تلميذ من سميل
أنا تلميذ. أنا يتيم! ولدت في يوم إستشهاد أبي في (مذبحة سميل)!. أنا وحيد لا أخ لي لذلك أحبتني أُمي كثيراً كثيراً، وعندما بلغت الرابعة من عمري، كانت أُمي قد وجدت لي روضة قديمة تعود ملكيتها الى الكنيسة، يقبل فيها الأطفال اليتامى! فأخذتني وسجلت إسمي فيها، وبينما مسؤولة التسجيل منشغلة بتسجيل أسماء الطلبة الجدد ضمن العام الدراسي الجديد، رأت المديرة مدى تعلقي بأُمي، فأجلستني على أول مقعد في الصف، قائلة:
- الأم مدرسة والمدرسةُ أم،فتعلق بكليهما لتكون قدوة.
تم تسجيل إسمي لأصبح تلميذ روضة للبراءة في مدرسة إبتدائية مختلطة للطفولة في متوسطة لأبناء شهداء "سميل" في إعدادية مختلطة، حصصها الدراسية هي تهيأت القلوب للنقاء لتتأهل الى كلية للـ....... في جامعة........
كانت أُمي تأخذني إليها كل صباح ثم تعود عند نهاية الدوام لترجعني إلى البيت. ويوم تأقلمتُ مع جو الروضة هذه صارت أمي ترسلني إليها دون أن ترافقني لأعود لوحدي.
ثم رقدت أمي الحنون على رجاء القيامة وأنا لم أزل في المنتصف الأول من سنتي الدراسية الأولى. ليرحمك الله يا من رحمتني وأحببتني وحرستني من كل مكروه، ويا من علمتني كل حسن، أنا أشكرك يا ( ما.با) هكذا كنت أناديها لأني وجدتُ فيها بابا أيضاً الذي لم ترهُ عيني. نعم يا ( ما.با) فأنت لم تجعليني في كل أيامي معك أن أحسٌ بأني يتيم الأب، وإن كنت قانوناً وحقيقةً وواقعاً كذلك لكني كنتُ أحسٌ بأني في أحضان رعايتك، بل شعرت بهذا الشعور حتى وأنا في أيام وفاتكِ بحيث لم أشعر بأني من غيركِ فأنت أول حب في حياتي والحب لا يموت، كذلك لم أشعر بأني من غير أب لأمرين إثنين لا ثالث لهما أولهما: أنٌ أُمي لم تكن لي أُماً فحسب بل أباً أيضاً، وثانيهما أنٌ الشهداء في كل المعتقدات هم أحياء. وأبي حي لم يمُت، فالميت هو الذي تموتُ ذكراهُ ويُمحى إسمه ولكن ككل الشهداء من أجل الحرية في العالم،الذين نقرؤا اسمائهم في كتب التأريخ.
لذلك حتى بعد فراقها لي صرتُ من غيرهما كلاهما، ومع ذلك لم أشعر بالغربة أو بعدم الإنتماء ولا زلتُ أذكر يوم وفاتها. في صباح ذلك اليوم من أيام الشتاء البارد وبعد أن صرتُ أذهب إلى الروضة وأعود منها الى البيت لوحدي، قررت في صباح ذلك اليوم أن ترافقني، قائلة لي ونحن نتناول الفطور سويةً:
- سأذهب معك اليوم!
- لماذا يا (ما.با)؟
- بل وسأبقى طيلة الدوام لنعود بعدها سويةً أيضاً!
- لماذا؟!
- اليوم فيه مناسبة جميلة على قلوبنا.
- وما هي يا (ما.با)؟
- ستعرفها يا فلذة كبد بابا وماما. فقط تهئ للذهاب وحقيبتك سأحملها عنك.
ونحن خارجان من البيت أخذت تسير سيراً عسكرياً وهي تقول:
- أُنظر إليٌ، هكذا كان أبوك يسير.
- لكن أبي لم يكن عسكريا.
- كان آشوريا وطنيا مناضلا من أجل رفع الإضطهاد عن أمته.
- لماذا نحن مضطهدون يا أمي؟
- مضطهدون..مضطهدون.
- لماذا؟
- ستعرف عندما ستكبر.
ثم عادت إلى مشيتها الاعتيادية بعـد أن نظــرت مــن حــولها خشيــة أن يراهــا أحدهم فيسخر منٌا!. سكتت فيما بدأنا بالمسير وكفي الصغير في كفها حتى شعرتُ بدفء يدي فقالت لي:
- ألا تُلبس كفيكَ القفازات؟
- لا أحتاجها يا (ما.با) فاليسرى متدفأة في يدكِ واليمنى تتدفأ في جيب معطفي.
صمتنا لحظة أخرى لتقول:
- أرجو أن لا تتهاون في تحضير واجباتك البيتية أبدأ يا ولدي وأن تنتبه للمعلمة وهي تشرح الدرس.
- لقد قلت لي هذا منذ أول يوم من أيام دوامي في هذه الروضة.
- أقولها الآن وأعيدها عليكَ يا عزيزي.
- لماذا يا(ما.با)؟
- لأنه...
وسكتت بعد أن خنقتها العبرة فأعدت السؤال بلطف دون إلحاح:
- لماذا؟
أجابت بصوت تتكسره العبرات :
- قد يأمر الرب بفراقنا!
- فراق من يا (ما.با)؟!
أرادت أن تهون من وقع الجواب عليٌ بشدة، فعادت بذاكرتها إلى الوراء لتقول:
- كما أمر اللٌه سمى وعلى، بفراق أبيك فقد يأمر...
وهنا خنقتها العبرة وصارت تقبض بقوة بكفها على كفي الصغير حتى صارت كل يدي تؤلمني لكني لم أُبد أية حركة بها أشعرها بأنني أتألٌم، لأني على علم اليقين بأن الأُم لن تؤذي فلذة كبدها، فقلتُ لها:
- بماذا سيأمر الربُ؟!
- قد يأمر بفراقنا؟!
- لقد أمر مرةً ولن يأمر ثانيةً! أتعرفين لماذا؟ لأنه يحبنا يا (ما.با)
وهنا نظرت إلي وقد بدأت عيناها تدمعان كأنها تردد بعدي كلمة لماذا؟لتقول:
- أقولُ يا بُني قد يأمر قد يأمر، لذلك أريد أن أوصيكَ.
طأطأتُ برأسي الصغير إلى الأسفل فتثاقلت خطواتي، فعلمت بأني لا أُريد سماع ما تقوله وقبل أن تسأل عن السبب قلت لها:
- ماما هل تُحبين بابا؟!
- طبعاً يا بُني.
- تودين اللقاء به؟!
- هل تقبل أن أتركك؟
- قلت لو أردت.
- لو أراد الرب.
- أنا أسألك يا ماما: هل تحبين أن تكوني مع أبي في السماء؟!
لم تنبس ببنت شفه بل فضلت الصمتت، والصمت علامة الرضى؟فقلت معقباً على كلامي:
- إذاً إسع من أجل أن تنالي الشهادة مثلما نالها أبي!أنا متأكد من أنك كنتِ تحبينه ولا تزالين.ماذا تنتظين يا(ما.با)؟
لم تُجبني بل صارت دموعها تنهمل قطرة تلو قطرة.حزنت عليها أكثر مما سأحزن على نفسي الصغيرة التي ستبقى يتيمة بعد لقائها بأبي في السماء.أرادت أن تنشف دموعها بمنديلها الذي أرادت أن تخرجه من جيب سترتها،فقلت لها:
- (ما.با) حياتي نشفي دموعكِ بردن سترتي.فكان ما أردته،لأقول مشجعاً أياها:
- هل ستذهبين إلى بابا؟
- وهل تقبل؟
- نعم يا (ما.با)!لكي يناديني زملائي بـ (برونت سَهْدِي)!
حملتني وضمتني إلى صدرها بحرارة وصارت تقبلني بقبلات تشبه قبلات الوداع! فبللت بدموعها خديٌ، بل وجهي وهي تقول:
- عزيزي لقد كبرت في عيني، كبرت، الآن كبرت.أستطيع أن أوصيك.
ولم تزل تحملني لأقول موافقا متجاوباَ معها:
- هيا أفعلي يا (ما.با).
- أن تبقى محباً لأربعة ولا تتنازل عنهم.
- وما هم؟
- إلهك، وطنك، أهلك، حبيبتك.
- نعم يا (ما.با).
فأنزلتني من حضنها لأعاود سيري لتعود فتقبض على كفي الصغير وقد عادت رويداً رُويداً تقبض بقوة عليه، فيما شعرتُ بالحزن يداعب نفسي ويريد إحتضانها في ذلك الصباح المُشمس، فأحست أمي بي فخففت أولاً من قبضة يدها وثانياً زيٌنت شفتيها بإبتسامة، أحسستُ من نظري إليها بأنها إبتسامة المفارقين حقاً، فقلتُ في نفسي وكأني أعيش الفراق فعلاً الآن: يا ويلتي. ما الذي سيحلُ بي إن لفتني الدُنيا وحيداً بعيداً عن حُضن أُمي؟ فدفنتُ كفي الصغير في كفها الكبير موعزاً إليها أن تقبض عليه كما كانت قبل قليل وكأنها إستلمت الشفرة بكل وضوح لتقول ناصحةً:
- إذا كنت تحس بأن يدك تبرد فأرجعها كرفيقتها.
- كلا. بل أريدها هكذا.
- إذاً لن تنسى ما قلناهُ قبل قليل.
- لن أنسى.
- هيٌا نردد سويةً محفوظة الواجب البيتي. فصرن نرددها بصوت واحد:
أنا طفل سعيد أنا يوم جديد
أنا ذاك الوليد أبي صار الشهيد
وسميل المسيح أبي صار الذبيح
مسيحي أصيح أنا طفل مليح
إلى أن وصلنا الروضة بل روضتي. دخلتُ لنصطف نحنُ الطلبة في الساحة ولنردد ترنيمة للرب والوطن. ولتتقدم إحدى المعلمات وترفع العلم. فيما بدأت المديرة خطبتها قائلةً: شهداء "سميل" نجوم متلألئة في السماء…
فصار العلمُ( بويداخت أمته آتوريته) مرفرفاً في سماء الروضة.. أنها أول ذكرى أحضرها وأحس بها، وفيما كنتُ أنظر إلى العلم، رأيتُ بأُم عيني ولأول مرة وجه أبي مرسوماً على العلم، علم لم تشاهده عيني مرفرفا في سماء أي بلد! أنه بطن السماء الزرقاء يتحول إلى علم! خرجتُ من صف إصطفاف التلاميذ دون إرادتي وأنا أصرخ وأُشيرُ نحو الراية قائلاً:
- ذاك أبي!. ذاك أبي. إنٌي أراهُ!. إنٌي أراه!.
حضنتني مرشدة الصف وهي تقول للكل:
- إنٌهُ يوم الشهيد الآشوري. راعي الكنيسة وادارة الروضة لخشيتهم ببطش الحكومة بنا لذلك تحتفل روضتنا بهذه الذكرى في غير وقتها.أما الشهيد فروحه ترفرف بأجنحة الشهادة كما يرفرف العلم في السماء. وأما أنت يا بني فأن الربُ سيمسح دموعك.هو الذي أعطى وهو الذي أخذ.
صرتُ أبكي وأبكي حتى بللتُ قميص المرشدة بدموعي، فأمرت المديرة أن يأتوني بأُمي، فقالت إحداهنّ:
- منذُ مدة ما عادت توصلهُ.
وإذا بالفراشة (العاملة المنظفة) تتدخل قائلةً:
- إنٌها اليوم هنا حاضرة منذ الصباح، خصيصاً لتشاركنا الذكرى.
أخذوا يبحثون عن أُمي. وعندما ذهبت إحداهُنّ لتأتي بها إليّ، سمعتها تصرخ بأعلى صوتها:
- لا حركةٍ تدب فيها!الامرأة ميتة!
عندئذ صرختُ بأعلى صوتي:
- ماما.. ماما، أنتِ تحبين بابا!!
وبعد وفاة أمي بسنين وكأنها عادت ووضعت إجابتها لسؤال سألتها ونحن سوية على الطريق الى الروضة: نعم يا بني أحب أن أكون مع أبيك!!وتيقنت يومها من أنه دعى أمي ولم يدعوني!ولم أعرف أياً منا كان يحبُ أكثر، أُمي أم أنا؟ لكني أعرف بأني أُحبهما، أحب أمي أحب (ما.با).
لكن رغم حبي لهما فلقد تركاني، كان صعب عليّ تفسير هذا العمل الخارج عن إرادتي كطفل وكإنسان. فأنا لم أستطع فهمه رغم كل براءتي .كيف أستطيع أن أفهم أن الذي يحبني يتركني؟ ليس من السهل تفسير هذا الكلام: أُحبك فأترُكك لأني أُحبك لذلك أترُكك.لأن الرب معلمنا الأعظم قال لنا في بشارة الخلاص:" لأنهُ هكذا أحبَ الله العالمَ حتى بذلَ أبنهُ الوحيدَ لكي يا يهلك كل مَنُ بهِ بل تكونُ لهُ الحيوةُ الأبديةُ ".
لحد الآن لم أفهم ولم أدرك سبب ترك أُمي لي! نعم على عكس هذا أكون قد فهمت بأن ترك والدي لنا كان سببه نداء (الأمته) فلبى فإستشهد!
أمّا لماذا وكيف تركتني أُمي وهي الباقية لي في هذا العالم، فهذا شيء لم أستطع تفسيره!، أقنعتُ نفسي وقتها بفكرة رومانسية بسيطة مفادها: أن أُمي الحنونة والمحبة لم تُطًق العيش من غير أبي لذلك لحقت به.أنا وقتها قبلت أن ترحل إليه،وكم كنتُ وقتها أتمنى الإلتحاق بركبهما لكن لم ألحَقْ بهما لأن هذا أمر اللٌه، ولو كان وقتها قد حدث هذا فإنه على الأقل كان سيلتئمُ شمل العائلة في السماء مادام قد إفترق على الأرض.
إحتضنتني المدرسةُ، ليتم ضمي إلى القسم الداخلي التابع الى دار أيتام الكنيسة منذ اللحظة الأولى لوفاة والدتي، بعد أن تم أخذي إلى بيتنا بسبب إلحاح مني وذلك لكي أُلقي النظرة الأخيرة على كل ذكرياتنا، وقبل أن أُغادر، أخذتُ صورة أُمي وأبي وهما في بدلة الزفاف.
هكذا بدأت مرحلة جديدة في حياتي، مؤمناً بأني تلميذ وأمي المدرسة. في صباح اليوم التالي عندما دخلت معلمة اللغة السريانية وهي نفسها مرشدة الصف، نهضنا كعادتنا إحتراماً لها وقبل أن نجلس، أمرت كل زملائي وزميلاتي في الصف أن يقدموا لي التعازي واحداً تلو الآخر، بينما بدأوا بما أمرتهم به من أجلي.قالت:
- أيها التلاميذ: إن من لا أب لهُ، الرب أبوه ومن لا أُمٌ له المدرسة أمهُ! ومن بينكم لا أخ أو أُخت لهُ، فأنتم أخوة له. أرجو أن تحبوا بعضكم بعضاَ كما أوصانا معلمنا الأعظم يسوع المسيح"لم كل المجد".كلكم أبناء يتامى فقدتم أحد والديكم أو كليهما معا كما هو حال هذا التلميذ،الذي فقد أمهُ يوم البارحة إضافة لفقده أبيه شهيداً.
لم أتمالك نفسي، فخرجتُ من مقعدي الدراسي وركضتُ لأُلقي نفسي في أحضانها، لقد أحببتها كثيراً فهي التي حضنتني البارحة، فقبلتني ومسحت دموعي وقالت:
- لا تحزن أبداً. فكلنا من حولًكَ لن ندعك ولن نترككَ وحيداً وبالذات أنا ستجدني على الدوام بجانبكَ.
ثم نادت على إحدى تلميذات الصف:
- أنتِ ستشاركينهُ المقعد.
حملت التلميذة حقيبتها وجلست إلى جانبي.
مضت الأيام لأسير معها بكل تأن منتصراً بكل إيمان على أية لحظة حزن حتى صرتُ أحب مدرستي ولا أُفارقها خاصة وأن كل زملائي صاروا من داخل المدرسة لأني ما عدتُ أبرحها فحتى القسم الداخلي هو ملحق ملاصق للكنيسة وعندما أفارقها عند إنتهاء الدوام تراني منتظرا عودته في اليوم التالي بكل لهفة كلهفة الطفل الى عودة أمه.
في أحد أيام الدوام غابت زميلتي التي تشاركني المقعد يوما كاملاً فشعرتُ فيه فعلاً بأنني قد إستفقدتها لتأتي في اليوم التالي، لأقول لها:
- لقد إفتقدتُكِ يا زميلتي أرجو أن لا تغيبي مستقبلاً.
وأثناء درس الفنية قمتُ برسم قلب وظللتهُ باللون الأحمر لكنهُ لا ينزف دماً، دعوتها لتشاهده.إندهشت وهي تشاهده،لتسألني:
- لمن هذا القلب الكبير؟
- إلى التي تركتني وحيداً صغيراً مرتجفاً خائفاً. لأُمي التي أُحبها. أُمي الحنون.
أجابتني:
- أنا أيضاً أُحبّ ماما، ولقد قلتُ لها عنك فقالت لي:
- أن أمه ستعود إليه عندما سيكبر.
- لكني قلقت لأقول لها: ماما أنا لا أُريد أن تعودي لي وأنا كبيرة أنا أريدك الآن وكل أن معي.
إستعارت مني رسم صورة القلب،لتعود في اليوم التالي وقد رسمت قلبا كبيراً وعلى جنبيه قلبين مظللين باللون الغامق، أحدهما يشبه صورة القلب الذي رسمته أنا، فسألتها:
- لمن هذا الذي رسمتيه على اليمين؟
- يعني أنك تعرف الآخر لمن يعود؟
- بالتأكيد أعرف أنه مستنسخ طبق الأصل من الرسم الذي أعرتهُ لكِ.
- يا لهذا الحب الذي يجعلكَ تميز قلب أُمكَ من بين مئة قلب!
- لكنكِ لم تجيبي على سؤالي؟
- إنٌ القلب الذي على اليمين هو من صنع مخيلتي، وأتمنى أن يكون مثل الذي على اليسار.
صمتنا لحظة لأقول لها:
- دعيني أنظر في عينيكِ وأنا سأعرف أن كان قلبكِ هو هذا الذي على الورقة أم لا؟!
صرت أنظر في عينيها دون أن ترف أجفاني بنظرات مستقيمة غير منجذبة إلى خارج خط النظر الوهمي المرسوم بين عيني وعينيها، حتى شعرتُ بأنٌ قلبي قد خرج من موضعه وإخترق حاجزاً زمنياً ليدخل عبر عينيها ليصل إلى جوار قلبهـا وليسـكن زمنـاً، ثـم يعـود ليـجدنا جالسـين علـى مقعـدين في كليـة الحقــوق/ جامعة.........!
قالت لي:
- منذُ زمن لم تُجبني، هل قلبي مثل ذاك الذي كنت قد رسمته أنا أم لا؟
- كنتً تتمنين أن يكون مثل الذي كان على اليسار، وكنت أتمناه أنا أيضاً كذلك،فكانت وسيلة الإثبات لما أردنا وتمنينا، بيد قلبي المحب!
- كيف؟!
- يوم تركني وسار منطلقاً نحو قلبكِ،إندهش لما رآه؟!
- رأى ماذا؟!
- ظن بأنه يرى نفسه في مرآة! ولم يتأكد من هذا المشهد إلا عندما تحرك نابضاً في لحظة سكون قلبكِ عن النبض فعلم عندها بأنه قد وجد توأمهُ المفقود.
- توأم؟!
- نعم فقلبكِ وقلبي من نسل واحد مثلما هو مظهرنا من جد واحد.
صمتنا لحظة، ليهمس صوت في أعماقي قائلاً لي: هيّا قُل لها فما عُدتُما تلميذين في روضة في مدرسة، بل أنتما الآن طلبة كلية وتستطيعان أن تتخذا القرار المناسب من أجلكما.
جمعتُ كل أفكاري لأقول لها:
- بأسم القلب أتخذ قراراً مهماً ومصيرياً و…
- وما هو؟
- منذُ أن رأى قلبي قلبكِ وتيقٌن بأنه التوأم له، ما عاد يريد غيرهُ مطلقاً، وما عاد يقدر على العيش من غير توأمه، فهلا وافقت أو بالأحرى سمحت على أن يجتمعا في صدر واحد؟!
- كما تريد ولكن بشرط!
- أي شرط؟
- أن يجتمعا في صدركً أنتَ!
- لماذا؟!
- لأنكَ أنتَ العارف بأمريهما أكثر مني.
- إذاً ليكن أيتها التلميذة.
- وهو كذلك أيها التلميذ.