عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - آدم انيال هومه

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / هل أتت داعش بجديد؟
« في: 19:24 30/12/2014  »
هل أتت داعش بجديد؟

آدم دانيال هومه.

   لم تأتِ داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) بجديد على الإطلاق، وإنما تسير على نهج نبي الإسلام والسلف الصالح، وهديّ النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية. فكل الجرائم البشعة التي اقترفتها وتقترفها كالسلب والنهب، والقتل، وقطع الرقاب، والاغتصاب، وسبي النساء هي سنّة لدى المسلمين في كل زمان ومكان. والدليل على ذلك ليس، هناك، في العالم كله من كل الملل والشعوب والديانات تقوم بهذه الأعمال الوحشية سوى المسلين. ومع ذلك لانجد أي جماعة، أو حكومة، أو جمعية، أو مشيخة تدين وتشجب هذه الممارسات اللاإنسانية. ولكن إذا قام أحد ما، في أي مكان من الكرة الأرضية، برسم صورة لمحمد وهو يدخل على إحدى زوجاته خفية من الأخريات، تقوم قائمة العالم الإسلامي برمّته، وتشبّ نيران داعش والغبراء في جُبَب مشايخ المسلمين جميعهم فيتصايحون بالويل والثبور للكفرة أولاد القردة والخنازير. وثمّة، هناك، بعض المتحذلقين الذين يحاولون إيجاد مبرّرات تافهة وسخيفة بقولهم: (إن هؤلاء الشواذ لا يمثلون إلا أنفسهم. والدين الإسلامي الحنيف بريء منهم). ولكنهم، في الوقت ذاته، يتقاعسون عن إدانتها، ولايخرجون في مظاهرة واحدة ضد أفعالهم الشنعاء لا. بل يمجّدون، ضمناً، أعمالهم البطولية. فإذا كان هؤلاء شواذ فمن يمثّل الدين الإسلامي إذن؟ أمو شيخ الجامع الأزهر الذي جاء بتبريرات صبيانية، في مقابلة صحفية، تهرّبا من تكفير داعش؟ أم القاعدة؟ أم حركة الشباب المجاهدين في الصومال وشرق افريقيا؟، أم بوكو حرام في نيجيريا؟، أم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب؟، أم طالبان في أفغانستان؟، أم جبهة النصرة، والجبهة الإسلامية في سوريا؟، أم أنصار الشريعة في ليبيا؟، أم حركة التحرير الشعبية في السودان؟ أم جماعة أبو سيّاف في جنوبي الفلبين؟، أم كتائب شهداء الأقصى في فلسطين؟، أم أنصار الإسلام الجماعة السلفية الكردية في العراق، أم حزب الله الكردي في جنوب شرقي تركيا؟، أم جيش تحرير بلوشستان؟ أم الجهاد المصري الإسلامي؟، أم حركة حماس في غزّة؟، أم الجهاد الإسلامي في فلسطين؟، أم جماعة الأخوان المسلمين؟، أم جيش محمد في كشمير الهندية؟، أم اتحاد الجهاد الإسلامي في أوزبكستان؟، أم جماعة المقاتلين الإسلاميين المغاربة؟، أم حركة الجهاد الإسلامي في بنغلادش؟، أم حركة أنصار الدين في مالي؟. والقائمة تبدأ ولن تنتهي أبدا. فمن يُمثّل المسلمين الحقيقيين، إذن، يا ترى؟.
   كان عدد المسيحيين التابعين لكنيسة المشرق وحدها،  عدا المنتمين لالكنيسة السريانية الأرثوذكسية، حتى غزو ثقافة الصحراء المتمثّلة بالدين الاسلامي، لمراكز الإشعاعات الحضارية في بلاد الشام ومابين النهرين ثمانين مليونا. وقد تقلّص هذا العدد، بفعل الحروب الدمويّة لفرض الإسلام بالقوّة، والتي نتجت عنها الاضطهادات والمجازر وسفكّ دماء الأبرياء، إلى ثلاثة ملايين في جميع أنحاء العالم.
   يؤكّد تقرير الأمم المتحدة لعام 2007 م بأن تعداد الآشوريين في العراق عام 2003م كان مليون ونصف مليون. ولكن وتيرة هجرتهم تسارعت بعد احتلال العراق حتى أن أكثر من ثلثي عددهم قد لاذ بالفرار نتيجة أعمال العنف الطائفي الذي عصف بالبلاد حيث بدأ الاضطهاد بحقّ الآشوريين يأخذ منحى آخر. اضطهاد تمارسه مجموعات إرهابية ذات منظور فكري رجعي متطرّف أو مايسمّى بالإسلام السياسي، وتحت تسميات ومسمّيات شتّى. حيث تعرّض ويتعرّض الآشوريون المسيحيون لعمليات تطهير عرقي، وإبادة جماعية منظمة ومخطط لها مسبقا. كما تعرّضت مصالحهم وبيوتهم وكنائسهم للحرق والتدنيس والتفجير والهجومات المسلحة إلى درجة خلت البصرة وجنوب العراق برمّته من المسيحيين عامة، ومن الآشوريين بشكل خاص. وأرغم عشرات الآلاف من سكان بغداد إلى ترك أعمالهم وممتلكاتهم ومنازلهم والفرار طلبا للنجاة بجلودهم وجلود أطفالهم. وقد تلقى العديد العديد منهم منشورات تدعوهم إلى االخيار بين اعتناق الاسلام، أو دفع الجزية، أو مغادرة البلاد على الفور. كما تعرّض العديد منهم إلى الخطف والابتزاز وطلب الفدية التي كانت تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات مقابل إطلاق سراحهم ناهيك عن الاغتيالات التي لم يسلم منها حتى الرموز الدينية. والأسوأ من كل هذا وذاك أن غالبية المسلمين في العراق، بكل انتماءاتهم القومية والمذهبية، يستهدفون الآشوريين المسيحيين من أجل تصفيتهم من موطنهم الأصلي والتاريخي ضمن مخطط مبرمج وافق عليه الجميع، من دون إبرام اتفاق رسمي بينهم، لاقتلاعهم من جذورهم الضاربة في عمق أعماق تراب بلاد الرافدين (بلاد آشور)، وتشريدهم في دول الاغتراب والتيه والضياع سعياً وراء محو وإزالة كل أثر لهويتهم القومية. في الوقت ذاته يحاول كل طرف إلقاء اللوم على الطرف الآخر بينما الحكومة مكتوفة الأيدي تغضّ الطرف، عن رضى أو عجز، عن إيجاد حلّ لمعاناتهم، وتوفير الحماية لهم. وكان الفرار المذل والمهين للجيش العراقي والبشمركه الكردية بآلافهم المؤلفة والمجهّزين بكل أنواع الأسلحة المتطوّرة أمام عدة آلاف من قطاع الطرق من الدواعش وترك المسيحيين والإيزيدين طعماّ سائغا لشذّاذ الآفاق الذين سلبوهم أملاكهم ومقتنياتهم، ولم يبقوا على أثر منهم في الموصل وقصباتها بعد أن قاموا باغتصاب نسائهم وعرضهن سبايا للبيع في سوق النخاسة أمام أنظار العالم الذي لم يحرّك ساكنا هي القشّة التي قصمت ظهر البعير. فكيف، إذن، سيقنع المسلمون العالم بأن الإسلام دين تسامح وسلام في الوقت الذي يلوذون بالصمت تجاه مرتكبي هذه الأعمال الإجرامية القذرة باسم الإسلام؟.
   إن شيوخ المسلمين وائمتهم قادرون، إذا أرادوا، على ردع هؤلاء المجرمين الخارجين على القوانين الدولية والأعراف الإنسانية وذلك بإصدار فتاواهم ضد مرتكبي هذه الأعمال الإرهابية التي لايستلذّ بها إلا الشيطان وحده لاشريك له. أفليس التغاضي عن الإجرام من علامات الرضى، ونوعا من المساهمة فيه؟. أو ليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟.
   إن مايجري في العراق وسوريا، اليوم، يعتبر بكل مقاييس الإنسانية صراعا بين القيّم الحضارية بكل معانيها، وبين السلوك الهمجي، والتخلّف الفكري، والشذوذ الديني المسيطر على مجموعات، تعيش في أحلام اليقظة، وترضى بأن تكون دمى مزنّرة بالمتفجيرات من أجل الوصول إلى الجنّة بأقصى سرعة ممكنة حيت في انتظارهم حور العين والغلمان بعد أن يحقّقون مآرب كل الحاقدين على العراق وأهل العراق.
   كثيرا ما يتشدّق العديد من الكتّاب والسّاسة ورجال الدين المسلمين بأن المسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية قد عاشوا في العالم الإسلامي بسلام وأمان واطمئنان. ومارسوا طقوسهم وشعائرهم الدينية بمطلق الحرية من دون رقيب أو حسيب لأنهم من أهل الذمّة. ويستشهدون بالآية التي تقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).  أي أنهم في ذمّة الدولة الاسلامية ويستندون في ذلك إلى قول النبي: (من آذى أميّا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله). وتصديقاّ لذلك يوردون عشرات الآيات ومنها الآية التي تقول:
- لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُون.   
- إِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا.       
   ولكنهم ينسون أو يتناسون بأن كل هذا أقل بكثير عن ربع الحقيقة، لأنهم يعرفون جيدا بأن كل هذه الآيات وغيرها من الآيات والأحاديث النبويّة التي كانت تدعو إلى الرحمة، والتسامح، والحرية في اعتناق الدين الذي يرتأيه الإنسان وعلى سبيل المثال لاالحصر:
- لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. 
- وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.   
- ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. 
- وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ. 
- إِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ. 
- فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.   
- فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. 
- وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. 
- إنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ. 
- فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ. 
- وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
- وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.   
- لكُم دينُكُم ولي دين. 
- وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله.   
- لعلك باخعٌ نفسك أن لايكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين. 
- اصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.   

- وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ.   
- وقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ.
- لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
   كل هذه الآيات ومايربو على مائتي آية أخرى قد مسختها آيات السيف والقتال، وبطل مفعولها وأصبحت حبرا على ورق. وقد كانت سورة براءة التي وردت فيها آية السيف آخر  ماأُنزل على النبي. وقد توفي ولم يبين موضعها (إرشاد الساري 7/138). وبهذا كان موقف آية السيف هو الموقف الأخير الذي تبنّاه النبي قبل وفاته، ولهذا اتّخذه المسلمون الأوائل باعتياره النهج النهائي لسلوكياتهم وممارساتهم اليوميّة. هذا إضافة إلى أن المسلمين يؤمنون، يقيناً، بأن الإسلام قد نسخ ومحا كل الديانات السماوية التي سبقته، وبأن محمدا أرسله الله إلى الثقلين أي الإنس والجن، وبأن (الدين عند الله الإسلام). واستنادا إلى ذلك يكفّرون غير المسلمين جميعا، ويستوجبون قتالهم.
   لقد ورد أن النبي كان لايحلّ ولايحرّم في بداية رسالته في مكة. وكان مغلوبا على أمره حتى أن الشرع الإسلامي قد فرّق بين ابنته زينب وبين زوجها أبي العاص بن الربيع، وكان لايستطيع أن يفرّق بينهما. فأقامت زينب مع زوجها على إسلامها وهو على شركه. (ابن هشام 2/307). ولكن فتح مكة كان بداية لمنهج الإكراه في الدين. وقد كان القرار سياسيا أكثر منه دينيا. فبعد أن هيمن المسلمون على مكة، المركز الديني للجزيرة العربية، نجد بأن الله الذي أكد مرارا وتكرار بأن كتابه المنزل على نبيه:
- كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ.   
- لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. 
- وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.
- وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. 
- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. 
-مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. 
- لْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا.
- قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
   ولكن الله قد غيّر رأيه بعد فتح مكة. فبعد أن كان إلها رحيما ورؤوفا ومسامحا قد انقلب إلها عنيفا ودمويا وبدأ بتنزيل الآيات التي تدعو إلى الجهاد والقتل وسفكّ الدماء، ومنها على سبيل المثال لاالحصر:
- يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ.   
- قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.   
- ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.     
- وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه. 
- وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ.   
- فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ. 
- فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ. 
- قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً. 
- إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ. 
- سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ. 
-. انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.           
   وثبت عن النبي قوله: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).  وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله عن النبي أنه قال: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا ، وَطَهُورًا وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ). مبرّرا كل هذه الآيات والأحاديث بالآية التي تقول: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا). 
   والنسخ في القرآن ثلاثة أنواع هي:
- ما نُسخ حكمه ونُسخ حرفه أي نسخ التلاوة والحكم معاً.
- ما نسخ حرفه وبقي حكمه. نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.
- ما نُسخ حكمه وبقي حرفه أي نسخ الحكم مع بقاء التلاوة. وهذا أهم وأخطر لأنه يكون النص المنسوخ موجودا بلفظه في القرآن ولكن حكمه ملغى بحكم آخر. وهذا يكون مجال كبير للخداع الذي يقوم به الدعاة الإسلاميين. حيث أنهم يدّعون بأن الإسلام دين سماحة ويتشدّقون بآيات سلمية مستغلين عدم إلمام غير المسلم بالقرآن بوجه عام, وبقضيّة الناسخ والمنسوخ بوجه خاص. فيكذب الداعية الإسلامي ويضلل الأخرين بعدم ذكره قضية الناسخ والمنسوخ التي هي محل خجل للمسلمين جميعا. لكن الناسخ والمنسوخ ليس قضية فقهية اختلف فيها المفسّرون، لكنها آيه قرآنية تقول: (وما ننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها). وإن وجود هذين المنهجين في القرآن يمكن للمسلمين من اتخاذ أي منهج منهما، وحسب اللحظة التاريخية والاجتماعية التي يعيشون فيها، خصوصا أن النبي أبقى على النص المنسوخ في القرآن. وهي نافذة مهمة للدخول والخروج منها لمواكبة اللحظة الاجتماعية للمسلمين عبر التاريخ. لكنها، في الوقت ذاته، تتطلب وعيا عميقا، وجرأة على الممارسة وإلا فما جدوى الإبقاء على النص القرآني في حالة رفضه تماما كاحتمال قائم لسلوك اجتماعي ممكن.
   إن نسبة الآيات التي تفتح نافذة الاحتمال داخل اليقين الإسلامي أكثر بكثير من الآيات التي نسختها، بل إن آيات الإكراه في الدين كانت آخر ما أُنتج داخل المنظومة المعرفية للإسلام وهذا يعني أن المسلمين في الوقت الحاضر يقرأون، بشكل يومي، قسما كبيرا من القرآن ولا يتّخذونه منهجا لهم في ممارساتهم الاجتماعية مع الآخرين. إن (اللاجدوى) في قراءة القسم الأكبر من القرآن ينبغي أن يكون له حلا عقلانيا. إما بحذف النص أو جعله سلوكا اجتماعيا. ولهذا تتبلور تساؤلات عديدة تحتاج إلى إجابات شافية وصريحة من المثقفين المسلمين وأهم تلك الأسئلة:
1. هل المطلوب من المسلمين تبليغ رسالتهم الدينية بطرق وأساليب سلمية رحيمة لغيرهم من البشر؟. أم المطلوب هو غزو بلدانهم والاستيلاء على ممتلكاتهم ومقدراتهم، واسترقاق نسائهم بعد سفكّ دماء رجالهم؟.
2. هل المطلوب اجتياح بلدان الغير بقوة جند جهادية متعطشة لسفكّ الدماء، وطلبا للشهادة سعيا وراء بلوغ مراتب من هم في مصاف الشهداء الذين سينعمون بملذات الجنّة وحورها الحسان؟.
3. هل المطلوب هو استبدال سكان أرض كافرة بسكان جند من المسلمين وهو ما يعني سلب الأرض من أصحابها الأصليين باسم العقيدة الاسلامية؟.
4. هل آيات الجهاد والقتال قابلة للتأويل؟. وهل هي محدّدة بزمان ومكان معين بحسب نزولها، أم أنها مطلقة التطبيق على الرغم من أن الإجابة عنها أحدثت تشظي في الفكر الإسلامي الحاضر؟.
   وبموجب فهم وتأويل الآية الخامسة من سورة التوبة التي هي آية السيف انتقل المسلمون في تعاملهم مع غيرهم من أسلوب اللين والإقناع إلى أسلوب العنف والشدّة والقتال. فكشّر المسلمون، بموجبها، عن أنيابهم ومخالبهم الجارحة، وامتشقوا السيف عاليا بدعوى تبليغ رسالة الإسلام بالقتل الجهادي والإرهابي متنكرين لكل الآيات الرحيمة المتسامحة التي تنزع لاستخدام العقل في إيصال هذا الدين إلى الناس.
   فلو توغلنا في التاريخ الاسلامي منذ تأسيس الدولة الإسلامية، وخاصة بعد إصدار ما سمّي بالوثيقة العمرية (نسبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب) التي قضت بطرد جميع المسيحيين واليهود من شبه الجزيرة العربية، والمضايقة عليهم واضطهادهم وإذلالهم في غيرها من البلدان تنفيذا لحديث النبي محمد الذي يقول فيه: (لايجتمع في جزيرة العرب دينان). . لوتوغلنا في هذا التاريخ لوجدناه مفعما بالمظالم والاضطهادات، وملطخا بدماء الملايين من الأبرياء. ومانراه اليوم من أعمال إجرامية من قتل واغتيال واختطاف وتفجيرات وغير ذلك مما يندى له جبين البشرية ماهي إلا نتاج تراكمات تراث دموي تحريضي بدأ منذ 1400 عاما، ويظهر الآن ، بكل جلاء ووضوح، في أقوال وممارسات الحركات الأصولية التي تعشّش كالعناكب السامة في بنيان المجتمعات العالمية. وتستمدّ نهجها من الآيات القرآنية والسيرة النبوية فقد ورد عن النبي أنه قال: (نصرت بالرعب. فإن العدو ليرعب مني من مسيرة شهر).  وقوله: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولايهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار).  وبهذا صار الدخول في الإسلام، مذّاك، ناجما عن الخوف والرعب وليس عن إيمان. وتحت آلية الإكراه في الدين أصبح الدخول في الإسلام كميّا وليس نوعيا. وهذا السبب الرئيس الذي دفع عطاء بن السائب إلى القول: (إن عامة الناس الذين مع النبي غير مؤمنين).  وهو السبب ذاته الذي دفع علي بن أبي طالب إلى نعت المسلمين في الكوفة بالهمج الذين يتبعون كل ناعق.  وخير مثال على ذلك الردّة التي حدثت بعد وفاة محمد حيث عاد المرتدّون إلى حظيرة الاسلام نتيجة الخوف والرعب لابفعل الإيمان. لذلك فإن المتطرفين والأصوليين والإرهابيين، وخاصة المراهقين منهم، يعتمدون على نصوص من القرآن والسنّة التي يلقّنها إياهم أئمتهم ومشايخهم للتحريض ضد غير المسلمين وبهذا الصدد، وفي حديث للنبي أنه قال: (لاتبدأوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم فاضظروهم إلى أضيق الطريق).  ومن المحال أن تتوقف هذه الأعمال الإجرامية مالم يتم تجفيف منابع التطرّف والحقد والكراهية ومصادر تمويله. وجميع هذه المنابع تتدفق من الجوامع وجامعات ومدارس الشريعة الإسلامية المنتشرة بكثافة في كل الدول العربية والإسلامية، وتقف المملكة العربية السعودية في طليعة مموّلي هذه البؤر الفاسدة. ففي دراسة أكاديمية أمريكية أكدت بأن السعودية صرفت خلال العشرين سنة الماضية نحو 87 مليار دولار على نشر الفكر الوهّابي الذي يمثل قمة التعصّب والتطرّف في العالم. ومازالت المناهج الدراسية في مدارس المملكة السعودية، وفي مناهج جامع الأزهر بالقاهرة موبوءة بتعاليم التطرف، وبرمجة أدمغة الأطفال والشباب على بغض أتباع الديانات الأخرى ووجوب قتالهم. فالإرهاب يرضع من أثداء آيات السيف والقتال والحديث النبوي، وخطابات أئمة وشيوخ الجوامع، ومن الفتاوى التي يصدرها كل على مزاجه الخاص وانطلاقا، من بيئته المظلمة ومن دون حسيب أو رقيب، ومن مناهج التدريس الموبوءة بالحقد والبغضاء تجاه الآخر المختلف.
ولعل من أخطر الأفكار التدميرية وأشدّها قسوة وظلما هو الفكر التكفيري الذي انبثق عنه الإرهاب الفكري، وإن هذا الإرهاب ضارب جذوره في عمق التاريخ الإسلامي لكنه اليوم قد توسّع إطاره العام كثيرا نتيجة التكنولوجيا، ومواد التفجير المتوافرة في إيدي الإرهابيين. وهذا التكفير من ألدّ أعداء التسامح وأخطرها على الإطلاق حيث يقوم على تكفير الأخر، ويطلق عليه الأحكام جزافا دون دليل أو برهان. ولايتمّ القضاء على هذا الفكر الشاذ إلا:
1. بتنقية المناهج الدراسية في جميع المراحل بدءأً من رياض الأطفال وحتى الجامعة، وفي جميع البدان الاسلامية عامة، والعربية خاصة من النصوص الدينية التي تدعو إلى التطرّف الديني والكراهية ضد الأديان الأخرى. واستئصال الأفكار العنصرية والشوفينية والظلامية، ومنع استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، وفصل الدين عن الدولة، ورفض الأنظمة الشمولية تحت ستار الدين أو القومية أو العنصرية. ومراقبة النشاطات التي تجري في الجوامع، وخطب الأئمة التي تحرّض على الإرهاب باسم المقاومة .
2. بالتركيز على نشر روح التسامح، وقبول الآخر، والتعايش معه وإدخال مواد دراسية تساعد على القضاء على التعصّب الديني.
3. بغلق جميع مواقع الإنترنيت، والفضائيات التي تروّج للتعصب الديني والعداء ضد مختلف أتباع الأديان والمذاهب.
4. بحذف جميع آيات السيف والقتال من القرآن، وجميع الأحاديث النبوية التي تدعو إلى ذلك والتركيز على الآيات المنسوخة التي تدعو إلى التسامح والرحمة.
   على المسلمين صياغة ونشر صورة للإسلام تتّصف بالحداثة والاعتدال والديمقراطية والحرية والليبرالية والإنسانية وتقبل الآخر واحترام المرأة. هنا يستطيع غير المسلمين المساعدة وذلك بعزل الإسلاميين المتطرفين وعدم التعامل معهم ومقاطعتهم وتأييد المسلمين المعتدلين بالرغم من أن الإسلام المعتدل هو من الناحية النظرية أمر ممكن ومحتمل، إلا أن ضعف مؤيديه في الحاضر يجعله يبدو بعيداً وربما مستحيلا. ومهما بدت احتمالات نجاح الإسلام المعتدل ضعيفة في الوقت الحاضر فإن نجاحه إنما يمثل في النهاية الصورة الفعالة الوحيدة لمكافحة الإرهاب. ويتطلب ذلك:
1. إصدار الأمم المتحدة  قانون جديد يضاف  للقانون الدولي يحدّد الإجراءات والأساليب التي تترتّب على كافة أعضاء المنظمة الدولية التصدي للمنظمات الإرهابية وملاحقتها، وشلّ نشاطها. وإنشاء قسم تابع لمجلس الأمن يتولى متابعة وملاحقة النشاطات الإرهابية بالتعاون مع كافة الدول المنضوية تحت ميثاق  المنظمة الدولية، وإلزام كافة دول العالم بالتنفيذ الدقيق والصارم لها لاستئصال شأفة الإرهاب من جذوره.
2. إصدار القوانين التي تحرّم وجود المنظمات الإرهابية على أراضيها، وتحديد العقوبات القصوى بحق من يثبت قيامه بأي نشاط إرهابي سواء كان ذلك من خلال تنفيذ النشاطات الإرهابية، أو إنشاء المدارس الدينية التي تحضّ على الإرهاب باسم مخالفة الشريعة، أو التشجيع على الإرهاب عبر وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية .
3. مراقبة الحكومات كافة لحركة الأموال المستخدمة من قبل المنظمات الإرهابية، ومراقبة البنوك والشركات التي تتولى نقل وتوزيع وغسل الأموال العائدة للمنظمات الإرهابية، ومراقبة التبرعات التي تصل للمنظمات الإرهابية من العناصر الداعمة للإرهاب، وإنزال العقاب الصارم بكل من يتولى نقل وتوزيع الأموال وتهريبها والتبرع بها.
4. إلزام كافة الدول بتقديم ما لديها من معلومات عن نشاطات المنظمات الإرهابية إلى اللجنة المكلفة من قبل الأمم المتحدة بمتابعة النشاطات الإرهابية في مختلف بلدان العالم ، وتبادل المعلومات بين سائر الدول بما يحقّق متابعة وملاحقة المنظمات الإرهابية ومنعها من ممارسة نشاطها الإرهابي على أراضيها. أو إيواء الإرهابيين، أو التستّر على نشاطاتهم، أو تقديم الدعم اللوجستي والأسلحة والمعدّات والأموال والخبرات العسكرية والتدريب على أراضيها.
5. اعتبار كل دولة تسمح للمنظمات الإرهابية التواجد على أراضيها، أو ثبوت تقديمها الدعم المادي أو اللوجستي لها دول داعمة للإرهاب. واتخاذ الأمم المتحدة قراراً بوقف عضوية تلك الدولة في المنظمة العالمية، وفرض العقوبات الاقتصادية والسياسية عليها حتى تتأكد الأمم المتحدة  من توقف تلك الدولة عن دعم المنظمات الإرهابية.
6. إذا لم تتوقف الدول الداعمة للإرهاب عن دعم النشاطات الإرهابية فوق أراضيها. أو تحضّ على الإرهاب، أو تدعم النشاطات الإرهابية على أراضي الدول المجاورة لها فعلى مجلس الأمن أن يجتمع ويتخذ قراراً باستخدام القوة ضد تلك الدولة التي ترفض الالتزام بمحاربة الإرهاب وتستمر في دعمه أو تشجيعه.
7. عدم قبول الدول لجوء العناصر الإرهابية إليها، أو التستر على وجودهم. والتدقيق في شخصية كل لاجئ، والتأكد من عدم ارتباطه بأية منظمة إرهابية، وتسليم العناصر الإرهابية التي تدخل أراضيها إلى دولهم لتتم محاكمتهم وإنزال العقوبة التي يستحقونها بهم.
8. مراقبة ومنع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة من تقديم أي نوع من الدعم للمنظمات الإرهابية، وإحالة المسؤولين المخالفين للمحاكم، ومراقبة مواقع الإنترنيت ووقف كافة المواقع التي تشجّع الإرهاب، وتنقل أخبار الإرهابيين، وتمجّد أفعالهم الإجرامية، وإحالة مسؤوليها إلى المحاكم لينالوا جزاءهم العادل .
   إن تكاتف جهود كافة الدول وحكوماتها في التصدّي للمنظمات الإرهابية، وتحت راية منظمة الأمم المتحدة، وتقديم الدعم والمساعدة للدول والحكومات التي تتصدّى للإرهاب، وتبادل المعلومات، بالإضافة لمعالجة مشكلة الفقر والبطالة في البلدان الفقيرة، والنهوض بالمستوى المعيشي لهذه الشعوب كفيل بالقضاء على المنظمات الإرهابية وتخليص العالم من شرورها.
   لايستطيع أحد أن ينكر دور الإسلام السلبي في تعطيل المسيرة الديمقراطية في كل البلدان الإسلامية وخاصة أن مبادئه تتعارض مع أصول وروح النظام الديمقراطي. والسبب في ذلك هو الاعتقاد بأن الاسلام منزل كدين كامل من السماء. وقد ساد هذا الاعتقاد إلى درجة خطيرة بسبب الأدبيات والإعلام، واختفاء الرأي المخالف وقمعه كليا ما أدّى إلى إفراغ الذهنية الإسلامية من أي فكر إلا الديني منه. وأصبح الإسلام تبعا لذلك هو المكوّن الوحيد للثقافة الاسلامية عامة والعربية خاصة. وعندما يتساءل المسلم البسيط إذا كان الإسلام منزل، ويتصف بالكمال فلماذا أصبحت بلدان الغرب الكافرة أكثر تطورا وغنى ورخاء من بلاد المسلمين المؤمنين؟. فيكون الجواب دائما أن سبب عزوف الله عنا هو تقصيرنا في الالتزام بديننا. مع أن هناك الكثير من المثقفين المقموعين الخائفين والمرتعبين من التكفير يدركون جيدا بأن نجاح الغرب وقوته وثروته يعود إلى تطبيق صحيح للديمقراطية مجرّدة عن سيطرة الإرهاب الفكري. وهم متأكدون بأنه لو نقلت التجربة الديمقراطية إلى بلاد المسلمين لازدهرت وأصبحت أكثر نجاحا وقوة ونتاجا وعطاء. ولكن الحكام العرب والمسلمين وأحزابهم المحتكرة للحكم والحكومات لاترغب بالديمقراطية لأنها تعني انتقال السلطة إلى أيدي غيرهم لذا فهم يقومون بلعبة خطيرة هي إلهاب مشاعر الناس ضد الغرب في حين يعتمدون في بقاء حكوماتهم على مساعدات مالية وعسكرية من الغرب مدّعين بأنهم يستخدمون هذا المال والسلاح للقضاء على التطرف والإرهاب في بلادهم في سبيل إرساء دعائم الديمقراطية في حين يتركون للجماعات الإسلامية المتطرفة الحبل على الغارب لتسميم عقلية شعوبهم.
   الثقافة العربية خاصة، والاسلامية عامة مختزلة في مكوّن واحد ووحيد هو الدين الاسلامي، وسلطانه الجبار الذي لايسمح بمرور أي تغيير أو تبديل لما يتعارض مع ثوابته الرجعية وجوهره الجامد لأن في صميم الإسلام يكمن مبدأ يعارض الديمقراطية. أضف إلى ذلك أن الإسلام يقوم على اعتبار أن الحاكم والحكومة عليهما، ومن واجبهما أن يقوما بتعزيز الإسلام والدفاع عنه، والترويج له، وتدريسه. وعقاب كل من يتجرأ على انتقاده أو مخالفته، وكل من يتجرأ على إبداء الرأي به أو نقده تلاحقه لعنة التكفير والردّة وإهدار الدم.
   من المستحيل على الأمة الاسلامية أن تتقدّم وتبدع قبل أن تتحرر من مآسيها وعقدها ومحرماتها. وقبل أن تنجح في تحويل دينها إلى دين روحاني صرف يدعو الإنسان إلى علاقة مباشرة خاصة بينه وبين خالقه دون تدخّل أي إنسان، أو هيئة، أو مافيا دينية. ويستحيل على الأمة الإسلامية أي إصلاح مادام انتقاد النبي محمد، وانتقاد القرآن ومفاهيمه ومبادئه وتعاليمه أمرا محرّما وخطا أحمر يقود المساس به إلى التهلكة.
   مازال المسلمون يتهمون الحضارة الغربية ويصفونها بحضارة الكفر في ذات الوقت الذي يلتهمون كل منتجات حضارة الكفّار، وينعمون بمختلف إنجازات الكفّار العلمية والتكنولوجية والطبية دون أن يدركوا أن قطار الحداثة والتحديث الذي يقوده الكفّار قد فاتهم بقرون عديدة حتى أصبحوا عالة على العالم الغربي وعلى البشرية بكاملها. فكيف ستتمكن النخبة التنويرية العربية والاسلامية من مواجهة هذا الواقع بعيدا عن الكذب والنفاق والعنجهية الفارغة في الوقت الذي يسمعون شيوخ الاسلام يردّدون، بكل غرور وعناد وتبجح، أن المسلمين هم خير أمة أخرجها الله وفضّلها على العالمين. بناء على الآية التي تقول: (كنتم خير أمة أخرجت للناس). 

*****

2
أدب / وحوش الجحيم
« في: 11:15 22/11/2014  »


وحوش الجحيم


 آدم دانيال هومه   

ينهض من بين ركام ذاته معفّرا بغبار البروق
متطهرا من أدران أحزانه
يتقيّل في سرير الشفق
تظلله هالة من ألق الملكوت
وتحت قدميه سندس الغيم
منصهرا في بوتقة أحلامه الزمرّديّة
ينهل من النبع الإلهي المتدفق من أعماق روحه الساطعة
ويسير إلى جوار كلكامش المدجّج بالألوهة
في رحلته الأزلية لسبر أغوار الموت بين نهدي عشتار
قبيل بزوغ الفجر
يتهجى زقزقات العصافير ترتعش تحت زخات غيمة وردية
وعند حلول المساء
ترفرف أطيار البهجة على أغصان قلبه 
وينظر إلى صورته تتلألأ على جدار الغيوم
مضمخة بنثار النجوم
ترتعش بين يديه نجمة الصبح
كارتعاش نهد كاعب بين مخالب نبي ينزّ الشبق من مسامات روحه
يركل بقدميه الأزمان والعصور
مثل حصان مجنّح يمتطي صهوة الريح إلى آفاق الغيب
والرمال تحت قدميه تسبّح في أعماق البحر
يستند إلى أريكة القيامة
ويرفل في نومه القدسي
ملبيا نداء ربه قبل فوات الأوان.

عشتار البتول المقدسة
العارفة بسرائر وأسرار الآلهة
مليكة السماء التي وهبها أنكي المبجّل الكهانة المقدسة
وتاج الألوهية
والصولجان العجائبي المبارك
بعد أن تستحم بحليب اليمام
تعرض مفاتنها المتوهجة للشمس
لتكتسب الشمس لونها الأزلي الخلاّب
تغسل جدائلها بعطر الريحان النابت على ضفاف الزاب
تسير حافية القدمين على تراب أرض الفراتين
لتطهّره من رجس الأنبياء والمشعوذين
وتتجلى بالأبهة والكمال والإجلال
تتبارك بسرتها الحمائم وأيائل الجبال
ترمي قلادتها الفيروزية على سرير الأرض
وتمتطي زورق السماء وتمخر بين أسراب النجوم
لتخلد إلى ملكوتها السماوي
وتتألق في الآفاق نجمة الصباح
وتغدق على الكون بهاءها
فيلهج بمدحها أبناء سومر وبابل وآشور
وتهبّ في إثرها عاصفة من رحيق المطر
فتتفتق أكمام الربيع من بين سبات اليباس والجماد
ويتعالى تغريد الطيور لدى انبلاج الفجر
وتزدهر الحقول والمراعي
وتينع السنابل جذلى
وتتكلل الأشجار بالثمار الشهيّة.
 
وطني أيقونة كل الحضارات
يسّاقط المجد على قدميه ندى
الفرات يمد شرايينه في أعماق الأرض
يهدي الشعراء إلى ينابيع الغيم
ودجلة الرقراق دنان من الخمر
يمنح االأطفال النشوة والفرح
فيتسابقون إلى مراعي الحروف
وينتشون بأريج الشعر والبيان
يسرجون جياد الرياح
يحلقون على متنها إلى الآفاق اللامرئية
ليسبروا أغوار الغيب.

وطني...
منتزه الآلهة وملتقى العشاق والشعراء
واحة الجمال والجلال والبهاء
تقيّأ الجحيم وحوشه الضارية
فشمّروا عن أنيابهم
وبدأوا بتقطيع أوصاله وازدرادوا خيراته
شوّهوا معالمه الحضارية النضرة
واستباحوا مواطن الذكريات المزدانة بالقرنفل والجلّنار
نحروا رفوف الأفراح من عيون الآباء
أذبلوا زنابق البسمات على شفاه الأمهات
ووأدوا أحلام الأطفال وهم ينتظرون هدايا أعياد الميلاد
كفراشات تسطع أرواحها على ثغر الأقحوان قبيل بزوغ الفجر
وساقوا النساء سبايا إلى سوق النخاسة تحت أسوار نينوى
وحاولوا ترويض الشمس لتصبح محظية الخليفة المعتوه
وزينوا العذارى لتساق جواري إلى مخادع جند الله
يشرئب الجنون من عيون الحالمين بالصعود إلى السماء
على سلالم الأوهام
يبحرون في السراب إلى العالم الآخر
تفوح روائح الدم اليانع من زغاريد مجاهدات النكاح الحالمات بفحل
يرفعهن على رأس قضيبه إلى جنان الخلد.

قشعريرة تسري في مخيلتي
وأنا أسمع نشيج وطني في عروقي
كدبيب الأزمنة والعصور تحت ظلال زقّورة أور
وأنا أتأمل تلك الأطلال الحافلة بالشموخ والكبرياء
أتذكر جبروت الجيش الآشوري وهو يتأهب لخوض الحرب
وصخور الجبال تئن تحت وطأة أقدامه
فأذرف دمعة على قبر نبوخذ نصّر
وأسلم زمامي إلى طائر الريح.

قلبي طاعن في الحزن
وروحي مثقلة بالألم
وأنا أرى وطني الزاخر بالسنابل والأغنيات
تطئه أقدام كلاب الصحراء
وتطفئ في جنباته همسات النخيل
وتحطم قيثارة سومر
وتدنّس معبد الإيساكيلا المبجّل
وشيوخ القبائل منهمكون بتقديم التعازي للموتى الذين لا زالوا على قيد الحياة.

يا وطني!...
حين أراك تحتضر في سرير اليأس
تتفتق أكمام براعم الذكريات على أغصان مخيلتي المتكسّرة
وحين أراك مضرّجا بالويلات
وقد حولتك غزوات رسل ابن تيمية إلى بيدر من رماد
أترك وشم خلودي على جسد الأرض
أحمل مناديل الدمع
وأمعن في الشتات... على أمل
أن يصل كلكامش المخلّص قبل فوات الأوان
كما في كل حين
ليمتشق البرق ويتدرع بجلد السماء
ويبيد كل الوحوش الضارة
يعيد عشتار المسبية إلى زهوها
ويعيد بلاد الرافدين إلى مجدها
لتنعم البلابل والزهور والرياح والأنهار بالحرية والأمان.           

وطني جنة الفقراء والخالدين
حولته وحوش الجحيم إلى مقبرة
ولكن عشتار المقدسة الآمنة والأمينة
لازال العنقود يستحيل في يدها خمرا
ولازلت أسمع وقع خطوات أنفاسها على عتبة روحي
وأفهم كل ومضة ضوء في عينيها بلا ترجمان.

*****                                           
adamhomeh@hotmail.com
  سدني - استراليا
.

3
أدب / اللبوة الجريحة
« في: 17:33 27/08/2014  »



اللبوة الجريحة

آدم دانيال هومه


مهداة إلى الصوت الصارخ في البرية فيان دخيل النائب عن المكوّن الإيزيدي في البرلمان العراقي


يا امرأة من وهج النار المقدّسة
ورحيق الأقحوان
يا سليلة عشتار المبجّلة
من يكتب عنك
لابد أن تتملكه نوبة من البكاء والكبرياء
تجليت كاللبوة الجريحة
تزأرين تحت قبة البرلمان
تحاولين إثارة نخوة المخنثين وأشباه الرجال
فلا تُثار
استحالت حبيبات الدمع في عينيك سرب حمام
وشلال نجوم تحفّ به مروج الغمام
بوركتِ من بين نساء الأرض جميعا
وبوركت الأم التي أرضعتكِ
والأب الذي ربّاك ورعاك
وبوركت الأرض التي احتضنت خطواتك
أنت تمثلين الطاووس بكل عنفوانه وجماله وجلاله
ستظلين مفخرة كل العراقيين على مر العصور
غدا سيقام لك تمثال من نور
فوق أعلى قمة جبل سنجار
وتحت قدميك أوكار النسور.
 
يا شميرام القرن الواحد والعشرين
ولدتِ امرأة
ولكن موقفك فاق مواقف أشجع الرجال
فتبا لجميع الجبناء الرعاديد
الذين كانوا ينظرون مأساة شعبك في عينيك
ويسمعون صرخاته في نشيجك
وأنت تنهارين إلى السماء
وهم يغوصون في أعماق الأرض.

يا امرأة قدّت من الصوّان
حين تعرض شعبك للذبح والتنكيل
بدأت تقدحين شررا في كل الاتجاهات
فتعسا لممثلي القوميات الأخرى
الذين طمروا رؤوسهم في رمال الخزي والعار
وانكشفت عوراتهم أمام أنظار العالم
ليتهم يكحّلون أجفانهم بالغبار المتنائر من تحت قدميك
ليروا قامتك الشمّاء تطاول عنان السماء.

يا عروس لالش
أما زلت تثقين بيهوذا الذي أسلم أبناء شعبك للصلب
وولى الأدبار تحت جنح الظلام
مكتفيا بذر الملح على جراحهم
وفاسحا المجال أمام الوحوش الضارية
لتعبث بأرواحهم
وتستبيح سرائرهم
وتعربد في قراهم وبيوتهم
وتنتهك حرمات مقدساتهم
وتنهش لحوم نسائهم
وتتوضأ بدمائهن الطاهرة
وتركهم ينزفون على الطرقات بين شعاب الجبال
مشردين يحملون قبورهم فوق أكتافهم
ويستجيرون بالموت من طعنات الإخوة في ظهورهم
وقد انقسمت الأرض تحت أقدامهم إلى نصفين
بينهما هاوية من سجيل.
فكلما أزهرت في عيونهم الآمال
تقطف يد الشر أحلامهم
وكلما تقيأ ملتح أخرق فتواه
امتشق الرعاع سيوف أحقادهم
ليبدأوا طقوس الجاهلية الثانية.
فكيف ياترى ستعيش وتستقر الحملان الوديعة
بين الذئاب المفترسة
وكيف سيبني اليمام أعشاشه
بين مخالب الصقور الكاسرة؟

بشراك أختاه
لا بد سيولد من رحم أرض الفراتين نسر
عصيا على الموت
يهز عروش الطغاة
ويجتث تعاليم الأنبياء الكذبة
ويتغوط على مقابرهم
وينشر أجنحته البيضاء على السهول والجبال
ليتربع على عرشه الأبدي
في بهاء ممالك الأرض
وعلى هامته تاج الألوهية.

هل تعلمي
بان الآشوري والإيزيدي كانا ولازالا
فرعين من جذع شجرة واحدة مباركة
أزلية سرمدية
وكلما هبت عليهما رياح سموم الصحراء
التحما في عناق طويل... وجليل.
*****

adamhomeh@hotmail.com

سدني - استراليا

4
أدب / الهاربون من الصلب
« في: 22:40 09/08/2014  »
الهاربون من الصلب

                             آدم دانيال هومه

كانوا حراسا للشمس وذخائر القديسين
تركوا أحلامهم  قرابين للآلهة فوق المحاريب المتصدعة
وحثّوا السير مثقلين بالويلات
لايلوون على شيء
تنهمر عليهم الأحزان من السماء
وتنفجر الأرض من تحت أقدامهم ملائكة الموت
وأبالسة الرعب
عاجزين عن وصف آلامهم في خضم صهيل الذاكرة
يدفنون موتاهم على عجل في المغاور وشقوق الصخور
ميمّمين وجوههم شطر قمم الجبال الشاهقة
نلك الجبال المخضّبة بدماء آبائهم
تلاحقهم ذئاب الصحارى
وزوابع الغبار
تذبل عيونهم في مرايا النعاس والضنى
تتواطأ دموعهم مع لآلئ النجوم وفوهات البنادق
من أمامهم بوّابة مشرّعة للمنافي
ومن خلفهم باب مفتوح على المقابر
صلواتهم يضيع صداها بين هدير المدافع
وعويل النساء والأطفال
ولا تلامس مسامع السماء
وأنوار أرواح الأجداد تنير دروبهم إلى الجلجلة
على أمل أن يستنشقوا من فوق ذراها روائح الأبدية
ويطلوا على موانئ الخلاص
وهم موقنون
بأنه ليس ثمة شيء في هذا العالم أغلى من الحياة
وأشهى من نسمات الحرية.
وفيما كانوا يبتهلون إلى الله كي يبعد عنهم تلك الكأس
كانت الملائكة تطل من شرفات السموات العلى
تسترقّ السمع إلى خطوات الفارّين من الصلب
على بوّابات الجحيم
تلوّح مودّعة الأنبياء المثخنين بالجراح
وتكتفي بكتابة قصائد رثاء بمداد الدم على قراطيس الغيم
تختلط دموعها مع انهمار رذاذ الشمس على صفحات  مياه الأغوار
فتتكدّس جميع طيور السماء على قباب الكنائس
وتغفو على وسائد أحلامها
فرارا من قسوة الأرض التي ترغو بالدماء
في ملكوت الرحمن الرحيم.

الخليفة الأهوج
القادم على بعير أعرج من قلب الصحراء
حط رحاله، غير المرغوب فيه، في نينوى
عروس التاريخ
ومليكة الحضارات
أزكمته روائح الأزاهير والورود والرياحين
فأصدر فرمانا بإزالة كل الحدائق والرياض
واجتثات جذور النخيل
فقد اعتاد على استنشاق رحيق البعرات
وأوعز بتجفيف نهري دجلة والفرات
لأنه لايستسيغ إلا بول البعير
وأمر بتحطيم الصلبان من قباب الكنائس
ونصب مكانها خوازيق السماء.

رجال ملثمون
في سواد قاتم يرفلون
كأنهم من الجحيم قادمون
أو من كهوف الجاهلية يبعثون
رايات (الله أكبر) يرفعون
وهل إلههم هذا أكبر من الناقة أو من البزّون؟
هم أنفسهم لايعلمون
من كل فج آتون
كالجراد الجائع يهجمون
الأرزاق والأموال والأرض يسلبون
والدماء الذكية يستحلون
الرجال ينحرون
الأطفال الأبرياء والنساء يروّعون
والعذارى يسبون ويغتصبون
وأصحاب الأرض الأصليين يهجّرون
بعضهم يزعقون
والآخرون كالببغاوات يردّدون
الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر على الظالمين.

أهذا هو الطاعون؟
أجل هذا هو الطاعون
في القرن الواحد والعشرين
وهل في العالم أدهى من هذا الطاعون؟
 
نونْ...
وما أدراك ما النون
يا كلبَ الباديةِ المختونْ
يا أقبحَ من مسخٍ مأبون
و أقذرَ من خنزيرٍ مفتون
أبوكَ ديّوثٌ من الشيشان
وأمك مجاهدةُ نكاحٍ من باكستان
وخالتك ضرّةٌ من أفغانستان
وعمّك هجينٌ من طاجكستان
وخالك لوطي من السودان
نبيّك رسولُ الشيطان
وإلهك خيّاطُ النسوان
في ماخورٍ تدعوه جنّةَ الرحمن
يرتّقُ بكارةَ عاهراتِ السماءِ... الْحُورِ الْعِين
بعد كل نكاح ميمون
ويجود بغلمان كاللؤلؤ المكنون
على المجاهدين الميامين
الذين يمارسونَ القتلَ والذبحَ بالسيفِ المسنون
باسمِ إلههم الدمويّ الملعون
الذي يأمرُ في كتابه المأفون
بسفكِ دماءِ الأبرياء المساكين
المسالمين الآمنين
الذين سلاحهم الوحيد هو غصنُ الزيتون.

******


5
أدب / اللقاء الأول
« في: 13:46 29/06/2014  »


اللقاء الأول

آدم انيال هومه

مهداة إلى الأخ الشاعر والباحث (سعيد لحدو)



تحية شوقٍ من القلب باأيها المتألق في شرفة الذاكرةْ
وقبلة ودّ تزقزق من ها هنا إلى شاطئ المقل الحائرة
أحييك من فدفد الغربة القاتلةْ
أيا باحثا عن رحيق السماء
لتروي أزاهيرك الذابلة.

أتذكر حين التقيتا لأول مرّةْ
على مفرق الدرب بين الشجون وبين المسرّة ؟.
افتتحنا اللقاء بإسم التي هي أقدس من كل قدسٍ
وأطهر من كل طهر السموات والأرضِ
أغلى من الخبز والماءِ
أسمى من المجد والغارِ
أنقى من  النور... والنارِ
أنصع من كل ثلج السماء.

أتذكر كيف بحثنا قضية شعبٍ مهيض الجناح ؟
يعاني ضمور المشاعر والانتماء
انشطار التآلف والإنسجام
ويرزح تحت ركام العداوة والإنقسام
تعرض للنكل والقتل والذبح مر الدهور
على أيدي كل الطواغيث عبر العصور
لقد كان رمز الحضارةِ
صار غريبا... شريدا على أرضهِ
يكافح من أجل لقمة خبزٍ
ومن أجل بقعة أرضٍ
ينيخ عليها ... يحطّ عليها رحال العذابْ
ولايتوافر فيها كتابٌ يعلّم النشء سفك الدماء وقطع الرقاب
تظللها راية الأقحوان
لينعم أطفاله البائسون بظل الأمان... ودفء الحنان.

أتذكر حين أردنا عبور صحارى البوار إلى واحة الحلمِ ؟
قطف الأشعة من خصلة الشمسِ
لملمة العطر من هيكل الربّ
لكننا
مكثنا سنين على أملٍ خلبيّ ... وبضع صور
وبضع قصائدَ مسكونةٌ بجنون البقر.

أتذكر حين صعدنا شعاب الرياح
على صهوة النارِ ؟
كنا ندغدغ حلم الطفولة بالشعرِ
حين تناهت إلى سمعنا وشوشات الطيور
ترفرف فوق حدائق بابلَ
تسبح في رونق الفجر بين هالات قوس قزحْ
تردّد أصداءها ردهات سرادق آشورَ
حيث تضيق المسافات بين الشعاعِ 
وبين انبجاس المطرْ
ولكن... وياخيبة العمرِ
سلّمنا الإخوة الأوفياء... رفاق الطريق الطويل
إلى شاهقٍ مفعمٍ بالخطر
وصرنا حيارى على مفرق الدرب
بين الذبول وبين الرحيل.

أتذكر حين بدأنا نشمّر عن ساعدينا لنغزو القمرْ ؟.
نعيد البُراق إلى الكهف
نوصد باب الحجر
ونمعن في الكدح من أجل أن ترتعش السحب العاقرات
ومن أجل أن يورق العشب فوق الجبال
وبين الوهاد
وفوق السطوح
وتحت الشجر
ولكن تساقطت الأمنيات كلمح البصر
وأصبح آشور في هالة الشمس قردا يزقزق كالطير... صار سرابا
تساقطت الأنجم الصفر والزرق والحمر.. صارت يبابا
وصارت قضية شعبي قضايا
وصار الحمار المناضل يمطرنا بالهدايا
يعيد كتابة تاريخنا
يعيد صياغة أمجادنا
يعمّدنا من جديد
يصلي علينا
يقرّر تسمية الأمة المستكينةْ
يضيف إلى إسمها تسميات هجينة
ويمحو من التاريخ فصلا
يضيف فصولا كما يشتهي أويشاء
وبعد انتهاء مهمة هذا الوباء
يعود ليسجد بين يديّ الإله الحقير الذي اصطفاه نبياً إلينا
وهذي الجمعاهير مثل الخراف تُساق إلى السلخ مبهورةً
تصفق للقائد المرتجى ابن ربّ السماء.

أتذكر حين افترشنا زنابق دجلة
التحفنا نخبل الفرات
أقمنا صلاة (الكروبيم) تحت ظلال النخيلْ
وآلينا أن نصطلي بالموت
أو نتعمّد في بركة المستحيل
انكمشنا على الذات
حين تبوأت النخبةُ المصطفاةُ مناصبَ فوق الخوازيقِ
صارت تمجّد غول الجبال... وصارت ذبابا
تحوّم فوق مزابل تُدعى مجالس شعبٍ... تسمى نيابة
وماهي إلا مهازل شعبٍ ينازع فوق رصيف القنوط
وتحت ظلال الكآبة
ونحن نمارس طقس العطاءات
بين الركود وبين الرتابة.

****
 سعيد !...
منذ ألفي عام
لم نصل إلى هذا الدرك من الانحطاط الفكري.
تصوّر...
كان لي صديق يفوح عبق النضال من منخريه
ومن كل مسامات جلده
غضب الله عليه  فمسخه قسيسا
خربش الشيطان في تلافيف دماغه
ففقد ذاكرته الناصعة
والتزم بتلاوة سورة البقرة
لعل الله يمنّ عليه بعجل من السماء.

****

سدني - استراليا

adamdanielhomeh@hotmail.com

6
أدب / ومضات
« في: 18:28 27/03/2014  »
ومضات

                              آدم دانيال هومه


على ضفة النهر الظامئ
الذي كان يتدفق يوما في ملكوت الكادحين
كشلال الذكريات
كنت جالسا أتأمل أسراب الطيور
وهي تهاجر أعشاشها المشيّدة فوق أغصان الأشجار الآيلة للذبول
فترفرف روحي في إثرها مثخنة بالألم
تاركة جسدي في هذه الصحراء التي اقتلعت فيها الطفولة من جذورها
والتي لاتثمر إلا دماء وثكالى
فأتسكع مع أحلامي الجريحة في ومضات خاطفة على تخوم الفجر
أحلامي التي يراودها الحنين إلى أيام الرقص على حبال الشمس
والضحك والبكاء بين سواقي ووحول قريتي المنسوخة
كالعصفور الدوري
الذي كان يتهجى حروف السنابل
ويلتقط الحبّ من أطراف البيادر
بعيدا عن ضراوة الصيادين.

قبل أن يعرف الله أسماءه الحسنى
ويستقر على عرشه الأزليّ الأثير
يوم كانت الملائكة لم تزل تحبو على بساط السماء
تجلببت بالرداء الكهنوتي
وسرت حافيا في شوارع أوروك
الأرض العذراء المقدّسة
الزاخرة بأسرار الآلهة
لأنزل ضيفا على (ننسون) الطاهرة
حيث كان (كلكامش) نائما في حضنها
ماداً رجليه في أعماق بحيرة أورمية
وقد أسند رأسه على وسادة جبل لبنان
وهو يداعب أسدا
ويقلّم أظافر نسر
وحين كان ينظر شزرا
كان البرق يضطرم في أغصان أشجار الغيوم.
ولما زرته عام 2003 في المتحف العراقي
بعد تسونامي السلب والنهب والتدمير
وجدته مسخا
يقوم الخبراء بفحص حمضه النووي DNA
ليؤكدوا للعالم بأن أبيه كان قردا هبط من السماء.

أمي عمرها ثمانية آلاف عام
ولازالت تتلألأ كماسة من خلف زجاج التاريخ
تواصل الحفر بأظافرها في الصخر
بحثا عن النبع المقدّس
الذي سيتدفق بمياه الحياة
لتروي أبنائها العطاشى
التائهين في صحارى التشرّد والضياع
ولتضفي أنوار أصابعها قداسة على تراب وادي الرافدين .

وطني ينزف بين براثن أخطبوط الجحيم
وشعبي يعدو صوب بصيص يلوح في آخر النفق
وهو لا يدري بأنه عين الذئب تتلألأ في الظلام.

قصص المجازر والويلات
محفورة في ذاكرة الآشوري أينما كان
فكلما كشّر المتعطشون للدماء عن أنيابهم
وتنادوا للجهاد
تتزلزل الأرض من تحته
وتنبت له أجنحة في قدميه
فيقطع البحار إلى مجاهل الأرض
بحثا عن عش آمن لأبنائه
خوفا من أن (يُعْطُوا الجِزْيةَ عَنْ يَدٍ وهم صَاغِرُون)   
أو )يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَاف)   
تاركا قلبه يغوص في عمق أعماق أطلال نينوى
وخرائب بابل   
وتهيم روحه بين الأودية والجبال
بحثا عن مقابر الآباء والأجداد المنثورة في البطاح المجهولة.
   
مذ بدأ أبناء الآلهة ينكحون بنات الناس
هُتك عرض الأرض
وبدأ صهيل الثأر يضج في مسامع الله
فأرسل أنبياءه ليشطفوا الأرض بالدماء.

ليس عجبي من بهلوانية هذا الحمار
وإنما من هؤلاء الذين يتباركون بذيله المقدّس.

عقيم إيماننا
عقيمة صلواتنا
وعقيمة معتقداتنا المهترئة
طالما أننا لانستطيع التمييز بين وحي الله
ووسوسة الشيطان.

الشاعر...
هو الوحيد الذي يسبر أغوار مجاهل لاتصل إليها مدارك الله.

يقف على مفترق الطرق مضرّجا بالشوق
لايعرف أي سبيل سيسلكه
ليصل سالما إلى بيت أحلامه.

عندما التقت حواء بآدم في الجنة
أول مالفت انتباهها الحية التي بين ساقيه.

في الشرق
أصبحت تفوح من الياسمين رائحة الدم والبارود
وصار الأطفال يشيخون من فرط أحلامهم الضارية.

في كل ليلة
بعد أن أقيم صلاة الحنين
أحلم بسحابة مكتنزة
تستقر فوق نهر الخابور
لتمطر بغزارة في حضنه القاحل
فتعود إليه نضارته القديمة
وتعود أشجار الصفصاف تتلألأ على ضفافه
وأعود أنا إلى طفولتي الزاهية
أرعى خرافي في المروج المترامية على أطرافه.

ما أروع أن تُغمض عينيك
وتقفز من شرفة الغمام
لترتطم بأغصان المطر
ثم تهوي في منزلقات الريح
إلى قاع اليم
لتتحطم بين ذراعي عروس البحر.

عندما قبّلتني
رأيت دمي يطفح على شفتيها.

تحت ظلال رموشك
كنت أراقب مهرة الشمس
تدك بسنابكها جسور السحاب
تجوب الآفاق
وترسل صهيلها في دمي
وعندما مضيتِ بلا وداع
وجدتكِ  في اليوم التالي في زهرة البنفسج
على ضفة الساقية التي تربط الأرض بالسماء.

رأيت طيفك يطلّ من شرفة نجمة الصباح
حاملا باقة ورد
ولما تلوت آية الوصال
طارت الورود من بين راحتيك عصافير
وحطّت على أغصان قلبي.
   
قال لي الشيخ الضرير: رأيتها بأم عيني
عندما تكشف عن مفاتنها
تضيء جوانب الأرض والسماء.
قلت: عندما ودعتني صامتة، مغمّضة العينين
واستقلت قطار الريح
عدت إلى البيت أجرجر أذيال اللوعة والألم
وبعد أن استوى طيفها على عرش أهدابي
تذكرت أني نسيت حقيبة روحي على رصيف المحطة.

لقد رحلت...  ولكن طيفها 
لازال يذرع غرفة ذاكرتي جيئة وذهابا
ولا زالت أنفاسها المضمّخة بعطر السنابل
تتسلل في كل ليلة إلى سريري
وأسمع صوتها العذب كصدى نشيج الناي
في أعماق الوديان.

 
قبل أن يفوح من نهدها رحيق الجنس
كتبتُ عليها كتابي
على سنّة هذا الغراب الغريب
الذي كلما عطش
أراد أن يولغ من دمي.

مثلما سيظل عقد عشتار اللازوردي
متجمدا في عنان السماء إلى يوم الدين
هكذا...
سيظل العراق أرجوحة الله إلى أبد الآبدين.

******
سدني – استراليا
adamhomeh@hotmail.com


7
نتاجات بالسريانية / اتورايايون
« في: 21:50 05/02/2014  »



8
أدب / العرّافة والشاعر
« في: 17:12 16/01/2014  »
العرّافة والشاعر
آدم دانيال هومه

قالت لي العرّافة الخرساء
قد شارفت أسطورة المنفى على النهاية
وآن لهذا الشاعر المدجّج بالأحلام، المثخن بالعبق
أن ينفض عن عينيه المغرورقتين بالألق رذاذ النعاس
وأن يتماهى مع شفيف الشفق
يمتطي صهوة البرق إلى عوالم ليس لها بدء ولا انتهاء
ويجلس بكل كبرياء
إلى مائدة الآلهة الكبار
يتمجّد باحتساء رحيق الخلود من كؤوسهم
ويوشَم بالضوء
ليصير شعاعا يخترق جدران الأكوان
ويتأله في رحاب الأبدية
يتكئ على وسادة السندس في أرجوحة معلقة بسقف السماء
على صدى خرير ذكريات الطفولة
وعنين نواعير ملاعب الصبا
تتأرجح النجوم على ضفافه
وتطوف حوله أشرعة المعذبين في الأرض
يناشده البحارة التائهون
يرصّعون أيقونته بالابتهالات
وفي أوج سطوعه
يتحول إلى ذخائر تتقدس بها الأجيال
تضيء في محرابه قصائد البكاء.

****
منذ البدء
وهو يستشرف الغيب
ويرفرف مع الأسماك على وجه الغمر
يلتقط حبّات الضوء المتناثرة من فقاعات الماء
يقاسم الله زاده النوراني
وينساب برفيف رهافته في مدارات الخلود
يطوي بجناحيه ضفاف الأزمنة والعصور
تتطاير من بين أنامله أسراب العنادل الوالهة
وهي تغزل الوجود ألحانا شجية
ويداعب عرائس الينابيع المتدفقة في مروج الآلهة
يلملم لآلئ الكلمات المشعّة من خلجان الأخيلة الجامحة
ينثرها في أحضان الأطفال
لتضيء لهم الدروب المظلمة
إلى منتزهات الإنسانية العابقة بألحان الشمس والمطر
في منأى عن خزعبلات الرسل والأنبياء التي تتناسل أحقادا ودماء
ينطلق من رنين سواقي الدهشة السادرة بين مروج الوحي
يتوغل في سراديب الأبجدية
بحثا عن الكلمات المجنّحة
التي تفوح منها روائح الشعر
ونرجس الألوهية
يهيل على جثث المومياءات غبار الطلع
لتتفتق أذهان الأموات على سطوع الملكوت
يلاحق فراشات الرؤيا نحو مناجم النار
حيث يثمر الثلج فوق أشجار الغابات نجوما
تهدي التائهين على دروب اليأس
وتغوي الطيور المهاجرة للعودة إلى أعشاشها التليدة
يعزف ومضات أناشيده على قيثارة روحه الجذلى
ينفض ذاكرته من طحالب الأمنيات تتشظى في دمه
يحمل نعشه ويحلق في صليل الآفاق
تاركا آثار أقدامه المضيئة على الصخور
وعلى صفحات المياه
يعبق رذاذ إلهامه على شفاه الأطفال
في أزقة وحارات القرى المنكوبة 
ليتحول إلى صفصافة في مرايا الربيع
برموشه المخضلة بالحبر الإلهي المقدس
ينحت على صخور الشواطئ المهجورة
قصائد لايفقهها إلا الضالعون في الآلام
يتوهج في ذاكرة الموانئ القصيّة
يغوص في الرمال المتحركة بحثا عن زنابق الماء
يعلم الأجيال التحليق في العلى
ويأخذ بيدهم إلى بيادر المستقبل
مفعمين بعطر تراب الوطن
تزقزق طيور الوحي على أغصان ذاكرته
فيهيم على وجهه في القفار
ويعود محمّلا بسلال من الياسمين
ينثرها في الهواء الطلق
ويركن في زاوية ذاته منتشيا كطفل اصطاد فراشة في الحلم.

تفوح كلماته مثل زهرة الكاردينيا
وتتدفق شلالا من العطر في مخادع العاشقين
كظبية شاردة في براري الخيال
يرتدي حلة الريح
يطارد الأموات الذين يقلقون راحة االأحياء في قبورهم
وينطلق من دهاليز أحزانه
يصبح قاب شعاعين من سجّادة الشمس
ليروي ظمأ الفيافي
ويضفي على الرمال بريقا يجعلها فاكهة كل الخلائق
يقف على عتبة بوابة الفجر
ليعزف على نايه الحزين ألحان المراعي
على إيقاع رقصةِ غجريةٍ
تستفز الشياطين وتستثير الملائكة
وعندما تكشف عن مفاتنها
تتدفق الأنوار من ثناياها
كالأمواج المتلاطمة على شطآن السحاب
لترتسم ملامحها في الآفاق
كعقد عشتار اللازوردي المتجمّد في عنان السماء.

عندما يجسّ نهود الجذور
ترتعش الأشجار
وتحبل الأغصان
فيصعد سلالم النور إلى شرفة يخفق فيها قلب الله
وينزف الحمام الزاجل هديله السحري على غصون الريح
فيردد الصدى
المجد للطيور التي تتزاوج في مهب الرياح
وتبني أعشاشها في سقوف الغيوم.
*****

9
أدب / عصفورة النار
« في: 21:30 20/12/2013  »
 

عصفورة النار

                              

آدم دانيال هومه



ياسوسنة الأرض... ويا جلنار السماء  
ياعصفورة النار!...
حين لامست أناملي اختلاجات شعرك
زمجرت الرعود والبروق في دمي
تألقتِ كزهرة في غلالة الندى
وفاحت من أردانك رائحة خبز التنّور
وعبير الذكريات
ولما شممت رحيق قرنفل نهديك
نُزّلت عليّ الآيات البيّنات
وعندما ذقت ذوب الرمان من شفتيك
أدركت كيف... ولماذا تسكر الملائكة
ولكن حين انهمرت أنفاسك رذاذ نار على صقيع روحي
زلزلت الأرض زلزالها
فقدت ذاكرتي وتوازني
تناثرث أشلائي اللامرئية على جدران النجوم
وصرت أهيم على وجهي في غابات الغيوم
في مروج وجنائن لم تخطر على بال السحرة والمنجمين
وتأكدت حينها بأن الله لازال على قيد الحياة
وبأن أبواب السماء مفتوحة على مصاريعها أمام العصافير
وموصدة في وجه الرسل والأنبياء.

أيتها الزنبقة التي تكاد تضيء من فرط جمالها
الرشيقة كغزالة البلجة في ليل الصحراء
حلقي بي على جناح الحبّ فوق الجبال
وفوق البحار
وفوق السموات
نحو الغدير المجلجل بالشهد والخمر بين مروج النعيم
لنفلت من ربقة الموت ومن قبضة الزمن الهشّ
ندخل ذاكرة الضوء... قدسية الوهج المتلألئ في منتزهات السديم.
فيا امرأة من صداح البلابل فوق غصون الصباح
أحبك أكثر من أمنياتي الدفينة بين ربوع القرى المرملات
على حافة النهر في وطني المستباح
وأكثر من مهجة القلب
أكثر من خلجة الروح في رونق الحلم بين هبوب الرياح
أنفاسك أرقّ من نسيم الصبا فوق سفوح الجبال
وأشهى من هسيس النار في زمهرير الشتاء
شفاهك أشهى من اللوز والموز
أطيب من سلسبيل السماء المقطّر في خابيات السحاب
وعيناك أجمل من نجمتين تشعان في شرفة الليل
خلف ستار الضباب
وقدّك أرشق من أرشق سيف صقيل
وأنت مزيج من النار والنور... لؤلؤة المستحيل
وأجمل من زهرة الأقحوان
تعانق ثغر الندى في بداية فصل الربيع الجميل.
 

سدني – استراليا
adamhomeh@hotmail.com





10
أدب / هلوسات الأنبياء
« في: 21:51 29/11/2013  »



هلوسات الأنبياء

                              


آدم دانيال هومه


رأيتهم يغربلون الريح في يوم ماطر
لم يكونوا مجانين   
ولكنهم فقدوا عقولهم
حين باغتهم الشيطان على طرف المقبرة
وهم يحملون على أكتافهم نعش الله.
****
أنا المتيّم بخريدة السماء
الطاعن في عشق الأرض والماء وسنابل الضوء
وريث عرش الملكوت
وملحمة التكوين
وسفر الرؤيا
في دمي ومضات ضوء من إشعاعات آلهة سومر
وفي تلافيف دماغي سحر نبوي من كهنة بابل
وفي بؤبؤ عينيّ بقايا بروق ورعود من جبروت آشور
في كل إشراقة شمس
أسمع خطوات الله على رصيف الذاكرة
وعند حلول المساء
تنبثق من بين جوانحي يرقات خضراء
تتطهّر بمعمودية النار
لتحلق فراشات متوهجة بألق قطيع من الطواويس في ظهيرة صيف.

****

أنا الذي صاغ جميع أساطير ماقبل الطوفان
ووضع النقاط على الحروف المضيئة فيها
ثم اعتليت منصّة السماء
فتوهجت روحي على طوالع الآلهة
وتباركت الأرض
وضجّت في أعماقها كل بذرة ذي حياة.

وأنا الذي أمسك بيد عشتار
وهي تجر ذيول الألوهية فوق السحاب
تتناثر من ضفائرها عطور الشموع المحترقة   
على طريق المجرات المؤدية إلى مخدع دوموزي المقدس
في حين كانت أشجار الحنّاء تتمرّغ تحت قدميها
والطيور تحلق صادحة في هالة قدسيتها.

****   
نهض من بين ركام ذاته... مفعما بالأمل
مزهوا بالجينات التي ورثها عن جده الأول
سيّد الفصول الذي أوقد شعلة الحضارات على ذرى الجبال المضمخة بالجلالة
وتبوأ عرش الحرف
مستمتعا بمنظر الحوريات وهن يخرجن عاريات من أعماق البحر
وممتعا ناظريه بقطعان الملائكة تنعكس ظلالها في مرايا الصباح
وقبيل الغروب
تصير ضفادع تلتهم أوراق الصفصاف من ضفاف الأنهار.

****

كلما ضاقت بي سنوات العمر العجاف
أمصّ رحيق رؤوس أصابعي المخضلة برضاب شفاه العرّافات
وأعود إلى مرابع طفولتي المطرّزة بأغنيات عرائس الأنهار
ومواويل جنّيات الغابات المسحورة
أستلهم منها أحلامي وأوهامي وفراديسي المفقودة
لأعاود عزف ألحاني الأزلية على أوتار المطر
بشغف الشعراء الذين يتطوحون في عوالم لاماض لها
ولاحاضر... ولا مستقبل.
أذوب في العشق المتناغم بين الموجة المراهقة
والصخرة الدهرية الناعسة بين جفون الخلجان
وأتجدّد مع قطرات الشمس التي توزع أشواقها اللذيذة
على البشر والشجر والماء والحجر
ثم أستريح على حافة الأبدية
لأشم رحيق الأعشاب النابتة فوق قبور الأجداد
في محراب الوطن الذي يتضور أمنا وسلاما
بين مخالب وبراثن أبالسة الموت الذين انبثقوا من لهيب نار
والدماء تشخب من أفواههم.
.    
****

سأعود يوما إلى رحم عذراء يصطفيها الضوء الأزلي الخلاق
لأولد فقيرا ملوثا برذاذ النبوءات
مضرجا برحيق الطفولة... مضمخا بخضاب الكبرياء.
****
كيف لي أن أتلمس طريقي إلى الله
بين شعوذة الكهان وهلوسات الأنبياء؟
****
في منتصف الحلم    
 أتسلق جبالاً أسطوريّة
وأغور في وديان ليس لها قرار
وأخوض في قلب المتاهات في الصحراء
بحثا عن ذكرى وجهي أمي العصي عن النسيان
والذي لازال يضيء ذلك البيت العتيق... وقلبي.

****   
كان وطني صغيرا على مقاسي
والأوطان الأخرى لم تستوعبني
لذلك بقيت على هامش التاريخ
خارج المقاييس والحدود
وشما على جبين الشمس
غيمة زاجلة فوق مرج ذابل
ترقص على سجادة الريح على إيقاع رعشات الرمال
وتفتح ذاكرتها الفوسفورية المتقدة
لتجليات الرؤى النبوية
لمجدها تنحني الغابات العطشى
وعصافير النار الجذلى

****

وأنا أسوق قطعاني إلى مراعي النجوم
لمحت من كوة الغيم شذّاذ آفاق يحطون رحالهم على مشارف الإيساگيلا
ينجّسون قدس أقداس الوطن بأنفاسهم الملوثة بجراثيم الجاهلية الأولى
يحرثون أرض سومر بمخالبهم التي تقطر من دماء الأمهات الثكالى
يلطخون جدران زقورة أور بصور أسلافهم الديناصورية
ثم يمتطون صهوات الجراد
يطاردون ظلال الأسود على سفوح الجبال
ويقضون ظمأ على ضفاف الأنهار
يؤبنونهم بدو رحل بأبيات من شعر تأبط شرا
ويهيلون عليهم التراب
ويمضون في طريقهم صوب الشام
ليقايضوا آلهتهم بأقمشة يسترون بها عوراتهم
وينامون في العراء تحت ضوء القمر
على نباح الكلاب وعواء بنات آوى
يستيقظون مع مطلع الفجر أمواتا من الرعب
على هدير الزلزال الكبير.
  
****
يأتي كصرير الموت
يتلو آياته الخرافية الممجوجة على مسامع القبور المسكونة بالأشباح
يلتهم أوراق شجيرات الغيم
وينتهك حرمات السنابل العذراء
يعربد في أعشاش العصافير الآمنة المستكينة
يقتحم محاريب الأنبياء
ليعبث بأيقونات الشهداء المنفيين من الفردوس الأزلي
إلى جحيم الغربة القاتلة
ويسرق أحلام الأطفال
ثم يمتطي متن العاصفة
بحثا عن الأصداف المتلألئة على شواطئ المدن المنكوبة.

****
في كل مساء ترفرف روح الله على قرى الخابور المهجورة
وتدخل عشتار بيتا بيتا
لترش الملح على العتبات
تمسّد صور القديسين المعلقة على الحيطان
تبارك جذوع الأشجار التي لم تزل تنبض بالحياة
ثم تنتظر على مفرق الطرق قدوم العاصفة
بينما يقف ديك الوعد في انتطار فجر جديد.

****
شعب تراوده الأحلام... لن يموت
وآثار الأقدام المطبوعة فوق الصخور
من المحال أن تنمحي أو تزول.
****


Adamhomeh@hotmail.com
سدني- استراليا


11
)رسالة مفتوحة من نينوس آحو إلى أبرم شبيرا)

                                                                                                             بقلم: آدم دانيال هومه.

   مساء البارحة، وفي الهزيع الأخير من الليل، وأنا بين اليقظة والحلم رأيت نينوس آحو مقبلا على جواده السماوي المطهّم. وهو يرتدي حلّة الملائكة، وفي يده صولجان الملوكية، وعلى جبينه وشم الإله آشور المتلألئ. ناولني الرسالة التالية وأوصاني أن أضع عليها اللمسات الأخيرة وأسلمها للمرسل إليه. ثم مضى من حيث أتى كلمح البصر.   
   الأخ أبرم شبيرا الموقر
   تحية آشورية صادقة.
   بداية لابد أن ألفت انتباهك إلى أن الكتابة رسالة مقدسة، ومسؤولية أخلاقية، وخاصة إذا كانت تمس حوادث ووقائع تاريخية أسدل الزمن عليها سدوله، ولم تدوّن من قبل أولئك الذين عايشوا تلك الوقائع والأحداث بحذافيرها، أو كانوا شهودا عيانا عليها.
   يبدو لي، من خلال تناولك للأحداث والتنظيمات السياسة الآشورية، بأنك لاتني تدلي بدلوك في كل بئر سحيقة ليس لها قرار. ولكن، للأسف الشديد، تستقي معلوماتك من مصادر مشكوك بأمرها أو مضللة تجعلك تحرث في الرمال المتحركة، ويشتط بك الخيال في متاهات الأوهام في كل موضوع تتناوله، وتوحي للقارئ البسيط بأن لك مساهمات فعالة في تأسيس جميع التنظيمات السياسية الآشورية في جميع أصقاع الأرض بما لك من ارتباطات صداقات وطيدة مع أغلب الكوادر القيادية لتلك التنظيمات على الرغم من أنك أعلنت، مرارا وتكرارا، بأنك لم تنتمِ إلى أي تنظيم سياسي، وغفلت أو تغافلت عن ذكر الأسباب والمسببات التي حالت دون ذلك رغم ما تبديه، في كتاباتك، من مشاعر قومية ووطنية عارمة وجياشة لحد الإفراط.
    يقول ريتشارد فينمان: (المهم هو أن تعطي كل المعلومات لتساعد الآخرين ليحكموا على القيمة التي قدمتها لهم وليس أن تقدم المعلومات التي تجعلهم يحكمون في اتجاه محدد).
   ففي جميع مقالاتك حول المنظمة الآشورية الديمقراطية، على سبيل المثال، تؤكد بيقين، وبشكل جازم بأنها قامت على أكتاف أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية كأنك كنت واحدا منهم وأنت الخبير النحرير الذي يكشف عوالم الغيب. وتضيف في مقالتك تحت عنوان: (الذكرى ألـ (56) لتأسيسها: القومية والطائفية في فكر المنظمة الأثورية الديموقراطية (مطكستا) قائلا:
   (فمطكستا ليست من بنات أفكار مؤسسيها ولا نتاج قرار أتخذ من قبلهم، بل تأسست فكريا قبل أن تتأسس تنظيمياً في الخامسة عشر من تموز عام 1957، فهي المحصلة الفكرية التاريخية لعقود طويلة من نضال الآشوريين وأفكار رواد الفكر القومي الآشوري وعبر سلسلة طويلة من النشاطات القومية تمتد من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مبتدئة بأسماء عظماء أمثال يوسف بيت هربوت (هو آشور يوسف دخربوت وليس بيت هربوت) وبرصوم بيرلي ونعوم فائق وفريد نزها وسنحاريب بالي وتنتهي عند حنا عبدلكي وشكري جرموكلي وغيرهم الذين أسسوا رسمياً هذه المنظمة).

   أقول لك بكل صدق وصراحة: هذه مجرد فذلكة إنشائية لاترتقي إلى مستوى التحليل السياسي الرصين، ومجرد هراء لاأساس له من الصحة على أرض الواقع. فأفيدك علما، ولعلك تُصاب إزاءها بإهباط فكري، بأن جميع مؤسسي المنظمة الآشورية الديمقراطية كانوا جميعا من أتباع الكنيسة الشرقية الآشورية باستثناء واحد منهم هو (سعيد رزق الله المعروف حاليا باسم سعيد قرياقس) كان من أتباع الكنيسة الكلدانية، وقد تتلمذ على يد الأب الآشوري المناضل (بولص بيداري) الذي كان، يومذاك، راعيا للكنيسة الكلدانية في القامشلي. وأؤكد لك بأن جميع اولئك المؤسسين الأوائل لم يعرفوا أو يتعرفوا على شكري جرموكلي أو حنا عبدلكي يومذاك، ولم يسمعوا باسم نعوم فائق أو غيره من أصحاب الأسماء المذكورة آنفا على الإطلاق مع تقديري واحترامي واعتزازي بجميعهم وتقديسي لعطاءاتهم القومية. ولكن الاسماء التي كانت تتردد على مسامعهم، حينذاك، كانت (الشهيد مار بنيامين، آغا بطرس، مار إيشاي شمعون، مالك ياقو، مالك لوكو، ومالك خوشابا ناهيك عن تغلات فلاسر، سركون، سنحاريب، أسرحدون، آشور بانيبال، ونبوخذنصّر). هؤلاء كانوا روادهم القوميين وقدوتهم في العمل القومي، إضافة إلى آبائهم الأبطال الميامين الذين دحروا الجيش العراقي على مشارف ديره بون ومرّغوا جباه وزراء الملك فيصل الأول وقادة جيشه في الوحل، وبعثوا الرعب في قلوبهم وأوصالهم. وكذلك كانت حافزهم القومي أمهاتهم اللبوءات اللواتي خرجن من جرن معمودية الدم إثر مذبحة سيميل الرهيبة وهن مفعمات بالمشاعر القومية الفطرية التي أرضعوها لأبنائهن ممزوجة بحليب الأمومة. وإليك اسماء مؤسسي المنظمة الحقيقيين، ولازال جميعهم أحياء يرزقون باستثناء المرحوم (جورج يونان) المسؤول والعقل المفكر الذي توفي إثر حادث مرور في لبنان عام 1967م. ويُشاع بأنه كان حادثا مدبّرا.
1.   جورج يونان. (كان موظفا في البنك العقاري)
2.   شليمون بريخا. (كان في الصف التاسع. حاليا في شيكاغو- الولايات المتحدة الأمريكية).
3.   سعيد رزق الله. (كان في الصف الثامن. حاليا في شيكاغو- الولايات المتحدة الأمريكية).
4.   لوكو شموئيل. (كان في الصف الثامن. حاليا في شيكاغو- الولايات المتحدة الأمريكية).
5.   دافيد زوزو. (كان في الصف الثامن. حاليا في الحسكة- سوريا).
6.   زكريا يونان. (كان في الصف الثامن. حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية).
7.   وليم قمبر. (كان في الصف السابع. حاليا في مدينة القامشلي- سوريا).
8.   آدم دانيال هومه. (كان في الصف السادس. حاليا في سدني- استراليا).
    وتتساءل وتجيب في الوقت ذاته:
    لماذا تسمت مطكستا بالتسمية الآثورية وليس بالآشورية أو السريانية أو الكلدانية أو الأرامية أو بالتسميات الحضارية المتعددة لأمتنا؟؟ سؤال وجيه ومنطقي للذين ليس لهم إلمام بتاريخ تأسيس مطكستا وفهمهم للتسميات المتعدد لأمتنا ولكن في نفس الوقت الجواب بسيط لمن يلم بتاريخ هذه المنظمة والخلفية الفكرية والتاريخية لها. أن مؤسسي مطكستا ومعظم أعضاءها هم أبناء وأحفاد آشور بيت هربوت ونعوم فائق وفريد نزها وغيرهم من رواد الفكر القومي في مجتمعنا. كان هؤلاء جميعاً يستعملون التسمية الأثورية في عملهم القومي منطلقين من كونها تسمية تاريخية حضارية لأمتنا وقد ورثوا الأبناء والأحفاء هذه التسمية من أجدادهم وأستعملوها كهوية قومية لهم. ولكن أستعمالها لم يكن في نطاق ضيق ومشدد وبأصرار على التمسك المطلق بها دون غيرها من التسميات الأخرى لأمتنا. فمنذ الرواد الأوائل وخاصة نعوم فائق وفريد نزها نرى بأنهم كانوا وعلى الدوام يستخدمون تسميات مركبة لأمتنا كقولهم "الأمة الكلدانية السريانية الآشورية" وأحياناً الأمة السريانية الأرامية الآشورية
   أقول لك بكل صدق: هذا مجرد تحليل حبصوني (نسبة إلى حبصونو) لايمت إلى الحقيقة بصلة. فالمنظمة تأسست بالحقيقة في الرابع عشر من تشرين الأول عام 1958. ولكن في الاجتماع الأول اقترح المرحوم جورج يونان بأن يكون الخامس عشر من تموز عام  1957م هو يوم التأسيس، لالشيء وإنما لإعطائها قدما زمنيا لاغير. كما اقترح، أيضا، بأن يكون اسم التنظيم الجديد (الفجر المنبثق) ولكن بعد نقاشات بين المؤسسين استقر الرأي على اسم (المنظمة الآشورية) وأضيفت عليها في السنوات التالية كلمة (الديمقراطية). ولكن بعد انتساب الإخوة جورج سولومون، المرحوم صليبا ايليو، وشوكت أفرام، وحنا موسى، والثلاثة الأخيرين من أتباع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. ارتأوا بأنهم عن طريق (التسمية الآثورية) يستطيعون أن يتوغلوا بين أبناء الكنيسة السريانية لأنها أكثر قبولا من (التسمية الآشورية) لأن الآشورية مقرونة لدى الغالبية منهم بالنسطورية. لذلك وافق الجميع على هذا الطرح علما بانهم كانوا يدركون جيدا بأنه لدى استعمالنا لغتنا الأم فلا فرق، إطلاقا، بين التسميتين. أما كلمتي السريانية والكلدانية فلم ترد إطلاقا في قاموس المنظمة إلا في السنوات الأخيرة، لأنهما كانتا في مفهوم جميع قيادات وقواعد المنظمة ومؤازريها مجرد تسميتين مذهبيتين، ولم تردا في جميع أدبيات وفعاليات المنظمة إلا ضمن قوسين كأي تسمية مذهبية أو عشائرية. ولكن في السبعينات تفاقم الخلاف حول تسمية (المنظمة الآثورية) و (اللغة السريانية). وفي المؤتمر الثالث للمنظمة المنعقد عام 1976 قرر المؤتمرون بالإجماع اعتماد التسمية الآشورية للشعب وللمنظمة وللغة، ولكن لم يطبق القرار، لأسباب لسنا بصددها في هذا المجال، ما أدى ذلك إلى الشرخ العظيم في هيكلية المنظمة الذي تمخض عنه ولادة الحزب الآشوري الديمقراطي.
   وتضيف: وهكذا حيث كانوا يعرفون بأن هذا التعدد في التسميات التاريخية والحضارية هو إغناء لحضارة وتاريخ وواقع أمتنا. وجرياً على أفكار هؤلاء الرواد لم يكن لمطكستا تعصباً مشدداً للتسمية الأثورية بل كانوا يجدون في كل التسميات إضافات حضارية وفكرية لنشاطاتهم القومية ولا يتعصبون لهذه التسمية أو تلك. وما مشاركتهم الفعالة في مؤتمر بغداد عام 2003 وتبنيه التسمية المركبة لأمتنا إلا دليل على ذلك.
  هذا هو تحليلك وتفكيرك الشخصي ليس إلا. فهناك عدد من المفكرين الأوائل استعملوا في جميع كتاباتهم وطروحاتهم التسمية الآشورية فقط لأنهمم كانوا يستوعبون التاريخ والواقع جيدا، وهم شهيد الصحافة الآشورية البروفيسور آشور يوسف دخربوت، الدكتور فريدون آتورايا، الأديب الألمعي بنيامين أرسانيس، والبطريرك مار إيشاي شمعون. أما الآخرون فلم يستقروا على قرار، وأظهروا جميع هذه التسميات على السطح وفي مقدمتهم نعوم فائق وأدّي شير لذلك اختلط الحابل بالنابل وتشظت انتماءات الأجيال ما بعدهما. أما مشاركة المنظمة في مؤتمر بغداد عام 2003 فهي القشة التي قصمت ظهر البعير، وظهر الانحراف جليا على جميع المستويات أمام منتسبي ومؤازري المنظمة بشكل خاص وأمام المجتمع الآشوري بشكل عام. والدليل أنه بعد مؤتمر بغداد المشؤوم بدأت تنبثق من الغيب الأحزاب الطائفية كالحزب الكلداني الديمقراطي الذي ولد بعملية قيصرية من مؤخرة الحزب الكردستاني الديمقراطي، والاتحاد العالمي للكتاب الكلدان ذوي الخلفيات البعثية والشيوعية، المنبر الديمقراطي الكلداني، المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، المجلس القومي الكلداني، حركة تجمع السريان المستقل، الاتحاد السرياني، والتنظيم الأرامي. والحبل على الجرار، ناهيك عن المؤسسات الطائفية والعشائرية والمناطقية. وهكذا ضاع الخيط والعصفور. وهذا ماكان يتمناه ويبتغيه أعداء هذه الأمة، وسعوا إلى تطبيقه بشتى الوسائل والسبل، وحققناه لهم مجانا، هذا ما ظهر للعيان أما في الخفاء فالله أعلم. أفيدك علما بأنه في أوائل عام 1977 كنا في زيارة إلى المطران (البطريرك فيما بعد) مار روفائيل بيداويد في لبنان، (البروفيسور الأب باسيل عاكولة حاليا محاضر في جامعة السوربون، الدكتور المحامي جوزيف أحمر رئيس الرابطة السريانية يومذاك، وكاتب هذه السطور). وبعد حديث مستفيض عن الأمور القومية تحدث المطران بيداويد قائلا: بصراحة، أنا فاقد الأمل كليا بعد اغتيال مار إيشاي شمعون لأنه كان القائد الوحيد الذي اجتمعت حوله الأمة بجميع طوائفها، ومن المحال أن تجد قائدا آخر يسد الفراغ الذي تركه، وحتى إن وجد ذلك القائد فمن المستحيل أن تؤيده وتقف وراءه كل طوائف شعبنا. ثم أضاف قائلا: فأنا، شخصيا، لم أجد أذكى وأشجع منه في حياتي كلها. تصوروا أنه حين أراد لقاء صدام حسين، وكان يومها نائبا للرئيس، ومار شمعون يعرف جيدا بأنه هو رئيس العراق الفعلي. اصطحبنا أنا، مطران الكنيسة الكلدانية، والمطران مار زكا عيواص مطران الكنيسة السريانية الأرثوذكسية (البطريرك الحالي)، ولم يصطحب معه أي مطران من الكنيسة الشرقية وذلك ليوحي ويبيّن للقيادة العراقية بأننا شعب واحد يتبع عدة مذاهب كنسية. لذك اعترفت به الحكومة العراقية كقائد للأمة الآشورية بجميع طوائفها. هذا من ناحية الذكاء. أما من ناحية الشجاعة فتصورا أن صدام حسين ناوله ورقة مكتوبة فبعد أن قرأها البطريرك، رماها في وجه صدام وقال له بالحرف الواحد: لوكنت أقبل بهذه الشروط لكنت قبلت بها عام 1933. وكنا أنا ومار زكا نختلس النظرات ونغوص في كرسيينا هلعا لأننا كنا على يقين بأن صدام، وبما عرف عنه من إجرام، من المستحيل أن يغض الطرف عن هذه الإهانة. أفهل عرفت الآن أيها الأخ الكريم ماذا ينتج عن إطلاق عدة تسميات على شعب واحد. أنا سأقول لك: باستخدامك التسمية الكلدانية تمنح عدوك الحق المطلق، وعن سابق تصميم وإصرار، بأن يقول لك: احمل أغراضك وانقلع من هنا فهذه ليست أرضك، وإنما أرضك هنالك على ساحل الخليج الفارسي. وباستخدامك التسمية السريانية تقطع جميع جذورك وأوصالك من عمق أعماق الأرض والتاريخ، وتصبح كالشجرة التي ليس لها جذور في الأرض فيسهل اقتلاعها بأيسر السبل، ويحق لأحد الملالي وما أكثرهم أن يقول لك: بما أنك سرياني أي مسيحي فانقلع من هنا واذهب إلى إخوانك المسيحيين في الغرب لأنه غير مرغوب بك بين المسلمين. أما اذا استخدمت التسمية الآشورية فقط لاغير فهذا يعني أنك تملك سند التمليك بالأرض والسماء والتاريخ والحضارة مختوما وموقعا ومشهودا عليه من العالم كله، ومن الأعداء قبل الأصدقاء. آنذاك تكون أنت صاحب البيت والآخرون ضيوف طفيليون غير مرغوب بهم. وعدوك يعرف هذا جيدا، وأنت غافل عنه، لذلك تراه يقبل بالتسميتين الكلدانية والسريانية عن طيب خاطر. لا، بل يعمل المستحيل على ترسيخهما. وفي الوقت ذاته يعمل المستحيل لمحو الآشورية من القاموس ليتسنى له سحب الأرض من تحت قدميك، ومعاملتك كلاجئ تعيش تحت رحمته متى ما أراد سيرميك في مزبلة التاريخ وينفض يديه منك.
   وفي مقال تحت عنوان: (الخامس عشر من تموز... ولادة مطكستا وموت شاعرها الكبير نينوس آحو). العنوان أقل مايقال عنه أنه خالٍ من أية ذرّة احترام لشاعر ومناضل بمستوى نينوس آحو، وبالأصح تافه إلى حد السخافة. فنينوس لم يمت فهو خالد خلود اسم آشور، والأموت هم المنافقون والانتهازيون والبهلوانيون القوميون الذين لهم في كل عرس قرص، يقولون عكس مايفعلون، ويسيرون خبط عشواء، أبصارهم مفتوحة وبصائرهم عمياء لايشعرون بما يحدث من حولهم وتحت أقدامهم. ثم تضيف، بناء على أقوال من هنا ومن هناك، وبدون دراسة وتمحيص: منذ البداية أرتبط وتحديداً في عام 1960 بالمنظمة الآثورية الديموقراطية (مكستا) وهو لم يتجاوز الخامسة عشر (والصحيح الخامسة عشرة) من عمره.
   فلنكن منصفين بحق نينوس، وبحق التاريخ، وبحق أجيالنا الآشورية القادمة. فقد انتسب نينوس إلى المنظمة الآشورية الديمقراطية أواخر عام 1962م. وإذا كنت في شك من ذلك فما عليك إلا الاستفسار من الأخ (موشي ميرزا المقيم حاليا في شيكاغو) فهو الذي قام بتنظيمه وعنده الخبر اليقين.
   ثم تقول: فكان من أقرب الأصدقاء والناشطين للإتحاد الآشوري العالمي وللحركة الديموقراطية الآشورية إضافة إلى علاقته الرفاقيه مع مطكستا ومع جميع القوميين والمثقفين.
   أقول لك بصدق: لم يكن نينوس صديقا للاتحاد الآشوري العالمي فحسب وإنما كان عضوا فعالا في لجنته التنفيذية في السبعينات، وظل عضوا في الاتحاد حتى عام 1988. وبقي صديقا ومقربا جدا من قيادة الاتحاد حتى رحيله، وخير دليل على ذلك دعوته بصفة رسمية بمناسبة إزاحة الستار عن نصب تمثال المذابح الجماعية الاشورية في سدني 2010. ثم دعوته، ثانية، وبصفة رسمية، أيضا، إلى مؤتمر الاتحاد الآشوري العالمي المنعقد في ايران في شهر تشرين الأول عام 2011. أما أنه كان من أقرب الأصدقاء إلى الحركة الديمقراطية الآشورية فنعم، ولكن في بداياتها الأولى وإسوة بكل المثقفين القوميين الشرفاء. ولكن بعد مؤتمر بغداد المشؤوم الذي تمخض عن مؤامرة التسمية المركبة والهجينة فقد تغير كل شيء، وكان نينوس على رأس مناهضي نهج الحركة والمنظمة معا. وقد قال لي مرارا وتكرارا، وهو ينهال بالسباب من النوع الثقيل كعادته في ساعة غضبه: (علينا أن نعيد تقييمنا لكل الذين عملنا معهم طوال السنين الماضية لأن معظمهم قد انحرف عن المسار الصحيح).
   لقد تعرفت على شهيد الأمة الآشورية نينوس آحو (عبد المسح آحو سابقا) في بدايات عام 1959 في مدينة القامشلي حيث كنا نقطن في حارة واحد هي (الحارة الغربية) وفي صف واحد (السادس الابتدائي) وفي مدرستين مختلفتين هو في ثانوية العروبة التابعة لوزارة التربية، وأنا في اعدادية النهضة التابعة لكنيسة مار يعقوب للسريان الأرثوذكس. وقد توطدت صداقتنا بعد انضمامه إلى المنظمة. وبعد حصولنا على شهادة الكفاءة معا، انتقلت للدراسة في مدينة الحسكة وبقي نينوس في القامشلي، ولكن الاتصال لم ينقطع بيننا. ففي مدينة الحسكة، وفي بداية السنة الدراسية، وفي الاجتماع الأول الذي ضم أكثر من أربعين عضوا تم انتخاب قيادة لمنطقة الحسكة من الإخوة يعقوب جلو(حاليا دكتور في مدينة القامشلي- سوريا)، يونان شليمون (حاليا في المانيا)، آدم هومه (حاليا في استراليا) والثلاثة كانوا في الصف العاشر في ثانوية نور الدين الشهيد. إضافة إلى المرحوم يوسف القس(كان في الصف الثاني – دار المعلمين، وتوفي السويد)، ونعيم زيتون (انتسب إلى حزب البعث وصار نقيبا للمعلمين في محافظة الجزيرة). وكان المنظمون خليطا من كل طوائف شعبنا بدون استثناء، وغالبيتهم من قرى الخابور، ومن القامشلي وديرك وتوابعهما وخاصة اولئك الذين كانوا يدرسون في دار المعلمين في الحسكة كونه المعهد الوحيد في كل المحافظة يومذاك.
   لقد فرق الدهر بيننا حين سافر نينوس بصحبة كل من جورج سولومون، وجان كردوسلي، والمرحوم صليبا ايليو لحضور مؤتمر الاتحاد الآشوري العالمي في المانيا، ومن هناك تابعوا رحلتهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقروا فيها. والتقينا ثانية عام 1974 في لبنان حيث كنا، رياض نصرالله ويعقوب ماروكي وأنا في مهمة إلى لبنان وكان هو قادما من أمريكا.
   في المؤتمر الثالث للمنظمة الآشورية الديمقراطية المنعقد في آب 1976 قرر المؤتمرون بالاجماع تكليفنا نينوس وأنا لتمثيل المنظمة في لبنان ولكنه، للأسف الشديد، لم يحضر لأسباب شرحها لي، فيما بعد، بالتفصيل ولامجال للخوض فيها في هذه العجالة. وبعد قدومي إلى استراليا، وعودته من سوريا إلى أمريكا، إثر إصابته بمرض عضال ، لم يمر شهر على الأكثر من دون أن أخابره أو يخابرني لنعاود شريط الذكريات وما آل إليه رفاق الدرب الطويل، وما آلت إليه تنظيماتنا السياسية. وآخر مخابرة جرت بيننا بعد استيقاظه من السبات الطويل قبل رحيله بأسبوع. وتحدثنا قرابة الساعتين. وكان كعادته مفعما بالأمل ويخطط لأكثر من خمسين عاما مقبلة. فقلت له مازحا: نينوس!... أتظننا في العشرينات من العمر. فقال بإصرار: علينا أن لانقطع الأمل. أنسيت وعد أمي؟. قلت لك مرارا بأنها كانت، رحمها الله، تؤكد لي دائما بأن (آتور) ستقوم عام 2050م. فقلت له: وكيف لي أن أنسى. كيف لاتستطيع أن تقوم وهي نائمة؟ فالمسيح قد قام من بين الأموات؟ فجلجلت ضحكته عبر الهاتف وقال بعد مسبّة من العيار الخفيف: حتى في أحلك الظروف لاتكف عن المزاح. ولم أدرِ بأن أحلك الظروف التي كان يقصدها هو فراقنا الأبدي.
   في اليوم التالي اتصلت به، وسمعت صوتا يقول: هالو. فقلت مازحا: نينوس! أظن أنك اليوم أحسن بكثير. فأجاب الصوت: (ملفونو، أونو أنليل. والدي فد دخل اليوم، ثانية، في السبات. كفاه عذابا. فلندعه يستريح). فتجمدت الكلمات على لساني، ولم أنبس ببنت شفة. ورأيت، من خلال الدموع، طيف نينوس وهو يحلق في الآفاق فوق أجنحة الثور المجنح إلى السموات العلى حيث يتربع آشور على عرش مجده فاتحا ذراعية لاحتضانه.
   عزيزي الأخ أبرم!
   أقولها بالمقشّر وبدون مواربة: لقد ساهمتم، إلى جانب العديد من المثقين الآشوريين سابقا، و(السركلدوشيين حاليا) بتشويه معالم هذه الأمة المنكوبة بما فيه الكفاية. فبالله عليكم دعوا المناضلين الشرفاء الأتقياء يرقدون في قبورهم بسلام. وأنصح كل مناضل دونكيشوتي، وكل متذبذب يحاول ستر عوراته الفكرية بادعاء صداقة نينوس الابتعاد عن شمس نينوس المقدسة لأن أشعتها الساطعة ستحرق كل الفراشات المتلونة، ولأن أكره ماكان يكرهه نينوس هم ذوو الأفكار الحلزونية والمواقف الزئبقية. فنينوس لم يكن، في يوم من الأيام، سوريا أو سريانيا أو سركلدوشيا على الاطلاق. وإنما شاعرا وقوميا آشوريا بامتياز، ولكل الآشوريين في أصقاع الأرض من أتباع كل المذاهب الكنسية والمناطقية بدون تمييز. وسيظل قدوة ومثالا للأجيال الآشورية القادمة على مر العصور. لم يرضخ، يوما، للظروف وللواقع متذرعا بأن يده تحت الحجر. بقي كما كان شامخا مثل قمم جبال آشور، ورحل واقفا ولم يطأطئ هامته للموت، فهو كطائر الفينيق حيث يذهب كل ألف عام إلى أعلى شجرة تصل السماء وهناك يحترق ويولد من جديد. فوداعا نينوس، أيها الملك الآشوري غير المتوّج، وإلى اللقاء.
آدم دانيال هومه
سدني- استراليا
2013/07/23
adamhomeh@hotmail.com


12
أدب / جرح ينزف بروقا
« في: 14:08 17/07/2013  »


جرح ينزف بروقا

آدم دانيال هومه

مهداة إلى الشاعر الآشوري الفذ (نينوس آحو) الذي أتشامخ بصدقه وصداقته.
 
على امتداد مايربو على أربعين عاما
 ظل يحفر الصخرة بإبرة
ليقيم تمثالا للآشوري الجديد يصعد فوق كتفيه إلى السماء
ليزرع في أخاديده بذور نجوم جديد.
 
ياحوذي عربة النار
أيها الجريح الذي ينزف على قارعة الشمس
جرحك يضيء بوّابة السماء
وينعكس على مرايا المساء
يتشظى وهج روحك في الآفاق كصدى البروق في السحاب
أربعون عاما وأنت تسقي الأطفال من معصرة الغيوم
وتقذفهم نحو النجوم
قدّوس هو يخضور الجمرالمجلجل في أغصان دمك
كأولياء الله يصقلك الألم المقدّس
في شرايينك تتلاطم أمواج الشعر
وعلى شفتيك تتناسل بلابل الكلمات
نبضك يبقي العاصفة على قيد الحياة
ليظل الوحي منهمرا على ذاكرة التاريخ.
رويداَ... رويدا تبني الأقمار أعشاشهاعلى كتفيك
وإلى عينيك تحج قوافل السنابل
يازارع بذور الفرح في مملكة أحزاننا
أتأمل حزنك في قبو الليل
يعلو كفقاعات الألق
وأنت... تتأرجح بين يديّ آشور
كعصفور مبلل برذاذ الضوء
مزنّر بالطلاسم المكتوبة بالحبر الإلهي
 بالألم تنسخ آية اليأس... وبالحب تكتب مزامير الأمل
ياأجمل العشاق
كيف الدنو من صمت الجلالة في مقلتيك؟.
أنت الذي يجيد العزف على شريان الشعب
علينا أن نغرق في نهر دموعك
كي تتطهر قمصان نفوسنا الملطخة بدماء القدّيسين.
 
أيها الذي يقدح الحروف جمرات
ستظل قصائدك تصدح كالنواعير في حدائق الآلهة
 وستسيل بتواصل عبر السنين
وتتجلّى في دفاتر أطفال الغد
حتى يزهر الشوك على ضفاف دجلة والفرات
وستتلألأ قدماك بقدسية وشموخ
فوق جماجم الذين تسرّب طحلب الزيف إلى مسامات ذاكراتهم المثقوبة
أولئك الذين تداعب عصافير الأكاذيب أحلام يقظتهم
وستنام هانئا في أفئدة الأزهار
وستنام سعيدا في أحلام البراعم
وستنام جليلا في صلوات الأجنّة
وستنام خالدا تحت ظلال النبوءة.
ياطائرا من الفوسفور ينتهك فضاء الظلمات
قبل أن نغمض أعيننا على أطياف الماضي وأحلام المستقبل
دعني أقدم لك سلالا من قرنفل نينوى وأقحوان بابل
وسنبلة قمح من ضفاف الخابور.
ياخليل الشمس والمطر
غداَ...
سنأتي من الأقاصي لنمسح آثامنا بحائط مبكااك
 ونتبارك بزيت مشكاتك.
 

13
أدب / زمهرير جمر الصحراء
« في: 16:53 12/04/2013  »
زمهرير جمر الصحراء
آدم دانيال هومه


لوكنت أملك مفتاح البحر
 لفتحت بوابات السموات على مصاريعها أمام أسماك القرش.   
*****
أضبط أنفاسي على وقع حوافر حصان نبوخذنصّر
وأعبر برزخ المنافي إلى شاطئ الوطن المطوّق بالمخالب والسكاكين
على هدي أنوار صلوات أمي المخضلة بالآهات والدموع
أبذر كلماتي في أثلام السديم
فتنمو زنابق على نواصي الجبال
وأنثر قصائدي في مهمه الريح
فتتوهج تغاريد على أفنان الأمطار.
أطلّ من شرفة الحلم على البركان الأزلي
أرتدي جلد الملاك الواقي
وأتزحلق على جليد الشفق
أشعر بكامل حريتي وأنا أنزلق من حافة جرف هار
وانحدر سريعا في منعرجات السماء
ألملم شمل الغزلان الشاردة في الآفاق
يتبعني ظلي وهو يعدو أمامي لاهثا
يجرجر أذياله في منزلقات الملكوت.
*****
متألقا كنجم يمتطي صهوة الغيم
أجوب الفضاء الرحب بحثا عن قطعة أرض مجهولة
تليق بشعب المنافي
أحاول سبر أغوار يراعات
ترفرف بين الخمائل التي تأوي إليها أرواح الشهداء
وبين حدائق أجداد تألقت جباههم على ساريات الأفق
والتمعت آثار أقدامهم على صفحات الأنهار
وعيونهم شاخصة إلى مروج الشمس.
أحوّم حول التمائم المعلقة فوق قبور الأولياء
لأشبّ في الحقول توهج المطر
وأعيد للمدن والقرى المسبية أسماءها الأصلية المباركة
وأمنح الزهور الذابلة حياة جديدة
رافلة بالشمس والندى.
*****
هذه االمدن والقرى المندثرة
تاريخها مكتوب بالحبر المقدس على مدافن الآلهة
وهذه رفات الجسور التي مرت عليها جحافل جيوش
لازالت تحتفظ بإسمائها وببريقها
ولم تتنصل يوما من عراقتها... وعراقيتها.
*****
عثرت على أيقونة االغيث بين مفارق نهديك
أوحت لي سنونوة الأساطير بآيات الفحولة
ومزامير الفتوحات
على باب منجمك السحري المفعم باليمامات
أرفع سارية النار
لتتنهد بين فخذيك خصوبة المراعي
وتفوح من أردانك أبخرة السموات.
أيتها الجليلة بين عرائس الأودية والروابي والأنهار
المنمّقة بسندس الأبجدية في هودج الشعر
في  زمهرير المساء
يتجمد دم الشمس على خديك
ويصطبغ شعرك برذاذ النجوم
المنفيون من جنائن الوطن
يقرفصون فوق أرصفة المنفى
يذرفون الدمع خارج أسوار المكان والزمان
يتذكرون عتبات هيكلك المقدس
الغارق في السبات
كملاك ميّت يتمطى على حافة الهاوية
وكحشرة تضيء فوق المقبرة.   
*****
أنا عاشق
أسكن بين الماء والضباب
أرتعش كسمكة وحيدة على حافة النهر
ترى صورتها تتألق على صفحة الغيوم
تتطاير الأشواق من قلبي كأسراب الفراشات الملونة
وتذيب أنفاسي الثلوج المخضرمة
أطعم الأطفال سنابل قصائدي
ليقشّروا وجه الأرض بأظافرهم
ويصبغوا جلد السماء بألوان طموحاتهم
وآخذ بيدهم إلى ينابيع الماضي الرقراقة
ليشعلوا قناديلهم النورانية أمام بوابات المستقبل.
تتهادى إلى سمعي أصوات رعاة يصعدون منحدرات الجبال
في طريفهم إلى كرنفال الآلهة
ضلوا طريقهم بين الأشواك وهم يجرجرون خلفهم عربة النار
يحاولون الوصول إلى صخرة ينبجس منها السلسبيل رقراقا
لينهلوا منه
ويمنحوا الحياة لكل العطاش الذين طحنتهم المآسي والويلات
على كل الطرقات المؤدية إلى بابل.
*****
أنا...
طائر يجدد أحلامه من بين رماد الذكريات
يحط على غصن يتأرجح فوق الهاوية
يسبّح باسم سوسنة نابتة على ذؤابة الجبل
يتوهج كمرآة في الصحراء
ينزف على أشواك الجحيم
ليتطهر برحيق المطر المنهمر على زجاج الروح
ويتمجّد بمعمودية الشعر
ليحل ضيفا على واحة العشق السحرية
الممتدة مابين تلال الشمس وعنابر الصقيع
ويتلألأ كالنورس على عرش الماء.
 
*****
تستحم الطيور المهاجرة في النهر المتجمّد على حافة الشمس
تتنشّف بزفير النجوم
ترتدي معطف الريح
تتمرّى في سقوف ظلالها
وتمشي بخيلاء على أرصفة الغيم
حاملة في جباهها مشاعل
تنعكس أنوارها على شواهد قبور أموات
لهم مناعة ضد الموت
يحبسون أنفاسهم في النهار
وينبعثون قبل حلول المساء
ويلقون بأكفانهم فوق أكتاف ملائكة حمقى
ويرسون بظلالهم أمام أبواب القديسين.
*****
مكتوب بالحبر الإلهي المقدس في ألواح القدر السبعة
وعلى قاعدة العرش
مكتوب أن نرث الأرض المطلة على أنهار الجنة
والقائمة فوق كنوز السماء
لننقل العالم إلى بقعة ضوء أكثر إشراقا وأمنا وعطاء
ونملأ قنديل الشمس بزيت أكثر طهرا وصفاء
ونجعل السحب تحبل بأمطار أكثر رونقا ونقاء
ونضيف لونا جديدا لأيقونة قوس قزح
لتعكس وجه الأرض في مرآة السماء
فيتخطى الإنسان عتبة الحلم
لتكتمل معمودية التراب.
*****
مذ ترجّل من صهوة حصانه السماوي المجنّح
عائدا من رحلته الأسطورية إلى منتزهات السموات
خيّم ظلام الكهوف على مشارق الشمس
وبدأ صليل السيوف يدوّي في الجهات الأربع
وبدأت أرواح المخلوقات ترفرف كأسراب الفراشات
مضمخة بالدماء
وطفقت رمال الربع الخالي تجتاح حقول ومدائن الحضارات.
مذاك...
بدأ الله يفقد ذاكرته رويدا رويدا
وصار يمحو شيئا فشيئا ماخطه منذ البدء في اللوح المحفوظ
ليأتي بأسوأ منه
أباح نكاح الزغاليل
وضرب رقاب البلابل والطواويس
وسفك دماء الحمام الزاجل والفراشات المضيئة
ففرت الطيور مذعورة في كل اتجاه
وبدأ أموات على قيد الحياة
يكرعون من الخمرة الإلهية
لتتفتح مسامات قرائحهم على طلاسم الغيب
فيعبثون بمقتنيات الله
ويخربشون على قاعدة العرش هلوسات المراهقين
يلتهمون في الآخرة كل المحرمات في هذه الدنيا
يضاجعون الحوريات اللواتي يتحجبن على الأرض
ويتعرين في منتجعات السماء
ينصتون بشبق الجرذان
إلى هسيس النشوة يسري في أوصالهن البلورية
فيصابون بالهذيان بعد كل عرس مهيب.
*****                                         
الناطقون الرسميون باسم الله
القادمون من مجاهل طقوس إرم ذات العماد
يسوقون أمامهم قطعان السكارى إلى أنهار الفردوس التي تفيض بالحماقات
ويجرجرون خلفهم توابيت مومياءات الأسلاف المقدسة
يستنبطون من تجاويف جماجمها لكل داء دواء
يدورون داخل ظلالهم في مباهج الصحراء
ويجتثون جذور العشب النابت في الواحات
يسلقون أدمغة الأطفال
ويروضونهم في حدائق الحيوانات المفترسة
يقطعون لهم تذاكر مجانية إلى جنات النعيم
ليتناولوا عشاء فاخرا بصحبة الأنبياء
يصنعون لهم أجنحة من الآيات البيّنات
ويقذفون بهم إلى فوهات البراكين
ليتناثروا أشلاء على شبابيك السماء
فيضلوا العنوان
ويصلوا بعد فوات الأوان
ليحلوا ضيوفا على حارس الجحيم.
*****
اولئك المشعوذون الموبؤون بالهذيان
المسكونون بالهوس الشيطاني
الأحياء المتفسخون ذوو الأحاسيس الصدئة
يجترون طحالب السماء... أساطير الأولين
ولايدعون الله يعرف طعم القيلولة
يحملون على أكتافهم نعش العالم
ويدحرجون الكرة الأرضية عكس اتجاه مسار الشمس
يتسترون وراء الآيات المتشابهات
ويمارسون طقوس الموت
ويشوهون كل جمال يتلألأ في هذا العالم
منظرهم يبعث الرعب في أوصال الإنسانية
لاتكتمل نشوتهم إلا في آلام الآخرين
يقفزون من كهوف الجاهلية إلى ناطحات السحاب
بفتوى واحدة
ويحلقون على صهوات الملائكة إلى فجر السلالات الأولى
شهواتهم تتناسل كالذباب المتراكم على تويجات نهود مطلية بالعسل
يعلقون سراويلهم على سياج القمر
يتوضأوون بالدموع التي ترشح من مآقي القوارير
ويدخلون جلود النساء عراة لأداء صلاة العصر
ولايخرجون إلا بعد انتهاء صلاة الفجر
لايقابلون النساء إلا مستلقيات
ليتمكنوا من حرثهن أنى شاؤوا
يتقاسمون عذاباتهن فوق سرر من زمهرير الجمر
وهم يشاطرون شبق خفافيش الليل
يرددون كالببغاوات ماألقاه الشيطان على ألسنة الأنبياء
ولايدركون بأن الطريق إلى المياه العذبة طويلة وشاقة
وسلوكها أصعب من ارتقاء النجوم.
*****
لاأدري ماذا يدور في خلد السكارى وهم يتسابقون إلى صعود سلالم الريح ليصلوا إلى مملكة الجنون.
*****
من خلال ألمي المقدس
أسمع رنين أجراس القيامة
تنبعث من نجمة حلت فيها روح الأبدية.
*****
نيسان 2013

adamhomeh@hotmail.com





14
أدب / تراتيل في صومعة الريح
« في: 10:41 16/02/2013  »
تراتيل في صومعة الريح
 
آدم دانيال هومه
 
 
 
 
- 1 –
 
 
عندما أغمض عينيّ
أحسّ باللهب الصاعد من قلب الله
أتحوّل لوناً جديداً في أيقونة قوس قزح
أطفو فوق شفاه حسناء
لم يقبّلها إنسان في التاريخ
وحينما أفتح عينيّ
يساورني إحساسٌ بأنني ذبابة تصلي
كي تدخل ملكوت السموات.
- 2 –
 
 سُئل طفلٌ يتسول أمام أبواب كنائسَ هاجرها الفقراء
أيهما تُفضل... الرغيف أم القنبلة؟
أجاب ... القنبلة
لأنها تحرّرني من استجداء الرغيف.
 
- 3 –
 
نحن نعلّم أطفالنا مزامير الحبّ وألحان الأمطار
نطعمهم خبز الشعوب الناضج في تنّور الإنسانية
ونلقنهم أناشيد الثورة
كي يقطعوا بلحمهم سكين الجلاد
ويتدفقوا بالغضب من أجل نهوض الإنسان
ونوصيهم أن يحذروا المشعوذين والأنبياء الكذبة
وأن استجداء الشفقة لن تفتح أمامهم أبواب الخلاص
وأن أحضان الشعب دافئة كحضن الأم.
 
****
- 4 -
ياشعبي الطالع من مدخنة الويلات
كنتَ ملح الحضارات   
وصرتَ الآن محاطا بالهزء وبول النساء...
                                       ونتن المؤتمرات.
كل شعوب العالم دخلت ملكوت الحرية
وتمضي قدماً نحو شواطي الشمس
وأنتَ... وحدك تصلي في الظلمة
تبتهلُ لإلهك المصاب بالشذوذ الجنسي
تصنعُ من أوراق كتبك المقدسة
أكاليل صفراء لشهدائك المنتحرين.
 
-5 –
 
أيتها العجوز الجميلة التي تغور في ضباب اليأس
لقد فسخ المجد خطوبته عنك مُرغما
وانسلّ الضوء من عينيك كثعبان صحراوي
وبقيتِ وحدكِ ترقبين الفاجعة
وتموتين كما يموت الملوك الحمقى
أنت حيّةٌ...
لكنك نائمة في حضن الموت
رغم صياح الديك لم يبزغ فجرك
رحمك... ملوّث
تزداد ملوحته يوماً بعد يوم
وتنزلق من بين فخذيك كلابٌ بلاسيقان
تنقبُ قي الروث... وفمها مملوء بالزبد
آه...
ماأصعب أن يكون الإنسان إبناً لأم لاتلد إلا المسوخ.
 
-6 –
 
سيّد الرمل والنفط والوهم يطحن شمس الآلهة
يلج تنيناً في رحم السمكة المدللة في بركة القلب
يتقدّس خارج جسده بين أفخاذ مومسات العصر
ويحلم بحياة أبدية
وقبل انقضاء الحلم يكسوه الريش
ويصبح ذكياً
واسع الفهم... كالحمار.
-7-
 
أيها الوطن المتوهّج في ذاكرة التاريخ
نقيٌ أنتَ كماسّة الندى مرصّعة في تويجة الصباح
أنتَ... سنبلةُ عشق تتجذّر في شفة السماء
وتتنفس في صلصال دمي
أنتَ.... فرحُ الشعاع المتوثب في ألق المطر
عصفورٌ شاردٌ من مدخنة الليل يحطّ على نصل النار
ويمتشق جلال الزهر
عيناك... مكتنزتان بالحلم وصهيل الفجر
تسافران شطر الغابات المأهولة بالفقراء
وجرحك مضمّخ بالملح ينزّ عبر بوّابة الشمس
يغمر كل الأرض
ويلهث كالفرس الجامح في أزمنة القحط وفي أروقة الثلج.
أوّاهٍ ياوطن الورد... وياقنديل الشعراء
خلقك الله قبّرة ليزيّن بك شجرة عيد ميلاده
لكن ذبابَ الجوع القادم من برّ الشام...
                                 ومن قلب الصحراء
أحال وجهك مزبلةً للغرباء.
مكتوبٌ ياوطني أن تتعمّد بالنار
وتدخل تجربة الموت
كي تعيش طاهراً كزنبقة عذراء.
 
-8-
في هذا الزمن المأفون
زمن العهر العربي... والغثيان السياسي
زمن الانتصارات النكراء... والهزائم المجيدة
زمن هبوط الآلهة على الأرض
يعود ابو سفيان وأبوجهل والحجاج...
                                   سلاطين العصر
يعاقرون الخمرة... ويدخنون السيكار
يطاردون الأنبياء
ويضطهدون (بإسم الله) كلّ المؤمنين بمملكة الحبّ والضياء
يتوضأون بدماء الشعب
ويصلّون في حظيرة خنزير
ويمتطون ناقة أمريكية مجنّحة
بحثاً عن بغيّ يرسمون على فخذيها خارطة فلسطين
ويصبّون في خليجها الغضب العربيّ الساطع.
وطني مسكونٌ بالنار
والشعراء قد ولوا الأدبار
هرباً من غابات الشرق الأوسط  ومن مملكة الأقدار
وكلّ العصافير تهاجر صوب الغرب
تبكي الفردوس المفقود
تنتحر ببطء على أرصفة الغربة...
                                وفي أقبية الصمت
والضفدع....
يتنقّل مابين المستنقع وسروال السلطان
يتبارك بجهازه التناسليّ المقدّس
وأنا مبهورٌ بالشعب
مبهورٌ بالعشق القائم بين الضفدع والسلطان.
 
-9 -
ياوطني!...
مامن قوة ترغمني على عبادة الشيطان
أو التمسّح بأهداب عباءة السلطان
وُلدتُ حيث الله والثورة والحب
وعلمتني الحياة أن المنافق... ابن كلب.           
ياوطني!...
أنام  في كلّ مساء على صوت عواء كلاب القفر
وأستيقظ كلّ صباح على شدو عصافير الجنّة
ومابين النوم واليقظة
(أسمع صياح الديك على أسوار بابل).
 
****
بيروت – لبنان  كانون الثاني 1977
 
 

15
يوخنا أوديشو وخالته خوشيبو يقصفان قرية تل نصري بطائرة الميغ

                                                                                                                           آدم دانيال هومه
   نشر الأخ يوخنا أوديشو دبرزانا في بعض المواقع الالكترونية  مقالا تحت عنوان (تل نصري وطائرة الميغ
قذيفة  شاردة  أم رسالة  وافدة؟). تطرق فيها إلى مواضيع شتى ذكرني فيها بخالته (خوشيبو) التي كانت تبدأ قصصها دائما بسرد تفاصيل المذابح والمجازر التي تعرض لها الشعب الآشوري، وتنهيها بإلقاء اللوم في كل ذلك على كنتها االتعيسة التي عجزت عن إنجاب حفيد تكحلّ به عينيها.
   لذلك أود أن أصحح بعض الأخطاء التي وقعت فيها لأنك لم تعش الوقائع كما كانت ولكنك سمعت فلانا ينقل عن فلان عن علان عن شختا على طريقة المرحوم أبو هريرة.
1.   أظن يقينا بأن الأخ يوخنا أوديشو يعرفني معرفة تامة وشهادته بي ليست مطعونة على الاطلاق سلبا كانت أم ايجابا.
2.   تقول: قد  يكون  الجواب الشافي عند السياسيين اللبنانيين وعند بعض  من كهنتنا وربما بعض  من  مسؤولي تنظيماتنا  ومؤسساتنا  السياسية وشخصيا اعتبره  السبب ذاته الذي افشل ووأد مقررات مؤتمر بغداد عام 2003 للمؤسسات الاشورية  السريانية (الاجتماعية والسياسية)  والذي  كان بحق الانجح  والانجع لهذه  الامة .
هذا رأيك ورأي الذين يشاطرونك ركوب القطار السرياني الكلداني الآشوري، أما رأيي فإن المؤتمر المذكور والمشؤوم كان المسمار الأخير في نعش القضية والأمة الآشورية.
3.   تقول: قانون الاحوال المدنية  اللبناني  ينص  صراحة : في  حال  تجنيس   أي مسلم  يجب ان يقابله  تجنيس  اربعة  مسيحيين  من هنا اجتاحت حمى التجنيس مسيحيي محافظة  الحسكة وخصوصا من  ابنائها  السريان  الاشوريين فترة  الحرب  اللبنانية.  وكان  يتراوح  سعر الجنسية من 5000-8000 ليرة سورية  حينما كان  سعر  صرف  الدولار لايتجاوز 4 ليرات  سورية, ومن لم يمتلك  المبلغ  استدان  او رهن او باع جزء من  مقتنياته ولقد لعبت  الرابطة السريانية والكنائس وبعض  قياديي المنظمة الاثورية في  لبنان دورا مهما في  تلك  العملية وتلافت  المنظمة ذلك الخطأ الفردي بفصل اثنين من أبرز كوادرها.
      لقد بالغت كثيرا في سعر الجنسية بحيث كان المبلغ الذي قررته الرابطة السريانية، يومذاك, برئاسة الدكتور جوزيف الأحمر (75) ليرة لبنانية فقظ. أما قرار التجنيس فلم يتخذه بعض قياديي المنظمة كما تدعي وإنما اتخذته اللجنة المركزية والمكتب السياسي بالاجماع.
4.   ابان  الحرب  اللبنانية قدم  الى  بيروت  موفدا  من  الاتحاد الاشوري  العالمي المرحوم  جان  يونان, احد قادة هذه  المؤسسة للتباحث  مع  الحكومة  اللبنانية عبر القوات  اللبنانية حول  توطين الاشوريين السريان في لبنان (من سوريا والعراق) وستقوم  هذه  المؤسسة بتامين مستلزمات هذا  التوطين كالمساكن ومعامل  وغيرها...شخصيا لم التق  المرحوم , فقد كنت غائبا عن  بيروت حين وجوده  الا ان السيد  ادم  دانيال  هومة أفادني مشكورا  بكل  المعلومات واللقاءات حيث  كلف  بمتابعة الموضوع كممثل للاتحاد الاشوري العالمي في  لبنان.
   المرحوم جان يونان قدم إلى بيروت بدعوة رسمية من قبل الرئيس الراحل كميل شمعون بصفته رئيس الجبهة اللبنانية، وأنا الذي قمت بتأمين الدعوة عن طريق ابنه المرحوم داني شمعون. ولم أكن يومها ممثلا للاتحاد الآشوري العالمي وإنما ممثلا للمنظمة الآشورية الديمقراطية بناء على موافقة المؤتمر الثالث. ولم تكن مباحثاتنا مع القوات اللبنانية وإنما مع الجبهة اللبنانية التي كانت تضم كل من الكتائب اللبنانية برئاسة أمين الجميل ممثلا والده بيير الجميل، وحزب الوطنيين الأحرار برئاسة داني شمعون ممثلا والده كميل شممعون، والقوات اللبنانية بزعامة الرئيس المغدور بشير الجميل.
أما عن فصل المنظمة اثنين من أبرز كوادرها فهذه خرافة سمعتها من خالتك خوشيبو التي كانت عضوا في قيادة منطقة الحسكة آنذاك.

5.   كان  للسيد آدم هومة لقاءات أخرى مع كل من الرئيس الشهيد  بشير الجميل وشقيقه  الرئيس امين  الجميل الذي رفض طلب التوطين في  الجنوب والكلام لآدم ((كون  الجنوب هو  البوابة لحل  مشكلة  الشرق الاوسط حسب  تعبيرالرئيس  الشيخ امين  الجميل. في  تلك الفترة فصلت  المنظمة الاثورية  الديمقراطية آدم دانيال  هومة  من صفوفها لكل الاسباب  السابقة وفي الوقت  ذاته  عادت  من  اميركا الانسة  ماري  جوارو عضوة الاتحاد  الاشوري  العالمي فتم الاستغناء  عن آدم دانيال  هومة .
   الشيخ أمين الجميل رفض توطين الآشوريين في لبنان قائلا بكل صراحة: المسلم اللبناني أفضل عندي من أي مسيحي في العالم. ولكنني حين قلت له: ولكن لاتنس بأن الآشوري هو الذي يقف معك في خندق واحد ضد المسلم اللبناني والفلسطيني لأن لديه القناعة المطلقة بأننا شعب واحد فرقتنا غوائل الأزمان، والمذاهب المشؤومة لاطمعا بهوية مزورة. ولاتنسَ بأن الرئيس شمعون قال لي بالحرف الواحد: (كنت ولازلت مصرا ومقتنعا بأنه لو اتحدت العقلية المارونية والعسكرية الآشورية لسيطرنا على الشرق برمته وأعدنا أمجاد الأمبراطورية الآشورية.وأقسم لك بأني لن أموت قبل أن أحقق طموحات الشعب الآشوري، وسيكون لبنان المحطة الانتقالية للآشوريين إلى موطنهم الأصلي بلاد آشور). أما الذي قال: (بأن الجنوب هو البوابة الرئيسة لحل مشكلة الشرق الأوسط) فقد كان السفير الأميركي في لبنان، يومذاك، ريتشارد باركر. أما عن فصلي من المنظمة فلم يكن في تلك الفترة كما تدعي ولكن حدث عندما حيكت المؤامرة الكبيرة ونصب لي الكمين بحجة لدينا اجتماع طارئ ومصيري في الحسكة وعلى مستوى اللجنة المركزية والمكتب السياسي، وينبغي علي الحضور مهما كانت الأسباب مع أنهم كانوا يعلمون جيدا بأن المخابرات السورية تترصد تحركاتي عن طريق عملائها المندسين في الرابطة السريانية، وقد اعتقل ابن أخي الفنان جان هومه بسببي بحيث لم يكن منظما ولم يكن له ناقة أو جمل في الموضوع. وإذا أردت أن تعرف كيف اجتزت الحدود اللبنانية ودخلت الحدورد السورية فعليك أن تسأل السيد(صليبا مراحة) الذي أقسم بأغلظ الإيمان بأنه التقى جان قبل أيام في الحسكة وأخبره بأنه لاخوف علي من الحضور إلى سوريا. وكذلك (جان كردوسلي) الذي أخذ هويتي وذهب بها إلى الأمن العام السوري على الحدود اللبنانية السورية وعاد بالموافقة السريعة مدعيا أن رئيس المخفر هو ضابط سرياني. وجان كردوسلي هو الذي كان يقود سيارتي من بيروت حتى أوصلني إلى مدينة حلب في حين تذرع صليبا مراحة بحجج واهية ولم يرافقنا مدعيا أنه سيلتقي بي في الحسكة في اليوم التالي. وبعد حلب واصلت المسير بمفردي إلى مدينة الحسكة التي وصلتها الساعة العاشرة مساء، وفي الخامسة صباحا من اليوم التالي أيقظني جان من نومي قائلا: بأن رئيس المخابرات السياسية وأحد معاونيه ينتظرونك خارجا. أما قرار فصلي فقد اتخذ وأنا في السجن، ولم أعلم به إلا بعد إطلاق سراحي وقد اخبرني بذلك الأخ الشاعر سعيد لحدو. أما عودة الآنسة ماري جوارو فقد عادت إلى لبنان في الوقت الذي كنت فيه ممثلا رسميا عن المنظمة الآشورية الديمقراطية والاتحاد الآشوري العالمي بآن معا. ولم يستغن الاتحاد الآشوري العالمي عني على الإطلاق وإنما وجودي في السجن ومنعي من السفر خارج القطر لمدة أربع سنوات أحدث فراغا كان من الضروري ملئه.
6.   ادم بديناميكيته كألكترون حراك غير مستقر رافض للانكسار عمد الى تأسيس تنظيم اشوري اخر (حزب آشور الديمقراطي) وتمت صياغة نظامه الداخلي  في  بيتي في  بيروت بمشاركة كل  من الطلاب  الجامعيين الاخرين (أنور كوركو، عبود دنخا، شاهين سورو، البير قرياقس) وكنت قد أفصحت لأنور كوركو لماذا  علينا  مسايرة  آدم ...
   كان الطاعنون في السن من أهل قريتنا تل نصري (ولطو) يقولون: بأن أهالي أم وغفة (سرسبيدو) يخرفون باكرا، ولم أكن أصدق ذلك، ولكنك أثبت، اليوم، بأنهم كانوا على حق.
   اسم الحزب كما اقترحناه يومذاك كان ولم يزل (الحزب الآشوري الديمقراطي) ويبدو لي بأن ذاكرتك بدأت تخبو رويدا رويدا حيث لم يكن لا عبود دنخا ولا شاهين سورو في لبنان يومذاك. والاثنان انضما إلى الحزب بعدئذ، ولم تتم صياغة النظام الداخلي والبرنامج السياسي إلا في المؤتمر التأسيسي للحزب في السابع من آب عام 1977م في قرية تل طال. أما إفصاحك للأخ أنور كوركو لماذا سايرتني يومذاك لم أسمعك تبوح به يوما على الإطلاق. قد يكون هذا مبرر تافه لعودتك إلى المنظمة.
   أما الآن فدعني أشرح لك لماذا تم فصلي من المنظمة الآثورية الديمقراطية، وهذه أول مرة في حياتي أكتب عن هذه الموضوع رغم إلحاح العديدين من أصدقائك المفصولين من المنظمة والذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها حتى اليوم.
   في بداية انعقاد المؤتمر الثالث للمنظمة في مدينة حلب عام 1976 قلت للمؤتمرين بكل صراحة: منذ اليوم يجب أن نضع النقاط على الحروف. أنا شخصيا لست على استعداد للعمل تحت أي تسمية سوى التسمية الآشورية فقط لاغير، تنظيما وشعبا ولغة. فمن المعيب أن يكون شعبنا آشوري، ولغتنا سريانية، وتنظيمنا آثوري. فانبرى أحد الأعضاء الذي تعرفت عليه لأول مرة، وأصبح فيما بعد مسؤول المكتب السياسي، قال: أنا نفسيا لاأتقبل التسمية الآشورية. قلت: ولكن كيف تقبلت التسمية الآثورية وهي التسمية التي تطلق، في العراق، على أتباع الكنيسة الشرقية الآشورية التي تسمونها الكنيسة النسطورية؟.
   كان في المؤتمر أثنان كنت أنتظر منهما مساندتي على الفور ولكنهما لم ينبسا ببنت شفة، وأحدهما أنا الذي ألححت على حضوره رغم معارضة منطقة الحسكة وحلب عليه. وشهادة أمام الله والتاريخ، فبعد نقاش حاد وطويل انبرى الدكتور ابراهيم لحدو(حاليا في المانيا وخارج التنظيم) وقال بالحرف الواحد: (ياشباب إذا أردتم أن نناضل قوميا فليس أمامنا إلا التسمية الآشورية فقط وماعدا ذلك ليس إلا أسماء مذاهب ومناطق). ثم أيده على الفور اسكندر أفرام، وهو الآن قس في مدينة ملبورن الاسترالية. وبعد ذلك تتالت الموافقات وذكرتني يومها بأعضاء مجلس الشعب في سوريا. ثم وافق أعضاء المؤتمر بالكامل على أن يكون اسم المنظمة الآشورية بدل الآثورية، واللغة آشورية بدل السريانية، والشعب ظل آشوريا كما كان سابقا. وقبيل اختتام المؤتمر تم انتخاب أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي، فانتخبت عضوا في الاثنين معا، وكلفت بمهمة التفرغ في لبنان، وحضور مؤتمر الاتحاد الآشوري العالمي في ستوكهولم- السويد مع الدكتور كورية كوميشال الذي كان يقطن في اسطنبول، وهو الآن في السويد وخارج التنظيم. ولكن بعد وصولي إلى استنبول بعدة أيام وصلت مقررات المؤتمر، وكانت الصدمة الكبرى حيث ضُرب بمقررات المؤتمر عرض الحائط وبقي اسم المنظمة الآثورية، واللغة السريانية، والشعب الآشوري. وبعد عودتي التقيت أول ماالتقيت بالسيد يونان طليا لإقامته في مدينة الحسكة، ولما استفسرت منه عما حصل قال: لقد جاء يعقوب مروكي من لبنان(حاليا في مدينة ملبورن الاسترالية وخارج عن التنظيم) وأقنعنا جميعا بالابقاء على الآثورية لأنها صفة خاصة بكل ملتزم بفكر المنظمة. فقلت له: لعنة الله على هذا التنظيم الذي يستطيع شخص تافة مثل يعقوب مروكي إقناعكم بالدعس على مقررات المؤتمر الذي هو أعلى سلطة في المنظمة وتبني مايقرره فرد مثل يعقوب مروكي عاش طيلة حياته طفيليا على المنظمة (وأنت ياسيد يوخنا، ياأبا الطلاسم تعرف ذلك جيدا وأكثر من أي شخص آخر لأنك عايشته طيلة سنوات في لبنان وتعرف عنه كل شاردة وواردة).
عزيزي يوخنا!
هناك الكثير الكثير من خفايا الأمور التي هي ملكي الشخصي ولن أفرط بها أمام القراء حتى يأتي اليوم التي أجد الافصاح عنها ضرورة حتمية لمصلحة شعبي ليس إلا.
 الشيء الذي أود أن أقوله لك باختصار:
  كانت تلك أجمل أيام حياتي لأنها كانت زاخرة بعطاء بلا انقطاع. وأظن بأنها كانت العصر الذهبي للمنظمة الآشورية الديمقراطية على الإطلاق وإذا لم تصدق فاسأل قياديي تلك الفترة الذين انزوى الكثير منهم يأسا وقنوطا بعد رحيلي. فخلال ثلاث سنوات استطعنا أن ننتشلها، ولاأقول انتشلتها، من كهف اللجنة السرية المظلم إلى ربوع المؤتمرات الرحب. أسست دورات الكوادر القيادية في كل من المالكية وقبور البيض والقامشلي والخابور وجامعة حلب وكنت أشرف عليها شخصيا. أصدرت مجلة (نشرا دآثور) وكنت أحررها بمساعدة الأخ سعيد لحدو، وهي اليوم النشرة الناطقة بلسان المنظمة الآثورية الديمقراطية إلى جانب العديد العديد من النشاطات المستمرة التي كانت مفخرة واعتزاز شعبنا يومذاك. هذا غيض من فيض.
   قبيل الختام أقول لك بكل صدق وصراحة: جميع اولئك الذين عملت معهم في تلك الأيام وبدون استثناء كانوا المناضلين الحقيقيين الذين سيدخلون التاريخ الآشوري من أوسع أبوابه، وسيظلون قديسي هذه الأمة بدون منازع لأنهم أعطوا بلا مقابل، وحملوا أرواحهم على راحاتهم بدون خوف ولا وجل في غابة من الوحوش المفترسة ممثلة بالمخابرات السورية وعملائها الذين كانوا يحصون عليهم أنفاسهم ليل نهار، ويتربصون بهم في كل زاوية وشارع. وأشهد لله وللتاريخ بأنه طيلة عمري النضالي في سورية، منذ بداية تأسيس المنظمة الآشورية الديمقراطية ومن ثم الحزب الآشوري الديمقراطي وحتى يوم رحيلي عن سوريا، لم يتواجد بين صفوفنا أي خائن أوعميل وهذا شرف عظيم للحركة السياسية الآشورية في سوريا، ووسام على صدر كل واحد من اولئك الشهداء الأحياء والأموات منهم.
عزيزي يوخنا!
   أعرف جيدا، وتعرف قيادة المنظمة يقينا بأن ماأدى إلى فصلي، يومذاك، لم يكن قائما على أساس وإنما لأنني كنت عقبة كأداء في تحقيق المصالح الآنية والذاتية لبعض صغار النفوس الذين هم اليوم في عداد أهل القبور. وأعترف بأنني أخطأت كثيرا لأنني كنت قاسيا أكثر من اللزوم في محاسبة المقصرين من القياديين على وجه الخصوص. وأطلب مغفرتهم جميعا. يقول اين الرومي:
ألا ليت الشباب يعود يوما         فأخبره بما فعل المشيب
الكل، بدون استثناء، كانوا وسيظلون في القلب والذاكرة وإلى الأبد.
   عزيزي يوخنا!
   وأخيرا أهمس في أذنك أيها الآشوري السرياني الكلداني اليوم، والآرامي غدا، والكردستاني بعد غد، هذه كانت السلطة التي لم أستطع هضمها فكريا والتي أدت إلى رحيلي مأسوفا عليه. لذلك سأظل أسير حافي القمين على نصل السكين ولن أرضى أبدا أن أكون كذلك الأحمق الذي كان يبتسم وهو على الخازوق لأنه ينظر إلى الآخرين من فوق. وإلى اللقاء.


  


16
أدب / تل نصري الزنبقة الجريحة
« في: 19:55 18/11/2012  »

تل نصري
الزنبقة الجريحة

                                                                                                                           آدم دانيال هومه

مهداة  إلى روح الشهيد ( نينوس منير أوشانا)  الذي توفي إثر القصف  الذي شنه السلاح الجوي السوري في الرابع عشر من شهر تشرين الثاني 2012 على قرية تل نصري (ولطو) التي تقع على مبعدة 84 كم من مركز مدينة الحسكة  ما أدى الى  إصابة عدد من الجرحى إضافة إلى تدمير العديد من المنازل وإلحاق أضرار بليغة بكنيسة شفيعة القرية السيدة العذراء.
 

تل نصري!...
وردة تنام على فراش الندى
فاتنة الحدائق والكروم والسواقي
الطفلة الوادعة المدللة
أرضعتها الحمائم التي بنت أعشاشها فوق أسوار نينوى
قبل سبعة آلاف عام
وترعرعت في أحضان أمها الرؤوم السيدة العذراء
تركها أهلها بكامل سحرها وزينتها الملوكية
وبكامل أناقتها الآشورية
تمرح بين الحقول والبساتين
تصدح بين يديها معاول ومناجل الكادحين   
تقطف زنابق الصباح لتنثرها في عرس العصافير
تمشّط شعر الفراشات وهي ترتشف الخمر من شفاه العناقيد
وتتقيل في أرجوحة الشمس
تتأمل بحسرة أشجار الصفصاف
وهي تلهث عطشا على ضفاف الخابور
وفجأة...
قدموا على صهوات الريح
مدججين بالحقد المقدس
وهم يرفعون مشاعل الهداية نحو المهاوي السحيقة
يعربدون كالجراد في حقول التاريخ
ويسحقون أزاهير الحضارات
بأقدامهم الملوثة بقاذورات الجاهلية
وأمطروها بوابل من حمم البراكين
فاهتز عرش الله
وانكمشت الملائكة في زاوية من السماء
وانكبت تل نصري على وجهها مضرجة بالدماء
وتعفرت بالتراب كطائر مذبوح
يتخبط في دمه
وتهاوت تحت ركام الأبنية المنهارة
وتناثرت لآلئ قلادتها اللازوردية بين الأنقاض
وصاحت برعب وألم
اغتال الأوغاد حبيب قلبي
وقرّة عيني... نينوس
حبيبي الذي كان يعزف على أوتار السنابل أناشيد المطر
وينظر إلى صورته ناصعة في مرآة المستقبل
ويشد أحلامه فوق صهوة الأرجوحة المعلقة بين شجرتي توت عتيقتين
غرسهما جده المهجّر من أرض أجداده
وأجداد أجداده
ويردف خلفه الأطفال
ليمضي بهم نحو النجوم
ليرشوا على ربوع القرية عطر السماء
وعلى نهرها العطشان أكاليل الغيوم
لتتطهر من عذابات الأنبياء
وتعيد إلى الخابور شبابه
ورونقه
ونضارته.

نينوس...
الحمل الذي أرسله الله من السماء
ليكون فداء وقربانا لأهل قريته
لقد اختلط دمه بغبار الشمس
وربط الأرض بالسماء
ورافقت روحه الأنوار المتناثرة من وهج الموت.

عندما ودع نينوس حبيبته تل نصري
كان يمسك في يده حفنة من التراب
وفي عينيه انعكاس صليب الكنيسة الجريحة
وعلى جبينه ترفرف قبلات عشتار.

شُلّت يمينك أيها الطيار الأرعن
وكل الطغاة إلى الدرك الأسفل من الجحيم.
فجميع االطواغيت عبر العصور
ينتهون إلى مزبلة... أو مهزلة
أو حفرة... أو مقصلة.
 
مكتوب عليك يا تل نصري
أن تكوني حاملة هموم الأمة
وقدرك أن تتلقي الضربة الأولى
لتتوشحي بالقداسة
لتكوني جديرة بتبوء عرش سومر
لترثي أرض القديسين والشهداء
وبهاء ممالك الأرض
ولتستحقي أن تكوني قبلة الثوار والشعراء.

سوريا...
الجنة التي آلت إلى مقبرة
هاجرتها الأطيار والأزهار والأنهار
والأنجم والأقمار
وشاخت الزنابق من هول الرعب
وتعششت الأحقاد في القلوب
وصارت وشما على ذاكرة الأطفال
والشعب يواصل الموت
محاصر في ظلمة التابوت
والملك الأسطوري يجترح المعجزات
يعاقر الدم... وهو يترنح
مابين نصل السكين وبين الجدار المرصوص.

مابين مطرقة الموالاة وسندان المعارضة
 ضاع نينوس
وأخشى ماأخشاه
أن ينتهي بنا الربيع العربي
إلى زمهرير كردي
يومها لن يبقى لنا داخل الوطن
سوى نينوس وبقايا رفات أمواتنا
وأطلال قرانا ومقدساتنا
يومذاك
سيجلس المناضل الشهم
حامل لواء الثورة
وحيداعلى المقبرة
لايسمع إلا نعيق الغربان
وصوت الآذان.
adamhomeh@hotmail.com
سدني- استراليا
2012/11/15

 

17
أدب / غجري لايجيد الرقص
« في: 19:32 19/09/2012  »


غجري لايجيد الرقص


آدم دانيال هومه



أكتب باسم الواحات المنثورة في الصحراء
باسم نواعيرالحزن الدائرة فوق عيون الشعراء
العابقة بعطر ضفائر فراشات الفجر.
أكتب باسم المصلوبين على أبواب الريح
وباسم الألم الذي يصعد العشاق في شعابه الوعرة
                                                 إلى جنة الأمل
ليظل الحب خبز الحياة الأبدي.
أشرب نخب الأرض المضرّجة بأنفاس البؤساء.
أتزنّر بالرعد
وأمضي فوق صهوة جواد المطر نحو بلاد الفقراء.
أؤمن إيمان الظامئ بالماء
أن الاشتراكية هي البوصلة الهادية للبشرية جمعاء.

ياشهداء الوهم وأقراص النوم
إني أبحث عن وطن أغرس فيه جذوري
يمنحني الخبز والهواء… والكرامة
لاتتردّد فيه عبارات الدم والحديد والظلام
أحلم فيه بالشعر وبالإنسان
وبامرأة دافئة لاتترمّل… وأنا حيّ
وبطفل يولد… ليعيش حرا.

هادئ كبحيرة حزن
تتموّج شرارات القهرعلى ضفاف القلب
وفي صلصال دمي يتوهّج وجه العالم
لم أعرف منذ زمان نكهة غبار الطلع
لاأشعر أني موجود إلا حين أنفذ من ثقوب الذاكرة
أو أذوب في اللهب المسكون بشبق امرأة آشورية.
ماعدت أسمع رنين الضوء يجلجل في نفق المطر
ماعدت أعرف إن كان عصفور الحلم ينقر جمجمتي
أم أنه دمي يقطر على سيف الرعد.
بلا أجفان أمضي نحو الشمس
أعاني الغربة في الوطن
أحلم بأرض تبحث عن شعب في حلقه طعم حليب المساعدات الدولية
وفي جيبه (وطن على ورقة) يتمسّح بها بدوي على قارعة الطريق
أستحثّ ضمير العالم كي يدعني أولد
أو يدعني أمارس طقوس المخاض في رحم الليل.

دمي يتنهّد في الريح
يترك آثاره المقدسة على خنجر الرب
ويسيل على صفحات التوراة
يمحو الكلمات المكتوبة بالهذيان النبوي
ويشرّش في تراب الفردوس المفقود
الذي ضيّعته في صقيع النوم
ووجدته تحت آباط فراشة الرؤيا
حيث يرتعش الجمر في رماد الذاكرة المغسولة
وتنمو الزهرة بين عظام الموتى.

أنا غجري من الشرق
مطوّق بمناقير البؤس وأنياب كلاب الصيد
في حنجرتي تضيء أناشيد الجوع
وعلى أرصفة السماء يسيل دمي
أتأبط  وطني
وأقف ذليلاً أمام سفارات العالم
أترقرق كالحزن
أحلم بعناقيد النهود المتوهّجة في ضباب الغربة
وانسلّ من نوافذ الريح المطلة على مبغى الغرب
أتنقل كعصفور أحمق من غصن إلى غصن
أحمل شعبي، بكل جراحاته، في قلبي
وأشهر دمي في وجوه القسس الذين يضاجعون عنزة بعد كل صلاة.

أنا... غريب
ألمح آثار أقدام الحزن على صارية قلبي
ومن رأس لساني تتدلى مشنقتي
أعاقرالتسكع بين النجوم
وألعق الدم المتخثرعلى شفة حبيبتي.
قلبي يخفق كسحابة فوق البحر
لكني لاأستطيع أن أرفرف فوق الشجرة القائمة عند مدخل الصحراء.

أنا متشرّد...
لايربطني بأي وطن إلا ذكورتي ومنديلي المبلل بالدمع
أبدّل هويتي كما تبدّل العاهرة سراويلها الداخلية.
الشعر جوادي المطهّم
منه تنبعث رائحة الحليب الذي رضعته قبل سبعة آلاف عام
وعليه أنطلق فوق حجرات التعذيب وأكواخ البؤساء
أتمرّغ في نشيج موسيقا الأمم المقهورة.
أيها الرفاق!...
في بلدان الشرق
من يقف على رأي كمن يقف على الخازوق
ومن يتلوّن كالحرباء
ويرتّق بكارته ليمنحها لكل عهد
يثب كالضفدع فوق العرش وفوق رؤوس النجباء.
أيها الشعراء!...
إني أحلق ونعشي على ظهري
وروحي معلقة على مشجب الوطن
من عنقي الممنوح إلى الجلاد
يرشح الضوء على عتبات المستقبل.

سلاماً أيتها القبّرة المصلوبة فوق المساميرالطالعة من جمجمة الريح
سلاماً أيتها الكلمة النابحة في البرّية مثل نبيّ
ينزف على قارعة الخط الفاصل بين الموت ولؤلؤة النار
سلاماً ياعصفور الشعر ينقر قلب الله ووجدان الإنسان
إني متهم بتهريب الثورة إلى أدمغة الشعراء
إني روح القدس يسقط منهوكا في أروقة الفقراء
ماأقسى أيام العاشق يتشرنق في تابوت الغربة
                                      بحّار يمخر عباب الصحراء.
ياأحرار العالم!...
داعرةٌ موعظة الكهّان المنحدرين من قفا الشيطان
داعرة سنبلة الضوء الطالعة من مراحيض القوّادين
داعرة نجمة الصبح تنيخ على عتبات الجزّارين.

نينوى!...
ياعاصمة الموت والغبار
مثل النهد ترقدين في فم الله
ظمأى كقيثارة فوق قبر مهجورخلف زجاج المطر
يسّاقط عليك الرجم بالغيب
وتستندين على زلزال الريح
من مقبرة لمقبرة تتسكعين
في دمك تحترق عصافيرالماء
وفي عينيك كسوف الخبز المحروق.
أنت...
قديسة الثوار والفقراء
نكهة الملح في الموجة المتوغلة في جذورالإنسان
حلمتاك... جرحان تخثر فيهما شعاع العسل
في دمي...
يرتعش صوتك مثل روعة تهويم القطا
وتلتمع عيناك، نجمتين ممجدتين، فوق فمي
أسبّح... ثم أموت... لأبعث باكرا
قبل حلول فصل الرماد... والجنون.
قديسة الثوار والفقراء!...
ممتلىء بحبك حتى حافة الجمجمة
وجهك مشدود إلى مشيمة القلب بحبل العشق السري
حبك منحوت بالضوء على مرآة القلب
حين يكتمل قدّاس الثورة
أفتح دربك بين ضلوعي
كي أسمع وقع أقدام الربيع
الذي يهبّ من الماضي ليبني عشه في عينيك.
ياأبجدية الحب والحقد!...
دمكِ يتلألأ في أبهى شرفة في العالم
ويغرغر في جسدي
آهٍ... ياأزلية النجوم والجراحات
أنت اليوم تستلقين في الطحلب واللعنة
في دمك يختلج الطوفان
وفي شرايينك تصهل خيول الكبريت
وعقارب الصحراء تنهش أحشاءك
ومخلصك...
غجري يجيد التسوّل... ولايجيد الرقص.

****
               
   


 نيقوسيا- قبرص تشرين الثاني 1976

سدني- استراليا
adamhomeh@hotmail.com


18
أدب / تقاسيم على أوتار الريح
« في: 09:53 27/08/2012  »


تقاسيم على أوتار الريح


آدم دانيال هومه






 

في البدء كان البحر
ومن البحر قذف الموج السلحفاة على الشاطئ
لتكتب سيرة الإنسان على الرمال.
****

بما أنك قنديل هداية على مفرق الطرق
فعليك أن تتحمل مجون الرياح.
****

أنا غيمة متقدة في الآفاق         
تطفح أعماقي بماء لاينضب
أحلم بالهطول بدون انقطاع
لأسقي كل أرض عطشى
وأبلل كل شفة ظمأى
لأعود بعدها إلى أحضان البحر
مضمخا بأريج النجوم
ورحيق التراب.
****

قلبي نبع يترنح بين الصخور
وحيدا يعاقر وهج الجرح
ما بين الصهيل وبين الصدى
يتوغل في أوردة العشب النابت فوق قبور الشعراء
الذين ينزفون ضياء على جذوع نخيل الرافدين
ويتوهجون كالحباحب على ضفاف دجلة والفرات.
في عتمة الدرب
تلوح عشتار من شرفة الحلم كأيقونة الفجر
مكللة بهالة المطر
ويطل گلگامش من بين أكفان الطوفان
مدجّجا بتوائم القيامة
يجرجر خلفه البحر الميت والصحراء العربية.
****

تل نصري... (1)
أيتها الفراشة المضمخة بأريج الزيزفون
المعفرة بالتراب المتناثر من أقدام الملائكة
يانجمة المساء تستحم في نهر من البلور
عندما اذكر اسمك
يترقرق العسل على شفاهي
ويفور الدمع من الأحداق
أتضاءل كالظل في ظهيرة صيف
لأعود طفلا يتمرغ في أحضانك
تجلجل ضحكاتي بين جنبات السموات
فتوقظ الأموات من غفوتهم الأبدية
 وتجعلهم يرقصون في قبورهم
ويعودون إلى عصرهم الذهبي
بين أهازيج الأمواج التي تلامس الأفق البعيد
وعنين النواعير الصادح بين ثنايا الليل
ورنين الأجراس الذي يضيء الظلمة الداكنة
أعود إلى عتبة تلك الدار المتوهجة بالقداسة
حيث كان الله يستدفئ بشمس عشق العذراوات
ويغط في النوم والشخير
تحت ظلال شجرة التوت الباسقة
وحيث كانت الملائكة تترنح سكرى
في أروقة الجنة.
أيتها المدلاة كالثريا فوق أعشاش العصافير
رغم التيه
لم أزل قرويا محضا في الجوهر
 وفي المشاعر والأحاسيس
ولم يزل اسمك يشع
من خلال ثقوب الشمس
فوق غصون الذاكرة.
****

في كأس من المدام
أنسى الماضي والحاضر والمستقبل
وأسقط بطراوة الندى فوق وجنة زهرة النوم.
****

من حق جميع العصافير أن تنطلق في الفضاء الرحب
مع تباشير كل صباح
ومن حقي أن يكون لي وطن كباقي البشر
أعيش فيه حرا طليقا
منزها عن الخوف
والانحناء لالتقاط فتات الخبز من تحت الأقدام
بعيدا عن الجدران التي تتنصت لنبضات قلبي
أحلم كما أشاء
أمد فيه رجليّ مابين الجبل والبحر
وأتكلم مع الله بلغتي التي لايفهمها أحد سواه
وأريد أن يعود لشفاهي رونقها العذري
كما أريد أن أسبح في بركة الشمس
لتعود إليّ نضارتي وذاكرتي المسلوبة.
****

من المحال أن تعيش في وطن
يُصادر فيه الماء والهواء
يتحول فيه الأقحوان إلى قنبلة
وتُغتال زهور الياسمين في عزّ رونقها.
****

لغتي تضيء انتمائي إلى الأمة التي روّضت مهرة الشمس
وامتطت صهوات جياد الكواكب والنجوم
وواكبت طفولة الأنهار والجبال
في أحضانها ترعرع الله حتى نبتت له أجنحة من الزئبق
فحلق بها إلى السماء
ولم يعد .
****

هذا الثور المجنّح الخارق المهيب
في وجهه سيماء الآلهة
يقتات العشب السماوي المقدس
لجبروته تسجد الريح وتذوب السحاب
بإجلال يرفرف في رحاب الأبدية
وفي قدس أقداس الحشمة الإلهية
يجترح المعجزات
وحين تلامس أقدامه الأرض
تنفجر الينابيع
وتخضوضر الغابات والجبال
ومن مسامات جلده يرشح الزيت الطهور
معبّقا بشذى لازورد السماء.
****

إذا أردت أن تتعرّف عليّ
فعلاماتي المميزة هي... مواطن بلا وطن.
****

قلبي الطاعن في الغربة
يرقص بكل بهائه في زمهرير الحزن
وحين يُتوّج بالفرح
يلملم أحزانه... وينزوي كبغي
داهمها عشيقها متلبسة بالصلاة.
****

لم أغادر قمقم الحزن إلا مرة واحدة
في الحلم.
****

لايعيقني اجتياز هذا الطريق طوله ووعورته
وإنما هذا المسمار الناتئ في كعب حذائي.
****

الاشجار التي لاترتبط ارتباطا وثيقا بالاعماق
تقتلعها العاصفة... وتذريها الرياح.
****

الأمة التي تقف مكتوفة الأيدي على حافة الرمال
تبتلعها الكثبان
ويطمسها غبار التاريخ.
****

اللغة هي الدرع الواقي لديمومة أي شعب.
****

الفاشلون الأغبياء هم وحدهم
يتباهون بأمجاد الماضي التليد
بينما هم اليوم
يهلوسون احتضارا على قارعة التاريخ.
****

هؤلاء الأغبياء الأعزاء... أهلي
تخلوا عن أرضهم وكل أمجادهم
وتعلقوا بأذيال ثوب السيد المسيح
 وهو في طريقه إلى السماء
وفي منتصف الطريق بين الأرض والسماء
تهاووا وهم يقبضون على طرف ثوبه المقدس
ولم يستطيعوا الصعود معه إلى العلى
وقبل ارتطامهم بالأرض
كان الآخرون قد اختطفوها من تحت أقدامهم
وهكذا...
خسروا الأرض والسماء
وربحوا الثوب السماوي
الذي انقلب بقدرة قادر إلى بساط الريح
ليمتطوه إلى مجاهل الشتات والضياع.
****

متى التقت طيور النورس فوق لآلئ الثلج
تدفق التفاؤل والأمل في أوصال الريح
وبدأ جليد القطب يذوب رويدا رويدا.
****

فليعش كل الموتى المنفيين خارج أسوار ملكوت الوطن
وليسقط الملك الأسطوري المتلألئ في تابوت قدسيته
بين تهاليل شهود الزور المسمّرين على خشبة الخوف
وقد انهار عليهم سقف السماء.
****

أحمق يعاقر أوهامه
رفعوه على الخازوق
ولكن رغم آلامه المبرحة كان يبتسم مزهوا
لأنه ينظر إلى الآخرين من فوق.
****

لاأستسيغ إلا القصائد التي تعاني مخاض النبوءة
وتعشوشب على حوافي البراكين.
****

القصيدة التي لاتتمرد على طقوس الشعر
ونواميس الطبيعة
هي قصيدة عاقر وزانية
تتعرى على ناصية الريح.
****

القصيدة الخالدة
هي التي تمطر حزنا وفرحا
وألقا للأرض وللإنسان
ولاتهز خصرها إلا في عرس لقاح الأزهار.
****

الشاعر الحق
هو الذي يستطيع أن ينفح الروح
 في زهرة من البلاستيك.
ويبعث الحياة في أوصال االكلمات
فتتحول إلى فراشات ملوّنة
ترفرف فوق غصون السماء.
****

بورك الشعراء الذين يتلألأون في لهيب الذعر
لأنهم سيشهدون قيامة الوطن من بين حرائق الطغاة.
****

أنا أكثر حزنا من كل الأغاني الكردية.
****

أيتها الراحلة إلى اللامكان واللازمان
عندما تنساب ذكراك إلى مخيلتي كترنيمة سماوية
فكل ماحولي يشعّ جمالا
وينطلق بالغناء
ويستعيد الماضي شبابه.
في كل ليلة
أرسم صورتك على الطاولة أمامي
وأضع رأسي بين نهديك
وأجهش بالبكاء
كطفل فقد أمه في الزحام.
****

عندما كنت تغردين على غصن روحي
كانت ينابيع الفرح تتدفق من أعماق قلبي
وتفيض في كل الاتجاهات.
****

كنا بالأمس إذا اختلسنا اللقاء
 وتشابكت أيدينا
تصببت النار من رؤوس أصابعنا
وأبحرنا في زورق القمر
وتركنا كل ما حولنا يشرئب إلى السماء.
****

كنت أقف على حافة السماء
لأقطف لك وردة من أعمق الوديان.
****

كنت كلما نظرت إلى صدرك
أرى الفراشات تتطاير من بين نهديك.
****

أجيء إليك مضمخا بكل حنان العالم
أتعلق بأغصان الريح
يرقص دمي على وقع ذكراك.
****

تعالي ننشد الحب والجنون
في غمامة حلم لذيذ
في منأى عن شخير الآلهة
وغوغاء الملائكة
وفضول الكهنة اللواطيين
وصرير بوابة الموت
تعالي نبحث عن لؤلؤة المستحيل
في عمق أعماق ذواتنا.
****

تعالي إلي كعصفورة تحمل بين جناحيها
ضوء رمال السماء
وفي مناقيرها أزاهير المطر.
****

القلب الذي لايعرف الحب
أشبه بالله الصمد
الذي لم يلد ولم يولد
ولم يكن له كفؤ أحد.
****

حين تجوع الآلهة تأكل أطفالها الميتين
الذين لم يدركوا صلاة المساء.
****

إنه مؤمن جدا... جدا
لايقيم الصلاة إلا على قارعة الطريق
وفي المنتزهات العامة.
****                                                                                               

هذا الحمار المقدّس
ذهب صباحا إلى المطحنة
وعاد مساء ينهق بالنبوءات.
****

ألا يكفي تقديس نعال هذا الإله المهترئ
وتقبيل أياديه الملطخة بالدماء
على امتداد آلاف السنين؟.
****

رجاء... لملمي شظاياك من فوق سريري
 ودعيني... أنام.

*****

adamhomeh@hotmail.com

1.   تل نصري: قرية على ضفة نهر الخابور في الجزيرة السورية.


19

مابين ألم الذاكرة ونشوة الحلم

آدم دانيال هومه



أنقى وأطهر حب في الدنيا  
هو الحب المتبادل بين الفراشة والزهرة
وما عدا ذلك باطل الأباطيل... وقبض نزوات.

****
جالس على كرسي هزّاز
في أقصى جزيرة في العالم
في أجمل بقاع الأرض قاطبة
بين يديّ سفر الرؤيا
أحاول سبر أغوار ظلال كلمات الوحي والهذيان
غالبني النعاس
ومابين ألم الذاكرة ونشوة الحلم
رأيت في انعكاس مرآة الأمس طفلا يلهو مع أترابه الحفاة
في وحول إحدى القرى النابضة على ضفاف نهر الخابور
يصطاد فراشات الأحلام  
يعدو مع الريح... يسابق ظل الشمس
يصل إلى بوابة دلمون... عند فم الأنهار
حيث تنام الخراف آمنة في حراسة الذئاب
ينسلّ إلى حجرة نوم أوتونابشتيم الملكية
يستلّ من تحت وسادته الرقيّة المقدسة
يقرأ بإمعان ألواح القدر
يشرب من النبع الذي تتدفق منه أسرار الآلهة
يتوشح برداء الأبدية
ويسير مزهوا في شارع الموكب
في مفرق شعره ريشة من جناح الأفعى
 وعلى صدره نبتة الخلود
يحضر بدون استئذان زفاف تموز إلى عشتار
ويودع أريشگيگال في رحلتها الأبدية إلى العالم السفلي
يتبادل أنخاب الخمرة الإلهية مع كلكامش وأنكيدو
في حانة سيدوري
يقضي ليلته في مخدع البغي الطاهرة شمخة
ويعود في عربة العاصفة
مكسوا بريش الأنوناكي
طافحا بأريج الحضارات.
لما فتحت عينيّ
رأيت عجوزا يلهث فوق كرسي هزاز  
في أقصى جزيرة في العالم
يلهو بمسبحة السنين  
يخضل الدمع في مقلتيه
وهو يتذكر طفلا يلهو مع أترابه الحفاة  
في وحول قرية منسية على ضفة نهر الخابور.  
وبينما أمسح عينيّ براحة كفي
تراءت لي حمامة تتوهج بين الأغصان
مثلما تتوهج رسالة غرام في صندوق البريد
وسمعت صوتا كأنه ينزلق من شلال الغيب يهتف بي:
بما أن طريق المجد مفروشة بالأشواك
فينبغي أن تنتعل صندلا من نار.
بما أن السماء ضيقة وواطئة  
فما عليك إلا أن تحلق في سماء ذاتك.
بما أن قبرك ليس على الأرض  
لذا ينبغي عليك أن تصعد إليه.
بما أن نهر الخابور قد شحّت مياهه
فيتحتم على الأطفال أن يتعلموا السباحة في الهواء.
بما أن في أشجار حدائق بابل بقية حياة  
فينبغي عليك أن تشدّ الفرات من قرنيه  
وترغمه على تقبيل أقدامها.
بما أن الله يعيش وحيدا في السماء
فلا بد أنه بحاجة إلى رفيق يؤنسه
ويبدد وحشته.
وأردف الصوت الهادر من غيمة نار في الآفاق:
كانت وستظل نينوى سرّة الأرض
وبابل أيقونة السماء
وسيظل سيف البرق في يد آشور
يدوي صليله في الجهات الأربع.
وعلى حين غرّة  
حملتني يد معشوشبة بالآيات
وعرجت بي إلى مجاهل السموات
وفي الطريق إلى مساكن الرسل والأنبياء
رأيت مالم يُر... ومالايُقال
ولدى وصولنا إلى السماء السابعة
كان الضباب من الكثافة
بحيث لم أستطع أن أرى أو ألمح أي شيء.
ثم عادت بي اليد السحرية إلى الأرض
وأنا أترنح بين الحقيقة والخيال
ووضعتني برفق فوق أعلى قمة في قوس قزح
 وسمعت صوتا بدون كلمات يهمس لي:
هلم انظر نحو الغرب
نظرت
فرأيت أرغفة الخبز تنبت فوق سطوح المنازل
وينابيع خمور وأعسال تتدفق في جنائن
تمرح فيها شقراوات كأنهن عرائس المروج
وغلمان كأنهم رعاة النجوم
يعزفون ألحانا سحرية على أوتار الغيم
وأسراب من النحل والنمل
تجمع الغلال في صوامع  الجبال  
وتبني ناطحات سحاب
وتمد أسلاك الكهرباء إلى أقصى منزل في وهاد الليل  
وتشيد سكك الحديد فوق البحار والمحيطات
وتحفر أقنية المياه في قعر وادي الموت
تحوّل الحجر إلى ذهب رنّان
ومن النفايات تصنع أكسير الحياة
تطهّر الأنجاس
و(تبرئ الأكمه والأبرص وتحيي الموتى)
وجميع الناس... رجالا ونساء
يرتدون قمصان الملائكة  و سراويل الشياطين
يتسامرون
ويتنادمون في الحانات والمطاعم والمقاهي
وعلى شواطئ البحار
وهم يرقصون على أنغام النواقيس ترنّ في السحاب
يحقنون أوصال الصخور بماء الحياة
يمخرون عباب الكون في زوارق الرياح
وفي مركبات الآلهة
يمدون الجحيم بالأنوار من شلالات النار  
ويزودونه بأجهزة التبريد ومكيفات الهواء
وبكل مالذّ وطاب من أصناف وألوان المرطبات
ويطعمون شجرة الزقوم بأشهى أنواع الفواكه والثمار
ويترددون على ملاهيه الليلية على صهوات جياد البرق.
ثم وشوش الصوت المجهول في أذني:
الفلاحة في الحجر
أهون بكثير من تحرير العقل المتحجر
والإنسان بحاجة إلى أن يتعلم كيف يفكر
أكثر من أن يتعلم كيف يقيم الصلاة  ويؤتي الزكاة.
ثم أردف قائلا:
هلم انظر نحو الشرق
نظرت
فما رأيت سوى صحراء مترامية الأطراف
ينعق فيها البوم
وتسرح فيها الذئاب والضباع وبنات آوى
وخياما منصوبة فوق كثبان الرمل
وغجرا يضربون بالرمل والدفوف  
وسلالات مماليك يطحنون الهواء
وأعرابا يتلذذون بشواء لحم العصافير وهي تطير في الهواء
في أيديهم مسابيح مصنوعة من حلمات نهود العذارى
يدبكون في أول الليل حول ركوة القهوة المرّة
على إيقاع المهباج
وفي آخر الليل
يمتشقون السيوف ويتصايحون: يالثارات بني قحطان.
يختلفون على كل شيء
ولايتفقون إلا على وحدانية الله
يقضون النهار بتلاوة سورة النساء
وفي الليل يحلمون بنكاح بنات الملائكة
يستفتون أوليائهم فيما إذا كان لحم العنقاء حلالا أم حراما
في حين يعتاشون من الغنائم والأسلاب.
يتضورون جوعا
ومن حولهم تسرح قطعان الماشية والأنعام
ويسكنون بيوتا من قصب الزمهرير
وتحت أقدامهم آبار النفط ومناجم الذهب والحديد
حفاة عراة
وهم يعملون في مزارع القطن والصوف والحرير
يحملون أفكارا حلزونية
يطاردون أسراب القطا التي تلوح على شاشة الذاكرة
يفطرون على حليب الخرافات
ويتغدون على مرقة الأساطير
ويتعشون على الشاطر والمشطور ومابينهما
بطولات عنترة والزير وأبي زيد الهلالي.
يجترون الماضي
ينسجون حاضرهم ومستقبلهم على أنوال السلف الصالح
ويجمّدون العقول في ثلاجة ابن تيمية
تحرسها شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وينتظرون الولائم من السماء بعد كل صلاة.
ما أن تطأ أقدامهم عالما جميلا ومنظما
حتى يشيعون فيه الفوضى والدم والقاذورات
يحطمون الابتسامات على أفواه أطفالهم
يعلمونهم استعمال السلاح بعد الفطام  
يدججونهم بكل أسلحة الحقد والدمار
يشوهون معالم براءتهم
يختنون أفكارهم ويخصون تطلعاتهم
ويحشون أدمغتهم بطحالب االصحراء
وصور علي بابا والأربعين حرامي.
يرددون كالببغاوات: (الجنة تحت أقدام الأمهات)
بينما الأمهات أشبه بصناديق قمامة تمشي على قدمين.
يحبذون السكن في قيعان الوديان
ويتقاعسون عن صعود الجبال
حيث تلوح طيور كولومبوس في الآفاق
حاملة في مناقيرها مصابيح العلم
التي تضيء مابين الأرض والسماء.  
نشيدهم القومي: (اضرب لاترحم أعداءك)
وشعارهم: (لاتفكر... الله يدبّر).
مرضى
ويتداوون بالتمائم والأحجية
لايستطيعون قراءة الملاحم المنقوشة في الصخور
ولايفقهون من التاريخ سوى حرب داحس والغبراء
 وغزوات الرسول الكريم
ومعركة الجمل
ورفع المصاحف على أسنة الرماح
وحكايات ألف ليلة وليلة
وفتح الأندلس... والليالي الملاح
 وفسق يزيد بن معاوية
ومجون أبي نواس
وحريم سلاطين بني عثمان.
لملوكهم حصة الأسد في الذات الإلهية
ولورثة ملوكهم الأرض والعباد والأبجدية
أما الرئيس العتيد
فيسكن قصر الشعب
والشعب يسكن في الهواء الطلق
يقتات بروائح الشواء المنبعثة من مطابخ قصر الشعب
كل شيء مفقود لدى الشعب
إلا الخوف
يسكن تحت الجلود... وفي شغاف القلوب
ينتصب في كل مكان كتماثيل الرئيس الخالد
حتى الطيور قلقة على الدوام
وشاخصة بأبصارها في كل اتجاه
تحسبا لكل طارئ.
فمنذ دخولهم الحرب إلى جانب الله ضد الشيطان
وهم يدورون في حلقة مفرغة
في كهف الصقيع والظلام.
ثم همس الصوت البتول:
الدين كرة ملتهبة
يدحرجها الشيطان في فيافي الجهل
فتصلي العالم برمته نارا حامية
في حين يجلس الله القرفصاء
على قارعة السماء
يستجدي الفقراء.
وأردف الصوت الممزوج برحيق الألم والأمل:
انظر صوب العراق المضمّخ بالدم والنار
نظرت
فلم أر سوى شجرة باسقة يابسة
ولكن على الرغم من أنها ميتة
لكنها واقفة بشموخ تتحدى غوائل الأزمان والعصور
ينبعث منها شعاعا رائعا ومهيبا
وأطفال يستظلون بأغصانها الباهتة
يقرأون ملحمة التكوين على ضوء قنديل الشعر
وبين الحين والحين
يسقون جذورها اليانعة
الضاربة في عمق أعماق تراب مابين النهرين.
ولما نظرت إلى قمم جبال آشور
رأيت أسراب الغربان
تبني أعشاشها في عمامة الملا كريكار
وأرواح بدرخان بك وسيمكو الشيكاكي وبكر صدقي
تتسلق سلالم النار
وتتقمص أجسام كلاب مسعورة شاردة في الطرقات
تعوي في الليل في أرجاء السليمانية
فيتردد صدى عوائها في مهاباد وديار بكر والقامشلي
وفي النهار
تنبح على المارة في شوارع وأسواق أربيل.
ثم شاهدت الفينيق الآشوري
ينهض من بين ركام أطلال بابل
ويحط على سور نينوى
ويبسط جناحية على امتداد وادي الرافدين.
وفي ذات الوقت
رأيت الجواد العراقي الأصيل
ينهض من كبوته
ليسابق الريح إلى واحات المستقبل.

سدني – استراليا
adamhomeh@hotmail.com


20
أسباب ومسببات تهجير مسيحيي الشرق عامة والآشوريين خاصة
                                                    بقلم: آدم دانيال هومه.
                                                   سدني – استراليا
  ليست الهجرة وليدة الأمس واليوم، بل هي قديمة قدم التاريخ الإنساني. وسببها الرئيس، ودافعها الأول هو إيجاد مكان آمن تحت الشمس. علما أن الهجرة، والبعد عن الوطن الأصلي يعتبران أقسى مايعانيه المهاجر لأنه يبقى نبتة بلا جذورر، وبلا أوراق، وبلا أغصان حتى وإن توافرت له جلّ أسباب الراحة والرفاهية والأمان والاستقرار.
   تعتبر مشكلة الهجرة من أخطر المشاكل وأعقدها، وخاصة أنها تسبب في انهيار البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فهي تؤثّر بشكل كبير على المجتمع، وتهدم أركانه. وترجع أسباب الهجرة إلى عدة عوامل منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولعل أخطرها الدينية. وللهجرة عاملان أساسيان هما عامل دفع وعامل جذب. والمقصود بعامل الدفع هو الدافع أو السبب الذي يؤدي بالفرد إلى ترك موطنه الأصلي والالتجاء إلى بلد آخر للإقامة الدائمة فيه. أما عامل الجذب فهو ذلك العامل الذي يستهوي المهاجر ويجعله يملك رغبة وحافزا للهجرة أي مايلفت انتباهه ويجذبه إلى البلد الآخر. فعامل الدفع يتمثل في دعم الاستقرار سواء السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي ومستوى المعيشة بصفة خاصة. والاستقرار يمثل أهم عوامل الجذب وخاصة الاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي الذي يوفر حرية العمل وإمكانية الرقي الحضاري والتقدم التقني. كما أن فترة عدم الاستقرار السياسي، في أي بلد كان، وقيام أوضاع سياسية وإدارية مضطربة كانت أحد الأسباب الرئيسة التي تدفع إلى الهجرة سعيا وراء الحرية والاستقرار السياسي.
   الشعب الآشوري من أكثر شعوب الأرض تشبثا بأرض آبائه وأجداده. فعلى الرغم من جميع الاضطهادات والمذابح التي تعرض لها منذ سقوظ كيانه السياسي ابتداء بسقوط عاصمته الأول نينوى عام 612 ق.م وانتهاء بسقوط عاصمته الثانية بابل عام 539 ق.م. وحتى يومنا هذا فهو يحاول قدر المستطاع الحفاظ على كيانه، وهويته القومية داخل وطنه الأصلي، ولم يهاجره على الإطلاق وإنما تمّ تهجيرة.
   ولقد كان تهجير الشعب الآشوري، على امتداد التاريخ، داخل موطنه بلاد مابين النهرين (بلاد آشور) حتى أن أخطر هجرة تعرض لها، إبّان وبعد الحرب العالمية الأولى، إثر المذابح والمجازر والإبادة الجماعية التي أمر بها العثمانيون ونفذتها العشائر الكردية في كل من اقليم هكاري، ومنطقتي طور عبدين وأورمية، تمت داخل الوطن حيث هاجرت الآلاف المؤلفة منهم إلى العراق الحالي، وإلى الجزيرة السورية.
   لقد اضطر العديد من قياديي أحزابنا وتنظيماتنا السياسية إلى هجرة أوطانهم فرارا من الملاحقات المستمرة، والاعتقالات العشوائية، والتعرض إلى التعذيب الوحشي في أقبية سجون طغاة العصر وذلك إسوة بباقي قيادات أحزاب الشعوب الأخرى بما فيها العربية والكردية.
   الآشوريون بعكس جميع المسيحيين الذين يتعرضون للاضهاد في البلدان الاسلامية عامة والعربية خاصة لأن اضطهادهم مضاعفا فهم مضطهدون قوميا ودينيا بآن معا.
   كان عدد الآشوريين التابعين لكنيسة المشرق وحدها، عدا الآشوريين المنتمين لكنيسة انطاكية وسائر المشرق، حتى غزو ثقافة الصحراء المتمثلة بالدين الاسلامي، لمراكز الاشعاعات الحضارية في بلاد الشام ومابين النهرين ثمانين مليونا. وقد تقلص هذا العدد، بفعل الحروب الدموية لفرض الإسلام بالقوة والتي نتجت عنها الاضطهادات والمجازر وسفك دماء الأبرياء، إلى ثلاثة ملايين في جميع أنحاء العالم.
   يؤكد تقرير الأمم المتحدة لعام 2007 م بأن تعداد الآشوريين في العراق عام 2003م كان مليون ونصف مليون. ولكن وتيرة هجرتهم تسارعت بعد احتلال العراق حتى أن أكثر من ثلثي عددهم قد لاذ بالفرار نتيجة أعمال العنف الطائفي الذي عصف بالبلاد حيث بدأ الاضطهاد بحق الآشوريين يأخذ منحى آخر. اضطهاد تمارسه مجموعات إرهابية ذات منظور فكري رجعي متطرف أو مايسمى بالإسلام السياسي، وتحت تسميات ومسميات شتّى. حيث تعرض ويتعرض الآشوريون المسيحيون لعمليات تطهير عرقي، وإبادة جماعية منظمة ومخطط لها مسبقا. كما تعرضت مصالحهم وبيوتهم وكنائسهم للحرق والتدنيس والتفجير والهجومات المسلحة إلى درجة خلت البصرة وجنوب العراق برمّته من المسيحيين عامة، ومن الآشوريين بشكل خاص. وأرغم عشرات الآلاف من سكان بغداد إلى ترك أعمالهم وممتلكاتهم ومنازلهم والفرار طلبا للنجاة بجلودهم وجلود أطفالهم. وقد تلقى العديد العديد منهم منشورات تدعوهم إلى االخيار بين اعتناق الاسلام أو دفع الجزية، أو مغادرة البلاد على الفور. كما تعرض العديد منهم إلى الخطف والابتزاز وطلب الفدية التي كانت تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات مقابل إطلاق سراحهم ناهيك عن الاغتيالات التي لم يسلم منها حتى الرموز الدينية. والأسوأ من كل هذا وذاك أن غالبية المسلمين في العراق، بكل انتماءاتهم القومية والمذهبية، يستهدفون الآشوريين المسيحيين من أجل تصفيتهم من موطنهم الأصلي والتاريخي ضمن مخطط مبرمج وافق عليه الجميع، من دون إبرام اتفاق رسمي بينهم، لاقتلاعهم من جذورهم الضاربة في عمق أعماق تراب بلاد الرافدين (بلاد آشور)، وتشريدهم في دول الاغتراب والتيه والضياع سعيا وراء محو وإزالة كل أثر لهويتهم القومية. في الوقت ذاته يحاول كل طرف إلقاء اللوم على الطرف الآخر بينما الحكومة مكتوفة الأيدي تغضّ الطرف، عن رضى أو عجز، عن إيجاد حلّ لمعاناتهم، وتوفير الحماية لهم. فكيف، إذن، سيقنع المسلمون العالم بأن الإسلام دين تسامح وسلام في الوقت الذي يلوذون بالصمت تجاه مرتكبي هذه الأعمال الإجرامية القذرة باسم الإسلام؟.
   إن شيوخ المسلمين وائمتهم قادرون، إذا أرادوا، على ردع هؤلاء المجرمين الخارجين على القوانين الدولية والأعراف الإنسانية وذلك بإصدار فتاواهم ضد مرتكبي هذه الأعمال الإرهابية التي لايستلذّ بها إلا الشيطان وحده لاشريك له. أفليس التغاضي عن الإجرام من علامات الرضى، ونوعا من المساهمة فيه؟. أو ليس الساكت عن الحق شيطان أخرس؟.
   إن مايجري، اليوم، في العالم الاسلامي عامة، وفي العراق بشكل خاص يعتبر بكل مقاييس الإنسانية صراعا بين القيّم الحضارية بكل معانيها، وبين السلوك الهمجي، والتخلف الفكري، والشذوذ الديني المسيطر على مجموعات، تعيش في أحلام اليقظة، وترضى بأن تكون دمى مزنّرة بالمتفجيرات من أجل الوصول إلى الجنة بأقصى سرعة ممكنة حيت في انتظارهم حور العين والغلمان بعد أن يحققون مآرب كل الحاقدين على العراق وأهل العراق.
    كثيرا ما يتشدّق العديد من الكتاب والساسة ورجال الدين المسلمين بأن المسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية قد عاشوا في العالم الإسلامي بسلام وأمان واطمئنان. ومارسوا طقوسهم وشعائرهم الدينية بمطلق الحرية من دون رقيب أو حسيب لأنهم من أهل الذمة. ويستشهدون بالآية التي تقول: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.(الآية 62 من سورة البقرة). أي أنهم في ذمة الدولة الاسلامية ويستندون في ذلك إلى قول نبيهم:(من آذى أميّا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله). وتصديقا لذلك يوردون عشرات الآيات ومنها الآية التي تقول:
- لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنَّا نصارى ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون . (آية 82 سورة 5 المائدة ).
- (فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا. النساء 91).
   ولكنهم ينسون أو يتناسون بأن كل هذا أقل بكثير عن ربع الحقيقة، لأنهم يعرفون جيدا بأن كل هذه الآيات وغيرها من الآيات والأحاديث النبوية التي كانت تدعو إلى الرحمة، والتسامح، والحرية في اعتناق الدين الذي يرتأيه الإنسان وعلى سبيل المثال لاالحصر:
- لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي" (البقرة: 256).
- وَ لَو شاءَ رَبُّكَ لاَمن من في الأَرضِ كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين.( يونس:99).
- ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (سورة العنكبوت: 46).
- قل ياأهل الكتاب . (آل عمران 64).
-  قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. (سورة سبأ )24).
- قل لاتسألون عما أجرمنا ولانسأل عما تعملون. (سورة سبأ 25).
- ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.(النحل: 125).
- وقل الحقّ من ربكم فمن شاء فليكفر ومن شاء فليؤمن. (الكهف29).
- فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين. ( النحل : 82).
-  فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين. (التغابن 12).
-  فأعرض عمّن تولى عن ذكرنا. (النجم : 29: 203).
-  وما أنت عليهم بوكيل. (الزمر : 41).
- إن أنت إلا نذير. (فاطر : 23 ).
-  فتولّ عنهم فما أنت بملوم. (الذاريات : 54 ).
- وما على الرسول إلا البلاغ المبين. (النور 54)، (العنكبوت1818).
- أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين.( يونس:99).
-لكم دينكم ولي دين. (الكافرون 6).
- وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله.(الأنفال: 61).
 - لعلك باخع نفسك أن لايكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين. )الشعراء3-4).
- فاصفح عنهم وقل سلام (الزخرف : 89) .
- ومن كفر فلا يحزنك كفره (لقمان : 23).
- وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين. (سورة البقرة: 190).
- لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونك في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرؤهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. (الممتحنة:8).
   كل هذه الآيات ومايربو على مائتي آية أخرى قد مسختها آيات السيف والقتال، وبطل مفعولها وأصبحت حبرا على ورق. وقد كانت سورة براءة التي وردت فيها آية السيف آخر  ماأُنزل على النبي. وقد توفي ولم يبين موضعها (إرشاد الساري 7/138). وبهذا كان موقف آية السيف هو الموقف الأخير الذي تبنّاه النبي قبل وفاته، ولهذا اتخذه المسلمون الأوائل باعتياره النهج النهائي لسلوكياتهم وممارساتهم اليومية. هذا إضافة إلى أن المسلمين يؤمنون، يقينا، بأن الإسلام قد نسخ ومحا كل الديانات السماوية التي سبقته، وبأن محمدا أرسله الله إلى الثقلين أي الإنس والجن، وبأن (الدين عند الله الإسلام). واستنادا إلى ذلك يكفّرون غير المسلمين جميعا، ويستوجبون قتالهم.
   لقد ورد أن النبي كان لايحلّ ولايحرّم في بداية رسالته في مكة. وكان مغلوبا على أمره حتى أن الشرع الإسلامي قد فرّق بين ابنته زينب وبين زوجها أبي العاص بن الربيع، وكان لايستيطيع أن يفرّق بينهما. فأقامت زينب مع زوجها على إسلامها وهو على شركه. (ابن هشام 2/307). ولكن فتح مكة كان بداية لمنهج الإكراه في الدين. وقد كان القرار سياسيا أكثر منه دينيا. فبعد أن هيمن المسلمون على مكة، المركز الديني للجزيرة العربية، نجد بأن الله الذي أكد مرارا وتكرار بأن كتابه المنزل على نبيه:
- كتاب أحكمت آياته ثم فصّلت من لدن حكيم خبير.(هود: 1).
- لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. (فصلت 41-42).
- ولو كان من عند غير الله  لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. (سورة النساء: 82).
- وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم(الأنعام‏:‏ 115).
- إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (سورة الحجر:9).
- مايبدل القول لديّ وما أنا بظلام للعبيد (سورة ق:29)
- الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (سورة الكهف:1).
- قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون. ( الزمر: 28 ).
   ولكن الله قد غيّر رأيه بعد فتح مكة. فبعد أن كان إلها رحيما ورؤوفا ومسامحا قد انقلب إلها عنيفا ودمويا وبدأ بتنزيل الآيات التي تدعو إلى الجهاد والقتل وسفك الدماء، ومنها على سبيل المثال لاالحصر:
- حيث وجدتم المشركين فاقتلوهم (التوبة: 15).
- جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم( [التوبة/ 73).
- قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله  (التوبة : 29 ).
- قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (آية 29 سورة 9 التوبة).
- يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولاَّهم منكم فإنه منهم إنَّ الله لا يهدي القوم الظالمين. (المائدة: 51).
- يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير. )سورة التوبة: 73).
- وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله (البقرة: 193)
- ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.(آل عمران 85).
- فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق. (سورة محمد:4).
-فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. (سورة التوبة: 5).
- ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (التوبة:123).
- يحب الله الذين يقاتلون في سبيله ثفا كأنهم بنيان مرصوص. (سورة الثف:4).
- سألقي في قلوب الذين كفروا الرّعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان. (سورة الأنفال:12).
- انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله (التوبة-41).
   وثبت عن النبي قوله: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار). (أخرجه الإمام مسلم في صحيحه). وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله عن النبي أنه قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي المغانم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة). مبررا كل هذه الآيات والأحاديث بالآية التي تقول: ماننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو بمثلها (البقرة:156).
   والنسخ في القرآن ثلاثة أنواع هي:
- ما نُسخ حكمه ونُسخ حرفه أي نسخ التلاوة والحكم معاً.
- ما نسخ حرفه وبقي حكمه. نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.
- ما نُسخ حكمه وبقي حرفه أي نسخ الحكم مع بقاء التلاوة. وهذا أهم وأخطر لأنه يكون النص المنسوخ موجودا بلفظه في القرآن ولكن حكمه ملغى بحكم آخر. وهذا يكون مجال كبير للخداع الذي يقوم به الدعاة الإسلاميين. حيث أنهم يدّعون بأن الإسلام دين سماحة ويتشدقون بآيات سلمية مستغلين عدم إلمام غير المسلم بالقرآن بوجه عام, وبقضية الناسخ والمنسوخ بوجه خاص. فيكذب الداعية الإسلامي ويضلل الأخرين بعدم ذكره قضية الناسخ المنسوخ التي هي محل خجل للمسلمين جميعا. لكن الناسخ والمنسوخ ليس قضية فقهية إختلف فيها المفسرون، لكنها آيه قرآنية تقول: وما ننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها (البقرة:106). وإن وجود هذين المنهجين في القرآن يمكن للمسلمين من اتخاذ أي منهج منهما، وحسب اللحظة التاريخية والاجتماعية التي يعيشون فيها خصوصا أن النبي أبقى على النص المنسوخ في القرآن. وهي نافذة مهمة للدخول والخروج منها لمواكبة اللحظة الاجتماعية للمسلمين عبر التاريخ. لكنها، في الوقت ذاته، تتطلب وعيا عميقا، وجرأة على الممارسة وإلا فما جدوى الإبقاء على النص القرآني في حالة رفضه تماما كاحتمال قائم لسلوك اجتماعي ممكن.
   إن نسبة الآيات التي تفتح نافذة الاحتمال داخل اليقين الإسلامي أكثر بكثير من الآيات التي نسختها، بل إن آيات الإكراه في الدين كانت آخر ما أُنتج داخل المنظومة المعرفية للإسلام وهذا يعني أن المسلمين في الوقت الحاضر يقرأون، بشكل يومي، قسما كبيرا من القرآن ولا يتخذونه منهجا لهم في ممارساتهم الاجتماعية مع الآخرين. إن اللاجدوى في قراءة القسم الأكبر من القرآن ينبغي أن يكون له حلا عقلانيا. إما بحذف النص أو جعله سلوكا اجتماعيا. ولهذا تتبلور تساؤلات عديدة تحتاج إلى إجابات شافية وصريحة من المثقفين المسلمين وأهم تلك الأسئلة:
1. هل المطلوب من المسلمين تبليغ رسالتهم الدينية بطرق وأساليب سلمية رحيمة لغيرهم من البشر أم المطلوب هو غزو بلدانهم والاستيلاء على ممتلكاتهم ومقدراتهم، واسترقاق نسائهم بعد سفك دماء رجالهم؟.
2. هل المطلوب اجتياح بلدان الغير بقوة جند جهادية متعطشة لسفك الدماء، وطلبا للشهادة سعيا وراء بلوغ مراتب من هم في مصاف الشهداء الذين سينعمون بملذات الجنة وحورها الحسان؟.
3. هل المطلوب هو استبدال سكان أرض كافرة بسكان جند من المسلمين وهو مايعني سلب الأرض من أصحابها الأصليين باسم العقيدة الاسلامية؟.
4. هل آيات الجهاد والقتال قابلة للتأويل؟. وهل هي محدّدة بزمان ومكان معين بحسب نزولها، أم أنها مطلقة التطبيق على الرغم من أن الإجابة عنها أحدثت تشظي في الفكر الإسلامي الحاضر؟.
   وبموجب فهم وتأويل الآية الخامسة من سورة التوبة التي هي آية السيف انتقل المسلمون في تعاملهم مع غيرهم من أسلوب اللين والإقناع إلى أسلوب العنف والشدّة والقتال. فكشّر المسلمون، بموجبها، عن أنيابهم ومخالبهم الجارحة، وامتشقوا السيف عاليا بدعوى تبليغ رسالة الإسلام بالقتل الجهادي والإرهابي متنكرين لكل الآيات الرحيمة المتسامحة التي تنزع لاستخدام العقل في إيصال هذا الدين إلى الناس.
   فلو توغلنا في التاريخ الاسلامي منذ تأسيس الدولة الإسلامية، وخاصة بعد إصدار ما سمّي بالوثيقة العمرية (نسبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب) التي قضت بطرد جميع المسيحيين واليهود من شبه الجزيرة العربية، والمضايقة عليهم واضطهادهم وإذلالهم في غيرها من البلدان تنفيذا لحديث النبي محمد الذي يقول فيه: لايجتمع في جزيرة العرب دينان. (رواه الإمام مالك وغيره وأصله في الصحيحين). لوتوغلنا في هذا التاريخ لوجدناه مفعما بالمظالم والاضطهادات، وملطخا بدماء الملايين من الأبرياء. ومانراه اليوم من أعمال إجرامية من قتل واغتيال واختطاف وتفجيرات وغير ذلك مما يندى له جبين البشرية ماهي إلا نتاج تراكمات تراث دموي تحريضي بدأ منذ 1400 عاما، ويظهر الآن ، بكل جلاء ووضوح، في أقوال وممارسات الحركات الأصولية التي تعشّش كالعناكب السامة في بنيان المجتمعات العالمية. وتستمد نهجها من الآيات القرآنية والسيرة النبوية فقد ورد عن النبي أنه قال: نصرت بالرعب. فإن العدو ليرعب مني من مسيرة شهر (حم والحكيم - عن ابن عباس). وقوله: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار (صحيح مسلم). وبهذا صار الدخول في الإسلام ، مذّاك، ناجما عن الخوف والرعب وليس عن اإيمان. وتحت آلية الإكراه في الدين أصبح الدخول في الإسلام كميّا وليس نوعيا. وهذا السبب الرئيس الذي دفع عطاء بن السائب إلى القول: إن عامة الناس الذين مع النبي غير مؤمنين (كتاب الستر 201). وهو السبب ذاته الذي دفع علي بن أبي طالب إلى نعت المسلمين في الكوفة بالهمج الذين يتبعون كل ناعق. (في وصيته للكُمَيل بن زياد). وخير مثال على ذلك الردّة التي حدثت بعد وفاة النبي حيث عاد المرتدّون إلى حظيرة الاسلام نتيجة الخوف والرعب لابفعل الإيمان. لذلك فإن المتطرفين والأصوليين والإرهابيين، وخاصة المراهقين منهم، يعتمدون على نصوص من القرآن والسنّة التي يلقّنها إياهم أئمتهم ومشايخهم للتحريض ضد غير المسلمين وبهذا الصدد، وفي حديث للنبي أنه قال: (لاتبدأوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم فاضظروهم إلى أضيق الطريق). ومن المحال أن تتوقف هذه الأعمال الإجرامية مالم يتم تجفيف منابع التطرف والحقد والكراهية ومصادر تمويله. وجميع هذه المنابع تتدفق من الجوامع وجامعات ومدارس الشريعة الإسلامية المنتشرة بكثافة في كل الدول العربية والإسلامية، وتقف المملكة العربية السعودية في طليعة ممولي هذه البؤر الفاسدة. ففي دراسة أكاديمية أمريكية أكدت بأن السعودية صرفت خلال العشرين سنة الماضية نحو 87 مليار دولار على نشر الفكر الوهابي الذي يمثل قمة التعصب والتطرف في العالم. ومازالت المناهج الدراسية في مدارس المملكة السعودية موبوءة بتعاليم التطرف، وبرمجة أدمغة الأطفال والشباب على بغض أتباع الديانات الأخرى ووجوب قتالهم. فالإرهاب يرضع من أثداء آيات السيف والقتال والحديث النبوي، وخطابات أئمة وشيوخ الجوامع، ومن الفتاوى التي يصدرها كل على مزاجه الخاص وانطلاقا من بيئته المظلمة ومن دون حسيب أو رقيب، ومن مناهج التدريس الموبوءة بالحقد والبغضاء تجاه الآخر المختلف.
   ولعل من أخطر الأفكار التدميرية وأشدها قسوة وظلما هو الفكر التكفيري الذي انبثق عنه الإرهاب الفكري، وإن هذا الإرهاب ضارب جذوره في عمق التاريخ الإسلامي لكنه اليوم قد توسّع إطاره العام كثيرا نتيجة التكنولوجيا، ومواد التفجير المتوافرة في إيدي الإرهابيين. وهذا التكفير من ألدّ أعداء التسامح وأخطرها على الإطلاق حيث يقوم على تكفير الأخر، ويطلق عليه الأحكام جزافا دون دليل أو برهان. ولايتم القضاء على هذا الفكر الشاذ إلا:
1. بتنقية المناهج الدراسية في جميع المراحل بدءأً من رياض الأطفال وحتى الجامعة، وفي جميع البلدان الاسلامية عامة والعربية خاصة، من النصوص الدينية التي تدعو إلى التطرف الديني والكراهية ضد الأديان الأخرى. واستئصال الأفكار العنصرية والشوفينية والظلامية، ومنع استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، وفصل الدين عن الدولة، ورفض الأنظمة الشمولية تحت ستار الدين أوالقومية أو العنصرية. ومراقبة النشاطات التي تجري في الجوامع، وخطب الأئمة التي تحرّض على الإرهاب باسم المقاومة .
2. بالتركيز على نشر روح التسامح، وقبول الآخر، والتعايش معه وإدخال مواد دراسية تساعد على القضاء على التعصب الديني.
3. بغلق جميع مواقع الإنترنيت، والفضائيات التي تروّج للتعصب الديني والعداء ضد مختلف أتباع الأديان والمذاهب.
4. بحذف جميع آيات السيف والقتال من القرآن، وجميع الأحاديث النبوية التي تدعو إلى ذلك والتركيز على الآيات المنسوخة التي تدعو إلى التسامح والرحمة.
   على المسلمين صياغة ونشر صورة للإسلام تتصف بالحداثة والاعتدال والديمقراطية والحرية والليبرالية والإنسانية وتقبل الآخر واحترام المرأة. هنا يستطيع غير المسلمين المساعدة وذلك بعزل الإسلاميين المتطرفين وعدم التعامل معهم ومقاطعتهم وتأييد المسلمين المعتدلين بالرغم من أن الإسلام المعتدل هو من الناحية النظرية أمر ممكن ومحتمل، إلا أن ضعف مؤيديه في الحاضر يجعله يبدو بعيداً وربما مستحيلا. ومهما بدت احتمالات نجاح الإسلام المعتدل ضعيفة في الوقت الحاضر فإن نجاحه إنما يمثل في النهاية الصورة الفعالة الوحيدة لمكافحة الإرهاب. ويتطلب ذلك:
1. إصدار الأمم المتحدة  قانونا جديدا يضاف  للقانون الدولي يحدّد الإجراءات والأساليب التي تترتب على كافة أعضاء المنظمة الدولية للتصدي للمنظمات الإرهابية وملاحقتها، وشلّ نشاطها. وإنشاء قسم تابع لمجلس الأمن يتولى متابعة وملاحقة النشاطات الإرهابية بالتعاون مع كافة الدول المنضوية تحت ميثاق  المنظمة الدولية، وإلزام كافة دول العالم بالتنفيذ الدقيق والصارم لها لاستئصال شأفة الإرهاب من جذوره.
2. إصدار القوانين التي تحرّم وجود المنظمات الإرهابية على أراضيها، وتحديد العقوبات القصوى بحق من يثبت قيامه بأي نشاط إرهابي سواء كان ذلك من خلال تنفيذ النشاطات الإرهابية، أو إنشاء المدارس الدينية التي تحضّ على الإرهاب باسم مخالفة الشريعة، أو التشجيع على الإرهاب عبر وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية .
3. مراقبة الحكومات كافة لحركة الأموال المستخدمة من قبل المنظمات الإرهابية، ومراقبة البنوك والشركات التي تتولى نقل وتوزيع وغسل الأموال العائدة للمنظمات الإرهابية، ومراقبة التبرعات التي تصل للمنظمات الإرهابية من العناصر الداعمة للإرهاب، وإنزال العقاب الصارم بكل من يتولى نقل وتوزيع الأموال وتهريبها والتبرع بها.
4. إلزام كافة الدول بتقديم ما لديها من معلومات عن نشاطات المنظمات الإرهابية إلى اللجنة المكلفة من قبل الأمم المتحدة بمتابعة النشاطات الإرهابية في مختلف بلدان العالم ، وتبادل المعلومات بين سائر الدول بما يحقق متابعة وملاحقة المنظمات الإرهابية ومنعها من ممارسة نشاطها الإرهابي على أراضيها. أو إيواء الإرهابيين، أو التستر على نشاطاتهم، أو تقديم الدعم اللوجستي والأسلحة والمعدات والأموال والخبرات العسكرية والتدريب على أراضيها.
5. اعتبار كل دولة تسمح للمنظمات الإرهابية التواجد على أراضيها، أو ثبوت تقديمها الدعم المادي أو اللوجستي لها دول داعمة للإرهاب. واتخاذ الأمم المتحدة قراراً بوقف عضوية تلك الدولة في المنظمة العالمية، وفرض العقوبات الاقتصادية والسياسية عليها حتى تتأكد الأمم المتحدة  من توقف تلك الدولة عن دعم المنظمات الإرهابية.
6. إذا لم تتوقف الدول الداعمة للإرهاب عن دعم النشاطات الإرهابية فوق أراضيها. أو تحضّ على الإرهاب، أو تدعم النشاطات الإرهابية على أراضي الدول المجاورة لها فعلى مجلس الأمن أن يجتمع ويتخذ قراراً باستخدام القوة ضد تلك الدولة التي ترفض الالتزام بمحاربة الإرهاب وتستمر في دعمه أو تشجيعه.
7. عدم قبول الدول لجوء العناصر الإرهابية إليها، أو التستر على وجودهم. والتدقيق في شخصية كل لاجئ، والتأكد من عدم ارتباطه بأية منظمة إرهابية، وتسليم العناصر الإرهابية التي تدخل أراضيها إلى دولهم لتتم محاكمتهم وإنزال العقوبة التي يستحقونها بهم.
8. مراقبة ومنع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة من تقديم أي نوع من الدعم للمنظمات الإرهابية، وإحالة المسؤولين المخالفين للمحاكم، ومراقبة مواقع الإنترنيت ووقف كافة المواقع التي تشجع الإرهاب،  وتنقل أخبار الإرهابيين، وتمجد أفعالهم الإجرامية، وإحالة مسؤوليها إلى المحاكم لينالوا جزائهم العادل .
   إن تكاتف جهود كافة الدول وحكوماتها في التصدي للمنظمات الإرهابية، وتحت راية منظمة الأمم المتحدة، وتقديم الدعم والمساعدة للدول والحكومات التي تتصدى للإرهاب، وتبادل المعلومات. بالإضافة لمعالجة مشكلة الفقر والبطالة في البلدان الفقيرة، والنهوض بالمستوى المعيشي لهذه الشعوب كفيل بالقضاء على المنظمات الإرهابية وتخليص العالم من شرورها.
   لايستطيع أحد أن ينكر دور الإسلام السلبي في تعطيل المسيرة الديمقراطية في كل البلدان الإسلامية وخاصة أن مبادئه تتعارض مع أصول وروح النظام الديمقراطي. والسبب في ذلك هو الاعتقاد بأن الاسلام منزل كدين كامل من السماء. وقد ساد هذا الاعتقاد إلى درجة خطيرة بسبب الأدبيات والإعلام، واختفاء الرأي المخالف وقمعه كليا ماأدّى إلى إفراغ الذهنية الإسلامية من أي فكر إلا الديني منه. وأصبح الإسلام تبعا لذلك هو المكوّن الوحيد للثقافة الاسلامية عامة والعربية خاصة. وعندما يتساءل المسلم البسيط إذا كان الإسلام منزل، ويتصف بالكمال فلماذا أصبحت بلدان الغرب الكافرة أكثر تطورا وغنى ورخاء من بلاد المسلمين المؤمنين؟. فيكون الجواب دائما أن سبب عزوف الله عنا هو تقصيرنا في الالتزام بديننا. مع أن هناك الكثير من المثقفين المقموعين الخائفين والمرتعبين من التكفير يدركون جيدا بأن نجاح الغرب وقوته وثروته يعود إلى تطبيق صحيح للديمقراطية مجردة عن سيطرة الإرهاب الفكري. وهم متأكدون بأنه لو نقلت التجربة الديمقراطية إلى بلاد المسلمين لازدهرت وأصبحت أكثر نجاحا وقوة ونتاجا وعطاء. ولكن الحكام العرب والمسلمين وأحزابهم المحتكرة للحكم والحكومات لاترغب بالديمقراطية لأنها تعني انتقال السلطة إلى أيدي غيرهم لذا فهم يقومون بلعبة خطيرة هي إلهاب مشاعر الناس ضد الغرب في حين يعتمدون في بقاء حكوماتهم على مساعدات مالية وعسكرية من الغرب مدّعين بأنهم يستخدمون هذا المال والسلاح للقضاء على التطرف والإرهاب في بلادهم في سبيل إرساء دعائم الديمقراطية في حين يتركون للجماعات الإسلامية المتطرفة الحبل على الغارب لتسميم عقلية شعوبهم.
   الثقافة العربية خاصة، والاسلامية عامة مختزلة في مكوّن واحد ووحيد هو الدين الاسلامي، وسلطانه الجبار الذي لايسمح بمرور أي تغيير أو تبديل لما يتعارض مع ثوابته الرجعية وجوهره الجامد لأن في صميم الإسلام يكمن مبدأ يعارض الديمقراطية. أضف إى ذلك أن الإسلام يقوم على اعتبار أن الحاكم والحكومة عليهما، ومن واجبهما أن يقوما بتعزيز الإسلام والدفاع عنه، والترويج له، وتدريسه. وعقاب كل من يتجرأ على انتقاده أو مخالفته، وكل من يتجرأ على إبداء الرأي به أو نقده تلاحقه لعنة التكفير والردّة وإهدار الدم.
   من المستحيل على الأمة الاسلامية أن تتقدّم وتبدع قبل أن تتحرر من مآسيها وعقدها ومحرماتها. وقبل أن تنجح في تحويل دينها إلى دين روحاني صرف يدعو الإنسان إلى علاقة مباشرة خاصة بينه وبين خالقه دون تدخّل أي إنسان، أو هيئة، أو مافيا دينية. ويستحيل على الأمة الإسلامية أي إصلاح مادام انتقاد النبي محمد، وانتقاد القرآن ومفاهيمه ومبادئه وتعاليمه أمرا محرّما وخطا أحمر يقود المساس به إلى التهلكة.
   مازال المسلمون يتهمون الحضارة الغربية ويصفونها بحضارة الكفر في ذات الوقت الذي يلتهمون كل منتجات حضارة الكفّار، وينعمون بمختلف إنجازات الكفّار العلمية والتكنولوجية والطبية دون أن يدركوا أن قطار الحداثة والتحديث الذي يقوده الكفّار قد فاتهم بقرون عديدة حتى أصبحوا عالة على العالم الغربي وعلى البشرية بكاملها. فكيف ستتمكن النخبة التنويرية العربية والاسلامية من مواجهة هذا الواقع بعيدا عن الكذب والنفاق والعنجهية الفارغة في الوقت الذي يسمعون شيوخ الاسلام يرددون، بكل غرور وعناد وتبجح، أن المسلمين هم خير أمة أخرجها الله وفضّلها على العالمين. بناء على الآية التي تقول: كنتم خير أمة أخرجت للناس (سورة آل عمران: 110).
                                                                                                                           
المصادر:
1.   القرآن الكريم. تفسير الجلالين مذيلا بكتاب لباب القول في أسباب النزول للسيوطي.
2.   صحيح البخاري. لأبي عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن برذبة البخاري المتوفي 256 هجرية.
3.   صحيح مسلم. لأبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المتوفي 261 هجرية.
4.   سنن ابن ماجة. لأبي عبدالله بن يزيد بن ماجة الربعي القزويني تامتوفي 276 هجرية.
5.   سنن الترمذي. لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسة بن الضحاك السلمي الترمذي المتوفي 279 هجرية.
6.   سنن أبو داود. لأبي داود سليمان بن الأشعث بن اسحاق بن بشير الأزدي المتوفي 275 هجرية.
7.   الكافي. للشيخ محمد بن يعقوب الكليني المتوفي 275 هجرية.
8.   محنة المسيحيين في الشرق الأوسط. الموقع الشخصي للدكتور عبد الخالق حسين.




21
نعي الأخ المناضل گرديانوس برشم (أبو آشور)

    ببالغ الحزن والأسى ينعي الحزب الآشوري الديمقراطي، قيادة وقواعد، أحد كوادره القيادية وهو الأخ (گرديانوس برشم) الذي وافاه الأجل الساعة الرابعة من صبيحة يوم الجمعة الموافق الأول من ايلول عام 2011 في موطن اغترابه في (المانيا). وكان الفقيد واحدا من الأعضاء القياديين الحيويين الذين عملوا، على امتداد سنين، بدون كلل أوملل. وكان قدوة ومثالا للتضحية والبذل والعطاء. وسيبقى قدوة ومثالا تحتذي به الأجيال الآشورية القادمة. وبهذه المناسبة الأليمة نتقدم بتعازينا القلبية لعائلة الفقيد خاصة وللشعب الآشوري بشكل عام طالبين من المولى القدير أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جنانه، ويلهمنا و ذويه الصبر و السلوان.
الحزب الآشوري الديمقراطي
فرع أوروبا


22
هل هي ثورة أم عاصفة صحراوية؟

   من حق جميع المواطنين السوريين، بدون استثناء، التظاهر سلميا وبطرق حضارية إسوة بباقي شعوب الأرض التي تدرك جيدا الفرق الشاسع بين المظاهرة السلمية والفوضى العارمة. ومن حقهم التعبير عن آرائهم ومعاناتهم ومطاليبهم بكل حرية وبدون أي رادع، وكذلك من حقهم الطبيعي والمطلق إبداء احتجاجاتهم على الواقع المزري الذي يعيشونه نتيجة القبضة الحديدية لرجال الأمن، بكل تسمياتهم، الذين لاعمل لهم سوى ملء جيوبهم وبطونهم على حساب الفقراء والمساكين، وإقلاق راحة المواطنين. ومن حقهم التظاهر ضد الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة ممثلا بشخصيات فاسدة على أعلى المستويات بحيث تعيث في البلاد فسادا وإفسادا، وسلبا ونهبا لثروات الشعب السوري البائس بدون وازع من ضمير، وبدون رقيب أو حسيب.
   أجل! من حق كل مواظن سوري، أي كان، الممطالبة بتغييرات جذرية تطال البنيان السياسي والاقتصادي والدستوري للبلاد، وإنهاء هيمنة الحزب الواحد، ووضع دستور دائم للبلاد يكفل لجميع المواطنين المساواة العادلة في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن المعتقد الديني أو القومي أو السياسي أو الطبقي بحيث تُصان بموجبه حرية المواطن وكرامته. وإجراء انتخابات حرّة ونزيهة تطال بنيان الدولة من القاعدة حتى القمة، وعلى جميع المستويات. وإقامة نظام ديمقراطي علماني مقرونا بإلغاء المادة الثالثة من الدستور الحالي التي تعتمد الإسلام شرطا أساسيا للترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، وفتح المجال على مصراعيه أمام كل مواطن سوري كفؤ وقدير للترشح لهذا المنصب بصرف النظر عن معتقده الديني أو السياسي. وإطلاق حرية الصحافة والإعلام بحيث تمارس دورها الطبيعي والفعّال، وبدون رقابة من أي جهة كانت، ومهما كانت. وصياغة قانون جديد للأحزاب والتنظيمات السياسية، والمؤسسات الدينية والاجتماعية، ومحاسبة كل من عمل على هدر المال العام، وتصرّف في أموال الدولة بالنصب والاحتيال، وإحالته أمام القضاء بعد الحجز على كل أملاكه وممتلكاته وأمواله المنقولة وغير المنقولة في الخارج قبل الداخل. وتطهير الأجهزة الأمنية من كل الفاسقين والفاسدين والمفسدين ومحاسبتهم على كل جريمة اقترفوها بحق أي مواطن سوري، مهما كان وأينما كان، وخاصة اولئك  الذين غادروا الوطن مرغمين فرارا من ملاحقة السلطات الأمنية لا لذنب أتوه، أو جرم اقترفوه وإنما لعدم إيمانهم بعقيدة البعث الشوفينية التي تصرّ وتعمل على صهر جميع القوميات في بوتقة القومية العربية، وكل من لاينتسب إلى حزب البعث يعيش على هامش المجتمع منبوذا ومحروما من كل الامتيازات الخاصة بالبعثيين والذين يلتاطون وراءهم.
   أجل! يحق لكل مواطن سوري شريف ومخلص أن يطالب، بإلحاح، على  إلغاء مصطلح (الأقليات والطوائف)، على المستوى الرسمي لأن مبدأ سيادة القانون يلغي أي معنى للقول بوجود أقلية أو طائفة في الدولة طالما أن جميع المواطنين لهم نفس الحقوق وعليهم ذات الواجبات، لذلك يغدو الحديث عن الأقلية والطائفة بمثابة إذكاء لنار الفتنة والتفرقة بين أبناء الوطن الواحد بما يهدّد وحدتها الوطنية. ويحق له، في الوقت ذاته، المطالبة بتنقية المناهج الدراسية، في جميع المراحل بدءأً من رياض الأطفال وحتى الجامعة، من النصوص الدينية التي تدعو إلى التطرف الديني والكراهية ضد الأديان الأخرى. واستئصال الأفكار العنصرية والشوفينية والظلامية، ومنع استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، وفصل الدين عن الدولة، ورفض الأنظمة الشمولية تحت ستار الدين أو القومية أو العنصرية. ومراقبة النشاطات التي تجري في الجوامع، وخطب الأئمة التي تحرّض على الإرهاب باسم المقاومة.
   نعم! يحق لكل مواطن سوري، أينما كان، أن يتظاهر احتجاجا على المظاهر السلبية التي تفشت في المجتمع السوري كالبطالة التي تفاقمت في الآونة الأخيرة ما أدى إلى انكفاء العقول والطاقات الشابة على الذات يأسا وقنوطا داخل الوطن، أو الهجرة من البلاد لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، في الوقت الذي يظل الوطن بمسيس الحاجة إلى تلك العقول والطاقات من أجل البناء والتطوير، ناهيك عن ظاهرة التسوّل المقينة والمشمئزة التي تعششت في خلايا الطبقات الدنيا والتي تتمثل، بكل سلبياتها وبشاعتها، أمام دور العبادة وفي الشوارع العامة على امتداد المدن السورية.
   أجل! من حق كل مواطن سوري أن يطالب، وبإلحاح، بملاحقة كل المسيئين، كائنين من كانوا، ومحاسبة كل المقصّرين في أداء واجباتهم المهنية، وكل الفاسدين الذين شجّعوا على انتشار الرشوة في كل مفاصل الدولة. وفضح كل العملاء وزبانية السلطة، في كل مدينة وقرية وحي. اولئك الطفيليون المصابون بعقدة النقص، الذين باعوا ضمائرهم، وداسوا على كراماتهم ليستمدوا سعادتهم من شقاء وتعاسة المواطنين الشرفاء حيث كانوا سببا رئيسا في قطع أرزاق آلاف المواطنين الأبرياء، وزجّ الآلاف  في السجون المظلمة من خلال وشايات كاذبة وملفّقة. وقد ساهموا، من خلال وشاياتهم الدنيئة، إلى غياب المئات من الأبرياء الذين اعتقلوا داخل بيوتهم وفقد لهم كل أثر مخلفين وراءهم عائلات منكوبة وأطفال يتامى يعيشون على أمل أن يأتيهم الغيب بخبر عن آبائهم وأمهاتهم.
   أجل! من حق كل مواطن سوري أن يتظاهر احتجاجا على كل مايسيء إليه شخصيا، وإلى وطنه بشكل عام. ولكن، كل ذلك، بعيدا عن الغوغائية والهمجية، واتباع أساليب التحريض والاستفزاز، والالتجاء إلى العنف، أو إلحاق الضرر بالأشخاص والممتلكات الخاصة أو العامة. وعلى كل السوريين الشرفاء أن يقفوا بالمرصاد صفا واحد في وجه كل من يحاول إثارة النعرات القومية أو الطائفية، أو تلقي الدعم من جهات خارجية في سبيل الإساءة إلى المصلحة الوطنية العليا وشقّ الصف الوطني. ومن أجل ضرب أمن واستقرار سوريا، وتمزيق الوحدة الوطنية، والعيش المشترك والتي تقود، كلها، إلى مزالق خطيرة من الإرباك والفوضى، ومن ثم إلى مهاوي الخراب والدمار.
   على الرغم من كل مثالب ومساوئ النظام الحاكم في سوريا، على امتداد أربعة عقود، إلا إنه، وبشهادة العدو قبل الصديق، كان النظام الوحيد من بين جميع الأنظمة العربية والإسلامية الذي يتسم بالتسامح الديني، إضافة إلى الأمن الذي ظل يرفرف فوق ربوع سوريا من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مقرونا بالاستقرار والوئام والسلام والأمان.
   بعد كل هذا، هنالك سؤال يتبادر، بإلحاح، إلى ذهن كل المواطنين السوريين المخلصين الشرفاء بشكل عام، والمسيحيين السوريين منهم بشكل خاص، وعلى وجه الخصوص الآشوريون السوريون. لماذا تتدفق كل هذه التظاهرات من الجوامع، وفي أيام الجمع بالتحديد، ولا تنطلق من المدارس والمعاهد والجامعات؟. فساحات الجامعات كانت ولم تزل وحدها، في كل زمان ومكان، منطلقا  لكل تغيير وإصلاح. وكان الطلاب، على مر التاريخ،  هم الذين يهزون عروش الطغاة. أما أن تنطلق تلك التظاهرات من الجوامع والمساجد مدجّجة بصيحات (الله أكبر)  فيخال لكل سامع بأن المتظاهرين يرفعون المصاحف على أسنّة الرماح وهم في طريقهم إلى الجهاد. إن مثل هذه الصيحات هي بمثابة ناقوس الخطر الذي يذكر المسيحيين السوريين بسورة السيف التي ذاقوا منها الأمرين على امتداد أربعة عشر قرنا. وماأدراك ما سورة السيف.
   يقف المسيحيون السوريون عامة، والآشوريون خاصة من التظاهرات التي تعمّ بعض المدن السورية في خشية وريب شديدين لأن المشهد العراقي لازال ماثلا أمامهم بكل قبحه وبشاعته ودمويته. وشبح  أبو مصعب الزرقاوي وهو يمتشق سيفه اليماني فوق عرش إمارته الإسلامية في العراق ليفصل رؤوس ضحاياه عن أجسادهم بشهوة وسادية قلّ نظيرها ثم مايلبث أن  يتوضأ بدمائهم ويستغفر ربّه ليقيم صلاته، لازالت تلك المشاهد الرهيبة تبعث القشعريرة في أجسادهم والرعب في قلوبهم. ناهيك عما آلت إليه الثورة المصرية اليانعة من مآس وويلات جديدة على أقباط مصر الذين شاركوا في تلك الثورة المجيدة منذ اندلاع شرارتها الأولى ولكنهم لم يقطفوا من ثمارها سوى الحرائق التي أضرمت في كنائسهم، وسفك دماء أبنائهم على أيدي الغوغاء السلفيين المتعصبين الذين كشروا عن أنيابهم ومخالبهم وعاثوا في القطيع المسالم فتكا وافتراسا وكل واحد منهم يردد بهيجان: (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان).[سورة الأنفال: 12]
   خشية المسيحيين السوريين من أن يكون مآل الأحداث في سوريا ذاتها في العراق. وبأن هناك إمارة إسلامية يُعد لها وراء الكواليس. و هم على يقين بأنه على مذبح تلك الإمارة ستكون نهاية الوجود المسيحي في الشرق، ومعهم كل المفكرين العلمانيين والتنويريين.
   لقد حزّ في نفوس الآشوريين السوريين الذين هم، بكل تأكيد، آشوريو الانتماء ولكنهم سوريي الولاء بالدرجة الأولى. وإخلاصهم وتفانيهم لسوريا هو فوق كل اعتبار. وتتلاقى أهدافهم وتطلعاتهم واهتماماتهم الوطنية بذات االأهداف والتطلعات والاهتمامات الوطنية لكل السوريين المخلصين الشرفاء. لقد حزّ في نفوسهم كثيرا أن يروا رئيس دولتهم يتقدم بالتهنئة من الأكراد بمناسبة عيد النوروز الذي يعتبر رأس السنة لجميع الشعوب الإيرانية في حين لم يتوجه بالتفاتة كريمة إلى الشعب الآشوري بمناسبة رأس السنة الآشورية والذي صادف في الفترة ذاتها مع العلم بأن الآشوريين هم أصلاء وليسوا دخلاء على بيئة سوريا الطبيعية التي استمدت اسمها من (آشوريا) بحسب اعتراف جميع المؤرخين العرب والأجانب منهم.
   بوركت سوريا وعاشت حرّة مستقلة
   وبورك الشعب السوري بكل أطيافه الزاهية.

آدم دانيال هومه
سدني _ استراليا
adamhomeh@hotmail.com

صفحات: [1]