عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - حامد الحمداني

صفحات: [1] 2
1
شهادة للتاريخ:
الحقيقة حول انقلاب الشواف بالموصل
الحلقة الثالثة والأخيرة
 حملة الاغتيالات في الموصل
1ـ منْ مول، ونظم الاغتيالات:
بعد كل الذي جرى الحديث عنه حول أوضاع الموصل، وطبيعة السلطة فيها، ومواقف السلطة العليا، أستطيع القول أن تلك الاغتيالات لم تجرِ بمعزل عن السلطة العليا وموافقتها، بل وحتى مباركتها، وتقديم كل العون والمساندة للقائمين على تنظيمها وتمويلها. لقد كان على رأس تلك العصابة يخطط ويمول لعمليات الاغتيالات عدد من العوائل الرجعية والإقطاعية المعروفة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
1 ــ عائلة كشمولة   2 ــ عائلة الأغوات        3 ــ عائلة كرموش   4 – عائلة حديد
  5 -عائلة العاني   6 ــ عائلة نوري الأرمني  7 ــ عائلة المفتي    8 ــ عائلة الإرحيم
كانت اجتماعات تلك العوائل تجري في منطقة [حاوي الكنيسة] بالقرب من ضواحي الموصل، حيث تمتلك عائلة العاني داراً هناك، بعيداً عن أعين الناس، وكانت تُعد هناك قوائم بأسماء المرشحين للقتل، وتحدد العناصر المنفذة للاغتيالات كما كانت التبرعات تجبى من العناصر الرجعية الغنية التي تضررت مصالحها بقيام ثورة 14 تموز. ورغم العديد من المقالات للعديد من الشخصيات الوطنية التي نشرتها الصحف، مطالبة بوقفها ومعاقبة القائمين بها، والمحرضين عليها، والمخططين لها، لكن كل تلك الأصوات ذهبت أدراج الرياح، واستمر مسلسل القتل حتى وقوع انقلاب الثامن من شباط عام 1963.
2 ـ مَنْ نفذ الاغتيالات؟
إن أسماء منفذي الاغتيالات ليست بخافية على أبناء الموصل، فأصابع الاتهام تشير وتؤكد على شخصية القتلة واحداً واحدا، فقد بلغ بهم الأمر حد التفاخر أمام الناس والحديث عن ضحاياهم دون خوف من عقاب، ولماذا الخوف ما دامت السلطة هي التي تساندهم، وتمدهم بالعون، لينفذوا مخططاً واسعاً، أعد له سلفاً يرمي إلى ضرب الحزب الشيوعي، وتجريده من جماهيره ومؤيديه.
لقد أزداد عدد المنفذين يوماَ بعد يوم، وتحول الاغتيال ليشمل ليس فقط الشيوعيين وأصدقائهم، بل لقد تعداه إلى أناس ليس لهم علاقة بالسياسة، وكان دافعهم على هذا العمل الإجرامي هو التنافس على الأعمال التجارية، أو المحلات، أو المعامل، أو الوظائف، وتصاعدت جرائم الاغتيالات حتى أصبحت أجور قتل الإنسان [50 دينار]!، وهذه أسماء بعض أولئك القتلة الذين كانوا يفاخرون بجرائمهم البشعة والتي يتداولها الموصليون آنذاك على ألسنتهم كل يوم:
أسماء بعض منفذي الاغتيالات:
1 ـ زغلول كشمولة         2ـ شوكت نوري الأرمني      3 ـ محمد سعيد حسين السراج
4 ـ طارق عبد كرموش    5 ـ يعقوب كوشان               6 ـ صبار الدليمي
7 ـ نجم فتح الله              8 ـ موفق محمود                9 ـ فهد الشكرة
10 ـ هادي أبن الطويلة   11 ـ عادل ذنون الجواري       12 ـ حازم بري
13 ـ عارف السماك       14 ـ أحمد جني                     15 ـ نجم البارودي 
 16 ـ طارق قبان          17 ـ طارق نانيك                  18 ـ محمود أبن البطل
 19 ـ قاسم أبن العربية   20 ـ عدنان صحراوية            21 ـ طارق شهاب البني 
  22 ـ  نيازي ذنون       23 ـ جبل العاني                   24 -  فوزي شهاب البني 
25 ـ عايد طه عنتورة   26 ـ جنة ـ مجهول اسم أبيه
هذه القائمة بالطبع لا تشمل كل المنفذين للاغتيالات، فهناك العديد من الأسماء التي بقيت طي الكتمان، لان أصحابها أرادوا ذلك، لكن الأسماء المذكورة كانت معروفة تماماً لدى أبناء الموصل، حيث كان أصحابها يتباهون بجرائمهم بصورة علنية دون خوف من رادع أو عقاب، ما دامت السلطة تحميهم وتدعمهم.
لقد اغتيل المئات من أبناء الموصل البررة، ولم يتم القبض على واحد من القتلة، ولو شاءت السلطة كشف تلك الجرائم لكانت توصلت إلى جميع الخيوط التي تقودها إليهم، وكل المخططين، والممولين لتلك الجرائم.
لقد ذهبت دماء الضحايا هدراً، حتى يومنا هذا، ولم يُفتح فيها أي تحقيق، وطواها النسيان، لكنها ستبقى تسأل عن مَنْ سفكها، ومن ساعد، وشجع، وخطط، ومول تلك الحملة المجرمة بحق المواطنين الأبرياء، ولابد أن يأتي اليوم الذي تُكشف فيه الحقيقة، وخاصة فيما يتعلق بموقف السلطة العليا في بغداد، وجهازها الأمني، والإداري في الموصل، ودور كل واحد منهم في تلك الاغتيالات.
لكن الذي أستطيع قوله بكل تأكيد، هو أنه لا يمكن تبرئة السلطة العليا من مسؤوليتها في تلك الأحداث، وعلى رأسها عبد الكريم قاسم بالذات، فالسلطة مهما تكن ضعيفة وعاجزة، وهي ليست كذلك بكل تأكيد، قادرة على إيقاف تلك الجرائم واعتقال المسؤولين عنها، وإنزال العقاب الصارم بهم إن هي شاءت.
نتائج الاغتيالات، والحملة الرجعية في الموصل:
بعد كل الذي جرى في الموصل على أيدي تلك الزمرة المجرمة، نستطيع أن نوجز نتائج حملة الاغتيالات، والحملة الرجعية، بالأمور التالية:
1ـ إلحاق الأذى والأضرار الجسيمة بالعوائل الوطنية، وإجبارها على الهجرة من المدينة، وقد هجر المدينة بالفعل، أكثر من 30 ألف عائلة إلى بغداد والمدن الأخرى طلباً للأمان، تاركين مساكنهم، ومصالحهم ووظائفهم، ودراسات أبنائهم، بعد أن أدركوا أنه ليس في نية السلطة إيقاف حملة الاغتيالات، واعتقال منفذيها، وأن بقائهم في الموصل لا يعني سوى انتظار القتلة لينفذوا جرائمهم بحقهم، وعليه فقد كانوا مجبرين على التضحية بكل مصالحهم، ومغادرة مدينتهم التي نشأوا وترعرعوا فيها حرصاً على حياتهم.
2ـ شل وتدمير الحركة الاقتصادية في المدينة، نتيجة للهجرة الجماعية، وعمليات القتل الوحشية التي كانت تجري أمام الناس، وفي وضح النهار، وانهيار الأوضاع المعيشية لأبناء الموصل، وخاصة العوائل المهاجرة.
3ـ تجريد عبد الكريم قاسم من كل دعم شعبي، وعزله عن تلك الجماهير الواسعة والتي كانت تمثل سند الثورة الحقيقي، مما مهد السبيل لاغتيال الثورة وقادتها في المقدمة الزعيم عبد الكريم نفسه.
لقد كانت الرجعية، ومن ورائها الإمبريالية، وشركات النفط، ترمي إلى هدف بعيد، هدف يتمثل في إسقاط الثورة، وتصفية قائدها عبد الكريم قاسم نفسه، وكل منجزاتها، التي دفع الشعب العراقي من أجلها التضحيات الجسام، من دماء أبنائه البررة.
لقد كفرت جماهير الشعب بالثورة، وتمنت عدم حدوثها، وأخذت تترحم على نوري السعيد، والعهد الملكي السابق، وانكفأت بعيداً عن السياسة، وتخلت عن تأييد قاسم وحكومته، وفقدت كل ثقة بها، وهذا ما كانت تهدف إليه الرجعية في الأساس لغرض إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم فيما بعد.
ولم يدر في خلد قاسم، أن رأسه كان في مقدمة المطلوبين، وأن الثورة ومنجزاتها كانت هدفاً أساسياً لها، وما تلك الاغتيالات إلا وسيلة لإضعاف قاسم نفسه، وعزله عن الشعب، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، وبالثورة ومنجزاتها، حيث تم لهم ما أرادوا، وخططوا هم وأسيادهم الإمبرياليين في انقلاب 8 شباط 1963.
موقف الحزب الشيوعي من حملة الاغتيالات؟
لم يكن موقف الحزب الشيوعي من الاغتيالات في مستوى الأحداث، حيث اتخذ منها موقفا سلبياً لا يتناسب وخطورتها، مكتفياً ببعض المقالات التي كانت تنشرها صحيفة الحزب [اتحاد الشعب] وبعض البيانات التي كانت تطالب السلطة العمل على وقفها!، دون أن تتخذ قيادة الحزب موقفاً صارماً من القتلة ، ومن السلطة، وهو يدرك أن للسلطة  اليد الطولى فيها، بهدف تجريد الحزب من جماهيره وإضعافه، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، بعد أن أرعبتها مسيرة الأول من أيار عام 1959، التي لم يسبق لها مثيل، في ضخامتها وجموع المتظاهرين جميعاً تهتف مطالبة بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم [عاش الزعيم عبد الكريمِ، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمِ ].
وفي واقع الأمر فإن تلك المسيرة، وذلك الشعار، أعطى عكس النتائج التي توخاها الحزب منهما، وجعل عبد الكريم قاسم يرتجف رعباً وهلعاً من قوة الحزب وجماهيريته، وصارت له القناعة المطلقة أن الحزب بكل تأكيد سوف يقفز إلي السلطة، ويبعده عنها، رغم أن هذه الأفكار لم تكن تدور في مخيلة الحزب إطلاقاً وقت ذاك، ولعبت البرجوازية الوطنية، المتمثلة بكتلة وزير المالية[ محمد حديد ] رئيس الحزب الوطني التقدمي، والذي انشق عن الحزب الوطني الديمقراطي بعد خلاف محمد حديد مع رئيس الحزب كامل الجادرجي دوراً كبيراً في إثارة شكوك عبد الكريم قاسم بنوايا الشيوعيين، كما اشتدت الحملة الإمبريالية الهستيرية التي كانت تصوّر الحالة في العراق أن الشيوعيين قد أصبحوا قاب قوسين أو أدنى لاستلام السلطة، حتى ان رئيس جهاز المخابرات الامريكية [ الن فوستر دلس]شقيق وزير الخارجية الامريكية جون فوستر دلس، قد صرح يومذاك قائلاً {إن اخطر ما يواخه عالمنا اليوم هو الوضع الخير في العراق}، وكان بذلك يقصد خطر قفز الحزب الشيوعي إلى السلطة بالعراق.
ما كان للحزب الشيوعي أن يلجأ إلى الشارع، ليستعرض قوته أمام عبد الكريم قاسم ويرعبه، من أجل المشاركة في السلطة، رغم أحقيته بذلك، في حين كان بإمكانه استلام السلطة بكل سهولة ويسر لو هو شاء ذلك، ولم تكن هناك قوة في ذلك الوقت قادرة على الوقوف بوجهه.
لكن الحزب الشيوعي استفز عبد الكريم قاسم، واستفز البرجوازية الوطنية، ثم عاد وانكمش، وبدأ بالتراجع يوماً بعد يوم، مما أعطى الفرصة لعبد الكريم قاسم وللبرجوازية المتمثلة بالجناح اليميني للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة [محمد حديد] ورفاقه للهجوم المعاكس ضد الحزب، من أجل تقليم أظافره، وتجريده من جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربة القاضية له.
كان على قيادة الحزب أن تسلك طريقاً آخر هادئاً لا يستفز عبد الكريم قاسم، عن طريق اللقاءات والحوار والمذكرات التي لا تثير أية حساسية، وأن تركز جهدها للمطالبة بإجراء انتخاب المجلس التشريعي، وسن دستور دائم للبلاد، وانتقال السلطة بطريقة دستورية إلى من يضع الشعب ثقته فيه، أو تشكيل حكومة ائتلاف وطني، تضم مختلف الأحزاب الوطنية وليكن عبد الكريم قاسم رئيساَ للجمهورية، إذا أختاره الشعب.
لقد أتخذ عبد الكريم قاسم موقفه من الحزب الشيوعي القاضي بتحجيمه وعزله عن جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربات المتتالية له، والتخلص من نفوذه بعد أن أصبحت لديه القناعة!! أن الخطر يأتيه من الحزب الشيوعي وليس من أحزاب اليمين المتمثلة بحزب البعث والقوميين رغم أنهم تآمروا عليه مرات عديدة، في حين لم يكن يدور في خلد الشيوعيين خيانة عبد الكريم قاسم، بل ذادوا عن ثورة 14 تموز حتى النهاية، ودفعوا ثمناً باهظاً جداً.
أما قيادة الحزب فكانت بعد كل الذي جرى ويجري ما تزال عند حسن ظنها بقاسم آملة أن يعود عن الطريق الذي أتخذه ضد الحزب، وهكذا بدأ قاسم حملته الشرسة ضد الحزب لتجريده من جماهيريته، وإبعاده عن قيادة جميع المنظمات الجماهيرية، والجمعيات، والنقابات، واتحادي العمال والفلاحين، وانتهى به المطاف إلى حجب إجازة الحزب، وصنع له بديلا ًمسخاً لا جماهيرية له، لدرجة أنه فشل في إيجاد عدد كافٍ لهيأته المؤسسة لثلاث مرات متتالية، في الوقت الذي جمع الحزب 360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه.
لقد أصبحت قيادة الحزب في وادٍ، وقاعدته ومناصريه في وادٍ آخر، حين وجدت قواعد الحزب أن لا أمل في موقف السلطة، واستمرار تمادي العصابات الإجرامية، وتنامي عدد حوادث القتل يوما بعد يوم في كافة أنحاء العراق بصورة عامة، وفي الموصل بوجه خاص، حتى وصل الرقم اليومي لعدد الضحايا أكثر من خمسة عشر شهيداً.
لقد ألحت قواعد الحزب، بعد أن أدركت أن لا أمل في السلطة، بالرد على تلك الاغتيالات، ليس حباً بالعمل الإرهابي، ولا رغبة فيه، وإنما لوقف الإرهاب، وكان بإمكان الحزب لو أراد آنذاك لأنزل الضربة القاضية بالمجرمين ومموليهم، وكل الذين يقفون وراءهم، إلا أن الحزب رفض رفضاً قاطعاً هذا الاتجاه متهماً المنادين به بالفوضويين !!، وبمرض الطفولة اليساري، وغيرها من التهم، التي ثبت بطلانها فيما بعد، والتي كلفت الحزب، وكلفت الشعب ثمناً باهضاً من أرواحهم وممتلكاتهم، ومصير وطنهم.
إن من حق كل إنسان أن يحمي نفسه ويدافع عنها، إذا ما وجد أن السلطة لا تقدم له الحماية، في أسوأ الأحوال، إذا لم تكن السلطة شريكاً في الجريمة، لكن الحزب كان يخشى أن يؤدي اللجوء للدفاع عن النفس إلى غضب عبد الكريم قاسم، وخاصة أن أحداث كركوك ما زالت ماثلة أمامه، ومواقفه من الشيوعيين، واتهامهم بالفوضوية، لكن الحقيقة أن مواقف قاسم تلك في الدفاع عن القتلى في كركوك كانت ستاراً وذريعة لضرب الحزب وتحجيمه.
 لقد كان على قيادة الحزب أن تدرس بإمعان مسيرة الأحداث، وتتوقع كل شيء، وكان عليها أن لا تستفز عبد الكريم قاسم، ثم تتخذ التراجع طريقاً لها، وتتلقى الضربات المتتالية بعد ذلك، في حين كان الحزب في أوج قوته، وكان بإمكانه أن يقف بحزم ضد كل ما يخطط له، ويعمل على وقف تلك المخططات، وأخذ زمام المبادرة بيديه، لقد اخطأ الحزب في اثارة مخاوف عبد الكريم قاسم، لكن عبد الكريم قاسم عالج الخطأ بخطأ بالغ الخطورة عندما اعلنها حرباً على الحزب الشيوعي، السند الوحيد والقوي لثورة الرابع عشر من تموز ولقيادته هو بالذات ، وبذلك عزل نفسه، وبات حكمه في مهب الريح، وبذلك مهد السبيل لنجاح انقلاب 8  شباط 1963 المشؤوم بتخطيط ودعم مباشر من قبل الامبريالية الامريكية والبريطانية، ذلك الانقلاب الذي جلب  الدمار والخراب والقتل والويلات والمصائب للشعب العراقي منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، فكل ما حدث ويحدث للعراق وللعراقيين اليوم هو نتاج مباشر لذلك الانقلاب الفاشي المشؤوم.





2
شهادة للتاريخ:
الحقيقة حول أحداث انقلاب الشواف بالموصل
الحلقة الثانية
حامد الحمداني                        10/1/2019
لم تكد تفشل محاولة الشواف الانقلابية، وتسيطر قوات الجيش الوطنية وجماهير الشعب على المدينة، حتى توارت القوى الرجعية خوفاً ورعباً، وخلال أيام قلائل عاد الهدوء والنظام إلى المدينة، وشعر أبناء الموصل لأول مرة بالثورة تدخل مدينتهم، بصورة حقيقية، فلم يكن قد حدث حتى وقوع محاولة الشواف الانقلابية، أي تغيير جوهري على أوضاع الموصل، وبقيت العوائل الرجعية المرتبطة مصالحها بالنظام السابق تحكم الموصل من خلال الأجهزة الإدارية، وهي وإن كانت قد ركنت إلى الانكفاء بعد الثورة، لكنها عاودت نشاطها من جديد، مستغلة الجهاز الإداري الذي لم يطرأ عليه أي تغير، والذي كانت تحتل فيه جميع المراكز الحساسة، وبشكل خاص جهاز الأمن الذي أنشأه ورعاه النظام الملكي.
وعلى أثر حدوث التصدع في جبهة الاتحاد الوطني، وإبعاد عبد السلام عارف عن مسؤولياته في قيادة الثورة، عاودت تلك القوى نشاطها التآمري، مرتدية رداء القومية العربية، وتحت راية الرئيس المصري عبد الناصر، وهي التي كانت حتى الأمس القريب من أشد أعدائه، ووضعت نفسها تحت تصرف العقيد الشواف، الطامح إلى السلطة، والمتآمر على الثورة وقيادتها، غير أن انكفاء الرجعية بعد فشل حركة الشواف لم يدم طويلاً بسبب سياسة عبد الكريم قاسم، الذي قلب ظهر المجن لتلك القوى التي حمت الثورة، ودافعت عنها، وقدمت التضحيات الجسام من أجل صيانتها، والحفاظ على مكتسباتها.
عبد الكريم قاسم يقلب ظهر المجن للحزب الشيوعي:
لقد بادر عبد الكريم قاسم باعتقال أولئك الذين تصدوا لانقلاب الشواف، مضحين بدمائهم من أجل حماية الثورة، ودفاعاً عن قيادته هو بالذات، وإحالهم إلى المجالس العرفية{المحاكم العسكرية}، وحرض الأهالي على التقدم بالشهادة ضدهم، عبر مكبرات الصوت المنصوبة على السيارات العسكرية، والتي كانت تطوف شوارع الموصل، وتم الحكم على معظمهم بأحكام قاسية وصلت حتى الإعدام، ومن جهة أخرى أقدم عبد الكريم قاسم على سحب السلاح من المقاومة الشعبية، حرس الثورة الأمين، ومن ثم أقدم على إلغائها، وأجرى تغييرات واسعة في أجهزة الدولة، أبعد بموجبها كل العناصر الوطنية الصادقة، والمخلصة للثورة، وأعاد جميع الذين جرى إبعادهم على اثر فشل محاولة الشواف الانقلابية إلى مراكزهم السابقة، وهكذا عاودت الرجعية المتمثلة بعوائل كشمولة، والعاني، و المفتي، والأرحيم، وغيرها من العوائل الأخرى، نشاطها المحموم مستغلة مواقف عبد الكريم قاسم من الشيوعيين الذين كان لهم الدور الأساسي في إخماد تمرد الشواف، و بادرت تلك العوائل، تتلمس أفضل السبل للتخلص من العناصر الشيوعية والديمقراطية المؤيدة للثورة، ووجدت ضالتها في عمليات الاغتيال البشعة التي ذهب ضحيتها المئات من أبناء الموصل البررة، وأجبرت تلك الحملة الإجرامية أكثر من 30 الف عائلة موصلية على الهجرة الاضطرارية من المدينة إلى بغداد وبقية المدن الأخرى، مضحية بأملاكها وأعمالها ووظائفها، من أجل النجاة من تلك الحملة المجرمة.
لقد جرى كل ذلك تحت سمع وبصر السلطة ورضاها، سواء كان ذلك على مستوى السلطة في الموصل، أم السلطة العليا المتمثلة بعبد الكريم قاسم نفسه، حيث لم تتخذ السلطة أي إجراء، أو تجرِ تحقيقاً ضد عصابات القتلة ومموليهم، والمحرضين على تلك الاغتيالات، بل قيل آنذاك أن قاسم نفسه قد أعطى لهم الضوء الأخضر لتنفيذ الاغتيالات، وإن كل الدلائل تشير إلى موافقة السلطة العليا، ومباركتها لتلك الحملة، فلا يعقل أن تكون السلطة مهما كانت ضعيفة وعاجزة، عن إيقاف تلك الحملة الشريرة، وإلقاء القبض على منفذيها ومموليها المعروفين لدى كل أبناء الموصل، وسوف أورد فيما بعد قائمة بأسماء أولئك القتلة، الذين بقوا مطلقي السراح، يتجولون بأسلحتهم دون خوف من عقاب، متربصين بالأبرياء، ليسددوا رصاصاتهم الجبانة إليهم في وضح النهار .
إما أجهزة الأمن فقد كانت تكتفي بإلقاء القبض على جثث الضحايا، وحتى الذين لم يفارقوا الحياة، وأصيبوا بجراح، فكانوا يلاقون نفس المصير في المستشفى، حيث لم ينج أي جريح منهم أُودع المستشفى الذي كان يديره آنذاك، الدكتور[عبد الوهاب حديد]، وهو من أبناء عمومة[ محمد حديد] وزير المالية. ولا بد لنا أن نلقي نظرة على أوضاع السلطة في الموصل في تلك الفترة التي امتدت منذُ حركة العقيد الشواف وحتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، لنتعرف على أولئك الذين كان لهم الدور البارز في تلك الاحداث.
من كان يحكم الموصل؟
1 ـ مدير الشرطة ـ إسماعيل عباوي: من مواليد الموصل، ومن عائلة رجعية معروفة، انتمى إلى الجيش العراقي كضابط، وكان مرافقا لبكر صدقي، رئيس أركان الجيش، الذي قام بانقلاب عسكري عام 1936 ضد حكومة [ياسين الهاشمي].
قام إسماعيل عباوي باغتيال [جعفر العسكري] وزير الدفاع في حكومة الهاشمي، كما أشترك في محاولة اغتيال [ضياء يونس] سكرتير مجلس النواب، ومحاولة اغتيال السيد [مولود مخلص] الذي شغل لمرات عديدة منصب وزير الدفاع، ورئيس مجلس النواب، عندما وقع انقلاب الفريق [بكر صدقي].
أُخرج إسماعيل عباوي من الجيش، بعد اغتيال بكر صدقي، وأعتقل عام 1939 بتهمة تدبير مؤامرة لقتل عدد من السياسيين، وحكم عليه المجلس العرفي العسكري بالإعدام، وجرى بعد ذلك تخفيض العقوبة إلى السجن المؤبد، وأُطلق سراحه عند قيام حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وخرج من السجن ليجعل من نفسه بطلاً قومياً.
وقبل أحداث حركة الشواف بأيام أعاده عبد الكريم قاسم إلى الجيش من جديد برتبة مقدم، وعينه مديراً لشرطة الموصل، لكنه لم يستطع استلام مهام منصبه إلا بعد فشل الانقلاب، والسيطرة على الأوضاع في المدينة بعد دخول الجيش إليها بقيادة [العقيد حسن عبود] الذي عين فيما بعد آمراً للواء الخامس بالموصل، وبقي المقدم إسماعيل عباوي مديراً لشرطة الموصل ليشرف على تنفيذ المذبحة الكبرى للعناصر الديمقراطية والشيوعية فيها خلال ثلاث سنوات متوالية، حيث جرت حملة اغتيالات منظمة ذهب ضحيتها ما يناهز 1000 مواطن دون أن يلقي القبض على واحد من القتلة، بل أكتفي بالقبض على جثث الضحايا، وسُجلت كل جرائم الاغتيالات باسم مجهول!!.
2ـ متصرف اللواء (المحافظ) ـ العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي:
متصرف الموصل العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي، من مواليد 1923، ومن الضباط الأحرار الذين شاركوا في تنفيذ الثورة، في الرابع عشر من تموز 1958، حيث كان آمر الفوج الأول، في اللواء العشرين، وزميل عبد السلام عارف، الذي كان آمر الفوج الثالث في نفس اللواء.
عين الدراجي آمراً للواء العشرين بعد نجاح الثورة، وبسبب علاقته الحميمة بعبد السلام عارف جرى نقله إلى آمريه الكلية العسكرية، إثر إعفاء عبد السلام عارف من مناصبه، كإجراء احترازي من قبل عبد الكريم قاسم، ثم جرى بعد ذلك اتهامه بالاشتراك في المحاولة الانقلابية التي كان من المقرر تنفيذها في 4 تشرين الأول 1958 بالاشتراك مع عبد السلام عارف، وجرى اعتقاله لفترة وجيزة، ثم أُحيل على التقاعد وعُين محافظاً للواء الكوت، ثم نقل بعد ذلك إلى محافظة الموصل فيما بعد.
لا شك أن الدراجي أخذ يكن العداء لعبد الكريم قاسم، بعد إعفائه من منصبه العسكري، وعمل جهده على إضعاف وعزل عبد الكريم قاسم عن الشعب، وذلك عن طريق حملة اغتيالات الشيوعيين وأصدقائهم، وتبين فيما بعد أنه كان من المشاركين في انقلاب 8 شباط 1963 ضد عبد الكريم قاسم، وقد عينه عبد السلام عارف، بعد انقلابه على البعثتين، وزيراً للداخلية.
لعب الدراجي دورا كبيراً في حملة الاغتيالات المجرمة في الموصل، شأنه شان رفيقه إسماعيل عباوي، ولم يبدر منه أي إجراء لوقفها، والقبض على المجرمين، وإحالتهم إلى القضاء، على الرغم من أن أسماء أولئك المجرمين كانت تتردد على كل لسان.
3 ـ مدير الأمن ـ حسين العاني:
حسين العاني، كما هو معروف، من عائلة رجعية إقطاعية عريقة، كان لها باع كبير في العهد الملكي، كما كان لها دور كبير في دعم محاولة الشواف الانقلابية، وتم اعتقال العديد من أفراد تلك العائلة، مما جعل حقدها على الشيوعيين كبيراً، ورغبتها في الانتقام أكبر، وكان وجود العاني على رأس جهاز الأمن، الذي رباه النظام الملكي وأسياده الإمبرياليون على العداء للشيوعية خير عون لعصابات الاغتيالات في تنفيذ جرائمها، والتستر عليها وحمايتها.
كان جهاز الأمن بالموصل يفتش في الطرقات كل شخص معروف بميوله اليسارية بحثًا عن السلاح لحماية أنفسهم من غدر القتلة، في حين ترك القتلة المجرمين يحملون أسلحتهم علناً دون خوف أو وازع، ولم يحاول هذا الجهاز القبض على أي من القتلة، رغم شيوع أسمائهم، وتداولها بين الناس جميعاً.
وهذا مثال جرى لأحد أقرب رفاقي هو الشهيد الأستاذ [فيصل الجبوري] مدير ثانوية الكفاح بالموصل، الذي أُطلق عليه النار من قبل أحد أفراد عصابة التنفيذ المدعو[عايد طه عنتورة] في 10 أيار 1960، ولم يفارق الحياة، وتم نقله إلى المستشفى، وكان يصرخ بأعلى صوته[ قتلني عايد طه عنتورة]، ولم يُتخذ أي إجراء ضد الجاني إطلاقاً، أما فيصل الجبوري فقد فارق الحياة في المستشفى في اليوم التالي.
وهذا مثال آخر، حيث أطلق الرصاص على الشهيد [حميد القصاب] في محله الكائن بمحلة المكاوي، وشخص الشهيد بأم عينه الجاني، وأخذ يصرخ بأعلى صوته، وهو يصعد سيارة الإسعاف برجليه ودون مساعدة: قتلني [ محمد حسين السراج]، وتم نقله إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة في اليوم التالي، أما الجاني فلم يُستدعى للتحقيق، ولم تُتخذ أية إجراءات قانونية ضده.
وأذكر أيضاً أحد أصدقائي، الشهيد [أحمد مال الله]، الذي أُطلق عليه الرصاص أيضاً، وأُصيب بجروح، لكن أهله نقلوه على الفور إلى بغداد، حيث عُولج هناك في إحدى المستشفيات وتماثل للشفاء، لكن يد الغدر لاحقته بعد مدة واغتالته في أحد شوارع بغداد.
أما الشهيد المدرس [ زهير رشيد الدباغ ] فقد دخل عليه أحد تلاميذ المدرسة المدعو[عادل ذنون الجواري] إلى داخل الصف، وهو يدرس التلاميذ ، ليطلق عليه وابلاً من الرصاص من رشاشة كان يحملها، أمام 45 طالباً، دون أن يمسه أذى، أو يجري معه أي تحقيق، أما زهير، فقد أستشهد في الحال. ليست هذه سوى أمثلة قليلة من مئات غيرها جرت للمواطنين الأبرياء، وذهبت دماؤهم هدراً على يد تلك العصابات المجرمة، ولم يفتح فيها جميعاً أي تحقيق إلى يومنا هذا.
4 ـ آمر موقع الموصل ـ العقيد حسن عبود:
العقيد حسن عبود، أمر اللواء الخامس، وأمر موقع الموصل، والضابط الذي قاد القوات العسكرية لقمع تمرد الشواف، وكانت له مواقف مشهودة في حبه لوطنه، ودفاعه عن ثورة 14 تموز، ولكن مع قرار عبد الكريم قاسم تقليم أظافر الشيوعيين، وتحجيم حزبهم، وبالنظر للعلاقة التي تربطه بهم، فقد أقدم قاسم على تجريده من كافة صلاحياته الإجرائية، فيما يخص حماية الأمن والنظام، وأناط ذلك كله بجهاز الأمن السعيدي، وشرطته التي يقودها إسماعيل عباوي، وبإشراف متصرف اللواء العقيد المتقاعد عبد اللطيف الدراجي.
كما أصدر قاسم أمراً بنقل كل الضباط الذين أظهروا تعاطفاً مع الشيوعيين، والذين كان لهم الدور الحاسم في قمع انقلاب الشواف، إلى وحدات عسكرية غير فعّالة، وفق منهج ُ تم إعداده في مديرية الاستخبارات العسكرية، ومديرية الإدارة في وزارة الدفاع، وبإشراف قاسم نفسه.
وهكذا أفرغ قاسم قوات الجيش في الموصل من كل العناصر الوطنية المخلصة، وجمد عملياً سلطات العقيد حسن عبود فيما يخص حفظ الأمن والنظام، ولم يعد له أي دور في ذلك، ثم أنتهي حسن عبود إلى الاعتقال، وأخيراً إلى التقاعد.

3
شهادة للتاريخ:

الحقيقة حول انقلاب الشواف بالموصل
الحلقة الأولى 1/3
حامد الحمداني                               2019/1/8
تناول العديد من الكتاب والمهتمين بمتابعة الأحداث التاريخية، المحاولة الانقلابية الفاشلة للعقيد الشواف في الموصل في الثامن من آذار 1959 ضد القيادة الوطنية لثورة الرابع عشر من تموز ،وما رافقها من أحداث، وقد اتسمت معظم الأقلام التي تناولت تلك الأحداث بالتشويه أحياناً وبالضبابية أحياناً أخرى، مما يدفعني إلى إلقاء الضوء على تلك الأحداث التي عايشتها بكل دقائقها، لا ابتغي في عرضي هذا سوى الحقيقة التي أرجو أن يطلع عليها الجميع.
منُذُ الأيام الأولى لثورة الرابع عشر من تموز 1958 حدث شرخ خطير في صفوف الحركة الوطنية التي كانت بقيادة أحزاب {جبهة الاتحاد الوطني}، و{اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار} قاده عبد السلام عارف بدعم من حزب البعث، وجانب كبير من القوى القومية الذين سيروا المظاهرات في شوارع بغداد مطالبين بالوحدة الفورية الاندماجية مع الجمهورية العربية المتحدة خلافاً لرأي أغلبية القوى والأحزاب الوطنية التي رفعت في المقابل شعار{ الاتحاد الفدرالي} كخطوة أولية مؤكدة على إقامة أوثق الروابط بين العراق والجمهورية العربية المتحدة بزعامة عبد الناصر، وصولاً في المستقبل إلى إقامة وحدة حقيقية تقوم على أسس ديمقراطية ترعى مصالح الشعب العراقي، والذي خرج لتوه من هيمنة القوى الإمبريالية والنظام الملكي المدعوم من قبلهم، ومن قبل القوى الرجعية والإقطاعية.
لم تكن تلك القوى التي رفعت ذلك الشعار{الوحدة الفورية} صادقة في دعواها بل كانت ترمي إلى الوثوب إلى السلطة، وإزاحة القوى الديمقراطية وقيادة عبد الكريم قاسم، وهي لو كانت جادة في دعواها لحققت الوحدة عندما اغتالت ثورة الرابع عشر من تموز في انقلابها الدموي الفاشي في الثامن من شباط عام 1963 سواء في عهد حكم حزب البعث، أو حكم عبد السلام عارف الذي قاد انقلاب 17 تشرين ضد حكم البعث، وكذلك عندما عاد البعثيون إلى الحكم إثر انقلاب 17 تموز 1968على حكومة عبد الرحمن عارف، بل على العكس من ذلك اتخذوا موقفاً معادياً من عبد الناصر، واستمروا على مهاجمته في كافة وسائل إعلامهم ومن ضمنها الإذاعة والتلفزيون حتى ساعة وفاته.
لقد سعت تلك القوى إلى تعميق الخلافات والانقسام في صفوف القوى الوطنية مستخدمة كل الوسائل والسبل، على الرغم من كل المحاولات التي بذلتها الأحزاب الوطنية، وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي، إدراكاً منها لخطوة المرحلة التي كانت تمر بها ثورة الرابع عشر من تموز، وهي ما تزال في أيامها الأولى، ولا سيما وأن الإمبرياليين كانوا قد انزلوا قواتهم العسكرية في لبنان والأردن، وأوعزوا إلى حلفائهما تركيا وإيران الشاهنشاهية بحشد جيوشها على حدود العراق بغية الإجهاز على الثورة، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
واستمر الانقسام في صفوف القوى الوطنية في أوائل عام 1959 حتى بلغ مداه، ورفضت القوى القومية والبعثية أي دعوة للتعاون والتلاحم من أجل مصلحة الشعب والوطن.
انتخابات المنظمات الديمقراطية والنقابية:
لقد جرت في تلك الأيام انتخابات النقابات، والمنظمات الجماهيرية، وبذل الحزب الشيوعي جهوداً كبيرة من أجل لمّ الشمل، والخروج بقائمة موحدة في الانتخابات، ولكن القوى القومية والبعثية رفضتا ذلك رفضاً قاطعاً، وأصرتا على خوض الانتخابات بصورة منفردة قاطعة الطريق على أي تقارب أو تعاون.
كان في مقدمة الانتخابات التي جرت نقابة المعلمين، حيث جرت الانتخابات بروح ديمقراطية، وبإشراف ممثلين عن القائمة الديمقراطية، والتي ضمت الشيوعيين، والديمقراطيين والبارتيين، والقائمة الجمهورية التي ضمت البعثيين والقوميين، وقد لفوا حولهم كل العناصر الرجعية المناهضة للثورة أساساً، تلك القوى التي وجدت فرصتها في هذا الانقسام للظهور بمظهر القومية الزائفة، والوحدوية!،في حين أنها كانت، ولعهد قريب من أشد أعداء الوحدة وعبد الناصر، ولا تزال تلك الأحداث في ذاكرتي عندما فازت {القائمة الديمقراطية المهنية للمعلمين}، وكنتُ أحد مرشحيها بفارق كبير، وأعترف ممثلي{القائمة الجمهورية} بتوقيعهم على محاضر الانتخابات بعد فرز الأصوات بان الانتخابات قد جرت في جو ديمقراطي لا تشوبه شائبة، وكانت نقابة المعلمين، تمثل قطاعاً كبيراً من المثقفين، وقد تجاوز عدد أعضائها أكثر من خمسة وخمسون ألف معلم، ومدرس وأستاذ جامعي آنذاك.
كانت الانتخابات تلك خير مقياس لتوزيع القوى، حيث كان لها دور فاعل في الحياة السياسية للبلاد، وجرت بعد ذلك انتخابات الطلاب، حيث جرى الاستقطاب بين القوى السياسية، على غرار ما جرى في انتخابات نقابة المعلمين، وفازت القائمة الديمقراطية، المسماة بـ {اتحاد الطلبة} فوزاً ساحقاً، وتبع ذلك انتخابات نقابة المهندسين، والأطباء، والعمال والجمعيات الفلاحية، وفشلت تلك القوى الرافضة للتعاون في الحصول على أي مكسب فيها. لقد تعمق الاستقطاب في صفوف الحركة الوطنية، وأخذ التباعد يتسع يوماً بعد يوم، وأخذ الجانب الخاسر في التنافس الحر منحى آخر يستند إلى العنف في تحقيق ما عجز عن تحقيقه عن طريق التنافس الديمقراطي الحر، وبدأت عقولهم تفكر في استخدام القوة والعنف لتغيير الأوضاع لصالحهم.
العقيد الشواف يركب الموجة:
وجد العقيد عبد الوهاب الشواف ـ آمر موقع الموصل ـ فرصته الذهبية في ركوب الموجة، فقد كان يشعر بأنه قد أصابه الغبن الكبير عند ما عُيّن آمراً للواء الخامس، وآمر موقع الموصل، وكان يطمح في الحصول على منصب وزاري، أو منصب الحاكم العسكري العام، عند قيام الثورة، حتى لكأنما قامت الثورة لتوزيع المناصب على القائمين بها، وليس من أجل خدمة القضية الوطنية.

كنت في تلك الأيام مديراً لإحدى مدارس الموصل مسقط، وكنت أرى وأحس والمس ذلك الصراع يتطور ويتعمق، والانقسام يبلغ مداه، ويتحول إلى عداء واعتداء، وتحول ذلك الجانب الخاسر في الانتخابات إلى عصابات تنتشر هنا وهناك تتحين الفرص للاعتداء على العناصر الديمقراطية والشيوعية، بوجه خاص، وكانت توجيهات الحزب الشيوعي آنذاك تقضي بعدم الانجرار وراء تلك الأعمال وتجنب الصدام، وكان أمله في إعادة الصواب إلى رشد تلك القوى والعودة إلى التلاحم والتعاون من أجل مصلحة الشعب والوطن، وديمومة الثورة ونضوجها، وتعمقها من أجل تحقيق أحلام الشعب العراقي الذي ضحى من أجلها سنين طويلة.
الإعداد للانقلاب:
كان الحزب الشيوعي يدرك معنى الانقسام في صفوف الحركة الوطنية، والمخاطر التي تسببها، وفعل كل ما يمكن من أجل إعادة اللحمة للقوى الوطنية، إلا أن كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح، وراحت تلك القوى تعد العدة، وتهيئ لمحاولة انقلابية في مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وكانت تحركاتهم وإعدادهم لذلك الانقلاب بادية للعيان وتجري على قدم وساق، فيما كان الجانب الثاني من الاصطفاف المتمثل بالشيوعيون والديمقراطيون،والبارتيين ـ يراقبون الأوضاع بدقة، فالخطر لا يعني عبد الكريم قاسم وحده، أو الثورة وحدها، وإنما يعني أيضاً تعرض كل القوى المساندة للثورة للتصفية إذا ما تحقق النصر لمحاولتهم الانقلابية، و كان العقيد الشواف، وعدد من الضباط القوميين، والبعثيين ينشطون بهذا الاتجاه وينسقون مع القوى الرجعية للإعداد لتك المحاولة.
وفد مؤتمر المعلمين يقابل عبد الكريم قاسم:
أنتهز أعضاء المؤتمر الأول لنقابة المعلمين في الموصل ـ وكنت احدهم ـ وجوده في بغداد، لحضور المؤتمر المنعقد في شباط 1959، الفرصة وطلب مقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم لأمرٍ هام يخص الثورة والجمهورية وأمنها.
وافق عبد الكريم قاسم على استقبال الوفد في مقره بوزارة الدفاع، وحضر الوفد في الوقت المحدد، ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى حضر الزعيم عبد الكريم قاسم، ودخل القاعة وسط التصفيق والهتاف باسم الثورة وقيادتها. بدأ الزعيم الحديث موجهاً كلامه للوفد مرحباً به وقائلاً:{إنني كنت واحداً منكم أنتم مربي الأجيال، نعم لقد كنت معلماً في إحدى قرى الشامية بعد تخرجي من الإعدادية، وقبل أن أدخل الكلية العسكرية، وأنا فخورٌ بذلك}.
وتحدث الزعيم طويلاً عن دور المعلم في المجتمع، وبعد نهاية حديثه، طلب من الوفد الحديث. بدأ أكبر أعضاء الوفد سنا الشهيد {يحيى الشيخ عبد الواحد} المعروف {يحيى ق} والذي كان مشهوداً له بالمواقف الوطنية أيام الحكم الملكي والمواقف الجريئة ضد حكم الطاغية نوري السعيد، وناله بسبب مواقفه تلك صنوفٌ من الاضطهاد، والاعتقال، وأستحق محبة الشعب العراقي وقواه الوطنية.

بدأ يحيى بالحديث عن أوضاع الموصل المتدهورة، والنشاط التآمري الذي يجري على قدم وساق، موضحاً للزعيم أن العراق في خطر، وإن الثورة في خطر كذلك إذا لم تسارع حكومة الثورة في معالجة الأمور بأسرع وقت ممكن من أجل نزع الفتيل قبل حدوث الانفجار، مشيراً إلى العناصر التي تقود ذلك النشاط، وعلى رأسها العقيد الشواف، وزمرة من الضباط القوميين والبعثيين المتعاونين معه، بالإضافة إلى القوى الرجعية والإقطاعية، وعلى رأسها شيخ مشايخ شمر الإقطاعي الكبير والنائب السعيدي المزمن{أحمد عجيل الياور}.
وتحدث يحيى عن السلاح الذي كان المتآمرون ينقلونه عبر الحدود السورية ويخزنوه في الموصل، وكذلك عملية تسليح قبائل شمر، والتي تدين بالولاء لرئيسها، والحاقد على الثورة، وعلى قانون الإصلاح الزراعي الذي جرده من سلطانه. كما تحدث يحيى عن نشاط عملاء شركات النفط في عين زالة في الموصل في هذا الاتجاه.
إلا أن الزعيم عبد الكريم قاسم رد على الوفد بعباراته المشهورة: {الصبر والتسامح والكتمان والمباغتة} هذه العبارة التي كان يرددها دائماً.
وقد رد عليه يحيى قائلاً: يا سيادة الزعيم: إن هناك حكمة تقول الوقاية خيرٌ من العلاج، إن انتظار حدوث الكارثة ومعالجتها بعد ذلك أمرٌ خطيرٌ جداً، إذ ربما تكون لها إمتدادات في مختلف أنحاء العراق، ولربما تؤيدها غيرها من القطعات العسكرية في مناطق أخرى، وربما تنجح تلك المحاولات في اغتيال الثورة، وفي أحسن الأحوال حتى لو قامت المحاولة وفشلت فلا أحد يستطيع تقدير خسائرها وأضرارها، لذلك فأن منع وقوعها أفضل بكثير من انتظار وقوعها والقضاء عليها. كان جواب عبد الكريم قاسم غير متوقع إطلاقاً، لقد غضب قاسم من حديث يحيى وأجاب قائلاً:{إننا ندرك الأمور إدراكاً جيداً، وإن العقيد الشواف هو أحد الضباط الأحرار، وأنتم تهولون الأمور، وتضخمونها، نحن أقوياء واثقون من أنفسنا}.
وعاد الأستاذ يحيى مخاطباً الزعيم قاسم قائلا: سيادة الزعيم: إننا لا نطلب من سيادتكم سوى طلب بسيط، فنحن لا نطلب أن تعاقب أحدا، أو تسجن أحداً، وكل ما نطلبه هو نقل زمرة الضباط المذكورة، وتفريقها في مناطق أخرى، منعاً لوقوع الواقعة. لكن الزعيم قاسم رفض ذلك رفضاً قاطعاً، وأجاب بحدة:{إن هذه الأمور تتعلق بنا وحدنا، ونحن لا نسمح لأحد بالتدخل فيها}.

وهكذا فقد بدا جو اللقاء مكفهراً، مما حدا بالمرافق الأقدم للزعيم الشهيد وصفي طاهر إلى التدخل لتحسين الجو قائلاً:{ إننا لا نهاب الشواف، ونحن قادرون على جلبه إلى هنا هاتفياً في أية لحظة}. وأخيراً بدا عبد الكريم قاسم يغير اتجاه الحديث، عارضاً منجزات الثورة، وطموحاتها المستقبلية، وبعد ذلك أنتهي اللقاء، وغادر الوفد وزارة الدفاع والكل يضرب أخماساً بأسداس، كما يقول المثل، ويسأل بعضه بعضا: هل ستقع الواقعة؟ بل متى ستقع بالتأكيد؟ وكيف ستكون النتائج؟
عاد الوفد إلى الموصل والقلق بادٍ على وجوه الجميع، فقد كان الجو مكفهراً وينذر بالخطر. وفي تلك الظروف البالغة الخطورة، قرر الحزب الشيوعي، وحركة أنصار السلام التي يساهم فيها الحزب بنشاط كبير تحدي المتآمرين، وتوجيه تحذير إليهم بأن مدينة الموصل سوف لن تكون مسرحاً لاغتيال الثورة ومنجزاتها، وأن الشعب العراقي سوف يقف بالمرصاد لأي تحرك، معلناً عن تنظيم مهرجان لأنصار السلام في الموصل في أوائل آذار 1959.

استعدت القوى الديمقراطية، والشيوعية والبارتية لذلك اليوم الموعود، وتقاطرت الوفود من أنحاء القطر للمشاركة في ذلك المهرجان، وكانت التظاهرة من الضخامة وحسن التنظيم ما أقلق قوى الظلام، وأثار غضبها، فنصبت الكمائن لتصب جام غضبها على المسيرة، وأمطرتها بوابل من الحجارة وحتى بالرصاص فجرح من جرح، وأدى ذلك إلى وقوع صدامات عنيفة مع المهاجمين.

أكفهر الجو، ونزلت قوات كبيرة من الجيش والشرطة لإيقاف الصدام، وانتهى ذلك اليوم، وعادت الوفود إلى مدنها، وخيم الوجوم على الموصل وأبنائها، وتصاعد القلق كثيراً، فقد بدا واضحاً أن الوضع قد ينفجر في أية لحظة، وبالفعل لم يكد يمضِ سوى يومين حتى نفذ المتآمرون فعلتهم، بادئين ليلة 7/8آذار باعتقال معظم القادة، والنشطاء في الأحزاب، والمنظمات الديمقراطية، وبوجه خاص منتسبي الحزب الشيوعي، وقد جرى الاعتقال بأسلوب الاحتيال، حيث طلب الشواف اللقاء معهم في مقره للتداول حول الأوضاع السياسية المتدهورة وسبل معالجتها، ولبى من لبى ذلك النداء ووقع في الفخ الذي نصبه الشواف لهم، واختفى من أختفي مشككاً بأهداف الاجتماع، وكان ما كان، فقد جرى أُخذَ الجميع بالشاحنات العسكرية معتقلين، وأودعوا الثكنة الحجرية.
تنفيذ الانقلاب: وفي الصباح كان المتآمرون قد أعدوا إذاعة منصوبة في شاحنة طويلة تحمل صندوقا كبيراً[ كونتينر]كانت قد وصلتهم من الجمهورية العربية المتحدة عبر الحدود السورية، وبادروا إلى إعلان بيانهم الأول معلنين قيام الانقلاب، ومطالبين عبد الكريم قاسم بالاستقالة، وفيما يلي نص البيان الذي أذيع في تمام الساعة السادسة والنصف من صبيحة ذلك اليوم 8 آذار 1959.

نص بيان العقيد عبد الوهاب الشواف الانقلابي :
أيها المواطنون: عندما أعلن جيشكم الباسل ثورته الجبارة في صبيحة 14 تموز الخالد، عندها حطم الاستعمار وعملائه، وقضى على النظام الملكي، وأقام بمؤازرتكم وتأييدكم النظام الجمهوري الخالد، عندما فعل جيشكم ذلك كله لم يدر بخلده ولا بخلدكم، أن يحل طاغية مجنون محل طاغية مستبد، وتزول طبقة استغلالية بشعة، ليحل محلها فئة غوغائية تعيث بالبلاد والنظام و القانون فساداً، ويُستبدل مسؤولون وطنيون بآخرين يعتنقون مذهباً سياسياً لا يمت لهذه البلاد العربية الإسلامية العراقية بمصلحة. أجل لم يدر بخلد جيشكم الباسل ولا بخلدكم أنتم أيها المواطنون الاُباة، وقد انصرم على قيام ثورتكم الخالدة ثمانية أشهر، ولم تكن بلادكم الوفيرة الخيرات إلا مسرحاً للفوضى، والبطالة، فيتحطم اقتصادها الوطني، وتتعطل مشاريعها العمرانية، وتنتزع الثقة من النفوس، ويختفي النقد من الأسواق، وتعيث بالبلاد مقابل ذلك فئة ضالة باغية لا دين لها ولا ضمير، تخلق لها صنماً به لوثة في عقله وتعبده، ولا تخشى الله، وتنادي به رباً للعالمين، وتُسخر موارد الدولة لتخلق منه زعيماً أوحداً، ومنقذاً أعظم.
هذا الزعيم الذي خان ثورة 14 تموز، وعاث بمبادئها وأهدافها، ونكث بالعهد، وغدر بإخوانه الضباط الأحرار، ونكل بهم، وأبعد أعضاء مجلس الثورة الأشاوس، ليحل محلهم زمرة انتهازية رعناء، وقادته شهواته العارمة إلى تصدر الزعامة، وأعتمد على فئة تدين بعقيدة سياسية معينة لا تملك من رصيد التأييد الشعبي غير التضليل، والهتافات الغوغائية، والمظاهرات، وغير الزبد الذي يذهب جفاء، وركب رأسه، وأعلنها دكتاتورية غوغائية، فنحى زعماء الثورة عن المسؤولية، وأطلق للإذاعة والصحف عنان الفوضى، تخاصم جميع الدول، وشنها حرباً عدوانية على الجمهورية العربية المتحدة التي جازفت بكيانها من أجل نجاح الثورة، ودعم كيانها وكيان الجمهورية، وأستهتر بدستور جمهوريتنا المؤقت، وسلب مجلس السيادة المؤقت كل مسؤولياته الدستورية، وأحتكرها لنفسه، وأعلنها حرباً شعواء على الجهات الوطنية، والعناصر القومية المخلصة فزج في المعتقلات آلافاً من المواطنين الأبرياء بما لم يسبق له مثيل حتى مع الطاغية نوري السعيد ولا المجرم عبد الإله، ولم يجرأ على فعلته الإجرامية أحد، وأنحرف منفذاً أوامر الجهات الغوغائية عن أغلى وأثمن ما يعتز به العراقيون عرباً وأكراداً، ألا وهو السير بسفينة البلاد إلى التضامن مع سائر البلاد العربية المتحررة، وأعلنها حرباً شعواء على الأمة العربية لدرجة أن صار الهتاف بسقوط القومية العربية شعاراً له ولزمرته الباغية الفاجرة، وسلك في سياسته الخارجية مسلكاً وعراً، فلم يتقيد بمبادئ الثورة التي ترى من سياسة الحياد الإيجابي شعاراً لا يمكن الانحراف عنه.
لهذه الأسباب كلها، أيها المواطنون الأباة في شتى أنحاء جمهوريتنا الخالدة، عزمنا باسم العلي القدير، بعد اتفاقنا مع أخينا الزعيم الركن {ناظم الطبقجلي} قائد الفرقة الثانية، ومع كافة الضباط الأحرار في جيشكم الباسل، وبعد مشاوراتنا مع سائر العناصر السياسية المخلصة عزمنا في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ جمهوريتنا على تحرير وطننا الحبيب من الاستعباد والاستبداد، وتخليصه من الفوضى، معلنين لكافة المواطنين عرباً وأكراداً وسائر القوميات العراقية الأخرى التي يتألف من مجموعها شعبنا العراقي الأبي الكريم إننا المحافظون على العهد متمسكون بأهداف ثورة 14 تموز الخالدة، مراعون مبادئ دستور جمهوريتنا الفتية نصاً وروحاً، عاملون على حسن تنفيذ وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وتطبيق سياسة اقتصادية اشتراكية ديمقراطية تعاونية، ونطالب بحزم وإصرار تنحي الطاغية المجنون وزمرته الانتهازية الرعناء عن الحكم فوراً، والقضاء على السياسة الغوغائية التي أخذت تمارسها فئة ضالة من شعبنا لكي يسود النظام وحكم القانون في أرجاء وطننا الحبيب، ونعلن في هذه اللحظة التاريخية للعالم أجمع أن سياستنا الخارجية منبثقة من مصالح شعبنا وأمتنا، وإننا إذ نتبنى سياسة الحياد الإيجابي الدقيق إزاء الدول الأخرى، نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا، نعلن باسم الشعب العراقي أننا سنحافظ على التزاماتنا الدولية بوصفنا عضواً في الأمم المتحدة، ونعتز بصداقة البلاد التي أدت لنا ولأمتنا العربية أجل العون في محنتها الماضية، ومن تلك البلاد الاتحاد السوفيتي وسائر البلدان الاشتراكية، والى جانب هذا نعلن بإصرار تمسكنا باتفاقاتنا النفطية مع الشركات الأجنبية مراعين في ذلك مصالح اقتصادنا، وحقوقنا الشرعية، وسنضمن بحزم سير أعمال الشركات النفطية بكل حرية. ويسرنا أن نفتح صفحة جديدة من الصداقة القائمة على أساس الند للند مع كل دولة، ونود أن نوضح بجلاء أن أي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية من أي دولة كانت في هذه الفترة التي تسبق قيام مجلس السيادة بمسئوليته الدستورية ليؤلف وزارة شرعية في العاصمة بغداد، بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة، فأن هذا التدخل يعتبر ماساً باستقلال وسيادة جمهوريتنا، ويؤدي ذلك إلى أوخم العواقب.
أيها المواطنون: إننا، إلى أن يستجيب عبد الكريم قاسم فينصاع للحق، ويتنحى عن الحكم فوراً، والى أن يمارس مجلس السيادة سلطاته، ليؤلف وزارة بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة، قد أخذنا على عاتقنا بعد الاتكال على الله ، مسؤولية إدارة البلاد، طالبين من إخواننا المواطنين الكرام شد أزرنا وعوننا بالإخلاد إلى الهدوء والسكينة، دون أن يلزمونا إلى اتخاذ تدابير من شأنها الأضرار بالممتلكات، أو إلى سفك الدماء، وليكن كافة أبناء الشعب مطمئنين إلى إننا سنكون عند حسن ظنهم بتولي المطالبة بتحقيق أمانيهم، ونحذر في الوقت ذاته العناصر الهدامة من أننا سنأخذهم بالشدة إن عرضوا حياة المواطنين وحياة الأجانب وممتلكاتهم للخطر، وليعلم الجميع أن حركتنا الوطنية تستوي عندها جميع الفئات والهيئات، وأنها تحفظ لهم حقوقهم في الحرية إن لم يتجاوزا حدود القانون المرسوم، والله ولي التوفيق
                                                          العقيد الركن عبد الوهاب الشواف
                                                                    قائد الثورة 8 آذار 1959
نظرة فاحصة في بيان الشواف :
بنظرة فاحصة لبيان العقيد الشواف، يتبين لنا أن الشواف لم يكن سوى رجل متعطش للسلطة والتزعم، فلقد تجاوز قائده ورفيقه الزعيم {ناظم الطبقجلي} قائد الفرقة الثاني التي كان اللواء الذي يقوده العقيد الشواف تابعاً له، متخذاً له صفة قائد الثورة، مما دفع الزعيم الركن الطبقجلي إلى عدم التحرك والمشاركة في الانقلاب، على الرغم مما ورد في البيان حول الاتفاق معه لتنفيذ الانقلاب.

كما أن الحركة كانت قد اعتمدت على الدعم الخارجي من قبل الجمهورية العربية المتحدة، فقد أرسلت للانقلابيين محطة إذاعة متنقلة، منصوبة فوق شاحنة كبيرة، مع كمية كبيرة من الأسلحة بالإضافة إلى الدعم الإعلامي الكبير عبر محطتي إذاعة دمشق، وصوت العرب من القاهرة، وكان من المنتظر تقديم الدعم الميداني للحركة لو قدر لها الصمود فترة 48 ساعة، ولكن سرعة قمع الحركة حال دون ذلك.
حاول العقيد الشواف مغازلة شركات النفط، وكسب ودها من أجل دعم انقلابه، مطمئناً إياها بأنه سيلتزم بحزم بالاتفاقيات المعقودة مع الشركات، ويضمن مصالحها!.
لم يكن العقيد الشواف صادقاً بمواصلة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وهو الذي لف حوله العناصر الرجعية والإقطاعية، والتي كان على رأسها شيخ مشايخ شمر{احمد عجيل الياور} الإقطاعي الكبير، حيث جرى تسليح القبائل الموالية له وزجها في الحركة، كما ركز العقيد الشواف في بيانه على حملته الشعواء على الشيوعيين متهماً إياهم بنفس التهم التي كان{نوري السعيد} يستخدمها ضدهم، في العهد الملكي في محاولة لكسب ود الغرب ودعمهم لحركته.
واستخدم العقيد الشواف شتى النعوت والكلمات البذيئة بحق الزعيم عبد الكريم قاسم، والتي تعبر عن الضحالة، وعدم النضوج، ونال استهجان غالبية الشعب العراقي، الذي يكن الولاء لقيادته.
لقد تبين أن حركة العقيد الشواف لم تكن سوى حركة لمجموعة من الضباط المغامرين التواقين إلى السلطة، ولا يستندون إلى أي قاعدة شعبية، ولا عسكرية، فقد وقف فوج الهندسة التابع للواء القائم بالحركة بكافة ضباطه وجنوده ضد الحركة الانقلابية منذُ اللحظة الأولى، وقاومه بقوة السلاح، أما الجنود وضباط الصف الذين كانوا بإمرة الانقلابيين، والذين انساقوا تحت وطأة الخوف من قادتهم، فسرعان ما انتفضوا على ضباطهم المتآمرين، وانضموا إلى جانب السلطة، ومقاومة الانقلاب.
وخلال المعارك التي دارت بين الانقلابيين والقوى المساندة للسلطة، سقط من بين الانقلابيين (47) فرداً، وذلك حسبما ورد في تقرير الطب العدلي، وأكده المقدم{يوسف كشمولة} أحد المشاركين في الحركة الانقلابية خلال الاحتفال الذي أقيم في ملعب الموصل إحياءاً لذكرى انقلاب الشواف، بعد وقوع انقلاب 8 شباط الفاشي عام وإسقاط حكومة عبد الكريم قاسم .
كما أن المجلس العرفي العسكري الذي أقامه انقلابيوا 8 شباط، قد أكد العدد المذكور في حين أن الإنقلابيين قتلوا عشرات الجنود حيث كانوا قد نصبوا رشاشاتهم على منارة جامع باب الجديد.
في ذلك الحين كانت إذاعة صوت العرب من القاهرة تذيع أخباراً مذهلة عما سمته بالمجازر التي وقعت في الموصل، وادعت أن عدد القتلى من البعثيين والقوميين قد جاوز ( 20)ألفاً، في محاولة منها لإثارة القوى القومية والبعثية للانتفاض على حكومة الثورة وإسقاطها.
لقد سُخرت هذه الإذاعة في تلك الأيام للهجوم على حكومة الثورة، وعلى القوى الديمقراطية والشيوعية، مستخدمة أبذأ الكلمات والعبارات التي لا تليق بدولة كان لها من الاحترام والحب لدى الشعب العراقي إبان العهد الملكي ما يفوق الوصف، وخاصة عندما خاضت مصر بقيادة عبد الناصر معركة السويس عام 1956ضد العدوان الثلاثي البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي، ويتلهف لسماع إذاعة{صوت العرب}.
لقد تكشف للأمة العربية وللعالم أجمع زيف وكذب تلك الإذاعة عما كانت تبثه من أخبار المجازر المزعومة في الموصل، وأساليب التحريض الرخيصة ضد ثورة 14 تموز وقيادتها، ليس حباً بالعراق وشعبه، ولا حرصاً على مصالحه، وإنما حباً في السيطرة على العراق، وضمه قسراً للجمهورية العربية المتحدة، دون أخذ رأي الشعب العراقي في مثل هذا الأمر الخطير الذي يتعلق بمصيره ومستقبله.
كان من المؤسف أن ينبري الرئيس عبد الناصر في خطاباته آنذاك، يومي 11 و13 آذار لمهاجمة عبد الكريم قاسم، واصفاً إياه بالشعوبي تارة، وقاسم العراق تارة أخرى، ومركزاً حملته على الشيوعيين، متهماً إياهم بالعمالة لموسكو، وبخيانة الأمة العربية، كما صورت أجهزة إعلامه الأحداث التي جرت خلال وبعد القضاء على تمرد الشواف بأنها أحداث رهيبة.
لقد كان ذلك الموقف من عبد الناصر من الأخطاء الكبرى في سياسته تجاه العراق وثورته فقد كان الأحرى بالرئيس عبد الناصر أن يمد يده لعبد الكريم قاسم من أجل دعم ونهوض حركة التحرر العربي، ومكافحة النفوذ الإمبريالي في أنحاء العالم العربي، والعمل على إيجاد أحسن الوسائل والسبل للتعاون، والتضامن مع العراق، واتخاذ الكثير من الخطوات التي تعزز التعاون والتكامل في مختلف المجالات
الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والثقافية وغيرها من المجالات الأخرى، وصولاً إلى إقامة أفضل أشكال الارتباط بين البلدين حين تتوفر الشروط الموضوعية والضرورية لنجاحها وديمومتها. إن الوحدة العربية هي فعلاً أمل كل الملايين من أبناء شعبنا العربي، لكنها ينبغي أن تقام على أسس صحيحة ومتينة، وبأسلوب ديمقراطي بعيداً عن الضم وأساليب العنف.
فشل تمرد الشواف:
لم تصمد حركة العقيد الشواف الانقلابية سوى أقل من 48 ساعة، فقد كان رد الفعل لحكومة الثورة، والحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب البارت الكردي، وسائر الجماهير الشعبية المساندة للثورة سريعاً وحازماً، حيث جرى التصدي للانقلابيين، وقام فوج الهندسة التابع للواء المنفذ للانقلاب بالإضافة إلى جانب كبير من الجنود وضباط الصف، وآلاف المسلحين العرب والأكراد، والذين نزلوا إلى الشوارع للتصدي للانقلابيين، وإفشال خططهم للإطاحة بالثورة وحكومتها، وقامت طائرات من سلاح الجو العراقي بقصف مقر قيادة الشواف الذي أصيب بجروح خلال القصف، ونقل إلى المستشفى الميداني في معسكر الغزلاني، حيث قتل هناك على يد النائب ضابط المضمد يونس، وبمقتله تلاشت مقاومة الانقلابيين، وهكذا فشل تمرد الشواف، وتمت السيطرة على المدينة خلال أقل من 48 ساعة، وتم اعتقال عدد من الضباط المتآمرين، فيما هرب البعض الآخر إلى سوريا، وذهب ضحية ذلك الانقلاب حوالي (135) فرداً من الجنود والضباط، الوطنيون الذين ساهموا في قمع الانقلاب.
الأحداث التي رافقت قمع المحاولة الانقلابية:
لا أحد يستطيع أن ينكر وقوع أحداث وتصرفات وأخطاء ما كان لها أن تحدث قامت بها عناصر معينة، أساءت إساءة كبرى للحزب الشيوعي، فقد جرى قتل وسحل عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية، وجرى نهب وحرق بيوتهم من قبل عناصر غوغائية لاصلة لها بالحزب الذي كان عاجزاً عن إعادة الأمن والسلام في المدينة حتى دخول قوات عسكرية بقيادة العقيد حسن عبود، وهي أعمال مرفوضة في كل الأحوال، و بعيد كل البعد عن الروح الإنسانية، ولا تتفق والمبادئ الشيوعية.
ولا بد ان أشير إلى منظمة الحزب في الموصل خطأً جسيماً عندما نصّبَ عدد من كوادر الحزب أنفسهم حكاما وقاموا بمحاكمة عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية وحكموا على (17) منهم بالإعدام، وجرى تنفيذ الحكم في منطقة الدملماجة في ضواحي الموصل، وهذا أمرٌ لا يمكن قبوله إطلاقاً.
لقد كان الأجدى بأولئك القادة اعتقال هؤلاء الأشخاص وتسليمهم للسلطة الشرعية لتحيلهم بدورها إلى المحاكم المختصة لمحاكمتهم، والحكم على من يثبت مشاركته في المحاولة الانقلابية، فليس من حق أحد أن يمارس السلطة القضائية ويصدر وينفذ الحكم من دون تخويل .
كما أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الزعيم عبد الكريم قاسم نفسه، الذي جرى تحذيره كما ورد سابقاً، من حدوث ما لا يحمد عقباه، ولكنه صمّ أُذنيه عن سماع التحذير، ورفض اتخاذ أي إجراء لمنع وقوع الكارثة، في حين كان بإمكانه أن يفعل ذلك.
والأنكى من كل ذلك فأن الزعيم عبد الكريم قاسم نفسه اتخذ فيما بعد من تلك الأحداث ذريعة ليصفي نفوذ الحزب الشيوعي في العراق، موجهاً الاتهامات لهم، ولاصقاً بهم الجرائم، بعد أن كان قد أستقبل وفداً من قيادة الموصل للحزب، بعد قمع انقلاب الشواف وخاطبهم قائلا بالحرف الواحد :{ بارك الله فيكم، وكثّر الله من أمثالكم من المخلصين لهذا البلد}.
عبد الكريم قاسم يستغل أحداث الموصل لضرب الحزب الشيوعي:
لم يمضِ سوى بضعة أشهر على ذلك اللقاء حتى بادر قاسم إلى اعتقال كافة الشيوعيين النشطين، وأودعهم سجن بغداد، ثم أحالهم الى المجالس العرفية التي أصدرت بحقهم أحكاماً قاسية وصلت حتى الإعدام، وأبقاهم رهائن في السجن لكي يأتي انقلابيوا 8 شباط 1963،وينفذون فيهم حملة إعدامات بشعة، ويعلقون جثثهم على أعمدة الكهرباء، في شوارع الموصل بعد أن مارسوا أشنع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم .
لقد كان موقف الزعيم قاسم الجديد، خير مشجع لنشاط الزمر الرجعية، والعناصر التي شاركت في محاولة الشواف الانقلابية، والتي تكّن أشد العداء له، ولثورة الرابع عشر من تموز، ولم يدرك قاسم أن عمله هذا إنما يعني انتحاره هو، ونحر الشعب العراقي، ونحر الثورة كذلك.
لقد اتخذت تلك القوى من موقفه الجديد ذريعة لهم لشن حملة واسعة من الاغتيالات استمرت أكثر من ثلاث سنوات، وذهب ضحيتها مئات الوطنيين الأبرياء، وسوف أعود إلى هذا الموضوع في الحلقة القادمة.
وللحقيقة والتاريخ أقول أن الحزب الشيوعي لم يكن يستحق من قاسم هذا الجزاء رغم كل ممارساته الخاطئة، فقد كان الحزب وفياً لقيادته، سانده وحماه وحمى الثورة في أشد الأيام صعوبة وخطورة، ولم يفكر يوماً في خيانته، أو محاولة سلب السلطة منه آنذاك، في حين أن فرصاً كثيرة كانت لدى الحزب للسيطرة على الحكم بكل سهولة ويسر لو أراد ذلك.
لقد كانت مواقف قاسم تلك من الحزب الشيوعي أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اغتيال الثورة، وأغتياله هو بالذات. لقد جرد نفسه من كل سند يحميه، وأخذ منه الغرور مكانه، معتقداً أن تلك القوى المعادية لمسيرة الثورة ستعود إلى رشدها، وتغير موقفها من السلطة، لكن الواقع كان يشير إلى تنامي الخطر الرجعي والنشاط التآمري على المستويين المحلي والدولي، من أجل إسقاط الثورة، وهذا ما تم فعلاً على يد تلك الزمرة الانقلابية يوم 8 شباط 1963 ،ويذكرني هنا قول الشهيد{جلال الاوقاتي} قائد القوة الجوية آنذاك، حيث قال:
{إن الزعيم عبد الكريم قاسم، سوف يدمر نفسه، ويدمر الشعب معه}.
لقد حكم الإمبرياليون بالموت على الزعيم عبد الكريم قاسم منذُ اللحظة التي قاد فيها ثورة 14 تموز ضد النظام الملكي المرتبط بهم، وقد حاولوا اغتيال الثورة في أيامها الأولى، بالتدخل العسكري المباشر، عندما نزلت القوات البريطانية في الأردن، و الأمريكية في لبنان، وعندما حشدت تركيا قواتها على طول الحدود العراقية، لكن موقف الاتحاد السوفيتي الداعم للثورة، وتهديدهم للإمبرياليين من مغبة العدوان على العراق حال دون ذلك، وأضطر الإمبرياليون إلى تغير خططهم في إسقاط الثورة.

وعندما أقدم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، واستطاع انتزاع 99،5 %من المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية هائلة، بلغ استفزاز الثورة لهم أقصى درجاته، وجعلهم يركزون جهودهم بشكل محموم لإسقاط الثورة.
لكن قاسم لم يتعظ بدروس التاريخ، ووقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه مصدق، وانتهى إلى الموت صبيحة التاسع من شباط 1963، وحلت الكارثة الكبرى بالشعب العراقي حيث جرّت تلك الأحداث المآسي، والويلات على شعبنا منذُ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا.

انتهت الحلقة الأولى، وتليها الحلقة الثانية






























4

كيف ننهض بمستوى المعلم
2/3
حامد الحمداني                                                                 3/1/2019
إن النهوض بمستوى المعلم منوط بلا شك بوزارة التربية والتعليم، حيث بإمكانها الارتفاع بمستوى ثقافة المعلم وتجدده وتطوره وذلك عن طريق السبل التالية:
1ـ فتح دورات تربوية وتثقيفية للمعلمين كل سنة، لتنمية وتجديد معلوماتهم في كافة مجالات الحياة المختلفة، بشكل تجعل المعلمين يندفعون إلى الدخول بهذه الدورات عن رغبة وارتياح، وذلك بمنح المعلمين أجوراً إضافية لساعات الدراسة، ومنح المعلمين المتفوقين امتيازات خاصة كالترفيع، ومنح القدم، وتدرج المركز الوظيفي.
ومن المستحسن جداً الأخذ بنظام المعلم الأول، حيث تكون مهمة المعلم الأول للمادة في المدرسة بالإضافة إلى التعليم، القيام بالأشراف التربوي والتعليمي على عمل معلمي نفس المادة والطلاب معاً، وبهذا الأسلوب نستطيع أن نخلق في نفوس المعلمين الرغبة في الانخراط في هذه الدورات، والنجاح فيها وفي التنافس فيما بينهم في مجال عملهم الوظيفي.
ولا شك أن عنصر الرغبة هام جداً في تحقيق ما تهدف إليه هذه الدورات، وبدونها لا يمكن أن نحقق التجدد والتطوير المنشود لمعلمينا وبالتالي تصبح هذه الدورات مضيعة للوقت والجهد والمال.
2ـ مساعدة وتشجيع المعلمين في الدخول إلى الكليات المسائية، والعمل على إيجاد وتشجيع الدراسة بالمراسلة في هذه الكليات، ولا شك أن ألوفاً من المعلمين سوف يندفعون للدراسة والتتبع بسرور واشتياق، وخصوصاً العاملين منهم في القرى والأرياف، حيث الفراغ الهائل الذي يعانون منه هناك.
ولابد وأن أشير هنا إلى نقطة هامة وهي محاولة الكثير من المعلمين الحاصلين على الشهادات العالية الانتقال من التعليم الابتدائي إلى التعليم الثانوي، وأن هذا العمل يسبب ضرراً بالغاً لقضية التربية في المدارس الابتدائية بسبب فقدان العناصر الكفوءة والنشطة في ملاك التعليم الابتدائي، وبالتالي تأخره وانحطاط مستواه.
أن بقاء المعلم الحاصل على الشهادة العالية أمر ضروري كي يساهم في رفع مستواه وتطويره بشرط أن ينال حقوقه كاملة أسوة بزملائه مدرسي المدارس الثانوية.
3ـ ضرورة قيام وزارة التربية وجهاز الأشراف التربوي بإعداد الندوات التربوية للمعلمين، وجعلهم يقفون على آخر التطورات الاجتماعية والتربوية في مختلف بلدان العالم من جهة، والوقوف على نماذج من الأساليب التربوية والخبرات والتجارب التي حصل عليها المعلمون خلال عملهم، وعلى نماذج للمشاكل التي يصادفونها في المدرسة وطرق وأساليب علاجها.
4ـ ضرورة تعميم مديريات التربية على كافة المدارس بأن تعقد كافة المدارس ندوات شهرية يساهم فيها المعلمون والآباء والأمهات، وتطرح خلالها القضايا التربوية التي تجابههم سواء كان ذلك في البيت أو المدرسة، وطرق علاجها، على أن تكون هذه الندوات المدرسية إجبارية، وعلى أن تقدم كل مدرسة خلاصة البحوث والمناقشات والنتائج التي خلص إليها المجتمعون والمجتمعات في هذه الندوات، وإرسالها إلى مديريات التربية، وعلى مديريات التربية إعداد جهاز خاص ذي قدرة وقابلية على دراسة تلك المحاضر وتنسيقها، بغية الوقوف على كافة الجوانب السلبية والإيجابية في أوضاع مدارسنا وطلابنا وطالباتنا، من أجل معالجة علمية لجوانبها السلبية، وتعميق وتعميم جوانبها الإيجابية، وبذلك تساهم مساهمة فعالة ليس فقط في رفع مستوى المعلم والمعلمة فحسب، بل وفي رفع مستوى الآباء والأمهات أيضاً.
5ـ ضرورة خلق الروابط والاتصالات وتبادل الخبرات بين المعلمين في مختلف بلدان العالم بغية الوقوف على أحدث الأساليب التربوية والتعليمية التي تنتهجها وكيف تعالج هذه البلدان مشاكل المعلمين والطلاب في آن واحد.
وبالإضافة إلى ذلك فإن السفرات التي يقوم بها المعلمون على شكل وفود توسع من معلوماتهم وخبرتهم، وتزيد من فهمهم لأحوال المجتمعات البشرية، وطريقة معيشتهم.
كما إن نقابة المعلمين تستطيع أن تلعب دوراً بارزاً وفعالاً في هذا الخصوص، وذلك عن طريق الاتصال بنقابات المعلمين في نختلف البلدان لتسهيل هذه المهمة.
6ـ إن من الضروري أن تصدر نقابة المعلمين صحيفة أسبوعية على الأقل، واقترح أن تكون باسم [المربي] حيث أن الصحف تقوم بدور هام جداً في حياة المجتمع، فهي تعكس المشاكل وتطرح الحلول لها، وتناقش مختلف الآراء وبإمكان صحيفة [المربي] أداء الأمرين الهامين التاليين:
أـ عكس المشاكل التربوية التي تجابه البيت والمدرسة، ومناقشتها، ووضع الحلول الصائبة لها.
ب ـ عكس مختلف الأساليب التربوية في دول العالم المختلفة كي يمكن للمعلم الوقوف عليها والاستفادة منها.
وبالإضافة إلى صحيفة المربي فإن على نقابة المعلمين أن تصدر مجلة تربوية شهرية يساهم فيها كبار رجال الفكر والتربية لتقديم البحوث التي تساهم في رفع مستوى المعلم وتقدم .
7ـ إن تحديد عدد الساعات التي يقوم بتدريسها المعلم من جهة، وتحديد عدد طلاب كل صف من جهة أخرى أمران هامان يؤثران تأثيراً بالغاً على إمكانياته وكفاءته ورفع مستواه.
أن حشر العدد الكبير من الطلاب والطالبات في صف واحد وإرهاق المعلم أو المعلمة بالحصص سيقلل حتماً من نشاطهما وحيويتهما من جهة، ولا يتيح لهما فرصة العمل المثمر، والتتبع والدراسة وتطوير قدراتهما، وقابليتهما من جهة أخرى.
لقد أدركت الدول المتقدمة أهمية هذه النقطة فسعت إلى تقليص عدد طلاب الصف إلى أدنى حد ممكن، وكذلك قلصت عدد الحصص الأسبوعية لكل معلم، ليتمكن من أداء واجبه على الوجه الأكمل.
غير أن الحال في مختلف الدول النامية ودول العالم الثالث مختلف تماماً، فالمعلم والمعلمة مرهقان جداً، والصفوف لا نكاد نجد مكاناً للمرور فيها حيث حُشرت فيها أعداد كبيرة من الطلاب والطالبات، بحيث أصبح من العسير على المعلم والمعلمة التفرغ لهم، وحتى معرفة أسمائهم وحفظها، كما أصبح من العسير عليهم إعطاء الواجبات البيتية وتصحيحها على الوجه الأكمل، وأصبح من العسير أيضاً دراسة مشاكل الطلبة وحلها بشكل تربوي سليم، فكيف يستطيع المعلمون والمعلمات أداء واجباتهما على الوجه الأكمل إذا كان الصف الواحد قد حُشر فيه أكثر من خمسين طالب وطالبة، ولا أغالي إذا قلت أن بعض المدارس يزيد عدد طلابها على ثمانين طالباً ؟
إن 20 إلى 24 طالباً وطالبة في كل الصف من جهة، و18 إلى 20 حصة للمعلم والمعلمة من جهة أخرى كفيلان برفع مستوى المعلم والتعليم والتربية على حد سواء.
8 ـ هناك مسألة هامة جداً تلعب دوراً خطيراً في حياة المعلم وتحدد مدى فاعليته وإخلاصه، واندفاعه في أداء واجباته، إنها مسألة تأمين الحياة السعيدة له، وذلك بتأمين حاجاته المادية، وخصوصاً لمعلمي القرى والأرياف.
إن واقع المعلم يكشف لنا عن مدى الضنك، وعدم الكفاية الذي يعاني منه، وإن الواجب يقتضي إعطاء مسألة تأمين الحاجات المادية للمعلم الأهمية المطلوبة وإعطائها الجدية والاهتمام اللازمين، بغية رفع إمكانيات المعلم وجهاديته، وتفرغه لعمله، ومن بين ذلك منحه المخصصات المهنية الإضافية أسوة بغيره من الأطباء والمهندسين والفنيين وغيرهم، في حين أن هؤلاء يمارسون عملهم في عياداتهم ومكاتبهم بعد الدوام والذي يدرّ عليهم دخلاً وفيراً!
أليست عملية التربية والتعليم مهنة تستحق هذه المخصصات؟
أليست هذه المهنة اشق المهن وأصعبها؟
فلماذا نبخل على المعلم بمثل هذه الامتيازات التي يستحقها بكل جدارة شأنه شأن الآخرين؟
إن عمل المعلم لا ينتهي بانتهاء الدوام المدرسي، كبقية الوظائف، بل على العكس يستمر عمله في البيت أيضاً، حيث يقوم بتصحيح الواجبات البيتية للتلاميذ، ويحضر الدروس لليوم التالي، علاوة على الجهود التي يبذلها في النشاطات اللاصفية لطلابه، والتي تأخذ من وقته الشيء الكثير.
أليس من حق المعلم بعد هذا أن يمنح ليس فقط المخصصات المهنية، بل أن تكون له امتيازات أخرى من شأنها أن تدفعه للعمل بجد ونشاط، وتخفف من شعوره بأنه خلق معلماً وسيبقى كذلك. إن بإمكان الدولة أن تعمل الكثير من أجل إرضاء طموح المعلم منها:
أ ـ منح المعلمين المخصصات المهنية.
ب ـ تأمين المساكن الصحية المريحة للمعلمين وخاصة في القرى والأرياف.
ج ـ منح المعلمين تخفيضات في وسائل النقل وغيرها.
إن هذه الامتيازات من شأنها أن تستثير في المعلم روح العمل والمثابرة فيؤدي واجباته بسرور وانشراح.
9ـ إن جهاز التعليم يضم في صفوفه عناصر غير جديرة بأي حال من الأحوال للقيام بهذا الواجب المقدس، بل على العكس من ذلك فإن وجودهم وبقائهم فيه خطر كبير على عملية التربية والتعليم، ولأجل معالجة هذه الأمور الحساسة ينبغي لوزارة التربية القيام بما يلي:
أ ـ تطهير جهاز التعليم من كافة العناصر الخاملة والكسولة والتي يثبت فشلها، ونقلهم إلى وظائف أخرى.
ب ـ هناك عناصر لا يشجع سلوكها وأخلاقها على البقاء في سلك التعليم، وينبغي التخلص منها إن سلك التعليم ينبغي ألا يفتح أبوابه إلا لمن اتصف بأسمى المثل الإنسانية، والأخلاق الفاضلة، لأن التلاميذ يقلدون معلميهم في أعمالهم وسلوكهم وتصرفاتهم، وكما أسلفنا فإن عملية التربية ما هي إلا عملية تفاعل بين المعلمين والتلاميذ، وما العادات والأخلاق، والتصرفات التي تظهر لدى التلاميذ إلا انعكاساً لعادات وتصرفات وأخلاق مربيهم سواء كان ذلك في البيت أم المدرسة.
ج ـ هناك العديد من المعلمين الذين بلغوا من العمر حداً جعل طاقاتهم للعمل محدودة، وبالتالي عجزوا عن القيام بواجباتهم التربوية بالشكل الذي يؤمن الفائدة المرجوة، لذلك فإن من الأفضل إحالتهم على التقاعد دون إبطاء، مع تكريمهم بالشكل الذي يستحقونه، جزاء ما قدموه من خدمات لأبناء شعبهم ووطنهم، وليحل مكانهم العناصر الشابة الكفوءة كي يستطيعوا حمل الرسالة بجد ونشاط.

5
المعلم ودوره في تربية وإعداد أجيالنا
1/3
حامد الحمداني                                     3/1/2019
أولاً: الصفات التي ينبغي توفرها في المعلم:
أن المهمة الملقاة على عاتق المعلم هي بكل تأكيد شاقة وجسيمة، فهي تهدف إلى إعداد الأجيال المتلاحقة، جيلاً بعد جيل، اجتماعياً وأخلاقياً وعاطفياً، والعمل على تهيئة كل الوسائل والسبل التي تمكنهم من تنمية أفكارهم وشخصياتهم بصورة تؤهلهم للوصول إلى الحقائق بذاتهم، وبذلك يكونون عناصر فعالة ومحركة في المجتمع.
إنها تهدف إلى إذكاء أنبل الصفات والمثل الإنسانية العليا في نفسية الجيل الصاعد وجعلهم يدركون حاجات المجتمع، ويتفاعلون معه، من أجل تحقيق تلك الحاجات، وبالتالي تطوير المجتمع، ورقيه وسعادته.
أن المعلم يستطيع بكل تأكيد أن يؤثر إلى حد بعيد بتلاميذه، وإن هذا التأثير ونوعيته ومدى فائدته وفاعليته يتوقف بالطبع على إعداد المعلم، وثقافته وقابليته وأخلاقه، ومدى إيمانه بمهمة الرسالة التي يحملها، وإدراكه لعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فإن كل أعمال المعلم وسلوكه وأخلاقه وصفاته تنعكس تماماً على التلاميذ الذين يقوم بتربيتهم وتعليمهم. . وعلى هذا الأساس فإن عملية النهوض بمدارسنا ومجتمعنا تتطلب منا أن نحدد الصفات التي ينبغي توفرها في المعلم، والشروط الواجبة في اختياره، والتي يمكن تحديدها بالتالي:
1- ينبغي للمعلم أن يكون ذا مظهر جذاب، حيث أن المظهر، وشخصية المعلم وهندامه تؤثر جميعها تأثيراً فعالاً في نفسية التلاميذ، وتجعلهم يقتدون به ويتخذونه مثلاً أعلى بمظهرهم وهندامهم وشخصيتهم.
2 ـ ينبغي للمعلم أن يتصف بروح الفكاهة والمرح لكي يستطيع جذب انتباه التلاميذ نحوه، وجعل الدرس محبوباً إليهم حيث يندفعون إليه بشوق وسرور. إن نفسيته، وروحه المرحة ذات تأثير بالغ على نفوس التلاميذ، وعلى مدى نجاحه في أداء مهمته في آن واحد، ولو أجرينا استفتاءً لدى التلاميذ حول شعبية المعلمين، والدروس التي يحبونها أكثر من غيرها لتأكد لدينا بشكل قاطع أن المعلمين الذين يتمتعون بهذه الصفة هم على قدر كبير من الشعبية، وأن دروسهم هي على قدر كبير من الرغبة لدى التلاميذ.
3 ـ ينبغي للمعلم أن يكون حسن التصرف في تربية أبنائه التلاميذ، وحل مشاكلهم بروية وحكمة، فالمعلم يجابه خلال عمله كل يوم مشاكل لا حدّ لها أخلاقية وتربوية وتعليمية، وإن تذليل هذه المشاكل وحلها يتوقف على أسلوب المعلم وحكمته وحسن تصرفه.
ولابد أن أشير بهذا الخصوص إلى أن أساليب العنف ضد الأبناء التي تمارس من قبل الوالدين في البيت منذ الطفولة المبكرة نتيجة الجهل في أساليب التربية تسبب الضرر البليغ لشخصية الأطفال، وتخلق لديهم العديد من الصفات السيئة والخطيرة كالخوف والانكماش والخنوع وضعف الشخصية والتمرد على المجتمع.
4ـ إن الوعي الاجتماعي لدى المعلم أمر مهم جداً، ولا يمكن الاستغناء عنه لأي معلم ناجح، ذلك أننا كما أسلفنا أن عملية التربية والتعليم هي عملية تفاعل اجتماعي تتطلب دراسة وفهم المجتمع دراسة وافية، والتعرف على ما يعانيه مجتمعنا من مشاكل وعيوب، وكيف يمكن معالجتها وتذليلها.
إن كل معلم يعزل نفسه عن المجتمع ولا يشارك في فعالياته ومنظماته الاجتماعية لا يمكن أن يكون معلماً ناجحاً.
5 ـ أن على المعلم أن يكون محباً لتلاميذه متفهماً لحاجاتهم
وسلوكهم، والعوامل المحددة لهذا السلوك والتي تتحكم فيه واعني بها الدوافع الإنسانية[الغرائز] ذلك أن الغرائز تلعب دائماً دورا حاسماً في تحديد سلوك الفرد خيراً كان أم شراً، وهنا تبرز أهمية المعلم ودوره المؤثر في صقل تلك الغرائز وتوجيهها الوجهة الصائبة والخيرة، حيث أن الغرائز لا يمكن أن قهرها، بصقلها والسمو بها إذا ما عرفنا كيف نتعامل مع أبنائنا التلاميذ، ولا شك أن المعلم هو خير من يستطيع التعامل مع هذه الغرائز إذا ما أدرك حقيقتها ومدى تأثيرها في سلوك أبنائنا التلاميذ، وعلى العكس من ذلك نجد هذه الغرائز إذا تركت وشأنها فكثيراً ما توجه صاحبها نحو الوجهة الضارة الشريرة .
إن غريزة التنازع على البقاء على سبيل المثال كانت تعني في المجتمعات المتخلفة البقاء للقوي والموت للضعيف، غير أنه بفضل التطور والتقدم الحاصل للمجتمعات البشرية على مدى العصور، وبفضل ما توصل إليه العلم والعقل الإنساني يمكن أن تكون صراعاً ليس بين إنسان قوي وآخر ضعيف، أو أمة قوية وأخرى ضعيفة، بل بين المجتمع الإنساني ككل وبين الطبيعة، وتسخير هذا الصراع لتهيئة الوسائل والسبل للسمو بمستوى حياة الإنسان المادية والمعنوية، فكل تطور في ميادين العلوم والصناعة والزراعة وكافة مجالات الحياة الأخرى يهيئ ويوفر كل حاجات الإنسان ومتطلباته.
6 ـ ينبغي للمعلم أن يكون ميالاً للتجدد والتطور بشكل مستمر حيث أن الأساليب التربوية قد تطورت تطوراً كبيراً عما كانت عليه في الماضي، فلا يوجد شيء في الوجود بحالة ثابتة جامدة، بل إن كل شيء في حالة تغير وتطور مستمر، ولابد للمعلم لكي ينجح في عمله أن يطور نفسه، ويطور معلوماته، ويجددها باستمرار، عن طريق التتبع والمطالعة، والوقوف على أحدث النظريات التربوية، وتجارب الآخرين في مضمار العلم والثقافة، والوقوف على آخر التطورات الحاصلة في عالمنا في شتى شؤون الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
إنه من المؤسف أن نجد الكثير من المعلمين ينتهي من الدراسة والتتبع حال استلامه شهادة التخرج، فكأنما قد بلغ درجة الكمال، وكأنما العلم والمعرفة قد انتهيا عند هذا الحد حيث ينتهي به هذا الاعتقاد إلى التخلف والجمود.
لنسأل أنفسنا:
كم كتاباً يقرأ كل معلم خلال السنة؟
كم محاضرة تربوية ألقيت في كل مدرسة خلال السنة؟
كم دورة تربوية وثقافية نظمها الجهاز التربوي للمعلمين؟
وبالتالي كيف يمكن للمعلم أن يكون متجدداً ومتطوراً إذا لم يواكب التطورات الحاصلة في كافة المجالات التربوية والاجتماعية في شتى بقاع العالم كي ينهل منها، ويطور معارفه بما يخدم العملية التربوية.



6
المدرسة
من هنا تبدأ نهضة العراق
الحلقة الأولى
حامد الحمداني                                                           4/12/2018
                               
المدرسة كما هو معروف هي تلك البيئة الصناعية التي أوجدها التطور الاجتماعي لكي تكمل الدور الذي مارسته الأسرة في تربية وإعداد أبنائها، ومدهم بالخبرات اللازمة لدخولهم معترك الحياة فيما بعد ، فهي لذلك تعتبر الحلقة الوسطى والمهمة التي يمر بها الأطفال خلال مراحل نموهم ونضوجهم لكي يكونوا جاهزين للقيام بمسؤولياتهم في المجتمع مستعينين بما اكتسبوه من المهارات المختلفة والضرورية لتكيفهم السليم مع البيئة الاجتماعية الكبرى، ذلك لأن المدرسة ليس سوى مجتمع مصغر ومنزه، وخالي من جميع الشوائب التي تتعلق بالمجتمع الكبير لكي يتمرن فيها الأطفال على الحياة الفضلى، وعلى التعاون الاجتماعي، والإخلاص للجماعة وللوطن.
ولقد أصاب المفكر والمربي الكبير [جون ديوي] كبد الحقيقة عندما عرّف المدرسة بأنها [الحياة] أو أنها [النمو] أو أنها [التوجيه الاجتماعي] ورأى أن عملية التربية والتعليم ليست أعداد للمستقبل، بل إنها عملية الحياة نفسها، ودعا المربين إلى الاهتمام بثلاثة أمور هامة وضرورية لتربية النشء حددها بما يلي:
1 ـ تعاون البيت والمدرسة على التربية والتوجيه.
2ـ التوفيق بين أعمال الطفل الاجتماعية وأعمال المدرسة.
3ـ وجوب إحكام الرابطة بين المدرسة والأعمال الإنتاجية في البيئة.
ولقد أكد[ديوي] وجوب دراسة الطفل وميوله ورغباته، وضرورة جعلها أساساً في التعليم، كما أكد على التوجيه غير المباشر وغير الشخصي عن طريق الوسط الاجتماعي، وشدد على أهمية التفكير والتحليل، وفهم معنى الأشياء في حياة الطفل، وإتاحة الفرصة للأطفال لكي يجمعوا الحقائق ويرتبوها ويستنبطون منها النتائج ثم يمحصونها ويعرضونها على محك الاختبار حتى تنجلي وتظهر حقيقتها.
لقد قلب التطور الكبير لمفاهيم التربية والتعليم في عصرنا الحالي المفاهيم التي كانت سائدة فيما مضى رأساً على عقب، وبما يشبه الثورة في المفاهيم التربوية فبعد أن كانت المدرسة القديمة لا تهتم إلا بالدراسة النظرية وحشو أدمغة التلاميذ بما تتضمنه المناهج والكتب الدراسية لكي يؤدوا الامتحانات بها والتي لا تلبث أن تتبخر من ذاكرتهم، أصبحت التربية الحديثة ترتكز على وجوب اعتبار الطفل هو الذي تدور حول محوره نظم التعليم، وأصبح النظام في المدرسة يمثل الحياة الاجتماعية التي تتطلب المساهمة في الأعمال الاجتماعية، فالطفل لا يستطيع أن يكتسب عادات اجتماعية بغير الاشتغال في الأعمال الاجتماعية. والتربية في حقيقة الأمر هي عملية تكوين النزعات الأساسية الفكرية والعاطفية في الإنسان تلقاء الطبيعة، وتلقاء أخيه الإنسان.
ولقد صار لزاماً على المدرسة أن تشبع حاجة التلاميذ للأمن وتعطيهم الفرصة لإدراك وفهم أسرار العالم المادي، والعالم الاجتماعي، وتهيئة الفرصة لهم للتعبير الحر عن نزعاتهم المختلفة، التي تمكنهم من كسب المهارات العقلية، واللغوية والاجتماعية.
ولكي تؤدي المدرسة مهامها التربوية على وجه صحيح، كان لابد من ربطها بالمجتمع، وهو ما أخذت به المدرسة الحديثة، حيث أصبحت جزءً لا يتجزأ منه، لا تختلف عنه في شيء سوى كونها مجتمع مصغر، ومشذب، وخالي من الشوائب التي نجدها في المجتمع الكبير، وأصبح النظر إلى دور المدرسة في المجتمع هو النظر إلى الثقافة بمعناها الواسع، أي بآدابها وعلومها وفنونها وعاداتها وتقاليدها، بكافة نواحيها المادية والتكنيكية، وقد تطلّبَ ذلك إعادة بناء المدرسة بحيث تلعب دورين أساسيين في خدمة المجتمع الذي تنشأ فيه وهما:
1 ـ نقل التراث بعد تخليصه من الشوائب.
2 ـ إضافة ما ينبغي إضافته لكي يحافظ المجتمع على حياته أي بمعنى آخر تجديد المجتمع وتغييره وتطويره بشكل مستمر بما يحقق الخير والسعادة لبني الإنسان.
ولا بد لي أن أكد على سيادة مبدأ الديمقراطية في المدرسة، وفي الوسائل التربوية التي نعتمدها في الوصول إلى أهدافنا التربوية التي نسعى إليها ما دمنا نعتبر المدرسة هي الحياة وأنها صورة مصغرة من المجتمع.
كيف تستطيع المدرسة أداء مهامها:
لكي تستطيع المدرسة أداء مهامها التربوية على الوجه الأكمل يتطلب منها أن تراعي الأمور التالية:
1ـ ينبغي للمدرسة أن تكون المكان الذي يعيش فيه الأطفال عيشة حقيقية، ويكتسبون الخبرة الحياتية التي يجدون فيها ابتهاجاً ومعنى، وعليها أن تحول مركز الجاذبية فيها من المعلم والكتاب إلى الطفل وميوله وغرائزه وفعالياته بصورة مباشرة، فمهما يقال عما يدرسه الطفل من علوم وغيرها، فإن العملية التربوية الحقيقة لا يمكن أن تعطي ثمارها إذا لم يمارس التلميذ حياته فيها.
2 ـ ضرورة عدم تجاهل المدرسة لوضع الأطفال الفطري وميولهم، وأن تعمل على إشباع غرائزهم وصقلها بروح من المحبة والعطف والحنان لكي يحس الأطفال أنهم يعيشون الحياة حقاً داخل المدرسة، وأن أي أسلوب آخر في التعامل معهم، وخاصة أسلوب العقاب البدني، لا يؤدى إلا إلى عكس النتائج المرجوة.
3ـ ينبغي للمدرسة أن تسعى لأن يأتي الأطفال إليها بأجسامهم وعقولهم، ويغادرونها بعقل أغنى وأنضج، وجسم أصح، وهذا لا يتم بالطبع إلا إذا وجدوا في المدرسة ما يشبع ميولهم ورغباتهم، وتتاح لهم الفرصة لممارسة ما تعلموه من خبرات خارج المدرسة.
4ـ ينبغي للمدرسة أن تحول غرفة الصف إلى ورشة حقيقية يستطيع الأطفال من خلالها إشباع حاجاتهم وميولهم وتجعلهم جزء من المجتمع، ويتعلمون العيش المباشر، وتجهزهم بدافع حقيقي، وتعطيهم خبرة مباشرة، وتهيئ لهم الاتصال بالأمور الواقعية.
كما ينبغي تنظيم جلوس الأطفال داخل الصف بالشكل الذي يشعرهم أنهم يمارسون عملاً مشتركاً، ولا تقيدهم بالجلوس على الرحلات أو المقاعد الضيقة والمنعزلة التي تجعل الطفل يشعر بالملل والسأم ينتظر بفارغ الصبر نهاية الدرس والتحرر من مقعده الممل.
5ـ ينبغي إشراك أولياء أمور التلاميذ في إعداد الخطط التربوية، والاستعانة المستمرة بهم في معالجة وحل كل المشاكل التي تجابه أبنائهم، وأن تكون المدرسة على اتصال دائم بهم سواء عن طريق اللقاءات الشخصية، أو الاتصال الهاتفي أو عن طريق الرسائل، ذلك لآن الآباء والأمهات على معرفة كبيرة بكل ما يتعلق بسلوك أبنائهم، ويتمتعون بالخبرة في التعامل معهم. وفي الوقت نفسه تستطيع المدرسة أن تقدم لذوي الطلاب، أباء وأمهات، الكثير من الخبر والتجارب التي تعينهم على التعامل مع أبنائهم بشكل تربوي صحيح.
6ـ إن بناية المدرسة ذات تأثير بالغ على العملية التربوية والتعليمية، وعلى نفسية التلاميذ فالمدرسة بحاجة إلى صفوف دراسية واسعة، وذات تهوية جيدة وشبابيك واسعة تسمح بوصول الضوء بحرية، بالإضافة إلى الإنارة الكافية، وأن تكون مجهزة بكل ما يلزم من الأجهزة والأدوات الضرورية للعملية التربوية والتعليمية، كما أنها بحاجة إلى الساحات المناسبة للنشاطات الرياضية المختلفة ، وقاعات للنشاطات الرياضية، والنشاطات اللاصفية من تمثيل وخطابة ورسم وحفلات وغيرها من النشاطات الأخرى، وكذلك الورش اللازمة لممارسة المهن التي يتدرب عليها التلاميذ، وينبغي أن تتخلل المباني المدرسية الحدائق الكافية كي تبعث نوعاً من البهجة والسرور في نفوس التلاميذ، ومن الضروري إشراكهم في زراعتها والعناية بها، وإتاحة الفرصة لهم بدراسة النباتات وأنواعها وتصنيفها، وسبل وقايتها من الأمراض التي قد تصيبها مما يحول هذا الجهد إلى دراسة حقيقية لعلم النبات نظرياً وعملياً، مما يرسخ الدرس في عقول التلاميذ .
وأخيراً ينبغي الاهتمام بتنظيم المقاعد والمناضد الدراسية بالشكل الذي يجعل العمل داخل الصف جماعياً فلا يشعر التلاميذ بالملل، ويتحول الصف إلى ورشة عمل ينهمك فيه التلاميذ بكل جد ونشاط وفي جوٍ يسوده التعاون فيما بينهم، وبإشراف معلمهم وتوجيهاته.
تعاون البيت والمدرسة:
ذكرنا فيما سبق أن البيت هو البيئة الاجتماعية الأولى للطفل التي يتعلم فيها الكثير من الخبرات التي تساعده على التكيف مع المجتمع الأكبر، حيث يلعب الآباء والأمهات دوراً كبيراً وأساسياً في تربية وتنشئة أبنائهم خلال السنوات الست الأولى من أعمارهم حيث ينتقل الأبناء إلى المدرسة التي تعتبر المرحلة الوسطى في حياتهم، والتي هي صورة مصغرة للمجتمع الكبير الخالي من الشوائب، حيث يكتسب الأبناء خلال مكوثهم في المدرسة الخبرات الحياتية التي تؤهلهم لممارسة عملهم في المجتمع الكبير على الوجه الأكمل.
ومن هذا المنطلق نستطيع أن نؤكد أن الدور الذي قام ويقوم به البيت تجاه الأبناء لا يمكن فصله عن دور المدرسة بهذا الخصوص، فكلاهما يكمل بعضه بعضاً.
ويستطيع الآباء والأمهات تقديم مساعدة قيمة للمدرسة في عملها التربوي بما يملكونه من الخبرات والتجارب التي اكتسبوها بتربية أبنائهم، كما يمكنهم الحصول على المزيد من الخبرات من المدرسة، وخاصة من خلال المتخصصين في معالجة المشاكل السلوكية للأطفال والمراهقين.
وبناء على ذلك فعلى المدرسة أن تهتم بالتواصل المستمر مع أولياء أمور التلاميذ سواء كان ذلك عن طريق مجالس الآباء والأمهات والمعلمين الدورية والمنتظمة وإجراء الاتصالات الشخصية المستمرة، والاتصالات الهاتفية، وإرسال الرسائل لكي يكون الآباء والأمهات على صله وثيقة بأحوال أبنائهم في المدرسة من الناحيتين السلوكية والدراسية، ولكي يعملوا مع إدارة ومعلمي المدرسة يداً بيد، على تذليل كل المصاعب التي تجابههم.
ولقد سبق و تحدثنا عن الأسرة وأنواعها، وظروف كل منها، والأساليب التربوية التي تتعامل بها مع أبنائها بشيء من التفصيل، وهو ما يمكن أن يقدم للمدرسة معلومات هامة وضرورية تساعدها على تفهم أحوال التلاميذ في البيت، وما يعانونه من مشاكل ومصاعب، وتأثيراتها على سلوك الأبناء، والوسائل الكفيلة بمعالجة السلوك المنحرف لديهم، فلا يكفي للمربي أن يتعرف على أحوال تلاميذه في المدرسة فقط، وإنما ينبغي التعرف على الظروف التي يعيشها التلميذ في البيت لكي يكوّن له صورة واضحة عن المشاكل التي يعاني منها داخل أسرته مما يسهّل عليه فهم الأسباب المؤدية للسلوك المنحرف لدى العديد من التلاميذ ، وبالتالي إمكانية مجابهة تلك الانحرافات والتغلب عليها بأقل ما يمكن من الجهود والتضحيات
وهكذا نجد أن المدرسة لها الدور الأكبر في إعداد أبنائنا الإعداد الصحيح القائم على الأسس العلمية والتربوية القويمة و إن المهمة العظيمة والخطيرة الملقاة على عاتق المدرسة تتطلب الإعداد والتنظيم الدقيق والفعال للركائز التي تقوم عليها المدرسة والتي تتمثل فيما يلي:
1ـ إعداد الإدارة المدرسية.
2 ـ إعـداد المعلمـين.
 3 ـ إعداد جهاز الأشراف التربوي.
 4 ـ إعداد المناهج والكتب المدرسية.
5 ـ  نظام الامتحانات وأنواعها وأساليبها.
6 ـ تعاون البيت والمدرسة.
7 ـ الأبنية المدرسية وتجهيزاتها.

إن هذه الركائز جميعاً مترابطة مع بعضها البعض، وكل واحدة منها تكمل الأخرى، ويتوقف نجاح العملية التربوية والتعليمية في المدرسة على تلازم وتفاعل هذه الركائز ببعضها، وكلما توطدت وتعمقت حركة التفاعل هذه كلما استطاعت المدرسة تحقيق ما تصبو إليه من خلق جيل واعٍ ، متسلح بسلاح العلم والمعرفة، وملتزم بالأخلاق والمثل الإنسانية العليا.، وسأتناول في حلقات قادمة مسألة إعداد هذه المرتكزات بشيئ من التفصيل.






7
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة العاشرة والأخيرة
حامد الحمداني                                                            27/11/2018

التخأخر الدراسي
أسبابه، والوسائل الكفيلة بعلاجه

يتشكى الكثير من الآباء والأمهات من حالة التأخر الدراسي التي يعاني منها أبناءهم ، غير مدركين للأسباب الحقيقية وراء هذا التأخر وسبل علاجها، وقد يلجأ البعض منهم إلى الأساليب غير التربوية والعقيمة، كالعقاب البدني مثلاً في سعيهم لحث أبنائهم على الاجتهاد، ولاشك أن الأساليب القسرية لا يمكن أن تؤدي إلى تحسين أوضاع أبنائهم، بل على العكس يمكن أن تعطينا نتائج عكسية لما نتوخاه .
إن معالجة مشكلة التأخر الدراسي لدى أبنائنا وبناتنا تتطلب الاستعانة بالأساليب التربوية الحديثة القائمة على العلم، فهي المنار الذي يمكن أن نهتدي بها للوصول إلى ما نصبوا له لأجيالنا الناهضة من تقدم ورقي وهذا بدوره يتطلب منا أن الإجابة على الأسئلة التالية:
1 ـ كيف نحدد  التأخر الدراسي ؟
2 ـ ما هي أنواع التأخر الدراسي ؟
3 ـ ما هي مسببات التأخر الدراسي ؟
4 ـ كيف يمكن علاج التأخر الدراسي ؟
كيف نحدد التأخر الدراسي :
لكي نستطيع تحديد كون التلميذ متأخر دراسياً أم لا  ينبغي الاستعانة بالاختبارات التالية : (24)
1ـ اختبارات الذكاء .
2 ـ اختبارات القدرات .
3 ـ اختبارات التكيف الشخصي والاجتماعي.
وسأحاول أن أقدم لمحة موجزة عن هذه الاختبارات وما يمكن أن تكشفه لنا كل واحدة منها من معلومات هامة ومفيدة تساعدنا على التعرف على مستوى ذكاء التلميذ، وما إذا كان عمره العقلي يتناسب مع عمره الزمني، أم انه أعلى، أم أدنى من ذلك، وتدلنا على الوسائل التي يمكن الاستعانة بها لمعالجة أسباب تأخره، وتوجيهه الوجهة الصحيحة، وملافات الهدرالذي يمكن أن يصيب العملية التعليمية والتربوية إذا ما أهمل هذا الجانب من الاختبارات.

أولاً: اختبارات الذكاء
الذكاء كما هو معلوم، القدرة على التعلم واكتساب الخبرات، وكلما زاد الذكاء، كلما زادت القدرة على التعلم، وطبيعي أن الأطفال جميعاً يختلفون بعضهم عن بعض بنسبة الذكاء، كاختلافهم في القدرة الجسمية سواء بسواء.
ولقد كان العلماء فيما مضى يهتمون بكمية الذكاء لدى الطفل بصورة عامة، إلا أن الأبحاث الجديدة كشفت أن للذكاء أنواع متعددة، فقد نجد تلميذاً متفوقاً في الرياضيات، ولكنه ضعيف في الإنشاء والتعبير. إن لاختبارات الذكاء أهمية قصوى وينبغي أن تأخذها مدارسنا بالحسبان لكي تستطيع أن تؤدي عملها بنجاح .
ماذا تكشف لنا اختبارات الذكاء؟
1ـ تعرفنا هذه الاختبارات إن كان تحصيل التلميذ متفقاً مع قدراته ، أم أن تحصيله أقل من ذلك ، وإلى أي مدى؟
2ـ تساعدنا على تقبل نواحي النقص، أو الضعف لدى التلميذ  فلا نضغط عليه، ولا نحمله ما لا طاقة له به، فيهرب من المدرسة، ويعرض مستقبله للضياع .
3ـ تساعدنا على تحديد نواحي الضعف وامكانية معالجتها.
4ـ توضح لنا الفروق الفردية بين التلاميذ، ولهذا الأمر أهمية بالغة جداً، لا يمكن لأي معلم ناجح الاستغناء عنها.
5ـ تساعدنا هذه الاختبارات على تحديد نواحي القوة والتفوق لدى التلميذ ، والتي يمكن الاستعانة بها على معالجة نواحي الضعف لديه .
6- تساعدنا هذه الاختبارات على توجيه التلميذ الوجهة الصحيحة، فلا يكون معرضاً للفشل وضياع الجهود والأموال. (25)
وهكذا يتبين لنا أن الاهتمام بمثل هذه الاختبارات يتسم بأهمية كبيرة إذا ما أردنا النجاح في عملنا التربوي، وتجنبنا إضاعة الجهود، وحرصنا على أحوال التلاميذ النفسية، وجنبناهم كل ما يؤدي إلى الشعور بالفشل، وضعف الثقة بالنفس، وعدم القدرة، والشعور بالنقص، وربما يلجأ التلميذ إلى الهروب من المدرسة إذا ما وجد نفسه غير قادر على القيام بواجباته المدرسية شأنه شأن بقية زملائه في الصف.
وتضم اختبارات الذكاء  نوعين:

 1 ـ نوع يقيس القدرة العقلية بصورة عامة: (26)
ويوضح لنا العلاقة بين [العمر العقلي]و[العمر الزمني]للتلميذ، وتعبرعنه هذه النتيجة بـ [ نسبة الذكاء ]  حيث تقاس نسبة الذكاء بحاصل قسمة العمر العقلي على العمر الزمني مضروباً في 100،  فلو فرضنا أن طفلاً عمره الزمني يعادل 10 سنوات، وأن نتائج اختبارات الذكاء بينت أن عمره العقلي يعادل 9 سنوات فإن نسبة الذكاء لديه تساوي 90% . ومن الواضح أن التلميذ المتوسط تكون نسبة ذكائه 100 %،
فمن كان نسبة ذكائه ما بين 80 إلى 90% كان ذكاء ذلك التلميذ دون المتوسط. ومن كان نسبة ذكائه من بين 90 إلى 110 فهو متوسط الذكاء .
ومن كانت نسبة ذكائه ما بين 110 إلى 120 كان ذكياً
ومن كانت نسبة ذكائه ما بين 120 إلى 140 كان ذكياً جداً .
ومن كان نسبة ذكائه ما فوق 140 كان التلميذ عبقرياً.

2 ـ نوع يقيس الأنواع المختلفة للقدرات العقلية:
 وهذا النوع يبين لنا موطن الضعف،وموطن القوة،إلى جانب الذكاء الكلي، وطبيعي أن هذا النوع أدق من الاختبارالأول.
كان علماء النفس  يعتقدون أن نسبة الذكاء ثابتة، وغير قابلة للتغيير، ولا زال البعض منهم يأخذ بهذه الفكرة، غير أن الدلائل تشير إلى أن النمو في قدرة الطفل العقلية لا تسير على وتيرة واحدة، ولا بشكل منتظم، بل تتخلله حالات من البطء، وحالات من السرعة، وهي تتوقف على طبيعة النمو  وعوامله المختلفة.
إن الذكاء يتأثر حتماً بالتفاعل بين عاملي [الوراثة] و[البيئة] وإذا ما تبين أن ذوي التلميذ لا يعانون من أي عوق أو تخلف عقلي أو اضطرابات نفسية، وإذا ما توفرت البيئة الصحية والطبيعية الملائمة، فإن النمو يجري على أحسن الوجوه.

غير أن هناك حقيقة لا ينبغي إغفالها أبداً وهي أن اختبارات الذكاء قد لا توصلنا إلى حد الكمال وذلك لوجود عوامل مختلفة تؤثر على مدى دقتها كالمرض والاضطراب النفسي والخبرة التي اكتسبها الطفل من بيئته لأنها تلعب دوراً مهماً في الموضوع.

وعلى كل حال يمكننا أن نحصل على النتائج المفيدة إلى حد بعيد إذا ما كانت الاختبارات التي أجريناها دقيقة، وإذا ما أخذنا في الاعتبار جميع العوامل المؤثرة في هذا المجال، وينبغي لنا أن نؤكد على أن نجاح التلميذ في اختبارات الذكاء لا يعني أنه لن يفشل في دراسته العليا، إذا ما اجبرالتلميذ على دراسة فرع لا يرغب به، وليست له القدرة عليه، ولذلك لابدّ أن تكون هناك اختبارات أخرى تحدد لنا الاتجاه الذي ينبغي للتلميذ أن يسلكه.

ثالثا: اختبار القدرات 
وهذا النوع من الاختبارات له أهمية خاصة، حيث أنه لا يعطينا فقط مستوى قدرة التلميذ في مجال ما، في الوقت الذي جرى فيه الاختبار، وإنما يتعداه إلى كشف المستوى الذي يمكن أن تبلغه قدراته في هذا المجال، إذا ما نال من مربيه في البيت والمدرسة، الرعاية والعناية اللازمتين.
ومن الأنواع الشائعة لهذه الاختبارات: (27)
1ـ الاختبار في القدرة الموسيقية .
2 ـ الاختبار في القدرة الفنية ، من رسم ونحت وتمثيل.
3 ـ الاختبار في القدرة الميكانيكية .
4 ـ الاختبار في القدرة الأدبية .
وبهذه الأنواع من الاختبارات نستطيع أن نحدد قابلية التلميذ في هذه المجالات،ومدى إمكانية تطوير هذه القابلية في أي من هذه المجالات، كي نوجهه الوجهة الصحيحة التي تمكنه من النجاح  فيها بتفوق .

رابعا: اختبارات التكيف الشخصي والاجتماعي: 
وهذه الاختبارات تكشف لنا عن ميول التلميذ، ومزاجه، ومشاكله الشخصية، وهي لا  تعطينا إجابات محددة صحيحة أو خاطئة عن الأسئلة المطروحة، والتي يطلب فيها من التلميذ الإجابة بما يشعر به بل تقيس جميع مظاهره الشخصية. وهذا النوع من الاختبارات له أهمية بالغة بالنسبة لعمليتي التربية والتعليم،وذلك لأن المعلم لا يستطيع أن يربي تلاميذه التربية الصحيحة، ويعلمهم بسهولة ويسر، إلا إذا فهم كل تلميذ فهماً صحيحاً، من حيث الميول، والرغبات والمزاج، والتعرف على المشاكل التي يعانيها في البيت والمدرسة، ويعمل على تذليلها.
بقي لي كلمة أخيرة أقولها بكل أسف ومرارة، أن المدارس في معظم ما يسمى بالعالم الثالث لا تهتم بهذه الأنواع من الاختبارات، وجل اهتمامها ينصب على اختبارات التحصيل الدراسي، بل لا أغالي إذا قلت أن الكثير من المعلمين لم يسمعوا عن هذه الاختبارات، ولا يعرفون شيئاً عنها، وهكذا بقيت الأساليب التربوية والتعليمية مبتورة، وسببت ضياع الجهود والإمكانيات لدى الأبناء، وعلى هذه المدارس أن تغير من أساليبها، لتلافي نواحي النقص فيها إذا شاءت النهوض بشعبها إلى مصاف الأمم المتقدمة الأخرى.

أنواع التأخر الدراسي:
يختلف التأخر الدراسي من تلميذ إلى آخر، ولكل نوع من التأخر الدراسي أسبابه وظروفه، وسبل معالجته، وإجمالاً يمكن تحديد أنواعه بما يأتي:
1 - التأخر الدراسي المرضي: ويتطلب هذا النوع علاجاً طبياً، وغالباً ما يكون علاجه صعباً، ولا شك أن العقل السليم في الجسم السليم ولا يمكن للتلميذ المريض أن يفكر وينجز مهامه الدراسية وهو يعاني من مرض جسدي .
2 ـ-  التأخر الدراسي غير طبيعي : وهذا النوع يمكن علاجه بالوسائل التربوية العلمية، وهو ما يمكن أن تقوم به المدرسة بالتعاون مع البيت، وهذا النوع من التأخر يمكن أن يكون في جميع الدروس، وقد يكون تأخراً في بعض الدروس، وقد يكون تأخراً في درس واحد فقط فقط، وقد يكون التأخر وقتياً  وقد يستمر وقتاً طويلاً ، ولكل نوع من هذه الأنواع مسبباته ووسائل علاجه. (28)
ما هي مسببات التأخر الدراسي ؟
إن أهم العوامل  المسببة للتأخر الدراسي هي التالية:
1ـ العامل العقلي:
كالتأخر في الذكاء بسبب مرضي أو عضوي .

2ـ العامل النفسي:
 كضعف الثقة بالنفس ،أو الكراهية لمادة معينة، أو كراهية معلم المادة بسبب سوء معاملته لذلك التلميذ، وأسلوبتعامل الوالدين مع أبنائهم .

3ـ العامل الجسمي:
 كون التلميذ يعاني من عاهة أو أي إعاقة بدنية.

4 ـ العامل الاجتماعي:
 ويتعلق هذا العامل بوضع التلميذ في البيت والمدرسة، وعلاقاته بوالديه ومعلميه وأخوته وأصدقائه.
 إن هذه العوامل كلها ذات تأثير مباشر في التأخر الدراسي لدى التلاميذ، وعلى ضوء دراستها نستطيع أن نعالج التلاميذ المتأخرين دراسياً والذين تثبت مقاييس الذكاء أن تخلفهم أمر غير طبيعي. ومما تجدر الإشارة إليه أن التأخر الدراسي لدى التلاميذ يصاحبه في اغلب الأحيان الهرب من المدرسة، والانحراف نحو الجرائم، من سرقة واعتداء وغيرها، ذلك أن التلاميذ الفاشلين في دراستهم يستجيبون أسرع من غيرهم لهذه الأمور بسبب شعورهم بالفشل،  وعدم القدرة على مواصلة الدراسة والتحصيل، ولو تتبعنا أوضاع وسلوك معظم المنحرفين لوجدنا أنهم خرجوا من بين صفوف التلاميذ المتأخرين دراسياً. (29)

كيف نعالج مسألة التأخر الدراسي:
 إن معالجة مسألة التأخر الدراسي  للنوع الثاني [غير الطبيعي] تتوقف على التعاون التام والمتواصل  بين ركنين أساسيينوهما البيت والمدرسة.
أولاًـ البيـت:     
 ونعني بالبيت طبعاً المهمات التربوية للآباء والأمهات، ومسؤولياتهم بتربية أبنائهم تربية صالحة، باستخدام الوسائل التربوية الحديثة القائمة على تفهم حاجات الأبناء ومشاكلهم وسبل تذليلها، حيث العائلة كما أسلفنا من قبل هي المدرسة الأولى التي ينشأ بين أحضانها أبناءنا، ويتعلموا منها الكثير. ولا يتوقف عمل البيت عند المراحل الأولى من حياة الطفل، بل يمتد ويستمر لسنوات طويلة حيث يكون الأبناء بحاجة إلى خبرة الكبار في الحياة، وهذا يتطلب منا:
1ـ الإشراف المستمر على دراستهم، وتخصيص جزء من أوقاتنا لمساعدتهم على تذليل الصعاب التي تجابههم بروح من العطف والحنان والحكمة، والعمل على إنماء أفكارهم وشخصياتهم بصورة تؤهلهم للوصول إلى الحقائق بذاتهم ، وتجنب كل ما من شأنه الحطّ من قدراتهم العقلية بأي شكل من الأشكال، لأن مثل هذا التصرف يخلق عندهم شعوراً بعدم الثقة بالنفس ويحد من طموحهم .
2ـ مراقبة أوضاعهم وتصرفاتهم وعلاقاتهم بزملائهم وأصدقائهم، وكيف يقضون أوقات الفراغ داخل البيت وخارجه، والعمل على إبعادهم عن رفاق السوء، والسمو بالدوافع، أوالغرائز التي تتحكم بسلوكهم وصقلها، وإذكاء أنبل الصفات والمثل الإنسانية العليا في نفوسهم .
 3ـ  العمل على كشف مواهبهم وهواياتهم، وتهيئة الوسائل التي تساعد على تنميتها وإشباعها.
4ـ مساعد أبنائنا على تحقيق خياراتهم، وعدم  إجبارهم على خيارات لا يرغبون فيها.
5 - تجنب استخدام الأساليب القسرية في تعاملنا معهم، وعدم النظر إليهم، والتعامل معهم  وكأنهم في مستوى الكبار، وتحميلهم أكثر من طاقاتهم، مما يسبب لهم النفور من الدرس والفشل.
6 - مساعدتهم على تنظيم أوقاتهم، وتخصيص أوقات معينة للدرس، وأخرى للراحة واللعب مع أقرانهم .




8
  دراسة تربوية
علمو ابناءكم الحياة
الحلقة الثامنة
حامد الحمداني                                24 / 11 / 2018
التدخين والكحول

من المشاكل الخطيرة التي يتعرض لها أبنائنا هي إقبال الكثير منهم على عادتي التدخين وشرب الكحول السيئتين واللتين إذا ما أدمنوا عليهما تسببان لهم افدح الأضرار.
ولا شك أن الأبناء ميالون دائماً للتقليد، وأن أقرب من يقلدوه بالدرجة الأساسية الأباء والأمهات، إضافة إلى تقليد الأصدقاء، فعندما يرى الأبناء آبائهم وأمهاتهم يدخنون، أو يتناولون الكحول، فأنهم لابد وان يشعروا بالرغبة في تجريب ذلك ولسان حالهم يقول أن آبائنا وأمهاتنا يدخنون ويتناولون الكحول فلماذا لا نمارس نحن ذلك؟
  يقول الإمام علي عليه السلام في إحدى حكمه: 
         لا تنهى عن خلق وتأتي مثله       
                                    عـارٌ عليك إذا فعلت عظيم
  كما يقول الشافعي في هذا الصدد :           
        يا أيـها الرجـل المعلم غيره         
                                  هـلا لنفسك كـان ذا التعـليمُ
      تصـف الــدواء لذي الضنى             
                                    كيما يصح به وأنت سـقيمُ
فكيف نستطيع أن نقنع أبنائنا بمخاطر التدخين والكحول ونحن نمارس هذا العمل أمامهم ؟ وهل سيصدقوننا في دعوانا ؟ أن هذا أمر مستحيل، و بكل تأكيد سنكون لهم قدوة سيئة وسنتحمل مسؤولية كبرى في انحراف أبنائنا.
إن علينا أن نعطيهم المثال والقدوة الحسنة، وعلينا أن نوضح لهم وباستمرار مخاطر هاتين العادتين السيئتين على صحتهم وحياتهم، وخاصة بعد أن اثبت الأبحاث بما لا يقبل الشك أن اخطر مسببات السرطان بأنواعه هو التدخين، إضافة إلى مخاطر أمراض القلب والكليتين، وتسوس الأسنان ..الخ.
كما ينبغي أن نوضح لهم أن الإدمان على الكحول يجعل الإنسان يفقد سيطرته على تصرفاته، ويسبب له الكثير من المشاكل، ويفقده القدرة على التركيز، وبالتالي الفشل في وضياع مستقبله.
كما أن على الآباء والأمهات أن يلاحظوا أبنائهم ويتحسسوا روائحهم وروائح ملابسهم للتأكد ما إذا كان أبناءهم يدخنون أو يتناولون الكحول، ويجب أن يعرفوا كيف يصرف أبناءهم النقود ، وهل أن ما صرفوه مساوياً لما أعطوه لهم أم لا ؟ وأن يتأكدوا من مصادر النقود أن كانت تزيد عن ما أعطوه لهم ، إذ ربما يلجأ الأبناء إلى طرق غير مشروعة للحصول على النقود من أجل تأمين السجائر أو الكحول  وعليهم أن يتعرفوا على أصدقائهم، وعلى سلوكهم، من أجل إبعادهم عن
 رفاق السوء.
إن على المدرسة أن تقوم بدورها في تحذير التلاميذ من مخاطر هاتين العادتين عن طريق تقديم دروس عملية ونظرية مدعمة بوسائل الإيضاح البصرية والسمعية عن مضار هاتين العادتين السيئتين، والاستعانة بالأفلام التي يمكن الحصول عليها من وزارة الصحة، والتي تبين الأضرار الجسيمة التي تصيب المدمنين.
وتقع على عاتق الدولة مسؤولية حشد وسائل الأعلام  المتوفر لديها للتحذير باستمرار من أخطار الإدمان، وعرض نماذج لما تعرض له الكثير من المدمنين، ومنع التدخين في المحلات العامة، ومنع الدعاية لها. كما ينبغي أن  تلعب الصحافة دوراً فعّالا في هذا المجال.
خامساً : المخدرات 
إنها وبكل تأكيد أخطر ما يواجه أجيالنا اليوم، أنها تفوق كل المخاطر الأخرى التي يمكن أن يتعرض لها أبناءنا، إنها تسرق منا أبنائنا، وتحيلهم حطاماً، وتدمر مستقبلهم ، وتدفعهم إلى الجريمة من أجل تأمين النقود اللازمة لشرائها إذا ما أدمنوا عليها .
إن العصابات المجرمة الساعية إلى الإثراء السريع على حساب حياة أبنائنا ومستقبلهم يلجئون إلى أبشع أسلوب في جرهم إلى تناول المخدرات ، وبالتالي الإدمان، فهم يحاولون في بادئ الأمر تزويدهم بالمخدرات بصورة مجانية لعدة مرات ريثما يدمنون عليها فلا يستطيعون الاستغناء عنها، وبذلك يصبح المدمن مضطراً إلى اللجوء إلى مختلف الوسائل والسبل للحصول على النقود لشراء المخدرات  ويتحولون شيئاً فشيئاً إلى عناصر مدمنة على الأجرام . ورغم أن الدولة تكافح بكل الوسائل والسبل تهريب المخدرات إلى داخل البلد، وتتابع المشبوهين في المتاجرة فيها والمدمنين عليها، إلا أن هذا الأجراء وحده لا يكفي، لأن يداً واحدة لا تصفق.
أن مكافحة المخدرات تتطلب تعاوناً وثيقاً بين الدولة من جهة وأولياء أمور الأبناء والمدرسة من جهة أخرى، وعلى الأباء والأمهات والمعلمين وإدارات المدارس أن تراقب أوضاع التلاميذ وتصرفاتهم وعلاقاتهم داخل المدرسة وخارجها. ولاشك أن تصرفات الأبناء وسلوكهم وعلاقاتهم بغيرهم، وخاصة من غير المحيط المدرسي، يمكن أن تكشف لنا عما إذا كان الأبناء يتناولون المخدرات أم لا، وبالإمكان ملاحظة جملة من التغيرات التي تطرأ على المراهقين الذين يتعاطون المخدرات والتي من أبرزها: (15)
1ـ الفقدان المفاجئ للاهتمام بالأسرة وبعلاقاتهم الطويلة المدى بأصدقائهم.
2 ـ مصاحبة أصدقاء وأفراد غير معروفين سابقاً.
3 ـ تدني مستوى التحصيل الدراسي المفاجئ.
4 ـ تقلب المزاج، والاكتئاب.
5 ـ ضعف النشاط والحيوية.
6ـ سرعة الاستثارة الغضب، والصراع غير العادي مع أفراد الأسرة.
7 ـ بُطء الكلام واضطرابه.
8 ـ نقص الوزن أو زيادته بصورة ملحوظة.
9 ـ الرجوع إلى المنزل مخموراً أو متبلداً.
10 ـ إحضار المواد المخدرة إلى المنزل والتباهي بامتلاكها.
11 ـ ممارسة السرقة.
12 ـ طلب النقود بصورة غير عادية ودون مبرر واضح.
13 ـ التحذير من قبل المعلمين أو الجيران أو الأقران.

أسباب توجه المراهقين نحو المخدرات:

 أن أهم الأسباب التي تشجع المراهقين على تناول المخدرات يمكن إجمالها بما يلي :
1ـ عامل البيئة والظروف الأسرية التي يعيش فيها الفرد، وخاصة الأبناء الذين تربطهم علاقات ضعيفة بالوالدين.
2ـ السلوك المتسم بالقسوة والرفض من قبل الوالدين، والذي يقابله التمرد والسلوك المضاد للمجتمع من قبل المراهقين.
3 ـ التصدع الأسري والانفصال والطلاق بين الوالدين.
4 ـ استخدام المواد المخدرة من قبل أحد الوالدين أو كليهما.
ومما تقدم يتبين لنا أن هناك خصائص عامة مشتركة تميز البيئة الأسرية التي ينتمي إليها مدمني المخدرات وذوي الاضطرابات السلوكية.
  أن على الأهل قبل كل شيء أن يكونوا القدوة الحسنة، والمثال الجيد لأبنائهم أولاً، وأن يراقبوا ويدققوا في أوضاعهم، ويحرصوا على معرفة كيفية حصول الأبناء على النقود، وهل أن ما لديهم وما يصرفوه يزيد على ما يُعطى لهم، والبحث والتدقيق عن مصدر تلك النقود الزائدة. إن عليهم الحرص على كون أصدقاء أبنائهم ممن يتصفون بالأخلاق الفاضلة والسلوك الحميد.
 ولاشك أن اللجوء إلى العنف إذا ما شعر الأهل بتناول أبنائهم المخدرات لا يمنعهم من نبذ هذه الآفة، وان السبيل الصحيح لمعالجة ذلك هو الاتصال بالمؤسسة الصحية التي تقوم بمعالجة المدمنين حيث أن لديها الوسائل الكفيلة بإنقاذ أبنائنا من هذا الوباء الوبيل، ومن تلك الوسائل استخدام العقاقير الطبية والتحليل النفسي، وتعديل السلوك في الأماكن المنعزلة [المصحات] هذا بالإضافة إلى جهود البيت والمدرسة في هذا السبيل .
كما أن علينا أن نتعاون في كشف العصابات التي تسعىإلى بث هذه السموم في المجتمع ، وإبلاغ السلطات عنهم لكي يتم تقديمهم إلى المحاكم المختصة لينالو عقابهم الذي يستحقونه وإنقاذ أجيالنا من شرورهم.

9
دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة التاسعة
حامد الحمداني                                      27 / 11 /2018

مشاكل التأخر الدراسي

يتشكى الكثير من الآباء والأمهات من حالة التأخر الدراسي التي يعاني منها أبناءهم ، غير مدركين للأسباب الحقيقية وراء هذا التأخر وسبل علاجها، وقد يلجأ البعض منهم إلى الأساليب غير التربوية والعقيمة، كالعقاب البدني مثلاً في سعيهم لحث أبنائهم على الاجتهاد، ولاشك أن الأساليب القسرية لا يمكن أن تؤدي إلى تحسين أوضاع أبنائهم، بل على العكس يمكن أن تعطينا نتائج عكسية لما نتوخاه .

إن معالجة مشكلة التأخر الدراسي لدى أبنائنا وبناتنا تتطلب الاستعانة بالأساليب التربوية الحديثة القائمة على العلم، فهي المنار الذي يمكن أن نهتدي بها للوصول إلى ما نصبوا له لأجيالنا الناهضة من تقدم ورقي وهذا بدوره يتطلب منا أن الإجابة على الأسئلة التالية:

1 ـ كيف نحدد التأخر الدراسي؟
2 ـ ما هي أنواع التأخر الدراسي؟
3 ـ ما هي مسببات التأخر الدراسي؟
4 ـ كيف يمكن علاج التأخر الدراسي؟

كيف نحدد التأخر الدراسي:
لكي نستطيع تحديد كون التلميذ متأخر دراسياً أم لا ينبغي الاستعانة بالاختبارات التالية :
1ـ اختبارات الذكاء .
2 ـ اختبارات القدرات .
3 ـ اختبارات التكيف الشخصي والاجتماعي. (24)
وسأحاول أن أقدم لمحة موجزة عن هذه الاختبارات وما يمكن أن تكشفه لنا كل واحدة منها من معلومات هامة ومفيدة تساعدنا على التعرف على مستوى ذكاء التلميذ، وما إذا كان عمره العقلي يتناسب مع عمره الزمني، أم انه أعلى، أم أدنى من ذلك، وتدلنا على الوسائل التي يمكن الاستعانة بها لمعالجة أسباب تأخره، وتوجيهه الوجهة الصحيحة، وملافات الهدرالذي يمكن أن يصيب العملية التعليمية والتربوية إذا ما أهمل هذا الجانب من الاختبارات.

أولاً: اختبارات الذكاء:
الذكاء كما هو معلوم، القدرة على التعلم واكتساب الخبرات، وكلما زاد الذكاء، كلما زادت القدرة على التعلم، وطبيعي أن الأطفال جميعاً يختلفون بعضهم عن بعض بنسبة الذكاء، كاختلافهم في القدرة الجسمية سواء بسواء. ولقد كان العلماء فيما مضى يهتمون بكمية الذكاء لدى الطفل بصورة عامة، إلا أن الأبحاث الجديدة كشفت أن للذكاء أنواع متعددة، فقد نجد تلميذاً متفوقاً في الرياضيات، ولكنه ضعيف في الإنشاء والتعبير. إن لاختبارات الذكاء أهمية قصوى وينبغي أن تأخذها مدارسنا بالحسبان لكي تستطيع أن تؤدي عملها بنجاح.

ماذا تكشف لنا اختبارات الذكاء ؟
1ـ تعرفنا هذه الاختبارات إن كان تحصيل التلميذ متفقاً مع قدراته ، أم أن تحصيله أقل من ذلك ، وإلى أي مدى؟
2ـ تساعدنا على تقبل نواحي النقص، أو الضعف لدى التلميذ فلا نضغط عليه، ولا نحمله ما لا طاقة له به، فيهرب من المدرسة، ويعرض مستقبله للضياع .
3ـ تساعدنا على تحديد نواحي الضعف وامكانية معالجتها.
4ـ توضح لنا الفروق الفردية بين التلاميذ، ولهذا الأمر أهمية بالغة جداً، لا يمكن لأي معلم ناجح الاستغناء عنها.
5ـ تساعدنا هذه الاختبارات على تحديد نواحي القوة والتفوق لدى التلميذ ، والتي يمكن الاستعانة بها على معالجة نواحي الضعف لديه .
6- تساعدنا هذه الاختبارات على توجيه التلميذ الوجهة الصحيحة، فلا يكون معرضاً للفشل وضياع الجهود والأموال. (25)
وهكذا يتبين لنا أن الاهتمام بمثل هذه الاختبارات يتسم بأهمية كبيرة إذا ما أردنا النجاح في عملنا التربوي، وتجنبنا إضاعة الجهود، وحرصنا على أحوال التلاميذ النفسية، وجنبناهم كل ما يؤدي إلى الشعور بالفشل، وضعف الثقة بالنفس، وعدم القدرة، والشعور بالنقص، وربما يلجأ التلميذ إلى الهروب من المدرسة إذا ما وجد نفسه غير قادر على القيام بواجباته المدرسية شأنه شأن بقية زملائه في الصف. وتضم اختبارات الذكاء نوعين:

1 ـ نوع يقيس القدرة العقلية بصورة عامة: (26)
ويوضح لنا العلاقة بين [العمر العقلي]و[العمر الزمني]للتلميذ، وتعبرعنه هذه النتيجة بـ [ نسبة الذكاء ] حيث تقاس نسبة الذكاء بحاصل قسمة العمر العقلي على العمر الزمني مضروباً في 100، فلو فرضنا أن طفلاً عمره الزمني يعادل 10 سنوات، وأن نتائج اختبارات الذكاء بينت أن عمره العقلي يعادل 9 سنوات فإن نسبة الذكاء لديه تساوي 90% . ومن الواضح أن التلميذ المتوسط تكون نسبة ذكائه 100 %،
فمن كان نسبة ذكائه ما بين 80 إلى 90% كان ذكاء ذلك التلميذ دون المتوسط. ومن كان نسبة ذكائه من بين 90 إلى 110 فهو متوسط الذكاء .
ومن كانت نسبة ذكائه ما بين 110 إلى 120 كان ذكياً
ومن كانت نسبة ذكائه ما بين 120 إلى 140 كان ذكياً جداً .
ومن كان نسبة ذكائه ما فوق 140 كان التلميذ عبقرياً.

2 ـ نوع يقيس الأنواع المختلفة للقدرات العقلية:
وهذا النوع يبين لنا موطن الضعف،وموطن القوة،إلى جانب الذكاء الكلي، وطبيعي أن هذا النوع أدق من الاختبارالأول.
كان علماء النفس يعتقدون أن نسبة الذكاء ثابتة، وغير قابلة للتغيير، ولا زال البعض منهم يأخذ بهذه الفكرة، غير أن الدلائل تشير إلى أن النمو في قدرة الطفل العقلية لا تسير على وتيرة واحدة، ولا بشكل منتظم، بل تتخلله حالات من البطء، وحالات من السرعة، وهي تتوقف على طبيعة النمو وعوامله المختلفة.
إن الذكاء يتأثر حتماً بالتفاعل بين عاملي [الوراثة] و[البيئة] وإذا ما تبين أن ذوي التلميذ لا يعانون من أي عوق أو تخلف عقلي أو اضطرابات نفسية، وإذا ما توفرت البيئة الصحية والطبيعية الملائمة، فإن النمو يجري على أحسن الوجوه.
غير أن هناك حقيقة لا ينبغي إغفالها أبداً وهي أن اختبارات الذكاء قد لا توصلنا إلى حد الكمال وذلك لوجود عوامل مختلفة تؤثر على مدى دقتها كالمرض والاضطراب النفسي والخبرة التي اكتسبها الطفل من بيئته لأنها تلعب دوراً مهماً في الموضوع.
وعلى كل حال يمكننا أن نحصل على النتائج المفيدة إلى حد بعيد إذا ما كانت الاختبارات التي أجريناها دقيقة، وإذا ما أخذنا في الاعتبار جميع العوامل المؤثرة في هذا المجال، وينبغي لنا أن نؤكد على أن نجاح التلميذ في اختبارات الذكاء لا يعني أنه لن يفشل في دراسته العليا، إذا ما اجبرالتلميذ على دراسة فرع لا يرغب به، وليست له القدرة عليه.
ولذلك لابدّ أن تكون هناك اختبارات أخرى تحدد لنا الاتجاه الذي ينبغي للتلميذ أن يسلكه.

10
دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
حامد الحمداني                            الحلقة السادسة                23/ 11 /2018     
                                 
                                                   { السرقة }
السرقة نوع من السلوك يعّبر به صاحبه عن حاجة شخصية  أو نفسية، وهي كصفة الكذب ليست عادة فطرية، بل مكتسبة وأساسها الرغبة في التملك بالقوة، وبدون وجه حق،أو بسبب العوز والحاجة، وخاصة عند ما يجد الطفل زملائه يحصلون من ذويهم على كل ما يشتهون ويطلبون، وعدم قدرته على إشباع حاجاته ورغباته أسوة بزملائه، وهذه الصفة ذات تأثير اجتماعي سيئ جداً، لأن ضررها يقع على الآخرين، ولمعالجة هذه الظاهرة لدى أبنائنا يتطلب منا أولاً أن نتعرف على دوافع السرقة، والتي يمكن تلخيصها بما يلي :
 دوافع السرقة :
1 ـ دوافع ظاهرية : وتتلخص هذه الدوافع في :
أ- الرغبة في إشباع الحاجة، ويتمثل أخطرها لدى المراهقين المدمنين على المخدرات.
ب ـ الرغبة في إشباع الميول والعاطفة والهوايات.
      ج ـ الرغبة في التخلص من مأزق.
       د ـ الرغبة في الانتقام .

2 ـ دوافع لاشعورية: وهي ناجمة عن علاقة السارق بالبيئة التي يعيش فيها، والعلاقات الاجتماعية السائدة فيها، حيث يتعلم الأبناء من ما حولهم من الأولاد المنحرفين سلوكياً.
ولابد أن أشير إلى أن السرقة لها حالات مختلفة، فقد تكون السرقة فردية، وقد تكون جماعية، وقد يسرق الشخص نوعاً معيناً من الأشياء، أو أنواعاً متعددة، وقد يكون السارق تابعاً، وقد يكون متبوعاً، وقد تكون السرقة رغبة ذاتية، وقد تكون بالإكراه، ولاشك أن لكل واحدة من هذه الأنواع طريقة معينة للعلاج تختلف عن الأخرى.

كيف نعالج مشكلة السرقة ؟
يرى علماء التربية وعلم النفس أن السرقة تتطلب أن يكون لدى السارق مهارات عقلية وجسمية هامة تمكنه من القيام بهذا العمل الخطير والضار، وقد تم تحديدها بما يلي :
   أ ـ سرعة الحركة، وخصوصاً حركة الأصابع .
   ب ـ دقة الحواس، من سمع وبصر.
   ج ـ الجرأة وقوة الأعصاب.
    د ـ  الذكاء.
    و ـ الملاحظة الدقيقة والاستنتاج. (14)

وطبيعي أن هذه المهارات تكون ذات فائدة عظمى بالنسبة لأبنائنا إذا ما وجهت توجهاً خيراً وصحيحاً، وإن بالإمكان أن نوجهها كذلك إذا اتبعنا الأساليب التربوية الصحيحة.
 فلو وجدنا مثلاً طفلاً يمد يده إلى شيء لا يملكه، فيجب أن نعلمه بشكل هادئ أن عليه أن يستأذن قبل أن يأخذه، لأن هذا الشيء لا يعود إليه، وينبغي عدم اللجوء إلى التعنيف وكيل الأوصاف القاسية من لصوصية وغيرها لآن هذا الأسلوب له نتائج عكسية لما نبتغي.
كما أن علينا أن لا نصف الطفل عند قيامه بهذا العمل للمرة الأولى بأنه لص أو ما شابه ذلك، حيث أن لهذا التصرف تأثير سييء على مستقبل الطفل، بل علينا أن نتتبع دوافع السرقة لنتمكن من اتخاذ الوسائل الكفيلة بعلاجه، ونعمل على إشباع رغبته التي دفعته للسرقة بالطرق والأساليب الصحيحة لنجعله قادراً على ضبط رغباته والتحكم فيها.

كما أن علينا أن نخلق لدى الطفل شعوراً بالتملك الشخصي، ونعلمه ما يخصه وما لا يخصه،  وكيف يحافظ على الأشياء التي تخصه. ولابدّ لنا أن نخصص لأبنائنا مصروفاً يومياً، مع الأشراف على طريقة صرفهم للنقود، وتعويدهم على عادة الادخار.

 إن الطفل الذي يرى زملائه يصرفون النقود ويشترون داخل المدرسة وخارجها ، ولا يجد لديه ما يشتري به أسوة بزملائه  ربما يلجأ إلى الحصول على النقود أو الأشياء بطريق غير شرعي، وغير سليم.

وأخيراً فأن تعزيز الصداقة بين الأبناء وأصدقائهم، والمعاملة الطيبة التي يلقونها في البيت والمدرسة من قبل الآباء والأمهات والمعلمين والإدارة عامل هام لمنع وقوع السرقة، فمن المعروف أن الصديق لا يفكر بالسرقة من صديقه.

 إن علينا أن نستغل الجوانب الإيجابية لدى أبنائنا من أجل رفع مستواهم العقلي والاجتماعي، وجعلهم يشعرون  بقيمتهم في المجتمع عند ما يكونوا أمناء، كما أن إشباع حاجاتهم المادية يجعلهم لا يشعرون بوجود تباين طبقي بين طفل وآخر، وهذا هو أحد الأسباب الهامة التي تمنع وقوع السرقة بين أبنائنا.

ولابد أن أشير إلى أن الطفل الذي ينشأ في بيئة تحترم الصدق قولاً وعملاً، غالبا ما ينشأ أمينا في أقواله وأعماله، وخاصة إذا وفرنا له حاجاته النفسية الطبيعية ، من الاطمئنان والحرية والتقدير والعطف ، والشعور بالنجاح ، فإذا ما وفرنا له كل ذلك فإنه لن يلجأ إلى التعويض عن النقص، أو التوجه نحو القسوة أو الانتقام وغيرها من الاتجاهات التي تجد في أنواع الكذب صوراً مناسبة للتعبير عن نفسها.

 ثالثاً : التشاجر، والتخريب، وحب الاعتداء :
من المشاكل التي نواجهها لدى أبنائنا سواء كان ذلك في المدرسة أو خارجها، هي الميل الموجود لديهم للتخريب وللتشاجر والاعتداء على بعضهم البعض، والانتقام والمعاندة والمشاكسة والتحدي والاتجاه نحو التعذيب والتنغيص وتعكير الجو العام، وإحداث الفتن.
 ويصاحب الاعتداء والتشاجر عادةً حالة من نوبات الغضب بصور ودرجات مختلفة، والغضب كما هو معروف حالة نفسية يشعر بها كل إنسان، لكنهم يختلفون في أساليب التعبير وفي ردود أفعالهم عند ما تنتابهم نوبة الغضب.
 فقد يلجأ أحدهم إلى الضرب او إلى التخريب والاعتداء على الممتلكات وغيرها، و قلما يمر يوم واحد دون أن نجد العشرات من الحوادث من هذا القبيل، ولابد أن نسأل أنفسنا:
 لماذا يحدث هذا الميل لدى الأبناء ؟ وما هي سبل العلاج ؟
لقد ذكرنا فيما سبق أن لدى كل إنسان استعداد فطري متأصل  [غريزة المقاتلة والخصام ]، ونحن لا  يمكننا أن نقتلع هذه الغريزة مطلقاً، وإن أي محاولة من هذا النوع ليس فقط سيكون مصيرها الفشل، بل أنها سوف تؤثر تأثيراً سلبياً بالغاً على شخصية الطفل، بحيث يغدو جباناً، ومنطوياً على نفسه  يتملكه الخوف، ويتسم بضعف الشخصية.

 فالواجب يقتضي منا أن نعمل على توجيه هذه الغريزة نحو البناء لا الهدم، وعلينا أن نخلق جيلاً شجاعاً يعتد بشخصيته، وأن نغرس فيه روح المحبة للإنساني، وأن نخلق البيئة اللازمة لأبنائنا التي تستطيع إعطاءهم الأمن والاحترام والتقدير، وأن نهيئ لهم نشاطاً اجتماعياً مفيداً يعبرون فيه عن نوازعهم، ويستخدمون طاقاتهم في مختلف المجالات الرياضية والاجتماعية والأدبية وغيرها.

ولا بدّ أن أشير هنا إلى أن الوراثة لها دور كبير في انحراف الأبناء، فلا بدّ والحالة هذه من دراسة الأوضاع العائلية في كل حالة بصورة دقيقة، والوقوف أوضاع وسلوك أبويه واخوته، لكي نستطيع معالجة ذلك بشكل صحيح. ينبغي علينا أن لا نقيد حرية أبنائنا بشكل قاسٍ، وطبيعي يجب أن لا نمنحهم الحرية المطلقة ليفعلوا ما يشاءون، إذ أن كلا الحالتين تؤديان إلى ضرر بليغ.

كما أن على الآباء والأمهات والمعلمين أن لا يقابلوا غضباً بغضب، بل ينبغي معالجة المشاكل بحكمة وهدوء ودراية، وأن نوجه الأبناء الميالين للعنف نحو الألعاب الرياضية والفن والرسم والمسرح  لكي يستنفذوا طاقاتهم في هذا المجال، وعلى المربين أن يشيعوا داخل المدرسة جواً مشبعاً بالود والمحبة تجاه التلاميذ بحيث يشعرونهم أنهم يعيشون في جو عائلي حقيقي تسوده المحبة ويتصف بالتعاطف والتعاون بين أفرادها.



11

علموا ابنائكم الحياة / الحلقة السادسة
حامد الحمداني                            2018 / 11 / 18


المشاكل السلوكية المكتسبة

يقصد بالمشاكل السلوكية المكتسبة العادات السيئة التي لا ترجع إلى أية دوافع فطرية، بل يكتسبها الأبناء من المحيط الذي يعيشون فيه، عن طريق التقليد، فهي إذا ليست حتمية، وبالتالي يمكن تجنبها إذا ما نجحنا في تربية أبنائنا تربية صالحة وحذرناهم من عواقب هذا السلوك الذي لا يجلب لهم إلا الشر والأذى، ويمكننا أن نحدد أهم تلك العادات السيئة والخطرة والتي تصيب أبنائنا بأفدح الأضرار، والتي ينبغي أن نعير لمعالجتها أهمية خاصة بما يأتي :
1 ـ الكذب .   
2ـ السرقة .   
3 ـ التشاجر وحب الاعتداء .
4ـ التدخين والكحول .   
5 ـ المخدرات
وسأحاول فيما يلي أن أقدم نبذة عن هذه الآفات وسبل حماية أبنائنا من أخطارها.
1 ـ الكذب :
الكذب من ابرز العادات الشائعة لدى الأبناء، والتي قد تستمر معهم في الكبر إذا ما تأصلت فيهم، وهذه العادة ناشئة في اغلب الأحيان عن الخوف، وخاصة في مرحلة الطفولة،من عقاب يمكن أن ينالهم بسبب قيامهم بأعمال منافية للأخلاق، أو بسبب محاولتهم تحقيق أهداف وغايات غير مشروعة، ويكون الغرض منه بالطبع حماية النفس. وللكذب صلة بعادتين سيئتين أخريين هما السرقة والغش، ويمكن إجمال هذه الصفات الثلاثة السيئة بـ [ عدم الأمانة ]، حيث يلجأ الفرد للكذب لتغطية الجرائم التي يرتكبها للتخلص من العقاب، وقد وجد الباحثون في جرائم الأحداث بنوع خاص أن من اتصف بالكذب يتصف عادة بصفتي الغش والسرقة، فهناك صلة وثيقة تجمع بين هذه الصفات، فالكذب والغش والسرقة صفات تعني كلها [عدم الأمانة].
يلجأ الكثير من المربين إلى الأساليب القسرية لمنع الناشئة من تكرار هذه العادة، غير أن النتائج التي حصلوا عليها هي أن هؤلاء استمروا على هذا السلوك ولم يقلعوا عنه، وعلى هذا الأساس فإن معالجة الكذب لدى أبنائنا يحتاج إلى أسلوب آخر، إيجابي وفعّال، وهذا لا يتم إلا إذا درسنا هذه الصفة وأنواعها ومسبباتها، فإذا ما وقفنا على هذه الأمور استطعنا معالجة هذه الآفة الخطيرة.
أنواع الكذب : (11)
1 ـ الكذب الخيالي :
كأن يصور أحد الأبناء قصة خيالية ليس لها صلة بالواقع، وكثيراً ما نجد قصصاً تتحدث عن بطولات خيالية لأناس لا يمكن أن تكون حقيقية. إن علينا كمربين أن نعمل على تنمية خيال أطفالنا لكونه يمُثل جانباً إيجابياً في سلوكهم، وذو أهمية تربوية كبيرة، وحثهم لكي يربطوا خيالهم الواسع بالواقع من أجل أن تكون اقرب للتصديق والقبول.
غير أن الجانب السلبي في الموضوع هو إن هذا النوع يمكن أن يقود صاحبه إلى نوع آخر من الكذب أشد وطأة، وأكثر خطورة إذا لم أن نعطيه الاهتمام اللازم لتشذيبه وتهذيبه .
2 ـ الكذب الإلتباسي :
وهذا النوع من الكذب ناشئ عن عدم التعرف أو التأكد من
أمر ما، ثم يتبين أن الحقيقة على عكس ما رواه لنا الشخص
الشخص فهو كذب غير متعمد، وإنما حدث عن طريق الالتباس، وهذا النوع ليس من الخطورة بمكان. وهنا ينبغي أن يكون دورنا بتنبيه أبنائنا إلى الاهتمام بالدقة وشدة الملاحظة تجنباً للوقوع في الأخطاء.
3 ـ الكذب الادعائي :
وهذا النوع من الكذب يهدف إلى تعظيم الذات، وإظهارها بمظهر القوة والتسامي لكي ينال الفرد الإعجاب، وجلب انتباه الآخرين، ومحاولة تعظيم الذات، ولتغطية الشعور بالنقص، وهذه الصفة نجدها لدى الصغار والكبار على حد سواء. فكثيراً ما نجد أحداً يدعي بشيء لا يملكه، فقد نجد رجلاً يدعي بامتلاك أموال طائلة، أو مركز وظيفي كبير، أو يدعي ببطولات ومغامرات لا أساس لها من الصحة، وعلينا في مثل هذه الحالة أن نشعر أبنائنا أنهم إن كانوا اقل من غيرهم في ناحية ما فإنهم احسن من غيرهم في ناحية أخرى وعلينا أن نكشف عن كل النواحي الطيبة لدى أطفالنا وننميها ونوجهها الوجهة الصحيحة لكي نمكنهم من العيش في عالم الواقع بدلاً من العيش في عالم الخيال الذي ينسجونه لأنفسهم، وبذلك نعيد لهم ثقتهم بأنفسهم، ونزيل عنهم الإحساس بالنقص.
4 ـ الكذب الانتقامي :
وهذا النوع من الكذب ناشئ بسبب الخصومات التي تقع بين الأبناء وخاصة التلاميذ، حيث يلجأ التلميذ إلى إلصاق تهم كاذبة بتلميذ آخر بغية الانتقام منه، ولذلك ينبغي علينا التأكد من كون التهم صحيحة قبل اتخاذ القرار المناسب إزاءها، وكشف التهم الكاذبة، وعدم فسح المجال أمام أبنائنا للنجاح في عملهم هذا كي يقلعوا عن هذه العادة السيئة.
5 ـ الكذب الدفاعي :
وهذا النوع من الكذب ينشأ غالباً بسبب عدم الثقة بالأباء والأمهات بسبب كثرة العقوبات التي يفرضونها على أبنائهم، أو بسبب أساليب القسوة والعنف التي يستعملونها ضدهم في البيت مما يضطرهم إلى الكذب لتفادي العقاب، وهذا النوع من الكذب شائع بشكل عام في البيت والمدرسة.
فعندما يعطي المعلم لطلابه واجباً بيتيا فوق طاقتهم ويعجز البعض عن إنجازه نراهم يلجئون إلى اختلاق مختلف الحجج والذرائع والأكاذيب لتبرير عدم إنجازهم للواجب، وكثيراً ما نرى قسماً من التلاميذ يقومون بتحوير درجاتهم من الرسوب إلى النجاح في الشهادات المدرسية خوفاً من ذويهم.
وفي بعض الأحيان يكون لهذا النوع من الكذب ما يبرره حتى لدى الكبار، فعندما يتعرض شخصاً ما للاستجواب من قبل سلطات الأنظمة القمعية بسبب نشاطه الوطني، يضطر لنفي التهمة لكي يخلص نفسه من بطش السلطات، وفي مثل هذه الأحوال يكون كذبه على السلطات مبرراً.
إن معالجة هذا النوع من الكذب يتطلب منا آباء ومعلمين أن ننبذ الأساليب القسرية في تعاملنا مع أبنائنا بصورة خاصة، ومع الآخرين بصورة عامة كي لا نضطرهم إلى سلوك هذا السبيل.
6 ـ الكذب الوقائي [ الدفاعي :
وهذا النوع من الكذب نجده لدى بعض الأبناء الذين يتعرض أصدقاءهم لاتهامات معينة فيلجئون إلى الكذب دفاعاً عنهم . فلو فرضنا أن تلميذاً أقدم على كسر زجاجة إحدى نوافذ الصف، فإننا نجد بعض التلاميذ الذين تربطهم علاقة صداقه وثيقة معه ينبرون للدفاع عنه، نافين التهمة رغم علمهم بحقيقة كونه هو الفاعل.
وعلى المربي في هذه الحالة أن يحرم هؤلاء من الشهادة في الحوادث التي تقع مستقبلاً لكي يشعروا أن عملهم هذا يقلل من ثقة المعلم بهم، وعليه عدم اللجوء إلى الأساليب القسرية لمعالجة هذه الحالات، وتشجيع التلاميذ على الاعتراف بالأخطاء والأعمال التي تنسب لهم، وان نؤكد لأبناء أن الاعتراف بالخطأ سيقابل بالعفو عنهم، وبذلك نربي أبناءنا على الصدق والابتعاد عن الكذب.
7 ـ الكذب الغرضي [ الأناني ] :
ويدعى هذا النوع من الكذب كذلك [الأناني ]، وهو يهدف بالطبع إلى تحقيق هدف يسعى له بعض الأبناء للحصول على ما يبتغونه، فقد نجد أحدهم ممن يقتر عليه ذويه يدعي انه بحاجة إلى دفتر أو قلم أو أي شيء آخر بغية الحصول على النقود لإشباع بعض حاجاته المادية، وهذا يتطلب من الأهل أن لا يقتروا على أبنائهم فيضطرونهم إلى سلوك هذا السبيل.
8 ـ الكذب العنادي:
ويلجأ الطفل إلى هذا النوع من الكذب لتحدي السلطة سواء في البيت أو في المدرسة عندما يشعر أن هذه السلطة شديدة الرقابة وقاسية، قليلة الحنو في تعاملها معه، فيلجأ إلى العناد، وهو عندما يمارس مثل هذا النوع من الكذب فإنه يشعر بنوع من السرور.
ويصف الدكتور عبد العزيز القوصي حالة تبول لا إرادي لطفل تتصف أمه بالجفاف الشديد، فقد كانت تطلب منه أن لا يشرب الماء قبل النوم، لكنه رغبة منه في العناد كان يذهب إلى الحمام بدعوى غسل يديه ووجهه، لكنه كان يشرب كمية من الماء دون أن تتمكن أمه من ملاحظة ذلك، مما يسبب له التبول اللاإرادي في المنام ليلاً. (12)
9 ـ الكذب التقليدي:
ويحدث هذا النوع من الكذب لدى الأطفال حيث يقلدون آبائهم وأمهاتهم الذين يكذب بعضهم على البعض الآخر على مرأى ومسمع منهم، أو أن يمارس الوالدان الكذب على الأبناء، كأن يَعِدان أطفالهم بشراء هدية، أو لعبة ما، ولا يوفيان بوعودهما فيشعرون بأن ذويهم يمارسون الكذب عليهم، فيتعلمون منهم صفة الكذب التي يمكن أن تترسخ لديهم هذه العادة بمرور الوقت.
إن على الوالدين أن يكونا قدوة صالحة لأبنائهم، وأن يكونا صادقين وصريحين في التعامل معهم، فهم يتخذونهم مثالاً يحتذون بهم كيفما كانوا، فإن صلح الوالدين صلح الأبناء في غالب الأحيان ، وإن فسدوا فسد أبناؤهم.

10 ـ الكذب المرضي المزمن :
وهذا النوع من الكذب نجده لدى العديد من الأشخاص الذين اعتادوا على الكذب، ولم يعالجوا بأسلوب إيجابي وسريع فتأصلت لديهم هذه العادة بحيث يصبح الدافع للكذب لاشعورياً وخارجاً عن إرادتهم، وأصبحت جزءاً من حياتهم ونجدها دوما في تصرفاتهم وأقوالهم.
فهم يدعون أموراً لا أساس لها من الصحة، ويمارسون الكذب في كل تصرفاتهم وأعمالهم، وهذه هي اخطر درجات الكذب، واشدها ضرراً، وعلاجها ليس بالأمر السهل ويتطلب منا جهوداً متواصلة ومتابعة مستمرة.
كيف نعالج مشكلة الكذب ؟
لمعالجة هذه الآفة الاجتماعية لدى أبنائنا ينبغي لنا أن نلاحظ ما يلي:
1 ـ التأكد إذا ما كان الكذب لدى أبنائنا نادراً أم متكرراً .
2 ـ إذا كان الكذب متكرراً فما هو نوعه ؟ وما هي دوافعه ؟
3ـ عدم معالجة الكذب بالعنف أو السخرية والإهانة، بل ينبغي دراسة الدوافع المسببة للكذب .
4ـ ينبغي عدم فسح المجال للكاذب للنجاح في كذبه، لأن النجاح يشجعه على الاستمرارعليه.
5 ـ ينبغي عدم فسح المجال للكاذب لأداء الشهادات.
6ـ ينبغي عدم إلصاق تهمة الكذب جزافاً قبل التأكد من صحة الواقعة.
7ـ ينبغي أن يكون اعتراف الكاذب بذنبه مدعاة للتخفيف أو العفو عنه، وبهذه الوسيلة نحمله على قول الصدق.
8ـ استعمال العطف بدل الشدة، وحتى في حالة العقاب فينبغي أن لا يكون العقاب اكبر من الذنب بأية حال من الأحوال.
9 ـ عدم إرهاق التلاميذ بالواجبات البيتية.
10ـ عدم نسبة أي عمل يقوم به المعلمون أو الأهل إلى التلاميذ على أساس انه هو الذي قام به، كعمل النشرات المدرسية، أو لوحات الرسم وغيرها من الأمور الأخرى.

وختاماً ينبغي أن نكون صادقين مع أبنائنا وطلابنا في كل تصرفاتنا وعلاقاتنا معهم، وأن ندرك أن الطفل الذي ينشأ في محيط يحترم الصدق يتعود عليه، وأنه إذا ما توفر له الاطمئنان النفسي والحرية والتوجيه الصحيح فإن الحاجة تنتفي إلى اللجوء إلى الكذب . (13)


12


دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة الخامسة
حامد الحمداني                                15/11/2018

12 ـ الغريزة الجنسية :
وتعتبر هذه الغريزة من أقوى الغرائز البشرية وأخطرها في الوقت نفسه، أنها غريزة البقاء للجنس البشري، والتي تتشابك مع غريزة الأبوة والأمومة لتكونا معاً اتحاداً مقدساً يجمع بين الذكر والأنثى لكي تنشأ الخلية الصغيرة في مجتمعنا أي [ الأسرة ] حيث يكّون مجموع الأسر المجتمعات البشرية.
تبدأ هذه الغريزة بالظهور منذ مراحل الطفولة الأولى بشكل بسيط وبدائي في بادئ الأمر، لكنها سرعان ما تتطور في بداية مرحلة المراهقة، وتشتد عنفواناً، حيث نجد الأبناء يميلون كل إلى الجنس الآخر[الذكر والأنثى ]، ويأخذ الجنس بالسيطرة على تفكيرهم باستمرار،ولذلك فأن مرحلة المراهقة تعتبر اخطر مراحل النمو، وأكثرها حاجة لإشراف الآباء والأمهات والمربين، وتقديم النصائح والإرشادات للمراهقين غير مكتملي النضوج، والذين يمكن أن يتعرضوا لأخطار كثيرة إذا أهملنا واجبنا تجاههم كمربين، وتركناهم يتخبطون في سلوكهم وتصرفاتهم .
ينبغي أن نعطي اهتماماً كبيراً للتربية الجنسية، سواء في البيت أو المدرسة ،وعدم التهيب من إعطاء أبنائنا وبناتنا المعلومات الكافية عن الحياة الجنسية، وينبغي لنا أن ندرك أن الاضطراب العصبي الذي نجده لدى المراهقين عائد في الواقع لتهديدهم من الاقتراب من المسألة الجنسية.

إن سياسة السكوت وحجب الحقائق الجنسية عن الأبناء تؤثران تأثيراً سلبياً بالغاً عليهم، إضافة إلى أنهم سيدركون أن ذويهم يكذبون عليهم، وهم سوف يجدون الحقيقة عاجلاً أم آجلاً، وعندما يكتشفونها فإنهم سوف لن يستمروا بمتابعة طرح الأسئلة على ذويهم، وسوف يستعيضون عن ذلك بالحصول على كل المعلومات المتعلقة بالحياة الجنسية من زملائهم الآخرين.

إن الكذب على الأبناء عملُ غير صحيح إطلاقاً وغير مرغوب فيه، وإن المعلومات عن المواضيع الجنسية ينبغي أن تعطى لهم تماماً بنفس اللهجة، ونفس الشيء من المعلومات عن المواضيع الأخرى، وأن تعطى بنفس الحديث المباشر. (8)

وإذا كان الوالدان غير قادرين على التحدث مع أطفالهم بشكل طبيعي في المواضيع المتعلقة بالجنس فسيدعونهم يستمعون إلى الآخرين الذين هم أقل تمسكاً بالتقاليد وقيم العائلة، وليس هناك أية صعوبة قبل البلوغ في جعل الطفل يبقى طبيعياً بالنسبة للجنس، تماما كما في المواضيع الأخرى، وحتى بعد البلوغ سوف تكون أقل بكثير عندما ينعمون بصحة سليمة أكثر مما عندما تكون عقولهم قد امتلأت بالرعب والحرمان غير المعقول. (9)
إن التضحية بالذكاء في سبيل الفضيلة عن طريق جعل الأولاد مشغولين ومتعبين جسدياً، كي لا تكون لديهم فرصة أو ميل للجنس يسبب لهم الأضرار التالية : (10)
1 ـ يغرس رعباً وهمياً في عقول الأولاد .
2 ـ يسبب نسبة كبيرة من الخداع .
3ـ يجعل التفكر في المواضيع الجنسية مشيناً ووهمياً .
4ـ يسبب تشوقاً فكرياً قد يظهر مخطئاً ومدمراً، وقد يصبح مؤذياً قذراً يفقد الراحة، ويعيق الإدراك.
إن من المهم في جميع تصرفاتنا مع الأطفال أن لا نشعرهم أن الحصول على فكرة عن الجنس هو شيء قذر وسري. إن الجنس موضوع هام جداً، ومن الطبيعي للمخلوقات البشرية أن تفكر به، وتتكلم عنه وخير لنا أن لا ندع أبنائنا يتعلمون عنه من الجهلة أو المراهقين المنحرفين فينزلقون وينحرفون، وخاصة ما نراه اليوم من انتشار الأمراض الفتاكة الناجمة عن فقدان الوعي الجنسي والصحي لدى المراهقين بصورة خاصة، والمنتشرة بشكل خطير في أنحاء العالم كمرض [ فقدان المناعة] الذي بات يهدد حياة مئات الملايين بالموت المحقق، وحيث لم يتوصل العلم لحد الآن إلى علاج شافٍ له، أو الوقاية منه، والذي يمكن أن يُنقله المصابون للآخرين الذين لا يملكون المعرفة والخبرة الكافية لتجنب هذا الوباء الوبيل.
13 ـ غريزة الضحك:
الضحك سلوك غريزي نجده بشكل واضح لدى الأطفال منذ المراحل الأولى، فهم يضحكون لأتفه الأسباب، وقد ينطلق الطفل بالضحك بصورة لاإرادية، ولاشك أن الضحك يؤثر تأثيراً إيجابياً على الصحة النفسية للأطفال وللكبار على حد سواء، وينفس عن الضيق والضجر الذي يشعر به المرء في حياته، وعليه فأن قمع هذه الغريزة لدى أبنائنا يعود بالضرر البليغ على حالتهم النفسية.
إن علينا أن ندعهم ينفسون عن ما في أنفسهم بالضحك والمرح حتى داخل الصف في المدرسة لكي لا نجعل الدروس عبئاً ثقيلاً عليهم، إن بضع دقائق من الضحك والمرح تخلق روح التجديد والنشاط لدى التلاميذ، وتجعلهم يقبلون على الدرس برغبة واشتياق، شرط أن يكون بحدود معقولة لا تدع العبث يطغي على الدرس، ولاشك أن المعلم العبوس، الذي يرفض أن يمنح تلامذته الابتسامة، ويستكثر عليهم الانبساط ولو لبضعة دقائق، يصبح درسه عبئاً ثقيلاً عليهم وبالتالي يكرهونه ويكرهون درسه معاً.
الخلاصة:
نستخلص من كل ما سبق أن الحقيقة التي ينبغي أن نضعها أمام أنظارنا هي أن الوقوف بوجه الغرائز ومحاولة استئصالها أو قمعها أو بترها أمرٌ ضار جداً، ومخالف للطبيعة البشرية، لأن الغرائز لا يمكن قهرها أو إلغائها، بل يمكن السمو بها وتوجيهها وجهة الخير، لكي تعود على أبنائنا بالفائدة التي من أجلها ولدت معنا هذه الغرائز، فمن المعلوم أن كل شيئ في الوجود يحوي على الجوانب الإيجابية والنواحي السلبية، ولاشك أن دورنا كبير وأساسي في التركيز على الجوانب الإيجابية لهذه الغرائز، وحثّ أبنائنا على التمسك بها، والتقليل من تأثيرات الجوانب السلبية، وبهذا نستطيع خلق الظروف الصحية لنمو أبنائنا أخلاقياً ونفسياً وجسمانياً، ولاشك أن هذا العمل ليس بالأمر الهين، وهو يتطلب منا عملاً مثابراً، ومتواصلاً حتى نستطيع أن نوصل أبناءنا إلى شاطئ السلامة والأمان.

13
دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة الرابعة
حامد الحمداني                                               14/11/2018

أولاً ـ المشاكل السلوكية الفطرية:

ونقصد بهذا النوع من المشاكل تلك التي تنشأ أو تظهر لدى أبنائنا وبناتنا نتيجة لدوافع فطرية يطلق عليها عادة [الغرائز]، ولابد لنا قبل البحث في هذا النوع من المشاكل أن نستعرض تلك الغرائز البشرية لكي نقف على ما يمكن أن يسببه التعامل معها لأبنائنا من مشاكل سلوكية ومعالجتها، ذلك أن الغرائز البشرية هذه لا يمكن كبتها أومحوها أو تجاهلها على الإطلاق، ولكن يمكننا السمو بها وجعلها مصدر خير لأبنائنا ومجتمعنا، وبذلك نكون قد حققنا هدفنا في تنشئة أبنائنا  نشأةً صالحة وجنبناهم الكثير من الشرور، ذلك أن الغرائز يمكن أن تكون مصدر شر وأذى إذا ما تركت وشأنها، ويمكن أن تكون مصدر خير إذا ما سمونا بها وسيطرنا عليها بشكل علمي وعقلاني دون اللجوء إلى القسر والقمع الذّين يمثلان نقيضاً للطبيعة البشرية التي لا يمكن قهرها.

أنواع الغرائز [ الدوافع ] (6)
1 ـ غريزة الخلاص .
2 ـ غريزة المقاتلة .
3 ـ غريزة حب الاستطلاع .
4 ـ غريزة الأبوة والأمومة .
5 ـ غريزة البحث عن الطعام .
6 ـ غريزة النفور
7 ـ غريزة الاستغاثة .
8 ـ غريزة السيطرة .
9 ـ غريزة الخضوع .
10 ـ غريزة حب التملك .
11 ـ غريزة حب الاجتماع .
12 ـ غريزة الهدم والبناء
13 ـ غريزة الجنس .
14 ـ غريزة الضحك .
ولابد لنا أن نشير ولو بشكل موجز إلى كل واحدة من هذه الغرائز، وما يمكن أن تسببه للإنسان من سلوك إيجابي أو سلبي، وكيف يمكن السمو بها وتوجيهها لما فيه خير أبنائنا وبناتنا .
1ـ غريزة الخلاص :
وتستثار هذه الغريزة عادة عند شعور الأطفال بخطر ما  يجعلهم يلجئون إلى الهرب شعوراً منهم بالخوف، فلو فرضنا أن حريقاً شب في صف من الصفوف فإننا نجد الأطفال يتراكضون وقد تملكهم الرعب والفزع، لينجوا بأنفسهم من الحريق والموت، وهنا تظهر أيضاً انفعالات لغريزة أخرى هي غريزة [الاستغاثة ] فيعمد الأطفال إلى الصراخ وطلب النجدة، شعوراً منهم بالخطر، وقد يتحول الخوف إلى نوع من الهلع الحاد وينتاب الطفل مشاعر غريبة وفريدة إلى حد كبير.

ما هو موقفنا من هذه الغريزة ؟

 إن من الطبيعي أن يكون موقفنا منها ذا شقين :
 الشق الأول: تبيان مخاطر النار لأطفالنا، وما تسببه الحرائق من خسائر في الأرواح والممتلكات، كي نبعدهم عن اللعب والعبث بالنار، أو الاقتراب منها أو إشعالها، وأن نوضح لهم أن الحرائق تبدأ عادة بعود ثقاب، أو بشرارة نارية أو كهربائية، لكنها سرعان ما تشتد وتتسع بحيث يصعب السيطرة عليها بسهولة، وبدون خسائر مادية وبشرية كبيرة، وربما تكون كارثية.
الشق الثاني: ينبغي لنا أن لا ندع الخوف والهلع يسيطر على أبنائنا فيسبب ما سبق أن ذكرنا من مضار ومخاطر، ذلك أن الخوف والهلع في المواقف هذه يفقد القدرة على التفكير والتصرف الصائب وينبغي علينا أن نستثير فيهم روح الشجاعة والأقدام والاتزان، وعدم الارتباك والتصرف الهادئ في مثل هذه المواقف.

2 ـ غريزة المقاتلة :
 إن موقفنا من هذه الغريزة يجب أن يتصف بالحكمة والدقة. فلو أن أحد الأبناء تخاصم مع أحد زملائه لأنه وقف حائلاً أمام رغبته في تحقيق أمر ما، فعلينا أولاً وقبل كل شيء أن نتفهم السبب الحقيقي للنزاع، لكي نتعرف على ما إذا كان الموقف يستحق المقاتلة والخصام أم لا،  وينبغي أن نفهمه أن اللجوء إلى المقاتلة قبل استنفاذ الوسائل السلمية  أمر غير مقبول، وأن الواجب يقتضي منه مراجعة إدارة المدرسة إن كان متواجداً فيها، ومراجعة ذويه إن كان خارج المدرسة، إذ أن التسرع واللجوء إلى العنف يعرض النظام العام للانهيار فلا تستطيع المدرسة أن تؤدي عملها، و لذلك فعليه الاستعانة بإدارة المدرسة قبل اللجوء إلى استعمال القوة، وعلى إدارة المدرسة أن تأخذ المسألة بشكل جدي وتجري التحقيق اللازم في الأمر بشكل دقيق، ومعالجة المشكلة بشكل يجعل التلميذ يؤمن بأن مراجعته إدارة المدرسة يؤمن له حقه، إن كان على حق طبعاً، فلا يلجأ للقتال.

 ولا شك أن الأطفال والمراهقين ذوي الاضطرابات الأخلاقية يمارسون أحياناً سلوكيات تتسم بالعدوان والاندفاع والتدمير، على الرغم من الجهود المضنية التي تبذل من قبل المربين لتعديل سلوكهم، وهم يمارسون عملية انتهاك حقوق الآخرين باستمرار، ولا يلتزمون بالمعايير الاجتماعية بما يتناسب مع عمرهم الزمني، و يستمرون بممارسة هذا السلوك على الرغم من تعرضهم مراراً وتكراراً للعقاب، ويصرون على ممارسة [السلوك العدواني والمواجهة البدنية] مع الآخرين، كما يتسمون [بالعناد وعدم الخضوع ] و[ والإخفاق في الأداء ] سواء في المنزل او المدرسة، و[ تكرار الإهمال ]، و[التهرب من البيت أو المدرسة ] و[تخريب الممتلكات العامة والخاصة ] و[الانحراف الجنسي ] و[السرقة ] وغيرها من الآفات الاجتماعية الأخرى التي قد تتضمن مواجهة جسدية عدوانية [ السرقة بالإكراه ] أو[ الاعتداء الجنسي العنيف والاغتصاب ] وقد تمتد هذه السلوكيات إلى العراك مع الأقران، والاعتداء على الآخرين، والهجوم عليهم والاغتصاب والقتل. (7)
إن معالجة هذا النوع من السلوك المنحرف تتطلب جهوداً كبيرة، وأساليب معقدة، وصبراً وأناةً طويلين، ومتابعةً مستمرةً من قبل البيت والمدرسة معاً، وقد يتطلب ذلك علاجاً نفسياً وصحياً.
أن هناك البعض ممن يقف من المقاتلة موقفاً سلبياً بشكل مطلق فيسبب موقفهم هذا ببث روح المذلة والخنوع والانهزامية في نفوس الناشئة، فهناك مواقف ينبغي أن تتميز بالشجاعة والإقدام دفاعاً عن الحقوق المغتصبة، فالجندي الذي نطلب منه أن يدافع عن وطنه وشعبه ضد المعتدين لا يستطيع القيام بواجبه على الوجه الأكمل إذا قتلنا فيه صفات
الشجاعة والإقدام في المراحل الأولى من حياته.

ينبغي أن يكون موقفنا من هذه الغريزة موقفاً إيجابياً قائماً على أساس سيادة القانون والنظام أولاً، والدفاع عن الحقوق والكرامة ثانياً، فلا اعتداء على الأخوان والأصدقاء والزملاء والجيران، ولا خنوع وخضوع وجبن أمام المعتدين.

3 ـ غريزة الأبوة والأمومة :
تستثار هذه الغريزة في المراحل الأولى من حياة أبنائنا وبناتنا عند تعرض الآخرين لحادث ما، فيلجأؤن إلى مساعدتهم. وطبيعي أن هذه الغريزة تحمل جانباً خيراً بشكل عام، فعندما يسقط أحدهم ويصاب بجرح أو كسر في يده أو رجله نجد زملائه يسارعون إليه بحنو وعاطفة ليقدموا له المساعدة، وقد بدت عليهم علامات الحزن والأسى.

 إن هذه الغريزة لها أهمية قصوى في تربية أبنائنا على روح المحبة والتعاون، حيث أن المحبة والتعاون ركنان أساسيان من الأركان التي يبنى على أساسها المجتمع، وهي السبيل لتقدمه ورقيه وتطوره، ورفاهه.

أما في مرحلة النضوج فمعروف أن هذه الغريزة هي الأساس في بقاء وتطور المجتمعات حيث يطمح الأبناء والبنات البالغون في تكوين الأسرة، وإنجاب الأطفال وتربيتم في جو من الحنان والحب يصل إلى درجة التضحية بالنفس في سبيلهم، فنراهم يكدون ويتعبون طوال النهار من أجل تأمين الحياة السعيدة والعيش الهانئ لأبنائهم. ولولا هذه الغريزة لما تحملت الأم ولا تحمل الأب تبعات  المصاعب والمشاق التي يصادفونها في تربيتهم ومساعدتهم في بناء مستقبل يليق بهم .

4 ـ غريزة حب الاستطلاع :
تستثار هذه الغريزة لدى أبنائنا عندما يكون الأبناء أمام أمرٍ يهمهم معرفته، وقد يكون لهم معرفة  بجزء منه، وهذه الغريزة ذات أهمية كبيرة بالنسبة للناشئة لأن استثارتها تدفعهم إلى اكتشاف الحقائق بأنفسهم، والحصول على الخبرات التي يحتاجونها في حياتهم ، كما تدفعهم إلى الدراسة والتتبع باستمرار، حتى في الكبر، بغية الوقوف على كل ما يجري من تطور وتغير في فيما يحيط بهم .
وهناك نقطة هامة ينبغي أن لا تغيب عن أذهاننا هي أن هذه الغريزة يمكن أن يكون لها تأثير سلبي ضار في بعض الحالات، وينبغي أن ننبه أبنائنا بأخطارها، وسأورد هنا مثالاً على ذلك :
في أحد دروس العلوم شرح المعلم لتلاميذه كيف يمكن ممغطنة قطعة من الحديد، وذلك عن طريق لفها بسلك وربطها بتيار كهربائي.
وعندما عاد التلاميذ من المدرسة حاول أحدهم أن يقوم بالتجربة بنفسه، فأخذ قطعة الحديد ولفها بسلك ووصلها بالتيار الكهربائي بشكل غير صحيح فكانت النتيجة أن صعقه التيار الكهربائي وسبب له الوفاة.
لقد كان الواجب على المعلم أن يجري التجربة أمام التلاميذ بشكل يؤمن السلامة، و يحذرهم من خطورة الكهرباء إذا ما تمت التجربة بشكل خاطئ.

5 ـ غريزة البحث عن الطعام :
وهي من الغرائز الهامة لبقاء الحياة واستمرارها، وتظهر بعد الولادة مباشرة، فلا يستطيع الإنسان أن يعيش بدون الطعام، وغالباً ما تستثار هذه الغريزة عند ما نشم رائحة الطعام الشهي أو تقع أبصارنا على الحلويات وغيرها، ويشعر الإنسان، عن طريق حاسة الذوق، بلذة كبيرة وهو يتناول ما يشتهيه من تلك الأطعمة والحلويات.
 إن هذه الغريزة تفعل فعلها لدى الكبار والصغار على حد سواء، ورغم أن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عن الطعام لكي يبقى على قيد الحياة، فأن تناول الطعام بغير اعتدال يعطي نتائج سلبية على صحة الإنسان، حيث يسبب السمنة والتي بدورها تسبب العديد من الأمراض الخطيرة كالسكري وأمراض القلب، وتسوس الأسنان، وغيرها من الأمراض الأخرى، مما يتطلب منا تعويد أبنائنا على العادات الغذائية الصحيحة .
كما أن هذه الغريزة تدفع بالكثير من الصبيان الذين لا يجدون لديهم النقود لشراء الحلويات إلى السرقة من المحلات لإشباع هذه الغريزة، ولذلك يجب على الآباء والأمهات إشباع هذه الرغبة لدى الأبناء، وعدم التقتير عليهم، لكي لا يتجهوا نحو السرقة التي يمكن أن تتأصل لديهم إذا ما استمروا عليها لفترة من الزمن .
6 ـ غريزة النفور :
هذه الغريزة نجدها لدى الصغار والكبار على حد سواء حيث أن الإنسان بطبيعته يتحسس الروائح أو المشاهد المختلفة، فنراهم ينفرون وتتقزز نفوسهم من الروائح الكريهة، أو من المشاهد المؤلمة، وعلى العكس نجدهم يتمتعون برؤية المشاهد الجميلة والمسرة، ويستمتعون بشم الروائح العطرة ولذلك نجد الأبناء، وخاصة المراهقين منهم يسعون إلى الاهتمام بمظهرهم ورائحتهم من أجل لفت انتباه الآخرين وخاصة من الجنس الآخر.
وهناك جانب آخر من النفور نجده لدى البعض تجاه البعض الآخر، وخاصة في صفوف المراهقين  بسبب لون البشرة، أو القومية أو الدين، أو غيرها من المبررات، وهو يمثل جانباً خطيراً يهدد سلامة المجتمع ويعمل على تمزيقه، وخلق استقطاب وتنافر وصراع يصعب معالجته إذا ما استمر وتوسع، دون أن يواجه على المستويين الرسمي والشعبي.    ولاشك أننا نشهد اليوم تصاعد موجة معاداة الأجانب من قبل العديد مـن المراهقين في مختلف البلدان الأوربية، بسبب لون بشرتهم أو جنسهم، ووقوع الاعتداءات البدنية الشديدة التي وصلت في بعض الأحيان إلى القتل، مما يستدعي الواجب من الحكومات والمجتمع أن يعطيا هذه المشكلة أهمية كبيرة، حيث يقيم في المجتمعات الغربية أعداد كبيرة من المهاجرين، والعمل على استنفاذ كل الوسائل والسبل لخلق روح من الألفة والمحبة والتسامح والتعاون بين أبناء هذه المجتمعات والمهاجرين، ومحاولة ربط جسور من الروابط التي تجعل التعايش فيما بينهم أمرٌ طبيعي بكل ما تعنيه الكلمة، ولاشك أن المسألة تتوقف علينا جميعاً ،كباراً وصغار، سواء كنا مواطنين أو مهاجرين، مسؤولين وغير مسؤولين ،أن نبذل أقصى ما يمكن من الجهود لمعالجة الوضع، فإذا ما تكاتفت الجهود الصادقة أمكننا تحقيق الهدف المنشود في خلق مجتمع تسوده المحبة والمودة والسلام.



14
دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة الثالثة
حامد الحمداني                                                                        5/11/ 2018


2 ـ ضعف الثقة بالنفس:
 من المظاهر التي نجدها لدى أبنائنا الذين يشعرون بضعف الثقة بالنفس هي ما يلي:
1 ـ التردد : فالطفل أو الصبي الذي يعاني من ضعف الثقة بالنفس يتردد كثيراً عند توجيه سوآل ما إليه بسبب عدم ثقته بالقدرة على الإجابة الصحيحة.

2 ـ انعقاد اللسان : وهذا الوضع ناجم أيضاً عن عدم الثقة بالقدرة على الإجابة الصحيحة.

3ـ الخجل والانكماش : وهذا ناجم أيضاً من الخوف من الوقوع في الخطأ، ولذلك نجد البعض يتجنب المشاركة في أي نقاش أو حديث  لهذا السبب.

4ـ عدم الجرأة: حيث يشعر الإنسان بعدم القدرة على مجابهة الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها.
5ـ التهاون: حيث يحاول الشخص تجنب مجابهة الصعاب والأخطار التي تصادفه في حياته.
 
6ـ عدم القدرة على التفكير المستقل: حيث يشعر الفرد دوماًبحاجته إلى الاعتماد على الآخرين .
7ـ توقع الشر وتصاعد الشعور الخوف في أبسط المواقف التي تجابه الفرد.
ونستطيع أن نجمل كل هذه المظاهر بعبارة واحدة هي[الشعور بالنقص ].

مسببات الشعور بالنقص: 
1 ـ الخوف: وقد تحدثنا عنه فيما سبق.
2ـ العاهات الجسمية: فهناك العديد من الأبناء المبتلين بعاهات جسمية متنوعة، وهذه العاهات تجعلهم يشعرون بأنهم غير جديرين، وعلى الأهل و المعلمين أن يهتموا بهذه الناحية اهتماماً بالغاً، وذلك بأن يكون موقفهم من هؤلاء الأبناء طبيعياً وعادياً كبقية الأبناء الآخرين بحيث لا نشعرهم بأنهم مبتلين بتلك العاهات، دون عطف زائد عليهم، وعدم فسح المجال لزملائهم بالسخرية منهم وتذكيرهم بالعاهة، وحثهم على احترام زملائهم والتعامل معهم بشكل طبيعي مشبع بروح الاحترام، وأن أي سلوك أخر تجاه هؤلاء الأبناء يؤدي بهم إلى ما يلي :
 أ ـ التباعد والانكماش.
ب ـ الخمول والركود.
ج ـ النقمة والثورة على المجتمع وآدابه وتقاليده.
3 ـ الشعور بالنقص العقلي:
 فقد يكون هناك بعض الأبناء قد تأخروا في بعض الدروس لأسباب معينة لا يدركونها، أو لا يشعرون بها هم أنفسهم، وهي ربما تكون بسبب مرضي، أو لظروف اجتماعية، أو بيئية، أو اقتصادية، فعلينا والحالة هذه أن ندرس بجدية أوضاعهم وسبل معالجتها، وأن نقف منهم موقفاً إيجابياً كي نبعد عنهم روح الاستسلام والفشل، كما ينبغي على المعلمين أن لا يحمّلوا التلاميذ من الواجبات أكثر من طاقاتهم فيشعرونهم بأنهم ضعفاء عقلياً، ويخلق لديهم التشاؤم، والخجل، والحساسية الزائدة والجبن.
             
ثالثاً: العوامل الاجتماعية: ومن مظاهر هذه العوامل:
1 ـ الجو المنزلي السائد:
 ويتضمن علاقة الأب بالأم من جهة وعلاقتهما بالأبناء، وأساليب تربيتهم من جهة أخرى، فالنزاع بين الأم والأب، كما ذكرنا سابقاً، يخلق في نفوس الأبناء الخوف، وعدم الاستقرار، والانفعالات العصبية.
كما أن التمييز بين الأبناء في التعامل والتقتير عليهم، وعدم الأشراف المستمر والجدي عليهم،  يؤثر تأثيراً سيئاً على سلوكهم. وسوف أوضح ذلك بشيء من التفصيل في فصل قادم  حول أهمية تعاون البيت والمدرسة في تربية أبنائنا.

2 ـ الجو المدرسي العام:  هذا الجو يخص الأساليب التربوية المتبعة في معاملة التلاميذ، من عطف ونصح وإرشاد، أو استخدام القسوة والتعنيف، وعدم الاحترام، ومن جملة المؤثرات على سلامة الجو المدرسي:
 أ ـ تنقلات التلميذ المتكررة من مدرسة إلى أخرى:
أن انتقال التلميذ من مدرسة إلى أخرى يؤثر تأثير سلبياً عليه حيث سيفقد معلميه مع زملائه وأصدقائه الذين تعود عليهم، وهذا يستدعي بدوره وجوب التأقلم مع المحيط المدرسي الجديد  وهو ليس بالأمر السهل والهين، ويحمل في جوانبه احتمالات الفشل والنجاح معاً.

ب ـ تغيب الأبناء عن المدرسة وهروبهم منها :
وهذا أمر وارد في جميع المدارس، حيث أن هناك عوامل عديدة تسبب التغيب والهروب، ومن أهمها أسلوب تعامل المعلمين مع التلاميذ، وطبيعة علاقاتهم مع زملائهم، وسلوكهم وأخلاقهم .
ج ـ تبدل المعلمين المتكرر:
 حيث يؤثر هذا التغير المتكرر بالغ التأثير على نفسية التلاميذ، فليس من السهل أن تتوطد العلاقة بين التلاميذ ومعلميهم، وإن ذلك يتطلب جهداً كبيراً من قبل الطرفين معا، و يتطلب المزيد من الوقت لتحقيق هذا الهدف، وهناك أمر هام آخر هو وجوب استقرار جدول الدروس الأسبوعي، وعم اللجوء إلى تغيره إلا عندما تستدعي الضرورة القصوى.

دـ ملائمة المادة وطرق تدريسها:
 وسوف أتعرض لهذا الموضوع في فصل لاحق.

رابعاً: العوامل الجسمية والصحية:
إن لهذه العوامل تأثير كبير على التلاميذ، من حيث سعيهم واجتهادهم، وكما قيل :
{ العقل السليم في الجسم السليم }.
 أن التلميذ المريض يختلف في قابليته واستعداده للفهم عن التلميذ الصحيح البنية. كما أن التلميذ الذي يتناول الغذاء الجيد يختلف عن زميله الذي يتناول الغذاء الرديء.
 والتلميذ الذي يتمتع بصحة جيدة وجسم قوي ينزع إلى حب التسلط والتزعم، وقد يميل إلى الاعتداء والعراك والخصام،  فالعوامل الجسمية إذاً ذات تأثير بالغ على سلوك الأبناء ودراستهم. (4)

خامساً : العوامل الاقتصادية:
إن العوامل الاقتصادية كما هو معلوم لدى الجميع تلعب في كل المسائل دوراً أساسياً وبارزاً، ويندر أن نجد مشكلة أو أي قضية إلا وكان العامل الاقتصادي مؤثراً فيها، فالأبناء الذين يؤمن لهم ذويهم كافة حاجاتهم المادية من طعام جيد وملابس و أدوات، ووسائل تسلية، وغيرها يختلفون تماماً عن نظرائهم الذين يفتقدون لكل هذه الأمور التي تؤثر تأثيراً بالغاً على حيويتهم ونشاطهم وأوضاعهم النفسية، وقد يدفع هذا العامل تلميذا للسرقة، ويدفع تلميذاً من عائلة غنية إلى الانشغال عن الدراسة والانصراف إلى أمور أخرى كالكحول والتدخين والمخدرات وغيرها، مما تعود عليه بالضرر البليغ.
هذه هي العوامل الرئيسية التي تسبب المشاكل لدى الناشئة، ونعود الآن إلى استعراض كل تلك المشاكل والتي حددناه بقسمين رئيسيين :
1 ـ المشاكل السلوكية.
2 ـ مشاكل التأخر الدراسي.

أولاً : المشاكل السلوكية :
إن المشاكل السلوكية التي تجابه أبنائنا سواء كان ذلك في البيت أو المدرسة كثيرة ومعقدة، وأن معالجتها والتغلب عليها ليس بالأمر السهل مطلقاً، وهو يتطلب منا الخبرة الكافية في أساليب التربية وعلم النفس من جهة، والتحلي بالحكمة والصبر والعطف الأبوي تجاه أطفالنا سواء في البيت و في المدرسة من جهة أخرى، ولذلك وجدت أن من الضروري أن أتعرض لأهم تلك المشاكل مستعرضاً مسبباتها وأساليب معالجتها والتغلب عليها، ولسهولة البحث نستطيع أن نقسمها إلى قسمين رئيسيين: (5)

 1 ـ المشاكل السلوكية الفطرية .
 2 ـ المشاكل السلوكية المكتسبة .
وسنلقي الضوء على هذه المشاكل، وأنواعها ومسبباتها، وموقفنا منها، وسبل علاجها في الحلقة الرابعة

15
دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة الثانية
حامد الحمداني                                                               8/11/2018

أولا: المشاكل التي تجابه أبنائنا:
يتعرض أبناءنا إلى العديد من المشاكل في جميع مراحل النمو، بدءاً من مرحلة الطفولة، فمرحلة المراهقة وحتى مرحلة النضوج، وطبيعي أن مرحلة المراهقة تعد أخطر تلك المراحل، ولكلا الجنسين البنين والبنات على حد سواء، حيث تحدث تطورات بيولوجية كبيرة لديهم تتطلب منا نحن المربين، آباء وأمهات ومعلمين،أن نعطي لهذه المرحلة من حياة أبنائنا أهمية قصوى، فقد تكون هذه المرحلة نقطة حاسمة في حياتهم وسلوكهم خيراً  كان أم شراً، وإذا لم نعطها ذلك الاهتمام المطلوب، والملاحظة والرعاية المستمرة فقد يؤدي بالكثير من أبنائنا إلى الانحراف، ولاسيما في ظل مجتمع غربي يختلف كل الاختلاف عن مجتمعاتنا التي نشأنا فيها والعادات والتقاليد التي تربينا عليها.                             

لكني لا يمكنني القول أن كل ما تربينا عليه من عادات وتقاليد هي صحيحة تصلح لأجيالنا الناهضة، وليس كل العادات والسلوكيات في المجتمع الغربي كذلك، ففي كلا المجتمعين هناك الجيد وهناك الرديء من هذه العادات والسلوكيات، وإن من واجبنا كمربين أن نعمل على تفاعل هذه العادات والسلوكيات في المجتمعات الغربية بشكل يمكن أبنائنا من اكتساب كل ما هو خير ومفيد، وبالمقابل بتقديم ما ينفع أبناء هذه المجتمعات من القيم الأصيلة، وتحذير الأبناء من تلك العادات والسلوكيات الضارة شرط أن يكون ذلك بأسلوب تربوي بعيد كل البعد عن أساليب العنف والقمع، وينبغي أن نُشعر أبناءنا في مرحلتي المراهقة والنضوج أن العلاقات التي تربطنا وإياهم هي ليست علاقة أب وأم بأبنائهم فقط، بل علاقة أخٍ كبير بأخيه الصغير، أوعلاقة أخت كبيرة بأختها الصغيرة ،الذين يحتاجون إلى تجاربهم في الحياة، وأن نكون حذرين من محاولة فرض أسلوب الحياة التي تربينا عليه قسراً على أبنائنا، فقد خلق الأبناء لزمان غير زماننا، ولاسيما أنهم يعيشون في مجتمع يختلف كل الاختلاف عن مجتمعنا مما يجعل الأبناء يعيشون حالة من التناقض بين مجتمعهم الصغير[ البيت] ومجتمعهم الكبير، ولاسيما انهم يقضون أغلب أوقاتهم خارج البيت،                    ولذلك نجد الكثير من الآباء والأمهات يعانون الكثير في تربية أبنائهم، ويحارون في مجابهة المشاكل التي يتعرضون لها، وكيفية التعامل معها، ولكي نتفهم طبيعة المشاكل التي تجابه أبنائنا كي يسهل علينا حلها والتغلب عليها فإننا يمكن أن نحددها في ثلاثة أقسام رئيسية :                                                                                           
 أولاً  : المشاكل والاضطرابات السلوكية .
 ثانياً :المشاكل والاضطرابات الشخصية .
 ثالثاً : مشاكل التأخر الدراسي .
وسأحاول فيما يلي أن أوضح كلاً منها بشيء من التفصيل، مستعرضاً لأنواعها ودوافعها، والأساليب التربوية التي تمكننا من التغلب عليها، وحماية أجيالنا الصاعدة من الانزلاق إلى الانحرافات السلوكية التي تهدد مستقبلهم، وتهدد سلامة المجتمع الذي يعيشون في ظله، ولاسيما وأنهم سيكونون هم صانعي المستقبل ورجاله، وعليهم يتوقف تطوره ورقيه وسعادته.                                                                                                     
                                                                                               
العوامل المسببة لمشاكل أبنائنا:
 أن العوامل المسببة لمشاكل أبنائنا السلوكية والشخصية والتأخر الدراسي  يمكن إجمالها بما يأتي :
1 ـ عوامل عقلية .
2 ـ عوامل نفسية .
3 ـ عوامل  اجتماعية  .
4 ـ عوامل جسمية .
5 ـ عوامل اقتصادية .
وسأقدم هنا تفسيراً مختصراً لكل من هذه العوامل كي تعيننا على فهم تلك المشاكل وسبل معالجتها
أولاً ـ العوامل العقلية
تلعب هذه العوامل دوراً هاماً في كثير من المشاكل ، وأخص منها بالذكر مشكلة التأخر الدراسي ، فمن المعلوم أن أكثر أسباب التأخر الدراسي هو مستوى النمو العقلي ، والقدرة على الفهم والاستيعاب، والذي يختلف من شخص إلى آخر ، فقد يكون التخلف العقلي [بسيطاً ]، وقد يكون [متوسطاً ]، وقد  يكون[ شديداً ]، وفي أقسى الحالات يكون [حاداً] . وهذا التخلف ناجم عن  ظروف معينة سأتعرض لها فيما بعد عندما أتحدث عن مشاكل التأخر الدراسي .                                                                                           
أما ما يخص المشاكل السلوكية لدى أبنائنا فلا شك أن هناك جملة من العوامل التي تسببها وأخص بالذكر أهم تلك المسببات والتي يمكن حصرها بما يلي: (1)
1 - التربية الأسرية.                                                                                      .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       
2 - البيئة التي يعيش فيها الأطفال والمراهقين .
3 ـ العوامل الوراثية.
إن هذه العوامل تؤثر تأثيراً بالغاً على سلوكهم، كما أن النضوج العقلي يلعب دوراً هاما في هذا السلوك، مما سأوضحه عند بحث تلك المشاكل بالتفصيل من فيما بعد.

 ثانياً  ـ العوامل النفسية:
ونستطيع أن نوجز أهم العوامل النفسية التي تلعب دوراً هاماً في حياة أبنائنا وتسبب لهم العديد من المشاكل هي ما يلي :
 1 ـ الشـعور بالخـوف.
 2 ـ ضعف الثقة بالنفس.
ولابدَّ أن نقف على ما تعنيه هذه العوامل بالنظر لتأثيرها الخطير على سلوك الناشئة.
1 ـ الشـعور بالخـوف :
وهو حالة انفعالية داخلية وطبيعية موجودة لدى كل إنسان، يسلك خلالها سلوكاً يبعده عن مصادر الأذى. فعندما نقف على سطح عمارة  من دون سياج، نجد أنفسنا ونحن نبتعد عن حافة السطح شعوراً منا بالخوف من السقوط ، وعندما نسمع ونحن نسير في طريق ما صوت إطلاق الرصاص فإننا نسرع إلى الاحتماء في مكان أمين خوفاً من الإصابة والموت، وهكذا فالخوف طريقة وقائية تقي الإنسان من المخاطر، وهذا هو شعور فطري لدى الإنسان هام وضروري.                                                                                   

غير أن الخوف ذاته قد يكون غير طبيعي [ مرضي ] وضار جداً، وهو يرتبط بشيء معين، بصورة لا تتناسب مع حقيقة هذا الشيء في الواقع [ أي أن الخوف يرتبط بشيء غير مخيف في طبيعته] ويدوم ذلك لفترة زمنية طويلة مسببا تجنب الطفل للشيء المخيف مما يعرضه لسوء التكيف الذي ينعكس بوضوح على سلوكه في صورة قصور وإحجام، وقد يرتبط هذا الخوف بأي شيء واقعي، أو حدث تخيلي، كأن يخاف الطفل من المدرسة، أو الامتحانات ،أو الخطأ أمام الآخرين، أو المناسبات الاجتماعية، أو الطبيب والممرضة، أو من فقدان أحد الوالدين أو كلاهما، أو الظلام أو الرعد والبرق، أو الأشباح والعفاريت، وقد يصاحب الخوف لديهم نوبات من الهلع الحاد، ويتمثل ذلك في [سرعة دقات القلب]  و[سرعة التنفس]و[الدوار أو الغثيان] و[التعّرق الشديد] و[تكرار التبول والهزال] و[عدم السيطرة على النفس]، وكل هذا قد يحدث فجأة وبشدة ،وبدون سابق إنذار. (2) وقد يسبب الخوف لأبنائنا مشاكل وخصالاً خطيرة معطلة لنموهم الطبيعي تسبب لهم الضرر الكبير والتي يمكن أن نلخصها بما يلي:                            .                                           1- الانكماش والاكتئاب                                                                                   
2 ـ التهتهة                                                                                                   
3 ـ عدم الجرأة.                                                                                           
4 ـ الحركات العصبية غير الطبيعية.                                                                   
5 ـ القلق والنوم المضطرب.
6 ـ التبول اللاإرادي.
7 ـ الجـبن .
8 ـ الحساسية الزائدة.
9 ـ الخـجل.
10 ـ التشاؤم.
وفي هذه الأحوال علينا نحن المربين أباء وأمهات ومعلمين أن نقوم بدورنا المطلوب لمعالجة هذه الظواهر لدى أبنائنا، وعدم التأخر في معالجتها، كي لا تتأصل لديهم، وبالتالي تصبح معالجتها أمراً عسيراً، ويكون لها تأثيراً سيئاً جداً على شخصيتهم وسلوكهم. وعلى ومستقبلهم.                                                                                                 
إن مما يثير الخوف في نفوس أبنائنا هو خوف الكبار، فعندما يرى الصغير أباه أو أمه أو معلمه يخافون من أمر ما فإنه يشعر تلقائياً بهذا  الخوف، فلو فرضنا على سبيل المثال أن أفعى قد ظهرت في فناء المدرسة أو البيت واضطرب المعلم أو الأب وركض خائفاً منها فإن من الطبيعي أن نجد الأطفال يضطربون، ويهربون رعباً وفزعاً، مما يركّز في نفوسهم الخوف لأتفه الأسباب. ومما يثير الخوف أيضاً في نفوس الأطفال  الحرص والقلق الشديد الذي يبديه الكبارعليهم، فعندما يتعرض الطفل لأبسط الحوادث التي تقع له، كأن يسقط على الأرض مثلاً، فليس جديراً بنا أن نضطرب ونبدي علامات القلق عليهم. إن علينا أن نكون هادئين في تصرفنا، رافعين لمعنوياته، ومخففين من اثر السقوط عليه، وإفهامه أنه بطل وشجاع وقوي ...الخ، حيث أن لهذه الكلمات تأثير نفسي كبير على شخصية الطفل. كما أن النزاع والخصام بين الأباء والأمهات في البيت أمام الأبناء يخلق الخوف عندهم ويسبب لهم الاضطراب العصبيوهناك الكثير من الآباء والأمهات والمعلمين يلجاؤن إلى التخويف كأسلوب لتربية الأبناء وهم يدّعون أنهم قد تمكنوا من أن يجعلوا سلوكهم ينتظم ويتحسن.

غير أن الحقيقة التي ينبغي أن لا تغيب عن بالهم هي أن هذا السلوك ليس حقيقياً أولاً، وليس تلقائياً وذاتياً ثانياً، وهو بالتالي لن يدوم أبداً. إن هذه الأساليب التي يلجأ إليها الكثير من الأباء والأمهات والمعلمين  تؤدي إلى إحدى نتيجتين اللتين تتعارض مع ما نهدف إليه وهما:ـ                                                                                                       
 1 ـ عدم إقلاع الأبناء عن فعل معين رغم تخويفه بعقاب ما،  ثم لا يوقع ذلك العقاب فعند ذلك يحس الأبناء بضعف المعلم أو الأب أو الأم، وبالتالي يضعف تأثيرهم بنظر الأبناء. أما إذا لجأ المربي إلى العقاب فعلاً، وهو أسلوب خاطئ ومرفوض بكل تأكيد، فإن الطفل حتى وإن توقف عن ذلك السلوك فإن هذا التوقف لن يكون دائمياً أبداً، ولابد أن يزول بزوال المؤثر [ العقاب ]،لأن هذا التوقف جاء ليس عن طريق القناعة، بل بطريقة قسرية.       
 2ـ إن خضوع الأبناء يخلق فيهم حالة من الانكماش تجعلهم مشلولي النشاط ، وجبناء، ذلك أن الخضوع ومن دون قناعة يجعلهم  ضعيفي الشخصية، وكلتا النتيجتين تعودان بالضرر البليغ عليهم.                                                                                     
                                                                                 
  كيف نزيل الخوف عند الأبناء؟                                              .                                   
إن باستطاعتنا أن نعمل على إزالة اثر الخوف غير الطبيعي لدى أبنائنا باتباعنا ما يأتي:
1ـ منع الاستثارة للخوف، وذلك بالابتعاد عن كل ما من شأنه أن يسبب الخوف عندهم .                                                 
2ـ توضيح المخاوف الغريبة لدى الأطفال، وتقريبها من إدراكهم ، وربطها بأمور سارة، فالطفل الذي يخاف القطة مثلاً يمكننا أن ندعه يربيها في البيت.

3ـ تجنب استخدام أساليب العنف لحل المشكلات التي تجابهنا في تربية الأبناء. (3)

16
دراسة تربوية / علموا ابناءكم الحياة / الحلقة الاولى

حامد الحمداني


شهدت الأساليب التربوية في عصرنا الحاضر تطورات هامة جعلت المدرسة الحديثة تقوم على أساس تفهم حاجات التلاميذ ومشاكلهم، وأصبح جلّ اهتمامها حل هذه المشاكل بأسلوب تربوي صحيح وإشباع تلك الحاجات، إنها تهدف إلى تربية أبنائنا اجتماعياً و أخلاقياً وعاطفياً، والعمل على تهيئة كل الوسائل والسبل لنمو أفكارهم وشخصياتهم بصورة تؤهلهم للوصول إلى الحقائق بذاتهم وبذلك يكونون عناصر فعالة ومحركة في المجتمع .

إنها تهدف كذلك إلى إذكاء أنبل الصفات والمثل الإنسانية العليا في نفسية الأجيال الصاعدة، وجعلهم يدركون حاجات المجتمع ، ويتفاعلون معه، من أجل تحقيق تلك الحاجات، وبالتالي تطوير المجتمع ورقيه وسعادته، وعلى هذا الأساس نجد أن المربي وليس المناهج الدراسية والكتب المقررة للدراسة هي العناصر الفعالة والحاسمة في تحقيق ما تصبوا إليه المدرسة والمجتمع .

[ إن الاتصال عقلا بعقل ونفساً بنفس،وشخصية بشخصية هو لب التربية] كما يقول المربي الكبير[ قستنطين زريق]، فالمربي يستطيع أن يؤثر إلى حد بعيد بأبنائه، وهذا التأثير ونوعيته، ومدى فائدته يتوقف على المربي ذاته، على ثقافته وقابليته وأخلاقه، ومدى إيمانه بمهمة الرسالة التي يحملها، وعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فأن كل أعمالنا وسلوكنا وأخلاقنا تنعكس تماماً على أبنائنا الذين نقوم بتربيتهم سواء في البيت أم المدرسة، لأن كلاهما يكمل بعضه بعضا، ولاشك أن البيت هو المدرسة الأولى، وأن الأم هي المربية الأولى التي أجاد في وصفها الشاعر الكبيرمعروف الرصافي
حيث قال:
الأمُ مدرســةٌ إذا أعــددتها
أعددتَ شعباً طيبَ الأعراقِ
الأمُ أسـتاذُ الأساتذةُ الأولـى
شَغلتْ مآثُرها مـدى الآفــاقِ

إنه لمن المؤسف حقاً أن الكثير من المربين لم يدركوا هذه الحقيقة، ولا زالوا يسلكون تلك الأساليب التربوية البالية التي لا تهتم إلا بتلقين أبنائهم مبادئ القراءة والكتابة والمناهج النظرية المقررة في المدارس، أما مشاكل الأبناء وأساليب حلها، والتغلب عليها فتلك مسائل ثانوية في نظرهم، وفي اغلب الأحيان يلجأ الأهل إلى استعمال العنف والقمع مع أبنائهم كوسيلة للتربية، فهل تحقق هذه الأساليب القسرية ما نصبو إليه نحو أجيالنا الصاعدة؟ وبكل تأكيد أجيب كلا وألف كلا، فأن هذه الأساليب تؤدي إلى عكس النتائج المرجوة.

أن علينا كآباء ومربين أن ننبذ هذه الأساليب بشكل مطلق، ونعمل على دراسة وتفهم حاجات ومشاكل أبنائنا، والأسباب المؤدية لتلك المشاكل، وسبل حلها.
إن أبنائنا الذين يمثلون اليوم نصف المجتمع، والذين سيكونون كل المستقبل، هم بحاجة ماسة وضرورية لتأمين الظروف النفسية والاجتماعية السليمة لتنشئتهم وإعدادهم لهذا المستقبل الذي ينتظرهم، إنهم بحاجة للرعاية العائلية الحقيقية الفاعلة، حيث ينبغي أن يجد الأطفال حولهم القيم السامية والقدوة الحسنة، والمثل الإنسانية العليا في محيطهم العائلي وخاصة في مرحلة المراهقة التي تعتبر من أهم المراحل التي يمرّ بها أبنائنا وأخطرها، والتي يتم خلالها تثبيت دعائم القيم، واستيعاب المعارف والمفاهيم والأفكارالتي تخلق منهم عناصر إيجابية نافعة في المجتمع.

إننا بحاجة إلى بذل المزيد من الاهتمام بالجوانب الوجدانية والاجتماعية لأبنائنا وتطوير الأساليب التربوية التي يمكن أن توصلنا إلى هذا الهدف، والابتعاد عن أساليب التلقين العقيمة المتبعة في تعليم المواد التحصيلية، وعلينا أن ندرك أن أبنائنا بحاجة إلى الخبرات التي تجعلهم قادرين على التعبير عن آمالهم وحاجاتهم وخبراتهم ومشاكلهم.

كما انهم بحاجة للتدرّب على أساليب التعبير والمناقشة وإبداء الرأي، والتعود على العمل الجماعي، حيث أن العمل الجماعي يمثل عصب الحياة الاجتماعية الذي ينبغي توجيه الاهتمام له في عملية التربية، والتي تمكن أبنائنا من تحمل المسؤولية تجاه النفس، وتجاه البيت والمدرسة، وتجاه الحي الذي يعيشون فيه، حيث تجعلهم قادرين على المشاركة في الاجتماعية التي يمكن أن تتدرج من العمل الخاص إلى العمل العام، ومن العمل الفردي إلى العمل الجماعي الذي يمكنهم من التفاعل الإيجابي بالمجتمع، وتجعلهم متوافقين مع أنفسهم ومع المجتمع.
وينبغي لنا أن نؤكد على أن النجاح في تربية أبنائنا لا يتوقف على البيت والمدرسة فقط، بل أن وسائل الإعلام تلعب دوراً هاما وأساسياً في التأثير على حياة أبنائنا ومشاعرهم وسلوكهم خيراً كان أم شراً، وأخص بالذكر منها التلفزيون والسينما والصحافة التي يمكن أن تكون عامل بناء وتثقيف وإصلاح، ويمكن أن تكون عامل تهديم وتخريب لسلوكهم إذا ما أسيء استخدامها.
لقد كان لي شرف العمل في المجال التربوي لمدة ربع قرن من الزمان كنت خلالها أقرأ بنهم، وأتتبع كل ما يقع تحت يديّ من الكتب والأبحاث المتعلقة بالتربية الحديثة محاولا الاستعانة بها لخدمة أبنائي التلاميذ، وتربيتهم وتنشئتهم النشأة الصالحة، ومن خلال دراساتي وتجربتي التربوية تلك، رأيت أن من واجبي أن أقدم هذه المساهمة المتواضعة حول سبل تربية وتنشئة أجيالنا الصاعدة ودراسة ومناقشة مشاكلهم وسبل معالجتها بما يحقق لنا الأهداف المرجوة في بناء جيل قويم قادر على أخذ زمام المستقبل، ومالكاً لكل المقومات التي تؤهله للنجاح .

17
من ذاكرة التاريخ

                                  اندلاع وثبة كانون الثاني المجيدة 1948
2/2
حامد الحمداني                                                             28/ 10/ 2018   
             
 
على أثر إعلان نص المعاهدة التي وقعها [صالح جبر ] مع[ارنست بيفن ] وزير الخارجية البريطاني اجتاحت البلاد موجة عارمة من الغضب الشعبي العارم ،ونشرت الأحزاب الوطنية في 18 كانون الثاني البيانات المنددة بالحكومة والمعاهدة ، وطالبت البيانات باستقالة حكومة صالح جبر، ورفض المعاهدة التي جاءت أقسى من معاهدة 1930 وأشد وطأة. 

سارع طلاب الكليات والمعاهد العالية إلى إعلان الإضراب العام، وتشكيل  [لجنة التعاون الطلابي] التي ضمت مختلف الاتجاهات السياسية والحزبية، وقامت المظاهرات الصاخبة في بغداد، ثم ما لبثت أن امتدت إلى مختلف المدن العراقية في 18  كانون الثاني، وتصاعدت موجة المظاهرات في اليوم التالي عندما انضم إليها العمال والكادحين من سكان الصرائف المحيطة ببغداد، والكسبة والمدرسين والمحامين وسائر طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة، واتجهت المظاهرات إلى بناية مجلس النواب، وكانت الجماهير تنظم إليها خلال مسيرتها والكل يهتفون بسقوط الحكومة، وحلّ المجلس النيابي، ورفض المعاهدة .
سارعت الحكومة إلى إصدار بيان أذيع من دار الإذاعة هددت فيه بقمع المظاهرات بكل الوسائل والسبل  وقد شكل البيان استفزازاً كبيراً لجماهير الشعب دفعهم إلى تحدي السلطة، وأعلن طلاب المدارس كافة تضامنهم مع جماهير الشعب، وتحدي بيان الحكومة.
وفي 20 كانون الثاني انطلقت المظاهرات الواسعة يتقدمها طلاب كلية الشريعة، هاتفين بسقوط حكومة صالح جبر والمعاهدة، وجابهتهم قوات كبيرة من الشرطة مطلقة الرصاص على المتظاهرين، مما أوقع العديد من الشهداء والجرحى الذين نقلوا إلى المعهد الطبي، والمستشفى التعليمي بجوار كليتي الطب والصيدلة، وقد أدى ذلك الصدام إلى انتشار لهيب الوثبة في بغداد وسائر المدن الأخرى، وتصاعدت موجات المظاهرات التي اشتركت فيها جميع فئات الشعب من الطلاب، والعمال، والمثقفين، والكسبة، والكادحين من سكان الصرائف، واشتبكوا مع قوات الشرطة التي لم تستطع مجابهة المتظاهرين، وولت هاربة رغم السلاح الذي كانت تحمله بين أيديها، ولازلت أذكر تلك الأيام المجيدة من تاريخ كفاح الشعب العراقي بدقائقها، حيث كنت أحد الطلاب المشاركين فيها بالموصل وشاهدت شرطة النظام وهي تولي هاربة من غضب الجماهير الشعبية، وأسفرت تظاهرات يوم الثلاثاء 20 كانون الثاني في بغداد عن استشهاد أربعة من الطلاب والمواطنين، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى، لكن تلك التضحيات كانت حافزاً قوياً دفع جماهير الشعب على مواصلة الكفاح حتى تحقيق أهدافها في إسقاط الوزارة والمعاهدة معاً .
وفي يوم الأربعاء 21 كانون الثاني توجهت جماهير الشعب نحو المستشفى التعليمي لاستلام جثث الضحايا، لكن الشرطة فاجأتهم بوابل من الرصاص وحاولت الجماهير الاحتماء في بناية كليتي الطب والصيدلة، وبناية المستشفى ولاحقتهم الشرطة داخل البنايات المذكورة، وقتلت أثنين منهم، وكان أحدهم طالبا في كلية الصيدلة مما أشعل الموقف، ودفع عميدي كليتي الطب، والصيدلة وأساتذة الكليتين إلى الاستقالة احتجاجا على انتهاك حرمة الكليّتين، واحتجت الجمعية الطبية العراقية ببيان شديد اللهجة على تصرف الحكومة.
وتدهور الوضع في بغداد والمدن الأخرى بسرعة أرعبت الحكومة والوصي على العرش [عبد الإله] الذي سارع  لدعوة أعضاء الحكومة وعدد من رؤساء الوزارات السابقين، وممثلي الأحزاب السياسية الوطنية إلى عقد اجتماع في قصر الرحاب في 21 كانون الثاني لتدارس الوضع والخروج من المأزق الذي وضعت الحكومة نفسها فيه، وكان من بين الحاضرين الشيخ [ محمد الصدر ] و[جميل المدفعي ] و [حكمت سليمان] و[ حمدي الباجه جي ] و[ارشد العمري] و[نصرت الفارسي]  و[ جعفر حمندي ] و [محمد رضا الشبيبي] و[ ومحمد مهدي كبه] زعيم حزب الاستقلال و[ كامل الجادرجي ] زعيم الحزب الوطني الديمقراطي و[ وعلي ممتاز الدفتري ] ممثلا لحزب الأحرار، و[عبد العزيز القصاب] و[ صادق البصام ] ونقيب المحامين [ نجيب الراوي]، وجرت في الاجتماع نقاشات حامية حول تطور الأوضاع بين الموالين للسلطة والمعارضين لها، وقد اتهم الوزير[ عبد المهدي ] المتظاهرين بأنهم عناصر شيوعية هدامة ورد عليه السيد كامل الجادرجي بقوله:
 [ إن المتظاهرين هم عناصر وطنية وقومية عربية صرفه ] (16)
شعر الوصي عبد الإله بخطورة الموقف، وعدم استطاعة الحكومة مجابه الشعب وبعد مداولات دامت أكثر من خمس ساعات أصدر الوصي بياناً إلى الشعب يعلن فيه تراجع الحكومة عن المعاهدة، ومما جاء في بيانه قوله : { إذا كان الشعب لا يريد هذه المعاهدة فنحن لا نريدها أيضاً }.

لقد أراد الوصي أن يمتص ببيانه هذا الغضب الجماهيري العارم الذي بات يهدد النظام، وهو في حقيقة الأمر كان مرغماً على تلك الخطوة، وهذا ما أكده وكيل رئيس الوزراء [ جمال بابان ] نفسه للسيد عبد الرزاق الحسني بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 من أن الوصي عبد الإله أصّر في بادئ الأمر على استخدام الشدة والعنف مع المتظاهرين، وحصدهم حصداً!، وبرر سكوته عن ذلك طيلة تلك المدة إرضاءً للوصي، وتستراً على موقفه من قصة رفض الشعب للمعاهدة التي عقدت بمعرفته وبتوجيهاته. (17)

أدى بيان الوصي عبد الإله إلى حدوث انشقاق في صفوف الأحزاب الوطنية، فقد  انشق حزب الاستقلال القو مي داعياً جماهير حزبه إلى التوقف عن التظاهر بعد بيان الوصي، فيما أصرت بقية القوى الوطنية على مواصلة الكفاح حتى سقوط حكومة صالح جير، وقيام حكومة حيادية تأخذ على عاتقها إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وتطلق سراح كافة المعتقلين السياسيين، وفي الوقت الذي كان الوصي يسعى بكل جهده لتهدئة الوضع طلع علينا صالح جبر ـ رئيس الوزراء-  بتصريح في لندن، في 22 كانون الثاني، يتهم المتظاهرين بأنهم عناصر هدامة من الشيوعيين والنازيين الذين اعتقلهم عام 1941
 بعد إسقاط  حكومة الكيلاني على يد جيش الاحتلال البريطاني.
وقد توعد جبر في تصريحه بالعودة إلى بغداد لسحق رؤوس العناصر الفوضوية!، وكان صالح جبر بتصريحه هذا قد صب الزيت على النار، فانطلقت مظاهرات عارمة ضد الحكومة.
وفي 25 منه أعدت الحكومة البريطانية طائرة خاصة لنقل صالح جبر وبقية أعضاء الوفد إلى بغداد لمعالجة الوضع، وكبح جماح المعارضة الوطنية، لكن الطائرة لم تستطع الهبوط في مطار بغداد لذي طوقته الجماهير، واضطرت إلى الهبوط في القاعدة الجوية البريطانية في الحبانية، وتم نقله والوفد المرافق له بواسطة المصفحات والمدرعات، إلى قصر الرحاب خفية، حيث التقى بالوصي بحضور نوري السعيد، وتوفيق السويدي، وقد اتهم صالح جبر وكيله جمال بابان بالتهاون في قمع المظاهرات، وطلب من الوصي منحه الصلاحيات اللازمة للقضاء على الثورة الشعبية خلال 24 ساعة.(18)

لكن جمال بابان أكد استحالة إنهاء المظاهرات دون استقالة الحكومة، وأيده في موقفه جميل عبد الوهاب، وزير الشؤون الاجتماعية، فيما وقف نوري السعيد إلى جانب صالح جبر داعياً إلى استخدام أقسى أساليب العنف ضد المتظاهرين، فما كان من جمال بابان إلا أن قدم استقالته من الحكومة احتجاجاً على انتقادات صالح جبر.
وفي ليلة 26 / 27 كانون الثاني أصدر صالح جير بياناً يحذر فيه أبناء الشعب من التظاهر، ويتوعدهم بإنزال العقاب الصارم بهم، وخول متصرفي الألوية [المحافظين] وأمين العاصمة، ومدراء الشرطة صلاحية استخدام السلاح لتفريق المظاهرات، وإنزال قوات كبيرة من الشرطة لتحتل المراكز الحساسة في العاصمة ، وبقية المدن الأخرى .
وتحدت الجماهير الشعبية صالح جبر ونوري السعيد، واجتاحت شوارع بغداد وسائر المدن الأخرى مظاهرات هادرة، منددة بالحكومة ومطالبة بسقوطها وسقوط المعاهدة، وبات الوضع خطيراً جداً في تلك الليلة، حيث كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق من قبل الشعب من جهة، والحكومة وقواها القمعية من جهة أخرى، انتظاراً لصباح اليوم التالي 27 كانون الثاني.

 فلما حلّ ذلك الصباح تحولت شوارع بغداد والمدن الأخرى إلى ساحات حرب حقيقية، فقد نشرت الحكومة قوات كبيرة من الشرطة المزودة بالمصفحات في الشوارع الرئيسية، فيما نصبت الرشاشات الثقيلة فوق أسطح العمارات العالية ومنارات الجوامع، استعداداً للمعركة الفاصلة.

وفي الساعة التاسعة صباحاً بدأت الجماهير الشعبية في الأعظمية، والكاظمية، وفي جانبي الكرخ، والرصافة تتجمع في الساحات العامة، ثم انطلقت في مسيرتها للالتقاء ببعضها، وقابلتها قوات الشرطة بوابل من رشقات الرصاص استشهد على أثرها أربعة من المتظاهرين، ووقع العديد من الجرحى، مما زاد في اندفاع الجموع الهادرة واندفاعها وإصرارها على التصدي لقوات القمع، وتقدمت مظاهراتان من جهة الأعظمية، ومن جوار وزارة الدفاع لتطويق قوات الشرطة التي حاولت الانسحاب إلى شارع  [غازي] سابقا، والكفاح حالياً، ولاحقتها جموع المتظاهرين مشعلة النيران بسياراتها ومصفحاتها، واستولت الجماهير على مركز شرطة [العباخانة]، وتوجهت إلى ساحة  الأمين [الرصافي حالياً] في طريقها للالتحام بجماهير الكرخ عبر جسر المأمون [ الشهداء حالياً ] .
كانت قوات الشرطة قد استعدت عند مدخل الجسر، حيث نصبت رشاشاتها فوق أسطح العمارات، ومنارات الجوامع عند طرفي الجسر في جانبي الكرخ، والرصافة لمنع مرور المتظاهرين عبر الجسر، ومعهم أمر بإطلاق النار على المتظاهرين المندفعين نحو الجسر، واستطاعت قوات الشرطة إيقاف زحف الجماهير نحو الجسر من جانب الرصافة في بادئ الأمر، مما دفع بجماهير الكرخ إلى الاندفاع نحو الجسر بغية عبوره، والالتحام بجماهير الرصافة المتواجدة في ساحة الأمين.

 وعند منتصف الجسر جابهتهم قوات الشرطة بنيران رشاشاتها المنصوبة فوق منارة جامعي [ الوزير] و[الآصفية] في جانب الرصافة، ومنارة جامع [ حنان ] في جانب الكرخ، ومن المدرعات الواقفة في مدخل الجسر، وقد استشهد ما يزيد على 40 مواطنا، وجرح اكثر من 130 آخرين، وتناثرت جثث الضحايا فوق الجسر.
اشتد ضغط الجماهير في ساحة الأمين على قوات القمع، مما أجبرها على الانسحاب نحو الجسر، وتقدم المتظاهرون عبر الجسر، ومرة أخري أنهمر عليهم الرصاص واستشهد عدد آخر وجرح الكثيرون، لكن الجموع ازدادت بأساً واندفاعاً أوقع الهلع في صفوف قوات القمع التي خافت أن تقع في أيدي الجماهير الغاضبة فولت هاربة تاركة ساحة المعركة تملأ جثث الشهداء والجرحى .

حاول عبد الإله استخدام الجيش ضد الشعب، وأجرى اتصالا تلفونياً مع رئيس أركان الجيش الفريق  [صالح صائب الجبوري] في 27 كانون الثاني، حوالي الساعة الثالثة والنصف عصراً، طالباً منه إدخال عدد من قطعات الجيش إلى شوارع بغداد، لكن الجبوري حذر الوصي من مغبة إدخال الجيش في شوارع بغداد، ولاسيما وانه لا يزال يعاني من مرارة الاحتلال البريطاني عام 1941، وأكد الجبوري للوصي عدم ضمان وقوف الجيش ضد الشعب، وبرغم أن الوصي كان متحمساً لقمع الانتفاضة لكنه اضطر للأخذ برأي الجبوري طالباً منه البقاء على اتصال دائم بالقصر حتى ينجلي الوقف.(19)

وفي الوقت الذي كانت الأزمة تتصاعد، قدم 20 نائبا في البرلمان استقالتهم، احتجاجا على الأساليب القمعية للحكومة ضد أبناء الشعب، بالإضافة إلى استقالة وزير المالية [ يوسف غنيمة] ووزير الشؤون الاجتماعية [ جميل عبد الوهاب]، وفي الوقت نفسه كان عبد الإله مجتمعا في قصر الرحاب مع الشيخ [محمد الصدر] و[ نوري السعيد ] لبحث الموقف وسبل الخروج من الأزمة، و كان نوري السعيد يلح على الوصي بقمع الحركة الشعبية، وطالبه بإعلان الأحكام العرفية ومنع التجول لاحتواء المظاهرات.

 لكن الشيخ محمد الصدر نصح الوصي بإقالة الوزارة لتهدئة الأوضاع، ولاسيما وأن المظاهرات قد امتدت إلى جميع المدن العراقية، وفقدت الشرطة سيطرتها على الموقف، وأشعل المتظاهرون النار في مكاتب الإرشاد البريطانية، في السليمانية، وكركوك، والموصل.
وهكذا أخذ الوصي برأي الشيخ الصدر على مضض، رغم كونه كان في الواقع يسعى لقمع  الحركة الشعبية، وأوعز إلى رئيس الديوان الملكي [أحمد مختار بابان ] للاتصال بصالح جبر، والطلب منه تقديم استقالة حكومته في 27 كانون الثاني 1948، اليوم الذي شهد أشد المعارك بين الشعب وقوات الحكومة، وقدم صالح جبر استقالته التي تم قبولها فوراً، وتوجه الوصي بخطاب إلى الشعب من دار الإذاعة أعلن فيه استقالة الحكومة، وداعيا الشعب للإخلاد إلى الهدوء !.

حقق الشعب في وثبته هدفان ، فقد اسقط المعاهدة، واسقط الحكومة، لكن الوثبة لم تستطع حسم الصراع مع السلطة الموالية للمحتلين البريطانيين، على الرغم من هروب نوري السعيد وصالح جبر إلى خارج العراق ريثما تهدأ الأوضاع، فقد كانت حياتهم مهددة بخطر حقيقي لو تسنى للجماهير الوصول إليهما.
الشيخ محمد الصدر يؤلف الوزارة الجديدة :
 حاول الوصي عبد الإله تكليف الشيخ محمد الصدر بتأليف الوزارة الجديدة، نظراُ لتمتعه بمركز ديني كبير، إضافة إلى كونه من الطائفة الشيعية، حيث وجد أن الشيخ الصدر هو خير من يستطيع تهدئة الأوضاع .
لكن الصدر اعتذر عن المهمة رغم إلحاح الوصي، مما اضطره إلى تكليف أرشد العمري، وقد حاول العمري بالفعل القيام بهذه المهمة لكنه جوبه بمعارضة شديدة من قبل الأحزاب الوطنية التي لازالت تذكر الأعمال التي قام بها عند تشكيل وزارته السابقة، فهو بالنسبة للأحزاب الوطنية والشعب غير مرغوب فيه، وهكذا فشل العمري في مهمته.
وفي الوقت نفسه أصدرت الأحزاب الوطنية [ الوطني الديمقراطي، والاستقلال، والأحرار ] بيانا إلى الشعب عن تلك الأحداث التي عصفت بالحكومة، وتضمن البيان ستة مطالب من الحكومة القادمة وهي:
1 ـ الإعلان الرسمي عن بطلان معاهدة بورتسموث .
2 ـ إجراء تحقيق دقيق عن مسؤولية إطلاق النار على أبناء الشعب.
3 ـ حل المجلس النيابي، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
4 ـ احترام الحريات الدستورية.
5 ـ إفساح المجال للنشاط الحزبي.
6 ـ حل مشكلة الغلاء بشكل يوفر للشعب قوته.(20)
كما قام زعماء الأحزاب الثلاثة بالاتصال بالشيخ الصدر طالبين منه الرجوع عن موقفه، والقبول بتأليف الوزارة، ونزولاً عند رغبتهم قبل الصدر المهمة رسمياً في 29 كانون الثاني 1948، وتشكلت الوزارة على الوجه التالي :
1ـ محمد الصدر ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ جميل المدفعي ـ وزيراً للداخلية .
3 ـ حمدي الباجه جي ـ وزيراً للخارجية .
4 ـ ارشد العمري ـ وزيراً للدفاع .
5 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للعدلية .
6 ـ مصطفى العمري ـ وزيراً للاقتصاد .
7 ـ محمد رضا الشبيبي ـ وزيراً للمعارف .
8 ـ نجيب الراوي ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
9 ـ صادق البصام ـ وزيراً للمالية .
10 ـ محمد مهدي كبه ـ وزيراً للتموين .
11 ـ جلال بابان ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .
12 ـ نصرت الفارسي ـ وزيراً بلا وزارة
13 ـ داود الحيدري ـ وزيراً بلا وزارة .
14 ـ محمد الحبيب ـ وزيراً بلا وزارة .
وهكذا جاءت وزارة الصدر من نفس الفئة الحاكمة، باستثناء محمد مهدي كبه، ومن العناصر المعروفة بولائها للمحتلين البريطانيين، ممن لا يرتاح إليهم الشعب ولاشك أن للسفارة البريطانية دوراً في اختيار الوزراء، وكانت وزارة الصدر مجرد وزارة تهدئة بعد تلك الوثبة الجبارة التي أوشكت أن تطيح بالنظام واستطاعت إسقاط حكومة صالح جبر، وإسقاط المعاهدة، ومن أجل تهدئة الأوضاع أقدم الصدر على تنفيذ الإجراءات التالية :
1 ـ أتخذ مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 31 كانون الثاني قراراً بإلغاء معاهدة بورتسموث، وإبلاغ الحكومة البريطانية برغبة العراق بعقد معاهدة جديدة تحقق طموحات الشعب العراقي في الحرية والاستقلال الناجزين، وقد عارض القرار الوزير عمر نظمي، المعروف بولائه التام للإنكليز، وقدم استقالته من الحكومة احتجاجا على القرار!!.
2ـ قررت الحكومة في 2 شباط تأجيل جلسات مجلس النواب لمدة 50 يوماً، لامتصاص غضب الجماهير، لكن الحملة اشتدت على المجلس من قبل الأحزاب الوطنية والصحافة والاحتجاجات الشعبية طالبين حلّ المجلس وأجراء انتخابات حرة ونزيهة، ولم ترَ الوزارة بداً من النزول عند الضغط الشعبي وضغط الأحزاب الوطنية والصحافة، واضطرت إلى اتخاذ قرار بالطلب من الوصي بإصدار الإرادة الملكية بحل المجلس النيابي في 22 شباط، تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة.
3 ـ كانت حكومة صالح جير قد اتخذت العديد من الإجراءات ضد الصحف، أحالت العديد من محرريها ومدراها المسؤولين إلى المحاكم، وأصدرت الأحكام الجائرة بحقهم، بسبب مواقفهم المناهضة لمعاهدة بورتسموث، وقد اتخذ مجلس الوزراء قراراً بعودة الصحف المعطلة للصدور من جديد، وإطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، والذين صدرت بحقهم الأحكام بالسجن، كما جرى إطلاق سراح معظم الطلاب الذين اعتقلوا خلال أحداث الوثبة، وأعادتهم إلى مدارسهم وكلياتهم .
4 ـ قرر مجلس الوزراء فسح المجال للنشاط الحزبي، بعد أن كانت الحكومة السابقة قد ضيقت عليها بكل الوسائل والسبل، ومنعتها من ممارسة نشاطها بحرية بسبب مناهضتها لمعاهدة بورتسموث.
5 ـ طلبت الحكومة سحب البعثة العسكرية البريطانية من الجيش العراقي في 22 آذار 1948، والتي كانت المهيمن الحقيقي على الجيش، وتم لها ذلك.
6 ـ سعت الحكومة إلى الاتصال بمجلس الطعام الدولي لغرض الحصول على 30 ألف طن من الحنطة بشكل عاجل لمعالجة أزمة الخبز التي سببتها حكومة أرشد العمري.
7ـ وافقت وزارة الداخلية على جمع مبلغ 50 ألف دينار لغرض توزيعها على عائلات الشهداء والجرحى الذين سقطوا خلال الوثبة الوطنية.
ورغم كل هذه الإجراءات استمرت المظاهرات تجوب شوارع بغداد احتجاجاً على عدم إطلاق سراح المعتقلين والسجناء الشيوعيين، وعلى رأسهم مؤسس الحزب[يوسف سلمان] فهد، ورفيقيه[ زكي بسيم] و[حسين محمد الشبيبي] أعضاء المكتب السياسي، وكذلك المطالبة بفسح المجال لحزب الشعب، وحزب التحرر الوطني، الذين ألغت حكومة العمري إجازتيهما، للعمل الحزبي من جديد، ومطالبة الحكومة باتخاذ سياسة أكثر حزماً تجاه الهيمنة البريطانية على  العراق، وتجاه القضية الفلسطينية التي كان يعتبرها العرب آنذاك قضيتهم الأساسية، والوقوف ضد المخطط الإمبريالي الأنكلوـ أمريكي الهادف إلى تقسيم فلسطين، وإقامة كيان سياسي لليهود فيها، وتشريد أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف بقاع العالم في ظروف حياتية غاية في الصعوبة .



18
من ذاكرة التاريخ
انتفاضة الشعب العراقي عام 1956
                                       
حامد الحمداني                                                               23/10/2018
كان موقف الشعب العراقي، وحكومة نوري السعيد من العدوان الثلاثي على مصر، على طرفي نقيض، فلقد اتسم موقف الحكومة السعيدية بالتشفي من مصر وعبد الناصر بشكل علني وصريح، وراحت الإذاعة العراقية تحاول صرف أنظار الشعب عن العدوان الذي دعته [التطورات والملابسات السياسية ] ، كما راحت الإذاعة تبث الأغاني الممجوجة، التي كان التشفي ينبعث منها، مما أثار سخط واستنكار وتقزز الشعب منها ومن الحكومة المتواطئة مع الإمبريالية، والتي سخرت مطاراتها للطائرات البريطانية، ومستشفياتها لجرحى المعتدين، وضخت النفط إلى ميناء حيفا في إسرائيل لتجهيز طائرات وجيوش المعتدين بالوقود .(4)
يقول السيد [ناجي شوكت] أحد رؤساء الوزارات السابقين في مذكراته عن موقف الحكومة السعيدية من العدوان ما يلي : { كانت إذاعة بغداد تذيع تسجيلات خليعة، وإن نسيت،لا أنسى مدى عمري ذلك المذيع الوقح الذي كانت آثار الشماتة والاستهزاء بكل القيم الإنسانية تنطلق من فمه المسعور، في الوقت الذي كان الشعب العراقي برمته يغلي كالبركان، ويطلب مساعدة مصر في محنتها، ووجوب مساندتها بالأرواح والأموال}. (5)

أما نوري السعيد، الذي كان في لندن حينما أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، فقد اجتمع مع رئيس الوزراء البريطاني [ انطوني إيدن ] حاثاً إياه على ضرب مصر، وبرهنت الحوادث على أن نوري السعيد كان على علم مسبق بقرار الهجوم على مصر،  وعاد إلى بغداد مسرعاً، ليقوم بدوره المرسوم في دعم العدوان، ولإحكام سيطرة الحكومة على الغليان الشعبي الذي اجتاح العراق من أقصاه إلى أقصاه. (6)

وما كاد العدوان الثلاثي يبدأ على مصر الشقيقة حتى سارع عبد الإله إلى عقد اجتماع لمجلس الوزراء في البلاط، لبحث الوضع في مصر، واعتقدت السلطة الحاكمة في بغداد أن النظام في مصر على وشك الزوال، وكان المجتمعون يتطلعون إلى الأخبار ساعة بعد ساعة، منتظرين استسلام مصر، وقد أتخذ مجلس الوزراء قراراً بإعلان الأحكام العرفية في 1 تشرين الثاني، وتشكيل أربعة محاكم عسكرية في محاولة منه لمنع الشعب من التحرك ضد النظام العميل للإمبريالية، بسبب مواقفه الخيانة من القضايا العربية، وفي مقدمتها العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة . (7)

كما أجرى نوري السعيد اتصالاً مع الحكومة الأردنية، وتقرر على أثرها إرسال قوات عراقية إلى الأردن، في 14، و15 تشرين الثاني، وكان واضحاً أن الغرض من إرسال القوات كان لتهديد سوريا التي وقفت إلى جانب مصر، وقطعت مرور النفط عبر أراضيها وقامت بنسف المضخات، ولم يكن قصد الحكومة إسرائيل، كما ادعت، فقد أجرى نوري السعيد اتصالات سريعة مع حكومتي واشنطن ولندن لإفهام إسرائيل بأن العراق ليست له نية بالتحرش، أو الاعتداء على حدودها، وقد سُرت الولايات المتحدة وبريطانيا لهذه المبادرة، كما ُسرت إسرائيل واطمأنت .

وفي الوقت الذي كان الجيش المصري يتصدى للمعتدين بكل قوة وبسالة، كان نوري السعيد يضخ النفط إلى إسرائيل، عبر أنبوب حيفا، كما كانت الطائرات البريطانية المعتدية تقلع من قاعدتي الشعيبة والحبانية، لتضرب أهدافها في بور سعيد و السويس، وفي الوقت الذي قطعت سوريا، والسعودية علاقاتهما مع بريطانيا وفرنسا احتجاجاً على العدوان الغاشم على مصر، فإن نوري السعيد رفض أن يفعل ذلك، مدعياً أن القرار سيكون كارثة على العراق ‍‍‍‍‍. (8)

هكذا استفز النظام العراقي مشاعر الشعب العراقي، وداس على كل القيم العربية، ليثبت ولائه وخنوعه التام للإمبريالية، مما دفع الشعب العراقي للانتفاضة ضد النظام رغم كل الاحتياطات التي اتخذها، وفي المقدمة منها إعلان الأحكام العرفية، وتشكيل المحاكم العسكرية لإخافة المواطنين ومنعهم من التحرك.

ابرق السيد [كامل الجادرجي] زعيم الحزب الوطني الديمقراطي  والذي كان موجوداً في مصر لمتابعة تنفيذ قرارات المؤتمر الشعبي العربي، حينما وقع العدوان، إلى رئيسي مجلسي الأعيان والنواب، في 14 تشرين الثاني، البرقية التالية:
{ إن لجنة الاتصال للمؤتمر الشعبي العربي تستنهض ضمائركم لتبادروا بإنزال العقوبة بحق المتآمرين الذين ارتكبوا الجناية العظمى، بالسماح للبترول العربي في العراق أن يتدفق إلى حيفا، لتستخدمه إسرائيل  والإنكليز والفرنسيين، للقضاء على الأمة العربية. إن التاريخ سيسجل موقفكم، وإن الأمة العربية بأجمعها تنتظر ما سوف تتخذونه على هذه المؤامرة الاستعمارية المنكرة، وعلى المتآمرين من أعوان الاستعمار، وفقكم الله سبحانه وتعإلى لما فيه رضاه، ومصلحة الأمة العربية } (9)

وقد استخدمت تلك البرقية دليل إدانة ضد الأستاذ الجادرجي فيما بعد، وقد رد رئيس مجلس الأعيان على البرقية ببرقية جوابية يستنكر فيها ما جاء في برقية الجادرجي، ويدافع عن حكومة نوري السعيد وقدم 61 أستاذاً جامعياً مذكرة مسهبة إلى الملك، استنكروا فيها سياسة حكومة نوري السعيد المعادية لمصالح الأمة العربية، وسياسة القمع الذي مارسها ضد الطلاب والأساتذة، وجماهير الشعب، وانتهاكه لحرمة المدارس والكليات، وطالبوا باحترام الحرم الجامعي، وضمان حرية الفكر، وإطلاق سراح الطلاب المعتقلين، وإجراء تحقيق عادل في تجاوزات الحكومة، وغيرها من المطالب الأخرى .(10)
كما قدم 35 شخصية سياسية ودينية ووطنية مذكرة مسهبة إلى الملك، في 20 تشرين الثاني شرحوا فيها تأمر وخيانة نوري السعيد، وطعنه للامة العربية في الصميم، ودعت الملك إلى معالجة الأمر قبل فوات الأوان . (11)
كما قدم نقيب المحامين [ سعد عمر ] مذكرة احتجاج أخرى في 29 تشرين الثاني، إلى رئيس الوزراء، بسبب قيام الحكومة باعتقال العديد من المحامين، واستنكر تلك الإجراءات اللا قانونية، وطالب بإطلاق سراح المعتقلين على الفور .
لكنّ النظام أصرّ على السير في ركاب الإمبريالية، وتحدي مشاعر الشعب، التي انفجرت بركاناً انتشرت حممه في طول البلاد وعرضها، واندفعت جماهير الشعب،  غير هيابة من حكومة العمالة، وجهازها القمعي، ومجالسها العرفية ومراسيمها الموغلة في العدوان على الدستور، وحقوق وحريات المواطنين، وعمت المظاهرات جميع المدن العراقية، ووقعت الاشتباكات العنيفة بين الجماهير وقوات الحكومة القمعية.

ففي بغداد أندفع أساتذة وطلاب الكليات والمعاهد العالية، والمدارس، الذين هزهم العدوان الثلاثي الغاشم على الشقيقة مصر، والموقف الخياني لحكومة نوري السعيد من العدوان،  يومي 3 و 4 تشرين الثاني في مظاهرات عارمة  متحدين الأحكام العرفية، وقوات القمع السعيدية، حيث وقع صدام عنيف بين الطرفين أسفر عن استشهاد طالبين وفتاة صغيرة، ووقوع عدد كبير من الجرحى وتم اعتقال أعداد أخرى من الطلبة.

لكن المظاهرات الطلابية استمرت دون توقف، حتى بلغت أوجها يوم 21 تشرين الثاني 1956، حيث أعلن طلاب المدارس والكليات الإضراب العام عن الدراسة، وخرجوا في مظاهرة ضخمة، اصطدمت مع قوات القمع السعيدية، وقد أبدى الطلاب بسالة منقطعة النظير في تصديهم لقوات القمع، وأوقعوا فيها [58 إصابة] كان منهم مدير الشرطة، و3 ضباط شرطة، ومفوضان، و54 شرطياً، كما وقعت إصابات كثيرة في صفوف المتظاهرين من الطلاب والأهالي الذين انضموا إلى المظاهرة .(12)

وعلى أثـر ذلك أعلنت الحكومة إغلاق كافة الكليات، والمعاهد العالية، والمدراس الثانوية والمتوسطة، واعتقلت [378  طالباً] من الإعدادية  المركزية،  وثانـوية الكرخ، وتم طـرد 37 طالباً من مدارسهم . (13)
وفي الوقت نفسه، أصدر وزير المعارف [ خليل كنه ] أمراً وزارياً بإلغاء تسجيل كافة طلاب المدارس، وإعادة تسجيلهم من جديد،بعد حصولهم على كتاب موافقة من مديرية التحقيقات الجنائية [الأمن العامة] ومنع قبول أي طالب في الكليات والمعاهد والمدارس، إذا لم يحصلوا على موافقة الجهات الأمنية، لكن تلك القرارات لم تثنِ الطلاب عن التظاهر، بل على العكس أدى تصدي قوات الأمن لهم إلى انتشار المظاهرات في معظم المدن العراقية، واشتباك المتظاهرين مع قوات القمع السعيدية. حيث وقعت معارك دامية بين الشعب وقوات الحكومة القمعية .

وكان أشد تلك المعارك، المعركة التي خاضتها جماهير مدينة [الحي] والتي استفزتها مواقف حكومة السعيد الخيانية، والجرائم التي اقترفتها قوات الحكومة القمعية في النجف الأشرف، فانتفضت هذه المدينة الباسل التي كان سكانها يشكون من ظلم الإقطاع، واستغلالهم البشع، وتفجرت تلك التراكمات ثورة عارمة ضد الطغيان السعيدي، وقامت المظاهرات الصاخبة التي تصدت لها قوات الشرطة القمعية، لكن جماهير الحي استطاعت هزم تلك القوات في 18 تشرين الثاني، بعد معارك دامية سقط خلالها العديد من الشهداء و الجرحى .
وفي اليوم التالي جاءت السلطة بحوالي 1500 فرد من قوات الشرطة السيارة إلى المدينة، حيث دارت معارك عنيفة بين الطرفين، وقامت قوات الشرطة بانتهاك حرمة البيوت وبأسلوب وحشي، حيث أخذت تقلع أبواب البيوت بالقوة وتجري التحري فيها، وتلقي القبض على كل من تشك في اشتراكه في المظاهرات، مما دفع سكان المدينة إلى إعلان الإضراب العام، أغلقت جميع المدارس والمحلات أبوابها، احتجاجاً على الأساليب البطش السعيدية، وسيق العديد من أبناء الحي ا لى المجالس العرفية التي أخذت تصدر الأحكام الجائرة بحقهم، وكان من جملة تلك الاحكام، حكم الإعدام الصادر بحق الشهيدين[ علي الشيخ حمود ] و[ مهدي الدباس ]، فيما حكم على الكثيرين بمدد مختلفة تراوحت بين السجن المؤبد، والسجن لبضعة سنوات.                                                        .                                                                                             
 وقد حاول لفيف من السياسيين إنقاذ حياة الشهيدين حمود والدباس، حيث قابل السيد [حكمت سليمان ] أحد رؤساء الوزارات السابقين ، والشيخ [محمد رضا الشبيبي ] من الوزراء السابقين، الملك فيصل الثاني، والتمساه عدم الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقهما، ووعدهما الملك خيراً، لكن الذي جرى أن الشهيد مهدي الدباس تعرض في سجنه، بعد الحكم عليه بالإعدام، لتعذيب وحشي شديد على أبدي الأجهزة الأمنية، وتوفي على أثرها تحت التعذيب، وقامت الحكومة على الأثر بنقل الشهيد الدباس مع الشهيد علي الشيخ حمود إلى الساحة العامة في الحي، حيث تم نصب مشنقتين لهما، على الرغم من أن الدباس كان قد فارق الحياة داخل السجن، ومع ذلك علق جسده على حبل المشنقة لتوهم السلطة المجرمة أبناء الحي بأنه قد تم تنفيذ حكم الإعدام به وبرفيقه، لكي لا تنكشف الجريمة، ولابد لي أن أشيد هنا بالموقف البطولي للشهيدين، فلقد قضى الدباس تحت التعذيب دون أن تنتزع منه السلطات الأمنية أي أسرار تتعلق بنشاط الحزب الشيوعي، بينما وقف الشهيد علي الشيخ حسين شامخاً فوق مشنقته وهو يهتف بحياة الشعب العراقي، والحزب الشيوعي، ويلعن المستعمرين وأذنابهم الخونة.                  .                                               
ورغم كل ما فعلته السلطة الحاكمة، ورغم كل إجراءاتها القمعية، فإن ذلك لم يجدها نفعاً، بل على العكس أنتشر لهيب الانتفاضة في مدن الكوفة والديوانية، والشامية والحلة  وكربلاء والناصرية والنجف والبصرة والعمارة والكوت، والموصل وأربيل وكركوك والسليمانية وعانه بالإضافة إلى بغداد.

ورغم أن السلطة الحاكمة زجت بكل قوات الشرطة وقوات الجيش للحيلولة دون قيام المظاهرات، ورغم زجها بالآلاف من المواطنين رهن الاعتقال، وتقديمهم إلى المجالس العرفية، وإصدار الأحكام الجائرة بحقهم، إلا أن المظاهرات والاحتجاجات تصاعدت ضد السلطة الحاكمة وكانت أشد المعارك قد وقعت في مدينة النجف الاشرف، مدينة البطولات الوطنية، فقد التهبت الأوضاع فيها عندما انطلقت تظاهرة طلابية من مدرسي [ الخورنق ] و[ السدير ]،حيث تصدت لها قوات الشرطة المدججة بالسلاح والمزودة بالسيارات المسلحة بالرشاشات، وبدأت بإطلاق النار على المتظاهرين، حيث أصيب [ 42 طالباً ] بجراح، وكانت جراح 11 منهم خطيرة، واستشهد الطالب [ عبد الحسين ] حفيد العلامة المعروف [ سيد فهمي الحمامي ]، كما استشهد طالب آخر من مدرسة السدير، وأخر من الأهالي، مما أدى إلى حالة من الهياج بين المواطنين الذين أعلنوا الإضراب العام، حيث أغلقت الحوانيت، والمحال التجارية، والمطاعم والمخابز، والصيدليات  احتجاجاً على الأعمال الإجرامية للسلطة، كما أضرب رجال الدين عن أداء واجباتهم الدينية، فلم يخرجوا لصلات الجماعة . (15)

وإزاء تطور الأحداث، وتصاعد موجة المظاهرات، أقدمت الحكومة على سحب شرطة المدينة، واستبدلتهم بإعداد غفيرة من الشرطة جاءت بهم من مناطق أخرى، من أطراف الموصل، خوفا من تهاون شرطة النجف في قمع المتظاهرين، ومع ذلك فلم تستطع السلطة السيطرة على المدينة، مما دفع بالحكومة إلى إنزال قوات الجيش إلى الشوارع، واحتلال المدينة .
لكن الإضراب استمر أسبوعاً كاملاً، وسط تحدي الشعب لقوات القمع، وواصلت التظاهر والتصدي لقوات القمع التي سارعت إلى إطلاق النار على المتظاهرين الذين لجئوا إلى مرقد الأمام علي عليه السلام، ولاحقتهم قوى الأمن، مواصلة إطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى استشهاد أثنين من المتظاهرين هما الشهيدين [ عبد الأمير ناصر ] و  [أموري علي ] ووقوع العديد من الجرحى.أدى الهجوم الوحشي على مرقد الإمام علي، عليه السلام، إلى تصاعد موجة التظاهرات والاحتجاجات، حيث خرجت المدينة عن بكرة أبيها تحاول انتزاع جثث الشهداء من المستشفى فيما أصرت الحكومة على عدم تسليمهم .

أدت الأحداث الدامية في النجف إلى قيام موجة من الاحتجاجات الموجهة من قبل كبار رجال الدين إلى الملك فيصل، حيث احتج كل من الشيخ [ عبد الكريم الجزائري ] والسيد [حسين الحمامي ]  والشيخ [ محمد كاظم الشيخ راضي ] و السيد [ محسن الحكيم ] والسيد [محمد صالح بحر العلوم ] إضافة إلى عدد من المحامين منهم [ موسى صبار ] و[ احمد الجبوري ]، في برقيات بعثوا بها إلى الملك فيصل، ونددوا فيها بإجراءات الحكومة، وطالبوا بإنزال أشد العقوبات بالمسببين باستشهاد أبناء النجف، وجرح العديد منهم.

أحدثت مصادمات النجف إلى رد فعل عنيف في بغداد، حيث أعلن المواطنون الإضراب العام، وأغلقت كافة المحال التجارية، والمطاعم والمخابز والصيدليات، وقامت الحكومة على الأثر بإصدار بيان في 28 تشرين الثاني، هددت المواطنين بإنزال اشد العقاب بهم إذا ما استمروا في إضرابهم.
أدرك البلاط الملكي أن الأمور أخذت تسير من سيئ إلى أسوأ، واستمرت الأحوال الأمنية بالتدهور، مما كان يهدد العرش بالذات، وعليه فقد دعا عبد الإله والملك فيصل الثاني رؤساء الوزارات السابقين، بالإضافة إلى نوري السعيد، ورئيسي مجلسي النواب والأعيان، والوزراء، وبعض الساسة، للتداول في التطورات الخطيرة التي تشهدها البلاد، وُطرح خلال المداولات موضوع استقالة حكومة نوري السعيد، وفسح المجال أمام العرش لتأليف وزارة جديدة تستطيع تهدئة الأمور، وتنقذ الموقف، وقد اتهم أحد الحاضرين نوري السعيد بأنه قد شجع [ انطوني إيدن ] عند وجوده في لندن، على شن العدوان على مصر بدلاً من أن يحذره من مغبة القيام بمثل هذا العدوان.(16)
 غير أن نوري السعيد أصرّ على موقفه، وتحديه للشعب، ومشاعره الوطنية، وحذر الملك وعبد الإله من خطورة التراجع أمام تحدي الشعب، مدعياً أن هذا الموقف قد يؤدي بالعرش، وهكذا انتهى الاجتماع دون اتخاذ أي قرار حول الوضع، لكن عبد الإله أجرى مشاورات أخرى بعد الاجتماع مع عدد من السياسيين، كان من بينهم [ جميل المدفعي ] و[علي جودت الايوبي ] بغية تأليف وزارة جديدة، وقد اقترح المدفعي إبعاد نوري السعيد عن الحكومة، إشراك [حسين جميل] و[ مهدي كبه ] في الوزارة القائمة، أو تشكيل وزارة جديدة .

 ثم استدعى عبد الإله بعد ذلك كل من السيد [ كامل الجادرجي ] و[حكمت سليمان]  و[ محمد رضا الشبيبي ]، وطلب رأيهم في سبل حل الأزمة وإعادة الهدوء إلى البلاد، وقد أجمع الجميع على ضرورة إقالة حكومة نوري السعيد، وتشكيل حكومة جديدة، وحذر حكمت سليمان عبد الإله من مغبة استمرار الأوضاع على ما هي عليها .(17)

لكن نوري السعيد، وبدعم  أسياده الإمبرياليين البريطانيين، تمادى في غيه، وأصدر أمراً باعتقال قادة  الأحزاب السياسية الوطنية، وكبار الشخصيات المعارضة، فقد تم اعتقال السادة كامل الجادرجي، وحسين جميل، وصديق شنشل، وفائق السامرائي، وعبد الرحمن البزاز، وجابر عمر بالإضافة إلى العديد من رجال الدين، واحالهم إلى المجلس العرفي العسكري في 16 كانون الأول، حيث صدرت الأحكام، في 19 منه،بحقهم، وصبت الحكومة جام غضبها على الأستاذ الجادرجي، حيث حكم عليه بالسجن الشديد لمدة ثلاث سنوات بعد أن اتخذت الحكومة برقيته التي أرسلها إلى رئيسي مجلسي النواب والأعيان كدليل اتهام، وتم إيداعه السجن .
كما حكمت المحكمة على صديق شنشل،وفائق السامرائي بالمراقبة لمدة سنة، وعلى حسين جميل وسامي باش عالم بكفالة شخص ضامن بمبلغ 5000 دينار، لمدة سنة، وتم نقل شنشل إلى الإقامة الجبرية في [ قلعه دزه ]، وفائق السامرائي إلى [ حلبجة ] في السليمانية، وتم إبعاد عميد كلية الحقوق [عبد الرحمن البزاز] و [ جابر عمر ] و[محمد البصام ] و[ فيصل الوائلي ] و[ حسن الدجيلي] الأساتذة في كلية الحقوق،إلى [ بنجوين ]. كما أبعد رجال الدين إلى قرية [ شثاثة ] في كربلاء، وجرى فصل أكثر من 10 آلاف طالب من كلياتهم، ومدارسهم، والعشرات من أساتذة الكليات بقرار جماعي.(18)

وهكذا استطاع النظام قمع الانتفاضة الجماهيرية الكبرى بالحديد والنار، مستخدماً كل ما توفر لديه من الوسائل القمعية، وزج بالجيش ليقمع الانتفاضة، بعد أن هزمت قوات الشرطة القمعية أمام غضبة الجماهير، وعزمها على التصدي للنظام الخائن والعميل للإمبريالية وهذا ما أرادته بريطانيا عندما أسست الجيش العراقي، عام 1921، فقد أرادته لحماية السلطة الحاكمة المؤتمرة بأوامرها، وليس لأي هدف آخر، لكن بذور الثورة كانت تنمو في أحشاء هذا الجيش الذي هو جزء من الشعب، مهما عملت السلطة الحاكمة لإحكام سيطرتها عليه وتوجيهه نحو معاداة الشعب وقواه الوطنية.

19
من ذاكرة التاريخ

العدوان الثلاثي على مصر
وموقف حكومة نوري السعيد
حامد الحمداني                                     1/2                               19/ 10/ 2018

بعد أن تم لثورة 23 يوليو في مصر تحقيق جلاء القوات البريطانية من مصر، عام 1954، عملت القيادة المصرية جاهدة لتحرير قناة السويس من السيطرة البريطانية والفرنسية، تلك القناة التي شُقت بجهود مئات الآلاف من أبناء الشعب المصري الذي سكب أطناناً من العرق، وفقد عشرات الألوف حياتهم من أجل إتمامها .

فقد تم تسخير 60 ألف مصري شهرياً في أعمال الحفر، من دون أجور، وخلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1859 و 1864 مات من هؤلاء العمال ما يزيد على 100 ألف فرد، تحت الانهيارات الرملية، دون دفع أي تعويض عنهم.

بجهود أولئك المصريين تم إنجاز قناة السويس التي ربطت البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وأصبحت قناة السويس الشريان الرئيسي الذي يربط قارتي أوربا وأسيا ببعضهما، واختصرت الوقت والتكاليف على السفن، بعد أن كانت تدور حول رأس الرجاء الصالح، جنوب أفريقيا .
كان الرئيس عبد الناصر ينتظر الفرصة المناسبة ليحقق هذا الأمل للشعب المصري  في تحرير القناة، وكانت في تلك الأيام من عام 1956 تدور مباحثات بين مصر وصندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا حول طلب مصر لتمويل مشروع السد العالي على نهر النيل العظيم، حيث كان هذا المشروع يتسم بأهمية كبرى للشعب المصري، كونه يوفر ثروة مائية كبيرة يمكن استخدامها في ري مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، ويكون مصدر طاقة كهربائية عظيمة كانت مصر بأشد الحاجة إليها لمشاريع التنمية الصناعية، والحاجات الاستهلاكية، هذا بالإضافة إلى كون السد ينقذ الشعب المصري من طوفان هذا النهر العظيم، الذي سبب للشعب الويلات والمآسي في فصل الفيضان، بدلاً من أن يكون مصدر خير ورفاه .

حاولت الدول الإمبريالية الضغط على الحكومة المصرية لتمرير مشروع [الدفاع عن الشرق الأوسط] وربط مصر بالمخططات الإمبريالية، لكن الرئيس عبد الناصر قاوم كل تلك الضغوط، ووقف موقفاً حازماً ضد حلف بغداد، ودفع الإمبرياليون إسرائيل للتحرش بالبلدان العربية المجاورة للضغط عليها، وأغدقوا عليها شتى أنواع الأسلحة، في حين حرموا البلاد العربية من الحصول على الأسلحة التي تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم، مما حمل الرئيس عبد الناصر إلى عقد صفقات لشراء الأسلحة من المعسكر الاشتراكي .
                                                                     
أثار توجه عبد الناصر للدول الاشتراكية لشراء الأسلحة غضب الدول الإمبريالية وجعل الولايات المتحدة وبريطانيا تسحبان عرضهما لتقديم القروض لتمويل السد العالي، في 25 تموز 1956، بعد أن كانت هاتان الدولتان قد أعلنتا في 18 كانون أول 1955 عن عزمهما على تقديم تلك القروض
أما البنك الدولي، الذي تسيطر عليه تلك الدول، فقد أخذ يضع الشروط تلو الشروط التعجيزية الهادفة للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، ثم أعلن بعد ذلك في 24 تموز 1956 سحب موافقته لتمويل السد، بعد قيام مصر بشراء الأسلحة من الدول الاشتراكية،على أثر قيام المظليين الإسرائيليين بإنزال عسكري في قطاع غزة الخاضع للسيطرة المصرية آنذاك،وسفكوا دماء المئات من أبناء الشعب الفلسطيني.

وعلى أثر إعلان البنك الدولي، وبريطانيا والولايات المتحدة سحب عروضهم لتمويل السد العالي، وفي غمرة الاحتفالات بالذكرى الرابعة لثورة 23 يوليو، جاء رد الرئيس عبد الناصر فورياً وحازماً، فقد أعلن في 26 تموز 1956، باسم الشعب المصري [ تأميم قناة السويس ] وعودتها للسيادة المصرية  معلناً أن مصر تضمن حرية الملاحة في القناة للجميع، وإنها سوف تستخدم موارد القناة لتمويل بناء السد العالي،كما أعلن عن استعداد مصر لتعويض حملة الأسهم في القناة بموجب سعرها عند الإغلاق يوم تأميم القناة .

ومن جانب آخر أعلن الاتحاد السوفيتي عن استعداده لبناء السد، على أن تدفع مصر تكاليف بنائه بأقساط مريحة، من عائدات قناة السويس وما يوفره السد، مما أفقد الإمبريالية صوابها، وسارعت بريطانيا وفرنسا إلى تقديم احتجاج شديد اللهجة للحكومة المصرية، معتبران أن إقدام عبد الناصر على تأميم القناة ينطوي على أبعاد خطيرة النتائج على مصر.
والفعل جرى تجميد الأرصدة المصرية في بريطانيا وفرنسا، والولايات المتحدة . وسارع رئيس الوزارة البريطانية [ أنطوني إيدن ] إلى لقاء رئيس وزراء فرنسا [دي موليه] للبحث فيما يمكن اتخاذه من إجراءات ضد مصر، ودعت الدولتان إلى عقد مؤتمر في لندن يضم 24 دولة، في 16 آب 1956، لبحث موضوع التأميم، وتأسيس إدارة دولية للقناة، وكان من بين الدول المدعوة للمؤتمر، مصر والاتحاد السوفيتي، لكن مصر رفضت حضور المؤتمر، فيما أعلن الاتحاد السوفيتي رفضه لأي قرار بغياب مصر .

أما الولايات المتحدة، التي كانت تتوق لإزاحة النفوذالبريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط، والحلول محلهما، فقد أعلنت عن رفضها استخدام القوة ضد مصر، وتقدمت باقتراح تضمن البنود التالية :
1 ـالاستمرار في إدارة أعمال القناة بصفة كونها طريقاً مائياً حراً مع احترام سيادة مصر.
2 ـ أن تكون خدمة القناة مستقلة عن أي عمل سياسي.
3 ـ أن يضمن لمصر دخل معقول من واردات القناة.
4 ـ أن يعطى تعويض عادل لحملة أسهم القناة.

لقي الاقتراح الأمريكي قبول 18 دولة، وانتهت محاولات بريطانيا وفرنسا لإعادة السيطرة على القناة إلى الفشل، وأنهى المؤتمر أعماله في 23 آب 1956، بعد أن قرر إرسال محاضر جلساته إلى الحكومة المصرية، مع وفد خماسي برئاسة رئيس وزراء استراليا، المستر[منزيس] لكن الوفد لم يستطع تحقيق أي شيء من زيارته لمصر، وحاولت بريطانيا، في المؤتمر الثاني الذي عقد في لندن في 19 أيلول أن تؤسس جمعية المنتفعين بالقناة والتي تضم 15 دولة، لكن مصر رفضت الاعتراف بهذه الجمعية، وانتهت هذه المحاولة إلى الفشل أيضاً .

عند ذلك قررت بريطانيا وفرنسا، بالتعاون مع إسرائيل، اللجوء إلى القوة العسكرية لإخضاع مصر، وتم على عجل وضع الخطة اللازمة لذلك، وتتلخص تلك الخطة بمبادرة إسرائيل بمهاجمة سيناء والوصول إلى القناة، ليكون ذلك ذريعة لبريطانيا وفرنسا، بحجة خطورة إغلاق قناة السويس، والطلب من الحكومتان المصرية والإسرائيلية الانسحاب إلى مسافة 16 كم عن القناة، تمهيداً لإنزال قواتهما حول القناة، وإذا ما رفضت مصر ذلك خلال 12 ساعة فإن القوات البريطانية والفرنسية سوف يتم إنزالها في بور سعيد والسويس، لكن عبد الناصر رفض الإنذار البريطاني الفرنسي، وأعلن أن مصر ستقاوم أي اعتداء يقع على أراضيها .

وهكذا بدأت إسرائيل هجومها على سيناء، وتمكنت قواتها في 31 تشرين الأول من التقدم بسرعة صوب القناة، حيث كان عبد الناصر قد سحب معظم قواته من الجبهة الإسرائيلية، معتقداً أن الهجوم سيقع على القناة من قبل القوات البريطانية والفرنسية، ولم يتوقع أن تشترك إسرائيل في الهجوم وتكون البادئة فيه، وعلى أثر ذلك بدأت الطائرات البريطانية والفرنسية غاراتها الوحشية على [بور سعيد] و مدينة [السويس]، وجرى قصف باخرة مصرية كانت محملة بالأسمنت داخل القناة فغرقت فيها وبذلك أغلقت القناة أمام الملاحة الدولية .

أحدث الهجوم البريطاني الفرنسي رد فعل واسع وعنيف من قبل الشعوب العربية، وشعوب العالم اجمع، وحتى من قبل مجلس العموم البريطاني نفسه، حيث هوجمت حكومة [إيدن] على تصرفها، وطالب الكثير من النواب وقف القتال فوراً، وسحب القوات البريطانية والفرنسية، كما طالبت الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار فوراً، لكن القوات البريطانية استمرت في هجومها متجاهلة الأمم المتحدة والرأي العام العالمي، مما حدا بالاتحاد السوفيتي إلى الطلب من الولايات المتحدة القيام بإجراء مشترك لوقف الحرب.

لكن الولايات المتحدة رفضت الطلب السوفيتي، مما دفعه للعمل بصورة منفردة، حيث توجه بالإنذار التالي إلى كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل، في 5 تشرين الثاني 1956، على أثر الإنزال العسكري البريطاني الفرنسي في بور سعيد، وهذا نصه:

{ إن الحكومة السوفيتية ترى من الضروري لفت أنظاركم إلى الحرب التي تشنها الآن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، هذه الحرب التي يترتب عليها أخطر النتائج على السلم العالمي  وإننا نتسائل ماذا كان سيحدث لو أن بريطانيا وجدت نفسها معرضة لهجوم دول أكثر منها قوة، دول تملك كل أنواع الأسلحة المدمرة الحديثة، هنالك الآن دول ليست بحاجة إلى إرسال أساطيل بحرية، أو قوات جوية إلى السواحل البريطانية، ولكن بمقدورها استعمال وسائل أخرى، كالصواريخ . لقد عزمنا عزماً أكيداً على سحق المعتدين، وإعادة السلام إلى الشرق الأوسط، عن طريق استعمال القوة، ونحن نأمل في هذه اللحظة العصيبة، أن تظهروا الحكمة اللازمة، وتستخلصوا منها النتائج المناسبة}.

وقع هذا الإنذار موقع الصاعقة على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل، حيث أصبحت لديهم القناعة أن الاتحاد السوفيتي يعني ما يقول، ولذلك فقد رفضت الولايات المتحدة دعم العدوان، وتجاهلت كل النداءات التي صدرت من بريطانيا وفرنسا والداعية إلى وقوفها إلى جانب المعتدين.
 وفي الوقت نفسه خرجت الجماهير الغفيرة في المشرق العربي ومغربه، تعلن غضبها واستنكارها للجريمة، وتعلن وقوفها ضد العدوان، ومطالبة حكوماتها بالوقوف إلى جانب مصر في محنتها، وجرى نسف محطات ضخ النفط عبر الأنابيب من كركوك نحو بانياس وطرابلس، مما أدى إلى توقف تدفق النفط نحو الغرب، بالإضافة إلى إغلاق قناة السويس، مما أوقع الغرب في ورطة كبرى، حيث لم يعد بالإمكان نقل النفط من منطقة الخليج إلا عبر رأس الرجاء الصالح .

وهكذا باء العدوان بالفشل الذريع، واضطر المعتدون إلى إيقاف الهجوم، وسحب قواتهم من الأراضي المصرية، في 16 تشرين الثاني 1956، وبذلك انتهى العدوان، تاركاً آثاراً بارزة على حركة التحرر العربي، حيث أعطته زخماً هائلاً، وآمالاً عريضةً في مقارعة الإمبريالية، وتحرير البلدان العربية من نفوذها واستغلالها البشع، وسأتناول في حلقة قادمة موقف حكومة نوري السعيد من العدوان الثلاثي على مصر و رد الفعل العراقي الذي تمثل في وثبة عام 1956.



20
من ذاكرة التاريخ:
الملك فيصل يطلب من نوري السعيد تقديم استقالة حكومته
والمندوب السامي يرفض
حامد الحمداني                                                      17/10/2018
أدت سياسة نوري السعيد، وأساليبه القمعية التي استخدمها لفرض معاهدة 30 حزيران 1930 إلى خلافات عميقة في مجلسي النواب  والوزراء، وأدت تلك  الخلافات إلى استقالة السيد[ جميل المدفعي] من رئاسة مجلس النواب، ومن حزب نوري السعيد[حزب العهد] احتجاجاً على تصرفات الحكومة، وبالأخص وزير الداخلية [مزاحم الباجه جي] إثر الهجوم العنيف الذي تعرض له في مجلس النواب من قبل نواب المعارضة، بسبب تصرفات الحكومة المخالفة للدستور، والمنتهكة للحريات، وقد بعث السيد المدفعي بكتاب إلى السعيد يعلن فيه استيائه من تصرفات وزير الداخلية غير القانونية، والتزام السعيد جانبها، وأعلن انسحابه من حزب العهد، وقد لخص المدفعي تصرفات وزير الداخلية [مزاحم الباجه جي] بالتالي:
1 ـ تصرفاته المشينة خلال الإضراب الشعبي العام،  مما كان سببا في توسيعه توسعاً خطيراً.
2 ـ تطبيقه قانون العشائر على ذوات ليسوا من العشائر، وبينهم من كبار رجال القانون.
3 ـ تضيقه على كبار رجال الأمة، وتعقيبهم بالجواسيس بصورة لم يسبق لها مثيل، ومطارداته الشبيبة الوطنية لمجرد ما يظهروه من الشعور الوطني، شأن الشباب في جميع بلاد الله.
4 ـ وضع المراقبة الشديدة على حرية المخابرة، خلافاً لما هو مضمون في القانون الأساسي الذي حلفنا اليمين على التمسك به. 
5ـ تطبيقه الذيل الخاص بالعقوبات بحق رجال عرفوا بمقدرتهم وإخلاصهم، لكي يتسنى له تعيين بعض محسوبيه، ومروجي تصرفاته في محله.                                                                                             
6 ـ تفسيره القوانين كما تشتيهه أغراضه، وهتكه شرف رجال كانوا من أشد المخلصين.
7 ـ إصدار الكتب التهديدية السرية المملوءة بالبذاءات، وهتك الحرمات، وعليه أرجو اعتباري مستقيلاً من الحزب، وسأقدم استقالتي رسمياً من رئاسة مجلس الأمة أيضاً، وتقبلوا احترامي. (1)
                                                                   جميل المدفعي
                                                            16 تشرين الأول 1931   
               
وهكذا فضح المدفعي سلوك حكومة نوري السعيد المخزي، وانتهاكها للدستور، ونكثها لليمين باحترامه، والاعتداء على حقوق وحريات المواطنين التي نص عليها الدستور، واستغلال النفوذ بهذا الشكل المكشوف، فلم يعد أمام نوري السعيد إلا أن يقدم استقالة حكومته إلى الملك  فيصل في 19 تشرين الأول 1931، وتم قبول الاستقالة.
لم يكد المندوب السامي يبلغه خبر استقالة نوري السعيد حتى سارع إلى الملك فيصل طالباً منه أن يعيد تكليف السعيد بتشكيل الحكومة من جديدة، ومارس ضغطاً على الملك لكي ينفذ طلبه، فلم يكن أمام الملك من بد إلا أن ينفذ مشيئة المندوب السامي  على مضض، حيث كانت هناك مهام خطيرة يتطلب تنفيذها من قبل شخصية قوية ومضمونة، ولقد اثبت نوري السعيد أنه هو لا غيره ذلك الرجل القوي القادر على القيام بتلك المهمات التي تنتظر الحكومة الجديدة، وهكذا رضخ الملك فيصل لمشيئة المندوب السامي، وكلف نوري السعيد من جديد بتشكيل الوزارة، وباشر السعيد على الفور باختيار أعضاء وزارته بالتشاور مع المندوب السامي، والملك فيصل في اليوم نفسه، وكان عهد هذه الوزارة مليئاً بالأحداث أصر الإنكليز أن يتولى  السعيد معالجتها وأبرزها:
1 ـ تمرد بعض قوات الليفي الآشورية.
2 ـ اندلاع الثورة البارزانية.

معالجة تمرد قوات الليفي الآشورية
قوات الليفي الآشورية أنشأها البريطانيون لمساعدة قواتهم المحتلة للعراق في حفظ الأمن والنظام، والقيام بدور الحراسة للمعسكرات والقواعد البريطانية.
كان الآشوريون يطمحون بقيام دولة لهم في  دهوك وبعض المناطق الأخرى في شمال العراق، لكن آمالهم خابت بعد صدور القرار بضم العراق إلى عصبة الأمم، وتجاهل بريطانيا تلك المطالب، مما أثار استياء قوات الليفي العاملة في خدمة القوات البريطانية، حيث استقال ما يزيد على 1300 من قوات الليفي،  وتقدمواً للمندوب السامي بالمطالب التالية:
1 ـ الاعتراف بهم كشعب ساكن في العراق، وليسوا مجرد طائفة دينية أو عنصرية.
2ـ إيجاد كيان لهم في منطقة [دهوك]، والعمل على إعادة منطقة [حكاري] الواقعة تحت السيادة التركية، وإذا ما تعذر ذلك فيجب إيجاد موطن للآشوريين في العراق مفتوح لكل الآشوريين في داخل العراق وخارجه.
3ـ الاعتراف بسلطة زعيمهم الديني المار شمعون الدينية والدنيوية.
 4ـ عدم سحب السلاح منهم .
5ـ مطالب أخرى حول فتح مدارس ومستشفى ودار أوقاف آشورية.
 ورغم طلب المندوب السامي منهم التراجع عن مواقفهم فإنهم أصروا على مطالبهم، فما كان من السلطات البريطانية إلا أن تأتي بقوة عسكرية من الإنكليز المتواجدين في مصر لتحل محلهم، حيث تم نقلهم على عجل بواسطة الطائرات.
 فلما وجدت قوات الليفي أن بريطانيا عازمة على عدم تلبية مطالبهم، تراجع قسم كبير منهم وعاد إلى الخدمة، أما القسم الآخر الذي أصر على موقفه فقد قررت السلطات البريطانية إقصاءهم نهائياً.
\
أما الحكومة العراقية فقد قررت في 2 تموز 1932، وبعد موافقة المندوب السامي، سحب السلاح من الليفي، ومنعت حمل أي سلاح إلا بإجازة رسمية، كما قررت وضع أفراد من الشرطة مع قوات الليفي في كافة المخافر.

السعيد يقمع الثورة البارزانية:
حاولت الحكومة تثبيت نفوذها في منطقة كردستان، ولمنع أية محاولة من جانب بعض الزعماء الأكراد للتمرد على سلطة الحكومة، وكان من جملة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة قرارها بإقامة مخافر في منطقة [بازيان] المحصورة بين [الزيبار] و[عقرة] و[الزاب الأعلى]، والتي تتوسطها قرية [بارزان] حيث مقر سكن الشيخ احمد البارزاني،عميد الأسرة البارزانية المعروفة، والذي يتمتع بمركز ديني ودنيوي كبير في صفوف الأكراد.

رفض الشيخ احمد إقامة تلك المخافر، واعتبرت الحكومة أن موقفه هذا يشكل تحدياً لسلطتها، واتخذت قراراً بإقامة المخافر بالقوة، حيث أرسلت قوات عسكرية إلى المنطقة لفرض إقامتها بالقوة، مما تسبب في وقوع مصادمات عنيفة بين أتباع الشيخ احمد وقوات الحكومة في 9 كانون الأول 1930، وقد قتل ما يزيد على 50 فرداً من قوات الحكومة، وأصيب الكثير منهم بجراح، واستطاع أتباع البارزاني طرد بقية القوات التي أرسلتها الحكومة إلى المنطقة.

أخذ البارزاني يوسع  نفوذه في المنطقة، وإزاء ذلك الوضع قررت الحكومة تجريد حملة عسكرية كبيرة لإخضاع الشيخ [أحمد البارزاني] في شهر نيسان 1932، مستعينة بالقوة الجوية البريطانية التي شرعت طائراتها بقصف المنطقة، ومطاردة البارزانيين في 25 أيار1931، وكان القصف الجوي من الشدة بحيث دفع المقاتلين البارزانيين إلى الالتجاء إلى الجبال حيث المخابئ الآمنة، وبدأت قوات الحكومة حملتها ضدهم في 22 حزيران 1931، مما اجبر الشيخ أحمد بعد أن تشتت قواته على الفرار إلى تركيا، حيث سلم نفسه للسلطات التركية التي قامت بنقله إلى
 مدينة [أدرنه]على الحدود البلغارية.
وفي تلك الأيام حاول الإنكليز إسكان الآشوريين في منطقة بارزان، فلما علمت الحكومة التركية بالأمر، وهي التي تكن الكره الشديد للآشوريين الذين وقفوا إلى جانب بريطانيا إبان الحرب العالمية الأولى، سارعت إلى إعادة الشيخ احمد البارزاني إلى منطقة الحدود العراقية. وعندما بلغ الخبر إلى الحكومة العراقية، تقدمت بطلب إلى الحكومة التركية لتسليم الشيخ احمد. إلا أن  الحكومة التركية رفضت الطلب، مشترطة إصدار عفو عام عنه وعن أتباعه، واضطرت الحكومة العراقية إلى إصدار العفو عنهم، وعليه فقد عاد الشيخ احمد وأتباعه إلى العراق، حيث أسكنتهم الحكومة في الموصل، ثم جرى نقلهم بعد ذلك إلى الناصرية فالحلة فالديوانية، ثم استقر بهم المطاف في مدينة السليمانية.

الملك فيصل يطلب من نوري السعيد تقديم استقالته
بعد أن أنجزت حكومة نوري السعيد المهام الموكولة لها، والمتمثلة بعقد معاهدة 30 حزيران 1930، وإدخال العراق في عصبة الأمم، ومنح العراق الاستقلال [الشكلي]، قدم نوري السعيد استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 27 تشرين الأول 1932، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي، وكلف الملك فيصل السيد [ناجي شوكت] بتأليف الوزارة الجديدة في 3 تشرين الثاني 1932.

ورغم أن استقالة السعيد جاءت بناء على طلبه كما جاء في كتابه الموجه إلى الملك، إلا أن الحقيقية كانت غير ذلك، وأن الملك فيصل هو الذي طلب منه تقديمها فقد جاء في البرقية التي طيرها المندوب السامي [هيوبرت همفري] إلى وزارة الخارجية البريطانية برقم 335 بتاريخ 29 تشرين الأول 1932 ما يلي :
[ إن الملك هو الذي طلب من السعيد تقديم استقالة حكومته لأنه فقد ثقة الملك، ولما عرض على الملك استعداده لجمع نوري السعيد بالملك رفض الملك ذلك، وقرر الانفصال عن السعيد، ولم تفد توسلاتي وتوسلات المستشار [ كورنواليس] لتثني الملك عن قراره.   
كان هدف الملك من طلب الاستقالة تقليص نفوذ نوري السعيد الذي تصاعد نجمه لدى البريطانيين بعد أن افلح في توقيع معاهدة 1930، وأصبح يتمتع بمنزلة كبيرة لدى المندوب السامي البريطاني والحكومة البريطانية، ونال ثقتهما، وأصبح يرى نفسه وكأنه الشخصية الوحيدة القادرة على إدارة شؤون البلاد.
كما هدف الملك فيصل من التغير الوزاري استمالة ما يدعى بالمعارضة المعتدلة، بعد الذي سببته معاهدة 30 حزيران 1930 الجائرة، والمقيدة لاستقلال العراق من جهة. وهكذا جاءت حكومة ناجي السويدي وسطاً بين الاتجاه الموالي لبريطانيا والاتجاه المعارض لسياستها، وللمعاهدة.
أما الرأي العام العراقي فقد كان بين متفائل ومتشائم من هذه الوزارة، ورأى البعض الأخر أن هذه الوزارة لا تعدو عن كونها وزارة انتقالية ليس إلا.

أما وزارة الخارجية البريطانية فقد كان رأيها أن هذه الوزارة لن تدوم طويلاً، فبريطانيا لا ترضى إلا بوزارة تكون ألعوبة بأيديها، وهي لم تعترض على تشكيلها لكي تهدئ الأوضاع في البلاد بعد الذي سببته حكومة نوري السعيد بعقد معاهدة 30 حزيران 1930.
كان على الوزارة الجديدة أن تلجأ إلى حل البرلمان الذي يتمتع فيه نوري السعيد بالأغلبية المطلقة لتقليم أظافره من جهة، ولإرضاء الشعب بعد أن زوّر نوري السعيد الانتخابات السابقة بشكل خطير.
 وحاول نوري السعيد ثني ناجي شوكت للحيلولة دون حل البرلمان واعداً إياه بتأييد نواب حزبه للوزارة.
غير أن الملك كان قد صمم على حل البرلمان، وأصدر الإرادة الملكية بحله في 8 تشرين الثاني 1932.
حاول نوري السعيد عرقلة قرار حل البرلمان بأن أوعز إلى نواب حزبه بعدم حضور الجلسة التي تتلى فيها الإرادة الملكية بحله، لكن ذلك لم يمنع من مضي الحكومة والملك قدماً في حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة. (4)

أما نوري السعيد فقد عقد اجتماع لقيادة حزبه في 10 تشرين الأول بعد يومين من قرار الحل، وأصدرت القيادة  بياناً يندد بالحل، وقررت كذلك إرسال مذكرة إلى الملك فيصل ادعت فيها عدم شرعية الحل، وفوضت نوري السعيد بمتابعة المذكرة.
ولما بلغ الأمر للملك فيصل، قرر إبعاد نوري السعيد عن العراق بتعينه ممثلاً للعراق في عصبة الأمم في 16 تشرين الثاني 1932.
كان أمام حكومة ناجي شوكت مدة أربعة اشهر تبدأ من تاريخ حل البرلمان لإجراء انتخابات جديدة حسبما نص على ذلك القانون الأساسي بمادته الأربعين، ولذلك فقد سارعت الحكومة إلى تعين يوم 10 كانون الأول 1932 موعداً لانتخاب المنتخبين الثانويين، وجرت الانتخابات في جو من اللامبالاة من قبل الشعب الذي كان يدرك أن الحكومات المتعاقبة تجري الانتخابات حسبما تريد هي والمندوب السامي والملك، شاء الشعب أم أبى.
ومع ذلك فقد رشح أعضاء من [ حزب الإخاء الوطني ] الذي يقوده الزعيم الوطني [جعفر أبو التمن] بشكل فردي، وفاز معظم المرشحين في الانتخابات، ولكن عددهم كان قليلاً. كما رشح عدد من أعضاء [الحزب الوطني] بزعامة [يسين الهاشمي] على الرغم من حدوث انشقاق في قيادة الحزب بسبب مطالبة البعض منهم مقاطعة الانتخابات وفاز عدد من المرشحين .

أما حزب نوري السعيد [ حزب العهد ] فقد كان حزب حكومة وبرلمان فلما ذهبت الوزارة وحُل البرلمان تلاشى الحزب، لكن عدد من أعضاء الحزب رشحوا في الانتخابات بصورة فردية، وفازوا فيها.

كانت حصة الأسد كما هو جارٍ عادة في كل انتخابات للحكومة، فقد فازت كتلة الحكومة بـ  72 مقعداً في المجلس المؤلف من 88 مقعدا ودعيت كتلة رئيس الوزراء [الكتلة البرلمانية]، لكن هذه الكتلة بدأت بالتفكك عندما عقد المجلس اجتماعه في 8 آذار 1933، على أثر تواصل هجمات المعارضة على الحكومة.

حاول ناجي شوكت بعد الانتخابات أن يوسع وزارته، ويدخل فيها عناصر ما كان يدعى بالمعارضة المعتدلة مثل [يسين الهاشمي] و[حكمت سليمان] لكن الملك لم يوافق على ذلك، وأثر بقاء الوزارة على حالها، وخيره بالبقاء على رأس الوزارة أو تكليف رشيد عالي الكيلاني بتأليف وزارة جديدة، فما كان من ناجي شوكت إلا أن قدم استقالة حكومته إلى الملك في 18 آذار 1933، وتم قبول الاستقالة، وكلف الملك السيد رشيد عالي الكيلاني بتأليف وزارة جديدة  في 20 آذار 1933.(5)

للإطلاع على المزيد من البحوث التاريخية والمقالات وسائر كتبي الرجوع إلى موقعي على الانترنيت التالي:
www.Hamid-Alhamdany.blogspot.com

21
من ذاكرة التاريخ
الصراع على السلطة
وتولي عبد الرحمن عارف الحكم
حامد الحمداني                                           15/10/2018
                                     
لم يكد يذاع خبر مصرع عبد السلام عارف في حادث الطائرة المروحية حتى بدأ الصراع على قمة السلطة، وكانت أطراف الصراع تتمثل أساساً في جبهتين رئيسيتين، على الرغم من محاولة الزعيم الركن [عبد العزيز العقيلي] ترشيح نفسه للرئاسة كجبهة ثالثة، وهاتان الجبهتان هما:
1 ـ الجبهة الأولى: وتتمثل بالعسكريين الممسكين بزمام القوة، حيث يمسكون بأيديهم كل المراكز الأساسية في الجيش، وقد وقفت هذه الجبهة إلى جانب اللواء عبد الرحمن عارف، شقيق عبد السلام عارف، وكيل رئيس أركان الجيش آنذاك بالإضافة إلى قيادة الفرقة العسكرية الخامسة المدرعة.
2 ـ الجبهة الثانية: وتتمثل برئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز، ومن حوله كل العناصر المدنية المرتبطة مصالحها بمصالح الغربية، بشكل أو بآخر.
وبموجب الدستور فأن انتخاب رئيس الجمهورية في حالة شغور المنصب يتمّ من قبل مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى بصورة مشتركة.
وهكذا فقد بادر مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى بعقد اجتماع عاجل في 16 نيسان 1966 لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وقد طُرح في الاجتماع ثلاثة أسماء:
1ـ الأول:عبد الرحمن عارف، وكيل رئيس أركان الجيش، وقائد الفرقة الخامسة المدرعة.
2 ـ الثاني:عبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء.
3 ـ الثالث: الزعيم الركن عبد العزيز العقيلي، قائد الفرقة العسكرية الأولى.
وفي دورة الاقتراع الأولى حصل البزاز على 14صوتاً من مجموع  28صوتاً، فيما حصل عبد الرحمن عارف على 13 صوتاً، ونال عبد العزيز العقيلي على صوت واحد فقط هو صوته، وكان الضباط المصوتين لعبد الرحمن عارف 11ضابطاً من مجموع 12، باستثناء العقيلي، فيما صوت 14 من الوزراء للبزاز وعضوان لعارف، ولكون أن أحداً لم يفز بأغلبية الثلثين، كما نص الدستور فقد جرت دورة ثانية، كان فيها تأثير الضباط حاسماً، فقد أصروا على انتخاب عبد الرحمن عارف مهما كان الثمن، رافضين قبول تولي البزاز رئاسة الجمهورية، مما أضطر البزاز إلى سحب ترشيحه تحت ضغط العسكريين لصالح عبد الرحمن عارف، فقد كانت القوى المسيطرة على الجيش، وخاصة عدد من أقرباء عارف، وفي المقدمة منهم [سعيد صليبي] رجل النظام العارفي القوي، لها القول الفصل في عملية الانتخاب، كما أن عبد الناصر، والناصريين، وقفوا إلى جانب عبد الرحمن عارف ضد البزاز المعروف بولائه للغرب، هذا بالإضافة إلى أن عبد الرحمن عارف الذي يتسم بالضعف، وعدم القدرة على إدارة شؤون البلاد، وقلة طموحه، جعل البزاز ورفاقه يرضخون لانتخاب عارف، ويفضلونه على أي مرشح آخر، حيث اعتبروه أقل خطراً من غيره على مراكزهم في السلطة.
وهكذا تولى عبد الرحمن عارف رئاسة الجمهورية، فيما بقي البزاز رئيساً للوزارة وكان نظام عبد الرحمن عارف امتداداً لنظام أخيه عبد السلام، وإن كان أقل عدوانية منه، وبقي محور النظام يستند على الحرس الجمهوري، وتعاون  الجمليين الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للحرس الجمهوري.
كان عبد الرحمن يفتقر إلى الدهاء والطاقة، ولا يتمتع بسلطة قوية لاتخاذ القرارات ويفتقد للحدس السياسي، والمعرفة بالشؤون العامة، وعدم القدرة على إدارة دفة الدولة، كما كان يفتقر إلى روح المبادرة والمناورة، حتى شعر كل من كان حوله  إلى انه لم يخلق ليكون رئيس دولة، فاقداً لأي طموح، ولذلك فقد كان العوبة بيد عدد من الضباط المتخلفين والأنانيين الذين لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية، معتمدين على الولاءات العشائرية والإقليمية.
 وكان [سعيد صليبي] يلعب الدور الأكبر من بين جميع الضباط في إدارة شؤون البلاد العسكرية، فيما أعتمد عارف على [خيرالدين حسيب]، ناصري من مدينة الموصل، في جميع الأمور المتعلقة بالشؤون الاقتصادية والنفطية، أما الشؤون السياسية فكانت من حصة رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز.
 لم يسد في العراق على عهد عبد الرحمن عارف أي استقرار سياسي بسبب تصارع الأجنحة، المدنية منها والعسكرية، فلم يكن العسكريون راضين على وجود البزاز رئيساً للوزارة، واضطر البزاز في آخر الأمر إلى تقديم استقالة حكومته، تحت ضغط العسكريين، في 16  آب 1966.
لقد حاول البزاز خلال فترة حكمه الممتدة من 18 نيسان 965 إلى 16 آب 1966 إعادة الاعتبار للإقطاعيين، وكبار ملاكي الأرض القدامى، كما قدم لهم خدمات، وامتيازات حرمهم منها قانون الإصلاح الزراعي الذي شرعته حكومة عبد الكريم قاسم، فقد رفع معدل الفائدة المدفوعة للإقطاعيين عن ثمن الأرض المستملكة منهم بموجب القانون من 0,5% إلى 3 % سنوياً، وبذلك حمل الفلاحين المعدمين حملاً ثقيلاً ليست لهم القدرة على حمله، مما أدى إلى تدهور أوضاعهم الاقتصادية أكثر فاكثر،كما انه قام بتحديد قيمة مياه فروع الأنهر التي تتدفق لسقي تلك الأراضي، وبذلك حقق للإقطاعيين دخلاً كبيراً أقتطعه من دخول الفلاحين الكادحين، والضعيفة أصلاً .
لقد سعى البزاز إلى تقليص دور العسكريين وامتيازاتهم، وحاول تقليص ميزانية وزارة الدفاع، مما أثار غضب العسكريين عليه، ودفعهم إلى السعي للتخلص منه، مستغلين محاولة عارف عبد الرزاق الانقلابية في 15 آب 1967 ليطلبوا منه الإستقالة، ورضخ البزاز للأمر وقدم استقالة حكومته، وطلب عبد الرحمن عارف من الزعيم الركن المتقاعد [ناجي طالب] تأليف وزارة جديدة.
ومعلوم أن ناجي طالب هو أحد أعضاء اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار الذين ساهموا في ثورة 14 تموز 1958، وهو من مواليد1917، من مدينة الناصرية شيعي، ويمثل الاتجاه القومي في تلك اللجنة، وقد تولى عدة مناصب وزارية في عهد عبد الكريم قاسم، لكنه انشق عنه، وتحول نحو التعاون مع القوميين، وحزب البعث للإطاحة بحكومته، وشغل منصباً وزارياً في الحكومة الانقلابيون في8 شباط 1963، وقد عرف ناجي طالب بتذبذبه السياسي ما بين القومي المستقل والناصرين، وحاول الجمع بين الأجنحة العسكرية المتصارعة داخل السلطة باتخاذه المواقف المعتدلة.
تألفت وزارته من 7 ضباط، و12 مدنياً، من كبار موظفي الدولة الاختصاصين، لكن تناحر الأجنحة استمر في عهد وزارته، رغم محاولته الجمع بين القوميين والناصريين والبعثيين، الذين بدأوا بالظهور من جديد على المسرح السياسي، واستمرار الصراع من جهة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد إثر نشوب الخلافات مع شركات النفط، وبسبب خلافات تلك الشركات مع سوريا حول حصتها السابقة والمتراكمة عن عائدات مرور النفط عبر أراضيها  إلى مينائي بانياس، وطرابلس، وتوقف تدفق النفط، مما سبب انخفاضاً كبيراً في عائدات النفط التي كان العراق بحاجة ماسة إليها، ونتيجة لهذه الأوضاع قدم ناجي طالب استقالة حكومته.
تصاعد صراع الاجنحة وعارف يشكل الوزارة برئاسته:
نتيجة لتلك الظروف الصعبة، وتناحر الأجنحة العسكرية، وتكالبها على السلطة، أضطر عبد الرحمن عارف إلى تشكيل الوزارة برئاسته، وبذلك اصبح ممسكاً بالمنصبين، رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزارة، واتخذ له أربعة نواب لرئاسة الوزارة، يمثلون مختلف الأجنحة. فقد عين طاهر يحيى، بعثي سابق، وعبد الغني الراوي، قومي و ذو اتجاه إسلامي، وإسماعيل مصطفى، شيعي، من جماعة عبد العزيز العقيلي، وفؤاد عارف، عن القوميين الأكراد، وقد ضمت الوزارة كل من عبد الستار عبد اللطيف للداخلية، وشاكر محمود شكري للدفاع، وفاضل محسن الحكيم للمواصلات، وعبد الكريم فرحان للإصلاح الزراعي، بالإضافة إلى 16 شخصية مدنية، من اتجاهات مختلفة ولذلك فقد بدا منذُ الوهلة الأولى أن من الصعب جداً الجمع بين هذا التكوين ذي الاتجاهات والميول المختلفة، وأصبح بقاء هذه الوزارة مسألة وقت ليس إلا، وقد تسارعت الأحداث، حينما وقعت حرب 5 حزيران العربية الإسرائيلية عام 1967، والتي استمرت لمدة خمسة أيام فقط، وانتهت بهزيمة منكرة للعرب، واحتلال إسرائيل لكامل الضفة الغربية، وهضبة الجولان السورية، وصحراء سيناء المصرية.
لم يكن العراق  مستعدا لتلك الحرب، فقد كانت ثلثي قواته العسكرية مشغولة في بالحرب في كردستان، وبعيدة جداً عن ساحة المعارك التي تزيد على [1000كم]، ولم يكن لدى العراق سوى اللواء الثامن الآلي قريباً من الساحة،عند الحدود السورية الأردنية، حيث أوعز لها عبد الرحمن عارف بالتحرك إلى ساحة الحرب بأسلوب استعراضي لم يراعِ فيه جانب الأمان لقواته المتقدمة، وهو العسكري الذي كان بالأمس رئيساً لأركان الجيش، ثم اصبح قائداً عاماً للقوات المسلحة، بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد.
لقد وقف عبد الرحمن عارف يخطب من دار الإذاعة والتلفزيون معلناً تحرك القوات العراقية إلى ساحة المعركة، وكان ذلك التصرف منه خير منبه لإسرائيل لتهاجم طائراتها القوات العراقية وهي في طريقها إلى سوريا عبر الصحراء منزلة بها الخسائر الكبيرة . ومن المحزن في تصرفات عارف وجهله، أنه وقف يخطب بعد نهاية الحرب قائلاً:
 {إن إسرائيل تعرف عنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا}، فيا للكارثة أن يقود العرب حكام بهذا المستوى.
لقد أثبتت تلك الحرب أن البونَ كان شاسعاً بين العرب وإسرائيل، فالحكومات العربية كانت على درجة خطيرة من التخلف يسودها الصراعات بين مختلف الأجنحة المتصارعة، والعسكرية منها بوجه خاص، حيث هيمن الضباط على معظم الأنظمة العربية، وعمت الفوضى في البلاد، وساد التخلف كل جوانب الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية  في حين كان الإسرائيليون قد هيأوا أنفسهم للحرب، وحولوا كل جهودهم وقواهم لتعزيز جيشهم، وأصبحت إسرائيل مسلحة حتى الأسنان بأحدث أنواع الأسلحة والتكنولوجيا الحربية، ويقودها أناس يعرفون ما يفعلون، أفلس عاراً على الدول العربية التي تعد إمكانياتها المادية والبشرية عشرات أضعاف إسرائيل أن تستطيع إلحاق الهزيمة بالجيوش العربية خلال ستة أيام؟





22
من ذاكرة التاريخ:
هكذا فرض نوري السعيد معاهدة
1930على العراق
 
حامد الحمداني                                                       10/10/2018
على أثر انتحار رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون، شكل نوري السعيد وزارته الأولى في 23 آذار 1930، بناء على تكليف الملك فيصل الأول بطلب من المندوب السامي البريطاني، وكان ذلك التكليف باكورة هيمنته على سياسة العراق، حيث تولى الحكم أربعة عشر مرة منذُ ذلك التاريخ وحتى سقوط النظام الملكي إثر قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958، ولعب خلال تلك الحقبة دوراً خطيراً في حياة البلاد السياسية، واشتهر بإخلاصه التام للإنكليز، وبحملات القمع التي مارسها ضد أبناء الشعب، والمراسيم الجائرة التي كان يصدرها لكي يسكت أفواه المواطنين وقوى المعارضة العراقية، مستخدماً كل الوسائل والسبل المخالفة للدستور. كما اتخذ له موقفاً معادياً من حركات التحرر العربية إرضاءً  لأسياده البريطانيين. وقد جاءت وزارته على الشكل التالي:
1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للخارجية.
2 ـ جميل المدفعي  ـ وزيراً للداخلية.
3 ـ علي جودت الأيوبي ـ وزيراً للمالية.
4 ـ جمـال بابان ـ وزيراً للعدل.
5 ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع.
6 ـ جميل الراوي ـ وزيراً للأشغال والإسكان.
7 ـ عبد الحسين الجلبي ـ وزيراً للمعارف.
وقد أعلن نوري السعيد أن أمام وزارته مهمة التفاوض مع بريطانيا لعقد معاهدة جديدة على أساس الاستقلال، ودخول العراق إلى عصبة الأمم، لكن حقيقة الأمر أن حكومة نوري السعيد جاءت لفرض معاهدة 1930 الجائرة على العراق. (1)

إجراءات السعيد لتأمين فرض معاهدة 1930
بدأت المفاوضات العراقية البريطانية حول عقد معاهدة جديدة في 31 آذار 1930، وقد ترأس الوفد البريطاني المندوب السامي السير [هيمفريز]، وضم الوفد مساعده [الميجر يونك] و[المستر ستاجر]، فيما كان الوفد العراقي برئاسة [الملك فيصل الأول]، وعضوية [نوري السعيد] و[جعفر العسكري] و[رستم حيدر]، وقد لعب الملك دوراً بارزاً في المفاوضات، وكانت الحكومة تصدر كل يوم بياناً مقتضباً حول مجرى المفاوضات دون الدخول في التفاصيل، حتى جاء يوم 8 نيسان 1930 حين صدر بيان عن الحكومة يقول:
لقد تم الاتفاق بين المتفاوضين على ما يلي:
1ـ إن المعاهدة التي تجري المذاكرة حولها الآن ستدخل حيز التنفيذ عند دخول العراق في عصبة الأمم.
2ـ إن وضع العراق كما هو مصرح في المعاهدة سيكون وضع دولة حرة مستقلة.
3ـ عند دخول المعاهدة الجديدة حيز العمل ستنتهي حالاً جميع المعاهدات والاتفاقات الموجودة ما بين العراق وبريطانيا العظمى، والانتداب الذي قبله صاحب الجلالة البريطانية سينتهي بطبيعة الحال.
 لعب نوري السعيد دوراً أساسياً في عقد المعاهدة الجديدة بالنظر للثقة الكبيرة التي أولاها البريطانيون له، والاطمئنان إليه، وكذلك ثقة الملك فيصل.
كان الشعب العراقي يدرك أن المفاوضات لن تطول، وهذا ما كان، فقد أعلن بيان رسمي للحكومة  في 30 حزيران 1930 عن توقيع معاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا العظمى، وتنفذ حال قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وأن المعاهدة ستنشر في بغداد ولندن في وقت واحد يتفق عليه الطرفان.
باشر نوري السعيد المهام التي أنيطت به، وكان جُلّ همه أن ينجح في الامتحان الصعب، وينال ثقة الإنكليز، وقد فعل ذلك ونجح، وأصبح رجل بريطانيا القوي دون منازع، فكانت بريطانيا تنيط به تأليف الوزارة كلما كان لديها مهمة صعبة تنوي تنفيذها، وقد اتخذ نوري السعيد الإجراءات التالية تمهيداً لإقرار المعاهدة.
1ـ  حل المجلس النيابي
بعد أن أتمت الحكومة عقد المعاهدة مع بريطانيا أصبحت أمامها مهمة تصديقها من قبل مجلس النواب، وبالنظر لأن نوري السعيد لم يكن يستطيع ضمان الأغلبية في المجلس القائم آنذاك، فقد أقدم على تعطيل جلسات المجلس، ثم طلب من الملك إصدار الإرادة الملكية بحله، على الرغم أنه لم يمضِ على انتخابه سوى خمسة أشهر، وإجراء انتخابات جديدة يستطيع من خلالها تحقيق أغلبية في المجلس الجديد، وتم له ما أراد، وصدرت الإرادة الملكية بحله تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة.
أما نوري السعيد فقد غادر إلى لندن لاستكمال المحادثات حول الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وحول تعديل اتفاقية امتياز النفط.

وفي 18 تموز سلم ملاحظ المطبوعات نص المعاهدة الموقعة بالأحرف الأولى إلى الصحفيين، وتم نشرها في اليوم التالي 19 تموز، وأحدث نشرها هيجاناً وغلياناً شعبياً عارماً، وأخذت برقيات الاحتجاج تنهال على الحكومة والصحافة منددة بنوري السعيد وبالمعاهدة وبالإمبريالية البريطانية، فقد جاءت المعاهدة دون إجراء أي تغير جوهري يمس الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق، بل لتكريس هذه الهيمنة لسنين طويلة، وتقييد العراق بقيود جديدة. (2)

 السعيد يزور الانتخابات لضمان فرض المعاهدة:
بعد أن حلت الحكومة مجلس النواب، أعلنت عن إجراء انتخابات جديدة في 10 تموز 1930، وبدأت الحملة الانتخابية، وشرعت القوى الوطنية تهيئ نفسها لخوضها من أجل إسقاط المعاهدة، ولكن الحكومة أخذت تمارس الضغوط  والتزوير والتهديدات لصالح مرشحيها، مما دفع بالقائد الوطني [جعفر أبو التمن] إلى إصدار بيان بمقاطعة الانتخابات بعد أن أدرك أن نوري السعيد سوف يأتي بالمجلس الذي يريده هو، وليس الشعب، وبالفعل فقد جرت الانتخابات في 20 تشرين الأول  1930 في جو مشحون بالإرهاب.

 فقد استلم نوري السعيد بنفسه وزارة الداخلية بالوكالة يوم 10 تشرين الأول لكي يشرف بنفسه على الانتخابات، ويمارس ضغوطه وإرهابه وأساليبه القمعية المعروفة لإرهاب المنتخبين الثانويين، وإجبارهم على انتخاب مرشحي الحكومة، كما أجرى قبل الانتخابات، تنقلات واسعة بين رؤساء وكبار الموظفين الإداريين، ولاسيما بعد أن رشح العديد من الشخصيات المعارضة للانتخابات، وأخذت تزاحم مرشحي الحكومة.

لكن نوري السعيد استطاع أن يخرج بمجلس جديد له فيه 70 مقعداً من أصل 88، وبذلك ضمن لنفسه إمكانية تصديق المعاهدة التي وقعها بالأحرف الأولى من قبل مجلس النواب، وجاءت المعاهدة على الوجه التالي. (3)

نص معاهدة 30 حزيران 1930: (17)
صاحب الجلالة ملك العراق.
وصاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار وإمبراطور الهند.
لما كانا راغبين في توثيق أواصر الصداقة، والاحتفاظ بصلات التفاهم وإدامتها ما بين بلديهما، ولما كان صاحب الجلالة ملك بريطانيا قد تعهد في معاهدة التحالف الموقع عليها في بغداد في اليوم الثالث عشر من شهر كانون الثاني 1926 ميلادية، الموافق لليوم الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1344 هجرية، بأن ينظر نظراً فعلياً في تمتين علاقاتنا في فترات متتالية مدة كل منها أربع سنوات، ولما كانت حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية قد أعلمت الحكومة العراقية في اليوم الرابع عشر من أيلول سنة 1929 أنها مستعدة لعضد ترشيح العراق لدخول عصبة الأمم سنة 1932 بلا قيد ولا شرط، وأعلنت لمجلس العصبة في اليوم الرابع عشر من كانون الأول 1929 أن هذه هي نيتها، ولما كانت المسؤوليات الانتدابية التي قبلها صاحب الجلالة البريطانية فيما يتعلق بالعراق ستنتهي من تلقاء نفسها،عند إدخال العراق عصبة الأمم، ولما كان صاحب الجلالة ملك العراق، وصاحب الجلالة البريطانية يريان أن الصلات التي ستقوم بينهما بصفة كونهما مستقلين، وينبغي تحديدها بعقد معاهدة تحالف وصداقة.
فقد اتفقا على عقد معاهدة جديدة لبلوغ هذه الغاية، على قواعد الحرية والمساواة التامتين، والاستقلال التام، وتصبح نافذة عند دخول العراق عصبة الأمم، وقد عيّنا عنهما مندوبين مفوضين هما:
عن جلالة ملك العراق : نوري باشا السعيد، رئيس الوزراء ووزير الخارجية، حامل وسامي النهضة والاستقلال من الصنف الثاني.
وعن جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار، إمبراطور الهند اللفتنانت كولونيل السر[ هنري هيمفريز]المعتمد السامي لصاحب الجلالة البريطانية في العراق اللذان بعد أن تبادلا وثائق تفويضهما فوجداها صحيحة قد اتفقا على ما يلي:
المادة الأولى: يسود سلم وصداقة دائمين بين صاحب الجلالة ملك العراق وصاحب الجلالة البريطانية، ويؤسس بين الفريقين الساميين المتعاقدين تحالف وثيق، توطيداً لصداقتهما وتفاهمهما الودي، وصلاتهما الحسنة، وتجرى بينهما مشاورة تامة وصريحة في جميع الشؤون السياسية الخارجية، مما قد يكون له مساس مصالحهما المشتركة.
ويتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بأن لا يقف من البلاد الأجنبية موقفاً لا يتفق ومعاهدة  التحالف هذه، أو قد يخلق مصاعب للفريق الآخر
                                                                                                                                   المادة الثانية: يمثل كل من الفريقين الساميين المتعاقدين لدى بلاط الفريق السامي المتعاقد الآخر ممثل سياسي [دبلوماسي] يعتمد وفقاً للأصول المرعية.

المادة الثالثة:إذا أدى نزاع بين العراق ودولة ثالثة إلى حالة يترتب عليها خطر قطع العلاقات بتلك الدولة، يوحد عندئذٍ الفريقان الساميان المتعاقدان مساعيهما لتسوية ذلك النزاع بالوسائل السلمية، وفقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم، ووفقاً لأي تعهدات دولية أخرى يمكن تطبيقها على تلك الحالة.
المادة الرابعة: إذا اشتبك أحد الفريقين الساميين المتعاقدين في حرب رغم أحكام المادة الثالثة أعلاه  يبادر حينئذٍ الفريق السامي المتعاقد الآخر فوراً إلى معونته بصفة كونه حليفاً، وذلك دائماً وفق أحكام المادة التاسعة أدناه. وفي حالة خطر حرب محدق يبادر الفريقان الساميان المتعاقدان فوراُ إلى توحيد المساعي في اتخاذ تدابير الدفاع المقتضية.
إن معونة صاحب الجلالة ملك العراق في حالة حرب، أو خطر حرب محدق تنحصر في أن يقدم إلى صاحب الجلالة البريطاني في الأراضي العراقية جميع ما في وسعه أن يقدمه من التسهيلات والمساعدات، ومن ذلك استخدام السكك الحديدية والأنهر، والموانئ والمطارات، ووسائل المواصلات.
المادة الخامسة: من المفهوم بين الفريقين الساميين المتعاقدين أن مسؤولية حفظ الأمن الداخلي في العراق وأيضاً ـ بشرط مراعاة أحكام المادة الرابعة أعلاه مسؤولية الدفاع عن العراق إزاء الاعتداء الخارجي تنحصران في صاحب الجلالة ملك العراق.
مع ذلك يعترف جلالة ملك العراق بان حفظ  وحماية مواصلات صاحب الجلالة البريطانية الأساسية بصورة دائمة في جميع الأحوال هما من صالح الفريقين الساميين المتعاقدين المشترك.
فمن أجل ذلك، وتسهيلاً للقيام بتعهدات صاحب الجلالة البريطانية وفقاً للمادة الرابعة أعلاه يتعهد جلالة ملك العراق بأن يمنح صاحب الجلالة البريطانية طيلة مدة التحالف موقعين لقاعدتين جويتين ينتقيهما صاحب الجلالة البريطانية في البصرة، أو في جوارها، وموقعاً واحداً لقاعدة جوية ينتقيها صاحب الجلالة البريطانية في غرب نهر الفرات.
وكذلك يأذن جلالة ملك العراق لصاحب الجلالة البريطانية أن يقيم قوات في الأراضي العراقية في الأماكن الأنفة الذكر وفقاً لأحكام ملحق هذه المعاهدة، على أن يكون مفهوماً أن وجود هذه القوات لن يعتبر بأي حال من الأحوال احتلالاً، ولن يمس على الإطلاق سيادة واستقلال العراق.

المادة السادسة: يعتبر ملحق هذه المعاهدة جزء لا يتجزأ منها.

المادة السابعة: تحل هذه المعاهدة محل معاهدتي التحالف الموقع عليهما في بغداد في اليوم العاشر من شهر تشرين الأول سنة 1922 ميلادية، والموافق لليوم التاسع عشر من شهر صفر سنة 1341هجرية، وفي اليوم الثالث عشر من شهر كانون الثاني سنة 1926 ميلادية، الموافق لليوم الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1344 هجرية مع الاتفاقات الفرعية الملحقة بها، التي تمسي ملغاة عند دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ، وهذه المعاهدة في نسختين في كل من اللغتين العربية والإنكليزية، ويعتبر النص الأخير المعول عليه.

المادة الثامنة: يعترف الفريقان الساميان المتعاقدان بأنه عند الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة تنتهي من تلقاء نفسها وبصورة نهائية جميع المسؤوليات المترتبة على صاحب الجلالة البريطانية فيما يتعلق بالعراق وفقاً لأحكام وثيقة دولية أخرى، وينبغي أن يترتب على جلالة ملك العراق وحده، وعلى الفريقين الساميين المتعاقدين أن يبادرا فوراً إلى اتخاذ الوسائل المقتضية لتأمين نقل هذه المسؤوليات إلى جلالة ملك العراق.

المادة التاسعة: ليس في هذه المعاهدة ما يرمي بوجه من الوجوه إلى الإخلال أو يخل بالحقوق والتعهدات المترتبة، أو التي قد تترتب لأحد الفريقين الساميين المتعاقدين وفقاً لميثاق عصبة الأمم، أو معاهدة تحريم الحرب الموقع عليها في باريس في اليوم السابع والعشرين من شهر آب سنة 1928 ميلادية.

المادة العاشرة: إذا نشأ أي خلاف فيما يتعلق بتطبيق هذه المعاهدة أو تفسيرها، ولم يوفق الفريقان الساميان المتعاقدان إلى الفصل فيه بالمفاوضة رأساً بينهما يعالج الخلاف حينئذٍ وفقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم .
المادة الحادية عشرة: تبرم هذه المعاهدة، ويتم تبادل الإبرام بأسرع ما يمكن، ثم يجري تنفيذها عند قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وتظل هذه المعاهدة نافذة لمدة خمس وعشرين سنة ابتداء من تاريخ تنفيذها، وفي أي وقت كان بعد عشرين سنة من تاريخ الشروع بتنفيذها، على الفريقين الساميين المتعاقدين أن يقوما بناء على طلب أحدهما بعقد معاهدة جديدة ينص فيها على الاستمرار على حفظ وحماية مواصلات صاحب الجلالة البريطانية الأساسية في جميع الأحوال.
وعند الخلاف في هذا الشأن يعرض الخلاف على مجلس عصبة الأمم .
وإقراراً لما تقدم قد وقع كل من المندوبين المفوضين على هذه المعاهدة وختمها بختمه.
كتب في بغداد في اليوم الثلاثين من شهر حزيران سنة 1930 ميلادي الموافق لليوم الثاني من شهر صفر سنة 1349 هجرية.
          هنري هيمفر                                    نوري السعيد
ملحق
 فقرة رقم 1
يعين صاحب الجلالة البريطانية من حين لأخر مقدار القوات التي يقيمها جلالته في العراق وفقاً لإحكام المادة الخامسة من هذه المعاهدة، وذلك بعد مشاورة صاحب الجلالة ملك العراق في الأمر، ويقيم صاحب الجلالة البريطانية قوات في [الهنيدي] لمدة خمس سنوات، بعد الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة، وذلك لكي يتمكن صاحب الجلالة ملك العراق من تنظيم القوات المقتضية للحلول محل تلك القوات، وعند انقضاء تلك المدة تكون قوات صاحب الجلالة البريطانية قد انسحبت من الهنيدي.

ولصاحب الجلالة البريطانية أن يقيم قوات في الموصل لمدة حدها الأعظم خمس سنوات تبتدئ من تاريخ الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة، وبعد ذلك لصاحب الجلالة البريطانية أن يضع قواته في الأماكن المذكورة في المادة الخامسة من هذه المعاهدة، ويؤجر صاحب الجلالة ملك العراق مدة هذا التحالف لصاحب الجلالة البريطانية المواقع المقتضية لإسكان قوات صاحب الجلالة البريطانية في تلك الأماكن.
فقرة رقم 2
بشرط مراعاة أي تعديلات قد يتفق الفريقان الساميان المتعاقدان على إحداثها في المستقبل، تظل الحصانات والامتيازات في شؤون القضاء والعائدات الأميرية،  بما في ذلك الإعفاء من الضرائب التي تتمتع بها القوات البريطانية في العراق شاملة القوات المشار إليها في الفقرة الأولى أعلاه، وتشمل أيضاً قوات صاحب الجلالة البريطانية من جميع الصنوف، وهي القوات التي يحتمل وجودها في العراق عملاً بأحكام هذه المعاهدة وملحقها، أو وفقاً لاتفاق يتم عقده بين الفريقين الساميين المتعاقدين، وأيضاً يواصل العمل بأحكام أي تشريع محلي له مساس بقوات صاحب الجلالة البريطانية المسلحة، وتتخذ الحكومة العراقية التدابير المقتضية للتثبت من كون الشروط المتبدلة لا تجعل موقف القوات البريطانية فيما يتعلق بالحصانات والامتيازات أقل ملائمة من الوجوه من الموقف الذي تتمتع به هذه القوات في تاريخ الشروع في تنفيذ هذه المعاهدة.
فقرة رقم 3
يوافق جلالة ملك العراق على القيام بجميع التسهيلات الممكنة لنقل القوات المذكورة في الفقرة الأولى من هذا الملحق، وتدريبها وأعالتها، وعلى منحها عين التسهيلات استعمال التلغراف واللاسلكي، التي تتمتع بها عند الشروع في تنفيذ هذه المعاهدة.
فقرة رقم 4
يتعهد صاحب الجلالة ملك العراق بأن يقدم بناء على طلب صاحب الجلالة البريطانية، وعلى نفقة صاحب الجلالة البريطانية، وفقاً للشروط التي يتفق عليها الفريقان الساميان المتعاقدان، حرساً خاصاً من قوات صاحب الجلالة ملك العراق لحماية القواعد الجوية، مما قد تشغله قوات صاحب الجلالة البريطانية، وفقاً لأحكام هذه المعاهدة، وأن يؤمن سنّ القوانين التشريعية التي قد يقتضيها تنفيذ الشروط الآنفة الذكر.
فقرة رقم 5
يتعهد صاحب الجلالة البريطانية أن يقوم عند كل طلب يطلبه صاحب الجلالة ملك العراق بجميع التسهيلات في الأمور التالية، وذلك على نفقة جلالة ملك العراق، وهي:
1ـ تعليم الضباط العراقيين الفنون البحرية والعسكرية والجوية في المملكة المتحدة.
2 ـ تقديم الأسلحة والعتاد والتجهيزات والسفن والطائرات من أحدث طراز متيسر إلى قوات جلالة ملك العراق .
3 ـ تقديم ضباط بريطانيين مجربين عسكريين وجويين للخدمة بصفة استشارية في قوات جلالة ملك العراق .
فقرة رقم 6
لما كان من المرغوب فيه توحيد التدريب والأساليب في الجيشين العراقي والبريطاني يتعهد جلالة ملك العراق بأنه إذا رأى ضرورة الالتجاء إلى مدربين عسكريين أجانب فإنهم يختارون من الرعايا البريطانيين.
ويتعهد أيضاً بأن أي أشخاص من قواته، من الذين يوفدون إلى الخارج للتدريب العسكري يرسلون إلى مدارس وكليات ودور تدريب عسكرية في بلاد جلالته البريطانية، بشرط أن لا يمنع ذلك صاحب الجلالة ملك العراق من إرسال الأشخاص الذين لا يمكن قبولهم في المعاهد، ودور التدريب المذكورة في أي قطر آخر.
ويتعهد أيضاً بأن التجهيزات الأساسية لقوات جلالته، وأسلحتها، لا تختلف في نوعها عن أسلحة قوات صاحب الجلالة البريطانية، وتجهيزاتها.
يوافق جلالة ملك العراق على أن يقوم عند طلب صاحب الجلالة البريطانية ذلك بجميع التسهيلات الممكنة لمرور قوات صاحب الجلالة البريطانية من جميع الصنوف العسكرية عبر العراق لنقل وخزن جميع المؤن والتجهيزات التي قد تحتاج إليها هذه القوات في أثناء مرورها في العراق، وتتناول هذه التسهيلات استخدام طرق العراق، وسككه الحديدية، وطرقه المائية، وموانئه، ومطاراته، ويؤذن لسفن صاحب الجلالة البريطانية أذناً عاماً في زيارة شط العرب، بشرط إعلام جلالة ملك العراق، قبل القيام بتلك الزيارات للموانئ العراقية. (4)
                                                      دار الاعتماد  ن. س . ف
                                                     بغداد في 30 حزيران 1930
وقبل أن يعرض نوري السعيد معاهدته المشؤومة على مجلس النواب لجأ إلى تأليف حزب سياسي له ضم العناصر التي رشحها في الانتخابات لتكون سنداً له في تصديق المعاهدة فكان [حزب العهد]. وفي 4 تشرين الأول 1930 أتخذ مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على المعاهدة، وتم دعوة مجلس النواب إلى الاجتماع  في 16 تشرين الأول، واتخذ نوري السعيد احتياطات أمنية واسعة النطاق حول بناية المجلس الجديد في بناية جامعة[آل البيت]،التي ألغاها عند تشكيله لوزارته، والواقعة في الاعظمية، وأصدر قراراً بضمها إلى حدود أمانة العاصمة، حيث ينص الدستور على أن يكون مقر مجلس النواب في العاصمة. وفي اليوم المقرر لمناقشة المعاهدة من قبل مجلس النواب تقدم نوري السعيد إلى المجلس بالاقتراح التالي :
{لما كانت نصوص المعاهدة مع بريطانيا المنعقدة في 30 حزيران 1930 قد نشرت للرأي العام منذ مدة طويلة، وكانت انتخابات مجلس النواب قد جرت على أساس استفتاء الشعب فيها اقترح على المجلس الموقر أن يوافق على المذاكرة فيها بصورة مستعجلة}.
وقد تمت الموافقة على الاقتراح من قبل رئيس المجلس، و تم طرح المعاهدة بعد نقاش للمعارضة دام 4 ساعات للتصويت عليها، وقد صوت إلى جانب المعاهدة 69، وعارضها 13عضواً، وتغيب 5 أعضاء عن الحضور، وسط هياج وصياح المعارضة المنددة بالمعاهدة. (5)
 لم يبق أي عائق أمام نوري السعيد لتصديق المعاهدة، فالملك فيصل كان يرأس الوفد المفاوض أثناء عقد المعاهدة، ومجلس الأعيان يعيينه الملك، ويعمل بأمره.
أما المعارضة فقد أبرق أقطابها المعروفين السادة[جعفر أبو التمن] و[ناجي السويدي] و[يسين الهاشمي] إلى سكرتارية عصبة الأمم يحتجون على بنود المعاهدة التي لا تضمن للعراق استقلالاً حقيقياً، وتفسح المجال لبريطانيا باستغلال البلاد حسب ما تقتضيه أغراضها الاستعمارية.

 ماذا قال رجال الدولة البارزين عن المعاهدة؟ (6)
لم يكد نوري السعيد يحقق مهمته الأولى بالتصديق على المعاهدة حتى عمَّ استياء عام وهياج جماهير الشعب احتجاجاً على ربط العراق بعجلة الاستعمار البريطاني، ولم يستطع رجالات السياسة البارزين وأقطاب الحكم إلا أن يوجهوا النقد الشديد للحكومة، بالنظر لكونها قد قيدت العراق لسنوات طويلة، وربطته بعجلة بريطانيا خلافاً لمصالح الشعب والوطن، وأعلنوا رفضهم لها .
فقد قال [رشيد عالي الكيلاني] وهو من رؤساء الوزارات المخضرمين:
{إن أقل ما يقال عن هذه المعاهدة أنها استبدلت الانتداب الوقتي باحتلال دائم، وأضافت إلى القيود والأثقال الحالية  قيوداً وأثقالاً أشد وطأة}.
وقال [يسين الهاشمي]، وهو أيضاً من رؤساء الوزارات، والذي شكل العديد من الوزارات ما يلي:
 {لم تضف المعاهدة شيئاً إلى ما كسبه العراق بل زادت في أغلاله، وعزلته عن الأقطار العربية، وباعدت ما بينه وبين جيرانه، وصاغت لنا الاستقلال من مواد الاحتلال، ورجائي من أبناء الشعب أن لا يقبلوها}.
 
وقال [حكمت سليمان]، وهو رئيس وزراء سابق ما يلي:
{المعاهدة الجديدة تضمن الاحتلال الأبدي، ومنحت بريطانيا امتيازات دون عوض أما ذيولها المالية، فإنها تكبد العراق أضراراً جسيمة دون مبرر}.

أما السيد[محمد رضا الشبيبي] وهو وزير في وزارات عديدة فقد قال:
 {إنني أرتئي رفض المعاهدة وملحقاتها لأنها حمّلت العراق الكثير من المغارم والتبعات، ولم يكسب مقابل ذلك حقاً جديداً من الحقوق، في حين حصل الجانب الآخر على امتيازات وحقوق جديدة}.

أما السيد [عبد العزيز القصاب] وهو وزير في وزارات عدة فقد قال عن تلك المعاهدة ما يلي:
{ إن المعاهدة لا تلبِ رغبات الشعب، وجاءت هادمة لكل الجهود التي بذلت لتخفيف وطأة المعاهدات السابقة، وأنا ارفضها ويرفضها الشعب}.
 
وقال [حمدي الباجه جي] وهو رئيس وزارة سابق:
 { إن المعاهدة الجديدة تجعل كابوس الاستعمار البريطاني دائماً ومستمراً}.

وقال [يوسف غنيمة] وهو وزير سابق:
 {إن المعاهدة لا تتفق والاستقلال التام، ورغبات الشعب، وليست في مصلحة البلاد}.

وقال [كامل الجادرجي] وهو وزير سابق، وزعيم الحزب الوطني الديمقراطي، وأحد أبرز رموز المعارضة العراقية:
{إن نتيجة هذه المعاهدة وذيولها حمايةٌ بريطانية شديدة الوطأة، واحتلال دائم}. (7)
لكن المؤسف أن كل أولئك الساسة، باستثناء الأستاذ كامل الجادرجي، قد تنكروا لأقوالهم، واشتركوا في الوزارات التالية، ونفذوا بنود المعاهدة، وبلعوا تعليقاتهم حولها.

غير أن أكثر الشخصيات الوطنية عنفاً في مقاومة المعاهدة كان القائد الوطني البارز[جعفر أبو التمن] زعيم الحزب الوطني الذي بعث بمذكرة باسم الحزب إلى كل من ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإيران وتركيا وإلى عصبة الأمم في1تشرين الأول 1930 أدان فيها أسلوب تأليف حكومة نوري السعيد، والأساليب غير الدستورية التي أقدم عليها، بتأجيل جلسات المجلس النيابي، ومن ثم حله دون أن يمض عليه خمسة أشهر، وقيامه بتعطيل أكثر من 20 صحيفة سياسية، وإحالة عدد من المحررين الصحفيين إلى المحاكم، ومنع الحكومة للاجتماعات العامة، وكمّ أفواه الشعب، وعقد معاهدة جائرة يرفضها الشعب لأنها تصب في خدمة الأغراض الاستعمارية البريطانية، وإجراء انتخابات مزورة لفرض المعاهدة التي رفضها الشعب وقواه الوطنية، وإن الحزب الوطني الذي أيدت سياسته أكثرية الشعب العراقي يعتبر أن هذه المعاهدة ملغاة وباطلة}.
كما أحتج عدد من الشخصيات السياسية الكردية على المعاهدة، وأبرقوا إلى سكرتارية عصبة الأمم عدة برقيات في 20، و26 تموز تستنكر عقد المعاهدة .
وقال عدد من أعضاء اللجنة الدائمة للانتدابات من ممثلي الدول في عصبة الأمم :
{ إن قبول العراق لهذه المعاهدة سيجعله بعد تحرره من الانتداب تحت الحماية البريطانية}.
وقال[ المسيو بار] العضو الفرنسي في اللجنة المذكورة:
{أنا شخصياً لا أحب أن أرى بلادي تدخل في مثل هذا التعهد الذي قبله العراق على نفسه}.
وهكذا أثبت نوري السعيد أنه أكثر إنكليزية من الإنكليز، وانه رجل الإمبريالية البريطانية دون منازع، وهذا ما أهله لكي يكون العمود الفقري الذي تستند عليه السياسة البريطانية في العراق، ومكنته من أن يشكل 14 وزارة، في الفترة الممتدة من منتصف حزيران 1930 وحتى سقوط النظام الملكي حين قامت ثورة 14 تموز 1958.
التوثيق
(1) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 7 .
(2) نفس المصدر ـ ص 17 .
(3) صحيفة صدى الاستقلال ـ العدد الرابع .تشرين الأول 1930
(4) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 19 .
(5) محاضر مجلس النواب 1930 ـ ص 57 .
(6) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص50 .
    (7) في غمرة النضال ـ ص 178 ـ سلمان الفياض


23
من ذاكرة التاريخ
نظام عبد السلام عارف
والبعثيون والشيوعيون والناصريون
حامد الحمداني                                                     11/10/2018

بعد سقوط حكم حزب البعث على أثر انقلاب 18 تشرين الثاني  1963الذي قاده رئيس الجمهورية عبد السلام عارف، حدث بعض الانفراج للوضع السياسي في البلاد، وخفت حملات الاعتقالات  والملاحقات، وتوقفت أساليب التعذيب ضد المعتقلين السياسيين التي كان يمارسها حزب البعث، كما حدثت تطورات في العلاقات بين القوى السياسية في البلاد، والعلاقات بين العربية المتحدة والعراق من جهة، والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى، وكان في مقدمة تلك التطورات ما يأتي:
1ـ عودة العلاقات الطبيعية بين العربية المتحدة والاتحاد السوفيتي، وحدوث انفراج سياسي داخل مصر، تمثل في إطلاق سراح السجناء الشيوعيين، وتوّجت العلاقة الجديدة بزيارة الزعيم السوفيتي [خرشوف] للقاهرة، ولقاءه مع الرئيس عبد الناصر، مما أعاد العلاقة بين البلدين بعد الهجمات التي شنها عبد الناصر على الإتحاد السوفيتي.

2ـ توقف القتال بين الأكراد وقوات الحكومة بعد تدخل الرئيس عبد الناصر، وتوسطه بين حكومة عبد السلام عارف والقيادة الكردية.     
                       
3ـ عودة نشاط فرع الحزب الشيوعي في كردستان بعد توقف القتال، وكان تنظيم الحزب في كردستان قد نجا أغلبه من ملاحقة البعثيين إبان حكمهم الأسود.

4ـ استئناف العلاقات العراقية السوفيتية، واستئناف السوفيت تجهيز العراق بالسلاح، الذي توقف على أثر انقلاب 8 شباط 1963.

5ـ الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بدفع من العناصر الناصرية.

كل هذه العوامل دفعت قيادة الحزب الشيوعي إلى إعادة تقييم موقفه من نظام عبد السلام عارف بعد نقاش للوضع السياسي في اجتماع موسع عقدته اللجنة المركزية للحزب في أواخر آب 1964.
لقد ظهر خلال النقاش داخل اللجنة المركزية تياران متناقضان، التيار الأول دعا إلى التعاون مع حكومة عبد السلام عارف، مثمناً توجه العراق والعربية المتحدة نحو ما سمي بطريق [التطور اللا رأسمالي] وباتجاه الاشتراكية!، وذهبت العناصر اليمينية في قيادة الحزب إلى أبعد من ذلك  فدعت إلى حل الحزب، والانخراط في الاتحاد الاشتراكي، معتبرين قيام عبد السلام عارف بانقلابه ضد البعثيين، وإنهاء سلطتهم الدموية، قد أوجد شروطاً أكثر ملائمة لنضال القوى المعادية للإمبريالية، من أجل الحفاظ على استقلالنا الوطني، والعودة إلى قافلة حركة التحرر الوطني للشعوب.

غير أن التيار الثاني في قيادة الحزب كان له تقيماً آخر، وموقفاً آخر من حكومة عبد السلام عارف، ذلك أن أعداداً كبيرة من الشيوعيين كانوا لا يزالون يقبعون في سجون النظام، كما أن السلطة العارفية كانت قد فسحت المجال واسعاً أمام العناصر الرجعية والشوفيتية لخلق الطائفية وترويجها، وتواجد أعداد كبيرة من تلك العناصر في مختلف أجهزة الدولة، هذا بالإضافة إلى تدهور الأحوال الاقتصادية للشعب، وحالة عدم الاستقرار السياسي بسبب وجود التيارات المتناقضة داخل السلطة، فهناك عناصر رجعية ترتبط بشكل أو بأخر بالإمبريالية، وهناك عناصر ناصرية تسعى نحو التطور اللا رأسمالي، كما كان يجري في العربية المتحدة، ولكن  نتائج الاجتماع صبت  في خانة الإقدام على التعاون مع حكومة عبد السلام عارف.

 أدى اتجاه قيادة الحزب الشيوعي نحو التعاون مع السلطة العارفية إلى موجة من الاستياء في قواعد وكوادر الحزب الذين رفضوا هذا التوجه والتعاون مع شركاء البعثيين بالأمس في كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب والوطن، والشيوعيين بوجه خاص، و تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، وتحدت تلك الكوادر مع جانب كبير من قواعد الحزب قرارات اللجنة المركزية رافضة إياها، في الوقت الذي أصرت فيه اللجنة المركزية على السير في الطريق الذي رسمه الاجتماع الموسع  مهما كان الثمن.

غير أن الرياح جرت بما لا تشتهِ السفن، كما يقول المثل، فقد حدثت تطورات داخلية، عربية ودولية، أفشلت مسعى القيادة اليمينية للحزب. فقد استُؤنفت الحرب في كردستان من جديد في 5 نيسان 1965، وشنت حكومة عبد السلام عارف الشوفينية حرباً شعواء ضد الشعب الكردي.

كما أن عبد الناصر أصيب بخيبة أمل مريرة بعبد السلام عارف، وأصبح على يقين أن عارف لا يؤمن إيماناً صادقاً بالوحدة، وإنما أتخذها وسيلة للوثوب إلى السلطة، فقد تظاهر النظام الجديد لعبد السلام عارف بالسير باتجاه إقامة أقرب اتفاق ممكن مع العربية المتحدة، في كل الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.
ففي 26 أيار 1964 أتفق عبد السلام عارف وجمال عبد الناصر على إقامة مجلس رئاسي مشترك، للتخطيط والتنسيق في المجالات المذكورة كافة باتجاه إقامة اتحاد دستوري بين البلدين فيما بعد.

وفي 16 تشرين الأول 1964 جرى توقيع اتفاقية الوحدة، وتكوين المجلس الرئاسي المشترك للقيادة السياسية الموحدة للعراق ومصر، وتعهد الطرفان بإقامة الوحدة بينهما خلال سنتين .

إلا أن تلك القيادة لم تجتمع سوى مرتين خلال هذه المدة، وجرى نسيانها فيما بعد، وانتهت إلى الزوال، فلم يكن عبد السلام عارف جاداً في إقامة الوحدة كسابقيه حكام البعث، وقد اثبتت التجارب والوقائع أن عبد السلام الذي كان أول من شق الوحدة الوطنية، وتأمر على ثورة الرابع عشر من تموز، وقائدها عبد الكريم قاسم بدعوى الوحدة الفورية مع العربية المتحدة لم يكن يهدف حقاً إقامة الوحدة، وإنما أراد استخدام مسألة الوحدة ورصيد عبد الناصر للوثوب إلى قمة السلطة، والاستئثار بها لوحده، وقد أدرك عبد الناصر أن عبد السلام عارف لا يتمتع بقاعدة واسعة في حكمه، وأن حكمه عبارة عن أقلية قليلة من الضباط لا سند شعبي لهم على الإطلاق، وأن عارف لا يختلف عن سابقيه حكام البعث بأي حال من الأحوال.

لقد كان انكشاف موقف عبد السلام عارف من الوحدة مع العربية المتحدة سبباً في حدوث شرخ كبير بينه وبين القوى الناصرية والحركية، وتطور ذلك الشرخ إلى صراع متصاعد، أدى في النهاية إلى تقديم الوزراء الناصريين والحركيين استقالتهم من الحكومة، وإلى محاولة هذه القوى قلب السلطة العارفية كما سنرى تفاصيل ذلك فيما بعد.

وهكذا اضطرت القيادة اليمينية للحزب الشيوعي العراقي إلى تغير سياستها تجاه السلطة العارفية، ودعت إلى إسقاطها، وقيام حكومة ائتلاف وطني تضم كل القوى والأحزاب السياسية الوطنية المعادية للإمبريالية.
وأشارت قيادة الحزب إلى فشل الاتحاد الاشتراكي، ونظرية الحزب الواحد، وهاجمت السياسة الاقتصادية للحكومة التي شكلها [ عبد الرحمن البراز]، وأعلن الحزب أن حكومة البزاز ترعى مصالح الإمبريالية البريطانية، وشركات النفط، وتحاول إعادة الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق من جديد، وإعادة الهيبة والسلطة لرجالات الإقطاع، والملاكين العقاريين، وكبار الرأسماليين.
 الحزب الشيوعي يطرح مسألة استلام السلطة

على أثر تلك التطورات السياسية السالفة الذكر طرح، الحزب الشيوعي في 9 تشرين الأول 1965  مسألة إسقاط حكومة عارف واستلام السلطة في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب خلال الاجتماع مشروعان حول الموضوع:
المشروع الأول:
 قُدم من قبل [عامر عبد الله ] الذي رأى أن السلطة العارفية قد أصبحت معزولة  بعد أن خرج منها الناصريون، كما أن عودة الحرب في كردستان، وزج ثلثي الجيش العراقي فيها من جهة، واشتداد الخلافات بين عبد الناصر وعارف من جهة أخرى، جعلت الظروف في صالح الحزب لتوجيه الضربة القاضية لنظام عبد السلام عارف وإسقاطه، واستلام السلطة، معلناً أن مصير الحزب يتقرر هذه الأيام.
 المشروع الثاني:
 الذي طرحه [ بهاء الدين نوري ] فقد شكك في استطاعة الحزب لوحده القيام بالتغيير، وتخوّفَ من تشكيل جبهة واسعة ضد الحزب، وادعى أن جماهير الحزب غير مستعدة لمثل هذا العمل، كما أن الأوضاع الدولية والعربية لا تساعد على ذلك، رغم اعترافه بإمكانية نجاح التغيير!!، ولكنه رأى أن يسبق ذلك تعاون القوى السياسية المعارضة لحكم عارف، وقد أيده في موقفه [عبد السلام الناصري] فيما أيد موقف عامر عبد الله كل من [اراخاجادور] و[صالح دكلة ] وفي نهاية المناقشات خرج الحزب بستة قرارات كان أهمها القرار المتعلق بمسألة قلب السلطة العارفية والذي جاء فيه:
{ ومن الضروري التشديد على طريقة النضال التي تبناها الحزب، والتي تعتمد على الدور الحاسم إلى [هاء] ويقصد بذلك التنظيم العسكري للحزب، في الإطاحة بالسلطة الحاكمة، وسيجد [هاء] له دعماً في إجراءات ثورية أخرى سيتخذها الحزب، وفي العمل الشعبي الحيوي في ميادين مختلفة}.

لقد جرى الاتفاق في ذلك الاجتماع على الإعداد للعمل الحاسم، على أن يبذل كل جهد ممكن لقيام تعاون مع القوى الوطنية الأخرى، كالحزب الديمقراطي الكردستاني، والضباط القاسميين والعناصر القومية ذات التوجه الاشتراكي [الناصريين]، وأن لا يقوم الحزب بالحركة بمفرده إلا في حالة عدم حصول التعاون المنشود على أن يكون المكتب السياسي مقتنعاً بان الظروف ملائمة والنصر بمتناول اليد.
وفي ختام الاجتماع تقرر إرسال رسالة من قيادة الخارج إلى اللجنة المركزية للحزب في  العراق جواباً على رسالة الحزب، وكانت وجهة نظر القيادة في الخارج تمثل تياراً وسطاً بين جناحي اللجنة المركزية، ولكنها حذرت اللجنة المركزية من مغبة الإقدام على أي خطوة متسرعة مغامرة دون نضوج الشروط الموضوعية اللازمة للتغيير الثوري.

رفضت لجنة تنظيم الخارج الرأي القائل بإلغاء فكرة[العمل المستقل للحزب] ولكنها رأت أن على الحزب أن يحاول تحقيق التعاون الوطني كهدف ثابت له في جميع الأحوال والظروف، حتى ولو بدت تلك المحاولات صعبة التحقيق في ظل الظروف الراهنة، وما يعتريها من صعوبات، ورأت أن آفاق التعاون ستكون أوسع نطاقاً كلما زاد نفوذ الحزب بين صفوف الجماهير، ورأت أيضاً أن على الحزب أن يلجأ إلى خطة مستقلة إذا كانت جماهير الشعب على استعداد كامل للإطاحة بالسلطة، وتلكأت القوى الوطنية في استيعابها لهذه الإمكانية أو رفضتها، وعلى الحزب في هذه الحالة أن يسعى لتعبئة قوى واسعة من جماهير الشعب.
وفي حالة إقدام الحزب على خطة مستقلة فإن هذه الخطة يجب أن تؤكد على أن التعاون المشترك، والدعوة إليه من خلال الشعارات التي يتبناها الحزب أثناء تحركه وبعده.

 كما أيدت لجنة تنظيم الخارج مسألة الإعداد لانتفاضة جماهيرية شعبية من خلال نضال الجماهير نفسها، مع عدم الاستهانة بالعدو وأساليبه القمعية تجاه الحركات الشعبية، كما أيدت فكرة الاعتماد على الجهد الفعال لتنظيم الحزب، داخل صفوف القوات المسلحة في لحظة تطور الحركة الجماهيرية، ووصولها إلى حالة متقدمة [أي حالة الانتفاض الثوري]، أي استخدام عناصر الجيش الحزبية في الوقت المناسب تماماً لدعم الانتفاضة الجماهيرية، وإسنادها نحو تحقيق أهدافها.

 كما أن على الحزب أن يأخذ في الحسبان احتمال تطور الأوضاع إلى قيام حرب أهلية بسبب تواجد القوى الرجعية على الساحة من جهة، وكون الحزب الشيوعي يمثل الاتجاهات اليسارية التقدمية، وعليه فالواجب يقتضي الإعداد الجيد للتصدي للحرب الأهلية، ووضع الثورة الكردية بعين الاعتبار كعنصر مساعد.

كما حذرت لجنة تنظيم الخارج من التسرع بشكل مصطنع، أو محاولة القفز فوق المراحل الضرورية للتطور والنضج الطبيعي للحزب، والانتباه الدقيق لمحاولات الأعداء نصب فخ للحزب للإقدام على خطوة متسرعة لكي يوجهوا له الضربة القاضية، وفي الختام حددت الرسالة الأهداف الآنية للحزب ذات الأهمية الأكثر إلحاحاً وهي:
 1ـ السعي لتقوية مواقع الحزب داخل الجيش دون محاولة إحداث أي ضجة، والعمل على حماية التنظيم العسكري، وتطوير إمكانياته جنباً إلى جنب مع تطوير إمكانيات الجماهير الشعبية.

 2 ـ بذل الجهود المتواصلة من أجل التعاون الوطني، والسعي لتشكيل التحالفات مع القوى الوطنية التي لها الاستعداد للتعاون من أجل الإطاحة بالنظام .

3 ـ تثقيف جماهير الحزب ورفاقه بشكل هادئ وتدريجي من دون إحداث ضجة حول طرق نضال الحزب في المرحلة الراهنة، وتنشيط الحركة الجماهيرية ومنظماتها كافة، وتوحيد جهودها، وحثها على التحرك الجماهيري كالإضرابات والاحتجاجات على الحرب في كردستان، ودفع الفلاحين إلى مقاومة النظام وإعلان العصيان.
4 ـ التغلب على حالة القصور البارزة في الحزب، وأهمية إصدار صحيفة الحزب على فترات غير بعيدة ومنتظمة، والاهتمام بالكادر، وأهمية إجراءات الحماية لقيادة الحزب وكوادره، من أجل حماية أسرار الحزب الهامة.

وفي الختام وجهت قيادة الخارج انتقاداً إلى الإجراءات التي اتخذتها لجنة الحزب المركزية في الداخل حول الانتخابات، وإخراج [ناصر عبود] من عضوية اللجنة المركزية، وإدخال خمسة أعضاء جدد في اللجنة، بالإضافة إلى بقاء كافة الأعضاء السابقين، سواء الموجود منهم في الداخل أو الخارج.

 البعثيون يحاولون الإطاحة بحكم عبد السلام عارف:

لم يهدأ البعثيون، بعد أن غدر بهم شريكهم في انقلاب 8 شباط عبد السلام عارف الذي نصبوه رئيساً للجمهورية، ولجأوا إلى العمل السري لتجميع قواهم والتمهيد للقيام بانقلاب مضاد، ولاسيما بعد أن غدر عبد السلام عارف للمرة الثانية بالضباط الذين تمردوا على قيادتهم المدنية، وتعاونوا معه في انقلاب في 18 تشرين الثاني 963 1، ولاسيما وأن البعثيين كانوا يتخوفون من تجدد نشاط الحزب الشيوعي، وتنامي قدراته التنظيمية، وتوسع قاعدته، وينتابهم القلق من أمكانية قلب نظام عارف واستلام السلطة، بالإضافة إلى قلق المخابرات الأمريكية والبريطانية من اتساع نشط الحزب، وربما بتنسيق بين الطرفين بادر حزب البعث استعداداته لقلب نظام عبد السلام عارف.
فقد استطاع البعثيون تجميع قواهم وتنظيمها وإعدادها للعمل الانقلابي، وتقرر القيام بالحركة يوم 4 أيلول 1964 معتمدين في تحركهم على كتيبة الدبابات الرابعة التي استخدموها في انقلاب 8 شباط 1963، بالإضافة إلى 6 طائرات  [ميك عسكرية] يأخذ طياريها على عاتقهم قصف طائرة عبد السلام عارف يوم توجهه إلى مؤتمر القمة العربية بالإسكندرية.

غير أن جهاز استخبارات عارف كشف خيوط المؤامرة قبل تنفيذها وجرت على الفور حملة اعتقالات واسعة في كافة أنحاء العراق، وزُج بالبعثيين في السجون والمواقف، وسارع عبد الناصر إلى إرسال 600 عسكري إلى العراق لدعم نظام عارف، وعسكرت هذه القوات في مقر كتيبة الدبابات الرابعة في أبو غريب لشل حركتها، وهكذا تم لعبد السلام عارف إجهاض الحركة الانقلابية للبعثيين، وكنس كل بقايا العناصر البعثية في جهاز السلطة المدنية والعسكرية على حد سواء.

كما أجرى عبد السلام عارف تعديلاً وزارياً في 14 تشرين الأول 1964 أدخل بموجبه ثلاثة وزراء ناصريين في حكومته، وبذلك أصبح للناصريين ستة مقاعد وزارية في الحكومة، وأصبحوا في موقف أقوى تجاه العناصر القومية اليمينية داخل السلطة.
حاول الناصريون دفع سياسة السلطة نحو إجراء تغييرات أكثر عمقاً في المجالات الاقتصادية والسياسية، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الوحدة مع العربية المتحدة، مما أثار صراعاً داخل السلطة من جديد بين العناصر القومية ذات الاتجاهات المختلفة والمتناقضة، فقد حاولت كل مجموعة إزاحة المجموعة الأخرى من أمامها، وانتهى ذلك الصراع بانتصار الجناح اليميني في الحركة القومية، وإزاحة الناصريين من الحكم من جديد.

 استقالة الوزر اء الناصريين:
بدأ الناصريون يخسرون مواقعهم داخل السلطة منذُ ربيع عام 1965 ، تحت تأثير أسباب عديدة، منها ما يتعلق بالموقف من عبد الناصر، ومشروع الوحدة،  ومنها ما يتعلق بالأوضاع الداخلية، وخاصة  الاقتصادية منها، وما سببته مراسيم التأميم من تأثيرات سلبية بسبب عدم وجود الخبرة لدى أجهزة السلطة تمكنها من إدارة الشؤون الاقتصادية بعد التأميم، وزاد في الطين بله قيام أصحاب رؤوس الأموال بتهريب أموالهم إلى خارج البلاد، وتراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، حيث بلغ عدد العاطلين المسجلين رسمياً 20 287 عاملاَ، ولذلك فقد بدأت العناصر اليمينية في الحكومة تدعوا إلى إعادة النظر في تأميم المشاريع التي جرى تنفيذها، والعدول عن الاتجاه الاشتراكي، وبالفعل نجحوا في إبطاء حركة التغيير التي بدأها الناصريون.
حاول الناصريون إحكام سيطرتهم على التجارة الخارجية في نيسان 1965، للحد من تهريب رؤوس الأموال، وتلاعب كبار الرأسماليين في الاقتصاد الوطني، إلا أنهم فشلوا في إقناع عبد السلام عارف بالسير في هذا الاتجاه، مما سبب تباعد المواقف بينه وبين الناصريين شيئاً فشيئاً،  وتطور هذا التباعد، وتعمقت الخلافات، وأصاب الناصريين اليأس من القدرة على التأثير على سياسة عارف، وأخيراً أضطر الوزراء الناصريون إلى تقديم استقالاتهم من الوزارة في 4 تموز 1965، وعلى الأثر توترت العلاقات بين عبد الناصر وعبد السلام من جديد.

حاول عبد السلام عارف تجنب القطيعة مع عبد الناصر، فأقدم على تشكيل وزارة جديدة برئاسة الناصري [ عارف عبد الرزاق ] في 6 أيلول 965، واحتفظ عارف عبد الرزاق بوزارة الدفاع، إضافة إلى رئاسة الوزارة.
 كما عين عبد الرحمن البزاز نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية والنفط، و عبد اللطيف الراجي، وزيراً للداخلية ليوازن بين الاتجاهين المتناقضين.

محاولة الناصريين الانقلابية:
 لم تُجدِ محاولات عبد السلام عارف نفعاً في رأب الصدع بينه وبين الناصريين، وذهبت تلك المحاولات أدراج الرياح، ولم تنجح في زحزحة مواقفهم، بل زادتهم اندفاعاً للقيام بانقلاب عسكري تزعمه [عارف عبد الرزاق] رئيس الوزراء ، ووزير الدفاع، ووكيل رئيس الجمهورية في 15 أيلول 1965، أثناء وجود عبد السلام  في الدار البيضاء لحضور مؤتمر القمة العربي. إلا أن العقيد [سعيد صليبي] آمر الانضباط العسكري، وآمر حامية بغداد، والساعد الأيمن لعبد السلام عارف، عرف بأمر تحركهم، فوجه لهم الضربة مسبقاً، وهرب الانقلابيون إلى خارج العراق.
 وهكذا وصلت العلاقة بين عبد السلام عارف  والناصريين إلى القطيعة التامة، ودخل الحكم العارفي في مرحلة جديدة من الحكم القبلي، فقد أصبح معظم رجالات الدولة وقادتها من قبيلة الجميلات، وأخذ سعيد صليبي يلعب الدور الرئيسي في إدارة دفة الحكم، وأصبح عبد الرزاق النايف ـ جميلي ـ مديراً للاستخبارات العسكرية، ولعب دورا كبيراً في الحفاظ على حكم عارف.
وفي الوقت نفسه أصبح عبد الرحمن البراز رئيساً للوزراء، ومُنح صلاحية إصدار القرارات، وتسيير شؤون البلاد.
 كما أقدم عبد السلام على حل مجلس قيادة الثورة الذي تألف من العسكريين، وانتقلت السلطة التشريعية إلى مجلس الوزراء، وأنيطت مسؤولية جهاز الأمن والاستخبارات بمجلس شكله حديثاً ودعاه بـ [ مجلس الدفاع الوطني ] بإشراف عبد السلام عارف نفسه.
حاول عبد الرحمن البزاز إضفاء صفة المدنية على جهاز الحكم، وإشاعة سيادة القانون، والتسريع لإقامة البرلمان، وإجراء انتخابات نيابية، وتنشيط الاقتصاد، وزيادة الإنتاج في القطاعين العام والخاص، وغيرها من الإصلاحات السطحية الأخرى، غير أن جهود البزاز لم ترَ النور، فقد كان الموت بانتظار عبد السلام عارف في 13 نيسان 1966، وإخراجه من الحكم بعد أربعة أشهر من تولي عبد الرحمن عارف شقيق عبد السلام عارف، بضغط من العناصر العسكرية التي كانت تتمتع بنفوذ كبير.
ففي الثالث عشر من نيسان  1966أعلنت محطتا الإذاعة والتلفزيون العراقية أن الرئيس عبد السلام عارف قد لقي مصرعه بحادث سقوط طائرة مروحية كان يستقلها مع بعض الوزراء، وكبار مساعديه في جنوب العراق قرب القرنة، ولم يُكشف النقاب عن حقيقة مقتل عبد السلام عارف، إذ أعلنت الحكومة أن الطائرة التي كان يستقلها عبد السلام عارف قد سقطت  بسبب هبوب عاصفة رملية، ولكن هناك الكثير من الشكوك حول حقيقة مصرعه، فهناك الصراعات الداخلية بين عارف والعناصر الناصرية من جهة، وبينه وبين البعثيين من جهة أخرى.

 كما كان هناك صراع بين الإمبريالية، والعناصر الناصرية التي أقلقها محاولاتهم المتكررة إلحاق العراق بالجمهورية العربية المتحدة، وليس ببعيد أن تكون وراء مصرعه، وربما كان هناك ما هو أبعد من ذلك، حيث حاول عبد الرحمن البزاز، المعروف بولائه للبريطانيين، الوصول إلى كرسي الرئاسة، ودخوله في منافسة مع عبد الرحمن عارف المدعوم من قبل القوى العسكرية المهيمنة على الحكم.




24
من ذاكرة التاريخ

هكذا تم إسقاط نظام البعث
18 تشرين الثاني 1963
حامد الحمداني                                                                            9/10/2018

لم يكن حزب البعث يضم عنصر التجانس بين أعضائه، فقد كان أعضاءه وقيادييه ينتمون لطبقات  مختلفة، قسم منهم من الطبقة البرجوازية، وقسم من البرجوازية الصغيرة، ونسبة قليلة من العمال والفلاحين والحرفيين ذوي الدخل المحدود، ووجود نسبة عالية من الطلاب الذين لا تتجاوز أعمارهم  على الأغلب 20 عاماً بين صفوفهم، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً وتنظيمياً. 

وبسبب هذا التباين في التركيبة القومية والطائفية والطبقية، فقد كان من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في التطلعات والتوجهات والأفكار والعواطف، كما كان معظم ضباطهم الذين قادوا انقلاب 8 شباط ضد نظام عبد الكريم قاسم من الطائفة السنية، في حين كانت قيادتهم القطرية تضم خمسة من الشيعة، وثلاثة من الطائفة السنية، ويرجع معظم أعضاء البعث من المناطق الريفية المختلفة، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً، وحتى قياديي الحزب كانوا من هذا الطراز، كما وصفهم مؤسس الحزب عندما قال:
 {بعد الثورة ـ أي انقلاب 8 شباط ـ بدأت اشعر بالقلق من فرديتهم، وطريقتهم الطائشة في تصريف الأمور، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد، وشعب}.

 لقد كان الحزب عبارة عن تجمع لعناصر معادية للشيوعية التي لا يجمعها أي رابط أيديولوجي، وكان جُل همهم منصباً على حربهم الشعواء ضد الشيوعية، وظهرت بينهم تكتلات أساسها المنطقة أو العشيرة أو الطائفية، وهكذا كانت التناقضات والخلافات تبرز شيئاً فشيئاً على سطح الأحداث، والتي كان من أهمها:

1 ـ الموقف من عبد السلام عارف:

ففي 11 شباط 1963، حدث بين قيادة البعث وعبد السلام عارف، الذي نصبوه رئيساً للجمهورية صِدامٌ مكشوف، مما دفع علي صالح السعدي، أمين سر القيادة القطرية للحزب، إلى أن يطرح موضوع بقاء عبد السلام عارف، أو إزاحته من منصبه، قائلاً:
{ إن عبد السلام عارف سوف يثير لنا الكثير من المتاعب، وربما يكون خطر علينا، إلا أن أغلبية القيادة لم تأخذ برأي السعدي، خلال اجتماع القيادة الذي جرى في دار حازم جواد، وقد هدد السعدي بالاستقالة إذا لم تأخذ القيادة برأيه، لكنه عدل عن ذلك بعد قليل، وبعد نهاية الاجتماع ذهب حازم جواد إلى عبد السلام عارف وأخبره بما دار في الاجتماع، وحذره من أن السعدي ينوي قتله والتخلص منه}.

2 ـ الموقف من قانون الأحوال المدنية:
الخلاف الثاني الذي حدث بين أعضاء القيادة القطرية حينما طُرح موضوع قانون الأحوال المدنية رقم 188 لسنة 1959الذي شرعه عبد الكريم قاسم، والذي اعتُبر ثورة اجتماعية أنجزتها ثورة 14 تموز فيما يخص حقوق المرأة وحريتها، وإطلاق سراح نصف المجتمع العراقي الذي تمثله المرأة من عبودية الرجل، وكان القانون قد ساوى المرأة بالرجل في الإرث، ومنع تعدد الزوجات إلا في حالات خاصة وضرورية، ومنع ما يعرف بالقتل غسلاً للعار، وغيرها من الأمور الأخرى، وقام عبد السلام عارف بإلغاء القانون في 18 آذار 1963، أثناء وجود علي صالح السعدي في القاهرة، وانقسم مجلس قيادة الثورة ذو الأغلبية البعثية وأعضاء القيادة القطرية حول مسألة الإلغاء، حيث أيده بعض الأعضاء وعارضه البعض الآخر، وفي نهاية المطاف فرض عبد السلام عارف أجراء تعديلات جوهرية على نص القانون أفرغته من محتواه فيما يخص حقوق المرأة .

3 ـ الموقف من الحركات السياسية القومية:
كان الخلاف الثالث بين أعضاء قيادة البعث ينصب حول الموقف من الحركات السياسية القومية [القوميون، والناصريون، والحركيون]، وقد أجرت قيادة الحزب نقاشات حادة حول الموقف منهم، و برز خلال النقاش فكرتان متعارضتان، الأولى تدعو إلى تحجيم القوى القومية، والأخرى تدعو للتعاون معها، لكن القيادة البعثية لم تستطع حسم الأمر، بل على العكس من  ذلك أدى الأمر إلى تعمق الخلافات والصراعات فيما بين أعضاء القيادة.

4 ـ الموقف من الحرس القومي:
في شهر حزيران 1963  ظهرت أسباب أخرى للخلافات بين أعضاء قيادة الحزب حول الحرس القومي، فقد وجهت القيادة العليا للقوات المسلحة في 4 تموز 1963 برقية إلى قيادة الحرس القومي تحذرها وتهددها بحل الحرس القومي إذا لم تتوقف هذه القوات عن الإجراءات المضرة بالأمن العام  وراحة المواطنين.
 كانت روائح الجرائم التي يقترفها الحرس القومي ضد أبناء الشعب بشكل عام والشيوعيين منهم بوجه خاص قد أزكمت الأنوف، وضجت الجماهير الواسعة من الشعب من تصرفاتهم وإجرامهم.
إلا أن القائد العام لقوات الحرس القومي [ منذر الونداوي ] لم يكد يتسلم البرقية حتى أسرع إلى الطلب من القيادة العليا للقوات المسلحة سحب وإلغاء البرقية المذكورة في موقف يبدو منه التحدي، مدعياً أن الحرس القومي قوة شعبية ذات قيادة مستقلة، وأن الحق في إصدار أوامر من هذا النوع لا يعود إلى أي شخص كان، بل إلى السلطة المعتمدة شعبياً والتي هي في ظل ظروف الثورة الراهنة هي المجلس الوطني لقيادة الثورة ولا أحد غيره، وهكذا وصل التناقض والخلاف بين البعثيين وضباط الجيش، وعلى رأسهم عبد السلام عارف، إلى مرحلة عالية من التوتر، مما جعل عبد السلام عارف يصمم على قلب سلطة البعثيين بأسرع وقت ممكن.

5- الحرب في كردستان:
جاء تجدد الحرب في كردستان التي بدأها البعثيون في 10 حزيران1963  لتزيد وضعهم صعوبة، وتعمق الخلافات بينهم حتى أصبح حزب البعث في وضع لا يحسد عليه، فقد تألبت كل القوى السياسية والعسكرية ضدهم، وسئمت أعمالهم وتصرفاتهم .
حاول عبد السلام عارف، وأحمد حسن البكر، بالتعاون مع حازم جواد وطالب شبيب التخلص من علي صالح السعدي، وإخراجه من الحكومة، ومجلس قيادة الثورة، إلا أن الظروف لم تكن مؤاتية لمثل هذا العمل في ذلك الوقت.
ففي 13 أيلول عُقد المؤتمر القطري للحزب، وجرى فيه انتخاب ثلاث أعضاء جدد من مؤيدي علي صالح السعدي، وهم كل من: هاني الفكيكي، وحمدي عبد المجيد، ومحسن الشيخ راضي، فيما أُسقط طالب شبيب في الانتخابات، وبقي حازم جواد، كما فاز أحمد حسن البكر،  وصالح مهدي عماش، وكريم شنتاف بتلك الانتخابات.

 وهكذا بدا الانقسام ظاهراً أكثر فأكثر  فجماعة السعدي تتهم جماعة حازم جواد باليمينية، بينما تتهم جماعة حازم جواد السعدي وجماعته باليسارية، ووصل الأمر بعلي صالح السعدي إلى الإدعاء بالماركسية، وحاول أن يبرئ نفسه من دماء آلاف الشيوعيين!.

وفي الفترة ما بين 5ـ23 تشرين الأول، عُقد المؤتمر القومي لحزب البعث، في دمشق، وجرى تعاون بين السعدي وحمود الشوفي، حيث ضمنا لهما أكثرية من أصوات المؤتمرين العراقيين، والسوريين، وسيطرا على المؤتمر وقراراته، وبلغ بهم الحال أن شنوا هجوماً عنيفاً على جناح مؤسس الحزب [ميشيل عفلق] وطرحوا أفكاراً راديكالية فيما يخص التخطيط الاشتراكي، وحول المزارع التعاونية للفلاحين.

ضاقت الدنيا بميشيل عفلق، حيث لم يتحمل الانقلاب الذي أحدثته كتلة [السعدي و الشوفي] داخل المؤتمر في تركيبة القيادة القومية مما افقده القدرة على التأثير في مجرى الأحداث وجعلته يصرح علناً [ هذا لم يعد حزبي].

الخلافات بين الجناحين المدني والعسكري
بعد أن قوي مركز علي صالح داخل القيادتين القطرية والقومية و بدأ هو وكتلته يطرحون أفكاراً راديكالية، وتحولا نحو اليسار، بدأ الضباط البعثيون يشعرون بعدم الرضا من اتجاهات السعدي وكتلته، و أخذت مواقفهم تتباعد شيئاً فشيئاً عن مواقفه، وانقسم تبعاً لذلك الجناح المدني للحزب، فقد وقف منذر الونداوي وحمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي، بالإضافة إلى الحرس القومي، واتحاد العمال، واتحاد الطلاب، إلى جانب السعدي، فيما وقف حازم جواد، وطالب شبيب، ورئيس أركان الجيش وطاهر يحيى، وقائد القوة الجوية حردان عبد الغفار التكريتي، ووزير المواصلات عبد الستار عبد اللطيف، وقائد كتيبة الدبابات الثالثة محمد المهداوي إلى الجانب المعارض لجناح السعدي، بينما وقف أحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش على الحياد، لكن السعدي أتهمهما بأنهما يدفعان الحزب نحو اليمين، و يؤيدان معارضيه في الخفاء.

ثالثاً:الصراع بين البعث والضباط القوميين والناصريين والحركيين:
كان أحد العوامل الرئيسية للصراع داخل قيادة حزب البعث هو الموقف من القوى القومية والناصرية والحركية، فقد انقسمت القيادة القطرية في مواقفها إلى كتلتين، فكتلة حازم جواد وطالب شبيب كانت تطالب بقيام جبهة واسعة تضم حزب البعث وكل الفئات القومية والناصرية والحركية، فيما كانت كتلة السعدي تعارض هذا التوجه، وقد أدى ذلك إلى تأزم الموقف، واشتداد الصراع بين الجناحين وتصاعده حتى وصل الأمر إلى الموقف من السعدي نفسه عندما حاول جناح [ جواد و شبيب] إزاحة السعدي متهمين إياه بالتهور والتطرف، وتعاون احمد حسن البكر مع عبد السلام عارف على إزاحته، فكانت البداية قد تمثلت بإجراء تعديل وزاري في 11 أيار 1963، جرى بموجبه إعفاء السعدي من منصب وزير الداخلية وتعيينه وزيراً للإرشاد، فيما جرى تعيين غريمه حازم جواد مكانه وزيراً للداخلية.
كان ذلك الإجراء أول ضربة توجه إلى قيادة السعدي، ثم تطور الأمر إلى محاولة إخراجه من الوزارة ومجلس قيادة الثورة، والسيطرة على الحرس القومي الذي يقوده منذر الونداوي، والذي يعتمد عليه السعدي اعتماداً كلياً.

عبد السلام عارف يعفي الونداوي من قيادة الحرس والونداوي يرفض

في 1 تشرين الثاني  صدر مرسوم جمهوري يقضي بإعفاء منذر الونداوي من قيادة الحرس القومي، وتعيين عبد الستار عبد اللطيف بدلاً عنه، غير أن الونداوي تحدى المرسوم، وأصرّ على البقاء في منصبه، في قيادة الحرس القومي، وقد أدى ذلك إلى تعقد الموقف، وتصاعد حمى الصراع الذي تفجر بعد عشرة أيام.
ففي11 تشرين الثاني عُقد مؤتمر قطري استثنائي لانتخاب ثمانية أعضاء جدد للقيادة القطرية لكي يصبح العدد 16 عضواً بموجب النظام الداخلي الذي تبناه المؤتمر القومي السادس [ المادة 38 المعدلة من النظام الداخلي ].
 غير أن المؤتمر لم يكد يباشر بإجراء الانتخاب حتى داهم 15 ضابطاً مسلحاً قاعة الاجتماع بقيادة العقيد [محمد المهداوي] الذي بدأ يتحدث أمام المؤتمرين قائلاً :
{لقد اخبرني الرفيق ميشيل عفلق، فيلسوف الحزب، أن عصابة استبدت بالحزب في العراق، ومثلها في سوريا، وأن العصابتين وضعتا رأسيهما معاً، وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس، ولذلك يجب القضاء عليهما}.
كما هاجم المهداوي قرارات المؤتمر القومي السادس واصفاً إياه بمؤامرة ضد الحزب، وطالب بانتخاب قيادة قطرية جديدة تحت تهديد أسلحة الضباط المرافقين له.
 تظاهر المؤتمر باختيار قيادة جديدة، واشترك الضباط بالتصويت،علماً بان بعضهم لم يكن بعثياً على الإطلاق، وجاء على رأس القيادة الجديدة [حازم جواد] بالإضافة إلى فوز أنصاره.
غير أن المهزلة لم تنتهِ إلى هذا الحد، بل أسرع الضباط إلى اعتقال [علي صالح السعدي] و[محسن الشيخ راضي] و[حمدي عبد المجيد] و[هاني الفكيكي] و[أبو طالب الهاشمي] الذي كان يشغل منصب نائب القائد العام للحرس القومي، وجرى تسفير الجميع على متن طائرة عسكرية إلى مدريد.

امتداد الصراع إلى الشارع

أنفجر الوضع المتأزم في ذلك اليوم، وامتد الصراع إلى الشارع، ففي صباح يوم 13 تشرين الثاني اندفعت أعداد غفيرة من مؤيدي علي صالح السعدي ومن الحرس القومي إلى شوارع بغداد،  وأقاموا الحواجز في الطرق، واحتلوا مكاتب البريد والبرق والهاتف ودار الإذاعة، وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة فيها.

 وفي الوقت نفسه أسرع منذر الونداوي إلى قاعدة الرشيد الجوية ومعه طيار آخر، وامتطيا طائرتين حربيتين، وقاما بقصف القاعدة المذكورة، ودمرا [5 طائرات] كانت جاثمة فيها.
وفي الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم أذاع [صالح مهدي عماش] وزير الدفاع بياناً من دار الإذاعة حذر فيه [أحمد حسن البكر] من أن هناك محاولة لجعل البعثيين يقتلون بعضهم بعضاً، وهذا ما لا يفيد إلا أعداء الحزب، كما وجه نداءاً للعودة إلى العلاقات الرفاقية، وإلى التفاهم  والأخوة.

وفي تلك الأثناء فرضت قوات الحرس القومي سيطرتها على أغلب مناطق بغداد، ورفض البكر وعماش إعطاء الأمر إلى الجيش بالتدخل وأصبحت قيادة فرع بغداد للحزب هي التي تقود الحزب في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ حكم البعث، وطالبت تلك القيادة بإعادة السعدي ورفاقه إلى العراق، وممارسة مهامهم الحزبية والرسمية،غير أنها لم تفلح في ذلك، واضطرت إلى الموافقة على إحالة القضية إلى القيادة القومية لتبت فيها.


عفلق وأمين الحافظ في بغداد لمحاولة حسم الصراع:
 
وفي مساء ذلك اليوم الثالث عشر من تشرين الثاني، وصل إلى بغداد مؤسس الحزب[ميشيل عفلق] والرئيس السوري [أمين الحافظ] بالإضافة إلى عدد آخر من أعضاء القيادة القومية للحزب.
غير أن عبد السلام عارف تجاهل وصولهما، ولم يجر لهما استقبالاً رسمياً  كما يقتضي البروتوكول والعرف الدبلوماسي، كما لم يحاول الالتقاء بالوفد، مما جعل الوفد يحس أن هناك جو غير طبيعي في بغداد، وأن لابد من أن يكون هناك أمراً يدبر ضد حكم البعث.

حاول ميشيل عفلق ورفاقه في الوفد التصرف بشؤون العراق، فقد أصدروا  قراراً بنفي [حازم جواد] وزير الداخلية، و[طالب شبيب] وزير الخارجية متهمين إياهما بأنهما أساس الفتنة، كما أصدر الوفد قراراً آخر بحل القيادة القطرية التي جرى انتخابها تحت تهديد الضباط الخمسة عشرة، وكذلك القيادة القطرية السابقة التي كان يقودها علي صالح السعدي، وأعلن عن تسلم القيادة القومية للمسؤولية لحين انتخاب قيادة قطرية جديدة.

هكذا إذاً كان تصرف عفلق والوفد الموافق له، تجاهلاً لعبد السلام عارف بصفته رئيساً للجمهورية، وتجاهلا لسيادة واستقلال العراق، والتدخل الفض في شؤونه الداخلية، حيث وصل الأمر إلى أن يعين عفلق أعضاء في الحكومة ويقيل أعضاءً آخرين، وقد أدى تصرفه هذا إلى استياء الضباط العراقيين الممسكين بزمام الجيش.

كما أن الرابطة التي كانت تجمع الضباط البعثيين بالقيادة المدنية قد تفككت، ودبت الخلافات العميقة بينهم، وسارع الجناح المدني في الحزب يتحدى من اسماهم أعداء الحزب، ودعا اتحاد العمال الذي يسيطر عليه الحزب إلى سحق رؤوس البرجوازيين الذين خانوا الحزب، وإعدام أصحاب رؤوس الأموال الذين هربوا أموالهم إلى الخارج.
 كما دعوا إلى تأميم كافة المشاريع الصناعية في البلاد، وكانت تلك الاندفاعات لجناح الحزب المدني كلها تصب في خانة عبد السلام عارف الذي صمم على إزاحة حزب البعث عن السلطة، وأحكام قبضته على شؤون البلاد دون منازع أو شريك.

رابعاً:انقلاب عبد السلام عارف ضد البعث
بعد أن وصلت حالة الحزب إلى أقصى درجات التمزق والتناحر، وبعد أن عمت الفوضى أرجاء البلاد، وبلغ استياء ضباط الجيش الممسكين بالمراكز القيادية في الجهاز العسكري من تصرف القيادة البعثية مداه، قرر عبد السلام عارف بالتعاون مع تلك العناصر العسكرية توجيه ضربته القاضية لحكم البعث، وإنهاء سيطرتهم على مقدرات البلاد، فقد استغل عبد السلام تلك الظروف البالغة الصعوبة التي مرّ بها حزب البعث وبالتنسيق مع عدد من أولئك الضباط  وكان من بينهم :
1-الزعيم عبد الرحمن عارف قائد الفرقة الخامسة- شقيق عبد السلام .
2 – الزعيم الركن عبد الكريم فرحان، قائد الفرقة الأولى.
3 – العقيد سعيد صليبي، آمر الانضباط العسكري.
4 – الزعيم الركن الطيار حردان التكريتي، قائد القوة الجوية [ بعثي] .
5 – اللواء الركن طاهر يحيى، رئيس أركان الجيش.
هذا بالإضافة إلى العديد من الضباط الآخرين ذوي الميول القومية.
وفي فجر يوم 18 تشرين الثاني 1963 ، قامت طائرات عسكرية بقصف مقر القيادة العامة  للحرس القومي في الأعظمية، ثم تقدمت الدبابات، والمصفحات لتستولي على كافة المرافق العامة في بغداد، ومقرات الحرس القومي.

 وحاول البعثيون مقاومة الانقلاب في بادئ الأمر، إلا أن الأمر كان قد حسم في نهاية النهار، فلم يكن باستطاعة الحرس القومي، وهو يحمل الأسلحة الخفيفة أن يقاوم الدبابات والمصفحات والصواريخ والطائرات، وسارع أفراد الحرس  إلى إلقاء سلاحهم، والتخلص منه، برميه في الحقول والمزارع والمزابل بعد أن هددهم النظام العارفي الجديد بإنزال العقاب الصارم بهم إن هم استمروا على حمل السلاح أو إخفائه، وأجرى الجيش مداهمات لدور أفراد الحرس القومي بحثاً عن السلاح.

 كما جرى إلقاء القبض على أعداد كبيرة من البعثيين لفترة محدودة من الزمن، حيث تمكن الجيش من إحكام سيطرته على البلاد، وأخذ النظام فيما بعد يطلق سراح البعثيين المعتقلين  في حين بقي السجناء والموقوفين الشيوعيين والديمقراطيين في السجون، وجرى تنفيذ أحكام بالإعدام، كانت قد أصدرتها المحاكم العرفية على عهد البعثيين، بعد تسلم عبد السلام عارف زمام الأمور في البلاد، فقد كان العداء للشيوعية هو الجامع الذي جمع البعثيين والقوميين دون استثناء، ربما شيء واحد قد تغير، هو تخفيف حملات التعذيب أثناء التحقيقات مع المعتقلين، واستمرت المحاكم العرفية تطحن بالوطنيين طيلة عهد عارف.

عبد السلام عارف يحكم سيطرته على البلاد
في مساء يوم الثامن عشر من تشرين الثاني 963 ، تلاشت مقاومة حزب البعث وحرسه القومي في أنحاء البلاد، وتم لعبد السلام عارف وقادته العسكريين السيطرة التامة على البلاد، وبدأ على الفور بترتيب البيت، مانحاً نفسه صلاحيات استثنائية واسعة لمدة سنة، تتجدد تلقائياً، إذا اقتضى الأمر ذلك، وعمد عبد السلام إلى الاعتماد على الروابط العشائرية، وخاصة عشيرة [ الجميلات ]،  فقد عين شقيقه [عبد الرحمن عارف] وكيلاً لرئيس أركان الجيش، رغم كونه ليس ضابط أركان.   كما عين صديقه، وأبن عشيرته  [سعيد صليبي ] قائداً لحامية بغداد، فيما أعلن عارف نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة.
كما جاء عارف باللواء العشرين الذي كان يقود أحد أفواجه عند قيام ثورة 14 تموز، واتخذ منه الحرس الجمهوري الخاص به، واعتمد على العناصر المؤيدة له فيه من عشيرة الجميلات وغيرها من عشائر محافظة الأنبار.

بدأ عبد السلام عارف حكمه معتمداً على ائتلاف عسكري ضم الضباط القوميين والناصريين، والضباط البعثيين الذين انقلبوا على سلطة البعث فقد عيّن [ طاهر يحيى ] رئيساً للوزراء، و[حردان التكريتي ] نائباً للقائد العام للقوات المسلحة، ووزيراً للدفاع، فيما عيّن [أحمد حسن البكر] نائباً لرئيس الجمهورية، والزعيم[ رشيد مصلح ] وزيراً للداخلية، وحاكماً عسكرياً عاماً، ويلاحظ أن هؤلاء جميعاً من تكريت، ومن العناصر البعثية، أما العناصر القومية التي شاركت في الحكم فكان على رأسها الزعيم الركن [ محمد مجيد] مدير التخطيط العسكري، والزعيم الركن[عبد الكريم فرحان] الذي عيين وزيراً للإرشاد، و[عارف عبد الرزاق] الذي عيين قائداً للقوة الجوية، والعقيد الركن [ هادي خماس] الذي عيّن مديرا لجهاز الاستخبارات العسكرية، والمقدم [صبحي عبد الحميد]  الذي عيين وزيراً للخارجية .

 عبد السلام عارف يبعد العناصر البعثية عن الحكم:
رغم تعاون الضباط البعثيين مع عبد السلام عارف في انقلاب 18 تشرين الثاني 963 ضد قيادتهم المدنية، واشتراكهم في حكومته الانقلابية، إلا أن عارف لم يكن يطمأن لوجودهم في السلطة، ولم يكن إشراكهم في الحكم من قبله سوى كونه عمل تكتيكي من أجل نجاح انقلابه ضد سلطة البعث وتثبيت حكمه، لكنه كان في نفس الوقت يتحين الفرصة للتخلص منهم، وقد ساعده في ذلك الكره الشعبي الواسع النطاق للحكام البعثيين بسبب ما اقترفوه من جرائم بحق الوطنيين طيلة فترة حكمهم التي دامت تسعةاشهر، وهكذا بعد أن تسنى لعارف تثبيت أركان حكمه، بدأ بتوجيه الضربات للعناصر البعثية تلك.

 ففي 4 كانون الأول 964 ،أعفى عارف المقدم[عبد الستار عبد اللطيف] من وزارة المواصلات، وفي 16 منه أزاح عارف [ حردان التكريتي ] من منصبه كقائد للقوة الجوية، وفي 4 كانون الثاني 64 ألغي عارف منصب نائب رئيس الجمهورية وتخلص من [احمد حسن البكر] الذي كان يشغل المنصب، وعينه سفيراً بديوان وزارة الخارجية. (7)

وفي 2 آذار 964، أعفى عارف [ حردان التكريتي ] من منصب وزير الدفاع وعين محله طاهر يحيى بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء، ولم يبقَ إلا رشيد مصلح التكريتي وزير الداخلية والحاكم العسكري العام الذي ربط مصيره بمصير عارف، مهاجماً أعمال البعثيين وجرائمهم، وبذلك أصبح عبد السلام عارف الحاكم المطلق في البلاد، وبرز الناصريون في مقدمة النظام، وبدأ النظام يقلد الجمهورية العربية المتحدة في أساليبها وخططها التنموية، حيث أقدمت الحكومة على تأميم المصارف،  وشركات التأمين، و 32 مؤسسة صناعية وتجارية كبيرة، وخصصت الدولة 25% من الأرباح للعمال والموظفين العاملين فيها، وقررت تمثيلهم في مجالس الإدارة.

كما أقدم النظام الجديد على تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في 14 تموز 964، على غرار الاتحاد الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة، ودُعيت القوى السياسية في البلاد إلى الانضواء تحت راية هذا الاتحاد، وقد استهوى هذا الإجراء وتلك التحولات الاقتصادية جانباً من قيادة الحزب الشيوعي، حيث برزت دعوة لحل الحزب والانضمام إلى الاتحاد المذكور، لكن هذا الاتجاه لم ينجح في جر الحزب إليه، بعد أن وقفت العناصر الحريصة على مصلحة الحزب ضد دعوة الحل والانضمام للاتحاد الاشتراكي .


25
من ذاكرة التاريخ

مجزرة كاورباغي في كركوك

حامد الحمداني                                                              8 /10/ 2018
دأبت حكومة أرشد العمري، شأنها شأن الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم  في العهد الملكي، على إتباع  سياسة العنف ضد الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية ، التي كانت تندلع بين آونة وأخرى، سواء كانت دوافعها تتعلق بمطالب اجتماعية  أو سياسية، ولم يثنها تحذير الأحزاب السياسية في مذكراتها التي كانت ترفعها للوصي عبد الإله والملك فيصل الثاني فيما بعد،  ورؤساء  الحكومات، بل  كانت تمضي تلك الحكومات في سياستها، واستخدامها لأساليب العنف ضد أبناء الشعب المطالبين بحقوقهم المشروعة في الحياة الحرة الكريمة.

كان من بين تلك الأحداث التي تعاملت معها حكومة ارشد العمري بسياستها المعهودة والمتسمة بالعنف، المطالب السلمية التي تقدم بها عمال شركة نفط كركوك، والمتعلقة بتحسين احوالهم المعيشية، حيث كانوا قد تقدموا لشركة نفط كركوك بعدد من المطالب المعيشية على أمل أن تستجيب لها.

لكن الشركة تجاهلت تلك المطالب رغم كل التأكيدات والمذكرات المرفوعة لها، ولما يئس العمال من استجابة الشركة إلى مطالبهم  لجاءوا إلى الإضراب عن العمل في 3 تموز 1946 حتى تستجيب الشركة لمطالبهم التي تضمنت زيادة الأجور، وتهيئة دور سكن لعوائلهم، أو منحهم بدل إيجارالدار، وتخصيص سيارات لنقلهم إلى مقر عملهم في الشركة، ومنحهم إكرامية الحرب أسوة بعمال النفط في حيفا وعبدان، وأخيراً تطبيق قانون العمال الذي شرعته الدولة.

لكن حكومة ارشد العمري بدلاً من أن تقف إلى جانب العمال ومطالبهم المشروعة  لجأت إلى ممارسة كل وسائل الضغط والإرهاب لإجبارهم  على العودة إلى أعمالهم متجاهلة كل مطالبهم، غير أنها لم تفلح في ثنيهم عن مواقفهم، وإصرارهم على الاستمرار في إضرابهم حتى تلبي الشركة مطالبهم العادل
 وفي 7 تموز1946حضر وزير الاقتصاد السيد [بابا علي الشيخ محمود]إلى كركوك في محاولة للضغط على العمال المضربين بغية إنهاء إضرابهم، ولما فشل في إقناعهم عاد إلى استخدام أساليب التهديد والوعيد، وقد قابله العمال المضربون بتجمع جماهيري واسع في حديقة { كاور باغي }، حيث ألقيت خلال ذلك التجمع الكلمات التي عبرت عن حقوق العمال المشروعة، وإصرارهم على تحقيق مطالبهم العادلة.
لكن الحكومة كانت قد عقدت العزم على إنهاء الإضراب بالقوة، حيث أعدت لهم مذبحة شنعاء.  فقد أحاطت بهم قوات من الشرطة تتألف من فوجين، وبدأت بإطلاق النار على التجمع لتفريقه، وأدى ذلك العمل الإجرامي إلى استشهاد 16 عاملاً، فيما جرح أكثر من 30 عاملا آخر.

لقد تحدث القاضي السيد [جهاد الونداوي]عن تلك المجزرة التي ارتكبتها الحكومة بكل وحشية في تقرير له عن الجريمة قائلاً:
{لقد قتلت الشرطة 16 عاملا، أما الذين جرحوا فقد كانوا أكثر من 30 فرداً، أمتنع معظمهم عن مراجعة المستشفى خوفاً من السجن، وأن أحد مفوضي الشرطة قطع إصبع أحد العمال القتلى للاستيلاء على خاتمه!!.
 كما أن الشرطة فاجأت المضربين بإطلاق النار عليهم في وقت كانوا هم وذويهم بانتظار عودة ممثليهم الذين كانوا يفاوضون المسؤولين، وقد استمر إطلاق النار على المضربين زهاء ساعتين على الرغم من أنهم كانوا يهربون من وجه الشرطة}.
 
كما حاول رئيس المحاكم السيد [عبد القادر جميل] التدخل لتشخيص الجريمة وتحديد المسؤولية، لكن الإدارة والوزارة عارضته. ولم تكتفِ الحكومة بتلك الإجراءات الوحشية بل سارعت إلى إنزال قوات الجيش إلى شوارع كركوك بدباباتها ومدرعاتها، وأصدرت أمراً بمنع التجول في المدينة خوفاً من ردة فعل الشعب على تلك الجريمة النكراء، وهكذا لطخت حكومة أرشد العمري أيديها، مرة أخرى بدماء عمال نفط كركوك، وأضافت جريمة أخرى إلى جرائمها السابقة بحق الشعب.
لقد أشعلت [ مذبحة كاور باغي ] معركة الشعب وقواه السياسية الوطنية ضد الحكومة، واستنكرت الأحزاب تلك الجريمة المروعة، وأدانت الحكومة وحملتها مسؤولية ما حدث، وطالبت بمعاقبة المسؤولين عن المذبحة.

ونظراً للهياج الذي أحدثته تلك المذبحة لدى الشعب العراقي، ونظراً لإصرار الأحزاب الوطنية على إجراء تحقيق عن المجزرة، ومحاكمة المسؤولين عنها اضطرت الحكومة إلى الإعلان عن إجراء التحقيق، وكلفت نائب رئيس محكمة الاستئناف في بغداد السيد [احمد الطه] في 15 تموز بالسفر إلى كركوك، وإجراء التحقيقات اللازمة في وقائع المذبحة، وقد قام السيد احمد الطه بالمهمة، وقدم تقريره إلى وزارة العدل، وكان أهم ما جاء في التقرير ما يأتي:
1 ـ إن عمل المضربين كان سلبيا وليس إيجابيا، ( أي لم يبادروا بالعنف)
2 ـ لم يكن من اجتماعهم هذا ما يخشى منه على الأمن.
3 ـ إن الشرطة نفسها كانت تعلم بهم قبل الحادث وكانت تراقبهم، ولم يزيدوا في اليوم الأخير الذي وقع فيه الحادث في عملهم شيئاً.
4 ـ إن المجتمعين جميعا كانوا عزلاً من السلاح.
5 ـ إن كل ما قاموا به أن البعض منهم رجم الشرطة بالحجارة بعد أن ضربتهم
بالعصي، وأطلقت النار عليهم وفرقتهم.
6 ـ إن معظم القتلى والجرحى أصيبوا بعد أن أدبروا،( أي أصيبوا من الخلف) .
7ـ إن الشرطة تجاوزت في عملها حد المعقول في أمر تشتيت المجتمعين.
8 ـ إن الإدارة أوقفت أشخاصا ليس لهم يد في التحريض على نفس الحادث.

لقد اتهم التقرير كل من متصرف كركوك [حسن فهمي] ومدير الشرطة [عبد الرزاق فتاح] بإعطاء الأوامر، واعتُبر ضابط الشرطة [سعيد عبد الغني] المسؤول المباشر عن المجزرة.

ورغم أن الحكومة أعلنت تحت ضغط الرأي العام العراقي، والأحزاب السياسية الوطنية عن تقديم المسؤولين عن المجزرة للمحكمة، إلا أن الحكومة لم تكن جادة في ذلك، بل أرادت امتصاص غضب الشعب وثورته، وتهدئة الأوضاع.

 فلم تكن المحاكمة سوى مهزلة، حيث جرت محاكمة المتهمين الرئيسيين الثلاثة في محكمة جزاء كركوك، والتي أصدرت قرارها ببراءتهم، وأطلقت سراحهم، مما دفع بوزير الداخلية [عبد الله القصاب] إلى تقديم استقالته من الحكومة في 17 آب 1946، وقد أكد الوزير القصاب للسيد عبد الرزاق الحسني، مؤلف تاريخ الوزارات العراقية، بعد قيام ثورة 14 تموز وسقوط النظام الملكي، أن السفارة البريطانية هي التي أمرت الحكومة بعدم إدانة المتهمين، بل وزادت في ذلك فطلبت عدم سحب المتهمين من وظائفهم في كركوك، أو نقلهم إلى أي مكان آخر، وطلبت كذلك عدم منح أي تعويض لذوي الشهداء والجرحى، بعد أن كانت الحكومة قد قررت ذلك من قبل ، وقد تراجعت الحكومة عن قرارها إذعاناً لطلب السفارة البريطانية.

كانت ردة الفعل على تلك المجزرة الرهيبة، وعلى سياسة حكومة أرشد العمري المعادية للشعب وحقوقه المشروعة شديدةً جداً تتناسب وتلك الجريمة النكراء، فقد أخذت الأحزاب تهاجم الحكومة بعنف عبر صحافتها فاضحة إجراءاتها المعادية لمصالح الشعب والوطن، وتدعوا الجماهير الشعبية للتظاهر ضدها، ودعت إلى إسقاطها.
وقد ردت الحكومة بتعطيل معظم الصحف، وخاصة الصحف الحزبية، وساقت مدرائها المسؤولين ومحرريها إلى المحاكم  بتهمة التحريض ضد السلطة، وكانت تعيد الكرة بعد كل محاكمة لتوجه اتهامات جديدة وتجري المحاكمات الجديدة لهم، وزجت بالعديد منهم في السجن.

وبسبب تلك الإجراءات اللادستورية دعت الأحزاب الوطنية الثلاثة، حزب الاتحاد الوطني، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الشعب، في 30 آب 1946 إلى عقد اجتماع عام حضره جمع غفير من أبناء الشعب جاوز 5000 مواطن، حيث ألقيت الخطب المنددة بالحكومة، والمعبرة عن سخط الشعب وقواه السياسية الوطنية من سياستها، والجرائم التي اقترفتها بحق الشعب، وسلبها لحقوقه الدستورية، وتجاوزها على الأحزاب وصحافتها.

وفي ختام الاجتماع تم الاتفاق على رفع مذكرة احتجاج شديدة اللهجة إلى الحكومة والى الوصي على العرش [عبد الإله]،وقد جاء في المذكرة:
{إن الجموع الغفيرة المجتمعة بدعوة من حزب الاتحاد الوطني والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الشعب، لمناقشة الموقف السياسي الراهن هالها موقف الوزارة الحاضرة بمكافحة الأحزاب السياسية، ومحاولة شل نشاطها، وغلق صحفها، وإحالة رؤساء تحريرها إلى المحاكم، وسجن بعض أعضاء هذه الأحزاب لمجرد إبداء آرائهم في السياسة العامة، وهو حق من حقوق كل مواطن في بلد له دستور يحترم حرية الرأي، ويأخذ بنظام الحكم الديمقراطي.
غير أن الوزارة الحاضرة تجنبت الحكم الديمقراطي، واتجهت بحكم البلاد اتجاهاً استبدادياً مخالفا لأحكام القانون الأساسي، وهي تتعمد إهماله ولا تحترم ما فيه من نصوص عن حقوق الشعب وحرياته الديمقراطية، وقد وقع في عهدها من الأحداث الجسام ما روع العراقيين كافة، وما أنذرهم به من خطر جسيم يهدد كيان الشعب ومستقبله، وما أصبح معه العراقيون غير آمنين ولا مطمئنين على حقوقهم وحرياتهم  بل وحياتهم.
بالإضافة إلى ذلك لم تستطع أن تصون سيادة العراق وكيانه الدولي، ففي عهدها نزلت القوات البريطانية في البصرة، في الوقت الذي يطالب به الشعب العراقي بالجلاء، ولم تستطع الوقوف الموقف الصحيح لمعالجة مشكلة خطيرة تتعلق بكيان الشعب العربي الفلسطيني، بل بكيان ومصالح البلاد العربية كافة، وذلك بعرض القضية على مجلس الأمن الدولي، وهو مطلب الشعب العربي الفلسطيني، والشعوب العربية بصورة عامة، فهي بأعمالها التي أفصحت عن استهانتها بحقوق الشعب وحرياته، وقانونه الأساسي[ الدستور] غير جديرة بتحمل مسؤولية الحكم، ولا بالإطلاع بالمهمة التي أعلنت أنها تتولى الحكم لإتمامها، وهي مهمة انتقالية حيادية تتلخص بإجراء انتخابات حرة لمجلس جديد. فنحن نطالب بتنحي هذه الوزارة، وإقامة وزارة دستورية يرتضي الشعب سياستها}.
ونتيجة للضغوط التي تعرضت لها حكومة العمري اضطرت الوزارة إلى تقديم استقالتها في 16 تشرين الأول 1946، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم، ودون أن تستطيع إجراء الانتخابات العامة.

               

26
من ذاكرة التاريخ
انقلاب رشيد عالي الكيلاني
 والعقداء الأربعة
الحلقة الثانية والاخيرة
حامد الحمداني                                                                4/10/2018

حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة الانقلابية:
بدا الوضع السياسي بعد تشكيل حكومة الهاشمي يميل نوعاً ما إلى الهدوء بعد تلك العاصفة التي حدثت بين الكيلاني والوصي، لكن النار كانت لا تزال تحت الرماد، فقد كان عنصر الثقة بين الوصي والهاشمي شبه مفقوداً، كما كانت الثقة بين الكيلاني ومن ورائه العقداء الأربعة المسيطرين على الجيش وبين الوصي قد تلاشت، وكان الوصي ومن ورائه السفارة البريطانية يعمل في الخفاء من أجل تشتيت شمل قادة الجيش تمهيداً للتخلص منهم، ومن الكيلاني.

 ومارست السفارة البريطانية ضغوطها على رئيس الوزراء من أجل إبعاد العقداء الأربعة عن أي تأثير سياسي في البلاد، كما ضغطوا على الهاشمي لقطع العلاقات مع إيطاليا، وكان الهاشمي يخشى رد فعل الشعب إن هو فعل ذلك، ونتيجة لتلك الضغوط أقدم الهاشمي بصفته وزيراً للدفاع وكالة، بتاريخ 26 آذار 1941 على نقل العقيد[ كامل شبيب ]إلى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية، ليحل مكانه صديق الوصي، والذي أواه في الديوانية، اللواء الركن [ ابراهيم الراوي]، كما أصدر قراراً آخر بنقل مقر قيادة الفرقة الثالثة التي يقودها العقيد [صلاح الدين الصباغ ] من بغداد إلى جلولاء.

كانت تلك الإجراءات التي اتخذها الهاشمي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقول المثل، فلم يكد يبلغ القرار لقادة الجيش حتى قرروا على الفور التصدي له ورفضه، واتخاذ التدابير السريعة  والضرورية لحل الأزمة بصورة جذرية.

ففي مساء يوم 1 نيسان 1941، أنذر العقداء الأربعة قطعات الجيش في بغداد، وتم إبلاغها بما ينوون القيام به، حتى إذا انتصف الليل نزلت القوات العسكرية لتحتل المراكز الهامة والحساسة في بغداد كدوائر البرق والبريد والهاتف، والجسور ومداخل الطرق الرئيسية، وجميع المرافق العامة في بغداد وتوجه العقيد [ فهمي سعيد]، وبرفقته وكيل رئيس أركان الجيش [ محمد أمين زكي ] إلى دار رئيس الوزراء [ طه الهاشمي ] وأجبروه على الاستقالة، واضطر الهاشمي إلى تحرير كتاب استقالة حكومته إلى الوصي، وسلمها لهما، حرصاً على عدم إراقة الدماء  .(1)

أما الوصي فقد أيقضه الخدم من النوم، وأبلغوه أن هناك أوضاع غير طبيعية في منطقة القصر، وأن الجيش متواجد في المنطقة، فما كان من الوصي إلا أن صمم على الهرب مرة أخرى، واستطاع الإفلات من قبضة الجيش، ولجأ إلى السفارة الأمريكية، بعد أن تعذر عليه الوصول إلى السفارة البريطانية، وقامت السفارة الأمريكية بنقله إلى قاعدة الحبانية، ومن هناك تم نقله على متن طائرة حربية بريطانية إلى البصرة، حيث نقل إلى الدارعة الحربية البريطانية [ كوك شبير] الراسية قرب البصرة، وكان برفقته كل من [علي جودت الأيوبي] ومرافقه العسكري[عبيد عبد الله المضايفي] ثم لحق بهم [جميل المدفعي] وحاولت السفارة البريطانية الاتصال بأعضاء وزارة طه الهاشمي في محاولة لنقلهم إلى البصرة للالتحاق بالوصي، لكن العقداء الأربعة حالوا دون خروجهم .

كما نصبت القوات البريطانية للوصي إذاعة لاسلكية حيث قام بتوجيه خطاب إلى الشعب في الرابع من نيسان، وقامت الإذاعة البريطانية في لندن بإعادة إذاعة الخطاب مرة أخرى، وقد هاجم الوصي في خطابه الكيلاني والعقداء الأربعة، واتهمهم بالاعتداء على الدستور، والخروج على النظام العام واغتصاب السلطة.
كما أخذ الوصي يحرض قائد الفرقة الرابعة في الديوانية [إبراهيم الراوي]، وقائد حامية البصرة العقيد [رشيد جودت] وعدد من شيوخ العشائر الموالين للبلاط والإنكليز  للتمرد على الكيلاني وقادة الجيش، والزحف على بغداد، لكن الراوي وجودت رفضا السير مع الوصي بهذا الطريق الذي لو تم لوقعت حرب أهلية لا أحد يعرف مداها.

تشكيل مجلس الدفاع الوطني:
بادر العقداء الأربعة بعد هروب الوصي إلى تشكيل مجلس الدفاع الوطني، وتم اختيار[ رشيد عالي الكيلاني ] رئيساً للمجلس ليقوم مقام مجلس الوزراء.
وفي أول اجتماع لمجلس الدفاع الوطني قرر المجلس إرسال مذكرة إلى الحكومة البريطانية تحذرها من التدخل في شؤون العراق الداخلية، وتقديم الدعم والمساندة للوصي عبد الإله، كما قرر المجلس إرسال قوات عسكرية إلى البصرة لمنع أي تحرك ضد مجلس الدفاع الوطني، وتم اعتقال متصرف البصرة [صالح جبر] الذي قطع صلاته ببغداد تضامناً مع الوصي، وتم تسفيره إلى بغداد.

عزل عبد الإله وتعين شريف شرف وصياً على العرش:
 رداً على تحركات الوصي الرامية إلى إسقاط حكومة الدفاع الوطني، وهروبه من العاصمة، وتعاونه مع المحتلين البريطانيين في هذا السبيل، فقد وجهت حكومة الدفاع الوطني إنذاراً له بالعودة إلى بغداد فوراً وإلا فإنها ستضطر إلى عزله من الوصاية، وتعين وصي جديد على العرش بدلا منه.
 ولما لم يستجب عبد الإله إلى الإنذار قررت حكومة الدفاع الوطني  عزله من الوصاية، وتعين [الشريف شرف] وصياً على العرش بدلاً عنه، وقد صادق البرلمان على هذا الإجراء في جلسته المنعقدة في 16 نيسان 1941 .


الكيلاني يشكل حكومة مدنية جديدة:
بعد أن تم تعين [الشريف شرف] وصياً على العرش، قدم مجلس الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني استقالته إلى الوصي الجديد شريف شرففي 12 نيسان 1941 لغرض تشكيل حكومة مدنية جديدة، وقد كلف الوصي الجديد شريف شرف السيد الكيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة في اليوم نفسه، وتم تشكيل الوزارة على الوجه التالي :
1 ـ رشيد عالي الكيلاني ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية .
2ـ ناجي السويدي ـ وزيراً للمالية .
3 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للدفاع .
4 ـ موسى الشابندر ـ وزيراً للخارجية .
5 ـ رؤوف البحراني ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية.
6 ـ علي محمود الشيخ علي ـ وزيراً للعدلية.
7ـ يونس السبعاوي ـ وزيراً للاقتصاد.
8 ـ محمد علي محمود ـ وزيراً للأشغال والمواصلات.
9 ـ محمد حسن سلمان ـ وزيراً للمعارف.
وفور تشكيل الوزارة أعلن الكيلاني عن عزم الحكومة على عدم توريط العراق في الحرب، مع الالتزام بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، والتمسك بالتعهدات الدولية. وقد لاقت حكومة الكيلاني تأييداً كاسحاً من أبناء الشعب الحانقين على الاستعمار البريطاني وعملائه.

القوات البريطانية تسقط حكومة الكيلاني، وتعيد عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد:
تسارعت التطورات في البلاد بعد أحكام سيطرة رشيد علي الكيلاني والعقداء الأربعة على مقاليد الحكم، ولاسيما وأن الحركة قد لاقت تأييداً واسعاً من أبناء الشعب عامة، والذين كانوا يحدوهم الأمل في التخلص من الاستعمار البريطاني الذي أذاقهم الأمرّين، ولم يدركوا أن الأستعمار الألماني البديل أسوأ منه، وهكذا أصبحت الأمور صعبة للغاية بالنسبة لبريطانيا، وتنذر بمخاطر كبيرة، وبناء على ذلك طّير السفير البريطاني [كورنوليس] برقية إلى المستر تشرشل ـ رئيس الوزراء ـ جاء فيها :
{ إما أن ترسلوا جيشاً كافيا إلى العراق أو انتظروا لتروا البلاد في أيدي الألمان} .
فلما اطلع تشرشل البرقية أسرع بالإبراق إلى وزير الهند لإرسال قوات عسكرية، وإنزالها في البصرة على عجل
. (2)
كانت الحكومة البريطانية قد أبلغت العراق قبل وقوع الانقلاب أنها عازمة على إنزال قوات في البصرة لنقلها عبر العراق إلى حيفا في فلسطين حيث تقتضي ضرورات الحرب، وبموجب المعاهدة العراقية البريطانية يحق لبريطانيا ذلك، بعد إبلاغ ملك العراق بذلك، ولذلك فقد اتصل القنصل العام البريطاني في البصرة بوكيل المتصرف يوم 10 نيسان، وأبلغه أن فرقة من الجيش الهندي على ظهر ثلاث بواخر حربية، وبحراسة طرادين حربيين وثلاث طائرات سوف تدخل المياه الإقليمية العراقية خلال 48 ساعة، وطلب منه إبلاغ حكومته بذلك للموافقة على نزول تلك القوات في البصرة. كما قام مستشار وزارة الداخلية [ادمونس ] في بغداد بزيارة رئيس الوزراء، الكيلاني، وابلغه بنفس الأمر. (3)

وعلى الفور أجتمع مجلس الوزراء وبحث الأمر، وبعد مناقشة مستفيضة اتخذ قرارا بالسماح للقوات البريطانية بالنزول، وفق الشروط التي اتفق عليها في 21 حزيران 1940، والتي نصت على نزول القوات لواء بعد لواء، على أن يبقى اللواء مدة معقولة، وهو في طريقه إلى فلسطين، ثم يليه نزول اللواء التالي، بعد أن يكون اللواء السابق قد غادر الأراضي العراقية، وعلى الحكومة البريطانية ابلاغ
 الحكومة العراقية بعدد القوات المراد إنزالها. (4)

كما قررت الحكومة العراقية إيفاد اللواء الركن [ إبراهيم الراوي ] إلى البصرة لاستقبال  القوات البريطانية، كبادرة حسن نية من الحكومة، لكن بريطانيا كانت  قد قررت غزو العراق، وإسقاط حكومة الكيلاني بالقوة، وإعادة عبد الإله وصياً على عرش العراق، وكانت تعليمات القيادة البريطانية تقضي باحتلال [منطقة الشعيبة] في البصرة، واتخاذها رأس جسر لإنزال قواتها هناك، والانطلاق بعد ذلك إلى بغداد .
وفي يومي 17  و 18 نيسان 1941 نزلت القوات البريطانية في البصرة، وعلى الفور أبرق رئيس الوزراء البريطاني تشرشل إلى الجنرال [ايمسي] في رئاسة الأركان البريطانية، يأمره بالإسراع بإنزال 3 ألوية عسكرية في البصرة، وقد بدا واضحاً من تصرف تلك القوات أنها لن تغادر العراق، كما هو متفق عليه، بل لتبقى هناك حيث قامت بحفر الخنادق وإقامة الاستحكامات، وترتيب بقائها لمدة طويلة،
وفي 28 نيسان 1941 أبلغ مستشار السفارة البريطانية في بغداد وزارة الخارجية العراقية بنية بريطانيا إنزال  قوة أخرى قوامها 3500 جندي وضابط، في 29 نيسان، وقبل رحيل القوات التي نزلت في البصرة قبلها
.
وعند ذلك أدركت حكومة الكيلاني أن بريطانيا تضمر للعراق شراً، وأنها لا تنوي إخراج قواتها كما جرى عليه الاتفاق من قبل، بل لتستخدمها لاحتلال العراق من جديد، وعليه اتخذت قرارها بعدم السماح لنزول قوات بريطانية جديدة في البصرة قبل مغادرة القوات التي وصلت  إليها من قبل.
 كما طلبت الحكومة العراقية من السفير البريطاني تقديم أوراق اعتماد حكومته كدليل على اعتراف بريطانيا بالوضع الجديد في العراق.(5)
وفي الوقت نفسه قررت الحكومة العراقية القيام بإجراءات عسكرية احترازية لحماية العراق، وأصدرت بياناً إلى الشعب بهذا الخصوص، وقد أشار البيان إلى إخلال بريطانيا بنصوص معاهدة التحالف، وأن الحكومة قد قدمت احتجاجاً رسميا إلى الحكومة البريطانية، كما أشار البيان إلى عزم الحكومة على التمسك بحقوق العراق وسيادته واستقلاله.
لكن الحكومة البريطانية تجاهلت مواقف الحكومة العراقية واحتجاجاتها، وأنزلت قوات جديدة في البصرة  في 30 نيسان، وحاولت تلك القوات قطع الطريق على القوات العراقية المتواجدة هناك، لكن القوات العراقية استطاعت الانسحاب إلى المسيب، مقرها الدائم، وكررت الحكومة احتجاجها على تصرفات القوات البريطانية، لكن الحكومة البريطانية تجاهلت ذلك الاحتجاج، وأقدمت على ترحيل الرعايا البريطانيين من الموظفين، وأصحاب الشركات، والعاملين فيها، كما أوعزت لهم بتهريب موجودات البنوك من العملات.
وهكذا أيقنت الحكومة أن الصِدام بين الجيشين العراقي والبريطاني أمر حتمي، وقررت اتخاذ عدد من الإجراءات العسكرية لحماية بغداد. فقد أرسلت عدداً من قطعاتها العسكرية إلى المنطقة القريبة من [الحبانية] حيث توجد قاعدة جوية بريطانية كبيرة، لكن ثلاث أسراب من الطائرات البريطانية قامت على الفور بقصف تلك القوات المتمركزة في [سن الذبان] بجوار بحيرة الحبانية وذلك صباح يوم الجمعة المصادف 2 أيار 1941، وبذلك اشتعلت الحرب بين العراق وبريطانيا، وقام على الأثر السفير البريطاني بإصدار بيان موجه إلى الشعب العراقي كان قد أعده سلفاً، هاجم فيه بشدة حكومة الكيلاني، واتهمها بشتى التهم، وبذلك كشف البيان عن جوهر السياسة البريطانية وأهدافها الاستعمارية العدوانية تجاه العراق .
وفي اليوم نفسه قدم السفير البريطاني إنذاراً للحكومة العراقية بسحب قواتها من أطراف الحبانية، وهدد باتخاذ أشد الإجراءات العسكرية ضدها. وعلى اثر تلك التطورات والأحداث المتسارعة أجتمع مجلس الوزراء، واتخذ قرارات هامة للدفاع عن العراق، وكان منها:
1ـ إعادة العلاقات مع ألمانيا، والطلب بإرسال ممثلها السياسي على الفور، وطلب المساعدة منها.
2 ـ إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي فوراً.
 3ـ نشر بيان صادر من رئيس الوزراء حول العدوان البريطاني على القوات العراقية.
4 ـ إرسال احتجاج إلى الحكومة البريطانية على تصرفاتها تجاه العراق .(6)

وعلى الأثر قام الوزير العراقي المفوض في تركيا بمقابلة السفير الألماني [فون بابن] وطلب منه تقديم كل مساعدة ممكنة للصمود بوجه القوات البريطانية، وقد أبلغه السفير الألماني أن تقديم المساعدة يتطلب مدة من الزمن، وسأله كم من الزمن تستطيع القوات العراقية الصمود أمام القوات البريطانية، وأخيراً تم الاتفاق على إرسال عدد من الأسراب من الطائرات الحربية الألمانية للدفاع عن مدن العراق التي أخذت تتعرض لقصف الطائرات البريطانية، ريثما يتمكن الألمان من تقديم مساعدة فعالة للحكومة العراقية .(7)
وفي الوقت نفسه غادر الدكتور [كروبا] سفير ألمانيا السابق في العراق متوجهاً إلى بغداد لفتح السفارة الألمانية، حيث وصلها في 18 أيار، وبصحبته 5 طائرات حربية، وبعثة عسكرية جوية برئاسة الفيلد مارشال [ فون بلومبرج ]. لكن المارشال الألماني أصيب قبل هبوط طائرته في مطار بغداد بصلية من الطائرات البريطانية، وقتل قبل نزوله في بغداد وذلك خلال اشتباك جوي مع الطائرات البريطانية.(8)
وفي الوقت نفسه تلقى العراق كميات من الأسلحة عن طريق سوريا ، حيث كانت ألمانيا وإيطاليا قد استولت على تلك الأسلحة بعد انهيار فرنسا.

 فقد حصل العراق على 15 ألف بندقية ، و354 مسدساً و5 ملايين خرطوشة مدافع رشاشة ، و9999 قنبلة عيار 75 ملم ، و 6000 قنبلة عيار 155 ملم و30 ألف قنبلة يدوية، و 6000 قنبلة زمنية، وغيرها من الأجهزة العسكرية والمتفجرات وأجهزة الاتصال اللاسلكية وغيرها .( 9 ) 

ورداً على سحب موجودات البنوك ، أعلن الكيلاني انسحاب العراق من منطقة الإسترليني، وحاول تغير العملة بالتعاون مع المانيا لكن الزمن لم يمهله لتنفيذ ذلك، فقد تصاعدت الأزمة بعد أن فتحت القوات البريطانية النار على القوات العراقية المتواجدة في البصرة، واستطاع الفوج العراقي الموجود هناك الانسحاب من المنطقة في 2 أيار 1941 .
أدى تصرف القوات البريطاني إلى هياج عام في صفوف الشعب العراقي، وتوالت فتاوى رجال الدين تدعو للجهاد ضد المحتلين البريطانيين، وكان على رأسهم المرجع الديني الأكبر لطائفة الشيعة [أبو الحسن الموسوي الأصفهاني]، والإمام [ محمد حسين آل كاشف الغطاء ] اللذان دعيا الشعب العراقي للجهاد ضد المحتلين البريطانيين. كما ناصرت الشعوب العربية الشعب العراقي في كفاحه ضد الاستعمار البريطاني.
القوات البريطانية تحتل العشار:
بعد أن عززت القوات البريطانية وجودها في البصرة بدأت بالزحف بقواتها الآلية نحو العشار فجر يوم الأربعاء  المصادف 7 أيار  1941، وتمكنت من احتلال جميع المرافق الحساسة، والجسور بعد معارك دامية مع الأهالي سقط خلالها عدد كبير من الشهداء والجرحى في معركة غير متكافئة مع جيش كبير ومنظم، وقيل أن اليهود قدموا مساعدات كبيرة لقوات الاحتلال التي أخذت تتصرف وكأنها سلطة حكومية في منطقة [العشار]، وصار مدير جمعية التمور الميجر [ لويد ] يتصرف وكأنه حاكم عسكري، حيث أصدر أمراً بمنع حمل السلاح، ومنع الاستماع إلى الإذاعات المعادية لبريطانيا، ومنع التجول، وغيرها من القرارات. وعلى أثر ذلك أمرت الحكومة موظفيها في البصرة بالانسحاب والعودة إلى بغداد.

 كما قررت الحكومة في 9 أيار إنهاء خدمات الضباط البريطانيين في الجيش  العراقي  وفي 11 منه قررت الاستغناء عن خدمات جميع الموظفين والمستخدمين البريطانيين، كما قررت في  13 أيار تخويل رئيس الوزراء صلاحية عقد اتفاقات لشراء الأسلحة من الدول الأجنبية.

القوات البريطانية تحتل الفلوجة:
استمرت المعارك مع القوات البريطانية حول الحبانية لكنها لم تكن متكافئة على الإطلاق، ففي الوقت الذي كان الجيش العراقي يمتلك الإرادة الشجاعة للدفاع عن الوطن، كان يعوزه السلاح والعتاد، في حين كانت القوات البريطانية تمتلك كل أنواع الأسلحة والطائرات، والخبرة القتالية، فقد أخذت الطائرات البريطانية تقصف القطعات العسكرية العراقية حول [ سن الذبان ] منذ صباح يوم 2 أيار.
كما أرسلت القيادة البريطانية في فلسطين قوة عسكرية أخرى تتألف من لواء خيالة وعدة كتائب مختلفة مجهزة بالآليات والمدفعية، مع قوة أخرى من رجال الفرقة العربية التي كان يقودها  القائد البريطاني [كلوب باشا] في شرق الأردن .
وفي 19 أيار بدأ الجيش البريطاني هجوماً واسعاً تحت غطاء جوي كثيف من الطائرات الحربية ضد الجيش العراقي، وخاض الطرفان معركة غير متكافئة استطاعت خلالها القوات البريطانية دحر القوات العراقية، وأسرت 320 جندياً و23 ضابطاً، وانسحبت بقية القوات باتجاه بغداد، وبذلك استطاعت القوات البريطانية احتلال [الفلوجة]الواقعة على مقربة من بغداد في 20 أيار 1941.
وفي اليوم التالي شنت القوات العراقية هجوماً معاكساً في محاولة لاستعادة الفلوجة، وكانت تلك القوات تتألف من فوجين، ومعززة بثمانية دبابات لكنها فشلت في هجومها بعد أن استشهد  273  جنديا و11 ضابطاً، وتدمير 7 دبابات. (10)

القوات البريطانية تزحف نحو بغداد، وهروب الكيلاني وقادة جيشه:
بعد اندحار القوات العراقية في معركة الفلوجة، بدأت الحكومة تنظيم دفاعاتها حول بغداد، حيث أصبحت القوات البريطانية على بعد 60 كيلومترا من العاصمة، لكن القوات البريطانية عاجلتها بهجوم كبير على ثلاثة محاور منطلقةً من الفلوجة يوم 27 أيار، وكان المحور الأول كان عن طريق [جسر الخر ] و المحور الثاني عن طريق الشاطئ الأيسر لنهر الفرات نحو [ أبو غريب]، أما المحور الثالث فكان عن طريق [سن الذبان ـ سامراء ـ التاجي ] . (11)

مهدت القوات البريطانية هجومها بقصف مركز بالطائرات على مدينة بغداد لأحداث أكبر تأثير نفسي على قوات الجيش العراقي والحكومة وأبناء الشعب، وبدا في تلك الساعات أن الأمر قد أفلت من أيدي الكيلاني والعقداء الأربعة، حيث أصبح احتلال بغداد مسألة وقت لا غير، ولذلك فقد قرر[ الكيلاني] وقادة جيشه [العقداء الأربعة] الهروب ومغادرة بغداد، والنجاة بأرواحهم، تاركين البلاد والشعب تحت رحمة المحتلين، حيث رحل العقداء الأربعة  إلى إيران مساء يوم 29 أيار 1941، ثم تبعهم رشيد عالي الكيلاني، وأمين الحسيني، وشريف شرف، ومحمد أمين زكي، ويونس السبعاوي.

وفور مغادرة قادة حركة أيار، تشكلت في العاصمة بغداد لجنة برئاسة أمينها [ارشد العمري] دعيت  [لجنة الأمن الداخلي]، وضمت اللجنة متصرف بغداد، ومدير الشرطة العام، وممثل الجيش الزعيم الركن [ حميد نصرت ] .(12)

 بدأت اللجنة مفاوضات مع السفارة البريطانية في بغداد على شروط وقف إطلاق النار وإعلان الهدنة تمهيداً لدخول القوات البريطانية إلى بغداد، وعودة الأمير عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد.
وفي 30 أيار توقف القتال بصورة نهائية، وعاد الوصي إلى بغداد في 1 حزيران 1941 تحت حراب المحتلين البريطانيين، وكان برفقته كل من نوري السعيد، وعلي جودت الايوبي، وداؤد الحيدري، وهكذا تخلص البريطانيون وعبد الإله من العقداء الأربعة والكيلاني، الذين لعبوا دور كبيراً في الحياة السياسية في البلاد، وتم إحكام الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق من جديد. (13)

لم يهدأ لبريطانيا والوصي عبد الإله بال إلا بعد أن تم اعتقال العقداء الأربعة، فقد بدأت المخابرات البريطانية تتابعهم حتى تسنى لها القبض عليهم واعتقالهم في إيران، وجرى تسفيرهم إلى جنوب أفريقيا معتقلين، كما تم اعتقال وزير الاقتصاد يونس السبعاوي، و مدير الدعاية العام صديق شنشل، وتم إحالة العقداء الأربعة إلى المجلس العرفي العسكري، والذي سبق أن حكم عليهم بالإعدام .
كما حكم المجلس العرفي العسكري على يونس السبعاوي بالإعدام أيضاً، وعلى صديق شنشل بالسجن لمدة 5 سنوات .
في نهاية الحرب العراقية البريطانية، سلمت بريطانيا العقداء الأربعة للحكومة العراقية حيث جرى إعدامهم في 6 كانون الثاني 1942، بعد إعادة محاكمتهم بصورة صورية أمام المجلس العرفي العسكري الذي أصدر قرار الحكم خلال جلسة واحدة، وبذلك تخلص الوصي من نفوذهما إلى الأبد.

أما رشيد عالي الكيلاني،  فقد تمكن من الوصول إلى تركيا، واستطاع السفير الألماني [فون بابن] أن ينقله مع أمين الحسيني إلى ألمانيا، حيث مكث فيها إلى أن أوشكت الحرب على نهايتها، وبات اندحار ألمانيا أمر حتمي، حيث هرب إلى سويسرا ومنها إلى السعودية.
حاول عبد الإله مرارا استرداده من السعودية إلا أن السعوديون رفضوا ذلك، وبقي هناك عدة سنوات أنتقل بعدها إلى مصر بعد قيام ثورة 23 يوليو، وبقي هناك حتى قيام ثورة 14 تموز عام  1958، وسقوط النظام الملكي في العراق.

التوثيق :
  (1) تريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 77 - عبد الرزاق الحسني
  (2) المصدر السابق ـ ج5 ـ ص 78
 (3) المصدر السابق، الحسني ـ ج5 ـ ص 76 .
  (4) نفس المصدر ـ ص 79 .
  (5) نفس المصدر ـ ص  87 .
  (6) فرسان العروبة ـ صلاح الدين الصباغ ـ ص 87 .
  (7) يقظة العالم العربي ـ  جان وولف ـ ص 120 .
   (8) ثورة العراق ـ كارتاكوز ـ ص 32 .
  (9) حديث الدكتور صائب شوكت مع الحسني في 8 نيسان 1975
  (10) ت ن و ، ع ـ الحسني ـ ج5  ـ ص81
  (11) مذكرات طه الهاشمي ـ ص 241 .
 (12) علي الشرقي ـ كتاب الأحلام ـ ص 170
  (13) ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج 5 ـ 79


27
من ذاكرة التاريخ
أسرار انقلاب بكر صدقي
عام 1936
حامد الحمداني                                                               26/9/2018

نبذة عن حياة بكر صدقي :
ولد بكر صدقي عام 1866 من أبوين كرديين، في قرية [ عسكر ] قرب كركوك، درس في الأستانة، حيث دخل المدرسة الحربية، وتخرج منها ضابطا في الجيش العثماني، وشارك في الحرب العالمية الأولى في آخر سنيها، وبعد نهاية الحرب واندحار الإمبراطورية العثمانية انضم إلى الجيش العراقي الذي أسسه البريطانيون المحتلون في 6 كانون الثاني 1921 برتبة ملازم أول.

رغم كون بكر صدقي من أبوين كرديين، فقد كانت له ميول قومية عربية، ولذلك فقد تلقفه أنصار القومية العربية من طبقة الحكام العراقيين، وتدرج في رتبته العسكرية حتى وصل إلى رتبة فريق ركن، في عهد الملك غازي، واشتهر بالقسوة والعنف عندما قاد الجيش العراقي ضد ثورة الآشوريين عام 1933، على عهد وزارة رشيد عالي الكيلاني، ثم ضد الحركة البارزانية، وضد ثورة العشائر في منطقة الفرات الأوسط عام 1935، وتوطدت العلاقة بينه وبين وزير الداخلية آنذاك السيد [ حكمت سليمان ] الذي أحبه كثيراً.

 الأعداد للانقلاب:
في أواخر عهد وزارة ياسين الهاشمي الثانية، اشتد الصراع بين الوزارة والمعارضة التي عملت جاهدة لإسقاط الوزارة التي سعت للتمسك بالحكم بكل الوسائل والسبل، وفي تلك الأيام كان بكر صدقي الذي شغل منصب قائد الفرقة العسكرية الثانية يتردد باستمرار على دار قطب المعارضة المعروف [حكمت سليمان]، وكان الحديث يدور حول استئثار وزارة الهاشمي بالحكم رغم افتقادها للتأييد الشعبي، وحين ذلك الحين اختمرت في فكر بكر صدقي فكرة إسقاط وزارة الهاشمي بالقوة عن طريق القيام بانقلاب عسكري. (1)

كان بكر صدقي على علاقة وثيقة بالفريق [عبد اللطيف نوري] قائد الفرقة العسكرية الأولى، وقد عرض عليه بكر صدقي فكرة الانقلاب العسكري لإسقاط وزارة الهاشمي، وقد حبذ  الفكرة وتعهد على العمل معه جنباً إلى جنب، وبدأ الاثنان يهيأن لحركتهم، واستطاعوا أن يضموا إلى صفوفهم قائد القوة الجوية
 العقيد [محمد على جواد] .
سارت الأمور بتكتم شديد، مما تعذر على الاستخبارات العسكرية كشف الحركة قبل وقوعها، وجاء موعد مناورات الخريف للجيش عام 1936، ووجد بكر صدقي ضالته المنشودة بهذه الفرصة، فقد كانت خطة المناورات تقتضي  إجراءها فوق [جبال حمرين]، بين خانقين وبغداد، وكان المفروض أن تكون الفرقة الأولى بقيادة الفريق عبد اللطيف نوري في موضع الدفاع عن بغداد.

 وفي 29 تموز 1936 سافر رئيس أركان الجيش الفريق [ ياسين الهاشمي ] شقيق رئيس الوزراء في مهمة إلى خارج العراق، وأناب عنه الفريق [عبد اللطيف نوري]، مما سهل على الانقلابيين الأمور كثيراً.

كان موعد المناورات قد حُدد يوم 3 تشرين الثاني 1936 ولغاية 10 منه، ولذلك فقد قرر بكر صدقي تنفيذ الانقلاب خلال هذه المناورات، وجرى الاتفاق على نقل الفرقة الثانية من [قرة تبة] إلى[ قرغان ] ليلة الثلاثاء 26/ 27 تشرين الأول على أن يجري تسلل وحدات الفرقة ليلة الخميس 28 / 29 منه إلى [ بعقوبة ] التي تبعد حوالي 60 كم عن بغداد .
كما جرى الاتفاق على نقل الفرقة الأولى من [ بلدروز ] في لواء ديإلى فجر يوم  الخميس 29 منه ، لتلتحق بالفرقة الأولى في بعقوبة، وجرى نقل العتاد للمدفعية من قبل بعض الضباط المؤتمنين في السليمانية، وقد جرى كل ذلك بتكتم شديد بحيث لم تستطع الاستخبارات العسكرية اكتشاف التحرك.

وفي يوم الثلاثاء المصادف 27 تشرين الأول، جرى لقاء قبل تحرك القوات الانقلابية بين بكر صدقي وعبد اللطيف نوري، واتفقا على موعد تنفيذ الانقلاب وتفاصيل الخطة، وجرى الاتفاق على تسمية حركتهم [القوة الوطنية الإصلاحية] وطلبا من السيد [ كامل الجادرجي ] إعداد مذكرة إلى الملك غازي يطلبان فيها إقالة حكومة ياسين الهاشمي، وتكليف السيد [حكمت سليمان ] بتأليف الوزارة. كما تم إعداد بيان الانقلاب، وجرى إعداد عدد من الطائرات بقيادة قائد القوة الجوية العقيد[ محمد علي جواد]، وبذلك أصبح كل شيء جاهز للانقلاب. (2)
تنفيذ الانقلاب:
في ليلة الخميس المصادف 27 تشرين الأول 1936، زحفت قوات الجيش من قرغان وبلدروز إلى بعقوبة ووصلتها صباح اليوم التالي، حيث قامت بقطع خطوط الاتصال ببغداد، واستولت على دوائر البريد والتلفون، وعدد من المواقع الاستراتيجية في المدينة، ثم واصلت القوات زحفها نحو بغداد في تمام الساعة
السابعة والنصف صباحاً، بقيادة بكر صدقي .
وفي الساعة الثامنة والنصف من صباح ذلك اليوم، ظهرت في سماء بغداد 3 طائرات حربية يقودها العقيد محمد علي جواد، وألقت ألوف المنشورات التي احتوت على البيان الأول للانقلاب وجاء فيه: 
{ أيها الشعب العراقي الكريم:
 لقد نفذ صبر الجيش المؤلف من أبنائكم، من الحالة التي تعانونها من جراء اهتمام الحكومة الحاضرة بمصالحها وغاياتها الشخصية، دون أن تكترث لمصالحكم ورفاهكم، فطلبنا إلى صاحب الجلالة الملك غازي المعظم إقالة الوزارة القائمة، وتأليف وزارة من أبناء الشعب المخلصين، برئاسة السيد[حكمت سليمان] الذي طالما لهجت البلاد بذكره الحسن، ومواقفه المشرفة، وبما أنه ليس لنا قصد في هذا الطلب إلا تحقيق رفاهكم، وتعزيز كيان بلادكم، فلا شك في أنكم تعاضدون إخوانكم أفراد الجيش ورؤسائه في ذلك، وتؤيدونه بكل ما أوتيتم من قوة، وقوة الشعب هي القوة المعول عليها في الملمات.
وأنتم أيها الموظفون لسنا إلا إخوان وزملاء لكم  في خدمة الدولة التي نصبوا كلنا إلى جعلها دولة ساهرة على مصلحة البلاد وأهلها، عاملة على خدمة شعبكم قبل كل شيء، فلابد وأنكم ستقومون بما يفرضه عليكم الواجب الذي من أجله لجأنا إلى تقديم طلبنا إلى جلالة ملكنا المفدى لإنقاذ البلاد مما هو فيه، فتقاطعون الحكومة الجائرة وتتركون دواوينها، ريثما تؤلف الحكومة التي ستفخرون بخدمتها، إذ ربما يضطر الجيش، بكل أسف، لاتخاذ تدابير فعالة لا يمكن خلالها اجتناب الأضرار بمن لا يلبي هذه الدعوة المخلصة مادياً وأدبياً.(3)

                                                       قائد القوة الوطنية الإصلاحية
            الفريق بكر صدقي

وفي الوقت الذي كانت الطائرات تلقي بيان الانقلاب، استقل السيد حكمت سليمان سيارته وتوجه إلى قصر الزهور حاملاً إلى الملك المذكرة التي وقعها الفريقان بكر صدقي وعبد اللطيف نوري، والتي حددا فيها مهلة أمدها 3 ساعات للملك، لإقالة وزارة السيد ياسين الهاشمي حيث سلمها إلى رئيس الديوان الملكي [رستم حيدر] .(4)
وما أن بلغ نبأ الانقلاب ياسين الهاشمي حتى بادر إلى الاتصال ببكر صدقي الذي أبلغه خلال محادثته بالتلفون أن الملك غازي على علم بالانقلاب، ولم يكد ياسين الهاشمي ينهي المكالمة التلفونية مع بكر صدقي حتى سارع إلى التوجه إلى قصر الزهور لمقابلة الملك وتدارس الأمر معه.
سلم رستم حيدر المذكرة إلى الملك غازي، وكان يبدو على وجهه الذهول والاضطراب، وعلى الفور طلب الملك استدعاء كل من ياسين الهاشمي، وجعفر العسكري، وزير الدفاع، ونوري السعيد، وزير الخارجية، والسفير البريطاني، لتدارس الوضع.

 وتحدث السفير البريطاني مخاطباً الملك غازي وسأله إن كان على علم مسبق بالانقلاب فنفى الملك ذلك. وتحدث ياسين الهاشمي موجهاً سؤاله للملك فيما إذا كان لا يزال يثق بالوزارة فأن الوزارة مستعدة لمجابهة الانقلابيين وإلا فأنه سيقدم استقالة حكومته. (5)

أما نوري السعيد فقد دعا السفير البريطاني إلى التدخل العاجل لقمع الانقلاب، لكن السفير البريطاني أبلغه أن بريطانيا لا تود التدخل في الأمور الداخلية، وفي حقيقة الأمر أن بريطانيا كانت تريد التخلص من وزارة الهاشمي من جهة، وخوفها من حدوث مالا يحمد عقباه إذا ما حدث التدخل وفشل في قمع الانقلاب.

مضت الساعات الثلاث التي حددها الانقلابيون مهلة لاستقالة الوزارة، وتشكيل وزارة جديدة برئاسة حكمت سليمان، ولما لم يتم ذلك بادرت الطائرات في الساعة الحادية عشرة والنصف من صباح ذلك اليوم بإلقاء القنابل على مقر مجلس الوزراء، ووزارة الداخلية، ودائرة البريد القريبة من مسكن ياسين الهاشمي ودار البرلمان، حيث قتل جراء القصف 7 أشخاص، وأصابت العديد  بجروح، واضطرت الحكومة إلى تقديم استقالتها إلى الملك في 29 تشرين الأول 1936 وتم قبول الاستقالة، وسارع الملك غازي إلى الطلب من  السيد حكمت سليمان  بتأليف الوزارة الجديدة، بناء على طلب الانقلابيين لكن حكمت سليمان طلب من الملك أن يوجه له تكليفاً خطياً لكي يشكل الوزارة. (6)

وفي الوقت الذي قدمت الحكومة استقالتها إلى الملك، فأنها عملت على إفشال الانقلاب. فقد بعث جعفر العسكري إلى عدد من قواد الجيش داعياً إياهم للتحرك لحماية بغداد إلا أن تلك الرسائل لم تستطيع أن تفعل شيئا.
وحاول جعفر العسكري وقف زحف قوات الانقلابيين نحو بغداد فاتصل ببكر صدقي وأبلغه أنه آتٍ لمقابلته، وأنه يحمل رسالة من الملك.
كانت فرصة بكر صدقي قد حلت للتخلص من جعفر العسكري ـ صهر نوري السعيد ـ والرجل القوي في الوزارة، فرتب الأمر مع عدد من ضباطه لقتله. وعندما توجه جعفر العسكري لمقابلة بكر صدقي وجد في استقباله النقيب إسماعيل عباوي مع عدد من الأفراد، وقام عباوي على الفور بتجريد جعفر العسكري من سلاحه وأجبره على ركوب السيارة منفرداً دون حمايته، ورافقه كل من النقيب [شاكر القره غلي] والرائد [ طاهر محمد ] مرافق الملك.
وعندما وصلت السيارة التي تقلهم إلى نهر الوزيرية توقفت السيارة، ونزل منها الجميع وأرسل عباوي سائقه العريف [إبراهيم خليل] ليخبر بكر صدقي بمقدم العسكري، ولم تمضِ سوى دقائق حتى وصل الضباط [جمال جميل] و[ جمال فتاح] و[محمد جواد أمين] و[ لازار برودس] حيث شهروا مسدساتهم على جعفر العسكري وأطلقوا عليه الرصاص فقتل في الحال، ولما وصل خبر مقتله إلى نوري السعيد  سارع إلى اللجوء للسفارة البريطانية التي استطاعت تهريبه إلى خارج العراق. (7)
استمرت قوات الانقلابيين بالزحف نحو بغداد  حيث وصلت أبوابها في الساعة الرابعة بعد الظهر، واحتلت سدة [ ناظم باشا] المحيطة بالعاصمة، فلم يجد الملك بُداً من توجيه خطاب التكليف إلى السيد حكمت سليمان، في 29 تشرين الأول وعند الساعة الخامسة والنصف كانت القوات قد دخلت شوارع بغداد دون أن تلقى أي مقاومة.
كان [حكمت سليمان] قد عقد قبل يومين اجتماعا في دار[السيد كامل الجادرجي ] وضم السادة [جعفر ابو التمن] و[ محمد حديد ]، لوضع قائمة بأسماء أعضاء الوزارة في حالة نجاح الانقلاب، وقد طرح في الاجتماع اقتراح حول اختيار [نوري السعيد] في منصب وزاري لتطمين الإنكليز، لكن الاقتراح لم يلقَ القبول فقد عارضه السيدان جعفر ابو التمن، وكامل الجادرجي، واقترح بدلا منه السيد [صالح جبر]، القريب من الإنكليز أيضاً. (8)

تشكيل حكومة الانقلابيين بأغلبية من الإصلاحيين:
أتم الانقلابيون تشكيل وزارتهم، وصدرت الإرادة الملكية بتشكيلها في الساعة السادسة مساءاً وجاءت على الوجه التالي:
1 ـ حكمت سليمان ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للداخلية.
2 ـ جعفر ابو التمن ـ وزيراً للمالية.
3 ـ صالح جبر ـ وزيراً للعدلية.
4 ـ ناجي الأصيل ـ وزيراً للخارجية.
5 ـ كامل الجادرجي ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات.
7 ـ يوسف إبراهيم ـ وزيراً للمعارف.
7 ـ أما بكر صدقي فقد تولى منصب رئيس أركان الجيش، بدلاً من طه الهاشمي، الذي أحيل على التقاعد.
أما ياسين الهاشمي، ورشيد عالي الكيلاني، ونوري السعيد فقد غادروا العراق على الفور بمساعدة السفارة البريطانية، خوفاً من بطش بكر صدقي.

أسرع السفير البريطاني إلى لقاء الملك غازي، ورئيس الوزراء السيد حكمت سليمان ليقف على ما تنوي الوزارة عمله، وقد طمأنه حكمت سليمان بأن الوزارة تحترم تعهدات العراق، وتسعى للنهوض بالبلاد في كافة المجالات، كما لقي السفير من الملك كل ما يطمئن الحكومة البريطانية.

أراد بكر صدقي أن يرسل من يقوم بتصفية ياسين الهاشمي، ونوري السعيد ورشيد عالي الكيلاني، إلا أن حكمت سليمان رفض الفكرة، فقد كان من أولى المهام بالنسبة للوزارة الجديدة تثبيت أقدامها وسلطتها، حيث لجأت إلى إجراء تغيرات واسعة في أجهزة السلطة الإدارية، والدبلوماسية، وإبعاد كافة العناصر المؤيدة للوزارة السابقة.
وفي الوقت نفسه نظمت العناصر الوطنية المظاهرات المؤيدة للحكومة، وكان على رأس تلك المظاهرات السادة [محمد صالح القزاز] وهو من الشيوعيين المعروفين، وشاعر العرب الكبير [محمد مهدي الجواهري ]، وغيرهم من الوطنيين، وتقدمت المظاهرات بمطالب للحكومة تدعو فيها إلى إصدار العفو العام عن المسجونين السياسيين، وإطلاق حرية الصحافة، وحرية التنظيم الحزبي والنقابي، وإزالة آثار الماضي، والعمل على رفع  مستوى معيشة الشعب  وضمان حقوقه وحرياته، وتقوية الجيش، ليكون حارساً أميناً لاستقلال البلاد، ولم تقتصر المظاهرات على بغداد فقط بل امتدت إلى سائر المدن العراقية.

حكومة الانقلابيين تحل المجلس النيابي:
بعد أن ثبتت الحكومة أقدامها، وبسطت سلطتها على كافة أنحاء البلاد، كانت أمامها الخطوة الثانية المتمثلة بحل المجلس النيابي الذي جرى انتخابه على عهد الحكومة السابقة، وهكذا استصدرت الإرادة الملكية بحل المجلس في 31 تشرين الأول 1936، تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة.
وفي الوقت نفسه تقدمت الحكومة بمنهاجها الوزاري الذي أكد على تعزيز العلاقات بين العراق وجيرانه ومع بريطانيا لما فيه مصلحة الأطراف جميعا،ً وتطهير جهاز الدولة من العناصر الفاسدة والمرتشية، وتحسين أدائه، والعمل على رفع مستوى معيشة الشعب، وتحسين أحواله الصحية والثقافية، وتوسيع الخدمات العامة، وتنظيم السجون، وجعلها أداة إصلاح للمسجونين، والعمل على تحسين أوضاع البلاد الاقتصادية، وملافات العجز في الميزانية، وتطوير الزراعة والصناعة في البلاد، وإصلاح الجهاز القضائي، وإعادة النظر في القوانين والمراسيم التي أصدرتها الوزارات السابقة.
كما أكد المنهاج على تقوية الجيش، وتدريبه وتسليحه، ليكون سياجاً حقيقياً للوطن، وإصلاح جهاز التعليم، وتوسيع معاهد المعلمين، وفتح المزيد من المدارس وإلغاء أجور الدراسة المتوسطة والثانوية وجعلها مجانية، وبناء المزيد من المدارس.
 وفي واقع الأمر كان لدى الوزارة الجديدة خططاً طموحة لتغير وجه العراق، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، كما يقول المثل، ومع ذلك فقد استطاعت الحكومة القيام بالعديد من الإجراءات لتحسين الأوضاع فأطلقت سراح المسجونين الذين أدانتهم المجالس العرفية، وأعادت كافة الأموال المصادرة منهم، كما أعادت كافة الصحف التي أغلقتها الوزارات السابقة، وسمحت بدخول الكثير من الكتب التقدمية التي كانت ممنوعة في العهود السابقة، وإعادة الموظفين المفصولين لأسباب سياسية إلى وظائفهم، وأصدرت الحكومة قانون العفو العام.
بكر صدقي يتجاوز الحكومة،ويحكم من وراء الستار:
ما أن احكم بكر صدقي سيطرته على مقدرات البلاد حتى استهوته شهوة الحكم، أراد أن يحكم من وراء الستار، متجاوزاً حلفائه الإصلاحيين [حزب الإصلاح الشعبي] الذين يمثلون الأغلبية في الوزارة، وكان باكورة خطواته الطريقة التي جرى فيها انتخاب مجلس النواب.
 فقد عقد بكر صدقي مع فريقاً من ضباطه وعدد من القوميين اجتماعاً في داره لوضع الترتيبات للانتخابات، وإعداد قوائم المرشحين، مستبعداً رفاقه الإصلاحيين، وقد جاءت قوائم المرشحين في معظمها من المؤيدين لبكر صدقي شخصياً، فيما كانت حصة الإصلاحيين أقل بكثير، وقد جرت الانتخابات في 20 شباط 1937، وجاءت النتيجة كما خطط لها بكر صدقي سلفاً.(9)

كان منهاج حزب الإصلاح الشعبي يرمي إلى إجراء تغيرات شاملة في حياة الشعب العراقي حيث دعا منهاجه إلى تحقيق ما يلي:
 1 ـ إجراء إصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي شامل في البلاد.
 2 ـ  إعادة توزيع الثروة بصورة عادلة.
 3ـ  وتفتيت الملكيات الزراعية الكبيرة، وتوزيع الأراضي على الفلاحين.
 4 ـ  التقليل من الفروق الطبقية بين أبناء الشعب.
 5ـ  إطلاق كافة الحريات الديمقراطية كحرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحرية الصحافة، وضمان حقوق الشعب، وحرياته العامة. وقد لقي منهاج الحزب هذا دعما كبيراً من الحزب الشيوعي، ومن عدد كبير من صغار الضباط، ولعب الحزب الشيوعي دوراً بارزاً في تحريك الجماهير للمطالبة بحقوقهم وحرياتهم العامة.
أما بكر صدقي فقد أراد أن يجعل من نفسه[ أتاتورك العراق]، ويحكم البلاد على هواه، وقد ظهر فيما بعد أن تقرب بكر صدقي من الإصلاحيين وضمهم إلى الوزارة كان يهدف من ورائه استخدامهم وسيلة للوثوب إلى السلطة المطلقة، فلما أدرك الاصلاحيون أن الحكومة لا تحكم، وأن الحاكم الحقيقي هو بكر صدقي  لم يكن أمامهم سوى تقديم استقالتهم من الوزارة، وخصوصاً بعد أن أقدم بكر صدقي على استخدام القوة العسكرية ضد انتفاضة العشائر في السماوة  في 13 حزيران 1937، ووقوع عدد كبير من القتلى والجرحى، حيث قضت تلك الأحداث على آخر أمل للإصلاحيين من البقاء في الحكم فأقدم السادة جعفر أبو التمن، وكامل الجادرجي، ويوسف عز الدين على الاستقالة من الحكومة، وقد تضامن معهم صالح جبر وقدم استقالته من الحكومة أيضاً، فلم يبقَ في الوزارة سوى وزيرين فقط، هما نوري عبد اللطيف، وناجي الأصيل.

وفي الوقت الذي استقال الاصلاحيون من الوزارة، أخذ الاستقلاليون [القوميون] يتصلون ببكر صدقي ويحرضونه على العناصر الماركسية واليسارية التي أخذت شوكتها تشتد، أعربوا له عن استعدادهم الكامل لدعمه إذا ما وقف ضد هذا التيار الجديد، والعمل على حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، وإبعاد تلك العناصر من البرلمان الجديد، وقد وعدهم بكر صدقي بتحقيق ذلك، وتم ترقيع الوزارة بتاريخ 24 حزيران 1937، حيث دخل الوزارة كل من:
1 ـ محمد علي محمود ـ وزيراً للمالية.
2 ـ عباس مهدي ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات.
3 ـ علي محمود الشيخ علي ـ وزيراً للعدلية.
4 ـ جعفر  حمندي ـ وزيراً للمعارف.
5 ـ مصطفى العمري ـ وزيراً للداخلية.
مقتل بكر صدقي:
لقي الانقلاب الذي قاده بكر صدقي في 29 تشرين الأول 1936 ترحيباً حاراً، وتأييداً واسعاً من جماهير الشعب العراقي التواقة إلى إجراء إصلاحات حقيقية في البلاد تضمن الحقوق والحريات العامة للشعب، وتصون استقلال البلاد، وتعمل على حل مشاكل البلاد الاقتصادية، والتخفيف من معانات الشعب.
لكن الشعب العراقي أصيب بخيبة أمل كبيرة، بعد أن تبين له أن كل ما يهم بكر صدقي هو السلطة متناسياً ما وعد به الشعب.
وجاءت استقالة الوزراء الإصلاحيين من الوزارة لتزيد من انعزال حكومة بكر صدقي عن الشعب، وسحب الثقة بها، وبذلك فقد بكر صدقي وحكومته أهم عامل دعم وإسناد وهو الشعب.
كان الإنكليز ورجالاتهم من الساسة العراقيين يراقبون الأمور عن كثب، ويتحينون الفرصة للانقضاض على الانقلابيين، فقد كان قلق الإنكليز يزداد يوماً بعد يوم من توجهات بكر صدقي، وجاء زواج بكر صدقي من إحدى الغانيات الألمانيات ليزيد من قلق الإنكليز خوفاً من تقربه من ألمانيا، وأخيراً أخذت الأخبار تتوارد إلى السفارة البريطانية عن عزم بكر صدقي احتلال الكويت مما زاد في قلق الحكومة البريطانية، ودفعها إلى التعجيل في تحركها للخلاص منه بأسرع وقت ممكن.
 وجاءت الفرصة المناسبة عند ما قرر بكر صدقي السفر إلى تركيا لحضور المناورات العسكرية التركية المقرر القيام بها في 18 آب 1937، واتخذ الإنكليز قرارهم بتصفيته وهو في طريقه إلى تركيا .
غادر بكر صدقي بغداد  في 9 آب بالطائرة إلى الموصل، وكان برفقته العقيد محمد علي جواد قائد القوة الجوية، وكان من المقرر أن يغادر بالقطار ، لكنه أحس بوجود مؤامرة ضده وقرر السفر بالطائرة.
وصل بكر صدقي إلى الموصل، ونزل في دار الضيافة وبصحبته محمد علي جواد، وقد وجد المتآمرون فرصتهم في الإجهاز عليه في الموصل حينما انتقل بكر صدقي إلى حديقة مطعم المطار البعيد والمنعزل، وبينما كان بكر صدقي جالساً في الحديقة مع قائد القوة الجوية محمد علي جواد، والمقدم الطيار[ موسى علي ] يتجاذبان أطراف الحديث، تقدم نائب العريف [عبد الله التلعفري] نحوهم  ليقدم لهم المرطبات، وكان يخبئ مسدساً تحت ملابسه، ولما وصل قرب بكر صدقي، اخرج مسدسه وصوبه نحو جمجمته ، وأطلق النار عليه فقتل في الحال ، ثم أقدم العريف على إطلاق النار على العقيد محمد علي جواد وقتله أيضاً.

وتم إلقاء القبض على القاتل، وأوسع ضرباً، وقد أعترف بأن الذي جاء به لينفذ الجريمة هو الضابط [محمود هندي] الذي اختفى بعد مقتل بكر صدقي ورفيقه محمد علي جواد، وتبين فيما بعد أن المتآمرين قد هيئوا عدة مجموعات لقتل بكر صدقي ووزعوها على [كركوك] و[التون كوبري ] و [أربيل ] و [الموصل ] على احتمال أن بكر صدقي سوف يمر من إحدى هذه الطرق في طريقه إلى تركيا  وقيل أن العقيد [ فهمي سعيد ] كان لولب الحركة، وأن الضابط [محمود خورشيد] هو الدماغ المفكر لعملية تنفيذ الاغتيال، وسرت شائعة تقول أن ضابط الاستخبارات البريطاني في الموصل هو الذي دبر عملية الاغتيال.
وفي صباح يوم الخميس 12 آب تم نقل جثمان بكر صدقي ورفيقه محمد علي جواد إلى بغداد، حيث شيعا إلى مثواهما الأخير تشييعاً رسمياً سار في مقدمته الوزراء  وكبار الضباط والأعيان والنواب والسفراء.
حاولت الحكومة إجراء تحقيق واسع لمعرفة الذين كانوا وراء عملية الاغتيال، وقد أرسلت لجنة تحقيقية إلى الموصل برئاسة نائب المدعي العام [انطوان لوقا] حيث باشر في إجراء التحقيقات أخذت تلك التحقيقات تتوسع شيئاً فشيئاً مما أثار خوف وقلق الضباط المشاركين في المؤامرة من أن تصل التحقيقات إليهم، فأعلن أمر حامية الموصل [ أمين العمري ] العصيان على بغداد واعتقال النائب العام، وجرى تمزيق أوراق التحقيق.
كما جرى تسريح كافة الضباط الموالين لبكر صدقي وللحكومة في بغداد، وأصدر بياناً يعلن فيه انفصاله عن حكومة بغداد .
ورغم اتصال الملك غازي بأمين العمري، ودعوته له لإطاعة أوامر القيادة العسكرية، إلا أن الانقلابيين أصروا على موقفهم، وطالبوا الملك بإقالة وزارة حكمت سليمان، وتشكيل وزارة جديدة برئاسة[ جميل المدفعي ] كما رفضوا تسليم الضباط المتهمين بمؤامرة اغتيال بكر صدقي ورفيقه محمد علي جواد.

حاولت الحكومة بدفع من الضباط الموالين لبكر صدقي الزحف بالفرقة الثانية في كركوك إلى الموصل لإخضاع المتمردين على الحكومة. وفي المقابل حاول اللواء أمين العمري استمالة عدد من الوحدات العسكرية الأخرى إلى جانبه، واستطاع الحصول على دعم آمر معسكر الوشاش في بغداد [سعيد التكريتي] وساعده الأيمن المقدم [ صلاح الدين الصباغ ]، كما انضم إليهم آمر حامية الديوانية.

وهكذا بدا أن الجيش قد أنقسم على نفسه، وأن الأمور قد باتت خطيرة جداً، وتنذر بوقوع حرب أهلية يكون عمادها الجيش، ولذلك اضطرت الوزارة إلى تقديم استقالتها إلى الملك غازي في 17 آب 1937، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم.
إجبار حكومة حكمت سليمان على الاستقالة، وتكليف المدفعي:
سارع الملك غازي بعد استقالة حكومة حكمت سليمان إلى تكليف جميل المدفعي بتأليف الوزارة الجديدة، وكان واضحا أن التكليف جرى بضغط من السفارة البريطانية، وزمرة أمين العمري التي دبرت مؤامرة اغتيال بكر صدقي، حيث طالب أمين العمري الملك بإقالة وزارة حكمت سليمان، وتكليف المدفعي بتأليف وزارة جديدة، وقد صدرت الإرادة الملكية بتكليف المدفعي في 19 آب 1937، وجاءت على النحو التالي :
1 ـ جميل المدفعي ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع.
2 ـ مصطفى العمري ـ وزيراً للداخلية.
3 ـ عباس مهدي ـ وزيراً للعدلية، ووزيراً للخارجية وكالةً.
4 ـ جلال بابان ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات والمالية وكالةً.
5 ـ محمد رضا الشبيبي ـ وزيراً للمعارف.
وقد تم إضافة وزيرين جديدين للوزارة هما توفيق السويدي للخارجية، وإبراهيم كمال للمالية، وذلك في 19 آب من العام نفسه.
وبمجرد تشكيل الوزارة الجديدة أعلن المتمردون في الموصل إنهاء تمردهم، وعادت الأمور إلى مجراها بعد أن تم التخلص من بكر صدقي وحكومته.

وهكذا تبين أن مقتل بكر صدقي لم يكن مجرد حادث فردي، وإنما هو انقلاب عسكري جرى تدبيره بتخطيط من الإمبرياليين البريطانيين،  وأزلامهم العسكريين والسياسيين، وكانت تلوح رائحة الانتقام من كل العناصر التي ساهمت وساندت وأيدت انقلاب بكر صدقي، وكان على رأس أولئك المتعطشين للانتقام نوري السعيد الذي وصل به الأمر إلى اتهام الملك غازي بالتواطؤ مع بكر صدقي .
لقد حاول نوري السعيد الذي عاد إلى بغداد بعد مقتل بكر صدقي، واستقالة حكومة حكمت سليمان، وتأليف الوزارة المدفعية، الضغط على جميل المدفعي، مستعيناً بثلاثة من كبار الضباط هم العقيد صلاح الدين الصباغ، والعقيد فهمي سعيد، والفريق طه الهاشمي، فما كان من المدفعي إلا أن توجه إلى السفير البريطاني يشكوه من تصرفات نوري السعيد، وطلب منه أبعاده إلى خارج العراق في الوقت الحاضر على الأقل، أو القبول بمنصب وزير العراق المفوض في لندن وبالفعل أوعز السفير البريطاني للسعيد بمغادرة البلاد، حيث بقي بعيداً عن العراق حتى تشرين الأول 1938.
كان باكورة أعمال وزارة المدفعي حل المجلس النيابي في 16 آب 1937، تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة. كما قامت الوزارة بإحالة عدد كبير من ضباط الجيش المحسوبين على بكر صدقي على التقاعد، وعينت آخرين بدلاً منهم. كما شنت الحكومة في 18 تشرين الثاني حملة شعواء ضد المشتبه بقيامهم بنشاط شيوعي  وإحالتهم إلى المحاكم، التي أصدرت أحكاما بالسجن ضد معظمهم .
وفي 18 كانون الأول باشرت الحكومة بإجراء الانتخابات بنفس الأسلوب الذي درجت عليه الوزارات السابقة، حيث تقوم الحكومة بترشيح العناصر المؤيدة لها وتفرضهم على المنتخبين الثانويين فرضاً، وبذلك استطاعت الحكومة إبعاد كل العناصر اليسارية عن المجلس الجديد كما جرى أبعاد جميع العناصرالعسكرية.
 


28
من ذاكرة التاريخ

الأسرار الخفية وراء مقتل الملك غازي
حامد الحمداني                                                               24/9/2018

في صباح يوم الخامس من نيسان 1939 فوجئ الشعب العراقي بصدور بيان رسمي صادر عن الحكومة نقلته إذاعة بغداد جاء فيه:
{ بمزيد من الحزن والألم ، ينعي مجلس الوزراء إلى الأمة العراقية، انتقال المغفور له سيد شباب البلاد جلالة الملك غازي الأول إلى جوار ربه، على اثر اصطدام السيارة التي كان يقودها بنفسه بالعمود الكهربائي الواقع في منحدر قنطرة [نهر الخر]، بالقرب من [قصر الحارثية]، في الساعة الحادية عشرة والنصف من ليلة أمس، وفي الوقت الذي يقدم فيه التعازي الخالصة إلى العائلة المالكة على هذه الكارثة العظمى التي حلت بالبلاد، يدعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ للمملكة نجله الأوحد جلالة الملك فيصل الثاني، ويلهم الشعب العراقي الكريم الصبر الجميل  وإننا إلى الله وإننا إليه راجعون }. (1)             
                                                                     بغداد في 4 نيسان 1939

 لم يكد خبر مقتل الملك غازي يصل إلى أسماع الشعب حتى هبت الجماهير الغاضبة في مظاهرات صاخبة اتجهت نحو السفارة البريطانية، وهتافات التنديد بالإمبريالية البريطانية وعميلها نوري السعيد  تشق عنان السماء، وامتدت المظاهرات الشعبية الهادرة إلى سائر المدن العراقية من أقصاه إلى أقصاه، وظهرت المنشورات التي وزعتها الجماهير، والتي تقول أن الملك لم يصطدم بالسيارة كما تدعي حكومة نوري السعيد، وإنما قتل بعملية اغتيال دبرتها الإمبريالية البريطانية وعملائها، وعلى رأسهم نوري السعيد بالذات، وكانت الجماهير بحالة من الغضب الشديد بحيث أنها لو ظفرت بنوري السعيد في تلك اللحظات لفتكت فيه ومزقته إرباً، ولذلك فقد هرب نوري السعيد بعد إتمام مراسيم دفن الملك غازي في المقبرة الملكية في الأعظمية، حيث  استقل زورقاً بخارياً من المقبرة إلى داره في جانب الكرخ .
حاول الإنكليز إبعاد التهمة عنهم، وادعوا أن الدعاية الألمانية هي التي تروج مثل هذه الدعاية ضد بريطانيا، كما ادعوا أن موظفي السفارة الألمانية، والأساتذة الجامعيين هم الذين يحرضون جماهير الشعب ضد بريطانيا، وضد حكومة نوري السعيد .
كان رد فعل الجماهير الشعبية في الموصل شديداً جداً، حيث خرجت مظاهرة ضخمة وتوجهت نحو القنصلية البريطانية وهاجمتها، وقتلت القنصل البريطاني في الموصل المستر [ مونك ميسن ]، وكانت الجماهير تهتف بسقوط الاستعمار البريطاني، وحكومة نوري السعيد العميلة.

لكن ما يؤسف له هو مهاجمة الحي اليهودي في بغداد ووقوع عمليات النهب وحرق مساكن اليهود. وقد استغل نوري السعيد  الأحكام العرفية التي كانت قد أعلنت في البلاد قبل شهر من مقتل الملك، وقام بنشر أعداد كثيفة من قوات الشرطة لقمع المظاهرات، وجرى اعتقال الكثير من المتظاهرين .

ولتغطية جريمة الاغتيال سارعت حكومة نوري السعيد إلى إصدار بيان رسمي  يتضمن  تقريراً طبياً صادرأً عن هيئة من الأطباء عن سبب وفاة الملك غازي، وجاء في البيان ما يلي :
{ ننعي بمزيد من الأسف وفاة صاحب الجلالة الملك غازي الأول ، في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الأربعين من ليلة 3 / 4 نيسان 1939 ، متأثراً من كسر شديد للغاية في عظام الجمجمة، وتمزق واسع في المخ، وقد حصلت هذه الجروح نتيجة أصطدم سيارة صاحب الجلالة، عندما كان يسوقها بنفسه، بعمود كهرباء بالقرب من قصر الزهور، في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، وفقد الملك شعوره مباشرة بعد الاصطدام، ولم يسترجع الملك وعيه حتى اللحظة الأخيرة}. (2)                                             
                                                             3/4 نيسان 1939
د . جلال حمدي   د . صبيح وهبي  د . صائب شوكت  د .إبراهام   د .سندرسن
 
وعلى اثر إعلان وفاة الملك غازي، تولى مجلس الوزراء حقوق الملك الدستورية، وفقاً للمادة 22 من الدستور، وجرى الإعلان عن تولى الملك فيصل الثاني الملك، على أن يسمى وصياً عليه، نظراً  لصغر سنه، بعد دعوة مجلس النواب الذي سبق أن صدرت الإرادة الملكية بحله، وقرر مجلس الوزراء تعين الأمير عبد الإله وصياً على العرش، وادعى نوري السعيد أن ذلك القرار كان  بموجب وصية الملك غازي نفسه، غير أنه لم يثبت أن هناك أي وصية من هذا القبيل، وكان معروفاً آنذاك أن الملك غازي كان يكره عبد الإله كرهاً شديداً، ولذلك فلا يعقل أن يوصي بالوصاية لعبد الإله، ويأتمنه على طفله، كما أن الملك غازي كان حسبما ورد في التقرير الطبي قد فقد شعوره فوراً ولم يسترجعه حتى وفاته. والحقيقة أن وصاية عبد الإله قد رتبت من قبل السفارة البريطانية
  وحكومة نوري السعيد .(3)
كما أن أحداً لم يقتنع بما أذاعته الحكومة عن اصطدام سيارة الملك ومقتله في الحادث، وهناك شواهد عديدة على أن الملك قد قتل نتيجة تدبير مؤامرة حبكتها السفارة البريطانية، وجرى تنفيذها من قبل نوري السعيد وعبد الإله، وأهم الشواهد على ذلك ما يلي:
‍1ـ قبل مقتل الملك بتسعة أشهر، وبالتحديد في 18 حزيران 1938، وُجد خادم الملك غازي الشخصي مقتولاً داخل القصر، وجاء تقرير خبير التحريات الجنائية  البريطاني أن القتل كان نتيجة إطلاق النار بالصدفة من مسدس القتيل نفسه ‍‍‍‍‍‍‍‍!!.

سبّب قتل الخادم رعباً في نفس الملك غازي لازمه لأيام، وبدأت الشكوك تنتابه حول مؤامرة لقتله فيما بعد، وكان شكّ الملك يحوم حول عبد الإله ونوري السعيد، وزوجته الملكة عالية ـ شقيقة عبد الإله ـ المنفصل عنها بصورة غير رسمية، وكانت تضمر له الكراهية والحقد.(4)

2 ـ إن أي حادث لسيارة يؤدي إلى الوفاة، لابد أن تكون إصابة السيارة شديدة وكبيرة، إلا أن الواقع كان عكس ذلك تماماً، فقد كانت الأضرار التي لحقت بالسيارة طفيفة جداً، وهذا ما أثار الشكوك حول حقيقة مقتل الملك.

3 ـ كان بمعية الملك في السيارة، كل من خادمه، شقيق الخادم السابق القتيل، وعامل اللاسلكي، جالسين في المقعد الخلفي بالسيارة، ولكنهما اختفيا في ظروف غامضة، ولم يعرف أحد عن مصيرهما نهائياً، وقد أثارت عملية اختفائهما شكوكاً كبيرة حول مقتل الملك، وحول صدقيه حادث الاصطدام، واستمرت تلك الشكوك تحوم حول عبد الإله ونوري السعيد والسفارة البريطانية.

يقول الفريق نور الدين محمود، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش، ثم رئيساً للوزراء عام 1952، حول حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي:
{أنه اصطدام غامض وعويص، لا يسع الإنسان مهما كان بسيطاً في ملاحظته إلا أن يكذّب زعم الحكومة وهو يقارنه بالأدلة التي يراها في مكان الحادث }. (5)

أما العقيد صلاح الدين الصباغ، أحد قادة الجيش، فيقول في مذكراته :
{ قضت المصالح البريطانية اغتيال الملك غازي، فتم في ليلة 3 / 4 نيسان 1939 وهو في السابعة والعشرين من عمره }. (6)

ويقول الأستاذ [ جان ولف ] في كتابه [ يقظة العالم العربي ] :
{ مات الملك غازي على أثر حادث غريب، فقد اصطدمت سيارته دون ما سبب وجيه، بينما كان يقودها بسرعة معقولة، فتعالى الهمس في بغداد متهماً بعض الجهات بتدبير الحادث }. (7)
وقال الأستاذ  [كارتاكوز ] في كتابه [ ثورة العراق ] ما يلي :
{ لعل مأثرة الملك غازي الرئيسية انه قد لاقى حتفه بشكل عنيف، في حادث سيارة  يعتقد أن البريطانيين وأعوانهم من العراقيين هم الذين فعلوه } .(8)
وجاء الدليل القاطع بعد سنوات طويلة، عندما التقى الأستاذ عبد الرزاق الحسني  مؤلف تاريخ الوزارات العراقية، في 8 نيسان ، 1975 بالدكتور [صائب شوكت] طبيب الملك غازي الخاص، وأول من  قام بفحصه قبل وفاته، وسأله عن حقيقة مقتله فأجابه بما يلي:
 { كنت أول من فحص الملك غازي  بناء على طلب السيدين [ نوري السعيد ] و  [رستم حيدر]  لمعرفة درجة الخطر الذي يحيق بحياته، وأن نوري السعيد طلب إليّ أن أقول في تقريري أن الحادث كان نتيجة اصطدام سيارة الملك بعمود الكهرباء، وأنا أعتقد أنه قد قتل نتيجة ضربة على أم رأسه بقضيب حديدي بشدة  وربما استُخدم شقيق الخادم الذي قُتل في القصر، والذي كان معه في السيارة  لتنفيذ عملية الاغتيال، فقد جيء بالخادم فور وقوع العملية إليّ وكان مصاباً بخلع في ذراعه، وقمت بإعادة الذراع  إلى وضعه الطبيعي، ثم اختفي الخادم ومعه عامل اللاسلكي منذ ذلك اليوم  وإلى الأبد، ولا أحد يعرف عن مصيرهما حتى يومنا هذا . (9)
كما التقى السيد عبد الرزاق الحسني بالسيد [ ناجي شوكت ] الذي كان وزيراً للداخلية آنذاك وسأله عن حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي:
{ لقد احتفظت بسر دفين لسنين طويلة، وها قد جاء الآن الوقت لإفشائه، كانت آثار البشر  والمسرة طافحة على وجوه نوري السعيد، ورستم حيدر، ورشيد عالي الكيلاني، وطه الهاشمي، بعد أن تأكدوا من وفاة الملك، وكان هؤلاء الأربعة قد تضرروا من انقلاب بكر صدقي، واتهموا الملك غازي بأنه كان على علم بالانقلاب، وأنا أعتقد أن لعبد الإله ونوري السعيد مساهمة فعلية في فاجعة الملك غازي }. (10)
وهكذا أسدل الستار على مقتل الملك غازي، وتم نقل جثمانه إلى المقبرة الملكية في الاعظمية، في الساعة الثامنة من صباح يوم الخامس من نيسان على عربة مدفع، وسط موجة من الهياج اجتاحت جماهير بغداد الغاضبة، والمنددة بالاستعمار البريطاني وأعوانه القتلة. وانهمك المتآمرون بعد دفنه بترتيب الأمور لتنصيب عبد الإله وصياً على العرش .
كان مقتل الملك غازي هو الجانب الأول من مؤامرة نوري السعيد وأسياده الإنكليز، وكان الجانب الثاني يتمثل بتنصيب عبد الإله وصياً على العرش، وولياً للعهد . ومنذ الساعات الأولى لمقتل الملك غازي عمل نوري السعيد جاهداً ليقنع مجلسا النواب والأعيان  والشعب العراق بما ادعاه بوصية مزعومة للملك غازي  بتكليف عبد الإله بالوصاية على العرش فيما إذا حصل له أي مكروه له.

إلا أن[ طه الهاشمي] قال في مذكراته: {أن الوصية التي عزاها نوري السعيد إلى الملك غازي كانت مزيفة دون شك } . (11)

أما وزير الدولة  السيد [ علي الشرقي ] فيقول في كتابه [ الأحلام ] ما يلي :
{ أوعز نوري السعيد إلى الملكة عالية أن ترفع كتاباً إلى مجلس الوزراء المنعقد للنظر في إقامة وصي على العرش  تشهد فيه أن الملك غازي قد أوصاها أن يكون عبد الإله وصياً على العرش إذا ما حدث له أي مكره }. (12)

وقال السفير البريطاني [ سندرسن ] في كتابه [Both Side of Curtain]:
{ كان معروفاً أيضاً أن الإنكليز كانوا يميلون إلى عبد الإله ، أكثر من ميلهم إلى الملك غازي }.(13)
ويقول الدكتور [ صائب شوكت ] طبيب الملك غازي الخاص ما يلي :.
إنه عندما  تأكد من وفاة الملك غازي  كان عبد الإله وتحسين قدري بالقرب مني حيث دنا تحسين قدري مني، وهمس في آذني أن الأمير عبد الإله يرجوك بأن تقول بأن الملك أوصاك قبل وفاته بأن يكون عبد الإله وصياً على ولده الصغير فيصل، ولكني رفضت ذلك رفضاً قاطعاً، وقائلاً له : إن الملك غازي كان قد فقد وعيه فور وقوع الحادث وحتى وفاته }.(14)

ويقول طبيب الملك البريطاني [ سندرسن ] في كتابه [Thousand and One Night] حول مقتل الملك: { في خلال 20 دقيقة من وفاة الملك غازي، طلب إليّ رستم حيدر أن أعلن أن الملك غازي، وقبل أن يموت قد عّبر عن رغبته بأن يتولى عبد الإله السلطة كوصي على العرش، غير أني رفضت أن أفعل ذلك، لأن الملك لم يستعيد وعيه لحظة واحدة، وحتى لو ارتكبت جريمة مثل هذا الإدعاء الكاذب، فلابد أن يكون هناك الكثير من المستعدين لتكذيبه}. (15)
ورغم كل ذلك فقد اجتمع مجلس الوزراء، واتخذ قراره بتولي عبد الإله الوصاية على العرش، وولاية العهد، ودعا نوري السعيد مجلسا النواب[المنحل] ومجلس الأعيان إلى عقد جلسة مشتركة في يوم الخميس المصادف 6 نيسان 1939 وكان عدد الحاضرين 122 عضواً فقط من مجموع المجلسين، وكلهم من مؤيدي نوري السعيد، حيث قاطع الجلسة عدد كبير من النواب والأعيان، لكي لا يكونوا شاهدي زور على جريمة الاغتيال، وقد عرض عليهم نوري السعيد قرار مجلس الوزراء، وتمت الموافقة عليه بإجماع الحاضرين، وبذلك تم تنصيب عبد الإله وصياً على العرش.
المراجع :
  (1) تاريخ الوزارات العراقية - الجزء الخامس - عبد الرزاق الحسني  ـ ص 77
  (2) المصدر السابق ـ ج5 ـ ص 78
 (3) المصدر السابق ـ ج5 ـ ص 76 .
  (4) نفس المصدر ـ ص 79 .
  (5) نفس المصدر ـ ص  87 .
  (6) فرسان العروبة ـ صلاح الدين الصباغ ـ ص 87 .
  (7) يقظة العالم العربي ـ  جان وولف ـ ص 120 .
   (8) ثورة العراق ـ كارتاكوز ـ ص 32 .
  (9) حديث الدكتور صائب شوكت مع الحسني في 8 نيسان 1975
  (10) تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ ج5  ـ ص81
  (11) مذكرات طه الهاشمي ـ ص 241 .
  (12) علي الشرقي ـ كتاب الأحلام ـ ص 170
  (13) تاريخ الوزارات العراقية ـ عبد الرزاق الحسني الحسني ـ ج 5 ـ 79
  (13)  نفس المصدر السابق .
  (14) نفس المصدر السابق ـ ص 90 .
  (15) نفس المصدر السابق .


29
من ذاكرة التاريخ
الحرب العراقية الإيرانية
القسم الثالث والأخير
حامد الحمداني                         4/4                        25/8/2018

أولاً: حرب الناقلات، وتأثيرها على إمدادات النفط :

عمل الطرفان المتحاربان العراق وإيران على منع كل طرف للطرف الآخر من تصدير نفطه، بالنظر إلى اعتماد كلا البلدين على واردات النفط لتمويل الحرب ولكون اقتصاد البلدين يعتمد اعتماداً كلياً على تلك الواردات، ولذلك وجدنا قوات البلدين تقوم بقصف المنشآت النفطية لكل منهما، واستمر القصف طيلة أمد الحرب.

كما قامت القوات الإيرانية بلغم رأس الخليج لمنع الناقلات من الوصول إلى ميناء البكر النفطي، مما اضطر العراق كما أسلفنا، إلى مد أنابيب لنقل النفط عبر الأراضي التركية والسعودية، فيما كانت سوريا قد أوقفت مرور النفط العراقي في الخط المار عبر أراضيها إلى ميناء بانياس، وميناء طرابلس اللبناني، منذُ نشوب الحرب.

 كما قامت الكويت ببيع النفط لحساب العراق، ونقله على ناقلاتها، مما دفع إيران إلى مهاجمة الناقلات الخليجية، حيث أصيب أكثر من 160 ناقلة منها 48 ناقلة كويتية، واضطر حكام الكويت إلى شراء الحماية لناقلاتها من الولايات المتحدة وقامت برفع العلم الأمريكي عليها لمنع إيران من مهاجمتها، كما قامت حكومة الكويت بتأجير 11 ناقلة سوفيتية لضمان عدم الاعتداء عليها، وحاولت شراء الحماية من الصين كذلك، لكن الولايات المتحدة عارضت ذلك خوفاً على مصالحها في الخليج.
 
أما حكام العراق فقد سعوا أيضاً إلى منع إيران من تصدير نفطها، وقامت طائرات من طراز [سوخوي 23]، وطائرات من طراز [ميراج] الفرنسية التي استأجرها العراق ، والمحملة بصواريخ [أكزوزسيت] والتي استطاع بواسطتها من الوصول إلى ابعد نقطة في الخليج لملاحقة الناقلات التي تنقل النفط الإيراني، وتدمير المرافئ التي تستخدمها إيران لتصدير النفط.
 وهكذا اشتعلت حرب الناقلات بين البلدين المتحاربين، وأصبحت عملية نقل النفط خطيرة وصعبة، ورفعت شركات التأمين رسومها على الناقلات إلى مستوى عالٍ جداً مما سبب في رفع أسعار النفط في الأسواق العالمية.

 وفي تلك الأيام قامت طائرة عراقية بضرب طراد أمريكي، في 18 أيار 1987، حيث اعتقد الطيار أنه طراد إيراني، وأدى قصفه إلى مقتل 28 فرداً من القوات الأمريكية، واعترفت الحكومة العراقية بقصف الطراد وقدمت اعتذاراً للحكومة الأمريكية، وتم دفع تعويضات لأسر العسكريين القتلى بمقدار 800 ألف دولار لكل قتيل، ولم يصدر أي رد فعل أمريكي ضد العراق فقد كانت العلاقات بينهما على خير ما يرام!!.

استمرت حرب الناقلات، بل وتصاعدت في السنوات الأخيرة من الحرب وأصبحت تمثل خطراً حقيقياً على تدفق النفط الذي من أجله أٌشعلت نيران الحرب وأصبح الخليج مملوء بالألغام، وأصبح استمرار الحرب يعطي نتائج عكسية، مما دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى التحرك لإنهائها بعد تلك السنين الطويلة من الدماء والدموع، والخراب والدمار الذي عم البلدين، وكان إنهاءها يتطلب دعماً كبيراً للعراق لأخذ المبادرة، وقلب موازين القوى لصالح العراق، وطرد القوات الإيرانية من الأراضي العراقية، وتوجيه الضربات الموجعة لإيران لتركيعها وإجبارها على القبول بوقف الحرب .

 وقد جرى ذلك الدعم بمختلف السبل، من تقديم المعلومات العسكرية  إلى تقديم شتى أنواع الأسلحة، وتقديم الخبرات، ومشاركة ضباط مصريين كبار، بالإضافة إلى القوات المصرية، والأردنية، واليمانية، وغيرها من السبل والوسائل، وبدأ العراق يعد العدة لشن الهجوم تلو الهجوم لطرد القوات الإيرانية من أراضيه.
 
ثانياً:المعارك التي خاضها العراق في العام الأخير للحرب:

1 ـ معركة تحرير الفاو:
في عام 1988، العام الأخير للحرب، تحول ميزان القوى مرة أخرى لصالح العراق، وبدأ النظام العراقي يعد العدة لتحرير أراضيه من الاحتلال الإيراني، وكان في مقدمة أهدافه تحرير الفاو، التي مضى على احتلالها 21 شهراً، فقد حشد النظام العراقي قوات كبيرة من الحرس الجمهوري، ومعدات لا حصر لها، كان من بينها 2000 مدفع، ومئات الدبابات والمدرعات، وبدأ الهجوم يوم 17 نيسان 988 واستطاعت القوات العراقية تحقيق انتصار ساحق على القوات الإيرانية بعد أن حولت المنطقة إلى كتلة من لهيب، ودفع العراق حياة خمسين الفاً من أبنائه ثمناً لتحرير الفاو !!.

2 ـ تحرير المناطق المحيطة بمدينة البصرة:
 كان الهدف الثاني للنظام العراقي هو تحرير المناطق المحيطة بمدينة البصرة وإبعاد القوات الإيرانية عن المدينة التي كانت طيلة الحرب هدفاً لقصف المدفعية الإيرانية، والهجمات المتتالية عليها بغية احتلالها، ولذلك فقد ركز النظام العراقي جهد قواته إلى تلك المنطقة، وخاض مع القوات الإيرانية معارك شرسة دامت ثلاثة أسابيع، وتمكنت القوات العراقية بعدها من تحرير كافة المناطق المحيطة بالبصرة، بعد أن قدم التضحيات الجسام.

3 ـ تحرير جزر مجنون:
بعد أن فرغت القوات العراقية من تحرير الفاو، كان أمامها الهدف الثالث، الذي لا يقل أهمية عن الهدفين الأولين، جزر مجنون، التي تعتبر من أغنى المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية هائلة، وقد تمكنت القوات العراقية بعد معارك عنيفة من تحريرها من أيدي الإيرانيين، وإلحاق الهزيمة بالجيش الإيراني.

4 ـ تحرير المناطق الحدودية الممتدة من البصرة إلى مندلي: 
انتقلت القوات العراقية بعد تحرير جزر مجنون إلى ملاحقة القوات الإيرانية التي كانت قد احتلت فيما مضى مناطق على طول الحدود الممتدة بين البصرة في الجنوب ومندلي  في القاطع الأوسط، واستمرت في توجيه الضربات للقوات الإيرانية التي أخذت معنوياتها تتراجع يوماً بعد يوم، واستطاعت القوات العراقية طردها من تلك المناطق، ودفعها إلى داخل الحدود الإيرانية.

5 ـ اختراق الحدود الإيرانية من جديد:
لم تكتفِ القوات العراقية من إزاحة القوات الإيرانية من الأراضي العراقية، وإنما طورت هجماتها، وأخذت تلاحق القوات الإيرانية إلى داخل الحدود، واستمر تقدم القوات العراقية في العمق الإيراني إلى مسافة 60 كم، مما جعل القوات الإيرانية في موقف صعب للغاية، وتنفس النظام الصدامي  الصعداء، واستمر في ضغطه على القوات الإيرانية لإجبارها على القبول بوقف الحرب التي عجزت كل الوساطات عن إقناع حكام إيران بوقفها.

ثالثاً:النظام العراقي يهاجم مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية:
في ليلة 13 آذار 1988، بادرت القوات الإيرانية بالهجوم على مدينة حلبجة  الواقعة في القسم الشمالي الشرقي من كردستان، في سهل شهر زور، بمساعدة
قوات البيشمركة العائدة للحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وكان النظام الإيراني يرمي من هجومه على المدينة التعويض عن هزائمه أمام القوات العراقية في القاطعين الجنوبي والأوسط، ولرفع معنويات جنوده المنهارة بعد تلك الهزائم.

بدأت القوات المهاجمة بقصف المدينة بالمدفعية لمدة ثلاثة أيام، ثم أعقبتها بالهجوم البري الذي دام يومين، حيث استطاع الإيرانيون من احتلال المدينة في 15 آذار، وتقهقرت القوات العراقية التي كانت متواجدة هناك تاركة أسلحتها ومعداتها في ارض المعركة، وبدأ الإيرانيون يتحدثون عِبر وسائل إعلامهم عن انتصارات حققوها في منطقة حلبجة، وبدأ المصورون يصورون القوات الإيرانية وهي تحتل المدينة.

أدرك الأهالي أن الأخطار تحدق بهم، وأن النظام الصدامي سوف لن يدع القوات الإيرانية تحتل المدينة، وكان أكثر ما يقلقهم هو إمكانية تعرضهم للضرب بالأسلحة الكيماوية، ولذلك فقد حاولوا مغادرة المدينة وإخلائها، لكن الإيرانيين منعوهم من ذلك، لكن القوات الإيرانية لم تمكث في المدينة، وبدأت تنسحب منها تاركة الأهالي، وقوات البيشمركة فيها، فقد توقعوا أن يشن النظام الصدامي الهجوم عليها بالأسلحة الكيماوية.

  وفي صباح يوم 16 آذار حلقت 8 طائرات حربية عراقية فوق المدينة، وبدأت بالقصف العشوائي مركزة على منطقتي [السراي] و[كاني قولكه].
وبعد الظهر جاءت موجة أخرى من الطائرات لتقصف المدينة بكل أحيائها وكانت تستهدف كسر زجاج النوافذ للدور تمهيداً لقصفها بالسلاح الكيماوي، لكي تنفذ الغازات السامة في كل مكان، ولكي تقتل  أكبر عدد من المواطنين.
وفي الساعة الثالثة والربع من عصر ذلك اليوم جاءت موجة أخرى من الطائرات لتقصف المدينة بالسلاح الكيماوي، مركزة القصف على أحياء [بير محمد] و[جوله كان] و[كاني قولكه] [والسراي]، ثم تلتها موجة أخرى من الطائرات بعد ساعة لتقصف المدينة من جديد مركزة القصف على كل أنحاء المدينة.

وتحدث أحد الناجين من تلك المجزرة البشرية التي ذهب ضحيتها أكثر من 5000 مواطن كردي أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ، فقال:
{في البداية سمعنا صوت انفجارات مدوية تلاها بعد خمس دقائق انتشار ما يشبه الضباب الذي راح يقترب من الأرض شيئاً فشيئاً، وبدأت العيون تدمع وشعرنا بحرقة شديدة، وكانت الرائحة أشبه برائحة البارود، وتسرب الدخان الأبيض إلى كل المنازل، والمخابئ، وبدأ الناس يشعرون بالاختناق، وتدافعت جموعهم للخروج نحو الخارج لتشم الهواء، وكان الناس يصرخون كالمجانين، ويضعون أيديهم على عيونهم، وأنوفهم، ثم يسقطون على الأرض ويأتون بحركات متشنجة ويتقيئون، ويبصقون دماً، وأصيبت عيونهم بالعمى، وكانت أنوفهم وأفواههم تنزف دماً، وقد ازرقت بشرتهم، ثم بدأوا يفارقون الحياة، وكنت أرى الجثث في الشوارع والطرقات وفي كل مكان، وكان البعض منهم لا يزال ينازع الحياة، وقد شوهتهم الحروق، وبدت المدينة أشبه بمقبرة انتزعت الجثث فيها من قبورها، وتناثرت على الأرض، وقد استطاع البعض تصوير تلك المشاهد المرعبة التي تصف جرائم النظام الصدامي خير وصف}.

رابعاً:العراق يكثف حرب الصواريخ،ونهاية الحرب:

أخذ حكام العراق، بعد أن تسنى لهم دفع القوات الإيرانية إلى عمق أراضيهم يضغطون على حكام إيران من أجل القبول بوقف الحرب، وذلك عن طريق تكثيف حرب الصواريخ لإحداث حالة من الانهيار النفسي لدى الشعب الإيراني، فقد كانت الصواريخ تنهال على طهران والمدن الإيرانية الأخرى بشكل متواصل محدثة خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، وخلقت حالة من الهلع لدى الشعب الإيراني.

وفي ظل تلك الظروف صدر قرار مجلس الأمن رقم 579، والذي دعا إلى وقف القتال بين الطرفين وانسحاب القوات العسكرية إلى داخل حدودها الوطنية، ووجد حكام إيران أنهم قد أصبحوا عاجزين عن مواصلة الحرب، واضطر الزعيم الديني [آية الله الخميني] إلى إصدار أوامره بوقف الحرب في 18 تموز 1988، والقبول بقرار مجلس الأمن على مضض، حيث أعلن الخميني أنه يشعر وهو يصدر أمره بوقف الحرب، بأنه يشرب السم.

وهكذا توقفت الحرب بين العراق وإيران، بعد مجازر رهيبة استمرت طيلة ثمان سنوات، وذهب ضحيتها أكثر من مليون إنسان، من كلا البلدين، إضافة إلى آلاف المعوقين والأرامل واليتامى، وتدمير اقتصاد البلدين، وتخريب مرافقهما الاقتصادية، والأعظم من كل ذلك هو التأثير النفسي الذي تركته تلك الحرب المجرمة على أبناء الشعبين المغلوبين على أمرهما، والتي لم يجنيا منها سوى الدماء والدموع .
خامساً:النظام الصدامي يشن حملة الأنفال على الأكراد:
لم يكد النظام الصدامي ينتهي من معاركه الخمسة مع إيران، وتضع الحرب أوزارها، حتى التفت إلى منطقة كردستان، وقد امتلأ قلب صدام حسين حقداً على الأكراد فأصدر أوامره إلى قوات الحرس الجمهوري بقيادة المجرم العريق [علي حسن المجيد] الملقب [علي كيماوي] حيث ارتبط أسمه باستخدام السلاح الكيماوي ضد أبناء الشعب الكردي.
ففي 20 آب 1988، اليوم الذي جرى فيه إيقاف الحرب بين العراق وإيران اندفعت قطعان الفاشيين نحو كردستان  مستخدمة في بداية هجومها السلاح الكيماوي في منطقة واسعة جاوزت  6000 كيلومتر مربع أصابت معظم القرى الكردية في المنطقة الممتدة من كركوك وحتى أقصى حدود كردستان.

كما قامت الطائرات صباح يوم 26 آب ب24 غارة بالأسلحة الكيماوية على مدن وقرى عديدة في كردستان، منها بابير،وكه ركو، وبليت ، وباروك، وزيوه وزيريج، وبازيان، ودهوك، والشيخان، والعمادية، وكانت الطائرات تتعقب الهاربين من جحيم الحرب، كما شاركت الطائرات المروحية في مطاردتهم، وبلغ عدد الفارين نحو الحدود التركية أكثر من 90 ألفا، وكان قسم منهم مصاباً بحروق جراء تعرضهم للأسلحة الكيماوية.

أعقب الهجوم البربري بالأسلحة الكيماوية اجتياح الحرس الجمهوري لكردستان، حيث أكتسحت القوات الفاشية المنطقة مبتدئة بالقرى المحيطة بكركوك لتمسحها من الوجود، وتتركها أكواما من الحجارة، ولتفتك بأبناء الشعب الكردي بأسلوب رهيب لم تشهد له كردستان من قبل، حيث لم يسلم من بطش القوات الغازية حتى الأطفال، ولم تنجوا الجوامع والكنائس من همجية الفاشيين البعثيين.
 لقد التُقِطتْ مكالمة هاتفية من علي حسن المجيد إلى قائد الفيلق الذي قاد الهجوم يقول له بالحرف الواحد: {لا تدع حتى الأطفال، لأنهم سيكبرون غداً ويحملون السلاح ضدنا}.

 وهكذا أباد الفاشيون ما يناهز على 180 ألف مواطن كردي دفنتهم الجرافات العسكرية في قبور جماعية مجهولة، وبأسلوب وحشي يندى له جبين الإنسانية.
كما تم نقل أعداد كبيرة من الأكراد إلى المناطق الصحراوية في جنوب العراق بسيارات الحمل، إمعاناً بإذلالهم، ونُهبت ممتلكاتهم ومواشيهم.

ورغم كل الجرائم التي أقترفها نظام صدام باستخدامه السلاح الكيماوي، ليس ضد القوات الإيرانية فحسب، بل وضد الشعب الكردي كذلك فإن تلك الجرائم لم تحرك مجلس الأمن، ولا حكومات الدول الغربية التي تتشدق بحقوق الإنسان، وشجع موقفهم حاكم بغداد على الإيغال بجرائمه ضد الإنسانية.
وبإلحاح من حكومة إيران وشكواها بأن العراق قد استخدم السلاح الكيماوي المحرم دولياً، اضطرت الأمم المتحدة إلى إرسال بعثة خبراء إلى طهران في 26 شباط 1986 للتحقيق في الشكوى، وقد مكثت البعثة مدة أسبوع في طهران، ثم رفعت تقريرها الذي أكد على أن العراق قد استخدم الغاز السام في الحرب واضطر مجلس الأمن إلى أن يصدر قراراً يدين العراق لأول مرة !!!.
لكن ذلك القرار كان قد صيغ بشكل مائع ولم يؤدِ إلى إيقاف تلك الجرائم، بل استمر النظام العراقي في استخدامها حتى نهاية الحرب.

غير أن الغرب صحا فجأة، بعد عام 1989، بعد أن انتهت الحرب مع إيران، وبدأ يتحدث عن تسلح النظام العراقي بأسلحة الدمار الشامل، الكيماوية والبيولوجية والجرثومية والنووية، فلقد تغيرت الحال بعد الحرب!، وخرج العراق منها يمتلك جيشاً جراراً، واقتصاداً منهاراً، ولديه ترسانة ضخمة من الأسلحة تجعله خطراً داهماً على مصالحهم في الخليج!، ووجد الغرب أن من الضروري نزع أسلحة العراق ذات الدمار الشامل من أجل ضمان أمن واستقرار الخليج!، ووجد إن الوقت قد حان لنزع هذه الترسانة الخطيرة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية، والصواريخ البعيدة المدى، والقادرة على حمل تلك الأسلحة إلى مسافات شاسعة.

 كان لابد وان يجد الغرب الوسيلة والمبرر لذلك، فكان توريط صدام بغزوه الكويت لاتخاذ تلك الجريمة مبرراً لتدمير القوة العسكرية والاقتصادية للعراق، وتدمير البنية الاجتماعية للشعب العراقي، نتيجة للحصار الظالم الذي تم فرضه على الشعب العراقي، دون صدام وزمرته المجرمة، والذي تسبب في تلك الكارثة المفجعة حيث الجوع والفقر والأمراض التي أزهقت أرواح 4 ملايين من أطفال العراق، ومحت الطبقة الوسطى، وحولتها إلى ما دون خط الفقر، وتسببت في هجرة الملايين من العراقيين نحو بلدان اللجوء الغربية، وفقد العراق خيرة كوادره العلمية في مختلف المجالات، والتي تعتبر ثروة عراقية كبرى لا تعوض.

لقد كانت الحرب العراقية ضد إيران بالوكالة عن الولايات المحتدة، هي العامل المباشر لغزو صدام للكويت، وحرب الخليج الثانية عام 1991، والانتفاضة التي تلتها مباشرة، ومن ثم حرب الخليج الثالثة التي قادها بوش الأبن لإسقاط نظام صدام، واحتلال العراق، وما سببه الاحتلال من الويلات والمصائب والمآسي التي أوصلت الشعب للحرب الأهلية ما بين عامي 2006 و 2007 ، وما زال الشعب العراقي حتى يومنا هذا يعاني اشد المعانات من فقدان الأمن، والتفجيرات المستمرة التي تحصد كل يوم بالعشرات بل المئات من المواطنين الأبرياء، إضافة للفقر والبطالة والأمراض التي عمت المجتمع العراقي جراء حروب صدام الكارثية .
إن خير من وصف ما تسببه الحروب في  تدمير البنية الاجتماعية هو [ليون تلستوي] حيث يقول في كتابه المشهور [ الحرب والسلام ] :
{ إن سنة واحدة من الحروب تفسد المجتمع أكثر ما تفسده ملايين الجرائم لعشرات السنين}، ولنا بعد ذلك أن ندرك ما فعلته حروب صدام المجرمة منذ أن استولى حزب البعث على السلطة في انقلاب 17 تموز 1968 وحتى عام 2003 بالمجتمع العراقي الذي كان بالإمكان لو تهيأت لو حكومة رشيدة مسالمة، نظيفة اليد، وذات كفاءة عالية، ان يعيش اليوم حياة رغيدة، في ظل بلد يرقى إلى مصاف بلدان العالم المتطورة، حيث يمتلك العراق كل المقومات المادية والبشرية والكفاءات العلمية لبلوغ هذا الهدف الكبير.

 تم البحث، وللمزيد من المعلومات يمكن الإطلاع على موقعي على الانترنيت التالي : www.Hamid-Alhamdany.blogspot.com
حامد الحمداني

30
من ذاكرة التاريخ:

الحرب العراقية الإيرانية
حامد الحمداني                          الحلقة الثالثة                     28/8/2010
                                                   3/4
أولاً:إيران تستعيد قدراتها، وتشن الهجوم المعاكس:

في أواسط عام 1982، استطاع النظام الإيراني احتواء هجوم الجيش العراقي، وتوغله في عمق الأراضي الإيرانية، وإعداد العدة للقيام بالهجوم المعاكس لطرد القوات العراقية من أراضيه، بعد أن تدفقت الأسلحة على إيران، وقامت الحكومة الإيرانية بتعبئة الشعب الإيراني، ودفعه للمساهمة في تلك الحرب.

لقد بدأت أعداد كبيرة من الإيرانيين بالتطوع في قوات الحرس الثوري، مدفوعين بدعاوى دينية استشهادية!، وتدفق الآلاف المؤلفة منهم إلى جبهات القتال، وقد عصبوا رؤوسهم بالعصابة الخضراء، ولبس قسم منهم الأكفان، وهم يتقدمون الصفوف.
وفي تلك الأيام من أواسط عام 1982، شنت القوات الإيرانية هجوماً واسعاً على القوات العراقية التي عبرت نهر الطاهري متوغلة في العمق الإيراني، واستطاع الجيش الإيراني، والحرس الثوري من تطويق القوات العراقية، وخاض ضدها معارك شرسة، ذهب ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء الشعب العراقي الذين ساقهم الجلاد صدام حسين إلى ساحات القتال، وانتهت تلك المعارك باستسلام بقية القوات العراقية بكامل أسلحتها للقوات الإيرانية.

 واستمر اندفاع القوات الإيرانية عبر نهر الطاهري، وأخذت تطارد بقايا القوات العراقية التي كانت قد احتلت مدينة [ خرم شهر] وطوقت مدينة عبدان النفطية المشهورة، واشتدت المعارك بين الطرفين، واستطاعت القوات الإيرانية في النهاية من طرد القوات العراقية من منطقة [خوزستان] في تموز من عام 1982، بعد أن فقد الجيش العراقي أعداداً كبيرة من القتلى، وتم أسر أكثر من عشرين ألف ضابط وجندي من القوات العراقية، وغرق أعداد كبيرة أخرى في مياه شط العرب عند محاولتهم الهرب من جحيم المعارك سباحة لعبور شط العرب، وكانت جثثهم تطفوا فوق مياه الشط .
أحدث الهجوم الإيراني هزة كبرى للنظام العراقي وآماله وأحلامه في السيطرة على منطقة خوزستان  الغنية بالبترول، وكان حكام العراق قد ساوموا حكام إيران عليها بموجب شروط المنتصر في الحرب، إلا أن حكام إيران رفضوا شروط العراق، وأصروا على مواصلة الحرب، وطرد القوات العراقية بالقوة من أراضيهم.
وبعد ذلك الهجوم الذي أنتهي بهزيمة العراق في منطقة خوزستان، حاول النظام العراقي التوصل مع حكام إيران إلى وقف الحرب، وإجراء مفاوضات بين الطرفين، بعد أن وجد نفسه في ورطة لا يدري كيف يخرج منها، مستغلاً قيام القوات الإسرائيلية في صيف ذلك العام  1982 باجتياح لبنان، واحتلالها للعاصمة بيروت، وفرضها زعيم القوات الكتائبية [بشير الجميل] رئيساً للبلاد، تحت تهديد الدبابات التي أحاطت بالبرلمان اللبناني، لكي يتسنى للعراق تقديم الدعم للشعب اللبناني حسب ادعائه، مبدياً استعداده للانسحاب من جميع الأراضي الإيرانية المحتلة.
 إلا أن حكام إيران، وعلى رأسهم [الإمام الخميني] رفضوا العرض العراقي، وأصروا على مواصلة الحرب، وطلبوا من حكام العراق السماح للقوات الإيرانية المرور عبر الأراضي العراقية للتوجه إلى لبنان، لتقديم الدعم للشعب اللبناني، وقد رفض حكام العراق الطلب الإيراني كذلك.

وحاول حكام العراق بكل الوسائل والسبل وقف الحرب، ووسطوا العديد من الدول، والمنظمات ،كمنظمة الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن كل محاولاتهم ذهبت أدراج الرياح، فقد كان الإمبرياليون يسعون بكل الوسائل والسبل إلى استمرار الحرب، وإفشال أي محاولة للتوسط في النزاع، فقد قتل وزير خارجية الجزائر عندما كان في طريقه إلى إيران، في محاولة للتوسط بين الطرفين المتحاربين، حيث أُسقطت طائرته، ولف الحادث الصمت المطبق، وبقي سراً من الأسرار.

كما اغتيل رئيس وزراء السويد [أولف بالمه] الذي بذل جهوداً كبيرة من أجل وقف القتال، في أحد شوارع العاصمة السويدية، وبقي مقتله سراً من الأسرار كذلك، وقيل أن توسطه بين الأطراف المتحاربة لوقف القتال كان أحد أهم أسباب اغتياله، هذا بالإضافة إلى موقفه النبيل من قضايا التسلح النووي، والحرب الفيتنامية التي عارضها بشدة.

لقد كان إصرار حكام إيران على استمرار الحرب، من أعظم الأخطاء التي وقعوا فيها، ولا يمكن تبرير موقفهم ذاك بأي حال من الأحوال، فقد أدى استمرار الحرب حتى الأشهر الأخيرة من عام 1988، إلى إزهاق أرواح مئات الألوف من أبناء الشعبين العراقي والإيراني، وبُددت ثروات البلدين، وانهار اقتصادهما، وتراكمت عليهما الديون، وأُجبر حكام إيران على شراء الأسلحة من عدويهما إسرائيل وأمريكا، كما كانت شعاراتهم تقول.

لا أحد يعتقد أن الإمام الخميني وحكام إيران لم يكونوا عارفين أن تلك الحرب كانت حرب أمريكية، وتصب في خانة الولايات المتحدة وإسرائيل الإستراتيجية في المنطقة، وكان خير دليل على ذلك قيام الولايات المتحدة وحلفائها بتزويد الطرفين بالأسلحة، والمعدات وقطع الغيار، والمعلومات التي كانت تنقلها الأقمار الصناعية التجسسية الأمريكية لكلا الطرفين، من أجل إطالة أمد الحرب، وعليه كان الإصرار على استمرار الحرب جريمة كبرى بحق الشعبين والبلدين الجارين  بصرف النظر عن طبيعة النظام العراقي وقيادته الفاشية المجرمة والمتمثلة بصدام حسين وزمرته، والتي كانت تدفع أبناء الشعب العراقي إلى ساحات الموت دفعاً حيث كانت فرق الإعدام تلاحق الهاربين من الحرب، أو المتراجعين أمام ضغط القوات الإيرانية في ساحات القتال.

لقد كان أحرى بالنظام الإيراني، وبالإمام الخميني على وجه التحديد وهو رجل الدين الأول في إيران إيقاف القتال، وحقن الدماء، والعمل بقوله تعالى:
{ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله }.
 وقوله في آية أخرى:
{ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين}،
كما جاء في آية ثالثة قوله:
{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فاصلحوا بينهم }.


 تلك هي آيات قرآنية، تحث على السلام، وحل المشاكل بالحسنى والعدل. وربما يحاجج النظام الإيراني بأن صدام حسين لا يمكن أن يعتبر مؤمناً، وبالتالي لا يمكن أن تنطبق عليه هذه الآيات، وهنا أعود فأقول أن الذين كانوا يقاتلون في تلك الحرب، ليسوا صدام حسين وزمرته، وإنما الناس الأبرياء من أبناء الشعب والذين ساقهم صدام للحرب عنوة، فهل يُعتبر الشعب العراقي كله في نظر حكام إيران غير مؤمنين؟

ومن جهة أخرى كان النظام الإيراني قد أدرك أن الإمبرياليين يساعدون الطرفين  ويمدونهم بالسلاح والمعلومات العسكرية، أفلا يكون هذا خير دليل على أن تلك الحرب هي حرب أمريكية استهدفت البلدين والشعبين والجيشين، من أجل حماية مصالح الإمبرياليين في الخليج، وضمان تدفق النفط إليهم دون تهديد أو مخاطر، وبالسعر الذي يحددونه هم ؟
 ثم ألا يعني استمرار تلك الحرب خدمة كبرى للإمبرياليين، وكارثة مفجعة لشعبي البلدين وللعلاقات التاريخية وحسن الجوار بينهما؟

 لقد أعترف صدام حسين عام 1990، بعد إقدامه على غزو الكويت، في رسالة إلى الرئيس الإيراني [هاشمي رفسنجاني]، أن تلك الحرب كان وراءها قوى أجنبية، حيث ورد في نص الرسالة ما يلي :
{إن هناك قوى أجنبية كانت لها يد في الفتنة}.

لكن صدام حسين لم يقل الحقيقة كاملة، وبشكل دقيق، لأن الحقيقة تقول أن صدام حسين أشعل الحرب بأمر أو تحريض أمريكي، وظن أن بإمكانه تحقيق طموحاته في التوسع والسيطرة ولعب دور شرطي الخليج، بعد أن كانت إيران على عهد الشاه تقوم بهذا الدور، ويصبح للعراق منفذاً واسعاً على الخليج .

لقد أراد صدام حسين أن يزاوج مصالح الإمبريالية بأطماعه التوسعية، ولكن حسابات البيدر كانت غير حسابات الحقل، كما يقول المثل، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء أبنائه البررة، وبدد صدام حسين ثروات البلاد، واغرق العراق بالديون ،ودمر اقتصاده، ولم يستفد من تلك الحرب سوى الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم ، وليذهب إلى الجحيم شعبا البلدين المظلومين من قبل حكامهما، ومن قبل الإمبرياليين أساس البلاء.

ربما فكر الإمام الخميني بأن استمرار الحرب يمكن أن يحقق له أهدافاً في العراق كقيام ثورة [ شيعية ] تسقط نظام صدام، لكن هذا الحلم كان غير ممكن التحقيق لسبب بسيط وهو أن الإمبريالية لا يمكن أن تسمح بقيام نظام ثانٍ في العراق على غرار النظام الإيراني، ولا حتى تسمح بأن يسيطر صدام حسين على إيران ليشكل ذلك أكبر خطر على مصالحهم في المنطقة، وتسمح لأحد المنتصرين الجلوس على نصف نفط الخليج، وليس أدل على ذلك من إعلان الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي، في 23 كانون الثاني من عام 1980 والذي دُعي بمبدأ كارتر، وجاء فيه ما يلي :
{ إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج، سوف يعتبر في نظر الولايات المتحدة الأمريكية كهجوم على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل، بما فيها القوة العسكرية}.

هذه هي حقائق الوضع في منطقة الخليج، والتي جهلها أو تجاهلها حكام البلدين، ليغرقوا بلديهما وشعبيهما في ويلات أطول حرب في القرن العشرين.

ثانيا:استمرار الحرب، وإيران تستكمل تحرير أراضيها:

اشتدت الحرب ضراوة ما بين الأعوام 1983 ـ 1986، حيث أخذت إيران زمام المبادرة من العراقيين، واستطاعت بعد إكمال تحرير إقليم خوزستان، أن تركز جهدها الحربي نحو القاطع الأوسط من ساحة الحرب، وشنت هجوماً واسعا على القوات العراقية، مسددة له ضربات متواصلة استطاعت من خلالها تحرير مدن  [قصر شيرين] و[سربيل زهاب] و[الشوش]، وتمكنت من طرد القوات العراقية من كافة الأراضي الإيرانية، ومنزلة بها خسائر جسيمة بالأرواح، والمعدات، وتم أسر الآلاف من جنوده وضباطه، والاستيلاء على معدات وأسلحة ودبابات بأعداد كبيرة، هذا بالإضافة إلى آلاف القتلى الذين تُركوا في ساحات المعارك، ولم يكن بالإمكان نقلهم جميعاً إلى داخل الحدود العراقية.

 ومع ذلك فقد كانت سيارات النقل كل يوم تنقل أعداد كبيرة من ضحايا تلك الحرب المجرمة، وكان الشعب العراقي يتحرق ألماً، وغضباً على صدام ونظامه الذي ورط العراق بتلك الحرب، وقمع أي معارضة لها بأقسى وسائل العنف، فقد كان مصير كل من ينتقد الحرب الموت الزؤام.

لقد حاول صدام امتصاص غضب الشعب واستياءه من الحرب وكثرة الضحايا برشوة ذويهم، وذلك بتقديم سيارة ومبلغ  من المال، أو قطعة أرض أو شقة  أو دار، وكانت الحكومة السعودية، وحكام دول الخليج الأخرى تدفع الأموال الطائلة لتمكن صدام حسين من دفع تلك الرشاوى، ولشراء الأسلحة والمعدات للجيش العراقي، بعد أن أستنفذ دكتاتور العراق كامل احتياطات البلاد من العملات النادرة البالغة 36 ملياراً من الدولارات والذهب، واستنفذ كل موارد العراق النفطية  والبالغة 25 مليار دولار سنوياً، هذا بالإضافة إلى إغراق العراق بالديون، والتي جاوزت حدود أل 90 مليار دولار.

لقد كان من الممكن أن يكون العراق اليوم في مصاف الدول المتقدمة في تطوره، ومستوى معيشة شعبه، نظراً لما يتمتع به العراق من ثروات نفطية ومعدنية وأراضي زراعية خصبة، ومياه وفيرة، ولكن الجلاد آثر أن يسوق الشعب العراقي نحو الجوع والفقر، والوطن نحو الدمار والخراب.

ثالثاً:الجيش الإيراني يحتل شبه جزيرة الفاو وجزر مجنون الغنية بالنفط 

اشتدت المعارك بين الجيشين العراقي والإيراني، وبدت إيران في وضع يمكنها من شن الهجمات  البشرية المتتالية، تارة على القاطع الجنوبي نحو البصرة، وتارة أخرى نحو القاطع الأوسط، حول مدن مندلي وبدرة وجصان، وتارة ثالثة نحو القاطع الشمالي المحاذي لكردستان، وكان الوضع في كردستان في غير صالح النظام، بالنظر إلى الجرائم التي أقترفها بحق الشعب الكردي، مما دفع الأكراد إلى الوقوف إلى جانب إيران رغبة في إسقاط النظام، واستطاعت القوات الإيرانية من احتلال أجزاء من المناطق في كردستان.

 أما هجماته في القاطعين الأوسط والجنوبي، فقد كان حكام العراق قد حشدوا قوات كبيرة مجهزة بشتى أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية الفتاكة التي أستخدمها صدام حسين لدحر الهجمات الإيرانية، موقعاً خسائر جسيمة في صفوف القوات الإيرانية والعراقية، حيث سقط عشرات الألوف من جنود وضباط الطرفين في تلك المعارك الشرسة التي تقشعر من هولها الأبدان، ولم يفلح الإيرانيون في الاحتفاظ بأي تقدم داخل الأراضي العراقية حتى نهاية عام 1985.

لكن الوضع أصبح خطيراً بالنسبة للعراق عام 1986، عندما استطاعت القوات الإيرانية الاندفاع نحو شبه جزيرة الفاو واحتلالها بأكملها بعد معارك دموية شرسة  ودفع فيها الشعب العراقي ما يزيد على 50 ألف من أرواح أبنائه، في محاولة من صدام حسين لاستعادتها من أيدي  الإيرانيين، وكان الإيرانيون يستهدفون من احتلالها قطع الاتصال بين العراق ودول الخليج العربي، التي كان العراق يحصل على الأسلحة والمعدات عن طريقها، إضافة إلى محاولة إيران منع العراق من تصدير نفطه عن طريق الخليج، وحرمانه من موارده النفطية اللازمة لإدامة ماكينته الحربية، وقد أضطر العراق إلى مد أنبوبين لنقل النفط إلى الأسواق الخارجية، الأول عبر الراضي التركية، والثاني عبر الأراضي السعودية بعد أن أصبح نفطه مطوقاً، وسيطرت البحرية الإيرانية على مداخل الخليج.  وأستمر الإيرانيون في تكثيف هجماتهم على القوات العراقية بعد احتلالهم شبه جزيرة الفاو وركزوا على منطقة [ جزر مجنون ] الغنية جداً بالنفط، واستطاعوا احتلالها بعد معارك عنيفة. 

رابعاً:النظام العراقي يسعى للتسلح بأسلحة الدمار الشامل:
كاد صدام يفقد صوابه، بعد أن تطورت الأوضاع على جبهات القتال لغير صالح العراق، وبدأ يعبئ كل موارد البلاد لخدمة المجهود الحربي، كما أخذ يطلب المساعدة من دول الخليج، ومن السعودية بشكل خاص، وشعر حكام الخليج أن الخطر قد بدأ يتقدم نحو المنطقة، فسارعوا إلى تقديم كل أنواع الدعم، والمساعدة المالية، وحصل العراق في تلك الفترة على 12 مليار دولار، وكان عدد من الدول العربية كمصر والسعودية والكويت تقوم بشراء الأسلحة لحساب العراق.
غير أن حكام العراق وجدوا أخيراً أن السعي لإنشاء مصانع الأسلحة ذات الدمار الشامل يمكن أن تكون أداة فعالة لدفع الخطر عن البلاد، وتم إنشاء هيئة التصنيع العسكري، وبدأ العراق بإنتاج الأسلحة الكيماوية، مستفيدين من خبرة العلماء المصريين، وبعض العلماء الأجانب، الذين سبق وعملوا في برامج الأسلحة الكيماوية في عهد عبد الناصر، وأوقفها السادات من بعده، ثم بدأ العراق في إنتاج وتطوير الصواريخ من طراز[سكود]، وطوروا مداها لكي تصل إلى أبعد المدن الإيرانية.

  وكان الإيرانيون قد حصلوا على عدد من تلك الصواريخ، وضربوا بها العاصمة بغداد وبعض المدن الأخرى، حيث كانت تلك الصواريخ تطلق نحو العراق كل بضعة أيام أو أسابيع لتصيب الأهداف المدنية، وتفتك بالأبرياء، فقد أصاب أحد تلك الصواريخ مدرسة ابتدائية في بغداد، وقتل العديد من الأطفال وجرح أعداد أخرى، وكان الشعب العراقي ينتابه القلق الشديد كل يوم من هذا السلاح الخطير، حيث لا أحد يعلم متى وأين سيقع الصاروخ، وكم سيقتل من الآمنين!!.

وتمكن العراق من الحصول على أعداد كبيرة من تلك الصواريخ، وبدأ في تطويرها، وزيادة مداها، وبدأ حكام العراق يطلقونها على العاصمة  الإيرانية والمدن الأخرى بكثافة، حتى جاوز عدد الصواريخ التي أطلقوها على المدن الإيرانية أكثر من [1000 صاروخ]،منزلين الخراب والدمار بها ، وإيقاع الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين، وأخذت الحرب تزداد خطورة وأذى للسكان المدنيين.

كما تمكن العراق من إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية، واستخدمها في صد هجمات القوات الإيرانية منزلاً بها الخسائر الجسيمة في الأرواح، كما راح حكام العراق يعبئون صواريخ سكود بالغازات السامة، كغاز[الخردل] و[السارين] السامين، ثم بدءوا يتطلعون إلى تطوير ترسانتهم الحربية في مجال الأسلحة البيولوجية والجرثومية، وتمكنوا من إنتاجها وتعبئة القنابل بها.

أحدث برامج التسلح العراقي هذا، قلقاً كبيراً لدى إسرائيل، التي كانت تتابع باهتمام بالغ تطوير برامج التسلح العراقي، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلية [الموساد] بحملة ضد العلماء الذين ساهموا في تطوير البرامج، وضد الشركات الغربية التي جهزت العراق بالأجهزة، والمعدات اللازمة لتطويرها، وخاصة ،الشركات الألمانية والفرنسية والأمريكية والبلجيكية والسويسرية، التي بلغ عددها أكثر من 300 شركة.

كما قام الموساد باغتيال العالم المصري، والأمريكي الجنسية [ يحيى المشد]الذي عمل في تطوير الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل،  كما أغتال العالم البلجيكي، الدكتور[جيرالد بول] في بروكسل، حيث كان هذا العالم يعمل لإنتاج المدفع العملاق للعراق، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي أيضاً بنسف توربينات المفاعل النووي [أوزيراك] في ميناء [مرسيليا] الفرنسي، حيث كان معداً لنقله إلى العراق. غير أن العراق واصل نشاطه في بناء مفاعل جديد بإشراف العالم النووي العراقي [جعفر ضياء جعفر]، الذي استطاع أن يحقق نجاحاً بارزاً في هذا المجال، وكان  ذلك يجري تحت سمع وبصر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين ومساعدتهم، من أجل إبقاء نار الحرب مشتعلة بين العراق وإيران. 

انتهى القسم الثالث ويليه القسم القسم الرابع والاخير
www.Hamid-Alhamdany.blogspot.com


31
من ذاكرة التاريخ
الحرب العراقية الايرانية
الحلقة الثانية
حامد الحمداني                            2/4                             23/8/2018

بداية الحرب وتوغل القوات العراقية في العمق الإيراني:

في صباح الثاني والعشرين من أيلول 1980، قامت على حين غرة 154 طائرة حربية عراقية  بهجوم جوي كاسح على مطارات إيران وكافة المراكز الحيوية فيها ثم أعقبتها 100 طائرة أخرى في ضربة ثانية لإكمال ضرب المطارات والطائرات الحربية الإيرانية، وكانت الطائرات تغير موجة إثر موجة، وفي الوقت نفسه زحفت الدبابات والمدرعات العراقية نحو الحدود الإيرانية على جبهتين:

1 ـ الجبهة الأولى: في المنطقة الوسطى من الحدود  باتجاه [قصر شيرين]، نظراً لقرب هذه المنطقة من قلب العراق لإبعاد أي خطر محتمل لتقدم القوات الإيرانية نحو محافظة ديالى و بغداد، وقد استطاعت القوات العراقية الغازية احتلال[ قصر شيرين].

2ـ الجبهة الثانية: في الجنوب نحو منطقة [ خوزستان ] الغنية بالنفط  وذات الأهمية الإستراتيجية الكبرى حيث تطل على أعلى الخليج.
وفي خلال بضعة أسابيع من الهجوم المتواصل استطاعت القوات العراقية التي كانت قد استعدت للحرب من السيطرة على منطقة [خوزستان] بكاملها، واحتلت مدينة [خرم شهر] وقامت بالتفاف حول مدينة [عبدان] النفطية وطوقتها.

وعلى الجانب الإيراني قامت الطائرات الإيرانية بالرد على الهجمات العراقية، وقصفت العاصمة بغداد وعدد من المدن الأخرى، إلا أن تأثير القوة الجوية الإيرانية لم يكن على درجة من الفعالية، وخصوصاً وأن النظام العراقي كان قد تهيأ للحرب قبل نشوبها، حيث تم نصب المضادات أرض جو فوق أسطح العمارات في كل أنحاء العاصمة والمدن الأخرى، وتم كذلك نصب العديد من بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات حول بغداد.

 وهكذا فقد فقدت إيران أعدادا كبيرة من طائراتها خلال هجومها المعاكس على العراق، كما أن القوة الجوية الإيرانية كانت قد فقدت الكثير من كوادرها العسكرية المدربة بعد قيام الثورة، مما اضعف قدرات سلاحها الجوي، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح للسلاح الجوي العراقي السيطرة المطلقة في سماء البلدين. وفي الوقت الذي كانت إيران محاصرة من قبل الغرب فيما يخص تجهيزها بالأسلحة، في حين كانت الأسلحة تنهال على العراق من كل جانب.

 كما أوعزت الولايات المتحدة إلى الرئيس المصري  أنور السادات ببيع جميع الأسلحة المصرية من صنع سوفيتي إلى العراق، وتم فتح قناة الاتصال بين البلدين عن طريق سلطنة عمان، حيث كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة منذُ أن ذهب السادات إلى إسرائيل، وقام السادات بالدور الموكول له، وأخذت الأسلحة المصرية تُنقل إلى العراق عن طريق الأردن والسعودية خلال عام 1981، كما بدأت خطوط الإنتاج في المصانع الحربية المصرية تنتج وتصدر للعراق المعدات والذخيرة والمدافع عيار 122 ملم طيلة سنوات الحرب.

لقد كانت تلك العملية فرصة كبيرة للولايات المتحدة لإنعاش سوق السلاح الأمريكي، حيث سعت لأن تتخلص مصر من السلاح السوفيتي وتستعيض عنه بالسلاح الأمريكي، فقد بلغ قيمة ما باعه السادات من سلاح للعراق يتجاوز ألف مليون دولار خلال عام واحد، وكانت أسعار الأسلحة المباعة تتجاوز أحياناً أسعارها الحقيقية، وكان صدام حسين مرغماً على قبولها.

أما الاتحاد السوفيتي فقد بدأ بتوريد الأسلحة إلى العراق بعد توقف لفترة من الزمن  وبدأت الأسلحة تنهال عليه عام 1981 حيث وصل إلى العراق 400 دبابة طراز T55  و250 دبابة طرازT 72)) كما تم عقد صفقة أخرى تناولت طائرات [ميك] و[سوخوي ] و[ توبوليف] بالإضافة إلى الصواريخ.

كما عقد حكام العراق صفقة أخرى مع البرازيل بمليارات الدولارات لشراء الدبابات والمدرعات وأسلحة أخرى، وجرى ذلك العقد بضمانة سعودية، واستمرت العلاقات التسليحية مع البرازيل حتى نهاية الحرب عام 1988.

 وهكذا استمر تفوق الجيش العراقي خلال العام 1981 حيث تمكن من احتلال مناطق واسعة من القاطع الأوسط منها [سربيل زهاب ] و[الشوش] و[قصر شيرين] وغيرها من المناطق الأخرى.
                                   
كما تقدمت القوات العراقية في القاطع الجنوبي في العمق الإيراني عابرة نهر الطاهري، وكان ذلك الاندفاع أكبر خطأ أرتكبه الجيش العراقي بأمر من صدام حسين !!!، حيث أصبح في وضع يمكن القوات الإيرانية من الالتفاف حوله وتطويقه، رغم معارضة القادة العسكريين لتلك الخطوة الانتحارية التي دفع الجيش العراقي لها ثمناً باهظاً من أرواح جنوده، ومن الأسلحة والمعدات التي تركها الجيش بعد عملية التطويق الإيرانية، والهجوم المعاكس الذي شنه الجيش الإيراني في تموز من عام 1982، والذي استطاع من خلاله إلحاق هزيمة منكرة بالجيش العراقي، واستطاع تحرير أراضيه ومدنه في منطقة خوزستان، وطرد القوات العراقية خارج الحدود.

إيران تبحث عن السلاح:
أحدث تقدم الجيش العراقي في العمق الإيراني قلقاً كبيراً لدى القيادة الإيرانية التي بدأت تعد العدة لتعبئة الجيش بكل ما تستطيع من الأسلحة والمعدات، وقامت عناصر من الحكومة الإيرانية بالبحث عن مصادر للسلاح، حيث كان السلاح الإيراني كله أمريكياً، وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت توريد الأسلحة إلى إيران منذُ الإطاحة بالشاه، وقيام الحرس الثوري الإيراني باحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز أعضائها كرهائن، وتمكنت تلك العناصرعن طريق بعض الوسطاء من تجار الأسلحة من الاتصال بإسرائيل عن طريق أثنين من مساعدي رئيس الوزراءالإسرائيلي آنذاك وهما[أودولف سكويمر]و[يلكوف نامرودي]،بالاشتراك مع تاجر الأسلحة السعودي[عدنان خاشقجي]الذي قام بدور الوسيط؟
 وجدت إسرائيل ضالتها في تقديم الأسلحة إلى إيران حيث كانت تعتبر العراق يشكل خطراً عليها، وإن إضعافه وإنهاك جيشه في حربه مع إيران يحقق أهداف إسرائيل، ولم يكن تصرفها ذاك يجري بمعزل عن مباركة الولايات المتحدة                                                                                                                                                                                        ورضاها واستراتيجيتها، إن لم تكن هي المرتبة لتلك الصفقات بعد أن وجدت الولايات المتحدة أن الوضع العسكري في جبهات القتال قد أصبح لصالح العراق، ورغبة منها في إطالة أمد الحرب أطول مدة ممكنة فقد أصبح من الضروري إمداد إيران بالسلاح لمقاومة التوغل العراقي في عمق الأراضي الإيرانية، وخلق نوع من توازن القوى بين الطرفين.
ففي آذار من عام 1981 أسقطت قوات الدفاع الجوي السوفيتية طائرة نقل دخلت المجال الجوي السوفيتي قرب الحدود التركية، وتبين بعد سقوطها أنها كانت تحمل أسلحة ومعدات إسرائيلية إلى إيران، وعلى الأثر تم عزل وزير الدفاع الإيراني [عمر فاخوري] بعد أن شاع خبر الأسلحة الإسرائيلية في أرجاء العالم.

إلا أن ذلك الإجراء لم يكن سوى تغطية للفضيحة، وظهر أن وراء تلك الحرب مصالح دولية كبرى  تريد إدامة الحرب وإذكاء لهيبها، وبالفعل تكشفت بعد ذلك في عام 1986 فضيحة أخرى هي ما سمي [إيران ـ كونترا]على عهد الرئيس الأمريكي [ رونالد ريكان] الذي أضطر إلى تشكيل لجنة تحقيقية برئاسة السناتور  [جون تاور] وعضوية السناتور [ ادموند موسكي ] ومستشار للأمن القومي [برنت سكوكروفت] وذلك في 26 شباط 19987، وقد تبين من ذلك التحقيق أن مجلس الأمن القومي الأمريكي كان قد عقد اجتماعاً عام 1983 برئاسة ريكان نفسه لبحث السياسة الأمريكية تجاه إيران، وموضوع الحرب العراقية الإيرانية، وقد وجد مجلس الأمن القومي الأمريكي أن استمرار لهيب الحرب يتطلب تزويد إيران بالسلاح وقطع الغيار والمعدات من قبل الولايات المتحدة وشركائها، وبشكل خاص إسرائيل التي كانت لها مصالح واسعة مع حكومة الشاه لسنوات طويلة، وأن تقديم السلاح لإيران يحقق هدفين للسياسة الإسرائيلية الإستراتيجية:
الهدف الأول: يتمثل في استنزاف القدرات العسكرية العراقية التي تعتبرها إسرائيل خطر عليها.
الهدف الثاني: هو تنشيط سوق السلاح الإسرائيلي.

 لقد قام الكولونيل [ أولفر نورث ] مساعد مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي بترتيب التعاون العسكري الإسرائيلي الإيراني من وراء ظهر الكونجرس  الذي كان قد أصدر قراراً يمنع بيع الأسلحة إلى إيران، وجرى ترتيب ذلك عن طريق شراء الأسلحة إلى متمردي الكونترا في نيكاراغوا حيث كان هناك قرارا بتزويد ثورة الردة في تلك البلاد، وجرى شراء الأسلحة من إسرائيل، وسجلت أثمانها بأعلى من الثمن الحقيقي لكي يذهب فرق السعر ثمناً للأسلحة المرسلة إلى إيران بالإضافة إلى ما تدفعه إيران من أموال لهذا الغرض.

وقد أشار تقرير اللجنة الرئاسية كذلك، إلى أن اجتماعاً كان قد جرى عقده بين الرئيس[ريكان] ومستشاره للأمن القومي [مكفرن] عندما كان ريكان راقداً في المستشفى لإجراء عملية جراحية  لإزالة ورم سرطاني في أمعائه، وقد طلب مستشاره الموافقة على فتح خط اتصال مع إيران حيث أجابه الرئيس ريكان على الفور: [أذهب وافتحه].

وبدأ الاتصال المباشر مع إيران حيث سافر [أولفر نورث] بنفسه إلى إيران في زيارة سرية لم يعلن عنها، وبدأت الأسلحة الأمريكية تنهال على إيران، لا حباً بإيران ونظامها الإسلامي المتخلف، وإنما لجعل تلك الحرب المجرمة تستمر أطول مدة ممكنة.

ولم يقتصر تدفق الأسلحة لإيران، على إسرائيل والولايات المتحدة فقط، وإنما تعدتها إلى جهات أخرى عديدة، ولعب تجار الأسلحة الدوليون دوراً كبيراً في هذا الاتجاه.

 إسرائيل تضرب المفاعل النووي العراقي:

 انتهزت إسرائيل فرصة قيام الحرب العراقية الإيرانية لتقوم بضرب المفاعل الذري العراقي عام 1981، فقد كانت إسرائيل تراقب عن كثب سعي نظام صدام لبناء برنامجه النووي حيث قامت فرنسا بتزويد العراق بمفاعل ذري تم إنشاءه في الزعفرانية إحدى ضواحي بغداد، وكانت إسرائيل عبر جواسيسها تتتبّع التقدم العراقي في هذا المجال باستمرار.

وعندما قامت الحرب العراقية الإيرانية وجدت إسرائيل الفرصة الذهبية لمهاجمة المفاعل، مستغلة قيام الطائرات الإيرانية شن غاراتها الجوية على بغداد، وانغمار العراق في تلك الحرب مما يجعل من العسير عليه فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل آنذاك. 
وهكذا هاجم سرب من الطائرات الإسرائيلية يتألف من 18 طائرة المفاعل النووي العراقي في كانون الثاني 1981، وضربه بالقنابل الضخمة، وقيل حينذاك أن عدد من الخبراء الفرنسيين العاملين في المفاعل قد قدموا معلومات واسعة ودقيقة عن المفاعل، مما سهل للإسرائيليين إحكام ضربتهم له، وهكذا تم تدمير المفاعل، إلا أن العراق استطاع إنقاذ ما مقداره [12,3 كغم] من اليورانيوم المخصب بنسبة 93%  وهي كمية كافية لصنع قنبلة نووية.

 لم يستطع حكام العراق القيام بأي رد فعل تجاه الضربة الإسرائيلية بعد أن غرقوا في خضم تلك الحرب المجنونة، واكتفوا بالتوعد بالانتقام من إسرائيل، ولم يدر في خلدهم أن تلك الحرب سوف تطول لمدة ثمان سنوات، ويُغرق الجلاد صدام الشعب العراقي بالدماء، ويعم بالبلاد الخراب والدمار، وينهار اقتصاد العراق.





32
من ذاكرة التاريخ:
الحرب العراقية الإيرانية
حامد الحمداني                                                     21/8/2018

منذُ أن قام صدام حسين بدوره المعروف في الانقلاب الذي دبره ضد شريك البعثيين في انقلاب 17 تموز 968  [عبد الرزاق النايف ] بدأ نجمه يتصاعد  حيث أصبح نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبدأ يمارس السلطة كما لو أنه الرئيس الفعلي للبلاد، رغم وجود الرئيس أحمد حسن البكر على قمة السلطة، وأخذ دوره في حكم البلاد يكبر ويتوسع يوماً بعد يوم، وخاصة سيطرته على الحزب والأجهزة الأمنية، والمكتب العسكري، وبدا وكأن صدام يخطط لاستلام القيادة من البكر بحجة كبر سنه ومرضه.

وعندما حلت الذكرى الحادية عشر لانقلاب 17 تموز 1979، فوجئ الشعب العراقي بإعلان استقالة الرئيس البكر في 16 تموز 1979، وتولي صدام حسين قيادة الحزب والدولة، حيث أعلن نفسه رئيساً للجمهورية، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة، وقائداً عاماً للقوات المسلحة.

أما كيف ولماذا تم هذا الانتقال للسلطة من البكر إلى صدام حسين فلم يكتب عن ذلك الحدث لحد الآن  إلا القليل، إلا أن المتتبع لتطورات الأوضاع السياسية في البلاد، وما أعقبتها من أحداث خطيرة يستطيع أن يتوصل إلى بعض الخيوط التي حيك بها الانقلاب، ومن كان وراءه !!.

أن هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى أن ذلك الانقلاب كان قد جرى الإعداد له في دوائر المخابرات المركزية الأمريكية، وأن الانقلاب كان يهدف بالأساس إلى جملة أهداف تصب كلها في خدمة المصالح  الإمبريالية الأمريكية وأبرزها:

1ـ إفشال التقارب الحاصل بين سوريا والعراق، ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة بينهما، وتخريب الجهود التي بُذلت في أواخر أيام حكم البكر لتحقيق وتطبيق ما سمي بميثاق العمل القومي آنذاك، والذي تم عقده بين سوريا والعراق، حيث أثار ذلك الحدث قلقاً كبيراً لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، تحسبا لما يشكله من خطورة على أمن إسرائيل.

2ـ احتواء الثورة الإسلامية في إيران، ولاسيما وأن قادة النظام الإيراني الجديد بدءوا يتطلعون إلى تصدير الثورة، ونشر مفاهيم الإسلامية في الدول المجاورة، مما اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها في منطقة الخليج، ووجدت أن خير سبيل إلى ذلك هو إشعال الحرب بين العراق وإيران، وأشغال البلدين الكبيرين في المنطقة بحرب سعت الولايات المتحدة إلى جعلها تمتد أطول فترة ممكنة، كما سنرى .

3ـ مكافحة النشاطات الشيوعية، والإسلامية في البلاد على حد سواء، والتصدي للتطلعات الإيرانية الهادفة إلى نشر أفكار الثورة الإسلامية في المنطقة.

4ـ بالإضافة لما سبق كانت تطلعات صدام حسين لأن يصبح شرطي الخليج، وتزعم العالم العربي قد طغت على تفكيره، ووجد في الدور الذي أوكل له خير سبيلٍ إلى تحقيق طموحاته .

لم يكن انقلاب صدام ضد البكر بمعزل عن المخططات الأمريكية، فقد قام مساعد وزير الخارجية الأمريكي بزيارة لبغداد، حيث أجرى محادثات مطولة مع الرئيس احمد حسن البكر وبحث معه في مسالتين هامتين بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية:

المسألة الأولى: تتعلق بتطور العلاقات بين العراق وسوريا، وتأثير هذه العلاقات على مجمل الأوضاع في المنطقة، وبشكل خاص على إسرائيل التي تحرص على عدم السماح بإقامة الوحدة بين العراق وسوريا.

 المسألة الثانية: دارت حول الأوضاع في إيران، بعد سقوط نظام الشاه، واستلام التيار الديني بزعامة [الخميني] السلطة، والأخطار التي يمثلها النظام الجديد على الأوضاع في منطقة الخليج، وضرورة التصدي لتلك الأخطار، وسعى الموفد الأمريكي إلى تحريض حكام العراق على القيام بعمل ما ضد النظام الجديد في إيران، بما في ذلك التدخل العسكري، وقيل بأن الرئيس البكر لم يقتنع بفكرة الموفد الأمريكي، وخاصة وأن البكر رجل عسكري يدرك تمام الإدراك ما تعنيه الحرب من ويلات ومآسي، وتدمير لاقتصاد البلاد.

وبعد انتهاء اللقاء مع البكر التقى الموفد الأمريكي مع صدام الذي كان آنذاك نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبحث معه نفس المواضيع التي بحثها مع البكر، وقد  أبدى صدام كل الاستعداد للقيام بهذا الدور المتمثل بتخريب العلاقات مع سوريا من جهة، وشن الحرب ضد إيران من جهة أخرى.

لم تمضِ غير فترة زمنية قصيرة حتى جرى إجبار الرئيس البكر، بقوة السلاح، من قبل صدام حسين وأعوانه، على تقديم استقالته من كافة مناصبه، وإعلان تولي صدام حسين كامل السلطات في البلاد، متخطياً الحزب وقيادته، ومجلس قيادة الثورة المفروض قيامهما بانتخاب رئيس للبلاد في حالة خلو منصب الرئاسة.
أحكم صدام حسين سلطته المطلقة على مقدرات العراق، بعد تصفية كل المعارضين لحكمه ابتداءً من أعضاء قيادة حزبه الذين صفاهم جسدياً بأسلوب بشع وانتهاءً بكل القوى السياسية الأخرى المتواجدة على الساحة .

لقد أخذت أجهزته القمعية تمارس أبشع الأعمال الإرهابية بحق العناصر الوطنية من ِشيوعيين وإسلاميين وقوميين وديمقراطيين، بالإضافة للشعب الكردي، وملأ السجون بأعداد كبيرة منهم، ومارس أقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم  وقضى العديد منهم تحت التعذيب.

لقد كانت ماكنة الموت الصدامية تطحن كل يوم بالمئات من أبناء الشعب، لكي يقمع أي معارضة لحكمه، وحتى يصبح مطلق اليدين في اتخاذ أخطر القرارات التي تتحكم بمصير الشعب والوطن، ولكي يعدّ العدة، ويهيئ الظروف المناسبة لتنفيذ الدور الذي أوكلته له الإمبريالية الأمريكية، في العدوان على إيران.

لقد وصل الأمر بصدام حسين أن جمع وزراءه، وشكل منهم فريق إعدام في سجن بغداد، لكي يرهب كل من تسول له نفسه بمعارضته، كما قام بإعدام عدد كبير من ضباط الجيش، لكي يصبح وحده الأقوى في المؤسسة العسكرية، رغم أنه لم يكن في يوم من الأيام عسكرياُ.
 
العلاقات العراقية السورية:
 رغم أن العراق وسوريا يحكمهما حزب البعث، إلا أن العلاقات بين الحزبين، والبلدين اتسمت دائماً بالخلافات والتوتر الذي وصل إلى درجة العداء والقطيعة لسنين طويلة، وتطور العداء بين الحزبين إلى حد القيام بأعمال تخريبية، وتدبير التفجيرات، وغيرها من الأعمال التي أدت إلى القطيعة التامة بين البلدين.

ولاشك أن لأمريكا وإسرائيل دور أساسي في إذكاء العداء والصراع بين البلدين الشقيقين، ذلك لأن أي تقارب بينهما ربما يؤدي إلى قيام وحدة سياسية تقلب موازين القوة بين سوريا وإسرائيل نظراً لما يمتلكه العراق من موارد نفطية هائلة،  وقوة عسكرية كبيرة، بالإضافة إلى ما يشكله العراق من امتداد إستراتيجي لسوريا في صراعها مع إسرائيل، وهذا ما تعارضه الولايات المتحدة وإسرائيل أشد المعارضة .
وفي أواخر عام 1978، وأوائل عام 1979، جرت محاولة للتقارب بين البلدين، تحت ضغط جانب من أعضاء القيادة في كلا الحزبين السوري والعراقي، وقد أدى ذلك التقارب إلى تشكيل لجان مشتركة سياسية واقتصادية وعسكرية، وعلى أثر توقيع ميثاق للعمل القومي المشترك الذي وقعه الطرفان في تشرين الأول عام 1978، وقد أستهدف الميثاق بالأساس إنهاء القطيعة بين الحزبين والبلدين الشقيقين وإقامة وحدة عسكرية تكون الخطوة الأولى نحو إقامة الوحدة السياسية بين البلدين وتوحيد الحزبين.

 كان وضع سوريا في تلك الأيام قد أصبح صعباً بعد أن خرجت مصر من حلبة الصراع العربي الإسرائيلي، وعقد السادات اتفاقية [ كامب ديفيد] مع إسرائيل مما جعل القادة السوريين يقرون بأهمية إقامة تلك الوحدة للوقوف أمام الخطر الإسرائيلي.

وبالفعل فقد تم عقد عدد من الاتفاقات بين البلدين، وأعيد فتح الحدود بينهما، وجرى السماح بحرية السفر للمواطنين، كما أعيد فتح خط أنابيب النفط [التابلاين ] لنقل النفط إلى بانياس في سوريا، والذي كان قد توقف منذُ نيسان 1976.
وفي 16 حزيران تم عقد اجتماع بين الرئيس السوري حافظ الأسد والرئيس العراقي أحمد حسن البكر في بغداد، ودامت المحادثات بين الرئيسين ثلاثة أيام أعلنا في نهايتها أن البلدين سيؤلفان دولة واحدة، ورئيس واحد، وحكومة واحدة، وحزب واحد، وأعلنا تشكيل قيادة سياسية مشتركة تحل محل اللجنة السياسية العليا التي جرى تشكيلها بموجب اتفاق تشرين الأول 1978، والتي ضمت 7 أعضاء من كل بلد، يترأسها رئيسا البلدين، وتجتمع كل ثلاثة أشهر لتنسيق السياسات الخارجية، والاقتصادية، والعسكرية.

تدهور العلاقات العراقية السورية
لم تمضِ سوى بضعة أشهر على الاتفاق الذي عقده البكر والأسد، حتى أزيح البكر عن السلطة، وتولى صدام حسين قيادة الحزب والدولة في العراق، وبدا بعد إقصاء البكر، أن هزة عنيفة قد ألمت بالعلاقة بين قيادة  البلدين والحزبين، وبدأت الغيوم السوداء تغطي سماء تلك العلاقة.
وفي 28 كانون الأول 1979، جرى لقاء قمة بين الأسد وصدام في دمشق دام يومين، وقد ظهر بعد اللقاء أن الخلافات بين القيادتين كانت من العمق بحيث لم تستطع دفع عملية الوحدة إلى الأمام، بل على العكس تلاشت الآمال بقيامها.
وهكذا بدأت العلاقة بالفتور بين البلدين من جديد، واتهمت سوريا القيادة العراقية بوضع العراقيل أمام تنفيذ ما أتُفق عليه في لقاء القمة بين الأسد والبكر.

أدى هذا التدهور الجديد في العلاقة بين الحزبين، إلى وقوع انقسام داخل القيادة القطرية في العراق، قسم وقف إلى جانب الاتفاق المبرم بين الأسد والبكر، وقسم وقف إلى جانب صدام حسين، فما كان من صدام إلا أن أتهم الذين أيدوا الاتفاق بالاشتراك بمؤامرة مع سوريا على العراق، وجرى اعتقالهم، وتعذيبهم حتى الموت، ثم أعلن صدام حسين، عبر الإذاعة والتلفزيون، أن هذه المجموعة قد تآمرت على العراق، وأحيلت إلى محكمة حزبية قررت الحكم عليهم بالإعدام وجرى تنفيذ الأحكام بحقهم. لكن الحقيقة أن هذه المجموعة أرادت تحقيق الوحدة أولاً، والتخلص من دكتاتورية صدام حسين ثانياً، بعد أن أغتصب السلطة من البكر بقوة السلاح.

وهكذا ذهبت الآمال بتحقيق الوحدة أدراج الرياح، وتدهورت العلاقة بين البلدين من جديد، وفرض صدام حسين سلطته المطلقة على قيادة الحزب والدولة دون منازع، وأصبح العراق ملجأ لكل المناوئين للحكم في سوريا ابتداءً من [ أمين الحافظ] و[ميشيل عفلق] وانتهاءً بالإخوان المسلمين الذين لجأوا إلى العراق بأعداد كبيرة، بعد فشل حركتهم في مدينة حماه عام 1982.

ولم يقتصر تدهور العلاقات بين البلدين على القطيعة، والحملات الإعلامية، بل تعداها إلى الصراع العنيف بين الطرفين على الساحة اللبنانية، حيث أدخلت سوريا عدد من قطعاتها العسكرية في لبنان ضمن قوات الردع العربية لمحاولة وقف الحرب الأهلية التي اندلعت هناك عام 1975.غير أن القوات المشتركة العربية انسحبت من لبنان فيما بعد، تاركة القوات السورية لوحدها هناك.

وانتهز صدام حسين الفرصة ليرسل إلى القوى الطائفية الرجعية المعادية لسوريا السلاح والعتاد والعسكريين لمقاتلة الشعب اللبناني، والقوات السورية والفلسطينية، وأصبح لبنان مسرحاً للصراع بين البلدين، واستمر الحال في لبنان حتى سقوط حكومة [ميشيل عون] حليف صدام ضد سوريا، وانتهاء الحرب الأهلية، وانعقاد مؤتمر الطائف للأطراف اللبنانية المتصارعة لحل الخلافات بينهم، وإعادة الأمن والسلام إلى ربوع لبنان الذي مزقته تلك الحرب التي دامت خمسة عشر عاماً.

  وهكذا حقق صدام حسين للإمبريالية الأمريكية ما كانت تصبو إليه، حيث عادت العلاقات بين سوريا والعراق إلى نقطة الصفر من جديد، وتحقق الهدف الأول الذي رسمته له، وبدأت تتفرغ للهدف الثاني الهام، هدف التصدي للنظام الإيراني الجديد، وخلق المبررات لصدام لشن الحرب على إيران في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980، تلك الحرب التي كانت لها نتائج وخيمة على مستقبل العراق وشعبه، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً، وكانت سبباً مباشراً لأقدام صدام حسين على غزو الكويت، وبالتالي قيام حرب الخليج الثانية، التي جلبت على العراق وشعبه من ويلات ومآسي ، وخراب ودمار لم يسبق لها مثيل.
العلاقات العراقية الإيرانية،ودور أمريكا في تأجيج الصراع بينهما:
اتسمت العلاقات العراقية الإيرانية منذُ سنين طويلة بالتوتر والصدامات العسكرية على الحدود في عهد الشاه [محمد رضا بهلوي]، حيث قام الحكام البعثيون في العراق بإلغاء معاهدة 1937 العراقية الإيرانية المتعلقة باقتسام مياه شط العرب بموجب خط التالوك الوهمي الذي يقسم شط العرب إلى نصفين أحدهما للعراق والآخر لإيران، وقيام شاه إيران والولايات المتحدة بدعم الحركة الكردية التي حملت السلاح ضد السلطة القائمة آنذاك، وسبب الإجراء العراقي إلى قيام حرب استنزاف بين البلدين على طول الحدود، واستمرت زمناً طويلاً، ووصل الأمر إلى قرب نفاذ العتاد العراقي واضطر حكام بغداد إلى التراجع، ووسطوا الرئيس الجزائري [هواري بو مدين ] لترتيب لقاء بين صدام حسين وشاه إيران لحل الخلافات بين البلدين.

 وبالفعل تمكن الرئيس الجزائري من جمع صدام حسين وشاه إيران في العاصمة الجزائرية، وإجراء مباحثات بينهما انتهت بإبرام اتفاقية 16 آذار 1975، وعاد حاكم بغداد إلى اتفاقية عام 1937 من جديد!، ووقفت حرب الاستنزاف بينهما، ووقف الدعم الكبير الذي كان الشاه يقدمه للحركة الكردية، حيث استطاع البعثيون إنهاءها، وإعادة بسط سيطرتهم على كردستان من جديد.

وفي عام 1979 في أواخر عهد البكر وقعت أحداث خطيرة في إيران، فقد اندلعت المقاومة المسلحة ضد نظام الشاه الدكتاتوري المرتبط بعجلة الإمبريالية الأمريكية، أتسع النشاط الثوري، وبات نظام الشاه في مهب الريح، وسبّبَ ذلك الوضع الخطير في إيران أشد القلق لأمريكا، فقد كانت مقاومة الشعب الإيراني لنظام الشاه قد وصلت ذروتها، وبات من المستحيل بقاء ذلك النظام، وبدت أيامه معدودة.
 كان هناك على الساحة الإيرانية تياران يحاولان السيطرة على الحكم، التيار الأول ديني يقوده [آية الله الخميني] من منفاه في باريس، والتيار الثاني يساري، يقوده [حزب تودا الشيوعي]، ووجدت الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين أحلاهما مُرْ،
فهي لا ترتاح لسيطرة للطرفين. لكن التيار الشيوعي كان يقلقها بالغ القلق، نظراً لموقع إيران الجغرافي على الخليج أولاً، ولكونها ثاني بلد منتج للنفط في المنطقة ثانياً، ولأن إيران تجاور الاتحاد السوفيتي ثالثاً.

وبناء على ذلك فإن مجيء الشيوعيين إلى الحكم في إيران سوف يعني وصول الاتحاد السوفيتي إلى الخليج، وهذا يهدد المصالح الأمريكية النفطية بالخطر الكبير، ولذلك فقد اختارت الولايات المتحدة [أهون الشرين] بالنسبة لها طبعاً!، وهو القبول بالتيار الديني  خوفاً من وصول التيار اليساري إلى الحكم، وسهلت للخميني العودة إلى إيران من باريس ، لتسلم زمام الأمور بعد هروب الشاه من البلاد، وهكذا تمكن  التيار الديني من تسلم زمام السلطة، وتأسست الجمهورية الإسلامية في إيران في آذار 1979.

إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهِ السفن، كما يقول المثل، فلم تكد تمضي سوى فترة قصيرة من الزمن حتى تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بعد أن أقدم النظام الجديد على تصفية أعداد كبيرة من الضباط الكبار الذين كانوا على رأس الجيش الإيراني، كما جرى تصفية جهاز [السافاك] الأمني الذي أنشأه الشاه بمساعدة المخابرات المركزية الأمريكية، وجرى أيضاً تصفية كافة الرموز في الإدارة المدنية التي كان يرتكز عليها حكم الشاه.

وجاء احتلال السفارة الأمريكية في طهران، من قبل الحرس الثوري الإيراني، واحتجاز أعضاء السفارة كرهائن، وإقدام الحكومة الإيرانية على طرد السفير الإسرائيلي من البلاد وتسليم مقر السفارة الإسرائيلية إلى منظمة التحرير الفلسطينية، والاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، كل تلك الأحداث المتتالية أثارت قلق الولايات المتحدة، ودفعتها لكي تخطط لإسقاط النظام الجديد في إيران قبل أن يقوى ويشتد عوده، أو على الأقل إضعافه وإنهاكه.

وتفتق ذهن المخابرات المركزية إلى أن خير من يمكن أن يقوم بهذه المهمة هو صدام حسين، وبهذه الوسيلة تضرب الولايات المتحدة عصفورين بحجر واحدة. فالعراق، وإيران دولتان قويتان في منطقة الخليج، ويملكان إمكانيات اقتصادية هائلة، ولحكامهما  تطلعات خارج حدودهما، إذاً يكون إشعال الحرب بين البلدين وجعل الحرب تمتد لأطول مدة ممكنة، بحيث لا يخرج أحد منهما منتصراً ويصل البلدان في نهاية الأمر إلى حد الإنهاك، وقد استنزفت الحرب كل مواردهما وتحطم اقتصادهما، وهذا هو السبيل الأمثل للولايات المتحدة لبقاء الخليج في مأمن من أي تهديد محتمل.
 وهكذا خططت الولايات المتحدة لتلك الحرب المجنونة، وأوعزت لصدام حسين، بمهاجمة إيران والاستيلاء على منطقة [خوزستان] الغنية بالنفط، واندفع صدام حسين لتنفيذ هذا المخطط  يحدوه الأمل بالتوسع صوب الخليج، وفي رأسه فكرة تقول أن منطقة [خوزستان] هي منطقة عربية تدعى [عربستان ].

لم يدرِ بخلد صدام حسين ماذا تخبئه له الأيام ؟ ولا كم ستدوم تلك الحرب ؟ وكم ستكلف الشعب  العراقي من الدماء والدموع ، ناهيك عن هدر ثروات البلاد، واحتياطات عملته، وتراكم الديون الكبيرة التي تثقل كاهل الشعب العراقي واقتصاده المدمر.

لقد سعت الإمبريالية بأقصى جهودها لكي تديم تلك الحرب أطول فترة زمنية ممكنة، وهذا ما أكده عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين أنفسهم، وعلى رأسهم [ريكان] و[كيسنجر]، وغيرهم من كبار المسؤولين الأمريكيين.
فلقد صرح الرئيس الأمريكي [ ريكان ] حول الحرب قائلاً:
{ إن تزويد العراق بالأسلحة حيناً، وتزويد إيران حيناً آخر، هو أمر يتعلق بالسياسة العليا للدولة}!!.
وهكذا بدا واضحاً أن الرئيس ريكان كان يهدف إلى إطالة أمد الحرب، وإدامة نيرانها التي تحرق  الشعبين والبلدين معاً طالما أعتبر البلدين، بما يملكانه من قوة اقتصادية وبشرية، خطر على المصالح الإمبريالية في الخليج، وضمان وصول النفط إلى الغرب، وبالسعر الذي يقررونه هم لا أصحاب السلعة الحقيقيين.

أما هنري كيسنجر، الصهيوني المعروف، ومنظّر السياسة الأمريكية، فقد ذكر في مذكراته تلك الحرب  قائلاً :{ إن هذه هي أول حرب في التاريخ تمنينا أن تستمر أطول مدة ممكنة، ولا يخرج أحد منها منتصراً بل  كلا الطرفين مهزومين}!!.
وطبيعي أن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إذا لم تستمر الحرب إلى أمد طويل، وإضافة إلى كل ذلك كان سوق السلاح الذي تنتجه الشركات الغربية مزدهراً ومحققاً أرباحاً خيالية لتجار الحروب والموت، في حين استنزفت تلك الحرب ثروات البلدين المادية والبشرية، وسببت من الويلات والماسي والدموع ما لا يوصف، فلم تترك تلك الحرب عائلة في العراق وإيران دون ضحية.

لكن الإمبريالية لا تفهم معنى الإنسانية، فقد كان الفرح يغمر قلوبهم وهم يشاهدون كل يوم على شاشات التلفزيون، وصور الأقمار الصناعية، تلك المجازر الوحشية التي بلغ أرقام ضحاياها حداً مرعباً، فقد قتل في يوم واحد من أيام المعارك أكثر من عشرة آلاف ضحية، وتفاخر صدام أمام القائم بأعمال السفارة الأمريكية بعد مغادرة السفير [كلاسبي] العراق وقبيل غزو صدام للكويت قائلا بزهو قائلاً:
{ هل تستطيع الولايات المتحدة تقديم 10 آلاف شهيد في معركة واحدة؟ نحن أعطينا 50 ألف شهيد في معركة تحرير الفاو}.

هكذا وبكل وقاحة دفع صدام وأسياده الأمريكان أكثر من نصف مليون شهيد من شباب العراق في عمر الزهور، ودون وازع من ضمير وأخلاق، كانت مصالح الإمبرياليين الاقتصادية تبرّر كل الجرائم بحق الشعوب، ولو أن تلك الحرب وقعت في أوربا، أو أمريكا أو بين العرب وإسرائيل لسارع الإمبرياليون إلى وقفها فوراً، وبذلوا الجهود الكبيرة من أجل ذلك.

أن الحقيقة التي لا يمكن نكرانها هي إن تلك الحرب كانت من تدبير الإمبريالية الأمريكية وشركائها، وأن عميلهم صدام قد حارب نيابة عنهم، ولمصلحتهم، بكل تأكيد، وأن لا مصلحة للشعب العراقي إطلاقاً في تلك الحرب، ولا يوجد أي مبرر لها، وإن الشعب الإيراني شعب جار تربطه بنا علاقات تاريخية ودينية عميقة، تمتد جذورها لقرون عديدة.

كما أن إيران لم تكن مستعدة لتلك الحرب، ولم يعتقد حكام إيران أن النظام العراقي يمكن أن يقدم على مثل هذه الخطوة، وهذا ما يؤكده اندفاع القوات العراقية في العمق الإيراني خلال أسابيع قليلة دون أن يلقى مقاومة كبيرة من قبل الجيش الإيراني .

لكن ذلك التقدم لم يدم طويلاً، وتمكن الجيش الإيراني من طرد القوات العراقية الغازية من إقليم خوزستان شّر طردة  عام 1982، مكبداً القوات العراقية خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات، ولنا عودة إلى تلك الحرب، وتفاصيل مجرياتها، في حلقة قادمة.


33
هذا هو الطريق لإنقاذ العراق 
من ازمته الراهنة

حامد الحمداني                                              18/7/2018     
   
إن الأزمة العراقية الراهنة، والصراع المرير الذي يميّز العلاقات بين أطراف السلطة، بشقيه السياسي والعنفي، والوضع الأمني المتدهور جراء النشاط الإرهابي لقوى الفاشية الدينية والقومية الذي يعصف بالبلاد، والفساد المستشري في جهاز الدولة من القمة حتى القاعدة، وفضائح نهب المال العام التي أزكمت أنوف الشعب العراقي، والتي جاوزت مئات المليارات من الدولارات، والفقر والبطالة والجوع، وملايين المهجرين والمهاجرين، وتردي الحالة المعيشية للشعب، والوباء الذي يتمثل بالمليشيات المختلفة التي تعيث بالبلاد خراباً حيث الاغتيالات والاعتقالات والتعذيب والسجون خارج السلطة والقانون، وقوات الشرطة والجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، والمخترقة من قبل عناصر هذه المليشيات، والتي باتت لا تمثل السلطة الرسمية بقدر ما تمثل الأحزاب المنتمية لها، والمحاولات الرامية لتمزيق العراق وطناً وشعباً من قبل الأحزاب الحاكمة نفسها، وصدار قانون لإعفاء آلاف المزورين لشهادتهم،
وهي جريمة مخلة بالشرف بموجب القانون، والمحالين للمحاكمة من قبل هيئة النزاهة، وقوات الاحتلال الأمريكية المهيمنة على مقدرات العراق، والتي تخطط لحكم العراق إلى أمد طويل من وراء الستار، كل هذه الأمور أدخلت العراق وشعبه في مأزق خطير ينذر بكارثة كبرى تهدد، وبشكل جدي، مصير ومستقبل العراق وشعبه.

وجراء هذه المخاطر المحدقة بالشعب والوطن، فإن الوضع الحالي يتطلب اتخاذ إجراءات حاسمة، وعلى وجه السرعة قبل فوات الأوان، إذا أردنا صيانة الوحدة الوطنية، والقضاء على الإرهاب والإرهابيين، وعودة الأمن والسلام في ربوع العراق، والتوجه نحو إعادة بناء البنية التحتية للعراق الجديد، وفي المقدمة من هذه الإجراءات:

1ـ إعلان الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق حسب الاتفاقية الأمنية المعقودة بين الطرفين،إذا كانت هذه الدولة تحمل نوايا صادقة تجاه العراق والحرص على سيادته واستقلاله كما تدعي، على أن تُستبدلْ بقوات محايدة من الأمم المتحدة تتولى صيانة الأمن والنظام العام، والعمل على بناء جيش وأجهزة أمنية جديدة خالية من قوى الميليشيات الطائفية والأثنية، قادرة على حفظ الأمن والنظام بعد خروج قوات الأمم المتحدة.

2ـ تتولى الأمم المتحدة تشكيل حكومة تكنوقراط من العناصر المستقلة غير المنتمية للأحزاب السياسية في الوقت الحاضر، ومن المشهود لها بالكفاءة، ونظافة اليد، والأمانة على مصلحة الشعب والوطن، تتولى السلطة خلال فترة انتقالية أمدها ثلاث سنوات، واختيار رئيس مؤقت للبلاد من العناصر الوطنية المستقلة، المتسم بالنزاهة، ونظافة اليد، والأيمان بالعراق الحر الديمقراطي المستقل، والموحد أرضاً وشعباً.

3ـ تشكيل مجلس استشاري مؤقت يضم 150 شخصية عراقية من مختلف المناطق العراقية على أساس الكفاءة، والحرص على صيانة الوحدة الوطنية، ووحدة العراق أرضاً وشعباً، وإعادة الأمن والسلام في ربوع العراق، ومكافحة الإرهاب والإرهابيين، وتجفيف مصادر تجنيدهم، ليس من خلال القوة وحدها، بل من خلال معالجة فعّالة وسريعة لقضية البطالة، وتأمين الخدمات الأساسية والضرورية للمواطنين من ماء وكهرباء، وخدمات صحية، وضمان اجتماعي يؤمن الحد اللائق لحياة المواطنين، والعمل الجاد والفعّال لبناء المؤسسات الديمقراطية التي تضمن حقوق وحريات المواطنين العامة منها والخاصة، والمساواة في الحقوق والواجبات بين سائر المواطنين بصرف النظر عن انتمائهم العرقي والديني والطائفي، واتخاذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الأمم المتحدة أساسا لنظامنا الديمقراطي المنشود.

4ـ يقوم أعضاء الحكومة والمجلس الاستشاري المؤقت بتقديم جرد لممتلكاتهم، وممتلكات زوجاتهم وأولادهم وبناتهم، قبل مباشرتهم المسؤولية وبعد انتهاء مهامهم مباشرة، لضمان مكافحة الفساد المستشري في البلاد، وإعادة تشكيل  هيئة الرقابة المالية من العناصر الكفوءة، والمشهود لها بالنزاهة، ونظافة اليد، ومنحها الصلاحيات اللازمة لملاحقة جميع السراق والمرتشين، وكل ناهبي أموال الشعب، وكشف هذه الجرائم ومرتكبيها أمام الرأي العام العراقي، وتقديمهم إلى المحاكم الخاصة بهذه الجرائم بصورة علنية كي يطلع عليها الشعب لينالوا عقابهم الصارم الذي يستحقونه، واستعادة كل ما سرق إلى خزينة الدولة، ومنع مرتكبيها من ممارسة أي نشاط سياسي داخل وخارج السلطة لمدة عشر سنوات على الأقل.
 
5ـ وقف العمل بالدستور الحالي الطائفي و المختَلًفْ عليه، والذي يتضمن ثغرات دستورية خطيرة تتعلق بمستقبل العراق ووحدة أراضيه، ووحدة شعبه الوطنية، واتخاذ دستور مؤقت لحين إعادة النظر في كافة مواده من قبل لجنة دستورية مختارة من العناصر المختصة بالقانون الدستوري، والمشهود لها بالأمانة والنزاهة، والتوجه الديمقراطي، بما يضمن التطور الديمقراطي الحقيقي بعيداً عن الطائفية المقيتة، والشوفينية القومية، والتخلف والتعصب والاضطهاد العنصري أو الطائفي، ومحاولات تمزيق العراق باسم الفيدرالية، ويتم عرضه على أول برلمان منتخب.

6ـ حل كافة الميلشيات المسلحة دون استثناء، والعمل على سحب السلاح منها، وإصدار قانون بتحريم حمل أو امتلاك السلاح لغير أجهزة السلطة المركزية العسكرية والأمنية، وفرض عقوبات صارمة على كل من يخالف القانون .

7ـ تشكيل لجنة من العناصر العسكرية المستقلة تأخذ على عاتقها تطهير الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية من عناصر المليشيات المنتمية للأحزاب السياسية، والحرص على أن يبقى ولاء الجيش والأجهزة الأمنية للعراق وشعبه وسلطته الوطنية، ولا يجوز ممارسة النشاط الحزبي في صفوفها بأي شكل كان، وتثقيف أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بالفكر الديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان، والحرص على سيادة واستقلال العراق.
8ـ إصدار قانون جديد ينظم عمل الأحزاب السياسية بما يضمن المسيرة الديمقراطية، ومنع نشاط كافة الأحزاب القائمة على أساس ديني أو طائفي شيعياً كان أم سنياً، أو قومي شوفيني متطرف، عربياً كان أم كردياً أم تركمانياً أو أية قومية أخرى، وأن يكون الشرط الأساسي لقيام الأحزاب السياسية هو الإيمان قولاً وعملاً بالديمقراطية، والالتزام التام بوحدة العراق أرضاً وشعباً. كما ينبغي منع الأحزاب السياسية تلقي الأموال من أي جهة أجنبية، ويحصر الدعم بالحكومة العراقية فقط من خلال وضع ميزانية خاصة للأحزاب.
9ـ منع نشاط حزب البعث، ومكافحة فكره الفاشي، وإحالة كل العناصر التي مارست الجرائم بحق الشعب، والتي سطرت التقارير عن المواطنين للأجهزة الأمنية، وسببت إعدام الألوف منهم إلى المحاكم لينال كل مجرم العقاب الذي يستحقه، والعمل على احتواء العناصر التي لم تمارس الإجرام وإعادة تثقيفها بالفكر الديمقراطي، وإعادة تأهيلها لتأخذ دورها في بناء العراق الديمقراطي المتحرر.

10ـ إن كلّ الثروة الوطنية في العراق، ما كان منها في باطن الأرض أو على الأرض، هي ملك للشعب العراقي دون استثناء، وتحت تصرف حكومة مركزية  ديمقراطية، ولا يحق لأي حزب أو فئة أو قومية أو طائفة التصرف في أي جزء منها بأي شكل من الأشكال، وعلى السلطة المركزية أن تخصص من عائدات هذه الثروة إلى المناطق العراقية حسب الكثافة السكانية، وبشكل عادل، مع مراعات المناطق التي كانت أكثر تضرراً، والتي تحتاج إلى رعاية خاصة ترفع المعانات القاسية عن أهلها.

11ـ ينبغي إعادة النظر في كافة العقود الإستشمارية في مجال النفط والغاز، وكشف المتلاعبين بتلك العقود والأضرار التي سببوها للاقتصاد الوطني، ومحاسبتهم على الثروة التي امتلكوها خلال مدة الحكم السابق دون وجه حق.
كما ينبغي أن ينص الدستور القادم على ضرورة أن يكون استثمار المكامن النفطية تحت سيطرة الدولة، وشركة النفط الوطنية التي انشأها الزعيم الراحل الشهيد عبد الكريم قاسم، وتشجيع الاستثمار في هذا المجال بما يضمن الحرص على ثروة البلاد من الهيمنة الإمبريالية من جهة، وتطوير الدخل الوطني اللازم لإعادة بناء البنية التحية المدمرة في العراق، وتأمين الحياة اللائقة للشعب الذي عانى الكثير من الحرمان والجوع والفقر والأمراض والقهر والعبودية خلال العقود السابقة.

12ـ تطبيق الفيدرالية في كردستان العراق بعد الفترة الانتقالية بما يضمن وحدة العراق أرضاً وشعباً، مع العمل على تعزيز الأخوة العربية الكردية، وسائر القوميات الأخرى، ومكافحة الميول الشوفينية والعنصرية لدى سائر أطياف ومكونات الشعب العراقي، وضمان مشاركة الجميع في بناء العراق الديمقراطي الحر المستقل والموحد، والمشاركة الفعّالة في السلطةبصرف النظر عن الانتماء القومي أو الديني أو الطائفي وعلى قدم
 المساواة .
إن أي محاولة من جانب أي قوى قومية أو دينية طائفية لتمزيق وحدة البلاد، وتمزيق النسيج الاجتماعي للشعب العراقي خيانة وطنية عظمى لا يمكن السكوت عنها، وإن محاولة اتخاذ جرائم النظام الصدامي كقميص عثمان واستغلالها لتبرير فرض الفيدراليات الهادفة لتمزيق العراق أمر خطير لا ينبغي السكوت عنه، بل تقتضي مقاومته بكل الوسائل والسبل، وسيتحمل كل من يسعى في هذا السبيل الخطر مسؤولية كبرى لما سيحدث من صراع طائفي أو قومي شوفيني، والذي لن يخرج أحد منه منتصراً، بل ستحل الكارثة الكبرى بالجميع دون استثناء.

13ـ تتولى الحكومة المؤقتة إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب على أساس الكفاءة والخبرة، والأمانة والنزاهة، لكي تستطيع الحكومة إعادة بناء البنية التحتية المخربة، والنهوض بالعراق في كافة المجالات الصناعية والزراعية والاجتماعية والخدمية والصحية والتعليمية.

كما تتولى الحكومة معالجة البطالة المستشرية، وتأمين العمل الجدي والحقيقي لكل قادر على العمل، وعلى أساس الاختصاص، ومعالجة مسألة البطالة المقنعة التي ترهق ميزانية الدولة، والعمل على منع مزاولة الأطفال للعمل، وإعادتهم إلى مدارسهم حتى الدراسة الثانوية، وتأمين حياة كريمة للمواطن العراقي، ولا شك أن العراق الذي يمتلك من الثروات النفطية والغازية والمعدنية المختلفة لقادر على تحقيق ارقي مستوى معيشة للشعب إذا ما كان الحكم في أيدي أمنية ومخلصة ونظيفة اليد.

14ـ تحقيق العدالة الاجتماعية للمواطنين من خلال سن قانون للضمان الاجتماعي والصحي، وتوزيع المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية على المحافظات بصورة عادلة، مع مراعات المحافظات الأكثر تخلفاً في هذه المجالات.
15 - الغاء قانون تقاعد اعضاء مجلس النواب وتخفيض رواتب الرئيس ورئيس الوزراء، والوزراء، والمدراء العامين، وتشكيل مجلس الخدمة يتولى امور التعيين في دوائر الدولة على اساس الكفاءة والعدالة بين المواطنين،وتحديد الرواتب والراتب التقاعدي وكل ما يتعلق بالمخصصات للدرجات العليا.
هذا هو الطريق الصائب والقادر على انتشال العراق وشعبه من الأزمة الخانقة التي يعيش في ظلها، وإن أية محاولة لإصلاح العملية السياسية الحالية ستبوء بالفشل وتقود العراق إلى منعطف خطير يصعب الخروج منه. 




34
محنة الشعب الفلسطيني ومسؤولية الحكام العرب
الحلقة الثالثة والأخيرة3/3
حامد الحمداني                                               18/5/2011

استئناف القتال، والولايات المتحدة تفرض هدنة جديدة:
عندما أكره مجلس الأمن الدول العربية على وقف القتال قي فلسطين اعتباراً من 11 حزيران 1948 وعين الوسيط الدولي [ الكونت برنادوت ] لوضع حل سلمي للمشكلة الفلسطينية !!، كان أحد شروط الهدنة هو عدم استفادة أي طرف من الأطراف لتعزيز قواته، أو تحريكها.

 لكن الحقيقة أن الصهاينة استفادوا من كل يوم، بل وكل ساعة لتعزيز مواقعهم، ولجلب الأسلحة والطائرات التي أخذت تنهال عليهم من الإمبرياليين الأمريكيين والإنكليز وغيرهم، فيما بقيت القوات العربية ملتزمة ببنود الهدنة، ولم تسعَ إلى تقوية مركزها، معتمدة على مصداقية مجلس الأمن!!.

لكن الدول العربية اضطرت في نهاية المطاف، وبعد أن وجدت التعزيزات العسكرية الصهيونية تجري ليل نهار، إلى استئناف القتال من جديد في 9 تموز، وفوجئت القوات العربية بأخذ القوات الصهيونية زمام المبادرة من أيديهم، وبدأت تهاجمهم بعنف، وخسرت القوات العربية  [صفد] و[الناصرة] و [اللد] و[الرملة] والعديد من القرى العربية، وتشرد الألوف الجدد من أبناء الشعب الفلسطيني، تاركين ديارهم وأملاكهم وأموالهم، هرباً من المذابح الصهيونية.

 وهكذا استطاعت الولايات المتحدة في نهاية المطاف أن تفرض على العرب هدنة جديدة، في 18 تموز 1948، وتخاذل الحكام العرب، وقبلت أربعة دول عربية هي مصر والأردن والسعودية واليمن  مبدأ التقسيم، فيما رفضت الحكومتان السورية والعراقية الهدنة، لكن الموافقة على القرار تم بالأكثرية وقبل العرب إجراء مفاوضات لعقد هدنة دائمة مع إسرائيل في [لوزان ] بسويسرا.

 وقد استنكرت الأحزاب الوطنية في العراق قرار مجلس الأمن، وقبول الحكام العرب له، في بيان مشترك صدر عن الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، وحزب الأحرار.
 كما سيروا المظاهرات في بغداد يوم الجمعة المصادف 23 تموز 1948، احتجاجاً على قبول الهدنة، في حين أصدر الحزب الشيوعي بياناً يدعو فيه إلى وقف القتال، وسحب الجيوش العربية، والقبول بقرار مجلس الأمن، وكان ذلك الموقف استمراراً لمواقفه الخاطئة من القضية الفلسطينية، والتي أضرّت بالحزب وشعبيته ضرراً بليغاً .

تطورات درامية في حرب فلسطين:
لعب الملك عبد الله، وقائد جيشه البريطاني [ كلوب باشا ] دوراً خيانيا مشهوداً، بعد أن تولى الاثنان قيادة الجيوش العربية في القاطعين الشمالي والشرقي من الجبهة .
 فبعد أن أقّر رؤساء الأركان العرب في اجتماع [ الزرقاء ] خطة عسكرية فعالة لمجابهة القوات الصهيونية، أعترض عليها كلوب باشا واستبدلها بخطة جديدة، فقد أدرك كلوب أن تنفيذ تلك الخطة سوف تفشل المخطط الإمبريالي الصهيوني، وخطة الملك عبد الله الطامع في الأرض الفلسطينية، وكان بإمكان تلك الخطة القضاء على القوات الصهيونية، ولكن إقدام كلوب باشا على إبدالها أدى إلى الفشل الذريع للجيوش العربية  وبالتالي أصبحت إسرائيل حقيقة واقعة.

كان هذا على الجبهتين الشمالية والشرقية، أما على الجبهة الجنوبية التي حارب فيها الجيش المصري فكانت الخيانة اعظم، عندما جُهز الجيش المصري بالعتاد الفاسد، مما سبب كارثة للجيش، ومكّن القوات الصهيونية من محاصرته في الفالوجه، وإلحاق الخسائر الجسيمة به والاستيلاء على الفالوجة .

وعلى الأثر سافر رئيس الوزراء، مزاحم الباجه جي، إلى القاهرة، والتقى زميله رئيس الوزراء المصري [ محمود فهمي النقراشي ] وبحثا الأحوال بعد سقوط الفالوجة، وجرى الاتفاق على إرسال لواء عراقي آلي مع فوجين سوريين لمساعدة الجيش المصري، وتم الاتفاق على موعد الهجوم على الفالوجة، ولما اطلع كلوب باشا على الخطة رفضها فوراً، وأعلن أن الجيش الأردني في منطقة القدس لن يسمح بمرور القوات العراقية والسورية، وبذلك أفشل كلوب باشا خطة رؤساء الأركان العرب لمساعدة الجيش المصري، والذي بقي يقاتل لوحده متحملاً ضغط القوات الصهيونية .

وبانكشاف هذه المؤامرة الجديدة على القضية الفلسطينية، قامت المظاهرات العارمة في بغداد احتجاجاً على تخاذل الحكومة، وضلوع العرشين الهاشميين في تلك المؤامرة، وقد وقعت مصادمات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الشرطة، أصيب على أثرها أكثر من 200 من المواطنين بجراح، واعتقلت السلطات أعداد كبيرة أخرى منهم .

كما قام وفد من نواب المعارضة بمقابلة ولي العهد عبد الإله، ورئيس الوزراء الباجه جي، بعد اجتماع عقده نواب المعارضة، وقدموا مذكرة باسم المعارضة لهما، وقد دعت المذكرة إلى عدم التزام العراق بالهدنة التي تنتهكها إسرائيل باستمرار، والعمل فوراً على تقديم العون العسكري للقوات المصرية التي بقيت تقاتل لوحدها، وقطع النفط عن الدول الإمبريالية التي تدعم العصابات الصهيونية، وإنذار بريطانيا بإلغاء معاهدة التحالف معها إذا ما استمرت في سياستها الحالية .

كما فضحت المذكرة الدور الخياني لحكومة الأردن، وحذرت من أن  ترك مصر لوحدها سوف يؤدي إلى انهيار الجامعة العربية، وانعزال مصر عن القضايا العربية، وفقدان الأمل في قيام وحدة عربية.

 وقد وقّع على المذكرة كل من السادة النواب : خميس الضاري  ـ ذيبان الغبان  ـ داؤد السعدي ـ عبد الرزاق الظاهر  ـ محمد حديد ـ عبد الجبار الجومرد ـ عبد الكريم كنه  ـ فائق السامرائي  ـ إسماعيل الغانم  ـ  روفائيل بطي ـ عبد القادر العاني  ـ نجيب الصايغ ـ عبد الرزاق الشيخلي ـ هاشم بركات ـ حسن عبد الرحمن ـ جعفر البدر ـ ريسان كاطع ـ مصلح النقشبندي ـ خدوري خدوري  ـ جميل صادق ـ برهان الدين باش أعيان  ـ عبد الرحمن الجليلي  ـ محمد مهدي كبه  ـ حسين جميل و أركان العبادي ، وقد قدم النواب صورة من هذه المذكرة إلى رئيسي مجلسي النواب والأعيان .
وبالنظر لتطور الأحداث بهذا الشكل المتسارع، وشدة الانتقادات التي وُجهت للحكومة، ولخطورة الموقف، لم يجد مزاحم الباجه جي أمامه من طريق سوى تقديم استقالة حكومته إلى الوصي، في 6 كانون الثاني 1949، وتم قبول الاستقالة على الفور، وكلف الوصي رجل بريطانيا القوي في العراق  نوري السعيد، لتأليف وزارته العاشرة  في اليوم نفسه .
مصير القسم العربي من فلسطين: 
بعد إعلان قبول الدول العربية بالهدنة الثانية، والقبول بتقسيم فلسطين، قدمت الحكومة المصرية اقتراحاً لجامعة الدول العربية يقضي بإعلان حكومة عموم فلسطين العربية، على أن يعّين [ احمد عرابي باشا ] حاكماً عليها، وقد أيد العراق الاقتراح المصري، وأيده فيما بعد كل من  لبنان والسعودية واليمن، وعارضه الملك عبد الله الذي كانت بريطانيا قد وعدته أثناء زيارته الرسمية للندن  في 21 شباط 1946 بضم القسم العربي من فلسطين إلى إمارته [ شرق الأردن ]آنذاك، إذا ما حان الوقت لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، ولذلك جاءت معارضة الملك عبد الله، والتي اتسمت بالشدة،  وهدد باتخاذ أشد الإجراءات الهادفة إلى إحباط الاقتراح المصري .

ودبر الملك عبد الله، بالتعاون مع الإنكليز، ما سمي [مؤتمر أريحا ] والذي جاءوا له بعدد من الشخصيات الفلسطينية الموالية لبريطانيا، وللملك عبد الله، ليقرروا ضم الجزء العربي من فلسطين إلى إمارة شرق الأردن لتشكل دولة الأردن بضفتيه، فيما خضع قطاع غزة للإدارة المصرية، وهكذا اختتمت المسرحية التي أخرجتها الإمبريالية الأمريكية والبريطانية، ونفذها الحكام العرب، وكان ضحيتها ليس شعب فلسطين فحسب، بل الشعب العربي كله.

 فقد أصبحت إسرائيل مصدراً للعدوان والتوسع على حساب البلدان العربية، واضطرت هذه البلدان إلى خوض عدة حروب معها، وكانت إسرائيل توسع كيانها في كل مرة على حساب العرب، ناهيك عن أنهاك الاقتصاد العربي بسبب تلك الحروب، والتسلح المستمر منذُ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا.

أثارت تلك المؤامرة الكبرى نقمة الشعوب العربية على حكامها، وأدركت هذه الشعوب أن الداء هو في وجود هؤلاء الحكام على رأس السلطة، وأن لا سبيل لإصلاح الأمور إلا بتغيير الأوضاع فيها، كما أن الجيوش العربية التي عادت إلى بلدانها، ومرارة الحزن والأسى بادية على وجوه الجنود والضباط المغلوبين على أمرهم قد أدركوا أن الحكام العرب هم أساس البلوى، فقد باعوا  أنفسهم للإمبريالية، ونفذوا مخططاتها في المنطقة العربية، وكان من بين أولئك الضباط قائد ثورة 23 يوليو في مصر [ جمال عبد الناصر ] و قائد ثورة 14 تموز في العراق الزعيم الشهيد[ عبد الكريم قاسم ].
 ونتيجة لتك التطورات التي أفرزتها الحرب، شهدت البلدان العربية بعد عام النكبة 1948 تغيرات كثيرة حيث اختفت رموز كثيرة من المسرح السياسي، فقد وقع انقلاب عسكري في سوريا في 30 آذار 1949 بقيادة [ حسني الزعيم]،  وقتل الملك عبد الله في 20 تموز 1951، كما جرى اغتيال رئيس وزراء مصر  [محمود فهمي النقراشي ]، واغتيال رئيس وزراء لبنان [رياض الصلح ] إثناء زيارته الرسمية إلى عمان في 16 تموز 1951 .
أما في العراق فقد جرت المعارك في شوارع بغداد وسائر المدن العراقية بين قوات السلطة القمعية والشعب، وتم إسقاط وزارة صالح جبر الموالي للإنكليز، وفي مصر جاءت ثورة 23 يوليو في  مصر، وتم إسقاط حكم الملك فاروق، أحد المسؤولين الكبار عن النكبة، وفي لبنان وقع انقلاب عسكري في 18 أيلول 1952  أطاح بالرئيس اللبناني [ بشارة الخوري]، وأخيراً تكلل نضال الشعب العراقي بالنجاح في ثورة 14 تموز 1958 التي أسقطت النظام الملكي الموالي للإنكليز.



35
في الذكرى االسبعين للنكبة
أضواء على القضية الفلسطينية
حامد الحمداني                                            15/5/ 2018
مقدمة حول القضية الفلسطينية
بدأت المشكلة الفلسطينية منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 باندحار الدولة العثمانية، واقتسام بريطانيا وفرنسا البلاد العربية التي كانت تحت السيطرة العثمانية، بموجب معاهدة [سايكس بيكو] السرية، فقداحتلت بريطانيا العراق وفلسطين وشرق الأردن ومصر والسودان، ومنطقة الخليج، ووضعت هذه البلدان تحت حمايتها، وأحكمت قوات الاحتلال سيطرتها على هذه البلدان، ناكثة بالعهد الذي قطعته على نفسها للملك حسين بن علي ـ ملك الحجاز ـ بمنح البلاد العربية استقلالها، إذا ما شارك العرب في الحرب ضد الدولة العثمانية.
وكانت بريطانيا قد خططت لإيجاد وطن قومي لليهود في فلسطين منذ 31 تشرين الأول 1917، عندما أصدر وزير خارجية بريطانيا [ بلفور] وعده المشؤوم الذي عرف باسمه.
بدأت بريطانيا منذ بداية احتلالها لفلسطين بالأعداد لتنفيذ ذلك المخطط الإمبريالي القاضي بزرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، وصلة الوصل بين مشرقه ومغربه، حيث بدأت هجرة أعداد كبيرة من اليهود من دول أوربا وأمريكا وغيرها من البلدان الأخرى إلى فلسطين، وقدمت قوات الاحتلال البريطاني كل ما يلزم لتوطين هؤلاء المهاجرين ودعمهم، وتقديم السلاح لمنظماتهم الإرهابية لتمكينها من فرض سيطرتها على البلاد، قبل أن تجلوا تلك القوات، لغرض إقامة ذلك الكيان الدخيل.
وفي الوقت نفسه قامت قوات الاحتلال بعمليات اضطهاد واسعة ضد أبناء الشعب الفلسطيني الذي أحسَّ بالمؤامرة التي تحاك ضده، وأدرك المخاطر التي تنتظره على يد المحتلين البريطانيين.
فقد خاض الشعب العربي الفلسطيني نضالاً شاقاً ضد قوات الاحتلال مطالبا باستقلال بلاده وحريته، وحدثت ثورات عديدة كان أكثرها عنفاً ثورة عام 1936 التي شملت فلسطين بأسرها، لكن المحتلين قمعوها بقوة السلاح، وبقسوة ليس لها مثيل، وقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً من أرواح
أبنائه دفاعا عن حريته واستقلال بلاده ووحدة أراضيه، ولم تستطع الدول العربية تقديم الدعم الحقيقي واللازم لنضال الشعب الفلسطيني، فقد كانت تلك الدول واقعة هي نفسها تحت نير المحتلين، وكل الذي جرى هو تطوع الكثير من أبناء الشعب العربي للدفاع عن عروبة فلسطين.

وحين قيام الحرب العالمية الثانية عام 1939 بين بريطانيا وفرنسا من جهة وألمانيا وإيطاليا من جهة أخرى، ولأجل ضمان مصالح بريطانيا في المنطقة العربية، أقدمت الحكومة البريطانية على إعلان [كتابها الأبيض] الذي حددت فيه سياستها تجاه القضية الفلسطينية.

 فقد اعترفت باستقلال فلسطين، وأعلنت تنصلها من الالتزام بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، لكنها في حقيقة الأمر كانت قد هيأت كل شيء لقيام هذا الكيان، ولم يكن كتابها الأبيض الذي أصدرته في نهاية مؤتمر لندن عام 1939 لبحث القضية الفلسطينية سوى خدعة للشعوب العربية اقتضتها مصالحها لتعزيز مجهودها الحربي.

 فلما انتهت الحرب بانتصار الحلفاء على دول المحور شددت بريطانيا قبضتها على البلاد العربية، عن طريق إقامة كيانات عربية مستقلة بالاسم، لكنها كانت تدار فعلياً من قبل سفاراتها ومستشاريها باسم الانتداب.

بدأت بريطانيا بالإعداد لقيام الكيان الصهيوني في فلسطين، وتنكرت مرة أخرى لكتابها الأبيض، وفتحت الباب على مصراعيه لهجرة الآلاف من اليهود إلى فلسطين، وظهرت في البلاد منظمات إرهابية صهيونية مثل [منظمة الهاجانا] و[منظمة شتيرن ] و[منظمة الأركون]، وقدمت بريطانيا لهم السلاح، وكل المساعدات الممكنة، لكي تشكل هذه المنظمات الإرهابية جيشاً كبيراً وقوياً يستطيع مجابهة العرب عندما يحين موعد انسحاب القوات البريطانية من فلسطين، في الوقت الذي كانت تنكل قواتها بالفلسطينيين، وتحكم بالإعدام على كل فلسطيني يعثر لديه على السلاح  حتى ولو طلقة واحدة.

وفي آذار 1946 وصلت إلى المنطقة العربية [لجنة التحقيق الأنكلو ـ أمريكية] بعد الفورة التي اجتاحت العالم العربي ضد المخطط الصهيوني في فلسطين. وجاء تقرير اللجنة في 16 آذار 1946 مخيباً الآمال العربية واستفزازاً لها.
فقد جاء في التقرير خطة لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، وتأسيس كيان صهيوني فيها، والسماح فوراً لهجرة 100 ألف يهودي من سائر الأقطار الأوربية والأمريكية إلى فلسطين، على أن تستمر هذه الهجرة بعد ذلك لكل من يرغب من اليهود، وكان التقرير يهدف إلى تغير نسبة السكان في فلسطين لصالح اليهود.
أدى إعلان التقرير إلى موجة احتجاجات ومظاهرات جماهيرية احتجاجا على خطط الإمبرياليين، وعلى تهاون الحكومة تجاه المؤامرة التي يجري تدبيرها في فلسطين، ودعت الأحزاب السياسية إلى الإضراب العام احتجاجاً على تقرير اللجنة، وشنت الصحافة حملة شعواء على السياسة البريطانية والأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، واضطرت الحكومة العراقية برئاسة جميل المدفعي، تحت ضغط الجماهير الشعبية، إلى تقديم احتجاج خجول في 1 أيار 1946 إلى بريطانيا والولايات المتحدة،  لكن حكومة المدفعي لم تكن جادة في موقفها أبداً، بل اضطرت إلى مسايرة غضبة الجماهير، ولم تتخذ أي إجراء يمس المصالح البريطانية والأمريكية ردا على ذلك التقرير.

وفي حزيران 1946 عقدت اللجنة السياسية للجامعة العربية اجتماعا لها في [بلودان] بسوريا، وقيل أنها اتخذت قرارات سرية بتدخل الجيوش العربية في فلسطين، إذ ما أعلن عن قيام دولة صهيونية، لكن الذي صدر عنها بشكل علني هو الدعوة لجمع التبرعات لشعب فلسطين!!، بهذه العقلية كانت الحكومات العربية تفكر في معالجة أخطر مشكلة جابهت العرب في تاريخهم الحديث، وسببت قيام أربعة حروب بين الدولة الصهيونية وجيرانها العرب، ومكنت تلك الحروب إسرائيل من أن تسيطر على جميع الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى هضبة الجولان السورية، وجنوب لبنان، وصحراء سيناء إلى أن عقد السادات معها معاهدة [ كامب ديفد ]، كما سيطرت على مصادر المياه في المنطقة،  واستمرت الدولة العبرية في اعتداءاتها على جيرانها العرب حتى يومنا هذا.

ورغم أن الحكومة العراقية قررت جمع التبرعات لفلسطين، إلا أنها منعت الأحزاب الوطنية من القيام بهذا العمل، واتخذت حكومة أرشد العمري ذلك ذريعة لحل حزبين سياسيين هما [حزب الشعب] و[حزب التحرر الوطني]
وفي 23 أيلول 1947، عقد مؤتمر في لندن، حضرته الدول العربية، لبحث القضية الفلسطينية، إلا أن ذلك المؤتمر لم يسفر عن أي نتيجة لصالح الفلسطينيين، وفوجئت الوفود العربية بالخطة الأنكلوأمريكية لتقسيم فلسطين، وعادت الوفود العربية خالية اليدين.

وفي 22 تشرين الأول من نفس العام عقد رؤساء العشائر العربية والكردية واليزيدية مؤتمراً في مدينة الحلة لبحث القضية الفلسطينية، وخرجوا بمقررات عديدة، كان أهمها إرسال المتطوعين إلى فلسطين للتصدي للعصابات الصهيونية، إلا أن تلك القرارات بقيت حبراً على ورق، ولم يجد تنفيذها النور، ولاشك أن الإنكليز كانوا وراء إفشال ذلك المؤتمر في تنفيذ قراراته.

وفي 30 تشرين الثاني 1947 طُرحت القضية الفلسطينية على هيئة الأمم المتحدة في دورتها الثانية، وكان الاجتماع خاتمة المطاف لتنفيذ المشروع الأنكلو أمريكي، حيث قررت هيئة الأمم تقسيم فلسطين، والمضي قدماً في المخطط الإمبريالي.

وعلى أثر صدور قرار الأمم المتحدة بالتقسيم، عقد رؤساء الحكومات العربية اجتماعا في القاهرة في 8 كانون الأول 1947  لبحث القرار، إلا أن الذي جرى هو تراجع وتخاذل الحكام العرب، بضغط من الإمبرياليين، ولم يكن الاجتماع سوى وسيلة لخداع شعوبهم، وإظهار أنفسهم بمظهر الحريصين على القضية الفلسطينية، وذراً للرماد في العيون.
وفي الوقت نفسه كانت المنظمات الصهيونية تستعد لإعلان دولة إسرائيل، وكانت تلك المنظمات تعمل على إنشاء جيش [الهاجانا] و[ الماباخ ]،القوة الفدائية في الجيش الإسرائيلي.

سادت التظاهرات أرجاء البلاد، احتجاجاً على قرار التقسيم، وأصدر الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، وحزب الأحرار، بيانات تندد بالقرار، وبمواقف الحكومات العربية المتخاذلة، ضاغطة عليها للقيام بإجراءات سريعة لمنع قيام الكيان الصهيوني.

 إلا أن الحزب الشيوعي العراقي وقع في خطأ استراتيجي جسيم بموقفه المؤيد  لقرار التقسيم، وقيام الكيان اليهودي، وخسر بسب ذلك الموقف عطف وتأييد الكثير من الجماهير الشعبية المتحمسة للقضية الفلسطينية، وبقي تأثير ذلك الموقف يلاحق الحزب الشيوعي، واستغلت الإمبريالية ذلك الموقف لإثارة الجماهير العراقية ضد الحزب.

 وقد أدرك الحزب خطأه فيما بعد، وصحح موقفه، بعد أن وجد أن الصهيونية العالمية هي التي سيطرت على الدولة العبرية، وكان الهدف من إنشائها إقامة قاعدة متقدمة للإمبريالية في قلب الوطن العربي، وسيفاً مسلطاً على رقاب الشعوب العربية، من أجل ضمان هيمنة الإمبريالية على منابع النفط العربي، والأسواق العربية، وقد لعب الحزب الشيوعي فيما بعد دوراً طليعياً في قيادة النضال ضد الصهيونية والإمبريالية.

وبسبب ضغط الجماهير العربية، وغضبها العارم على مشروع التقسيم، عقدت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية اجتماعا لها في دمشق، في 15 آذار 1948، لبحث تطورات القضية، لكنها لم تتخذ أي إجراء حقيقي، وعادت اللجنة المذكورة إلى الاجتماع ثانية في 9 نيسان، وكان الاجتماع كسابقه، ولم يسفر عن أي نتيجة تذكر.

وفي 30 نيسان 1948 عقد رؤساء الأركان العرب اجتماعا في عمان، وقرر المجتمعون أن أي تدخل عسكري يتطلب خمس فرق عسكرية بكامل أسلحتها ومعداتها، إضافة إلى 6 أسراب من الطائرات القاصفة والمقاتلة، على أن تكون هذه القوات تحت قيادة واحدة.
وفي 26 نيسان 1948 سارت مظاهرات كبرى في شوارع بغداد، وتوجهت إلى مجلس الوزراء، وكان المتظاهرون يهتفون بسقوط المشروع الأنكلو أمريكي، ويطالبون الحكومة بالعمل الجدي لإنقاذ فلسطين، وقد خرج الشيخ محمد الصدر ـ رئيس الوزراء ـ وألقى كلمة بالمتظاهرين أعرب فيها عن حرصه على إجراء كل ما يلزم ، لكن الطلاب المتظاهرين لم يقتنعوا بحديث الصدر، واستمروا بالتظاهر، واستمر إضراب الطلاب عن الدراسة وعن الطعام حتى تجاب مطالبهم.

وفي 11 أيار عقدت اللجنة السياسية التابعة للجامعة العربية اجتماعاً جديداً في دمشق، واتخذت فيه قرارات عدة حول دخول القوات العربية إلى فلسطين، وحول إيواء اللاجئين من النساء والأطفال والشيوخ، وحول الإجراءات الأمنية التي تقرر اتخاذها، كإعلان حالة الطوارئ، وإعلان الأحكام العرفية، بحجة حماية مؤخرة الجيوش العربية، لكنها في واقع الأمر كانت موجهة لقمع أي تحرك شعبي ضد تلك الحكومات التي اشتركت فعلياً في تنفيذ المؤامرة على فلسطين.

ومن جهة أخرى، كانت بريطانيا قد أعلنت عن عزمها على التخلي عن انتدابها على فلسطين، بعد أن رتبت الأوضاع للمنظمات الصهيونية التي تشكلت قبل ذلك استعداداً لتسلم السلطة عند إنهاء بريطانيا لانتدابها، وكانت كل تلك التحركات الصهيونية تجري تحت سمع وبصر المحتلين البريطانيين، وبالتنسيق معهم ومع الولايات المتحدة، وقد أخذت تلك المنظمات تمارس شتى الأعمال الإرهابية ضد السكان العرب لحملهم على ترك ديارهم، دون أن تتخذ السلطات البريطانية أي إجراء لحمايتهم.

ولم يكن الحكام العرب الذين نصبهم الإمبرياليون جادين في تصديهم للعصابات الصهيونية، بل كانوا مجرد منفذين لأوامرهم، ولذلك نجد أن قرارات الجامعة العربية كانت لا تتناسب بأي حال من الأحوال مع تلك الأحداث التي كانت تجري في فلسطين، وحتى قرار الحكام العرب بإرسال جيوشهم إلى فلسطين لم يكن سوى مجرد مسرحية أوحت بها الحكومتان البريطانية والأمريكية، لتغطية خططهما في زرع ذلك الكيان الغريب في قلب الوطن العربي، ولتبرئة ذمة أولئك الحكام أمام شعوبهم، بكونهم أرسلوا الجيوش، وقاموا بالواجب الوطني الملقى على عاتقهم تجاه محنة الشعب الفلسطيني !.



36
من الذاكرة
الجبهة الوطنية لخوض الانتخابات عام 1954
حامد الحمداني                                              2/4/2018

رداً على سياسة السلطة الحاكمة المتجاهلة لإرادة الشعب دعت الأحزاب والقوى السياسية، وكافة المنظمات الديمقراطية والنقابات، إلى لقاء يهدف إلى تشكيل جبهة وطنية موحدة لخوض الانتخابات البرلمانية .
 وبالفعل تم اللقاء الذي حضره ممثلون عن الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي وحركة أنصار السلام ومنظمات الطلاب والشباب، والنقابات العمالية والمهنية كنقابة المحامين والأطباء، وممثلي الفلاحين، وتدارس الجميع موضوع ضرورة إقامة جبهة وطنية لخوض الانتخابات العامة، وقد تم التوقيع على الميثاق في 12 أيار 1954، وكان لهذا الميثاق وقع الصاعقة على الحكومة والبلاط الملكي، فقد تضمن الميثاق البنود التالية:
1ـ إطلاق كافة الحريات الديمقراطية كحرية الرأي، والنشر، والاجتماع، والتظاهر والإضراب، وتأليف الجمعيات، وحق التنظيم السياسي، والنقابي.
2ـ الدفاع عن حرية الانتخابات.
3ـ إلغاء معاهدة 1930، والقواعد العسكرية، وجلاء الجيوش الأجنبية، ورفض جميع التحالفات العسكرية الاستعمارية بما فيها الحلف التركي الباكستاني، وأي نوع من أنواع الدفاع المشترك .
4ـ رفض المساعدات العسكرية الأمريكية التي يراد بها تقييد سيادة العراق، وربطه بالتحالفات العسكرية الاستعمارية.
5ـ العمل على إلغاء امتيازات الشركات الأجنبية الاحتكارية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وإنهاء دور نظام الإقطاع، وحل المشاكل الاقتصادية القائمة، ومشكلة البطالة المستفحلة، وغلاء المعيشة، ورفع مستوى معيشة الشعب بوجه عام، وتشجيع الصناعة الوطنية وحمايتها.
6 ـ العمل على إزالة الآثار الأليمة التي خلفتها كارثة الفيضان عام 1954، بإسكان جميع المشردين من ضحايا تلك الكارثة، وتعويض المتضررين، وتأليف لجنة نزيهة محايدة لتحديد مسؤولية المقصرين، واتخاذ كل ما يلزم لدرء أخطار الفيضان في المستقبل.
7ـ التضامن مع الشعوب العربية، في كفاحها العادل من أجل استقلال البلاد العربية، وتحرير فلسطين .
8 ـ العمل على إبعاد العراق والبلاد العربية عن ويلات الحرب.
وقد وقع على الميثاق كل من:
1ـ ممثل الحزب الوطني الديمقراطي
2 ـ ممثل حزب الاستقلال
3 ـ ممثل الفلاحين، نايف الحسن       
4 ـ ممثل العمال ـ كليبان صالح
5 ـ ممثل الشباب ـ صفاء الحافظ       
6 ـ ممثل الأطباء ـ د . احمد الجلبي 
7 ـ ممثل المحامين ـ عبد الستار ناجي     
 8 ـ ممثل الطلاب ـ مهدي عبد الكريم
 وطبيعي أن الخمسة الأخيرين كانوا يمثلون الحزب الشيوعي، بسبب الحظر المفروض على الحزب، وملاحقة أعضائه ومؤيديه، فقد جرى الاتفاق على تمثيل الحزب الشيوعي بهذه الطريقة .
أحدث إعلان ميثاق الجبهة الوطنية في 12 أيار 1954 زلزالاً  كبيراً لدى السلطة الحاكمة، التي أقلقها أشد القلق اللقاء الذي تم بين الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي بهذا الشكل العلني الواسع الذي ينم عن التحدي، وأخذت هذه السلطة تبذل قصارى جهدها للحيلولة دون نجاح مرشحي الجبهة الوطنية في الانتخابات بكل الوسائل والسبل، من إرهاب وتزوير ورشاوى وغيرها.

وفي المقابل نشطت الجبهة الوطنية في تعبئة الجماهير الشعبية لخوض المعركة الانتخابية، وتحدي إجراءات السلطة مهما كلفها الأمر.

 ونشطت القوى المؤيدة للبلاط، وبضمنها حزبا نوري السعيد، وصالح جبر [الاتحاد الدستوري] و[حزب الأمة الاشتراكي] وشيوخ الإقطاع الموالين للبلاط، مكونين جبهة واحدة على الرغم من التنافس بين البلاط وكتلة نوري السعيد، والذي بدا واضحاً عند تأليف وزارة ارشد العمري التي لم يدخلها أحد من حزب نوري السعيد، لكي يضمن عبد الإله أغلبية موالية له في الانتخابات.

 تم تحديد يوم الأربعاء المصادف 9 حزيران للانتخاب، وكان النشاط من قِبل الطرفين يجري على قدم وساق، ولازلت أذكر ذلك اليوم الذي جرت فيه تلك الانتخابات، والأيام التي سبقته، حيث كانت القوى الوطنية تعمل متكاتفة كخلية نحل في أعداد وتعبئة الجماهير للمشاركة في الانتخاب، والتصويت لمرشحي الجبهة الوطنية في الموصل.

 وكان لي شرف المساهمة النشطة بتلك الحملة الانتخابية، حيث عملنا المستحيل من أجل فوز كافة مرشحي الجبهة الوطنية، وإفشال مرشحي الحكومة والبلاط، رغم كل المحاولات التي بذلتها الإدارة، والأجهزة الأمنية للتلاعب في الانتخابات حيناً، وفي التهديد وإخافة الناس البسطاء حيناً آخر. لقد كان ذاك اليوم عيداً وطنياً كبيراً لدى أبناء الشعب في الموصل، فقد فاز مرشحو الجبهة الوطنية بالمقاعد الخمسة المخصصة لمدينة الموصل، آنذاك، وفشل كافة مرشحي السلطة والبلاط.
 وخرجت الجماهير الشعبية في اليوم التالي لتوديع النواب المنتخبين في طريقهم إلى بغداد لحضور الجلسة الأولى للمجلس النيابي، وقابلتنا الشرطة بالهراوات، وأخذت تلاحق جماهير الشعب، وتم اعتقال أعداد منا، واستطعتُ الهرب من أيدي شرطة نوري السعيد قافزاً فوق سياج المقبرة التي على يسار الطريق الذي سلكته المظاهرة لكني سقطت على الأرض، وكان فيها بقايا زجاج قنينة مكسورة فأصبت بجرح في ساقي واستطعت ربط الجرح بمنديل والسير في المقبرة على عكس الطريق لكي أصل إلى منطقة بعيدة عن أنظار الشرطة حيث خرجت للشارع واستأجرت عربة[ ربل] وعدت إلى البيت. لقد كان هربي قد أنقذني من الفصل من وظيفتي، حيث كنت آنذاك مديراً لمدرسة الحضر، وساعدتني الصدفة على التخلص من الاعتقال.

لكن الانتخابات التي جرت في بقية المناطق كانت بعيدة كل البعد عن التمثيل الحقيقي لإرادة الشعب، وذلك بسبب هيمنة الإقطاعيين الواسعة، وبسبب تدخلات السلطة، وخاصة في بغداد، والمدن الرئيسة، فكانت النتيجة فوز 11 نائباً من الجبهة الوطنية من مجموع عدد النواب البالغ  135 نائباً، فيما فاز حزب نوري السعيد [ الاتحاد الدستوري] بـ51 مقعدا، وفاز حزب صالح جبر [ الأمة الاشتراكي] بـ 21 مقعداً،فيما  فاز 38 إقطاعياً من أعوان السلطة الحاكمة بالتزكية دون منافس.

 رفعت الجبهة الوطنية مذكرة إلى الحكومة، وموجهة بالذات إلى وزير الداخلية، في 1 حزيران 1954، تحتج فيها على الانتهاكات الصارخة، والتدخلات غير المشروعة للسلطة في الانتخابات، وحرمان مرشحي الجبهة الوطنية من حق الدعاية الانتخابية، وعقد الاجتماعات الانتخابية والاتصال مع جماهير الشعب، وإشاعة الخوف والإرهاب بين الناس، واعتقال مؤيدي الجبهة الوطنية، وزجهم في السجون، بشكل سافر أمام أعين الجماهير الشعبية لإرعابهم ومنعهم من التصويت لمرشحي الجبهة الوطنية. كما جرى إبعاد مرشحي الجبهة الوطنية في الحلة والكوت عن مناطقهم الانتخابية مخفورين، حيث تم نقلهم بالسيارات المسلحة للشرطة.

كما جرت مذبحة في مدينة الحي عندما حاول أبناء الشعب تقديم المرشح المنافس للإقطاعي الكبير[عبد الله الياسين]، حيث قام رجاله البالغ عددهم أكثر من 100 مسلح بالاعتداء على أبناء الشعب، وقد ذهب ضحية الاعتداء المسلح أحد المواطنين وجرح 15 آخرين.
 أثارت المذبحة هيجاناً شديداً لدى الجماهير الشعبية، وهبت المظاهرات  المنددة بالإقطاع والسلطة الحاكمة، وقد شارك في المظاهرات سائر أبناء الحي نساءً ورجالاً، وقد تصدت لهم قوات الشرطة بكل الوسائل القمعية، حيث وقع المزيد من الجرحى، وألقت الشرطة القبض على 74 مواطناً، حيث أحيل  52 فرداً منهم إلى المحاكمة، وحكم على اثنين من  المناضلين الشيوعيين بالإعدام، وعلى الباقين بالسجن لمدد مختلفة.
 بهذا الأسلوب، وبهذا الجو الإرهابي أجرت السلطة الحاكمة الانتخابات، كي تضمن فوز مرشحي النظام، في محاولة مستميتة منها لمنع وصول أي معارض إلى قبة البرلمان.
ومع أن عدد الفائزين من مرشحي الجبهة الوطنية كان 11 نائباً فقط، فقد أقلق ذلك العدد السلطة الحاكمة كثيراً، وهالها أن ترى نخبة مثقفة واعية على مقاعد البرلمان، تقف بالمرصاد للمخططات الإمبريالية التي يراد بها ربط العراق بالأحلاف العدوانية، وبدأت تفكر بالتخلص منهم ومن هذا البرلمان منذ أن أعُلنت نتائج الانتخابات.

لم يعقد المجلس الجديد سوى جلسة واحدة فقط، في يوم الاثنين 26 تموز 1954، لسماع خطاب العرش، فقد صدرت الإرادة الملكية بتعطيله حتى تم حله على يد حكومة نوري السعيد التي خلفت حكومة أرشد العمري بعد الانتخابات، وصدرت الإرادة الملكية بحله في 3 آب 1954، لكي يجري نوري السعيد انتخابات جديدة، يحول فيها دون وصول أي معارض إلى البرلمان، فكانت النتيجة المجئ بمجلس التزكية المعروف، والذي سأتحدث عنه في حلقة قادمة .



37
من الذاكرة

مؤامرة رشيد عالي الكيلاني على ثورة 14 تموز
وقائدها عبد الكريم قاسم
حامد الحمداني                                                     31/3/2018

 رشيد عالي الكيلاني، رئيس وزراء سابق، ووزير مخضرم في العهد الملكي، حيث شغل العديد من المناصب الوزارية، ولعب دوراً كبيراً في تحريك العشائر لإسقاط العديد من الوزارات، والإتيان بغيرها، مستغلاً العشائرية والطائفية المقيتة.

 قاد الكيلاني في عام 1941 انقلاباً ضد حكومة [ياسين الهاشمي] بمعاونة قادة الجيش كل من العقداء الأربعة [صلاح الدين الصباغ ] و[ كامل شبيب ] و[محمود سلمان] و[فهمي سعيد] وشكل وزارة برئاسته، وعلى اثر ذلك هرب الوصي عبد الإله إلى القاعدة البريطانية في الشعيبة.
 لكن القوات البريطانية احتلت بغداد وأعادت الوصي عبد الإله إلى العرش من جديد، وهرب الكيلاني إلى خارج العراق، حيث تمكن من الوصول إلى المانيا، وبقي فيها إلى ما قبل سقوط برلين برعاية هتلر حيث هرب إلى سويسرا ومنها إلى السعودية، وأخيراً أستقر به المقام في مصر.
 وعندما قامت ثورة 14 تموز عام 1958، أصدرت حكومة الثورة قراراً بالعفو عنه، حيث كان قد حكم عليه بالإعدام، واعتبرت حركة أيار 1941 حركة وطنية، وأُعيد الاعتبار  لقادتها، وعليه فقد عاد رشيد عالي الكيلاني إلى العراق في الأول من أيلول 1958، بعد غياب دام 17 سنة مكرماً معززاً كأحد أبطال حركة مايس 1941، وقبل عودته قابل الرئيس عبد الناصر، وصرح بعد المقابلة أنه يشعر بوجوب إقامة الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة. قام عبد السلام عارف بزيارته في بيته، كما أستقبله عبد الكريم قاسم في مقره بوزارة الدفاع مرحباً به بوصفه قائداً لحركة أيار 941.

 لكن الكيلاني سرعان ما عاد إلى عادته القديمة ليشبع رغباته وشهوته للحكم ولم يمضِ على عودته سوي أيام قلائل حتى أصبح داره ملتقى لأصدقائه وأعوانه من الإقطاعيين والعديد من القوميين، وكان في مقدمة أولئك أبن أخيه[مبدر الكيلاني] والمحامي [عبد الرحيم الراوي] و[عبد الرضا سكر]، كما كان على علاقة وثيقة بسفارة الجمهورية العربية المتحدة.
فُوجئ الشعب العراقي في 8 كانون الثاني  1959 بإذاعة بيان من دار الإذاعة صادر من القائد العام للقوات المسلحة[عبد الكريم قاسم]جاء فيه : {أيها الشعب العراقي العظيم: بعون الله القدير، وبيقظة الشعب، تمّ اكتشاف مؤامرة خطيرة كان مقرراً لها أن تنفذ ليلة 8/9 لتعرض وحدة ومصير جمهوريتنا إلى الخطر وتشيع الفوضى والاضطراب في البلاد، وتهدد الأمن الداخلي، هذه المؤامرة هي من تدبير بعض العناصر الفاسدة  أُعدت بمساعدة الأجنبي من خارج البلاد، وإن الأدلة والأموال والأسلحة التي كانت ستستخدم لتنفيذ هذه المؤامرة قد تم وضع اليد عليها، كما أن الضالعين والمدبرين لها قد أُحيلوا إلى المحكمة العسكرية العليا الخاصة[محكمة الشعب] لمحاكمتهم بتهمة الخيانة والتآمر على الوطن. إننا ندعو الشعب إلى مزيد من اليقظة والحذر من أجل المحافظة على النظام العام، وإحباط الأعمال الدنيئة للعناصر المخربة في جمهوريتنا الخالدة }.

كما قام تلفزيون بغداد بعرض جانب من الأسلحة والأموال التي تم ضبطها مع المتآمرين، لكنه لم يوضح البيان بادئ الأمر طبيعة المؤامرة، ولا أسماء القائمين بها، ولا الدولة التي كانت وراءها، غير أن راديو بغداد ذكر في اليوم التالي أن الرجعية التي تضررت مصالحها سبب قانون الإصلاح الزراعي، والشعارات القومية المزيفة، كانت وراء تلك المؤامرة.

 وبعد أسابيع من صدور البيان، تبين أن رشيد عالي الكيلاني كان على رأس تلك المؤامرة التي ضمت زمرة من الإقطاعيين وعدد من الضباط المحسوبين على الجناح القومي، وكان من بين تلك الزمرة أبن أخيه [مبدر الكيلاني] والمحامي [عبد الرحيم الراوي] و[عبد الرضا سكر] بالإضافة إلى عدد من شيوخ العشائر، وعدد من الضباط، كان بينهم مدير الشرطة العام العقيد [طاهر يحيى] وآمر الكلية العسكرية العقيد [عبد اللطيف الدراجي] ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية العقيد [رفعت الحاج سري]، والزعيم الركن [عبد العزيز العقيلي]  قائد الفرقة الأولى في الديوانية، والعقيد الركن[عبد الغني الراوي] أمر الفوج الثالث من اللواء الخامس عشر بالبصرة وغيرهم من صغار الضباط.

 كما تبين للمحكمة أن رشيد عالي الكيلاني كان على اتصال وثيق بسفارة الجمهورية العربية المتحدة، وبشكل خاص مع رجال المخابرات والملحقين العسكريين [عبد المجيد فريد] و[ طلعت مرعي ] و[ محمد كبول ].

كان من المقرر أن تقوم الحركة الانقلابية بتدبير الفوضى والاضطراب، وذلك عن طريق قطع خطوط الهاتف، وإخراج القطارات عن سكتها، واعتراض البريد، ووضع العوارض في الطرقات، وركز الكيلاني على جهود حركته في مناطق العشائر، في جنوب العراق والفرات الأوسط، وعندما يتم لهم إثارة القلاقل والاضطرابات والبلبلة يتقدمون بطلب استقالة عبد الكريم قاسم مدعين أنه قد أوصل البلاد إلى الخراب والانقسام!!، وإذا رفض الاستقالة يتحرك الضباط المشاركون في المحاولة لإسقاطه بالقوة، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة الكيلاني، ويعلن نفسه حاكماً عسكرياً عاماً، وقائماً بمهام رئيس الجمهورية.
كما كان مقرراً تأليف مجلس لقيادة الثورة مؤلفاً من 15 عضواً، وتقرر أيضاً فور نجاح المؤامرة تأليف وزارة جديدة، وإعلان انضمام العراق للجمهورية العربية المتحدة، كما خطط المتآمرون لإلغاء قانون الإصلاح الزراعي، والقيام بحملة لإبادة الشيوعيين وأنصارهم .
لقد هيأ الانقلابيون الأسلحة المهربة من العربية المتحدة[ القطر السوري] لكي توزع على مناصريهم حال بدء الحركة، كما أُعدت الطائرات العسكرية في سوريا لإسقاط التجهيزات العسكرية في أي منطقة من العراق يكون المتآمرون بحاجة إليها، كما تلقى الكيلاني مبالغ نقدية من السفارة المصرية لتوزيعها على شيوخ العشائر، عن طريق المصرف الوطني للتجارة والصناعة. 
عيّنَ المتآمرون ليلة 8/9 من كانون الأول 958 للشروع بالمؤامرة، لكن المخابرات العراقية استطاعت كشف المؤامرة قبل وقوعها، حيث تمكنت من الوصول إلى عبد الرحيم الراوي، ومبدر الكيلاني، واستطاعت نيل ثقتهما، وتمكنت من الوصول إلى كثير من أسرارها، وتسجيل أحاديث المتآمرين بكل تفاصيل المؤامرة.

مَثلُ كل من رشيد عالي الكيلاني و مبدر الكيلاني وعبد الرحيم الراوي أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة حيث جرت محاكمتهم ليلة 9/10 كانون الأول، وصدر الحكم على مبدر الكيلاني، وعبد الرحيم الراوي بالإعدام، ولم يثبت الاتهام ضد رشيد عالي الكيلاني، وتمت تبرئته من تهمة الاشتراك في المؤامرة.
غير أن المحكمة استدعته مرة أخرى يوم 15 كانون الأول بتهمة جديدة هي تحريض دولة أجنبية على القيام بأعمال عدوانية ضد العراق، بعد أن تقدم كل من[مبدر الكيلاني] و[عبد الرحيم الراوي] برسالة إلى رئيس المحكمة طالبين الحضور إلى المحكمة لتقديم إفادة جديدة عن دور[رشيد عالي الكيلاني] في المؤامرة، وقد استجابت المحكمة إلى طلبهما واستدعتهما للتحقيق من جديد، حيث تحدثا أمام الهيئة التحقيقية بالتفصيل عن دور رشيد عالي الكيلاني بالمؤامرة، وهكذا أصبح الاثنان شاهدا إثبات في قضية جديدة.

كما استقدمت المحكمة شهوداً آخرين كان من بينهم[عبد الرضا سكر]. وفي 17 كانون الأول صدر الحكم ضد رشيد عالي الكيلاني بالإعدام شنقاً حتى الموت.
لكن عبد الكريم قاسم لم يتخذ أي أجراء فعّال ضد الضباط المشاركين في المؤامرة، بل أكتفي باحتجازهم لفترة قصيرة ثم أفرج عنهم، وعين عدد منهم في مناصب مدنية، وشارك هؤلاء فيما بعد في اغتيال الثورة، وعبد الكريم قاسم نفسه، فقد كان لهم دور رئيسي في انقلاب 8 شباط 1963 وكان تصرف قاسم هذا يمثل أحد أخطائه الكبرى في مهادنته وتسامحه مع المتآمرين والعفو عنهم لكي يكرروا أفعالهم من جديد التآمر على الثورة وعليه هو بالذات.   
حرص قاسم على أن تجري المحاكمة في بادئ الأمر بصورة سرية، نظراً لعلاقة الجمهورية العربية المتحدة بها، لكي لا يجعل المحاكمة سبباً في زيادة التوتر بين البلدين، ولم ينبس عبد الكريم قاسم بكلمة واحدة بحق الرئيس عبد الناصر طوال مدة حكمه.
غير أن المحكمة ارتأت بعد افتضاح أمر[الكيلاني] واعترافات مبدر الكيلاني وعبد الرحيم الراوي أن تُجرى بصورة علنية، حيث افتضح دور العربية المتحدة في تلك المؤامرة.

 وعلى اثر ذلك تعرضت محكمة الشعب إلى حملة شعواء من العربية المتحدة، والعناصر القومية والقوى الرجعية وعملاء الإمبريالية، وشركات النفط، وشيوخ الإقطاع الذين تضررت مصالحهم من جراء قانون الإصلاح الزراعي، وجردوا من سلطانهم على ملايين الفلاحين، وفقدوا مراكزهم السياسية في البلاد.

 لكن مهما قيل عن [محكمة الشعب] ورئيسها الشهيد العقيد [ فاضل عباس المهداوي ] فأن تلك المحكمة كانت تمثل ضمير الشعب العراقي، فقد كانت تعقد جلساتها بصورة علنية، وتنقل للعالم على الهواء مباشرة عن طريق الإذاعة والتلفزيون، وتوكل المحامين للمتهمين، وتمنحهم حرية الدفاع عن أنفسهم واستدعاء شهود الدفاع.

 إن على الذين أدانوا و يدينوا محكمة الشعب ورئيسها الشهيد فاضل عباس المهداوي أن يحدثونا عن محاكم العهد الملكي، ومجالسه العرفية كمحكمة النعساني، ومحاكم انقلابيي 8 شباط 963 الفاشيين، وعن المحاكم الصدامية الذائعة الصيت، وجرائمها البشعة بحق الإنسانية التي أكدتها محاكمة المجرم عواد البندر رئيس ما كان  يسمى بمحكمة الثورة، والذي كان يصدر أحكام الإعدام بالجملة، ووصل به الأمر بمحاكمة العديد من المواطنين الذين كانوا قد استشهدوا في أقبية المخابرات تحت التعذيب الوحشي، والحكم بالإعدام على أطفال لم يتجاوزا الرابعة عشرة من العمر، وتنفيذ تلك الأحكام دون وازع من قانون ولا أخلاق ولا ضمير، فقد كانوا أولئك الحكام أدوات طيعة بيد الدكتاتور الأرعن صدام حسين الذي كان هو بالذات من يصدر الأحكام بالموت على المواطنين قبل أن تجري محاكمتهم الشكلية، ومن دون أن يكون لهم حق الدفاع الشخصي، ولا توكيل محامين للدفاع عنهم.


38
الماركسية هي الوسيلة الوحيدة للطبقة العاملة
 لتحقيق حلم البشرية
حامد الحمداني                                      25/3/2018
أحدث سقوط التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وانهيار منظومة المعسكر الاشتراكي انتكاسة كبرى ليس فقط بالنسبة لشعوب هذه البلدان وحلمهم في قيام عالم جديد قائم على أسس من العدالة الاجتماعية، وإنهاء استغلال الانسان لأخيه الإنسان، بل أن الكارثة قد حلت بالعالم اجمع، بعد أن اصبحت الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة القطب الأوحد والأقوى في العالم، وتحول هذا العالم في عهد العولمة إلى سوق مفتوح، وتداخل واسع النطاق للرأسمال العالمي والشركات المتعددة الجنسيات، ولاسيما بعد حصول هذا التطور السريع والكبير لوسائل الاتصال التي جعلت من العالم قرية صغيرة، ولم تعد الحدود تقف حائلاً أمام تداخل وهيمنة الشركات والمؤسسات الرأسمالية على الاقتصاد العالمي.

لقد أدى هذا التغيير الدرامي المتسارع إلى اشتداد الضغوط التي تمارسها الرأسمالية العالمية على الطبقة العاملة في مختلف بلدان العالم بعد أن فقدت سندها القوي الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية، واشتداد قبضة الشركات والمؤسسات الرأسمالية على الطبقة العاملة، واغتصاب حقوقها المشروعة في تأمين العدالة الاجتماعية، وتأمين حياة كريمة تليق بالإنسان العامل الذي هو العنصر الحاسم في خلق كل هذه المنجزات التي تشهدها البشرية في عالم اليوم، ولا تحصل لقاء جهدها الكبير سوى النزر اليسير، في حين تتكدس مئات المليارات في جيوب أصحاب الشركات الاحتكارية والكارتيلات والمؤسسات الرأسمالية الكبرى.

لقد باتت الرأسمالية العالمية أكثر جشعاً في استغلال جهد الطبقة العاملة، وزاد من هذا الاستغلال التطور الهائل في وسائل الإنتاج ودخول عصر الأتمتة الذي حول العامل إلى آلة صماء لا تستطيع الفكاك من متابعة العمل ولو للحظة واحدة، حيث يفرض هذا التطور أن يسير العمل دون توقف في كل مراحل الإنتاج، فأي تأخر في أي من مراحل الإنتاج يؤدي إلى تأخر المراحل التالية، وهكذا تصبح الآلة هي التي تتحكم في عمل الانسان، ولذلك فلابد للعامل أن يتحول في نهاية المطاف إلى جزء من هذه الآلة حيث يستنزف أقصى طاقته في هذا العمل المستمر دون توقف.

إن هذا التطور في وسائل الإنتاج، وتصاعد الاستغلال لجهد الطبقة العاملة، وتصاعد الضغوط التي يفرضها طبيعة العمل لابد أن يفرض على الطبقة العاملة أن تغير أساليب نضالها المشترك كماً ونوعاً من خلال تنظيماتها السياسية والنقابية كي تستطيع فرض شروط عمل أفضل، وأجور تتناسب والجهد المبذول، والذي يحقق للطبقة العاملة مستوى من الحياة المعيشية تليق بالإنسان على المدى القريب، والسعي الجاد والمتواصل من خلال تنظيماتها الحزبية المسترشدة بالماركسية وتطويرها بما يتلاءم والعصر الحالي وخلق الظروف التي تمكن في نهاية المطاف نضال الطبقة العاملة من أجل تغيير حقيقي لعلاقات الإنتاج، وهو الذي يمثل الهدف الأبعد لنضال الطبقة العاملة.

إن فشل التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي لن تكون نهاية المطاف أبداً، والمجتمع الإنساني سبق أن مر بمراحل متعددة، وكل انتقال من مرحلة إلى أخرى قد يصاحبه أخطاء وانتكاسات، كما حدث في الاتحاد السوفيتي، لكن هذه التجربة والتجارب التي سبقتها، والتي ستليها، ستعلم الطبقة العاملة وأحزابها السياسية وتنظيماتها النقابية كيف تستفيد من تجاربها وتتجاوز أخطائها، والسير الحثيث من أجل خلق عالم جديد، وعلاقات إنتاج جديدة تحقق حلم الطبقة العاملة، وسائر المجتمع الإنساني بحياة رغيدة خالية من الاستغلال واستعباد رأس المال.

أن الماركسية بما قدمته لنضال الطبقة العاملة وإنجازاتها كان كبيراً جداً، ولولا الأخطاء التي وقع فيها قادة الاتحاد السوفيتي الذين حولوا النظام الاشتراكي، والذي سعى مؤسس الدولة لنين لبنائه ليكون نموذج للعالم اجمع، إلى رأسمالية الدولة، بالإضافة إلى انتهاك الحقوق الديمقراطية للشعب السوفيتي وشعوب المعسكر الاشتراكي، لكان عالم اليوم غير هذا العالم الذي بات فيه الرأسمال العالمي يتحكم بمصير الشعوب، لكن هذا التحكم لن يستمر إلا إلى حين.
ستبقى الماركسية هي السبيل الذي يهدي البشرية لتغيير الواقع الذي تعيشه اليوم، وتعلم الطبقة العاملة وأحزابها السياسية أساليب النضال لتحقيق حلم البشرية في مجتمع عادل لا مكان فيه للاستغلال، مجتمع لا مكان فيه للفقر والعوز والبطالة، مجتمع تتحقق في ظله كامل حقوق الانسان في الحرية والديمقراطية والعيش الرغيد.
 إن منظري الرأسمالية مهما حاولوا تلميع وجهها لن يفلحوا أبداً في مسعاهم لسبب بسيط هو كون النظام الرأسمالي قائم في الأساس على استغلال الإنسان لجهد أخيه الانسان، فهو نظام تنتفي فيه العدالة، وستكون الرأسمالية في نهاية المطاف عاجزة عن تقديم حل حقيقي وإنساني للتناقض الحاصل بين المستغِلين ( بكسر الغاء) والمستغَلين (بفتح الغاء) إلا من خلال نظام بديل يؤمن للإنسان العدالة الاجتماعية الحقيقية الخالية من الاستغلال والاستعباد. تحية للطبقة العاملة وشغيلة الفكر، والمجد لشهداء الطبقة العاملة وشغيلة الفكر في العالم أجمع.


39
صدام والفخ الأأمريكي
غزو الكويت وحرب الحليج الثانية
الحلقة الثلاثون [الأخيرة]
حامد الحمداني                                           21/3/2018
حرب الخليج الثالثة وسقوط نظام صدام
جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول2001، والتي أدت إلى تدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك، والهجوم على البنتاجون بطائرات مُختطفة من قبل عناصر مجرمة من تنظيم القاعدة لكي يتخذها الرئيس الأمريكي بوش ذريعة لغزو العراق وتدميره، وإسقاط نظام صدام، وقد شجعته على القيام بذلك الحرب الخاطفة في أفغانستان التي أسقطت نظام طالبان.
 ففي شهر أيلول من عام 2002 وبعد عام على أحداث سبتمبر التي هزت الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بوادر الاستعداد الأمريكي لغزو العراق، حيث طالب الرئيس بوش قادة العالم خلال جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يواجهوا الخطر الجسيم للنظام العراقي، وكان بوش يبدو عليه وهو يخاطب قادة العالم، الحزم والعزم لغزو العراق موجهاً تهديداً صريحاً للمترددين من قادة الدول لكي يشاركوا إلى جانب الولايات المتحدة، وإلا فالولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا ستتصرفان بمفردهما.
 وفي الشهر نفسه نشر رئيس الوزراء البريطاني [توني بلير] ملفا عن قدرات العراق العسكرية، وفي نوفمبر تشرين ثاني 2002 عاد مفتشو الأسلحة التابعين للأمم المتحدة إلى العراق بموجب قرار جديد للأمم المتحدة يهدد العراق بتحمل العواقب الوخيمة التي قد تنتج عن انتهاك بنود القرار. وفي  آذار 2003 أصدر رئيس لجنة التفتيش الدولية في العراق [هانز بليكس] تقريرا بأن العراق زاد من تعاونه مع المفتشين ويقول إن المفتشين بحاجة إلى مزيد من الوقت للتأكد من إذعان العراق.
 لكن سفير بريطانيا في الأمم المتحدة صرح في 17 مارس/ آذار 2003 بان السبل الدبلوماسية مع العراق قد انتهت، وتم إجلاء مفتشي الأمم المتحدة من العراق، ومنح الرئيس بوش صدام حسين مهلة 48 ساعة لمغادرة العراق أو مواجهة الحرب، وفي الوقت نفسه كانت عملية نقل القوات الأمريكية والبريطانية يجري على قدم وساق إلى الكويت والسعودية استعداداً لعملية الغزو، فقد كان قرار الغزو قد اتخذ من قبل جورج بوش وتوني بلير في لقائهما بوشنطن.
لكن صدام حسين رفض الخروج من العراق على الرغم الدعوات التي وجهها العديد من الحكام العرب لتفادي الحرب، وإنقاذ العراق من ويلاتها المدمرة، وعلى الرغم من الدعوة التي وجهها الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة لصدام بالخروج، واستعداده لاستقباله وأفراد عائلته، وفي حمايته، لكن صدام آثر مرة أخرى أن يكرر القرار الخاطئ الذي اتخذه بعد غزو الكويت برفض سحب قواته، وخاض حربا مع أكثر من 30 دولة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وكان  معلوماً منذ البداية أن مصير تلك الحرب بكل تأكيد هزيمة العراق وخرابه!.
في السابع عشر من آذار 2003 قامت الطائرات والصواريخ الأمريكية بقصف بغداد ومختلف المدن العراقية، وأعلن الرئيس الأمريكي بوش انطلاقة الحرب التي قادتها الولايات المتحدة للإطاحة بنظام صدام.
   كان القصف يجري على أشده، حيث تم استخدام أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية الأمريكية لتوقع أشد ما يمكن من الخراب والدمار بالبلاد، وبكافة المرافق الاقتصادية والخدمية فيها، ولم يكن بمقدور نظام صدام الصمود بالنظر لعدم تكافؤ القوى، وفقدان جيشه الحماية الجوية القادرة على التصدي لتلك الهجمات، ولا يملك الوسائل الحديثة للدفاع الجوي مما جعل الحرب محسومة سلفا، لكن صدام أصر على التصدي لقوات الغزو الأنكلو-أمريكية ولسان حاله يقول:عليَّ وعلى الشعب العراقي، وليأتي من بعدي الطوفان!!.
 وبعد أن استمرت الحرب الجوية لبضعة أيام شنت الجيوش الأمريكية والبريطانية هجومها البري الذي انتهى بهزيمة نظام صدام في التاسع من نيسان 2003، أي بعد عشرين يوماً من بداية الحرب، حيث اختفى الجيش العراقي على حين غرة، وتدفقت القوات الأمريكية والبريطانية على المدن العراقية، وفي المقدمة العاصمة بغداد، وهرب الدكتاتور صدام وأعوانه مخلفين وراءهم وطناً محتلاً، ودماراً هائلا طال جميع مرافق البلاد الاقتصادية والخدمية، وانتشرت الفوضى أرجاء البلاد، وانتهى المطاف بصدام متخفيا في حفرة بائسة، حيث القي القبض عليه فيها، وقدم للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الخاصة عن قضية تعتبر ثانوية جداً إذا قيست بالجرائم الكبرى التي اقترفها بحق العراق وشعبه، فلم تكن الإدارة الأمريكية راغبة في كشف إسرار العلاقة التي جمعتها بنظام صدام، وبوجه خاص أسرار الحرب التي خاضها صدام ضد إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة، وتجهيز النظام بأسرار وأجهزة إنتاج أسلحة الدمار الشامل التي استخدمها صدام ضد القوات الإيرانية، ومن ثم ضد أبناء شعبه في الشمال والجنوب، وقد حكمت عليه المحكمة بالإعدام، وتم تنفذ الحكم فيه في الثلاثين من كانون الأول 2006، وبذلك أسدل الستار عن تلك المرحلة المظلمة من تاريخ حزب البعث وسيده صدام في العراق.
لكن آمال الشعب العراقي بالحرية والديمقراطية التي وعده بها الرئيس الأمريكي بوش قد خابت وبان زيفها، وهذا ما كان متوقعاً بكل تأكيد، فقد جرى حلّ الجيش العراقي، والأجهزة الأمنية بأسلوب يتسم بالتهور، وحولت جانباً كبيراً من عناصره الذين ألقت بهم في سوق البطالة إلى عناصر إرهابية بدأت تمارس نشاطها الإجرامي إلى جانب أنصار نظام صدام المدحور، وحلفاء صدام من عناصر القاعدة التي بدأت تتدفق على العراق عبر الأراضي السورية والإيرانية والسعودية، لتحول العراق من جديد إلى جحيم لا يطاق، حيث تفجير السيارات المفخخة، والعبوات والأحزمة الناسفة لعناصر البعث وحلفائهم من عناصر القاعدة باتت تحصد أرواح المواطنين الأبرياء بالجملة كل يوم، وتدمر الممتلكات العامة والخاصة، وتستنزف ثروات البلاد.                                     .                                                                                                                      ومما زاد في الطين بله إقدام الولايات المتحدة على إقامة نظام حكم طائفي في البلاد، فقد شكل الحاكم المدني الأمريكي [بريمر] مجلس الحكم على أساس طائفي، وجاء بقادة الأحزاب الدينية الطائفية إلى سدة الحكم، وهذا ما مهد السبيل أمام قوى الإسلام السياسي إلى الهيمنة على مقدرات العراق بعد الانتخابات التي جرت في ظل ظروف غير مواتية، ولم يكن فيها الشعب العراقي مهيئاً لها، بعد أن خرج لتوه من تلك المرحلة المظلمة من تاريخ العراق التي دامت أربعين عاما، مارس خلالها نظام صدام أشد أساليب القمع ضد القوى الديمقراطية، فكانت النتيجة هيمنة قوى الإسلام السياسي على مجلس النواب، وجرى سن دستور طائفي للعراق أشعل نيران الحرب الطائفية عامي 2006و2007 والتي قادت البلاد نحو مرحلة ظلامية جديدة أشد قسوة، حيث بات الصراع الطائفي الذي تقوده المليشيات التابعة لهذه الأحزاب الطائفية يحصد أرواح المئات من المواطنين الأبرياء كل يوم، وبأساليب بشعة لم يشهد لها تاريخ الشعب العراقي مثيلاً من قبل.
 كان التعذيب والقتل وقطع الرؤوس ورمي الجثث في المزابل يجري كل يوم، وعلى قارعة الطرق طعاماً للكلاب السائبة، مما تسبب في هجرة الملايين من أبناء الشعب داخل العراق وخارجه، هرباً من طغيان المليشيات الإرهابية التي باتت هي التي تحكم العراق في واقع الحال، والتي أخذت تمارس العزل السكاني على أساس طائفي، وتجبر المواطنين على ترك مساكنهم وأملاكهم تحت التهديد بالقتل الذي طال الكوادر العلمية العراقية من العلماء وأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين الذين هجر معظمهم العراق، وهم ثروته الكبرى.
 كما امتدت أيادي العصابات الإرهابية إلى خطف الأطفال وابتزاز أهاليهم، مما حول العراق من جديد إلى جحيم لا يطاق، وقد تناولت بالتفصيل، في كتابي[حرب الخليج الثالثة] الصادر عام 2008 مرحلة ما بعد نظام صدام حسين، وما جرته على الشعب العراقي من ويلات ومصائب ومحن جاءت على كل آمال الشعب في الحياة الحرة الكريمة في ظل سيادة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان .



40
صدام والفخ الأمريكي
غزو العراق وحرب الخليج الثانية
الحلقة الثامنة والعشرون
حامد الحمداني                                            17/3/2018
تصفية أسلحة الدمار الشامل العراقية
وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها باستسلام كامل لنظام صدام لكل الشروط التي فرضها الرئيس الأمريكي جورج بوش، وتحققت أهداف الولايات المتحدة في تحرير الكويت، وعودة أسرة الصباح إلى الحكم من جديد، وتدمير البنية التحتية للاقتصاد العراق، وتهديم بنيته الاجتماعية، والتفت الولايات المتحدة إلى الهدف الأهم للإستراتيجية الأمريكية، والمتمثل بنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، وفرض نوع صارم من الأشراف على مصانع الأسلحة، لمنع النظام العراقي من تهديد منطقة الخليج مرة أخرى.

فقد أصدر مجلس الأمن في الثالث من نيسان 1991 القرار رقم 687  والذي يطالب النظام العراقي بالالتزام دون قيد أو شرط ببروتوكول جنيف لحظر الاستعمال الحربي للغازات السامة والخانقة وما شابهها، ووسائل الحرب البكتريولوجية، وأن يصدّق على قرار حظر واستحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية والصاروخية، وتدمير تلك الأسلحة. كما طالب القرار أن يقبل العراق، دون أي شروط، القيام تحت إشراف دولي بالسماح لمفتشين تابعين للأمم المتحدة بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل، ووسائل أنتاجها وتدميرها، والتي تتضمن ما يلي:
1ـ جميع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وجميع محزونات العوامل الكيماوية، وما يتصل بها من منظومات فرعية ومكونات، وجميع مرافق البحث والتطوير والدعم والتصنيع.
2ـ جميع القذائف الصاروخية التي يزيد مداها عن 150 كم، والقطع الرئيسية المتصلة بها، ومرافق إصلاحها وإنتاجها.
كما طالب القرار في بنده التاسع من العراق أن يقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة في غضون 15 يوماً من تاريخ القرار بيانا بمواقع وكميات وأنواع جميع المواد المحددة، ويوافق على إجراء تفتيش عاجل في المواقع، وتدمير جميع هذه الأسلحة، ووسائل إنتاجها، تحت الرقابة الدولية، وأن يتحمل العراق كافة تكاليف تدميرها، ومصاريف فرق التفتيش، وأن يتعهد العراق بعدم إنتاج مثل هذه الأسلحة، وتخزينها مستقبلاً. (1)
 وتنفيذاً للقرار المذكور قدم النظام العراقي معلومات عن خمسة مواقع كانت قد دُمرت إثناء الحرب، وكانت مخصصة لإنتاج غازات [الخردل] و[النارين] و[التابون]، وأربعة مصانع لإنتاج المواد الوسطية، ومصنع لملئ قذائف المدفعية والصواريخ بالعتاد الكيماوي، والغازات السامة، مع محزونات من غاز السارين قدرت بحوالي250 طناً، وغاز التابون بمقدار 500 طن، وغاز الخردل  بمقدار 280 طنا.(2)
كما قدم نظام صدام معلوماته عن الصواريخ والقنابل الموجودة بحوزته والتي شملت ما يلي:
1 ـ 6620 رأس صواريخ حربية عيار 122ملليمتر معبأ بغاز السارين.
2 ـ 2500صاروخ من طراز [صقر] معبأة بغاز السارين.
3 ـ قنابل طائرات من طراز[د ب 2] معبأة بغاز السارين.
4 ـ 201 صاروخ من نوع الحسين والوليد وسكود.
5ـ 336 قنبلة طائرات معبأة بالغاز المزدوج مخزونة في قاعدة الوليد.
6ـ 140 قنبلة طائرات عيار 250 معبأة بغاز الخردل.
7ت 105 قنابل مدفعية عيار 155مللمترمعبأة بغاز الخردل. (3)

لم تقتنع الولايات المتحدة بما قدمه النظام العراقي من معلومات، وأسرعت إلى تقديم تحذير شديد للنظام العراقي، طالبة منه تقديم كامل المعلومات التي بحوزته عن تلك الأسلحة، وهددت بالقيام بقصف العراق مرة أخرى، إذا لم تتمكن بعثات التفتيش التي سترسلها من الوصول إلى أي مكان تريد تفتيشه، وفي حقيقة الحال فإن الترسانة التي يمتلكها نظام صدام من الأسلحة الخطيرة ذات الدمار الشامل  كانت أكثر بكثير مما تصوره العالم، وحاول النظام إخفاء ما بحوزته بكل الوسائل والسبل.

بدأت فرق التفتيش الدولية تتوافد على العراق، فقد وصلت في 14 أيار 1991 أول بعثة تضم 60 خبيراً، وقد خولها مجلس الأمن بتدمير الأسلحة العراقية خلال 45 يوماً، لكن البعثة المذكورة قدمت تقريرها الذي أشار إلى أن البحث عن الأسلحة العراقية يتطلب سنتين من البحث على أقل تقدير.(4) 
 و في 22 حزيران من نفس العام وصلت البعثة الثانية، وكانت تضم 16 خبيراً، ولحق بها فريق ثالث في 3 تموز1991، وانضم إلى الفريق السابق، وقامت فرق التفتيش بتدمير الأسلحة والمصانع الحربية التالية:
1ـ 137 صاروخاً بعيد المدى.
2 ـ 19 قاذفة صواريخ متحركة.
3 ـ 60 قاذفة صواريخ ثابتة.
4 ـ 150 ماكنة صناعية.
5 ـ تدمير 15 مبنى ومنشأة تابعة لسلاح الصواريخ.
6 ـ 30 رأس صاروخ حربي لحمل الأسلحة الكيماوية .
7 ـ 3000 قنبلة كيماوية جوية.
8 ـ 3600 صاروخ كيماوي مضاد.
9 ـ  1000 عتاد مدفعية كيماوية .
10 ـ 500 ماكنة لصنع الأسلحة الكيماوية.

أما في المجال النووي فقد تم تدمير ما يلي:
1 ـ تدمير 450 ماكنة صناعية ذات استخدام مزدوج.
2 ـ 4000 طن منتجات صناعية.
3 ـ 1500 طن من الحديد المارتيزي.
4 ـ تدمير ما مساحته 50000 متر مربع من المباني.
5 ـ نقل 208 كاسيت من الوقود النووي المخصب إلى روسيا.
6 ـ تدمير جميع مواقع ومنشآت السلاح البيولوجي.
حاول النظام العراقي بكل جهده إخفاء كل ما أمكن من أسراره النووية، وكان في ذهن بعثة التفتيش البحث عن كمية من اليورانيوم المخصب قدرت ما بين 20 إلى 30 كيلو غرام، كان العراق قد استطاع إنقاذها عندما قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف المفاعل النووي العراقي عام 1981 أبان الحرب العراقية الإيرانية.(5)

استطاعت الولايات المتحدة الحصول على معلومات خطيرة عن البرنامج النووي العراقي من أحد المهندسين العراقيين العاملين في هذا المجال، والذي لجأ إلى الولايات المتحدة، حيث أبلغ المسؤولين الأمريكيين بوجود وثائق هامة قد خبأها النظام العراقي في وزارة العمل، سارعت الولايات المتحدة إلى إرسال بعثة جديدة إلى العراق رأسها الأمريكي [دافيد كاي]، وأحيطت البعثة علماُ بالمعلومات التي قدمها المهندس العراقي حيث  وصلت البعثة إلى بغداد، وانتقلت بصورة مباشرة إلى بناية وزارة العمل طالبة تفتيشها، حيث تم لها ذلك رغم اعتراض نظام صدام، وقد تم العثور على أضابير تحتوي على معلومات واسعة حول البرامج النووي العراقي، وأسماء العاملين فيه.

حاولت السلطات العراقية منع فرقة التفتيش من إخراج تلك الأضابير، لكن البعثة أصرت على أخذها، واضطر النظام إلى الرضوخ في نهاية الأمر، وتمكنت بعثة التفتيش من أخذها،
واستمرت فرق التفتيش تتابع وصولها إلى العراق منذُ 14 أيار 1991، وهي مخولة بالتفتيش في أي مكان تريده، وفي جميع أنحاء العراق، وفي كل زيارة كانت فرق التفتيش تكتشف أموراً جديدة حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، وخاصة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، والصواريخ.

هروب حسين كامل ولقائه رئيس لجنة التفتيش إيكيوس
استطاعت الولايات المتحدة عن طريق عميل سري كبير الوصول إلى حسين كامل، ودعوته للخروج عن النظام ليكون رجل أمريكا الذي سيتولى السلطة في العراق إذا ما تعاون في كشف برنامج أسلحة الدمار الشامل النووية والبيولوجية والكيماوية، وكان مشعان الجبوري، الذي عمل في المخابرات العراقية، قد ادعى في تصريح له نشرته صحيفة الشرق الأوسط  بأنه كان قد حمل رسالة من حسين كامل في غاية الخطورة إلى القيادة الأمريكية حول برنامج أسلحة الدمار الشامل، والتي أشار فيها حسين كامل إلى أن نظام صدام لا مصداقية له، ولا يحترم وعوده، وأنه يخفي منذ أربع سنوات امتلاكه لبرنامج إنتاج أسلحة بيولوجيه، وأن حجم إنتاجها قادر على القضاء على الملايين من البشر.(6)
لكن الرواية التي نقلها كل من العالمين النوويين[جعفر ضياء جعفر] و[نعمان النعيمي] القريبين جداً من حسين كامل كانت الأقرب للحقيقة. فقد ذكر العالمان المذكوران في بحثهما المشترك والمنشور في [موقع الحياة] والمكون من 7 حلقات تحت عنوان [الاعتراف الأخير] تفاصيل دقيقة عن هروب حسين كامل، والمعلومات التي نقلها إلى رئيس لجنة التفتيش التابعة للأمم المتحدة[إيكيوس]، والتي تم نقلها مباشرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد أشارالبحث إلى أن حسين كامل كان قد أصيب في شباط (فبراير) 1994 بأعراض مرضية، حيث كانت تنتابه فجأة نوبة من فقدان الوعي لبضع دقائق يستفيق بعدها ناسياً كلياً ما حصل أثناء الحالة، وقد تولى فحص حالته الطبيب العراقي المتخصص بأمراض الجملة العصبية الدكتورسعد هاشم الوتري، وتقرر نقله إلى عمّان برفقة الدكتور الوتري، وتم استقدام طبيبً جرّاح فرنسي مشهور خصيصاً له، وقد أجرى له الطبيب المذكور عملية جراحية بالمخ في مستشفى مدينة الحسين الطبية العسكرية، وأزال ورم في دماغه، وجرى  فُحِص الورم فتبين أنه حميد غير سرطاني.     
وعند عودة حسين كامل إلى بغداد وجد أن قصي بن صدام قد نُصِّبَ مشرفاً على الحرس الجمهوري الخاص، وكذلك على قوات الحرس الجمهوري، وأخذ يشعر بأن سطوته أخذت تتقلص يوماً بعد يوم، ولم يبقَ له من إمبراطوريته الواسعة سوى وزارة الصناعة والمعادن، وهيئة التصنيع العسكري، وفي شهر حزيران (يونيو) من عام 1995 غادر حسين كامل على رأس وفد من هيئة التصنيع العسكري لزيارة بيلاروسيا عن طريق عمّان فموسكو.
 وفي اليوم التالي لمغادرته دعا صدام حسين قيادات فروع حزب البعث لمؤتمر قطري يتولى انتخاب قيادة قطرية جديدة للحزب، وفاتت على حسين كامل فرصة الصعود إلى عضوية القيادة القطرية ذات السلطة الواسعة إذ لا يُجيز النظام الداخلي للحزب ترشيح أي شخص للقيادة إن لم يكن حاضراً في جلسات المؤتمر القطري، ويضيف الدكتور جعفر قائلا: شخصياً لم أكن على علم عما إذا كان إجراء صدام هذا متعمداً لإبعاد حسين كامل عن قيادة الحزب أم لشأن آخر، ولا مطلعاً على ما خفي من دسائسه الداخلية، غير أنني كنت أدرك أن صدام لم يكن ليرضي بوجود عضوٍ جريء أو ذي فكر مستقل ليعتلي أي منصب قيادي في الحزب أو الدولة، وكان يحيط نفسه بتابعين ضعاف النفوس لا يقوى أحدهم أن يقول لصدام كلمة واحدة قد تغيضه، ويضيف البحث أن لقاءً انفرادياً قد جرى في عمّان بين الملك حسين بن طلال ملك الأردن وحسين كامل استغرق ساعتين كاملتين، وأغلب ظني أن هذا اللقاء كان تمهيداً لهربه من العراق، وربما يكون قد حصل على الضوء الأخضر من ملك الأردن.(7)
ويرى العالمان جعفر والتميمي بأن عدي، الابن الأكبر لصدام، بدأ ومنذ مطلع عام 1995 ينظر بعين الحسد إلى حسين كامل، حيث رآه منافساً قوياً على موقع الابن المدلل لصدام، وعلى حسابه بالذات، ولا بدّ أن يكون قد اقتنع بأن وجود حسين كامل خطر على مقامه، وعلى مستقبله السياسي، فبدأ ينبش في أفعال وتصرفات زوج أخته للسنين الماضية.
 لم يكن خافياً على أحد أن حسين كان يستغل الامكانات المادية والبشرية لهيئة التصنيع العسكري لبناء قصوره الخاصة، وتنظيم مزارعه العديدة والصرف على حفلاته الخاصة، وعلى مجونه، فبدأ عبد حميد محمود (المعروف بعبد حمود) منذ بداية 1995 يتحرى عن مخالفات حسين كامل، وتصرفه السابق غير القانوني بالمال العام، وربما فعل عبد حمود ذلك بتحريض من عدي، ولكن لا بدّ أن يكون قد استحصل موافقة رئيسه صدام على إجراءاته تلك، إذ كيف يجرؤ على طرح أسئلة على حسين كامل من دون إسناد قوي من صدام؟ (8)
 وبسبب تزايد الضغوط عليه، لا بدّ أن يكون قد أطلق العنان لتصوراته بإمكانية قيادة المعارضة في الخارج مع الحصول على دعم أميركي لعلّه يستطيع يوماً أن يطيح برأس عمه صدام، ويعتلي سدة الحكم في العراق، ولاسيما وأنه كان قد اطلع على عدد من التقارير الصحافية التي تشير إلى أن الإدارة الأميركية كانت تبحث عن جنرال تكريتي يستطيع قيادة المعارضة والإطاحة بصدام، وتراءى له بأنه ذلك الجنرال الموعود!، ناسياً أو متناسياً أنه كان شرطياً قبل أن يعينه صدام ضمن طاقم حراسته، وأن رتبة فريق أول التي يحملها على كتفيه لا تساوي أكثر من ثمن معدنها أو قطعة من القماش، وأنه لا يفهم من الشؤون العسكرية غير تسلسل الرتب.
وفي ضحى يوم الاثنين 7/8/1995 غادر حسين كامل بغداد في طريقه إلى عمّان في موكب ضمّ زوجته [رغد بنت صدام] وأولاده، وضمّ أخاه [صدام كامل] ومعه زوجته [رنا بنت صدام] وعدداً من أركان حاشيته، ونقل معه جميع موجودات هيئة التصنيع العسكري من العملة الصعبة ومقدارها 9.5 مليون دولار أميركي نقدا، ولم يكن باستطاعة أحد تفتيش حمولاته من الخزائن عند حدود البلدين، كما أنه غادر بطريقة رسمية بحجة اصطحاب عائلته في فسحة صيفية في بلاد الجيك.
ظهر حسين كامل تحت أضواء الإعلام يدلي بتصريحات ضد نظام صدام حسين، وهو الذي كان يمثل الشخص الثاني في النظام بعد صدام، ولاسيما وأنه أبن عمه، وقد زوجه ابنته، كما وزج أخيه صدام كامل أبنته الثانية، وقد بدأ يطلق العنان لتصريحاته متهماً صدام بالدكتاتورية والتسلط والغباء السياسي، وهكذا بدأت جموع رجال المخابرات العربية والأجنبية تنهال عليه في مقر إقامته الفخم في عمّان لاستطلاع ما يحمل من أنباء ومعلومات وهو يتباهى أمام الأضواء المسلطة عليه، والاهتمام الذي أولاه له رجال الإعلام والسياسة والمخابرات في عمّان. خشيَ صدام أن يطلق صهره العنان لتصريحاته فيكشف ما كان قد أخفاه من معلومات تتصل ببرامج أسلحة الدمار الشامل التي لم تبقَ سوى بعض المعلومات التي جرى إخفائها، حيث أن جميع الأسلحة سبق وأن دُمرت خلال صيف 1991، ويخلق للعراق أزمة جديدة مع مجلس الأمن، ولاسيما وأن الأمور كانت قد أوشكت على الانتهاء فأصدر أمره بدعوة الرئيس التنفيذي للجنة الأونسكوم، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى العراق للتباحث مع الجانب العراقي، وأصدر أمره إلينا جميعاً بالإعلان إلى المفتشين عن كل ما كان حسين كامل قد أمرنا بإخفائه، وعدم البوح به، وظن بذلك أنه قد سحب البساط من تحت أقدام حسين كامل. (9)
وبعد أسبوعين من هروب حسين كامل التقى صدام مع كبار العلماء المسؤولين في هيئة التصنيع العسكري، لكي يتحدث إليهم عن هروبه وتصرفاته حيث قال مخاطباً إياهم: { لقد جمعتكم لأعتذر إليكم مرتين، مرة كوني قد عينتُ حسين كامل مشرفاً عليكم، ومرة ثانية كونه صهري ومحسوباً على عائلتي، إن ذلك الشخص كان مغروراً أو مصاباً بداء العظمة، وأن العملية التي أجريت لانتزاع ورم من دماغه قد أثرت سلباً على تصرفاته، واستشهد بما أخبره به وزير الصحة الدكتور[أوميد مدحت مبارك] حول تلك العملية وتبعاتها، وأضاف صدام قائلا: بأن السلطة سوف لن تحاسب أي منا على أي عمل سبق أن نفذه بأمر من رئيسهم السابق حسين كامل، إلاّ إذا كان ذلك العمل قد سبب ضرراً بليغاً للمصلحة الوطنية، أو عرّض أمن البلد إلى الخطر، ثم طلب أن يستمروا بأعمالهم بحسب سياقاتها إذ لا وجود لتغيير في البرامج أو في أساليب تنفيذها}. (10)
في 17/8/1995 وصل إلى بغداد كل من[ رولف إيكيوس ] المدير التنفيذي للجنة الأونسكوم، و[هانز بليكس] المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبقيا في بغداد مدة ثلاثة أيام حيث تم إبلاغهما بتفاصيل البرنامج المعجّل الذي كان حسين كامل قد أمر بتنفيذه في 17 آب من عام 1990، وقدم الجانب العراقي إليهما مجموعة ضخمة من الوثائق والتقارير التي كان حسين كامل قد أخفاها في موقع حساس، ثم نقلت بعد هروبه على عجل من ذلك الموقع إلى [مزرعة بيت حيدر]، ومن ثم سلمت إلى مفتشي الأمم المتحدة، فعُرفتْ منذ ذلك الوقت باسم [مجموعة وثائق قاعة الدجاج في مزرعة حيدر].
 عاد رولف إيكيوس إلى عمان في 22 آب 1995، وتم عقد لقاء مع حسين كامل وكان برفقته مجموعة من الخبراء العاملين ضمن مفتشي الأونسكوم، كما حضر اللقاء ممثلاً عن الديوان الملكي الأردني تولّى مهمة الترجمة، وقد سأل إيكيوس حسين كامل عن سبب امتناع الجانب النووي العراقي من التصريح بأن برنامج الطارد للتخصيب كان يجرى ضمن موقع الراشدية وليس ضمن موقع التويثة، وقد أجابه حسين كامل بأنهم فعلوا ذلك لتحويل أنظار المفتشين عن ذلك الموقع.
 ثم سأله عن ما إذا كان العراق ما يزال يمتلك من الأنشطة النووية، وقد نفى حسين كامل وجود أي نشاط، غير أن الوثائق والخرائط لا تزال موجودة ضمن مجموعة من المايكرو فلم. وعندما سأله إيكيوس عما إذا كان نشاط التسلح النووي الذي سبق إجراؤه في موقع الأثير مايزال قائماً؟ أجاب نعم، ولكن قبل حرب الخليج. وعند سؤاله عما إذا كان الهدف من القنبلة النووية العراقية الأولى هو تجربتها فقط أم استخدامها في الحرب أجاب أن العلماء كانوا في مراحل البحث والتطوير، ولم يكونوا قد وصلوا بعد إلى مرحلة تصنيع القنبلة وبالتالي كانوا بعيدين جداً عن تجربتها. (11)
وبعد أن أكملتْ الجهات المخابراتية الأجنبية مهمتها، وحصلت من حسين كامل على جميع ما بجعبته من معلومات، ألقته الولايات المتحدة في قارعة الطريق، وسقط كما تسقط أوراق الأشجار في فصل الخريف، وتلاشت أحلامه في تزعم حركة العارضة العراقية التي قادتها الولايات المتحدة لتتولى السلطة بعد إسقاط نظام صدام حسين بزعامته، وقرر العودة إلى العراق، حيث بدأ يوسط المقربين من صدام لكي يحصل على وعد بالعفو من صدام شخصياً.
 وفي شباط/فبراير من عام 1996،عاد حسين كامل وأخوه صدام كامل وعائلتاهما إلى العراق، وقد استقبلهما عدي عند الحدود، لكنه أخذ أختيه وأولادهما بسيارته إلى بغداد، وترك حسين وأخاه يعودان إلى بغداد بمفرديهما، وفي اليوم التالي لوصول رغد ورنا إلى بغداد بصحبة عدي صدرت وثيقتا طلاقيهما من زوجيهما.
 وانتقل حسين كامل وأخيه إلى ببيت أختهما الكائن في منطقة السيدية، حيث كان كافة أفراد العائلة قد تجمعوا هناك، وفي اليوم التالي أحاطت مجموعة كبيرة مسلحة بقيادة علي حسن المجيد وعدي صدام بالمنزل، وحصلت مواجهة مسلحة بين المهاجمين وأفراد العائلة الذين قُتِلوا جميعاً، كما قُتل بعض المهاجمين، وجرى قطع رأس حسين كامل من قبل عمه علي حسن المجيد، حيث قدمه إلى صدام كدليل على ما أسماه غسل عار العائلة كما قال لصدام.
وفي نهاية عام 1998 وصل إلى العراق فريقي تفتيش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى العراق، وكان الفريق 28 برئاسة [كاري ديلون] الذي وصل في 9 أيلول 1995، واستمر في عمله حتى 20 منه، والفريق 29 برئاسة[بول ستوكس] الذي وصل في 17 تشرين الأول 1995، واستمر في عمله حتى 24 منه، وقد قدم الفريقين تقريرهما لمجلس الأمن أشارا فيه إلى أن الجانب الفني العراقي كان متعاوناً إلى أبعد الحدود، حيث قاموا بإعلام المفتشين عن الكثير من الأمور التي كانوا في الأمس القريب يتخوفون من مجرد الاستماع إلى أية استفسارات عنها، حيث كانوا في السابق يحاولون التهرب من الإجابة على أسئلة المفتشين بشتى الوسائل على الرغم من ضعف حجتهم، وكان من بين ما صرحوا به للفريقين هو البرنامج النووي الوطني المعجّل للفترة من 17 آب 1990- 17 كانون الثاني 1991، وختمت الوكالة تقريرها بالقول إن تجربة العراق قد ولدت القناعة بأن أية دولة لا تلتزم ببنود معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية يمكنها تطوير امكاناتها لإنتاج أسلحة نووية ضمن وقت قصير نسبياً، وذلك من خلال تصرفها بالمواد النووية الخاضعة للرقابة.
وفي الختام يعترف العالمان جعفر ضياء جعفر وعلي التميمي بأن ما كتبه المفتشون من رأي حول سلوك الجانب العراقي قبل هروب حسين كامل وما تبِعه هو عين الصواب، ويؤيد ما ذكراه وما يذكرانه الآن، وأن حسين كامل كان في الواقع سيفاً مسلطاَ على رقابهم، وكان يأمرهم بإخفاء المعلومات، ويجبرهم على إتباع مسلك الخديعة والامتناع عن التعاون مع المفتشين الدوليين، وكانوا يدركون أن البرنامج النووي الوطني قد انتهى وأصبح تماماً في خبر كان، ولا داع لإخفاء التفاصيل منذ البداية كي نُجنب أنفسنا عناء الكذب والتمويه، ونُجنِّب الشعب العراقي ما ترتب على كاهله من مآسي ومصائب لا حدود لها بسبب إطالة أمد الحصار. (12)
حاول النظام العراقي في النهاية إقناع المفتشين أن عملية نزع أسلحته قد اكتملت، ولم يعد يمتلك أية أسلحة للدمار الشامل، وليس لديه أية نوايا لإعادة أنشطته السابقة في مجال أسلحة الدمار الشامل، ولكن الأمور سارت على عكس ما كان نظام صدام يتمنى، فقد تدهورت العلاقة العراقية الأميركية عام 1998 بعد أن صدر تقرير عن اللجنة السياسية المشكلة في الولايات المتحدة في 3 حزيران من عام 1997 من قبل  شخصيات سبق أن عمِلت ضمن إدارة جورج بوش الأب لصياغة سياسة خارجية أمريكية للقرن الأمريكي الجديد، وقد توصلت هذه المجموعة  إلى قناعات سطرتها ضمن مذكرة بعثت بها إلى الرئيس [بيل كلنتون] في 26 كانون الثاني 1998 تحثه فيها على إزاحة صدام حسين معتبرة هذا الهدف بمثابة حجر الزاوية للسياسة الخارجية الأميركية.
 وجاء في توصية اللجنة بأن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك السلطة ضمن قرارات مجلس الأمن بشأن العراق لاتخاذ إجراءات حاسمة، بما فيها عمليات عسكرية لحماية مصالحنا الحيوية في منطقة الخليج، وطالبت هذه المجموعة زيادة التخصيصات المالية للدفاع، وألحت على استخدام القوة الأميركية الهائلة للتدخل في الأحداث أينما كان ضروريا.



41
صدام والفخ  الامريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة السادسة والعشرون
حامد الحمداني                                         13/3/2018

حرب حزبي البارزاني والطالباني تشتعل في كردستان

على الرغم من سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك)، والإتحاد الوطني الكردستاني (أوك) على السلطة في كردستان بعد الانتفاضة، وتقاسمهم مقاعد البرلمان، ومجلس الوزراء، إلا أن التنافس والصراع بين الحزبين كان يتفاعل كل يوم، حيث سعى كل منهما  للهيمنة على السلطة المطلقة في كردستان، مما  تسبب في تصاعد الخلافات بين الحزبين، واستمرت العلاقات بينهما بالتوتر، والخلافات بالتصاعد حتى وصلت إلى مرحلة الصراع المسلح بينهما. (1)

 فقد اندلع القتال بين مقاتلي الحزبين في أواخر شهر آذار من عام 1994، واستخدم الطرفان كل ما تيسر لهما من الأسلحة في قتالهما الشرس بينهما، والذي دفع ثمنه الشعب الكردي المنكوب بحكامه الجدد، حيث قتل الألوف من أبنائه، ودمرت المدن والقرى، واتت الحرب بين الحزبين على البقية الباقية من الاقتصاد المدمر أصلاً، بسبب الحروب التي استمرت بينهم وبين النظام طوال عشرات السنين. (2)

ورغم جميع المحاولات التي بذلتها الأحزاب المنضوية تحت لواء الجبهة الكردية لوقف القتال بين بيشمركة الحزبين المتصارعين على السلطة والثروة، إلا أن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل، واستمرت المعارك بين الطرفين، رغم أنها تخللتها الهدنة لفترات من الزمن بعد جهود مضنية بذلتها العديد من الأحزاب والشخصيات السياسية للجمع بين القيادتين، وحل المسائل المختلف عليها سلمياً، وبما يحقق الأمن والسلام للشعب الكردي الذي عانى الأمرين من تلك الحرب.

وهكذا ضاعت أحلام الشعب الكردي في العيش في سلام وهدوء، بعد تخلصهم من سلطة نظام صدام، ووجد نفسه في ظل ذلك الصراع، وفي ظل الحصار الدولي، وحصار صدام على منطقة كردستان، في وضع مأساوي ليس له مثيل، يعاني الجوع، وتفتك فيه الأمراض، وتتساقط فوق الرؤوس قنابل المتحاربين كل يوم منزلة الخراب والدمار والموت بالمواطنين الأبرياء. لقد كان المؤمل أن تكون تجربة الحكم الذاتي في المنطقة الكردية، وتجمع قوى المعارضة الوطنية فيها حافزاً، ومنطلقاً لتحرر العراق من سلطة الدكتاتور صدام بأيدي عراقية خالصة، لكن قتال الحزبين أضاع كل شيء.
ففي 12 تشرين الأول 1996 اندلعت جولة جديدة من الحرب أشد وحشية، وفتكاً بالأرواح، وتدميراً للممتلكات من مسلسل القتال الكردي - الكردي بين الحزبين، وشملت ساحة الصراع والحرب مدن السليمانية وكوسنجق، وجمجمال، وبلدات أخرى، واستخدم الطرفان كل الأسلحة المتاحة، منزلين أفدح الخسائر بالأرواح والممتلكات، ليس بين صفوف المتقاتلين وحسب، بل بين صفوف المدنيين المسالمين.

لقد كانت الذرائع والتبريرات التي ادعى  بها الطرفين لاستمرار القتال مرفوضة من الشعب الكردي ولا يمكن قبولها، وهي كانت في واقع الأمر تخفي وراءها أهداف حزبية ضيقة ترمي إلى الانفراد بالسلطة والثروة، وإن قيادة الحزبين يتحملان المسؤولية الكاملة عن كل المآسي التي حلت بالشعب الكردي، وبمسؤولية تدمير الجهد الوطني لأحزاب المعارضة الهادف إلى تخليص الشعب العراقي من حكم صدام.

ثانيا: قوات الطالباني تحتل أربيل وتطرد قوات البارزاني

وصلت ذروة الصراع بين حزبي البارزاني، والطالباني في أوائل عام 1995، عندما اقتحمت قوات بيشمركة الطالباني مدينة أربيل، عاصمة منطقة كردستان العراق، وسيطرت عليها، وطردت قوات البيشمركة التابعة للبارزاني منها. وبذلك فرض جلال الطالباني هيمنته على مؤسسات السلطة التنفيذية، وعطل المجلس التشريعي، وجرى خلال اقتحام المدينة، والسيطرة عليها بعد معارك عنيفة بين الطرفين، ووقوع خسائر جسيمة في صفوف المتحاربين، والسكان المدنيين على حد سواء، وجرت حملة تصفيات للخصوم السياسيين، وأدى ذلك إلى زرع الأحقاد والبغضاء، والعداء بين إفراد المجتمع الكردي.

وحاول قادة الأحزاب الوطنية المتواجدين على الساحة الكردستانية التوسط بين قيادة الحزبين لإيجاد مخرج للازمة التي تمخضت عن استيلاء قوات الطالباني على أربيل، حيث قدمت مشروعاً يقضي بإعلان الهدنة بين الطرفين المتحاربين، وبجعل مدينة أربيل منزوعة السلاح، وعودة المجلس التشريعي، ومجلس الوزراء إلى ممارسة مهامهم، والتوقف النهائي عن الملاحقة والاعتقال، وطرد العوائل، ومصادرة ممتلكات المواطنين ومنازلهم. وبالفعل استطاعت الوساطة تحقيق هدنة بين الطرفين في 7 نيسان 1995 واستمرت حتى الأول من حزيران، ولكن دون تحقيق أي تقدم في المفاوضات بين الجانبين لحل  الأزمة، وبناء على المساعي التي بذلتها القوى الوطنية، فقد جرى تمديد الهدنة حتى 15 تموز 1995.
القوات التركية تجتاح شمال العراق:
وفي 5 تموز 1995 أجتاح الجيش التركي شمال العراق، في المنطقة الوسطى من الحدود المشتركة بين البلدين باتجاه منطقة[الميسوري] في قضاء[ميركه سور] وقُدرت القوات التركية الغازية بلواءين مدرعين، تسندها الطائرات المقاتلة والمروحيات والمدفعية، بالإضافة إلى القوات المظلية، وادعت الحكومة التركية إنها تطارد المتمردين من أعضاء حزب العمال الكردستاني.
 لكن القوات التركية استهدفت في هجماتها ضد حزب العمال الكردستاني المناطق المأهولة بالسكان الأكراد، وقصفت بصورة عشوائية سبع قرى هي شيفي، وميروز، وسبندار، وبندرو، ودزو، وبازيان، مما أسفر عن تشرد أهالي المنطقة بعد تكبدهم خسائر كبيرة في الممتلكات، ووقوع عدد من الضحايا والجرحى.(3)

أدى الاجتياح التركي لكردستان إلى تعقيد الأزمة، وإلى تفاقم أوضاع  المواطنين الأكراد المعشية، وزاد من عمق المأساة التي سببها الصراع بين الحزبين (حدك) و(أوك)، فالحصار الاقتصادي الأمريكي على العراق من جهة، وحصار نظام صدام على المنطقة الكردية من جهة أخرى، والاجتياح التركي تارة، والإيراني تارة أخرى، لشمال العراق، بالإضافة للحرب الأهلية بين ميليشيات حزبي الطالباني والبارزاني، كل ذلك حول حياة الشعب الكردي إلى جحيم لا يطاق.   

رابعاً:البارزاني يستعين بصدام لاستعادة أربيل

في العاشر من آب 1996، دعا رئيس وزراء تركيا، نجم الدين أربكان، الذي كان في زيارة رسمية لإيران، إلى عقد قمة تركية عراقية إيرانية، لحل أزمة كردستان العراق، وأكد على أن تركيا ستستضيف اللقاء، وأنها ستدعو سوريا لحضوره، وقد لاقى الاقتراح التركي استحسان الحكومة الإيرانية وتأييدها.

غير أنه لم يمضي سوى أسبوع على اللقاء، حتى أنفجر القتال من جديد في كردستان في 17 آب 1996، وشملت المعارك مناطق [باليسان] و[وهيران] و [حرير] و[صلاوة] و[جومان] و[حاج عمران]، ورافق القتال قصف مدفعي إيراني لمنطقة [ راوندوز].

وبعد يومين من بدء القتال، بدأ نظام صدام بتحشيد قوات كبيرة من الحرس الجمهوري في مناطق كركوك والسليمانية، والموصل، وأصدر النظام قراراً بتعيين [علي حسن المجيد] الملقب بعلي كيماوي، محافظاً لكركوك، كما أصدرت قيادة الجيش أمراً إلى القطعات العسكرية المرابطة على خطوط التماس بأن تكون على أهبة الاستعداد، وأن تشدد سيطرتها على كافة المسالك، وإطلاق النار على كل من يتحرك في تلك المناطق.

ورغم أن تحشدات القوات العراقية كانت مكشوفة، فأن الولايات المتحدة لم تحرك ساكناً!!، ولم توجه أي تحذير للنظام العراقي من مغبة الإقدام على أي خطوة عدوانية ضد المنطقة الكردية، ولاسيما وأن هذه المنطقة قد وُضعت تحت الحماية الأمريكية منذُ انتفاضة آذار 1991.
وفي الساعة الرابعة من فجر يوم 31 آب اندفعت قوات صدام نحو مدينة[أربيل] وحاصرتها من اتجاهي الموصل وكركوك، وبعد أن مهدت لهجومها على المدينة بقصف مدفعي وصاروخي استمر 4 ساعات. وبرر النظام العراقي اقتحامه لأربيل بأنه تلبية لدعوة من السيد مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني!.

وفي الوقت نفسه أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود البارزاني أن قواته بدأت بمهاجمة أربيل، وأن قواته تقاتل في ضواحي المدينة. وفي اليوم التالي الأول من أيلول دخلت مجموعات كبيرة من الدبابات العراقية وأحكمت سيطرتها على المدينة، وقد أسفرت المعارك عن وقوع خسائر جسيمة في صفوف المقاتلين الأكراد والسكان المدنيين، وقد مارست أجهزة أمن صدام التي رافقت القوات العسكرية، حملة مداهمات للبيوت، ومقرات الأحزاب السياسية المعارضة، وقامت باعتقال المعارضين للنظام وفق قوائم كانت قد جرى إعدادها سلفاً، وجرت حملة تصفية جسدية لعدد كبير من المعارضين للنظام العراقي، الذين كانوا قد لجأوا إلى منطقة كردستان العراقية، وجرى نهب وإحراق لكافة مقرات الأحزاب المعارضة.

أما الولايات المتحدة فلم تتعرض لقوات نظام صدام التي اقتحمت أربيل، على الرغم من كون هذه المنطقة قد كانت قد وضعت تحت الحماية الأمريكية فور انتهاء حرب الخليج الثانية، بعد إجهاض الانتفاضة الشعبية ضد نظام صدام، فقد تغاضت الإدارة الأمريكية عما أقدم عليه نظام صدام.
 لكنها استدارت على حين غرة  لتطلق  27 صاروخاً على مواقع عسكرية في جنوب العراق ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍في الأول أيلول، ثم أعقبتها بإطلاق 17 صاروخاُ آخر على المنطقة نفسها في الثالث من أيلول!!، وقرر الرئيس الأمريكي [ كلنتون] تمديد منطقة الحضر الجوي في جنوب العراق إلى خط العرض 33، وكأن أربيل واقعة في جنوب العراق !!.

إن كل متتبع للأوضاع السياسية آنذاك كان يدرك أن صدام حسين لم يكن قادراً على الأقدام على خطوة كهذه، وفي مثل تلك الظروف التي كان يمر بها النظام، دون تنسيق مع الولايات المتحدة ومباركتها، فقد كانت  للولايات المتحدة حساباتها في ذلك، وأن أهداف عديدة كانت قد حققتها من وراء هذه العملية وفي مقدمتها:
1ـ تأمين مرور النفط عبر الأنبوب التركي، بعد توقيع مذكرة التفاهم بين النظام العراقي والأمم المتحدة، حول تنفيذ قرار النفط مقابل الغذاء والدواء، والذي أشترط على نظام صدام استخدام هذا الأنبوب لنقل معظم النفط العراقي.
 ومعروف أن الطلباني على علاقة جيدة مع حزب العمال الكردستاني الذي يخوض صراعاً مع الحكومة التركية، والذي كان قد قام بنسف أنبوب النفط المذكور فيما مضى مرات عديدة، ويأتي ذلك لمصلحة تركيا التي تضررت كثيراً جراء الحصار المفروض على العراق، حيث كانت تجني مليارات الدولارات من عوائد مرور النفط العراقي عبر أراضيها سنوياً. ‍‍‍‍‍‍‍
2ـ أشعار أعضاء مجلس الأمن بأن العراق لازال قادراً على تهديد الأمن والسلم الدوليين، وان استمرار الحصار الظالم المفروض عليه مازال يتسم بأهمية كبرى لضمان الأمن والسلم الدوليين!!.

3ـ توجيه ضربة قاصمة لأحزاب لمعارضة العراقية التي اتخذت من منطقة كردستان منطلقاً لنشاطها ضد النظام، وإفشال أي محاولة لتغير النظام العراقي لا تأتي من تحت المعطف الأمريكي.

4ـ أشعار دول الخليج أن صدام حسين مازال قوياً، وانه يشكل تهديداً للخليج، من أجل بقاء القوات الأمريكية في المنطقة، وابتزاز دول الخليج، وحثها على شراء الأسلحة.

خامساً:الإدارة الأمريكية تدعو للمصالحة بين الطرفين

بعد الأحداث الدامية التي وقعت في أربيل بدأ الشعب الكردي يضمد جراحه التي سببتها الحرب المفجعة، ونشطت قيادات أحزاب الجبهة الكردستانية للسعي لجمع القيادتين الكرديتين من أجل التوصل إلى حل لخلافاتهما المستحكمة، وعودة الصفاء والوئام في ربوع كردستان العراق، ودخلت الولايات المتحدة على الخط  بما تملكه من تأثير قوي على الطرفين المتحاربين في سعيها لجمع القيادتين الكرديتين المتمثلتين بمسعود البارزاني، وجلال الطالباني، في واشنطن من أجل تحقيق المصالحة بينهما.

فقد دعت واشنطن القيادتين إلى الحضور في الولايات المتحدة لبحث الخلافات بين الطرفين، وإيجاد السبل الكفيلة لتجاوزها، وبالفعل تم اللقاء بين الطرفين وإجراء المباحثات حول السبل الكفيلة بعودة العلاقات الطبيعية بينهما، وعودة الأمن والسلام في ربوع كردستان، وقد تمت المصالحة  بحضور وأشراف[ ديفيد وليش] مساعد وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت آنذاك، حيث تم التوصل إلى عقد [ اتفاقية واشنطن ] في 17 أيلول 1998 التي وقعها السيدان مسعود البارزاني وجلال الطالباني  والتي دعيت باتفاقية [المصالحة والسلام].
وقد تضمنت الاتفاقية البنود التالية:
1 ـ إدانة الاقتتال في كردستان العراق والحيلولة دون عودته من جديد.
2 ـ إقامة حكومة موحدة على أساس نتائج الانتخابات  لعام 1992.
3 ـ توحيد الإدارتين الكرديتين مع بعضهما.
4 ـ استرجاع الإيرادات الكمركية إلى خزينة حكومة الإقليم الموحدة.
5 ـ تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات جديدة في منطقة كردستان في عام 1999.
وفي 29 تشرين الأول من العام 1999 عقد اجتماع لأحزاب المعارضة العراقية في مدينة [نيويورك] بمساهمة الجانب الأمريكي، حيث جرى في ذلك الاجتماع بلورة ما دُعي بالمشروع الفيدرالي الديمقراطي البرلماني في العراق بعد إزاحة نظام صدام من الحكم، وقد بذل المؤتمرون جهوداً كبيرة في إقناع القيادتين الكرديتين بضرورة حل كل خلافاتهما، وتوحيد خطابهما السياسي، وعلى كافة المستويات.

كما أكد مؤتمر أحزاب المعارضة العراقية المنعقد في لندن بين الرابع عشر والسابع عشر من كانون الأول 2002 الذي جرى عقده برعاية أمريكية، وبإشراف السفير الأمريكي [زلماي خليل زادة] تحت شعار[العراق ما بعد نظام صدام حسين ] على إقامة ما دعوه بعراق ديمقراطي تعددي برلماني فيدرالي، وقد مكَّن ذلك المؤتمر القيادتين الكرديتين  من تنسيق مواقفهما، مما عزز موقف الكرد في المعادلة العراقية والإقليمية.

وفي 8 أيلول عام 2002 تم عقد مؤتمر لأحزاب المعارضة العراقية في مصيف صلاح الدين حضره ممثل الرئيس الأمريكي جورج بوش [زلماي خليل زادة]، وجرى فيه التأكيد على قرارات مؤتمر لندن، وعلى ضرورة إجراء الاستفتاء الشعبي على الدستور الفيدرالي المقترح لعراق ما بعد صدام، مما عزز التعاون والتنسيق بين سائر أطراف المعارضة العراقية، وبالتعاون مع الولايات المتحدة لإسقاط نظام صدام.

وفي الوقت نفسه وقع الزعيمان الكرديان مسعود البارزاني وجلال الطالباني على هامش المؤتمر اتفاقاً بين الطرفين لحل جميع الخلافات بينهما، وتمت الموافقة على إعادة البرلمان الموحد الذي جرى انتخابه عام 1992 تمهيداً لحل الخلافات التي لم يجرِ تنفيذها استناداً لقرارات مؤتمر واشنطن عام 1998، وقد تم تأليف لجنة من الطرفين تتولى حل الخلافات خلال مدة 6 أشهر. كما تقرر أن يعقد البرلمان الموحد أولى جلساته في 4 تشرين الأول 2002. لكن الخطوة الرئيسة القاضية بتوحيد الإدارتين والتي نصت عليها الاتفاقات السابقة لم ترى النور إلا بعد سنوات عديدة، باستثناء قوات البيشمركة التي مازالت على حالها.
لقد كانت تلك المصالحة بين البارزاني والطالباني في نيويوك، ومؤتمرات صلاح الدين و فبينا ولندن تحت الرعاية الأمريكية تستهدف تحقيق الأجندة الأمريكية التي بدأها الرئيس الأمريكي بوش الأب عام 1991 في حرب الخليج الثانية، والتي كان يعتزم الرئيس بوش الابن أكمالها بغزو العراق، وإسقاط نظام صدام في حرب الخليج الثالثة التي اندلعت في السابع عشر من آذار 2003، وأطاحت بنظام صدام إلى الأبد في التاسع من نيسان من العام نفسه، وليبدأ العراق مرحلة جديدة هي الأشد مرارة، والتي تناولتها في كتابي {حرب الخليح الثالثة}.



42
صدام والفخ الأمريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة الخامسة والعشرين
حامد الحمداني                                                   9/3/2018

انفصال المنطقة كردستان عن العراق
بعد المجازر التي اقترفها نظام صدام خلال وبعد قمع الانتفاضة الشعبية، حيث قتل ما يزيد على 300 ألف مواطن على أيدي قوات الحرس الجمهوري، والأجهزة الأمنية للنظام، وتشرد أكثر من مليون كردي تاركين مدنهم وقراهم في شمال الوطن، ومئات الألوف من المواطنين العرب في جنوب ووسط العراق هرباً من بطش النظام، وآلته الحربية.

 ومن باب الإحراج أمام الرأي العام العالمي لما جرى في العراق من استخدام صدام أقسى درجات العنف ضد ابناء الشعب، وعمليات القتل الوحشية، وامتلاء السجون السجون، والتعذيب الوحشي حتى الموت لكل من تشك السلطة البعثية في مشاركته في الانتفاضة الشعبية ضد نظام الطاغية صدام، وكل الذي جرى تحت سمع وبصر القوات الأمريكية التي احتلت جنوب العراق، قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار إلى مجلس الأمن، والذي جرت المصادقة عليه تحت رقم 688 في 5 نيسان 1991، والمتعلق بحقوق بصيانة الإنسان في العراق، وما تتعرض له المواطنون العراقيون على أيدي طغمة صدام الفاشية.

لكن الولايات المتحدة لم جادة في سعيها لتأمين الحقوق المشروعة للشعب العراقي في الحرية والديمقراطية والسلام، وهي التي سمحت لقوات صدام باستخدام كل أنواع الأسلحة لقمع الانتفاضة الشعبية، فهي لا يهمها انتهاك نظام صدام لحقوق الإنسان، بل كل همها في كيف تحافظ على مصالحها في منطقة الخليج، وضمان تدفق النفط دون مخاطر.

ولذلك وجدنا أن  القرار المذكور، على خلاف كل القرارات التي أصدرها مجلس الأمن ضد العراق تحت البند السابع، والذي له قوة إلزامية للتنفيذ، لم يصدر هذا القرار بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولذلك فلم تكن للقرار صفة إلزامية تجبر النظام على تنفيذه، وبقي هذا القرار حبراً على ورق، وقد وجدت من الضروري أن يطلع القارئ الكريم على القرار:
ثانياً: قرار مجلس الأمن بفرض الحماية على المنطقة الكردية
 قرار رقم 688 ـ في 5 نيسان 1991 :
مجلس الأمن :
مشيراً إلى الفقرة السابعة من المادة الثالثة من ميثاق الأمم المتحدة، واضعاً نصب عينيه، واجباته ومسؤولياته المنصوص عليها في الميثاق، وبقلق شديد، بسبب عمليات القمع التي تستهدف لها السكان المدنيون في أنحاء كثيرة من العراق، وقد شمل في الآونة الأخيرة المناطق الكردية المأهولة، الأمر الذي أدى إلى اندفاع جموع غفيرة من اللاجئين نحو الحدود الدولية وعبورهم، مما نجم عنه غارات عبر الحدود قد تهدد السلام والأمن الدوليين في المنطقة.
وبإحساس عظيم منه بالأسي لما يعانيه الإنسان هناك من أهوال، وبعد تأمل بالتقريرين الذين رفعهما ممثلا تركيا وفرنسا لدى الأمم المتحدة في 3، و4  نيسان 1991، برقم 22435 / س، ورقم 22445 / س، وكذلك التقريران اللذان رفعهما الممثل الدائم لجمهورية إيران الإسلامية إلى الأمم المتحدة بتاريخ 3 ، و4 نيسان 1991، وقد سجلتا برقم 22436 / س، و22447 / س. معيداً تأكيده بالتزام الدول الأعضاء كافة بأمنها وسلامتها، واستقلالها السياسي، واضعا نصب عينيه تقرير السكرتير العام المرقم 22366 / س، والمؤرخ في 30 آذار 1991 يقرر:
1ـ يدين مجلس الأمن عمليات القمع التي يعانيها السكان المدنيون العراقيون في أنحاء كثيرة من البلاد، وقد شمل في الأيام الأخيرة المناطق الكردية المأهولة، وإن ذلك يؤدي إلى تهديد الأمن والسلام الدوليين في المنطقة.

2ـ  يطلب بأن يقوم العراق على الفور، كإسهام منه في إزالة الخطر الذي يتهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة، بوقف هذا القمع، ويعرب عن الأمل في السياق نفسه في إقامة حوار مفتوح لكفالة احترام حقوق الإنسان، والحقوق السياسية لجميع المواطنين العراقيين.
3ـ يصر على أن يسمح العراق بوصول المنظمات الإنسانية الدولية على الفور إلى جميع من يحتاجون المساعدة في جميع أنحاء العراق، ويوفر جميع التسهيلات اللازمة لعملياتها.

4ـ يطلب إلى الأمين العام أن يواصل بذل جهوده الإنسانية في العراق، وان يقدم على الفور، وإذا اقتضى الأمر على أساس أيفاد بعثة أخرى إلى المنطقة، تقريراً عن محنة السكان المدنيين العراقيين، وخاصة السكان الأكراد، الذين يعانون من جميع أشكال القمع الذي تمارسه السلطة العراقية.

5ـ يطلب كذلك إلى الأمين العام أن يستخدم جميع الموارد الموجودة تحت تصرفه  بما فيها موارد وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة، للقيام على نحو عاجل بتلبية الاحتياجات الملحة للاجئين، وللسكان العراقيين المشردين.

6ـ يناشد جميع الدول الأعضاء، وجميع المنظمات الإنسانية أن تسهم في جهود الإغاثة الإنسانية.
7ـ طالب العراق بأن يتعاون مع الأمين العام من أجل تحقيق هذه الغايات                                                                                 8 ـ يقرر إبقاء المسالة قيد النظر.  (1)   
                                       
ثالثا: نظرة في قرار مجلس الأمن رقم 688:
 بقراءة متأنية لبنود هذا القرار، نجد انه قد ركز أغلبه على المنطقة الشمالية من العراق ذات الأغلبية الكردية،  بينما مرّ مرور الكرام على معانات المناطق الجنوبية والوسطى من العراق، من أساليب القمع الوحشية التي تعرض لها السكان، أبان الانتفاضة وبعدها، وخاصة الشيعة منهم، ولم تحاول الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين فرض تنفيذ هذا القرار كما فرضوه على النظام العراقي تنفيذ القرارات السابقة المتعلقة بمصالحهم في المنطقة، فمصلحة الشعب العراقي ليست في قائمة مصالحهم واهتماماتهم، ولذلك فقد بقيت بنود هذا القرار حبراً على ورق، شأنها شأن القرارات التي أصدرها مجلس الأمن لسنوات عديدة ضد إسرائيل، ولم تنفذ منها شيئاً.

وبقي الشعب العراقي يعيش حياة بائسة في ظل الحصار الأمريكي على العراق، يفتقد الغذاء والدواء، جراء الحصار الجائر، وجراء انهيار العملة العراقية، وفقدانها للقوة الشرائية حيث تراجعت قيمته الحقيقية 10000 مرة، فبعد أن كان الدينار يعادل 3،3 دولار بات الدولار الواحد يعادل 3000 دينار، وفي الوقت الذي كان الشعب العراقي يعاني مرارة الجوع كان الدكتاتور صدام حسين  يرفض القبول بقرار مجلس الأمن المتعلق بيع النفط العراقي مقابل الغذاء والدواء، واستمر في رفضه خمس سنوات أوصلت الشعب العراق إلى المجاعة دون أن تتخذ الولايات المتحدة، ولا مجلس الأمن، أية إجراءات لإجبار صدام على إطعام الشعب العراقي الجائع، و إن كل الذي فعلته الولايات المتحدة هو إصدار القرارين التاليين:
القرار الأول:
 يحدد القرار الأول المنطقة الواقعة شمال الخط 32 من شمال العراق، منطقة آمنة، تحميها الطائرات الأمريكية والبريطانية المرابطة في تركيا، والمسماة  [كومفورت بروفايد] ومنعت الجيش العراقي من دخولها، وبذلك تسنى للمواطنين الأكراد الانفصال عن الجسد العراقي تحت الحماية الأمريكية والبريطانية.

 لقد اتصف رد صدام حسين على ذلك الإجراء بالغباء، وكان أشد ضرراً على وحدة العراق أرضاً وشعبا، فقد أقدم على سحب الموظفين والأجهزة الإدارية، وأساتذة الجامعة من المنطقة، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك، وفرض على المنطقة حصاراً داخلياً، مما عزز نزعة الانفصال لدى القيادات الكردية والمواطنين الأكراد، فقد جاء رد الفعل الكردي على إجراءات صدام بإجراءات تصب في خانة الانفصال التام، حيث تم إجراء انتخابات برلمانية في المنطقة الكردية، كما جرى تشكيل حكومة كردية.
 القرار الثاني:
كان القرار الثاني يتعلق بسكان الجنوب الشيعة، فقد تضمن منع طائرات سلاح الجو العراقي ـ عدا الطائرات المروحيةـ  من الطيران فوق المنطقة الممتدة جنوب الخط 38، ولاشك أن هذا القرار يخدم مصالح الولايات المتحدة من حيث الأساس، ولم يغير شيئاً من حملات القمع ضد الشعب العراقي في الجنوب. فصدام لا يحتاج لعملياته القمعية في الجنوب إلى الطائرات الحربية، فلديه ما يكفيه من قوات الحرس الجمهوري، ومن الأسلحة الثقيلة، ما يستطيع فيه قمع الشعب في هذه المنطقة من العراق، والحقيقة إن الولايات المتحدة استهدفت من هذا القرار إبعاد الطائرات العراقية عن منطقة الخليج، وطمأنة حكام الكويت.

وفي واقع الحال فإن الولايات المتحدة هي التي سمحت لصدام بقمع الانتفاضة الشعبية، وسهلت لقوات الحرس الجمهوري العبور، وسمحت له باستخدام كافة الأسلحة المتوفرة لديه لقمع وتصفية الانتفاضة، والإبقاء على نظام صدام في السلطة، والحيلولة دون وقع العراق فريسة ببيد النظام الإيراني وذراعهم في العراق، والمتمثل بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وذراعها العسكري منظمة بدر الممولة والمسلحة والمدربة إيرانيا.

رابعاً: الطالباني والبارزاني يفاوضان نظام صدام
بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688، في 5 نيسان 1991، وقرار الولايات المتحدة بإقامة منطقة حماية للأكراد في المنطقة الواقعة شمال خط العرض 38، ورضوخ نظام صدام للقرار، وبعد المعانات الشديدة  للشعب الكردي من آثار الحصار العراقي على المنطقة، ظهرت دعوات بين صفوف القيادات الكردية تدعو للتفاوض مع النظام على أساس بيان 11 آذار 1970، ولاسيما بعد أن عجزت الانتفاضة عن تحقيق ما كان يصبو إليه الأكراد.

رأى النظام العراقي أن يستغل هذه الدعوات في محاولة منه لإعادة سيطرته على المنطقة، فأرسل إشارات إلى القيادات الكردية، عن طريق برزان التكريتي ـ أخو صدام غير الشقيق ـ أعرب لهم فيها عن استعداد الحكومة للتفاوض مع القيادات الكردية.
وجاء الرد من القيادات الكردية على دعوة برزان التكريتي سريعاً، بالموافقة على أجراء المفاوضات، دون الرجوع إلى ما كان يدعى بلجنة العمل الوطني المشترك للمعارضة العراقية!، وتحفظ بعض القوى المنضوية تحت لواء جبهة الأحزاب الكردية.(2)

ففي 12نيسان 1991 توجه وفد كردي من الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، على مستوى أعضاء اللجنة المركزية إلى بغداد، وأجرى الوفد مباحثات مطولة حول مستقبل المنطقة الكردية، ومسألة تطبيق الحكم الذاتي الحقيقي. اعتبر ذلك الاجتماع تمهيداً لاجتماع جديد، على أعلى مستوى لبحث كافة الأمور المتعلقة بتطبيق اتفاقية 11 آذار 1975، وطلبت حكومة صدام حضور كل من السيد مسعود البارزاني، والسيد جلال الطالباني إلى بغداد.(3)
وبعد أسبوع توجه إلى بغداد وفد برئاسة جلال الطالباني، الذي التقى بصدام حسين،  وطلب صدام من القيادات الكردية أن تقدم مشروعا مفصلاً، وكاملاً، ودقيقاً يتضمن مطالبها.
وعاد جلال الطالباني إلى أربيل، وتم عقد اجتماع لكافة القيادات الكردية لتدارس نتائج
 اللقاء الذي تم بين صدام حسين وجلال الطالباني، ووضع مشروع جديد حول إقامة حكم ذاتي حقيقي للمنطقة الكردية، لتقديمه لنظام صدام تضمن المشروع البنود: (4)
1ـ  يتم تطبيق الحكم الذاتي الذي نص عليه اتفاق 11 آذار 1970، مع ضم محافظة كركوك لمنطقة الحكم الذاتي.
2 ـ  إطلاق سراح السجناء السياسيين في جميع السجون العراقية كافة.
3ـ  تسهيل عودة جميع اللاجئين الأكراد، بالتعاون مع الأمم المتحدة، ومنظمات غوث اللاجئين.
4ـ  اعتماد التعددية السياسية والديمقراطية في العراق، وأجراء انتخابات حرة ونزيهة لانتخاب مجلس تأسيسي، ووضع دستور دائم للبلاد.
5ـ  ينبغي أن يتم ضمان الاتفاق بواسطة أطراف دولية عبرالأمم المتحدة
 ويمكن أن تشمل هذه الضمانات مشاركة طرف ثالث في تلك المفاوضات، وتوجه بعد ذلك وفد كردي عالي المستوى ضم كل من:
1 ـ جلال الطالباني ـ زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني.
2ـ سامي عبد الرحمن ـ سكرتير عام حزب الشعب الديمقراطي.
3 ـ رسول مامند ـ سكرتير عام الحزب الاشتراكي.
4ـ  نتشيرفان البارزاني ـ نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني.
5 ـ عمر فتاح ـ قائد الجناح العسكري للحزب الديمقراطي الكردستاني.
6ـ فاضل مصطفى ـ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي.
7ـ عمر عثمان ـ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي. 
8ـ فريدون عبد القادرـ عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني.

أما الوفد العراقي فقد تالف من كل من:
1 ـ صدام حسين ـ وقد شارك في اجتماع يومي 21، 22 نيسان.
2 ـ عزت إبراهيم الدوري ـ نائب رئيس مجلس قيادة الثورة.
3 ـ طه ياسين رمضان ـ نائب رئيس الجمهورية.
4 ـ سعدون حمادي ـ رئيس الوزراء.
5 ـ حسين كامل حسن المجيد ـ وزير الدفاع.
6 ـ علي حسن المجيد ـ وزير الداخلية.
وقد جرت المباحثات بين الوفدين حول المشروع المقدم من الطرف الكردي، مساء يوم 21 نيسان بحضور صدام حسين  الذي تحدث في الاجتماع عن أهمية الروابط الوثيقة بين القوميتين العربية والكردية، واعترف صدام بأنه أخطأ في سياسته تجاه الأكراد، وأعلن عن التزامه بإجراء انتخابات عامة، والمحافظة على التعددية السياسية، وحرية الصحافة، لكنه رفض القبول بمطالب القيادات الكردية حول ضم محافظة كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي، والبند الخامس المتعلق بالضمانات الدولية.(5)
عاد الوفد الكردي بعد نهاية المحادثات إلى أربيل للتشاور، ثم عاد بعد أيام إلى بغداد مرة أخرى لمناقشة المسائل المختلف عليها مع حكومة صدام.                                                                                                                                                     
 ولكن المحادثات لم تصل إلى أي نتيجة، وباءت تلك المحاولات بالفشل، وعاد الوفد الكردي إلى أربيل، وقد بدا واضحاً أن هناك العديد من نقاط الخلاف بين الطرفين وكان أبرزها: (8)
1ـ رفض نظام  صدام أن تشمل الضمانات المطلوبة من الجانب الكردي مشاركة طرف ثالث في المفاوضات لحل الخلاف حول تحديد مناطق الحكم الذاتي، كما رفض النظام رفضاً قاطعاً ضم محافظة كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي.
2ـ إصر نظام صدام على عودة أجهزة الأمن والاستخبارات إلى منطقة الحكم الذاتي، ومعاودة نشاطها من جديد، وقد رفض الجانب الكردي ذلك.
3ـ إصرار نظام صدام على عدم السماح بالنشاط السياسي في صفوف الجيش لغير حزب البعث، وقد قدم الجانب الكردي اقتراحاً بأبعاد الجيش عن الحزبية، إلا أن صدام رفض الاقتراح.
4ـ استمرار الخلاف حول مسألة الديمقراطية والحريات العامة، فقد طالب الوفد الكردي بإطلاق حرية الأحزاب السياسية، وحرية الصحافة، وأجراء انتخابات حرة ونزيه لانتخاب مجلس تأسيسي يقوم بوضع دستور دائم للبلاد، وتشكيل محكمة دستورية عليا، وإشاعة الديمقراطية في البلاد.
وكان النظام العراقي يراوغ حول هذا الموضوع، ويحاول إقامة مؤسسات صورية خاضعة لأشرافه ونفوذه، ولم يكن جاداً في تحقيق الديمقراطية في البلاد.(6)

وإثر فشل المحادثات بين الطرفين، بدأ النظام بممارسة الضغوط على منطقة الكردية من جديد ، حيث فرض حصاراً اقتصادياً عليها، وسحب الإدارة المدنية والموظفين، وقطع الرواتب عن الموظفين والعمال الأكراد، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك، وقطع جميع الاتصالات مع منطقة كردستان. (6)

لقد كان واضحاً منذُ البداية أن المفاوضات لا يمكن أن تنجح بين نظام  أوغل في جرائمه بحق الشعب العراقي، عرباً وأكراداً وسائر القوميات الأخرى على حد سواء، وبين سلطة قيادات قومية كردية وجدت نفسها على حين غرة مستقلة عن سلطة حكومة صدام حسين، تحت الحماية الأمريكية والبريطانية.

وكان واضحاً بأنه حتى لو تم  توصل نظام صدام مع الوفد الكردي إلى أي اتفاق، فلن يكون إلا اتفاقاً مرحلياً اضطرته ظروفه الصعبة إلى قبوله، وعندما تتحسن ظروفه يسارع للتنصل من الاتفاق، ويبدأ بالتنكيل من جديد بالشعب الكردي، فنظام من هذا النوع لا يمكن أن يؤمن
بالديمقراطية وحقوق الانسان.


43
بمناسبة عيد المرأة في الثامن من آذار

حقوق المرأة في ظل حكم أحزاب الاسلام السياسي
تعود للعصور الظلامية!
حامد الحمداني                                               8/3/2018

لم تقدم التحولات التي حدثت في العراق على وجه الخصوص والعالم العربي بوجه عام للمرأة ما كانت تصبو إليه في نيل حقوقها المغتصبة في ظل المجتمع الذكوري السائد، بل عادت إلى الوراء على اثر وصول أحزاب الإسلام السياسي إلى السلطة في العديد من  البلدان العربية، وما تزال بلدان عربية اخرى مسرحا لمعارك دامية معظم ادواتها احزاب اسلامية طائفية متخلفة عن العصر تهدف إلى انتزاع السلطة.

وعلى حين غرة ظهرت عصابات داعش وكأنها نزلت من السماء!! مدججة بكامل اسلحتها الحديثة في سوريا والعراق بوجه خاص، وليبيا وتونس والجزائر واليمن وشبه جزيرة سيناء بوجه عام، مع ما تحمله من افكار موغله في الرجعية والتخلف لتجتاح المساحات الواسعة من الاراضي العراقية والسورية تنفيذا لأجندة اسيادها الامبرياليين، وتقترف اشنع الجرائم الوحشية بحق الانسان، تلك الجرائم التي نالت المرأة النصيب الأكبر منها، من قتل وسبي واغتصاب وتشريد، ونهب الممتلكات، وخاصة ما جرى بالنسبة للأخوات والأخوة الأيزيديين في سنجار، وكل ذلك جرى ويجري بإسم الإسلام، حتى بتنا نعيش أظلم عصور الهمجية والعالم يعيش العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين!
 
إنها انتكاسة كبرى بالنسبة لحقوق المرأة لم تشهد له منذ الخمسينات من القرن الماضي، ومن عاش تلك الحقبة الزمنية يدرك البون الشاسع بين أوضاع المرأة آنذاك وأوضاعها اليوم في ظل هذه الانتكاسة، والردة الرجعية التي لم نشهد مثلها في العصر الحديث.

أنها لمأساة كبرى أن نجد المرأة اليوم وقد البسوها هذا القناع الأسود باسم ما يدعيه مسلمو هذا الزمان بالفضيلة، وكأنما هذا القناع الأسود هو الذي يحمي عفافها!!، وبدأت عمليات غسل الأدمغة التي يمارسها منظرو الإسلام السياسي، وقد امتلكوا السلطة لإعادة الحصان الجامح الذي انطلق مع قيام الثورات إلى حصنه من جديد                                                                                 
لقد انتكست حقوق المرأة التي ناضلت من أجلها عقوداً طويلة، وبات عليها أن تبدأ من نقطة الصفر من جديد، والفضل في كل ما جرى هو وصول الإسلام السياسي إلى قمة السلطة، فلا يمكن أن يبني الإسلام السياسي دولة ديمقراطية ويطبق شرعة حقوق الإنسان، ومساواة المرأة بالرجل، ويحقق العدالة الاجتماعية.   
ولا سبيل إلى فرض وجود المرأة ومشاركتها النشيطة في الحياة السياسية والثقافية إلا من خلال كسر كل القيود التي تضمنها ما يسمى بالشرع الذي يفرضه أساطين الإسلام السياسي، فلا شرع في عصرنا هذا غير شريعة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا بد أن تتحرر المرأة اقتصادياً لأنه السبيل الأهم لتحررها الاجتماعي، وهذا لن يتم إذا لم يجرِ تعبئة سائر منظمات المرأة، وبدعم فعّال ومتواصل من سائر القوى السياسية الديمقراطية، ومنظمات المجتمع المدني لخوض المعارك الفاصلة مع قوى الردة والرجعية، لفرض إرادة التحرر من قيود المجتمع الذكوري والقوانين الرجعية التي تفرضها الشريعة التي عفا عليها الزمان، ولن تعد تلائم عصرنا.

لا أتصور، ولا أثق بكل ادعاءات أحزاب الإسلام السياسي بطرح برنامج ليبرالي حديث يتناسب مع فكرة الدولة المدنية، ويتضمن حقوق وحريات المرأة طالما هم متمسكون بما يسمى بالشريعة التي وضعت قبل 1400 عام، فمن المستحيل أن تتلاءم الشريعة الدينية مع شرعة حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة منذ عام 1948، والتي تتجاهلها كل أنظمة الدول الإسلامية، ولا حل إلا بقيام دولة علمانية تتولى فصل الدين عن الدولة، ليبقَ الدين منزها من كل ما الصقه منظرو الإسلام السياسي من أدران بغية تثبيت كيانهم السياسي وسيطرتهم وتحكمهم  بشؤون المجتمع، بدأً من رياض الأطفال وحتى الدراسات العليا، وليبًق الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه فقط، دون تدخل الدولة. 
                       
ولا بد أن اقول أن المرأة تتحمل جانبا من المسؤولية بسبب التخلف السائد في المجتمع نتيجة لعوامل متعددة بعضها يقع على عاتق رجال الدين، وبعضها الآخر على الدولة ونظامها السياسي والاجتماعي، وبعضها الآخر على المرأة نفسها فلقد وجدنا الكثير من النساء ممن حملن حتى شهادة الدكتورة وقد غطت نفسها بهذا الكيس ألظلامي الأسود، وتعلن صراحة أن من حق الرجل أن يضرب المرأة، وأن على المرأة إطاعة الرجل، وعدم مخالفة إرادته، لأن الإسلام يقول أن الرجال قوامون على النساء، وهذا ما سمعته في ندوة تلفزيونية مع نائبة في البرلمان العراقي، فكيف بالمرأة المحرومة من الثقافة، والمطمورة بين أربعة جدران ومهمتها خدمة الرجل، وتلبية رغباته الجنسية، وتربية الأطفال، وتحضير الطعام، وتنظيف المسكن، دون إن تشعر بكرامتها المهانة، ودون أن تعترض على انتهاكها تحت تهديد الرجل.   
                                                                                                                                                     
 اننا بحاجة للثقافة الذاتية فهي التي تجعل الرجل يحس بكونه يضطهد المرأة ويسلبها حقوقها، وإرادتها، وأن المرأة مخلوق لا يختلف عن الرجل، بل أستطيع القول أن ما تقوم به المرأة يعجز الرجل عن القيام به، دعك عن الحمل والولادة وآلامها ومخاطرها وتربية الاطفال، ومع ذلك نجد المرأة وقد درست واجتهدت وحققت نجاحاً باهراً كطبيبة ومهندسة ومدرسة ومحامية وقاضية، بل وتبوأت في العديد من الدول أعلى مراتب السلطة كرئيسة دولة، أو رئيسة وزراء، في حين نجد الكثير من الرجال الأميين الذين لا يدركون من شؤون الحياة سوى فرض سيطرته على المرأة، ونتهاك حقوقها والاعتداء عليها.

أن الثقافة الذاتية لكلا الجنسين لا تأتِ إلا من خلال القراءة، والمخالطة الاجتماعية مع من يمتلكون جانبا واسعاً من الثقافة، فمن لا يقرأ يتحجر دماغه بلا أدنى شك، وعلى المرأة أن تهتم بالقراءة فهى السبيل لجعلها تدرك حقوقها وحرياتها، وتدفعها للنضال من أجل تحقيقها.

أجمل التهاني للمرأة اينما كنتِ من بقاع العالم بمناسبة عيدك الميمون في الثامن من آذار، وانحني لك إحتراماً وآجلالاً، وأنت تستحقين أكثر من هذا لما تقومين به من أعمال يعجز الرجل من القيام بها، وكما قيل { وراء كل عظيم امرأة }، فأنت أعظم من كل الرجال.


44
صدام والفخ الامريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة الثالثة والعشرون
حامد الحمداني                                                       7/3/2018
مؤتمر بيروت لقوى المعارضة العراقية:
في الوقت الذي كانت قوى الانتفاضة تشتبك في معارك ضارية مع قوات الحرس الجمهوري في أغلبية مدن العراق، وتقدم الضحايا تلو الضحايا، من أجل تحقيق حلم الشعب في إسقاط نظام صدام، دعت لجنة العمل المشترك لقوى المعارضة العراقية إلى عقد مؤتمر لها في بيروت، في 11 آذار 1991، لمتابعة تطورات الانتفاضة، وقد حضر المؤتمر بالإضافة إلى ممثلي 17 حزباً، المنظمين إلى لجنة العمل المشترك، كل من [المجلس العراقي الحر] و[الوفاق الوطني العراقي] و[الحركة الإسلامية في كردستان] و[المجلس الأعلى لعشائر العراق ] وعدد من الشخصيات السياسية المستقلة، من مختلف التيارات الفكرية والدينية، وعدد من ممثلي النقابات.

كما حضر المؤتمر ممثلين عن الجمهورية اللبنانية، والجمهورية العربية السورية ، وجمهورية إيران الإسلامية، ودولة الكويت، وممثلي حركات التحرر الوطني العربية، وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية، وممثلي الهيئات الدبلوماسية المعتمدين في بيروت، والمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان، إضافة إلى مجموعة كبيرة من ممثلي وسائل الإعلام العربية والأجنبية التي تابعت وقائع المؤتمر مما أعطى هذا الحضور
الكبير زخماً كبيرا للمؤتمر وشكل دعماً له.

بدأ المؤتمر بتلاوة التقرير الذي قدمته لجنة العمل المشترك، عن الأوضاع الراهنة، ومواقفها ونشاطاتها، ثم استمعت إلى كلمات الضيوف والمشاركين في المؤتمر، والذين أجمعوا على دعم الانتفاضة الشعبية والدعوة إلى توفير كل الإمكانيات والظروف المناسبة لتطويرها، وتحقيق أهدافها. وبعد إجراء مناقشات مستفيضة طيلة أيام 11، و12، و13 آذار، حول مستلزمات دعم الانتفاضة وتطويرها خرج المؤتمر بالتوصيات التالية:
1 ـ يوصي المؤتمر بالعمل على تشكيل هيئة للإنقاذ الوطني، ومعالجة الطوارئ التي تفرزها الانتفاضة.
2 ـ يوصي المؤتمر ببذل الجهود الضرورية، من أجل تجميد عضوية الحكومة العراقية الحالية في الأمم المتحدة، ووكالتها المتخصصة، والجامعة العربية، ومجموعة عدم الانحياز، والمؤتمر الإسلامي، استناداً إلى خرق هذه الحكومة لميثاق الأمم المتحدة، وقراراته ولوائحها المختلفة.
3ـ يوصي المؤتمر بتشكيل اللجان اللازمة لدعم العمل الميداني للانتفاضة، وتوفير متطلباته.
4 ـ يوصي المؤتمر بالسعي  للحصول على اعتراف عربي، وإسلامي، ودولي بالمعارضة العراقية كممثل للشعب العراقي، إلى أن يتم إسقاط النظام، وإقامة حكومة انتقالية ائتلافية تلتزم بأجراء انتخابات حرة.

5 ـ نظراً للأهمية الاستثنائية التي يجسدها مؤتمر المعارضة العراقية، وما توصل إليه في بيانه السياسي  يوصي المؤتمر بإرسال وفود إلى مختلف دول العالم، والمنظمات الدولية، ومؤسسات الرأي العام، لإبلاغها بنتائج المؤتمر، وطلب دعم الانتفاضة، ولتسهيل عمل هذه الوفود، وتوفير أفضل الفرص لنجاح هذا النشاط، يوصي المؤتمر بضم الأخوة أعضاء المؤتمر القادمين من البلدان المختلفة، إلى وفد المعارضة، عند زيارة البلدان التي يقيمون فيها، والاستفادة من إمكانياتهم وتجاربهم.

6ـ يوصي المؤتمر قوى المعارضة بتخصيص صندوق لدعم الانتفاضة، ولجمع كل أشكال المساعدة المالية، وفي المقدمة منها الدعم المالي من التجمعات العراقية في المهجر، والمؤسسات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان، ومن كل الداعمين لانتفاضة الشعب، للخلاص من الدكتاتورية.
7ـ يوصي المؤتمر بتشكيل لجنة لجمع المعلومات وتوضيحها، حول انتهاك نظام صدام لحقوق الإنسان الأساسية ، ومصادرتها، مثل الاعتقال الكيفي، والمحاكمات الصورية، والتعذيب، والاختطاف والسجن والإعدامات الجماعية، والعقاب الجماعي بحق الأحياء السكنية والمدن، واستخدام الأسلحة الكيماوية، وعمليات التهجير، وحرق القرى، وسياسة الأرض المحروقة، ومصير المفقودين، وجمع كل هذه المعلومات في وثيقة، وتقديمها إلى الهيئات الدولية المختلفة، وفي المقدمة منها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، حيث يوصي المؤتمر بإرسال وفد إليها للتحري والعمل على إطلاق سراح جميع المعتقلين والسجناء السياسيين، والطلب من السلطات العراقية تزويدها بالمعلومات الكاملة عن كل السجناء، وطبيعة الأحكام الصادرة بحقهم، كما نصت عليه لوائح الأمم المتحدة حول الحقوق المدنية، والسياسية المصادق عليها من قبل الحكومة العراقية، والضغط عليها،ومطالبتها بالكشف عن مصير المفقودين والمخطوفين .
8ـ يوصي المؤتمر بتنظيم حملة عالمية واسعة لمنع النظام من قمع الانتفاضة الجماهيرية بالحديد والنار، وخاصة منع استخدام الأسلحة الكيماوية، ويطالب الأمم المتحدة اتخاذ القرار بإنزال العقوبات الرادعة إذا ما لجأ النظام إلى ذلك.
9ـ  يوصي المؤتمر بتشكيل ممثليات،ولجان للمعارضة العراقية من مختلف البلدان التي يقيم فيها العراقيون.
10ـ أخذاً بنظر الاعتبار معانات شعبنا، نتيجة الحرب المفروضة عليه من قبل النظام، والنقص في المواد الغذائية والأدوية، والخدمات المختلفة، تعمل قوى المعارضة على تأمين المواد الغذائية والأدوية، عبر حملات المساعدة، ومطالبة هيئة الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدولية بإرسال لجنة منها لدراسة أوضاع الشعب المعيشية ومعالجة ومساعدة ضحايا الانتفاضة، والاتصال بجميع الدول المجاورة للعراق لفتح حدودها، وتسهيل وصول المعونات الغذائية والأدوية، والمساعدة على بناء المؤسسات الخدماتية.

كما أصدر المؤتمر عدد من التوصيات المتعلقة بالأعلام، بالتركيز على عراقية وشمولية الانتفاضة، وفضح كل محاولات التشويه التي تستهدف إيجاد المبررات لإبقاء صدام حسين في السلطة، عن طريق إثارة المخاوف من بديل المعارضة، والعمل على تكثيف الجهود لدعم الانتفاضة، بكل الوسائل الممكنة، كإصدار النشرات الدورية ، ومد وسائل الأعلام بأخبار الانتفاضة ، وتنظيم المؤتمرات الصحفية، وتعبئة كل الجهود الممكنة في هذا السبيل. (9)
و بقراءة دقيقة لتوصيات المؤتمر نجد أن أهم واجب كان ملقى على عاتق المؤتمرين قد أهمل، واقصد بذلك مسألة قيادة الانتفاضة، فقد كان ينبغي على المؤتمرين التوجه إلى المناطق المحررة، وتشكيل قيادة ميدانية مشتركة، سياسية وعسكرية للأخذ بزمام الأمور، وقيادة الانتفاضة نحو النصر النهائي، والتأكيد على أن تكون الشعارات المرفوعة محصورة بما اُتفق عليه من قبل المؤتمرين، وبشكل خاص، التأكيد على عراقية الانتفاضة، ووحدة القوى الوطنية، وإقامة البديل الديمقراطي التعددي، وحكومة ائتلاف وطني، تقوم بأجراء انتخابات حرة ونزيهة بأقرب وقت ممكن، وإقامة علاقات حسن الجوار والتعاون مع كافة الدول المجاوره .

  إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث، وتُركت الانتفاضة دون قيادة كفوءة وقديرة تعوزها الخبرة السياسية والعسكرية، وبقي المجال مفتوحاً لشعارات دينية وطائفية ضيقة، فأساءت للانتفاضة، أرعبت دول الجوار، وجعلتها تنادي ببقاء نظام صدام بدلاً من قيام نظام شيعي طائفي، اعتبرته الولايات المتحدة يشكل خطراً كبيراً على مصالحها ومصالح الغرب، يتجاوز أخطار صدام ونظامه، فالولايات المتحدة لا يمكن أن ترتاح لقيام نظام من هذا النوع في العراق بأي حال من  الأحوال، ولذلك فقد رأت بقاء نظام صدام، بل وتقديم كل التسهيلات له لقمع الانتفاضة وإغراقها بالدم.

لم يكد نظام صدام يقمع الانتفاضة، وينكل بكل من شارك فيها، حتى خفت صوت قيادات المعارضة، ودبت الخلافات فيما بينهم، وانفرط عقدهم، وتطورت الأمور إلى حد المهاترات بين تلك القوى، على صفحات الصحف التي يصدرونها، وهكذا تلاشت الآمال التي كانت معقودة على لجنة العمل الوطني للمعارضة، وقيام  جبهة وطنية عريضة تقود نضال الشعب لإسقاط النظام الدكتاتوري. وعاد الجهاز القمعي لسلطة صدام يمارس أبشع الأساليب وحشية للانتقام من كل من يشك بأنه قد شارك، أو ساند، أو أيد الانتفاضة، فكانت حملات الإعدامات تجري كل يوم لمئات الموطنيين ، تحت سمع وبصر القوات الأمريكية والحليفة، ودون أن تبدي أي حراك على جرائم السلطة.     
لقد أخطأت القوى السياسية المعارضة عندما علقت أمالها على إمكانية دعم الولايات المتحدة لانتفاضة الشعب العراقي، وإسقاط صدام حسين، ذلك أن للولايات المتحدة حساباتها الخاصة التي تصب في خانة مصالحها قبل كل شيء، فلقد وجدت الولايات المتحدة أن بقاء صدام على رأس النظام، واستمراره في حكم البلاد، هو خير من يستطيع تنفيذ كل ما تطلبه، وما تضعه من شروط،، وقد سمحت له بالاحتفاظ بجانب كبير من قوات حرسه الجمهوري ليستطيع استخدامه في تثبيت حكمه، وقمع انتفاضة الشعب.

كما أرادت الولايات المتحدة بقاء صدام على رأس السلطة في العراق، لكي يبقى بعبعاً تهدد به دول الخليج لكي تكون لها ذريعة لبقاء قواتها وأساطيلها في المنطقة لتحميها من أي عدوان جديد قد يشنه النظام على بلدانها مستقبلاً، كما تدفع حكام تلك الدول لشراء وتكديس الأسلحة خوفاً من تهديد النظام العراقي، وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن الولايات المتحدة كانت دائمة التفكير بإيران، وما تشكله من تهديد على مصالحها في الخليج، ولذلك فقد وجدت في بقاء نظام صدام كعامل توازن مع إيران في هذه المنطقة الهامة للمصالح الأمريكية أمر ضروري، فالولايات المتحدة لا تعير أي أهمية لمصالح الشعب العراقي ومصيره، وجلّ همها حماية مصالحها النفطية في الخليج.

لقد كان على قوى المعارضة العراقية أن تركز جهودها على الشعب العراقي، وعلى الشرفاء من أبناء الجيش لأحداث التغير في هيكلية النظام، دون إهمال الجانب الدولي والإقليمي، الذي له دوره بالتأكيد، وكان  بالإمكان الاستفادة منه في دعم الانتفاضة، لكن تصرف القوى الإسلامية التابعة للسيد باقر الحكيم والمسماة بمنظمة بدر، ورفعها الشعارات الطائفية كانت العامل الحاسم في قرار بوش الذي كان قد دعا الشعب العراقي لإسقاط نظام صدام بعد توقف الحرب ، إلى إبقاء نظام صدام على سدة الحكم في البلاد.

: قرار مجلس الأمن رقم 688: 
بعد المجازر التي اقترفها نظام صدام الفاشي خلال وبعد قمع الانتفاضة الشعبية، حيث قتل ما يزيد على 300 ألف مواطن على أيدي قوات الحرس الجمهوري، والأجهزة الأمنية للنظام، وتشرد أكثر من مليون مواطن كردي تاركين مدنهم وقراهم هرباً من بطش النظام، ومن باب الإحراج أمام الرأي العام العالمي، قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار إلى مجلس الأمن والذي جرت المصادقة عليه تحت رقم 688 في 5 نيسان 1991، والمتعلق بحقوق الإنسان في العراق، وما تعرض  ويتعرض له على أيدي طغمة صدام الفاشية.

 ومن الجدير بالذكر أن القرار المذكور هو القرار الوحيد من بين جميع القرارات التي أصدرها مجلس الأمن ضد نظام صدام الذي لم يصدر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولذلك فلم تكن للقرار صفة إلزامية تجبر نظام صدام على تنفيذه، وبقي هذا القرار حبراً على ورق وفيما يلي نص القرار:
قرار رقم 688 ـ في 5 نيسان1991: (10) 
مجلس الأمن:
مشيراً إلى الفقرة السابعة من المادة الثالثة من ميثاق الأمم المتحدة، واضعاً نصب عينيه، واجباته ومسؤولياته المنصوص عليها في الميثاق، وبقلق شديد، بسبب عمليات القمع التي تستهدف السكان المدنيون في أنحاء كثيرة من العراق، وقد شمل في الآونة الأخيرة المناطق الكردية المأهولة، الأمر الذي أدى إلى اندفاع جموع غفيرة من اللاجئين نحو الحدود الدولية وعبورها، مما نجم عنه غارات عبر الحدود قد تهدد السلام والأمن الدوليين في المنطقة.
 وبإحساس عظيم منه بالأسى لما يعانيه الإنسان هناك من أهوال، وبعد تأمل بالتقريرين الذين رفعهما ممثلا تركيا وفرنسا لدى الأمم المتحدة في 3، و4  نيسان 1991، برقم 22435 / س، ورقم 22445 / س، وكذلك التقريران اللذان رفعهما الممثل الدائم لجمهورية إيران الإسلامية إلى الأمم المتحدة بتاريخ 3 ، و4 نيسان 1991، وقد سجلتا برقم 22436 / س، و22447  / س . معيداً تأكيده بالتزام الدول الأعضاء كافة بأمنها وسلامتها، واستقلالها السياسي، واضعا نصب عينيه تقرير السكرتير العام المرقم 22366 / س، والمؤرخ في 30 آذار 1991 يقرر:
1ـ يدين مجلس الأمن عمليات القمع التي يعانيها السكان المدنيون العراقيون في أنحاء كثيرة من البلاد، وقد شمل في الأيام الأخيرة المناطق الكردية المأهولة، وإن ذلك يؤدي إلى تهديد الأمن والسلام الدوليين في المنطقة.
2 ـ يطلب بأن يقوم العراق على الفور، كإسهام منه في إزالة الخطر الذي يتهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة، بوقف هذا القمع، ويعرب عن الأمل في السياق نفسه في إقامة حوار مفتوح لكفالة احترام حقوق الإنسان، والحقوق السياسية لجميع المواطنين العراقيين.
3ـ يصر على أن يسمح العراق بوصول المنظمات الإنسانية الدولية على الفور إلى جميع من يحتاجون المساعدة في جميع أنحاء العراق، ويوفر جميع التسهيلات اللازمة لعملياتها.
4ـ يطلب إلى الأمين العام أن يواصل بذل جهوده الإنسانية في العراق، وان يقدم على الفور، وإذا اقتضى الأمر على أساس أيفاد بعثة أخرى إلى المنطقة، تقريراً عن محنة السكان المدنيين العراقيين، وخاصة السكان الأكراد الذين يعانون من جميع أشكال القمع الذي تمارسه السلطة .
5ـ يطلب كذلك إلى الأمين العام أن يستخدم جميع الموارد الموجودة تحت تصرفه، بما فيها موارد وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة، للقيام على نحو عاجل بتلبية الاحتياجات الملحة للاجئين، وللسكان العراقيين المشردين.
6ـ يناشد جميع الدول الأعضاء، وجميع المنظمات الإنسانية أن تسهم في جهود الإغاثة الإنسانية.
7ـ يطالب العراق بأن يتعاون مع الأمين العام من أجل تحقيق هذه الغايات.
8 ـ يقرر إبقاء المسألة قيد النظر.
                                                                            مجلس الأمن
نظرة في القرار:
 بقراءة متأنية لبنود هذا القرار، نجد أنه قد ركز في أغلبه على المنطقة الكردية، بينما مرّ مرور الكرام على معانات المناطق الجنوبية والوسطى من العراق، من أساليب القمع الوحشية التي تعرض لها السكان، أبان الانتفاضة وبعدها، وخاصة الشيعة منهم.
كما أن الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لم يحاولوا فرض تنفيذ هذا القرار، كما فرضوا على النظام العراقي تنفيذ القرارات السابقة المتعلقة بمصالحهم في المنطقة، فمصلحة الشعب العراقي ليست في قائمة مصالحهم واهتماماتهم، ولذلك فقد بقيت بنود هذا القرار حبراً على ورق، شأنها شأن القرارات التي أصدرها مجلس الأمن لسنوات عديدة ضد إسرائيل، ولم تنفذ منها شيئاً، وكل الذي فعلته الولايات المتحدة هو إصدار قرارين متممين لقرار مجلس الأمن:
القرار الأول: نص على كون المنطقة الواقعة شمال الخط 32 من منطقة كردستان منطقة آمنة، تحميها طائراتهم المرابطة في تركيا، والمسماة  [كومفورت بروفايد] ، ومنعت الجيش العراقي من دخولها، وبذلك تسنى للمواطنين الأكراد الحصول على الأمان في كردستان العراق، وكان رد فعل صدام على ذلك أن سحب الموظفين والأجهزة الإدارية، وأساتذة الجامعة من المنطقة، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك، وفرض على منطقة كردستان حصاراً داخلياً.
وجاء رد الفعل الكردي على إجراءات نظام صدام بأجراء انتخابات لمجلس وطني في كردستان، وتشكيل حكومة كردية، وأصبحت منطقة كردستان مركزاً لتجمع قوى المعارضة العراقية.                                                                                                                       
 القرار الثاني: الذي يخص سكان الجنوب ذو الأغلبية الشيعية ويقتضي بمنع طائرات سلاح الجو العراقي ـ عدى الطائرات المروحيةـ من الطيران فوق المنطقة الممتدة جنوب الخط 38.
ولاشك أن هذا القرار يخدم مصالح الولايات المتحدة من حيث الأساس، ولم يغير شيئاً من حملات القمع ضد الشيعة، فصدام لا يحتاج لعملياته القمعية في الجنوب إلى الطائرات الحربية، لكن الولايات المتحدة أرادت بهذا القرار أبعاد الطائرات العراقية عن منطقة الخليج، وطمأنة  الكويت.


45
صدام والفخ الامريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة الحادية والعشرون
حامد الحمداني                                              3/3/2018
البارزاني والطالباني يستنجدان بالرئيس بوش:
بعد التطورات الخطيرة التي اجتاحت المنطقة الكردية في شمال العراق، وجه الزعيمان الكرديان [ مسعود البارزاني ] رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني و[جلال الطالباني ] رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني نداءً إلى الرئيس الأمريكي بوش طالبين منه حماية الشعب الكردي من هجوم قوات نظام صدام.

 وسارعت الولايات المتحدة و حليفتها بريطانيا إلى فرض الحماية على المنطقة الكردية الواقعة شمال خط العرض 32 فيما سمي بعملية {بروفايد كومفورت} ومنعت القوات العراقية من تجاوز هذا الخط ، كما منعت الطائرات من التحليق فوق هذه المنطقة، وبذلك أخذ النازحون الأكراد يعودون إلى مناطق سكناهم  تحت حماية الطائرات الأمريكية والبريطانية.

 وهكذا أسقط في يد صدام، واضطر للرضوخ للأمر، وسحب قواته من المنطقة، كما أقدم على سحب أجهزته الأمنية والإدارية، والمدرسين وأساتذة الجامعة من كردستان، وقطع الطاقة الكهربائية عن مدينة دهوك. وهكذا أصبحت منطقة كردستان العراق تحت حماية الولايات المتحدة وبريطانيا، وتخلص الأكراد من سيطرة نظام صدام، وجرى تنظيم إدارة جديدة في المنطقة من قبل الشعب الكردي، كما جرت فيما بعد انتخاب مجلس تشريعي، وتشكيل مجلس للوزراء بمعزل عن سلطة نظام صدام في بغداد.

أما في الفرات الوسط وجنوب العراق فقد تمّ ذبح الانتفاضة بقوة السلاح، تحت سمع وبصر القوات الأمريكية والحليفة، بل وبدعم منها، وأجرى النظام  الذي استطاع قمع الانتفاضة والبقاء في السلطة حملة تصفية وحشية لم يشهد لها العراق مثيلاً من قبل لكل من تشك السلطة بمشاركته في الانتفاضة، وقدر عدد الضحايا بما يزيد على 300 ألف مواطن، هذا بالإضافة إلى تدمير المدن والقرى بأسلوب إجرامي بشع.

لقد خذلت الولايات المتحدة الشعب العراقي، وبان زيف ادعاء الرئيس الأمريكي بوش في أن يشهد سقوط صدام حسين ونظامه، فقد وجد بوش أن بقاء صدام على رأس النظام يحقق للولايات المتحدة مصالحها، فيما وجد أن سيطرة القوى الإسلامية الموالية لإيران يمثل أكبر الأخطار على مصالحهم في الخليج، ويهدد الأنظمة القائمة في هذه المنطقة الهامة، التي تحتوي على أكبر مصادر الطاقة في العالم . (4)
العوامل التي أدت إلى فشل الانتفاضة؟
عندما قامت الانتفاضة في الأول من آذار 1991، كانت كل الظروف الموضوعية ناضجة لانتشارها في كافة المدن العراقية بعد سنوات طوال من الحكم الدكتاتوري الاستبدادي، والجرائم التي ارتكبها نظام صدام بحق الشعب العراقي بكل فئاته وقومياته وطوائفه.
لقد أنتشر لهيب الثورة بأسرع مما كان يتصوره الكثير من الناس ليغطي العراق من شماله حتى جنوبه، ومما زاد في اندفاع الجماهير الشعبية للمشاركة في الانتفاضة، هو اشتراك عناصر واسعة من الجيش في إشعال لهيبها، وانضمام أعداد غفيرة من العسكريين إلى صفوف الانتفاضة، مما سهل كسر حاجز الخوف الذي أشاعه إرهاب النظام لسنين طويلة، وظهر لأول مرة أن الجهاز الذي اعتمد عليه صدام حسين في حماية نظامه، قد بدأ بالتداعي بعد الهزائم التي ألحقها النظام بالجيش العراقي في معركة غير متكافئة مع الولايات المتحدة وحلفائها، وتسبب ذلك في إذلال الجيش العراقي الباسل.

لقد بان للشعب العراقي أن نظام صدام بات قاب قوسين أو أدنى من السقوط، ولم يشك أحد في نهاية نظام صدام وعصابته المجرمة بحق الشعب والوطن. لكن الأمور تغيرت بشكل مفاجئ بعد أن وضعت الولايات المتحدة وحلفائها ثقلهم إلى جانب النظام، ومهدوا السبيل لقوات الحرس الجمهوري لاستعادة المبادرة، وسهلوا لقواته المحاصرة جنوب الناصرية للعبور ومهاجمة المدن المحررة واستعادة السيطرة عليها، مستخدمة شتى أنواع الأسلحة من دبابات  ومدفعية وصواريخ وطائرات مروحية. وهكذا بدأ الحلم الجميل بإسقاط النظام يتلاشى شيئاً فشيئاً، نتيجة للأسباب التالية:
1ـ فشل قيادات الانتفاضة في استثمارها وتوجيهها وقيادتها، وبُعد هذه القيادات عن ساحة المعركة، عدا القيادة الكردية، وتواجدها خارج البلاد، فقد كان الأجدى بقيادات المعارضة التي اجتمعت في مؤتمر بيروت أن تتوجه إلى المناطق المحررة من العراق لتنشئ قيادة ميدانية مشتركة لكافة القوى والأحزاب السياسية المنضوية تحت لواء ميثاق دمشق، وتوجيه الانتفاضة نحو تحقيق المبادئ التي أقرها الميثاق فيما يخص إسقاط نظام صدام، وإقامة النظام الديمقراطي التعددي، والعمل على تحقيق الأهداف العامة التي نص عليها الميثاق.
إلا أن شيئاً  من هذا لم يحدث، وتُركت الانتفاضة لتوجيهات بعض القيادات الإسلامية، وعلى رأسها قيادة السيد [ محمد باقر الحكيم ] الذي دخلت قواته المسماة [ قوات بدر]  من إيران إلى جنوب العراق، مما جعل الشعارات الطائفية تطغي على الانتفاضة. وزاد في الطين بله دخول قوات من حرس الثورة الإيرانية بصحبة قوات بدر التابعة لباقر الحكيم ليثير قلق الولايات المتحدة وحلفائها، وحكام الخليج وعلى رأسهم السعودية، حيث وجدوا أن سيطرة قوى إسلامية موالية لإيران سوف يسبب  مخاطر كبيرة على مصالحهم، وعلى أنظمة الحكم في دول الخليج. وهكذا اتخذت الولايات المتحدة قرارها بالوقوف ضد الانتفاضة وإجهاضها، واستمرار نظام صدام في حكم العراق.
لقد أخطأت القوى الإسلامية في محاولة الاستئثار بالانتفاضة، متجاهلة بقية القوى السياسية الوطنية التي انضوت تحت راية ميثاق دمشق، وتصورت تلك القوى أنها باتت على وشك استلام الحكم والاستئثار به، ولم تدرِ أنها بإجراءاتها تلك قد استفزت قوى التحالف الغربي، وأنظمة الخليج، بل وأرعبتها، ودفعتها إلى الوقوف ضد الانتفاضة، وإجهاضها.
2 ـ توقف زحف القوات الكردية نحو مدينتي الموصل وصلاح الدين بعد أن تم لها السيطرة الكاملة على منطقة كردستان، في حين كان الموقف يتطلب مواصلة الزحف نحو محافظتي الموصل وصلاح الدين للسيطرة عليهما من جهة، ولتخفيف الضغط على الجبهة الجنوبية والوسطى من جهة أخرى حيث كانت قوات الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط تخوض المعارك الباسلة ضد قوات صدام، وقد أتاح توقف زحف القوات الكردية الفرصة للنظام للاستفراد بقوى الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط، وتوجيه جهده العسكري لقمعها وتصفيتها، ومن ثم التحول نحو المنطقة الشمالية، والتنكيل بالشعب الكردي.

3ـ بسبب من ضعف قيادة قوات الانتفاضة، وسيطرة القوى الإسلامية عليها، واستبعاد القوى السياسية الأخرى، وقعت قوات الانتفاضة بأخطاء جسيمة، فقد اتخذت قيادة الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط سياسة التصفية الجسدية ضد العناصر البعثية، وحتى ضد العديد من العناصر السنية في بعض الأحيان، في حين كان المفروض الابتعاد عن مثل هذه السياسة، ومحاولة جر جانب كبير من العناصر التي ارتبطت بحزب البعث لأسباب عديدة إلى جانبها. فمن المعلوم أن نظام صدام عمل بكل الوسائل والسبل على إجبار أبناء الشعب للانخراط في صفوف الحزب، سواء عن طريق التهديد والوعيد، أو عن طريق الإغراء المادي، والمكاسب الوظيفية وغير الوظيفية، مما جعل الكثيرين من أبناء الشعب ينتمون لحزب البعث، رغم عدم إيمانهم به وبقيادته وتوجهاته.

 لكن سياسة التصفية الجسدية للعديد من عناصر الحزب جعلت البعثيين يقفون ضد الانتفاضة مرغمين،  بينما وجدنا القوات الكردستانية سلكت طريقاً آخر استطاعت فيه جر جميع العناصر الكردية التي سخرها نظام صدام لمحاربة الحركة الكردية لسنين عديدة إلى صفوفها، وبكامل أسلحتها، مما أسقط في يد نظام صدام.

غير أن القوات الكردية أخطأت في عدم محاولتها الاستفادة من قدرات تلك القوات التي استسلمت، وألقت سلاحها، وهي بالتأكيد أعداد كبيرة جداً، وكان الأجدر أن تحاول كسب تلك القوات، وتعبئتها ضد النظام، ولاسيما وأنها كانت على درجة كبيرة من الضخامة، وتمتلك خبرات قتالية جيدة جداً، وقادرة على استخدام الأسلحة الحديثة التي كانت بحوزتها، ولو تم ذلك لكانت قوات الانتفاضة قد أصبحت في موقف أحسن بكثير، وربما استطاعت جر تشكيلات عسكرية أخرى إلى جانب الانتفاضة.
 4 ـ إن إهمال ميثاق دمشق، ومحاولة القوى الإسلامية الطائفية قطف ثمار الانتفاضة لنفسها، ومحاولة إقامة نظام طائفي في العراق، قد أقلق الطائفة السنية بالغ القلق، ولاسيما وأن معظم قيادات الجيش هم من الطائفة السنية. لقد كان الأجدى بتلك القوى أن تتجنب ذلك السلوك، وتؤكد على الشعارات الداعية للوحدة الوطنية، والنظام الديمقراطي التعددي، ومحاولة كسب وجر العناصر السنية في صفوف الجيش إلى جانبها، لكن تلك النظرة الضيقة للقوى الإسلامية الطائفية جعلت جانباً كبيراً من الطائفة السنية تفضل بقاء نظام صدام على قيام نظام حكم شيعي طائفي في العراق.

5ـ اعتماد قوات الانتفاضة على نظرية الدفاع المحلي، سواء في المنطقة الكردية أم في المنطقة الجنوبية والفرات الأوسط، وطبيعي أن هذه النظرية قد كلفت قوى الانتفاضة تضحيات جسيمة في مواجهة جيش منظم، ومجهز بمختلف الأسلحة الثقيلة. لقد كان الأجدر بقوات الانتفاضة تشكيل قيادة موحدة للانتفاضة، في عموم العراق، وأن تكون هذه القيادة جماعية، لسائر قوى الانتفاضة، وأن تلتزم القيادة الموحدة بمقررات مؤتمر دمشق، وتعمل على تطبيقها.(5)

6ـ نفاذ العتاد لدى قوات الانتفاضة، وتعذر الحصول على أي دعم أو مساندة يمكنها من مواصلة التصدي لقوات النظام، ولو وفرت القوات الأمريكية هذا الدعم وقدمت العتاد والسلاح لقوات الانتفاضة لتغير سير المعارك لصالح الانتفاضة.  لكن الولايات المتحدة كانت قد قررت التخلي عن الانتفاضة، وأبتلع الرئيس بوش دعوته للشعب العراقي لإسقاط النظام لمنع هيمنة النظام الإيراني على مقدرات العراق.

هذه هي أهم العوامل التي أدت إلى إجهاض الانتفاضة التي دفع الشعب العراقي خلالها تضحيات جسام دون أن يحقق ما كان يصبو إليه في التخلص من صدام ونظامه، وإقامة البديل الديمقراطي التعددي، وبات على الشعب العراقي أن يتحمل لسنين عديدة أخرى المآسي والويلات من هذا النظام الفاشي، ويعاني من الحصار الظالم المفروض على العراق وما سببه من ويلات ومصائب للشعب .
                 

46
صدام والفخ الامريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة العشرون
حامد الحمداني                                           1/3/2018
ثالثاً:الهجوم المعاكس للنظام وانحسار الانتفاضة
بدأ انحسار قوة الانتفاضة بعد منتصف شهر آذار، حيث سمحت الولايات المتحدة وحليفاتها لقوات الحرس الجمهوري بالعبور، كما سمحت لنظام صدام باستخدام الطائرات الحربية، وصواريخ ارض ـ ارض، وسائر الأسلحة الأخرى، لقمع الانتفاضة، ووقفت قوات التحالف تراقب قوات النظام وهي توجه كل أسلحتها نحو الشعب العراقي الذي أنتفض على حكم الطاغية.

 وهكذا ابتلعت الولايات المتحدة كل دعواتها بإسقاط نظام صدام، لا بل ساعدته ومكنته من شن هجومه على قوى الانتفاضة و ضرب المدن  بكل ما توفر له من الأسلحة، فليس مهماً للولايات المتحدة مصير العراق وشعبه ، بل كل ما يهمها هو أن تحافظ على مصالحها النفطية في الخليج.
وفي الوقت الذي كان المواطنون في مدن الجنوب يتصدون لهجمات قوات صدام وطائراتها ودبابات، توقفت القوات الكردية عن زحفها نحو الموصل وصلاح الدين، وقد مكّن ذلك الموقف قوات صدام من تركيز جهدها العسكري على الفرات الأوسط والمنطقة الجنوبية للقضاء على قوات الانتفاضة، لتعود بعد ذلك إلى منطقة كردستان، وتنكل بالشعب الكردي أشنع تنكيل، وتسببت جرائم النظام بهجرة أكثر من مليون مواطن نحو الحدود التركية هرباً من بطش قواته.
ففي يوم الأحد 17 آذار هاجمت القوات النظام مدينة الكوت، واستبسلت قوات الانتفاضة في الدفاع عن المدينة أمام قوات الحرس الجمهوري وأسلحته المختلفة من الدبابات والصواريخ والمدفعية والطائرات السمتية، وتم في البداية إيقاف تقدم قوات النظام، واستطاعت قوات الانتفاضة إسقاط طائرتين سمتيتين، وتدمير عدد من الدبابات، وإنزال العديد من الخسائر في صفوف قوات صدام، لكن المهاجمين استطاعوا في نهاية الأمر السيطرة على جزء من المدينة بعد أن نفذ معظم العتاد لدى قوات الانتفاضة، وأصبح موقف قوات الانتفاضة صعباً جداً أمام قوات الحرس الجمهوري المجهز بمختلف الأسلحة الثقيلة،
وفي يوم الاثنين 18 آذار قامت قوات النظام  بهجوم واسع على مدينة كركوك بعد قصف مركز بالمدفعية والدبابات، واستطاعت القوات المهاجمة بعد قتال عنيف  من السيطرة على مقر المحافظة ومقر الفيلق الأول والمطار ومناطق آبار النفط .
وفي اليوم نفسه قصفت قوات النظام  مدن [خانقين] و[جلولاء] و[طوز خورماتو] و[كلار] والمجمع السكني [صمود] بصواريخ أرض ـ ارض، منذُ الساعة السادسة صباحاً، مستخدماً 4 قواعد للصواريخ في السعدية، مما أوقع أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى بين السكان المدنيين، ثم أعقب القصف هجوماً على طوز خورماتو  من خمسة محاور هي طريق كركوك، وطريق تكريت، وطريق بلان، وطريق ينجول وطريق سلمان بيك، مستخدمة الدبابات والطائرات السمتية والمدفعية الثقيلة، والقنابل الفسفورية والنابالم، مما تسبب في وقوع خسائر جسيمة في صفوف المدنيين والعسكريين على حد سواء.

 وفي يوم الثلاثاء 19 آذار كان القتال يدور حول مدينة كربلاء، حيث هاجمتها قوات الحرس الجمهوري على محورين، محور المسيب، ومحور الرزازة، وحيث أحرزت القوات المهاجمة المتفوقة في المعدات والأسلحة الثقيلة تقدماً باتجاه المدينة وحاصرتها، وجرى قصفها بشكل مركز بمختلف الأسلحة الثقيلة، كما شنت قوات نظام صدام حسين هجوماً آخر على مدينتي النجف والكوفة بعد أن تمكن من جلب قوات كبيرة من الحرس الجمهوري بأسلحتها الثقيلة.

وقام صدام بتعين حكام عسكريين في مناطق الانتفاضة، من بين كبار الضباط الذين كان لهم دور إجرامي كبير في الحرب العراقية الإيرانية، فقد عين [ماهر عبد الرشيد]  حاكماً عسكرياً على قاطع الناصرية، و[طالع الدوري]  حاكماً عسكرياً على قاطع البصرة، و[هشام صباح الفخري] حاكماً عسكرياً على قاطع العمارة، و[طالب السعدون] حاكماً عسكرياً على قاطع الكوت، و[علي حسن المجيد] حاكماً عسكرياً على منطقة كردستان.

وفي يوم الأربعاء 20 آذار حققت قوات الانتفاضة انتصاراً لها في كركوك والسليمانية و أربيل وأجزاء من محافظة صلاح الدين، وبعض قرى محافظة نينوى، واستطاعت قوات الانتفاضة السيطرة على دار الإذاعة والتلفزيون في كركوك، و3 مطارات عسكرية ومدنية وجميع مناطق آبار النفط.
وقامت قوات صدام المنسحبة من مدينة كركوك بأخذ رهائن من المدنيين الأكراد ما يزيد على 15 ألف مواطن من النساء والأطفال والشيوخ، ثم قامت القوات بعد انسحابها من المدينة، بضربها بالقنابل الفسفورية والنابالم  والصواريخ، واستخدمت في قصفها الطائرات الحربية ذات الأجنحة والطائرات السمتية.

أما في المنطقة الجنوبية فكانت المعارك الشرسة يدور رحاها بين القوات صدام وقوات الانتفاضة في داخل مدن كربلاء والنجف والديوانية والسماوة، واستبسلت قوات الانتفاضة المدافعة عن المدن المذكورة رغم التفوق الكبير لقوات الحرس الجمهوري  في الأسلحة والمعدات والخبرة العسكرية، وقد ذهب ضحية تلك المعارك في مدينة النجف وحدها أكثر من 15 ألف مواطن، وتم اعتقال المرجع الأعلى للطائفة الشيعية السيد [أبو القاسم الخوئي] وجرى نقله إلى بغداد. وفي الوقت نفسه كانت المعارك الشرسة تجري داخل مدينة البصرة بمختلف أنواع الأسلحة، مما أوقع الخسائر الجسيمة في صفوف المدنيين. وفي يوم الخميس 21 آذار اقتحمت قوات الحرس الجمهوري  مدينة الناصرية رغم البسالة قوات الانتفاضة بسبب تفوق القوات المهاجمة في الأسلحة والمعدات.

وفي مدينة علي الغربي استطاعت قوات الانتفاضة السيطرة على مقر اللواء التاسع من الفيلق الثالث، وقد استسلم ما يزيد على 250 ضابطاً وجندياً بكامل أسلحتهم، وغنمت قوات الانتفاضة حوالي 500 بندقية آلية، و30 مصفحة وسيارة عسكرية. وفي يوم الجمعة 22 آذار شنت قوات الانتفاضة هجوماً على منطقة زين القوس، وتمكنت من قتل آمر الفوج، واستسلم أكثر من 100 ضابط وجندي لقوات الانتفاضة، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات.

وفي يوم الاثنين 23 آذار جرت معارك عنيفة في منطقة فايدة شمال الموصل، على طريق دهوك، وأوقعت قوات الانتفاضة خسائر جسيمة في صفوف قوات النظام، وتم إسقاط طائرة سمتيه، واحتلت قوات الانتفاضة المزيد من الأراضي باتجاه مدينة الموصل.
وفي يوم الاثنين 25 آذار قامت طائرتان حربيتان وأربع طائرات سمتيه بقصف مدينة كركوك في الساعة التاسعة والربع صباحاً، ثم عادت الطائرات وقصفت المدينة مرة أخرى، في الساعة الواحدة والنصف ظهراً، مما أوقع الكثير من الضحايا في صفوف المدنيين،كما دار قتال عنيف حول مدينتي خانقين وجلولاء حيث استهدفت قوات صدام احتلالهما والتقدم منهما نحو كركوك.

وفي الجنوب استطاعت قوات الحرس الجمهوري دخول مدينة كربلاء، واستعادت السيطرة عليها، بعد أسبوعين من المعارك الدامية، وقد اتهمت قوات الانتفاضة قوات مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة والمتواجدة في العراق بالمشاركة إلى جانب قوات صدام في الهجوم على المدينة، كما استطاعت قوات صدام في 27 آذار استعادة مناطق واسعة من الجنوب وخاصة مراكز مدن البصرة، والعمارة، والناصرية من أيدي قوات الانتفاضة التي بدا عليها الإنهاك.
 وهكذا تلاشت آمال السيد محمد باقر الحكيم في السيطرة على البلاد حيث عقد مؤتمراً صحفياً في طهران أعترف فيه بانحسار الانتفاضة في المناطق الجنوبية والوسطى من العراق، واتهم قوات صدام بتدمير المدن المقدسة، وقتل الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ بأساليب وحشية يندى لها جبين الإنسانية.
وهكذا تمكنت قوات نظام صدام حسين من إعادة سيطرتها على مناطق الجنوب، والفرات الأوسط، وبدأت بدفع قواتها نحو المنطقة الشمالية.   ففي يوم الخميس 28 آذار بدأت تلك القوات هجوماً واسع النطاق على مدينة كركوك، واستخدم النظام  في هجومه على المدينة ستة فرق عسكرية مجهزة بكل الأسلحة الثقيلة من الدبابات والمدفعية والصواريخ، وبإسناد الطائرات الحربية والسمتيات، وقد أدى القصف العشوائي الشديد إلى وقوع الخسائر الجسيمة في صفوف المدنيين، وخاصة النساء والأطفال، واستطاعت قوات الحرس الجمهوري  بعد معارك شرسة من دخول المدينة.
كما استطاعت السيطرة على[طوز خورماتو] و[داقوق] وعدد كبير من القرى المحيطة بكركوك، حيث قامت قوات صدام بتدمير جميع القرى المحيطة بمدينة كركوك، واضطر أكثر من 100 ألف من السكان إلى التوجه إلى أربيل والسليمانية هرباً من بطش قوات صدام، فيما وقع أعداد كبيرة منهم بأيدي تلك القوات وجرى تصفيتهم جسدياً.

وفي يوم الجمعة 29 آذار قامت قوات صدام  بقصف مدينة جمجمال بالقنابل الفسفورية والنابالم موقعة الخسائر الجسيمة في صفوف سكانها المدنيين. ثم قامت قوات الحرس الجمهوري بمهاجمتها واحتلالها، والتقدم نحو مدينتي السليمانية وأربيل، مستخدمة كل ما تملكه من أنواع الأسلحة والمعدات الثقيلة والطائرات، مما أدى إلى حدوث هجرة جماعية كبرى للشعب الكردي نحو الحدود التركية والإيرانية هرباً من بطش قوات صدام وأسلحتها الكيماوية التي كان قد أستخدمها في حلبجة من قبل، وذهب ضحيتها أكثر من 5000 مواطن خلال بضعة دقائق، وقدر عدد النازحين بأكثر من مليون مواطن.(3)

كان الوضع مأساوياً بكل معنى الكلمة، نيران القوات النظام من جهة، وقسوة المناخ، والبرد الشديد، والثلوج من جهة أخرى، مما سبب في وفاة أعداد كبيرة من النازحين.   ومما زاد في الطين بله إقدام الحكومة التركية على إغلاق حدودها بوجه النازحين الأكراد، مما جعلهم عرضة للتصفية من قبل الطائرات العراقية التي كانت تلاحقهم،  ومن قبل قوات الحرس الجمهوري الزاحفة.

47
صدام والفخ الامريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة التاسعة عشرة
حامد الحمداني                                         27/2/2018
الشعب العراقي ينتفض ضد نظام صدام

عوامل الانتفاضة الشعبية ضد نظام صدام:
لم تكن انتفاضة الأول من آذار 1991 ، ضد نظام صدام وليدة ساعتها أبداً، بل كانت نتاج تراكمات هائلة لمعاناة الشعب العراقي من الحكم الدكتاتوري الذي مارسه منذُ مجيئه إلى الحكم عام 1968 مستخدماً أبشع أساليب التنكيل والاضطهاد، ومصادرة حقوق وحريات الشعب، حيث لم يمضِ يوم واحد دون أن يغمس صدام  وجلاديه أيديهم بدماء خيرة الوطنيين من أبناء الشعب، لكي يقمع أية معارضة للنظام الحاكم ولسياسته المعادية لمصالح الشعب والوطن، ولم تسلم أية قوة سياسية من بطشه، بدءاً بالشيوعيين والديمقراطيين، وانتهاءً بالقوميين والإسلاميين، بل لقد جاوز كل ذلك، ليبطش بمعظم قيادات حزبه كذلك.
 لقد سنّ صدام القوانين الجائرة التي تبيح له إعدام كل من انتمى إلى أي حزب سياسي دون حزبه،  لكي يخلو له الجو لفرض دكتاتوريته على الجميع، ولكي يصبح حر اليدين في اتخاذ كل القرارات الخطيرة التي تتعلق بمصير الشعب والوطن، فكان أن أقدم على شن الحرب ضد الجارة إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة، وبتخطيط منها، ودفع خلالها الشعب العراقي دماء غزيرة لمئات الألوف من خيرة شبابه، هذا بالإضافة إلى تدمير اقتصاد البلاد، واستنزاف ثرواتها، وإغراقها بالديون.

وما كاد الشعب العراقي يجر أنفاسه، ليعود إلى الحياة الطبيعية حتى فاجأه صدام حسين بجريمة أخرى بإقدامه على غزو الكويت، والتنكيل البشع بأبنائها، ونهب كل ما امتدت إليه يد النظام من أموال وممتلكات الدولة الكويتية وأبناء الشعب الكويتي على حد سواء، ووجدت الولايات المتحدة ضالتها المنشودة في إقدام صدام على غزو الكويت، لتنزل قواتها، وطائراتها الحربية في السعودية، ولتملأ الخليج بأساطيلها الحربية، بالتعاون مع حلفائها الغربيين، بغية توجيه ضربة قاصمة للعراق، مستخدمة كل الوسائل العسكرية المتاحة لها، ومن أحدث ما أنتجته مصانعها من تكنولوجيا الأسلحة، لتنزل أقصى ما يمكن من الدمار بالبنية الاقتصادية والعسكرية للعراق، وإلحاق أبلغ الأذى بالشعب العراقي، وفرض الحصار الاقتصادي عليه لتجويعه  وإذلاله وإفراغ العراق من كوادره وعلمائه، والعودة به خمسون عاماً نحو الوراء، ثم أوقفت الولايات المتحدة الحرب في 28 شباط 1991، بعد أن أعلن صدام حسين كامل استعداده لتنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة، لقاء
 بقاء نظامه، وبقاءه هو على رأس النظام.
لقد ورط صدام جيشه وشعبه ووطنه في حرب كانت نتائجها محسومة سلفاً لصالح الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وأصرّ على البقاء في الكويت، وبدا الأمر وكأن صدام يريد حقاً إنزال الكارثة بشعبه ووطنه، فلم يشك اثنان في عدم قدرة صدام على الصمود بوجه أعتى وأقوى الدول الإمبريالية، بما تملكه من أفتك أنواع الأسلحة، وأشدها تدميراً،
وهكذا وقعت الواقعة، وحلت الكارثة التي توقعها الجميع، ودفع الشعب من جديد ثمناً باهظاً من دماء مئات الألوف من شبابه، وإنزال أقصى ما يمكن من الدمار بالبنية الاقتصادية، والعسكرية للعراق، وجرى إذلال جيشه وشعبه.

لقد أوقدت تلك النتائج المفجعة للحرب نار الحقد والغضب العارم على نظام صدام لدى الجنود المنسحبين من الكويت تحت وابل القذائف التي كانت ترسلها الطائرات الأمريكية والحليفة على رؤوسهم لإنزال أقصى ما يمكن من الخسائر البشرية بين صفوفهم.

 كان ذلك الغضب العارم لدى الجنود ينذر بالانفجار ليطيح بالنظام ورأسه صدام، الذي سبب كل تلك الكوارث التي حالت بالبلاد،  وأستمر على الرغم من ذلك يتشبث بالبقاء في السلطة، وهو الذي يتحمل كل نتائج الحرب المفجعة، ومما زاد في خيبة أمل الجنود العائدين من الحرب أن قوات التحالف لم تتعرض للنظام ورأسه صدام، ولا كان في حساباتها إسقاطه، فكان لابد وأن يتحرك الشعب في ظل تلك الظروف التي أنضجت الانتفاضة، لتسقط هذا النظام الذي سبب كل المآسي والويلات للعراق وشعبه.

ثانياً:انطلاق الانتفاضة الشعبية
في اليوم الأول من آذار 1991، وبينما كانت القوات العراقية تنسحب من الكويت، بحالة  من الفوضى الشديدة، وقد تملكها الحنق على سياسة النظام الذي أوصلها إلى تلك الحالة، توقف رتل من الدبابات والمدرعات المنسحبة في وسط مدينة البصرة، واستدارت إحدى الدبابات، ووجهت فوهة مدفعها نحو جدارية ضخمة للدكتاتور صدام ، وأطلقت قذائفها عليها، وراحت تلك الجدارية تهوى متناثرة على الأرض، وهكذا نكسر حاجز الخوف من جلاد العراق ونظامه، وتفجر بركان الغضب لدى أبناء الشعب والجنود المنسحبين، والتحمت جموعهم ببعضها، وراحت تندفع في مظاهرات ضخمة لم تشهد لها البصرة من قبل ضد حكم الطاغية صدام.

 ولم تمضِ سوى ساعات حتى سيطرت الجماهير المنتفضة على المدينة، وتم اعتقال محافظها، وجرى إطلاق سراح كافة السجناء من ضحايا نظام صدام، ورغم كل المحاولات التي قام بها النظام وحرسه الجمهوري لاستعادة المدينة، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع، وأخذ لهيب المعركة يمتد كالنار في الهشيم إلى كافة أرجاء العراق من أقصاه إلى أقصاه.(1)
ففي 3 آذار، تم تحرير محافظة العمارة من قبضة النظام، بعد معركة عنيفة استمرت لمدة ساعتين، وانتهت باستسلام قوات النظام  وأخذ لهيب الانتفاضة يتصاعد بشكل متسارع ليمتد إلى مدن الكوت، والناصرية، وكربلاء، والنجف الأشرف، وعلى أثر هذا الامتداد لقوى الانتفاضة دخلت من جنوب إيران القوات الموالية لزعيم المعارضة الإسلامية[باقر الحكيم ] المعروفة بفيلق [ بدر] كما شوهدت مجموعات من حرس الثورة الإسلامية بعصاباتهم  يدخلون معها الأراضي العراقية، وكان ذلك يمثل تطوراً خطيراً للغاية على مصير الانتفاضة، وموقف الغرب منها، فقد حاولت هذه الحركة الإسلامية السيطرة على الانتفاضة والاستئثار بها، مما جعل الانتفاضة  تبدو وكأنها ثورة إسلامية، على غرار الثورة الإسلامية في إيران.

ومما ساعد على هذا التطور الخطيرفي مسيرة الانتفاضة، هو فقدان القيادة السياسية لأحزاب المعارضة العراقية جميعاً، فقد كانت معظم كوادر أحزاب المعارضة قد هجرت الوطن بسبب إرهاب النظام، ولم تستطع تلك الأحزاب أن تقدم شيئاً عملياً مهماً للانتفاضة سوى عقدها لمؤتمر بيروت وقراراته التي سرعان ما طواها النسيان.

استمرت قوى الانتفاضة في بادئ الأمر في اندفاعها، ففي يوم الاثنين المصادف 4 آذار استطاعت قوى الانتفاضة أن تبسط سيطرتها الكاملة على مدينتي [العمارة] و [علي الغربي ]، وانظم عدد كبير من قوات الجيش للانتفاضة، كما وردت أخبار عن سقوط مدينة النجف، ومدينة السليمانية في كردستان العراقية بأيدي قوات الانتفاضة.

وفي يوم الثلاثاء 5  آذار قامت لجنة العمل المشترك بنشاطات سياسية لدعم الانتفاضة تجلت في إرسال الرسائل إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة [ديكويار]، وإلى حكومات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وإلى حكومات الجوار سوريا وإيران وتركيا والسعودية والكويت، وإلى جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي داعية إياهم جميعاً إلى الوقوف إلى جانب الشعب العراقي ومساندته من أجل الخلاص من حكم الطاغية صدام ونظامه الفاشي،  وناشدهم تقديم العون الضروري من المواد الغذائية والطبية، وأكدت تلك الرسائل على أن هذه الانتفاضة هي انتفاضة الشعب كله، بكل فئاته وقومياته وأحزابه السياسية الوطنية، وأنها تستهدف الحرية، وتطبيق حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية للشعب العراقي كافة.

وفي يوم الجمعة المصادف 8 آذار وقعت معارك عنيفة حول البصرة، بين قوات النظام وقوات الانتفاضة، وتم خلال تلك المعارك دحر قوات صدام، وإحراق 10 دبابات، والاستيلاء على عدد من الدبابات الأخرى سالمة، وتم إحكام السيطرة على محافظة البصرة. حاولت قوات صدام القيام بهجوم جديد على البصرة على المحور الشرقي مستخدمة 12 دبابة، وتم لقوات الانتفاضة دحر الهجوم، بعد تدمير 4 دبابات والاستيلاء على الدبابات الثمانية الأخرى، واستسلام تلك القوات لقوى الانتفاضة.
وفي اليوم نفسه حدثت مظاهرات عنيفة في مدينتي الموصل والرمادي، لكن قوات صدام كانت قد استعدت لها وقمعتها بقوة.
وفي المنطقة الشمالية سيطرت قوات الانتفاضة الكردية على مدينتي أربيل وكركوك، ومناطق واسعة من كردستان العراق، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات ووقع في الأسر وحدات كبيرة الجيش.
 وفي بغداد قامت مظاهرات صاخبة في أحياء الشعلة والحرية والكاظمية والثورة، لكن قوات صدام استطاعت السيطرة على الموقف بعد أن استعملت أقسى أساليب العنف ضد المتظاهرين، وكان النظام قد كثّف تواجد قواته في تلك الأحياء تحسباً لكل طارئ،  نظراً لما عُرف عن سكان هذه الأحياء من الكره الشديد لنظام صدام.
وفي يوم الثلاثاء  12 آذار جرت محاولات جديدة لقوى الانتفاضة في مدينة الثورة أحد أحياء بغداد، إلا أن قوات صدام قمعتها بشدة.

 وفي الفرات الأوسط استطاعت قوى الانتفاضة هذا اليوم من السيطرة على مدينة الحلة، بعد قتال شرس مع قوى النظام، وجرى اعتقال جميع المسؤولين الحكوميين فيها.
 وفي نفس هذا اليوم قامت قوات النظام بمحاولة لاستعادة كربلاء، والعمارة، بعد أن مهدت للهجوم بقصف مدفعي، واستخدمت الطائرات المروحية في قصف المدينتين كذلك .
وفي يوم الأربعاء 13 آذار أعلنت القيادة السياسية للجبهة الكردستانية سيطرتها التامة على كافة منطقة كردستان العراق، وأعلنت حل المجلسين التشريعي والتنفيذي، الذين أقامهما نظام صدام، وتشكيل إدارة مؤقتة لحين إجراء انتخابات عامة في كردستان العراق.
 
حاول نظام صدام إعادة سيطرته على المناطق المحررة في محافظة صلاح الدين و ديالى بقواته التي تعززها الدبابات، والطائرات المروحية، والمدفعية الثقيلة وخاصة في محور خانقين ـ جلولاء، محاولاً السيطرة عليهما، وعلى طوز خورماتو، وتصدت لها قوات الانتفاضة واشتبكت معها في معارك عنيفة طوال هذا اليوم، وتم إسقاط 4 طائرات مروحية تابعة للنظام.
وفي يوم الخميس  14 آذار، أحكمت قوات الانتفاضة سيطرتها على كافة محافظة العمارة، وقتل محافظها، وجرى تعيين محافظ جديد لها من قبل قوى الانتفاضة، وفي محافظة بابل تمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة على المحمودية القريبة من بغداد، وعلى المسيب، واليوسفية، وسدة الهندية، والقاسم، والحمزة، وتمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة على كافة مراكز الشرطة وأسلحتها، وتم إطلاق السجناء الوطنيين من سجونها. وخلال معارك الحلة قتل كل من المحافظ [عدنان حسين] ومدير الشرطة [ جبر محمد غريب ] وأمين سر حزب البعث لفرع الحلة [ طه ياسين] ومدير أمن الحلة المقدم [ مزعل ].

وفي الديوانية تمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة التامة على المدينة، وانظم محافظ المدينة إلى قوات الانتفاضة، فيما قتل أمين سر حزب السلطة[ خالد عبد الله التكريتي] كما سيطرت قوات الانتفاضة على مدينة النعمانية، وسيطرت على مراكز لشرطة، ودوائر الأمن فيها خلال ساعات رغم استخدام قوات النظام الطائرات المروحية ضد قوات الانتفاضة التي تمكنت من إسقاط 3 طائرات منها.
وفي الكوت كانت تدور معارك شرسة بين قوات الانتفاضة وقوات النظام طوال هذا اليوم، كما دارت معارك عنيفة في منطقة [كرمة على] شمال البصرة، واستطاعت قوات الانتفاضة تدمير العديد من الدبابات  التابعة للنظام، وقد دامت المعركة زهاء 9 ساعات. كما تم في هذا اليوم تحرير مدينة [ مخمور] التابعة لمحافظة أربيل، إضافة إلى قرى باكرك و ياسين أغا.
وفي هذا اليوم تعرضت مدينتي كربلاء، والنجف إلى قصف مدفعي وبالدبابات طالت الأحياء السكنية، ومراقد الأئمة التي أصيبت بإصابات مباشرة، وفتحت ثقوباً في قبابها، وفي هذا اليوم أيضاً تم تحرير مدينة [النشوة] شمال البصرة، واستسلم أعوان النظام  فيها لقوات الانتفاضة. وفي هذا اليوم أيضاً أنفجر بئران نفطيان في كركوك  نتيجة القصف المدفعي لقوات صدام واشتعلت النيران فيهما. وفي يوم الجمعة 15 آذار تم استيلاء قوات الانتفاضة على مدينتي [المشرح] و[الكحلاء]، وتم تطهير محافظة العمارة من قوات النظام تطهيراً تاماً. حاول نظام صدام هذا اليوم السيطرة على مدينة جلولاء، ودارت معارك شرسة بين قوات الانتفاضة وقواته، وانتهت المعارك بهزيمة قوات صدام، ومقتل أمر الفوج المهاجم الرائد [علي صالح الجبوري] واستولت قوات الانتفاضة على 4 دبابات سالمة. (2)

وهكذا استطاعت قوات الانتفاضة فرض سيطرتها على المناطق الجنوبية، ومنطقة الفرات الأوسط ، ومنطقة كردستان بكاملها خلال أسبوعين، وبدا نظام صدام في تلك الأيام قاب قوسين أو أدنى من السقوط .
 لكن سيطرة القوى الإسلامية على الانتفاضة ومحاولة الاستئثار بها، ورفعها للشعارات الطائفية والمتطرفة، وتدخل الحرس الثوري الإيراني، وعدم وجود قيادة ميدانية حكيمة تمثل القوى السياسية الوطنية المؤتلفة بموجب ميثاق دمشق، وضرورة رفع الشعارات الصحيحة التي تؤكد على الوحدة الوطنية، وإقامة نظام ديمقراطي تعددي، كل هذه الأمور جعلت قوى التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وكذلك السعودية ودول الخليج تقلق من سيطرة القوى الإسلامية الموالية لإيران على الحكم في العراق، وما يسببه ذلك من خطورة على مصالحهم في المنطقة، وجعلتهم يضعون كامل ثقلهم إلى جانب نظام صدام، وتمكينه من استعادة سيطرته على البلاد من جديد.
وهكذا فتحت قوات التحالف التي كانت تطوق قوات الحرس الجمهوري في جنوب الناصرية الطريق إمام تلك القوات للعبور، بل لقد أقامت لها الجسور العسكرية لكي تستطيع التقدم نحو المناطق التي سيطرت عليها الانتفاضة، وبذلك بدأت مرحلة الانحسار للانتفاضة في 17 آذار1991.

48
صدام والفخ الأمريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة الثامنة عشرة
حامد الحمداني                               24/2/2018
بدء الحرب البرية الخاطفة
بعد 43 يوماً متواصلاً من الهجمات الجوية العنيفة بالطائرات والصواريخ بعيدة المدى، استطاعت الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إلحاق الخسائر الجسيمة بالقوات العراقية في الكويت، وجنوب العراق، بالإضافة إلى تدمير كافة المرافق الاقتصادية والعسكرية داخل العراق، أصبح الجو مهيئاً للهجوم البري، الذي أرادته الولايات المتحدة أن يكون خاطفاً وسريعاً، وبأقل ما يمكن من الخسائر البشرية في صفوف قواتها وقوات حلفائها.

 كان وضع القوات العراقية بعد تلك الهجمات الجوية الوحشية التي استمرت كل هذه المدة، وبعد أن انقطعت عنهم كافة الإمدادات الغذائية والمياه مأساوياً، حيث تواصلت عليه الهجمات الجوية وهي تلقي بقنابلها فوق رؤوسهم دون توقف.

الهجوم البري الخاطف [ حرب الـ 100 ساعة]
وفي24 شباط بدأت القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها هجومها البري على القوات العراقية  تحت وابل من قذائف المدفعية والدبابات، لم يعرف العالم لها مثيلاً من قبل، منذُ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت الطائرات الحربية تركز هجماتها على القوات العراقية التي خرجت من مكامنها واستحكاماتها، لتصب عليهم حمما من القنابل الفتاكة، هي أحدث ما أنتجته مصانع الولايات المتحدة الحربية.

كان صدام حسين، قبل نشوب الحرب البرية قد وضع في حساباته أن الولايات المتحدة ستهاجم على جبهتين، الجبهة الأولى تنطلق من الأراضي السعودية حيث جرى تجميع القوات الأمريكية والحليفة هناك، والجبهة الثانية من البحر، حيث تقوم قوات المارينز بإنزال بحري على شواطئ الكويت، وبالفعل قامت القوات الأمريكية بمحاولة تضليلية، لتشعر القوات العراقية بأنها تنوي القيام بإنزال على شواطئ الكويت، وكان النظام العراقي قد ركز الكثير من قواته وأسلحته على طول تلك الشواطئ، لكن تلك المحاولة لم تكن سوى خدعة، وإشغال للقوات العراقية، وعزلها عن الميدان الحقيقي للمعركة.

 فقد كانت خطة الولايات المتحدة وحليفاتها بريطانيا وفرنسا هو مهاجمة العمق العراقي من داخل الأراضي السعودية، والقيام بحركة التفافية لتطويق القوات العراقية في الكويت وجنوب العراق، والإجهاز عليها، وبالفعل بدأت قوات التحالف بالتقدم نحو الحدود العراقية، مستخدمة أحدث طراز من الدبابات التي لم تستخدم من قبل، وهي من طراز A 1  و M 1 ، والتي يبلغ مدى نيرانها أبعد من أحدث الدبابات التي يملكها العراق، وهي من طراز T72، وهكذا كان بوسع الدبابات الأمريكية إصابة أهدافها بسهولة، دون أن تصيبها القذائف العراقية، واستطاعت تلك القوات من التقدم داخل جنوب العراق.

وهكذا اضطر صدام  إلى أصدار أمرٍ لقواته بالانسحاب من الكويت، والعودة نحو الأراضي العراقية، وانتهزت القوات الأمريكية والحليفة هذا القرار لترسل طائراتها، كي تصب حممها على تلك القوات المنسحبة، منزلة بها أقصى ما تستطيعه من الخسائر البشرية، وتدمير المعدات الحربية. لقد كانت تلك العملية جريمة نكراء بحق الجيش العراقي المنسحب، دون أي مبرر فقد امتلأت الصحراء بجثث الجنود العراقيين، وكانت الآليات العسكرية تسير على تلك الجثث، في الطريق المؤدي إلى البصرة، في جنوب العراق، حيث كانت الطائرات المغيرة تلاحق الجنود المنسحبين بنيرانها الكثيفة، دون وازع أخلاقي، وهذا العمل إن دل على شئ فإنما يدل على همجية الحضارة التي تدعيها الولايات المتحدة، واستهانتها بكل القوانين والأعراف الدولية والأخلاقية، فهي لا تتوانى عن أي عمل مهما كان، إذا كان ذلك العمل يخدم مصالحها الإمبريالية، حتى ولو اقتضى ذلك إبادة الشعوب، فالمهم أن تبقى مصالحها سالمة، وتمتلئ جيوب كبار أصحاب الشركات الرأسمالية بما تنهبه من ثروات الشعوب.

هزيمة نظام صدام، وتوقف الحرب
لم تدم الحرب البرية سوى 100 ساعة فقط، ليفاجئ الرئيس الأمريكي بوش العالم  يوم 28 شباط1991 بقراره وقف العمليات الحربية، بعد أن وافق صدام حسين على القبول بكل الشروط التي تفرضها الولايات المتحدة عليه، مهما كانت تلك الشروط، فالمهم بالنسبة لصدام هو بقاء نظامه، وبقاءه على رأس النظام الذي أوصل العراق وشعبه إلى هذه الكارثة المخيفة والمرعبة.

وتقرر على الفور أن يعقد الجنرال شواردزكوف وكبار قادته العسكريين، مع كبار الضباط العراقيين الذين أنتدبهم صدام برئاسة [الفريق سلطان هاشم]، في خيمة صفوان، ومعهم توجيهات من صدام بأن لا يرفضوا أي طلب للجنرال شواردزكوف، وليعلنوا استعداد العراق لتنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة من العراق.
 أما  شروط بوش لوقف الحرب فقد كانت التالية:
1ـ تدمير جميع أسلحة الدمار الشامل العراقية من صواريخ بعيدة المدى والأسلحة الكيماوية والبيولوجية، والمفاعل النووي.
2ـ أن يقوم النظام العراقي بتقليص عدد قواته العسكرية، ومنع تسلحه من جديد.
3ـ قيام فرق التفتيش التي سيعينها مجلس الأمن لغرض إجراء تفتيش دقيق وشامل عن كل الأسلحة العراقية ذات الدمـار الشامل، وتدمير كـل المنشآت، وكافة المصانع العسكرية الخاصة بها.
 4ـ تسليم كل الوثائق المتعلقة ببرامج التسلح العراقي منذُ عام 1980وحتى هذا التاريخ.
 5 ـ عدم وضع العراقيل أمام فرق التفتيش للوصول إلى أي بقعة من العراق للتأكد من تدمير كل الأسلحة المطلوب تدميرها، ومصانعها، ومخازنها.
6ـ وضع نظام للمراقبة المستمرة، عن طريق نصب كامرات حساسة ودقيقة في كافة المصانع الحربية للتأكد من أن النظام العراقي لا يخالف الشروط التي تم بموجبها وقف إطلاق النار.
7ـ إقرار النظام العراقي بدفع تعويضات الحرب، والتي تبلغ أرقاماً خيالية.
8 ـ استمرار الحصار الاقتصادي على العراق، واستمرار تجويع الشعب العراقي إلى أن يتم تنفيذ كافة قرارات مجلس الأمن الدولي. (3)
كان استمرار الحصار، في واقع الأمر، يعني استمرار الحرب ضد الشعب العراقي،  وليس ضد نظام صدام، وبأبشع صورها وإشكالها، فحرب التجويع بلا أدنى شك هي أسوأ أشكال الحروب التي عرفتها البشرية وأكثرها وحشية، حيث يفتقد الشعب العراقي الغذاء والدواء منذُ أن تم فرض الحصار في 2 آب 1990، واستمر ذلك الحصار حتى سقوط النظام في التاسع من نيسان عام 2003 على أيدي الجيوش الأمريكية والبريطانية.

 فقد كان مجلس الأمن يجدد الحصار كل شهرين، بحجة عدم تنفيذ النظام العراقي لشروط وقف إطلاق النار، ولم يكُن الشعب العراقي المنكوب بحكامه وبالولايات المتحدة  يدري متى تقرر الولايات المتحدة أن العراق قد نفذ تلك الشروط لترفع عنه الحصار.                                           لقد خلق ذلك الحصار المجرم وضعاً مأساوياً في العراق لا يمكن تصوره، ومهما حاول المتتبعون لتلك الأوضاع الكتابة عنها فإن أقلامهم تعجز عن وصف تلك المأساة.

لقد انهارت العملة العراقية حتى وصلت قيمة الدولار الواحد إلى 3000دينار، بعد أن كانت قيمته أقل من ثلث الدينار الواحد، أي ان الدينار العراقي انخفظت قيمته 10000 مرة وتدهورت القوة الشرائية للمواطنين من الطبقات المتوسطة والفقيرة إلى ما يقارب الصفر، بل لقد زالت الطبقة الوسطى من الوجود، وتحولت إلى طبقة فقيرة معدمة، وحتى الطبقة الغنية، فقد نالت نصيبها من تدهور الوضع الاقتصادي، فلقد أصاب الحصار بناره كل أبناء الشعب العراقي  ما عدا فئة من أزلام صدام ومريديه الذين اثروا على حساب جوع وشقاء الشعب العراقي، حيث يتاجرون بقوته، ويرفعون الأسعار كل يوم، بل كل ساعة، دون وازع أخلاقي.
إن ما يزيد على 4500 طفل عراقي كان يموت كل شهر، حسب تقرير منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، وفي واقع الحال فإن هذا الرقم هو أقل بكثير من الرقم الحقيقي، جراء فقدان الغذاء والدواء.  فقد أشار تقريرمنظمة الأغذية الدولية والزراعة الدولية التابع للأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون مواطن عراقي ماتوا جراء الحصار منذ عام 1990وحتى عام 1995، ومن بينهم 567 ألف طفل دون الخمس سنوات، وأن  أكثر من 4 ملايين عراقي معرضين للموت جوعاً إذا ما استمر الحصار.(4)

أما منظمة الصحة العالمية فقد ذكرت في تقريرها الصادر في آذار 1996 أن معدل الوفيات بين الأطفال قد ارتفع إلى أربعة أضعاف .(5)

لقد وصفت منظمة [ أصوات في البرية الأمريكية] في رسالة ساخرة بعثت بها إلى الرئيس بوش لدى زيارتها لمستشفيات الأطفال في العراق تقول فيها التالي: { لقد اكتشفنا أن أسلحة الدمار الشامل موجودة هنا في مستشفيات العراق حيث يموت مئات الأطفال الذين دون الخامسة كل يوم  يوم بسبب الحصار. (6)
ولا بد من العودة لحديث الرئيس الأمريكي [ ودرو ويلسن] في وصفه للحصار حيث قال{الحصار هو الدواء الساكت القاتل}.(7)

ورغم كل ما قيل، وما كتب، ورغم كل التقارير الرسمية وغيرالرسمية عن الوضع المأساوي للشعب العراقي، فإن الضمير الأمريكي بوجه خاص، والغربي بوجه عام لم تهزه كل تلك التقارير، فشعب العراق لا يعنيهم أبداً، والمهم هو تأمين مصالحهم الإمبريالية في منطقة الخليج، حتى ولو مات الشعب العراقي جوعا، أو مرضاً.

إن كل ادعاءات الرئيس الأمريكي بوش في خطاباته، من أن مشكلة الولايات المتحدة هي مع نظام صدام، وأن ليس لها مشاكل مع الشعب العراقي، وانه لا يكن للشعب العراقي العداء، لم يكن سوى محض افتراء ونفاق، ومحاولة خدع الرأي العام العالمي.  فقد اثبت الأيام، بعد انتهاء الحرب، أن صدام حسين قد نجا من العقاب، واستمر نظامه المسلط على رقاب الشعب، بل ودعمته الولايات المتحدة عندما قام الشعب العراقي بانتفاضته ضد النظام في 1 آذار 1991، بعد توقف الحرب مباشرة، ومكنته من سحب قواته المحاصرة جنوب العراق لضرب وقمع الانتفاضة، مستخدماً كل ما لديه من أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية والصواريخ والدبابات والمدفعية.

لم يكن في نية الولايات المتحدة إسقاط نظام صدام، بل أرادت إذلال الشعب العراقي وتجويعه، وإفراغ العراق من كوادره العلمية التي أخذت تهرب بالآلاف من جحيم العراق، حيث يقدر عدد الذين هجروا العراق، وانتشروا في بقاع الدنيا أكثر من ثلاثة ملايين عراقي. لقد أدى صدام حسين الدور الموكول له، وتنازل عن سيادة العراق واستقلاله، وأباح للإمبرياليين كل إسرار البلاد، وترك رجال مخابراتهم يسرحون ويمرحون في طول البلاد وعرضها، وترك أبناء الشعب العراقي فريسة للجوع والمرض، فالمهم هو أن يبقى نظامه، ويبقى هو على رأس النظام.

49
صدام والفخ الأمريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة السابعة عشرة
حامد الحمداني                                           22 / 2 /2018
 
الفصل السادس:عاصفة الصحراء

العالم يحبس أنفاسه، والعراقيون يهربون من المدن:
بعد فشل اللقاء الذي تم بين طارق عزيز وجيمس بيكر في جنيف،أدرك الشعب العراقي أن الحرب أصبحت أمراً لا مفر منه.
كان القلق قد فعل فعله لدرجة أفقد الناس صوابها، فلقد أحس الجميع أن هذه الحرب لن تكون مثل غيرها من الحروب، كالحرب العراقية الإيرانية مثلاً، فالأمر هنا مختلف تماماً،  ذلك أن العراق لا يواجه جيش دولة واحدة، بل جيوش 28 دولة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذه الجيوش، وعلى رأسها جيوش الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، بما تملك من أحدث أنواع الأسلحة، والتكنولوجيا الحربية التي لا يمكن بأية حال من الأحوال مقارنتها بما يمتلك العراق هذا البلد الصغير من بلدان العالم الثالث.

ولم يكن أحداً يشك بأن مسار الحرب هو بالتأكيد لصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وأن مصير الحرب قد تقرر قبل نشوبها، وأن كارثة كبرى ستحل بالعراق وشعبه، و مما أشاع القلق، بل والهلع في نفوس أبناء الشعب، وخوفهم من أن يلجأ صدام حسين إلى استخدام الأسلحة الكيماوية، والبيولوجية في الحرب، لتردّ عليه الولايات المتحدة بالسلاح الذري والكيماوي، وكل الأسلحة الفتاكة الأخرى التي في ترسانتها، ولاسيما وأن صدام سبق أن استخدم السلاح الكيماوي ضد القوت الإيرانية في حرب الخليج الأولى، وضد أبناء الشعب الكردي في شمال العراق عام 1988، في حملة الأنفال السيئة الصيت، فما الذي يمنعه من استخدام أسلحته الكيماوية والبيولوجية ضد قوات الولايات المتحدة وحلفائها، وخاصة إذا ما شعر أن وجوده قد أصبح في مهب الريح؟

ولذلك فقد سارع سكان بغداد وغيرها من المدن إلى مغادرتها هرباً من احتمالات الضربات النووية والكيماوية، وليبحثوا لهم عن مكان آمن. لقد كان منظر سكان بغداد، وهم ينزحون منها يثير الأسى والحزن في كل قلب، فلم يكن للشعب حيلة في ذلك، فهو شعب مسلوب الإرادة، وقد تسلطت على الحكم عصابة مجرمة، بالعنف والقوة، ونكلت به وبقواه الوطنية أبشع تنكيل، منذُ أن سطتْ على الحكم بانقلاب 17 تموزعام 1968، بوحي وتخطيط أمريكي، واشتدت حملات التنكيل الفاشية بعد أن سطا صدام حسين على الحكم، وقام بانقلابه على سيده [أحمد حسن البكر]، ليمتد تنكيله حتى بقادة حزبه، ناهيك عن الأحزاب الوطنية المعارضة لحكمه، لكي يفرض من نفسه أعتا دكتاتور عرفه العراق، وجعل من نفسه القائد العام للقوات المسلحة، ومنح نفسه أعلى رتبة عسكرية في العالم، وشن على الجارة إيران حرب كارثية لا مصلحة للشعب العراقي فيها، بالنيابة عن الولايات المتحدة، حيث دامت 8 سنوات دفع خلالها مئات الألوف من خيرة الشباب العراقي إلى محرقة الموت، دفاعاً عن مصالح الإمبريالية الأمريكية في الخليج.

ولم تكد تنتهي الحرب عام 1988، ويتنفس الشعب العراقي الصعداء، حتى بدأ صدام حسين يخطط لمغامرة جديدة، فكانت غزو الكويت، وظن صدام أن الولايات المتحدة ستسكت على مغامرته تلك، مكافئة له على حربه ضد إيران، فكانت حساباته خاطئة جداً، فالولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لاتهمهم العلاقات مع صدام، بل إن ما يهمهم هو تأمين مصالحهم النفطية في الخليج، والحيلولة دون ظهور أية قوة تحاول الهيمنة على نفط الخليج، فكان لابد من تجريد العراق من أسباب القوة، وتصفية أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها، بعد أن انتهت الحرب مع إيران، وأدى صدام المهمة.

 وهكذا نصبت الولايات المتحدة الفخ لصدام، وسهلت له غزو الكويت، ولم تحاول أن تنهره عن الإقدام على فعلته، رغم أن أقمارها التجسسية، ومخابراتها العسكرية كانت تراقب عن كثب كل تحركات قوات صدام قبل الغزو، وتنتظرها ساعة بساعة، وها هو العراق يواجه ذلك اليوم جيوش الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وبكل ما تملكه من أسلحة فتاكة، إضافة إلى اشتراك قوات عربية، مصرية، سعودية وسورية، مغربية، ومن كافة دول الخليج، فلم يجد أبناء الشعب أمامهم سوى هجر بغداد، والمدن الأخرى لعلهم ينجون من الموت، كانوا يعدون الدقائق انتظاراً لوقوع الكارثة التي لم يشك أحد بوقوعها الوشيك.

45 يوماً من القصف الجوي لكافة مرافق البلاد:
في الساعة الثالثة من فجر يوم الجمعة المصادف السابع عشر من كانون الثاني 1991، انطلقت أكثر من 2000 طائرة حربية نحو 700 هدف، كانت القيادة الأمريكية  قد حُددته سلفاً، كما انطلقت الصواريخ البعيدة المدى من السفن الحربية المتواجدة في الخليج العربي وخليج العقبة، والبحر الأحمر.
 ففي أعالي البحر الأحمر كانت هناك حاملات الطائرات [ساراتوجا] و[كندي] و[تيدور روزفلت] و[أمريكا] وعلى ظهرها ما يزيد على 200 طائرة قادرة على الوصول إلى أي نقطة في العراق، هذا بالإضافة إلى الصواريخ البعيدة المدى من نوع كروز، الموجهة تلفزيونياً،التي كانت على متنها، والقادرة على المناورة لإصابة أهدافها بدقة، وكانت القواعد الجوية الأمريكية في [حفر الباطن] و[الظهران] و[الرياض] في السعودية، والقواعد الجوية في البحرين، وقاعدة [انجرلك] في تركيا، وقاعدة [ديغو كارسيا] في المحيط الهادئ، حيث تقف على أهبة الاستعداد طائرات B 52  القاذفة الضخمة، والمعدة للغارات البعيدة المدى، والقادرة على حمل كميات ضخمة من القنابل الفتاكة.
وفي الخليج كانت الولايات المتحدة قد عبأت كل ما أمكنها من القطعات البحرية، وحاملات الطائرات المجهزة بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الحربية بالإضافة إلى القاعدة الكبرى للإمبريالية، وأعني بها إسرائيل، رغم التعتيم الشديد على النشاط الإسرائيلي في تلك الحرب، بسبب ما يمكن أن تسببه من حساسية وهياج لدى الشعوب العربية، مما قد يثير متاعب جمة للجهود الحربية الأمريكية غير أن الذي لا شك فيه أنه كان لإسرائيل دور هاماً تلعبه فيها، وخاصة القصف الجوي، كما أن قواعدها الجوية كانت منطلقاً للطائرات الأمريكية للهجوم على العراق.

راحت الطائرات الحربية الأمريكية والحليفة، وصواريخهم البعيدة المدى، تدك أهدافها المحددة سلفاً، بادئين بالقواعد الجوية، وأنظمة الدفاع الجوي، وقواعد الرادار، وقواعد إطلاق الصواريخ، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، ومصانع هيئة التصنيع العسكري، والمنشآت النفطية والمصافي، والطرق والجسور، ومخازن المؤن، ومعامل الأدوية، وشبكات الصرف الصحي،  والمفاعل النووي، وما يقرب من 12 مصنعاً للصناعات الكيماوية والبتر وكيماوية.

ثم توسع القصف ليشمل كافة المنشآت الصناعية المدنية، بما فيها مصانع حليب الأطفال، والنسيج، والسكر، ومصانع الأجهزة المنزلية، كشركة الصناعات الخفيفة، وخلاصة القول كان القصف قد شمل كل القواعد الأساسية للاقتصاد العراقي دون استثناء، ولم تسلم بقعة واحدة من بقاع العراق، من بطش الطائرات والصواريخ الأمريكية والحليفة، بل حتى الملاجئ المعدة للمواطنين،  فقد بدا واضحاً أن الحرب قد أعدت لا لتحرير الكويت،  بل لتدمير العراق تدميراً شاملاً، كما أشار بيكر في لقائه مع طارق عزيز في جنيف. أما عملية تحرير الكويت فكانت لا تتعدى كونها تحصيل حاصل.

  وفي الوقت نفسه كانت طائراتهم تتسابق لشن الهجمات الوحشية والهمجية على القوات العراقية في الكويت، وجنوب العراق دون هوادة، ودون توقف، منزلة خسائر فادحة بالجنود والمعدات، بعد أن تم إخراج القوة الجوية العراقية من ساحة المعركة، أصبحت القوات العراقية تحت رحمة نيران الطائرات الأمريكية والحليفة. فقد استطاعت الهجمات الجوية المكثفة، والمتتالية، من تحطيم أنظمة الدفاع الجوي، وقواعد الرادار، وأنظمة الاتصالات، لدرجة أصبح من المستحيل أن تحلق أي طائرة عراقية في الجو دون أن تكون معرضة للإسقاط .
 وهكذا أصبحت أجواء العراق، ومناطق تجمع القوات العراقية مكشوفة تماماً، وهدفاً سهلاً للطائرات المغيرة، واضطر النظام العراقي إلى إخفاء ما أمكن من طائراته بين الدور السكنية، والشوارع ليقيها خطر الدمار في قواعدها الجوية، واضطرت أكثر من 144 طائرة إلى الهروب إلى إيران، والهبوط في مطاراتها، وقد سيطرت عليها إيران فيما بعد، معتبرة إياها جزء من التعويضات عن تلك الحرب التي أشعلها صدام  ضدها.
لقد وقع النظام العراقي، الذي يقوده صدام ، والذي جعل من نفسه قائداً عسكرياً، ومخططاً ميدانياً، وهو الذي لم يخدم حتى الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش، بأخطاء جسيمة في كامل حساباته، فلقد استهان بقدرات الولايات المتحدة وحلفائها، العسكرية والتكنولوجية، واعتقد أن هذه الحرب ستكون كسابقتها حرب الخليج الأولى.

 كما اعتقد أن الحرب البرية ستبدأ في نفس الوقت التي تهاجم به الطائرات الحربية والصواريخ الأهداف المحددة لها، ولم يدرْ في خلده أن الحرب الجوية ستستمر 45 يوماً متواصلاً، قبل أن يبدأ الهجوم البري، ثم أن إنذار الولايات المتحدة لصدام، وتحذيره من مغبة استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، سيؤدي بالولايات المتحدة إلى الرد الفوري والسريع، وبالأسلحة غير التقليدية [النووية]، وبذلك  فقد صدام القدرة على استخدام هذا السلاح، الذي طبل وزمر له في كل خطاباته، وهو يهدد ويتوعد به، وظهر أنه لا يستطيع استخدامه إلا ضد شعبه في شمال وجنوب العراق، وهو لو فكر في استخدام هذا السلاح لكانت الكارثة التي ستحل بالعراق وشعبه ما لا يمكن أن يتصورها العقل.

لقد أخطأ صدام كذلك حين أعتقد أن الهجوم البري سيكون من السعودية والخليج نحو الكويت مباشرة، غير أن الذي حدث أن القوات الأمريكية والحليفة قامت بهجوم التفافي من الأراضي السعودية نحو جنوب العراق، بغية تطويق القوات العراقية، وقطع طرق مواصلاتها، ومنع أي إمدادات عنها، وخاصة المياه والغذاء وبالفعل تمكنت القوات المهاجمة من الوصول حتى مدينة الناصرية، وحاصرت القوات العراقية بالجنوب وقطعت كل طرق المواصلات.

استمرت القوات الجوية والصاروخية تهاجم المرافق الاقتصادية في العراق، المدنية منها والعسكرية طوال 43 يوماً، بمعدل أكثر من 1000 غارة جوية يومياً  عدا الصواريخ التي كانت تطلقها السفن الحربية الراسية في الخليج والبحر الأحمر. لقد كانت حرباً جوية رهيبة بكل المقاييس، لم يشهد لها العالم من قبل، وخصوصاً وأنها حرب يقودها هذا التجمع الإمبريالي الكبير، وبكل ما يملك من وسائل القوة، ضد بلد صغير من بلدان العالم الثالث، أبتلى بدكتاتور أهوج، لا يفهم غير لغة الحروب، والدماء والقتل ضد أبناء شعبه، مما جعل الشعب غير قادر على الاعتراض على خططه الهوجاء، التي ساقت البلاد إلى حرب مستمرة لسنوات طويلة.
لقد وقع الشعب العراقي المنكوب بين فكي كماشة، صدام ونظامه الفاشي من جهة، والإمبريالية الحاقدة على العراق، والمصممة على تدمير بنيته الاقتصادية، وإفقاره وتجويعه حتى الموت، حفاظاً على مصالحها في الخليج من جهة أخرى، فالنفط بالنسبة للولايات المتحدة يستحق إبادة شعب بكامله دون وازع من ضمير، في عصر أصبحت فيه سيدة العالم دون منازع، ومستعدة لإنزال أشد الكوارث على رؤوس كل من يهدد، أو يحاول أن يهدد مصالحهم في الخليج.
لم يسلم أي هدف من غاراتهم الوحشية مهما كان صغيراً، ووصل بهم الأمر أن أقدموا على قصف ملجأ العامرية في بغداد، وإحراق  حوالي 1000 مواطن، من النساء والأطفال والشيوخ، الذين لجئوا إليه هرباً من غاراتهم الوحشية الرهيبة، فكانت كارثة، وجريمة  إنسانية كبرى، ستظل وصمة عار تلاحق أولئك القتلة الذين طالما تبجحوا بالدفاع عن الإنسان وحقه في الحياة، وتمسكهم باتفاقيات جنيف فيما يخص حماية المدنيين أثناء الحرب، ونراها في ذلك اليوم وهي تدوس بجزم قواتها العسكرية كل تلك القوانين والأعراف الدولية، وتحيل أجساد أولئك المواطنين الأبرياء أشلاء متفحمة.

 إن كل ما قيل، ويقال عن العدالة والحرية وحقوق الإنسان، ما هي إلا محض هراء، وإن من يملك القوة في عالم اليوم، لا تثنيه تلك القوانين والقرارات، والاتفاقات الدولية عن فعل ما يروق له، فالقوة، والمصالح الاقتصادية، ونهب الشعوب، هي فوق كل القوانين، وكل المعاهدات الدولية.

في تلك الأيام الرهيبة، كنت أحد المواطنين العراقيين الذين سلموا مصيرهم، ومصير عوائلهم للأقدار، حيث كانت الغارات الجوية تتوا