عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - عبد الحسين شعبان

صفحات: [1] 2
1
حين يختل العمل السياسي
عبد الحسين شعبان
غالباً ما تجنح الحركة السياسية حين تكون خارج السلطة في البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، إلى رفع أكثر الشعارات جذرية، ورنيناً، فهي تبدأ من «إسقاط النظام»، من دون أن تأخذ في الاعتبار توازن القوى، أو تحسب حساباً للظرف الموضوعي، والذاتي، فإمّا أن تضخّم من إمكاناتها الذاتية، وإما تقلّل من إمكانات خصمها، وقد يقودها ذلك إلى «حرق المراحل»، لأن «التغيير» لن يتحقق من دون حصول التراكم المطلوب والتطوّر التدرّجي وتلبية المطالب التي تخصّ الناس وصولاً إلى الهدف الأساسي.
وإذا كان المبرّر أن الأنظمة لا تستجيب للمطالب الشعبية، وتدير ظهرها للإصلاح، وتعزف عن التغيير، وترفض الحوار مع الفاعليات والأنشطة السياسية غير الحاكمة، فإن ذلك لا ينبغي أن يدفعها إلى التشدّد، والتطرّف، والعنف، لأن اللجوء إليه يقود إلى العزل والعزلة حتى من لدن أوساط تتّفق معها حول قضايا الإصلاح والتغيير، كما أنه ليس مبرراً التعاون مع قوى خارجية، مهما كانت تسمياتها، بحجة عجزها عن تحقيق مطالبها وحدها.
إن ازدراء المطالب الاحتجاجية، واستصغارها، والاستخفاف بها، والقفز مرّة واحدة إلى القضايا الكبرى والأهداف الاستراتيجية، هي التي تجعل الخلل في العمل السياسي ظاهرة شائعة، لاسيّما في استسهال رفع الشعارات الصاخّبة، فتبليط شارع، أو بناء مدرسة، أو إنشاء مستوصف، أو مستشفى في حي، أو ضاحية، أو خفض الضرائب، أو توسيع مجالات الاستفادة من الضمان الاجتماعي والتقاعد والعناية بالمسنين وحماية الطفولة والأمومة، وتعزيز حقوق المرأة، وإيجاد فرص عمل للشباب، وكل ما يتعلق بتحسين مستوى المعيشة، هي هموم مطلبية وجزئية، ولكنها أساسية لسير عجلة الحياة، وهي التي ينبغي أن ينشغل بها العمل السياسي العربي في مختلف البلدان، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي، لأن مهمة تحسين الحياة المادية والروحية للإنسان، تبقى مطالب يومية متراكبة، ومتخالقة، ومتطوّرة، تنمو باستمرار وتتشعّب وتتسع، وتحتاج من جانب السلطة ومعارضتها والمجتمع المدني وأصحاب الأعمال، إلى التعاون لتلبية ما هو ممكن منها ضمن خطط تنموية مستدامة.
إن أي تطوّر يحتاج إلى تراكم، حتى إنْ كان بطيئاً، لاسيّما في مجالات أساسية، مثل: التعليم، والصحة، والخدمات، والعمل، والضمان الاجتماعي، ومجال الحريات والحقوق، وعكس ذلك فإن البلدان التي حاولت اختزال التطوّر بانقلابات وثورات وتغييرات سريعة، وبالقوة، أو عبر الوسائل المسلحة والعنفية، بغض النظر عن اضطرارها بسبب تشبث الأنظمة السياسية، وصلت لاحقاً إلى طريق مسدود حتى إن حقّقت مكتسبات مرحلية لا يمكن الاستهانة بها، لكنها ارتدّت على أعقابها لاحقاً، الأمر الذي أضاع سنوات من التنمية، وعطّل المسار التدرّجي والتاريخي لها.
وإذا تمكّنت تلك البلدان عبر الثورات من إحداث نمو اقتصادي وتطور في مجالات صناعية وزراعية عدة، فإنها اصطدمت لاحقاً بعقبات كبرى، خصوصاً في الجوانب المدنية والسياسية والإنسانية، وتجربة البلدان الاشتراكية، وأنظمة ما أسميناه «حركة التحرر الوطني» خير دليل على ذلك.
إن الأهداف الكبرى هي أهداف عادلة ومشروعة، لكنها ليست يومية، أو آنية، أو راهنية، إلّا إذا استثنينا تحرير الأراضي، وصدّ العدوان، وتحقيق الاستقلال، وحق تقرير المصير، لكن ذلك لا يمنع من وضعها ضمن البرامج المستقبلية، فالملحّ والضروري الذي لا يقبل التأجيل، هو تحسين حياة الناس، وإيجاد فرص عمل، والقضاء على الأميّة، وتأمين المستلزمات الضرورية للصحة والبيئة، ومكافحة الفساد المالي والإداري، ومواجهة التعصّب والتطرّف، والعنف، وتحقيق التعايش السلمي والمجتمعي.
ويحتاج الأمر إلى إصلاح نظم الحكم والإدارة، وتعزيز وتطوير حكم القانون الذي يقول عنه مونتسكيو «إنه مثل الموت، لا يفرق بين الناس»، خصوصاً بوجود قضاء نزيه ومستقل، وإجراء مصالحة حقيقية بين السلطات الحاكمة وشعوبها، بضمان الحقوق الجماعية والفردية، وتلك مسؤولية مشتركة وإن كانت درجاتها متفاوتة، ولكن شراكة المجتمع المدني ورقابته مسألة في غاية الأهمية، لاسيّما مساهمته في صنع القرار، وفي تنفيذه، كما أن من واجبه أن يتحوّل إلى «قوة اقتراح»، وليس «قوة احتجاج»، فحسب.
ولعل مناسبة الحديث هذا هو انعقاد «مؤتمر فكر 16» الموسوم «تداعيات الفوضى وتحدّيات صناعة الاستقرار» الذي نظّمته «مؤسسة الفكر العربي» في دبي، والذي خصّص أحد جلساته لمناقشة «اختلال آليات العمل السياسي»، خصوصاً حين يتم اللجوء إلى العنف لحلّ الخلاف بين الحاكم والمحكوم، تلك التي ستلحق ضرراً بالمجتمع ككلّ، لاسيّما وإن دورات العنف، والفعل ورد الفعل إذا ما استحكمت بالمتصارعين فإنها ستزرع ألغاماً يمكن أن تنفجر في كل لحظة لتدمّر ما بنتّه سواعد الأجيال، وهو ما كان محط مراجعة مهمة من عدد من المسؤولين، وأصحاب القرار، وقادة الفكر والأكاديميين في هذا المؤتمر. تلك المراجعة التي تحتاج إلى حوار مجتمعي ومن موقع نقدي لرسم مشروع نهضوي عربي جديد لإنسان عربي جديد وثقافة جديدة، وهو العنوان الأساس لمؤتمر "فكر" هذا العام.


drhussainshaban21@gmail.com


2
سكريبال والحرب الدبلوماسية
                     
عبد الحسين شعبان
لم يشهد العالم منذ انهيار جدار برلين العام 1989 أزمة دبلوماسية كبرى مثلما هي أزمة تسميم الجاسوس الروسي المزدوج سيرجي سكريبال، وابنته يوليا، في مدينة سالزبري بجنوب بريطانيا. وتذكّر هذه الأزمة التي نشبت بين روسيا وبريطانيا، بأزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962. ومثلما اصطف الغرب حينها مع واشنطن، فإنه يقف الآن خلف لندن، في حين تحاول روسيا مواجهته بمحور روسي - صيني - إيراني، وتسعى لاستمالة تركيا على خلفية ردود فعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إزاء الانقلاب العسكري الفاشل في العام 2016، وتوتر العلاقة مع الغرب بشأن الموقف من الأكراد في سوريا.
سكريبال إذاً، هو «كلمة السر» لحملة جديدة من الحرب الباردة التي كانت تعتمل مثل النار تحت الرماد في إطار مواجهة غربية شاملة مع الكرملين، وزعيمه فلاديمير بوتين الذي فاز بولاية رابعة بعد أسبوعين من اندلاع الأزمة مع بريطانيا إثر حادث التسمّم في 4 مارس/ آذار 2018. وعلى الرغم من عقد منظمة حظر الأسلحة النووية التي مقرّها لاهاي جلسة في 4 إبريل/ نيسان الجاري لمناقشة القضية وعقد مجلس الأمن الدولي جلسة أخرى في اليوم التالي، لكن الادعاءات والاتهامات المتبادلة ظلّت مهيمنة على الموقف.
ثلاث تطورات جديدة تستحق التوقف عندها منذ اندلاع الأزمة:
أولها- مشاركة فرنسا في التحقيقات، حيث تساءلت موسكو على أي أساس تم إشراكها في الجانب التقني الذي أصيب به مواطنان روسيان، وما علاقتها بحادث وقع على الأراضي البريطانية؟ وما هي القواعد التشريعية الإجرائية التي تسمح لدولة أجنبية بالتدخل في تحقيق داخل المملكة المتحدة؟ في حين أن طلبها المشاركة في التحقيق لم يُلَب.
وثانيها، أن المختبر البريطاني لم يستطع التأكّد من المصدر الدقيق لغاز الأعصاب الذي أطلق عليه «نوفيتشوك»، لكنه قال إنه من الصنف الذي يستخدم عسكرياً، وإنه مادة سامة جداً، وحسب مركز الأبحاث الدفاعية (بورتون داون): لا يوجد دواء (ترياق) مضاد يمكن استخدامه لإلغاء تأثيرها.
وثالثها- مذكرة وزارة الخارجية الروسية المرسلة إلى نظيرتها البريطانية التي تضمنت 14 سؤالاً (31 مارس /آذار/2018)، بشأن توضيح سبب حرمان روسيا من حق وصول قنصلها إلى اثنين من مواطنيها المصابين على الأراضي البريطانية، كما طلبت توضيح الدواء الذي استخدم لمعالجتهما، وكيف حصل عليه الأطباء البريطانيون؟
وهكذا أخذت القضية تتدحرج مثل كرة الثلج، حيث ارتفع منسوب حدّة التوتر والصراع بين موسكو ولندن، وبين الأولى والغرب عموماً، وإنْ كانت أسباب أخرى لا يمكن إهمالها، منها: الدور الروسي الجديد في الشرق الأوسط، ولاسيّما في سوريا، إضافة إلى أوكرانيا ودول شرق أوروبا التي خلعت المعطف السوفييتي لترتدي طقم حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وكان سكريبال أدين في روسيا في العام 2006 بتهمة التجسس لمصلحة بريطانيا. وقد حُكم عليه لمدة 13 عاماً، ولكن أطلق سراحه بعد أربعة أعوام، ولجأ إلى بريطانيا في إطار صفقة لتبادل الجواسيس مع الولايات المتحدة. وقد حملت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، على روسيا واتّخذت طائفة من الإجراءات ضدّها، من أبرزها طرد 23 دبلوماسياً، وإعلانها عدم مشاركة وزراء، أو أفراد من العائلة الحاكمة، في كأس العالم الذي ستستضيفه روسيا في صيف العام الجاري 2018، فضلاً عن تجميد أصول الدولة الروسية في بريطانيا.
وردّت روسيا بالمثل، فقامت بطرد عدد مساوٍ لما أقدمت عليه بريطانيا (23 دبلوماسياً). لكن هذا الحادث لم يقتصر على الدولتين، بل امتدّ ليشمل الغرب، حيث قامت 29 دولة بطرد 145 مسؤولاً روسياً تضامناً مع بريطانيا، وكانت ردود فعل موسكو لا تختلف عن رد فعلها على بريطانيا فأعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف: إن بلاده قرّرت طرد 60 دبلوماسياً أمريكياً ردّاً على قرار واشنطن طرد الدبلوماسيين الروس، كما أقدمت موسكو على إغلاق القنصلية الأمريكية في مدينة سان بطرسبرج، وسلّمت موسكو خطاب احتجاج للسفير البريطاني لوري برستو، اعتبرت ما قامت به لندن يمثّل «إجراءات استفزازية».
جدير بالذكر أن روسيا نفت عن نفسها تهمة تصنيع المادة السامة وحاولت التقليل من أهمية الجاسوس المزدوج، وإلّا لما أطلقت سراحه، واتهم لافروف بريطانيا وشركاءها بممارسة «ألعاب صبيانية»، «تتجاهل كل قواعد السلوك المقبولة».
ولم يكتفِ الروس بذلك، بل روّجوا بضع مقولات من شأنها أن تُلقي الكرة في الملعب البريطاني، منها أن بريطانيا تعيش «وضعاً غير مريح» وجدت نفسها فيه بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأن هذه الحادثة ليست الأولى، فهناك عدد من الاختراقات للأمن البريطاني شملت عدداً من الروس، وأنه لا وجود لأدلة قاطعة تؤكد على التورّط، الأمر الذي يلقي بالمزيد من ظلال الشك والغموض على الحادث، فضلاً عن التباساته وتداعياته. وأخيراً أيمكن أن يكون طرفاً ثالثاً مستفيداً وراء هذه الجريمة، كما نقول في القانون الجنائي؟
drhussainshaban21@gmail.com



3
«ثقافة السلام» و«سلام الثقافة»
                     
عبد الحسين شعبان
مثلث مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين، وجهاً مشرقاً للثقافة العربية، فهي لم تقتصر على الشعر فحسب، بل ساهمت في الانفتاح على الثقافات العالمية، ولاسيّما حين عملت مع منظمات دولية مرموقة لنشر ثقافة السلام من خلال إيجاد أرضية مشتركة للحوار والتواصل الإنساني. وسعت باستمرار لتقديم الوجه الإيجابي للعرب والمسلمين، ولاسيّما الصورة المتسامحة والمعتدلة.
والمتتبع لحركة الثقافة الكويتية يشعر بالاعتزاز، فقد كانت الكويت حتى قبل استقلالها مهجوسة بالثقافة وبالحداثة، ومنذ أواسط الخمسينات اتجهت لاستقطاب أدباء ومفكرين ومثقفين عرب. وكان تأسيس «مجلة العربي» وفّر زاداً معرفياً مهماً تغذّى عليه جيل متلهف للمعرفة والعلم والثقافة، وعلى مدى عقود ساهمت هي ومجلات أخرى تختص بالفكر والثقافة العالمية والفنون والإبداعات والمسرح والترجمة في تخصيب أرضية ثقافية إيجابية، للتواصل والتفاعل بين المثقفين العرب.
مناسبة الحديث هذا هو انعقاد الدورة الحادية عشرة لمهرجان البابطين، حيث أعلن فيها تأسيس «مركز البابطين للثقافة العربية» في جامعة لايدن الهولندية التي تأسست في العام 1575 وتقرّر أن يعقد «منتدى البابطين العالمي للسلام» في العام المقبل 2019 بالتعاون مع الأمم المتحدة، في إحدى المدن العالمية التي ترمز للسلام، وذلك بحدّ ذاته إحدى رسائل السلام الثقافية للعالم.
جدير بالذكر إن عبد العزيز البابطين كان قد تقدّم بمبادرة للسلام، وصدرت في كرّاس بعنوان «تأملات من أجل السلام» قدّم له وزير خارجية مالطا الأسبق ورئيس برلمانها الفخري مايكل فريندو، وتضمنت سبع قواعد من أجل السلام ووسائل تحقيقه.
وتمثل المبادرة نداءً ضميرياً ووجدانياً باعتبار السلام قيمة إنسانية عليا، وهدفاً لا بدّ من العمل على تحقيقه وأسلوب حياة، في الوقت نفسه ينبغي اعتماده لنبذ العنف وكل ما يتعلّق بسياسات إملاء الإرادة واستخدام القوة أو التهديد بها لفرض الهيمنة أو الاستقواء على الآخرين تحقيقاً لرغبات أنانية ضيقة.
إن مبادرة السلام الثقافية العربية تعكس الاهتمام الحيوي والرغبة الصادقة في الإقرار بالتنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر بغض النظر عن معتقده ودينه وقوميته وجنسه ولغته ولونه وأصله الاجتماعي، ولن يتحقق ذلك سوى من خلال الحوار الصريح والصادق على أمل تحقيق السلام بين الدول والشعوب، وفي داخلها أيضاً، فالسلام حاجة إنسانية ماسّة وضرورية لبني البشر، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتطور أو يتقدم دونها.
و«لا سلام حقيقياً دون عدالة» ودون تعاون من جميع الفرقاء للوصول إليه، ولعلّ مقولة مهمة تتردّد دائماً على لسان الشيخ البابطين مضمونها: «عالم بلا سلام هو عالم مظلم» وهو مظلمٌ حقاً، فالحروب بغض النظر عن طبيعتها تلحق ضرراً بالغاً بالشعوب والأفراد على حد سواء، ولاسيّما ما يستقرّ ذلك بأذهانها، وخصوصاً ما تتركه من ضحايا ومآس وممارسات لا إنسانية تصاحبها عادة، حيث تزرع الكراهية والأحقاد والرغبة في الانتقام، سواء كانت حروباً دولية أم أهلية.
إن قواعد السلام السبع التي تطرحها المبادرة تقوم وترتبط بالثقافة فكراً ومحتوى، ذلك إن استمرار الحرب والزعم بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، لن يجرّ سوى المزيد من الويلات، وبالتالي فإن البحث عن السلام هو القيمة الحقيقية لوضع حدّ للحروب، وخصوصاً إذا كان مترافقاً مع العدالة، إذْ لا ينبغي أن تكون الغاية شريفة، بل لا بدّ أن تكون الوسيلة كذلك، والغاية إلى الوسيلة مثل البذرة إلى الشجرة حسب المهاتما غاندي قائد المقاومة اللّاعنفية، وليس مبرراً استخدام وسيلة غير شريفة بحجة أن الوسيلة شريفة، لأن الوسيلة جزء من الغاية ولا تنفصل عنها، و«رذيلتان لا تنجبان فضيلة» مثلما «جريمتان لا تنتجان عدالة».
واستلهمت القواعد السبع لصنع السلام من التاريخ الإنساني. أولها: هو الاحترام والصدق، وذلك أساس ثقافة السلام، لأن السلام ضرورة لا غنى عنها وهذه هي القاعدة الثانية التي تحتاج إلى تفاعل وتواصل وتبادل لاستمرار الوجود البشري، وثالثها: هي الإجماع في عملية بناء السلام، ورابعها: أن السلام حاجة وينبغي أن تكون شاملة ودائمة.وخامسها إن السلام مسار متواصل، أي سيرورة طويلة الأمد يحتاج إرساؤه إلى عمل مثابر ودائم وبناء مستمر، ومثلما يقول ميثاق اليونيسكو التأسيسي: «لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام». وسادسها: إن السلام ثقافة، أي أنها بحاجة إلى رعاية وترصين بالأدب والفن والفكر والدين والسلوك والعيش المشترك والوعي بأهمية ذلك ومن خلال الإعلام ووسائل الاتصال، لكي يترسخ ويتعزز باستمرار.وسابعها أن السلام تربية وتعليم، لا بدّ من إعداد الأجيال الحالية والقادمة عليها، ابتداء من الحضانة وحتى الجامعة.
والسلام ينبغي أن يكون درساً أصيلاً ومستمراً ودون انقطاع وعليه تدور القيم الأخرى مثل التسامح والتآزر والمساواة والعدالة والحرية والتضامن وغيرها، وذلك بوسائل عديدة منها فعل الخير وإصلاح ذات البين والوساطة وخريطة طريق وعمل مشترك وتفاعلي، خصوصاً بالمساواة بين البشر وعدم التمييز، لأن السلام مطلب جماعي إنساني شامل.
drhussainshaban21@gmail.com


4
القدس ومعركة القانون والدبلوماسية

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
I
   "إن أي نقاش أو تصويت أو قرار لن يغيّر من الحقيقة التاريخية، وهي إن القدس عاصمة الشعب اليهودي وعاصمة إسرائيل". بهذه اللغة الاستعلائية والاستفزازية واجه داني دانون مندوب "إسرائيل" في الأمم المتحدة قرار الجمعية العامة الصادر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 2017، الخاص برفض قرار الإدارة الأمريكية بنقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة. وأكثر من ذلك أنه اعتبر الفلسطينيين يواصلون تضليل المجتمع الدولي والاختباء خلف مداولات فارغة المضمون، بدلاً من الجلوس حول طاولة المفاوضات. فكيف يمكن النظر إلى القرار الأممي من زاويتنا كعرب ومعنيين بالفكر القانوني والحقوقي الدولي؟
   الملاحظة الأولى التي يمكن إدراجها على هذا الصعيد هو ما أثاره قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول القدس من جدل فقهي قانوني وسياسي واسع حول أهميته وتأثيره، ناهيكم عن إمكانية تطبيقه في الحال أو في المستقبل، لاسيّما لإصدار قرارات أخرى استناداً إليه لمنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تنفيذ قراره بشأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وهو القرار الذي سبق للكونغرس الأمريكي أن اتخذه العام 1995 وكان الرؤساء الثلاثة بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما قد أجّلوا تنفيذه خلال عقدين ونيّف من الزمان.
   إما الملاحظة الثانية فهي التي تتجلّى بشبه الإجماع الدولي الذي حظي به القرار الذي نال تصويت 128 دولة داعمة له، مقابل تسعة أصوات رافضة وامتناع 35 دولة عن التصويت وانسحاب دولتين. ولعلّه من القرارات المهمة التي صدرت من الجمعية العامة بهذا القدر من الانحياز الأقرب إلى التضامن مع الشعب العربي الفلسطيني وهذا له أكثر من  دلالة وأعمق من معنى.
   الملاحظة الثالثة إن الجمعية العامة عقدت جلسة استثنائية لتصدر هذا القرار التاريخي وهي الجلسة العاشرة الاستثنائية في تاريخ تأسيس المنظمة الدولية منذ العام 1945 وحتى الآن، ولم يكن ذلك بمعزل عن معركة دبلوماسية دولية ينبغي على العرب مواصلتها، وعدم الإنكفاء بشأنها كما حصل عند إلغاء القرار 3379 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، والذي صدر في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) العام 1975 في عهد الأمين العام الأسبق كورت فالدهايم، وتم إلغاؤه في ديسمبر (كانون الأول) العام 1991، بسبب تراجع الحد الأدنى من التضامن العربي بعد غزو الكويت، واختلال موازين القوى على المستوى الدولي، إثر انهيار وتفكك الكتلة الاشتراكية.
   الملاحظة الرابعة تتعلّق بمضمون القرار فقد جاء واضحاً ويصبّ في قرارات دولية سابقة من المهم التذكير بها، وذلك برفضه أية إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني لمدينة القدس المحتلّة واعتبار تلك الإجراءات ملغاة وباطلة، كما دعا إلى تكثيف الجهود لتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في الشرق الأوسط،  والتي لها وضع خاص بموجب القرار الأممي المعروف باسم قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 والذي أنشئت وفقاً له دولة "إسرائيل" في 15 مايو (أيار) 1948.
    كما أن قرار الجمعية العامة  ينسجم مع العديد من القرارات التي اتّخذتها الأمم المتحدة، وخصوصاً القرار رقم 478 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 20 أغسطس (آب)  1980 بخصوص عدم الاعتراف بضم "إسرائيل" القدس إليها وفقاً لقرار صادر من الكنيست بالضد من الشرعية الدولية، وذلك بعد احتلالها العام 1967، علماً بأنها حسب قرارات الأمم المتحدة ظلّت تتمتع بوضع خاص وهو ما جاء به القرار 181 لعام 1947. والقرار 478 واحد من سبع قرارات أدانت ضم القدس من جانب "إسرائيل" واعتبارها عاصمة لها.
   يُذكر أن "إسرائيل" ضمّت القدس الشرقية إليها العام 1980 بعد احتلالها العام 1967 وأعلنتها عاصمة موحدة لها ولم يعترف المجتمع الدولي بذلك. وكان قرار المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر العام 1988 قد اعتبر القدس عاصمة للدولة الفلسطينية التي يعترف بها العالم، وكان مثل هذا التطوّر حصل باعتراف الأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل عن الشعب العربي الفلسطيني العام 1974 ثم قبولها كعضو العام 2012 في الأمم المتحدة ، وكذلك في العديد من المنظمات الدولية.
   الملاحظة الخامسة إن قرار الجمعية العامة جاء بعد قرار اتخذته منظمة اليونسكو يوم 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 بنفي ارتباط اليهود كدين بالمسجد الأقصى وحائط البراق ويعتبرهما تراثاً دينياً إسلامياً خالصاً. كما يتساوق مع قرار اتخذه مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر (كانون الأول) من نفس العام، حيث طالب فيه "إسرائيل" بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكّد على  عدم شرعية إنشائها للمستوطنات منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية .
   وعلى الرغم من ردّة الفعل الواسعة الشعبية والرسمية، العربية والإسلامية والدولية، بشأن قرار الرئيس ترامب، فإن مشروع القرار المقدّم إلى مجلس الأمن الدولي من جانب مصر نيابة عن فلسطين، تحاشى الإشارة إلى الولايات المتحدة بالاسم، ولكنه دعا الدول لعدم الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة " إسرائيل" وطالبها بعدم نقل سفاراتها وبعثاتها الدبلوماسية إليها. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة استخدمت "حق الفيتو" لمنع إصدار مثل هذا القرار.
   وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بمعاقبة الدول التي تصوّت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، خصوصاً تلك التي تتلقّى مساعدات مالية من الولايات المتحدة. وكانت نيكي هيلي قد أعلنت عن إصرار بلادها المضي في هذا الطريق قائلة: أنه حقها كدولة ذات سيادة وأن قرار واشنطن يعكس رغبة الشعب الأمريكي.
II
   رأيان يتنازعان بشأن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة وهما يشتبكان بخصوص اختصاصات مجلس الأمن والجمعية العامة: الأول- يعتبر القرار إلتفاف على اختصاصات مجلس الأمن الدولي. أما الثاني- فيقرر عند فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار يتعلّق بالسلم والأمن الدوليين، فيمكن إحالة المسألة إلى الجمعية العامة، وهناك سوابق قانونية بذلك، من أولها القرار رقم 377 والمعروف باسم "الاتحاد من أجل السلام" لعام 1950 بشأن المسألة الكورية.
   وإذا كان هناك من يعتبر قرار الجمعية العامة هزيمة لواشنطن ، فهناك من يخفّف من القيمة القانونية لمثل هذا القرار ويهوّن من حجيته القانونية على الرغم من كونه يشكّل  سابقة قانونية دولية يمكن الاستناد إليها، والمقصود بذلك القرار 377 بشأن كوريا. وكان مجلس الأمن الدولي قد أخفق في التوصّل إلى قرار بشأن الوضع في كوريا، فلجأت واشنطن إلى الجمعية العامة لتحصل على الأغلبية فيه ولتمنع الاتحاد السوفييتي في حينها من استخدام "حق الفيتو".
   وكانت الولايات المتحدة تحاول إرسال قوات إلى كوريا بإصدار قرار من مجلس الأمن، ولكنها لم تفلح في ذلك، فلجأت إلى الجمعية العامة كمخرج مناسب، خصوصاً باحتمال لجوء الاتحاد السوفيتي إلى حق استخدام الفيتو، وكذلك لإمكانها الحصول على الأغلبية فيها حين كانت موازين القوى لصالحها في الجمعية العامة. والمفارقة أن واشنطن التي تبنّت مثل هذا الخيار آنذاك، نراها اليوم ترفض نتائجه.
   وعلى الرغم من أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص القدس يمثّل "توصية" هي أقل من حيث القوة القانونية التي تمتلكها قرارات مجلس الأمن الدولي، إلاّ أنه من ناحية أخرى يسمح بالذهاب لمحكمة العدل الدولية، التي من اختصاصاتها الفصل في النزاعات الدولية (بين الدول) التي تُعرض عليها وتفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية والنصوص والوثائق القانونية، وكذلك إصدار فتاوى استشارية، أي إصدار أحكام مدنية وليست جزائية بخصوص القضايا المعروضة عليها. ومحكمة العدل الدولية هي محكمة حقوقية تقضي بالمسؤولية المدنية والتعويض.
   واستناداً إلى هذه السابقة القانونية المهمة يمكن إقامة دعوى لطلب التعويض وهو ما حصل بعد المجازر المرتكبة من جانب صربيا، إذْ طلبت الجهات المتضرّرة من صربيا (البوسنة والهرسك من محكمة العدل الدولية العام 1993 وقف هذه المجازر وطلب التعويض). ولا ينبغي الاستخفاف بطلب التعويض أو بإصدار حكم مدني، لأن هذا الأخير لو صدر فإنه سيسهم لاحقاً بملاحقة المرتكبين عبر محكمة جنائية كأن تكون المحكمة الجنائية الدولية، والأمر يحتاج إلى طائفة من الإجراءات التي ينبغي اتباعها بما ينص عليه ميثاقها (ميثاق روما الذي صدر في العام 1998 ودخل حيز التنفيذ في العام 2002) لاتخاذ العقوبات اللازمة بموجب قواعد القانون الدولي المعاصر المعتمدة وقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف، الأول- الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية والثاني- الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية غير المسلحة والصادران عن المؤتمر الدبلوماسي 1974-1977.
   إن هذا القرار من شأنه حمل المعتدي على وقف جرائمه، وفي حالة القدس فالمقصود جرائم الاستيطان والعنصرية، ناهيك عن الاحتلال غير الشرعي وغير القانوني استناداً إلى القرار 181، باعتبار ما حصل بشأنها من جانب "إسرائيل" يعتبر انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين، فكيف تُقدم الولايات المتحدة على مجاراة هذه المخالفة القانونية الدولية السافرة وتعترف بالقدس عاصمة لدولة "إسرائيل"، والأمر يمتد إلى من تستّر على هذه الجريمة أو تواطأ مع المعتدي، أو قام بالتدليس أو بالإكراه.
   وإذا كانت هذه جريمة دولية، فاستناداً إلى "كونية الحق" يمكن الملاحقة على الجرائم الدولية الأخرى الخاصة بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والعدوان.


5
«ثقافة السلام» و«سلام الثقافة»
                     
عبد الحسين شعبان
مثلث مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين، وجهاً مشرقاً للثقافة العربية، فهي لم تقتصر على الشعر فحسب، بل ساهمت في الانفتاح على الثقافات العالمية، ولاسيّما حين عملت مع منظمات دولية مرموقة لنشر ثقافة السلام من خلال إيجاد أرضية مشتركة للحوار والتواصل الإنساني. وسعت باستمرار لتقديم الوجه الإيجابي للعرب والمسلمين، ولاسيّما الصورة المتسامحة والمعتدلة.
والمتتبع لحركة الثقافة الكويتية يشعر بالاعتزاز، فقد كانت الكويت حتى قبل استقلالها مهجوسة بالثقافة وبالحداثة، ومنذ أواسط الخمسينات اتجهت لاستقطاب أدباء ومفكرين ومثقفين عرب. وكان تأسيس «مجلة العربي» وفّر زاداً معرفياً مهماً تغذّى عليه جيل متلهف للمعرفة والعلم والثقافة، وعلى مدى عقود ساهمت هي ومجلات أخرى تختص بالفكر والثقافة العالمية والفنون والإبداعات والمسرح والترجمة في تخصيب أرضية ثقافية إيجابية، للتواصل والتفاعل بين المثقفين العرب.
مناسبة الحديث هذا هو انعقاد الدورة الحادية عشرة لمهرجان البابطين، حيث أعلن فيها تأسيس «مركز البابطين للثقافة العربية» في جامعة لايدن الهولندية التي تأسست في العام 1575 وتقرّر أن يعقد «منتدى البابطين العالمي للسلام» في العام المقبل 2019 بالتعاون مع الأمم المتحدة، في إحدى المدن العالمية التي ترمز للسلام، وذلك بحدّ ذاته إحدى رسائل السلام الثقافية للعالم.
جدير بالذكر إن عبد العزيز البابطين كان قد تقدّم بمبادرة للسلام، وصدرت في كرّاس بعنوان «تأملات من أجل السلام» قدّم له وزير خارجية مالطا الأسبق ورئيس برلمانها الفخري مايكل فريندو، وتضمنت سبع قواعد من أجل السلام ووسائل تحقيقه.
وتمثل المبادرة نداءً ضميرياً ووجدانياً باعتبار السلام قيمة إنسانية عليا، وهدفاً لا بدّ من العمل على تحقيقه وأسلوب حياة، في الوقت نفسه ينبغي اعتماده لنبذ العنف وكل ما يتعلّق بسياسات إملاء الإرادة واستخدام القوة أو التهديد بها لفرض الهيمنة أو الاستقواء على الآخرين تحقيقاً لرغبات أنانية ضيقة.
إن مبادرة السلام الثقافية العربية تعكس الاهتمام الحيوي والرغبة الصادقة في الإقرار بالتنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر بغض النظر عن معتقده ودينه وقوميته وجنسه ولغته ولونه وأصله الاجتماعي، ولن يتحقق ذلك سوى من خلال الحوار الصريح والصادق على أمل تحقيق السلام بين الدول والشعوب، وفي داخلها أيضاً، فالسلام حاجة إنسانية ماسّة وضرورية لبني البشر، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتطور أو يتقدم دونها.
و«لا سلام حقيقياً دون عدالة» ودون تعاون من جميع الفرقاء للوصول إليه، ولعلّ مقولة مهمة تتردّد دائماً على لسان الشيخ البابطين مضمونها: «عالم بلا سلام هو عالم مظلم» وهو مظلمٌ حقاً، فالحروب بغض النظر عن طبيعتها تلحق ضرراً بالغاً بالشعوب والأفراد على حد سواء، ولاسيّما ما يستقرّ ذلك بأذهانها، وخصوصاً ما تتركه من ضحايا ومآس وممارسات لا إنسانية تصاحبها عادة، حيث تزرع الكراهية والأحقاد والرغبة في الانتقام، سواء كانت حروباً دولية أم أهلية.
إن قواعد السلام السبع التي تطرحها المبادرة تقوم وترتبط بالثقافة فكراً ومحتوى، ذلك إن استمرار الحرب والزعم بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، لن يجرّ سوى المزيد من الويلات، وبالتالي فإن البحث عن السلام هو القيمة الحقيقية لوضع حدّ للحروب، وخصوصاً إذا كان مترافقاً مع العدالة، إذْ لا ينبغي أن تكون الغاية شريفة، بل لا بدّ أن تكون الوسيلة كذلك، والغاية إلى الوسيلة مثل البذرة إلى الشجرة حسب المهاتما غاندي قائد المقاومة اللّاعنفية، وليس مبرراً استخدام وسيلة غير شريفة بحجة أن الوسيلة شريفة، لأن الوسيلة جزء من الغاية ولا تنفصل عنها، و«رذيلتان لا تنجبان فضيلة» مثلما «جريمتان لا تنتجان عدالة».
واستلهمت القواعد السبع لصنع السلام من التاريخ الإنساني. أولها: هو الاحترام والصدق، وذلك أساس ثقافة السلام، لأن السلام ضرورة لا غنى عنها وهذه هي القاعدة الثانية التي تحتاج إلى تفاعل وتواصل وتبادل لاستمرار الوجود البشري، وثالثها: هي الإجماع في عملية بناء السلام، ورابعها: أن السلام حاجة وينبغي أن تكون شاملة ودائمة.وخامسها إن السلام مسار متواصل، أي سيرورة طويلة الأمد يحتاج إرساؤه إلى عمل مثابر ودائم وبناء مستمر، ومثلما يقول ميثاق اليونيسكو التأسيسي: «لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام». وسادسها: إن السلام ثقافة، أي أنها بحاجة إلى رعاية وترصين بالأدب والفن والفكر والدين والسلوك والعيش المشترك والوعي بأهمية ذلك ومن خلال الإعلام ووسائل الاتصال، لكي يترسخ ويتعزز باستمرار.وسابعها أن السلام تربية وتعليم، لا بدّ من إعداد الأجيال الحالية والقادمة عليها، ابتداء من الحضانة وحتى الجامعة.
والسلام ينبغي أن يكون درساً أصيلاً ومستمراً ودون انقطاع وعليه تدور القيم الأخرى مثل التسامح والتآزر والمساواة والعدالة والحرية والتضامن وغيرها، وذلك بوسائل عديدة منها فعل الخير وإصلاح ذات البين والوساطة وخريطة طريق وعمل مشترك وتفاعلي، خصوصاً بالمساواة بين البشر وعدم التمييز، لأن السلام مطلب جماعي إنساني شامل.
drhussainshaban21@gmail.com




6
تيلرسون و«سحر» الدبلوماسية
عبد الحسين شعبان
كانت إقالة ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي 13 مارس/ آذار 2018، متوقّعة منذ بضعة شهور، حيث تردّد الكثير من التسريبات عن الخلاف بينه وبين الرئيس دونالد ترامب، لدرجة إحراجه خارج حدود اللياقة والبروتوكول لأكثر من مرّة. وفي الوقت الذي كان مهندس السياسة الخارجية الأمريكية يسعى إلى التهدئة، سواء بالنسبة للملف الكوري الشمالي، أو الملف النووي الإيراني، ويعمل جاهداً للتخفيف من حدّة التباعد في الموقف الأوروبي، كان الرئيس ترامب يحلّق عالياً ويتّجه بعيداً عن وزير خارجيته الذي يبحث في الملفات على الأرض، ويقوم بزيارات مكوكية للعديد من العواصم.
وإذا كان تيلرسون من مدرسة هنري كيسنجر، وزير الخارجية والأمن القومي الأسبق، وصاحب «الدبلوماسية الواقعية»، أو «الواقعية الدبلوماسية»، فهل ستكون إقالته آخر ما تبقى من طيف كيسنجر الذي تجوّل في أروقة البيت الأبيض سنوات، وترك سحره أثراً كبيراً في سياسات واشنطن؟ وهل ستكون إقالته آخر المسلسل للطاقم القيادي الذي جاء معه، أم ثمة استحقاقات أخرى؟
حسبما يبدو، فإن مسلسل الإقالات مستمر منذ أن تولّى ترامب الرئاسة، فقد شملت في اليوم ذاته الذي أقيل فيه ستيفن جولدستون، مساعد وزير الخارجية لشؤون الدبلوماسية والعلاقات العامة، وجون ماكينتْي كبير المستشارين لحملته الانتخابية القادمة لعام 2020، وفي وقت سابق استقال توم برايس، وزير الصحة، وقبله أقال ستيف بانون كبير المستشارين، والملقّب «أمير الظل، أو أمير الظلام»، وكان أنطوني سكارموتشي مدير الاتصالات في البيت الأبيض قد أقيل، كما أقال راينس بريبوس كبير موظفي البيت الأبيض، وشون سبايسر المتحدث باسم البيت الأبيض، وجيمس كومي مدير ال FBI، وإنجيلا ريد كبيرة فريق المراسم المنزلية في البيت الأبيض، كما استقال مايكل فلين من منصبه كمستشار للأمن القومي، وأقال سالي يايتيس، وزيرة العدل بالوكالة، ودانيال راجسديل، مسؤول إدارة الهجرة والجمارك، وغيرهم. كما أقال مؤخراً مستشار الأمن القومي ماكماستر، وعين جون بولتون بديلاً له.
صحيح أن النظام الدستوري الأمريكي يمنح الرئيس صلاحيات تكاد تكون مطلقة، في كلّ ما يتعلّق بالسلطة التنفيذية، ومهمة الوزراء تنفيذ قراراته، وتلبية رغباته، شريطة ألّا تتعارض مع الدستور، وإذا كان لهم حق الاعتراض، إلّا أن القرار الأخير للرئيس، فإذا أصرّ على رأيه، فللوزير الانصياع أو الاستقالة، أما الرقابة على الرئيس فهي من السلطة التشريعية، وهذه تتحدّد بمخالفة الدستور، أو الخيانة العظمى، وعندها يمكن أن تتحرّك لسحب الثقة منه، أو الضغط عليه لتقديم استقالته، وتتم المعالجة دستورياً.
وإذا كان تيلرسون قد جاء من خلفية نفطية، فإن خلفه وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو جاء من خلفية أمنية، وفي حين كان الأول يسعى لامتصاص بعض هفوات الرئيس، واندفاعاته، وشطحاته، فإن الثاني، حسبما يبدو، كان من المعجبين والمؤيدين لسياساته، وبذلك يكون ترامب تخلّص من طاقمه الذي جاء معه، ومن الكثير ممن لم يؤيدوه الرأي.
لقد اعتمد تيلرسون على منهج كيسنجر، فأعلى من شأن الدبلوماسية واعتبرها «الأولوية في السياسة الأمريكية»، وحاول أن يهندس استراتيجية واشنطن وفقاً لنتائجها بسعيه لإدارة الأزمات على نحو هادئ، مخالفاً بذلك توجهات المؤسسة العسكرية، ومؤسسة الاستخبارات المركزية، اللتين حاولتا دفعها باتجاهات أكثر تشدداً.
وكان النفط في المقدمة من سياساته، حيث شغل تيلرسون منصب الرئيس السابق لكارتيل نفطي عالمي ضخم اسمه «إكسون - موبيل» الذي تمتّد جذوره إلى آل روكفلر، وقد كان اختياره لمنصبه بدعم من ديفيد روكفلر الذي توفى في العام الماضي (20 مارس/ آذار 2017) وهنري كيسنجر، لرغبتهما في أن يكون على رأس الدبلوماسية الأمريكية شخص قادم من خلفية نفطية، وهدفهما هو إعادة تنظيم عالمية لمجال الصناعات النفطية، عبر الحكمة الشهيرة التي تردّدت في الحرب العالمية الأولى «من يملك النفط يسيطر على العالم...» وهي التي كان كيسنجر يؤمن بها، ويحاول أن يعتمدها في علاقاته الدبلوماسية.
جدير بالذكر أن كيسنجر كان واحداً من السياسيين القلائل الذين أيّدوا انتخاب دونالد ترامب بحماسة شديدة، وكما قال إنه الأكثر تفرّداً من الذين شهدتهم استناداً إلى استراتيجية خاصة، ومن المفارقة أن الرئيس ترامب غرّد قبيل إقالة تيلرسون بثلاثة أسابيع (18 فبراير/ شباط 2018)، بقوله: إنه سيلتقي كيسنجر وسيبحث معه عدداً من الملفات منها: الملف الكوري الشمالي، والصيني، والشرق أوسطي، خصوصاً بعد قراره نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والحملة العالمية المندّدة له، بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
ومع أن كيسنجر كان ميّالاً للواقعية السياسية وللدبلوماسية، إلّا أنه يعتقد: من الخطأ الافتراض أن الدبلوماسية وحدها تستطيع تسوية النزاعات الدولية دائماً، وهو ينظر إلى ذلك في إطار ما يطلق عليه «الواقعية السياسية» حين تكون تلك السياسة رديفة للتوجّهات المناوئة لأولوية الخيار الدبلوماسي، خصوصاً تفتيت جبهة الخصوم والمنافسين، وهم اليوم الصين وروسيا.
فهل سيكون العالم أمام تصعيد عسكري بتولّي بومبيو منصب وزير الخارجية، وهو الذي يؤمن «بأفضلية مفعول الغارات الجوية على الدبلوماسية»؟
drhussainshaban21@gmail.com



7
حصان طروادة الجديد في الانتخابات العراقية!

عبد الحسين شعبان
هل سيتكرّر مشهد انتخابات العام 2014 في انتخابات العام 2018، وخصوصاً الصراع داخل الطاقم الحاكم من «حزب الدعوة»؟ أم أن ثمة اتفاقات ستحصل في ربع الساعة الأخير، ولاسيما إذا كان الموقع الأول مهدداً أو معرّضاً للضياع.
وبتقديري أن مثل هذا الاحتمال يجعل الفريقين المتخاصمين داخل الحزب والمجموعات الشيعية الأخرى معهما، تعيد التفكير أكثر من مرة وهي تقرّر وجهة تحالفاتها النهائية، كيما يبقى «طير السعد» يحطّ في مزرعة الحزب.
وهنا قد تتداخل وتتفاعل عوامل شتى مأخوذة بالعصبيّة المذهبية من جهة، والمصلحة السياسية من جهة أخرى، للتوافق مجدداً على مرشح الوقت الضائع، مثلما كان الأمر بالنسبة لحيدر العبادي الذي وصل إلى رئاسة الوزارة بضربة حظ في ظلّ الصراع المحتدم آنذاك، فجيء به «مرشحاً للتسوية» من خارج الاحتمالات المتوقعة، خصوصاً بعد تكوّن رأي عام سياسي لغير صالح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي أنهى حينها دورتين، وفاز في المقاعد التي تؤهله لتشكيل الوزارة في ولاية ثالثة، لكن المياه ذهبت باتجاه آخر.
ويجري الصراع اليوم بين حيدر العبادي ونوري المالكي، خصوصاً وقد تقرّر في «حزب الدعوة» أن ينزل كل فريق في قائمة مستقلة، بعد أن تعذّر عليهما الاتفاق على خوض الانتخابات في قائمة موحّدة، على أن يترك لأعضاء الحزب وجماهيره التصويت لمن تعتقد أنه أهلٌ لذلك.
وقد سعى كل فريق لجمع أكبر عدد من الحلفاء حوله لمنافسة غريمه أولاً، والفريق الآخر الشيعي المنافس ثانياً، وبالطبع لنيل أوسع قدر من المقاعد ليمكّنه وبعد صفقات محتملة لتشكيل الوزارة.
جديرٌ بالذكر أن نفوذ العبادي بدا كبيراً بفعل الانتصار الذي حققه الجيش العراقي بدعم التحالف الدولي للقضاء على «داعش»، وتحرير الأراضي العراقية، إضافة إلى سياسته الوسطية ونجاحه في تسوية الخلافات مع أربيل، بعد أزمة الاستفتاء الحادة في 25 سبتمبر/أيلول 2017، التي كادت تعصف بوحدة العراق، كما أن القوتين المؤثرتين في السياسة العراقية ونعني بهما واشنطن وطهران، قد ترغبان في استمراره.
لكن هذا السيناريو ليس نهائياً، إذ قد يستنزف الصراع على أصوات الناخبين الفريقين، فيُحدث اختراقاً من خارج الدائرة المنظورة، ولعلّ مشهد انتخابات العام 2010، غير بعيد عنّا، حين كان الصراع على أشدّه بين «حزب الدعوة» وجماعتين أساسيتين هما: «المجلس الإسلامي الأعلى» و«التيار الصدري» الذي كان بينه وبين المالكي «ما صنع الحداد»، بسبب «صولة الفرسان» البصرية ضدّه.
خلال تلك الانتخابات تسلّل فريق ثالث جمع عدداً من الأحزاب والكتل التي عملت باسم المجموعات السنّية، سواء على نحو مباشر أم غير مباشر، وكان حصان طروادة في هذا السباق هو رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي، ليحصل على 91 مقعداً، في حين حصل غريمه المالكي على 89 مقعداً، وكان تفسير المحكمة الدستورية العليا، للنص الدستوري بشأن الكتلة الأكبر لصالح المالكي، الذي تحالف مع آخرين في البرلمان لاستعادة الموقع الأول وتأليف الوزارة، خصوصاً بعد مساومات مع الحركة الكردية وحكومة الإقليم، وهي التي كانت بؤرة لخلافات لاحقة كادت أن تكون مستعصية.
فهل سيتكرر المشهد بانتخابات 12 مايو/أيار 2018، حيث الصراع بين المالكي (دولة القانون) والعبادي (النصر)، فتندفع كتل أخرى للتحالف منافسة لهما منها (الفتح)، التي يمثل ركنها الأساسي جماعات الحشد الشعبي: كتلة بدر (هادي العامري)، وعصائب أهل الحق (قيس الخزعلي)، وكتائب «حزب الله» وكتائب الإمام علي، وكتلة النجباء وآخرين، يقابلها ائتلاف «سائرون»، الذي أسسه السيد مقتدى الصدر بعد إنشاء حزب الاستقامة، وذلك بالتحالف مع قوى يسارية، وإن كانت صغيرة، لكن لديها نفوذ معنوي مثل الحزب الشيوعي، وحركات وتجمعات وكتل مختلفة ومتناقضة، تسعى كل منها للوصول إلى البرلمان، عبر التحالف مع قوى احتجاجية من جهة، ولها ثقل في الشارع من جهة أخرى، لاسيّما أنها تعلن عن محاربة الفساد والإثراء من المال العام.
وعلى الضفة الأخرى تعاد تحالفات قديمة جديدة بين كتلة ائتلاف الوطنية بزعامة علاوي، وبمشاركة من كتل سنّية مثل صالح المطلق، نائب رئيس الوزراء الأسبق، ورئيس البرلمان الحالي سليم الجبوري، ومجموعات أخرى، في حين استمر نائب رئيس الجمهورية الحالي أسامة النجيفي في تحالف «متّحدون»، بالتعاون مع رجال أعمال سنّة وقوى سنّية متفرقة، ولاسيّما في الموصل.
وإذا كانت تحالفات الحشد والجماعات الشيعية الأخرى تحظى بدعم إيران، فإن تحالفات علاوي والصدر والنجيفي تحظى بدعم عربي، دون إهمال الدعم الأمريكي، سواء كان مباشراً أم غير مباشر، وقد تكون النتائج والاصطفافات التي تترتّب عليها، لاسيّما إذا انحاز الصدر إلى مجموعة علاوي، مرجّحاً موضوع الكتلة الأكبر، خصوصاً حين يتم التحالف مع القوى الكردية ومجاميع شيعية أخرى، وهو الذي يجعل احتمال مشهد العام 2014 ماثلاً، وإن كان البديل ليس من حزب الدعوة هذه المرّة، إذا تعذّر بقاء العبادي.
drshaban21@hotmail.com



8
المنبر الحر / حوار عربي- كردي...
« في: 18:44 15/03/2018  »
حوار عربي- كردي...
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

تأتي مبادرة الحوار العربي - الكردي، التي دعا إليها سمو الأمير الحسن بن طلال في عمان، كجزء من جهد غير حكومي لنخب فكرية وثقافية وأكاديمية وكأنها عكس التيار السائد، ففي حين يرتفع منسوب العنف ويستشري الإرهاب ويتفشّى التعصب وينتشر التطرّف وتندلع حروب أهلية ونزاعات مسلحة في العديد من البلدان العربية ، هناك من لديه رؤية مغايرة استشرافية ونقدية.
وتنطلق الفكرة من رصد  إيجابي للعلاقة الاستراتيجية التاريخية البعيدة المدى بين العرب والكرد، تلك التي تحتاج إلى وعي ضروري لتعزيز "الجوامع" وتقليص "الفوارق" واحترامها، من خلال المصارحة وصولاً للمصالحة، سواء بما يتعلق بحلّ الخلافات بين بغداد وإربيل ، من جهة أم التنبيه إلى مخاطر التداخل الإقليمي ، التركي والإيراني من جهة ثانية، دون نسيان العامل الدولي المؤثر على الأحداث الراهنة ومستقبل المنطقة ، وخصوصاً النفوذ الأمريكي والروسي.
وفي الوقت الذي كان الحوار يحتدم حول القيم والمبادئ والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، كانت الغوطة تتعرض لمأساة إنسانية، بالترافق مع توغل الجيش التركي في عفرين السورية  وجبل قنديل في العراق، بزعم ملاحقة حزب العمّال الكردستاني PPK، لكن ذلك لم يمنع مثقفون مؤمنون بالحوار من التصميم على مواصلته والانفتاح على الآخر والبحث عن المشترك الإنساني.
وتعود حكاية الحوار العربي - الكردي الذي انطلق قبل أكثر من ربع قرن إلى العام 1992 ، حيث تم تنظيم أول حوار في لندن من جانب المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ولكنه تعثّر بسبب اندلاع القتال الكردي - الكردي 1994-1998، ثم بوشر به في العام 1998 في القاهرة، ونشأت تحت هذه المظلّة جمعيات ومنظمات دعت إلى استمراره، لكن الخلاف بين بغداد وإربيل، طغى على صوت الحوار والعقل، لاسيّما حين تأزمت العلاقة، التي نجمت عن إقدام إربيل على إجراء استفتاء للاستقلال في 25 سبتمبر (أيلول) 2017، اعتبرته بغداد مخالفاً للدستور واتّخذت خطوات عديدة للضغط عليها، أولاً لثنيها عن الاستمرار فيه، وثانياً لردعها من اعتماد نتائجه.
ولم يكن ذلك بمعزل عن التداخلات الإقليمية، حين انضمت طهران وأنقرة إلى بغداد في ردود فعلها العملية، سياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً، فضلاً عن دعمهما لاستعادة المنافذ الحدودية والمطارات التي كانت بغداد تطالب بها ، إضافة إلى قضايا عُقدية معتّقة مثل كركوك وبعض المناطق التي تسمّى " متنازع عليها ". وامتنعت بغداد بسبب الخلافات من دفع رواتب الموظفين في إقليم كردستان، إلّا إذا أعادت إربيل واردات تصديرها للنفط البالغ 300 ألف برميل يومياً، أي نحو 10% من الإنتاج العراقي للنفط.
إن واحداً من تجلّيات الحوار هو التفكير بصوت عالٍ وتبادل الرأي والاستئناس بوجهات النظر، لتكوين تصوّر يمكن أن يفيد أصحاب القرار ويُسهم في تخفيف حدة  التوترات، وتلك إحدى أهداف "منتدى الفكر العربي"، منظّم هذا الحوار، الأمر الذي يُستحسن مأسسته وتوسيعه بإشراك نخب سياسية وثقافية عربية وكردية فاعلة فيه. كما أنّ الحوار يمكن أن يكون نواة لحوار مثقفين من دول الإقليم عرباً وتركاً وفرساً وكرداً، يأخذ بنظر الاعتبار حسن الجوار واحترام الخصوصيات وعدم التدخل بالشؤون الداخلية ، وعلى أساس المصالح المشتركة.
 لم يشعر المتحاورون أنهم فريقان متناحران، لكي يتشبث كل منهما برأيه على أساس المغالبة والمطاولة، بل اجتمعوا كمثقفين جمعتهم هموم إنسانية مشتركة أساسها الحرية والعدالة وحق تقرير المصير، دون أن يعني ذلك عدم وجود اختلاف بينهم حول التاريخ واللحظة الراهنة والمستقبل، وهذا أمر طبيعي ونكرانه هو الذي قاد إلى الاحتراب والاقتتال، سواء محاولات فرض الهيمنة والاستتباع بزعم الأغلبية والاستعلاء أحياناً، أو التفلت والانقسام بزعم المظلومية وضيق الأفق أحياناً أخرى.
وإذا كانت الدعوة قد وجّهت بالأساس إلى عدد محدود من العراقيين العرب والكرد، وعدد آخر من المثقفين من غير العراق، ومن البلد المضيف (الأردن) ، فإن الهدف منها أيضاً هو فتح قناة للتواصل، بحيث يكون الحوار مجسّاً من مجسّات العلاقة، يمكن تطويره للمعرفة الفعلية والمباشرة لما يفكّر به الطرفان، وهو العنوان الذي اجتمع تحت لوائه المتحاورون، والموسوم بسؤالين متقابلين: ماذا يريد العرب من الكرد؟ وماذا يريد الكرد من العرب؟ والأمر لا يتعلّق بالسياسة وتعقيداتها وتقاطعاتها فحسب، حتى وإن كانت محورية وأساسية، بل بالاقتصاد والتجارة والثقافة والأدب والفن والتراث والتاريخ واللغة وغيرها، بما يسمح بإقامة علاقات متكافئة أساسها الاحترام المتبادل للخصوصيات، مع مراعاة الهوّية العامة الجامعة والمواطنة المتكافئة والمتساوية، دون إقصاء أو تهميش.
إن القصد من الحوار المعرفي- الثقافي هو التواصل والتفاعل والترابط، وليس الترابح والتناحر والتدافع، وإنما التفكير بحلول عقلانية وسلمية وإنسانية لإدراك حقيقة إن أي احتراب سينعكس سلباً على الطرفين، ولن يستفيد منه سوى أعداء الأمتين العريقتين العربية والكردية وعلى أمم الإقليم، وهو ما حمل سمو الأمير إلى الدعوة للبحث عن كيفية استئناف المسار الذي يؤدي إلى "عصبة أمم مشرقية".



9
"المسيحيّون في المشرق العربي - نحو دولة المواطنة"*
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكـّر عربي

"آسف لم يكن لديّ الوقت لكتابة ملاحظات مكثّفة، فكتبتُ هذه المخطوطة"
   كان ذلك ما أجاب به فريدريك أنجلز رفيقه كارل ماركس، الذي طلب منه كتابة ملاحظات حول مخطوطة كان قد أرسلها له، فانتظر عدّة أشهر، ولكنه فوجئ حينما وصلته حزمة أوراق هي أقرب إلى "مخطوطة" مع رسالة من سطر واحد، لكنّها كثيرة الدّلالات وعميقة المعاني، ويتلخّص مضمونها باعتذار عن التّأخير، وكان السّببُ كما برّر هو "ضيق الوقت". هذا ما واجهته حين طُلب مني تقريظ كتاب الدكتور "نائل جرجس" القيّم، لأنّ التركيز يحتاج إلى تكثيف وتـأمّل وتأنٍّ، أي يحتاج إلى "وقت" كافٍ، وهو ما افتقدته.
   أستهلُّ كلامي من العنوان "المسيحيّون في المشرق العربي - نحو دولة المواطنة"، وهو يتضمّن فكرة الوجود المسيحي وفي الوقت نفسه الدعوة الحثيثة لإقامة دولة المواطنة، ولكن لماذا المسيحيّون؟ ألأنّ استهدافهم في المشرق العربي بات قضية وجود؟ أم لأنّ وجودهم بحدّ ذاته أصبح قضية تتعلّق باستهداف الدولة الوطنية ذاتها مثلما يتعلّق الأمر بمستقبلها؟
   فإلغاء الوجود المسيحي يعني هدم ركن أساس من أركان الدولة العصرية التي يُفترض بها أن تقوم على المواطنة، مثلما يعني حذف جزء مهم وأصيل من تاريخ مجتمعاتنا، ناهيك عن بتره من حاضرنا، "فالمسيحيّون ملح الأرض" كما قال السيد المسيح، وهم متجذّرون فيها وليسوا "أغراباً" أو "وافدين"، وهم أهل البلاد قبل مجيء الإسلام وبعده، بل شركاء فيها، كما ورد في القرآن الكريم: "ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يَـمْـتَـرون" (سورة مريم، الآية 34).
   أتـوقّـف عند ذلك لأنني لا أريد أن يستغرقنا التاريخ، وليس القصدُ في ذلك إهماله أو نسيانه أو الافتئات عليه، حتى وإنْ كان التاريخ "مراوغاً" على حدّ تعبير هيغل، وإنما أفضّل مناقشة واقع الحال، علماً بأن التاريخ لا يكتبه المؤرّخون وحدهم، بل يكتبه الأدباء والفنانون حسب غوركي، لأنهم يشتركون في هواية الغوص في التفاصيل، لكنّها غواية البحث عن الحقيقة دون أدنى شك.
- I -
   أنطلقُ في قراءتي لكتاب الدكتور جرجس من بعض الاستنتاجات التي خـلُصَ إليها وحاول أن يدرجَها في خاتمة كتابه، والتي تتناول عدداً من المفاهيم والأطروحات ذات الصّلة بالعنوان الفرعي الذي وضعه، والمقصود بذلك "دولة المواطنة"، وأهمّها: العلمانية التي يعتبرها "الحلّ الأمثل لتحرير المشرق العربي" واقْتَرحَ نموذجاً شبيهاً بالحالة التركية.
   والديمقراطية ودولة القانون، إذْ كان غيابهما سبباً في تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي تنامي "التطرّف الإسلامي والإرهاب والعنف، الذي يحصد أرواح المسيحيين وغيرهم من المواطنين..." وهي استنتاجات وردت في ثنايا الكتاب، وشكّلت خيطاً ناظماً لفصوله وهو ما يحتاج إلى إضاءات ترتبط بخصوصية كل حالة وتجربة.
   وهو يعتبر الديمقراطية "الضمانة المثلى لإرساء السّلام والعدالة..." إذْ أن "دمقرطة" الشرق الأوسط هي الأساس لتحقيق احترام حقوق "الأقلّيات" وضمان اندماجها في مجتمعاتها. كما يدعو إلى اعتماد "الديمقراطية التـوافقيّة" لأنّها "تمثيل فئات الشّــعب كافّــة وحتى تقاسم السّلطة بينها"، ويستبعد فكرة النظم البرلمانية ونظام الحكم الرئاسي لأنّهما لا يلبيّان ما يطمح إليه.
   ووفقاً للعديد من التجارب يمكن اختيار "الديمقراطية التوافقية" لفترة انتقالية محدودة، أي لتجاوز مراحل الانتقال والتحوّل الديمقراطي، التي غالباً ما تكون عسيرة، كما أنّها قد تؤدّي إلى المحاصصة والتقاسم الوظيفي، الديني أو المذهبي أو الإثني أو غير ذلك، في حين أنّ حقوق الإنسان وحدها تؤدّي إلى نوع من "التطامن" في تلبية حقوق المجموعات الثقافية المشروعة، وهي التي يمكن أن تؤمّن الضمانات الضرورية وخصوصاً في المجتمعات المتعدّدة الثقافات، لأنه حتى الديمقراطية التي هي في التعريف "المبسّط" حكم "الأغلبية" قد تقود إلى تهميش أو إقصاء مجاميع ثقافية، دينية أو سلالية أو لغوية أو غيرها.
   أمّا بخصوص الحالة التركية "صلُحت أم لم تصلح؟" فـإنّه لا يمكن تعميمها وإنْ كانت الاستفادة من التجارب جميعها ضرورية ولكن دون استنساخ أو تقليد، نظراً لاختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتاريخ تطوّر كل بلد.
   ويطرح المؤلّف موضوع الفيدرالية وإنْ كان بتردّد، فهو معها لأنّها يمكن أن تحدّ من انتهاك حقوق المسيحيّين والحفاظ على هويّتهم وتعزيز حقّهم في تقرير مصيرهم، لكنّ الطّابـع الدّيني يمكن أن يتحوّل إلى نوع من التقسيم أو إلى نظام طوائف (لبنان مثالاً) ويستبعد الانفصال أو الاستقلال وقد وجدتُ ذلك ملتبساً.
   وبعد أن يسلّط الضوء على عدد من العناوين الخاصة بحقوق الإنسان وتطبيقات الفكر الإسلامي المعاصر على غير المسلمين، والمساواة في دساتير دول المشرق العربي، يستعرض بعض الخلاصات المهـمّة منها: عدم تطوّر العقلية العربية المشرقية وانخفاض مستوى الوعي الحقوقي، وعدم تمـثّل مفاهيم الحداثة وطغيان الهـويّة الدينية على مبادىء المواطنة وعدم إقرار مبادىء المساواة، وهي خلاصات أجدُني متّفقاً معها.
   ويـركّز المـؤلّف على عدد من الحلول التي نشترك معه في خطوطها العريضة ومنها الإقرار بالتعدّدية وصياغة قوانين وتشريعات أحوال شخصية خالية من أشكال التّمييز مع مراعاة الاتفاقيات الدولية وسنّ قانون زواج مدني (والمقصود قانون موحّد)، وإنْ كانت الفكرة غير واضحة لأنّه ربطها مع إمكانية المحافظة على قوانين الأحوال الشّخصية لكلّ طائفة، ناهيك عن مراجعة المناهج التعليمية والتّربوية وتحريم الحضّ على الكراهية والعنف وهي مسألة جديرة بالاهتمام، ويمكن أن نضيف الدّور المهمّ والبارز الذي يمكن أن يقوم به المجتمع المدني كـ"قوّة اقتراح" و"مشاركة"، وليس "قوّة احتجاج" و"اعتراض" وحسب، إضافة إلى ضرورة "إصلاح الفكر الديني" وتنقيته من كل ما علق به من شوائب لا علاقة لها بالدين، كما ينبغي التمييز بين الدين والنصّ الإلهي والتفسير والتأويل الفقهي، فهذه الأخيرة من صنع البشر وهم خطّاؤون.
- II -
   أرى أنّ الباحث في جهده المضني قد نجح في مقاربة عدد من الأطروحات والمفاهيم ذات العلاقة بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، مستخدماً - على نحو متقن ودقيق - مصادر ومراجع مـهمّة ومعتمدة، في إطار منهجيّة وضعها لنفسه بأسلوب سلس ولغة متماسكة، ما يفتح الشهيّة لنقاش حقوقي ومعرفي وثقافي، فيما يتـعلّق ببعض المفاهيم التي طرحها مثل "الأقـليّة" و"الأكثرية" وهي مصطلحات بحاجة إلى رؤية مـوحّدة إزاءها نظراً لما تحمله من إغراض وقصدية حتى وإن استخدمتها "الأمم المتحدة" في "إعلان حقوق الأقـليّات" الصادر العام 1992 و"إعـلان حقوق الشعـوب الأصلية" الصادر العام 2007، وهنا يمكن أن نُــدرج عدداً من التناظرات فيما يتعلّــق بالهويّة، بقدر ما يرتبط بالعنوان الذي نناقشه، فهناك هـويّة ثابتة وأخرى متحوّلة، وهناك هويّة ساكنة وثانية متحرّكة.
   لقد توّلدت عندي قناعة منذ نحو ثلاثة عقود من الزمان عن عدم استخدام مصطلح "الأقليّة" و"الأغلبيّة" إلاّ "مجازاً"، لا سيّما بخصوص المجموعات الثقافية ولا أقول "الأقلّيات" لأنّها تستبطن ضمنيّاً عدم المساواة والهيمنة من جهة، والاستتباع والرّضوخ من جهة أخرى. وأفترض أنّها مصطلحات تصلح لتوصيف القوى والتجمّعات السّياسية والحزبية والكتل البرلمانية وليس "المجتمعات المتعدّدة الثقافات"، لأنّ المسألة لا تـتعلّق بالعدد والحجم، إنّما لها علاقة بالحقوق المتساوية التي ينبغي أن تتـمتّع بها المجموعات الثقافية صغيرها وكبيرها، بغضّ النظر عن عددها.
   الأمر الذي توقّفتُ عنده باجتهاد حاولت أن أحاجج فيه بأكثر من محفل وبحث وكتاب، ويمكن الإشارة هنا إلى كتابين الأوّل بعنوان: "فقه التسامح في الفكر العربي - الإسلامي - المواطنة والدولة"، والثاني: "أغصان الكرمة - المسيحيّون العرب"، لما لتلك المصطلحات من دلالات وانعكاسات على مجمل النّظام السّياسي ومبادىء المواطنة التي تقوم على الحرّية والمساواة والعدالة والشّـراكـة والمشاركة.
   أضف إلى أن ثـمّة هـويّة عـامّة أو شاملة وهـويّة فرعية أو خاصة، والهويّة سواء أكانت "أقلّـويّة أو "أغلبـويّة"، فهي قد تكون مضطهَدة أو مضطهِدة!! مثلما يمكن أن تكون الهويّة مفتوحة أو مغلقة، وتتوزّع الهويّات الفرعية أحياناً بين الإثنيات والأديان والسلالات واللّغات والآيديولوجيات.
- III -
   سأحاول أن أضعَ سيناريوهات هي أقرب إلى الأوهام التي عاشت معنا بخصوص حلّ مسألة الهويّات، دينية كانت أو إثنية أو غيرها، إذْ لا أجد هناك حلولاً مطلقة أو نهائية أو سرمدية لهذه المسألة، لأنّها تشبه الكائن الحي في تطوّرها وتفاعلها، إذْ أنّها كالحقوق الإنسانية تتخالق على نحو لا محدود. وفي هذا المجال يطيب لي أن أشتبك ودّياً مع المنظومة المعرفية والحقوقية التي يتبنّاها المؤلّف اتّفاقاً وتمايزاً.
   السّيناريـو الأوّل أو الوهم الأوّل - إنّ الدول الصّناعية والمتقدّمة والدّيمقراطية والعلمانية والليبرالية حلّت مسألة الهويّة، بإقرار مبادئ المواطنة، لكنّ مثل هذا الحل كان مبتوراً وظرفياً وغير متكامل، لأنّ حاجات الإنسان في تطوّر دائم، الأمر الذي يتطلّب تعميقاً وتطويراً تلبية لاحتياجات جديدة تعبّر عن الهويّة في حقب زمنية لاحقة.
السّيناريو الثّاني أو الوهم الثّاني - إنّ تحقيق المواطنة الكاملة والمساواة التامّة في الدول الديمقراطية العلمانية المتقدّمة ذات التوجّه الليبرالي، يدفع صراع الهويّات إلى الخلف، لكنّ ذلك، مثلما تُبيّن التّجربة، لم ينهِ الصراع أو الجدل أو التفكير في خيارات وبدائل لانبعاث الهوّيات الفرعيّة.
وهناك نماذج كثيرة مثل الصّراع بين الوالانيين والفلامانيين في بلجيكا على الرّغم من أنها دولة ديمقراطية وفيدرالية وعلمانية والمواطنة المتساوية فيها محترمة، وكذلك رغبة كاتالونيا وإقليم الباسك بالانفصال عن إسبانيا ومقاطعة الكيبك عن كندا، واسكوتلاندا عن بريطانيا، وحساسيّات ومشاكل جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا وغيرها، إذْ توجد نحو 20 مسألة تتعلّق بحقوق المجموعات الثقافية تنتظر حلولاً ومعالجات مُرضية في الغرب.
الفارق الأساسي بين مجتمعاتنا والمجتمعات الديمقراطية هي أنها تمتثل لحكم القانون في حلّ خلافاتها وهو ما سعى المؤلّف لإبرازه ونتّفق معه، أي أنهم يلجأون إلى السلم والاحتكام إلى الدستور وإلى التفاهم والتسويات الرّضائية، في حين أنّ النزاع لدينا ينتقل إلى الوسائل العسكرية والعنفية، وأحياناً يتمّ الاستقواء بأطراف خارجية تزيد اللوحة تعقيداً.
السّيناريو الثّالث أو الوهم الثّالث - اعتقادنا أنّ الدول الاشتراكية السّابقة حلّت مسألة الهويّة، حتى ظنّ البعض أنّ ألمانيا الديمقراطية أصبحت "أمّة منفصلة" عن الأمّة الألمانية، وهو ما تبنّاه دستورها في العام 1977 بحكم نظامها الاجتماعي، لكنّ هذا الوهم سرعان ما أثبت "قصر النظر"، وأدّى لدى فريق من الذين كانوا ينظرون إلى التجربة الاشتراكية باعتبارها "قوّة مثل" و"نموذج رائد"، إلى القنوط واليأس والإحباط، خصوصاً بعد أن اندلعت الموجة الدينية والطائفية، بكلّ بدائيّتها في العديد من الدول الاشتراكية السابقة، وقادت هذه إلى انقسامات وحروب طاحنة، فيوغسلافيا انشطرت إلى ستة أقسام والاتحاد السوفييتي إلى خمسة عشر قسماً، وانفصلت جمهورية تشيكوسلوفاكيا مخملياً إلى جمهورية التشيك وجمهورية السلوفاك، ولا تزال الحروب والصّراعات قائمة والحلول بعيدة المنال، كان آخرها بين روسيا وأوكرانيا، خصوصاً بشأن شبه جزيرة القرم.
السّيناريو الرّابع أو الوهم الرّابع - إنّ صراع الهويّات ينحصر في العالم الثالث، لكنّ ذلك ليس صحيحاً بالكامل، فقد استطاعت بلدان "عالمثالثية" أن تجد طريقها الخاص إلى الديمقراطية وتجد حلولاً لقوميات وأديان ولغات متعدّدة، مثل الهند وماليزيا، اللّتين لهما هويّات موحّدة، مع الهويّات المتعدّدة الدينية والطائفية والإثنية والسلالية واللّغوية، المختلفة والمتعايشة والمتصالحة في الآن، دون أن يختفي الصّراع أو الجدل المحتدم بينها، وهناك تجارب أخرى على هذا الصعيد، والمسألة مرهونة بنوع نظام الحكم من جهة، ومن جهة أخرى بالخيارات المجتمعيّة ودرجة التوافق الوطني والثّقافي، ووسائل التعبير عن الشعور بالتميّز والخصوصيّة.
السّيناريو الخامس أو الوهم الخامس – ترفُّعنا عن التخويض في المسألة الدينية وذيولها الطائفية، بزعم "علمانيّـتنا" وإيماننا بالهويّة الوطنية الجامعة، العابرة للطوائف والإثنيات، باعتباره الحلّ الأمثل، لكنّ ذلك لم يكنْ إلاّ هروباً إلى الأمام وعدم مواجهة المشكلة التي تعيش بيننا، حتى إذا ما استفحلت أصبحت الحلول المطروحة لمعالجتها شحيحةً ومحدودةً، خصوصاً وقد تمّ استثمارها من قوى خارجية إقليمية ودوليّة.
ويبقى النموذج "الداعشي" مثالاً صارخاً في استهداف المسيحيّين، لا سيّما بفرض "التأسلم" عليهم أو مطالبتهم بدفع الجزية أو الرحيل، وإلاّ فإنّ القبور المفتوحة تنتظرهم. وذلك جزء من مخطّط بعيد المدى يسعى منذ عقود لتفريغ المنطقة من أهلها الأصليّين ليتحكّم أصوليّوها، ابتداءً من فلسطين مروراً بلبنان والعراق وسوريا ومصر وغيرها. فداعش ودولة الخلافة "الخالصة" هي الوجه الآخر لدولة "إسرائيل" اليهودية "النقية".
- IV -
   والآن لماذا يُستهدف المسيحيّون وهل حقّاً هم "أقليّة"؟
   عدّة أسباب تقف خلف استهداف المسيحيّين وتتزامن مع نشوء تيار "أصوليّ" متطرّف ومتعصّب، سواء اتّخذ اسم تنظيمات "القاعدة" أو "داعش" أو "جبهة النصرة" (جبهة فتح الشام) أو أي مسمّى آخر، وواكبه احتلال العراق وما تركه من ردود أفعال على شعوب المنطقة.
   السّبـب الأوّل: دفع المسيحيّيـن للهجرة لترسيخ الاعتقاد السّائد - وخصوصاً لدى المجتمعات الغربية - على أنّ المسلمين لا يريدون العيش مع المسيحيّين في دول المشرق، وجوهر المشكلة هو تعـصّبهم وتطرّفهم حتى مع سكان البلاد الأصليّين. هذا ما تروّج له الصهيونيّة العالمية، وقد لقي صداه في الغرب لدرجة أنّ هناك "رُهاب" من الإسلام وهو ما يُطلق عليه "الإسلامفوبيا".
   السّبـب الثّانـي: تمزيق النّسيج الاجتماعي لمجتمعات وشعوب أصيلة ومتجذّرة في تعايشها وشراكتها، الأمر الذي سيؤدّي إلى مضاعفة أسباب الهجرة. وهنا تبرز مسألة معالجة "الاندماج والإدماج" التي تحدّث عنها الدكتور جرجس، والتي ربطها بفكرة المواطنة.
   السّبـب الثّالث: إظهار عدم التّعايش "الإسلامسيحي" في الشرق، مما يعني عدم رغبة المسلمين في التعايش مع الغرب المسيحي، حيث يوجد ما يزيد عن 15 مليون مسلم يعيش في أوروبا وأميركا وكندا وغيرها، وهو ما يثير مشكلات تتـعلّق بالهويّات وتفاعلها.
   السّبـب الرّابع: تشويه صورة العرب والمسلمين بشأن الأديان الأخرى، والدليل محاولة "استئصال" المسيحيين وهو ما تتعـكّز عليه "إسرائيل" مستفيدة في دعايتها السوداء من الأعمال الإجرامية لداعش والجماعات الإرهابية، لأنّها  تدّعي أنّ صراعها مع العرب والمسلمين هو صراع دينيّ تناحريّ إقصائيّ لا يمكن حـلّه. وبما أنّ المسلمين يزيد عددهم على مليار ونصف المليار إنسان، فهذا يعني أنّهم يريدون "استئصال" اليهود من الوجود.
   وتستهدف "إسرائيل" من وراء ذلك استدرار العطف من جهة وكسب الغرب والعالم إلى جانبها من جهة أخرى، باعتبارها "ضحية".
   وهكذا يختفي بطريقة مبرمجة ومدسوسة الجانب العنصري الصهيوني المتعصّب في الصراع مع العرب ليصبّ في مصلحة "إسرائيل"، التي تغتصب الأرض وتطرد سكانها الأصليين وتمارس العدوان منذ قيامها وحتى يومنا.
   السّبـب الخامس: ضيق هامش الاعتراف بالتنوّع والتعدّدية وادّعاء الأفضليات والزعم باحتكار الحقيقة، وبالطبع شحّ مساحة الديمقراطية في العالم العربي وتدنّي مستوى الحرّيات العـامّة والشخصية، ما شجّع خلق بيئة خصبة لنمو العنف والإرهاب والاستبداد، حيث تجد التنظيمات الإرهابية ضالّتها في استهداف الآخر، لا سيّما المسيحيين وأتباع الأديان الأخرى.
   السّبـب السّــادس: استنزاف طاقات علميّة وفكريّة وفنيّة وأدبيّة يمتلكها المسيحيون، فضلاً عن كفاءات اقتصادية واجتماعية هائلة تشكّل الموزاييك المجتمعيّ والتنوّع الطائفي. وفي ذلك خسارة كبرى لشعوب المنطقة وطاقاتها البشرية وإضعاف لدولها الوطنية.
   السّبـب السّابـع: إضعاف التضامن المسيحي الدولي مع شركائهم المسلمين في الشرق وتحديداً فيما يخصّ القضية الفلسطينيّة علماً أن مسيحيّي الشرق، خصوصاً الذين يعيشون في الفاتيكان قد دافعوا عن عروبة فلسطين بقوّة وجدارة، وقد رفض الفاتيكان حينها قرار التّقسيم رقم 181 الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1947، وهو ما ورد على لسان رئيس أساقفة نيويورك سبلمان Spelman انطلاقاً من فكرة أنّ أرض فلسطين كلّها مقدّسة بالنّسبة للمسيحيّة، وذلك بعد إعلان بريطانيا انتدابها على فلسطين وإحالة القضية إلى الأمم المتحدة. وهنا أستحضر الموقف الريادي للمطران كبوجي.

- V -
   خلاصة القول: كان المسيحيّون وسيبقون جزءًا من النّسيج الاجتماعي والسّياسي والتاريخي لبلدان المنطقة وشعوبها، ولعلّ واحداً من سرّ جمال التكوينات الثقافية العربية، لا سيّما للمشرق العربي هو التنوّع والتعدّدية التي عرفها، لكنّ المنطقة ولأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، شهدت هجرة مسيحيّة في العقود الأخيرة الماضية، وإذا كان المسيحيّون قبل نحو قرن من الزمان يشكّلون نحو 20% من سكان المنطقة، فإنّهم اليوم أقل من 5% وقد تتراجع نسبتهم كلّما ارتفعت موجة العنف والإرهاب التي تدفعهم للهجرة خصوصاً بازدياد درجة معاناتهم وشعورهم بالاستلاب.
   وقد حاولت "إسرائيل" منذ احتلالها فلسطين التركيز على تهجير المسيحيّين، وفصلهم عن المسلمين، بهدف تفريغ الوطن منهم بزعم أنّ الصراع ديني وهو بين المسلمين واليهود، وليس صراعاً كيانيّاً حقوقيّاً يـتعلّق بشعب احتُـلّت أراضيه، وبين مغتصب ومستعمر استيطاني إجلائي.
   وحين أقول إنّ المسيحيين ليسوا "أقليّة" فلأنّ أغلبيتهم عرب وهؤلاء بالطبع "أغلبية" في بلدانهم، كما أنّ الأكثرية السّاحقة منهم تعتبر الرابط العروبيّ وخصوصاً اللّغة العربية هي التي تجمعهم بأوطانهم وبشركائهم، ناهيك عن دورهم التنويري والحداثوي ومساهمتهم في نضال أمّتهـم وشعوبها من أجل انبعاثها الحضاري.
   "المسيحّيون في المشرق العربي" موضوع راهني ومستقبلي لأنّ معالجة قضايا التنوّع والتعدّدية وحقوق المجاميع الثقافية ترتبط بصميم المواطنة ودولة القانون والحقّ. وهو ما حاول الدكتور نائل جرجس عرضه بتقديم رؤى وتصوّرات وطرح حلول وإجابات ناجعة، وإن تغـلّب فيها السياسي أحياناً على الحقوقي، وهو ما يثير أسئلة متشابكة ومـعقّدة بقدر تعقيدات الواقع العربي بحاجة إلى حوار معرفي وموضوعي، بحيث تنسجم المقدّمات النظرية الحقوقية مع الاستنتاجات العملية ولا يترك للأحكام المسبقة أن تأخذ طريقها في إطار البحث العلمي. ويتطـلّب الأمر تكوين رأي عام مجتمعي يؤمن بالمشترك الإنساني ويقرّ بمبادىء المساواة والعدالة والشراكة في فضاء من الحرّية، كيما تصبح مبادىء المواطنة ملزمة على صعيد الدولة والمجتمع.

10
نقض «الرواية «الإسرائيلية»»
عبد الحسين شعبان
في الحلقة النقاشية التي نظّمها «منتدى الفكر العربي» في عمان، برعاية الأمير الحسن بن طلال، انصبّت المناقشات حول «مستقبل القضية الفلسطينية في إطار المشرق العربي» بمراجعة تاريخية، وصولاً للحاضر، واستشرافاً للمستقبل، مع شيء من التركيز على العلاقة العضوية «الأردنية - الفلسطينية» ومقوّماتها، ومحدّداتها، بما فيها مستقبلها المؤسسي العربي والإسلامي الذي يُعنى بالقدس تحديداً. وهو ما دعا الأمير الحسن إلى الحثّ على تأسيس مرصد متخصص بالشؤون الفلسطينية يعمل عليه فريق من الشباب العربي ل«إبراز ما يحدث في فلسطين من أحداث ووقائع، ويُسهم في إيجاد حالة متقدمة من التفاعل مع التحديات الحقيقية التي تواجه الفلسطينيين وتعزيز صمودهم».
كما اشتمل الحوار على قضايا اللاجئين والقرار 194 بخصوص «حق العودة»، وما يتعلّق بقضايا الطاقة والمياه والبيئة والمسار الخاص «بالأرض مقابل السلام»، لاسيّما وصول الحلول المطروحة إلى طريق مسدود، بما فيها اتفاق أوسلو الفلسطيني- «الإسرائيلي» لعام 1993.
وكانت «الدبلوماسية والثقافة» أحد المحاور التي شملتها الحلقة النقاشية، باعتبارها تمثّل «القوة الناعمة» التي على العرب والمسلمين وأصدقائهم استخدامها لنقض «الرّواية «الإسرائيلية»»، وهو ما تم إهماله على مدى عقود من الزمان، إذْ كان بالإمكان استخدامها كسلاح دولي مؤثر وفعّال لدعم قضيتهم استكمالاً متوازياً مع الأسلحة الأخرى، خصوصاً أن الدبلوماسية والثقافة تتداخل مع الحقول السياسية والاقتصادية والتجارية إلى حدود كبيرة.
وإذا أخذنا القدس نموذجاً، فبقدر ما هي «قضية خاصة» نظراً لرمزيتها الروحية والتاريخية للعرب، ولأتباع جميع الأديان، من يهود ومسيحيين ومسلمين، فإنها في الوقت نفسه تشكّل «لبّ القضية الفلسطينية» وجوهر الصراع العربي - «الإسرائيلي» التي لا يمكن الحديث عن أي حلّ من دون استعادتها باعتبارها عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة، وهو ما ذهب إليه المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر العام 1988، الذي أعلن قيام الدولة الفلسطينية التي اعترفت بها حتى الآن أكثر من 140 دولة، خصوصاً بعد انضمامها للأمم المتحدة العام 2012.
وتعتبر الحلقتان الدبلوماسية والثقافية جزءاً من حركة مقاومة سلمية مدنية ضرورية لاستكمال سبل المواجهة الأخرى، خصوصاً باستخدام «القوة الناعمة» لمصلحة الحق في مواجهة الباطل. ولأن الأمر يحتاج إلى استراتيجية تكاملية تتجاوز ما هو طارئ ومؤقت، إلى ما هو مستمر وبعيد المدى، فلا بدّ من توظيفها وبالوسائل المتاحة تساوقاً مع الأهداف العامة التي يسعى إليها الشعب العربي الفلسطيني، سواء ما يتعلّق بالقدس أو بعموم القضية الفلسطينية بمفرداتها المختلفة انطلاقاً من مبدأ حق تقرير المصير.
لقد تمثّلت المعارك السياسية والعسكرية، طوال نحو قرن من الزمان، بطائفة من الاصطفافات والاستقطابات السياسية، والحروب، والنزاعات، تلك التي ابتدأت منذ وعد بلفور العام 1917 وقبله اتفاقية سايكس - بيكو السرية العام 1916 لتقسيم المنطقة إلى كيانات، وفي محاولة الالتفاف على مشروع «الثورة العربية» بقيادة الشريف حسين، وحروب «إسرائيل» العدوانية منذ قيامها في العام 1948، ولكن الحلقة الدبلوماسية من الصراع العربي - «الإسرائيلي» ووجهتها القانونية ظلّت بعيدة عن الاهتمام المطلوب. ولم تنل الحلقة الثقافية الاهتمام الذي تستحقه.
وكلاهما يمثّل جانباً حضارياً وسلمياً كجزء من «دبلوماسية القوة الناعمة» التي على العرب ومناصريهم استخدامها حيثما أمكن، لأنها كانت، ولا تزال شرطاً لا غنى عنه لخوض معركة ناجحة، وبوسائل متنوّعة، وأساليب متعدّدة، وحديثة ومقنعة، فضلاً عن ذلك فإن تأثيرها سيكون فعّالاً إذا أُحسِن استخدامها، لما له من انعكاسات على الجوانب الأخرى، بما فيها الموارد الأولية كالنفط والغاز مثلاً، واستخداماتهما التي يمكن أن تكون حيوية في إطار توازن المصالح، وتبادل المنافع والمشترك الإنساني.
إن استخدام الوسيلتين الدبلوماسية والثقافية يعني الضغط على المجتمع الدولي لاحترام قراراته، ومن ثم تطبيقها، خصوصاً القرار 2334 الصادر في 23 ديسمبر/ كانون الأول لعام 2016 بشأن إدانة الاستيطان «الإسرائيلي»، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدعو واشنطن إلى سحب قرارها الاعتراف بالقدس عاصمة «لإسرائيل»، علماً بأن الاستيطان يعتبر جريمة دولية.
وإذا كانت إدانة الاستيطان هدفاً دبلوماسياً راهناً، فإن قرار «اليونيسكو» الصادر في 18 أكتوبر / تشرين الأول 2016 والقاضي باعتبار الأماكن المقدسة في القدس من تراث العرب والمسلمين تأكيد لقرار سابق لليونسكو صادر في 13 أكتوبر / تشرين الأول من العام نفسه يقضي بنفي «نظرية الهيكل» ويعتبر «المسجد الأقصى» و«الحرم القدسي» و«حائط البراق» جزءًا من التاريخ الفلسطيني، وبالأسماء العربية، وليس بالتسمية اليهودية «جبل المعبد».
إن واحداً من أهداف التحرّك الدبلوماسي والثقافي العربي هو إقناع المجتمع الدولي، ليس بصحة الرواية التاريخية العربية فحسب، بل بالحق العربي الفلسطيني من جهة، ومن جهة أخرى، التشكيك في صدقية الرواية «الإسرائيلية» ومزاعمها الخرافية، خصوصاً بالاستناد إلى قرارات منظمات دولية حقوقية وثقافية، وبوسائل القوة الناعمة، بما فيها الأدب والفن وكل ما له علاقة بالتأثير في الرأي العام لإقناعه أكثر فأكثر بالحقيقة العربية، سواء بشأن القدس خصوصاً، أو فلسطين عموماً.
drhussainshaban21@gmail.com


11
أزمة الهويات في سوريا والعراق ولبنان


شروق صابر
تعد أزمة الهوية من الأزمات المتشابكة والمتداخلة، سواء من حيث مسببات حدوثها، أو مخاطرها على ركائز الأمن القومي العربي، بعد أن أصبحت مدخلا للصراعات وبوابة للتدخلات الخارجية التي استغلت حالة المظلومية التي تعاني منها الأقليات، سواء كانت عرقية أو إثنية أو دينية. ومن هنا جاءت أهمية جلسة العصف الذهني التي عقدتها "وحدة الدراسات العربية والإقليمية" بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فى 14 فبراير 2018، تحت عنوان "صراع الهويات في سوريا والعراق ولبنان"، والتي تحدث فيها د. عبد الحسين شعبان، أستاذ الاجتماع والمفكر العراقي، عن أزمات الهوية التي انفجرت داخل المجتمعات العربية، والتي تعود إلى سوء إدارة بعض نُظم الحكم للتنوع الثقافي والتعددية بأشكالها المختلفة، والتي لم تحظى بالاهتمام الكافي خلال الفترة الماضية.
وبدأ د. شعبان بطرح فكرتين. الأولى أنه رغم أن قضية الأقليات لم تكن مطروحة داخل المجتمعات العربية بشكل واضح، فقد ظهر على مسرح الأحداث استقطابات حادة ومثيرة انفجرت على نحو غير مسبوق. ويعود ذلك إلى اعتماد الدولة على المركزية الشديدة والصارمة فى إدارتها لذلك التنوع. وتكمن الإشكالية الرئيسية في معالجة وطرح تلك القضية فى تقديره إلى التركيز بشكل رئيسي على العامل الخارجي، ولم تحظ التكوينات المجتمعية بالقدر الكافي من الدراسة والبحث من أجل تقديم حلول جذرية لمشاكلها بدلا من الاكتفاء بوضع مسكنات وحلول شكلية.
الفكرة الثانية أن هناك الكثير من الممارسات الخاطئة في تاريخنا تستوجب الاعتراف بها. أي لابد من إعادة قراءة التاريخ وتقييمه لمعرفة ما هو إيجابي من أجل تطويره، وما هو سلبيفي معالجة تنوع  الهويات لمعرفة نقاط الضعف، والتي كانت من بين العوامل التي تسببت في التوترات التي تشهدها المنطقة والتي تدفع ثمنها بشكل رئيسي الشعوب العربية.
ورأى د. محمد السعيد إدريس، مستشار المركز، أن التجربة العراقية تنعكس على التجربة السورية، أي يوجد عوامل تأثر وتأثير بين الأحداث والتفاعلات بين البلدين. وأن هناك ضرورة لدراسة ما يحدث في العراق؛ فهل ينتج عن تطور تلقائي للأحداث أم أن هناك عوامل ومدخلات تسرع من تطورات الأزمة العراقية.
ولفت د. شعبان الانتباه إلى أن أزمة الهوية لا تقتصر فقط على منطقتنا العربية، لكن العالم أجمع يعيشها، حيث انفجرت مشكلة الهويات الفرعية في أوروبا الشرقية لاسيما بعد انهيار الاشتراكية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، مع ملاحظة وجود فوارق بين ما يحدث داخل البيئة العربية وما يحدث داخل البيئة الأوروبية. كما أنه فى الدول الأوروبية أيضا هناك بعض الاختلافات من حالة إلى أخرى، حيث تم معالجة بعضها بهدوء نسبي إلى حد ما، وهناك أزمات أخرى في مناطق رخوة انفجر فيها الصراع وتحول إلى صراع دموي في الكثير من الأحيان.ففي أوروبا الشرقية كانت الدولة المركزية الشديدة الصرامة تغطي على التناقضات القائمة، حتى ظنت الشعوب أن الاشتراكية استطاعت حل واحتواء مشكلة القوميات، إلا أنه بعد مرور سنوات عديدة تجددت وانفجرت المشكلات القومية والإثنية على نحو غير مسبوق، حتى جرى تهجير العديد من سكان المناطق وأصحاب ديانات مختلفة بأكملهم إلى مناطق أخرى، وإحلال سكان آخرين محلهم، في إطار  استبدال هوية بأخرى بديلة، وتغيير سكاني ديموغرافي لهويات أخرى.
في هذا الإطار، أضاف د.عادل عبد الصادق،الخبير بوحدة الدراسات العسكرية والأمنية بالمركز، أن تجربة أوروبا الشرقية تختلف في الكثير من جوانبها عن تجربة مجتمعاتنا العربية، انطلاقًا من موقف الدول الأوروبية في ألمانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في دعمهم لعمليات التحول في أوروبا الشرقية، بخلاف ما حدث في المنطقة العربية من اضطهاد للأقليات والهويات الفرعية مما أدى إلى المزيد من الشحن الطائفي والاحتقان.
وأوضح د. شعبان أن حرمان تلك الأقليات من حقوقها وحرياتها يُعد انتهاكا صريحا وانتقاصا من حقوق المواطنة، التي يندرج ضمنها أربعة قضايا أساسية، هي: الحريات، والمساواة، والشراكة أو المشاركة، والعدالة. ولذلك فعندما يتم ذكر تعبير المواطنة يُقصد بها القضايا المركزية السابقة التي نستطيع في ظلها أن نحتكم إلى قواعد قانونية، يكون أساسها دستوريا، وتديرها مؤسسات، بالإضافة لوجود مؤسسات رقابية تشرف على أداء هذه المؤسسات، ويتم اللجوء إليها في حالة وجود اختلافات أو أي صورة من صور انتقاص حقوق المواطنة. لذلك فإن غياب الحقوق المرتبطة بالمواطنة كان من بين العوامل الرئيسية فيصعود أزمة الهويات الفرعية التي يضيع في ضوئها وحدة وتماسك الدولة.
وأكد د. أيمن عبد الوهاب، رئيس وحدة الدراسات المصرية بالمركز، أنه إذا أردنا الحديث عن دولة حديثة ينبغي أن ننطلق من المواطنة التي تقوم على أساس فكرة الحوار، سواء كان حوارًا ثقافيًا أو حوارا بين الأجيال والطوائف داخل المجتمع. لذلك نجد أن تنامي فكرة الهوية في العراق مرتبط بصعود الأيديولوجية أو إعادة النظر في مفهوم الدولة وسيادتها وعلاقاتها مع السلطة. أي أن الأمر يتطلب إعادة تقسيم السلطة بعيدًا عن المصالح، كخطوة أولية مهمة من أجل تعزيز المواطنة.
وطرح د. معتز سلامة، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بالمركز، سؤال: هل موضوع الهوية نشأ على مدار العقود وكرسه نظام صدام حسين أم أنه دُفع به في غزو احتلال العراق؟
وأوضح د. عبد الحسين أن جميع المجتمعات مركبة، فليس هناك مجتمع بسيط؛ ففي العراق هناك قوميتان رئيسيتان، هما العرب (ويمثلون 80% من سكان البلاد)، والأكراد، إضافة إلى التركمان. وهناك وجود محدود للآشوريين الذين يتحدثون اللغة السريانية. أما دينيا، فهناك المسلمون، والمسيحيون والصابئة المنداريون، والصابئة غير المنداريين، واليزيديون، وهناك تكوينات أخرى أقل منها. أما إذا أردنا تقسيمها إلى طوائف فإن المسلمين في العراق ينقسمون إلى طائفتين رئيسيتين، هما الشيعة، والسنة.
وتحدث د.شعبان عن اضطهاد المسيحيين في المنطقة، حيث لاحظ استهدافًا من جانب إسرائيل للمسيحيين، بهدف تفريغ الدولة منهم وذلك من خلال اتباع كافة السبل من أجل حثهم على ترك فلسطين. ونتيجة لذلك، نجد بعد أن كانت نسبتهم إلى إجمالي السكان قبل الاحتلال ما يقرب من20%، تراجعت هذه النسبة إلى أقل من 1.25%، وكان عدد المسيحيين في القدس وحدها 50 ألف مواطن، اليوم مع الزيادة السكانية لمدة 70 عامًا أصبح لايزيد عددهم عن 5 آلاف مواطن.
ويتضح ذلك على نحو ملحوظ فيما يخص الاضطهاد والتهجير المتعمد الذي تعرض له مسيحيو الشرق، وبشكل خاص في العراق وسوريا ومن قبلهما لبنان. هذا بالإضافة  للصور المختلفة للتهميش والإقصاء الذي يتعرض له المسيحيون في بعض الدول العربية الأخرى، وهى إشكالية لا تزال قائمة في تلك البلدان، ومازالت بحاجة إلى حلول مبتكرة.
وفي سوريا في فترة أواخر الأربعينيات من القرن العشرين كانت نسبة السكان المسيحيين 18%، وبعد ما تعرضوا له من عمليات إجلاء وتهجير بجانب ما حدث من أعمال عنف واستهداف في السنوات الأخيرة تراجعت هذه النسبة إلى (6%- 8%). الأمر ذاته في حالة مسيحيي العراق، فقد بلغ عددهم قبل الاحتلال أكثر من مليون مواطن أما الآن لا يزيد عددهم عن 400 ألف مواطن، وذلك بسبب اضطرار نصفهم إلى الهجرة بسبب ما تعرضوا له من عمليات إبادة واستهداف مباشر.
حدث ذلك الأمر أيضًا في لبنان، ففي أثناء الحرب الأهلية التي شهدها لبنان هاجر حوالي 700 ألف مواطن كان أغلبهم من المسيحيين.
وتحدثت أ. شيماء منير، الباحثة بوحدة الدراسات العربية والإقليمية بالمركز، عن البعد الخارجي في تعزيز صراع الهويات في المنطقة، خاصة موضوع الصراع السني الشيعي، الذي يحقق المصالح الصهيونية في المنطقة من أجل تراجع الصراع العربي– الإسرائيلي.فعلى الرغم من المظلومية والتهميش الذي عانت منه الأقليات المختلفة، إلا أن إثارة تلك المشاكل ظهرت على نحو غير مسبوق مع الاحتلال الأمريكي للعراق، ومحاولة إحياء مشروع تقسيم المنطقة على أسس عرقية. ويتضح هنا المصالح الصهيونية في تهجير مسيحيي الشرق من أجل تعزيز فكرة الدولة اليهودية الخالصة، تحت ذريعة مواجهة  المسلمين وذلك بعد تفريغ دول المشرق من المكون المسيحي، خصوصا في سوريا والعراق والذي يعد العنصر المسيحي هناك داعما  للعروبة ومناهضا لمخططات التقسيم. كما أن لذلك الصراع على الهويات بعد آخر يتمثل في تراجع الهوية العربية لصالح الهوية الشرق أوسطية التيدعي إليها شيمون بيريز في كتابه الشرق الأوسط الجديد. 
وانتقل د. شعبان من ذلك إلى مسألة تحويل الدولة من دولة بسيطة إلى دولة مركبة، بحيث يتم تأسيسها على مبدأ الفيدرالية، والذي طالبت به الحركة الكردية وبعض القوى اليسارية في العراق.كان الحكم السابق في العام 1970 قد أقر بمبدأ الحكم الذاتي، وتم تشكيل مجلس تنفيذي (حكومة)، ومجلس تشريعي (برلمان)، وسلطة تشريعية، ولكن ظلت معظم الصلاحيات في أيدي السلطة المركزية. وبالرغم من اعتراف هذا الحكم ببعض حقوق الأكراد لكنه لا يرتقي إلى درجة الحكم الذاتي، حيث شابته الكثير من النواقص والثغرات التي أدت إلى اندلاع القتال بين الحركات الكردية من جهة، والحكومة، من الجهة الأخرى.
وبعد العام 2003 أسس برايمر لفكرة تقسيم العراق تحت عنوان "تحويل العراق من دولة بسيطة إلى دولة مركبة"، أي تحويله إلى دولة فيدرالية، من حيث توزيع المصالح بين السلطات خاصة إذا كان بالدولة مكونات. وورد في الدستور العراقي الذي شُرع عام 2005 ومن قبله قانون إدارة الدولة العراقية لعام 2004 ثمان مرات كلمة "المكونات" داخل الدستور، والتي شملت الشيعة، والسنة، والأكراد. كما تم تقسيم مقاعد البرلمان على أسس طائفية وعرقية، بواقع 13 مقعدا للشيعة، و5 مقاعد للسنة، و5 مقاعد للأكراد، ومقعد واحدًا للتركمان، ومقعدًا أيضًا للآشوريين.
هذا التقسيم لم يكن عادلا، حيث كان من المفترض أن يتم تخصيص 80% من المقاعد للعرب وللأكراد، و20% من المقاعد للآخرين. وذلك يؤكد أن الهدف كان هو تحقيق التقسيم التفتيتي التدريجي الذي يقوم بزرع الكراهية والعداء والتناقض بين الأكراد من جهة، وبين العرقيات والإثنيات والأديان من جهة أخرى، والذي أدى إلى انفجار شديد الخطورة كاد أن يقضي على مئات الآلاف من السكان إذا لم يجرى احتوائه وهو ما حدث من تفجير للإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي في سامراء عام 2006.
وأشار د. شعبان  فى الوقت ذاته إلى أن الفيدرالية تظل شكل من أشكال نظم الحكم الإيجابية، التي تتضمن توزيع الصلاحيات بين الفئات والجماعات، فهناك أكثر من 40 فيدرالية في العالم، وجميعها ناجحة، ولكن تختلف الفيدرالية التي نتحدث عنها في العراق عن باقي الفيدراليات الأخرى. ففي النظام الفيدرالي الطبيعي إذا تعارض الدستوران الإقليمي والفيدرالي ستكون الغلبة للدستور الفيدرالي، أما في النظام الذي نتحدث عنه إذا تعارض الدستوران الفيدرالي والإقليمي فإن الغلبة تكون للدستور الإقليمي. ويحق للأقاليم أن تنشئ بعثات داخل السفارات العراقية تعني بالشئون الاجتماعية والثقافية وغيرها، وهو ما يشكل دويلة داخل دولة، وما ينتج عنه من تداعيات أخرى خاصة بموضوع الدفاع، فالبشمرجة صفتها داخل الدستور العراقي "حرس حدود" لا تخضع إداريًا للجيش العراقي والقوات المسلحة إلا بصرف الرواتب، أما قيادته وتشكيلاته وكل ما يتعلق بشئونه الخاصة فإنها تخضع لإدارة وطنية.
وأشارت د. أميرة محمد عبد الحليم، الخبير بوحدة الدراسات الدولية بالمركز، إلى "الفيدرالية" في التجربة الصومالية وأوضحت أنه في عام 2002 بدأ الحديث عن تكوين سلطة سياسية في الصومال وأن تصبح الصومال دولة فيدرالية بمعنى وجود حكومة مركزية وحكومات أقاليم، وحتى الآن يوجد صراع بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم مؤخرًا. فعلى سبيل المثال، وأثناء الأزمة القطرية قامت حكومات الأقاليم بقطع العلاقات مع قطر أما الحكومة المركزية أبقت معها العلاقات ومن ثم نحن نتحدث عن دول داخل دولة واحدة تحت الرعاية الأمريكية.
وطرح د. معتز سلامة سؤالًا حول ما إذا كان الكشف عن بقاء الطائفية والهويات سوف يقضي إلى انهيار الدول فهل نمضي في هذا المسار أم لا؟
واستكمل د. عبد الحسين الحديث بالتأكيد على أهمية اعتراف الفرد بأنه داخل مجتمع يضم "مكونات"متعددة، وهو ما أوضحه د. وحيد عبد المجيد، مدير المركز،بالعودة إلى ما ورد في بعض كتابات "جان جاك روسو" والتى نفهم منها أن المجتمع مثله كمثل الحقل، من الممكن أن يصبح بستانًا أو غابة، وما يصنع الفرق الأساسي هو ما يطلق عليه "فكرة المعرفة المتبادلة"، بأن تعرف العناصر المكونة للمجتمع بعضها البعض، فعدم وجود المعرفة المتبادلة بهوية تلك العناصر يجعل كل عنصر يكون صورة خيالية للعنصر الآخر.ففي العراق، على سبيل المثال، تم تكوين صورة على أن اليزيديين يعبدون الشيطان، هذه الصور عندما يتم نقلها من جيل إلى آخر تخلق نوعًا من الكراهية والعداء تظل تحت الأرض غير واضحة للعيان في ظل وجود قبضة حاكمة؛ فمن يتولى حكم هذه المجتمعات يتخلى عن وظيفة التكامل الاجتماعي ويتحول إلى "لاصق اجتماعي" بأسلوب من القهر يقوم بلصق هذه المكونات فتبدو كوحدة كاملة رغم تفتيتها. وعندما يتم رفع هذه القبضة يتم اكتشاف ما تم ستره منذ عقود من الزمان، فالمجتمع المتعدد الثقافات والذي حظر فيه الحوار والنقاش للتعارف المتبادل هو السبب فى ظهور وتطور تلك الأزمات في المجتمعات ولذلك فإن توحيدهم يحتاج إلى عقود من الزمان.
وأشارت د. أميرة عبد الحليم إلى أن الشعور بالتمايز الداخلي هو ما يؤدي إلى سعي قومية أو جماعة إثنية معينة إلى تمييز نفسها عن الآخرين،حيث نرى أن  الشعور بالتمايز في أفريقيا على سبيل المثال خلق العديد من المشكلات منذ منتصف التسعينيات.فعندما اتجهت الدول إلى التحول نحو الديمقراطية، بدأت جماعة معينة السيطرة على السلطة والثروة مقابل تهميش للجماعات الأخرى. هذا الشعور بالتهميش هو ما أدى إلى تحرك تلك الجماعات للبحث عن انتمائها الأولي بعيدًا عن الانتماء الدولي، ومع صعود فكر الإرهاب خلال العقدين الأخيرين بدأت هذه الاجتماعات تمييز نفسها الآن على أساس ديني لكي تتمكن من رفع السلاح لمواجهة السلطة.
ورأى د. جمال عبد الجواد،مستشار المركز، إن فشل محاولة الانقسام الكردي عن جسد الدولة العراقية يعد مؤشرا إيجابيا لمحاولة إمكانية التعايش بين الأكراد والعرب على أرضية جديدة، نظرًا لحدها من التطرف والجموح الكردي نحو الاستقلال وخلق تعبيرات سياسية خاصة بالمطالب والطموحات التي يطالب بها الأكراد تكون أقل تطرفًا أو رفضًا للبقاء ضمن الدولة العراقية.

نشرت في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، 1/3/2018، كما نشرت في صحيفة بوابة الأهرام يوم 24/2/2018. وكان مركز الأهرام قد استضاف الدكتور شعبان في جلسة عصف فكري ضمّت مسؤولي أقسام المركز ومدراء الوحدات وقام بتقديمه رئيس المركز الدكتور وحيد عبد المجيد واستغرقت الجلسة ثلاث ساعات ، وذلك في 13/2/2018.


12
التسلّح ونزع السلاح
عبد الحسين شعبان
«الحرب هي امتداد للسياسة لكن بوسائل أخرى»، بهذه المقولة الاستراتيجية التي تعود إلى المفكر النمساوي كلاوزفيتز، بدأت مداخلتي في ندوة «المعهد السويدي بالإسكندرية» التي نظّمت بالتعاون والشراكة مع «معهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي» Sipri و«مركز دراسات الوحدة العربية»، الذي تولّى إصدار الطبعة العربية من الكتاب السنوي، منذ العام 2003 والموسوم «التسلّح ونزع السلاح والأمن الدولي»، الذي يعدّه معهد استوكهولم.
وتكمن أهمية هذا الإصدار على ما يحتويه من معلومات ورصد للوقائع واستخلاصات لخبرات عسكرية وأمنية واستراتيجية متنوّعة، إضافة إلى تفاصيل دقيقة عن تطور حركة التسلح وتجارة السلاح ومسألة نزع السلاح والأمن الدولي.
يُذكر أن السويد لم تدخل أي حرب منذ أكثر من 200 عام، بل إنها اتّخذت موقفاً مناوئاً لها، ولاسيّما دعوتها إلى نزع السلاح وتحقيق السلم والأمن الدوليين، واتّبعت سياسة حيادية سلمية طوال القرنين المنصرمين لقناعتها أن هذا النهج يمكن أن يوصل إلى العدالة، وهو ما حمل رئيس وزرائها أولف بالما إلى الدعوة لتعويض شعوب البلدان النامية عمّا لحق بها من ظلم وإجحاف بسبب السياسات الاستعمارية الغربية، ولكنه راح ضحية دعوته الإنسانية تلك، حين تم اغتياله في 28 فبراير/شباط من العام 1986.
وبتقديري أن إصداراً بحثياً بهذا العمق والمشاركة الواسعة لإعداده من جانب نخبة متميّزة، يعتبر مرجعاً أساسياً ذا قيمة معرفية وعملية، سواء لأصحاب القرار والخبراء العسكريين والاستراتيجيين من جهة أم للسياسيين والدبلوماسيين والإعلاميين وجميع العاملين في الحقل العام من جهة أخرى.
وبغضّ النظر عن الاتفاق والاختلاف مع ما يذهب إليه هذا «الإصدار» الذي يتألف من 864 صفحة من القطع الكبير، فإن المعلومات التي يوفّرها للباحث تشكّل مادة استثنائية حتى وإن اختلفت التقييمات بشأنها، ولاسيّما فيما يخصّ بعض التقديرات التي تتعلق بمشاكل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وقضايا الصراع العربي- «الإسرائيلي»، لكنها تبقى معطيات أساسية ومفيدة ومهمة.
لا أدري من هو القائل «إن امتلاك السلاح يوازي استخدامه»، لأنه سيكون واحداً من مظاهر قوّة الدولة العسكرية، تلك التي تكتمل مع عناصر القوة الأخرى، الاقتصادية والعلمية والتقنية والثقافية والإدارية والقانونية والتربوية والإنسانية وغيرها. وكلّما ازدادت القوة، بل فاضت عن الحدّ يتولّد شعور، ربما أقرب إلى «الوهم» أحياناً، للتنفيس عن هاجس «فائض القوة» أو الامتلاك الذي يزيد عن الحاجة، سواء باستخدامها أو التهديد بها، وهكذا تنشأ الحروب بسبب تباين المصالح واختلافها ومحاولة البعض فرض الهيمنة على الآخر.
ويعرّف «برنامج أوبسالا» النزاعات المختلفة بناء على الاحتكام إلى القوة في النزاع الناشئ عن تباين، وعندما تبرز جماعة جديدة ويتغيّر التباين، يسجّل نزاع جديد، وحسب هذا البرنامج، فالنزاعات النشطة هي التي يزيد فيها عدد القتلى على 25 شخصاً ويصل إلى 1000، أما النزاعات المستأنفة، فهي تنام وتستيقظ وتوقع ضحايا أقل من 25 قتيلاً وما زاد عن الألف في عام واحد يعتبر حرباً.
فهل أن عدد القتلى وحده هو المعيار الصحيح، أم هناك جوانب إنسانية في النزاعات والحروب هي التي تحدد طبيعتها؟ والأمر يتعلق بحجم الدمار الذي تتركه، فضلاً عن تعطيلها للتنمية والتطور الديمقراطي والتأثير في حقوق الإنسان، سواء حقوق الأفراد أم المجموعات الثقافية: الإثنية والدينية واللغوية السلالية. ويضاف إلى ذلك، ولاسيّما في الحروب الحديثة استمرار الصراع ونوع السلاح المستخدم، وما له علاقة بتجارة السلاح وقضايا الاتجار بالبشر والمخدرات وغسل العملات والجريمة المنظمة، واندلاع العنف بأشكاله، وخصوصاً باستشراء ظاهرة الإرهاب الدولي.
وقد شكّل الإنفاق العسكري خلال الحرب الباردة 1947 -1989 عبئاً كبيراً على الدول في إطار «سباق التسلّح» الذي كان سائداً ووجهاً من وجوه الصراع الأيديولوجي المتعدّدة، بما فيها الحرب النفسية، ووسائل القوّة الناعمة، ولاسيّما الثقافية والإعلامية والأدبية والفنية، للتأثير في الخصوم أو الأعداء.
وعلى الرغم من جميع المحاولات لنزع السلاح وتوقيع اتفاقيات «سالت 1» العام 1972 و«سالت 2» العام 1979 ومعاهدات نزع السلاح النووي أو الأسلحة التدميرية الأخرى، بين المعسكرين المتناحرين (أمريكا والاتحاد السوفييتي)، فإن مجرد تخصيص الولايات المتحدة تريليوني دولار لبرنامج «حرب النجوم»، كان كفيلاً بإلحاق هزيمة بالطرف الآخر، الذي انهار تحت عبء التسلّح، إضافة إلى شحّ الحريات والاختناقات الاقتصادية وسوء الإدارة والبيروقراطية.
واحدة من القضايا التي لفتت انتباهي في إصدار هذا العام هو مصطلح «العصر الأنتروبوسيني» الذي أطلقه مدير معهد استوكهولم دان سميث، وقد استفسرت منه عمّا يعنيه، وحين دققت المعطيات التي يوفّرها بحثه اكتشفت أنه يعني «الحقبة الجيولوجية الراهنة»، تلك التي وردت الإشارة إليها في اجتماع المؤتمر الجيولوجي الدولي المنعقد في مدينة كيب تاون (جنوب إفريقيا) في شهر أغسطس/ آب/ 2016، حيث اتخذ قراراً بإطلاق اسم الأنتروبوسيني، وقصد بذلك أن الأنشطة البشرية هي القوى المؤثرة الحاسمة في الجيولوجيا والإيكولوجيا، الأمر الذي ينعكس على شروط الحياة في وقت السلم، فما بالك بالنزاعات والحروب؟
drhussainshaban21@gmail.com





13
كتاب جديد لعبد الحسين شعبان
     
 
النجف- بيروت - المحرر الثقافي
صدر للأكاديمي والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان كتاب جديد بعنوان : الإمام الحسني البغدادي- مقاربات في سسيولوجيا الدّين والتديّن (التاريخ والسّياسة) وذلك عن دار إحياء تراث الإمام البغدادي (النجف - العراق)، 2018 .
والكتاب يتضمن قراءات انتقادية للفكر الديني في النظرية والممارسة، وقد أهداه الدكتور شعبان لعمّه " الدكتور عبد الأمير شعبان " وصديقه " الدكتور ناهض شعبان" اللذان اهتمّا بصحة سماحة السيد محمد الحسني البغدادي ورعياه .
ومن أجواء الكتاب  "دين العقل وعقل الدين" و"الظاهرة الدينية ما بين الذاتي والموضوعي" و"الدراسة في الحوزة العلمية وجدلياتها" و" الماركسية والدين" و"ما بين الديني والسياسي" و" تحريم الشيوعية" و" حكاية الفتاوى" و"علاقة البغدادي بالخميني " و"الخلاف بينه وبين السيد محسن الحكيم" و"فكرته عن الجهاد الدفاعي مقارنة بفكرة السيستاني عن الجهاد الكفائي ".
كما تضمّن الكتاب مقتطفات من مؤلّف كان قد كتبه لمواجهة الاحتلال البريطاني وعاد ونشره في العام 1967 دعماً للمقاومة الفلسطينية.
الكتاب يتألف من 334 صفحة من القطع المتوسط واحتوى على عدد من الصور ونبذة عن سيرة المؤلف.


14
في مئويته الثانية : ماركس المفترى عليه
عبد الحسين شعبان
   حلّت قبل مدة قصيرة الذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس ، الفيلسوف والمفكّر وعالم الاجتماع والاقتصادي والسياسي، الذي شغل العالم وملأ الدنيا، بأفكاره ونظرياته وأطروحاته، وقبل ذلك بمنهجه الجدلي. وكنت كتبت قبل ثلاثة عقود ونصف من الزمان (1983) مقالة في مجلة الهدف الفلسطينية بعنوان: “بروموثيوس هذا الزمان”، وهو استعارة عن حامل شعلة الفكر الربانية، أشرت فيه إلى فضل ماركس على البشرية من خلال اكتشافه قوانين الصراع الطبقي وفائض القيمة، وقلت ولا أزال إن إضافته الأساسية هي في منهجه الجدلي، وهو المنهج الذي استخدم بطرق خاطئة في الكثير من المرّات.  وإذا كان ماركس مفترى عليه في عصره وحياته، فلم ينجُ من الافتراء حتى بعد  مماته وبعد تاريخ طويل. والإفتراء جاء من جانب أعدائه وخصومه مثلما ورد من جانب مريديه وأتباعه على حدٍّ سواء، خصوصاً حين تعامل هؤلاء مع تعاليمه كنصوص مقدّسة، وحفظوا بعض مقولاته بطريقة أقرب إلى الأسفار التوراتية أو الآيات الإنجيلية والقرآنية. وأكثر من ذلك حين ردّدوها بوصفها تعاويذ أو أدعية فيها شفاء من كل شيئ وتم استخدامها بطريقة تلقينية لا علاقة لها بزمنها أو بجوهر العصر لاسيما بإضفاء قدسية كهنوتية عليها كان ماركس من أشد أعدائها، خصوصاً حين نزّهوه عن الخطأ ووضعوه خارج نطاق النقد وهو الذي عد المثقف ناقداً اجتماعياً. وجرى أحياناً التعامل مع ماركس والمادية الجدلية انطلاقاً من موروثات ريفية أو بدوية أو دينية وبطريقة انتقائية فيها الكثير من الخفّة والركاكة، في حين هي فلسفة حداثية مدنية يسمح منهجها بالحذف والإضافة والتطوير. وكان الأعداء والخصوم في السابق والحاضر وجدوا في ماركس وفلسفته، وخصوصاً منهجه خطراً على مصالحهم، فلعنوه وطاردوه بسبب الأفكار الجذرية التي حاول التنظير لها لإحداث التغيير المنشود ضد الفكر البرجوازي والهيمنة الرأسمالية الطبقية السائدة. أما المريدون والأتباع فقد عدوه “قديساً” لا يأتيه الباطل من خلفه أو من أمامه، وحسب  بعض دعاته إن كل مساس بفكرة قال بها ماركس أو استنتاج  توصل إليه كأنه مساس بأيقونة تستحق أن توضع في متحف بحيث لا تطالها الأيادي أو تلمسها ، ومنطق هؤلاء مثل منطق أصحابنا الإسلاميين على اختلاف انحداراتهم، شيعة وسنّة، يعتبرون ما قاله أئمتهم أو مرشدوهم يمثّل الحكمة والرشاد والفضيلة،  وهكذا يتم تمجيد هؤلاء دون نقاش لآرائهم وأفكارهم، سواءً في الماضي أم في الحاضر، علماً بأنهم مثل غيرهم بشر يصيبون ويخطئون، لكن الآيديولوجيا العمياء تريد إضفاء القدسية عليهم وعلى أعمالهم، والأمر ينسحب على الآيديولوجيات القومية والبعثية، فمجرد ذكر أي انتقاد لزعيم أو قائد يجعل منه عدوًّا أو خصماً، علماً بأن الأعمى يكاد يرى نتاج سياسات الاستبداد والإقصاء والتهميش. وبالعودة إلى ماركس فإن مثل هذه النظرة التقديسية تبقى حبيسة في النفوس كلّما سمع أحدهم نقداً أو تقريضاً لبعض أفكاره، أو أن الزمن تجاوز الكثير من أحكامه واستنتاجاته، والأمر ينسحب على لينين وحتى ستالين وإلى الأمين العام لهذا الحزب أو ذاك، سواء في تجارب الأصل أم في تجارب الفرع، وهي ثقافة سائدة لدى جميع الأحزاب الشمولية، شيوعية أو قومية أو إسلامية، حيث يتم التعامل معها من منظور عشائري، فكيف يتم انتقاد شيخ العشيرة مثلاً أو المرشد أو الإمام أو آية الله. لا أخال أحداً من جيلنا الستيني لم يترك اسم ماركس شيئاً لديه، سواءً كان من أنصاره أم من خصومه، ومع ذلك فإن ماركس لم يُقرأ عربياً وعراقياً، علماً بأن الأزمة الراهنة للرأسمالية، أعادت ماركس إلى الواجهة مرّة أخرى وكانت نتائج استفتاء لهيئة الإذاعة البريطانية BBC قد وضعت ماركس من بين 100 شخصية مؤثرة في العالم، حتى أن رجال أعمال ومدراء مصارف ورؤساء شركات تأمين شرعوا بقراءة كتاب “رأس المال” على نحو جديد الذي كان من بين الكتب الاقتصادية والسياسية الأكثر انتشاراً في أواخر العقد الماضي، ومع ذلك أقول إن ماركس لم يُقرأ عندنا، واصطفّ خصومه ينددون به ويتهمونه شتى التهم بما فيها الإلحاد، استناداً إلى تفسيرات خاطئة وإغراضية لعبارته الشهيرة ” الدين أفيون الشعوب” التي أخذها عن الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، ووصولاً إلى رفض فكرته بإلغاء الاستغلال والانقسام الطبقي، مثلما كان مريدوه يتجمعون ليتغنّون بمواهبه وعبقريته، دون أن يستنبطوا الأحكام الصحيحة بواسطة منهجه وليس بتكرار مقولاته وأحكامه.وأعرف (شيوعيين) متعصبين أشدّ التعصّب، لم يقرأوا كتاباً واحداً كاملاً لماركس باستثناء “البيان الشيوعي” في أحسن الأحوال، ولولا الدراسة الشكلية في المدرسة الحزبية لبعض الكوادر لما كان تم قراءة هذا الكرّاس كاملاً في العديد من الحلقات والمفاصل الحزبية التنظيمية العليا أو الوسطية، خصوصاً وإن العمل اليومي المسلكي والإداري يكاد يستغرق الأغلبية الساحقة منها وحتى تلك القراءات كانت خلطة من رؤية سوفيتية وطبعات مستنسخة في مدارس الدول الاشتراكية الأخرى، ولكن ما أعرفه أيضاً أن صورة ماركس ولينين كانت تعلّق فوق الرؤوس أحياناً وفي المكاتب إذا سمحت الظروف، ولو إن بعضهم علّق صورة الخميني لاحقاً في ظروف الحرب العراقية – الإيرانية في المنفى، وهو أمرٌ ليس من باب النكتة، بل واقعاً. ماركس الذي كان شبحه يجوب أوروبا العجوز، “رمز الشيوعية” لوحق في فرنسا وطرد منها وذهب إلى بروكسل فطاردوه وانتقل إلى ألمانيا ليشارك في ثورة العام 1848 وحين فشلت غادر إلى لندن ليقضي فيها بقية حياته من العام 1849 ولغاية العام 1883 وعاش في ظروف مادية قاسية، ولولا مساعدات رفيقه في الفكر والعمل، فردريك إنجلز لما تمكّن من العيش وكان قد كتب معه: البيان الشيوعي ” المانيفاستو” والعائلة المقدسة، وأزهرت أفكارهما لتنجب ما نطلق عليه “الماركسية” أو “التمركس″، خصوصاً وهما مثّلا الحلقة الذهبية الأولى فيها. وأهم استنتاجات البيان الشيوعي أن تاريخ المجتمعات الإنسانية هو تاريخ نضال الطبقات وأن المجتمع أخذ بالانقسام إلى طبقتين ، أغلبية محرومة ” البروليتاريا” وأقليّة متخمة ” البرجوازية”، وبنى ماركس استنتاجاته على هذا التقدير، واضعاً رسالة للطبقة العاملة للإطاحة بالرأسمالية وإلغاء المجتمع الطبقي. واستقرأ التاريخ الإنساني ومراحله، وهو ما أكّد استنتاجه من أن الرأسمالية هي المرحلة الأخيرة للتطور الإنساني، وإن تناقضاتها ستؤدي إلى انهيارها الحتمي، وقد حاول لينين تطوير هذه القاعدة التي ارتكز عليها ماركس، فاعتبر “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، وحلّل ماركس وشرح وفسّر الرأسمالية القائمة في عهده أحسن تحليل وتشريح وتفسير، وهو ما يدعونا للقول أن “الماركسية هي علم الرأسمالية” بامتياز، وكان للمنهج الذي اعتمده والذي ما يزال صالحاً الأساس في بلورة استنتاجاته.


انعكاس الواقع
 وقد قرّر ماركس أن تفكير البشر هو انعكاس لواقعهم الاجتماعي الذي يحدّد نمط حياتهم ووجودهم، باعتبار المادة هي أساس الوجود وهي في حالة تطور والتاريخ البشري مرهون لهذا التطور في الظروف المادية، ووفقاً لهذه القاعدة حدّد ماركس رؤيته للكون والعالم والثروة والاقتصاد والسياسة والثقافة والتغيير والثورة. وإذا كان منهجه الجدلي صحيحاً، فليس جميع مقولاته صحيحة، وحتى لو كان بعضها صحيحاً، فإنها ليست صحيحة لعهدنا، خصوصاً في ظل الثورة العلمية- التقنية، أو أنها كانت صحيحة لذلك العهد، فإنها لا تصلح لعهدنا وعلينا استنباط الأحكام الخاصة بنا في ظل الظروف الملموسة. وبهذا المعنى ليست جميع التنبؤات الذي قال بها ماركس يمكن أن تتطابق مع الواقع، فالرأسمالية حطّمت الإقطاع ووجهت النظم والحكومات والبلدان نحو المدنية وتمركزت المِلْكية بيدها أو بيد فئة صغيرة، خالقة عالماً جديداً. وهذا يجسّد صواب رؤية ماركس حيث تعولمت الرأسمالية من خلال ثورة الاتصالات والمواصلات وتمركز المال وازدادت الفجوة الطبقية والاجتماعية، الأمر الذي كان حسب ماركس يقتضي عملية التغيير. وإذا كانت الأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة قد أعادت “طيف ماركس” إلى الواجهة، بعد أن أصبح شبحه «أثراً بعد عين» كما يُقال، الأمر الذي اعتبره البعض جزءًا من المتحفية إذا جاز التعبير، فإنها في الوقت نفسه استحضرت التجربة الشيوعية الدولية، خصوصاً نماذج الماركسية السوفييتية المطبقة. صحيح أن ماركسية القرن الحادي والعشرين لا تشبه ماركسية القرن العشرين، وإنْ كانت تلتقي مع ماركسية ماركس في القرن التاسع عشر، لكنها قد تتجاوزها إلى آفاق أكثر رحابة في ظل مرحلة ما بعد الحداثة والثورة العلمية-التقنية والعولمة وتأثيرها، ومعارفها وعلومها. ولعلّ “الماركسية السوفييتية” تختلف اختلافاً كبيراً عن “ماركسية ماركس” وطبعتها الكلاسيكية، مثلما تختلف هذه الأخيرة التي كشف ماركس قوانينها في القرن التاسع عشر، عن ماركسية ما بعد سقوط جدار برلين العام 1989 ولا شك أن ماركسية القرن الحادي والعشرين ستكون شيئاً آخر، حيث لم يعد التاريخ كما كان المتخيّل منكشفاً في ثنائيات وتبسيطات في ماضيه وحاضره ومستقبله، وعن تشكيلات ومراحل وأدوار يحكمها الصراع الطبقي بكليّاته، ويطرح أشكالاً تتواءم مع التفسيرات اليقينية والحتميات السائدة آنذاك. وكانت إنجازات ماركس قد ساهمت في تعميم معارف عصره، واستنباط حلول تتواءم مع التطور السائد حينئذ، وهو ما أسماه الانتقال إلى عالم الحرية، الذي لم يكن سوى فهم الضرورة، وظلّت الماركسية الكلاسيكية تدور في وحول “الحتميات التاريخية” على نحو سرمدي، وإنْ لم تعر اهتماماً بدور الفرد، معتبرة إيّاه عرضة للتوّهمات والكبوات، وعندما حلّت لحظة تطبيق الماركسية من خلال نظام حاكم، هيمنت عليها الهرمية الكيانية البيروقراطية الحزبية، حيث ارتفع دور الفرد القائد الزعيم، وإن اعتبر الأفراد بفرديتهم وبجمعهم ليسوا سوى جزء صغير وربما مجهري من حركة التاريخ ومساره، الذي تصنعه الطبقة العاملة وطليعتها ويتربع على عرشه القائد الذي تُنسب إليه جميع الصفات الخيّرة فكرياً وإنسانياً وأخلاقياً لدرجة التماهي بينه وبين الطبقة. وقد عمّمت الستالينية نموذجاً احتذى به القادة الآخرون وساروا على هداه، ولعلّ بعض زعماء ما أطلق عليه “حركة التحرر الوطني”، قلّد هذا النموذج بحذافيره، بل زاد عليه في ظروف العالم الثالث المتخلفة، ممارسات أكثر بؤساً على صعيد الإدارة والاقتصاد والسياسة والثقافة وحقوق الإنسان، وبشيء من موروثه وعاداته وتقاليده بما لا ينسجم مع الفكرة الماركسية. لقد شغلت الماركسية، لاسيّما منذ البيان الشيوعي العام 1848العالم أجمع والعلاقات الدولية خلال 170 عاماً ولا تزال، وعندما وصلت إلى السلطة لأول مرة بعد سقوط كمّونة باريس العام 1871  بنجاح ثورة أكتوبر العام 1917 شقّت العالم إلى قسمين، وشهد التاريخ أولى تجارب الحكم «الاشتراكي» وتوسّع الأمر بقيام الجمهوريات الديمقراطية الشعبية بعد الحرب العالمية الثانية العام 1945 ومن ثم نجاح ثورة الصين العام 1949 وتأثر بعض حركات وزعامات العالم الثالث، بالحركة الشيوعية والاشتراكية الدولية، في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، خصوصاً بعد نجاح الثورة الكوبية العام1959 .
مادية جدلية
بهذا المعنى كانت المادية الجدلية منهجاً للتحليل وأداة للعمل من أجل التغيير، وإذا كان قد سبق ماركس وجايله الكثير من المفكرين والباحثين، مثل كانط وديكارت وهيغل وفيورباخ وغيرهم، إلّا أنه كان الوحيد بينهم الذي ترك مثل هذا التأثير على العالم أجمع، فلم يكن مفكّراً كبيراً أو باحثاً متعمقاً أو فيلسوفاً حالماً أو منظماً وداعية حسب، بل كان كلّ ذلك. ولعلّ في هذه الموسوعية وربط الفكرة بالعمل مصدر قوّته وربما مصدر ضعفه في آن، فالمشروع الماركسي الفلسفي قدّم رؤية للتاريخ من جهة، مثلما قدّم منهجاً للتحليل، وهما الأساسان اللذان تعتز الماركسية في حلقتها الذهبية الأولى (ماركس وانجلز) بإضافتهما إلى علم الاجتماع الإنساني، مثلما كانت مشروعاً لتحرير الإنسانية، وحركة ثورية ذات أهداف محددة، لكنها لم تنجح في الاختبار في تجارب دامت نحو 70 عاماً، ولعلّ الجزء المهم منها ظلّ يوتوبياً، ففي كل فلسفة جزء من اليوتوبيا. لم تحبس الماركسية نفسها في إطار الجدل الفكري الأوروبي، بل كانت الساحات العالمية كلّها مجال حركتها، الأمر الذي وضعها في مواجهة الرأسمالية في كلّ مكان، وهذا الأمر أخذ طابعاً تعبوياً وسياسياً بعد التجارب الاشتراكية الأولى، خصوصاً بعد ثورة أكتوبر وتأسيس الأممية الثالثة بقيادة لينين العام 1919 التي استمرت حتى العام 1943? حيث تم حلّ الكومنترن. احتفى البعض بموت الماركسية، بل إنه أهال عليها التراب بعد دفنها، وما تبقّى منها وضعه في إطار الذكريات أو الكتب المتحفية، وكان بعض الماركسيين قد حاول تدوير تاريخه وإنكار احتسابه على هذا التيار الذي ظنّ أنه تم توديعه إلى الأبد ولم يعد أحد يتذكّره، وإذا بالأزمة المالية العالمية تعيده إلى الصدارة ويصبح طيف ماركس وليس شبحه في كل مكان.
فكرة شمولية
 وكما أصبح الحديث عن موت الماركسية بوصفها فكرة شمولية توتاليتارية، ومدخلاً للحديث عن ولادة الليبرالية الجديدة، فقد أصبح الحديث عن فضائل الأخيرة وسيادتها وظفرها مسألة موازية، وهو ما بشّرنا بها فرانسيس فوكوياما حين تحدّث عن نهاية التاريخ وتلقفها بعض زملائنا من الماركسيين القدامى “الليبراليين الجدد”، منتشين باكتساح العولمة للقارات والدول والأمم والشعوب واللّغات والنظم والحدود. وإذا كان هناك في الغرب من أخذ يتحدّث عن عودة ماركس ولكن ليست الماركسية الوضعية النقدية، حيث يريد ماركس لا بسترته المتّسخة، بل كعالم إنثربولوجي وسسيولوجي واقتصادي، ويسير خلفه لا جوقة الرعاع والبروليتاريا، بل مجموعة من البروفسيرات والأدباء والفنانين والمثقفين وأجمل النساء، وهؤلاء يريدون من الماركسية ومن ماركس فكرته الفلسفية ضمن طائفة الأفكار الفلسفية التي تغتني بها اللوحة الفكرية الأوروبية-الغربية، أما هدف تغيير العالم وليس تفسيره، كما دعا إليه ماركس، فهذا أمر تاريخي ومتحفي ليس إلاّ حسب وجهة نظرهم، بحيث لا يتم جمع النظرية إلى جانب التطبيق، وهو ضرورة، انفصلت عنها التجارب الاشتراكية بالكامل وفي جميع الحقول والمجالات. لاشكّ أن الذي مات هو النموذج أو الموديل السوفييتي، وقد أثبت فشله وعدم صلاحه وبالتالي انهياره، لأنه لم يكن ماركسياً أو اشتراكياً، بقدر كونه نموذجاً توتاليتارياً-استبدادياً حيث شكلت قاعدته القسرية الإكراهية الأساس في تطبيقه، الأمر الذي جعله صورة مشوّهة للماركسية الكلاسيكية، رغم بعض نقاط ضعف الأخيرة، وكانت صورة لينين وبالدرجة الأساس ستالين الشاهد الحقيقي للتشويه القيمي والفكري للماركسية، لاسيّما بغياب وجهها الإنساني. ولذلك فإن تبديد أو حتى موت النموذج القسري سيكون متوائماً ومنسجماً مع جوهر الماركسية وذاتها لا خلافاً معها، خصوصاً أن أفكار ماركس المستقبلية لم تكن محط اقتناع، بل هي الأخرى حملت إشكاليات زمانها، فضلاً عن إشكاليات زماننا. وإذا كانت تقديرات ماركس وقراءة بعض أطروحاته، لاسيّما التي تم تطبيقها لم تزكها الحياة، مثل نظريته عن الدولة، التي قال إنها ستذبل وإشكالية دور الفرد في التاريخ، ودور العامل النفسي ووصمه شعوباً بالرجعية بالكامل في معرض حديثه عن الشعب التشيكي، فإن جوهر منهجه ظل حيوياً وقادراً على تحليل واستنباط الأحكام والحلول، رغم أن البعض أرادها أحكامه وحلوله، في حين يقتضي المنهج الماركسي أن نكتشف قوانينا وحلولنا وأحكامنا، لا قوانين وأحكام ماركس، التي كانت تصلح لزمانه وليس لزماننا. هل يحق لنا أن نقول إن الماركسية كفلسفة تستطيع أن تجدّد نفسها رغم شيخوخة بعض جوانبها، حتى إن استبقت بعضاً منها في المكتبات أو اليوتوبيات أو الأحلام أو المتحفيات، فتلك مأثرة الفكر الحي ورائدة بروموثيوس الذي يستحق كما الماركسية القراءة الارتجاعية، بمنهج نقدي وضعي، لا بمسلّمات عفا عليها الزمن!!
 باحث ومفكر عربي




15
«الإسلامفوبيا» و«الويستفوبيا»
عبد الحسين شعبان
بتواضعه الجمّ وعلمه الوافر لفت المفكر المغربي عبدالله الساعف، في كلمته المكثفة التي ألقاها خلال حفل تكريمه من مركز الذاكرة المشتركة في «مكناس» إلى أن اللّغة تمثّل ركناً أساسياً في الهوّية، وكأنه يواصل حواراً مفتوحاً منذ عقود من الزمان حول دور اللغة، سواء كان دستورياً وقانونياً أم عملانياً ووظيفياً، لاسيّما إذا ما تناولنا الهوّية بتكوينها الثقافي والأنثربولوجي المتعلّق بالإنسان بالدرجة الأولى، في علاقته مع غيره ممن يشتركون معه في الوطن والدين والمجتمع، من جهة، وعلى صعيد المشترك الإنساني الكوني، من جهة أخرى.
ولعلّ مثل هذا التشخيص ينطلق من رؤية معاكسة للثنائيات المتصارعة، في النظر إلى الآخر، حيث إن مقابل الإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام) هناك الويستفوبيا (الرهاب من الغرب) فكلاهما ينمّان عن مخاوف مسبقة تغذّيها أحياناً معطيات بعضها صحيح يتم التعكّز عليه وبعضها الآخر خاطئ، بل و إغراضي، وهو الذي يتّجه بعيداً عن المشترك الإنساني، مروّجاً لصراع خفي وظاهر يتعلّق بالمصالح بالدرجة الأساسية، حتى وإنْ ارتدت جلباباً ثقافياً، سواء كان غربياً باسم الدفاع عن الحضارة المسيحية وقيم الحداثة والتنوير أم عربياً وإسلامياً، باسم الدفاع عن الحضارة العربية - الإسلامية والأصالة والتراث ورفض الاستتباع. وفي كل الأوقات، كان هناك من يجد مبررات وذرائع مختلفة للاتجاهات الإقصائية والإلغائية، لتأجيج عوامل التناحر.
وعلى سبيل المثال فهناك «الويستفوبيا» مقابل «الويستلوجيا»، وهذه الأخيرة تعني استخدام السياسات الغربية ضد قيم الغرب «المعلنة»، ولاسيّما الثقافية منها، ولعلّ نموذجها الراهن هو ازدراء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأفارقة ولشعوب البلدان النامية، وحديثه المستفِز ضد اللاجئين وضد التزامات واشنطن الدولية التي اتخذت منحىً استخفافياً، في حين أن القيم الغربية تقوم على احترام الآخر والإقرار بالتعددية والتنوّع في إطار النظام الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان والتسامح، وهي قيم إنسانية تتساوق مع مبادئ الحرية والمساواة والشراكة والعدالة.
وتتعارض هذه القيم الإنسانية جملة وتفصيلاً مع السياسات الرسمية الغربية، بما فيها التنظيرات التي تتّخذ الإسلام «عدواً»، خصوصاً باتهامه بالحضّ على العنف والإرهاب، دون تفريق أحياناً بين الإرهابي والمسلم، وبين المسلم والإسلاموي، وبين المسلم والإسلامي، وبين الدين والتديّن، متنكّرة لقيم الإسلام الإنسانية السمحاء، خصوصاً حين تدغمه مع بعض الممارسات العنفية المتعصّبة والمتطرّفة، والتي هي ليست حكراً على المسلمين وحدهم، بل هي موجودة لدى العديد من أتباع الأديان وفي جميع المجتمعات، سواء كانت متقدمة أم متأخرة وإن كان هناك فوارق بينها.
وكان انهيار جدار برلين وانتهاء عهد الحرب الباردة التقليدية (1947-1989) فرصة مناسبة لانتعاش التيارات المعادية للإسلام والمبشّرة ب«نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات»، بالتجاوز على معاني «الخصوصية» باسم «الشمولية» واستخدام معايير «ازدواجية» و«انتقائية» إزاء الدول النامية ومنها الدول العربية والإسلامية، وفي أحيان غير قليلة توظيف قواعد القانون الدولي وما يسمّى ب «الشرعية الدولية» لخدمة الأغراض السياسية الأنانية الضيقة.
وقد نظّر فرانسيس فوكوياما منذ العام 1989 لفكرة تقسيم العالم إلى عالمين: عالم تاريخي وآخر ما بعد التاريخ، مؤكداً بأن مشكلات العالم الأساسية الراهنة هي النفط والإرهاب واللجوء، وهذه تمثّل تحدّيات كبرى وغير مسبوقة للغرب الذي تتجسّد فيه العدالة والإنسانية، لاسيّما بعد «ظفر» الليبرالية و«هزيمة» الاشتراكية، كما دعا إلى استبدال البندقية من كتف إلى كتف، وجعل الغرب على أهبة الاستعداد.
أما صموئيل هنتنجتون فقد كتب في مجلة «الفورين أفيرز» عن «صدام الحضارات» منذ العام 1993، معتبراً غياب الشيوعية لا يعني زوال التهديد، داعياً إلى بناء القدرات الدفاعية والأمنية والمخابراتية والفضائية، لأن المشكلة حسب وجهة نظره فكرية بالأساس وتتعلّق بالثقافة والحضارة، وإن الصراع هو حضاري وثقافي بين الغرب والحضارات الأخرى. وبما أن الثقافة سياج الهوّية، فلا بدّ لمن يريد تحقيق الانتصار الكامل والنهائي من اقتلاع وتذويب الثقافات الأخرى المناوئة لليبرالية ومنها الإسلام، لأن خطره قائم من المغرب إلى باكستان، وذلك في محاولة لخلط الأوراق.
ولعلّ مثل هذا المفهوم الإلغائي هو نفسه مفهوم تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن والظواهري وأبو مصعب الزرقاوي، وتنظيم داعش وأبو بكر البغدادي، وجبهة النصرة (جبهة فتح الشام)، الذي نظّر أيضاً لمفهوم الصدام الحضاري مع الغرب، مستخدماً التعاليم الإسلامية السمحاء ضد الإسلام في إطار ما نطلق عليه «الإسلاملوجيا»، مقابل «الويستلوجيا» متناسياً ومتجاهلاً حاجة البشر إلى الحوار والتفاهم والعيش المشترك لتحقيق التعاون والتنمية لما فيه خير الجميع.
فالعرب والمسلمون بحاجة إلى الغرب مثلما هو بحاجة إليهم، ولا يمكنهما الاستغناء عن بعضهما. وإذا كانت حاجة البلدان النامية إلى الغرب علمياً وتكنولوجياً وثقافياً، لأنه يمثل مستودعاً لخير ما أنجزته البشرية من تقدم في المجالات المختلفة، فإنه بحاجة إليها بما تمتلك من موارد ونفط وأسواق وغير ذلك، الأمر الذي يصبح فيه الحوار والتفاهم والتعاون ضرورة ماسة وحاجة ملحّة لا غنى عنها، وخصوصاً على صعيد العلاقات الدولية، والشيء ذاته يمكن أن ينطبق على صعيد العلاقات الداخلية.
drhussainshaban21@gmail.com



16
ثقافة التنمية وتنمية الثقافة
             

عبد الحسين شعبان
في إطار مهرجان «القرين» الثقافي السنوي في دولة الكويت، التأمت ندوة مهمة نظّمها «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب» بعنوان «اقتصادات الثقافة العربية ودور الكويت في تنمية المعرفة». والحقيقة أن العنوان يحمل تفاصيل عدة، ومتفرّعات كثيرة، يتداخل فيها دور القطاعين العام والخاص في «تنمية الثقافة»، وفي «ثقافة التنمية»، كما يندرج تحت العنوان ذاته دور الهيئات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية في نشر الثقافة من جهة، وفي تعزيز اقتصادات الثقافة من جهة أخرى، بما فيها الثقافة الإلكترونية (النشر الرقمي)، خصوصاً أن السؤال يتعلق بالمستقبل، فهل الثقافة سلعة، أم خدمة مساعدة ترفد التنمية؟
وإذا كانت اقتصادات الثقافة في العالم وصلت إلى آفاق رحبة، وحققت نجاحات باهرة على هذا الصعيد، فإنها في العالم العربي لا تزال في بداية الطريق، ويكفي أن نشير إلى أن نسبة الإنفاق في البلدان العربية لا تزيد على 3 في الألف من الدخول القومية، بل إن بعض البلدان أقل من ذلك بكثير، على الرغم من أن الدساتير العربية، جميعها تقريباً تشير، وبدرجات متفاوتة ومختلفة، إلى مسؤولية الحكومة في رعاية الثقافة، باعتبارها «حقاً» لكل مواطن تكفله الدولة، وتلتزم بدعمه.
ولعلّ هذا الأمر يستوجب إجراء مراجعة مسؤولة من جانب الحكومات والقوى الفاعلة في المجتمع حول قيمة الثقافة كحاجة روحية للإنسان، خصوصاً حين تقترن بالمعرفة، إنتاجاً ونقلاً وتلقياً، مثلما تمثّل مورداً أساسياً للدخل يمكنه أن يعود بمردود مادّي ومعنوي على الدولة والمجتمع والفرد، بما يتفاعل مع عملية التنمية.
وإذا كان على الدولة أن تلعب دوراً محورياً في التنمية الثقافية، بتخصيص الموارد والبيئة الحاضنة لتفجير طاقات المجتمع والفرد، فلا بدّ لها من التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني ومع قطاع أصحاب الأعمال، ومهما يكن دور المؤسسات الثقافية في التعبير عن الواقع المعيش وحياة الناس، لكن مسؤولية الدولة تبقى أساسية، سواء في سن القوانين وتشريع الأنظمة، أو في ضمان كفالة الثقافة وحمايتها لتحقيق السلام المجتمعي باعتبارها جزءًا حيوياً ومهماً من التنمية.
وقد أصبحت الثقافة مجالاً واسعاً وكبيراً للاستثمار، حيث توجد بلدان تقوم اقتصاداتها على الثقافة بجميع جوانبها، ابتداء من موروثها الثقافي إلى الحقول العلمية والتقنية، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي «الروبوتات»، ويتعلق الأمر بتنمية المعرفة كجزء من الثقافة بما فيها الخيال الذي هو حسب عالم الفيزياء الشهير ألبرت آينشتاين «أهم من المعرفة» حيث ينضوي تحت لوائه: الإبداع، والابتكار، والتميّز، والتجديد.
والثقافة بهذا المعنى هي أحد الأسلحة الناعمة والمؤثرة في عملية التنمية بمفهومها الإنساني الشامل والمستدام، ولا نقصد بذلك «النمو الاقتصادي» فحسب، بل «توسيع خيارات الناس» في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية والنفسية، لإحداث التطوّر والتغيير المطلوبين. ومن الصعب تصوّر تحقيق التنمية المستدامة من دون ثقافة، الأمر الذي يقتضي الربط بين التنمية والثقافة، لأن أحدهما يكمّل الآخر، بل هما وجهان لعملة واحدة، وهناك علاقة جدلية ومصيرية ووجودية بين الثقافة وأي مشروع تنموي.
وإذا كانت الثقافة هي نتاج لكل الناس، فينبغي أن يكون استهلاكها لكل الناس أيضاً، لأنها لم تعد محصورة بالنخبة فحسب، والإبداع هو كل ما يشمل التعبير عن إحساس المجتمع بالجمال والحرّية والهوّية الإنسانية، وهذا جزء من الاقتصاد، فالسينما والمسرح والفنون والآداب والسياحة، بما فيها السياحة الدينية والآثارية، تمثل استثمارات اقتصادية كبيرة للجميع، بما توظّفه من خدمات، ونقل، وأماكن إقامة، وغيرها من الفرص الكبيرة لخلق وظائف لآلاف الناس.
واستناداً إلى ذلك، فالثقافة ليست مجرد هامش تعبير، بقدر ما هي مكوّن أساسي من مكوّنات التنمية، ولكنها اختُزِلت في ظل الأيديولوجيات الشمولية ليقتصر دورها على الإرشاد والتوجيه والدعاية، وحتى اليوم فالتعامل معها يُنظر إليه من باب الإلحاق والتبعية، بل إن الصراعات السياسية المحمومة على تولّي المناصب «السيادية»، لا تضع الثقافة في صلب اهتماماتها، حيث دائماً ما يُنظر إليها نظرة استصغارية.
أما أهم الكوابح التي واجهت الثقافة والمثقف على المستوى العربي فهي: شحّ الحريات والثيوقراطيات الدينية، والانقسامات والصراعات الطائفية، إضافة إلى العادات والتقاليد البالية، وقلّة التخصيصات المالية من جانب الحكومات، فضلاً عن تحكّم رأس المال في التوجهات الثقافية، تضاف إلى ذلك محاولات فرض استتباع خارجي لتعميم نمط الثقافة السائدة ذات المضمون المعولم، لاسيّما بتسليع الثقافة، من دون أن ننسى ما للتعصّب والعنف والإرهاب من تأثيرات سلبية في الثقافة والتنمية في السنوات الأخيرة، الأمر الذي تدارسته «ندوة القرين» التي ضمّت نخباً فكرية وثقافية عربية متنوّعة، وحثّتهم على تبنّي الدعوة لبناء مشروع ثقافي عربي لمواجهة التحدّيات والاختراقات التي تواجهها الأمة العربية، مشفوعة بالدعوة لتأسيس مجلس أعلى للثقافة العربية يجمع بين الجهات الحكومية والمفكرين والمثقفين العرب، وممثلين عن القطاعين الخاص والعام، لإطلاق مبادرات ثقافية جامعة تكون جهة تواصل وتفاعل بين الجهات المختلفة المعنية بتنمية الثقافة وبثقافة التنمية.
drhussainshaban21@gmail.com



17
بغداد - واشنطن : أي تاريخ وأي مستقبل؟
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

   شهدت العلاقات العراقية - الأمريكية تصدّعاً كبيراً بعد الإٌطاحة بالنظام الملكي إثر ثورة 14 يوليو (تموز) العام 1958، وظلّت في حالة فتور وعدم ارتياح وريبة وعداء، تعمّق مع مرور الأيام، حتى وقوع العراق تحت الاحتلال العام 2003 . ويمكن رصد ثلاث محطات أساسية تعرّضت فيها المصالح الأمريكية إلى ضربة موجعة في العهد الجمهوري.
   المحطة الأولى - بعد الثورة مباشرة، ولاسيّما في إعلان الخروج من حلف بغداد "حلف السنتو". وعلى الرغم من أن واشنطن لم تكن عضواً رسمياً في الحلف، إلّا أنه كان مدعوماً منها باعتباره حلقة مهمة من حلقات مشروعها في المنطقة القاضي بتطويق الشيوعية وتقليص نفوذ حركة التحرّر الوطني، حيث كان الحلف يضم تركيا وإيران وباكستان والعراق وجميعهم حلفائها آنذاك، إضافة إلى بريطانيا. وكان إقدام العراق على إلغاء المعاهدة الأمريكية - العراقية المبرمة بين البلدين العام 1954، والتوجّه صوب الكتلة الإشتراكية، وخصوصاً الاتحاد السوفييتي، أحد الأسباب الأساسية في الافتراق والعداء اللاحق بين البلدين.
   المحطة الثانية- قطع العلاقات بين العراق والولايات المتحدة، بعد عدوان الخامس من يونيو (حزيران) العام 1967، بسبب انحياز واشنطن إلى تل أبيب ودعمها عسكرياً وسياسياً، وهو الأمر الذي أضعف من دورها في المنطقة العربية والعالم الإسلامي ككل، بل وأساء إلى سمعتها.
   المحطة الثالثة - تأميم النفط العام 1972 وخسارة الشركات الأمريكية لمليارات الدولارات. وكان النفط أحد أسباب واشنطن في مناصبة العداء للعهد الجمهوري الأول، وخصوصاً بعد صدور القانون رقم 80 لعام 1961 الذي تم بموجبه استعادة 99.5% من الأراضي العراقية من أيدي الشركات الاحتكارية للتنقيب عن النفط.
   وكانت الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988 فرصة جديدة لواشنطن لاستعادة شيء من نفوذها المفقود، مستغلة اندلاع الثورة الإيرانية العام 1979  وتوتّر العلاقات الخليجية- الإيرانية ، حيث عملت على إدامة أمد الحرب حماية لمصالحها الاستراتيجية.
   وكشفت فضيحة إيران غيت وكذلك المعلومات الاستخبارية والعسكرية المسرّبة إلى بغداد، السياسة الازدواجية التي مارستها طيلة تلك الفترة والتي انقلبت بعدها ضد بغداد إثر الغزو العراقي للكويت العام 1990، وقادت حملة لتحريره العام 1991، ثم فرضت حصاراً دولياً على العراق دام ما يزيد عن 12 عاماً (من العام 1991 ولغاية العام 2003)، وصولاً إلى احتلال العراق تحت حجة "وجود أسلحة دمار شامل" و"ضلوعه بالإرهاب الدولي"، وهي نفسها التي أخرجته من قائمة الدول الراعية للإرهاب خلال الحرب مع إيران.
   وفي الوقت نفسه أزيلت بعض العوائق عن الصادرات الأمريكية المتوجّهة إلى العراق، ووصل حجم التجارة البينية إلى ما يقارب مليار دولار سنوياً عدا التجهيزات العسكرية الأمريكية، وهو ما أشار إليه الكاتب الصحافي الفرنسي آلان غراش رئيس تحرير جريدة لوموند ديبلوماتيك في كتابه " الخليج : مفاهيم لفهم حرب معلنة" الذي صدر في العام 1991.
   وكان الرئيس جورج دبليو بوش قد وضع ثلاثة أهداف له للحرب على العراق أولها- نزع سلاح صدام حسين ، وثانيها - جعل العالم أكثر أمناً، وثالثها - تحرير الشعب العراقي (والمقصود نشر الديمقراطية على الطريقة الأمريكية). وبغض النظر عن عدم شرعية الأساس القانوني وبطلان الادعاءات وزيف الاتهامات، فإن النتائج العملية تقول: إن العالم لم يصبح أكثر أمناً، بل ازدادت التهديدات الإرهابية، وإن واشنطن أول من قام بانتهاك حقوق الإنسان في العراق، وقد كشفت حوادث التعذيب ومحاولات إذلال العراقيين ذلك، لاسيّما ما حصل في سجن أبو غريب ومجازر الحديثة والإسحاقي ومذابح الفلوجة وغيرها.
   وحتى العملية السياسية التي صنّعتها واشنطن لم تكن قادرة على "نقل العراق من الدكتاتورية إلى الديمقراطية"، لأنها قامت على نظام المحاصصة الطائفي الإثني وتقاسم السلطة على نحو أدى إلى شيوع ظواهر الإرهاب والعنف والفساد المالي والإداري والرشا، ناهيك عن استشراء الميليشيات خارج نطاق الدولة وانتشار السلاح على نحو لم يسبق له مثيل، خصوصاً في ظل ضعف هيبة الدولة، وصعود مرجعيات لموازاتها مثل المرجعيات الطائفية والإثنية والعشائرية والمناطقية وغيرها .
   أما حقيقة أهداف واشنطن فقد كانت ثلاثة أيضاً - الأول- اقتصادي وهو متمثلٌ بالنفط وتوابعه والثاني - أمني استراتيجي وهو متمثلٌ بالموقع الذي يحتله العراق في علاقاته مع واشنطن، ولاسيّما في مواجهة إيران والإرهاب و"أنظمة الشر"، والثالث ديني حسب معتقدات بوش، التي هي خليط من أفكار دينية وأوهام تاريخية.
   وفي المرحلة الجديدة ما بعد الاحتلال مرّت العلاقات العراقية- الأمريكية بخمس فترات يمكن تصنيفها كالآتي - الأولى بدأت بالحكم المباشر للجنرال جي غارنر واستمرت من 9 نيسان (ابريل) ولغاية 13 أيار (مايو) 2003، حيث تسلّم القيادة منه بول بريمر. والثانية بحكم مدني مطلق للحاكم الأمريكي السفير بول بريمر، واستمرت حتى 30 يونيو(حزيران) العام  2004، وكان قد أصدر "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" في 8 آذار (مارس) 2004 وشكّل مجلساً للحكم الانتقالي تابعاً له في 13 تموز (يوليو) 2003.
   الثالثة- بدأت بعد إجراء انتخابات على أساس دستور دائم في العام 2005، حيث تم الاستفتاء على الدستور في 15 اكتوبر/تشرين الأول وأجريت على أساسه الانتخابات في 15 ديسمبر /كانون الأول من العام ذاته. وهي فترة انتقالية استمرت بإدارة عراقية وإشراف أمريكي مع وجود القوات الأمريكية التي وصل عددها إلى 170 ألف عسكري، وفيها تم توقيع اتفاقية أمنية عراقية- أمريكية العام 2008، وكان من المفترض إجراء استفتاء شعبي عليها حسبما نصّت، لكن الحكومة العراقية سوّفت هذا الأمر حتى تم انقضاء مدّتها نهاية العام 2011.
   ولم تتمكّن القوى المؤيدة " راقياً" لإبرام معاهدة جديدة أو الولايات المتحدة والرئيس بوش تحديداً من الوصول إلى صيغة تعاقد جديد، بحيث ينتقل "الاحتلال العسكري إلى احتلال تعاقدي"، وهكذا شهدت الفترة الجديدة نوعاً من الفتور وبرود العلاقة السياسية، ولاسيّما مع مجيء الرئيس باراك أوباما وبالأخص مع مطلع العام 2012 واستمرّ مثل هذا الضعف أو عدم الاكتراث حتى العام 2014.
   أما الفترة الرابعة فهي بعد احتلال داعش للموصل في 10 يونيو (حزيران) العام 2014، وابتدأت مع ترشيح حيدر العبادي لرئاسة الوزراء، حيث استعاد الطرفان الرغبة في تعزيز العلاقة، ولاسيّما العسكرية والأمنية لما يجمعهما من أهداف في  محاربة داعش والقضاء على الإرهاب.  أما الفترة التي تلتها الخامسة فقد شهدت صعود الرئيس دونالد ترامب لرئاسة  للبيت الأبيض (يناير/كانون الثاني /2017) وتميّزت بتطوّر مستوى التعاون في الجانب الأمني والعسكري والسياسي.
   والسؤال الذي يواجه الباحث هو إلى أين تسير علاقات بغداد - واشنطن في ظل استمرار التخبّط العراقي في تحديد الأولويات؟ ويحتار المرء أحياناً من أين يبدأ؟ وعلى أي الطرق يسير؟ وإذا كان زيادة الإنتاج النفطي هو الأولوية لبغداد والحفاظ على الوضع القائم كي لا ينهار بسبب الأزمة المالية التي سبّبها انخفاض أسعار النفط والمجهود الحربي ضد داعش، دون أن ننسى الفساد المستشري في أجهزة الدولة ومفاصلها وهو الوجه الآخر الثاني لداعش. فماذا هي فاعلة بشأنه ونظام المحاصصة الطائفي - الإثني الذي يلهج الجميع بذمّه: هل لإعادة بناء وترميم البنى التحتية أو لزيادة التسليح أو لمحاربة الفساد أو لتحسين قطاع الخدمات، ولاسيّما الصحة والتعليم أو للقضاء على البطالة أو لحلّ الخلافات مع إقليم كردستان؟
   وإذا كانت تلك جميعها تمثل أولويات وأهداف آنية ومتوسطة المدى، فمن أين ستبدأ  بغداد ؟ وكيف ستتصرف كدولة؟ في إطار خضمٍّ من الصراعات الداخلية والإقليمية، خصوصاً بعد الأزمة الحادة مع إقليم كردستان بسبب الاستفتاء الكردي (25 سبتمبر/ أيلول/2017)، تلك التي لا تزال لم تجد لها حلولاً مقبولة بشأن المناطق المتنازع عليها وبالدرجة الأساسية "محافظة كركوك" وفقا للمادة 140 من الدستور، وقد يتطلب الأمر تعديلات دستورية ضرورية وأساسية وهي لا تزال مجمّدة منذ العام 2006 ولحدّ الآن.
   ولكي تضع واشنطن لبغداد حساباً في اعتبارها ، فلا بدّ أن تكون بغداد موحدة في حركتها  ومصدر قرارها ، إذْ لا يزال الكثير من الأطراف العراقية يتعامل مع الولايات المتحدة منفرداً، وأحياناً  بما يتعارض مع قرار الحكومة وسياساتها ، وهي ظاهرة لا تضعف وحدة القرار العراقي فحسب، بل تربك أداءه في تحقيق أهداف السياسة الخارجية وفي التعامل مع المحيط العربي والإقليمي أيضاً وليس مع واشنطن فحسب.   وإذا كانت بغداد وحواشيها لا تزال متخبّطة إزاء العلاقة مع واشنطن، فإن هذه الأخيرة لها استراتيجيتها النابعة من مصالحها وأهدافها.
   والمتتبع يلحظ سعي واشنطن لإجراء الانتخابات في موعدها المعلن (15 أيار/مايو/2018) وتشجيع  إقامة كتلة كبيرة، بعيدة عن تأثير النفوذ الإيراني، والأمر يحتاج إلى تحالفات جديدة شيعية - كردية - سنّية قريبة من واشنطن يُرجح أن يكون على رأسها رئيس الوزراء الحالي، ويمكن لها أن تحظى بدعم مادي ومعنوي لإعادة إعمار المناطق المتضرّرة وعودة النازحين إليها. وحسب قراءتنا الأولية فإن الخطوط العريضة لمثل هذا الاستنتاج هي :
   1- القضاء على داعش واستكمال ملاحقته عسكرياً بالتعاون مع القوات العراقية وإبراز دور التحالف الدولي، والإبقاء على عدد القوات الأمريكية القتالية والخاصة في العراق، بحجة حماية الأراضي التي تم طرده منها وإفشال مخططاته بالعودة إليها والعمل على تعزيز سبل مكافحة الإرهاب الدولي من خلال تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في العراق.
   2- تقليص النفوذ الإيراني بتطويقه ومنعه من التمدّد في العراق والسعي لإبعاد الحكومة العراقية من أن تكون تابعاً له أو تدور في فلكه، سواء ما  له علاقة بامتداداته العربية في سوريا ولبنان واليمن والبحرين والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج، إضافة إلى العلاقة مع حماس وقطاع غزة ، وذلك انسجاماً مع أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ككل.
   3- تشجيع إقليم كردستان على البقاء ضمن "العراق الديمقراطي الفيدرالي"، وتعزيز أواصر الصداقة معه، خصوصاً بعد أن كانت واشنطن قد تحفظت إزاء خطوة الاستفتاء. وعلى الرغم من علاقة واشنطن مع بغداد والدولة العراقية ككل لما تشكّله من ثقل، فإنها في الوقت نفسه تريد تأكيد العلاقة الخصوصية مع الإقليم والتحالف المستمر مع الحركة الكردية.
   4- إبقاء نقاط المراقبة الميدانية والجوية واستمرار الاستطلاعات الأمنية والاستخبارية، لإفشال المشروع الإيراني ومنعه من إيجاد ممرات بديلة وطرق برية أخرى لإدامة الاتصال بين طهران ودمشق عبر بغداد وصولاً إلى البحر المتوسط مروراً ب
الأراضي اللبنانية، ضمن محور "الهلال الشيعي".





18
العنف وفريضة اللاعنف.. شذرات من تجربة شخصية ح 4
حصار العراق بزعم إسقاط نظامه سخرية لمن يحاول تسويغه أو التواطؤ معه
عبد الحسين شعبان
   لقد برّر ستالين ملاحقة ضحاياه وقتل الملايين من البشر بـ "الدفاع عن الاشتراكية" ضد الأعداء والامبرياليين والمتواطئين معهم، وشنّ صدام حسين حروبه باسم الحقوق وبهدف منع التآمر على نظامه، ناهيك عن تصفية خصومه، سواء داخل حزبه أو خارجه... كل ذلك تحت مزاعم امتلاك الحقيقة، والغايات الشريفة التي تبرّر استخدام جميع الوسائل حتى وإن كانت غير عادلة، وباختصار إن ذلك يعني "الغاية تبرر الوسيلة" وهو المبدأ الميكافيللي الذي لا يقيم وزناً للإنسان.
   وكان كتاب "الأمير" للفيلسوف الإيطالي ميكافيللي قد صدر إبان عصر النهضة، وهو من الكتب التاريخية المهمة في علم السياسة، رغم مضي أكثر من 5 قرون على صدوره، وعلى افتراض وجود غايات عادلة ، فهل يمكن استخدام وسائل غير عادلة لتحقيقها؟ هل يجوز ذلك أخلاقياً وفكرياً وقانونياً أم ثمة اختلالات بنيوية، لاسيّما بين العنف والأخلاق؟ فالعنف يجعل القضية العادلة قضية غير عادلة ووسائل العنف تحطّ من شأن القضايا العادلة. ولكي نصل إلى الغاية العادلة يجب استخدام وسائل عادلة أيضاً، أي الانسجام والتناغم بين الغاية والوسيلة التي يتم السعي لتحقيقها.
   وكنتُ دائماً ما أضرب مثلاً بخصوص الحصار المفروض على العراق بالقول: إن الزعم بمحاصرة العراق هو نظامه، إنما هو سخرية لمن يقوم بها ولمن سوّغها أو لمن يحاول التواطؤ معها أو الاقتناع بها، وهو أقرب إلى استهداف طائرة ركاب تقلّ على متنها  380 راكباً، بحجة وجود إرهابي واحد عليها أو الشك بوجوده، أو مثلما هو تجفيف بحيرة كاملة وحرمان السكان من الماء بحجة وجود سمكة خبيثة فيها، ومثل هذا العنف الجماعي هو لا إنساني وهو ينطلق من تبرير الأسلوب الميكافيلي: الغاية تبرر الوسيلة، في حين إن الوسيلة جزء من الغاية، وإذا كانت الغاية غير معروفة بالملموس ، فالوسيلة ملموسة، وبالتالي لا يمكن أن تكون وسيلة غير عادلة تنافح وتكافح من أجل قضية عادلة.
   والعلاقة بين الوسيلة والغاية حسب غاندي، الذي كثيراً ما استشهدت به، هي علاقة عضوية متينة ومترابطة ولا انفصام بينهما، لأن الغاية كامنة في الوسيلة، وهي مثل "علاقة البذرة بالشجرة"، والعكس صحيح. وإذا كنّا لا نستطيع التحكّم بالغايات، لاسيّما وهي بعيدة المدى لأنها تتعلّق بالمستقبل، فإننا يمكن أن نسيطر على الوسائل، لأنها جزء من الحاضر، أي إن الغاية تعيش للمستقبل، أما الوسيلة فهي تعيش في الحاضر.
   وقد حاول كارل ماركس ورفيقه انجلز تبرير استخدام العنف باستمرار صراع الطبقات، وحين يزول هذا أو يحلّ لصالح انتصار الاشتراكية والشيوعية، فسيزول معه كل عنف، لاسيّما بزوال الظلم وسيادة العدل، أي تبرير استخدام العنف بانتظار المستقبل، ويظل ذلك مجرد وعد، لكن الحقيقة سارت باتجاه آخر، ويختلف اللّاعنفيون عن مبرّري العنف، إنهم لا يعدون أحداً بالمستقبل، إنما وعدهم هو "الآن... الآن... وليس غداً" ، أي إن استعمال الوسيلة هو المقدمة الضرورية للغاية.
   العنف يفرض نوعاً من التشابه، بل يجبر على مثل هذا التشابه أحياناً، وذلك بجعل مجموعات سكانية ثقافية دينية أو لغوية أو إثنية أو سلالية تتشابه فيما بينها، وذلك تحت زعم امتلاك الحقيقة وادعاء الأفضليات، إضافة إلى عوامل أخرى، في حين أن أفرادها مختلفون . العنف وحده هو الذي يجبرهم على مثل هذا "التشابه" الإجباري الإكراهي، في حين إن اللّاعنف هو خيار الاختلاف، وهكذا هم البشر مختلفون ومتباينون بحكم تلقائيتهم وعفويتهم  وظروف نشأتهم وتكوّنهم، إضافة إلى أوضاع حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
   يناقش صديقي الفرنسي فيلسوف اللّاعنف جان ماري مولر فكرة البير كامو الملتبسة عن فلسفة العنف واللّاعنف، تلك التي تردُ مراراً في رواياته ، لاسيّما في حوادث القتل، فيقول إن بعض خصومه أخذوا عليه هروبه إلى مثالية " اللّاعنف"، على الرغم من أنه لم يدّعه قط، ويعرّج على مقدمة كتبها جان بول سارتر على كتاب فرانتز فانون " معذبو الأرض" العام 1961 بخصوص عنف الشعوب المستعمرة، فيقدّم نقداً لاذعاً للّاعنفيين بقوله ما أشدّ سذاجتهم فهم "لا ضحايا ولا جلادون" في تلميح واضح إلى ما كتبه كامو.
   ويقدّم جان ماري مولر في كتابه " نزع سلاح الآلهة" عرضاً موسعاً للأديان، ولاسيّما للمسيحية والإسلام من منظور فريضة اللّاعنف، مقدّماً قراءة معمّقة للنص الديني مستنتجاً " إن الله لا يسمح بانتصار الشر" وإن حصل ذلك فإمّا إنه ليس قديراً، وإمّا إنه ليس طيباً، والله هو الذي يصلّي للبشر لأنه محبّة، وهو مطلق.
   والفريضة التي يتحدّث عنها يقصد بها الفضيلة التي تمنح الإنسان هذا القدر من المحبّة والطهرانية والروحانية الإنسانية، وتقرّب البشر من بعضهم، بغض النظر عن الدين أو حتى الإيمان أو التديّن أو اللّاتديّن ، لأن الجميع يمكن أن يجتمعوا في خيمة التعايش والسلام وحب الخير.
   هل اللّاعنف مطلق؟
   وإذا احتسبنا كامو على اللّاعنفيين، فإنه مثل غيره لا يؤمن بفكرة " اللّاعنف المطلق"، وإنْ كان يطلّ على بعض أطروحات غاندي بإبداء التقدير له، وهو الآخر كان قد طعن في صحة عدم وجود لاعنف بصورة مطلقة، دون أن يُشرْعِنْ القتل أو ممارسات العنف.
   وإذا كان العنف ظاهرة لصيقة بالصراع، وهو في الغالب أحد مخرجاتها أو أبعادها فإنه نوعان: الأول - العنف المباشر، مثل القتل، والتعذيب، والإيذاء الجسدي، والحصار والعقوبات الاقتصادية وغيرها والثاني - " العنف غير المباشر"، وقد يكون هذا ناعماً مثل التمييز في النوع الاجتماعي (الجندر)، في التعليم، لأسباب تتعلّق بالدين والطائفة أو العرق أو القومية أو اللغة أو اللون أو الأصل الاجتماعي.
   والعنف يكون أيضاً بواسطة الاستغلال، لاسيّما باستمرار التفاوت الطبقي بين المتخومين والمحرومين، والأغنياء والفقراء في النظام الاجتماعي أو من خلال استقطابات اجتماعية أو دينية أو عرقية أو جهوية أو غيرها، بما فيها وجود قوانين وتشريعات غير عادلة أو لا تحقق المساواة والتكافؤ في الفرص، وسيادة قيم سلبية مثل عدم التسامح والاستعلاء، والخوف من الاستخدام السلبي للتباين في علاقات القوة وفرض الهيمنة والاستتباع في إطار ازدواجية في المعايير.
   وحين يكون العنف الأول ظاهراً، يكون العنف الثاني كامناً أو غير ظاهر، وهذا الأخير يعمل ببطء وتدرّج ، ويسهم في تآكل القيم الإنسانية، وقد يكون أكثر خبثاً من الأول.
   وتحدّد الاتجاهات والسياقات والسلوك، العنف وتأثيراته السلبية وكذلك سبل مجابهته بالثقافة النقيضة، فمثلما هناك سلوك سلبي (عنفي) ، هناك سلوك إيجابي (لا عنفي)، سواء كان مرئياً أو غير مرئي، وأمثلة عديدة على السلوك السلبي وسياقاته: التمييز العنصري وإنكار حق تقرير المصير وازدواجية المعايير ، أما اتجاهاته فتتمثّل بالمشاعر والقيم، مثل الخوف، انعدام الثقة والكراهية وغيرها وعكسها تتمثل اتجاهات اللّاعنف، التي ترفض التمييز وتدعو إلى مقاومته سلماً وتعترف بحقوق الغير، خصوصاً إيمانها بالتسامح والمساواة بين البشر والمشترك الإنساني.
   ويشمل العنف الثقافي، العنف المباشر وغير المباشر، إضافة إلى الأوجه الرمزية في الثقافة، المتمثلة بالأفكار وتعاليم الدين واللغة والفن وغيرها من العلوم الاقتصادية والتكنولوجية التي تشرْعِنْ العنف، ويرى غالتونغ وهو عالم نرويجي ومؤسس لمعهد بحوث السلام في أوسلو، إن القضاء على العنف المباشر يتم من خلال تغيير السلوك وانتهاءً بالعنف غير المباشر " البنيوي" لمعالجة التناقضات وانتهاءً بالعنف الثقافي من خلال تغيير الاتجاهات، وكان قد انتقد البلدان الغربية في موقفها من البلدان النامية.
   وهناك عنف اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي ونفسي وإعلامي وقانوني وجنسي وأسري وتربوي محلي ودولي، وهناك عنف رمزي وتكنولوجي وعلمي وفني بما فيه أفلام الأكشن والألعاب الاليكترونية.
   رموز اللّاعنف
   ومن أبرز دعاة اللّاعنف الفيلسوف ديفيد ثورو الأمريكي من أصل فرنسي (1817-1862) الذي كان داعية ضد نظام العبودية، ومحرّضاً على العصيان المدني وضد دفع الضرائب. وكانت تأثيراته كبيرة على دعاة اللّاعنف المعاصرين من تولستوي (1828-1910) وغاندي (1869-1948) ومارتن لوثر كينغ (1929-1968)، خصوصاً وهو أول من وضع اللبنات الأولى لنظرية المقاومة السلمية، أو بلور رؤيته لمناهضة القوانين غير العادلة مؤكداً على الضمير قبل القانون، باعتباره قوة ضبط داخلية وهو المعوّل عليه لأنه هو المنوط به ما يفعله الإنسان.
   وإذا ما أضفنا إلى هؤلاء نيلسون مانديلا (1918-2013) الذي ما إن أُفرج عنه في العام 1990 حتى تحوّل إلى داعية للتسامح واللّاعنف والمصالحة الوطنية، وكان قد انتقل من الإيمان بالعنف إلى اللّاعنف بعد أن قضى 27 عاماً في السجن. واستطاع بدعوته الإنسانية تلك وإدارته مفاوضات مع دي كليرك ونجاحه في انتخابات العام 1994 التي أصرّ أن تكون لكل الأعراق والأجناس والانحدارات أن ينهي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا التي دام فيها أكثر من قرنين من الزمان حيث كانت تتحكم فيه " الأقلية البيضاء".
   إن غاندي وكنغ ومانديلا لم يكونوا غريبين، كما إن زعاماتهم لم تكن منتجاً غربياً، فهم جزء من مجتمعات عانت من التمييز والاضطهاد وهم من استطاع قيادتها نحو تحقيق أهدافها بالوسائل اللّاعنفية.
   
   ما يشبه الخاتمة
   إذا كنتُ قد توصلت إلى اللّاعنف، وجئت إلى فضيلته على دفعات ومراحل، فإن فريضته لم تتكوّن هكذا مرّة واحدة أيضاً. لقد جئناها من مواقع ومنابع مختلفة، بما فيها عنفية أحياناً أو لم تشكّل قطيعة نهائية مع العنف أو لا تزال متردّدة إزاءه، لكن الاهتداء إليه جاء بعد تجارب مريرة عشناها وعانينا منها  مثلما عانت منها شعوبنا وأوطاننا. وآن الأوان للبحث عن اللّاعنف لدى كل منّا، وفي تراثنا وثقافتنا، لتعميمه وليصبح هو القاعدة وليس الاستثناء، حتى وإن كنّا لا نستطيع أن نلغي العنف من حياتنا.
   وإذا كان لكل منّا صدمته من العنف، فصديقنا جان ماري مولر الفيلسوف الأشهر في العالم المعاصر وزميلنا في جامعة اللّاعنف انتقل إلى فريضة اللّاعنف، حين طُلب منه أن يلتحق بالجيش الفرنسي وليقاتل الشعب الجزائري، المستعمَر والمحتَل والذي ذاق مرارة العسف والعنف طيلة قرن وأكثر من ثلاثة عقود من الزمان، فرفض وامتنع، وفضّل السجن على أن ينخرط في مقاتلة شعب يتطلّع لنيل حريته واستقلاله وحقه في تقرير مصيره، رافضاً كليّاً اللجوء إلى العنف.
   هكذا  كانت صدمة الجزائر الخطوة الأولى لتحوّله نحو فلسفة اللّاعنف، وقد كرّس لذلك حياته منذ مطلع الستينات من القرن الماضي وحتى اليوم ويعتبر كتابه "نزع سلاح الآلهة" مرجعاً مهماً في فلسفة اللّاعنف، لاسيّما علاقة ذلك بالأديان، وهو مع كتابه التأسيسي " قاموس اللّاعنف" من الكتب التي لا بدّ من الاطلاع عليها لمن يريد التعرّف على فلسفة اللّاعنف، ويبقى لكل إنسان صدمته من اللّاعنف، سواء حدثت مرّة واحدة أو جاءت على مراحل ودفعات مثلما هي كانت بالنسبة لكاتب السطور.


19
العنف وفريضة اللاعنف.. شذرات من تجربة شخصية ح 3
واشنطن تسوّغ استخدامها العنف ضد أفغانستان بمواجهة ظاهرة الإرهاب الدولي
   وإذا كان الإنسان هو من يقوم بالفعل المادي أو المعنوي لممارسة العنف، لأنه وحده القادر على استخدامه، فإنه أيضاً هو من يقدّم مبرّراته لممارسته، سواء كانت مقنعة أم غير مقنعة، وقد يجد تلك المبررات أو الحجج في الآيديولوجيات والعقائد أو في الأديان والمذاهب أو في نمط الثقافة السائد، تلك التي تحاول أن تُشرْعن العنف وتسوّغه، بحيث تجعل من استخدامه "مقبولاً" أو مبرّراً .
   إذاً كيف السبيل للحديث عن اللّاعنف وسط ازدحام المشهد العام المحلي والإقليمي والدولي بالعنف، حيث تطغى الثقافة العنفية على ما سواها تحت عناوين ومسوّغات مختلفة، فهل من الممكن التخلّص من العنف كظاهرة سائدة، بالمطلق أم ثمة مساحة يبقى فيها استخدام العنف مبرّراً حتى وإن كانت محدودة، وإنْ كانت اختلافات بيّنة في تحديد تلك الحدود والمساحات؟
   القطيعة مع العنف
   مثل غيري ممن تصدّوا للظاهرة أعترف أن مفهوم اللّاعنف هو مفهوم جديد على مجتمعاتنا وثقافاتنا، بل على الثقافة البشرية برمّتها، سواء المتقدّم منها أو المتأخر، خصوصاً وأن هناك تقاليداً موروثة من العنف، بل جبالاً وعرة منه على مرّ التاريخ، قد تحجب أية رؤية جديدة لفلسفة اللّاعنف. فكيف السبيل إلى إحداث القطيعة المعرفية العملانية مع العنف سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي العام؟علماً بأن مفاهيمنا الآيديولوجية تشرّبت بالكثير من العنف، ليس هذا فحسب، بل إن ممارسات باسم الدين وجدت ضالتها في العنف غير المقنن، بل في عنف منفلت، لاسيّما بسيادة فكرة التعصّب، الذي ينجب التطرّف، وهذا الأخير إذا ما تحوّل إلى فعل مادي يؤدي إلى العنف والإرهاب.
   والعنف عمل يقصد منه إلحاق الأذى الجسدي والنفسي، المادي والمعنوي بشخص أو مجموعة من الناس بعينهم، أي إن الضحايا سيكونون معروفين للجاني والمرتكب، في حين إن الإرهاب عمل عشوائي يستهدف إحداث أذى ورعب وهلع وخوف في المجتمع للتأثير على الرأي العام، وغالباً ما يكون هدفه سياسياً ويكون الضحية أو الضحايا غير معروفين للجاني أو المرتكب.
   وإذا كان العمل العنفي يندرج في إطار القوانين الجنائية، وإن الجزاء والعقاب يخضع للقوانين والأنظمة القضائية المحلية، فإن الإرهاب يندرج في إطار القوانين الدولية، سواءً كانت داخلية أم خارجية، لأنه يمثّل جريمة دولية تستهدف الإبادة الجماعية وهي جرائم ضد الإنسانية، إذا ما استهدفت ديناً أو طائفة أو فئة أو إثنية أو لغة أو سلالة، تحت مبرّرات إقصائية وإلغائية تمييزية.
   إن من يفكّر بالقطيعة مع العنف، قد يُتّهم أحياناً بأنه يفعل ذلك لكي يمارس قطيعة مع الدين ذاته، لأن في الأديان نظام عقوبات صارم كما يقولون، خصوصاً وأن الغالب الشائع من التفسيرات تؤدي إلى مثل هذا الاستنتاج الذي هو في حقيقته، مجرد تأويل وقراءة إرادوية سطحية للأديان وقيمها، وحسب هذا التفسير أو التبرير، فالعبرة هي ليس بالنادر الضائع، لاسيّما إذا كانت المصالح والأهواء هي المهيمنة من جانب قوى سائدة تتمترس في مواقعها وتدافع عنها بأسنانها، بل إنها هي التي تهاجم، وبالعنف، من يريد نيل حقوقه أو وقف استغلاله لتحقيق قدر من العدالة والمساواة. إذاً فكيف السبيل لإشاعة ثقافة اللّاعنف، بحيث تصبح مثل هذه الفلسفة سائدة ليس ببعدها الأخلاقي فحسب، بل في جانبها الحقوقي وبُعدها القانوني؟
   غاندي والحقيقة
   إذا كان اللّاعنف حسب غاندي يعبّر عن حقيقة الأديان، لأنه ليس آيديولوجيا أو عقيدة أو تعاليم دينية، بل هو فلسفة، والفلسفة في أحد تعبيراتها هي "حبّ الحكمة" ، وحتى غاندي لم يقل إن الإنسان يمتلك الحقيقة المطلقة، لأن من يقول ذلك سيكون مستعداً لإلغاء الآخر أو إقصائه أو تهميشه، بزعم امتلاكه للحقيقة، تلك التي تدعوه للدفاع عنها، حتى وإن استخدم العنف ضد خصومها، الذين هم خصومه. وهكذا سيكون العنف وسيلة للدفاع عن حقيقته الخاصة، تلك التي تنتقص من الآخر وتضعه في مصاف العدو أو الخصم الذي ينبغي إخضاعه.
   هكذا دافعت الآيديولوجيات عن نفسها عبر قادة أو أحزاب أو جماعات، لأنه دفاع عن فلسفتهم ودينهم وعقيدتهم، ولكن السؤال هل الحقيقة آيديولوجية، أي عقائدية ، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية أو مذهبية أو غير ذلك؟ وإذا كان الجواب نعم حسب دعاة العنف، فإن من يدّعي امتلاك الحقيقة ينفي الآخر، يعزله ، بل ويجهز عليه إذا شعر إن ثمة حقيقة أخرى قد لا تكون آيديولوجية تواجه حقيقته، وهي حقيقة إنسانية ، تتعلّق بالوجود الإنساني، وهي الحقيقة الأهم والأساس، التي يحاول العنفيون إلغاءها أو تعطيلها بفرض آيديولوجيتهم. وهكذا تضيع الحقيقة الوجودية التي لا تعني سوى الاعتراف بالآخر والإقرار بالتنوّع والتعددية، وهذا بحدّ ذاته تفاعل وتداخل مع فلسفة اللّاعنف، بنقض فلسفة العنف.
   إن الزعم بامتلاك الحقيقة يمثّل الخلفية الفكرية للتعصّب، وهذا إذا ما سيطر على الإنسان، فسيدفعه إلى التطرّف، لأن كل متطرّف إنما هو متعصّب، وإذا ما حاول المتطرّف فرض إرادته على الآخر، ففي الغالب الأعم يلتجئ إلى العنف لإرغام الآخر، ويبرّر ذلك بامتلاكه للحقيقة والأفضلية، تلك التي تعطيه " شرعية" للقيام بفرض عقيدته أو آيديولوجيته أو دينه أو مذهبه أو نمط حياته على الآخر.
   العنف وجه آخر للباطل
   لعلّ ذلك يعبّر عن جوهر العنف الذي سيكون وجها آخر للباطل، لأن هذا الأخير ينبثق من زعم إدعاء الأفضليات وتمثيل الحقيقة، وهكذا سيكون كل تبرير للعنف بهذا القدر باطلاً، لأنه يريد أن يفرض الرأي بإقصاء الآخر وبالعنف إذا اقتضى الأمر، وهذا ما يجد تبريره عند بشر يزعمون أن الحقيقة معهم حيثما مالوا تميل.
   ولكن هل الدعوة إلى اللّاعنف مطلقة؟ يجيب غاندي على ذلك بالنفي ويشرح ذلك بتفسير منطقي وواقعي، فإذا تعذّر أن نحيا بلا عنف بصورة مطلقة، فلا بدّ إذاً من استخدام مقنّن ومحدود للعنف، لأننا في الحياة يستحيل أن نتجنّب كل عنف، كما إن كل شيء نسبي، ولكن الاختلاف حول حدود العنف يتراوح من حالة إلى أخرى، وهذه الحدود ليست متساوية لدى جميع البشر وكل منهم لديه رؤاه وممارساته التطبيقية، حيث أحياناً يتم اللجوء إلى العنف لتجنّب الأسوأ أو لدرء وقوع كارثة أخطر وأشدّ هولاً، وهو ما يُطلق عليه "قانون الضرورة الأسود".
   القاعدة والاستثناء
   ونقول بالعربية "الضرورات تبيح المحظورات"، أو"للضرورة أحكام"، وهو قول بليغ على تجاوز القاعدة باتجاه الاستثناء، وهذا ليس سوى تقنين لاستخدام العنف بحدّ الأدنى باسم " حُكم الضرورة" . وإذا كان ثمة واقعية في الأمر، فإن هذا الاستخدام ينبغي أن يخضع لضوابط وحدود وزمن، خصوصاً وإن هناك حالات تستوجب مثل هذا العنف، كأن يكون "حالة الدفاع عن النفس" لرد الاعتداء مثلاً سواء كان الاعتداء شخصياً أو عاماً، مثل مواجهة احتلال أو مجابهة غزو أو لتحييد عدوانية المعتدي. وحتى في هذه اللحظة علينا أن نتذكّر دائماً، بل نبقي نصب أعيننا إن اللّاعنف هو القاعدة، والعنف هو الاستثناء، أي أننا إذا اضطررنا اللجوء إلى العنف فإنه ليس خياراً، بل أقرب إلى الإكراه، والإرغام، حين تتقدّم الوسائل الأخرى.
   وإذا كان مثل هذا الاستخدام للعنف المقنّن ضرورة مرهونة بظرفها التاريخي، فإنها لن تكون مساوية للشرعية، لأنها استثنائية وانتقالية وظرفية، في حين إن الشرعية هي القاعدة، وهذه هي تمثل اللّاعنف. والشرعية تتأتّى دائماً من القاعدة وليس من الاستثناء، فالضرورة تقنّن حرّية خياراتك أحياناً، أي أنك لست حرّاً في اختيار وسيلتك، ولو كان الأمر كذلك، أي لو توفّرت أوضاع وظروف أخرى لاخترت غير تلك الوسيلة، وهكذا سيكون تبرير العنف بالضرورة ليس مساوياً للشرعية، لأنه هذه الضرورة ليست حتمية، وقد تتاح للمرء فرصاً عديدة لتجاوز "ضرورة " استخدام العنف، إلى عكسها.
   الغاية والوسيلة
   الأمر له علاقة وثيقة وعضوية بين الغاية بالوسيلة، فالغاية العادلة، حسبما تزعم الآيديولوجيات والعقائد الشمولية والنسقية المغلقة تبرر استخدام جميع الوسائل بما فيها  العنف الذي سيكون مشروعاً، لأنها أهدافها عادلة كما تزعم، وهكذا يمكن تعذيب إنسان أو امتهان كرامته أو تعريضه للأذى الجسدي أو النفسي، طالما تزعم الجهة التي تقوم بذلك أن هدفها عادل وبالتالي سيكون مشروعاً ما تقوم به. وإذا كان ذلك على المستوى الشخصي أو السياسي المحدود، ففي العلاقات الدولية هناك امتدادات له ومزاعم مختلفة ومتنوعة.
   وتبرّر اليوم القوى المتسيّدة في العلاقات الدولية، استخداماتها للقوة أو التهديد بها أو القيام بأعمال عنف لبسط إرادتها، سواء كان عنفاً مسلحاً باستخدام السلاح والحروب، أم عنفاً اقتصادياً بفرض نظام عقوبات أو عنفاً ثقافياً بمحاولة ضخ وتعميم نمط سائد للثقافة، وازدراء الآخر، ويتم ذلك تحت عناوين " مكافحة الإرهاب" و"الحرب المشروعة" و"العادلة" و"الوقائية" و"الاستباقية".وأحياناً وبموجب علاقات القوة والتسيّد يتحوّل الضحايا إلى إرهابيين مثل ما تتهم "إسرائيل" المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، في حين أن الفلسطينيين  يمارسون حقهم في الدفاع عن أنفسهم وتقرير مصيرهم ضد محتلّي بلادهم ومن أجل حريتهم واستقلالهم.
   وإذا كان كلٌّ يلقي اللوم على الآخر أيضاً، فمن يا ترى يملك الحقيقة وهو ما دفع الأديب الروسي الكبير تولستوي للقول " إذا كان الجميع يدافع عن نفسه فمن أين يأتي الهجوم"؟، أي من هو البادئ ومن هو المسبّب، ولعلّ هذه الفكرة الواقعية نراها تتكرّر في الحروب الدولية والنزاعات المسلحة والأهلية وحتى بين الجماعات الدينية والكتل السياسية والأشخاص أحياناً، لأن كل فريق يحاول أن يضع الحق إلى جانبه وبالتالي يعطي نفسه شرعية استخدام العنف أو ممارسته بحيث يتم إجبار الآخر على الاستسلام أو الهرب.
   وتبرّر الآيديولوجيات العنف بربطه بالعدل أي الزعم بتحقيق العدل بواسطة العنف، وحتى يكون الأمر ذلك منطقياً، فإن القضية التي تستوجب القيام بالعمل العنفي لا بدّ أن تكون "مبرّرة"، لأنها عادلة حسب وجهة النظر هذه، ولأجلها تهون كل القضايا، بما فيها استخدام العنف. أما العدو أو الخصم فلا شكّ فإن  قضيته ظالمة أو غير عادلة ، وتلك أسباب ومبرّرات تشمل الخلافات الشخصية والنزاعات الأهلية والمسلّحة والحروب، وهي تتعلّق بالمصالح ومناطق النفوذ والامتيازات ومحاولات الهيمنة وفرض الاستتباع وإملاء الإرادة.
   تصوروا مثلاً تبرير داعش " تنظيم الدولة الإسلامية للعراق والشام" التي تعتبر الجميع خصومها، لأنها هي وحدها الفرقة " الناجية" وكل ما حولها إنما هو من قبيل البدع، "وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"، وكان خطاب أبو بكر البغدادي في جامع النوري الكبير بالموصل بعد احتلالها بنحو عشرين يوماً أي في 29 حزيران (يونيو) 2014 ، قد اعتبر نفسه مدافعاً عن الإسلام بل خليفة للمسلمين محاولاً إضفاء الشرعية على تصرفاته وسلوكه.    
   وليس داعش أو تنظيم القاعدة أو أخواتهما هو من يسلك هذا السبيل لوحده، فدولة عظمى مثل الولايات المتحدة برّرت حربها على العراق واحتلاله بفريّة كبرى وهي وجود أسلحة دمار شامل ، إضافة إلى علاقته بالإرهاب الدولي، ومارست ضده حصار دولي جائر لمدة زادت على 12 عاماً، وذلك من أجل تسويغ فعل الحرب والعنف ضده، لأن  الهدف "عادل" حسب مبرّراتها، وكانت تعتبر حربها على الفيتنام والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا، بما فيهم عشرات الالاف من الجنود الأمريكان، "عادلة"، لأنها تدافع عن "المدنيّة" و"التحضّر"، بل إن حصارها على كوبا الذي زاد على خمسة عقود من الزمان، إنما هو دفاع عن "العالم الحر" وقيمه، وهكذا كانت وسائل الدعاية والصراع الآيديولوجي ضد الاشتراكية لعقود من الزمان.
   لقد برّرت واشنطن استخدامها للعنف بهدف مواجهة ظاهرة الإرهاب الدولي، وحاولت إيجاد مسوّغات "قانونية" و"شرعية" لشنّ حربها على أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003، وذلك بعد مهاجمة تنظيم القاعدة برجي التجارة العالمية في نيويورك العام 2001، وتمكّنت من استصدار قرارات دولية تعطيها المبررات لممارسة العنف وهو ما حاولت أن تمرّره من خلال الأمم المتحدة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية الإجرامية، حيث صدرت ثلاثة قرارات هي الأخطر في تاريخ المنظمة الدولية، وأهمها القرار 1373 الصادر في 28 أيلول/سبتمبر 2001، الذي فيه عودة لقواعد القانون الدولي التقليدي التي تجيز " الحق في الحرب" و"الحق في الغزو" أنّا شاءت الدولة، وإذا شعرت بأي تهديد لمصالحها القومية ومجالها الحيوي.
   وقد أعطى هذا القرار للدول الحق في شن الحرب بزعم وجود خطر وشيك أو محتمل، وهي "حرب وقائية" أو "استباقية" ولكن ضد عدو مجهول أو غير معروف إلّا باسم "الإرهاب الدولي"، وهو الذي تحدّده الولايات المتحدة والقوى المتنفذة، ولم يكن ذلك سوى تسهيل مهمتها و"شرعنة" العنف طبقاً لأهدافها "القومية" ومصالحها " المشروعة".


20
المنبر الحر / ما بعد حل الدولتين
« في: 19:47 12/01/2018  »
ما بعد حل الدولتين
عبد الحسين شعبان
عشية إقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على إصدار قرار بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، طرح معهد واشنطن للشرق الأدنى، رؤية جديدة لحل القضية الفلسطينية والصراع العربي «الإسرائيلي»، أطلق عليها «الحلّ الإقليمي». وتقوم هذه الرؤية التي قدّمها أحد كبار منظّري المعهد، روس وماكوفسكي، على مسارين:
الأول؛ فلسطيني «إسرائيلي»، والثاني عربي «إسرائيلي»، بهدف تطبيع العلاقات الفلسطينية «الإسرائيلية»، والعربية «الإسرائيلية»، «وذلك مقدمة لانسحاب «إسرائيل» من أراضي فلسطينية وعربية (وليس بالضرورة من الأراضي العربية والفلسطينية التي احتلها عام 1967 في عدوان 5 يونيو/حزيران).
وتقترب هذه الخطة من أطروحة نتنياهو التي عرضها خلال زيارته للولايات المتحدة في 18 سبتمبر/أيلول 2017. وتحاول واشنطن تكييف هذه الرؤية مع مبادرة السلام العربية لعام 2002، المعروفة باسم «مبادرة بيروت»، للوصول إلى «صفقة القرن» حسب ترامب، التي تقود إلى «الحل الشامل»، ولكن وفقاً للرؤية «الإسرائيلية» الأمريكية، وللتفسيرات والتأويلات التي تستجيب لها.
وبعد أكثر من ربع قرن من المفاوضات الماراثونية، ما الذي تبقّى من خيار مدريد أوسلو (1991-1993)، وهل تصلح «الرعاية الأمريكية» في ظلّ الانحياز الصارخ للجانب «الإسرائيلي»؟ وأين نحن من أطروحات «حل الدولتين» التي تبنّاها الرؤساء بيل كلينتون في آخر عهده، وجورج دبليو بوش، وباراك أوباما، الذي بشّر به في بداية ولايته الأولى (مطلع عام 2009)؟ ثم ماذا يعني «الحل الإقليمي» الذي هو أدنى بكثير حتى من خيار أوسلو، الذي لا يلبّي مطالب الحد الأدنى؟
لقد تناوب على العملية التفاوضية أربعة رؤساء أمريكيين، وخامسهم هو الرئيس ترامب، وهي المفاوضات التي انطلقت في مؤتمر مدريد (30 أكتوبر/تشرين الأول 1991)، ووصلت إلى طريق مسدود في عام 1999، لعدم انطلاق «مفاوضات الحلّ النهائي» الذي رفضته «إسرائيل»، والذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 سبتمبر/أيلول عام 2002، خصوصاً أن القضايا الأساسية ظلّت معلّقة مثل: إقامة الدولة، واعتبار القدس عاصمتها، وتأكيد حق العودة والتعويض، وتحديد الحدود، وحلّ مشكلة المياه... الخ.
والرؤساء الذين تناوبوا على المفاوضات هم بوش الأب، وكلينتون، وبوش الابن، وأوباما، وأخيراً ترامب، ولم تستطع تلك المفاوضات التوصّل إلى أي حلّ مقبول مرضي، في إقامة سلام متوازن بمرجعية دولية، أساسها قواعد القانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن الدولي، وخصوصاً القرار 242 لعام 1967، والقرار 338 لعام 1973، والقرار 478 بشأن عدم شرعية ضمّ القدس عام 1980.
إن ما يميّز إدارة ترامب عن الإدارات السابقة، هو تخلّيها عن مشروع «حلّ الدولتين» والبحث في «حلّ إقليمي»، يتراوح بين «مشروع الحكم الذاتي» (الموسع)، و«الكونفيدرالية» المرتبطة بالأردن، مع الحفاظ على الهيمنة «الإسرائيلية» على كامل الأراضي الفلسطينية غربي النهر، علماً بأن الإدارة الأمريكية انحازت إلى مطالب نتنياهو بالإبقاء على الاحتلال «الإسرائيلي» لمنطقة الغور، واعتبار الحدود الأردنية الفلسطينية، هي الحدود الآمنة لدولة «إسرائيل».
والمسألة الأكثر خطورة في موضوع المفاوضات «المنشودة»، تتعلّق بالاستيطان الذي لا تعتبره الإدارة الأمريكية عقبة أمام المفاوضات، وهذا يعني أن الكتل الاستيطانية سيتم ضمها لدولة «إسرائيل» في أي حلّ؛ لأن إدارة ترامب لا تجد تعارضاً بينها وبين المستوطنات في القدس، علماً بأن تقرير المبعوث ميتشيل في عهد الرئيس كلينتون، كان قد أكّد أن البؤر الاستيطانية وعددها حوالي 240 بؤرة، «غير شرعية» ويجب تفكيكها.
واستناداً إلى تمادي واشنطن في غضّ النظر عن الاستيطان، أقدم الكنيست «الإسرائيلي» على إصدار قانون مؤخراً، سمّي «تبييض المستوطنات»، سيؤدي تطبيقه فعلياً إلى قضم القدس الشرقية، وذلك دون اكتراث لقرار مجلس الأمن الدولي، الذي استنكر الاستيطان، وهو القرار 2234 الصادر في 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، وفي ظل إدارة أوباما، حيث لم تستخدم واشنطن «حق الفيتو» لمنع صدور هذا القرار.
وهناك دعوات عربية من شخصيات مرموقة، تطالب الأمم المتحدة اعتبار صدور هذا القرار بمثابة إخطار عالمي جديد، بكون الاستيطان جريمة دولية لا بدّ من وقفها، وتحديد يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني، يوماً عالمياً لمناهضة الاستيطان.
وكان المبعوث الأمريكي جرينبلات، قد أبلغ الجانب الفلسطيني الشروط الأمريكية التسعة لاستئناف المفاوضات، وهي ليست سوى مطالب «إسرائيلية» غير مشروعة، وإذا ما بدأت المفاوضات المزعومة، فإنها لن تنتهي، بل ستستغرق التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، في حين تمضي «إسرائيل» باستكمال مخططها لقضم الأراضي الفلسطينية و«تهويد القدس».
وتضغط إدارة ترامب على تطبيع العلاقات العربية «الإسرائيلية»، وتستبعد إدراج موضوع الاستيطان، بل إنها تطالب العرب والفلسطينيين بوقف التحريض ضد «إسرائيل»، ودفع تهمة الإرهاب عنها ومطالبة السلطة الفلسطينية بالامتناع عن دفع رواتب الشهداء والأسرى الفلسطينيين.
إن اتفاق أوسلو ونهج المفاوضات السابق، لا يوفّران أرضية مناسبة للتوصّل إلى حلّ يضمن حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، ولو بمعيار الحد الأدنى. وقد كشف اختبار القدس فشل الرهانات المعلنة والمستترة، التي ستصطدم جميعها بالتوحش «الإسرائيلي» والغطاء الأمريكي.
drhussainshaban21@gmail.com


21


كلمة عبد الحسين شعبان عن أبو كَاطع في نادي العلوية
أبو كَاطع يشرق في بغداد
حين تكون قريباً من إنسان ما يصعب عليك رؤية جميع مزاياه، قد تحتاج إلى أن تبعد عنه أحياناً، لترى ما كنت قائلاً عنه، حتى لأن ما هو اعتيادي وربّما يتبين بنظرك يصبح فريداً ومتميّزاً.
ما إن افترقنا وتغيّرت الأماكن في نهاية السبعينات، هو في براغ وأنا في بغداد، بدأت أشعر بفرادة الرجل وقيمته، إبداعياً وإعلامياً وشخصياً، وكنت أتهيأ لزيارته في مدينة القباب الذهبية " براغ" العام 1981 على أمل أن يجتمع شملنا مجدداً  جاءني الخبر صاعقاً: لقد رحل أبو كَاطع في حادث سير مؤسف. هكذا وبكل بساطة، غاب مثل شهاب... قلت مع نفسي لعلّه فعلها هذه المرّة واختفى وكأنه يمارس لعبته التي ظلّت ملازمة له طيلة عقد من الزمان، يختفي ويظهر، ثم يختفي، لكنه هذه المرّة قرّر الرحيل  وكدتُ أن أطلق صرخة غوته  على لسان فاوست لأردّد: قف أيها الزمن ما أجملك، لكن الزمن مضى سريعاً دون أن يلتفت، فقد كان متربصاً، مخادعاً ماكراً ولعيناً مثل الموت.
وكما يقول الشريف الرضي:
   ما أخطأتك النائبات
            إذا أصابت من تحبّ
أو كما قال الجواهري:
   يظلّ المرء مهما أدركته
            يد الأيام طوع يد المصيب
وقد كتب لي السيد حسين الصدر في إحدى المرّات معزّياً بقوله :
   سيف المنايا مرهف الحدّ
            يردي ولا تقوى على الردّ

   أعود لفرادة أبو كاطع ومغايرته:
" إنه فك رموز الحرف بفضل والدته التي كانت تعرف قراءة القرآن، واستطاع أن يعلّم نفسه بنفسه، فلم تسنح له ظروف الحياة للدراسة النظامية والأكاديمية". وهكذا كان عصامياً بامتياز واعتمد على قراءاته الذاتية.
* أصبح لذلك الفتى الفلّاحي - القروي المنشأ، علاقة بعالم الحرف وعقد صداقات عديدة بينه وبين القلم، لم يفرّقه عنها سوى الموت اللئيم.
* جمع بين العمل الإذاعي والصحافي والروائي. فقد كان برنامجه الشهير " احجيه بصراحة يبو كاطع " من إذاعة بغداد 1959 وما بعده، جامعاً، مثلما كان عموده في صحيفة " طريق الشعب" التي كان القرّاء، يقرؤونها بالمقلوب، أي من عمود أبو كاطع بالصفحة الأخيرة، ليقيسون بها درجة حرارة الجو السياسي.
* وكانت  رباعيته " الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد  مدخلاً جديداً وساخراً في فن القص، وفي الوقت نفسه في تدوين جزء مهم من تاريخ الدولة العراقية في الريف.
* كانت الرواية قبل أبو كَاطع، هي رواية المدينة، حتى وإن تناولت الريف، لأنها ستتحدث عن رؤية المدينة الريف. أما بعد أبو كَاطع فقد كان الريف حاضراً. وإذا كان غائب طعمه فرمان  وفؤاد التكريتي ومحمد خضير وعبد الرحمن مجيد الربيعي وقبلهم عبد الملك نوري وذو النون أيوب وغيرهم روائيو المدينة، فإن أبو كَاطع كان روائي الريف بكل تناقضاته، ناقلاً حديث الدواوين والمضايف والمجالس، ليحصل منه مادة للرواية والأقصوصة والحكاية والعمود الصحافي، أي حياة الفلاحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق المحرّم والحب واللوعة والظلم والقسوة، إضافة إلى العادات والتقاليد الاجتماعية، مسلّطاً الضوء على الريف والخداع والاستغلال.
* اتهم من محكمة الثورة بالمتاجرة بالسلاح، وكانت تلك التهمة تعني أغلظ العقوبات، وحسب تندّراته كانت عقوبتها " أقلن .. أقلن الإعدام".
* كان أبو كاطع رؤيوياً- حسب غوركي عن أحد ثوريّ عصره " إن نصف عقله يعيش في المستقبل " والتاريخ لا يرويه المؤرخون فحسب، بل الفنانون هم من يقومون بذلك.
* كان ساخراً وسخريته حزينة - ووجد في السخرية وسيلة يستثمر فيها ما اختزن في ذاكرته من حياة الريف أو ما استحضره من خيال وما كان يحلم به من رؤى. وقد نقل حياة الريف من داخل الريف وليس عنه إلى المدينة . لم يكن طارئاً أو متطفّلاً على الريف، بل كان من صلبه ولم يكن متفرّجاً.
* في كتابه الأيام قدّم طه حسين الشاب الريفي القادم من قرية المينا، المتشبّع بالثقافة الأزهرية كنقيض للحضارة الغربية التي تخيفه. أما الطيّب صالح ففي روايته " موسم الهجرة إلى الشمال" جسّد علاقة الريفي بالمدنية الأوروبية، حين وضعه بين سيقان فتاة شقراء، مضيفاً تناقضاً وازدواجية جديدة على أصوله الفلاحية ذات المسحة السوداء وحاضره الانكليزي.
* رواية أبو كاطع كسرت احتكار الرواية لصالح الريف على حساب المدينة، حين رسم صورة ضاحكة جديدة لابن المدينة وأوهامه وأكاذيبه وألاعيبه.
* اعتمد أبو كَاطع الاسلوب المباشر والخطاب ذو التوجه الآيديولوجي، خصوصاً في رباعيته : الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد، لكن مثل هذا التوجه خفّ في روايته "قضية الحمزة خلف" وقصة "موت الكلبة مرزوكة"، وحكاية "الضبع الأكبر" التي نشرتها لأول مرّة، وقد يكون تأثر بـ جورج أرويل وروايته " مزرعة الحيوان" .
* استخدم أبو كَاطع اللهجة الشعبية أو المحكية بأسلوب باذخ دون أن يلتفت إلى ما قيل بشأنها من انتقاص للغة العربية أو الفصحى، لأنه كان يريد إحداث التأثير المطلوب . وكان يجدها أكثر تعبيراً، وإن حافظ على اللغة العربية، لكنه كان يلجأ إلى العامية لتطعيمها وحاول في حكاية " يوم القيامة أو يوم الحساب أو شيء قريب من هذا " أن يستخدم اللهجة السورية، لاسيّما حين يتمازح مع صديقه السوري عصام، فأكثرَ من كلمات " تقبرني" أو "العمى" أو "لكان" وهذه بمثابة لازمات يرددها بمتعة.
* ظل محلياً وصميمياً عراقياً إلى أبعد الحدود وهنا ندرك الأفق اللغوي، خصوصاً حين يسعى المبدع لتخطي حدود المكان إلى عالم أكثر شساعة.
* سخريته لم تكن للفكاهة فحسب، بل كانت سخرية جادة . وحسب كارل ماركس، فالموقف من السخرية يعني اتخاذ موقف جاد من الحياة، وهي سلاح من الوزن الثقيل لا يخشاه الحكام والمستبدون، بل البيروقراطيون، وقد استخدمها أبو كَاطع  بشكل راقي مصحوبة بحِكَم وأشعار وأمثال شعبية.
* لعلّ قلمه وشخصيته المملّحة " خلف الدواح - كعود الفرحان" كان مثل ريشة  ناجي العلي وشخصية" حنظلة" الأثيرة، وكان ناجي العلي قد استشهد في لندن العام 1987.
* حين تقول حنظلة فإنك تعني خلف الدواح، وعندما نستذكر أبو كاطع فأنت في ناجي العلي أيضاً، ولا يمكن تصوّر حنظلة دون فلسطين ، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدواح دون الريف العراقي والعراق كلّه.
هي السخرية في الحالتين:
وجوه ومؤخرات
زهور وتوابيت
حمامات وبنادق
طاغون ومظلومون
هي السخرية المشتركة والهوّية المشتركة للظالمين والطغاة والفاسدين ، مثلما هي هوّية المضطهدين والمهمّشين والضحايا، وإن اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات.
لقد كان أبو كَاطع مدرسة حقيقية في فن النقد والتحريض والتعبئة، فيها الكثير من عناصر الجذب والإقناع والجد بقدر ما فيها من دعابة وسخرية وضحك.
ولا أدري إلى أي حد يمكن أن نستذكر الروائي تشارلز ديكنز صاحب رواية " قصة مدينتي" A take of two cities ، فقد امتاز هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللاذعة، وصوّر جانباً من حياة البؤساء والفقراء وحظي بشعبية لم ينلها مجايلوه.


نادي العلوية - بغداد 10/9/2017


22
الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن
التاريخ والسياسة
ح  6
مرجع يرفض الإنخراط بعمل منظم ضد عبد الكريم قاسم
وفي العام 1914 حين حاول البريطانيون احتلال العراق نشبت معارك الشعيبة قرب البصرة تطوّع العديد من رجال الدين للذود عنها وشارك فيها البغدادي، كما شارك في جبهة الكوت، وكان بصحبته السيد محمد هادي مكوطر وكانت الهوسة الشهيرة قد تردّدت: ثلثين الجنة لهادينا….. وثلث لكاكا أحمد وأكراده…. ومعروف إن السيد محمد سعيد الحبوبي (1849-1915) كان على رأس المجموعات التي تصدّت للاحتلال، وبعد عودته توفّي في الناصرية، أي قبل أن يصل إلى النجف .
وحين كانت عوامل وأسباب الثورة الكبرى تنضج كان الحسني البغدادي يستحثّ القادة ورجال الدين لتنظيم مضابط تدعو البريطانيين للاعتراف بحقوق الشعب العراقي، وقد كان الشيخ محمد تقي الشيرازي الحائري (1842-1920) هو القائد الفعلي، حيث انطلقت ثورة العشرين في 30 حزيران (يونيو) 1920. وقد حاول الحاكم البريطاني ليجمان استمالته بتقديم مفاتيح الروضة العسكرية في سامراء (مقام الإمام علي العسكري) إليه، وذلك بهدف زرع الفتنة الطائفية بين السنّة والشيعة، فكما هو معلوم بأن الغالبية الساحقة من سكان سامراء هم من الطائفة السنّية، ومن جهة أخرى حاول تحريض الشيخ ضاري المحمود ضدّه وضدّ الشيعة ، فما كان من الأخير إلّا أن أجابه “إنه مرجعنا” فباءت محاولته بالفشل، الأمر الذي أراد الانتقام منه بإهانته في وقت لاحق لكنّ الضاري ردّ له الصاع صاعين وقام بقتله.
 وقد تم تسفير النائيني والأصفهاني إلى خارج العراق 1923 لاعتراضهما على خضوع الملك فيصل الأول للإنكليز، مثلما تم تسفير الخالصي إلى الهند ومنها إلى إيران، وقد عاد النائيني والأصفهاني “عودة مشروطة” بالتعهد بعدم ممارسة النشاط السياسي، في حين رفض الخالصي ذلك وتوفي في إيران العام 1925 وعاد نجله الشيخ محمد الخالصي إلى العراق في العام 1949 ليترأس المدرسة الخالصية في الكاظمية.
وكان البغدادي منذ البدايات ضد “المؤسسة الفارسية الدينية” في العراق، وكان يعتقد إن دورها سينتهي وتأثيرها سيكون محدوداً بعد أن أصبح العراق دولة، وإن ما يأتي من “عملة صعبة” بزعم دعم المرجعية والعتبات المقدسة سوف لا تكون الحاجة إليه شديدة، كما هي حينذاك، فضلاً عن أن تخلّف العراقيين سوف لا يستمر طويلاً. وكان ذلك قد جاء في حوار له مع السيد محسن الحكيم (العام 1923).
لأنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه
أو ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه
السيد المسيح
الحسني البغدادي والعدوان الثلاثي
اتّخذ الحسني البغدادي مواقف راديكالية من النظام الملكي بشكل عام، وعند حدوث العدوان الثلاثي الأنكلو – فرنسي “الإسرائيلي” على مصر بشكل خاص، العام 1956? وحين حدثت الهبّة الجماهيرية في النجف وبغداد والحي والموصل ومناطق أخرى من العراق، تضامناً مع الشقيقة مصر، جابهتها السلطات الحكومية بالقمع وقامت بإطلاق الرصاص على طلبة المدارس المنتفضين في النجف، وسقط ثلاثة من أبناء النجف، وهاجت المدينة المنتفضة، حيث تمكّن المتظاهرون من السيطرة على المدينة لنحو 9 أيام، وكان الجيش قد أرسل لضبط الأمن والنظام دون أن يتدخّل في ردع المتظاهرين.
وحاولت السلطة امتصاص حالة الغضب الشعبي، فأرسلت الدكتور محمد فاضل الجمالي لزيارة بعض رجال الدين، والتقى الحسني البغدادي به في منزله في النجف، وذلك بهدف التهدئة واستعادة زمام المبادرة كي لا يفلت من يد الحكومة. وكانت الزيارة برفقة محمد علي كمّونة، رئيس بلدية النجف حينها، وقد نقل له الجمالي تحيات الملك فيصل الثاني واعتزازه بمواقفه وطلب منه التعاون لتهدئة الموقـف.
وقد بادره الحسني البغدادي بالقول: ما كنت أرضى بمقابلة أحد من أركان النظام، بل كنتُ سأغلق الباب في وجههم، ولكن اختياركم من جانب الملك جاء لأن والدك ” عباس″ صديقي، والمرء يُحفظ بولده، وإن مجيئك كان بسبب توجيهي رسالة شديدة، تندّد بالموقف الرسمي بشأن العدوان، الذي استنكرته الجماهير في كل مكان، رجالاً ونساءً .
وعلى ذكر النساء، فقد كانت إحدى التظاهرات التي قادها الشيوعيون في النجف مجموعة نسوية شاركن فيها، كما إن التظاهرات التي استمرت لعدّة أيام كانت عامة شارك فيها الجميع من القوميين والبعثيين والشيوعيين والوطنيين بشكل عام. وختم حديثه لقد قابلتكم للاعتبارات التي ذكرتها، ولكن قطيعة بيني وبين النظام قد حصلت، وقد جئتم “بعد خراب البصرة”.
جدير بالذكر الإشارة إلى أن الحركة الوطنية في النجف آنذاك أرسلت وفوداً إلى عدد من رجال الدين لحثّهم على استنكار مواقف الحكومة العراقية والتضامن مع المتظاهرين، فضلاً عن إدانة موضوع إطلاق النار وقتل عدد منهم، وكان جدار الصحن العلوي المواجه للسوق الكبير قد تعرّض إلى إطلاق نار، وقامت السلطات ليلاً بمعالجة الأمر، ولكن آثاره ظلّت واضحة، واعتبرت حينها وصمة عار في جبين النظام الملكي، لكن نظام صدام حسين استخدم السلاح داخل الصحن العلوي في النجف، والصحن الحسيني والعباسي في كربلاء، وخصوصاً خلال أحداث ما سمّي بالانتفاضة الشعبانية بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت (آذار /مارس 1991  ولاسيّما في كربلاء والنجف.
استقرار عواطف
وأتذكّر أن قمصان الشهداء عبد الحسين الشيخ راضي وأحمد الدجيلي والخياط، وهي مضرّجة بالدم، كانت مرفوعة فوق رؤوس المتظاهرين وهم يجوبون الشوارع والأسواق والصحن العلوي، وذلك بهدف استدرار العواطف من جهة، وممارسة ضغوط على رجال الدين لاتخاذ موقف واضح ضد سلطة نوري السعيد من جهة أخرى، ولذلك فقد توجّهت بعض التظاهرات إلى بيوت بعض رجال الدين، وكان الجمهور الغاضب يطالبهم باتخاذ موقف صريح وحازم، لاسيّما محاسبة المسؤولين عن إطلاق النار على المتظاهرين، وعلى الرغم من أنّ الإدانة عامة وشاملة، لكن الاستجابة كانت متفاوتة، خصوصاً باتخاذ موقف الإدانة الشديد.
وأتذكّر أيضاً وهذا ما كان شائعاً في صفوفنا حينذاك، إن تجاوب السيد الحسني البغدادي كان شديداً وقوياً، وكانت برقيته استنكارية إلى الحكومة العراقية لموقفها المتفرّج إزاء العدوان الثلاثي من جهة ومن موضوع التعرّض للمتظاهرين من جهة ثانية، فضلاً عن دعوته لإقالة نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي المعتّق. وقد حاولت العثور على نصّها فوجدته منشوراً لدى عبد الحميد الراضي وفي كتاب: ” محمد الحسني البغدادي- المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية ” اكثر من سبعة عقود من الزمن في قسم الوثائق- (وثيقة 7)? وكان قد نشرها عبد الرضا فرهود أيضاً في مجلة الكوثر، العدد 642? 1422. ولكنها بدون عنوان أنقلها بالنص (نص برقية البغدادي إلى الملك):
 “إن الموقف المتفرّج تجاه العدوان الثلاثي المسلح على مصر مخالفة للشريعة الإسلامية، وإنه إلغاء لحقيقة استقلال المسلمين من سلطة المشركين وليس لهذه الوزارة برئاسة نوري السعيد مفعول قانوني. نناشدكم بإقالتها في الوقت الذي نؤكد لكم إن قيامكم بهذا الواجب يجمع كلمة المسلمين، ويقطع طمع الكافرين والله سبحانه ولي النصر، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والسلام على من اتّبع الهدى”.
وحين حدثت ثورة 14 تموز (يوليو)1958 استبشر بها الحسني البغدادي، وقد أرسل برقية تهنئة عاجلة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس مجلس الوزراء، واستلم جواباً تحريرياً، وكانت جريدة البلاد (البغدادية) قد نشرتها وهي بالعنوان التالي- سيادة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم المحترم بطل الثورة العراقية ،السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
“نبتهل إلى الله تعالى بنهضتكم رفع أعلام الدين وإعزاز الإسلام والمسلمين… قاضية فوراً على كل قوة استعمارية في جميع أوطاننا العربية والإسلامية” (محمد الحسني البغدادي). وكانت البرقية بتاريخ 6 محرم 1378 . وكان جواب الزعيم الذي ندوّن نصّه:
سماحة الفقيه الأكبر السيد البغدادي دامت بركاته،
” كان لكتابكم أطيب الأثر في نفوسنا. نرجو من الله أن يوفقنا إلى خدمة دينه وحماية شريعته والقضاء على الظلم والظالمين.”
الزعيم الركن عبد الكريم قاسم – رئيس الوزراء – 8 محرّم 1378
وقابل الحسني البغدادي وفداً عسكرياً برئاسة فؤاد عارف الذي جاء إلى النجف باسم قيادة الثورة وكان يأمل أن تسير الأمور بما يحقّق طموحات الشعب العراقي، لكن قلقه بدأ يكبر ونقده أخذ يزداد بالتدرّج، وسرعان ما أصبحت كفّة النقد أثقل، خصوصاً بعد أن يئس من استقرار الأوضاع بسبب الصراع السياسي الحاد الذي بدأ بعد الثورة بين القوميين والشيوعيين، واتّسع شق الخلاف بدخول الإسلاميين حلبة هذا الصراع، وكانت مواقفهم النقدية من حكم قاسم أقرب إلى القوميين، حتى وإن اختلفت المنطلقات.
وكنّا نعرف أنّ الحسني البغدادي متضايق من “انحراف” الثورة كما أسماه، ومن هيمنة الشيوعيين وإرهابهم الفكري، كما مورست عليه بعض الضغوط من “جماعة العلماء” الأكثر تشدّداً في مواجهة ما سمّي بالمدّ الأحمر، فاضطرّ لكتابة نص يؤيد فيه منشوراتهم، علماً بأنهم كانوا على خلاف شديد مع السيد محسن الحكيم الأب الروحي للجماعة، أشار فيه أنه مقدر دعوتها إلى التمسّك بالدين ووحدة الأمة ووحدة الكلمة، وأن عملها مشكوراً، لأنه لم يخرج عن الحق والواقع.
وللأسف فلم نكن نصغي إلى ذلك كثيراً، وأصابنا نوع من الغرور والتعالي، حتى على أوساط كانت مقرّبة منّا، أو يمكن تحييدها على أقل تقدير باستثمار الصراعات الداخلية في صفوفها، ولأن قوانا الذاتية كانت كبيرة ونبالغ فيها أحياناً، فقد كنّا نستخفّ أحياناً بالجبهة الواسعة التي أخذت تتشكّل ضدنا، سواء بصورة رسمية “الجبهة القومية التي ضمّت البعثيين والقوميين على تعدّد مجموعاتهم” أو بصورة غير رسمية، حيث جمعت القوميين والبعثيين والإسلاميين وبعض رجالات العهد الملكي والمتضرّرين من الثورة من الإقطاعيين وغيرهم.
وبالطبع كان هناك بعض الخيوط التي ترتبط بشركات النفط والدول التي تقف وراءها، والتي أعلنت صراحة عن عدائها للحكم الجديد، في محاولة لإعادة “حصان تموز الجامح” إلى الحظيرة، وخصوصاً بعد الخروج من حلف بغداد الاستعماري وفكّ الارتباط بالكتلة الاسترلينية، وبالأساس في الخوف من وقوع العراق في قبضة الشيوعية ودائرة النفوذ السوفييتي.
ليس هذا فحسب، بل إن معسكر الخصوم كان قد امتدّ إلى داخل الوسط الديمقراطي أيضاً، سواءً  في الحكم أو خارجه، الذي جرى الاستهانة به في إطار نزعة تسيّدية استعلائية سادت صفوفنا، وانعكست على علاقتنا بـ”الحزب الوطني الديمقراطي” بقيادة كامل الجادرجي وجناحه الآخر “الحزب الوطني التقدمي” بقيادة محمد حديد، وشخصيات محسوبة على عبد الكريم قاسم، عسكريين ومدنيين.
وتلك للأسف كانت السياسة العامة السائدة، وظروف الصراع التي اتخذت طابعاً متعصّباً ومتطرّفاً وإلغائياً على تناقضاته في إطارات يسارية طفولية في الممارسة اليومية، ويمينية في الموقف من استلام السلطة، وهو ما ينطبق على جميع القوى السياسية دون استثناء بشكل أو بآخر حتى وإن كان على نحو معاكس، وأعتقد إننا بسببها، إضافة إلى أسباب أخرى مهمة، دفعنا ثمناً باهظاً ونالنا من حملة تنكيل ما لم ينل أحداً، سواء في فترة عبد الكريم قاسم، وخصوصاً بعد خطابه الشهير في كنيسة مار يوسف واتهامه الشيوعيين بالفوضوية في أحداث كركوك أو بعده، في ظل حكم انقلاب شباط (فبراير) العام 1963 وما بعده، حين انفلت العنف على مصراعيه، ليتم قتل المئات تحت التعذيب، واعتقال عشرات الآلاف من الشيوعيين وأنصارهم ومن الوطنيين العراقيين بشكل عام.
هل الدين غير الحب
الإمام جعفر الصادق
جماعة العلماء
نشطت بعض المجموعات الدينية القريبة من “المرجعية”، وكان أكثرها تأثيراً وأبرزها حضوراً “جماعة العلماء” التي عملت بدعم غير مباشر من قيادة السيد محسن الحكيم في التصدّي للمدّ الشيوعي، وكان رئيسها الشيخ مرتضى آل ياسين، بمساعدة محمد تقي بحر العلوم ومحمد جواد الشيخ راضي وإسماعيل الصدر، وحظيت بدعم أبو القاسم الخوئي ومهدي الحسيني الشيرازي وعبد الهادي الشيرازي وعبد الكريم الجزائري وبدعم محدود في البداية من السيد الحسني البغدادي، ولم يتجاوب معها عدد من رجال الدين، بل وقفوا ضد توجهاتها وفي مقدمتهم السيد حسين الحمّامي والشيخ فاضل القائيني والشيخ عبد الكريم الزنجاني، خصوصاً وقد رافق تحرّكها بعض الإشاعات التي شكّكت بمقاصدها، لاسيّما وقد كان باكورة هذا التحرّك هو تكفير الحزب الشيوعي، وكان البغدادي يتّفق معهم من حيث تحريم “الشيوعية الإلحادية” التي هي بنظره “المسألة الكبرى”، إلّا أنّه يختلف وإياهم في “المسألة الصغرى”، لأنه لا يجوز الإفتاء بإلحاد الشيوعيين، لأنها تؤدي إلى احترابات وفوضى وهو ما حاول السيد “الحفيد” توضيحه (انظر أحمد الحسني البغدادي- تأصيل معرفي بين الثورية واللّاثورية، ج 5? القسم الثاني، 2011? ص 30 وما بعدها).
وبقدر ما كانت تتودّد “الجماعة” في البداية لكسب “الزعيم المحبوب” و”ربّان السفينة الأفضل” كما أسمته في منافسة مع ما كان يخاطبه به الشيوعيون بـ”الزعيم الأوحد”، وفي محاولة استرضائية لغروره، فإنها حاولت أن تصبّ جام غضبها على الشيوعيين، مستغلة الأخطاء التي وقعوا فيها والاندفاعات التي قامت بها المقاومة الشعبية، حيث عملت على دق الأسافين بين الزعيم وبينهم، خصوصاً باستثمار بعض التصرّفات الصبيانية التي أظهرتها وكأنها معادية للدين. وكانت جماعة العلماء قد أصدرت مجلة باسم ” الأضواء الإسلامية” العام 1959 واستمرت حتى العام 1962. وكان رئيس تحريرها محمد باقر الصدر الذي كان يكتب افتتاحياتها  (لخمسة أعداد) ثم تلاه الشيخ محمد مهدي شمس الدين وكان من بين محرّريها محمد حسين فضل الله.
وفي البداية كانت بياناتها تذيعها إذاعة بغداد (الراديو الرسمي) وكان معظمها يكتبه محمد باقر الصدر. وقد سمح لها بتأسيس مدارس ابتدائية ومتوسطة وإعدادية (في بغداد والبصرة والحلّة والنعمانية) كما قامت بتأسيس “كلية أصول الدين” بإدارة السيد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري.
لكن الحسني البغدادي لم يرغب في الانخراط بعمل منظّم ضد حكم قاسم، والأمر يعود لعدم رغبته في ممارسة عمل سياسي مباشر، وكان يفضل العمل الدعووي والوعظي غير المباشر، وثانياً وهذا مهم، لتعارض توجهات عمل جماعة العلماء، مع منهجه، يضاف إلى ذلك الإتهامات التي حامت حولها، لاسيّما بشأن دعم إيران والسافاك الإيراني لها، خصوصاً وأن نشاطاتها انصبّت على السعي لمنع تغلغل الحزب الشيوعي في مؤسسات الحكم، وذلك بعد رفع الحزب شعاره بالدعوة إلى إشراكه بالحكم في 1 أيار (مايو) 1959 والذي سرعان ما تم سحبه والتخلّي عنه.
وبالمناسبة فإن شعار الدعوة للمشاركة بالحكم في مسيرة الأول من أيار لم يصدر بقرار من المراجع الرسمية للحزب، بل وجد ضالته عبر طرحه في المسيرة من قبل أوساط متحمّسة حزبية وحتى غير حزبية، ولم يكن سلام عادل الأمين العام للحزب (حسين أحمد الرضي) الذي قتل تحت التعذيب العام 1963 يمانع في ذلك، بعد أن استشار بعض أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، الذين أبدوا استحساناً، وبعضهم حماسة لطرحه لأنه داعب ما كانوا يفكّرون به، ولامس جزءًا من طموحاتهم، وهكذا استمرأوا الترويج له، وكنت قد رويت جزءًا من ذلك في حديث خاص مع آرا خاجادور القيادي الشيوعي العمّالي حينها في مقالة موسّعة كتبتها عنه بعنوان “آرا خاجادور وزيارة التاريخ” (صحيفة الزمان العراقية ابتداء من  28/1/2016).
  وكان الشعار قد انتشر مثل النار في الهشيم، ولم يعد ممكناً التراجع عنه، ولعلّ ذلك واحد من أخطاء القيادة الشيوعية، التي انساقت وراء أهوائها واضطرّت إلى مداهنة الشارع والسير خلف عواطف ورغبات بعض القياديين، دون حساب موازين القوى الداخلية والعربية والعالمية، وردود الفعل المحتملة فضلاً عن ذلك دون وضع استراتيجية لكيفية وضع هذا الشعار موضع التنفيذ الفعلي، في حين كان عليها قيادة الشارع لا السير في ذيله، خصوصاً برفع شعارات ذات طابع شعبوي وديماغوجي، إذْ لا يجوز طرح مثل هذا الشعار الستراتيجي وتبنّيه بمثل تلك الخفّة دون دراسة وتمحيص لنتائجه الخطرة وتأثيراته على مستقبل الحزب.
الأديان التي تعلّم ” الحب الأخوي” استخدمت ذريعة للقتل،
وأعظم اكتشافاتنا العلمية صارت أداة دمار شامل .





23
رسالة مفتوحة إلى الراحل آرا خاجادور
عبد الحسين شعبان
   رحل القائد العمّالي الشيوعي آرا خاجادور واسكنيان عن 93 عاماً في العاصمة التشيكية براغ (4 كانون الأول / ديسمبر/2017)، وكان قد انضم إلى الحزب الشيوعي وأصبح عضواً فيه خلال الحرب العالمية الثانية، وفي قيادة الفرع الأرمني للحزب العام 1943. حُكِم عليه العام 1949 بالسجن المؤبّد بتهمة الشيوعية، وأُسقطت عنه الجنسية خلال وبُعيد إبرام حلف بغداد الاستعماري، لكنه أصرّ أن وطنه هو نقرة السلمان وهويّـته عراقية وهواه أممي.
   أُطلق سراحه بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 بعد أن قضى عشر سنوات في السجن، وانتُخِب أميناً عاماً للاتحاد العام لنقابات العمال في العراق، ومثّله في اتحاد النقابات العالمي في براغ. وانضمّ إلى اللجنة المركزية وأصبح في الثمانينات عضواً في المكتب السياسي ومسؤولاً عن قوات الأنصار الشيوعية، لكنه اختلف مع قيادة الحزب التي فصلته عملياً تحت عنوان "وضع نفسه خارج الحزب"، والسبب في ذلك هو موقفها المائع من الحصار الدولي المفروض على العراق وبشكل خاص في موقفها من الاحتلال الأمريكي للعراق ومشاركتها في مجلس الحكم الانتقالي والعملية السياسية التي ناهضها بشدّة وحاول أن يصدر عدداً من البيانات ويكتب عدداً من المقالات والآراء لإيضاح وجهة نظره، لاسيّما للدفاع عن هويّة الشيوعيين الوطنية والدعوة إلى عدم التفريط بها تحت أية حجة أو ذريعة، وقد أصدر كتاباً بعنوان "نبض السنين " احتوى على أطروحاته المناهضة للاحتلال.
   عاش في براغ في السنوات الأخيرة من حياته في ظروف قاسية وعانى من الجحود والإهمال والتنكّر، لكنه بفضل صداقاته وحب ومساعدة العديد من رفاقه سواءً اختلفوا أو اتفقوا معه في الرأي،  تمكّن من الاستمرار ولو بالحدود الدنيا من مستلزمات العيش وضنكه. وأتذكّر أنني في كل زيارة له كان يستقبلني ويودّعني بعبارة مولوتوف وزير الخارجية السوفييتي (1939-1957) " النصر لنا" بخفّة دمه ودماثة خلقه .
   وكنت خلال ربع القرن الماضي قد دخلت معه في حوارات وسجالات متّصلة ومتقطّعة، نشرت بعضها تحت عنوان "هامش على هوامش آرا خاجادور - في شؤون وشجون الحركة الشيوعية!" بتاريخ 26/9/2007.
   كما نشرتُ مادة أخرى في صحيفة الزمان العراقية عن كتابه الموسوم " نبض السنين" بعنوان "آرا خاجادور: الشيوعية المعتّقة"، على ثلاث حلقات بتاريخ 24 و25 و26 شباط/فبراير 2015 وأعيد نشرها على خمس حلقات في موقع الحوار المتمدّن بتاريخ 21 و23 و24 و25 و26 شباط/فبراير 2015.  ونشرت ثلاث حلقات أخرى في صحيفة الزمان العراقية أيضاً بعنوان: آرا خاجادور وزيارة التاريخ بتاريخ 28 و29 و30/1/2016  وهي سردية حوارية معه.
   الأسئلة التي أنشرها اليوم هي رسالة خاصة مرسلة إلى آرا خاجادور، لكنّها أصبحت مفتوحة بعد رحيله وقد وددت أن أشرك القرّاء معي في إطلاعهم على محتواها، علماً بأنني نشرت من وحيها أجوبة مستلّة من حوارات معه في مقالة بجريدة الزمان أيضاً، العدد 5651 - الخميس 9 شباط (فبراير) 2017  وكانت بعنوان: وطني نقرة السّلمان وهويّتي عراقيّة والهوى أممي.
نص الرسالة المفتوحة:
رسالة وحوار مع آرا خاجادور
عزيزي أبو طارق أو أبو اسكندر كما يحلو لك
تحياتي الحارة وتمنياتي الصادقة، لك بالصحة وراحة البال والمزاج الطيب. لقد كانت لقاءاتنا الأخيرة في براغ (قبل أيام من حلول العام الجديد وبعد رأس السنة /2016) في غاية الأهمية، ليس فقط للتواصل الإنساني، بل أيضاً لمواصلة الحوار وتقليب بعض صفحات التاريخ والوقوف عند بعض المحطات التاريخية، كما حصل خلال زيارتي لكم للاستشفاء في الصيف الماضي مع ابنتي سنا (آب/ أغسطس 2015)، ومثلما كنت أفعل في كل مرّة أدوّن بعض ما يدور بيننا من حوارات وأعدّ بعضها للنشر أو للاحتفاظ به في أرشيفي، حتى تسنح الفرصة لذلك.
وفي لقائنا قبل الأخير الذي نشرت عنه في صحيفة الزمان (ثلاث حلقات) والموسوم "آرا خاجادور وزيارة التاريخ"، كانت هناك إطلالة اكتشفت أهميتها من خلال الاتصالات والقراءات والإضاءات الأخرى، والأهم ما فيها أنها لم تقتصر على النخبة الرفاقية، بل إن القارئ العراقي بشكل خاص، والقارئ العربي بشكل عام اطّلع على جزء حيوي من تاريخنا، خصوصاً باستعادته من خلال رؤية انتقادية وهو ما لمسته عبر رفاق لبنانيين وسوريين وأردنيين وفلسطينيين ومغاربيين وخليجيين.
ولذلك فإن شعوري بالواجب يصبح أكثر وبالمسؤولية يكون أكبر. ولعلّ ما يزيد من ثقلهما هو ما أبديته من استحسان وتحبيذ لما نُشر، وكانت إشادتك بوجود صديقنا العزيز حميد برتو حيث كوّنتما وجهتي نظر مشتركة خلال ربع القرن الماضي، وكنّا خلال الفترة المنصرمة في حوار متواصل حتى وإن كان متباعداً أحياناً. وقد واصلنا حوارنا الأخير بحضور الصّديق عصام الزند، ومرّة أخرى مع الصّديق موفق فتوحي واتفقنا على استكماله، وقد وعدتكم بأنه بعد عودتي إلى بيروت بنحو ثلاث أسابيع سأقوم بإرسال باقة أسئلة لكم، على أن يتم إعداد الأجوبة لها وأقوم بتحريرها تهيئة لطبعها.
ربما تأخّرت قليلاً، فقد كان في برنامجي زيارة العراق، حيث توجّهت في البداية إلى النّجف للقاء بعض المثقفين والأدباء فيها حسب اتفاق خاص، ثم الذهاب إلى الحلة لإشهار كتابي "أغصان الكرمة - المسيحيون العرب" الذي نظّم مركز حمورابي احتفالية به، وبعدها ألقيت محاضرة في نادي الصيد في بغداد بدعوة من مركز دجلة للتخطيط الاستراتيجي، ثم عدتُ إلى بيروت، وفي هذه المحطات وفي غيرها كان اسم آرا خاجادور يتردّد في اللقاءات وكانت الرغبة في سماع المزيد من أخباره، أقرب إلى الشّغف بالمعرفة والنّهم في النّهل منها، لاسيّما وهي تتحدّث عن تاريخ مُعاش وعن دفاتر غير مكتوبة، وهي التي أضاءت عليها الحوارات المنشورة في الزمان وفي العديد من المواقع الاليكترونية، إضافة إلى كتابكم "نبض السنين".
 أكتبُ ذلك وها آنذا أفي بوعدي الذي قطعته لك بحضور موفق فتوحي بإرسال باقة أسئلة وفتح باب الحوار ونوافذه كي يتسلّل من خلالهما نور الحقيقة، كما تراها أنت. وبإمكانك الإجابة على ما تراه من الأسئلة حسب أهميتها وتقديرها لك أو إهمال بعضها أو تركه أو تأجيله، خصوصاً وأنّني وضعت بعض هذه الأسئلة كفرشة واسعة، على أن أقوم بتبويبها وتنسيقها بعد الإجابات، بما فيها ضم بعضها إلى بعض أو تنظيمها لكي تأتي متناسقة ومنسجمة.

ع. شعبان
20/2/2016
الأسئلة والحوار
1-   هل هناك ما يريد آرا خاجادور أن يقوله ولم يقله حتى الآن؟ وهل لك أن تفصح عمّا ترغب في الكلام عنه ولم يكن ممكناً سابقاً؟
2-   هل نستطيع العودة إلى المجتمع الأرمني في الأربعينات حتى توجهت إلى الشيوعية؟ أية خصائص ميّزته، وبماذا كان الحزب الشيوعي يتميّز؟ كيف تصف ذلك؟ وبم اختلف حزب ما قبل السجن عن حزب ما بعده؟
3-   ما هو دور وتأثير الحرب العالمية الثانية على تكوين وعيك الأممي؟ هل هي انتصارات الجيش الأحمر أم هاجس العدالة وتجربة أول حكومة عمالية في العالم؟
4-   التقيت الرفيق فهد مرتين: هل يمكن أن تطلعنا على أهمية ذلك في حياتك اللاحقة؟
5-   بماذا يمتاز فهد عن غيره من القيادات الشيوعية العراقية؟ وأية موصفات شخصية وقيادية لديه، وبمَ يختلف عن سلام عادل  الذي عاصرته من العام 1958 ولغاية العام 1963 وأية مواصفات شخصية وقيادية امتلكها؟ وهل تكوّنت رمزيتهما من خلال استشهادهما؟
6-   هل يمكن الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وانتعاش الحركة الشيوعية؟ وبِمَ تفسّر الانشقاقات التي رافقتها: أهو قصور ذاتي لدى النخب الشيوعية أم نقص في توجه بعض القيادات وتزمّتها أم ظروف العمل السري؟
7-   قلت في حديث سابق معي وبعد إصدار كتابي "سعد صالح - الوسطية والفرصة الضائعة": إن الحزب الشيوعي وفهد عَتَبا على سعد صالح لعدم إجازة حزب التحرّر الوطني الواجهة للحزب الشيوعي بعد إجازة خمسة أحزاب علنية، لكنه تفهّم موقفه لاحقاً بعد أن أرسل له ممثلاً عن الحزب (حسين الشبيبي): هل يمكن توضيح ذلك للقارئ؟
8-   حين أطلق سعد صالح دعوة لقيام جبهة وطنية أرسل الحزب له هادي هاشم الأعظمي للاستطلاع منه عن رغبته واستعداده لهذه المبادرة؟  ما هي معلوماتك وهل يمكن إضاءة  ذلك؟
9-   كيف استقبل الحزب وفهد بالتحديد موقف الاتحاد السوفييتي بالموافقة على قرار التقسيم لعام 1947 بعد أن كان يرفض القرار؟ وكيف تمكّن من الاستدارة بموقفه من الرفض إلى التأييد؟ ألم يؤثر هذا الموقف على شعبية الحزب لاحقاً؟ وهل كان التبرير مقنعاً؟ ما هو دور كرّاس "أضواء على القضية الفلسطينية" في تغيير مسار الحزب وهل كان هناك تأثيرات خارجية أخرى غير سوفيتيية؟ (المقصود فرنسية).
10-   اختلف موقفنا من القضية الفلسطينية من العام 1948 ولغاية العام 1956 عن توجهاتنا الأولى، حتى اتخذ الكونفرنس الثاني  للحزب العام 1956 مواقف جديدة أكثر اقتراباً من نبض الشارع العربي، كيف تقيّم ذلك الآن؟ وهل كان ذلك بتأثير من سلام عادل وعامر عبدالله، ولماذا تراجع موقفنا بعد الثورة؟
11-   بقراءة سريعة هل يمكن تقييم انشقاق راية الشغيلة - القاعدة ومع من وقفت ولماذا؟ وهل يمكن مراجعة التجربة؟
12-   كيف تلقيت وأنت في السجن خبر تأميم قناة السويس من جانب جمال عبد الناصر، ثم العدوان الثلاثي على مصر الانكلو – فرنسي الإسرائيلي العام 1956؟
13-   هل كانت مبرّرات قيام ثورة 14 تموز 1958 ناضجة؟ أم كان يمكن ترك خط التطور التدريجي يأخذ مداه؟ كيف تقيّم من يقول أن 14 تموز كان انقلاباً عسكرياً وقاد إلى حكم فردي؟
14-   هل كانت سياسة: "كفاح - تضامن - كفاح" في زمن قاسم صحيحة؟ وهل كان يمكن استلام السلطة؟ ولماذا لم يفعل الحزب ذلك؟ هل امتثل لرأي السوفييت بعدم المغامرة والتحذير من الاندفاعات كما قيل، وكما جاء في بعض الكتب السوفييتية من قولها: حذرنا سلام عادل؟ أم أن قصوره الذاتي وعدم وحدة الرأي لدى قيادته كان وراء ذلك؟
15-   كيف تقيّم حالة الغرور التي صاحبت توجهاتنا بعد الثورة؟ ألم يكن بالإمكان إحياء جبهة الاتحاد الوطني والتفاهم مع القوى الأخرى، أم ترى أنها هي التي تتحمّل المسؤولية الأساسية في انفراط الجبهة؟
16-   أنت قائد نقابي وعملت في قيادة أكبر النقابات وأهمها (عمال النفط) وأصبحت أميناً عاماً في اتحاد نقابات العمال، أين أصبح هؤلاء العمال؟ وهل بقي للحزب وجود لدى الطبقة العاملة؟
17-   هل كانت خطة طوارئ لمواجهة احتمالات انقلاب عسكري؟ وأين كان الخط العسكري؟ ومن دعا إلى حل التنظيمات العسكرية التابعة للحزب الشيوعي لكسب ود عبد الكريم قاسم؟ أليس في ذلك تمهيداً لإنجاح انقلاب 8 شباط العام 1963 أم ماذا؟
18-   أين أخطأ قاسم بحق الحزب الشيوعي؟ وأين أخطأ الحزب الشيوعي بحق قاسم؟
19-   لماذا بعد ما حصل أخذنا نبكي على الزعيم ونصفُ عصره بالذهبي، في حين نحن نلوم أنفسنا في عدم أخذ السلطة منه وإزاحته عن المسؤولية؟ أليس في ذلك ازدواجية وبكاء على الأطلال؟
20-   هل كانت مقاومة الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963 ضرورية؟ ألم تفرّط بقوى الحزب؟ ويبرّر البعثيون بيان رقم 13 القاضي بإبادة الشيوعيين بالمقاومة والبيانات الصّادرة لمواجهة الانقلاب؟ كيف تقيّم ذلك الآن؟
21-   هل كانت الاستعدادات للمقاومة كافية؟ أليست تلك مغامرة؟ أم أنها عمل ثوري ورد فعل طبيعي لا بدّ منه؟ ألم يكن بالإمكان تقليل الخسائر وتجميعها لحين اللّحظة الثورية المناسبة؟
22-   هل كان بالإمكان تأجيل حركة 3 تموز العام 1963 المعروفة باسم "حركة حسن سريع" أو "انتفاضة معسكر الرشيد" أم أن ذلك ضرب من التخمين وقراءة متأخّرة للأحداث؟
23-   ماذا عن خط آب 1964 ومن هم أشد المتحمّسين له وهل صحيح أن الدعوة للانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي كانت بمبادرة من السوفييت؟
24-   لماذا تم تنحية عبد السلام الناصري (أنور مصطفى ) من المسؤولية الأولى في الحزب الشيوعي العراقي؟ هل لأن السوفييت لم يرغبوا به أم لأسباب داخلية؟
25-   كيف تم اختيار عزيز محمد أميناً عاماً؟ ما هي خلفيات ذلك وهل كان السوفييت وراء ذلك؟
26-   كيف تقيّم قيادة عزيز محمد خلال الـ 29 عاماً؟ وهل ترك القيادة رغبة منه أم أنه مرغم؟ وكنت قد قلت إن هناك محاولة للإطاحة به، بدأت في الشام: هل كان السوريون على علم بها؟ وهل يمكن توضيح ذلك؟
27-   كيف تنظر إلى الحزب بعد احتجاجات القاعدة الحزبية على خط آب العام 1964 وماذا عن اجتماع الـ 25 كادراً قيادياً (العام 1965)؟
28-   هل كانت خطة العمل الحاسم رد فعل لخط آب؟ أم كانت بناءً على دراسة ميدانية ؟ وهل كان بإمكان الحزب استلام السلطة فعلاً أم إن المسألة للاستهلاك الداخلي، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية؟
29-   من كان مع "خطة العمل الحاسم" التي توليت فيها مسؤولية أساسية؟
30-   هل يمكن وصف حياة السجن حيث قضيت 10 سنوات بالكمال والتمام، بما لها وما عليها، ونقاط القوة فيها ونقاط الضعف؟
31-   قضيت نحو 6 سنوات في حياة الأنصار في الجبال الوعرة: هل يمكن ذكر نقاط القوّة ونقاط الضعف فيها؟ هل كانت ضرورية أم أنها مفروضة ولم يكن لها من مبرّر؟
32-   ماذا عن تظاهرة 1 أيار العام 1959 ورفع شعار "الحزب الشيوعي بالحكم": هل هناك تيار قيادي دعا إليها أم أن القيادة سارت خلف الجماهير بدلاً من قيادتها؟
وبكل الأحوال من المسؤول؟ وهل كانت المعالجة بمستوى المسؤولية؟ ألم يدفع الحزب الثمن باهظاً بسببها، خصوصاً باستنفار القوى الإمبريالية والقوى الرجعية والقومية وبالأخص استفزاز قاسم حليفنا؟
33-   ماذا عن مراكز القوى بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 داخل الحزب الشيوعي؟ هل صحيح أن الصراع بين يمين ويسار؟ ومن هم اليمين ومن هم اليسار بمصطلحات تلك الأيام؟
34-   يقول باقر إبراهيم: إن سلام عادل عاد من الدراسة في موسكو عن طريق البصرة سرّاً وبمساعدة سوفييتية، وأنه ومحمد صالح العبلي ذهبا لاستقباله حيث وصل على ظهر باخرة سوفييتية؟ ألم يكن انكشاف مسألة من هذا النوع تضع علامات استفهام على علاقاتنا الأممية وأن القوى الأخرى ستستغلها، خصوصاً وهي تتهمنا بأننا "عملاء موسكو"؟
35-   راجت إشاعات كثيرة حول استشهاد الرفيق سلام عادل، ولعلّها أكثر انتشاراً قيام محسن الشيخ راضي بالإشراف على تعذيبه عند اعتقاله، هل لديك معلومات وما هي أقرب الروايات إلى الواقع وكيف يمكن فحص دقتها؟ وكنت قد سألت الشيخ راضي عند زيارته لي في فندق فلسطين "الميرديان" (بغداد)، فقدّم رواية أخرى سأحاول نشرها؟ ماذا تقول؟ (وللعلم فرواية الشيخ راضي مختلفة تماماً عن رواية آرا خاجادور التي كنت قد دققتها مع آخرين لم يكونوا يميلون إلى روايته وقام أحدهم بالكتابة إليه).
36-   هل في نيّتك كشف المستور أو المسكوت عنه وأنت مسؤول عن أمن الحزب؟ وإلى متى ستقبض على الأسرار؟ مثلاً الاختراقات الأمنية، الاندساس، التواطؤات المباشرة وغير المباشرة، أموال الحزب وكيف تم التلاعب بها ومسؤولية من ولماذا تم السكوت عن ذلك؟ ومن هو المسؤول الأساسي عن سياسة التفريط؟
37-   كيف تقيّم العلاقة بالسوفييت، سياسياً، حزبياً، من خلال العلاقة مع KGB؟ هل علاقة الأخير هي الطاغية؟ ماذا تقول؟
38-   يقول كريم مروّة إن "بوناماريوف وسوسلوف" كانا وراء اتهام جورج حاوي الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني بالعمل لصالح المخابرات المركزية الأمريكية، وبالطبع كان الأمر بدعم من خالد بكداش، والسبب كما يراه هو معاقبة الحزب الشيوعي اللبناني على خط التجديد الذي اتخذه المؤتمر الثالث العام 1969 (الذي مثّل إرهاصاً أولياً للخروج على الوصفة السوفييتية)، ثم اتضح عدم صحة تلك الادّعاءات، بل كَذِبَها، لدرجة أنهم أسقطوها بكل هدوء واستقبلوا حاوي مع نيقولا شاوي مبدين حفاوة مبالغة، ألا يعني ذلك تدخلاً بالشؤون الداخلية لحزب شقيق والتحكّم بقياداته وسياساته، خصوصاً وأن الغالبية العظمى تمتثل لذلك، وهو الأمر الذي ساد في العلاقة مع الأحزاب في الدول الاشتراكية ومع أحزاب أخرى... كيف تقيّم ذلك؟
39-   ماذا قدّم جهاز أمن الحزب؟ ألم يستخدم في الكثير من الأوقات في دائرة الصراع الحزبي، بل أحياناً جهاز تجسّس على الشيوعيين.. كيف يمكن قراءة ذلك الآن؟
40-   من المسؤول من طرفنا عن أحداث الموصل (حركة الشواف 1959) وماذا عن الرسالة التي أبرزها حمزة سلمان الجبوري عضو اللجنة المركزية (ل.م.) المرسل إلى الموصل من طرف المكتب السياسي والتعليمات التي حملها معه، عند محاسبته؟
41-   هل يمكن الحديث عن محكمة الدملماجة: ما هي حدود المسؤولية؟ وكيف تصرّفنا إزاء ذلك؟ أي لماذا لم ندِن قتل 17 متهماً دون الرجوع إلى القضاء وبعد انتهاء المواجهات المباشرة؟ لماذا نبرّر حتى الآن مثل تلك الأعمال؟
42-   القوى الخارجية والإمبريالية والقوى القومية بدأت تحيك المؤامرات ضد حكم ثورة 14 تموز 1958، ألم يكن لنا دور في ذلك لاحتكارنا العمل السياسي والقمع الفكري الذي مارسناه ضد الآخرين، علماً بأننا لسنا في السلطة؟
43-   هل يمكن مراجعة ما حصل في الموصل برؤية انتقادية موضوعية، خصوصاً التحريض بعدها على إعدام ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سرّي (وهما من قيادات الثورة) ولم يكونا مشتركين في حركة التمرّد الشوافية؟
44-   كيف يمكن تقييم دورنا في ما حصل في كركوك في 14 تموز العام 1959؟ وإذا كانت شركات النفط هي المسؤولة ، فما هو دورنا؟ وهل ما قمنا به كان صحيحاً؟ ولماذا لم تذكر الحقائق وحتى الرفيق عزيز محمد مسؤول الإقليم حينها والموجود في كركوك وقت حدوث المذبحة ضد التركمان ، تحدّث على نحو غامض عن أيادي خفية لا يعرف أحد شيئاً عنها وكأن هناك من جاء من كوكب آخر ليبدأ بإطلاق الرصاص وينهال بالرمي على التركمان في مجزرة ذهب ضحيتها العشرات، وهو ما دفع قاسم لاتهامنا بالفوضوية؟
45-   ألم يحن الوقت للاعتذار من أهل الموصل ومن التركمان على ما حصل؟ أترى في ذلك ضعفاً من جانبنا أم قوة لنا في مراجعة التجربة ونقد أنفسنا؟
46-   ظلّت قيادات الحزب على تاريخه المجيد تتأرجح بين اندفاعات يسارية وبين ارتدادات يمينية، وكانت التهم تكال الواحد ضد الآخر، وأحياناً هناك من ينتقل بين هذه وتلك؟ أتجد في ذلك ضعفاً في فهم التعاليم الماركسية وقصوراً في التأهيل النظري والمستوى العلمي أم أنانية ورغبة في التسيّد؟ ثم ألم يحن الوقت لقول ذلك؟
47-   لماذا كنت ضد خط آب (أغسطس) 1964 وهل كان الحزب قادراً على اتخاذ سياسة آخرى في ظروف الانكسار والهزيمة؟ أم لديك تبرير آخر؟
48-   كانت حيرة القواعد الحزبية كبيرة، فقد أسمينا حركة 17 تموز (يوليو) 1968 "بالانقلاب العسكري"، وبعدها أطلقنا عليه "التغيير الثوري"، ثم بدأنا بعد إبرام  الجبهة الوطنية في العام 1973 نقول إنها ثورة، وثورة عظيمة، ومن أهم ثورات العالم الثالث، معتبرين صدام كاسترو العراق، ألا يدلّ ذلك على سذاجة وسطحية وانتهازية ووصولية في اتخاذ المواقف؟
49-   من كان مندفعاً في تزويق الجبهة الوطنية ومن أصبح متطرفاً في وقت لاحق ضدها وضد حزب البعث؟ ألا يدل ذلك عن صبيانية يسارية وانتهازية سياسية وحزبية؟
50-   من كان وراء حملة "عسكرة الحزب" بعد انتهاء الجبهة الوطنية،أي حملة التجنيد الاجباري بالذهاب إلى كردستان؟
51-   كيف انتقلنا من تقييم حزب البعث من حزب تقدمي واتخذ اجراءات تقدمية على صعيد السياسة والاقتصاد وقوانين العمل والضمان جعلت نظامه في طليعة العالم الثالث إلى حزب فاشي ونظامه دكتاتورياً فاشياً؟ أليس في الأمر ثمّة خفّة وقصور نظر في الحالين؟
52-   لماذا حملنا السلاح في العام 1974 ضد الحركة الكردية (الجيب العميل كما كان النظام يسميها) وهي حركة حليفة على الرغم من تباين المواقف وتعارضها أحياناً؟ أليس في ذلك ممالئة للنظام وخطأً ستراتيجياً؟
53-   هل ترى نقاط ضعفنا القاتلة تتمركز في موضوع الاقتراب أو الابتعاد عن السلطة؟ أي في مسألة استقلاليتنا وكيف تقيّم موقفنا من ذلك:
1.    أيام حكم قاسم
2.   خلال حكم الأخوين عارف وتجربة الاتحاد الاشتراكي
3.   خلال حكم البعث بعد 17 تموز 
4.   المشاركة بوزيرين في العام 1972
5.   الموقف من الحرب العراقية – الإيرانية
6.   المشاركة في حكومتين (أحدهما في السليمانية والثانية في إربيل)
7.   التحالف مع الحركة الإسلامية بعد الاحتلال في إطار مجلس الحكم الانتقالي، الامتداد للمؤتمر الوطني العراقي.
8.   الموقف المائع من الحصار الدولي
54-   لماذا اندفعت قيادة الحزب ضد الحركة الإسلامية في العام 1977؟ أفي ذلك ثمن التحالف مع النظام، وماذا بقي من استقلاليتنا حينها؟
55-   ثم كيف نسير يداً بيد مع النظام لبناء الاشتراكية وهو من باشر إلى قص أجنحتنا بإجبارنا على حلّ منظماتنا الديمقراطية والجماهيرية : الطلبة والشبيبة والمرأة وغيرها. ومن كان مندفعاً بهذا الاتجاه ومن تحفظ عليه أو عارضه؟
56-   لماذا سكت الحزب عما سمّي محكمة الثورة 1973- 1978 والمحاكم الخاصة في فترة الجبهة؟ ألسنا شركاء بالمسؤولية؟
57-   هل كان موقفنا من الحرب العراقية – الإيرانية صحيحاً خارج نطاق تحالفاتنا الجديدة المباشرة وغير المباشرة: الحركة الكردية ، إيران وسوريا؟ أليس في ذلك إضعافاً لموقفنا وانفضاضاً من الناس عنّا؟
58-   رفعنا شعارات: إسقاط  النظام الدكتاتوري وإنهاء الحرب، ماذا كان صدى هذا الشعار في الداخل الذي نتغنّى به؟
59-   ماذا كان صدى شعار: إسقاط الدكتاتورية وإنهاء الحصار، أليست مثل هذه الشعارات برّانية وليست جوّانية؟ ولو كانت قيادة الحزب في الداخل في بغداد والمحافظات هل ستتخذ مثل هذه الشعارات؟
60-   ألم يكن ضياعاً للوقت والجهد مناقشات طويلة وإقصائية حول : أيهما أجدر: إسقاط الدكتاتورية أم إنهائها؟ وإسقاط النظام أولاً  أو وقف الحرب، وإنهاء الحصار أولاً أم تقديم إسقاط النظام، وأين الحلقة المركزية من سياساتنا؟ وما هي العلاقة بين الوطني والاجتماعي؟
61-   ألا تشعر إن قيادة الحزب بعد العام 1963 ضعيفة وبعض عناصرها خامل، بل هزيل، وقبله كانت منقسمة، وبعضها بعيد عن نبض الشارع، بسبب السجون والمنافي؟
62-   كنت أحد أركان التحضير للمؤتمر الرابع العام 1985 مع عزيز محمد وفخري كريم، هل أنت نادم على نتائجه رغم أنك أصبحت عضواً في المكتب السياسي أم أنه تم استغفالك؟ أم ماذا؟
63-   لماذا تأخرت في إعلان تخلّيك عن جماعة المؤتمر الرابع؟
64-   هل كنت تعوّل مرّة أخرى على عودة التحالف مع البعث العام 1989 بعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية، وهو ما ذكرته عن البيان المحبوس؟ أليس في ذلك رهان جديد على ذات الحصان أم ثمة ظرف موضوعي؟
65-   هل كان بالإمكان تشكيل كيانية أخرى تضم جماعة باقر إبراهيم – عامر عبدالله، وجماعة المنبر، خصوصاً وأن المواقف بينكم أصبحت متقاربة؟ لماذا لم يحصل ذلك؟
66-   هل كنت مع رهان إرسال مجاميع شيوعية إلى الداخل؟ خصوصاً وأن غالبيتها الساحقة كانت يلقى القبض عليها وإذا كنت ضدّ ذلك لماذا لم تعلن رأيك؟
67-   ماذا عن تعذيب بعض الشيوعيين واستشهاد بعضهم في كردستان في بعض مقرّات الأنصار؟ كنت مسؤولاً فماذا تقول؟
68-   ماذا تقول عن الجماعة التي تسلّلت إلى الداخل وضمّت عمر علي الشيخ وزوجته بخشان محمد وعادل حبه وسليم إسماعيل وسيد هادي (أبو عادل السياسي) وحسّان عاكف حمودي.. ما الذي حصل وكيف تم اكتشاف المجموعة ولماذا لم تعتقل؟
69-   لماذا لم تتم محاسبات جدّية بعد أحداث بشتاشان ومن هو المسؤول عن مقتل أكثر من 80 رفيقاً، من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)، وما هو دور القرارات الخاطئة التي اتخذناها، وخصوصاً في بشتاشان الثانية؟
70-   ماذا تعرف عن تعذيب الرفيق أحمد الناصري (أمين) واستشهاد الرفيق منتصر واضطرار سامي حركات إلى ترك القاعدة الأنصارية والتوجّه إلى بغداد والاستشهاد هناك. هل يمكن أن تفيد القارئ؟
71-   هل أغلق ملف بشتاشان ومتى؟ وبقرار من مَنْ؟ وماذا تقول لعوائل الضحايا؟
72-   نبرتك إزاء القيادة تغيّرت بعد الاحتلال العام 2003 على الرغم من الاتهامات التي حاولت توجيهها لك، على نحو معلن أو مستتر، هل الأمر يتعلّق بالهويّة الوطنية للحزب والموقف من الاحتلال والاتفاقية العراقية – الأمريكية أم لشعورك بأن التغيير والإصلاح الداخلي بات في خبر كان؟


ملاحظة: هذه هي الوجبة الأولى من الأسئلة وستصلك أسئلة لاحقة في ضوء إجاباتك ويمكن إرسال ما سيتوفر من إجابات أولاً بأول ، لكي يتم تحضيرها لإعادة القراءة والصياغة.


24
هل تستمر دبلوماسية "القوة الناعمة"؟

عبد الحسين شعبان

   أعلنت المحكمة الاتحادية  العليا أنها ستبتُّ في الدعاوى المرفوعة ضد مسؤولين أكراد بتهمة المشاركة في الاستفتاء على الانفصال، وذلك بعد قرارها بعدم قانونية إجراء الاستفتاء. ويأتي هذا التطور بعد رفض الحكومة الاتحادية إجراء حوار مع قيادة إقليم كردستان قبل إلغاء نتائج الاستفتاء، وهو ما أفادت به رئاسة حكومة الإقليم التي قالت: إن بغداد ترفض البدء في حوار مع إربيل لحلّ الملفّات الخلافية، لكن ذلك لم يمنع من إرسال الإقليم وفداً إلى  بغداد للقاء القيادات السياسية.
   ولعل ثمة عقبات كبيرة تواجه الموقف الكردي، أولها النقد الذي تعرّضت له قيادة إقليم كردستان لإصرارها على إجراء الاستفتاء وثانيها التصدّع الذي أصاب الوحدة الكردية بسبب الانقسام في مواقف الحركة الكردية وثالثها الأوراق التي تملكها بغداد وتستطيع اللعب بها، وهو ما لم تحسب له قيادة الإقليم حسابها . ولعلّ موقف حكومة الإقليم لا تُحسد عليه بسبب إصرار بغداد على تخفيض حصة الإقليم من الميزانية العامة من 17%  إلى 12.67% وهي ميزانية العام 2018 .
وقد تعزّزت ثقة بغداد بنفسها بعد النجاحات التي حققتها بالمعارك العسكرية، ولاسيّما في تحرير الموصل، وبعد تحرير قضاء القائم على الحدود العراقية- السورية وإخراج ما تبقّى من مقاتلين دواعش من راوه. تكون السلطات الاتحادية قد بسطت سيطرتها على كامل الأراضي العراقية التي كانت قد احتلّها داعش. وكانت بغداد قد طلبت عشية تحرير قضاء الحويجة التابع لمحافظة كركوك من سلطات إقليم كردستان تسليمها إدارة المطارات والمنافذ الحدودية التي كانت عملياً تحت سيطرة قوات البيشمركة منذ احتلال العراق العام 2003 وباتفاق بعد العام 2005، إضافة إلى بعض حقول النفط والأراضي المتنازع عليها، وخصوصاً الأراضي التي قامت بتحريرها  من أيادي داعش.
وكانت محطة الاستفتاء الكردي في 25 سبتمبر/أيلول 2017 مفترق طرق بين الإقليم والحكومة الاتحادية، ولم تفلح المحاولات المتعدّدة في ثني إدارة  الإقليم من إلغاء الاستفتاء أو حتى تأجيل موعده، الأمر الذي عاظم من الأزمة المستفحلة أصلاً بين بغداد وأربيل وفي العراق عموماً، وهي أزمة حكم مستديمة، لدرجة أنها بعد احتلال داعش للموصل أصبحت البلاد كلّها على حافة الهاوية أو على شفير حفرة كما يقال.
وإذا كانت النتائج قد حُسمت حتى الآن لصالح بغداد، دستورياً وعسكرياً وقضائياً، إضافة إلى الجوانب الاقتصادية والتجارية والنقل والمواصلات وغيرها، وكل ذلك بدعم إقليمي إيراني وتركي، وتأييد دولي إلى حدود غير قليلة، فإن تغيير موازيين القوى دفع بغداد للمطالبة من الكرد اعترافاً صريحاً وواضحاً بشأن إلغاء الاستفتاء والنتائج المترتبة عليه قبل أي حديث عن حوار حول المشكلات العالقة ، ولاسيّما بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم قانونية إجرائه، بل إن بغداد تريد تنازلاً أكبر من الإقليم باتجاه تأكيده الالتزام بوحدة العراق، خصوصاً وإن الدستور هو الضامن لها حسب نصوصه، ولاسيّما المادة الأولى منه.
فما هي التوقّعات بشأن الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم؟ وماذا تريد بغداد من إربيل، وهذه الأخيرة من بغداد؟ وإذا كان الضغط الأمريكي قد دفع الطرفين إلى الجلوس إلى طاولة مفاوضات بشأن القضايا الفنية والتداخلات الميدانية،  فإنه لم ينجح حتى الآن سياسياً في إجراء حوار للتوصّل إلى توافق بخصوص المشكلات القائمة وبعضها معتّقٌ، وخصوصاً مشكلة كركوك المزمنة والمستعصية، وذلك لأن بغداد تضع شروطاً مسبقة أولها هو إبطال مفعول الاستفتاء، في حين أن الإقليم وإنْ تراجع، فإنه لا يريد إعطاء مثل هذا المستند إلى بغداد، أي لا يرغب التوقيع على ورقة بيضاء يمكن استخدامها ضده في المستقبل، سيّما وأنها تتعلّق بالحلم الكردي في إقامة دولة، حتى وإن أخطأ التقدير والتوقيت والتكتيك، وهو يحاول بعد تغيّر موازين القوى وخيبة الأمل والمرارة من القوى الدولية والإقليمية، أن يناور ويداور، عسى أن يتمكن من تأجيل البت في نتائجه لبضعة سنوات أخرى.
ومع ذلك فلم تتوقف "دبلوماسية الهاتف" التي تحاول التهدئة، ولاسيّما في المناطق التي تحتشد فيها القوات الاتحادية وقوات البيشمركة ، وهناك مسؤولون حكوميون وآخرون غير مباشرين، منخرطون في التهيئة للمفاوضات الخلفية ، على أمل أن ينعقد الحوار رسمياً، خصوصاً بتحلحل بعض المواقف الكردية، وهو ما أشارت إليه صحيفة نيويورك تايمز.
ولم يعد بعد صدور قرار المحكمة الاتحادية العليا أمام الإقليم سوى الإقرار به، وإلاّ فإن رفضه سيتسبب بإشكالات جديدة قد لا تكون كردستان قادرة على مواجهتها أو تحمّل تبعاتها بعد إجراءات بغداد التقييدية،  علماً بأن المحكمة قرّرت عدم  قانونية إجراء الاستفتاء طبقاً لتفسيرها للمادة الأولى من الدستور التي تنصّ على "أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق".
وتدرك حكومة الإقليم، ولاسيّما  بعد استقالة رئيس الإقليم مسعود البارزاني في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري أن ليس بإمكانها المضي في طريق الجفاء والافتراق مع بغداد، ، ولذلك سارعت للتعبير عن احترامها لقرار المحكمة الاتحادية، وأكّدت إن ذلك يمكن أن يكون أساساً للبدء بحوار وطني شامل لحل الخلافات الدستورية بأكملها.
وكان رئيس الوزراء حيدر العبادي قد أكّد أن لا حوار قبل تسليم المنافذ الحدودية  جميعها والمطارات والانسحاب من الأراضي المتنازع عليها لبسط قوات الحكومة الاتحادية كامل سلطتها، وجاء مثل هذا التصريح مؤخراً إثر لقائه مع رئيس بعثة الأمم المتحدة في العراق يان كوبيش، الذي بحث معه الإجراءات الحكومية، مؤكداً على ثوابت الحكومة الاتحادية التي هي في الوقت نفسه لصالح المواطنين الكرد. جدير بالذكر إن القوات الاتحادية من جيش وشرطة اتحادية وقوات مكافحة الإرهاب إلى جانب الحشد الشعبي كانت قد دخلت كركوك والمناطق المتنازع عليها يوم 16/10/2017.
لقد اضطرّ إقليم كردستان إلى التراجع عن موقفه المتشدّد قبيل اندلاع الأزمة، لاسيّما حين انتشرت قوات الحكومة الاتحادية، والأمر يعود إلى أن بغداد مارست سياسة مرنة من جهة وصلبة من جهة أخرى، وهي "دبلوماسية القوة الناعمة"، خصوصاً وقد دعمت إجراءاتها بنصوص دستورية وتطبيقات قضائية، وساعد في ذلك الخلافات الحادة بين الأحزاب السياسية الكردية وخصوصاً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) وكتلة كوران (التغيير) والجماعة الإسلامية وفريق من الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)، وبسبب عدم وجود موقف كردي موحد اضطرّت قوات البيشمركة إلى إخلاء مواقعها للجيش العراقي، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الحادّة لامتناع بغداد عن دفع الرواتب قبل تسديد واردات الحقول النفطية إليها.
ولعبت ظروف الحرب مع داعش وعبء وجود ملايين اللاجئين العرب، دورها في اختلال موازين القوى لصالح بغداد التي بدت موحدة من جانب الشيعية السياسية الحاكمة والسنّية السياسية المشاركة ، كما حصلت على دعم إقليمي حين رفضت كل من إيران وتركيا، إضافة إلى سوريا التعامل مع الإقليم خارج موافقة السلطة الاتحادية، ولذلك لم يبق أمامه سوى المفاوضات حتى وإن تضمنت بعض التنازلات، تلك التي تريدها بغداد صريحة وواضحة.
وثمة مشكلات أخرى على هذا الصعيد ، خصوصاً وأن عدداً من النواب الكرد يخضعون للمساءلة القانونية، فكيف يمكن الوصول بالحوار إلى شاطئ السلام في حين إن القضاء يتحرّك لملاحقة النواب الأكراد الذين صوتوا لصالح الاستفتاء ، ولهذا فإن تشدّداً جديداً قد يرافق العلاقة بين بغداد وإربيل، وهو ما دعا رؤوساء الكتل الكردية إلى الاجتماع والتلويح بالانسحاب من العملية السياسية، وهو خيار مفتوح حسب ما تم التعبير عنه، وقد يحتاج الأمر إلى صفقة سياسية على غرار الصفقة التي تمت بين البارزاني ونوري المالكي عشية قبول الأول بتجديد ولاية ثانية للمالكي.
يذكر أن 14 نائباً كردياً في مجلس النواب العراقي يواجهون حكماً بالإعدام لمشاركتهم في استفتاء الانفصال مؤخراً، وقال رئيس كتلة الاتحاد الإسلامي الكردستاني في البرلمان العراقي مثنى أمين وهو أحد هؤلاء النواب الذين رفعت ضدهم دعاوى قضائية لمشاركتهم في الاستفتاء "إنهم يريدون محاكمتنا وفقاً للمادة 156 من قانون العقوبات العراقي لأننا قمنا بالإدلاء بأصواتنا بطريقة ديمقراطية ومدنية لصالح الاستقلال كبقية الكرد.
وتنص المادة 156 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على أنه " يعاقب بالإعدام من ارتكب عمداً فعلاً بقصد المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها وكان هذا الفعل من شأنه أن يؤدي إلى ذلك" لكن هذه المادة ألغي العمل بها في إقليم كردستان بموجب القانون رقم 21 لسنة 2003، وتلك إشكالية دستورية وقانونية أخرى، تواجه نصوص الدستور العراقي الذي يحتاج إلى إعادة نظر شاملة لاحتوائه على الكثير من الألغام، فضلاً عن تنازع الصلاحيات بين الإقليم والسلطة الاتحادية،إضافة إلى صيغة "المكونات" التي اعتمدها الدستور ووردت في نصوصه ثماني مرّاتعلى حساب فكرة المواطنة ، وليس تلك سوى المحاصصة الطائفية - الإثنية، التي كانت سبباً أساسياً في أزمة الحكم في العراق، ناهيك عن علاقة البيشمركة (كحرس للإقليم) في إطار القوات المسلحة العراقية، وازداد الأمر تعقيداً بتداخل ذلك مع قوات الحشد الشعبي بعد هيمنة داعش على الموصل.
إذا كانت الدبلوماسية الناعمة التي اعتمدتها بغداد بخصوص  الاستفتاء، فهل ستستمر بها؟ وهل ستحاول إدارة الإقليم هي الأخرى التمسك بها للوصول إلى حلول ممكنة وعملية؟ وإلاّ فإن حافة الهاوية ينتظر العلاقة المهزوزة والضعيفة الثقة بين بغداد وإربيل.



25
«ذاكرة مياه المحيط».. التنوّع والتسامح
                     
عبد الحسين شعبان

«يموت ببطء.. من لا يعرف كيفية الاهتداء بفضل عينيه»، مقطع من قصيدة للشاعر التشيلي بابلو نيرودا الذي تثار اليوم أسئلة جديدة حول أسباب وفاته في 23 أيلول (سبتمبر) 1973 وبعد أيام من حصول الانقلاب العسكري ضد نظام الزعيم الاشتراكي سلفادور أليندي والذي قاده الجنرال بينوشيه، وتم تدبيره من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
في النظر يتولّد الإحساس الأول، أي ما أن تقع العين على الصورة حتى يتكوّن الانطباع الأولي من المُشاهدة، سواء كان شعوراً بالجمال أو بالقبح، وسواء كان الفعل مُفرحاً أو مُحزناً ودليل خير أو إيحاء شرّ، فكيف إذا مرّ شريط كامل لفيلم سينمائي يعكس صورة من صور الحياة، بل تواصل حيّ معها؟.
وإذا كانت «الأذن تعشقُ قبل العين أحياناً»، حسب الشاعر بشار بن برد، فإن الصورة هي لغة بصرية تفهمها العين وتلتقطها بسرعة خاطفة لتحوّلها إلى الدماغ الذي يصدر أوامره ليتأتّى حكم القلب عليها. والصوت قد يكون صورة حسّية ومتخيّلة يصل إلى الأذن فالدماغ ومنه إلى القلب، حسب صاحب الفلسفة الحسيّة لودفيج فيورباخ.
في الناظور، المدينة المغربية الشمالية الجميلة، حيث الشمس صافية والطقس خريفي ودافئ، التأمت تظاهرة سينمائية فنّية وثقافية كبرى، وعلى ضفاف بحيرة مارتشيكا انتصبت خيمة كبيرة لعرض أفلام وفعاليات «المهرجان السينمائي العالمي للذاكرة المشتركة» والموسوم هذا العام «ذاكرة مياه المحيط»، حيث تحوّلت المدينة بفضله إلى لوحة فنية وملوّنة وحيوية لمنطقة الريف الكبير، وهي تذكّر بعبد الكريم الخطابي، قائد ثورة الريف العام 1925، ضد الاستعمار الإسباني.
كانت الدورات الخمس قد بدأت بضفتي البحر المتوسط، فالدورة الأولى كانت بعنوان «الذاكرة والتاريخ في العلاقات المغربية - الإسبانية (2012)»، ثم جاءت الدورة الثانية لتوسم ب «الهجرة وحقوق الإنسان والتعدّد الثقافي» (2013)، أما الدورة الثالثة فحملت عنوان «السينما وأسئلة المتوسط» (2014)، وركّزت الدورة الرابعة على «إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط» (2015)، وكان شعار الدورة الخامسة «المتوسط ذاكرة العالم» (2016)، وجميعها نظّمت في مدينة الناظور التي تشهد خلال انعقاد دورات مهرجان السينما الدولي، عرساً جماعياً سنوياً تظلّ تعيشه بحميمية وشوق.
وكان الهدف من اختيار شعار الدورة السادسة «ذاكرة مياه المحيط»، هو الرغبة في توسيع دائرة الاهتمام في مناطق مختلفة من العالم، حيث تم اختيار الهند لتكريمها من خلال «السينما الهندية» التي غذّت المخيّلة الجماعية العربية لسنوات طويلة بمنجز فني كبير، وصنعت نجوماً عالميين لسينما بوليود تضاهي سينما هوليوود، مثل شاروخان وأمتياب باشان وكارينا كابور وإيشوريا رآي وآخرين.
كما شاركت هذا العام «مؤسسة الثقافات الثلاث» في تقديم جائزة باسمها أيضاً، إضافة إلى جائزة الجهة المنظمة «مؤسسة الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلام». وامتاز الحضور السينمائي والثقافي بمشاركة مكثّفة من دول أمريكا اللاتينية التي كانت لافتة، فشاركت بعض الأفلام من دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية مثل البرازيل والأورجواي والمكسيك وبيرو وكولومبيا والدومينيكان وغيرها، كما كان الحضور الأوروبي متميزاً، ولاسيّما من فرنسا وإسبانيا واليونان وبلغاريا وبولونيا وغيرها، مع حضور عربي وبالطبع، مشاركة مغربية ملحوظة ووازنة من فنانين وأدباء وأكاديميين.
وبقدر اختيار «ذاكرة مياه المحيط» عنواناً للمهرجان في دورته الحالية، فإن البحر المتوسط بماضيه وحاضره ومستقبله كان حاضراً بقوة أيضاً، وهو ما يشكّل خلفية لدائرة نقاش وتفكير رحبة تغني الذاكرة وتعطي للمشتركات حقها، لاسيّما بفتح آفاق جديدة.
من أسئلة المهرجان المهمة التي طرحها عدد من الأفلام الوثائقية والأفلام الروائية الطويلة التي بلغت 17 فيلماً، موضوع قبول الآخر واحترام التنوّع والتسامح واللّاعنف واحترام حقوق الإنسان، ولاسيّما حقوق المرأة ونبذ التعصّب والتطرّف والإرهاب، وتأكيد المشترك الإنساني بالانفتاح على الغير ومدّ جسور التواصل بين الثقافات، ولاسيّما من خلال القيم الجمالية، ذات الأبعاد الرمزية والإيحائية التي يتم التعبير عنها بشكل سردي ومضمون دلالي إنساني.
وشهدت أيام المهرجان، فعاليات مختلفة فنيّة وثقافية متنوّعة، من غناء ورقص ومعارض للفنون التشكيلية ودورات تدريب على التصوير الفوتوغرافي وندوات وحوارات، كما مُنحت جوائز عديدة لأفضل سيناريو وأفضل ممثلة وممثل، إضافة إلى جائزتين رئيسيتين، حيث فاز فيلم وثائقي بجائزة الذاكرة المشتركة للمخرجة الكولومبية ليزيت ليموني Lizatte Lemonie بعنوان Amnesthesie «أمنستيزيا»، كما فاز بجائزة الثقافات الثلاث الفيلم الروائي الطويل للمخرجين مانو هوريو وخوسي هركيتا، وهو إنتاج مشترك إسباني- مغربي والموسوم La fabulosa Casablanca (كازابلانكا الرائعة).
السينما بقدر ما هي أداة تعبير ثقافي وفكري وفلسفي، فهي أداة إمتاع وجمال وإحساس، وبقدر ما تخاطب القلوب فإنها تخاطب العقول لاسيّما بإثارة أسئلة في بطن أسئلة، لأنها محاكاة للحياة الواقعية والمتخيّلة المتغيّرة والمتجدّدة، والتي تستمر في بحث دائم عن الحقيقة والجمال والخير والقيم الإنسانية في صراع مع القيم النقيضة، وهي جوهر الصراع الكوني على مدى التاريخ.


drhussainshaban21@gmail.com




26
العراق وتوازن القوى بين الاضطرار والاختيار !!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
رداً على دعوة رئيس وزراء إقليم كردستان نجيرفان البارزاني إلى حوار جدّي مع بغداد لحلّ المشكلات، قال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي: أنه يطالب سلطات الإقليم بإعلان الالتزام بعدم السعي للانفصال عن العراق، وذلك طبقاً لقرار أصدرته المحكمة الاتحادية العليا أكّدت فيه عدم جواز انفصال أي إقليم أو محافظة أو إدارة محلية عن البلاد، استناداً إلى أحكام الدستور.
وجاء قرار المحكمة بناءً على طلب من مجلس الوزراء الاتحادي بتفسير المادة الأولى من الدستور التي تنص على أن " جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة ونظام جمهوري نيابي برلماني ديمقراطي". وخلصت المحكمة إلى أن هذه المادة والمواد الدستورية الأخرى ذات العلاقة تؤكد "وحدة العراق" مضيفة أن المادة 109 من الدستور: تُلزم السلطات الاتحادية أيضاً بالمحافظة على هذه الوحدة . علماً بأن قرار المحكمة المذكور كان قد صدر بموافقة 6 أعضاء (أغلبية ) ومعارضة 3 أعضاء.
ويأتي قرار المحكمة الاتحادية العليا بعد أسابيع من إجراء سلطات الإقليم، الاستفتاء في محافظات كردستان (إربيل والسليمانية ودهوك) إضافة إلى حلبجة ، كما شمل المناطق التي سمّيت في الدستور بـ" المتنازع عليها" ، وكانت قوات البيشمركة قد وضعت اليد عليها بعد تحريرها من أيادي تنظيم الدولة الإسلامية " داعش" عقب احتلال محافظة الموصل 10 يونيو (حزيران) 2014 والتمدّد إلى محافظتي صلاح الدين والأنبار، إضافة إلى أجزاء من محافظتي كركوك وديالى.
وكانت الاحتكاكات قد وصلت مرحلة منذرة بالصدام بُعيد رفع علم كردستان على الدوائر الرسمية العراقية، بناء على قرار من محافظ كركوك نجم الدين كريم، الذي كانت إقالته إشارة أولى من جانب بغداد باستعادة المناطق المتنازع عليها والمنافذ الحدودية وحقول النفط والمطارات، لتصبح بيد السلطة الاتحادية حسبما ينصّ عليه الدستور.
إن دعوة نجيرفان البارزاني إلى حوار جدي مع السلطات الاتحادية، لبحث جميع المشاكل في ضوء الدستور العراقي، وحل الخلافات والقضايا العالقة، مع تأكيد استعداده للتعاون معها، لصرف رواتب موظفي الإقليم ، هي خطوة جديدة بعد استعادة  للتعاون معها، لصرف رواتب موظفي  الإقليم، هي جديدة استعادة الحكومة الاتحادية المناطق التي سيطرت عليها قوات البيشمركة بعد احتلال داعش للموصل أو تلك التي تمدّدت فيها بعد احتلال العراق العام 2003، علماً بأن بغداد ظلّت تغضّ النظر عنها، أو أنها دخلت في إطار مساومات غير مبدئية مع حكومة المالكي بالتحديد قبل هذا التاريخ. وكان نجيرفان البارزاني قد عبّر عن رغبته في الحوار بعد أن عرض أوضاع الإقليم التي قال عنها أنه " في مرحلة حسّاسة تتطلّب وحدة الصف، كما إن المشاكل لا تحلّ بالقوّة العسكرية".
وكانت موازيين القوى قد تغيّرت، فبعد الحديث عن "حدود الدم" ورفض أي مقترح عن تأجيل أو إلغاء الاستفتاء أو نتائجه، بدأت القيادات الكردية الكلام مجدداً عن الحوار والاستعداد لتأجيل نتائج الاستفتاء، علماً بأن مثل هذا الإجراء لم يكن "برسم التنفيذ" كما يُقال، وأنه لا يعني سوى الرغبة في معرفة رأي الشعب الكردي، وتحويلها لاحقاً من حلم مشروع إلى تطبيق حقوقي، يتّخذ شكلاً قانونياً، لكن هذا الأخير ليس قراراً انفرادياً، وإنما هو قرار يتعلق بمصير ومستقبل الدولة العراقية، حيث يقتضي الأمر تفاهمات جديدة، لاسيّما إذا أريد إقامة كيان جديد ينشطر عنها، فضلاً عن ذلك، فالأمر له علاقة بدول الإقليم، حيث عارضته بشدّة كل من طهران وأنقرة، وحتى دمشق المشغولة بهمّها الداخلي، فإنها حذّرت من خطوة الانفصال لما لها من تأثير جيو سياسي سيشمل دول الإقليم التي تعاني من مشكلة كردية مستمرة، بل إن أوضاع كرد العراق، ولاسيّما في السنوات المنصرمة، لا يمكن مقارنتها بنظرائهم من دول الإقليم من حيث الحقوق والحرّيات والمشاركة في إدارة الحكم وسياساته، إضافة إلى الشراكة في الثروة والقرار السيادي.
إن القيادات الكردية، التي استمرّت موحّدة من حيث الظاهر حول قرار إجراء الاستفتاء، بدت مختلفة، بل ومتعارضة بعد إجرائه، خصوصاً وإن الموقف من قرارات حكومة بغداد، بشأن استعادة سيادة السلطة الاتحادية  على كركوك والمناطق المتنازع عليها، بما فيها المطارات والمنافذ الحدودية وحقول النفط، كان متبايناً، وهو الأمر الذي دفع رئيس الإقليم السابق مسعود البارزاني، إلى اتهام طرف كردي (يقصد جناح أساسي في الاتحاد الوطني الكردستاني) بالخيانة، لموافقته على عدم المواجهة مع القوات العسكرية الاتحادية وإخلائه المناطق المذكورة دون أية مجابهات.
لقد أدرك عدد من القيادات الكردية إن بغداد جادة في تنفيذ قراراتها، بل وعازمة على "تطبيق الدستور " كما قالت، لفرض نفسها كقوة موحّدة لإدارة الحكومة، حيث توافقت الشيعية السياسية الحاكمة مع السنّية السياسية المشاركة ، وفي ظل دعم شعبي وبتأييد طهران وأنقرة، إضافة إلى تحفظات المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة التي كان لوم مسعود البارزاني شديدا لها، لأنه يعتبر الأكراد حلفائها، وإذا بها تتركهم في محنة، بل تخذلهم في ظرف عصيب، خصوصاً وأن قراءتهم للأحداث كانت خاطئة.
لذلك أخذت تتكرّر الحكمة الكردية القديمة التي تقول " لا صديق للأكراد سوى الجبال" وقد ردّدها بعض القادة الكرد بمرارة، وهو ما كان ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، وأقصد بذلك "دكتاتورية الجغرافيا السياسية " الوعرة التي طالما حاصرت الأكراد وقطعت عليهم طريق الأمل في تحقيق أحلامهم تاريخياً .
إن قرار الاستقلال هو قرار في غاية الخطورة وكان ينبغي التفكير به ملياً، بغض النظر عن أحقية الشعب الكردي في تقرير مصيره، لكن المسألة لها علاقة بتوازن القوى Balance of power ، وهذه تكبح وتحدّ من تحقيق حلمهم المشروع لأنها تتعامل مع الواقع، بما فيه من عُقد وإشكالات وتحدّيات ومصالح.
ومن أهم القضايا التي تتطلب تفاهماً جديداً لتوازن القوى الجديد المعابر الحدودية مع تركيا وإيران، وكان الاتفاق بشأنها قد تم مبدئياً، على تسليمها وإدارتها من قبل الحكومة الاتحادية، إلاّ أن هناك تلكؤًا قد حصل وهذا أدى إلى عودة التوتر من جديد، بعد تأخّر إدارة الإقليم من تسليمها، الأمر الذي قد ينذر باستئناف العمليات العسكرية وإعادة انتشار الجيش العراقي.
وسبب التأخير يعود إلى عدم ثقة قيادة الإقليم بالسلطة الاتحادية وخشيتها من احتمال تمدّدها وجعلها الإقليم في وضع حرج ولا يُحسد عليه، بعد أن كان الإقليم هو الذي يحاول قضم الأرض لمصلحته، وخصوصاً في المناطق التي تم تحريرها من داعش.
وكانت قيادة الإقليم قد أبدت استعدادها بقبول " إشراف" السلطة الاتحادية على الحدود ، لكنها تحفّظت بشأن سيطرتها على المعابر المؤدية إلى إقليم كردستان، في حين تعتقد بغداد إن الدعوة للحوار قبل إلغاء الاستفتاء ونتائجه وتأكيد عدم الرغبة في الانفصال، تستهدف كسب الوقت وتعزيز الدفاعات الكردية. وكانت الحكومة العراقية قد اتهمت الإقليم بقيامه تحريك قواته وبناء دفاعات جديدة لعرقلة انتشار القوات الاتحادية، خلال فترة التفاوض.
وشدّدت بغداد على تأمين سيطرتها على المناطق المتنازع عليها والحدود. وتشعر بغداد بأنها أكثر قوة ونفوذاً وتأييداً داخلياً وخارجياً من قبل، خصوصاً في ظلّ تطوّرات الموقف الكردي الداخلي وتصدّع الوحدة الوطنية الكردية ما بعد الاستفتاء، لاسيّما ما حصل من اعتداءات على مقرّات بعض الأحزاب الكردية، واقتحام مقر البرلمان واستخدام العنف ضد بعض الإعلاميين ومحاولات إحداث فوضى واضطرابات في إربيل ودهوك. وعلى الرغم من تنحّي رئيس الإقليم مسعود البارزاني، فإن تأثيره على المشهد الكردي لا يزال كبيراً، فهو يمثل المرجعية السياسية (قيادة فوق قيادات الإقليم الحكومية) إضافة إلى كونه رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني أقدم وأقوى الأحزاب الكردية وأكثرها انسجاماً.
ولعلّ آخر تطور في محاولة لإحداث توازن جديد للقوى، هو اقتراح قيادة الإقليم "نشر قوات مشتركة" من السلطة الاتحادية ومن قيادة البيشمركة عند معبر حدودي استراتيجي مع تركيا بمشاركة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، بهدف إيجاد تسوية سلمية وإنهاء احتمالات المواجهة العسكرية، لكن هذا الاقتراح لقي إهمالاً من جانب بغداد التي قالت إن الهدف منه هو المناورة، وكان هذا هو جزء من اقتراح ضمّ خمس نقاط" لنزع فتيل الأزمة"، وكانت قد تقدّمت به إدارة الإقليم إلى الحكومة الاتحادية يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول ) المنصرم وتضمن وقف إطلاق النار واستمرار التعاون في التصدّي لداعش وانتشاراً مشتركاً في المناطق المتنازع عليها... الخ.
وإذا كانت المفاوضات قد بدأت فيما يتعلق بالجوانب الفنية بناء على توصية واقتراح أمريكي، فإن القضايا السياسية لن تطرح للنقاش حسب العبادي ما لم يتراجع الأكراد عن الاستفتاء. جدير بالذكر إن سياسة العبادي وإدارته للأزمة نجحت حتى الآن ، خصوصاً وقد استخدم كل ما لديه من قوة ناعمة، وتعامل بثقة كبيرة وهدوء، حيث حاز على تأييد الداخل والخارج، الأمر الذي أدى إلى تغيير موازين القوى اختياراً واضطراراً في آن وهو ما ينبغي قراءته عند التفكير بحل شامل للأزمة الراهنة.


27
كردستان وتداعيات ما بعد الاستفتاء
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   أعلن مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان عن تنحيّه وعدم ترشيح نفسه وطلب من البرلمان توزيع صلاحياته على سلطات الإقليم. وكانت ولايته قد انتهت بعد تمديدها لمرتين لمدة عامين لكل منهما، وهي الولاية الثانية، حيث حكم كردستان منذ العام 2005 حين انتخب رئيساً في البرلمان، ثم فاز بانتخابات رئاسية مباشرة في العام 2009 وحصل على 69% من أصوات الناخبين لتولّي دورة ثانية، انتهت في العام 2013.
   وكان من المقرّر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في إقليم كردستان مطلع الشهر الجاري (نوفمبر/تشرين الثاني) بانتهاء رئاسة البارزاني، لكنها تأجّلت لثمانية أشهر بسبب عدم تقديم الأطراف السياسية لمرشحيها في ظل الأزمة الطاحنة سياسياً وعسكرياً ومالياً، تلك التي يعيشها الإقليم، ولاسيّما في صراعه مع الحكومة الإتحادية، فضلاً عن مشكلاته الداخلية بتصدّع الوحدة الوطنية الكردية.
   وصادق البرلمان على قرار توزيع الصلاحيات بين الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية بموافقة الغالبية من أعضائه، كما أعلن إلغاء ديوان رئاسة الإقليم، وسيكون من مهمات حكومة الإقليم التي يترأسها ابن شقيقه ادريس، نجيرفان البارزاني، مهمة المصالحة مع الحكومة العراقية وإدارة مفاوضات مع الدول المجاورة ومع أحزاب كردية كانت قد خالفت إجراء الاستفتاء أو تحفّظت عليه، إضافة إلى تبعات ما بعد استعادة كركوك من جانب القوات الاتحادية، وهي مهمات ثقيلة وتحمل عقداً بعضها معتّق، ناهيك عن تداخلاتها الإقليمية والدولية.
   وكان مسعود البارزاني قد ألقى كلمة مؤثرة تنضح مرارة وخيبة أمل، إضافة إلى دروس بليغة،  منها ما أسماه "الخيانة العظمى" التي بسببها انسحبت قوات البيشمركة من كركوك في إشارة إلى جناح في الاتحاد الوطني الكردستاني كان قد تفاوض مع قائد القدس افيراني قاسم سليماني على عدم مواجهته قوات البيشمركة، القوات الاتحادية في إطار صفقة سياسية، ومنها خذلانه من المجتمع الدولي، ولاسيّما من الولايات المتحدة، التي كانت قد أبدت تحفّظها على إجراء الاستفتاء، فضلاً عن توقيته، خصوصاً وإن المجابهة مع داعش لم تكن قد انتهت بعد، وهي لا تزال مستمرّة حتى الآن، وتعتبرها واشنطن الأولوية الأساسية في العراق، التي لا يتقدّم شيئاً عليها، ناهيك عن أنها تريد التعامل مع العراق ككل وليس جزءًا منه.
   ويبدو إن قيادة الإقليم كانت تراهن على "الأمر الواقع"، حتى أن هوشيار الزيباري وزير خارجية العراق لفترة زادت على عقد ونيّف من الزمان، كان قد صرّح بأن ما بعد الاستفتاء سيكون شيئاً آخر، لا يشبه ما قبله، وإن عشرات الدول ستكون مؤيدة له إنْ لم تكن قد وافقت على الأمر الواقع، لكن مثل هذه التقديرات وربما بعض النصائح المباشرة أو غير المباشرة  التي كانت تأتي من مستشارين محليين وأجانب بعضهم مسؤولين سابقين، كانت بعيدة كل البُعد عن الواقع، خصوصاً في ظلّ إصرار عراقي غير مسبوق، حيث توحّدت الشيعية السياسية الحاكمة مع السنيّة السياسية المشاركة في الحكم على موقف واحد.
   يضاف إلى ذلك ردود فعل عربية عديدة داخلياً وعلى مستوى الإقليم، فضلاً عن ردّ فعل شديد من جانب إيران وتركيا وهما الدولتان اللتان تواجهان مشكلة كردية حادة إضافة إلى سوريا التي بدأت الورقة الكردية تتحرّك فيها على نحو مختلف منذ العام 2011،  وخصوصاً الدور العسكري  الذي تقوم به حالياً باسم " قوات سوريا الديمقراطية" المدعومة أمريكياً، كما إن الدور الذي يقوم به حزب العمال الكردستاني PKK في كل من سوريا والعراق، أصبح مُقلقاً عراقياً وعربياً وبشكل خاص تركياً وإيرانياً.
   لعلّ الوضع الذي وجد فيه نفسه مسعود البارزاني وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني هو أقرب إلى العام 1975 وبعد اتفاقية 6 مارس (آذار) بين شاه إيران محمد رضا بهلوي وصدام حسين نائب الرئيس العراقي حينها، حيث لم يقف الحلفاء إلى جانب الزعيم التاريخي الملّا مصطفى البارزاني، وهو ما عبّر عنه بمرارة بُعيد  انتهاء الحركة المسلحة واضطراره اللجوء إلى إيران بعد حرب استمرّت لعام كامل.
   وكان البارازاني الكبير شديد الغضب وكثير العتب إزاء مواقف الولايات المتحدة التي تخلّت عن الحركة الكردية، إضافة إلى شاه إيران، وحاول كتابة رسائل تضجّ بالشكوى والألم إلى هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة حينها، وفي ذلك أحد دروس الكرد الذين لم يبق من صديق لهم وقت الضيق سوى الجبال، حسب حكمة كردية قديمة يردّدها عدد من الزعماء الكرد، خصوصاً في المنعطفات التاريخية، الأمر الذي ينبغي وضعه في الحسبان دائماً، في ظل دكتاتورية الجغرافيا السياسية، تلك التي تحيط كردستان العراق من جميع جوانبه ولا سبيل لتغييرها وتحقيق الحلم الكردي، إلّا بإجراء تغييرات جوهرية في عموم المنطقة.
   وخيبة أمل مسعود البارزاني أكثر شدّة من أبيه، لأن خسارة الأول المعركة كانت بسبب خذلان العامل الخارجي  أساساً وتخلّيه عن دعمه الأمر الذي سبّب اختلالاً جوهرياً في ميزان القوى العسكري، في حين إن خيبة أمل الإبن نجمت من غياب الوحدة الوطنية، سواء بمواقف كتلة كوران (التغيير) أو الحركة الإسلامية أو أطراف من الاتحاد الوطني الكردستاني التي تسبّبت في انسحاب غير متفق عليه أو لم يتم التوافق بشأنه، كما يفصح قرار تنحية ورسالته التي وجهها إلى العالم بهذه المناسبة .
   بعد إعلان مسعود البارزاني انسحابه من رئاسة الإقليم قال " أنا مسعود البارزاني، أحد أعضاء البيشمركة وسأستمر في مساعدة شعبي في نضاله نحو الاستقلال" ، وعلى أثر ذلك اجتمع برلمان كردستان وقرر قبول الاستقالة وكان قد تردد عشيّة هذا القرار، تشكيل قيادة سياسية عليا، سيكون من مهماتها الإبقاء على "امتيازات" الرئيس البارزاني بصفته مرجعية عليا كانت قد تقرّرت باجتماع الأحزاب الكردستانية (المتوافقة معه)، وسيكون من مهماتها مقابلة الدبلوماسيين الأجانب وعدم اتخاذ قرارات تتعلّق بالقضايا الحساسة من جانب الحكومة دون موافقتها.
    ولعل ذلك يعطيها حضوراً سياسياً أقرب إلى فكرة "المرشد الأعلى" أو القائد الفعلي أو ما سمّاه منتقدوه " مجلس قيادة الثورة"، حيث سيبقى خارج دائرة العمل التنفيذي الحكومي اليومي والمسلكي، علماً بأن أحد أقطاب الاتحاد الوطني الكردستاني (نائب الأمين العام - كوسرت رسول) سيكون نائباً له في هذا الموقع الجديد، حتى وأن كان الأمر مؤقتاً، وذلك كي لا يحصل " فراغ دستوري" كما ورد في رسالته الموجهة للبرلمان.
   لقد طوى مسعود البارزاني يوم الأحد 29 أكتوبر(تشرين الأول) 2017 صفحة من صفحات تاريخ كردستان الأكثر إثارة وحساسية، لاسيّما على صعيد تمتّع كردستان بالفيدرالية واعتبار الكرد شريكاً أساسياً في صياغة الدستور وفي إشغال مناصب عليا في الدولة العراقية بينها رئاسة الجمهورية لثلاث دورات ، وكان يأمل أن يصل بالإقليم  إلى محطّة جديدة يعلن فيها عن استقلاله بعد إجراء الاستفتاء، ولكن التوافقات الإقليمية والدولية، فضلاً عن الوضع العراقي كان عائقاً شديداً أمام ذلك الطموح، الذي بسببه تراجعت بعض مكاسب الإقليم وهو ما تحمّله بعض الأطراف الكردية مسؤوليته، إضافة إلى تصدّع العلاقات العربية- الكردية .
   وبغضّ النظر عن بعض الاجتهادات وفيما بعد الاصطفافات والأخطاء، فقد لعب مسعود البارزاني دوراً كبيراً في قيادة الحركة الكردية، منذ ثورة سبتمبر/ أيلول العام 1961 بمرافقة والده، وفيما بعد أصبح رئيساً لجهاز الاستخبارات ثم رئيساً للحزب الذي تأسس العام 1946، ودخل بحروب مع غريمه جلال الطالباني، وأكبرها الحرب التي استمرت أربع سنوات 1994-1998، كما دخل في مفاوضات عديدة مع صدام حسين الذي أعانه ضد جلال الطالباني الذي كان مدعوماً من إيران في العام 1996، حيث دخل الجيش العراقي إلى إربيل، وكان لاعباً أساسياً في ساحة المعارضة العراقية، وجمع "شملها" في صلاح الدين العام 1992  ليصبح واحداً من ثلاث قياديين أساسيين فيها، هم إضافة إليه: السيد محمد بحر العلوم واللواء حسن النقيب، كما كان عضواً فاعلاً في مجلس الحكم الانتقالي الذي شكّله بول بريمر بعد الاحتلال وفقاً للمحاصصة الطائفية - الإثنية .
   واليوم وبعد شهر ونيّف على قول الكرد " نعم" فإن المرارة أخذت تكبر بعد سلسلة الإجراءات والتداعيات التي اضطرّت الكرد للتراجع، أهمها: إعادة كركوك إلى سلطة الدولة الإتحادية وهي التي تسمى لدى القيادات الكردية " قدس الأقداس"، إضافة إلى عدد  من المناطق المتنازع عليها، وكان مسعود البارزاني قد تحدّث عن "حدود الدم" التي قال عنها إنها ترسم الحدود الكردستانية.
   كما اضطرّ الإقليم إلى إعادة بعض حقول النفط والمنافذ الحدودية، كما إن الانقسام الكردي الذي حصل بشأن الاستفتاء وبعده، ستكون تأثيراته كبيرة جداً على مستقبل الإقليم، إذْ أنه منذ احتلال العراق العام 2003 ولحد الإعلان عن الرغبة في إجراء الاستفتاء، كان الموقف الكردي موحداً، لذلك حصل الكرد على مكتسبات كبيرة، وكان البعض ينظر إليهم بأنهم يتمدّدون في كركوك على حساب التركمان والعرب، وكذلك في المناطق المتنازع عليها، بل إنهم يحكمون جزءًا من بغداد، إضافة إلى إقليم كردستان الذي لا يشاركهم فيه أحد.
   فما الذي سيحصل وهل سيبقى مسعود البارزاني رئيساً للحزب الديمقراطي الكردستاني؟ وكيف سيتم التعامل مع حكومة الإقليم برئاسة نجيرفان البارزاني ؟ وماذا عن نجله مسرور البارزاني رئيس مجلس الأمن القومي في الإقليم والمسؤول عن الأمن منذ العام 2012؟ وكيف ستكون نتائج الانتخابات الكردية وكذلك نتائج الانتخابات العراقية وكلاهما سيجريان في العام المقبل 2018؟
   كل ذلك  يثير أسئلة كبرى، لكن الجواب عليها يحتاج إلى انتظار كي تنجلي هذه الموجة العاصفة وتعود الأمور إلى مجاريها، ولاسيّما مع بغداد التي تتعامل بثقة أكبر مع الإقليم خصوصاً في إطار الصلاحيات الممنوحة للدولة الإتحادية دستورياً، وذلك بفعل تدخّل أمريكي للجلوس إلى طاولة مفاوضات، ابتدأت بقياديين عسكريين من الجيش العراقي والبيشمركة لتنتهي لاحقاً في إطار القيادات السياسية، علماً بأن رئيس الوزراء حيدر العبادي كان قد أعلن عن قبوله للحوار شريطة أن يعلن الإقليم إلغاء الاستفتاء ونتائجه.

28
المرأة والسلام والأمن
                     
عبد الحسين شعبان
يمثّل العنوان ثلاثية تكاد تكون مترابطة بشأن المرأة والسلام والأمن، لاسيّما في العقدين الماضيين، ففي أكتوبر/تشرين الأول العام 2000 صدر القرار رقم 1325 عن مجلس الأمن الدولي، بخصوص المرأة والنزاعات، حيث ارتكز على الدور الذي يمكن للمرأة أن تلعبه في بناء السلام وتحقيق الأمن، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، خصوصاً إن النساء الأكثر تضرراً أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.
وكانت بعض الآراء الفقهية بدأت تأخذ طريقها إلى التشريعات الدولية وقواعد القانون الإنساني الدولي بشأن حماية الأشخاص غير المقاتلين والمدنيين، بشكل عام، والنساء بشكل خاص. وذهبت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وملحقها بروتوكول جنيف لعام 1977، إلى وجوب حماية النساء ضد أي اعتداء، أو عنف جسدي، أو إذلال بأنواعه المختلفة، خصوصاً ما تم تقنينه في البروتوكول الأول: الخاص ب«ضحايا المنازعات الدولية المسلحة»، والبروتوكول الثاني الخاص ب«ضحايا المنازعات المسلّحة غير الدولية».
وسعت «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» منذ قيامها إلى نشر أحكام القانون الإنساني الدولي المتعلّقة بحماية المدنيين، للارتقاء بعالم أكثر إنسانية وسلاماً وأمناً، ويحفظ للنساء كرامتهن، ويراعي ظروفهن في أوقات الحرب، مثلما في أوقات السلم، خصوصاً بإلغاء التمييز بجميع أنواعه بحقهن، وهو ما ذهبت إليه اتفاقية سيداو لعام 1979، التي تعتبر تطويراً عملياً لفقه المرأة في القانون الدولي، وتأكيداً لخصوصيتها في إطار احترام حقوق الإنسان والشرعة الدولية، تلك التي تم تأكيدها في الإعلان العالمي الصادر في العام 1948 أو في العهدين الدوليين الصادرين في العام 1966 والداخلين حيّز التنفيذ في العام 1976 باعتبارهما اتفاقيتين شارعتين، أي منشئتين لقواعد قانونية جديدة، أو مثبتتين لقواعد قائمة، خصوصاً وأنهما صدرا عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
واستكمالاً للحماية الخاصة بالمرأة أثناء النزاعات المسلحة، صدر القرار 1325 الذي وردت الإشارة إليه، فأكد على أهمية التنوع الاجتماعي في قضايا السلام والأمن، ودعا الدول الأعضاء إلى العمل على تأمين مشاركة النساء على جميع الصعد في صنع القرارات عند حلّ النزاعات، وفي عملية السلام. ولعلّ تلك هي المرة الأولى التي يخصّص فيها مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة كاملة لمناقشة تجارب المرأة أثناء النزاعات المسلحة، وهو ما حاول المجلس متابعته من خلال دزينة من القرارات صدرت في الأعوام 2008 و2009 و2010 و2013 و2015، خصوصاً بتأكيد العلاقة العضوية بين ثلاثية «المرأة والسلام والأمن» التي تقوم على أربعة مرتكزات أساسية هي:
1- المشاركة، والهدف منها إشراك المرأة بصورة كاملة ومتكافئة وتمثيلية في جميع مستويات اتخاذ القرار، بما في ذلك مباحثات السلام والمفاوضات لتحقيقه، وفيما بعد خلال العملية الانتخابية (ترشيحاً وتصويتاً)، إضافة إلى المواقع الرسمية المحلية والدولية وفي المجالات الاجتماعية والسياسية والمدنية الواسعة.
2- منع النزاعات، والقصد بذلك تضمين منظور النوع الجنسي (الجندر) في أسس الحل، والوقاية، والحماية من خلال مشاركة المرأة، للحيلولة دون نشوب النزاعات المسلحة وانتشارها وعودة ظهورها، خصوصاً إذا توجّهت الجهود لمعالجة الأسباب الجوهرية لاندلاعها، وقد يقتضي الأمر نزع سلاح جميع الفرقاء، بمن فيهم الفئات الأكثر تهميشاً، وتطبيق ذلك على الصعيد الداخلي (المحلي) والدولي لبناء السلام، وترسيخ الأمن.
3- الحماية، وتشمل حماية النساء (السيدات والفتيات كما ورد في نص القرار 1325)، وتأمين احتياجاتهن الأساسية أثناء النزاعات، وما بعدها، بما فيها الإبلاغ عن حالات العنف الجسدي، وملاحقتها قضائياً، والتأكيد على تطبيق القانون الوطني والمعاهدات الإقليمية والدولية بهذا الخصوص. ويستوجب الأمر من جميع الأطراف، اتخاذ التدابير الضرورية لتأمين حمايتهن، سواء كانت تدابير انضباطية عسكرية، أو تدريبية للقوات المسلحة، أو غيرها، وحظر جميع أشكال العنف الجنسي بحق النساء والأطفال الواقعين في منطقة تُهدّد بخطر وشيك بالعنف الجنسي، ونقلهم إلى مناطق آمنة.
4- العلاج والمعافاة، ويتطلّب ذلك تأمين وصول الخدمات الصحية إلى النساء والإرشاد النفسي عند الصدمات، ويشمل ذلك الناجيات من العنف الجسدي.
وإذا كانت الحروب والنزاعات المسلحة الأكثر قسوة على النساء والأطفال على مدى التاريخ، فالمفارقة التاريخية لا تزال قائمة ومستمرة، حين تستبعد المرأة من عمليات بناء السلام وجهود فرض الاستقرار، فضلاً عن المباحثات للوصول إلى ذلك، تحت ذرائع شتى، خصوصاً في ظل انعدام المساواة.
واستناداً إلى القرار 1325 والقرارات الدولية التي تبعته، إضافة إلى اتفاقية سيداو والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فإن المسؤولية القانونية تقتضي ملاحقة الجناة ومرتكبي الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحروب، بما فيها الجرائم التي تتضمن عنفاً جسدياً لوضع نهاية للإفلات من العقاب، خصوصاً في ما يتعلّق بجرائم العنف الجسدي المرتبطة بالنزاعات التي يقع تحت مظلتها جميع الضحايا.
مناسبة الحديث هذا، التأمت حلقة نقاشية نظمتها «الأسكوا» في بيروت، شارك فيها ممثلون لحكومات وخبراء مستقلون وشخصيات نافذة في المجتمع المدني، خصوصاً وقد آن الأوان لتكون المرأة مشاركة فاعلة في جميع الترتيبات لرسم السياسة العامة لصنع السلام وتحقيق الأمن والاستقرار.
drhussainshaban21@gmail.com




29
                              22/10/2017

الأخوات والإخوة أعضاء مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية المحترمين

تحية الزمالة،
   بعد ما يزيد عن 40 عاماً من عملي في تأسيس وإدارة والإشراف على مركز دراسات الوحدة العربية، آن الأوان لأسلم المسؤولية لمن يستحقها، ولي ثقة كبيرة بأنكم ومعكم فئة متميزة من المفكرين والباحثين والممارسين العروبيين التقدميين قادرون على حمل الأمانة، كما حملتموها معي طيلة السنوات الماضية، بالرغم من الحصار الذي تعرض له المركز والحروب الناعمة والخشنة التي واجهها، ولكنه ظل أميناً على حمل رسالة المشروع النهضوي العربي الراقي والمتطلع إلى إحداث تغيير حقيقي في وعي المواطن العربي والنخب العربية والمجتمع العربي.
   وكما صارحتكم في السابق بأن المركز كان جزءاً مهماً من حياتي، بل وحتى أكثر من عائلتي وأصدقائي، فإنه سيظل في ضميري ووجداني، وخصوصاً لمواصلة النهج الذي اختضته لنفسي وهو المهمة العظمى التي علينا أن نعمل معاً جميعاً لتحقيقها، وتحت شعار الخبز مع الكرامة والحفاظ على استقلالية المركز وتوجهاته.
   ولأنني قررتُ إعفاء نفسي من مواصلة العمل اليومي الروتيني والتفرغ لكتابة مذكراتي، والتي سيكون المركز جزءاً منها، فإنني أقدم استقالتي من رئاسة مجلس الأمناء واللجنة التنفيذية ومن جميع المسؤوليات التي توليتها خلال الفترة المنصرمة، وستثبت مشاعري مع كل عمل فكري جاء يخدم مركز دراسات الوحدة العربية. 
أصافحكم فرداً فرداً وأشارككم من القلب وكلي أمل بأن تواصلوا المسيرة بكل عزة.
                                خير الدين حسيب
                              رئيس اللجنة التنفيذية
                               رئيس مجلس الأمناء
-   صورة الأخوات والإخوة العاملين في المركز مع كل الشكر والتقدير على تعاونكم معي أثناء عملي في المركز والذي ما كان يمكن انجاز ما تم بدونكم، وآمل وأتمنى أن تواصلوا مسيرتكم وتحافظوا على استمرار المركز واستقلاليته.

30
كردستان ودكتاتورية الجغرافيا السياسية
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

   كان جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق الأسبق (الذي رحل يوم الثلاثاء 3/10/2017) يردّد دائماً حكمة كردية تقول "ليس للأكراد من صديق سوى الجبال"، وبقدر ما تحمل هذه الحكمة من مرارة، ففيها جزء كبير من الحقيقة ودروس تاريخية ينبغي استيعابها، ذلك إن الجغرافيا السياسية حكمت الكرد إلى حدود كبيرة. وإذا أخذنا بتكوّن عدد من دول المنطقة خلال القرن المنصرم، سنعرف أن مساحة كردستان تزيد على 400 ألف كيلو متر مربع  ويقطنها ما يزيد على 35 مليون إنسان موزعة على أربع دول ترتبط معهم بوشائج كثيرة، بعضها في الأصول العرقية وبعضها في اللغة والدين،إضافة إلى التاريخ المشترك والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها.
   وكان القسم الأكبر من الكرد يعيشون في حدود الدولة العثمانية، وأصبحوا لاحقاً من مواطني ثلاث دول أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى، هي : تركيا (العام 1923) بعد هزيمتها بالحرب ووفقاً لمعاهدة لوزان، والعراق الذي تأسس العام 1921 وسوريا التي تأسست في العام 1925. والقسم الرابع كان في إيران.
   ومع إن اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 قسّمت البلاد العربية، كما تم تقسيم  شمل الكرد أيضاً الذين كانوا ضحية صراع بين الامبراطورية الفارسية والدولة العثمانية، لعدّة قرون من الزمان، وكانت أرضهم جزءًا من مساومات تاريخية بينهما، اشتملت عليها معاهدات مثل أرضروم الأولى 1823 وأرضروم الثانية 1848 وبروتوكول طهران العام 1911 واتفاقية القسطنطينة العام 1913  وصولاً لمعاهدة سيفر ما بعد الحرب العالمية الأولى. وهكذا حكمت الجغرافيا السياسية كردستان، إضافة إلى المصالح الدولية.
   وقد ظلّت القضية الكردية غائبة عن الأروقة الدولية منذ إبطال مفعول معاهدة سيفر لعام 1920 التي اعترفت بجزء من حقوق الكرد، ولاسيّما بعد إبرام معاهدة لوزان، لغاية العام 1991 حتى صدور القرار 688، عن مجلس الأمن الدولي، والذي يتعلّق بكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية في المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، ووقف القمع باعتباره تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
   وكان ذلك القرار، إضافة إلى قرارات دولية عديدة من نتائج مغامرة غزو الكويت العام 1991 التي فرضت العقوبات الدولية على العراق. وقد صدر القرار تحت تأثير الهجرة  الجماعية التي شملت مئات الآلاف من الكرد باتجاه الجبال "أصدقاؤهم الوحيدون" حسب الحكمة الكردية.
   وبعد ذلك اتخذت الدول الثلاث بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة قراراً باعتبار خط العرض 36 والذي يشمل محافظات كردستان الثلاث السليمانية وإربيل ودهوك ملاذاً آمناً، ومنعت القوات العراقية والطيران العراقي من التحليق فوقه.
   ومرّة أخرى دخلت الجغرافيا السياسية على الخط بفعل التنسيق التركي - السوري - الإيراني، الذي ظلّ يتربّص بالتجربة الكردية الوليدة بعد انتخابات العام 1992 والتي رافقها أخطاء عديدة، منها نظام المحاصصة، إضافة على القتال الذي اندلع بين طرفيها الرئيسين: الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) والاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) وهنا كان للجغرافيا السياسية دور في الصراع الدموي الكردي - الكردي، فقد استعان (حدك) بالجيش العراقي في العام 1996 لطرد غريمه أوك من إربيل، وكان أوك ينسق مع إيران ضد عدوّه التاريخي (حدك)، وقبل ذلك مع الحكومة العراقية ضد قوات الأنصار الشيوعية التي شهدت مجزرة في بشتاشان العام 1983.
   ولكن في أوقات الشدّة يبقى الأكراد وحدهم يواجهون مصيرهم، في حين تظل الجبال صديقهم الوفي عند الضيق، وتصبح ملاذهم وحاميهم من حملات الغزو، ولكنها في الوقت نفسه كانت تعرقل قيام وحدتهم وتحقيق طموحهم، سواء في الحصول على حقوقهم، أو لقيام دولة خاصة بهم. وهنا تتدخل الجغرافيا السياسية مرّة أخرى " لتقرير المصير" وقد حصل هذا في العام 1975، فإيران الشاهنشاهية والولايات المتحدة، سرعان ما تنكّرا لحقوق الكرد التي قالوا إنهم يدعمونها ضد حكومة بغداد، وتُركوا وحيدين بعد استفحال القتال بين قيادة القوات الكردية والحكومة العراقية في مارس (آذار) 1974 واستمر لمارس (آذار) العام 1975، حيث تم الاتفاق في الجزائر بتوقيع اتفاقية الشاه محمد رضا بهلوي وصدام حسين نائب الرئيس العراقي حينها، في 6 مارس (آذار) والتي أدّت إلى انهيار الحركة الكردية.
   لم تنفع وقتها وعود كيسنجر أو دعم الشاه وهو الأمر الذي ترك مرارة لدى الزعيم الكردي الكبير مصطفى البارزاني، ففي لحظة وجد المقاتلون البيشمركة أنفسهم أمام الجبل، الصديق الوحيد الصامد الذي حنى عليهم واحتضنهم وأخفاهم من الطيران والقصف الذي يتعقبهم، تلك هي دكتاتورية الجغرافيا السياسية التي لا مردّ لها والتي يعيش في كنفها الفرس والترك والعرب والكرد، وكنّا قد دعونا إلى حوار لمثقفي الأمم الأربعة.
   وهكذا يعيد التاريخ نفسه، وإذا كان في المرّة الأولى كمأساة ففي المرّة الثانية  يبدو كمهزلة، خصوصاً وقد بقي الأكراد عُزلاً بلا معين أو نصير أو داعم، وحتى من يدعم حقوقهم فإنه قد يثير التباساً وكراهية ضدهم في لحظة تاريخية مفصلية، مثلما تحاول "إسرائيل" إظهار تعاطفها مع حقوقهم، وهي التي تضطهد الشعب الفلسطيني  وتحرمه من أبسط حقوقه، وباستثناء قناعات فكرية ومبدئية بشأن "حق تقرير المصير"، كمبدأ قانوني وحقوقي لشعب عانى من الاضطهاد طويلاً، فإن ثمة لا أحد يقف معهم، خصوصاً في ظلّ سياسات وتطبيقات ستكون مثار خلاف شديد، إن لم يتم بالتوافق بشأنها وفي ظرف إقليمي ودولي لا بدّ من مراعاته.
    إن اختيار "اللحظة الثورية"، أي انسجام الظروف الموضوعية مع الظروف الذاتية أمرٌ في غاية الأهمية إزاء استراتيجية وتكتيك أية حركة أو جماعة سياسية أو تنظيم حزبي،  والأمر لا يتعلق بالاستفتاء فحسب، وهي خطوة حصلت وإنْ أثارت ردود فعل حادة، سواء  بشأن توقيت الاستفتاء وما يترتب عليه، ولاسيّما في المناطق التي تسمّى " متنازع عليها"  ثم بخصوص إعلان الدولة التي لا تزال تثير التباسات عديدة، ولكن ماذا بعد الاستفتاء؟ وكيف سيتم وضع نتائجه موضع التطبيق في ظل انقسام كردي وغياب الوحدة الوطنية، ورفض عراقي؟ وكانت الشيعية السياسية الحاكمة قد اتفقت مع السنّية السياسية المشاركة، مستنفرة دول الإقليم التي تهدد بالتدخل، سواء من جانب تركيا أو إيران، والأمر يتم بوسائل ناعمة أو خشنة، بالمقاطعة والحصار وإغلاق المنافذ الحدودية والتأليب الداخلي، فضلاً عن وسائل قد تكون غير منظورة.
   ليس هذا فحسب، بل إن أصدقاء الكرد " الجدد" وأعني بذلك قوى التحالف الدولي، ابتداء من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ، كلّها اعترضت على إجراء الاستفتاء أو تحفظت عليه  أو طلبت إلغائه أو تأجيله، بل إن قوى دولية عديدة ظلّت تدعو علناً وبأعلى الأصوات بما فيها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ودول عربية وخليجية ومرجعية السيستاني والأزهر الشريف، إلى وحدة الأراضي العراقية ، بل إن العديد منها اعتبر انفصال كردستان مقدمة لتقسيم المنطقة، وفق خرائط إثنية وعرقية ودينية وطائفية وجهوية لجهات لا تضمر وداً لشعوب المنطقة، الأمر الذي سيثير نزاعات جديدة، إذا ما بدأت فقد تستغرق عقوداً من الزمان، ويكفي أن لدينا صراعاً أساسياً أصبح مستديماً ونقصد به الصراع العربي - "الإسرائيلي"، فما بالك إذا اندلعت حروب طائفية وإثنية، فالأمر سيكون كارثياً بامتياز.
   كما إن المصالح النفطية للقوى الاحتكارية الدولية ومن ورائها القوى الكبرى لا تريد التفريط بحلفاء أساسيين مثل تركيا التي هي عضو أساسي في حلف شمال الأطلسي، ولديها علاقات دبلوماسية كاملة مع " إسرائيل". أمّا العراق فيمكن أن يذهب بعيداً بالاتجاه الإيراني، ولذلك فإن دعمه والحفاظ عليه موحداً سيكون لصالح استمرار الحفاظ على المصالح الدولية والإقليمية فيه، كما إن موضوع حقوق الكرد في سوريا سيكون مطروحاً على خط النقاشات والمفاوضات، في جنيف والأستانة، وفي أي حل دولي للأزمة السورية، لاسيّما وأن قوات التحالف تدعم  "قوات سوريا الديمقراطية" التي تشكل القوى القومية الكردية عمادها، وهو ما سيمهّد لتفاهم روسي - أمريكي على صيغة توافقية ترضي الطرفين، وتأخذ بنظر الاعتبار الموقف التركي.
   وبخصوص إيران، فإن الولايات المتحدة والغرب عموماً، يعملون على إحداث تغيير جذري داخلها، خصوصاً وإن هناك تحفظات خليجية وإقليمية على دورها، ولعلّ أي تغيير في إيران أو تركيا ستكون القضية الكردية مطروحة فيه على بساط البحث، وهكذا تبقى كردستان محكومة بالدكتاتورية الجيوسياسية، التي تحتاج إلى تغييرات عميقة باتجاه حلول ديمقراطية في المنطقة لإحداث نوع من أنواع القبول بكيانية كردية جديدة، وربما أكثر من واحدة وأكثر من شكل، وقد يكون سابقاً لأوانه اليوم وفي ظل اختلال توازن القوى، تصوّر قيام حالة كردية مستقلة ومنفردة في ظل غياب وحدة وطنية كردية .
   ولعلّ البدء بالحوار لتطويق ما هو حاصل، سواء بقبول حدود ما قبل 19 مارس (آذار) 2003 والتفاوض بشأن المناطق المتنازع عليها وقضايا الحدود والنفط والمواصلات وشكل العلاقة المستقبلي، سواء بالبقاء في العراق وفي إطار الدولة الفيدرالية الموحدة أو في إطار شكل جديد، ربما يكون كونفدرالياً بتعديلات ضرورية للدستور، وإن كان الشكل الحالي أقرب إليه، ولكن إذا كان العيش المشترك مستحيلاً فسيكون " الطلاق أبغض الحلال عند الله" وليتحمّل الطرفان  مسؤولية ذلك، خصوصاً إذا ما تجنّبنا خيار الحرب، وهو الخيار الأكثر كارثية وإيلاماً.
   وبالنسبة لكردستان، لا بدّ من قراءة اللوحة الجيوسياسية جيداً، حيث أنها محاطة بجيران أقل ما يقال عنهم أنهم غير مرحّبين بالكيان الجديد، إذا تقرّر إقامته عنوة ودون اتفاق مع الأطراف المعنية، لاسيّما في ظل موقف دولي غير مشجع أو ضبابي  على أقل تقدير، خصوصاً وإن الهدف الذي يشكل شبه إجماع إقليمي ودولي هو محاربة داعش وتجفيف منابع الإرهاب، وباستثناء الموقف الفرنسي  الذي دعا رئيس الوزراء حيدر العبادي لزيارة باريس في إطار وساطة أعلن عنها، على الرغم من أن الزيارة كانت مقرّرة قبل ذلك كما أشار ناطق رسمي حكومي، فإن الجبال وحدها ستبقى وفيّة إلى النهاية لصداقة الكرد المديدة على أرضهم وفي وطنهم.

31

أسئلة ما بعد استفتاء كردستان
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
بعد شدّ وجذب ورفض وتأييد، مرّ الاستفتاء الكردي بهدوء داخل إقليم كردستان وفي المناطق المتنازع عليها، على الرغم من بعض التحفظات والمناشدات على المستوى الدولي، أو ردود الفعل الحادة على المستوى الإقليمي، لاسيّما الإيراني والتركي،  أو الرفض الشديد وشبه الجماعي على المستوى الداخلي من جانب الحكومة الاتحادية والغالبية الساحقة من القوى السياسية على اختلاف توجهاتها وتياراتها.
ومع تلويح تركي بالخيار العسكري وقصف إيراني لمواقع قرى كردية قالت طهران أن فيها قواعد لإرهابيين، ومناورات للجيش العراقي، واتصالات بين طهران وأنقرة وبغداد وإجراءات معلنة ومستترة للعقوبات من جانب البرلمان العراقي وبعض القوى العراقية، فإن احتمالات اندلاع حرب داخلية عربية - كردية أو بمشاركة أطراف إقليمية ليس وارداً على الأقل في الوقت الحاضر، لكن ذلك لا يمنع من تصاعد التوتر في المناطق المتنازع عليها واحتمالات انفلاتات محدودة من هذا الطرف أو ذاك بما فيها أعمال عنف وإرهاب قد يستغلها داعش والمنظمات الإرهابية.
لقد أصرّ رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني على إجراء الاستفتاء في موعده المقرر في 25 سبتمبر (أيلول) ولم يلتفت إلى جميع المناشدات بالإلغاء أو التأجيل، خصوصاً بعد فشل محاولات الحصول على ضمانات من بغداد ومن المجتمع الدولي كما قال، لذلك مضى إلى الاستفتاء باعتباره الحل الأخير لتأكيد حق شعب الإقليم في إقامة كيانية خاصة به، تأخذ شكلاً قانونياً ينتظر بعد إعلانه اعتراف المجتمع الدولي به، لكن ذلك لن يكون سريعاً أو برسم التنفيذ، بل إنه يحتاج إلى حوار طويل لكي يتم التوصل إلى ما هو مقبول من الأطراف المختلفة.
وكانت بعض نتائج الاستفتاء الأولية قد قالت أن نسبة المشاركين بلغت أكثر من 70% وهي في إربيل أكثر من 80 %  وأكثر منها في دهوك في حين كانت في السليمانية نحو 55% ، وفي المناطق المتنازع عليها كانت المشاركة عموماً ضعيفة، لكن العملية مرّت بسلاسة ودون حدوث مفاجآت منتظرة أو غير محسوبة، علماً بأن المشمولين بالاستفتاء حسب المفوضية الخاصة بالاستفتاء بلغ عددهم 5 ملايين إنسان.
ومع بدايات التصويت بنعم أو لا وهو الاستمارة الانتخابية الوحيدة، أصدر البرلمان العراقي سلسلة من القرارات منها: فرض السيطرة المركزية على المنافذ الحدودية والمطارات وإلزام الشركات النفطية الأجنبية بالتعامل مع الحكومة العراقية (الاتحادية) فقط والبدء بإجراءات لملاحقة أموال قادة الإقليم في الخارج وقطع مرتبات الموظفين الأكراد الذين شاركوا في الاستفتاء، وتضمّنت إجراءات البرلمان : إغلاق المنافذ الحدودية مع كردستان في كل الاتجاهات واعتبار البضائع الداخلة منها مهرّبة، وإعادة حقول النفط إلى سيطرة الحكومة الاتحادية، خصوصاً حقول شمال كركوك، إضافة إلى إلزام الحكومة استعادة المناطق المتنازع عليها.
وإذا كان الكرد قد أعلنوا استعدادهم للحوار مع بغداد بعد الاستفتاء، لاسيّما عند فشل المفاوضات قبله، فإن ردّ الفعل من جانب بغداد، كان رفض الحوار، الأمر الذي سيعني تصعيد حدّة التوتر بين الطرفين، ولكن إلى أين سيفضي الموقف؟ وكيف يمكن حل أي قضية دون حوار وأخذ ورد، سواءً طال هذا الحوار أم قصر؟ وبغض النظر عن مطالب وحقوق ومشروعية كل طرف، فالحوار هو السبيل الأنسب والأنجع للتوصّل إلى حلول مرضية وبأقل الخسائر للأطراف المختلفة، لأن عكسه ستكون الحرب والصراع المسلح، وهذه مهما كانت نتائجها فإنها ستكون الأكثر إيلاماً وأذى وإبتعاداً عن تلبية الحقوق.
ولعلّ أول سؤال يتبادر إلى الذهن كيف يمكن للحكومة الاتحادية استعادة المنافذ الحدودية، التي يسيطر عليها الإقليم منذ أواخر العام 1991 حيث كانت الإدارة الحكومية قد انسحبت ، بالإضافة إلى قوات الأمن والشرطة وحرس الحدود، وتركت كردستان التي حظيت بدعم التحالف الدولي كمنطقة آمنة safe heaven. لتقيم سلطة الإقليم،ثم كيف يمكن للكرد تنفيذ نتائج الاستفتاء في إطار خطة طويلة الأمد؟ بتقديري إن الطرفين في نهاية المطاف سيضطران إلى الجلوس إلى طاولة الحوار، ولعلّ من الأفضل الركون إليه الآن وليس بعد حين.
هكذا سيكون عراق ما بعد الاستفتاء هو غيره عراق ما قبل الاستفتاء، وكذلك كردستان، وبما إن الأمر سياسي بامتياز فهو يحتاج إلى حل سياسي بامتياز أيضاً، أي إن المسألة المطروحة ليست أزمة سياسية للحكم كما نعرفها منذ تصدّع إطار الشرعية الدستورية في العراق، وخصوصاً بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وما بعدها في إطار سلسلة الانقلابات العسكرية والدكتاتوريات الحاكمة وصولاً للاحتلال، بل له علاقة بمستقبل الدولة العراقية وكيانيتها، فإمّا أن تبقى دولة كما عرفناها منذ التأسيس 1921 أو أن لا تكون، بمعنى أن جزء منها قرر الإنفصال عنها وإعلان الاستقلال في إطار تمثيله للشعب الكردي لتقرير مصيره عبر استفتاء حصل على موافقة ساحقة بالتأييد لإقامة دولة مستقلة.
ولكن السؤال ما هي حدود هذه الدولة؟ هل هي حدود ما قبل 19 مارس/آذار العام 2003 أم أنها ستشمل كركوك وبعض المناطق المتنازع عليها كما يريد الكرد؟ أو إن موضوع كركوك بشكل خاص سيبقى مؤجلاً، وقد يتطلب ذلك شكلاً مشتركاً لإدارة مشتركة؟
وأياً كان الوقت الذي سيستغرقه قيام الدولة وأياً كان طريقة قيامها، سلماً أو حرباً، وأياً كان شكل نظامها ديمقراطياً أو دكتاتورياً، فهناك مشكلات لا بدّ من بحثها في إطار التغيير الجيوبوليتيكي الذي سيطال المنطقة في الحال وفي المستقبل، بعضها ربما على نحو عاجل والآخر تدرجي طويل الأمد، وربما بعضها يحتاج إلى تغييرات مجتمعية وسياسية لا تتعلّق بالعراق وحده ، بل بدول الإقليم والمحيط .
وسيتم الأمر في إطار تحالفات واصطفافات إقليمية جديدة والأمر رهن بالسياسة، ولا سياسة من دون الحوار، حتى وإن كان الحوار بالسلاح، باعتبار الحرب شكلاً من أشكال السياسة بوسائل حربية أو عسكرية حسب المفكر كلاوزفيتز، ولكن في نهاية المطاف، لا بدّ من حوار حتى لو كان طويلاً  واستغرق عقداً أو أكثر من الزمان، لكنه في الأخير لا بدّ من التوصّل إلى حلول لتحديد شكل العلاقة المستقبلية، فكيف ستكون؟
وماذا لو أعلنت هذه الدولة أنها ستتّحد بالعراق في إطار دولة كونفدرالية مثلاً؟ أي الإبقاء على الجيش موحداً والسياسة الخارجية وبعض الفاعليات الاقتصادية مثلا النفط، وفيما عدا ذلك سيكون الاستقلال كاملاً في جميع القضايا الأخرى، أو أن الاستقلال سيكون كاملاً وتاماً ونهائياً كدولة مستقلة.
وبالتالي هل ستكون دولة صديقة أم عدوّة؟ وهل تتحالف مع أعداء العراق العربي مثلاً أم أنها ستنتظم في إطار معاهدة صداقة وتعاون مع العراق وفقا لمصالح الشعبين الجارين وأهدافهما المشتركة والعلاقات المتبادلة والمتفاعلة والمتداخلة بينهما؟
وكانت علاقة الإقليم بالمركز من أواخر العام 1991 أقرب إلى كونفدرالية، سواء في أوقات المعارضة أو حين كان الكرد شركاء أساسيين وفاعلين في العملية السياسية، وحين صيغ الدستور العراقي الدائم العام 2005 بعد قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004 أخذ هذه الحقائق بنظر الاعتبار، سواء في وزن وصلاحيات الإقليم واستقلال القوات المسلحة الكردية (البيشمركة) وقضايا النفط والمناطق المتنازع عليها بموجب المادة 58 من قانون إدارة الدولة التي تم ترحيلها للمادة 140 من الدستور والتي لم تنفذ، وإنْ كانت هذه ألغاماً في الدستور الذي يقول الفرقاء إنهم متمسكون به، لكنه في واقع الحال يصدر إشارات منذرة بالانفجار بين فترة وأخرى وعند أول منعطف يصادفه.
وحين يلقي الكرد اللوم على عاتق بغداد بعدم تنفيذ الدستور، فإن بغداد تعتبر القضم التدريجي لهذه المناطق هو الذي يحول دون التطبيع وإجراء إحصاء سكاني ومن ثم القيام بالاستفتاء، وإن كان الأمر أبعد من ذلك. ويذهب الكرد إلى أن الدستور أعطاهم الحق في إجراء الاستفتاء باعتبار تطبيقه " ضمانة لوحدة العراق" وبما أنه لم يطبّق، بل إن ما يقارب من 50 مادة منه ظلّت معوّمة، لأن معظمها معلقاً بتشريع قانون خاص بها فمن حقهم اللجوء إلى الاستفتاء لحسم مصيرها، إلاّ أن بغداد ليست وحدها المسؤولة عن عدم تطبيق الدستور، بل إن الإقليم هو الآخر مسؤول فيما وصل إليه وضع البلاد الذي انتهى منذ ما يزيد على ثلاث سنوات للخضوع إلى حرب فرضها عليه داعش بعد احتلال الموصل العام 2014، ناهيك عن ما تعانيه البلاد من عنف وإرهاب وتمييز وفساد مالي وإداري ونظام محاصصة طائفي وإثني، بل إن بغداد تعتبر الشروع بإجراء الاستفتاء إنما هو خروج على الدستور الذي أقسم الجميع على حفظه لوحدة العراق. وهكذا يعلّق الجميع مشاكلهم وأخطاءهم على شمّاعة الدستور.
قد يكون من السابق لأوانه التكهن بما ستؤول إليه العلاقة بين بغداد وأربيل ولكن يمكن القول بثقة: إن الحركة الكردية فشلت في تحقيق أهدافها بالسلاح والعمل العسكري ، كما فشلت الحكومات المتعاقبة من القضاء على الحركة الكردية بالعمل المسلح والحرب التي شنّتها ضد الشعب الكردي وليس هناك من سبيل الآن سوى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فهي التي سيكون بإمكانها إيجاد الحلّ المناسب.
وهناك أسئلة معقدة بخصوص مشكلات محافظة كركوك ومناطق سهل نينوى وسنجار وما يتصل بالمناطق المتنازع عليها في محافظتي صلاح الدين وديالى والموصل، وهذه قد تشهد احتكاكات وأعمال عنف أو بعض الصدامات المسلحة المحدودة، لكنه من غير المحتمل أن يذهب أي طرف من الأطراف المتنازعة إلى شن الحرب لأنه لا غطاء سياسياً دولياً لها، لاسيّما من قوات التحالف الدولي التي تقوم بدور كبير في محاربة داعش وفي دعم العراق كدولة والإقليم كجزء منه يطمح في تحقيق الاستقلال.
كما إن شن الحرب من جانب بغداد على الإقليم أو حتى على المناطق المتنازع عليها لفك ارتباطها بالإقليم بالقوة، سيساعد على تسريع الاعتراف الدولي بالدولة الكردية، التي سيكون الاستفتاء مبرراً شرعياً وقانونياً لصالحها، خصوصاً وإن الحكومة العراقية لا تحظى بالتأييد الدولي في ظل حكم الأحزاب الإسلامية، بل إن البعض يعتبرها موالية لإيران التي يتعارض مشروعها مع العديد من دول المنطقة.
وإذا أخذنا تاريخياً بموضوع مظلومية الكرد، فإن شن أي حرب مهما كانت الأسباب، سيعيد إلى الأذهان حملات الأنفال  وقصف حلبجة بالسلاح الكيماوي وسيكون ذلك ليس في صالح بغداد أو التسوية السلمية لكلا الطرفين.
ومن المشكلات التي تحتاج إلى التفكير بحلول لها هو إدارة الموارد المائية، خصوصاً وأن نهر دجلة يمرّ من خلال إقليم كردستان ويمر الفرات بمحاذاته قريباً من المناطق الكردية   السورية، الأمر الذي سيكون محط اشتباك تركي وسوري (كردي) وعراقي وهي مشكلة قائمة منذ السبعينات، لاسيّما باستكمال بناء مشروع الكاب التركي لبناء منظومة سدود ضخمة وحجب  منسوب المياه باتجاه العراق العربي.
ثم كيف سيتم التعامل مع الأكراد العراقيين الذين يحملون الجنسية العراقية خارج الإقليم، والعرب الذين سيكونو داخل الإقليم ،سواء في مناطق كركوك سابقاً، أو بعض الذين استقروا بعد حملات داعش في كردستان. ولو كان الأمر يتم بالتفاهم لكان بالإمكان حمل هويتين أو جنسيتين مزدوجتين كما هي بين الجيك والسلوفاك.
وهناك مشكلات تتعلق بالمواصلات البرية وطرق النقل وما يترتب على ذلك من أعباء على الدولة والإقليم وكيف يمكن حلّها. والأهم من ذلك كيف سيكون إنتاج وتصدير النفط من حقول كركوك وبيد من؟ وكل ذلك يحتاج إلى حوار طويل الأمد، خصوصاً بعد الاستفتاء، سواء كان حواراً عاجلاً أم آجلاً، كما يحتاج إلى تنازلات متبادلة ومراعاة المصالح المشتركة.




32
فزّاعة الاستفتاء الكردي
هل حانت اللحظة " التاريخية" للدولة الكردية؟
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   كلّما اقتربنا من يوم 25 سبتمبر (أيلول) الجاري يزداد الجدل احتداماً والنقاش صخباً بخصوص الاستفتاء الكردي وما بعده، فالرافضون والمعارضون أفرطوا في التبشيع والتشنيع، والمتحمّسون والمؤيدون أفرطوا في المدائح والمزايا. وبين هذا وذاك، هناك غموض والتباس وقلق وحيرة لدى الكثيرين، فالفريق الأول يعتبر الاستفتاء مقدّمة للانفصال، وله تداعيات خطيرة بخصوص مستقبل الدولة العراقية ووحدتها الجيوبوليتيكية، في حين أن الفريق الثاني يعتبر الاستفتاء حقاً للأكراد في تقرير مصيرهم، كما يجد في التوقيت فرصة مناسبة، بسبب صعود الورقة الكردية إقليمياً ودولياً، إضافة إلى الدور الذي قام به البيشمركة والكرد عموماً، سواء في العراق أو سوريا في مواجهة داعش.
   وبغضّ النظر عن ردود الفعل الدولية والإقليمية التي ترفض أو تتحفّظ أو تحذّر من احتمالات اندلاع صراعات إثنية وعرقية جديدة في المنطقة، فإن الكرد وبخاصة قيادة إقليم كردستان برئاسة مسعود البارزاني يصرّون على موضوع الاستفتاء لثلاثة أسباب رئيسية مبدئية وتكتيكية في الآن، فكيف يمكن فهمها؟ ووفقاً لأية اعتبارات يمكن التعاطي معها، سواء في الحاضر أو في المستقبل؟
   السبب الأول- إنهم يريدون تأكيد حقهم في تقرير المصير، وتحويله من صيغة نظرية عامة إلى صيغة عملية ملموسة، خصوصاً وإنهم يدركون أن نتائج الاستفتاء ستكون بـ" نعم"، بما فيه إقامة دولة مستقلة، على الرغم من تردّد الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)، لكي لا تذهب النتائج لصالح "غريمه" التاريخي الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك)، ورفض حركة كوارن "التغيير"، التي كان زعيمها ناوشيروان مصطفى من أشدّ المتحمّسين لإقامة ثلاثة كيانات في العراق، وهو ما عبّر عنه في مقابلة له مع جريدة اللوموند الفرنسية في العام 1987، ويكاد كون الوحيد من بين الكوادر الكردية المتقدّمة مَنْ اعتبر بيان 11 آذار (مارس) العام 1970، لا يلبّي الحد الأدنى من طموحات الشعب الكردي، كما أن الجماعة الإسلامية هي الأخرى أبدت تحفّظات عديدة على الاستفتاء بينها "التوقيت".
   وعلى الرغم من التردّد والتحفّظ بشأن التوقيت، فإنني أعتقد أنّ الكرد بشكل عام، تداعبهم فكرة قيام الدولة الكردية، إذْ إنهم الشعب الوحيد  من بين شعوب المنطقة الذي يكاد يكون بلا دولة، وإن أمتهم مجزأة، مثل الأمة العربية التي تطمح إلى تحقيق وحدتها. وإذا كان هذا هو الغالب الشائع، فإن السياسيين الكرد يناورون بتصعيد هذا الشعار أو تخفيضه حسب الظروف وحسب موازين القوى ، فتراهم يقدّمون خطوة ويؤخّرون أخرى ، إضافة إلى الصراعات الداخلية بينهم، ناهيك عن المنافسات الشخصية والحزبية.
   وقد شهدت الفترة بين 1994-1998 صراعاً كردياً - كردياً وقتالاً دموياً، وكان العامل الإقليمي فيه قوياً، ففي حين تعاون (أوك) مع إيران لإزاحة خصمه من الساحة، استعان (حدك) بالحكومة العراقية العام 1996، لوضع حد لسيطرة (أوك) على أربيل. وانقسمت كردستان إلى إدارتين، ولولا ضغط وتدخّل الولايات المتحدة الأمريكية، لما كان بالإمكان تسوية المشاكل العالقة بين الطرفين، والتي تطفو على السطح كلّما مرّت أزمة حتى وإن كانت عابرة، وحالياً لا يزال البرلمان الكردستاني معطّلاً وولاية رئاسة الإقليم منتهية، والوصول إلى حلول مرضية بعيد المنال، فكيف يمكن وضع نتائج الاستفتاء موضع التطبيق إذاً؟
   وإذا أصبح شعار "الحكم الذاتي" مقبولاً منذ أواسط الستينات، وخصوصاً بدعم من اليسار العراقي، الذي كان مؤثراً آنذاك، فإن بيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 نصّ عليه في ظل حكم حزب البعث، وصدر "قانون الحكم الذاتي" في العام 1974 على الرغم من نواقصه وثغراته، لكنه أسّس لواقع جديد.
   ثم تطور شعار الحكم الذاتي في الثمانينات ليصبح "الحكم الذاتي الموسّع" واستقرّ عند شعار "الفيدرالية"، خصوصاً بعد إقرار صيغة "حق تقرير المصير" من جانب المعارضة في فيينا حزيران (يونيو) وصلاح الدين في تشرين الثاني (نوفمبر) 1992، وصدور قرار من البرلمان الكردستاني بـ"الاتحاد الفيدرالي" في 4 تشرين الأول (اكتوبر) من العام ذاته.
    واحتوى قانون إدارة الدولة العام 2004، وفيما بعد الدستور العراقي الدائم العام 2005، على صيغة الفيدرالية، التي جاءت أقرب إلى النظام الكونفدرالي بحكم الصلاحيات الواسعة الممنوحة للكرد، حيث كان الإقليم هو الكيانية القائمة حصراً. وهذا ما زرع ألغاماً كثيرة في طريق تطبيقه اصطدم بها الجميع، الذين اكتشفوا أنفسهم، كلّما تقدّموا خطوة يقتربون من القنبلة الموقوتة للانفجار.
   والسبب الثاني- إن هدف الدعوة للاستفتاء لا يُقصد منه قيام الدولة الآن، وهو ما عبّر عنه بعض القادة الكرد، وإنما هو في حقيقته ممارسة ضغط لمقايضة بغداد لتقديم تنازلات يمكن استثمارها في مرحلة لاحقة، لاسيّما حين نضوج الظروف الموضوعية. أما الهدف الآني من الاستفتاء فقد يكون دفع بغداد لتسديد مستحقات الإقليم التي تبلغ 17% من قيمة الميزانية العراقية التي أوقفتها الحكومة العراقية كما تقول، لعدم تسوية القضايا المتعلّقة بحقوق تصدير وإنتاج النفط التي تم الاتفاق عليها في كانون الثاني (يناير) العام 2014، وفي كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام.
   وسواء تم التوصل إلى تسوية مرحلية أو لم يتم، فإن موضوع الدولة الكردية، سيبقى أحد التحدّيات الأساسية التي تواجه العراق، مثلما هو التحدّي الطائفي، وهذان التحدّيان لو استمرا فإنهما قد يذهبان بعيداً باتجاه تفتيت الدولة العراقية، تمهيداً لانقسامها حسب بعض السيناريوهات المطروحة والتي قد تستغرق وقتاً ليس بالقصير.
   السبب الثالث- قد يكون أحد أهداف الاستفتاء الحالي هو إبقاء الوضع الراهن Status que، في كركوك على ما هو عليه دون تغيير بما فيه موضوع تصدير النفط، أي عدم تحريك ساكن، فبعد أن رفع مجلس المحافظة علم كردستان (آذار/مارس 2017) لم يتغيّر شيء على الرغم من قرار القضاء ببطلانه، فضلاً عن ردود الفعل الإقليمية والدولية، علماً بأن مشكلة كركوك حسب تقديري لا حلّ لها في إطار ما هو مطروح من حلول متناقضة وحادة، فعودة القديم إلى قِدمه ليس ممكناً أو مقبولاً، والمغالبة والاستقواء وفرض الأمر الواقع صيغة غر مقبولة، ناهيك عن أنها قد تنذر بحرب أهلية، خصوصاً في ظل احتدام المشهد السياسي وتفشّي ظواهر العنف والإرهاب واستغلال القوى المتعصّبة والمتطرّفة، فضلاً عن التداخل الإقليمي الذي ينبغي أن يُحسب حسابه، سواء الإيراني وهو مؤثر وكبير أو التركي وهو غير قليل، ولاسيّما في موضوع حساس مثل كركوك.
   ولكن ما العمل وكيف السبيل إلى حل ممكن؟
    لقد ظلّت كركوك عقدة مستعصية وتم تأجيلها في اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970 وبعد إعادة المفاوضات مع الحركة الكردية 1991، كان هناك اقتراح قد تردّد بإقامة "إدارة مشتركة"،  ولكن الاتفاق لم يتحقق، وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003 تم تعليق موضوع كركوك، ولم تستطع المادة 58 من قانون إدارة الدولة أو المادة 140 عن الدستور العراقي، إيجاد حلّ لها ، بل إن الأمر ازداد تعقيداً وتعسّراً، لاسيّما ما صاحب ذلك من أعمال عنف وإرهاب ومناطق نفوذ ومحاولات هيمنة.
   لقد حاول النظام السابق تغيير التركيب السكاني والديموغرافي لكركوك بتشجيع هجرة العرب إليها ومنحهم امتيازات على حساب الكرد والتركمان، بل إن قراراً صدر من "مجلس قيادة الثورة" في 6 أيلول /سبتمبر العام 2001، يقضي بإمكان تغيير الهوّية إلى العربية، ولم يمنح هذا الحق لغيرها، وهو الأمر الذي انقلب بعد الاحتلال إلى ضده، وسواء في الماضي أم في الحاضر، فإن أية محاولات لتغيير التركيب السكاني والواقع القومي بالقوة أو بالإغراءات لن تجدي نفعاً، لاسيّما إذا لم تتم على نحو عفوي وبطريقة تلقائية ودون إرغام أو إكراه وهو ما يحدث عادة عبر زمن طويل وتراكم تدريجي، فقد كانت كركوك بموجب إحصاء العام 1957 ذات أغلبية تركمانية، وفي السبعينات أصبحت بأغلبية عربية ، للأسباب التي سبق ذكرها، وبعد الاحتلال أصبحت بأغلبية كردية بعد "التدفق" الكردي عليها واحتدام الصراع حول مصيرها وما رافقه من أعمال عنف ومغالبة واستقطاب، ولا زالت كركوك "عقدة العقد"، خصوصاً وإن القادة الكرد جميعهم يتمسّكون بها كجزء من كردستان، وكما يسمّيها جلال الطالباني الرئيس العراقي السابق: "قدس الأقداس" .
   فهل ستبقى مشكلة كركوك معلّقة إلى ما لا نهاية، وبؤرة حرب مستديمة؟ أم ثمة إمكانات لوضع حلول واشتراع معالجات طويلة الأمد لتطبيع الحياة فيها وتعزيز التعايش بين سكانها؟  وبقدر ما كانت إحدى نقاط قوة العراق من حيث التعايش القومي والديني والمذهبي واللغوي، فإنها أحد أكبر نقاط ضعفه، ولعلّ ضعف المواطنة والشعور بها وشحّ الحرّيات، خصوصاً في ظل عدم المساواة وغياب الشراكة الحقيقية والمشاركة، كانت وراء هذه العقدة المعتّقة والمستديمة والتي يمكن أن تفجّر الوضع في العراق برمّته.
   ولذلك فإن أي حل يبدأ من إطفاء بؤرة التوتر ونزع الفتيل عنها، ثم البحث عن تفاهمات ترضي جميع الأطراف إذا قرّروا البقاء متعايشين، وهذا يتطلّب إرادة سياسية موحدة وتنازلات متقابلة وإدارة سليمة للأزمة يشترك فيها الفرقاء جميعهم دون استثناء، وعكس ذلك سيدفع الجميع الثمن باهظاً.
   وبعد ذلك لماذا يكون الاستفتاء فزّاعة طالما إن إمكانية تطبيق نتائجه غير متوفرة،  في الوقت الحاضر؟ أي أنها ليست برسم التنفيذ، والأمر لا يعود إلى رغبة فريق الموالاة أو الممانعة، ولكن بفعل توازن القوى، وخصوصاً الإقليمي والدولي.
   وحتى لو كانت  نتائج الاستفتاء بـ"نعم" وهي ستكون كذلك، لصالح قيام دولة كردية، فهل ستعلن قيادات الكرد الرغبة في عدم العيش المشترك مع الشعب العربي في العراق؟ وإذا افترضنا ذلك أيضاً، فهل ستقوم الدولة غداً؟ وهل ستكون سلوفاكيا أم  كوسوفو أم تيمور الشرقية أم جنوب السودان مثلاً ؟ وهذه أسئلة على جميع الأطراف التفكير بإجابات لها.
    وإذا كانت قناعتي الشخصية والاستشرافية بأن الدولة الكردية قادمة إن آجلاً أم عاجلاً، وربما هناك أكثر من دولة كردية ستقوم، ولكن قيامها قد لا يكون آنياً، أي برسم الاستفتاء. وبواقعية، يستغرق الأمر وقتاً طويلاً، وقد يحتاج إلى عقد أو حتى عقدين من الزمان أو أكثر، مثلما قد يتطلّب ذلك حدوث تغييرات جوهرية في إيران وتركيا وسوريا، جميعها أو بعضها، بحيث تنشأ الدولة في محيط إقليمي غير معادٍ أو رافض لقيامها، ومثل هذا الاحتمال ليس وارداً في الوقت الحاضر باستثناء سوريا، التي سيكون فيها وضع الكرد أقرب إلى الوضع العراقي فيما إذا حدثت تغييرات، لكنه سيكون مع تعقيدات أشد ومشكلات أعوص وتداخلات خارجية أوسع ومنافسات داخلية أشمل وسقف حقوق أدنى.
   فلماذا الخشية من الاستفتاء؟ وسواء أجري الاستفتاء أو لم يجرِ، فإن حق الكرد في تقرير المصير وقيام دولة مستقلة سيبقى قائماً، وهم يتمسّكون به، ولعلّه سيكون من الأفضل الآن وحتى قيام تلك الدولة، أن يكون الحل "سلمياً" و"رضائياً" إذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً  "فالطلاق أبغض الحلال عند الله" كما يُقال، وحتى لو حصل فمن الأفضل بحكم ارتباطات العرب بأشقائهم الكرد، الإبقاء على علاقات الصداقة والتعاون والمشتركات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية والإنسانية جميعها، وألّا يُسمح بتسرّب قوى معادية للعرب والكرد أو لدول المنطقة  وتطلّعات شعوبها للتحرّر والسلم والتنمية والتقدّم، خصوصاً حين يكون التفاهم والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة هي الأساس في العلاقة بين بلدانها وشعوبها.
   وأعتقد أن ذلك ضمانة للعلاقة العربية - الكردية، سواء في الحاضر أو في المستقبل، وعلى جميع الأطراف العراقية، وخصوصاً عرب العراق وكرده إضافة إلى القوى الإقليمية، ألّا تحرق المراحل وتستعجل اندلاع الصراع، لأن نتائجه ستكون وخيمة وكارثية على الجميع. إنّ قيام الدولة الكردية يحتاج إلى بيئة حاضنة وتأييد واضح من المجتمع الدولي، وهذا غير متوفّر في المدى المنظور، وذلك يعني أنّ القرار بإقامة الدولة، بالاستفتاء أو بغيره، سيكون مؤجلاً عراقياً وإقليمياً ودولياً، وأعتقد أن القيادة الكردية تدرك - حتى وإن رفعت من سقف مطالبها وشعاراتها- أن حرارة الجو السياسي تزداد ارتفاعاً وحساسية وحراجة، خصوصاً وهي تسعى لاقتناص اللحظة التاريخية المناسبة لتحويل "الحلم الكردي" المشروع إلى واقع ممكن وملموس وحقيقي.

33
أثمة ملامح نظام دولي جديد؟
                     
عبد الحسين شعبان

لعلّ بعض التحليلات المتداولة تذهب إلى القول إننا أمام ملامح لنظام دولي جديد أخذ يتكوّن، بعد تخلخل مواقع القوى العظمى المهيمنة، وخصوصاً الولايات المتحدة التي تكرّست بعد انتهاء عهد الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي، باعتبارها القوة الأولى الأساسية المتنفذة في العلاقات الدولية.
وإذا كان النظام الدولي الذي شهده القرن العشرين قد انتقل ما بعد الحرب العالمية الأولى إلى هيمنة بريطانيا وفرنسا كقوتين عظميين، فإن الحرب العالمية الثانية وما بعدها جعلت من الولايات المتحدة القوة العظمى الأولى في العالم، خصوصاً تحكّمها بمصادر القوة والتحالفات التي قادتها لاحقاً، عسكرياً وسياسياً، والتقدّم العلمي والتكنولوجي والثقافي والفني والأدبي الذي فاق الجميع بلا استثناء، فضلاً عن التقدم الهائل في ميدان الصناعة والزراعة والتجارة، بما فيها تجارة السلاح، حيث نصّبها القوة الأولى بلا منازع.
كان نظام ما قبل الحرب العالمية الأولى استمراراً لاتفاق ويستفاليا في القرن السابع عشر 1648 ومؤتمر فيينا العام 1815 بعد محاولات إجهاض الثورة الفرنسية وهزيمة نابليون، حيث كانت قواعد القانون الدولي التقليدي تجيز حق الغزو، والحق في شن الحرب الاستباقية أو الوقائية، إضافة إلى حق الحصول على مكاسب سياسية بما فيها الاستيلاء على الأراضي بالقوة تحت مبرر احتمال «خطر وشيك الوقوع» أو للحفاظ على المجال الحيوي، وكل ذلك يندرج في الاستقواء على الآخرين دفاعاً عن «المصالح القومية»، والتي خيضت حروب كثيرة تحت عنوانها ومبرراتها.
وكان الطور الجديد للنظام الدولي قد تكرّس بعد الحرب العالمية الأولى بتأسيس عصبة الأمم العام 1919 وجرت محاولات لتقييد استخدام القوة واللجوء إلى الحرب، وخصوصاً في ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس) العام 1928 وقد انقسم العالم بفعل ثورة أكتوبر/تشرين الأول العام 1917، إلى معسكرين، حيث بدت بعض ملامح نظام جديد تظهر تلك التي تحققت بعد قيام الأمم المتحدة في العام 1945 خصوصاً بعدم الاعتراف بالدبلوماسية السرية، لاسيّما بعد فضح اتفاقيات سايكس - بيكو السرّية التي أبرمتها بريطانيا وفرنسا العام 1916، واتسمت العلاقات الدولية بنوع جديد من الصراع الأيديولوجي بين نظامين متناحرين.
لكن الحرب العالمية الثانية وما بعدها، والتي أدت إلى هزيمة ألمانيا واليابان والقضاء على النازية والفاشية، دفعت الأمور باتجاه صراع مديد عُرف بالحرب الباردة بعد تفكك الحلف المعادي لدول المحور منذ أن أطلق ونستون تشرشل صيحته الشهيرة بالقضاء على الشيوعية العام 1947، واستمرت هذه الحرب بوسائل خشنة وناعمة، عسكرية واقتصادية وثقافية، حتى تمكن المعسكر الرأسمالي من الإطاحة بالكتلة الاشتراكية من دون حرب بفعل سباق التسلح وبشكل خاص «حرب النجوم» العام 1983 والهجوم الأيديولوجي والدعائي، إضافة إلى الأوضاع الداخلية التي تتعلق بشح الحريات والاختناقات الاقتصادية.
وهكذا انتقلنا من نظام القطبية الثنائية والتوازنات التي كان يقوم عليها بسلبياتها وإيجابياتها إلى نظام تتحكم به قوة واحدة وتدور في فلكها قوى أخرى كالاتحاد الأوروبي وغيره من البلدان التي ظلّت تتعامل مع الحليف الأكبر من موقع أدنى.
ومن أبرز ملامح الهيمنة في هذا النظام هو الحرب على العراق العام 1991 ثم احتلاله في العام 2003 بعد غزو أفغانستان، وانبعاث الهوّيات الفرعية وتفتيت الدول الوطنية، واعتبار «الإسلام» الخطر الأساسي بعد انهيار الشيوعية، كما ذهب إلى ذلك صموئيل هنتنغتون بأطروحته حول «صدام الحضارات» وقبله «فرانسيس فوكوياما بأطروحته حول نهاية التاريخ، منطلقين من ظفر الليبرالية كنظام سياسي واجتماعي على المستوى العالمي.
لكن ملامح هذه المرحلة أخذت بالتصدّع خلال عقدين من الزمان بصعود الصين كقوة اقتصادية عظمى وعودة روسيا كقوة مؤثرة بعد غياب الاتحاد السوفييتي، إضافة إلى تحالفات جديدة خارج الهيمنة الأمريكية، كما هو دور دول البريكس، فإضافة إلى الصين وروسيا، هناك البرازيل وجنوب إفريقيا والهند، وهي قوى صاعدة، لاسيّما في المرحلة الانتقالية الحالية التي تشهد صراعاً بأنواع مختلفة، مع اتفاق مصالح، الأمر الذي يجعل من التكتلات الكبرى أساساً في مواجهة الدور الأمريكي المهيمن والآخذ بالتراجع على الرغم مما يملكه من مصادر قوة لا يزال يحتفظ بها.

وإذا كان القرن التاسع عشر، هو قرن القوميات فإن القرن العشرين هو قرن الأيديولوجيات، أما نهايته فقد كانت تؤشر إلى قرن جديد، وربما سيكون عنوانه قرن المصالح الاقتصادية، وهكذا فإن ما طرحه بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأسبق في كتابه «أمريكا والعصر التكنوتروني» من التعددية القطبية لا يأتي بعد القطبية الثنائية، ولكنه يعقب الهيمنة الأمريكية مع وجود مصالح مشتركة، منها مكافحة الإرهاب والتعصب والتطرّف الذي يهدّد العالم.
ومناسبة الحديث عن نظام دولي جديد، كانت ضمن حلقة نقاشية في بيروت لمركز دراسات الوحدة العربية، شارك فيها مفكرون وباحثون وممارسون سياسيون عرب من أقطار مختلفة.



34
بغداد تحتفي بـ " أبو كَاطع"
بغداد - وكالات / خاص
         إلتأم في نادي العلوية ببغداد احتفال ضخم حضره عدد كبير من الشخصيات الفكرية والثقافية والأدبية والفنية والإعلامية، وجمهور واسع من محبّي أبو كَاطع والعارفين بفضله، خصوصاً ما قدّمه من منجز إعلامي وروائي على مدى زاد عن ربع قرن من الزمان، لاسيّما رباعيته الشهيرة "الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ وفلوس حميد"، إضافة إلى حكاياته وإقصوصاته، التي كان ينشرها في صحيفة " طريق الشعب" في السبعينات وفي عدد من الصحف العراقية وفيما بعد العربية بعد اضطراره إلى مغادرة العراق والعيش في المنفى وقبل ذلك برنامجه الإذاعي في أواخر الخمسينات " احجيه بصراحة يبو كَاطع" من إذاعة بغداد .
         وكان الاحتفال بمناسبة الذكرى الـ 36 لرحيل أبو كَاطع " شمران الياسري" حيث وافته المنيّة في حادث سير أليم  حين كان متوجهاً من براغ إلى بودابست لزيارة نجله الأكبر "جبران".
         وكان نادي العلوية قد دعا الأديب والأكاديمي الدكتور عبد الحسين شعبان لتوقيع كتابه الموسوم "أبو كَاطع- على ضفاف السخرية الحزينة" وهو طبعة ثانية. وكان شعبان قد تبرّع بريع الطبعة الأولى إلى "أطفال العراق تحت الحصار"، وقد تبرّع بريع هذه الطبعة إلى "أطفال العوائل النازحة من الموصل ومناطق غرب العراق"، لاسيّما بعد هيمنة داعش عليها. وقد إلتأم الاحتفال في قاعة غصّت بالحضور يوم 10 أيلول (سبتمبر) 2017.
         وقد رحّب الاستاذ فلاح كمونة باسم اللجنة الثقافية للنادي بالحضور .
         وافتتح الاحتفالية الإعلامي عماد جاسم، وتحدّث فيها الباحث والأكاديمي د. شجاع العاني وتلاه الأديب والناقد فاضل ثامر ثم دعا السيد إحسان شمران الياسري (نجل أبو كَاطع) ليتحدث عن والده، واختتم الأمسية المفكر عبد الحسين شعبان ، الذي تحدّث عن سخرية أبو كَاطع الحزينة، واعتبر "حنظلة "ناجي العلي ، بمثابة "خلف الدوّاح"،  وإذا كان حنظلة فلسطين شاهداً لما حدث في فلسطين، فإن خلف الدوّاح العراقي (كَعود الفرحان)، هو الشاهد الآخر، لما حدث في العراق وفي كلا الحالين كما قال: وجوه ومؤخرات، حمامات وبنادق، مظلومون وظالمون، واعتبر شعبان أبو كَاطع "جارلز ديكنز" العراقي، وسخريته جادة، لأن لديه موقفاً حاداً من الحياة، وقد رسم صورة الريف العراقي بريشة فنان عليم وأصيل، وهو جزء من تاريخ الدولة العراقية.
         وإذا كانت الآيديولوجيا طاغية في مرحلته الأولى، فإنها خفّت في مرحلته الثانية، خصوصاً في رواية "قضية الحمزة الخلف" وعدد من الحكايات والقصص وكذلك أخذ يقلل من  استخدامه العامية أو اللهجة الشعبية، وإنْ كان يجد فيها الوسيلة الأكثر تعبيراً عما يريد أن يوصله إلى قارئه،لاسيّما حين يطعّمها بمملّحات مثيرة للضحك والدعابة وإن كانت سوداء أحياناً.
         وقد توافد جمع غفير للاقبال على شراء الكتاب وطلبوا من مؤلفه توقيعه، ثم قدّم  الدكتور فارس الدوري رئيس نادي العلوية درعاً للتميّز للدكتور شعبان، كما بادرت جريدة الزمان ممثلة برئيس تحريرها (طبعة العراق) الدكتور أحمد عبد المجيد  على تقديم باقة ورد وهديّة إليه، وكانت جريدة الزمان بمبادرة من مؤسسها الاستاذ سعد البزاز قد كرّمت الدكتور شعبان في وقت سابق ، وقدّمت له وسام "الإبداع" (العام 2009) وهو عادة ما يقدّم إلى كبار الشخصيات الفكرية والثقافية والفنية.
         وساهم عدد من الفضائيات والصحف في تغطية خبر احتفالية أبو كاطع. وكتب الصحافي زيد الحلي عموداً في صحيفة الزمان بعنوان" د. شعبان يغني الأحد لأبي كَاطع " كما كتب الشاعر منذر عبد الحر في جريدة الدستور عموداً بعنوان: الدكتور عبد الحسين شعبان يوقع كتابه الجديد في بغداد، وكتب قبل ذلك الإعلامي حسن عبد الحميد عموداً استباقياً يرحب فيه بالدكتور شعبان وبالثقافة اللّاعنفيّة التي يدعو إليها، في صحيفة الدستور. وقد جرى استذكار أبو كَاطع وعرضاً وتقريضاً لكتاب شعبان بأخبار صحفية ومقالات عديدة، وكان د.شعبان قد كتب في "مجلة أفق" التي تصدرها مؤسسة الفكر العربي مقالة بعنوان : "العراقيّ أبو گاطع… سيّد الدّعابة البارِعة والسُّخرية اللّاذِعة - القبح في مواجهة الجمال".
        أبو كَاطع الذي ظلّ ممنوعاً مثلما هو مؤلف الكتاب منذ الثمانينات ولغاية العام 2003، عاد مشرقاً إلى بغداد التي أحبّها وقد منحته مدينة السلام ما يستحق من الاحتفاء والتقدير، لاسيما " حب الناس" الذي لا يضاهيه شيء.
 

35
العراقيّ أبو گاطع… سيّد الدّعابة البارِعة والسُّخرية اللّاذِعة
القبح في مواجهة الجمال

 
 
د. عبد الحسين شعبان*
لا أخال أحداً من الذين أدركهم الوعي من جيل ما بعد ثورة 14 تمّوز (يوليو) العام 1958، وخصوصاً من المثقّفين أو القريبين منهم، لم يسمع باسم "أبو گاطع" أو يردِّد "لازِمة" اشتهرت باسمه، وهي عنوان برنامجه الشهير، "إحجيه بصراحة يبوگاطع" (إحكيها)…

فالرجل احتلّ مكانة استثنائيّة ليس في الأدب والصحافة العراقيّة فحسب، بل وعلى الصعيد الشعبيّ، وانشغلت أوساطٌ واسعة من مختلف التيّارات (المُوالاة والمُعارَضة وما بينهما) بما يكتبه وما ينشره في عموده الصحافيّ، ولاسيّما في مطبوعات الحزب الشيوعي في السبعينيّات: مثل مجلّة الثقافة الجديدة، التي كان مدير تحريرها، وجريدة الفكر الجديد (الأسبوعيّة)، وجريدة طريق الشعب(اليوميّة)، وقبل ذلك في أواخر الخمسينيّات ومطلع الستينيّات، كَتَب في عددٍ من الصّحف اليساريّة العراقيّة، لكنّ برنامجه الإذاعي (من إذاعة بغداد) كان الأكثر شهرة، بل إنّ شهرته جاءت من برنامجه.
وارتفع رصيده ليس كصحافي فحسب، بل إنّ دخوله عالَم الرواية، وصدور رباعيّته كان قد وضعه في مكانة مرموقة بين الروائيّين الكبار أمثال "غائب طعمة فرمان"، و"فؤاد التكرلي"، و"محمّد خضير"، و"عبد الرحمن مجيد الربيعي"، وآخرين؛ لكنّ ما تميّز عنهم، هو قدرته في توظيف مخزونه الريفيّ وضخّه في الرواية التي هي في الغالِب مدينيّة، بحيث أصبحت حياة الريف مألوفة لدى قارئ الرواية وهو ابن المدينة في الأغلب الأعمّ.
وكان "أبو جبران" (وهو نجله الأكبر) يطمح أن يصبح روائّياً، وحين دسَّ مخطوطته (الرباعيّة) بيد غائب طعمة فرمان، طالباً منه قراءتها قبل طباعتها، همس بأذنه (أريد أن أكون منكم)، أي من كتّاب الرواية، فالرواية وما تحفل به ظلّت هاجسه حتّى حين يكتب عموده الصحافي، فقد كان يبحث عن حبكة درامية، ومتن وقفل بمثابة خاتمة ليجعل القارىء يفكِّر في نهايات مفتوحة.
كان صدور رباعيّته: الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، وفلوس حميّد، (العام 1973)، محطّة جديدة لا على مستوى الرواية العراقية فحسب، بل في تقديمٍ روائيٍّ ريفيٍّ يستطيع أن يؤثّر على المدينة ومثقّفيها، وليس كما كان العكس جارياً، فلم يعُد "أبو گاطع" في خطابه أو حكاياته وأقصوصاته، ولاسيّما رباعيّته، يقتصر على مُخاطَبة الفلّاحين والأوساط الشعبية، بل امتدّ ليشمل ما يكتبه عن المدينة بما تحتويه من تيّارات فكرية وثقافية واسعة، سواء من كان معه أم ضدّه، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول كتاباته لدرجة أنّها مُنعت فتمّت ملاحقته بتُهم أقلّها "الإعدام" على حدّ تعبيره الساخر، حيث اضطرّ إلى مغادرة العراق نحو المنفى (العام 1976)، مع ملابسات ما حصل له لاحقاً (في براغ)، وهناك قضى بحادث سير في 17 آب (أغسطس) العام 1981.
مرّ 36 عاماً على رحيل "أبو گاطع" "شمران يوسف الياسري"، (أبو جبران) الذي اشتهر بكنيَتِه، كما اشتهرت راويته الشخصيّة الأثيرة المعروفة باسم "خلف الدوّاح"، وهو اسم مستعار لشخص حقيقي، وليس وهميّاً. فاسمه هو "گعود الفرحان"، الذي كنت قد نشرت صورته لأوّل مرّة في كتابي "على ضفاف السخرية الحزينة"، وكان خلف الدوّاح مثل ظلّ "أبو گاطع"، مُلازماً له.
لقد أتقن "أبو گاطع" حرفته وأدرك مدى تأثيرها في كسب الجمهور وإثارة الجدل حول ما يكتب،مبتكراً طُرقاً مباشرة وغير مباشرة للنقد والتّحريض والتّفكير، والهدف هو الوصول إلى القارئ، سواء بتفخيخ حكاياته وأقصوصاته وجُمله أم باستدراجه لدائرة الإيهام. وفي كلّ الأحوال دفعه للتّساؤل والشك،لما تستثيره نصوصه، فتارةً يستفزّ المتلقّي من البداية، وأخرى يرخي له المقدّمة ليوحي له بنهاية مستريحة، لكنّه سرعان ما يُفاجئه قبل الخاتمة بالعودة إلى دائرة السؤال، تلك هي حبكته الدراميّة المتميّزة.
وعلى الرّغم من كونه مثقّفاً أعزل وفرداً "نفراً" -على حدّ تعبيره- وبإمكانات محدودة وشحيحة، إلّا أنّ أسئلته المُشاغِبة كانت تتميّز بإثارة شكوك وارتيابات تفوق تأثيراتها ما تفعله هيئات أو مؤسّسات أحياناً، في ظلّ أساليب الدّعاية والحرب النفسيّة والصراع الإيديولوجي الذي كان سائداً على نحو حادّ في زمانه.
ودليلي على ذلك أنّه  اضطرّ لطباعة روايته "الرّباعية"على نفقته الخاصّة، بعد أن امتنعت الجهات الرسمية من طبعها، بزعم عدم استيفائها الشروط الفنّية، لكنّه باع عشرات، وربّما مئات النسخ، حتّى قبل صدورها لدفع ثمنها إلى المطبعة، وقد حجز العديد من الأصدقاء نسخهم قبل أن تُطبَع، ولا أعتقد أنّ كاتباً استطاع أن يفعل ذلك قبله أو بعده. إنّها طريقة "أبو گاطعيّة" بامتياز، له براءة اختراعها.
كان تأثير ما يكتب كبيراً على السلطة ومعارضتها، بل حتّى داخل الحزب الشيوعي نفسه، حيث يجري صراعٌ "مكتوم" بين قيادة "مُسترخِية" وقاعدة "مُستعصيَة"، فقد كان أقرب إلى "بارومتر" يقيس فيه الناس درجة حرارة الجوّ السياسي. وقد نجح في توظيف علوم عديدة لاختيار الوسيلة الأنجع واختبارها، وذلك من خلال عِلم النفس وعِلم الاجتماع وأساليب التغلغل الناعم والحكاية الشعبية ليصل إلى مراده، متحدّياً الجميع أحياناً، بمَن فيهم نفسه، حتّى وإن اقتضى الأمر المُغامرة، باحثاً في كلّ ذلك عن المُغايرة والتميّز والجديد والحقيقة البيضاء.
ولهذا السبب استقطب جمهوراً واسعاً، ناهيك بالقيَم الجماليّة التي حاول إظهارها، كاشفاً لنا عن عمق ودراية ما يجري في المجتمع، خالِقاً أبطالاً هدفهم إسعادنا، على الرّغم ممّا كان يعانيه من ألم، وكما قال غائب طعمة فرمان عنه: "إنّه إنسان ثابت في أرضه، يعرف كلّ شبر منها، عاليها وسافلها، حلوها ومرّها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها، يتغنّى بشفافيّة روح، بشجاعة قلب، وحكمة نظرية ومُكتسَبة بما يمثِّل الهيكل الإنساني لحياة ابن الريف".
والقراءة لا ينبغي أن تكون من باب التمجيد والمُجامَلة، بقدر ما تكون قراءة نقدية منهجية وموضوعية، بما له وما عليه، فضلاً عن إمكانية إفادة القارىء من الأجيال الحالية والقادمة، بالأجواء السياسية والفكرية والثقافية التي كانت سائدة في عهده والتحدّيات والكوابح التي اعترضت طريقه، ودَوره المتميّز على الرّغم من ظروفه الحياتية والمعيشية الصعبة، فلم يتمكّن من إكماله دراسته، وهو ما يطرح أسئلة على الجيل الحالي والأجيال المستقبلية: ترى من أين جاءت موهبته؟ وكيف تمكّن من صقلها؟ ثمّ كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته؟ بحيث احتلّ هذه المكانة الاستثنائية ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقّلاً من عالَم الصحافة السريع والكثير الحركة إلى فضاء الرواية الذي يحتاج إلى التأمّل والدّقة.
لقد عرف العراق مع "أبو گاطع"  لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر الذي برز فيه صاحبه بنتاجه المتنوّع، سواء في حديثه الإذاعي الموجَّه إلى الفلّاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المَجالس والمَضايف والديوانيّات، ليجعله مادّة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته، وبخاصّة رباعيّته أو رواية "الحمزة الخلف".
لا أدري إلى أيّ حدٍّ – ونحن نستعيد "أبو گاطع" – يُمكن أن نستذكر الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز  صاحب رواية: "قصّة مدينتَين A Tale Of Two Cities"، فقد امتاز أسلوبه هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللّاذِعة، وصوَّر جانباً مهمّاً من حياة الفقراء وحظيَ بشعبيّة لم ينلها مجايلوه.
وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبو گاطع"، فثمّة أحزانٌ كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبو گاطع" فيها بعض التخفيف من قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحكاً أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا على النقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.
لقد أدرك "أبو گاطع" أنّ الحزن معتّقٌ في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كلّ شيء، فحتّى فرح العراقيّين وغناؤهم ومناسبتهم المختلفة، كلّها مغلَّفة بالحزن الجميل.
إنّ سخريةً مثل سخرية "أبو گاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادّة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يُواجِه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشكلاته وهمومه بنَوعٍ من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تُعبِّر عن موقف مقابل لكلّ تلك الإشكاليّات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إنّي أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".
لقد كتب "أبو گاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالَج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم. كما حاول الكشف عن حياة مطويَّة تقريباً، فصوَّر الواقع بكاميرا بانوراميّة، مُلتقطاً صُوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، ولاسيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته.
وصدق الروائي الروسي مكسيم غوركي حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرّخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبو گاطع – أبو جبران" هو مؤرِّخ الريف، حيث عكست رباعيّته حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحبّ المحرَّم والظُّلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدّين وخداعهم. ولولا "أبو گاطع"، لضاع هذا الجزء المهمّ من تاريخ الدولة العراقية، وللدقّة لضاعت إحدى الرؤى التي يُمكنها مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان عن الريف العراقي.
ولأنّ ما كتبه "أبو گاطع" لا يزال راهنيّاً، بل يمثّل جزءاً من حياتنا اليوميّة، فإنّه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هَيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيّات.
تلك هي معركة "أبو گاطع"، وهي معركة خارجية ضدّ الهَيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضدّ قوى الظلام والاستبداد، إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذّات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها ممّا علق بها من أدران وترهّات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كلّ كاتب حرّ وصاحب فكر مُنفتِح.
"أبو گاطع" الذي رحل قبل أكثر من  ثلاثة عقود ونصف من الزمان، لا زال يعيش بيننا، نحدّثه ويحدّثنا، نستمع إلى قهقهاته وإلى أنّاته، ونتحسّس عمق جرحه وألمه من طرف ابتسامته الساخرة.



 


36
مسلمو ميانمار بين نارين
عبد الحسين شعبان

منذ 25 أغسطس /آب المنصرم (2017) ومسلمو ميانمار يتعرضون إلى حملة جديدة من العنف والتطهير والإجلاء، فبعد ساعات من إطلاق قوات ميانمار (بورما سابقاً) النار على مئات من الفارين من المعارك في ولاية أراكان، اعتقلت السلطات البنغالية نحو 70 لاجئاً من مسلمي الروهينجا، وعمدت إلى إعادتهم بالقوة إلى ميانمار، وقال أحد المسؤولين الإداريين إن بنغلادش تستضيف حالياً عدداً كبيراً من مسلمي الروهينجا (يقدر عددهم بنحو 400 ألف)، ولن تستقبل المزيد منهم. وكانت سلطات الحدود قد رفضت السماح لعدة آلاف، لاسيّما من النساء والأطفال اللاجئين، من العبور إلى أراضيها.
وكان اللاجئون قد روَوا قصصاً مروعة عما جرى لهم في ولاية أراكان، وكل ذلك كان يتم بعلم السلطات الحكومية التي لم تحرّك ساكناً، كما أنها لم تفرّق بين المدنيين والعسكريين، أو بين الأهالي العزّل ومن يحمل السلاح للدفاع عن نفسه، بل إن الجيش الميانماري قام برد فعل قاس جداً ضد تحرّك عسكري لمسلّحي الروهينجا وعلى نحو عشوائي.
وكانت بعثة من الأمم المتحدة برئاسة أمين عامها الأسبق كوفي أنان، قد أصدرت تقريراً تضمن عدداً من التوصيات، منها حث الحكومة على عدم إضاعة فرصة التنمية ودعت إلى وقف العنف الذي اندلع بين البوذيين والمسلمين، ومجابهة التعصّب والتطرّف والإرهاب كظواهر مستفحلة ومنذرة بأسوأ العواقب، كما خاطبتها بضرورة الاعتراف بالحقوق الإنسانية للمسلمين ومعاملتهم على قدر المساواة ووفقاً لمبادئ المواطنة.
وكانت الأمم المتحدة قد أكدت في وقت سابق أن 87 ألفاً من المسلمين قد فرّوا خلال عمليات تطهير نفذتها قوات ميانمار في أكتوبر/ تشرين الأول العام 2016، حيث أحرقت القوات الحكومية قرى بكاملها وجرّفت مزارع وهجّرت سكانها، الذين اضطرّوا إلى الفرار، لكن الكثير منهم لم يستطيعوا الوصول إلى بنغلادش. وقد استخدمت القوات الحكومية هذه المرّة قاذفات صواريخ، الأمر الذي أوقع خلال أيام قليلة أعداداً كبيرة من الضحايا.
وتواجه الحكومة الميانمارية تهماً عدّة، منها ارتكاب جرائم حرب من قتل وتشريد وحرق للقرى ومحاصرة السكان ومنعهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، بل إن بعض الجرائم ترتقي إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، لاسيّما استخدام مروحيات وآليات لإبادة المدنيين وقذفهم بالصواريخ، مثلما هناك اتهامات بقيام السلطات الميانمارية أو غضّها الطرف عن عمليات إبادة جماعية تعرّض لها المسلمون في ميانمار، وهو ما يحاسب عليه القانون الدولي.
لعل هذا الصراع الذي اتخذ طابعاً عنصرياً ودينياً لا يتعلق بانتهاكات فردية بحق أشخاص، بل إنه يشمل أكثر من مليون إنسان من مسلمي الروهينجا، الأمر الذي يعني، أن جرائم جماعية ترتكب وعلى نحو مبرمج ومنهجي وروتيني، وهو ما يقتضي من المجتمع الدولي التحرّك السريع لوقف هذه المجزرة المستمرة منذ أعوام، والتي قد يؤدي استمرارها إلى اندلاع موجة جديدة وخطرة من أعمال العنف والتعصّب والتطرّف والإرهاب، قد تمتد إلى العديد من البلدان المجاورة. وقد أعرب الفاتيكان والبابا شخصياً عن تضامنه مع المجموعة الثقافية المسلمة في ميانمار.
ويعود سبب المشكلة إلى أن السلطات الحاكمة لا تتعامل مع مسلمي الروهينجا المختلفين ثقافياً عن المجموعة الأكبر سكانياً من البوذيين، على قدر من المساواة واحترام الحقوق والحريات، أي بصفتهم مواطنين ولهم نفس الحقوق وعليهم ذات الواجبات، وإنما تعتبرهم وافدين أو مهاجرين غير مرغوب بهم، سواء باختلاف ثقافتهم ودينهم مع الثقافة والدين البوذي السائدين. وانطلاقاً من هذه النظرة العنصرية - الاستعلائية أيضاً، يستمر وضع المسلمين في ميانمار في التدهور، لا سيما عدم الاعتراف بالتعددية الثقافية والدينية وإنكار التنوّع الديني والسلالي واللغوي.
والغريب أن المجزرة التي تعرّض لها المسلمون تزامنت مع تقرير الأمين العام الأسبق كوفي أنان (23 أغسطس/ آب/ 2017) الذي سلّمه إلى الحكومة بشأن بعثة تقصي الحقائق في أعمال العنف ضد مسلمي الروهينجا. وفي حين تندلع مجزرة جديدة لا يزال الموقف الدولي يدور في إطار الإدانات أو المناشدات بتقديم المساعدات، على الرغم من الأوضاع الإنسانية القاسية، خصوصاً أنه خلال أسبوع واحد تم تهجير نحو 50 ألف مسلم.
وإذا كان على مجلس الأمن الدولي اتخاذ قرار حازم لوقف المجزرة والدعوة لمنح المسلمين حقوق المواطنة كاملة، بما فيها المساواة التامة والمشاركة والشراكة في وطنهم على أساس عادل وحقهم في تأدية طقوسهم وشعائرهم الدينية، فإن من واجبه أيضاً اتخاذ قرارات بموجب الفصل السابع الخاص بالعقوبات في حالة تمادي سلطات ميانمار بعدم الانصياع للقانون الدولي وصوت العقل والحكمة.
ومن واجب البلدان العربية والإسلامية وهي تزيد على 57 بلداً، ومنظمة التعاون الإسلامي تقديم الدعم والمساندة بجميع أشكالها، لكي يستطيع مسلمو الروهينجا الصمود أمام محاولة اقتلاعهم ورميهم خارج الحدود في ظروف قاسية، فذلك واجب إنساني هو «فرض عين وليس فرض كفاية»، كما يُقال.
drhussainshaban21@gmail.com



37
لمناسبة ذكرى رحيله
في حضرة "أبو گاطع" ورحاب الكلمة الحرّة
عبد الحسين شعبان
 أكاديمي وأديب عربي   

غادرنا شمران الياسري في 17 آب (أغسطس) العام 1981 في حادث سير لئيم، حين كان متوجهاً من براغ إلى بودابست لزيارة نجله الأكبر "جبران"، لكن ذكراه لم تغادرنا، وما هذا الاستذكار مثل استذكارات سنوية ومناسبات مختلفة أقمناها في المنافي البعيدة في براغ ولندن ولوند ودمشق وبرلين وكوبنهاغن وبيروت وغيرها، إلّا وقفة مراجعة تأملية لمنجز الرجل وإبداعه الروائي والإعلامي والنضالي، إذ ما زال الكثير من محبيّ شمران الياسري والعارفين بفضله يستعيدون ذكراه رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود ونصف من الزمان خصوصاً وقد اكتسبت هذه الاستعادة نكهة خاصة حين أصبح الاحتفاء بأبو كَاطع في بغداد ممكناً. وصدق الشرف الرضي حين قال:
             ما أخطأتك النائبات/ إذا أصابت من تحبّ
   فقد كان "أبو گاطع" يحلم في بغداد التي أحبّها  حتى في مغتربه أو منفاه، لكن عينيه لم تتكحّلا بمرآها الجميل، فقد كان ذلك الذئب اللئيم حسب تعبير الجواهري الكبير يتربّص به، وكأنه ينتظره بعدما أفلت منه مرّات عديدة.
   وأبو گاطع هاشمي النسب وهو ابن السيد يوسف ، وسليل أسرة " آل ياسر" العربية المعروفة، وقد ولد في قرية محيرجة " الموفقية" في قضاء الحي بالكوت. وكان أحد رموز الأسرة من أبرز رجالات ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق(1914-1918) وما بعده، وأعني به السيد نور الياسري.
I
   انشغل شمران يوسف الياسري والذي سيُعرف لاحقاً باسم برنامجه الإذاعي الشهير " أبو گاطع"، بهموم رسم الحرف وحياكة الكلمة وصياغة الفكرة، منذ أن بدأ مشواره الأول في العمل العام حيث انخرط في أواسط الخمسينات وبعد محاولات عديدة، باليسار العراقي، الذي كان آنذاك يمثّل أحلام وطموحات الثقافة والمثقفين بشكل خاص، وعموم الفقراء والكادحين، بشكل عام، لاسيّما في بحثه الحثيث عن قيم الحرّية والمساواة والعدل، التي ستصبح هاجساً لـ "أبو گاطع" يُغني إبداعه ويغذّي أفكاره نحو التغيير الذي كان يتطلّع إليه، خصوصاً وقد تلمّس معاناة فقراء الريف واستغلال الإقطاعيين لهم.
   وإذا كان برنامجه الإذاعي بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 قد ذاع صيته واشتهر لدرجة كبيرة، حيث أصبح الكثير من الناس يردّدون عنوان برنامجه " احجيه بصراحة يبو گاطع " فإنّه أصبح بمثابة مثل شعبي، حتى أنهم لا يعرفون مصدره، إلّا أنّه بفعل شيوعه أصبح أقرب إلى لازمة شعبية، دخلت العقل الجمعي.
   وكان عموده في صحيفة "طريق الشعب" في السبعينات أقرب إلى بارومتر يقيس فيه الناس درجة حرارة الجو السياسي، ليس من جانب المعارضة أو الممانعة، بل حتى من جانب الموالاة وأصحاب السلطة أيضاً، ولهذا كان الجميع يقرأ الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، حيث عمود " أبو گاطع"،سواء اتفقوا معه أم اختلفوا، لأنهم كانوا يجدون فيه ما يفصح عن حقيقة الأوضاع السياسية.
   وكان عموده فرصة لاستنشاق هواء حر ونقي، مشفوعاً بالنقد اللاذع الممزوج بالسخرية، حتى وإنْ كانت سوداء، تلك التي يملّحها بمطارحاته مع "خلف الدواح" والمقصود " كَعود الفرحان" والذي ظنّ الكثير أنه شخصية وهمية، وكان ذلك الاعتقاد سائداً حتى لدى نخبة من رفاقه وأصدقائه حتى  نُشرت صورته في كتابي لأول مرّة قبل 20 عاماً، وكانت مفاجأة للجميع، حيث ظهر وكان يضع الشيماغ والعقال على رأسه وبملامح ذكاء حاد وذهن ثاقب.
II
   كنتُ كلّما مرّ الزمن أشعر بمسؤولية أكبر إزاء أبو كاطع كمبدع، بل وإزاء الصداقة التي ربطتنا، ناهيك عن مسؤولية توازيها، وهي التعريف به وبمكانته في تاريخ الثقافة العراقية، وكنتُ قد أدركت إن جيلاً بدأ يتكوّن في المنافي البعيدة والباردة وفي العراق أيضاً، وهو لا يعرف أبو گاطع، وتلمّستُ ذلك فعلياً حين كان توجّه إليّ أسئلة بعضها حائر بشأن "أبو گاطع"، وأعتقد أن هذا النقص في التعريف به وبفنه وروايته وأقصوصاته وإبداعه بشكل عام بما فيه عموده الصحفي الذي له طعم خاص،لا يزال قائماً على الرغم من تغيّر الظروف، ولذلك وجدت من الواجب إطلاع القارئ العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام على فن "أبو گاطع" وإبداعه ونضاله لمواجهة النسيان والجحود والتنكّر.
   وحين أقدّم للقارئ روائياً وصحافياً متميّزاً بسخريته المحبّبة وأسلوبه النقدي اللاذع ومحاكاته للجمهور، فإنني أقصد التعريف بالواقع العراقي ثقافة وأدباً وفكراً ضمن سلسلة لعدد من الشخصيات المتميّزة، وقد شملت الدراسة قبله الشاعر الكبير الجواهري في كتابين (1986 و1997) (الأول بعنوان الجواهري في العيون من أشعاره، والثاني الجواهري: جدل الشعر والحياة) وأعقبته بدراسة عن حسين جميل " جذور التيار الديمقراطي في العراق" 2007 ثم كتاب عن سعد صالح (جريو) الموسوم " الوسطية والفرصة الضائعة" (2009) وكتاب عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل -فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية" 2013.
   وتشمل هذه السلسلة شخصيات مثل بدر شاكر السياب وغائب طعمة فرمان وهادي العلوي والسيد محمد حسين فضل الله والسيد باقر الصدر، وخالد علي الصالح وأديب الجادر وعبداللطيف الراوي ووميض نظمي وخير الدين حسيب وفهد (يوسف سلمان يوسف)وشاكر السماوي والملّا مصطفى البارزاني وروفائيل بطي وعلي الوردي وفرحان باقر وناهدة الرمّاح وأحمد الصافي النجفي وعبد الأمير الحصيري ومظفر النواب وكامل الجادرجي وسهيل قاشا وآرا خاجادور وغيرهم، إضافة إلى شخصيات أخرى من العديد من البلدان العربية.
   والهدف هو وضع بعض الشخصيات الوازنة في دائرة الضوء والإفساح في المجال لقراءتها جمالياً من خلال رؤى وخلفيات متنوّعة ومتعدّدة فنياً، فضلاً عن معرفة تفاصيل حياتها ومصادر ثقافتها، ناهيك عن آرائها وأفكارها بما فيها من هواجس ومخاوف وأحلام ونقاط ضعف إنسانية.
III
   ثمة أسئلة تواجه الباحث في أدب وفن أبو گاطع: تُرى من أين جاءت موهبته وكيف تم صقلها؟ وهو الذي لم يترك تاريخه الشخصي سانحة للدراسة، وخصوصاً في سنوات الخمسينات والستينات، حين انخرط في العمل السياسي واضطرّ للاختفاء في الريف. ثم كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته بحيث احتلّ هذه المكانة المتميّزة ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقلاً من عالم الصحافة السريع والكثير الحركة، إلى فضاء الرواية  الذي يحتاج إلى التأمل والدقة والخيال؟ وهي أسئلة بحاجة إلى المزيد من الدراسات النقدية، التخصّصية لإملاء هذا الفراغ.
   لقد عرف العراق لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر مع "أبو گاطع"، الذي برز فيه بنتاجه المتنوّع، سواء حديثه الإذاعي الموجّه إلى الفلاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المجالس والمضايف والديوانيّات، ليجعله مادة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته وخاصة رباعيته أو رواية "قضية الحمزة الخلف".وهي جزء أول من رباعية لم تكتمل بسبب رحيله.
   وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبو گاطع"، فثمّة أحزان كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبوگاطع" فيها بعض التخفيف عن قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحك أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا للنقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.
   وكما يقول المتنبي:
وَماذا بمِصْرَ مِنَ المُضْحِكاتِ      وَلَكِـنّهُ ضَحِـكٌ كــالبُـكَاء
   وهو ما دعا الشاعر نزار قبّاني في إحدى زياراته للعراق للقول:
مرحباً يا عراق، جئت أغنيك      وبعض من الغــناء بكاء
   لأنّه كان يدرك أن الحزن معتّق في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كل شيء، فحتى فرح العراقيين وغنائهم ومناسبتهم المختلفة، كلّها مغلفة بالحزن الجميل ومُدافة بالحزن الجليل. 
   إنّ سخرية مثل سخرية "أبو گاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يواجه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشاكله وهمومه بنوع من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تعبّر عن موقف مقابل لكل تلك الإشكاليات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إني أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".
IV
   
   لقد كتب "أبو گاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم، لدرجة أنّ روائي المدينة غائب طعمة فرمان يقول عن شخصياته "لقد وجدت نفسي أمام وضع دقيق لجوانب حيّة وشخصيات سمعت بحّة صوتها في أذني، كنت أمام ما نسمّيه موسوعة الريف، ولكنّ كاتبها أديب جعل كل شيء يدبّ حيّاً".
   وحاول "أبو گاطع" الكشف عن حياة مطوّية تقريباً، فقام بتصوير الواقع بكاميرا بانورامية، ملتقطاً صوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، لاسيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته، فقد كان يعرف تمام المعرفة البيئة التي يتحدّث عنها بجميع تفاصيلها وتعقيداتها وتناقضاتها، وهو لا يأتيها زائراً أو مشاهداً، بل راصداً لها وفاعلاً فيها، لذلك جاءت صوره حسيّة تلامس حياة الريف بكل إيجابياته وسلبياته.
   وأعتقد أن الروائي الروسي مكسيم غوركي كان على حق حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبوگاطع – أبو جبران" هو مؤرّخ الريف، حيث عكست رباعيته " الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد" حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحب المحّرم والظلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدين وخداعهم. ولولا "أبو گاطع"، لضاع هذا الجزء المهم من تاريخ الدولة العراقية، وللدقة لضاعت إحدى الرؤى لها، والتي يمكن مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان للريف العراقي.
   ولأنّ ما كتبه "أبو گاطع" لا يزال راهنياً، بل يمثّل جزءًا من حياتنا اليومية، فإنه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيات.
   تلك هي معركة "أبوگاطع"، وهي معركة خارجية ضد الهيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضد قوى الظلام والاستبداد. إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها مما علق بها من أدران وترهات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كل كاتب حرّ وصاحب فكر منفتح.
   إنّ استعادة الذكرى ليس تقليداً أو طقساً روتينياً بقدر ما هي مسؤولية ومساهمة في إحيائها وتخليد حياة "أبوگاطع" وفنّه، وهي دعوة للنّقاد في تناول أعماله الإبداعية، سواء الروائية أو حكاياته وأقصوصاته وبعض مقالاته الصحافية، والكتابة عنها وعن أسلوبه وسخريته وتهكّمه الممزوجين بالحزن، من خلال مقاربتها بدراسات مقارنة عربية وأجنبية، كما لا بدّ لنا من تشجيع طلبة كلية الآداب والإعلام والدراسات الإنسانية والثقافية عموماً، كتابة أطروحات أكاديمية عنه في الجامعات والمعاهد العراقية والعربية.
   وإذْ نعيد استذكار الراحل "أبوگاطع" سنوياً، فإننا سبق أن دعونا الجهات الرسمية وغير الرسمية، لا سيّما الثقافية والإعلامية، بما فيها اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين ونقابة الصحفيين العراقيين، إلى إطلاق اسم "أبوگاطع" على مؤسسة أو ساحة عامة أو حديقة أو قاعة، وتخصيص جائزة باسمه تقدّم للمبدعين من الشابات والشبّان، وإقامة تمثال في مكان عام أو في مدخل إحدى المؤسستين، يليق به وبفنّه وإبداعه وبالأدب والإعلام العراقي وبتاريخه النضالي، الذي قدّم له حياته.
   "أبو گاطع" الذي رحل قبل ثلاث عقود ونصف من الزمان، لا زال يعيش بيننا، نحدّثه ويحدّثنا، نستمع إلى قهقهاته وإلى أنّاته، ونتحسّس عمق جرحه وألمه من طرف ابتسامته الساخرة.

38
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
إني أحدثك لترى     
فإن رأيت             
فلا حديث           
النفري             
          قلم السياسي مغمّساً بحبر الذاكرة
         حين كتب مهدي السعيد "سيرته الذاتية" التي بدأت من أزقة الكرخ القديمة كما يروي وصولاً إلى براغ ولندن ودمشق، لم يكن يدر في خلده، إنه سيدوّن بعفوية شيّقة جوانب مهمّة من تاريخ محلّة الدوريين بشكل خاص، والمحلّة البغدادية بشكل عام، بكل تناقضاتها الإيجابية والسلبية وعناصر القوة والضعف فيها. وذهب أكثر من ذلك في مشواره السردي حين رسم بريشته لوحة بانورامية للمشهد السسيوثقافي لمدن عاش فيها، مستعرضاً في الوقت نفسه علاقات واسعة وعميقة مع رفاق وأصدقاء جمعته معهم حياة كاملة بكل عنفوانها وبكل ما لها وما عليها، بحلوها ومرّها، بما فيها من معاناة وقلق وهموم وآمال وأحلام وانكسارات.
          وبعدسة فنان حاول مهدي السعيد أن يصوّر لنا عدداً من اللاعبين على خشبة المسرح وحركاتهم وسكناتهم بعيني مراقب دقيق، وفي أحيان كثيرة كان يقترب من المشاركة أو يكون جزءًا منها، لكنه لا ينسى المراقبة التي سرعان ما يعود إليها وكأنه لا يريد أن يفقد متعة المشاهدة، وحسب صموئيل بيكت "المتعة بالفِرجة"، خصوصاً وإن مسرحنا السياسي ازدحم في العقود الثلاثة الماضية بألوان شتى من اللاعبين، من هواة السيرك إلى محترفي الجمنازتيك مروراً بالسحرة والمشعوذين وقرّاء الكف وفتّاحي الفال وصولاً إلى أصحاب التعاويذ والحروز المتنّوعة، حتى إنك لا تستطيع أن تميّز أحياناً بين الشيء وضدّه، فقد اختلطت الوجوه والصور والمواقف.
           وحسبنا أن نردّد قول شاعرنا الجميل مظفّر النواب : "قتلتنا الردّه إن الواحد منّا يحمل في الداخل ضدّه"، خصوصاً حين إفتُقِدَتْ الصدقية التي كانت الرأسمال الإنساني الحقيقي سواء على الصعيد السياسي أو ببعديها الإجتماعي والثقافي، يوم كانت الأخطاء ذاتها صميمية، فالمرء يجتهد، وقد يخطأ وقد يصيب. وحسب قول الإمام الشافعي : "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول مخالفي خطأ يحتمل الصواب" والبشر وفقاً لفولتير "خطّاؤون"، ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة فحيثما يميل تميل معه، لذلك اقتضى أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح.
         وحين تنهار المنظومة القيمية الإنسانية والأخلاقية أو تتصدّع أركانها، سواء بفعل عوامل خارجية أو داخلية، فإن صورة المجتمع تتشّوش بفعل الفوضى والعنف والزيف، خصوصاً حين تتداخل القضايا والمصالح. ولو تابعنا البرامج والسياسات والعلاقات الإجتماعية بغض النظر عن المواقع والمواقف، فسنرى الكثير من عناصر الشبه بينها، حتى إن المرء لا يستطيع أن يميّز أحياناً بين ذات الشمال وذات اليمين، لاسيّما حين أخذ بعضهم يستعير لسان الآخر وخطابه، حتى وإن كان متخماً بعكسه وأشبعنا بضدّه على مدى سنوات طوال. هكذا تضبّبت الصورة واختلط المشهد وتداخلت المواقع والأطروحات.
          كان مهدي السعيد وهو ابن البيئة الشعبية البغدادية الكرخية يقارب المشهد السياسي برؤية سسيوثقافية، ولم يرغب أن تفلت حادثة كبرى أو صغرى إلّا وحاول أن يمرّ عليها ولو سريعاً، كما توقّف عند بعضها وتعمّق في أخرى، لكن حبكته الدرامية ظلّت تنتقل معه وتتداخل مصادرها بين الإجتماعي والثقافي، وإنْ ظلّ السياسي والحزبي لاحقاً متميّزين في رؤيته على نحو بارز وشديد.
         ولكنه بالتدرّج أخذ يتّجه نحو أفق أوسع رحابة، منتقّلاً من العمل الحزبي "الضيّق" إلى العمل السياسي بمعناه "الواسع"، ومن هذا الأخير إلى العمل الإعلامي، خصوصاً باتساع معارفه وعلاقاته العربية بعد أن عمل في السفارة اليمنية في براغ وفيما بعد حين انتقاله إلى لندن، حيث توسّعت دائرة اهتماماته وعلاقاته العراقية، إضافة إلى الوسط الإعلامي العربي. وقد وفّر له ذلك فرصة إجراء مراجعات تاريخية، لاسيّما في سنوات ما بعد الإحتلال، لينتقل إلى التأمل وإعادة قراءة بعض الأحداث ونقدها بروح منفتحة وغير حزبوية.         
      جيل الستينات : جيل الأسئلة
       منذ أن علقَ مهدي السعيد بالسياسة، فتعلّق بأهدابها وركض وراء أحلامها الوردية حتى وإنْ كلفته منافي ومعاناة، لكنه واصل سيره في دروبها الفسيحة والوعرة في الآن، منتقلاً من  محطة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية، حاملاً معه ذكريات متنوعة مختزناً أسراراً عديدة.   
       وكنت قد تعرّفت عليه وعلى أشقائه في العام 1960 وذلك من خلال صديقي العزيز جواد العادلي عن طريق صاحب المكوى "اسماعيل" الذي يرد ذكره في المذكرات، وهو من أقارب العادلي وكانت عائلته صديقة لعائلتنا وسكنوا بجوارنا لفترة من الزمن، وكان شقيق جواد العادلي "حمودي العادلي" وهو عضو في الحزب الشيوعي معتقلاً معنا، وقد تمّ تقديمه للمجلس العرفي العسكري، وحكم عليه لثلاث سنوات قضاها في سجن نقرة السلمان الصحراوي. وبعد إطلاق سراحنا وتسوية أمور فصلنا من المدرسة وقبولي في الجامعة، إلتقيت بهادي ومهدي وفيما بعد سعدي السعيد عدّة مرّات، حتى تعمّقت علاقاتنا خلال أحداث انشقاق الحزب الشيوعي في العام 1967 واستمرت خلال العقود المنصرمة.                                                                                                                                                                                                                                                         
       ولذلك حين طلب مني مهدي السعيد كتابة مقدمة لسيرته الذاتية، ركنت مشاعر الصداقة جانباً لكي أقرأ ما أعرفه ولا أعرفه عن صديق جمعتني به صداقة زادت على خمسة عقود ونصف من الزمان. ولا أذيع سراً إذا قلت إنني بقدر ما أعرف مهدي السعيد فقد استمتعت بما كتبه وبما لفت الإنتباه إليه وبما حاول إضاءته، فقد عاش الأحداث  بكل جوانحه منذ أواخرالخمسينات ومطالع الستينات من خلال معاينة ومعايشة ومشاركة، خصوصاً حين بدأ وعيه الأول يتشّكل مع السنوات الأولى من ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958  ليتوقف عند محطتة الراهنة، وهو بعد نحو نصف قرن من التعب والكدّ والإنشغال، يراجع بروح إيجابية مسيرته التي لا تخلو من مرارة وخيبة، بل إنه يراجع مسيرة جيلنا أيضاً، خصوصاً لماعاناه.
             وحين أتحدّث عن جيلنا فهو جيل الستينات الذي أفلح الشاعر والروائي فاضل العزّاوي في كتابه "جيل الستينات - الروح الحيّة" في تسليط الضوء على معاناته الفائقة وإرهاصاته الباهرة، سواء على الصعيد السياسي والثقافي أو على الصعيد الإجتماعي لا سيّما التطلّع إلى الحداثة والإنفتاح على المدارس المختلفة في الأدب والفن والعمارة بكل صنوفها وألوانها، خصوصاً بعد هزّة العام 1963 الإرتدادية، التي أحدثت صدمة كبرى في الحركة الفكرية والثقافية والسياسية في العراق. وكان هذا الجيل قد اجترح عذابات لا حدود لها على صعيد الفكر والهوّية والعلاقة بالآخر والتنوّع والتعدّدية، وبالطبع في قضايا الحريات العامة والخاصة، ولاسيّما حرّية التعبير والإعتقاد والتنظيم والحق في المشاركة.
           ويختلف جيل الستينات الذي عاش فترة انتقال حادّة وأوضاع تغيير على صعيد عالمي، عن جيل الأربعينات والخمسينات، حيث سادت اليقينيات الآيديولوجية والتقسيمات الإستاتيكية "شبه الثابتة" في تقويم طبيعة الصراع، ناهيك عن الإنخراط فيه، كما إنه يتميّز عن جيل السبعينات والثمانينات الذي بدأ معه صراع من نوع آخر وكان المشهد قد اكتمل، فجيل الستينات هو جيل الأسئلة الكبرى، حيث لم تعد تكفيه الإجابات الجاهزة، واليقينيات السرمدية والحتميات التاريخية، فقد أخذت الأسئلة تتكدّس، وكان الجواب لا يجد سبيلاً للإقناع، وهكذا كانت الإرهاصات تكبر وتغتني بالمعارف والعلوم والتكنولوجيا، الأمر الذي احتاج إلى نوع جديد من الجدل على مستوى الداخل الجوّاني، إضافة إلى الخارج الفوقاني.
         لم يتحدث مهدي السعيد عن جيل الستينات بشكل عام، بل اختار "حلقة" محدّدة منه طابعها العام متمرّد وبأشكال متنوّعة وامتازت بنوع من التضامن والتواصل والمودّة، على الرغم من العواصف والمتغيّرات والصراعات (الداخلية والخارجية) التي كانت سائدة فضلاً عن اختلاف المواقع والمواقف والمآلات لاحقاً، وهو ما قد أعود إليه في وقت آخر.
        ويذكر مهدي السعيد بالأسماء عدداً من أفراد تلك "الحلقة" اليسارية التي عملت بثقة وظلّت متماسكة في كل الظروف أصابت أم أخطأت.
        بصمة مملّحة
       جاءت سيرة مهدي السعيد مزيجاً من ذكريات ومذكرات واستعارات ومراجعات وتجارب وخبر منها ماهو ناجح ومنها ماهو فاشل، وبقدر ما حاولت تقديم عرض جاد لتجربة ذاتية وسياسية بامتياز، فإنها في الوقت نفسه حفلت بطرائف وحكايات ومصادفات ممتعة حاول الكاتب تمليح نصّه لكي لا يأتي ثقيلاً، وقد وضعها بأسلوب مبسّط ويكاد يكون عفوياً، ولعلّها تعكس جوانب من شخصيته المرحة رغم جديّتها.
        السيرة الذاتية لمهدي السعيد تضمّنت بوحاً في جزء غير قليل منها وكشفاً لواقع سسيوثقافي، حاول أن يعطيه بصمته الخاصة، خصوصأً باستعراض لا يخلو من دهشة الكاتب ذاته الذي اختزن هذا الكمّ الهائل من الصور والمشاهد والأحداث والمفارقات في ذاكرته، وقد يكون مفيداً قراءة هذه المذكرات كحلقة متصلة ومتكاملة، بل ومتراصة على الرغم من المراحل التي وضعها.
        محلّة الدوريين
        تحدّث مهدي السعيد عن طفولته وعائلته،  وفي الوقت نفسه فإنه غاص في الكلام عن محلّة الدوريين، منبع صباه ومسقط رأسه، حيث تناول دراسته وصداقاته، حتى وصل إلى تشكّل وعيه، ثم انخراطه بالعمل السياسي، وفي أواسط الستينات نشط في إطار الحزب الشيوعي ثم أصبح عضواً فيه، وعمل في اتحاد الطلبة وانتخب في المؤتمر الرابع المنعقد في "جديدة الشط" في منطقة "الراشدية" في  28  كانون الأول (ديسمبر) 1968 عضواً في لجنته التنفيذية، وكان شقيقه سعدي السعيد عضواً في سكرتارية اتحاد الطلبة منذ أواخر العام 1967، حيث تمّ تجديد انتخابه في الكونفرنس الرابع الذي التأم في جزيرة "أم الخنازير" ببغداد في 10 تشرين الأول / أكتوبر 1969. وحسب معرفتي المتواضعة فقد لعب كل من مهدي وسعدي السعيد دوراً مهماً في مواجهة حركة الإنشقاق الكبرى التي قادها عزيز الحاج في (17 أيلول /سبتمبر/ 1967) ولاسيّما في نطاق طلبة الثانويات، واستطاعا أن يشكّلا ركائز مهمة وأساسية.
         وتقرّر أن يمنح الحزب زمالة دراسية لمهدي السعيد الذي كان قد تخرّج من الثانوية ولم يجد فرصة للدراسة في بغداد، وحاول الدراسة في دمشق، لكنه عاد بسبب التكاليف الباهظة، وهكذا غادر هو ومحمد الأسدي إلى براغ في العام 1969 الذي مُنح هو الآخر زمالة دراسية، وحينها انتخب في قيادة الإتحاد في المؤتمر الرابع أيضاً، وواصل مهدي السعيد نشاطه في براغ فأصبح عضواً في لجنة التنسيق الطلابية (لقيادة تنظيمات الخارج) في أواسط السبعينات، ثم عضواً في لجنة تشيكوسلوفاكيا للحزب، وعاد إلى العراق ليخدم العلم، واضطّر إلى الهجرة مرّة أخرى بسبب تردّي الأوضاع السياسية، وانهيار صرح الجبهة الوطنية بين البعثيين والشيوعيين، لاسيّما اشتداد حملة المطاردة ضد الحزب الشيوعي وأعضائه ومؤيديه.
         وفي عودته الثانية إلى براغ أكمل الدكتوراه وعمل لمدة 10 سنوات مترجماً في السفارة اليمنية، ثم اضطّر إلى اللجوء للعاصمة البريطانية "لندن" بعد انهيار النظام في تشيكوسلوفاكيا واندماج اليمن الجنوبية بالشمالية وتحقق الوحدة اليمنية، وكان وقتها يحمل جواز سفر يمني جنوبي، ولم يكن مؤكداً تجديد عقد العمل معه، لذلك اختار اللجوء.
        وفي لندن واصل عمله السياسي، وهذه المرّة من خلال المعارضة العراقية التي عمل في إعلامها وحضر عدداً من مؤتمراتها، كما كتب في صحف وإذاعات عربية كجريدة "الحياة" وإذاعة "كل العرب"، واتّسعت دائرة علاقاته، وأخذ ينظر إلى الماضي برؤية نقدية أكثر من قبل، حيث قرّر أن يستقل في نشاطه السياسي والثقافي.
        ولأنه اتخذ موقفاً خلال اجتماعات واشنطن للمعارضة العراقية كما يقول، حيث كانت توضع اللمسات ماقبل الأخيرة لغزو العراق، فقد استبعد من المشاركة لاحقاً في التشكيلات الحكومية والإعلامية، ويعدّد بمرارة إن جميع من كانوا معه حصلوا على مناصب عليا، وهو الوحيد الذي تمّ استثناؤه كما يذكر، ولكنه غير نادم على ذلك، فقد تكشّفت أمامه الكثير من الحقائق ما بعد الإحتلال، ولم يكن يرتضي قبول الكثير منها، وهو سعيد بما اتخذه من موقف يسرده في هذه المذكرات، من خلال نقد ذاتي وهو ماعبّر عنه أمامي أكثر من مرّة.

         الطفولة - الينبوع - المستقبل
         ويتناول في محطات الطفولة الأولى، انتقال والده ووالدته من الناصرية حيث ينحدر من عشيرة آل إزيرج العربية، ليستقرّا في بغداد وفي محلة الدوريين، وكيف التحق والده الفلاح البسيط كما يقول بخدمة العلم العام 1948 حيث أرسل إلى فلسطين، وكانت العائلة  قد استبشرت قبل ذلك بولادة الصبي الذي أسماه "مهدي" تيمّناً بالمهدي المنتظر "صاحب الزمان"، وهو ثالث أخوته بعد كاظم وهادي، ويأتي رابعهم سعدي الذي سيرافق مهدي في مسيرة الشقاء والشيوعية والمنافي، وكان سعدي قد غيّر اسمه إلى "عادل" بعد اعتقالات وملاحقات، وبذلك تمكّن رسمياً من الحصول على جواز سفر، لمغادرة العراق للدراسة أولاً، ثم عاد إلى العراق، وحين اشتدت حملة ملاحقة الشيوعيين اضطر للسفر إلى بيروت ومنها إلى دمشق، حيث عمل في وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" وفيما بعد هاجر إلى باريس للإستقرار.
         يتحدّث مهدي السعيد عن محلّة الدوريين الينبوع المتدفق بالجديد، ولا سيّما سوقها الشهير المعروف "سوق عيسى" وكيف كان الناس بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، متعايشين ومتضامنين، لكن ما حدث من شرخ سياسي أدى لإنقسامهم إلى قسمين، وكانت السياسة قد لعبت بالرؤوس كما يقال، فالقسم الأول وقع تحت تأثير الحزب الشيوعي، في حين وقع القسم الثاني تحت نفوذ القوميين، وخصوصاً من حزب الإستقلال ومن ثم حزب البعث، وكان مثل هذا التصنيف امتداداً لنفوذ الأحزاب قبل الثورة، لكنه اتّخذ طابعاً عدائياً وتناحرياً بعدها، حيث اشتّدت الخصومات والعداوات والبغضاء.
         ولم يكتفِ مهدي السعيد "أبو ثبات" كما كنّا نكنّيه أو الرفيق "صائب" أو "أبو أسيل" لاحقاً بتصوير الأجواء السياسية المحتدمة، بل سرد علينا حكايات وقصصاً ممتعة وفي الوقت نفسه لها دلالات ينبغي أن تقرأ في سياقها التاريخي عن الوضع الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والتعليمي والصحي لسكان محلّة الدوريين.
         ولم ينس أن يتعرّض للإنتماءات العرقية والتنوّع والتعدّدية التي عرفتها، فهناك العوائل المسيحية و الصابئية  (المندائية)، وهناك عرب من غرب العراق من أصول سنّية، مثلما هناك العرب الشيعة، وهؤلاء غالبيتهم من وسط وجنوب العراق إضافة إلى وجود مجموعة من العوائل الكردية، وهو بذلك حاول أن ينقل لنا حالة التعايش والتسامح والتضامن التي كانت الكثير من مناطق ومحلّات بغداد تعيشها بطريقة عفوية وتلقائية ودون أية حساسيات، مثلما كانت محافظات أخرى تعيش ذلك مثل الموصل والبصرة وكركوك وديالى والحلة وغيرها، وهي مناطق توتر وعنف وتطهير عرقي وطائفي، إضافة إلى محافظات إقليم كردستان مثل إربيل والسليمانية ودهوك.
        الشقاوات
         ينتقل السعيد بعد ذلك ليحدثنا عن صنف إجتماعي آخر، ألا وهو "الشقاوات" وهم صنف يمتاز بقيم ومفاهيم خاصة عن النخوة والشهامة والدفاع عن المظلوم، وفي الوقت نفسه يلتجأ إلى أخذ "الأتاوات" أحياناً واستخدام العنف ومحاولات الإستقواء على الآخرين لفرض الهيمنة عليهم. ويشير إلى أنّ مُثل الشجاعة والتصدي للغرباء والدفاع عن أبناء المحلّة كانت تستهوي الشباب تشبّهاً أحياناً ببعض الشقاوات، ويقول أنه "وفي إحدى مراحل النمو كدتُ أفقد بوصلة التطور الإيجابي وأتحوّل إلى صنف الشباب الذي يمارس الشقاوة"، ولكن تربيته العائلية والمحيط الإجتماعي هو الذي جعله يختار طريق التعليم والسياسة لاحقاً، وإلّا كما يقول كنت : "مقتولاً أو قابعاً في السجون".
          والشقاوات التي يتحدث عنهم مهدي السعيد وإنْ كانوا يحترمون المثقفين والأدباء، فهم انقسموا أيضاً بانقسام الشارع السياسي، فمال قسم منهم إلى القوميين والبعثيين، بل أصبح بعضهم من الجهاز الصدامي المعروف باسم "جهاز حنين" الذي أشرف عليه صدام حسين نفسه، ومن أبرز أعضائه كان "جبار كردي" و "ستار كردي"، وكان آخر عمل قاما به هو إطلاق النار على تظاهرة احتفالية شيوعية بمناسبة ثورة أكتوبر (1968) في ساحة السباع ببغداد، حيث استشهد فيها 3 أشخاص وجرح 12 شخصاً، أما القسم الثاني فمال إلى الشيوعيين ومن أبرزهم "خليل أبو الهوب" الذي قُتل في العام 1959 في مقهى بشارع النصر ببغداد، ومساعده فاضل طويرني الذي لجأ إلى ألمانيا الديمقراطية، وفيما بعد إلى براغ وعاد إلى بغداد في أواسط السبعينات.
          وتعتبر ظاهرة الشقاوات قديمة وتعود إلى العهد العثماني، ومن أبرز الشقاوات "أحمد قرداش"، واشتهر عدد من الشقاوات في مطلع القرن العشرين مثل "إبن عبد كه" الذي ذاع صيته و"موسى أبو طبرة" و"جواد الأجلّك"، وقد تناول سِيَرِهمْ عالم الإجتماع المبدع علي الوردي، وخلال اندلاع ثورة العشرين، انضم إليها بعض الشقاوات وأبلوا فيها بلاءً حسناً مثل "عبدالمجيد كنّه" وهو عمّ الوزير خليل كنّه، وقد ساهم في مقاومة الإنكليز، إضافة إلى تكليفه بمهمات أخرى.
         وحسب حسن العلوي فإن نوري السعيد هو الآخر كان قد اعتمد على الشقاوات في الإنتخابات وفي إيذاء الشيوعيين المناهضين للنظام الملكي، وكانت مكافأة لهم السماح بالإستيلاء على أحد الكراجات والإستحواذ على مردودها. وإذا كان النظام البعثي قد استفاد من الشقاوات فإنه قام بتصفيتهم لاحقاً، ولم يسمح بنمو ظاهرة العنف خارج نطاق الدولة التي تعزّز توجهها الشمولي الكلّاني منذ اليوم الأول.
           طرائف ومفارقات
           يستذكر السعيد بشغف مرور سيارة الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله  خلال ذهابهما أسبوعياً وفي يوم الجمعة إلى المقبرة الملكية، وكيف كان يصطف الجميع على جانبي الطريق ليقوم الملك الشاب بالتلويح لهم. جدير بالذكر إن الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله قتلا يوم 14 تموز /يوليو/ العام 1958 وتمّ التمثيل بجثة الأخير وسحله في الشوارع  فيما بعد، وكانت جثته قد تمّ تعليقها لتتدلّى من سطح أحد فنادق الكرخ، حيث اجتمع الناس ليشاهدوها وترتفع حماستهم لرميها بالأحذية. وكان مهدي السعيد قد شاهد هذا الحادث، مثلما شاهده كاتب السطور وسبق أن كتب عنه لما تركه من تأثير سلبي عليه.
         ويستحضرمهدي السعيد حادثة طريفة، وهي كيف إن الجاموس القادم من "جسر الخرّ" والعائد إلى معدان محلّة الذهب، الواقعة على مشارف شارع الشيخ معروف، كان قد عطّل الموكب الملكي، وأحدث نوعاً من الارتباك والخوف، خصوصاً في ظلّ الأوضاع السياسية غير المستقرّة، ولم تفلح سيارات المرافقين وهي تهدر "بالهورنات" (الزمّورات) العالية لانفراج الموقف، حيث كان الجاموس على ما يبدو "يتبختر" بتمهّل وهو يمرّ من أمام سيارة الملك الشاب.
              وفي موقف آخر عطّل "مهدي خبالو" مرور سيارة الملك فيصل الثاني، حين حاول قطع خط سير الموكب الملكي دون أن يلتفت لأحد، وكان قد واصل عبوره للشارع ببطيء شديد مع ابتسامة عريضة، واضّطرت حينها سيارة الملك إلى التّوقف ريثما اجتاز "مهدي خبالو" الشارع باتجاه الرصيف، ولم يكن مثل هذا المشهد يمرّ دون ارتباك واستنفار من جانب الشرطة تحسّباً لما قد يحدث.
           ثم يعود ليخبرنا من هو "مهدي خبالو"؟ فيقول إنه : معلم وصاحب معشر ومزاج طيب وعلاقات اجتماعية حسنة، ولكن بعض تصرّفاته الغريبة جعلت بعض أصدقائه يتمازحون معه فيلقبونه باسم "مهدي خبالو"، علماً بأن توجّهه السياسي كان قريباً من القوميين العرب، وهو صديق لكاظم شقيق مهدي السعيد الذي كان طالباً متفوقاً في الإعدادية المركزية التي كان لها شأن كبير في الخمسينات، خصوصاً وكانت تحظى باهتمام المسؤولين وكان من منتسبيها أبناء الطبقات العليا والمتوسطة، إضافة إلى المتفوقين في الدراسة، ولعبت دوراً سياسياً معارضاً للنظام الملكي، خصوصاً في انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر وضد العدوان الثلاثي الأنكلو - فرنسي الإسرائيلي.
          ويتحدّث عن بعض المحلات الشعبية القريبة من محلّة الدوريين مثل محلّة الذهب التي كانت تضمّ بعض بيوت الدعارة، ولا ينسى أن يروي لنا تفاصيل المجزرة التي تعرضّ لها المومسات في إحدى الصباحات حين فاق الناس ليشاهدوا كيف تمّ ذبحهن، وقد قام هو بفضوله ودهشته الطفولية بمشاهدة سبع جثث مقطوعة الرؤوس ملقاة على الأرض وبقع الدماء تحيط بها من كل جانب، حيث هرع مع أطفال المحلّة بعد ذيوع الخبر.
         وفي غمرة ذلك يحدثنا السعيد عن الفرق الرياضية الشعبية وكيف لمع نجم اللاعب الشهير "ناصر جيكو" في الخمسينات ومحمد راضي في الستينات وغيرهم.
         وفي المذكرات يتناول مظهراً آخر يلتجأ إليه بعض العاطلين عن العمل، والهدف الحصول على ربح سريع ودون بذل جهد، ألّا وهو لعبة "السي ورق" المشهورة التي يستدرج إليها السذّج والمغفلين.
         وبعد ذلك يصوّر لنا ساحة المتحف التي تعجّ بالمسافرين والمارّة، وهناك ألعاب السحرة والقردة ومربي الأفاعي والعقارب، والحلاقين الذين يفترشون الرصيف، وكانت أخته الكبرى شريفة تصطحبه معها باستمرار لحلاقة شعر رأسه في الساحة وعلى الطريقة الشعبية.
         ويستذكر مهدي السعيد بعض المشاهد التي ستبقى عالقة في ذاكرته، منها : منطقة اسمها "جولة أم عليوي"، وهي كما يقول كانت مسرحاً لطفولته، وفيها عدداً من بيوت الأغنياء بينهم "أمين خاكي" أحد أبرز القادة العسكريين، وهو عراقي من أصول تركية، وهكذا كانت تتجاور الأصول الاجتماعية في المحلّات البغدادية. وتضمّ المحلّة أيضاً الكتاتيب ومن أشهر الملّايات "الملّه قادرية" التي تعلّم على يدها مبادىء القراءة وحفظ بعض صور من القرآن قبل ذهابه إلى المدرسة.
         وبالقرب من المنطقة كانت دار الإذاعة في الصالحية حيث كان مهدي السعيد طفلاً يقتنص النظر إلى بعض المطربين مثل حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم وعبد الصاحب شرّاد، وبعد العام 1958 يقول كنّا نرى مصطفى جواد وشمران الياسري (أبو كاطع) وغيرهما يترددون على دار الإذاعة. أما عزيز علي المطرب المعروف فقد كان يتحاشى الجلوس في المقهى كما يقول.
         شيوعيو محلّة الدوريين
         ويمضي مهدي السعيد في سرديته ليتناول عمل الحزب الشيوعي في محلّة الدوريين والمحلات المجاورة، وكيف كان عبدالأمير عباس "أبو شلّال" يستخدم "الدراجة الهوائية" في حركته وتنقلاته. وكان قد أصبح في وقت لاحق عضواً مرشحاً للجنة المركزية، وحين انفرط عقد الجبهة بقي أبو شلّال في العراق وعاش في ظروف بالغة القسوة.
         وقد حدثني سعد البزّاز حين انتقل إلى لندن وأصدر بعد حين "جريدة الزمان"، أن كتاباً جاءه من رئاسة الجمهورية يطلب منه الاتصال بعدد من الشخصيات والطلب منها الإدلاء بتصريح ضد "العدوان الثلاثيني" العام 1991، أي بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990 وانسحابها إثر حرب قوات التحالف ضدّ العراق، التي بدأت 17 كانون الثاني (يناير) العام 1991 وانتهت في 26 شباط (فبراير) من العام ذاته.
         وحسبما نقل لي البزّاز فقد أرسل أحد الصحفيين ومعه مصوّر (وكان البزّاز حينها رئيساً لتحرير صحيفة الجمهورية) واستدلّ الصحافي والمصوّر على البيت، لأن عنوانه كان قد جاء من ديوان الرئاسة، ووصلوا إليه وفوجئوا برجل مهاب وكبير السن ويبدو على مظهره أنه خارج دائرة السياسيين المعروفين، وحين طلبوا منه الإدلاء بتصريح، اعتذر معلّلاً ذلك بأنه لا يفقه بمثل هذه الأمور، وعليهم أخذ آراء الخبراء والمختصين وأساتذة الجامعة في حين إنه صاحب دكان صغير يبيع فيه بعض احتياجات العمل اليومي المنزلي. فواجهوه بأنه سياسي وقيادي في الحزب الشيوعي، فقال لهم "كان زمان" وإنه نسي كل شيء.
        وهكذا تملّص أبو شلّال الذي لفّ رأسه باليشماغ من الظهور أمام الشاشة أو عدسة المصوّر كي لا يفسّر الأمر بأنه تنازل أو ما شابه ذلك مع إنه قال لهم أثناء الحديث إن الناس جميعاً ضدّ العدوان الثلاثيني. وهنا بدأت حيرة البزّاز، فماذا سيكتب للرئاسة ؟ هل سيقول إنه رفض. أو امتنع أو اعتذر ؟ والتفسيرات والتأويلات ستكون غير مقبولة وستجلب معها مشكلات للرجل، وببراعته كتب ما معناه : إن الرجل بلغ من العمر عتيّا، وهو منشغل بقوته اليومي، فضلاً عن ذلك، فهو بسيط ولا يمكنه التعبير، كما أن وضعه الصحي بائساً. وبذلك كان أبو شلّال  بمنأى عن استجواب أو إعادة استذكار أو تبعات أخرى.
           كما يحدثنا مهدي السعيد عن فتح محل لكيّ الملابس، ويبدو إن المحل كان محطة حزبية استخدمها حسن عوينه القيادي في الحزب الشيوعي وعضو لجنة الارتباط، وقد قتل تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 في قصر النهاية، وأذيع خبر استشهاده مع سلام عادل ومحمد حسين أبو العيس يوم 7 آذار (فبراير) 1963. ويقول مهدي السعيد إنه تعرّف على حسن عوينه بعد نشر صوره في وقت لاحق.
         ويذكر أيضاً أن الطبيب الشيوعي فاروق برتو افتتح عيادة له، وهو شقيق بشرى برتو وهي قيادية أيضاً في الحزب الشيوعي، وزوجة  رحيم عجينة القيادي في الحزب أيضاً، حيث كان قد خصّص أحد أيام الأسبوع مجاناً لعلاج المراجعين، ولاسيّما من الفقراء وضعيفي الحال، ويقول جرت محاولات لدهم عيادته من جانب شرطة التحقيقات الجنائية لأن صيته كان قد ذاع وعرف الناس إنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، ولذلك انبروا للدفاع عنه تلقائياً.
         ومن الشخصيات التي يتناولها أيضاً عطشان ضيول (الإيزرجاوي) الذي كان مسؤولاً في الخط العسكري للحزب الشيوعي، وقد سكن مع والدته بعد انتقاله من الناصرية في محلّة الدوريين، وإنه أصبح بعد ثورة 14 تموز (يوليو) مساعداً لآمر المقاومة الشعبية طه البامرني، وكان من دعاة الإستيلاء على السلطة أيام حكم عبد الكريم قاسم، ويقول أن ثابت حبيب العاني وعامر عبدالله وآخرين كانوا ضدّ هذا التوجه، وقد فتح هذا الموضوع مع العاني في لندن مستذكراً الإيزرجاوي، كما سأل عنه آرا خاجادور في براغ.
         ويروي السعيد نقلاً عن آرا خاجادور إن اللجنة المركزية حينها أبعدت سلام عادل إلى موسكو الذي كان يميل إلى استلام السلطة وإزاحة عبدالكريم قاسم، ويقول إن ذلك كان جزء من الصراع حول السلطة بين تيارين : الأول ممثلاً بمجموعة الأربعة : زكي خيري، عامر عبدالله، بهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وإن كان الأخير أقرب إلى سلام عادل، لكنه احتسب على الجماعة المتكتلة حتى وإن لم يتفق معها فكرياً (وقد استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/فبراير/ 1963)  و كان هؤلاء ضد توجّه سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول، والأخيرأبعد إلى موسكو ومنعه ال KGB من الإتصال بالآخرين، ويروي قصته الدرامية حيث توفي في ألمانيا.
      ثورة 14 تموز
           يتحدث مهدي السعيد عن يوم ثورة 14 تموز وشعوره عند هدم تمثال الجنرال مود الذي قال حين احتل بغداد "جئنا محرّرين لا فاتحين"، ويذكر كيف هرب نوري السعيد ولجأ إلى بيت الإستربادي في الكاظمية، وكيف دخل هو ووالدته إلى بيت نوري السعيد. ثم يتناول كيف أسّس الشيوعيون التنظيمات سريعاً مثل الشبيبة الديمقراطية والمقاومة الشعبية.
          ويستعيد مهدي السعيد أيام تموز والمهرجانات، وكيف صافح عبدالكريم قاسم وكذلك الملّا مصطفى البارزاني، ولكنه يتناول بمرارة الإنقسام الشعبي، ولاسيّما بين الشيوعيين والقوميين، خصوصاً بعد حركة الشواف ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في منطقة "رأس القرية" بشارع الرشيد، وكان من بين من شاركوا بها صدام حسين، وينشّط ذاكرته بحديثه مع د.تحسين معلّه، خصوصاً عن قضايا التعذيب في قصر النهاية.
        ومن مظاهر اشتداد حالة الإحتقان الشعبي اغتيال الشيوعيين أحد الأشخاص وسحله في مدينة الكاظمية، وقد اتهم بها منذر أبو العيس الذي صدر الحكم بإعدامه، وقد تمّ تنفيذه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963. ويشير إلى أن محلّة الدوريين كانت تعجّ بالخلافات. ويتوقف عند انقلاب البعثيين الأول الذي أطاح بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وطارد الشيوعيين واعتقل الآلاف منهم وكيف جرت محاولة لإعتقال أخيه كاظم.
       
        أول مهمة حزبية
        وعن أول مهمة حزبية له كانت عشية حركة حسن سريع في 3 تموز (يوليو) العام 1963، وهو نائب عريف حاول قيادة انتفاضة مسلحة ضد حكم البعث الأول، لكنها فشلت واعتقل المشاركون فيها وحوكموا وأعدموا.
        أما المهمة التي كلّف بها فهي كتابة بيانات بخط اليد على ورق الكاربون، وكان المسؤول عن المجموعة حسبما يقول "محمد كريم" الذي أعدم في حركة حسن سريع، لينتقل بعدها إلى عمل حزبي منظّم، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية ويستعيد العلاقات في تلك الفترة، ويستذكر عدد من المسؤولين بينهم كاظم حبيب، وكيف ساهم عدد من الرفاق في إعادة التنظيم منهم: حسن أسد الشمري وصلاح زنكنة وحميد برتو ولؤي أبو التمّن وسعد الطائي وطه صفوك وكاتب السطور وآخرين، ويقول إنه تم تشكيل فرقة حزبية صدامية ويروي حادثة مقتل سامي مهدي الهاشمي في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية. وكنت قد رويت في أكثر من مناسبة موضوع تصدّع علاقتي بالحزب بسبب هذه الحادثة وحوادث أخرى حدثت في كردستان لتعذيب شيوعيين على يد رفاقهم.
         ويستعرض السعيد خلال هذه الفترة عدداً من الأحداث العامة والخاصة منها اعتقال شقيقه سعدي (المرة الأولى حين كان لا يزال في بغداد، ثم يذكر اعتقاله لمرّة ثانية حين غادر هو بغداد) وسفره بعد حصوله على زمالة دراسية، ليصل إلى محطته الجديدة "براغ".
         يقول عن براغ أنها مدينة الأحلام، لكن أحلامه كادت أن تطير لأن زمالته مُنحت إلى شخص آخر، وكان عليه الإنتظار لبضعة أشهر، وحصل الأمر كذلك مع رفيقه محمد الأسدي ريثما يتم قبولها بعد بضعة أشهر، ويتحدث عن معاناته خلال تلك الفترة وعلاقاته مع الطلبة مثل حسون الربيعي وعلاء صبيح وسلمان الحسن وفؤاد زلزلة، وعن مقهى سلافيا والعلاقة مع الملحقية الثقافية، ولاسيّما مع عبد الستار الدوري (الملحق الثقافي)، ويستذكر حادثة حصلت لعلي صالح السعدي الذي حضر حفلاً بمناسبة الذكرى الثانية لبيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 وكان بصحبة السفير محسن دزئي، وكان من الحاضرين عبد الستار الدوري ومهدي الحافظ وموسى أسد وكاتب السطور الذي كان رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وآخرين، وكان السعدي قد أطرب للمقامات البغدادية التي أدّاها علاء صبيح، وحاول مصافحته، ولكن الأخير امتنع عن ذلك وحين سأله لماذا؟ أجابه بأن يديك ملطّختان بالدماء وقد احتدّم الموقف، وحاول دزئي ورفاقنا احتواءه.
           وبعد قبوله وانتقاله إلى مدينة أخرى لدراسة اللغة، ثم دراسته في كلية الزراعة، سلّط ضوءًا على حياة الطلبة والأجواء الاجتماعية السائدة وهي ذكرتني برواية "الجليد" لصنع الله إبراهيم التي كتبها عن فترة دراسته في موسكو (1973) وهي فترة مقاربة لما عاشه مهدي السعيد في براغ، وفي الرواية وأحداثها ثمة بحث عن الذات وعن المرأة وعن الجمال.
         بين براغ وبراغ   
         ثم يتناول السعيد بعد ذلك المقطع الفاصل بين المرحلتين، أي بين براغ وبراغ، حين غادرها أول مرّة عائداً إلى العراق أدى خدمته العسكرية الإلزامية في أجواء من القلق والخوف الذي رافقه، وكيف تمكن من التخلص من استحقاقات خطرة، قد تؤدي بحياته، فكما هو معلوم كان العمل السياسي محرّماً في الجيش، كما إن الانتساب إلى حزب آخر غير حزب البعث قد يؤدي بصاحبه إلى الإعدام، وهي مشاعر عاشها الكاتب نفسه الذي التحق في فترة مقاربة لفترة السعيد لأداء الخدمة الإلزامية وكاد حبل المشنقة أن يلتف حول رقبته.
         وفي غمرة ذلك لا ينسى أن يذكر بعض الطرائف، منها إنه حين كان خفراً كان من مسؤولياته "سجن المعسكر" وكيف طلب منه السجناء تنظيف السجن، وقد وافق على ذلك لأنه كان قذراً للغاية والرائحة الكريهة تنبعث منه، وكان قد نُصح بأن يكون يقظاً كي لا يهرب أحد السجناء واسمه "صدام" وكان متهماً بقتل أحد أبناء منطقته، وطلبوا منه مشاهدة التلفزيون وتعهدوا أمامه بعدم الهرب وفعلاً تم ذلك، وحين عادوا جميعهم افتقد إلى وجود صدام بينهم، وهكذا  يقول "سيطر عليّ الخوف، ووقفت صامتاً أضع يدي على خدي وعيناي تتجهان إلى السماء"، ولكن بعد قليل ظهر صدام وكأنه جاء من وراء غمامة سوداء ودخل السجن، وفي اليوم التالي هرب الجندي "صدام" بعد أن استلم الخفارة أحد جنود الصف المكروهين كما يقول.
         لقد عكست مذكرات مهدي السعيد، في بعض محطاتها حياة مسكوت عنها بما فيها من خفايا وعقد ومشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية في الإطار السياسي الذي عمل فيه أو في الدولة الاشتراكية التي عاش فيها نحو عقدين من الزمان، وهي تكشف جذور الانهيار اللاحق، دون إنكار الإيجابيات بالطبع مثل كفالة الدولة لحق التعليم وتكاليفه وتوفير مستلزماته من السكن والمنحة، إضافة إلى التأمين الصحي وغير ذلك، لكن هناك شعور بالإجحاف والغبن لدى فئات واسعة، ناهيك عن شحّ الحرّيات وانتهاك حقوق الإنسان، فضلاً عن غياب التعدّدية وعدم الإقرار بالتنوع وحرّية التعبير. وقد كان لسيادة العقلية الستالينية البيروقراطية  الأوامرية  سبباً آخر في تراجع الأحزاب الشيوعية والماركسية، بل وجميع الأحزاب الشمولية بما فيها أحزاب الفرع في المشرق العربي، سواء من كان منها في السلطة أو من كان خارجها حتى وإن كان من ضحاياها.
         وفي براغ يتحدث عن لقائه الأول بالجواهري ثم علاقته به، وخصوصاً عبر ابن شقيّقه رواء الجصاني الذي ربطته به علاقة وثيقة ومع عائلته أيضاً، ويذكر تحت عنوان لحظات مع المبدعين عن لقائه مع عبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ وعز الدين المناصرة وسميح القاسم الذي رافقه برحلة إلى برلين لحضور مهرجان للطلبة العراقيين وعن قيادته لخلية المثقفين التي ضمّت : مفيد الجزائري وحسين العامل وجيان (يحيى بابان) وقادر ديلان وغريب الكروي (أبو وجدان) وصبري كريم (أبو شيرين) وحمزة رجبو.
       ويتناول بعض صداقاته في براغ لا سيّما مع موفق فتوحي وحميد برتو وفيصل اسماعيل وسميرة البياتي وحميد الدوري والعلاقة بين البعثيين والشيوعيين التي انتقلت من التحالف إلى العداء.
         وعن حياته في لندن يقول كانت أولى العوائل العراقية الأولى التي تعرّف عليها هي عائلة يعقوب قوجمان "أبوسلام" الشيوعي العراقي العريق، وهو صديق رفيقة عادل مصري والد "سرود" الذي عمل معه في لجنة التنسيق الطلابية ويتحدث عن عمله في إذاعة كل العرب مع نجم عبد الكريم وعلاقته الوطيدة مع نبيل ياسين الذي كان قد عيّن رئيساً لتحرير جريدة "المؤتمر"، وكيف بدأ يتعرف على المعارضة العراقية بشخصياتها المختلفة.
        وهكذا بدأت دائرته تتّسع وأفقه يمتد، الأمر الذي عرّضه لإنتقادات حزبية، وفضل هو محيطه السياسي وعمله مع المعارضة على الانتماء الضيق.
وينقل كيف اضطر إلى الإستقالة من عمله في إعلام المؤتمر الوطني العراقي قبل ذلك بعد أن جمد الحزب الشيوعي عضويته فيه (العام 1994) ويقول : "أصيب الكثير من الشيوعيين العراقيين العاملين في المؤتمر بالإحباط، لأن المشكلة لا تتعلّق بتمويل المؤتمر، فالشيوعيون حين انضموا إليه كانوا يعرفون جيداً الجهات المموّلة له مسبقاً، فلماذا إذن وافقوا على الإنخراط فيه؟"
        وبقي بلا عمل ويقول : "انطويت على نفسي لبعض الوقت، ولكني فكرّت من جديد بالعودة إلى عملي السابق... كحل وسطي ينقذني من حالة البطالة" واتصل بعامر عبد الله الذي أبلغه أنه ارتكب خطأ كبيراً، لأن الحزب لازال بعلاقات قوية مع قيادة المؤتمر، وقام عامر عبد الله الاتصال بأحمد الجلبي رئيس المؤتمر الذي أوعز إلى محمد عبد الجبار بإعادتي إلى العمل.
       ويحدثنا عن الكثير من المفارقات حول عمله في إعلام الوفاق (إياد علاوي) وإصداره "مجلة المسلّة الثقافية" بمشاركة عربية وبدعم من نبيل ياسين ولقاءاته مع ابراهيم الجعفري والقيادات الكردية،
        ويستعرض علاقاته مع المعارضة العراقية بحضوره مؤتمر لندن ومؤتمر واشنطن، حيث التقى بجلال  الطالباني  ومسعود البارزاني  وإبراهيم أحمد. وينقل عن لقاء مع وزارة الخارجية الأمريكية، وضمّ الوفد : حميد الكفائي وعبد الحليم الرهيمي ومهدي السعيد وإسماعيل  زاير وأحمد  الركابي  و شميم رسّام وربيع وعدد آخر بينهم أكراد، وكان من جانب وزارة الخارجية عدداً من المسؤولين بينهم سحر وهي سيّدة فلسطينية بالأصل وهي مسؤولة عن الملف العراقي.
        وكان هناك سؤال طُلب من الجميع الإجابة عنه وهو : ماذا سنفعل بالبعثيين ؟ وكان الجواب جماعياً "اجتثاثهم من الحياة السياسية وإبعادهم عن أية مهمة" و "معاقبة القياديين بأقصى درجات العقوبة بما فيها التصفيات الجسدية" ويعلّق مهدي السعيد بالقول : من جانبي وجدت هذا الموقف غير معقول... ونحن لسنا قصّابين للبشر، ولا نبحث عن الانتقام، و البعثيون في كل الأحوال "مواطنون عراقيون" وعلينا التعامل معهم بروح التسامح، أما من قام بالارتكاب فمن حق القضاء أن يأخذ مجراه (وقد دققت هذا الموقف معه وأكّد لي ذلك بالنص المنشور).
       ويبدو إن موقف شميم رسّام كان قريباً من هذا الموقف، وقد قاطعها أحد الأكراد كما يقول، واعترض على وجودها لأنها محسوبة على النظام البعثي وسبق أن رافقت طارق عزيز وعملت مترجمة للوفد العراقي فأجهشت بالبكاء، ويواصل مهدي السعيد حديثه وأنقل هذه الفقرة لدلالتها بقوله :" إن سيامند البنّا أخبرني بعدم رضا الأمريكان عن أطروحاتي، فتفاجئت لأنني سمعت منهم تقييمات إيجابية مباشرة عديدة لتحليلاتي".
         ويذكر إن لهذه الحادثة تداعياتها ويتساءل : هل كان هناك ثمّة تدخّل خارجي لا أعرف مصدره إلى الآن ؟ ويترك هذا السؤال بلا جواب، إذْ بعد الاحتلال كما يذكر حصل جميع المشاركين على مراكز مهمة وبعضهم أسندت إليهم رئاسة صحف أو إدارة إذاعة أو رؤساء للجان انتخابية أو مهمات استشارية ثقافية، وهناك من أصبح ناطقاً باسم الحكومة أو مديراً لإحدى الفضائيات وإنه الوحيد الذي على ما يبدو (أغضب الأمريكان) فاستبعدوه ؟
        وحسبما يقول كان نوري البدران (الذي أصبح وزيراً للداخلية بعد الاحتلال) قد سأله قبل الغزو الأمريكي بعدّة أسابيع  أي وظيفة تريد، فأجابه : الاشتغال بالسلك الدبلوماسي، وحبذا لو كان في براغ، أو جامعة الدول العربية أو عمادة إحدى الكليات العراقية، فأبلغه البدران يجب إطلاع إياد علاوي على الموضوع. وطلبوا منه الذهاب إلى عمان تحضيراً للدخول إلى العراق.
        وفعلاً أرسلوا له تذكرة السفر. ثم أخبره أننا سندخل بملابس عسكرية مع الأمريكان، ويذكر مهدي السعيد إنه حين سمع ذلك توقف قليلاً ويعلّق مهدي بحرارة بقوله : ولكنني لم أتحمل مثل ذلك.. وقد استحضر كل تاريخه السياسي "فأجبته بأني لا أدخل مع الأمريكان بملابس عسكرية، وإنما أدخل لوحدي كمدني". وهنا قال له البدران أنت لا تريد أن تأتي معنا، فكرّر عليه قوله، وفي اليوم التالي : أعاد التذكرة إلى السكرتيرة إيمان وتفاجأت بذلك، ولكن طبعاً لم أتفاجأ، كما يقول.
       دمشق والأسرة الجديدة
       ظلّ مهدي السعيد مضرباً عن الزواج حتى استقطبته دمشق، بل احتضنته، فتذكّر أيام دراسته الأولى لبضعة أشهر، ولكن هذه المرّة لم يكن من بد إلّا وعقد زواج مع رفيقة أرادها أن تكون مواصلة لحبه القديم لدمشق. كان سعيداً للغاية بهذه العلاقة وأنجب طفلتين، لكن زوجته تعرّضت إلى متاعب غير قليلة بسبب الأحداث التي حصلت في السنوات الأخيرة، فلم يستطع سحبها إلى لندن ولم يتمكن هو من الإقامة في دمشق، وهكذا ظلّ معلقاً بين دمشق ولندن.
       وكما يقول الموسيقار شوبان : "القلب في وارشو والعقل في باريس" فقد كان قلب مهدي السعيد في الشام وعقله في لندن. لم يعرف ما كان يخبئه له الزمن، فقد أصيبت زوجته بالسرطان ولم ترخّص لها السلطات البريطانية الالتحاق به في لندن إلّا في العام 2016، ولكن بعد وصولها ببضعة أسابيع دخلت المستشفى ولم تخرج منها، وتلك كارثة أخرى حلّت بمهدي السعيد.
       
       كتاب لذاكرة مفتوحة
       في الختام، أقول إنني قرأت مذكرات مهدي السعيد وسيرته الذاتية، كأنها كتاب مفتوح أمامي. ويستطيع كل إنسان أن يقرأها بطريقته، إذْ لا أقفال فيها أو ألغاز، فقد كتبها بلغة سلسة وبانتقالات سريعة وعناوين فرعية جاذبة.
            يمكنني القول أن مذكراته جاءت على شكل أمواج، فتارة صاعدة وأخرى نازلة، لكنها في كل الأوقات متحرّكة وغير ساكنة، وقد حاول فيها أن يواخي الحبر مع الذاكرة واللون مع الفرشاة والعدسة مع العين، لذلك جاءت حارّة وطازجة وامتازت بروح إيجابية بشكل عام، حملت إشارات فرحة وإن تخلّلها حزن دفين أيضاً.
       إنها مذكرات تستحقّ القراءة والنقد والتقريظ لما زخرت به من أحداث وتجارب ودروس تتطلّب التفكير ليس بأوضاع الحاضر فحسب، بل بالمستقبل أيضاً، خصوصاً أن التاريخ حلقات متّصلة لا يمكن فصل الماضي عن الحاضر والمستقبل.
     



39
"أصيلة" وفضاء الإصلاح والتجديد
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   يصعب الحديث عن الإصلاح والتجديد في العالم العربي دون تناول المجال الديني، وهذا الأخير يشمل الفكر والوسائل والأدوات والقوانين والأنظمة والتربية والثقافة والوضع الاقتصادي والاجتماعي، بل كل ما له علاقة بالتنمية البشرية المستدامة، التي هي منظومة متكاملة ومتداخلة بحيث لا يمكن إهمال أو تأجيل جزء منه، لأنه سيؤثر على الأجزاء الأخرى، لترابطها وتفاعلها ، وإنْ كانت درجة تطور أقسامها متفاوتة.
   والإصلاح بطبيعته يحتاج إلى تطوّر وتراكم كمّي وقد يكون طويل الأمد ليصل إلى التجديد بمعنى حدوث تغيير نوعي حسب المنهج الجدلي، إذا ما توافرت العوامل الذاتية والموضوعية ، والشروط الداخلية والخارجية لتحقيقه.
   ولأن موضوع المجال الديني حسّاس ومتميّز جدّاً، فإن المقاربة ستكون حسّاسة ومتميّزة أيضاً، لاسيّما إذا انصرف الأمر إلى الإصلاح والتجديد الذي يتعلق بالعقائد والمورثات والعادات والتقاليد وما استقرّ عليه المجتمع وترسّخ في وعيه لدرجة التقديس أحياناً.
   وكانت "جماعة أصيلة" التي يرأسها محمد بنعيسى مدركة جداً لمثل هذا التشابك بما فيه من مُدخلات ومُخرجات وإمكانات وعقبات، حين خصصت الندوة الأساسية لمهرجان "أصيلة 32" لبحث ومناقشة "الفكر العربي المعاصر والمسألة الدينية"، بالمرور على أنماط التديّن الجديدة وخلفياتها الثقافية والاجتماعية، مثلما توقفت عند الخطاب الفكري الإسلامي الراهن باتجاهاته وتوجّهاته، إضافة إلى بعض المقاربات التأويلية والعملية الجديدة لتمظهراته، وخصوصاً بالإطلالة على مسألة "العيش المشترك" والتي استغرقت حواراً مفتوحاً يخصّ الدين والدولة والمجتمع وما له علاقة بالحقوق الأساسية مثل: الحق في الحياة والحرّية والمساواة والعدل والشراكة والمشاركة، وهي اللبنات الأساسية والتي لا غنى عنها  للمواطنة المتكافئة.
   ويحتاج الإصلاح مثلما هو التجديد، في المجال الديني إلى رؤية وإرادة وشجاعة وأدوات وحوامل اجتماعية تستطيع تحمّل المسؤولية، ولاسيّما حين تتوفّر بيئة مناسبة وظرف موضوعي مساعد. أي أنه باختصار لا بدّ من توفّر شروط معينة ذاتية وموضوعية مناسبة لتحقيقه. وقد يتوفر الشرط الموضوعي لكن الشرط الذاتي يكون غائباً أو غير مهيأ، والعكس صحيح أيضاً حين يتوفّر الشرط الذاتي ولم ينضج الظرف الموضوعي.
   فمن الناحية الذاتية قد لا تتوفر قناعات للاصلاح والتجديد، أو أن هناك خشية منه لأنه يتعارض مع المصالح والامتيازات، إضافة إلى الخوف من " العامة" أحياناً، لأنه سيعارض ما ترسّخ لديها من مفهومات ومعتقدات استقرت مع مرور الزمان، بحيث أصبحت "تابوات" وهي أقرب إلى "مقدسات" ولهذا فإن أي مساس بها قد يثير ردود أفعال لا تحمد عقباها، إضافة إلى أنه قد يلقى مقاومة من جانب القوى التقليدية باعتباره يخالف المألوف لدرجة يمكن تفسيقه باعتباره بدعة، "وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ، وبهذا المنطق يدافع أصحاب الفكر التقليدي عن القديم حتى وإن كان بالياً.
   وقد حاولت حركة النهضة من الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي والكواكبي والتونسي والنائيني وصولاً إلى طه حسين، إصلاح المجال الديني وإسباغ سمة العصر عليه، لكنها اصطدمت بعقبات وتحدّيات كثيرة رسمية ودينية واجتماعية. ولا شكّ أن مثل صدمة الاستعمار قبل قيام الدولة الوطنية وصدمة ضياع فلسطين (النكبة 1948 والنكسة 1967) اللتان مرّ بهما الفكر العربي المعاصر، تركتا أثراً سلبياً على تطوّره بما فيه الجزء المؤثر فيه، ونعني به المجال الديني، ويمكننا أن نضيف إلى ذلك صدمة "الحرب العراقية - الإيرانية" وصولاً لاحتلال العراق، ثم صدمة "الإرهاب الدولي" الذي طبع مرحلة ما بعد العام 2001 ولحد الآن، سواء كان على شكل داعش أو قبلها القاعدة، وهي مرحلة شملت أيضاً صدمة تعثر وارتداد موجة الربيع العربي.
   والسؤال الآن كيف يمكن إصلاح المجال الديني أو تجديده؟ومن يقوم بذلك؟ هل المؤسسة الدينية قادرة على اقتحام هذا الميدان؟ وهل هي راغبة؟ ثم هل لديها المؤهلات لوحدها؟  أم أنها تحتاج إلى رافعة من خارجها؟ وبعد ذلك ثمة عقبات موضوعية داخلية وخارجية تجعلنا نتساءل:كيف يمكن مواجهة قروناً من السكونية والنمطية والرتابة لأن الناس حسب عمانوئيل كانط.." يعيشون حياتهم برتابة عادية وليس لهم أدنى حاجة إلى الفكر".
   وكانت ثمة محاولات وإرهاصات طفولية سبق أن جرّبتها قوى باسم اليسار والحداثة برفض الدين أو التقليل من شأنه، لكنها اصطدمت  بجدار سميك وقاسي لدرجة أنه تم تكفيرها وتأثيمها وتجريمها. ولذلك لا بدّ من التفريق بين الدين والتديّن وبين قيم الدين وسلوك رجال الدين، والأمر بحاجة مرّة أخرى إلى التراكم والتطوّر بما له من علاقة عضوية بين بـ الثيولوجيا والانتربولوجيا والسوسيولوجيا، أي بين الدين والإنسان والمجتمع،  تلك الثلاثية التي ينبغي أن تحكمها منظومة من الضوابط القانونية.
   والأمر الذي يحتاج إلى تعامل مرن وحذر في الوقت نفسه، بدءًا من التراث ووصولاً إلى ما هو راهن لتفكيكه وتنقيته من التعصّب والتطرّف، وهذان هما الجذران الحقيقيان للإرهاب، بضخّ البديل، لاسيّما قيم التسامح واللّاعنف والإقرار بالتنوّع والتعدّدية والاعتراف بالآخر وقبول الحق في الاختلاف، لاسيّما، بتوفير الحدّ الأدنى من العيش الكريم المشترك الذي يمثّل فضاءً رحباً للإصلاح والتجديد.



40
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
ح/4


وهكذا بدأت دائرته تتّسع وأفقه يمتد، الأمر الذي عرّضه لإنتقادات حزبية، وفضل هو محيطه السياسي وعمله مع المعارضة على الانتماء الضيق.
وينقل كيف اضطر إلى الإستقالة من عمله في إعلام المؤتمر الوطني العراقي قبل ذلك بعد أن جمد الحزب الشيوعي عضويته فيه (العام 1994) ويقول : "أصيب الكثير من الشيوعيين العراقيين العاملين في المؤتمر بالإحباط، لأن المشكلة لا تتعلّق بتمويل المؤتمر، فالشيوعيون حين انضموا إليه كانوا يعرفون جيداً الجهات المموّلة له مسبقاً، فلماذا إذن وافقوا على الإنخراط فيه؟"
وبقي بلا عمل ويقول : "انطويت على نفسي لبعض الوقت، ولكني فكرّت من جديد بالعودة إلى عملي السابق... كحل وسطي ينقذني من حالة البطالة" واتصل بعامر عبد الله الذي أبلغه أنه ارتكب خطأ كبيراً، لأن الحزب لازال بعلاقات قوية مع قيادة المؤتمر، وقام عامر عبد الله الاتصال بأحمد الجلبي رئيس المؤتمر الذي أوعز إلى محمد عبد الجبار بإعادتي إلى العمل.
ويحدثنا عن الكثير من المفارقات حول عمله في إعلام الوفاق (إياد علاوي) وإصداره "مجلة المسلّة الثقافية" بمشاركة عربية وبدعم من نبيل ياسين ولقاءاته مع ابراهيم الجعفري والقيادات الكردية،
ويستعرض علاقاته مع المعارضة العراقية بحضوره مؤتمر لندن ومؤتمر واشنطن، حيث التقى بجلال  الطالباني  ومسعود البارزاني  وإبراهيم أحمد. وينقل عن لقاء مع وزارة الخارجية الأمريكية، وضمّ الوفد : حميد الكفائي وعبد الحليم الرهيمي ومهدي السعيد وإسماعيل  زاير وأحمد  الركابي  و شميم رسّام وربيع وعدد آخر بينهم أكراد، وكان من جانب وزارة الخارجية عدداً من المسؤولين بينهم سحر وهي سيّدة فلسطينية بالأصل وهي مسؤولة عن الملف العراقي.
وكان هناك سؤال طُلب من الجميع الإجابة عنه وهو : ماذا سنفعل بالبعثيين ؟ وكان الجواب جماعياً "اجتثاثهم من الحياة السياسية وإبعادهم عن أية مهمة" و "معاقبة القياديين بأقصى درجات العقوبة بما فيها التصفيات الجسدية" ويعلّق مهدي السعيد بالقول : من جانبي وجدت هذا الموقف غير معقول... ونحن لسنا قصّابين للبشر، ولا نبحث عن الانتقام، و البعثيون في كل الأحوال "مواطنون عراقيون" وعلينا التعامل معهم بروح التسامح، أما من قام بالارتكاب فمن حق القضاء أن يأخذ مجراه (وقد دققت هذا الموقف معه وأكّد لي ذلك بالنص المنشور).
ويبدو إن موقف شميم رسّام كان قريباً من هذا الموقف، وقد قاطعها أحد الأكراد كما يقول، واعترض على وجودها لأنها محسوبة على النظام البعثي وسبق أن رافقت طارق عزيز وعملت مترجمة للوفد العراقي فأجهشت بالبكاء، ويواصل مهدي السعيد حديثه وأنقل هذه الفقرة لدلالتها بقوله :" إن سيامند البنّا أخبرني بعدم رضا الأمريكان عن أطروحاتي، فتفاجئت لأنني سمعت منهم تقييمات إيجابية مباشرة عديدة لتحليلاتي".
ويذكر إن لهذه الحادثة تداعياتها ويتساءل : هل كان هناك ثمّة تدخّل خارجي لا أعرف مصدره إلى الآن ؟ ويترك هذا السؤال بلا جواب، إذْ بعد الاحتلال كما يذكر حصل جميع المشاركين على مراكز مهمة وبعضهم أسندت إليهم رئاسة صحف أو إدارة إذاعة أو رؤساء للجان انتخابية أو مهمات استشارية ثقافية، وهناك من أصبح ناطقاً باسم الحكومة أو مديراً لإحدى الفضائيات وإنه الوحيد الذي على ما يبدو (أغضب الأمريكان) فاستبعدوه ؟
وحسبما يقول كان نوري البدران (الذي أصبح وزيراً للداخلية بعد الاحتلال) قد سأله قبل الغزو الأمريكي بعدّة أسابيع  أي وظيفة تريد، فأجابه : الاشتغال بالسلك الدبلوماسي، وحبذا لو كان في براغ، أو جامعة الدول العربية أو عمادة إحدى الكليات العراقية، فأبلغه البدران يجب إطلاع إياد علاوي على الموضوع. وطلبوا منه الذهاب إلى عمان تحضيراً للدخول إلى العراق.
وفعلاً أرسلوا له تذكرة السفر. ثم أخبره أننا سندخل بملابس عسكرية مع الأمريكان، ويذكر مهدي السعيد إنه حين سمع ذلك توقف قليلاً ويعلّق مهدي بحرارة بقوله : ولكنني لم أتحمل مثل ذلك.. وقد استحضر كل تاريخه السياسي "فأجبته بأني لا أدخل مع الأمريكان بملابس عسكرية، وإنما أدخل لوحدي كمدني". وهنا قال له البدران أنت لا تريد أن تأتي معنا، فكرّر عليه قوله، وفي اليوم التالي : أعاد التذكرة إلى السكرتيرة إيمان وتفاجأت بذلك، ولكن طبعاً لم أتفاجأ، كما يقول.
دمشق والأسرة الجديدة
ظلّ مهدي السعيد مضرباً عن الزواج حتى استقطبته دمشق، بل احتضنته، فتذكّر أيام دراسته الأولى لبضعة أشهر، ولكن هذه المرّة لم يكن من بد إلّا وعقد زواج مع رفيقة أرادها أن تكون مواصلة لحبه القديم لدمشق. كان سعيداً للغاية بهذه العلاقة وأنجب طفلتين، لكن زوجته تعرّضت إلى متاعب غير قليلة بسبب الأحداث التي حصلت في السنوات الأخيرة، فلم يستطع سحبها إلى لندن ولم يتمكن هو من الإقامة في دمشق، وهكذا ظلّ معلقاً بين دمشق ولندن.
وكما يقول الموسيقار شوبان : "القلب في وارشو والعقل في باريس" فقد كان قلب مهدي السعيد في الشام وعقله في لندن. لم يعرف ما كان يخبئه له الزمن، فقد أصيبت زوجته بالسرطان ولم ترخّص لها السلطات البريطانية الالتحاق به في لندن إلّا في العام 2016، ولكن بعد وصولها ببضعة أسابيع دخلت المستشفى ولم تخرج منها، وتلك كارثة أخرى حلّت بمهدي السعيد.
       
كتاب لذاكرة مفتوحة
في الختام، أقول إنني قرأت مذكرات مهدي السعيد وسيرته الذاتية، كأنها كتاب مفتوح أمامي. ويستطيع كل إنسان أن يقرأها بطريقته، إذْ لا أقفال فيها أو ألغاز، فقد كتبها بلغة سلسة وبانتقالات سريعة وعناوين فرعية جاذبة.
يمكنني القول أن مذكراته جاءت على شكل أمواج، فتارة صاعدة وأخرى نازلة، لكنها في كل الأوقات متحرّكة وغير ساكنة، وقد حاول فيها أن يواخي الحبر مع الذاكرة واللون مع الفرشاة والعدسة مع العين، لذلك جاءت حارّة وطازجة وامتازت بروح إيجابية بشكل عام، حملت إشارات فرحة وإن تخلّلها حزن دفين أيضاً.
إنها مذكرات تستحقّ القراءة والنقد والتقريظ لما زخرت به من أحداث وتجارب ودروس تتطلّب التفكير ليس بأوضاع الحاضر فحسب، بل بالمستقبل أيضاً، خصوصاً أن التاريخ حلقات متّصلة لا يمكن فصل الماضي عن الحاضر والمستقبل.


41
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة 3
ويقول مهدي السعيد إنه تعرّف على حسن عوينه بعد نشر صوره في وقت لاحق.
         ويذكر أيضاً أن الطبيب الشيوعي فاروق برتو افتتح عيادة له، وهو شقيق بشرى برتو وهي قيادية أيضاً في الحزب الشيوعي، وزوجة  رحيم عجينة القيادي في الحزب أيضاً، حيث كان قد خصّص أحد أيام الأسبوع مجاناً لعلاج المراجعين، ولاسيّما من الفقراء وضعيفي الحال، ويقول جرت محاولات لدهم عيادته من جانب شرطة التحقيقات الجنائية لأن صيته كان قد ذاع وعرف الناس إنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، ولذلك انبروا للدفاع عنه تلقائياً.
         ومن الشخصيات التي يتناولها أيضاً عطشان ضيول (الإيزرجاوي) الذي كان مسؤولاً في الخط العسكري للحزب الشيوعي، وقد سكن مع والدته بعد انتقاله من الناصرية في محلّة الدوريين، وإنه أصبح بعد ثورة 14 تموز (يوليو) مساعداً لآمر المقاومة الشعبية طه البامرني، وكان من دعاة الإستيلاء على السلطة أيام حكم عبد الكريم قاسم، ويقول أن ثابت حبيب العاني وعامر عبدالله وآخرين كانوا ضدّ هذا التوجه، وقد فتح هذا الموضوع مع العاني في لندن مستذكراً الإيزرجاوي، كما سأل عنه آرا خاجادور في براغ.
         ويروي السعيد نقلاً عن آرا خاجادور إن اللجنة المركزية حينها أبعدت سلام عادل إلى موسكو الذي كان يميل إلى استلام السلطة وإزاحة عبدالكريم قاسم، ويقول إن ذلك كان جزء من الصراع حول السلطة بين تيارين : الأول ممثلاً بمجموعة الأربعة : زكي خيري، عامر عبدالله، بهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وإن كان الأخير أقرب إلى سلام عادل، لكنه احتسب على الجماعة المتكتلة حتى وإن لم يتفق معها فكرياً (وقد استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/فبراير/ 1963)  و كان هؤلاء ضد توجّه سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول، والأخيرأبعد إلى موسكو ومنعه ال KGB من الإتصال بالآخرين، ويروي قصته الدرامية حيث توفي في ألمانيا.
      ثورة 14 تموز
           يتحدث مهدي السعيد عن يوم ثورة 14 تموز وشعوره عند هدم تمثال الجنرال مود الذي قال حين احتل بغداد "جئنا محرّرين لا فاتحين"، ويذكر كيف هرب نوري السعيد ولجأ إلى بيت الإستربادي في الكاظمية، وكيف دخل هو ووالدته إلى بيت نوري السعيد. ثم يتناول كيف أسّس الشيوعيون التنظيمات سريعاً مثل الشبيبة الديمقراطية والمقاومة الشعبية.
          ويستعيد مهدي السعيد أيام تموز والمهرجانات، وكيف صافح عبدالكريم قاسم وكذلك الملّا مصطفى البارزاني، ولكنه يتناول بمرارة الإنقسام الشعبي، ولاسيّما بين الشيوعيين والقوميين، خصوصاً بعد حركة الشواف ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في منطقة "رأس القرية" بشارع الرشيد، وكان من بين من شاركوا بها صدام حسين، وينشّط ذاكرته بحديثه مع د.تحسين معلّه، خصوصاً عن قضايا التعذيب في قصر النهاية.
        ومن مظاهر اشتداد حالة الإحتقان الشعبي اغتيال الشيوعيين أحد الأشخاص وسحله في مدينة الكاظمية، وقد اتهم بها منذر أبو العيس الذي صدر الحكم بإعدامه، وقد تمّ تنفيذه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963. ويشير إلى أن محلّة الدوريين كانت تعجّ بالخلافات. ويتوقف عند انقلاب البعثيين الأول الذي أطاح بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وطارد الشيوعيين واعتقل الآلاف منهم وكيف جرت محاولة لإعتقال أخيه كاظم.
       
        أول مهمة حزبية
        وعن أول مهمة حزبية له كانت عشية حركة حسن سريع في 3 تموز (يوليو) العام 1963، وهو نائب عريف حاول قيادة انتفاضة مسلحة ضد حكم البعث الأول، لكنها فشلت واعتقل المشاركون فيها وحوكموا وأعدموا.
        أما المهمة التي كلّف بها فهي كتابة بيانات بخط اليد على ورق الكاربون، وكان المسؤول عن المجموعة حسبما يقول "محمد كريم" الذي أعدم في حركة حسن سريع، لينتقل بعدها إلى عمل حزبي منظّم، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية ويستعيد العلاقات في تلك الفترة، ويستذكر عدد من المسؤولين بينهم كاظم حبيب، وكيف ساهم عدد من الرفاق في إعادة التنظيم منهم: حسن أسد الشمري وصلاح زنكنة وحميد برتو ولؤي أبو التمّن وسعد الطائي وطه صفوك وكاتب السطور وآخرين، ويقول إنه تم تشكيل فرقة حزبية صدامية ويروي حادثة مقتل سامي مهدي الهاشمي في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية. وكنت قد رويت في أكثر من مناسبة موضوع تصدّع علاقتي بالحزب بسبب هذه الحادثة وحوادث أخرى حدثت في كردستان لتعذيب شيوعيين على يد رفاقهم.
         ويستعرض السعيد خلال هذه الفترة عدداً من الأحداث العامة والخاصة منها اعتقال شقيقه سعدي (المرة الأولى حين كان لا يزال في بغداد، ثم يذكر اعتقاله لمرّة ثانية حين غادر هو بغداد) وسفره بعد حصوله على زمالة دراسية، ليصل إلى محطته الجديدة "براغ".
         يقول عن براغ أنها مدينة الأحلام، لكن أحلامه كادت أن تطير لأن زمالته مُنحت إلى شخص آخر، وكان عليه الإنتظار لبضعة أشهر، وحصل الأمر كذلك مع رفيقه محمد الأسدي ريثما يتم قبولها بعد بضعة أشهر، ويتحدث عن معاناته خلال تلك الفترة وعلاقاته مع الطلبة مثل حسون الربيعي وعلاء صبيح وسلمان الحسن وفؤاد زلزلة، وعن مقهى سلافيا والعلاقة مع الملحقية الثقافية، ولاسيّما مع عبد الستار الدوري (الملحق الثقافي)، ويستذكر حادثة حصلت لعلي صالح السعدي الذي حضر حفلاً بمناسبة الذكرى الثانية لبيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 وكان بصحبة السفير محسن دزئي، وكان من الحاضرين عبد الستار الدوري ومهدي الحافظ وموسى أسد وكاتب السطور الذي كان رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وآخرين، وكان السعدي قد أطرب للمقامات البغدادية التي أدّاها علاء صبيح، وحاول مصافحته، ولكن الأخير امتنع عن ذلك وحين سأله لماذا؟ أجابه بأن يديك ملطّختان بالدماء وقد احتدّم الموقف، وحاول دزئي ورفاقنا احتواءه.
           وبعد قبوله وانتقاله إلى مدينة أخرى لدراسة اللغة، ثم دراسته في كلية الزراعة، سلّط ضوءًا على حياة الطلبة والأجواء الاجتماعية السائدة وهي ذكرتني برواية "الجليد" لصنع الله إبراهيم التي كتبها عن فترة دراسته في موسكو (1973) وهي فترة مقاربة لما عاشه مهدي السعيد في براغ، وفي الرواية وأحداثها ثمة بحث عن الذات وعن المرأة وعن الجمال.
         بين براغ وبراغ   
         ثم يتناول السعيد بعد ذلك المقطع الفاصل بين المرحلتين، أي بين براغ وبراغ، حين غادرها أول مرّة عائداً إلى العراق أدى خدمته العسكرية الإلزامية في أجواء من القلق والخوف الذي رافقه، وكيف تمكن من التخلص من استحقاقات خطرة، قد تؤدي بحياته، فكما هو معلوم كان العمل السياسي محرّماً في الجيش، كما إن الانتساب إلى حزب آخر غير حزب البعث قد يؤدي بصاحبه إلى الإعدام، وهي مشاعر عاشها الكاتب نفسه الذي التحق في فترة مقاربة لفترة السعيد لأداء الخدمة الإلزامية وكاد حبل المشنقة أن يلتف حول رقبته.
         وفي غمرة ذلك لا ينسى أن يذكر بعض الطرائف، منها إنه حين كان خفراً كان من مسؤولياته "سجن المعسكر" وكيف طلب منه السجناء تنظيف السجن، وقد وافق على ذلك لأنه كان قذراً للغاية والرائحة الكريهة تنبعث منه، وكان قد نُصح بأن يكون يقظاً كي لا يهرب أحد السجناء واسمه "صدام" وكان متهماً بقتل أحد أبناء منطقته، وطلبوا منه مشاهدة التلفزيون وتعهدوا أمامه بعدم الهرب وفعلاً تم ذلك، وحين عادوا جميعهم افتقد إلى وجود صدام بينهم، وهكذا  يقول "سيطر عليّ الخوف، ووقفت صامتاً أضع يدي على خدي وعيناي تتجهان إلى السماء"، ولكن بعد قليل ظهر صدام وكأنه جاء من وراء غمامة سوداء ودخل السجن، وفي اليوم التالي هرب الجندي "صدام" بعد أن استلم الخفارة أحد جنود الصف المكروهين كما يقول.
         لقد عكست مذكرات مهدي السعيد، في بعض محطاتها حياة مسكوت عنها بما فيها من خفايا وعقد ومشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية في الإطار السياسي الذي عمل فيه أو في الدولة الاشتراكية التي عاش فيها نحو عقدين من الزمان، وهي تكشف جذور الانهيار اللاحق، دون إنكار الإيجابيات بالطبع مثل كفالة الدولة لحق التعليم وتكاليفه وتوفير مستلزماته من السكن والمنحة، إضافة إلى التأمين الصحي وغير ذلك، لكن هناك شعور بالإجحاف والغبن لدى فئات واسعة، ناهيك عن شحّ الحرّيات وانتهاك حقوق الإنسان، فضلاً عن غياب التعدّدية وعدم الإقرار بالتنوع وحرّية التعبير. وقد كان لسيادة العقلية الستالينية البيروقراطية  الأوامرية  سبباً آخر في تراجع الأحزاب الشيوعية والماركسية، بل وجميع الأحزاب الشمولية بما فيها أحزاب الفرع في المشرق العربي، سواء من كان منها في السلطة أو من كان خارجها حتى وإن كان من ضحاياها.
         وفي براغ يتحدث عن لقائه الأول بالجواهري ثم علاقته به، وخصوصاً عبر ابن شقيّقه رواء الجصاني الذي ربطته به علاقة وثيقة ومع عائلته أيضاً، ويذكر تحت عنوان لحظات مع المبدعين عن لقائه مع عبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ وعز الدين المناصرة وسميح القاسم الذي رافقه برحلة إلى برلين لحضور مهرجان للطلبة العراقيين وعن قيادته لخلية المثقفين التي ضمّت : مفيد الجزائري وحسين العامل وجيان (يحيى بابان) وقادر ديلان وغريب الكروي (أبو وجدان) وصبري كريم (أبو شيرين) وحمزة رجبو.
       ويتناول بعض صداقاته في براغ لا سيّما مع موفق فتوحي وحميد برتو وفيصل اسماعيل وسميرة البياتي وحميد الدوري والعلاقة بين البعثيين والشيوعيين التي انتقلت من التحالف إلى العداء.
         وعن حياته في لندن يقول كانت أولى العوائل العراقية الأولى التي تعرّف عليها هي عائلة يعقوب قوجمان "أبوسلام" الشيوعي العراقي العريق، وهو صديق رفيقة عادل مصري والد "سرود" الذي عمل معه في لجنة التنسيق الطلابية ويتحدث عن عمله في إذاعة كل العرب مع نجم عبد الكريم وعلاقته الوطيدة مع نبيل ياسين الذي كان قد عيّن رئيساً لتحرير جريدة "المؤتمر"، وكيف بدأ يتعرف على المعارضة العراقية بشخصياتها المختلفة.
نشرت في صحيفة الزمان العراقية ، 8/8/2017


42
أبو كَاطع - على ضفاف السخرية الحزينة
كتاب جديد لعبد الحسين شعبان

بيروت، بغداد - (المحرر الثقافي) خاص
   صدر عن دار الفارابي في بيروت كتاب جديد للكاتب عبد الحسين شعبان وهو بعنوان " أبو كَاطع - على ضفاف السخرية الحزينة" وهو طبعة ثانية بعد أن نفذت الطبعة الأولى التي صدرت في لندن (1998) عن دار الكتاب العربي.
   وكان المؤلف قد تبرّع بريع كتابه إلى أطفال العراق الذين كانوا يعانون من الحصار حينها، كما يتبرع الآن بريع هذه الطبعة إلى الأطفال النازحين من الموصل وغيرها من مناطق غرب العراق.
   وقد أهدى المؤلف الكتاب إلى الشاعر مظفر النواب "وضاعت زهرة الصبّار" أما صورة الغلاف فهي بريشة الفنان عمران القيسي، وتصدّرت الصفحات الأولى من الكتاب قصيدة للشاعر هاشم شفيق بعنوان "بورتريه شمران الياسري - أبو كَاطع " وقصيدة للشاعر الفلسطيني راسم المدهون بعنوان " غيبة بين حيفا وبيروت" مهداة إلى " أبو كَاطع".
   أما صفحة الغلاف الأخيرة فقد جاءت بقلم الكاتب والروائي جمعة اللامي وجاء فيها :
«القمَمُ، هي التي تَضربُها الصاعقة»
                                               (أسخيلوس)                                             
                                                                     
"كتاب الباحث والأديب عبد الحسين شعبان، رسالة في ثقافة الصداقة والصديق، بعلوّ هامة أطرافها، وصدق أنفسهم، ونبالة أرواحهم. وهو وثيقة لا تسترجع الماضي القريب فقط، لكنّه أيضاً، وعلى نحو مؤكّد، رسالة إلى المستقبل، لأنّ المشروع الكبير الذي ارتبط به "أبو كاطع" ، إنّما هو المستقبل.
حسناً فعل شعبان، حين وضع متلقّي رسالته هذه ، أمام بانوراما لإنسان متصالح مع نفسه وتاريخه، وأمين على مُثُله ( بصرف النظر عن الاتّفاق أو الاختلاف معه ) وهو كاتب يعرف حقوقه وواجباته، كان رأى في الكتابة الأدبية والثقافية عموماً، مهمّة إنسانية نبيلة، تقترن بالفضيلة وتتبادل مع قيمها المنافع الروحية العليا.
كان للصداقات العظيمة بين المناضلين قوّة المثل وجدارة الحياة  و صوابية الاختيار. وفي هذا الفضاء ، حيث المواجهة والصراع، مع النفس وفي داخل البيت الواحد وفي النفي المزدوج أيضاً، في الوطن وخارجه، كانت الصداقة ترفع رقبتها عالية جدّاً ليراها الإنسان العراقي الكفيف، شامخة وهو في بصرى الشام.
إنّ من يعرف عن قرب الرفقة الكريمة المبنيّة على تشييد تلك الآمال السامية، سيزداد معرفة  بشمران و شعبان حيث الجوامع بينهما كثيرة : الإنسان، المثقف، الكاتب، المناضل، المختلف، والمنفي، مثلما سيعرف أنّ الشخصيات التي خلقها "أبو كَاطع" في أعماله الروائية  وفي كتاباته الصحفية ، غنيّة بمُثل الصداقة التي كانت طابعاً مميّزاً في التكوين الإنساني له المنسجم  مع خياره الأخلاقي ، حتى في رحيله الشجاع."
   احتوى الكتاب على إهداء وأربعة فصول  وهي من أصل الطبعة الأولى ، وإضمامتين  الأولى ضمّت مقالتين جديدتين للكاتب، إحداهما بعنوان "فن الضحك والسخرية في أدب أبو كَاطع" وثانيتهما بعنوان "وأبو كَاطع - السخرية والأسئلة الملغومة" ، واحتوت الإضمامة الثانية على نصوص ووثائق شملت بعض أقصوصات وحكايات لأبو كَاطع بعضها كان قد نشر لأول مرّة في الطبعة الأولى، إضافة بعض الكتابات عن أبو كَاطع.
   كما ضمّت الطبعة الجديدة مقدمة طويلة بعنوان " أبو كَاطع - بعد 35 عاماً على رحيله" وهي موجهة بالأساس للقارئ  العراقي، الذي حُرم من الاطلاع على الطبعة الأولى بسبب كون الكاتب والمكتوب عنه ممنوعين، باستثناء نسخ محدودة ومستنسخة خلال فترة التسعينات عثر الكاتب على واحدة منها في شارع المتنبي بعد العام 2003.
كتاب أبو كَاطع  صرخة بوجه النسيان والجحود والزيف واللامبالاة، وجاء في مقدمة الكاتب الجديدة
 " وإنني إذّ أضع الطبعة الثانية بيد القرّاء، فإنّها تأتي في ظروف مختلفة، فلم يعد هناك حظرٌ على " أبو كَاطع" أو على الكاتب، وبلا أدنى شك فسيكون القارئ العراقي أول المستهدَفين، خصوصاً وأنّ الطبعة الأولى قد نفدت، علماً بأن نصيب القارئ العراقي في داخل العراق منها كان محدوداً جداً، بل لا يكاد يُذكر، بسبب الأوضاع السياسية وظروف الحصار الدولي الجائر.
ولأنّ ما كتبه "أبوگاطع" لا يزال راهنياً، بل يمثّل جزءًا من حياتنا اليومية، فإنه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيات.
تلك هي معركة "أبو گاطع"، وهي معركة خارجية ضد الهيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضد قوى الظلام والاستبداد، إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها مما علق بها من أدران وترهات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كل كاتب حرّ وصاحب فكر منفتح."
الكتاب يتألّف من 286 صفحة من القطع المتوسط - دار الفارابي ، بيروت ، تموز (يوليو) 2017
 


43
ترامب وتوازن القوى في أمريكا
د. عبد الحسين شعبان
بعد تسرّب خبر اللقاء الخاص بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس
الروسي فلاديمير بوتين، والذي قيل إنه لقاء «سرّي»، «وذلك على هامش قمة
العشرين المنعقدة في هامبورج 7-8 يوليو/ تموز 2017، ضجّ الكثير من وسائل الإعلام «مجدّداً» عن إمكانية عزل الرئيس الأمريكي ترامب ومحاكمته على خلفية العلاقة الخاصة مع روسيا، واختراق موسكو للانتخابات الرئاسية، لكن تدهور العلاقات السريع، وإقدام الكونجرس على اتخاذ عقوبات جديدة ضد روسيا، ردّت عليها موسكو بعقوبات مماثلة، بطرد مئات من الدبلوماسيين وتقييد بعض المواقع، دفع الأمور إلى التأزم ليس بصدد العلاقات الأمريكية الروسية فحسب؛ بل في انعكاسه على الداخل الأمريكي؛ حيث تزداد زخماً حملة إقصاء الرئيس ومحاكمته أو إجباره على تقديم الاستقالة».
وكان ترامب والحزب الجمهوري قد تلقيّا هزيمة كبيرة بفشلهما في إلغاء «برنامج الرعاية الصحية الشامل» والمعروف باسم «أوباما كير»، إضافة إلى حال الفوضى والتخبط والتناقض الذي ساد الإدارة الأمريكية منذ تولي ترامب، وهو الأمر الذي دفع بكبير موظفي البيت الأبيض راينس بريباس للاستقالة من منصبه.
الحملة ضد ترامب، بدأت بعد إعلان فوزه مباشرة بردود أفعال اعتراضية، لكنها اتخذت اليوم طابعاً منظماً، ويشارك فيها: قادة الحزب الديمقراطي وعدد من الصحف والمنابر الإعلامية المعروفة، إضافة إلى بعض قادة الحزب الجمهوري.
والسؤال المهم هو: هل بالإمكان دستورياً عزل الرئيس الأمريكي وكيف وَوِفق أي المبرّرات؟ ولعلّ العزل أو المحاكمة أو الإقالة تتطلب اتباع آليات دستورية متعدّدة ومعقّدة وهي إجراءات يعتورها الكثير من العقبات ويقف بوجهها العديد من العراقيل. ومنها أن الجمهور الذي صوّت لترامب لا يزال متماسكاً وهذا يعترض على تقديم رئيس البلاد للمحاكمة، وقد زادت نسبة المعترضين على اتخاذ الإجراءات ضد الرئيس على 53% حسب مجلة نيوزويك الأسبوعية
(24 يوليو/تموز2017). كما أن الحزب الجمهوري ما يزال مسيطراً على مجلس الشيوخ ومن المستبعد موافقته على إقصاء الرئيس، وهي سابقة سياسية قد تهدّد مستقبله.
وحسب الدستور الأمريكي وهو من أعرق الدساتير الديمقراطية في العالم؛ حيث أبرم بين أعوام 1776و1788؛ فإنه يجوز تقديم الرئيس ومسؤولين آخرين للمحاكمة بشرط توفّر مبرّرات مقنعة منها ارتكاب «الخيانة العظمى» أو«تلقّي رشا» أو«سوء الإدارة» أو«سوء السلوك». وعند التحقق من ذلك ينعقد مجلس النواب للتصويت على سريان مفعول الجريمة، ويتم التصويت بالأغلبية البسيطة (نصف + واحد) وحين يتقرّر ذلك يخضع الرئيس للمحاكمة وفقاً للائحة الاتهام، ولكنه يستمر بمنصبه لحين رفع توصية من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ الذي ينبغي أن يصوّت بعزله ويحتاج قرار إقصاء الرئيس إلى «ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ»، وحينئذ تنقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه.
أما أهم الاتهامات الموجّهة إلى ترامب فتتلخص ب:التقصير. ومثل هذه التهمة وُوجه بها رئيسان في كل تاريخ الولايات المتحدة الذي يقارب 240 عاماً، وهما: اندرو جونسون (الرئيس السابع عشر 1865 - 1869 الذي تولّى الرئاسة مع نهاية الحرب الأهلية، وبعد اغتيال ابراهام لينكولن (الرئيس السادس عشر) والذي كان نائبه؛ حيث دخل في صراع مع مجلس النواب الذي سحب الثقة منه وتمت تبرئته من قبل مجلس الشيوخ بفارق صوت واحد. وبيل كلينتون الذي قام مجلس النواب باتهامه بالتزوير وإعاقة العدالة بعد فضيحة مونيكا ليونسكي 1998، إلّا أن مجلس الشيوخ برّأه من هذه التهمة العام 1999 وأكمل فترة ولايته.
حتى الآن ليس هناك ما يدلّ على ارتكاب ترامب الخيانة العظمى أو تلقّي الرشا، أو سوء الإدارة أو السلوك، على الرغم من أن خصومه حاولوا تعظيم أخطائه وتصرفاته الغريبة، علماً بأن الدستور الأمريكي يمنحه صلاحيات واسعة، منها إقالة من يشاء وتعيين بدائل عنهم، كما إن الحصول على أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ، أي 67 من مجموع 100 تبدو عسيرة. واستناداً إلى التجربتين السابقتين؛ فإنه من المستبعد نجاح المساعي لتقديم لائحة اتهام بحق الرئيس ترامب ضمن الظروف السائدة.
ولكن ماذا بشأن الاستقالة؟ وهي حالة مقاربة لخيار الرئيس ريتشارد نيكسون (الرئيس السابع والثلاثون) العام 1974،الذي فضّل الاستقالة على المثول أمام الكونجرس كمتهم، علماً بأنه ثبت عليه ارتكاب جريمة إعاقة العدالة خلال التحقيقات بفضيحة ووترجيت، مما دفع بقادة الحزب الجمهوري للضغط عليه لتقديم الاستقالة لإنقاذ حزبهم، لا سيّما في الانتخابات المقبلة، ومع ذلك فقد كانت هزيمتهم شديدة في الانتخابات تلك.
فهل يمكن قبول الرئيس ترامب الانحناء أمام العاصفة أم أنه سيمضي بالشوط إلى نهايته غير مكترث بما حوله وغير عابئ بما يُقال بشأنه؟ لأنه رئيس غير تقليدي وفاز بطريقة غير تقليدية وإن توازن القوى حتى الآن يميل لصالحه.
drhussainshaban21@gmail.com



44
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة 3
ويقول مهدي السعيد إنه تعرّف على حسن عوينه بعد نشر صوره في وقت لاحق.
         ويذكر أيضاً أن الطبيب الشيوعي فاروق برتو افتتح عيادة له، وهو شقيق بشرى برتو وهي قيادية أيضاً في الحزب الشيوعي، وزوجة  رحيم عجينة القيادي في الحزب أيضاً، حيث كان قد خصّص أحد أيام الأسبوع مجاناً لعلاج المراجعين، ولاسيّما من الفقراء وضعيفي الحال، ويقول جرت محاولات لدهم عيادته من جانب شرطة التحقيقات الجنائية لأن صيته كان قد ذاع وعرف الناس إنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، ولذلك انبروا للدفاع عنه تلقائياً.
         ومن الشخصيات التي يتناولها أيضاً عطشان ضيول (الإيزرجاوي) الذي كان مسؤولاً في الخط العسكري للحزب الشيوعي، وقد سكن مع والدته بعد انتقاله من الناصرية في محلّة الدوريين، وإنه أصبح بعد ثورة 14 تموز (يوليو) مساعداً لآمر المقاومة الشعبية طه البامرني، وكان من دعاة الإستيلاء على السلطة أيام حكم عبد الكريم قاسم، ويقول أن ثابت حبيب العاني وعامر عبدالله وآخرين كانوا ضدّ هذا التوجه، وقد فتح هذا الموضوع مع العاني في لندن مستذكراً الإيزرجاوي، كما سأل عنه آرا خاجادور في براغ.
         ويروي السعيد نقلاً عن آرا خاجادور إن اللجنة المركزية حينها أبعدت سلام عادل إلى موسكو الذي كان يميل إلى استلام السلطة وإزاحة عبدالكريم قاسم، ويقول إن ذلك كان جزء من الصراع حول السلطة بين تيارين : الأول ممثلاً بمجموعة الأربعة : زكي خيري، عامر عبدالله، بهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وإن كان الأخير أقرب إلى سلام عادل، لكنه احتسب على الجماعة المتكتلة حتى وإن لم يتفق معها فكرياً (وقد استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/فبراير/ 1963)  و كان هؤلاء ضد توجّه سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول، والأخيرأبعد إلى موسكو ومنعه ال KGB من الإتصال بالآخرين، ويروي قصته الدرامية حيث توفي في ألمانيا.
      ثورة 14 تموز
           يتحدث مهدي السعيد عن يوم ثورة 14 تموز وشعوره عند هدم تمثال الجنرال مود الذي قال حين احتل بغداد "جئنا محرّرين لا فاتحين"، ويذكر كيف هرب نوري السعيد ولجأ إلى بيت الإستربادي في الكاظمية، وكيف دخل هو ووالدته إلى بيت نوري السعيد. ثم يتناول كيف أسّس الشيوعيون التنظيمات سريعاً مثل الشبيبة الديمقراطية والمقاومة الشعبية.
          ويستعيد مهدي السعيد أيام تموز والمهرجانات، وكيف صافح عبدالكريم قاسم وكذلك الملّا مصطفى البارزاني، ولكنه يتناول بمرارة الإنقسام الشعبي، ولاسيّما بين الشيوعيين والقوميين، خصوصاً بعد حركة الشواف ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في منطقة "رأس القرية" بشارع الرشيد، وكان من بين من شاركوا بها صدام حسين، وينشّط ذاكرته بحديثه مع د.تحسين معلّه، خصوصاً عن قضايا التعذيب في قصر النهاية.
        ومن مظاهر اشتداد حالة الإحتقان الشعبي اغتيال الشيوعيين أحد الأشخاص وسحله في مدينة الكاظمية، وقد اتهم بها منذر أبو العيس الذي صدر الحكم بإعدامه، وقد تمّ تنفيذه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963. ويشير إلى أن محلّة الدوريين كانت تعجّ بالخلافات. ويتوقف عند انقلاب البعثيين الأول الذي أطاح بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وطارد الشيوعيين واعتقل الآلاف منهم وكيف جرت محاولة لإعتقال أخيه كاظم.
       
        أول مهمة حزبية
        وعن أول مهمة حزبية له كانت عشية حركة حسن سريع في 3 تموز (يوليو) العام 1963، وهو نائب عريف حاول قيادة انتفاضة مسلحة ضد حكم البعث الأول، لكنها فشلت واعتقل المشاركون فيها وحوكموا وأعدموا.
        أما المهمة التي كلّف بها فهي كتابة بيانات بخط اليد على ورق الكاربون، وكان المسؤول عن المجموعة حسبما يقول "محمد كريم" الذي أعدم في حركة حسن سريع، لينتقل بعدها إلى عمل حزبي منظّم، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية ويستعيد العلاقات في تلك الفترة، ويستذكر عدد من المسؤولين بينهم كاظم حبيب، وكيف ساهم عدد من الرفاق في إعادة التنظيم منهم: حسن أسد الشمري وصلاح زنكنة وحميد برتو ولؤي أبو التمّن وسعد الطائي وطه صفوك وكاتب السطور وآخرين، ويقول إنه تم تشكيل فرقة حزبية صدامية ويروي حادثة مقتل سامي مهدي الهاشمي في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية. وكنت قد رويت في أكثر من مناسبة موضوع تصدّع علاقتي بالحزب بسبب هذه الحادثة وحوادث أخرى حدثت في كردستان لتعذيب شيوعيين على يد رفاقهم.
         ويستعرض السعيد خلال هذه الفترة عدداً من الأحداث العامة والخاصة منها اعتقال شقيقه سعدي (المرة الأولى حين كان لا يزال في بغداد، ثم يذكر اعتقاله لمرّة ثانية حين غادر هو بغداد) وسفره بعد حصوله على زمالة دراسية، ليصل إلى محطته الجديدة "براغ".
         يقول عن براغ أنها مدينة الأحلام، لكن أحلامه كادت أن تطير لأن زمالته مُنحت إلى شخص آخر، وكان عليه الإنتظار لبضعة أشهر، وحصل الأمر كذلك مع رفيقه محمد الأسدي ريثما يتم قبولها بعد بضعة أشهر، ويتحدث عن معاناته خلال تلك الفترة وعلاقاته مع الطلبة مثل حسون الربيعي وعلاء صبيح وسلمان الحسن وفؤاد زلزلة، وعن مقهى سلافيا والعلاقة مع الملحقية الثقافية، ولاسيّما مع عبد الستار الدوري (الملحق الثقافي)، ويستذكر حادثة حصلت لعلي صالح السعدي الذي حضر حفلاً بمناسبة الذكرى الثانية لبيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 وكان بصحبة السفير محسن دزئي، وكان من الحاضرين عبد الستار الدوري ومهدي الحافظ وموسى أسد وكاتب السطور الذي كان رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وآخرين، وكان السعدي قد أطرب للمقامات البغدادية التي أدّاها علاء صبيح، وحاول مصافحته، ولكن الأخير امتنع عن ذلك وحين سأله لماذا؟ أجابه بأن يديك ملطّختان بالدماء وقد احتدّم الموقف، وحاول دزئي ورفاقنا احتواءه.
           وبعد قبوله وانتقاله إلى مدينة أخرى لدراسة اللغة، ثم دراسته في كلية الزراعة، سلّط ضوءًا على حياة الطلبة والأجواء الاجتماعية السائدة وهي ذكرتني برواية "الجليد" لصنع الله إبراهيم التي كتبها عن فترة دراسته في موسكو (1973) وهي فترة مقاربة لما عاشه مهدي السعيد في براغ، وفي الرواية وأحداثها ثمة بحث عن الذات وعن المرأة وعن الجمال.
         بين براغ وبراغ   
         ثم يتناول السعيد بعد ذلك المقطع الفاصل بين المرحلتين، أي بين براغ وبراغ، حين غادرها أول مرّة عائداً إلى العراق أدى خدمته العسكرية الإلزامية في أجواء من القلق والخوف الذي رافقه، وكيف تمكن من التخلص من استحقاقات خطرة، قد تؤدي بحياته، فكما هو معلوم كان العمل السياسي محرّماً في الجيش، كما إن الانتساب إلى حزب آخر غير حزب البعث قد يؤدي بصاحبه إلى الإعدام، وهي مشاعر عاشها الكاتب نفسه الذي التحق في فترة مقاربة لفترة السعيد لأداء الخدمة الإلزامية وكاد حبل المشنقة أن يلتف حول رقبته.
         وفي غمرة ذلك لا ينسى أن يذكر بعض الطرائف، منها إنه حين كان خفراً كان من مسؤولياته "سجن المعسكر" وكيف طلب منه السجناء تنظيف السجن، وقد وافق على ذلك لأنه كان قذراً للغاية والرائحة الكريهة تنبعث منه، وكان قد نُصح بأن يكون يقظاً كي لا يهرب أحد السجناء واسمه "صدام" وكان متهماً بقتل أحد أبناء منطقته، وطلبوا منه مشاهدة التلفزيون وتعهدوا أمامه بعدم الهرب وفعلاً تم ذلك، وحين عادوا جميعهم افتقد إلى وجود صدام بينهم، وهكذا  يقول "سيطر عليّ الخوف، ووقفت صامتاً أضع يدي على خدي وعيناي تتجهان إلى السماء"، ولكن بعد قليل ظهر صدام وكأنه جاء من وراء غمامة سوداء ودخل السجن، وفي اليوم التالي هرب الجندي "صدام" بعد أن استلم الخفارة أحد جنود الصف المكروهين كما يقول.
         لقد عكست مذكرات مهدي السعيد، في بعض محطاتها حياة مسكوت عنها بما فيها من خفايا وعقد ومشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية في الإطار السياسي الذي عمل فيه أو في الدولة الاشتراكية التي عاش فيها نحو عقدين من الزمان، وهي تكشف جذور الانهيار اللاحق، دون إنكار الإيجابيات بالطبع مثل كفالة الدولة لحق التعليم وتكاليفه وتوفير مستلزماته من السكن والمنحة، إضافة إلى التأمين الصحي وغير ذلك، لكن هناك شعور بالإجحاف والغبن لدى فئات واسعة، ناهيك عن شحّ الحرّيات وانتهاك حقوق الإنسان، فضلاً عن غياب التعدّدية وعدم الإقرار بالتنوع وحرّية التعبير. وقد كان لسيادة العقلية الستالينية البيروقراطية  الأوامرية  سبباً آخر في تراجع الأحزاب الشيوعية والماركسية، بل وجميع الأحزاب الشمولية بما فيها أحزاب الفرع في المشرق العربي، سواء من كان منها في السلطة أو من كان خارجها حتى وإن كان من ضحاياها.
         وفي براغ يتحدث عن لقائه الأول بالجواهري ثم علاقته به، وخصوصاً عبر ابن شقيّقه رواء الجصاني الذي ربطته به علاقة وثيقة ومع عائلته أيضاً، ويذكر تحت عنوان لحظات مع المبدعين عن لقائه مع عبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ وعز الدين المناصرة وسميح القاسم الذي رافقه برحلة إلى برلين لحضور مهرجان للطلبة العراقيين وعن قيادته لخلية المثقفين التي ضمّت : مفيد الجزائري وحسين العامل وجيان (يحيى بابان) وقادر ديلان وغريب الكروي (أبو وجدان) وصبري كريم (أبو شيرين) وحمزة رجبو.
       ويتناول بعض صداقاته في براغ لا سيّما مع موفق فتوحي وحميد برتو وفيصل اسماعيل وسميرة البياتي وحميد الدوري والعلاقة بين البعثيين والشيوعيين التي انتقلت من التحالف إلى العداء.
         وعن حياته في لندن يقول كانت أولى العوائل العراقية الأولى التي تعرّف عليها هي عائلة يعقوب قوجمان "أبوسلام" الشيوعي العراقي العريق، وهو صديق رفيقة عادل مصري والد "سرود" الذي عمل معه في لجنة التنسيق الطلابية ويتحدث عن عمله في إذاعة كل العرب مع نجم عبد الكريم وعلاقته الوطيدة مع نبيل ياسين الذي كان قد عيّن رئيساً لتحرير جريدة "المؤتمر"، وكيف بدأ يتعرف على المعارضة العراقية بشخصياتها المختلفة.



45
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة - 2
    يتحدّث مهدي السعيد عن محلّة الدوريين الينبوع المتدفق بالجديد، ولا سيّما سوقها الشهير المعروف "سوق عيسى" وكيف كان الناس بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، متعايشين ومتضامنين، لكن ما حدث من شرخ سياسي أدى لإنقسامهم إلى قسمين، وكانت السياسة قد لعبت بالرؤوس كما يقال، فالقسم الأول وقع تحت تأثير الحزب الشيوعي، في حين وقع القسم الثاني تحت نفوذ القوميين، وخصوصاً من حزب الإستقلال ومن ثم حزب البعث، وكان مثل هذا التصنيف امتداداً لنفوذ الأحزاب قبل الثورة، لكنه اتّخذ طابعاً عدائياً وتناحرياً بعدها، حيث اشتّدت الخصومات والعداوات والبغضاء.
         ولم يكتفِ مهدي السعيد "أبو ثبات" كما كنّا نكنّيه أو الرفيق "صائب" أو "أبو أسيل" لاحقاً بتصوير الأجواء السياسية المحتدمة، بل سرد علينا حكايات وقصصاً ممتعة وفي الوقت نفسه لها دلالات ينبغي أن تقرأ في سياقها التاريخي عن الوضع الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والتعليمي والصحي لسكان محلّة الدوريين.
         ولم ينس أن يتعرّض للإنتماءات العرقية والتنوّع والتعدّدية التي عرفتها، فهناك العوائل المسيحية و الصابئية  (المندائية)، وهناك عرب من غرب العراق من أصول سنّية، مثلما هناك العرب الشيعة، وهؤلاء غالبيتهم من وسط وجنوب العراق إضافة إلى وجود مجموعة من العوائل الكردية، وهو بذلك حاول أن ينقل لنا حالة التعايش والتسامح والتضامن التي كانت الكثير من مناطق ومحلّات بغداد تعيشها بطريقة عفوية وتلقائية ودون أية حساسيات، مثلما كانت محافظات أخرى تعيش ذلك مثل الموصل والبصرة وكركوك وديالى والحلة وغيرها، وهي مناطق توتر وعنف وتطهير عرقي وطائفي، إضافة إلى محافظات إقليم كردستان مثل إربيل والسليمانية ودهوك.
        الشقاوات
         ينتقل السعيد بعد ذلك ليحدثنا عن صنف إجتماعي آخر، ألا وهو "الشقاوات" وهم صنف يمتاز بقيم ومفاهيم خاصة عن النخوة والشهامة والدفاع عن المظلوم، وفي الوقت نفسه يلتجأ إلى أخذ "الأتاوات" أحياناً واستخدام العنف ومحاولات الإستقواء على الآخرين لفرض الهيمنة عليهم. ويشير إلى أنّ مُثل الشجاعة والتصدي للغرباء والدفاع عن أبناء المحلّة كانت تستهوي الشباب تشبّهاً أحياناً ببعض الشقاوات، ويقول أنه "وفي إحدى مراحل النمو كدتُ أفقد بوصلة التطور الإيجابي وأتحوّل إلى صنف الشباب الذي يمارس الشقاوة"، ولكن تربيته العائلية والمحيط الإجتماعي هو الذي جعله يختار طريق التعليم والسياسة لاحقاً، وإلّا كما يقول كنت : "مقتولاً أو قابعاً في السجون".
          والشقاوات التي يتحدث عنهم مهدي السعيد وإنْ كانوا يحترمون المثقفين والأدباء، فهم انقسموا أيضاً بانقسام الشارع السياسي، فمال قسم منهم إلى القوميين والبعثيين، بل أصبح بعضهم من الجهاز الصدامي المعروف باسم "جهاز حنين" الذي أشرف عليه صدام حسين نفسه، ومن أبرز أعضائه كان "جبار كردي" و "ستار كردي"، وكان آخر عمل قاما به هو إطلاق النار على تظاهرة احتفالية شيوعية بمناسبة ثورة أكتوبر (1968) في ساحة السباع ببغداد، حيث استشهد فيها 3 أشخاص وجرح 12 شخصاً، أما القسم الثاني فمال إلى الشيوعيين ومن أبرزهم "خليل أبو الهوب" الذي قُتل في العام 1959 في مقهى بشارع النصر ببغداد، ومساعده فاضل طويرني الذي لجأ إلى ألمانيا الديمقراطية، وفيما بعد إلى براغ وعاد إلى بغداد في أواسط السبعينات.
          وتعتبر ظاهرة الشقاوات قديمة وتعود إلى العهد العثماني، ومن أبرز الشقاوات "أحمد قرداش"، واشتهر عدد من الشقاوات في مطلع القرن العشرين مثل "إبن عبد كه" الذي ذاع صيته و"موسى أبو طبرة" و"جواد الأجلّك"، وقد تناول سِيَرِهمْ عالم الإجتماع المبدع علي الوردي، وخلال اندلاع ثورة العشرين، انضم إليها بعض الشقاوات وأبلوا فيها بلاءً حسناً مثل "عبدالمجيد كنّه" وهو عمّ الوزير خليل كنّه، وقد ساهم في مقاومة الإنكليز، إضافة إلى تكليفه بمهمات أخرى.
         وحسب حسن العلوي فإن نوري السعيد هو الآخر كان قد اعتمد على الشقاوات في الإنتخابات وفي إيذاء الشيوعيين المناهضين للنظام الملكي، وكانت مكافأة لهم السماح بالإستيلاء على أحد الكراجات والإستحواذ على مردودها. وإذا كان النظام البعثي قد استفاد من الشقاوات فإنه قام بتصفيتهم لاحقاً، ولم يسمح بنمو ظاهرة العنف خارج نطاق الدولة التي تعزّز توجهها الشمولي الكلّاني منذ اليوم الأول.
           طرائف ومفارقات
           يستذكر السعيد بشغف مرور سيارة الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله  خلال ذهابهما أسبوعياً وفي يوم الجمعة إلى المقبرة الملكية، وكيف كان يصطف الجميع على جانبي الطريق ليقوم الملك الشاب بالتلويح لهم. جدير بالذكر إن الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله قتلا يوم 14 تموز /يوليو/ العام 1958 وتمّ التمثيل بجثة الأخير وسحله في الشوارع  فيما بعد، وكانت جثته قد تمّ تعليقها لتتدلّى من سطح أحد فنادق الكرخ، حيث اجتمع الناس ليشاهدوها وترتفع حماستهم لرميها بالأحذية. وكان مهدي السعيد قد شاهد هذا الحادث، مثلما شاهده كاتب السطور وسبق أن كتب عنه لما تركه من تأثير سلبي عليه.
         ويستحضرمهدي السعيد حادثة طريفة، وهي كيف إن الجاموس القادم من "جسر الخرّ" والعائد إلى معدان محلّة الذهب، الواقعة على مشارف شارع الشيخ معروف، كان قد عطّل الموكب الملكي، وأحدث نوعاً من الارتباك والخوف، خصوصاً في ظلّ الأوضاع السياسية غير المستقرّة، ولم تفلح سيارات المرافقين وهي تهدر "بالهورنات" (الزمّورات) العالية لانفراج الموقف، حيث كان الجاموس على ما يبدو "يتبختر" بتمهّل وهو يمرّ من أمام سيارة الملك الشاب.
              وفي موقف آخر عطّل "مهدي خبالو" مرور سيارة الملك فيصل الثاني، حين حاول قطع خط سير الموكب الملكي دون أن يلتفت لأحد، وكان قد واصل عبوره للشارع ببطيء شديد مع ابتسامة عريضة، واضّطرت حينها سيارة الملك إلى التّوقف ريثما اجتاز "مهدي خبالو" الشارع باتجاه الرصيف، ولم يكن مثل هذا المشهد يمرّ دون ارتباك واستنفار من جانب الشرطة تحسّباً لما قد يحدث.
           ثم يعود ليخبرنا من هو "مهدي خبالو"؟ فيقول إنه : معلم وصاحب معشر ومزاج طيب وعلاقات اجتماعية حسنة، ولكن بعض تصرّفاته الغريبة جعلت بعض أصدقائه يتمازحون معه فيلقبونه باسم "مهدي خبالو"، علماً بأن توجّهه السياسي كان قريباً من القوميين العرب، وهو صديق لكاظم شقيق مهدي السعيد الذي كان طالباً متفوقاً في الإعدادية المركزية التي كان لها شأن كبير في الخمسينات، خصوصاً وكانت تحظى باهتمام المسؤولين وكان من منتسبيها أبناء الطبقات العليا والمتوسطة، إضافة إلى المتفوقين في الدراسة، ولعبت دوراً سياسياً معارضاً للنظام الملكي، خصوصاً في انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر وضد العدوان الثلاثي الأنكلو - فرنسي الإسرائيلي.
          ويتحدّث عن بعض المحلات الشعبية القريبة من محلّة الدوريين مثل محلّة الذهب التي كانت تضمّ بعض بيوت الدعارة، ولا ينسى أن يروي لنا تفاصيل المجزرة التي تعرضّ لها المومسات في إحدى الصباحات حين فاق الناس ليشاهدوا كيف تمّ ذبحهن، وقد قام هو بفضوله ودهشته الطفولية بمشاهدة سبع جثث مقطوعة الرؤوس ملقاة على الأرض وبقع الدماء تحيط بها من كل جانب، حيث هرع مع أطفال المحلّة بعد ذيوع الخبر.
         وفي غمرة ذلك يحدثنا السعيد عن الفرق الرياضية الشعبية وكيف لمع نجم اللاعب الشهير "ناصر جيكو" في الخمسينات ومحمد راضي في الستينات وغيرهم.
         وفي المذكرات يتناول مظهراً آخر يلتجأ إليه بعض العاطلين عن العمل، والهدف الحصول على ربح سريع ودون بذل جهد، ألّا وهو لعبة "السي ورق" المشهورة التي يستدرج إليها السذّج والمغفلين.
         وبعد ذلك يصوّر لنا ساحة المتحف التي تعجّ بالمسافرين والمارّة، وهناك ألعاب السحرة والقردة ومربي الأفاعي والعقارب، والحلاقين الذين يفترشون الرصيف، وكانت أخته الكبرى شريفة تصطحبه معها باستمرار لحلاقة شعر رأسه في الساحة وعلى الطريقة الشعبية.
         ويستذكر مهدي السعيد بعض المشاهد التي ستبقى عالقة في ذاكرته، منها : منطقة اسمها "جولة أم عليوي"، وهي كما يقول كانت مسرحاً لطفولته، وفيها عدداً من بيوت الأغنياء بينهم "أمين خاكي" أحد أبرز القادة العسكريين، وهو عراقي من أصول تركية، وهكذا كانت تتجاور الأصول الاجتماعية في المحلّات البغدادية. وتضمّ المحلّة أيضاً الكتاتيب ومن أشهر الملّايات "الملّه قادرية" التي تعلّم على يدها مبادىء القراءة وحفظ بعض صور من القرآن قبل ذهابه إلى المدرسة.
         وبالقرب من المنطقة كانت دار الإذاعة في الصالحية حيث كان مهدي السعيد طفلاً يقتنص النظر إلى بعض المطربين مثل حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم وعبد الصاحب شرّاد، وبعد العام 1958 يقول كنّا نرى مصطفى جواد وشمران الياسري (أبو كاطع) وغيرهما يترددون على دار الإذاعة. أما عزيز علي المطرب المعروف فقد كان يتحاشى الجلوس في المقهى كما يقول.
         شيوعيو محلّة الدوريين
         ويمضي مهدي السعيد في سرديته ليتناول عمل الحزب الشيوعي في محلّة الدوريين والمحلات المجاورة، وكيف كان عبدالأمير عباس "أبو شلّال" يستخدم "الدراجة الهوائية" في حركته وتنقلاته. وكان قد أصبح في وقت لاحق عضواً مرشحاً للجنة المركزية، وحين انفرط عقد الجبهة بقي أبو شلّال في العراق وعاش في ظروف بالغة القسوة.
         وقد حدثني سعد البزّاز حين انتقل إلى لندن وأصدر بعد حين "جريدة الزمان"، أن كتاباً جاءه من رئاسة الجمهورية يطلب منه الاتصال بعدد من الشخصيات والطلب منها الإدلاء بتصريح ضد "العدوان الثلاثيني" العام 1991، أي بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990 وانسحابها إثر حرب قوات التحالف ضدّ العراق، التي بدأت 17 كانون الثاني (يناير) العام 1991 وانتهت في 26 شباط (فبراير) من العام ذاته.
         وحسبما نقل لي البزّاز فقد أرسل أحد الصحفيين ومعه مصوّر (وكان البزّاز حينها رئيساً لتحرير صحيفة الجمهورية) واستدلّ الصحافي والمصوّر على البيت، لأن عنوانه كان قد جاء من ديوان الرئاسة، ووصلوا إليه وفوجئوا برجل مهاب وكبير السن ويبدو على مظهره أنه خارج دائرة السياسيين المعروفين، وحين طلبوا منه الإدلاء بتصريح، اعتذر معلّلاً ذلك بأنه لا يفقه بمثل هذه الأمور، وعليهم أخذ آراء الخبراء والمختصين وأساتذة الجامعة في حين إنه صاحب دكان صغير يبيع فيه بعض احتياجات العمل اليومي المنزلي. فواجهوه بأنه سياسي وقيادي في الحزب الشيوعي، فقال لهم "كان زمان" وإنه نسي كل شيء.
        وهكذا تملّص أبو شلّال الذي لفّ رأسه باليشماغ من الظهور أمام الشاشة أو عدسة المصوّر كي لا يفسّر الأمر بأنه تنازل أو ما شابه ذلك مع إنه قال لهم أثناء الحديث إن الناس جميعاً ضدّ العدوان الثلاثيني. وهنا بدأت حيرة البزّاز، فماذا سيكتب للرئاسة ؟ هل سيقول إنه رفض. أو امتنع أو اعتذر ؟ والتفسيرات والتأويلات ستكون غير مقبولة وستجلب معها مشكلات للرجل، وببراعته كتب ما معناه : إن الرجل بلغ من العمر عتيّا، وهو منشغل بقوته اليومي، فضلاً عن ذلك، فهو بسيط ولا يمكنه التعبير، كما أن وضعه الصحي بائساً. وبذلك كان أبو شلّال  بمنأى عن استجواب أو إعادة استذكار أو تبعات أخرى.
           كما يحدثنا مهدي السعيد عن فتح محل لكيّ الملابس، ويبدو إن المحل كان محطة حزبية استخدمها حسن عوينه القيادي في الحزب الشيوعي وعضو لجنة الارتباط، وقد قتل تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 في قصر النهاية، وأذيع خبر استشهاده مع سلام عادل ومحمد حسين أبو العيس يوم 7 آذار (فبراير) 1963.



46
مهدي السعيد وسرّديته السسيوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة - 1-
إني أحدثك لترى     
فإن رأيت             
فلا حديث           
النفري             
          قلم السياسي مغمّساً بحبر الذاكرة
         حين كتب مهدي السعيد "سيرته الذاتية" التي بدأت من أزقة الكرخ القديمة كما يروي وصولاً إلى براغ ولندن ودمشق، لم يكن يدر في خلده، إنه سيدوّن بعفوية شيّقة جوانب مهمّة من تاريخ محلّة الدوريين بشكل خاص، والمحلّة البغدادية بشكل عام، بكل تناقضاتها الإيجابية والسلبية وعناصر القوة والضعف فيها. وذهب أكثر من ذلك في مشواره السردي حين رسم بريشته لوحة بانورامية للمشهد السسيوثقافي لمدن عاش فيها، مستعرضاً في الوقت نفسه علاقات واسعة وعميقة مع رفاق وأصدقاء جمعته معهم حياة كاملة بكل عنفوانها وبكل ما لها وما عليها، بحلوها ومرّها، بما فيها من معاناة وقلق وهموم وآمال وأحلام وانكسارات.
          وبعدسة فنان حاول مهدي السعيد أن يصوّر لنا عدداً من اللاعبين على خشبة المسرح وحركاتهم وسكناتهم بعيني مراقب دقيق، وفي أحيان كثيرة كان يقترب من المشاركة أو يكون جزءًا منها، لكنه لا ينسى المراقبة التي سرعان ما يعود إليها وكأنه لا يريد أن يفقد متعة المشاهدة، وحسب صموئيل بيكت "المتعة بالفِرجة"، خصوصاً وإن مسرحنا السياسي ازدحم في العقود الثلاثة الماضية بألوان شتى من اللاعبين، من هواة السيرك إلى محترفي الجمنازتيك مروراً بالسحرة والمشعوذين وقرّاء الكف وفتّاحي الفال وصولاً إلى أصحاب التعاويذ والحروز المتنّوعة، حتى إنك لا تستطيع أن تميّز أحياناً بين الشيء وضدّه، فقد اختلطت الوجوه والصور والمواقف.
           وحسبنا أن نردّد قول شاعرنا الجميل مظفّر النواب : "قتلتنا الردّه إن الواحد منّا يحمل في الداخل ضدّه"، خصوصاً حين إفتُقِدَتْ الصدقية التي كانت الرأسمال الإنساني الحقيقي سواء على الصعيد السياسي أو ببعديها الإجتماعي والثقافي، يوم كانت الأخطاء ذاتها صميمية، فالمرء يجتهد، وقد يخطأ وقد يصيب. وحسب قول الإمام الشافعي : "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول مخالفي خطأ يحتمل الصواب" والبشر وفقاً لفولتير "خطّاؤون"، ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة فحيثما يميل تميل معه، لذلك اقتضى أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح.
         وحين تنهار المنظومة القيمية الإنسانية والأخلاقية أو تتصدّع أركانها، سواء بفعل عوامل خارجية أو داخلية، فإن صورة المجتمع تتشّوش بفعل الفوضى والعنف والزيف، خصوصاً حين تتداخل القضايا والمصالح. ولو تابعنا البرامج والسياسات والعلاقات الإجتماعية بغض النظر عن المواقع والمواقف، فسنرى الكثير من عناصر الشبه بينها، حتى إن المرء لا يستطيع أن يميّز أحياناً بين ذات الشمال وذات اليمين، لاسيّما حين أخذ بعضهم يستعير لسان الآخر وخطابه، حتى وإن كان متخماً بعكسه وأشبعنا بضدّه على مدى سنوات طوال. هكذا تضبّبت الصورة واختلط المشهد وتداخلت المواقع والأطروحات.
          كان مهدي السعيد وهو ابن البيئة الشعبية البغدادية الكرخية يقارب المشهد السياسي برؤية سسيوثقافية، ولم يرغب أن تفلت حادثة كبرى أو صغرى إلّا وحاول أن يمرّ عليها ولو سريعاً، كما توقّف عند بعضها وتعمّق في أخرى، لكن حبكته الدرامية ظلّت تنتقل معه وتتداخل مصادرها بين الإجتماعي والثقافي، وإنْ ظلّ السياسي والحزبي لاحقاً متميّزين في رؤيته على نحو بارز وشديد.
         ولكنه بالتدرّج أخذ يتّجه نحو أفق أوسع رحابة، منتقّلاً من العمل الحزبي "الضيّق" إلى العمل السياسي بمعناه "الواسع"، ومن هذا الأخير إلى العمل الإعلامي، خصوصاً باتساع معارفه وعلاقاته العربية بعد أن عمل في السفارة اليمنية في براغ وفيما بعد حين انتقاله إلى لندن، حيث توسّعت دائرة اهتماماته وعلاقاته العراقية، إضافة إلى الوسط الإعلامي العربي. وقد وفّر له ذلك فرصة إجراء مراجعات تاريخية، لاسيّما في سنوات ما بعد الإحتلال، لينتقل إلى التأمل وإعادة قراءة بعض الأحداث ونقدها بروح منفتحة وغير حزبوية.         
      جيل الستينات : جيل الأسئلة
       منذ أن علقَ مهدي السعيد بالسياسة، فتعلّق بأهدابها وركض وراء أحلامها الوردية حتى وإنْ كلفته منافي ومعاناة، لكنه واصل سيره في دروبها الفسيحة والوعرة في الآن، منتقلاً من  محطة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية، حاملاً معه ذكريات متنوعة مختزناً أسراراً عديدة.   
       وكنت قد تعرّفت عليه وعلى أشقائه في العام 1960 وذلك من خلال صديقي العزيز جواد العادلي عن طريق صاحب المكوى "اسماعيل" الذي يرد ذكره في المذكرات، وهو من أقارب العادلي وكانت عائلته صديقة لعائلتنا وسكنوا بجوارنا لفترة من الزمن، وكان شقيق جواد العادلي "حمودي العادلي" وهو عضو في الحزب الشيوعي معتقلاً معنا، وقد تمّ تقديمه للمجلس العرفي العسكري، وحكم عليه لثلاث سنوات قضاها في سجن نقرة السلمان الصحراوي. وبعد إطلاق سراحنا وتسوية أمور فصلنا من المدرسة وقبولي في الجامعة، إلتقيت بهادي ومهدي وفيما بعد سعدي السعيد عدّة مرّات، حتى تعمّقت علاقاتنا خلال أحداث انشقاق الحزب الشيوعي في العام 1967 واستمرت خلال العقود المنصرمة.                                                                                                                                                                                                                                                         
       ولذلك حين طلب مني مهدي السعيد كتابة مقدمة لسيرته الذاتية، ركنت مشاعر الصداقة جانباً لكي أقرأ ما أعرفه ولا أعرفه عن صديق جمعتني به صداقة زادت على خمسة عقود ونصف من الزمان. ولا أذيع سراً إذا قلت إنني بقدر ما أعرف مهدي السعيد فقد استمتعت بما كتبه وبما لفت الإنتباه إليه وبما حاول إضاءته، فقد عاش الأحداث  بكل جوانحه منذ أواخرالخمسينات ومطالع الستينات من خلال معاينة ومعايشة ومشاركة، خصوصاً حين بدأ وعيه الأول يتشّكل مع السنوات الأولى من ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958  ليتوقف عند محطتة الراهنة، وهو بعد نحو نصف قرن من التعب والكدّ والإنشغال، يراجع بروح إيجابية مسيرته التي لا تخلو من مرارة وخيبة، بل إنه يراجع مسيرة جيلنا أيضاً، خصوصاً لماعاناه.
             وحين أتحدّث عن جيلنا فهو جيل الستينات الذي أفلح الشاعر والروائي فاضل العزّاوي في كتابه "جيل الستينات - الروح الحيّة" في تسليط الضوء على معاناته الفائقة وإرهاصاته الباهرة، سواء على الصعيد السياسي والثقافي أو على الصعيد الإجتماعي لا سيّما التطلّع إلى الحداثة والإنفتاح على المدارس المختلفة في الأدب والفن والعمارة بكل صنوفها وألوانها، خصوصاً بعد هزّة العام 1963 الإرتدادية، التي أحدثت صدمة كبرى في الحركة الفكرية والثقافية والسياسية في العراق. وكان هذا الجيل قد اجترح عذابات لا حدود لها على صعيد الفكر والهوّية والعلاقة بالآخر والتنوّع والتعدّدية، وبالطبع في قضايا الحريات العامة والخاصة، ولاسيّما حرّية التعبير والإعتقاد والتنظيم والحق في المشاركة.
           ويختلف جيل الستينات الذي عاش فترة انتقال حادّة وأوضاع تغيير على صعيد عالمي، عن جيل الأربعينات والخمسينات، حيث سادت اليقينيات الآيديولوجية والتقسيمات الإستاتيكية "شبه الثابتة" في تقويم طبيعة الصراع، ناهيك عن الإنخراط فيه، كما إنه يتميّز عن جيل السبعينات والثمانينات الذي بدأ معه صراع من نوع آخر وكان المشهد قد اكتمل، فجيل الستينات هو جيل الأسئلة الكبرى، حيث لم تعد تكفيه الإجابات الجاهزة، واليقينيات السرمدية والحتميات التاريخية، فقد أخذت الأسئلة تتكدّس، وكان الجواب لا يجد سبيلاً للإقناع، وهكذا كانت الإرهاصات تكبر وتغتني بالمعارف والعلوم والتكنولوجيا، الأمر الذي احتاج إلى نوع جديد من الجدل على مستوى الداخل الجوّاني، إضافة إلى الخارج الفوقاني.
         لم يتحدث مهدي السعيد عن جيل الستينات بشكل عام، بل اختار "حلقة" محدّدة منه طابعها العام متمرّد وبأشكال متنوّعة وامتازت بنوع من التضامن والتواصل والمودّة، على الرغم من العواصف والمتغيّرات والصراعات (الداخلية والخارجية) التي كانت سائدة فضلاً عن اختلاف المواقع والمواقف والمآلات لاحقاً، وهو ما قد أعود إليه في وقت آخر.
        ويذكر مهدي السعيد بالأسماء عدداً من أفراد تلك "الحلقة" اليسارية التي عملت بثقة وظلّت متماسكة في كل الظروف أصابت أم أخطأت.
        بصمة مملّحة
       جاءت سيرة مهدي السعيد مزيجاً من ذكريات ومذكرات واستعارات ومراجعات وتجارب وخبر منها ماهو ناجح ومنها ماهو فاشل، وبقدر ما حاولت تقديم عرض جاد لتجربة ذاتية وسياسية بامتياز، فإنها في الوقت نفسه حفلت بطرائف وحكايات ومصادفات ممتعة حاول الكاتب تمليح نصّه لكي لا يأتي ثقيلاً، وقد وضعها بأسلوب مبسّط ويكاد يكون عفوياً، ولعلّها تعكس جوانب من شخصيته المرحة رغم جديّتها.
        السيرة الذاتية لمهدي السعيد تضمّنت بوحاً في جزء غير قليل منها وكشفاً لواقع سسيوثقافي، حاول أن يعطيه بصمته الخاصة، خصوصأً باستعراض لا يخلو من دهشة الكاتب ذاته الذي اختزن هذا الكمّ الهائل من الصور والمشاهد والأحداث والمفارقات في ذاكرته، وقد يكون مفيداً قراءة هذه المذكرات كحلقة متصلة ومتكاملة، بل ومتراصة على الرغم من المراحل التي وضعها.


47
ما بين الصهيونية والساميّة
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

في غمرة إجراءاتها التعسفية لمنع المسلمين من الصلاة في المسجد الأقصى وشنّ حملة إرهابية ضد عرب فلسطين وفي محيط مدينة القدس ذاتها، لم تتوانَ " إسرائيل" من صرف الانتباه عن محاولاتها المستمرة لتهويد مدينة القدس بعد أن ضمّتها رسمياً بقرار من الكنيست إليها العام 1980 خلافاً لقواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن التي اعتبرت قرار ضم القدس باطلاً ولاغياً ويتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. والأكثر من ذلك فإنها تحاول الظهور بمظهر "الضحية" بزعم إن أي انتقاد أو احتجاج على تصرفاتها " اللاشرعية" واللّا قانونية، إنما هو معاداة للصهيونية ، وكل عداء يعني في وجهه الآخر، عداء للسامية.
جدير بالذكر إن الأمم المتحدة وجمعيتها العامة كانت قد أصدرت قراراً في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) العام 1975 برقم 3379 يقضي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. وفي حينها شنّت " إسرائيل" حملة ضد الأمم المتحدة وأمينها العام الأسبق كورت فالدهايم، متهمة إيّاها بمعاداة السامية، مثلما حاولت تشويه سمعته بكونه كان ضمن تشكيلات النازية في شبابه. واستماتت لإلغاء القرار. وكان ممثلها في الأمم المتحدة إسحاق هيرتزوغ الذي أصبح لاحقاً رئيساً "لإسرائيل" (العام 1986) قد صرّح أنه لن تمرّ فترة رئاسته إلاّ ويكون القرار قد أُعدم. وبدأ حملة دولية تطالب بإلغاء القرار، خصوصاً حين وقّع نحو 800 شخصية دولية سياسية وفنية وثقافية وأدبية تدعو الأمم المتحدة بالتراجع عن قرارها.
وصادف أن تغيّر ميزان القوى الدولي والعربي لصالح الصهيونية، بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، ولاسيّما الاتحاد السوفييتي وتدهور التضامن العربي إلى درجة مريعة بفعل مغامرة غزو الكويت العام 1990، ومن ثم شنّ الحرب على العراق وفرض نظام عقوبات شديد عليه، حتّى تمكّنت " إسرائيل" من التأثير على الموقف الدولي بكسب عدد من الدول في التصويت لصالح إلغاء القرار، فألغي بالفعل في ديسمبر/ كانون الأول العام 1991.
وتحاول " إسرائيل" اليوم صرف النظر عن انتهاكاتها السافرة لحقوق المسلمين وأتباع الديانات المختلفة ، برمي كل من يقف ضد إجراءاتها تلك بمعاداة السامية. وللأسف فإن أوساطاً أوروبية تساند حملتها تلك وقد عبّر الرئيس الفرنسي إيمانوئيل ماكرون وخلال استقباله رئيس الوزراء " الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو(16 يوليو/تموز/2017) عمّا يفيد بأن مناهضة الصهيونية ليست سوى إعادة اختراع جديد لمعاداة السامية. علماً بأن معاداة السامية تهمة تعاقب عليها القوانين الأوروبية، وتعتبر أقرب إلى ممارسة العنصرية.
وتحاول القوى المناصرة لـ "إسرائيل" اليوم تقديم الصهيونية باعتبارها "حركة تحرّر" "لتمثيل الشعب اليهودي" والتعبير عن "حقوقه" في بناء وطنه، ولذلك فإن كل مناهض للصهيونية وأيديولوجية "إسرائيل"، إنّما هو مناهض لحركة تحرر ولحقوق شعب، وبالتالي فهو معاد للسامية وضد حقوق اليهود.
واستناداً إلى مثل هذا التوجه، فإن أي انتقاد لممارسات " إسرائيل" يمكن أن يدمغ بمعاداة السامية. ووفقاً لمثل هذا الاجتهاد المريب فقد تعرّض بعض الناشطين في عدد من البلدان الأوروبية إلى اتهامات مثلما أُخضعوا إلى تحقيق بسبب جملة قيلت هنا أو تعليق قيل هناك، إزاء الصهيونية " العقيدة السياسية لإسرائيل"، كما يتلقى العديد من وسائل الإعلام الأوروبية رسائل وكتابات تندّد بأي انتقاد لـ " إسرائيل"  وأحياناً تتّهمها بالعداء للسامية على نشر مواد خبرية أو برامج تلفزيونية أو إذاعية لما يحدث في فلسطين من جانب الاحتلال "الإسرائيلي". والحملة تشمل أحياناً تنظيم تظاهرات واعتصامات أمام مداخل الوسائل الإعلامية لممارسة ضغوط على بعض الإعلاميين تصل أحياناً إلى التهديدات.وإذا ما عرفنا أن ثمة تواطؤ من جانب بعض الحكومات الأوروبية فإن بعض وسائل الإعلام تتردّد من نشر أو بث ما يؤدي إلى تعريضها للمساءلة أو الاتهام أو الضغوط.
إن الحملة التي انطلقت من فرنسا بلاد الحرّيات والحقوق، إنّما تستهدف ربط معادى الصهيونية بالسامية ، وذلك لإبعاد الصورة المأساوية التي يعيشها الشعب العربي الفلسطيني المحروم من حقوقه في تقرير المصير وإعادة اللاجئين وإقامة الدولة وعاصمتها القدس الشريف، حيث تستمر الانتهاكات لأبسط الحقوق وآخرها " حق العبادة" وممارسة " الشعائر الدينية "، إضافة إلى قتل الأطفال والنساء وهدم البيوت وتهجير السكان الأصليين، وتلك لا يجمعها جامع مع أي اعتبار إنساني أو تحرّري أو أخلاقي أو قانوني دولي، بل هي تمثّل جوهر العقيدة الصهيونية، الرجعية والاستعلائية، ولا علاقة بالأمر بمعاداة السامية.


48
ماذا ما بعد الموصل:
خيار محسوم أم حساب ملغوم؟!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

أعلن حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي عن نهاية ما أسماه "دولة داعش" في العراق بعد مرور نحو 8 أشهر على إطلاق معركة " قادمون يا نينوى" . وجاء هذا الإعلان بعد تفجير الإرهابيين " جامع النوري الكبير" وهو صرحٌ تاريخي بُني قبل 850 عاماً. وكان أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم  قد أعلن في خطابه الذي ألقاه فيه " قيام الدولة" قبل ثلاث سنوات (29 يونيو/ حزيران العام 2014)، ليس هذا فحسب، بل إن داعش قام بتفجير منارة الحدباء التاريخية التي توصف ببرج بيزا العراقي نسبة إلى برج بيزا الإيطالي المائل . وهذا يعني حسب تفسير الخبراء العسكريين أنه قرّر الانسحاب بعد أن مُني بهزائم شديدة، لم يستطع معها البقاء في الموصل " عاصمته".
I
تتباين الإجابات على سؤال ما بعد الموصل، وتختلف التقديرات بدرجات حادة أحياناً، وهي تتفاوت بين الرغبة والقدرة، وبين المشروع والممنوع، وبين الممكن والمحال، فهناك أسباب أدّت إلى تمدّد داعش وانتشار الداعشية وهذه ما تزال موجودة، وهي تحتاج إلى خطوات جذرية وإجراءات فعّالة لمعالجتها، إذا ما أريد إلحاق الهزيمة بالإرهاب.
فهل حسمت معركة الموصل مصير التنظيم الإرهابي "داعش" أم أن المسافة بين تحرير الموصل وهزيمة الداعشية ما تزال شاسعة، لاسيّما وداعش ما يزال في الحويجة وتلعفر وحديثة والقائم وعلى امتداد الشريط الحدودي العراقي- السوري: ثم ماذا عن داعش في سورية، لاسيّما في الرقة  "المحاصرة" وفي منبج وضواحي الباب وضواحي تدمر والبوكمال والميادين والبادية السورية وصولاً إلى دير الزور؟.
لقد  كانت هزيمة داعش العسكرية كبيرة جداً وربما مفصلية، سواء في محافظتي صلاح الدين والأنبار وتحديداً في مدينة الرمادي  وكذلك في محافظة ديالى التي انحسر فيها التنظيم في الأشهر الأخيرة وبعد ذلك في الموصل، إلّا أن ذلك  لا يعني نهاية له ، خصوصاً وإن الأسباب التي أدّت إلى نشوء الداعشية ما تزال تجد تربة خصبة تتغذّى منها، الأمر الذي يحتاج إلى اقتلاعها من جذورها ونشر القيم النقيضة لها.
وإذا كانت الداعشية فكرة تعصّبية متطرّفة وإرهابية، تقوم على إلغاء الآخر كلياً بزعم امتلاك الحقيقة وادعاء الأفضليات، فإن أفكار التسامح والتعايش والسلام واللّاعنف هي ما يمكن مواجهته بها، وذلك للحيلولة  دون تمكّنه من غسل أدمغة الشباب اليائس والمحبط ، خصوصاً بالقضاء على البطالة والفقر والجهل والأميّة والتخلّف وتحقيق المواطنة السليمة القائمة على إشاعة الحرّيات والمساواة والعدالة، ولاسيّما الاجتماعية، والشراكة والمشاركة وعدم التمييز لأي سبب كان.
وقد دلّت الكثير من التجارب مع المنظمات الإرهابية، لاسيّما تلك التي تتذرّع بالدين وتستخدمه سلاحاً لتغطية أهدافها السياسية، إنها على الرغم من تعرّضها لهزائم، فإنها  تمتلك قدرات لا يمكن الاستهانة بها أو الاستخفاف بإمكاناتها اللوجستية والتعبوية. يكفي أن نشير إلى أنه حين لحقت الهزيمة بتنظيم القاعدة الإرهابي، وهو "التنظيم الأم" في أفغانستان وصولاً إلى اغتيال أسامة بن لادن الشخصية الكارزمية القيادية للتنظيم في 2 (مايو)  أيار 2011، فإنه استمرّ وأنتج وفرّخ تنظيمات أخرى، لعلّ أهمها هو "تنظيم داعش" و"جبهة النصرة " (جبهة فتح الشام - لاحقاً) وغيره من التنظيمات الإرهابية.
وقبل ذلك حين قُتل أبو مصعب الزرقاوي في 7(يونيو) حزيران 2006 في العراق، إلاّ أن التنظيم لم ينتهِ. وقد نقلت وكالات الأنباء خلال الأيام الأخيرة لمعركة الموصل مقتل أبو بكر البغدادي (لكنه لم يتأكد حتى الآن) ، إلّا أن التنظيم على الرغم من خسارته الفادحة وهزيمته الموصلية، فإنه لا يزال يشغل مساحة ليست بقليلة من أرض العراق وسوريا، ناهيك عن وجوده في النيجر ونيجيريا (بوكو حرام) والمغرب العربي (ليبيا وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا)، فضلاً عن قيامه بعمليات إرهابية في العديد من البلدان الغربية وغيرها.
وإذا كانت خسارة داعش للموصل مختلفة نوعاً ما، وذلك لأنها هي العاصمة بعد احتلال داعش للموصل في 10 يونيو (حزيران) 2014، فهذا يعني أنه خسر معها أهم مصادره المالية، تلك التي كان يحصل منها على مبالغ طائلة لاسيّما من الآتاوات ، إضافة إلى بيع النفط بعد وضع يده على بعض الآبار لتغطية عملياته واجتياحاته ورواتب العاملين معه، مقاتلين وغيرهم.
لم ينشأ الإرهاب من فراغ، بل جاء نتيجة للتطرّف وهذا الأخير يقوم على التعصّب، وهو متغلغلٌ أحياناً في العقول ومعشش في الرؤوس بسبب أوضاع اجتماعية واقتصادية وثقافية، خصوصاً في ظلّ الانغلاق ورفض الآخر والميل إلى التفرّد والتماثل وعدم الإقرار بالتعدّدية والتنوّع وحق الاختلاف، وحسب داعش: كل آخر، هو غريب وأي غريب مريب، وبالتالي: أما عليه الخضوع ودفع الجزية إنْ لم يكن مسلماً أو الرحيل وإلاّ فإن الموت ينتظره، وهو ما حصل مع المسيحيين والإيزيديين في العراق ، هذا إذا كان رجلاً، أما إذا كانت امرأة، فالسبي هو ما  تناله، وهذا ما حدث للإيزيديات بشكل خاص، حيث تم بيعهن في سوق النخاسة. وكانت عمليات داعش أقرب إلى حرب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي يجرّمه القانون الدولي.
 لقد ابتكر الإرهاب الداعشي عمليات نوعية في السابق، وليس مستبعداً بعد هزيمته الموصلية أن يبتدع أساليب جديدة،  فمن ابتكار مهاجمة مبنى التجارة العالمي في نيويورك بواسطة الطائرات، العام 2001، إلى حوادث دهس وقتل بواسطة سيارات، كما حدث مؤخراً في عدد من المدن والبلدان مثل  نيس (فرنسا)  وبروكسل ( بلجيكا) ولندن (بريطانيا) وغيرها، وهذه لا تكلّف كثيراً، لكن المال يبقى عموداً فقرياً له وعنصراً مهماً في رفده، مثلما يرفده استمرار البطالة والفقر والتمييز والتهميش والطائفية وهدر حقوق الإنسان.
وإذا ما اجتمع المال و"العقيدة" والأوضاع العامة والخاصة، للإرهابيين فإن عملهم المتوحّش، سوف لا تكون له حدود ، خصوصاً بتوفّر أرضية مناسبة لنمو بذور الإرهاب وتفقيس بيضه، الأمر الذي يحتاج إلى تجفيف المنابع وقطع خط الإمدادات والتواصل، وردم الهوّة التي تشجع على استمراره وانتعاشه، وهذا يتطلّب مواجهة الفكر بالفكر أيضاً، فالوسائل العسكرية والأمنية، وإنْ كانت ضرورية أحياناً - وآخر العلاج الكي كما يقال -  لكنها لوحدها لا تكفي للقضاء عليه.
II
إذا كان العراق في نهاية السبعينات  قد أوشك على التخلّص من الأمية باعتراف منظمة اليونسكو، فإنه بسبب الحروب والحصار والاحتلال والطائفية والإرهاب والفساد، عاد القهقري حيث انتكست التنمية، ووجد الإرهاب مرتعاً خصباً له في ظل تخلّف المناهج الدراسية وعدم مواكبتها للتطور، ناهيك عن اعتمادها على أفكار ماضوية واحتوائها على الكثير من الآراء التي تقوم على الكراهية ولا تقبل التنوّع وترفض التعددية، الأمر الذي يشكل أرضية صالحة لنمو الإرهاب.
لقد  مرّ العراق  بأطوار خمسة للتنمية، أولها حين تأسست الدولة في العام 1921، لاسيّما بعد انطلاق حقل بابا كركر النفطي في كركوك العام 1927، ثم تأسيس مجلس الإعمار العراقي العام 1950  ولغاية ثورة 14 (تموز) العام 1958، وهي مرحلة شهدت نجاحات تنموية إيجابية وإن كانت محدودة.
أما المرحلة الثانية فكانت بعد الثورة، حيث توسّعت الخدمات التعليمية والصحية وشملت قطاعات سكانية واسعة وشعبية، إضافة إلى تعزيز شبكة الطرق والجسور والهياكل الإرتكازية والبنى التحتية .
أما المرحلة الثالثة فكانت بعد تأميم النفط العام 1972 والطفرة النفطية عقب حرب اكتوبر (تشرين الأول) العام 1973، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير، وشهدت هذه المرحلة توسّعاً كبيراً في ميدان التنمية وتراكم الموارد، لاسيّما في القطاعات المختلفة وارتفاع مستوى المعيشة والرفاه الاقتصادي.
أما في المرحلة الرابعة فقد رزح العراق تحت وطأة انكماش لعملية التنمية بسبب الحرب العراقية - الإيرانية العام 1980-1988، وفيما بعد غزو الكويت 1990، وحرب قوات التحالف ضد العراق 1991، والحصار الدولي الذي فُرِضَ عليه حتى احتلاله العام 2003،حيث تعرّضت التنمية إلى انهيار شامل، خصوصاً مع تفكّك بنية الدولة وحل الجيش العراقي واستشراء الطائفية والإرهاب والفساد، ولعلّ المرحلتين الأخيرتين مهدتا لنشر بذور الإرهاب، سواء بإسقاطه خارجياً أو بانتعاشه داخلياً.
وإذا ما أضفنا إلى هذه العوامل عدم عدالة العلاقات الدولية والشعور بالغبن والإجحاف الذي تعاني منه شعوب الأمة العربية ولاسيّما  الشعب الفلسطيني، الذي تعرّض للظلم والاحتلال والعدوان لما يقارب من سبعة عقود من الزمان، فإننا نستطيع أن ندرك أن بيئة حاضنة لنشوء الإرهاب لا تزال موجودة، بل إنها شكّلت مرتعاً له حيث أخذت تتكوّن على نطاق واسع لاسيّما بعد الاحتلال، وهذه وجدت ذرائع عديدة لممارسة الإرهاب باسم الدين أو المذهب، وذلك كغطاء شرعي لتبرير جرائمها، بالضد من الدين ذاته وتعاليمه السمحاء ورسالته الإنسانية.
III
إذا كانت معركة الموصل قد ألحقت خسارة فادحة بداعش وبمستقبل الداعشية في العراق، فإن انعكاساتها ستعود أيضاً على العالم العربي، لكن المعركة مع داعش والإرهاب الدولي سوف لا تنتهي سريعاً، حسبما صرّح به الجنرال الأمريكي ستيفن تاونسند بقوله "إن الحرب بعيدة كل البعد عن نهاياتها. وكانت بعض المخاوف قد عبّرت عن نفسها باحتمال وجود "خلايا نائمة" قد تقوم بتنفيذ بعض العمليات الهجومية الانتحارية، إضافة إلى قلق من احتمال اندلاع صراعات طائفية وإثنية على مراكز النفوذ، وقال يان كوبيش ممثل الأمم المتحدة في العراق :" إن سحق داعش في الموصل لا يعني نهاية الحرب على الإرهاب وأمام العراق المزيد من العمل للتعافي الكامل وإرساء السلام الدائم".
يمكن القول إنه من السابق لأوانه اعتبار هزيمة داعش في  الموصل هزيمة للداعشية،  فالمعركة قد تطول لفترة غير قصيرة ، لأن التنظيم الذي عُرف بالمكر والخداع واستخدام تاكتيكات متنوّعة وبارعة ومفاجئة، قد يستخدم خططاً جديدة وبديلة، تعويضاً عن قيام الدولة والركون إلى بناء مؤسساتها، بالعودة إلى ضرب المواقع لمنعها من الاستقرار وإعادة البناء، وسيستغل الخلافات حول مصير المناطق المحرّرة وعائديتها، خصوصاً وهناك مناطق متنازع عليها في الموصل وبشكل خاص في كركوك، إضافة إلى ديالى، فضلاً عن الخلافات بين ما يسمّى بالسنّية السياسية، حول مناطق النفوذ، وبدا الأمر واضحاً من انعقاد مؤتمرين للسنّة بدلا ً من واحد واختلافات حول التمثيل، إضافة إلى خلافات حادة بين الشيعية السياسية، حول مصير الحشد الشعبي وقياداته ومحاولة توظيف النصر العسكري لصالح هذه الجماعة الشيعية أو تلك، فضلاً عن اختلافات وصراعات كردية- كردية، ساهم في اندلاعها الموقف من الاستفتاء الذي دعا له رئيس الإقليم مسعود البارزاني في 25 سبتمبر (أيلول) القادم.
الأمر لا يخص العراق وحده، فسوريا والتسويات التي ستجري فيها، لاسيّما بعد لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة العشرين، إضافة إلى مخرجات  الأستانة "5"، وارتباط ذلك بتركيا وإيران،والأطراف الإقليمية الأخرى، كلّها ستكون مطروحة في إطار مواجهة المجتمع الدولي لداعش وللإرهاب الدولي.
IV
ولعلّ من الاستخلاصات المبكرة لذلك، القول بأنه ليس من المعقول والمنطقي أن تستمر الصيغة السياسية في العراق ذاتها، تلك التي تأسست بعد الاحتلال وفقاً لنظام المحاصصة الطائفي- والإثني، وقادت إلى اختناقات وردود فعل وتوترات وأعمال عنف وإرهاب وفساد، بسبب الشعور بالتهميش والتمييز وعدم المساواة. وقد يحتاج الأمر إلى إعادة النظر بالدستور ذاته المليء بالألغام، ولكن ذلك يحتاج إلى وحدة وطنية حقيقية وثقة وتوافق وطني ورغبة في التغيير الحقيقي.
 كما لم يعد معقولاً أو منطقياً ما بعد الموصل أيضاً، ممارسة سياسات ترقيعية وتسويات ظرفية على أساس "ترضيات" بعقد المؤتمرات الصاخبة والخطابات الرنّانة وترديد الأناشيد  الحماسية حول الوحدة الوطنية المزعومة في غياب المصالحة الوطنية والمجتمعية وتفاقم المشاكل بين بغداد وإربيل، بل وصولها إلى استعصاءات أحياناً في أجواء عدم الثقة والتهديد بانشطارات قد تكون خطرة على صعيد المنطقة كلها.
ولم يعد مناسباً أو ممكناً غضّ الطرف من جانب الدول الإقليمية والمجتمع الدولي الذي كانت  سياستهما تقوم على اللّامبالاة أو حتى التشجيع غير المعلن أو المبطّن ببقاء الحال طالما بقيت ظواهر العنف والإرهاب خارج حدودهما، دون أن تدركا أن المنطقة متّصلة ومتواصلة مع دول الإقليم والعالم، وإن الإرهاب يمكن أن ينتقل إليهما وهو ما حصل فعلاً، فلم يعد درءه ممكناً، حيث لم ينجُ منه أي مجتمع أو دولة، سواء أكانت إيران أم تركيا أم غيرها مهما ادعت الحصانة والوقاية.
إن الخروج  من دوامّة داعش ما بعد الموصل وتحرير جميع الأراضي العراقية يتطلّب مصارحة ومكاشفة بالأسباب التي أدت إلى ظهور داعش وقيام الداعشية، لأن ما يواجه  العراق والمنطقة ما بعد تحرير الموصل، قد لا يقلّ أهمية إنْ لم يزدْ خطورة عمّا سبقها، خصوصاً لإعادة بناء ما خربته الحرب وإعادة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم وتعويضهم والشروع بوضع خطط تنموية مستدامة وإنسانية وشاملة في جميع المجالات إستناداً إلى مبادئ المواطنة الأساس في الدولة العصرية الدستورية، وعلى أساس حوار مجتمعي ومصالحة حقيقية بعيداً عن المغالبة ووصولاً إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على احترام حقوق الجميع.
وقد دلّت الكثير من التجارب الدولية إن التصدي للإرهاب لن يتم بمثله أي بالضد النوعي، ولكن بوسائل مختلفة، فالغايات الشريفة تتطلّب وسائل شريفة، والوسيلة العادلة هي من صلب الغاية العادلة، وإذا كان الظالم يستخدم وسائل ظالمة، فعكسه ينبغي للعادل أن يستخدم وسائل عادلة، وهذه كثيرة ومتنوّعة، وذلك لأن الجريمة لا تحارب بالجريمة، فجريمتان لا تنتجان عدالة.



49
فلسطين ومعركة الثقافة
                     
د. عبد الحسين شعبان

في مدينة كراكوف التاريخية (بولونيا) اتّخذت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو)، ومقرّها في باريس، قراراً تاريخياً بتسجيل مدينة الخليل (الفلسطينية)، والتي لا تزال تحت الاحتلال «الإسرائيلي» على لائحة التراث الإنساني العالمي الذي يجب الحفاظ عليه وحمايته، وذلك يوم 7 يوليو (تموز) 2017.
واتخذ القرار في أعقاب تصويت سرّي أثار جدلاً واسعاً ونقاشاً متواصلاً على المستوى الدولي، ولاسيّما ردود الفعل «الإسرائيلية» الحادّة، وذلك لما للقرار من رمزية تتخطّى الجانب التاريخي على أهميته، وتذهب إلى أبعد من ذلك، لاسيّما التشكيك بمجمل الرواية «الإسرائيلية» بخصوص «أرض الميعاد». ولا شكّ أن الصراع هو قديم وجديد في الآن، بل إنه يتجدّد في كل لحظة، وهو لا يتعلّق بالآثار التاريخية فحسب، بل بمجمل الحقوق الوطنية الفلسطينية، وخصوصاً «حق تقرير المصير».
وصوّت لصالح القرار 12 دولة عضو في لجنة التراث العالمي، مقابل 3 دول صوّتت ضده، وامتنعت 6 دول عن التصويت. ويشمل ملف التسجيل: البلدة القديمة لمدينة الخليل والحرم الإبراهيمي العتيق. وقد وضع القرار الحرم الإبراهيمي الذي يطلق عليه اليهود «كهف البطاركة» على قائمة المواقع «المهدّدة». ويعتبر من المقدسات الدينية، حيث دفن فيه الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكانت مدينة الخليل، لعقود سابقة، مسرحاً للصراعات بين المستوطنين اليهود الذين يعيشون في جيوب استيطانية، بينما يحيط بهم سكان المدينة الفلسطينيون البالغ عددهم نحو 200 ألف نسمة.
ويأتي هذا القرار امتداداً لطائفة من القرارات التي تمّ اتخاذها في وقت سابق، منها قراران مهمّان تم اتخاذهما في العام المنصرم، أحدهما اتخذته «اليونسكو» في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 يقضي باعتبار الأماكن المقدسة في القدس من تراث العرب والمسلمين.
وثانيها: قرار اتخذه مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2016 بخصوص وقف الاستيطان «الإسرائيلي» في الأراضي العربية المحتلة، علماً بأن الاستيطان وإجلاء السكان بالإكراه يعتبر «جريمة دولية».
وكانت (الأسكوا) «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا» في وقت لاحق قد أصدرت تقريراً يدين «الأبرتايد»، إزاء الشعب العربي الفلسطيني، وذلك في 15 مارس ( آذار) 2017.
ولعلّ من دلالات قرار اليونيسكو الأخير بخصوص الخليل اعترافه بأنها «مدينة محتلّة»، وبالطبع فلا يحق لسلطة الاحتلال تغيير معالمها أو تركيبتها السكانية أو نظام علاقاتها، طبقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها: الأول الخاص بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، الصادرين عن المؤتمر الدبلوماسي في جنيف (1973-1977). كما أنه يعيد تأكيد حقوق عرب فلسطين في أرضهم وتراثهم وفي حقهم الدولي غير القابل للتصرّف، ونعني به «حق تقرير المصير».
والقرار من زاوية أخرى يعدّ نصراً لكلّ القوى التحررّية وهزيمة للصهيونية وحماتها، ولذلك فإن السفير «الإسرائيلي» كارمل شاما هاكوهين لدى منظمة «اليونسكو» شنّ حملة قاسية ضد المنظمة ذاتها واعتبرها منحازة للفلسطينيين وأن قراراتها مسيّسة، والسبب أنها انتصرت للعدالة وللتاريخ والحقيقة، حين أكدت «فلسطينية» مدينة الخليل وتراثها الثقافي.
وكانت حكومة بنيامين نتنياهو قد فشلت في محاولاتها لمنع صدور القرار، وحاولت تقديم دلائل باطلة، مضمونها أن تراث مدينة الخليل، يهودي بالأصل، وأن المدينة ترتبط باليهود منذ آلاف السنين، وهي مكان ميلاد مملكة داوود، وتعتبر من أقدم المواقع الأثرية اليهودية.
القرار الأممي الذي اتخذته اليونيسكو يعكس درجة التفّهم الدولي لشرعية وعدالة القضية الفلسطينية، حيث أخذ العالم ينظر إليها بعين العطف والتضامن، وباقة القرارات الدولية التي تم اتخاذها مؤخراً تعد تطوراً مهماً وتراكماً إيجابياً أخذت وتيرته تزداد وزخمه يتعاظم منذ أن قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1974 الاعتراف ب «منظمة التحرير الفلسطينية» كممثل شرعي ووحيد للشعب العربي الفلسطيني. ومثل هذا التطوّر الكمّي التدرّجي، لا بدّ أن يتحوّل إلى تغيير نوعي بالتراكم، يمكن للفلسطينيين والعرب توظيفه بالاتجاه الصحيح.
وبقدر ما تعكس قرارات المجتمع الدولي تطوراً إيجابياً للقضية الفلسطينية، فإنها بالقدر نفسه تعكس انحسار وتراجع المشروع «الإسرائيلي» وانكشاف مدى اللّاعدالة واللّاشرعية التي قام عليها، إضافة إلى استمرار الاحتلال والاستيطان والعدوان خلافاً لجميع قرارات الأمم المتحدة. ولعلّ كل نجاح فلسطيني دولي يعني فشلاً «إسرائيلياً»، وتلك فرضية ينبغي اعتمادها باستمرار كمؤشر في الصعود الفلسطيني والهبوط «الإسرائيلي».
النجاح الفلسطيني الجديد هو انتصار للدبلوماسية الثقافية، التي ينبغي إيلاء اهتمام أكبر بها، ليس على المستوى الفلسطيني فحسب، بل على المستوى العربي، وهناك الكثير من الشواهد والأدلة، على أننا نحتاج إلى مزيد من العمل والمثابرة والمعرفة والدبلوماسية، لاقتحام هذا الميدان المهم الذي تركنا جزءًا كبيراً منه ل «إسرائيل» في العقود السبعة الماضية، وآن الأوان لكي نُحسن التعامل معه لتحقيق اختراقات جديدة للمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وذلك بإضافة أبعاد جديدة إلى حقوقنا العادلة والمشروعة.
drhussainshaban21@gmail.com



50
عطشان ضيول الأيزرجاوي
 الشيوعية والجيش والثورة: أحلام وكوابيس*

د. مهدي السعيد
كاتب وصحافي - لندن

كان عطشان ضيول الأيزرجاوي أحد الشيوعيين العسكريين الذين امتازوا بالجرأة والشجاعة والإقدام، لذلك كان محبوباً من قبل الضباط والجنود، حيث عمل في قيادة الخط العسكري للحزب الشيوعي بُعيد ثورة 14 تموز عام 1958.
ينحدر عطشان من عشيرة آل ازيرج في الناصرية، وقد انتقل مع عائلته إلى بغداد في الفترة التي انتقلت والدتي ووالدي من الناصرية إلى بغداد أيضاً. ولأن والدته كانت قريبة لوالدتي، فقد سكنتا في محلة واحدة هي "محلة الدوريين"، وكان عطشان منذ صباه قد انخرط في العمل السياسي، وإزداد نشاطاً حين دخل الكلية العسكرية وتخرّج منها ضابطاً.
ولكنه في السنة الثانية بعد تخرّجه منها أُلقي القبض عليه وأودع السجن، حيث خضع أثناء ذلك إلى عمليات تعذيب قاسية وشديدة على يد شرطة بهجت العطية مدير التحقيقات الجنائية، وقد تحدّث عن ذلك التعذيب خلال إدائه للشهادة أمام " محكمة الشعب" ورئيسها العقيد فاضل عباس المهداوي.  وقال إن من بين وسائل التعذيب التي مورست ضده كانت إرغامه على الجلوس فوق المدفأة النفطية الساخنة،إضافة إلى اجباره الجلوس على القناني الزجاجية المكسورة والفارغة. وكان هذا التعذيب استثنائياً وقد تم ممارسته في العراق لأول مرّة ضد السجناء والمعتقلين الشيوعيين.
كانت وزارة الداخلية والتحقيقات الجنائية تعتبران عطشان ضيول الايزرجاوي فريسة كبيرة لأنه ربما يكون عضواً في قيادة الحزب الشيوعي آنذاك، ووقع بأيديهم صدفة وأنه قد يكون مشرفاً على قطاع الجيش، كما علمت لاحقاً بأنه قد التقى وهو لازال صبياً أو شاباً بالرفيق فهد في الناصرية.
كان عطشان مربوع القامة وذا شارب كث، ووجه عريض وخشن وكنتُ قبل أن أراه أسمع والدتي تتحدّث عنه كثيراً وتذهب خصيصاً لزيارة والدته في رأس الشارع المؤدي إلى سوق عيسى وعلاوي الحلة. وكان يأتي إلى البيت متخفياً، ولكنه حينما يدخل البيت ويخرج لا يتهيّب من السير الاعتيادي في الشارع. وكان الشرطي السرّي يتصوره مسلحاً ولا يقدم على التعرّض إليه، ولكن بعد فترة، كما أتذكر،ازداد عدد الشرطة السرّية التي تراقب بيته ليل نهار، إلّا أنه مع كل ذلك كان يأتي إلى البيت بين الحين والآخر ولكن بصورة مفاجئة. وأتذكّر جيداً أنه كان يضع جريدة تحت إبطه الأيمن ويمشي في الشارع في غاية الشجاعة دون خوف أو وجل ليبدو وكأنه يحمل مسدساً متحدّياً الشرطة الواقفة قرب الباب، وفي بعض الأحيان يمرّ قرب باب بيتنا ويتوقّف برهة من الزمن كي يلقي بالتحية على والدتي، ثم يأخذ بمداعبة الصغار ويمسح رؤوسهم بلطف شديد وأنا منهم. وكانت حركات ساقيه غير متوازنة نتيجة تمزّق عضلات إحداها بسبب التعذيب الذي تعرّض له.
انقطع عطشان كلياً عن زيارته لبيتهم بعد أن كثرت مراقبته من قبل الشرطة السرية التي كما سمعنا قررت اعتقاله مرة أخرى. لكن الحيرة بدأت تشغل رجال الشرطة بعد أن علموا بأن زوجته "أم نضال" تبدو حاملاً. وهذا يعني أنه كان يأتي إلى البيت تحت جنح الظلام ويخرج منه باكراً دون أن يعرف أحد من هؤلاء الشرطة بمواعيد رجوعه إلى البيت لذلك أخذوا يراقبون البيت طوال الليل كي يمسكوا به. ولكنه انقطع كلياً عن المجيء إلى البيت، واستمرّ الحال حتى قيام ثورة 14 تموز، حيث عاد إلى الجيش وأصبح آمراً مساعداً لقائد المقاومة الشعبية العقيد طه البامرني.
كان عطشان أحد أقوى أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، ومسؤولاً عن الخط العسكري. وقد سمعت من الضابط الطيار الشيوعي السابق عبد النبي جميل بأن معظم الضباط وحتى ضباط الصف ما بعد ثورة 14 تموز كانوا لا ينفذون أي أمر يأتيهم إلاّ أوامر عطشان الذي أخذ يتجول بين المعسكرات المختلفة للقاء الضباط والجنود وترتيب أمورهم، وكانوا يدينون له بالولاء بشكل كبير وكان بإمكانه أن يزيل عبد الكريم قاسم ويستلم السلطة.
كان سلام عادل الأمين العام للحزب الشيوعي يعتمد عليه كثيراً، وكان محسوباً على توجهه الثوري، وحين اصطدم الزعيم عبد الكريم قاسم بالشيوعيين،"انشقت" قيادة الحزب الشيوعي، فكان سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول مع فكرة إزاحة الزعيم من السلطة وإبعاده عن الحكم، ولكن دون الانتقام منه، بل تكريمه والاعتناء به ولكن أخذ السلطة منه، في حين كان ثابت حبيب العاني وعامر عبد الله وآخرون ضد هذه الفكرة، فنشب صراع خفي بين تيارين، إذْ كان سلام عادل ذا خبرة تنظيمية وسياسية كبيرة، لكنه لم يكن حازماً، وإرتأى أن يأخذ قراراً بذلك بعد إشراك آخرين أساسيين في هذا الأمر.
أخبرني "آرا خاجاودور" خلال إحدى جلساته معي في براغ بأن عطشان كان الوحيد على حق. فحين اجتمعنا بمنطقة السكك لبحث الأمر تصدى ثابت حبيب العاني بقوة لرأي عطشان مؤيداً من قبل عامر عبد الله الذي كان يتودّد لعبد الكريم قاسم كثيراً.
أما سلام عادل فقال يجب أن نؤجل الأمر بعض الوقت إلى أن أذهب في سفرة خاصة سريعة إلى موسكو لأخذ رأي القيادة السوفياتية. وكان هذا الموقف قد أجهض رأي عطشان في الحال وبدا الرأي الآخر هو السائد.
قال لي "آرا خاجادور" إن اللجنة المركزية آنذاك أبعدت سلام عادل إلى موسكو وقد تحوّل العديد من أعضائها ضده، بما في ذلك زوجته "أم ايمان"، إلّا عطشان ضيول وأنا وقليل من الرفاق بقينا متواصلين معه.
سألتُ ثابت حبيب العاني في لندن عن حقيقة هذا الأمر وقلتُ له: هل هذا صحيح يا أبا حسان؟ حاول أن يتذكر الموقف جيداً ولأنه يبدو قد سبق له أن دخل في صراعات عديدة مع عطشان حينما كان الثاني مسؤولاً عن الجيش فإنه استمر حتى تلك اللحظة يمقته، فبدلاً من الإجابة على سؤالي هذا بدأ يكيل الشتائم لعطشان ويصفه بـ"المتهور"، ولكنه توقّف في اللحظة التي قلتُ له: لماذا تغضب بهذا الشكل فلعلمك أن عطشان هذا هو من أقربائي.
اعتذر أبو حسان وحولّ الحديث إلى موضوع آخر.وحينما عدتُ إلى البيت، اتصل أبو حسان بي هاتفياً وقال: أرجو أن لا تكون قد غضبت مني فقد هاجمتُ "عطشان". قلتُ: لا لم أغضب أبداً لأنه أقرب إليك وإن كان من أحد أقاربي، ودخلنا في حديث آخر يختلف قطعاً عن قضية عطشان.
أسفر هذا الاختلاف عن تغييرات عميقة في سياسة القيادة الحزبية حيث انتصر خط "الإبقاء على عبد الكريم قاسم" بعد أن عاد سلام عادل من موسكو. وتبع ذلك ارسال أو "نفي" عطشان إلى الاتحاد السوفيتي بحجة كونه يحتاج إلى الدراسة في المدرسة الحزبية هناك. وذهب إلى الاتحاد السوفيتي غير أن أخباره انقطعت منذ ذلك الحين، بل وانقطعت عن أهله ومعارفه، والذي اتضح لاحقاً أنه وضع بيد السوفييت الذين منعوا عليه الاتصال بقيادة الحزب أو مغادرة البلاد إلى أي جهة أخرى.
وكان جهاز الـ"كي جي بي" KGB يتابعه بدقة، وقد عرف أنه بذلك قد أزيح كلياً عن المشهد السياسي في العراق.
وحين وقع انقلاب شباط 1963 كان لا يزال في موسكو وقد علم بالضربة الماحقة التي تعرّض لها الشيوعيون في العراق، وقرر الهرب من مكان إحتجازه السياسي في الاتحاد السوفيتي، وتمكن كما يبدو من الحصول على جواز سفر مزور بواسطة الحزب الشيوعي الأردني. وقد أشيع خبر هروبه من المكان المحتجز به، ولكن لا أحد يعلم إلى أين اتجه. فقد قرّر التوجه إلى ألمانيا الشرقية– سابقاً - حيث يوجد لديه هناك العديد من الأصدقاء أحدهم فوزي الذي كان قد التجأ إليها بعد أن حدثت له مشكلة في منطقة "الجعيفر" بمنطقة الكرخ عام 1962.
كان فوزي شيوعياً، وقد تعرّف على عطشان عبر أحد اللاجئين العراقيين بألمانيا. وكان هذا اللاجئ محسوباً على خط الكفاح المسلح بعد إقامته في ألمانيا. واهتم به الاثنان وأخذا يقدمان له المساعدات، حيث حاول في ذلك الوقت إعادة بناء الحزب الشيوعي، فأصدر نشرة حزبية ضد قيادة اللجنة المركزية. وفي تلك الفترة ذاع صيته أكثر من السابق، واعتبر الشخص الأول الذي فكر في إطلاق "حركة الكفاح المسلح"، هذا ما كتبه كاظم السماوي صاحب جريدة "الإنسانية" أيام الزعيم عبد الكريم قاسم في أكثر من مقالة في مطلع السبعينات في المجلات الفلسطينية كـ"الهدف" و"الحرية".
كان السماوي معجباً بـ"عطشان" إلى حد كبير، بحيث يعتبره أهم شخصية سياسية انطلقت من قلب الجيش العراقي، وعملت في صفوف الحزب الشيوعي بطاقة سياسية مذهلة. والشيء نفسه كتب عنه أحد أكبر الكتّاب السوريين والمقصود حيدر حيدر في روايته التي دارت أحداثها حول الشأن العراقي، وتحديداً تجربة الحزب الشيوعي العراقي وحركة الكفاح المسلح. ولكن الكاتب وقع في خطأ غير مقصود،إذْ أشار في روايته الموسومة "وليمة لأعشاب البحر" بأن عطشان ضيول هو الذي أسس حركة الكفاح المسلح في جنوب العراق وهو الذي قاد المقاتلين فيما بعد.
هكذا كلام لم يكن صحيحاً لأنّ عطشان في فترة اندلاع حركة الكفاح المسلح في أهوار العراق في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي لم يكن موجوداً في العراق وإنما في الاتحاد السوفيتي ومن ثم في ألمانيا ويبدو أن الكاتب اعتمد على روايات بعض العراقيين الذين كانوا معجبين بشجاعة وبطولة عطشان.
إن حركة الكفاح المسلح في أهوار العراق التي اندلعت بُعيد انقلاب شباط عام 1963 كانت محدودة وضعيفة للغاية، ولم تتطوّر إلّا في الفترة التي ترافقت مع انشقاق عزيز الحاج وبعد ذلك. ولكن البدايات كانت عبارة عن جيوب للمقاتلين الذين سبق لهم أن هربوا من المدن أو المحافظات إلى الأهوار حماية لأنفسهم من أزلام الانقلاب والحرس القومي.
غير أن التحوّل الكبير لحركة الكفاح المسلح ربما بدأ بعد إعلان أمين الخيون عن تجميع عدد محدود من المقاتلين وانضمام وجوه جديدة وفعالة في هذه الحركة، كالمهندس خالد أحمد زكي، الذي كان يعيش في بريطانيا، وكذلك مظفر النواب بعد هروبه من سجن الحلّة مع مجموعة من المناضلين عام 1967.
كان خالد أحمد زكي الداينمو الحقيقي لحركة الكفاح المسلح، وكان متأثراً بتجربة المكافح والمقاتل العالمي جيفارا.وفضّل هذا المناضل الكفاح المسلح على حياة الرغد وتحوّل إلى مناضل بمنتهى الشجاعة والإباء واستشهد وهو واقف
بقي عطشان متخفياً لدى أحد أصدقائه قرب مدينة "نورنبرغ"، لكنه بعد فترة بدأ يشعر بشيء من المخاطر المجهولة الهوّية، فقرر الانتقال إلى برلين. وفي برلين استقرت حالته بعض الشيء ولكن طبيعته التي تعود عليها لم تتركه منكفئاً، فقد بدأ يفكر جدياً في إعادة بناء التنظيم، إذْ كان خبيراً بالعمل السري لأن معظم حياته قضاها متخفياً، لكنه في هذه المرة أراد أن يبدأ من الصفر، فكانت أولى نشاطاته في برلين هي إصدار نشرة حزبية تبشر ببناء حزب شيوعي جديد. واستطاع عطشان في ألمانيا أن يجمع عدداً لا بأس به من الشيوعيين القدماء الذين وجدوا أخيراً القائد المطلوب. واستمر بعض الوقت في العمل على تأسيس خلايا جديدة إمتد نشاطها إلى الخارج، إضافة إلى إعادة بعض المنقطعين عن الحزب.
بعد فترة من العمل السري المحكم جاء الشخص المعني بالصلة الحزبية، كما هي العادة ولم يجده في البيت فاستغرب كثيراً لأنه كان على موعد معه، وحين انتظر قليلاً أمام شقته بدا يساوره الشك من حدوث شيء ما، فقرر العودة إلى بيته والاتصال به لاحقاً، لكنه بدل أن ينزل إلى الطابق الأرضي مشياً على الأقدام قرر استخدام المصعد الكهربائي الذي يخترق الجزء المفتوح من البناية. وحين أطل من على كابينة المصعد إلى الأسفل لاحظ وجود جثة إنسان مطروحة على الأرض، نزل إليها في الحال وتفاجأ بأنها جثة مسؤوله الحزبي "عطشان"، فصرخ بأعلى صوته "لقد قتلوك"، وأخذ يبكي بصوت عالٍ مما دفع بسكان البناية إلى التوجه نحوه واتصلوا بالشرطة فوراً والتي حضرت إلى المكان ونقلت الجثة في إحدى سياراتها.
وبعد إجراء المسح الميداني على الجثة والمكان سألوا عنه الأصدقاء فعرفوا هوّيته من خلال جواز سفره الأردني. ثم اتصلوا بالسفارة الأردنية. حيث تطلب الأمر قضايا عديدة حتى يتم نقله إلى بلده، إذْ لم يكن لأحد أن يعرف بوجوده في ألمانيا إلّا ثلاثة لأنه كان متخفياً. ولم تكن مصلحة للمخابرات الألمانية بقتله ولا حتى البعثيين العراقيين لأنهم لم يكونوا في السلطة آنذاك. وتوجهت الاتهامات نحو معارفه أي نحو "كي جي بي" أو الحزب الشيوعي العراقي الرسمي.
وعلى الرغم من أن الخلافات الداخلية أكثر حدّة وضراوة من الخلافات مع العدو، الأمر الذي يرجّح احتمالات الانتقام، سواء بتصرف فردي أو لمجموعة قليلة من الأفراد، لكنني  أسقط الاحتمال الثاني لأن منهج الشيوعيين العراقيين طوال تاريخهم لا يحبّذ الاغتيالات السياسية للأشخاص، وإلّا لكانوا اغتالوا أول من خرج عليهم وتواطأ مع العدو وهو "مالك سيف". وأعتقد أن الحزب الشيوعي بريء من قتل عطشان ضيول، لأنني متأكد بأن قيادة الحزب سابقاً ولاحقاً لا تتخذ من هذه الأساليب لتصفية الخصوم أو الشيوعيين المنشقين عليها.
لقد كانت طريقة قتله تدل على احتراف كبير للأشخاص الذين ارتكبوا هذه الجريمة. فقد تبيّن انهم رموه من الطوابق العليا إلى الأرض ولم يستخدموا الرصاص لكي لا يقال إن القاتل هو عنصر عسكري مدرّب.


















ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* فقرة من كتاب يصدر قريباً للدكتور مهدي السعيد بعنوان " الجذور" وهو عبارة عن مذكرات للكاتب مع عنوان فرعي " من أزقة الكرخ العتيقة إلى براغ ولندن ودمشق - سيرة مناضل".

51
نظرة أخرى لمسألة الإتجار بالبشر
عبد الحسين شعبان
 
تحت عنوان “لا طلب.. لا عرض” أعدّت المخرجة المسرحية سمر عسّاف، وبمبادرة من ” مركز الفنون والآداب Mellon Grant في الجامعة الأمريكية في بيروت بالشراكة مع منظمة ” كفى عنف واستغلال”، مسرحية قدمتها وسط جمهور جلّه من النساء والشباب على مسرح المدينة في شارع الحمرا. المسرحية، التي أعقبها نقاش مفتوح مع غادة جبور مسؤولة قسم الإتجار بالنساء في منظمة “كفى”، تناولت موضوع ” الدعارة” والأفكار المغلوطة عنه، واستندت في ذلك إلى مقابلات مسجّلة مع نساء سوريّات ناجيات من شبكة تجارية مختصّة بالإتجار بالبشر ولاسيّما من النساء،  حيث قامت المخرجة عسّاف ذاتها بتسجيل هذه المقابلات بتاريخ 10 ابريل (نيسان) و12 مايو (أيار) 2016 بالتعاون مع غادة جبور.
كما قامت ساندي عيسى وهي مختصة بالصحافة الاستقصائية بتصوير مقابلات مع نساء سوريات ناجيات، إضافة إلى مقابلات مع المقدّم مصطفى بدران الذي اتخذ قرار مداهمة ” بيت الدعارة”، حيث تم احتجاز عدداً من النساء بلغ 75 امرأة. وتابعت المسرحية القرار الإتهامي الصادر بحق الأشخاص المتهمين بالاتجار بالبشر، كما استندت إلى ما يقوله الرجال ” مشترو الجنس″ حول دوافع ممارساتهم وتصوراتهم لعملية الشراء ” الرخيصة” وللمتعة المشتراة، تلك التي وثّقتها بدراسة خاصة. ما يلفت النظر هو الأسلوب المؤثر الذي ناقشت فيه المسرحية بعض الآراء الخاطئة بشأن تجارة الجنس، تلك التي يقترب بعضها من المسلّمات، خصوصاً لجهة شيوعها عن عالم الإتجار بالبشر ولاسيّما بالنساء،وحاولت إخضاع ذلك إلى  منظومة فلسفية فكرية، شكّلت خلفية للمسرحية بجميع مفرداتها، والتي وضعت هدفاً لها هو ” مكافحة الاستغلال الجنسي للنساء والاتجار بهن” والهدف الأعمق والأوسع هو “رفع الوعي” إلى خطورة هذه المسألة التي ترتبط فيها قضايا أخرى مثل تجارة المخدرات وغسل الأموال وتجارة السلاح والإرهاب الدولي. وكانت منظمة “كفى” قد أطلقت حملة في العام 2014 بعنوان ” الهوى ما بينشرى”.
ومن الأخطاء التي تكاد تكون راسخة في هذا الميدان هي تلك التي تزعم ” إن الدعارة أو تجارة الجنس هي أقدم مهنة في التاريخ” ولكن المهنة تتطلّب تأمين الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية والأمن الذاتي، ومثل هذا الأمر مفقود في عملية بيع وشراء الهوى، حيث تتعرّض نسبة كبيرة من النساء إلى أشكال العنف المادي والمعنوي، فضلاً عن العنف الجنسي على يد مشتري الجنس والوسطاء وغيرهم. وتشير إحصائية إلى أن نسبة الوفيات من النساء اللواتي يتعاطين هذه المهنة هي أكثر من 40 بالمئة لدى غيرهن، لذلك إن قدِمْ هذه المهنة لا يبرّر القبول بها كظاهرة حتمية للمجتمعات، وإلاّ فإننا سنقبل بالجريمة بوصفها موجودة منذ القدم.
إن هذه المهنة هي ليست مهنة اختيارية للنساء، وإنما هي اضطرارية ومفروضة وأحياناً بسبب غياب الخيارات الأخرى، والغالبية الساحقة من النساء دخلنها وهنّ دون السن القانوني بسبب الفقر والحاجة وظروف اجتماعية واقتصادية وشخصية قاسية، الأمر الذي يتنافى مع مبدأ الخيار الحر. ويتم الترويج أحياناً إلى إن مثل هذه الممارسة الجنسية، هي من قبيل الحرّية وهي حق للمرأة للتصرّف بجسدها، لكن الظروف التي تجبر المرأة على ممارستها، ولاسيّما الحاجة إلى المال تجعلها خاضعة للرجل الذي يعبّر عن ذكوريته وتسيّده في شراء الجنس. وأشارت دراسة لمنظمة كفى إن 80 بالمئة من مشتري الخدمات الجنسية، هم من الذين يشاهدون أفلاماً جنسية ويحاولون تمثيلها مع النساء من خلال شراء الجنس. وتبرّر بعض الأطروحات الخاطئة إن الرجل بحاجة إلى تعدّدية الممارسة الجنسية لأنه لا يستطيع السيطرة على شهواته، الأمر يدفعه لتبرير شراء الجنس، وتلك مسألة تشكّك بها الدراسات الاجتماعية والنفسية، مثلما تقول وجهة نظر أخرى خاطئة لو لم تعرض المرأة جسدها للبيع، فسوف لا يجد الرجل الخدمات الجنسية لشرائها، مثلما هناك وجهة نظر أخرى تقول إن تحريم تجارة الجنس يجعلها سرّية أو غير مرئية، الأمر الذي يحمل فكرة خاطئة تدعو إلى ترخيص بيعه، بمبرر إنه سيبقى تحت الرقابة ومقنن شرعياً.
وحسب القانون الدولي فإن الإتجار بالأشخاص بهدف الاستغلال الجنسي محرّم، خصوصاً استغلال الضحايا وأوضاعها الصعبة، الأمر الذي يجعل من ذلك جريمة يحاسب عليها القانون، لاسيما استغلال الموقع الضعيف للنساء وخداعهن أو تهديدهن أو ابتزازهن، لاستقطابهن أو إبقائهن في دائرة بيع الخدمات الجنسية. لقد وظّفت المسرحية تقنية آليكي بلايت ” التوصيل المسجل” واعتمدت على مونتاجات لمقابلات من الحياة اليومية، وجاء عرضها على هامش ” إعادة الإعمار ما بعد الحرب: سوريا والعراق واليمن وفلسطين”. إن مسألة الاتجار بالبشر ومنها تجارة الجسد مسألة قانونية وحقوقية وأخلاقية ودينية، إضافة إلى كونها مسألة إنسانية أساساً، ولا بدّ من حملة توعوية وتربوية بين النساء والرجال، لوضع حد لآثارها الضارة، ناهيك عن إنزال أقسى العقوبات بمرتكبيها.
{ باحث ومفكر عربي


52
ما بعد الموصل.. «داعش» و«الداعشية»
                     
د. عبد الحسين شعبان

من السابق لأوانه القول إن هزيمة «داعش» في الموصل هي نهاية له، على الرغم من الجانب الرمزي في سياق مواجهة التنظيم الإرهابي. والأمر له علاقة بأسباب داخلية وأخرى خارجية، وله أبعاد فكرية ودينية وطائفية وسياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية وتاريخية وتربوية ونفسية، أي أنه يتعلق بمجمل الأوضاع التي أدت إلى نشوء التنظيمات الإرهابية، ابتداء من تنظيم القاعدة ووصولاً إلى تنظيم «داعش». وبقدر ما هناك بيئة عراقية ساعدت على نشوئه، فهناك فضاء إقليمي ساهم في انتشار فيروسه، وتأمين حركته وانتقاله، مستفيداً من أوضاع دولية وإقليمية.

وإذا كان دخول الجيش العراقي جامع النوري الكبير الذي أعلن منه أبو بكر البغدادي دولته في يونيو/ حزيران العام 2014، قد طوى صفحة من صفحات التنظيم، فإن صفحات أخرى، ربما أهم بحاجة إلى أن تطوى تماماً، ليُصار إلى إغلاق هذا الملف كليّاً والتخلّص من تبعاته وآثاره، وقد يحتاج الأمر إلى وقت وجهد لا يمكن الاستهانة بهما لتحقيق هذا الهدف. والأمر لا يتعلق بالعراق فحسب، بل في سوريا أيضاً حيث تتزامن المعارك لتحرير الرقة من قبضة «داعش»، وفي بقية المناطق والبلدان التي عمل فيها «داعش» ولا يزال، مثلما هناك بلدان أخرى لديه فيها خلايا نائمة حتى وإن لم تظهر إلى العلن أو أنه لم يقرّر تنفيذ عمليات إرهابية مباشرة فيها، لكنها تعتبر ممرّاً وعيناً ومموّلاً له.

لم ينشأ «داعش» من فراغ، بل هو حصيلة ثقافة سائدة بأشكال مختلفة سيطرت على عقول شباب يائس جرت عملية غسل دماغ لهم بشكل منهجي طوال عقود من الزمان، ووجدت ضالتها في الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، حيث الفقر والجهل والأمية وشحّ الحرّيات والتمييز، إضافة إلى الإذلال الذي تعرّضت ولا تزال له شعوب بكاملها جراء اختلال نظام العلاقات الدولية، وكل ذلك أوجد مناخات لانتعاش الإرهاب وتفقيس بيضه، لاسيّما بفشل الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال في العديد من دول المنطقة وعدم قدرتها على إنجاز مهمات التحرر الوطني وتحقيق التنمية المنشودة بمختلف جوانبها، يضاف إليها دور العنصر الخارجي والتدخّلات الأجنبية والحروب والاحتلال والعدوان المستمر.

ولعبت المدرسة بشكل عام والمناهج التربوية بشكل خاص، إضافة إلى بعض المؤسسات الدينية وبعض رجال الدين بخطابهم الماضوي الإلغائي إزاء الآخر، دوراً سلبياً في نشر أجواء التشدّد والتعصّب المنتجة للتطرّف، وهذا الأخير حين يتحوّل من الفكر إلى الممارسة، ينتج عنفاً وإرهاباً، كجزء من عقيدة استعلائية تدّعي امتلاك الحقيقة والأفضلية بالتعكّز على الدين وزعم القرب إلى الله، الأمر الذي ساعد في سيادة الخطاب الآحادي والتفسير «الإسلاموي»، باعتباره مقدساً وغير خاضع للنقاش والجدل، علماً بأنه مجرد اجتهاد فقهي قابل للخطأ والصواب.

هكذا نمت «الداعشية» في إطار المنظومة الثقافية السائدة، خصوصاً بضعف المواطنة أو الشعور بها وغياب أو شحّ مبادئ الشراكة والمشاركة والمساواة والعدالة الاجتماعية التي هي أركان أساسية للمواطنة، فما بالك حين تمارس سياسات تمييزية وانتهاكات لحقوق الإنسان.
والآن كيف يمكن أن تسهم عملية تحرير الموصل في دحر «داعش» والأهم من ذلك في القضاء على «الداعشية» كفكر إرهابي، إقصائي، استئصالي متطرّف وضد قوانين الطبيعة والمدنية والعصر؟ ف «الداعشية» لا تزال تمتلك تأثيراً آيديولوجياً على قطاعات يائسة من الشباب لشعورها بالتمييز والقنوط وانعدام الأمل. وحتى من الناحية العسكرية والسياسية ف «داعش» ما زال يهيمن على مناطق أخرى مثل قضاء تلعفر القريب من الموصل وصحراء نينوى والأنبار، إضافة إلى قضاء الحويجة وقضاء الشرقاط والشريط العمراني الواصل بين قضاءي حديثة والقائم على الحدود العراقية - السورية، وذلك بالطبع يحتاج إلى جهد مركّب ومتنوّع بما فيه حملة دعائية وفكرية ضده بمنظومة قيمية نقيضة له.

صحيح أن هزيمة «داعش» العسكرية في الموصل ستنعكس إيجاباً على المعارك التي ستدور في هذه المناطق على الرغم من استحقاقات كل واحدة منها، الأمر الذي يتطلّب جهداً عسكرياً واستخبارياً وأمنياً مكثّفاً دقيقاً وهادفاً للحفاظ على أرواح وممتلكات المدنيين، إضافة إلى جهد ثقافي وتربوي وديني واقتصادي واجتماعي لمواجهة الفكر «الداعشي» و«الداعشية» عموماً، خصوصاً بتفكيك خطابها وعناصر فكرها وفقاً لمنهج متسامح وإنساني وعصري.
إن القضاء على «الداعشية» يحتاج إلى مشروع بديل، بحيث يتكرّس الانتصار الفكري استراتيجياً بمختلف الجبهات والميادين ليستطيع أن يحلّ محلّ «داعش» و«الداعشية»، والمدخل إلى ذلك في العراق هو سرعة إعادة بناء ما خرّبته الحرب وإعادة النازحين إلى مناطقهم وتعويضهم، والشروع في تنمية البلاد وفق خطط مدروسة ومتدرّجة، وحل مشكلة المناطق المتنازع عليها بتطبيق المادة 140 من الدستور، وبالطبع، فالأمر يحتاج إلى توفّر إرادة سياسية موحدة وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية، وإعلاء شأن المواطنة كقيمة عليا خارج نطاق نظام المحاصصة الطائفية - الإثنية ووضع حد لظاهرة الفساد، الوجه الآخر للإرهاب، فذلكم هو السبيل للقضاء على «الداعشية».



53
العنف والإرهاب وما بينهما
د. عبد الحسين شعبان

غالباً ما يُطرح بُعيد كل عمل إرهابي السؤال عن العلاقة بين العنف والإرهاب، وهل كل عمل عنفي هو عمل إرهابي؟ وأين يمكن إدراج حقّ الدفاع عن النفس؟ وكيف السبيل للتحرر من شباك العنف وبالتالي الإفلات من شرنقة الإرهاب؟
ولأنّ الإرهاب يضرب في كلّ مكان، وهو في الأغلب الأعمّ يكون عشوائياً، فإنّ هدفه تهديد المجتمع وإرعاب الناس وإضعاف الثقة بالدولة وإعلاء شأن الجماعة الإرهابية، فذلك لأنّه لا ينشغل بالضحية، بل يرتكب عمله بقصد إلغائي، تدميري، في محاولة لفرض نمط «مختلف»، وسلوك «غريب» وحياة «غير مألوفة» لما هو سائد، وذلك بواسطة القوة والعنف، كما هو إرهاب تنظيم «داعش» مثلاً.
ثمة فوارق أحياناً بين العنف والإرهاب، وإن كان كلاهما يشكّلان جريمة بالتجاوز على القانون، لكن معظم الجرائم التي تقوم بها القوى الإرهابية تتم ضدّ مجهول وفي قطاعات شعبية، لا علاقة لها بالصراع وبما يحدث، في حين أن العنف يستهدف الضحايا بالتحديد، أي أنه يختارهم اختياراً، لغرض محدّد.
الإرهاب والعنف جريمتان تستهدفان ضحايا، لكن الجريمة الأولى هدفها يختلف عن الجريمة الثانية، فجريمة العنف تندرج تحت لواء القانون الجنائي ضدّ أفراد أو جهات محدّدة، في حين أن جرائم الإرهاب تُحتسب على الجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم جماعية وجرائم إبادة وتحكمها قواعد القانون الإنساني الدولي، إضافة إلى القوانين الوطنية.
وهنا لا ينبغي أن نهمل الجانب الفكري للإرهاب فهو يمثّل فكراً ناجماً عن تطرّف وهذا الأخير يقوم على التعصّب. وإذا كانت المجابهة مع الإرهاب عسكريّة فإنها لن تؤدّي إلى القضاء عليه لوحدها، بل ينبغي أن تتعدّاه إلى تفكيك الظاهرة ومتابعة حلقاتها وكشف أهدافها ووسائلها، ومحاربتها بفكر مضاد وبوسائل مختلفة، ف«الوسيلة جزء من الغاية»، بل إنهما مترابطان، ولا غاية شريفة بدون وسيلة شريفة، وعلى حدّ تعبير المهاتما غاندي، «الوسيلة والغاية مثل البذرة من الشجرة».
وإذا كان الفكر الإرهابي أحاديّاً وإقصائيّاً ومعادياً للآخر، فإنّ الفكر النقيض الذي تحتاجه مجتمعاتنا ينبغي أن يقوم على الاعتراف بالآخر، والإقرار بالتعددية والتنوّع، وهذا يتطلّب نبذ التمييز بجميع أشكاله، سواء كان دينياً أو إثنياً أو بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو الأصل الاجتماعي أو لأي سببٍ كان، أي الاعتراف بمبادىء المساواة.
الإرهابي لا يؤمن بالحوار ويحاول أن يبسط سلطانه على محيطه بالقوة، وبدلاً من الإقناع يلتجئ إلى التفجير والمفخخات خارج أي اعتبار إنساني، طالما تتلبسه فكرة «امتلاك الحق» والسعي للوصول إلى هدفه بكل الوسائل، المشروعة وغير المشروعة أحياناً، وقد تكون هذه الأخيرة بنظره مشروعة، طالما يحاول «أدلجة» سلوكه وإعطاء نفسه مبرّرات قمع الآخر أو تصفيته، سواء كان ذلك بزعم الدخول إلى الجنّة أو إبادة الخصم الكافر أو القضاء على المروق والإلحاد، أو غير ذلك من محاولات إخضاع الآخر.
وإذا تمكّن التطرّف من التوغّل في العقول، والتغلغل فيها، فإنّه سيتمكّن ممّن يُصاب بلوثته، خصوصاً من تعرّض لعمليّة غسل دماغ لدرجة تعمي بصيرته وتشلّ مشاعره الإنسانية، ليقوم بفعلته، سواء بتفجير نفسه أو تفجير عدوّه أو خصمه، أو السعي لإذلاله والقضاء عليه.
ولكن ما السبيل لقطع دابر الإرهاب؟ هل بالعنف أو بالقوة والوسائل العسكريّة ؟ التجارب أكّدت إن المعالجة الأمنية غير كافية لوحدها، لأن الإرهاب يتناسل ويتوالد إذا ما استمرّت الظروف المؤاتية لتناميه، إذ لا يمكن القضاء على الإرهاب إلاّ بنشر الفكر المعاكس والمضاد، وبالمزيد من احترام الحقوق والحرّيات واعتماد مبادئ المواطنة المتساوية وتحقيق القدر الكافي من العدالة وتحسين ظروف العيش الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية.
لقد سمّم الإرهاب القائم على التطرّف والتكفير علاقات المجتمعات مع بعضها بعضاً، وأضرّ بعلاقات فئاتها وأديانها ومذاهبها وحتى أفرادها، مثلما أشبع المجتمعات الدولية بهواء ثقيل ورائحة كريهة، ولكن الخطر الأكبر هو السيطرة على عقول الشباب أفراداً وجماعات والعبث بها، خصوصاً بزراعة الكراهية وتبرير العدوان وإيجاد الذرائع لإقصاء الآخر واستسهال عمليات القتل والتفجير.
وإذا كانت يد الإرهاب طويلة وضاربة، فليس ذلك بفعل الإمكانات المادية والاقتصادية فحسب، فمثلها بعشرات ومئات الأضعاف يوجد في العالم، لكن التطرّف والتكفير قوي بقدرته على اختراق عقول الشباب العاطل، الممسوس بكرامته والشاعر بشحّ فرص العيش الكريم وانعدام العدالة وعدم المساواة وحالات الإحباط واليأس التي يصاب بها.
drhussainshaban21@gmail.com


54
عن المصالحة الوطنية وإدارة الأزمات
                     
عبد الحسين شعبان

راجت في العقود الأخيرة، خصوصاً بعد تجربة الانتقال السياسي في أوروبا الشرقية وجنوب إفريقيا، وبعض دول أمريكا اللاتينية، فكرة المصالحة الوطنية، ووَجدت هذه الأخيرة في «العدالة الانتقالية» وسيلة لتحقيقها. وفي المنطقة العربية ارتفع الجدل، واتسع النقاش حولها، بين موالاة ومعارضة، بعد موجة ما أطلق عليه ب«الربيع العربي»، تأييداً، أو تنديداً، فهناك من يرفعها إلى درجة التقديس، في حين أن هناك من ينزلها إلى درجة التدنيس، ولكل تفسيراته، ومبرراته. وبين هذا وذاك، فالمصالحة الوطنية، كما أكدت العديد من التجارب الكونية مسألة ضرورية للانتقال الديمقراطي.
لكن المصالحة الوطنية تحتاج إلى شروط ومستلزمات لإنجاحها، مثلما تستوجب وجود جهة معتمدة لإدارة النزاع، وهذه الجهة يمكن أن تفرزها التطورات ذاتها، لا سيما بتبادل المواقع بين معارضات سابقة، وحكومات معزولة، وما بينهما، حيث تبرز مشكلات عدة، واتهامات وملاحقات، تحتاج إلى الفصل فيها من جانب القضاء، أو عبر عملية سياسية انتقالية جديدة، وهو ما يندرج في إطار العدالة الانتقالية، التي تكون المصالحة الوطنية ختامها. كيف السبيل للوصول إلى المصالحة الوطنية المنشودة، خصوصاً بعد اندلاع العنف، وانفجار الصراع المسلح؟ بالتأكيد سيكون ذلك صعباً، بل عسيراً أحياناً، ولكنه ليس مستحيلاً، فقد توصل الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس، إلى إنهاء النزاع المسلح مع المعارضة، الذي دام 52 عاماً بفعل توفر إرادة سياسية، ووصول الطرفين إلى قناعة أنه لا يمكن لأحدهما القضاء على الآخر، الأمر الذي يحتاج إلى تقديم تنازلات متبادلة وصولاً للمصالحة الوطنية.
ويتطلب ذلك أحياناً جهوداً كبيرة قد تتخطى القدرات الوطنية، لتتشابك مع قدرات إقليمية ودولية، وهي من دون أدنى شك تحتاج إلى اتخاذ تدابير وإجراءات استثنائية، لأن العنف ومحاولات الاستئصال تقود إلى شق المجتمعات بين موالين وأتباعهم، ومعارضين وأنصارهم، وستترك بلا أدنى شك، تداعيات اجتماعية خطرة، لا سيما إذا طال أمدها، لأنها ستؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، والروابط التقليدية.
والمسار الذي تتخذه إدارة الأزمات يبدأ بمحاولة الاحتواء containment، ثم يأخذ منحى تحويل الأزمة transformation، وأخيراً البحث عن الحلول الممكنة، أي اتخاذ قرار resolution بعد بحث ونقاش واتفاق، وقد يستغرق ذلك فترات زمنية طويلة وخطوات تدريجية، وصولاً لإنهاء النزاع، وتحقيق المصالحة الوطنية، أي تحويل النزاع العنفي العسكري إلى نزاع مدني إيجابي وبناء، تتم فيه معالجة مسببات النزاع الرئيسية، وصولاً إلى حله. ويحتاج ذلك إلى فتح حوارات واسعة، والبحث عن المشتركات المشروعة للأطراف المتنازعة، والسعي للتغلب على بعض المعضلات، لا سيما التوصل إلى توافق وطني يقدم الأولويات الوطنية على المصالح الخاصة، بأخذ أهداف الفرقاء المتنازعين في الاعتبار.
وتعتمد إدارة الأزمات على مسارات متعددة عبر تفعيل الدبلوماسية الرسمية والشعبية، والاستعانة بالتعليم والبحث العلمي وقطاعات المال والأعمال والإعلام والاتصالات، إضافة إلى دور بعض رجال الدين والشخصيات الاجتماعية والثقافية، كما يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دوراً إيجابياً على هذا الصعيد، لكن ثمة عقبات تعترض الوصول إلى المصالحة الوطنية المنشودة، من أهمها تسييسها، أي جعلها وسيلة لإملاء الإرادة بفرض تنازلات من طرف على حساب طرف آخر. مثلما تتشبث بعض الأطراف المستفيدة من استمرار الصراع بمواقفها وإصرارها على محاكمة عهد كامل، أو اجتثاث جميع من كان بارزاً فيه، الأمر الذي سيكون عقبة أمام التوصل إلى مصالحة وطنية شاملة.
إن حالة عدم الاستقرار السياسي، والانفلات الأمني، وضعف المؤسسات العسكرية، وجهات إنفاذ القانون، تحول دون إنجاح المصالحة الوطنية، لا سيما إذا كان السلاح منتشراً، والثقة بين الفرقاء المتنازعين غائبة.
أما الخطوة الأولى لنجاح عملية المصالحة فإنها تتطلب اعترافاً رسمياً بما حصل من انتهاكات لحقوق الإنسان، ومساءلة المتهمين بارتكابها، لا سيما إذا كانت انتهاكات جسيمة، وممنهجة، والهدف ليس الانتقام والثأر بقدر ما يُراد التوصل إلى إحقاق الحق وتحقيق العدالة، مع أخذ مبادئ التسامح في الاعتبار.
وحسب تعبير لزعيم عراقي راحل، ينبغي اعتماد مبدأ «الرحمة فوق القانون»، وهو ينطبق أكثر على الظروف الاستثنائية، وهي التي نطلق عليها تعبير «العدالة الانتقالية»، أي أنها عدالة مؤقتة وانتقالية، محكومة بظروف استثنائية، وبانتقال البلاد من طور إلى طور آخر، ومن نظام إلى آخر، باستخدام أدوات قضائية وسياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وغيرها، كما ينبغي أن تبقى الذاكرة الوطنية حية، حين يتم جبر الضرر وتعويض الضحايا والمتضررين، مادياً ومعنوياً، وإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، لكي لا يتكرر ما حصل.
drhussainshaban21@gmail.com


55
 آراء ومناقشات
في تجديد الفكر الديني: مساهمة في الحوار الدائر حول الإسلام والحداثة(*)
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكر عراقي.

(*) في الأصل ورقة قدمت إلى: ندوة «الإسلام السياسي بين المعارضة الاحتجاجية وتحمّل مسؤولية الحكم»، منتدى الجاحظ - تونس، بتاريخ 24 أيلول/سبتمبر 2016.
(**) البريد الإلكتروني:   drhussainshaban21@gmail.com.
تمـهيـــد
تندرج مسألة «الإسلام والحداثة» في إطار تجديد الفكر الديني من خلال أسئلة شائكة ومعقّدة تتعلّق بالرابط الذي يمكن الإسلام أن يطلّ فيه على عالم الحداثة. فرغم التطوّر الهائل الذي حصل في العالم على مستوى العلم والتكنولوجيا والاتصالات والمواصلات والإعلام والمعلومات، بما فيه الطفرة الرقمية (الديجيتل)، فإن الإسلام، وبالأحرى الفكر الإسلامي، لا يزال يراوح عند بوابة الحداثة، بل حتى دونها، ويخشى كثيرون الدخول فيها أو اجتياز عتبتها؛ فهناك ما يشدّهم إلى الخلف، ويحجب عنهم النظر إلى المستقبل بزعم الأصولية والسلف الصالح وغير ذلك من التبريرات.
الحداثة (Modernity)، تعني نقض القديم والتقليدي، وإطلاق الحرّية للعقل والتفكير في حركة نهوض وتطوير وإبداع هدفها تغيير أنماط التفكير والعمل والسلوك، وهدفها تبديل النظرة الجامدة للأشياء والكون والحياة، والتقليل من سلطات المقدس، ولكنها في الوقت نفسه تشترط التغيير والتجديد وتخطي الأساليب القديمة؛ فالماضي أصبح ماضياً، ولا يمكن استعادته أو العيش فيه، مثلما سيصبح الحاضر ماضياً وقديماً، وتلك سنّة الحياة، إذْ إن التغيير هو السمة المطلقة في الحياة، وما عداه فهو نسبي.
الأمر الذي يحتاج إلى تحديث (Modernization) هو الفكر الديني، وهذا له مدلول تاريخي ودينامية لتحوّلات بنيوية، مثلما حدثت في أوروبا منذ القرن السادس عشر حتى تبلور في الثورة الصناعية والثورة العلمية - التقنية التي رافقتها والتي قادت إلى الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا في القرن التاسع عشر.
والفكر الحداثي (Modernism) يعني التخلص ممّا يحول دون تقدّم الفكر وتطوّره، ولا سيّما حبسه في إطار من التقليد والمحاكاة للماضي، وحسب ألان تورين، فالحداثة تحتاج إلى عقلانية (Rationalism) وإلى انفجار معرفي، بحيث يصبح التركيز على العقل والعلم، فهل يصل الإسلام والفكر الإسلامي إلى ذلك؟ أم أن ثمّة معوّقات تقف حجر عثرة أمامه؟ وهل سيتمكّن الفكر الإسلامي من اجتياز بوابة الحداثة، الأمر الذي سيعني دخول عالمها، وبالتالي هل يستطيع تكييف التعاليم الإسلامية بحيث تستجيب لروح العصر بتقديم قراءات جديدة تنسجم مع التطوّر الكوني‏ .
أولاً: الديني والعلماني
إذا كانت أسئلة الجدل بين الدين والعقل قد صيغت في الماضي البعيد والقريب على أنحاء مختلفة ومتباينة لمفهوم الدين نفسه، فإن سؤال الدين من داخل الدين سيطرح إشكالاته النقدية هذه المرّة في ضوء البحوث المنهجية المهمومة بالانتقال من مهمة تجديد الخطاب الديني، إلى مهمات تجديد الفكر الديني ذاته، لأنه لن يكون في الإمكان تجديد الخطاب من دون تجديد الفكر، ولا سيّما بجعله يستجيب للتطورات والمتغيّرات ويتساوق مع روح العصر.
كما أن سؤال الدين من خارج الدين يشتبك مع سؤال الدين من داخله، لأن كليهما ينشغلان بالهمّ الفكري والإنساني والروحي، سواءٌ كانت تفسيراته مثالية أو مادية، بأسبقية الوعي أو بألحقيته، باعتباره انعكاساً للوجود المادي‏ .
السؤالان: الدين من داخله والدين من خارجه، يتداخلان من خلال علاقة السياسي بالديني، وكيف يمكن التواؤم بين الديني كمنظومة وبين السياسي، كمتحرك قابل للائتلاف، والاختلاف، وعلى أي قاعدة يمكن البناء، وما هي عوامل التلاقي وعوامل التعارض، وهل يمكن تحديد حقل كل منهما ليتم بالتالي احترام حقوقه وواجبات الدين والسياسة كحقلين منفصلين.
وإذا كان الأمر قد اقتصر في الكثير من الأحيان على تفسير العقائد الدينية، التي يتعلّق بعضها بالظواهر الغيبية وتعطّش البشر الروحي للشعور بالطمأنينة الداخلية، ولا سيّما في ظل عجز الإنسان عن تفسير وحلّ الكثير من الأسئلة التي تواجهه، فبعضها الآخر يتعلق بجانبها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بالقدر الذي يمكن أن تكون جزءاً من الصراع الدائر بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والطبيعة، كسياق لصيرورة وجودية لامتناهية، وبالقرب أو البعد من المُثُل والقيم التي تروّجها الأديان والفلسفات والأفكار، وخصوصاً التي تريد تأمين سعادة الإنسان ورفاهه، سواءٌ في الدنيا أو الآخرة، ولنا في تفسير هيغل للدين مثـلاً، فقد كان بالنسبة إليه يعني الرغبة في السمو الإنساني نحو الأعلى والأكمل ومن خلاله يتجسّد «الإله»، وهو ما قام فيورباخ بنقده، ومنه استمدّ ماركس رؤيته في شأن الدين‏ .
وضمن هاتين الرؤيتين؛ التاريخانية والغيبية للدين، أو المثالية والمادية، ابتدأ النقاش المثير للجدل في زمن الحداثة وما بعدها ليزداد الإشكال المتعلق بالوعي الديني، إلى أن أصبح الكلام على مقدرة الدين على مواجهة العصر وتحدّياته ينحصر في مجموعة من الدراسات والأطروحات والأفكار والمقترحات النظرية، لكيفية طرح التجديد ضمن التباس العلاقة بين النقل والعقل وبين الشريعة والزمن، أي بين الثابت والمتحرّك، أو بين القطعي الدلالة والظنّي الدلالة، أو فلنقل بين القابل للانفتاح على الفكر والعصر، وبين المغلق على النص والزمن!
من هنا كان لا بدّ من فتح ملفات التجديد والاجتهاد والحداثة لمقاربة الهواجس المشتركـة بين الديني والعلماني في زمن الحداثة‏ ، على أن يتم انتهاج أسلوب الحوار الموضوعي الهادف إلى إتمام التكامل بين الدين والدنيا، لأن المسألة لا تتعلق بقيم السماء فحسب، بل إن الإشكالية تكمن في الأرض، ويدور الصراع حول القيم والمفاهيم التي يجسّدها الدين والفكر فعـلاً لا قولاً، وارتباطاً بمفاهيم الحرية والعدالة وسعادة ورفاهة البشر.
لقد وضع هيغل مفهوماً واضحاً للحداثة واستخدمه في سياقات تاريخية للدلالة على حقبة زمنية محدّدة، معتبراً أن الحداثة بدأت مع عصر التنوير، وقال إن الحرية مكوّن عظيم الأهمية للحداثة، وأنها بمنزلة «الروح». ومرّت فكرة الحداثة بتطورات عديدة من ديكارت، صاحب «الحداثة الفلسفية» (أنا أفكر إذاً أنا موجود) إلى ماكس فيبر الذي ربطها بتطور العقلانية والبيروقراطية في الرأسمالية، تلك التي مهّدت لمنجزات كبرى في إطار الثورة العلمية - التقنية.
وعلى الرغم من تلقينا النصَّ الديني بكل الاحترام والتقدير، إلا أن المسافة الزمنية بين زمن النص الأول وبين زماننا الحالي، تدفعنا إلى البحث والتساؤل عمّا إذا كان الموجود بين أيدينا حالياً من معطيات وشواهد، أو الذي وصلنا، هو نفسه من «وحي» اللحظة الأولى، أو فلنقل هل العلاقة اليوم بين وعينا الفكري وتطبيق حَرفية (نصيّة) النص تؤدي إلى ذات النتيجة المطلوبة في زمن الوحي الأول والمتلقي الأول؟!
ويمكن أن نسأل بعبارة أخرى: هل المكوّنات الدلالية للنص واحدة وثابتة في كل المسافات الزمنية بموجب وحدة النص نفسه ووحدة مصدره المقدس؟ وهل ما يطرأ على الزمن من تغييرات ومستجدات أساسية وجوهرية، تفرض التقيّد بحرفية النص أو تسمح بالتغييرات؟ وإلى أي مدى يمكن التحرك لربط النص والعصر وأسلوب التلقي؟
لقد وصلنا النص الديني عبر طرق النقل البشرية من خلال الفعاليات الاجتماعية والمدارس الفقهية، وكان للعقل والوعي البشري التأثير الأول والأساس في عملية النقل والتدوين والتصنيف والانتقاء والعرض. وفي حالات كثيرة، ومن خلال مناقشة النص بالنص ذاته، نجد أن بعض العلماء قد لجأوا إلى التشدّد في التزام الحَرفية (النصّية) تغطية لهشاشة مقدرتهم المعرفية أو لضعف في مقدرتهم العقلية التي من المفروض أن تعمل على استنباط ما يتناسب مع العصر ومتغيّراته وتيسّر كل ما له علاقة بالدين بحيث يصبح مقبولاً ومنسجماً مع متطلبات عصره.
ولو أخذنا في الحسبان أنَّ قسماً غير قليل من مكوّنات الماضي قد فُقدت، إمّا لعدم تدوينها المباشر أو لاختلال في دقة النقل، كأن يُنقل جزء من الحدث لا كامله، فإن ذلك يشكّل مشكلة الوقوع في نصف الحقيقة، أو بمعنى يمكن القول: إن ما نُقل هو انطباع أو تصوّر أو تفاعل الناقل مع الحدث وعنه لا الحدث نفسه، مع احتمال أن يكون الحدث المنقول منتقصاً من مجمل معطياته وملابساته؛ ودرجة الاحتمال هنا عالية.
هذا إضافة إلى تعارض المعطيات نفسها وتناقضها، ما يعني أنَّ الحدث الماضي ذهب ولم يعد في الإمكان تمثله أو تصوّره بالكامل، كما كان لغياب أكثر أجزائه المكوّنة له ولحصول التشويش في الجزء المنقول منه، يجعله غير دقيق أو لا يفي بمتطلّبات إجلاء الحقيقة كاملة.
أضف إلى ذلك تعرّض النص الديني الشفاهي نفسه لتحوُّل نوعي في طبيعته زمن صدوره، ولا سيَّما بانتقاله من الشفاهة إلى التدوين، وهذا التحوّل لم يعد تحوّلاً شكلياً، بل ينال من نظام الاتصال وحال العلاقة لا بين المتكلم والمستمع فحسب، بل بين نص ومتلقٍّ، ما يعني أن المتلقي الأول قد انتهى إلى الأبد ولا يمكن استرجاعه، وأن مُبَلِّغ النص لم يعد حاضراً مع نصه، بل أصبح النص هو المعبّر الحصري له.
وهكذا حلّت الكتابة المدوّنة بدلاً من صوت المتكلم، الذي بلَّغ الوحي، وفقد الكلام قوة التأثير الموجودة في الخطاب الشفهي ومجمل التأثيرات المرافقة (نبرات، إيماءات، حركات جسدية معبرة...)، التي لا يمكن النص المكتوب أن ينقلها، وبالتالي فإن كل مكوّنات أو ملابسات حدث التبليغ والتلقي الأول ستكون غائبة‏ .
والتجديد لا يعني تغيير النصوص، بل يعني تغيير الفهم لتلك النصوص بما يتناسب مع الحال المعاصر. وللأسف فإن بعض علماء العصر اعتادوا ألّا ينظروا إلى النصوص الدينية إلا من خلال الفقه القديم والتراث، ولا سيّما الموروث منه كونه يمثّل القدرة على فتح مغاليق الفهم الصحيح للحاضر، وأن أي خروج عن نص الفقيه هو خروج عن الملّة. بينما المطلوب هو التدبّر والبحث عمّا يتوافق ويتناسب مع واقع اليوم، الذي أصبح مختلفاً، اختلافاً جذرياً عن واقع الأمس البعيد في زمان الفقه القديم.
إن الاجتهاد، مَلَكَة فطرية مكتسبة، تحصل للفقيه، ويُمْكِنُه - من خلالها - أن يختار من النصوص والاجتهادات ما يتلاءم مع الظروف المستحدثة، وما يتناسب مع واقع الحياة المتجدّد وما يمكن استنباطه من الأحكام والقواعد.
ثانياً: عن فكرة الإسلام دين دولة
إذا ما أخذنا مقولة أن الإسلام دين يصلح لكل زمان ومكان‏  بحسب نصّيتها وحرفيتها، بما فيها من أحكام وقواعد خضعت لزمانها وكانت تعبيراً عنه، فإن هذا يعني أن الإسلام ليس بحاجة إلى التحديث والتجديد والتناغم مع التطور العلمي والتكنولوجي والعولمة والحداثة وما بعدها؟ لعل استنتاجاً مثل هذا سيقود إلى التحجّر والصنمية والجمود، من خلال نص لا يمكن تكييفه لمتطلبات الزمن، أو إعادة قراءته بما امتلك الإنسان من تطور عقلي واكتشافات علمية!
وهكذا فإن مثل هذا الحكم سيعني إقفال باب التطوير والتجديد للفقه الإسلامي ووضع حاجز لا يمكن اختراقه بين الماضي والحاضر، في حين أن أي فكرة أو فلسفة أو دين ستكون صالحة بقدر ما يمكن تكييفها وتحديثها وعصرنتها، بما يتمشى مع تطور العصر والزمن.
وإذا ما أقرّينا بأن قواعد الدين الإجمالية هي كلّية وشاملة أي عامة ومجرّدة، فعلينا أن نبحث في الجزئيات والتفاصيل، لأن أمرها متروك للاجتهاد ومفتوح على الزمن فهي غير محصورة الحدوث في واقع واحد، وهذا ما يدعو إلى استنباط الأحدث من الاجتهاد الدائم المستمر.
وإذا كانت البشرية قد تقدّمت في شتى الميادين وخطت خطوات جادة في ميدان العلم والمعرفة والثقافة، وأضافت كمّاً هائلاً من المعلومات يزداد ارتفاعاً، بحكم المعطيات الجديدة، فإن الفقه الذي لا يواكب الزمن بما يجب عليه، سيبقى عاجزاً عن تلبية حاجات الإنسان المتطورة التي لا تتوقف، والسبب الأول هو أنه لا يتسع ليشمل المجالات المتغيّرة والمتحرّكة، أو أنه اتّسع إلى حدٍ ضئيلٍ جداً، تاركاً الكثير من المسائل المعلقة من دون جواب، أو حتى تركها متقوقعة على ذاتها في إطار الزمن الماضي. ولعل ذلك لا يلبّي الكثير من الحاجات المعاشة والمستجدات المستمرة، وهكذا ستكون آلاف الموضوعات الفردية والمجتمعية، غير خاضعة للبحث والتمحيص في بوتقة الفقه، لأنه بصراحة لا يمكنه النقاش حولها، لافتقاده الأدوات اللازمة والضرورية لذلك‏ .
وما من شك في أن الإحساس بالزمن وخوض غمار الواقع وتحدياته على مستوى الأفكار والعلوم من موقع الإيمان بفريضة النقد الذاتي والمراجعة الفكرية، بهدف المواءمة لروح العصر الاجتماعية، سيضع العقل السكوني أمام تحدّيين أساسيين: الأول يتعلق بتحديد الهدف من أي اجتهاد أو تجديد، الأمر الذي يستلزم أن تكون له الأولوية في البحث والاستنباط، وبما أن النص القرآني هو نص مفتوح على الزمان والمكان، فإنه يحرّك العقل باستمرار نحو قراءة الواقع بحثاً عن حياة إنسانية أفضل، ولعل الأفضل دوماً هو ما استجدّ من الحداثة والعصرية.
أمّا التحدي الثاني، فهو اختيار الوسائل المناسبة للتجديد في إطار رحب من الاجتهاد والحرية، من دون وصاية مسبقة أو تابوهات ومحرّمات، باستثناء ما يتعلّق بثوابت الدين وقيمة الإنسانية كما يقال.
إن الإسلام، بحسب المفهوم القرآني، وإن استمدّ قوانينه وتشريعاته من الوحي وبيّناته المثبتة في الكتاب، إلا أن مقوماته الموضوعية تتصل بالشرط الإنساني، أي بآليات التطبيق الفعلي الذي يغدو مع الزمن جزءاً من التاريخ؛ وإلى أن يتخلص العقل الديني من موروثات التفسير الحرفي (النصّي) المغلق للكتاب، فإن الحداثة ستظل غير قادرة على الانتقال من حافة الزمن إلى حيث يجب، أي عمقه وجوهره، وهكذا تبقى أسيرة قوالب وصيغ جاهزة وجامدة لمناهج التفكير، وتدريجاً تنقطع عن الحياة، كلما انقطعت وشائج الصلة بينها وبين العالم المتغير وعلومه وتقنياته السريعة والملهمة.
هناك حواجز فقهية ومعرفية اصطنعها بعض المجتهدين تحتاج اليوم إلى إعادة النظر في مبانيها ومسوّغاتها وصلاحياتها، فهي وضعت في زمان غير زماننا. وكَيلا تستمر فتاوى المعاملات على الأقل في استهلاك القديم واجتراره ضمن أطر تجاوزتها الأيام فلا بدّ من ضرورة البحث عن أدوات جديدة متطوّرة في أصول جديدة تساعد على تطوير نظام الاستدلال بوسائل عصرية، لأنّ إهمالها يخالف منطق العقل والتاريخ ويحول دون تحقيق غاية الدين من هداية الإنسان التي هي أقوم. وإذا أردنا العودة إلى الإمام علي في هذا الشأن فقد جاء على ذكر ذلك بقوله: «لا تعلّموا أولادكم عاداتكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم»‏ ، ولعل في ذلك إدراك عميق ومبكّر لأهمية تساوق الدين مع واقع التطور والحياة المتغيّرة.
كما يجب التشديد على ضرورة تبادل الآراء والاطلاع على ما استجدّ من تطورات ومتغيّرات، وخصوصاً أننا نعيش في عصر العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات والمعلومات، ولا سيّما ما يتعلق بالطفرة الرقمية (الديجيتل)، وبكل ما له علاقة بالثورة العلمية - التقنية السيبرنيطيقية.
ولعلّ التطورات التي حصلت خلال العقود الخمسة ونيّف الماضية، تكاد تزيد بعشرات ومئات المرّات عن التطورات العالمية على مدى خمسة قرون أو ما يزيد، بل لكل ما أنجبته البشرية في تاريخها، وهو الذي يدفع ويساعد على الاجتهاد استناداً إلى قول الرسول (ﷺ): «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»، أي هناك حرية للخطأ، والخطأ مع الاجتهاد، حق مسموح ويمكن أن يعطي صاحبه أجراً، لطالما حاول وسعى للاجتهاد وأخطأ فيه.
هكذا يصبح مبدأ اختلاف الآراء والأفكار، أحد العوامل الأساسية في الوصول حيث يريد الفكر من التلاقح والتفاعل، سواءٌ على المستويات النظرية أو العلمية وفي الحقول العملية والاجتماعية كافة، وعلى الرغم من أهمية الاجتهاد الشخصي ودور الفرد في التاريخ. فإن الأعمال الكبرى تحتاج إلى عمل جماعي وطاقات منتجة تصبّ بعضها مع بعض لإحداث التغيير المنشود، وحسب رأي الإمام الشافعي «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، أي إعطاء فسحة للعقل وللتفكير والاجتهاد.
لا تكمن المأساة في استنادها إلى النص، بل في منهجية انحباس قراءة النص ودلالاته قراءة أحادية، وضمن ظواهر التأثيم والتحريم والتجريم، وأحياناً دون معرفة كافية، ولا سيّما بعلوم العصر، الأمر الذي يؤدي إلى الفوضى ويبعث على التشاؤم والقنوط، بل والعزلة، وخصوصاً إذا كانت الأحكام تتعارض مع المعطيات العلمية، لما أنجزه العقل البشري، وهذا الأخير «نعمة ربانية» لا بدّ من استثمارها على أحسن وجه، إذْ إن أي محاولة لاغتيال العقل أو اعتقاله ستلغي إمكان الحوار بين المقاربات المختلفة لنشاط الفكر الإنساني، بل ستعمل على تعميق الاختلاف المصطنع بين العلم والدين، اللذين سيبدوان في تناقض لا يمكن الجمع بينهما.
ثالثاً: فكر اللغة ولغة الفكر
يجب أن ينطلق التجديد الديني من وقفة صحيحة على قنوات الإنتاج المعرفي والثقافي لتفسير النصوص مع الأخذ في الحسبان، أن لكل عصر من عصور «الفكر الديني» أساليبه في استخدام «النص الإلهي» تحت شعار «حاكمية» هذا النص على الواقع، وتتم قراءته أحياناً بطريقة متعسّفة أو إرادوية تبعاً لخلفيات المرجع القارئ. كما أن دور القراءة لا ينبغي أن يكون استعادة ما نقله السلف، بقدر ربط ذلك بالواقع من خلال نقده بما يستجيب لجوهر الدين وقيمه الإنسانية، ولا سيّما في محاربة الاستغلال والظلم والدعوة للحق والعدل والكرامة الإنسانية.
ولأن الفكر الديني عند بعض المتكلمين باسم الدين يقوم على «فكر اللغة» وليس على «لغة الفكر»، فقد وقع أحياناً بالماضوية والجمود، ولأنه يستند عند بعضهم إلى مرجعية «التفسير التاريخي للنص»، فقد اتُّهم بتصدير المشكلات التاريخية على واقع لا يتحمّل شيئاً من مسؤولية تلك المشكلات إلّا بمقدار إهماله في أن يجد لها حـلاً ليتسنى له تجديد وعيه بالدين على قاعدة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون﴾‏ .
وإذا كان التقديس يشمل الشروحات والتفاسير الأحادية، فإن ذلك يُعدّ من عوامل جمود الفكر الديني، ولتجديده يجب أن يواجه تحدّيات الاختبار بدءاً من إشكال المنهج ومن إشكال تجديد شخصية الفقيه المفتوح على تجديد أصول الفقه الإسلامي ومبانيه، ليتمكن بالتالي الإطلاع على علوم العصر بحيث يكون قادراً على الإجابة عن الأسئلة الشائكة والمعقدة لواقعنا المعاصر.
وأياً تكن درجة التشابه بين مشكلاتنا ومشكلات السلف الصالح، فإن المنهج الصحيح في حلّها هو أن نضيء فهمنا نحن للنص الأول حتى ولو كان متعارضاً أو متناقضاً مع فهم من سبقنا من الفقهاء؛ فثمة فارق جوهري بين أن نبحث عن حلول لمشكلاتنا الراهنة في كتب السلف الصالح الذي أثرى فكره وعصره بتجربته العلمية في قراءة النص، وبين أن نصبّ عقولنا وفاعليتنا الفكرية على المشكلات التي تعترضنا لنجد لها الحل من واقعنا وزماننا مراعين ألّا تجيء نتائجنا الفكرية متعارضة مع تطورات الحياة ومتغيّراتها، وليس في هذا النموذج من معنى تجديد الفكر الإسلامي ما يجافي دعوة القرآن الكريم إلى الانحياز إلى الأحسن والأكمل والأجمل من الأفكار والأقوال والأعمال.
وأقول إنّي أرى أن الدعوة إلى التجديد تتكامل مع الدعوة إلى العلم والتعلّم، وما هي إلّا بحث عن الأجمل والأكمل والأحسن، ولا أعتقد بأن أحداً ما يمكنه الوصول إلى أعماق مفهوم القرآن بعيداً من التدبّر والتفكّر من أجل تجديد الوعي بالنصوص المدوّنة، وقد تم تأكيد الدعوة إلى إعمال العقل واحتكام الإنسان إليه في تدبّر أمور دينه ودنياه.
ومن الجدير بالذكر أن هناك بعض الكوابح من داخل وخارج الفكر الإسلامي تعوق إرادة التجديد، منها:
1 - عدم القناعة بالتجديد والاستكانة لما هو قائم من فكر تقليدي متوارث ومستنسخ، وذلك لا يعني سوى النقل لما هو متعارف عليه ومتداول، فالجديد قد يكون غريباً، وكل غريب مريب.
2 - انخفاض درجة الوعي بأهمية التجديد وعدم الشعور بالحاجة إليه، ناهيك بعدم القدرة على تحمّل مشاق البحث والتدقيق واستنباط الأحكام بما يستجيب للزمن الراهن.
3 - الخشية من الانفتاح على الآخر، بحجة الحفاظ على العقيدة ونقاوتها ومنع اختلاطها بعقائد أخرى، وكذلك الخوف من «العامة» الذين استمروا على الفكر السائد واعتادوا تقليد ما قبلهم، وبالتالي قد يمكنهم الإعراض عن المجددين أو اتهامهم بالبدع وما شابه ذلك.
4 - تعارض التجديد مع المصالح والامتيازات التي يحصل عليها بعض رجال الدين باسم الدين. وهذه المصالح والامتيازات قائمة ومستمرة، بل ومزدهرة، حتى وإن اتخذت لبوساً طائفياً أو مذهبياً‏ .
ولعل مثل هذا الأمر يؤدي إلى التقوقع والانغلاق والنظر إلى الآخر بوصفه «عدواً»، الأمر الذي قد يؤدي إلى حجب روح التجديد بحجة الثقافة الغازية أو «الغزو الثقافي»، وهنا نستحضر الصورة النمطية منظوراً إليها عكسياً، فبقدر الإسلاموفوبيا‏  أو (الرهاب من الإسلام) وهي النظرة السائدة في الغرب للنظر إلى الإسلام، بوصفه ديناً يحض على الكراهية والعنف والإرهاب، هناك الويستوفوبيا (الغربوفوبيا)، أي النظر بعدائية إلى كل ما هو قادم من الغرب بوصفه شراً مطلقاً.
وإذا كان الغرب السياسي بفلسفاته وأنظمته يستهدف فرض الاستتباع على المسلمين والإسلام وكبح جماح تنمية شعوب العالم الثالث ومنعها من تمثّل هويّاتها الثقافية، فإن الغرب في الوقت نفسه مستودع للعلم والتكنولوجيا ولخير ما أنجبته البشرية من أدب وفن وجمال وعمران، بما فيه تأييد بعض حقوقنا العادلة والمشروعة، ولا سيما من جانب بعض الأوساط في الغرب الثقافي‏ .
لقد جرى تشويه صورة العرب والمسلمين على نحو صارخ، ولا سيّما بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 الإرهابية الإجرامية، بحجة أن بؤرة الإرهاب والعنف تكمن في الإسلام ذاته كدين. وتم اختزال تلك الصورة لتنطبق على أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي وأبو بكر البغدادي وغيرهم ممن انخرط في تنظيمات القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)وجبهة النصرة وغيرها من التنظيمات الربيبة، أما الإسلام بصورته الاعتيادية، فهو أمْيَل إلى الاعتدال والتسامح؛ وللأسف، فقد اختلطت صورته والتبست قيمه عبر تنظيرات أيديولوجية بعضها مغرض مع سبق الإصرار، وبعضها ساذج وهو ما نطلق عليه «الإسلاملوجيا»‏  أي «الإسلام ضد الإسلام»، وهي محاولات لا تقلّ خواءً عن الافتراضات المسبقة، لكنها أشد خطراً من السابق، حيث تتم محاولة إلصاق كل ما هو عنفي وقاسٍ وإرهابي بالإسلام.
ومع تغيّر شكل ووجهة الصراع الأيديولوجي في أواخر الثمانينيات نشط فرانسيس فوكوياما لتقديم نظريته «نهاية التاريخ» عام 1989‏  متخذاً من الإسلام عدوّاً جديداً بعد انهيار الشيوعية، ثم جاء دور نظرية «صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي»‏  التي روّج لها صموئيل هنتنغتون منذ العام 1993، والتي تجسّدت في بيان المثقفين الأمريكان الستين بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر والذي كان أقرب إلى البيان الحربي منه إلى إعلان ثقافي، على الرغم من دعوته إلى الحوار، لكن الأجواء التي سادت كانت كلها تشجع على التهميش والاستئصال، وهو ما جرى التعبير عنه خلال الحرب العالمية ضد الإرهاب الدولي، التي وجدت ضالّتها في احتلال أفغانستان عام 2001 واحتلال العراق عام 2003، وما صاحب ذلك من أعمال إرهاب وعنف منفلتة من عقالها وفي تعارض مع القواعد القانونية والإنسانية الدولية.
وقد جرت عدة محاولات لأبلسة الإسلام وصيغت نظريات جعلت الصراع بين الأديان، وبوجه خاص مع المسلمين والإسلام، أمراً لا مفرّ منه، ولا سيّما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، فكان لا بدّ من البحث عن عدوّ، وإن لم يجدوه، فلا بدّ من تصنيعه، فما بالك حين يأتي بعض المتأسلمين ليقدّموا الذرائع لهم، وخصوصاً بما يقومون به من أعمال إرهابية هي ضد الإسلام والمسلمين أساساً قبل أن تكون ضد الآخرين.
ولولا الأزمة العالمية الاقتصادية والمالية التي عصفت بالولايات المتحدة وبالنظام الرأسمالي العالمي وانهيار بنوك عملاقة وشركات تأمين كبرى وانخفاض سعر الدولار بوجه خاص لكانت الحملة المعنونة «القضاء على محور الشر» قد أصابت بلداناً أخرى كانت على لائحة التنفيذ.
ولعل الوجه الآخر لهذه الحملة كانت «إسرائيل» بحربها التي دامت 33 يوماً ضد لبنان تحديداً، عام 2006 ومن ثم حروبها على غزة؛ الأولى - التي دامت 22 يوماً في أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009 أطلق عليها اسم عمود السحاب. بعد حصار مفتوح وهو ما بشرت به كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة حين وعدت بقيام شرق أوسط جديد ولم يكفها الحديث عن شرق أوسط كبير، ولكن صمود الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني فوّت على واشنطن وحليفتها فرصة استكمال مخططاتها العدوانية. والثانية - عملية الرصاص المصبوب في العام 2012، أما الثالثة - فهي عملية الجرف الصامد في العام 2014.
وتستغل هذه التوجهات بعض أعمال العنف والتزمّت والتعصّب والغلوّ التي تتم باسم الإسلام وتريد إعادة الزمن إلى الوراء، أي إلى ما يزيد على 1400 سنة إلى الخلف، وتكفير وتأثيم وتجريم كل ما يعاكس نظرتها، وترفض أي تساوق مع التحديث والتجديد والمعاصرة، وهو ما ينبغي التوقف عنده ودراسته بعمق، لأن تلك الصورة النمطية المشوّهة التي لا تزال معلقة بذاكرة الغرب السياسي من غزوات الفرنجة الأولى، وحتى احتلال العراق، المفتوح على احتلال الهويّة والثقافة والدين والمستقبل، لا ينبغي لها أن تكون مبرّراً لحجب الفكر الديني في إطار ضيِّق والعيش مع الماضي والإبحار في التاريخ ونصوصه، من دون رؤية الحاضر واستشراف المستقبل، بعقل منفتح وفكر يقبل الآخر، ويتعامل معه على أساس المساواة والحقوق والعدالة، وهو ما يفترض أن يتم التمسك به لنا وله، ومن خلال التناظر والتباين وعلى أساس المشترك الإنساني، الذي يفترض التحرك من قاعدة واحدة أو من قواعد مختلفة، ولكن لأهداف واحدة أو موحّدة، مع احترام الخصوصيات والهويّات والتمايزات، ولكن في إطار عالم يستجيب للحداثة ومتطلباتها بحيث يتساوق الفكر الديني معها لخدمة الإنسان وسعادته ورفاهه.
نشرت في مجلة المستقبل العربي، بيروت، عدد 459 - أيار(مايو)2017



56



جدل المواطنية والانتماء الطائفي
مــقاربـــة للـحالــة العــــراقـيـــة



د. عبد الحسين شعبان*



 

مقدمــة
   انفصل العراق عن الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، بعد احتلاله من بريطانيا 1914-1918، وتأسّست المملكة العراقية من ثلاث ولايات هي: بغداد، والموصل، والبصرة، في 21 آب (أغسطس) 1921 بتنصيب الأمير فيصل ملكاً على العراق، وبعد حكم بريطاني مباشر رفضه العراقيون، وواجهوه بسلسلة من الانتفاضات والتمرّدات، أبرزها انتفاضتَي النجف العام 1918 والسليمانية العام 1919، التجأت بريطانيا إلى عصبة الأمم لمنحها "حق" الانتداب على العراق، وذلك في 25 نيسان (أبريل) العام 1920.
   لكن العراقيين المطالبون بالاستقلال واصلوا رفضهم واحتجاجهم، فاندلعت ثورة العشرين في 30 حزيران (يونيو) 1920، التي غطّت العراق من أقصاه إلى أقصاه واستمرّت بضعة شهور، إلاّ أنها لم تتمكّن من تحقيق أهدافها بسبب الوحشية التي استخدمتها بريطانيا في قمعها من جهة، وبالمكر ومحاولات الاستمالة بعض الأطراف من جهة ثانية، وهكذا نجحت في إجهاض الثورة، ومارست بعدها سياسة انتقامية إزاء زعمائها، لتتمكّن من ربط العراق بطائفة من المعاهدات المجحفة والمذلّة، وخصوصاً معاهدة العام 1922 ، ومعاهدة العام 1930 وقد استمرّت صيغة الانتداب لغاية العام 1932، وبعدها حصل العراق على استقلاله، وانضم إلى عصبة الأمم، وإن ظلّ هناك الكثير من القيود التي تثلم سيادته الوطنية.
ثلاث عُقد مزمنة:
   منذ أن تشكّلت الدولة العراقية سنة 1921 وإلى اليوم عانت من ثلاث إشكاليات جوهرية، كادت أن تكون عُقداً مزمنة، وهذه العُقد ذات الطبيعة الموضوعية والمنهاجية تتعلق بطبيعة النظام السياسي وفلسفة الحكم والمواطنة والهويّة والحداثة، وهي من نتائج اتفاقية سايكس بيكو التي مضى عليها أكثر مئة عام ، وتراوحت هذه القضايا في حدّتها، واختلفت في تأثيراتها تبعاً للظروف والتداخلات الخارجية والعوامل الداخلية، فقد كانت محدودة في فترة العهد الملكي، بل كادت أن تختفي في فترة العهد الجمهوري الأول، لكنها عادت وبالتدرّج أصبحت بؤرة شديدة السلبية والخطورة، في أواسط الستينات والسبعينات، ولا سيّما خلال فترة الحرب العراقية - الإيرانية 1980 - 1988 وفيما بعد خلال فترة الحصار الدولي المفروض على العراق 1990 - 2003 تمهيداً للاحتلال.
   القضية الأولى: عدم الاعتراف بحقوق الأكراد، وكانت اتفاقية لوزان  لعام 1923 قد التفّت على معاهدة سيفر  لعام 1920 التي اعترفت جزئياً بحقوق الكرد، الأمر الذي دفعهم لعدم المشاركة في الاستفتاء الأول عند تأسيس الدولة العراقية، ولا سيّما بعد ثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية العام 1919.
وكانت الإشارة إلى المسألة الكردية قد وردت في قرار لمجلس وزراء الحكومة العراقية المؤقتة، التي نادت بالأمير فيصل الأول ملكاً على العراق، حين جرى التأكيد على مشاركة الأكراد في انتخابات المجلس التأسيسي وفقاً لما نصت عليه معاهدة سيفر. ويُذكر أن معاهدة سيفر بين دول الحلفاء والحكومة التركية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، نصّت على حق الأكراد بالتمتع بشكل من أشكال الحكم الذاتي يمكن أن يتحّول إلى نوع من الاستقلال مع السماح لأكراد كردستان الجنوبية (أكراد العراق) بالانضمام إليهم إذا رغبوا بذلك.
ولم يكن الانتداب البريطاني الذي فرض على العراق في 25 نيسان (أبريل) 1920 ليتجاهل وجود الأكراد وحقوقهم، فقد نصّت المادة 16 على أن "لا شيء مما في هذا الانتداب يمنع المُنتدِب من تأسيس حكومة مستقلّة إدارياً في المقاطعات الكردية..."، وكانت الحكومة البريطانية قد أوعزت إلى المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس، الإسراع في وضع لائحة القانون الأساسي (الدستور الدائم الذي صدر في العام 1925)، استناداً إلى صك الانتداب والمعاهدة العراقية البريطانية .
وقد تراجعت القضية الكردية وحقوق الأكراد في المحافل الدولية منذ معاهدة لوزان التي أسدلت ستاراً كاد أن يكون كثيفاً عليها، استمرّ سبعة عقود من الزمان . ولذلك ظلّت القضية الكردية دون حلّ ومصدر قلقٍ وتوتر للعديد من دول المنطقة. وكانت على النطاق العراقي تزداد تعقيداً مع مرور الأيام، لا سيّما شعور الأكراد بالتمييز وعدم المساواة، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الهويّة الموحّدة، وبالقدر الذي كانت القضية الكردية تكتسب أهمية متزايدة سواءً على صعيد الحكم أو الحركة الوطنية العربية والكردية، فإنها تركت تأثيرات إنسانية خطيرة على وضع الأكراد، ناهيكم عن تأثيراتها السلبية على دول المنطقة وعلى قضية التنمية والديمقراطية بشكل عام.
   القضية الثانية: تتعلّق بقوانين الجنسية؛ لا سيّما قانون الجنسية الأول رقم (42)  لعام 1924، الذي بذر بذرة الطائفية في العراق ، إضافة إلى حزمة من قوانين الجنسية التي عزّزت من الشعور بالتمييز، خصوصاً حين اقترنت بعمليات تهجير ونزع للجنسية بزعم التبعية غير العثمانية، تحت عنوان الأجانب، وكان المقصود بذلك من هم من أصول إيرانية، وقد شملت حملة التهجير في الثمانينات نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة "التبعية الإيرانية" وعدم الولاء السياسي، والتي اتّسمت بموجة عداء وكراهية عشية وخلال الحرب العراقية - الإيرانية، وقد كانت الثورة الإيرانية والمشروع السياسي الذي رافقها، لا سيّما ما عُرف بـ"تصدير الثورة" والتمدّد إلى الخارج عاملاً من عوامل زيادة الشحن الطائفي الذي استخدم لأغراض سياسية من الأطراف المختلفة .
   والقضية الثالثة: عدم اكتمال وتبلور هويّة عراقية جامعة على أساس المواطنة الفاعلة، والتي يمكن أن تتعايش تحت سقفها هويّات فرعية وذات خصوصية وتنوّع وتعدّدية، والسبب يعود إلى ضعف وهشاشة البُنى والتراكيب الدولتية "الحكومية" التي أقيمت تحت عناوين "الديمقراطية" أو غير ذلك، في العهد الملكي وفي العهود الجمهورية التي أعقبته، ومما ضاعف الأمر وأضفى عليه خطورة هو انحسار موجة الحداثة والثقافة المدنية والحقوقية، وإضعاف دور الطبقة الوسطى، وهيمنة الفكر والثقافة التقليديين بالتدرّج.
   وارتبط ذلك بتراجعات على مستوى الإقليم بشكل خاص ودول العالم الثالث بشكل عام، بصعود بعض التيارات الدينية وارتفاع رصيد الهويّات الفرعية، علماً بأن العديد من البلدان النامية شهدت موجة من الانقلابات العسكرية التي لعب فيها الجيش دوراً أساسياً، سواء بمشاركة حركات وأحزاب شمولية أو انفراد قيادات عسكرية تسلطية بالحكم، الأمر الذي ساهم في إضعاف التوجّهات الديمقراطية من جهة والهويّة الجامعة من جهة أخرى، خصوصاً بالترابط مع موجة الشحن الطائفي والاصطفافات المذهبية وصعود الهويّات الفرعية .
   وقد كان للمركزية الشديدة في السلطة والرأسية في العلاقات دوراً كبيراً في ذلك، خصوصاً بضعف ثقافة الحداثة وعدم تغلغلها في المفاصل الاجتماعية المختلفة، حيث بقت محصورة لدى بعض النخب وأحياناً في قشرتها الفوقية، في حين أن جذور الثقافة التقليدية والموروث الديني كانت عميقة الغور وتحفر في باطن المجتمع بينما ظلّت الثقافة الجديدة تنقر في السطح.
   إن فشل المشروع الحداثي بتياراته المختلفة ساهم في صعود المشروع الديني، سواء بطبعته التقليدية أو بطبعته الإرهابية، علماً بأن ما يجمعهما هو إقصاء الآخر وعدم الاعتراف بالتنوّع والتعدّدية ومحاولة إملاء الإرادة، وقد حاولت الجماعات الدينية توظيف الدين بطريقة آيديولوجية مغلقة ولا تقبل الآخر. وكانت التضحية بالحرّية والكينونة الفردية لحساب ما سمي الجماعة أو التضامن الاجتماعي امتداداً للماضي الفلاحي القروي والبدوي على حساب الحداثة ومستلزماتها سبباً آخر في التراجع .
   هكذا نشأت الدولة العراقية ضعيفة، ولم تستكمل بناء هويّتها الموحّدة والمتينة، خصوصاً بالقضايا العُقدية التي واجهتها، وبالتدخّلات الإقليمية والدولية، وبعدم الاستقرار الذي عاشته، حيث كانت دولة قلقة، وأقرب إلى الطوارئ أحياناً، فشهدت سلسلة انقلابات عسكرية، وتمرّدات، وثورات، حتى أُطيح بالنظام الملكي سنة 1958، لكن العهد الجمهوري كان أكثر اضطراباً وعنفاً واستبداداً، وضاقت بالتدريج قاعدة الدولة الاجتماعية، حتى جاء الاحتلال الأمريكي إلى العراق على أنقاض الاحتلال البريطاني الأول وأنظمة جمهورية متصارعة وحروب وحصار وتناحرات داخلية، فعمّق من هذه الوجهة وذلك بقرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر عند تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وفقاً لنظام المحاصصة الطائفية - الإثنية، وقد كان ذلك يعني تعزيز الانتماءات الضيقة الطائفية والإثنية، ولا سيّما بعد إضعاف مرجعية الدولة .
من دولة بسيطة إلى دولة مركّبة
   استمرّت الدولة العراقية منذ 1921 وحتى 2003، دولة بسيطة، أي دولة مركزية هرمية الصلاحيات، ولكن مع مرور الأيام أخذت السلطة تتمركز شيئاً فشيئاً وبالتدرّج، بيد واحدة شديدة الصرامة، لكن تلك المركزية بدأت بالتحلّل وإن كانت ببطء شديد، بل إن عوامل التفكّك ازدادت من داخلها، لا سيّما في المراحل الأخيرة من فرض الحصار الدولي على العراق 1990-2003 ، لكن انهيارها المدوي كان بفعل العامل الخارجي، حيث لعب الاحتلال دوراً حاسماً في انحلالها، فبدأ بحلّ الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي، الأمر الذي ساهم في إحلال الفوضى التي عمّت البلاد، وحملت معها فيروس الطائفية التي هبّت رياحها مترافقة مع مظاهر التسلّح، حيث بدأت تتشكّل ميليشيات، بعضها كان قد نشأ في الخارج خلال الحرب العراقية - الإيرانية، إضافة إلى هدر المال العام والفساد المالي والإداري الذي ترافق مع حكومات الاحتلال وما بعده .
   ويمكن القول إنه منذ أواخر العام 1991، وبفعل انفصال المنطقة الكردية تحوّلت الدولة العراقية إلى دولة مركّبة دون قرار منها، ولكن بحكم الأمر الواقع، لا سيّما عندما أعلن برلمان إقليم كردستان المنتخب لأول مرّة 1992، الاتحاد الفيدرالي من طرف واحد ، أي أن الدولة أصبحت دولة اتحادية حتى دون إرادتها، وهو الأمر الذي أدى إلى اختلاف في المسارات بين الإقليم "غير المعترف به" من جهة، وبين الحكومة التي خضعت لعقوبات دولية وضغوط وتحدّيات بحكم انتهاكاتها لحقوق الإنسان، إضافة إلى تدخلات خارجية، وهو ما واجه "دولة" ما بعد الاحتلال، التي أقرّت ضمن مسارها الجديد "النظام الفيدرالي" أساساً، حيث ورد النص عليه في "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" ، وفي نص الدستور الدائم .
الدولة في طور "مختلف": المواطنة والطائفية
   ثمة خلاصات واستنتاجات أولية يمكن وضعها بعد عرض مسار الدولة العراقية ومسألتَي المواطنة والطائفية على مدى نحو قرن من الزمان، من خلال بعض العلامات الفارقة وهي:
   العلامة الأولى - انتقال العراق من الحكم الشمولي، المركزي، الشديد الصرامة، إلى حالة من الفوضى أقرب إلى اللاّدولة، تبلورت على نحو لاحق بصيغ دستورية وقانونية أساسها مركز ضعيف وإقليم قوي، الأمر الذي سيعني مع مرور الأيام تناقض وتعارض في صلاحيات الدولة "الاتحادية" وصلاحيات "الإقليم"، خصوصاً فيما يتعلّق بالتمثيل الخارجي ووضع البيشمركة وعلاقته بالجيش وباتفاقيات النفط واستخراجه وتصديره والتصرف بوارداته، وكل ما يتعلّق بالخلافات الجوهرية بين الدستور الاتحادي ودستور الإقليم. ولعلّ من مخرجات هذه الوضعية هي استمرار التآكل وربما الانحلال بعد محاولة إعادة بناء الدولة بتركيب جديد بعد تفكيكها، لكن مظاهر التآكل ظلت قوية واستمرّت تفعل فعلها، حتى غدا المشهد أقرب إلى التشظّي.
   وقد بدت صورة الدولة العراقية قوية وواعدة كما هو ظاهر في الماضي، ولكنها في الوقت نفسه كانت تخفي الكثير من عناصر الضعف في داخلها، وهي التي بدأت تقضم في كيانيتها بفعل شحّ الحرّيات ونقص جرعة المواطنة وانعدام أو ضعف المساواة والشراكة والمشاركة، لا سيّما إزاء المجاميع الثقافية، الإثنية والدينية، وقد ترافق ذلك مع انفراد بالسلطة ومغامرات داخلية وخارجية ونزاعات وحروب وحصار دولي أوصلت الدولة إلى ما هي عليه الآن.
   ويمكننا لغرض الدراسة والتشخيص تأشير ورصد بعض الظواهر السلبية التي عانت منها الدولة العراقية في السابق والحاضر، المتعلّقة بالمواطنة والطائفية من خلال ما يلي:
    أ - من الناحية النظرية يمكن القول: إن أية وحدة دون المواطنة والمساواة والحرّيات والعدالة الاجتماعية والمشاركة بحدّها الأدنى، ستتحوّل مع مرور الأيام إلى وحدة قسرية أو إكراهية، أو هكذا سيشعر جزء من المواطنين. (والأمر لا يتعلّق بالعراق فحسب، بل يمكن متابعته مع العديد من البلدان ذات الثقافات المتعدّدة)، خصوصاً للذين يشعرون من المجموعات الثقافية المختلفة أنهم ليسوا على قدم المساواة مع الآخرين، أو أنهم "مواطنون من الدرجة الثانية"، سواء كان ذلك بنصوص دستورية كما هي الدساتير العراقية وقوانين الجنسية، أو من الناحية الفعلية وفي التطبيقات والممارسات اليومية، فما بالك حين تفرض صيغة "أغلبية" طائفية على أخرى.
   ب - إن الوحدة السائدة إذا كانت مفروضة أو غير مرغوب فيها، ستكون مثل "السمنة" الزائدة، لأنها تخفي خلفها العديد من الأمراض، الكامنة أو التي لا تظهر أحياناً، وبالتالي فالسمنة ليست دليل صحة وعافية، بل هي دليل مرض واعتلال حتى وإن لم تظهر علائمه بصورة سريعة.
ج - انبعاث الهويّات الفرعية الذي وصل إلى ذروته، بل كاد أن ينفجر بُعيد الاحتلال الأمريكي للعراق والذي كانت مقدّماته أسبق من ذلك. ويعود مثل رد الفعل هذا إلى جانب موضوعي يتعلّق بالوضع الجديد الذي فرضه الاحتلال وإلى غياب السلطة المركزية الصارمة، فضلاً عن الشعور المزمن بالإقصاء والتهميش الطويل الأمد، وبعضه إلى جانب ذاتي يتعلّق بتبلور الهويّات الفرعية ذاتها بعد كبت وحرمان، لكن ما هو سلبي في هذه الظاهرة، هو المبالغة في ردود الفعل، لا سيّما التي اتّسمت بعداء وكراهية ونزعة انعزالية، ولا يخلو الأمر من تداخلات واختراقات خارجية.
ولم يقتصر الأمر في ذلك على العراق وحده، فقد كان انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات سبباً في اندلاع نزاعات وحروب أهلية يعود قسمها الأكبر إلى انبعاث الهويّات الخاصة والفرعية، وإلى عدم الإقرار بالتنوّع والتعدّدية ومبادىء المساواة، ناهيك عن ضعف أساسات المواطنة، وبقدر ما يكون الأمر مشروعاً، فإن إدارته إذا كانت سليمة سيتم وفقاً لها، تلبية الحقوق والحريّات والاعتراف على قدم المساواة بالآخر، كما حصل حين قرّرت تشيكوسلوفاكيا الانقسام إلى دولتين بصورة سلمية، وهو ما أطلق عليه "الانفصال المخملي" حيث تأسس كيانان أحدهما سمّي جمهورية الشيك "تشيكيا" والثاني جمهورية سلوفاكيا، والعكس صحيح فقد قاد الأداء السيىء إلى نزاعات وحروب أهلية، كما حصل في يوغسلافيا السابقة التي انشطرت إلى 6 دول، والاتحاد السوفييتي السابق الذي انقسم إلى 15 دولة.
د - إن عوامل التفكّك التي عانت منها الدولة العراقية، والتي برزت في فترة الحصار الدولي سارت بالتدرّج والتراكم لتصبح ظاهرة متميزة، خصوصاً حين ترافقت مع صعود الموجة الطائفية وحالة الفوضى وانفلات العنف وهضم الحقوق، وقد شكّلت تلك أرضية صالحة وتربة خصبة لتفقيس بيض الطائفية عبر الشحن الطائفي، وبالطبع جاء ذلك على حساب الهويّة والمشترك الجامع، بل استخدمت الفوارق والمختلفات للمزيد من التباعد تارة باسم "المظلومية" وأخرى باسم "الأغلبية" وثالثة الزعم بـ"احتكار الحقيقة" و"ادّعاء الأفضليات".
العلامة الثانية - انتقال العراق من الدكتاتورية الواحدية الإطلاقية وتخوين الآخر وإنكار وجود معارضة، إلى دولة المحاصصة الطائفية - الإثنية الغنائمية، ذات المراكز المتعدّدة، وهكذا نشأت دكتاتوريات مصغّرة على نطاق الطوائف والإثنيات، ومرجعيات أخرى غير مرجعية الدولة مثل المرجعيات المذهبية والإثنية والعشائرية والمناطقية وغيرها، فقد تحولت الدولة بفعل النظام الجديد إلى دولة زبائنية للحصول على المكاسب والامتيازات.
العلامة الثالثة - انتقال العراق من نظام الحزب الواحد إلى فوضى الأحزاب، وكلّها تعمل كأحزاب غير قانونية أو غير مرخّص لها، فحتى الآن لا يوجد قانون للأحزاب السياسية، ولم يتم التوصل إلى صيغة دستورية لذلك في البرلمان، علماً بأن العراق لم يعرف الحزبية الشرعية والقانونية إلاّ فترتين وجيزتين هما: الأولى في العام 1946 حين أجاز وزير الداخلية سعد صالح 5 أحزاب سياسية استمرت في العمل الشرعي والقانوني لبضعة أشهر حتى جرى حلّها. والثانية في العام 1960 حين أجاز وزير الداخلية أحمد محمد يحيى عدد من الأحزاب السياسية، استمرت في العمل لنحو سنتين، وعلى نحو محدود، ثم جرى تحريمها بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963.
العلامة الرابعة - انتقال العراق من بلد مستقل إلى تآكل الاستقلال الوطني: وضعف السيادة ما بعد الحرب العراقية - الإيرانية من خلال:
( أ ) الحصار الدولي ونظام العقوبات المفروضة عليه والتي تجلّت بعدد من القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، واستمرت أكثر من 12 عاماً، ولا زالت تبعاتها حتى الآن.
(ب) وقوع العراق تحت الاحتلال لاحقاً العام 2003، واضطراره إلى التوقيع على معاهدات مجحفة وغير متكافئة، منها اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية.
(ج) احتلال داعش للموصل ونحو ثلث الأراضي العراقي، وهكذا ظلّت سيادة العراق معوّمة ومجروحة منذ العام 1991 ولحد الآن.
العلامة الخامسة - انتقال العراق من وجود جيش وطني بغضّ النّظر عن القيادات الآيديولوجية والانتماءات الضيّقة على مستوى القيادات والمغامرات العسكرية، التي قام بها على صعيد الداخل والخارج إلى جيش يفتقد إلى عقيدة عسكرية متينة بسبب انضمام مليشيات تابعة لأحزاب وقوى معارضة وفقاً للتقاسم الوظيفي الإثني والمذهبي، فحتى وإن اعتبرت البيشمركة والحشد الشعبي جزء من القوات المسلّحة، إلا أنهما يحتفظان بقيادات تكاد تكون مستقلّة ولها مرجعيات خاصة بها، وخصوصاً بالنسبة للبيشمركة الكردية التي تتقاضى رواتبها من الحكومة العراقية، لكنها تأتمر بأوامر رئاسة إقليم كردستان في إطار فيدرالية رخوة، فلم يتشكّل بعد مجلس الأقاليم ولا وجود لإقليم سوى إقليم كردستان . أما الحشد الشعبي فهناك اتهامات متكررة بخصوص انتهاكاته، على الرغم من الدور الذي قام به في التصدي لداعش، الأمر الذي اضطرّ رئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحّة إلى إلحاقه به، لكن الاتهامات التي حدثت في الفلوجة والرمادي، وتكرّرت في معارك الموصل.
العلامة السادسة - انتقال العراق من احتكار السلاح إلى انفلات السلاح واستخداماته وبوجود ميليشيات واتهامات متبادلة بينها. وهذا المظهر لوحده يعني أن هناك مراكز قوى، وهذه يمكن أن تحتكم للسلاح إذا اقتضى الأمر، لأنها لا يمكن أن تسلّم سلاحها للدولة أو تمتثل لإرادتها إذا ما تعارضت مع مصالحها. ومن يمتلك السلاح يوازي استخدامه، لذلك فإن ما ينتظر العراق من احتدامات وصراعات مسلّحة قد يكون خطيراً بحكم انتشار السلاح.
العلامة السابعة - انتقال العراق من الفساد الذي كان محدوداً وغير ظاهر، إلى فساد منفلت من عقاله، فمن بول بريمر إلى الآن بدّد الحكام الجدّد حوالي 1000 مليار دولار: أي تريليون دولار ضاعت هباءً منثوراً دون إنجازات تُذكر .
وبعد استخلاص بعض الاستنتاجات من قراءة المشهد السياسي العراقي، فما الذي سيتغيّر ما بعد داعش؟ وأية مستجدات متحملة؟
سيناريوهات محتملة
حسب الدراسات المستقبلية هناك ثلاث سيناريوهات يمكن بحثها ما بعد داعش، علماً بأن الباحث كان قد كتب قبل أكثر من عامين أن خشيته هي ما بعد داعش، لما للأمر من صلة بجدل الهويّات وصراعها من جهة، وبفكرة المواطنة التي يعتمد على تعزيزها أو احترامها بقاء الدولة العراقية، سواء بوضعها الحالي أو بتفتتها تمهيداً لتقسيمها أو تأمين عناصر جديدة يمكن بواسطتها إعادة لحمة الدولة العراقية وتعزيز وحدتها الوطنية واستعادة مكانتها، ويتطلب ذلك أولاً وقبل كل شيء توفّر إرادة سياسية وتوافق وطني ومصالحة سياسية حقيقية.
أما السيناريوهات المحتملة فهي:
1 - سيناريو التفتّت 
   ويمكن أن ينقسم سيناريو التفتت إلى ثلاثة أقسام محتملة وهي:
   أ - التفتّت الواقعي (Defacto fragmentation)، وذلك بتحوّل الدولة إلى "كانتونات" أو "فيدراليات" أو "دوقيات" أو "مناطقيات" لا يربطها رابط وثيق فيما بينها، سواءٌ كانت معلنة أو غير معلنة، معترف بها أو غير معترف بها رسمياً، داخلياً أو إقليمياً أو دولياً، لكنها قائمة بالفعل ويمثّل إقليم كردستان نموذجاً لها، من حيث السلطة والإدارة والموارد والخدمات، وهكذا تضمحل وتتقهقر الدولة تدريجياً.
   ب - التفتّت الرسمي Dejure Fragmentation) ( وهو الشكل الفعلي للانقسام أو الانشطار وقد يتحقق بالقوة وبعد احترابات ونزاعات مسلحة، أو بالاتفاق سلمياً، وقد يحصل على اعتراف دولي وإقليمي، وقد تأخذ الأقاليم المنقسمة أسماء أخرى غير الدولة القائمة أو تضيف شيئاً إلى اسمها السابق، وسيكون لهذه الدولة نشيدها الخاص وعلمها ورموزها، إضافة إلى مؤسساتها وتمثيلها الخارجي، ومن المحتمل أن يكون هذا التفتت الفعلي هو نتيجة أو مرحلة أخيرة للأمر الواقع، خصوصاً إذا ما استمرّت سلطات محلية بصلاحيات موسّعة ونفوذ سياسي وعسكري واقتصادي، ناهيك بامتيازات، حينها سيكون من الصعب تخلّي النخب الحاكمة الإقليمية عنها.
   ج - الانضمام والإلحاق (Joining and Annex)، وهو وسيلة أخرى للتفتت، يضاف إلى التفتت الواقعي والتفتت الرسمي (الفعلي)، إذْ من المحتمل أن تسعى بعض دول الجوار إلى ضمّ ما تبقى من الدولة أو شطرها عند الانقسام، سواء باستخدام القوة لفرض واقع جديد أو بدعوة من أطراف سياسية أو جماعات مسلحة وتحت عناوين التحالف والمصالح المشتركة "القومية" أو "المذهبية" أو غير ذلك، وأعتقد أن الجارين الكبيرين والمحتربين تاريخياً على الأرض العراقية (بلاد ما بين النهرين) وهما تركيا وإيران يمكن أن يكونا جاهزين لاحتواء التفتت العراقي، وخصوصاً بالتمدّد الجيوبوليتيكي.
   د - التقسيم بعد التشظي وهناك عدد من المشاريع على هذا الصعيد، لعلّ أبرزها مشروع جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي، الذي سبق أن وافق عليه الكونغرس الأمريكي العام 2007 والذي يفترض تقسيم العراق إلى:
   ثلاث أقاليم، شيعية وسنّية وكردية، وفعلياً تقام نقاط تفتيش بينها، ويكون لكل إقليم هويته الخاصة وحدوده وموارده وسلطاته، وفعلياً سيتحوّل إلى دويلة.
   أما راهنياً فهناك أطروحات تدعو إلى إقامة الإقليم السني، أو أكثر من إقليم، خصوصاً وأن هناك دعوات لإقامة إقليم أو أكثر في الموصل، والأمر قد يشمل على إقليم للأنبار وآخر لصلاح الدين. وحتى كردستان فقد تكون مهيّأة لأكثر من إقليم بسبب النزاع السياسي، لا سيّما بين الحزب الديمقراطي الكردستاني من جهة وبين الاتحاد الوطني الكردستاني وكتلة كوران "التغيير" من جهة أخرى، وهكذا يمكن أن يكون إقليم خاص بإربيل يضم دهوك وآخر للسليمانية يضم حلبجة.
   وثمّة مشكلات بين الشيعية السياسية التي يمكن أن تقسم وسط وجنوب العراق إلى مناطق نفوذ وأقاليم في المناطق الشيعية والتي لن تتحقق بدون اندلاع صراعات بين مليشيات، شيعية – شيعية وهي كالآتي: مجموعة الصدر، لواء بدر، عصائب أهل الحق، كتائب حزب الله، النجباء، حزب الدعوة، المجلس الإسلامي الأعلى، وبقية الأحزاب والكتل الشيعية.
   والانقسام سوف لا يستثني المناطق السنّية التي يمكن أن تنقسم إلى عدد من مراكز القوى وصراعات عشائرية ومناطقية، وخصوصاً بين الحزب الإسلامي وقوى أخرى منافسة لها ولا تريده الانفراد بتمثيل السنة، إضافة إلى قوى معارضة للعملية السياسية.
   أما الاحترابات الأهلية، فقد تبدأ شيعية ـ سنية أو كردية - تركمانية أو كردية -عربية أو كردية - عربية + تركمانية، لكنها في نهاية المطاف قد تهدّد كيان العراق الموحّد، حتى وإنْ بقيت الوحدة شكلية، خصوصاً وأن سلطات الأقاليم إذا ما تكرّست وإذا ما شعرت أنها ليست بحاجة للامتثال لقرارات المركز، فإنها قد تتحوّل إلى دويلات متصارعة، لأنها لا تريد أن تخسر الامتيازات والمكاسب ومناطق النفوذ.
   ومن العوامل التي تسهم في زيادة التحدّي وعدم الاستجابة الفعّالة لحلول ممكنة هو الإخفاق في مواجهة الأزمات والمشكلات الحادة وعدم التمكّن من تلبية المطالب الشعبية، بالقضاء على الفساد ومحاسبة المفسدين، وكذلك عدم التمكّن من تحسين الخدمات واستمرار الإرهاب وأعمال التفجير والمفخّخات وتدهور الوضع الأمني، إضافة إلى استمرار التفاوت الشاسع بين الفئات الاجتماعية في الدخول والموارد، وعدم تحقيق المشاركة السياسية الحقيقية، ناهيك عن شحّ موارد الدولة ووصول نموذجها التنموي إلى طريق مسدود، واقتراضها من البنوك الدولية وغير ذلك.
ويمكن أن يقود سيناريو التفتيت، وخصوصاً فيما إذا تم القضاء على داعش، وبعد تحرير الموصل إلى تنازعات على السّلطة، وقد يقود إلى حروب أهلية مصغّرة، محلية، وذلك للاستحواذ على مقاليد السّلطة والنفوذ والمال، وخصوصاً في ظل غياب جهد وطني عام لإعادة بناء الدولة وترسيخ كيانياتها القائمة على المواطنة وسيادة القانون، وإرساء قواعد اللعبة الديمقراطية على نحو صحيح.
2 - سيناريو استمرار الحال
وهذا يعني بقاء الوضع على ما هو عليه من دون إحراز تقدّم يُذكر، وذلك سيعني فشل الخطط المعلنة للإصلاح، بسبب عوامل الكبح والمعارضة من جانب الجماعات المتضرّرة من الإصلاح، وخصوصاً أن هناك تحالفاً سرّياً بين مختلف الكتل والجماعات على عدم فتح ملفّات الفساد، وحين تجرأ وزير الدفاع خالد العبيدي على كشف محاولات ابتزازه، وصفّق له الشارع طويلاً، بغض النظر عن شبهات الفساد التي تحيط بوزارته، عاقبه مجلس النواب بسحب الثقة منه، فمن بعد ذلك سيغامر ويكشف ملفات الفساد أو التعرض للفاسدين؟
وإذا توقّف مشروع الإصلاح وهو متعثّر فعلاً، فإن ذلك سيكون سبباً في الخيبات والمرارات التي سيعيشها العراقيون، وأن استمرار مثل هذا الأمر لفترة غير قصيرة سيؤدي إلى تعميق فشل الدولة الفاشلة والرخوة، ويساهم في تفتيتها وتشظيها، خصوصاً وأن عوامل الهدم ستكون فعّالة في ظل شعور بالتمييز ومواطنة غير متساوية، وتقديم الهويّات الخاصة أو حتى اختراع هويّات على الهويّة العامة. فهل يمكن استمرار الدولة وهي غارقة حتى رأسها بالأزمات والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخصوصاً بفشل إدارتها وفشل إدارة حلّ الأزمة؟

3 - سيناريو التوحيد
إذا كان هناك سيناريو التفتيت وسيناريو بقاء الحال دون تغيير، فالدراسات المستقبلية لا تهمل سيناريوهات أخرى أيضاً، فهل هناك سيناريو توحيد؟ هذا السؤال هو مقدمة لحوار حول دور النخب في شأن مستقبل البلاد، فحتى موجة الاحتجاج هذه، هناك من يحاول ركوبها والاستفادة منها وتوظيفها بما فيها قوى تعاونت مع الاحتلال ومخرجاته، وكانت جزءًا من أسباب الخراب التي تعانيها البلاد.
إن النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية في مجتمعنا لا تزال ضعيفة ومُستلبة ومُلحقة لحساب النخب السياسية التي بيدها القدح المعلّى ولها سطوة عليها، بل إن لها القابلية على الاستتباع حسب توصيف المفكر الجزائري مالك بن نبي "القابلية على الاستعمار"، ولا سيّما أن النخب السياسية تملك المال والسلطة أو جزءًا منها والنفوذ وأحياناً تقود ميليشيات مدعومة من بعض دول الجوار أو القوى الدولية، لذلك فإن أي استعادة لدورها، يتطلّب استعادة الوعي أولاً واستعادة الإرادة. ويحتاج مثل هذا إلى التحدّي والاستجابة الخلاقة لمتطلبات التغيير ونتائجه.
كما أن إجراء إصلاحات واستجابة لمطالب المتظاهرين قد يفتح آفاقاً جديدة لنشوء كتل وجماعات سياسية تسهم في عملية التغيير. ويمكن القول إن القوى الدافعة للتوحيد والتغيير تمثل طيفاً واسعاً من القوى، ولكنها قد لا تكون منسجمة أو موحّدة مع أن الكثير من المشتركات تجمعها، ولا تزال القوى المهيمنة، ولا سيّما الدينية والطائفية والإثنية، تمنع وتعرقل أي لقاء بينها، بل تضع العصا في دولاب أي تحرّك باتجاه الحوار.
وسيكون على عاتق الطبقة الوسطى، وخصوصاً المثقفين والأكاديميين والمفكرين ومؤسسات المجتمع المدني، دور مهم على صعيد التوحيد والتغيير، ويحتاج الأمر إلى جهود فكرية وثقافية وسياسية لتشكيل قوة ضغط لإعادة النظر بالدستور واعتماد قواعد اللاّمركزية الإدارية على صعيد الأقاليم الفيدرالية أو المحافظات على نحو صحيح ومن دون صفقات سياسية بوصفها نظاماً لتوزيع الثروة والسلطة، كما لا بدّ من اعتماد آليات توحيد ديمقراطية الأسلوب واجتماعية المضمون.
يبقى هناك أسس للتوحيد ولقيام دولة عصرية دستورية لا يمكن تجاوزها، وأولها الحرية، وثانيها المساواة، وثالثها العدالة، ولا سيّما الاجتماعية ورابعها المشاركة، وكل هذه تصبّ في مبادئ المواطنة، التي تشكّل جوهر الهويّة الجامعة، مع احترام الهويّات الفرعية والخصوصية الثقافية . وسيبقى ما يهدّد الدولة في ظل عدم الشعور بالأمان إزاء مواطنة متساوية وهويّة موحّدة عامة تعترف بالهويّات الفرعية، تحدّيات عديــدة تكمن بالأساس في عدم التوصل إلى حل لها منذ نشوء الدولة العراقيـة المعاصرة.
ثلاث إشكاليات وثلاث رافعات
   ثلاث إشكاليات أساسية تغذّي فكرة التفتيت، إذا ما استحكمت وهي ذاتها يمكن اعتبارها ثلاث رافعات ضد التفتيت لو جرى وضع حلول ومعالجات لها، باستمرارها ستكون الدولة العراقية التي نعرفها "في خبر كان"، وإنْ تم تطويقها والتخلّص من آثارها السلبية، حتى وإن احتاجت إلى وقت ليس بالقصير، وهذه الإشكاليات والرافعات هي:
   أوّلها: الطائفية ونظام المحاصصة أحد مخرجاته، إذْ أن استمراره سيعني دفع الدولة نحو المزيد من التفتيت والانقسام والتمذهب والتطييف والإثننة، وعكسه إذا ما تم التخلص منها. وكان الباحث قد اقتراح مشروعاً لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق، ويعتبر ذلك بمثابة حجر الزاوية في استعادة مقوّمات الدولة العراقية وتعزيز الهويّة الوطنية الجامعة .
   وثانيها: الإرهاب والفساد وهما وجهان لعملة واحدة، فإن تم استعادة الدولة لمكانتها وهيبتها، فإنها يمكن أن تستعيد بالتالي وحدتها، والعكس صحيح أيضاً، ولا سيّما إذا استحكم أمراء الطوائف.
   وثالثها: الهويّة التي أجهز عليها الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، وهي وإن كانت ضعيفة أو هشّة، لكنه يمكن تقويتها بتلبية المطالب وبالاتفاق والتوافق وحل المشاكل العالقة مع إقليم كردستان، وإعادة النظر بالدستور سواء بتغييره أو بتعديله بما يؤدي إلى تعزيز المواطنة وإبراز الجوامع والمشتركات وتقليص الفوارق والمختلفات فيما يتعلق بالهويّات الفرعية واحترام خصوصياتها.
   لقد تكرّست صيغة المحاصصة الطائفية - الإثنية منذ تأسيس مجلس الحكم الانتقالي الذي قسّم المجتمع العراقي إلى شيعة وسنّة وكرد، وخصّص نسباً لكل منهم، وباشر بتأسيس نظام الزبائنية الذي يقوم على الامتيازات والمكاسب، ففتح بذلك الباب على مصراعيه أمام الفساد بمختلف أنواعه وأشكاله، لدرجة أصبحت الغنائمية سمة تطبع التشكيلات الحكومية اللاّحقة وذيولها .
   وإذا كانت نظرية "الصدمة والترويع" وفي ما بعد "الفوضى الخلاقة" قد استهدفتا التفكيك وإعادة التركيب، إلاّ أنهما أفضيا إلى تفشّي ظواهر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب وتمذهب الدولة التي لا تزال مستمرّة منذ 14 عاماً وتتّخذ أشكالاً مختلفة ولها رؤوساً عديدة.
   وإذا كان "داعش" والقوى الإرهابية قد تعرّضت خلال الأشهر الأخيرة إلى هزائم كبيرة في صلاح الدين والرمادي، وخلال عمليات تحرير الموصل التي ما تزال مستمرة، لكن تأثيرهما ما يزال قائماً والبيئة الحاضنة مستمرّة، خصوصاً باستمرار نظام المحاصصة الطائفي - الإثني المُنتج للفساد المالي والإداري والسياسي.
خـاتـمـــة
لقد اندفعت الكثير من المجاميع الإرهابية والتكفيرية وتشكيلاتها القديمة والجديدة، في ظل استنفار طائفي، باتجاه سفك دماء العراقيين من مختلف الانتماءات الدينية والإثنية، الأمر الذي أصاب التنوّع والتعددية الثقافية المجتمعية بالصميم ولحق الضرر الكبير بالنسيج الاجتماعي المتعايش، وخصوصاً لفئات المسيحيين والآشوريين والأرمن والكلدانيين والأيزيديين والصابئة المندائين والشبك والكاكائية وغيرهم، وإن كان الأمر يشمل الجميع دون استثناء، لكن هذه المجاميع الثقافية التي يُطلق عليها مجازاً بـ"الأقليات"  تعرّضت بكيانياتها إلى عنف شديد، واضطرّت أعداداً واسعة منها إلى الهجرة بعد ما لحق بها من انتهاكات سافرة بالأرواح والمقدسات والممتلكات وغيرها. وقد تعرّضت النساء الإيزيديات إلى عمليات السبي، وهو شكل من أشكال العبودية، حيث تم بيعهنّ بسوق النخاسة، الأمر الذي يندى له جبين الإنسانية.
لقد استُزرِع التعصّب بالتربة العراقية فأنتج تطرّفاً، وهذا الأخير قاد إلى الإرهاب المنفلت من عقاله، وجرى كل ذلك في إطار حواضن طائفية ومذهبية وإثنية غذّاها نظام المحاصصة الذي أشعل الصراعات المذهبية والإثنية وأيقظ الفتن النائمة التي اتخذت طابعاً استئصالياً أو تهميشياً بعد الاحتلال، ولكن ذلك لا يعني أنه أمرٌ مستورد بقدر ما كانت هناك ظروفاً اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية ودينية وطائفية ونفسية ساعدت في انتشار فايروسه على نحو مريع، وذلك بالاستفادة من البيئة الصالحة لنموها وأساسها غياب المصالحة الوطنية والشعور بالتمييز والإقصاء. وهنا لا بدّ من إعادة مرجعية الدولة وجعلها فوق جميع المرجعيات الدينية والطائفية والإثنية والحزبية والسياسية والعشائرية وغيرها.



57
في التباس مفهوم الإرهاب الدولي
                     
عبد الحسين شعبان

أعادتنا الأحداث الإرهابية التي حصلت في لندن ومانشستر ببريطانيا والمنيا بمصر، والتي راح ضحيتها عدد كبير من الأبرياء، إلى سؤال كبير، ما هو الإرهاب الدولي؟ وهو السؤال الذي ظل عائماً طوال عقود من الزمان، وفشلت عصبة الأمم وبعدها هيئة الأمم المتحدة في إيجاد تعريف محدّد له ولمعناه ومبناه.
وفي الكثير من الأحيان يتم خلط الإرهاب بالمقاومة لأغراض سياسية، وهو ما تعتمده «إسرائيل»  في سياستها التوسعية الاستيطانية، حين تعتبر كل مقاومة لإرهابها الدولي، «إرهاباً»، علماً بأن المقاومة عمل مشروع من أجل «التحرر الوطني»، حسب القانون الدولي، مثلما هو حق الدفاع عن النفس طبقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وبسبب غياب تعريف واضح، وكما يُقال في القانون، «جامع مانع» للإرهاب الدولي، فهناك تعريفات متناقضة ومتعارضة تطلق على توصيف بعض الأعمال تبعاً للجهة التي خلفها أو المستفيدة منها، وهذه تتراوح بين التأييد والتنديد، وبين التقديس والتدنيس، فما هو الإرهاب الدولي؟

رصد الباحث ألكس شميد Alex Schmid في كتابه Political Terrorism وجود نحو 109 تعريفات لمصطلح الإرهاب، وهي تنطلق من خلفيات ومصالح سياسية مختلفة. ويذهب الباحث والمفكّر الأمريكي نعوم تشومسكيNoam Chomsky إلى تحديد مضمون الإرهاب، الذي يعني حسب وجهة نظره: كل محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما عن طريق الاغتيال والخطف أو أعمال العنف، بهدف تحقيق أهداف سياسية، سواء كان الإرهاب فردياً أو تقوم به مجموعات أو تمارسه دولة، وهو الإرهاب الأكثر خطورة. وعلى الرغم من وجود حزمة من القرارات الدولية بخصوص الإرهاب، لكنها ومنذ العام 1963 كانت قطاعية، أي أنها تشمل تشريعات تتناول بعض مجالات الإرهاب مثل الهجمات الإرهابية على متن الطائرات أو الاستيلاء عليها أو تهديد النقل الجوي أو مكافحة التفجيرات أو تمويل الإرهاب الدولي أو مكافحة الإرهاب النووي أو غيرها، إلا أن معظم الاتفاقيات التي صدرت عن الأمم المتحدة لم تعالج موضوع الإرهاب بصورة شاملة، بل عالجت ظواهر الإرهاب الفردي وإرهاب الجماعات، واستبعدت معالجة ظاهرة الإرهاب الدولي الذي تمارسه الدول وحكوماتها.
وحتى بعد صدور ثلاثة قرارات دولية من مجلس الأمن الدولي عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول العام 2001 إلاّ أن التعريف ظل ضبابياً إن لم تكن المهمة أصبحت أكثر تعقيداً، وهذه القرارات هي:
1- القرار رقم 1368 الذي صدر بعد يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الذي أرخ لفاصل تاريخي بخصوص مكافحة الإرهاب الدولي.
2- القرار رقم 1373 الصادر في 28 سبتمبر/أيلول العام 2001، (أي بعد سبعة عشر يوماً من الحدث الإرهابي)، وهو أخطر قرار في تاريخ المنظمة الدولية، عندما أعطى الحق للدول (المتنفّذة بالطبع) بشنّ حرب استباقية أو وقائية بزعم وجود «خطر وشيك الوقوع» أو «محتمل»، ويعتبر هذا القرار عودة للقانون الدولي التقليدي الذي يجيز «الحق في الحرب» و«حق الفتح» «والحق في الحصول على مكاسب سياسية في الحرب»، وذلك تبعاً لمصالح الدولة القومية.
3- القرار رقم 1390 الصادر في 16 يناير/كانون الثاني 2002 والذي فرض على الدول التعاون لمكافحة الإرهاب الدولي، وإلاّ فإنها يمكن أن تتعرض إلى العقوبات الدولية.
كما أصدر مجلس الأمن 4 قرارات دولية أخرى بعد احتلال «داعش» للموصل، في 10 يونيو/حزيران 2014، وهي على التوالي:
1 - القرار رقم 2170 وصدر في 15 أغسطس/آب 2014، وذلك على خلفية سلّة القرارات التي أشرنا إليها.
2 - القرار رقم 2178 وصدر في 24 سبتمبر/أيلول 2014، ونصّ على «منع تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق». ودعا الدول إلى «وضع ضوابط فعالة على الحدود، وتبادل المعلومات».
3 - القرار رقم 2185 وصدر في 20 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014، وأكد على دور الشرطة كجزء من عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلم والأمن الخاص بالبعثات السياسية، وعلى التعاون المهني لمكافحة الإرهاب ومشاركة الجميع.
4 - القرار رقم 2195 الصادر بتاريخ 19 ديسمبر/كانون الأول 2014 حول التهديدات التي يتعرض لها السلم والأمن الدوليان.
وقد صدرت هذه القرارات جميعها بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بتنفيذ العقوبات في الحال واستخدام جميع الوسائل المتاحة بما فيها القوة لوضعها موضع التطبيق.
ومع أنّ تعريف الإرهاب مسألة مهمّة لجهة التحديد القانوني، إلّا أنّ الدول العظمى المتنفّذة لا ترغب في الوصول إلى توافق دولي حول مضمونه ومعناه، لأنّه يتعارض مع مصالحها ومحاولاتها لبسط هيمنتها، كما يحدّ من استخداماتها لأشكال متنوّعة من القوّة، التي قد ترتقي إلى الإرهاب الدولي.
drhussainshaban21@gmail.com



58
عبد الحسين شعبان
سيرة تمرّد ومغامرة قلم  *
)الحركة الثقافية في انطلياس)
- I -

أكاديمي ومفكّر من الجيل الثاني للمجدّدين العراقيين، يساري النّشأة والتوجّه، ومنذ أواخر الخمسينات ارتبط بالحركة الشيوعية وأصبح عضواً في الحزب الشيوعي في مطلع الستينات، لكنه لم يتقيّد بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية ولم يلتزم أطرها التنظيمية التي تمرّد عليها، وكانت له مساهمات متميّزة في نقد وتجديد التيار الاشتراكي واليساري. ويعدّ من المثقفين الماركسيين الإشكاليين الذين سلكوا طريق التجريب والجدل، متخلّياً عن اليقينية التبشيرية الإيمانية، مختاراً طريق العقل والأسئلة، لا سيّما محاولاته إعادة قراءة الماركسية من داخلها ومن منظور نقدي وضعي جديد.
وله مساهمات أخرى في التنوير والحداثة، خصوصاً الانشغال بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والأديان والقوانين الدستورية والدولية بما فيها قضايا النزاعات والحروب والتّسامح واللاّعنف. وقد أفرد حيّزاً من جهده لمعالجة قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي.
   جمع بين العمل الفكري والممارسة العملية وبين العمل الأكاديمي والعمل النضالي، مثلما أعطى لنشاطه السياسي مسحة حقوقية، وذلك في إطار منظومة ثقافية أخضعها هو نفسه للمراجعة والنقد والنقد الذاتي، لا سيّما إذا كان الأمر يتعلّق باجتهادات لم تبرّرها الحياة أو أن حقائق جديدة ظهرت كان لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار.
   جمع السياسة بالثقافة فامتزجت مع بعضها البعض لدرجة لا يمكن فصلهما، وهو وإن ظلّ يقارب السياسة خارج الأطر الآيديولوجية والحزبية التقليدية السّائدة، لكنه كان يأتيها بوسائل ثقافية تمثّل رأياً ووجهة نظر رحبة بعيداً عن التبشيرية، لأن هدفه البحث عن الحقيقة والخدمة العامة وإعلاء شأن الحقوق، وفي حديث له عن تجربته بعنوان: "محطات بين الثقافة والسياسة" في الكوفة غاليري في لندن (شباط/ فبراير) 1994، وصدر بكرّاس بعنوان: "بعيداً عن أعين الرقيب" ردّد ما قاله الشاعر أكتوفيوباث من أنه "إذا خلا رأس السياسي من الشعر فإنه يتحوّل إلى طاغية"، فالثقافة حسبما يرى تضفي على السياسة نكهة مملّحة، وبدونها تصبح الأخيرة خشنة ويابسة. وبهذا المعنى حاول أن يفهم السياسة بتناقضاتها، علماً وممارسة، وخصوصاً بعد أن خاض غمار عالمها الفسيح، "المليء بالمبادىء والقيم والأخلاق، وفي الوقت نفسه بالأشباح والغدر والمصالح" كما يقول.
   ومع مرور الأيام نمت وكبرت في داخله عوامل الثقافة بإشراقها وغصونها وتفتّح أزهارها وانتشار نورها، وحسب ما يقول: "وجدت في وسيلتي الإبداعية في الكتابة، الأساس للتعبير عمّا في داخلي ولإعلان هويّتي، وبالتالي لتأكيد ارتباطي العميق بالحياة". وكان قد تحدّث في أمسيته اللندنية الوارد ذكرها عن روافده الروحية التي كوّنت شخصيته، واضعاً القرآن والشعر وماركس أساساً في ذلك.
   وغالباً ما يذكر ثلاثيته الأثيرة "الطفولة والروح والأمل"، فكأنها تعبير عن العلاقة بين الأديان والشعر والفكر في الإنسان فيقول عن بدايات تكوّن الوعي لديه: "في المنزل الذي وُلدت فيه في "عكَد السلام" في النجف، كان صوت القرآن الكريم مدوّياً وهادراً، حيث يفتتح والدي نهاره بقراءة القرآن وظلّ على عادته تلك طوال أيام حياته على ما أظن. وشكّل القرآن أحد الروافد الروحية الأساسية في تكويني وفي منظومة القيم التي تأثّرت بها لاحقاً خصوصاً: الخير والمروءة ومساعدة الفقير ونصرة المظلوم والدفاع عن الحق والانحياز إلى العدل والرحمة والتسامح وغيرها. وفي مرحلة نشأتي الأولى تلك، اطّلعت على "نهج البلاغة" للإمام علي، وهو ما دفعني لاحقاً للاطلاع على المذاهب الأربعة، وفيما بعد على الإنجيل، إضافة إلى البوذية وتعاليمها.
وإلى جانب ذلك كان جو البيت الذي ترعرع فيه يميل إلى الأفكار الجديدة، التقدمية، اليسارية، حيث كان "ماركس يعيش معهم" على حد وصفه، وكان المنزل أقرب إلى ورشة عمل يومية تحتشد فيه الأوراق والصحف والمجلاّت والكتب والمناشير السريّة، ويلتقي فيه شبّان من طبقات مختلفة، مثقفون ورجال دين وشيوخ ويساريون ويمينيون، ومتدينون وغير متدينين ومؤمنون وملحدون، لكن أجواء النجف بشكل عام والعائلة بشكل خاص كانت متعايشة ويتجاور فيها الأضداد، وهو ما أكسبه مرونة وسماحة وتواصلاً مع الآخر.
فالنجف رغم طابعها العروبي هي ملتقى الأعراق والأمم واللّغات، بحكم كونها المركز الديني للشيعة في العالم، وفيها الحوزة العلمية التي تستقبل المئات من الدارسين سنوياً، كما يوجد فيها مرقد الإمام علي، ويؤمّها الزوار من جميع أنحاء العالم، ولا سيّما الإسلامي، وفيها أكبر مقبرة في العالم (مقبرة وادي السلام "الغري") التي تستقبل الجنائز لتدفن بالقرب من مقام الإمام علي تبركاً بتربتها. يُضاف إلى ذلك أنها مدينة تجارية مفتوحة، فهي على طرف الصحراء بالقرب من نهر الفرات المارّ بالكوفة، يلتقي فيها الحضر والبدو، القبائل والوافدون، المِلَلْ والنِّحَلْ، ففيها الإيراني والتركي والأفغاني والباكستاني والهندي والتّبتي ومن آسيا الوسطى، والعديد من إلى أبناء بلاد الشام، وبشكل خاص من سوريا ولبنان، إضافة إلى دول الخليج المختلفة، وهؤلاء جميعهم ينصهرون في بوتقتها العروبية وتتلاقح الحضارات والثقافات في أجواء من الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقوق والخصوصيات.
وفي تاريخها كانت النجف مركزاً للأديرة المسيحية في مملكة الحيرة مثلما كانت عاصمة الخلافة الإسلامية فيما بعد في عهد خلافة الإمام علي بن أبي طالب وتكنّى بـ"خدّ العذراء" و"المشهد" و"الغري" وغيرها من التسميات. وبقدر ما يمكن اعتبارها مدينة دينية إلاّ أن وجهها الآخر مدني وحضاري وثقافي، لا تكتمل هويّتها إلاّ بذلك، ويعود تاريخ "جامعتها" إلى نحو ألف عام، منذ أن جاءها الإمام الطوسي هارباً من بغداد العام 448-449 هجرية، وتوفي فيها العام 460هـ. وفي هذه الأجواء التي تتآخى فيها المدينة مع التمرّد عرف الفتى طريقه الأول للتمرّد فكرياً واجتماعياً وثقافياً، حيث تشكّلت أولى ملامح وإرهاصات الحداثة لديه في مدينة طابعها الظاهر المحافظة، لكنها كانت تغلي من الداخل لكل ما هو حديث وجديد.
وكان الشعر بشكل خاص والأدب بشكل عام ركناً أساسياً في تكوين عالم الفتى الروحي، حيث ظلّ الجواهري الكبير "أبو فرات" ملازماً له طيلة حياته وانعقدت بينهما لاحقاً صداقة مديدة قاربت الثلاثة عقود من الزمان، نتج عنها كُتباً ومقابلات وحكايات نشر قسماً منها، وما زال القسم الأكبر ينتظر النشر، وظل مؤلفه "الجواهري جدل الشعر والحياة" الصادر في العام 1997، بوصف عدد كبير من النقاد من أهم ما كتب عن الجواهري ومرجعاً لا غنى عنه في بحث سيرته وشعره. أما كتابه "الجواهري في العيون من أشعاره"، الذي كتبه بالتعاون معه (1986) فإنه يمثل ذائقة شعرية لنحو سبعة عقود ونصف من التجربة الشعرية الجواهرية، وقد احتوى على "جواهر الجواهري".
ومثلما حمل دواوين الجواهري معه أينما حلّ وحيثما رحل، فقد عاد لقراءة معمّقة للقرآن عام 1978 وعام 1982، وعاد لقراءة ثالثة مع التفاسير المختلفة في مطلع الألفية الثالثة، وكان ذلك مقدمة لأبحاثه ودراساته المعاصرة عن "الإسلام" و"المسيحية"، مثلما ظلّ مستغرقاً في إعادة قراءة الماركسية بمراجعة نقدية لماركسيتنا على مدى أكثر من 5 عقود من الزمان، كما قال، وظلّت كتب ماركس أو ثلاثيته أثيرة لديه "الثامن عشر من برومير، لويس بونابرت" و"النضال الطبقي في فرنسا" و"الحرب الأهلية في فرنسا" وغيرها.
   ولعلّ نزعة التمرّد ومغامرة التجديد وحبّه للشعر بشكل خاص والأدب بشكل عام دفعه للقراءة بإعجاب كبير وبعمق شديد لبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ونازك الملائكة، وبلند الحيدري، ونزار قباني، وكاظم السماوي، ورشدي العامل، وسعدي يوسف، وأدونيس، ومحمود درويش، ويوسف الصايغ، وعبد الرزاق عبد الواحد، وسامي مهدي، وحميد سعيد، ومصطفى جمال الدين، ومظفر النواب، ولميعة عباس عمارة، وعاتكة الخزرجي.
- II -
   أما ينابيع المعرفة والثقافة التي نهل منها الفتى في بداياته، فإضافة إلى ما ذُكر فقد كانت من الكتب الأولى التي قرأها وأحبّها وأثّرت فيه هي كتابات المنفلوطي لا سيّما كتابيه:"النظرات والعبرات" وقرأ أيضاً كتابات جبران خليل جبران، خصوصاً "الأجنحة المتكسرة" وكتابَي سلامة موسى "أحاديث إلى الشباب" و"الشخصية الناجحة"، وقرأ روايات يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله، وأيضاً قرأ معظم ما كتب نجيب محفوظ، التي كانت قد صدرت في تلك الفترة، أو التي كانت قد وصلت إلى العراق، وكانت في مكتبة أعمامه وأخواله، وكذلك في مكتبة الدكتور ناهض شعبان، التي تُعتبر من أغنى المكتبات الشخصية التي عرفها.
وأثّرت فيه ثلاثية نجيب محفوظ الأثيرة "قصر الشوق والسكرية وبين القصرين" وفيما بعد "خان الخليلي" و"ثرثرة فوق النيل" و"السّمان والخريف" وصولاً إلى "حب تحت المطر" و"الحرافيش" وغيرها.
وفي هذه المرحلة التي تعتبر المرحلة الأولى لتبلور الوعي السياسي لديه، لا سيّما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 قرأ لفهد (يوسف سلمان يوسف) "أمين عام الحزب الشيوعي الذي أعدم العام 1949" كتاب "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" وكراساً بعنوان "البطالة" وكتاب "الجبهة الوطنية" لحسين الشبيبي، كما كان يقرأ لعزيز الحاج وعامر عبد الله وزكي خيري ومحمد حسين أبو العيس وعبد الرحيم شريف مقالات وكراريس، واستوقفته بعض السجالات حول الوحدة العربية والقومية والإصلاح الزراعي ومسألة الدولة، إضافة إلى كتب مترجمة عن اللغة الصينية بينها كرّاس "الشيوعي الناجح" وكرّاس "الليبرالية والتسيّب" وكرّاس عن "التثقيف الذاتي".
كما قرأ لعالم الاجتماع علي الوردي الذي ظلّ ملازماً له، خصوصاً بتحليل طبيعة المجتمع العراقي والشخصية العراقية، وروايات لغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ولاحقاً لعبد الرحمن مجيد الربيعي وشمران الياسري "أبو كاطع" وآخرين، وفي هذه المرحلة ازداد تردّده على السينما والمسرح، وظل على هذه العادة حتى اليوم.
وفي معرض القراءات كانت قصص مثل "الأم" لمكسيم غوركي و"العقب الحديدية" لجاك لندن، وروايات آرنست همنغواي "الشمس تشرق أيضاً" و"وداعاً للسلاح" و"لمن تقرع الأجراس" و"الشيخ والبحر" ولإيميلي برونتي "مرتفعات وذرينج" ولمرغريت ميتشيل "ذهب مع الريح". أما تولستوي فقد قرأ له بشغف كبير سيرة حياته إضافة إلى "الحرب والسلام" و"آنا كارنينا"، وقد عاد لقراءته لما له من علاقة بأفكاره عن اللاّعنف وتأثيراته على غاندي ومارتن لوثر كينغ، كما قرأ لبلزاك "الزوجة الضائعة".
ثم استهوته روايات مثل: "العاصفة" و"سقوط باريس" لإيليا اهنربرغ و"الدون الهادىء" لشولوخوف، كما قرأ لديستوفسكي "الأبله" و"مذلّون ومهانون" و"الأخوة كارامازوف" و"الجريمة والعقاب" و"ذكريات من منزل الأموات" وقرأ لغوغول "المعطف" و"المفتش"، ولتشيخوف "الحوذي" و"الخال فانيا" و"بستان الكرز" ومن قراءاته أيضاً لـِ ألبير كامو "الغريب" و"الطاعون" كما قرأ لفكتور هوغو "كاتدرائية نوتردام" وقرأ أيضاً لسيمون دي بوفوار "الجنس الآخر" و"المثقفون" ولجان بول سارتر "الوجود والعدم" و"نقد العقل الجدلي" وقرأ أيضاً لكولن ولسون "اللاّمنتمي" و"ما بعد اللاّمنتمي" و"ضياع في سوهو" وغيرها، وشكّلت تلك القراءات ذخيرة معرفية لديه، لا سيّما بارتفاع منسوب الشك والأسئلة.
   كما قرأ للينين وبليخانوف وماركس وأنجلز ولوكاش وغرامشي وتولياتي وتروتسكي وأوسكار لانكة وغيرهم.
ولم يكن الأدب وحده هو المهيمن على الشاب، بل أخذت الموسيقى تتسلّل إليه وتتوغّل فيه، وخصوصاً سيمفونيات جايكوفسكي: "بحيرة البجع" و"كسّارة البندق" و"بستان الكرز" و"سبارتاكوس" و"روميو وجولييت" و"الجمال النائم"... وكان قد شاهد بعضها "أوبرا" في مسرح البولوشوي تياتر، ومسرح النارودني ديفادلو (المسرح الوطني في براغ)، وبحكم المتعة، لم يكن يفوّت فرصة مشاهدتها في لندن أيضاً على مسرح رويال ألبرت تياتر، كما أعجب كثيراً بـ"بتهوفن"، والسيمفونية التاسعة الناقصة (الأمل) والخامسة (القدر)، وكذلك (سوناتات القمر) لموزارت، ولـ"باخ" "رائعته الشهيرة"، مثلما أعجب بـ"سيمفونية شهرزاد" لريمسكي كورساكوف، و"سيمفونية العالم الجديد" للموسيقار التشيكي أنتونين دفورجاك في السبعينات.

- III -
   وُلد الفتى، في مدينة النجف الأشرف (العراق) في 21 آذار (مارس) 1945 لأسرة عربية كبيرة، يعود أصلها إلى اليمن (جبل النبي شُعيب)، وهي بطنٌ من حمْيَر القحطانية التي نزحت من اليمن إلى بلاد الشام بعد انهيار سد مأرب، ونزلت فرقة منها إلى العراق باتجاه منطقة الفرات الأوسط، وسمّوا بالشعبيين الذين هم عشيرة (آل شعبان) الموجودة حالياً في النجف والكوفة وكربلاء والبصرة وبغداد، أما الفرقة الثانية فقد توجّهت إلى أرض الجزيرة، وهي موجودة اليوم في الرمادي بمحافظة الأنبار، (قرية البوشعبان)، والفلوجة، وفي محافظة صلاح الدين في بيجي ومكحول ومحافظة الموصل، أما القسم الثاني فقد اختار التوجّه إلى مصر وتونس والمغرب، وسمّي هؤلاء بـ"الأشعوب".
   أما الذين بقوا في بلاد الشام (سوريا والأردن ولبنان) فقد عرفوا بـ"الشعبانيين"، و"آل شعبان"، وهؤلاء يرتبطون مع الأسرة في النجف وبغداد بوشائج متينة، في حين أصبح اسمهم في فلسطين (قطاع غزة) "أبو شعبان"، وكان لعشيرة آل شعبان رئاسة الخدمة في حضرة الإمام علي منذ قرون وبفرامين سلطانية معتمدة من الدولة العثمانية.
   درس وتعلّم في مسقط رأسه ثم استكمل دراسته في جامعة بغداد وتخرّج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وواصل دراسته العليا في براغ في جامعتين الأولى جامعة 17 نوفمبر والثانية جامعة تشارلس (كلية الحقوق)، حيث نال درجتي الماجستير، في العلاقات الدولية والقانون العام، ثم واصل مشواره العلمي في أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية فحاز على درجة الدكتوراه (مرشح علوم) في القانون (دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية) من "معهد الدولة والقانون"، واختصّ بالقانون الدولي.
   شخصيتان أثرتا في حياة الفتى السياسية، إضافة إلى أعمامه وأخواله، الأول اسمه محمد موسى، وهو يمثّل نموذج البطل الشعبي، الذي يقتحم الميدان وهو مدجّج بسلاحه، متحدّياً الشرطة وعارفاً كيف يزوغ عنها وفي الوقت المناسب، وقد استشهد في العام 1963، وكان قد عاش في بيت شعبان بصورة متقطّعة متخفياً عن الأنظار في العام 1955 - 1956 خلال أيام حلف بغداد واشتداد الإرهاب. أما الثاني فهو صاحب جليل الحكيم صديق عمره، حيث رافقه في مسيرته منذ بدايتها في العمل الطلابي وفي المعتقل وفي المنافي، وهو مثال نادر في الوفاء والإخلاص.
   خلال عمله السياسي والمهني والنقابي تعرّض للملاحقة والاعتقال والتعذيب، وفُصل من الدراسة حين كان في الصف المنتهي من الثانوية العامة في العام 1963 وأفلت من الاعتقال مرّة أخرى، كما تعرّض للملاحقة في العام 1970 حيث توارى عن الأنظار لبضعة أشهر، حينها كان يفاوض عن الحزب الشيوعي مع حزب البعث الحاكم في قطاعَين مهمَّين هما: الطلبة وجمعية العلوم السياسية التي اندمجت بجمعية الحقوقيين العراقيين لاحقاً، علماً بأنه كان قد مُنح عضوية شرف لنضاله في صفوف الحركة الطلابية من جانب الاتحاد الوطني لطلبة العراق (الرسمي)، لكن ذلك لم يمنع من ملاحقته.
   واعتُقل مرةً أخرى في العام 1979، وتعرّض خلالها للتعذيب، واستدعي للاستجواب لأكثر من 5 مرّات حيث كان يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية، وكاد أن يُعدم، بل إن حبل المشنقة كان قريباً من رقبته. واضطرّ لمغادرة العراق إلى المنفى في العام 1980. وكان قد أجبر على اختيار المنفى لأول مرّة في العام 1970، واستثمر وجوده في المنفى لنيل شهادة الدكتوراه، وعاد إلى العراق بعد انتهاء دراسته في العام 1977، ولكنه عاد للمنفى مجدداً بعد تدهور الحياة السياسية في العراق، وتصدع العلاقة بين حزب البعث والحزب الشيوعي.
   كانت وجهته الأولى الشام، حيث كُـلّف بمسؤولية العلاقات الوطنية والعربية في الحزب الشيوعي وكان نطاق عمله يمتد إلى بيروت، لكنه سرعان ما عاد للالتحاق بقوات الأنصار الشيوعية في كردستان، حيث عمل مستشاراً سياسياً لفصيل الإعلام، ومسؤولاً للمنظمة الحزبية للإعلام المركزي، وعضواً في هيئة تحرير جريدة "طريق الشعب" وعضواً في "هيئة تحرير إذاعة صوت الشعب العراقي"، كما عمل عضواً في "لجنة العمل الآيديولوجي المركزي"، ومحرراً رئيسياً لنشرة "مناضل الحزب"، وعضواً في اللجنة الإعلامية للجبهة الوطنية الديمقراطية "جود".
   تعرّض خلال وجوده في كردستان مثل العديد من الأنصار إلى مخاطر شتّى، خصوصاً وأن وجودهم كان في مناطق جبلية نائية على الحدود العراقية - الإيرانية في نوكان وناوزنك ومن ثم في بشتاشان، واقترب الموت منه عدّة مرّات، لا سيّما خلال هجوم قامت به قوات الاتحاد الوطني الكردستاني، بتواطؤات مع الحكومة، حيث استشهد نحو 60 شخصاً من رفاقه، في أحداث بشتاشان الشهيرة العام 1983، مما اضطرّه ومئات آخرين إلى عبور جبل قنديل مشياً على الأقدام لمدة زادت عن 32 ساعة، وهو جبل يبلغ ارتفاعه 7800 قدم، وتكسوه الثلوج طيلة أيام السنة باستثناء شهرَي تموز (يوليو) وآب (أغسطس)، وبسبب قرحة حادة مهدّدة بالانفجار غادر الموقع للعلاج في أرومية "الرضائية"، وكاد أن يكشف أمره، وبناء على ذلك وبمساعدة كردية توجّه إلى طهران مستخدماً وسائل مختلفة ومتنوّعة مكّنته من الوصول إلى دمشق التي غادرها للعلاج في موسكو، حيث مكث في المستشفى نحو 3 أشهر، وكان قبلها قد رقد في مستشفى يافا في دمشق لمدة أسبوعين، حيث عانى من أمراض عديدة ظهرت تأثيراتها لاحقاً.
   اختلف مع قيادة الحزب الشيوعي هو وعدد من رفاقه، وكان سبب الاختلاف السياسي المباشر هو موقفها الممالىء لإيران في الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988)، وكان موقفه الأول هو إدانة الحرب التي لا تخدم حسب وجهة نظره إلاّ الإمبريالية والصهيونية، ولذلك حمّل النظام السابق مسؤولية شنّها، وأصدر كتاباً بهذا المعنى بعنوان: "النزاع العراقي - الإيراني - ملاحظات وآراء في ضوء القانون الدولي" العام 1981، وحين انسحبت القوات العراقية من الأراضي الإيرانية بعد معركة المحمّرة (خرمشهر) 1982، اعتبر استمرار الحرب تحت أي ذريعة هي محاولة لإدامتها ولتدمير طاقات البلدين، الأمر الذي يستوجب إدانتها والدعوة إلى وقفها فوراً، وهو المسار الذي اتّخذه منذ بدايات الحرب.
   وبعد أن انتقلت الحرب إلى الأراضي العراقية 1983 كان من أوائل الذين حذّروا من المشروع الحربي والسياسي الإيراني، خصوصاً بالتلويح للبديل الإسلامي وفرض شروط مجحفة على العراق، واعتبر مواجهة هذا المشروع واجباً وطنياً دون أن يقلّل ذلك من دعوته لتغيير النظام والإطاحة بالدكتاتورية وإقامة نظام ديمقراطي بديلاً عنه، لكنه دعا إلى وقف الحرب فوراً والجلوس إلى طاولة مفاوضات والاتفاق على حلول سلمية وفقاً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وعلى أساس سياسة حُسن الجوار وعدم التدخّل بالشؤون الداخلية والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.
   وقد بلور موقفه ذلك بتحرّك عربي ودولي بالدعوة إلى وقف الحرب فوراً والشروع بمفاوضات سلمية للتوصل إلى حلول ومعالجات للمشاكل العالقة بين البلدين مع تأكيده على حقوق العراق في الماء واليابسة، وإدانته لاتفافية 6 آذار (مارس) لعام 1975 بين شاه إيران محمد رضا بهلوي وبين صدام حسين نائب الرئيس حينها والتي عرفت باسم "اتفاقية الجزائر" التي قدّمت فيها الحكومة العراقية تنازلات لإيران لم يكن لها من مبرّر على الإطلاق بما فيها ما سمي بخط الثالويك بخصوص شط العرب، وهو خط وهمي من أعمق نقطة في وسط النهر وحتى البحر، علماً بأنه نهر وطني عراقي لا تنطبق عليه شروط الأنهار الدولية، وقد عاد النظام نفسه للاعتراف بذلك، الأمر الذي دفعه هذه المرة لشن الحرب، تحت عنوان "استعادة الحقوق"، وحصل ذلك بعد الثورة الإيرانية بنحو عام ونيّف، أي في 22 أيلول (سبتمبر) العام 1980.
   أصدر بالتعاون مع عدد من رفاقه في بيروت، أواسط الثمانينات صحيفة باسم "المنبر" الشيوعية، وكان محرّرها الأساسي والمشرف على إصدارها، وضمّت نخبة مهمّة من مثقفين وأكاديميين حاولوا تقديم قراءات جديدة للماركسية بما ينسجم مع التطوّر وروح العصر ومصالح الأمة العربية، ولذلك كانت دعوته لمراجعة بعض مواقف الحزب الشيوعي جريئة ومتقدمة، مثل الموقف من القضية الفلسطينية، ولا سيّما من قرار التقسيم بما فيه نقده المبكّر لمواقف الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية من عدد من القضايا العربية، والموقف من الوحدة العربية والموقف من الديمقراطية عموماً والديمقراطية الداخلية خصوصاً، والموقف من التحالفات وأساليب الكفاح وغير ذلك، الأمر الذي استغرق منه إعادة قراءة الماركسية من مصادرها وتدقيق ما صلح وما لم يصلح منها، باعتبار أن كارل ماركس هو وليد حقبته الزمنية التاريخية، وأن آراءه واستنتاجاته تعود لعهده، وقد لا تصلح لزماننا، وعلينا استنباط الأحكام والاستنتاجات التي تنسجم مع التطوّر الحاصل في العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال وغيرها، مع تأكيده على صلاح المنهج الديالكتيكي، وهو ما عبّر عنه في كتابه "تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف" (2009).
   وبعد فترة صراع بين طرفين شيوعيين شعر أن الأمر استنفذ أغراضه وأن الحياة تجاوزت هذا النمط من التفكير، خصوصاً وأن الأدوات قديمة وليس بإمكانها إجراء تغيير حقيقي، لأن التغيير يحتاج إلى فكر جديد ووسائل جديدة وأداة حاملة للمشروع، وهذا لم يتوفّر.
   وبعد توقف الحرب العراقية - الإيرانية قدّم هو ومجموعة من رفاقه مشروعاً يتضمّن أساساً لمصالحة وطنية، عبر بلاتفورم سياسي تضمّن عدداً من النقاط أهمها: إعادة إعمار ما خربته الحرب، وإحداث تنمية شاملة وإعادة المهجرين العراقيين إلى وطنهم وتأمين عودة سليمة لهم ولجميع المعارضين وعدم ملاحقة أي منهم، وحل القضية الكردية سلمياً بتلبية المطالب المشروعة للشعب الكردي وإطلاق الحريّات والتمهيد لفتح حوار وطني لإجراء تغييرات دستورية، وانتهاج سياسة عربية من شأنها تعزيز موقع العراق، لكن الحكومة لم تستجب لتلك المطالب وظلّت سادرة في غيّها متعالية ومتنكّرة لأي استحقاق سياسي جديد يقوم على الإقرار بالتعدّدية والتنوّع وإجراء إصلاحات دستورية وقانونية من شأنها تطبيع الحياة السياسية وتوسيع دائرة الحريّات والحقوق.
   وفي إطار العمل مع المعارضة فقد كانت بداياته في الشام، حيث كان ممثلاً للحزب الشيوعي ولحركة المنبر الشيوعية فيما بعد، وتقرّر نقل إصدار صحيفة "المنبر" إلى أوروبا فصدر منها عدد واحد في "براغ" التي انتقل إليها، ثم أصدر عدداً آخر في لندن التي استقر فيها، وكان قد مكث في براغ عام وبضعة أشهر، وقرّر أن ينتقل إلى لندن بعد غزو القوات العراقية للكويت (1990).
   وفي لندن ومنذ أواخر العام 1990 كان أحد الشخصيات البارزة في المعارضة العراقية ممثلاً لحركة المنبر الشيوعية، وعندما تقرّر إيقاف إصدار الجريدة كان يمثّل شخصه باعتباره يسارياً مستقلاً، وشارك في العديد من المؤتمرات، وانتُخب عضواً في قيادة المعارضة المؤلفة من 17 شخصية في مؤتمر انعقد في فيينا (حزيران - يونيو) العام 1992، وبعد نحو 4 أشهر انعقد مؤتمر موسّع ثاني في كردستان العراق، وانتخب فيه أميناً للسرّ، لما عرف بالمؤتمر الوطني العراقي، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1992.
   وعلى الرغم من أنه هو الذي أعد التقرير السياسي للمؤتمر والبيان الختامي، لكن هذه الوثائق التي كانت تندّد بالحصار وبنظام العقوبات الدولي وُضعت على الرف وتصرّفت الإدارة المتنفّذة بالمؤتمر بما كانت تمليها عليها أجندتها، وهو ما دفعه للاعتراض على هذا التوجّه سواء في اجتماعات قيادة المعارضة أو بالكتابة ضد الحصار وضد القرارات الدولية في تغريد خارج السرب - كما يُقال - واضطرّ بعد أشهر قليلة إلى تقديم مذكرة موسّعة في تموز (يوليو) العام 1993. وحين شعر أنَّ الصراع بلا جدوى، خصوصاً وهناك اصطفافات جديدة أخذت تتكوّن داخل المعارضة مثلما نشأت مصالح جديدة، فاضطرّ لتقديم استقالته بعد بضعة أشهر وكانت استقالة مدوّية، لأنها ندّدت بالتوجّه الممالىء للقوى الدولية وشخّصت عِلل المعارضة التي أسماها بالتعويلية على القوى الأجنبية والعزلة عن الشارع العراقي، لا سيّما في الموقف من الحصار الدولي، وذلك منذ وقت مبكر، الأمر الذي أحرج الكثير.
   ولم يتراجع عن هذا الموقف، رغم مناشدات شخصيات مرموقة في المعارضة، إضافة إلى مغريات قُدمت له، مثلما مورست عليه ضغوط وتعرّض إلى تهديدات بهدف إجباره على السكوت، لكنه واصل التعبير عن وجهات نظره وقناعاته لأنه كان يشعر بأن واجبه الوطني وقيمه اليسارية وتاريخه النضالي يفرض عليه أن يتّخذ مثل هذا الموقف مهما كانت النتائج، لأنه كان قد قرأ اللحظة التاريخية، وأدرك أن ما يُضمر للعراق هو التدمير، وهو ما حصل فعلاً بعد احتلاله في العام 2003 أي بعد أكثر من 10 سنوات من موقفه الذي أعلن فيه انسحابه من أنشطة المعارضة الرسمية وتوجّهات إداراتها المريبة تلك.
    وفي الوقت الذي اتخذ مثل هذا الموقف الذي يعتزّ به، كانت أجهزة النظام العراقي تلاحقه حيث تم كشف محاولة لاغتياله في إربيل في العام 1993 عبر إرسال عملاء لتسميمه، وكانت سلطات الإقليم قد ألقت القبض على عناصر مرسلة من بغداد، واعترفوا بذلك، وحسبما نقل له مسؤولون سياسيون وأمنيون رفيعو المستوى في الإقليم، فإن 5 أسماء من قادة المعارضة كانوا ضمن قائمة الاغتيال، وكان هو من بينهم.
   لكن كل تلك المواجهات لم تثنه من اتخاذ الموقف الصحيح بإعلان رفضه للحصار ولنظام العقوبات ولتعويل المعارضة على القوى الخارجية، ولا سيّما القوى الإمبريالية وأجهزتها الأمنية، وهو واحد من الدروس الأساسية في حياته، إذْ ليس العداء لنظام ما أو حكومة ما مبرّراً للتعاون مع قوى أجنبية وأجهزة أمنية لا تضمر إلاّ الشرّ لبلداننا وشعوبنا، حتى وإن غلّفت ذلك بالحديث عن الديمقراطية والحريّات وحقوق الإنسان.
   وبتواضع حاول أن يقدّم هذا الدرس للمعارضات العربية التي هي معارضات مشروعة، بل وضرورية ضد أنظمة حكم استبدادية شريطة أن لا ترتبط بالأجنبي أو تراهن على القوى الخارجية في إنجاز عملية التغيير، فهذه لها أجندتها التي تريد بواسطتها توظيف المعارضات لخدمة مصالحها، وهو ما دلّت عليه تجارب المعارضات العربية جميعها، فالوسيلة ينبغي أن تقترن بالغاية، ولا غاية شريفة بدون وسيلة شريفة، وهما مثل البذرة إلى الشجرة، حسب المهاتما غاندي، قائد المقاومة اللاّعنفية.
   وإذا كان للظالم قضية ظالمة، فإنه سيختار لها وسيلة ظالمة أيضاً، أما المظلوم فبقدر غايته العادلة والأخلاقية، فإن ذلك يتطلّب منه اختبار وسيلة عادلة وأخلاقية، وتلك يعجز عنها الظالم، وبهذا المعنى فالقضية العادلة تحتاج إلى وسيلة عادلة في الآن ذاته، فكيف يستقيم تعاون معارضات مع قوى خارجية ليست أقلّ شراً من الحاكم نفسه؟
   وقد بيّنت تجارب التدخّلات الخارجية كم كان الضرّر فادحاً، خصوصاً حين تمّ استخدام العنف والوسائل العسكرية لحلّ الخلاف بين الحاكم والمحكوم، وربّما ذلك ما يحاول به الحاكم والظالم والمتسلّط الخارجي استدراج المحكوم والمظلوم والضحية، فالعنف سوف يخدم الظالم والطاغية والغازي، سواء استخدموه هم أو استخدمه المظلوم، لأنه حسب غاندي "فخ ينصبه الظالم ويقع فيه المظلوم"، وهو تدمير للذات، وحتى في حالة الدفاع عن النفس، فالعنف أحياناً يلوّث القضايا النبيلة، سواء كانت باسم الدين أو القومية أو الاشتراكية ويشوّه غاياتها الإنسانية، وستكون نتائجه مؤلمة ومكلفة وطويلة وملتبسة.
   ولعلّ أخطر ما في استخدام العنف هو تبرير الغاية العادلة باستخدام وسائل لا تنسجم معها أو بالضد منها، أي تبريرها بوسائل لا أخلاقية، وليس هناك من مسوّغ لكي تكون القضية عادلة لتبرّر استخدام جميع الوسائل، حتى وإن كانت غير عادلة، وهو ما انزلقت إليه قوى آيديولوجية كثيرة عبر ممارسات عنفية، سواء كانت في السلطة أو خارجها، وسواء باسم الوحدة أو تحرير فلسطين أو الاشتراكية أو الإسلام، فذلك سيعني أدلجة للعنف بحيث يصبح نظرية واستراتيجية، تفترض ادّعاء الأفضلية وامتلاك الحقيقة، وبالتالي تبرير كل شيء بما فيه محق الإنسان.
   والآيديولوجية حسب جبران خليل جبران هي: "كالزجاج يرى الإنسان الحياة من خلالها، إلاّ أنها تفصله عن الحياة"، وهكذا يتحوّل الإنسان من منظومة القيم الإنسانية التي يحملها سواء كانت دينية أو اشتراكية أو قومية باستخدامه العنف، إلى شخص نقيض لتلك القيم، خصوصاً حين تتقدم القسوة ويحلّ الإجبار محل الإقناع والإكراه بدلاً من الحوار .
   وفي سيرة تمرّده وجد في بعض الممارسات السياسية تبريرات هي أقرب إلى الميكافيلية التي تقول "الغاية تبرر الوسيلة"، وما أن يصل الإنسان إلى هذه النتيجة، فتلك ستكون هزيمته الأولى، لأن الغاية موجودة في الوسيلة، وحسب الصديق جان ماري مولر فيلسوف اللاّعنف: "الغاية مجرّدة أما الوسائل فهي ملموسة، وفي حين تختصّ الغاية بالمستقبل، فإن الوسيلة تُعنى بالحاضر"، فهل نتخلّى عن الحاضر لحساب المستقبل؟ وهل يمكن تبرير التعاون مع القوى الخارجية لتدمير بلداننا، لكي نعيد بنائها وفقاً لمستقبل سعيد، ننعم فيه بالرفاه!!.
   وإذا كانت الغايات دائماً متشابهة لكن الوسائل دائماً مختلفة، وفي نهاية المطاف فإن الوسائل هي التي تحدّد المعايير الأساسية لتقويم الغايات التي نسعى لتحقيقها. وحسب صديقه د. وليد صليبي وهو أحد رواد اللاّعنف في العالم العربي "إن التلازم بين الغاية والوسائل ضروري ليس من أجل أخلاقية العمل، فحسب، بل من أجل فاعليته أيضاً"، إذْ أن فاعلية أية وسيلة تقاس بمدى تحقيقها للغاية النبيلة التي تسعى إليها، وبمدى إزالتها للظلم وليس إلغائها للظالم أو القضاء عليه.
   والوسيلة ينبغي أن تكون في خدمة الإنسان، ولا يمكن تحديدها إلاّ تبعاً لمتطلّباته التي لا بدّ أن تكون متطلبات أخلاقية وفعالة في الوقت نفسه. وباختصار إنها خيارات اللاّعنف تلك التي توصّل إليها شعبان، وازداد إيمانه بها واعتمدها في رحلة كفاحه الحقوقية وسيلة لحل الخلافات مع الآخر. وهو ما انكبّ عليه دراسة وتدريساً وممارسة خلال ربع القرن الماضي، فالعنف بما فيه الموجّه ضد الآخر هو عنف موجّه ضد الذات أيضاً.
- IV -
   حين انصرف إلى العمل الحقوقي والفكري وابتعد تدريجياً عن العمل السياسي أصبح واحداً من روّاده في العالم العربي في العقود الثلاثة الماضية، وكانت له بصمة واضحة فيه، قراءة وتنظيراً ونقداً وممارسة، مؤكداً على الدور التنويري الذي يمكن أن يقوم به، لا سيّما إذا كان مهنياً ومستقلاً وسلمياً بحيث يضع مسافة متساوية بين الحكومات من جهة وبين المعارضات السياسية من جهة ثانية، وبقدر ما ينتصر الحقوقي للضحية فإنه ليس بالضرورة يؤيّد أفكاره، وهو ليس ضد حاكم بعينه، بل إنه مع الحقوق والحريّات بشكل عام، ولذلك عليه أن ينأى بنفسه عن الصراع الآيديولوجي والفكري، الأمر الذي يتطلّب سد النقص الشديد والفادح في الوعي الحقوقي بشكل خاص والوعي بشكل عام.
   ولكي يكون المجتمع المدني قوياً وموثراً فلا بدّ له من اتخاذ مبادرات، لكي يتحوّل من "قوة احتجاج" إلى "قوة اقتراح"، ومن "قوة اعتراض" إلى "قوة اشتراك"، أي أن يكون شريكاً مع الحكومات في اتخاذ القرار وفي تنفيذه، لا سيّما فيما يتعلّق بالتنمية بمختلف جوانبها.
    وفي هذا المجال له مساهمات وازنة، لا سيّما في نشر الثقافة الحقوقية وفي التربية على حقوق الإنسان، وحاول أن يضخّ ذلك من خلال وسائل الإعلام أيضاً، كما شارك في مؤتمرات دولية هامة، منها مؤتمر فيينا الدولي حول حقوق الإنسان لعام 1993، والمؤتمر العالمي الذي انعقد في قصر شايو "باريس" عند ساحة التروكاديرو وبالقرب من برج إيفل (1998)، وذلك بمناسبة مرور 50 عاماً على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومؤتمر ديربن ضد العنصرية عام 2001، ومؤتمرات إقليمية وعربية متنوّعة ومختلفة.
   وكان يلقي محاضرات سنوية لتأهيل كادرات مهنية خاصة في مجال حقوق الإنسان في المعهد العربي لحقوق الإنسان في تونس، حيث شغل عضوية لجنته العلمية وفي عدد من البلدان والجامعات والمراكز، وشغل خلال نشاطه الحقوقي مواقع عديدة منها أنه كان رئيساً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا وعضو مجلس أمنائها في (القاهرة)، وأسس في إربيل وبيروت ولندن "الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان"، وكان أميناً عاماً لمنظمة العدالة الدولية ولمنتدى حقوق الإنسان وللأكاديمية الدولية للسلام، ولكنه استقال من جميع هذه المواقع، وقرّر التفرغ للبحث العلمي، ولإغناء قضايا المجتمع المدني فكراً وتنظيراً.
   وخلال عمله اتخذ عدداً من المبادرات مهمّة على الصعيد الفكري والحقوقي والثقافي، منها أنه: نظّم أول حوار عربي - كردي في لندن العام 1992 بحضور 50 شخصية عربية وكردية. وكان أول من دعا لتنظيم حوار بين مثقفي الأمم الأربع (العرب والترك والفرس والكرد)، وتحقّق ذلك لأول مرّة في تونس تلبية لمبادرته من جانب المعهد العربي للديمقراطية 2016.
   وكان قد تحفّظ على قرار الأمم المتحدة بخصوص "الأقليات" العام 1992، على الرغم من تقديره الإيجابي له، لا سيّما اعترافه بحقوق "المجموعات الثقافية"، لكنه اعتبر أن استخدام القرار مصطلح "الأقليات" إنما يستبطن الهيمنة والتسيّد من جهة، مثلما يفترض الخضوع والاستتباع من جهة أخرى، الأمر الذي يعني الانتقاص من مبدأ المساواة والاعتراف المتكافىء، بغض النظر عن الأقلية والأكثرية، وظلّ متمسّكاً بمبدأ حق تقرير المصير ببعده الحقوقي والإنساني.
   كما سبق له أن اقترح مشروع قانون لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق العام 2007، وصاغ على أساسه لائحة تنسجم مع القوانين العراقية النافذة العام 2009. وكان أول من خاطب الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم بخصوص مأساة المهجرين العراقيين عشية الحرب العراقية - الإيرانية وبُعيدها 1980، وطالب بإلغاء قرارات نزع الجنسية عن عشرات الآلاف من العوائل العراقية بموجب قرار مجلس قيادة الثورة السابق رقم 666 الصادر في 7 أيار (مايو) 1980.
   وكان قد دعا لتطبيق القرار 688 الصادر في 5 نيسان (أبريل) العام 1991 الخاص باحترام حقوق الإنسان في العراق ووقف القمع الذي يتعرّض له السكان المدنيون، حيث أطلق عليه "القرار اليتيم" و"التائه" و"المنسي"، وذلك بديلاً عن قرارات الحصار الدولي التي كانت تطحن عظام العراقيين، مثلما تهدر كراماتهم، وهو الموقف الذي تميّز به مع ثلّة من العراقيين الذين أدانو الحصار الدولي اللاّإنساني، باعتباره جريمة إبادة ضد الشعب العراقي وهو الموقف ذاته الذي اتخذه من احتلال بلده العراق العام 2003.
   وتأسّست بمبادرة منه وزميله الدكتور جورج جبور اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379، والتي تمّ استبدال اسمها إلى "اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية"، وكان هو أمينها العام وزميله شغل رئاستها 1986.
   ونشط في حملة التضامن لإجلاء مصير المختفين قسرياً، وذلك بالتعاون مع العديد من المنظمات الدولية، وألّف كتاباً عن "منصور الكيخيا والاختفاء القسري"، (بالعربية والإنكليزية)، واعتبِرَ الكيخيا أحد رموز الاختفاء القسري، وهو الشخصية الليبية المعارضة التي اختفت قسرياً في القاهرة، حين كان يحضر والكيخيا مؤتمراً حقوقياً في كانون الأول (ديسمبر) 1993، علماً بأن الكيخيا كان وزيراً لخارجية ليبيا سابقاً، وممثلاً عنها في الأمم المتحدة، وقد نظم عنه عدّة فعاليات وندوات في بلدان مختلفة، ودعم فكرة إخراج فيلم عنه بعنوان "اسمي بشر"، للمخرج محمد مخلوف.
   وهو من الحقوقيين الذين دعوا لتنظيم "محكمة شعبية" أي محكمة ضمير يمكن أن تتحول لاحقاً إلى محكمة دولية، لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، وقد ألّف في ذلك كتاباً بعنوان: "سيناريو أولي لمحكمة القدس الدولية العليا" العام 1987. وأعقبه في العام 2010 بتقديم 5 سيناريوهات بشأن المحاكمة الدولية وأدرجها في كتاب بعنوان "لائحة اتهام - حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل" وقد دعا جامعة الدول العربية التوجّه إلى محكمة العدل الدولية للحصول على رأي استشاري بخصوص القدس، ونظّم مؤتمراً لذلك، وهو التوجّه ذاته الذي دفعه لتبنّي فكرة الرأي الاستشاري بخصوص جدار الفصل العنصري الذي بنته إسرائيل لتقطيع أوصال الضفة الغربية والوطن الفلسطيني، وقد اتخذت محكمة العدل الدولية قراراً بعدم شرعيته، ودعت إلى تفكيكه في 9 تموز (يوليو) العام 2004.
   وهو من الشخصيات العربية التي آمنت بالتسامح ودعت إليه، وكان قد نظم مؤتمراً له في العام 1996، أي بعد صدور قرار اليونيسكو بإعلان مبادىء التسامح في العام 1995. وأصدر كتاباً بعنوان: "فقه التسامح في الفكر العربي - الإسلامي" وقدّم له المطران جورج خضر.
   وكان من المبادرين لإدانة ما تعرّض له المسيحيون في العراق وفي البلاد العربية وما يواجهونه من تحدّيات، وهم أهل البلاد الأصليون بهدف إجلائهم من ديارهم وقد خصّص لهم ثلاثة كتب كان الأول بعنوان: "المسيحيون والربيع العربي - في إشكاليات الديمقراطية والتنوع الثقافي في العالم العربي" العام 2012، و"المسيحيون ملح العرب" العام 2013، و"أغصان الكرمة - المسيحيون العرب" العام 2015، وشارك في عدد من الندوات الإقليمية والدولية للدفاع عن الوجود المسيحي، مثلما حاضر في عدد من البلدان والجامعات والمراكز دفاعاً عنهم وهو الموقف ذاته الذي اتّخذه من المجموعات الثقافية الأخرى، لا سيّما ما تعرّض له الإيزيديون على يد داعش والجماعات الإرهابية وكذلك "الصابئة المندائيون" وغيرهم.
المناصب التي شغلها
   في نشاطه الحقوقي والفكري والأكاديمي شغل عضوية العديد من المنظمات منها:
•   عضو اتحاد المحامين العرب (القاهرة).
•   عضو جمعية المحامين الدولية (لندن).
•   عضو مجلس أمناء منتدى الفكر العربي (عمان).
•   عضو اللجنة العلمية للمعهد العربي لحقوق الإنسان (تونس).
•   عضو اتحاد الكتّاب العرب (دمشق).
•   عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين (بغداد).
•   عضو اتحاد الحقوقيين العرب (المكتب الدائم). (بغداد - عمان) وممثله السابق في اليونسكو (باريس).
•   عضو اتحاد الحقوقيين العراقيين (بغداد).
•   عضو اتحاد الصحفيين العالمي (براغ).
•    ساهم في إعادة بناء اللجنة الوطنية للسلم والتضامن وكان منسقاً لأعمالها في مطلع الثمانينيات.
•   الأمين العام الأسبق للجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية (دمشق).
•   الأمين العام لمركز الدراسات العربي - الأوروبي (باريس)
•    المدير العام السابق لقناة البغدادية الفضائية (القاهرة).
•   عضو سابق في مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان (القاهرة) ورئيسها سابقاً في (لندن).
•   مؤسس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان والتنمية (كردستان - بيروت - لندن - بغداد) وأول رئيس لها في مؤتمرها التأسيسي (بغداد - نقابة المحامين 5/11/2004).
•   الأمين العام المساعد للرابطة العربية للديمقراطية (صنعاء).
•   عضو المجلس الاستشاري لدار الخبرة (بغداد).
•   مستشار مركز حمورابي للبحوث والدراسات (بغداد).
•   عضو مجلس أمناء المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة (بيروت).
•   المدير العام للمركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني (عمان - بيروت).
•   عضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت).
•   نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) - بيروت.

أبرز مؤلفاته
أ- في القانون والسياسة الدولية
•    النزاع العراقي - الإيراني، منشورات الطريق الجديد، بيروت، 1981.
•   المحاكمة - المشهد المحذوف من دراما الخليج، دار زيد، لندن، 1992.
•   عاصفة على بلاد الشمس، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1994.
•    بانوراما حرب الخليج، دار البراق، لندن - دمشق، 1995.
•   الاختفاء القسري في القانون الدولي - الكيخيا نموذجاً، شؤون ليبية، واشنطن - لندن، 1998.
•   السيادة ومبدأ التدخل الإنساني، جامعة صلاح الدين، إربيل (العراق)، 2000.
•   من هو العراقي؟ إشكالية الجنسية واللاّجنسية في القانونين العراقي والدولي، إصدار دار الكنوز الأدبية ومركز دراسات الشرق، بيروت، لبنان تموز (يوليو)، 2002.
•   الإنسان هو الأصل - مدخل إلى القانون الدولي الإنساني، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، 2002.
•   جامعة الدول العربية والمجتمع المدني - الإصلاح والنبرة الخافتة، دار المحروسة، القاهرة، 2004.
•   إشكاليات الدستور العراقي المؤقت - الحقوق الفردية والهياكل السياسية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (بالأهرام)، كراسات استراتيجية، العدد 140، القاهرة، حزيران (يونيو)، 2004.
•   العراق: الدستور والدولة، من الاحتلال إلى الاحتلال، دار المحروسة، القاهرة، 2004.
•   المجتمع المدني - الوجه الآخر للسياسة: نوافذ وألغام، دار ورد، عمان، 2008.
•   المعاهدة العراقية - الأمريكية: من الاحتلال العسكري الى الإحتلال التعاقدي، المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، عمان، 2008.
•   بغداد - واشنطن: أي مقايضة للاحتلال العسكري؟!- في حيثيات الاتفاقية العراقية- الأمريكية، إصدار مركز العراق للدراسات، بغداد، 2011.
•   المجتمع المدني- سيرة وسيرورة، دار أطلس، بيروت، 2012.
•   الانتخابات والتغيير- الثورة في صندوق الاقتراع، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 2014.
ب- في الصراع العربي - الإسرائيلي
•    الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي، ط 1، مركز الدراسات الفلسطينية، ط2، دار الجليل، دمشق 1985.
•   سيناريو محكمة القدس الدولية العليا، شرق بريس، نيقوسيا، 1987 .
•   القضايا الجديدة في الصراع العربي - الإسرائيلي، دار الكتبي، بيروت، 1987 .
•   الانتفاضة الفلسطينية وحقوق الإنسان، دار حطين، دمشق، 1991 .
•    المدينة المفتوحة - مقاربات حقوقية حول القدس والعنصرية، دار الأهالي، دمشق، 2001.
•   لائحة اتهام: حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010.
ج- أديان وقضايا فكرية
•   الصراع الأيديولوجي في العلاقات الدولية، دار الحوار، اللاذقية، 1985 .
•   قرطاجة يجب أن تدّمر، فصول من الحرب الأيديولوجية، دار صبرا، نيقوسيا- دمشق،1985 .
•   أمريكا والإسلام، دار صبرا، نيقوسيا - دمشق، 1987.
•   الإسلام وحقوق الإنسان، مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني ،ط1، بيروت ،2001 (ط2، رابطة كاوا، إربيل، 2002)، طبعة ثانية جديدة، دار بيسان، بيروت، 2014.
•   الإسلام والإرهاب الدولي - ثلاثية الثلاثاء الدامي، الدين - القانون - السياسة، دار الحكمة، ط1، لندن، أيلول (سبتمبر) 2002، (ط2/ دار ورد، عمان، 2008).
•   فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي - الثقافة والدولة (مقدمة المطران جورج خضر) دار النهار، بيروت، 2005. (ط/2 دار آراس، إربيل، 2012).
•   تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف، الدار العربية للعلوم (ناشرون) ومنشورات الاختلاف (الجزائر) - حوار وتقديم خضير ميري، بيروت، 2009.
•   جدل الهويّات في العراق - الدولة والمواطنة، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2010.
•   المسيحيون والربيع العربي، دار آراس، إربيل، 2012.
•   المسيحيون ملح العرب، دار ضفاف، الشارقة، 2013.
•   كوبا الحلم - الحلم الغامض، دار الفارابي، بيروت، 2011.
•   الشعب يريد... تأملات فكرية في الربيع العربي، دار أ

59
المنبر الحر / الحب وسط المأساة!!
« في: 22:13 24/05/2017  »
الحب وسط المأساة!!
عبد الحسين شعبان
"هناك بعض الناس لا يعتبرون غيرهم بشراً، وينظرون إليهم على أنّهم أشياء، فيفعلون بهم أيّ شيء."هذا ما قالته المغنية الأميركية من أصول أرمنيّة "شير"، بعد أن شاهدت فيلم "الوعد- THE PROMISE " الذي يتناول قصّة إبادة الأرمن التي ابتدأت في 24 إبريل-نيسان- العام 1915 في غمرة أحداث الحرب العالميّة الأولى (1914-1919) والتي شهدت بدايات إنهيار الإمبراطورية العثمانيّة.
الفيلم يتحدّث عن طالب أرمني يُدعى مايكل بوغوصيان (أوسكار إيزاك-الأمريكي من أصل غواتيمالي) الذي كان يحلم بتطوير النظام الطبي في بلدته، حيث يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون منذ مئات السنين، والتي تقع جنوب تركيا.
حين يبدأ بوغوصيان مشواره الدراسي في مدينة القسطنطينية (اسطنبول) ذات التنوّع والتعدديّة الثقافيّة والإثنيّة يلتقي بالفاتنة الأرمنيّة "أنّا" (الممثّلة الفرنسيّة شارلوت لو بون) فيقع في غرامها على الرغم من علاقتها مع الصحافي والمصوّر الأمريكي "كريس مايرز" (كريستيان بيل-الممثّل البريطاني) الذي يحتفظ بدفترٍ يكتب فيه يوميّات عن أعمال الإبادة الجماعيّة ويتمّ العثور عليه ويُعتقل، ولولا وصول خبر اعتقاله إلى السفارة الأمريكيّة لكان مصيره في خبر كان مثل غيره من مئات الألوف الذين ذهبوا ضحايا بدمٍ بارد، حيث تدخّلت السفارة الأمريكيّة لإنقاذه ومن ثم ترحيله .
الحدث الدرامي والمأساوي هو ما يميّز الفيلم الذي أضفى مخرجه الإرلندي تيري جورج لمساته الفنّية عليه، خصوصاً وأنه قد عمل سابقاً على موضوع الإبادة في فيلمه المرشح لجائزة الأوسكار "أوتيل رواندا" .وبلغت تكاليف إنتاج فيلم "الوعد" 100مليون دولار قام بالتبرّع بها رجل الأعمال الأرمني الراحل "كيرك كيركوريان" الذي نجت عائلته من المذبحة التي ارتكبت حينها.
الفيلم يعيدنا إلى الموقف من المجاميع الثقافية الأخرى، الإثنيّة والدينيّة والسلاليّة واللّغويّة، حيث تندلع أعمال إبادة وحشيّة اليوم بحق الشعب الفلسطيني الذي تستمر معاناته منذ نحو سبعة عقود من الزمان. ونستحضر معه المآسي التي حصلت للإيزيديين على يد داعش بعد احتلاله للموصل، خصوصاً قتل شبابهم وسبي نسائهم،وقبل ذلك ما حصل للصابئة المندائيين في العراق من أعمال استهداف وعنف حيث اضطرّ الآلاف منهم إلى الهجرة، مثلما تعرّض المسيحيون لا سيّما في العراق وسوريا إلى مأساة حقيقيّة بسبب أعمال التعصّب والعنف والإرهاب.
المأساة التي حصلت للشعب الأرمني لم يتمّ الاعتذار عنها، علماً بأنّ الرواية التاريخيّة التي حاول الفيلم أن يضيء عليها تقول أن نحو مليون ونصف المليون من أبنائه قتلوا غدراً. وإذا كان التاريخ مراوغاً حسب "هيغل" فحسبنا اليوم بالوقائع الدامغة التي تستوجب عمل كلّ ما من شأنه حماية البشر، ووضع حدّ للمآسي الإنسانية بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللغة أو اللون أو الأصل الاجتماعي، فالبشر، كل البشر، لهم الحق في الحياة والعيش بسلام ودون خوف.
إنّ أبسط ما يمكن تقديمه للضحايا في الماضي والحاضر هو تحريك ضمير المجتمع الدولي للاعتراف بما حصل والاعتذار عنه وكشف الحقيقة كاملةً وتعويض الضحايا وجبر الضرر والعمل على إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية لكي لا يتكرر ما حصل ولكي لا يفلت الجناة من العقاب. وذلك ما يندرج في إطار العدالة الانتقاليّة على المستوى الدولي والوطني.
وإذا كان فيلم "الوعد- THE PROMISE " يعكس مأساة الشعب الأرمني الحقيقية التاريخيّة فإنّ ما يجري على أرض الواقع يتطلّب عملاً جاداً ومسؤولاً وعلى جميع الجبهات، الفكريّة والثقافيّة والدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والتربويّة والقانونيّة والدبلوماسيّة لاستئصال التعصّب والتطرّف والإرهاب وإشاعة ثقافة التسامح والسلام والتآخي نقيضاٍ للثقافة السائدة التي تقوم على الكراهية والعنف والانتقام.
ملاحظة أخيرة لا بدّ من الإشارة إليها بخصوص الفيلم وهي أنّه، على الرغم من محاولته تصوير بشاعة الجريمة إلا أنّه لا يخلو من تمرير دعاية موجّهة، مثل "مدنيّة وتحضّر" الأميركيّين والفرنسيّين والغرب عموماً ودفاعهم عن حقوق الإنسان، كما يُدَسّ فيه اسم "اليهود"، لدرجة أنّ أحد المسؤولين الأتراك يخاطب أحد موظّفي السفارة الأمريكيّة في أنقرة بقوله "أنت تدافع عن الأرمن لأنّك يهودي "، مُظهراً تعاطفاً زائفاً في حين أن العرب في حلب والموصل وبيروت وعمان والقاهرة وغيرها من المدن العربيّة  هم من استقبل الأرمن ووفّروا لهم الأمن والحماية، دون أن ننسى أنّ عدداً من العوائل التركية ساهم في إنقاذ عوائل وأفراد من جيرانهم ومعارفهم الأرمن بتأمين مخابئ لهم ، كما قاموا بتربية بعض الأطفال الذين فقدوا ذويهم خلال أعمال الإبادة.
ومثلما ترتفع اليوم المطالبات بالاعتذار للأرمن، فإنها تشمل إعتذار الفرنسيين عن احتلالهم للجزائر وما ارتكبوه من أعمال بربريّة واعتذار الأمريكان لسكان البلاد الأصليين على ما قاموا به من إبادة بحقّهم، واعتذار البريطانيين عن وعد بلفور الذي ألحق أفدح الأضرار بالشعب العربي الفلسطيني.
وبغضّ النظر عن كل شيء فإنّ الفيلم هو لائحة اتّهام، بل وثيقة إدانة لأنّه يُظهر المأساة الحقيقيّة لشعب تعرّض للإبادة.

.

60
ما بعد مؤتمر الأستانة:
قراءة في البعدين الإقليمي والدولي للأزمة السورية
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي

   ظلّت الأزمة السورية  متأرجحة بين العواصم الدولية والإقليمية، انعكاساً لما يجري على الأرض، وكان من مخرجات ما بعد حلب أن يحدث نوعاً من التقارب الإقليمي والدولي، لعقد مؤتمر تحضره الأطراف السورية يبحث في حيثيات الأزمة ابتداءً من ترسيخ الهدنة ومروراً بوقف إطلاق النار وصولاً للحل السياسي المنشود.
   لم يتصوّر أحد قبل انعقاد المؤتمر أن العاصمة الكازاخستانية المعروفة باسم "الأستانة"  والتي كان اسمها سابقاً "آلما أتا" ستكون محطّة لحوار بين السوريين أولاً وهم الذين رفضوا الجلوس إلى جانب بعضهم البعض على طاولة مفاوضات لتسوية سلميّة للنزاع المندلع منذ 15 آذار (مارس) العام 2011 والذي اتخذ طابعاً عسكرياً وعنفياً بعد بضعة أسابيع، واستمرّ منذ ذلك اليوم ولحد الآن، خصوصاً بتبادل اتهامات مستمر، فالمعارضة حاولت "أبلسة" الحكومة، وسعت لشلّ مؤسسات الدولة، ومن جهة ثانية نظرت الحكومة إلى المعارضة باعتبارها جزءًا من مؤامرة دولية تستهدف سوريا، وبين هذا وذاك استمرّ القتال وتعطّلت التنمية، وانحسرت سيطرة الدولة على العديد من المناطق التي خرجت عن سلطتها، وعمَّ الدمار بمختلف أشكاله في جميع أنحاء سوريا.
   ودفع الشعب السوري الثمن باهظاً، ليس فقط بآلة الإرهاب والعنف وانعدام الأمن والأمان والحياة الطبيعية فحسب، بل من خلال عمليات نزوح ولجوء شملت أكثر من 8 مليون سوري ، إضافة إلى تخريب مدن بكاملها، وتحطيم بُنيتها التحتية، وتعريض بيئتها وأراضيها للتصحّر، وتعثر الزراعة والصناعة كليّاً أو جزئياً، كما سادت الفوضى العديد من المناطق، وهيمنت الجماعات الإرهابية على نحو ثلث الأراضي السورية، وأصبحت الرّقة عاصمة لـ"داعش"، الذي فرض على المناطق التي تحت هيمنته نمط حياة أقرب إلى التوحّش، تعود إلى القرون الوسطى، وفي تعارض كامل مع روح العصر والمدنية والتحضّر.
موسكو وأنقرة وطهران
   جمعت محطّة الأستانة للحوار إضافة إلى السوريين (الحكومة والمعارضة المسلّحة) ثلاث جهات دولية، هم الروس والأتراك والإيرانيون، وهم قوى فاعلة في الملف السوري، وكان يمكن ضمّ السعودية وقطر، وبالطبع الولايات المتحدة إلى حوار الأستانة، لكي تكتمل أطراف الحوار الأساسية، لكن ذلك لم يحدث لأسباب تعود إلى حساسيات الجهات المشاركة وأدوارها في الصراع، فدول الخليج التي دعمت الجماعات المسلّحة وقوى المعارضة وموّلتها، لم يكن في أجندتها وارداً أن يتم الحوار، لذلك اعتبرت أن الأمر لا يعنيها، وشكّكت في أن يصل الحوار إلى نتيجة ملموسة، خصوصاً وأنها كانت قد رفعت أعلى الشعارات رنيناً، بانحيازها ضدّ الحكومة السورية، مراهنة على المعارضة والقوى المسلّحة، إضافة إلى ذلك أن الذين برزوا في هذا الحوار هم المعارضون المسلّحون على الأرض، وليس الجماعات السياسية "الخارجية"!.
   أما إيران فقد رفضت حضور السعودية، كما لم ترغب بحضور الأمريكان، في حين كان الروس يميلون إلى حضور السعودية وجميع الأطراف الدولية ذات التأثير في الملف السوري، بهدف استكمال النّصاب - كما يُقال - خصوصاً لجهة العلاقة بحضور الأمريكان الذين ظلّوا متردّدين في الحضور. وبغض النظر عن كون الأطراف الدولية الغائبة منحازة كلّياً إلى جانب المعارضة والجماعات المسلّحة، وأن غيابها بلا أدنى شك سيؤثر على الاتفاق الشامل للحلّ، لكن ثمة استدراكات، فواشنطن أعلنت أنها تقف ضدّ الإرهاب وتسعى للقضاء على "داعش"، ولم تعد تطرح مسألة رحيل الرئيس الأسد عن السلطة، الأمر شجّع بعض أطراف المعارضة السياسية على المشاركة في لقاء موسكو التكميلي بعد أن كانت تشكّك بجدوى مؤتمر الأستانة، ناهيك عن قوته الإلزامية، وقد كانت مبادرة موسكو استدراكية أيضاً بهدف سدّ النقص في مؤتمر الأستانة والتعويض عنه بلقاء المعارضة وزير خارجيتها سيـرغي لافروف في موسكو بعد مؤتمر الأستانة .
   لقد كان اختيار الأستانة مكاناً لانعقاد المؤتمر ما يبرّره، فهي مقرّبة جداً من موسكو، مثلما هي في الوقت نفسه مصدر ثقة بالنسبة لواشنطن، الأمر الذي أضفى على المؤتمر أهمية خاصة، لا سيّما وأن كازاخستان ترغب في لعب دور الوسيط، وقد ساهمت في التقارب بين موسكو وأنقرة، وهي إحدى الجمهوريات السوفييتية المنفصلة عن الاتحاد السوفييتي بعد انحلاله، وذلك حين قرّرت الاستقلال في كانون الأول (ديسمبر) في العام 1991، بعد أن كانت منذ العام 1917 "جمهورية سوفيتيية".
دبلوماسية ما بعد حلب و"المناطق الآمنة"
   لقد فتحت استعادة الحكومة السورية سيطرتها على حلب، وإخراج المسلّحين وهزيمة الإرهابيين، الباب أمام حركة دبلوماسية سريعة وكثيفة بشأن الحلّ السياسي، خصوصاً وأن الحل العسكري أو الأمني لم يكن بإمكانه إنهاء الصراع في سوريا، فلم تتمكّن الدولة حتى الآن من القضاء على المجموعات الإرهابية والمسلّحة، أو إنهاء المعارضة، فضلاً عن الدعم الإقليمي والدولي، والتسليح والتجهيز والتمويل.
   كما لم تتمكّن المجموعات الإرهابية والمسلّحة ومن ضمنها المعارضة، من الإطاحة بنظام الحكم، حتى وإن أضعفوا الدولة، لكن تماسك الجيش ووجود نواة صلبة ملتفّة حوله، حال دون الانهيار، وذلك بمساعدة إقليمية - دولية، منها الدعم اللوجستي الذي قدّمه حزب الله اللبناني، إضافة إلى الدعم الإيراني المتعدّد الوجوه عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً، يضاف إلى ذلك الدعم الروسي العسكري، وخصوصاً من خلال الضربات الجويّة التي كانت مؤثّرة جداً في إلحاق هزيمة بالقوى الإرهابية التكفيرية، الأمر الذي غيّر من موازين القوى بين الفرقاء المتنازعين في الأزمة السورية.
   لكن القوى الإرهابية والمسلّحة وبقية قوى المعارضة لم تفلظ أنفاسها، وإنْ انحسر دورها وتمزّقت وحدتها، إلاّ أنها ما تزال عنصر مشاغلة وتهديد وورقة بيد القوى الدولية التي تبحث عن موطىء قدم لها في سوريا، بعد أن فشلت في الإطاحة بالدولة، فعلى الأقل قد تجد فرصة في "مناطق آمنة" Safety Zone أو Safety Area واختراقات محدودة، لكي تبقى بؤرة توترات مستديمة ومستمرة ومصدر إزعاج مستقبلي .
   وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد اقترح بعد مؤتمر الأستانة، إقامة "مناطق آمنة" لإيواء النازحين واللاّجئين، وتقديم المساعدات الضرورية لهم، وأبدى وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف استعداد موسكو مناقشة الفكرة شريطة التنسيق مع دمشق وموافقتها، وجاء ردّ الفعل السوري سريعاً على لسان وزير الخارجية وليد المعلم، الذي حذّر من تداعيات خطيرة قد يسفر عنها تحقيق هذه الفكرة دون التنسيق مع الحكومة السورية، لأنه سيؤدي إلى المساس بالسيادة الوطنية. وكانت دمشق قد رحّبت بنتائج مؤتمر الأستانة، واعتبرت وقف إطلاق النار خطوة تمهيدية للحوار السوري - السوري .
   ويعيد مفهوم المناطق الآمنة إلى الأذهان القرار الذي اتخذ بشأن الملاذ الآمن في شمال العراق، لا سيّما بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 في 5 نيسان (أبريل) 1991، الذي أدان القمع الذي يتعرّض له المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق، والذي شمل مؤخراً المناطق السكانية الكردية، وتُهدّد نتائجه السلم والأمن الدوليين في المنطقة ، وهو مسألة ترفضها الحكومة السورية بشدّة، لأنها تدرك أن وجود مثل هذه المناطق ودون الاتفاق معها يعني ثلم جزء من سيادتها، وهو الأمر الذي ارتبط بفرض الحصار على العراق، الذي استمر أكثر من 12 عاماً، وكان ذلك تمهيداً لغزوه.
   وعلى الرغم من الغموض والإبهام فيما يتعلّق بإقامة المناطق الآمنة في سوريا وجوارها، فإن الرئيس ترامب زادها غموضاً والتباساً خلال مهاتفته الملك سلمان بن عبد العزيز "ملك المملكة العربية السعودية"، لا سيّما حين عوّم المسألة وعمّمها بشموله دول الجوار الإقليمي. وإذا كان الأمر يتعلّق بالنازحين واللاجئين السوريين، فمن باب أولى التنسيق والتعاون مع دمشق التي تشترط موافقتها على أي منطقة آمنة لأغراض إنسانية. أما إذا كان الأمر يمتد إلى جوار سوريا (عمان وبيروت وأنقرة) حيث الكثافة الكبيرة للاجئين السوريين، فيقتضي موافقة حكومات هذه البلدان.
   وبالعودة إلى سوريا كيف سيتمّ اختيار المناطق الآمنة؟ ومن سيديرها؟ وكيف ستتكفّل الجهات الدولية تقديم المساعدة لها؟ وهل ستكون الدول الضامنة لمؤتمر الأستانة الدور الأساسي فيها؟ وكيف سيتم التنسيق مع الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية الأخرى؟ هذه وغيرها أسئلة تحتاج إلى تفاهمات مسبقة، تتم مع دمشق، خصوصاً وأن هناك رؤى مختلفة ومتعارضة إزاء موضوع إدارة المناطق، فـ"وحدات الحماية الكردية" تعمل بالتعاون مع قوات التحالف الدولي "الأمريكي" باسم "قوات سوريا الديمقراطية" وهناك مناطق تابعة للجيش التركي في وسط منطقة جرابلس، حيث يوجد فيها الآن، مثلما هناك مناطق تحت سيطرة الجماعات الإرهابية، مثل "جبهة فتح الشام"، و"داعش" وغيرها، مثل إدلب والرّقة، فكيف سيتم التعامل معها؟
   لقد اضطرّت القوى المعارضة، إضافة إلى الجماعات المسلّحة - دون أن نُدخل في حسابنا الجماعات الإرهابية والتكفيرية، سواء "داعش" أو "جبهة فتح الشام" أو أخواتها - إلى القبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، والأمر يتعلّق أولاً باختلال موازين القوى على الأرض، ولا سيّما بعد خروجها من حلب، بل إنها كانت في حالة تراجع وتقهقر مستمرين، وثانياً أصبح واضحاً وبعد نحو 6 سنوات أن القوى الدولية الإقليمية تهمّها مصالحها، وأنها غير معنية باستمرار الحرب الأهلية حتى لو تم تدمير كامل سوريا، فذلك إحدى أهدافها، وسيكون المستفيد الأول منها "إسرائيل" والصهيونية، وثالثاً أن الضغوط التي تعرّضت لها من جانب تركيا أجبرتها على قبول الحوار مع الحكومة السورية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وربما ساعد ذلك في دفع العملية السياسية.
   وقد يكون للداخل التركي انعكاساً إيجابياً على الأزمة السورية، "فربّ ضارّة نافعة" - كما يُقال - خصوصاً بعد تعرّض النظام التركي لهزّة عميقة إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز (يوليو) العام الماضي 2016 ، والتي لا تزال تداعياتها مستمرّة حتى الآن، وتواجه سياسة تركيا الإقليمية تحدّيات عديدة، إضافة إلى ردود فعل داخلية وخارجية، فالانقلاب ترك ندوباً وآثاراً على الدولة التركية، بل وصورة تركيا التي تم رسمها على نحو إيجابي في السنوات الخمسة عشر الماضية، باعتبارها تمثل نموذجاً "للإسلام المعتدل" و"الدولة المدنية" والحداثية، وهو الأمر الذي أصبحت الشكوك بشأنه تكبر، ليس في الغرب فحسب، بل في دول الإقليم، بسبب تدخلاتها من جهة، وفي الداخل التركي أيضاً حيث يتخذ الصراع طابعاً عنفياً.
   وكانت مفاوضات الأستانة (كانون الثاني/ يناير/ 2017)، قد شملت قضيتين أساسيتين تم الاتفاق عليهما وهما:
   - تثبيت الهدنة
   - وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سوريا.
   أما المرحلـة الثانية من المفاوضات فستـبدأ في شباط (فبرايـر) 2017، حيث سيتم عقد جولة جديدة في إطار الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سلمي، استمراراً لجنيف 1 و2 و3 .
   وإذا كانت نتائج مؤتمر الأستانة الأولية خطوة بالاتجاه الصحيح، فهل سيكون التوصل إلى خريطة طريق ممكناً بعدها، ولا سيّما بغياب واشنطن أم أن الدور الروسي، إضافة إلى الدور الإقليمي، ولا سيّما التركي والإيراني كفيل بذلك؟ وحتى لو لم تكن تركيا ممثلة للأطراف الغائبة، فإن مثل هذا الاتفاق سيكون عاملاً مهماً في الحملة المناهضة للإرهاب وكما قال الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب: إن مكافحة الإرهاب هي من أولوياته، بالتناغم مع الدور الذي تلعبه واشنطن في العراق ضدّ "داعش"، حيث تقود قوات التحالف الدولي لتحرير الموصل، بالتعاون مع القوات العراقية.
مشاريع الدستور
   ثمّة أسئلة ضرورية لبحث حيثيات الأزمة السورية ومنها: هل يحظى مؤتمر الأستانة بالإجماع، بعد أن غابت عنه المعارضة السياسية؟ أم أنه "بروفة" أولية تبعها لقاء لافروف بالمعارضة السورية؟ ولعلّ مثل هذا اللقاء التكميلي مهم لجهة عقد مؤتمر جنيف القادم. وكانت روسيا قد دعت على لسان لافروف: التحلي بالصبر لدى تشجيع المعارضة السورية على المشاركة في مفاوضات السلام، وكان هو ووزير خارجية إيران محمد جواد ظريف قد دعيا إلى الاستفادة من تجربة الأستانة لتفعيل عملية السلام.
   وقد برّرت بعض القوى السياسية المعارضة غيابها عن لقاء لافروف بالصفة الشخصية للدعوة (قائمة الرياض - الهيئة العليا للمفاوضات)، وقال فريق آخر: "قائمة موسكو"، و"قائمة القاهرة" و"قائمة الداخل"، وممثّل عن الكرد وآخرين، أن المعارضة ستشكّل فِرقاً لصياغة الدستور السوري الجديد والمقترح، وذلك على هامش لقائهم بوزير الخارجية الروسي، ويأتي مثل هذا التوجّه بعد أن أعدت وزارة الخارجية الروسية مسوّدة مشروع لدستور جديد، أساسه توسيع صلاحيات البرلمان على حساب صلاحيات الرئيس ومنع تدخّل الجيش في المجال السياسي، وتأكيد سمو القانون الدولي في النظام القانوني السوري.
   وكان لافروف قد دعا المعارضة إلى المشاركة النشيطة في ترتيب عملية تفاوضية مستدامة من أجل تسوية الأزمة السورية في جنيف، بالتعاون مع المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، علماً بأن هناك مسوّدة كردية لمشروع دستور سوري أعدّها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وسلّمها لوزير الخارجية الروسي، وذلك بتوسيع صلاحيات الأقاليم اللاّمركزية، علماً بأن المسودّة الروسية ترفع اسم "العربية" من الجمهورية العربية السورية، وترفع صفة دين الدولة "الإسلام"، وهو النص الذي تتضمنه جميع دساتير البلدان العربية تقريباً، وتسمح الصيغة المقترحة بإمكانية تغيير الحدود بواسطة الاستفتاء واعتبار اللغتين العربية والكردية متساويتين في مناطق الحكم الذاتي الثقافي الكردي.
   وبرّرت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا اقتراح مشروع دستور على الأطراف السورية، بقولها: "إن موسكو لا تحاول فرض أفكار ما على أحد، إنما يكمن الهدف من مبادرتها في تحفيز النقاش بين السوريين" .
    والسؤال الآن: ماذا بعد الأستانة؟ وماذا بعد لقاء موسكو مع المعارضة السورية؟ هل سيكون بالإمكان توفير أرضية صالحة وخصبة لمؤتمر جنيف برعاية الأمم المتحدة؟ والجواب هو ما عبّر عنه الروس من رغبة يمكن الاستدلال عليها من استضافتهم المعارضة السورية، وكان الهدف واضحاً هو استكمال مؤتمر الأستانة تمهيداً لعقد مؤتمر جنيف.
ميزان القوى الجديد
   إن التطوّرات الجديدة والتبدّل في موازين القوى قد يسهم في تغيير أو تعديل توجهات بعض أجندات المعارضة، لا سيّما إذا حصل نوع من التفاهم الروسي - الأمريكي، بعد التوافق الروسي - التركي، على الرغم من وجود بعض المنغصّات الدولية الأخرى، وذلك غير دول الخليج وتردّد الولايات المتحدة، ونعني به تحفّظات فرنسا وألمانيا التي لم يحظ مؤتمر الأستانة برضاهما، كما كان دور الأمم المتحدة فيه محدوداً، ولعلّ من أسباب نقد بعض القوى للمؤتمر، أنه انعقد في رحاب مدينة محسوبة على موسكو التي لها دور مؤثّر في قراراتها.
   وإذا كان ثمّة أسباب داخلية دفعت تركيا إلى المشاركة الفاعلة في مؤتمر الأستانة، فإن هناك أسباباً أخرى منها مشاكل المهجرين واللاجئين السوريين وعدم إيفاء أوروبا بوعودها والتزاماتها، وهو ما كانت تركيا تريد به ابتزاز أوروبا، فضلاً عن محاولتها محاصرة حزب العمال الكردستاني PKK، الذي لا زال وجوده يؤرقها، فهي حتى الآن لا تعترف بحقوق الكرد القومية، وتتخذ موقفاً استعلائياً وشوفينياً من القضية الكردية ومن قضايا المجاميع الثقافية الأخرى، يضاف إلى ذلك أن حزب العمال الكردستاني لا يقتصر نفوذه السياسي والعسكري داخل تركيا، بل إنه يتمدّد داخل الأراضي السورية، ولا سيّما في عفرين والقامشلي، وكذلك داخل الأراضي العراقية في جبل قنديل.
   وقد تمكّن مؤخراً من فرض سيطرته على قضاء سنجار، الأمر الذي حاولت تركيا أن تضغط فيه على إقليم كردستان وعلى حكومة بغداد، بل أعطت تعهداً بانسحاب قواتها من العراق، بعد أن كانت تتمنّع عن مثل هذا الالتزام وتتذرّع بأن أولوياتها محاربة القوى الإرهابية التي تشنّ عليها حملات من داخل الأراضي العراقية، وبالمقابل فقد تعهّدت إربيل وبغداد بمواجهة حزب العمال الكردستاني وإبعاده عن سنجار، حتى وإنْ لم يتمكنا، لا سيّما وأن المعركة مع "داعش" لم تحسم، ولا يمكن الدخول في معركتين في آن واحد.
   وبغض النظر عن اختلاف التقييمات بخصوص مؤتمر الأستانة، فإنه نجح حتى الآن في تثبيت وقف إطلاق النار، وهذه خطوة لصالح الحكومة السورية التي سيكون بمقدورها إعادة الانتشار وإعادة السيطرة الإدارية على مناطق البلاد التي أفلتت من قبضتها خلال السنوات الخمس ونيّف الماضية من الحرب، وقد يقلّص من قدرة المعارضة والجماعات المسلحة التي أصبحت الممرّات أمامها مغلقة، ويمكن استهدافها فرادى، علماً بأن هدف الإيرانيين والروس هو الشروع بالتفاوض الطويل الأمد، خصوصاً بتقوية مواقع الجيش السوري.
   وإذا كان ثمة اختلافات في الرؤية بين الإيرانيين والروس، فإن إيران التي ساهمت منذ البداية في دعم الحكومة السورية، لا تريد تجيير ذلك لمصلحة الروس، كما أن الروس الذين كان لهم دور حاسم في ضرب مواقع الإرهاب والجماعات المسلّحة، ولا سيّما في معارك حلب، لا يريدون الخروج من المشهد دون وضع بصمتهم الواضحة عليه، ويعتبرون سوريا حليفة لهم بدءًا من الحكومة، مثلما هي بعض أطراف المعارضة التي يستميلونها، ولذلك يطمحون في إجراء تقارب بينهما لتتمكّن روسيا أن تلعب دور مستقبلي في سوريا وعند أي تغيير محتمل أيضاً.
   أما تركيا، فإن وضعها الخاص سيتوضّح لاحقاً، لا سيّما في جنيف، فيما إذا كانت قد قرّرت التخلّص من عبء علاقتها بالجماعات المسلحة والمعارضة، بل يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، حيث يمكنها التطبيع مع الحكومة السورية بعد أن اختل ميزان القوى لصالح استمرار النظام برئاسة بشار الأسد.
   واللاّفت في مفاوضات الأستانة أن الذي مثل المعارضة المسلّحة، هم ممن لهم فعل على الأرض، وليسوا من معارضة الخارج، في حين أن اللقاءات السابقة ضمّت مجاميع سياسية معارضة، لكنها لا تملك رصيداً قوياً على الأرض، وخصوصاً في الجانب العسكري.
بيان الأستانة
   وكان البيان الختامي لمؤتمر الأستانة قد حدّد الوجهة العامة التي يمكن أن ترضي الحكومة والمعارضة، وذلك بتأكيده على :
1 - الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية (أي إبعاد فكرة التقسيم التي يتم التلويح بها) من جانب القوى الخارجية وبعض الجماعات المسلحة والمعارضة أحياناً.
2 - إن سوريا دولة متعدّدة الأعراق والأديان وغير طائفية وديمقراطية (وهذه أطروحات جديدة كانت المعارضة تدعو إليها، ووافقت عليها الحكومة السورية).
3 - تأكيد محاربة "داعش" وجبهة "فتح الشام"، باعتبارهما تنظيمين إرهابيين وهو اشتراط للحكومة السورية مدعوماً من إيران وروسيا، وتفريقهما عن بقية المنظمات المسلّحة، أي إجراء فرز بين الجماعات والقوى المناهضة للحكومة السورية، وهو بقدر ما يأتي لصالح الحكومة السورية، فإنه يتطابق مع طموح الشعب السوري والقوى الإقليمية والدولية في التخلص من الإرهاب، فضلاً عن انسجامه مع طموح بعض المعارضات المسلّحة التي تريد تمييز نفسها عن الجماعات الإرهابية والتكفيرية.
4 - التأكيد على قرار مجلس الأمن 2336، الذي صدر في 31 كانون الأول (ديسمبر)  2016، حيث كان وزراء خارجية كل من تركيا وإيران وروسيا قد أصدروا بياناً مشتركاً في موسكو في 20/12/2016 أكّدوا فيه على "إطلاق محادثات بين حكومة الجمهورية العربية السورية ومجموعات المعارضة المسلّحة في الأستانة...".
5 - تأكيد الأطراف المشاركة على الحل السياسي، باعتباره الحل الوحيد من خلال عملية سياسية مبنية على تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 بالكامل ، واستبعاد الحل العسكري على نحو صريح وواضح، وهو وإنْ كان إقرار بواقع أليم جاء بعد نحو 6 سنوات، لكنه يمثل روح القرارات الدولية والقوى الحليفة للحكومة السورية، لا سيّما بعد أن أحرزت نجاحات عسكرية على الأرض.
6 - تثبيت وتقوية نظام وقف إطلاق النار من خلال ترتيبات متفق عليها، وبدعم من قرار مجلس الأمن 2336 لعام 2016، بما يساهم في تقليص العنف والحد من الانتهاكات وبناء الثقة وتأمين وصول سريع وسلس ودون معوّقات للمساعدات الإنسانية تماشياً مع قرار مجلس الأمن 2165 لعام 2014 وتأمين الحماية وحريّة التنقّل للمدنيين في سوريا .
   وأعتقد أن ذلك لو حصل وتم الالتزام به سيفتح الباب أمام عودة الحياة الطبيعية وسيضغط على جميع الأطراف من أجل إنجاز تسوية من شأنها إعادة هيبة الدولة وإخضاع الجميع لسلطانها مع إجراء التغييرات المطلوبة للانتقال الديمقراطي.
   وإذا كان الوفدان السوريان قد تباحثا من خلال غرفتين منفصلتين وعبر وسيط، حيث كان دي ميستورا وممثلين من الوفد الروسي والتركي، فإن المباحثات القادمة ربما ستشهد حواراً تمهيدياً مباشراً أو شبه مباشر، ولكن أكثر قرباً وتواصلاً وقد تتبدّل بعض المواقع.
   وصدر البيان عن الدول الثلاث الضامنة ، الذي أكّد في إحدى فقراته على هدف محاربة الإرهاب (داعش والنصرة)، وهو أمر سيكون ملزماً لهذه الدول بالطبع.
مصارعة على الطريقة الرومانية
   أوجدت محطة الأستانة إطاراً جديداً للمفاوضات، وهي مختلفة عن مفاوضات جنيف، وإن كانت لا تتعارض معها، لكنها خطوة متقدمة عليها، وخصوصاً بتأكيد فشل الحل العسكري والتركيز على الحل السياسي، باعتباره الحل الوحيد لتسوية الأزمة، لا سيّما وأن جميع الأطراف أنهكتها الحرب التي استمرّت، وكأنها مصارعة على الطريقة الرومانية التي قد توصل أحد الطرفين المتصارعين إلى الموت، في حين أن الطرف الآخر قد يبلغ به الإعياء والإنهاك حد العجز الذي هو أقرب إلى النهاية، وقد كان لتغيير الموقف التركي أثر بالغ في تحقيق الهدنة بين الحكومة والمعارضة.
   وسيكون موضوع الدستور السوري واحداً من القضايا المعروضة للنقاش، فيما إذا نجحت الأطراف في إرساء دعائم وقف إطلاق النار والشروع بالاتفاق حول مستقبل العملية السياسية والتغيير المنشود طبقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا كان هدف التوصل إلى حلّ سياسي، قد أجمع عليه المتفاوضون، فإن ذلك لن يتحقّق دون خطوات عملية لوقف إطلاق النار، وهذا يمكن أن يتم إذا ما شعرت الأطراف جميعها أن مرحلة انتقالية بعيدة المدى تنتظر سوريا، وأنها يمكن أن تتبلور وفقاً لصيغة اتفاقية ورضائية مكفولة دولياً.
   لقد لعب الدعم الروسي دوراً كبيراً في تغيير موازين القوى لصالح الحكومة السورية، كما كان للتقارب التركي - الروسي مؤخراً، أثراً إيجابياً في تقريب وجهات النظر، سواء بالتحضير لمؤتمر الأستانة أو لإقناع المعارضة المسلّحة بالحضور والمشاركة، وقد عكس لقاء موسكو للدول الضامنة ذلك بالدعوة إلى ضرورة عقد مفاوضات سياسية بين الأطراف السورية - السورية، أي بعد نجاح وقف إطلاق النار وتحقق شروط الهدنة والالتزام بها، وبهذا المعنى فإن الأطراف الثلاثة استبعدت الحل العسكري كليّاً وهو تطوّر جديد في الأزمة السورية، خصوصاً إذا ما تم الالتزام به.
الأزمة استثنائية والحلّ الاستثنائي
   كان حضور الحكومة والمعارضين السوريين إلى الأستانة يعني فيما يعنيه الخروج من معطف جنيف الذي حاولت القوى الدولية إلباسه للسوريين (حكومة ومعارضة) برعاية الأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه فإن هذا الخروج ليس إلى فراغ، بل إلى رعاية روسية أساسية وإن كانت ليست معارضة لاتفاقات جنيف، لكنها أكثر واقعية وقدرة على التنفيذ من خلال التوافق الدولي - الإقليمي (روسيا - تركيا).
   ربّما كانت القراءة الأولى لمؤتمر الأستانة باعتباره تحدّياً روسياً للمجتمع الدولي، لكن دخول تركيا وتأثيرها على المعارضة، أعطاه أهمية استثنائية، ولا يمكن إنجاح أي حلّ في سوريا إلاّ إذا كان استثنائياً، فالأزمة استثنائية وتتطلّب حلاًّ استثنائياً، وأعتقد أن وضع مسودة تنفيذ القرار 2254 الصادر في 18 كانون الأول (ديسمبر) 2015 عن مجلس الأمن الدولي ستكون الخطوة الأساسية لنجاح أي اتفاق لاحق، وقد نصّ هذا القرار على "أن الشعب السوري هو من يقرّر مستقبل البلاد"، ودعا إلى "تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات برعاية أممية، كما طالب بوقف الهجمات ضدّ المدنيين بشكل فوري، وقد تمّ التصويت عليه بالإجماع (15 دولة عضو في مجلس الأمن).
   الجديد في الأزمة السورية الراهنة هو الضمانة الروسية التي تمكّنت من حل بعض العُقد أمام مؤتمر جنيف في شباط (فبراير) 2017، يضاف إلى ذلك فصل المعارضة المسلّحة عن الجماعات الإرهابية مثل "داعش" و"حركة أحرار الشام الإسلامية" و"جيش الإسلام" و"الجيش الحرّ" وغيرها، وهذه خطوة مهمّة.
   ولكن تبقى هناك عقبات جدّية ما بعد الأستانة أهمها: تحديد المشاركين باسم المعارضة ويطمح الروس أن تشارك جميع القوى الفاعلة، خصوصاً وأن بعضها قد غاب عن الحضور، وتمثيل الأكراد الذين لديهم حضور في المناطق الشمالية ويديرونها ذاتياً، وكيف سيكون الأمر في المستقبل، أي العلاقة بين المركز والأقاليم أو الأطراف، خصوصاً وأن مطالب عديدة أخذت تتبلور في أوساطهم تدعو إلى الفيدرالية أو الحكم الذاتي أو اللاّمركزية، وكلّها تبدي اعتراضاً على فكرة الدولة المركزية البسيطة، التي عرفتها سوريا منذ استقلالها، وأخذت تروج بدلاً عنها فكرة الدولة اللامركزية والمركّبة، فهل نحن بصدد نظام لا مركزي؟ وأين حدود صلاحيات المركز والأقاليم؟ وهل هي إدارية أم قومية؟ وحسب المصطلح المستخدم "الثقافية"؟ ووفق أي الاعتبارات سيتم تحديدها؟ وعلى أي النسب السكانية سيتم تقريرها؟ وهذه أسئلة تحتاج إلى أبحاث مستفيضة وتراضٍ وتوافق استثنائي وتاريخي في الوقت نفسه، وقد تكون المفاوضات فيها مضنية.
   ولعلّ هذه الإشكالات الاستثنائية تحتاج إلى حلول استثنائية وتنازلات متبادلة من جميع الأطراف، كما أن الأطراف الكردية غير متفقة مع بعضها البعض، علماً بأن موسكو تريد مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي وشخصيات قريبة من النظام وأخرى محسوبة على محور القاهرة، في حين ترى أنقرة ضرورة مخاطبة الهيئة العليا للمفاوضات وهي ترفض دعوة الأكراد، الأمر الذي يحتاج إلى مرونة من جهة، مثلما يحتاج إلى وضوح وأفق لكي لا تُخلق بؤراً جديدة للتوتر والصراع أو تُبقي عليها، بحيث تنفجر في أي وقت.
   وإذا كان الموقف التركي قد تغيّر تماماً، وانتقل من حالة الرفض لأي مفاوضات لا تحدّد مصير الرئيس الأسد، إلى مفاوضات قد لا تتطرّق إلى ذلك مراعية مصالحها السياسية والاقتصادية وأوضاعها الداخلية، فإن للنجاحات التي أحرزها الجيش السوري وتراجع القوى المسلحة في مناطق عديدة، وخصوصاً في منطقة الباب وحلب دور كبير في ذلك، ناهيك عن فتور علاقات تركيا مع الناتو وضيق صدرها من الولايات المتحدة التي اتهمتها ولو لم تسمّيها بالاسم، بالتحريض على الانقلاب الفاشل ودعم فتح الله غولن، وقد يكون لتولي الرئيس دونالد ترامب أثر كبير في مجريات الأحداث في سوريا بغض النظر عن مواقفه الأخرى، والأمر قد يكون له صلة بالعلاقة الروسية - الأمريكية.
   ولعلّ أهم نتائج مؤتمر الأستانة على الصعيد الدولي والإقليمي هو إنشاء إطار ضامن وأوكل له مهمّة أساسية معلنة بوضع آليات لمراقبة وقف إطلاق النار، وذلك بعد أن تمكّن اللاّعب الروسي، الإمساك بالملف السوري، خصوصاً بعد قرار إدارة أوباما، التراجع إلى الخلف لانشغالها بملفات داخلية وإبداء تركيا استعدادها لجلب المعارضة المسلحة للأستانة مع تخلّيها عن فكرة تنحية الرئيس الأسد.
   هكذا أصبحت موسكو هي الضامنة، وليست طرفاً في الصراع كما كان المعارضون المسلحون يتهمونها، بل أدانوها بارتكاب مجازر عديدة في المناطق التي تحت سيطرتهم، وهذا يعني أنها أصبحت مقبولة كطرف حيادي يرعى مؤتمراً لتثبيت وقف إطلاق النار، ثم سيضمن مراقبة ذلك. وسيكون لها وفقاً لهذا التقدير دور مستقبلي قد يصبح كبيراً أكثر مما هو عليه للوصول إلى تسوية شاملة، فيما إذا سارت الأمور حسب ما هو معلن ومقرر.
خريطة الطريق الروسية
   وحسب ما ترشّح، فإن لدى الروس أربع حلقات أساسية لحل الأزمة السورية، وقد تلتقي معها كلياً أو جزئياً إيران وتركيا، وخصوصاً بعد نتائج مؤتمر الأستانة، ولحين تبلور رؤية أمريكية جديدة في عهد ترامب، فإن هذه الخطة ستأخذ مجراها إلى التطبيق ويعتمد نجاحها على دفع اللاّعب الأمريكي بوقت لاحق للتعاطي مع المشروع الروسي.
   الحلقة الأولى للخطة الروسية، تقوم على إرساء وقف إطلاق النار بشكل حقيقي في المناطق المتنازع عليها بين الحكومة السورية والجماعات المسلّحة.
   أما الحلقة الثانية، وقد بدأت خطواتها الأولى بشن حرب تشارك فيها الأطراف المختلفة للقضاء على جبهة فتح الشام "جبهة النصرة سابقاً" وكان من مؤشرات ذلك صراع الجماعات المسلحة مع جبهة فتح الشام في إدلب التي ترافقت مع العمليات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي وموسكو من خلال استهداف مقرّاتها واجتماعات قيادييها، ليس هذا فحسب، بل إن هذه الحلقة قد تتوسّع لتشمل محاربة "داعش".
   وتقضي الحلقة الثالثة بإقرار دستور جديد لسوريا وقد تمّت الإشارة إلى مشاريع الدساتير المقترحة والمشاريع التي ستعكف على تقديمها قوى المعارضة، وكانت المسوّدة الروسية قد استندت على الدستور السوري الذي تم تعديله العام 2012، وهناك قلق لدى العديد من النخب السورية الحاكمة وغير الحاكمة في أن يكون هذا الدستور صيغة مماثلة أو مقاربة لدستور بول بريمر بخصوص العراق للمرحلة الانتقالية 2004 والذي تم صياغة الدستور الدائم على أساسه لعام 2005، وهو الذي كرّس نظام المحاصصة الطائفية - الإثنية، لكن الروس يؤكّدون أن ذلك يتم بوحي من الأرضية الدستورية السورية نفسها وبأيدٍ سورية، مع ملاحظات حول شكل نظام الحكم وصيغة اللاّمركزية المطروحة فيه .
   وتعتبر الحلقة الرابعة من أهم حلقات الخطة الروسية، وذلك برفع أي فيتو عن أي من المرشحين للرئاسة، ولكن كل ذلك مرهون بنجاح عملية إحلال السلام، وتعاون الأطراف الإقليمية مع موسكو، لا سيّما تركيا وإيران، وبالطبع فإن صيغة البيان الختامي فجّرت خلافات جديدة بين الجماعات المسلّحة والمعارضة، لا سيّما بشأن الدور الإيراني الضامن.
   في الختام يمكن القول إن مؤتمرات السلام التي انعقدت لحلّ الأزمة السورية في السنوات الثلاث الماضية، جميعها بما فيها مؤتمر الأستانة، ساهمت في كسر الحاجز النفسي وتطبيع العلاقات بين القوى المعارضة والحكومة السورية. وإذا كانت المؤتمرات الأولى ضمّت جماعات سياسية مثل "المجلس الوطني السوري - الدوحة" ثم "هيئة الائتلاف الوطني - اسطنبول"، ولاحقاً "الهيئة العليا للمفاوضات - الرياض"، فإن مؤتمر الأستانة مثّل جماعات مسلّحة على الأرض حملت تسميات من قبيل "جيش الإسلام" و"جيش إدلب الحر" و"الجبهة الجنوبية" و"صقور الشام".
تركيا: تسوية الأزمة بدون الأسد أمر غير واقعي
   وإذا كانت تركيا المتعهّد باسم الجماعات المعارضة المسلحة، فإن روسيا ظهرت وكأنها الأقرب لتمثيل الحكومة السورية كقطب أساسي، وإن حظرت إلى جانبها إيران، لكن تحفّظات بعض الأطراف المسلّحة جعلها في المرتبة الثانية، وإذا كان هناك من تبدّل نوعي، فهو يتعلّق بتهميش دور المملكة العربية السعودية وقطر، خصوصاً بعدم حضور المعارضات السياسية المدعومة من جانبيهما.
   ومن التطوّرات المهمّة التي تبلورت عشية وخلال وبُعيد مؤتمر الأستانة أن تركيا التي كانت تصرّ على رحيل الأسد، تخلّت عن هذه الفكرة، وقد عبّر نائب رئيس وزرائها محمد شيمشك في مؤتمر دافوس (سويسرا) ما يؤكّد ذلك حين قال: إن تسوية الأزمة السورية بدون الرئيس السوري بشار الأسد، تعدّ في الوقت الراهن أمراً غير واقعي، وذهب أكثر من ذلك حين أضاف "الأسد يتحمّل مسؤولية معاناة الشعب السوري، لكن يجب أن نكون براغماتيين، وأن ننطلق من الواقع، فالوضع تغيّر جذرياً، ولذلك لا يمكن لتركيا أن تواصل الإصرار على تسوية بدون الأسد، وأنه أمر غير واقعي" .
   صحيح أن مؤتمر الأستانة ركّز على الجوانب العسكرية، المتعلّقة بتثبيت الهدنة ووقف إطلاق النار، إلاّ أنه فتح الأفق واسعاً بعد انسداد دام لسنوات أمام تسوية سياسية، وهو ما حاول دي ميستورا الحديث عنه، ولا سيّما استئناف مؤتمر جنيف في شباط (فبراير) 2017، أي محاولة إضفاء بُعدٍ أممي على ما جرى في الأستانة، وتبقى الأزمة السورية، سورية بالدرجة الأساسية، وحلّها سورياً أيضاً، مهما كان دور القوى الإقليمية والدولية كبيراً، وهذا الحل الميداني يحتاج إلى خريطة طريق طويلة الأمد، وتفاهمات وشجاعة استثنائية في الوقت نفسه، لأن الهدف هو إعادة بناء سوريا وترميم ما خربته الحرب، وإجراء مصالحة وطنية حقيقية وتاريخية.
كولومبيا وتجارب العدالة الانتقالية
   وسيكون ذلك ممكناً حين يتم اعتماد قواعد العدالة الانتقالية، مع حساب الخصوصية السورية، تلك التي تقوم على كشف الحقيقة: ما الذي حصل؟ ولماذا حصل؟ وكيف حصل؟ لتحصين الأجيال القادمة، وذلك دون نسيان المساءلة عمّا حدث مع الأخذ بنظر الاعتبار الابتعاد عن الثأر والانتقام والكيدية، فمثل ذلك سيولّد ردود فعل وانقسامات تزيد من الشروخ الاجتماعية الحاصلة، وهنا لا بدّ من اعتماد مبادىء التسا