ كنتُ نجحتُ فأحبني تلامذتي أم فشلتُ فكرهوني ؟ العلمُ عندهم ! وإنْ كنتُ مطمئناً الى أني أديتُ ما عليّ من واجب بكلّ ما ملكته من محبة لمهنتي وطلابي وما فيَّ منْ طاقةٍ وما أحمله منْ علم وخبرة . فلقد أرضيتُ اللهَ وضميري ومهنتي . والحمد لله على كلّ حال .

كانت عقوبة الاستاذ الأب تافت عند اهمال واجب مدرسي أنْ يكتب المهملُ صفحةً من كتاب المادة المطلوبة أربع أو خمس مرات في البيت ويقدّمها اليه في اليوم التالي . وعقوبة المسيء داخل قاعة الدرس أن يقف على رجل واحدة ويداه الى الأعلى ووجهه باتجاه الحائط في مقدمة القاعة أمام الطلاب .
لم نشهدْ يوماً عقوبةً جسديةً أو نفسيةً أو كلمة قاسيةً من مدرس في (كلية بغداد) .

عبد الستار نورعلي
الثلاثاء 27 سبتمبر 2011 




63
أدب / بيغماليون
« في: 13:49 13/11/2011  »
بيغماليون
عبد الستار نورعلي

كُتبتْ القصيدة في 27/8/1984 ونُشرت في مجلة (الثقافة ) العراقية حينها :

نحتَ التمثالَ
أعطى منْ عيونِ الحبِّ للصخرِ
نداءَ الشوقِ  والقلبِ
وناجى الصمتَ ... قد أحالهُ نبضاً ،
بريقاً منْ رؤى العينينِ
ذاكَ الألقُ النابعُ منْ بين الصدور
دفقةٌ منْ ريحِ أنفاسِ عروقِ النارِ
في محرقةِ الحياةِ
تمتصُّ شهيقَ الحلقِ
يقتاتُ ثمارَ الضوءِ في مناسكِ الشمسِ
تدقُّ البابَ مفتاحَ رياضِ الشوقِ والأحياءِ
إنّي عاشقٌ يحتالُ انْ يُطلقَ سهمَ القلبِ للقلبِ
يشقُّ الشوكَ والصمتَ ويقفو أثرَ الريحِ
يُحيلُ الحجرَ المنحوتَ صوتاً ناغماً
يحملُ لحنَ الروحِ والرؤيا
يزفُّ الريحَ بشرى للتي
ألقتْ سهامَ الوجدِ في فؤادهِ
يدمى بلونِ الوردِ
يُلقي في المجامرِ ذلكَ الجسدَ المُعرّى
منْ نسيمِ اللونِ
يبقى دونَ لونٍ
فوق نبش الجسدِ الصخرِ المدى ،
ينقلُ أوصالَ الضحيةِ
لونُها دمُهُ ، وأسراها موداتُ الطفولةِ
والجذورُ العمقُ في تربِ المُولَّعِ بالصخورِ
النحتِ والابداعِ ،
لا تَسقطْ على قارعةِ المشحونِ باللوعِ
وبالزاويةِ العمياءِ منْ سيلِ شهابِ الميتينْ !

انتفضَّ العصفورُ فوق الصخرِ
بين الشجر الملتفِّ بالأوردةِ الظمأى
وبين النهرِ محمولاً على صفقةِ حبٍّ
دارتِ الأيامُ في أزقةِ الشوقِ
ومالتْ للتي أرّقتِ النحاتَ
أعطتْهُ رداءَ الوجدِ والضياعِ
في أروقةِ الحبِّ وأصداءِ المحبينَ يهيمونَ
على ساحةِ محكومٍ بإعدامِ الحروفِ البيضِ
طالتْ فوق هاماتِ الجبالِ الشُمِّ
أمطرتِ الموداتُ سحاباً قانيَ العينينِ
أشداقَ الرحيلِ العذبِ عبرَ الغابةِ الممتدةِ
منْ أغوارِ ذاكَ العشقِ في عينيهِ ،
صُفَّ الجمعَ  ، ألْقِ فوقه
ملحمةَ الحروفِ واللسانِ !
ناقشْهُ !
فإنْ أبدى المحبةَ ضُمّهُ في جانحيكَ
وأرِّخْ الرغباتِ في أهدابهِ نوراً لذاكَ الفتحِ والمحبةِ الكبرى
فذاك الصخرُ قد أنطقهُ حرقُ الأناملِ
والهواجسِ والمحارقِ
ثم لُفَّ البرقعَ الأسودَ في وجههِ
قد ساحَ وما بين رياحِ النوءِ والرؤيا
أقامَ الحدَّ للأحياءِ
ألقى مرةً شِباكهُ بينَ محيطاتِ البدورِ السابحاتِ
على ضياءِ البحرِ منسوجاً بلونِ الذهبِ المسفوحِ
في مناجمِ الصمتِ
هو المسفوحُ في مذبحِ أصواتِ المراقصِ والعرايا
والسبايا
هو موثوقٌ على أجنحةِ الأوجاعِ والأسفارِ
في طقوسِ هذا الباحثِ المتعوبِ
في أروقةِ الأسفارِ والإنجيلِ
يحلمُ بالزهورِ تُزَفُّ  صبحاً
للنسيمِ الراعشِ الأهدابِ
في مواسمِ الحقولِ
ذاكَ هو الربيعُ الدائمُ الخضرةِ والأزهارِ
يلعقُ خدَّ تمثالِ المحبةِ ، والرؤى
تسبحُ في شرارةِ الأقمارِ
ترقى قممَ الودِّ ولحنَ العشقِ
في مسلةِ المضطجعينَ الهائمينَ
على محيطاتِ المواجعِ والمدامعِ ،
فلْتشُقّوا منْ صخورِ الجبلِ المنتفضِ الأحداقِ شِعباً
منْ مسراتٍ 
ونحتاً منْ رجالٍ عاشقينَ
يذوبُ في أضلعهم صوتُ اشتياقِ العينِ والقلبِ
فذاك الحلمُ المشنوقُ منْ
رفيفِ أهدابِ عيون العشقِ والرؤيا .....

عبد الستار نورعلي
  27/8/1984 

 

64
إخترنا لكم / برومثيوس موجوعاً
« في: 09:27 08/11/2011  »
برومثيوس موجوعاً
عبد الستار نورعلي

(القصيدة كُتبتْ عام 1984 وتُنشرُ لأول مرة إذا لم تخنّي الذاكرة )

مرَّ اللظى
والليلُ أوغلَ نصفُهُ في الشوقِ
والنصفُ أدارَ الخدَّ للرؤيا ووهجِ العينِ
والصمتِ المحرِّقِ صمتُهُ ،

هذا أنا ،
لا الريحُ تلوي سفني
لا الشمسُ تحرقُ منْ شراعي ، إنّني
أبحرُ فوق الصوتِ والرنينْ ،

أرتقي
سلّمَ الدمعِ ، أصولُ
بين هذا الوجعِ النابتِ أسنانَ الرزايا
في زوايا القلبِ ، أشتاقُ اليكِ
أنتِ يامبخرةَ الأشواقِ ، أنتِ
يا صهيلَ ريحِ الليلِ
في زاويةٍ ترقى العيونَ والشفاهَ والرؤيا التي
تنامُ في هواجس الرغبةِ ، تستلُّ أنينَ المحرقهْ ،

يا أيها الطالعُ في العيونِ موروثاً
يشلُّ الحبَّ والرغبةَ والتألقَ النابتَ
في قعر الضلوعْ

أزفُّ في سمائك اللونَ
أذوبُ في حرارةِ الوجدِ
أداري قمري الغارقَ في اللوعةِ
في اللهفةِ
في الحرقةِ
في مواجعِ الروحِ
لأنتِ الروحُ ، يا لغاتِ كلِّ العاشقينْ !

أشترطُ الشوقَ صدىً
في أغنياتِ الطيبينْ
أشترطُ العشقَ رؤىً
في أمنياتِ الخيّرينْ

أسطورةُ الحبِّ ذوتْ في غربةِ الحنينْ ،
الحبُّ سطرٌ منْ محيطِ الهائمينْ
لا يرتوي الظلَّ المدى الغارقُ 
في دوّامةِ السنينْ ،

لمّوا البقايا منْ شرابِ الساهرينْ
كأسٌ تروحُ تذوبُ في الوجدِ
وأنفاسٌ تلي تغرقُ في مواقدِ العيونْ ،
إنّي أنا أسيرُكِ المليونُ في المليونِ يا مرارةَ الحلمِ ،
ويا دهشةَ كلِّ العاشقينْ !
إنّي أنا صوتُ الإلهِ الغارقِ الأبصارَ في بحر النتائجِ
يرتوي خفقَ الضلوعِ رؤى الأحاديثِ التي
تسبحُ في بحرِ الظنونْ ،

"إنّي أنا النايُ الذي لا تنتهي
أنغامُهُ ما دامَ في الأحياءِ" *

أغلِقْ شبابيكَ الهوى
واحملْ صدى الانسانِ
تغريبَ المكانِ
خطى الزمانِ
صخرةً فوق هوى الأحزانِ !
أغلِقْ شبابيكَ الهوى ،
ولْيزحفِ النسرُ الموشّى بالمكارهِ
واقترابِ الموتِ منْ زاويةِ الأكبادِ
والأحداقِ
والأشواقِ
والدنيا الكسيرةِ منْ طِعانِ الماهدينْ ،
أغلِقْ شبابيكَ الهوى !
ليس الهوى إلا اقترابَ القلبِ من وهجِ الصحارى
واقترابَ اللونِ منْ لونِ السهارى
والرسومِ المارقهْ ،

يا أيها الموجُ المُعبّقُ بالعيونِ المارقهْ
أنتَ اللظى والحرفُ والسيفُ الذي
يُكوَى بلونِ الحارقهْ
ضاعتْ سنينُ الوجدِ
واستلّتْ نصالُ النارِ انجيلَ الندامى القادمينْ
عبرَ الليالي والأماني والزوايا
خلفَ أشداقِ طقوس الميتينْ
العشقُ لوحٌ في كتابِ الهائمينَ النائمينْ
ما بينَ أحداقِ التواريخ التي ازدهرتْ
بوجدِ العاشقِ الولهانِ
السارقِ نارَ الشوقِ ، الغارقِ في
ولَـهِ السقاةِ الزاحفينَ على سطورِ اللونِ ،
لا العشقُ يفكُّ الرمزَ ،
لا الشوقُ يقودُ خطى السكارى
صوبَ أقداحِ المحبةِ والرؤى والدفقِ والموجِ الذي
يغرقُ في موجِ عيونِ الراقصينْ ،

راقصةٌ تعرى وتشتاقُ الى الرغبةِ
لكنْ ترتضي قمرَ الرزايا
تقبلُ الرأسَ هو المذبوحُ فوق أكفِّ عشاقِ المنايا
يرتوون الظلَّ والأرزاءَ ، سطحَ الماءِ ، حبَّ النومِ
في أجفانِ آلافِ الحروفِ السُودِ والصُفرِ وأفواهِ الذينَ
يحملون التوقَ صوبَ اللغةِ الخرساءِ والعمياءِ والعرجاءِ
لكنَّ الذي يطغى على كلِّ الردى القادمِ
عبر العينِ والدنيا ، يزفُّ الموتَ عرساً
في طقوسِ الميتينَ
هو التولُّهُ ، احتراقُ الضلعِ في نارِ التوقّعِ
في أتونِ المارقينْ ،

أغلِقْ شبابيكَ الهوى ،
يا أيها الملعونُ باللونِ ،
ويا مطعونُ بالتوقِ ،
ويا مذبوحُ بالرؤيا ،
ويا مستورُ بالأحداقِ ،
صُبَّ الكأسَ شوقاً إثرَ شوقِ
فالنبيذُ العينُ حُمى
في سرابِ الهادرينَ السمرِ والبيضِ
ولا يروونَ أخباراً عن الماضينَ والآتينَ
لا يحكونَ أصداءَ المنايا والرزايا
والمحاصيل التي اخضرّتْ على وجهِ الكريمةِ
والنديمةِ ،
أنتَ مذبوحُ هوى العشاقِ
والمرذولُ في دنيا الموداتِ
شهابُ السحبِ الداكنةِ اللونِ
ضياعُ اللونِ في اللونِ ...

السبت 12/5/1984
 *   *   *   *   *   *   *
هوامش كُتبتْ اليوم
* من قصيدة أبي القاسم الشابيّ "هكذا غنّى برومثيوس" والتي مطلعها:
سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ
كالنسرِ فوقَ القمةِ الشمّاءِ

 * استوحيتُ اسم القصيدة من قصيدة الشاعر الانجليزي شيلي (برومثيوس طليقاً) التي ترجمها الى العربية عام 1946 في كتاب بمقدمة دراسية مهمة عن الشاعر وقصيدته المرحوم الكاتب والمترجم المصري الكبير الدكتور لويس عوض .  وكان الكتاب حينها في أوائل ستينات القرن المنصرم فترة اقتنائي له من أعزّ الكتب الى نفسي ، وقد استعاره مني وأنا على مقاعد الدراسة الجامعية بكلية الآداب/جامعة بغداد /قسم اللغة العربية الصديق حينها الاستاذ نوري البدران ابن البصرة الفيحاء الذي كان طالباً في قسم العلوم السياسية ، وهو أول وزير داخلية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي البغيض 2003 ، ولم يعده لي إذ انقطعت علاقتنا مع تخرجنا ، ولذا أمست من كتبي التي خرجت ولم تعدْ !

* كما أسميتُ قصيدتي المهداة الى الأديب المغربي الفذّ والمفكر الموجوع  عبد الحق طوع المقيم في اسبانيا باسم (برومثيوس حبيساً) ليكون اسماً لمجموعة شعرية في انتظار الطبع وأخيراً والحمد لله !

  عبد الستار نورعلي
  الثلاثاء 8/11/2011


65
أدب / الهجرة
« في: 21:26 27/10/2011  »
الهجرة
عبد الستار نورعلي

(كُتبتْ القصيدة عام 1982  وتُنشرْ اليوم لأول مرة)

لا تسلْ !
كمْ سألْنا الريحَ :
هل بين الفضاءاتِ استوتْ ملحمةُ الهجرِ
فهبّتْ ... زمجرتْ ... غابتْ
على موجِ الفضاءْ ؟

وتوقّفْنا على بابِ المسافاتِ
احتملْنا زمناً شوقَ المسافاتِ
ارتسمْنا فوق أهدابِ الموداتِ
اشتياقِ الشفةِ الظمآى لآلافِ الحكاياتِ
ارتحلْنا بينَ طيّاتِ الهوى ، عُدْنا
توقّفْنا لدى البابِ اقتلعْنا القفلَ
قالوا:
هو شوقُ الريحِ ،
شوقُ القمرِ الغارقِ في بحرِ الحرير ،
وتودّدْنا لذاتِ المعبدِ الأكبرِ والأعلى
وكُهّانِ البواخرْ .

قيلَ :
لونُ الشوقِ ذابْ
بين ألوانِ الوجوهِ السابحهْ
في عيونِ الكاهنِ الراحلِ
في صِفرِ الصحائفْ .

إنها الهجرةُ ،
قالوا : فلْنهاجرْ !

صمتَ الصوتُ على غوثِ المقابرْ
في المدينهْ ،
شاهدَ الأنصارُ عيبَ الأرملهْ
والصبايا ،
والوجوهُ الناحلهْ
ترتدي حتفَ الرزايا والحرابِ القاتلهْ ،

منذُ ألفينِ حداءُ القافلهْ
يعزفُ الهجرةَ في لحنِ الشفاهِ الذابلهْ
والعرايا والخدودِ الناحلهْ
ترتقي الصمتَ ورَجْعَ الصوتِ والقيدَ القتيلْ ،
وقريشٌ
أجّجتْ ضلعَ المواجعْ
وامتطتْ خيلَ الأصيلهْ
وعلى اليمنى السيوفُ المشرعاتْ
في وجوهِ الشيخِ والطفلِ
وأحداقِ الصبايا الحالماتْ

إيهِ يا كبرى القبائلْ !
هذهِ ساعةُ حسمِ الحقدِ في زيفِ المراجلْ
إيهِ يا كبرى القبائلْ !
أوَ  ترضينَ احتلابَ الموتِ في أمنِ المنازلْ ؟
أوَ ترضينَ اقتلاعَ النجمِ منْ جبهةِ أزهارِ الجداولْ ؟
أوَ ترضينَ تكونين احترافاً للمَقاتلْ ؟

آهِ ، يا حشدَ المواجعْ !
فلقد قالتْ قريشٌ :
انتضوا جرحَ المَهاجرْ !
فاحتمى صوتُ المدينهْ
بالسكينهْ
هو يومُ الهجرِ  والنحرِ
فصبّوا حلمَكمْ بين الرمالْ !
واقتفوا آثارَ أصداءِ الرمالْ !
واحملوها عهدَ آلافِ الرجالْ
فوق أكتافِ القبيلهْ
فلقد مزّقتِ العهدَ  القبيلهْ
قتلتْ ابنَ القبيلهْ
ورمتْهُ للكلابْ
رفضتْ حتى الكلابْ
أنْ تباهيْ بالجريمهْ !

عبد الستار نورعلي
 آذار  1982   

66
قصائد قصيرة لتوماس ترانسترومر*
عبد الستار نورعلي



* واجهات


             - ا-

عند نهاية الطريق أرى السُلطة
وهي تشبه بصلة
تغطيها وجوه
تنطلق واحداً... واحداً ....

           - اا-

المسارح خالية . إنه منتصف الليل .
الحروف تتطاير فوق الواجهات .
الرسائل الملغزة غير المجابة
تغرق وسط اللمعان البارد .


* مُـنحدَرُ النسر


خلف زجاج البيت الزجاجي
الزواحف
ساكنة بشكل غير مألوف .
امرأة تنشر غسيلها
في الصمت .
الموت خامد .

في عمق الأرض
تبرق روحي
صامتة مثل مُذنَّب .


* نوفمبر

 
حين يشعر السيد بالضجر يغدو خطيراً.
السماء المحترقة تتدحرج .
تـُسمَع الدقات قبواً بعد قبو .
والغرفة تشعّ الى الأعلى من داخل الروح .
بعض الأحجار تضيء مثل البدور .


* نزول الثلج


المدافن تقترب
أكثف فأكثف
مثل ملصقات الجدران
حينما يقترب المرء من مدينة
آلاف البشر ترتعش أجفانهم
في بلاد الأشباح الطويلة .

جسر يبني نفسه
ببطء
مستقيماً في الفضاء .


* تواقيع



يجب أن أخطو
من فوق العتبة السوداء .
صالة .
الوثيقة البيضاء تضيء
لها ظلال كثيرة تتحرك .
يريد الجميع أن يوقعوا تحتها .
الى أن بلغني الضوء في الأعلى
وطوى الزمن .



* القصائد من مجموعة (اللغز الكبير Den stora gåtan ) الصادرة عام 2004
* أعدتُ نشر القصائد بناءً على رغبة عدد من الأخوة المبدعين الأحبّاء


اختيار وترجمة: عبد الستار نورعلي.
الجمعة 4 آب 2006


67
قصائد لتوماس ترانسترومر
عبد الستار نورعلي

ليس لأحد الحقّ أنْ يدّعي بأنه أول من يترجم للشاعر السويدي الكبير توماس ترانسترومر ويقدمه للقراء العرب الآن وهو لأول مرة يسارع ليترجم له بعد نيله جائزة نوبل في الأدب هذا العام 2011 دون أنْ يكون قد استقصى وتابع وتأكّد ، فالموضوعية والعلمية واحترام الذات تقتضي المنهجية في البحث والقول والاستناد الى التوثيق . وفي المقدمة هذه أستعرض ما ينفي هذا الادعاء .     

القصائد اللاحقة ترجمتُها عن السويدية ونشرتها في مجلة المدى عدد 27 (1) لسنة 2000 ، والمجلة كانت تصدر حينها من دمشق . القصائد كانت تحت عنوان (شاعر واربع قصائد ، من الأدب السويدي الحديث توماس ترانسترومر ) . وللحقيقة أبين هنا أنه في استوكهولم وفي أمسية شعرية أقامها لي نادي 14 تموز الثقافي العراقي في تلك السنة 2000 التقيت لأول مرة بالشاعر العراقي علي ناصر كنانة مع الشاعر والمترجم والقاص العراقي جاسم الولائي ابن مؤلف الأغاني العراقي القديم الشهير سيف الدين ولائي ، فأخبرني الشاعر كنانة أنه يحضّر رسالة ماجستير في جامعة استوكهولم عن الشاعر ترانسترومر وقد فوجئ بأنني سبقته في الكتابة عنه وعن شعره وترجمته فأثنى على ترجمتي ودقتها وجمالها مبدياً اعجابه بها . ثم أصدر الشاعر علي ناصر كنانة عام 2003 ترجمة عربية للمجموعة الشعرية الكاملة للشاعر ترانسترومر  عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر . كما صدرت ترجمة ثانية للمجموعة بترجمة الاستاذ قاسم حمادي عن دار بدايات عام 2005 وبمراجعة وتقديم الشاعر أدونيس . وأقيمت للشاعر توماس ترانسترومر احتفالية تكريمية في دمشق وبيروت في نفس العام حضرها الشاعر نفسه وزوجته الى جانب ادونيس والمترجم قاسم حمادي . كما قام الشاعران العراقيان المقيمان في السويد ابراهيم عبد الملك وجاسم محمد بالترجمة له ضمن كتابهما المشترك (أنطولوجيا الشعر السويدي ) الصادر عن دار المدى عام 2009 . وللأمانة أقول بإنّي لم أطلعْ على الترجمتين المذكورتين لمجموعته الشعرية الكاملة وانما قرأتُ عنهما ، لكنّني اطلعتْ على الانطولوجيا .

كما كتب القاص العراقي عبد الستار ناصر مقالةً عن توماس ترانسترومر قبل سنوات في صحيفة الزمان مشيراً الى عظمته وحياته وشعره وشلله مثمناً عالياً استمراره على الابداع رغم حالته الصحية متمنياً عليه مواصلة الابداع الشعري ليتحف العالم بروائعه . وهنا أود أن أشير باعجاب واحترام وتقدير وإكبار الى زوجته الرائعة الوفية مونيكا ترانسترومر التي وقفت وتقف حتى اليوم بجانبه مثمنين عالياً دورها الكبير في رعايته واستمراره على الكتابة والابداع ومتابعة نشاطه وأموره الأدبية والحياتية بنفسها .

وهنا وبهذه المناسبة ونزولاً عند طلب عدد من الأخوة المبدعين الأ‘عزاء أعيد نشر هذه القصائد وكما نُشرت في مجلة المدى حينها والمشار اليها أعلاه مع اضافة اسماء القصائد والمجاميع الشعرية بالسويدية أيضاً . وسألحقها بتراجمي الأخرى للشاعر والتي نشرت قبل سنوات .

شاعر وأربع قصائد
من الأدب السويدي الحديث
توماس ترانسترومر

توماس ترانسترومر من أشهر الشعراء السويديين المحدثين المجددين . ولد عام 1931 في العاصمة استوكهولم . درس علم النفس وعمل في هذا التخصص عدة سنوات . انفصل والداه وهو طفل فعاش في كنف أمه التي كانت معلمة . نشأ في طفولته على شواطئ أرخبيل استوكهولم لفترات طويلة ، فكان لهذا الاتصال بالريف والشاطئ والبحر آثار واضحة فيما كتب ، كما كانت صداقته مع جده لأمه الذي كان قبطاناً مرة ذات أهمية خاصة في حياته . لايزال الشاعر حياً يعيش في مدينة فستروس منذ فترة طويلة وهو مشلول .

لقد برز ترانسترومر شاعراً عام 1954 حين اصدر  أول ديوان له (17 قصيدة) فلفت اليه الانتباه ولقي الاهتمام ، إذ رأى فيه النقاد صوتاً شعرياً جديداً على الطريق سيكون له شأن في الشعر السويدي الحديث . يمتاز شعره بالبساطة والوضوح واستخدام اللغة اليومية . لكنّ صوت الشاعر ينطلق خلال النص قوياً غامراً , وتُظهر البساطةُ في لغته دعوة للقارئ وايماءة للدخول في عالم القصيدة . أصدر اثني عشر ديواناً .

استهلال *

اليقظة مظلةُ أملٍ من الحلم
حرّاً من الدوامةِ الخانقةِ يهبطُ
المسافرُ نحوَ طوقِ الصباحِ الأخضر
الأشياءُ تلتهبُ . إنه يعي ـ في حالةِ قُبّرةٍ مرتعشةِ ـ
أنظمةَ جذورِ الأشجارِ الجبّارةِ
للمصابيح الدائرةِ تحتَ الأرض . لكنّ فوق ارضِ
تقفُ الخضرواتُ ـ في فيضانٍ استوائيٍّ ـ
بأذرعٍ مرفوعةٍ مصغيةٍ
إلى ايقاعاتِ مضخاتٍ خفيةٍ . وهو
ينحدرُ باتجاهِ الصيفِ الى الأسفلِ
في الفوّهةِ المضيئةِ الى الأسفل
خلال فتحةِ الأعمارِ الخضر النديةِ
مرتجفةً تحت مُحرِّكِ الشمسِ . هكذا ترتفعُ
هذه الرحلةُ العموديةُ خلال اللحظةِ ، وتتوسعُ الأجنحةُ
الى استراحةٍ لطائرٍ جارحٍ فوق ماءٍ هائجٍ
دويُّ بوقِ العمرِ النحاسي
الطريد
معلّقٌ فوق القاع الخاويةِ .

في ساعاتِ الصباحِ الأولى يتمكنُ الوعيُ أنْ يحتويَ العالم
مثلما تُمسكُ اليدُ بحجارةٍ دافئةٍ منْ وهج الشمس
وقفَ المسافرُ تحت الشجرةِ . فهل
بعد السقوطِ في دوامةِ الموتِ
سينمو ضياءٌ باهرٌ فوقَ رأسهِ ؟


النافذةُ المفتوحة **

وقفتُ أحلقُ ذقني ذاتَ صباح
أمام النافذةِ المفتوحةِ
في الطابقِ الأعلى .
انكسرتْ ماكنةُ الحلاقةِ .
بدأتْ بالدوران .
أحدثتْ أزيزاً اشتدَّ فاشتدّ .
نما الى هدير .
نما الى طائرةٍ مروحيةٍ
واندفعَ صوتُ ـ القبطان ـ منطلقاً
خلالَ الهدير . صرخَ :
" أبقِ عينيكَ مفتوحتين !
إنّك ترى ذلك لآخرِ مرةٍ ."
ارتقينا
حلّقنا على انخفاض فوق الصيف .
كم أحببْتُ ذلك ، هل له وزنٌ ؟
دزينةٌ منْ لهجاتٍ خضرٍ .
خصوصاً تلك الحمرةَ في جدران البيوت الخشبية .
لمعتِ الخنافسُ في النفاياتِ في الشمسٍ .
القبو الذي سُحبَ الى الأعلى من الجذورِ
جاء خلال الهواء .
نشاط .
زحفتْ آلاتُ الضغط .
كانَ البشرُ حتى هذه اللحظةِ هم
وحدَهم بلا حركةٍ .
لقد احتفظوا بدقيقة صمتٍ ،
خاصةً الموتى في مقبرة الريفِ
كانوا بلا حركةٍ
مثلَ انسانٍ حين يجلسُ لالتقاط صورةٍ بطفولة الكاميرا

حلِّقْ على انخفاض !
لم أدرِ الى أين
أديرُ رأسي
بمدى البصر المنشطر
مثلَ حصان



العندليب في بادَلوندا ***

في منتصف الليل الأخضر على حدود العندليب الشمالية . أغصانٌ ثقيلةٌ مُعلّقةٌ بالشرفة ، السياراتُ الصمُّ تندفعُ باتجاهِ خطّ مصابيح النيون . لا يخطو صوتُ العندليبِ جانباً ، إنّهُ حادٌّ مثل صياح الديك ، لكنّهُ جميلٌ بلا اختيالٍ . كنْتُ في السجنِ وقد زارني . كنْتُ مريضاً  وقد عادني . لم ألحظْ ذلك في حينها ، بل الآنَ . يسيلُ الزمنُ من الشمسِ والقمرِ وفي كلِّ تيك تاك تيك تاك ساعاتٌ مُمتنّةٌ . لكن لا وجودَ لأيِّ زمنٍ هنا قطُّ . صوتُ العندليبِ فحسب . تلك الأنغامُ الشجيةُ التي تشحذُ منجلَ سماء الليل المنير .


شوارع في شنغهاي ****

                   1
الفراشةُ البيضاءُ في الحديقةِ أمستْ مقروءةً من الكثيرين
أعشقُ فراشةَ اللفافةِ هذهِ كما لو كانتْ
زاويةً مرفرفةً للحقيقةِ ذاتها

في الفجر يجري حشودٌ من البشر  بنشاطٍ فوق كوكبنا الصامت
عندها تغصُّ الحديقةُ بالبشر . لكلِّ واحدٍ ثمانيةُ وجوهٍ
مصقولة كالاحجارِ الكريمةِ ، لكلِّ الظروف ، اجتناباً للزلل
لكلِّ واحدٍ أيضاً وجهٌ غيرُ مرئيٍّ ، يعكسُ "شيءٌ لا يتحدثُ عنه الناس"
يبرزُ احدُهم في لحظاتٍ متعبةٍ وهو ذو طعمٍ حادٍّ مثل جرعةٍ
من نبيذٍ لاذعٍ مع ذلك الطعم الحادّ

يتحركُ سمكُ الشبوط في السدِّ منذُ الأزلِ ، إنهم يعومون أثناءَ نومهم ،
نموذجاً للإيمان : دائماً في حركةٍ .

                  2
انتصفَ النهارُ ، والملابسُ المغسولةُ ترفرفُ في رياح البحر
الرماديةِ عالياً فوق سائقي الدراجات
الآتين في ضجةٍ مكتومةٍ . ضعْ اشارةً في المتاهاتِ الجانبيةِ !
أنا محاطٌ بعلاماتِ الكتابةِ التي ليس باستطاعتي استجلاؤها .
أنا بالكامل ضمن الألف باء
سدّدْتُ ما كانَ عليَّ ولديَّ من فواتير لكلِّ شيءٍ .
لقد جمعتُ الكثيرَ من الفواتير غير المقروءةِ
أنا شجرةٌ قديمةٌ بأغصانٍ ذابلةٍ متدليةٍ
ليس بمقدورها السقوطُ على الأرض

هبّةٌ من البحرِ تجعلُ هذه الفواتير تفرقعُ .

               3
في الفجر يطأ حشودٌ من البشرِ بنشاطِ كوكبنا الصامت .
نمتطي كلُّنا صهوةَ الشوارعِ ، إنها مزدحمةٌ مثلَ سطحِ سفينةٍ .
أينَ نحنُ في الطريقِ ؟ أتكفي أكوابُ الشاي ؟ يمكننا اعتبار أنفسنا سعداءَ
لأننا استطعنا اللحاقَ كي نمتطيَ صهوةَ الشارع !
هذا قبلَ ألفِ عامٍ منْ ولادةِ الخوفِ من الاحتجاز .

خلفَ كلِّ واحدٍ يمشي هنا يحومُ صفٌّ يريدُ اللحاقَ
بنا ، يمرُّ بنا ، يتوحدُ فينا .
شيءٌ يريدُ التسللَ خلفنا ، يراقبنا
ويهمسُ " احدسْ مَنْ هذا !"
تبدو علينا السعادةُ في الشمس ، بينما ننزفُ دماً منْ جرحٍ لا نحسُّ به ...

ـ ترجمتُ القصائدَ ترجمةً حرفيةً للمحافظةِ على الصور وتدفق المعاني كما وردت في النصوص وفي أسلوب الشاعر البسيط السهل الممتنع العميق ، حيث إنّ الترجمةَ بتصرف والنقل ملاءمة لخصائص وصور اللغة الأخرى يعني خلق نص جديد ، بينما نريد المحافظة على روح النص الأصلي.
* استهلال PRELUDIUM هي القصيدة الأولى من ديوانه الأول (17 قصيدة 17 Dikter ) 1954
** النافذة المفتوحة Det öppna fönstret من ديوان (الرؤية في الظلام Mörkerseende ) 1970
*** العندليب في بادَلوندا  Näktergalen i Badelunda من ديوان (للأحياء والموتى För levande och döda ) 1989 ، وبادلوندا منطقة في مدينة فستروس التي يقيم فيها الشاعر
**** شوارع في شنغهاي Gator i Shanghai من الديوان السابق

ترجمة عن السويدية : عبد الستار نورعلي



68
أدب / الوحدة لتوماس ترانسترومر
« في: 22:05 12/10/2011  »
الوحدة لتوماس ترانسترومر
عبد الستار نورعلي



                      1

هنا كنت على وشك أن أفارق الحياة في مساء من شباط.
انزلقت السيارة جانباً فوق المنزلق ، خارجةً
الى الجانب الخطأ من الطريق . السيارات المقابلة ـ
مصابيحها ـ اقتربت .

أسمي ، فتياتي ، عملي
حرّروا أنفسهم  وظلوا صامتين في الخلف
مبتعدين جداً . كنت مجهولاً
مثلَ صبيٍّ في ساحة مدرسة محاط بأعداء .

مصابيح السيارات المقابلة شديدة الإنارة .
أنارت في وجهي وأنا أقود وأقود
برعب واضح سال مثل بياض البيض .
نمَتِ الثواني ـ حصل المرء على غرف هناك ـ
صارت كبيرة مثل أبنية المستشفيات .

كان بإمكان المرء أن يتوقف
ويتنفس  لحظة
قبل أن ينسحق .

حينها برز مقود : حبة رمل مساعدة
أو نسمة ريح رائعة. انفلتت السيارة
وزحفت مثل افعى بسرعة في تقاطع فوق الطريق .
برز عمود وانكسر ـ ضجة حادة ـ
طار بعيداً في الظلام .

حتى عمَّ السكون . بقيتُ جالساً في مقعدي
ورأيت كيف أن أحدهم جاء من خلال عاصفة ثلجية
لكي يرى ما حلَّ بي .


                     2

لقد تجوّلتُ زمناً طويلاً
حول حقلٍ أوسترغوتلاندي* متجمد .
لم يكنْ هناكَ أحدٌ على مدى الرؤية .

في أجزاء أخرى من العالم
يوجد الذين يولدون ، يحيون ، يموتون
في مزدحم بشريّ دائم .

كي تكون مرئياً دائماً ـ عشْ
في حشد من العيون ـ
يجب أن تعطي تعبيراً خاصاً بالوجه .
الوجه مغطى بالطين .

التمتمة تعلو وتنخفض
بينما هم يقتسمون بينهم
السماء ، الظلال ، حبات الرمل .

يجب أن أكون وحيداً
عشر دقائق في الصباح
وعشر دقائق في المساء .
ـ دون برنامج .

الكلُّ يقف في طابور عند الكلّ .

أعداداً .

فرداً .

 
* أوسترغوتلاند احدى محافظات السويد الأربعة والعشرين.

* القصيدة  Ensamhet من مجموعته الشعرية ( رنّات وآثار  Klanger och spår) الصادرة عام 1966
 
ترجمة : عبد الستار نورعلي

69
أدب / الشاعر ترانسترومر ونوبل
« في: 20:59 11/10/2011  »
الشاعر ترانسترومر ونوبل
عبد الستار نورعلي


 وأخيراً وبعد سنين طويلة من الترشُّح لجائزة نوبل في الأدب فاز بها هذا العام 2011 الشاعر السويدي الكبير توماس ترانسترومر . وبهذه المناسبة أنشر ثانية دراستي عنه وعن شعره (توماس ترانسترومر شاعر الأرخبيل السويدي) التي نُشرت في صحيفة الزمان اللندنية عام 2002 وضمها كتابي (شعراء سويديون ، دراسات ونصوص) الذي صدر في السويد عام 2003 .

                                                 
توماس ترانسترومر
شاعر الأرخبيل السويدي
عبد الستار نورعلي


الشاعر السويدي توماس ترانسترومر  Tomas Tranströmer  أحد أبرز شعراء الحداثة في السويد . ولد عام 1931 في العاصمة استوكهولم . تخصص في علم النفس وعمل فيه عدة سنوات . برز شاعراً عام   1954 في مجموعته البكر (سبع عشرة قصيدة) التي لفتت إليه الانتباه شاعراً مبتدئاً مجدداً في لغته وأخيلته .  وقد أشار المحرر الثقافي لصحيفة (داغنس نيهيتر Dagens Nyheter) اشهر صحف السويد حينها إليه من خلال عرضه للمجموعة بالقول :" يكتب ترانسترومر قصيدة  رقيقة من الشعر المرسل المتحرر من الايقاع ." (داغنس نيهيتر 4 نيسان 1954) . يقول في قصيدته الأولى في المجموعة (استهلال) :

اليقظة مظلة أمل من الحلم
حراً من الدوامة الخانقة يهبط
المسافر نحو طوق الصباح الأخضر
الأشياء تلتهب . إنه يعي ـ في حالة قُبرة مرتعشة ـ
أنظمة جذور الأشجار الجبَّارة
للمصابيح الدائرة تحت الأرض . لكن فوق الأرض
تقف الخضروات ـ في فيضان استوائي ـ
بأذرع مرفوعة ، مصغية
إلى إيقاعات مضخات خفية . وهو
ينحدر باتجاه الصيف إلى ألأسفل
في الفوهة المضيئة إلى الأسفل
خلال فتحة الأعمار الخضر الندية
مرتجفة تحت محرك الشمس . هكذا ترتفع
هذه الرحلة العمودية خلال اللحظة ، وتتوسع الأجنحة
إلى استراحة لطائر جارح فوق ماء هائج
دويُّ بوق العمر النحاسي
الطريد
معلَّق فوق القاع الخاوية

في ساعات الصباح الأولى يتمكن الوعي أن يحتوي العالم
مثلما تمسك اليد بحجارة دافئة من وهج الشمس
وقف المسافر تحت الشجرة . فهل                                               
بعد السقوط في دوامة الموت
سينمو ضياء باهر فوق رأسه ؟

يقول الناقد تومي أولفسون :" ليس ترانسترومر بارعاً ومليئاً بالخيال فحسب فهو كذلك لديه شئ يريد أن يقوله . " وهذا ما نلحظه في القصيدة المذكورة من معان خلف الأخيلة والصور الباهرة التي تنشط المخيلة وتدفعها لمعاينة ما وراء اللوحة الشعرية الخصبة .
 
 لقد أظهر ترانسترومر أنه من الممكن إخضاع شكل القصيدة القديمة لمتطلبات واستجابات الحداثة في مزيج بارع ليرفعه إلى مصاف أبرع وأشهر شعراء الحداثة السويدية ومستحقاً للترشيح  لجائزة نوبل في الأدب  . إنه مركب نادر من الصور والأخيلة والمعاني ، وامتلاك القدرة في السيطرة على أدواته الشعرية ولغته في بساطتها المعبرة الموحية من خلال إثارة الحس والمعايشة في أجواء القصيدة دون تعقيد . يقول في قصيدة (بريد Airmail) :

في مطاردة صندوق الرسائل
حملت الرسالة عبر المدينة.
في الغابة الواسعة من الصخر والأسمنت
تخفق هذه الفراشة التائهة بأجنحتها .

سجادة الطابع البريدي الطائرة
أحرف العنوان المترنحة
إضافة إلى حقيقتي الصامتة
تحلق حالياً فوق البحر .

فضة الأطلنطيك الزاحفة .
ضفاف الغيوم . سفينة السمك
مثل نواة حبة الزيتون المبصوقة.
و ندية هي أعماق الماء الشاحبة .
هنا في الأسفل يستمر العمل ببطء .
غالباً ماأختلس النظر إلى الساعة .
ظلال الأشجار أرقام سوداء
في هذا الصمت الجشع .

الحقيقة موجودة على الأرض
لكن لاأحد يجرؤ على ألتقاطها .                                                                   
الحقيقة ملقاة فوق الشارع.
لا أحد ينسبها لنفسه .

لترانسترومر ثقة عميقة بالدواخل الأنسانية واحترام للحياة الفردية الخاصة  للإنسان ، كما يمتاز شعره  بالبساطة مع تكثيف الصورة الخارجية إضافة إلى بعد ديني  ساحر.  ففي قصيدته (أقواس رومانية) يصور زيارة لكاتدرائية في أحد البلدان الجنوبية حيث يقابل ملاكاً يحادثه وسط العتمة ليحملنا نتجول عبر كشف بواطن النفس الأنسانية :

في داخل الكنيسة الرومانية الأصيلة انحشر السواح في العتمة .
قبو مفتوح خلف قبو بلا نظرة شاملة .
حزمة من أشعة النور حلَّقت .
ملاك دون وجه احتضنني
وهمس خلال جسدي كله :
"لا تخجل لكونك إنساناً ، كنْ فخوراً !
في داخلك ينفتح قبو خلف قبو بلا نهاية .
لن تكون كاملاً مطلقاً ، وهذا الذي سيكون ."
أصبت بالعمى من الدموع
اقتادوني أمامهم خارجاً فوق باحة تغلي في الشمس
سوية مع السيد والسيدة جونز والسيد تاناكا وسنيورا ساباتيني
وعميقاً في داخلهم انفتح قبو خلف قبو بلا نهاية .

كان لطفولة ترانسترومر أثر في حياته الشعرية الموغلة في النفس والباسطة شراعها عبر الأخيلة الدفاقة المثيرة للدهشة والتأمل العميقين . انفصل والداها وهو صغير فعاش في كنف أمه المعلمة ، كما نشأ على شواطئ أرخبيل استوكهولم والريف السويدي لفترات طويلة تركت آثاراً واضحة  فيما كتب . كان صديقاً حميماً لجده من أمه ذلك القبطان الذي خاض عباب البحار ، وكانت لتلك الصداقة أهمية خاصة في حياته خطت آثارها في  شعره الذي نلمس فيه صور البحر والساحل والصخور والأشجار وصخب الأمواج والطيور ونستقرئ الأحاسيس الإنسانية والأخيلة الخلاقة فيها.  منها قصيدته (أرخبيل خريفي) المؤلفة من ثلاثة مقاطع وهي :

* عاصفة

فجأة يلتقي المتجول هنا شجرة البلوط القديمة
الهائلة ، شاخصة مثل أيل متحجر
بقرون ضخمة أمام قلعة بحر أيلول                                                                   
الخضراء الداكنة
عاصفة شمالية . ذلك في الزمن الذي تنضج
فيه عناقيد التوت . يقظاً في الظلمة يسمع المرء
وقع خطوات النجوم
في الأعلى فوق الشجرة .

* مساء ـ صباح  :

إنحلت صارية القمر وتهرأ الشراع .
يحلِّق السمان ثملاً مبتعداً فوق الماء .
وحافات المراسي الضيقة باردة . الأيكة
تتأوه في الظلام .

في الخارج فوق درجات السلم . الفجر يطرق  ويطرق
بوابات البحر الحجرية الرمادية فتشع الشمس
قريباً من العالم . آلهة الصيف نصف المخنوقة
تنسلُّ في دخان البحيرة .

* إيقاع منفرد

تحت سكون نقطة الصقر الحوَّام الدوَّارة
يتدحرج البحر هادراً إلى الأمام في النور
يمضغ عشوائياً لجامه من الطحالب ويصهل
مزبداً فوق الساحل .
الأرض تتغطى بالظلام مثل الخفاش
ينحدر في طريقه . الصقر الحوَّام يتوقف ويتحول إلى نجمة .
البحر يتدحرج هادراً إلى الأمام ويصهل
مزبداً فوق الساحل .

يظل توماس ترانسترومر من أبرز الشعراء السويديين الذين نحتوا بصماتهم على الأدب السويدي المعاصر بجدارة مشهودة . وقد أصيب الشاعر بالشلل الذي لم يقعده عن مواصلة مسيرته الشعرية الخصبة .
                                                                                                           
قصائد مختارة من شعره


* عميقاً في أوربا :

أنا الهيكل الشاحب الطائر بين بوابتين نهريتين
أستريح في السرير في الفندق بينما المدينة حولي تستيقظ
المنبه الصامت والضياء الرمادي يتدفقان إلى الداخل
ويرفعاني ببطء إلى المستوى اللاحق : الصباح .

الأفق يتنصت . إنهم يريدون قول شئ ، أولئك الموتى .
إنهم يدخنون ولكن لا يأكلون ،
وهم لا يتنفسون لكن يحتفظون بأصواتهم .
سأسرع عبر الشوارع مثل واحد منهم .
الكاتدرائية السوداء ، ثقيلة مثل قمر ، تخلق مداً وجزراً .


* إعلان

الهيجان الصامت يخربش على الحائط من الداخل .
شجرة الفاكهة مزدهرة ، طائر الوقواق يصرخ .
إنه خدر الربيع . لكن الهيجان الصامت
يلوِّن كلماته المؤثرة في الاتجاه المعاكس في المرآب .

نرى كل شيء ولا شيء . لكن باستقامة مثل بيرسكوب
مستخدم من طاقم منعزل تحت الأرض .
هي حرب الدقائق . الشمس الملتهبة
تنتصب فوق المستشفى ، موقف المعاناة .

نحن الأحياء مطروقون مسامير إلى الأسفل في المجتمع !
سننفكُّ يوماً من كلِّ شيء .
سنشعر برائحة الموت تحت الأجنحة
ونصبح أخفَّ وأشرس من جيش محارب .


* إلى أصدقائي خلف الحدود

لقد كنتُ شحيحاً في الكتابة إليكم . لكن ما لم يجز لي أن أكتبه
انتفخ وانتفخ مثل سفينة هواء عتيقة
وانزلق أخيراً بعيداً عبر سماء الليل .

الآن الرسالة عند الرقيب . إنه يضيئ مصباحه .
في الضوء تطير كلماتي إلى الأعلى مثل قردة على حاجز حديدي
تنتفض ، تتصلب ، و تبرز أسنانها .

إقرأوا ما بين السطور . سوف نلتقي بعد 200 عام
حيث الميكروفونات في جدران الفندق منسية
وفي النهاية يجوز لنا أن ننام ، أن نغدو كائنات متحجرة .


70
أدب / مدينة العطور والدماء
« في: 15:11 28/09/2011  »
مدينة العطور والدماء
عبد الستار نورعلي

كُتبتْ القصيدة في نيسان عام 1973 في حادث اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة ، وهم الشاعر كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار ببيروت في 10/4/1973 على يد فرقة كوماندوس اسرائيلية بقيادة ايهود باراك . وقد نُشرتْ القصيدة حينها في مجلة (الهدف) الفلسطينية لسان حال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين . وأذكر أنه قبل فترة من الحادث جرت مسابقة ملكة جمال لبنان في حفل باذخ .

أبيروتُ ،
على منكبيكِ الجراحُ الكبيرهْ
وصمتُ العشيرهْ
وحلمُ المناضلْ
أبيروتُ ، هذي الحكاياتُ تروي
عويلَ المواجعِ
أنينَ الجراحِ
ودفقةَ شوقٍ
وهزّةَ قلب

بيروتُ ، يامدينةً منْ شذا
عطورِ باريسَ ومِنْ رقصِها
بيروتُ ، يامدينةً منْ صدى
أنّاتِ مذبوحٍ ، ومنْ لوعِها
لا توقظُ النيامَ في حضنكِ
زوابعُ الموتِ ، ولا وقعُها
قوافلُ الماضينَ في دربِكِ
ستحملُ الانجيلَ قي قلبها
وتحملُ الصليبَ نحو السنا
وتملأ الوديانَ منْ نورِها
وتحرقُ الغفوةَ فوق المنى
وتُنطِقُ الصمتَ على عينها

أبيروتُ ،
نمتِ على أغنياتِ الصخبْ
ورنّةِ كأسٍ ورقصِ الغواني
صحوتِ على أزيزِ رصاصٍ
وضحكةِ غدرٍ تحوكُ اللحودَ
لأسرابِ طيرٍ تصوغُ النهارْ
قلادةَ حبٍّ لجيدِ الصغارْ
بنادقَ تحمي صدورَ الكبارْ
رسمتِ خطوطَ الجريمهْ
وكانتْ دماءُ الشهيدِ لكِ المِحبرَهْ

وريشةٌ بيضاءُ عطّرتِها
منْ دميَ المسفوحِ فوق الطريقْ
أناملٌ تُمسكُ مِنْ ذيلِها
كي لا يمسَّ الدمَ جلدٌ رقيقْ
وكأسُكِ الحمراءُ أترعتِها
فنامتِ الأعينُ، أينَ الحريقْ؟!
وهمسةٌ في مخدعٍ نصفُهُ
للعطرِ والآخرُ جنسٌ رقيقْ :
أتسمعينَ الصوتَ أم أنّهُ
ضرْباتُ قلبِ المُستهامِ الغريقْ؟
دعْنا ! فإنَّ الليلَ في نصفِهِ
ولْيكنِ الآخرُ لونَ الشقيقْ

أبيروتُ ،
زرعْتُ على وجهكِ النجمَ هَدْياً
لدربِ القمرْ
فكانَ احتضارْ
يدقُّ الظلامَ بعينِ البشرْ
وسكينَ عارْ
وطعنَ يهوذا بقلبِ القمرْ

يا رقصةً تدورُ في صدرنا
أتحملينَ العارَ بين الضلوعْ ؟
أتُسكتينَ الصوتَ في نبضنا ؟
إنَّ الصدى القادمَ نبضُ الجموعْ
ستُشرقُ الشمسُ وفي قلبنا
على انتفاضِ الصمتِ بينَ القلوعْ

عبد الستار نورعلي
نيسان 1973

71
رسالة الى الشاعر سامي العامري
عبد الستار نورعلي


( الرسالة هذه في الأساس كتبتها تعليقاً على قصيدة الشاعر القدير سامي العامري الهجائية في الردّ على نونية الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد:
دَمعٌ لبغداد .... دَمعٌ بالمَلايينِ
مَنْ لي ببغدادَ أبكيها وتبكيني؟

 وعندما طالت آثرت أنْ أنشرها منفصلة . رابط القصيدتين:
http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=54273&catid=35&Itemid=55 )

عزيزي سامي ،

ومن باب المحبة والميانة ادعوك باسمك دون القاب ،

أما بعدُ ،

إنّ الفنان عموماً يُقيّم بدءً بالنظر الى منتجه الابداعي ومدى نجاحه وتأثيره من خلال جودته وقيمته الفنية بمحافظته وحرصه على الشروط والعناصر الواجب توفرها فيه . وفي الأدب عامة كنوع فنيّ والشعر خاصة كلون أدبيّ  أنت أدرى بهذه الشروط والعناصر . ثم يُنظر الى المضمون ، وهنا تأتي المخالفة والمواقف المتضادة والمتضاربة وفق ما يحمله المتناول أو المتعاطي أو المتلقي للمنتج الشعري من رأي وموقف من الحياة والفكر  والغاية من الفن . لذا تشكلت كما تعرف نظريات مختلفة منْ مثل (الفن للحياة) و (الفن للفن ) وما ترتب عليهما من تطورات في المناحي والاتجاهات الفنية وبروز مدارس مختلفة أغنت الحركة الفنية والثقافية والفكرية والجمالية الانسانية بتنوعها اللوني ومعاركها الحوارية الفكرية من أجل تطور الفن بتطور الحياة خدمةً للانسانية ، دون تحوِّل هذه المعارك الى مصادمات كلامية حادّة وحوارات متشنجة تتعكز على العاطفة والهوى في الرفض والطعن والانتقاص والتصغير .

وبعيداً عن المواقف الذاتية الخاصة المُسبَقة يتم هذا التقييم . قد أكون مخالفاً في الرأي والقناعات مع فنانٍ ما أو بالضدِّ تماماً منه لكنْ عليَّ  أن أتناول نصوصه بالعين الفنية الموضوعية المجردة عن الذاتية والموقف الشخصي في التوجه والنظر والتقييم . أشير الى مواقفه وتوجهاته ومضامين منتجه والغاية منها أو الكوامن الحسية التي تقف خلف خلقها إنْ رأيتُ فيها مالا يعجب أو ما هو بالضد مما أرى أو من تجاوز على حقوق الانسان وذلك باحداث ضرر أو تثبيت لحالة ضارّة أو العمل على نشر القبيح والمؤذي من القيم والأفكار والأفعال اللاانسانية . وهنا يكون المضمون هدفي بالنقد والرفض والطعن ، أما الشكل الفني فهذه مسألة أخرى مقياسها القواعد والشروط الفنية . وظني انك في قصيدتك رميْت الموقف ولم ترمِ الشِعرية مثلما قرأتُها .  سُئِل يوماً في ستينات القرن المنصرم الشاعر المصري صالح جودت عمّنْ هو أكبر شعراء العرب اليوم فأجاب أنه الجواهري لولا لونه القرمزي (وقالها القرمزي بالحرف) . اي أنه اعترف بشاعريته الكبرى لكنه رفض بالمقابل لونه السياسي الذي كان يُنعت به عند البعض ، فلم ينفِ أنه الأكبر لأنه يختلف معه سياسياً .

في جلسة لي مع الجواهري الكبير في بيته باليرموك في أوائل السبعينات مع ابنه الدكتور فلاح ومحاميه رشيد بكتاش والشاعر د. علي الحلي وكان حينها مسؤول القسم الثقافي في صحيفة الثورة ، اضافة الى صهر الجواهري الكبير أبي رائد الصديق المرحوم (عيسى رؤوف الجواهري) تحدثنا عن الشعراء وعرجنا على عبد الرزاق عبد الواحد فأثنى الجواهري عليه شاعراً عمودياً كبيراً لو ترك الشعر الحرّ ، لقد كان يحبه . فلم نسمعْ على حد علمنا أنه هاجمه أو انتقده أو رفضه شاعراً كبيراً لأنه مجّد صدام حسين وحروبه .
 
هذا جانب الشِعرية في عبد الرزاق . أما الجانب الثاني في العلاقة بينه وبين الحاكم المستبدّ فهو المُستنكر والمرفوض مبدئياً وانسانياً وقيمياً ، وذلك بسبب ما عاناه شعبنا وبطوائفه لعقود من حكم الحديد والنار والمآسي الدموية من اضطهاد وحروب داخلية وخارجية عبثية ، واعدامات واعتقالات وقتل تعرّض لها . لكننا حين ننظر بعين موضوعية أدبية فنية الى قصائده المدحية والتمجيدية الفخمة لا يمكن لنا أن نقول أنها ليست من الشعر لأنها تخالف في مضامينها موقفنا وما نرى في أن يكون الشعر ذا غاية انسانية لنشر الفضيلة والخير والجمال ومحاربة الظلم والاضطهاد ! وهنا أعود الى قول الشاعر الاسباني الخالد لوركا الذي أعتنقه شخصياً هدياً لي في مسيرة حياتي الابداعية  " على الشاعر أن يضحك ويبكي مع شعبه ."
فهل بكى عبد الرزاق عبد الواحد مع شعبه فيما تعرّض له ؟ وهل ضحك معه ؟
هنا يأتي تقييمنا لموقفه الشخصيّ ومضامين قصائده نقداً ورفضاً ، أما شعره فننظر اليه بعين فنية ابداعية بعيداً عن العواطف الغاضبة والرافضة والنافية لشاعريته على خلفية ما نحمل في نفوسنا من غيظ كبير وفي قلوبنا من جراح غزيرة لا تزال تنزف الى اليوم .

المعضلة الاساس في قضية عبد الرزاق عبد الواحد أنّ اسمه اقترن في الذاكرة العراقية برئيس ذاق شعبه منه الأمرين . والرجل لم ينكر  هذا الاقتران ولا يخجل منه أو يتوجس أو يندم عليه كي يعتذر عنه ، بل العكس لا يزال يعترف به معتزاً ومفتخراً بعلاقته بأبي عدي كما يسميه في لقاءاته  وبما كتب عنه مؤكِّداً محبته وتبجيله له . لربما هذه نابعة من محبة صادقة يكنّها له وقناعة به وبسياساته تشبيهاً بالعلاقة بين المتنبي وسيف الدولة الحمداني ، أو انّ الرجل بمعرفته بتاريخ الشعر العربي القديم والتاريخ عموماً يدرك أنّ الشهرة والصيت والصعود والتخليد تكون بالعلاقة بين الحاكم والشاعر وقرب الشاعر من الحاكم ليُكتب عنه في التاريخ مقترناً اسمه بالحاكم ، وذلك بالنظرة الكلاسيكية التقليدية الماضوية للشعر  والشعراء .

فالقرب من الحكام في الماضي كالقرب من وسائل الاعلام ووزاراتها في الحاضر انتشاراً وتوسعاً وذكراً وتناولاً وحضوراً أمام الجمهور . فبقدر القرب يكون الانتشار وتُكتسَب الشهرة واللمعان ، وبقدر البُعد يكون الانحسار والجهل والانطفاء . فكم من قصير طوّلوه ، وكم من طويلٍ قصّروه ، وكم من نكرةٍ عرّفوهُ ، وكم من معرفةٍ نكّروهُ . وقد قرأنا وعشنا ونقرأ ونعيش اللحظة الراهنة كلَّ هذا عياناً بياناً وعلى الهواء ورغم الانوف ، فكيف الحال في تلك الأزمنة وكلّ شيءٍ حتى الناسُ كان ملكاً للحاكم الفذّ والقائد الضرورة الأوحد ؟!

وبالعودة الى التاريخ لو عشنا في العصور القديمة وعايشنا الحياة اليومية والناس في تلك العصور وفي انظمة الحكم الأموية والعباسية وما بعدهما بالتأكيد كنا نجد استياءً شعبياً ومن مثقفين ايضاً على قصائد المدح والتمجيد في الحكام وعلى وقوف الشعراء على ابوابهم طمعاً في التكسب والتقريب والاحتضان ، وذلك لما كان يلقاه الناس على ايديهم من اضطهاد وظلم وما كانوا يعانونه من فقر واهمال وتهميش وفساد منتشر وصراعات وحروب . لكنّ قصائد الشعراء تلك بقيت مسجلةً في بطون دواوينهم وفي كتب التاريخ الأدبي نقرأها لحد اليوم ونعجب ببعضها لما فيها من متانة شعرية وصور مبدعة وبلاغة عالية مع أنها قيلت في طغاة وبغاة ولصوص وقتلة ، وهذا من عجب الدنيا ومن ثقافة وإرث القول الشهير "الشعر ديوان العرب" . وبعض هذه القصائد بُدئت بغزل رقيق جميل كما قال المتنبي : إذا كان مدحٌ فالنسيبُ المُقدّمُ . أو احتوت حِكماً وأقوالاً مأثورةً وآراء قيمة نحفظها ونتداولها ونستشهد بها ، منْ مثل قول المتنبي في مدح سيف الدولة الحمداني في احدى حروبه وهو الذي لم بكنْ يختلف عن أيٍّ من طغاة العصر الحديث وسُرّاق الحكم  :

على قدرِ اهل العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قدر الكرام المكارِمُ

وتعظمُ في عين الصغير صغارُها
وتصغرُ في عين العظيم العظائمُ

فتكون القصيدة ضمن منهج النصوص الأدبية للدراسة الاعدادية في مدارسنا ليحفظها الطلبة بما فيها من صورٍ ومعانٍ . وقد يأتي يوم في قابل قرون تكون فيه قصائد عبد الرزاق عبد الواحد في الحرب وفي قائدها متداولة فخراً وتباهياً بفترة تاريخية مرّ بها العراق نحن ندينها لفظاعتها لأنّ نارها أحرقتنا ، لكنّ لغيرنا من محبيه ومناصريه ومريديه موقفاً مغايراً ، كما أنّ للتاريخ والأحداث والتطور وتغيُّر النفس البشرية ومزاجها رأياً آخر بحسب سيادة نظام بدل نظام آخر أو تغيّر حال فتكون كتابة التاريخ بعيون مختلفة ، فلكلّ زمانٍ دولةٌ ورجال كما قالوا . وهذا ديدن التاريخ والزمن والناس . فلننظرْ بموضوعية متجردة عن الذاتية كيف كان مزاج الناس في الحقب السابقة للاحتلال وكيف أضحى اليوم ! وكيف سيكون في الغد يا تُرى ؟ هذا علمه عند الله والعصور القادمة والناس الذين سيحيونها .

منْ كان يتصوّر أنّ الألوفَ المؤلفة التي كانت تخرج لتهتف وتغني وترقص على أنغام الاناشيد والقصائد وتسبّح باسم القائد المنصور تنبري اليومَ لتلعنه وتسبه وتسبّح باسم غيره من أعدائه ومعارضيه ومحاربيه السابقين ، ومثله في دول ما يُسمى بالربيع العربي ، وملك ملوك افريقيا وقائد الثورة العالمية الهارب المتخفي خير شاهدٍ أمام ابصارنا اليوم !

إنّه التاريخُ والعيون والأقلامُ والنفوس ترتدي رداءً مختلفاً بحسب المزاج العام السائد . فالمقبول بالأمس أمسى مرفوضاَ ومكروهاً اليوم ، والمقبولُ اليوم قد يصبح مرفوضاً ومنبوذاً غداً ، مَنْ يعلم ؟ ويقيني انّ البعض سيرفض قولي هذا بل قد يتهمني بما ليس فيّ ، لكنها بالنظر العلمي الموضوعي هي الحقيقة التاريخية الانسانية المُجرّدة عن التزويق والتأويل القسري أو الباسها لباسنا الذي نرتدي رغماً عنها ليتمزّق مع أول ريحٍ صرصر عاتية تعصف . وخير مثال نابض وشاهد ناطق أيضاً هو المعسكر الاشتراكي السابق بجبروته وعظمته وقوته الكبرى وتاريخه وشعوبه كيف كان وإلامَ استحال ؟!

أما محاولة المساس بشاعريتك والتقليل منها فهو أمر غير مقبول لأنّها لا تحتاج الى صكٍّ بالاعتراف من أحد ولا الى قاضٍ يمنح جواز مرور ، لأنّ قصائدك هي الصكّ وهي الجواز وهي الشاهد الناطق . الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد يُقلّل من شاعرية عبد الوهاب البياتي ، فهل سُحب من البياتي جواز شعره ومُزّق صكُّ الاعتراف به . والبياتي نفسه في أواسط سبعينات القرن المنصرم وفي لقاء له مع مجلة (الوطن العربي) على ما أذكر قلّلَ ونال من شاعرية الجواهري ونزار قباني ومحمود درويش ، بل ذهب أبعد من ذلك بأنْ نفى عنهم الشاعرية إذ قال بأنهم ليسوا بشعراء ! فهل قُطعتْ عنهم صكوك الشاعرية لموقف البياتي ذاك ؟! 
وقد قيل أنّ قصيدة الجواهري (أزحْ عن صدرك الزبدا ) عام 1976 وما ورد فيها من غضب عارم وهجوم لاذع كان عبد الوهاب البياتي هو المقصود بالاشارة بسبب تصريحه ذاك . كان الجواهري لا يحبه ، وهذا بشهادتي الشخصية ففي الجلسة التي أشرتُ اليها في بداية رسالتي جرى نقاش عن البياتي بعد أنْ فتحتُ أنا الحديث عن قصيدة نشرها حينها في مجلة (آفاق عريية) التي كانت تصدرها وزارة الاعلام ، فهاجمه الجواهري بعنف ونعته بنعتٍ قاسٍ ما زالت ذاكرتي تحفظه الى اليوم . يقول الجواهري في قصيدته المذكورة:

أزحْ عنْ صدركَ الزبدا ، وهلهلْ مشرقاً غرِدا
وخلِّ البومَ ناعبةً ،  تقيء الحقدَ والحسدا
مخنثةً فإنْ ولدتْ ،  على سَقَطٍ فلنْ تلدا

عزيزي الشاعر القدير ،

فكما تعلم أنّ الأمزجة والأذواق والرؤية تختلف منْ انسانٍ الى انسان ، لكنّ الأطعمة الطيبة الشهية بألوانها المتعددة تبقى أطباقها مستلذّةً ، وكلُّ ذائق يختار الطبق الذي يحبّه بحسب ذوقه ، ولا أحد بقادرٍ أنْ يفرض أو يلغي أو يحجب .

لكننا مع كلِّ ما ذكرنا نظلّ  نُقدّس الشعر الذي يُطلّ علينا مصباحاً يضيء زوايا الروح ويفتح اشرعة العيون على الكونِ الفسيح وعلى حقول الجمال والحلاوة والألق البهيج والبصر في الظلام مستهدين بقوله تعالى :
" فأمّا الزبدُ فيذهبُ جُفاءً وأما ماينفع الناسَ فيمكثُ في الأرض ." الرعد 17
وباستثنائه عزّ وجلّ :
"والشعراء يتبعهمْ الغاوون ، ألم ترَ أنّهم في كلِّ وادٍ يهيمون ، وأنّهم يقولون مالا يفعلون ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ وذكروا اللهَ كثيرا وانتصروا منْ بعد ما ظُلموا وسيعلمُ الذين ظَلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون." الشعراء  224 – 227   
وكما تعرف قيل في تفسير الآية الكريمة باتهام الشعراء بالغواية والهَيَمان والكذب لأنهم كانوا يمدحون قوماً بالباطل ويشتمون بالباطل . لكنّه سبحانه لم ينفِ عنهم الشاعرية وهذا في الاشارة اليهم بالشعراء ، وانما وصمهم بوصمة الغواية والباطل . وبالاستثناء شرّعَ تعالى غاية خيرة ونبيلة للشعر تنبع من روح الاسلام وقيمه وروح الانسان ، بمعنى ما نطلق عليه اليوم (الالتزام في الشعر) . وعلينا النظر والتقدير والتقييم !
ويقول ايليا حاوي :
" قداسة الشعر هي من قداسة الانسان والله والوجود ."

وهنا أيضاً يتعرض المقدّس الشعريّ للتأويل ، فما هو مقدّس شعرياً عندي ليس كذلك عند الآخر والعكس .  والغاية منْ قبلُ ومنْ بعدُ هو الشعرُ والانسان .

فهل سنصل الى مستوى قول المفكر العربي الكبير الراحل سلامة موسى بأننا إذا أردنا أنْ يكون لنا عباقرة ومبدعون كبار كغيرنا من الأمم فعلينا أنْ نقبلهم  بما هم عليه .

وفي الختام السلام والمحبة ،

عبد الستار نورعلي
الأحد 11 سبتمبر 2011

72
أدب / الرواية الأولى
« في: 13:53 22/09/2011  »
الرواية الأولى
عبد الستار نورعلي

(القصيدة كُتبتْ عام 1971 ونُشرت حينها في مجلة الثقافة للمرحوم الدكتور صلاح خالص)

وفي صمتٍ طويتُ البحرَ في عيني
وفي صمتٍ حملْتُ البيدَ في قلبي سرايا
نحو هاجرة الهوى ، رُحتُ أصلّي 
أرفعُ الراياتِ للعباس ، أستجلي
رسومَ العشقِ في صحراء أغنيةٍ ترابيهْ ،
رميتُ شِباكَ شوقي اصطدْتُ ريحاً
صرتُ أحصدُها ، مررْتُ أناملي فيها
تقصّيْتُ الحقيقةَ عنْ رؤىً في عِرقِ أمنيةٍ سرابيهْ ،

وتلكَ روايةٌ حمراءُ تروي قصةَ الماضين في رَهَبِ ،
صحارى تحملُ الواحاتِ انجيلاً من السَغَبِ ،

أتلك روايتي ؟
قالوا : نعم  !
ولكنْ تلكمُ الراياتُ سودٌ ، والرماحُ لظىً ،
وخيلُ الشوقِ قد هُدّتْ أعنتُها ،

فهامَ الفارسُ الغافي على صوتِ الشجا يروي ملاحمَهُ
ويحكي قصةَ الانسانِ في حبِّ المرايا
يرتمي في نبضها يغفو على هزِّ الأراجيحِ
فتاهَ وما خيولُ الشوقِ عادتْ منْ حصارِ البيدِ ماعادتْ ،

يتصلّبُ الهواءُ على وقع سنابكِ الفارسِ المرميِّ في أحضانِ العشقِ المراقِ دمُهُ ، ينامُ على فراشِ الثعالبِ تحملُ أوزارَ الشوكِ النابتِ في قلبِ أمنيةٍ تلوحُ على راحةِ الليالي وتختفي في  أزقةِ النهارِ الجائع للمصابيح ،
أينَ دمُهُ ؟
الترابُ يمتصُّ الدمَ قانياً
يروي عطشَ الديدانِ في زوايا ممالك النملِ والعقارب ،

وتلكَ روايةٌ عمياءُ عن حبٍّ يلوحُ على حبالِ مشانق الرغبهْ ،
يموتُ الرسمُ فوق جدار حلمٍ راقصٍ في ساحةِ النشوهْ ،
يذوبُ الصوتُ في وهجِ التراتيلِ
تلوحُ الرايةُ الخضراءُ في صمتِ المواويلِ
وتسقطُ في الهزيمةِ خنجراً يُدمي رواياتِ الأناجيلِ
عن الحبِّ ، عن الصفعِ ، عن الصفحِ ،
عن الانسانِ في لغةِ السماحاتِ ،
تموتُ دلالةُ الرؤيا ، وترتفعُ التراتيلُ الصديديهْ
تنزُّ هوىً بطياتِ الحكايات الطفوليهْ
 عن العشاقِ هاموا في سماء الوجدِ مارجعوا صواباً
غيرَ أنَّ دماءَهم زُفّتْ عرائسَ في حشودِ الموجةِ الكبرى
إلى أرض المواعيدِ
فغابوا في حسابِ الخدعةِ العظمى ، وغنوا جوقةً ،
عادوا هياكلَ ترتوي طينا
وتشربُ من كؤوس الخدعةِ الأولى ،

ايا آدمْ ،
سليلَ الطينِ ، يأكلُ نسلُكَ الطينا ،
أيا آدمْ ،
لقد ضيَّعتْ فينا كلَّ أسرار الرسالاتِ
وأشبعتْ السلالاتِ
بكلِّ الحبِّ والتوقِ إلى دنيا المراراتِ ،
أيا سُحُباً ، ومدَّتْ ظلَّها الأجوفَ
في عينيكَ ياحبّي ويا سهري ،
هذاكَ الخِصبُ في جسدِ العرايا ضلَّ صاحبُهُ
وجفَّ الغيثُ في قارورة اللهبِ ،

وتلكَ روايةٌ هزّتْ أسانيدَ الأحاديثِ

وتلكَ روايتي !
قالوا : صدقْتَ .

غاب الصوتُ في الحلم الذائب في رجع الصدى القادم من بين السطور ، فأكل آدمُ التفاحةَ راضياً مرضيّاً ليضيع في متاهات المرئيِّ .

منحتُ الفارسَ الغافي تعاويذي
أدارَ يديهِ في قُفلي فما فتحَتْ
فصارَ يطوفُ في شُهُبٍ على روحي
وألقى الرحلَ في لغةِ المراراتِ
وفي حِممِ الخطيئةِ راحَ لونُ الشمسِ منطفئاً ،
فيا حواءُ ، هذا ابنُكِ قد شُلّتْ بقاياهُ ،
تعوّدتِ الخطيئةَ في انطلاق النارِ منْ حَلْقِ الأباطيلِ
ومنْ وترِ الأضاليلِ ،
رميتِ ابنكِ في الشارعِ ظلاً للخفايا
رُحْتِ تلتهمين فاكهةَ الخطايا
تحملينَ أجنّةَ الشيطانِ في الحشرِ
وتلتقطينَ نجمَ العشقِ تسليةً وتحتلمين بالبدرِ ،
فلا كانتْ رياحُ العشقِ ، لا كانتْ ، ولا بقيتْ ،
فمنذُ تآكلتْ روحُ البريّةِ منْ تماديها
فقد حالَ الرحيقُ العذبُ مُرّاً
تاهَ عزفُ النور في وترِ الأقاصيصِ ،
وهذا اسمُ الطريقِ تغرُّبٌ صمتٌ على الأجيالِ يهبطُ ينشرُ الغفوهْ ،
وهذا اسمُكَ ، يا آدمُ ، صنوُ القمةِ الشوهاءِ
في جبلِ الطحالبِ في غروبِ الأمسِ واليومِ ونيرانِ الغدِ ،
وهذا اسمُ الخطيئةِ في انحدار السفحِ نحو قرارةِ الوادي المشاعِ
لكلِّ ذي عينٍ تمجُّ اللونَ في خضرةِ أثمارِ
وتنفرُ من بذارِ السعدِ في رَحَمِ المسراتِ
 وفي سِفرِ الرسالاتِ ،

أيا صوتَ الرغائبِ ،
تلكَ ملحمةٌ تئنُّ على صراطِ القلبِ تروي ظلَّنا صمتاً
يداعبُ سمعَنا المشحونَ بالنومِ ،

صُلِبَ الوجهُ على وجهِ الرصيفِ ومرّتِ العرباتُ وقرعُ الأقدامِ فوقه ... تصبّبَ  العرَقُ  في شعابِ العينين ... فشربتِ الشفتانِ كأسَ الملحِ ... تصلّبتا على شفيرِ الكأسِ ... سقطتا في مزالقِ التمنّي .....

أيا وجهاً رواهُ الحزنُ
طافَ على ملامحهِ اصطخابُ الدهرِ بالأحلامِ والنشوهْ
رحلْتَ على عيونِ الآخرينَ شربتَ
منْ كأس المرارةِ رحلةَ الغصهْ
وعُدْتَ على بساطِ الجوعِ والعطشِ
تحمّلْتَ الشرائعَ فوق كاهلكَ
أخذتَ تهزُّ نشواناً على انشادِ سُمّار السلاطينِ
رجعْتَ مُسمَّرَ العينينِ والشفتينِ والأذنِ
وقد مسخوكَ أغنيةً ومرثيهْ
فتاه الصوتُ في الشفةِ الرماديهْ
وتاهَ عويلُ حزنكَ بين ضحكاتِ الأباطيلِ ،
أيا وجهاً رواهُ دمي ونزَّ عليهِ صوتي واقتحاماتي
وروّيْتُ الجفافَ على بقاعكَ خضرةً ، خِصبا
ودُرْتُ على ميادينِ المغافلِ رؤيةَ الغاوي
وعشْتُ مع المغانم صورةً خرساءَ
لا لونٌ ولا أُطُرُ
فديسَتْ رحلةُ الأيامِ في حربِ المسافاتِ
وغابتْ طرقُ اللهفةِ في سيلِ الأحابيلِ
فقالوا ، ثم زادوا :
آهِ يا قصصَ الحناجرِ في التهامِ العشقِ ،
هذا ابنُ المزاميرِ صدى الواحاتِ لم يروِهِ نبعٌ
جفَّ في حلقهِ نبتُ العشقِ ،
وانطفأتْ شموسُ الرغبةِ الأولى ...

1971
عبد الستار نورعلي


73
أدب / يهوذا الأسخريوطي
« في: 17:34 04/09/2011  »
يهوذا الأسخريوطي
عبد الستار نورعلي



ما اللحظةُ  في خاصرةِ الوقت ؟

سكينٌ شقّتْ صدرَ الأرض
أكذوبةُ مَنْ أرخى الخيلَ سدولاً
في ساحات الهرب النافثِ
سُمَّ الخوف

شطرٌ من أردانِ الثوبِ الهفهافِ
على جسدِ الثلج
أو وجهِ الصحراء المختومةِ
بالنومْ

أنْ تقفزَ من عينِ الكرةِ اليسرى
في العينِ اليمنى
مبهوراً
من اسرار اللعبةِ بالأمم
على المكشوفْ

يسألني العابرُ بينَ هديرِ الموج:
هل مِنْ شركاءِ اللحظةِ مَنْ يرسو
في شاطئ خارطةِ البغضْ ؟

الحبُّ المتلوِّنُ بألوانِ القوسِ
ينالُ استحقاقَ الغيظ ِ
في قافيةِ الفخر
وشعار المطرقةِ
والسندانْ

الشاعرُ موقوفٌ محبوسٌ
في مركز ساحاتِ سباقِ النملِ
تتجمع أسراباً فوق موائدهمْ
في لحظة استغفالِ البيتِ
وتقزيمِ حروف القاموسْ

في هذي اللحظة
حيث الأيامُ تدورُ بميزان العدلِ التائهِ
بين الغفلةِ
وبين الرقص
وبين السكين ،
تتقاسمُ نافذةَ الدار المبروكةِ بالنار
أرجل يهوذا الأسخريوطي
تتراقصُ في أروقة الصلبْ

في هذي  اللحظةِ
من أصوات البلبلةِ
بين سطور اللغةِ الأم
واللغة الأخرى الغازيةِ
يروي الشاعر محصوراً
داخلَ خطةِ سور سليمانَ
قصةَ تلك الطير المارّةِ
فوق محيطات الأسماء المختلطةِ
ببلبلة الأرض
تتساقط تحت سنابكِ هاديسَ وإبليسَ


الثلاثاء  2005.04.26


74


بيني وبين الشاعر سعود الأسدي (3)


عبد الستار نورعلي


قال الشاعر الفلسطيني الكبير سعود الأسدي في قصيدته (أنتِ خمري):

أنتِ خمري وأنتِ زهرةُ أنسي
وهُيامي بالأغنياتِ ، وكأسي
 
لكِ شعري يأتي ببوحِ غرامي
بين لَمْسٍ لراحتيكِ ، وهَمْسِ
 
فافتحي لي يديكِ أقرأْ أمامي
في خطوطِ الكَفّينِ سُورةَ نفسي
 
واشربي الكأسَ واطربي كلّ وقتٍ
أنتِ فيه ، يطيبُ فيه التّحَسّي
 
وأنا إنْ سكرتُ منكِ  فإنّي
ضِعتُ منّي ما بينَ يومي وأمسي
 
فاذكريني باسمي لأنّيَ أخشَى
من لقاءٍ في ساعةِ السُّكْرِ يُنسي
 
قمري أنتِ، أنتِ كوكبُ روحي،
أنتِ شمسي والليلُ يُطْلِعُ شمسي
 
وحنيني كالموجِ يحملُ ذاتي
وسأرسو بزورقي حيثُ أُمسي
 
أنتِ غيثٌ ، وكلُّ غيثٍ حياةٌ ،
فاسكبي من نَداكِ يَخضرَّ يَبْسي
 
واغرسيني كما تشائينَ ، إنِّـي
في هواكِ الرهيفِ أشتاقُ غَرْسي
 
أنتِ عُمري أرَى تفاؤلَ عمري
حينَ تأتينَ لي فيرحلُ يأسي
 
أنتِ لي غيمةٌ ، وأقبِضُ ماءً
راحَ ينسابُ من أصابعَ خَمْسِ
 
آهِ منكِ ! وألفَ آهٍ وآهٍ !
ساهرٌ فيك منذُ ليلةِ عرسي
 
أنتِ لي غابةٌ تُشيعُ ظِلالاً
وأنا منكِ ليس يشبعُ حِسّي
 
وأنا ناعسٌ طَوالَ حياتي
فاتركيني أكسِرْ بظلِّكِ نَعْسي

مُتْعَبٌ ، أنشُدُ ارتياحاً فَهَلاّ
تجعلينَ المدَى وسادةَ رأسي !
 
أنتِ قُدْسي في الحبّ لا تَحرِميني !
أنْ تكوني يا مُنيةَ النفسِ قُدسي*
 
*  *  *  *

فعلّقتُ قائلاً:
سيدي:

أنا لا أسطيعُ إلا
أنْ أردَّ الشعرَ شعرا

منكمو شدوُ قصيدي
وبكمْ أنسابُ نهرا

يارياضَ الشعرِ أطلِقْ
طائرَ الإلهامِ سحرا

أنتَ مَنْ يملأُ دِنّي
خمرةً تُسكرُ سُكرا
 
فتردُّ الروحُ فينا
عذبةً تنزفُ عطرا

سيدي يا ابنَ شبيبِ العشقِ كمْ تشتلُ زهرا

في طريقِ العاشقِ الولهانِ كي يقطفَ ذكرى

حقلُكَ المُعشبُ مغنىً
وقلوبُ الناسِ أسرى

طرباً مالتْ ، وغنّتْ
لسعودِ الشعرِ سكرى

مع محبتي أيها الكبير !
عبد الستار نورعلي
      *  *  *  *

وقد ردّ بالآتي:
سعود الأسدي

الأستاذ الأديب القدير ، والشاعر الشهم الكبير
أخي الكريم عبد الستار نور علي

تحياتي وامنياتي وبعد

سيّــــدٌ أنت وإنّــــي
عبدُك المرهونُ دهرا

أنت أدرى برقيق الشعرِ طول العمرِ أدرى

كلّ ما تلمـس لو كانَ تُرابـــــاً صار تـِبرا

وثمارُ الكرم ما كانَ على الأغصانِ بُسْرا

لمسةٌ منك تحيلُ البُسرَ يا استـاذُ خمرا

وأنــــا أهتفُ مرحــى
لك والأشعـــارُ ذكرى

سـوف تبقى بعـد عمرٍ
نســرُها يعقبُ نســـرا

وإذا بان افتضاحـــي
أنت لي تُسبلُ سترا

دمتَ يــا خيرَ صديـــقٍ
تُتحفُ الأيــــامَ شعرا

بإخلاص واحترام ومودة
سعود الأسدي



حزيران 2011


75
من الذاكرة
باب الشيخ (1)


عبد الستار نورعلي



دقات سريعة متتالية ... صدى همساتٍ مبهمة ...

كانت تطرق سمعي في ليالي الصيف القائضة وأنا مستلقٍ على سريري فوق السطح. تتردد من ناحية السرداب الواقع في مقدمة الدار على يمين الداخل من (المجاز) كما كانت العامة تسمي الرواق المُوصِل بين الباب الخارجي والباحة الداخلية. كان المجاز ملتقى لنسوة الدار صيفاً حيث يجلسن طلباً لنسمة عليلة منعشة تمرّ عبره وسط الحرَ اللاهب ، وهن يغزلن باليد واللسان أو يستلقين ساعة القيلولة كي يسترحْنَ بعد عناء يوم شاقّ من العمل المنزلي.

كان للسرداب مدخلان مفتوحان ، واحد ملاصق للمجاز من الداخل ، والثاني في زاوية الدار من الجانب الآخر الموازي حيث سُلّمٌ يؤدّي الى طابق ثانٍ فوق السرداب بشرفة مطلة على باحة الدار مع أربعة غرف وسُلّم آخر يفضي الى السطح الثاني . وكان هناك سُلّمُ آخر في الجانب المقابل للسرداب يوصل الى السطح الأول الأوسع والأطول.

لم يكنْ السرداب منخفضاً عن مستوى أرضية الدار إلا بنصف متر تقريباً ، لكنه طويل بطول واجهة البيت الخارجية الممتدة في الزقاق الضيق (الدربونة). كان مبعثاً للخوف ليلاً في نفوسنا نحن الأطفال بسبب ما كان يثار حوله من حكايات وقصص خيالية عن الملائكة الذين يقيمون فيه، مع أنه كان أفضل مكان لتمضية قيلولة الظهيرة أيام الصيف الحارة حيث البرودة المنعشة والهواء الجلاب الهابّ من خلال الهوائيتين المفتوحتين من الأسفل والأعلى والمبنيتين عبر الجدار الى أعلى الدار ، وهو ما كان يسمى باللهجة العامية البغدادية (البادكَير)، وهي كلمة فارسية الأصل تعني جلاب الهواء.

علاماتُ استفهام تضطرب في خاطري الغضّ عن مصدر تلك الأصداء الغامضة المتواترة للأصوات والدقات المتتالية والهمهمات في أعماق ليالي الصيف أوائل خمسينات القرن العشرين وأنا مستلق على سريري فوق السطح اللبني كعادة أهل بغداد وقتئذٍ في الصيف هرباًُ من لهيب جوف الدار الذي تشعّه الجدران كاوياً الأجساد مثل تنور مسجور، الى درجة أنّ العائلات اعتادتْ أن تتناول عشاءها فوق السطح بعد أنْ يرشّوا أرضه اللبنية بالماء عسى أنْ ينطفئ لهيبها فيحظوا بهبة هواء بارد.

كانت قناعةٌ راسخة في نفسي أنهم الملائكة ، لذا كنتُ ارتعد من الخوف فألتفُّ باللحاف مغطياً حتى رأسي ، أو كنتُ أنزل عن سريري لأستلقي بجانب أمي ملتصقاً بجسدها وهي غارقة في نوم عميق على فراشها فوق أديم السطح، كنتُ خائفاً مرعوباً لدرجة أني أحبس حاجتي للتبول حتى انبلاج نور الصباح بشمسه ....


الشائع بين اهل الزقاق والمحلة أنَّ السرداب مقامٌ لملائكة صالحين، لأنّ بانيها وسكنتها من المؤمنين الأخيار والأتقياء الصالحين، ليكون ذلك مبعثاً لاحترامهم وإجلالهم إضافة إلى عراقة العائلة عشائرياً اجتماعياً ودينياً ايمانياً، إذ كانت إحدى العائلات الكبيرة البارزة والمؤثرة بين عائلات الكرد، حتى أنّ كبار رجالها كانوا يُلقّبون بـ(المُلا).

حافظت العائلة على تقاليد توارثتها جيلاً بعد جيل ومنها إقامة المجالس الحسينية للرجال، و المآتم (القرايات كما كانت تسمى عند العامة) للنساء في الدار الكبيرة كلّ عام بعاشوراء في ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في محرّم الحرام ، وكذلك مجالس الذكر في ليالي رمضان. وقد ورثت أيضاً عُدداً وأسلحة قتال قديمة حقيقية من أردية الفرسان وتجانيف الخيل وسيوف وخناجر ودروع وأعتدة حربية أخرى، وكان كل ذلك موقوفاً على الاستخدام في إحياء يوم عاشوراء إذ اعتاد الناس تمثيل واقعة كربلاء مسرحياً على الأرض كما حدثت، وهو ما كان يسمى بـ(التشابيه) عند العامة. حتى أنّ بعض مؤرخي الأدب يعتبرها من جذور المسرح في العراق .

كانت هذه المراسيم تقام خلف السدة التي بناها الوالي العثماني ناظم باشا في القرن التاسع عشر في جانب الرصافة لدرء الفيضانات عن بغداد. وقد تحوّلت هذه المنطقة إلى أحياء سكنية حديثة كبيرة، والتي امتدتْ عرضياً لتُبنى أحياء أخرى عصرية واسعة .
 
أهدتْ العائلة هذه العُدَدُ والتجانيف والأسلحة إلى حسينية الأكراد الفيلية الكبيرة في باب الشيخ التي بناها المرحوم الحاج أحمد وذلك لاستعمالها في الغرض المذكور .

تتوسط باحة الدار حديقة صغيرة مزروعة بأشجار من العنب واللِيْف المتسلقة المترامية مغطية الباحة كلها مشدودة بخيوط إلى سياج السطح المطلّ عليها. كان والده الملا نورعلي راعي الحديقة والمهتم بها، يزرعها ويسقيها ويتابع تفتح ثمارها . سوّّرها بسياج خشبي صنعه بيديه من الخشب الذي كان يجلبه من خانه (خان الطباطبائي) الواقع في مقدمة سوق الصفافير من جانب شارع الرشيد في بغداد. وهو خشبٌ من صناديق القماش التي كان بعض تجار السوق يخزنونها لديه في الخان بأجرة إلى حين بيع محتوياتها من القماش . وقد صبغ السياج بلون أزرق غامق، والويل لمن يمسّّ الحديقة أو أشجارها التي كان أهل الدار يجتمعون تحت ظلالها صباحات الصيف وأمسياته لتناول الطعام والشاي والقيلولة وتبادل الأحاديث والسمر البريء. كل عائلة أمام إيوانها وغرفها الخاصة، وفي أيديهم المهافيف (المراوح اليديوة) ليطردوا عنهم لهيب الحرارة الهاطلة من السماء والمنبعثة من الأرض والجدران الطابوقية ليشعروا بشيء من الانتعاش في أجسادهم الملتهبة المبللة بالعرق المتصبب منها. لقد اعتادوا أن يغسلوا الأرضية المبلطة بالآجر ويرشوا الحديقة بالماء تحت رقابة والده وتوجيهاته الصارمة  في كيفية التعامل مع الحديقة وأشجارها. فقد كان لا يسمح بسقيها أحدٌ غيره!

اعتاد أهل الدار والجيران أن يوقدوا الشموع والبخور في أمسيات الثلاثاء/الأربعاء والخميس/الجمعة عند مدخل السرداب المحاذي لمدخل الدار ، أو يلطخوا حائطه بالحنّاء تبرُّكاً وتقرباً من الملائكة الصالحين المقيمين فيه عسى أنْ يرضوا عنهم ، أو طلباً لتحقيق أمنية أو حاجة أو شفاء من مرض، مما كان يزيد من خوف الأطفال ويؤكد في أذهانهم ما يسمعون فلا يجرأون على الاقتراب منه ليلاً أو دخوله حتى نهاراً إلا بمعية أحد، وإن سمعوا صوتاً صادراً من ناحيته ارتجفت أوصالهم رعباً !

ومما يزيد من خوفهم  أنّ أباه كان يتحدّث لهم كثيراً عن المَـلَك الصالح الذي يراه يصلي كلّ فجر بباب السرداب ، يشعُّ وجهُه نوراً وبشرته ناصعة البياض مثل القطن ولحيته طويلة بيضاء ، يعتمر عمامة وجلباباً أبيضين . وفي جبهته غُـرّة من أثر السجود . إنه الملك الحارس للبيت وأهله ، يمرُّ بجانبه كلَّ ليلة وهو على سريره وسط الحوش حيث اعتاد أن ينام صيفاً فينظر اليه وابتسامة رضىً مشرقة تضيءُ محياه البهيّ.
في يومٍ وفجأةً أخذ والده ينام فوق السطح مثلَ غيره منْ أهل الدار! وحين سئلَ أجاب أنّ الملك الصالح وقف على رأسه في الليلة الماضية ناهياً:

ـ ملا نورعلي ! لا تنمْ بعد الليلة هنا!
 
فكان له ما نهى عنه!

المحلة (سراج الدين) التي تقع فيها الدار تتألف من زقاق ينشطر الى فرعين ضيقين مغلقين لا يتصلان بغيرهما إذ ينتهيان ببيوت سكنية . هذا الزقاق يتصل في بدايته بطريق عام قصير يُفضي من جانب إلى الشارع الرئيس وهو شارع الكفاح الذي كان يسمى قبل ثورة الرابع عشر من تموز 1958 بشارع الملك غازي ومن جانب آخر بالزقاق الموصل الى الحضرة الكيلانية (ضريح الصوفي الكبير عبد القادر الكَيلاني). سكنة المحلة هذه كانوا من الكرد الفيليين المرتبطين بوشائج قربى وعلاقات طيبة عميقة الجذور كأنهم عائلة واحدة حقيقية والزقاق بيتهم المشترك ومجتمعم الصغير، بالرغم من المشاكل والاحتكاكات اليومية الصغيرة فيما بينهم لسبب أو آخر وخاصة بسبب مماحكات الأطفال، لكنهم عند السراء والضراء كتلة واحدة متعاونة . وكانت تعيش بينهم عائلات عربية بمختلف طوائفها تأسست بينهم بسبب الجيرة علاقات وصلات طيبة عميقة أصيلة تسودها المحبة والوفاء والتضحية المتبادلة ليصبحوا أسرة عراقية واحدة موحدة تتعاون فيما بينها في كلّ الظروف.

كان من أحفاد الملا نظر المرحوم جعفر صادق الملا نظر (أبو دلير) وهو ابن عم والدي والذي كان له أثر كبير في حياتي شخصيةً وتوجيهاً ، وفي تكويني الثقافي والفكري. كان مثقفاً كبيراً وسياسياً شيوعياً نشيطاً صلباً عضو لجنة محلية بغداد ، شاباً محترماً له مكانته المتميزة في أوساط العائلة الكبيرة وبين معارفه وأصدقائه وجيرانه ورفاقه. يوجهني دائماً حياتياً ودراسياً حيث يتابعني باستمرار ويراقب تقدمي، مما ترك بصماته محفورة في توجهي وأفكاري ومستقبلي وتحصيلي الثقافي وما وصلتُ اليه من مكانة. شجّعي على المطالعة والمتابعة ومواصلة التعليم . أتذكر أنّ من الكتب التي شجعني على قراءتها روايات مكسيم غوركي ودويستويفسكي وتولستوي وشولوخوف ونجيب محفوظ ويوسف ادريس ، ولا يخفى عن بالي تركيزه على رواية حنا مينا الشهيرة (المصابيح الزرق) عندما صدرت أول مرة ، وكذلك كتب سلامة موسى ، وغيرهم من الأدباء والمفكرين التقدميين . كان يزوّدني بالكتب لقراءتها .

كما حثني على مشاهدة الأفلام السينمائية العالمية الراقية. في يوم  عندما كنتُ في السادس الابتدائي عام 1954 اعطاني بطاقة مجانية لحضور عرض خاص لفيلم (عربة اللذة) كما سُمّي في العرض العربي ، وهو مأخوذ عن مسرحية الكاتب المسرحي الأمريكي الشهير تنيسي وليمز (عربة اسمها الرغبة A streetcar named desire) ومن اخراج المخرج الكبير (ايليا كازان) الذي كان من أصول لبنانية ، وذلك في سينما ميامي الواقعة في الباب الشرقي. العرض كان مساءً وكانت الصالة ممتلئة مما اضطرني أنْ أجلس في مقعد فارغ في الصف الأخير بالطابق الثاني. كان الفيلم من بطولة مارلون براندو الذي نال عليه جائزة أوسكار أمام الممثلة الانجليزية الخالدة (فيفيان لي) زوجة أعظم ممثل ومخرج في تاريخ المسرح والسينما الانجليزيين والذي مُنحَ لقب (سير) هو (السير لورانس أوليفييه) المتخصص في تمثيل واخراج مسرحيات شكسبير مسرحياً وسينمائياً. وقد شاهدتُه في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين بطلاً لأفلام (ماكبث) و (الملك لير) و (هاملت) ، وفي فيلم (سبارتاكوس) التاريخي أمام الممثل الأمريكي الكبير الراحل كيرك دوغلاس الذي مثل دور سبارتاكوس ومثّل أوليفييه دور القائد الروماني الذي كان يطارده للقضاء عليه. ولا أنسى أبداً تلك اللقطة من الفيلم وقد ظهر فيها أوليفييه الممثل العظيم متقمّصاً الدور بقدرته الفائقة في التمثيل وتجسيد أدواره الى درجة أنها انحفرت في ذاكرتي عميقاً لحد اليوم حين صرخ مُزبداً وعيناه تقدحان شرراً والكاميرا مركزة على وجهه:

-  I don’t want glory. I want Spartacus.
*  *  *  *  *

كانت الشرطة في العهد الملكي وبعد كلّ عملية اعتقال لابن عمي جعفر تقوم بحملة تفتيش لدارنا بحثاً عن المنشورات السرية والكتب السياسية الممنوعة. كان التفتيش يقتصر على غرفة جعفر فحسب دون غرف الدار الأخرى ، ويتم بمذكرة رسمية وبحضور مختار المحلة . وقد أوقف وسُجن عدة مرات ونُفي الى ايران ، إذ كان النفيّ عقوبة سائدةً بحقّ المعارضين السياسيين في العهد الملكي. وكانت آخر عقوبة ضده قبل ثورة 14 تموز 1958 هو الحكم بسجنه سنتين ثم نفيه إلى إيران ليعود بعد الثورة .

في يوم بلغنا سريعاً خبر اعتقاله حيث أقتيد منْ مقرّ عمله ، فعرفنا بالضرورة أنّ حملة تفتيش أمنية ستجري في الدار. كانت غرفة ابن عمي تقع في الطابق الثاني فوق السرداب مباشرة وفي فوهة السُلّم العليا. هرعتُ أنا وعبد الصاحب شقيق المرحوم والنسوة لتفريغ الغرفة من الكتب والأوراق والمنشورات الممنوعة ونحن في حالة استنفار كعادتنا في كل عملية تفتيش. توزعنا في أرجاء الغرفة فجمعنا ما تمكنا منْ جمعه . اتجهتُ الى تحت السرير مندساً للبحث فلربما هناك شيء مخفيّ . وقع بصري على شيء أسود في الزاوية ، سحبته، فإذا هي طابعة قديمة سوداء ، جذبتها بسرعة وحملتها بين ذراعيّ راكضاً صوب السطح مع الآخرين حيث نناول الكتب والأوراق عبر السياج إلى الجيران في الدار الخلفية لأخفائها.

وأنا أسرع الخطى نحو السطح مهرولاً وبين أحضاني الطابعة طرق سمعي صدى الأصوات والهمسات والدقات الرتيبة المتتالية التي كنتُ أسمعها تنطلق من زاوية الدار هذه في جوف الليالي المظلمة الحالكة فتثير الرعب والرعشة في جسدي ..!

كانت هذه الطابعة بحرف مكسور وهي الدال . كانت الاجتماعات السرية وطبع المنشورات السياسية تتم تحت جنح الظلام بسرية تامة وحيطة وحذر بعيداً عن الأعين في دارنا في غرفة المرحوم أبي دلير الواقعة فوق السرداب وفي أعماق الليالي الملتفّةِ بالسكينة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عبد الستار نورعلي
أغسطس 2011

 

76
أدب / الجوُّ رماديٌّ
« في: 18:35 01/08/2011  »
الجوُّ رماديٌّ
عبد الستار نورعلي


الجوُّ رماديٌّ
وأنا ألبسُ جوّاً من لونِ الجوِّ
وعلى دربي أحملُ فوق الظهرِ
تاريخاً منْ لونِ رماد

يوماً أقسمتُ
أنْ أتخطّى الزمنَ ، زمني
لكنّ الخطوةَ هذا اليومَ واقفةٌ

أنْ تتخطّى هو أنْ تفتحَ بذرةَ قلبكَ
أمام الريح العاتيةِ   
أو ريح رُخاء .. لافرقَ
فالريحُ سواءٌ بسواء
تتلقّفُ وجهَ العابر  وجهَ القارات

هل مثلي يتدحرجُ فوق السفحِ
حتى يسقطَ في البئر
على وجهه

التقطَ السيّارةُ يوسفَ ، باعوهُ
بثمن بخس   
يومَ اقتعدَ كرسيَّ الأحلام
شروهُ بأعلى الأثمانْ

بضاعتي رُدّتْ إليّ

أأنا الخسرانُ أم التاجرُ
يوم البيعةِ تحتَ سقيفةِ كلام العابرِ
فوق الأجساد؟

الجوُّ رماديٌّ
والناسُ أمامي أشباح يتقاذفها اللونُ
شربوا حليب الثعلبِ والذئبِ
وليس حليبَ سباع
واقتاتوا بلحمي ولحوم خرافِ مدينتنا النائمة
فوق كلام النومْ

الجوُّ رماديٌّ
وأنا بين رفوف الكتبِ أدير الرأسَ
صداعاً يتلوّى

أقفرتِ الساعةُ عنْ دقِّ الساعةِ

كلُّ الأحلام رمادٌ 
في بقعةِ ليل
داخل غابات العينين

الرأس حصارُ الأسوار
والأسلاكِ
بين الشارع وبين القلمِ وبين الألوان

لوِّنْ وجهَكَ تسترخِ
وتنامُ مرتاحَ البال
هذا ماقال الشاطرُ
في اللعبةِ

الاثنين 4 تموز 2011

77
إخترنا لكم / اللصوص
« في: 20:22 03/07/2011  »
اللصوص
عبد الستار نورعلي

الى الشاعر سامي العامري معارضةً لقصيدته "عباب السراب":

فها تنهالُ ضرباً ، أنتَ حربُ
على مرضٍ ويعجزُ فيهِ طبُّ

سوى قولٍ بفصلٍ أنتَ منهُ
شـرارٌ ، لا يدانيهِ  مَهـبُّ

بلادي قد حوتْ خيراتِ ربّي
يعيثُ بساحِها لصٌّ  وذئـبُ

وينهشُ لحمَها أمراءُ حربٍ
يُجفِّفُ كنزَها نهبٌ وسلبٌ

وتاريخٌ ، تربّى في ظلامٍ
سوادٌ في سوادٍ يشرئبُّ

صحائفُ منْ قرونٍ غابراتٍ
يُشَدُّ بحبلها عينٌ ، ولُبُّ

لصوصٌ منْ كهوفِ افتحْ يَسِمْسِمْ *
فليسَ بشـرعِهمْ  دينٌ ، وربُّ

بضاعتُهمْ كلامٌ في كلامٍ
تجارتُهمْ محاصصةٌ وحزبُ

ذبابٌ فوقَ كرسيٍّ صراعٌ
برامجُهمُ  أكاذيبٌ ونَصْبُ

فما همْ منْ رجالِ الحكمِ حكماً
ولكنْ همْ لنهبِ الكنزِ حَسْـبُ

فلمْ تشبعْ بطونُهمُ التهاماً
و لا يرويـهُمُ  زورٌ ، وكِذبُ

وشعبٌ راسفٌ في نيرِ فقرٍ
فزادوهُ افتقاراً  ليسَ يخبـو

فأهلُ الدارِ زادُهمُ سرابٌ
وينعمُ فيهُمُ شرقٌ وغربُ

ونحنُ بدارةِ الأغرابِ نصلى
بنارِ الغُرْبِ يجرفُنا المَطبَُ

هجرْنا دارةَ الأحبابِ جوراٌ
وفينا جمرةُ الذكرى تشبُّ

يُعاشرُ بعضُنا اليأسَ التصاقاً
فلليأسِ استكانوا واستحبّوا

وما لليأسِ حظٌّ في حياةٍ
إذا كنا لنورِ الشمسِ نصبو

ففي الآمالِ غرسٌ منْ ضياءٍ
وساقيها لنا أرضٌ ، وشـعبُ

فلا شعبَ ارتضى بقيودِ باغٍ
ولا بدجىً على الأنوارِ حربُ

هي الدنيا وآيٌ مُحكَماتٌ
فما ظلمٌ يطولُ ويستتبُّ

* اشارة الى قصة (علي بابا والأربعين حرامي) واخفائهم سرقاتهم في كهف ذي باب صخري ضخم لا يمكن فتحه إلا بكلمة السرّ (افتحْ يا سمسمْ !)

عبد الستار نورعلي
الجمعة 17 حزيران 2011   



78
صحوة في الوقت الضائع

عبد الستار نورعلي


(1)  الوطن

وقفتُ في عين وطني
شمساً
لم يذرفْني دمعةَ فرحٍ
ولم يطعْمني من جوعٍ
ولا آواني منْ خوفٍ
ولا رشّني بماءٍ بارد

وقفتُ في شوارع الغرباءِ
شمعةً تحترق
فاصطدتُ نفسي
قطراتِ حزنٍ ساخنةً
تنزفُ على بابِ وطني       
وماءً بارداً
على رصيفه الساخن

استقبلني الواطئون عتبةَ المقدّسِ
بسيفٍ ورصاصٍ وقضبانٍ فولاذيةٍ
وعصاً غليظةٍ
وكلامٍ يُقطّرُ سُمّاً

غمسْتُ أصابعي في دم قلبي
وكتبْتُ قصائدَ حبٍّ عذريةً
فابتلعني مغنو الدرجةِ صفر
بأصواتهم الصاخبة
في جمهوريةٍ ابتلعها جيبُ الساقطِ
في جحرِ  الفئران


(2) المُغفّلون

الحراميةُ أشكالْ ألوانْ
يُخرجونَ رؤوسهمَ منْ جحورهم
في كلّ زمانٍ ومكانْ
عندما تحينُ الفرصةُ ويأتي الأوانْ
فيدسّونَ أصابعَهم
في كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ

الحراميةُ أشكالْ ألوانْ
الذي ينشلُ القرشَ من جيب عابر سبيل مغفّلْ
الذي يختطفُ اللقمةَ من فم جائعٍ مغفّل
الذي يتسللُ الى بيتِ جارٍ مغفّلْ
الذي يسرق الكرسيّ من زعيم مغفّلْ
الذي يستلُّ سيفاً من غمدٍ مُغفّلْ
الذي يضحك على ذقن شعبٍ مغفلْ
الذي يشتري الكلمةَ من قلم مغفّلْ
الذي يخلطُ الحابلَ بالنابلِ في رأسٍ مغفّلْ
الذي يُدغدغُ الحسَّ في قلبٍ مُغفّلْ
الذي يطعنُ الجمالَ في شِعر مغفّلْ
الذي يحرقُ القلبَ في صدرٍ مغفّلْ
الذي سرقَ عمري مني
أنا المغفّلْ


(3) وأخيراً ..!

أكتبُ منْ نعومةِ الأظفارِ
في حرفي
وفاتَ ما يقربُ منْ خمسينَ
في الصفِّ:

مررْتُ بالغنيّ والفقيرِ
والصغيرِ والكبيرِ
والجنديِّ والمُشيرِ
والطائرِ والأسيرِ
والسلامِ والنفيرِ
والشاعرِ الواقفِ والرائع
والشاعر المنبطحِ البائع
ومَنْ يُقالُ عنهُ بالعاقلِ
ومَنْ يُقالُ أنّهُ مجنونْ

مررْتُ بالمثقفِ المُنيرِ 
والمثقفِ الطيّبِ
والمثقفِ المطفيّ
والمثقف الملعونْ

رأيتُ في الذي رأيتُ ما
يشيبُ منْ ضربتهِ الشايبُ والرضيعُ
والدافئُ والصقيعُ
والفؤادُ والعيونْ

لكنني لم أنتبهْ
بأنني المُغفّلُ المُكبّلُ العيونْ

عبد الستار نورعلي
الثلاثاء 14 حزيران 2011


79


بيني وبين الشاعر الفلسطيني سعود الأسدي (1)


عبد الستار نورعلي

يقول الشاعر الفلسطيني سعود الأسدي في قصيدته (لن أنساكِ):

يا حلوةَ العينينِ لنْ أنساكِ
حتى ولو أصبحتُ في النُّسّاكِ
 
قد قيلَ: إنّ الصّخرَ فيه قساوةٌ
والصّخرُ لي قد قالَ: ما أقساكِ !
 
بالأمس كنا موجتين تمازجا
في روضِ أحلامٍ شهيٍّ زاكي
 
فإذا الذي ما بينَنا بكِ قد غدا
من جفوةٍ وتنافر ٍ ، وتشاكي
 
فإذا مررتُ بقربِ بيتِكِ مرّةً
ورأيتُ طيفَكِ من ورا الشبّاكِ
 
سارَعْتِ في إخفاءِ حالِكِ عنوةً
وحَرَمتِني نظري إلى مرآكِ
 
فأظلّ أنطرُ من مكاني واقفاً
متشاغلاً كي ترجعي وأراكِ
 
لكنْ أخافُ من الوقوفِ تحسباً
من أنْ تراني أمُّكِ ، وأباكِ
 
فأروحُ أصفِرُ في الطريق تحرّشاً
فِعْلَ المراهق في الصَّبا بصِباكِ
 
وأصيرُ أنظرُ من ورائي خِلسةً
وكأنني أبغي أشوف أخاك
 
فأراكِ تسترُكِ السّتارةُ خلفَها
فِعْلَ الغمامِ بنجمةِ الأفلاكِ
 
فأسيرُ كالأعمى كأنّي لا أرى
أحداً على طولِ الطريقِ سِواكِ
 
فإذا خفِيتِ بمُنحنىً عن ناظري
أمشي بإصغائي لوَقْعِ خُطاكِ
 
حتى إذا غُمَّتْ خُطاكِ يسيرُ بي
من حيثُ سِرْتِ على الطريق شَذَاكِ

*   *   *   *  *   *
وعلّقتُ مرتجلاً على القصيدةِ :

الشاعر الباهر الأخ سعود الأسدي،
تبهرنا شعراً رقيقاً رائقَ الأسلوب بهيَّ الصورة رقيقَ الحاشية رهيفَ الاحاسيس :

ماذا فعلتِ بشاعرٍ يهواك    
ألقيتِهِ في ذارياتِ هواكِ  

هيّجتِ فيهِ بلابلاً محبوسةً
بينَ الضلوعِ براسفاتِ شِباكِ

لعبتْ بهِ شوقاً صبابةُ عاشقٍ
حتى رأى الأطيافَ حلوَ لقاكِ

فالريحُ عطرُكِ سارياً بهبوبهِ
والنجمُ في لمعانهِ عيناكِ

يا واحةَ الشعرِ التي قد ألهمَتْ
هذي الفرائدَ منْ هوى ذكراكِ

أنتِ الإلهةُ في معابدِ حرفهِ
فسجودُهُ وقيامُهُ: "أهواكِ"

ماذا دهاهُ ، هو الحصينُ بلُـبّهِ ،
حتى استحالَ على صداكِ الحاكي !

لا بدَّ منْ شكرانِ معشوقٍ روى
كأسَ الحبيبِ قصـائدَ الأفلاكِ

وسعودُ ياصَبّاً ومحمولاً على
عشقِ الرويِّ برقةٍ ، وتباكِ

أطربتنا منْ مُرهفاتِ قصيدكم
فجثوتُ في الأبياتِ كالنُسّاكِ

مع حبي وتقديري لشاعرنا الكبير سعود الأسدي
عبد الستار نورعلي

وقد أجابني :

الشاعر الكبير
والأديب الأثير
الأستاذ عبد الستار نور علي
تحياتي عاطرة
تطير إليك من سماء الناصرة

أخي الكريم
يأتي شعرك كالعيد
في أحلى المواعيــد
وتتراقص أبياتك كالغيد
بثـــوب العيش الرغيد
فأجدني حائراً
أأقتحــم اللجة
أو أتذرع بالحجّة
بأنّي ضعيف منين
وقد تملّكني كالعَوْد الأنين
ولكن وتبعاً للمثل القائل :
إن علق الحر ما يلبط
فقد شجّعت نفسي بعد أن طارت شعاعا
فقلت مرتجلاً وشدوتُ عجِلاً :

يا عبــدُ بل يا سـيّـدَ الأملاكِ
بلُقاكَ أفلتَ من يديّ ملاكي

أعليتَ برجاً من قصيدكَ شامخاً
فغدا يناطـــــحُ قبّةَ الأفلاكِ

وأنا بنائي صار بيتاً واهياً
وبدتْ شروخُ الصخـر في مِدماكي

ولربّمـــا يهوي لأوهـى هـزّةٍ
فوقـي فأغدو فيـه دون حراكِ

وإلهةُ الشعــر التي قد غادرتْ
إن أقبلت يومــاً أقلْ بشراكِ

لكنّها هجرتْ بعيـداً وانتحي
قلبي ونفسي في أشدِّ عراكِ

نفسي تحدّثني لتغرقَ في الهوى
والقلبُ من وجعٍ يقول : كفاكِ

وطموح نفسي لا يزال مُساوري
أرضـاه حتى لو سعى لهلاكي

والحبُّ أشرفُ ما يكونُ رغيبةً
مُلْكٌ ويفضلُ سائـرَ  الأملاكِ
 
وأنا أقول لكل غانيةٍ سمتْ
نفسي وقلبي بالغرام فِداكِ

وأراك َيا (ستّارُ) مثلي في الهوى
ولأنـت رأس عصابـــةِ الفُتّـاكِ

ودمتَ راعياً للظرف واللطف والأدب
بإخلاص ومودة واحترام
  ـ  ـ  ـ  ـ  ـ  ـ  ـ  ـ  ـ  ـ  ـ  ـ  ـ  ـ

*  جرت هذه المساجلة الشعرية في مجلة المثقف العدد: 1539 الجمعة 08/10/2010  

 
السبت 14/5/2011


80
لكي تكونَ ديمقراطياً
عبد الستار نورعلي


لكي تكونَ ديمقراطياً
مُدَّ يديك في جيوب الفقراء
أفرغْها منَ الفُتات
فأنتَ محميٌّ بقانون الخصخة

لكي تكونَ ديمقراطياً
اسرقْ اللقمةَ منْ أفواهِ الجياعِ
فأنتَ محروسٌ بشريعةِ الشطارة

لكي تكونَ ديمقراطياً
زوِّرْ شهادةً دراسيةً
أو عمامةً فهلويةً
أو  نفخةً كذّابيةً
وانهبْ ، اخطفْ ، اسرقْ بنكاً
هرِّبْ نفطاً !
فأنتَ محفوظٌ بنظام
"إنّ الطيورَ على أشكالها تقعُ"

لكي تكونَ ديمقراطياً
ومشاركاً وطنياً
شكّلْ مليشيا طائفيةً
أو فرقةً سلفيةً
أو مقاومةً عنتريةً
أو عصابةً مافياويةً
أو شلةً سياسيةً بلطجيةً
فأنتَ منصورٌ بـ"حارة كلمنْ إيدُهْ إلهْ "

لكي تكونَ ديمقراطياً
اشربْ كأسَ البطالةِ المُقنّعةِ
وغيرِ المُقنّعةِ
حتى الثمالةِ
واقنعْ !
فالقناعةُ كنزٌ لا يفنى

لكي تكونَ ديمقراطياً
كنْ مأكولاً مذموماً مدحورا !
واقبلْ بما قد قد قالهُ كبيرُهم
حريةٌ ديمقراطيةٌ عدالةٌ لا تُـقنِعُ
إلا بفوضى أو بضربٍ أو بغزوٍ يقعُ
أو بحصارٍ  للصوصٍ ينفعُ
أو برئيسٍ خشبيٍّ يُرفَعُ
همْ نحتوهُ نصّبوهُ جمّلوهُ
نفخوهُ كبّروهُ
طوّلوهُ عرّضوهُ
وأقاموهُ كشرطيٍّ وحارسْ
ثم باعوهُ وكشّوهُ نعالاً ومكانسْ
فأحالوهُ لجُرذٍ يختفي في حفرةٍ
أو خلفَ جدرانِ الدوارسْ
تركوا الناس لحربٍ ولخلاّقةِ فوضى
ولأنيابِ الضواري والمَهارسْ
ولإرهابٍ وأضراس المعالسْ
فلكي تبقى ديمقراطي
ومرضيٍّ حضاريٍّ وللحقِّ وللعدلِ تُمارسْ
قدّمِ الطاعةَ ممنوناً لأصحابِ الأساطيلِ
لأصداءِ البساطيلِ
فتحضى بالمغاني والكراسي والمجالسْ

عبد الستار نورعلي
السبت  21/5/2011



81
المنبر الحر / بن لادن
« في: 19:35 08/05/2011  »
بن لادن

عبد الستار نورعلي


لا تُطلْ لِحيتَك ،
فستُحلَقُ لك من الجذور
قبلَ العشاء الأخير !

لا تُطلْ ذكورتكَ
فستُقطَعُ حتى .....
قبلَ الزفافِ الأخير !

انتهتِ الحفلةُ
 
كلما احتفلتْ أمةٌ لعنَتْ أختَها

The game is over.
Is it really over?

الرقصُ فوق الجثثِ استعادَ سيرتَه
ها هي اللحظةُ استفاقتْ منْ سُباتها

جثثٌ من سلالةِ الطينِ تتصادمُ  ، تتصارعُ
جثثٌ من الشرقِ
جثثٌ من الغربِ
جثثُ العالم الثالث في رسمِ الجثث

"جيفارا ماتْ
جيفارا ماتْ
آخر خبر في الراديوهاتْ " *

ما ماتَ جيفارا
ولكنْ ماتَ ثعبانٌ أغارا

لا تُطلْ لِحيتك !

لماركس لِحيةٌ
للينين لحيةٌ
لهوشي منه لحيةٌ
لجيفارا لحيةٌ
لكاسترو لحيةٌ
لبرناردشو  لحيةٌ
لطاغورَ لحيةٌ
لعمر المختارِ لحيةٌ
لأحمد ياسين لحيةٌ ،
لحسن نصر الله لحيةٌ

لا تُطِلْ لحيتك ،
فستطاردُك الأشباحُ والاستراتيجياتُ
والسمتياتُ
والمخابراتُ
والمطاراتُ
والعنترياتُ
والدكتاتورياتُ التي أمستْ خارج الصلاحيةِ

لا تُطلْ لحيتَك ،
الصالونُ الأبيضُ افتتحَ حفلةَ الحلاقةِ

أُسدِلَ الستارُ على الفصلِ الثاني
من مسرحية مطابخ الحلول في مواسم الفصول

لا تفتحْ عينيكَ ولا أذنيكَ ولا شفتيكَ

هناكَ عيونٌ وآذانٌ وشفاهٌ
تقدحُ شركاتٍ استثماريةً
وأقماراً صناعيةً
وسمتياتٍ محصنةً باليورانيوم
وبالقتلة المأجورين
وبالعسس السرّيين
تطاردكَ اينما حللْتَ وارتحلتَ
فلا أهلاً نزلتَ ولا سهلاً حللتَ
ولا أمناً سكنْتَ

لا تُطلْ لحيتكَ ،
فالسماسرةُ راجتْ بضاعتُهم
في سوقِ تجارة العيون والآذانِ والشفاه


لا تُطلْ قامتَك
فقد أُكِلْتَ يومَ أُكِلَ الثورُ الأحمر
والثورُ الأبيضُ الهائجُ ينطحُ يساراً ويميناً

"لا نستطيعُ مناطحة الثور الأكبر " **
ففتحتِ البلادُ فخذيها للثورِ
حتى الهزّة الأخيرةِ

هبّتِ العصافيرُ منْ أكنانها
تناطحُ الثورَ الكبير
حتى مثواهُ الأخير
بمناقيرَ منْ كلام هادر
وقلبٍ ثائر
وجناحٍ طائر
فطالتْ لِحاها

* مطلع قصيدة (جيفارا مات) للشاعر أحمد فؤاد نجم
** (لا نستطيع مناطحة الثور الأمريكي) هي النظرية السياسية التي روّج لها الصحفي المصري الشهير محمد حسنين هيكل عبر مقالاته الأسبوعية ، كل يوم جمعة ، في صحيفة الأهرام التي كان يرأس تحريرها في زمن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وبعد هزيمة الخامس من حزيران 1967. وقد أُتهم حينها عربياً بأنه يبثّ روح الهزيمة والاستسلام ويمهّد للتسوية السياسية مع اسرائيل. وقد قيل أيضاً بأنه يُعبّر في كلّ ما كان يطرحه في مقالاته عن بعض آراء وأفكار وتوجهات عبد الناصر التي لم يكن يرغب شخصياً بالتصريح بها لحساسيتها عند الجماهير فيدفع هيكل لطرحها ، وذلك ليجسَّ نبض الشارع المصري والعربي وردود فعله إزاءها قبل أنْ يتخذ قراراً بشأنها لتصبح سياساتٍ  أو مواقف أو توجهات.

عبد الستار نورعلي
الأربعاء 4 أيّار 2011


82
المنبر الحر / خصخصة العراق
« في: 16:44 16/04/2011  »
خصخصة العراق
عبد الستار نورعلي


(نصوص معادة ، ففي الإعادة إفادة)

جاء في الأخبار أنّ الإدارة المدنية في العراق قرّرتْ
إقامةَ شبكةٍ للضمان الاجتماعي قبل خصخصة الدولة:


ياتُرى ،
ما سنرى ،
خصخصةُ الدولةِ
أم لفلفةُ الدولةِ
أم دحرجةُ الدولةِ
في جيب برلسكوني
وشارونَ وتشيني
مافيات العالم الحرِّ
وسُرّاق المتاحفْ
والبنوكْ ؟!

*  *  *

أبشرْ ، أبو جاسمْ ،
فأخونا العمو سام ْ
يحملُ تحتَ القبعةِ
تباشيرَ سلامْ ،
ورخاءٍ وضمانٍ 
وأمانْ!
أبشرْ ،
فالخيرُ عميمٌ
حتى الآذانْ،
فحصانُ الطرواديِّ القادمِ
خيرُ حصانْ !

*   *   *

لمَ لا نُكثرُ هذا اليومَ منْ قيلٍ وقالْ !
لمَ لا نصرخُ أنّ الويلَ في ذيلِ احتلالْ!
فلقد بانَ وفي الأفقِ تباشيرُ المآلْ
وتردّي الأمرِ من حالٍ
إلى أسوأ حالْ،
من قتالٍ لقتالٍ
وقتالٍ وقتالْ
ولحومُ الناس بالذبجِ
وتفجير الصهاريجِ حلالٌ
وحلالٌ وحلالْ!

30 تشرين الثاني 2003


83
هل أخطأ الفيليون في التشبث بالوطن
عبد الستار نورعلي


أيا مطرَ الربيعِ،
إغسلْ وجهَ العراقْ ،
ونقِّرْ على جبهتي قطرةً
بعدَ قطرهْ،
تباركَ اسمُ العراقْ ،
تباركَ مَنْ سالَ دمُهُ
على جذع نخلةٍ في الجنوبْ،
تباركَ منْ طارَ جذعُهُ شظايا
على قمةٍ في الجبالْ،
تباركَ كلُّ منْ صاحَ:
ياعراقْ!
..........
هذا ما كتبتُهُ أنا العراقي الكردي الفيلي ربيع عام 1992 وأنا في مهجري ببلغاريا وقطرات المطر تنقّر  وجهي وعينيّ متذكراً وطني يلهبني الحنين والشوق الى بغداد مسقظ رأسي مثلما يلهب عائلتي. وكتبتُ في مهجري في السويد وفي قصيدة (الرحيل) 1995:
صرنا محطاتٍ
حقائبَ
تسمياتٍ في جوازاتٍ مزورة
نزعنا كلَّ رسمٍ غيرَ اسمك ...
من أين جئتَ ؟
من العراق
وأين شبتَ ؟
في العراق
وأيَّ ثوب ترتدي ؟
نخلَ العراق

منذ بدأت النشر شعراً ونثراً ومن عام 1965 وحتى اللحظة هذه  وفي كتاباتي السياسية كان للوطن (العراق) حصة الأسد في التعبير عن قضاياه ومعاناته وشعبه ومن منطلق التزامي الأدبي الذي واظبتُ على الاستمرار فيه الى اليوم وكذلك الوقوف الى جانب قضايا الشعوب عامة في العالم ومنها الشعب العربي الذي كان له الحصة الثانية وفي قضية فلسطين بالذات والكتابة فيها، وعليها نلتُ تكريماً من منظمة التحرير الفلسطينية (فتح) في السبعينات من القرن الماضي.
ومعذرة فهنا لستُ في صدد الحديث عن الذات ، وانما في ايراد مثل ذاتي قريب ومعروف. فهناك أمثال كثيرة لكتاب وأدباء آخرين كالقاص المرحوم عبد المجيد لطفي والشاعر المرحوم زاهد محمد وغيرهما إذ لسنا في مجال تعداد اسماء واستقراء بحثي.

لقد خدم الفيليون وطنهم في كلّ مناحي الحياة الوطنية العراقية وحتى العربية اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وحتى قتالياً . شارك أبناؤهم  في الجيش وفي كلّ الحروب التي مرّت بالعراق فسقط منهم شهداء . كما شاركوا في حرب فلسطين عام 1948 ومنهم ابن عمي المرحوم قاسم موسى ملا نظر الذي لم يُمنح شهادة الجنسية قط ومات غمّاً في فراشه عام 1980 بعد حملة التهجير الظالمة الوحشية متخفياً خشية التسفير. كما شاركوا في حرب حزيران 1967 وقدموا شهداء منهم ابن أخت المرحوم قاسم وهو الشهيد عبد الجبار كريم  الذي سقط شهيداً في الأردن. وبالتأكيد هناك غيرهما الكثير .
فهل بعد الشهادة بالنفس شهادة وطنية أعلى وأكبر وأنصع ؟!
وقد قال الشاعر:
والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجودِ

كما شارك الشباب الفيلي في النضال الوطني داخل الاحزاب والتيارات السياسية العراقية ومنذ القرن المنصرم ومن بداياته ، فكان لهم دورهم في هذا النضال ، وعانوا بسببه الكثير من الاضطهاد والظلم والملاحقة والسجن والنفي. وربما كان هذا من أسباب ما لحقهم من تمييز ومطاردة وتهجير وطمس للحقوق وانكار لهوية المواطنة من خلال عدم منحهم الجنسية العراقية أو مصادرتها وخاصة بعد حملة التهجير القسرية الظالمة عام 1980 ، وكذلك من خلال التمييز الذي عانوه في الوظائف الرسمية والقوات المسلحة وفي الدوائر الحكومية وفظاظة التعامل معهم  في مراجعاتهم لهذه الدوائر ولحد اليوم وبعد التغيير. كلّ ذلك بسبب النظرة اليهم كمواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة. وهذا إرث أسود عنصري وطائفي وسياسي استمرّ ولا يزال راسخاً في نفوس وثقافة البعض بتأثير الأنظمة الاستبدادية والعنصرية التي حكمت العراق والتي ربّتْ الناس عليها جيلاً فجيلا.

ورغم كل ما تعرض له الكرد الفيليون فقد ظلوا متمسكين بأرضهم ووطنهم ، يحبونه ويحنون اليه مهجّرين ومغتربين ، فهو مسقط رؤوسهم ومربع صباهم ومقرّ سكناهم فقد تركوا ذكريات جميلة خلفهم ، وبيوتاً صودرت بعد تهجيرهم ، وأموالاً نُهبتْ ، وأبناءً حُجزوا واغتيلوا ظلماً دون ذنب اقترفوه إلا أنّ عوائلهم قد هُجّرت، فاختفوا في مقابر جماعية لم يعثروا على آثارها لحد اليوم.

عُرف عن الكرد الفيليين كلّ الصفات الانسانية الطيبة والحميدة وقد أرّخها المؤرخ العراقي الاستاذ د. سيار الجميل إذ يقول عنهم في بحثه القيّم الموسوم (الفيليون العراقيون: طيفٌ رائعٌ سحقهُ الاستلاب !):
" وباستطاعة العراقيين أن يميّزوا جملة من التقاليد والخصال التي يعيش عليها هذا الطيف المسالم الذي يقف العمل في مقدمة قيمه ، ثم المصداقية ، ثم النظام والدقة .. وقبل هذا وذاك الإبداع من جانب والإخلاص سواء للوطن أو لروح الجماعة .. فضلا عن التحمّل والصبر.....
............................................
وأنهم يتمتعون بالقوة والمهارة في الحرفة والتفكير معا وان ردود أفعالهم قوية ضد الخطأ ، وأنهم أمناء في نقل المعلومات أو المواد والأشياء ، ولهم اهتمامهم بالروح المنزلية وتربية الأطفال وسرعة الاندماج مع الآخرين ويستنكرون التواكل والكسل فضلا عن واقعيتهم في معالجة الأمور بعيدا عن التهويم ."

يؤكد الدكتور الجميل هنا على مجموعة خصال حميدة في الفيليين ومنها خصلة الاخلاص للوطن والمصداقية والمسالمة، وهذه شهادة مؤرخ عراقي عربي باحث دقيق في تشخيصه، لا ينطلق من التحيز أو العاطفة أو الموالاة أو المجاملة والمحاباة بل من منطلق البحث التاريخي العلمي الموضوعي. إذن فالاخلاص للوطن النابع من حبه والتعلق به هو من أبرز ما يمتاز به الفيليون. وقد يكون اخلاصهم أكبر من ادعاء البعض ممن يعتبر نفسه وطنياً مدافعاً حريصاً على العراق ، بينما هو ينهش لحمه وينخر فيه من الداخل نهباً وفساداً وارتباطاً بالاجنبي خارج الحدود. فمن خلال معايشتنا الحياتية الشخصية لشريحتنا لم نعثر يوماً على خائن لوطنه أو بائع ذمته لأجنبي او خادم لأجندات خارجية بالضد من مصالح وطنه أو سارق للمال العام أو فاسد ومفسد مثلما وجدناه ونجده عند الكثيرين من ادعياء الوطنية . والاستاذ د. سيار الجميل من خلال استقرائه البحثي العلمي الذي لا لبس فيه يؤكد بقناعة وشهادة تاريخية موضوعية على وطنيتهم وعراقيتهم حين يقول:
" كان الفيليون من أكثر العراقيين التصاقا بعراقيتهم"

ومن خلال المعايشة الحياتية للبيئة الفيلية وتاريخها الاجتماعي والسياسي اليومي العائلي والشخصي الذاتي والملاحظة والمتابعة الميدانية لم نجد يوماً من الفيليين شيباً وشباباً رجالاً ونساءً من أساء أو حاول أنْ يسيء الى وطنه بشكل أو بآخر أو خانه ورغم كلّ ماتعرضوا له ويتعرضون من ظلم واجحاف وتهميش وتمييز. ولقد قلتُ في احدى قصائدي عن شريحتنا:
ما كانَ فيهمْ خائنٌ متربّصٌ
بالرافدينَ ولا فساداً جاؤوا

وأظنّ أنّ الشعر تعبير عمّا في روح الشاعر وقلبه وعقله ومن خلال تجاربه الحياتية الذاتية والجمعية ومشاهداته ومعايشته للواقع. وبذا فإنّ ما جاء في البيت أعلاه تعبير عن واقع معاش وتجربة حياتية ملموسة.

ويؤكد كذلك الاستاذ د. كاظم حبيب على هذه الخصال ومنها الاخلاص للوطن حيث يقول في مقالته الموسومة (حول الكُرد الفيلية ورسالتي إلى السيد نائب رئيس الجمهورية):
" إن معرفتي بالكُرد الفيلية تعطيني الحق بالقول بأنهم يشكلون جزءاً أصيلاً من هذا الوطن الحبيب , وأنهم مخلصون لهذا العراق ولأهله وبعيدون كل البعد عن التهمة التي وجهت لهم في كونهم يمكن أن يصبحوا يوماً عيوناً وعوناً لإيران على العراق. إنهم لا يختلفون عنكم وعني وعن ملايين العراقيين من مختلف القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية في إخلاصهم للوطن وحبهم للرافدين وعشقهم لبغداد وحنينهم لها , إنهم بنات وأبناء هذا الوطن , كما هو حال أهل باب الشيخ والأعظمية والكاظمية والكرادة والرصافة والكرخ والعمارة وديالى والرمادي والفلوجة والسليمانية وأربيل والبصرة والموصل وبقية مناطق العراق الأخرى".

كما يثبت الاستاذ د. عبد الخالق حسين  هذه الحقيقة الناصعة المتأصلة في الفيليين مشيراً ومؤكداً على أصالة عراقيتهم الممتدة الى عمق التاريخ إذ يقول في مقالته ((محنة الكرد الفيلية.. حتى في العراق الجديد؟):
" وهم عراقيون عن أب وجد إلى ما قبل التاريخ المكتوب. فهذه الشريحة قدمت المئات من الشخصيات اللامعة في مختلف المجالات: الحركة الوطنية، والسياسية، والاقتصادية، والتجارية، والثقافية والفنية..الخ"

وبذا يؤكد الباحثون الكبار ممن لا شك في علمهم ونزاهتهم وموضوعيتهم وصدقهم على أصالة ووطنية وعراقية الكرد الفيليين مما لا لبس فيه ولا جدال ولا شكّ بأنهم متعلقون ومتشبثون بوطنهم وأرضهم وشعبهم يحنون اليه بحرقة وهم في مهاجرهم ومغترباتهم يعانون ، ومستغلين كلّ فرصة متاحة لزيارة بلدهم والتزود بهوائه ومائه وعبير ترابه ومتابعة حقوقهم المستلبة لاستعادتها لكنّ العراقيل لا تزال كثيرة أمامهم مثلما ي السابق.

وبعد كل هذه الوطنية والمعاناة والتي يؤكد عليها الباحثون وكذلك الفيليون أنفسهم من خلال تحركاتهم فردياً وجمعياً ، وبعد كلّ معاناتهم وفقدانهم للآلاف من شبابهم في غياهب المعتقلات والمقابر الجماعية من الذين حجزهم النظام الساقط أثناء حملة التهجير في ثمانينات القرن الماضي ، بعد كل ذلك نجد أنّ البعض لا يزال يحمل في نفسه عُقَد الماضي العنصرية والطائقية والسياسية في تعامله مع قضية الكرد الفيليين. وما جرى في جلسة مجلس النواب العراقي يوم 4/4/2011  بمغادرة النواب قاعة المجلس حين الاعلان عن مناقشة قضية اعتبار ما جرى للكرد الفيليين من تهجير وقتل ومصادرة بيوت وأموال ووثائق المواطنة العراقية منهم  واغتيال الآلاف من شبابهم واخفاء آثارهم جريمة ضد الانسانية (جينوسايد) مثلما جاء في قرار المحكمة الجنائية العليا في محاكمة المتهمين في قضية تهجير الكرد الفيليين، حيث بقي في القاعة 33 نائباً فحسب وبذا لم يكتمل النصاب للتصويت على القرار . وكان ذلك بعد صرخة النائبة من التيار الصدري ، الذي عُرف عنه الدفاع عن المظلومين والمضطهدين وبخاصة في عهد النظام السابق ، وهي النائبة مها الدوري والتي كانت صرختها اشارة الخروج وشهادة على أنّ العقد العنصرية والطائفية لا تزال معشّشةً في نفوس البعض . والداهية أنها تعشّش في نفوس وعقول بعض السياسيين والنواب والقادة الذين يقودون عراق التغيير اليوم.
ويبدو أن التغيير لم يُغيّر ما في النفوس وانما غيّر ما في الكراسي والجيوب!!
فهل بعد هذه المهزلة مهزلة في عراق اليوم؟
ولا تندهشوا إذا صرخنا متسائلين:
هل أخطأ الكرد الفيليون في الاخلاص للوطن والتعلق به والتشبث بترابه؟

عبد الستار نورعلي
الأحد 10/4/2011 
...
روابط ذات صلة:
بحث الدكتور سيار الجميل:
http://www.sayyaraljamil.com/Arabic/viewarticle.php?id=index-20100915-1883

مقالة الدكتور كاظم حبيب:
http://al-nnas.com/ARTICLE/Khabib/7feli.htm

مقالة الدكتور عبد الخالق حسين:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=243325



84
أدب / الشهيد الفيلي
« في: 15:15 04/04/2011  »
الشهيد الفيلي
عبد الستار نورعلي



نامَ الشهيدُ قريرَ عينٍ شاهدا
للظلمِ، كيفَ يكونُ ذئباً حاقدا

أحببْتُ فيهِ نقاءَهُ ، وشـموخَهُ ،
ورأيتُ في عينيهِ حلمي ساجدا

كانَ الشبابَ وكانَ ورداً زاهراً
يبغي الحياةَ وللنجومِ الصائدا

كانَ الحبيبَ وكانَ نورَ عيوننا
أنْ نستفيقَ نراهُ فينا القائدا

قاسمْتُهُ خبزَ المحبةِ ساخناً
وشربْتُ منْ كفيّهِ عزماً صامدا

كبّرْتُ فيهِ شبابَهُ ، وحماسَهُ،
ووجدْتُ فيهِ الخيرَ يوماً سائدا

ما كُنتُ أدري أنّ يوماً قادماً
سيغيبُ فيهِ بينَ تربٍ راقدا

أينَ الترابُ نشمَّ فيهِ عبيرَهُ؟
لهبٌ ، وفينا لا يزالُ الواقدا

بئسَ الذينَ تصيّدوهُ وأوغلوا
قتلاً فصاروا للمذابحِ شاهدا

هم في مزابلِ سيرةٍ مطعونةٍ
وهو الذي يبقى منيراً خالدا


عبد الستار نورعلي
الاثنين 4/4/2011




85
أأبا فراتٍ والجراحُ فمُ

عبد الستار نورعلي


* كتبتُ القصيدةَ عام  1987معارضةً لقصيدة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري التي يخاطب فيها المرحوم العلامة الدكتور محمد مهدي المخزومي، ومطلعها:

أأبا مهندَ ، والجراحُ فمُ
وعلى الشفاهِ من الجراحِ دمُ

وعلى الشفاهِ تمورُ طاغيةً
حُرَقٌ تُصعّدُ ، ثمَ تنهزمُ

مع أننا لا ندّعي لأنفسنا أننا نبلغ شموخ الجواهري  الكبير!

* لم تنشر القصيدة كاملة من قبل لأنها كانت ضمن دفاتري التي تركتها أمانة عند هجرتي من العراق، وقد وصلتني قبل أشهر. سبق لي أن نشرتُ أبياتاً قليلة من مطلعها في تسعينات القرن الماضي والتي بقيت عالقة في ذاكرتي الحافظة:

أأبـا فـراتٍ ،  "والجـراحُ  فـمُ "
وعلى السيوفِ "من الجراحِ دمُ"

إنّا على حالينِ ، تجمعُنا
لغةٌ تُحلِّقُ ، ثُمَّ  تضطرمُ

إنّا على حالينِ يُثقلُنـا
همٌّ يصولُ وليس ينصرمُ

همٌّ تكابدُهُ على سَفَرٍ
بينَ القوافي نارُهُ ضرَمُ

وأنا هنا حالانِ ما افترقا
نفسٌ تذوبُ ورؤيةٌ سَأمُ

*  *  *

أأبا فراتٍ ما الذي نزفَـتْ
عيناكَ، ماقالتْ لكَ الكلِمُ؟!

أضرمْتَها حُرَقاً  مُصعَّدَةً
ونظمْتَها عصماءَ تحتدمُ

أيقظْتَ فينا كلَّ خافيةٍ
بينَ الصدورِ لهيبُها نهِمُ

تتقاطرُ الطعناتُ نحملُها
طعناً فطعناً ثمَّ نعتصـِمُ

بحروفِنا نروي لها شَجَناً
بقلوبنـا ، ونزيفُها عَـرِمُ

وجميـلِ صبـرٍ راحَ بارقُـهُ
يذوي فيذوي حيثُ ينعدمُ

 *  *  *

أأبـا فـراتٍ ، لعنـةٌ نزلـتْ
وبها الحشودُ تُذَلُّ تنكتمُ

تعلو أفـاعٍ فوقَ هامتِهــا
وبروحِها مِنْ لدغِها سَقَمُ

أفعىً تروحُ وغيرُها صعدَتْ
ما أكثـرَ الأدوارَ  تُقتَسَـمُ

ما أهزلَ الراياتِ تحملها
أيـدٍ مُلوّثـةٌ ، بهـا ورَمُ

يا ابنَ الفراتينِ الذي رُويـَتْ
منْ فيضِ شعركَ كلُّها الأمَمُ

مهما اكفهرَّتْ موجُ عاتيةٍ
وتخافَتَتْ منْ هولها القِمَمُ

إنّـا  لموعـودونَ  أغنيـةً
بصُداحها تتنافسُ الهِمَمُ

*  *  *

يا ابنَ الفراتينِ الهوى حٌلمٌ
وبشـوقِهِ يتسـامقُ الحُلمُ

نرنو الى شـفتيكَ يُورقُنا
صوتٌ ويُشبعُ جوعَنا قلمُ

نهفـو إلى شـعرٍ ليرفعَنـا
بينَ السحابِ نروحُ ننتظمُ

وصداكَ في أحلامِنا شِـيَمٌ
وبرَجْعِها تتشامـخُ الشِيمُ

تعلو وتعلو رغمَ نازلـةٍ
نكباءَ لا تكبو بها القدمُ

ولَـرُبَّ نازلـةٍ  ومُهلكـةٍ
في ريحِها يتصدّعُ الهَرَمُ

لكنَّ مثلكَ لا تميـدُ بـهِ
هوجاءُ لا ينبو بها القلمُ

رَبَّ القوافي، أنتَ مُضرمُها
أيخونُ ربّـاً مثلَكَ النغـمُ؟!

*  *  *

أأبا فراتٍ، هبَّ عاصفُها
فتلبّسَتْ  أقدارَها أمَمُ

واسترجلَتْ أقزامُها فمضَتْ
ما بينها الأعـلامُ والقِمَـمُ

قِممٌ توارتْ وانزوتْ حُرَقـاً
فتناوشتْها الريحُ والظُلَمُ

قِممٌ تهاجرُ أرضَها وَجَـعـاً،
تستفحلُ الديدانُ والغَنَمُ

ذئبٌ ترصّدنا لينهشَنا *
وعقاربٌ صفراءُ تنتقمُ

الواقفون ببابِ مملكةٍ
صفّاً ذليلاً بيعُهمْ ذِمَمُ

يتزاحمون على موائدها
يتراقصون صداهمُ العَدَمُ

رهنوا لجامَهمُ على صِغَرٍ
وتسافهوا فتصدّعَتْ قيَمُ

*  *  *

أأبـا فـراتٍ ! هذه صُـوَرٌ
تُلقي بها الدنيا وتلتطمُ

ما أنتَ فيها غيرُ شامخةٍ
والرافـدانِ بصوتهـا نغمُ

إنّـا على حاليـنِ يجمعُنـا
وطنُ النخيلِ ودجلةُ العَلَمُ 
ـ ـ ـ ـ

* اشارة الى قول الجواهري:

ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبـهِ 
دمُ أخوتي وأقاربي وصِحابي

منْ قصيدته في الشاعر معروف الرصافي والتي ألقاها عام 1959 في المهرجان الذي أقيم في ذكرى الرصافي على قاعة سينما الخيام ، وقد كنتُ حاضراً شخصياً ذلك المهرجان وعمري سبعةَ عشرَ عاماً ،ومطلعها:

لغـزُ الحيـاةِ وحيـرةُ الألبـابِ
أنْ يستحيلَ الفكرُ محضَ ترابِ

أنْ يُصبحَ القلبُ الذكيُّ مفازةً
جرداءَ حتى منْ خُفوقِ سَرابِ

فيمَ التحايلُ بالخلودِ ومُلهَمٌ
لحَفيـرةٍ ، ومفكِّـرٌ لتَبـابِ ؟


عبد الستار نورعلي
السويد
الأول من تموز 2009

* نشرت القصيدة بنصها الكامل والشروحات أعلاه في مجلة (الثقافة الجديدة) التي تصدر في بغداد /العدد 332/2009




86
إخترنا لكم / هذا هوالدربُ
« في: 14:48 28/03/2011  »


هذا هوالدربُ   


عبد الستار نورعلي

وحمامةٌ .....
تجتازُ وادي النخلِ
صوبَ مدينةٍ أخرى، نراها
في الخرائطِ تلبسُ القفازَ منْ غير الأصابعِ،
تلمسُ التاريخَ في جيبِ البيروسترويكا،
فقد نُقلتْ وجوه القوم خلفَ ستارهم، راحتْ
تداومُ أحرفاً رقصتْ على نبض السرابِ
فخابَ في آثارها حلمي ، استفقتُ
إذا الحقيقةُ مرّةٌ  
مرّتْ بنافذةِ النيامِ على السرائرِ،
حصتي كانتْ فجيعتنا،
حصةَ العصفور كانَ الصمتُ،
حصة الزمنِ العتيق هجومُ آلافِ الجرادِ ،
تقاسموا حقلَ الغنيمةِ ،

أمغفلاً كانَ الحمامُ
أم استعارَ جناحَ شوكِ لسانهم؟
أمغفلاً كانَ الصبيُّ ابنُ الأزقةِ والفقيرُ
يستعيرُ كتابَ أيامٍ مضتْ في سالفِ التاريخِ
مشرقةً شروقَ الأبجديه؟

هذا هو الدربُ:
سباقُ الخيل يعبرُ هذه القاراتِ
بعد قطار ذاك الشرق ...

هذا هو الشرقُ
يطوفُ على قصائدَ لم تلدْ غيرَ الفجيعةِ
غيرَ عشاق الكلامْ،
سقط الكلامُ مسربلاً بدمِ الكلامْ،
ها إنّ سكيناً تشقُّ هوى الحمامْ،
وأنا أصلّي كي أرتقَ ثوبيَ المكدودَ،
ضُمَّ جناحَكَ المكسورَ في نزق الهيامْ!
لولا الهيامُ لكانَ قلبُكَ فارغاً
ظمآنَ منْ جدبِ النجومْ
في الكوكبِ اللاعبِ شطرنجَ رفاقي ، رفقتي
أيامَ كنّا في الغناء السربَ
لا ينظرُ في شيءٍ سوى خفق السرابْ ،
أهو السرابُ اجتاحنا
أم إنه نقدٌ مُزوّرُ
عند صرّافٍ حديثِ العهدِ في بنك الكلامْ؟

قالَ الرفاقُ على فراش السجنِ:
ها نحن نصبُّ الزيتَ في نار الحقيقةِ،
والحقيقةُ في سجونِ القومِ تغرقُ في الظلامْ،
فهل الحقيقةُ لعبةُ الأممِ
بأيدي صاغةِ الاتقانِ في حرق المراحل،
ثم حرقِ القافله؟

كلُّ الحقيقةِ راحلهْ
يومَ اجتياح الصنم الأكبر
وديانَ الحشودِ الغافلهْ،

هذي فجيعتنا ،
ثيابُ الغيرِ نلبسها ، وننزعُ
عن حرارة هذه الاجسادِ ثوبَ مياهنا
فنعيدُ مكياج الوجوهِ الناحلهْ،

هذي فجيعتنا ،
الصوتُ غيرُ الصوتِ
نحن صدىً لأصواتٍ ترنُّ من البعيدِ،
نقولُ ها نحنُ الحداءُ
ونحنُ رأسُ القافلهْ،

هذي فجيعتنا اقتسمنا المائدهْ،
لم نعرفِ  التاريخُ لا يرحمُ أبناءَ الخيولِ النائمه،

هذي فجيعتنا،
فقِبلتنا استحالتْ حجرَ التاريخِ
أصواتَ الكهوفِ القاحلهْ،

هذي فجيعتنا،
فهل يستيقظُ العصفورُ
تحت شجيرةِ الرارنجِ
في البيتِ العتيقِ
فقد تسمّرتِ الشفاهُ
وعاثَ في الأرضِ الجرادْ .....؟

الجمعة 16 تموز 2010  



87
ماكنتُ يوماً في الشيوعيين

عبد الستار نورعلي



كنتُ أود أنْ أكتب في قرار اخلاء مقرّ الحزب الشيوعي العراقي في ساحة الاندلس ومقر صحيفة طريق الشعب في شارع أبي نؤاس تنفيذاً لأمر صادر من رئيس الوزراء والذي قامت قوة عسكرية بتطبيقه عنوةً يوم الأحد المصادف 6 آذار 2011 ،  بما يُعدّ قراراً بمنع الحزب عن النشاط ، وقد كتب الكثير من الأخوة الكتاب في ذلك فرأيْتُ أني لنْ أضيف شيئاً جديداً. لكني وجدتُ أن أعيد نشر هذه القصيدة المنشورة سابقاً لأني رأيتُ أنها تناسب الحالة المذكورة وفي وقتها:

قالوا: شيوعيٌّ. فقلتُ:
كلُّ منْ يشعُّ نورُ الشمسِ في عينيهِ،
دفءُ الأرضِ في قلبهِ في لسانهِ، الفولاذُ يسقيهِ،
وربُّ الشعرِ والكلامِ والفكرِ وصدقُ القولِ راويهِ،
وحبُّ الناسِ حاديهِ وناديهِ،
طريقُ الشعبِ في النضالِ بالأيدي وباللسانِ، بالقلبِ،
وحقُّ الوطنِ المسلوبِ في الحريةِ الحمراءِ روحٌ من أغانيهِ،
سلامُ الكونِ، أمنُ الناسِ فيضٌ منْ أمانيهِ
خلوُ البلدِ الرابضِ في الصدرِ
من الجوعِ ، من الفقرِ
من الأميةِ الضاربةِ الأطنابِ هاديهِ،
تقولونَ: شيوعيٌّ!

أنا الساكنُ في زاويةٍ شمالَ غربِ الأرضْ
أنا الحاملُ هذا النبضْ
أنا الواقفُ فوق القدمينْ
ثابتتينْ
في عمقٍ جذرِ الأرضْ
ما كنتُ يوماً في الشيوعيينَ معْ أني التقيتُ
واختلفتُ.

ما كنتُ يوماً شارةً، أو رايةً، أو طلقةً،
لكنَّني
بكلِّ ما في أضلعي البسيطةِ الرقيقةِ الطيبةِ
أحببتُ.
في حدقتيَّ أنجماً أويتُ، وارتويتُ، فارتقيتُ
سحائبَ الجبالِ والوديانِ والسهول والأمطارِ والأنهارِ
والنخيل والأهوارِ،
والمدنِ الكبارِ والصغارِ،
والأزقةِ الظلامِ والجوعِ،
بيوتِ الطينِ والصفيحِ والقفارِ، سُحْتُ 
في خارطةِ العالمِ في الشرقِ وفي الغربِ
وفي الشمال والجنوبِ
في أحياء كلِّ الفقراءِ الضعفاءِ، الأقوياءِ بالثورةِ، بالحبِّ،
بحلم الوطن الحرِّ السعيدِ
باليوتوبيا البشريه.

ما كنتُ يوماً في الملفاتِ
ولا في ماحكتْ عينُ المجلاتِ.
رأيتُ، وتقصَّيتُ، وراقبتُ، تأمَّلتُ، قرأتُ
ما يقولُ رأسُ المالِ والبيانُ، والقصةُ والشعرُ
غوركي، ماياكوفسكي، لوركا، أراغونُ، نيرودا،
وكزانتزاكيسُ، بورخيسُ ، وماركيزُ،
وكلُ الأدباء الشرفاء العظماءِ بالحرف وبالضياء
بالعشقِ، وبالتوقِ، المساواةِ، العدالةِ،
إنهيارِ السور بينَ اللونِ واللونِ،
وبينَ الدين والدينِ،
وبينَ القوم والقومِ، وسبحتُ
في عوالمٍ تزخرُ بالكفاحِ، بالكلامِ،
بالأحلامِ، بالحمامِ، بالسلامِ،
بالجراحِ، بالنيرانِ، بالعشقِ،
وبالأرواحِ والقلوبْ.

ما كنتُ يوماً في التواريخ، ولكنّي قرأتُ
عن باريسَ، عن كومونةٍ شعبيةٍ حالمةٍ ثائرةٍ.
قرأتُ عن ثورةِ أكتوبرَ
عن عشرةِ أيامٍ تهزُّ العالمَ الساكنَ، الثابتَ،
الفاسدَ، الظالمَ، الخائفَ، الواقفَ فوقَ النارِ والحديدِ،
والغارقَ في الظلمِ وفي الأغلالِ والحروبِ والدماءِ والصديدِ
قرأتُ عن لوركا واسبانيا
وعن فهدٍ وإضرابٍ لعمال كورباغي
وعن وثبةِ كانونَ 1948
وانتفاضةِ تشرينَ 1952
وعن ثورةِ تموزَ 1958
وعن مذبحةِ شباطَ1963 
وعنْ جبهتهمْ
قرأتُ عنْ جيابَ، هوشي منه، جيفارا ودوبريه
سانتياغو والليندي
ثُمَّ غورباشوفَ، يلتسينَ، شيفرناتزهْ وبرلينَ

عشقتُ
ماينشدهُ السيابُ، والنوابُ، والأخضرُ بنْ يوسفَ، والريفيُّ محمودُ
ورشدي، ماجدُ العامل، خصباكُ، وشمرانُ، وفرمانُ،
ودرويشُ، سميحُ القاسمِ، معين بسيسو، أميل حبيبي،
حنا مينا، نجيب سرور، صلاح عبد  الصبور .....

وقد أبحرتُ
في بحرِ المجلاتِ التي قد وُصِمتْ حمراءَ،
لا صفراءَ أو سوداءَ،
حمراءَ !
نعم
منْ لايحبُّ وردةً حمراءَ
يهديها الى الأمِ، إلى الصديق والحبيبِ
والحزبِ الذي ما كنتُ يوماً صوتهُ أو ظلهُ،
معْ أنني التقيتُ،
و(اختلفتُ) ؟!


عبد الستار نورعلي
الأحد 13 آذار 2011




88
الثورات العربية الشعبية والدروس

عبد الستار نورعلي

الثورات الشعبية في الدول العربية بدءً من تونس والتي تفجّرت ضد الحكام المستبدين والمتسلطين والحاكمين برقاب شعوبهم لعقود طويلة هم ونساؤهم وأبناؤهم وحواشيهم الفاسدة التي جثمت على أنفاس الناس بالحديد والنار وبالتضليل والكذب والفساد والاضطهاد والبلطجة الأمنية وسرقة ثروات شعوبها ، هذه الثورات البوعزيزية  (نسبة الى محمد البو عزيزي الشاب التونسي ذي 26 ربيعاً العاطل عن العمل الذي أحرق نفسه يوم 17 ديسمبر2010 لتكون شرارة الثورة التونسية على نظام زبن العابدين بن على لينفرط بعدها عقد الثورات من مصر الى اليمن الى ليبيا الى البحرين الى عمان الى الجزائر الى الأردن والبقية قادمة) ، هذه الثورات فاجأت وأدهشت العالم وأذهلته فقلبت حساباته أمام عنفوانها وانطلاقها الذي لم يتوقف زخمه وموجه ومطالبه الا بازاحة الطغاة عن كراسيهم مثلما أراد لها مفجروها من الشباب (مصر وتونس وليبيا واليمن على الطريق). هذه الثورات تمخضت عن دروس وعبر مهمة ومفيدة على الشعوب التواقة الى الحرية والعدالة والمساواة وعلى القوى والأحزاب السياسية والمتابعين والباحثين والحاكمين والأنظمة المماثلة للأنظمة التي تفجّرت في وجهها أن تأخذها في الحسبان وتعتبر بدروسها المستخلصة:

1-   انطلقت هذه الثورات وتفجّرت على يد الشباب وأحلامهم بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية والحرية في التعبير والرأي والاختيار وحرية وسائل الاعلام والحرية الفردية عموماً وتداول السلطة بالانتخاب والقضاء على الفساد والتسلط ومحاربة سراق المال العام ومحاسبة المفسدين اياً كانوا وتفكيك الأجهزة القمعية.
2-   تجاوزت هذه الثورات العُقد والأهداف والمشاعر العنصرية والدينية من خلال خلوها من الشعارات القومية والدينية والايديولوجية الحزبية الضيقة والسياسية الراديكالية ، فقد تركزت شعاراتها أولاً على العدالة والمساواة والحرية لتصل بعدها الى اسقاط النظام وتحريم الحزب الكارتوني الحاكم الذي خرج من رحمه خدمة لمصالح ومطامع قادته المتحكمين بالسلطة والحكم وبانتخابات هزيلة شكلية مزوّرة النتائج سلفاً ، والمطالبة بدولة العدالة والمساواة والحرية وحرية الرأي والاعلام والديمقراطية الحقيقية من خلال تداول السلطة سلمياً وبنزاهة وسيادة القانون ورفض الدكتاتوية والظلم ودولة المخابرات والأمن والجمهوريات الوراثية. وهذا يعني ابتعادها عن التطرف والراديكالية واقتصارها على اهدافها الانسانية والسياسية لشعوب عانت من الاضطهاد والقهر والكبت والفقر والبطالة والتمييز في مقابل سيطرة زمرة الحكام وعوائلهم وازلامهم على كل شيء من السلطة والنفوذ والوظائف والتجارة الى المال العام ونهبه، اضافة الى تسلط فرد واحد لعقود من السنين على حكم ومقدرات هذه الشعوب ومصائرها بالحديد والنار والشعارات الفارغة الكاذبة والعنتريات التي ما قتلت ذبابة كما قال نزار قباني في قصيدته بعد هزيمة حزيران 1967 (هوامش على دفتر النكسة). وبذا يمكن اعتبارها ثورات تحررية ليبرالية أممية بامتياز لأنها تجاوزت الشعارات القومية والدينية والسياسية الحزبية والفئوية الضيقة ، لذلك كان لها تأثيرها البيّن على الشعوب في كل مكان من الأرض (ايران مثلاً) ، كما أننا نسمع بخروج الآلاف من الكروات في العاصمة زغرب ضد الأوضاع الاقتصادية المتردية وكذلك الغليان غير المرئي تحت السطح في الشارع الصيني المطالب بالديمقراطية التعددية ، وعلينا أنْ لا نستغرب إذا وصل التأثير الى الشارع الأوربي بسبب الأوضاع الاقتصادية الخانقة والانقضاض الرأسمالي على المنجزات الاجتماعية وقوانينها الانسانية من ضمان اجتماعي وصحة وغيرها بصعود الأحزاب البرجوازية واليمينية الى السلطة والتي تتسبب في احداث الفوارق الطبقية في المجتمعات الأوربية بحيث تتحول الآن الى طبقتين طبقة غنية وطبقة فقيرة مثلها مثل الدول التي كانت تسمى بالعالم الثالث . فهذه الثورات الشعبية والشبابية في العالم العربي هي بحق (ثورات عابرة للقارات).
3-   أظهرت هذه الثورات الحجم والدور الحقيقي للأحزاب السياسية التقليدية التي كانت في الواجهة الاعلامية متضخمة في نظر الرأي العام وتبيّن أنها لا تمتلك القاعدة العريضة والمؤثرة (مصر ، القوميون والاسلاميون واليساريون) ، وظهر أنها لا تتحكم بالشارع إلا بقدر النفخ الاعلامي الظاهر والمُضلّل مع محاولتها أن تركب موجة الثورة عساها تفوز بغنيمة سياسية فظهرت بعض وجوهها البارزة على وسائل الاعلام مع رصيدها الأسود المخزي في تأييد الديكتاتوريات العربية الأخرى وطغاتها من القتلة والبلطجية والسراق وقد تسلّموا رصيدهم في مقابل تأييدهم لها وحتى تأييدهم لنظام حسني مبارك الساقط (حمدين الصباحي ومصطفى البكري مثالاً) ، لكنّ الثوار الشباب قادة الثورة ومفجريها حجّموا هذه القوى ووضعوها في حجمها الحقيقي فاعطوها دوراً شكلياً على اساس معارضتها للنظام السابق، مع أنها كانت ناشطة إبان حكمه لها مقراتها وأنشطتها واعلامها وصوتها العالي وتشارك في الانتخابات ولا تفوز إلا بالنزر اليسير وبعضها لا يفوز بشيء ، وقد تبيّن أنها كانت ولا تزال لا تمتلك رصيداً يُذكر إلا صوتها العالي ، فقد كشفت الثورة الشعبية حجمها الحقيقي هذا.
4-   وبذا فإنّ الأحزاب التقليدية فقدت تأثيرها فأخذت الجماهير الشعبية والشبابية المستقلة غير المرتبطة بحزب أو قوة سياسية دورها في عملية التغيير والثورة بخروجها سلمياً عفوياً (تونس ومصر وليبيا) بالملايين والآلاف الى الشارع وذلك بإزالة حاجز الخوف الذي كان مستحكماً بالنفوس بسبب قسوة القمع وحجم الأجهزة الأمنية الضخم وخنق الأصوات من خلال التهديد والوعيد والاعتقال والتعذيب والقتل الذي كان ينال حتى أبعد الأقارب في العائلة (العراق) إذا ظهر فيها معارض أومناوئ أومقاوم أو رافض للنظام والقائد الضرورة.
5-   إنّ زوال حاجز الخوف هذا من الشعوب الثائرة في الشرق العربي في ظل أنظمة القمع والاستبداد هو جرس انذار لكل الدول التي تحكمها دكتاتوريات من خلال عائلة حاكمة او حزب شمولي فاشي أو فرد متسلط متحكم بكلّ شيء، وبأنه عليها أن تبدأ بالتغيير الديمقراطي وازالة الظلم والحيف والتحكم ونشر العدالة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ومنح الحريات بكل اشكالها الانسانية . ولا تعني الحرية بمفهومها الانساني والسياسي والاعلامي هنا الفوضى السائبة المنفلتة وباسم الحرية زالديمقراطية مثلما في العراق ، لأنّ الحرية تعني المسؤولية واحترام حرية الآخرين واختياراتهم وحياتهم والحفاظ عليها والدفاع عنها. وتطبيق الديمقراطية الحقيقية وسيادة القانون وحقوق الانسان، فليست الانتخابات هي ديمقراطية حقة حتى لو كان فيها تعددية (العراق).
6-   لم يعد بالامكان تعمية الشعوب واخفاء الحقائق عنها وبناء ستار حديدي بينها وبين ما يجري في كلّ بقاع الأرض حتى في الزوايا القصية المنعزلة في الجبال والغابات وذلك بفعل ثورة المعلومات والانترنيت ، حيث تحوّل العالم ليس الى قرية صغيرة وانما الى جهاز بحجم الكفّ يتنقل مع الانسان أينما حلّ وارتحل ومن خلاله يستطيع الاطلاع على ما يجري في العالم ، ويمكن له أنْ يصوّر ما يراه وهو في زاوية قصية لينقله الى العلن في كل زوايا الكون ليطلع عليه الناس  في كل مكان. وبذا لا يمكن اخفاء الظلم والاضطهاد والقتل وما يجري في مكان ما من الأرض عن عيون الناس حتى لو مُنعت وسائل الاعلام عن متابعتها ونقلها، لأنّ كاميرات المحمول (المويايل) تستطيع تصوير كل شيء وبثه ونقله مباشرة لينكشف ما يجري عارياً أمام الناس في بقاعهم المختلفة واينما كانوا. وعليه فلن يكون الطغاة والدكتاتوريون والانظمة القمعية بمنأى عن انكشاف ما يقومون به من قمع لشعوبهم ، وليعوا جيداً أنهم عرضة للمحاسبة والمطاردة إذا لم يلحقوا أنفسهم .
7-   يتوهم البعض من مؤيدي الديكتاتوريات ومن الأحزاب والقوى والشخصيات ذات التوجهات القومية والدينية والطائفية المتطرفة والتي تبحث عن القفز الى الحكم والتحكم بمصائر الناس وكذلك من الذين فقدوا الحكم والسلطة والنفوذ والامتيازات مثلما في العراق ، يتوهم هذا البعض أنه يمكن له استغلال هذه الظاهرة المكتسحة للمنطقة العربية وتطبيقها في دولها للوصول الى السلطة والعودة الى حكم الفرد والحزب الواحد والعائلة الواحدة والعشيرة والطائفة ، وفاتها عن جهل وغباء أنّ هذه الثورات انفجرت في وجه هذا النوع من الحكم وضد الشمولية والدكتاتورية والتمييز وتسلط الفرد الواحد والحزب الواحد والتحكم بمصير الناس بعيداً عن حقوقهم وعن القوانين المدنية والانسانية ، وانطلقت بحثاً عن الحرية والديمقراطية الحقيقية وحقوق الانسان ودولة العدالة والحريات والقانون والقضاء على الفقر والتخلف والبطالة والتمييز الطبقي والعرقي والديني والطائفي . فلا يمكن والحالة هذه عودة مثل هذه ألأنظمة الشمولية الدكتاتورية القمعية والعنصرية والدينية والطائفية.
8-   لقد اصبح لثورة المعلومات والانترنيت دورها في نشر الوعي بين الناس وخاصة الشباب ، كما أزالت الحواجز بينهم ، حواجز تبادل المعلومات والعلاقات الانسانية والمشاعر المشتركة والأفكار والتوجهات والرغائب والأهداف الانسانية التي لا تختلف بسبب اللون والعرق والعقيدة. وعليها أصبحت الحرية مطلباً اساساً للناس وخاصة الشباب الذي يتربى على هذه المعلومات والعلاقات وتبادل الأفكار والخبرات عبر الانترنيت (الفيسبوك والتويتر). فالشباب العربي والاسلامي يريد اللحاق بركب الحضارة والتقدم واقامة العلاقات المشتركة مع غيره من الشباب في البلدان الأخرى بعيداً عن الأمراض الاجتماعية القديمة التي اعاقت تقدمه ولحاقه بركب الحضارة والتكنولوجيا المعاصرة والتقدم العلمي والانساني وحرية التفكير والاختيار التي تعمّ بلداناً أخرى وخصوصاً المتقدمة منها، وهو يرى نفسه اسير عُقدٍ لا تقدّم شيئاً لكنها تؤخّر وتعيق حياته وحريته وتقدم له الخراب الروحي والاجتماعي والحضاري. لذا اتسمت هذه الثورات بالشبابية بما عُرف عن الشباب من التوق الى الانطلاق بلا حدود مصطنعة قافزاً على كلّ تقليدي ثابت متحجّر يحاول جرّه الى الوراء ، وفي انطلاقه وثورته يستند الى رأي عام عالمي متعاطف معاضد يراقب ما يجري ويتفاعل معه بالضد من الذين يحاولون ايقاف الزمن واعاقة زحف جحافل الثورة في سبيل الحرية والعدالة والحقوق الانسانية الطبيعية فلا يستطيع ايقاف هذا الزحف أو لجمه أو القفز عليه.
9-   على الثوار الشباب اليقظة من الثورة المضادة التي تقف لهم بالمرصاد وفي وجه تقدمهم وثورتهم ، لأن أجهزة وفلول الأنظمة المتساقطة والمهددة بالسقوط لن تسكت ولن تقبل بسهولة بانهيار امتيازاتها وسلطتها فتخلق العراقيل والمشاكل والصعاب وبشراسة من خلال استغلال التعددية الاجتماعية الدينية والطائفية والقبلية والسياسية (مصر ، البحرين ، اليمن ، ليبيا) فتُحرك فلولها في محاولة لاسقاط الثورة وحرف مسارها وخلق أزمات لها لتجري المقارنة بينها وبين الأنظمة الساقطة وبالذات في مجال الأمن والاستقرار الشكلي ووحدة الكيان الاجتماعي للدولة والتي للأنظمة الحاكمة دورها الأساس في تفكيكها واثارتها  لاستغلالها لمصلحتها في البقاء .

إنّ هذه الدروس والعبر هي أبرز مستخلصات هذه الثورات الشبابية الشعبية العفوية التي تفجرت بسبب الكم الهائل من الظلم والحيف والتمييز السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني والطائفي وانتشار الفساد وسرقة المال العام. وليس أحدٌ من الأنظمة المستبدة بمنأى عن تيارها الجارف.


عبد الستار نورعلي
الخميس 10/3/2011






89
إخترنا لكم / قصائد لم ترَ النور
« في: 16:31 21/02/2011  »
قصائد لم ترَ النور

عبد الستار نورعلي


* العرش

اعتلى عرشَ بلادي ملكٌ
سادَ زماناً عابثاً
وهو مَسودُ،
رفعَ السيفَ على الناسِ
ونادى:
هذهِ معركةُ الحقِّ،
فرفّي يا بنودُ!

إنّها يا سيدي منْ سخرياتِ الدهرِ،
إنْ كانتْ لكمْ تضحكُ يوماً،
فغداً غيظاً تميدُ!

1982


* يامـوقدَ النفسِ

يامـوقدَ النفسِ إكسـيراً لراحلةٍ،
كأسُ المنايا يدورُ اليومَ ساقيها

بينَ الشفاهِ غزيراتٌ مشـاربُهـا
تستمطرُ الحبَّ تضليلاً وتمويها

وتُمطرُ العاصفَ الموبوءَ نازلُهُ
بالمُهلكاتِ أبابيـلاً تُسـاقيهـا

يانائماً باللظى، كيفَ الرقودُ إذا
أحلامُنـا في غـدٍ ملّتْ لياليها؟

دارتْ مع الأرضِ أحداثٌ مُروِّعةٌ
فأسعرَتْ ماءَهـا غيضـاً وواديها

وحطَّتِ الرحلَ في أمواجِ عاتيةٍ
ألقتْ اليها بمنْ فيها وما فيهـا

يانازفَ الحرفِ ضُمَّ الحرفَ في دَعَةٍ
بينَ الحنايـا ، ولا تُحـْرقْ مراسـيها


آذار 1985

90
شكر من عائلة المرحوم داوود سلمان (داوي)
عبد الستار نورعلي


بسم الله الرحمن الرحيم


تتقدّم عائلة المرحوم داوود سلمان رمضان (داوي) لاعب وكابتن منتخب الشباب والمنتخب الوطني لكرة السلة السابق والمربي الفاضل ، تتقدم بجزيل شكرها وامتنانها لكلّ السادة والسيدات من الأقارب والأصدقاء والمعارف وعائلاتهم الذين شاركوا في تشييع المرحوم الى مثواه الأخير يوم الجمعة 11 شباط 2011 في مدينة اسكلستونا السويدية ، والذين حضروا مجالس الفاتحة التي أقيمت على روحه الطاهرة، والذين هاتفوا العائلة معزّين والذين ارسلوا ايميلات التعزية والمواساة ، والسادة الذين كتبوا عنه ، والأحزاب والقوى والجمعيات والمواقع الالكترونية التي نعت الفقيد ونشرت خبر وفاته وعزّت العائلة فيه وكتبت عنه ، وغرف البالتوك التي اقامت الفاتحة على روحه واشادت بذكره الطيب وخلقه العالي ، ونخصّ بالذكر:
الحزب الشيوعي الكوردستاني
منظمة الحزب الشيوعي العراقي في السويد
جمعية البيشمركَه القدامي في اسكلستونا
المجلس العام للكرد الفيليين
منظمة الكورد الفيليين الأحرار
حمعية أكاديميي الكورد الفيليين
الاتحاد الديمقراطي الكوردي الفيلي
النادي العراقي في اسكلستونا
الاستاذ صالح ياسر عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي
الاستاذ ابراهيم صوفي عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الكوردستاني
الاستاذ عيسى فيلي ممثل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في السويد
السيدة سامية عزيز محمد النائبة العراقية السابقة 
الاستاذ انور عبد الرحمن صاحب موقع صوت العراق
الصحفي الكوردي الاستاذ أحمد رجب
الاستاذ أنور مراد حامي هدف منتخب العراق لكرة القدم السابق
الاستاذ كريم سهراب عضو المنتخب العراقي لكرة السلة السابق
الشاعر سامي العامري
عائلة المرحوم اسماعيل كريم ياري
عائلة المرحوم تشمال سيد محمد
باسل صبري وعائلته
عصام اسحاق تنا وعائلته
حنا يوسف حنا
نجاة شابو نباتي 
موقع الحزب الشيوعي العراقي
موقع صوت العراق الألكتروني
منتديات عينكاوا واسرة عينكاوا دوت كوم
موقع مركز النور
موقع ملتقى الشيعة الأسترالي
موقع المجلس العام للكرد الفيليين
موقع جلجامش
موقع الأخبار
موقع شفق
موقع السيمر
موقع الناس
موقع ينابيع العراق
موقع منتديات كرملش
غرفة البرلمان العراقي على البالتوك
غرفة عراقي كورد فيلي
غرفة صوت العراقي الفيلي الحرّ


حفظ الله الجميع من كلّ مكروه داعين لهم بالخير والعافية.
 

عن عائلة المرحوم

الاثنين 14 شباط 2011


91
رحيل لاعب كرة السلة العراقي السابق داوود سلمان

                                                                                                              عبد الستار نورعلي



بسم الله الرحمن الرحيم


انتقل الى رحمة الله مساء الجمعة الرابع من شباط 2011 إثر مرض عضال لم يمهله طويلاً لاعب كرة السلة العراقي السابق عضو منتخب الشباب والمنتخب الوطني في الستينات والسبعينات والمربي الفاضل والشخصية الوطنية والاجتماعية داوود سلمان رمضان (داوي). وهو شقيق كلٍّ من السادة علي ومحسن والحاج حكمت وشوكت ورعد والسيدات المرحومة سهام أم وسام ونجاة ام زيدون وسميرة أم علي، وهو زوج السيدة فضيلة نورعلي شقيقة الشاعر والكاتب المعروف عبد الستار نورعلي ، وهو شقيق زوجة الشاعر نورعلي السيدة سميرة سلمان.

إنا لله وإنا اليه راجعون.

وسيُوارى جثمانه الثرى يوم الجمعة المصادف 11 شباط 2011  ، حيث سينطلق موكب الجنازة من Eskilstunasjukhuset/Kappel  في الساعة الحادية عشرة قبل الظهر  الى مثواه الأخير في مقبرة :
S:t Eskils Kyrkogård /Ekeby

  
سيرة المرحوم

•   ولد المرحوم في بغداد عام 1942
  
•   أكمل دراسته الابتدائية في مدرسة الفيلية الابتدائية ، والثانوية في ثانوية النضال ، والجامعية في جامعة المستنصرية متخصصاً في التربية وعلم النفس


•   عمل في سلك التعليم معلماً في مدرسة الفيلية وابن الجوزي في بغداد ، وقد تمّ نقله من التعليم  الى تربية الرصافة موظفاً وذلك بسبب رفضه الانتماء الى حزب البعث الفاشي

•   تعرض للمضايقات والملاحقات من أجهزة الأمن التابعة للنظام البعثي الساقط بسبب مواقفه الوطنية والمعارضة للنظام ولانتمائه للحزب الشيوعي العراقي


•   شارك في مؤتمرات الشبيبة الديمقراطية العالمية خارج العراق

•   شارك عضواً وكابتناً لمنتخب الشباب لكرة السلة والمنتخب الوطني العراقي ولعب في البطولات العربية والآسيوية والعالمية وحصل على جوائز عديدة.

•   هاجر من العراق في أواخر عام 1991 مع عائلته هرباً من الاضطهاد والملاحقة . والتجأ الى السويد عام 1992 .

•   شارك في الأنشطة السياسية والاجتماعية في المهجر وفي مدينة اسكلستونا السويدية ، وكان من مؤسسي (النادي العراقي) .

•   ترك خلفه ذخيرة من التاريخ والسيرة الحسنة والسمعة الطيبة ، وثلاثة أولاد تربوا على شخصيته ومبادئه وخلقه فكانوا خير خلفٍ لخير سلف ، وهم المهندسان ياسر وساهر وأصغرهم سامر.

•   تحلّى المرحوم وتشبّع بالقيم الانسانية النبيلة والخلق الرفيع فكان مثالاً للطيبة والكياسة والحكمة والأخلاق السامية وحبّ الناس وذا قلب كبير وسع كلّ الناس صغاراً وكباراً ، كان نقي السريرة نطيف اليد قنوعاً مترفعاً عن مغريات الدنيا. كما كان وطنياً صلباً لم يتنازل عن مبادئه وقيمه وايمانه بالعدالة والمساواة وحقّ الشعوب في الحرية والسلام والعدالة الاجتماعية. كان يحبّ كلّ الناس صغاراً وكباراًُ فأحبوه ليتربّع على عروش قلوبهم.

•   يُعدُّ المرحوم من أبرز الشخصيات الاجتماعية والسياسية  والرياضية العراقية والكردية الفيلية.



92
إخترنا لكم / قال عراقيٌّ
« في: 11:13 26/01/2011  »
قال عراقيٌّ
عبد الستار نورعلي


قالَ عراقيٌّ:
كنا نحلمُ أنْ نأكلَ الكيكَ على طبقٍ منْ ذهبْ
بعد زوال الطغيان والحرمانِ والقضبانِ واللهبْ،
فأكلنا الألم
على طبق منْ الشقاق والنفاقِ والحطبْ،

كنا نحلمُ أنْ نحتسيَ ماءً معيناً وعسلاً مصفى
في كؤوسٍ من الفضةِ والكريستال والبلورْ
وبأيدي العِين الحورْ
وولدينٍ مخلّدين كأنهم لؤلؤ منثورْ
بعد تحرير البلادْ
منْ أسر القيود والحصار والإفسادْ،
فاحتسينا ماءً آسناً ولبناً قد تسنّهَ طعمُهُ
وخمرةً مغشوشةً
وخُطباً عصماءَ مهووسةً
بأيدي خمّارينَ من سيولِ الجرادْ،

كنا نحلم أنْ نمشيَ بطولنا
في شوارع بغدادْ
بينَ الورودِ والرياحين والينابيع الصافيةِ
والفرح والأعيادْ،
فمشينا بانحنائنا
بينَ النفاياتِ والتفجيراتِ
و أشلاء جثثِ الأبرياءِ من العبادْ،

كنا نحلم أنْ ننامَ على فراشٍ من ريش النعامْ
ونتكئ على "رفرفٍ خضرٍ وعبقريٍّ حسانْ "  (1)
منسوجةٍ منْ استبرقٍ وسندسٍ والذهبِ من الخِيطانْ،
فنمنا على شوكِ القتادْ ،

كنا نحلم أنْ يُوزَّعَ البترولُ بيتاً بيتاً وبالمجانْ
فغدا البترولُ رصيداً لفلانٍ وعلانْ
في بنوكِ القرصانْ
وشاحناتٍ خلفَ الحدودِ تجوبُ البلدانْ ،

كنا نحلم أنْ نستضيءَ بنور مصابيحَ ملونةٍ
تتلألأ ليلَ نهارْ،
فصارَ الكهرباءُ أضغاثَ أحلامٍ
في هباء الغبارْ
وفي رصيدِ تجارِ المولّداتِ الكبارْ ،

كنا نحلم أنْ نرى خدودَ أكبادنا الماشيةِ على الأرضْ  (2)
مثلَ التفاحْ،
فأمستْ خدودُهمْ لونَ الهمِّ والغمِّ
والخوفِ والرعبِ والجراحْ ،

كنا نحلم أنْ تكونَ بغدادُ عاصمةَ الدنيا،
فإذا بغدادُ :
"وقفتُ بها من بعد عشرين حجةً
فلأياً عرفتُ الدارَ بعد توهُّمِ " (3)

(1)   من قوله تعالى "متكئين على رفرفٍ خضرٍ وعبقريٍّ حسان." الرحمن 76
(2)   "أكبادنا الماشية على الأرض" اقتباس من قول الشاعر حطّان بن المُعلّى:
وإنما أولادُنا بيننا ... أكبادُنا تمشي على الأرض
(3)   ما بين المزدوجتين هو بيت من معلقة زهير بن أبي سلمى

عبد الستار نورعلي
الثلاثاء 12 /10/2010




93
العراق وفقدان الهيبة

عبد الستار نورعلي

الهيبة كصفة شخصية في وعي الناس تعني الاحترام  للمقابل والنظر اليه برقي وعلو شأن مصحوباً بالتصرف المحسوب حسابه في التعامل مع المهيوب خارج اطار الإساءة ، والتفكير أكثر من مرة عند محاولة الردّ لأي سبب كان وخاصة عند الأزمات ليكون التعامل بحكمة ورويةٍ وعقلانية مبنية على الجدال بالتي هي أحسن حتى مع وجود عداوة فقد تنقلب العداوة ولايةً حميمةً مثلما ورد في القرآن الكريم.

لاتأتي الهيبة اعتباطاً أو فرضاً بالقوة ، وانما هي خصلة مطبوعة تنبع من داخل الانسان نفسه وجزء من شخصيته الباطنة والظاهرة، حين تتوفر صفات معينة فيه ، أولها احترام الانسان لذاته ، وثانيها احترامه لغيره ، وثالثها الثقة بالنفس وبالقدرات ، ورابعها الحزم في التعامل مع الآخرين عند الخطأ والعدوان ، وخامسها الصلابة والمبدئية والثبات في الأزمات ، وسادسها الحكمة في اتخاذ القرارات ، وسابعها قوة الارادة والوقوف على الرجلين في مواجهة الأخطار والعواصف ، وثامنها عدم التهاون مع الأعداء حالة الاعتداء والرد المناسب المبني على العقلانية والدراسة والتفكير العميق ، وتاسعها عدم التهور في التصرف ، وعاشرها العمل الدؤوب على التزود بكل ما يُغذّي النفس والعقل ويبني الذات والتعلّم من التجارب لفهم ما يجري في الحياة الذاتية وما حول الذاتية كالمحيط الخارجي والبيئة التي ينشأ فيها المهيوب . وفوق كل ذلك توفر العقل الرصين والقلب الثابت والرؤية الثاقبة والحكمة والحِلم والقراءة الواعية لما في الداخل والخارج فردياً وجماعياًً.
 
وكما أسلفنا لا تأتي الهيبة إكتساباً وانما هي طبع وخصلة وفعل وتصرف عند توفرها يشعر بها المقابل من خلال التعامل المباشر وغير المباشر . أما المهزوز الضعيف غير الواقف على أرض الهيبة الصلبة ويبدي الضعف والهشاشة والهزال ومهما تصرف ليوهم بالهيبة فإنّ المقابل يحس باهتزازه وهشاشته فلا يحسب له حساباً ولا يُظهر له احتراماً ، بل استصغاراً واستضعافاً ووضاعة شأن.

كما أنّ الهيبة لا تكون بالغنى والثروة والعنف والاعتداء على الآخرين وابراز العضلات والارعاب والتخويف والاضطهاد والظلم وادعاء القوة. فكم من فقير لا يملك شروى نقير أو انسان مجردٍ من القوة العضلية والسلاح لكنه مهيوب الجانب محسوب الحساب معروف بعقله الراجح وحكمته وحنكته ورأيه الصائب وهو لذلك محترم له مكانته العليا وشأنه الكبير بين الناس فيستمعون لقوله ويأخذون برأيه ، ومنهم منْ تقلّد منزلة عالية ومكانة كبيرة بين قومه ، ونبينا الكبير صلى الله عليه وسلّم مثال مثلما غيره من الأنبياء والأولياء والصالحين.

إنّ ما ينطبق في باب الهيبة على الأفراد ينطبق على الدول بالضرورة وبنفس السمات والخصائص والصفات. لذا فإنّ أية دولة تريد أن تبني نفسها يجب أن تكون مهيوبة الجانب محترمة الكيان يُحسب لها حساب وتتصرف الدول معها باحترام وتقدير وعلو شأن لكي تتمكن منْ أنْ تبني نفسها بنفسها وبتعاون الآخرين معها، إذ لا يمكن بناء دولة دون علاقات متوازنة مع الدول محيطة أو بعيدة ، صغيرة أو كبيرة ، علاقات تتسم بالاحترام المتبادل والثقة والهيبة . وإلا فستكون الدولة ضعيفة ناقصة الهيبة (مكفخةً) كما نقول بالعامية العراقية ، و(ملطشة للرايح والجاي) كما يقول أخواننا المصريون.

وهيبة الدولة لا تأتي مثلما تحدثنا عن الأفراد بالقوة واستعراض العضلات والاعتداء على الدول الصغيرة والضعيفة مثلما حدث مع الكويت في احتلال العراق لها، أو على الدول الكبيرة حين تظهر وكأنها سقطت وضعفت مثلما حدث مع ايران في حرب السنوات الثمانية. ولا تأتي بالتهديد والوعيد والغنى والثروة النفطية ، فكم من دولة صغيرة دون ثروة أو قوة لكنها مهيوبة بين الدول لها شأنها ومكانتها المحترمة مثل الأردن. ولا تكون الهيبة والاحترام بكبر الدولة أو اتساع مساحتها وكثرة سكانها وتسليح جيشها ، وهذه قطر خير  مثال أمامنا دولةً صغيرةً مهيوبةً ، وتلك السودان الكبيرة الواسعة المترامية الأطراف ها هي تتمزّق شذرَ مذرَ دون هيبة أو حساب لها ولوحدة أرضها ورئيسها مطلوب للعدالة الدولية بسبب جرائمه ضد الانسانية..

وفي الحالة العراقية الآن وبعد 2003 هناك فقدان كبير لهيبة الدولة، ويتجسّد ذلك بكثرة التدخلات الخارجية دون وازع أو رادع أو مانع يقف في طريقها لحد اليوم وبعد سبع سنوات من الاحتلال والتغيير. وفي النظر الى التعامل المحيطي والدولي للعراق نلمس الاستصغار والاستضعاف وعدم الاحترام في التعامل المتبادل حتى مع المسؤولين العراقيين الذين يزورون الدول وخاصة الدول العربية ، حيث يظهر المسؤول العراقي امام قادة تلك الدول وحتى الذين منهم من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة بمظهر الخاضع والضعيف والمتسوّل بحثاً عن علاقة. وآخرها ما تقوم به السلطات السعودية من اعدام لعراقيين ابرياء وبحد السيف وهم لم يقوموا بما يُعكّر أمن السعودية ولم يذهبوا ليقوموا بأعمال ارهابية. وبالمقابل سلّم العراق أعداداً من الارهابيين السعوديين الذين قتلوا المئات من العراقيين الأبرياء في الأسواق والشوارع والساحات والبيوت داخل وطنهم ذبحاً أو تفجيراً بمفخخاتٍ وجازاهم العراق بتسليمهم الى بلدهم ليلقوا كل تقدير واحترام واثابة على أعمالهم وليكونوا مثالاً يحتذيه شبابهم المتعطش الى قتل العراقيين حقداً دفيناً مغلفاً بشعارات دينية كاذبة وخلفها اجندات سياسية. فكيف سيكون موقف السعودية من العراق في هذه الحالة غير الاستصغار والاستضعاف والاحتقار. وكذا مع الدول العربية الأخرى صغيرها وكبيرها ، فلم يكن الردُّ العراقي المقابل بالمستوى المفروض لما قامت به هذه الدول سواءً على مستوى القيادات والحكومات أو على مستوى الشعوب وبعض أفرادها ، فلم يكن الردّ حازماً قوياً ليكون للعراق هيبة بين الدول.

وهذه الهيبة مفقودة حتى داخلياً عند العراقيين انفسهم ، ومظاهر فقدانها كثيرة واضحة تحدث يومياً سواءً من خلال التفجيرات الارهابية أو الاغتيالات أو المافيات وانتشار العصابات الاجرامية أو الاختلاس والرشوة وسرقة المال العام أو الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة بشكل أصبح ظاهرة عامة ، لتصبحَ الوطنية والحرص على المال العام والاخلاص في العمل ونظافة اليد والسيرة شواذاً يسخر الناس منها. أما تزوير الشهادات فالحديث فيه ذو شجون وآلام لا تنتهي ، وأبشع ما جرى بهذا الشأن هو العفو  الذي صدر عن حَمَلتها من المزوِّرين وبقاؤهم في مواقعهم الوظيفية التي تسلموها وفق ما يحملون من شهادات ، وهي كارثة كبرى إذ كيف يقود مزوّر بلداً ويدّعي أنه يعمل على بنائه ومن موقعه؟!
وأي بلد هذا الذي يُبنى بالمزورين والفاسدين واللصوص ؟!
وأية هيبة سيكون لها بين شعبها؟ فكيف بالآخرين؟!

لذا لا غرابة أن يكون العراق فاقداً للهيبة و(مكفخةً) للآخرين و (ملطشة للرايح والجاي)!

   
عبد الستار نورعلي
الأحد 9 يناير 2011



94
رسالة الى الشاعر سلام كاظم فرج

عبد الستار نورعلي

تمهيد
هذه الرسالة كُتبت  في البدء تعليقاً على مقالة الشاعر الصديق سلام كاظم فرج الموسومة (قراءة عند سفح القصيدة) المنشورة على موقع المثقف بتاريخ الأحد 19/12/2010 ، وذلك عن قصيدة الشاعر فائز الحداد النثرية (حين تغزلين الضوء) ، وبتأثيرٍ مما ورد في المقالة من طروحات وآراء قيمة طالت المداخلة في تطرقها وتناولها لأمور أدبية عديدة فارتأيت عندها نشرها منفصلة . وعساي وُفِّقْتُ فيما رميْتُ اليه.

الرسالة

الصديق العزيز الشاعر سلام كاظم فرج،

تحليلك يشرع ابواب موجبات الرؤية لولوج دواخل النصوص النثرية المشعورة ، ولنسمها ماشئنا قصيدة نثر أو شعر منثور أو نثر شعري أو نثر مركّز أو أية تسمية أخرى ، فلا فرق ، وبما أنّ مصطلح (قصيدة النثر) هو التي شاع في الاستعمال والاشارة الى هذا اللون وأضحى هو السائد ، لذا يُستخدَم توسعاً ودلالةً واسماً لهذا الفن.

حقاً قد غابت القواعد وتهشمت الشروط والضوابط وارتبكت كيفية التمييز بين نثر مركز يستخدم جماليات اللغة في ايصال فكرة أو حالة أوتجربة حسية وبين قصيدة النثر . ولذا دخل الميدان هذا كلُّ مَنْ يمتلك مقدرة ولو بسيطة في الكتابة ليُسمّي نفسه شاعراً حين يكتب نصاً نثرياً انشائياً بسيطاً يلعب فيه بشيء من المجازات الغرائبية أحياناً دون وعي وفهم لما يكتبه ، اضافة الى النشاز التعبيري الشاذّ والمرتبك والمُشوَّه . وهي أزمة ضاعت في خضمها المقاييس مما حفّز الكثيرين على أنْ يديروا ظهورهم لهذا اللون فيعودوا الى الأصول من الموروث الشعري لكي يكتبوا فيه ليكون لهم صوت شعري راسخ البناء مثلما الكلاسيكي في اعتقادهم ووفق اتجاههم الأدبي وميلهم الذوقي . ومن المبتدئين الموهوبين شعرياً والمتابعين والمطلعين كثيرون قد توجهوا الى العمود ليثبتوا كونه شعراء حقيقيين . وربما لأنّ الشعر العمودي له ضوابط وقواعد صارمة معروفة إرثاً شعرياً تاريخياً يستطيعون بالدراسة المنهجية والممارسة اتقانها والكتابة فيها ، مع علمنا بوجود الكثير من صغار أو أنصاف الشعراء يكتبون قصائد على منوالها وفيها الكثير من الجامد والتقليدي والضعيف وحتى اختلالات وزنية لعدم معرفتهم والمامهم الكافي بالأوزان وقواعدها .

وقد تكون فعلاً هذه الشروط والقواعد المنهجية قيوداً تلجم الانطلاق الحسي واللغوي  والتعبيري لكنها على الأقل قيود تعبّد طريق السالك فيها بقواعدها وشروطها والتزاماتها الشعرية واللغوية . كما تفتح أمام متناول نصوصها بالتحليل والدراسة والنقد هداية الوصول الى اسباب التوفيق والابداع أو الاخفاق فيها ومدى نجاح أو نكوص مبدعها.

إنّ ظاهرة انتشار وتوسع وكثرة من يكتب نصاً نثرياً وهو يتخيل أنه يبدع قصيدة نثر عن جهالة وعدم معرفة وإلمام ومتابعة ودراسة لَشيء مفزع صادم ومربك . إنّ للمواقع الألكترونية الكثيرة دوراً كبيراً ورئيساً في انتشار هذه الظاهرة ، لأنّ الكثيرَ منها تركت الحبل على الغارب في النشر دون ضوابط فنية أدبية وخاصة تلك التي يديرها أناس لا علاقة لهم بالثقافة عموماً وبالأدب والابداع خصوصاً ليتمكنوا من التمييز بين المنتج الحقيقي الأصيل المبهر والدخيل الضعيف . وهو ما يدفعنا وغيرنا الى المطالبة الصارمة بأن يكون من يلج هذا الميدان موهوباً أولاً ، ومتقناً لأدواته الفنية ثانياً ، وعالماً متسلحاً بالقديم الموروث مثلما الجديد المحدث ثالثاً ، ومثقفاً ثقافة واسعة رابعاً ، ليكون كفءً وقادراً وأهلاً لأنْ يجدّد أو يكتب الجديد قصيدة نثر كانت أم غيرها فيها قدر كافٍ من الشروط الواجب توفرها لتُحتسب شعراً.

وأقول لك الحقَّ : لقد برمنا بالكثير مما ينشر من هذا اللون وسط هذه الموجة الطاغية التي اختلط فيها الحابل بالنابل والغثّ بالسمين ، بحيث تاه السمين في موجة الغثّ العارمة ، هذا على الرغم من أننا نكتب فيه أحياناً ونتناول نصوصه بالتحليل والاشارة والاشادة حين نجد مبدعاً حقيقياً يستحق الوقوف عنده وخارج الاسماء الكبيرة المجددة فعلاً والتي لها بصمتها الابداعية التجديدية الواضحة التي لا خلاف عليها. 

أما بالعودة الى الشاعر فائز الحداد فهو أحد الاسماء الشعرية الكبيرة التي تتقن فن الشعر واللغة وسبرَ غور كنوزها لاستخراج المبهر مما لم يُستخرج . فهو في عموده الشعري قوي البناء مكتمل النماء ثرّ العطاء كما هو في نثره المشعور (قصيدة النثر) . وهنا لابد لي أن أدلو بقولي في فعل الأمر (تصابرْ) الذي أشرت اليه انت في متن استعراضك التحليلي . إن صيغة الفعل (تفاعَلَ) تعني المشاركة في الفعل بين اثنين أو أكثر مثلما نقول (تعاون وتشارك وتساعد وتصارع وتقاسم ....) ، وتعني أيضاً (التظاهر) بالفعل أي أنه غير متوفر في الفاعل فيحاول الايحاء والايهام للسامع بتوفره فيه مثل (تمارضَ ، تناوم ، تشاعَر ، تغافلَ ، تغابى ، تشاغلَ ...) ، ومن معانيها أيضاً (المطاوعة) أي قبول أثر الفعل والانقياد له مثل (تباعدَ ، تناثرَ ، تقادم ...) .
فما الذي أراد الشاعر فائز الحداد بفعل طلبه (الأمر) أن يوحي الينا ؟
تصابرْ ... بترياق الانتظار!
أرى أنه يطلب من المخاطب (نفسه ربما) أن يتلبس بالصبر ويطيع أثره ويتحمل ثقله ووقع نصله الممض المؤلم الثقيل كي يقدر على الانتظار باحتساء ترياقه خدراً يساعده في ذلك. فهو قد استخدم صيغة (تفاعل) بمعنى (المطاوعة) وبدليل اسخدامه الثاني لصيغة اخرى من صيغ المطاوعة في الفعل المزيد (تفعّلَ) في فعل الطلب (الأمر) الثاني (تقوّى) :
تقوّى على طيّ أجنحةَ البدء ،
وأنتَ تحلّق أعزل الخيار ...

بمعنى تلبّسْ القوة واقبلْ أثرها وأنت تكاد تضعف أمام الانتظار ووقع الصبر الثقيل . وإنْ كان استخدامه فعل الطلب (الأمر) خارج قاعدته النحوية التي تقول بأنّ الفعل المضارع المقصور يكون مبنياً على حذف حرف العلة (الألف) ، فكان عليه أنْ يقول (تقوَّ) ، فلربما أراد يصيغته هذه خروجاً على القاعدة النحوية وثورة عليها وعدم انصياع لقيود اللغة الملجمة احياناً للابداع ، فلا أعتقد أنه كان غافلاً نحوياً أو ساهياً لحظة خلق القصيدة أو عند اعادة النظر فيها، وكما اشرتَ أنت .

وأنت تعلم أن القواعد اللغوية النحوية والصرفية رغم منطقيتها وثقلها وجمودها المقيِّد كثيراً لما نقول ونكتب إلا أنها تفتح مغاليق المعاني الكامنة خلف الجمل المشكلة من الألفاظ واشتقاقاتها وعلاقاتها البنيوية . ومصنفوها وواضعوها وممنهجوها ، وهم مكتشفوها من اللغويين نحويين وبلاغيين ، بحثوا في اللغة طويلاً لاستنباط المضامين المعنوية الدلالية التي تحملها الكلمات في استخداماتها اليومية والابداعية التسجيلية ليُشرعوا أبواب الفهم والادراك أمام نوافذ عيون وعقول المتلقين حين يقفون أمام النصوص المكتوبة او المسموعة دون فهم بعض الألفاظ والعلاقات بينها، وخاصة في القرون اللاحقة فيما بعد الجاهلية وصدر الاسلام ، لأنها ابتعدت عن جذور اللغة في طبيعتها الاستخدامية الدلالية المعنوية اليومية لايصال القول المراد بين المتحادثين أو القرّاء والتي كانت تلك الألفاظ  وعلاقاتها هي وسيلتهم في التواصل بمادتها المفهومة، فقد كانت هي لغة العرب نطقاً وتواصلاً انسانياً تعاملياً عاماً وكتابياً وابداعياً . فما كانت بغريبة أو غامضة عن مداركهم  ووعيهم المتوارث واستخداماتهم لها . ولذا وُجدت الشروح اللغوية والدلالية المعنوية على تلك النصوص شعريةً كانت أم نثرية أدبية كحاجة ضرورية لأضاءة مضامينها وايصال ما يريده مبدعوها ، لأنها كانت غامضة المعنى غريبة عن مدارك الناس العاديين والقراء المتابعين من غير المتسلحين بسلاح اللغة في أصولها ومعاني ألفاظها وبلاغاتها ودلالاتها الاشتقاقية. ولربما ماقاله بعض اللغويين عن ضرورة غموض الشعر هو في هذا السياق لكي لا يهبط الى مستوى الضعف اللغوي والاشاري اليومي العامي العادي المتداول الى حد الافراط والتفريط . فحين قال ابن الأثير : "الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة." وكذلك عبد القاهر الجرجاني حين قال :"ليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلا ومعناه غامض." قد يكون رأيهما في السياق الزمني الذي كانا فيه وهما باشارتيهما هاتين لا يعنيان الغموض بمعنى الانغلاق والتعقيد والاستعصاء على المدارك والرؤية بقدر ما كانا يعنيان الصور والألفاظ والمجازات والعلاقات اللغوية والترميز ونحن نعرف تخصّصهما اللغوي والبلاغي. وبالتأكيد فإننا لا يمكن لنا أن نعتبر ما يُسمى بالشعر التعليمي مثلاً شعراً بالمعنى الفني خارج نظمهِ الشكليّ . أو أن نعدّ منْ يصف مهفةً (مروحة يديوية بالعامية العراقية) أو قاطرة حين دخلت لأول مرة الى بلداننا شعراً:
ومحبوبةٍ في القيظ لم تخلُ من يدٍ ... وفي القرِّ تجفوها أكفّ الحبائبِ
إذا ما الهوى المقصور هيّجَ عاشقاً...أتتْ بالهوا الممدودِ منْ كلّ جانبِ
  *   *    *
وقاطرة ترمي الفضا بدخانها .... وتملأ صدر الأرض في سيرها رعبا

أو ألفية ابن مالك ، أو ماشاكلها مما جاء في تاريخ الشعر العربي.
ولكنْ ليس كل وضوح قتلاً للنص مثلما أشرتَ ، فمن الوضوح ما هو سهل ممتع مستعصٍ حتى على الكبار . وأنا أعرف أنك بالوضوح هنا تشير الى قصيدة النثر دون غيرها . لكنني قرأت الكثيرين من الشعراء والنقاد والأدباء يرون هذا الرأي ويقولون به ، وربما لتبرير ما يكتبون من طلاسم وألغاز وأحاجي ويسمونها شعراً . ولا بد لي هنا أنْ أشير ثانية الى أنّ الوضوح ليس قتلاً حين يكون ناظمه عارفاً خبيراً بما يكتب وما يقول وعن خلفية معرفية وفنية وموهبة لا يُشقّ لها غبار . ومحيط إرثنا الشعري كنز لا ينضب من أمثلة الوضوح الجميل الباهر والسهل الممتنع والمستعصي على غير مبدعه والمضيء والمدهش:
قال كثيّر عزّة يخاطب جمله:
حيتكَ عزةُ بعد الهجرِ وانصرفتْ ... فحيّي ويحكَ مَنْ حيّاكَ يا جملُ
لو كنتَ حييتها مازلتَ ذا مقةٍ .... عندي وما مسّكَ الإدلاجُ والعملُ
ليتَ التحيةَ كانتْ لي فأشكرها ... مكانَ: ياجملُ ، حُييتَ يا رجلُ

وقال ديك الجنّ:
يا طلعـةً طلعَ الحِمامُ عليها ... وجنى لها ثمـرَ الردى بيديها
روّيتُ منْ دمها الثرى ولطالما ... روّى الهوى شفتيَ منْ شفتيها

وقال أحمد شوقي:
خدعوها بقولهم حسـناءُ  ..... والغـواني يغرهنَ الثناءُ
أتراها تناستْ اسمي لمّا ... كثرتْ في غرامها الأسماءُ
نظرة ، فابتسامة فسلامٌ .... فكلامٌ ، فموعدٌ ، فلقاءُ

كما قال في قصيدته الشهيرة (ياجارة الوادي):
شـيّعتُ أحلامي بقلبٍ باكِ ... ولممْتُ من طرق الملاحِ شباكي
ورجعتُ أدراجَ الشبابِ ووردهِ  ... أمشي مكانهما على الأشواكِ
وبجانبي واهٍ كأنّ خفوقهُ  ... لما تلفّتَ جهشةُ المتباكي
ويحَ ابن جنبي كلُّ غايةِ لذةٍ ... بعد الشبابِ عزيزةُ الإدراكِ
...........
ياجارةَ الوادي طربْتُ وعادني ... ما يُشبهُ الأحلامَ منْ ذكراكِ
.......

وقال نزار قباني:
لو كنتِ في مدريدَ في رأس السنهْ
كنا سهرنا وحدنا
في حانةٍ صغيرهْ
ليسَ بها سوانا
تبحثُ في ظلامها عن بعضها يدانا
كنا شربنا الخمرَ في أوعيةٍ من الخشبْ
كنا اخترعنا ربما جزيرهْ
اشجارُها من الذهبْ
أثمارُها من الذهبْ
تتوّجينَ فوقها أميرهْ

وقال الجواهري:
أي طرطرا تطرطي ... تقدّمي ، تأخّري
تسنّني ، تشيّعي ... تهوّدي، تنصري
وقال:
حييتُ سفحكِ عنْ بعدٍ فحييني ... يادجلة الخيرِ يا أم البساتينِ
وقالَ:
حسناءُ رِجلكِ في الركابِ ... ويداكِ تعبثُ بالكتابِ
وانا الظميءُ إلى شرابكِ ... كانَ منْ ريقي شرابي
حسناءُ لم يعسرْ طلابي ... لو كان ما بكِ مثلُ ما بي
لكنْ بكِ المرحُ اللعوبُ وسحرُهُ ودمُ الشبابِ
وبي الذي لا شيءَ يعدلُ سحرَهُ إلا التصابي
وخطَ المشيبُ كأنهُ .... كَـلاً تهيّأ لاحتطابِ

قال المعري:
علّلاني فإنّ بيض الأماني فنيتْ والظلامُ ليس بفانِ
ليلتي هذه عروسٌ من الزنجِ عليها قلائدُ منْ جُمانِ

وقال أبو فراس الحمداني:
أراكَ عصيَّ الدمعِ شيمتكَ الصبرُ ... أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ
بلى، أنا مشتاقٌ وعندي لوعةٌ .... ولكنَّ مثلي لا يُذاعُ له سرُّ

وقال معروف الرصافي:
أنا بالحكومةِ والسياسةِ أعرفُ ... أألامُ في تفنيدها وأُعنَّفُ
وقال:
منْ أينَ يُرجى للعراقِ تقدّمٌ ... وسبيلُ مُمتلكيهِ غيرُ سبيلهِ
لا خيرَ في وطنٍ يكونُ السيفُ عند جبانهِ والمالُ عندَ بخيلهِ

فهل هذا الواضحات وأمثالها من ألوف القصائد والأبيات والنصوص منذ الجاهلية حتى اليوم مقتولةٌ منسيةُ لا تردِّدها الألسن وغائبةٌ غارقةٌ في النسيان؟

وحتى في قصيدة النثر هناك وضوح ممتنع باهر الصياغة مدهش الايحاء مذهل الصور والمضامين باسق البناء.
يقول أدونيس في قصيدة (المهد):
أتحدَّثُ مع عَدَنٍ وتوحي إليّ صنعاء تسيرُ معكَ الأولى وتُقْبِلُ
إليكَ الثانيةُ فيما تجلسُ حولَهما الجبالُ كمثلِ شُهُبٍ هدَّها السيرُ.
صنعاءُ ـ تسندُني أشجارُ السِّدرِ تُظللني أشجارُ العرعرِ
تحضنُني بيوتٌ أعشاشٌ تواكبُني مُدرّجاتٌ سلالمٌ وحينَ أنخفضُ
في تهامة وألتبسُ بعُشبِ الأقاليمِ تتخطفني نباتاتٌ تتآلفُ معَ
الصخرِ ونباتاتٌ تعشقُ الملوحةَ وتنفجِرُ أمامي الأوديةُ حقولاً

يقول انسي الحاج في قصيدته (غيوم):
هل يحبُّ الرجل ليبكي أم ليفرح،
وهل يعانق لينتهي أم ليبدأ؟
لا أسأل لأجاب ، بل لأصرخ في سجون المعرفة.
ليس للانسان أنْ ينفرج بدون غيوم
ولا أن يظفر بدون جزية.
لا أعرف منْ قسّم هذه الأقدار ، ومع منْ هذا فإنّ قدري أنْ ألعب ضدها.
هلمي يا ليّنتي وقاسيتي،
يا وجهَ وجوه المرأة الواحدة،
يا خرافة هذياني،
يا سلطانة الخيال وفريسته،
يا مسابقة الشعور العدد ،
هلمي الى الثواني المختلجة نسرق ما ليس لأحد سوانا..
وهمُكِ أطيبُ من الحياة وسرابُكِ اقوى من الموت.

يقول قاسم حداد في قصيدة (المحرق):
أزقّتها المتربة
تجاعيد أطفالها الشاحبة
زرقتها،
ريشة التاج في عرسها
بحرها يحرسُ الفقرَ فيها
ويجتازها
تحضر الآن، في غيم برلين
رغم المسافات
تقترح الكتب الغائبة
أسمعُ نومَ النوارس في معطف الليل
أسمعها في الظهيرة
أركضُ،
والشمس خلف الخطى التائبة
يا أيّها الولع المرّ
يا منتهاي البدائي
أيتها المدن الغريبة
أنساكِ و أذكّرها وحدها ..
فرساً سائبة.

وتقول الشاعرة اللبنانية جوزيه الحلو في قصيدتها (قضبان النجوم التي...):
قلتَ:
أنتِ ماءُ الزهر
وفردوس عدن سراب
من دون شقائق النعمان
أنتِ ولع الليل بطرف ثوبكِ الأحمر
وركوع الموت من اجل قبلة على شفتيكِ
أنتِ قصبُ السكر وكحول الليل
وهبوب الرياح المهاجرة
في كلّ مكان
وتيه اللقاح

وهناك الكثير الكثير من الواضحات الجليات المُستَسهَلات ، لكنها عصياتٌ ممتنعاتٌ على غير المبدعين الحقيقيين ، فلا تعطي أنفسها إلا بشقّ الأنفس.
والنصوص أعلاه نماذج على سبيل المثال لا الحصر.

وأخيراً وليس آخراً ، لقد أصبْتَ إذ رميتَ ، وأجدْتَ إذ رأيتَ (أنّ قصيدةَ النثر تُستنشق ولا تُفسّر). فهي حقّاً تُستنشَقُ بنفَسٍ عميق ، وتُقرَأ بأناة وانتشاءٍ وهي تُحتسى نبيذاً ممزوجاً بالحسّ وعصيراً متشرباً بالفؤاد ومِنْ دنان الغوص فيما وراء الشكل والمضمون لغةً وصورةً وايحاءً ورمزاً . وهذا لا يكونُ إلا في القصائد ... القصائد!

مع فائق التقدير والتحيات والمحبة والامتنان ، فلكَ الفضلُ فيما أنا أدليْتُ فيه بدلوي هنا .
سلامي ...

عبدالستار نورعلي
الخميس 23 ديسمبر 2010

رابط مقالة الشاعر سلام كاظم فرج:
http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=41563:2010-12-19-02-08-57&catid=34:2009-05-21-01-45-56&Itemid=53

رابط قصيدة الشاعر فائز الحداد (حين تغزلين الضوء):
http://almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=41305&catid=35&Itemid=55



95
إخترنا لكم / أنا ابنُ الصباح
« في: 16:16 17/10/2010  »
أنا ابنُ الصباح


عبد الستار نورعلي

(مهداة الى الصديق الشاعر سلام كاظم فرج رداً على نصه "سجع الكهان الجديد" رغم أنني كاتب نصي هذا قبل نشر نصه على موقع المثقف بتاريخ الخميس 15 تموز 2010 ، لكنني حين قرأت نصه وجدت انّ ما كتبتُ ربما يدور في أفق ارهاصاته الروحية وفجائعيتها وتجربتها المرّة ، لذا ارتأيتُ أن أهدي هذا النص اليه. /15 تموز 2010 )

أنا قشرةٌ يابسةٌ
لتفاحةٍ قُضمتْ
ثم أُلقيتْ
على قارعةِ المدنْ،

أنا ذلك الأمانُ الذي
شُربَ حتى الثمالةِ
ومُسحَتْ كأسُه
بغسلين الشفاهْ،

هل الدهرُ وحشٌ
بملايين الرؤوس ؟

الوسادةُ التي خلتُها دافئةً
لم تكنْ شمسَ النفوس التي
أدمنتْ
وجوهَ البشرْ،

أنا النارُ  في زمن البردِ
والبردُ في قرارةِ الحرِّ
أطفأهما اللهبُ المتصاعدُ
من أنفاسِ الظلامْ،

أقفُ اليومَ على باب المرادِ
أسألُ
هل من خروج
إلى الضفةِ الحالمةِ
بانتظارِ الفرج؟

هل الكربُ الذي
وقعتُ فيهِ
يكونُ وراءهُ
نزوةُ السِراج؟

ارفعوني
ارفعوني
من مهاوي الغفلةِ
فقد تكأكأتْ عليَّ
أطيافٌ بوجوهٍ كالحةٍ
وأنيابٍ منْ كلامٍ يستريحُ
على نصل سكين
في ظهرِ البياض!

أبيضٌ كالثلجِ قلبي
أسودٌ كفحمةٍ تشتعل
قلبُهُ،
أما منْ مجيب
عنْ سؤال المسيح؟!

صُلبَ المسيحُ  لأنه أجابََ
وصُلبتُ
لأني في انتظار الجوابْ ....

أغباءٌ أنْ تشدَّ
في قافلةِ القديسينَ
روحَكَ
كي تُصلبَ مرتينِ
مرةً لأنكَ في القافلةِ
مرةً لأنك سؤالٌ باحثٌ ،
أم هو حسابُ الطريق؟

شوكةٌ في الطريق
شوكةٌ في العين
شوكةٌ في الروحِ
شوكةٌ في السؤالْ

هل الناسُ
من بقايا الرؤوس المشرئبةِ
من كهوفِ التنانينِ
في الغابةِ المشرئبةِ
في القلوب؟

أنا الرحيقُ الذي
سكبتهُ الكلماتُ
في كؤوس المارّةِ
وداستهُ أقدامُ الضلالِ
والأفاعي التي استعذبتْ
دميَ المستباحْ ،

أنا ابنُ الصباحْ
إذا مرّ ليلٌ
أعقبهُ الصباحْ ......


عبد الستار نورعلي
السبت 10 تموز 2010

96
قررتُ متابعة المسلسلات التركية

عبد الستار نورعلي

هَرِمةً متعبةً تمرّ الأيامُ
عاصفةً تتسارع الأحداثُ
عاتيةً تتصارعُ الأمواج والأعاصير
تسونامي ، أمريكانامي ، ارهابيانامي ، حراميتْنامي ،
تجرف الأخضرَ واليابسَ
والعاريَ والحافيَ واللابسَ
أقدامُ خيول الرغبة المُلحّة تضعف
الرغبة في متابعة مسلسلات السياسة 
ورجالاتها ونسائها ومحلّليها
وتفجيراتها

كلُّ شيءٍ ثمين في الكتبِ القديمةِ
أمسى رخيصاً
في سوق السياسة والنخاسةِ والسادةِ والعبيد:
الشرف
الضمير
الوعود
الكلمة الصادقة
نظافة اليدين
الثقافة المتنورة
الكتاب المقدس
حياة الناس

أما رمق الفقراء فقد أصبحَ في خبر كان

كلُّ شيءٍ قبيح أصبح مباحاً:
الكذب
التزوير
التحريف
الغزو
الاغتصاب
الفساد
التشبث بالعروش والكراسي
سرقة المال العام
تفجير الأسواق والبيوت والمدارس
ذبح الناس بسكين بارد
اغتيال أساتذة الجامعات
اغتيال نوافذ الروح
توريث الجمهوريات
العصبية القبلية
حروب الأخوة الأعداء
أكل التفاحةَ
قتل قابيل لهابيل
وتبرّجْنَ تبرُّجَ الجاهليةِ الأولى ......

تحوّلتْ السياسة عاهراً  قبيحةً
في سوق العرض والطلب الرأسمالية
وبيوت المال الشرقيةِ والغربية
وغرف نوم الثمانية الكبار الخلفية
ومطاعم ماكدونالدز
وناطحات السحاب
والفضائيات .....

أصبحت الكلمةُ الطيبةُ نقمةً
والقلبُ الأبيض السليم علةً
والروحُ البهية النقية ظلمةً
والصفاءُ وسلامة النية نُكتةً
والكتابةُ الصادقة سلعةً بائرةً
والشعرُ صناعةً مُستهلَكةً
والرواياتُ الجميلةُ الخالدة خُردةً
"وإنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ " كذبةً
و " سلي الرماحَ العوالي عن معالينا " خرقةً باليةً

فاعذروني!
لقد قررتُ أنْ أتابعَ المسلسلات التركية.

 
عبد الستار نورعلي
السبت 25 /9/2010

* "وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ" : هو صدر البيت الشهير لأحمد شوقي
* "سلي الرماحَ العوالي عن معالينا": هو صدر مطلع نونية صفي الدين الحلي


97
نصوص لم ترَ النورَ (2)
عبد الستار نورعلي


هذه الشذرات الشعرية كتبتها بتواريخها المذيلة. خلّفتها ورائي ضمن أوراقي وأنا أهاجر أرض الوطن أمانةً محروسةً وصلتني أخيراً:



* الإنتهازي

لكلِّ وجهٍ  إرثـُهُ ، وهـو ذا
إرثُكَ هذا الوجهُ هذا القناعْ

تنقلهُ اليومَ هنا ، في غدٍ
تنقلهُ هناكَ حيثُ القِصاعْ

ترقصُ كالمهـرِّجِ المُنتشي
في كلِّ ساحٍ يُشترى أو يُباعْ

والثمـنُ البـخسُ  حسابٌ لـهُ
في زُخرفٍ يرفلُ أو في التماعْ

فإنـهُ بخسٌ ، وبخسـاً لكَ
يا أيها الراقصُ فوق الرِقاعْ!

1983


تحسبُ أنَّ الليلَ لا ينجلي
ولا صباحٌ بعد هذا المساءْ

لكنما الليلُ زمـانٌ ، ومـا
ظلَّ زمانٌ دونَ خطِّ انتهاءْ


1983


قد شِبْتَ
قد شاختْ سنينُكَ
وانطوتْ أيامُـكَ
فعلامَ تزهو بالتولُّهِ
والحنينْ؟!
مرَّتْ خطاكَ
على حدودِ الأربعينْ!

1983


هذي لياليكَ
خبـا نجمُها
وارتحلتْ أحلامها
في المدى
طيفُكَ
قد أمسى
غبارَ الصدى

1983


قالوا: استفقْ!
عبرَتْ بك الأيامُ
واجتازتْ خطاكَ الأربعينْ
حتامَ تبقى
دون سنِّ الأربعينْ؟!


1983



لم يكنِ الحبُّ
سوى المقدمهْ
أما الفصولْ
فإنها ملحمةُ الانسانِ
والخيولْ

19/11/1984


طرقْتُ بابَ العشقِ
فاستلوا السيوفْ،
رفعْتُ أقلامي
وقلبي
ولساني
والحروفْ

19/11/1984


توّهجَ العشقُ
على ضلوعي
فأزهرتْ
مواسمُ الشموعِ

1984


خيلاً بلا أقدامْ
نجلسُ في مواجعِ الليلِ وفي
متاعبِ النهارْ

يا أيها المولعُ بالمدارْ
ذابتْ خطاكَ
بينَ أنيابِ الكبارْ

داسوا على أهدابنا
فارتعبَ الصغارُ
والكبارْ

9/3/1985


فيمَ اصطبارُكَ والأيامُ قد رحلَتْ
نجومُها وتلاشَتْ دونها السُحُبُ؟

فيمَ الهُيامُ وهذا الدهرُ عاشقُهُ
تقلُّبُ اللونِ ، للأصباغِ ينتسبُ؟

مالي أرى الحبَّ لا تخبو مجامرُهُ
يظلُّ يحبسُ أنفاساً ، ويلتهبُ ؟!

1985  


اهدأْ !
سليلَ النوءِ والجرحِ،
أما آنَ الأوانْ
تفكُّ قيدَ الشوقِ عنْ
كاهلكَ التعبانْ؟

1985


عبد الستار نورعلي
الخميس 24 حزيران 2010  

98
إخترنا لكم / كاترينا
« في: 18:29 16/09/2010  »
كاترينا *
عبد الستار نورعلي


صهيل يعتلي شفة السحاب
يسوق البهجة عبر سماء الحريق
شجراً في حقول الصخور  
تزرع أيقونةً، رحلةً فوق شوك الطريق
ووخز الصرخة النازفه
"الهي! إلهي! لماذا تركتني؟" *
يهبط القناعُ الحديد على وجهكَ ،
فاغتسلْ!
ثم احتسِ الماءَ من كأس هذا النديم
كرمةً
زيتونةً
صحبةً من وهج الدربِ قاسموا ضوعَ الأزقةِ
حلمَها، روحَها، واستحمّوا بدماء النحيبْ،
حملوا أصلابَهم بين بابٍ وباب...
هذه الشمسُ تغربُ حمراءَ بلون النجيع
فوق الصليب،
كاترينا في ثياب الزخارف تتضوّعُ مِسكاً،
مشطتْ شعرها الفاحمَ،
وارتدتْ شارة البرق ، تنثر عطرها،
تغسل القدمين  بالخصلاتِ،
كاترينا !
إنّ ليلَ العاشقين خصلةٌ خصبة
رشفةٌ منْ ضياء الأنين،
انشري حضنك، ينام الهائمون الحفاة بين جمرات الشعابِ
يبحثون عن ألقٍ ، وجعٍ يغسلُ القلبَ،
افتحي نوافذك للعابرين فبالقلبِ تستحمُ الحروف!
ثمّةَ عينان في دعةٍ تحدّقان في خصلات شعركِ،
ترسمان الشارةَ،
ثمّة شفتان بالأريج تشرعان أبوابهما:
مَنْ يرد الرضى فليمدَّ يديهِ
وليقطتفْ شوكةً من التاجِ يزرعها في فناء عينيهِ،
في رحاب روحه،
هي ذي البهجةُ الجوابُ،
هناك في الأعالي بريق يلفّ الرقبةَ العاجَ،
وجهكِ رفيفٌ من شعاع السنابلِ
تسّاقطُ من ضروع الضياء،
هي التي بابها مشرعٌ للعيون الجامحةِ
نثرتْ صرةً على باب كهف الصخور،
أشعلت شمعةًن
قبّلتْ قدمَ الذي لم ينمْ عن كلام،
فطوبى للجياع لأنهم سيشبعون!
طوبى للعطاش لأنهم سيرتوون!
طوبى للتي أكلت منْ صدرها،
غمست روحها في مياه الرمال،
نذرتْ قلبها للذي استحمّ في رياح الصليب،
أسفرتْ جيدها للحصاد ثمناً للصدى،
للمحبة الخالصه،
كاترينا !
هذه القرية غرقتْ في الدجى،
أغلقت بابها ، لملمتْ وجهها في غياب الخجل،
ثمّ نادتْ دون أنْ تذرفَ دمعةً:
إنه ثمنُ المارقين الجناة،
أطيعوا أولي الأمر منكم!
ثمّ نامتْ على هدهدة الليل في سكون الكلام.
كاترينا !
صرخةٌ في الظلام:
مّنْ كانَ منكم بلا .....
ذابَ رجعُ الصدى،
كاترينا !
رداءٌ يجوب الصحارى
نزوعٌ فوق موج البحار
مزاميرُ تزرع زهرةً عند كل دار :
إلثمْني بكلمات فمكَ !
لأنّ عشقك أنعشُ من الهواءِن ألذُّ من الخمرِ،
اجذبْني وراءك نجري صوبَ ثوب النجوم!
اغسلْني بعطور السحاب!
شمسُك لوّتني بلهيب الغياب،
أمطرتني بنور شعاعكَ،
عيَّبني وجهك في ظلال الكروم،
اجذبْني وراءكََ !
أجري في سواقٍ من الخمرِ ، من العسل المصفّى،
اقتنصْني !
فأنا في رحابكَ طائرٌ بأجنحةٍ من ضياء،
مركباتٌ تزدهي بالورود، تقتفي مدنَ الرياح،
ضوعها من لجينِ النهرِ،
كاترينا!
ارتقي سُلّمَ الطيبِ ، ياقامةً من قطاف النخيل!
ضمخي جسدَ العشقِ بالعطور، فاح سيلُ الثمار،
" إلهي ! إلهي ! لماذا...؟"
نحتتْ في الألإق صورةً فوق تاج الشمس
رحلةً عبر أشواك الطرق الغافله
ألقت الرحلَ في مدن الرمل والحريق،
بين الموانئ تجري ،
طوبى للجياع لأنهم يشبعون
سلاماً ، برداً ، عرشَ القلوب !
لهمُ الصبواتُ الحسانُ، طرقُ العشق في القمم الزاهره،
سيوفٌ للمدن التي جاراتها غرثى،
سلاماً ! برداً !
وجهُه لوحةُ الصلب مشرقاً،
كاترينا !
وجهكِ وجهي في رحاب البساتين،
في وشاحك لون ، بهجةٌ من عباب النزيف،
فاحتسي خمرةَ الجرح بين جمع الحبور!


* القصيدة من مجموعة (في جوف الليل)

* كاترينا: هي احدى شخصيات رواية الروائي اليوناني الكبير نيكوس كازانتزاكيس (المسيح يصلب من جديد)، وهي الأرملة العاهر التي ضحت بنفسها من أجل انقاذ بطل الرواية مانولي الذي مثّل دور السيد المسيح في عيد الفصح مثلما اعتادت القرية في الرواية أن تفعل كل عام فتختار شاباً معروفاً بالصلاح ، وقد ٌقُتل مانولي لأنه تلبس دور المسيح فأخذ يتصرف وكأنه هو فعلاً.

 *(الهي ! الهي! لماذا تركتني؟) هي آخر جملة قالها السيد المسيح ع قبل أنْ يسلم الروح وهو على الصليب. كما ورد في انجيلي متى ومرقس.

عبد الستار نورعلي
أيلول 2000



99
أنا مغرمٌ بالشعر، لسْتُ بشاعرٍ

عبد الستار نورعلي


أدعوكَ ربِّي ، حيلتي  بدعائي
أنا في رحابكَ، لا تردَّ رجائي

أنشرْ جناحي بينَ أنفاسِ المدى
لأفكَّ  قُفلَ القلبِ عنْ إنشائي

أطلِقْ عناني ، كي تخطَّ أناملي
مكبوتَ ما في النفسِ منْ أصداءِ

إمنحْني رَعْشةَ مبدعٍ  ومُصوِّرٍ،
لَهَبَ القريضِ، رهافةَ الشعراءِ

أنا مغرمٌ بالشعر، لسْتُ بشاعرٍ
حتّى و إنْ غنّى الكلامُ  ندائي

مازلْتُ طفْلاً حابياً في روضهِ
تلهو بيَ الأزهارُ عَذْبَ غناءِ

ما كلُّ ردّادِ الأغاني مطرباً
ما كلُّ  نظّامٍ منَ الشعراءِ

الشعرُ صعبُ المرتقى وشعابُهُ
حِممُ المشاعرِ وانطلاقُ فضاءِ

معنىً يُقانصُهُ بجُودِ قريحةٍ
لهبٌ ، نسيمٌ مُطفئُ الإعياءِ

نبضٌ لقلبٍ عاشقٍ مُستوحِشٍ
يهبُ القصيدَ فتوةَ الصحراءِ

ينبوعُ  ماءٍ دافقٍ  بنميرهِ
يسقي العِطاشَ لذاذةَ الإرواءِ

ورغيفُ خبزٍ طازجٍ متوهّجٍ
غذّى الجياعَ عصارةَ العلماءِ

*  *  *  *

عازَفْتُ نايَ الشِعرِ بالأضواءِ
وسكبْتُ ما في الروحِ مِنْ صهباءِ

جُبْتُ الشِعابَ صعابَها وسهولَها
فسُقيْتُ إعراضاً وصمتَ جَفاءِ

لكنّما الإصرارُ غايةُ موردي
وسقايتي منْ سيرةِ العظماءِ

فسكنْتُ داخلَ أحرفي وهواؤها
عَصَبُ الأزقةِ ، لمسةُ الفقراءِ

والماءُ والأنسام ُ، وجهُ مدينتي
والحقُّ ، والانسانُ  خلوَ الداءِ

أمّا التي يغفو الخَليلُ بظلِّها
لا يرتوي منها بغيرِ شقاءِ

فافتحْ كتابَ العشقِِ كم من عاشقٍ
ذاقَ المرارةَ منْ  هوى الحسناءِ!

واقرأْ لقيسَ وديكِ جنٍّ والذي
شدَّ الرحالَ لموطنِ الغرباءِ

لا تعذلوهُ فقد أصيبَ بحتفهِ
وسلوا الخليلةَ قسوةَ الضرّاءِ*

*  *  *  *

ها إنَّ سبعيناً بحسنِ عطاءِ
لاحتْ بيارقُها بأفقِ سمائي

سبعونَ مسرعةً تقرِّبُ خيلَها
صوبي تزيدُ توقُّدي وعنائي

ما شابني في عابراتِ سنينِها
ما قد يُعيبُ الجلدَ تحتَ ردائي

ما أزهرَتْ لغتي بغيرِ ندائها
وبغيرِ لحنِ الحبِّ في الأرجاءِ

إنّي اقتحمْتُ الحرفَ منْ أبوابهِ
لا ناظرَ العَجماءِ والرقطاءِ

أو طارقاً أبوابَ منتجعِ الخنى
فبقيتُ محفوظَ اليدِ البيضاءِ

ولذا تغافلتِ الثعالبُ مارأتْ
فيها دَهيناً ، مُثقَلاً  بثراءِ

أو إصبعاً حرَفَتْ قيادَ مسيرِها
بينَ السفوحِ ، وخيمةِ اللؤماءِ

قممُ المعالي خيمتي أيقونتي
لا أبتغي سفحاً ، ونثرَ هباءِ

أنا مغرمٌ بالشعرِ لستُ بشاعرٍ
دقَّ الطبولَ ، بنفخةِ الخُيلاءِ
ـ ـ ـ

* اشارة الى ابن زُرّيْق البغدادي وقصيدته:

لا تعذليهِ فإنّ العذلَ يولعُهُ
قد قلتِ حقّاً ولكنْ ليس يسمعُهُ

جاوزتِ في لومهِ حدّاً أضرّ بهِ
مِنْ حيثُ قدّرتِ أنّ اللومَ ينفعُهُ

فاستعملي الرفقَ في تأنيبهِ بدلاً
عنْ عنفهِ فهو مضنى القلبِ موجعُهُ


الأثنين 21 ديسمبر 2009



100
الجنتان ـ الى ابنتيّ جوان ونور
عبد الستار نورعلي


إنِّي ... سـعيدٌ ، فليَ الجنّتانْ
منْ غرسِ عمري فرحاً تُزهرانْ

عطرُهما يفوحُ في مهجتي
فضوعُهُ إكسيرُ نبضِ الجَنانْ

جُوانُ يا أنشودةً في دمي
برجعها يبتهجُ  الأصغرانْ *

ونورُ في أوتارها ، نغمةٌ
شجيةُ الإطرابِ والعنفوانْ

جوانُ ، يا وردةَ بسـتاننـا
لأنتِ أحلى منْ زهورِ الجُمانْ

يانورُ ، يا أنوارَنا ، شمسَنا ،
شعاعُكِ الغامرُ روحُ المكانْ

يانجمتينِ ، ارتقتا  في العـلا
فغارتِ الشمسُ كما الشِعريانْ     

ملأتما بيتي بنـورِ يكما
البرُِِّ زادي فليَ الحُسنيانْ **

أشربْتُما روحي بنهريكما
طِيباً وأخلاقاً وبردَ الأمانْ

إنْ قلتُ أصغيتمْ صدى أحرفي
وما يقولُ القلبُ ، قبلَ اللسانْ

قديستي أنتِ ، وأنتِ الهُدى
لأنتما في دارتي ، سدرتانْ

أُسندُ رأسي ، عند إحداهما
والظهرُ  بالأخرى قويُّ الكيانْ

مصـباحُ ليلي ، فيكما ، قِـبلتي
إنْ كنْتُ في ضيقِ ظلامِ الزمانْ

بريئـةٌ  روحـاكما ، آيـةٌ
طاهرةٌ منْ نفحِ ريحِ الجِنانْ

فأنتما قبيلتي ، صفوتي ،
وأنتما التاجُ مع الصولجانْ

فليحفظِ  الرحمنُ روحيكما
ومنْ أذى العقربِ والأفعوانْ

فمثلما أرضيتما شـيبتي
سقاكما اللهُ رحيقَ الجنانْ

*جُوان: كلمة كردية من معانيها، الجمال، الشباب ، اسم لوردة حمراء جميلة عطرة.
**الحُسنيان: أقصد أبنتيّ لا الدلالة الدينية، لأنّ كلاً منهما حُسنى في حياتي، وهبني اياهما سبحانه وتعالى، فالحمدُ لله منْ قبلُ ومنْ بعدُ.

عبد الستار نورعلي
الثلاثاء 13 حزيران 2010






101
من الشعر  الهندي: الشاعر آجييا

 

عبد الستار نورعلي




آجييا  Agyeya 1911-1987 : من كبار شعراء الهند في القرن العشرين، ويُعدّ من المجددين في الشعر الهندي المعاصر حيث أسس المدرسة التجريبية في الشعر الهندي بعد فترة هيمنة الرومانسية، وقد نال عدة جوائز أدبية. واسمه الحقيقي (ساجيداناند هيراناند فاتسيايانا). عمل صحفياً واستاذاً جامعياً ومدير تحرير لعدة مجلات. انضم الى حركة الحرية الهندية وسُجن بين عامي 1930- 1936بسبب نشاطه الثوري. أصدر خمس عشرة مجموعة شعرية وقصصاً قصيرة وثلاث روايات، كما أنه في الوقت نفسه جمع الشعر الهندي مابين عامي 1943ـ 1979  في أربعة مجلدات.

* قرية في الليل

أغنية السيكادات*
جعلت القريةَ تنعسُ.
خيوطُ الدخان البيضُ
تهزُّ البيوتَ
مثلَ المهودِ.


* الجبل لا يهتزُّ

الجبل لا يهتزّ،
ولا الأشجار، ولا الوادي.
إنها ومضة الضوء الصغيرة
من البيت هناك في النهاية
انعكست في البركة
التي ترتعشُ.


* عن العودة

1. تلة خضراء
انحناءة الجبل الجانبية، ستارة من أشجار الصنوبر،
ممر ملتوٍ يرتقي باتجاه السماء،
النهر بجوار قدميّ، متمدّدٌ
مثل وخزة من الألم، طيور
مستريحة في أعشاشها. كلّ هذا
رأيتُه واحتفظت به في قلبي.
واسيتُ نفسي:
مرةً سأعود،
بعد أيام، سنين _ دهور.
أضاء الأفق عالياً بالبرق,
من بعيد، عين غاضبة، سؤال متوهج:
"أيها الرحّالةُ، حتامَ  ستتذكر؟"

2. غروب
شعاع الشمس
توهّج في
قمة الجبل من الجانب الثاني
متوجةً بأشجار الصنوبر
ـ ابتسامة الأم انعكست في وجه الطفل.

أغنية
الوعي بعيداً عن كلّ الآلام
مليءٌ بالفرح الغامر.
"لايوجد أيُّ طريقٍ للعودة."


* على العتبة

استيقظتُ, حالما استيقظتُ أحسستُ كأني
كنتُ في حلمٍ
لم أستطع تذكره.
كان احساساً فحسب
كما لو أني حلمتُ لتوي واستيقظتُ.

نعم، يوجد حلم، قلتُ لنفسي،
أقفُ على العتبة حتى أتذكره.
بينما مشيتُ حواليّ كان التفكير يرنّ داخلي
بأنه كان هناك حلمٌ ووقفت على العتبة حتى أتذكره.

وهكذا نمتُ ثانيةً، استيقظت ثانية، نمت مرةً أخرى
في سلسلة لا نهائية: كما لو أنّ الإرادة أُنتُزعَتْ مني
بنفس الباحث الدائم، العاجز، غير المؤهل
كي أتذكر حلمي المنسي ـ المُتذَكَّر.

أنا متأكد بأني سأتذكر سريعاً
ذلك الحلمَ الذي أعرف أني قد حلمته ـ
أنا أقف تماماً على العتبة حتى أتذكّره ـ
مع أنّ صورتهُ الحادةَ ، العميقة، الراسخة تبقى قابلةً للاصطياد.

لا توجد نهاية، ولا أية يقظة كاملة ،
لا ذاكرةَ أبداً يمكن أن تنسى تماماً،
لكن ايماني راسخ، أقف على العتبة
حتى ينهض حلمي الذي حلمته لتوي، وكذلك صورته
مرئياً أمامي على العتبة،
لكي اتحرك الآن فيه.


* أنين

في الأول قالتْ انظرْ الى السماء
ذلك المحيط من النور ورأيتُ
طيوراً تنحدر مثل زوارق شراعية صوب شواطئ مجهولة
ثم قالتْ انظرْ الى المحيط المترامي
من الخضرة ورأيتُ أغصاناً تلمع في الشمس
وظلالاً عميقة تتحرك من
طنين وأزيز ودمدمة الحشرات
من مختلف الأنواع و كذلك خرير لجداول وشلالات بعيدة.

ثم قالتْ انظرْ لكن انظرْ فقط
ـ كلّ هؤلاء الناس ورأيتهم
حشداً ضاجّاً من الحزن والجوع
والانفعال والجشع والكراهية والغفران
والتوسّل في عيونهم.

وهكذا فجأة همستْ ولكنْ هل
نظرتَ في داخلك وبحثتَ في الصمتٍ وقلبي
أصبح ساكناً فارتعشتُ من الخوف وأحسستُ أني خاسر.

ولكنْ حينها قالتْ مجدداً يوجد محيط من النور
وكان يوجد ومحيط من الخضرة وكان يوجد
وبشرٌ وكنتُ موجوداً بينهم في وسطهم كنتُ موجوداً.


* السيكادا: حشرة تعيش في المناطق الحارة تصدر ذكورها صوتاً غنائياً رناناً وخاصة عند ارتفاع الحرارة والرطوبة وذلك لجذب الاناث من أجل التزاوج.

* أخترت القصائد من انتالوجيا الشعر الهندي (Innan ganges flyter in i natten) (قبل أن يفيض غانغس ليلاً) لمجموعة من المترجمين السويديين.

ترجمة: عبد الستار نورعلي
الخميس 29 أبريل 2010





102
ولذاذةُ الكرسيِّ تعصفُ بالعراقِ
عبد الستار نورعلي


ولذاذةُ الكرسيِّ تعصفُ بالعراقِ
والساسةُ التُجّارُ  هم ْ
أربابُ ألسنةِ النفاقِ
عُبّادُ إغراءِ الكراسي
يسترخصونَ الأرضَ
يحتملونَ وزرَ دمٍ مُراقِ

أسفي على بلدي!
تناوشَهُ ذئابٌ
والثعالبُ رِفقَها
أهلاً وجيراناً
وساقاً فوقَ ساقِ
واللصُّ هذا ابنُ الحواسمِ
خاتلاً في زيِّ راقِ

نهشوا البلادَ بقضِّها وقضيضِها*
واستمرأوا ألمَ الدموعِ
أنينِها وغزيرِها
نشروا الفسادَ وأفسدوا
طعنوا العبادَ ، استوردوا
نارَ الفراقِ
حرقوا حبالَ الوصلِ
في لُحَمِ التلاقي
والناسُ همْ حطبُ الشِقاقِ

صارَ العراقُ ضِياعَهمْ
وكنوزَهمْ
مِنْ بعضِ ما لجدودِهمْ
والشعبُ لا في العيرِ
لا في نفيرِهمْ
لكنّهُ منْ إرثِ آبارِ المآقي
في الفقرِ باقِ
وطعامُهُ وشرابُهُ مرُّ المذاقِ

 حتامَ نارُ صراعِهمْ خلفَ الكراسي
ومصيرُ هذا الشعبِ فوقَ الخيطِ
منْ آسٍ لآسِ
جثثٌ ممزقةٌ وألوانُ القواسي
والموتُ في الأرجاءِ راسِ *

هذا جناهُ عليهِ بوشُ ،
وما جنى غيرَ التمزُّقِ والمآسي

قد قيلَ للحريةِ الحمراءِ بابٌ
بالدماءِ يُدَقُّ
لا بجيوشِ غازِ
أو سيفِ فاشيٍّ ونازي
أو عشقِ تاجٍ فوقَ راسِ
أو كلِّ هذا المهرجانِ
منَ التشبُّثِ بالكراسي

* راسِ: أصله راسي، اسم منقوص حُذفتْ ياؤه للتنوين، وهو من الرسو

الأثنين 17 مايو/ أيار 2010











103
تجريب: كشف حساب غير متأخر

عبد الستار نورعلي



أربعون + خمسة =
 
كتب ، أقلام  ،  أوراق ، أنامل =

عينان  ، صدر  ، أضلاع  ، قلب  =

الكرة الأرضية + كلمات حارقة/ محترقة  + صداع + آلام  + غربة + احديداب =

كيفَ احتملتَ كلَّ هذا الدُوارْ
والتعبَ المُرَّ وضيقَ الحصارْ ؟

صخرة بحجم الكون ، صعود نزول  =

سفح  ، غابة ، أشجار متشابكة ، أشواك
   
طرق ملتوية  ، وحل ، جليد ، فيضانات ، انفجارات

هل أيقظكَ العرّاف ؟

نومٌ  عميق ، غصن زيتون  ، حمامةٌ =

"الكلمة الطيبةُ صدقةٌ؟" =

اتقِ شرَّ  مَنْ أحسنتَ اليه !

ما الذي تبغي اليهِ
أيها العابرُ فوقَ العربهْ

=

جوع ، حرمان ، أحذية ضيقة  ، خيلٌ متعبة   

ليل طويل ، ستائر رمادية ، شمعةٌ محترقةٌ

كأس فارغةٌ  ، مائدةٌ خاويةٌ  ، كراسٍ بلا اقدام  ، بلا ظهر

أوراق مرمية على قارعةِ الطريق ، صدر ضاق على التاريخ
   
بركان يغلي

عينان متعبتان ، أنامل دامية ، كرسي متصدّع ، لابتوب بحجم الكفّ =

في انتظار جودو

هل تجيد الجودو والكاراتيه؟

جودو وكاراتيه= 

بلطجة ، كرسي ، تاج مزيَّف ، لسان ذلاق ، صحف يومية ، فضائيات عربية

هو = 

عينان صافيتان ، قلب ينبض بالدم  ، أقلام رصاص ،صوت نقيّ  ، يد متعبة =

الطيبة سلاح الضعفاء

نزع فلان ثوبهُ =

تصفيق حادّ  ، فضائيات ، مسارح  ، دولارات

هل تستطيع أن تنزع ثوبك؟

عيب !!!

عيب =

إعراض ، كواليس  ، رغيف يابس  ، صمت مطبق ، موت في رداء حياة 

هل جرّبتَ  الفاليوم ؟

الفاليوم =

خدرٌ صناعيّ ، نومة أهل الكهف ، سكون ، موت في رداء موت

اربعون  +  خمسة  +   وجه ثابت  +  أوراق خضر +  يد بيضاء  +

ثياب غير منزوعة + يقظة  + نوم منْ غير فاليوم  +  الكلمة الطيبة صدقة



جدار برلين  ، صمت الغابات ، شوارع خلفية  ، نجيب سرور   

إنذار:

هل ستتوقف العربة  عند الخامسة والأربعين؟

إنْ كان لا يدري =

مصيبة

وإنْ كانَ يدري =

المصيبة العظمى *

دمٌ يجري  + قلب ينبض +  سطور بيض + كون مضطرب =

تجليات ، حياة  ، كشوف ، تحديات ، استمرار

فوق التلة ثلج يلمع تحت الشمس

أناس يتزحلقون في عزّ الظهيرة   

هو  لايجيد التزحلق

هناك بالجوار تحت الأشجار أناس يشوون لحم دجاجٍ

هل تأكلُ لحمَ الأسد؟

"اقرأ باسم ربّك الذي خلق"

لا يوجد كهف ولا عنكبوت هنا

غابات كثيفة ، جليد  ، أرانب برية   

لا أحد يصطاد الأرانبَ هنا

هل تأكل لحمَ الأرنب؟

سؤال وجيه ، لا أعني وجيه عباس

ما الذي ذكّرك بوجيه عباس ؟!

لا تدري !

باقلاء بالدهن الحرّ ؟

الحدود السبعينية تقترب  ، Stop!  ، اشارة حمراء

هل أنت نادم؟

ربما

إنه يومٌ لا ينفع فيهِ الندم

ارمِ طموحَكَ واغفُ بالإصرارِ
الدهرُ للطبّالِ  والزمّارِ

مزامير الصحف اليومية  ، مزامير شعراء السلطان

هو لايعني مزامير داوود:

اغرسْ نفسَكَ عند مجاري الماء

ورقٌ لا يذبلُ  ، ثمرٌ يُفلحُ

واملأ كأسَكَ بنبيذِ النافذةِ  ، مُشرَعةً 
   
اكشفْ عورةَ مَنْ في الساحةِ رقّاصاً ، ثمناً بخساً

اكشفْ ما تحتَ ستارِ العورةِ في حقلِ الباطنِ  ، ما في جدار الظاهرِ

هدموا جدارَ برلين
       
ثمّ ماذا ؟  وشنو يعني؟   هل أكلوا الكيكةَ؟

افتحْ !

أنْ تفتحَ بابَ العشق الغافي تحت الجلدِ   

أن تفتحَ عينَ النائمِ =

عيون ، قضبان ، تعذيب ، ذبح  ، تفجير     

مصنع السيارات المفخخةِ في بيت الرئيس القائد

حتى آخر رمق ....



* اشارة الى قول الشاعر:

إنْ كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ
إنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ




الجمعة 23  ابريل  2010

104
استنكار لجرائم استهداف أخوتنا المسيحيين
عبد الستار نورعلي


نستنكر بشدة وبكل ما في نفوسنا من غضب وألم الجريمة النكراء الوحشية التي وقعت في مدينة الموصل بتاريخ الأحد الثاني من أيار/ مايو 2010 باستهداف حافلتي نقل طلاب جامعيين مسيحيين في منطقة كوكجلي شمال الموصل، والتي راح ضحيتها عشرات منهم جرحى. لقد كانوا متوجهين الى الجامعة ليواصلوا دراساتهم كي يبنوا مستقبلهم متحلين بالعلم والمعرفة والثقافة من أجل خدمة وطنهم وأرضهم وشعبهم العراقي المبتلى بكل أنواع الظلم السلطوي والارهابي والتحزبي التعصبي الضيق التي جرَّت ولا تزال تجرّ الويلات والنكبات على هذا البلد المبتلى تاريخياً بالحروب والغزوات والتدمير وصنوف الاضطهاد والقتل.

إنّ استهداف أخوتنا المسيحيين الطيبيين الأنقياء الأوفياء الذين لم يؤذوا يوماً شعبهم العراقي وبلدهم ولم يظهر منهم إلا الخير والمحبة والسلام والطيبة والوداعة لهو شاهد على مدى وحشية القائمين على هذا الاستهداف والتعرض الدموي المستمر المبني على الحقد والغلّ التاريخي والظلامية والوحشية في نفوسهم المريضة المشوهة.

إنّ أخوتنا المسيحيين هم جزء من نسيج المحتمع العراقي وهم أصله وجذره التاريخي. وقد بني على أيديهم حضارة وتاريخ بلاد وادي الرافدين. ولم يُعرف عنهم إلا كلّ طيبة ونقاء سريرة ووداعة روح وبياض قلبٍ ومحبة للخير والسلام ، فهم خير مَنْ يحمل تعاليم سيدنا عيسى المسيح، ليكونوا خيرَ الأحبة والأصدقاء والجيران الذين عرفناهم وعاشرناهم، وكانوا من المساهمين المخلصين في بناء وطنهم.

"طوبى للمساكينِ بالروحِ، فإنَّ لهمْ ملكوتَ السماواتِ.
طوبى للحزانى، فإنَّهمْ سيُعزَّون.
طوبى للودعاء، فإنهم سيرثون الأرض.
طوبى للجياعِ والعِطاشِ إلى البِرِّ، فإنهم سيُشبَعون.
طوبى للرحماء، فإنهم سيُرحمون.
طوبى لأنقياء القلب، فإنهم سيرون الله.
طوبى لصانعي السلام، فإنهم سيُدعون أبناء الله.
طوبى للمضطهدين مِنْ أجلِ البِرِّ، فإنَّ لهم ملكوتَ السماوات.
طوبى لكم متى أهانكم الناسُ واضطهدوكمْ، وقالوا فيكم مِنْ أجلي كلَّ سوءٍ كاذبين.
افرحوا وتهلّلوا، فإنَّ مُكافأتَكمْ في السماواتِ عظيمةٌ. فإنّهم هكذا اضطهدوا الأنبياءَ منْ قبلكمْ!"         (انجيل متى)

طوبى لكمْ وأنتم تنزفون دماً مِنْ أجلِ ضياءٍ في نفق الروح.
طوبى لكمْ وأنتم في الطيبِ تسبحون.
طوبى لكمْ وأنتم في جذرِ الأرضِ تُغرسون.
طوبى لكمْ وأنتم في الأعالي تحلّقون.
طوبى لكمْ وأنتم في سويداءِ قلوبنا تمرحون.
طوبى لكم وأنتم تحملون قناديلَ المحبةِ
طوبى لكم وأنتم تنثرون النور في الطريق.
طوبى لكم وانتم سلام هذا الكونِ.


عبد الستار نورعلي
الثلاثاء 4 مايس/ايار 2010 




105
الفيليون والانتخابات والرجوع بخفي حنين
عبد الستار نورعلي


في الانتخابات العراقية الأخيرة التي جرت يوم السابع من آذار/مارس 2010 ترشح العديد من الكرد الفيليين ضمن قوائم مختلفة وهي : التحالف الكوردستاني، ائتلاف دولة القانون، الائتلاف الوطني العراقي، التغيير، اتحاد الشعب.

لقد ترشحوا في بغداد تحت مظلة هذه القوائم وبرامجها، وليس باسم المكون الفيلي. وربما أختيروا فيها أملاً بأصوات الفيليين التي ادعى الكثيرون بأنهم  يبلغون في بغداد اكثر من مليون نسمة. وقد ذهب البعض مذهباً بعيداً مبالغاً في تقديراته بأن الفيليين في العراق يبلغ تعدادهم ثلاثة ملايين نسمة ، وبعضهم تواضع ليجعلهم ما بين مليونين وثلاثة، مثلما ادعى غيرهم من بعض المكونات. لكن الانتخابات السابقات والحالية كشفت الحجم الحقيقي لهذه المكونات والفيليون بضمنهم. والحق أن الحديث حين يجري حول الكرد الفيليين يتركز الكلام على بغداد بالذات لأنها مركز تجمعهم الأكبر وثقلهم السكاني وبسبب تركز أنشطتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فيها,اضافة الى أنها العاصمة. وفي الكثير من الكلام الدائر في هذا الاطار يُهمَل الحديث عن المدن الأخرى التي يتواجد فيها الفيليون وبعضها خالصة لهم في الغالب مثل خانقين ومندلي وبدرة وجصان وزرباطية والحي وعلي الشرقي وعلي الغربي وغيرها من المدن والقصبات في محافظتي ديالى وواسط وبعضٍ من ميسان.

في جدول نشره موقع المجلس العام للكرد الفيليين أظهر أنّ مجموع الأصوات الفيلية في بغداد التي ذهبت الى المرشحين الفيليين وهم تسعة عشر مرشحاً بمختلف القوائم الخمسة التي ترشحوا فيها هي (15548 ) صوتاً. وهو رقم هزيل بالتسبة الى التقديرات السكانية للكرد الفيليين في بغداد وفق ما ذكرت أعلاه. وقد توزعت اعداد   الأصوات على المرشحين بين خمسين صوتاً ، و (4092 ) والتي ذهبت الى السيد (سعدون يد الله شفي سعيد).  وبذا لم يتسنَ لأحد من المرشحين الفيليين أن يدخل مجلس النواب العراقي القادم. وهذه معضلة كبيرة وضربة شديدة للكرد الفيليين في العراق عموماً لأنه وبهذا يكون صوتهم قد اختفى عن أروقة مجلس النواب، ولأنه لا أحد سيعبر عن معاناتهم الماضية والحالية واللاحقة. فما حكّ جلدك مثل ظفرك مثلما يقول الشاعر العربي القديم. وهذه خسارة فادحة، إذ لا يستطيع أحد أن يعرض قضيةً ومعضلةً زمعاناةً ومظلوميةً مثلما يعرضها أصحابها الذين عاشوها وعانوها ويعيشونها ويعانونها يومياً. فكل انسان وكل قائمة وكل عضو في مجلس النواب سيدافع عن قضية ومواقف وأهداف وحقوق مكونه الذي يمثله أو الائتلاف او الحزب الذي ينتمي اليه وضمن اطار برامجه وسياساته وأهدافه التي على ضوئها دخل البرلمان.
ففي البرلمان السابق لم نسمع صوتاً من الأعضاء الكرد الفيليين غير صوت السيدة سامية عزيز محمد يتحدث باسم الفيليين ويعرض قضيتهم ويدافع عن حقوقهم ويدافع بحماسة وحمية وحرص، أما الآخرون فكانوا ما بين صامت أو متحدث على استحياء وخجل. أما الكتل السياسية وحتى التي يوجد ضمن أعضائها كرد فيليون فلم نلمس منها مواقف مساندة أو مدافعة عن الكرد الفيليين وحقوقهم وبشكل ملفت وواضح ومنصف. كان الكلُّ في صراع مع الكلّ من أجل مكاسب سياسية أو خاصة أو مواقف لتثبيت حق مكون أو الوقوف في وجه حق لمكون آخر، مثل قضية كركوك، وبعضها كان منطلقاً من إرث تاريخي وربما شخصي. ووسط تلك المعمعة لم تُحلّ الكثير من قضايا الفيليين المعلقة. وكل مرة حين تقترب الانتخابات تكثر المزايدات والمراهنات على كسب الصوت الفيلي الذي بان ضعفه وضآلته في هذه الانتخابات.
حين كان هناك حوالي عشرة أعضاء فيليين في مجلس النواب السابق ولم تتحلحل معاناة الفيليين ولم يدافع احد عن قضيتهم بجدية وحرص على حلّها واعادة حقوقهم المادية والمعنوية ورفع العراقيل المستمرة في طريق حصولهم على حقوقهم ومنذ ايام النظام الساقط ولحد اليوم فكيف الآن ولم يحصلْ واحد منهم على مقعد في البرلمان؟!
في البحث عن الأسباب الكامنة وراء هذه النكسة الفيلية الجديدة نستطيع أن نشير الى جملة أمور:
1-   انقسام الفيليين في ولاءاتهم بين القومية والمذهبية والطبقية الايديولوجية والمزاج الخاص عند البعض. ولذا توزعوا مرشحين بين قوائم مختلفة الأهداف والبرامج والتوجهات، وعليه تشتت الصوت الفيلي بينها.
2-   انقسامهم الى منظمات وجمعيات كثيرة متصارعة فيما بينها تستخدم التسقيط والتشهير الشخصي، مع أنها جميعاً تنادي بنفس المطالب وتدعو الى نفس الأهداف وعانت ذات المعاناة سابقاً وحالياً. مما جعلنا نقتنع بأن أهدافها ذاتية بحتة ركضاً وراء مصالح مادية و مناصب أو حلماً بعضوية البرلمان لما تهيئه من منافع مادية وسلطة وكرسي ونفخة.
3-   خيبة الأمل وعدم الرضى فيلياً من الأداء السيء والسلبي احياناً لأعضاء البرلمان العراقي السابق من الفيليين وعدم تقديمهم مكسباً جدياً يغيّر بشكل كبير وملحوظ من معاناتهم ويعيد حقوقهم وبنص تشريعي قانوني واضح لا لبس فيه ولا غموض، يشير اليهم بالاسم، لا بشكل قوانين عامة عائمة تُفسر بالهوى والفهم الشخصي لمنفذيها.
4-   عدم دخولهم الانتخابات بتنظيم واحد موحد تحت أهداف مشتركة واحدة هي نفسها كما ذكرنا في 2 ولا اختلاف بينها الا بالصياغة وبالترتيب. وقد نادى الكثيرون من الفيليين وعملوا على ذلك لكن جهودهم وأصواتهم ذهبت أدراج الرياح بسبب الخلافات الشخصية والصراعات الفردية. والتي وصلت الى حد التسقيط والشتم والتعريض الشخصي والتشهير العام. تاركين معاناة أهلنا وأرواح شهدائنا التي امتزجت مع بعضها في ملحمة تاريخية ومأساة انسانية لم يمر بمثلها العراق ولا غيره من بلدان العالم. تهجير سكاني خارج الحدود ، وحجز ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة ووثائق المواطنة العراقية. وقد شمل هذا الجميع، فلم يفرق بين زيد وعبيد، الكلّ سواء في المصيبة، فلماذا التسقيط والتشهير والشماتة بالأذى الذي يلحق ببعضنا؟! وهذه هي النتيجة!
5-   لقد كانت هناك دعوات لساسة وكتاب وشخصيات وجمهور واسع من الفيليين لاحتساب المكون الفيلي ضمن الأقليات ليشملوا بقانون الكوتة اسوة بالمسيحيين والشبك والايزيديين والصابئة فيحصلوا على مقعد باسمهم في مجلس النواب. لكن أحداً لم يرفع صوته في البرلمان السابق لمنحهم هذا الحق. ولم يلاحق أحد جدياً هذا المطلب. لأن البعض رأى أنهم ممثلون في القوائم المختلفة سواء القومية منها او المذهبية واحتسابهم أقلية سلخ لهم من قوميتهم أو مذهبهم، مع أن الايزيديين كرد ومن ديانة أخرى، والشبك كرد وشيعة، فلماذا على الفيليين حرام؟! وكانت هذه هي النتيجة، فقد رجع الفيليون بخفي حنين كما يقول المثل العربي القديم، ومثلما أيضاً يقول المثل العراقي الشعبي المعروف (لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي).
6-   بالرجوع الى قلة عدد أصوات الفيليين الذين صوتوا للمرشحين الفيليين في بغداد مقارنة بالذين يقولون انّ هناك أكثر من مليون فيلي في بغداد، فأين اذن ذهبت أصوات الألوف الأخرى من الفيليين؟ فليس من المعقول ان يبلغ عدد السكان الفيليين الذين يحق لهم التصويت في بغداد هذا العدد (15548) وحتى لو لم يبلغوا المليون! بالتاكيد أن ألوفاً لم يشتركوا في الانتخابات لهذا السبب او ذاك، وألوفاً أخرى ذهبت أصواتهم الى مرشحين آخرين من غير الفيليين في القوائم المذكورة. والغريب الذي يدعو الى التأمل والتفكير جدياً ومما وصلنا من بغداد أن البعض من الكرد الفيليين صوتوا لقائمة العراقية ولاياد علاوي شخصياً. وهذا لا يعني البتة أنهم بعثيون أبداً. ربما لأنهم رأوا في فترة رئاسة اياد علاوي للحكومة جوانب ايجابية في نظرهم دعتهم الى اعطائه أصواتهم. أو قد يكون من باب عدم الرضى عن أداء الحكومة السابقة ومجلس النواب وبضمنهم الفيليون الذين لم تلمس جماهيرهم منهم شيئاً ملموساً يُذكر في خدمتهم.
7-     وبناءاً على ماذكرنا فإنا نعتقد بأن هناك مبالغة كبيرة في احتساب العدد الفعلي لسكان بغداد من الفيليين.

ونأمل أن يكون هذا عبرة للكرد الفيليين يتخذونها في التخطيط الجدي لحركتهم السياسية المستقبلية. فيرجعون وخفا حنين في اقدامهم!


عبد الستار نورعلي
الخميس ـ الأول من نيسان 2010



106
دلالات التأييد الشعبي الواسع لائتلاف (العراقية)
عبد الستار نورعلي


من خلال ما تم اعلانه من نتائج الانتخابات العراقية الأخيرة في السابع من آذار فإنّ ائتلاف (العراقية) المنكون من عدة كيانات قد حصل على أصوات الناخبين العراقيين بشكل كبير وواسع ملفت للنظر ومثير لدهشة المراقبين الذين لم يتوقعوه وبهذه السعة بعد ما حصل للعراقية من تشرذم وانسحابات داخل مجلس النواب السابق بسبب مواقف بعض اعضاء القائمة السابقة من رئيسها الدكتور اياد علاوي الذي كان يقيم معظم وقته خارج العراق ، ومن هناك يوجه سياساتها وبشكل دكتاتوري كما صرح العديد من اعضائها المنسحبين، والذين انضموا الى قوائم أخرى في هذه الانتخابات مثل (دولة القانون) و (الائتلاف الوطني)، واما النائبان الشيوعيان المنسحبان منها ايضاً وأحدهما زعيم الحزب الشيوعي العراقي (حميد مجيد موسى) فقد انضويا تحت لواء قائمة الحزب (اتحاد الشعب) التي دخلت الانتخابات منفردة. ومن اسباب الانسحاب من العراقية أيضاً عدم رضى المنسحبين من المواقف السياسية العامة للقائمة.

ومن المثير للتفكير والتأمل ايضاً بهذا الفوز انه حصل رغم الحملات الاعلامية ضد القائمة العراقية ومكوناتها وقادتها واتهامهم بأنهم يمثلون البعث وأنهم ينوون التغيير الشامل لاعادة البعثيين الى السلطة أو على الأقل الى مراكز القرار المؤثرة في حكم العراق.

إنّ الفوز الكبير لائتلاف العراقية يجعلها القوة السياسية الثانية بعد دولة القانون ولحد اللحظة، إنْ لم تحصل مفاجآت، وبما لم يكن تتوقعه الائتلافات السياسية الأخرى وبالذات الحاكمة والمتحكمة بالشارع الموالي لها ، والتي كانت تثق بنفسها وبالتأييد الجماهيري الواسع والساحق لها من خلال قراءتها للشارع العراقي وما يؤثر فيه وبالخصوص في المحافظات الموالية مذهبياً والتي شحنتها مذهبياً أو عن طريق التخويف من عودة البعثيين من خلال الانتخابات وعودتهم للحكم ثانية وبخاصة أن هذه المحافظات قد عانت من ظلم وويلات النظام السابق الذي ملأها بالمقابر الجماعية، وخاصة في انتفاضة شعبان/آذار عام 1991 . لكنّ الانتخابات الأخيرة جاءت بحصاد البيدر على غير حساباتها وتوقعاتها ورؤيتها ومن أرض نفس الحقول. وهو ماقلب الموازين وصدم الرؤية وضبّبها. صحيح أنّ فوز العراقية في مناطق الجنوب لم يكن مدوياً، لكنه مع ذلك فوز وحصول على أصوات ومقاعد وتأييد مما قد يتسع مستقبلاً بحسب معطيات ما بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة القادمة وأداء الائتلافات وكتلها وقادتها ونوابها ووزرائها والأحزاب المنضوية فيها وقبل كل ذلك تنفيذ برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والكهربائية والمائية، وليس بيع الكلام والاثراء غير المشروع والصراع على الكراسي فحسب.

بدأ البعض منذ اليوم يراهن على فشل العراقية من خلال الأمل بانشقاقها مستقبلاً على اساس طريقة تشكيلها من كتل سياسية لها تأثيرها ومكانتها ولكل منها أجندتها وطموحها في وصولها الى المناصب والمراكز السيادية بما يؤمن لها تنفيذ مشاريعها وبرامجها السرية غير المعلنة، والتي تتخوف منها الائتلافات الأخرى على اساس اتهامها بأن هذه الكتل لها توجهات بعثية مؤيدة للنظام السابق أو متأثرة به. وتعتمد التحليلات هذه في أنه ربما تحدث منافسات بين قادة الكتل المنضوية في العراقية على توزيع المناصب واتخاذ المواقف ورسم السياسات، وخاصة هي اسماء بارزة لكل منها طموحه وتوجهاته واجندته التي دخل بها الانتخابات ومن أجل الحصول على عضوية مجلس النواب وبعدد موالٍ له مما يؤهله للتأثير في رسم السياسات والتشريعات وتنفيذ الطموحات، وليس أفضل من دخول ائتلاف يجمعه مع القوى التي يلتقي معها في العديد من الملفات والمواقف، مثله مثل ما حصل في الائتلافات الاخرى. فلو نزلت هذه الكتل منفردة لتشتت الأصوات ولربما لم تحصل على كرسي  في البرلمان القادم. وقد أشار بعض المحللين والمراقبين ومنهم امريكان وبريطانيون على أن ائتلاف العراقية برئاسة اياد علاوي والائتلاف الوطني العراقي برئاسة عمار الحكيم مقبلان على انقسام داخلهما، والتصريح الأخير لنائب السفير البريطاني في العراق جون ويلكس اشارة الى ذلك الانقسام المتوقع والذي سيعقد الأمور.

إنّ السؤال الذي يُطرح ويحتاج الى تأمل ونظر هو:
ماهي دلالات فوز ائتلاف العراقية وبهذه القوة والاتساع والكثرة البرلمانية المؤثرة مستقبلاً على تشكيل الحكومة القادمة واتخاذ المواقف السياسية والقوانين والتشريعات والقرارات وعلى الحياة السياسية عموماً واتجاهات الرأي العام العراقي؟

وبالنظر في احوال العراق ما بعد 2003 وتداعيات الاحتلال والقوى الطائفية والقومية التي مسكت بزمام الأمور والسلطة وحكمت على اساس المحاصصة يمكننا استنتاج أسباب هذا الفوز ودلالاتها بما يلي:

1-   مشاركة المقاطعين السابقين من محافظات غرب ووسط العراق، ومن السنة العرب خصوصاً وبشكل واسع جداً فاق المحافظات الأخرى وقد صوتوا في غالبيتهم الساحقة للعراقية، منطلقين من العبرة التي أخذوها في مقاطعتهم الانتخابات السابقات مما أدى الى تهميشهم وصعود من يمثلهم اسماً وليس اختياراً حراً منهم.
2-   حصول العراقية على أصوات البعثيين السابقين عموماً المؤدلجين منهم والقسريين ربما، وبخاصة بعد الحملة الأخيرة على البعثيين بعد التفجيرات الهائلة التي ضربت الوزارات والتي أتهموا بها، فكانت قرارات طردهم من وظائفهم في بعض المحافظات الجنوبية ومحافظة بغداد بعد الخطاب الناري العاصف لمحافظها اثر التفجير الذي ضرب مركز المحافظة ووزارة العدل في اكتوبر 2009 والذي قرر فورياً وبشكل عاصف متسرع طرد الموظفين البعثيين من المحافظة وذلك في خطابه امام الحشود في الحقل التأبيني لشهداء التفجيرين المذكورين. تبعه في ذلك محافظات جنوبية منها كربلاء وذي قار والبصرة وميسان. وهذا مما أوقع الذعر في نفوس البعثيين السابقين الذين ربما تبرأ الكثير منهم من ماضيه واندمج في التغيير وانضم الى الأحزاب والقوى السياسية الجديدة. وهذه المواقف والقرارات المتشنجة والسريعة تقف بالتأكيد وراء تصويت الألوف من هؤلاء لقائمة العراقية وفي محافظات الوسط والجنوب . اضافة الى قرارات هيئة المساءلة والعدالة في اجتثاث المئات من المرشحين للانتخابات بتهمة الانتماء لحزب البعث المنحلّ، وكذلك للعديد من المسؤولين والموظفين المدنيين العاملين في دوائر الدولة ولم يظهر منهم ما يشير الى معاداة النظام الجديد ، من مثل اجتثاث النائب الأول لمحافظ بابل في شباط الماضي.
3-   تذمر وسخط منتسبي الجيش والشرطة والأمن السابقين من ابعادهم عن وظائفهم بعد 2003 وعدم ارجاع الألوف منهم بدعوى ارتباطهم بالبعث وولائهم لصدام حسين، وخشية النظام الجديد من وجودهم داخل القوات المسلحة ، وخاصة اتهام العديد من الذين اعيدوا الى الخدمة بالمشاركة في التفجيرات التي حدثت في بغداد من خلال تقديم الدعم اللوجستي للارهابيين.
4-   سوء أداء الحكومة الحالية والحكومات المحلية وعدم تنفيذ الكثير مما وُعد به الشعب العراقي وبخاصة في مجالات الكهرباء والماء والخدمات العامة والاعمار، واستشراء الفساد المالي والاداري والرشوة والمحسوبية والمنسوبية وسرقة المال العام وتهريب البترول بشكل لم يسبق له مثيل في دولة العراق الحديثة. اضافة الى الاثراء السريع غير المشروع للكثير من قادة الأحزاب والقوى والقيادات واعضاء مجلس النواب والوزراء وأعضاء مجالس المحافظات والمدراء العامين وحواشيهم وذويهم ومواليهم، وتصرفهم وكأن العراق بيت محروق الشاطر فيه  من يخرج منه بما خفّ حمله وغلا ثمنه قبل فوات الأوان، في مقابل انتشار الفقر والمرض والعوز والحرمان بين ملايين العراقيين ، ناهيك عن الموت المجاني اليومي في الشوارع والأسواق والبيوت من خلال التفجيرات الارهابية والاعمال العسكرية للقوات الأمريكية.
5-    عدم تلمس أبناء الوسط والجنوب العراقي أي تغيير في حياتهم المعيشية والاقتصادية والأمنية والخدمية بعد 2003 مع أن القوى والأحزاب الحاكمة قد جاءت من رحم مناطقهم وهم من نفس المذهب ومن عين المعاناة السابقة من ظلم واضطهاد وتهميش. بل ازدادوا معاناة وفقراً، وهم يشهدون النهب والسلب للمال العام والاثراء السريع غير المشروع لمن يفترض أنهم يمثلونهم وجاؤوا لانقاذهم مما هم فيه وتغيير حياتهم نحو الأفضل والأحسن ونشر الرفاهية والبناء وتحسين الخدمات الضرورية والقضاء على الفقر والتخلف والبطالة التي عانوا ولا يزالون يعانون منها. فهم لم يقارعوا النظام السابق من أجل أن يقيموا فقط شعائرهم الدينية بحرية ويسيروا بالملايين صوب الأضرحة المقدسة ويلطموا كل يوم تاركين بيوتهم واعمالهم، إن كانت لهم أعمال. إن نضالهم الماضي كان من أجل هدف أسمى وهو بناء بلد ديمقراطي حقيقي ومجتمع مدني متحضر مزدهر اقتصادياً وثقافياً وعلمياً وحياة حرة كريمة يعيشون معها كبشر لهم حقوق أساسية وعليهم واجبات أيضاً. فلا غرابة أنهم صدموا وفقدوا الثقة بالقوى والأحزاب القائمة ليتجه الآلاف منهم صوب قائمة العراقية من أجل التغيير من خلال صناديق الاقتراع. وليس منطلقهم في ذلك هو كونهم بعثيين حنوا الى العهد السابق والى بطش صدام حسين مثلما يحاول البعض اتهامهم به لتبرير ذهاب أصواتهم الى غير القوى المتحكمة المصابة بغرور الجماهيرية الواسعة والمستغلة لمشاعر دينية مذهبية أو مظالم سابقة دون تبصر للأسباب الموضوعية وراء ماجرى وسيجرى مستقبلاً. فالناس في النظام الديمقراطي البرلماني يجرّبون الحكومات وعلى أساس تنفيذ البرامج الاجتماعية والاقتصادية والخدمية ومن خلال التجربة تتوجه اصواتهم، فلم تعد ملامسة المشاعر الذاتية الدينية والمذهبية والقومية تؤثر كثيراً في كسب تأييد وأصوات الناس من دون تغيير حقيقي في الحياة المعيشية. وإن كنا لا ننكر تأثير مثل هذه المشاعر  في بلد كالعراق، لكنها تتقلص بحسب معاناة الفرد الاقتصادية والحياتية العامة.
6-   الخطاب الوطني العام والبعيد عن الطائفية والمحاصصة الذي دخل به الانتخابات ائتلاف (العراقية) وقادته وتصريحاتهم الماضية على مدار السنوات السابقة والتي كانت تلامس مشاعر الكثير من العراقيين المعانين معيشياً والمتعايشين بشكل يومي مع الفساد المستشري، فيرون الطائفية والعنصرية والمحاصصة والنهب المنظم والمافيات السياسية والمالية وما جرته عليهم من ويلات وكوارث وموت ودمار ، والتي لم تقدهم الى شيء غير المعاناة تضاف الى معاناتهم في حلقة مفرغة لا تنتهي، فهم يريدون بإدلاء أصواتهم تجربة أناس وقوى جديدة في المرحلة القادمة.

ولكن مع كل ذلك فالمسألة تعتمد على الاعلان النهائي لنتائج الانتخابات وعلى التحركات السياسية للقوى الفائزة ، والتي تتصارع من اجل تشكيل الحكومة القادمة ومن أجل اقتسام كعكة المناصب والقيادات السياسية السيادية وبشكل متوقع من التعقيد والتطويل والمماطلة المتعمدة.


عبد الستار نورعلي
السبت 20 آذار 2010



107
ماذا لو أصبح اياد علاوي رئيساً للوزراء؟
عبد الستار نورعلي


لو عدنا الى ماقبل الانتخابات العراقية الأخيرة في السابع من آذار 2010 واستعدنا تصريحات الدكتور صالح المطلك أحد قادة القائمة العراقية التي يرأسها الدكتور اياد علاوي قبل اجتثاث الأول من هيئة المساءلة والعدالة، لو عدنا الى بعض تلك التصريحات نجد أن المطلك بشّر الشعب العراقي بأن الوطنيين العراقيين قادمون وأن الاستقرار والأمن والاعمار سيعمّ العراق. مستنداً في ذلك الى توقعاته وغيره من المتحالفين في القائمة العراقية وثقتهم بأنها ستفوز في الانتخابات. فبالنسبة للمطلك وللمتحالفين معه من كتل وشخصيات قومية الاتجاه وبعثية معادية لما جرى في العراق من عملية سياسية بعد الاحتلال فانهم هم الوطنيون والأحزاب الدينية الشيعية عميلة لايران، والكرد عملاء لأمريكا واسرائيل، وهم خونة لأنهم جاؤوا على ظهور الدبابات الأمريكية، فهم بذلك غير وطنيين.

إذا فازت القائمة العراقية بأ‘لى الأصوات فسيصبح اياد علاوي رئيساً للوزراء على اساس أنّ القائمة الفائزة هي التي ترشح رئيساً للوزراء. ولأنّ القائمة لن تحصل على الغالبية المطلقة فانها تحتاج الى تحالفات مع قوى أخرى لتشكيل الوزارة وهذا ما يدخل التشكيلة في توافقات واتفاقات مع القوى المتحالفة وفق تنازلات متبادلة تفرضها مثل هذه التحالفات. بمعنى هات وخذْ. ومع افتراضنا أن اياد علاوي سيكون رئيساً للوزراء، أي أنّ قائمة العراقية ستحكم فماذا نتوقع أن يحدث في العراق؟

من خلال قراءة لما خلف تصريحات صالح المطلك المشار اليها، وكذلك موقف الدول العربية ونظرتها من الوضع العراقي ومن اياد علاوي والقوى العراقية السياسية الأخرى، وبخاصة الحاكمة حالياً نستطيع أن نتوقع ما سيجري لو حكمت العراقية:

1-   سيستتب الأمن وتقلّ الى حد بعيد إن لم تتوقف أعمال العنف والتفجيرات. لأنّ غالبية التفجيرات الارهابية وأعمال العنف تنطلق من الذين تذمروا من التغيير ومن فقدانهم مراكزهم في السلطة والقرار، إذ كانوا مستفيدين في ظلّ النظام السابق سلطةً ومركزاً ونفوذاً، وهم المتهمون الأساسيون بارتكاب هذه الأعمال. اضافة الى الارهابيين المرسلين والقادمين من دول الجوار العربي والمدعومين شعبياً ورسمياً من الأنظمة العربية المعادية للتغيير في العراق. وعليه سيتخفف الدعم العربي للمجاميع الارهابية المجندة والمتسللة تحت سمع وبصر دول الجوار وغير الجوار العربية، كما وستتوقف الحاضنة العراقية في استقبالها وتقديم الدعم اللوجستي لها. وذلك لمساعدة حكومة علاوي الجديدة المرضي عنها عربياً ومن القوى المتذمرة داخلياً والتي انضوت تحت لواء قائمة العراقية، ومن أجل اتساع التأييد لها داخل الرأي العام العراقي لتقوية نفوذها وقاعدتها الجماهيرية.
2-   إعادة ضباط وأفراد الجيش والشرطة والمخابرات والأمن الداخلي السابقين الى مواقعهم، وكذلك المسؤولين المدنيين الكبار، وتطهير أجهزتها ممن يسمونهم عناصر المليشيات التي تسللت اليها خلال الحقبة الماضية. وكذا في الوزارات والدوائر المدنية للذين يرون فيهم منتسبين الى القوى غير الوطنية والمرتبطة بايران بحسب زعمهم واتهامهم. 
3-   ستنفتح الدول العربية على العراق سياسياً ودبلوماسياً واعلامياً واقتصادياً، وتقلّ إنْ لم تختفِ الحملات الاعلامية العربية المعادية للوضع والتغيير في العراق بعد الاحتلال 2003. ولا نستغرب إنْ تحولت الى مساندة وتأييد وبرامج دعائية للحكومة الجديدة من أجل تقويتها وتعظيم شأنها في نظر العراقيين والعرب.
4-   سيستقر الوضع الاقتصادي ويتطور، وسوف تتدفق الأموال العربية وخاصة الخليجية على العراق على شكل مساعدات وهبات واستثمارات ومشاريع اعمار وبناء مرافق من أجل تقليص البطالة من خلال التنمية.
5-   سيتغير الدستور جوهرياًً، إنْ لم يحدث انقلاب عليه من خلال البرلمان القادم، فتلغى الفدرالية وتسمية العراق الاتحادي وتدخل عليه فقرة أنّ العراق جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، ويتم فيه تشريع سلطات أكبر بيد رئيس الجمهورية، وتقوية الحكومة المركزية لتكون بيدها السيطرة الكاملة على القوات المسلحة والأمن وعلى رسم السياسات الخارجية والعلاقات مع الدول والاقتصاد والنفط وتوزيع الثروات على المحافظات.
6-   ستلغى المادة 140 حول كركوك والمناطق المتنازع عليها مع الكرد على أساس انتهاء زمن صلاحيتها.
7-   الغاء هيئة المساءلة والعدالة بدعوى المصالحة الوطنية.
8-   الغاء المحكمة الجنائية العليا لمحاكمة مجرمي النظام الساقط في قضايا الجرائم التى ارتكبوها. ولا نستغرب حينها أن نسمع باطلاق سراح المجرمين المتهمين بارتكاب جرائم وحشية بحق الشعب العراقي بمختلف طوائفه، وحتى المدانين منهم والمحكومين بالاعدام. وربما يجري تعويضهم لما لحق بهم من اتهام وأضرار وحجز غير قانوني.
9-   محاولة اجراء محاكمات لجرائم ما بعد الاحتلال والتي اقترفتها ما يسمونها بالمليشيات الموالية لايران.
10-   تعويض البعثيين الذين لحقتهم مظالم بعد الاحتلال.
11-   ستسوء العلاقات مع ايران، وسيمنع الزوار الايرانيون من دخول العراق، وسيتم غلق الحدود معها، بدعوى منع تسلل أفراد المخابرات الايرانية التي تهدف الى نشر العنف والفوضى ودعم المليشيات الموالية لها. ومن هذه الاجراءات وانطلاقاً من استتباب الأمن وتوقف عمليات الارهاب والعنف يتم التأكيد على الاتهام الموجه الى ايران والأحزاب والمليشيات الموالية لها بأنها كانت وراء كل هذه الأعمال لتبرئة الفاعلين الحقيقيين مثلما حدث ويحدث اليوم إثر كل عمل ارهابي حتى لو اعترفت القوى الارهابية بارتكابها. وهنا لسنا بصدد تبرئة ايران من دعم العديد من القوى وتسليحها للقيام بمثل هذه الأعمال، فيدها طولى داخل العراق بلا شك، مثلها مثل غيرها من دول الجوار التي تعمل وفق مصالحها واجنداتها وأمنها ومعارضتها للتغيير.

ومما ذكرنا من نقاط نتوقع حدوثها بعد استلام اياد علاوي رئاسة الحكومة، ستعمل الحكومة على ترسيخ اجراءاتها خاصة في المجال العسكري والأمني والوزارات ودوائر الدولة لتبقى في يد قائمة العراقية المفاصل المهمة في التحكم بالسلطة والنفوذ وتوسيع دائرة التأييد الشعبي لتكون القوة السياسية الأكبر في العراق وفي البرلمان مستقبلاً أيضاً ومن خلال ما تقدمه من طبق الأمن والاستقرار والاعمار للشعب العراقي مقارنة بما حدث في السنين الماضية. اضافة الى أنّ العراقية جاءت وهي تحمل شعار الوطنية العراقية والعلمانية ومعاداة المحاصصة الطائفية والعرقية ومحاربة الفساد وسوء الخدمات التي صبغت الفترة السابقة.، والتي ملّ منها العراقيون وذاقوا منها الأمرين الى جانب فقدان الأمن والأمان وانتشار البطالة والفقر والحرمان، في مقابل نمو القطط السمان وقادة الفساد والاختلاس وحرامية البترول وانتشار المافيات الحزبية والسياسية والمالية والجريمة المنظمة. وبذا يظهر عهد إياد علاوي عهداً ذهبياً قياساً الى ماسبق وبدعم عربي كامل لتبقى العراقية القوة الأكبر بعلاوي أو بدونه مستقبلاً!؟

وقد يقول قائل بأنه لا يمكن لإياد علاوي ولا قوى قائمة العراقية أن تغيّر شيئاً جذرياً طالما نحن في بلد ديمقراطي يحكمه الدستور والقانون، وهناك قوى سياسية أخرى معارضة لتوجهاته ولمَنْ معه داخل قبة البرلمان وفي الشارع السياسي والرأي العام. وخاصة أن قائمة العراقية ليست لديها الأغلبية البرلمانية المريحة التي تهيئ لها تمرير ما تحاول تمريره من شرائع وقوانين وتغيير في فقرات من الدستور. فهناك القوى الشيعية والكردية القوية برلمانياً وسياسياً والتي ستقف لها بالمرصاد دون تمرير ما تبتغيه مما لا يتوافق مع مصالحها ومصالح عموم العراقيين.

وهنا لا بد من أن نشير إلى أنّ هناك الكثيرين من النواب القادمين تحت عباءة القوى السياسية الأخرى، وبتدبير وتخطيط لبعضهم من باب تقسيم الأدوار للدخول تحت قبة البرلمان ضمن القوى المتعددة والمختلفة ليلتقوا ببعض فيما بعد دخولهم البرلمان من خلال الالتقاء على نفس الأهداف المشتركة التي يتفقون عليها معاً، فهم يحملون ذات المشاعر القومية والاتجاهات السياسية والرغبة في التغيير تلتقي مع توجهات العراقية وزعيمها الجامع للقوى المنضوية تحت ائتلافها اسماً ولها في الحقيقة مخططات قد تكون مختلفة معه في بعضها لكنها متماسكة في توجهاتها العامة في الالتفاف على الدستور والقوانين التي ترى أنها سُنّتْ في زمن دون رغبتها لظروف قاهرة خارج ارادتها بعد التغيير العاصف بعد عام 2003 والذي قلب ميزان القوى تماماً لغير صالحها وبالضد مما كانت تتمتع به من امتيازات سابقة فقدتها. فهي قد انحنت أمام العاصفة مؤقتاً لحين تأتي الفرصة السانحة لها للعودة برداء الديمقراطية وصناديق الاقتراع وأصوات الناخبين والذي لا يمكن لأحد أن يعترض عليها. وها قد أوصلتهم اليوم الى البرلمان حيث بامكانهم سلمياً ومدنياً، دستورياً وشرعياً وقانونياً أن يغيّروا ما يُغيّرون ويصلوا الى ما يهدفون ويتحكموا بالسلطة من جديد بعد غياب سنوات عجاف بالنسبة لهم وبثوب قديم جديد وباسم الديمقراطية.

إنّ باستطاعتهم أن يحشّدوا التأييد داخل قبة البرلمان ويجنّدوا أصواتاً مضافة الى أصواتهم من القوى الأخرى والشخصيات التي انسلت الى مجلس النواب تحت عباءة هذه القوى وكما أسلفنا بصورة تقسيم الأدوار او في ظلِّ المشاعر القومية المتوافقة معاً او الالتقاء على بعض توجهات التغيير المتوافقة في الرأي من مثل المادة 140الدستورية وقضية الفدرالية ومنح سلطات اوسع لرئيس الجمهورية وتقوية الحكومة المركزية. وهي أمور تلتقي عليها العديد من القوى السياسية والكثيرون من أعضاء مجلس النواب ومن مختلف الاتجاهات، حتى المتعارضة جذرياً، وذلك لتمرير ما يريدون تمريره من تشريعات وقوانين وتغييرات جذرية تمس روح الديمقراطية وسلطة القانون والدستور. ولدينا من حركة 22 تموز داخل البرلمان العراقي خير دليل حيث التقى المتعارضون ومن مختلف القوى حتى المتحالفة مع الكرد من مثل هادي العامري الذي جلس مع البعثيين مثلما كان هو ومن معه من ائتلافه يتهمون بعض النواب الذين التقوا معهم على مائدة واحدة فيما سمي قوى 22 تموز 2008  والتي قادها رئيس البرلمان السابق الدكتور محمود المشهداني، فكان بينهم نواب من حزب الفضيلة والصدريين وحزب الدعوة والتوافق والعراقية وذلك عند التصويت على قانون انتخابات المحافظات وحول انتخابات كركوك والمناطق المتنازع عليها، حيث تم تأجيل الانتخابات فيها بدعوى خصوصية وضعها، وبذا استمرت مسألة المماطلة في تطبيق المادة 140 من الدستور حول كركوك والمناطق المتنازع عليها لتدخل في متاهات صلاحية زمنها الذي مرّ.

فإذا اتفقوا هناك فكيف لا يتفقون هنا بعد هذا الفوز الكبير للعراقية ودخولها البرلمان بقوة وبأصوات الناخبين وبمؤيدي توجهاتها من النواب الآخرين المنضوين تحت ألوية قوى سياسية أخرى وهم يحملون نفس التوجهات والرغبات والأهداف، وخاصة في قضية الكرد وفدراليتهم والمناطق المتنازع عليها والفدراليات عموماً والمرفوضة من البعض بغض النظر عن اختلاف أو التقاء القوى متعارضة كانت أم مؤتلفة، وفي قضية هيئة المساءلة والعدالة، والمصالحة الوطنية، وكذلك قضية موارد النفط والغاز وتوزيع الثروات والسياسات الخارجية والعلاقات مع الدول وبخاصة ايران ودول الجوار العربي.

فهل سيكون اياد علاوي قائد عراق المستقبل في غياب كاريزما القائد القوي، فتكون العراقية القوة الأكبر، واذا أخذنا في الاعتبار أيضاً تمزق القوى الشيعية والكردية وتشظيها وتصارعها وتراجع رصيد جبهة التوافق (الحزب الاسلامي)؟


عبد الستار نورعلي
الخميس 18 آذار 2010 



108
مَنْ قالَ أنّي شاعرٌ ؟!
عبد الستار نورعلي


* الى الأخ (رباح حسن ؟!) الذي يرى أنّ الخيالَ مفتاح الشعر الجميل، وأن الوزن والقافية هما مكياج القصيدة، ورجاني أن لا أنسى المفتاح، وأنْ لا أهتم بالمكياج فقط . وذلك في تعليقه على قصيدتي على موقع مركز النور (هذا العراقُ وهذه ضرباتهُ) بتاريخ 16 يناير 2010 ، وهي منشورة سابقاً في مواقع كثيرة بمناسبة فوز فريق كرم القدم العراقي الوطني بكأس آسيا لعام 2007. وله محبتي واحترامي وتقديري لرأيه.


منْ قالَ أنّي شاعرٌ؟!

أنا لم أقلْ يوماً بأني شاعرٌ
أو شبهُ شاعرْ،

اعتادتِ الكلماتُ أنْ تنسابَ
مِنْ بينِ الأصابعِ والمشاعرْ
في حُلّةٍ صيغتْ بمكياجِ القريضِ
وبالبلاغةِ
بالجزيلِ منَ المظاهرْ،

أنا لم أقلْ يوماً بأنّي عبقريٌّ عِصمتي
تعلو القصائدَ والمنابرْ،
هذا أنا
ببساطةٍ وسهولةٍ وسلاسةٍ
عارٍ عن التزويقِ
لسْتُ مُزخرِفاً وشياً غُثاءً
كي أجمِّلَ قامتي
مثلاً وسائرْ،
فأصابعي خطّتْ...تخطُّ
بما يطوفُ بمهجتي
مِخيالِها وهيامِها
أو صوتِ مظلومٍ ومسكينٍ وثائرْ،

ماكنتُ يوماً مِنْ نوابشِ شهرةٍ
أو طبلةٍ ومديحةٍ
قنصاً جوائزَ من شيوخِ المالِ
أو عرضَ المتاجرْ،

أنا لستُ منْ عشاقِ صالاتِ البوادي والحواضرْ،
لأزوِّقَ الأحداقَ والأوجهَ
والأثوابَ والأكياسَ والأقلامَ
تزويقَ المنافقِ والمناور والمداورْ،

إنّي نحتُّ الحرفَ بالأهدابِ
بالقلبِ المولّهِ
بالليالي
بالغوالي
بالأظافرْ،
فإذا خلتْ قيثارتي منْ رقصةِ الألحانِ
يكفيني اهتزازُ قريحتي
لأنين سُكانِ الصفائحِ والحضائرْ
وخيالِ أشلاءِ الألوفِ منَ المقابرْ
وصهيلِ أقدامِ الذينَ توهّجوا
في كلِّ ساحٍ بالبشائرْ،
فهمُ الذخيرةُ
والعشيرةُ
والخيالُ،
وحبُّهمْ مكياجُ كلِّ قصيدةٍ
مهدُ السواقي والمعابرْ،
حقُّ القصائدِ والمنابرْ،

الشعرُ، قيلَ، صناعةٌ،
ومَنْ استطاعَ سبيلَها
بالفأس والإزميلِ والمزمارِ
والمكياجِ
والعشقِ المغامرْ
هو شاعرٌ
هو شاعرٌ
هو رغمَ أنفِ الرفضِ
شاعرْ .....


عبد الستار نورعلي
الأربعاء 20 يناير 2009








109
ماذا جرى ويجري للعراقيين؟
عبد الستار نورعلي


اعلنت وسائل الاعلام العراقية وقوات الأمن عن وقوع مذبحة مريعة في حي الوحدة في قضاء المدائن العراقية يوم الاثنين الماضي 22 شباط 2010 ، راح ضحيتها ثمانية افراد من عائلة واحدة ، وذلك بقتل رب الاسرة بمسدس كاتم للصوت وذبح البعض وشنق اثنين من افراد العائلة اضافة الى الاغتصاب. وهذا ما أعلنه مدير ناحية الوحدة عقيل ابراهيم خليل يوم الثلاثاء:
http://ar.aswataliraq.info/?p=204713

وقد أعلن أنّ الجريمة لم تكن بدافع سياسي أو طائفي وانما ارتكبت من عصابة من المراهقين وبدافع السرقة. وقد تم القبض عليهم وعرضوا على شاشات الفضائيات العراقية، وقيل قد اعترفوا بأنهم قد تأثروا في طريقة ارتكاب الجريمة البشعة بالمسلسل التركي (وادي الذئاب). 

كما أعلن في الوقت نفسه عن مذبحة أخرى في حي الحرية بشمال بغداد راح ضحيتها أم وبناتها الثلاثة داخل منزلهم. وربما هناك جرائم أخرى لم يُعلن عنها.

وهذه الجرائم الوحشية تذكّرنا بما حدث من جرائم ذبح وقتل واغتصاب وقطع للرؤوس ودفن جماعي لأبرياء رجالاً ونساءاً، شباباً وشيوخاً وأطفالاً، وبدوافع سياسية وطائفية ودينية وعرقية بعد الاحتلال الامريكي للعراق.

وقد أتهم حينها ولا يزال العرب والمسلمون الذين دخلوا العراق من أجل محاربة الامريكان والجهاد ضد الصليبيين والكفار على حد زعمهم وقناعاتهم واجندات دول لم تبق خافية على المتابع والناس عموماً. أتهموا بارتكاب هذه الجرائم البشعة بحق العراقيين. لكن الاحداث والوقائع وحتى اليوم ، والجريمتان المعنيتان بكلامنا خير دليل، أثبتت أن بعض العراقيين ليسوا ببعيدين مطلقاً عن هذه الوسائل الهمجية في ارتكاب الجرائم المتوحشة والسادية ، وأن هناك وحوشاً بشرية ضارية مريضة تعيش بين ظهراني العراقيين. وخير شاهد آخر على ما نقول هو  الشريط الأخير الذي عرضته المحكمة الجنائية لمحاكمة مجرمي النظام الساقط وفي قضية تصفية الاحزاب الدينية والذي ظهر فيها كيف قامت شلة من مجرمي قوات فدائيي صدام بذبح مجموعة من الشباب العراقي المظلوم وبطريقة لا تمت للانسان بصلة ، وكيف رفعوا رؤوس الضحايا على نصال سيوفهم وهم يطلقون الاهازيج مستبشرين راقصين وكأنهم قد حرّروا القدس او الجولان أو الضفة الغربية أو الأراضي العراقية الممنوحة هبات مجانية لبعض دول الجوار أيام الحكم الدكتاتوري الفاشي الراحل.

وقد تربى الكثير من العراقيين المنتمين الى القوى الامنية والمخابرات اثناء حكم النتظام السابق على هذه الوسائل في محاربة المعارضين السياسيين وتصفيتهم ، وكذا الحال مع منتسبي الجيش ابان حرب الثماني سنوات مع ايران وحرب احتلال الكويت والذين اعتادوا على النهب والسلب والقتل والذبح وتفجير وسحق الجثث وعرضها على شاشات التلفزة العراقية في برنامج (صور من المعركة). وهو ما ربّى جيلاً على أن يألف هذه المناظر ويتعود عليها ويستعملها حتى في معاملة خصومه، وقد عايشنا الكثير من جرائم السرقة المصحوبة بالقتل والذبح أيام الثمانينات من القرن المنصرم ، وهو ما لم يكن مألوفاً قبلها. وقد حاول الكثيرون القاء هذه الظاهرة في القتل المصاحب للسرقة على أنه من تأثيرات وجود ملايين المصريين في العراق لما عُرف من ذلك في المجتمع المصري، دون الاعتراف بالسبب الحقيقي.

إن هذه الصور التي نراها رؤي العين أو نسمع بها هذه الأيام تصيبنا بالصدمة وعميق الحزن والأسى على ما نرى من ضحايا بريئة تُزهَق أرواحها بطريقة وحشية تنمّ عن نفسية حيوانية ضارية لضباع على هيئة بشر يعيشون وسط  العراقيين دون أن يحسوا بهم، أو يحسون بهم لكنهم يغفلون ويتغافلون.

جريمة يذهب ضحيتها ثمانية شهداء ابرياء، ويقال أنها بدافع السرقة. وما أعلن عن المسروقات أمر مذهل، مئة وخمسون ألف دينار، ومصوغات فقيرة تدل على ضعف الحال. وصور لشباب وشابات العائلة بعمر الزهور في عيونهم ألق وأمل بالمستقبل.

إنّ هذه الجرائم البشعة ، سواءاً أكانت بدافع السرقة أم غيرها، واعتقادي راسخ انها لن تتوقف ، تبعث على التأمل والتفكير الجدي من قبل المسؤولين الذين يدعون ليل نهار الحرص على بناء عراق جديد وخدمة الشعب وتأمين حياته ومصالحه والعمل على استتباب الأمن. وكذلك يتطلب من الباحثين وكل القوى السياسية والتربوية والمدنية والقانونية وعلماء النفس والكُتّاب البحث في أسبابها ومسبباتها ووضع الحلول لعلاجها وتخطيها لما تمثله من تهديد جدي لروح البنية الانسانية في العراق وتداعياتها الخطيرة على مستقبل الانسان العراقي ودولة اسمها العراق.

أما التعكز الدائم وكما في كل مشكلة تعترض العراق على أنّها من ارهاصات ونتائج الحكم البعثي الصدامي فلم يعد مقبولاً بعد سبعة أعوام من سقوطه. فالنظر الى القائمين بجريمة ناحية الوحدة وغيرها من الجرائم والذين اعمارهم في سنّ المراهقة يُظهر أنّ هؤلاء كانوا في سن الطفولة عند سقوط النظام  البعثي، ولم يلحقوا أن يتأثروا كثيراً به وبأساليبه وتوجهاته. فما الذي دفعهم اذن الى هذه التربية الاجرامية والتشبع بالروح اللا انسانية وطبع بها نفوسهم الغضة؟
وماذا فعلت الدولة وحكومتها وأجهزتها بعد سبعة أعوام من السقوط؟
اين هي مدارس التربية والتعليم؟ بماذا غذّتْ نفوس النشء الجديد؟
ماذا علّمتهم؟ ماذا قالت لهم؟ كيف وجّهتهم؟
وأين دور المنظمات المدنية والانسانية والحقوقية؟
وأين دَور بيوت العبادة ورجال الدين الذين يصدّعون رؤوسنا بالدعوة الى التمسك بالقيم السماوية وبسيرة أهل البيت الأطهار؟

وهل يكفي أن نتحدّث عن الدين والإسلام والأئمة الأتقياء الأنقياء طوال النهار وندعو الناس الى مسيرات مليونية للتوجه نحو المراقد المقدسة؟

وهل نتصّور أنه بهذه الطريقة ستنقى النفوس وتتطهر القلوب ونقضي على الجريمة المتفشية وينقى البلد وتزدهر حياة الناس؟

هل يكفي انْ نلقي وزر كل ظاهرة وحالة مرضية سلبية وبشعة على شماعة النظام الصدامي البائد؟

ماذا فعلتم أنتم؟ وماذا قدمتم لمعالجة هذه الظواهر؟ وما هي برامجكم القادمة لمعالجتها وأنتم تتصارعون بضراوة على أبواب انتخابات جديدة؟

ماهي برامجكم لخدمة الشعب وتربيته تربية حضارية مدنية روحية انسانية بعيداً عن الحقد والبغضاء والكراهية وروح الانتقام وتصفية الآخرين؟

لماذا لا تفكرون بالسؤال الجوهري الخطير:
ماذا حدّث للشعب العراقي وجيله المستقبلي الذي يتربى الآن تحت أجنحتكم وتوجهاتكم وبرامجكم وسياساتكم ونظامكم؟

أهذا هو الجيل العراقي الصاعد؟!


عبد الستار نورعلي
الأربعاء 24 فبراير 2010







110
جناية المطلك والعاني على البعثيين
عبد الستار نورعلي

 
لن نأتي بجديد حين نقول بأن غالبية الذين كانوا منتمين لحزب البعث ابان حكمه العراق خلال خمس وثلاثين سنة انتموا لا عن قناعة وانما اجبارياً ولأسباب وظروف مختلفة ، منها الحفاظ على الوظيفة وخاصة في التعليم حيث أغلق على المنتمين لحزب البعث،  أو من أجل مواصلة الدراسة الجامعية، أو الدخول في الجيش والشرطة، أو الخوف من الملاحقة والبطش، اضافة الى الانتهازية والمصلحية عند البعض في الارتقاء في سلم الوظائف أو الحصول على مغانم أخرى ، ومنهم بعض الكتاب وذلك لنشر نتاجاتهم والعمل في الصحافة والانتساب الى وزارة الاعلام والحصول على جوائز وامتيازات وشقق وسيارات. وقد تكون هذه الفئة الاخيرة أخطر الفئات لأنها تتعامل مع الثقافة والفكر والعقل وبناء روح الانسان، ولديها سلاح القلم والكلمة وبذا لديهم  قدرة التحريف والتزوير والنفاق والكذب والمدح وتضخيم ما كان يسمى بالمنجزات ومنها الحروب العبثية الكارثية التي دمرت البنية العراقية المادية والنفسية، وكانت السبب فيما يعانيه العراق  والعراقيون اليوم من دمار مادي واقتصادي واجتماعي ونفسي. وبالمقابل هناك القلة من البعثيين العقائديين الذين انتموا عن قناعة وايمان.

كان الغالبية من البعثيين اللابعثيين متذمرين من اوضاعهم يتمنون داخل نفوسهم أن تزال عنهم وطأة ما هم فيه من ضغوط نفسية واداء واجبات غير مقتنعين بها من اجتماعات حزبية وخفارات وجيش شعبي ومراقبة الناس والخروج القسري في التظاهرات والاحتفالات والمشاركة في الفعاليات الحزبية، اضافة الى تحمل نظرات الكراهية والغضب التي كانوا يرونها في عيون الناس الآخرين. لذا كنت تراهم في مجالسهم الخاصة أو مع الذين يثقون بهم يصرحون بتذمرهم وينتقدون السلطة وحزبها ، وكان البعض منهم يصل به التذمر الى حدّ الشتم والسب واللعنة على الحزب وقياداته. وكانوا يتوقعون أن غضبة الشعب قادمة لتنصب على رؤوسهم حمماً قد تودي بحياتهم. لذا كان الخوف والرعب الدائم رفيقهم اليومي لا يفارقهم، فكان الكثير منهم يتقرب من الناس ويبدي تعاطفه مع المظلومين ويصرح بمعارضته لما يجري وإن خفية ليضمن يوماً قادماً عسى أن ينفعه ذلك.

وقد شاهدنا كيف تصرف هؤلاء بعد الاحتلال بهلع وخوف ورعب، وكيف خلع العسكريون ملابسهم وفروا عراة وبعضهم  رمى نفسه في حوض دجلة هرباً من البطش والموت. ثم حدثت الهجرة الكثيفة وسط البعثيين أيضاً فراراً مما توقعوا أنه ينتظرهم من انتقام جماهيري قبل سلطة قادمة. وكل هذا دليل على عدم الايمان والقناعة بالانتماء، وعدم الاستعداد للتضحية بالنفس في سبيل ما لايؤمنون به.

وبالتأكيد فرح غالبيتهم بالسقوط وتخلصهم مما كانوا يعانونه من ألم الذات والخوف. وخاصة بعد نداء آية الله السيد علي السيستاني بالحفاظ على حياة البعثيين والابتعاد عن الانتقام. وهنا تأكيداً على ما أقول أذكر أنه في الايام الأولى للاحتلال عرضت احدى القنوات العربية  تقريراً لمرسلها من مدينة تكريت وهي عاصمة المحافظة التي ولد فيها صدام حسين وقادة بعثيون آخرون التقى فيه مع بعض الناس في المدينة، ولا أزال أذكر ذالك الشاب الذي اجاب عن سؤال المراسل حول رأيه في السقوط وهو فرح مسرور منطلق: (خلصنا من الحزب والاجتماعات والخفارات والجيش الشعبي). وقوله خير مثال على ما ذكرنا وعلى موقف بعثيين من سقوط  نظام صدام حسين، ومن مدينة كان يتوقع المراسل أن يسمع فيها غير ما سمع ورأى من مظاهر البهجة والفرح غير ما كان يتوقع. كما أن دخول الامريكان الى تكريت دون مقاومة  او معارك واوضاعها الهادئة بالمقارنة الى مناطق العراق الأخرى ما بعد الاحتلال حتى اليوم تأكيد على ما ذهبنا اليه .

بعد تشكيل القوات المسلحة الجديدة من جيش وشرطة اعيد الكثيرون من منتسبيها القدماء في زمن النظام السابق؟
. وتسلم الكثير منهم مواقع متقدمة فيها. وقد قدم العشرات منهم حياتهم في الدفاع عن النظام الجديد من خلال محاربة الارهاب والتنظيمات المسلحة المعادية، والعديد منها من بقايا أنصار النظام السابق. كما أعيد الموظفون البعثيون الى وظائفهم واستمروا في تأدية واجباتهم. وهنا يبقى الفيصل في الحكم عليهم هو أداؤهم واجبهم باخلاص وتجرد وعدم الالتفات الى الماضي، وكذلك عدم محاولتهم  الافساد والتخريب. واستمروا في حياتهم العادية، رغم المعاداة الرسمية والشعبية الطاغية للبعث ورموزه بسبب ما قامت به أجهزة النظام السابق من بطش وظلم وقتل لكل من عاداهم أو انتابهم مجرد شكّ في معاداته، أو مَنْ لم يسر وفق ما يريدون. 

إن ما بدر من صالح المطلك وظافر العاني من تمجيد بالبعث ونظامه ورجالاته، وتصريحات المطلك بدخول البعثيين في البرلمان القادم مع تحركاتهما المشبوهة والاتصالات بالبعثيين الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب العراقي، اضافة الى تصريحاتهما الدائمة بعدم الايمان بالعملية السياسية الجارية  وأنهم جاؤوا ليغيروا ويعيدوا البعثيين الى مناصبهم ، الى جانب تخوينهما أطرافها السياسية الأخرى ووصمهم بأنهم عملاء وخونة، وأنهم جاؤوا على ظهور الدبابات الأجنبية، اضافة الى الاصطفاف السياسي المثير للريبة والشك بين رموز سياسية ينظر اليها العراقيون بمختلف أطيافهم على أنهم الوجه الثاني للبعث، فجّر كلّ ذلك مكامن الغضب عند الملايين من ضحايا النظام السابق وعند القوى السياسية الحاكمة في العراق، إذ تذكروا كل الجرائم التي ارتكبت بحقهم وبحق الآلاف من أبنائهم الذين غيبوا في المقابر الجماعية مما أيقظ مشاعر الخوف والتوجس من عودة البعثيين الى حكم العراق. وهو ما دفعهم الى التحرك الجماهيري في الشارع في مظاهرات منددة رافضة لعودة البعثيين، وحملهم على تفعيل قانون هيئة المساءلة والعدالة لمنع هؤلاء من الانتخابات ودخول البرلمان الجديد، وما أعقب ذلك من قرارات من حكومات محلية في بعض المحافظات العراقية، وعلى رأسها محافظة بغداد بطرد كافة البعثيين من وظائفهم الرسمية. وهو ما ينذر بتداعيات خطيرة على الوضع العراقي المأزوم أصلاً. وكذلك للتأثير السيء الذي تحدثه هذه القرارات على حياة مئات الألوف من المواطنين الأبرياء وعوائلهم في تجريدهم من مصادر ارزاقهم من خلال رميهم في الشارع. وهي قرارات انفعالية متسرعة غير مدروسة تبث البلبلة والخوف بين هؤلاء المواطنين وغيرهم. كما أنه يوفر أرضية خصبة لقوى الارهاب والمعادين للنظام للاستفادة من هؤلاء في تشكيل خطر جديد سيدفع الشعب العراقي ثمنه باهضاً. كما أن ذلك لن يحلّ مشكلة بل سيفاقمها.

إنّ صالح المطلك وظافر العاني وغيرهما ممن يسلك سلوكهما يتحمل ذنب ما حصل وسيحصل للبعثيين اللابعثيين المساكين من فقدان مصادر ارزاقهم. وتدل تصرفاتهما وتحركاتهما على قلة وعيهما السياسي وعدم ادراكهما لمراكز القوة المتحركة على الأرض والممسكة بالزمام، وعدم وعيهما بالتكتيكات في التحرك السياسي وفق ما هو سائد في الشارع وبين الرأي العام، وكيف أن السياسي الناجح الماهر يعرف متى يقول ما يريده ومتى يسكت عنه وفق مقولة (لكل مقام مقال)، ومتى يتحرك ومتى يقف عند حده.

أما الاعتماد على التذمر الجماهيري الآن من السياسات الفاشلة وانتشار الفساد والنهب فأظن أنه لا علاقة لذلك بالتصور أن الناس تتمنى عودة النظام السابق والبعث الى السلطة، وانما تذمر من الأداء الحكومي ومن سوء الخدمات والسياسات.

كما أن تصورهما وغيرهما ممن على سياستهما أنهم يعتمدون على ظهير قوي مفترض وهو العمق العربي ومساندة الأنظمة الحاكمة فهو وهم وسرابٌ شرب منه الفلسطينيون، وهم اليوم يدفعون ثمناً باهضاً في ذلك. لأنه حين تكون هناك أمريكا يصمت الجميع. كما أن مصالح هذه الأنظمة السياسية والأقتصادية والحفاظ على الكرسي أيضاً تحرك بندولها في الاتجاه الذي يؤمن هذه المصالح. وهو ما ينطبق أيضاً على دول العالم وخاصة الغربية.

وأعتقد ان السلطة الحالية والقوى الحاكمة في العراق لديها أوراق قوية في وجه العرب والولايات المتحدة وأوروبا إذا أرادت أن تضغط في الاتجاه المرفوض منها ، ليس أقلها التهديد بعلاقة استراتيجية متينة أبعد مما هي عليه الآن مع القوى الراديكالية في المنطقة وعلى رأسها ايران، وخاصة أن لديها زخماً جماهيرياً طاغياً تستطيع تحريكه بالملايين وعن طريق اثارة المشاعر الدينية والمذهبية.     


عبد الستار نورعلي
السبت 13 فبراير 2009




111
الخراب والتعليم والإرادة ، البصرة نموذجاً
عبد الستار نورعلي


في برنامجها اليومي (يوميات مدينة) عرضت قناة الشرقية نهار السبت 16 يناير 2009 
فيلماً تسجيلياً عن (المعقل ـ صبخة العرب) بالبصرة والمأساة الانسانية التي تعيشها المنطقة وسكانها وسط أكوام من الأوساخ والقاذورات والطرق الترابية الخربة تملأها المياه الآسنة، والمعاناة الانسانية التي تفوق التصور. مثلها مثل الغالبية العظمى من المناطق في كل مدن العراق التي لم تصلها يد الاهتمام والرعاية والعناية والتصليح والاصلاح والإعمار بحدها الأدنى المفروض توفرها في بلد غني مثل العراق لا سابقاً ولا الآن. وقد عانت ولا تزال تعاني الإهمال والتقصير واللامبالاة على مرّ الزمن ومرور الأنظمة الحاكمة المختلفة.

الحقيقة أنّ الذي لفت نظري بشكل أكثر من غيره من مظاهر وصور مؤلمة وخراب عمراني للبنى التحتية كانت المدرسة الابتدائية في المنطقة. حين رأيتها تذكرت مطلع  معلقة طرفة بن العبد:

                                      لخولةَ أطلالٌ ببُرقةِ ثهمدِ .... تلوحُ كباقي الوشم في ظاهر اليدِ

لكنّ لساني انطلق لحظتها لا شعورياً ليقول، مع الاعتذار للشاعر طرفة:

                                     لبصرةَ أطلالٌ بصَبخةِ معقلِ ....تلوحُ كباقي الحربِ في غزو منزلِ

ما رأيتُه منظرٌ يفوق كلّ ما يمكن أن يوصف من دمار وخراب مادي ونفسي وكأنّ المنطقة خارجة من حرب قريبة، وإن مرّت عليها حروب وحروب، وهو نموذج أمكن تصويره ضمن نماذج لا ترضي ولاتسرّ تقوم بعرضها القنوات العراقية وفق عملية رقابة إعلامية لوضع اليد على السلبيات ومكامن الخراب والانهيار في البنى التحتية والاهمال وفقدان الحرص على الاعمار والاصلاح، وانصراف المسؤولين والأحزاب والقوى السياسية الى أمور أخرى لا علاقة لها لا بمصالح الناس، ولا بمصلحة الوطن الجريح، ولا بالالتفات الى الدمار الذي لحق بالبلد عبر كل أنماط الحكم التي مرّت بتاريخه.

ولا بد هنا من الإشارة الى أن القنوات الفضائية العراقية صنفان: صنف يعرض السلبيات انتقاداً لغرض الإصلاح والتغيير، وصنف يعرضها لأمرٍ في نفس يعقوب!

مدرسة مبنية منذ أكثر من سبعين عاماً مثلما ورد على لسان أحد المواطنين ، إذ ذكر أنّ أباه دخل الصف الأول في هذه المدرسة قبل سبعين عاماً! بناية المدرسة تدل على قِدمها. لكنّ منظرها المزري في البناء المتداعي والجدران الخربة المتصدعة شيء يتعدى كلّ تصور ليثير الرثاء والغضب ممزوجين بحزن عميق.

ارضية المدرسة رملية مليئة بالنفايات التي تجلبها الرياح من هنا وهناك لتجد لها مكاناً  آمناً في ساحتها وفي صفوفها العارية. قاعات الصفوف سراديب تحت مستوى الساحة وبلا أبواب، ونوافذها من غير زجاج، والجدران خربة متصدعة ، المقاعد الدراسية مكسورة ومتضعضعة ، المراوح السقفية منحنية الأجنحة سوداء من الأوساخ المتجمعة حولها. الريح تصفر في القاعات مثلما تصفر في الأطلال الخاوية على عروشها.
 
أما غرفة المعلمات فأمرر مكمل للخراب اللاحق بالمدرسة ككل، ولا أدري كيف يتمكنّ من أداء واجبهن التعليمي في هكذا بيئة خربة بائسة لا تتوفر فيها أية شروط تعليمية ناهيك عن الانسانية!

وسط هذه البيئة الموبوءة والخراب الكبير استخلصتُ ظاهرةً ايجابية واحدة لمحتها في وجوه التلاميذ السُمر وعيونهم اللامعة وفي وقفة المعلمين، والتي أوحت بالاعجاب وأثارت الأمل، إنه هذا الاصرار على التعليم والتعلم. فرغم كل ما في المدرسة من خراب مادي وبيئة رثة إلا أنّ عنصر الارادة في التعلم والتحلي بالعلم وبناء الذات والذي لا حظناه على التلاميذ والمعلمين هو مبعث تقدير واعجاب وتثمين وتفاؤل.

الناس بصغارهم وكبارهم يتحدون الصعاب والعراقيل والمستحيل ليصلوا الى بَـرّ أحلامهم ومربع آمالهم من خلال تغذية النفس بالثقافة والعلم، مع حجم هذا الصبر المشهود على تحمّل كلّ الظروف القاهرة دون أن تنهار النفس أو تلين، بل بالعكس عزيمة في المسير بالحياة للوصول يوماً ما الى الهدف المنشود في البناء المدني والحضاري والثقافي وخلق انسان جديد يتحدى الصعاب ويرفع يده في وجه الاهمال والفساد والتخريب ويوصل صوته الى كل البقاع والأماكن والمواقع مطالباً بحقه وحقوقه الانسانية مواطناً في هذا الوطن.

كانت عيون التلاميذ الصغار تقدح بالأمل والعزيمة وقهر المصاعب، وصوت المعلمة والمعلم وهما يلقيان درسيهما رغم الظروف السيئة والسبورة المتهرئة البائسة. فلربما يأتي يوم تتحوّل فيه هذه المدرسة أثراً تاريخياً مشرقاً يسجل لأهمية التعليم في بناء الفرد والأمة والسير على طريق التقدم  واكتساح المتخلفين والفاسدين والأميين واللصوص الذين هدروا ويهدرون ثروات الأمة من خلال الاهمال والتقصير أو السرقة أو التبذير غير المبرر في الأمور غير النافعة أو في توزيعها على المرتزقة والنفعيين والانتهازيين والطبالين والمداحين.

تطفو البصرة على محيط من البترول وهي أغنى مدينة في العالم، ومع ذلك فهي تعاني من الفقر والبؤس والاهمال وتردي الخدمات. وليس هذا حالها فحسب وإنما حال المدن العراقية بمجملها. وقد ضربناها مثلاً للكل من خلال الجزء.

والسؤال الذي نوجهه الى أهل البصرة الأعزاء أنفسهم والذي يطرح نفسه بالحاح:
لماذا رفضتم الفدرالية التي نادى بها جاهداً النائب وائل عبد اللطيف الذي كان يحلم أن يحيل البصرة جنة بمواردها النفطية التي تغطي العراق، والتي نعمت بها مدن اخرى ردحاً طويلاً من الزمن دون أن يتمتع أهلها بها؟!

لقد كان أمل وائل عبد اللطيف أن تتحكم البصرة بمواردها ويعمل أبناؤها من خلال قادة مخلصين من أبنائها على بناء محافظة وعاصمتها ومدنها لتضاهي المدن المتطورة الزاهية في العالم. وكان المثال الذي يضعه أمامه هو أقليم كوردستان. لكن أهل البصرة هم الذين خيّبوا أمله وهدفه بنظرة خاطئة الى معنى الفدرالية.
فهل أهل الامارات العربية المتحدة أصوب بصراً وأحكم بصيرةً من أهل العراق؟

وها أنتم أعزائي أهل البصرة تستجدون اليوم وبلا جدوى المركز و"الرئيس القائد" ليقدم اليكم مكرمة عسى أن تنهضوا من كبوات الخراب وأمراض التخلف المدني والعمراني، وهو حقكم الطبيعي!

أما كان الأجدر أن تقدموا أنتم الى المركز ؟! 

وربّ قائل يقول أن الفساد الذي ينتشر في محافظة البصرة هو السبب. ونقول: أين إذن دور الناس الذين يقعون تحت طائلته ويئنون من وقعه في تغيير الحال وتحسين المآل؟

 ومع ذلك فتحية تقدير الى أهل صبخة العرب صغارهم قبل كبارهم ومنهم الى أهل البصرة اصحاب الطيبة المشهودة، وذوي الارادة الصلبة والعلم والثقافة التاريخية واصرار التحلي بالعلم ومواصلة مقارعة الصعاب.


عبد الستار نورعلي
السبت 16 يناير 2009


112
ياأيُّها الفردُ المحلِّقُ في المدى
عبد الستار نورعلي


(مهداة إلى الشاعر الكبير يحيى السُماوي)


مِنْ فيضِ شعركَ يرتوي السُمّارُ
فصداكَ خمْرٌ ، نبضُكَ الإسكارُ

همسُ القوافي بالصَبوحِ فطورُنا
أما الغَبوقُ ، فتوقُنا ، والنارُ 1

أشعلْتَ فينا كلَّ جارحةٍ وما
سـكنَتْ بنا أعطافُنا والدارُ

فبكلِّ نبضٍ تهطلُ الأشعارُ
منكَ الرويُّ تدفّقٌ ، أنهارُ

أنتَ المُعلِّمُ والقصائدُ دفترٌ
في طيِّهِ التنويرُ والإبهارُ

وأنا الفقيرَ إلى حروفكَ أنتشي
فأذوبُ بينَ كؤوسِها ، أحتارُ

منْ أيِّها أُطفي مجامرَ جانحي
فالكلُّ ظلٌّ وارفٌ ، أشجارُ

أنتَ النخيلُ الحانياتُ ظلالُها
أنتَ السواقي، أنتَ فينا الغارُ

أنتَ العراقيُّ الذي نزفَ الهوى
فتفتّحَتْ مِنْ بوحِهِ الأزهارُ

ياابنَ المثنى والخليلِ وسومرٍ
وأبو مُحسّـدَ بينكمْ نـوّارُ 2

هذا العراقُ عُروقُهُ الأنهارُ
حُبلى، ففي جريانِها أشعارُ

لم يرتضِ يوماً قِصارَ نوابغٍ
فلكلِّ سـعفٍ نابغٌ  إعصارُ

ولكلِّ قـولٍ عالِمٌ ومُفوَّهٌ
يطأُ السحابَ وغيثهُ مِدرارُ

قالوا نخيلُ الرافدينِ بطَلْعِها
يتوالدُ الشعراءُ ، والأغيارُ

ملأوا الدُنا بالزاهياتِ غصونُها
والقادحاتُ ، المُورياتُ ، تُدارُ

بينَ البوادي والنوادي قهوةً 3
ثملتْ بها أُمَمٌ ، وضجَّ مدارُ

ياأيُّها الفردُ المحلِّقُ في المَدى
شعراً ونثراً ، في الذرى دَوّارُ 4

في العشقِ أنتَ ربابةٌ ، مزمارُ
في الغزوِ أنتَ رصاصةٌ والنارُ

في الحقِّ سيفٌ صارمٌ لا ينثني
بركانُ غيضٍ ، عارمٌ ، جبّارُ

ولقد عشقْتُ الرائقاتِ تغزُّلاً
في توقِهنَّ نهودُهنَّ  تُثـارُ 5

والعاتياتِ النازلاتِ صواعقاً
فوق الغزاةِ ، رويُهنَّ أُوارُ 6

أما التغرُّبُ فالحديثُ النارُ
بينَ البلادِ تقرُّحٌ ، وإسارُ 7

مُتِّعْتَ في صوغِ القوافي لؤلؤاً
في جيدِ عاطفةٍ لظىً ، ونُضارُ 8

مَتّعْتَنا بالشامخاتِ حروفُها
غنّاءَ فوقَ صدورِنا أزهارُ


1- الصَبوح: الخمرة صباحاً
  الغَبوق: الخمرة مساءاً

2- المثنى: محافظة المثنى (السماوة) وهي مسقط رأس الشاعر
الخليل: الخليل بن أحمد الفراهيدي، والاشارة هنا لأمرين، الأول أنّ شاعرنا يتحلّى        بالعلم اللغوي الغزير، اضافة الى أنه كان استاذاً للغة العربية. والثاني أنه من المحافظين الألداء على الأوزان الخليلية في شعره حتى المُرسَل منه (شعر التفعيلة، الشعر الحر). فهو لم يُسمِّ نصوصَه المرسلةَ النثريةَ شعراً، مثلما تُسمى نصوص ما يُسمى بقصيدة النثر، مع أنها تفيض شعراً رقةً وعذوبةً، وهي بحق نصوص شعرية.
سومر: اشارة الى الحضارة السومرية العراقية القديمة
أبومحسّد: المتنبي

3- القهوة في هذا البيت أُستخدمت توريةً بمعنييها (الخمرة) وتأثيرها المُسْـكِر وأثرها في مجالس السمر ونوادي الليل، و(القهوة) بمعناها الشائع اليوم وأهميتها ودلالتها المعنوية الثقافية التقليدية عند البدو والقبائل والعشائر العربية في مجالسها ومضايفها

4- الفَرْدُ: أي الفريد

5- اشارة الى بيت الشاعر المُخاطَب يحيى السماوي:
قـارَبْـتُ " ستيـنـا ً " ولـمّـا أزلْ
طـفـلا ً له ُ بـناهـديـكِ افـتِـتانْ
من قصيدة (صوفية النيران)،
و المقصود بـ(الرائقات) قصائده الغزلية الرقيقة والمشتعلة عاطفةً وتوقاً

6- أُوارُ: سعير

7- إسار: أسر وقيد

8- مُتِّعْتَ: دُعاء بالتمتع بطول الحياة


السويد الأثنين 20 تموز 2009

113
إخترنا لكم / الدوائر المتداخلة
« في: 17:16 27/12/2009  »
الدوائر المتداخلة

عبد الستار نورعلي



على حافاتِ الدوائر المتداخلة يحتسي كأسَ النهاياتِ،
يتدلّى مصدوعاً من حبالِ الهواءِ الممتزج برائحة البخور،

أنفاسُ الزاوية تُطبقُ أنيابَها،

الشموعُ البيض النابضة بالنور الشاحب قربَ الكيبورد
تتراقصُ في عينيه،
مثل شعاع بعيدِ وسط طريق موحلٍ
بين مستنقعاتِ الرغبة،

يلمحُ من خلال النافذة عبر الشارع الطويل قطةً 
تقفز داخل الأيكة على الرصيف المقابل
هاربةً
من عجلات السياراتِ والدراجاتِ المارقةِ
مثلَ البرق،
بهديرٍ يتصدّعُ منه الأسفلت،

صراخٌ،
هديرُ العجلات في ثنايا الكيبورد،
رؤوسُ الكلماتِ تدوخُ بين أنامله،

كم رأسٍ تتدحرجُ داخلَ اللعبة؟

القطةُ الجميلةُ في الشقة الأعلى
تقفُ على حافة الشرفةِ
كلما خرج من العمارةِ،
تُحدّقُ في وجههِ بإمعانٍ ،
تُخرج عينيها من محجريهما،
تلقيهما في سواد عينيه بتضرع،
هي وحيدة مثلهُ،
ربما شعرتْ بطقطقات الكيبورد المتقطعة
كلّما استيقظتْ في الفجر،

ماذا يجولُ في رأسِها؟

الضجيجُ بركانٌ لا ينتهي .....

أذرعٌ تندفعُ من خلال الكيبورد،
دوائر متداخلةٌ
تجرُّ في دورانها ذاكرتَـهُ،
لتسيلَ في الوادي المُقدّسِ
نهراً.....
من دخان،

القهوةُ ممزوجة بالحليب،
أبيض يختلط بالأسود،
لم يكنْ يحبّ القهوةَ من قبلُ،
ومنْ بعدُ
أمسى زبوناً دائماً
في مهرجان أكواب السواد،

سوادٌ في كلِّ نواحي المدينة،
الحارات،
المحلات،
البيوت،
الغرف،
الملابس،
الأسرَّة،
الوجوه،
العيون،
الأفواه،
الأقدام،
الصحف اليومية،
المائدة المستديرة
الشارع الطويل،
حتى الأرغفة في التنور الصدئ،

السدرةُ وسطَ الدار دائرةٌ تدور كالمرجلِ
في القلبِ
من ايام طفولة الأناملِ والأوراق والأقلامِ
والليل الوفيّ
وسبعين عاماً،

يسألني عابرُ سبيل:
منْ أين أتيتَ؟
وإلى أينَ المسير؟

انقطعَ لساني في منتصف الطريق،

عيناكَ غابتان من النخيل
أم كوبان من القهوة المرّة؟

توقّف الكيبورد عن النطق،
بينما القلمُ لم يتوقفْ عن تخطيطاتِ دوائر الروح
ووجهِ أمهِ وكرةِ الكونِ المتأرجحةِ
بينَ قرني الثورِ في الأيام الخوالي،

السرُّ كلُّ السرِّ في الدوائر المتداخلةِ على الكرة الأرضية،

إجابة سريعة رجاءاً:
يقول الكيبورد،

الزمنُ يمضي والكراسي ثابتة في مكانها
بمسامير التاريخ المتحجّرِ، والمتقلّبِ
بينَ الفصولِ وحِمل الأكتاف،

اللسان آلةٌ من المطاط،
العينانِ قطعتانِ من الأثاث الرثِّ،
الرأسُ هي الذاكرةُ الضعيفةُ للكومبيوتر القديم
المرميّ تحت الكنبة المكسورة لتستندَ عليه،
الأصابعُ جليدٌ،
والرأسُ غابةٌ شاسعةُ الأنحاءِ،
موحشةُ الأرجاءِ،
مظلمةُ الأجواء،

لم يقلْ لهُ اللابتوب القابعُ بين أناملهِ
ماذا عليهِ أن يفعلَ الآن
في هذا الفجرِ
وليالي الحشرِ
في هذا العمرِ ،

توقّفْ!!
انتهى الشحن !


عبد الستار نورعلي
فجر الأثنين 17 أغسطس 2009 


114
هل يحتاج العراق اليوم شيئاً منْ بلطجة صدام حسين؟


عبد الستار نورعلي


البلطجة، مرادف الشقاوة بالعراقية ، صفة مرذولة مرفوضة في المجتمع المدني الحضاري الحديث. وتعني البلطجة الاعتداء على الغير وسلب حقوقهم وأموالهم دون وجه حق أو وازع من ضمير أو قانون أو شرع أو انسانية، معتمدة على قوة العضلات وروح العنف والقسوة. وقد كانت تعتبر من باب الرجولة والفحولة ومدعاة للفخر.

وكانت البلطجة  ظاهرة سائدة في المجتمعات العربية ومنها المجتمع العراقي في القرون الماضية حيث الفقر والتخلف والظلم والاضطهاد كان سائداً، والأمية منتشرة وهي ما كانت بيئة خصبة لانتشار ظاهرة البلطجة، وخاصة في العهد العثماني ايام انفلات الأمن وانتشار السرقة والنهب والسلب دون وازع أو قانون. وقد كان الولاة هم شيوخ الحرامية واللصوص وسادة الظلم والنهب والاعتداء. حتى أنهم اعتمدوا على البلطجية الأشقيائية في نشر الذعر والخوف بين الناس لتكون لهم هيبة وسيطرة وبسط للنفوذ وحرية في النهب والسلب والبطش وسرقة المال العام، وفرض الأتاوات باسم جباية الضريبة على فقراء الناس وأغنيائهم على السوا.، وكانوا يحكمون بهذه الطريقة لا عن طريق نشر العدل والقانون واحترام حقوق الرعية التي أوصى بها سبحانه وتعالى ونبيه الكريم ص . لقد كانوا هم قادة البلطجة الكبار بدون منازع.

وبسبب انفلات الأمن وانتشار ظاهرة اللصوص والحرامية والبلطجة والاعتداء على الحواري والبيوت والأشخاص اضطر سكان المناطق والأحياء السكنية في المدن الكبيرة أنْ يعتمدوا على البلطجية من ابناء أحيائهم في الحماية الذاتية ضد اعتداءات البلطجية الآخرين والحرامية القادمين من مناطق أخرى. اضافة الى أنهم كانوا لا يعتدون على أبناء حاراتهم ولا يسرقونهم. وقد تكون هذه هي الايجابية اليتيمة لظاهرة البلطجة خارج قانونها السائب المنفلت. وحتى هذه الايجابية كان لها ثمن يدفعه السكان منْ أموالهم وتقديم فروض الاحترام والهيبة للبلطجي.

مع أنهم مع هذه الايجابية كانوا في الوقت نفسه يقومون بأعمال الاعتداء والسرقة والنهب والسلب في الحارات والمناطق الأخرى عن قناعة وطيب خاطر وفخر دون أنْ يرمش لهم جفن أو يؤنبهم ضمير أو تأخذهم رحمة أو شفقة بالناس المساكين.

في القرن العشرين وبعد نشأة الأحزاب والقوى السياسية ومجالس النواب الصورية في العالم العربي وانتشار المنافسة بينها، والتي وصلت الى حد الصراع والالتحام بالايدي والنبابيت بين أنصارها، مثلما نشاهده في الأفلام المصرية ، اعتمدت غالبية هذه الأحزاب والقوى والمرشحون لمجالس النياية على البلطجية في الدفاع عن النفس  وردّ الاعتداءات التي كانت وكانوا يتعرضون لها، بل والاعتداء على تجمعات وأنصار الخصوم لبث الرعب بينهم وابعادهم عن تأييدها والتصويت لها في الانتخابات. وأحياناً في غير هذه الحالات ومن باب عرض العضلات واثبات الذات.

وقد تحولت البلطجة بين الأحزاب والقوى السياسية إلى ظاهرة سياسية معروفة متداولة بحيث اصبحت ضرورة، وهي خلق جهاز أمني استخباراتي تابع لها ومن المنتمين اليها، مهمته هو متابعة الخصوم وتحركاتهم وسياساتهم ، وتهديدهم احياناً الى حد التصفية الجسدية إنْ اقتضت الضرورة وفق حساباتها. اضافة الى استحداث وظيفة الحارس الشخصي لكل قائد سياسي أو شخصية بارزة في الدولة والمجتمع يُخشى تعرضها للاعتداء ومحاولات الاغتيال. ومن شروط شخصية الحارس الشخصي أن تتوفر فيه صفات البلطجة من قوة البنية الجسدية والعضلات المفتولة والشاربين الكثيفين المفتولين اللذين يقف عليهما الصقر، اضافة الى صلابة القلب والاندفاع وخشونة الطبع وقسوة الشخصية وروح العنف دون شفقة أو رحمة بالخصم، أو التحقق من الحدث المباغت الذي يتعرض له المحروس إنْ كان عفوياً بريئاً أو متعمداً، بمعنى ردّ الفعل المباشر السريع على أساس أنّ الشكَّ هو اليقين. 
 
وقد كان استحداث أجهزة الأمن والاستخبارات في الدول هو من باب حماية الدولة ومواطنيها من الاعتداء والأخطار القادمة داخلياً وخارجياً. ومن المعروف للجميع أنّ المواصفات المطلوبة التي يجب توفرها في المنتسبين إلى هذه الأجهزة هي مواصفات البلطجة لضرورتها في مواجهة الأعداء المتربصين والمخططين لإلحاق الأذى والشر بالوطن والشعب والأمة. وذلك لردع ومنع الذين يفكرون بذلك أو يعملون عليه سواءاً داخلياً أم خارجياً. وهذا أمر مشروع مقبول في السياسة والأمن ومن ضرورات حماية البلدان والأمم ، بالرغم مما نسمعه من استنكارات واستهجانات ومظاهر الرفض لبعض الأعمال الأمنية والمخابراتية بين الدول أو ضد المعارضة الداخلية أو الأشخاص الخطرين على أمن الدولة أو النظام الحاكم، مع أن الجميع يقوم  بها دون تردد أو انتظار لموافقة أحد، ضاربين عرض الحائط بكل القيم الانسانية أمام مصالحهم الوطنية أو الذاتية السلطوية من أجل حماية الكرسي والحكم.

لكن مع الأسف تحوّلت هذه الأجهزة في الأنظمة القمعية الدكتاتورية من حماية الوطن وأمنه واستقراره الى بلطجة شرسة ضد شعوبها وأوطانها لبسط سيطرتها على البلاد والعباد وتثبيت حكمها وإدامته أطول مدة ممكنة من خلال بث الرعب والخوف في صفوف الناس وشلّ الحركات المعارضة.

ومثل هذه الأنظمة لا تعرف معنى للسياسة والحكم إلا أنهما بلطجة وقوة وبث الرعب في نفوس الناس والخصوم. فهي لا تفهم لغة الحوار السياسي وتبادل المصالح بين الدول والشعوب. فهي تفهم لغة واحدة وهي لغة البلطجة في الحكم والعلاقات السياسية والدولية، لأنّ قادتها هم بالأساس بلطجية تسلموا الحكم في غفلة من الزمن وببلطجة. ومثل هذه الأنظمة لا ينفع معها "العيني والأغاتي" أي المجاملة كما نقول نحن العراقيين، وإنما العصا الغليظة والقوة العاتية والبلطجة بكل معناها. فهي إن أحست في دولة اخرى ضعفاً أو رخاوة استأسدت عليها وتحولت الى ضباع تنهش. لكنها أمام دولة او سلطة قوية تعتمد البلطجة عند الضرورة تجدها تتحول الى حَمَل وديع ناعم الملمس يتقي الشرّ خوفاً ورهبةً.

لقد تحوّلت البلطجة في جانب منها الى نظام دولي ومنذ قرون الاستعمار الغابرة لتصبح "بلطجة دولة". فقد اعتمدت الدول الاستعمارية أمثال بريطانيا العظمى وفرنسا وايطاليا واسبانيا والبرتغال اعتمدت قانون بلطجة الدولة متمثلة بشريعة الغاب في بسط نفوذها الاستعماري على الدول الضعيفة المسكينة المتخلفة لتبني امبراطوريات غنية متخمة طويلة عريضة في العالم على حساب شقاء وتخلف وفقر تلك الدول وشعوبها لتصبح خيراتها نهباً وسلباً للدول الأستعمارية البلطجية.

واليوم نجد البلطجة بأجلى صورها وقوانينها متمثّلة بالولايات المتحدة التي تصول وتجول في العالم مستخدمة البلطجة الحديثة ملوحةً بالاساطيل والأسلحة الفتاكة المدمرة بدلاً عن العصيّ الغليظة والسكاكين والقامات في وجوه الدول الضعيفة. أما الدول والقوى التي لا يؤكل لحمها بسهولة فأمريكا وغيرها تحاول استعمال اليد المخملية معها، وهو ما يسميه السياسيون لغة الحوار ، أمثال ايران وكوريا الشمالية لأنهما يمتلكان ذراعاً نووية بلطجية قوية مخيفة. وكذا حزب الله في لبنان وحماس في غزة. أما الدول التي تركع أمامها أو تقدم لها فروض الطاعة والولاء بسبب رعبها من بلطجتها ووعيها لما قد تتعرض له إنْ عادتها فقد اصبحت في مأمن من بلطجتها، بل صارت في حمايتها، مثلما يحصل مع الناس والبلطجية في الحياة العادية أو في الأنظمة السياسية الدكتاتورية البطشية في الدول العربية.

ومثل الولايات المتحدة اسرائيل التي اعتمدت كلياً منذ تكوينها على البلطجة في مواجهة العرب والمسلمين والعالم أجمع. وبذا امست قوية مهابة الجانب قوية الشكيمة مسموعة الكلمة يحسب لها كلُّ العالم ألف حساب وحساب. ولا يستطيع أحد أنْ يمس لها شعرةً.

وكل هذا كان يعيه ويفهمه جيداً صدام حسين وعن تجربة شخصية ميدانية، فاعتمد قانون البلطجة في التعامل مع الأنظمة البلطجية العربية وغير العربية. لذا كانت ترتعب منه وتتجنب بلطجته وشرّه المستطير، وتحسب له ألف حساب. وقد استخدم البلطجة أيضاً ضد شعبه لذا حكم خمسة وثلاثين عاماً. ولولا كبرى البلطجة العالمية امريكا لكان في الحكم حتى اليوم ومن بعده ذريته كما في الأنظمة البلطجية العربية الأخرى.

أما اليوم فهذا هو العراق يتعرض يومياً لهجمة بلطجية شرسة من أنظمة وجماعات وأشخاص تفتك بالناس الأبرياء رجالاً ونساءاً وأطفالاً من الفقراء والباحثين عن اللقمة الحلال لهم ولعيالهم. هذه البلطجة تدمر الزرع والضرع والبناء والبشر بلا وازع من دين أو ضمير أو مانع أو خوف، وبكل حرية. لكن هذه الهجمة البلطجية الوحشية الضارية وأفرادها تقابل بيد مخملية من السلطة العراقية وقانون لحقوق الانسان وعدم المساس بهم وتوفير معتقلات خمسة نجوم ومحامين والحرص على توفر شهود إثبات لاصدار حكم قضائي (عادل) بارهابي بلطجي ذبح منذ سنوات أكثر من مئتي مواطن بريء لا ذنب لهم إلا أنهم من طائفة أخرى ودون أن يرمش له جفن أو ترتجف له شعرة، وهو لا يزال حياً يرزق قابعاً متنعماً في فندق خمسة نجوم من غير أنْ يمسه أحد، ولا يُنفذ فيه قانون ولا شريعة بلطجة!!

ومع شراسة هذه الهجمة البلطجية المنفلتة فإنّ حكومتنا الديمقراطية الرشيدة المهتمة بالمحافظة على حقوق الانسان الى أقصى الحدود، اضافة الى البعض من سياسيينا المنافقين، ولغرض في نفس يعقوب، يبدون الحرص الشديد على علاقات الأخوة وحسن الجوار والمجاملات المثيرة للتقزز والغيظ ، ويهتمون بالبحث عن حلول من خلال الحوار وابرام اتفاقيات امنية واقتصادية يسيل لها اللعاب توهماً أنها قد تؤدي الى ايقاف نزيف الدم ، وبحسب رؤيتها وحساباتها غير الواقعية واللامنطقية !!!

الذي وعيناه من تجارب التاريخ جماعاتٍ وأفراداً أنّ البلطجي لا يفهم إلا لغة البلطجة والقوة والاقتحام والعنف.

وفي الحفاظ  على حياة العباد والبلاد فإنّ الضرورات تبيح المحظورات. ولا محظورات مع البلطجية والضباع المنفلتة.

والعاجز يريد شهود!


عبد الستار نورعلي
الخميس 17 ديسمبر 2009

115
إخترنا لكم / العرش والصولجان
« في: 10:34 08/12/2009  »
العرش والصولجان
عبد الستار نورعلي


لا
لسْتُ منْ كُتّابِ بيعِ اللسانْ!
فإنّني
أكتبُ ما يوحي بهِ الأصغرانْ،
فؤاديَ النصفُ ونصفٌ لسانْ
أصفى من الينبوعِ وسْطَ البستانْ،
ثمارُهُ
أشهى من الأعنابِ والبرتقانْ،
والثالثُ الأناملُ:
حرفٌ
وقلبٌ
ومكانٌ، زمانْ،
ترفلُ بالحبِّ وبالدفءِ وفوحِ الريحانْ،

يا سيدي الحرفُ، لأنّي شاهدٌ
مثابرٌ وإنسانْ،
أشهدُ ما يجري على الأرضِ
وما يفعلهُ الكرسيُّ والصولجانْ،
فالسيدُ المزيَّفُ العدّاءُ ذاكَ الفلانْ
يعدو ويعدو كسباقِ الرِهانْ،
منْ أجل أنْ يفوزَ بالجلوسِ فوقَ المكانْ،
وفي طريقِ العَدْوِ مثلَ الذُؤبانْ
و الحلمِ أنْ يبقى على العرشِ
وطولَ الزمانْ
لا بأسَ أنْ يسحقَ رأسَ إنسانْ،
و يُلقيَ النقيَّ بينَ القضبانْ،
ويشحذَ السيفَ بأيدي سجّانْ،
وينصبَ الشرطيَّ حدَّ اللسانْ
شُوَيْعِراً
كُوَيْتِباً
أُنَيْسانْ،

يا سيدي الحرفُ، فكمْ منْ لسانْ
قد بيعَ في السوقِ ببخسِ الأثمانْ !
يحرِّفُ الحرفَ ، يبيعُ البُهتانْ،
أخطرُ من سُمِّ فحيحِ الثعبانْ ،
ينامُ منبوذاً ببابِ الغِلمانْ،
يرقصُ كالمهرجِ البهلوانْ
بينَ يديْ حُوَيكِمٍ أُلعُبانْ،
ليلعقَ الفُتاتَ لَعقَ الذِبّانْ،

يا سيدي الحرفُ،
لأنتَ السلطانْ،
وأنتَ ربُّ العرشِ والصولجانْ،
أنتَ الرقيبُ ساطعاً والأمانْ،
أنتَ ضميرُ الصدقِ بينَ الغيلانْ،
سيفٌ بحدٍّ صارمٍ لا يُهانْ،
تبقى بريقاً قُزحيَّ الألوانْ،
و تُنشِبُ الحريقَ خلفَ القضبانْ،

الثلاثاء 17نوفمبر 2009

116
الشاعر العراقي جعفر المهاجر
والإلتصاق بالوطن


عبد الستار نورعلي



لفجرك ياعراقَ الشمسِ أصبو
لنخلك والقبابِ .. وللسـواقي

وماؤك ياعراقَ المجدِ شهدي
كأنه في دمي عطرُ الدهاقِ

بسقفك أحتمي من كلِّ عصفٍ
بنورك سـيدي يحـلو عناقي


بهذا البوح الشجيّ والشدو النديّ ينسابُ نهرُ التعلق بالوطن والحنين الحرّاق شعراً رقيقَ المبنى جميلَ الصياغة مشبوبَ العاطفةِ متأجّجَ التعبير يطلّ علينا الشاعر العراقي المتألق جعفر المهاجر في قصيدته (فما أبهاك يا حضنَ العراق) ليصبَّ حبه لوطنهِ في قالبٍ من الشعر الجميل المتقن الصياغة والمترف الأسلوب والمؤثر في المشاعر، وليملأ كؤوس الأحاسيس بألذ نبيذٍ من المحبةِ والحنين الى الوطن.

الشاعر  جعفر حسين أحمد المهاجر المولود في قضاء الحي/ محافظة واسط العراقية شاعر عراقي متميّز بشعره المصاغ في اطار عمود الشعر الكلاسيكي شكلاً وفناً مُختاراً للتعبير، وبابداع عالٍ يضعه في مصاف شعرائنا البارزين. إنه يصنع القوافي بمقدرة المتمكن من أداته الشعرية والمتمرس في فنه، تقف خلفه ثقافة لغوية عالية، إذ كان معلماً للغة العربية في المدارس الابتدائية والمتوسطة بمحافظة واسط ، ومن المشاركين في وضع مناهجها الدراسية النحوية. كما ترفده ثقافة واسعة في الشعر والأدب عموماً ومعرفة دينية واضحة نجد آثارها في شعره وكتاباته النثرية. وكل هذه السمات والخصائص التي نشير اليها نلمسها في منتجه الابداعي من خلال استقرائنا لما يكتب بغزارة وحرص مبني على المراجعة العلمية والموضوعية والاستشهاد والاشارة حتى تكون نصوصه موثقة شعراً ونثراً ومقالات سياسية ودراسات دينية وأدبية.

المستقرئ لشعر جعفر المهاجر يلتقي بمضامين عديدة تتوزعها قصائده، وتتنقل بينها قوافيه ليسكب في ذائقتنا أقداح أحاسيسه ومشاعره الجياشة في كلّ غرض شعري يتناوله. فهو يكتب في حبّ الوطن والحنين اليه والتعلق بأرضه بحرارة الموجود المكتوي بنار العشق الأخّاذ، والعاشق الذي يختنق بحبال الحبّ والالتصاق والبعد عن موطن صباه ونشأته والذي تركه خلفه بسبب ما لقيه من ظلم وبطش واعتقال مما أجبره على المهاجرة، وكأن لقبه (المهاجر) دلالة معاناته وايجاز لتاريخه. إنه لا يتوقف عن أنْ يصور عشقه وتعلقه وعطشه لوطنه وأرضه ويُغنّي حنينَه الى واديه كأي عاشق هائمٍ موجودٍ، متغزلاً بمحبة طاغية ومشاعر مكتوية بلظى الشوق والحنين مصوِّراً حلمه وأمله بالتلاقي بمن يحبّ على أديم العراق:

عشقتكَ في الطفولة والشبابِ
فما أبهاك ياحضنَ العراقِ !؟

وبي ظمأ تعجُّ به دمائي
ولا غوثٌ سوى حضنِ العراقِ

فياأمي ، ويا أهلي وصحبي
فليس بغيركم يحلو التلاقي

عسى الرحمنُ يجمعنا قريباً
هناك هناك في حضنِ العراقِ

فما تكراره لـ(حضن العراق) و (هناك هناك) إلا تعبيرٌ عن كمية الحبّ الذي يختزنه في صدره لوطنه، وتأكيدٌ لذلك الدفء الذي هجره قسراً ففقده ظلماً، وافتقده ناراً تتأجّج في نفسه فتسلمه لألم الفراق الممضّ المشتعل بين الضلوع. ألمٍ يغرز سكينه في القلب وفي الروح فيصوّره لنا الشاعر بأشجى صورة وأبلغ تعبير وأصدق وأحرّ مشاعر وأصفى وأرقّ أسلوب.
 
هكذا هو في حبه لبلده وتعلقه والتصاقه به الى حدّ الولهِ والشغفِ والحزن والاحساس بالوحدة والضجر والغربةوهو بعيد عنه. فيُسلم نفسه الى أمل الانتظار لساعةٍ عساها قادمة ليحتضن التراب، ويشمّ فيه تاريخه الطويل المخطوط آثاراً على وجه الأرض التي شهدت ملاعب صباه واحتضنت عطاءه الغني بالعلم الذي غذّاه في نفوس تلاميذه وسطّرهُ صفحاتٍ ليستفيد منها الناس، فيكون زاداً له في آخرته وذكرى عطرة تبقى مشرقةً بعده، مترسماً في ذلك قول الرسول الكريم ص: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم يُنتفَع به ، وولد صالح يدعو له).

ونقرأ له في قصيدة (بغداد إرث وإشراق وجلجلة) هذا العشق الصوفي العالق بروح شاعرنا يبثه وجداً وجمراتٍ من الحبِّ الكامن في قلبه ، وقنديلاً يضيء جنبات روحه الهائمة في حبِّ بغداد رمزاً للعراق الأكبر وللوطن الأوسع بجغرافيته، فتواشجت محبةً متجذرةً في أعماق نفسه المولّهة بالأرض التي فيها وُلدَ، وعلى أديمها ترعرع. الأرض المغمسة بحرارة الشمس اللاهبة الناثرة شعاعها دفئاً من العلاقة الملتحمة بين روح شاعرنا وجذور تراب الوطن وفاءً والتصاقاً لا ينفكّ عراهما رغم الهجرة والبعد ومعاناة الغربة والتوق الدائم للقاء. لنقرأ معاً هذا العشق الشجيّ منساباً أناشيدَ من غمرات المشاعر المتدفقة قوافيَ من البوح الحزين المؤثر:

ألفْتُ فيكِ تسابيحاً وعرفانا
وفي جبينكِ فيضُ النور قد بانا

بغدادُ حاضرة التأريخ لحمتـه،
كالنبع أنتِ وكالبشرى لدنيانا

بغدادُ ملهمتي يشدو لها وتري
أظلّ في عشقها القدسي هيمانا

وأرشف الأملَ الوهّاج من فمها
ووجهها كالضحى يحيي بقايانا

لروض بغدادَ تهفو كلّ نورسة
لدفقها الثرّ يبقى القلب ظمآنا

كلُّ الحدائق فيها أينعت ثمراً
والزهر يسري شذاه في خلايانا

في نبضها ألقٌ لاينطفي أبداً
يبثّ في دمنا روحـا وريحانا

بغدادُ ياعبقَ الدنيا وشرفتها
بغداد أجمل لحن في حنايانا

بغـدادُ أمٌ رؤومٌ في محبتهـا
وكلّ من عقّها قد نالَ خسرانا


هذا العشقُ الطاغي للوطن عند الشاعر جعفر المهاجر خلق في نفسه جرحاً غائراً وألماً قاهراً وعذاباً ساهراً لما عاناه هذا الوطن في تاريخه من القهر والاضطهاد والظلم والاستبداد بحيث أستحالت حياة الشاعر وايامه سلسلة من الجراح النازفات في روحه الهائمة بحبّ بلاده وشعبه فوجدت طريقها في التعبير داخل لوحات من القصائد الرائعة المضمخة برائحة الألم ووخزات سكاكين السهر والغوص في التفكير والتساؤل الدائم عن الأسباب والعلل في المعاناة التي تسربلت بأردية الدم والموت والأنين، فلنقراْ ما يقول في قصيدة (فصول من غربتين): 

رصد القهر خطانا من سنينْ   
وأحال الوطن المأسورَ
روعاً وشررْ
تعبت أضلاعنا من وجع الأيام   
أعيانا الكدرْ   
بعضنا قد سأل البعض   
لماذا صادروا أحلامنا؟   
وأحالونا هشيماً للسعرْ؟   
ولماذا حجبوا عنا ضياء الشمس   
والبوح احتضرْ؟   
ولماذا حطباً صرنا لبوق النصرِ   
والنصرانتحرْ؟
ولماذا دمنا صار مباحاً   
لزنيم ولقيطٍ 
ولطاغوتٍ أشِر؟

وأما في قصيدته (ليس الا العراق ظلّ ظليل) فنقرأ كمّية الألم والاحساس بفداحة الجرح النازف من جسد العراق، فينعى الأخوان قاتلاً وقتيلاً، وبذا يكون الحزن دامياً حين يكون القتيل بيد أخيه، لنشهد قصة قابيل وهابيل تعود وبأبشع صورة تحوّل أيام شاعرنا ولياليه سلسلةً من الجراح والآلام لتكون الغربة اشدَّ وقعاً وأحدَّ نصالاً تطعن روحه لتفجر قوافيَ صادحاتٍ بحجم ما يعاني:

ياعبير الدهور ماذا أقـولُ
ها هو العمر يعتريهِ الذبولُ
 
وطنُ الشمس قبلتي ورجائي
وحديثي عن الفراق طويلُ
 
سيدَ النخل قد دهتك الدواهي
والأشـقاء ، قاتلٌ ، وقتيـلُ
 
ترك الغدرُ في رباك دماراً
وشقاءً لم ترتكبُهُ المغولُ
 
عشعش الموتُ في شجيرات أهلي
و تـوارى  ربيعُهـا  المأمـولُ
 
الليالي فيها اغتيالٌ وموتٌ
والصباحاتُ حسرةٌ وذهولُ
 
وصراع الديوك أضحى سجالاً
فعليمٌ  بما جنى ، وجهـولُ

هذه البكائية المنسابة بمشاعر الحزن والأسى نشيداً عامراً بجمراتِ الألم دفعتْ جيوشَ الغربة والاحساس بوطأة الوحدة القاسية لتقتحم روحه الرقيقة المحبة بسنابك خيولها الثقيلة لتحيل أيامَه صراعاً من الحرقة تنهش في صدره لتزيد من معاناته، معاناة الخوف على الوطن، ومعاناة الحنين الجارف لتقذفه في مهاوي السهر وهروب النوم عن جفونه، وهجوم  الأسى على جانحيهِ سرايا من العويل:

حزنُ بغدادَ جمرةٌ في جفوني
وأساها في جانحيّ عويلُ
 
حزنُ بغدادَ مِديةٌ في فؤادي
لستُ أدري متى سيشفى العليلُ

ويستمر في هذا البوح الشادي بألحان القوافي وطعنات مِدى الحزنِ والمنافي وجراح الظواهر النازفاتِ الطوافي وأحاسيس الهائجات الخوافي والأساليب الشفافة المرافي في مرابع الغربة واحتمال نزيف مِحن الأقاصي:

لاتسلْني عن محنتي في الأقاصي
فهي الـداء ، والبـلاء النزيـلُ
 
غرق العمرُ في خريف الليالي
لايواسيه صاحبٌ أو خليلُ
 
فدموعي على العراق جمارٌ
من فراق العراق تبكي الفحولُ
 
أتلوى من فرط عشقي واشقى
ففراقُ العراق خطبٌ مهولُ

ويستمر الشاعر جعفر المهاجر في تصويره وتعبيره عن حبه لوطنه بأجمل أنغام الشعر فينقل لنا معاناته من الوجد والعشق والتعلق الكبير ببلده في معظم ما نشر من قصائد تحمل في طياتها مقدار شاعريته خيالاً وأسلوباً ولغةً عالية النبر والفصاحة، وتصويراً وعاطفة متأججةً نحسها لوعةً تنخر في روحه الشفافة ألماً مضافاً الى ألم الغربة ليقع في براثن الإحساس المضبّب بالضجر والوحدة والاقتلاع عن الجذور وهو في هذا العمر، أطال اله  سبحانه في عمره المديد ليغرّد أكثر فأكثر وأشجى فأشجى في عالم أمسى فيه التغريدُ غربةً، والانشادُ اغتراباً، والطيبة والتعلق بالمُثُل العليا ومنها حبّ الوطن والحرص على الأرض ومقارعة الظلم والعدوان والطغيان والفساد غريباً. وأضحت الكتابة والابداع عالماً من الكلام الفارغ، والدجل القائم، بحيث اقتحمه كلّ من هبّ ودبّ ليسمّي نفسه شاعراً أو كاتباً أومحللاً. وأما المبدعون الحقيقيون الذين يكتوون بنار الابداع الأصيل والفكر النبيل والمشاعر الطيبة طيبة النخيل، وعليلة مثل نسائم الظلِّ الظليل، وأصحاب الثقافة العميقة الغزيرة والموهبةالكبيرة والابداعات الغزيرة فهم في غربةٍ عن الواقع اللوّث والمُدجّن بالمزيفين والأدعياء وأنصاف وأرباع المثقفين الدهماء. يقول شاعرنا مصوّراً ما يضطرب في روحه وما يقيم في قلبه من شوق وحنين ونصال الاغتراب في قصيدة (شهقات الغربة على مشارف العيد):

ترفّقْ ، ياألهي بي فأني
عليل الجسم يرهقني اغترابُ

حنيني للديار غدا لهيباً
فلا تطفيهِ هندٌ أو ربابُ

وهذا النفي لا أحبابَ فيه
فياريحَ الصَّبا أين الصحابُ ؟

مثلما يصوّر في بدايتها ما يعانيه بأصدق وأبلغ وأحزن كلام وتصوير فينشد:

سلوا قلبي سيأتيكم جوابُ
فكلّ الجسم يطحنهُ العذابُ

سلوا قلبي ففيهِ ألفُ داءٍ
جراحٌ وانسحاقٌ واغترابُ

ليالٍ ثقلها أوجعْنَ روحي
وأحلامي غدتْ فيها سرابُ

وعيدٌ ضاق صدري فيه ذرعاً
وظلتْ فيه تطعنني الحرابُ

وعيدٌ فيه أشجانٌ كثارٌ
ووحدي فيه يلطمني العبابُ

وعيدٌ صبحهُ صبحٌ عبوسٌ
وقد غطى مراسيهِ ارتيابُ

وعيدٌ ليله ليلٌ بهيمٌ
فلا ضوءٌ يلوح ولا شهابُ


هذه الأحاسيس المحترقة في الغربة وفي يوم العيد تظلّ تدقُ فأسَ الألم  في مرابع القلب حين يحاول الارتقاء ولو حلماً ليلتقي بوطنه وهو على البعد سافحاً كؤوس المعاناة الغزيرة وبصدقٍ يُمطر علينا شعراً يسيل من سحاب التجربة المُرّة التي يغرق في موجها المتلاطم في نفسه:

بعيدٌ عن أزاهيري وصحبي
وولّى عن شراييني الشبابُ

لقد ضيعتُ نفسي ياخليلي
فلا لومٌ  يفيد ، ولا عتابُ

ثقيلَ الخطو أمشي في نهاري
وليلي ، فيه أحشائي تذابُ

وُعودٌ داعبتني خادعـاتٌ
وبانَ الزيفُ وانكشفَ النقابُ

شجيّ الروح في هذي الأقاصي
وكلُّ صحـائفي  قفرٌ  يبابُ



الشمس لا تُخفى بغربال، والينبوع الثرّ المتدفق لا يُغلقُ بغطاءٍ دجّالْ . فالشمس تبقى مشرقةً، والينبوع يظلَ متدفقاً، ليتدفأ الناس بتلك، ويرتوون بهذا.  والشاعر العراقي جعفر المهاجر شمسٌ ساطعة، وينبوع ثرّ لن ينضب مهما اسشاطت روحهُ بنيران الغربة والاحساس بالوحدة القسرية والبعد عن الوطن والشعور بالألم والاغتراب والضيق والوحدة. هو في زاويته يغرّد بقصائد تنضح بما يختلجُ في روحه، وبسموٍ فني مشهود، وعلو باعٍ في فنه، وأسلوب يتغذّى من ثقافة لغوية وادبية ودينية وشعرية غنية.

إنّ الابداع الأصيل الحقيقي يتحدث عن نفسه بلا واسطة، ويكشف عن صاحبه ولو بعد حين. وجعفر المهاجر شاعر عراقي يحمل كل معاني فن الشعر والخلق الأدبي وهموم الفنان المبدع الأصيل، والتي منها عشق الوطن وحبّ الغير والخير ومقارعة الظلم والاضطهاد والدفاع عن حقوق الناس، يرفده في ذلك احساس شفاف وروح رقيقة حساسة وخيال واسع وتصوير بارع وأسلوب راقٍ مقتدر غني بالمفردات والصور.


عبد الستار نورعلي
الأربعاء 28 أوكتوبر 2009 




117
مختارات للشاعر السويدي بيورنر تورسون
عبد الستار نورعلي


أن تكونَ ـ مثلُ كل الأشياء

                                     اختفاء
جريمة ، اضطراب ، خسارة ،
                         شلل ،
كل شيء يحترق ، النار هاطلة مثل زخات المطر.

النظرة طليقة
أحدهم يغني     لكن الصوت يتلاشى في الهواء.

الريح تبعد ألسنة اللهب.
وهناك ينهض أحدهم عن سريره.

أن تكون هو مثل أن يكون كل شيء.
كنْ ـ ثم اعتكفْ ، في مواجهة نفسك:

لقد مرت بخاطري فكرة أن أقتحم بيتي الخاص
حينها اصطدمتُ في الظلام بحافة الباب.
أقف صامتاً في كورس صاخب.

" الذئب هناك "
                                                                                                                             
.....
          ......
في مكان ما من هذا الحقل اختبأ
                                            خنزير صغير
الآن يتعلق الأمر بالعثور عليه فحسب ...


"هناك"

هناك يتدحرج عجوزان.


"هناك بعيداً"

يلوح للناظر:
...........
سيقان  الأشجار النحيفة
انفكت عن تيجانها الغامقة
وبحذر هبطت على الأرض
                         ........
                     الآن هي بعيدة .

"بعيداً"

الآن يظنُ المرءُ أنه يلمح
                              شيئاً يختفي

قطعة قماش تسقط خلال ريح الغسيل

أم أنها تساق مع الجِمال ، شراعاً
باتجاه فردوس أسود ، خلف الأفق

يغمض المرء عينيه
من خلال نافذة الباص يرى صحراء الملح
                                                   تختفي
                                                    في كل ناحية


* في الحافة

أبحثُ عن شيء
من السخفِ الاستماعُ اليه

مثلما حين يلج المرءُ الصحراءَ ـ وفجأة يطرق سمعه
كأن أحدهم يقلب ورقة في كتاب

أو يجلس لتناول الغداء في مقهى تعج بالفوضى
وأحدهم غارق في النوم في أذن شخص آخر

هناك أصوات جانبية تائهة تتأرجح
لاأحد يلتفت اليها 

الآن أسمعها في الذاكرة



* في أصفهان

أنا أشبه هذا الذي أتعثر فوقه
بين التجار الذين انحدروا ، الرُزم
والجِمال تحت المعاطف ، القبعات ، الصناعات الحجرية

العلبُ الكارتونية يجب أت تُحزمَ من جديد
كي لا تسقط من ثقل وزنها

في الظلام الدامس أراحوا رِكابهم
آلاف النجوم قد أمطرت فوق طريقهم

يدٌ صغيرة بأجنحةٍ هي أول ما تقع عليه العين
ثم أغمضتُ عينيَ من كثافة الضياء
الذي يمسك الصخور في مكانها ، بقمة رأس القبة

مثل كتلة جليد تحوم في بيت من الثلج
في فيلم عن ابن البرودة نانوك

إنها لا تتحرك حول مركز ثقلها
                                  ـ مكعب الضوء الشفاف
بل فوق خيط ، بين العين والعالم


*عن مجموعة الشاعر (في مطاردة أرنب بري) الصادرة عام 2001 وهي التاسعة منذ مجموعته الأولى (حمامة في مطر الزيت) 1964.
 
*الشاعر بيورنر تورسون Björner Torsson  مهندس معماري ، كان يعمل سابقاً أستاذاً للهندسة المعمارية في الكلية التكنولوجية في العاصمة استوكهولم. يرسم في  شعره ظلالاً من الحزن والسوداوية تلف الحياة الانسانية، وإن كانت لغته بتأثير من تخصصه المهني تدور في لعبة فنية تعبيرية تفاصيلية لما يدور في النفس من أحاسيس تفتح نوافذ العتمة الداخلية.

اختيار وترجمة وهوامش: عبد الستار نورعلي


118
إخترنا لكم / قالوا: تدلّلَ!
« في: 12:50 17/10/2009  »
قالوا: تدلّلَ!
عبد الستار نورعلي


كُتِبتْ القصيدة عام 1978مقطوعة بثمانية ابيات (1،2،3،7،8،12،20،25) ونُشرت حينها في مجلة (الورود) اللبنانية التي كان يصدرها الأديب اللبناني المرحوم بديع شبلي. وأعدتُ النظر فيها وعدّلتُ فيها واضفتُ اليها أبياتاً جديدة وتُنشر الآن لأول مرة بعد التعديلات والاضافات:


قالوا: تدلّلَ!
قلتُ: لا!
ما بالدلالِ حَيِيْتُ

المرءُ إنْ حميَ الهوى
في القارعـاتِ يفـوْتُ 1

لا يُصلحُ الوجهَ القناعُ ـ
فـمُرتديـهِ  مقيـْتُ

منْ رامَ  وصلَ حبيبهِ
لا ينـثنـي ويفـوْتُ 2

العشقُ خمرٌ صِرفُهُ
للعاشـقينَ القـوْتُ

والتوقُ نشوةُ جمرهِ
للهـائميـنِ مُـميـْتُ

صُبّوا الكؤوسَ، فإنّني
في الشـاربينَ لَحوتُ

مَنْ يملأُ القدحَ الشرابَ ـ
وعاقروهُ  سكـوتُ ؟

لا أرتـضـي كأسـاً ــ
فإنّ العاتياتِ حُسِيْتُ

لمْ يروِ مِنْ ظمأي محيطٌ ـ
هـادرٌ ، وصَمـوتُ

أو منْ تمنطقَ بالحروفِ ـ
وحظُهُـنَ سُـكوتُ

فأنا البحارُ، أنا السفائنُ ـ
في الخضمِّ أفوتُ 3

ما كنتُ يوماً مِنْ صدىً
أو تـابـعٍ ، فـدَنِـيْـتُ

أو خافضاً عيني لعِلجٍ ـ
بالفُتـاتِ  رُمـيْـتُ

فنساءُ أهلي الشامخاتُ ـ
حليبَـهنَ  سُـقيْتُ

ورجالُ بيتي الملحماتُ ـ
تـوثـبٌ ، وثُـبـوتُ

إنّي الذي ذاقَ الهوا
للعـاليـاتِ  قَـنُـوتُ

سيزيفُ، أحملُ صخرةً
ذراتُـها  الكبـريـتُ

هذا أنا، ــــ
مِنْ كلِّ أدرانِ  السُفوحِ نَقِيْتُ

لمْ أخشَ منْ لبسَ الوقارَ ـ
رداؤهُ   الكَـهنـوتُ

أو منْ تبخترَ بالحريرِ ـ
حـذاؤهُ الياقـوتُ

الكلُّ أصلٌ واحدٌ
منْ طينةٍ منحوتُ

وإلى ترابٍ عودةٌ
والباقياتُ الصِيتُ

فلِمَ التكبُّـرُ والصدودُ ـ
ختامنُا مـوقوتُ؟!

لا فرقَ بينَ العرشِ أو
مَنْ في الكفافِ يموتُ


1) يفوتُ: يقتحمُ
2) يفوتُ: يمرُّ
3) أفوتُ: أدخلُ

119
إخترنا لكم / قالوا: تدلّلَ!
« في: 23:45 21/09/2009  »
قالوا: تدلّلَ!
عبد الستار نورعلي


كُتِبتْ القصيدة عام 1978مقطوعة بثمانية ابيات (1،2،3،7،8،12،20،25) ونُشرت حينها في مجلة (الورود) اللبنانية التي كان يصدرها الأديب اللبناني المرحوم بديع شبلي. وأعدتُ النظر فيها وعدّلتُ فيها واضفتُ اليها أبياتاً جديدة وتُنشر الآن لأول مرة بعد التعديلات والاضافات:


قالوا: تدلّلَ!
قلتُ: لا!
ما بالدلالِ حَيِيْتُ

المرءُ إنْ حميَ الهوى
في القارعـاتِ يفـوْتُ 1

لا يُصلحُ الوجهَ القناعُ ـ
فـمُرتديـهِ  مقيـْتُ

منْ رامَ  وصلَ حبيبهِ
لا ينـثنـي ويفـوْتُ 2

العشقُ خمرٌ صِرفُهُ
للعاشـقينَ القـوْتُ

والتوقُ نشوةُ جمرهِ
للهـائميـنِ مُـميـْتُ

صُبّوا الكؤوسَ، فإنّني
في الشـاربينَ لَحوتُ

مَنْ يملأُ القدحَ الشرابَ ـ
وعاقروهُ  سكـوتُ ؟

لا أرتـضـي كأسـاً ــ
فإنّ العاتياتِ حُسِيْتُ

لمْ يروِ مِنْ ظمأي محيطٌ ـ
هـادرٌ ، وصَمـوتُ

أو منْ تمنطقَ بالحروفِ ـ
وحظُهُـنَ سُـكوتُ

فأنا البحارُ، أنا السفائنُ ـ
في الخضمِّ أفوتُ 3

ما كنتُ يوماً مِنْ صدىً
أو تـابـعٍ ، فـدَنِـيْـتُ

أو خافضاً عيني لعِلجٍ ـ
بالفُتـاتِ  رُمـيْـتُ

فنساءُ أهلي الشامخاتُ ـ
حليبَـهنَ  سُـقيْتُ

ورجالُ بيتي الملحماتُ ـ
تـوثـبٌ ، وثُـبـوتُ

إنّي الذي ذاقَ الهوا
للعـاليـاتِ  قَـنُـوتُ

سيزيفُ، أحملُ صخرةً
ذراتُـها  الكبـريـتُ

هذا أنا، ــــ
مِنْ كلِّ أدرانِ  السُفوحِ نَقِيْتُ

لمْ أخشَ منْ لبسَ الوقارَ ـ
رداؤهُ   الكَـهنـوتُ

أو منْ تبخترَ بالحريرِ ـ
حـذاؤهُ الياقـوتُ

الكلُّ أصلٌ واحدٌ
منْ طينةٍ منحوتُ

وإلى ترابٍ عودةٌ
والباقياتُ الصِيتُ

فلِمَ التكبُّـرُ والصدودُ ـ
ختامنُا مـوقوتُ؟!

لا فرقَ بينَ العرشِ أو
مَنْ في الكفافِ يموتُ


1) يفوتُ: يقتحمُ
2) يفوتُ: يمرُّ
3) أفوتُ: أدخلُ

120
العراقيون شكّاؤون بكّاؤون. لماذا؟
عبد الستار نورعلي


كلما فتحنا قناة فضائية عراقية على نشرة اخبار أو لقاءات مع الناس نسمع شكاوى من كل شيء، ومن كل حدب وصوب، من الفقير والمسكين والمحتاج الى المرفّه الناعم في ريش الحمام والمولدات الكهربائية والمائية الضخام. كما نصغي إلى بكاء مرير يُقطّع القلب ويثير الرثاء! ونشاهد وجوهاً يملأها الحزن والأسى واللوعة، عن صدقٍ أو عن تمثيل، وتتصدّع رؤوسنا باستجداءات مخزيةٍ لا تنتهي، عن حقّ أو عن باطل.

إنّ بعض هذه الشكاوى والبكاء نابع من معاناة حقيقية، وبعضها ادعاءات لغاية في نفس يعقوب، سياسيةٍ كتشويه سمعة الدولة، أم بحثٍ عن مصلحةٍ ذاتيةٍ كمثل مكرمة مادية (زايدْ خيرْ ) من أحد المسؤولين أو أحد المتبرعين من أصحاب السلطة والمال الباحثين عن الأجر والثواب أو اللاهثين خلف الشهرة والظهور بمظهر التقي الورع السخي الكريم المهموم بمعاناة الفقراء والمحتاجين! أو المساعدة من الفضائية المعنية لدعاية خاصة لها مثل معالجة المرضى والمعاقين والمشوهين، وتقديم الهبات المالية بالدولارات الأمريكية، أو الأموال العربية التي تنهال مساعدات، بالتأكيد ليست لوجه الله!
 
وقد يكون الكثير من هذه الأمور مرتبة من قبل الفضائية العارضة نقداً للحكومة والنظام الجديد أو تعريضاً بهما، فلا فرق! ففي الحالتين العراقيون شكّاؤون بكّاؤون!

ومن سمات الفرد العراقي المتأصلة في عمق النفس والتاريخ هو الحزن المرافق حتى في الأغاني التي تمتاز بمسحة الشجى والألم . ولذا حاول البعض تلمس الأسباب الكامنة وراء هذا الحزن والتشكي.

لا شكّ أن للتاريخ وأحداثه الجسام التي مرت بالعراق بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي اثره في أن يتحلى العراقي بهذه السمات، فتجر في أثرها ملامح الشكوى والبكاء في حياته عامة، فتنعكس على بنيته الثقافية لتتأصل في الذات فتغدو صفة ملازمة لا تنفكّ عن تكوينه النفسي، فتصبغ حتى ملامح وجهه بآثارها. وتجرّ في أذيالها أيضاً سمة العنف والحدة والغضب التي يعرف بها العراقيون، حتى في تعاملهم اليومي مع الناس.

لستُ هنا في مجال البحث العلمي والتاريخي عن الأسباب الكامنة خلف هذه الظاهرة المميزة للفرد العراقي، فهذا شأن الباحثين الاجتماعيين والمؤرخين المتخصصين وعلماء النفس. لكننا لا نستطيع أن ننكر أن للتاريخ والجغرافيا أثرهما الكبير في تشكيل وتلوين نفسية الفرد وتكوين ثقافة المجتمع بسماتهما وآثارهما.

لقد مرّ العراق في تاريخه الممتد الى عمق الزمن بالكثير من الأحداث الكبيرة والمؤثرة والدموية من حروب وغزوات وانقلابات وحكام طغاة، من ايام الآشوريين وحتى العصر الحديث، ومن الاسكند المقدوني مروراً بغزوات بلاد فارس، وحكم الأمويين والعباسيين والبويهيين والسلاجقة، وغزوات المغول والعثمانيين والصفويين والانجليز وآخرها الأمريكان والايرانيين، والحبل على الجرار!

اضافة الى الحكام الطغاة، من عبيد الله بن زياد الى الحجاج  القائل في أول يوم يدخل فيه العراق:

أنا ابنُ جلا وطلاع الثنايا... متى أضع العمامةَ تعرفوني

ونعرف جيداً ويذكر التاريخ ماذا جرى بعد أن وضع عمامته!

ثم واقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين ع وأهله وأصحابه بتلك الطريقة الوحشية البشعة التي تنم عن مدى القسوة والحقد والبعد عن القيم الدينية والانسانية، وهو أحد الأسباب الرئيسة التي صبغت المجتمع العراقي بصبغته الحزينة الباكية حتى الأبد.

أما غزوات العثمانيين والصفويين في صراعهم على حكم العراق فقد جلبت معها الويلات الكثيرة والدماء الغزيرة، قتلاً وتدميراً على الهوية المذهبية. اضافة الى الفقر والجهل ونهب المال والأمراض كالطاعون الذي اجتاح العراق مرات وخلال قرن واحد وهو القرن التاسع عشر.

أما في العصر الحديث فاحتلالات وانقلابات دموية وحروب عبثية راح ضحيتها الألوف المؤلفة من القتلى والجرحى والمشوهين والمعاقين الى جانب التدمير للبنى التحتية ولنفسية الفرد العراقي. فخلّفت الأرامل واليتاميى والأيامي والفقر والتخلف والجهل والمرض، وآخرها أمراض العصر بسبب استخدام الاحتلال الأمريكي لمختلف أسلحة الدمار الحديثة ومنها اليورانيوم المنضّب. فقضت كل هذه الأحداث الجسام على خيرة شباب العراق المتفتح للحياة ومن كل اختصاصات العمل والمهن التي يحتاجه البلد.

فبالتأكيد كل هذا التاريخ الزاخر بالحروب والدمار والموت سيخلق فرداً شاكياً باكياً مستجدياً كئيب المنظر عنيف المظهر شديد الجوهر.

ولكنْ يبقى السؤال:

حتامَ هذه الشكوى والبكاء والمرارة الاستجداء؟
أين دور الفرد والمجموع في مواجهة المعاناة والصعاب وأسباب الداء؟
وأين يكمن الدواء ؟ وكيف الشفاء؟
ماذا فعل الفرد العراقي للخلاص من هذا الشقاء؟

وقد قال الشاعر أبو القاسم الشابي:

إذا الشعبُ يوماً أرادَ الحياةْ .... فلابدَّ أنْ يستجيبَ القدرْ

بمعنى أنَّ إرادة الشعوب تخلق أقدارها وأمانيها وأهدافها. أي أن من مهمات الشعوب البحث بنفسها عن طرق خلاصها من قيودها ومعاناتها. فأين دور الشعبب العراقي في مواجهة كل ما يتعرض له من صعاب وأزمات ومعاناة معيشية وسياسية؟

يبدو أن شعبنا قد تعلم أن يطلب من خلال الشكوى والبكاء لا أن يأخذ بيده حقه ويستحصل أمانيه بما يمتلكه من أدوات. الشعوب تخلق أقدارها ولا يصنعها غيرها، حاكماً كانَ أم غازياً!

فحتامَ يبقى العراقيون شكّاؤون بكّاؤون؟!

وقد قال الشاعر العربي القديم:

أعلّلُ النفسَ بالآمال أرقبُها ... ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ


كما قال الآخر:

لا تنفع الشكوى الذليلةُ والبكا .... وضراعةُ الأطفالِ والضعفاءِ


الخميس 6 أغسطس 2009   




121
لا ثقة في السياسة الأمريكية، الاتصالات مثالاً
عبد الستار نورعلي


ذكرت الأنباء وأكّدها الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية أنّ هناك اتصالات أمريكية تجري سراً في تركيا مع القوى المسلحة من خلال ما يسمى بالمجلس السياسي للمقاومة العر اقية الجامعة لها والمعادية للعملية السياسية الجارية في العراق تحت عنوان مقاومة الاحتلال وعملائه. وقد قوبلت هذه الاتصالات بعد كشفها برفض واحتجاج من الحكومة العراقية والقوى الرافضة لدخولها في العملية السياسية، لاتهامهم إياها بأنها وراء العمليات التفجيرية ضد المدنيين العراقيين والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء رجالاً ونساءاً وأطفالاً وشيوخاً والذين لا ناقة لهم ولا جمل في كل مايجري ، فقد كانوا يعانون في ظل النظام السابق ولا يزالون. لا خدمات، لا كهرباء، لا ماء، لا عمل، لا إعمار، بل نهب وسلب عيني عينك وفي وضح النهار!

ويقال أن هذه الاتصالات تجري مع اركان من نظام صدام حسين لادخالهم في العملية السياسية، وبخاصة من الضباط الكبار في قوى الأمن والمخابرات والجيش. وتعليقاً على اعتراض رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على هذه الاتصالات في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة أجاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنهم سيأخذون عليهم عهوداً بنبذ العنف والقبول بالعملية السياسية الجارية!!

في رأيي أنه لا يجوز لأحد أن يحتجّ على الولايات المتحدة الأمريكية لما تقوم به من خطوات متقاطعة مع اتجاهات النظام العراقي الحالي، لأنها تضع مصالحها في الدرجة الأولى وعلى اساسها تخطو وتتحرك. فما تقوم به اليوم ما هو إلا محاولة لتسهيل انسحابها بهدوء من العراق ولقناعتها على ما يبدو أن أحد مفاتيح الأمن الأساسية في أيدي هؤلاء الذي يعارضون ويقاومون بالسلاح حتى لو كان الضحايا من المدنيين الأبرياء، لأنهم يؤمنون بأنّ الغاية تبرر الوسيلة، وهم يجهدون في الوصول الى أهدافهم بالعودة الى السلطة بشتى الوسائل ومنها نشر الموت والفوضى.

إنّ أمريكا هي  التي احتلّت العراق وأدارته وتديره بحسب أجندتها الاستراتيجية والتكتيكية. وقد تحمّلت من أجل ذلك تكاليف الغزو والحرب والعنف والصراع الطائفي التي أعقبت الاحتلال مادياً وبشرياً بشكل كبير أثّر على سمعتها دولياً وأمريكياً داخلياً فأبعد الحزب الجمهوري عن ولاية أخرى في الحكم. لذا فهي تتحرك وفق ما تراه في مصلحتها ويصبّ في أهدافها.

كما أنه اختلّت سياساتها وتخبطت داخل العراق بسبب العنف الذي واكب الاحتلال، سواءاً من مؤيدي النظام السابق وأجهزته أم من تنظيم القاعدة والأجندات الخارجية المحلية والدولية المعارضة للدخول الامريكي الى العراق بسبب تعارض ذلك مع مصالحها وتأثيره على أمنها القومي، أو لشعورها بالخطر القادم اليها والمحدق بها على حدودها مباشرة، سوريا وايران مثال واضح.

للولايات المتحدة الأمريكية كما هو معروف مصالحها الاستراتيجية، وهذه مسألة طبيعية لدولة عظمى وحيدة في العالم ولغيرها، ووفقها تتحرك تكتيكياً لتأمينها والوصول الى تحقيقها. فمن مصالحها الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية هي السيطرة على منابع البترول والاقتراب من حدود التنين الصيني الذي يحدّ أسنانه ويشحذ مخالبه لمستقبل قادم في الضد من المصالح الأمريكية، هذا الى جانب روسيا والهند وايران. وكذلك من ضمن اجندتها الاستراتيجية في عملية احتلالها للعراق وتواجدها في منطقة الشرق الأوسط هي حماية اسرائيل.

هذه المصالح هي التي قادت امريكا الى غزو العراق واسقاط نظام صدام حسين وتصفية صدام ذاته وحاشيته القريبة جسدياً لإبعادهم كلياً عن المسرح السياسي حتى لا يشكلوا خطراً مستقبلياً عليها وعلى الموالين لها في المنطقة، فبقاؤهم على قيد الحياة يشجع أنصارهم في المضي في المقاومة المسلحة لاعادتهم الى الحكم، مما يشكل خطراً على استراتيجيتها في المنطقة وتحكمها في مسار الأحداث وتسييرها وفق مصالحها القريبة والبعيدة. ولذا بدأت بالتحرك وفق ما يحدث على الأرض. فتبنت الدعوة والعمل على مشاركة السُنّة في العملية السياسية التي بنيت على اساس محاصصي طائفي وقومي مما جعل الحكم بيد الشيعة لكونهم الأغلبية الى جانب الأكراد. فاعتبر السنة العملية جارية ضدهم لتهميشهم والانتقام منهم بسبب ما لحق الشيعة والكرد خلال فترة حكم صدام حسين من خلال تحميلهم وزر جرائم ما جرى ضدهم خلال تلك الفترة. وعلى هذا الأساس جرى ما جرى من عنف وقتال طائفي وتدمير وارهاب ومفخخات ومليشيات مسلحة وفرق اعدام، حتى وجدت امريكا نفسها حقاً في مستنقع مأزوم من كل الأطراف، كان سيقودها حتماً الى تورط يصعب عليها الخروج منه، فيخرّب كل ما ادعته بنشر الديمقراطية في المنطقة من خلال بوابة العراق ليكون مثالاً يُحتذى. فإذا به مثال على التخريب والدمار والموت والفساد واللصوصية جهاراً نهاراً.

ترى الولايات المتحدة الآن أن مصالحها تقتضي مفاوضة كبار أركان النظام السابق وقادة حزب البعث لتأمين ما تراه من نشر الأمن بسبب خبرة هؤلاء الطويلة في هذا المجال، وذلك من خلال العمل على انضمامهم الى العملية السياسية تحت يافطة ما يسمى بالمصالحة الوطنية، فتخرج أمريكا بماء وجهها. اضافة الى الضغوط التي تتعرض لها من قبل أصدقائها العرب وبخاصة السعودية والأردن، مثلما تقول الأنباء أنهما وراء هذه الاتصالات ومعهما تركيا.

ويعتبر الكثيرون أن في هذه الاتصالات والمفاوضات تمثل خطراً على العملية السياسية في العراق، إذ يبدو في نظرهم أن الولايات المتحدة الأمريكية تخطط لعودة البعثيين بقوة لادارة الحكم من خلال مشاركتهم الفعلية والفاعلة، الى حدِّ أن البعض يتوقع انقلاباً عسكرياً يعيد الأوضاع الى ما قبل التاسع من نيسان 2003 . وأظن أن هذا ليس مستبعداً. فتاريخ امريكا في العالم يثبت صحة هذا الهاجس والخوف من القادم من أيام. فالذي معها اليوم، صديقاً أم حليفاً أم عميلاً، سائراً خلفها واضعاً كلّ أوراقه بيدها  سيجد نفسه غداً عارياً عن المساندة مكشوفَ الظهر مطارداً مطلوباً رأسُه!

وسواءاً رضيت الحكومة العراقية وغيرها من القوى المعارضة لهذه الاتصالات أم لم ترضَ، فإنّ أمريكا ماضية في اتصالاتها، وإذا اتفقت مع فصائل القوى المسلحة وكبار قادة البعثيين فإنها ستفرضهم على العملية السياسية فرضاً، لأنها فعلياً هي صاحبة القرار والإدارة والآخرون ماهم إلا خيّال مآته، وعلى نظرية (لك الإمارة ولنا الإدارة)!

ومما يحزُّ في النفس أنّ البعض من الكتاب العراقيين الذين يعتبرون أنفسهم مفكرين ومحللين سياسيين يقرأون ما خلف الأحداث وما أمامها لا يزالون يعبّرون عن ثقتهم بأمريكا وسياستها في العراق ضاربين مثالي اليابان وألمانيا في تكرار مملّ ناسين أو متناسين الفرق الكبير بين هذه الشعوب والشعب العراقي وظروف كل بلد وأمة. فيكيلون للولايات المتحدة ورئيسها السابق بوش آيات الثناء والتمجيد والشكر والعرفان بالجميل لأنها خلّصتهم من أعتى ديكتاتورية وأقمع نظام. وكأنها اسبغت علينا النِعَم والأمنَ والأمان والعيش الرغيد ففتحت لنا أبواب الجنة واسعةً وإننا فيها لناعمون مرفهون! غافلين أو متغافلين عن تاريخها المليء بالعِبر البغيضة والتحركات السوداء التي دفعت الدول الصغيرة الفقيرة والشعوب الضعيفة المقهورة والفقراء منها ثمناً باهضاً لسياسات البلطجة وتمزيق عرى الشعوب والبلدان، واغراق العالم في الفوضى والرعب وبين فكي الارهاب والفساد والمافيات والتدمير والموت وتعليم السياسيين كيف ينهبون ويسرقون وهي تغضّ الطرف عنهم، بل وتوفّر الحماية لهم وتهرّبهم من وجه العدالة والمحاسبة القانونية، وكل ذلك بدعاوى نشر الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وتخليص الشعوب من الطغاة والعبودية.

وهناك أمثلة لدول ديكتاتورية وحكام طغاة وقتلة وأنظمة شمولية، للولايات المتحدة علاقات طيبة معها بل واستراتيجية، فتسكت عما يجري داخلها من قمع وظلم واضطهاد، مع ذرّ الرماد في العيون باصدار نقد هنا ووثيقة انتهاك حقوق الانسان هناك.
فيا تُرى هل تحولت هذه الأنظمة الى حضارية مدنية ديمقراطية ترعى حقوق الانسان وتنشر الحرية والرخاء ؟!
إنّ هذا كيل سياسي بمكيالين، ورؤية متعمدة بعين واحدة، وتعامل بحسب المصالح في كل منطقة ودولة.

الذي يحرّك الولايات المتحدة الأمريكية كما غيرها من بلدان العالم هي مصالحها لا سواد عيون الشعوب المضطهدة، وحين تقتضي هذه المصالح تضرب عرض الحائط بكل تعهداتها وكلّ من يقف في وجهها حليفاً كان أم عدواً. والأمثلة كثيرة معروفة في العالم، لاحاجة لاعادتها.

فالذي يجب أن يتوجه الاحتجاج اليه هم من دفعوها الى هذا الموقف بمواقفهم وسياساتهم الجاهلة المتخلفة المدمرة وغير المبنية على مصالح شعبهم ووطنهم، والذين فسدوا وأفسدوا ونشروا الفساد وسرقوا المال العام في وضح النهار دون حساب أو رقيب، وتفرّغوا لمصالحهم الذاتية والحزبية والسياسية والطائفية والقومية والفئوية دون أدنى اعتبار للناس ومعاناتهم، وفي مقدمتها الثقة بالسلطة من خلال توفير الأمن والخدمات والاعمار. فأثبتوا بذلك فشلهم في الحكم وخطرهم على شعبهم وعلى غيرهم، لذا توجهت الولاايات المتحدة الأمريكية صوب معارضيهم من مؤيدي النظام السابق من بعثيين وغيرهم، والذين ينتظرون الفرصة المواتية حتى من خلال المصالحة والديمقراطية للانقضاض عليهم شرَّ  انقضاض.

وإنّ غداً لناظره قريب!

عبد الستار نورعلي
السويد
الأحد 26 تموز 2009   



122
الشاعرة نعيمة فنو وتشكيلية الشعر

عبد الستار نورعلي


يدخن أصابعه          
محشوة بشهوة النساء          
للدخان مسام كوجه قبر          
جسد كفزاعة "مارلين مونرو"          
يدخن          
ينتشي          
وينتشي          
وينتشي          
تتدحرج جمجمته فوق كومة السجائر المحترقة          
يعود القهقرى          
ليرجم شيطان أفكاره بسِجِّيلِ عينيه          

بهذه اللوحة الفنية التشكيلية المرسومة بالكلمات تبدأ الشاعرة المغربية الشابة نعبمة فنو قصيدتها (عينان في جمجمة).  صورة مُشكلة بتعددية مَناظرية نبصرها بالذائقة والتلقي والاحساس والمخيلة لا بالبصر. لو حاولنا تجميع الصُوَر المخطوطة بريشة الحرف لخرجنا بلوحة تشكيلية توحي الينا بما خلف كواليسها من الأجواء النفسية التي صبغتها ببصرية الشاعرة الموغلة في زوايا الذات لتستخرج بالتخييل والبحث مكامن الاحاسيس التي اضطربت في صدرها:

رجل جالس يدخن، الصورة مقلوبة فالأصابع هي السيجارة لأنه يرفعها الى فمه كل لحظة وكأنه يحتسيها دخاناً بدل السيجارة. هذه الإصبع (السيجارة) محشوة بما يشتعل في داخل الرجل من شهوة للنساء. الدخان مثل وجه القمر، اي نرى وجه قمر مرسوم بالدخان الطالع من أنفاس المُدخِّن المتأمل المفكر بالنساء تدفعه رغبة ذكورية . يخرج من بين تلافيف الدخان المتصاعد جسد في رشاقة جسد مارلين مونرو معبّأ باثارة الشهوة في جسده المحترق مع احتراق السيجارة، جمجمته المليئة بأسئلة الرغبة والاشتهاء واستفهامات النشوة ورغائب الجسد تتدحرج فوق أعقاب السجائر المحترقة باحتراقه وهو ينتشي وينتشي وينتشي، في تكرار ينبض بصورة اللحظة الاستغراقية لمشتهٍ يشتعل بالرغبة الجامحة للنساء، وهو يدير عينيه مستغرقاً في جسد مُخيّل ممشوق مثير كجسد مارلين مونرو المياس المتمايل. وهنا مجاز يخترق ذائقة المتلقي ليأخذه في الحالة المثيرة للصدمة والاندهاش وحرارة التجربة المُعبَّر عنها باحساس الشاعرة المتألق بلحظة الخلق الابداعي وبمهارة الفنان المتمكن من أدوات الفن الجميل الصادم للمتلقي، فحين نسمع بكلمة (الرجم) وكلمة (سٍجّيل) والشيطان يجتاحنا الاحساس بشدة وقسوة الحالة وسوء المُفكًّر به والمرغوب فيه.

إننا أمام لوحة غنية بصُوَر شتى مرسومة بالحرف منقولة من البصرية الرؤيوية الى المحسوسة بالرؤيا ومن خلال فيض المشاعر والقلب والروح والمعايشة الداخلية: رجل، سجائر محترقة، اصابع مقضومة صفراء من كثرة التدخين، دخان على هيئة جسد امرأة ممشوق القوام، جمجمة متدحرجة فوق أكوام أعقاب السجائر، عينان تتطلعان كعيني شيطان بحثاً عن اشباع رغبة جامحة منطلقة من خلال العينين ودخان السجائر.

وتستمر الشاعرة الماهرة في قصيدتها بالتقاط البصريات لنقلها من التشكيلية البصرية المرسومة بالريشة والألوان الى التشكيلية الشعرية المُلتقطة بالأحاسيس:

عيني اليمنى بِركة
واليسرى حجر
أنفاسي ريح
لعابي مطر
وجهي ورقة من مؤلف البشر

تنقلنا الشاعرة من لوحة الى أخرى، ومن لغة الضمير المستتر الى المتكلم، والحالة واحدة تصوّر ما يجيش داخل النفس من ارهاصات ومشاعر ورغائب تلقي صاحبها بطل اللوحة في أتون الرغبة الجامحة المحترقة بنار الشهوة: أنفاسه ريح، والريح حالة توحي بجموح واضطراب وعصف وقصف، ولعابه مطر أي هطول بكل ما في الرغبة من اشتهاء يُسيل لعابَ المشتهِي والمُشتهَى، ووجهه سِجّل لما يثير في نفس كلّ البشر من لحظات الرغبة الانسانية في الجنس الآخر. وهي نزوة ترجم شيطانَ الأفكار الرغائبية المنفلتة من الحس الجسدي بحجارةٍ من سجِّيل العينين. هي لوحة تكميلية ايضاحية تضعها الشاعرة أمامنا بجانب الأولى.

تستمر الشاعرة التشكيلية نعيمة فنو فتقدم لنا لوحات متتالية في عددية صُوَرية لنتلقّى صدمات كهروحسية وبمهارة فنان يمتلك أدوات الفن التشكيلي بشقيه البصري والبصيراتي، بمعنى عبر الريشة المادية وعبر الريشة الحَرْفية الحسية لتملأ ذائقتنا بخزين ما تمتلكه من موهبة في الجانبين التخطيطي والقراءاتي:

يغازلني النوم
أستلقي
أضع عينيّ تحت الوسادة
كي لا أرى أحلاماً مزعجة

أراقص حلماً
تتهاطل المشاهد موسيقى
تنبت في بقعة الظلام
بنات أفكاري
أسمع قهقهاتهن
لا أراهن
فقد نسيتُ عينيّ تحت الوسادة

صُوَرٌ متتالية تعبّر فيها الشاعرة عن حالة جفاء النوم من شدة كثرة توالي الرؤية المشحونة بالشهوة والرغبة المشتعلة التي تمنع عن عينيه النوم، وهو يجاهد مقاوماً ما يجتاحه من الرغبة بأن يُبعد عن رأسه كل مسببات القلق المانعة عن أنْ يداعب النوم جفونه (اضع عينيّ تحت الوسادة) في اشارة الى غلق نافذة الرؤية عن أشواك الشهوة المثيرة المجافية للنوم.
وتستمر شاعرتنا في رسم لوحاتها الشعرية:

أغلق نافذتي الجمجمة
أسدل الستائر
وأشعلُ شمعة البصيرة

فهي هنا قد نقلت لنا الحالة المعاشة وتجربة الباطن الذاتية في صورة مثل لوحة نراها بالعين المجردة قبل أن نعيشها من خلال الإحساس. إنها تستعير صورةً مادية هي نافذتان للإشارة الى العينين اللتين هما وسيلتا الرؤية، فهما نافذتا الجمجمة مخزن الأفكار والرؤية الداخلية لتنقل اليها الحالة الملتقطة بالانعكاس البصري لتثير المخيلة والمشاعر والأحاسيس. فالنافذتان مفتوحتان تلتقطان كل ما يهيج الرغبة والشهوة الجسدية من خلال الرأس مائجاً بكل ما يضطرب في ذهن بطل التجربة في القصيدة، وهو يريد أن يمتنع عن الاستمرار في التفكير المقلق الذي يجافي النوم عنه من خلال ما يراه ببصره مما يثير فيه مكامن الرغبة الحارقة المشتعلة. فهي تشبه فعل الابتعاد عن التفكير باغلاق النافذتين واسدال الستائر عليهما حتى لا يرى الذي يُـجسده الشيطان أمام عينيه. يغلقهما ليفتح نافذة البصيرة كي يرى بالروح ما لا يراه بالعين المجردة. أي أنه يدخل في ذاته البصيرية بعد أن اشعلته ذاته البصرية بأدرانها ومُشتهياتها. وهذه من تهويمات وتجذيبات المتصوفة الذين يخرجون من جلد الرؤية والجسد الفاني ليدخلوا تحت جلد الرؤيوية اي تشوقات وتجاذبات ووجديات الرؤيا الداخلية الأبدية في ذوبان الذات بالبصيرة.

هكذا تبرز لنا الشاعرة المغربية الشابة نعيمة فنو في قصائدها عموماً تشكيلية في البوح والشدو بالحَرف مثلما هي فنانة تشكيلية في التعبير البصري بالريشة والألوان. وبذا تتميز بهاتين الخاصيتين الفنيتين، وبأنها  كشاعرة موهوبة تحيلنا من اللوحة الفنية البصرية الى اللوحة الفنية الشعرية. أي من الرسم بالريشة الى الرسم بالكلمات. ولو تابعنا عناوين قصائدها لوجدناها أيضاً لوحات تشكيلية: (عينان في جمجمة مقمرة)، (سريالية رجيمة)، (جذور الظلمة)، (من قلب التفاحة الى الجنة)، (محرقة الجياع)، (بيضة في عش الآلهة)، (الموت نحّات فاشل).

إنّ تتبع قصائد نعيمة فنو واستقصاء مداخلها وبواطنها حساً وصورةً يجعلنا نرى أنفسنا أمام شاعرة تتميز بأنها تحيلنا من تشكيلية اللوحة الفنية البصرية إلى تشكيلية اللوحة الفنية بالشعر. انها تبوح بما وقعت عليه العين وعاشه الاحساس المرهف لفنان مقتدر فتنقله احساساً متدفقاً بابداع الفنان التشكيلي والشاعر الموهوب وهي في كلا الحالتين تمتلك أدواتها الفنية بشروطها وقواعدها ووسائلها.

تقول في قصيدة (سريالية رجيمة) وهي تنقل لنا اللحظة الحسية في رداء التشكيل اللفظي المقروء وكأننا أمام لوحة فنية بالقماش والألوان:
 
لنلعبْ
نرتب الأشلاء
نصعد جبل الجثث
من أعلى
سأريكم لوحة سريالية حداثية

وترسم في قصيدة (حبيبتي لملميني) قلباً وجمرةً ومرايا وموجاً وطائرة ورقية وثلجاً وماءاً في لوحة سريالية الأداء لفظاً ، وصورةً مرئيةً بالبصر إنْ تشكلت بالريشة والألوان:

قلبي
علقي قلبي جمرة في كبد المرايا
لتصير موجاً
علقيه طائرة ورقية في مخيلة الثلج
ليبرأ من فوبيا الماء

هكذا هي شاعرتنا الفنانة بلونَي الفنّ: التشكيلي والشعري. هكذا نراها ونقرأها ونشاهد لوحاتها من خلال الكلمات. هذه البراعة والمهارة في فن التعبير التشكيلي بالشعر لا تأتي من فراغ، إنما هي خاصية من عناصر ممارسة الرسم بالريشة والألوان والحذاقة فيه. اضافة الى امتلاك ناصية الفن بشكليهما المشار اليهما وخلفهما موهبة حقيقية وثقافة فنية، مع وعي بكيفية التوصيل والوصول الى المتلقي. وفي الشعر ادراك وفهم عملية النقل بالحرف والتخطيط الجملي في ثوب من الأسلوب المؤثر، مثلما المعرفة بالوسائل اللغوية السليمة متمثلة باتقان العلاقات التعبيرية بين الألفاظ والجمل لايصال المضمون والصورة بأجمل وأوقع شكل متقن يمكن أن تحفر تأثيراتها في الذات المتلقية. وفي استقرائنا للمتوفر من قصائد شاعرتنا نجد عندها سلامة لغوية قدر الامكان، وهو ما نفتقده عند الكثيرين من الشباب المتصدين للكتابة بقصيدة النثر، إذ نجد في نصوصهم خروجاً على قواعد سلامة اللغة بمفرداتها الأساسية الى حدّ معيب محسوب عليهم.

إننا أمام شاعرة شابة تمتلك الموهبة والحس المرهف والمقدرة على ايصال التجربة بصورة تشكيلية فنية مُصاغة باللفظ أتتها من كونها فنانة تشكيلية تعتمد على البصريات في ايصال المرئيات والاحساس العميق بما ترسم والتي هي من الشروط الاساس في عملية الخلق الفني سواءاً كان لوحة أم قصيدة.

إن عملية الخلق الفني مخاض عسير وصعبٌ ومؤلم ومُكلف لفنان يحفر في مشاعره وأحاسيسه ويغرز فيها نصال التجربة واللحظة الابداعية. وهي تحتاج الى شروط ومراحل عدة: أولها الموهبة ، وثانيها التجربة،و ثالثها أدوات التعبير، ورابعها الوعي بفعل التأثير، وخامسها المعرفة والمقدرة على نقل التجربة من المبدع الى المتلقي.

وفي النظر في نصوص الشاعرة نعيمة فنو نلتقي بهذه القدرات الابداعية. إنها فنانة تشكيلية وشاعرة موفورة على الاحساس المرهف تمتلك أدواتها ببراعة مشهودة. فهي في قصائدها تشكيلية بكل ما تحمل وتوحي الكلمة من معنى. فقصائدها لوحات تشكيلية فنية بصرية منقولة الى البصيرية الرؤيوية الداخلية وبالذائقة المتلقية التي تقتنص الصورة لتقع في الدهشة المشبوبة بنار التجربة المرسومة بحذاقة وحِرفية عالية لتلقي بنا في حالة من الصدمة الشعورية. تقول في قصيدة (سريالية رجيمة):

بين صدري والرصاصة
ثديك يتقاطر ملائكة تزغرد
كُفنتُ بضفيرتيك الحمراوين
ودُفنتُ في كفك المحنّى
كيف لا أموت مبتسماً ؟؟؟

إني أحدّق هنا في لوحة دقيقة الرسم عالية الأداء الفني: صدر ورصاصة، ثدي يتقاطر منه ملائكة وهي تزغرد، ضفيرتان حمراوان، كف محنى وميت مبتسم. تعبير بصور متلاحقة في غاية الأداء الفني الناجح، تثير فينا الصعقة والرجفة فهي الراجفة العاصفة الصاعقة الماحقة للمشاعر. إنها لحظة شعرية حسية حبلى بكل مشاعر الرغبة والاندفاع وعنفوان الحس المتفجر من داخل الذات. إنني اجد نفسي أمام عاصفة فنية بكل تشكيلاتها البصرية والحسية في أعلى مقامات الشوق المتفجر بنار الوجد والتقلب على فراش العواطف والرغبات.

وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي أوصلنا الى الشاعرة المتألقة المبدعة نعيمة فنو بكل ما في الابداع من مضمون فني وشروط للكتابة والرسم بالكلمات في تشكيلية شعرية مشهودة بصراً وبصيرةً.


عبد الستار نورعلي
السويد
الأربعاء 3 حزيران 2009  

نعيمة فنو

شاعرة وفنانة تشكيلية. من مواليد الدار البيضاء في الأول من يناير 1971 . تقطن الدار البيضاء، تمتهن التدريس.
نشرت وتنشر قصائدها في العديد من المواقع الصحفية والمنتديات الأدبية والجرائد الألكترونية منها:
جريدة الصباح، بيان اليوم، يومية الناس، المنعطف، مجلة بوح الكلمة الورقية الأردنية، جريدة ألف باء العراقية.
نشطة في مجموعة مواقع أدبية، موقع انانا، دنيا الوطن، مركز النور، دروب، موقع ألف.
شاركت في العديد من الأمسيات الشعرية في مختلف المدن المغربية
أستدعيت الى مهرجانات خارج المغرب: تونس والجزائر ومصر
ترجمت بعض قصائدها الى الفرنسية والانجليزية والاسبانية
شاركت في العديد من البرامج الاذاعية والتلفزيونية
لها ثلاثة دواوين مشتركة مع شعراء من العالم العربي
تتهيأ لاصدار مجموعتها الشعرية الأولى (عينان في جمجمة مقمرة)


123
من الشعر الليتواني ـ مارسليوس مارتينايتيس

ترجمة عن السويدية والانجليزية: عبد الستار نورعلي

استهلال

 مارسليوس مارتينايتيس (Marcelijus Martinaitis ) ولد عام 1936 وهو من كبار شعراء ليتوانيا. شاعر وكاتب مقالة ومترجم. بدأ النشر منذ عام 1955 وأول مجموعة شعرية له صدرت في 1962 (ثلج نيسان). أصدر عشر مجموعات شعرية، وعدداً من الكتب النثرية التي تجمع مقالاته، ومسرحياته، وتراجمه.  وقد ترجمت كتبه الى مختلف اللغات الأوربية. حاز عام 1998 الجائزة الوطنية للآداب والفنون.
تتردد في قصائد مارتينايتيس الرمز K.B. وهو يشير بها الى ذاته إذ يُسقطُ فيه آلامه الروحية مثل: القلق، الخوف، الملاحقة، وهي الاحاسيس التي يحمل أثقالها النفسية منذ أيام الاتحاد السوفييتي.     


•   مُرشَح انتحاري في ساحة المدينة القديمة
شهادة K.B. لدى البوليس


بدايةً كانَ يمكنُ الاعتقادُ
بأنَّ الرجلَ علّقَ ملابسَ على فرع الشجرةِ
كي يُبعدَ العثَّ عنها.

منْ خلالِ النافذةِ المفتوحةِ اجتاحتْ الموسيقى الحديقةَ في الخارج.
على مقربةِ من هناك، منْ غيرِ أنْ يلمحَ أحدٌ من مكانهِ، نقّرتْ حمامةٌ....

قبلَ لحظةٍ رأيتهُ جالساً على مصطبةٍ،
ظننتُ أنه يستريحُ...
مثلُ هذا المشهدِ موجودٌ في محطاتِ المدنِ الريفيةِ.
حينَ ينظرُ المرءُ اليهم يصيبهُ الشكُّ بأنهم يتنفسون.
حينها قرأتْ مارغريتا دانتي بصوتٍ عالٍ لي.
حقيقةً ليس هذا ذا أهميةٍ للبوليس؟
كانَ عليَّ أنْ لا أكونَ متأكداً هكذا....

أخرجَ شيئاً من حقيبةِ يدهِ وأغلقها ثانيةً بدقةٍ
(هكذا يتصرفُ أربابُ العائلاتِ الحريصون)،
ظننتُ أنه سيتناولُ طعاماً...
لكنه تبينَ بعد ذلكَ أنه أخرجَ حبلاً...

استمعتُ الى مارغريتا ـ كنا معتادين أنْ نقرأ خفيةً.
انظرْ إلى طبعةِ الصور.... حديثاً أفلحنا في الحصول على ألبوم.
هل تجاوزتم هذا؟ رجاءاً، يجبُ عليكم
أنْ تكتبوا هذا في البروتوكول!

في أي مكانٍ يوجدُ الانتحاريون الكلاسيكيون؟
لقد وقّعوا على رسائل الاستقالةِ؟
في جيبِ البنطال عُثِرَ على فاتورةٍ فقط!
في التاريخِ كثيرٌ منْ أنواعِ العاداتِ الرتيبةِ المملةِ جداً!
أما أنتم فلا تُثارون مطلقاً من طباشيرَ ملونةٍ في ذائقةِ الانتحاري.....

انظروا، هكذا يُعلِّقُ هناك، كما لو أنه لم يكنْ لأول مرةٍ ـ
بلا توقيعٍ
مع فاتورةٍ ممسوحةٍ في الجيب.

لا في مكانٍ مطلقاً ولا في زمانٍ
تجرّأ أنْ يفعلَ شيئاً بالرايةِ في عُلاها!


•   K.B. والمرآة السرية

نُقلتُ إلى داخل صالةِ مرايا سريةٍ.
بسرعةٍ فائقةٍ ابتدأ الزمنُ ينطلقُ في الاتجاهِ المعاكس،
ليعود ثانيةً بعد ذلك.

رأيتُ أشكالاً تنعكسُ،
تأخرتْ أياماً، شهوراً، سنيناً،
تحوّلتْ الى مادةٍ هناك
كي تتحوّلَ بعدها إلى رمادٍ وغبار.

لقد انعكستْ صورتي عدة مراتٍ،
في لاوجودي.

تمكنتُ أنْ أرى نفسي وأنا أختفي:
مولوداً جديداً، مراهقاً، شاباً،
في بدلةِ جنديٍّ، سويةً مع امرأةٍ،
في سيارةٍ، مع كلبٍ، محاطاً بالمهنئين،
تقريباً مثل الآن، مثلَ أول أمس:
بلا علاقةٍ،
سلسلةً من الفناء الذاتي اللانهائي.

في النهايةِ مصعوقٌ من الزمن الحاضر،
أضحيتُ في المرآة شكلاً
ما عادَ يرى نفسَه.


K.B.  *  ماذا تُسمى هذه الشجرةُ
التي سحقتْ هذا الانسانَ البائسَ


سُحِقَ حتى الموت
منْ شجرةٍ هوتْ بسببِ عاصفةٍ شديدةٍ.

كانتْ الشجرةُ شائخةً، متهرئةً،
جرداءَ من الأغصانِ، وجذورُها يابسةٌ,
جوفاءَ، كانَ للساقِ فروعٌ سوداء،
مع طحالبَ في الجانبِ العلوي،
كانَ لُبُّها منخوراً،
أسلاكٌ شائكةٌ نمتْ في لحائها.
(يوماً ما كانَ يوجدُ سياجٌ هناك).
في الجانبِ الآخر كانَ جزءٌ من الشجرةِ مفقوداً.
من المرجح بسبب حادثِ سيارةٍ.

K.B.  تقدّمَ خلالَ الحشدِ
وبدأ يفكرُ:
ـ ماهذهِ الشجرةُ التي سحقتْ هذا الانسانَ البائسَ؟
ربما هي شجرةٌ بريةٌ؟ لكنْ لا، وليستْ بلوطةً....
ينبغي أنْ أعرفَ،
أوه، من الغباءِ أنْ أكونَ ناسياً ....
عليَّ أنْ أبحثَ في الكتبِ عندما أصلُ إلى البيت.


•   منْ رسالةٍ لـ K.B. إلى الآنسة الشابة مارغريتا

أنتِ، ايتها الحييةُ الرائعةُ!
بنشوةٍ صوفيةٍ أكتبُ إليكِ!
لفترةٍ ليستْ ببعيدةٍ قلّبتُ أرشيفي
وفرزتُ ما سأحرقهُ وما سأحتفظُ به
وما سأنشره بعد موتي (إنهُ حقاً
أنتِ التي ألهمتني كلَّ ما كتبتُ،
يجبُ أنْ يمرَّ زمنٌ حتى يفهمَ جيلٌ جديدٌ
الصراعَ في الحلبةِ!)

لكنْ، ما لأجل هذا أنا أكتبُ.
أنتِ تفهمين ـ
بين الوثائق القديمةِ عثرتُ على رسالةٍ لوالديَّ.
إنهما اللذان هزّاني!
كان من المحتمل أنْ لا أولدَ!
نتاجي التأليفي!
بدلاً مني كان شخصٌ آخرُ يمتلككِ!

أبي ( لم أرهُ أبداً!)
يكتبُ غاضباً إلى أمي الحامل
بأنه من المبكر أنْ آتي الى الدنيا
لأنَّه لا ينتظر  هذا.
إنه يريدُ أن يُرزقَ بطفلٍ يوماً ما!
حين تتوفر النقود!
في أزمانٍ أخرى!

منْ أجل حبهما
وعدتْـهُ أمي،
لكنها لظرفٍ ما حدثَ أنْ لم تُـوفِ بوعدِها.
في الرسالةِ اشتكتْ: إنه قد فاتَ الأوانُ عن هذا.
فوُلدتُ أنا واختفى أبي.

أنتِ، أيتها الحييةُ الرائعةُ!
بدلاً مني كان من الممكنِ أن يوجدَ شخصٌ آخر!
لذا أنا أكرهه!
إني أغارُ من هذا المجهول!

منْ أجل حبنا، أعرفُ، إنه أنتِ فقط
كانت ستلدني دونَ أدنى شكٍّ!


•   معلومات عن استخدام الانسان للأشعار

ليحملْها معه في كلِّ مكان (بدلاً من المسدسات).
فجأةً أطلقْها في وجهِ اللص
حين يطالبكَ بمحفظةِ جيبكَ.
ليُخرجْها على شكل مروحةٍ يدويةٍ في مواجهةِ البعوض
في المساءِ حينَ يجلسُ المرءُ عندَ النهر.

ليملأْ خزانةً، ليُشعِلْ طبّاخاً،
ليلفَّ شطيرةَ زبدةٍ بالجبن،
لييِعْ نُسخاً مُصدَقةً إلى أرشيفِ الدولةِ
وذلك بعدَ أنْ يكونَ المرءُ قد عبّرَ في القصائدِ عنْ
أفكارهِ، جسدهِ وجنسهِ.

ليُفزعْ ناشرَهُ،
ليقتحمْ مكتبَهُ،
ليطالبْهُ بأنْ يحوّلَها فوراً إلى نقودٍ باليد.
بأشعارهِ يدفعُ لعشيقتهِ ثمنَ مبيتهِ عندها.

ليأخذْ أشعارَهُ معه:
قبلَ أنْ تجريَ محاكمتُه، في اللقاء، في مركز البوليس،
في المستشفى.
إنها تساعدُ حتى في مواجهةِ الوحدة،
وهي ملائمةٌ للإعترافات.

لِيمزّقْها إرباً إربا ويصبّها في قهوةِ الناشر.
لِيُسمّمْ بها الماءَ
الذي يشربُهُ جابي الضرائبِ.
لِيُملِّحْ بها شريحةَ لحمٍ مقليةً لناقدٍ،
فجأةً لِيُدخلْها خلفَ ياقةِ قميص موظفِ البلديةِ.

لِيقرأْ عالياً،
حين يسمعُ الكلبُ تحتَ المائدةِ بتركيزٍ أكثرَ
منْ مربيتهِ:
الشعرُ أسلوبٌ جيدٌ في تهدئةِ الكلاب.
الكلابُ تنبحُ فقط على الذين يأتون والذين يذهبون.


•   أنا مُتهَمٌ

المرأةُ التي كانتْ جالسةً بجانبي
تُغيّرُ مكانها، وآخرٌ يتحوّلُ منْ مكانهِ
حتى لا أتمكنَ من النظرِ اليها.
عابرُ سبيلٍ يختفي في الظلامِ حينَ سألتهُ عن الطريق.
قطةٌ تقفزُ بسرعةٍ فوق الشارعِ،
على المرجِ الأخضرِ يقفُ حصانٌ على حافريهِ الخلفيين،
نحلةٌ تطيرُ مارةً، فراشةٌ، فأرٌ يختفي كالبرقِ في الطريق.
السنجابُ ينظرُ منْ أعلى الشجرة
كما لو كنتُ فائضاً عن الحاجةِ.

لديَّ كلُّ وثائقي الشخصية، أنا لم أعاقَبْ،
بلا مسدسٍ، بلا أفكارٍ تقريباً.

طفيلياتٌ فحسب، كلُّ أنواع الحشرات،
ذبابٌ وديدانٌ تزحفُ على وجهي،
تنفذُ إلى فمي، أنفي،
تشربُ منْ دمي.

كلما برزتُ، يختفي أحدهم، يمضي في طريقهِ،
يحدّقُ بشكٍّ، يتسمعُ، يتنكرُ، يصمتُ:
كما لو أنَّ بمقدوري القبضَ عليهم،
ألقي بهم أرضاً، أجهزُ عليهم.

أنا متهمٌ بأني جزّارٌ،
مُغتصِبٌ، منسقُ نباتاتٍ،
سكرانٌ، حادُّ المزاج، مانيكير، نشّال،
مُعذّبُ حيوانات، جنين مشوّه، عميلٌ سابق،
هارب.

من غير الممكن التوضيحُ لهم
بأنه عليهم أنْ لا يهربوا، وعليهمْ أنْ يتدجّنوا، يُسايروا،
يُعلّموا، يُطعموا.

وبالنسبةِ للحيواناتِ، والنحلِ، والنساءِ،
لا يعني شيئاً أنْ تكونَ لي وثائقُ شخصيةٌ،
أقرأ الكتبَ المقدسةَ، أستغرقُ في الشعر،
أسدِّدُ ديوني في وقتها، أدفعُ الضريبة،
أحبُّ أخي الانسانَ ليس أقلَّ من نفسي.

وهكذا أحملُ  معي دَيناً مجهولاً لكلِّ الأحياء،
كلِّ الذي يولدُ ويموتُ، كلِّ الذي يغني،
يحزنُ ويتعذبُ:
أينما أتوجهُ يصبحُ كلَّ شيءٍ فراغاً فحسب ،
مثلَ مراعي العشبِ التي يقضُمها الشيطان.



124
قراءة في (عالمٌ... هي موجتي)
للشاعر علي عصام الربيعي

عبد الستار نورعلي



 في زحمة ما يُنشر من نصوص شعرية مما يُسمى بقصيدة النثر وبتضخم  لدرجة التخمة النشرية المَرَضية نلتقي بالقليل من النصوص التي تأسرنا بأجوائها الشعرية وبسلاسة وانجذاب وحبٍّ منْ أول نظرة، وبدهشة معبأة بالذوبان في فضاءاتها المثيرة للتلقي الجميل والمؤثرة في الأحاسيس والمخيلة، فنكتشف أنّ خلفها موهبةً أبدعت وشاعرية خلقت وقدرةً على السير بثبات في عالم الشعر الواسع إنْ توفرت الإرادة المصقولة بالشروط الثقافية والأدبية والفنية المفترض توفرها فيمن يرى نفسه شاعراً مصراً على ولوج هذا العالم السحري الواسع الميدان.

من هذه القصائد التي أتيحت لنا فرصة قراءتها وعلى موقع النور الألكتروني على شبكة النت بتاريخ الأول من مايس 2009 قصيدة الشاعر العراقي الشاب علي عصام الربيعي الموسومة (عالمٌ... هي موجتي).

وللحقيقة عليَّ الاقرار بأنّه لم يسبق لي أنْ قرأت نصاً للشاعر علي الربيعي ، لكنني شعرتُ بهزة شعورية أسرتني فاثارت انتباهي منْ أول قراءة للقصيدة والدخول في فضائها شكلاً ومضموناً ولأكثر من قراءة، مما أثار دهشتي واهتمامي فأمتعنتني قارئاً متلقياً أولاً ومهتماً بالشعر ثانياً. وهو الذي دفعني لأخطَّ تعليقي عليها في صفحتها ومنها مايلي:

"ما دام العراق زاخراً بشبابه المتدفق حماسةً وثقافة وأدباً يبقى مفرخاً للشعراء وكنزاً للحرف المشع بنور الروح المتألقة بوجع التاريخ. والتجديد في الشعر جاء من العراق قديماً وحديثاً، وسيظل فيه الشعراء بعدد نخيله.
قصيدتُك الجميلة المتوشحة بالنثر مركزُ اهتمام ذائقة المتلقي الخبير بفن القول، استخدامك الموفق في الصور المثيرة للدهشة والمعتمدة على اقتباس مجازات وتشبيهات من صورة الى صورة أخرى عملية شعرية تتسم بالحداثة وهو ما اسماها البعض بالمجاز المقلوب
( عن ظهر جرح ) (لدي من الغبار ..ما يؤرخ لابتعادك)..."


إنّ أولى مسلمات الابداع في قصيدة النثر هو الخروج على المألوف الشعري الشائع المتوارث من التشبيهات والمجازات والصور التقليدية والمضامين التي ظلت تطوّقُ القصيدة العربية بظلالها وقواعدها المتوارثة، وإن خرجت القصيدة الحديثة من أسر تقليديتها الصارمة بتشكيلاتها المنهجية المستندة الى قواعد وشروط ثابتة ومن خلال حركات التجديد فيها سواءاً في الشكل أم في المضمون مثلما كان عند رواد حركة الشعر الحر (شعر التفعيلة) المحافظة على الأوزان مع التلاعب بمتساوياتها العددية، وهو ما نلاحظه في اختلاف طول الأبيات وعدد التفعيلات مع تنوع القوافي. كما أنّ قصيدة النثر كما هو معروف هي تجاوز ايضاً لشعر التفعيلة بمضامينها التي دارت ضمن أطر التعبير عن أيديولوجية الشاعر الخاصة لتدخل في دائرة مواضيع جديدة في التناول مرتبطة بالحياة اليومية أو بارهاصات ووجديات روح الشاعر الذاتية.

وبذا يمكن النظر الى قصيدة النثر على أنها خروج من رحم الشعر الحر ( شعر التفعيلة) وتجديد آخر في شكله ومضامينه وابتعاداً عن أدلجة الشعر، ثم تجاوز لآخر رباط بالقصيدة الكلاسيكية وهما الوزن والقافية.

وفي قصيدة علي عصام الربيعي هذه نجد هذا التناول الفني (قصيدة النثر)، اختياراً منه فناً في الابداع والتعبير. هذا الاختيار مستند الى فهم العملية الشعرية بإطارها الحداثي، والنابع بالتأكيد من مطالعات لنصوص هذا اللون الشعري، وتأثر جليّ بها وبفنها التعبيري شكلاً ومضموناً. وهو الطاغي على المشهد الشعري العربي راهناً بين أوساط الشعراء الشباب، وحتى الشياب، لأنه كما هو معلوم برز في أواخر خمسينات القرن العشرين على مسرح الشعر العربي فناً متجاوزاً حداثة الشعر الحر متأثراً بمدارس الشعر الغربي، وذلك من خلال شعراء مدرسة مجلة (شعر) اللبنانية التي أصدرها يوسف الخال عام 1957 والذي نظّر لها في محاضرة قبل صدور المجلة بفترة قائلاً بأنه يجب:
"تطوير الإيقاع الشعري العربي وصقله على ضوء المضامين الجديدة. فليس للأوزان التقليدية أية قداسة."

في الدخول في عالم قصيدة الشاعر علي عصام الربيعي نتلمس هذه الملامح من قصيدة النثر التي اختارها شاعرنا فناً ابداعياً تعبيرياً يترسم خطاه وبوعي ملحوظ داخل بنية القصيدة شكلاً ومضموناً. فهو لا يلهث خلف الايقاع المُنَغّم بالبحور الشعرية الخليلية. كما أنه يتوجه نحو الانقلابية البلاغية بحداثتها، فيستعير مجازات تقليدية ليُغيّر قاعدتها الشرطية ومنهجيتها التراثية في البلاغة القديمة الى صورة جديدة من الأداء الفني التعبيري ليضيف جمالية شعرية تهزّ الذائقة المتوارثة بطعمها المعتاد على تلقي القصيدة بصورها وشروطها مثلما وردتنا تراثياً فألفناها واعتادت ذائقتنا عليها، بحيث أن الكثيرين لا تستطيع آذانهم ولا عيونهم أن تتقبل غيرها أو تحس بها فتعترف بشعريتها.

مثلاً استعار شاعرنا الشاب الربيعي التعبير المجازي المتداول في الحياة اليومية (حفظ عن ظهر قلب) والمقصود به الثبات والترسخ في الذاكرة لجملة أو كلمة أو تعبير أو صورة ، وهي تضرب كثيراً في حفظ النصوص المكتوبة، فهو يقول في جانب من القصيدة:

فشواطئي ما زالت تحفظ همك عن ظهر جرح

ويعني بذلك أنه ما انفكّ ملتصقاً بذاكرته يحفظ جيداً همومَ المُخاطَب بقصيدته وباستعارته للتعبير المذكور (يحفظ عن ظهر قلب) واستخدامه في الجرح (عن ظهر جرح) بدلاً من قلب، وهو بذلك يشير الى ترسخ الهموم والجراح ودوامها واستمراريتها في النفس، مثلما استعار مجازاً الشواطئ عن الانسان الذي هو الحافظ عن ظهر قلب، والشواطئ هنا دلالة البصر في التطلع والنظر الى البعيد لرؤية الهموم ومعايشتها بسعة وجريان النهر وعمق البحر. وبذلك يعطي المضمون زخماً شعرياً مؤثراً في التصوير والاحساس المشوب بجرح الانتظار، فإن الجرح النابع من طعنات الهم يظلّ نازفاً لا يتوقف نزيفه فهو محفوظ منحوت في النفس والذاكرة.
ويستمر الشاعر في مجازاته الحداثوية وبحس شعري ملموس ومقتدر قائلاً:

لديّ من الغبار .. مايؤرّخُ لابتعادك

الغبار يُعاملُ هنا وكأنه كائن حيٌّ يؤرّخ مثلما يؤرخ الانسان، فقد اقتبس الشاعر التأريخ من البشر ليضعه في مكتبة الغبار. وهو هنا يرمز الى أن الأرض وذرات ترابها هي التي تؤرخ لتلك العلاقة الحميمية بين الانسان وأرضه لأنّ هناك توحداً روحياً بينهما. والغبار هنا أيضاً يوحي للقارئ والسامع بالعاصفة والرياح لأنها هي التي تثير الغبار المتصاعد في الجو ليضرب وجه الانسان فيلتصق به ربما في حميمية لعمق العلاقة، لكنه مع ذلك يتصاعد محدثاً اختناقاً في الأنفاس. وهو هنا يريد أن يقول بأنه يحمل الهم مثل الغبار الخانق، هذا الغبار الذي يسجل مؤرخاً لمعاناة الشاعر واختناقه، في ذات الوقت الذي هذا الغبار هو نتاج الرياح العاصفة بالأرض الأم التي يأتي منها الشاعر نفسه. وبقراءة أخرى فإن معاناة الشاعر وجرحه نابعان من معاناة وجرح الأرض وانسانها.

وفي استعاراته من التعابير المألوفة في تراثنا اللغوي البلاغي يستخدم أيضاً ما تعودنا على استخدامه للدلالة على شدة القرب وهو التعبير الشائع (قاب قوسين أو أدنى) فيقول:

كنتَ قابَ متاهتين من احلامك

فهنا يريد أن يضعنا الشاعر في صورة وواقع أنّ أحلامه كانت أوهاماً ومتاهات غير مأمونة ولم يستطع تحقيقها، أو حتى الأمل والتفكير والاصرار على الوصول اليها. فهو كما نقرأ استعار صورة مجازية متوارثة مألوفة لدى المتلقي ليقلبها فيضعها في صورة أخرى جديدة غير مألوفة على الأذن العربية (قاب متاهتين).

ويمضي شاعرنا المتألق في قصيدته وبمجازاته المنقلبة وباحساس عالٍ ورقيق مثير لمعايشتنا أجواء لوحة القصيدة بانسياب سلس غير معقد الإطار والتلوين واللغة المتلاعبة بالشكل الذي يُلغي من المتلقي وعيه واحساسه بالصورة المطلوب ايصالها اليه. يقول الربيعي:

حاولتَ كثيراً
أن تتقمص موجك

وهنا استعار التقمص الذي يُستخدم للأرواح (تقمص روح) فأضفاه على الموج، بمعنى أنه يريد أن يقول للمخاطب، وأغلب الظن أنه ذاته، يريد أن يقول بأنه جهد في تقمص الموج أي أن يتصف ويتشرب بالاندفاع والتلاطم والعنفوان داخل نفسه.

ويمضي بنا الشاعر علي عصام الربيعي داخل فضاء قصيدته المعبرة بحرارة وشاعرية ورهافة حس عالٍ مع الهموم والجراح والأحلام المستحيلة والتأريخ المنحوت داخل الجرح النازف بالوجع حد اليأس والغربة والاغتراب، يمضي بنا متهادياً بلغته الشعرية السلسة البسيطة، من غير السقوط في زلل الضعف والركاكة والجمود، وبمجازاته المنقلبة وصوره المتلونة بألم الذات وجمال التخطيط،، يمضي بنا ليرمينا في الصدمة والمفاجأة في خاتمة مطاف القصيدة، وهي ما نسميه في فن الابداع بـ(النهاية الصدمة)، حين يُفاجَأ المتلقي بالخاتمة وبعنفوان لا يخلو من شاعرية ملموسة وتصوير فني موفق:

ونسيتَ
أن الموجة تولد عند شاطئ
لتموت عند شاطئ آخر

وهو بهذا جسّد تماماً وبصدمة شعورية ناجحة تجربة الغربة والعودة، وكأنه في تجربته يتحدث عنا نحن المغتربين والمهاجرين، فالانسان المولود بأرض تلاحم معها ونزف فوق ترابها وعاش أحلامه وآماله وارتوى من مائها وشبع من خيراتها إذا تركها فإنه يموت بأرض أخرى غريبة عنه، مع أن النفس لا تدري بأي أرض تموت مثلما يقول سبحانه وتعالى في مجمل كتابه الكريم.

لقد أحسستُ بأن الشاعر يتحدث في قصيدته عن تجربة الغربة عن الوطن وتأثيراتها، الشواطئ التي مازالت تحفظ الهم، الغبار الذي يؤرخ للابتعاد، البحر غير المناسب للدهشة، الاحلام التي هي قاب متاهتين، الموت عند الشاطئ الآخر. كل ذلك أوصل البرقية بسرعة البرق وقاب رمشة عين وكأني أقرأ عن سيرتي الذاتية وعن كل معاناة وهموم وجراح المهاجرين والمغتربين والمنفيين عن غبار أوطانهم. لكنه في الوقت نفسه يحاول أن يعطي أملاً  بالعودة ومعنى مضيئاً حين يصوّر بأن الملامح لا تتغير مهما اشتدت العواصف والأنواء، وأن الأرض تحفظ وجه الانسان وهمومه وذكرياته داخل ذرات رمالها وترابها:

لمْ تغبْ كثيراً
وملامحك لم تغيرها العواصف كفاية

بمعنى ان الرياح والأنواء لم تغير كثيراً من ملامحه رغم شدة عصفها وتأثيراتها، فهي غيّرت لكن ليس كثيراً وبما فيه الكفاية للانقلاب من حالة الى أخرى غريبة.

والحقَّ كما ذكرتُ، فهذه أول قصيدة أقرأها للشاعر العراقي علي عصام الربيعي وقد لفتت انتباهي وحفرت تأثيرها في الذائقة والنفس, وقد فكّرت أن أبحث عن نتاجه وعنه شخصياً من خلال ما يتوفر على شبكة النت، لكنني أحجمت مفضلاً أن أبقى أعيش متعة وحلاوة أجواء قصيدته التي شدّتني ومن أول نظرة وقراءة دون التأثر بأي جو آخر، تاركاً هذا البحث الى ما بعد الانتهاء من قراءتي وتخطيطي على القصيدة.

لقد اكتشفتُ أنني أمام موهبة مبدع يمتلك من مقومات الخلق الشعري ما يساعده على الاستمرار والتألق والنجاح، وفي الوقت ذاته عليه الكثير من جهد يبذله واصرار عنيد يحثه على التواصل مع الشعر وبنفس الاشراق والابداع، مع العمل على أن يكون لصوته خصوصيته بعيداً عن صدى الآخرين، ولصُوَره ملامحها بعيداً عن ملامح الآخرين.


القصيدة

(عالمٌ... هي موجتي)
للشاعر علي عصام الربيعي

لم تغبْ  كثيرا
وملامحك لم تغيرها العواصف كفاية
فشواطئي ما زالت تحفظ همك عن ظهر جرح
حين كنت تنحت نزقاً في الرمال
مثل نحات عجوز
.....
لدي من الغبار ..ما يؤرخ لابتعادك
وقتها..
لم يكن البحر مناسبا لاندهاشك
و لا ترانيم النوارس صديقة لك
كنت قاب  متاهتين من أحلامك
وقد  حاولت...
حاولت كثيرا
أن تتقمص موجك
وان تبتكر الجهات...والخطى
ونسيت
إن الموجة تولد عند شاطئ
لتموت عند شاطئ آخر

* عبد الستار نورعلي
  السويد
4 مايس 2009

125
الشاعر يحيى السماوي
امتداد لفخامة القصيدة الكلاسيكية


عبد الستار نورعلي

بعد تسيُّد حركة الشعر الحر (شعر التفعيلة) الساحة الأدبية العربية منذ أربعينات القرن الماضي، ثم بعدها انتشار حركة ما يٌسمى اليوم بقصيدة النثر، قال الكثيرون من الشعراء والنقاد والباحثين ومريدو هذه الحركات التجديدية المعاصرة بأنّ شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري عماد القصيدة الكلاسيكية وعمودها الفقري والذي استمر شامخاً قبل وخلال حقب الحركات التجديدية الحداثية المعاصرة بأنه هو آخر  الشعراء الكلاسيكيين وعمالقتها بمفهوم الشعر العمودي كما وصلنا من التراث الأدبي العربي على مدى العصور المقسمة على الأزمنة التاريخية بتسمياتها المعهودة وفق حقب الحكم القبلية والسيادة العائلية المتوارثة: العصر الجاهلي، عصر صدر الاسلام، العصر الأموي، العصر العباسي، الفترة المتأخرة فالعصر الحديث.

وقد أضافوا على ما ذهبوا اليه بأنه لن يظهر بعد الجواهري شاعر يحملُ لواء القصيدة العمودية بشكلها البنائي الفخم وبما عُرف عنها من المحافظة على نظامها المتوارث من بيت ذي صدر وعجز، والحرص على  أوزان بحور الشعر الخليلية بتفعيلاتها، اضافة الى جزالة اللغة وقوة السبك وفخامة الألفاظ القاموسية في أدائها المعنوي والشكلي اللفظي وقِدم الاستخدام. وكذا الحرص على سلامة العلاقات بين الكلمات في الجملة بنحوها وصرفها وبلاغتها وصورها ومضامينها المعنوية، مع الالتزام التام بعناصر الشعر التقليدية كما وردتنا في المفهوم المنهجي النقدي القديم من خيال وعاطفة وأسلوب وغرض شعري تُبنى عليها القصيدة ويُنظر وفقها في مدى شاعريتها وقوتها ونجاحها. وكل هذه العناصر مجتمعة كانت خلف عظمة ورساخة وتأثير الشعر العمودي الكلاسيكي ( شعر القريض) بالمفهوم الاصطلاحي واستمراره عبر القرون والعصور التاريخية متخطياً كل حركات التجديد التي دخلت على شكل ومضمون ومعنى الشعر على مدى تاريخه الطويل. فظلّ تاثيره قائماً في نفوس المتلقين بمختلف شرائحهم وطبقاتهم وثقافتهم حتى اليوم.

وقد جرى الحديث الى جانب ذلك عما حصل من تطور وتجديد وتحديث في شكل القصيدة العربية ومضامينها منذ اربعينات القرن الماضي على يد رواد مدرسة الشعر الحر، وما أطلق عليه لاحقاً بشعر التفعيلة، ثم لاحقاً ما يُسمى بقصيدة النثر الحالية. هذا التجديد ولّد اتجاهاً رأى أن الشعر العمودي الى انقراض بسبب التطور والتقدم  الحضاري والتقني والاجتماعي والثقافي بالضرورة مما أفضى الى التغيُّر السيكولوجي للذات البشرية الفردية والجمعية، والذي اجتاح ويجتاح العالم وبضمنه عالمنا العربي. وأن هذا التطور والتغير اللذين يفرضان ثقلهما وتأثيراتهما على المجتمعات رغم كل عوامل المواجهة والمقاومة الذاتية والجماعية المعتمدة على الإرث الثقافي والحضاري والنفسي التاريخي أصبحا حقيقة موضوعية لامفر منها، والعالم كما يقولون أصبح قرية صغيرة والناس مجتمعاً فاعلاً ومتفاعلاً كأنه واحد . وهذا يشمل كل مناحي الحياة، ومنها الثقافة والأدب كجزء أساس منها.

وعليه فقد نعوا القصيدة العمودية وعزفوا موسيقى جنازتها وكأنهم  سيحملون نعشها الى مثواه الأخير، مع أنها كانت ولا تزال على قيد الحياة تثبتُ ذاتها وخلودها وتأثيرها في الناس جاهدةً. وبعد غياب العديد من اعلامها وكبارها من الشعراء بقي محمد مهدي الجواهري في العراق بقامته السامقة هو العمود الفقري المحافظ عليها والشاهد على خلودها، إن قُيض لحمل لوائها موهبة فذة متمكنة من أدواتها. مع أنه كان هناك شعراء يكتبون لكنّ نتاجاتهم لم تصل الى منزلة هذا اللون من القصائد وما تتطلبه، فكانت قصائدهم باهتة جامدةً مصنوعة صنعة دون روح شعرية وأسلوب جزل متين مؤثر بعيدةً عن الطبع والعفوية الشعرية والموهبة الخلاقة المبدعة، شكلية محافظة على نمطية القصيدة العمودية مع خلوها من عناصرها المؤثرة التي ترفعها الى مصاف الشعر الراقي الجميل الجزل والفخم والخالد، فهي لا تمتلك من الشعر الا الوزن والقافية. لكنه في الوقت نفسه برز شعراء كبار حفروا في ذاكرة تاريخ القصيدة العمودية وتاريخها اسماءهم مثل عبد الله البردوني من اليمن الذي فجّر قنبلة شعرية ، وهي بائيته التي عارض بها قصيدة ابي تمام ( السيف أصدق إنباءاً من الكتبِ)، والتي اتسمت بفخامة القصيدة العمودية وجزالتها وقوة سبكها ومهارة نظمها مما دلّ على شاعرية فذة. ألقاها الشاعر في مهرجان المربد الشعري في دورته الأولى عام 1971. وقد كانت مفاجأة المهرجان، خاصة وقد برز الشاعر البردوني البصير على المنبر بهيئة لم تقنع الحاضرين من الذين يرون الأناقة وكأنها بطاقة دخول عالم الابداع ولزوم ما يلزم الشاعر والمشارك في مهرجان رسمي التنظيم برجوازي المظاهر من أجل فخفخة وترف وتظاهر. هزّت قصيدة عبد الله البردوني الحاضرين وأقامت الدنيا ولم تُقعدها، فرفعت اسم الشاعر الى قمة سماء الشعر فطبقت شهرته الآفاق ليكون أحد أعمدة القصيدة العمودية المعاصرين، وليكون رداً على الناعين لهذا الفن الشعري الكلاسيكي في فترة كان فيها الحوار جارياً حول مفهوم الشعر والحداثة والتجديد وتجاوز هذا اللون الفني بقيوده وشروطه الصارمة. يقول البردوني في قصيدته:

ما أصدقَ السيفَ إنْ لم ينضهِ الكذبُ
وأكذبَ السيفَ إنْ لم يصدقِ الغضبُ

بيضُ الصفائحِ أهدى حينَ تحملُها
أيـدٍ إذا غلبـَتْ يعـلو بهـا الغَـلـَـبُ

وأقـبـحُ الـنـصــرِ  نـصـــرُ الأقـويـاءِ  بـلا
فهمٍ سوى فهمِ كمْ باعوا وكم كسبوا

أدهى من الجهلِ علمٌ يطمئنُ إلى
أنصافِ ناسٍ طغوا بالعلمِ واغتصبوا

قالوا: همُ البشرُ الأرقى وما أكلوا
شيئاً كما أكلوا الانسانَ أو شربوا

وحين وصل  بقصيدته الى البيتين التاليين قامت القاعة وضجّت بمنْ فيها من التصفيق الحارّ المتواصل:

(حبيبُ) وافيتُ من صنعاءَ يحملُني
نسرٌ، وخلفَ ضلوعي يلهثُ العَرَبُ

ماذا أحدِّثُ عنْ صنعاءَ يا أبتي؟
مليحةٌ عاشقاها السُلُّ والجَرَبُ

و المنادى المخاطب هنا (حبيب) هو الشاعر أبو تمام حبيب بن أوس الطائي.

وفي الوقت ذاته مع اجتياح شعر التفعيلة وقصيدة النثر الساحة الشعرية العربية والعراقية كان هناك شعراء قلائل يواصلون كتابة القصيدة العمودية طريقاً لابداعاتهم الشعرية وبجدارة مشهودة وامكانية عالية وقدرة كبيرة وموهبة حقيقية داعمة وثقافة واسعة في التاريخ الشعري العربي ومناهجه واشتراطاته وأصوله وقواعده، اضافة الى تمكن واسع من اللغة نحواً وصرفاً وبلاغةً وعلاقات، والتي هي من الشروط الأساس التي يجب توفرها في شاعر القريض أو في غيره، وليس مثل عصرنا الراهن إذ غالبية ما يُسمون بالشعراء يتجاوزون ذلك بحيث لا يمتلكون ناصية اللغة ولا يهتمون بامتلاكها، فنجد الأغلاط اللغوية طاغية على نصوص الكثيرين منهم دون الاهتمام بسلامة اللغة ونقاء الأسلوب، ولدرجة تثير الصدمة في ذائقة المتلقي العارف باسرار اللغة وأهميتها في نصوص فنون الكتابة بمختلف ألوانها واتجاهاتها. فإن سلامة الجملة لغوياً هي من عناصر تقييم مستوى النص وأهليته ليُعدّ نصاً أدبياً. وإلا لحسب كلّ من يكتب كلاماً يسطرهُ أنه شاعر وأديب، وهذا ما نلتقيه وخاصة عبر مواقع الانترنيت، حيث نجد كلّ منْ هبّ ودبّ يذكر أمام اسمه لقب "شاعر" ! إنّ كلَّ غلط لغوي قد يُغيّر المعنى المقصود الى ضده. ولا نعني هنا القواعد اللغوية بكل تفصيلاتها ودقائقها المنهجية، ولكن على الأقل معرفة أساسياتها المهمة في الكتابة السليمة النقية لغوياً ومعنوياً، وفي ايصال المضمون والمعنى والتجربة الى المتلقي.
 
كان للحرب العراقية الايرانية في ثمانينات القرن العشرين والتي امتدت ثماني سنوات أثر واضح في توجه الشعراء العراقيين داخل العراق الى الشعر العمودي في الكتابة والتعبير من أجل التعبئة النفسية في الحرب، مثلما كان النظام القائم حينها يرى في استراتيجيته الاعلامية ، ولذا فتح أبواب النشر والتشجيع في وسائل اعلامه لهذا اللون من القصائد لما لها من أثر كبير في النفوس اعتقاداً منه أنه بذلك يثير الحماسة في نفوس الجماهير ويحدث التأثير النفسي فيها لتعبئتها في الحرب مثلما كان يؤمن به ويعمل في أجندته السياسية والثقافية في قيادة الناس.

في جلسة جمعتني والشاعر الكبير الجواهري في داره الكائنة في اليرموك وفي أوائل سبعينات القرن العشرين، حيث كنتُ على علاقة عائلية بعائلة الشاعر، كان معنا في الجلسة ابنه الدكتور فلاح والشاعر الدكتور علي الحلي ورشيد بكتاش وصهره الصديق أبو رائد عيسى الجواهري. وفي أثناء حديثنا عن الشعر والشعراء ذكرنا الشاعر المرحوم  عبد الأمير الحصيري الذي كان في زيارة قبلنا عند  الجواهري والذي كان معتاداً على زيارته في بيته بين الحين والحين. قال الجواهري عنه بأنه شاعر مرموق ويمكن أن يواصل مسيرة الشعر العمودي كأحد أعمدتها لو اهتم بشعره وموهبته وطوّرهما من خلال الاهتمام بنفسه وترك فوضويته واهماله لفنه. إذ كان المعروف عن الشاعر عبد الأمير الحصيري ادمانه على الخمر وبوهيميته اللذين أوديا بحياته. وقد ذكرتُ بأني أطلقت عليه اسم (الشاعر الذي ضيّع نفسه) ، وقد أيدني الجواهري الكبير وسُرّ بالتسمية وقالز صحيح والله. ثم حين عرجنا على الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد قال بأنه الأكثر جدارة بحمل لواء الشعر العمودي بعده ولكنْ لو ترك الشعر الحر.

لقد كان لتسيّد أصحاب التجديد من الشعراء والأدباء الساحة الأدبية وامساكهم بالصفحات الأدبية في الصحف اليومية والمجلات الثقافية كمسؤولين بيدهم أطلاق النشر أو حجبه فانهم ضيّقوا على نشر الشعر العمودي لعدم اعترافهم بأهليته في الاستمرار بعد التطورات الأدبية والتجديدات على شكل ومضمون الشعر العربي الحديث بعد التقدم الحضاري والثقافي في العالم وأثره الذي بلغ الحياة العربية بكل مفاصلها. وقد شنوا حرباً لا هوادة فيها ضد هذا اللون، ولذا انحسر متراجعاً أمام هذه الهجمة ليقتصر على النشريات التي تهتم بالتراث، وكذلك في الأوساط والمنتديات الدينية.

مع التطور التقني الحاصل في العالم والثورة المعلوماتية وانفتاح مجالات النشر على الانترنيت دون رقيب أو شرطي ثقافي استطاع شعراء العمود من الذين لم يتمكنوا سابقاً من نشر نتاجاتهم بحرية واتساع أن يجدوا ملاذاً لكي ينشروا قصائدهم على الملأ لترى النور وتثبت الحضور وتحدث التأثير في الجمهور بأوسع فئاته التي كانت محرومة وبعيدة عن الوصول اليهم.

ولقد برز من خلال ذلك شعراء عموديون كلاسيكيو الهوى والموهبة والاقتدار بما يتطلبه هذا اللون الشعري من موهية حقيقية وامكانيات عالية في الشعر العمودي وتاريخه وقواعده واصوله وجذوره، اضافة الى تمكن من اللغة بنحوها وصرفها وبلاغتها، واطلاع واسع على تاريخ الشعر العربي وشعرائه، والحفظ لهم. برزوا شعراء كباراً حقيقيين بقدرة مذهلة وموهبة أصيلة عالية رفعتهم الى مصاف كبار الشعراء التاريخيين ليصبحوا اسماء لامعة ساطعة في تاريخ الشعر العربي بشكله الكلاسيكي. وأصبحوا امتداداً عضوياً له مع عدم تخليهم عن معاصرتهم وما يحدث في هذا العصر من تطورات في الشعر والأدب واللغة عموماً ومضامين الحياة الانسانية وتجاربها المعاصرة بكل تفاعلاتها وارهاصاتها وعوامل تأثيرها على الذات الفردية.

من هؤلاء الشعراء الذين لمعت أسماؤهم فأخذوا حقهم من الانتباه والتذكير والعلو والاشادة والحصول على الجوائز بجدارة وأحقية واستحقاق، ليتقاطر النقاد والباحثون والمهتمون على استثمار شعرهم في الكتابة والبحث والحصول على الشهادات العليا، وذلك بسبب غنى وثراء وفضاء شعرهم شكلاً ومضموناً وأغراضاً، هو شاعرنا العراقي الكبير المتألق يحيى السماوي.

إن المتابع لشعر السماوي يجد عنده المحافظة الصارمة على شكل القصيدة العمودية بشروطها الفنية من خيال وعاطفة متأججة واسلوب راقٍ يحافظ على السلامة والجزالة اللغوية والفخامة اللفظية والجمالية التعبيرية والشكلية المعتمدة على الوزن والقافية واللغة السليمة الحريصة على النحو والصرف والبلاغة العالية التأثير مع الابتعاد عما يشوب القصيدة من التعقيد اللغوي واللفظي الجامدين اللذين يُغرقانها بصعوبة الايضاح وخشونة الكلمات القديمة الاستخدام الأدبي، مثلما يتصور البعض من كتاب القصيدة العمودية بأنها تضفي عليهم صفة الجزالة والقوة، وهو ما يوقع المتلقي من عامة القراء في وعورة الفهم وعدم الوصول الى ادراك المعنى بسهولة والتقاط الصورة بسلاسة وببسرعة تؤدي الى العيش في أجوائها والرحلة مع الشاعر عبر فضاءاتها على متن سفينة الذائقة المبحرة في خضم أمواج التخيل والمضمون الذي يرمي الشاعر الى ايصالها شحناتٍ كهروطيسية تجذب القارئ والمستمع وتشده الى روح القصيدة، مع المحافظة الصارمة، كما اسلفنا، على المقومات والشروط  الفنية الشعرية مثلما وصلنا من السلف الشعري والأدبي والثقافي. وهذه عملية خلق وابداع لا يقدر عليها إلا شاعر  مقتدر حاذق في صنعته مثل يحيى السماوي:

هَـتـَفـَتْ لكَ الــشطـآنُ والأفـق ُ        فارْكـَبْ .. علامَ الخـوفُ والـقلقُ ؟
أتـَـخـافُ أمــواجـا ً وعــاصِــفــة ً         يـا مَـنْ بـحـزنِـكَ يَـغـرَقُ الـغـَرَقُ؟
إركـبْ . . فلـيس بـِرادِع ٍ قَدَرا ً           حِـرْصٌ . . ولـيس بـنـافِع ٍ حَـذق
هَـبْـكَ انـتهـيتَ صـريـعَ لـُجَّـتِـه           أو جَـفَّ بـيـن عــروقِـك َ الـعَـلقُ
مــا خـُسْرُهُ من بـعد عـاصِـفة ٍ           نـَـثـرَتْ طـفيءَ رمـادِهِ الـوَجَـقُ؟
الأهلُ ؟ بـاتـوا بــين مُـلتـَحِـف            رمـلا ً .. ومـاش ٍ دربُـه ُ طـَـبـِق
الدارُ ؟ بـاتت رهْـنَ مُـغـتـَصِـب            نــاطــورُهـا :  لــصٌّ  ومُـرتـَـزِقُ
(من قصيدة: إصرخ بوجه الخوف : ذا قدري)

فالأبيات مليئة بصور هي لوحات بريشة الحرف وازميل الكلمات وناي العزف وصوت المغني المغرد وانامل فنان بارع في توفير الأجواء الساحرة والصادمة والمدهشة المضمخة بعطر الأنفاس الحرّى، وأداء العالِم اللغوي المتمرس في مهنته، والبلاغي الباحث في مناجم النصوص ، والتشكيلي الحاذق في استخدام الألوان، والنحات الحافر في الصخر. تسوقه في كل هذا عواطف جياشة، وخيال بفضاء المحيط ، واسلوب بغزارة تاريخ اللغة، وفهم في كيفية ايصال ما يضطرب في نفسه الى الجمهور الواسع ، وليس المتخصص المحصور في اطار ما يراه ويريده من النص فحسب. وكل ذلك باسلوب يقترب من نفس وذائقة وادراك المتلقي عامةً.
(هتفت لك الشطآن والأفقُ): مجاز للدلالة على نداء الابحار الى الفضاء الفسيح. وفي البيت الثاني استفهام يذهب الى التعجب، وربما الاستنكار، بحسب المعنى الذي يذهب اليه الشاعر والاشارة التي يلتقطها المتلقي ويحس بها.
(يغرق الغرق): براعة فائقة وخيال خصب وشعرية عالية التوصيل ومهارة في الآلة الفنية باستخدام جمالية الجناس بمفهومه البلاغي وتوظيفه في التعبير بأجمل إشارة وأقواها بحيث يمكن بها رفع الحالة المُعبَّر عنها ونقلها الينا بنجاح، فالغرق هو غرق اي موت بحالة خنق بالماء، فكيف يغرق  الغرق نفسه؟
يرمي الشاعر بذلك الى ايصال الصورة المأساوية في الاحتلال وما تبعها من كوارث بأقوى تعبير واشد وأقسى معنى يمكن أن يوحي بالصورة في اعلى بشاعتها وأسوأ تداعياتها. وهذه مهمة لايقدر عليها غير الشاعر المقتدر الموهوب المتمكن من كل الأدوات الشعرية المطلوبة. وهذا ينطبق على باقي الأبيات والقصيدة بمجملها، وكذلك في قصائد الشاعر عموماً. 

  لم يكتفِ شاعرنا الكبير السماوي بالكتابة بالشكل العمودي فحسب وانما يكتب أيضاً شعراً حراً (شعر التفعيلة) لأن فيها أيضاً قواعد المحافظة على الوزن والقافية والجزالة وقوة السبك ومتانة المبنى اللغوي مدعوماً بكل عناصر الشعر التقليدية التي مررنا على ذكرها. والملاحظ للمتابع لشعر التفعيلة عند يحيى السماوي أنه يحافظ في معضمها على استخدام القافية الواحدة في القصيدة ، وربما هذه لأنه ممارس طويل الباع على الكتابة بالشكل العمودي بحيث يبقى في أسرها حتى في قصيدة التفعيلة التي اعتاد شعراؤها على التنويع والاختلاف في القوافي داخل القصيدة الواحدة، مثلما الاختلاف في عدد تفعيلاتها، وذلك خروجاً على قيد القافية الواحدة التي يرون فيها قيداً على تجربة  الشاعر واسترساله  بسلاسة وحرية. اضافة الى أن شاعرنا ربما كان في هذه الميزة يريد الحفاظ على الوحدة الموضوعية في القصيدة شكلاً ومضموناً وتعبيراً وصورةً وأحاسيس وتجربة وأداءاً فنياً. فلنقرأ مثالاً من قصيدته (نبوءات):

قد يـُنبئُ الرَّعدُ عن المطـَرْ ..
وتـُنبئُ الحقيبةُ المُـحْكمَةُ الرِّتاجِ عن سَفـرْ
ويـُنبئُ الحفيفُ عن جَدائِلِ الشجَـرْ
والعِطرُ عن فصيلةِ الوردةِ..
والوردةُ عن شكلِ الفِراشات ِ ..
وتـنبئُ الفراشاتُ عن الموسمِ..
والموسمُ عن أجـِنّةِ الطيورِ والـزَّهَـرْ ..
ويُنبئُ الجَفافُ عن مَـسْغـَبَةٍ ..
وينبئُ الأثـَرْ
عـن خيْل ِ هولاكو ..
أو النبع ِ الذي جَفَّ فـشدَّتْ رحْـلَها الظِباءُ ..
قـد يُنبئُ شكلُ الموج ِ
عن ممالكِ الياقوتِ واللؤلؤ ِ في القاع ِ
وعنْ مَتاهَةٍ
في حُـضـْنِ مُـسْـتـَقـَرْ ..

يتناول شاعرنا الكثير من الموضوعات والأغراض الشعرية بجمالية ورقة عاليتي التأثير ومن خلال خيال واسع خصب مبني على اطلاع واسع في الشعر والأدب ونظر ثاقب وبصيرة نافذة، ومن خلال لغة غزيرة القاموس جليلة الاستخدام ثاقبة التعبير جميلة جزلة فخمة الايقاع رقيقة الايحاء واللفظ ، وأوزان تتناسب مع المضامين. وهنا علينا الاشارة الى أنه ليس هناك تناقض بين الجزالة والرقة ، فالجزالة لاتعني الوحشي والمحنط والجامد الخشن من الكلمات والألفاظ التي صارت ضمن تاريخ المتحف اللغوي، ولا تعني الرقةُ السوقيَّ من الألفاظ والكلمات مما اصبحت في عداد اليومي الساقط من التداول الأدبي الفني.

لقد تناول الشاعر السماوي: الحنين الى الوطن، معاناة الغربة، مقارعة الاحتلال، الفساد السياسي، الدفاع عن الوطن والأمة بعاطفة صادقة وحس انساني عراقي يحمل هموم الوطن والشعب والأرض والتاريخ على كاهله ديناً يوفيه بشعره. فالكلمة الصادقة النقية النابعة من مشاعر مخلصة تتفاعل مع ما تؤمن به من خير ونور ومستقبل مشرق لكل انسانٍ معانٍ من الظلم والقهر والجوع والمرض هي سلاح يوجهه الكاتب والشاعر ضد كل سوء وشر وظلام يحيط بالانسان.
وقصيدته (إنهم يقتلون النخل) مثال حيّ:

هم يقتلونَ النخلَ !!
إنَّ النخلَ مُتـَّهَمٌ برفض الإنحناء ِ
وبالتشبُّثِ بالجذور ِ ..وباخضرارِ الـسَّعْف ِ ..
مُـتـَّهَمٌ بإيـواءِ العصافير ِ التي
لا تُحْسِنُ استقبالَ:أعداءِ الطفولة ِ ..
والطواغيتِ الكبارْ ..
والنخلُ مُـتـَّهمٌ بتأليبِ المياهِ على الطحالب ِ
في بحيراتِ الدهاقنةِ الصغارْ
للكافرينَ بعشقِ نخلتنا القرارْ
ولنا عنادُ المستحيلِ بوجهِ جلجلةِ التخاذلْ
ماذا يريدُ المُتخَمونَ من الجياع؟
فلم يـعُـدْ في الحقل ِما يـُغري المناجلَ بالحصاد ِ
النخلُ معنيٌّ برَدِّ الإعتبارِ إلى السَّنابلْ
أمْ أنَّ حَرْثاً بالقنابلْ ..
سيُقيمُ بُستانا ً جديدا ًللثكالى والأراملْ ؟ٌ
لابدَّ للنخل المُحاصَرِ بالفجيعةِ أنْ يقاتلْ
ذوداً عن العشبِ المُخـَضَّبِ بالدماء ِ
وعن أراجيح الطفولةِ والبلابلْ

ومن أجمل ما يمكن أن نقرأ لشاعرنا الكبير هو الغزل الهاطل بالرقة والعاطفة والجمالية الشعرية بارهف صورها وأهيج عواطفها وأرق نسائمها. ففي غزلياته نجده فتىً غِرّاً مليئاً بالعاطفة الحارة الملتهبة الى حدِّ الرغبة المهتاجة الجامحة المندفعة. فلو لم نعرف أنه كهلٌ اشتعل رأسُه شيباً لقلنا نحن أمام صبيٍّ يفيض بالحيوية والاندفاع والرغبة وقد فتنه العشق، وسلبَ لبَّـهُ الغرام ، وأشعلَ صدرَه الهيامُ فأهاج بلابله.
يقول في قصيدته(صوفية النيران):

يامُنقذي مني : أمِـثلي جَبانْ
تـُؤسِـرُهُ بـ" غـمـزة ٍ " مُـقـلـتـانْ ؟

تـرمي بـهِ على رصيـف الهـوى
مُـضـرَّجـا ً بـعِـشـقـه ِ شـامَـتان !

فـأيـن َ زعْـمـي أنـني صـخـرة ٌ
عَـصِـيَّـة ٌ على فتون ِ الحِـسانْ ؟

صوفـيّة  الـنيران ِ لا تُطفِـئي
نـارا ًبـهــا يَـطـَّهِـرُ الأصغــرانْ

قـارَبْـتُ " ستيـنـا ً " ولـمّـا أزلْ
طـفلا ً له ُ بـنـاهـديك ِ افـتِـتانْ

جِـئـتِ فـغـنـّى وتَــرٌ مُـهْـــمَــل
وغـازَلـتْ نـافِـذتي نـجـمَـتـانْ

واتـَّخـذَ الحَـمـامُ مـن نـخـلـتي
بيـتـاً ظليلا ًسـقـفهُ الـفـرقدانْ


ولنقرأْ معاً قصيدته (يا زائري في الحلم : أغِـثـنـي لأفـي بـنـذري) المشبوبة بنيران الرغبة المشتعلة وبركان العنفوان العاطفي مثل شاب غرير فتنه العشق وأضرم فيه نيران الهوى وفجّرَ الرغبة الجامحة وقتله الشوق العارم:

زارَني في غفلةٍ من مقلةِ الصحوِ :
ربيعا ً ضاحِكَ العـشبِ ندِيّا ً ..
باردَ الكوثرِ ..
يمشي خلفهُ نهرانِ : ريحانٌ وشـهْدُ !
وأنا في كهفِ حزني أتسلّى بكؤوسٍ
خمرُها جمرٌ وسُهْدُ !
زائري في غفلةٍ من مقلةِ الأحزانِ
مَنْ أسرى بكَ الليلةَ ؟
كيفَ اجْتَزتَ نهرين وأرضينِ
وبحرا ً جَزْرُهُ  يُخشى، فكيفَ أجتزتَ مَدَّهْ ؟
ودجىً يُبْرِقُ من يومين رَعْدَهْ ؟
أنا لا أعرفني أينَ أقيمُ الانَ
لا عنوانَ ليْ كيف اهتديتْ ؟
فتَعَرَّفتَ إلى جفني وسفحٍ
يختفي في حضنِه الأخضر بيتْ ؟
أيها الناسِجُ من عشبِ الفراتينِ وشاحا ً
جيدُ هُ يُسْكِرُ عِقدَهْ :
مَنْ تُرى أسرى بكَ اللـيلةَ ؟
مَنْ أعطاكَ عنوانَ غريبٍ
هتَك الـعشقُ أحاجيهِ ورُشْدَهْ ؟
آه ِ لو أملكُ أنْ أجمَعَ عطرَ الحلم ِ
والجَنَّةِ والشعر بوردة ْ
لـلتي أحلمُ أنْ أجعلَ من حضني لها بيتاً
ومن صدري لنهديها سريراً
ومن الثغر ِ لخدَّيها  مخَدّة ْ
آهِ لو أنَّ التي دقّتْ غروبَ العمر بابَ القلبِ
قد دقّتْ ضُـحى العشقِ
فأغفو هانئاً بالتـين والتوت على نهر المودَّة ْ
آهِ لو أنَّ الذي في دَورَقي من خمرةِ العمر ِ
مثيلٌ للذي في دورَقِ اللذّةِ عندَهْ
لتنازلتُ عن التاجِ وعرشِ الحزن ِ
كي أصبحَ في مملكةِ العشاقِ عَبدَهْ
ونديماً للياليهِ ..
سميراً لأغانيه ِ ..
وناطوراً يقومُ  الليلَ كي يحرسَ نهدَهْ
وينشَّ النحلَ عن وردِ الفم العذب ِ
وأسرابَ الفراشاتِ التي
قد تُوجِعُ الجيدَ إذا حطَتْ
على زنبـقهِ الغضّ ..
وقد تجرحُ جفنيهِ  وخدّهْ !
آهِ لو أنَّ الذي أوعدَني في الحُلم بالقبلة ِ
لا يُخلِفُ عندَ الصَّحوِ وعدَهْ !!
زائري في غفلةٍ مني أغِثني
يا ربيبَ الفُلِّ والآسِ :أنا طيشي عَفيفٌ  ..
ومجوني ناسِكُ الإثمِ ..
أغِثني لِتُـصلِّي شفتي قَصْراً
فإني لستُ مَنْ ينكث بعد النذر عَهدَهْ :
نَذَرَتْ روحي لوجهِ العشقِ
لو زرتَ جفوني
أنْ يُؤدّي خمسَ سجداتٍ على ثغرِكَ  ثغري ..
وعلى كلٍّ من الخدَّيْن سَجْدَة ْ ...
فأغِـثـني ..
أفلا تؤمِـنُ يا مولايَ أنَّ النذرَ قد يُصبحُ سيفا ً
صدرُ مَنْ ليس يفي بالنذر قد يُصبـحُ غِمدَهْ ؟
فأغِـثْني يا ربيبَ الفلِّ والآس ِ
عساني لو وفيْتُ النذرَ
أنْ أنذرَ للحلمِ إذا زرتَ جفوني
باقة ً من قُبَلٍ ناسِكةِ الآثام ِ بعدَهْ !!

ونقرأ له في قصيدة (الى ناسكة):

وجَـعـي لـذيذ ٌ مـنكِ فابْـتـَدِعي
جُـرْحــا ً يُــزيــدُ حَـلاوَة َ الــوَجَع ِ

لا تـُطـْفـِئي نـــاري إذا اتـَّـقـَـدَتْ
واستحْطبَتْ صحوي ومُضطجَعي

لـيْ فــيـك ِ أطـْمــاع ٌ.. وأوَّلـُـهـــا
أنْ تـُنـقِذي عَـيْـني مـن الـطـَّـمَـع ِ

أنْ تـوقِـظي الـقـيثارَ في شـَفـَتي
أنْ تـَغـْسـلي روحي مِـنَ الـجَــزَع

أنْ تغرسي في الروحِ لا جَسَدي
حَـقـلـيـن ِ صوفِـيَـيـن ِ مـــن مُـتـَع

مُــتـَعٌ بـِـلا إثـم ٍ ... أنـشُّ بـِـهـــا
ذئـبَ الـهـمـوم  وحَـيَّـة َ الـفـَـزَع ِ

قد عـشـْتُ عمري بين فـاجـِعـة ٍ
حـينا ً .. وبـيـنَ مَـخـالب ِ الهَـلـَع ِ
 
أنْ تقتلي الشيطانَ في جَسَدي
بعـضُ الهــوى بابٌ إلـى الـوَرَع ِ

أنْ تـَشفعي ليْ لو جُـنِـنـْتُ غَـدا ً
وزَعـمْتُ أنَّ العِـشـْقَ من بـِدَعي

أدريـك ِ ذا طـُهْـــر ٍ يَـحـفُّ بـــه ِ
نـُسْـكٌ، وأنَّ تـُـقـاك ِ غيرُ دعي

بـُـورِكـْـت ِ قِــنـديـلا ُ ونـــافِــذةً
ضــوئـيَّة ً. .. أأُلامُ فــي وَلـَـعـي ؟

غرسَتْ خطاكِ على رصيفِ غدي
حقـلـين ِ مـن ورد ٍ  ومـن سَــجَعِ

إنّ الشاعر الكبير يحيى السماوي جسر موصل ورابط بين القصيدة العمودية الكلاسيكية بصرامة شروطها الفنية وبين قصيدة التفعيلة الحداثية بسعة وحرية فضائها، وبشكليهما ومضمونيهما وصورهما وأدائهما الفني التعبيري. فهو المواصل المثابر على منهج وعالم وفن وفضاء عمود الشعر والقصيدة الكلاسيكية، وفي الوقت نفسه مجددٌ فيما يستخدم من مضمون وشكل يتسمان بالرقة والسلاسة والانسيابية والبراعة في اختيار اللفظة والحرص على سهولة الأداء الأسلوبي في ايصال المضمون والصورة بشكلها المختار، والعمل على احداث  التأثير المطلوب في المتلقين بكل طبقاتهم وأطيافهم وثقافاتهم ومستوياتهم. كما يتسم بالتحديث في تناول المضامين واختيار الموضوعات والتجارب التي يعايشها ويعانيها كما الناس الآخرون وكما وطنه. وفي كل ذلك تسعفه بقوة موهبة كبيرة فذة وشاعرية متألقة وثقافة تراثية غزيرة وتمكن كبير واضح جلي من اللغة وتراثها. ولا أظننا بحاجة الى التذكير بها فهي من المسلمات الثابتة لشاعر بحجم يحيى السماوي الامتداد العضوي لفخامة القصيدة الكلاسيكية العمودية والشاهد على خلودها حين يتصدى لها شاعر بمكانته .


عبد الستار نورعلي
السويد
الأربعاء  27 مايس 2009   


126
شُغفْتُ بما تقولُ هوىً مُراقا

عبد الستار نورعلي


مهداة الى الشاعر الجميل سامي العامري معارضةً لقصيدته القافيَّة:
"شُغفتُ بها فكانتْ لي وثاقا".
والمعارضة هنا بمعناها الشعري الفني لا بمعناها السياسي والعياذُ بالله !



شُغفْتُ بما تقولُ هوىً مُراقا
صبـابةَ عاشـقٍ غنّى  وتـاقـا

شُغِفتُ أنا القتيلَ بكلِّ حرفٍ
بجمرِ الشـعرِ  يأتلقُ  ائتلاقـا

فما  مثلُ القـوافي  غانياتٌ
نشدُّ  بدربـها  عيناً  وساقا

تبـارزُنا التـوهُّـجَ والمعـاني
تقاسمُنا المواجعَ أنْ تُطاقا

تفـكُّ أناملاً، وتسـوقُ ريشـاً
يخطُّ صدى القلوبِ دماً مُراقا

تغـازلُنـا ، فننظمُهـا حُليّـاً
تُطوِّقُ جيدَ محبوبٍ عِناقا

تضمُّ مصارعَ العشاقِ تروي
مَلاعبَهـمْ  لهيبـاً مُستذاقـا

وهل مثـلُ القوافي أغنياتٌ
عزفْنَ شرائعَ الحبِّ اعتناقا؟

تُظللنـا  بظـلٍّ مـن جناحٍ
رقيقِ الرَفِّ بالأرواحِ حاقا

فهـذا عبقـرٌ ، لـَمَّ الرفاقـا
بواديـهِ ، وأطلقـهم رِقاقـا

شياطينٌ تصبُّ لنا  كؤوساً
لتروي ظامئاً عشقاً زُهاقا

وتمـلأَ  سـمعَ  نادينـا  رويـّاً
شجيّاً يعلقُ النفسَ اعتلاقا

*   *   *

لذيذاً كم نذوقُ لكَ المَذاقا
بنارِ الشعرِ تُشعلُنا احتراقا

فكلُّ قصيدة تُشـجيكَ  لحناً
وحباً شدَّ في الصدرِ الوثاقا

نزيفُكَ نزفُنا وصـداهُ صوتٌ
يدورُ بجَمعِنا كأساً دهاقا

هـوانا ، واحدٌ ، فردٌ  ، نزيلٌ
بلُبِّ القلبِ يعصرُنا اشتياقا

وهلْ بعدَ العراقِ لنا خليلٌ
يضمُّ ضلوعَنا طوقـاً وطاقا؟

أبغـدادَ  المغانـي و المراثـي ،
لكِ الصَبَواتُ تُمتشَقُ امتشاقا

شربْتُ  بكفـكِ  الماءَ  الفراتا
عتقْتُ بروضـكِ الحلمَ انعتاقا

وإذْ ضاقتْ بـيَ الآفاقُ أهلاً
وشدّوا حـولَ وادينا الخِناقا

حملتُ مواجعي ورميْتُ حلمي
فعـاشـرْتُ  المهاجـرَ ، والفِراقـا

ودُرْتُ مشارقاً وحللْتُ غرباً
بحاراً، أم سهولاً ، أم زُقاقا

فلمْ أشـهدْ لحضنكِ منْ مثيـلٍ
يُخفِّـفُ لاعجاً ، ويُريـحُ سـاقـا

*   *   *   *

أياخمرَ القوافي أنْ تُسـاقَى،
لذيـذَ الشـدوِ تسكبُها غُداقا

طربْتُ، وقد سكرْتُ بفنِ قولٍ
نُعـِدُّ  لهُ  السَـوابقَ  والنياقـا

صريعَ النَظْمِ، ماجاشَتْ بصدري
أحاسيسي ، رياءاً  ،  أو نفـاقـا

ولكنْ  هزَّهـا قـولٌ بليـغٌ
جمالاً واصطياداً واختراقا


الخميس 26 آذار/مارس 2009

127
أدب / الأم العراقية
« في: 23:34 14/05/2009  »
الأم العراقية
عبد الستار نورعلي


( كُتبتْ هذه القصيدة الأثنين بتاريخ 21 آذار 2006  ونُشرت في حينها بمناسبة عيد الأم هدية الى الأم العراقية بكل أطيافها الجميلة التي تشرِّف اسم المرأة والأم في كل مكان من الأرض، فهي البطلة الصابرة الصامدة المقاومة الشامخة الرأس العالية المقام الباسقة الظل. وفي هذه الأيام التي تُشن فيها حملة خبيثة معروفة الخلفيات والنوايا ولبعض وسائل اعلام الدجل والعُهر العربية لتشويه صورة المرأة العراقية أعيد نشرها مع تغيير طفيف فيها رداً على هذه الحملة العار)


هذي هي الأمُ التي
قد حملتْ في رحمها
كلَّ الذي مرَ به العراقْ

هذي هي الأمُ التي قد جابت الآفاقْ
بحِملِها وحزنها
جراحها
بكائها
دموعها
سـرورها
شـموخها
سـموها
وصبرها الأصبرِ منْ ايوبْ
وقلبها الأصلبِ والأصفى من القلوبْ
وروحها الأرقِّ من نسائمِ الحقولْ
هذي التي ما خـُلقتْ من مثلها
أم ٌ على الأطلاقْ!

ايتـُها الحبيبة ُ الطبيبةُ الطيبةُ الأعراقْ ،
يا حضنَ كلِ متعبٍ ومرهق
مهاجرٍ
يغيبُ في البلدان ِ والبحارِ والآفاقْ
يا بيتَ كل ِ باحثٍ عنْ منزلٍ
يلقي عليهِ رأسَـهُ وصدرَهُ
يعانقُ الأمانَ والأحلامْ 
ليستريحَ منْ عناءِ رحلةِ الأيامْ
ومنْ دمٍ مباحْ
فيكسـرَ الأطواقْ
يلملمَ الجراحْ ،
يغفو على وسادةٍ دافئةِ الجناحْ.

يا صورةً صوّرَها الإلهُ في منارةِ الأكوانْ
فتحتَ أقدامكِ فردوسٌ من الجنانْ
كونٌ من الحنانْ
يا واحة َ الزمانِ والمكانْ
وقِبلةَ الانسانْ.

أماهُ، يا مسلةً شامخةَ السطورْ
باسقةَ الغصونْ
ثابتةَ الجذورْ
حملتـُكِ تاجاً من الزهورْ
بحراً من الأمانِ والحبورْ!

يا قامةً عاليةً أنجبتِ الأبطالْ
قدّمتِ الشهيدَ والشهيدَ والشهيدْ .......
أنشأتِ الوليدَ والوليدَ والوليدْ .....
تحدّتْ القضبانَ والأهوالَ والحديدْ

علّمتْ الشعوبَ كيفَ يولدُ الرجالْ
وكيفَ لا تجفُ في عيونهمْ ساقيةُ الآمالْ
وكيفَ لا تخضعُ، لا تذلُ للطغاةِ والأنذالْ
وأرذلِ الرجالْ ...
علّمتْ التاريخَ كيفَ تصبرُ النسـاءُ في الحروبْ
وكيف تعلو قامةُ الصمودِ في القلوبْ
وترتقي ناصيةَ الشعوبْ
رغمَ هدير ِ السيفِ والذبحِ وأنهارِ الدماءْ
والعبثِ المجنونِ بالقتالْ
وشِرعةِ اللصوصِ والأقزامِ والأهوالْ!

بغدادُ .........
يا بغدادُ............
يابغدادْ .......!
ياأمَ كلِ الحالمينَ الصابرين التائقينْ
للشمسِ للدفءِ وللعناقْ
عناق ِ أنهاركِ
أشـجاركِ
ترابكِ
وكبرياء ِ الأرضِ والأحداقْ!

يا أمَ كلِ الثائرينْ
ياأمَ كلِ الساهرينْ
ياأمَ كل ِ الصابرينْ
الصامدينْ ،
ياأمَ كلِّ السائرينْ
في دربكِ المليءِ بالأشواكِ
بالسـيوفِ
بالطغاةِ
بالغزاةِ
بالارهابْ ،
ياأمَ كل ِ الطيبينَ الطاهرينَ الأنقياءْ ،
ياغابة َ الحبِ الوفيرْ
يا واحة َ القلبِ الكبيرْ!

الله ُ مما يحملُ العراقْ
والأمُ والمرأةُ في العراقْ
في عيدها الأثيرْ
وهي التي ما وُلِدَتْ
مِـنْ مثلها أمٌ
ولا نساءْ
يوماً على الإطلاقْ!


الأثنين 21 آذار 2006




128
العراق: ديمقراطية (كُلْ مَنْ إيدو إلو)!
عبد الستار نورعلي


هناك ما يثير العجب والدهشة والاستغراب في عملية القاء القبض على قتلة المعارض العراقي السابق المرحوم الشيخ طالب السهيل على يد المخابرات العراقية ودور السفارة العراقية ووزارة الخارجية بشخص وزيرها آنذاك محمد سعيد الصحاف وذلك في بيروت نيسان 1994 والتي سمعناها على فضائية الفيحاء وعلى لسان ابنته النائبة في مجلس النواب العراقي الحالي السيدة صفية السهيل. وهو ما يدفعنا الى التساؤل الملح والمهم:
ما هو دور ومهمة السلطات العراقية المسؤولة عن مثل هكذا قضية؟
واين دورها في تنفيذ أمر قضائي قانوني يصدر بالقاء القبض على متهم بالقتل العمد مع سبق الاصرار والترصد؟

القضاء يصدر مذكرة القاء قبض وفق آليات قانونية شرعية. والسيدة ابنته تعمل جاهدة في تطبيقه رسمياً دون جدوى . هناك تلكؤ. فالقضية تدخل في دهاليز واشكالية عملية سياسية كسيحة، لا ناقة لها ولا جمل في أي شيء يجري لا في الفقر ولا في الجهل ولا في المرض ولا في القانون وتطبيقه ولا في الكهرباء ولا في الماء ولا في التخلف ولا في القتل اليومي، إلا في البحث عن مكاسب ومناصب و(اشكَدْ إلكْ واشكَدْ إليْ) ومحاصصة بغيضة التوجه والتأثير، وعشائرية تنتفخ حتى وصل الأمر الى حماية القتلة والمجرمين على اساسها والتستر عليهم وحمايتهم.
 
وقد سمعنا السيدة صفية السهيل تروي كيف أن بعض الاطراف وبعض الاجهزة كانت تهرّب الجاني وتخفيه وتخبره عن عملية البحث والمطاردة التي كانت تجري من قِبل السهيل نفسها ومن خلال أفراد حمايتها الشخصية حتى تسنى لهم أخيراً القاء القبض عليه في الناصرية وتسليمه الى القضاء. وهو ما يذكّرنا بأفلام جيمس بوند الشهيرة.

بمعنىٍ آخر يبدو إن السيدة النائبة صفية السهيل آمنت بنظرية (حارة كُلْ مَنْ إيدو إلو) وهي المسؤولة المشاركة في العملية السياسية تحت ظل السلطة التشريعية، فشمّرت عن ساعديها القويتين الطويلتين والارادة الصلبة التي تمتلكها مثلما نرى في مواقفها المشرّفة ازاء القضايا العراقية المختلفة، مستندة بالتأكيد الى قوة عشائرية، فقد كان المرحوم أبوها شيخَ عشيرةٍ وسياسياً قويَ التأثير طويلَ الباع كان يثير القلق والخوف لدى النظام السابق بتحركاته المعارضة لذا اغتالوه، اضافة الى امتلاكها امكانية استخبارية أمنية عالية مقتدرة برزت من خلال العثور على مكان القاتل وتتبع خطواته وتحركاته وأماكن وجوده وما كان يقوم به من نشاط والجهات الداعمة له في بعض القوى السياسية ودوائر الدولة الرسمية.

صفية السهيل تمكنت من القاء القبض على قاتل أبيها.
كيف ومنْ سيتمكن من القاء القبض على قتلة الآلاف المؤلفة من ضحايا الاغتيال في الشوارع والمدن والبلدان والدفن أحياءَ والتذويب بالتيزاب والتجارب الكيميائية، وأهاليهم من بسطاء الناس والفقراء الذين لا يمتلكون سلطةً ولا جاهاً ولا كرسياً ولا قوةً سياسية داعمة تقف وراءهم ولا أصحاب مصالح تدعمهم؟!

هذه قصة من قصص ديمقراطية (كُلْ مَنْ إيدو إلو). ولا حاجة أنْ نضربَ مثال محمد الدايني وكيفية هروبه وسط بغداد (عيني عينك) وهو المطلوب للعدالة بشكل علني، بحيث صدّعوا رؤوسنا بقصته، ثم كيف نزل من الطائرة أمام عيونهم ليختفي بعدها، وقد اشاروا باصابع الاتهام الى الداعم والمساعد في عملية الهروب، فماذا اتخذوا من اجراءات قانونية معه؟!
وكذلك من الامثلة الحية العلنية هروب ايهم السامرائي ومشعان الجبوري وعبد الناصر الجنابي وحازم الشعلان وحارث الضاري المطلوب للعدالة والذي يصول ويجول في البلدان والفضائيات... وغيرهم ممن لا نعرف عنهم، وكذا ابناء بعض نواب البرلمان ممن قاموا بعمليات ارهابية في القتل والتهجير الطائفي على الهوية. وكبار الرؤوس المطلوبة للعدالة من سنوات ما بعد الاحتلال.
وبعد كل هذه وغيرها من الكثير مما لا نتذكره ولا نعلمه ألسنا في ديمقراطية حارة (كُلْ مَنْ إيدو إلو)؟!

عبد الستار نورعلي
الاثنين 20 نيسان 2009 



129
لاثقة بأمريكا، أكراد العراق نموذجاً
عبد الستار نورعلي
تتميّز السياسة الأمريكية مثل غيرها من دول العالم وخاصة الكبرى بأن محركها وموجه استراتيجياتها وتحركاتها التكتيكية هي مصالحها. وتاريخها منذ الحرب الباردة ولحد اليوم، وهي القوة الكونية العظمى الوحيدة، خير شاهد ودليل. فليس لها أصدقاء وحلفاء دائمون، فهي على استعداد للتخلي عنهم إذا اقتضت مصالحها. وشاه ايران ونورييغا من الأمثلة الحية.

كما ليس لها في الوقت نفسه أعداء دائمون. وليبيا والقذافي شاهد ومثال، فكيف تحول عدوها اللدود وصاحب اسلحة الدمار الشامل والمنتهك لحقوق الانسان والمساند للإرهاب الدولي والنظام اللاديمقراطي إلى دولة تقيم معها العلاقات الطيبة وتخرجها من دائرة الدول المارقة المغضوب عليها الى دولة تقوم بتحسين العلاقات معها والقيام بالزيارات الرسمية لمسؤولين أمريكيين كبار، واجراء اتصالات مع نجل القذافي ووارثه في الحكم سيف الاسلام.

فما الذي حدث لتتغير سياستها 360 درجة من العداء والمحاربة والحصار والعمل على الاسقاط الى الصداقة وغض الطرف والسكوت عما يجري داخل ليبيا من اضطهاد لمعارضي النظام؟

فهل تحوّل نظام القذافي من نظام دكتاتوري ارهابي إلى نظام ديمقراطي تعددي مدني حديث متحضر تتداول السلطة فيه عن طريق صناديق الاقتراع بطريقة سلمية، وتُحفظ فيه حقوق الانسان، وينعم الناس فيه بالرفاهية والحريات؟!

والقصة معروفة وواضحة وجرت في العيان لا خلف الكواليس، حرّكتها المصالح والسياسات المكيافيلية والمواقف المتغيرة المنقلبة على عقبيها من كلا الطرفين، وكل ذلك بسبب تغير الأهداف والاستراتيجيات. وفي خضمها نُسيت مصالح الشعب الليبي ومعاناته والديمقراطية والعدالة وحقوق الانسان التي تعمل امريكا الملاك على نشرها في العالم ، واصبحت في خبر كان!

إن الثقة المفرطة بالولايات المتحدة الأمريكية كدولة وسياسة، ووضع كامل الأوراق في سلتها خطأ جسيم يدلّ على قلة وعي وادراك وفهم لما يحرّك هذه الدولة العظمى رمز الرأسمالية المتوحشة. والقضية الفلسطينية لا تزال الشاهد المرئي الحي والمعاش يومياً، فلا تزال بعض القوى الفلسطينية التي وضعت قضيتها في يد أمريكا بالكامل تدور حول نفسها وحول ذات المحور في دوامة لانهاية لها لا في الأفق القريب ولا في البعيد.

كما أنّ حركة وتاريخ العلاقة بين أمريكا والقضية الكردية في العراق شاهد آخر على أن مصالحها واستراتيجياتها تأتي بالدرجة الأولى والأخيرة، وهي المحرك الفعلي لعلاقاتها الدولية وقضايا الشعوب التي تبدي الاهتمام الكاذب بها. ونتذكر في هذا المجال ما الذي فعلته بقضية الثورة الكردية في العراق أيام الزعيم الخالد المرحوم الملا مصطفى البارزاني بعد اندلاع القتال بين الحكومة العراقية والأكراد عام 1974 وبعد بيان 11 آذار 1970 بالاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي، وذلك في أعقاب اتفاقية الجزائر بين العراق وايران أثناء مؤتمر عدم الانحياز في السادس من آذار 1975، والتي وقعها شاه ايران وصدام حسين. وكيف أن أمريكا وايران سحبتا يديهما عن الثورة الكردية لتنهار وتلقي السلاح خلال ساعات، ويلتجئ البارزاني الى ايران مع قادة الثورة.

بقيت هذه غصة في نفوس الكرد وموقفاً من امريكا كنا نتابعه في تصريحات الرئيس مسعود البارزاني الناقدة لأمريكا والرافضة لسياستها تجاه الحركة الكردية، فقد كان الرجل غير واثق بها، وقد تجلى ذلك حتى في علاقته معها بعد الاحتلال والقضاء على نظام صدام حسين. فمن خلال تجربته التاريخية معها ومع المرحوم والده قائد الثورة أدرك موقفها الحقيقي غير الموثوق به والذي لايمكن الركون اليه والاعتماد عليه، وكيف تتغير سياساتها وتتخلى في لحظة عن مواقفها حتى مع حلفائها. وهذا ما نلمسه كذلك في مواقف وتصريحات السياسي الكردي العريق ورفيق درب مصطفى البارزاني الخالد الدكتور محمود عثمان من الولايات المتحدة الأمريكية. فهو من أشدِّ القادة والسياسيين الكرد انتقاداً وهجوماً على السياسات الأمريكية تجاه القضية الكردية خاصة والعراقية عامة، وذلك بحكم فهمه الدقيق لهذه السياسات والمبني على تجربته الميدانية التاريخية معها.

إنّ ما يؤكد عدم الثقة بأمريكا ومواقفها والركون الى وعودها واتفاقياتها هي تصريحات نجيرفان البارزاني في شباط الماضي وتصريحات الرئيس مسعود البارزاني الأخيرة حول الموقف الأمريكي من الكرد في العراق بعد الاحتلال. فقد صرح نجيرفان بأن الكرد يشعرون بأنّ أمريكا قد تخلت عنهم، وأما الرئيس مسعود فقد صرح مؤخراً بأن أمريكا لا تمد يد المساعدة للأكراد فهي تساعد وسط وجنوب العراق، وأن أقليم كوردستان كان قائماً قبل مجيء الأمريكان وسيبقى بعد رحيلهم. وفي هذه اللهجة نلمس عدم رضىً وخيبة أمل بأمريكا ووعودها للكرد.
 
لقد كانت أمريكا تبحث عن منفذ لتغزو العراق من خلاله بعد أن رفضت الأقطار العربية وتركيا فتح حدودها وأجوائها أمام الجيش الأمريكي، طبعاً عدا الكويت. ففتح الكرد أراضيهم وأجواءهم لدعم المشروع الأمريكي في احتلال العراق والقضاء على نظام صدام حسين.

كما أن المتسرب أن أمريكا وعدت الكرد خيراً في حل قضية كركوك وفق منظور الكرد السياسي والتاريخي، مما أبهجهم ومنحهم أملاً بأن امريكا قادمة للدفاع عنهم وحل قضاياهم المستعصية مع حكومات المنطقة. لكنها بعد ذلك تخلت عن وعدها لتترك القضية الى اتفاق بين العراقيين أنفسهم، كما تركت متابعته وحله الى الأمم المتحدة، وهو ما تسبب في حدوث أزمة وصراع بين الحكومة العراقية المركزية واقليم كوردستان العراق، يُخشى أن تؤدي الى عواقب وخيمة وخطرة على العراق والمنطقة. وفي هذا السياق لم تتدخل أمريكا بين الطرفين، ولا عملت على تنفيذ وعودها للكرد.

إن التجارب في العالم أثبتت أنّ الثقة بأمريكا والركون الى سياساتها والأمل بوعودها ومساعداتها الخالصة هي من باب الوهم المحض، والسذاجة السياسية، والأمل الزائف الذي يوقع أصحابه في فخ لن ينجوا منه فيصيبهم بخيبة أمل وربما بهلاك.

والغريب أن الكثيرين من السياسيين والباحثين والكتاب، ومن اليساريين مع الأسف، أخذوا يلهجون باسم أمريكا المخلّصة والمنقذة وبانية الديمقراطية المدافعة عن حقوق الانسان والمستضعفين، مشيدين بما قامت به في العراق من تخليص الشعب من النظام الدكتاتوري العاتي، لا هجين باسمها مغنين بأفعالها بشكل غير مسبوق ومثير للاستغراب، كيف تحوّل اليسار يميناً!

إنّ أمريكا كما يقولون هم ليست جمعية خيرية تقدم المساعدات الى الشعوب والدول دون مقابل، وأن مصالحها هي التي تحركها، وعليه إذا التقت مصالحنا بمصالحها فلا مانع من الاتفاق معها ووضع اليد في يدها. لكنهم نسوا أو تناسوا أنها دولة عظمى، وأنها تتحرك مع الضعيف بمكر واستعلاء وتصغير. وحالما تؤمن مصالحها أو تتعارض مع مصالح الآخرين فإنها تضرب بكل اتفاقياتها ووعودها ومساعداتها عرض الحائط، وتترك حلفاءها ومؤيديها والشعوب لمصيرهم. والتاريخ خير شاهد.


عبد الستار نورعلي
15 مارس 2009 




130
محاكمة المتهمين بتهجير وقتل الفيليين هي محاكمة القرن
عبد الستار نورعلي
محاكمات نورنبرغ عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 والتي جرت لمحاكمة الضباط النازيين على جرائم الابادة الجماعية ضد اليهود وغيرهم اعتبرت محاكمات العصر، أي محاكمات القرن العشرين، وذلك لأنها حاكمت مجرمي الحرب على أفعالهم الوحشية وجرائمهم البشعة ضد الانسانية، وقيامهم بعمليات قتل وإبادة جماعية بأساليب رهيبة منها الحرق بغرف الغاز لآلاف مؤلفة من المدنيين الأبرياء دون ذنب ارتكبوه.

وقد عاصرنا ايضاً تشكيل المحكمة الدولية في لاهاي لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة خلال حرب البلقان، ومحاكمة تايلور رئيس رواندا على جرائمه ضد الانسانية، وأخيراً مذكرة اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير لجرائمه الوحشية اللاانسانية في دارفور.

وبعد سقوط النظام الدكتاتوري الفاشي في العراق عام 2003 تشكلت المحكمة الجنائية العليا لمحاكمة رجال النظام السابق على جرائمهم ضد الشعب العراقي بمختلف طوائفه وألوانه، ومنها جريمة الدجيل والأنفال وحلبجة والانتفاضة الشعبانية واعدام التجار، وجريمة تهجير وقتل الكرد الفيليين.

وقد تابعنا العديد من المحاكمات التي جرت لقادة النظام الساقط على جرائمهم، وآخرها المحاكمة التي تجري هذه الأيام للمتهمين بتهجير وقتل الآلاف من الكرد الفيليينن اضافة الى القيام بمصادرة أملاكهم وأموالهم ووثائقهم الرسمية القانونية العراقية التي تثبت عراقيتهم وذلك في محاولة خبيثة لاقانونية لإخفاء كونهم عراقيين والصاق التبعية الايرانية بهم لتبرير جريمتهم هذه التي هي من الجرائم ضد الانسانية دون ادنى شك.

لقد شاهدنا واستمعنا الى شهادة عدد من الشهود في هذه القضية من نساء ورجال تعرضوا للتهجير القسري هم وعوائلهم ولمصادرة الأملاك والأموال والوثائق الرسمية وحتى أثاث البيوت، مع حجز شبابهم بالآلاف. وسمعنا ماعانوه ولا قوه من ظلم واجحاف وتوقيف وسوء معاملة لأشهر قبل القائهم على الحدود الايرانية بطريقة فاشية وحشية تفتقر الى أبسط القواعد الانسانية والقانونية بحيث فاقت أعمال النازيين والفاشيين، وسمعنا كم عانوا في طريقهم نحو الحدود الايرانية بين الجبال ووسط الألغام والقصف وهطول الأمطار وهبوب الرياح والعواصف أثناء الحرب العراقية الايرانية، وكيف مشوا عراة حفاة جائعين لأيام مع الخوف والرعب في الطريق، وتعرضهم لعمليات السلب والنهب والاعتداء والاغتصاب من قطاع طرق ثبت من شهادة الشهود أنه كان بينهم وبين الأمن العراقي الذي قام بتنفيذ عمليات التهجير اتصال واتفاق حيث كانت قوافل المهجرين البؤساء المظلومين تسلم اليهم يداً بيد من قبل السلطات العراقية مع اخبارهم بأن هؤلاء المهجرين هم ملك صرف لهم يفعلون بهم مايشاؤون، فهم وأموالهم وأعراضهم ملك لقطاع الطرق المجرمين اولئك.

ومع الأسف الشديد وما يغص في النفس ويؤلم ويثير الغضب والاستهجان والاحتقار أنّ هؤلاء اللصوص والمجرمين وشذاذ الآفاق كانوا من جحوش الكرد المتعاونين مع السلطة الفاشية، وهم من نفس أرومة المهجرين الكردية مع الأسف. والآن هم منعمون مرفهون في ظل ما سمي بالعفو عما سلف!

إنّ ما تظهره مجريات هذه المحاكمة من جرائم بشعة وحشية وتجاوز واستهتار بالقوانين التي سنها النظام نفسه، وهو ما لم تألفه الدول المتحضرة التي تحترم قوانينها وحتى الأنظمة الديكتاتورية التي لا تجرأ على القيام بمثل هذه الأفعال المشينة الإجرامية ضد شعوبها، هو مايجعلنا دون تردد أن نعتبرها محاكمة العصر والقرن الحادي والعشرين.

إنّ نوعية الجرائم واحتقار القوانين وتجاوز كل القيم الانسانية التي كشفتها هذه المحاكمة قد فاقت كل أنواع الجرائم والقوانين والتصورات التي عرفتها البشرية حتى في أحلك عصورها ظلاماً وتاريخها تخلفاً وأبشع أنظمتها التي حكمت بعض البلدان.
وإلا كيف ننظر الى عملية التهجير والقتل والابادة هذه بطريقة همجية لا انسانية؟

ثم كيف ننظر الى حجز الألوف من الشباب دون ذنب ارتكبوه وتغييبهم في المعتقلات الجماعية دون أثر حتى اليوم.؟

وماذا نعتبر صدور احكام بالاعدام للعشرات منهم بمحاكم صورية وخلال دقائق وبضمنهم فتيات بعمر الزهور من غير أصول قانونية من توجيه تهمة وحضور محامٍ وسماع شهود ودفاع  ودون توجيه تهمة؟!

وكيف نفسّرُ عملية حجز نساء وأطفال وشيوخ ومرضى وحوامل ولدنْ في المعتقلات ولشهور طويلة وسط البرد والجوع والمرض؟

وما تقول البشرية المدنية المتحضرة في استخدام  آلاف من الشباب الفيلي حقلاً لتجارب أسلحة كيمياوية؟

وماتقول القوانين الانسانية في تفجير الألغام أمام الجيش العراقي بأجساد آلاف من الشباب الفيلي المحتجز حين أمروهم بالمشي عليها لتعبيد الطريق أمام الجيش العراقي في مواجهته للجيش الايراني؟!

وبمَ نفسّرُ اغتصاب الصبايا البكر على أيدي العصابات المتعاونة مع السلطة الفاشية؟!

إن العمليات الاجرامية المذكورة جرائم ضد الانسانية وجرائم ابادة بشرية وتطهير عرقي، ووحشيتها المفرطة في الهمجية تجعل محاكمة مرتكبيها هي محاكمة القرن الواحد والعشرين بحق.

لكن مما يؤسف له ويؤلم الضحايا والمكوّن العراقي الفيلي هذا التجاهل الاعلامي من وسائل الاعلام العراقية وفضائياتها وخاصة الرسمية في عرض هذه المحاكمة ليرى ويشهد ويسمع الرأي العام العالمي ما جرى للكرد الفيليين وما قام به النظام الفاشي الساقط من جرائم بشعة في حق شعبه، وليعلم كلُّ طاغٍ ومجرم ومضطهد لشعبه أن يوم حسابه قادم لا ريب، لكي يكفَّ يده عن ظلم شعبه، ولتكون هذه المحاكمات مثلاً لكل جبار عنيد، وباغٍ شديد.     

وقد قال أبو القاسم الشابي وصدقَ:

إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة    فلا بـدَّ أنْ يسـتجيبَ القدرْ


عبد الستار نورعلي
9 آذار 2009   

131
ايضاح ـ وصلتني رسالة تهديد
عبد الستار نورعلي
وصلتني قبل أيام عبر بريدي الالكتروني ومن أحد مواقع الانترنيت التي اعتدت النشر فيه رسالة انذار توحي بالتهديد بأن الموقع سبق أن أرسل الي رسالة (لم أتسلمها) وربما لم أفتحها، وقد تكون قد رميتها خطأ، ضمن مئات الرسائل التي تردني، الى سلة المهملات ثم حذفتها من كومبيوتري الخاص. وهي الرسائل المزعجة والتي لا يهمني ما تتضمنه ضمن المئات التي يتسلمها الآلاف من مستخدمي شبكة الانترنيت، أو التي أشتبه باحتوائها على فيروس، أو أن الموقع المرسل من المواقع المعادية للشعب العراقي فمضمونها معروف سلفاً.

حين فتحت الرسالة المعنية بكلامي فوجئتُ هكذا وبلا مقدمات أو ممهدات من المخاطبة المعهودة واللياقة المفروضة والاحترام والخلق المهني الإعلامي في الرسائل للمرسل اليه، وخاصة إذا كانت هناك مخاطبات سابقة وعلاقات حسنة، فوجئتُ بـعبارة إذهلتني وعقدت لساني وجمّدت أناملي، وهي (أعذر من أنذر).
أصبتُ بصدمة فرددتُ مع نفسي: ياساتر استرْ!!!!!
فمثل هذه الجملة وهذه الصيغة تتضمن معنى التهديد والوعيد وأنّ صراعاً قادماً بين خصمين متواجهين هما المخاطِب (بكسر الطاء) والمخاطَب (بفتح الطاء). فقد اعتاد العرب قديماً في حروبهم مخاطبة العدو المواجه لهم قبل بدء القتال برسالة تتضمن التهديد والوعيد وعرض العضلات وابراز القوة والبأس والاستعداد وعدم الخوف من خوض المعركة، وانذار الجيش المقابل، ثم ختمها بهذه العبارة (لقد أعذر من أنذر) لإلقاء الرعب والخوف في نفس العدو. لذا أعتقد أن القارئ الكريم يفهم بالتأكيد صدمتي بالجملة لما تحمله من معنى وايحاء سلبيين يحملان مضمونَ المواجهة والصراع.

للحظة مابين رمشة عين واغفاءتها استعدت ما نشرتُ في الفترة السابقة متسائلاً مع نفسي أنه قد يكون فيها شيءٌ لم أنتبه اليه مما أثار حفيظة الأخوان، لكني لم أجد ما يثير الغضب ويستدعي التهديد والانذار ورسالة بتراء وهكذا أسلوب خارج عن اللياقة في مخاطبة من اعتادوا النشر له كثيراً. وهم يعرفون جيداً مضامين كتاباتي البعيدة عن القذف والأساليب غير اللائقة بالكتابة الجادة وبمَنْ يحترمُ نفسه وقلمه.

ثم مرَّ بخاطري وبلمح البصر أيضاً استفهامٌ آخرُ:
يا تُرى، هل بدر مني تصرفٌ ما كانسان وكمواطن عراقي مما دفع القوم الى هذا الانفعال والغضب والتهديد؟
لا، لا أعتقدُ لإانا أعرف نفسي جيداً جداً!
فحياتي هنا في غربتي بمدينة سويدية صغيرة ليس فيها جديد خارج اطار الروتين اليومي في التسوق والمشي وارتياد المكتبة العامة ورعاية أمور العائلة والقراءة والكتابة والترجمة ومتابعة الأخبار على مواقع الانترنيت وعلى الفضائيات العربية المُصدّعة للرأس والمثيرة للأعصاب، وأحياناً متابعة مسلسل عربي أو تركي، على حسب المزاج والوقت ومضمون الرواية لعلنا نجد مادةً مسليةً تمضية لوقت فراغٍ وسط زحمة الحياة الخانقة والضاغطة والغربة القسرية!
 
إذن، فليس في سيرة أيامي ما يدفع الى تشنج البعض ويهيّج اعصابهم ويفجّر غضبهم بهذه الصورة والى حد التهمة بمصافحة قتلة أهلنا والتعاون معهم والخطأ الذي لا يُغتفَر. أي بالقلم العريض حسبوني ضمن قتلة أهلي وشعبي!!!
وهذا في الجملة التالية في الرسالة أعلاها وهي:
(مصافحة يد القتلة من سفاكي دم اهلنا ................. والتعاون معهم خطأ لا يغتفر)
فأصبحت الصدمة عندي أشدّ!!!
يا سلام !!!!
قضحكتُ ملْ فمي سخريةً واستهزاءاً!!!
أهكذا تُلقى التهم جزافاً وزوراً وبلا وعي أو تفكير سليم؟!

إنّ كلّ من يتابعني ويقرأ لي منذ أن بدأت الكتابة في منتصف الستينات وحتى اليوم يعلم جيداً منْ أنا، وما موقفي الفكري والابداعي وعلاقتي بوطني وشعبي وحبي العظيم لهما، ومهاجمة ومحاربة الظلم والطغيان والعدوان والاحتلال وقهر الشعوب بالكلمة الصادقة النبيلة والحرف النقي غير المغمس بدماء الناس ومعاناتهم  واليد النظيفة واللسان الصادق والقلم السيف الصارم في وجهِ كلّ باغٍ وكذابٍ ودجالٍ ومزورٍ ولصٍ وسارقٍ للقمة الفقراء.

وما ذكرته من مسيرة حياتي اليومية ليس فيها لا لقاء مع القتلة ولا تعاون ولا مصافحة ولا خطأ لا يُغتفر!!

أنا لا ألتقي إلا بعدد قليل من الأصدقاء والمعارف إما في الطريق العام صدفةً، أو في محل للتسوق، أو في النادي العراقي، أو على شاطئ النهر الذي يشقُّ مدينتنا نصفين أو على ساحل البحيرة القريبة وذلك صيفاً  حين تكون السماء صافية والشمس مشرقة. وكذا نجتمع نحن الأهل والأقارب في المدينة التي نقيم فيها بين حين وآخر.
 
وكلّ الذين ذكرتهم والحمد لله من المظلومين والمضطهدين والمطاردين الذين هُجِّروا أو هاجروا من وطنهم العراق أثناء الحكم الديكتاتوري لأسباب معروفة، وكلهم خلّف وراءه بيتاً ومالاً ووثائق عراقية مصادرة، وشهداء غُيبوا في المقابر الجماعية التي خلّفها النظام المباد. وجميعهم من الوطنيين الأحرار الشرفاء الأنقياء الأوفياء لبلدهم  ولذكرياتهم ولأصدقائهم ومبادئهم والحريصين على شعبهم والمدافعين عن حقوقه والذين همهم الأول والأخير هو معاناة شعبهم بمختلف قومياته وأديانه وألوانه، وهم من المعادين الأشداء لقتلة شعبهم أياً كانَ سابقاً أو لاحقاً، والحمد لله!

فليس بينهم واحدٌ من قتلة شعبهم، والعياذُ بالله!!!!

ثم أخيراً جاء لبُّ الموضوع:
( لم ترد على رسالتنا السابقة. واصررت على ارسال نتاجك الى موقع ...............
لذلك رفعنا نتاجك من موقعنا)
وكما أسلفتُ لم أتسلم رسالةً سابقةً. وحتى لو تسلمتُ فلن يتغير شيءٌ في ما اقوله عن موقفي المقتنع به.
وهنا لا أحب أن أذكر اسم الموقع المعني ولا الأشخاص الذين ذكرتهم الرسالة لأني لا أريد أن أجرّ الموضوع الى صراع شخصي بين المواقع والكُتّاب، فإن الأمر يعنيني أولاً.
ولكن لا بدَ هنا من تذكيرهم بأسماء تُنشر لها نصوص في الموقع المعني:
فهل كلُّ هؤلاء يصافحون قتلة شعبهم ولا يدركون أين ينشرون؟!
وهل هم من قتلة شعبهم، ومصافحتهم جريمةٌ لا تُغتفر؟!

د. كاظم حبيب.
د. سيار الجميل
د. تيسير الآلوسي
عبد المنعم الأعسم
الناقد ياسين النصير
كاترين ميخائيل
د. حامد الحمداني
كفاح محمود كريم
مصطفى صالح كريم
الشاعر الكردي بدل رفو المزوري
نزار حيدر
حمزة الجواهري
صائب خليل
وداد فاخر
سعد صلاح خالص
فينوس فائق
رواء الجصاني
بريزاد شعبان
جعفر المهاجر
نسرين وصفي طاهر
حسن حاتم مذكور
جواد كاظم الخالصي
الشيخ خالد عبد الوهاب الملا
عباس النوري
محمود الوندي
الشاعر طارق حربي
جمعة الحلفي
الشاعر ابراهيم الخياط
الشاعر رياض النعماني
سهيل أحمد بهجت
الشاعر بولس آدم
القاصة زكية خيرهم
صبيحة شبر
نجاح محمد علي ......
وغيرهم الكثير من الكتاب العراقيين. وما ذكرتهم هو على سبيل المثال لا الحصر.
وأما في مراقبتنا للموقع المغضوب عليه في رسالة الموقع الغاضب لم نعثر على ما يهاجم او ينال من الشعب العراقي أو من اي مكون منه.
وقد رديت على الرسالة غير المهذبة الخالية من اللياقة والتعقل. 

أما قرار مجلس قيادة الثورة برفع نتاجي من الموقع فأمر يعود الى صاحبه، ولا يعنينا بشيء، ولا يقللُ من شأننا ولا يهبطُ بمكانتنا التي بنيناها بتعبنا وجهدنا وصحتنا خلال عقود وعقود. كما أن المواقع العراقية والكردية الوطنية الشريفة التي تنشر لنا وترحب بنتاجاتنا كثيرة والحمد لله ومزدهرة وعامرة بكتابها، ولم تبخل علينا يوماً بالنشر أو تلعب دور الوصي والآمر والناهي لتقرر ماذا ننشر وأين ننشر.
وإن كان من حقها العتاب والتنبيه حين تجد مبرراً. أو عدم نشر ما تراه لا يتلاءم وتوجهاتها وسياستها الاعلامية.
 
علماً بأننا نكتب دون مقابل غير قول الحقيقة والتعبير عما يعانيه شعبنا وأهلنا في الوطن والغربة. ولم نهادنْ يوماً سلطاناً ولا طاغيةً ولا صاحب سلطة أومركز أوجاه أومال، ولم نقف على أبواب الصحف والمجلات ووزارات الثقافة والإعلام يوماً حين كان ولايزال بعض الكتاب يُباعون ويُشترَون.

لقد حافظنا على استقلاليتنا الفكرية وحريتنا الشخصية ومبادئنا التي نؤمن بها وحرصنا على نظافة اليد واللسان والقلم دون الانتماء الى سلطة أو حزب أو قوة نبتغي من ورائها عَرَض الدنيا ومغرياتها الزائفة الفانية. ولم نقبلْ ولا نرضى بإملاءٍ من أحدٍ غير ضميرنا وحريتنا في التفكير والتعبير والكتابة أينما وجدنا ضرورةً أو عانينا تجربةً أو رأينا ظلماً واعتداءاً أو سمعنا أنّة انسان يعاني في أية زاوية كانت من الأرض.

كما لا يحقُّ لأحد أن يزايد على موقفنا الثابت والمبدئي في نصرة الحق ومحاربة القهر والاضطهاد وخنق الشعوب. ولا يجوز له أن يتهمنا بما ليس فينا غير انه ينطلق من موقف شخصي أو متشنج من احدهم ليصبَّه علينا. فنحن والحمد لله معروفون للقاصي والداني والمتابع لفن الكتابة ومنذ خمسة وأربعين عاماً من ممارستها.

وللعلم أيضاً، لقد ترددتُ اياماً في كتابة هذا الايضاح، حيث وجدتُ أن الرسالة لاتحتاج الى مثل هذا الرد، لكن ما في النفس من غصة وألم وغضب على سوء التقدير والتصرف والاتهام الباطل البعيد عن الحقيقة تماماً للموقع المقصود واحتراماً للذات، ولكي لا يتكرر مثل هذا الفعل غير السليم والذي فيه تجاوز قانوني وانساني وشخصي على حرية انسان وحرية الكلمة، خاصة وأن الموقع يصدر من بلد يعتبر قمة الديمقراطية والاحتكام الى القانون في حالة التعرض الشخصي غير المستند الى الواقع والحقيقة لأحد مواطنيه، ولإعلام من لا يعلم لكي يعلم، قررتُ أن أكتب وأنشر هذا الايضاح.
 
وكذلك لكي أبين للناس أنه لا يزال هناك خارج إطار الأنظمة الديكتاتورية والشمولية البوليسية مَنْ يلعبُ دور شرطي الأمن والرقابة على نتاجات وأماكن نشر الكتاب الأحرار، بل يقوم بتهديدهم بحجب نتاجاتهم واتهامهم بتهم باطلة جاهزة تذكرنا بمخابرات الدول الباغية والديكتاتورية، ناسياً أن العالم أصبح قرية صغيرة، والشبكة العنكبوتية مليئة بالمواقع والصحف الألكترونية خارج هذا العالم المغلق على الذات والذي يتصور أنه قادر على منع الكلمة الحرة والأقلام النظيفة أن تصل الى كل مكان من الكون ليقرأها القاصي والداني.

لماذا نكتب؟ هل نكتب لأنفسنا فحسب؟!

والحليمُ تكفيهِ الإشارة!!


عبد الستارنورعلي
السويد
الأحد 8 مارس/آذار 2009   


132
بالروح بالدم نفديك يا نوري!
عبد الستار نورعلي

من الشعارات التي كانت ترفعها المعارضة العراقية السابقة والحاكمة حالياً بمختلف فصائلها شعار القضاء على القبلية والعشائرية التي احياها صدام حسين واعتمد عليها في تثبيت حكمه ومواجهة معارضيه وأعدائه الداخليين بعد أن خلق لنفسه الكثير منهم، وحتى داخل نظامه. وكانت تلك المعارضة تدعو في برامجها الى نظام ديمقراطي دستوري مدني يعتمد على صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة. وهو ما يصدعون به رؤوسنا هذه الأيام بأنه قد تحقق.

من الآفات الاجتماعية والسياسية ومعرقلات بناء دولة حديثة ديمقراطية في ما كان يسمى بالعالم الثالث وبخاصة في الشرق الأوسط هي القيم العشائرية في بناء الانسان الروحي وتكوينه النفسي والفكري ومن خلال تحكم القبيلة والعشيرة في مجريات الحياة العامة والسياسية منها. وبما أن هذه القيم كانت ولا تزال سائدة وفاعلة في التوجه الاجتماعي والحياة عامة في هذه المنطقة من العالم  دأبت السلطات الحاكمة في بلدانها على تعميقها والاعتماد عليها في مواجهة معارضيها والأخطار التي تشعر بها على أنظمتها الشمولية والملكية والقبلية. فأخذت تقرّبُ رؤوساء العشائر وتغدق عليهم الهبات والعطايا وحتى المناصب وتقوي من مراكزهم، لما لشيخ العشيرة من تأثير على أفرادها في توجهاتهم وتجييشهم وإثارتهم حين الطلب أكثر من تأثير الأحزاب والقوى السياسية المؤدلجة في إطر فكرية ومناهج عمل التي تشكل خطراً جدياً على هذه الأنظمة وذلك حين تتوسع قواعدها وتتمدد في عمق الجماهير إذا اقتنعت بتوجهاتها وبرامجها الفكرية والسياسية. وهو ما قام به صدام حسين على خير وجه وبنجاح، حتى خلق مشايخ ماكانوا مشايخ بل أفراداً من الموالين للنظام والباحثين عن الجاه والمال والسطوة والمركز، وكان بعضهم مرفوضاً ومنبوذاً من عشيرته.

كانت هذه أحد الأمراض التي نخرت في روح الشعب العراقي وشوهت تاريخه ونشرت فيه مرض العصبية القبلية التي حاربها الدين الاسلامي وعمل على الغائها ونبذها كأحد معوقات بناء مجتمع جديد اسلامي انساني بعيد عن كل الضغائن المريضة التي تفرّق الناس بحسب الجنس واللون والانتماء القبلي. وكان هذا أسلوباً خبيثاً في زرع روح الفتنة والتمزيق للمجتمع العراقي المعروف بالتسامح والتعاون والتعاضد مع تنوعه وتعدد أطيافه المختلفة.

وبعد الاحتلال والتغيير الانفجاري في العراق استبشر المؤيدون له خيراً ببناء دولة ديمقراطية مدنية انسانية بعيداً عن الاضطهاد والقهر والتمزق والتمييز طائفياً وقومياً ودينياً، وبعيداً عن العصبية القبلية والقيم العشائرية التي غذاها النظام السابق. فإذا بالمتفائلين والمستبشرين، ولم نكن منهم ولا نزال والحمد لله، يصابون بالصدمة والغضب مما أقيمت عليه الدولة من محاصصة بغيضة جرّت على البلاد الويلات والدمار وعلى الشعب الموت والخوف والمرض والفقر المدقع.

قالوا أنّ نظام صدام حسين كان عنصرياً طائفياً مفرقاً للشعب، فإذا بنا اليوم أمام عنصرية بغيضة وطائفية مقيتة، وتفريق وتمزيق للحمة الشعب العراقي لم يمرَّ مثله في تاريخ العراق القديم والحديث.

قالوا أن نظام صدام حسين كان عائلياً يقرب فيه صدام عائلته في الحكم، فإذا بنا أمام نظام عائلي لا مثيل له، كل مكاتب وحاشيات الأحزاب والقوى الحاكمة ووزاراتها حكر على الأبناء والأشقاء والأقرباء والأقربين.

قالوا أن نظام صدام كان عشائرياً، فإذا بنا أمام عشائرية لم نشهد شبيهها. وإذا رئيس الوزراء في بين فترة وأخرى يجتمع برؤوساء العشائر ليلقي فيهم خطباً عصماء وأقوالاً بتراء طويلة عريضة. وما محاولاته قبل انتخابات مجالس المحافظات في 31 يناير هذا العام لتشكيل ما سمي بمجالس الاسناد في المحافظات ومن أبناء العشائر إلا دليل على الاعتماد ثانية وفي مايسمى بالعراق الديمقراطي المدني الجديد على احياء النظام القبلي الذي عفّى عليه الزمن الآن في مسيرته التقدمية الالكترونية التي أضحى فيه العالم قرية صغيرة لا تحتمل هذه القيم.

مع احترامنا الكبير للجانب المشرق من القيم العشائرية الطيبة والانسانية المليئة بالتعاون والتعاضد ومساعدة الغير وكرم الأخلاق والشهامة والنبل والفروسية، لكن اطلاق العصبية بمفهومها التفريقي والتجييشي والتعبوي لغرض استغلالها سياسياً ولهدف فئوي ذاتي من أجل الاستمرار في حكم العراق وفق مفهوم حزبي ضيق وحلم الوصول الى نظام حكم الحزب الحاكم والقائد الأوحد في الساحة ثانية ومن خلال ديمقراطية شوهاء عرجاء عوراء، هو ما نرمي فيه بكلامنا هنا.

فهل يحلم البعض هذا من الممسكين بزمام السلطة بأسنانهم ومخالبهم أن يوصلونا الى أن تصاغ القصائد العصماء في الرئيس القائد المناضل الجسور باني دولة الأمن والقانون، و هتاف:
بالروح بالدم نفديك يانوري !!!



عبد الستار نورعلي
الجمعة 27 شباط 2009 



133
الفيليون والبيت بيت أبونه والناس يعاركونه
عبد الستار نورعلي
قبل كل انتخابات تجري في العراق بعد الاحتلال وسقوط النظام السابق في 9 نيسان 2003 تحاول القوى السياسية العراقية واحزابها شمالاً وجنوباً أنْ تتقرب من الفيليين، وتتحدث عن مظلوميتهم وقضيتهم وحقوقهم. فتقيم لبعضهم المؤتمرات وتوجه الدعوات وتمنح الأموال والهدايا، وتعِدهم بمواقع ومناصب وانجازات واستعادة حقوق. وبعد ظهور نتائجها يخيب أمل هذا البعض ويشعر بالمرارة والغضب والحنق ليبدأ قسمٌ منهم في التحليل والنقد والتهجم وفق قراءته لأصوات الفيليين واتجاهاتها التي ظهرت بعكس تياره وتوقعاته وأمله.

سبق لنا ان قلنا قبل كل عملية انتخاب جرت بأن لا تتوقع هذه القوى على تباين منطلقاتها وتوجهاتها الكثير مما يأمله وينتظره من جماهير الفيليين في الوسط والجنوب، وذلك خارج الواقع التاريخي الموضوعي المبني على الحقائق الجغرافية والبيئة السكانية الاجتماعية والظروف المحيطة المؤثرة في الفرد والجماعة البشرية. ثم الاستناد في الرؤية والتوقع الى الدراسة والمراقبة المنهجية العلمية للخروج بالرأي حول ظاهرة ما سياسية أو ثقافية أو اجتماعية، ومنها بناء الحكم الموضوعي على النتيجة المستخلصة. حيث لا يجوز بأي حال من الأحوال الحكم العاطفي الآني والذاتي المتأثر بالمصالح والمواقف الفئوية على مجموعة بشرية خارج إطار الموضوعية، وخاصة للسياسي والكاتب والباحث عن الحقيقة خارج حدود الانحصار في ضيق الأفق والتعصب والعصبية والانفعال.

لم تخرج نتائج انتخابات مجالس المحافظات في العراق التي جرت في 31 يناير 2009 الماضي عن حسابات السابقات لدى المطلعين على الأمور داخل البيت الفيلي في الوسط والجنوب وبغداد بالذات. فأصوات الذين شاركوا منهم بالتأكيد توزعت بين القوى السياسية المشاركة المختلفة بناءاً على المنطلقات والتوجهات المتباينة النابعة عن قناعات خاصة لكل فرد مؤسسة على مواقف فكرية أو عاطفية أو روحية بحسب عمق التأثير للجانب القومي أو المذهبي أو السياسي وحتى المصلحية الذاتية لدى البعض من الفيليين بحثاً عن مناصب أو مواقع أو منافع مادية شخصية.

الفيليون حالهم حال كل العراقيين بمختلف قومياتهم وطوائفهم وأديانهم، فليس كل العرب مثلاً في وجهة واحدة أوموقف ثابت على حزب أو قوة سياسية بعينها، فهم موزعون على جهات وقوى وأحزاب مختلفة وبالعشرات، وكذا الكورد والتركمان والكلدو آشوريين والأرمن والصابئة والأيزيديون والشبك. فهذه مسألة طبيعية في كل شعوب الأرض، والفيليون لا يختلفون في هذا عن غيرهم.

فلا يحق لمَنْ كان ينتظر شيئاً وزخماً من أصواتهم أن يحمل معول النقد والهجوم والتجريح ليضرب بقسوة فيهم. إنما عليه أن يبحث في الأسباب عنده وفي داخل بيته، وهي غير خافية على أحد من الفيليين وحتى منهم ضمن الواعين والمراقبين بدقة وتجرد وموضوعية بعيداً عن التحزب والعصبية القومية والمذهبية.

أما منْ يذهب الى حد التشهير والتجريح والهجوم العنيف وعلى الذين استضافوهم واكرموهم وأغدقوا عليهم العطايا والهدايا والهبات على أنهم يمثلون الفيليين ومع اقتراب كل عملية انتخابات تجري في العراق أملاً في التقرب من الفيليين وعلى أساس تحرك هؤلاء لضمان تأييدهم وموالاتهم، فاتهم أنَّ الذين يستضيفونهم لا يمثلون الفيليين ولم ينتخبوهم كي يذهبوا ليتحدثوا باسمهم، وإنما أختيروا على المزاج والولاء والعلاقات الشخصية. مع احترامنا الكبير للكثيرين منهم، إلا أن الحقيقة يجب أن تقال وينبغي أن تُدرك ويفهما الجميع.

إنّ منْ اسباب تشرذم الفيليين هو تدخل هذه القوى والأحزاب بينهم منْ أجل كسبهم، وتقريب البعض دون الآخر وفق حسابات حزبية او فئوية او مواقف شخصية، ثم العمل على تنظيمهم في جمعيات ومجالس وقوى مختلفة متصارعة، مع أن الهدف والمطالب واحدة معروفة ومطروحة عند الجميع. إلا أن الشد والجذب لدى تلك الأحزاب والقوى هو سبب رئيس في هذا التشرذم.
 
إنّ من المعيب والمخجل على البعض أنْ يعيّر هؤلاء بأنهم اقاموا في الفنادق الفخمة وضربوا الدجاج والأكلات الدسمة وأقاموا الحفلات ولم يقدموا شيئاً ولم يفلحوا في كسب أصوات الفيليين للذين استضافوهم وللقوائم التي تمثلهم وكان المنتظر منهم أنْ يصوتوا لها.

ما كان الفيليون جائعين جشعين مفترشين العراء وبحاجة الى فنادق فخمة واكلات دسمة وضرب في الدجاج، إنما حاجتهم هو العمل الجاد والمخلص والحقيقي على استعادة حقوقهم وأموالهم وبيوتهم ووثائقهم المصادرة ومعرفة مصير الألوف المؤلفة من شبابهم المغيبين في المقابر الجماعية التي خلفها النظام المباد. وخاصة ان الذين انتظروا منهم الأصوات والتأييد  هم مِنْ اصحاب السلطة وصناع القرار وقوى التأثير الكبير على مجريات الأمور في عراق ما بعد الاحتلال.

فما الذي قدموه للفرد الفيلي الفقير والعاطل عن العمل والمقيم في بيت لا يليق بالسكن الانساني؟ وما الذي فعلوه في بذل الجهد والعمل على استرداد المهجرين من الفيليين لحقوقهم المغتصبة منْ أملاك وأموال ووثائق ومعرفة ما جرى لخيرة شبابهم الذين احتجزهم النظام المباد بعد تهجير عوائلهم؟
ما الذي فعلوه؟ وما الذي قدموه؟

وإذن لم تكن الاستضافة لله بالله! ولم تكن حباً بالفيليين، والله!
 
إن الفيليين هم مِنْ أصحاب البيت العراقي كله. وهم من بُناته الأصلاء والمتفانين والمخلصين والحافظين على ولائه وحبه، قدّموا الغالي والنفيس من الأموال والأرواح والأولاد في سبيله وفي سبيل قضية أمتهم أيضاً، فواجهوا ظلماً واضطهاداً مزدوجاً لم يعانِ مثله طيف عراقيٌ آخر. فمَنْ يقدّمُ لهم شيئاً فهو ليس منةً منه ولا فضلاً، إنه جزءٌ مِنْ حقوقهم ومن أموالهم التي منبعُها خيراتُ وطنهم وشعبهم، هذه الخيرات التي يتمتع بها غيرهم دون وازع ولا حدود ولا قانون.

وصح المثل العراقي القائل:
"البيت بيت أبونه، والناس يعاركونه"!!


عبد الستار نورعلي
السويد
الجمعة  13 يناير 2009 


134
هل الشعب العراقي حقاً شعبٌ واحد؟

عبد الستار نورعلي

كنا طوال حياتنا ومن خلال ما تربينا ونشأنا ووعينا عليه وآمنا به وعملنا في اطاره وتأثيراته وايحاءاته نرى العراق وطناً واحداً متماسكاً ورقماً صعباً غير قابل للقسمة، وشعبه متراص متماسك متداخل موحد في الوشائج والمشاعر والأهداف الوطنية والعمل. ومابرحت أحاسيسنا وعواطفنا وكتاباتنا كعراقيين وطنيين حريصين تسير في هذا الاتجاه ونحن نتجاور ونتصادق ونتزاوج ونتحدث ونتحاور ونعبّر ونكتب نصوصاً شعرية ونثرية، نتغزل فيها ونفتخر بالشعب العراقي الواحد الموحد وتاريخه ونضاله وحضارته الضاربة في القدم، وندافع عنه ضد كل عدوان أو تهديد أو صراع أو قدح أوطعن. وكذلك نعبّر عن معاناته وما تعرض له من ظلم واضطهاد وقهر منْ غير الالتفات الى قومية أو طائفة أو دينٍ أو عشيرةٍ أو منطقة.

فهل علينا اليوم ونحن نرى ما يجري على الأرض أن نرمي كل ذلك خلف ظهور عواطفنا وسطور كتاباتنا ووحي قناعاتنا؟

وهل علينا أن نختزل أنفسنا في زاوية حادة، ونحشر قلوبنا في جيب صغير من جيوب العراق المتعددة وفق خارطة الملوك والطوائف والقبائل والعشائر؟

هل علينا أن نغيِّر قناعاتنا ونستدير 360 درجة؟

في بلغاريا في ربيع 1992 بعد هجرتي بأشهر كتبتُ وأنا في قرية سيميانوفا وعلى سفح جبل فيتوشا المطل على صوفيا متضوَّراً شوقاً وحنيناً:

ايامطرَ الربيع،
اغسلْ وجهَ العراقْ،
ونقِّرْ على جبهتي قطرةً
بعد قطره.
تباركَ اسمُ العراقْ!
تباركَ منْ سالَ دمهُ
على جذعِ نخلةٍ في الجنوبْ!
تباركَ منْ طارَ جذعهُ شظايا
على قمةٍ في الجبالْ!
تباركَ كلُّ مَنْ صاحَ:
ياعراقْ ........!

فهل عليَّ اليوم أن أغيِّر في القصيدة فأقولَ:
ايامطرَ الربيع،
اغسلْ وجوهَ العراقْ!

فقد أضحى العراق بوجوه وألوان وأجزاء ومناطق وعشائر وقوى عديدة مختلفة متصارعة بحدِّ الاختلاف والبغض والحقد الدفين والدم الذي سال أنهاراً في الشوارع والأزقة. وكل هذا بعد طوفان الاحتلال وزلزال التغيير واعتلاء أحزاب الدين والطوائف والمدارس الفقهية والمذهبية والعشائر سدة الحكم والامساك بالسلطة.
لقد انقلب شعبُ العراق شعوباً أخرى لم نعرفها ولم نعهدها.
فهل كنا مخدوعين، أو غافلين، أو متغافلين؟
المناطق أصبحت مرسومة وفق سيفِ الطائفة والمذهب والقومية والدين!
صراعات بينها بلهيب النار والموت والدمار والتهجير القسري والطوعي.
كلُّ طرفٍ معبّأ وعلى أهبة الاستعداد ويده على الزناد وكأنه في حرب مُنتظرة.
ووسط كل ذلك قوى وأحزاب تدعي تمثيل هذه الفئة أوتلك الطائفة وهذا الدين أو ذاك!
ومعها سارت رياح الناس حيث يسيرون.

ومعها تبينت حقيقة مرعبة رغم كل ماقيل ويقال من معسول الكلام وجميل التحليل والتأويل والتعليل وضرب المثل المضيء الوهمي بالتاريخ القريب والبعيد.
انكشفت حقيقة بقيت غاطسة مُخفية رأسها تحت سطح اليد الحديدية التي كانت تمسك بمقاليد الحكم، وهي أن اختلاف الأمة ليست رحمة دائماً.

برزت الصورة المتسترة وراء ستار الوحدة الوطنية والاجتماعية والمشاعرية، وهي صورة متنوعة الألوان والأطياف مؤطرة بإطار حديدي مُسنّن صاحبه بيد من سيف ويدٍ من نار. فمن يخرج عن الصورة والإطار والطاعة طارت رقبته أو أحترقَ في النار. لذا ظلت مطيعة ساكنة صامتة عن حقوقها واستحقاقاتها عن خوف، أو من تصور هول ما سيحدثه الانفجار المدمر للجميع إذا وقع.

وحين كُسر الاطار مِزَقاً وتحطمت اللوحة بعد الاحتلال انطلقت الأطيافُ والألوانُ الى فضاء فسيح دون إطار أو حدود أو خوف من اليد الحديدة الضاربة. وعليه تصادمت وهي في انطلاقها وفي خضم حريتها الفوضوية اللامحدودة. كلّ واحد منها يريد أن يكون صاحب الإطار. فبرزت الكراهية الكامنة والحقد الدفين قومياً وطائفياً ودينياً وايديولوجياً بين هذا الألوان والأطياف العراقية التي كانت تُسمى أصيلة مترابطة متحابة متضامنة مثل البنيان المرصوص!! وما عشناها وشاهدناه من المذابح وأنهار الدماء شاهد حيّ لا يقبل التأويل واللف والدوران أو الالتفاف على الحقيقة الواقعية بجميل التعليل وحلو الكلام المزوّق والمصاغ بالوهم والكذب على النفس. وإن هدأ كلُّ ذلك الآن ظاهرياً فهو في باطن البركان متخفٍ يتحين الفرص، وعند اول شرارة سيتفجر طاغياً. 

وعلى أساس هذا الاختلاف والتلوين تأسست المحاصصة التي بعد مسيرة ما يقرب من ستة اعوام  يقولون أنها أثبتت فشلها، وأظهرت أنها جلابة للكوارث وخالقة للمهالك في مجتمع متنوع عانى الكثير من الاضطهاد والتهميش والاقصاء لطوائف دون غيرها. فواجهت معارضة شديدة حتى من مؤدلجيها ومروجيها ومؤسسيها والعاملين تحت لوائها. لكنها في رأينا وبحسب قراءة الواقع العراقي الموضوعي والمعاش والقوى الماسكة بالساحة وسدة السلطة والقرار وما في مخزون الفرد العراقي من انتماء  وقناعات ومن تاريخ من القهر والاضطهاد وما نراه ونسمعه من عداءٍ وكراهية متبادلة وعلى مستوى الناس العاديين، لا على مستوى الإعلام والتمنيات الواهمة الموهومة، فإنَّ ما يقال وما يرفع من شعارات وتصريحات هو من باب المجاملة وتهدئة النفوس والبحث عن موقع سياسي متقدم وتبرئة النفس من شوائب وعار ما يجري.

وفي انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة التي جرت في الحادي والثلاثين من كانون الثاني 2009 ونتائجها التي اعلنت يوم 5 شباط  2009 كان فوز القوى الدينية والطائفية والشوفينية والمناطقية مشهوداً وفي الصدارة، وكلٌّ بحسب محافظته ومنطقته طائفياً وقومياً. فقوى وأحزاب الجنوب الشيعي نفسها فازت بالنسب العليا، فهل فازت احداها في محافظات غرب العراق وشماله، كالأنبار وصلاح الدين والموصل؟
بالمقابل لننظر في القوى والأحزاب التي تصدرت الفوز في تلك المحافظات، فهل فازت إحداها في الجنوب؟

وكل تلك القوى والأحزاب، هل ضمت أطيافاً متنوعة وبشكل بارز وكبير، وإن ادعى بعضها هذا ظاهرياً للتجميل والدعاية الانتخابية؟

ثم لننظرْ في الأحزاب والقوى المدنية والعلمانية الوطنية العراقية غير الطائفية وغير القومية وغير الدينية، فكم حصدت من الأصوات؟ وما هو موقعها من الشارع السياسي والعمق والتأثير الجماهيري والحكم القادم من خلال ملاحظة ودراسة نتائج انتخابات مجالس المحافظات؟
بالطبع لا شيء !!!

القوى والأحزاب الطائفية والقومية والمناطقية التي تمثل التمزق والتقسيم الشعبي والوطني هي التي فازت مرة أخرى رغم انحسار بعضها جماهيرياً، لكن نُسخها ووجوهها الأخرى تصدرت.

فهل هذا هو العراق الواحد والشعب الموحد؟

وهل تمثيل الأديان والطوائف الصغيرة على الأساس الديني والطائفي في المجالس وبالنسب المعلنة هو وجه العراق الواحد والشعب الموحد؟

رغم كل ماقيل ويقال من حلو الكلام وبهرجة المقال عن نجاح وشفافية هذه الانتخابات وابتعاد الرأي العام عن مبدأ المحاصصة الطائفية من خلال نتائجها وفوز بعض القوى التي تدعي الرفض لهذا المبدأ والعمل على أساس وطني، إلا أنّ النتائج أبرزت بجلاء وثانيةً عن تأصيلٍٍ للطائفية والمذهبية والعصبية الشوفينية المناطقية والعشائرية.

أما القوى والأحزاب التاريخية الوطنية التي كانت وعاءاً للعراق الواحد والشعب الموحد فإنها في انحسار دائم. وقد ظهر هذا جلياً لا لبس فيه من نتائج الانتخابات المعبرة عن توجهات الرأي العام الشعبي الجماهيري، فلا يزال التخلف الحضاري والثقافي والفكري والوعي الغائب سمة طاغية على المجتمع العراقي.

فحين تتسلم السلطة القوى والأحزاب الدينية والطائفية والقومية الشوفينية فإن التخلف الحضاري والفقر والجهل وغياب الوعي تزداد وتنتشر وسط المجتمع. وعليها فاقرأ السلام على البلد الذي تحكمه وعلى أمنه الاجتماعي وتماسكه. والعراق بعد مسيرة الأعوام الستة الماضية خير مثال.بحيث بدأنا نتساءل وبجدية وخوف:

هل العراق حقاً بلد واحد، وشعبه متراص موحّد؟


عبد الستار نورعلي
5 شباط 2009   

135
أدب / اتحاد الأدباء العراقيين
« في: 11:31 31/08/2008  »
اتحاد الأدباء العراقيين
عبد الستار نورعلي




قيلَ يوماً:
إنَ هذا اتحادُ الأدباءْ
قلتُ: لا،
ماهو إلا حانةٌ للأدعياءِ البؤساءْ
يحتسون الخمرَ ليلاً،
يسكرونْ
يهذرونْ
ثم يبنون قصوراً في الهواءْ
هم على أنفسهمْ وحيُ سماءْ
أنبياءْ
إنما دونَ رعيهْ،
كلهمْ في خانةِ الحكمِ مطيهْ.

قيلَ: هذي صالةُ الصفوةِ قصاصين
نقاداً شيوخاً، شعراءْ
قلتُ: لا،
ماكلُ منْ شخبطَ سطراً
صارَ شيخَ الأدباءْ
ونقيبَ العلماءْ
وحكيمَ الحكماءْ
وكبيرَ الشعراءْ!

قيلَ هذا ملتقىً للكلماتِ المبدعاتْ
قلتُ: لا،
ماهو إلا ساحةٌ للترهاتْ
وسوادِ الصفقاتْ
وصفارِ الصفحاتْ
يلتقي في جوفهِ مجموعةُ المحترفينْ
في فنونِ الشقلباتْ
وعلى حبلِ مبيعِ الكلماتْ
واحترافِ المسحِ للأكتافِ والأعتابِ
تقبيلِ اللحى والقندراتْ *

كانَ ذاكَ اللابسُ الخاكي يزورُ الجبهاتْ
كي يصوغَ الكلماتْ
مثلما يرغبُ إعلامُ الرفاقْ
واطئاً كلَ جراحاتِ العراقْ
صائغاً في القائدِ المنصورِ ألوانَ القصائدْ
والمدائحْ
والأغاني والرواياتِ الطويلاتِ الفرائدْ
قصصاً في المعركه
وألو، يا همبكه!
فلقد فازَ بظرفٍ منتفخْ
وببيتٍ وبأرضٍ وبسيارةِ سوبرْ
وببستانٍ مُعمرْ
والجوائزْ
والقلائدْ
ورضى القائدِ والحزبِ المظفرْ
صارَ شيخاً من شيوخِ الارتزاق
والشقاق والنفاقْ
راقصاً فوقَ دماءِ الناسِ آلامِ العراقْ
مثلّ قردٍ لابساً وجهاً مقنعْ
وهو جنديٌ تطوَّعْ
كانَ في فيلقِ إعلامٍ حصاناً ومُلمَعْ

طلعَ اليومَ علينا من ثنياتِ احتلالْ
لابساً ثوبَ النضالْ
ذاكراً فينا أفانينَ الأكاذيبِ المناقبْ
فلقد كانَ مع الحقِ يناضلْ!
يكتبُ الشعرَ المقاتلْ!
خفيةً سراً يخاتلْ
ذالك الحكمَ الذي أسقطه سيفُ الأجانبْ
وألاعيبُ الأقاربْ
الأفاعي والعقاربْ!
وخطيهْ!!*
فهو قد عانى من الظلمِ الكثيرْ!!
لم يكنْ أمسِ لدى الحكمِ أثيرْ
ومطيهْ؟!

والحقيقهْ
اسألوا حاشيةً حولَ وزيرِ الشعراءْ
ورئيسَ الأدباءْ
كيفَ صارَ الأخُ في الحربِ مراسلْ
فاز باللذاتِ والنشر الغزيرْ!
ورئيساً لصحيفه
وأديباً، ناقداً، كم يتبخترْ!
نافخَ الريشِ وأصفرْ!
لا يساوي عندنا قرشاً وأحمرْ!
قد عرفناه فضولياً
على مائدةِ الدسْمِ يُحابي
ويقاتلْ!*

قيلَ: هذا اتحادُ الأدباءْ.
قلتُ: صاروا أدباءْ
يومَ كانوا يهتفونْ
يهزجونْ
يرقصونْ
يكتبونْ
في صفاتِ القائدِ الفذِ أفانينَ الأغاني
والقوافي والكلامْ
زوروا التاريخَ صبوا الزيتَ في نار الحرامْ
أطفأوا النورَ وزادوا من دياجيرِ الظلامْ
فارتقوا سلمَ ارضاءِ النظامْ.
ذاكَ فذُ الشعراءْ
ما أتى قبلُ ولا بعدُ مثيلهْ!
ذاكَ خيرُ القاصصينْ
والرواياتِ الكبيره
والأقاصيص الصغيره
هو مركيزُ ومحفوظُ بلادِ الرافدينْ!
إنه اليومَ وبالعاصمةِ الكبرى
وبالصغرى الأثيره
كم يميطُ الصفحاتْ
عنْ تواريخِ الكفاحِ الماضياتِ الزائفاتْ
وهو بالغيرِ يفاخرْ
ويباهي ويناورْ
ويُحابي منْ جديدٍ ويداورْ
بينما نالَ من الحظوةِ أيامَ الجوائزْ
ما تمنتهُ خبيثاتُ الغرائزْ
لا نضالٌ حينها كانَ ولا بطيخُ
لا شيءَ
ولا هم يحزنونْ!

العراقيُ مُفتِـحْ
باللبنْ
فهو بالتاريخِ يفهمْ
يقرأ الممحي ويعلمْ
إنهمْ محظُ هباءٍ طعمُ علقمْ
إنهم بالزورِ معجونون من رأسٍ
وحتى القدمينْ
وبوجهينِ وأكثرْ
إنهمْ نقدٌ مزورْ
سوقهمْ سوقُ شراءٍ
سوقُ بيعٍ
لمن الدافعِ أكثرْ
ولذا نسقطُ يوماً بعدَ يومٍ
نحوَ غورٍ
نحو أغورْ!



* القندرات: الأحذية بالعامية العراقية
* خطيه: أي مسكين بالعراقية
* فضولياً: هو مانسميه بالعراقية (اللقَّام والجوعي) أي الباحث والمتهافت على الموائد الدسمة


الخميس 26 حزيران 2008

صفحات: [1]