عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - كاظم حبيب

صفحات: [1] 2
1

كاظم حبيب
نقاش هادئ وشفاف مع الزميل البروفيسور الدكتور قاسم حسين صالح
اتمتع بقراءة مقالات الزميل الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح التي تجمع بين علم النفس والسياسة والمجتمع. والتمتع لا يعني الاتفاق التام مع الكاتب أو الموافقة على ما جاء في مقالاته. أحياناً أجد فيها الأحكام المطلقة التي لا تتناغم مع الرؤية النسبية للأمور، أو القناعة التامة بامتلاك الحقيقة كلها، والتي تتعارض مع العلم، ولكنها تتوافق مع كتابات العقدين الخامس والسادس وربما السابع أيضاً من القرن العشرين. ومقاله الأخير يشفع لي في مثل هذه استنتاجات عن مقالاته، مع إن فيها طعم التشويق والإثارة. لقد تعلمت في حياتي العلمية والسياسية أن أكون حذراً في أحكامي من جهة، وأن ابتعد عن القناعة بأني أمتلك الحقيقة أو الحق فيما أكتب من جهة أخرى. ولكن هذا لا يعني أني لم أرتكب أخطاءً في مثل هذه المسيرة السياسية والدراسية الطويلة نسبياُ حيث يقترب عمرها تدريجاً من سبعة عقود. 
أخر مقال قرأته للزميل البروفيسور د. قاسم حسين صالح كان بعنوان "الانتخابات العراقية.. هوس وفوضى وتيئيس - تحليل سيكوبولتك"، نشر في موقع الحوار المتمدن، العدد 5759، بتاريخ 16/01/2018، كما نشر في مواقع عديدة أخرى، تطرق في هذا المقال عن الهوس السياسي والفوضى السائدة بالعراق قبيل الانتخابات العامة القادمة، مشيراً إلى عدد القوائم والتحالفات السياسية، إضافة إلى التحالف، ولأول مرة، بين حزب ماركسي، هو الحزب الشيوعي العراقي، وحزب سياسي ديني، هو حزب الاستقامة، الذي يقوده ويشرف عليه السيد مقتدى الصدر، ثم يشير إلى دور المحللين السياسيين إلى نشر عملية التيئيس الجارية في الساحة السياسية العراقية، ثم يتطرق إلى أثرها السيكولوجي الإحباطي على الناخبين. فقد ورد في المقال النص التالي:
"ان محللين سياسيين أخذوا يشعيون عبر الفضائيات (سيكولوجيا التيئيس) بأن نتائج الانتخابات ستاتي بنفس الفاسدين، دون ان يدركوا انهم بعملهم النفسي هذا يرتكبون خطيئة وطنية، ولا يدركون ان وسائل اغراء وخداع الناخب العراقي (قطعة ارض، بطانيات، موبايلات، فلوس..) ما عادت تجدي الفاسدين نفعا، مع علمنا بعدم عدالة قانون الانتخابات ومحاولة الفاسدين الدخول في قوائم بمساومات (تزكية).
ونصيحة من شخص قضى نصف عمره في (السيكولوجيا).. ان ارتباك المشهد السياسي الآن هو لصالح المواطن ان توقف المثقفون عن اشاعة ثقافة الأحباط واجاد الآكاديميون والكتّاب السياسيون فن اقناع الناخب بأن زمن سقوط السياسيين الفاسدين قد بدأ، وان 2018 ستشهد تشكيل محكمة لمقاضاة الفاسدين تنقل احداثها الفضائيات لتعيد احياء الضمير الاخلاقي الذي اماته قادة احزاب الاسلام السياسي الذين اعتبروا الوطن غنيمة لهم فنهبوه، وافقروا شعبه وأذلوه.. وليثبتوا من جديد بأن تاريخ العراقيين يؤكد بأنهم ما استسلموا لضيم وما رضخوا لظالم ولا انبطحوا لسلطة، وسترون بأن الاحداث ستثبت.. ان غدا لناظره قريب."
يتضمن هذا النص مسائل عدة تستوجب المناقشة:
1.   هل يحق لنا أن نتفاءل أو نتشاءم دون ممارسة استخدام المنهج العلمي في التحليل زالاستناذ إلى الواقع العراقي المعاش فعلاً، وهل هناك تفاؤل مطلق أم تشاؤم مطلق؟ 
2.   ويقول إن محللين سياسيين يشيعون عبر الفضائيات سيكولوجية التيئيس؛
3.   ويؤكد بأن على المثقفين، ويقصد بهم كل المثقفين الديمقراطيين، دون استثناء، أن يكفوا عن المشاركة في الإحباط؛
4.   ثم يقول بأن الإغراء المالي والعيني (قطعة ارض، بطانيات، موبايلات، فلوس..) لم يعد يينفع مع الناخبين وما عادت تجدي الفاسدين نفعا؛
5.   ويؤكد: وإذا ما كف المثقفون عن إشاعة الإحباط، فأن تجربة نصف عمره ستثبت، بأن ارتباك المشهد السياسي الآن هو لصالح المواطن العراقي.
المقال الصحفي الذي كتبه ونشره الزميل قاسم لا يتضمن تحليلاً علمياً وواقعياً للوضع العراقي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي القائم، ولا لأوضاع الإقليم وسياسات الدول المجاورة، ولاسيما إيران، ولا للوضع الدولي، ولا لطبيعة تشكيلة مفوضية الانتخابات "المستقلة!"، ويشير فقط إلى "عدم عدالة قانون الانتخابات"، ولكن المقال والحق يقال يحمل نوايا حسنة، والطريق إلى جهنم، كما هو معروف، معبد بالو أيا الحسن، ويجسد رغبة إنسانية صادقة صوب التغيير. ولكن هل يمكن لباحث وكاتب علمي مميز مثل الزميل قاسم، قضى نصف عمره في هذا المعمعان، حسب قوله، أن يخرج بمثل هذه الخلاصة والاستنتاجات السريعة؟ قناعتي الشخصية تقول: لا يجوز ذلك، إذ أن ما تضمنه المقال يعتبر ضمن الأحكام المسبقة التي لا تستند إلى تحليل علمي وخال من الأدلة المادية التي تسهم في إشاعة التفاؤل، بل هو تعبير عن رغبة ذاتية طيبة ولكنها مبسطة إلى ابعد الحدود، بحيث يصعب على إنسان اعتيادي تقبلها، فكيف بنا وهو يخاطب المثقفين الديمقراطيين العراقيين والعراقيات، يخاطب العلماء والمختصين بعلوم النفس والسياسة والاقتصاد والاجتماع. إن إشاعة التفاؤل على أرضية غير واقعية تضعف التوجه للعمل وتعطي الانطباع وكأن هذا الهوس وتلك الفوضى في الواقع السياسي والانتخابي العراقي هما لصالح القوى الديمقراطية والتقدمية وليس في صالح القوى الإسلامية السياسية الطائفية التي حكمت العراق منذ أكثر من 14 عاماً. والتفاؤل المفرط، على الطريقة التي طرحها الزميل قاسم، هو الرديف للتشاؤم المفرط في الواقع السياسي الجاري بالعراق. التحليل العلمي هو وحده القادر على تقديم صورة إلى حدما واقعية على ما يمكن أن يحصل أثناء الانتخابات القادمة.
فالمؤشرات التي تحت تصرفي والتي طرحتها في مقالي الموسوم " لماذا ولمصلحة من يراد تكريس النظام السياسي الطائفي عبر الانتخابات العامة 2018؟ والمنشور في الحوار المتمدن ومواقع أخرى بتاريخ 17/01/2018، تشير إلى الواقع التالي:
** القوى السياسية الإسلامية الطائفية خسرت الكثير من سمعتها ورصيدها، ولكنها لم تفقد كل قواعدها، بل هي ما تزال تمتلك تأييداً شعبياً، ولاسيما ببغداد وبمحافظات الوسط والجنوب، وقادرة حتى الآن على استخدام الدين، لتغطي به مفاسدها وموبقاتها والسحت الحرام الذي يدخل جيوبها، والمال الذي ما يزال بمقدره خداع الكثير من الناس، والجار، الذي يهيمن على السياسة العراقية حالياً ودور الجنرال قاسم سليماني ووصاية المرشد الإيراني، في كسب الناس إلى جانبها. ويمكن أن نتابع ما ينظمونه من مسيرات لزيارة الإمام الحسين وما يصرف من أموال في هذا المجال وما يطرح فيها من دعايات عدوانية ضد القوى الديمقراطية في المساجد والجوامع والحسينيات. وعلينا أن ننتبه إلى أن وكلاء المرجعية، ولاسيما عبد المهدي الكربلائي، بدأوا يروجون بوضوح كبير إلى ما يماثل ولاية الفقيه بالعراق، وإلى الالتزام بتوصيات المراجع العظمى التي تعني أولاً وقبل كل شيء تأييد القوائم التي تؤيدها المرجعية والتي ستطرح التأييد لا من خلال المرجعية مباشرة بل من خلال وكلاء المرجعية (اقرأ في هذا المجال مقال الدكتور رشيد الخيون بعنوان "ولاية فقيه.. فلماذا ينتخب العراقيون!، المنشور في جريدة الاتحاد الإمارتية، يوم الأربعاء المصادف في 17 يناير 2018). 
** نسبة عالية من الجماهير ما تزال تعاني من البطالة الموجعة والفقر وصل نسبته إلى أكثر من 40% من القوى القادرة على العمل، والذي يعني نسبة عالية من سكان العراق، وكذلك الأفراد ذوي الدخل المحدود جداً، الذين يمكن أن يلعب المال والمواد العينية دورهما في شراء ذمم الناس وهم تحت سياط البطالة والفقر والحرمان، إضافة إلى ضعف الوعي بعواقب ذلك. فلا يحق لنا أن (نذرع بالجنة"، ولا الأخذ بقاعدة "الهور مرگ والزور خواشيگ" كما يقول المثل العراق النابت! الفقر والحرمان والنوم بدون عشاء كان يفترض أن يدفع بالناس إلى الثورة. لنتذكر القول المنسوب لأبي ذر الغفاري "عجبت لمن لم يجد قوت يومه، كيف لا يخرج للناس شاهرا ً سيفه". ولكن هذا غير موجود ولا يكفي أن نشيّم الناس، فرغم التحسن النسبي في وعي الناس، ولكننا لم نستخدم قدراتنا أو لم تتوفر الظروف المناسبة لاستخدام قدراتنا في رفع مستوى الوعي عند الكثير من الناس الطيبين الذين على عيونهم ما تزال غشاوة شيوخ الدين غير المتنورين والغشاشين والرثين العاملين في الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي ما تزال تزيف وعي الناس! لقد صدق رفيقي الأستاذ رضا الظاهر حين كتب مرة يقول إن عملنا هو شبية بـ "الحفر أو النقر في الصخر". 
** أعرف تماماً بأن إيران متغلغلة في العراق كله، ابتداءً من السليمانية ومروراً بكركوك وبغداد، وانتهاءً بمحافظات الوسط والجنوب، متغلغلة في السياسة وفي الأوساط الدينية والكثير من منظمات المجتمع المدني وفي الحشد الشعبي قيادة والكثير من القواعد التي كانت في السابق جزءاً من المليشيات الشيعية الطائفية المسلحة، وفي الاقتصاد العراقي وفي النسيج الاجتماعي الشيعي. وهذا التغلغل مقترن بالإعلام والمال والقادة السياسيين للأحزاب الإسلامية السياسية والمليشيات الشيعية المسلحة، عدا الصدريين، وبعض القوى القومية الكردية والعربية، إضافة إلى دور كل من تركيا والسعودية والخليج في هذا الصدد، ولاسيما على القوى والأحزاب السنية، إضافة إلى دور داعش الإجرامي في التخريب.           
** إن القوى الديمقراطية، اليسارية واللبرالية والمستقلة والمتدينة المتنورة على مستوى العراق كله ومن العرب والكرد وبقية القوميات، ما تزال متفرقة وغير موحدة، وهذا الواقع يضعفها ولا يعززها قدارتها في مواجهة قوى الإسلام السياسي الطائفية والفاسدة الحاكمة. إن الاتفاق بين الشيوعيين والصدريين ربما يأتي بنتائج معينة إيجابية في صالح القوى الديمقراطية المشاركة في التحالف الجديد "سائرون"، ولكنه في الوقت ذاته جزأ القوى التي كانت موحدة في التيار الديمقراطي العراقي ومن ثم في "تقدم"، كما إنه لم ينجح الجميع في كسب الكرد إلى جانب القوى الديمقراطية، التي كان وما يزال يفترض أن تكون هذه القوى حلفاء لبعضهم في مواجهة الوضع الإسلامي، ولاسيما بعد كل الذي حصل بالإقليم والذي كان المفروض أن يفتح آفاقاً للتعاون لتجاوز النكسة التي تعرض لها الكرد بسبب سياسات الأحزاب الكردستانية والحكومة وبسبب سياسات الحكومة الاتحادية في آن واحد!
** وأخيراً وليس أخراً، فأن قانون الانتخابات السيء الصيت سيساهم في تزوير إرادة الناس وتصويتهم، إضافة إلى دور المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في التزوير المحتمل التي شكلت على أساس المحاصصة الطائفية، ورفضوا بإصرار وقح تغييره بصورة ديمقراطية لصالح الناخب العراقي ونزاهة المفوضية.   
هذه الوقائع ينبغي أن تكون أمامنا ونحن نبحث في الوضع بالعراق وأن نقدر بدقة نسبية قدرة المجتمع على تجاوز المحنة الراهنة في وجود هذه القوى التي عرضت العراق لكل الكوارث والمآسي والموت والفقر والفساد والإرهاب حتى الآن على رأس السلطة التنفيذية وفي مجلس النواب والقضاء والادعاء العام. فالتفاؤل المفرط الخالي من مضمون مضر مثل التشاؤم المفرط، وعلى عاتق الباحثين والسياسيين والإعلاميين تقع مهمة تقدير الأمور بواقعية عقلانية، والدكتور قاسم وأنا ضمن من يشملهم ذلك.
هل يعتقد الزميل قاسم حقاً إن الحديث المتفائل في مقدوره وحده أن يحقق النصر المبين عل القوم الفاسدين؟ هل ما زلنا نؤمن دون أرضية مناسبة "تفاءلوا بالخير تجدوه؟ أو كما كنا نهتف في العابنا الرياضية: گله ..  گله .. گله فيسقط الفريق الذي لا نؤيده.
نحن أمام واقع يستوجب العمل الكثيف، العمل بخمسة اتجاهات هي:
1.   تعزيز التحالفات الوطنية الديمقراطية وتمتينها من خلال بلورة مواقف مشتركة وبرنامج مشترك يضم القوى المدنية الديمقراطية، اليسارية منها واللبرالية، والقوى المستقلة والمتدينة التي تعتقد بضرورة فصل الدين عن الدولة والمناهضة للطائفية السياسية وتؤكد مبدأ المواطنة العراقية المتساوية والموحدة والمشتركة. أن تكون هذه الوحدة على مستوى العراق كله ومن كل القوميات.
2.   تعزيز عملنا المشترك في صوف المجتمع العراقي، لاسيما بين الكادحين والمعوزين ومن ذوي الدخل المحدود الذين يعانون من البطالة والفقر والحرمان والعوز الدائم، في مقابل وجود قوى في الحكم وحواشيها تغتني يومياً على حساب الشعب وأمواله ومستوى معيشته المتدني ومستقبل الأجيال القادمة.
3.   استخدام خطاب عقلاني جديد من جانب القوى التي يهمها التغيير ويمتلك القدرة التنويرية والحداثة المناسبة التي تتناغم وفهم الناس لهذا الخطاب الشعبي المناسب وتنشيط منظمات المجتمع المدني والنقابات في هذا المجال أيضاً.
4.   فضح القوى والأحزاب السياسية الإسلامية الطائفية وليس مجاملتها بخطابنا السياسي، إذ إنها مرَّغت كرامة الإنسان العراقي بالتراب وتسببت في موت مئات الألاف من الناس الأبرياء.. الخ، وفضح من يقف خلفهم ويؤيدهم من شيوخ الدين غير المتنورين والساعين إلى إقامة حاكمية الله والولي الفقيه بالعراق والداعمين لقوى الإسلام السياسي الطائفية المقيتة.
5.   فضح القوى والدول الأجنبية التي تتدخل يومياً في الشأن العراق وتساهم في صرف الملايين من المال لدعم قوى الإسلام السياسي وأحزابها وشخصياتها الطائفية التي تعبر عن أهدافها المريضة في السيطرة على العراق وعلى سياساته وموارده وحرمانه من الاستقلال والسيادة الوطنية.
   

2
كاظم حبيب
لماذا ولمصلحة من يراد تكريس النظام السياسي الطائفي عبر الانتخابات العامة 2018؟
الطائفية والفساد هما أصل الداء والبلاء، وهما       السائدان بالبلاد، وهما السبب وراء الإرهاب الدامي   وسقوط المزيد من الشهداء، كما حصل في ساحة الطيران يوم أمس، والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية هي المسؤولة عن كل ذلك!!
تشير معطيات التحرك السياسي قبيل الانتخابات العامة المحتملة في شهر أيار/مايس 2018 إلى عدد من الوقائع المهمة التي لا بد من تشخيصها من أجل تقدير وجهة التطور المحتملة في واقع العراق الراهن، والتي يمكن بلورتها فيما يلي:
** هناك أجواء عامة مناهضة للمحاصصة الطائفية السائدة بالدولة العراقية بجميع سلطاتها لما تسببت به من كوارث ومصائب وزلازل اجتماعية هزّت المجتمع العراقي ومزقت نسيجه الوطني وعرضته للاحتلال، كما تسببت بموت مئات الآلاف من البشر ونزوح 4,5 مليون نسمة من مناطق سكناهم وهجرة مئات الألاف الأخرى، ولاسيما من أتباع الديانات الأخرى غير الإسلام، إلى خارج العراق خلال السنوات المنصرمة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية بالعراق.
** هناك أجواء مناهضة للقوى والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي شكّلت الحكومات العراقية المتعاقبة خلال السنوات المنصرمة وما تزال في الحكم، وكانت وراء كل ما حصل بالعراق من مآسي وموت ودمار وخراب وفساد وإرهاب سائدين.
** وهناك تمزق فعلي في معسكر قوى الإسلام السياسي وأحزابها وتحالفاتها، وكل منها برمي بعراته على الآخرين، ولكنها ما تزال تملك السلطة والمال والتأييد من بعض المرجعيات بصيغة مباشرة وغير مباشرة عبر وكلاء المرجعيات وفي الجوامع والمساجد، في محاولة لتبييض وجهها عبر الانتصارات التي تحققت في الموصل وبقية مناطق محافظة نينوى وصلاح الدين والأنبار، وكأنها كانت هي وراء هذه الانتصارات وليس الجيش العراقي والمتطوعين الشجعان ممن لم يكونوا من قوى المليشيات الطائفية المسلحة التي عاثت قبل وأثناء وبعد ذاك فسادا بالعراق، ومنها منظمة بدر وعصائب أهل الحق وحزب الله والعشرات الأخرى التي أسستها ونظمتها ومولتها وقادتها إيران بشخص قاسم سليماني بالعراق وأجهزة المخابرات والحرس الثوري وفيلق القدس الإيراني، والتي يترأسها مساعدون منهم: هادي العامري وفالح الفياض وقيس الخزعلي واللويزي والشمري ومن لف لفهم من قادة المليشيات الطائفية المسلحة!
** هذا التمزق ينعكس في تحالفات جديدة للقوى الإسلامية الطائفية الشيعية، مثل حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى الإسلامي والحكمة والجماعات التي شكلت أحزاباً جديدة من قوى المليشيات الطائفية المسلحة السابقة والتي تحاول اليوم أن تدخل الانتخابات بتحالفات أخرى بدعم مباشر من إيران، وكذلك الانشطارات في صفوف الجماعات الإسلامية السياسية الطائفية السنية.
** إن الزيادة في عدد التحالفات وعدد الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية المسجلة لخوض الانتخابات القادمة تعبر عن ضعف وتمزق وصراع، إذ كل منها يسعى للهيمنة على السلطة، ولكنها تعني في الوقت نفسه عن محاولة للحصول على أكبر عدد من الأصوات وعدد النواب من خلال هذا التوسع الكمي لعدد القوى التي ستشارك في الانتخابات.
** وفي الجانب الكردستاني حصل التمزق في القوى الكردية، الذي برز قبل الاستفتاء وتواصل وتعمق بعده، والذي تبلور في عدد من القوائم الانتخابية والتي تجسد ضعفاً عاماً لها جميعاً في مواجهة الأوضاع الجديدة بالعراق وكردستان. كما إن جميعها لم تسع إلى إيجاد تحالف جديد لها مع القوى الديمقراطية العراقية العابرة للطوائف والقوميات، وهو خلل كبير صاحب الحركة الديمقراطية الكردستانية منذ سقوط الدكتاتورية وابتعادها عن القوى الديمقراطية العراقية وأضعاف لها ولبقية القوى الديمقراطية، العربية وغير العربية.
** وفي الصف الديمقراطي اليساري واللبرالي والمستقل تعرض هو الآخر إلى التمزق، بعكس ما يستوجبه الوضع العراقي العام وما يتطلبه الموقف من الانتفاع الفعلي من أزمة القوى الإسلامية السياسية الطائفية. حصل التمزق في جانبين: الأول الابتعاد بين قوى التيار الديمقراطي العراقي وقوى ليبرالية وديمقراطية ومستقلة أخرى، والثاني في تفلش أو انفراط عقد التحالف الجديد "تقدم"، الذي تشكل في نهاية العام الماضي من خلال خروج الحزب الشيوعي عنه وإقامته تحالفاً مع حزب الاستقامة، الذي يقوده ويشرف عليه مقتدى الصدر، وجماعات ليبرالية أخرى، وخروج الحزب الاجتماعي الديمقراطي وتشكيله تحالفات أخرى من قوى ليبرالية. وتبريرات هذه الانشطارات والتحالفات الجديدة تسوقها القوى المنشطرة كل من منظوره الخاص وقناعته بما يمكن أن تسفر عنه نتائج تحالفاته الجديدة. 
** يراد لهذه الانتخابات أن تجري في ظل ظروف غير مناسبة من الناحية الموضوعية ونعني بذلك:           
•   النزوح الكبير لأكثر من مليوني إنسان، ممن يحق له التصويت، عن مناطق سكناهم واستحالة مساهمة الكثير منهم في التصويت، ولاسيما محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وكركوك.
•   قانون الانتخابات السيء الصيت الذي لم يعدل والذي وضع من قبل الأحزاب الطائفية التي تريد البقاء في السلطة وبطريقة مفضوحة ودون حياء.
•   وجود مفوضية الانتخابات الجديدة غير المستقلة التي أقيمت على أساس المحاصصة الطائفية المقيتة والمذلة للمواطنين والمواطنات وللشعب عموماً، والتي لن تكون نزيهة في إشرافها على الانتخابات كما حصل تماماً في الدورات الانتخابية السابقة.
•   تجري الانتخابات في غياب التوازن والمساواة في القدرة على الدعاية الانتخابية بسبب الهيمنة على الإعلام وامتلاك الأموال والتدخل الديني في الانتخابات، إضافة إلى التأثير الخارجي، ولاسيما إيران على مجرى الانتخابات، وكذلك دور المليشيات الطائفية المسلحة في ترهيب الناخبين ضد قوى معينة، وترغيبهم لقوى أخرى من خلال وجودهم في المناطق الانتخابية.
•   قيام قوى إسلامية سياسية شيعية وسنية وشيوخ بمحاولات وقحة لتشويه سمعة القوى المدنية والديمقراطية لإبعاد الناخبين عن التصويت لهذه القوى من خلال ادعاءات واتهامات كاذبة ووقحة يطلقونها من على منابر الجوامع والمساجد وفي القنوات التلفزيونية والإذاعات والصحف.
•   وجود قوى وعناصر شديدة الفساد تتربع في مواقع المسؤولية السياسية وعموم الدولة العراقية، أي في سلطاتها الثلاث، وهي التي تملك من الأموال ما يساعدها على توسيع قاعدة رشوة الناخبين وشراء أصواتهم واستخدام أساليب أخرى تتجلى في دعاياتهم الانتخابية أيضاً. وكل الوعود التي قطعها رئيس الوزراء بمحاربة الفساد والمفسدين ذهبت أدراج الرياح: وكأننا نسمع القول الشائع بالعراق "كلام الليل يمحوه النهار"! جيد أن يلقى القبض على السوداني ويسلم للحكومة العراقية ولكن الحرامية الكبار يعيشون بالعراق وببغداد، ولاسيما في المنطقة الخضراء، فلماذا لا يجري اعتقالهم، هل لأن على "ز... جرس!"؟ لقد اعلنوا خبر اعتقال "حرامي بغداد" واحد أو اثنين، وهما خارج العراق ويفترض أن يسلما إلى الحكومة العراقية، ولكن في بغداد، ولاسيما حي الخضراء، فهناك العشرات بل المئات من أشرس وأحقر "حرامية بغداد" المعروفين للناس جميعاً، ويخشى رئيس الوزراء اعتقالهم ولا القضاء العراقي ولا الادعاء العام قادر على ذلك!
** وعلينا أن نشير إلى أن نسبة عالية من بنات وأبنا الشعب العراقي يعانون من الفقر والحرمان، وهم يعيشون تحت خط الفقر المعروف دولياً في ظروف العراق الملموسة، وهناك بطالة واسعة جداً، كما إن الوعي السياسي والاجتماعي ما يزال بعيداً عن قدرة الفرد في تحليل واقع العراق وضرورات التغيير الفعلي وإبعاد القوى الحاكمة المسؤولة عن ذلك عن الدولة بسلطاتها الثلاث، ووجود الأموال الهائلة لدى الفاسدين المسروقة من أموال الشعب، وهي سحت حرام.
ماذا ننتظر من الانتخابات القادمة وفي ظل هذه التشخيصات؟   
 مع إن هذه التحالفات ما تزال هشة ومتغيرة في من يلتحق بها أن يغير تحالفه، فأن ما جاء في أعلاه يسمح لي باستنتاج يشير إلى احتمال كبير في التأثير المباشر وغير المباشر موضوعياً على مجرى الانتخابات في غير صالح نزاهتها وأمانتها لمصالح الشعب العراقي لن يكون قليلاً بل واسعاً، من خلال التأثير على نسبة عالية من الناس ممن يعانون من مشكلات مالية ومعيشية، إضافة إلى اقترانها بالجانب الديني المشوه، وبالتالي احتمال بروز ذات الوجوه وما يماثلها سلوكاً، وبنسبة عالية، في مجلس النواب الجديد، قائمة حقاً، وهي الكارثة المحتملة والمرتقبة التي يصعب، كما يبدو حالياً تلافيها. ومن كان يعول على العبادي في تشكيل قائمة عابرة للطوائف أصيب بخيبة أمل، علماً بأن الأمر كان متوقع أساساً!  لقد ارتدى العبادي دشداشة الطائفية البائسة والمهلهلة، كما كتب بصواب الزميل الكاتب والصحفي عدنان حسين في جريدة المدى وفي مقاله الموسوم "انتخابات إعادة التدوير" بتاريخ 12/01/2018 ما يلي: "من الواضح أيضاً أنه ما من أحد من الكيانات المتنفذة في السلطة منذ 2003 يريد الخروج من شرنقة الطائفة – القومية. حتى رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي لم ينقصه إلا الوقوف عند شبّاك العبّاس والحلفان لتأكيد أنه يريد تشكيل ائتلاف سياسي وطني عابر للطائفية والقومية، يتبيّن الآن أنه غير قادر على، وربما غير راغب في، نزع دشداشته الطائفية"، علماً بأن إيران لم تعد تؤيد العبادي بل تريد استبداله بـ "هادي العامري"، بعد أن احترقت أوراق المالكي كثيراً، رغم أنه ما يزال لم ييأس من تأييد إيران ولاسيما المرشد الإيراني على خامنئي.
إن الجواب عن السؤال الوارد في عنوان المقال، نعم، إن الفئات الحاكمة تعمل بكل قوة وتستخدم كل الأساليب غير المشروعة، ومنها الإفساد، للبقاء في السلطة وتكريس الطائفية السياسية، وتجد الدعم الكامل من إيران الخامنئي والجنرال سليماني لتكريس نظام المحاصصة الطائفية، النظام السياسي الطائفي الفاسد بالعراق، وهي بذلك تخدم مصالح القوى الفاسدة الحاكمة ومصالح إيران مباشرة التي تحدث بعض أبرز قادتها قبل أشهر عن إن العراق أصبح جزءاً من الدولة الإسلامية الفارسية وعاصمتها بغداد!!
 


3
كاظم حبيب
العالم يسخر من مهازل ترامپ، وترامپ يسخر من مهازل الحكام العرب!
عرف الشعب الأمريكي، ومعه العالم كله، عدداً من الرؤساء الأمريكيين الذين تميزوا بمواصفات غير حميدة، منها الجهل بأمور العالم والسياسة الخارجية والتطرف اليميني والكذب مثل ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان وجورج دبليو بوش الأبن، ولكنه لم يعرف أبداً رئيساً كالرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية، الرئيس الجديد الذي يقطن اليوم في البيت الأبيض ويحمل شعار الولايات المتحدة الأمريكية أولاً، وهو يعبر عن محتوى الشعار المعروف لألمانيا النازية الهتلرية "ألمانيا فوق الجميع"، فهو يحمل كل هذه السمات السيئة، ولكنه يفوقهم، كما يقول جيرمي د. ماير، المحاضر في جامعة جورج ماسون في السياسة الخارجية والإعلام، في عنصريته والذي يطلق كذبة ثم يصدقها ويقتنع بصحتها. ولكن الناس المحيطين به والذين يستمعون إلى أكاذيبه مقتنعون بأنها ليست سوى "روث البقر"، أي فضلاتها، والتي لا يصدق بها إلا من كان من صنفه. (المصدر: برلينر تسايتوگ Kordula Doerfler und Damir Fras, Interview mit Jermy D. Maxer, Berliner Zeitung, Nr. 11, 13./14. Januar 2018, S. Magazin, S. 1u. 2). فهو لا يستحي من أكاذيبه كما لا يستحي من أحد. وهذه الشخصية ذات الأطوار الغريبة قد شتم الكثير من الشعوب وأساء إليها بعبارات قاسية، ومنها أخيراً الشتيمة العنصرية التي وجهها للدول الأفريقية وهاييتي والسلفادور حين وصفها بـ "حثالة الدول" أو "الدول القذرة" أو "الأوكار القذرة". وكان النص الذي نقل عنه في اجتماع له مع أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي من الحجزبين الجمهوري والديمقراطي قوله التالي: "لماذا يأتي كل هؤلاء الاشخاص القادمين من حثالة الدول إلى هذا البلد؟". وقد احتج الاتحاد الأفريقي على هذه الإهانة والإساءة المتعمدة والوقحة الموجهة لشعوب قارة بأسرها وكل الناس من أصول أفريقية أو ممن هم من دول مثل هاييتي والسلفادور مثلاً. "فقد طالب سفراء 54 دولة إفريقية بالأمم المتحدة في بيان شديد اللهجة، الرئيس الأميركي دونالد ترامپ بالاعتذار والتراجع عن تصريحات وصف فيها بلدانهم ودولا أخرى بـ”الحثالة”. وبعد اجتماع طارئ في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، قالت مجموعة السفراء في بيان، إنها “صُدمت بشدة”، وبأنها “تدين الملاحظات الفاضحة والعنصرية والمتضمنة كراهية للأجانب”. (المصدر: لأمم المتحدة: 54 دولة إفريقية تطالب ترمب بالاعتذار https://www.souriyati.com/2018/01/13/93192.html  ، موقع سوريتي بتاريخ 13/01/2018).
هذا الرجل بدأ يقدم للعالم كل يوم تقريباً سواء بتصريحاته أم بـ "تغريداته" على التويتر ما يجعل العالم يسخر منه ومن الذين انتخبوا مثل هذه الشخصية القرقوزية من جهة، والخطرة والمحملة، كما تشير إلى ذلك مواقع التواصل الاجتماعي، بروح ورائحة عنصرية نتنة من جهة ثانية، وبسبب راديكاليته اليمينية المتطرفة ورغبته في المزيد من تسليط الاستغلال على الكادحين بالولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثالثة. وهو صاحب القول كان على الولايات المتحدة الأمريكية "أن تأخذ النفط" في العراق عام 2003، مشيراً إلى أنها "لو فعلت ذلك (وقتها) لما ظهر داعش"، متابعاً: "ربما ستكون هنالك فرصة أخرى".. (المصدر: ترامپ: كان على أمريكا أخذ نفط العراق في 2003 وربما ستكون هنالك فرصة أخرى لذلك، موقع رووداو، 22/01/2017").
هذا الرئيس الذي سخرت شعوب العالم منه وضحكت عليه، كما أغضبها تصرفاته السياسية ومواقفه إزاء المرأة وشعوب البلدان النامية، لم يستطع حتى الآن كسب الدول الأوروبية إلى جانبه حتى تلك الدول الأقرب من غيرها إلى الولايات المتحدة مثل بريطانيا وألمانيا ولاسيما تريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، وأنجلا ميركل، مستشارة ألمانيا الاتحادية وأغلب مسؤولي دول الاتحاد الأوروبي. هذا الرئيس بالذات يسخر، وبكل ما لهذه الكلمة من معنى من شعوب الدول العربية ويضحك بملء فمه على ذقون الحكام العرب، وهم راكعون له ومسبحون بحمده ودافعون له ما يشاء من أموال من أموال شعوبهم المقهورة بسياساتهم الاستبدادية وعنجهيتهم.
وأخيراً وليس أخراً قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل دون أن يأخذ بالاعتبار قرارات مجلس الأمن الدولي وموقف العالم كله من هذه القضية الشائكة والمعقدة والتي وضعت ضمن الحل النهائي لحل القضية الفلسطينية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. إذ "أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامپ بتاريخ 07/12/2017 في خطاب متلفز من البيت الأبيض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقال إنه وجه أوامره للبدء بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وهو ما أكده وزير خارجيته ريكس تيلرسون، ورحب نواب أميركيون بالقرار." (المصدر: المصدر: الجزيرة + وكالات 7/12/2017). ولم يكتف بذلك بل هدد كل دول العالم، وهي الدول النامية، بأنه سيقطع عنها المساعدات التي تقدم بها، وهي في الغالب مساعدات عسكرية وغذائية، والتي تمنح من الأرباح التي تتحقق للولايات المتحدة الأمريكية واحتكاراتها من اقتصاديات الدول النامية، وهذه المنح والمساعدات ليست جزءاً يسيراً مما تحقق ويتحقق لها من أرباح. 
ولم يثر هذا الموقف سخرية العالم فحسب، بل وأثار غضب جميع دول العالم تقريباً، عدا إسرائيل وتسع دول أخرى صوتت ضد القرار في اجتماع الهيئة العامة للأمم المتحدة نتيجة لتهديد ترامپ وسفيرته في الأمم المتحدة. وقد اثار غضب شعوب وحكومات العالم، أكثر مما اثار غضب حكومات الدول العربية المستكينة للولايات المتحدة، والتي لم تكن قرارات مجلس الجامعة العربية حتى الآن بمستوى الرد المطلوب على قرار هذه الشخصية الغريبة بشأن القدس.
وخلال زيارة ترامپ للمملكة السعودية اتفق مع الحكومة السعودية على عقود يبلغ مقدارها بين 400 مليار دولار أمريكي لشراء الأسلحة ومعدات عسكرية ونظم دفاع عسكري وعقود أخرى ...الخ، (المصدر: موقع الوطن بتاري 21/05/2017). كما إن المتحدث باسم البيت الأبيض أكد: "إن الرئيس ترامپ ووزير الخارجية تيلرسون حضرا مراسم توقيع عقود تسليح بنحو 110 مليارات دولار." (المصدر: اولى ارباح ترامپ من السعودية .. عقود تسليح بـ 110 مليارات دولار، موقع قناة العالم، بتاريخ 20/05/2017). كما إن حكومة ترامپ وقعت عقداً مع قطر بمقدار 12 مليار دولار أمريكي لشراء مقاتلات أف 15 في شهر حزيران 2017. إضافة إلى عقود أخرى مع دول عربية خليجية وغيرها." وهذه الأموال المدفوعة أو التي ستدفع للولايات المتحدة الأمريكية ستسرق من لقمة عيش الشعب في المملكة السعودية ولاسيما الفقراء والمعوزين والذين يعيشون عيشة الكفاف. وهي أموال تدفع لشراء الأنظمة الجديدة من الأسلحة لتساهم في قتل المزيد من البشر في اليمن أو في سوريا أو العراق أو لتشديد الصراع والدفع باتجاه حافة الحرب مع السعودية غريمها المماثل لها في الاستبداد والقهر في المنطقة.   
إن الإحباط الذي تعيشه شعوب الدول العربية لن يدوم طويلاً، وفجأة ستهض، بع أن يكون كأس الغضب قد امتلأ، عندها سيتجد حكومات هذه الدول نفسها أمام ربيع شرق أوسطي جديد يمكن أن يكنسها ويرمي بها في براميل القمامة، وهو المكان المناسب لها، لما تسببت به حتى الآن من الآم وكوارث وحرمان على شعوب المنطقة. إن الشعوب تمهل ولا تهمل، والظلم إن دام دمر.
 


4


مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية
خلال حكم
الرئيس دونالد ترامب





د. عبد الأمير رحيمة العبود
    
لم تسلم الولايات المتحدة الأمريكية من آثار بعض الأزمات التي يتعرض لها سكان العالم في الوقت الحاضر، بالرغم من تمتعها بموارد طبيعية هائلة وإمكانات اقتصادية وتكنولوجية كبيرة جداً. إذ إنها تعرضت منذ عام 2008 إلى أزمات اقتصادية متعاقبة، تركزت في ازدياد معدلات البطالة، ونزوح عدد كبير من الصناعات والمشاريع الاقتصادية نحو الصين والمكسيك وبعض الدول الأسيوية، بسب رخص الأيدي العاملة واتساع إمكانيات التسويق في تلك المناطق، إضافة إلى ما كانت تعانيه كغيرها من الدول المتطور من ازدياد عدد النازحين إليها من مختلف أنحاء العالم، وكذلك تعرضها إلى الإرهاب كغيرها من الدول المتطورة. فضلاً عن ازدياد مديونيتها الخارجية والداخلية. وقد كان لازدياد إنفاق الولايات المتحدة على التسلح ومشاركتها في الحروب، بخاصة ما تعرضت له في الآونة الأخيرة من جرّاء الحروب في أفغانستان والعراق دور كبير في ازدياد آثار تلك الأزمات.
ولهذا أنصبت سياسة الولايات المتحدة عقب تولي الرئيس "باراك أوباما" بتاريخ 20/1/2009 على تقليص المشاركة في الصراعات الدولية العسكرية والتركيز على معالجة المشاكل الداخلية للولايات المتحدة، ويبدوا أن تلك السياسة لم تفلح في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للولايات المتحدة، وقد حصل تغير كبير في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية عند مجيء الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم في مطلع عام 2017.
والجدير بالذكر أن الرئيس ترامب يعتبر من القوى اليمينية المتطرفة التابعة للحزب الجمهوري الأمريكي.
وقد تميزت سياسة ترامب خلال حملته الانتخابية بالكثير من التطرف والطيش، واستعمال أساليب المغامرة والمناورة والتهديد في سياسته الخارجية والداخلية، لمواجهة منافسته "هيلاري كلنتون". وكان هدفه الرئيس كما كان يدعي هو أن يعيد للولايات المتحدة الأمريكية قوتها السابقة وسيطرتها على العالم.
لقد كان ترامب رجل أعمال ناجح، ولكنه يفتقد إلى الحكمة والخبرة السياسية والدبلوماسية، اعتمد في خبرته التجارية الناجحة على أسلوب المغامرة والمناورة والتحدي وقد كسب من خلال ذلك على الكثير من الأموال وأصبح واحداً من كبار الأثرياء الأمريكيين.
بيد أن هذه الصفات التي تميز بها دونالد ترامب لم تكن ملائمة لما تقتضيه مهمته السياسية كرئيس دولة، بدليل أن كافة الاستطلاعات التي أُجريت آنذاك خلال الحملة الانتخابية قد أسفرت عن تغلب التأييد بنسب مرتفعة لمنافسته هيلاري كلينتون.
وما إن ظهرت نتائج الانتخابات حتى تفاجئ العالم بفوز "دونالد ترامب" بمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وخسارة منافسته "هيلاري كلينتون".
وقد أثار هذا الفوز، غير المتوقع، الشكوك لدى الكثيرين من الهيئات السياسية والإعلامية، والادعاء بممارسة نوع من التدخل غير المشروع في سير هذه الانتخابات، وقد أشير في حينه إلى احتمال ممارسة السلطات الروسية للأساليب التكنولوجية بقصد التأثير على تلك الانتخابات لصالح دونالد ترامب.
وخلال الفترة منذ فوز ترامب الانتخابات ولحين استلامه للسلطة قام ترامب بتعيين من يشاركونه في ممارسة السلطة على مستوى الوزراء ورؤساء المؤسسات الأمنية وكبار موظفي البيت الأبيض من الأثرياء ومن تميزوا بمشاركته بما كان يعلنه من سياسات التطرف والعنف في حملته الانتخابية ومن ضمنهم بعض أقاربه مثل أبنته (إيفانكا) وزوجها.
وفي ضوء هذه المعطيات قد يثار السؤال: هل سوف يفلح الرئيس ترامب في تنفيذ ما أعلنه من سياسات وإجراءات خلال حملته الانتخابية؟ وما أثـر ذلك على وضع الولايات المتحدة حتى الآن ؟
وللإجابة عن هذا السؤال بشكل واضح قد يفيدنا استعراض الإجراءات والسياسات التي أعلنها السيد ترامب وقام بتنفيذها حتى الآن:

أولاً: الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية:
يلاحظ هنا تحولاً جذرياً في سياسة ترامب إزاء الهجرة ودخول مواطني الدول الأخرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إذ إنه في برنامجه الانتخابي كان يطالب بمنع كافة المسلمين من الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكان يدعي بأن السعودية ودول الخليج العربي هي أكثر الدول الداعمة لمنظمة داعش الإرهابية.
لكنه ما إن تسلم السلطة في 20/1/2017 حتى أعلن عن حضر دخول مواطني سبعة دول إسلامية هي: إيران وسوريا والعراق واليمن والصومال وليبيا والسودان بالرغم من أن العراق من أكثر الدول التي تحارب الإرهاب وبينها وبين الولايات المتحدة تحالف استراتيجي.
وما إن صدر هذا القرار حتى قوبل بمظاهرات عارمة في مدن أمريكية عديدة، كما صدرت قرارات من عدة محاكم أمريكية تطعن في شرعيته الدستورية.
وبالرغم من قيام ترامب باستثناء العراق من شمول هذا القرار، إلا أن هذا القرار لم يطبق كاملاً حتى الآن.

ثانياً: محاربة الإرهاب:
بعد أن كانت محاربة منظمة داعش والقضاء عليها هي الهدف الرئيس الذي تركزت حوله الدعاية الانتخابية للرئيس ترامب. إذ كان يطالب بضرورة توجيه ضربة قاضية لهذه المنظمة والدول التي تمدها بالمساعدة، مع الإيحاء بدور دول الخليج العربي، ومنها السعودية بدعم هذه المنظمة عن طريق منظماتها الاجتماعية وجوامعها الوهابية، مع الإشارة إلى ضرورة التعاون مع روسيا للقضاء على هذه المنظمة.
لكن الغريب والمثير أيضا هو أن ترامب ما أن تسلم الحكم حتى تحول حديثه من محاربة داعش إلى الحديث عن محاربة الإرهاب معتبراً إيران هي الداعم الرئيس للإرهاب في العالم، ومطالباً بالتعاون مع السعودية ودول الخليج للقضاء على الإرهاب والحد من تأثيرات إيران على المنطقة، ويبدوا أن محاولة ترامب هذه هي للضغط على السعودية ودول الخليج من أجل الحصول على الأموال والاستثمارات من قبل دول الخليج لإنعاش الاقتصاد الأمريكي.

ثالثاً: الاتفاقية النووية مع إيران:
لقد حصل تحوّل ملموس في سياسة ترامب إزاء الاتفاقية النووية مع إيران بعد أن تسلم السلطة، بسبب إعلان الدول الأوروبية الموقعة على تلك الاتفاقية عن تمسكها بهذه الاتفاقية، ولهذا أصبح ترامب يدعوا إلى إجراء التغييرات على بعض بنود تلك الاتفاقية بل إن السكون قد خيم على هذا الموضوع في الآونة الأخيرة. بعد أن كان هدفه هو إلغاء الاتفاقية النووية مع إيران خلال حملته الانتخابية إلا أنَّ الحملة ضد إيران وإعلان معاداتها وضرورة معاقبتها لا تزال من أهم السياسات التي يعلن عنها ترامب باستمرار.

رابعاً: الرعاية الصحية:
بعد توليه السلطة أعلن ترامب عن إلغاء مشروع الرعاية الصحية (أوباما كير) الذي يوفر الرعاية الصحية لما يقارب الأربعين مليون أمريكي بسبب تكاليفه الباهظة واستبداله بمشروع آخر تحت اسم (ترامب كير).
لكن هذا القرار جوبِهَ بمظاهرات عارمة تهدد به في مدن أمريكية عديدة، ولم يحض بموافقة الكونغرس الأمريكي، وكان البديل الذي اعتمده ترامب فيما بعد هو طرح مشروع آخر يتضمن إلغاء جوانب متعددة من مشروع (أوباما كير) وقد اقترن هذا المشروع بموافقة مجلس النواب، ولم يحصل إلغـاؤه كليـاً.

خامسا: التحالفات الدولية:
كذلك حصل تحول واضح في موقف ترامب من التحالفات الدولية، فبعد أن كان هدفه الخروج من حلف الأطلسي "الناتو" كان موقفه حتى الآن داعماً لمشاركة الولايات المتحدة بهذا الحلف، واقتصرت مطالباته على ضرورة مساهمة الأعضاء بتكاليف ذلك الحلف وزيادتها قليلاً.
كما طالب الرئيس ترامب خلال حملته الانتخابية بالخروج من الاتفاقيات التجارية الدولية، لكنه لم يتخذ أي إجراء حول هذا الموضوع حتى الآن.

سادساً: العلاقة مع روسيا وسوريا:
تميزت العلاقات مع روسيا وسوريا بالتقلبات المفاجئة ففي الأيام الأولى من تسلمه للسلطة عبر ترامب عن رغبته بالتعاون مع روسيا من أجل حل المشكلة السورية والتعاون بشأن محاربة الإرهاب، معلناً بأن حل المشكلة السورية لا يقتضي بالضرورة إزالة نظام الأسد عن الحكم، وداعماً للقوى الديمقراطية الكُردية السورية بالأسلحة في سبيل تحرير الرقة، على النقيض من موقف أردوغان المعادي للأكراد السوريين.
لكنه ما إن أعلنت مشكلة التسمم بالسلاح الكيمياوي في مدينة "خان شيخون" نهاية نيسان الماضي حتى قام ترامب بضرب معسكر الشعيرات السوري بتسع وخمسين صاروخاً بالستيا معرباً عن رأيه بضرورة إزاحة الأسد عن الحكم في سوريا.
في الأيام الأخيرة ظهرت سياسة جديدة لترامب محورها التعاون مع روسيا لحل المشكلة السورية سلمياً دون الإشارة إلى تغيير نظام الأسد.

سابعاً: بناء الجدار مع المكسيك:
كذلك أعلن ترامب في الأيام الأولى من استلامه السلطة عن رغبته في المباشرة في بناء جدار بطول 1500كم على الحدود مع المكسيك، على أن تتحمل دولة المكسيك تكاليفه الباهظة. وقد قوبل هذا الإجراء برفض المكسيك لتحمل تكاليفه، وتفاقم المظاهرات المناهضة له، داخل الولايات المتحدة وفي دولة المكسيك، ولحد الآن لم يحصل العمل بإقامة هذا الجدار بسبب تكاليفه الباهظة.

ثامنـاً: السياسة الاقتصادية:
لم يظهر عن ترامب حتى الآن أي إجراء إزاء المؤسسات الاقتصادية المهاجرة إلى كل من الصين والمكسيك وغيرها من الدول، بعد أن كان يدعوا إلى فرض ضريبة جمرگية بمعدل 35% على السلع المستوردة منها للميزانية الأمريكية، بعد أن أعلن عن زيادة الصرف العسكري بمقدار 45 مليار دولار تجاوزاً للميزانية الأمريكية.
وقد يكون الوقت مبكراً لاتخاذ مثل هذه أو أية إجراءات أخرى لمعالجة مشاكل الاقتصاد الأمريكي.

تاسعاً: العلاقة مع العراق:
طالب ترامب مراراً خلال حملته الانتخابية بضرورة السيطرة على النفط العراقي لغرض تعويض الأمريكيين عن خسائرهم جرّاء حربهم في العراق عام 2003م.
بينما راح ترامب منذ تسلمه السلطة يعلن عن دعمه للعراق في حرية ضد داعش عسكرياً، ورغبته في زيادة هذا الدعم العسكري لحين القضاء على داعش في العراق.
وقد استقبل الرئيس ترامب الرئيس العراقي حيدر العبادي استقبالاً حافلاً في البيت الأبيض بعد توليه السلطة، ولم يحصل منه حتى الآن أي إعلان أو إشارة إلى النفط العراقي.

عاشراً: الانسحاب من اتفاقية المناخ الدولية:
على الرغم من اتساع المخاطر التي يعاني منها البشر في كل أنحاء العالم من جرّاء ازدياد حرارة الأرض وما تستوجبه هذه المخاطر من تعاون دول العالم من أجل تخفيض معدل انبعاث الغازات الدفيئة كوسيلة للحد من ازدياد حرارة الأرض، والتي تكللت باتفاقيات دولية متعددة آخرها اتفاقية باريس في 12 ديسمبر 2015 والتي تعهدت بموجبها 195 دولة بالالتزام بتطبيق الإجراءات التي تحول دون ازدياد حرارة الأرض( ) ومنها الحد من انبعاث الغازات الدفيئة نتيجة لحرق الفحم والنفط والغاز، وكذلك تقديم 100 مليار دولار إلى الدول النامية لمساعدتها على الالتزام بتطبيق تلك الإجراءات.
وإزاء هذه المخاطر الجسيمة التي تهدد مستقبل البشر قرر الرئيس دونالد ترامب بتاريخ 1 حزيران 2017 الانسحاب من هذه الاتفاقية الدولية للمناخ، بسبب ازدياد أعباءها المالية كما يدعي. بالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من أكثر الدول المتسببة في ازدياد انبعاث الغازات المسببة للاحتراز العالمي.
بمعنى أنه حتى الآن يفضل التوسع في إنتاج الفحم والنفط والغاز كوسيلة لزيادة الموارد المالية على معالجة إحدى أهم المشاكل التي تهدد مستقبل البشر وهي ازدياد حرارة الأرض.
إحدى عشر: العلاقة مع السعودية ودول الخليج العربي:
بعد أن وصف الرئيس ترامب السعودية أثناء حملته الانتخابية "بالبقرة الحلوب التي إن لم تدر الذهب والدولارات على الولايات المتحدة الأمريكية فينبغي أن تذبح بسبب موقفها الوهابي الداعم للإرهاب" وكان ذلك في 8/5/2016( ).
فقد حصل تغير مناقض وكبير في موقف ترامب إزاء السعودية بعد استلامه السلطة بخاصة بعد زيارته في البيت الأبيض من قبل ولي العهد محمد ابن سلمان بتاريخ 15/3/2017 والذي أعلن عن رغبة المملكة السعودية عن توسيع استثماراتها المالية في الولايات المتحدة الأمريكية وزيادة شرائها للأسلحة منها.
وقد اقترنت هذه الزيارة كذلك بالإعلان عن قيام ترامب في زيارة السعودية بتاريخ 20 أيار 2017 واعتبارها أول زيارة دولية يقوم بها ترامب بعد تسلمه للسلطة وقد اعتبرت السعودية هذه الزيارة فرصة لتوسيع علاقاتها مع ترامب وضمان دعمه لموقفها المعادي لإيران ولذلك فقد أعدت برنامجاً خرافياً للاحتفال بزيارته وقد تضمن هذا الاحتفال عقد ثلاثة قمم دولية برئاسة ترامب أحدها تتضمن رؤساء وممثلين عن 55 دولة عربية وإسلامية، وأخرى تتضمن كافة دول الخليج العربي، وثالثه بينه وبين ملك المملكة السعودية، وذلك لمناقشة سياسات ومشاكل المنطقة، وبخاصة علاقاتها وموقفها من إيران الذي اعتبرتها الداعم الرئيس للإرهاب.
كما تكللت هذه الزيارة بتقديم الهدايا الثمينة للسيد ترامب وعائلته التي شاركته في هذه الزيارة، والتي قدرت قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.
كل ما حصلت عليه السعودية من ترامب هو دعمها لموقفها المعادي لإيران، بينما حصل ترامب من السعودية على التعهد باستثمار 350 مليار دولار في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك التعهد بشراء أسلحة أمريكية بقيمة 120 مليار دولار.
وبذلك، وبسبب هذه المكاسب المالية الضخمة التي حققها ترامب من زيارته للسعودية، يمكن اعتبارها أهم إنجاز حققه ترامب من وراء إجراءاته التي قام بها حتى الآن.

اثني عشر: العلاقة مع إسرائيل والشعب الفلسطيني:
لم يخف ترامب دعمه وانحيازه الى إسرائيل، لكنه أعلن مراراً عن حماسه لمعالجة القضية الفلسطينية، عن طريق إنجاز حل الدولتين ، وقد اقترنت هذه الدعوة بموافقة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية "محمود عباس" واقترن هذا الحماس بمقابلة عباس والترحيب به في البيت الأبيض.
وعقب ذلك قام ترامب بزيارة إسرائيل والمناطق الفلسطينية، لكنه لم يتحدث خلال هذه الزيارة عن توسع إسرائيل في بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية، ولم يتحدث كذلك عن حل الدولتين بشكل واضح .
وبقي لفترة طويلة يعلن عن رغبته في التوسط لحل المشكلة الفلسطينية عن طريق حل الدولتين .
لكن العالم تفاجئ بتاريخ 6/12/2017 بإعلان ترامب عن عزمه نقل السفارة الأمريكية الى مدينة القدس ، واعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ، معلناً أنه بهذا الأجراء إنما ينفّذ إجراء سبق وإن اتخذه الكونغرس الأمريكي في التسعينات من القرن الماضي ، ولم يجرأ أحد من الرؤساء الأمريكيين على تنفيذه ، وإنه وهو مقتنع بضرورة تطبيقه لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ، فإنه يعتبر هذا الإجراء هو أحد الوسائل التي سوف يعتمدها لمواصلة السعي للوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين لتحقيق حل الدولتين .
وما إن أعلن ترامب عن هذا القرار حتى جوبه بالرفض والانتفاضة العارمة من قبل الفلسطينيين ، وبضمنه رفض قبول ترامب وسيطاً لحل المشكلة بين إسرائيل والفلسطينيين ، وكذلك الرفض والموقف الساخط من قبل كافة الدول العربية والإسلامية والتي تجسدت في رفض الجامعة العربية ومنظمة الاتحاد الإسلامي ، كما جوبه بالرفض من قبل كافة أعضاء مجلس الأمن خلال اجتماعهم بتاريخ 8/12/2017 باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية التي استعملت حق الفيتو لرفض القرار .
وحينما عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعا بتاريخ 21/12/2017 كانت نتيجة هذا الاجتماع هي إجماع 128 عضواً من مجموع 193 دولة هم أعضاء الأمم المتحدة على رفض قرار ترامب . بمعنى أن قرار ترامب قد رُفض من قبل ثلثي دول العالم ، وقد شملت هذه المجموعة كافة دول العالم الكبرى وبضمنها الدول الأوربية والعربية والإسلامية ، بينما لم تؤيده سوى تسعة دول في مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل والباقين من الدول الصغيرة وامتنعت عن التصويت 35 دولة ولم تحضر الاجتماع 25 دولة وبذلك يلاحظ بأن قرار ترامب هذا قد أفزع العالم ولم يُقابَل حتى الآن بغير الرفض والاستهجان من قِبل غالبية دول العالم .

الخلاصة

كل ما حصل حتى الآن يظهر جلياً بأن عناصر المغامرة والمناورة والتحدي التي تميزت بها شخصية ترامب لم تنجح حتى الآن في تحقيق أغلب توجهاته وطموحاته السياسية، ذلك لأن الإجراءات السياسية الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية تخضع لمراقبة هيئات سياسية واجتماعية أمريكية متعددة في مقدمتها الكونغرس الأمريكي والهيئات القضائية التي تحرص على حماية الدستور الأمريكي  والقوانين الأمريكية السائدة وكذلك الكثير من الهيئات الاجتماعية التي تشارك فيها المؤسسات المالية والإعلامية الكبرى، كما يشارك في تلك الرقابة بشكل مباشر وغير مباشر ممثلو الشركات الأمريكية الكبرى لحماية مصالحها، إضافة إلى الشعب الأمريكي الذي يعبر عن رأيه دائماً عن طريق المظاهرات والاحتجاجات التي ازدادت وتيرتها في مختلف الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب.
وهذه الحقيقة تؤكد بأن ترامب لا يستطيع الخروج كثيراً عن عن الخطوط الرئيسية التي ترسمها تلك الهيئات للسياسات الأمريكية، لأن خروجه عنها قد يهدد بقاءه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية كما حصل ذلك بالنسبة للرئيس الأمريكي الأسبق "ريشارد نيكسون" الذي ألغيت رئاسته عام 1974 قبل انتهاء الفترة المحددة لها دستورياً بسبب فضيحة "ووترغيت" وهو ما قد يحصل فعلاً لو استمر ترامب في مغامراته واندفاعاته غير الدستورية.
لا شك أن الفترة منذ تولي دونالد ترامب للحكم لا تزال قصيرة، ولا يمكن الحكم خلالها على مستقبل ترامب وتأثيراته على الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، بخاصة بسبب ما تميزت به إجراءاته من اندفاعات، ومغامرات غير محسوبة حتى الآن.
ومما يثير الشك حول مستقبل ترامب هو أن التحقيقات حول مدى تدخل روسيا لصالحه في الانتخابات الأمريكية الأخيرة لم تحسم بعد بل ازدادت تعقيداً في الآونة الأخيرة بعد أن قام ترامب في الآونة الأخيرة بإقالة "السيد جيمس كومي" مدير التحقيقات الفدرالي الأمريكي على أثر امتناعه عن تلبية طلب ترامب بإلغاء التحقيق حول تدخل روسيا في الانتخابات الأخيرة، وكذلك تعيين السيد "روبرت مولر" للإشراف على التحقيق في هذا الموضوع والذي لم يقترن نشاطه حتى الآن برضا السيد ت رامب. واقتران ذلك بازدياد المقابلات والتحقيقات من قبل أغضاء الكونغرس الأمريكي حول هذا الموضوع، فضلاً عن ازدياد المظاهرات الشعبية حول سياسات ترامب وآخرها احتجاج 190 مشرعاً أمريكياً على قبول الرئيس الأمريكي ترامب للهدايا المالية الشخصية مخالفة لما يشير إليه الدستور الأمريكي.
كل هذه الأمور قد تجعل موضوع عزل الرئيس دونالد ترامب عن الحكم غير مستبعد في الوقت الحاضر.
وهذا ما يوحي في الوقت ذاته بأن الرئيس ترامب قد يلجئ إلى تغيير إجراءاته واندفاعاته السياسية على الوجه الذي يضمن تحقيق الانسجام مع التوجهات السياسية والاجتماعية السائدة في المجتمع الأمريكي في سبيل البقاء في السلطة.
وفي حالة استبعاد موضوع عزل ترامب عن الحكم لأن هذا الموضوع يتطلب إنجاز العديد من الإجراءات المعقدة والعسيرة التي تستغرق فترة ليست قصيرة ، لكنه في كل الأحوال ، فإن بقاء الرئيس دونالد ترامب في السلطة سوف لا يساهم مساهمة ملموسة في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تُعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية باستثناء دوره في زيادة ثروة الأثرياء في المجتمع الأمريكي ، فضلاً عن ذلك فإن سياساته ، في كل الأحوال أيضاً ، سوف لا تساهم في تعميق التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين بقية دول العالم في معالجة المشاكل التي يعاني منها سكان العالم في الوقت الحاضر ، أو تلك التي تُهدد مستقبل البشرية . إضافة إلى ذلك فأن مغامراته واندفاعاته غير المحسوبة قد تسبب كوارث للعالم لا يعلم مداها إلا الله .

الملحق
معلومات حول الولايات المتحدة الأمريكية
عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2016=322.982.000 شخصياً
مساحة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2016= 9.830.760كم2
نظام الحكم جمهوري، دستوري رئاسي، فيدرالي
العاصمة: واشنطن
عدد الولايات: خمسون ولاية
الحكومة الفيدرالية تتكون من:
1- السلطة التشريعية: تتكون من الكونغرس الذي يضم مجلس الشيوخ ومجلس النواب، مجلس الشيوخ 100 عضواً ومجلس النواب 435 عضواً، ولكل ولاية حاكماً.
2- السلطة التنفيذية: الرئيس الأمريكي هو القائد الأعلى وهو الذي يعين مجلس الوزراء، وغيرهم من السلطات الرئيسية وكبار الموظفين والضباط.
3- السلطة القضائية: تتكون من المحكمة العليا والمحاكم الفيدرالية والمحاكم الخاصة والمحاكم الإدارية ومحاكم الولايات المتخصصة والمحلية.
حجم الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014 = 14.870 ترليون دولار وهو يشكل نسبة 24% من مجموع الناتج المحلي العالمي.
حجم الدين العام للولايات المتحدة الأمريكية عام 2016 = 19.188 ترليون دولار
حصة المؤسسات الخارجية من الدين العام = 9.000 ترليون دولار
حصة الفرد الأمريكي من الدين العام 46 ألف دولار
نسبة البطالة عام 2016 5% من القادرين على العمل
عدد الفقراء في الولايات المتحدة الأمريكية = 45 مليون شخصاً
نسبة السكان تحت خط الفقر = 14.5%
عدد أفراد القوات المسلحة الأمريكية عام 2016 = 1.400 مليون عسكري
تنفق الولايات المتحدة الأمريكية على القوة العسكرية 698 مليار دولار 2016
الإنفاق العسكرية الأمريكي يشكل 43% من الأنفاق العسكري العالمي 2016
عدد القواعد العسكرية الأمريكية في العام 750 قاعدة من 130 دولة =
في عام 2010 كان قرابة 46 مليون أمريكي ليس لديهم تأمين صحي


5
كاظم حبيب
مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق
4 - 4
استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة بالعراق
حين يقرأ المواطن والمواطنة، سواء أكان بالعراق أم خارجه، من الملمين بالشؤون الاقتصادية، تفاصيل الموازنة المالية العراقية لعام 2018 ويطلع على ملاحظات العديد من الكتاب الاقتصاديين والماليين يدرك بأن النظام السياسي القائم، الدولة وسلطتها التنفيذي (الحكومة) والتشريعية (مجلس النواب)، بعيدة كل البعد عن متطلبات الاقتصاد والمجتمع بالعراق. وهو أمر غير مستغرب لنظام سياسي طائفي يعتمد المحاصصة الطائفية والأثنية في توزيع المسؤوليات في السلطات الثلاث، وتقوده مجموعة من أحزاب الإسلام السياسي الطائفية التي لم ولا يهمها المجتمع وتقدمه وازدهاره، بل يتركز همها الأول والأخير على الاستمرار بالسلطة والنفوذ والهيمنة على المال العام والتصرف به على وفق الأغراض التي تسعى لها، ومنها زيادة ما لديها من أموال السحت الحرام في حساباتها في البنوك الأجنبية. إذ يغيب عن هذه الميزانية أي رؤية استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، للتنمية الصناعية والزراعية والسياحة والخدمات الإنتاجية، ولاسيما الطاقة الكهربائية والماء والنقل والاتصالات، ولا لمصالح الغالبية العظمى من بنات وأبناء الشعب الفقراء والكادحين وذوي الدخل المحدود. فهي ميزانية تقليدية تقوم على باب الواردات وباب المصروفات، واعتمادها بنسبة عالية جداً تصل إلى حدود أو أكثر من 90% من إيراداتها على الأموال المتأتية من صادرات النفط الخام، فهي ميزانية تكرس الريعية في الاقتصاد، ويغيب عنها ما يطرح في الوقت ذاته الميزانية الاستثمارية التي يفترض ان يرد فيها الاستثمار الحكومي الفعلي في القطاعات الإنتاجية، وما ترسمه من احتمال توظيفات في القطاع الخاص والتي سوف لن تتحقق، إذ سوف تتوجه استثمارات القطاع الخاص للتوظيف في قطاعات التجارة والعقار والسمسرة والمضاربات المالية وتهريب الأموال والأرباح. ونسبة عالية من استثمارات الحكومة ستذهب لقطاع النفط لتزيد من حالة التشوه والقطيعة بين الاقتصاد النفطي العراقي وبقية القطاعات الاقتصادية العراقية. وستعاني الجماهير الواسعة من شظف العيش والتقشف الحكومي على حساب الفقراء والمعوزين وأصحاب الرواتب المحدودة، وستزداد نسبة مدفوعات العراق عن ديونه الخارجية والفوائد السنوية المترتبة عليها، وهو خضوع صارخ لشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على وفق الاتفاقية السيئة المعقودة مع هاتين المؤسستين الدوليتين في غير صالح العراق، والتي لم تكن شروطها يوماً في صالح الفئات الكادحة والمنتجة للخيرات المادية، بل لصالح الأغنياء ومصالح الرأسمال الأجنبي ووجهة التطور التي يسعون فرضها على العراق والدول المماثلة له، كما ستتعرض موارد العراق المالية إلى النهب من الباطن والخارج وعلى نفس الوتيرة السابقة، لأن القوى والأحزاب الحاكمة ذاتها لم تتغير، ومازال الفاسدون يجلسون في الصفوف الأمامية من مواقع الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومؤسساتها الأخرى.
جاء في مقال للسيدة شذى خليل نقلاً عن الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح ما يلي:" وأكَدَ المستشار الاقتصادي لرئاسة الوزراء مظهر محمد صالح ان موازنة 2018، تحمل إرثا منذ عشر سنوات وليومنا هذا، فهي “ريعية نفطية”، حيث تبلغ صادرات النفط للعراق الاتحادي 3.888 مليون برميل يوميا. وتوقع صالح ان تصل الايرادات النفطية الى حوالي 74 تريليون دينار عراقي والإيرادات غير النفطية ، 12 تريليون دينار عراقي، شاملة الضرائب والرسوم والايرادات الرأسمالية ، والايرادات التحويلية ، اي ما تحصل علية الموازنة يقد بـ86 تريليون دينار عراقي مضافا اليه الاقتراض الداخلي والخارجي بحدود 10 تريليونات بحيث تصبح قيمة الموازنة الاجمالية 96 تريليون دينار عراقي ، عدا الديون التي سوف تسدد، وخدمات تلك الديون ( قسط + فائدة ) التي تبلغ نحو10 تريليونات."1) وأشارت في مكان آخر لموضوع مهم أيضاً قولها" "كما اكد صالح إن الخطر في الموازنة يعود الى انه كلما كانت تحقق فائضا بالإيرادات كانت تتوسع بالوظائف والرواتب مما شكل اعباء بمرور الوقت على الموازنة مشيرا الى صعوبة التخلي عن هذا التوسع، فعندما تتعرض لازمة مالية، المشكلة هنا كيف توفر استدامة مالية صحيحة، فعندما هبطت اسعار النفط حوالي 67%  عن معدلاتها التاريخية ، حاول العراق جاهدا زيادة كمية المنتج النفطي حوالي 30% لتعويض ذلك الهبوط الكبير في الاسعار، لكن دون جدوى، اذ كانت الفجوة كبيرة، فتحول العجز الافتراضي الى عجز حقيقي، فعندما تسعر الموازنة على 80 دولارا، كان العراق يبيع 103 دولارات ، وحين تسعر او تبنى الموازنة على سعر برميل النفط 53 دولارا، ونبيع ب43 دولارا."2) كما تشير شذى خليل إلى ذلك حين كتبت ما يلي: "وبيَّنَ صالح إن من النقاط المهمة في الموازنة التي يجب الإشارة إليها، هي الموازنة الاستثمارية ، التي لا تقر الا في الشهر السابع من السنة ، فمنذ 10 سنوات لم تنفذ المشاريع الاستثمارية، لكونها تقدم دون دراسة جدوى ، او تكون مستعجلة ، او تقدم بأسعار مبالغ فيها، او غير معروفة بشكل صحيح ، وتمس الحياة الاقتصادية بشكل عام ، لكنها مشكلتها انه لا يوجد فيها ترابطات بالاقتصادات اي ضعيفة، وهذا النمط من التنمية افرزته الفوائض بالإيرادات."3) وهي كما يرى القارئ والقارئة تشخيصات مهمة وصائبة وصريحة كعادة الدكتور مظهر محمد صالح. ومن هنا يمكن القول أيضاً بأن العراق ما يزال وسيبقى بعيداً عن وضع استراتيجية تنموية مستدامة ما دامت القوى الحاكمة طائفية محاصصية وكنظام سياسي فاسد ولا يعود لحضارة القرن الحادي والعشرين.       
إن وضع استراتيجية تنموية للاقتصاد والمجتمع والثقافة والتعليم والبيئة بالعراق تنسجم مع متطلبات تنظيف وحماية البيئة العراقية يتطلب:
أولاً: وجود حكومة عراقية وطنية، لا ترطن على حسب قول شعلان أبو الچون، حكومة تلتزم بمبدأ الوطن والمواطنة الواحدة والمتساوية ولا تخضع للهويات الفرعية، التي إن أخذ بها ستكون قاتلة، كما هو عليه الوضع بالعراق حالياً، حكومة ديمقراطية تلتزم بدستور ديمقراطي حضاري يفصل بين الدين والدولة وبين السلطات الثلاث واستقلال القضاء، دولة ديمقراطية علمانية حديثة، وذات قرارات سياسية واقتصادية واجتماعية مستقلة وواعية لمبدأ السيادة الوطنية. وهي مستلزمات وشروط غائبة عن العراق منذ عقود.
ثانياً: وجود أحزاب سياسية تتميز بالديمقراطية والحداثة وبعيداً عن الطائفية السياسية والشوفينية والتعصب الديني إزاء الآخر. وهو العنصر الغائب عن أغلب الأحزاب التي يؤلف ممثلوها المجلس النيابي والحكومة والهيئات المستقلة والقضاء العراقي.
ثالثاً: أن تساهم النقابات ومنظمات المجتمع المدني والرقابة الشعبية والإعلام والشعب عموماً دورها الرقابي على الدولة وسلطاتها الثلاث، وهي ليست غائبة فحسب، بل ومقموعة عملياً ومحاربة بالرزق وفرص القيام بالمهمات التي يفترض أن تكون مناطة بها.
رابعاً: أن تتوفر لدى واضعي استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية معرفة دقيقة وشاملة بإمكانيات العراق المادية وطاقاته البشرية والقدرة على الاستفادة منها فعلياً من جهة، والمشكلات التي يعاني منها العراق في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والبيئية والنفسية، وعلى المستويات الداخلية والإقليمية والدولية من جهة ثانية، ومتطلبات وحاجات الاقتصاد والمجتمع ذات المدى القريب والمتوسط والبعيد، من جهة ثالثة، وأدوات وسبل الوصول إلى تحقيق مثل هذه الاستراتيجية بصورتها العامة والتفصيلية من جهة رابعة، كما يفترض أن يعي العراق بأنه جزء من هذا العالم المعولم لكي يتوقع الكثير من الإشكاليات على المستويين الإقليمي والدولي وأن يتحرى عن إمكانيات وسبل وأدوات الاستفادة من العلاقات الاقتصادية الدولية وفهم دورها وتأثيرها على الاقتصاد والمجتمع بالعراق والاستفادة من جوانبها الإيجابية وتدارك جوانبها السلبية.
فهل مثل هذه المستلزمات أو الشروط متوفرة بالعراق؟ لا شك بوجود عناصر مدركة لكل هذه المستلزمات وغيرها، ولها القدرة على وضع استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، ولكنها ليست في تلك الأحزاب السياسية الحاكمة ولا في النخب الحاكمة التي تمثل تلك الأحزاب، بل هي في الغالب الأعم مغيبة قصداً، كما ليست من غاية الماسكين بزمام الحكم وأحزابهم الإسلامية السياسية تحقيق التنمية الفعلية، وهو ما برهنت عليه القوى الحاكمة منذ العام 2004 حتى الوقت الحاضر.
إن أهداف استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ظروف العراق الملموسة تتلخص في التلاحم الديالكتيكي بين السياسة والاقتصاد على وفق المنظور التالي:
1.   إجراء تعديلات جوهرية على الدستور العراقي بما يبعد عنه خمس مسائل جوهرية: أ. العقلية الطائفية والشوفينية التي وضعته وحددت معالمه البارزة، ب. أجراء تغيير مناسب بحيث يُبعد عن الدستور تلك المواد التي تعتبر حمالة أوجه من أجل تكريس مبادئ الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان، وحقوق القوميات، والمساواة في حقوق أتباع الديانات والمذاهب، وعلمانية الدولة، والفصل التام بين السلطات الثلاث واستقلال القضاء والهيئات المستقلة والإعلام، ورفض وجود أحزاب على أسس دينية وطائفية وعنصرية، والنص على وضع قانون ديمقراطي للانتخابات العامة والمحلية والنزاهة في إجرائها، إضافة إلى تنظيم استفتاءات شعبية لقضايا جوهرية تمس أمن وسلامة البلاد، ج. النص على المساواة التامة بين الإناث والذكور ورفض أي تمييز أو تهميش أو إقصاء لها في جميع وظائف الدولة دون استثناء، د. إرساء الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث على أسس الدولة الاتحادية واللامركزية والفيدرالية الكردستانية وتنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمجالس المحلية بقوانين ديمقراطية حديثة، هـ. رفض استخدام القوة والعنف في حل المنازعات الداخلية ومعالجتها على أساس التفاوض الديمقراطي والسلام، وتأكيد رفض ومحاربة الإرهاب والفساد السائد بالبلاد.
2.   سبل معالجة مشكلات النزوح والهجرة المستمرة من العراق لا للناس الاعتياديين فحسب، بل وللكفاءات العلمية والفنية والمهنية والخسارة الهائلة لقدرات العراق وطاقاته الفكرية والعلمية بسبب الصراعات الطائفية والتمييز الديني والمذهبي، وبسبب ما حل بالناس من علل نفسية وعصبية واجتماعية وبيئية متفاقمة، وسبل إعادة إعمار العراق، ولاسيما المناطق التي سقطت تحت حكم تنظيم الدواعش المجرم.       
3.   التخلص من الطابع الريعي للاقتصاد العراقي، حيث يشكل اقتصاد النفط الخام المصدر ما يتراوح بين 90-95% من إجمالي إيرادات العراق السنوية.
4.   التخلص من القطيعة الفعلية القائمة بين اقتصاد النفط العراقي وبقية القطاعات الاقتصادية العراقية كالصناعة التحويلية والزراعة والصناعات الصغيرة المحلية والتجارة الداخلية والخارجية والتربية والتعليم والبحث العلمي.
5.   أن يتم التوجه صوب وضع استراتيجيات فرعية ضمن الاستراتيجية العامة للتنمية الصناعية والتنمية الزراعية والتجارة والطاقة والنقل والاتصالات والماء والصحة والسكن ...الخ، كأجزاء مهمة وحيوية ومتشابكة من استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتعليمة والبيئية الشاملة والمستدامة.
6.   أن تجري الموائمة بين التقنيات الحديثة التي يراد إدخالها وبين القدرات الفنية والمهنية لاستخدامها الفعلي والسعي لتطويرها المستمر بما يحقق رفعاً لإنتاجية العمل وتقليصاً للتكاليف وتحسيناً للنوعية.
7.   أن يأخذ قطاع الدولة الاقتصادي في ظروف العراق الملموسة الدور القيادي في عملية التنمية، مع أهمية وضرورة تنشيط وتوفير مستلزمات تطوير دور القطاع الخاص واستثماراته في القطاعات الإنتاجية والخدمات، وكذلك القطاع المختلط ضمن المنظور الاستراتيجي للتنمية المستدامة، إضافة إلى إمكانيات الاستفادة من القطاع الأجنبي ضمن المنظور ذاته ومع الحاجات الفعلية للبلاد.
8.   وضع استراتيجية لخلق فرص عمل ومكافحة البطالة المكشوفة والمقنعة، بما يسهم على استيعاب الزيادات السنوية في القوى العاملة العراقية، إضافة إلى وضع استراتيجية تسهم في تغيير الوجهة الخاطئة في التعليم والاهتمام بالدراسات الفنية والمهنية بالارتباط مع مهمات التنمية الاقتصادية.
9.   سبل أشراك المرأة في العمليات الاقتصادية والاجتماعية لما لهذا العامل من تأثير متنوع الجوانب على الاقتصاد والمجتمع والمساواة التامة في حقوق وواجبات والموقف من المرأة والرجل. 
10.   استراتيجية تطوير البحث العلمي والعلاقة بين الجامعات والكليات والمعاهد والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. 
11.   كما لا بد من تأمين العلاقة الديالكتيكية بين مهمات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها التربوية والتعليمية والثقافية والبيئية من جهة، والسياسات المالية والنقدية، وعلى وجه الخصوص، الموازنة العامة والنظام الضريبي والجمارك، والنظام المصرفي، ونظام التأمين بتنوعاته، من جهة أخرى،4) إذ أن السياسات المالية والنقدية هي الأدوات التنفيذية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.. الخ. 
12.   ويبقى الهدف البارز والمميز لاستراتيجية التنمية لحكومة وطنية ديمقراطية حكيمة بالعراق هو تحقيق الازدهار والعدالة الاجتماعية لأبناء وبنات الوطن الواحد.
13.   أن تتجلى هذه الاستراتيجية التنموية الشاملة والمستدامة في خطط خمسية وسنوية للتنمية على وفق الجدوى الاقتصادية والاجتماعية في المجالات والمستويات كافة، وتأمين الرقابة المتعددة الجوانب على مستوى التنفيذ، مع اعتماد مبدأ التكريم للمنجزات الجيدة ومحاسبة المقصرين في أداء المهمات.   
14.   وأخيراً وليس أخراً أن يأخذ العراق باقتصاد السوق الاجتماعي والذي نعني به ما يلي:
لا بد للعراق أن يأخذَ، في مرحلة تطوره الراهنة ولمدى طويل لاحق، بنظام اقتصاد السوق. ولكن أي اقتصاد سوق يحتاجه العراق وما هي مواصفاته؟
أقف في هذه المرحلة مع اقتصاد السوق الذي يجمع بين الحرية النسبية والمشاركة الحكومية الواعية والمنظمة والواسعة في التنمية، إضافة إلى تنشيط الرقابة الحكومية والشعبية، وكذلك مع مجموعة من المسائل الاجتماعية التي تحد من الاستغلال الرأسمالي، على وفق المنظور اللبرالي، الذي يمارس من جانب القطاعين الخاص والحكومي، وتلك التي تخفف من التناقضات الطبقية وتسيطر على الصراعات الاجتماعية وما يمكن أن ينجم عنها من صراعات سياسية ولكيلا تتحمل إلى نزاعات تتميز بالعنف واستخدام القوة. وقد أطلق الألمان منذ ستينيات القرن العشرين اسم "اقتصاد السوق الاجتماعي" في فترة حين كان لودفيگ ايرهارد مستشاراً بألمانيا الاتحادية، والذي أطلق عليه أبو "المعجزة الاقتصادية" حينذاك، وهي بخلاف نسبي مهم عن اللبرالية وأكثر اختلافاً عن اللبرالية الجديدة المتوحشة في إطار اقتصاد السوق التي تتسبب في تشديد استغلال الطبقة العاملة بمفهومها الواسع والحديث وعموم الفئات الكادحة.5) لهذا اقترح في ظروف العراق الملموسة والمستقبلية القريبة والمتوسطة أن يؤخذ بمفهوم "اقتصاد السوق الاجتماعي" الذي يستند إلى عدة أركان أساسية، منها بوجه خاص:
أ) إعطاء دور متميز وفعال ورئيسي للقطاع العام والعمل على بلورة دوره الاقتصادي وتطوير إدارته والقوى المنتجة فيه وتشجيعه ودعمه وتوفير مستلزمات نجاحه. كما يفترض أن يلعب دوره المحتكر لقطاع النفط الاستخراجي والتكرير ومشروعات البنية التحتية، بما فيها قطاع الكهرباء والماء، كما يشارك بفعالية وروح تنافسية لإقامة مجموعة من الصناعات التحويلية ذات الأهمية الفائقة للاقتصاد الوطني والمجتمع والتي يصعب على القطاع الخاص النهوض بها وتحمل مسؤولية الاستثمار الكبير فيها مثلاً.  ويتطلب هذا الدور الاقتصادي لقطاع الدولة أن يعمل وفق المعايير الاقتصادية والمحاسبية وآليات السوق الاقتصادي في مجال المنافسة ورفع إنتاجية العمل وتقليص تكاليف الإنتاج وضبط الأسعار وتأمين الحوافز الاقتصادية للمنتجين والعاملين في الإدارة والتسوق.
ب) إعطاء دور مهم ومخطط للقطاع الخاص في مجمل العملية الاقتصادية بحيث يستكمل دور القطاع العام ويدخل في التخطيط الاقتصادي والاجتماعي.
ج) تنشيط دور القطاعين المختلط والتعاوني للمشاركة في عملية تنمية معجلة وناجحة وداعمة لنشاط القطاع العام والخاص والمجتمع، وخاصة في مجال الريف والصناعات الصغيرة وذات التقنيات العالية التي يصعب على القطاع الخاص وحده النهوض بها أو يستوجب تجميع المنتجين الصغار في جمعيات تعاونية إنتاجية واستهلاكية.
د) رسم سياسة مالية ونقدية وتأمينية تنسجم وتساهم في تنشيط وتنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تتقرر في خطة الدولة ذات المدى البعيد والخطط الخمسية والسنوية.
هـ) حين يتقرر الأخذ باقتصاد السوق الاجتماعي، عندها يتطلب بشكل خاص:
** إصدار تشريعات لمنع الاحتكار وتشديد الاستغلال تتجلى في تنظيم المنافسة والضرائب التي تستند إلى قاعدة الضرائب التصاعدية على الدخل السنوي المباشر للسكان بدلاً من فرض ضرائب غير مباشرة على السلع والخدمات لا تميز بين الناس على أساس دخولهم السنوية ومستوى معيشتهم.
** وضع حد أدنى للأجور ومساواة بين المرأة والرجل في الأجور للأعمال المماثلة.
**  وضع تشريعات تؤمن الضمان الصحي والاجتماعي وأثناء الشيخوخة أو العجز والرواتب التقاعدية والعطل السنوية وفي حالات المرض أو الحمل...الخ.
**  العناية بقدر أكبر بقضايا العدالة الاجتماعية وحياة وظروف العمال وتحديد ساعات العمل وضمان التأثير الإيجابي على علاقة تناسب سليمة بين الأجور وفائض القيمة …الخ، من خلال نظام الضرائب التصاعدية على الدخل المباشر للفرد.
**  تقديم الدعم الحكومي الضروري ولفترة غير قصيرة إلى بعض السلع والخدمات لضمان حصول الفئات الكادحة والفقيرة على احتياجاتها الأساسية مثل الخبز واللحم والخضروات والفاكهة، على سبيل المثال لا الحصر، أو دعم بعض المنتجات الزراعية التي تواجه منافسة حادة في السوق الدولية لضمان الإنتاج في العراق وضرورة توفي الأمن الغذائي.
هـ) أن تلعب النقابات ومنظمات المجتمع المدني دورها الفاعل في المجتمع وفي النضال من أجل حقوق العمال والمستخدمين والعاملين في الإدارة وفي حل الخلافات بين العمل ورأس المال وغير ذلك.
إننا بذلك نستطيع أن نضمن الكثير من الأسس التي لا تسمح بتشديد الصراع الطبقي أو الصراع بين العمل وراس المال لصالح تعجيل التنمية والاستفادة من كل الطاقات المتوفرة في البلاد. ولتطوير مستمر للعدالة الاجتماعية.
و) لدي القناعة بأن الدول النامية عموماً والعراق على وجه الخصوص لن يكون في مقدوره في المرحلة الراهنة من الناحيتين النظرية والعملية أن يمارس سياسة الباب المفتوح في الاقتصاد، إذ إنها ستعطل عملياً وفعلياً القدرة على تطوير الاقتصاد الوطني وعملية التصنيع وتحديث الزراعة بسبب المنافسة غير المتكافئة. ولهذا فأن ضمان الوصول إلى عملية تنمية فعلية مستدامة ومتطورة تستوجب في المرحلة الراهنة إخضاع التجارة الخارجية لخمسة عوامل أساسية، وهي:
*  وضعها في خدمة عملية التنمية الصناعية والزراعية والتعليمية والثقافية والبيئية..، أي التنمية الاقتصادية والبشرية ومن أجل تحقيق تراكم عقلاني مستمر للثروة الوطنية.
*  الإشباع المناسب لحاجة السوق المحلية للسلع الاستهلاكية وسلع الاستهلاك الدائم مع الاهتمام بنوعية السلع المستوردة.
*  كما يفترض أن تلعب الدولة دور المنظم والمؤثر إيجاباً على حركة وفعل قانون العرض والطلب لضمان استقرار الأسعار وخلق توزان عقلاني بينها وبين الأجور والمدخولات السنوية للأفراد والعائلات من ذوي الدخل الواطئ والمحدود، وخاصة بالنسبة لأكثر السلع أهمية وضرورية لنسبة كبيرة جداً من السكان.
*  تنويع مصادر الدخل القومي من خلال زيادة دور المنتجات الصناعية والزراعية غير النفط الخام والغاز الطبيعي في إجمالي صادرات العراق.
*  السعي لتحقيق التوازن التدريجي في الميزان التجاري العراقي مع الدول المختلفة وبين الصادرات والاستيرادات، والتي يمكن أن تؤثر إيجاباً على ميزان المدفوعات.
كل هذه الأمور غائبة عن الواقع العراقي قبل وبعد إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة وإقامة النظام السياسي الطائفي والمحاصصي بالبلاد. إن الأخذ بمثل هذه الاستراتيجية ستسهم في إقامة رأسمالية دولة ضمن العلاقات الإنتاجية الرأسمالية بالارتباط مع السوق الاجتماعي، الذي لا يماثل بالضرورة وجهة التطور ذاتها في العلاقات الإنتاجية الرأسمالية القائمة بالغرب الرأسمالي ويسمح بدفع البلاد صوب آفاق أكثر التصاقاً بالشعب وحاجاته وطموحاته ومستقبله الزاهر.6)
الهوامس والمصادر
1) راجع: شذى خليل، شرح مفصل لمسودة قانون الموازنة الاتحادية العراقية لسنة 2018، بمنظور اقتصادي..، موقع مركز الروابط للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 05/11/2017.
2) المصدر السابق نفسه.
3) المصدر السابق نفسه.
4) قارن: الدكتور ماجد الصوري، السياسة المالية والسياسة النقدية في العراق، محاضرة ألقيت في مقر الحزب الشيوعي العراقي، نشرت في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ 01/05/2013.
5) ملاحظة: تدعي الحكومة الألمانية قبل الوحدة وبعدها بأنها تمارس نظام اقتصاد "السوق الاجتماعي"،. وفي الحقيقة فأن السياسة الاقتصادية والمالية الألمانية بدأت تمارس النهج النيولبرالي منذ سنوات العقد التاسع من القرن العشرين في فترة حكم المستشار هلموت كول حتى الوقت الحاضر، وهو ضمن العوامل المهمة التي أدت إلى خسارة متلاحقة للحزب الاشتراكي الديمقراطي في عدد المصوتين له في الانتخابات العامة وخسارة المزيد من المقاعد في البرلمان الاتحادي خلال السنوات الخمسة عشرة المنصرمة وبسبب تحالفه مع تحالف الحزبين الديمقراطي المسيحي والاجتماعي المسيحي ومشاركته في حكومة تمارس السياسة النيولبرالية فعلياً. ك. حبيب
6) قارن: أوسكار لانگه، الاقتصاد السياسي، تعريب وتقديم الدكتور محمد سلمان حسن، دار الطليعة-بيروت، ط1، أذار (مارس) 1967.

 

6
كاظم حبيب
مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق
3 - 4
وجهة التنمية تحت وطأة الاحتلال والنظام السياسي الطائفي
بعد إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة سقط العراق تحت الاحتلال الأمريكي – البريطاني، وأصبح بعيداً عن إقامة دولة مدنية ديمقراطية دستورية، وانتهاج سياسة اقتصادية واجتماعية حكيمة، تتسلم الحكم بالبلاد قوى مدنية ديمقراطية بعيدة عن شبهات الطائفية والعنصرية أو الشوفينية والتمييز، تعيد بناء ما هدمته الحروب وتطلق الحريات الديمقراطية وترسي البلاد على أسس دستورية تستجيب لحقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات، دولة علمانية حديثة. ينطلق هذا التشخيص من الواقع القائم بالعراق منذ العام 2003 حتى الآن من جهة، واستناداً على مفهوم الاقتصاد السياسي وواقع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفعلية التي مارستها وما تزال تمارسها الفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية الحاكمة ثانياً، ومن واقع الخبرة والتجربة والحقيقة القائلة بان السياسة والاقتصاد هما وجهان لعملة واحدة ثالثاً. فأغلب الاقتصاديين العراقيين يدركون بوعي ومسؤولية بأن العلاقة بين السياسة والاقتصاد ذات طبيعة جدلية، فهما وجهان متشابكان ومتفاعلان يتأثر أحدهما بالأخر ويؤثر به. بمعنى أخر إن المصالح الطبقية للفئات الحاكمة تتجلى في نهجها السياسي والاجتماعي وفي السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية الممارسة فعلاً في آن واحد. فحين ندرس البرامج السياسية والاقتصادية لهذا الحزب أو ذاك في أي بلد من البلدان، سنجد مصداقية لهذا الإدراك الواقعي لدى أغلب الاقتصاديين حين يؤكدون وجود وحدة عضوية تجمع بين المصالح والأهداف التي تدافع عنها هذه الفئة أو تلك، سواء أكانت في الحكم أم خارجه، وبين السياسات الاقتصادية التي تنتهجها إن وصلت إلى الحكم أو ساندت نظاماً قائماً. ولكنه يتجلى بقوة أكبر حين تكون هذه القوى في السلطة، إذ تكون البرامج في غالب الأحيان استهلاكية وخادعة. كما لا يستبعد حصول فهم خاطئ من جانب هذه الفئة أو تلك لمصالحها الفعلية، وبالتالي فأنها ترتكب أخطاءً سياسية واقتصادية تبعدها عن مصالحها الفعلية، مما يمكن أن يستفيد منها من يعارضها في الحكم. وكان العراق من بين تلك البلدان التي عجزت أغلب أحزابه وقواه السياسية عن فهم مصالحها، وتجلى ذلك في سياساتها الاقتصادية، ولكنها اقترنت بسياسات داخلية وخارجة تتناغم مع تلك الأخطاء التي ارتكبتها في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، في اعتقاد منها إنها في صالحها. وهي في هذا عبرّت عن عدم أو قلة فهم لحركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية أولاً، وعدم تقدير للعواقب التي تترتب على وعن ذلك ثانياً. ومن هنا نلاحظ دأب الرأسماليين في الدول الرأسمالية المتقدمة، بعد أزمة 2008 على الصعيد العالمي، وبعد الفشل الكبير لسياسات اللبرالية الجديدة، على دراسة رأس المال لكارل ماركس، الذي يمكن أن ينفعهم في فهم مجمل العملية الاقتصادية للرأسمالية والسعي لتجنب المزالق الكبيرة التي يمكن أن تقود إلى عواقب وخيمة. ومع ذلك يصعب على الرأسماليين تجاوز جشعهم في تحقيق أقصى الأرباح على حساب العمل الأجير، على حساب المنتجين للثروة الوطنية، مما يقود بالبلاد إلى الأزمات الاقتصادية الدورية أو غيرها. فالقوانين الموضوعية تفعل بمعزل عن إرادة ورغبات الرأسماليين، وحين يتجاوزونها يحصل بالضد لما سعوا إليه. ومهمة دراسة رأس المال لا يحتاجها الرأسمالي فحسب، بل العامل المنتج والفلاح والمثقف التقدمي والشعب عموماً، ليدركوا كيف يمكن مواجهة الرأسماليين وفضح أساليب زيادة أرباحهم على حساب العمل الأجير وتنويع صيغ الاستغلال التي يتعرضون لها وكشف المستور منها لمواجهتها، وتفاقم عذابات عيش المنتجين، ولاسيما في البلدان الضعيفة التطور، حين تمارس سياسات النيولبرالية.   
إن النهج السياسي والاقتصادي لحكومة ما في أي بلد كان، وتجليات ذلك النهج على الجانب الاجتماعي والثقافي والبيئي، قادر، دون أدنى ريب، على كشف طبيعة النخبة أو النخب السياسية الحاكمة أولاً، وعن طبيعة المصالح الطبقية التي تمثلها وتدافع عنها، بالاستناد إلى طبيعة المرحلة التي يمر بها هذا البلد أو ذاك والمهمات التي تستوجبها طبيعة المرحلة.
لقد تشكلت بالعراق منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية والصدامية الغاشمة أربع وزارات ترأسها بالتتابع كل من أياد علاوي وإبراهيم الجعفري ونوري المالكي لدورتين، وحيدر العبادي. وإذ كانت الوزارتان الأولى والثانية قبل وضع دستور البلاد مؤقتة، فأن وزارتي نوري المالكي المتتاليتين قد أقيمتا بعد صدور الدستور الذي صودق عليه في العام 2005، ثم وزارة حيدر العبادي الحالية التي تسلمت السلطة في خريف عام 2014 وبعد إزاحة المستبد بأمره السابق.
يصعب الحديث عن وجود سياسة اقتصادية فعلية تمارسها الحكومات العراقية المتعاقبة منذ العام 2004 حتى الوقت الحاضر. كانت هناك سياسات بدأ بها پاول بريمر دفعت بالعراق صوب النيولبرالية من الناحية التشريعية وإجراءات عملية تمس التخلي عن أي دور لقطاع الدولة الاقتصادي واضعاف دور الدولة في العملية الاقتصادية والاجتماعية، وبلورة سياسة البنك المركزي والسياسة المالية والنقدية للعراق والدفع باتجاه التركيز على اقتصاد النفط الخام والعمل بالوجهة التي تقود إلى خصخصة مشاريع الدولة القديمة أو تجميدها. وقد دأبت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ العام 2004 حتى الوقت الحاضر على السير بذات الاتجاه الذي خطط له ونفذه پاول بريمر. وكان هذا يعني استمرار سمات التخلف في الاقتصاد العراقي والتبعية للاقتصاد الدولي، اقتصاد ريعي واستهلاكي، يشكل مورد الريع النفطي النسبة العظمى من إيرادات العراق المالية ودخله القومي، والابتعاد عن أي توجه جدي وملموس صوب التنمية الإنتاجية، صوب استثمار رؤوس أموال حكومية في قطاع الصناعة وتحديث القطع الزراعي، كما لم تسع إلى توفير مستلزمات فعلية من جانب الدولة لتسهيل مهمة استثمار القطاع الخاص والقطاع المختلط في الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية. وواصلت وزارة النفط العراقية، كجزء من برنامج الدولة التركيز على قطاع النفط الخام وزيادة عدد موجات منح العقود النفطية للشركات العالمية لتحيق زيادة في الإنتاج والتصدير، علماً بأن لم تكن هناك أي خطة لاستخدام تلك الموارد المالية في استثمارات إنتاجية، بل تم نهب، حسب المعلومات المنشورة على الصعيد الدولي والمحلي، القسم الأكبر من تلك الموارد بأساليب وطرق كثيرة. وقد كشف النائب ورئيس اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي المتوفي الدكتور أحمد الجلبي عن النهب والهدر الكبيرين الذي يصل إلى مئات المليارات من الدولارات الأمريكية. فقد جاء في جريدة المدى ما يلي: "نشرت صحيفة "المدى" العراقية وثائق فساد في قضية "مزاد المصرف المركزي"، ضمن ملف كان أعده رئيس اللجنة المالية في البرلمان و"حزب المؤتمر الوطني العراقي" أحمد الجلبي، أكدت أنه سلمها إياه. وجاء في أولى الوثائق المنشورة إن الجلبي كشف في رسالة عبر اللجنة المالية أن "تجاراً حصلوا على بلايين الدولارات من مزاد العملة باستخدام أسماء متوفين."1) وكشفت هيئة النزاهة، الاثنين، أن الأموال المهربة والمتواجدة في الدول المراد استرجاعها بلغت ترليوناً و14 مليون دولار، فيما أشارت إلى وجود بعض المعوقات في موضوع تسلم المتهمين واسترداد الأموال لاختلاف النظم الداخلية".2) وقد نشرت وكالة سومر نيوز معلومات مأخوذة من: "موقع المسلة الإخباري جاء فيها ما يلي: 
"..، وقال الجلبي إن "سبب الانهيار الاقتصادي هو فترة الحكم من سنة 2006 الى سنة 2014 حيث دخل العراق مبلغ 551 مليار دولار والحكومة استوردت ما مجموعه 115 مليار دولار والبنك المركزي باع للبنوك الاهلية كمية 312 مليار دولار، مضيفا ان “هذا المبلغ الذي أهدر (312 مليار دولار) كان بإمكانه بناء الاحتياطي النقدي”. وكشف الجلبي أن “اطرافا سياسية تضغط على البنك المركزي لزيادة مخصصات البنوك بالمزاد لقاء مبالغ وهناك مذكرات داخل البنك المركزي بأسماء هؤلاء السياسيين من مجلس النواب ومن الحكومة”. الراحل الجلبي أطلع موقع “المسلة” الاخباري في وقت مبكر على وقائع هذا الملف وأودع منذ فترة نسخة من محتوياته لدى المؤسسة على أمل البدء بنشر ما يتعلق بهذا الملف في وقت يحدده هو، إذ كان ينتظر مواقف الجهات الأخرى، وبينها المرجعية الدينية العليا في النجف التي كان يتطلع الى الحصول على دعمها لفتح هذا الملف وسواه من الملفات التي تميط اللثام عن النشاطات الخطيرة لمافيا الفساد في البلاد والتي ترتبط بعلاقات وشيجة بمسؤولين كبار في هذه الدولة".3)
وهناك معلومات تشير إلى أن وارادات العراق المالية من صادرات النفط الخام بلغت خلال الفترة الواقعة بين 2004-2014 على النحو التالي:     
"بلغ مجمل إيرادات العراق من تصدير النفط منذ بداية سنة 2004 إلى نهاية سنة 2014، مبلغاً قدره (633,2) مليار دولار. وبين 2006-2014 مبلغاً قدره(579,4)  مليار دولاراً. وبين 2010-2014 بلغت 401,6 مليار دولار، وبمعدل سعر فعلي قدره(96,7)  دولاراً للبرميل الواحد بدلاً من (100) دولار للبرميل الذي افترضته الدراسة".4) فاين ذهبت هذه الأموال؟
وهناك الكثير من المعلومات المنشورة التي تشير إلى رصد مئات المليارات من الدولارات لمشاريع اقتصادية لم تنفذ أو كانت مشاريع "فضائية" حسب المصطلح الجديد الذي يراد به الإشارة إلى مشاريع كاذبة غير موجودة أصلاً، كما هو أمر الفضائيين الذين يتسلمون رواتب دون وجود أي أساسٍ لهم. وهناك معلومات تفصيلية عن غسيل الأموال بالعراق، حيث ورد في تقرير لمنظمة الشفافية الدولية: العراق ضمن الدول الست الأكثر فسادا في العالم.. بعنوان: "غسيل الأموال في العراق، مفاهيم واسرار"، ما يلي:
"وأصبح العراق الملاذ الامن للقيام بجريمة غسل الاموال من قبل المافيات، فضلا عن الاسواق الجديدة التي انشئت في العالم بظل العولمة وليس لها موقع جغرافي يمكن السيطرة علية وتزايد حجم الجريمة الاقتصادية في العالم، واعلان بعض الدول قبولها الاموال غير المشروعة وتقديم التسهيلات لها مقابل فوائد عالية تمكنها من الحصول على ربحية عالية دون رقابة ومساءلة قانونية"5). ثم جاء في مكان آخر من التقرير ما يلي:
"هناك العديد من المصادر التي تصب في وعاء الاموال غير المشروعة ومن أهمها:
*  سرقات المصارف والبنوك بعد احتلال العراق والتي تمثل نسبة عالية في تكوين وعاء غسيل الاموال في العراق.
 * الاموال المتأتية من سرقة الاثار الثمينة وتهريبها، وبيعها في الاسواق العالمية.
*  تهريب النفط ومشتقاته، وتهريب المكائن والآلات والمعدات والمصانع الى الخارج، الغش الصناعي والتجاري بعد انكشاف السوق العراقية وغياب دور الدولة ومؤسساتها، وعصابات السرقات والخطف، والاموال المخصصة لا عادة الاعمار التي تتجه نحو اقامة مشاريع وتقديم خدمات وهمية. وبهذا الصدد يقول النائب رحيم الدراجي، عضو لجنة النزاهة في البرلمان، إن هناك أكثر من خمسة آلاف عقد وهمي، وتسلمت شركات وهمية نسبة تتراوح بين 30 الى 60 % من الأموال استناداً إلى هذه العقود. ويؤكد أن كمية الأموال التي أهدرت في مشاريع بناء وبنى تحتية، على الورق فقط، بلغت 228 مليار دولار، مشيراً إلى أن هذه المبالغ "تطايرت مثل الدخان".6)
*  المتاجرة بالمخدرات والرشوة والفساد الإداري، والتربح من الوظائف العامة، والاموال التي كانت بذمة مسؤولي المالية في بعض مؤسسات الدولة خلال الحرب الاخيرة، والشركات الوهمية".7) ولا بد من الإشارة إلى المليارات من الدولارات الأمريكية التي وجهت خلال السنوت الـ 14 المنصرمة لإقامة مشاريع الطاقة الكهربائية، والتي ذهب الكثير جداً منها هدراً ونهباً، إذ ما يزال الشعب العراقي يعاني من شحة في الطاقة الكهربائية وفي عدم تأمين الكهرباء الضروري للعائلات صيفاً وشتاءً. وتؤكد مصادر الأمم المتحدة والأجهزة الأمنية الكبرى بالعالم إلى أن العراق أصبح محطة مهمة لعبور المخدرات من أفغانستان وإيران إلى الخليج العربي وسويا ولبنان وتركيا. وتلعب عناصر وقوى سياسية وعسكرية ذات نفوذ كبير وميليشيات طائفية مسلحة دور كبيراً في عملية استيراد وإعادة تصدير المخدرات إلى دول الجور، إضافة إلى اتساع قاعدة المتعاطين بالمخدرات بين العراقيين ولاسيما الشباب. وقد اتسعت هذه الظاهرة بسبب الموقف غير العقلاني من بيع المشروبات الكحولية بالعراق، والذي اتسع ولم يتقلص بسبب وجود السوق الموازي الذي تمارسه ذات الجهات المتنفذة. فعلى سبيل المثال ذكر الحاج حسين الغراوي (66 سنة) من البصرة إن جاره الفقير أصبح ثرياً وأكد بأنّه ليس نادماً على العمل في المخدرات فهو لا يجبر أحداً على شرائها. كذلك، أكد أنه ليس خائفاً من المحاسبة، إذ كان يحدثني ونحن في الشارع من دون أن يخفض صوته، وقال لي: اطمئن يا حاج فلن أسجن... هناك من يحميني." 8)
وتشير الكثير من المعلومات إلى إن إيران قد استحوذت على نسبة عالية من المليارات من الدولارات الأمريكية عبر صيغ مختلفة ومنها عبر مزاد العملة، في فترة حكم رئيس الوزراء السابق، لدعم إيران أثناء فترة الحصار الاقتصادي على إيران، وهي كلها ذهبت لإيران دون وجه حق وبطرق غير شرعية ولا بد من التحقيق بما نشر حول هذا الموضوع.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة وجهت موارد مالية كثيرة للحرب الفعلية ضد داعش وخلت الخزينة من الأموال مما راح العراق يستدين من الخارج، إذ لم تكفِ موارد النفط المالية تغطية شرا الأسلحة والصرف على جبهات القتال أو إشباع حاجات السكان للسلع الاستهلاكية، وبالتالي لم تبق موارد مالية لأغراض التنمية، إذا ما اضفنا إلى ذلك استمرار الفساد المالي والنهب الفعلي لموارد البلاد المالية والنفطية. وهذي الحالة لا ولم تقتصر على بغداد وحدها، بل كانت قائمة بأربيل أيضاً.   
الهوامش والمصادر:
1)   راجع: الكشف عن ملف فساد أعده النائب العراقي الراحل أحمد الجلبي، جريدة المدى: في 15/11/2015.
2)   كم تبلغ الأموال المسروقة المهرَّبة إلى خارج العراق؟ وثيقة، موقع وجهة نظر، بتاريخ 02/04/2014).
3)   "وثائق لكشف الفساد، أراد أحمد الجلبي أن يعلنها قبل وفاته بأيام قلائل ..."، بتاريخ 08/11/2015، موقع المسلحة الإخباري.
4)   راجع: فؤاد قاسم الأمير، ملاحظات حول دراسة “الخسائر والهدر في قطاع الطاقة، شبكة الاقتصادين العراقيين في 22/6/2015.
5)   راجع: مركز الروابط للدراسات والبحوث الاستراتيجية، تقرير لمنظمة الشفافية الدولية: العراق ضمن الدول الست الأكثر فسادا في العالم.. بعنوان: "غسيل الأموال في العراق، مفاهيم واسرار"، بتاريخ 05/02/2017.
6) المصدر السابق نفسه.
7) المصدر السابق نفسه.
راجع أيضاً: "تحول من نملة إلى ديناصور".. هكذا أصبح الفساد في العراق منذ إسقاط صدام حسين، تقرير، موقع هاف بوست عربي، بتاريخ 29/12/2017.
8) أدم محمود، المخدرات تجارة محميّة في العراق، موقع العربي الجديد، بغداد، بتاريخ 16/11/2016.


7
كاظم حبيب
مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق
(2 - 4)
وجهة التنمية في عقود حكم القوميين والبعثيين اليمينيين والشوفينيين
لقد توقفت عجلة السير صوب إنجاز مهمات الثورة الديمقراطية البرجوازية بالبلاد لأسباب كثيرة منها محلية وأخرى عربية إقليمية، إضافة إلى العوامل الدولية الفاعلة في تحقيق الانقلاب المشؤوم على الثورة ومهماتها. لقد نجح الانقلاب لأسباب مهمة اقترنت بابتعاد عبد الكريم قاسم عن النهج الديمقراطي في الحكم وتنامي الفردية واتباع سياسات متسرعة وغير مدروسة من جانب قائد الثورة ورئيس الحكومة على صعيد العراق والمنطقة أولاً، والتوجهات المناهضة للثورة من جانب الأحزاب والقوى اليمينية التي قررت التآمر لتغيير النظام القائم ثانياً، كما أن القوى والأحزاب السياسية اليسارية لم تستطع فهم وادراك طبيعة ومهمات المرحلة، والتي تجلت في طرح شعارات غير مناسبة ومتطرفة اججت الصراع مع قيادة السلطة الوطنية ثالثاً، والتي ساهمت بدورها في تنشيط التآمر اليميني الرجعي المحلي والإقليمي والدولي ونجاحه في إسقاط حكومة الثورة. لقد ساعد النهج السياسي في بداية الثورة على البدء بعمليات واسعة لتغيير واقع الاقتصاد العراقي، ولكنها تعرقلت بعد أن تبدلت هذه السياسة صوب الفردية والنظرة الذاتية ومحاولة إثارة مشكلات خارجية لإخفاء الصراعات والمشكلات الداخلية المتفاقمة، بالرغم من النهج الوطني العام لسياسة قاسم، لقد تعرقلت مسيرة التصنيع والإصلاح الزراعي وعُطلت تماماً بعد إسقاط النظام الوطني عام 1963. وقد مورست سياسة همجية ضد الشيوعيين والديمقراطيين من مؤيدي قاسم وعموم القوى اليسارية والتقدمية، إذ اعتقل الآلاف من المناضلين وقتلت جمهرة مقدامة منهم داخل السجون وتحت التعذيب وفرط بالكثير من المنجزات التي تحققت في ثورة تموز. ولم يحص النظام سوى تأييد القوى الإمبريالية التي تآمرت على الجمهورية وساندته في الكشف للحكم البعثي-القومي عن المعلومات التي جمعتها أجهزة الاستخبارات الأجنبية، ولاسيما الأمريكية والبريطانية، عن بيوت وأسماء الشخصيات الشيوعية والديمقراطية العراقية التي لاقى أغلبهم مصرعه على أيدي الانقلابيين. وسرعان ما انقلب الحكام البعثيون والقوميون على حليفهم في إسقاط قاسم، على الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيسه الملا مصطفى البارزاني والقوات المسلحة الكردية (الپيشمرگة).
ورغم إسقاط نظام البعث وقيام نظام سياسي يمثل القوى القومية في خريف عام 1963، إلا إن سياسات نظام الحكم القومي الاقتصادية والاجتماعية قد ارتبطت بالمصالح الاقتصادية للفئة التجارية الكبيرة والمتحالفة مع مجموعة من العسكريين المتقاعدين أو العاملين في القوات المسلحة التي وقفت بعناد ضد التنمية والتصنيع، رغم وضعها الكثير من الخطط الاقتصادية التي لم تنفذ فعلياً، ولكنها نشطت لتحقيق زيادة مستمرة في استخراج وتصدير النفط الخام للحصول على المزيد من الإيرادات المالية التي لم توجه للتنمية الفعلية، بل عمقت تلك السياسة  التشوه في بنية الاقتصاد العراقي لصالح اقتصاد النفط الخام. وخلال هذه الفترة استعاد كبار الملاكين نفوذهم وهيمنتهم ثانية على الأرض الزراعية بشكل مباشر وغير مباشر، رغم التخفيف النسبي من الاضطهاد السياسي. وبعد مرور خمس سنوات على وجود القوميين اليمينيين في حكم البلاد، عجزوا عن إجراء أي تغيير ملموس في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فسمح الوضع بتنامي محاولات الإطاحة بالنظام من جانب قوى عديدة. وأمكن تنظيم انقلاب من داخل القصر وقادة الحرس الجمهوري والاستخبارات العسكرية وبالتعاون بين اتباع حزب البعث وبعض القوى القومية المرتبطة بالمخابرات الأجنبية، ولاسيما الأمريكية. فعاد البعثيون من جديد إلى السلطة ببغداد في 17 تموز/يوليو 1968.
وفي فترة البعث الثانية هيمن على حكم البلاد نهج سياسي قومي يميني متطرف بأبعاد جديدة غير مسبوقة في السياسة العراقية، انعكست بشكل واضح في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي العلاقات العربية والإقليمية والدولية. فماذا كانت مفردات هذا النهج على المستويين الداخلي والخارجي؟ يمكن تكثيفها بما يلي:
1.   اعتبار العراق قاعدة انطلاق لإقامة الدولة العربية الموحدة، واستخدام كل الوسائل والأساليب والأدوات المشروعة وغير المشروعة لفرض الوحدة.
2.   استخدام إيرادات الثروة النفطية العراقية لتأمين تحقيق هذا الهدف من خلال مجموعة من المهمات المباشرة وأبرزها: بناء دولة قومية ينفرد حزب البعث بقيادتها بشكل مطلق؛ اصطفاء قائد يلعب دوره في تحقيق السلطة المطلقة للبعث وللقائد مباشرة، والتخلص من أي منافس ومعارض له؛ بناء جيش عراقي كبير، قوى ومسلح تسليحاً عسكرياً بقدرات دفاعية وهجومية عالية؛ ولتحقيق هذا الهدف اعتماد: إقامة صناعة عسكرية واسعة ومتنوعة وحديثة داخل البلاد، وتنشيط عملية استيراد السلاح المتنوع والحديث على أوسع نطاق ممكن، والعمل على توفير مستلزمات إنتاج الأسلحة المحرمة دوليا، الكيماوية والجرثومية والنووية.
3.   إن تحقيق هذه المهمات يستوجب تأميم الثروة النفطية وزيادة الموارد المالية عبر التوسع باستخراجه والتحري عن آبار جديدة لزيادة حجم صادرات النفط الخام سنوياً لتكون في خدمة إنجاز هذه المهمات، إضافة إلى توسيع الطاقة الإنتاجية لمصافي النفط العراقية.
4.   الاهتمام بالصناعات التحويلية التي تساهم في تنويع مصادر الدخل القومي وتخدم تأمين الأمن الغذائي للبلاد، إضافة إلى إيلاء اهتمام خاص بالمشاريع الإنشائية والصناعة العسكرية والتعجيل بإقامة مشاريع البنية التحتية، بما في ذلك الطاقة والنقل والمواصلات الحديثة والاتصالات.
5.   الانطلاق من رأي يقول بأن الحق والقوة صنوان لا يفترقان، فالحق لا يصان والضائع منه لا ينتزع إلا بالقوة، والقوة هي السبيل لانتزاع الحق والحفاظ عليه، ومن يمتلك القوة يمتلك الحق أيضاً.
6.   الانفراد بالسلطة المطلقة غير كاف لتحقيق ما يسعى إليه البعث، بل لا بد من تصفية كل المنافسين والمعارضين له في الحكم والناقدين لنظامه وسياساته من الأحزاب والقوى السياسية الأخرى بكل السبل المتوفرة بما في ذلك ممارسة العنف والتصفيات الجسدية على أوسع نطاق ممكن، ومن هم في الخارج أيضاً. وفي البدء يمكن استخدام الجزرة والعصا، ولكن في المحصلة النهائية لا بد من أن تكون العصا هي السبيل المفضل لفرض المنشود.
7.   احتكار أجهزة ووسائل الإعلام الحديثة وتطويرها لتكون أداة فاعلة ومؤثرة على المستويات الداخلية والعربية والدولية لخدمة أهداف البعث، واستخدام الموارد المالية لكسب المساندين في الداخل والخارج.
8.   وجود قناعة تامة بأن ليس هناك في العالم من لا يمكن شراؤه، سواء أكان شخصاً أم عشيرة أم حزباً أم دولة، ولا بد من استخدام الثروة المتوفرة لهذا الغرض.
9.   بناء أجهزة أمنية حديثة بتقنيات حديثة وعناصر ذكية ومتمرسة وذات خبرة عالية تكتسب عبر الدورات والتدريبات لدى أجهزة أمنية أخرى حيثما وأينما أمكن لتكون الأداة الضاربة لتصفية المعارضين أينما كانوا لحماية النظام والقائد الضرورة. وقد شكل حزب البعث خمسة أجهزة أمنية عراقية يراقب بعضها البعض الآخر وكلها تراقب الشعب وقواه السياسية في الداخل والخارج، ووضع السفارات العراقية في خدمة الأجهزة الأمنية.
10.    مغازلة العالم الشرقي والغربي بشتى السبل الممكنة، بما في ذلك عبر الموافقة على منحهم إقامة مشاريع اقتصادية وعسكرية وخدمية بسخاء كبير وبتمويل عراقي مباشر، بهدف شراء تأييد أو سكوت تلك الدول على سياسات النظام الداخلية والخارجية والحصول عل التقنيات المطلوبة للقوات المسلحة العراقية.
11.    لقد وضعت في فترة الحكم القومي وحكم البعث الثاني الكثير من "الخطط الاقتصادية" التي توفرت فيها عناصر مهمة لو تحققت فعلياً لكان العراق في مصاف بعض الدول النامية المتقدمة في أمريكا الجنوبية مثلاً. إلا أن أربعة عوامل أساسية وقفت ضد التخطيط والخطط الاقتصادية التي وضعها اقتصاديون محترفون تميزوا بالعلمية والإمكانية والخبرة الممتازة: 1) غياب كامل للحريات والحقوق الديمقراطية وهيمنة الاستبداد الفردي والتسلط على جميع مجالات الحياة بالعراق، والاستعداد الكامل لممارسة جميع أشكال الاضطهاد والقمع والقتل والتشريد والتهجير والتعريب؛ 2) انعدام الرؤية الواقعية وهيمنة الانتقائية والرغبة الجامحة في دفع البلاد بوجهة محددة وترك الخطط جانباً، 3) توفر الموارد المالية بكميات كبيرة جداً، إذ انهمرت كالمطر من قطاع النفط الاستخراجي، فأعمت بصر وبصيرة الحكام وأغرتهم بسلوك اتجاهات خطيرة في الحياة السياسية وضد من تحالف معهم خطأً، حتى صرح طه ياسين رمضان " نملك المال ونريد الأحسن"، بغض النظر عن إمكانية الاستفادة الفعلية من الأحسن أم لا، ومورس هذا النهج بانتقائية فجة ومؤذية ومفرطة بالأموال وتحت شعار "التنمية الانفجارية"، 4) الاستعداد بخوض الحروب الداخلية والخارجية لتحقيق الأهداف الكبيرة التي حددها البعث بعد وصوله إلى السلطة وبدعم من القيادة القومية التي ترأسها ميشيل عفلق. وبذلك أقيمت بالعراق دولة بوليسية إرهابية ذات ذهنية وأهداف توسعية بكل معنى الكلمة ونشرت العسكرة والتسلح والاستعداد للحرب في كل البلاد، وتحركت لتحقيق الأهداف غير الواقعية، حين خلال للنظام وقائده الحكم المطلق دون منازع، والتي قادت إلى العواقب الكارثية التي ما يزال العراق يعاني منها.
كانت تجليات هذه السياسيات السلبية صارخة بسلبياتها على وجهة التنمية وواقع الاقتصاد العراقي وعلى مستوى حياة ومعيشة الفرد والمجتمع، ومن ثم الحروب والدمار والخراب والحصار والمجاعة والموت التي تعرض لها الشعب على مدى أكثر من ثلاثة عقود. لقد كان نهج الحكم السياسي هو الموجه للسياسة الاقتصادية والاجتماعية والمعبر عنها خير تعبير، والتي تبلورت في عواقب تلك السياسات على الاقتصاد والمجتمع.
لقد أمكن بناء مشاريع صناعية مهمة وحيوية وكثيرة نسبياً بالعراق، منها الصناعات البتروكيماوية والغزل والنسيج والسجاد، والمشروبات والأغذية وصناعات إلكترونية تركيبية، وصناعات إنشائية ومصافي النفط، وتحديث المنشآت النفطية...إلخ، رغم الكلفة المالية العالية. وكان في مقدرو العراق أن يتجه وجهة سياسية أخرى لينشر الخير العميم بالعراق وليعم بخيره على الجيران، إلا أن العكس هو الذي حصل، فلم يكن العراق وحده ضحية سياسات الحكم العراقي، بل الجيران أيضاً، والتي تحملت مع العراق خسائر مالية ومادية، اقتصادية وحضارية وبيئية كبيرة جداً. لقد أتت الحروب الداخلية والخارجية المتتالية على مئات الآلاف من البشر وعلى أغلب تلك المشاريع الصناعية والخدمية.
يشير بعض الاقتصاديين البرجوازيين بالعراق وخارجه إلى أن حزب البعث في فترة حكمه الثانية قد انتهج سياسة "اشتراكية" لبناء الاقتصاد والمجتمع، بسبب اعتماده المركزية في التخطيط وقطاع الدولة الاقتصادية. وهو تشويه متعمد لعملية التخطيط ولدور الدولة الاقتصادي، رغم إدراك وهؤلاء جميعاً دون استثناء بأن النظام السياسي العراقي في فترة حكم البعث على امتداد الفترة الواقعة بين 1968-2003 قد سعى إلى تحقيق هيمنة الدولة المستبدة والقاهرة والجائرة على الاقتصاد العراقي وموارد البلاد المالية لفرض هيمنته السياسية والاجتماعية والثقافية والتحكم بحياة ومعيشة الفرد والمجتمع أولاً وقبل كل شيء، وليس انطلاقاً من فكرة العدالة الاجتماعية، وملكية المجتمع لوسائل الإنتاج، بل ملكية الدولة الرأسمالية الريعية والاستهلاكية الضعيفة والتابعة للرأسمال العالمي، وكان خاضعاً لمشيئتها استيراداً وتصديراً ووجهة التطور الاقتصادي ايضاً. لم تكن السياسات التي مارسها صدام حسين وحزبه سوى ذات السياسة "الاشتراكية الوطنية!" التي مارسها هتلر بألمانيا، ولكن على مستوى التبعية للرأسمال الأجنبي من خلال انكشافه على الخارج تصديراً (النفط)، واستيراداً (السلع المصنعة). لقد كان هم النظام حينذاك، كما عبر عن ذلك رئيس اللجنة الاقتصادية لمجلس قيادة الثورة بعد صدور قرارات المؤتمر الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1974 وصدور قرار انتهاج "التنمية الانفجارية"، إنهم يسعون إلى إقامة دولة رأسمالية عصرية نموذجية تجلب لها بقية الدول العربية! وفي الواقع فأن تلك السياسات دفعت ساهمت بنشوء الدولة الشوفينية والإرهابية الهمجية على المستويين الداخلي والخارجي!


8
كاظم حبيب
مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق
المدخل: الصراعات الفكرية والسياسية حول وجهة التنمية
1-4
خلال العقد السادس من القرن العشرين نُشر الكثير من الأبحاث والدراسات والكتب حول موضوعات التنمية والنماذج الاقتصادية المناسبة للبلدان النامية عموماً، والعراق خصوصاً، شاركت فيه نخبة متقدمة من الكتاب والباحثين الاقتصاديين. وتبلور هذا النقاش أكثر فأكثر في أعقاب ثورة الرابع عشر من تموز 1958، حيث تولى اقتصاديون عراقيون بارزون مهمة خوض هذا الحوار والكتابة والنشر من جهة، وتطبيق ذلك في الممارسة العملية، ولاسيما في السنة الأولى والثانية من ثورة تموز. وقد استمر هذا النقاش ليشمل العقدين السابع والثامن من القرن ذاته. ويمكن أن نلاحظ ذلك في كتابات العالم الاقتصادي المميز والفقيد الدكتور محمد سلمان حسن، وفي الجانب النظري والتطبيقي أستاذ التاريخ والنظرية الاقتصادية العلامة والاقتصادي الكبير الفقيد الأستاذ إبراهيم كبة، الذي أصبح وزيراً للاقتصاد لفترة قصيرة في حكومة الثورة الأولى.
وبحدود منتصف الستينيات من القرن العشرين انتشرت بين القوى اليسارية، الاشتراكية والشيوعية والتقدمية، الموضوعة التي أطلقها المؤتمر الحادي والعشرون للحزب الشيوعي السوفييتي القائلة بوجود طريق خاص يمكن أن تسلكه الدول النامية لتجاوز الرأسمالية، وأطلقت عليه طريق التطور اللارأسمالي، والذي كان قد ورد في بعض كتابات لينين أيضاً من جهة، كما تبلورت نظرية السوق الاشتراكية في إطار الاقتصاد والتخطيط الاشتراكي للعلامة الاقتصادي البولوني أوسكار لانگة، الذي اختلف في رؤيته النظرية للاقتصاد الاشتراكي عن غالبية الاقتصاديين السوفييت المسؤولين عن رسم السياسة الاقتصادية للاتحاد السوفييتي وتأثيراتها على بقية دول مجلس التعاضد الاقتصادي، التي كانت تتنكر لدور السوق وقوانينه من جهة أخرى. وقد لعب الدكتور محمد سلمان حسن بترجمته كتاب أوسكار لانگة، الجزء الأول واستكماله الجزء الثاني، دوره في نشر أفكار أوسكار لانگة لا بالعراق فحسب، بل وبالدول العربية أيضاً. ومن جانب آخر سادت بالعراق قبل وبعد ثورة تموز 1958 نظريات اقتصاد السوق الحر، أو النظرية الرأسمالية اللبرالية بمختلف مدارسها، لدى مجموعة غير قليلة من الاقتصاديين اللبراليين العراقيين، ولاسيما ذات الاتجاه والنزعة القومية العروبية والجماعات المحافظة، ولدى الفئات البرجوازية المتوسطة والصغيرة. وبرز في هذا المجال العديد من الاقتصاديين العراقيين منهم الدكتور محمد عزيز، والدكتور عبد الرحمن الحبيب، والدكتور عبد المنعم السيد علي، والدكتور خير الدين حسيب، والدكتور محمد جواد العبوسي، وكذلك العديد من العاملين في وزارتي التخطيط والاقتصاد حينذاك وفي كلية الاقتصادي وجامعة بغداد. وكان الدكتور خير الدين حسيب هو المبادر لطرح فكرة "الاشتراكية العربية" بالعراق حينذاك، وكان عضوا قيادياً في حزب الاتحاد الاشتراكي الذي تأسس في العام 1964 وترأسه رئيس الجمهورية عبد السلام محمد عارف، وتبنتها القوى القومية العربية وقوى البعث أيضاً، كما كان المبادر لطرح فكرة إجراءات التأميم لعام 1964 وتنفيذها فعلاً. علماً بأن مجموع رؤوس أموال المشاريع الصناعية والتجارية والبنوك والتأمين لم يزد عن 28 مليون دينار عراقي، أو ما يعادل 92 مليون دولار أمريكي. وكانت الأهداف الفعلية من التأميم هي الوصول إلى ما يلي:
1.   محاولة تبويش السياسة التي كانت تطرحها القوى التقديمة والديمقراطية، ولاسيما الحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية أخرى، في موضوع دور الدولة وقطاعها الاقتصادي والتخطيط الاقتصادي. علماً بأن الحزب الشيوعي العراقي كان يدعو أيضاً إلى تعزيز دور القطاع الخاص والقطاع المختلط في الصناعة لحاجة البلاد إلى المزيد من الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية؛
2.   تنشيط القوى الداعية إلى حل الحزب الشيوعي العراقي والالتحاق بالاتحاد الاشتراكي على الطريقة التي جرت فيها العملية القيصرية بمصر، حيث أجبر الحزب الشيوعي المصري على حل نفسه وبدعم من السوفييت.1) وقد طرح عدد من قادة الحزب الشيوعي العراقي هذه الفكرة حينذاك، ولكنها رفضت من قادة حزبيين آخرين ومن الكوادر والقواعد الحزبية والجماهير المساندة للحزب الشيوعي العراقي. وكان المسؤولون السوفييت أبرز المساندين لفكرة حل الحزب الشيوعي والاندماج بالاتحاد الاشتراكي العربي بالعراق معتمدين في ذلك على موضوعة طريق التطور اللارأسمالي وقدرة البرجوازية الصغيرة على سلوك هذا السبيل. وقد فشل هذا التوجه بسبب إصرار مزيد من الكوادر الحزبية وبعض قادة الحزب لهذا الاتجاه؛
3.   محاولة غير ناجحة للتقرب والتماثل مع تجربة التأميم في جمهورية مصر العربية، حين عمد جمال عبد الناصر إلى تنفيذ إجراءات تأميم واسعة بين 1961-1964، التي ابتدأت بعد فشل الوحدة بين مصر وسوريا، وكأنها محاولة عقوبة وانتقام من البرجوازية المصرية.2) وكان من ضمن أهداف سياسة عبد الناصر الوصول إلى الادعاء بتبني الاشتراكي وإمكانية مسيرة مصر صوب طريق التطور الاشتراكي وبالتالي ليست هناك حاجة لحزب شيوعي مصري. وحين زار والتر أولبرشت، رئيس جمهورية المانيا الديمقراطية حينذاك، مصر في نهاية شباط/فبراير عام 1965 ادعى في خطاب له بأن مصر تسير في طريق الاشتراكية!
4.   محاولة كسر مقاومة القطاع الخاص لسياسات عبد السلام محمد عارف الاقتصادية ونهجه الدكتاتوري، والتي برزت في المذكرات الاحتجاجية التي قدمها الشيخ محمد رضا الشبيبي حينذاك إلى رئيس الجمهورية.3)
5.   ذر الرماد في العيون، وكأن العراق كان يسير حينذاك على طريق تطور جديد صوب الاشتراكية العربية!
وقد ألحقت إجراءات التأميم العراقية أضراراً كبيرة بالاقتصاد العراقي، كما إنها لم تنفع قطاع الدولة، بل قادت الإدارة الحكومية الفاسدة للمشاريع المؤممة إلى خسائر تحملتها خزينة الدولة.
وتصدى الدكتور محمد سلمان حسن حينذاك لسياسات القوميين العراقيين العرب الاقتصادية وهجومهم على سياسات عبد الكريم قاسم الاقتصادية مدافعا بوعي ومسؤولية عن نهج حكومة عبد الكريم قاسم الاقتصادي، الذي وضعه اقتصاديون مرموقون حينذاك وكاشفاً عن الخلل الكبير في سياسات القوميين الاقتصادية اللبرالية التي لا تعبر عن حاجات الاقتصاد والمجتمع العراقي.4) لم يكن هذا الاختلاف نظرياً بحتاً فحسب، بل كان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، إذ كان الصراع الفكري يجسد مصالح طبقية في نهج ووجهة ومضمون النموذج الاقتصادي المنشود للعراق حينذاك.
لم يكن هذا الصراع الفكري حديث العهد، بل برز في الثلاثينيات من القرن العشرين، بين سياسة الحكم الاقتصادية المحافظة التي كانت ترسم عملياً من جانب المستشارين البريطانيين في فترة ما قبل وما بعد الانتداب في العام 1932 مباشرة لتعزيز مواقع البرجوازية الكومبرادورية والشركات التجارية العراقية التابعة لها والعاملة مع الشركات التجارية الأجنبية، وكذلك الحفاظ على مصالح كبار ملاكي ومستغلي الأرض الزراعية التابعة للدولة، وبين القوى الوطنية والديمقراطية العراقية التي كانت تطالب برسم سياسة اقتصادية جديدة للعراق. فمنذ نهاية العشرينات من القرن العشرين (1929) طرحت جمعية أصحاب الصنائع العراقية، برئاسة محمد صالح القزاز، ثم نشرت الأحزاب والقوى الديمقراطية العراقية، تصوراتها حول النهج الذي يفترض أن تمارسه الدولة العراقية لتحقيق تقدمها الاقتصادي والاجتماعي وبناء المجتمع المدني، والتي تمكنت من إصدار قانون حماية الصناعة الوطنية. ويمكن لمتتبعي تاريخ العراق الحديث ملاحظة ذلك في برنامج جماعة الأهالي في العام 1933، ومن ثم في برنامج الإصلاح الشعبي لجماعة الأهالي نفسها، وفي المقالات والكراسات التي أصدرها الحزب الشيوعي العراقي، ومن ثم في برنامجه الذي أقره المؤتمر الوطني الأول في العام 1944/1945، حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي طرحها الحزب الشيوعي العراقي، وتركيزه الدائم على ثلاث مسائل جوهرية هي: أ) الحريات والحقوق الديمقراطية والالتزام بالحياة الدستورية النزيهة، وب) التوجه صوب البناء الاقتصادي، ولاسيما تنشيط القطاعين اصناعي والزراعي والخدمات الإنتاجية، والاجتماعي والثقافي السليم ومكافحة الأمية والبطالة والفقر، وج) وعبرهما يمكن تعزيز الاستقلال والسيادة الوطنية وإلغاء المعاهدات المخلة بهما. وكان الحزب الشيوعي يرى بأن بأهمية التفاعل بين الحرية والديمقراطية من جهة، وتحقيق التنمية وتأمين حصول توازن في البنيتين الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع العراقي ومن جهة أخرى، إذ بدونهما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، تحقيق التقدم وضمان الاستقلال والسيادة الوطنية.5) وإذ لم يتحقق سوى القليل جداً في مجال الصناعة مثلاً قبل الحرب العالمية الثانية، تحسن قليلاً أثناء الحرب لأسباب عديدة، منها حاجة القوات البريطانية المعسكرة بالعراق للسلع الاستهلاكية وتعذر الاستيراد... ومع زيادة حصة العراق في إيراداته النفطية والاتفاق على المناصفة مع شركان النفط الاحتكارية وتشكيل مجلس الإعمار، ومن ثم وزارة الاعمار في العام 1951/1952، وضغط القوى السياسية الديمقراطية، تحقق بعض النتائج الإيجابية المهمة لواقع العراق الصناعي حينذاك، سواء أكان باستقدام خبراء ومؤسسات لتقديم بحوث علمية أو انجاز ونشر دراسات اقتصادية حول سبل تنمية الاقتصاد العراقي، ومنها دراسة "أرثر دي لتل" حول الصناعات البتروكيماوية في العام 1956، والتي لم يؤخذ بها وأهملت تماماً، أو التقارير التي قدمت حول السياسة المالية حينذاك أيضاً. ومع ذلك أمكن إلى حد ما كسر الحاجز السميك المعرقل للتوسع في إقامة صناعة وطنية حديثة بالعراق تابعة لقطاع الدولة وأخرى مختلطة شارك فيها البنك الصناعي والقطاع الخاص، ومشاريع تابعة للقطاع الخاص. لقد اصطفت المجموعة الصغيرة من الإقطاعيين وكبار ملاكي ومستغلي الأراضي الزراعية والفئة التجارية الكبيرة المرتبطة بالشركات الأجنبية وفئة العقاريين بوعي في معارضة التصنيع والتقدم الزراعي وتحقيق الإصلاح الزراعي وتغيير بنيتي الاقتصاد والمجتمع. وقد حظيت هذه القوى بتأييد ودعم واسعين من جانب الحكومات الملكية وشركات النفط الاحتكارية والشركات التجارية الأجنبية المصدرة للسلع المصنعة والمنتجات الزراعية والدول الرأسمالية المتقدمة، ولاسيما بريطانيا. ولم تستطع الحكومات الملكية المتعاقبة، التي كانت تعبر عن مصالح كبار التجار والعقاريين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية، الاستمرار في معارضة التصنيع المحدود نسبياً. ولكنها وقفت ضد أي تغيير في القوانين التي وضعها داوسن في أعوام 1932/1933 في توزيع وتمليك الأراضي الزراعية وما سمي بـ "تسوية حقوق الأراضي الزراعية" لصالح كبار الملاكين. وهي السياسة التي تعرقل بشكل مباشر وغير مباشر تحقيق المزيد من التصنيع بالبلاد. وفي العام 1956 القى رئيس الوزراء العراقي حينذاك نوري السعيد خطاباً مدوياً أعلن فيه أن حل مسألة الأرض تتم فقط حين يموت شيخ ما توزع الأراضي المملوكة له على أبنائه الكثر، وهكذا تحل مشكلة الملكيات الكبيرة للأرض الزراعية وينتهي الإقطاع، ثم هتف "دار السيد مـأمونة"6)، ولم تكن مأمونة! إذ بعد عامين من تلك الصيحة لا غير سقطت الملكية بالعراق.7)
لعبت الطبقة العاملة ونقاباتها والأحزاب الوطنية، ومنها الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي العراقي وحزب الاستقلال وأحزاب ديمقراطية ويسارية أخرى، وجمهرة كبيرة من المثقفين والكتاب الاقتصاديين والسياسيين المستقلين، دورهم الإيجابي في هذا الصدد. وقد نشأت مجموعة من المشاريع الصناعية المهمة والحديثة بالعراق كالمشاريع الإنشائية، ولاسيما السمنت والطابوق، والزيوت النباتية والغزل والنسيج ومشاريع السكر بالموصل والعمارة ومشاريع المشروبات الغازية والكحولية والسجائر وصناعات منزلية...الخ. وقد أنجزت الكثير من البحوث والدراسات ورسائل الماجستير والدكتوراه، خارج العراق، سواء تم ذلك بالدول الغربية، أم بالدول الاشتراكية في أعقاب ثورة تموز، مسحاً مهماً وقيماً عن هذه المرحلة من تاريخ العراق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والتي نشر بعضها باللغة العربية.8)
الاتجاهات التنموية لقوى ثورة تموز 1958
مع انتصار ثورة تموز 1958 وصل إلى السلطة ممثلون يعبرون في نهجهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي عن مصالح فئات البرجوازية الصغيرة والبرجوازية المتوسطة، والتي تجلت في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والقوانين والإجراءات التي اتخذتها والتي تميزت بها تماماً عن تلك التي مارستها حكومات العهد الملكي، رغم إنها قد تعثرت فيما بعد في الممارسة الفعلية. فالقوى الديمقراطية والتقدمية العراقية طرحت رؤية وسياسة ديمقراطية تقدمية استهدفت تسريع عملية التصنيع بالبلاد وتنمية الاقتصاد الوطني بزيادة التوظيفات الحكومية الموجهة للتنمية الصناعية والزراعية والتنمية البشرية وتغيير بنية التربية والتعليم، إضافة ضرورة تنشيط القطاعين الخاص والمختلط. فخلال فترة قصيرة أصدرت حكومة الثورة مجموعة من القوانين والإجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية المهمة، منها على سبيل المثال لا الحصر، اعتبار العرب والكرد شركاء في الوطن الواحد، العراق، الذي ثُبت في الدستور المؤقت للجمهورية العراقية لأول مرة، الخروج من حلف بغداد، الانسحاب من منطقة الاسترليني، قانون الإصلاح الزراعي، قانون العمل والعمال، وقانون الأحوال الشخصية، وإجازة النقابات ومنظمات مدنية اجتماعية أخرى، كما تم وضع خطة خمسية مؤقتة استبدلت لاحقاً بخطة تفصيلية.. إلخ. كل ذلك وغيره جسد الحاجة المباشرة للتنمية الاقتصادية والتركيز على إقامة المشاريع الصناعية وتحرير الأرض والفلاح من هيمنة الإقطاعي وكبار الملاكين بأمل وهدف تغيير بنية القطاع الزراعي وإنقاذ الفلاحين من جور الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية. وكان الهدف من وراء ذلك ضمان ما يلي:
1.   الاستفادة القصوى والممكنة من موارد البلاد المالية لإقامة مشاريع صناعية تساعد على تنويع الدخل القومي وتقليص طابع الاقتصاد الريعي النفطي الاستهلاكي غير الإنتاجي، من خلال توجيه جزء مهم من إيرادات النفط المالية صوب الاستثمار الإنتاجي. "وكانت الخطة الخمسية التفصيلية 1962-1966، التي دخلت حيز التنفيذ اعتبارا من بداية 1962، تحسينا للخطط المؤقتة السابقة في تعقيدها وتنوعها. وحددت الخطة هدفا لمعدل النمو، وحسبت نسبة رأس المال إلى الإنتاج، فاستنتجت أن حجم الاستثمار يجب أن يكون بنسبة 35 بالمائة من الدخل الوطني"9)، كما أشار إلى ذلك الدكتور عباس النصراوي.
2.   الاهتمام الاستثنائي بالتنمية الصناعية والتي بدأت بها الثورة حين وقع وزير الاقتصاد العراقي، الأستاذ إبراهيم كبة، اتفاقية اقتصادية مع الاتحاد السوفييتي لإقامة 28 مشروعاً صناعيا في مدن عراقية عديدة.
3.   العمل على إجراء تغيير في بنية الاستيراد لصالح التنمية الإنتاجية، مع الاهتمام بإشباع حاجة الاستهلاك المحلي من السلع الاستهلاكية التي لا بد من استيرادها.
4.   مكافحة البطالة وتوفير مزيد من فرص العمل في القطاعات الإنتاجية والخدمات المرتبطة بها ومكافحة الفقر وتوزيع وإعادة توزيع أفضل للدخل القومي.
5.   البدء بتوسيع المعاهد الفنية والمهنية لكسب المزيد من خريجي الدراسة الابتدائية والمتوسطة أو الثانوية صوب المعاهد الفنية والمهنية والفروع العلمية والتطبيقية. كما تم إرسال مئات خريجي الثانويات والكليات للدراسة كبعثات وزمالات إلى المعاهد والكليات والجامعات الأجنبية، ولاسيما إلى الدول الاشتراكية. 
6.   ضمان تغيير علاقات الإنتاج المتخلفة والاستغلالية في الريف لتطوير القوى المنتجة وتغيير بنية الزراعة المحلية وربطها بعملة التنمية الصناعية.
7.   وكان قانون الأحوال الشخصية بداية أولية مهمة لضمان تحقيق تغيير إيجابي في مكانة ودور المرأة في المجتمع الذكوري العراقي، والذي رُفض بإصرار تآمري رجعي من جانب المؤسسات والمرجعيات الدينية السنية منها والشيعية على حد سواء.
لقد عرف العراق اقتصاداً نفطياً بتقنيات حديثة وعلاقات رأسمالية متقدمة من جهة، وعلاقات إنتاجية متخلفة في بقية فروع الاقتصاد الوطني العراقي. وكان لهذه الازدواجية في العلاقات الإنتاجية جوانبها السلبية. إلا إن تقليص الجوانب السلبية كان يتطلب توجيه نسبة مهمة من موارد النفط المالية صوب التنمية الإنتاجية، صوب الصناعة والزراعة وتحديثهما بتقنيات متقدمة وتطويعها بما يتناسب ومهمة تطوير مستمر للجانب الثاني من القوى المنتجة، الجانب البشري، لتأمين إحداث تغيير مدروس وعقلاني في بنية الاقتصاد الوطني والبنية الاجتماعية وفي بنية الدخل القومي وفي عملية توزيعه الأولى والثانية، أي في إعادة توزيعه على صورة خدمات للمجتمع، أي الاستهلاك الاجتماعي.   
وكان من المؤمل أن تساهم هذه السياسات والإجراءات البدء بتحقيق تغيير فعلي مهم في البنية الطبقية المتخلفة للمجتمع، تلك البنية التي ارتبطت بوجود علاقات إنتاجية ما قبل الرأسمالية بالريف، علاقات شبه إقطاعية، معرقلة للنمو الصناعي وتطوير الزراعة وتحديث القوى المنتجة فيها وتحرير أعداد كبيرة من الفلاحين وتغيير في وعي الفرد والمجتمع. أي إنها كانت ستساهم في زيادة عدد أفراد الطبقة العاملة الحديثة، ولاسيما في القطاع الإنتاجي أولاً، وزيادة عدد الصناعيين من البرجوازية المتوسطة ثانياً، وتوسيع قاعدة البرجوازية الصغيرة التي يرتبط نشاطها بالقطاع الصناعي العراقي وبالزراعة ثالثاً. كما كان من المؤمل أن يلعب دوراً في تحسين مستوى حياة ومعيشة الناس وزيادة السيولة النقدية في الأسواق العراقية. ولا شك في أن كل هذه المسائل قد ارتبطت بصورة واعية بالجهود الكثيفة التي بُذلت لمحاربة الأمية بالبلاد والتي كانت واسعة جداً، ولاسيما بالريف وبين النساء. وقد اقترنت هذه السياسة الاقتصادية بسياسة مالية ونقدية مناسبة، والتي هي الأخرى لم تستمر طويلاً. وكانت كل هذه السياسات والإجراءات في إطار العلاقات الإنتاجية الرأسمالية وسعي الدولة إلى تحقيق التراكم الرأسمالي المنشود في الصناعة الوطنية وفي تحديث وتنمية القطاع الزراعي. وحتى هذه الوجهة البرجوازية لم تتحملها القوى الإمبريالية والقوى المناهضة لأهداف ثورة تموز الوطنية. فتأمرت ضدها بكل ما تملك من إمكانيات.   
الهوامش والمصادر
1) ملاحظة: حين كنت أعد لرسالة الدكتوراه ببرلين سافرت إلى القاهرة ونظمت لقاءات عدة مع سياسيين واقتصاديين مصريين ومع كبار المحررين في مجلة الطليعة المصرية. ومن بين تلك اللقاءات كان اللقاء المهم مع الدكتور فؤاد مرسي في العام 1965، بعد أن كان قد أطلق سراحه من السجن وعين رئيساً للمؤسسة العامة للسيارات بمصر، وكان قبل ذلك سكرتيراً للحزب الشيوعي المصري وسجيناً، فوافق على حل الحزب الشيوعي المصري والتحاق أعضاء الحزب بالاتحاد الاشتراكي العربي. أشار لي بوضوح وصراحة إلى الضغوط السياسية والنفسية التي تعرض لها الحزب وقادته من أجل حل الحزب، رغم وجود معارضة جدية لهذا القرار، ولكن لعب السوفييت دورهم البارز في ذلك. ك. حبيب.   
2) ملاحظة: في نهاية عام 1967 أنجزت كتاب رسالة الدكتوراه ودافعت عنها في شباط/فبراير من عام 1968 وكانت بعنوان "طبيعة إجراءات التأميم في جمهورية مصر العربية" أمام لجنة من ثلاثة أساتذة في كلية الاقتصاد ببرلين. وقد حضر الدفاع جمع كبير من المصريين من العاملين في سفارة مصر، إضافة إلى بعض المصريين الدارسين والمؤيدين لتجربة مصر ومجموعة من العرب من دول أخرى، إضافة إلى مجموعة من الألمان والعراقيين المهتمين بتجربة مصر حينذاك، إذ كانت جلسة الدفاع مفتوحة. وقد تبنيت في الرسالة رأياً مفاده إن مصر لا تسير في طريق التطور اللارأسمالي أو طريق التطور صوب الاشتراكية، بل هي إجراءات اقتصادية ذات وجهة سياسية ورأسمالية دولة نامية، كما إنها لم تكن في إطار منهج اقتصادي اجتماعي اشتراكي أو تقدمي يسهم في تغيير واقع الاقتصاد المصري. وقد شنت جمهرة من المصريين من أتباع السفارة وبعض المصريين هجوماً ضد مضمون رسالة الدكتوراه والتقرير الذي قدمته بهذا الخصوص. وقد تبنى هؤلاء رأياً مفاده إن مصر تسير على طريق التطور اللارأسمالي وصوب الاشتراكية رغم السياسات غير الديمقراطية للحكومة المصرية والتي اثمرت عن أكبر انكسار سياسي في تاريخ مصر في حرب حزيران عام 1967. وكانت ألمانيا الديمقراطية تقف سياسياً إلى جانب مصر وترى في مسيرتها نهجاً لا رأسمالياً. وكان الموقف حرجاً للجنة الدفاع من الناحية السياسية، ولكنها لم تستطع إيقاف الدفاع أو رفض الرسالة نظراً لقوة الحجج التي أوردتها في الرسالة أولاً، والتقرير الذي تقدمت به دفاعاً عن رأيي ومضمون الرسالة، إضافة إلى إجاباتي التفصيلية عن الأسئلة التي طرحت أثناء جلسة الدفاع والتي انتهت لصالح الأطروحة ومنح شهادة الدكتوراه فلسفة PhD. ك. حبيب.   
3) ملاحظة: نشرت عدة دراسات عن طبيعة التأميم لعام 1964 بالعراق واعتبرتها إجراءات أساءت للاقتصاد العراقي وحجمت بشكل غير مقبول ومؤذي للنشاط الاقتصادي للبرجوازية المتوسطة العراقية وإشاعة الخوف بين صفوفها وتوقفت عملياً استثماراتها بالاقتصاد العراقي. وقد نشرت هذه الدراسات في مجلتي الطريق اللبنانية ودراسات عربية بلبنان في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات. ك. حبيب.
4) راجع: د. مظهر محمد صالح، محمد سلمان حسن: دروس في الحياة المعرفية..!، شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 02/10/2014.
5) راجع: يوسف سلمان يوسف (فهد)، كتابات الرفيق فهد، البطالة، أسبابها وعلاجها، كراس. طبعة أولى 1946، من وثائق الحزب الشيوعي العراقي، عنى بجمعه ونشره فخري كريم، دار الطريق الجديد-بغداد، دار الفارابي-بيروت، 1976.     
6) ملاحظة: كنت في هذه الفترة، وبعد الخروج من سجن بعقوبة، منذ متصف العام 1956 مبعداً في مدينة بدرة وكنت مع الرفيق 7 علي محمود، من كردستان، مسؤولين عن التقاط الأخبار من الراديو وإنجاز نشرة أخبار يومية للرفاق المبعدين، والتقطنا خطاب نوري السعيد بالكامل مع تعليقاتنا عليه للمناقشة.   
7) ملاحظة: من يتابع تطور الوضع بإيران سيجد أن هناك صيحات مماثلة تؤكد بأن "دار السيد مأمونة" وهنا المقصود علي خامنئي، وعلينا أن ننتظر أن يحل بإيران ما حل بالعراق بعد صيحة نوري السعيد الخائبة، ولو بعد حين! ك. حبيب
8) أشير هنا بشكل خاص إلى رسالة الدكتوراه للفقيد الدكتور صباح مصطفى الدرة، الذي أغتاله حزب وحكم البعث في سجنه بالعراق في العام 1980/1981، مع الدكتور صفاء الحافظ وعائدة ياسين، التي دافع عنها في العام 1965 بكلية الاقتصاد ببرلين، ونشرها بالعربية تحت عنوان تطور القطاع الصناعي في العراق في فترة لاحقة، وركز فيه على القطاع الخاص، كما أصدر لاحقاً كتاباً عن "القطاع العام" في العراق، الصادر عن دار الرواد للطباعة، بغداد، 1977.   
9) راجع: د. عباس النصراوي، التنمية والنفط 1958-1968، الفصل الثالث من كتابه الموسوم "أعباء العراق ـ النفط العقوبات والتخلف"، دار غرينوود للنشر في ولاية كنكتكت الأمريكية.



9
كاظم حبيب
نقاش مفتوح مع الدكتور طلال الربيعي حول الرأسمالية اللبرالية بالعراق

وصلني التعليق الآتي، على مقالي الموسوم " الصناعة والزراعة هما قاعدتا التنمية والتقدم الاجتماعي في ظل نظام ديمقراطي علماني بالعراق" المنشور بتاريخ 29/12/2017 في الحوار المتمدن وصوت العراق والناس ومركز النور ومواقع أخرى، من الأخ الفاضل الدكتور طلال الربيعي وتحت عنوان " استحالة التطور الرأسمالي- ليبرالي لاقتصاد العراق"، بتاريخ /12/2017
استاذ المحترم د. كاظم حبيب
كل الشكر على مقالك.
مع احترامي الشديد لاختصاصك ومع اني مجرد هاوٍ في المواضيع التي يتناولها مقالك، الا انه اسمح لي القول اني اجد من الصعوبة بمكان الاتفاق مع استنتاجك باعتبارك شخصا واحدا مثل الدكتور برهم صالح او غيره مسؤولا عن السياسات النيولبرالية للعملية السياسية. وانه بالطبع يمكنك ان تتمنى -على الدكتور برهم صالح أن يتخلى عن ذهنية اللبرالية الجديدة المتطرفة وليس عن فكره الرأسمالي، فهذا غير مطلوب منه، ولكن المطلوب منه أن يفكر بمصالح كل مكونات الشعب العراقي، ومنه شعب إقليم كردستان العراق، على المدى القريب والبعيد!-  ولكنه تمني لا يمكن مطلقا ان يتحقق على ارض الواقع على صعيد العملية السياسية بمجملها. فالقضية لا ترتبط اطلاقا بهذا الشخص او ذاك.
فكما نعلم ان رئيس مجلس حكم الاحتلال، بريمر، والذي تشير اليه المقالة، قد أصدر قرارات لتكريس السياسات النيولبرالية في العراق، وقد وافق على القرارات كل اعضاء مجلس الحكم وقتها. وهذه القرارات لا تزال سارية المفعول قانونيا.
ولكون العملية السياسية هي صناعة بريمرية بامتياز، لذا لا يمكن لها ان تكون سوى عملية محكومة بقرارات بريمر النيولبرالية. ولذا انه من غير الممكن ان يتوجه العراق توجها رأسماليا ليبراليا وكما تدعو اليه مقالتكم. كما ان الطبقة الحاكمة في العراق هي برجوازية كومبرادورية ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالرأسمال العالمي كتابع له. ولذا فان طريق التطور الرأسمالي الليبرالي في العراق مسدود الأفق بغض النظر عن ميزان القوى الآن او لاحقا في ظل العملية السياسية.
واني اعتقد ان اقتصاد العراق محكوم عليه بالفشل الى ابد الآبدين ان لم ينح منحا اشتراكيا. وهنا يكمن التحدي الكبير او الهائل الذي تواجهه القوى اليسارية التي يتحتم عليها بأسرع وقت ان تعي ان تطور العراق لا ريعيا والنهوض باقتصاده انتاجيا على صعيد الصناعة والزراعة هو عملية مستحيلة بوجود العملية السياسية التي تحكمها قرارات بريمر والتي تقوم بتنفيذها برجوازية كومبرادورية لا يهمها سوى تكريس تبعية العراق للرأسمال العالمي.
مع وافر تقديري واحترامي
**********************
أخي العزيز الدكتور طلال الربيعي المحترم
تحية طيبة وتمنيات بعام جديد وسعيد،
ابتداءً لك شكري على تفضلك بقراءة المقال والتعليق عليه. وهو تعبير عن اهتمامك بقضايا الاقتصاد والسياسة والمجتمع، وهي ليست ملاحظات هاوٍ بقدر ما هي وجهة نظر احترمها وقابلة للنقاش، وسأحاول ذلك فيما يلي:
أولاُ: اتفق معك تمام الاتفاق بأن ما خطط للعراق ونفذ من جانب الإدارة الأمريكية كان الدفع باتجاه إقامة وتكريس علاقات رأسمالية تابعة وبمنحى نيولبرالي وجد تعبيره في القوانين التي وضعها المستبد بأمره پول بريمر والمهيمن على السلطة وقراراتها، ووافق عليها مجلس الحكم الانتقالي من جهة، والدور المحدد الذي مارسته المؤسسات المالية الدولية، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ونادي باريس، في فرض شروطهما المعروفة دولياً للدول النامية على مجلس الوزراء العراقي حينذاك من جهة ثانية، ووجود أغلبية كبيرة في مجلس الحكم الانتقالي، وفيما بعد الحكومات العراقية المتعاقبة، وافقت على تلك الشروط والوجهة المحددة لها من جهة ثالثة، مما أسهم في دفع العراق بالاتجاه المطلوب له. وعلينا هنا أن نتذكر شروط هذه المؤسسات الدولية والمتمثلة في نموذج وسياسة "التثبيت والتكيف الهيكلي" بالارتباط مع الموق من ديون العراق الخارجية. إلا إن الحكام الإسلاميين السياسيين الطائفيين والقوميين الذين تسلموا الدولة بسلطاتها الثلاث، بدعم من الولايات المتحدة وإيران، وهم أجزاء من الفئات الرثة والبرجوازية التجارية الكومبرادورية المتخلفة، لم يعوا بعمق الوجهة التي زرعها بريمر بالعراق، وحتى من فهمها منهم لم يهتم بذلك، بل توجه اهتمامهم صوب نهب الموارد المالية والاغتناء الذاتي، والتركيز على تشديد السمة الريعية والاستهلاكية غير الإنتاجية في الاقتصاد العراقي، أي أنهم حتى لم يهتموا بتـأمين مستلزمات تطور القطاع الخاص في الزراعة أو في تطوير الصناعة النفطية، عدا الاستخراجية. وكان لإيران وتركيا دورهما البارز والمميز في الدفع باتجاه الرثاثة الفعلية والتبعية الكاملة للاقتصاد الإقليمي والدولي. وقد حقق البلدان، إيران وتركيا، أرباحاً طائلة على حساب الاقتصاد العراقي، كما استطاعوا زرع أجهزة أمنية في كل مكان وتعزيز دورهما في حياة البلاد السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الاقتصادية، ولاسما إيران في كل العراق، وتركيا بالإقليم على نحو خاص. كما إن الصراع الطائفي، الذي كانت خلفه وأساسه مصالح اقتصادية للقوى الأجنبية المؤثرة على القوى السياسية المحلية، إضافة إلى القوى المحلية ذاتها، قد أسهم بدوره في شل أي قدرة فعلية على تطوير الاقتصاد العراقي ومعالجة بعض مشاكله، بل عمقت هذه السياسة البائسة والرثة في المزيد من تشوه بنية الاقتصاد العراقي، بما فيه اقتصاد الإقليم أولاً، وإلى استمرار التشوه في بنية المجتمع الطبقية ثانياً، وكل ذلك أثر بقوة على استمرار تدني مستوى الوعي الفردي والجمعي بالعراق. ولا شك في أن هناك قوى حاكمة ومجتمعية مهيمنة كانت ولا زالت تعمل من أجل نشر الفكر والممارسة النيولبرالية بالاقتصادي والمجتمع بالعراق، وهو ما يفترض أن يتم التصدي له والكشف عنه وفضحه. كما إن السياسة المالية ولنقدية قذ خضعت من الناحية النظرية والعملية لهذا النهج المخالف لمصالح الاقتصاد والمجتمع. 
ثانياً: أتفق معك بأن كل القوى التي شاركت في مجلس الحكم الانتقالي، ومن ثم في مجلس الوزراء لثلاث دورات (علاوي، الجعفري، المالكي دورتين، والعبادي الحالي)، تتحمل مسؤولية الموافقة على النهج الذي اختطه بريمر، رغم طرح بعض الآراء المخالفة والتي انتقدت سياسة وتوجهات بريمر في العمليتين الاقتصادية والاجتماعية وتأثيرهما السلبي الشديد على واقع العراق وتطوره اللاحق وكذلك دوره في فرض المحاصصة الطائفية والأثنية في الحكم وبدعم مباشر من الدولة الإيرانية، إلا إنها لم تكن مؤثرة ولم تمنع حصول ما أراده المهيمنون على الحكم، إذ إن الخط العام وزخم التدخل الخارجي وطبيعة الحكم ذاتها والفئات التي تسند هذا الحكم وتتبناه ويعبر عن مصالحها، كان وما يزال يمتلك القدرة على التحكم بوجهة التطور الاقتصادي بالعراق. وحين نتابع كتابات تلك الفترة سنجد أمامنا الكثير من الصراعات الفكرية والسياسية بهذا الصدد والتي نشرت في المواقع الإلكترونية العديدة. إلا إن القوى السياسية الحاكمة وهي الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية والأحزاب الكردستانية، كانت تجد في ذلك ضالتها للوصول إلى الموارد المالية النفطية لتغتني بها ذاتياً وتساوم المجتمع على تحسين شكلي ومؤقت لمدخولاتها، ولكن في الحقيقة قد سعت إلى تجنب أي تنمية اقتصادية حقيقية أو أي دور فعلي لقطاع الدولة الاقتصادي، كما أهمل توفير مستلزمات تطور القطاع الخاص والمختلط. إنها الرثاثة بعينها، وأهملت بالتمام مصالح المجتمع ولاسيما الفائت الكادحة وذات الدخل المحدود، مما أدى إلى ارتفاع كبير في عدد الفقراء ومن هم تحت خط الفقر المعروف للدول النامية، وتزايد كبير في عدد الذين يعانون من البطالة!  لقد كان هدف الفئات الحاكمة المتصارعة، كما هو معروف، الهيمنة المطلقة على السلطة والتحكم بالمال العام، وتأمين أوسع نفوذ في المجتمع وعليه. كان هذا الصراع وما يزال هو الذي يميز العملية الجارية بالعراق منذ سقوط الدكتاتورية البعثية وقيام نظام الاستبداد الطائفي. وهي عملية سياسية ما تزال في إطار القوى الحاكمة، وليس للمجتمع الدور فيها حتى الآن. ولكن ليست هذه الحالة ذات ديمومة بل هناك من المؤشرات ما يمكن القول باحتمال كسر هذه الحلقة البائسة والخروج من طوق القوى الإسلامية السياسية والقومية الشوفينية الحاكمة.
ثالثاً: لقد نشرت حلقات من مناقشتي للدكتور برهم صالح، وكذلك مناقشات مستفيضة أجريتها مع الأخوة الدكتور سيار الجميل والدكتور بارق شبر والدكتور محمد علي زيني وآخرين، وهي كلها تصب في رفض الرأسمالية النيولبرالية المتوحشة التي يراد فرضها على الاقتصاد والمجتمع بالعراق. وهي مناقشة للقوى الحاكمة أيضاً، وهي ليست العلاقات الإنتاجية الرأسمالية المشروطة التي يمكن ويفترض أن تتطور في الاقتصاد العراقي والتي يفترض التحكم بوجهة تطورها لصالح المجتمع والاقتصاد الوطني.
أخي الفاضل، حين أطرح وجهة نظري لا يجوز لي أن أجنح بخيالي بعيداً عن الواقع. إذ لا بد من الانتباه إلى عدة مسائل جوهرية، إذ بدونها يصعب على الإنسان تحديد وجهة تطور البلاد والقضايا النضالية التي يفترض أن تتصدر المهمات مرحلياً مع الرؤية الواقعية لاستراتيجية التنمية والتطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي بالعراق:
1.   ضرورة الاستخدام السليم والعلمي للمنهج المادي الجدلي في البحث والتحليل والتدقيق في الظروف الملموسة لواقع العراق.
2.   الانطلاق من واقع الحياة اليومية للمجتمع ومن المتغيرات الجارية على الاقتصاد والمجتمع وعلى فكر ووعي الفرد والمجتمع أولاً، وكذلك التغيرات الحاصلة على الصعيدين الإقليمي والدولي ثانياً، من أجل تحديد المهمات والأهداف المرحلية والابتعاد عن محاولة القفز فوق المراحل أو حرقها.
3.   تأمين الربط العضوي بين عملية التغيير في البنية الاقتصادية والاجتماعية بالعراق، وبين تطور وعي الفرد والمجتمع وسعيهما المشترك لصالح حرية الإنسان وحقوقه المشروعة وسعادته والعدالة الاجتماعية، واستخلاص مدى الاستعداد الفعلي للمشاركة في عملية التغيير.
4.   تشخيص دقيق وسليم للقوى الاجتماعية التي يهمها إنجاز مهمات المرحلة والتي يفترض أن تتبلور في:
أ‌.   مجال تحديد المهمات في إطار برنامج تستوحيه طبيعة المرحلة،
ب‌.   وأن تكون المهمات المطلوب تحقيقها متطابقة مع القدرات الفعلية للقوى الاجتماعية والسياسية المعنية بالنضال لتحقيق المشروع الوطني والديمقراطي.
ت‌.   وثم سبل العمل وأدواته من أجل رفع وعي واستعداد الغالبية العظمى من المجتمع، ولاسيما الفئات المتضررة من الواقع القائم لإحداث التغيير المنشود.
استناداً لهذا المنهج في التحليل توصلت إلى إن على العراق أن يتخلص من بقايا العلاقات البالية ما قبل الرأسمالية، وأن يبني القاعدة المادية الإنتاجية للتطور والتقدم الاجتماعي والتي تستوجب تحقيق التراكم الرأسمالي البدائي الغائب حالياً عن الاقتصاد العراقي، أي إن العلاقات الإنتاجية الرأسمالية ستأخذ ردحاً من الوقت لتنمو وتتطور بالعراق، وعليه أن يستفيد من موارد النفط المالية لهذا الغرض ولإجراء تغيير في البنية الاقتصادية بتجاه التصنيع وتحديث الزراعة واستخدام التقنيات الحديثة. ولكن الأسئلة الأكثر أهمية التي تثار هنا، منها مثلاً: من هي القوى التي ستقود المسيرة في هذه المرحلة، وما هي طبيعة العلاقة بين الاقتصاد العراقي والاقتصاد الرأسمالي العالمي، وهل هناك إمكانية لقطيعة فعلية مع الرأسمالية العالمية في حالتها العولمية الراهنة، ومن حيث مدى ومستوى القدرة على ممارسة الاستقلال في اتخاذ القرارات الاقتصادية والسياسية وتنفيذها بعيداً عن الإملاءات الرأسمالية الدولية ومؤسساتهما المالية. طبعاً سيكون ممتازاً لو تمكنت القوى الاشتراكية التي تسعى لبناء الاشتراكية كاستراتيج بعيد المدى، دون أن تحاول حرق المراحل، الوصول إلى السلطة وأن تعمل بوحي من المنهج العلمي وعلى وفق المنظور المطروح في أعلاه، ولكن هل تتوفر مثل هذه الإمكانية حالياً؟
أن ثورة أكتوبر الاشتراكية وتطورها في فترة وجود لينين، الذي شعر بضرورة تغيير الوجهة وطرح السياسة الاقتصادية الجديدة، أي إقامة علاقات إنتاجية رأسمالية، ولكن تحت رقابة وإشراف الدولة، والتي كانت تعني رفض الإملاءات الرأسمالية العالمية على الاقتصاد الروسي، والتي ألغاها ستالين حال تسلمه السلطة، بل حتى وقبل البدء بتنفيذ النهج الجديد "النيپ". ومن ثم علينا متابعة التطور الجاري في الصين الشعبية التي يمكن أن تمنحنا القدرة على التفكير والاستفادة الواعية والعميقة من هاتين التجربتين العالميتين المهمتين. إن فشل الأولى، ولأسباب ذاتية وموضوعية، لا يعني بأي حال فشل النموذج الاشتراكي أو الفكر الاشتراكي، بل سيتحقق ذلك في آماد لاحقة.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء الاقتصاد الوطني عبر القطاعات الآتية من حيث الملكية:
1)   قطاع الدولة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية والممكنة؛
2)   القطاع الخاص المحلي وفسح المجال له للتوظيف وبالتنسيق مع قطا الدولة في إطار خطة اقتصادية حكومية؛
3)   القطاع المختلط بين الرأسمال الحكومي والرأسمال الخاص وفي إطار الخطة الحكومية،
4)   الرأسمال أو القطاع الأجنبي الذي يفترض ويمكن أن يساهم في التنمية تحت إشراف ورقابة الدولة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والمجتمع بأسره وضمن الخطة التي تقررها الدولة.
أي لا يمكن الاستغناء عن دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في هذه المرحلة ومراحل لاحقة. كما لا يمكن الاستغناء عن العلاقات الاقتصادية الدولية، ولكن يفترض أن تكون السياسة الاقتصادية قادرة على منع إملاءات الاقتصاد الرأسمالي العالمي ومؤسساته المالية والنقدية الدولية، وفي مثل هذه المرحلة يمكن أن تنمو وتتطور العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في ظل حكومة وطنية وديمقراطية. ومثل هذه الإمكانية غير متاحة حالياً بفعل وجود الحكم السياسي الطائفي والفئات الاجتماعية الرثة الحاكمة.
لا يمكن الاستغناء عن دور البرجوازية المتوسطة والبرجوازية الصغيرة في الحياة السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ إنها لا تخضع لرغبات هذا الإنسان أو ذاك، بل تخضع لبنية المجتمع الطبقة وطبيعة المرحلة والنضال الذي تخوضه مختلف الفئات الاجتماعية. وفي المرحلة الراهنة يمكن للبرجوازية المتوسطة الصناعية والبرجوازية الصغيرة أن تلعب دوراً مهماً في النضال من أجل الخلاص من الواقع الراهن. وهذا يعتمد بدوره على مدى قدرة ودور القوى الديمقراطية والتقدمية بالداخل، أي على ميزان القوى الداخلي. إن طبيعة الدور الذي تمارسه البرجوازية المتوسط يخضع لميزان القوى السياسي والاجتماعي، ولمصالحهما بالدرجة الأولى، إذ يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى فئة كومبرادورية خاضعة للرأسمال الإقليمي والدولي، إن غاب وزن ودور القوى الطبقية القادرة على الحد من هذا الميل وعقلنته ولجمه وإخضاعه لمسيرة التقدم الاقتصادي والاجتماعي، ويمكن أن يكون ميلها بتجاه وطني وديمقراطي حين تكون القوى الديمقراطية وقوى الطبقة العاملة والفلاحين قادرة على فرض وجهة أخرى وحين تطرح الشعارات التي تجسد حاجات مختلف فئات المجتمع بما فيها البرجوازية المتوسطة، والمعبرة عن طبيعة المرحلة. 
ليس بمقدور من يستلهم مستلزمات التحليل السابقة أن يطرح شعارات اشتراكية لمهمات راهنة، فهو هروب إلى الأمام، يحمل معه إمكانية العزلة والانكفاء الشديد إلى الوراء، لاسيما حين لا تكون لها أي أرضية واقعية اجتماعية صالحة لذلك. ولكن الأمر الوارد حين تكون هناك استراتيجية بعيدة المدى يستلهم الإنسان منها ويعمل من أجلها دون الاستعجال بها، مع شرط عدم الخلط واستبدال التكتيكي بالاستراتيجي، إذ عندها يتحول الاستراتيجي إلى تكتيكات يومية مؤذية.
حين تشير المصادر النظرية إلى أن الاشتراكية هي عشية الإمبريالية، أي عشية التطور الكبير في العلاقات الإنتاجية الرأسمالية بحيث يصبح التناقض بين العمل ورأس المال، بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج الرأسمالية في أسلوب الإنتاج الرأسمالي غير قابلة للمساومة، عندها ستنشأ الظروف والمستلزمات لحسم المسألة. وهذا يعني بعبارة أخرى، إذا اردنا تحقيق البناء الاشتراكي في بلادنا، فلا يمكننا أن نبنيه على التخلف والعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية والعلاقات العشائرية والجهل والأمية وغياب الوعي الفردي والاجتماعي المناسبين أو غياب التنوير الديني والاجتماعي الضروريين، بل يفترض أن تنهض طبقة عاملة وعمال زراعيين وفلاحين واعين ودور مناسب للبرجوازية الصغيرة، بمن فيهم فئات المثقفين والمثقفات والطلاب والطالبات ودور أفضل للنسوة في الاقتصاد الوطني والمجتمع...الخ. أي علينا أن نعجل في بناء العلاقات الإنتاجية الرأسمالية، ولكن تحت شروط ومستلزمات مهمة وضرورية لكيلا تكون تابعة وخاضعة للرأسمال الأجنبي أو الإقليمي، بل تخضع لبرنامج وطني وديمقراطي تقدمي. لن يكون هذا سهلاً ولكنه ليس مستحيلاً في ظروف وواقع العراق من جهة وواقع العولمة الجارية في الاقتصاد والسياسة الدوليين.
كما تعرف فأن القوانين الاقتصادية الموضوعية للرأسمالية واحدة، ولكن يختلف الأمر في فعلها على وفق واقع ومستوى تطور كل بلد من البلدان وواقع القوى الاجتماعية والسياسية فيه ودورها وإمكانياتها في تحقيق السوق الاجتماعي في ظل العلاقات الرأسمالية التي لا تعني الاشتراكية في أي حال، ولكنها تعني تقييد قوى الرأسمال في عملية استغلالها للطبقة العالمة والمجتمع، وتوفير مستلزمات التأثير الإيجابي على حركة السوق والقوانين الفاعلة فيه وعلى طبيعة العلاقات مع الخارج، ودور النقابات والقوى السياسية الديمقراطية والاشتراكية.
اكتفي اليوم بهذا القدر وسأحاول أن أنشر قريباً مقالاً أوسع بهذا الصدد. مع شكري وامتناني لإثارة الموضوع وأملي التواصل في الحوار والمناقشة. مع الود والاحترام. كاظم حبيب، بتاريخ 31/12/2017   

10
كاظم حبيب
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
(6-6)
سُبل معالجة عواقب الكوارث التي حَلَّت بالعراق، ولاسيما المناطق التي نُكِبت بالدواعش!
هناك العديد من التصورات والمقترحات المطروحة التي ترى ضرورة الالتزام بها لمعالجة أوضاع ما بعد داعش، أو ما بعد التحرر من عصابات داعش، في حين ما يزال العراق يواجه نظام المحاصصة الطائفية والفساد الذي تسبب فيما تعاني منه الموصل وسهل نينوى وبقية المحافظات الغربية، إضافة لما يتوقع حصوله من مشكلات إضافية بسبب استمرار وجود الحشد الشعبي على الصعد العسكرية والسياسية والاجتماعية. (ملاحظة: يمكن قراءة الكثير من المقالات في هذا الصدد ونشير هنا إلى: 1) الدكتور سيار الجميل في مقال له بعنوان "هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟ موقع العربي الجميل، بتاريخ 24 تموز/يوليو 2017؛ 2) الدكتورة أسماء جميل رشيد، في بحثها الموسوم "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 389، أيار 2017، ص 28-39).   
أن الحلول الواقعية يفترض أن تستند إلى قواعد عمل ثلاث:
** استخدام المنهج العلمي في دراسة وتحليل القضية أو القضايا المطروحة للمعالجة؛
** الاستناد إلى الواقع الموضوعي القائم لرؤية ما يمكن تحقيقه بعيداً عن الرغبات الذاتية أو الحلول المتخيلة، رغم أهمية وصواب استخدام خصوبة الخيال غير الجامح في مجمل العملية، وفهم التعقيدات المحيطة بالقضية والمتشابكة معها؛
** فهم واستيعاب دروس التاريخ التي مرّت على القضية أو القضايا التي يراد معالجتها وعلى أولئك الذين كانوا جزءاً من هذا التاريخ.
واستناداً إلى هذه الرؤية فأن صيغ العلاقات الماضية بين اتباع القوميات والديانات والمذاهب بالعراق لم تكن مثمرة وسليمة ودافعة نحو الأفضل والعيش التضامني المشترك. وهذا التقييم والتقدير لا يعودان إلى خلل في الإنسان العراقي ذاته، بل هو خلل أساسي في طبيعة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سادت العراق على مدى تاريخ طويل، إضافة على عدم إصلاحه في أعقاب الخلاص من الحكم العثماني والوقوع تحت وطأة الاستعمار البريطاني وقيام الدولة الملكية العراقية في العام 1921 وعلى أيدي قوات الاحتلال البريطانية وحكام تربوا في الدولة والثقافة والتراث العثماني والإسلامي، والذي لم يكن متناغماً مع حضارة القرن العشرين وتطلعات الشعوب في التحرر والتقدم. كما أن غياب التنوير الدين والاجتماعي ودور المؤسسات والمرجعيات الدينية غير الإيجابي عموماً لعب دوره المميز في استمرار شيوع الأحكام المسبقة على اتباع الديانات بالعراق وعواقبه السلبية على العلاقات بين السكان. والنظم التي سادت بالعراق لم تسع إلى بناء المجتمع على أسس ديمقراطية وحياة مدنية ونهج عقلاني وتنويري لتحقيق التعايش بين قوميات العراق العديدة وأتباع دياناته ومذاهبه المتعددة واتجاهاته الفكرية واسياسية الديمقراطية. وتجلى ذلك في ستة محاور جوهرية هي:
1.   النهج القومي الشوفيني في حكم العراق منذ بداية تأسيس الدولة العراقية الملكية.
2.   النهج الديني الطائفي بالدولة العراقية، حيث اعتبر الإسلام دين الدولة والمذهب السني هو الموجه للحكم، رغم عدم النص على المذهب في الدستور.
3.   ورغم إن الدستور في اغلب بنوده كان دستوراً ديمقراطياً ومتقدماً على أوضاع العراق وبنيته الاجتماعية والتعليمية والثقافية والاقتصادية حين أقر، فأن الممارسة الفعلية سجلت تجاوزات فظة على الدستور من السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلى جانب التدخل السياسي الفظ في شؤون السلطة القضائية لصالح كبار الملاكين وشيوخ العشائر، وضد قوى المعارضة السياسية.
4.   ومع إن العراق توجه في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية صوب التصنيع النسبي وتطوير الزراعة، إلا إن الجهود لم تكن موجهة بصورة عقلانية وواعية والتي لم تنعكس في مجال التربية والتعليم، ولاسيما التعليم المهني الضروري لأي تنمية اقتصادية بالعراق، وجرى التركيز على التعليم الإنساني، ولاسيما كلية الحقوق، لتوظيف الخريجين في دوائر الدولة.
5.   وخلال الفترات المنصرمة لم يعرف العراق فترة تميزت بنهج سياسي ديمقراطي وحياة حرة وكريمة، بل كان الاستبداد والقمع والاضطهاد وسيف أجهزة التحقيقات الجنائية، التي تأسست في فترة الاحتلال البريطاني، ومن ثم أجهزة الأمن الداخلي والشرطة العراقية، مسلط على رقاب الشعب عموماً ولاسيما قوى المعارضة. وبالتالي لم يتمتع العراق، رغم مشاركته في وضع اللائحة الدولية لحقوق الإنسان في العام 1948 والمصادقة عليها، بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة وحقوق القوميات، وحقوق أتباع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية والفكرية والسياسية.
6.   وعاشت المرأة العراقية على امتداد العقود المنصرمة تحت وطأة التخلف والتمييز ضدها وضد حقوقها لا من الرجل فحسب، بل ومن قوانين وتشريعات الدولة العراقية وقانون العشائر وتقاليد العشائر العراقية إزاء المرأة والتربية الإسلامية المتخلفة التي عانى منه المجتمع والتي حرمت المجتمع من نصفه من المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبالشكل المطلوب والواعي والهادف إلى تغيير الأوضاع القديمة والتقاليد البالية. ومن هنا يمكن تأكيد أن الإسلام لم يعرف التنوير، وإن الشعب العراقي لم يتعرف على مفهوم ومضمون التنوير الاجتماعي للتخلص من خرافات وأساطير بالية تراكمت بشكل مضر جداً على ثقافته وتقاليده وأعرافه، والتي لا يمكن التخلص منها بسهولة، ولكن ليس الأمر مستحيلاً، وبالتالي لا بد من العمل بهذا الاتجاه.       
إن الهدف من الإشارة السريعة إلى هذه المسائل هو تبيان الحقيقة التالية: إن الأوضاع التي ما تزال سائدة بالعراق، والتي تجد تأثيرها السلبي على السعي لمعالجة المشكلات المتفاقمة، تستوجب الغوص الأعمق في أوضاع العراق من جهة، كما تستوجب التغيير الأكثر جذرية لنظام الحكم الطائفي السياسي القائم بالعراق حاليا من جهة ثانيةً. فمن أجل أن تكون المعالجة فاعلة وناجحة وسريعة نسبياً على مستوى العراق كله، واستناداً إلى تجربة أكثر من تسعين عاماً في إطار الدول العراقية الحديثة التي بدأت في العام 1921، وانطلاقاً من حقوق الشعوب في تقرير مصيرها في أجواء من الحرية والديمقراطية، لا بد من تأكيد أهمية وضرورة إجراء تغيير جذري في طبيعة الدولة العراقية الهشة القائمة، وفي طبيعة نظام الحكم الطائفي-الأثني المشوه القائم منذ العام 2003، لصالح إقامة الدولة المدنية الديمقراطية، الدولة العلمانية، والحكم المدني الديمقراطي الدستوري البرلماني النزيه. إن الوصول إلى هذا الحل لا يمكن أن يتحقق دون توفير مستلزمات أو شروط تسمح بتأمين إجراء التغيير الفعلي في ميزان القوى لصالح القوى المدنية الديمقراطية العلمانية المناهضة للنهج الطائفي والأثني في الحكم وفي المجتمع، واعتماد مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة بين أبناء الوطن الواحد المتعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والفلسفية والسياسية. أي إقامة دولة تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، والفصل بين الدين والدولة والدين والسياسة، وتمنع قيام أحزاب تستند إلى الدين أو المذهب، وتلك التي تمارس الطائفية السياسية في مناهضة الديانات والمذاهب والفرق المذهبية الأخرى، وحين يبدأ المجتمع بانتخاب وتكوين مؤسساته الديمقراطية والنزيهة في سلطات الدولة الثلاث.
هذه الوجهة في النضال لا يمكن تحقيقها على وفق رغبة أو إرادة ذاتية، كما يتمناها الإنسان العراقي، سواء أكان رجلاً أم امرأة، بسبب التركة الثقيلة لعقود طويلة من الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والحروب والحصار والحرمان والعنف الحكومي وغير الحكومي، إضافة إلى التركة الجديدة التي أضافها النظام السياسي الطائفي الحالي منذ العام 2003 إلى تلك التركة الماضية، والتي يجد المتتبع واقعها في تخلف مستوى وعي الفرد والمجتمع وقدرته على مواجهة الأحداث وميله نحو الطائفية السياسية وخضوعه الشديد لشيوخ الدين وأحزاب الإسلام السياسي بفعل وتأثير شيوخ الدين. إضافة إلى إصرار القوى الاجتماعية الرثة الحاكمة على البقاء في السلطة وعلى ممارسة النهج نفسه والسياسات ذاتها التي أوصلت العراق إلى الحضيض والمستنقع الذي هو فيه الآن، رغم محاولاتها تبديل جلودها بجلود فاقعة مزيفة لا يمكن خداع الجميع بها.
ولكن لا يخطئ الإنسان حين يشير إلى الحراك السياسي الشعبي المستمر بالعراق والمنقطة وعلى الصعيد العالمي، وكذلك الحراك النسبي في وعي الإنسان وإدراكه لما جرى ويجري اليوم بالعراق من كوارث مرعبة لا حصر لها، ومن إرهاب وفساد مالي وإداري شاملين، وهذا ما تؤكده محاولات أحزاب وقوى الإسلام السياسي في استخدام لغة جديدة وحديث آخر يبرّز الأخطاء السابقة ويبررها، ويدعو برياء وزيف شديدين إلى الدولة المدنية، التي يفهمونها بطريقتهم الخاصة ولا تنتهي بتغيير في نهجهم وسياساتهم وسلوكهم الفاسد. ولكن وعي الإنسان العراقي الفردي والجمعي لم يصل إلى المستوى القادر على التمييز بين الغث والسمين، بين الصدق والكذب، بين الحقيقة النسبية وزيف الادعاءات الجديدة التي تطلقها هذه القوى والأحزاب الإسلامية السياسية في رغبتها لتحقيق التغيير المنشود. ترى قوى الإسلاميين السياسيين، ومنهم الأحزاب المؤتلفة في البيت الشيعي، بأن الديمقراطية تعني "الاليات الديمقراطية وليس مع مبادئ الديمقراطية" (علي الأديب شراسة التصلب العقائدي .. وكاشان الفقيه، تقرير واحة الحرية الإخباري، قسم سياسية، كاريكاتير، بتاريخ 07/03/2013). إذ يؤكد علي الأديب على ذلك أو كما قال في ندوة تلفزيونية: "الديمقراطية ليست الفلسفة التي يلتزم بها حزب الدعوة، بل هي أداة"، (أنظر: كاظم حبيب، دكتور، حزب الدعوة ومفهوم ممارسته للديمقراطية في العراق، موقع الحوار المتمدن في 16/10/2010)، أي إنها أداة تستخدم للوصول إلى السلطة لا غير! وحين وصلت الأحزاب الإسلامية السياسية إلى السلطة داست بأقدامها على حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية ودفعت بالعراق في مستنقع الرثاثة والموت والدمار. وكان على رأس هذه القوى حزب الدعوة والمجلس الأعلى والمليشيات الطائفية المسلحة. لهذا يستوجب مواصلة العمل باتجاهين: أولاً، فضح زيف هذه الادعاءات والكشف عن خطط هذه القوى في البقاء على رأس السلطة وممارسة السياسات الطائفية المبتذلة ذاتها؛ وثانياً، تكثيف إعمال العقل لمتابعة ما يجري بحس ديمقراطي مرهف ومسؤولية وطنية والتحري عن الحلول العملية للواقع الراهن والتخلص من النظام السياسي الطائفي والصراعات الطائفية والأثنية بالعراق، والتي يفترض أن تتجلى بصياغة أهداف مهنية ووطنية ديمقراطية مقبولة وقابلة للنضال والتحقيق والتعبئة الشعبية الواسعة حولها.
وإلى أن يتحقق توفير مستلزمات التغيير المنشود في الواقع العراقي، لا يمكن ولا يجوز للنازحين والمتضررين من السياسات الطائفية والنهج العدواني المدمر منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة أولاً، ومنذ الاجتياح الداعشي للأنبار وصلاح الدين والموصل وعموم سهل نينوى وعواقبه ثانياً، أن ينتظروا معالجة أوضاعهم المأساوية إلى أن يتحقق التغيير الجذري المنشود، بل لا بد من العمل في إطار الوضع الراهن باتجاهين رئيسين:
أولاً: العمل من أجل التغيير المباشر والسريع في أوضاع النازحين والمناطق التي حررت من داعش واستكمال تحرير المناطق التي ما تزال تحت احتلال عصابات داعش المجرمة. من هنا يستوجب العمل بجميع الأساليب والأدوات المتوفرة لزيادة الضغط الشعبي الداخلي والإقليمي والدولي، سواء أكان على مستوى الرأي العام العالمي، أم على مستوى المجتمع الدولي (الأمم المتحدة ومؤسساتها الدولية (اليونسكو واليونيسيف ولجنة حقوق الإنسان)، والمنظمات الإنسانية الأخرى، ومنها منظمات حقوق الإنسان المحلية والإقليمية والدولية ومنظمة العفو الدولية، لصالح ممارسة سياسات عقلانية في المناطق التي تعرضت للإرهاب الداعشي والطائفية السياسية، لصالح النازحين الذين يعانون الأمرين وأولئك الذين ما زالوا في المناطق التي اغتصبها تنظيم داعش الإرهابي وحررت أخيراً. فما العمل؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالأفكار التالية القابلة للنقاش والتي هي قابلة للتحقيق من حيث المبدأ:
** إبقاء التقسيمات الإدارية التي كانت قبل هيمنة داعش على الموصل والمناطق الأخرى على حالها أولاً ودون تغيير. على أن يتم تشكيل لجنة عراقية مستقلة ومحايدة تماماً ومن شخصيات مقبولة من جميع الأطراف، مع مشاركة دولية من جانب الأمم المتحدة وعناصر مختصة في القانون الدولي، تقوم بدراسة الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق حول المناطق المتنازع عليها استناداً إلى المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005 لوضع مقترحات ملزمة للتنفيذ من جانب الحكومتين لحل تلك الإشكاليات وآليات تنفيذها على أن ينتهي العمل بذلك خلال سنتين فقط كحد أقصى.
** دراسة واقعية لأوضاع السكان العراقيين المسيحيين والإيزيديين وغيرهم في المناطق التي تعرضت للاجتياح والإرهاب والنزوح والهجرة، ولاسيما بالنسبة للمسيحيين الذين يطرحون مشروع إقامة محافظة في سهل نينوى. 
** تشكيل حكومة محلية مستقلة عن الأحزاب والقوى السياسية العراقية قوامها شخصيات مستقلة تكنوقراطية يتسمون بالنزاهة والاستقامة والمهنية العالية من أبناء وبنات محافظة نينوى، تدرك عمق المشكلات التي كانت بسبب النشاط الطائفي السياسي والتي تراكمت بفعل الاجتياح لمعالجة جملة المشكلات التي تعاني منها محافظة نينوى بمركزها الموصل وأقضيتها ونواحيها. إن إبعاد كل العناصر التي شاركت فيما وصل إليه الحال بالموصل وسهل نينوى أمر ضروري لتجنب بروز إشكاليات جديدة.
** تشكيل هيئة إعمار مركزية ترتبط بالحكومة المحلية وتابعة من حيث المبدأ للحكومة الاتحادية لتمارس نشاطها في إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها المعارك، ولاسيما الماء والكهرباء والشوارع والجسور، إضافة إلى إعادة إعمار الدور المدمرة جزئياً أو كلياً، وتنظيم عملية إعادة النازحين وحل المشكلات المحتملة بين الجماعات السكانية على أسس ديمقراطية وإنسانية، والتصدي لمحاولات أخذ الثأر أو أعمال الانتقام. (قارن: سيار الجميل، دكتور، هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟، مصدر سابق).
** ومن أجل تعجيل مهمة إعادة البناء اميل إلى المقترح الذي طرحه السيد الدكتور الناصر دريد بشأن الاتفاق مع مجلس الأمن الدولي بالتزامه المشاركة الدولية في إعادة إعمار المناطق التي تعرضت للإرهاب والقمع الداعشي والفساد العراقي العام في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين على طريق ما حصل بالنسبة لألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية حيث وضع مشروع مارشال لإعادة بناء المانيا. ويمكن أن يتسع هذا المشروع ليشمل العراق كله ولينقذنا في الوقت نفسه من تدخلات دول الجوار التي تريد تحويل العراق إلى شبه مستعمرات لها، كما هو حال إيران مع العراق حالياً. 
** وضع ميزانية مالية كافية وعلى وفق برنامج مدروس لإعادة إعمار المناطق المخربة وإعادة النازحين وتأمين البنى التحتية الضرورية باتجاهين: المسائل الآنية التي لا تقبل التأجيل وتلك التي تنجز بمرحلة لاحقة.
** تشكيل هيئة من شخصيات مستقلة واعية لما حصل في هذه المنطقة من العراق لتمارس عملاً إنسانياً كبيراً هادفاً إلى توفير أجواء المصالحة والتسامح والعودة إلى العيش والحياة المشتركة، على أن تبدأ عملها منذ الآن، لأن هذا هو السبيل العقلاني الوحيد القادر على تجاوز كوارث الماضي والحاضر ببناء جسور الثقة والأخوة والمودة والاعتراف المتبادل بالآخر والتسامح.
** منع وتحريم أي تدخل أجنبي ومن دول الجوار بالشأن الداخلي لمحافظة نينوى أو كركوك أو المحافظات الأخرى والعراق عموماً التي تعرضت لإرهاب داعش، واعتبار أي تدخل من أي طرف إقليمي أو دولي بمثابة محاولة ثلم الاستقلال والسيادة الوطنية والتأثير السلبي على السير السلمي والديمقراطي للأحداث. 
** العمل على سحب السلاح، كل السلاح من أيدي السكان والمليشيات المسلحة بأي مسمى جاءت، وتالك التي في الحشد الشعبي وفرض احتكار السلاح بيد الدولة، مع العمل المتواصل لتثقيف أجهزة الدولة العسكرية والمدنية بروح المواطنة المشتركة وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والسلام والعدالة الاجتماعية.
** تحريم الدعاية الطائفية السياسية والأثنية المحرضة ضد الآخر والمحفزة للصراع والنزاع وتقديم الفاعلين للقضاء، إذ أن معاناة العراق من الطائفية السياسية والحكم الطافي السياسي كان مريراً وكلف المجتمع مئات الآلاف من الضحايا ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية وخراب ودمار شامل وأحقاد وكراهية واسعتين.
** تأمين مراكز طبية ونفسية لمعالجة المصابين بمختلف العلل الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلحة والنزاعات الطائفية والأثنية، وبشكل خاص بين الأطفال والصبية والشبيبة، وكذلك بين النساء. ولا بد من جلب المختصين من بلدان أخرى للمشاركة في هذا العملية، إضافة إلى إقامة وتنشيط مراكز البحوث النفسية والبحث العلمي ووضع برامج للمعالجة. فالدراسات المتوفرة تشير إلى أن داعش قد استخدم الأطفال المختطفين لأغراض شتى، ومنها تدريبهم على العنف والتوحش في قتل المناهضين لتنظيم داعش. وفي هذا الصدد كتب الباحث الدكتور علي عبد الرحيم صالح، في بحثه الموسوم "الجنود الأطفال في العراق.. دراسة نفسية عن أطفال الخلافة والموت والانتحار" نشر في جريدة المدى بتاريخ 5/5/2015 ما يلي: "بعد تلقين الاطفال وضمان ولائهم للجماعة، يقوم القادة والمدربون الداعشيون باختبار قدرات الاطفال ومدى تحملهم للمهمات القتالية في معسكرات خاصة مثل معسكر (اشبال ابي بكر البغدادي) ومعسكر (ابن تيمية) ومعسكر (اطفال الخلافة)، وبهذا الصدد تقوم الجماعة الاسلامية المتطرفة بتصنيف الاطفال وفق المهمات المرغوبة والملائمة لمستوى قدراتهم البدنية والعقلية والاجتماعية، ووفقا لذلك يمتلك داعش صنوفا متعددة من الجنود الأطفال". (أنظر: علي عبد الرحيم صالح، دكتور، الجنود الأطفال في العراق.. دراسة نفسية عن أطفال الخلافة والموت والانتحار، جريدة المدى، 5/5/2015).
ثم يشير في موقع آخر من بحثه إلى الآتي: "يستعمل داعش آليات نفسية شديدة الخطورة مع الاطفال عند توجيههم وتلقينهم عمليات القتل والذبح، إذ نشاهد في الكثير من مقاطع الفديو المنشورة على مواقع الانترنيت بعض الاطفال يقومون بالقتل وقطع الرؤوس، وحرق جثث الجنود والمدنيين. واشار عدد من الاطفال الذين تم أسرهم على يد القوات العراقية الى بعض هذه التقنيات: فبعد ان يتعرف القادة الداعشيون على استعداداتهم للقوة والعدوان، يقومون بتدريبهم على قطع رؤوس دمى ترتدي زيا عسكريا يشبه الجنود العراقيين او الأمريكان، وذلك بعد القيام بذبح الجنود الاسرى امامهم، ويكون ذلك مصحوبا بجو من التكبير والتهليل والتشجيع، وبصورة تدريجية ومع التلقين وزرع الكراهية في نفوس الاطفال يكون (اطفال الخليفة او ابناء ابي بكر البغدادي) قد تحولوا الى ذباحين محترفين." (المصدر السابق نفسه). ومن هنا تنشأ المهمة الخطيرة للحكومة العراقية في إعادة تأهيل الأطفال بعد الانتصار على داعش عسكرياً، إذ ستبقى اثار ذلك الاحتلال كبيراً على الأطفال الذين عاشوا ما يقرب من ثلاث سنوات تحت حكم عصابات داعش القتلة. وهنا يمكن العودة إلى بحث قيم للدكتور فيان عبد العزيز والمهندس الاستشاري نهاد القاضي الموسوم " أزمة ما بعد الأزمة وحقوق ضحايا جرائم حروب التطهير العرقي"، حيث تقدم الدراسة مقترحات مهمة لمعالجة المشكلات النفسية للنساء والأطفال بعد الانتهاء من كارثة احتلال الموصل وعموم نينوى. (انظر: فيان عبد العزيز، دكتورة، ونهاد القاضي، أزمة ما بعد الأزمة وحقوق ضحايا جرائم حروب التطهير العرقي، أبحاث مؤتمر أربيل مؤتمر حول "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين بالعراق"، في 8 و9 من شهر شباط/فبراير 2015).
** اتخاذ الإجراءات الضرورية والكفيلة والعمل المسؤول لقوىً واعية لإزالة أثار النشاط الفكري والإفتائي والعملي الذي مارسته عصابات داعش وغيرها في مناطق نينوى والأنبار وصلاح الدين والحويجة وغيرها من المناطق التي تعرضت لاجتياح أو تأثير هذه القوى. (قارن: أسماء جميل رشيد، دكتورة، "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، مصدر سابق). 
** توفير مراكز صحية ومستوصفات متنقلة للعمل في القرى والأرياف والمناطق النائية التي تعرضت للاجتياح والتدمير لمعالجة سكانها والعائدين منهم إليها.
** دفع تعويضات مجزية لمئات الألاف من السكان الذين تعرضوا للأذى وتحملوا أضراراً مادية ومعنوية بما يساعدهم على النهوض ومواصلة الحياة والعمل.
** قيام القضاء بتشكيل محكمة جنائية تعتمد المعايير القانونية والإنسانية المتقدمة لمحاسبة من تسبب في سقوط الموصل وسنجار وبقية مناطق سهل نينوى والأنبار وصلاح الدين بأيدي عصابات داعش والعواقب التي ترتبت عليها، والتي ما تزال وستبقى تعاني منها لفترة غير قصيرة. إن مثل هذه المحاكمات الشفافة والعادلة من شأنها أن تحقق العدالة المنشودة وتمنع ممارسة مثل هذه السياسات والأساليب في العمل السياسي، إضافة إلى محاسبة الفاسدين والذي ألحقوا أضراراً فادحة باقتصاد الدولة والمجتمع والمناطق المتضررة.
** قيام وزارة التربية ووزارة التعليم العالي تدريس مواد شرعة حقوق الإنسان بأجزائها المختلفة في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات العراقية ونشرها على نطاق واسع، إضافة إلى نشر الأبحاث حول عواقب التطرف القومي والديني والمذهبي والفكري على المجتمع والعلاقات الإنسانية فيما بين افراد المجتمع من مختلف القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية والفكرية. 
** الأهمية البالغة للدور الذي يفترض أن تلعبه منظمات المجتمع المدني المستقلة والواعية لوظيفتها في المجتمع، ولاسيما في هذه الفترة، في التبشير بمبدأ الاعتراف المتبادل بين أبناء وبنات جميع القوميات والديانات والمذاهب والفرق بحق كل منها بالوجود والعمل بحرية دون الإساءة لأتباع القوميات والديانات والمذاهب والفرق المذهبية أو الاتجاهات الفكرية الأخرى، إضافة إلى ضرورة تأمين التسامح المتبادل لما وقع حتى الآن بين أبناء وبنات المجتمع على أن يحاسب كل من ارتكب جرائم بحق الآخرين أيا كان موقعه والجريمة التي ارتكبها. التسامح يأتي بعد أن يكون المجتمع قد شخص المذنبين بحق المجتمع أو بحق الآخر من أبناء وبنات المجتمع. إن الدور الذي تمارسه منظمات المجتمع المدني الديمقراطية يساهم في رفع مستوى الوعي والمسؤولية المشتركة إزاء الوطن والمواطن والمواطنِة وإزاء مكافحة العنف والقمع والاضطهاد والإرهاب والفساد المستشري في كل سلطات الدولة العراقية وفي مؤسساتها وفي المجتمع.
ثانياً: العمل من أجل التغيير الجذري لواقع العراق الراهن والتخلص من النهج والسياسات الطائفية التي ما تزال تمارس بالعراق. وهي المهمة المركزية الدائمة للمجتمع العراقي.


11

الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
5-6
المشكلات العشائرية والتقاليد البالية والمشكلات القومية

** منذ الثمانينيات من القرن العشرين بدأت الأجواء العشائرية تنتعش بالعراق بفعل سلوك رئيس الدولة حينذاك الدكتاتور صدام حسين، وسعيه لتوظيفها لصالح حروبه وتجنيد المزيد من أبناء العشائر لتلك الحروب وفي قواته الأمنية. ولكنها تفاقمت في أعقاب سقوط النظام البعثي واحتلال العراق وفرض النظام الطائفي والأثني والعشائري على البلاد. وزاد في الطين بلة رثاثة الفئة الحاكمة ونهجها وسياساتها في تنشيط الجو العشائري وربطه بالدين وشيوخه وأحزابه المشوهة وبالملالي الذين يمارسون الدعاية الدينية بين أبناء العشائر، سواء أكان ذلك بالمدن أو في القرى والأرياف. ويمكن أن يتابع القاري والقارئة هذه الحقيقة فيما حصل مع الاجتياح الداعشي للموصل ومحافظة نينوى والاعتداءات على المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان والشيعة، ثم ما حصل للسنة من أهل الموصل أيضاً، إضافة إلى التحاق جمهرة غير قليلة من أبناء هذه العشيرة أو تلك بعصابات داعش وتقديم فروض الطاعة "للخليفة النكرة ابي بكر البغدادي"، ونشوء قتلى وثارات بين الناس واعتداء جيران على جيرانهم...الخ، مما يجعل استعادة الصفاء المطلوب بين سكان مدينة الموصل وضواحيها وأقضية ونواحي محافظة نينوى، ومحافظات أخرى، عملية غير سهلة في ظل الجهل والأمية والتخلف الفكري والطائفية السائدة والفساد وانتشار السلاح في كل بيت. ومن هنا يستوجب أن تكون هناك قدرات كبيرة لحكومة ديمقراطية تستطيع استعادة العلاقات بين البشر، إلا إن مثل هذه الحكومة غير متوفرة حالياً. وهي من الإشكاليات الكبيرة التي تواجه المجتمع بالموصل والأنبار وصلاح الدين وديالى والحويجة وتلعفر وغيرها من المدن التي تعرضت لاحتلال داعش، إضافة إلى المشكلات العشائرية الأخرى في المحافظات الجنوبية ومنها على سبيل لا الحصر المشكلات العشائرية الملتهبة بالبصرة والسلوك العشائري العام بالبلاد.
** كما أن عدم حل المشكلات المعقدة في المناطق المتنازع عليها قاد عملياً إلى نشوب صراعات إضافية ودفع بإجراء استفتاء بإقليم كردستان العراق وبالمناطق المتنازع عليها، مما ساعد تفاقم الخلافات وفرض سيطرة قوات الحكومة الاتحادية على أغلب المناطق المنازع عليها، ومنها كركوك وبعض مناطق نينوى وديالى، والتي يمكن أن تتفاقم مما لم تتوفر حلول عملية، وما لم تتوفر النية الصادقة لدى جميع الأطراف في معالجة هذه المسائل بروح ديمقراطية سلمية وتفاوضية بعيدة عن التهديدات واستخدام السلاح استناداً إلى المادة 140 من الدستور العراقي. ونتيجة لكل ذلك توترت بشكل غير معقول العلاقة بين الحكومتين وبدأ حصار سياسي واقتصادي من الحكومة الاتحادية غير عادل ضد الشعب الكردي، والذي يفترض أن يرفع مباشرة، ولاسيما وأن الحرب ضد داعش لم يتنته بعد فكرياً وسياسياً وخلايا نائمة وجاهزة. (أنظر: نص الدستور العراقي الدائم الذي صوت عليه في 15 تشرين الأول 2005، موقع حكومة إقليم كردستان، المادة 140 من الدستور).
لقد اتخذ مجلس النواب العراقي في 26 أيلول/سبتمبر 2016 قراراً يقضي بإبقاء محافظة نينوى على ما كانت عليه من تقسيمات إدارية في العام 2003، (أنظر: دعاء سويدان، سباق ما بعد الموصل: خرائط التقسيم حاضرة!، موقع الأخبار، أخذ بتاريخ 25/07/2017). وهو قرار صحيح بغض النظر عن طبيعة مجلس النواب العراقي الحالي. ولكن هذا القرار غير مقبول من جانب حكومة إقليم كردستان، ومن بعض القوى بنينوى أو بعض أتباع الديانات والقوميات الأخرى. لقد طرحت حتى الآن الكثير من المشاريع في كيفية التعامل مع محافظ نينوى بعد أن تحررت من عصابات داعش! فأحدها يقضي بتقسيم نينوى إلى ثماني محافظات. وهو مشروع طرح على الكونغرس الأمريكي، ولم يتخذ به أي قرار كما يبدو حتى الآن، وكأن نينوى إحدى ولايات الولايات المتحدة الأمريكية! وهناك ما يزال المشروع الأمريكي القديم، مشروع جون بايدن في العام 2006، بتقسيم العراق إلى ثلاث أقاليم أو فيدراليات اثنية ودينية ومذهبية. (أنظر: مخطط أمريكي جديد لتقسيم العراق، موقع شبكة خلك الإعلامية، بتاريخ 07/02/2017).
 كما إن هناك مشروع إقامة محافظة في سهل نينوى على وفق ما اقترحه المؤتمر الدولي الذي عقد في العام 2017 ببروكسل وبحضور أطراف مسيحية عراقية كثيرة.
** وستكون الكثير من مناطق غرب العراق وشماله وكردستان عرضة لصراع آخر شديد الحساسية والتأثير على العلاقات الإنسانية والاجتماعية، صراع حول محاولات كل طرف من الأطراف، ولاسيما الأطراف القوية والمهيمنة والمالكة لأدوات الضغط وممارسة القوة والعنف في إجراء تغيير ديمغرافي (سكاني) على مناطق بالموصل وسهل نينوى، وبتعبير أدق عموم محافظة نينوى، إضافة إلى المناطق المتنازع عليها والتي تطالب بها رئاسة وحكومة إقليم كردستان. وقد بدأت شكوى من ممارسة هذا النوع من التغيير الديمغرافي الفعلي على أرض الواقع حتى قبل تحقيق الانتصار التام على الداعشيين بالموصل أو بمحافظة نينوى عموماً، بعضها كان من قبل حكومة الإقليم وقوات البيشمركة، وبعضها الآن من قبل الجماعات الشيعية ومنهم جماعات الشبك والتركمان، وبالتعاون مع قوى في الحشد الشعبي، والتي تأتي على حساب العرب الذين سكنوا قبل الاجتياح في هذه المناطق، أو على حساب المسيحيين أو الإيزيديين الذين هم من أصل أهل هذه المناطق. وقد ذكر البحث الذي كتبته الدكتورة أسماء جميل رشيد هذه الظاهرة السلبية ومخاطرها في الفترة القادمة، كما كتب عنها ونشر الكثير من المقالات في وسائل الإعلام العراقية والأجنبية. (أنظر: أسماء جميل رشيد، دكتورة، التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية، مصدر سابق، ص 28-39).
إن التغيير الديمغرافي في هذه المنطقة لا يرتبط فقط بطرد سكانها منها، بل بما حصل من قتل وتشريد ونزوح وتهجير قسريين وصعوبات العودة وتراجع نسب الولادات الجديدة بين عائلات السكان الأصليين لهذه المناطق والتي ستجد تعبيرها في تغيير فعلي في بنية مدينة الموصل أو مناطق أخرى من محافظة نينوى. إن الفترات المنصرمة شهدت تغييرات ديمغرافية واسعة بالعراق لم تكن شرعية، بل كانت تجاوزاً فظاً على سكان تلك المناطق التي وقع عليها التغيير. ويمكن العودة إلى "الموسوعة الإحصائية عن التقسيمات الإدارية في الجمهورية العراقية" للواء الموصل، حسب التسمية السابقة، ولمدينة الموصل ومحافظة نينوى حسب التسمية الراهنة، مثلاً، أو لمدينة ومحافظة كركوك (التأميم في فترة حكم البعث)، أو غيرهما من الألوية في العام 1962، ليجد الإنسان التغييرات الحاصلة على التقسيمات الإدارية الحالية التي فرضتها الحكومات العراقية السابقة. إن البحث في هذه المشكلات يفترض ألّا ينسى الجانب الاقتصادي والمالي الراهن. فالعراق يعاني اليوم من وضع اقتصادي غاية في الصعبة لأسباب عدة جوهرية، هي:
1.   غياب النهج الاقتصادي السليم والرؤية الصائبة للمهمات الاقتصادية التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة، إذ ليست هناك سياسة اقتصادية عقلانية ولا برمجة اقتصادية تساعد على استخدام عقلي للموارد المالية المتوفرة بالعراق. فالعفوية والعشوائية وغياب الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية هي الماثلة للعيان لكل من يبحث في الشأن الاقتصادي العراقي.
2.   سيادة الفساد المالي والإداري كنظام معمول به في الدولة العراقية الهشة وفي سياسات السلطات الثلاث، وبشكل خاص من جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية، مع سكوت مطبق من جانب السلطة القضائية، مما أدى إلى خسارة مئات المليارات من الدولارات عبر عمليات فساد كبيرة جداً اقترنت بسياسات إفساد أمريكية وحكومية عراقية، ولاسيما في فترة حكم نوري المالكي، التي استمرت تسع سنوات عجاف ومريرة وعقيمة، وهي ما تزال سائدة حتى الآن.
3.   تراجع أسعار النفط الخام في السوق الدولية وانخفاض إيرادات العراق من صادراته النفطية السنوية، لاسيما وأن العراق يعتمد في نفطه على حسب آخر إشارة وردت من الدكتور مظهر محمد صالح، المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبادي، على النحو التالي:
"تهيمن واردات النفط الخام على ترتيب وحركة ثلاثة موازين أساسية في الاقتصاد الوطني وهي الحساب الجاري لميزان المدفوعات) أو ما يسمى بالرصيد الاجمالي لميزان المدفوعات، الذي تشكل تدفقات إيرادات النفط فيه نسبة 98 % من اجمالي تدفقات العملة الأجنبية). وكذلك الموازنة العامة الاتحادية اذ تمثل الإيرادات النفطية بما لا يقل عن 92 % من اجمالي الإيرادات السنوية للموازنة العامة. والميزان الاخير هو مساهمة القطاع النفطي في مكونات الناتج المحلي الاجمالي الذي يتراوح بين 46 – 50 % من تركيب ذلك الناتج. في حين لم تزد الإيرادات غير النفطية في تقديرات الموازنة العامة لسنة 2017 على 8 ترليون دينار، منها) 5,7 ترليون دينار هي الحصيلة الضريبية منها: (4) ترليون دينار ضرائب مباشرة عن دخل الملكية (1,7) ترليون دينار ضرائب غير مباشرة كالجمارك وغيرها. إذا ما استثنينا المورد النفطي من الموازين الثلاثة المذكورة آنفاً، فإن البلاد ستنصرف الى عجز ثلاثي مركب يصعب تفكيكه في المدة القصيرة بسبب ضيق التنوع في مصادر الدخل الوطني". (أنظر: مظهر محمد صالح، دكتور، التعزيز المالي للعراق: رؤية للأعوام 2018 – 2020، موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 03/08/2017).
 ولا بد هنا من الإشارة إلى أن فترة الحكم الطائفي السياسي الحالي قد عمق التشوه في بنية الاقتصاد العراقي والتبعية لاقتصاديات الخارج، ولاسيما لإيران وتركيا.
4.   ومما يزيد في الأمر صعوبة هي حرب التحرير الجارية ضد الدواعش التي لم تنته بعد رغم الإعلان عن الانتصار فيها، وسبل معالجة مشكلات النزوح ومصاعب تحقيق إعادة النازحين وارتفاع مديونية العراق الخارجية التي وصلت إلى أرقام عالية تقترب لما كان عليه العراق في فترة حكم الدكتاتور صدام حسين. وأشار الدكتور مظهر محمد صالح في ندوة اقتصادية بصدد الديون ما يلي: "بيّن صالح، أن اتفاقية نادي باريس "اتفاقية معيارية لحل الديون السيادية المترتبة بذمة العراق لـ65 دولة، منها 19 دولة ضمن نادي باريس و46 دولة خارجه". لكنه يقول إن: "الدين الداخلي بعد 2014 ارتفع من 10 مليارات إلى 46 مليار دولار، وبهذا يصبح مجموع الدين بنوعيه الداخلي والخارجي نحو 110 مليارات دولار، ضمنها ديون الخليج المعلقة لغاية نهاية 2016". (أنظر: اقتصاديون: ديون العراق تجاوزت 100 مليار دولار، ندوة معهد التقدم والسياسات الإنمائية، نشر التقرير في موقع العربية، العربية.نت، الأسواق العربية، بتاريخ 21 فبراير/شباط 2017 ).
وأضاف الخبير الاقتصادي الدكتور ماجد الصوري: "إن العراق سيقترض خلال عام 2017 نحو 17.7 مليار دولار، حسبما جاء في الموازنة العامة للبلاد، ومعنى هذا أن "القروض سترتفع بنحو ملحوظ"، متسائلا عن "قروض إقليم كردستان البالغة نحو 40 مليار دولار، وما إذا كانت ستدخل ضمن الدين العام للعراق؟". (المصدر السابق نفسه). ومنه يتبين مدى المعاناة التي ستواجه الشعب العراقي، ولاسيما النازحون، لا بسبب نقص الموارد المالية وسوء استخدامها فحسب، بل وبسبب النهب والسلب الذي تتعرض له موارد وأموال العراق على صعيد العراق كله، بما في ذلك إقليم كردستان العراق.
ومن هنا تبرز أهمية المقترح القائل بضرورة إشراك مجلس الأمن الدولي بعملة إعمار المناطق التي نُكبت بالدواعش من خلال مشروع دولي على غرار مشروع مارشال الذي أعاد بعد الحرب العالمية الثانية إعادة إعمار ألمانيا وتوفير التوظيفات المالية والخبرة العلمية والفنية والكفاءات الضرورية لإنجاز ذلك.


12
رسالة مفتوحة إلى
السيد رئيس وزراء العراق د. حيدر العبادي المحترم

تحية طيبة وبعد،
كما تعرفون، يمر العراق بمرحلة عصيبة جداً. فالطائفية السياسية والشوفينية، والتمييز الديني والمذهبي، والفساد والإرهاب، وملايين النازحين المعذبين، والبطالة المكشوفة والمقنعة، وارتفاع عدد العائلات التي تعيش تحت خط الفقر، وارتفاع عدد الأطفال المشردين واليتامى والأرامل المحرومين، وارتفاع المديونية الخارجية، كانت وما تزال هي الظواهر المميزة التي تحدد ملامح وواقع العراق الراهن. وإذا كان بعض هذه الظواهر قد نشأ بفعل سياسات النظام البعثي الفاشي استبداده الدموي وحروبه المجنونة، فأن بعضها الآخر قد نشأ وتبلور، كما تفاقم بعضها القديم، بفعل وجود وسياسات النظام السياسي الطائفي القائم على المحاصصة الطائفية والأثنية، النظام الذي يتنكر لمبدأ المواطنة العراقية الحرة والمتساوية ويأخذ حصراً بالهويات الفرعية القاتلة، والذي تسبب بما يعاني منه العراق حالياً. حين تسلمتم الحكم، باعتباركم عضواً قيادياً في حزب الدعوة الإسلامية وعضواً في قائمة دولة القانون في أعقاب إزاحة نوري الملكي من رئاسة الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة وعلى أساس المحاصصة الطائفية، تصور البعض بإمكانية تغيير الأوضاع بالعراق، في حين كانت الغالية العظمى من الشعب مقتنعة بعدم إمكانية إجراء أي تغيير جدي ما دام النظام السياسي العراقي يقوم على الطائفية السياسية ومحاصصاتها المذلة، وما دامت القوى السياسية ذاتها في الحكم. وفي حديث مع الصديق الفقيد الدكتور مهدي الحافظ قال لي بأنكم قلتم له "يا د. مهدي أنت تعرف أني مو طائفي"! لم يقتنع، ولم أقتنع بهذا القول، إذ لا يمكن أن يكون إنساناً غير طائفي ويعمل في حزب طائفي سياسي بامتياز وتقوده شخصية سياسية طائفية حتى النخاع وبامتياز وأكثر. وقد برهن وجودكم على رأس السلطة لأكثر من ثلاث سنوات عن صواب قناعتي بأنكم لم تتخلوا عن النظام السياسي الطائفي ولا عن محاصصاته، بل سعيتم إلى تكريسه بصيغ عديدة خلال الفترة المنصرمة، ومنها قانون الانتخابات وتشكيلة المفوضية العليا للانتخابات، على سبيل المثال لا الحصر.     
لقد كان هذا النظام السياسي الطائفي الذي تقودونه اليوم، والأحزاب الإسلامية السياسية المشاركة في هذا الحكم، السبب الرئيس والأساس فيما حصل بالعراق من كوارث ومآسي وموت بالجملة وسبي واغتصاب للنساء وبيعهن في سوق النخاسة الإسلامي وخراب واسع النطاق واحتلال جديد للأراضي العراقية في محافظات غرب العراق ونينوى من قبل عصابات الإجرام والخطيئة، عصابات داعش، ومن يقف خلفها في الداخل والخارج. وأنتم كعضو قيادي في المجموعة السياسية التي تقود النظام لا بد وأنكم تشاركون بقوة في تحمل مسؤولية ما حصل بالعراق منذ العام 2004/2005.
ولم يكن ما حصل بالعراق بسبب سياسات الأحزاب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، فحسب، بل كان أيضاً بسبب التدخل الحكومي الإيراني المباشر والفظ في الشؤون الداخلية للعراق والتأثير المباشر على سياسة الدولة، الداخلية منها والخارجية، وتحكمها بمفاصل مهمة، بما في ذلك الجوانب العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، ولاسيما المذهبية. وهذا الواقع قد أخل بسيادة العراق واستقلاله، والعالم كله يشهد على ذلك ويتحدثون فيه وعنه في الإعلام العالمي بكل صراحة ووضوح. 
لقد حققت القوات العسكرية العراقية وقوات الپيشمرگة والمتطوعين انتصاراً عسكرياً مهماً على عصابات داعش أعداء الشعب العراقي، وهو ما يفرح الجميع، ولكن لا بد من الأخذ بالاعتبار الحقائق التالية:
1.   إن هذا الانتصار سيبقى نسبياً وغير مكتمل ما دام العراق لم يحل مشكلاته الداخلية ولم ينته من الصراع الشيعي السني على مستوى الأحزاب والمجتمع، وما دام النظام السياسي القائم طائفي محاصصي مولد دائم للصراعات المذهبية والدينية وتجلياتها على المستويين السياسي والاجتماعي والفساد والإرهاب، وما دام هناك من يؤجج السلوك الطائفي في النشاط اليومي للدولة ومؤسساتها وعلى صعيد المجتمع.
2.   إن داعش لم ينته فكرياً وسياساً بالعراق ولن ينتهي بالسهولة التي يجري الحديث عن تصفية وجود داعش بالعراق، إنه حلم وأمل لم يتحقق بعد.
3.   كما إن لداعش خلايا نائمة كثيرة وأخرى نصف يقظة، يمكنها في كل لحظة تفجير الوضع ثانية واحتلال مناطق أخرى تجر لحرب جديدة. وداعش يمتلك الموارد المالية ويمكن أن يتحرك من الخارج.
4.   وليس غريباً عنكم حين نؤكد: إن الوضع الاقتصادي المتردي والبطالة الواسعة والفقر المتفشي على نطاق واسع يعتبر أرضاً سهلة الحرث والإنبات من جانب القوى الإرهابية وعصابات التكفير والمليشيات الطائفية المسلحة ذات الموارد المالية الكبيرة. وبالتالي يمكن أن يظهر داعش بمنتجات جديدة بأسماء أخرى ولكن بنفس النهج والدينامية العدوانية.
5.   وما دام هناك نشاط خارجي عبر دول الجوار التي تريد جعل العراق ساحة للصراعات والنزاعات السياسية والمسلحة، كما هو حاصل بكل من سوريا واليمن، وما يمكن أن يحصل بمناطق أخرى من الدول العربية. 
6.   ولن أكشف سراً حين أؤكد بوجود قوى مماثلة لداعش فكراً ونهجاً وسياسة في صفوف الأحزاب الشيعية، وليس أدل على ذلك من وجود المليشيات الطائفية المسلحة التي تهيمن وتذل الناس في محافظات الوسط والجنوب وبغداد، وطرح مشروع تغيير قانون الأحوال الشخصية باتجاه قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي رفض مجتمعياً قبل الآن، والذي يتضمن، ضمن الكثير من المسائل السيئة والمنافية للدستور العراقي، تزويج القاصرات والحق في الاستمتاع بالرضيعات لمن تقرر خطبتها أو الزواج منها، أياً كان عمر الخطيب والزوج المرتقب. كما أن دور المليشيات الطائفية خارج إطار الحشد الشعبي وداخلة ستشكل المعول الذي يهدم ما تحقق من انتصار على داعش.
لا يمكن للعراق أن يستمر في ظل نظام سياسي طائفي، ولا بد من التغيير الفعلي لهذا النظام بإقامة الدولة المدنية الديمقراطية التي تفصل بين الدين والدولة وبين السلطات الثلاث واستقلال القضاء والهيئات المستقلة عن السلطة التنفيذية، وتكريس حقوق الإنسان وحقوق المواطنة واحترام اتباع جميع الديانات والمذاهب وحقهم في ممارسة طقوسهم الإنسانية السليمة. ومن غير المعقول أن تتحدثوا عن التغيير وأنتم في قيادة حزب تترأسه شخصية كانت السبب وراء الكثير جداً من المصائب وأغلب الكوارث التي حلت بالعراق منذ العام 2006 حتى العام 2014 وما بعده. ولهذا فالأمل ضعيف في عملية التغيير في ظل سيادة الأحزاب الإسلامية السياسية على نظام الحكم بالبلاد. التغيير يبدأ حين يمتلك الحاكم الجرأة على تغيير نفسه، الانقلاب على أسس وقواعد تفكيره الطائفي السياسي الذي يتبنى الإيديولوجية الطائفية القائمة أساساً على الـ "أنا، والتمييز والكراهية ضد الـ "آخر"! لهذا أرى بأن من واجب المجتمع أن يناضل من أجل التغيير الفعلي والجذري أولاً، وإلى حين تحقيق ذلك لا بد من النضال من أجل معالجة خمس مسائل مركزية متشابكة ومتفاعلة:
أولاً: الموقف الرافض كلية للتدخل المتواصل في الشأن العراق من جانب دول الجوار، ولاسيما الدولة الثيوقراطية الإيرانية، التي تعتبر العراق تابعاً وخاضعاً لها وتتحكم بسياساته كما تشاء، وهي التي تزيد من توتير الأوضاع بإقليم كردستان وتمنع من اتخاذ إجراءات عملية لحل المشكلات القائمة، وكأنها تسعى لإعادة عهد الصفويين إلى العراق كله. وتساندها في ذلك الدولة التركية التي يسعى رئيسها إلى إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء وإعادة الحياة للدولة العثمانية وبعض مستعمراتها السابقة ومنها ولاية الموصل على أقل تقدير، ليبتلع كركوك باسم "الدفاع عن التركمان!".
ثانياً: لقد أقدم رئيس الإقليم السابق على إجراء الاستفتاء بالإقليم وبالمناطق المتنازع عليها. وكانت النتيجة 93% من الذين شاركوا في الاستفتاء قد صوتوا لصالح استقلال الإقليم. لنترك جانباً حق هذا الشعب في ممارسة الاستفتاء , وأن نترك أيضاً مدى صواب أو خطأ إجراء هذا الاستفتاء في هذا الوقت بالذات، أو مدى معارضته للدستور العراقي المعروف بنواقصه والاختلالات فيه، علماً بأن الحكومة الاتحادية كانت وما تزال حتى الآن الأكثر خرقاً لبنود الدستور العراقي. والسؤال الذي يواجه كل إنسان عاقل هو: ألا يثير لديكم، وأنتم من درس في بريطانيا وتخرج منها وتلمس سبل ممارسة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وحقوق القوميات وحقوق أتباع الديانات والمذاهب هناك، سؤالاً أساسياً ألا وهو: لماذا وقف الشعب الكردي بهذه الأغلبية الساحقة إلى جانب الاستقلال، في حين كانت أمامه فرصة إعلان ذلك في العام 1991/1992 ولم يفعلها، بل قرر إقامة الفيدرالية في أطار الجمهورية العراقية، وكانت الظروف ملائمة تماماً لمثل هذا الإعلان؟ ألا تعتقدون بأن وراء هذا الإجماع الشعبي واقع وجود علاقات غير سليمة ومخلة بقواعد العمل المشترك والالتزام بالدستور من جانب الحكومة الاتحادية أولاً وقبل كل شيء، ابتداءً من فترة حكم إبراهيم الجعفري واستمراراً في فترتي حكم نوري المالكي وفي فترتكم الجارية أيضاً، ومن جانب حكومة الإقليم ثانياً، التي تسببت كلها في بروز مشكلات كثيرة ومعقدة وزادها تعقيداً عدم التحري عن حلول عملية لها، بل الركض المشترك وراء المساومات والحلول الوقتية التي تبقي الحكام في كراسيهم البائسة، تماماً كما حصل في العام 2010 حين مُنح نوري الملكي ولاية ثانية على مجلس وزراء العراق.. الخ زوراً وبهتاناً؟ ألا ترون بأن ما حصل بعد الاستفتاء لم يقترن بإعلان الاستقلال أو ما يطلق عليه "الانفصال"، وكان يفترض أن تتوجهوا للبدء بمباحثات جدية لمعالجة المشكلات العالقة دون شروط، بدلاً من الركض وراء الحلول غير الإنسانية وشق وحدة الصف الكردي وزعزعة الاستقرار بالإقليم من جانب إيران والحشد الشعبي وما يمكن أن يترتب عن ذلك وعليه من عودة إلى نقطة الصفر في الصراع العربي الكردي؟ أرى بأن سياستكم في هذا الجانب، ورغم إن نتائج الاستفتاء لم توضع موضع التطبيق وانتهى أمرها من الناحية العملية، لا تجسد الحكمة والعقلانية التي يفترض أن يتسم بها رئيس وزراء عراقي في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد، أرى بأن من واجبكم الابتعاد عن محاصرة الشعب الكردي وقطع مخصصاته السنوية وتجويعه وحصاره دولياً عبر غلق المطارات بأمل أن تتشارك المظاهرات بإسقاط الوضع كله وتسهيل دخول القوات المسلحة العراقية إلى الإقليم عبر السليمانية أو مخمور، حيث يجري تحشيد غير طبيعي للقوات العسكرية العراقية والحشد الشعبي فيها. وهي أمور ستزيد الأمر تعقيداً لا بالعراق فحسب، بل بالمنطقة التي هي الآن في اشتعال كبير.
إن مظاهرات الشعب الكردي بالسليمانية عادلة ومشروعة ما دامت تتسم بروح الاحتجاج والمطالبة وبطريقة سلمية. فهم يحملون مطالب عادلة، يريدون رواتبهم وعيشهم الكريم، كما أنهم ضد الفساد الذي ساد بالإقليم كما ساد بالعراق كله، وهم ضد التمييز في التوظيف والتعامل بين الحزبيين واللاحزبيين السائدة بالإقليم، كما هي سائدة بالعراق كله.   
إن التفكير العقلاني والسليم يفترض أن يساعد على اتخاذ قرار واقعي يتلخص برفع الحصار عن الشعب الكردي ورفض تجويعه وإنهاكه ومعاقبته على حقه في التصويت، والمباشرة الفورية بمفاوضات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لمعالجة المسائل العالقة. لقد تحدثتم قبل أيام وقلتم: لقد انتصرنا على الدواعش والانفصال. هل من الممكن أن تساوا بين طرد عصابات داعش المحتلة لمحافظة نينوى وغيرها مع استفتاء الشعب الكردي للتعبير عن رأيه وليوضح إن العلاقة مع الحكومة الاتحادية غير سليمة وليست على ما يرام وينبغي إعادة النظر بها. من المؤسف أن أقول بأن الحكام العرب بالعراق لم يستفيدوا من تجارب ودروس الماضي، وما زال بعضهم يعتقد بأن الحل العسكري هو الحل المنشود، في حين إن أي حل عسكري سيعقد القضية الكردية ويدفع بها لتكون حفار قبر النظام السياسي الطائفي بالعراق، ويكون الوضع إجمالاً وبالاً على الجميع. لقد قال البعثيون على لسان صالح مهدي عماش ب، "أن الحرب في كردستان عبارة عن نزهة ربيعية!" فكانت وبالاً على الشعب العراقي كله.
ثالثاً: العراق غارق في ثلاث مسائل إضافية وهي الفساد السائد كنظام فاعل ومدمر بالبلاد، والإرهاب غير المنقطع والذي سيجد له منافذ جديدة للقتل والتخريب، والديون المتراكمة الجديدة على العراق المقترنة ببطالة مكشوفة ومقنعة مستنزفة للدخل القومي وإيرادات النفط السنوية. وهي التي ستجعل العراق مكشوفاً على الخارج استيراداً وتصديراً ومديونية. وكل الأحاديث عن محاربة الفساد ستذهب هباءً منثورا، ما لم تبدأ بالرؤوس التي نشرت الفساد واستفادت منه في توطيد حكمها والتي لا بد وأنها قد "أينعت وحان قطافها!". وليس هناك في الحكم من يتجرأ على ذلك!!   
رابعاً: الوضع الاقتصادي المتدهور والذي مهما حاول الخبراء على تحسينه سيفشلون ما دامت السلطة بيد الأحزاب الإسلامية السياسية التي لا تمتلك رؤية آفاقية ولا استراتيجية تنموية اقتصادية واجتماعية (بشرية) وثقافية وبيئية، وهي تعيش على الاقتصاد الريعي ونهب إيرادات النفط على نحو خاص.
خامساً: الصراعات المحتدمة بين الفئات الحاكمة والتي كل منها يريد الهيمنة على السلطة لضمان الهيمنة على المال العام والنفوذ والتأثير والتحكم بالبلاد، وهو الذي يجب مقاومته بكل السبل المتوفرة. إن إشكالية الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة تبرز في أنها قائمة على أسس تقود إلى التمييز بين اتباع الديانات والمذاهب وبين أتباع القوميات أيضاً لأنها ترفض الاعتراف بوجودها من منطلق ديني متخلف هو الأمة الإسلامية. وبالتالي فأن هذا التكوين التأسيسي يثير الصراعات والنزاعات بين اتباع الديانات والمذاهب وكذلك بين اتباع القوميات، لاسيما وأن الدولة، التي لا دين لها باعتبارها شخصية معنوية، يفرض عليها هذا الدين أو ذاك بدلاً من أن تكون دولة حيادية في موقفها من الديانات والمذاهب وتأخذ بمبدأ المواطنة الموحدة والمتساوية. إن الصراع بين هذه الأحزاب على السلطة والمال والنفوذ، وهي كلها في غير مصلحة الشعب. وقد برهنت السنوات المنصرمة من الحكم الطائفي السياسي إلى أكبر عمليات فساد في العالم، بحيث احتل العراق المواقع المتقدمة في الفساد في العالم. وأكبر الفاسدين كانوا الحكام وقادة الأحزاب السياسية والتابعين لهم وأفراد عائلاتهم وحواشيهم، ولهذا انطلقت الأهزوجة اشعبية التي تؤكد: "باسم الدين باگونه الحراميه"، و "باسم الله هتكونه الشلاتيه"، إذ لا يمكن الإنسان فاسداً إلا إذا كان شلاتياً بالمعنى والمضمون والتعبير الشعبي.
لا يمكن أن يكون العام القادم عاماً جيداً للشعب العراق ما لم يتخلص من الطائفية والفساد ويعالج مشكلاته بروح ديمقراطية وسلمية، ما لم تنشأ بالعراق حكومة مدنية ديمقراطية في دولة ديمقراطية علمانية تدرك معنى حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق اتباع الديانات والمذاهب وتنأى بنفسها عن الأديان والمذاهب ولكن تحترم اتباعها وتصون حقوقهم المشروعة وتحترم حقوق القوميات وأتباعها.
مع التقدير
د. كاظم حبيب
   

13
 
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
(4-6)
ثالثا: مشكلات الشبيبة العراقية في زمن الطائفية والفساد والإرهاب والحرب

 
ليست مشكلات الشبيبة العراقية بجديدة على المجتمع العراقي، إذ إنها ومنذ ما يقرب من ستة عقود في تفاقم مستمر اقترنت بعوامل كثيرة جاء على ذكرها الكثير من الباحثين الجادين وسجلوا الكثير من الملاحظات والاقتراحات لتغيير أوضاع الشبيبة العراقية. ولم تأخذ النظم السياسية التي حكمت العراق طيلة الفترات المنصرمة بتلك المقترحات، بل واصلت نهجها الفكري والسياسي والاجتماعي بما لم يساعد على تجاوز تلك المشكلات. وكانت ظاهرة انتحار الشباب واحدة من هذه المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع.
والمشكلة الأساسية بالعراق، التي كانت وما تزال تنتج الكثير من الظواهر السلبية والمشكلات اليومية، تكمن في طبيعة النظم السياسية التي حكمت العراق في هذه العقود المنصرمة حتى الوقت الحاضر، وبالتالي فأن أي محاولة لتغيير أوضاع الشبيبة والتصدي لمحاولات انتحار الشبيبة ومنع وقوعها ترتبط عضوياً بعملية التغيير الفعلي المطلوب في النظام السياسي القائم بالعراق. والتغيير يعني وجود قوى سياسية مقتنعة بأهمية وجود نظام سياسي ديمقراطي علماني يستند إلى دستور ديمقراطي حديث ودولة ديمقراطية ومجتمع مدني ومجلس نيابي منتخب بصورة حرة وديمقراطية ونزيهة، ويلتزم بتحقيق أهداف ومصالح الشعب والتقدم الاجتماعي بالبلاد. ولهذا لا بد للباحث أن يتحرى بعناية عن العوامل التي أدت وما تزال تؤدي إلى الحالة المرفوضة الراهنة، حالة تنامي محاولات الانتحار، وفي مجمل اوضاع الشبيبة العراقية وعواقبها على المجتمع العراقي.
لا شك في أن محاولات الانتحار لم تبدأ اليوم بالعراق، بل حصلت منذ عقود، وهي لا تقتصر على العراق وحده، بل كل الدول العربية تعاني من هذه الظاهرة والكثير من الدول النامية أيضاً وبنسب متفاوتة، إضافة إلى الدول المتقدمة، وأن اختلفت اسبابه الملوسة والمباشرة بالعراق أو بالدول العربية، عن تلك الأسباب الفاعلة بالدول الغربية مثلاً. وعلى عاتقنا تقع مهمة بلورة العوامل الحقيقية الكامنة وراء هذه الظاهرة واتساعها في الواقع العراقي الراهن وسبل معالجتها، إذ إن المعلومات المتوفرة تشير إلى تفاقم هذه الظاهرة في المجتمع العراقي، الذي يعاني من علل وأمراض اجتماعية وسياسية كثيرة ومتفاقمة. وقد اثارت هذه الظاهرة وتفاقهما قلق المجتمع، كما اثارت قلق الباحثين، إذ نتجت بسبب ذلك مجموعة من الابحاث التي حاولت وضع اليد على العوامل وسبل مواجهتها.
فالمعلومات المتوفرة عن منظمة الصحة العالمية تؤكد حصول 633 حالة انتحار بالعراق خلال عام 2013 لوحده، ومن المحتمل جداً أنها إحصائيات حكومية رسمية، وهي بالتالي غير دقيقة بالتأكيد. (أنظر: محمد العبيدي، الحد من انتحار الشباب في العراق … مهمة ليست بالمستحيلة، موقع كتابات، 16/05/2017).
[1] وتوزعت حالات الانتحار الفعلي على المحافظات العراقية، على وفق تصريح السيد مسرور أسود، عضو مفوضية حقوق الإنسان في العراق، على النحو التالي: "69 في ذي قار و76 في ديالى و68 في نينوى و44 في بغداد و33 في البصرة و16 بالمثنى و15 في ميسان و12 في واسط، وبيّن ان طرق الانتحار تراوحت بين الشنق بالحبل والغرق واستخدام السلاح الناري." (أنظر: المصدر السابق نفسه).
ولا بد من الإشارة مرة أخرى إلى أن هذه الأرقام لا تعدّ دقيقة، لأن "الكثير من حالات الانتحار في العراق هي حالات غير مبلّغ عنها، بسبب الدين والمجتمع، إذ يعتبر الانتحار من المحرّمات، حيث تتعامل بعض المجتمعات في العراق مع بعض حالات الانتحار على أنها فضيحة، فتختلق غالباً أسباباً أخرى للوفاة حفاظاً على سمعة الشخص المنتحر وعائلته هذا وأشارت إحصائية منظمة الصحة العالمية الى أن ذي قار سجلت أعلى حالات الانتحار في المحافظات العراقية، ومعظمها من الشباب الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاما." (أنظر: محمد العبيدي، الحد من انتحار الشباب في العراق، مصدر اسق).
  ونشرت جريدة الحياة اللندنية تقريراً بعنوان الانتحار في العراق ظاهرة يصعب دارستها، أشارت فيه إلى تصريح أحد العاملين في وزارة حقوق الإنسان، حيث  "ذكر السيد أمين أن وزارة حقوق الإنسان حصلت قبل أعوام، على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار لدى الشباب في محافظة كربلاء، وأن أحد الباحثين أجرى دراسة عن الظاهرة لمدة 11 شهراً سجل خلالها أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، غالبيتها بين الفتيات الشابات والمراهقات، وأكّد أن الوزارة أرسلت فريق بحث، لكنها لم تتمكن من الحصول على أي معلومة من الأهالي، ولا من الناجين من الانتحار، ولا حتى المستشفيات التي رفضت تزويدهم بالمعلومات." (أنظر: محمد الحيالي، الانتحار في العراق ظاهرة يصعب دارستها، جريدة الحياة اللندنية، بتاريخ 19 كانون الثاني/يناير 2016).
وأكدت عضوة مجلس المفوضين سلامة الخفاجي للغد برس، ما يلي: "في العام 2014 سجلنا بشكل رسمي 544 حالة انتحار، وفي العام 2015 وحتى نهاية شهر تشرين الثاني سجلنا 607 حالة انتحار من بينها حالات لغير العراقيين كانت للاجئات سوريات في إقليم كردستان، مما يؤشر وجود زيادة عن العام الماضي". (أنظر: تقرير الغد برس، بعنوان ""عشق المحبوب لحبيبه" يتسيد حالات الانتحار في العراق، موقع الغد برس بتاريخ 27/كانون الأول ديسمبر 2016).
وقد أضاف التقرير تصريحاً للرائد ( م. م) الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية، فَضّل عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالتصريح، في حديثه لـ"لغد برس"، فان "لدى مديريتنا تقارير تأتيها من قبل وزارة الصحة ومن مراكز الشرطة المنتشرة في عموم العراق حول وجود أي حالة انتحار وبعد متابعة تلك التقارير وجدنا أن غالبية المنتحرين هم من النساء بالنسبة للعامين الحالي والماضي وان أعمارهم تتراوح ما بين (17 – 30) عام، وأن طرق الانتحار الأكثر شيوعا ألان في العراق هي عن طريق تناول العقاقير الطبية بكميات كبيرة للنساء، وإطلاق رصاصة على الرأس بالنسبة للرجال، بعد أن كانت سابقا عن طريق الحرق للنساء والشنق بالنسبة للرجال". (أنظر: المصدر السابق نفسه).
وفي دراسة مهمة عن حالات الانتحار في إقليم كردستان العراق جاء فيها:
"ظهر انه ما بين عام 1991 و2006 ونتيجة لأسباب متعددة أقدمت 4159 امرأة على الانتحار، علماً ان الكثير من النساء اللواتي يقدمن على الانتحار وبسبب الخوف والضغوطات لا يفصحن عن اسباب قدومهن على هذه الطريقة ايضا ويتم فقط ادراج اسباب قدومهن على الانتحار تحت مسميات المشاكل الاجتماعية، الاقتصادية، الشرف، العادات والتقاليد.. الخ. عام 1991 أقدمت 39 امرأة، 1992 أقدمت 79 امرأة، 1993 أقدمت 128 امرأة، 1994 أقدمت 113 امرأة، 1995 أقدمت 153 امرأة، 1996 أقدمت 216 امرأة،1997 أقدمت 158 امرأة، 1998 أقدمت 377 امرأة، 1999 أقدمت 349 امرأة، 2000 أقدمت 202 امرأة، 2001 أقدمت 236 امرأة، 2002 أقدمت 303 امرأة،2003  أقدمت 325 امرأة، 2004 أقدمت 831 منها فقدت 200 امرأة لحياتها، 2005 أقدمت 300 امرأة، 2006 أقدمت 335 امرأة على الانتحار." (أنظر: ناقوس يدق الخطر.. انتحار النساء ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب والفصام والموقع كلدايا.نت بتاريخ 24/09/2012).
وجاء في تقرير السيد واثق عباس المنشور في الميدل ايست اونلاين بشأن حالات الانتحار ما يلي: "وحسب الاحصائيات لا يقتصر الانتحار في العراق على الرجال فحسب، بل يشمل النساء لاسيما الفتيات. وفي محافظة ذي قار هناك العشرات من حالات الانتحار العام الماضي، كان أشهرها انتحار شابة في الاعدادية بسبب خلاف مع والدها ومدرستها على العلامات الدراسية الهابطة. وتشيع في معظم مدن العراق حوادث انتحار النساء، لكن غالبيتها لا ترى الضوء، أو يخفيها أصحاب الشأن عبر تغليفها بقصص وحكايات أخرى تجنبا لإشاعة الخبر على الملأ. ورغم اتساع رقعة انتحار النساء في العراق الا انها تمر وسط تكتم شديد حول اسبابها، وذلك اذعانا للأعراف الاجتماعية والقبلية التي لا تزال تحكم المجتمع. وفي حالة نادرة، أقدمت فتاة جامعية في منطقة الصالحية في بغداد على الانتحار بتعليق نفسها بالمروحة السقفية، وتروي طالبة جامعية كيف أن صديقتها تناولت عشرات حبوب الباراستيمول لغرض الانتحار، لأن والدها رفض تزويجها بزميل لها في الجامعة. (انظر: واثق عباس، اندفاع عراقي نحو الانتحار، موقع ميدل ايست أونلاين. بتاريخ 18/05/2014).
وفي مقال موسع للأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح تحت عنوان "في الزمن الديمقراطي.. تضاعف حالات الانتحار في العراق!" جاء فيه بهذا الصدد ما يلي: "نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، وفي مقدمتها محافظة ذي قار التي سجلت 199 حالة في 2013 (القدس العربي). وفي تصريح حديث للقضاء العراقي فقد تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام الماضي بواقع 38، 23، 22 حالة على التوالي (الحرة عراق، 05/07/2017). (أنظر: قاسم حسين صالح، أ. دكتور، في الزمن الديمقراطي.. تضاعف حالات الانتحار في العراق! جريدة المدى، بتاريخ 08/08/2017).
[ملاحظة: اعترض ثلاثة باحثين على مقال الزميل قاسم حسين صالح في رسالة موجهة له وصلت المؤلف وهم د. نصيف الحميري و د. عماد عبد الرزاق و د. محمد عباس، جاء فيها: "1. لا يوجد ما يؤيد تضاعف حالات الانتحار في العراق بل زيادة طفيفة بين السنتين بمقدار. 2. ولا زال العراق ضمن الدول الأقل في نسبة الانتحار حتى في منطقة الشرق الأوسط. 3. ما ورد من أرقام عن كربلاء وذي قار غير دقيق لان المخول بإعطاء الأرقام الدقيقة هو مجلس القضاء الأعلى حيث أن القرار في كوّن الحالة انتحار من عدمه هو قرار القاضي. كذلك يوجد خلط في الأرقام بين المحاولات الانتحارية (عددها أكثر) والانتحار. علما أن هناك تزايد في حالات الانتحار في جنوب العراق ولكن ليس بالأرقام المعلنة بالإعلام. 4. أؤيد ما جاء بمقالك حول ان النسبة الكبرى هي بين الشباب (وجدت دراستنا أنه كانت نسبة المنتحرين تحت عمر 30 سنة 68٪‏ تقريبا). 5. أؤيدك جدا في تحليلك الممتاز لأسباب الانتحار وهو نفس الاستنتاج الذي توصلنا إليه." الرسالة مؤرخة في 08/08/2017. كل المعلومات التي لدينا والمنشورة في مواقع وصحف عراقية وعربية كثيرة تؤكد صحة تحليل الدكتور قاسم حسين صالح من حيث مضاعفة أرقام محاولات الانتحار والمنتحرين فعلياً بالعراق والتي لا تكشف عنها الجهات المسؤولة عن نشر المعلومات بسبب خشيتها من عواقب ذلك السياسية والاجتماعية، إضافة إلى أن الكثير من حالات الانتحار لا تكشف عنها العائلات المبتلات. ولهذا يمكن القول بأن الملاحظات النقدية لا تصمد أمام حقائق الوضع بالعراق مع كل الاحترام للباحثين الثلاثة.  واختلف مع مقال الدكتور قاسم بشأن  "الزمن الديمقراطي" فالعراق لا يعيش في زمن ديمقراطي، بل في ظل الفكر والحكم والسياسات الطائفية المذلة للإنسان المواطن والمجتمع.. كاظم حبيب].
نحن هنا أمام اتفاق عام حول تنامي ظاهرة الانتحار أو محاولاته بالعراق بصورة مقلقة جداً. ولكن يبرز بعض التباين في رؤية الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الظاهرة السلبية في حياة المجتمع العراقي خلال العقود الستة الأخيرة. ومن الجدير بالإشارة إلى أن هناك ندرة في الإشارة إلى حوادث الانتحار في مخيمات النازحين في سائر أرجاء العراق، أي في المخيمات التي سكن فيها النازحون في مدن الوسط والجنوب، إضافة إلى إقليم كردستان. ففي تقرير عن حالات الانتحار بين النازحين بالعراق نشر في العام 2015 جاء فيه تشخيصاً دقيقاً لحالة النازحين عموما حيث أشار إلى ما يلي:
"أفرزت المآسي التي عاشها النازحون العراقيون في المخيمات، خاصة بعد أن غرقت خيامهم بمياه الأمطار مؤخراً، وما سبقها من معاناة حصولهم على العلاجات والغذاء، حصول انهيارات نفسية لدى العديد من النازحين، وصلت حد محاولة الانتحار. وأكد نازحون أن كثيرين وجدوا في الانتحار السبيل الوحيد للخلاص مما يعانونه من "صعوبات ومآسٍ"، واصفين ما لاقوه داخل بلدهم منذ نزوحهم في صيف 2014، بأنها "معاملة غير إنسانية" مشيرين إلى "عدم تأمين مناطق يسكنون بها تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، فيما تنتشر بينهم الأمراض المعدية من جراء ضعف الرعاية الصحية، إن وجدت." (أنظر: عمر الجثماني، "الانتحار".. سبيل النازحين العراقيين للخلاص من حياة المخيمات، تقرير، موقع الخليج أونلاين. بتاريخ 04/11/2015).
أما عضوة لجنة الهجرة والمهجرين النيابية لقاء وردي، فقد صرحت بأن "الحكومة تتحمل مسؤولية عمليات الانتحار في صفوف النازحين، محذرة من مغبة تزايد هذه الحالات في ظل صمت الجهات المسؤولة عن هذه القضية الخطرة. وقالت ووردي ان “عمليات الانتحار التي وصل عددها الى 15 حالة خلال الآونة الاخيرة، بين الرجال والنساء من النازحين، جاءت بسبب الشعور باليأس وعدم قدرتهم على إعالة عوائلهم، نتيجة فقدان المورد المالي وطبيعة الحياة القاسية وفقدان ابسط مقومات الحياة الانسان." (أنظر: لقاء ووردي، المهجرين النيابية تُحمّل الحكومة مسؤولية عمليات الانتحار في صفوف النازحين، موقع الحقيقة، في 18/11/2015).
لا تميز المقالات والدراسات التي تبحث في محاولات الانتحار في مخيمات النازحين بين الأفراد من عائلات مسيحية، أم إيزيدية، أم شبك، أم تركمان، وبالتالي يصعب استخلاص أرقام خاصة بالمنتحرين أو بمحاولات الانتحار بين المسيحيين أو الإيزيديين أو من السكان المسلمين الذين عاشوا تحت وطأة جرائم عصابات داعش. إلا إن بعض الملاحظات التي ترد في تلك المقالات والدراسات يُستشف منها المنتحرات أو المنتحرين هم من أبناء العائلات الإيزيدية أو المسيحية الذين لم يتمكنوا من الانسجام مع الأوضاع الغريبة عن محيطهم الإيزيدي أو المسيحي ومعاناتهم تحت ثقل التقاليد والعادات والظروف الصعبة أو حتى حالات التمييز إزائهم، خاصة حين تكون مخيماتهم في مناطق محافظة حيث يلعب شيوخ الدين المتخلفين دورهم في ذلك.
وفي ضوء ما تقدم وفي دراسة الكثير من التقارير والدراسات، يمكن بلورة مجموعة من العوامل الكامنة وراء محاولات الانتحار المتحققة فعلاً وتلك الفاشلة، سواء أكان بعضها في حالة معينة أم كلها في أغلب الأحيان، إضافة إلى التداخل والتأثير المتبادل فيما بين هذه العوامل أو كلها في النقاط التالية:
1 . كانت وما تزال النظم السياسية التي حكمت العراق طيلة العقود الستة المنصرمة تشكل السبب الأساسي والرئيسي فيما وصلت إليه حالة المجتمع العراقي وشبابه وتفاقم حالات الانتحار، ولاسيما بين الشبيبة. فالشعب العراقي عاش في دولة مستبدة بسلطاتها الثلاث، فغيبت عبرها الحريات العامة والحقوق الأساسية للمواطنات والمواطنين، وصادرت المؤسسات وحولتها إلى أدوات بيد الحاكمين ضد غالبية المجتمع ولصالح الفئات الحاكمة والمتنفذة. وبعد إسقاط دكتاتورية البعث والفرد المطلقة وسياساته الشوفينية والعدوانية، أقيم على انقاضها دولة هشة ونظام حكم سياسي طائفي محاصصي متخلف ومستبد، مارس نهج التمييز والتهميش والإقصاء لأتباع الديانات الأخرى، وأوجد الأرضية الصالحة لصارع سياسي واجتماعي ومذهبي تحول إلى نزاع دموي مرير كلف الشعب العراقي مئات ألوف الضحايا البريئة. إن الفئات الحاكمة تتميز بالرثاثة الفكرية والاجتماعية وتمارس سياسات لا تقود إلا إلى الصراع والنزاع والموت والمرارة والإحباط في نفوس الناس عموماً، ولاسيما الشبيبة.
2.   إن الدستور العراقي الراهن، رغم بعض جوانبه الديمقراطية، يؤسس للتمييز والتهميش والإقصاء في الواقع العملي. كما إن السياسات التي تمارسها الفئات الحاكمة وضعت العراق في مصاف الدول الأكثر فساداً وتخلفاً في العالم والأكثر نهباً لموارد الدولة المالية والأبعد عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى ممارسة الفساد بكل أشكاله، من جهة وواقع استمرار وتفاقم النهب والسلب لموارد البلاد المالية والتفريط بالتنمية، والابتعاد الكبير والاغتراب الفعلي عن مصالح الشعب وإرادته الحرة، من جهة أخرى، هي من ضمن العوامل التي أدت إلى وقوع أجزاء من العراق في قبضة تنظيمات قوى الإرهاب المحلية والإقليمية والدولية الإسلامية المسلحة والإرهاب الحكومي والمليشيات الطائفية الشيعية المسلحة. وقد تجلى ذلك في محاربة أتباع الديانات الأخرى وترويعها بالحرائق والتفجيرات والاغتيالات لدفعها إلى النزوح والهجرة من البلاد. إضافة إلى ممارسة القتل على الهوية واغتيال واسع الناطق لشخصيات علمية وأطباء ومهندسين وكتاب وصحفيين.. الخ.
(ملاحظة: قدم الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح مادة مهمة حول أسباب تفاقم محاولات الشبيبة الانتحارية بالعراق. وهي دراسة مهمة وضرورية. ولكن لا يمكن الاتفاق معه حول الجزء الثاني من الفقرة التي تمس الوضع الراهن بالعراق والتي جاء فيها: "ان يعيش شعب تحت حكم دكتاتوري جاء بانقلاب عسكري يكون فيه الفرد عاجزا عن تغيير حاله، فان اقدامه على الانتحار مسألة فيها نظر، لكن أن تتضاعف اعداده في زمن ديمقراطي جاء بحاكم في انتخابات حرة فتلك مفارقة ما حدثت الا في العراق!". فالعراق الراهن ليس بديمقراطي، وقد حلت به كل هذه الكوارث منذ العام 2003 حتى الوقت الحاضر، كما إن الانتخابات بكل مراحلها ودوراتها لم تكن حرة ولا ديمقراطية، بل مورس فيها مختلف أساليب الرشوة والتزوير والتشويه، أبتداءً من طبيعة الدستور وقانون الانتخابات، ومروراً بتشكيل مفوضية الانتخابات على أساس محاصصي طائفي، وانتهاءً يدعم المرجعيات الدينية وتدخلها الفظ في هذه الانتخابات، إضافة إلى تدخل إيران وغيرها لصالح القوى الطائفية. وما هو جدير بالإشارة أن الزميل قاسم قد كتب عن هذه الدولة الهشة وعن هذا النظام السياسي الطائفي المحاصصي الفاقد للشرعية الكثير من المقالات المهمة من الجانبين الاجتماعي والنفسي، إضافة إلى الجوانب الاقتصادي والسياسية والبيئية. كاظم حبيب (انظر: قاسم حسين صالح، أ. د.، في الزمن الديمقراطي.. تضاعف حالات الانتحار في العراق!"، جريدة المدى، بتاريخ 08/08/2017).     
3.   وتشكل العلاقات الإنتاجية البالية التي استعيد دورها تدريجاً في الثمانينيات من القرن الماضي وتفاقم دورها في أعقاب سقوط الدكتاتورية وتعاظم نشاطها في الريف العراقي وتأثير تقاليدها وعاداتها وسلوكياتها الاجتماعية والاقتصادية على المدن وسكانها أساساً لمزيد من المشكلات للشبيبة. وقد اقترن ذلك بدور متعاظم للمرجعيات والمؤسسات الدينية ولشيوخ الدين في السياسة وفي التأثير المباشر على الحياة السياسية بالاتجاه السلبي المعيق للتطور الاقتصادي والاجتماعي المنشود ولحياة شبابية حرة ومتقدمة. وصاحب ذلك وجود ظاهرتين هما: انتشار الأمية على نطاق واسع والجهل السياسي والاجتماعي والغوص في متاهات حياة غير واعية وخرافات وأساطير وخضوع للمشعوذين من جهة، وغياب التنوير الديني والاجتماعي من جهة أخرى، قد أبعد المجتمع، ولاسيما الشبيبة عن إدراك العوامل التي تتسبب في أوضاعهم السيئة وتمنعهم في وعي أهمية خوضهم النضال ضدها بدلاً من الاستسلام لليأس والقنوط والاكتئاب الذي يدفع بالإنسان إلى محاولة الانتحار ووضع حد لحياته التي يشعر أن لا طائل من ورائها. إنها المحنة الكبيرة لعدد كبير من الشباب والشابات بعراق اليوم.
4.   إن البطالة الواسعة، التي تشمل نسبة عالية من القادرين على العمل، ولاسيما بين الشبيبة، والتي يشير الإحصاء الرسمي إلى إن معدلها بلغ في العام 2016 حوالي 18%، (أنظر: عجز الحكومة وانخفاض أسعار النفط ترفع معدلات البطالة فى العراق إلى 18%، بغداد بوست، 13 كانون الأول/ديسمبر 2016), في حين بلغت في محافظة ذي قار (34%)، (المصدر السابق نفسه) في حين إن الواقع الفعلي يشير إلى إن المعدل أعلى من ذلك بكثير. وغالباً ما يرتبط واقع البطالة المكشوفة، دع عنك المقنعة، مع حالة الفقر التي تعاني منها عوائل العاطلين عن العمل، فعلى وفق الإحصاء الرسمي تبلغ سبة الذي يعيشون تحت خط الفقر المعترف به دولياً للبلدان النامية، إذ أشار عبد الزهرة الهنداوي الناطق باسم وزارة التخطيط إلى أن البطالة ارتفعت إلى 30%. (أنظر: التخطيط: نسبة الفقر في العراق ارتفعت إلى 30% خلال 2016، جريدة المدى، المدى بريس، بتاريخ 09/01/2017).
 في العام 2016 بعد أن كانت 22% في العام 2014. وجاء في تقرير جريدة المدى نفسه حول البطالة قوله "يعاني العراق بطالة كبيرة سواء بين فئة الشباب القادرين على العمل وبين الخريجين الجامعيين، ويعتقد العديد من الخبراء الاقتصاديين أن التقديرات الإحصائية لهؤلاء الشباب لا تعبر بالضرورة عن الواقع الموجود فعلاً..، بمعنى إنها أعلى من ذلك بكثير.( أنظر: المصدر السابق نفسه).
 
5.   ويزداد الأمر سوءاً حين يعاني الإنسان من البطالة والفقر، وهذا لا يعني إن الشبيبة التي تعاني من البطالة والفقر وحدها يمكن أن يتجه بعضهم صوب الانتحار، بل إن الأغنياء، ولأسباب أخرى، يمكن أن يحاول بعضهم الانتحار أيضاً. إلا إن معاناة العاطل عن العمل، وكذلك الفقير، يمكن أن تدفع بالبعض إلى القنوط أو الاكتئاب والإحباط واليائس من تغيير أوضاعه الحياتية والتي توصله بدورها إلى استنتاج خاطئ هو وضع حد لحياته الشخصية.
6.   وتزيد الأمور سوءاً وقوع الشبيبة أسر التقاليد والعادات العشائرية والدينية البالية والخانقة للروح المتحركة والدفاقة والمتطلعة لحياة حرة مليئة بالحب والحياة والحركة والعطاء عند الشبيبة، سواء أكانت رغبته في زواج من يحبها أو من تحيه، وفرض زواج غير مرغوب به، أو حرمان الشبيبة من التمتع بالفنون الإبداعية بذريعة أنها محرمة دينياً، أو حرمان البنات من الرياضة والغناء والرقص وما إلى ذلك بذات الذريعة الدينية والتقاليد البالية، مما يدفع بالشبيبة إلى حالة من القنوط والرغبة في وضع حد لمعاناته بالموت! إنها التقاليد المريضة التي تضع أسواراً أمام تطلعاته العادلة والمشروعة.
7.   وسجل الواقع العراقي خلال الفترة التي أعقبت إسقاط الدكتاتورية عن بروز ظاهرة سلبية أخرى تتلخص بادعاء عائلات الكثير من الشابات بأن بناتهن أقدمن على الانتحار، في حين تشير المعلومات إلى إن العائلات مارسوا القتل العمد ضد بناتهن بذريعة غسل العار لكيلا يقعوا تحت طائلة القانون أو دفعوا بناتهن قسراً إلى الانتحار، ويتم قتلهن بصب البنزين عليهن وإشعال النار بهن بطريقة بشعة ومروعة. وأحياناً لا يمتن ولكن تتشوه اجسامهن بدرجات مختلفة. ومن الجدير بالذكر إن أعمار البنات يتراوح بين 16-30 سنة. وفي تقرير أعده السيدان سامان نوح وموفق محمد لصالح معهد الاستقصاء العراقي (نايريج) بإشراف السيد محمد الربيعي تحت عنوان مثير "محرقة النساء في كردستان تلتهم فتاة كل 20 ساعة"، أورد نماذج كثيرة عن نساء قيل عنهن إنهن حاولن الانتحار ولم يمتن وأجرى مع بعضهن مقابلات صحفية كشفاً عن خبايا هذه الظاهرة. وجاء في التقرير إن "هؤلاء النسوة كن ضحايا ظاهرة الانتحار حرقاً التي يقول خبراء اجتماع، وناشطون مدنيون، وجهات رسمية معلنة أو فضلت عدم الكشف عن هوياتها، إن معدلاتها ما زالت ترتفع في شكل كبير بسبب عجز المؤسسات الحكومية والدينية والعشائرية والمدنية عن إيقافها، لتصبح هذه الظاهرة التي عرفت بـ «محرقة النساء» واحدة من أبرز المظاهر المأسوية التي ارتبطت بنساء منطقة كردستان العراق خلال الـ 20 سنة الأخيرة." (أنظر: سامان نوح وموفق محمد، محرقة النساء في كردستان تلتهم فتاة كل 20 ساعة، تحقيق بإشراف محمد الربيعي، معه الاستقصاء العراقي، بتاريخ 24/11/2011).
8.   وخلال فترة الحروب والحصار الاقتصادي الذي تعرض له العراق في فترة حكم البعث الدكتاتوري تفشت بالعراق ظاهرة تعاطي المخدرات والحبوب، خاصة مع بدء الحملة الإيمانية التي فرضها الدكتاتور المطلق صدام حسين على المجتمع العراقي. ألا إن هذه الظاهرة، التي وجدت بسبب الحروب والأوضاع المأساوية والهروب من الواقع المريع، قد تفشت على نطاق واسع ولاسيما بين الشبيبة، بعد أن انفتحت الحدود بين العراق وإيران على مصراعيها، حيث تأتي من أفغانستان وإيران إلى العراق لتباع فيها، ومنها ما يصدر إلى دول الخلج ويباع فيها، كما يصدر منها إلى بقية الدول العربية والعالم. وتشير الكثير من المعلومات إلى إن جهات كثيرة تمارس بيع المخدرات سراً، ولاسيما جماعات الجريمة المنظمة المحمية بمجموعة من المسؤولين ارتباطاً بالفساد المستشري بالعراق. وجاء في تقرير نشر في جريدة المدى بهذا الصدد ما يلي:
" تقارير حديثة لمكتب مكافحة المخدرات التابع للأمم المتحدة أكدت أن هناك ممرين رئيسيين لدخول المخدرات نحو العراق الذي تحوَّل إلى مخزن تصدير تستخدمه مافيا المخدرات، مستفيدة من ثغرات واسعة في حدود مفتوحة وغير محروسة، فالعصابات الإيرانية والأفغانية تستخدم الممر الأول عبر الحدود الشرقية التي تربط العراق مع إيران، أما مافيا تهريب المخدرات من منطقة وسط آسيا فتستخدم الممر الثاني وصولا إلى أوروبا الشرقية إضافة إلى ذلك هناك الممرات البحرية الواقعة على الخليج العربي الذي يربط دول الخليج مع بعضها. وأضافت التقارير أن العراق لم يعــد محطة ترانزيت للمخدرات فحسب، وإنما تحوَّل إلى منطقة توزيع وتهريب، وأصبح معظم تجار المخدرات في شرق آسيا يوجهون بضاعتهم نحو العراق، ومن ثم يتم شحنها إلى الشمال، حيث تركيا والبلقان وأوروبا الشرقية، وإلى الجنوب والغرب، حيث دول الخليج وشمال أفريقيا." (أنظر: حسين عمران - تصوير/ محمود رؤوف، كل شيء عن المخدرات فـي العــراق .. أنواعها ... مصدرها.... وطرق دخولها تقرير، جريدة المدى العراقية، بتاريخ 27/05/2015). وتؤكد مصادر كثيرة إلى أن الحبوب المخدرة (حبوب الكريستال بأنواعها الكثيرة) هي الأخرى اجتاحت العراق والتي تحمل معها مخاطر إضافية إلى الشبيبة العراقية والتي تسببت في الكثير من حالات الانتحار بين الشباب. (أنظر: " الكريستال المخدر” يجتاح البصرة ومطالبات باستحداث قسم متخصص بمكافحة المخدرات، عراق برس، بتاريخ 02/01/2017).
9.   وتشير المعلومات المتوفرة عن حالة أهل الموصل والنازحين من عموم نينوى، بسبب الإرهاب الدموي الذي تعرضوا له خلال فترة هيمنة عصابات داعش على المنطقة، وبسبب السياسات الطائفية والصراع الطائفي قبل ذاك، ومن ثم في أثناء حرب تحرير هذه المناطق، إلى تفاقم الحالات التالية:
** تفاقم الأمراض والعلل الصحية والنفسية لدى الشبيبة، ولاسيما النساء، وتنامي الرغبة في الخلاص من هذه الأوضاع والأحزان من خلال الانتحار أو الهروب من الواقع بما يتسبب في اختلالات عقلية ونفسية.
** تفاقم حالات التشرد والتسول والاستعداد الكامل لبيع الجسد من الشبيبة من الإناث والذكور بهدف الحصول على لقمة عيش لهم ولعائلاتهم، لاسيما وأنهم لا يملكون مصدراً للعيش ولا عمل يوفر لهم أجراً.
** وأن عدداً متزايداً من الشبيبة بدأ يستخدم المنشطات والمخدرات لغرض تجاوز المحن التي يعيشون تحت وطأتها والتي بدورها تستوجب مورداً مالياً مما يندفع إما إلى الالتحاق بمنظمات إرهابية للحصول على ذلك المورد، أو بيع الجسد أو التوجه صوب السرقة لتغطية حاجاته.
** إن الأجيال التي ولدت ي العهد البعثي وتلك التي ولدت في أوائل إسقاط الدكتاتورية حتى الوقت الحاضر هي أجيال ولدت في ظل الحروب والحصار والدمار والفساد والإرهاب والتمييز، وتلك التي ولدت في ظل احتلال عصابات داعش، مما يجعلهم عرضة لشتى الانفعالات وشتى الأمراض والعلل الاجتماعية والاختلالات النفسية، وهي ضمن العوامل التي تقود إلى نزوع جامح للتخلص من الحياة، بسبب معاناتهم غير الإنسانية في مخيمات النازحين في المدن العراقية المختلفة والتي يحاول مسؤولو تلك المخيمات التغطية عليها..
إن الاستبداد السياسي والحروب والحصار الاقتصادي والاحتلال والإرهاب والفساد الواسع النطاق والمحاصصة الطائفية وخيبات الأمن وفقدان الأعزاء، والإحساس الصارخ بالتمييز والتهميش والإقصاء والعيش في أجواء عدم العدالة والمساواة، ولاسيما حياة النساء ومعاناتهن المركبة، والمعاناة من الظلم والإهانة اليومية، ومن حالة الفقر والبطالة والفراغ القاتل للشبيبة، كلها وغيرها عوامل تقود الإنسان، ولاسيما الشبيبة، إلى الوقوع ضحايا لعلل اجتماعية شتى وأمراض نفسية وعقلية (عصبية) واحساس بالدونية أو فقدان الثقة بالنفس والأمل بتغيير أوضاعه الصعبة، تدفع بالإنسان إلى التفكير بمحاولة الانتحار لوضع حد لمعاناته في دولة لا تحترم حقوقه ولا تستجيب لحاجاته أو تعتني به. وبهذا الصدد اشار الباحث العراقي الدكتور رافد الخزاعي إلى أسباب الانتحار وقسمها إلى مجموعتين:
"- حوالي 35% من حالات الانتحار ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب والفصام والإدمان.
 - و65% يرجع إلى عوامل متعددة مثل التربية وثقافة المجتمع والمشاكل الأسرية أو العاطفية والفشل الدراسي والآلام والأمراض الجسمية أو تجنب العار أو الإيمان بفكرة أو مبدأ كالقيام بالعمليات الانتحارية." (أنظر: ناقوس يدق الخطر.. انتحار النساء ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب والفصام والموقع كلدايا.نت بتاريخ 24/09/2012).
وعلينا هنا أن نضيف إلى أن واقع المناطق التي احتلت والعائلات النازحة إلى مناطق مختلف من العراق وفي المخيمات التي ينقصها الحياة الأدمية الطبيعية والمنغصات اليومية قد ساعدت إلى حدود بعيدة بتفاقم حالات الانتحار بين الشبيبة، ولاسيما النساء، والتي لا بد من دراستها وإيجاد السبل لمعالجتها، رغم عجز النظام القائم بمواجهة وحل هذه المعضلة بسبب طبيعته الطائفية السياسية ونهجه السياسي والاجتماعي والأوضاع الاقتصادية السائدة. 
 
 
 
 



14
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
3-6 معاناة النساء والأطفال النفسية والاجتماعية

تحت تصرف الكاتب مجموعة كبيرة من التقارير الواقعية حول أوضاع النساء العراقيات المرير اللواتي أجبرن على النزوح من الموصل وباقي مدن وقرى وأرياف محافظة نينوى والتي تشير إلى الواقع التالي:
** أعداد غفيرة من النازحات والنازحين يعانون من مشكلات صحية وأوضاع نفسية معقدة، وبشكل خاص بين النساء والأطفال، وهم يشكلون الغالبية العظمى من النازحين، إذ يشكل الأطفال والصبية والشباب نسبة كبيرة من عدد النازحين والذين حرموا من التعليم والدراسة وحتى العمل، وعاشوا البطالة والتسرب من التعليم والتشرد. ففي تقرير أنجزته الدكتورة نهلة النداوي، يعبر عن مصداقية كبيرة لاعتماده على تقارير دولية ودراسات مهمة، إذ جاء بهذا الصدد ما يلي: "حسب التقرير الأخير الرقم 49 –  الذي نشر أثناء إنجاز هذه الورقة –  إنّ عدد النازحين قد تجاوز ثلاثة ملايين نسمة.  وتؤكد التقارير المنشورة من أكثر من جهة، إن عدد النساء النازحات أكثر من نصف عدد السكان النازحين، أي بنسبة 51%، حيث تكشف متابعة عينية-  الفئات العمرية للنساء النازحات حتى شباط   2015 – أنّ: (37% منهن تتراوح أعمارهن بين (1 – 15 سنة) تليها (34 %) تتراوحن أعمارهن بين (25 – 59) سنة، تليها (21 %) بين (15 - 24 سنة)، فيما يلاحظ انخفاض نسبة النساء في عمر 60 سنة، إذ شكّلن نسبة 8%، علماً بأنّ معدّل الأعمار في العراق 70 عاماً. وممّا يلفت النظر إلى أنّ النساء الكبيرات السن قد يكن قد فضّلنَ البقاء في مناطق الصراع. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الأخبار عن هذه الفئة العمرية تغيّب كثيراً في كل الأبحاث. مثلما تجدر الإشارة إلى أنّ ارتفاع معدّل الفئات الشابة من النازحات قد قلّل فرص التعليم للبنات" (أنظر: نهلة النداوي، دكتورة، أوضاع النساء العراقيات في مناطق سيطرة تنظيم داعش، موقع الشرق الأوسط الديمقراطي، بتاريخ 20/01/2017).
 وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن عدداً كبيراً من النساء بالموصل قد جرى اغتصابهن وقتلهن على أيدي عصابات داعش. (أنظر: المصدر السابق نفسه). إضافة إلى تلك الجرائم البشعة التي ارتكبت بحق النساء الإيزيديات واللواتي زاد عددهن عن عدة ألاف امرأة إيزيدية جرى اختطافهن واغتصابهن وبيعهن في سوق النخاسة الإسلامي!!! وعلينا أن نشير هنا إلى أن عصابات داعش الإسلامية كانت تقوم باغتصاب البنات القاصرات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 9 – 15) سنة، على اعتبار إن الإسلام يبيح ذلك شرعاً! ومن الضروري أن نشير هنا إلى التوافق بين فقه داعش السني وفق الشيعي الداعشيين، إذ أنهما يبيحان زواج البنات القاصرات ابتداءً من عمر 9 سنوات. ولكن الفقه الشيعي يبيح أبشع من هذا حين يرد لدى روح الله الخميني في كتابه الموسوم "تحرير الوسيلة"، المسألة 12، ص 241، ما يلي:
"لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواما كان النكاح أو منقطعا، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة، ولو وطأها قبل التسع ولم يفضها لم يترتب عليه شئ غير الإثم على الأقوى، وإن أفضاها بأن جعل مسلكي البول والحيض واحدا أو مسلكي الحيض والغائط واحدا حرم عليه وطؤها أبدا لكن على الأحوط، في الصورة الثانية، وعلى أي حال لم تخرج عن زوجيته على الأقوى، فيجري عليها أحكامها من التوارث وحرمة الخامسة وحرمة أختها معها وغيرها، ويجب عليه نفقتها ما دامت حية وإن طلقها بل وإن تزوجت بعد الطلاق على الأحوط، بل لا يخلو من قوة، ويجب عليه دية الافضاء، وهي دية النفس، فإذا كانت حرة فلها نصف دية الرجل مضافا إلى المهر الذي استحقته بالعقد والدخول، ولو دخل بزوجته بعد إكمال التسع فأفضاها لم تحرم عليه ولم تثبت الدية، ولكن الأحوط الانفاق عليها."، فهل هناك أكثر فحشاً وعدوانية واغتصاباً بحق طفولة البنات من هذه الفتوى الجائرة. هذا الفحش هو بالضبط ما يدعو له حزب الفضيلة ورئيسه الشيخ محمد اليعقوبي ونوابه في مجلس النواب العراقي وبقية الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية أيضاً!!!، مع العلم إن الفقه السني يوافق أيضاً على زواج القاصرات من عمر 9 سنوات، وهي الكارثة التي تواجه العائلات التي توافق على اغتصاب بناتهن بهذا العمر من رجال من مختلف الأعمار!!   
** كما يعاني الكثير من الأطفال والصبية النازحين من علل نفسية ومن مرض الكآبة وكوابيس الحرب والإرهاب والقتل والعنف المرعبة التي تعرضوا لها طيلة الفترة المنصرمة وصعوبة النوم ليلاً، إضافة إلى الحرمان من التعليم في جميع مراحله والتغذية السيئة. وفي تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) حول التعليم بالعراق جاء فيه "إن المدير الإقليمي لليونيسف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا گيرت كابيليري قال .. يعاني أطفال العراق من فترات صراع طال أمدها، ومن دون فرص متساوية في الحصول على التعليم الجيد، يصبح الأطفال عرضةً للخطر، ونحن نتحدث عن ضياع جيل كامل من الأطفال. وحيث يفتقر 3,5 مليون طفل عراقي في سن الدراسة إلى التعليم، مما يعني أنهم يصبحون أكثر عرضةً لعمالة الأطفال والمالية من قبل الجماعات المسلحة وذلك بسبب الإهمال الحكومي والسياسات الخاطئة التي تنتهجها الحكومات العراقية." (أنظر: اليونيسيف: أكثر من 3.5 مليون طفل عراقي يفتقرون للتعليم، موقع بغداد بوست في 23 أيار/مايس)2017.
  يضاف إلى ذلك احتمال كبير بالتحاق بعضهم بجماعات الجريمة المنظمة كالسرقة والنهب والقتل وما إلى ذلك، بسبب حالة الفقر والتشرد وتعاطي المخدرات. وأضاف "كابيليري أن الاستثمار في التعليم يفي بحق أساسي من حقوق الإنسان لكل بنت وولد، وضروري لتنمية وتقدم البلاد وهو أفضل دواء ممكن ضد التطرف" (أنظر: المصدر السابق نفسه). وهناك تقرير حديث عن اليونيسيف يشير إلى الواقع التالي: "أن هناك 4.9 مليون طفل عراقي مهدد اليوم بسبب النزاعات والجوع؛ 1.49 مليون منهم دون سن الخامسة. وتقول منظمة الهجرة الدولية إن 55 في المائة من النازحين من الموصل أطفال. ومن القضايا التي تهدد مستقبل العراق - بل المنطقة - عدم حصول مئات الآلاف من أطفال العراق على التعليم؛ وحتى من يحصل على التعليم، فهو في غالب الأحيان بمستوى رديء. هؤلاء هم أطباء ومعلمو ومهندسو العراق مستقبلاً... فماذا يحل بالبلاد من دونهم؟" (أنظر: مينا العريبي، شدة المأساة على أطفال الموصل، جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 4/تموز/يوليو 2017). وبحسب تقرير للأمم المتحدة بعنوان «تكلفة التعليم»، "فإن العراق الدولة التي تخصص أقل نسبة من الإنفاق العام على التعليم؛ إذ مثّل الإنفاق العام على التعليم بين عامي 2015 و2016 (5.7) في المائة فقط من مجموع الإنفاق الحكومي. ومن المثير أن نصف الأطفال في مخيمات النازحين لا يحصلون على أي تعليم رسمي. " (المصدر السابق نفسه).
** كما إن مئات الآلاف من الأطفال يعانون من نقص الغذاء ويعانون من سوء التغذية، ومن أزمة صحية ونفسية. ويذكر التقرير عن الأطفال في زمن الحرب بالعراق إلى الواقع التالي: "في تقرير لليونيسف صدر في يونيو/حزيران 2016، ورد تحذير بأن العراق "من أخطر الأماكن في العالم على الأطفال"، إذ يوجد 3.6 مليون طفل في خطر الموت والإصابة والعنف الجنسي والاستغلال." (أنظر: التقرير العالمي 2016. موقع مرصد حقوق الإنسان. أخذ المقتطف بتاريخ 24/07/2017). ثم يضيف التقرير إلى حالة الأطفال بالفلوجة فيذكر: "في مارس/آذار 2016 وقت أن كانت الفلوجة تحت سيطرة داعش، قال مصدر طبي بمستشفى الفلوجة العام إن الأطفال الجائعين يتجمعون في المستشفى المحلي، إذ لم يعد هناك أي طعام متوفر وأصبح الأهالي يأكلون الخبز المصنوع من البذور التي يجمعونها من الأرض والحساء المصنوع من العشب" (المصدر السابق نفسه). وعلى القارئ والقارئة أن يربطا بين الجوع والوضع الصحي من جهة، والوضع النفسي والعصبي للطفل العراقي الذي لم يمر باجتياح واحتلال داعش فحسب، بل وما مرّ به خلال ثلاثين عاماً بأكثر من حرب ودمار وموت وجوع وحرمان، ومنها تلك السنوات العجاف التي عاشها الأطفال في فترة الحصار الدولي الكامل على العراق بين 1991 و2003.
** ولا بد من عمل الكثير لاحتضان النساء اللواتي تعرضن للإرهاب والسبي والاغتصاب منذ الاجتياح حتى استعادتهم بطرق شتى وانقاذ جمهرة كبيرة منهن حتى الآن وتوفير العلاج الطبي النفسي لهن وإدماجهن بالمجتمع. فعلى سبيل المثال لا الحصر يشير تقرير للأمم المتحدة إلى النساء الإيزيديات اللواتي أمكن انقاذهن من براثن داعش ما يلي:
"العديد من النساء والفتيات الإيزيديات اللائي هربن من داعش ونزحن إلى إقليم كردستان العراق يفتقرن لخدمات الصحة النفسية والخدمات النفسية-الاجتماعية الكافية. رغم توفير بعض الخدمات للنساء اللائي أصبحن حوامل أثناء أسرهن، فإن خدمات الإجهاض الآمن والقانوني غير متوفرة. يسمح القانون العراقي بالإجهاض فقط في حال الضرورة الطبية، مثل أن يمثل الحمل تهديدا لحياة الأم، لكن ليس في حالات الاغتصاب." (أنظر: التقرير العالمي 2016. المصدر السابق نفسه. موقع شبكة خلك الإعلامية، بتاريخ 02/08/2016).
** وتشير المعطيات المتوفرة إلى تزايد عدد الأرامل من النساء اللواتي فقدن أزواجهن لأسباب كثيرة بما فيها الحروب والاستبداد والعمليات الإرهابية. فقد جاء في تصريح للسيد عبد الزهرة الهنداوي بشأن الأرامل والأيتام من الأطفال ما يلي: "أعلنت وزارة التخطيط العراقية، ان عدد الارامل والايتام في العراق بلغ اكثر من مليون واربعمئة الف يتيما وارملة، مشيرة إلى أن الاحصائية أعدت بالتعاون مع البنك الدولي.
وقال المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي في حديث صحافي لوكالة المدى، إن عدد الاطفال الأيتام الذين تم تسجيلهم لغاية عمر 17 عاما بلغ 600 الف ماعدا محافظتي الأنبار ونينوى، فيما بلغ أعداد الأرامل 850 الف ارملة ولا يشمل المحافظتين المذكورتين آنفا. وتابع الهنداوي أن ملف الأرامل واليتامى من الملفات المتحركة بمعنى انه قابل للزيادة والنقصان، مبينا أن هذه الأعداد تمثل ناقوس خطر فيما أذا أضيفت محافظتا الأنبار ونينوى فأن أعداد الأرامل واليتامى قد يصل إلى أكثر من مليون أرملة." (أنظر: ارتفاع عدد المطلقات والأرامل والأيتام في العراق، موقع شبكة خلك الإعلامية، 20/08/2017).

  وكذلك عدد النساء المطلقات سنوياً. وهذه الإشكالية تقترن بالفقر من جهة، وبالتوترات النفسية والعصبية التي تعاني منها العائلة وانعكاساتها على العلاقة بين الزوجين وإزاء الأطفال في فترة الحرب والصراعات السياسية والطائفية من جهة ثانية. ويشير القضاء العراقي إلى حصول 700000 حالة طلاق في الفترة 2004-2014، أي بمعدل سنوي قدره 70 ألف حالة طلاق. وفي العام 2016 سجلت 53182 حالة طلاق، وهي أعلى نسبة منذ العام 2012، إذ بلغت 59500 حالة طلاق في فترة حكم المالكي في العام 2011. (أنظر: ازدياد نسب الطلاق في العراق بسبب الفقر، تقرير/ موقع يقين للأنباء. 14 تموز/يوليو 2017).
ويشير تقرير نشر في موقع "شبكة خلك الإعلامية" إلى تصرح القاضي عبد الستار بيرقدار حول أسباب تفاقم حالات الطلاق قوله: "أن أبرز اسباب تصاعد حالات الطلاق هي التغييرات الحادة التي تعصف بالمجتمع العراقي خلال السنوات الاخيرة ومنها الأزمات المالية والحروب وعجز الرجال عن توفير احتياجات العائلة أو عدم اعتماد الزواج على مقاييس صحيحة مثل التقارب في العمر أو الثقافة والمستوى الاجتماعي او زواج الشباب الصغار الذين يحصلون على الأموال عن طريق العمل مع الجماعات المسلحة او العصابات ثم ينقطع المورد عنهم أو بسبب اعتقال الأزواج في السجون لمختلف الأسباب أو تعدد الزوجات دون علم الزوجة وغيرها." (أنظر: تقرير: ارتفاع عدد المطلقات والأرامل والأيتام في العراق، موقع خلك الإعلامي مصدر سابق).
ليست هذه الأوضاع التي نشأت بالعراق من صنع الله الذي يؤمن به حكام العراق الجدد، بل هو من صنعهم بشكل مباشر، وهم المسؤولون عنه ويجب محاسبتهم، إذ لولا سياساتهم الطائفية الممعنة بالحقد والكراهية والتمييز الديني والمذهبي، والفكري والسياسي والفساد السائد لما حصل ما هو قائم حالياً بالعراق ولما انتهى إليه وضع النساء العراقيات ووضع الأطفال. إن النظام السياسي الذي تسبب بكل ذلك، وتلك الأحزاب الإسلامية السياسية التي قادت "العملية السياسية!" بالعراق حتى الآن، لا يمكن أن تكون المنقذ للعراق من هذه الأوضاع المزرية والجرائم التي ارتكبت بحق النساء والأطفال وعموم المجتمع العراقي ومعاقبة المتسببين بها.
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة.       

15
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
2-6
المجموعة الأولى من المشكلات القائمة

تشير المعطيات المتوفرة والرسمية إلى أن الفترة الواقعة بين منتصف عام 2014 ومنتصف عام 2017، أي بعد اجتياح داعش للموصل وأثناء تحرير الموصل من قبضة داعش، تصاعد حجم النزوح داخل العراق. ففي تصريح للدكتور سعد الحديثي، الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية، أكد إن عدد النازحين بالعراق بلغ 4,3 مليون نسمة في الفترة بين 2014 والشهر الثاني من 2017. (أنظر: سعد الحديثي، عدد نازحي العراق 4,3 مليون نسمة. موقع اليوم السابع بتاريخ 23 أذار/مارس 2017). ثم صرح وزير الهجرة والمهجرين جاسم محمد الجاف إلى نزوح أكثر من 670 ألف نازح من الموصل حتى شهر أيار/مايو 2017. (أنظر: جاسم محمد الجاف، عدد نازحي الموصل 670 نسمة، موقع الجزيرة بتاريخ 26/02/2017). أما تقارير الأمم المتحدة فقد أشارت إلى الآتي: "بلغ عدد النازحين الكلي 854,327 نازحاً منذ بدء العمليات في الموصل في 17 تشرين الأول/أكتوبر2016. إن تقدير المستوى الأعلى للشركاء في المجال الإنساني فيما يتعلق بعدد الأشخاص الذين سيتضررون من القتال في مدينة الموصل كان مليون شخص." (أنظر: الأزمة الإنسانية في الموصل، الأمم المتحدة-العراق، 14 حزيران/يونيو 2017). وهو الرقم الأكثر صواباً والأقرب إلى الواقع.
وكما أشير، سوف لن يكون في مقدور الحكومة العراقية، ببنيتها وطبيعتها الراهنة، تجاوز المشكلات التي نشأت والمصاعب الاجتماعية والنفسية التي نشأت أو تراكمت عبر الاحتلال، الذي استمر أكثر من ثلاث سنوات للموصل ولسكان المناطق الأخرى من محافظة نينوى، في حين عانت محافظات أخرى من هيمنة وتأثير مباشرين وفعليين لفترة أطول، وإيجاد الحلول العملية لما سيواجهه سكان تلك المحافظات من مشكلات اجتماعية ونفسية. فهذه المناطق التي تعرضت للاغتصاب والسبي والعنف المستمر والتربية الدينية المتطرفة والدمار الواسع تعاني اليوم ولفترة قادمة من مشكلات البنية التحية والخدمات الأساسية والأوضاع النفسية والعلاقات العشائرية المعقدة والمتشابكة والعلاقات الدينية والقومية التي ازداد تعقيدها.
أولاً: مشكلات السكن والبنية التحتية والخدمات : تشير المعطيات المتوفرة إلى الواقع التالي:
** دمار واسع النطاق لأغلب المناطق السكنية التي تعرضت للقتال والتدمير المتعمد من جانب عصابات داعش، وبالتالي يصعب إعادة هؤلاء النازحين إلى مناطق سكناهم دون توفير الحد الأدنى من إمكانية السكن الآدمي لهذا العدد الغفير من النازحين. ويقدر حجم الدمار بما يتراوح بين 70 - 80% من المناطق السكنية. (أنظر: مدينة الموصل المدمرة. طائرة من دون طيار تصور أحياء الموصل المحررة،
https://arabic.rt.com/videoclub/886736-%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88-%D9%8A%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D8%AD%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%84/.).
 وفي مناطق أخرى يصل إلى 90 %.  وقد تسنى لي زيارة مدينتي تلسقف (تل أسقف) وباطنايا، وسكانهما من أتباع الديانة المسيحية، برفقة أعضاء المؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق،  للاطلاع على حجم الدمار الذي حلّ بناس وبمباني هذه المدينة وشوارعها ودور عبادتها ومدارسها والخدمات الأخرى فيها، إضافة إلى ما كتب على جدران كنائسها من الداخل والخارج وعلى جدران بيوتها من جمل عنصرية وعدوانية مناهضة للمسيحيين ووجودهم بالعراق. والرؤية المباشرة للمدينة تؤكد أن 85 % من المباني ودور السكن قد هُدّمت بالكامل، وأن ما تبقى منها لم يعد قابلاً للسكن فيه، وهو حال الكثير من المدن الأخرى في سهل نينوى، مثل تلسقف، وسنجار، وبرطلة، وقرَقوش (بغديدا)، وكرمليس، وتلكيف وغيرها. (ملاحظة: في يومي 1 و2 من الشهر الخامس (أيار) 2017 عقد المؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق في مدينة عنكاوا التابعة لمحافظة أربيل في يومه الأول، في حين التم أعضاء المؤتمر في مدينة تلسقف في سهل نينوى في يومه الثاني احتفاءً بتحريرها من عصابات داعش وتضامناً مع سكانها المسحيين الذين عانوا الأمرين على ايدي وحوش داعش، حيث تم فيها انتخاب الأمانة العامة للهيئة. كاظم حبيب).

** دمار شامل للبنية التحتية كالمستشفيات والمستوصفات والمدارس والكليات والمعاهد ومياه الشرب والكهرباء...الخ. وبهذا الصدد أشار "مدير بلدية الموصل، عبد الستار خضر حبو إبراهيم الحبو، في تصريح له اليوم، إن أكثر من 90% من البنى التحتية والخدمات العامة في المدينة دمرت خلال الحرب مع "داعش"، كما أن حوالي 70% من الملكيات الخاصة تم إتلافها.. مشيرا إلى أن قيمة الخسائر التي شهدتها الموصل تقدر بمليارات الدولارات. ولفت إلى أن تحقيق "الاستقرار" في الجانب الغربي من المدينة، وما سيرافقه من عودة توفير خدمات المياه والكهرباء والخدمات العامة بشكل جزئي للمواطنين يتطلب بين ثلاثة وأربعة أشهر على الأقل.. مشددا على أن ملامح الموصل، ثانية كبريات المدن العراقية، تغيرت بالكامل و"أصبحت دمارا". (أنظر. دمار في الموصل، 90% من البنى التحتية في الموصل تعرضت للدمار، تقرير، موقع بوابة الشرق الإلكترونية، بتاريخ 19/07/2017)


.
 
** وجاء في تقرير لقناة بغداد حول مياه الشرب ما يلي: "يواجه الآلاف من أهالي الموصل أزمة صحية بسبب استخدامهم المياه الملوثة من نهر دجلة بعد توقف محطات التصفية المدمرة. ويقول سكان محليون إن مياه النهر تتسبب في حالات تسمم كل يوم باعتبارها ليست صالحة للشرب، كما أن هناك المئات من حالات الإسهال، مبدين مخاوفهم من زيادة الحالات مع حلول فصل الصيف. وقال مسؤولون في مديرية ماء نينوى إن الأسباب التي أدت إلى انقطاع الماء عن أحياء في الموصل، تعود إلى توقف مشاريع الضخ لانقطاع التيار الكهربائي وتوقف مولدات عمل الطاقة الكهربائية بعد نفاد الوقود المخصص لها." (أنظر: تقرير: دمار البنية التحتية يجبر سكان الموصل على شرب المياه الملوثة، موقع موجز العرب، عن قناة بغداد، بتاريخ 13 أيار/مايس 2017). كما إن دماراً واسع النطاق تعرضت له شوارع وطرق وأزقة وساحات مدينة الموصل وبقية المدن التي تعرضت لإرهاب داعش والتي سوف تستغرق وقتلاً طويلاً للتخلص من الأنقاض وإعادة الإعمار.
** المصاعب الكبيرة التي تواجه توفير المواد الغذائية لهذا العدد الكبير من السكان، في وقت تعاني الزراعة من تخلف شديد وشحة في المياه، وليست هناك صناعة فعلية وخراب واسع النطاق، إضافة إلى تكاليف الحرب وصعوبة توفير الموارد المالية لتأمين الغذاء للمجتمع وقواته المسلحة، لاسيما وقد تراجع سعر البرميل الواحد من النفط الخام في أسواق النفط العالمية، مما أدى إلى انخفاض شديد في إيرادات الدولة التي تعتمد على النفط الخام بنسبة عالية في تكوين دخلها القومي من جهة، وإلى ارتفاع المديونية الخارجية للدولة العراقية من جهة ثانية، وإلى تراجع شديد في معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي من جهة ثالثة، والتي اقترنت بدورها في انخفاض القدرة الشرائية للغالبية العظمى من السكان، لارتباطه بالتضخم المرتفع في أسعار السلع وال
خدمات، إضافة إلى تدهور قيمة صرف الدينار العراقي امام الدولار الأمريكي من جهة رابعة.
إضافة إلى كل تلك المصاعب الناتجة عن الخراب الشامل تقريباً الذي حلَّ بالموصل وبقية المدن والقرى التابعة لمحافظة نينوى، فأن هناك عوامل أخرى تعرقل عودة النازحين إلى ديارهم، إذ "لا يزال الخوف والقلق موجود في صفوف العائدين .. الى جانب الاهمال التام بموضوع اعادة بناء ما دمره الارهابيون والعمليات العسكرية .. كما أن هناك اعداداً كبيرة تخاف من العودة لا سيما في الجانب الايمن (المنطقة القديمة) .. وبيوتهم مدمرة للغاية.. اما مناطق سهل نينوى برطلة قره قوش كرمليس رجعت الكثير من العوائل المشكلة الان الحشد الشبكي الذي يقوده النائب حنين القدو بدأوا بممارسة اساليب استفزازية + تحرش + اسلوب جاف في السيطرات + رفع رايات مذهبية بشكل غير طبيعي الخ .. الناس جدا مستائين منهم ومنهم من يفكر بالرجوع الى عنكاوا" (راجع: كاظم حبيب، وماذا يجري بالموصل ونينوى بعد الانتصار المعلن على داعش؟ الحوار المتمدن).
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة

16
كاظم حبيب
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
1-6

لم يعد إنسان عراقي عاقل لا يدرك إن ما حصل بالعراق من كوارث وعواقب مدمرة ومآسي وقتل ونزوح وتهجير واستباحة واغتصاب واستعباد خلال الأعوام المنصرمة، سواء أكان في مجال الصراع الطائفي بين المسلمين على أساس مذهبي، أم ممارسة التمييز الديني، أم التمييز ضد المواطنات والمواطنين باعتماد الهويات الفرعية المتصارعة والقاتلة، أم بانتشار الفساد على نطاق العراق كله وعلى ايدي المسؤولين أولاً وقبل كل شيء، ومن ثم انتشار مستمر للإرهاب الحكومي وغير الحكومي، وصولاً إلى تسليم محافظات غرب العراق ومحافظة نينوى وعاصمتها الموصل إلى عصابات داعش الغازية، كان سببه وجود نظام سياسي طائفي مقيت وممارسته للمحاصصة في توزيع سلطات الدولة الثلاث ومؤسساتها على أساس طائفي واثني في آن واحد. وأن هذا النظام مازال قائماً وفاعلاً ومؤذياً للفرد العراقي وللمجتمع. وأن المشكلة تكمن لا في طبيعة النظام الطائفي القائم فحسب، بل وفي النهج والسياسات التي يمارسها، ولاسيما الهيمنة على السلطات الثلاث من قبل السلطة التنفيذية، والدمج بين الدين والدولة ووجود أحزاب سياسية محرمة دستورياً بسبب قيامها على أساس ديني ومذهبي طائفي سياسي، إضافة إلى وجود ميليشيات طائفية مسلحة تهيمن على حركة السكان في مدن وأرياف العراق.
إن السنوات المنصرمة وأحداثها المريرة، سواء باحتلال أجزاء من العراق أم بحرب تحريرها العسكري، وضعت البلاد في المرحلة الراهنة أمام ثلاث مسائل كبيرة هي:
المسألة الأولى: عواقب استمرار النهج السياسي الطائفي الذي مورس منذ العام 2004 بالعراق حتى الآن وما خلفه من مشكلات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية ونفسية وبيئية، وعجز هذا النظام عن مواجهة تلك العواقب والذي يطرح ضرورة تغييره، والذي اقترن بوجود أحزاب إسلامية سياسية طائفية تهيمن على الحكم ولها ميلشياتها الطائفية المسلحة وسبل التخلص من ذلك.
المسألة الثانية: ما خلفه احتلال داعش من عواقب دينية واجتماعية ونفسية وصراعات مذهبية وقبلية وعنف وتوفر سلاح هائل بتلك المناطق التي كانت تحت احتلاله، وتداعياتها السياسية والإدارية والاجتماعية والنفسية وسبل معالجتها، مع حقيقة ان النظام القائم، بسبب طبيعته ونهجه، عاجز حقاً عن معالجتها، بل يزيد وجوده في الطين بِلَة، ما لم يجر تغيير هذا النظام السياسي الطائفي لصالح دولة ديمقراطية علمانية، أي دولة تفصل بين السلطات الثلاث وتفصل بين الدين والدولة، وإقامة مجتمع مدني ديمقراطي حديث.
المسألة الثالثة: سبل إعادة إعمار المناطق التي تعرضت للاجتياح والحرب والتدمير والأسس التي سوف تعتمدها في ذلك وكيف يمكن تنظيم إعادة النازحين إلى مناطق سكناهم وإيقاف عمليات الاعتداء على السكان والتصدي للتغيير الديمغرافي ومصادرة بيوت الناس في المناطق المحررة.
تشير الدكتورة أسماء جميل رشيد بصواب، في بحث مهم لها بعنوان "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، إلى حقيقة هذه الإشكالية فكتبت "في حين تتجه جميع التحليلات والرؤى إلى التنبؤ بالتحديات الأمنية والسياسية واستشراف مسارها بعد تحرير الموصل مثل إدارة الحكم في المدينة بعد تحريرها والخلافات العميقة بين المركز وإقليم كوردستان وسيناريوهات التقسيم والفيدراليات القائمة على أسس عرقية وطائفية. إلّا إن التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل والتي ستشكل التحدي الأكبر، لم تنل الاهتمام الكافي. فهناك مخاوف من ظهور مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة وتزداد هذه المخاوف مع عجز الحكومة عن إعادة النازحين وتلبية احتياجات العائدين وفشل السياسيين في التغلب على خلافاتهم وتعثر عملية الإعمار بسبب الفساد المسشري." (أنظر: أسماء جميل رشيد، دكتورة، التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 389/أيار 2017، بغداد، ص 29). كما أكد البروفيسور الدكتور سيّار الجميل بصواب أيضاً حقيقة عجز النظام الطائفي عن معالجة المشكلات القائمة حين أجاب عن السؤال التالي: "فهل الحكومة العراقية قادرة على تبني أي مشروع استراتيجي، كي تسترجع الموصل عافيتها وإعمارها؟ يقول سيار الجميل:
"أشك في ذلك، فالحكومة جزء من منظومة فاسدة، وتمثلّها دولة فاشلة.. يموت الناس من الجوع والحر الشديد، ولا منقذ ولا مجيب.. ورئيس الوزارة منشغلٌ باجتماعاتهِ وإلقاء نصائحهِ، غير آبه أو ملتفتٍ إلى الناس في محنتهم وآلامهم اليوم.. مبارك هو الانتصار على "داعش" وخلاص الموصل منه، ولكن المهم ما بعد "داعش"، فهل بدأت الحكومة مشروعاً أمنياً صارماً معتمدة على أهل البلد؟ هل بدأت بتنفيذ أي برنامج طويل المدى، كان من الضرورة إعداده منذ ثلاث سنوات؟ هل بدأت بإعمار المدارس والجامعة قبل قدوم بدء الدراسة؟ والمصيبة ما يتعرّض له أهل الموصل من حملات إعلامية وسباب وشتائم وأوصاف مطلقة جارحة من بعضهم. الانقسامات في داخل العراق سببّتها عملية سياسية جاءت بطغمة فاسدة جهولة وحقودة، لتتشكّل طبقة سياسيّة فاسدة أباحت نهب العراق، ونشرت الفساد، واعتمدت المحاصصة، وأشاعت الطائفية، وأحدثت مراكز قوى متعدّدة، لها ارتباطات خارجية، وسمحت للتدخلات الإقليمية العبث بمصير البلاد، واتخاذ القرارات نيابة بشأن مستقبلهم. التشدّق بالوطنية على ألسن الانقساميين لا ينفع أبداً، وكأن النصرَ الذي تحقق ليس عراقياً، إذ اعتبروه نصر مدن على مدينة، أو نصر طائفةٍ على أخرى، أو نصر طبقةٍ سياسيّة حاكمة.. النصر الحقيقي، يا سادة، عندما يتخلّص العراق نهائياً من كلّ الدواعش والفاسدين والجهلاء والمرابين وتجار الحروب بدماء الناس، أينما كانوا في أرض العراق." (أنظر: سيّار الجميل، دكتور، هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟ الموقع الرسمي للسيد الدكتور. http://sayyaraljamil.com/، بتاريخ 25/07/)2017).
وضع الزميلان النقاط على الحروف وشخصا بوضوح طبيعة المشكلات أولاً، ومدى القدرة على معالجة هذه المشكلات. وسأحاول طرح وجهة نظري بشأن آفاق معالجة المشكلات الراهنة والمستقبلة التي نشأت بفعل النظام السياسي الطائفي وعواقب اجتياح واحتلال داعش.

قبل أن يتعرض العراق إلى اجتياح عصابات داعش المجرمة على مدينة الموصل ومن ثم بقية أقضية ونواحي محافظة نينوى، استطاع تنظيم القاعدة الإرهابي، ومن ثم تنظيم داعش المنبثق عنه والمنشق عليه، الهيمنة الفعلية على أجزاء مهمة من محافظات الأنبار (الفلوجة مثلاً) وصلاح الدين وأجزاء غير قليلة من ديالى والتغلغل الفعلي في مدينة الموصل وضواحيها بقوى مكشوفة على حدود بعيدة باعتبارها خلايا نائمة أو متحركة بعلم السلطات المحلية للموصل. وحين سلم حكام العراق، وعلى رأسهم رئيس الوزراء السابق والقائد العام للقوات المسلحة مدينة الموصل دون قتال إلى عصابات داعش، ثم اجتياح هذه العصابات بقية أجزاء محافظة نينوى دون أن تعترضها، بل انسحبت أمامها دون قتال قوات الپيشمرگة أيضاً. قبل هذا وذاك عاش العراق وشهد هيمنة الإيديولوجية الإسلامية السياسية وتنفيذ سياسات وإجراءات سياسية ذات وجهة طائفية متطرفة وقمعية من جانب الفئات التي تقود الحكم بالعراق منذ العام 2005 حتى الوقت الحاضر. كما تعرض العراق إلى نزاع دموي بين ميليشيات طائفية مسلحة شيعية وسنية، قادت البلاد إلى حرب ضروس وقتل على الهوية وتشريد وتهجير وتفجيرات واغتيالات ونهب وسلب للبشر وثروات المجتمع.
هذا الواقع المأساوي تسبب في نشوء مشكلات بين أبناء وبنات المجتمع الواحد الموزعين على أتباع ديانات ومذاهب عديدة واتجاهات فكرية متنوعة، إضافة إلى وجود عدة قوميات. ولم يستطع، بل ولم يرغب، من تسبب بنشوء هذه المشكلات، معالجتها. وهذا يعني إن عملية التغيير تستوجب بالضرورة وجود قوى أخرى ترفض النظام السياسي الطائفي المحاصصي، وترفض الاستبداد والقمع والاعتقال الكيفي والتعذيب .. الخ، وتعتمد الحرية والديمقراطية والمدنية أو العلمانية والمواطنة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية كمبادئ أساسية لها في ممارسة حكم البلاد، وتفصل بين الدين والدولة والدين والسياسة وبين السلطات الثلاث.
من هنا يبدو واضحاً بأن العراق، كل العراق، يواجه مأزقاً كبيراً ويعيش أزمة مديدة ومتراكمة ومتفاقمة العواقب، يواجه وضعاً عاماً وشاملاً يمس المجتمع بأسره ويئن تحت وطأة المزيد من المشكلات الكبيرة والصغيرة التي تستوجب الحل العاجل والشامل، ولكن لا وجود لمن يستطيع أو يريد معالجتها بين الفئات الحاكمة التي وضعت على رأس السلطة بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والمرجعيات الشيعية في مدينة النجف. ولدى الكثير من الباحثين والمراقبين السياسيين قناعة بإن استمرار هذا النظام بصيغته الحالية فترة أخرى لا يعني سوى تفكيك حقيقي متفاقم للمجتمع وللدولة العراقية، المجتمع الذي يعاني من الصراعات، والدولة التي تعاني من هشاشة شديدة وغياب حقيقي للمؤسسات التي يستوجب الدستور وجودها الصحيح وليس الطائفي المريض الراهن.
فالعراق يقف أمام مجموعتين ومستويين من المشكلات الكبرى: المجموعة الأولى نشأت في المناطق التي تحررت عسكرياً من عصابات داعش وسبل معالجتها، ولكن لم تتخلص بعد من خلاياها النائمة، ومن تأثيرها الأيديولوجي الإسلام السياسي المتطرف، من سياساته الاجتماعية والثقافية، التي استطاع تنظيم داعش خلال عدة سنوات أن يكرس الكثير من معتقداته وأساليب عمله وأدواته في صفوف جمهرة غير قليلة من السكان السنة، لا في المناطق التي تعرضت للاحتلال فحسب، بل وفي مناطق أخرى. كما لا بد من التخلص من الفكر الشيعي الطائفي المؤدلج الذي عمق الصراع والكراهية والحقد والنزاع ضد السنة في صفوف جمهرة من الشيعة، والذي لا يختلف عن التطرف السني، إذ أن هذه الصراعات لم تبق محصورة في قيادات وكوادر وأعضاء الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية فحسب، بل تغلغلت في صفوف الكثير من الناس البسطاء الذين تأثروا بدعايات المتطرفين من قيادات وكوادر الأحزاب الشيعية العراقية أو الإيرانية أو حزب الله اللبناني. وعلينا أن نتابع مقترح حزب الفضيلة ونوابه لمشروع تغيير قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1958 بنهج إسلامي متطرف يقتطع حقوق المرأة وحقوق الأطفال من الإناث على سبيل المثال لا الحصر.
أما المجموعة الثانية من المشكلات أو المستوى الثاني منها، فهي التي تمس العراق كله والنظام السياسي الطائفي السائد فيه، وسبل تغييره جذرياً لصالح الدولة الديمقراطية العلمانية، والحكم المدني الديمقراطي الحر والحديث والإنساني.


17
كاظم حبيب
وماذا يجري بالموصل ونينوى بعد الانتصار المعلن على داعش؟
بعد أن نشرت سلسلة من المقالات حول الكثير من المواضيع المهمة الجارية بالعراق، بما في ذلك حول الموصل والنازحين، لاحظ صديق عزيز، مع حفظ الأسماء، ما يلي:
"استاذي الكريم، مازال الآلاف من الضحايا الأبرياء في الموصل تحت الأنقاض، وليس هناك اهتمام بإخراجهم، كما أن آلافا أخرى فقدت معيلهم وكل ما تملك، وأصبحوا حتى بدون لقمة خبز، والحكومة سادرة بغض النظر، رجاء انظروا الى هذين الشريطين:
https://www.facebook.com/ALMossul/videos/480906858976033/
وربما رأيتم هذا لأنه ألماني:
https://www.facebook.com/ZeitimBild/videos/10155387180396878/
تحياتي" (أرشيف ك، حبيب).
وكنت قد وجهت استفساراً لصديق عزيز يعيش في المنطقة استفسر منه عما يجري بالموصل ونينوى بعد الانتصار المعلن على داعش، فكان جوابه الآتي:
“ عزيزي الدكتور كاظم حبيب المحترم .. تحية وتقدير .. حول الموصل لا يزال الخوف والقلق موجود في صفوف العائدين .. الى جانب الاهمال التام بموضوع اعادة بناء ما دمره الارهابيون والعمليات العسكرية .. كما أن هناك اعداداً كبيرة تخاف من العودة لا سيما في الجانب الايمن (المنطقة القديمة) .. وبيوتهم مدمرة للغاية.. اما مناطق سهل نينوى برطلة قره قوش كرمليس رجعت الكثير من العوائل المشكلة الان الحشد الشبكي الذي يقوده النائب حنين القدو بدأوا بممارسة اساليب استفزازية + تحرش + اسلوب جاف في السيطرات + رفع رايات مذهبية بشكل غير طبيعي الخ .. الناس جدا مستائين منهم ومنهم من يفكر بالرجوع الى عنكاوا .. تقبل تحياتي." (أرشيف كاظم حبيب).
والآن اليكم ما ذكره البلاغ الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بتاريخ الخميس 14/ 12/ 2017 والمنشور على صفحت جريدة "طريق الشعب" ص 5 + 6 + 7 + 8 بشأن المناطق التي كانت تحتلها داعش (الموصل ونينوى): وتحت عنوان "عودة النازحين وإطلاق عملية البناء" ما يلي:
"والى جانب المهمات الملحة المتمثلة بتأمين المناطق المحررة من المفخخات والألغام والعبوات التي زرعها التنظيم الإرهابي في هذه المناطق، والقضاء على جيوب الإرهاب المتبقية وكشف خلاياه النائمة ومنع تسرب الإرهابيين مجددا إليها، يتوجب الإسراع في إعادة الخدمات الأساسية اليها. وان مواجهة حجم الدمار الحاصل تحتاج الى معونة ودعم دوليين، والى العمل على توظيف كل الامكانيات لتأمين عودة سريعة للنازحين الى بيوتهم وقراهم ومدنهم، والتعامل المرن من جانب السلطات المعنية بذلك بعيدا عن كل ما يمس التركيب الديموغرافي للسكان، وعن اي محاولة للتعامل وفق مقاسات سياسية وطائفية وانتخابية. وعلى ان يتم ذلك من دون الاخلال بمعايير الامن والاستقرار، مع التوجه الى قطع الطريق على استئناف البؤر الارهابية نشاطها الاجرامي.
وتبرز بعد الانتصار على داعش مهمة عاجلة لا تقبل التأجيل او التراخي، تتمثل في السعي الحثيث الى ترميم النسيج المجتمعي في المناطق المحررة. فجرائم داعش والانتهاكات البشعة التي ارتكبها بحق أهالي تلك المناطق، كما حصل للنساء الإيزيديات مثلا، ومشاركة بعض أهالي المناطق ذاتها من الدواعش في هذه الجرائم، خلفت أحقادا ونزعات قوية للثأر لدى بعض ذوي الضحايا وعشائرهم، وذلك ما ينبغي تداركه وتطويقه عن طريق إدارات فاعلة، على المستويين المدني والأمني، تحظى بثقة الأهالي، وتكون بعيدة عن التعصب القومي والديني والمذهبي والمناطقي، وان يكون القضاء هو الفيصل في نهاية المطاف لحسم الاشكالات الحاصلة.
ان العديد من القيادات السياسية والادارية والامنية في المناطق التي سيطر عليها داعش قد فقدت الكثير من صدقيتها امام الاهالي، وان البعض منها تلاحقها تهم الفساد، وحتى التواطؤ بهذه الدرجة او تلك مع الارهابيين او التخلي عن مناطقهم والهروب الى مناطق آمنة، فيما المواطنون يعانون الامرين في خيام اللجوء والنزوح، او يضطرون للبقاء تحت همجية التنظيم الارهابي. لذا فان هناك الكثير من الشكوك بشأن قدرة نفس القيادات على ادارة هذه المناطق بعد تحريرها، فضلا عن وجود مخاوف جدية من ان تتعرض الاموال التي ستخصص لإعادة الاعمار والبناء الى السرقة، كما حصل بالنسبة الى تلك المخصصة للنازحين، او ان تبدد عن طريق ادارة غير سليمة لها.
ان اوضاع هذه المناطق تحتاج الى اهتمام أكبر من جانب كل الاطراف الحكومية، وكذلك الفعاليات السياسية والاجتماعية والثقافية. فالمهمة العاجلة هي إعادة الحياة الطبيعية اليها، والتعامل معها باعتبارها مناطق منكوبة، والسعي الى النأي بها عن صراعات المصالح والنفوذ. وهناك في هذا المجال دور كبير لأبناء هذه المناطق في التحرك والسعي الى فرض ارادتهم عبر مختلف التشكيلات والهيئات الضاغطة، وبما يساعد على اجتذاب العناصر الكفؤة والوطنية والنزيهة الى العمل وتولي المسؤوليات وخلق الاجواء لتحقيق مصالحة مجتمعية فاعلة."
وأجد نفسي منساقاً إلى خارطة الطريق التي طرحها الزميل والصديق العزيز الأستاذ الدكتور سيار الجميل ومتفقاً معه، بعنوان هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟ والتي نشرت بتاريخ 24/07/2017 وفي موقعه الشخصي، التي أكد فيها ما يلي:
"أولا: تشكيل هيئة حاكمة وقوات ردع تستمد صلاحياتها من الحكومة المركزية، وهي قيادية عسكرية واستشارية مدنية محلية، لتوطيد الأمن والنظام على مدى خمس سنوات، لمنع أية خروق أو إحداث أعمال شغب، وأخذ ثارات وعمليات فساد، وقطع دابر الإرهاب.
ثانيا: تأسيس هيئة إعمار فنية وخدمات بلدية من أبناء المدينة للإعمار والصيانة لكلّ المؤسسات الحكومية والمستشفيات والمعامل والدوائر والشوارع والكهرباء والماء والحدائق والأبنية الرسمية وغيرها.
ثالثاً: تأسيس وزارة عراقية باسم وزارة الموصل لتأمين إعمار المدينة، بعد خرابها، يقودها خبير مختص، وتخصيص ميزانية لإعمار الموصل، مع هيئة مالية ورقابية للصرف والنزاهة والرقابة، بحيث تكون صمام أمان على الودائع والمنح والتبرّعات من الدول والمنظمات وصناديق الإغاثة، وتخضع للتفتيش الدوري الأسبوعي.
رابعاً: الإسراع في إصلاح الجسور الخمسة بين الساحلين، الأيمن والأيسر، وإصلاح المستشفيات والمستوصفات كلها، ثم الجامعة وكل المدارس، مع توفير الكهرباء والماء.
خامساً: تأمين عودة النازحين إلى بيوتهم ومناطقهم، مع تسهيلات عودتهم وضبط أماكن وجودهم، شريطة عودة أهل الموصل فقط، بعيدا عن الغرباء والطفيليين الذين قدموا قبل “داعش”، في أثناء وجودها، وبعد زوالها، فمن الضرورة، الحفاظ على ديمغرافية كل محافظة نينوى.
سادساً: تعويض الذين تضررّوا جراء وجود “داعش”، وفي أثناء تحرير المدينة، وعودة الحقوق إلى أصحابها من كل أبناء الطيف، مع تأمين مستقبل المعوقين والأيتام والمشرّدين.
وأخيرا، تحيّة مباركة الى كلّ الشهداء العراقيين الابرار، والى كلّ الضحايا الابرياء الذين سالت دماهم وذهبوا من اجل العراق وحريته ومستقبله، فهم قرابين هذا الوطن .. تحيّة الى كلّ المقاتلين الصادقين .. الى كلّ من قضى تحت الأنقاض .. الى كلّ الصامدين والمنكوبين في الموصل وانحائها قاطبة .. الى اليتامى والارامل والمشردين والمعوقين والمسحوقين. نأمل ان يأخذ كلّ المسؤولين والمواطنين مثل هذه المقترحات في أعلاه على محمل الجدّ، من أجل اعادة البناء والتعلّم من التجارب المضنية والدروس القاسية .. نأمل أن يتخّلص العراق مستقبلاً من كلّ أمراضه ومن كلّ الاوبئة التي تجتاحه، وتعود الموصل إلى الحياة، كما عادت هيروشيما في اليابان من قبل.. إنني متفائل بعودتها بإذن الله، فقد تميّز أهلها بالصمود الاسطوري والعمل الجاد والمهنيّة والفن والإبداع والاستجابة لأشدّ التحديات التاريخية المريرة."
لا أجد ما أضيفه إلى الكوارث التي حلّت بالموصل ونينوى، والتي أجد ضرورة توسيع موضوع وزارة خاصة بالموصل إلى أن تكون وزارة خاصة بإعمار محافظة نينوى بما فيها عاصمتها الموصل، وما ينبغي القيام به لمعالجة إعادة البناء والتعمير ومعالجة المشكلات الصحية والنفسية والاجتماعية التي خلفتها الكوارث المتتالية خلال طيلة الفترة المنصرمة منذ سقوط الدكتاتورية حتى الآن ولاسيما في أعقاب تسليم الموصل ونينوى بأيدي داعش في ظل النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة للمجتمع العراقي والإنسان الفرد أيضاً وتحت حكم الوزارة السابقة ورئيسها السابق.

18
كاظم حبيب
هل حرق الأعلام هو الأسلوب المناسب للاحتجاج؟
غالباً ما يلجأ المتظاهرون المتحمسون في الدول العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة إلى حرق أعلام الدول التي يحتجون عليها لأي سبب كان. وهم يعتقدون بأنهم في ذلك يوجهون إهانة إلى الدولة المعنية. والحقيقة غير ذلك، فهذا العمل يرتد على فاعليه سلباً، إذ يؤكد ابتعاد هؤلاء عن الأسلوب الإنساني والحضاري في التعبير السلمي عن الاحتجاج الشديد وحتى الغاضب منه. فحرق الأعلام ليس عملاً بدائياً فحسب، بل وفيه الكثير من نوع الغضب الذي يفقد صاحبه سوية التعبير عن احتجاجه ويجعل منه مليئاً بالحقد والكراهية، لأنها غير موجهة للدولة المعنية أو لشخصية قيادية فيها، بل هي موجهة إلى الفرد والمجتمع مباشرة، وهما اللذان يرمز لهما العلم. فهي إساءة لا مبرر ولا معنى إنساني لها، إذ بإمكان الاحتجاج أن يعبر عنه بمئات الصيغ دون أن يكون عبر حرق علم هذه الدولة أو تلك، أو حتى حرق صور هذا الرئيس أو ذاك أو طرح شعارات تجسد روحاً عنصرية أو شوفينية.
لقد انتشرت بالدول ذات الأكثرية المسلمة ظواهر سلبية كثيرة وخطيرة، وهي ليست حديثة العهد، بل هي قديمة، والتي اقترنت بممارسات مذلة في الإمبراطوريتين العباسية والعثمانية، ومن ثم في العراق الحديث ايضاً، منها مثلاً القتل وسحل الضحية بالحبال عبر الشوارع والتي، بزَّ بها وتفوق العراقيون على سائر شعوب العالم بعد ثورة 14 تموز 1958. إن هذه الطريقة الوحشية والمزرية لكرامة الإنسان وحرمة الميت، وكذلك ما يحصل في ممارسة التطبير، أي شج الرؤوس بالسيوف، بمن فيهم الأطفال، أو الضرب على الظُهوُر بسلاسل حديدية مزودة في نهاياتها بسكاكين حادة صغيرة، أو اللطم  المخزي على الصدور العارية في فترة عاشوراء في كربلاء والنجف وفي عدد من المدن ذات الأكثرية الشيعية، بذريعة إبراز الحزن على الإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب وصحبه الكرام، في حين إنها أكبر إساءة يمكن أن توجه لاستشهاده، والتي استنكرها علماء مسلمون متنورون، أو الصراخ العبثي المعيب "بالروح بالدم نفديك يا صدام، أو يا حافظ أو يا بشار، أو يا سيسي"، والتي لا تعني غير "بالروح بالدم نفديك يا ديكتاتور!!"، أو حرق الإعلام والدوس عليها أو حرق الصور والدوس عليها أو ضربها بالأحذية .. إنها أساليب ليس فقط مستهجنة، بل تعبر عن وعي غير عقلاني عن المضمون السلبي لهذه الظاهرة وردود أفعالها لدى الناس المتحضرين.
لم تبق هذه العادات والتقاليد البدائية المستهجنة تمارس داخل الدول ذات الأكثرية المسلمة فحسب، بل انتقل بها المسلمون من العرب وغير العرب إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة وأستراليا وكندا وغيرها من الدول، وهو أمر بالغ الضرر والخطورة. إذ إنه لا يقابل بالاستنكار والاستهجان من شعوب تلك الدول فحسب، بل يُعرض فاعليه إلى المساءلة القانونية، بسبب تجسيده لروح وإشاعة الكراهية والحقد وإثارة النعرات والصراعات بين البشر في الدول المضيفة التي لا ناقة لها فيها ولا جمل!
لقد خرجت مظاهرات واسعة في مدن أوروبية كثيرة احتجاجاً على قرار رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامپ بالاعتراف بالقدس عاصمة منفردة لإسرائيل ونقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس. إن هذا القرار ليس خاطئاً ووقحاً فحسب، بل عمق الصراعات وشدد من المشكلات القائمة ودفع إلى المزيد من التطرف في التعامل مع القضية وأدى حتى الآن على ضحايا بشرية في الجانب الفلسطيني. وكانت كل تلك الدول الأوروبية وغيرها قد اتخذت موقفاً سليماً، إذ رفضت قرار ترامپ واعتبرته تجاوزاً على الشرعية الدولية وعلى قرارات مجلس الأمن الدولي ومنها 242 و338 ومخلاً بدور الولايات المتحدة باعتبارها الوسيط لحل الدولتين، إسرائيل وفلسطين، واعتبار القدس ضمن الحل النهائي لتكون عاصمة للدولتين. وقد عبروا عن ذلك صراحة لنتنياهو بباريس وبروكسل في لقائه معهم، وكان خروج التظاهرات والتعبير عن الاحتجاج مسموح له في كل الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، وكان ظاهرة حضارية مطلوبة لمن يريد التعبير عن احتجاجه، كما إنها مكفولة دستورياً. إلا إن بعض هذه التظاهرات قد اقترن حتى الآن بقيام بعض الأفراد بعمل غير صائب ومؤذٍ للقضية الفلسطينية وقضية القدس مباشرة. فليس سليماً حرق العلم الإسرائيلي والعلم الأمريكي في وسط ساحات الاحتجاج، إذ إن هذا لا يثير استياء وغضب ورفض مواطنات ومواطني هاتين الدولتين فحسب، بل وشعوب الدول الغربية كلها، إذ تعتبرها أساليب استفزازية ومنافية لدساتيرها وقوانينها، كما إنها تثير الأحقاد والكراهية وتسيء للآخرين بحرق أعلامهم. إن هذا الأسلوب لم يُرفض من شعوب هذه الدول فحسب، بل من كل المتحضرين العرب والمسلمين وغير المسلمين المدركين لخطأ هذا الأسلوب، وهو الذي جعلهم ينسحبون من تلك المظاهرات أو أنهم تجنبوا المساهمة فيها لأنهم كانوا على قناعة بما يمكن أن يحصل فيها.
إن من ساهم بحرق هذا العلم أو ذاك في تلك المظاهرات قد ظهرت صورته على شاشة التلفزة، وهناك دعوات بإصدار قوانين صارمة في هذا الصدد، إضافة إلى المطالبة بتقديم من مارس ذلك إلى المساءلة القانونية، لأنها تعتبر ضمن الأساليب التي تجسد الحقد والكراهية ضد اليهود، ضد السامية، وليس ضد سياسة حكومة إسرائيل وحدها، بل ضد كل يهود العالم، لأن النجمة السداسية هي ليست رمزاً لإسرائيل بل ليهود العالم، وهي التي أحرقها النازيون أيضاً (الهولوكوست، أو الإبادة الجماعية) وأحرقوا معها ستة ملايين يهودي في أغلب الدول الأوروبية، ولاسيما في ألمانيا وبولونيا، على سبيل المثال لا الحصر، كما إنها ليست ضد سياسة ترامپ وحده، بل ضد الولايات المتحدة والشعب الأمريكي. ومثل هذا التفسير الصائب يتطلب أن يعيد هؤلاء الناس بسلوكهم وأن يعالج من جانب منظمي الاحتجاجات، وأن يجري إعادة تثقيف أولئك الذيم ما زالوا يحملون حقداَ ضد اليهود، باعتبارهم يهوداً، وليس اعتراضاً على سياسات حكومة إسرائيل اليمينية أو احتجاجاً على سياسة دونالد ترامپ المثيرة للصراعات وسفك الدماء.
أتمنى على أبناء جلدتي، الذين تورطوا بمثل هذا الأسلوب، أن يكفوا عن ممارسته، لأنه لا يعبر عن مستوى مناسب من الوعي الحضاري في أسلوب التعامل مع الاحتجاج على سياسة ما أو موقف ما، لأنها تحصد العكس ولا تصل إلى قلوب وأفئدة وتأييد الرأي العام العالمي بصورة مناسبة وسليمة، وخاصة لقضية مثل قضية فلسطين والقدس.     

     

19
كاظم حبيب
ماهية النهج الأمريكي في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني وعواقبه!
السؤال المباشر الذي يفترض أن نطرحه على أنفسنا نحن العرب جميعاً هو: هل من جديد في الموقف الأمريكي من إسرائيل، سواء أكان قبل أم بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وقرار نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس؟
لا أرى أي جديد في حقيقة النهج الأمريكي ولا في السياسة الأمريكية للقادة الأمريكيين إزاء إسرائيل وإزاء القضية الفلسطينية؟ إنها السياسة الرسمية منذ عقود، وما عداها ليس سوى تكتيكات تجهيلية وذر الرماد في العيون، وبالتالي فليس في هذا الموقف سوى المزيد من الوضوح والصراحة لمن كان على عينية غشاوة، وتأكيد لمن كان يحاول المراوغة على ماهية نهج وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية من الدول العربية أو من الجامعة العربية أو من القمم العربية أو لخداع الشعوب العربية.
أنا لست ضد وجود إسرائيل كدولة قائمة بجوار الدولة الفلسطينية. كما أني لست ضد اليهود باي حال، ولا أميز بين اليهود بإسرائيل أو اليهود في دول العالم الأخرى، فكل اليهود المؤمنين منهم يؤمنون بالتوراة والنبي موسى، وهكذا بالنسبة للمسلمين مع القرآن والنبي محمد أو المسيحيين مع الإنجيل والنبي عيسى. وأحترم أتباع هذه الديانات وغيرها جميعاً دون استثناء. وقد صدر لي كتاب عن يهود العراق تحت عنوان "يهود العراق والمواطنة المنتزعة" عد دار المتوسط بإطاليا في العام 2015، حيث بينت فيه الكوارث التي تعرضوا لها وإسقاط جنسيتهم عن طريق الغدر والخيانة. كما كتبت مقالاً عن الهولوكوست ضد اليهود بأوروبا وخطأ عدم اعتراف القوميين والإسلاميين السياسيين العرب بهذه الجريمة العالمية ضد اليهود تحت عنوان "هل لعقلاء العرب والمسلمين من مصلحة في نفي الهولوكوست ومحارق النازيين ضد اليهود في أوروبا؟ ونشر في الحوار المتمدن برقم 4418 بتاريخ 8/4/2014. وهذا الموقف الطبيعي إزاء اليهود يجعلني أميز بوضوح شديد بين اليهود في كل مكان من العالم وبين النهج اليميني والسياسات اليمينية الفعلية التي تمارسها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بقيادة الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة منذ عقود إزاء الشعب الفلسطيني، إذ إنها سياسة ذات نهج شوفيني وعنصري واحتلال بغيض للأراضي التي تعتبر ضمن الدولة الفلسطينية منذ العام 1967 حتى الوقت الحاضر، كما أنها تمارس سياسة تمييز واضحة إزاء العرب في الدولة الإسرائيلية. كما وأني ضد التطرف القومي بكل أشكاله ابتداء بالتطرف القومي اليهودي الذي يبرز في الفكر الصهيوني المتطرف، وانتهاء بالتطرف القومي العربي، الذي يبرز في المواقف العنصرية والشوفينية لقوى قومية وإسلاميين سياسيين متطرفين، والذي يجد تعبيره ضد اليهود أيضاً. ومن المعروف أن القوميين اليمينين والمتطرفين في كل أنحاء العالم يلتقون في كرههم للآخر من مطلقات عنصرية وشوفينية أو دينية وذهبية.
إسرائيل دولة محتلة للضفة الغربية والقدس منذ العام 1967. صدرت قرارات كثيرة عن مجلس الأمن الدولي، لاسيما القرار 242 والقرار 338، التي لم تلتزم بها إسرائيل، إضافة إلى قيامها المستمر ببناء المستوطنات في أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية والتي حرمها مجلس الأمن الدولي، والتي تعتبر بحق خارج الشرعية الدولية. وقد بلغ عدد المستوطنين فيها أكثر من 800 ألف مستوطن يهودي من مختف أرجاء العالم الذين نزحوا إلى إسرائيل من دول كثيرة.
إن جميع القرارات التي كان يفترض أن تصدر عن مجلس الأمن الدولي خلال العقود المنصرمة، والتي كانت تدين سياسات إسرائيل إزاء الشعب الفلسطيني أو الأرض الفلسطينية أو بناء المستوطنات في على أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية، كانت تجابه بالفيتو الأمريكي، رغم تأييد 14 دولة في مجلس الأمن لتلك القرارات أو أغلبها، وبالتالي كانت تقف بصراحة ووضوح إلى جانب إسرائيل وضد فلسطين والسلطة الفلسطينية. لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية بوماً ما محايدة في الموقف إزاء إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بل كانت باستمرار وبالمطلق إلى جانب إسرائيل. وإذا كانت تصدر بعض التصريحات بطلب إيقاف بناء المستوطنات لفترة معينة، فلم يكن ذلك جدياً بل كان لذر الرماد بعيون الناس وللتخفيف من الضغط على الحكام العرب حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. ما كان في مقدور إسرائيل التطاول على قرارات مجلس الأمن الدولي لولا عدة عوامل جوهرية:
1.   موقف الولايات المتحدة الأمريكية المتحيز بالكامل لصالح إسرائيل على امتداد العقود المنصرمة ولاسيما بعد عام 1967.
2.   موقف الدول العربية الرافض شكلياً لسياسة إسرائيل، ولكنها التابع الذليل كلياً لسياسة الولايات المتحدة المؤيدة لإسرائيل، وهي حليف الدول العربية في المنطقة وحاميها من الانهيار تحت ضغط ورفض شعوبها. وهذا الموقف يجد تعبيره في قرارات الجامعة العربية المكتوبة والمفرغة من أي فعل حقيقي لصالح القضية الفلسطينية.
3.   الموقف غير الموحدة لقوى وأحزاب وجماعات منظمة التحرير الفلسطينية وصراعها الدائم، ولاسيما الموقف القومي المتطرف السابق، ومن ثم الموقف الإسلامي السياسي المتطرف الجاري من قبل حماس والجهاد الإسلامي وغيرها، في شق وحدة الصف الفلسطيني وفي طرح شعرات متطرفة لا تساعد على تحقيق الدعم الضروري للقضية الفلسطينية دولياً.
4.   التدخل الفظ وغير الإيجابي والمتطرف لبعض الدول والقوى الإسلامية السياسية المتطرفة في شؤون القوى الفلسطينية ومواقفها، مثل إيران وحزب الله بلبنان.   
5.   الموقف المهيمن للولايات المتحدة على موقف دول الاتحاد الأوروبي وخشية الأخيرة من لعب دور أكبر وأفضل وأكثر حيادية لحل القضية الفلسطينية وفق شعار "الأرض مقابل السلام" لصالح الطرفين وللسلام في منطقة الشرق الأوسط.
لقد ساهمت سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، ومواقف الحكومات العربية الذليل من جهة أخرى، إلى تفاقم النهج المتطرف لقوى الإسلام السياسي على نطاق كل بلد عربي وإسلامي وفي منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، وهو الأمر الذي يصعب معالجته دون إيجاد حلول عملية لمشكلة فلسطين أولاً ومشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية أخرى من جهة ثانية. وما ظاهرة حماس والجهاد الإسلامي في أراضي الضفة الغربية وغزة أولاً، وتنظيمات القاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات المسلحة والمتطرفة والإرهابية سوى التجسيد الحقيقي لهذه المشكلات، ولاسيما القضية الفلسطينية.
إن الموقف أو القرار الأخير للولايات المتحدة ليس سوى التتويج لنهجها وسياساتها ومواقفها السابقة عبر رئيس جديد ليس مخبولاً، كما يخيل للبعض، ولكنه رجل نرجسي بصورة مرضية وسادي متطرف في مواقفه وقراراته وواضح في عدائه للإسلام والمسلمين بغض النظر عن مواقف المسلمين، الصحيحة منها أو الخاطئة، ويطمع في أموال العرب والمزيد من الحروب بينهم لبيع لمزيد من السلاح والتهام المزيد من أموالهم والمزيد من الفقر لشعوبهم وتحقيق الهيمنة الفعلية على مقدراتهم. الكل يتابع بأن الولايات المتحدة تنصر إسرائيل حقاً أو باطلاً (أنصر حليفك ظالماً أو مظلوماً) وهو ليس في صالح شعب إسرائيل على المدى البعيد، وهي بانتظار الوقت الذي يعلن فيه أن ليس هناك فلسطين، بل الأرض كلها لإسرائيل، فالوقت كما ترى أمريكا الشمالية في صالح إسرائيل وليس في صالح العرب! لقد اختار دونالد ترامپ ظرفاً عصيباً تعيش تحت وطأته الشعوب العربية، حيث حكامها المستبدون القساة زجوا بشعوب بلدانهم في حروب طاحنة ومدمرة وبمساعدة مباشرة وغير مباشرة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، والرابح الوحيد هو الولايات المتحدة وإسرائيل والحكام العرب، والخاسر الوحيد هو الشعوب. وفي هذا الموقف الأخير هبت دول أوروبية كثيرة، كما هب الاتحاد الأوروبي ليعلن رفضه لقرار ترامپ الصريح في عدوانيته الصريحة للعرب، ووقف ماکرون ليعلن صراحة وبوجه نتنياهو رفض فرنسا لهذا القرار باعتباره مخالفاً للشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن واعتبار مسالة القدس تحل بالتفاوض وفي المرحلة النهائية لحل القضية الفلسطينية. وكان موقف ألمانياً مماثلاً لموقف فرنسا والذي عبرت عنه المستشارة الألمانية انجيلا ميركل بقولها: إن حكومتها لا تدعم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ونقل المتحدث باسم ميركل شتيفان زايبرت عن ميركل قولها في تغريدة على تويتر إن الحكومة الألمانية "لا تدعم هذا الموقف لأن وضع القدس لا يمكن التفاوض بشأنه إلا في إطار حل الدولتين". (موقع الوطن، بتاريخ 6 كانون الأول 2017). 
إن ماهية السياسة الأمريكية هي نصرة إسرائيل فقط ودون تمييز بين الصائب الخاطئ، وهي بذلك لا تصلح أن تكون وسيطاً وحكماً بين دولة إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وكان على منظمة التحرير الفلسطينية أن تدرك ذلك منذ سنوات كثيرة. ولذلك لا بد من استبدال الولايات المتحدة بدول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين الشعبية والهند ودول أخرى أكثر حيادية وأكثر عدلاً وإنصافاً بهدف الوصول إل الحل العادل والدائم بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.
لا بد من إقامة الدولة الفلسطينية، ولابد من جعل القدس عاصمة للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، ولا بد من جعل المراقد والمواقع المقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين مفتوحة للجميع، ولا بد من إحلال السلام الدائم والعادل بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، عبر الالتزام بقاعدة "الأرض مقابل السلام". كما لا بد من إيجاد الحل لإنهاء احتلال الجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية. إذ بدون ذلك سيبقى الأمن والاستقرار في قلق دائم، ويستمر توقف التنمية والتقدم، كما سيستمر التطرف واحتمال وقوع حروب جديدة باعتبارها السمة التي أصبحت تميز منطقة الشرق الأوسط منذ عدة عقود. 
لقد وسع ترامپ وشدد من التوترات السياسية والحروب الجارية في منطقة الشرق الأوسط وألقى بالمزيد من الزيت على النيران المستعرة، وسيكون حصادها أبشع وأكثر من ذي قبل، سواء بعدد القتلى والجرحى والمعوقين، أم بالخراب والدمار والخسائر المالية والحضارية، أم بنشر المزيد من الكراهية والأحقاد بين شعوب العالم ومنطقة الشرق الأوسط، والكثير من البؤس والفاقة لشعوب المنطقة، والدفع بسباق التسلح لشراء أو إنتاج المزيد من الأسلحة لتحقيق أقصى الأرباح السنوية لصناع وتجار الحروب والموت والخراب بالعالم. لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة أكثر دول العالم مبيعاً للسلاح والعتاد، ولاسيما لدول منطقة الشرق الأوسط ولتلك الدول التي تنهشها الحروب ويسودها الاستبداد والقمع.
       


20
كاظم حبيب
هل يتعلم كل حكام العراق من تجارب ودورس الماضي؟
لا أغوص بعيداً في تاريخ العراق القديم والوسيط، بل يكفيني أن أستعيد ما قرأته من كتب وعلوم التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة وعلم النفس، التي استعنت بها لكتابة 11 مجلداً من كتابي الموسوم "لمحات من عراق القرن العشرين" الصادر عن دار أراس في العام 2013، أو لنشر كتابي الموسوم "الاستبداد والقسوة بالعراق"، الصادر عن دار حمدي في العام 2005، وكتابي الموسوم الفاشية التابعة في العراق الصادر في العام 1984 وأعيد طبعه في العام 2008 عن دار حمدي أيضاً من جهة، ومعايشتي لأحداث العراق وفواجعه ونكباته المتلاحقة لما يقرب من سبعة عقود، لأضع بكل تواضع ومسؤولية أمام القارئات والقراء الكرام استنتاجاً واحداً بسيطاً جداً من مجموعة مهمة من الاستنتاجات، ولكنه في الوقت نفسه مهم جداً للعيش المشترك بين أبناء وبنات القوميات العديدة بالبلاد، الاستنتاج يؤكد " أن حكام العراق كلهم دون استثناء منذ تأسيس الدولة العراقية حتى يومنا هذا لم يدرسوا بشكل عميق ولم يطلعوا بما يكفي على تجارب الماضي، كما لم يتعلموا من دروس الماضي أو يتعظوا بها، بل كلهم دون استثناء كرروا وما زالوا يكررون حتى يومنا هذا ارتكاب الأخطاء ذاتها، سواء أكان ذلك في مجال السياسة، بما في ذلك جانبها العسكري، أم الاقتصاد أم الحياة الاجتماعية والثقافية، وينتهون إلى العواقب الوخيمة وإلى المصير ذاته بصيغ عديدة. وهم أثناء ممارستهم الحكم يصابون بذات العلل التي أشرت إليها في مقالي الأخير الموسوم "النرجسية المرضية والسادية عِلتان يتميز بها حكام الشرق الأوسط"، المنشورة بتاريخ 30/11/2017، وفي مقدمتهم طبعاً حكام العراق، حيث يلعب الكثير إعلاميو الإعلام الرسمي والانتهازيون ووعاظ السلاطين والمرتزقة دورهم الفعال في إصابة هؤلاء الحكام بمثل هذه العلل وغيرها. والجانب الآخر من هذا الاستنتاج هو أن الشعب الذي اكتوي بسياسات القوى الاستبدادية والشوفينية والطائفية المتتالية لا يتعظ هو الأخر بما يفترض أن يواجه به مثل هؤلاء الحكام، وأنه ذو ذاكرة قصيرة لها عواقبها الشديدة على المجتمع بأسره.
فحكام العراق رفضوا، على امتداد القرن العشرين وما يقرب من عقدين من القرن الحادي والعشرين الذي نحن فيه اليوم، الاعتراف بحق أبناء وبنات القوميات الأخرى بحقوقهم القومية المشروعة والعادلة، ولاسيما حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، كما هو موقف وحال الحكام الترك والحكام الإيرانيين إزاء القضية ذاتها. وإذا ما اعترف بعضهم بالعراق ببعض هذه الحقوق، كما حصل في فترة حكم البعث في بيان أذار عام 1970، فأن هذا الاعتراف قد شوه تماماً، إذ اقترن بجهود حثيثة من جانب قادة الحزب البعث الحاكم والحكم الشوفيني بإفراغ الحكم الذاتي للإقليم من محتواه الديمقراطي والتآمر والإجهاز عليه. وكانت حصيلة الموقف غير الإنساني المديد عواقب كثرة ووخيمة، والتركيز هنا ينصب على التجربة العراقية:
1) المزيد من المعارك المسلحة والحروب الداخلية؛ 2) المزيد من القتلى والجرحى والمعوقين والعلل النفسية؛ 3) المزيد من الخسائر المالية والمادية والدمار وتعطيل عملية التنمية والتطور الاقتصادي؛ 4) المزيد من الأحزان والآلام والدموع والكراهية والأحقاد التي نشرت الشوفينية وعمقت ضيق الأفق القومي والتي دأب الحكام بالعراق على نقلها إلى صفوف الشعب؛ 5) السماح بالتدخل الأجنبي الإقليمي والدولي في شؤون العراق الداخلية؛ 6) تفاقم عدم الاستقرار والأمن الداخلي بالعراق والمنطقة، وغالباً ما أدى كل ذلك إلى سقوط الأنظمة السياسية بأساليب مختلفة؛ 7) المزيد من التعقيدات في القضية الكردية ذاتها ووضع العراق عموماً.
حقق الكرد في العام 1991/1992 مكسباً ضمن حقوقهم العادلة والمشروعة إقامة الفيدرالية الكردستانية ضمن الدولة العراقية، وهي نتاج نضالهم المليء بالتضحيات ومشاركة وتضامن المناضلات والمناضلين العراقيين من غير الكرد مع هذا النضال، والدعم الدولي، ولم يعلنوا الانفصال أو إقامة دولتهم الوطنية المستقلة، والتي تعتبر شكلاً من أشكال عدة في ممارسة حق تقرير المصير. واستمر هذا الوضع وباستقلالية عالية عن الحكم الدكتاتوري البعثي ببغداد واستفادت المعارضة العراقية كثيراً من وضع الإقليم حينذاك. وفي فترة المعارضة للنظام الصدامي والسعي لإسقاطه اتفقت قوى المعارضة السياسية، سواء تلك التي أيدت إسقاط النظام عبر الحرب الخارجية أم رفضته وأكدت ضرورة إسقاطه عبر الشعب وقواه السياسية وبدعم وتضامن الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، على الاعتراف بحقوق الشعب الكردي وبقية القوميات، وعلى إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية والمجتمع المدني بالعراق.
وحين أسقطت الدكتاتورية الغاشمة على أيدي التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وبعيداً عن قرار من مجلس الأمن الدولي وفرض الاحتلال الدولي (الأمريكي-البريطاني) الفعلي على العراق، فرض المحتلون على العراق وأهله نظاماً سياسياً طائفياً ومحاصصة طائفية في سلطات الدولة العراقية الهشة الثلاث كافة وبالتنسيق مع أحزاب عراقية بعينها وبدعم مباشر وكثيف من إيران. وقد نسى القادة والأحزاب التي أيدت الحرب الاتفاقات التي جرت قبل إسقاط الدكتاتورية واتفقوا على إقامة النظام السياسي الطائفي – الأثني بالعراق. إذ حين وضُع الدستور العراقي في العام 2005 أُقرت فيه الفيدرالية، ولكن لم يثبت حق تقرير المصير. وهو خطأ ساومت به القيادات الكردية في حينها، كمساومتها على إقامة نظام المحاصصة الطائفية والأثنية بالعراق، الذي أضر بهم وبالشعب العراقي كله وباستقلال وسيادة الوطن أيضاً. وكان البعض يتصور بأن الصراع العربي الشيعي السني سيسهم في خدمة القضية الكردية. ولم يكن هذا التصور خاطئاً فحسب، بل ومضراً جداً وحذرنا منه كثيراً ولم ينفع ، وبالتالي ألحق أضراراً فادحة بالجميع.
لم يضع حكام العراق والمجلس النيابي الطائفي - الأثني القوانين المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمجالس المحلية في المحافظات، كما لم تصدر القوانين الأخرى التي تنظم باقي العلاقات الاقتصادية والمالية والصلاحيات على أسس عقلانية وواقعية سليمة تأخذ بنظر الاعتبار مصالح الجميع. وكانت النتيجة صراع بين الحكومتين ومع مجالس المحافظات أيضا على الصلاحيات والحقوق، وكانت العواقب وخيمة، وانتهى العمل عملياً بالدستور العراقي من الجانبين بذريعة التباين في وجهات النظر وعدم التحري عن طريق ثالث عقلاني يمهد السبيل لعراق مدني ديمقراطي علماني.
وإذ كان الحاكم المستبد بأمره قد استفرد بالحكم الاتحادي منذ العام 2006 وتشبث لا بممارسة الطائفية الجامحة والمدمرة والشوفينية المقيتة فحسب، بل وعمل بنرجسية وسادية وفساد مرعب بالبلاد، أدت، مع غيرها من الظاهر والعلل، إلى عواقب وخيمة في العلاقات بين الطرفين. إن النهج الفردي في الحكم الاتحادي وبالحكم الإقليم وضعف الديمقراطية والرغبة المتعجلة في انتزاع أكبر الحقوق من جانب الطرفين قد ساعد على تعقيد تلك العلاقة وعمقها. ولعبت كل من حكومتي إيران وتركيا دوريهما البالغ في تعميق وتوسيع وتشديد الخلاقات والاستفادة منها لفرض هيمنتهما على الحكومتين بصيغ عديدة. ولم تنفع المساومات الشخصية بين الحكام التي حصلت في العام 2010 في الوصول إلى نتائج إيجابية بل "زادت في الطين بلة" وتعمق الخراب بين الحكومتين!
لم يكن التعامل بين الطرفين عقلاني وافتقد الحكمة الضرورية، وإذ شعر الحكام ببغداد إن الإقليم قد سرق من صلاحيات الحكم المركزي، والعراق مجبول بمركزية الحكم المديدة، فأن حكام الإقليم شعروا بمحاولة الحد من حقوقهم الفيدرالية. وكلاهما كان بهذا القدر أو ذاك على حق، لأن الجانبين خرجا عن الإطار الدستوري أولاً، ولا وجود لقوانين منظمة ثانياً وانعدام الثقة بين الطرفين ثالثاُ، وإبعاد الشعب عن التأثير في الأحداث رابعاً. وكانت حصيلة ذلك أن قادت الحكم بالإقليم إلى طرح وإجراء "الاستفتاء" وما نشأ عن كل ذلك من عواقب.
الاستفتاء حق مشروع للشعب الكردي وممارسته يفترض ألَّا تشكل عقبة في طريق استمرار الوحدة للدولة العراقية، ولا يعني التصويت بـ "نعم" الانفصال في كل الأحوال. رغم قناعتي الشخصية بأن الاستعجال في طرحه وأسلوب ممارسته في ضوء الواقع المحلي والإقليمي والدولي لم يكن أجراءً واقعياً، فأن ردود فعل الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة، شيعية كانت أم سنية، ومواقف وإجراءات الحكومة الاتحادية ورئيس الحكومة بالذات لم تكن واقعية ولا سليمة وتقود إلى عواقب إضافية غير محمودة وغير سليمة، إن تواصل هذا الموقف المتعنت من جانب الحكم الاتحادي.
إن الخشية الموجودة أصلاً، بدأت تنمو وتتفاقم في الساحة السياسية العراقية، نتيجة الموقف الذي يتخذه رئيس الحكومة والأحزاب الإسلامية الشيعية التي تسنده من أوضاع الإقليم والمواقف السياسية ذات المضمون الاستبدادي والشوفيني إزاء الشعب الكردي. إن هذه المواقف لا شك ستقود من يمارسها، إن استمر هذا النهج غير الحكيم، إلى ذات العلل التي عانى منها رئيس وزراء العراق السابق، والتي تتميز بها جميع قيادات الأحزاب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، والتي لم تتمعن بتجارب الماضي ولم تتعلم من دروسها الأساسية.
لا يحق لأحد أن يجوع الشعب الكردي ولا أبناء القوميات أو الديانات والمذاهب الأخرى بكردستان العراق، وذلك من خلال عدم دفع حصة كردستان من الميزانية الاعتيادية، وبالتالي عدم قدرة الحكومة هناك على تأمين رواتب الموظفين والمستخدمين، والذي يقود إلى عواقب سيئة بما في ذلك شحة السيولة النقدية في السوق الكردستاني وتأثير ذلك على الاقتصاد العراقي عموماً وعلى مزاج وصحة ونفسية غالبية الشعب بكردستان العراق. لا يمكن حل المشكلات العالقة بفرض حلول معينة من جانب واحد على الشعب الكردي ولا حتى عبر التجويع، فهو أمر لا يقود إلّا إلى المزيد من التوتر والصراعات وعدم الاستقرار. إن حكومة الإقليم وافقت على قرار المحكمة الاتحادية في موضوع الاستفتاء وبالتالي لم يعد من حيث الواقع قائماً، وطابعه المعنوي معروف للجميع حتى قبل إجراء الاستفتاء، فلماذا هذا الإصرار من جانب رئيس الوزراء العراقي على طلب شيء لم يعد قائماً أو مطروحاً للتنفيذ حالياً.
إن من واجب التضامن الوطني والتآخي القومي، من واجب الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه، من واجل كل القوى الديمقراطية والمدنية العراقية، أن ترفض تجويع الشعب بكردستان العراق بذريعة عدم موافقة المسؤولين الكرد على الحلول المطروحة من جانب الحكومة الاتحادية، وهي حلول ومواقف سياسية قابلة للحوار، بغض النظر عن الفترة التي يستوجبها الحوار للوصول إلى نتائج مقبولة للجميع، إذ لا بد من العودة إلى الدستور العراقي. والدستور يرفض في كل الأحوال فرض التجويع في حالة وجود خلافات سياسية بأي حال من الأحوال.   
إن استمرار هذا الوضع هو ما تريده القوى المعادية للشعب الكردي والشعب العراقي عموماً، وهي التي لا تريد الأمن والاستقرار والسلام بالبلاد، وهي التي تحاول توفير مستلزمات الفوضى وبروز أعمال عنف جديدة أو نشوء جماعات راديكالية متطرفة جديدة، سواء أكانت دينية أم قومية، في وقت ما زال العراق يعاني من بقايا داعش والفكر الداعشي ومن قوى طائفية سياسية أخرى مماثلة في أساليب عملها ونهجها لعصابات داعش التي ما تزال تشكل الحكم بالبلاد. إن سياسة رئيس الوزراء الحالية إزاء الوضع بالإقليم يمكن أن تقود إلى حرب جديد، لاسيما وأن قوات جيش المقدس الإيراني، التي يقودها الإيراني العميد قاسم سليماني، والمتمثلة بقيادات وقوى أساسية في الحشد الشعبي بالعراق، تستعد منذ فترة غير قصيرة لشن حرب عدوانية ضد الشعب الكردي، وهو ما يفترض أن تنتبه له كل القوى الخيرة والديمقراطية والمخلصة للعراق وشعبه. كما إن على ساسة الإقليم أن يعملوا من أجل طرح مقترحات تساعد على معالجة المشكلات القائمة بطرق سلمية وتفاوضية وديمقراطية.


21
كاظم حبيب
مادة للمناقشة
سبل وأدوات تنشيط وتجديد حركة حقوق الإنسان بالعراق
رغم مشاركة وإقرار الدولة العراقية الملكية عبر ممثلها في الأمم المتحدة بوضع وإقرار اللائحة الدولية لحقوق الإنسان في 10/112/1948، ورغم مطالبة الأحزاب والقوى الديمقراطية بالعراق بإطلاق الحريات العامة والحقوق الديمقراطية والحياة الدستورية والحقوق القومية، إلا إن المجتمع العراقي لم ينتبه إلى هذه اللائحة ولم يعمد إلى تشكيل منظمات لحقوق الإنسان، بالرغم من التجاوزات الفظة والانتهاكات المستمرة على حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وجميع المواثيق والعهود التي صدرت من جانب الأمم المتحدة في الستينيات من القرن الماضي، والتي مارستها الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث إزاء الشعب العراقي عموماً والأحزاب والأفراد خصوصاً. وفي العام 1969 تم لأول مرة تشكيل أول جمعية لحقوق الإنسان بالعراق تولى رئاستها الشخصية القومية العراقية المعروفة زكي جميل حافظ (1925 - 2011) واستمر في موقعه حتى عام 1977. وكانت المنظمة تحت إشراف ورقابة سلطة حزب البعث العربي الاشتراكي. وقد عجزت الجمعية عن تقديم أية خدمات فعلية دفاعاً عن حقوق الإنسان، بسبب النظام طبيعة النظام البعثي، الذي مارس بقسوة بالغة شتى صنوف انتهاك حقوق الإنسان والمواطنة، بما في ذلك التعذيب والقتل تحت التعذيب والدهس المتعمد وقتل المعارضين ورميهم في الشوارع، وبالتالي لم يشعر المواطن بوجودها أصلاً، وكانت من الناحية الفعلية غطاءً لستر ممارسات حزب البعث المناهضة لحقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب. 
وفي فترة لاحقة تشكلت مجموعة من منظمات حقوق الإنسان في المنفى الأوروبي وبسوريا، دفاعاً عن حقوق الإنسان العراقي، والتي بدأت في أعقاب تشكيل المنظمة العربية لحقوق الإنسان في العام 1983 في ليماسول حيث شارك فيها بعض الشخصيات العراقية، منهم مثلاً: حسين جميل والدكتور خير الدن حسيب وأديب الجادر. وفي دمشق تشكلت الجمعية العراقية لحقوق الإنسان من قبل بعض الكوادر القيادية البعثية جناح سوريا المناهض لحزب البعث، جناح العراق، واتخذت الاسم ذاته، الذي كان قد اختاره حزب البعث بالعراق لهذه المنظمة.
إن الهدف من الإشارة إلى تأخر تشكيل منظمات حقوق الإنسان بالعراق وفي مجمل دول الشرق الأوسط هو:
أولاً: إبراز واقع وجود نظم سياسية مناهضة للديمقراطية وقامعة بقسوة لأي تحرك بهذا الاتجاه من جهة، وضعف اطلاع المثقفين والأحزاب السياسية على مضامين وأهداف ونشاطات حركة حقوق الإنسان في دول أخرى مثل أمريكا الجنوبية، أي غياب فعلي لثقافة حقوق الإنسان في المجتمع من جهة أخرى، إضافة إلى ضعف دور لجنة حقوق الإنسان الدولية في جنيف التابعة للأمم المتحدة في نشر ثقافة حقوق الإنسان والوثائق الصادرة عنها وإدخالها إلى تلك البلدان، ولاسيما النامية، ومنها العراق، لخلق رأي عام يعي ويناضل من أجل ممارستها والضغط على حكوماتها لهذا الغرض أيضاً.
ثانياً: من أجل بلورة الإشكاليات والمشكلات الواقعية والعلل التي تعاني منها وتلك الت تواجهها حركة ومنظمات حقوق الإنسان بالعراق.
ثالثاً: التحري عن سبل وأدوات معالجة هذه المشكلات وإثارة النقاش حولها من أجل توفير مستلزمات منحها دفعة قوية وجديدة إلى الأمام في عملها الإنساني النبيل.
سنبدأ هنا بإبراز المشكلات والعلل التي تعاني منها هذه الحركة الإنسانية ومنظماتها بالعراق:
المشكلة الأولى: أغلب منظمات حقوق الإنسان العراقية التي تأسست داخل البلاد أو خارجه كانت بمبادرات الحكومة أو من كوادر سياسية حزبية، سواء أكانت ما تزال في تلك الأحزاب، أم تخلت عن حزبيتها. وبالتالي كان يلاحظ على نشاط هذه الأحزاب استخدامها لغة أقرب إلى السياسات الحزبية منها إلى لغة حقوقية، لغة حقوق الإنسان. وإذا كانت المنظمات التي تشكلها الحكومات المتعاقبة تدافع عن النظام وترفض أي اتهام لها بانتهاك حقوق الإنسان، فأن المنظمات الحزبية كانت لا تجد في الغالب الأعم مصداقية لاتهاماتها للحكومات المتعاقبة بسبب الشعور بكونا تابعة لهذا الحزب أو ذاك.
وخلال فترة التسعينات من القرن الماضي وما بعده عمدت أحزاب سياسية إلى تشكيلات تنظيمية تابعة لها باسم لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان، (وحصل هذا من جانب الحزب الشيوعي العراقي وأحزاب إسلامية وأخرى كردية وقومية عربية، وكان دفاعها يتركز على المعتقلين من أتباعها على نحو خاص. لا شك في أن هذه كانت إحدى نقاط ضعف حركات حقوق الإنسان العراقية التي لم تتخلص منها لفترة طويلة، والتي ما تزال تميز بعض جوانب عملها أو عضويتها.
المشكلة في هذا الصدد لا تكمن في حزبية أعضاء هذه المنظمات أم عدم حزبيتهم، بل في مدى قدرة أعضاء هذه المنظمات على التصرف باستقلالية عالية عن أحزابهم وفي ضوء مبادئ وقواعد عمل حركة حقوق الإنسان ولوائحها الأساسية، أي مدى استعداد أعضاء في هذه المنظمات على إدانة أحزابهم حين يرتكبون انتهاكاً لحقوق الإنسان أو لحقوق القوميات، وليس ما ينتهك من أحزاب أخرى فقط.
المشكلة الثانية: تعاني الكثير من منظمات حقوق الإنسان بداخل العراق أو خارجه من تدخل الحكومة أو الأحزاب السياسية العراقية بعمل هذه المنظمات وسعيها للتأثير عليها، وهو أمر بالغ الضرر للحركة ومنظماتها من جهة، كما يسقط عنها مصداقيتها حين يبرز تحيزها لجهة دون غيرها، أو عدم حياديتها، في حين المفروض فيها أن تشجب انتهاك حقوق الإنسان من أي جهة تمارسه، وسواء أكانت في الحكم أم خارجه. ونادرة تلك المنظمات التي تملك الشجاعة والإرادة على شجب انتهاك حقوق الإنسان تمارسه أحزاباً يكون الكثير من هذه الأحزاب أعضاء في هذه المنظمات. والأمثلة على ذلك كثيرة.   
المشكلة الثالثة، غالباً ما تتعرض منظمات حقوق الإنسان إلى اضطهاد من جانب الحكومات وأجهزتها الأمنية أو الحزبية أو تهديدهم، مما يعيق ممارستهم لمبادئ حقوق الإنسان والدفاع عن الذين تنتهك حقوقهم فعلاً. وعلينا هنا الإشارة الواضحة بأن منظمات حقوق الإنسان وكوادرها وأعضاء فيها يتعرضون دوماً لملاحقات من جانب المليشيات المسلحة لأتباع هذا الحزب السياسي أو ذاك، وغالباً ما يمارسون الرقابة على تلك المنظمات ونشاط كوادرها.
المشكلة الرابعة: إن أغلب العاملين في مجال حقوق الإنسان لم يطلعوا أصلاً أو جيداً على لائحة حقوق الإنسان والعهود والمواثيق الدولية الصادرة بهذا الخصوص، كما لم يستوعبوا بشكل سليم أسس العمل في هذا المجال، وبالتالي فأنهم يتصرفون في أحايين كثيرة بعيداً عن حقوق الإنسان، بل ويرتكبون انتهاكات فعلية لمبادئ حقوق الإنسان في تعاملهم اليومي في البيت أو في المجتمع، أم في مواقع عملهم في أجهزة الدولة. ويلاحظ ذلك بشكل خاص في التعامل غير السوي مع المرأة، كالاعتداء بالضرب والتحقير وممارسة التمييز والتهميش ضدها. 
المشكلة الخامسة: إن أغلب العاملين في مجال حقوق الإنسان بالداخل والخارج هم من كبار السن ممن لا يمتلكون القدرة الشبابية للوصول إلى الشبيبة العراقية من الذكور والإناث، رغم امتلاكهم لخبرة العمل نسبياً أولاً، وعدم قدرتهم على الغوص في مشكلات المجتمع والاطلاع الكافي على مجالات تنتهك فيها حقوق الإنسان ثانياً، أو أنهم لا يسمحون للشبيبة بالتقدم في مواقع المسؤولية في هذه المنظمات ويسعون للاحتفاظ بمواقع المسؤولية رغم عجزهم الواضح في إداء المهمات. وهي ظاهرة انتقلت إلى هذه الحركات من الأحزاب السياسية التي يسعى مسؤولوها البقاء على رأس أحزابهم مدى الحياة.
المشكلة السادسة: تبرز في ضعف اطلاع مسؤولو وأعضاء منظمات حقوق الإنسان على واقع مجتمعاتهم ومشكلاته والمتغيرات فيه من جهة، والجديد في مبادئ ومجالات عمل منظمات حقوق الإنسان من جهة ثانية. فعلى سبيل المثال هناك حقوق إنسان لم تذكر في السابق منها الحق في التنمية والحق في العيش في بيئة نظيفة غير ملوثة أو حقوق الطفل، أو حقوق السجناء السياسيين والمعتقلين ..إلخ.     
المشكلة السابعة: غياب الدعم الحكومي لمنظمات المجتمع المدني، ومنها منظمات حقوق الإنسان المستقلة، وعدم قدرتها على تأمين من يعمل في هذه المنظمات بأجر، وليس المتطوعين فقط، وبالتالي يصعب إيجاد كوادر متفرغة للعمل في منظمات حقوق الإنسان، وعليه يصبح عملها موسمياً وخاضعاً لقدرات وأوقات العناصر المتطوعة لهذا العمل. ومن هنا يمكن ان يلاحظ ارتفاعاً وهبوطاً في عمل هذه المنظمات دون أن يمكن محاسبة الكوادر العاملة لأنها متطوعة ولا تملك الوقت الكافي لإنجاز مع يفترض إنجازه. ولا بد من الإشارة إلى أن أغلب العاملين النشطاء في مجالات حقوق الإنسان ينحدرون من صفوف المثقفات والمثقفين ومن فئات البرجوازية الصغيرة والفئات الفقيرة التي لا يمكنها مدّ هذه المنظمات بالنقود لتمارس نشاطها بحيوية، بل الكثير منهم غير قادر على دفع اشتراكاً بسيطاً لمنظماته.
المشكلة الثامنة: عدم وجود عضوية فعلية مسجلة في هذه المنظمات تدفع بانتظام الاشتراك السنوي الذي يحدد في نظمها الداخلية، كما لا يشارك الكثير من الأعضاء في فعالياتها ونشاطاتها، مما يجعلها تعتمد في غالب الأعم على العفوية وتفاوت الرغبة في العمل وعلى مدى وعي الناشطين بأهمية نشاطات منظمات حقوق الإنسان التي ينهض بها الأعضاء.
المشكلة التاسعة: لقد برز العمل في منظمات حقوق الإنسان في فترات معينة، ولاسيما في الربع الأخير من القرن الماضي، وكأنه مودة جديدة التحق بها الكثير من أعضاء سابقين في أحزاب ومنظمات سياسية، ثم تراجعت هذه المودة وقل رصيدها وتراجع الكثير من الملتحقين بها عن العمل أو حتى المساهمة بحضور ندوات للحركة. ونجد اليوم منظمات، سواء أكان هذا بالداخل أم الخراج كانت تمتلك عضوية كبيرة نسبياً واليوم يصعب عليها أن تعقد مؤتمراتها بسبب نقص النصاب أو انسحاب الكثير منهم من العمل في هذا المجال أصلاً، في حين ازدادت الحاجة إلى عمل ونشاط مثل هذه المنظمات لأسباب فعلية ترتبط بواقع العراق الراهن والأحداث المروعة التي تجري فيه.
والمسألة التي تستوجب النقاش هي: ما العمل لمعالجة هذه المشكلات التي تواجه حركات ومنظمات حقوق الإنسان العراقية؟
عند متابعة الوضع السائد بالعراق في المرحلة الراهنة لا بد من تأكيد الأهمية البالغة والمتزايدة لوجود وعمل منظمات حقوق الإنسان العراقية بالداخل والخارج، ولا بد من كسب المزيد من الناشطين الشباب من الإناث والذكور إليها، ومن إيلاء اهتمام أكبر إلى تلك الحقول الجديدة التي دخلت في صلب مبادئ حقوق الإنسان خلال العقود الأخيرة.


فالمعاينة المدققة للمشكلات تضعنا أمام مجموعة من الإجراءات التي تستوجب التفكير بها بأمل تبنيها كحلول للمشكلات القائمة والتي يفترض أن توضع على طاولة البحث المستفيض من جانب كل المهتمين في حركة ومنظمات وقضايا حقوق الإنسان، والتي يمكن تلخيص بعضها بالآتي:
1.   العمل على دمج العديد من منظمات حقوق الإنسان المستقلة على صعيد العراق كله وتشكيل منظمة واحدة تعمل على حماية حقوق إنسان وتعتبر سقفاً لفروع لها في محافظات العراق ومدنه المختلفة. إن هذا العمل يمكن أن يساعد على الاستفادة القصوى أ) من الكوادر القليلة المبعثرة والموزعة على منظمات حقوق إنسان عديدة، 2) ويكرس الخبرة فيها ويساعد على تعزيز قدراتها ونشاطها ونتائج عملها، و3) ويستفيد من قدراتها المالية الشحيحة، 4) توحيد أساليب وأدوات وطرق عملها وخطابها الحقوق، 5) كما إنها ستتحول إلى قوة مادية على أرض الواقع تفرض على الحكومات المتعاقبة أخذها بنظر الاعتبار.
2.   العمل على إيجاد علاقة مباشرة مع لجنة حقوق الإنسان الدولية التابعة للأمم المتحدة في جنيف أولاً، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة ثانياً، ومنظمات مماثلة على مستوى الإقليم لتأمين المسائل الجوهرية:
أ‌.   إدخال كادر وأعضاء الحركة في دورات دراسية وتدريبية في قضايا حقوق الإنسان وخطابها الحقوقي وسبل كتابة تقاريرها الدورية، حيث تنظم مثل هذه الدورات في دول عديدة، ومنها تونس.
ب‌.   تأمين التضامن والدعم في حالة تعرضها للمضايقة أو الاضطهاد أو أية محاولات أخرى لعرقلة عملها في الدفاع عن حقوق الإنسان وشجب انتهاكها.
ت‌.   تأمين دعم مالي غير مشروط لها من جانب لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لممارسة نشاطها الإنساني النبيل، إذ يمكن أن تسجل كمنظمة معترف بها وبنشاها في الأمم المتحدة.
ث‌.   توفير الأدبيات والكتب والتقارير الخاصة التي تبحث في الحقول الكثيرة لحقوق الإنسان والمشاركة في المؤتمرات والندوات الدولية والإقليمية، لتبادل الخبرة والمعرفة والسعي لنشرها على نطاق واسع.
3.   العمل على إقناع المسؤولين لإدخال منظم لمبادئ حقوق الإنسان في مناهج التربية والتعليم في مختلف مراحل الدراسة، إضافة إل تنظيم ندوات وإلقاء محاضرات في المؤسسات الحكومية وفي المعامل وفي الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني. كما يستوجب تأكيد وممارسة المبدأ القائل بأن التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان لا بد من ممارسته.
4.   ليس هدف منظمات حقوق الإنسان جعل تنظيماتها جماهيرية، بل الهدف الأساس هو جعل أفكار ومبادئ حقوق الإنسان شعبية ومفهومة تناضل الجماهير الواسعة بوعي ومسؤولية من أجل ممارستها والدفاع عنها والرقابة على مدى تطبيقها أو انتهاكها.
5.   لا بد من ربط مسائل الدفاع عن حقوق الإنسان بنشاط ثقافي واجتماعي وفني وذلك بتقديم مسرحيات وأفلام سينمائية وإلقاء محاضرات مشوقة يمكنها كسب الناس إلى اجتماعات وندوات ومؤتمرات حركة حقوق الإنسان، ولاسيما الشبيبة من الإناث والذكور، إذ يمكن أن تكون بدون مثل هذه النشاطات الفنية والثقافية والاجتماعية العائلية جافة ولا تشجع الشبيبة على حضورها.
6.   كما يفترض أن تفكر منظمات حقوق الإنسان باستثمار دورها ومكانتها وكادرها لتنظيم دورات لمكافحة الأمية بين كبار السن، سواء أكان ذلك بالريف أم بالمدن. ويمكن أن يتحقق ذلك عبر التعاون مع منظمات مجتمع مدني أم مع مؤسسات حكومية. 
7.   لا بد من بذل جهود استثنائية لكسب الشبيبة من خلال الدفاع عن حقوقهم المغبونة أو المنسية أو المصادرة، ولاسيما حقوق المرأة وحقوق الطفل، وفي الحالتين تعاني المرأة ويعاني الطفل عموماً ولاسيما الإناث، من إساءات كبيرة وترتكب جرائم بحق البنات القاصرات مما يستوجب تشديد النضال ودفع الأمهات وعموم النساء والمجتمع للدفاع عن حقوقهن وحقوق أطفالهن المنكوبات بقوى لا تريد سوى اضطهاد المرأة وحبسها في البيت والمطبخ وخلف العباءة والبرقع وتزويج القاصرات من عمر تسع سنوات ليكن أمهات لأطفال وهن ما زلن طفلات.
8.   إن من بين النشاطات الضرورية لمنظمات حقوق الإنسان العراقية بالخارج العمل مع منظمات حقوق الإنسان في ذات البلدان ومع منظمة العفو الدولية حيثما تلتق الأهداف، إذ المهمة لا تقتصر على كسب العراقيات والعراقيين لهذا النشاط للدفاع عن حقوق الإنسان فحسب، بل لا بد لها من تحريك الناس الأوروبيين أو الأمريكيين أو الاستراليين أو غيرهم في هذه النشاطات دفاعاً عن حقوق الإنسان العراقي. ومن نماذج العمل الذي يمكن أن يكسب مواطنات ومواطنو الدول الغربية عموماً موضوع حقوق المرأة وما يحصل اليوم من جور بحق الإناث من الطفلات القاصرات بتزويجهن من عمر تسع سنوات، أو حتى ممارسة "التفخيذ" مع الرضيعات منهن، وهي من الجرائم الكبيرة التي تعاقب عليها دساتير كل الدول الغربية واللوائح والمواثيق والعهود الدولية في مجال حقوق الإنسان.   
9.   يستند العمل في منظمات حقوق الإنسان العراقية على قاعدة التطوع، ولهذه القاعدة فوائدها وإيجابياتها حيث يكون المتطوع مقتنعاً بأهمية هذا الحقل من العمل الإنساني ومندفعاً نحوه، وبالتالي يمكنه أن يقدم الكثير لصالح نجاح المهمات الملقاة على عاتق هذه المنظمات. إلا إن هناك جانب سلبي أيضاً، فالظاهرة الملموسة حالياً تبرز في كون هذا الاندفاع لدى هذا المتطوع أو ذاك يضعف بمرور الزمن ولأي سبب كان، في وقت يستوجب تعزيزه لما بالعراق من إشكاليات تستوجب توسيع وتنشيط وتطوير العمل. والمتطوعون يسجلون أعضاء في هذه المنظمات ويلتزمون بدفع اشتراك مالي، غالباً ما يكون رمزياً، ولكنه يبقى التزاماً على العضو المسجل في المنظمة. وحين يتلكأ العضو في نشاطه علة وفق الالتزامات التي أخذها على عاتقه، أو عدم دفعه الاشتراك السنوي دون وجود أسباب مبررة في الحالتين، فلا بد من إنهاء عضويته، إذ أن العضوية في هذه المنظمات ليست شكلية أو رمزية بل فعلية. ويمكن للشخص أن يبقى مؤيداً لمنظمات حقوق الإنسان دون أن يكون عضواً فيها. لكيلا يعتبر كالمثل القائل "اسمه بالحصاد ومنجله مكسور". إن العمل التنظيمي في مثل هذه المنظمات مرهق حقاً، بسبب ما يتطلبه من مراجعات أو حتى تحمل ما يسيء للناشط بسبب سلوك بعض موظفي الدولة الذين يرفضون التعاون والتنسيق لإنجاز معاملة تجاوز على حقوق الإنسان في الاعتقال أو التحقيق أو في السجون أو في قضايا أخرى.
10.   لو أمكن توحيد منظمات حقوق الإنسان العراقية لأمكن معها وضع حوافز معنية لتنشيط منظمات حقوق الإنسان والأعضاء العاملين فيها من خلال وضع وسام خاص يمنح سنوياً لأبرز عضو أو عضوة في المنظمة قدمت خدمات محمودة لصالح حقوق الإنسان، إضافة إلى نشر معلومات وافية عن حياة الفائز أو الفائزة بهذا الوسام وعلى مستوى داخل العراق وخارجه. كما يمكن أن يشارك الأعضاء الذين يقدمون خدمات طيبة في، أو يرسلون إلى، دورات دراسية وتدريبية في مجال حقوق الإنسان.
           



22
كاظم حبيب
النرجسية المرضية والسادية عِلّتان يتميز بهما حكام الشرق الأوسط..!

الحكام العراقيون لا يختلفون بكثير أو قليل عن حكام الشرق الأوسط، فهم جميعاً ودون استثناء من طينة واحدة عجنت في مضمون العلاقات الإنتاجية السائدة في هذه الدول، بالرغم من التباين النسبي في مستويات تطور القوى المنتجة ووعي الفرد والمجتمع في كل منها. إن هاتين السمتين السلبيتين أو العلتين لا تقتصران على الحكام فحسب، بل وعلى الغالبية العظمى من السياسيين، إن لم نقل جميع الأشخاص الذين يحترفون السياسة ويعملون ضمن أحزاب سياسية أو على رأس عشائرهم. والحكام العراقيون يقدمون نموذجاً صارخاً لكل الحكام في هذه المنطقة المشحونة بالتوترات والنزاعات والحروب والمليئة بالمشكلات المعقدة المرتبطة عضوياً بما في هذه المنطقة من خامات أولية وتعدد في القوميات والديانات والمذاهب وما رسم لها من حدود بين الدول بعد الحرب العالمية الأولى والمستمرة حتى الآن.
تشير المعطيات التاريخية إلى أن أغلب الحكام العراقيين الذين تميزوا بالنرجسية المرضية أو النرجسية والسادية في الحكم انتهوا بقتلهم بصيغ مختلفة على أيدي منافسيهم الذين لم يختلفوا عنهم بذات السمات السلبية. والحاكم الوحيد الذي مات بشكل طبيعي ولم يكن يحمل السمتين هو عبد الرحمن محمد عارف. فمنهم من قتل أو أعدم علناً، ومنهم من قتل بطريقة غامضة، ومنهم من دس له السم الزعاف فمات بشكل تدريجي، ومنهم من ينتظر.
لا اتحدث هنا عن عبد السلام محمد عارف، ولا عن أحمد حسن البكر، ولا عن صدام حسين، ولا على الزعانف التي كانت معه ومارست نهجه وأصيبت بعلاته، فهم كانوا معروفين بما يعانونه من علل لم تساهم بموتهم فحسب، بل وبتدمير العراق، بل أتحدث هنا عن رئيس الوزراء العراقي السابق، الذي ما يزال يحتل مركز نائب رئيس الجمهورية والمرشح لرئاسة التحالف الوطني للبيت الشيعي العراقي، والطامع في رئاسة وزراء جديدة ليكمل ما ساهم بتدميره بالعراق وصب الزيت المزيد منه على نار الطائفية والتمييز خلال فترة حكمه والتي كان قد مارسها رئيس الوزراء الذي سبقه في الحكم. هذا الرجل يشارك في سماته وعلله النفسية مع أغلب حكام المنطقة الذين يعانون من العلل النفسية والاجتماعية ذاتها والتي تبرز بشكل صارخ في اختلال علاقاتهم مع المجتمع ومع القوى والأحزاب الأخرى أو مع أتباع القوميات والديانات والمذاهب الأخرى ومع العالم. فالنرجسية نجدها بهذا القدر أو ذاك لدى جميع البشر، ولكن صاحبنا مصاب بالنرجسية الخبيثة Malignant narcissism التي تجلت بنهجه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي، حيث عمت الرثاثة والخراب والنهب والسلب لأموال العباد والتخريب في كل أنحاء البلاد، وهو ما يزال من منصبه الجديد يمارس ذات الخباثة النفسية في نهجه وممارساته اليومية. ومثل هذا الشخص لا يمكن ولا يجوز له أن يبقى في السلطة أو في أي موقع عام، بل لا بد من حجزه والحجر عليه ووضعه في مصحة للعلاج النفسي مدى الحياة، لأن وجوده طليقاً يؤدي إلى عواقب وخيمة على المجتمع، خاصة وأنه في مجتمع وفي دولة هشة وفي محيط حكومي وإعلامي يساعد في تعجيل تحول الحالة النرجسية إلى نرجسية مرضية خبيثة وإلى سادية مفرطة واستبداد مريع، ولاسيما لمن له الاستعداد الذاتي على ذلك. لم يكن رئيس الوزراء السابق بهذه السمات خلال وجوده في المعارضة، كما يشير إلى ذلك أكثر الناس معرفة به، إلا إن الحكم وتلك المجموعة من الانتهازيين والطبالين والمرتزقة هم الذي ساهموا في النفخ بصورته المشوهة وحولوه تدريجياً إلى شخصية مصابة بالنرجسية الخبيثة والفساد الفكري والسياسي والاستبداد. فأحد أعضاء حزبه، وهو يدرك علل رئيسه، ولكي يتقرب منه، أكد في مقابلة صحفية "إذا مات المالكي نستنسخ من خلاياه مالكي أخر.." ليؤكد إخلاصه له، ولكي يواصل إرهاب القوى الأخرى، وهو الذي تسبب في سقوط الموصل بأيدي عصابات الرذيلة والإجرام والتكفير، عصابات داعش. من يرغب أن يتعرف على هذه العلل التي يعاني منها هذا الرجل عليه أن يقرأ في كتب علم النفس، لاسيما علم النفس الاجتماعي ليجد من يغنيه.         
ولكن الغريب بالأمر أن هذا الرجل الذي تسبب في سقوط الموصل وعموم نينوى، وقبل ذك الأنبار وصلاح الدين وغيرها، والذي فرط بمئات المليارات من الدولارات الأمريكية من خزينة الدول العراقية، والذي أخضع القضاء العراقي لإرادته السياسية، والذي اعتقل ووضع بالسجن نائب محافظ البنك المركزي العراقي وعدداً من الموظفين والموظفات، وفلت من الاعتقال محافظ البنك المركزي، ثم أفرج عنهم وعين نائب المحافظ من جهاز القضاء نفسه ثم عين مستشاراً لرئيس الوزراء الجديد، والذي وضع جميع الهيئات المستقلة في خدمته الشخصية ومارس التجاوز الفظ عل الدستور، كما في سلوكه مع مفوضية الانتخابات "المستقلة!"، ما زال هذا الرجل ليس طليقاً فحسب، بل ويحتل واحداً من أعلى المناصب التنفيذية بالدولة العراقية ليمارس من خلاله ما يمكنه لإشعال الفتنة بالعراق ومواصلة الفساد والتعتيم على الفاسدين وعلى الملفات التي كان يتحدث عنها بأنه لو فتحها لزكمت الفضائح أنوف العراقيين والعراقيات! 
ولو تابعنا اليوم ما يمارسه تلفزيون العراقية لوجدنا جمهرة من العامين فيه والمسؤولين عنه يعملون بالنهج ذاته وبثبات انتهازي صارم مع رئيس الوزراء الجديد في محاولة منهم للنفخ في صورته وجلب من يمدح به ولا يتعب، وهو الأسلوب البائس الذي من شأنه أن يمارس التأثير ذاته عليه، كما حصل مع من سبقه، وهو الأمر الذي يبدو صارخاً في هذه الفترة. وهو نفس السياسة التي مارسها بعض المستشارين والسياسيين بالإقليم مع رئيس الإقليم، دون أن يكونوا صريحين معه فيما يفترض أن يقولوه له.
في لقاء مع أحد كبار المسؤولين الكرد سألني عن الوضع بالإقليم، أجبته بصراحة تامة وبوجود السكرتير الشخصي، بأن الوضع غير جيد وأن الكثير من الناس غير مرتاحين من الوضع والسياسة ومن انتشار الفساد، كما إن مستشاريه ومن حوله، بمن فيهم السكرتير الذي هو الآن معنا، لا ينقلون لك ما يجري بالإقليم، بل ينقلون لك ما يطيب خاطرك ويريحك، وفي الغالب ما تريد أن تسمعه. وأن شئت الحقيقة فليس لك إلا أن تذهب إلى الناس لتسمع منهم ما يريدون قوله لك وبصراحتهم المعهودة. ولم يحصل ما كان يفترض أن يحصل!
إن واجب ومسؤولية رئيس وزراء العراق أن لا يبدأ بالحيتان الصغيرة التي التهمت فتات الموائد، بل عليه أن يبدأ بالقيادات التي نشرت الفساد وأفسدت الناس وسمحت لهم بشراء العمارات في بريطانيا وفنلندا وأمريكا وفرنسا وألمانيا وغيرها وأن يملأوا حساباتهم بالسحت الحرام، وأن ينتهي بالحيتان الصغيرة. عند ذاك يقتنع الناس بأنه يسعى إلى البدء الفعلي بمحاربة الفساد!! وأول الفساد الذي يجلب محاربته وفيه تجاوز فظ على الدستور هي المحاصصة الطائفية ذاتها التي سمحت لكل أنواع الفساد الأخرى بما فيها الفساد الإداري والاجتماعي والثقافي والبيئي والعسكري أن يسودا بالعراق!!!               

23
كاظم حبيب
هل من أفق لإقامة أوسع تحالف مدني ديمقراطي شعبي بالعراق؟

تشير المعطيات التاريخية بالعراق، وعلى امتداد الفترة التي أعقبت سقوط الملكية، إلى أن القوى الفكرية والسياسية اليمينية برهنت بأن لديها القدرة على المساومة وإبداء الاستعداد لتحقيق التحالفات الممكنة للإجهاز للوصول إلى السلطة أو الاستمرار فيها ومحاربة القوى المدنية والديمقراطية بسبل كثيرة. في حين برهنت القوى المدنية الديمقراطية، وبضمنها قوى اليسار، على إنها عجزت عن تحقيق التحالفات السياسية فيما بينها لضمان العمل المشترك دفاعاً عن مصالح الشعب ووحدة البلاد وتأمين الاستقلال والسيادة الوطنية. وفي ضوء هذا الواقع عجزت القوى المدنية والديمقراطية عن الوصول إلى السلطة السياسية لتحقيق الأهداف والمصالح التي تبنتها، أهداف ومصالح الشعب. وكان هذا أحد الأسباب التي ساعدت على تلقي القوى المدنية والديمقراطية واليسارية ضربات قاسية من لدن القوى اليمينية والرجعية والشوفينية المناهضة لمصالح الشعب. ورغم إن القوى المدنية تدرك نقاط ضعفها، إلا إنها لم تسع إلى معالجتها بجدية والتخلص من النظرات الحزبية الضيقة أو من الأنانية الحزبية أو من الشعور بالعظمة الذي لا يسمح لها بالتنازل والتحالف مع قوى أخرى تعتبرها أقل منها شأناً، في حين إن النضال في سبيل إقامة عراق حر وديمقراطي مستقل يستوجب تعبئة كل القوى والشخصيات المدنية. وإذا كان مثل هذه التحالفات ضرورية في السابق، فأن تحالف القوى المدنية والديمقراطي أصبح اليوم أكثر ضرورة وأكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن النجاح في المعركة الفكرية والسياسية ضد اليمين الفكري والسياسي المتطرفين، وفي إطار الدستور العراقي النافذ وعلى أساس ممارسة النضال السلمي والديمقراطي، يستوجب تغيير موازين القوى لصالح القوى المدنية والديمقراطية. وهذا بدوره يستوجب معرفة دقيقة بالواقع السياسي والاجتماعي القائم بالعراق، ومعرفة طبيعة القوى والأحزاب ومدى استعدادها لخوض النضال الديمقراطي، ومدى استعداد الجماهير على تحمل مسؤولية المشاركة الفاعلة في هذا النضال ووعياً بالمسؤولية المشتركة لعملية التغيير المنشودة، إضافة إلى ضرورة ممارسة أساليب نضال جديدة وخطاب سياسي جديد، يكون بمقدورها مجتمعة تعبئة الشبيبة من إناث وذكور لخوض هذه المعركة الفكرية والسياسية السلمية والديمقراطية بنجاح ولصالح الشعب.
منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة في العام 2003 بُذلت الكثير من الجهود وأقيمت نماذج مختلفة من التحالفات السياسية التي لم توفق ولم تكن نموذجية لتحقيق المنشود. فهل في مقدور هذه التجارب غير الناجحة أن تسهم في استخلاص الدروس لبناء تحالف واسع جديد يستوجبه الواقع العراقي الراهن بإلحاح شديد، مع علم الجميع بأنها وبدون تحقيق مثل هذا التحالف الواسع جداً الذي يستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة، لا يمكنها تحقيق التغيير المنشود.
قبل فترة وجيزة أُعلن ببغداد عن تشكيل تحالف "تقدم" من مجموعة من الأحزاب والقوى السياسية المدنية والديمقراطية العراقية لخوض غمار الانتخابات التشريعية القادمة والنضال من أجل تحقيق التغيير المنشود بالعراق لصالح الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي الحديث. وهي خطوة جيدة وإيجابية على الطريق الصحيح، إذ عمل الكثير من العراقيين والعراقيات من أجل تحقيق هذا التحالف. ولكن، على الرغم من أهمية تحالف "تقدم" والجهود الحثيثة التي بذلت من أجل ولادته، فأنه ما يزال بعيداً عن المنشود وغير كاف لتحقيق التغيير المطلوب. فعملية التغيير المنشودة لإقامة النظام السياسي الديمقراطي بالعراق والقائم على الفصل بين الدولة والدين والسياسة، وبين السلطات الثلاث واحترام استقلال القضاء وحقوق الإنسان، ولاسيما  حقوق المرأة وحقوق الطفل، ولاسيما البنات القاصرات، واحترام حقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، ومنع التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للعراق واحترام الاستقلال والسيادة الوطنية ..الخ، تتطلب تحالفاً أوسع بكثير من تحالف "تقدم"، تتطلب تحالفاً يجمع "تقدم" إلى جانب مجموعة أخرى مهمة من الأحزاب والقوى المدنية والديمقراطية والقومية والعلمانية والقوى والشخصيات المؤمنة ذات النهج المدني المتنور أولاً، وتستوجب تحالفاً جديداَ يضم الأحزاب والقوى والشخصيات الديمقراطية الكردستانية التي تأكد لها بأن النضال في إطار العراق الموحد يستوجب إعادة الاعتبار للتحالف مع القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية الأخرى ثانياً، وليس مع الطائفيين السياسيين، وإن الجميع بدون مثل هذا التحالف لا يمكنهم ضمان بناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي.
وتحقيق مثل هذا التحالف يستوجب مواصلة العمل بمرونة عالية وخوض الحوار المتفتح، والخلاص من الذهنية الضيقة التي لا تعير انتباهاً لعمل وأهمية الآخرين مهما كانوا قلة، إنها مهمة معقدة وصعبة بسبب وجود ذهنيات ما تزال غارقة في ذاتيتها ولا تريد الاعتراف بدور الآخر، وهي ملموسة لمس اليد، مما يعيق الوصول إلى اتفاقات مهمة. لقد بدأت قوى التيار الديمقراطي وحققت تحالفاً جديداً أطلق عليه "تقدم" من جهة، كما نشطت قوى مدنية أخرى كثيرة ما تزال مستمرة في عملها وحواراتها من جهة ثانية، فهل يا ترى يمكن بذل الجهود للوصول إلى البدء أو مواصلة اللقاءات المكثفة والمثمرة بين الأطراف العديدة لعقد مؤتمر جديد يطرح فيه برنامج عمل موسع يتضمن أهداف ومصالح فئات واسعة من بنات وأبناء الشعب العراقي من كل القوميات والقوى السياسية المدنية والديمقراطية؟ هل يمكن الاتفاق على أهداف محددة تتيح فرصة التغيير الفعلي للخلاص من المحاصصات الطافية في حكم البلاد؟ إن الضرورة الملحة والعاجلة تقتضي ذلك، فهل أدرك الجميع هذه الضرورة وهل سيتصرفون في ضوئها؟ أشعر بوجود مثل هذا الشعور العام/ وما ينقصه هو الجرأة في التحرك صوب الآخر. هنا يستوجب الوضع من الجميع بذل الجهود من أجل تحقيق ما لم يتحقق حتى الآن. إن التحالف المنشود لا يمكنه بأي حال التفريط بقوى سياسية مدنية أو حتر بعنصر مدني وديمقراطي واحد، بسبب أهمية ودور الجميع في مثل هذه المعركة الديمقراطية السلمية التي يفرضها الواقع العراقي الراهن والتي يمكن ويجب خوضها بنجاح، رغم وجود مخاطر جدية بلجوء الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة إلى استخدام أساليب شراء الذمم ودفع الأموال والتهديدات بمختلف صورها والتزوير لدفع الأمور باتجاه ولصالح القوى اليمينية الأكثر تطرفاً في الأحزاب والقوى الحاكمة. إن المخاطر كبيرة بسبب وجود دعم خارجي يؤيد هذه القوى التي مارست القهر والتمييز والقمع في السنوات المنصرمة.
إن الأمل معقود على القوى المدنية والديمقراطية، وعلى القوى المستقلة والقوى المؤمنة المتنورة، على أوساط واسعة من الشعب العراقي التي أدركت مخاطر وعواقب استمرار نظام المحاصصة الطائفي والفساد وما يجرهما من مشكلات مريرة على الشعب العراقي، بما في ذلك استمرار الإرهاب والخراب والدمار. إنه نداء موجه إلى ذوي الضمائر الحية، إلى أبناء وبنات الشعب العراقي من مختلف القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، إلى كل الذين أدركوا وعاشوا بجلودهم عمق المآسي والكوارث والأحزان والدماء والدموع حين تكون القوى القومية الشوفينية والقوى الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية والتمييز الديني والمذهبي هي السائدة في سلطات ومؤسسات الدولة العراقية.             

24
كاظم حبيب
حزب الفضيلة ووزير العدل بالعراق يبيحان اغتصاب الفتيات القاصرات!!!
في فترة وجود نوري المالكي على رأس السلطة في إمارته الثانية صادق مجلس وزراءه على القانون الذي تقدم به حسن الشمري وزير العدل، فوزارة العدل هي من حصة حزب الفضيلة في الحكومة القائمة على المحاصصة الطائفية المقيتة، الذي أطلق عليه "قانون الأحوال الشخصية الجعفري"، على وفق الفقه الشيعي، بتاريخ 15 شباط/فبرير 2013 ليرسل إلى مجلس الوزراء لإقراره. وهو قانون سلفي رجعي متخلف ومناهض لحضارة العصر والتقدم الذي قطعه الجنس البشري في الموقف من حقوق المرأة وحقوق الطفل. وقد ناهضت نسبة عالية من الشعب العراقي، وفي طليعتهم مثقفو العراق من مدنيين ديمقراطيين وعلمانيين ومؤمنين واعين ومتنورين، هذا القانون وشنَّت حملة احتجاج إنسانية واسعة ضده. وكان يراد بهذا القانون الجعفري أن يحل محل قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، الذي تميز بمنح المرأة بعض حقوقها المهمة، وليس كلها، والذي وقفت ضد هذا القانون كل المؤسسات الدينية الشيعية والسنية غير المتنورة والغاطسة في مستنقع التمييز ضد المرأة العراقية وحقوقها المشروعة والمثبتة في اللوائح والمواثيق الدولية، وهي التي سعت أيضاً إلى تشكيل جبهة معادية لحكم عبد الكريم قاسم لإسقاطه من أجل الخلاص من هذا القانون بشكل خاص.
وفي أعقاب إسقاط الدكتاتورية الغاشمة انبرى عبد العزيز الحكيم، وكان عضواً في مجلس الحكم الانتقالي، إلى إصدار قراراً يلغي بموجبه القانون رقم 188 لسنة 1959 التزاماً بإرادة والده الذي ناهض القانون وحكم عبد الكريم قاسم ودخل في مؤامرة قذرة ضد عبد الكريم قاسم ووافق على قتل الشيوعيين باعتبارهم ملحدين! فقد كتب الدكتور عبد الخالق حسين في مقال له بعنوان "حذارى من (التحرش) بقانون الأحوال الشخصية!"، منشور على موقعه الشخصي، ما يلي بصدد إلغاء قانون 188 لسنة 1959 ما يلي:
"فما أن أسقطت القوات الدولية بقيادة أمريكا الحكم الصدامي الجائر، وجاء دور السيد عبد العزيز الحكيم (نجل السيد محسن الحكيم) برئاسة مجلس الحكم بشكل دوري، أول عمل قام به هو إصدار قرار رقم 137 سيئ الصيت، القاضي بإلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959.  القرار الذي أثار ضجة واسعة ضده من قبل الكتاب والصحفيين والسياسيين والبرلمانيين التقدميين، مما اضطر بول بريمر، الحاكم المدني للقوات الدولية، التدخل، وإلغاء القرار". وهاهم يعودون اليوم من جديد لفرض ما يريدون على الشعب!
إن أحد بنود مشروع القانون الجعفري، الذي أقره مجلس الوزراء حينذاك يبيح ويشرعن زواج البنات القاصرات بعمر تسع سنوات، واللواتي يراد لهن أن يكن أمهات ابتداءً من هذا العمر، بنات أطفال يولدن أطفالاً..، إنها المهزلة والمأساة في الشريعة الإسلامية التي وضعها المعممون وأصحاب اللحى، وليس كلهم، الذين يعيشون في بيوتهم ساهون ولا يعرفون ما يجري في هذا العالم بشأن المرأة وحقوقها وحريتها ودورها المميز في المجتمعات الحديثة. وقد أجبرت حملة الاحتجاج والنشر الواسعة لطبيعة هذا القانون وعواقبه الوخيمة على طفولة البنات والمجتمع، أن أُجل لما بعد الانتخابات في العام 2014 ثم أهمل تماماً في حينها.
والآن يبدو أن حكامنا، وهم مصابون بأمراض نفسية وعقد كبيرة ضد المرأة وحقوقها، يسعون من جديد إلى طرح تعديلات أساسية على قانون رقم 188 لسنة 1959 بما يفرغه من محتواه الديمقراطي والتقدمي ووقوفه إلى جانب المرأة في محاولة جديدة منهم لإمرار هذه التعديلات الجعفرية، وهم يشعرون بوجود اختلال أكبر من السابق في ميزان القوى في المجلس النيابي العراقي، يسمح بفرضه على المجتمع العراقي بأسره.
إن قانون الأحوال الشخصية الجعفري المقترح لا يتجاوز على حقوق الطفولة وبراءتها فحسب، بل وعلى الكثير من حقوق المرأة وعلى الدستور العراقي والقوانين السائدة بالعراق والحياة المدنية المنشودة للعراق ويؤسس قاعدة جديدة لدولة ثيوقراطية استبدادية متخلفة ومناهضة لمصالح الشعب.
إن هذه القوى التي وافقت على تقديم هذا القانون السلفي المتخلف تسعى بوضوح كبير إلى فرض الدولة الدينية الشيعية على العراق تدريجاً وهو ما ينبغي مقاومته وفضح مضامينه، وهم ليسوا بعيدين عن توسيع ذلك والموافقة على ما قرره روح الله الخميني في كتابه الموسوم "تحرير الوسيلة" بقاعدة التفخيذ مع الطفلة التي لا يتجاوز عمرها السنة الواحدة، أي الرضيعة، إنها شريعة الشاذين جنسياً والمصابين بـ ((paedophiles، وهي مأساة مريعة للمجتمع العراق الذي عمل بقيم ومعايير حضارية بعيدة كل البعد عن السقوط بمثل هذه الأمراض النفسية والشذوذ الجنسي. يقول روح الله الخميني ما يلي:
"مسألة 12- لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى مع الرضيعة، ..." (الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، توزيع سفارة الجمهورية العربية الإسلامية بدمشق، ص221).
هل فيكم أيها العراقيون والعراقيات من يسمح لرجل بالغ سن الرشد أن يتفاخذ ويتلاعب جنسياً مع طفلته الرضيعة بذريعة أنه يعتبر خطيبها، وأحياناً حتى قبل ولادتها، هل فقد الناس بالعراق الغيرة والحياء والضمير بحيث يسمحوا بمثل هذه الفتوى أن يمارس مضمونها بالعراق. حاشا أن يقع العرقيون والعراقيات بمثل هذا الفخ الجنسي المرضي، إلا من ارتضى لنفسه أن يكون عبداً خانعاً لإرادة وفتاوى من هذا النوع للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية الخميني ومن بعده خامنئي. 
وبودي هنا أن أحيلكم على مقالين هامين الأول للسيد القاضي هادي عزيز علي، وهو بعنوان ضياع الحقوق المكتسبة جراء مشروع قانون الأحوال الشخصية... / هادي عزيز علي، والثاني للسيد الدكتور عبد الخالق حسين بعنوان "حذارى من (التحرش) بقانون الأحوال الشخصية!" المنشور في موقعه، وهذا رابطه (د.عبد الخالق حسين: حذارى من (التحرش) بقانون الأحوال الشخصية ! وكذلك مقال أقدم من هذا المقال ورابطه abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
إن الحركة المدنية المناهضة لهذا القانون في تنامي كبير ومن واجب كل المدنيين الديمقراطيين والعلمانيين والمؤمنين المتنورين النضال ضد هذا القانون وإفشاله، لأنه سيكون إساءة كبيرة جداً حقاً للعراق والمجتمع العراقي وللطفولة البريئة.

25
كاظم حبيب
أينما تمتد أصابع السعودية وإيران وتركيا في الشرق الأوسط يرتفع الدخان!
تشير المعطيات المتوفرة على أرض الواقع بمنطقة الشرق الأوسط إلى تفاقم متواصل وخطير في الصراعات السياسية الدائرة بين تلك الدول الإقليمية التي تسعى إلى فرض سياساتها وهيمنتها على دول المنطقة، والتي تحول بعضها منذ سبع سنوات إلى حرب دموية داخلية وخارجية تغذى من الدول الكبرى ومن الدول المنتجة والمصدرة للسلاح في العالم. والمخاطر الكبيرة تبرز في احتمال اتساع عدد الدول الذي يعاني من الحروب الداخلية فيها أو من اعتداءات عسكرية وعدوان خارجي عليها. وإذا كان الصراع العربي الإسرائيلي قد احتل مركز الصدارة في عقود عديدة، بما في ذلك تلك الحرب التي شنّت من دولة إسرائيل ضد لبنان وحزب الله، وكذلك حرب إسرائيل ضد غزة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن إسرائيل لا تجد اليوم ضرورة مباشرة في التورط بحرب جديدة مع الدول العربية، ما دام هناك حكام عرب يمارسون بأنفسهم تدمير الدول العربية. فالصراعات الدائرة اليوم في منطقة الشرق الأوسط قد تحولت منذ سنوات إلى نزاعات عسكرية وحروب دموية ضد شعوب هذه الدول وتدميرية للبنى التحتية والصناعة والزراعة وعموم الاقتصاد الوطني والمراكز الحضارية والجامعات ودور السكن، حتى تحولت مدن سورية كثيرة ومدن يمنية ومدن عراقية إلى مدن أشباح مرعبة حيث أصبح الخراب والدمار شاملين.
فالشرق الأوسط يعاني اليوم من تناقضات محتدمة في المصالح الاقتصادية والرغبة في الهيمنة على سياسات الدول الأخرى وتشكيل مناطق نفوذ حيوية للدول الإقليمية الأكبر في المنطقة، بالتنسيق أو بدونه بين هذه الدول والولايات المتحدة، وأحياناً غير قليلة مع دول الاتحاد الأوروبي، أو مع روسيا. وهي تناقضات ليست دينية أو مذهبية بالأصل، ولكنها تتستر بها لتعبئ شعوبها التي تعاني في الغالب الأعم من نسبة عالية من الجهل أو الأمية السياسية أو الفكر المشوه والمزيف الذي عبئت فيه رؤوس الناس من قبل أجهزة الإعلام ومؤسسات التربية والتعليم في بلدانها. ويزداد الصدام والتدمير حين يتفاعل الجانب الطائفي بالمصالح الذاتية لحكام هذه الدول ويصبح السياسة الحاكمة لهم.
والدول الداخلة في محاور الصراع عديدة ومتحركة أو غير ثابتة. فهناك محور الصراع التركي - الإيراني، الذي يكسب له المملكة العربية السعودية ودول الخليج، في حين تسعى إيران إلى تعزيز تحالفها مع سوريا وكسب العراق إلى جانبها، إضافة إلى تبعية حزب الله بلبنان للسياسة الإيرانية وخضوعه لقرارات مرشد الثورة الإسلامية بإيران علي خامنئي بالكامل. والمحور الثاني يجد تعبيره في الصراع الإيراني-السعودي، الذي تلتحق بالأخيرة دول الخليج، عدا قطر، التي تمردت هذه المرة على السعودية، وهي دولة لقيطة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، فأعلن الحصار ضدها، وتشكل حلف جديد التحقت به مصر، ثم البحرين والإمارات العربية ضد قطر. كما إن الصراع الإيراني-السعودي قد احتدم منذ العام 2014 باليمن بسبب دعم إيران للحوثيين، مما أدى إلى تشكيل تحالف واسع تقوده السعودية وتشارك فيه كل من البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن والمغرب والسودان والسنغال، في حين تقف إيران وحدها في هذه المعارك إلى جانب الحوثيين والرئيس المعزول علي عبد الله صالح. أما الرئيس هادي منصور فهو يعمل مع السعودية وتحالفها العربي. ومن الوقائع الدامغة تلك التي تؤكد أينما تمتد أصابع السعودية وإيران وتركيا يرتفع دخان الحروب والقتل والتدمير ولن يتوقف ما لم تسحب هذه الأصابع القذرة من التدخل الفظ في هذه الدول وشؤونها الداخلية وسياساتها الفعلية. فالحروب التي تشنها، إلى جانب الرغبة في فرض مصالحها وإرادتها ونفوذها على هذه الدول، فأن فيها رائحة عفنة من الشوفينية والطائفية والتمييز الديني والمذهبي!، وهي انتهاكات صريحة ومريعة للائحة حقوق الإنسان وبقية العهود والمواثيق الدولية في هذا الشأن وللشرعة الدولية واللائحة الأساسية التي تنظم العلاقات بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة!  تحاول إيران خلق مجموعة سياسية شيعية تمتد من أيران عبر العراق إلى سوريا فلبنان واليمن، تحاول التأثير على أوضاع البحرين ودول الخليج الأخرى وتهيمن على سياسات هذه الدول الداخلية منها والخارجية والتوسع المذهبي. في حين تتصدى السعودية ودول الخليج ومصر وتركيا لمثل هذه الممارسة بدعوى إنها تريد نشر مذهبها في العالم العربي، وتريد التدخل في شؤون الدول العربية والتأثير فيها لصالحها. والعامل الحاسم في هذا الصراع هو الدور الذي تريد كل من هذه الدول الإقليمية الكبيرة أو الغنية السيطرة على سياسات الدول في منطقة الشرق الأوسط. ويبدو إن إسرائيل تحاول كسب السعودية ومن معها في تحالف أمني وعسكري سري أو مكشوف ضد إيران، إذ تعتقد إسرائيل بأنها تريد تدميرها. 
وقد تورطت كل هذه الدول في حروب قذرة مدمرة لشعوب المنطقة تعكس عن مدى استعداد تلك الدول التي تقود هذه الحروب على التضحية بأبناء وبنات شعوب هذه الدول وتدمير اقتصادها وحياتها الاجتماعية في سبيل تحقيق مصالحها الاقتصادية وهيمنتها السياسية والفكرية أو المذهبية في هذه الدول وعموم المنطقة.
فالحرب السورية المستمرة منذ مارس /أذار 2011 لا يمكن التكهن متى تنتهي، وقد كلفت الشعب السوري مئات ألوف القتلى وأضعاف ذلك من جرحى ومعوقين ونازحين، إضافة إلى الملايين التي هاجرت من سوريا إلى الدول المجاورة والعالم. وقد دُمرت مدن بأكملها ولم تعد مؤهلة للسكن واستخدمت شتى أنواع الأسلحة المدمرة وذات القتل الواسع، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيمياوية. ولم تقتصر هذه الحرب على حرب داخلية بين القوى السياسية المتصارعة، بل شاركت فيها المليشيات الإرهابية المسلحة مثل القاعدة وداعش بأسماء مختلفة، كما دخلت تركيا والسعودية وقطر والإمارات وإيران وحزب الله وفصائل من المليشيات الطائفية المسلحة من العراق بشكل مباشر وغير مباشر في هذا الحرب، ثم تتوجت بتدخل أمريكي وروسي مباشر مكونين محورين رئيسين في هذا الصراع، إضافة إلى حربهما ضد القاعدة وداعش! والمخاطر الكبيرة الراهنة تبرز في محاولات جادة لجر العراق إلى حرب مماثلة وكذلك لبنان، رغم إن العراق يخوض منذ العام 2014 حرباً مريرة ضد داعش وحقق فيها انتصارات باهرة، بعد هزيمة حزيران عام 2014، حيث كان المستبد بأمره نوري المالكي الحاكم المستهتر بأمور العراق وشعبه.
أما الحرب باليمن فقد بدأت حين استولى الحوثيون في العام 2014 على السلطة بصنعاء العاصمة وهروب كافة المسؤولين الحكوميين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية هادي منصور، لخوض المعركة من عدن ومناطق أخرى، وشكلت السعودية حلفاً عسكرياً للتدخل في الحرب ضد الحوثيين وحليفهم علي عبد صالح في الربع الأول من عام 2015 بدعوى التصدي للتدخل الإيراني باليمن ومساندتهم للحثيين ومدهم بالسلاح والعتاد والأموال. ويشير تقرير نشر بتاريخ 27/03/2017 في موقع العربي الجديد جاء فيه:
"وفقاً لأحدث الإحصائيات المعلنة من قبل الأمم المتحدة، قتل 4773 مدنياً وأصيب 8272 آخرون خلال المواجهات. وفيما تتحدث التقارير الأممية عن مقتل ما يقارب هذا العدد من المقاتلين، تفيد مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد"، بأن الحصيلة تفوق هذه الأرقام، وأن هناك عشرات الآلاف من القتلى (30 إلى 50 ألفاً وفق التقديرات المتفاوتة)، معظمهم من الحوثيين وحلفائهم. وسبب ارتفاع حصيلة الضحايا من جانب الانقلابيين، يعود لكونهم يخوضون المواجهات دون غطاء جوي ويتعرضون لغارات جوية مباشرة، لكنهم لا يكشفون عن أعداد ضحاياهم من المقاتلين." علماً بأن الموت والدمار والخراب قد اتسع خلال الفترة الأخيرة وخاصة بعد أن فرضت السعودية الحصار البحري والجوي والأرضي على اليمن، مما تسبب في مزيد من المخاطر على الشعب اليمني. وقد ورد في ذات التقرير وعن تقارير الأمم المتحدة ما يلي:
"والوضع مأساوي إلى درجة أن اليمن بات يستحوذ منذ أشهر قليلة على اهتمام طارئ من قبل المنظمات الدولية التي لا تتوقف عن التحذير من خطر مجاعة تهدد ما يقارب سبعة ملايين يمني، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة" (راجع: حرب اليمن بعد عامين: حصيلة إنسانية كارثية، صنعاء ــ العربي الجديد، 27 مارس2017). والمخاطر التي تتهدد هذي الملايين لا تنشأ من الجوع وحده، بل ومن واقع انتشار الكثير من الأمراض المعدية وبسبب نقص الدواء والعناية الصحية والطبية وتدهور المناعة عن الأطفال والشيوخ والعجزة والحوامل...الخ. ويبدو واضحاً أن الولايات المتحدة الأمريكية غير معنية بضحايا الحرب باليمن، بل جل همها يتركز في الحفاظ عل علاقتها بالسعودية وبيع المزيد من الأسلحة لها وللدول الأخرى المشاركة في هذه الحرب القذرة.
ولكن هذه الدول الإقليمية الكبيرة وحليفاتها التي تخوض الحروب في الدول الأخرى لفرض هيمنتها عليها، فإنها تجد الدعم والتأييد الفعليين من الدول الكبرى بثلاثة أشكال: 1) المشاركة المباشرة في البعض من هذه الحروب، كما في الحرب الجارية بسوريا أو العراق؛ 2) التأييد السياسي والإعلامي من جانب الدول الكبرى لهذا الطرف أو ذاك وأحياناً للطرفين بصيغ مختلفة؛ و3) الأخطر من كل ذلك تزويد هذه الدول بالمزيد من الأسلحة الحديثة والمتطورة التي تزيد من قتل البشر وتدمير المدن وتقليص إمكانية العيش فيها. وتشير المعطيات المتوفرة إلى الحقائق التالية:
** ارتفعت صادرات الولايات المتحدة الأمريكية بين 2006-2010 و2011-2016 من 28% إلى 33% من إجمالي صادرات العالم للأسلحة، في حين انخفضت صادرات روسيا من 25% إلى 23%. وبين عامي 2012-2016 بلغت صادرات الدول المنتجة والمصدرة للسلاح على النحو التالي:
** الولايات المتحدة 33%، روسيا 23%، الصين 6,2% وفرنسا 6%، ألمانيا 5,6% بريطانيا 4,5% وإسرائيل 2,3%.
** ارتفعت صادرات المانيا من الأسلحة من 6,5 مليار دولار أمريكي في عام 2014 إلى 9,8 مليار دولار أمريكي في العام 2015. كما تضاعفت مبيعاتها من الأسلحة إلى السعودية خلال عامي 2016 و2017 في الوقت الذي تخوض فيه السعودية على رأس تحالف عسكري، حرباً عدوانية ضد اليمن.
** بلغت حصة دول الشرق الأوسط من استيراد السلاح 18% من مجموع صادرات العالم للسلاح خلال الفترة 2006-2010، وارتفعت هذه النسبة إلى 25% في الفترة 2011-2015.       
** لقد كانت المملكة السعودية ثاني أكبر مستورد للسلاح بعد الهند خلال السنوات الأخيرة. ففي الأشهر العشرة الأولى من عام 2016 باعت الولايات المتحدة الأمريكية معدات عسكرية للسعودية بمبلغ قدره ملياري دولار أمريكي، ووافقت في العام نفسه على بيع أسلحة لها بمبلغ قدره 40 مليار دولار أمريكي. يضاف إلى ذلك أن المملكة السعودية اشترت في شهر كانون الأول/ديسمبر 2016 (48) طائرة نقل عسكرية "إتش-47 شينوك" بمبلغ قدره 3 مليارات و500 مليون دولار امريكي. كما أن الكويت اشترت 28 طائرة من طراز F 28)) في العام 2016 بمبلغ قدره 10 مليارات دولار أمريكي و218 دبابة بمبلغ قدره مليار و700 مليون دولار أمريكي. أما قطر فقد تصدرت "قائمة الدول المستوردة للأسلحة الفرنسية خلال 2015 بقيمة 6.8 مليارات يورو، ضمت صفقة أسلحة أمريكية إلى قطر شراء 72 طائرة من طراز "F-15QA" بوينغ متعددة الوظائف، بقيمة 21 ملياراً و100 مليون دولار، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وفي المرتبة الثانية تأتي الكويت، بشرائها أسلحة أمريكية بقيمة 11 ملياراً و837 مليون دولار." (راجع: صفقات السلاح بالعالم.. أرقام "خيالية" والخليج يتصدر المتحصنين، تقرير خاص، موقع الخليج أونلاين، 24/02/2017).
** وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن مبيعات الأسلحة بين فترتي 2006-2010 و2011-2015 قد ارتفعت على النحو التالي: السعودية 275%، قطر 279%، الإمارات 35%، مصر 37% والعراق 83%. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مصدر للسلاح على المملكة السعودية التي كانت تزود قوى الإرهاب وقوى المعارضة السورية بالسلاح لمواصلة الحرب بسوريا، إضافة إلى حربها الإجرامية باليمن. وأشار تلفزيون دويتشة فيلة DW حول تجارة السلاح إلى ما يلي: "من الصعب تقدير حجم تجارة سوق السلاح. غير أن معطيات صادرات السلاح الأمريكية والروسية والألمانية والصينية وغيرها تشير إلى أنها بعشرات المليارات سنويا. وتعد السعودية في مقدمة الدول التي تشتري الأسلحة. فقد اشترت الرياض في عام 2014 أسلحة بقيمة أكثر من 80 مليار دولار" (راجع: تجارة السلاح، دويتشة فيلة DW بتاريخ 02/11/2017).
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن إيران تمتلك قوة عسكرية ضارية وكميات هائلة من الأسلحة الهجومية والدفاعية، وهي تقوم بإنتاج الكثير من الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ البالستية، كما تستورد الكثير من الأسلحة من روسيا ومن دول أخرى كثيرة وتوجه مبالغ كبيرة من ميزانيتها العامة صوب التسلح، وهي متقدمة على السعودية في إجمالي توسعها العسكري واستعدادها القتالي. (راجع: علاء الدين السيد، إيران والسعودية من الأقوى عسكرياً، موقع ساسا  sasaفي 30/03/2015).     
إن تجارة السلاح ليست سوى تجارة الموت لشعوب الشرق الأوسط، تجارة المزيد من الفقر والحرمان، والمزيد من الإرهاب والدمار وحصد الأرواح البريئة. إنها أكبر الجرائم التي ترتكب في منطقة الشرق الأوسط التي كلما ازداد استيراد السلاح فيها، كلما ازدادت الصراعات والنزاعات والحروب والسعي لحل المشكلات بقوة السلاح، وحين تنشب الحروب يزداد استيراد السلاح ايضاً، وهكذا تسقط هذه البلدان في الحلقة الشيطانية، في الدائرة المغلقة، إنها المأساة والمهزلة في آن واحد، إنها مأساة امتلاك هذه المنطقة للذهب الأسود، للبترول. ولا نبتعد عن الحقيقة حين نؤكد بأن أصابع السعودية وتركيا وإيران حين امتدت إلى هذه البلدان ارتفع الدخان، دخان نيران الحروب وروائح الدم والخراب والدمار. ولا شك في أن وراء ذلك سياسات دولية ودول كبرى تهدف إلى الهيمنة على "مناطق النفوذ الحيوية" لمصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهي التي تزيد من تعمق وتوسع الأزمات والحروب ومن صب المزيد من البنزين على النيران المشتعلة لتزيدها اشتعالاً وهمجية وموتاً مستمرا.
إن ما تمارسه السعودية وتحالفها المشين يعتبر ضمن عمليات الإبادة الجماعية ضد شعب مسالم وفقير وعاجز عن الدفاع عن نفسه، كما يعتبر عملاً يهدف إلى قتل المزيد من السكان المدنيين، من أطفال وشيوخ ونساء بتدمر كل شيء عبر القوة الجوية السعودية والإمارتية بالصواريخ والقنابل، بما في ذلك قصف المستشفيات التي يرقد فيها المرضى من أطفال وشيوخ ونساء حوامل، إنها جرائم بشعة يندى لها جبين البشرية والأمم المتحدة، إذ لم يتحرك العالم كله لإيقافها، في الوقت الذي يرون فيه ما يجري على أرض اليمن الحزين. كما لا تقصر إيران في إرسال المزيد من السلاح والعتاد إلى الحوثيين لتزيد من المعارك فيها ومواصلتها. إنهم يتحاربون على الأرض اليمانية كما يتحاربون على الأرض السورية، ويريدون اليوم خوض الحرب في لبنان والعراق أيضا!! إنها المأساة والمهزلة التي يعيشها عالمنا المعاصر! 
ولو لم تكن أغلبية شعوب هذه البلدان غافية ومهملة لمصالحها بسبب جهلها أو زيف وعيها وتشوه الفكر الذي تحمله، لما استطاع حكام هذه الدول الجبناء والمستبدين، ولا دعم تلك القوى الدولية التي تقف وراء هذه الحروب والمآسي والكوارث الإنسانية، أن يبقوا في الحكم لهذه العقود الطويلة. والطلائع المثقفة والواعية والأحزاب التقدمية والديمقراطية، رغم الجهود المضنية التي تبذلها، لم ترتق بعد إلى المستوى المطلوب ولم تتوحد جهودها في النضال ضد هذه النظم المستبدة، كما إنها تواجه سياسة محاربة بأقسى الأساليب وأكثرها شراسة وعدوانية وفي جميع هذه الدول دون استثناء. ومع ذلك فنضال القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية لا بد له أن يستمر ولا بد له أن يثمر، لكي يمكن إيقاف هذه الحروب والتخلص من هذه الفئات الحاكمة المعادية لمصالح شعوبها جملة وتفصيلا. وهو آمر أت لا ريب فيه، إلا إنه يستوجب المزيد من العمل والتوعية والنضال في صفوف شعوب المنطقة وبين كادحيها، فهم الخاسرون الأوائل من تلك السياسات والصراعات والنزاعات والحروب بمنطقة الشرق الأوسط.   

26
المنبر الحر / رسالة مفتوحة
« في: 19:18 16/11/2017  »
كاظم حبيب
رسالة مفتوحة
إلى الأخوات والأخوة أبناء وبنات شعب كُردستان الصديق بإقليم كُردستان العراق
إلى الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني الكردستانية
(1)
 ليس هناك من يستطيع ان يحرم شعب ما من حقه في تقرير مصيره، فهذا الحق ثابت لكل الشعوب، سيناله من يسعى إليه طال الوقت أم قصر، إن سعى بوعي ومسؤولية عاليتين لتوفير مستلزمات تحقيقه. هذا الحق الطبيعي أقرته وثائق الأمم المتحدة والمواثيق والعهود الدولية الأخرى وأكدت عليه، لوائح ومواثيق حقوق الإنسان وحقوق القوميات. تسنى لعدد غير قليل من شعوب العالم وفي فترات مختلفة ممارسة هذا الحق وتحقيق ما كانوا يسعون إليه، رغم المصاعب التي تعرضوا لها وتجاوزوها. ولكن الكثير من شعوب العالم كانت وما زالت تعيش في عالم ما يزال بعيداً كل البعد عن ممارسة الكثير من المبادئ والقيم الإنسانية والحضارية التي توصل الإنسان إلى صياغتها وتكريسها عبر قرون من النضال المليء بالتضحيات الجسام ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية، بصورها القديمة والحديثة، وضد الحروب والاضطهاد والقمع القومي والديني والفكري والسياسي، وضد الاستغلال والقهر الاجتماعي والتهميش وفي سبيل السلام والتفاهم بين الشعوب والعدالة الاجتماعية.
(2)
الشعوب كلها تعيش اليوم في عالم رأسمالي استغلالي بشع لا يعرف الرحمة والإنسانية، ولا تعرف النظم الرأسمالية ولا تمارس في علاقاتها الدولية مضامين الحرية والديمقراطية والصداقة والود واحترام إرادة الشعوب وحقوقها وتنميتها وكل ما ثبت في لوائح الأمم المتحدة ومواثيقها الدولية، بل تقوم على المصالح الذاتية لكل دولة من هذه الدول، ولاسيما الدول الكبرى، التي لا تحترم إرادة ومصالح الدول الصغيرة وشعوبها. فحين تشعر تلك الدول، ولاسيما الكبرى المهيمنة على الاقتصاد والسياسية الدوليتين وعلى الإعلام وتقنيات الاتصال الأكثر حداثة، بأن مصالحها تستوجب وقوفها إلى جانب هذه القضية أو تلك، أو أن مصالحها تستوجب الوقوف ضد القضية ذاتها أو في بلد آخر، فإنها ستتبع الموقف الذي يستجيب لمصالحها وليس لمصالح الشعب الذي يناضل في سبيل قضيته، واعتقدَ خطأً بأن هذه الدول ستقف إلى جانبه، بغض النظر عما يصيب هذه القضية من إساءة وما يلحق بها من أضرار. فالدول الكبرى تقيس الأمور إزاء قضية معينة بمكيالين على وفق حاجاتها ومصالحها أولاً وأخيراً.
وتؤكد الكثير من تجارب الشعوب إن قادة أو سياسي الكثير من الشعوب، رغم خبرتها الطويلة، يرتكبون باستمرار ذات الأخطاء التي ارتكبوها هم أو غيرهم في السابق بثقتهم غير المبررة بالدول الكبرى على الصعيد العالمي أو الإقليمي باعتقادهم الخاطئ بأن العلاقات بين الدول تقوم على الود وليس المصالح! ويمكن في هذا الصدد إيراد مسائل كثيرة، منها مثلاً المسألة الكردية في الشرق الأوسط، الموقف من كُرد العراق وكُرد إيران وكُرد تركيا وكُرد سوريا من جانب العالم الرأسمالي عموماً ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان وما زال الكيل بأكثر من مكيال واحد!
(3)
إن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها يتسم عند التطبيق بالمرونة العالية، إذ فيه الكثير من الصيغ الإيجابية. فممارسة هذا الحق تبدأ من حق التمتع بالإدارة الذاتية والحقوق الثقافية، وتمتد إلى الحكم الذاتي، ثم الفيدرالية في إطار دولة معينة، أو الكونفدرالية من خلال وجود دولتين تتفقان بإرادتهما المشتركة على قيام اتحاد كونفدرالي بينهما، وينظم ذلك وغيره بمواد دستورية وفي قوانين منظمة للواجبات والحقوق والصلاحيات المشتركة والمنفردة، وأخيراً يمكن ان يتم الانفصال عن الدولة التي يعيش فيها هذا الشعب أو ذاك وفي دولة متعددة القوميات وإقامة دولة وطنية مستقلة. والحصول على هذا الشكل أو ذاك في ممارسة حق تقرير المصير يخضع لمجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية الفاعلة التي لا يمكن بدونها الحصول على أي ممارسة فعلية لهذا الحق في ظل العالم المعاصر. أي إن ممارسة هذا الحق أو ذاك لا تخضع للرغبات الذاتية لهذا القائد أو ذاك، أو لهذا الحزب أو ذاك، أو لهذه العشيرة أو تلك، ولا حتى لهذا الشعب أو ذاك. فما لم تنشأ وتتفاعل العوامل الذاتية والموضوعية، يستحيل الوصول إلى ما يسعى إليه هذا الشعب أو ذاك. وحين تتوفر تلك الشروط والمستلزمات لا يمكن أن يُمنع هذا الشعب أو ذاك عن تحقيق ما يسعى إليه. ولا شك في أن شرط النضال الشعبي ووحدة نضال القوى السياسية لهذا الشعب أو ذاك، وتفاعلها مع الشعب الآخر، أو أكثر من شعب، في هذا البلد أو ذاك، وتفهمهم المشترك لطبيعة النضال ومهماته يعتبر ضمن الشروط الذاتية لهذا النضال، في حين يشكل الوضع العام بالبلد، من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والوعي الفردي والجمعي بالحرية ومضمونها وبالديمقراطية كمنهج للدولة والمجتمع، وكذلك الوضع العام على صعيد منطقة معينة أو الوضع الدولي، يشكل الجانب الموضوعي من العملية كلها. وعلى القوى السياسية والمجتمع أن يلاحظا مستوى الفعل والتأثير المتبادل للعوامل الذاتية والموضوعية وما يمكن أن ينشأ عن ذلك من نتائج إيجابية أو عواقب سلبية عند المطالبة بهذا الشكل أو ذاك من أشكال ممارسة حق تقرير المصير. فحساب مثل هذه الأمور ليس سهلاً، خاصة إذا ما استسهل القادة السياسيون واستخفوا بالعوامل المضادة الفاعلة ضد ممارسة هذا الحق أو ذاك من أشكال التمتع بحق تقرير المصير.
(4)
لا شك في أن محاولة التعجيل بالوصول إلى شكل معين من تلك الصيغ في ممارسة حق تقرير المصير دون ان تكون الظروف والمستلزمات متوفرة، يتحول إلى مغامرة حقيقية أو مجازفة غير محسوبة العواقب، إذ يمكن أن تدفع بالعملية إلى الوراء لسنوات طويلة، أو ما يمكن أن نطلق عليه بحصول نكسة عمّا كان يسعى إليه هذا الشعب أو ذاك، وربما يخسر بعض أو الكثير مما تحقق له بنضاله قبل ذاك من منجزات على طريق تطوير ممارسة حق تقرير المصير. ويرتبط هذا التسرع أحياناً غير قليلة برغبات ذاتية غير واقعية، أو محاولة الهروب إلى الأمام للخلاص من مشكلات بعينها، أو عجز فعلي في رؤية موازين القوى والقدرات الذاتية لتحقيق ما يسعى إليه الفرد أو المجتمع، إضافة إلى الوضع العام المحيط بهذه القضية والعوامل الكثيرة المؤثرة فيها وعليها. كما إن التأخير في المطالبة بصيغة معينة من الحق في ممارسة تقرير المصير، رغم توفر مستلزمات ذلك، يعتبر هو الآخر نكوصاً وخسارة لهذه الشعب أو ذاك فيما يسعى إليه، إذ يعتبر تخلفاً عن الاستفادة من العوامل المساعدة لتحقيق المرتجى والمؤمل.         
هذه هي الأسس والقواعد العامة، التي لا بد أن تقترن بفهم ووعي حركة وفعل القوانين الاجتماعية، والتي يفترض أن يعرفها ويعيها كل سياسي محترف، وبتعبير أدق وأصوب، كل إنسان يناضل في سبيل الوصول إلى ممارسة أحد أشكال حق تقرير المصير ويتعامل معه بكل حرص ومسؤولية وبعيداً عن التسرع أو التردد، بعيداً عن الهروب إلى أمام لأي سبب كان، أو النكوص إلى الوراء، فكلاهما لا يحقق المنشود. ويفترض هنا أن يلعب المثقفون الواعون دورهم الريادي في الدفع باتجاه المطالبة أو الحد منها بالارتباط مع وعيهم للشروط والمستلزمات الضرورية لمثل هذه العملية التي غالباً ما تصطدم بمقاومة القومية الأكبر والجماعات والأحزاب القومية الشوفينية أو الدينية والطائفية التي لا تعترف بالقوميات ولاسيما حين تكون في السلطة. 
(5)
العراق أحد البلدان الشرق أوسطية الذي يعيش فيه أكثر من شعب أو قومية، كما هو حال إيران وتركيا وسوريا على سبيل المثال لا الحصر. ومنذ مئات السنين، وإذ نترك عراقنا، ميزوبوتاميا الحضارة خلفنا، نرى إن العرب والكُرد والكلدان والآشوريين أو السريان عموماً، إضافة إلى الصابئة الآراميين والتركمان، كانوا يعيشون جنباً إلى جنب في ظل الإمبراطورية الأموية فالإمبراطورية العباسية، ثم الإمبراطورية العثمانية، وأخيراً في ظل الدولة العراقية الملكية، ومن ثم الجمهوريات المتتالية. ورغم إن الكثير من هذه القوميات قد تعرض في فترات مختلفة إلى واقع التمييز الديني ومن ثم القومي، والتهميش والإقصاء والاضطهاد والعسف من جانب القومية الأكبر وقواها الحاكمة، وهم الحكام العرب أو الفرس أو الترك، فأن شعوب هذي البلدان واصلت العيش المشترك وحاولت تجاوز تلك الصعوبات والمشكلات وأشكال القمع. ورغم إن الكُرد في كل أقسام كُردستان ناضلوا في سبيل إقامة دولتهم أو إماراتهم العديدة، ومن ثم إقامة دولتهم الوطنية المستقلة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. إلا إن هذا الهدف لم يتحقق، بفعل دور الدول الاستعمارية التي احتلت المنطقة في نهاية هذه الحرب وإرادتها في خلق بؤر توتر مستمرة، ومن خلال رسم الحدود أيضاً، في هذه المنطقة من العالم، وهما الدولة البريطانية والدولة الفرنسية الاستعماريتين، ومن ثم عصبة الأمم، التي كانت تتحكم فيها وبقراراتها، الدول الكبرى والمنتصرة في الحرب العالمية الأولى، والتي لم تسمح بتحقيق حلم الكُرد والحقت ولاية الموصل، التي ضمت سناجق كُردية وغير كُردية، والتي كانت تحت الحكم العثماني، في العام 1926، بالدولة العراقية التي تأسست في العام 1921. وبهذا زاد التقسيم الثنائي السابق لكُردستان وشعبه على الدولتين الفارسية والعثمانية، إلى تقسيم جديد بحيث أصبحت كُردستان وشعبها موزعة على أربع دول هي تركيا وسوريا والعراق وإيران. 
(6)
ومنذ تلك الفترة خاض الشعب الكُردي مع القوميات الأخرى بالعراق نضالاً مشتركاً في سبيل مجموعة من الأهداف الأساسية التي التقت عندها القوى الديمقراطية والتقدمية والقومية، وأعني بها:
** النضال ضد الهيمنة الأجنبية التي تمثلت بالاستعمار البريطاني الذي استمر الانتداب على العراق حتى العام 1932، ومن ثم ضد الهيمنة البريطانية على السياسات الداخلية والخارجية للحكومات الملكية وضد الأحلاف العسكرية الدولية.
** النضال من أجل الحياة الديمقراطية والحقوق الأساسية للشعب العراقي بكل قومياته وتطبيق الدستور والحياة النيابية الحرة والنزيهة، والتي كانت تُشوه في ظل الحكم الملكي وتُصادر في ظل الجمهوريات المتعاقبة لاحقاً.
** النضال في سبيل بناء الاقتصاد الوطني وضد البطالة والفقر والحرمان، وفي سبيل المساواة والعدالة الاجتماعية.
** كما شارك الشعب العراقي بمختلف قومياته مع الشعب الكُردي في نضاله في سبيل حقوق القومية العادلة والمشروعة، وضد التهميش والتمييز. ويمكن أن يتابع ذلك من يشاء في برامج الأحزاب والقوى الديمقراطية والتقدمية العراقية، بخلاف برامج الأحزاب والقوى القومية الشوفينية والقوى الدينية والطائفية.
وعلى هذه الأرضية النضالية المشتركة استطاع الشعب الكُردي تحقيق العديد من المنجزات التي حاولت الحكومات المتعاقبة حرمانه منها. فتمكن بتضحيات غالية، وبدعم فعلي ومليء بالتضحيات من القوى الديمقراطية والتقدمية للقوميات الأخرى بالعراق، تحقيق الاعتراف له في كونه الشريك الفعلي في هذا الوطن أولاً (الدستور المؤقت لجمهورية 14 تموز 1958)، رغم ضعف ممارسة ذلك، ومن ثم الحكم الذاتي في بيان أذار/ مارت 1970)، رغم إفراغه الفعلي من محتواه من جانب الحكم البعثي، وأخيراً التمتع بالفيدرالية ضمن الجمهورية العراقية منذ العام 1992 بقرار من البرلمان الكُردستاني ومن جانب واحد، ثم تكرس ذلك في الدستور العراقي في العام 2005. لقد ساهمت الكثير من العوامل الذاتية والموضوعية، وكان للعامل الدولي تأثيره البارز في هذا المجال وتفاعله مع العوامل الذاتية، حيث فرض التحالف الدولي في حرب العام 1991، وعبر قرار من مجلس الأمن الدولي، حماية إقليم كُردستان من احتمال قيام النظام البعثي من الاعتداء العسكري على الإقليم والفيدرالية الجديدة، ومن أجل إضعاف النظام البعثي وإسقاطه لاحقاً. وهنا يفترض الانتباه إلى أن سياسة الولايات المتحدة إزاء الإقليم لم تنطلق من ود أو دعم للكرد بقدر ما كانت من أجل تحقيق مصالح معينة في المنطقة كلها، خاصة عندما نقارن بين موقفها من كرد العراق وموقفها من كرد تركيا وإيران.
(7)
وإذ خاضت القوى والأحزاب الكُردستانية خلال الفترة الواقعة بين 1992-1998 معارك عسكرية وصراعات سياسية وسالت دماء فيها بهدف السيطرة على الإقليم وسياساته، فأنها ومنذ العام 1998 حتى العام 2003 قد حافظت على التباين في إدارتها للإقليم، إذ قسم الإقليم إلى إدارتين، حكومة دارة أربيل ودهوك، وحكومة لإدارة السليمانية، وهي ثلاث محافظات اعتبرت من الجانب العراقي الرسمي جزءاً من إقليم كُردستان واستثنيت كل المناطق التي تسمى اليوم "المناطق المتنازع عليها، بضمنها كركوك"، من سلطتي الإقليم. وعاش الكُرد في هذه الفترة دون صراعات مباشرة أو حروب داخلية. واستمر وجود الحكومتين حتى العام 2005 حيث جرى توحيد الحكومتين بحكومة واحدة بأربيل، ولكن على وفق ما أطلق عليه بالاتفاقية الاستراتيجية بين الحزبين الرئيسين، الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الو\طني الكُردستاني، وابعد عن هذه الاتفاقية بقية الأحزاب والقوى السياسية. ولم يتسن خلال الفترة السابقة، بين 1992-2003، وحتى 2005، أن يكون هناك التعاون المنشود بين القوى الكُردستانية لصالح تقدم كُردستان وتطورها وتحسين مستوى حياة ومعيشة شعبها.
(8)
كان المفروض أن تمارس حكومات الإقليم المتعاقبة ابتداءً من عام 2003 أو 2005 سياسات موحدة وجديدة ومتكاملة تهدف إلى تغيير واقع الإقليم المتخلف نتيجة السياسات والأوضاع السابقة، من شأنها أن تسهم في تعزيز الفيدرالية الكُردستانية، رغم الخلافات التي استمرت في الصف الكُردي أولاً، وتلك الخلافات والصعوبات التي نشأت مع الحكومة الاتحادية ثانياً. ولا بد هنا من الإشارة إلى ما كان ينبغي أن يمارس على وفق مواد الدستور الجديد، الذي أقرته الأحزاب الحاكمة وصوت عليه وحاز على تأييد أكثرية الشعب بالعراق، رغم نواقصه الشديدة وتخلفه عن الحضارة المعاصرة، ولم تلتزم به كما ينبغي أو انحرفت عنه تماماً. ولا بد هنا من التنبيه إلى أن هذه الرسالة موجهة إلى الشعب الكُردي، وبالتالي تتضمن واقع إقليم كُردستان العراق، وليس الواقع العراقي الاتحادي أو سياسات الحكومة الاتحادية التي يعرف الجميع موقفنا منها ومن عواقبها على الشعب العراقي كله، وبضمنه الشعب الكُردي والقوميات الأخرى بالإقليم.
1.   لقد كان المطلوب والملح لواقع الإقليم انتهاج سياسة داخلية تسهم في تعزيز وحدة الشعب الكُردي وقواه السياسية وتستند إلى الشرعية الدستورية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات المتعايشة مع الكُرد بالإقليم، واحترام كامل للمؤسسات الدستورية والفصل بين السلطات الثلاث واحترام القضاء، واستقلال الإعلام والنشاط الصحفي، باعتباره السلطة الرابعة.
2.   وكان المؤمل والمرتجى من القيادات الكُردستانية انتهاج سياسة عراقية تعتمد الأسس الديمقراطية في تحالفاتها وفي التأثير على الواقع العراقي وتعزيز مواقع القوى الديمقراطية والتقدمية، التي كانت وستبقى حليفة للكُرد في كل الفترات السابقة والحالية، سواء أكان في البرلمان أم خارج العمل البرلماني، لضمان إبعاد الدولة العراقية والحكومات الاتحادية عن الاتجاهات التي تعيق الديمقراطية وبناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي وتمنع سقوطها في الدولة الثيوقراطية.
3.   وكان واقع الاقتصاد الكُردستاني يتطلب انتهاج سياسة اقتصادية تستخدم موارد النفط المالية والجمارك لصالح إجراء تغيير جاد ومسؤول في بنية الدخل القومي وتنوعه، من خلال إقامة صناعة وطنية وزراعة حديثة وتنشيط الاستيراد لصالح التنمية الإنتاجية بدلاً من إغراق الأسواق بالسلع الاستهلاكية والكمالية التي استنزفت الكثير من الموارد المالية التي كان المفروض توجيهها للتثمير الإنتاجي. ومثل هذه السياسة لا يعني عدم تنفيذ مشاريع لتطوير المدن والشوارع والجسور وإقامة الحدائق والمنتزهات، كجزء من عملية تنمية شاملة.
4.   وكانت الحاجة ماسة إلى انتهاج سياسة مكافحة البطالة من خلال خلق فرص عمل في القطاعات الإنتاجية وليس في دوائر الدولة التي اكتظت بالموظفين الزائدين عن الحاجة، ودفع مليارات الدولارات بسبب تضخم حجم الرواتب، وإحالة مبكرة للكثير من الموظفين، وكوادر الحزبين الرئيسين على التقاعد برواتب عالية، التي لا تساهم في دعم الاستثمار الإنتاجي وفي زيادة الدخل القومي، بل كانت تساهم التفريط به. إذ إن الحالة الثانية خلقت بطالة مقنعة كبيرة جداً واستنزفت موارد مالية وأعاقت إنتاجية الإدارة وعطلت أعمال الناس. لقد تحولت إلى مشكلة عويصة وعنق زجاجة إنسانية ومالية للحكومة الكُردستانية.
5.   وكان المفروض انتهاج سياسة تسهم في تحقيق شيء من العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة واستخدامها، وفي تقليص الفجوة الكبيرة والمتسعة بين مستوى حياة ومعيشة ومدخولات الفئات الاجتماعية الفقيرة والغنية بالإقليم، أي بين الفقراء ومحدودي الدخل من جهة، والأغنياء الميسورين وأصحاب الملايين والمليارات والذين اكتنزوا الثروة من السحت الحرام والفساد المستشري من جهة أخرى.
6.   وكان على سياسة الإقليم وكل الأحزاب السياسية الكُردستانية دون استثناء، ولاسيما قادتها، الاهتمام الجاد والمسؤول بحياة ومعيشة وظروف عمل الفئات الفقيرة والمعوزة والمحدودة الدخل، والتحري عن سبل تحسين أوضاعهم المعيشية الشخصية بدلاً من تحسين حياة ومعيشة الأغنياء وكبار الموظفين على حساب الاقتصاد والمجتمع، ولاسيما الفقراء منهم.
7.   وكان عل التحالف الكُردستاني أن يلعب دوره الديمقراطي المسؤول والواعي في مجلس النواب العراقي في مواجهة القوانين والاتجاهات المضرة بالحياة الديمقراطية والتقدم الاجتماعي، وبشكل خاص في مسائل الأحزاب وقانون الانتخابات وبنية المفوضية المستقلة للانتخابات لا أن يتناغم تماماً إلى حد التطابق مع الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية التي كانت وما زالت وستبقى مناهضة للديمقراطية والتقدم الاجتماعي وحقوق الشعب الكُردي وضد القوى والأحزاب المدنية والديمقراطية والعلمانية.
8.   وكان المطلوب انتهاج سياسة تربية وتعليم تبني الإنسان بالإقليم على أسس حضارية حديثة وقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والإخلاص للشعب، واعتماد الأسس العلمية في مناهج التربية والتعليم، إضافة إلى الابتعاد عن الإكثار في إقامة المعاهد والكليات والجامعات مع الإهمال الصارخ والفعلي لمضامين المناهج الدراسية ومستوى التعليم ومستوى الجهاز التربوي والتعليمي، وما نتج عنه من ضعف كبير وتأثير سلبي على المستوى العام والمتخلف للتلاميذ والطلبة والخريجين والعاملين في أجهزة الدولة.
9.   وكان المفروض انتهاج سياسة تحارب الفساد ابتداءً من الفئات الحاكمة وأحزابها ونزولاً صوب المستشارين وكبار الموظفين والمدراء العامين والمدراء وصغار الموظفين، وكذلك أصحاب شركات المقاولات والمتاجرة بالعقار وبقية النشاطات الاقتصادية والعمرانية، ولاسيما في قطاعات الاستيراد وتصدير النفط، وليس العكس، أي السياسة المطلوبة لمكافحة الفساد هو البدء بالحيتان الكبيرة وليس بالحيتان الصغيرة التي تعتاش على فتات الفساد عند الكبار، أو التخلي الفعلي عن محاربة الفساد أصلاً، والذي أدى إلى خسارة موارد مالية كبيرة وخلق مليارديرية ومليونيرية بإعداد كبيرة ألحقت الكثير من الأذى بالاقتصاد والمجتمع وأبعدت الإقليم عن الحكم الرشيد المنشود.
10.   وكانت الحكمة والتجربة تستوجب انتهاج سياسة عدم إطلاق أيدي الأجهزة الأمنية العديدة في حياة الناس اليومية وشؤونهم الداخلية وإيجاد علاقة سليمة بين الحق في الحرية لدى الفرد والمجتمع، والحق في توفير الأمن الداخلي والحماية للمواطنات والمواطنين.
11.   وكان المنشود انتهاج سياسة احتضان وتفاعل وعدم تمييز بين المواطنات والمواطنين من القوميات الأخرى ورفض التجاوز على مناطقهم السكنية أو إجراء تغيير ديمغرافي بالإقليم في غير صالح المسيحيين أو غيرهم.
12.   وكان المفروض في السلطات الثلاث بالإقليم انتهاج سياسة ترفض استخدام أجهزتها وكأنها مؤسسات تابعة لحزبين فقط وليس للشعب كله، حيث يتم إشغال جميع الوظائف الحكومية على أساس الكفاءة والمهنية العالية والإخلاص للشعب والإقليم وليس لهذا الحزب أو ذاك أو لهذه العائلة أو تلك أو لهذا القائد أو ذاك.
(9)
لا أنشر سراً حين اؤكد إن كل هذه العوامل المبدئية التي كان المفروض ممارستها من جانب الحكم بالإقليم قد شهدت انحرافاً جدياً وخطيراً عنها بصورة مرفوضة ومؤذية، إذ أن ممارستها بصورة سليمة هي التي كان في مقدورها تطوير وتعزيز مواقع الإقليم وتكريس الصائب وتحقيق التفاعل المنشود بين أبناء وبنات الشعب الكُردي، وكذلك بينهم وبين أبناء وبنات القوميات الأخرى بكُردستان، ومن ثم مع كل أبناء وبنات العراق. وكان في مقدور كُردستان أن تقدم نموذجاً مشرقاً لكل العراق، الذي كان يسبح في ظلمات الأحزاب الإسلامية السياسية والسياسات الاستبدادية والطائفية المقيتة للجعفري والمالكي والجبوري والنجيفي ومن لف لفهم، والذي ما يزال يعاني، من تلك السياسات والإجراءات البعيدة كل البعد عن مصالح الشعب وإرادته الحرة والواعية والتي اخضعت الشعب للابتزاز والظلم والاضطهاد والقمع والقتل والتشريد على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة والأجهزة الأمنية والخاصة وقوى الإرهاب الدموية والفاسدين. 
(10)
ويمكن هنا أن نشير إلى بعض المسائل التي كانت تلعب دورها في إغاضة المجتمع الكردستاني والمرتبطة بسياسات الحكم.
1.   التمييز المخل بين المواطنات والمواطنين بالإقليم في تطبيق القوانين الصادرة فيه، سواء أكان من جانب القوى الأمنية، أم المحاكم، أو الأجهزة العسكرية والإدارية الأخرى، وسواء أكان ذلك في التعيين، أم في الإحالة على التقاعد/ أم في المرافعات في المحاكم، أم في جباية الضرائب، أم في دفع أجور الكهرباء، أم في مجال منح العقارات أو المتاجرة في العقار والدور أو الشقق السكنية.. إلخ.
2.   دور الصراع السياسي بين الحزبين الرئيسين في التوجه صوب شراء ذمم الناس بتوظيفهم ودفع رواتب سخية لهم دون الحاجة الفعلية لهم في دوائر الدولة وأجهزة الإعلام وغيرها، أو شراء ذمم كوادر إعلامية وسياسية من أحزاب أخرى لقاء رواتب عالية وامتيازات لا يحصل عليها الآخرون الذين يمتلكون كفاءات أفضل، أو تعيين مستشارين وخبراء من الحزبين أو المؤيدين لهما فقط ودفع رواتب عالية لهم. مما نفر الشعب من الحكم وأثقل كاهل الميزانية فعلاً.
3.   التخلي الفعلي عن التنمية الوطنية والرغبة في تطوير الخدمات فقط، واعتبار النموذج الخليجي هو الأمثل، مما أدى إلى نسيان القطاع الزراعي ودوره في التنمية وخلق فرص عمل وتنويع الدخل القومي، والذي أدى إلى هجرة الفلاحين إلى المدينة، أو ترك المحاصيل الزراعية في البساتين، لأن كلفة نقلها إلى الأسواق المحلية أو العلاوي أعلى بكثير من سعر بيعها، بسبب المنافسة الشديدة من السلع المستوردة التي أغرقت السوق الكردستاني بسلع مستوردة من إيران وتركيا والسعودية مثلاً. لقد كان المستفيد من كل ذلك بعض المتنفذين، إذ يحصل على إعفاء جمركي أو فرض تعريفة جمركية مخفضة، مما يجعل أسعارها تنافسية طاردة للسلع الملحية. كما أهملَ المخطط الكردستاني التنمية الصناعية التي كانت وما تزال ضرورية لبناء قاعدة اقتصادية متينة بالإقليم، وأغرق في الوقت ذاته الأسواق المحلية بالسلع المستوردة من كل بلدان العالم، بما فيها أسوأ السلع وأكثرها رخصاً، والتي اطلق عليها الناس "زبالة"، وهي التي لعبت دوراً سيئاً في الاقتصاد الكردستاني، بسبب غياب رقابة جهاز التقييس والسيطرة النوعية. ويمكن هنا إيراد أمثلة ذات أثر كبير على حياة المجتمع كالأجهزة الطبية والأدوية والأجهزة الدقيقة والإلكترونية والكهربائية. وقد تم احتكار التجارة بهذه المواد وغيرها مما أدى إلى اغتناء المسؤولين وغيرهم من التجار، ولكن الضرر تحمله الاقتصاد الكردستاني والمجتمع بشكل خاص بسبب الحوادث المفجع التي نجمت عن استيراد تلك السلع غير المراقبة. 
4.   غياب الالتزام بالمعايير والأسس القانونية السليمة في التوظيف أو في الإحالة على التقاعد أو في منح الرتب العسكرية أو الوظيفية مما أشاع عدم الثقة بالسلطة أولاً، وميز بين الموطنين ثانياً، وزاد من أعباء الميزانية ثالثاً، والخاسر الفعلي هو الاقتصاد الكردستاني والمجتمع. 
5.   تعيين مستشارين وخبراء لا يقدمون النصيحة الخالصة والصادقة للمسؤولين، بل تحاول جمهرة منهم أن تتملق وتحابي بخسة وتؤله المسؤول عبر ما تنشره من مقالات أو أبداء تأييدها الحار لما يقترحه المسؤولون، وهي تدرك خطأ مثل هذه الاقتراحات. وهنا تلعب الانتهازية المرتبطة بالمنصب والراتب الدسم والخشية من المسؤول دورها المباشر في سلوك هذه الجمهرة من المستشارين أو المحيطين بالمسؤولين.
6.   كان وما يزال المفروض إبراز فعلي لدور ومكانة المسيحيين والإيزيديين والكرد الفيلية بشكل أكثر في الحكم بكردستان وبعدد مناسب من الوزارات لا بسبب كونهم مسيحيين أو قومية أخرى مثلاً فحسب، بل وكمواطنين ومواطنات لديهم الكفاءات والإمكانيات غير القليلة، في حين حرموا منها. 
وجدير بالإشارة إلى إن هذه المظاهر السلبية وغيرها لا تقتصر على الحكم بالإقليم بل تمس العراق كله، أي الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات والمؤسسات والهيئات المسؤولة.
(11)
من الواجب الإشارة إلى أن الإقليم لم يمارس سياسة فيدرالية تتناغم مع الدستور العراقي، بل كان أبعد بكثير في ممارساته عن الفيدرالية، أي أنه اقترب عملياً من الكونفدرالية غير المعلنة. ولكنه مارس سياسات تجهض مضمون الفيدرالية الديمقراطية ولا تسمح بتطور علاقات ودية حتى مع من كان متضامناً مع الشعب الكُردي. ولم يكن الشعب الكُردي مسؤولاً عن ذلك طبعاً، بل كان النظام السياسي والأحزاب الحاكمة هما المسؤولان عن ذلك. وقد تسبب هذا الواقع في خلق خلافات حادة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، وزاد في الطين بِلة ذلك النهج السياسي الفاسد والمتخلف والطائفي بامتياز الذي مارسه نوري المالكي في فترة حكمه التي استمرت تسع سنوات تقريباً. ولم تبذل جهود تستند إلى الدستور لمعالجتها، بل جرت محاولات المساومة عبر اتفاقات شخصية وغير رسمية بين رئاسة الإقليم ورئيس الحكومة الاتحادية وبعض القوى المشاركة في الحكم، ورئيس القائمة العراقية حينذاك، ثم رفض المستبد بأمره نوري المالكي، بعد حصوله على التأييد في تسنمه الولاية الثانية للحكومة الاتحادية، تنفيذ تلك الاتفاقات، مما عمق الخلافات والصراعات.
(12)
لم تنشأ معارضة سياسية حقيقية وموضوعية بالإقليم، بل نشأت معارضة من رحم ذات الأحزاب الحاكمة، ولم تكن تمتلك الأسس والمناعة المبدئية التي تبعدها عن الوقوع في النهج السياسي ذاته السائد في حكم الإقليم. فقد برزت معارضة سياسية انشقت عن الاتحاد الوطني برئاسة نوشيروان مصطفى أمين (1944-1917) وشكلت "حركة التغيير"، التي انتعشت على حساب الاتحاد الوطني الكردستاني وكسبت في معارضتها للحزبين الحاكمين، حققت نجاحاً ملموساً في الانتخابات. ولكنها حين شاركت في الحكم خفت معارضتها وقل رصيدها عموماً. ومع ذلك فقد كانت الجماعة الأكثر معارضة لسياسة الحكم ولرئيس الإقليم والحكومة الكُردستانية. ولم تكن هذه المعارضة دون هدف أو دون مضامين واضحة ومقبولة عند الكثير من الكُرد. وقد أضعف هذا الانشقاق دور الاتحاد الوطني الكُردستاني وتأثيره في سياسة الإقليم كثيراً. وبعد إصابة رئيس الجمهورية العراقية مام جلال الطالباني، بجلطة دماغية، ضعف تأثير الاتحاد الوطني وتعددت الأجنحة فيه، واتسع ذلك بعد وفاة رئيس الحزب. ولا شك في وجود معارضة في الحزب الديمقراطي الكُردستاني لبعض أو كل سياسات الحزب، ولكنها غير منظمة ولا واضحة وغير مرئية. ولذلك أسبابها أيضاً. أما المعارضة الإسلامية المشاركة في الحكم، فإنها كانت نشطة، كما في حالة جماعة اليكرتوو، تلتقط النواقص وترميها على الأحزاب الرئيسية وتتملص منها وتكسب الناس المعارضين لسياسة الإقليم. ولا بد من تأكيد حقيقة أن كل الأحزاب الأخرى غير الحزبين الرئيسين لم يشاركا في رسم سياسة الإقليم، وغاب دورهم السياسي والاجتماعي، وساهموا بدور بهامشي غير محسوس في الحياة السياسية والاجتماعية بالإقليم، ولم تخرج معارضتهم لبعض الأمور، ومنها المهمة، عن محافلهم الخاصة أو داخل مقراتهم.
(13)
حين اكتب عن هذه المسائل وبهذه الصراحة والوضوح لأني كنت قد كتبت وذكرت عنها مراراً وتكراراً وبصيغ مختلفة، سواء أكان ذلك في مقالات نشرت في الصحافة العراقية ومنها الكُردستانية، أم في رسائل وجهت للمسؤولين الكبار بالإقليم، منها المنشورة ومنها غير منشورة ومتوفرة بأرشيف الكاتب، أم عبر اللقاءات المباشرة مع كبار المسؤولين الكُرد، أم في بيانات أو رسائل محررة عبر الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكُردية حين كنت أميناً عاماً لها. وحين نشرت مقالاً نقدياً مهماً باللغة العربية وأرسل إلى مجلة "گولان"، التي يصدرها الحزب الديمقراطي الكُردستاني باللغتين العربية والكُردية ولها موقع الكتروني بالاسم ذاته، لم يظهر العربي بالكامل وترجم المقال إلى اللغة الكُردية ونشر، ولكن بعد أن اقتطع الرقيب أهم وأبرز الفقرات النقدية للحكم وللأحزاب الحاكمة بالإقليم. عندها قاطعت النشر في المجلة المذكورة، وفي هذا المجال لا بد من ذكر الحكمة العراقية التي تؤكد " الصديق يقول قلت لك، والعدو يقول أردت أن أقول لك". في العام 2010 منحت وسام "صديق الشعب الكُردي" من وزارة الثقافية بالإقليم في الذكرى الخامسة والسبعين لميلادي والذي أعتز به كثيراً. ومن هذا الموقع كنت أحاول أن أقدم ما يمكن تقديمه من نقد للسلبيات والإيجابيات في آن واحد. لم أكن وحدي من قدم النقد او الاستشارة المجانية الصادقة أو الرأي الاجتهادي إلى الأحزاب الكُردستانية والقيادات الكُردستانية في فترات مختلفة، إلّا إنها والحق يقال لم تلق آذاناً صاغية، بل حتى أُبعد التجمع العربي لنصرة القضية الكُردية عن المؤتمرات والاجتماعات التي كان يعقدها الإقليم، بسبب ملاحظاته النقدية مع تأييده المخلص للقضية الكُردية لا على مستوى العراق، بل على مستوى الشرق الأوسط، كما كان يؤكد الأستاذ القاضي زهير كاظم عبود هذا الواقع، وهو الشخصية الوطنية التي بادرت إلى تأسيس هذا التجمع التضامني والتطوعي. 
(14)
لقد حصل الاستفتاء، رغم المعارضة الشاملة من العالم كله، فيما عدا حكومة بنيامين نتنياهو بإسرائيل والتي كانت وما تزال لها نوايا أخرى غير محمودة!، وعبَّر الشعب الكُردي بنسبة أكثر من 92% عن رغبته في إقامة دولته المستقلة. لقد مارس الشعب الكُردي حقاً طبيعياً لم يتضمنه الدستور العراقي خطأً، وكان الأفضل والأسلم والأكثر حكمة ألاّ يحصل في هذا الظرف بالذات. ولكن ما حصل بعد ذلك كان بالنسبة لي وللكثير من الأصدقاء الكُرد والعرب متوقعاً تماماً، لأن الشروط الذاتية والموضوعية لم تكن متوفرة لمثل هذا الاستفتاء ولا لتنفيذ نتائجه، فيما عدا الرغبة والطموح. وقد عبرنا عن قلقنا ومخاوفنا قبل الاستفتاء بفترات مختلفة، وأخرها كان في يومي 16 و17/ أيلول/سبتمبر 2017 بالسليمانية. وقد أشار السيد مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، في لقاء له على شبكة CNN، وفي خطاب عام أيضاً، إلى أن الحكم بالعراق كان ينوي القيام بذلك قبل الاستفتاء. أي يقصد بأن الاستفتاء لم يكن سوى "القشة التي قصمت ظهر البعير". ولكن السؤال العادل: هو إن كان السيد البارزاني يعرف ذلك فلماذا قدم للحكم ببغداد مثل هذه القشة التي قصمت ظهر البعير وأكثر؟ هنا تكمن المسألة الخاطئة وسيطرة الرغبة الملحة والابتعاد عن أرض الواقع.
(15)
واليوم يحاول المناهضون لحقوق الشعب الكُردي أصلاً، استغلال ذلك لإنزال الهزيمة النفسية والمعنوية بالشعب الكُردي وانتزاع الكثير من المكاسب العادلة والمشروعة التي تحققت لإقليم وشعب كُردستان العراق عبر سني نضاله الطويلة والتضحيات الجسام ومشاركته مع بقية أبناء وبنات الشعب العراقي في النضالات المديدة في سبيل الحرية والديمقراطية والسيادة الوطنية. ولا يقتصر النشاط المناهض للكُرد على قوى إسلامية سياسية عراقية وأخرى شوفينية متطرفة فحسب، بل يمتد ليشمل الدول المجاورة دون استثناء، وهي التي تشجع على شن حملة همجية على مكاسب الشعب الكُردي التي يفترض التصدي لها، لأنها ليست وحدها المقصودة بهذا الهجوم الشرس، بل كل القوى الديمقراطية والتقدمية التي تريد تغيير الواقع السياسي الطائفي القائم بالعراق، إنها ذات القوى التي دخلت في تحالف مع الأحزاب الكُردية وأعطت الانطباع وكأنها تؤيدها وتسند حقوقها، ولكنها كانت تريد الاستفادة منها في دفع البلاد ووضعها على الطريق الذي يسعى إليه كل الإسلاميين السياسيين الطائفيين والمتطرفين، إلى إقامة دولة ثيوقراطية متطرفة ومتخلفة في آن واحد. وقد كشف هؤلاء عن وجههم القبيح والكالح وعن مخالبهم الجارحة التي يريدون غرزها في جسم الشعب الكُردي وحقوق والمشروعة العادلة، وفي جسم الشعب العراقي كله.   
 (16)
وفي هذه المرحلة الحرجة جداً من تاريخ العراق تقع على عاتق الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبة مهمة كبيرة وأساسية، مهمة منع تدخل إيران في الشأن العراقي الداخلي، والتي كان وما يزال الحكم الإيراني وقواه الدينية الحاكمة تسعى لفرض هذا التدخل على العراق واعتبار ذلك مسألة اعتيادية عبر القوى والعناصر التي تلتقي معها وتدعم سعيها وهدفها، ولاسيما المجلس الإسلامي الأعلى لصاحبه همام حمودي، وتيار الحكمة لصاحبه عمار الحكيم، وجزء كبير من حزب الدعوة الإسلامية لصاحبه نوري المالكي، وكتائب حزب الله لصاحبها واثق البطاط، ومنظمة بدر لصاحبها هادي العامري، وعصائب الحق لصاحبها قيس الخزعلي والكثير من هذه التنظيمات الطائفية المسلحة، إضافة إلى تصريحات العديد من الوزراء العراقيين، ومنهم وزير الداخلية قاسم الأعرجي، وهو عضو قيادي في منظمة بدر المسلحة، الذي اقترح تقديم وسام عراقي لقاسم سليماني الإيراني وقائد جيش المقدس والقائد الفعلي والعملي للميليشيات الشيعية ومن ثم للحشد الشعبي العراقي(!). ونلفت هنا انتباه العراقيات والعراقيين كافة إلى تلك التصريحات التي أطلقها مسؤولون إيرانيون، ومن أعلى المستويات، جسدت حقيقة ما يسعون إليه ويعملون من أجله منذ سنوات كثيرة. ونورد هنا على سبيل المثال لا الحصر التصريح الوقح لوزير الدفاع الإيراني حسين دهقان الذي قال:
"إن العراق بعد 2003 أصبح جزءاً من الامبراطورية الفارسية ولن يرجع الى المحيط العربي ولن يعود دوله عربيه مرة اخرى وعلى العرب الذين يعيشون فيه ان يغادروه الى صحرائهم القاحلة التي جاءوا منها.. من الموصل وحتى حدود البصرة.. هذه اراضينا وعليهم إخلائها" ثم أضاف "لدينا في العراق قوة الحشد الشعبي الشيعي ستسكت أي صوت يميل الى جعل العراق يدور حول ما يسمى بمحيطه العربي وقال ان العراق عاد الى محيطه الطبيعي الفارسي"، ثم أكد بـ "أن إيران اليوم وصلت الى مرحلة تصمم وتنتج فيها حاجتها من الصواريخ البالستية وكروز بمدى 3000 كيلومتر”. واختتم وزير الدفاع الإيراني تصريحه بقوله: “اليوم كل المحاولات في المنطقة تهدف الى اضعاف إيران، لكن إيران تقف بعزم وصلابة. لقد عدنا دوله عظمى كما كنّا سابقا وعلى الجميع ان يفهم هذا نحن اسياد المنطقة، العراق وافغانستان واليمن وسوريا والبحرين، عما قريب كلها تعود الى أحضاننا وهو مجالها الحر الطبيعي". (راجع: موقع الاهد الإلكتروني، أخذ المقتطف بتاريخ 12/11/2017). ولم يترك رئيس الجمهورية الإيرانية حسن روحاني أي شك في نوايا إيران إزاء العراق، إذ صرح بما يلي: " أصبحت إيران اليوم إمبراطورية كسالف عهدها عبر التاريخ، لطالما كانت بغداد عاصمتها ومركز هويتها وحضارتها وثقافتها وستبقى كذلك". (راجع: جريدة "الأخبار: المصرية، تقسيم العراق – الوصل والفصل، محمد السيد عبد، بتاريخ 30/08/2017.) إن هذا يجعلنا أن نفكر نحن بالعراق بما يراد لوطننا وكذلك للإقليم الذي يؤجج الحكام الإيرانيون والترك وغيرهم النيران ضد الكُرد بالعراق. وهم لا يختلفون في ذلك عن تركيا ومطامعها بالعراق، ولاسيما بولاية الموصل القديمة، وخاصة كركوك. إنهم ضد العراق المدني والديمقراطي والعلماني المنشود والمغيب حالياً!
(17)
ومن جانب آخر فقد حرك الحكام السعوديون والإماراتيون المناهضون لإيران بعض الباحثين والسياسيين العرب للإدلاء بتصريحات تميل إلى جانب الدولة الكُردستانية عبر مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية بمدينة جدة بالسعودية والذي يترأسه الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي، الذي زار أربيل وشجع على إجراء الاستفتاء، على أمل إضعاف العراق وتركيا وإيران في مواجهة السعودية، في حين كان هؤلاء الحكام يتحدثون في العلن عن وحدة العراق. وكان ديفيد هرست، الكاتب البريطاني الخبير بقضايا الشرق الأوسط، مصيباً حين أكد في مقال له "منذ اللحظة الأولى التي دعا فيها مسعود بارزاني، رئيس إقليم كُردستان، إلى استفتائه، كان واضحا من هي زمرة الدول التي ستشكل ائتلافا هدفه وأد كُردستان المستقلة في مهدها. بوجود ما يقرب من ثلاثين مليون كُردي يعيشون في منطقة تتوزع على أربع دول، ما من شك في أن تركيا وإيران والعراق لديها مصلحة مشتركة في وأد الدولة الناشئة في مهدها، مع أن ذلك كان يعني بالنسبة لأنقرة التخلي عن الحليف الكُردي الوحيد الذي اعتمدت عليه في حربها ضد حزب العمال الكُردستاني داخل تركيا وضد حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي داخل سوريا." (راجع: ديفيد هرست، كيف سعى السعوديون إلى استخدام الأكراد لقص أجنحة إيران، موقع عربي 21، في 22/10/2017).
(18)
والسؤال الجدير بالطرح والتحري عن إجابة له وأثارة النقاش حوله بعد كل الذي حصل، والذي ربما لم يحصل بعد، هو: ما العمل؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون اجتهادية قابلة للنقاش، فهي تستند إلى الواقع الكُردستاني، ومن ثم الواقع العراقي الراهن وفي ضوء التناقضات التي تتحرك فيهما والصراعات الناشئة عنهما والقوى الفاعلة فيهما. وبصدد الوضع بإقليم كُردستان العراق أرى اعتماد السياسات التالية:
1.   أولا: الاستفادة من عدم انتهاء الدورة البرلمانية الحالية لإعادة النظر بدستور الإقليم الذي لم يقر حتى الآن بما يجعله مدنياً ديمقراطياً وعلمانياً حديثاً يتجنب التأثيرات الجانبية ويلتزم بتأمين انتخابات عامة على وفق الأسس الديمقراطية الرصينة التي تنتج مجالس نيابية نزيهة وأمينة على مصالح الشعب وإرادته، ويعتمد الفصل بين السلطات واستقلال القضاء والحرية والاستقلالية للسلطة الرابعة وفصل الدين عن الدولة والسياسة، ومنع قيام أحزاب سياسية على أساس ديني أو مذهبي، واحترام حقوق الإنسان وحقوق القوميات، وحقوق المرأة كاملة ومساواتها بالرجل، ومنع زواج القاصرات والقاصرين، وتأمين الخدمات الضرورية للمعوقين وضحايا الحروب والإرهاب، واستقلالية مفوضية الانتخابات وإقرار قوانين ديمقراطية للصحافة والأحزاب والعمال والجمعيات الفلاحية ومنظمات المجتمع المدني ...إلخ. على أن يكون انتخاب رئيس الإقليم عبر المجلس النيابي ولدورتين فقط.
2.   العمل على إجراء انتخابات حرة ونزيهة ومراقبة منظمات حقوق الإنسان العراقية والدولية لانتخاب المجلس النيابي الجيد ورئيس الإقليم وكذلك رئيس الحكومة والوزراء.
3.   الالتزام بمبدأ المواطنة والكفاءة والحرص على مصالح الشعب في تكليف الوزراء وكبار الموظفين والمدراء العامين وغيرهم من مسؤولي المؤسسات أو المستشارين والخبراء.
4.   الابتعاد عن تشكيل حكومتين أو إدارتين والعمل على توحيد الإدارة والمالية.
5.   جعل الپیشمرگة تحت قيادة رئيس حكومة الإقليم، باعتباره المسؤول عن الأمن وحماية المواطنين، وألّا تكون تحت قيادة الأحزاب السياسية أو تابعة لها، وأن تكون قوات الپیشمرگة جزءاً فعلياً من القوات المسلحة العراقية. 
6.   إعادة ترتيب البيت الكُردي من خلال تحقيق المصالحة المبدئية بين أبناء وبنات المحافظات الكُردستانية والابتعاد عن الصراعات التي تعرقل تأمين الأمن والسلام بالإقليم وتوقيع عقد شرف بعدم التوجه صوب السلاح لحل مشكلات الإقليم الداخلية.
7.   الالتزام بممارسة الحريات الديمقراطية واحترام الحرية الفردية وحرية المجتمع عموماً، وإبعاد أجهزة الأمن عن التدخل في شؤون المواطنين، إضافة إلى احترام حرية الصحافة والصحفيين وحمايتهم من أي اعتداء أو تضييق على حريتهم وعملهم الصحافي.
8.   الابتعاد عن اتخاذ القرارات الفردية والالتزام بالشرعية الدستورية والعودة إلى الشعب واستفتاءه في حالة نشوب خلافات يعجز البرلمان الكردستاني عن إيجاد حلول لها، واعتبار ذلك الحل النهائي.
9.   توزيع الموارد المالية المتأتية من ميزانية الدولة العراقية وما يتحقق بالإقليم من دخل وطني على المحافظات على وفق نفوسها، على أن يؤخذ بالاعتبار استخدام هذه الموارد بصورة عقلانية عبر توزيعها على الميزانية الاعتيادية وميزانية التنمية الوطنية، ومراقبة استخدامها لصالح التنمية الصناعية والزراعية والمجتمع.
10.   وضع أسس جديدة لتحقيق المراقبة الشعبية، وكذلك عبر دور فاعل لمنظمات المجتمع المدني، على أداء الإقليم وعدالة توزيع الثروة ومدى استخدامها العقلاني لتحقيق التقدم والتطور الاقتصادي والاجتماعي والخدمات بالإقليم.
11.   رفض أي تدخل في الشأن الكُردستاني من دول الجوار ورفض قبول أحزاب سياسية تتعامل مع دول الجوار ومساعدتها في التدخل في الشأن الكُردستاني العراقي والعراق عموماً.
 (19)
وإزاء تعقيدات الوضع في عموم العراق، وحيث تعشش فيه الطائفية السياسية والشوفينية والتأثير المتنامي لدول الجوار بصورة علنية ومن وراء الكواليس، أرى ضرورة التزام الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بعودتهما الجادة والمسؤولة إلى بنود الدستور العراقي والتعامل على أساسه. وعلى القوى الديمقراطية العراقية أن تلعب دورها في منع التجاوز على حقوق الشعب الكُردي، لأنه سيكون الطريق ذاته الذي ستعتمده القوى الإسلامية السياسية في التجاوز على حقوق الشعب العربي بالعراق وبقية القوميات، وهو ما بدأت الآن ملامحه في قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي سحب لسنوات ثم عاد الإسلاميون المتخلفون بطرحه من جديد للمصادقة عليه بصيغة أخرى وعبر إجراء تعديلات مخلة على قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، بسبب حصول تغيير ملموس في ميزان القوى في مجلس النواب وفي الصراع على صعيد العراق في أعقاب حصول الاستفتاء. وعلى الجميع أن يرى بوضوح بأن العراق يقف أمام مرحلة جديدة يفترض أن تجد تعبيرها في نهج جديد لسياسات الدولة الاتحادية وسياسات الحكم بالإقليم في آن واحد، والتي بدونها سيكون الوضع أكثر تعقيداً وعواقبه وخيمة على الجميع. فالمطلوب تغيير طبيعة الحكم بالعراق والتخلص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة للشعب وللقيم الإنسانية والحضارية، والسير على أسس مدنية وعلمانية ديمقراطية أولاً، كما يفترض أن تكون سياسة الإقليم ذات نهج وممارسات مدنية ديمقراطية علمانية تحترم المؤسسات الدستورية وإرادة ومصالح الشعب أولاً وقبل كل شيء. وعلى الحكومتين محاربة الفساد في جميع المجالات والمستويات وبدءاً منهم ومن عائلاتهم وحواشيهم، والعمل المشترك ضد قوى الإرهاب الداخلي والمستورد والبدء ببناء الاقتصاد والقوى البشرية. كما عليها أن تتصدى للتدخلات الخارجية. ولا بد أن يأخذ الحكام جملة المشكلات المتراكمة بالعراق والتي لم تحل حتى الآن، ومنها النزوح الواسع النطاق الذي أعقب اجتياح الموصل وعموم نينوى ومناطق أخرى اثناء الحرب وبعدها من مناطق القتال والذي قدر بأكثر من مليوني إنسان، ومن ثم النزوح الأخير من كركوك والذي قدر بأكثر من 120 ألف مواطنة ومواطن من الكُرد.
(20)
وعليه أرى ما يلي:
1. إن المشكلة المركزية بالعراق تكمن في طبيعة النظام السياسي الطائفي القائم بال

27
العراق والموقف الحضاري من المبادئ والقيم الإنسانية!
(الحلقة الخامسة والأخيرة)
الحكم السياسي الطائفي ينتهك الدستور وحقوق الإنسان بتستره على المستبدين والفاسدين

ليس هناك ما يدل على قيام حكومة حيدر العبادي باتخاذ الإجراءات الكفيلة بإخراج ملفات التحقيق النيابية وغيرها، رغم قصورها، لمحاسبة ومحاكمة كل المسؤولين عما حصل بالموصل وبقية مناطق محافظة نينوى وكذلك بالفلوجة وعموم الأنبار وصلاح الدين، وعن تلويث سمعة وضرب مظاهرات 2011 ببغداد وغيرها من المدن العراقية واغتيال صحفيين وكتاب ونشطاء مدنيين ديمقراطيين، كما في حالة المغدور هادي مهدي والمستشار في وزارة الثقافة العراقية كامل شياع عبد الله، بغض النظر عن مواقع المتسببين في تلك الجرائم البشعة، جريمة اجتياح الموصل ومن ثم سنجار، وما أعقبهما من أحداث وجرائم جسام وصلت إلى حد الإبادة الجماعية بحق سكانها الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان، ومن ثم ما حصل من فتك وإذلال لكرامة أبناء الموصل الآخرين من السنة. لم يتخذ رئيس الوزراء، الذي ينتمي لحزب الدعوة و"التحالف الوطني للبيت الشيعي!" أي إجراء لمحاسبة رئيس حزبه، الذي كان رئيساً للوزراء والقائد العام للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن اتخاذ قرار الانسحاب بهزيمة منكرة ودون أية مقاومة أمام عصابات داعش المجرمة، التي لم يتجاوز عدد أفرادها الـ 800 شخصاً في مواجهة عشرات الألوف من الجنود وضباط الصف والضباط والقادة العسكريين الكبار وأجهزة الأمن والشرطة، إضافة إلى تسليم المعسكرات وما فيها من أحدث الأسلحة والعتاد والأموال ودوائر الدولة ومؤسساتها إلى تلك العصابات. وبهذا، فهو لا يمتلك الحصانة لمحاسبة الآخرين أياً كانوا عرباً أم كرداً عن مسؤوليتهم في ذلك بسبب عدم محاسبته المسؤول الأول عن كل ما حصل بالعراق. وهكذا كان دور المدعي العام العراقي ورئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي حيث تسري عليهما مقولتنا نحن حين كنا أطفالاً نردد " صاموت لاموت اليحچي يموت على التختة والتابوت". إنها المأساة بعينها، إضافة على كونها مهزلة فعلية!
الجرائم التي ارتكبت بالموصل لا يمكن تجاوزها كما تجاوزتها حتى الآن الحكومة العراقية والقضاء والادعاء العراقيين، فلم يهرب الجيش العراقي فحسب، بل وهربت قوات الپيشمرگة من سنجار وزمار وغيرها، إذ لا يمكن أن يكون ذلك دون قرار من أعلى المستويات الكردستانية ايضاً. وهذا ما نشرناه في أكثر من مقال سابق وفي وقتها. لقد تمت مطاردة المسيحيين وتهجيرهم بالقوة وسلب أموالهم وما يملكون وقتل جمهرة منهم بالموصل، ثم تم اجتياح سنجار ومطاردة سكانها الإيزيديين وقتل الكثير من الرجال وسبي الآلاف من النساء والأطفال وقتل جمهرة منهم وتحويلهم إلى بضاعة بشرية في سوق النخاسة الإسلامي وفرضت عليهم عمليات اغتصاب لأخواتنا الإيزيديات، بمن فيهم الصبايا غير البالغات سن الرشد، والعمل على تحويل الأطفال الذكور إلى قتلة على أيدي الداعشيين، كما تمت مطاردة الشبك بالموصل وفي مناطق تواجدهم، وكذلك التركمان في تلعفر وقتل الكثير منهم وسلبت أموالهم وممتلكاتهم، ثم قتل في معسكر سپايكر، على وفق تصريحات داعش، 1700 جندي متدرب، وأشارت مفوضية حقوق الإنسان العراقية إلى أن هناك 1095 جندياً مفقوداً! (راجع: العراق.. 1095 جندياً ما زالوا مفقودين منذ "مجزرة سبايكر" على ايدي "داعش"، CNN بالعربي في 18 أيلول/سبتمبر 2014). إن الذين تسببوا في حصول هذه الجرائم البشعة لا يجوز ولا يمكن أن يفلتوا من العقاب أياً كانت القوى أو الدولة التي تقف خلفهم وتساندهم وتمنع مثولهم أمام القضاء العراقي حتى الآن أو في المستقبل، فالشعب يمهل ولا يهمل!! لقد اُنتهكت حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وكل ما يمت إلى الكرامة الإنسانية بصلة في هذا الاجتياح المريع والاحتلال التدميري، حيث لم يخسر العراق البشر والأموال والكرامة فحسب، بل خسر تراث حضارته العريقة، تراث البشرية جمعاء بالموصل وعموم نينوى، إضافة إلى دور العبادة من كنائس وأديرة تاريخية ومساجد ودور عبادة للإيزيديين والشبك والتركمان ومكتبات زاخرة بالكتب التي أحرقت أو هربت لقيمتها التاريخية العالية وما تجلبه للمجرمين من أموال. 
لقد مزق نوري المالكي ورهطه أثناء وجوده في السلطة لمدة تزيد عن ثماني سنوات عجاف وحدة المجتمع العراقي. فبسبب سلوكه الطائفي الجامح نتج عنه المزيد من انعدام الثقة بين الشيعة والسنة وعاش المجتمع معارك الفلوجة وعموم الأنبار وصلاح الدين وسقوط شهداء وجرحى واعتقالات بالجملة. ثم تدهورت العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بسبب ضعف مواد الدستور وعدم قيام الحكومة بسن القوانين الضرورية التي تنظم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، إضافة إلى عدم تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الخاصة بكركوك وبقية المناطق المتنازع عليها طيلة الفترة المنصرمة، رغم تأكيد الدستور على إنجاز هذه المهمة الدستورية حتى نهاية عام 2007. وإذ برزت محاولات جادة لتشديد المركزية في الحكم، برزت محاولات أكثر وضوحاً في ممارسة صلاحيات أكثر مما أقرها الدستور العراقي وبشكل خاص في مجال الاتفاقيات النفطية التي عقدها الإقليم مع الخارج، والتي هي من صلاحيات الحكومة الاتحادية على وفق الدستور الذي اعتبر النفط ملكاً لكل الشعب العراقي وليس لإقليم بذاته، كما هو حال نفط الجنوب. ورغم التغيير الذي حصل في رأس الحكومة الاتحادية، فأن العلاقات بين الحكومتين لم تتحسن، رغم مشاركتهما في محاربة داعش وتحقيقهما نجاحات وانتصارات مهمة. وقد عمدت رئاسة وحكومة الإقليم إلى اعتبار المناطق المتنازع عليها، والتي حررتها قوات الپيشمرگة، جزءاً من إقليم كردستان، في حين إنها تشكل جزءاً من المناطق المتنازع عليها والتي تعود إدارتها للحكومة الاتحادية. مما عمق الخلاف بين الحكومتين. ولا بد هنا من الإشارة إلى الكثير من أصدقاء الشعب الكردي، وأنا منهم، قد أكدوا، في أكثر من مناسبة ولقاء مع المسؤولين الكرد وفي مقالات عديدة، أربع مسائل جوهرية هي:
أولاً: إن اتفاقيات النفط التي تعقدها حكومة الإقليم في غير مصلحة الشعب العراقي عموماً وشعب كردستان خصوصاً، وإنها من صلاحيات الحكومة الاتحادية، وأن خسائر كبيرة تلحق بالاقتصاد العراقي كله من خلال تلك الاتفاقيات، لأنها ذات طابع سياسي، رغم إن الاتفاقيات النفطية للحكومة الاتحادية هي الأخرى ليست جيدة، إلا إنها أفضل من تلك التي عقدتها حكومة الإقليم، وإن الشركات الأجنبية تكسب أرباحاً من اتفاقيات كردستان النفطية أضعاف ما تكسبه من اتفاقيات الجولات النفطية لحسين الشهرستاني. وهذا عين ما قلته نصاً للسيد مسعود البارزاني، رئيس الإقليم حينذاك.
ثانياً: إن اعتبار المناطق المتنازع عليها ضمن جغرافية إقليم كردستان قرار غير صحيح من جانب رئيس وحكومة إقليم كردستان، إذ سيولد مشاكل إضافية بين الحكومتين لا مبرر لها، ولا بد من معالجة ذلك على وفق المادة 140 من الدستور. وهذا ما ذكرته في أكثر من مقال ومنها مقالي الموسوم "ما الموقف المطلوب من مشكلات المناطق المتنازع عليها بالعراق؟" الذي نشر على موقع الحوار المتمدن في العدد 5236 بتاريخ 23/8/2016، وكذلك نشر في مواقع صوت العراق والناس ومركز النور وغيرها).
ثالثاً: إن تأكيد القيادات الكردية على التحالف بين الشيعة والكرد، وهنا المقصود الأحزاب الشيعية والأحزاب الكردستانية، هو في غير صالح العراق وشعبه، لأنه يستبعد السنة أولاً، وهم جزء أساس من سكان العراق، إضافة إلى استبعاد بقية القوميات بالبلاد، ولأنها في ذلك تبتعد عن حليفها الطبيعي، وأعني به القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية، التي ينتسب إليها من كل القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، والتي كانت سنداً دائماً لنضال الشعب الكردي من أجل حقوقه العادلة والمشروعة. إذ أن عواقب التحالف "الكردي الشيعي!" ستكون له عواقب سلبية على الكرد. وهذا ما قلته بالنص للسيد رئيس إقليم كردستان في العام 2012 وكتبته في أكثر من مقال منشور في موقع الحوار المتمدن وجريدة العالم العراقية وصوت العراق والناس والنور وغيرها من المواقع. واليوم تشن الأحزاب الشيعية وميليشياتها بشكل خاص العداء الشديد للكرد وضد إقليم كردستان بتوجيه من إيران ومن ينسق معها، مثل حزب الله العراقي وبدر وعصائب الحق، على سبيل المثال لا الحصر.
رابعاً: إن وقوف التحالف الكردستاني، ومن وراءه الأحزاب الكردية الأعضاء في التحالف الكردستاني، إلى جانب القوانين الرجعية والسيئة التي كانت تقدم إلى البرلمان ويوافق عليها التحالف الكردستاني ليست في مصلحة شعب العراق كله، بما فيه شعب إقليم كردستان، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قانون الانتخابات والأخذ بطريقة سانت ليغو 1,9 أو 1,7 السيء الصيت والمسيء لأصوات الناخبين وحقوقهم المشروعة، أو قانون الصحافة والصحفيين، أو قانون تشكيل مفوضية الانتخابات على أساس طائفي وأثني. 
ومن المؤسف القول بأن لم تكن هناك أذاناً صاغية لما كنا نقوله. وأخيراً وبسبب تدهور العلاقة وعدم وضع حلول عملية للمشكلات القائمة، انبرى رئيس الإقليم بمقترح إجراء استفتاء بمحافظات الإقليم، ومعها المناطق المتنازع عليها! وقد وجهت لي الدعوة، مع مجموعة من العرب من أصدقاء الشعب الكردي من العراق ودول عربية، لمناقشة هذا الموضوع بالسليمانية. وقد أكد الحضور العربي الديمقراطي، وأنا منهم، على عدة مسائل جوهرية يمكن أن تقود إلى عواقب وخيمة أشير إليها باختصار:
** ليس لدى الدول الكبرى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي ولا الدول الأخرى أي نية في إجراء أي تغيير حقيقي في الخارطة الجغرافية لدول الشرق الأوسط، وبالتالي فهي ضد هذا الإجراء وقد أعلنت موقفها بصراحة تامة، سواء بطلب إلغاء الاستفتاء أم تأجيله، ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا الاتحادية والصين، وهي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى المانيا وإيطاليا واسبانيا وغيرها فيما عدا إسرائيل، التي كانت تعرف جيداً عواقب مثل هذا الاستفتاء! والتي حصلت فعلاً، والتي لم تكن بسياسات حكوماتها يوماً صديقاً للشعب الكردي!
** لقد وافقت الأحزاب الكردية المشاركة في وضع الدستور وإقراره وقبل طرحه للاستفتاء في العام 2005 على عدم النص على حق تقرير المصير، رغم إن البعض قد حذر الكرد من مغبة وعواقب غياب هذا النص لمستقبل الشعب الكردي، ومنهم النائب ضياء الشكرچي حينذاك، الذی کان في حينها عضواٌ في لجنة وضع الدستور عام 2005 ممثلاً عن حزب الدعوة الإسلامية، الذي تخلى عن هذا الحزب والوجهة الإسلامية لاحقاً. وقد وُضع نص يؤكد وحدة العراق كما جاء في المادة الأولى من الدستور التي تنص على "جمهورية العراق دولةٌ اتحادية واحدة مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق"، وفي المادة 109 التي تنص على ما يلي: " تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي"، والذي صدر في حينها قرار المحكمة الاتحادية بعدم صواب الاستفتاء، ثم صدر الآن قرار من المحكمة بهذا الخصوص وبعدم الحق في انفصال أي إقليم من العراق عن الدولة العراقية على وفق هاتين المادتين. ومن الناحية المبدئية هذا لا يعني عدم امتلاك الشعب الكردي الحق المطلق في النضال من أجل تأمين حقه في تقرير مصيره، ولكن عليه أن يراعي جملة من الشروط ويوفر جملة من المستلزمات ويسعى إلى خلق تحالفات وأجواء تسمح بتغيير الدستور.
** كل نظم الحكم في الدول المجاورة، وهي ليست صديقة للشعب الكردي بأي حال إن لم نقل عدوة له، طلبت من القيادة الكردية عدم إجراء الاستفتاء وأكدت تدخلها المباشر بالتعاون والتنسيق مع العراق لمنع تنفيذ نتائج الاستفتاء بممارسة كل السبل المشروعة وغير المشروعة. ولم يكن في هذا أي التباس أو شك فيما ستفعله!
** قوى داخلية عراقية تحدثت ضد الاستفتاء، ولكنها كانت تتمنى أن يحصل ذلك، لكي تمارس ضربتها ضد الحكم بكردستان التي كانت تنتظرها منذ فترة غير قصيرة ولم تتح لها الفرصة، وهي قوى إسلامية سياسية شيعية وقوى سنية أيضاً، ولكن الأكثر اندفاعاً هو حليف الأحزاب الكردستانية السابقة، بعض الأحزاب الشيعية. وكان رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، واضحاً تماماً ومحذراً من مغبة ذلك.
** وقد بادر أصدقاء الشعب الكردي، ومنهم الحزب الشيوعي العراقي، إذ قدمت قيادته النصيحة الأخوية للحزب الديمقراطي الكردستاني وبلقاء خاص مع السيد رئيس الإقليم، ومع الأحزاب الكردية الأخرى في تأجيل هذا الاستفتاء بسبب غياب الظرف المناسب لمثل هذا الإجراء. كما مارس ذلك بعض القوى الديمقراطية والتقدمية، كالتيار الديمقراطي والحزب الوطني الديمقراطي بقيادة السيد نصير الجاردجي، والقائمة التقي يقودها الدكتور أياد علاوي، إضافة إلى التيار الصدري. 
** لم يكن البيت الكردي موحداً، بل كان في أكثر فتراته تباعداً واختلافاً واستعداءً متبادلاً، لا بشأن الموقف من الاستفتاء فحسب، بل وبشأن قضايا داخلية منها الموقف من توزيع الموارد المالية المتأتية من النفط ومن الجمارك ومن ميزانية الإقليم، والموقف من رئاسة الإقليم ومن صلاحيات رئيس الإقليم وفترة رئاسته، وكذلك الموقف من البرلمان وطرد رئيس البرلمان ووزراء من حركة التغيير "گوران"، إضافة إلى الخلافات الجدية مع الاتحاد الوطني والانقسامات الكبيرة داخل هذا الاتحاد. ولم يوحد إجراء الاستفتاء هذه القوى السياسية حتى ولا شكلياً، بل وحد الكرد استجابة لمشاعرهم القومية وطموحهم بالاستقلال وعدم التهميش والإقصاء.
** ولا بد من تأكيد واقع أخر هو إن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الصحافة والصحفيين لم تكن في كل الأحوال بالمستوى المطلوب بالإقليم، بل تعرضت للكثير من الانتقاص والتراجع، وقد وجه الكثير من النقد لهذه المسالة على الصعد المحلية والدولية ومن قبل منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان بالعراق أيضاً.
إن هذه العوامل بشكل خاص هي التي جعلت مني ومن غيري طرح رأينا بصراحة ووضوح وبأخوة صادقة في لقاء السليمانية راجين، إن لم يكن الغاء الاستفتاء، فتأجيله لظرف آخر، واستبعاد المناطق المتنازع عليها من الاستفتاء. ولكن، والحق يقال سمعوا، ملاحظاتنا ورأينا، ولم يأخذوا بها، ولم تلق الصدى المنشود، رغم إن جمهرة من المثقفين الكرد كانت تخشى عواقب هذا الاستفتاء تماماً كما أشرنا نحن إلى ما يمكن أن يحصل، وهو مع الأسف الشديد حصل عين ما شخصناه حينذاك، ولم ينته بعد!! لقد استهان الجميع بكل العوامل التي تستوجب التوقف عن إجراء الاستفتاء، حتى الذين كانوا ضد الاستفتاء من الكرد لم يجرؤوا على التصريح برأيهم خشية اتهامهم بالتخلي عن حلم وهدف الأكراد بإقامة الدولة الكردية. لقد نشأ جو ضاغط لم يكن في مقدور المواطنة أو المواطن الكردي تجاوزه بأي حال. 
ولكن ما جرى ويجرى بعراق اليوم، وكما أرى، بعيد كل البعد عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفيه تجاوز فظ على الدستور العراقي. نشير إلى بعض منها:
1.   ابتعاد الحكومة الاتحادية عن البدء بحوار جاد ومسؤول مع حكومة الإقليم لمعالجة المشكلات القائمة على وفق الدستور الاتحادي وطرح شروط لم تعد مبررة بعد كل الذي حصل.
2.   محاولة البعض من المسؤولين وفي التلفزة العراقية الرسمية تسمية إقليم كردستان بشمال العراق!
3.   الابتعاد عن التنسيق مع حكومة الإقليم بشأن المناطق المتنازع عليها والتي يفترض أن يطبق بشأنها المادة 140 من الدستور، وليس ارتكاب الخطأ ذاته الذي ارتكبته حكومة الإقليم بشأنها.
4.   تقليص حصة الإقليم من 17% من ميزانية الدولة إلى 12,67% وبدون البحث مع حكومة الإقليم وعدم وجود أعضاء البرلمان من التحالف الكردستاني في المجلس النيابي، إضافة إلى عدم وجود إحصاء فعلي دقيق لهذه المسألة. ويبدو لي بأن إجراء الإحصاء الرسمي يمكن أن يتم بعد التخلص من الحرب ضد داعش وإعادة النازحين بعد أحداث الاستفتاء إلى مناطق سكناهم بكركوك أو غيرها، إذ قدر عددهم بعشرات الآلاف من الكرد.
5.   محاولة التعامل مع المحافظات الكردستانية كل على انفراد وليس على أساس الإقليم باعتباره وحدة واحدة ضمن الدولة العراقية.
6.   غلق المطارات في كل من أربيل والسليمانية في محاولة لتطويق الإقليم ومنع السكان من حرية السفر أو القدوم إليها، وهو أمر لا يجوز قبوله، إذ يمكن أن ينظم بطريقة هادئة وبعيدة عن التشنج الراهن.
7.   وكما تشير المعلومات المتوفرة، إضافة لما تنشره وسائل الإعلام الدولية إلى وجود تجاوزات فظة على السكان الكرد في المناطق المتنازع عليها "بعد الاستفتاء وما تبعه من عمليات عسكرية  من قبل القوات المسلحة وبعض فصائل الحشد الشعبي حيث جرى الكثير من انتهاكات حقوق الانسان بحق المواطنين المدنيين والمسالمين  والصحفيين والصحافة والقنوات الفضائية في العديد من تلك المناطق ، وجرى جراء ذلك استشهاد ما يقدر بـ (200) شخص واسر واختطاف العشرات ناهيك عن اعمال حرق وتخريب المساكن للمواطنين وحرق وسرقة العشرات من الدور والمتاجر وحرق بعض مقرات الاحزاب، وجراء الخوف والقلق وروح الانتقام والتعصب هاجر اكثر من 183000 مواطن كردي من مناطق عديدة في طوز خورماتو وكركوك وديالى ومخمور وزمار وسهل نينوى. حسب إحصائيات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان الدولية أضيفوا هؤلاء الى حوالي مليون و400 ألف نازح في اقليم كوردستان. كما تشير بعض أجهزة الإعلام إلى أن ما يحصل هو عملية انتقام لما قام به الكرد قبل ذاك إزاء العرب أو التركمان، إلا إن هذا ليس بالأسلوب السليم، إذ الصحيح هو إقامة الدعوى عل م اتركب التجاوزات وليس القيام بعمليات انتقامية.
8.   تشير الصحف العراقية والتلفزة الرسمية إلى مظاهرات العائلات اللواتي يطالبن الحكومة الاتحادية بالإفراج عن ابنائهن المعتقلين لدى جهاز الأمن الكردستاني "الأسايش" والذي قدر عددهم بـ 5000 معتقل من العرب والتركمان والكرد. من المطلوب من حكومة الإقليم أن تعلن مدى صحة ذلك أولاً، وعن اسباب اعتقالهم ومصيرهم ثانياً، وأن تقدمهم للمحاكمة إن كانوا متهمين، أو تطلق سراحهم فوراً. وأرى مناسباً أن نذكر الحكومة الاتحادية بضرورة ممارسة هذا المبدأ أيضاً، إذ فيها من المعتقلين ما يفوق ذلك بكثير.   
إن شعب العراق، بقواته المسلحة العراقية، وهو يحقق انتصارات مهمة على عصابات داعش في سائر المناطق التي احتلتها هذه القوى المجرمة، ما زال يعاني من التجاوزات الفظة على حقوق الإنسان وعلى القيم والمعايير الإنسانية الحضارية، سواء ما يجري من تجاوزات عبر المليشيات الطائفية المسلحة، وعبر قوى الإرهاب الدموية، أم في استمرار الفساد المالي والإداري وبقاء من خربوا العراق أحراراً يواصلون سعيهم من خلال الحكم وخارجه لتدمير العراق ورضوخه لمصالح وأجندات قوى إقليمية، كما هو الحال مع إيران. إلا إن الأكثر خطورة على حقوق الإنسان والحياة المدنية هو النظام السياسي الطائفي الذي ما يزال قائماً بالعراق. وأكبر دليل على ذلك ما حصل في تسمية أعضاء مفوضية الانتخابات التي تسمى مستقلة، وهي متكونة من تلك الأحزاب الحاكمة وعلى أساس التوزيع الطائفي المشين وضد مضمون ومواد الدستور العراقي، الذي يرفض في مواد أساسية فيه، الطائفية السياسية وقيام أحزاب على أساس ديني وطائفي. كما يمكن تأكيد هذه الحقيقة المرة بطرح قانون الأحوال الشخصية الجعفري السيء الصيت، الذي يبيح زواج البنت القاصر’ وهي مخالفة صريحة وفظة لحقوق الطفل على الصعيد العالمي والمتعارضة مع الدستور العراقي ومواده المدنية. إنه قانون وقح ويسجل بداية ارتكاب جريمة بصورة رسمية بحق طفولة الإناث بالعراق وينبغي ألّا يمر هذا القانون بأي حال من الأحوال، ويفترض الاستعانة الجادة والسريعة بالأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني الدولية والمنظمات النسوية الإقليمية والدولية ومنظمات حقوق الإنسان لمنع المصادقة عليه. وعلينا أن نجد طريقة لطرح مثل هذه الجريمة وغيرها على محكمة حقوق الإنسان الدولية. إن إقرار هذا القانون البشع يؤكد بأن العراق يمارس في هذا المجال ذات السياسة التي مارسها ويمارسها تنظيم داعش الإجرامي المتطرف الذي انتهك وينتهك الطفولة بكل شراسة وعدوانية، وها هم نواب في مجلس النواب العراقي، الذين يريدون إمرار هذا القانون، لا ينتهكون حقوق وحرمة طفولة الإناث وبراءتهم فحسب، بل هم يشكلون جزءاً من مرضى الجنس الذين يجب احتجازهم لحماية طفولة الإناث منهم ومن جرائمهم المحتملة، وهم الذين يجب تقديمهم للتحقيق، إذ ربما بعضهم قد مارس هذه الجريمة بحق الأطفال الإناث، كما يفترض محاسبة المجلس الأعلى الإسلامي الذي ينظم احتفالات سنوية ليعلن تقديم عشرات الفتيات بعمر تسع سنوات وقاصرات إلى الزواج من رجال بأعمار عالية احياناً كثيرة وكأنهن نساء بالغات سن الرشد!!! (راجع الصورة في نهاية المقال).
ولا بد من الإشارة إلى أن هناك جمهرة من السياسيين في حزب السلطة الحاكم تعمل بجهود محمومة وكثيفة للإطاحة برئيس الوزراء حيدر العبادي وتستخدم كل الوسائل والأدوات المتوفرة لديها، وهي في الغالب غير مشروعة، للوصول إلى هذا الهدف، وإعادة نوري المالكي إلى السلطة أو من يرشحه المالكي ويكون ظلاً له في الحكم. إنها معضلة العبادي الحالية والتي وجدت تعبيرها في خطبته الأخيرة عن العقائديين الذين يحاربونه بأساليب يراها بنفسه ويعي عواقبها المدمرة! لقد قلنا لجميع الحكام المستبدين "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع!" وخير شاهد على ذلك أغلب ملوك وأمراء وحكام العراق، وأخرهم صدام حسين ونوري المالكي! وهما من طينةٍ واحدة!   
 إن ما جرى ويجري بالعراق يؤكد بأن الحصيلة كانت معتمة. فحكام العراق صادروا حريات الشعب العراقي الطيب وحقوقه الأساسية خلال المراحل المنصرمة. وكل فترة مظلمة كانت تليها فترة أكثر عتمة وأكثر استبداداً وظلماً وقساوة على الشعب وتخريباً لوحدته وتفريطاً بأمواله وإساءة لتطوره الاقتصادي والاجتماعي ومستقبل أبنائه وبناته. ولم يهنأ هذا الشعب بحكامه، بل كان غصة لهم وغضباً عليهم، إذ حولوا الشعب إلى خدم مكبوتين للحكام، وعملوا بعكس القاعدة التي تقول بأن الحكام خدمُ الشعب!
 
 

28
العراق والموقف الحضاري من المبادئ والقيم الإنسانية!
(الحلقة الرابعة)
الاحتلال والاستبداد والطائفية السياسية انتهاك فظ لحقوق الإنسان والقيم الإنسانية

حين عجزت أغلب قوى المعارضة السياسية عن التخلص من الدكتاتورية الحاكمة ببغداد توسلت بالدول الأجنبية لإسقاط الدكتاتورية وارتضت لأنفسها الوقوع تحت الاحتلال واستبداد المحتل وعواقبه على الوطن والشعب، لأن أهداف الشعب كانت تختلف تماماً عن أهداف المحتل من جهة ومع أغلب قوى المعارضة من جهة أخرى، وربما كان اللقاء الوحيد هو الخلاص من الدكتاتورية. ولكن ماذا بعد ذلك؟ لكل من الشعب والمعارضة والاحتلال له أهدافه الخاصة، مع حقيقة أن الشعب كان يعيش في ظلمات الاستبداد والتخلف والحرمان وتحت تأثير القوى الخرافية والشعوذة. لا شك في أن وجود الاحتلال في بلد ما يعتبر بحد ذاته مصادرة فعلية لحقوق الإنسان وحقوق المواطنة والشعب، وللأهداف التي يسعى إليها المجتمع ويتطلع إلى تكريسها والتي تتناقض كلية مع أهداف المحتل. وقد برهن الاحتلال الدولي للعراق بقيادة الولايات المتحدة على صواب هذه الاستنتاج الذي يعتمد بدوره على الخبرة التاريخية لشعوب العالم وما عانته من احتلال لبلدانها ولمئات السنين. وأكبر نموذج استبدادي وإرهابي راهن للاحتلال يبرز في سياسة حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة إزاء الشعب الفلسطيني وأرضه المحتلة منذ العام 1967 حتى الوقت الحاضر، إذ يزداد ويتسع ويتعمق هذا الانتهاك لحقوق الإنسان وحقوق الشعب الفلسطيني يوماً بعد يوم مع سكوت مطبق من المجتمع الدولي.
لقد مارس الاحتلال الأمريكي، وهو من أبشع أشكال الاحتلال وأكثرها عنجهية، سياسات ساهمت في تدمير العراق وتحطيم الدولة العراقية ومؤسساتها بشكل منظم ومقصود وهادف إلى تحقيق أهداف معينة كانت محددة مسبقاً قبل بدء الاحتلال بسنوات. فقد فتح المحتل الأمريكي-البريطاني الحدود العراقية على مصراعيها ليدخل الإرهابيون من شتى أنحاء العالم إلى العراق ويساهموا لا في سرقة المتاحف والآثار التاريخية الرائعة للحضارة الإنسانية فيه فحسب، بل وليمارسوا الإرهاب والتدمير والنهب والسلب ونشر الفوضى على أوسع نطاق ممكن، إضافة إلى نشر العنف والإرهاب مجدداً بين صفوف الناس وتعريض المجتمع للقمع الحكومي وغير الحكومي. لقد مارست قوى الاحتلال سياسات استجابت لطرف واحد من القوى السياسية بالعراق وبالتنسيق مع إيران، استجابت للقوى والأحزاب السياسية الشيعية، وإلى حد بعيد للقومية القومية الكردية التي ارتضت بالحرب الخارجية لإسقاط الدكتاتورية ووافقت على قيام نظام سياسي محاصصي طائفي-أثني بالعراق. ومثل هذا النظام السياسي الذي أقيم وفرض على المجتمع العراقي حتى الآن يعتبر الصيغة الأكثر انتهاكاً لحقوق الإنسان وحقوق المجتمع بأسره. ولم يقتصر التوزيع المحاصصي الطائفي-الأثني على الوزارات فحسب، بل امتد ليشمل جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما أبعد العراق كلية عن احتمال نشوء دولة مدنية ديمقراطية علمانية. ثم بدأ الحاكم بأمر الولايات المتحدة والمستبد بقراراته تنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية ووضع التشريعات التي وضعت العراق على طريق استمرار التخلف والتبعية والفساد والإرهاب الدموي، طريق "الصد ما رد"! لقد مارس الحاكم بأمره أسلوب إرشاء كبار الموظفين ابتداءً من رئاسة الجمهورية ومروراً بالوزراء وأعضاء مجلس النواب والقضاء العراقي ورؤساء المؤسسات والهيئات المستقلة والمدراء العامين والسفراء والقناصل وغيرهم من موظفي الدولة الكبار من خلال منحهم رواتب عالية جداً وتقاعد خيالية بعيدة كل البعد عن المعايير الدولية لبلد مثل العراق أو حتى بلدان متقدمة، ونشر الفساد بتلك المليارات التي تأتت من تصدير النفط الخام ومما أطلق عليه بالمساعدة الإنمائية للعراق لتصرف ببذخ وإفراط غير معقولين. وفي ذات الوقت عمق الفجوة بين الفقراء والأغنياء وابتعد عن أي وجهة لدفع العراق صوب التصنيع بل زاد من مكشوفية العراق على الخارج استيراداً وتصديراً.
مارست الولايات المتحدة الأمريكية سياسات أمنية مغرقة بالقسوة والعنف بحق المعتقلين السياسيين بذمة التحقيق في سجن "أبو غريب". وقد كانت الأساليب والطرق التي مورست في السجن إزاء النساء والرجال والأطفال بذمة التحقيق لا تختلف عن الأساليب والطرق الفاشية التي تتعارض مع مبادئ وقيم حقوق الإنسان والتي تصادر أولاً وقبل كل شيء حياة وحقوق وكرامة الإنسان، أساليب تعذيب جسدية ونفسية ولاأخلاقية ولا تمت للإنسانية بشيء. لقد كان هذا الفصل من السياسية الأمريكية بالعراق وصمة عار جديدة وإضافية في جبين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج دبليو بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفلد، وكل الذين وافقوا على تلك الممارسات ونفذوها فعلاً، وكذلك السياسة الأمريكية عموماً بالعراق إن الصور والأفلام القليلة التي خرجت إلى الصحافة العلنية ونشرت في المواقع أكدت عن استخدام أجهزة الأمن أساليب مارسها النازيون بألمانيا ضد المعتقلين السياسيين واليهود والسلافيين والنوريين (الغجر) في المعتقلات النازية، وبعضها من ترسانة النظام البعثي، ثم تعلم ومارس أغلبها جلادو العراق الجدد أيضاً.
وإذا كان نهج الاحتلال الأمريكي مناهضاً لحقوق الإنسان والقيم والمعايير الإنسانية والحضارية، فأن نهج القوى الحاكمة بالعراق لم يكن أفضل منه، بل ساهم في تعميق أوضاع العراق السيئة وهمش الدولة ومرغ سمعتها بالتراب. لقد تسلمت القوى والأحزاب الطائفية الحكم منذ ثاني وزارة أقيمت بالبلاد منذ العام 2005 وعملت على تكريس مجموعة من السياسات التي ساهمت بقوة في حرف العراق عن إقامة الدولة المدنية الديمقراطية والعلمانية التي ادعى المحتلون الأوباش إقامتها بالعراق قبل بدء الحرب وخدعوا شعوبهم والشعب العراقي بذلك. فقد سمحت عملياً قوات الاحتلال على الكثير من العوامل التي تمزق الدولة والنسيج الوطني والاجتماعي للشعب العراقي وتفرق صفوفه، منها على سبيل المثال لا الحصر:
** السماح بقيام الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية الطائفية بإنشاء مليشيات طائفية مسلحة تمارس السلطة الفعلية في المدن العراقية وتستخدم أقسى أشكال انتهاك حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وإرهاب الناس وتركيعهم لإرادتها، ولاسيما ضد المواطنات والمواطنين المسيحيين والصابئة المندائيين في الوسط والجنوب وبغداد، وفيما بعد بالموصل أيضاً. وكأن سلطات الاحتلال كانت تريد المساهمة في تدمير الموزائيك القومي والديني بالعراق.
** كما لم تعمل الكثير وعلى وفق أسس سليمة في مواجهة العمليات الإرهابية لقوى إرهابية سنية من العراق ومن الدول العربية ودول ذات الأكثرية المسلمة المدعومة من قوى إسلامية سياسية سنية قاطعت الحكم ثم التحمت فيما بعد بقوى النظام لتمارس تخريب الدولة ونشر الإرهاب والفساد والقتل بالبلاد. لقد كانت تكالح بيد وتدعم بيد أخرى تلك القوى لتمارس التخريب بالبلاد.
** ونشط رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري، وتحت أنظار سلطة الاحتلال الأمريكي–البريطاني، في تحويل وزارة الداخلية ووزارة الأمن الوطني إلى وكر حقيقي للمليشيات الشيعية وتعزيز دور ميليشيات معينة في الحياة اليومية، وفي السلك الدبلوماسي بالتنسيق مع القيادات الكردستانية، واستخدام المعتقلات للتعذيب الشرس والجنوني.
** ورغم ولوج الدور الإيراني مبكراً إلى العراق بعد إسقاط الدكتاتورية مباشرة وبالتنسيق مع الأحزاب والقوى والمليشيات الشيعية، ولاسيما "منظمة بدر" التي كانت تدار من قبل قاسم سليماني مباشرة، فأنها ومنذ مجيء الجعفري للحكم وفيما بعد في عهد نوري المالكي، قد عززت مواقعها بتوسيع قاعدة وعدد المليشيات الشيعية المسلحة والإذاعات وعدد قنوات التلفزة الممولة إيرانياً وعدد المسلحين والضباط من جيش المقدس الإيراني والحرس الثوري في المليشيات الشيعية وعدد الجواسيس وقوى الأمن الإيرانية ومكاتبها السرية بالعراق، وكذلك دورها الاقتصادي والتجاري، وفي تنشيط العزاءات الحسينية وتمويلها وزيادة البدع الممارسة فيها واستخدامها لمصلحتها الطائفية المقيتة والهيمنة على عقول الناس البسطاء وبدعم من قيادة الحكم والأحزاب الشيعية مباشرة. لقد سيطر الإيرانيون على الحكم العراقي كلية في فترة حكم نوري المالكي المستبد بأمر إيران ومصالحه الشخصية والعائلية من خلال الأحزاب الشيعية وبعض القوى والأحزاب الكردية. كل هذا كان يحصل تحت سمع وأنظار قوات الاحتلال الأمريكية.   
** تدخل المرجعية الدينية الشيعية بفظاظة وإلحاح كبيرين وتوزيع عمل بينها وبين الأحزاب الشيعية وقوى الحكم بإيران لتعزيز وجود وأقدام القوى الشيعية الطائفية السياسية في الحكم وفي التشريعات العراقية من خلال الدعوة لدستور متعجل جديد وانتخابات نيابية جديدة، مما فسح في المجال لهيمنة القوى الطائفية السياسية على البلاد وصدور دستور عراقي أعرج وأعوج وطائفي المنحى وحمال أوجه مشوه. وساعد هذا على تحرك مقابل من جانب شيوخ الدين السنة في الداخل ومن العالم العربي لمواجهة النفوذ الشيعي الداخلي والنفوذ الإيراني من جانب السعودية وتركيا والخلج العربي وسوريا. وحوّل هذا الوضع العراق إلى ساحة صراع إقليمية وقتال بين المليشيات المسلحة السنية والشيعية، حيث يموت الناس الأبرياء بالجملة وعلى الهوية وبصيغ مختلفة بما في ذلك التعذيب وسلخ الجلود والاختطاف والقتل الجماعي عبر الانتحاريين والعربات المفخخة والمحاكم التي كانت تمارسها المليشيات الطائفية المسلحة.
** وقد كان هدف الاحتلال الأمريكي والإيراني والقوى الرجعية الداخلية والخارجية إضعاف القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية العراقية من خلال العمل على ربط الدين بالدولة وبالسياسة وتمويل القوى الإسلامية السياسية من خزينة الدولة ومن إيران أو من دول عربية أخرى ومن السحت الحرام، تلك الأموال المسروقة من خزينة الدولة العراقية ومن إيرادات النفط الخام أو نهب النفط الخام ذاته وتصديره بصورة غير شرعية ودون رقابة من أحد وشارك فيها جميع حكام العراق من العرب والكرد.
** وأصدر النظام السياسي الطائفي والمحاصصي العديد من القوانين الرجعية والمتجاوزة على حقوق الإنسان وحقوق القوى السياسية الأخرى وعلى المواطنين والصحفيين والسيطرة الكاملة على الإعلام الرسمي لصالح القوى الطائفية وحكومة نوري المالكي.
** وأصبح العراق يمتلك حكماً رثاً تقوده فئات اجتماعية رثة وتتبنى فكراً رجعياً رثاً وحياة اجتماعية واقتصادية وثقافية رثة في المدن العراقية، إضافة إلى أصبحت المدن العراقية مليئة بالنفايات وتحولت بغداد على واحدة من أقبح المدن في العالم.
** وإذا كانت حكومة الإقليم قد عمرت المدن ووسعت الشوارع وأقامت الجسور والحدائق والمنتزهات ودور السكن والعمارات، فأن الحكومة الاتحادية ابتعدت حتى عن هذه الخدمات الأساسية والطاقة الكهربائية ومشاريع المياه، ولم يكن همها سوى نهب العراق وكأنه سفينة آيلة إلى الغرق.
** ولكن الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ابتعدتا سوية عن التنمية الاقتصادية والتخلص من وحدانية الاقتصاد الريعي المعتمد على موارد النفط المالية، وبعيداً عن التنمية الصناعية والزراعية، إضافة إلى ابتعادها عن بناء الإنسان العراقي على وفق الأسس العلمية في التربية والتعليم والتثقيف، بل واصل التعليم تخلفه من حيث البرامج والمحتوى، وخضوعه في العراق الاتحادي لفكر ديني طائفي متخلف وتمييزي ضد اتباع الديانات والمذاهب الأخرى.
** لقد تعطلت إرادة الشعب وصودرت حقوقه وأسيء استخدام السلطة بفظاظة لصالح الفئات الحاكمة ومن هم من حولها وأقاربها وأصبحت الوزارات والوظائف والامتيازات لهم وليس لغيرهم. وإذا كان الجعفري قد بدأ بممارسة سياسات تمييز ديني ومذهبي شرسة ومفضوحة، فأن نوري المالكي جعلها الشكل السائد في الحكم وإلى جعل الفساد المالي والإداري نظاماً سائداً بالبلاد تمارسه الدولة بسلطاتها الثلاث ويمارسه المجتمع بالرغم منه، كما أصبح التمييز ضد السنة بشكل صارخ مما أدى إلى انتفاضة المجتمع في محافظات صلاح الدين والأنبار وإلى تذمر كبير جداً في الموصل قاد إلى تغلغل قوى القاعدة ومن ثم وليدها الإجرامي الجديد داعش وبدعم من قوى ودول الجوار وعلى الصعيد الدولي. وانتهت باجتياح هذه المحافظات عملياً قبل اجتياح الموصل من جانب عصابات داعش المجرمة ومن ثم بقية مدن وقرى وأرياف محافظة نينوى.
** وخلال فترة الحكم لم يعمد النظام الطائفي ببغداد إلى معالجة القضايا العالقة والمناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وجرت محاولات للمساومة بين الحكومتين بهدف إبقاء نوري المالكي في السلطة مقابل تنازلات غير مشروعة وبعيداً عن الحل الشرعي على ضوء المادة 140 من الدستور العراقي، أو التخلف عن إصدار قانون عراقي للنفط. ولم تكن الإعاقة من جانب الحكومة الاتحادية وحدها بل من جانب حكومة الإقليم ايضاً. وقد قادت هذه إلى إشكاليات جديدة بين الحكومتين الاتحادية وحكومة الإقليم، وعلى حساب الشعبين والقوميات الأخرى.   
** وفي فترة حكم المالكي غصّت السجون العراقية بالمعتقلين والمشتبه بهم كإرهابيين وانتشر المزيد من المخبرين السريين والعيون والجواسيس وتحولت الدولة على دولة بوليسية شرسة. ومارس الحكم سياسة التعذيب في دهاليز أجهزة الأمن والسجون الخاصة وتكررت الحالة التي كان يعيش العراق تحت وطأتها في ظل نظام صدام حسين، وارتفعت شكوى أهالي السجناء والمعتقلين بحسم قضاياهم دون مجيب لنداء العائلات.
** واتخذ القضاء العراقي موقفاً متحيزاً وبشكل صارخ في صالح الحكومة وتحت امرتها بما أسيئ للقضاء العراق واستقلاليته ودوره المنشود في مثل هذه الأوضاع. وصدرت قرارات مخالفة للدستور العراقي، ومنها الموافقة على منح المالكي ولاية أخرى في حين كان فوز القائمة العراقية التي يترأسها الدكتور اياد علاوي هي الفائزة فعلياً. لقد لعب القضاء العراقي، ورئيسه دوراً ملموساً في سرقة أصوات الشعب حين حكم لصالح نوري المالكي بالضد من نتائج التصويت النهائية. كما لم يلعب القضاء ولا الادعاء العام دورهما في موضوع السجناء السياسيين والنهب والسلب لأموال العراق واتهم بالمشاركة في كل ما يحصل بالعراق من إساءات وتجاوزات كبيرة على الدستور رغم سوءاته.   
** وتدخل رئيس السلطة التنفيذية بفظاظة وخارج الأطر الدستورية والقانونية بشؤون الهيئات المستقلة ولاسيما البنك المركزي، حيث أمر باعتقال المحافظ ونائبه وتقديمهم للمحاكمة مع عدد من الموظفين، بسبب رغبته في السيطرة على الملك المركزي والتصرف بالاحتياطي من العملات الصعبة. وكذلك التدخل في مفوضية الانتخابات بشكل ظ وهي القائمة على أساس المحاصصة الطائفية والأثنية بخلاف ما ورد بالدستور، وكذلك شبكة الإعلام العراقية وتحويلها إلى جهاز خادم للحكم وسياسة الحاكم المستبد بأمره.
** وكان من أسوأ الأمور التي عانى منها الشعب هو النقص في الخدمات وخاصة الطاقة الكهربائية التي وجهت لها المليارات ولم تنفع، إض نهب أغلب تلك المليارات ودخلت في جيوب الوزراء المسؤولين ومن كلفوا بالمهمات وشركاؤهم، مما دفع الشعب برفع شعار" باسم الدين باگونه الحرامية، وباسم الله هتكونه الشلاتية"! 
 إن كل ذلك وغيره حرك الشارع العراقي بعد أن تسلم نوري المالكي الولاية الثانية لمجلس الوزراء العراقي وبمساومة بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، والأحزاب الشيعية والتحالف الكردستاني من جهة أخرى، مع قبول واضح من جانب القوى القومية والقوى السنية بتنازلات لقاء وعود كاذبة من جانب نوري المالكي وعلى حساب مصالح الشعب. وكان الحراك عام 2011 ببغداد ومدن أخرى مطالباً بالخدمات الأساسية ولاسيما الكهرباء، ومحاربة الفساد والإرهاب. وبدلاً من أن يصغي الدكتاتور الجديد لصوت المتظاهرين والعقل، بدأ بتشويه سمعة المشاركين في المظاهرات واستخدام القوة والعنف والسلاح لتفريق المظاهرات، وكذلك في ضرب التحركات في الفلوجة وعموم الأنبار وصلاح الدين. مما عمق الهوة ووسع قاعدة التذمر التي تفجرت فيما بعد.
لقد مارس نوري الملكي، وبدعم من التحالف الوطني للبيت الشيعي والقيادة الإيرانية أحط الأساليب القمعية في قمع وتفريق المتظاهرين من خلال قطع الطرق والجسور والقيام بحملة اعتقالات وممارسة التعذيب والتهديد، حتى قتل غيلة العديد من الشخصيات السياسية والمدنية العراقية وفي فترات مختلفة. وبعد الاجتياح الداعشي للموصل وهروب القوات المسلحة العراقية بقرارات لا يمكن إلا أن تكون من أعلى سلطة بالبلاد، من رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، أجبر المالكي وتحت ضغط الشارع والقوى السياسية النظيفة على ترك الحكم لزميل له في قيادة حزب الدعوة حيدر العبادي.
إن هذه الفترة من حكم العراق تميزت بانتهاك فعلي ومرير لحقوق الإنسان وحقوق القوميات واتباع الديانات والمذاهب، لقد داس الحكم بقيادة الملكي على حقوق وكرامة وإنسانية الفرد العراقي. لقد عمق شقة الخلاف بين القوميات وأتباع الديانات والمذاهب وترك الديمقراطية والمدنية اميالاً خلفه وأعاد الاستبداد واللاشرعية في حكم البلاد.، وسمح بالتدخل الإيراني الخارجي بقوة في الشؤون العراقية. 
انتهت الحلقة الرابعة وتليها الحلقة الخامسة والأخيرة.   







 
     
   

29
العراق والموقف الحضاري من المبادئ والقيم الإنسانية!
الحلقة الثالثة
السلوك الاستبدادي والمشين إزاء المبادئ والقيم الإنسانية الحضارية
من يتتبع تاريخ الثورات بالعالم سيجد، إنها حصلت ليس بناء على رغبات ذاتية بل لضرورات موضوعية أولاً، وغالباً ما اقترنت بمسألتين مهمتين هما: الفرحة العارمة التي تصيب الغالبية العظمى من المجتمع بأمل التغيير والتجديد والتخلص من حكومات عرضتها للكثير من الحيف والظلم مثلاً من جهة، وارتكاب تجاوزات وخروقات لا يمكن في الغالب الأعم تجاوز بعضها على الأقل من جهة أخرى، ثانياً. وغالباً ما تقع مثل هذه التجاوزات ضد عناصر وقوى من النظم السابقة لأسباب ترتبط بمستوى الحقد والكراهية الذي يجتاح الناس بعد سقوط الفئات الحاكمة السابقة والرغبة الجامحة والسلبية التي تنتاب الناس بسبب سياسات تلك العناصر أو القوى التي حكمت وأساءت للمواطنات والمواطنين وأتباع القوميات أو أتباع الديانات والمذاهب أو الاتجاهات الفكرية الأخرى أو غالبية المجتمع. ويمكن أن نتابع هذه الحالة منذ قيام الثورة الفرنسية في 14 تموز/يوليو 1790 حتى الوقت الحاضر. وهذا ما حصل بالعراق أيضاً حين نجح الضباط الأحرار بالتحالف مع جبهة الاتحاد الوطني، في إسقاط النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري في انتفاضة الضباط الأحرار، ومن ثم ثورة 14 تموز/يوليو 1958.
لقد اقترنت الفرحة العارمة لغالبية الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه وأغلب اتجاهاته الفكرية والسياسية من جهة، وبغضب عارم ضد عناصر وقوى حاكمة في العهد الملكي من جهة أخرى. وقد حصل كل ذلك في الساعات الأولى لانطلاق الانتفاضة العسكرية مباشرة وعبر فوضى عارمة شملت شوارع بغداد، والمدن الأخرى. ولكن ما حدث ببغداد لم يحدث بالمدن العراقية الأخرى. وفي الوقت الذي حققت الثورة الكثير من المنجزات الوطنية والديمقراطية في الفترة الأولى من عمر الثورة، اقترن ذلك بممارسات وتجاوزات فظة على الإنسان وكرامته، ومن ثم حصول انتكاسة فعلية في مسيرة ونهج الثورة ثانياً. فقد اُرتكبت الكثر من المعاصي والتجاوزات الفظة على الفرد، حيث قتل وسحل بالأرض بعض كبار المسؤولين من الحكم السابق، كما حصل مع الوصي على العرش عبد الإله بن علي، ورئيس الوزراء نوري السعيد وابنه صباح نوري السعيد. ثم شكل رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم "محكمة الثورة" التي بدأت بمحاكمة رجال العهد السابق، والتي كانت سابقة في هذا المجال. إذ لم يكن ضرورياً تشكيل محكمة عسكرية، بل كانت القوانين العراقية كافية لذلك، ثم تميز مجرى عمل هذه المحكمة بضعف الالتزام بالقوانين والتقاليد المرعية في المحاكمات الدستورية وبسلوك غير قانوني، إذ غاب عن جلسات المحاكمات احترام كرامة الإنسان المتهم وحقه الكامل في الدفاع الحر عن نفسه وعبر محاميه ودون أي ضغط أو تعذيب يتعرض له اثناء التحقيق، وأياً كانت الجرائم التي يمكن أن يكون قد ارتكبها المتهم، إذ أنه يبقى بريئاً حتى تثبت إدانته. وما حصل كان معيباً من تلك العناصر والقوى التي مارست التعذيب أثناء التحقيق.
كانت المنجزات التي تحققت في صالح الناس وباتجاه إعادة بعض الحقوق التي غيبت عن الإنسان العراقي للممارسة الفعلية وفي المجالات السياسية واقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك بعض حقوق المرأة المغدورة. ولكن الثورة لم تستمر طويلاً باتجاه الحياة الدستورية، المدنية والديمقراطية، إذ انتكست لعامل مهمة، نشير إلى أبرزها في الآتي والتي تندرج ضمن التجاوز على حقوق الإنسان والشرعية الديمقراطية:
1. إمساك العسكر بالحكم عبر الحاكم الفرد وعدم موافقته على تسليم الحكم إلى المدنيين والأحزاب التي ساهمت بالثورة، ورفض الموافقة على وضع دستور دائم للبلاد، يعتبر بمثابة عقد اجتماعي ملزم بين أفراد المجتمع وقومياته ويلتزم به الجميع.
2. اتسام العراق بضعف التقاليد والحياة الديمقراطية الحضارية، والتي كانت تتجلى في نظرة ووعي وسلوك وممارسات الفرد والأحزاب والقوى السياسية والفرد في آن واحد، إضافة إلى سيادة الفوضى، بسبب ضعف فهم المجتمع بعمق ومسؤولية لمفهوم ومضمون الحرية والحياة الديمقراطية، ولدى أغلب، إن لم نقل كل الأحزاب العراقية حينذاك وبمستويات مختلفة.
3. الصراعات التي نشبت بين القوى والأحزاب السياسية وعجز الحكم عن إدارة هذه الصراعات بروح ديمقراطية إضافة إلى محاولة الاستفادة منها لصالح الحكم الفردي بالبلاد. ويمكن الإشارة هنا إلى احداث الموصل وكركوك، أو المشكلات والخلافات بين الحكومة المركزية والقيادة الكردية والحزب الديمقراطي الكردستاني، والتي كان في مقدور الحكم تجنيب البلاد تلك النزاعات في كل الأحوال.
4. كما لعب تشكيل المقاومة الشعبية لحماية الجمهورية، وعلى وفق ضعف الوعي السياسي حينذاك، دوراً سلبياً في حماية حقوق الإنسان وكرامته، من خلال الأساليب غير الديمقراطية التي مورست من جانب جزء من أعضاء المقاومة الشعبية أو المحسوبين عليها.
5. ممارسة بعض القوى البعثية والقومية وقوى إسلامية سياسية لعمليات اغتيال لعناصر شيوعية وديمقراطية، إضافة إلى محاولات تنفيذ انقلابات عسكرية أو التصدي للخصوم بأساليب تميزت بالعنف والشراسة والتي أضرت بالثورة وقواها واستفاد منها من كان يريد إسقاطها، لأنه ساهم في خلق الأجواء المناسبة لتدهور الحياة الديمقراطية النسبية التي برزت في بداية الثورة.
6. ولا شك في أن للعالم الخارجي، الإقليمي والدولي، دوره البارز في هذه الانتكاسة لمسيرة الثورة.
إن عوامل انتكاسة الثورة حرثت الأرضية الصالحة للانقلاب العسكري على الثورة وحكومتها في الثامن من شباط 1958 والذي تميز بالعنف والشراسة البربرية، إذ مورس عنف فاشي وقتل هادف ومنظم وعشوائي في آن واحد. لقد فرض انقلاب 8 شباط/فبراير تعطيلاً كاملاً لدولة القانون ومصادرة كاملة لحقوق الإنسان وسيادة شريعة الغاب لثمانية شهور حتى سقوط هذه الانقلاب بانقلاب عسكري أخر في الربع الأخير من العام ذاته.
ولهذا فقد تميزت هذه الفترة والفترة اللاحقة بغياب أي التزام فعلي أو حتى نسبي بحقوق الإنسان وبالقيم والمعايير الإنسانية والحضارية. فقد شهدت هذه الفترة امتلاء السجون بالمعتقلين والسجناء السياسيين وممارسة أبشع أشكال التعذيب الهمجي الذي غالباً ما يموت الإنسان تحت وطأته. وأبرز أربع مسائل في هذا الصدد نشير إليها فيما يلي:
1. صدور البيان رقم 13 لسنة 1963 عن مجلس قيادة الثورة وهذا نصه:
"إلى الشعب العراقي الكريم
نظراً لقيام الشيوعيين العملاء شركاء عبد الكريم قاسم في جرائمه بمحاولات يائسة لأحداث البلبلة بين صفوف الشعب وعدم الانصياع إلى الأوامر والتعليمات الرسمية فعليه يخول آمرو القطعات العسكرية وقوات الشرطة والحرس القومي بإبادة كل من يتصدى للإخلال بالأمن وإننا ندعو جميع أبناء الشعب المخلصين بالتعاون مع السلطة الوطنية بالإخبار عن هؤلاء المجرمين والقضاء عليهم" (راجع: نوري عبد الحميد العاني وصحبه، تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري، الجزء السادس، ط 1، بغداد، المطبعة العربية، 2002، ص 27). وقد اعطى هذا البيان الحق المطلق للحرس القومي والأجهزة الأمنية والقوات المسلحة وأعضاء حزب البعث بقتل الشيوعيين والديمقراطيين وأنصار عبد الكريم قاسم حيثما وأينما وجدوا بتهمة مقاومة الانقلاب.
2. فتح قصر النهاية (قصر الرحاب سابقا) كمعتقل مركزي لتعذيب المتهمين، ومعتقلات وسجون أخرى، إضافة على تحويل النوادي الرياضية، كالنادي الأولمبي، لممارسة التحقيق والتعذيب للمعتقلين، وحيث سقط الكثير من قيادات الأحزاب والعناصر الديمقراطية وأنصار عبد الكريم قاسم شهداء تحت التعذيب، ولاسيما قادة الحزب الشيوعي العراقي.
3. قطار الموت، الذي حمل 520 عسكرياً عراقياً بمراتب مختلفة من بغداد إلى السماوة بهدف إعدامهم في سجن "نقرة السلمان الصحراوي" كادوا يموتون جميعاً في تلك العربات الحديدة التي كانت مخصصة للشحن، لولا هامة سائق القطار وسكان السماوة النشامى الذين أنقذوا حياتهم، ما عدا خسارة شهيد واحد.
4. التجاوز اليومي الفظ على الناس وممارسة الإرهاب دون سبب، لاسيما وقد جُند في الحرس القومي البعثي صبية لم يتجاوزا سن الرشد كانوا يحملون البنادق الرشاشة ويتجولون في الشوارع برعونة وصبينة ويهددون الناس ويرمون من بنادقهم بصور عشوائية، مما رفع من حالة التذمر الشعبية، وحانت الفرصة للقوى القومية الحليفة بتنظيم الانقلاب الذي خفف من توتر الشارع العراقي نسبياً.
5. الهيمنة الكاملة على الحياة السياسية وحرمان الأحزاب من حرية التنظيم والعمل المشروع ومصادرة حرية الصحافة ومنع الصحف الحرة والمستقلة والحزبية غير الموالية مباشرة لحزب البعث من العمل واعتقال الصحفيين وتعريضهم للإرهاب والتعذيب.
6. وأخيراً كانت الحرب التي أعلنت ضد القيادة الكردية، حليفتهم في انقلاب 8 شباط/فبراير 1963، وزج المزيد من القوات المسلحة في تلك الحرب الشوفينية.
لقد سقطت خلال حكم البعث والقوميين العراقيين العرب كل الحقوق والقيم الإنسانية خلال الفترة بين شباط 1963 ونوفمبر من العام ذاته، كما لم يستطع الشعب استرداد حريته وحياته الديمقراطية في ظل الحكم القومي، رغم حصول بعض التخفيف من غلواء البعث في إرهاب الشعب وقتل الخصوم والمعارضين.
إسقاط الحكم القومي وقيام الحكم البعثي ثانية
بين 17 تموز/يوليو 1968 نفذ البعثيون وحلفاؤهم من القوميين المشاركين في الحكم انقلاباً في القصر الجمهوري وأزيح عبد الرحمن عارف من رئاسة الجمهورية واعتقل بقية الجماعة الحاكمة ومؤيديها. وبعد مرور أسبوعين على هذا الانقلاب، نفذ البعثيون انقلاباً على حلفائهم القوميين في الثلاثين من تموز/يوليو من العام نفسه. وقد مارس البعثيون حملة إرهابية شرسة ضد القوميين العرب العراقيين فاعتقلوا المئات منهم ولاسيما الذين كانوا في السلطة أو في قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي والكثير من المسؤولين العسكريين والمدنيين وأذاقوهم مرّ العذاب في السجون والمعتقلات والتي يصعب تصورها، إلا فيما مورس في العام 1963 في قصر النهاية ذاته ضد الشيوعيين والديمقراطيين، فيما عدا أنهم لم يقتلوهم تحت التعذيب، ولكن أسقطوا كل ما يمكن أن يمت للكرامة الإنسانية من صلة. كما اعتقلوا الكثير من أعضا حزب البعث (اليسار) من مؤيدي القادة القومية البعثية السورية، ومارس ذات الأساليب معهم في التعذيب.
وعلى امتداد حكم البعث، ورغم التحالف مع حزب البعث من جانب الحزب الشيوعي العراقي، لم يكف حزب البعث عن تصفية خصومه ومعارضيه بسبل شتى، ثم انتقل ليصب جام غضبه الكرد والشيوعيين. وحين صفى عملياً من الساحة السياسية جل خصومه من كل القوى والأحزاب السياسية، بمن فيهم الجماعات الدينية التي تحالفت معه في انقلاب 1963 وأعطته المؤسسة الدينية الشيعية قبل الانقلاب، وعلى رأسهم الرجعي الديني الشيعي "محسن الحكيم"، فتوى يحق بموجبها إهدار دم الشيوعيين باعتبارهم ملحدين والتي جاء فيها: "لا يجوز الانتماء للحزب الشيوعي فأن ذلك كفر وإلحاد"، كما أعطى فتوى مماثلة في المضمون الشيخ نجم الدين الواعظ من شيوخ المذهب السني، وكذلك الشيخ محمد مهدي الخالصي من شيوخ المذهب الشيعي. وقد أُبطلت هذه الفتاوى فيما بعد، بسبب جموحها اللاإنساني وسماحها بهدر دماء الآلاف من أبناء ونات العراق. (راجع: رشيد الخيون، قصة تعطيل فتاوى كادت تهدر دماء آلاف الخُصَماء السياسيين، الشيخ العلواني في كتابه «إشكالية الردة والمرتدين»: الإسلام دين تزكية وتطهير لا دين تكفير، موقع أيلاف، العدد 9613 في 24أذار/مارس 2005).
لقد فرض حزب البعث نظاماً استبدادياً باسم الحزب أولاً، وبشكل فردي مطلق لاحقاً، ونظاماً شوفينياً مناهضاً للقوميات الأخرى، ومطارداً لكل الاتجاهات الفلسفية والفكرية الأخرى، ثم صادر عبر أجهزة أمنه ومنظماته الجماهيرية وحزبه والقوات العسكرية أمن وحرية وحقوق المواطنات والمواطنين بشكل كامل، ولاسيما من تبقى منهم بالعراق من معارضين لسياسات البعث الدموية. وأخيرا وبعد أن صفا الجو السياسي له بدأ بسياساته التوسعية والعسكرية بحربه ضد إيران التي دامت ثمانية أعوام عجاف ومجنونة، ثم غزا الدكتاتور صدام حسين الكويت، وتسبب في حرب الخليج الثانية 1991 والثالثة 2003، التي أنهت وجود هذا النظام بالعراق. كما بدأ بشكل مبكر في عملية قهر وتصفية حركة التحرر الكردية وشن حروباً ظالمة ضد الشعب الكردي في أعوام 1969 و1974 و1981 التي تواصلت طيلة سنوات الحرب العراقية الإيرانية وتفاقمت حين نفذ النظام عمليات الإبادة الجماعية واستخدام الكيماوي ضد الشعب الكردي بين شباط/فبراير- تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1988. كما نفذ النظام عملياته العسكرية الدموية في وسط وجنوب العراق وإقليم كردستان العراق بعد انكساره في حرب الخليج الثانية في العام 1991.
لقد داس النظام بقيادة صدام حسين على لائحة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة كافة ومرغ كرامتهم بالتراب، وداس الدكتاتور على كل القيم والمعايير الإنسانية والحضارية بأقدامه. وتحول العراق إلى سجن كبير يضم سجوناً ومعتقلات علنية وسرية كثيرة جداً وضع فيها عشرات الألاف من السجناء والمعتقلين من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، وقتل فيها أيضاً المئات من المعتقلين الرافضين لنظامه الدموي. وتعرض الشعب في فترة حكمه إلى الحصار الاقتصادي الدولي الظالم الذي مارسته الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي على الشعب العراقي عملياً وليس ضد الفئة الحاكمة. وقد دام هذا الحصار قرابة 13 عاماً تعرض فيها الشعب لأبشع عملية تجويع وإهانة وإساءة للكرامة طويلة الأمد، فقد فيها عشرات الألوف من الناس حياتهم بسبب الجوع أو نقص الأدوية أو غياب العناية الصحية، وهي كلها مصادرة لحق الإنسان في الحياة والحصول على الغذاء والأدوية المعالجة الطبية.
لقد مارس سياسة مصادرة تامة وكاملة لحرية التنظيم الحزبي وإقامة منظمات مجتمع مدني غير بعثية وصادر حرية الصحافة والصحفيين بالكامل، ولم يبق من الصحفيين في الساحة الفعلية العلنية إلّا العناصر المطبّلة لحزب البعث والمسبحة بحمد الدكتاتور، أو تلك التي استخدمت لغة "كليلة ودمنة" في نقد الوضع ولم تسلم أيضاً من سيف الجلاد. لقد كف الآباء الحديث بالسياسة أمام الأبناء والبنات خشية وصول الخبر إلى السلطات ويتعرضون للموت المحقق. لقد سادت أجواء مظلمة حيث وجد عشرات الألوف من العيون والمخبرين السريين والجواسيس العاملين في أجهزة الأمن والاستخبارات والمخابرات العراقية في كل مكان وأصبح الخوف عاماً وشاملاً، حيث يمكن أن يتعرض المواطن على انتقام النظام بسبب انتقاد معارضيه أو غير الموالين له، حتى انتشر قول صدام حسين: "كل العراقيين بعثيون وإن لم ينتموا"، كما انتشر قول بأن الإنسان العراقي لا ينجو من غضب النظام حتى لو حلم بمعارضة النظام! لقد شكل صدام حسين عدة أجهزة أمنية على المستوى الداخلي يراقب بعضها الآخر وخيوطها كلها بيد صدام حسين. لقد اقام صدام حسين نظاماً دكتاتورياً أوتوقراطياً مريعاً، دام ما يقرب من 35 عاماً ولاسيما الفترة الواقعة بين 1979-2003.
لقد جسدت فترتا حكم البعث الأولى 1963 والثانية 1968-2003 الدكتاتورية والشوفينية والعنصرية والتعريب والتهجير القسريين من جهة، والظلم والاضطهاد ومصادرة كاملة لكل الحقوق من جهة أخرى، وسيادة الفساد وهدر أموال البلاد من جهة ثالثة، والعسكرة والتوسع على حساب الدول المجاور وخوض الحروب الداخلية والخارجية من جهة رابعة، وإسقاط الجنسية عن أكثر من 400000 إنسان كردي فيلي وعربي شيعي من الوسط والجنوب من جهة خامسة، وعرض معارضيه من أهل السنة في القوات المسلحة والمدنيين الضيم والجور والتعذيب من جهة سادسة، وسادت البطالة والحرمان والجوع بين نسبة عالية جداً من سكان العراق أيضاً. إنها فترات حكم ضال ودموي مرير، إذ لم سعد للإنسان العراقي أي قيمة وكرامة إنسانية وحقوق.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الحزب الشيوعي العراقي، الذي تعرض إلى أبشع صنوف الإرهاب والتعذيب والقتل على ايدي الحكم البعثي وأجهزته الأمنية والحزبية والجماهيرية في العام 1963 وفي بدية مجيء البعث إلى السلطة ثانية في العام 1968 و1870/1971، كان المفروض أن لا يتحالف مع هذا الحزب في العام 1973 رغم التغيير الذي برز في سياساته حينذاك والتي لم تكن أصيلة ومبدئية، بل استمر حزب البعث بمطاردة بقية القوى السياسية في فترة التحالف، ومن ثم ضد أعضاء وكوادر وقيادات الحزب الشيوعي العراقي، وبالتالي فأن الحزب الشيوعي لم يحترم حقوق الإنسان والقيم الإنسانية الحضارية في تحالفه مع حزب البعث، رغم تقديمه احتجاجات أو مذكرات انتقاد واعتراض إلى قيادة حزب البعث ومجلس قيادة الثورة على تلك السياسات اللاإنسانية والمنافية لمبادئ حقوق الإنسان. وفي الفترة الواقعة بين 1977-1981 على نحو خاص تعرض الحزب الشيوعي إلى حملة هستيرية من جانب النظام البعثي حيث اعتقل عشرات ألوف الشيوعيين وأصدقاء الحزب ومؤيدوه وقتل الكثير منهم تحت التعذيب، كما أجبر الألوف على مغادرة العراق أو تشكيل حركة الأنصار الشيوعيين والالتحاق بها في جبال وأرياف كردستان الالتحاق والمشاركة مع بقية قوات الپيشمرگة الكردستانية في النضال ضد الدكتاتورية الغاشمة ببغداد.
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة والأخيرة.
       
     
 

30
رابط الحملة لا للحرب .. نعم للحوار الديمقراطي والسلام

http://ehamalat.com/Ar/sign_petitions.aspx?pid=967

31
كاظم حبيب
العراق والموقف الحضاري من المبادئ والقيم الإنسانية!
الحلقة الأولى
تؤكد لوائح الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومؤتمراتها الدولية منذ أن صدرت لأول مرة اللائحة الدولية لحقوق الإنسان في العاشر من شهر كانون الأول/ديسمبر 1948 وما صدر بعد ذلك من مواثيق وعهود دولية بشأن الاعتراف بهذه المبادئ وممارستها وحماية كرامة الإنسان وحقوقه، بما في ذلك الحق في الحياة والعمل، وحقوق القوميات وحقوق المرأة والطفل والسجناء والعيش في بيئة نظيفة ...الخ، بأن هذه المبادئ والقيم والحقوق لا تتجزأ، فهي كلها سلة واحدة يستكمل بعضها البعض الأخر، ويعتمد على مستوى وعي الشعب وفهمه لها في مدى قدرته على تحقيقها وحمايتها ومستوى نضاله في سبيل منع الحكام من الإساءة لها أو تقطيع أوصالها وممارسة الانتقائية في ممارستها. وقد صدرت هذه اللائحة الدولية بعد مرور 159 سنة على دور صدور "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" في العام 1789 باعتباره واحداً من أهم وثائق الثورة الفرنسية، فهو يمس الحقوق الفردية والجماعية وشكل الأرضية الفكرية الصالحة لنضال الشعوب الأخرى في سبيل تأمين ممارسة تلك الحقوق وقاعدة للائحة الدولية.
والإنسان الحضاري الواعي لوجوده وحقوقه وكرامته يرفض الإساءة لحرية وحقوق وكرامة الإنسان الآخر أو الآخرين من البشر. وهذا ينطبق على الشعوب أيضاً، فالشعب الحر الذي يتمتع بالحرية والحياة الديمقراطية والكرامة يرفض أن يسيء لحرية وحقوق وكرامة شعب آخر، بل يتضامن معه في حالة تعرضه لأي إساءة لرفع الإساءة أو الغبن والإجحاف عنه والتعامل على أسس من المساواة، بما في ذلك حق هذا الشعب أو ذاك في تقرير مصيره بنفسه ودون وصاية من شعب آخر.
ووطننا العراقي الذي ساهمت حكومته الملكية في العام 1948 في وضع لائحة حقوق الإنسان الدولية في العام 1948 ووقعت عليها، هي أول من خرق بنود هذه اللائحة في الممارسة العملية وتجاوزت على الشرعية الدستورية والحياة الديمقراطية، وهي التي أسست فعليا لحصول تجاوزات وممارسات أفظع وأبشع في الفترات اللاحقة، حتى وصل الأمر بالحكومات اللاحقة تن ترتكب المجازر وعمليات الإبادة الجماعية والإساءة المباشرة لحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب الأخرى بالعراق.
ووطننا العراق عرف على مدى تاريخه الحديث ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 ثلاثة أنواع من البشر في مواقفهم من تلك المبادئ والقيم والحقوق من الناحية النظرية والممارسة:
1)   قوى سياسية واجتماعية ديمقراطية مقتنعة بمبادئ حقوق الإنسان وحقوق القوميات وتدافع عنها وتناضل من أجلها ولا تتصور إمكانية تجزئتها، بل هي سلة واحدة متكاملة وتميز بين التنكر لتلك المبادئ والقيم وبين سبل وأدوات ممارستها وضمان تحقيقها، بما في ذلك الحق في تقرير المصير.
2)   قوى سياسية واجتماعية تعترف ببعض مبادئ وقيم حقوق الإنسان وترفض البعض الآخر منها، بما في ذلك حق تقير المصير، وتمارس الالتزام أو عدم الالتزام بتلك الحقوق برؤية انتقائية قاصرة، منطلقة من نظرة ضيقة ووحيدة الجانب والمصلحة في الممارسة الفعلية لهذا المبادئ والقيم والحقوق. ومن بين أكثر المبادئ المرفوضة لديها حق تقرير المصير لأتباع هذه القومية أو تلك.
3)   قوى تدعي التزامها بتلك المبادئ والقيم والحقوق، ولكنها ترفض في الواقع العملي ممارستها حين تكون في السلطة بشكل خاص، وتعتبر المناداة بحق تقرير المصير انفصالاً وتجاوزا على السيادة الوطنية.
ومن يتابع ما جرى ويجري بالعراق منذ عقود سيرى بأن القوى الديمقراطية والتقدمية، ولاسيما الحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية وتقدمية أخرى، كانت وما تزال مقتنعة تماماً بمبادئ وقيم وحقوق الإنسان والقوميات، بما في ذلك الحق في تقرير المصير للقومية الكردية على سبيل المثال، أو الإدارة الذاتية لقوميات أخرى، إضافة إلى اعترافها ونضالها من أجل الالتزام ببقية الحقوق والقيم الإنسانية الواردة في اللوائح والمواثيق والعهود الدولية. إلا إن هذه القوى لم تصل إلى السلطة لتمارس هذه المبادئ والقيم فعلاً، في حين تشير المتابعة للتاريخ العراق الحديث إلى وصول ثلاث جماعات مختلفة من القوى التي تحمل أيديولوجيات قومية وإسلامية لا تعترف ولا تمارس أهم وأبرز المبادئ التي تتضمنها تلك الوائح والمواثيق والعهود وما فيهم من قيم إنسانية عامة وشاملة، وبعضها أحياناً وتحت وطأة ظروف معينة يعترف ببعضها ولكن يمارس بطريقة تجهضها بأي حال من الأحوال. ويمكن الإشارة إلى هذه القوى التي كانت أو ما تزال في السلطة ومواقفها من تلك المبادئ والقيم الإنسانية الحضارية:
أولاً: القوى المحافظة، ولاسيما الجزء الأكثر رجعية وتشدداً فيها، التي حكمت العراق في فترات مختلفة بين عامي 1921 – 1958، والتي ساهمت في وضع تلك اللائحة الأولى وصادقت عليها، ولكنها خرقتها بفظاظة، سواء أكان ذلك عبر ضرب وتحطيم المظاهرات والإضرابات بالحديد والنار واعتقال المشاركين فيها وزجهم في السجون، أم تزوير الانتخابات ضد قوى المعارضة، أم التمييز بين الذكور والإناث لصالح الذكور، أم التمييز بين أتباع القوميات وتهميش أتباع القوميات الأخرى أو الأقل عدداً، أم التمييز الديني والمذهبي، أو حتى ممارسة العنف واستخدام السلاح لقمع المطالبين بالحقوق المشروعة والعادلة ... الخ. وكان السبب وراء ذلك خليط بين السلوك الرجعي والقومي الشوفيني والمذهبي المتزمت وغياب النهج الديمقراطي في آن واحد. وكانت بعض هذه الحكومات لا تبدو متشددة في بعض مواقفها، ولكنها في المحصلة النهائية كانت تفرض على الشعب ما تريده دون احترام إرادة ومصالح الناس.
ثانياً: القوى والأحزاب ذات الأيديولوجية القومية اليمينية والمتشددة التي ترفض الاعتراف فعلياً أو تعترف شكلياً بمبادئ وقيم حقوق الإنسان، ولكنها لا تمارسها في الواقع، وتفرض أجواءً من الاستبداد الخانق بالبلاد، إضافة إلى إنها ترفض الاعتراف بحقوق القوميات الأخرى، بما في ذلك حق تقرير المصير، وحتى لو اعترفت بوجود تلك القوميات بالبلاد، فأنها تمارس التمييز والتهميش والإقصاء ضدها، مما يؤجج الصراعات والنزاعات بالبلاد. وهي تستخدم كل الأساليب والأدوات غير المشروعة من أجل كبح نضال القوميات الأخرى، ولكنها تضطهد في الوقت ذاته حقوق القومية التي تنتمي إليه، وتصادر جميع الحريات وحقوق الإنسان والحياة الديمقراطية. وخير نموذج لمثل هذه القوى، سواء في موقفها النظري أم في ممارساتها الفعلية، هي الأحزاب القومية التي تشكلت بالعراق قبل أو بعد ثورة تموز 1958، ومنها القوى التي أطلقت على نفسها بالقوى الناصرية أو حزب البعث العربي الاشتراكي، وهي قوى مارست الاستبداد والاضطهاد لقوى الشعب، ولاسيما ضد القوميات الأخرى، وكذلك ضد القوى ذات الاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى. ويمكن إيراد ما حصل في أعقاب انقلاب 8 شباط الدامي في العام 1963، أو في أعقاب انقلاب 17/30 تموز 1968 حتى إسقاط الدكتاتورية عبر الحرب في العام 2003. وقد وقعت مجازر دموية على أيدي القوى عموماً ولاسيما حزب البعث العربي الاشتراكي واجهزته الأمنية ومنظماته الاجتماعية وقواته العسكرية. وقد بروز ذلك باتجاهيين مناهضين للفكر الديمقراطي وللقوميات الأخرى، ولاسيما للشيوعيين والاشتراكيين والديمقراطيين المستقلين، وللكرد والتركمان، كما عانى أتباع الديانات والمذاهب من تمييز واجحاف واضطهاد وتهجير وتعريب للبشر والمناطق، وكذلك ما حصل للكرد الفيلية والعرب الشيعة في الوسط والجنوب وبغداد. وعلينا هنا الإشارة إلى أن ليس كل القوى القومية سقطت في مستنقع الشوفينية والفاشية والاستبداد.
ثالثاً: القوى والأحزاب ذات الأيديولوجية الإسلامية السياسية التي يتداخل ويتشابك فكرها ومسيرتها الفعلية مع الأيديولوجية القومية ذات النهج اليميني الشوفيني. فهي من جانب لا تعترف بالقوميات باعتبار أن المسلمين كلهم أمة واحدة، ولكنها حين تصل إلى السلطة تمارس الأيديولوجيتان معاً وفي غير صالح القوميات الأخرى وأتباع الديانات المذاهب الأخرى وليس أدل على ذلك ما يعيش تحت وطأته العراق منذ العام 2004 حتى الوقت الحاضر. إن هذه القوى لا تعترف بوجود قوميات أخرى، وإذا ما أجبرت عل الاعتراف بوجودها تحت ظروف وأوضاع نضالية، فإنها سرعان ما تتنكر لها وتشن حملة لمصادرتها حالما تتوفر لها الذريعة لمماسة الإرهاب والقمع. ويمكن أن نتابع ذلك في سياسات الحكم الطائفي بالعراق منذ تولي إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء بالعراق ومروراً بنوري المالكي حتى الوقت الحاضر.
إن القوى القومية اليمينية والشوفينية وقوى الإسلام السياسي الطائفية لا تعترفان بتحالفات سياسية طويلة الأمد، بل تعتبران التحالفات تكتيكات آنية غرضها الوحيد إيصالهم إلى الهدف المنشود، إلى السلطة، ثم تتنكران لأي تحالفات عقدتها مع قوى وأحزاب أخرى. كما إنهما لا تعترفان بالديمقراطية كنهج وأداة فعلية للحكم، بل تعتبرانهما أداة للوصول إلى السلطة ثم التنكر لها في التعامل مع اتباع الفلسفات والاتجاهات الفكرية والقومية الأخرى. انهما يؤمنا بأيديولوجيات ذات مضمون ووجهة استبدادية مناهضة لحرية الفكر والعقيدة ولحرية وحقوق الإنسان والقوميات ولحقوق المرأة. أنهما يشكلان كارثة على الشعب ويشكلون خطراً كبيراً على حياة الشعب وكرامته وحقوقه. وإذا كانت المجموعة الأولى تحاول التغطية على سلوكها إلى أن يستتب لها الأمر، فأن الثانية تمارس النهج ذاته ولكن تحت ما يسمى في الإسلام "التقية"، أي عملياً التغطية على الهدف الفعلي من خلال الادعاء بغير ذلك إلى حين توفر الفرصة المناسبة لتسديد الضربة المطلوبة لمن يطلق عليهم بأعداء الإسلام والمسلمين لأنهم يحملون فلسفة أو فكراً آخر، أو أعداء المذهب لمن هم من مذهب آخر، كما يمكن متابعته بالعراق منذ العام 2004/2005.                 
حين يفتقد القوميون، أياً كانوا، القناعة بمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات، يمارسون سياسات مشوهة ومؤذية لا تساهم في تأمين وحدة الشعب وتعاون أتباع قومياته أو أتباع دياناته ومذاهبه، بل يسود التمييز والتفرقة والتهميش والإقصاء والعداء، وتكون العواقب وخيمة. وهذا يمكن أن يحصل مع الإسلاميين السياسيين الذي لا يؤمنون بالديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان وحقوق القوميات، وهي مشكلة ليست جديدة، وتبرهن الحياة على سلوك هذه القوى باستمرار. وهي ليست قاصرة على العراق بل نجدها في تركيا وإيران والسعودية وجميع الدول ذات الأكثرية المسلمة، والتي تحكمها قوى إما محافظة أو قومية شوفينية أو إسلامية سياسية طائفية متطرفة.
انتهت الحلقة الأولى وتتبعها الحلقة الثانية.

32
رسالة تحية وتهنئة موجهة إلى تحالف القوى الديمقراطية العراقية (تقدم)
تحية الأخوة والنضال المشترك، تحية إلى تقدم
باسم لجنة المبادرة لدعم وحدة القوى الديمقراطية العراقية أحيي مؤتمركم ونتائجه الرائعة التي نرجو ونعمل من أجل أن ترسي "تقدم" أساساً لصالح وحدة النضال الديمقراطي من أجل عراق حر وديمقراطي موحد ومتماسك، وأن يمتد عمل تقدم إلى كل أنحاء العراق باعتباره القاعدة الديمقراطية التي يمكن أن تعبئ الشعب العراقي بكل فئاته الاجتماعية ذات المصلحة بأهداف تقدم وكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه لتحقيق التغيير المنشود بالعراق والتخلص من نظام المحاصصة من أجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية التي تعتمد على الشعب وتحقق مصالحه وتطلعاته لحياة أفضل ومستقبل أكثر ازدهاراً وعدالة. لتكن تقدم قاعدة لوحدة كل القوى الديمقراطية وتتسع لكل من يؤمن بمبادئ الديمقراطية والحرية وضد التمييز الديني والطائفية والشوفينية، أن تتسع للعرب والكرد والتركمان والمسيحيين والمندائيين والإيزيديين ولكل من يؤمن بالديمقراطية وفصل الدين عن الدولة والفصل بين السلطات واستقلال القضاء وبناء الاقتصاد الوطني العراقي وتخليصه من طابعه الريعي الاستهلاكي والمكشوف على الخارج حالياً، ورفض التدخل الخارجي في الشؤون العراقية الداخلية وسياساته الخارجية. لنعمل من أجل إيحاد حلول عملية وواقعية للخلافات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة وبرلمان إقليم كردستان العراق لصالح وحدة العراق وتقدمه وازدهاره. 
لقد تم تشكيل لجنة المبادرة المستقلة، وهي ليست بحزب أو منظمة، بهدف دعم جهود قوى التيار الديمقراطي وبقية القوى الديمقراطية والمستقلة والشخصيات الدينية العلمانية لتحقيق التعاون والتنسيق والتحالف فيما بينها لضمان السير على طريق تغيير واقع العراق الراهن. ويسعدنا تحقيق هذا التحالف الجديد، آملين أن يتم التعاون والتنسيق مع قوى أخرى يمكنها أن تكون مع "تقدم" وتلعب دوراً مهماً باتجاه تحقيق الدولة الديمقراطية العلمانية بالعراق. وسنبقى نعمل وندعم "تقدم" من أجل تحقيق هذا الهدف.
نشد على أيديكم ونعتبر أنفسنا كأفراد جزءاً منكم ونتمنى لـ "تقدم" النجاح فيما تسعى إليه في هذا الظرف العصيب والمعقد الذي يمر به الشعب العراقي بكل قومياته وفئاته الاجتماعية التي يهمهما انتصار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والعدالة الاجتماعية بالعراق. 
لجنة المبادرة لتحريك ودعم انعقاد مؤتمر القوى الديمقراطية في العراق

سلوى السعداوي، رابحة الناشئ، كاترين ميخائيل، تيسير الآلوسي، زهير كاظم عبود، ، غيث التميمي، نهاد القاضي، كاظم حبيب
29/10/2017

33
كاظم حبيب
الحوار الديمقراطي سبيل العراق الوحيد لمعالجة مشكلاته وليس الحرب!
لا للحر... نعم للديمقراطية والسلام في العراق وإقليم كردستان
سياسات التخندق والعناد ووضع الشروط أمام بدء الحوار والتصور بامتلاك الحقيقة والحق المطلق كانت وما تزال تلعب دورها السلبي في توسيع وتعميق مشكلات العراق، ولاسيما العلاقة بين الحكومة الاتحادية ورئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق. وهذه الحالة هي المسؤولة عما وصل إليه الوضع الراهن، سواء أكان قبل طرح موضوع الاستفتاء أم أثناء ممارسته أم بعد إعلان نتائجه، أم ما حصل من تحركات عسكرية لقوات الحكومة الاتحادية واستعادة سيطرتها على المناطق المتنازع عليها وقبل حصول الاجتياح الداعشي للموصل والمناطق الأخرى. كما إنها ستبقى تزيد الأمر تعقيداً ما لم يتخل الطرفان عن هذا النهج في العمل وعدم العودة والجلوس إلى طاولة المفاوضات وتجاوز تعقيدات الفترة المنصرمة بهدف قطع الطريق عن احتمال ممارسة أي شكل من أشكال القوة والعنف للوي الأذرع.
يواجه العراق سياسة متطرفة تمارسها بعض القوى الإسلامية السياسية والقومية الشوفينية المتطرفة تسعى بشكل محموم لتصعيد أجواء العداء الطائفي المتشابك مع العداء الشوفيني وجرّ قوات الحكومة الاتحادية و"الحشد الشعبي" وفصائل من قوات الپيشمرگة إلى معارك دموية تقطع الطريق عن الحلول السلمية والديمقراطية والعادلة للمشكلات القائمة بين الطرفين. ولو كان الصراع عراقي-عراقي لتم معالجته منذ فترة غير قصيرة، إلّا إنه في واقع الحال هو صراع إقليمي يرتبط بدول الجوار عموماً، ولاسيما تركيا وإيران، اللتان تسعيان بجهود محمومة لنشر الضغينة والكراهية والأحقاد والعداء والمراهنة على تدمير الطرف الأضعف، وهو أمر لا يمكن ولا يجوز الوصول إليه، بل سيُدخل العراق في حرب استنزاف داخلية مدمرة تحرق الأخضر واليابس وتجعل من العراق سوريا ثانية أو اليمن المستباح.
إن الإنسان ذو العقل الراجح والهادئ يتميز بنزوع أصيل للجلوس إلى طاولة المفاوضات ودراسة المشكلات وطرح احتمالات لحلول عدة، يمكن عبر مراجعتها المشتركة والمتكررة تقريب وجهات النظر والوصول بها إلى حلول مشتركة وعادلة يقبل بها الطرفان. والعكس صحيح ايضاً حين يبرز نزوع شديد صوب الرفض المطلق للحوار من خلال وضع شروط تعجيزية لا مبرر لها، كما تفعل الحكومة الاتحادية حالياً وبدعم من إيران وتركيا أيضاً، تمنع البدء بعقد اللقاء والحديث معاً وتشم منها رائحة وأجواء كسر عظم أو لوي ذراع، وهو ما لا يجوز حصوله في بلد متعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية كالعراق.
لقد أوصل التوتر في العلاقات وعدم معالجة المشكلات القائمة على وفق الدستور والمادة 140 منه، ولاسيما حل مشكلة المناطق المتنازع عليها وبالأخص كركوك، ولسنوات ما بعد إسقاط الدكتاتورية الغاشمة، رغم تأكيد الدستور على معالجتها حتى العام 2007، وها نحن نهاية العام 2017 ولم ينجز شيء بل جرى تعقيد أكبر للمشكلة. لقد دفع هذا الواقع برئاسة وحكومة إقليم كردستان بالدعوة إلى إجراء استفتاء لمعرفة رأي شعب كردستان بموضوع الاستقلال عن العراق. ولم يكن هذا يخص المحافظات الكردستانية الرسمية الأربع، أربيل والسليمانية ودهوك وحلبچة، فحسب، بل وشمل المناطق المتنازع عليها في كركوك وديالى وصلاح الدين ونينوى والتي كانت ما تزال لم تعالج على وفق المادة 140، بل كان المفروض أن تبقى تحت الإدارة المشتركة. ورغم اعتراضات ومناشدات وتقديم بدائل لإجراء الاستفتاء والرفض، فأن رئاسة وحكومة الإقليم والأحزاب السياسية، ليس كل الأحزاب، أصرت على إجراء الاستفتاء، وكان هذا على وفق في قناعتنا خطأ فادح ألحق أضراراً فعلية فادحة بوضع الإقليم والعراق عموماً. إلا إن هذا ليس خاتمة المطاف، وبالتالي لا بد من معالجة الموضوع بالعقل والحكمة من قبل الطرفين ولمصلحة الشعبين وبقية القوميات على وفق الدستور العراقي، وعلى وفق المادة 140 بالنسبة للمناطق المتنازع عليها. 
إن الأصوات النشاز التي انطلقت في الآونة الأخيرة مرة أخرى، وكأن ما فعلته في السابق لزعزعة الوحدة الوطنية وفتح أبواب العراق لا
جتياح الأوباش الدواعش لم يكن كافياً، لتبدأ من جديد مثيرة زوبعة من الغبار والضجيج تمنع وضوح الرؤية الواقعية للأحداث والمشكلات وسبل معالجتها وتحرم الناس من الاستماع إلى صوت العقل والحكمة والدروس المكتسبة من تاريخ العراق الحديث، ولاسيما منذ تأسيس الدولة العراقية الملكية. كما إن ما أقدمت عليه قوى الحشد الشعبي وما يشار إلى وجود قوات ومستشارين إيرانيين يمارسون مع قوى من الحشد الشعبي عمليات الانتقام من قتل وتخريب وحرق المساكن أو السيطرة على المقرات في كل من كركوك وطوزخورماتو وداقوق، قد ألزم ذلك وزير الخارجية الأمريكي أن يطالب بخروج القوات الإيرانية من العراق.
إن ما آلَ إليه الوضع بالعراق بعد الاستفتاء أشاع المزيد من القلق والريبة والشك في نفوس الناس في كل أنحاء العراق، ورغم تصريحات رئيس الوزراء العراقي بأنه لن يلجأ إلى استخدام العنف والقوة، إل إن الواقع يشير إلى شيء آخر. وما حصل من تجاوزات قوى في الحشد الشعبي في كل من كركوك وطوز وخانين وغيرها يؤكد بأن الوضع يستوجب المعالجة السريعة والجدية. إن خروج الوضع عن السيطرة ستكون له ديناميته الخطرة والمدمرة، ولن يكون في مقدور الإرادات الذاتية الطيبة إيقافه، إذ ستتدخل عوامل كثيرة على خط الصراع والنزاع لتؤجج وتطيل أمد المعارك أو الحرب والمزيد من الموتى والخراب والدمار حيث تنعق فيها الغربان. فالقتل الذي حصل في بعض المناطق ولاسيما في طوز وكذلك في داقوق أو إحراق مئات البيوت في طوز وهروب عشرات الألوف من سكان طوز وداقوق وكركوك وغيرها، لا يمكن القبول به أو التسامح معه وله عواقبه.
إن على كل القوى، التي تشعر بالمخاطر الجمة التي تلف العراق في المرحلة الراهنة، ولاسيما القوى الديمقراطية والتقدمية والعلمانية وغيرها، أن تمارس دورها المنشود لا في تخفيف التوتر بين الأطراف المعنية، بل ودفعها لإقامة علاقات جديدة على أسس رصينة وثابتة ومستقرة بعيدا عن فرض الأمر الواقع بقوة السلاح وممارسة العنف. وعلينا أن نتذكر بأن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 ما زال فاعلاً ولم يلغ حتى الآن، ويمكن أن يفعل في كل لحظة.
إن من واجب القوى والأحزاب الكردستانية أن تسعى لتوحيد صفوفها ولملمة أوضاعها وإعادة النظر بسياساتها السابقة وتقديم رؤى سديدة للمشاركة في معالجة الوضع بالعراق وإسقاط أوراق القوى المعادية للشعب الكردي وعموم الشعب العراقي. ولا شك في أن تجميد نتائج الاستفتاء هي خطوة مهمة وصائبة على طريق إيجاد حلول عملية للمشكلات القائمة وبدء الحوار بين بغداد وأربيل، وليس من الصواب أن يشدد رئيس وزراء العراق من الموقف ويبدأ بتسمية إقليم كردستان الوارد في الدستور بشمال العراق، فهذا خرق للدستور العراقي، وهو الذي ينادي باستمرار بالالتزام بالدستور وتطبيق بنوده. ومن واجبنا ألّا نسمح للمتطرفين في الطرفين أن يعلو صوتهم النشاز فوق صوت الشعب أولاً، وأن نمنع تأجيج الأوضاع المتأججة أصلاً من قبل حكومتي إيران وتركيا، وهما دولتان طامعتان بالعراق وراغبتان في إشاعة الفوضى والخراب فيه، كما فعلتا وتفعلان حتى الآن بسوريا واليمن، والتدخل الفظ في الشؤون العراقية مما يفقد العراق سيادته الوطنية واستقلال قراراته.
 



34
كاظم حبيب
قراءة متمعنة في كتابين "مذكرات هاشم الشبلي" و "محطات سوداء في تاريخ العراق الحديث"
الكاتب: هاشم الشبلي
الكتاب الأول: مذكرات هاشم الشبلي (عام 2016)
الكتاب الثاني: محطات سوداء في تاريخ العراق الحديث 1936-2017 (عام 2017)
دار النشر: دار دجلة، عمان - الأردن
الحلقة الأولى
صدر للكاتب والحقوقي العراقي الأستاذ هاشم الشبلي كتابين في عامي 2016 و2017. وهما كتابان قيّمان يبحثان في وقائع وأحداث ونضالات ونجاحات وفواجع ونكبات العراق الحديث، العراق الملكي وعراق الجمهوريات الخمس المتتالية. كما أن الكتابين يكملان أحدهما الآخر. في الكتاب الأول، الذي يطرح فيه الكاتب مذكراته الشخصية، يمر بسرعة نسبية على الكثير من الأحداث التي عاصرها وعاش مراراتها، ليعود في كتابه الثاني ليركز على أهم تلك الأحداث وأكثرها مأساوية للشعب العراقي كله أو لأجزاء منه، ومنهم الفئة المثقفة التي عانت بدورها وعاشت مخاضات أحداث العراق العصية على الفهم أحياناً لمأساويتها وحجم الفواجع فيها من موت واسع ودمار شامل وخراب ورثاثة، تلك الأحداث المريرة التي تسببت بها النظم السياسية العراقية غير الديمقراطية والاستبدادية، وكذلك دور المجتمع الإقليمي والدولي في التسبب بها أو إشعال فتيل حروب العراق. يصعب فصل الكتابين عن بعضهما، وبالتالي لا بد من قراءة متفاعلة مع الكتابين وبتكثيف شديد.
هاشم الشبلي شخصية حقوقية وسياسية ذات وعي ونهج ديمقراطيين عميقين، نهل من تاريخ العراق الحضاري والفكر النضالي فيه، ومن معين الفكر التقدمي والديمقراطي العالمي، والتزم بهما وبالعدالة الاجتماعية والسلام في مسيرته السياسية المديدة، هذه المسيرة التي بدأت عملياً مع بداية الخمسينيات من القرن العشرين واستمرت حتى الوقت الحاضر، وأتمنى له المواصلة والصحة والعافية وطول العمر.
شارك هاشم الشبلي في نضالات شعبه قبل ثورة تموز 1958 وما بعدها وعانى، هو وأفراد عائلته، الكثير من المشقات والسجون والتعذيب، دون أن يصيبه اليأس أو الإحباط، وحافظ على علاقته الوطيدة بالشعب وأهدافه وطموحاته من جهة، وبالأرض التي ولد عليها وعاش مع عائلته الكريمة والمناضلة ومع اقرانه فيها وتحمل وزر انتماءاته السياسية الوطنية والديمقراطية ومبادئ العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والدولة المدنية العلمانية. لم أتعرف عليه عن قرب، ولكني عرفته من خلال اربع وقائع:
أولاً: مقالاته التي كان ينشرها في أعقاب سقوط الدكتاتورية البعثية والصدامية الغاشمة التي تسنى لي قراءتها والاستفادة منها، والتي يمكن العثور عليها في موقع الحوار المتمدن.
ثانياً: نهجه الديمقراطي المستقل وسياساته ومواقفه المميزة حين أصبح وزيراً للعدل في ثلاث وزارات بين 2004-207 ممثلاً عن الحزب الوطني الديمقراطي.
ثالثاً: عبر أحاديثي مع شخصيات ديمقراطية صديقة له، منهم الدكتور عبد الأمير العبود وأستاذي الفاضل نجيب محي الدين والدكتور الطيب الذكر مهدي الحافظ، إضافة إلى ما ورد عنه في كتاب الأستاذ نصير الچادرچي الموسوم "مذكرات نصير الچادرچي" الصادر في العام 2017 عن دار المدى ببغداد والذي تسنى لي الكتابة عنه.
رابعاً: من خلال الكتابين اللذين اسعى لممارسة قراءة نقدية موضوعية لهما والتي اعطتني الكثير من المعلومات المهمة عن شخصيته وأفكاره وممارساته الديمقراطية في مختلف مراحل حياته ومواقفه السياسية.     
إن قراءتي للكتاب الأول منحني الثقة بأني أمام كاتب يتسم بالصدقية التامة وبوضوح الرؤية والفكر المستقل القادر على اتخاذ الإجراء والموقف المناسب مهما كانت الأوضاع الحرجة التي يمر بها أو يواجهها، إضافة إلى قناعته العميقة بقدرة الشعب العراقي، رغم كل المرارات التي يعيش تحت وطأتها، على يتجاوزها يوماً، ويغذ السير لبناء العراق الديمقراطي والتقدمي والعلماني الجديد. يتلمس القارئ ذلك من خلال صفحات الكتابين والتي سأحاول تناولهما معاً، رغم صعوبة ذلك. كان بإمكان الكاتب أن ينجزهما في كتاب واحد، ولكن الحصيلة ستكون على حساب المضامين الواسعة للأحداث في الكتاب الثاني الموسوم "محطات سوداء.." أو أن يصبح الكتاب الأول كبيراً جداً بحيث يصعب طبعه في كتاب واحد، وحسناً فعل.   
يتضمن الكتاب الأول ثلاثة عشر فصلاً بدءاً من الولادة ومروراً بالدراسة وبواكير العمل السياسي، فثورة تموز 1958، ثم الانقلابات السياسية والعسكرية المتتالية، فالنظم الاستبدادية والحروب، والحصار والدمار واحتلال العراق، الذي انتهى إلى إقامة نظام سياسي طائفي ومحاصصة طائفية مقيتة بالبلاد. أما الكتاب الثاني الموسوم "محطات سوداء في تاريخ العراق الحديث 1936-2017"، وجاء الكتاب في اثني عشر فصلاً، بدءاً من تأسيس الدولة العراقية الملكية الدستورية، ومروراً بالانقلابات المتتالية تفصيلاً، ثم الحروب المتتالية والاحتلال الدولي للعراق بقيادة الولايات المتحدة، والحكومات التي تشكلت خلال الفترة الواقعة بين إسقاط الدكتاتورية الغاشمة واجتياح داعش للموصل ونينوى، فالحشد الشعبي العقائدي، وأخيرا معنى أو مفهوم الوطنية الحقيقية مع مجموعة من الوثائق والصور.
ولد الأستاذ هاشم الشبلي في عائلة بغدادية عريقة برز فيها العديد من الشخصيات الفنية والديمقراطية المعروفة في الأوساط العراقية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الفنان المسرحي، الممثل والمخرج، حقي الشبلي وشقيق الكاتب الأستاذ المناضل قاسم الشبلي. تهيأت للجيل العراقي الذي ولد في الثلاثينيات من القرن الماضي، وأنا منهم، فرصة العيش في العقدين اللاحقين بشكل خاص أحداثاً كبيرة، منها نهوض النازية والفاشية والعسكرية وإشعال الحرب العالمية الثانية وانهيار مشعليها في العام 1945 ثم بروز المنظومة الاشتراكية على الصعيد العالمي. كما توفرت المزيد من الكتب الحديثة والروايات الديمقراطية والاجتماعية لكتاب بارزين عربياً وعالمياً مثل سلامة موسى وجورج حنا وشبلي شميل وجون شتاينبك وهمنغواي وتولستوي ودستويفسكي وغوغول وغيرهم، التي ساهمت كلها في نشر الوعي التقدمي وفي توفير الأجواء المناسبة لتبلور وبروز حراك سياسي متميز للقوى الديمقراطية العراقية منذ العام 1946، بعد ركود نسبي في أعقاب انقلابين عسكريين بقيادة بكر صدقي العسكري ( من مواليد مدينة عسكر) في العام 1936 وانقلاب رشيد عالي الگيلاني في العام 1941، والذي تجلى في انطلاقة الوثبات والانتفاضات المتتالية لمواجهة سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة في العهد الملكي والتي غيبت الحياة الديمقراطية والحريات العامة وانخراطها في الأحلاف العسكرية. في هذه الفترة بالذات، حيث كان عمر هاشم الشبلي قبل بلغ الثالثة عشر سنة، حين حصلت وثبة كانون الثاني 1948 التي رفضت الأحزاب الوطنية والديمقراطية والقومية، العلنية منها، مثل الحزب الوطني الديمقراطي وحزب استقلال، والأحزاب السرية، الحزب الشيوعي وحزب الشعب وشخصيات مميزة مثل الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري والشخصية الديمقراطية التقدمية عبد الفتاح إبراهيم.. الخ، استبدال معاهدة 1930، التي أطلق الشعب العراقي عليها بـمعاهدة "الاسترقاق"، بمعاهدة بورتسموث، في فترة رئاسة صالح جبر لمجلس الوزراء. وقد شارك الصبي هاشم الشبلي بها، والتي ساهمت في بدء تفتح وعيه السياسي المبكر. وقد كان للدماء التي سالت والرصاص الذي لعلع من بنادق الشرطة في مواجهة المتظاهرين دورها في إدراك طبيعة الحكم القائم بالعراق.

تميزت الفترة الواقعة بين 1948-1952 بنشاط سياسي وثقافي واسعين، إذ يشير في كتابه الأول إلى ذلك بقوله: "كانت تلك الحقبة تمور بنشاط سياسي وفكري وثقافي واسع، تقوده وتحركه الأحزاب الديمقراطية واللبرالية والقومية وفي مقدمتها (الحزب الوطني الديمقراطي) و(الحزب الشيوعي العراقي) و (حزب الاستقلال)، وكانت جريدة (الأهالي) الناطقة باسم -الحزب الوطني الديمقراطي) في مقدمة الصحف التي توجه النقد الشديد لسياسات الحكومات المتعاقبة وتطالبها بإطلاق الحريات العامة وإطلاق سراح المعتقلين والإفراج عن السجناء والسماح بتشكيل النقابات والمنظمات المهنية والعمالية وتحقيق الديمقراطية وإيجاد فرص عمل للعاطلين وخاصة المثقفين منهم." ثم يشير هاشم الشبلي أيضاً إلى مساهمة "نشرات (الحزب الشيوعي) السرية بنقد سياسات السلطة ومطالبتها بإطلاق الحريات العامة والإفراج عن السجناء ومعالجة الأوضاع الاقتصادية التي كانت تزداد سوءاً يوماً بعد يوم". (الكتاب الأول ص 39). فكان من نتائج ذلك، وإصرار الحكم على سياساته الرجعية المعبرة عن مصالح الإقطاعيين وكبار الملاكين ومصالح بريطانيا بالعراق إن انطلقت انتفاضة 1952 التي أجبرت النظام على وضع شخصية عسكرية على رأس السلطة هو الفريق نوري الدين محمود وإعلان الأحكان العرفية (الطوارئ) بالبلاد واعتقال الالاف من المناضلين في سائر أنحاء العراق وزجهم في المعتقلات وإصدار الأحكام القاسية بحق المئات منهم.
كان تنامي الحس الوطني والديمقراطي لدى الشاب هاشم الشبلي قد دفعه إلى الارتباط بالحزب الشيوعي العراقي والانتماء له، إذ رفض من دعاه لدخول حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان قد تأسس في العام 1952 ببغداد، إذ كتب يقول: ..، لأنني لم أقتنع بما قرأت من أدبيات الفكر القومي، ووجدته هشاً وضبابياً، وتجاوبت مع الفكر الماركسي والديمقراطي التقدمي،.." (الكتاب الأول ص 41).
وخلال الفترة الواقعة بين 1936-1952 وقعت مجموعة من الأحداث التي يمر عليها الكاتب في كتابه الأول ويبحث فيها في كتابه الثاني، منها انقلاب 1936 وانقلاب 1941 والفرهود ضد اليهود في العام 1941 ومن ثم تقسيم فلسطين والاعتراف بإسرائيل في العام 1947 وحرب فلسطين عام 1948، وقرار إسقاط الجنسية عن اليهود العراقيين في العام 1950 وعواقبه. وسنحاول أن نتناول بعضها فيما يلي:

انقلاب بكر صدقي
يتوقف الكاتب جيداً ويبحث بعمق في أسباب انقلاب بكر صدقي. ففي العام 1936 وقع انقلاب عسكري قاده الفريق بكر صدقي العسكري وبالتعاون والتنسيق مع حكمت سليمان وجماعة الأهالي وجمعية الإصلاح الشعبي. وكانت أفكار جماعة الأهالي (1932)، ومن ثم الإصلاح الشعبي (1934) تنتمي جزئياً إلى الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية، وذات برنامج تقدمي مشترك لخصت فيه الأهداف والمهمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تسعى إلى تحقيقها. وكان حكمت سليمان عضواً في هذا الجماعة. وكان هذا الانقلاب أول تدخل فعلي لفصيل من القوات المسلحة في الحياة السياسية العراقية وبالتعاون مع جماعة وطنية وديمقراطية عراقية مثل جعفر أبو التمن وكامل الچادرچي وعبد الفتاح إبراهيم. وإذ رفض في البداية كل من محمد جعفر أبو التمن وعبد الفتاح إبراهيم استخدام القوات المسلحة للوصول إلى السلطة، إلا إن محمد جعفر أبو التمن قد تراجع عن موقفه ووافق المشاركة في الانقلاب، في حين استمر عبد الفتاح إبراهيم رافضاٌ مبدئياً وعلياً وبإصرار مشاركته ومشاركة الجماعة في تنفيذ الانقلاب، باعتباره خرقاً للدستور وتجاوزا على الديمقراطية ومهمات القوات المسلحة العراقية، إضافة إلى إنها بادرة ستجر بعدها انقلابات أخرى، وكان على حق كبير. علماً بأن حكومة ياسين الهاشمي حينذاك لم تمارس سياسة ديمقراطية بل "ارتكبت أخطاء أساءت إلى الحكومة كالفساد واستغلال النفوذ ورعاية المنافع الخاصة وتفشي المحسوبية والرشوة وإهمال مصالح الشعب واستخدام القوة المفرطة في قمع احتجاجات العشائر المطالبة بحقوقهم وتمرد الآشوريين وزج الجيش في قمع الاضطرابات الداخلة وملاحقة الصحافة والأحزاب والنقابات بإجراءات مخالفة للقانون، لهذه الأسباب فقد عمّ الاستياء والتذمر والملل من الحكومة." (الكتاب الثاني، ص 24). ومع ذلك لم يكن الانقلاب طريقاً سليماً لتغيير الأوضاع. وهو الدرس الذي استفاد منه فيما بعد السياسي العراقي الكبير كامل الچادرچي. لقد شارك في حكومة الانقلاب التي ترأسها حكمت سليمان أربعة من جماعة الأهالي بضمنهم أبو التمن والچادرچي. إلا إن الحكم الفعلي لم يكن بيد الحكومة بل بيد بكر صدقي العسكري، إذ يشير الكاتب "وقد أساء بكر صدقي للشعب وللبلد حيث فرض سيطرته وأساء استعمال السلطة وأصبح الحاكم الفعلي للبلاد"، مما أدى إلى رفض هذه السياسات من قبل القوى الديمقراطية ومن جماعة الأهالي المشاركة في الحكم ومن أوساط عسكرية وشعبية واسعة، إضافة إلى مقاومة أجزاء من الفئات الحاكمة، مما استوجب استقالة وزراء جماعة الأهالي. وقد سقط النظام بعد اغتيال قائد الانقلاب بكر صدقي بالموصل في العام 1937. يشير الأستاذ هاشم الشبلي إلى سياسة بكر صدقي بقوله "ومن الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الفريق بكر صدقي هو قتل الفريق جعفر العسكري ( وهو من نفس مدينة عسكر التي ولد فيها بكر صدقي العسكرين، ك. حبيب) وزير الدفاع عندما حاول الأخير إيقاف زحف قوات الانقلابيين إلى بغداد حيث اتصل بقائد الانقلاب بكر صدقي وأبلغه بأنه يحمل رسالة من الملك غازي ووزير الخارجية نوري السعيد، إلا إن بكر صدقي وقبل أن يستلم الرسالة أرسل من يقتل العسكري فجردوه من سلاحه وقتلوه، وبهذا فقد ألَّب الفريق بكر صدقي الجيش عليه لأن جعفر العسكري كان شخصية متوازنة وحبوبة ومسالمة ومن مؤسسي الجيش والدولة الحديثة." (المصدر السابق نفسه، ص 25). كما أنه قد مارس ولأول مرة في تاريخ العراق الحديث نهج: الاستبداد والعداء للقوى اليسارية وخاصة الشيوعيين والديمقراطيين، وأسقط لأول مرة أيضاً الجنسية عن شخصيات شيوعية عراقية معروفة عبد القادر إسماعيل وأخيه يوسف إسماعيل وإبعادهما على خارج العراق. ويؤكد الكاتب، وهو شخصية حقوقية ووزير عدل سابق، بأن بكر صدقي قاد "أول انقلاب ضد الشرعية وضد الدستور والقوانين المرعية وضد القيم والمبادئ الديمقراطية التي تستلزم أتباع الطرق والأساليب الديمقراطية والسياسية عند المطالبة بالتغيير.." (الكتاب الثاني، ص 26)، وهو يرفض العنف والقوة للاستيلاء على السلطة.   

انقلاب رشيد عالي الگيلاني   
عالج الأستاذ هاشم الشبلي بتوسع مناسب انقلاب الأول من مايس/أيار 1941 من حيث العوامل والأسباب التي دعت إلى هذا الانقلاب، والصراعات التي كانت تدور بين قوى المعارضة السياسية والفئات الحاكمة والبلاط الملكي، وانحياز الحكومة في الحرب التي نشبت بين دول المحور والحلفاء الثلاث (المانيا وإيطاليا واليابان) من جهة، والدول الأوروبية المتحالفة مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية، إلى جانب التحالف الدولي المناهض لدول المحور، مؤكدا إن الخلاف قد انصب على ثلاثة عوامل:
1) رغبة المعارضة في ألّا يزج العراق في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل؛ و2) رفض إملاءات الدولة البريطانية على الحكومة العراقية وتزايد مطالبها في وضع القواعد العسكرية البريطانية في خدمة الحرب ضد دول المحور؛ و3) تزايد النقمة الشعبية ضد الحكومات العراقية المتعاقبة بسبب تعاونها مع الحكومة البريطانية. لا شك في أن هذه التكثيف للمسألة سليم من حيث مجرى الأحداث بالعراق حينذاك. إلا إني أختلف بعض الشيء مع الأستاذ هاشم الشبلي في تشخيص الموقف وموقف أكثر القوى المعارضة حينذاك، والتي تمثلت بمجموعة القوى القومية العربية العراقية، إذ إن ما ذكره من الأسباب بقدر ما هي صحيحة ليست كافية للتعبير عما حصل بالعراق حينذاك. فعلى وفق قناعتي ودراستي المستفيضة لحيثيات الانقلاب وقواه الفعلية وعلاقاته الداخلية والخارجية، أوكد فعل عوامل أخرى لتنفيذ الانقلاب المذكور، وألخص رأيي بما يلي:
كان القوميون العراقيون العرب حتى ذلك الحين ينتظمون في نادي المثنى الثقافي، ولكنهم كانوا يتحرون عن فرصة مناسبة لتشكيل تنظيم حزبي سري يساعدهم على تحقيق الأهداف التي كانوا يسعون إليها. وراودت هذه الفكرة أذهان العسكريين والمدنيين الذين قادوا الحركة فيما بعد، وخاصة صلاح الدين الصباغ، محمد يونس السبعاوي ومحمد حسن سلمان منذ عام 1937. (راجع: عبد الله الجيزاني، حزب الاستقلال العراقي 1946-1958 التجربة الفكرية والممارسة السياسية. الطبعة الأولى 1994. ص 42). وتكرست هذه الرغبة أكثر فأكثر منذ مجيء الحاج أمين الحسيني، مفتي الديار الفلسطينية، ومجموعة من الفلسطينيين الذين أجبروا على مغادرة فلسطين، إلى بغداد. وتحت تأثيره ودوره المباشر وتأثير الوضع المتأزم بفلسطين حينذاك اتخذت حركة القوميين العرب مساراً جديداً بعدة اتجاهات أساسية، وهي:
1.   تشكيل لجنة للتعاون مع البلدان العربية التي ضمت في عضويتها "رشيد عالي الگيلاني وناجي شوكت وناجي السويدي ويونس السبعاوي والعقداء الأربعة والعقيد إسماعيل حقي من العراق، وشكري القوتلي وعادل أرسلان وزكي الخطيب من سورية، ويوسف ياسين وخالد الهود من العربية السعودية". (راجع: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية، ص 9). وهي لجنة علنية اعتبرت قاعدة لنشاطها العلني بين الأوساط العراقية ولتعزيز تحركها الشرعي على الأقطار العربية الأخرى.
2) تأمين غطاء حزبي سري ينظم ويوجه العملية السياسية بالعراق لصالح أهداف الجماعة. وفي ضوء ذلك تقرر في شهر شباط من عام 1941، وقبل تسلم رئاسة الوزراء من قبل رشيد عالي الگيلاني، تشكيل حزب سياسي سري باسم حزب الشعب، كما منح كل عضو في هذا الحزب اسماً حزبياً سرياً. (المصدر السابق نفسه، ص 109). وأعطيت القيادة لمفتي الديار الفلسطينية الحاج أمين الحسيني (مصطفى)، كما كان في عضويته كل من رشيد عالي الگيلاني (عبد العزيز) وصلاح الدين الصباغ (رضوان) ويونس السبعاوي (فرهود) وفهمي سعيد (نجم) ومحمود سلمان (فارس) وناجي شوكت (أحمد). (ناجي شوكت. سيرة وذكريات…. الجزء الثاني. مكتبة اليقظة العربية.  بغداد. 1990. ص433/434 و510-514). 
 وضم الحزب أيضاً المجموعة التالية من الأعضاء: محمد علي محمود وداود السعدي ومحمد حسن سلمان وعثمان حداد. وكانت المجموعة، التي أقسمت اليمين على الإخلاص للقضية التي تناضل من أجلها وللحزب الذي أسسته سراً حتى النهاية، تجتمع باستمرار لاتخاذ القرارات المناسبة، وهي التي قررت تنفيذ الانقلاب الذي وقع في الأول من مايس عام 1941. وشكل الحزب القومي السري جناحاً عسكرياً ضم في عضويته صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان وغيرهم. (عبد الله الجيزاني، مصدر سابق، ص 42). وهي أول بادرة في حزب مدني عراقي يشكل جناحاً عسكرياً فيه. ولا شك في أن جماعة الأهالي قد ربطت بها بعض العسكريين من قادة الانقلاب، ولكنها لم تشكل منهم جناحاً عسكرياً تابعاً للحزب. كما إن الحزب الشيوعي العراقي كان يضم في صفوفه ضباطاً وجنوداً، ولكنه لم يشكل حينذاك تنظيماً عسكرياً خاصاً وتابعاً للحزب، رغم وجود دعوات لتشكيل مثل هذا التنظيم ومنه الرفيق زكي خيري، عضو اللجنة المركزية حينذاك. وجدير بالإشارة إلى أن المجموعة المدنية من هذه التشكيلة القيادية والأعضاء، وهم رشيد عالي الگيلاني، ناجي شوكت، علي محمود الشيخ علي، يونس السبعاوي، محمد علي محمود، داود السعدي، والدكتور محمد حسن سلمان، قد قدمت طلباً رسمياً في أعقاب القرار السري الذي اتخذ بتشكيل الحزب ولجنته السرية، أي بتاريخ 27 آذار/مارت من عام 1941، إلى وزارة الداخلية لتكوين حزب سياسي باسم "حزب الشعب" قبل استقالة وزارة العميد طه الهاشمي دون أن يجاب الطلب. (راجع: عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات، الجزء الخامس، ص 194). ويلاحظ بأن الأسماء التي غابت عن طلب التأسيس الرسمي هي الجماعة العسكرية والمفتي الحاج محمد أمين الحسيني، أي احتفظوا بالكادر العسكري سرياً.
3) وعلى غرار كتائب الشباب الهتلرية عمد قادة حزب الشعب السري أو اللجنة السرية، وفي خضم تنامي السيطرة على السلطة، إلى تأسيس "كتائب الشباب" لتأخذ على عاتقها تعبئة الشباب وراء الحركة ودعم حكومة الگيلاني ومساعدتها في قبول متطوعين لمواجهة التعبئة العسكرية البريطانية وعملياتها العسكرية بالعراق، وضمان تقديم المساعدة لأسر الشهداء والجرحى. "وكان نواة كتائب الشباب، كما يشير إلى ذلك السيد عبد الجبار حسن الجبوري وفق الوثائق المتوفرة، طلاب كليتي الحقوق والطب ودار المعلمين" وكان يشرف على هذه الكتائب "محمد درويش المقدادي (الرئيس) وإبراهيم شوكت وواصف كمال وسليم محمود الأعظمي وعبد الرحمن البزاز وعباس كاشف الغطاء وحسن الدجيلي وعبد الكريم كنونة وعبد المجيد القصاب". (عبد الجبار حسن الجبوري، الأحزاب والجمعيات السياسية في القطر العراقي 1908-1958. مصدر سابق. ص 106). وقامت الحكومة بإرسال ضابط عسكري للقيام بتدريب أفراد الكتائب، وهو الرئيس الأول سامي عبد القادر.   
4) انتهاج سياسة مناهضة بالكامل لبريطانيا وحرمانها قدر الإمكان من تعاون العراق معها في الحرب ضد ألمانيا ودول المحور الأخرى، (الصباغ، صلاح الدين، فرسان العروبة، ص 130/131)، رغم أنها كانت تشير في أدبياتها العامة إلى ضرورة المحافظة على العلاقات التقليدية الطيبة مع بريطانيا. وفي الوقت ذاته إقامة الروابط المستمرة مع ألمانيا وإيطاليا واليابان لصالح استقلال الدول العربية ووحدتها. وكان الحاج أمين الحسيني قد أقام قبل ذاك علاقات سياسية مع ألمانيا وساهم في إرسال صحفيين عرب يشاركون في العمل في إذاعة برلين الهتلرية الموجهة ضد الحلفاء ومن أجل تحريض العرب لدعم ألمانيا، إضافة إلى تحريض العرب ضد النظم السياسية القائمة فيها، وخاصة ضد تلك الدول المتحالفة مع بريطانيا وضد قطع علاقاتها الدبلوماسية مع ألمانيا وإيطاليا بناء على طلب بريطانيا. (راجع: نجم الدين السهروردي، التاريخ لم يبدأ غداً، حقائق وأسرار عن ثورتي رشيد عالي الگيلاني 41 و58 بالعراق، ط 2، شركة المعرفة، بغداد_ 1989، ص 220).
5) ربط المصلحة العراقية بالمصلحة الفلسطينية والانطلاق منها في تحديد سياسة العراق إزاء بريطانيا.
6) العمل على تسلم السلطة بالعراق وإزاحة المتعاونين مع بريطانيا كلية. 
ويشير ناجي شوكت إلى ما يلي: "وقد أقسم أعضاء اللجنة السرية السبعة على أن يعملوا كل ما في وسعهم من قوة وإيمان خالص لإنقاذ العراق وسائر البلدان العربية من الاستعمار وأذناب الاستعمار، وتحقيق الاستقلال لها على أن تراعي ما يلي:
1.   المحافظة على الوضع الراهن، وعدم التعرض للمعاهدة العراقية - البريطانية في الوقت الحاضر، حتى ينجلي الموقف نتيجة تطور الأحداث العالمية، والسير في الأمور بروية وتبصر.
2.   إذا كان لا بد من قطع علاقات العراق السياسية بإيطاليا، فيجب أن يستند القرار في ذلك إلى موافقة مجلس النواب بحرية كاملة.
3.   يجب السعي لإبعاد أذناب الاستعمار وعملاء الإنكليز، أمثال نوري السعيد، وجميل المدفعي، وعلى جودت، وأمثالهم إلى خارج العراق بتعيينهم كسفراء في لندن، وواشنطن، والقاهرة، وغيرها، وذلك للتخلص من شرورهم في هذه الحرب الطاحنة.
4.   تعديل الدستور العراقي في أول فرصة ممكنة لتحديد صلاحيات الوصي واستصواب أحلال مجلس وصاية بدلاً منه". (ناجي شوكت، سيرة وذكريات، الجزء الثاني، مصدر سابق. ص 434/435).
وقد أضاف صلاح الدين الصباغ أهدافاً أخرى لمهمات اللجنة السرية للحزب السري، كما وردت في كتابه المعروف "فرسان العروبة"، والتي اعتبرها ناجي شوكت قضايا غير جوهرية. ويؤكد صلاح الدين الصباغ إلى أن القرار الذي تضمن النص التالي: "لما كان الإنكليز قد أقدموا بتشجيع أذنابهم على فرض مطالب مجحفة تتوخى زج العراق في الحرب، وإرغام باقي الأقطار العربية على السكوت وعدم المطالبة بحقوقها، فأن عزم طه (والمقصود طه الهاشمي، ك. حبيب) على قطع العلاقات السياسية مع إيطاليا بصورة فجائية وبدون استشارة المجلس النيابي أو الجيش لن يرضي الإنكليز، ولن يقعدهم عن تحقيق غاياتهم كاملة. لذلك، فأن الإنكليز سيعملون على إقصاء قادة الجيش المخلصين، ليسيطروا عليه ومن ثم ينقاد العراق لهم كما يشاءون". (صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة، مذكرات الشهيد العقيد الركن صلاح الدين الصباغ. تقديم ومراجعة سمير السعيدي. ط1، تانيت للنشر، الرباط، المغرب، 1994، ص 267).
وبصدد الملك غازي فان المعلومات المتوفرة لا تشير إلى إنه كان عنصري النزعة أو نازي الفكر أو مناهض لليهود العراقيين. ولكن ربما كرهه الشديد للإنجليز هو الذي كان قد دفعه للتنسيق مع أعداء بريطانيا والنخبة الحاكمة العراقية المتعاونة والمساندة للوجود البريطاني بالعراق. وعلينا هنا أن نشير إلى التعاون بين يونس بحري، وهو ضابط بدرجة رائد في الـ "أس أس   „SSباسم يوحنا بحري، وبين الملك غازي قد استند إلى موقف الملك غازي من مسألتين أساسيتين هما:
أ‌.   كراهية الملك غازي للبريطانيين باعتبارهم مستعمرين للعراق ومسيطرين ومتحكمين بسياسة البلاد من جهة، وإنهم لم يلتزموا بما وعدوا به العرب وجده الحسين بن علي شريف مكة بتحقيق الوحدة وإقامة الدولة العربية الواحدة من جهة أخرى، إضافة إلى استعمارهم للكويت ومطالبته الصريحة بكون الكويت جزءاً من ولاية البصرة التي هي جزء من العراق. وقد تبنت إذاعته في قصر الزهور هذه المواقف من جهة ثالثة، وربما كان يعتقد بأن البريطانيين قد أجهزوا على والده في سويسرا حين كان تحت المعالجة الطبية من جهة رابعة.
ب‌.   ويحتاج أمر آخر إلى مزيد من التحري والتدقيق في الوثائق الألمانية والبريطانية حول مدى العلاقة التي كانت احتمالاً تربط بين الملك غازي بالألمان عبر يونس بحري وصحيفته "العقاب" التي نسق إصدارها مع غوبلز منذ العام 1931 وعاد لهذا الغرض إلى العراق وبمهمة محددة. وهل كانت هناك علاقة تنسيقية بين يونس بحري والوزير المفوض الألماني فرتز غروبا مع الملك غازي بشأن الموقف من بريطانيا. علماً بأن فرتز غروبه قد لعب دوراً كبيراً في تعزيز العلاقات بين نادي المثنى ومن ثم حزب الشعب بالنظام النازي بألمانيا وإرسال الكثير من فرق الكشافة إلى المانيا ودعوة المحاضرين لإلقاء محاضرات في نادي المثنى.
كما لا بد من الإشارة إلى أن يونس بحري كان قد عين مسؤولاً عن الجواسيس الألمان من العرب الذي يرسلون إلى الدول العربية للتجسس على القوات البريطانية وعلى أوضاع البلاد العربية وقواها السياسية. لقد كان ليونس بحري ثلاثة مسؤولين عملياً من قيادة النظام النازي الأول هو غوبلز المسؤول عن الدعاية النازية، والثاني هو المسؤول عن جهاز الأمن الألماني الـ "أس أس" هاينريش هملر، والثالث هو المسؤول عن "الغستابو" هيرمان غورينغ.
وباختصار شديد فأن الحركة القومية العربية كانت حينذاك ذات طابع يميني متشدد ومتأثرة بالفكر النازي القومي الذي روج له بعض السياسيين القوميين من خلال وجودهم المشتركة في نادي المثنى بن حارث الشيباني، الذي تأسس عام 1935 ببغداد، ومنهم ساطع الحصري وسامي شوكت وأبرز الشخصيات التي كانت تعمل في نادي المثنى. وإذا كان سامي شوكت قد أهتم بشكل خاص في الجانب العملي، فأن ساطع الحصري قد أبدى اهتماماً أكبر بالتثقيف الفكري، إذ ألقى سلسلة من المحاضرات حول القضايا القومية والوطنية والموقف من الكوسموبوليتية، ومن ثم من الأممية ومعاداته للأممية والشيوعية والفكر الاشتراكي. وقد استقى، كسلفه سامي شوكت، الكثير من أفكاره من ترسانة الفكر القومي الألماني ومن فكر الفيلسوف الألماني "يوهان غوتليب فيخته (1762–1814)" على نحو خاص، واعتمد على الأول في تبيان أهمية القومية والتعصب القومي. ففي محاضرة له برّز وقيَّم عالمياً أفكار فيخته بهذا الصدد حيث كتب يقول: "إن خُطب فيخته تنم عن روح وطنية متأججة، وتدعو إلى نزعة قومية متعصبة. ولا سيما الخطبة الختامية، فأنها تعتبر آية من آيات التحميس والاستنهاض: يوجه فيخته في خطبته هذه بعض الكلمات إلى الشباب، ثم إلى الكهول. ثم إلى رجال الدولة والمفكرين والأدباء، وأخيراً إلى الأمراء، مصدراً كل واحدة من هذه الكلمات بقوله: "إن خطبي تستحلفكم وتبتهل إليكم …". وبعد ذلك يضطرم حماسه فيقول لهم جميعاً: "إن أجدادنا أيضاً يستحلفونكم معي ويضمون صوتهم إلى صوتي"، ويأخذ في تصوير صوت الأجداد بأسلوب حماسي جذاب. ثم يعقب ذلك بقوله: "أن أخلافكم أيضاً يتضرعون إليكم …". (الحصري، أبو خلدون ساطع. الأعمال القومية لساطع الحصري. القسم الأول. في ثلاثة أقسام. مركز دراسات الوحدة العربية. سلسلة التراث القومي. الطبعة الثانية: بيروت. 1990. ص 49). ثم ينهي ساطع الحصري خطبة فيخته بالمقتطف التالي: "… ولو تجاسرت، لأضفت إلى كل ما تقدم، قائلاً: "إن القدرة الفاطرة أيضاً تستحلفكم وتستنهضكم. لأنه لم يبق على وجه الأرض أمة حافظت على بذور قابلية التكامل البشري بقدر ما حافظت عليها أمتكم المجيدة فإذا سقطت الأمة الألمانية، سقط معها الجنس البشري، ولا يبقى له أدنى أمل في السلامة". (المصدر السابق نفسه). وكان هذا هو الفكر الذي يروج له ساطع الحصري ليقترب من نفس الفكر الذي تحدث به ألفريد روزنبيرغ، مفكر وفيلسوف النازية وموجه الدولة الهتلرية فكريا، الذي تجلى في كتابه الشهير الموسوم "الدم والشرف - نضال من أجل إعادة بعث ألمانيا-" الصادر في ألمانيا/ ميونيخ في عام 1934، وهي عبارة عن خطب ألقاها في الفترة الواقعة بين 1919-1933. 
، (Rosenberg Alfred. Blut und Ehre. Ein Kampf fuer deutsche Wiedergburt. Reden und Aufsaeze von 1919-1933. Zentralverlag NSDAP).،Frz. Eber Nachf.،Muenchen. 1934.
كما أنها تصب في بعض الاتجاهات الفكرية التي دعا لها نيتشه وهيردر وتشمبرلن في ألمانيا. وهي الأفكار التي تبنتها المجموعة القومية النازية بالعراق، ومجموعة غير قليلة من تلك القوى التي شاركت في حركة شباط-مايس 1941 أيضاً، إذ لم يكن كل من شارك في هذه الحركة من أتباع أو مؤيدي الفكر النازي الألماني أو الفاشي الإيطالي على الصعيدين العراقي والعربي. ومن كتاب ألفريد روزنبيرغ المشار إليه وكتاباته الأخرى استقى ميشيل عفلق، وبقية القيادة البعثية حينذاك، فكرة واسم حزب البعث العربي الاشتراكي وشعاراته الأساسية مثل "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" و"شعب واحد، وطن واحد، وجيش واحد"، وكذلك الدعوة إلى "الاشتراكية الوطنية" النازية، التي سميت في العالم العربي بالاشتراكية العربية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن يونس السبعاوي، الذي كان على اتصال وثيق بنادي المثنى, كان من بين المعجبين بتجربة هتلر ونشاطه ومواقفه من رجال المعارضة والمخالفين له في ألمانيا, كما قام بترجمة كتاب هتلر المعروف "كفاحي" إلى العربية عن الإنكليزية لأول مرة في البلاد العربية. ثم بدأ بنشره على شكل مقالات متسلسلة في جريدة العالم العربي ابتداءً من تشرين الأول/نوفمبر 1933. (راجع: العمري, خيري، يونس السبعاوي سيرة سياسي عصامي، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية، سلسلة الأعلام المشهورين 12، دار الرشيد للنشر، بغداد. 1980. ص 41).  وكتب في مقدمة هذه المقالات ما يلي: "… الهتلرية حركة تشغل العالم اليوم , أظهرها في ألمانيا الضيق ونشاط الشبان , فكانت حركة قوية اندفعت بين صعاب عظيمة فشقت طريقها واستطاعت أن تأخذ بزمام الأمور في البلاد. وجدير بالعالم ولاسيما في بلادنا أن يعرف كنه هذه الحركة ومراميها , ونحن لا نجد محدثاً صادقاً عنها مثل موجدها وحامل لوائها أدولف هتلر زعيم ألمانيا اليوم , ونحن نعرب لقراء الكتاب الذي وضعه عن مبادئه وكفاحه...". (المصدر السابق نفسه). ولنتذكر أيضاً بأن يونس السبعاوي أطلق على نفسه اسم (فرهود) السري كاسم حزبي له في حزب الشعب، وهو الفرهود الذي حصل في العام 1942 ضد المواطنين والمواطنات العراقيين من اليهود.   
ويفترض الإشارة في هذا الموقع إلى أن أغلب القوى السياسية الديمقراطية العراقية لم تشجب في حينها الانقلاب العسكري الجديد بسبب كراهيتها للاستعمار البريطاني وسياسات الحكومة البريطانية بالعراق، بل أيدته، إذ لم تتوفر في حينها المعلومات الكافية عن العلاقات التي نشأت حينذاك بين الجماعة القومية العربية بالعراق والنظام النازي بألمانيا، علماً بأن الحزب الشيوعي العراقي قد اتخذ موقفاً أخر وقدم مذكرة إلى حكومة رشيد عالي الكيلاني بسبب السياسات القومية المتشددة التي اتخذت في حينها، ولاسيما ضد اليهود. لقد كان نوري السعيد حينذاك رئيساً للوزراء وكان حليفاً مخلصاً لبريطانيا يستند في ذلك لا إلى عمالة مباشرة لها بقدر ما كان يلتقي معها في الفكر والسياسةً والمصالح، رغم أن المستفيد الأول من كل ذلك كانت بريطانيا والمتضرر الرئيسي في مثل هذا التحالف والطريقة التي كانت تتم بها هو الشعب العراقي. واتخذ نوري السعيد موقفاً محدداً من الحرب مناهضاً لدول المحور، أي ضد ألمانيا ومن ثم إيطاليا واليابان من جهة، ومسانداً لبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى. وفي هذا كان على خلاف شديد مع بعض أعضاء وزارته الذين انقسموا إلى مجموعتين إحداهما تؤيده والأخرى تناهضه وتريد أن يكون الموقف العراقي حيادياً في الحرب وتنفذ المعاهدة على وفق ما كانت تراه في الصالح العراقي. ومع أن موقف نوري السعيد كان صائباً بشكل عام، وبعيداً عن تفاصيله، من الحرب ومن تأييد بريطانيا وفرنسا، وفيما بعد الاتحاد السوفييتي، في الحرب ضد ألمانيا الهتلرية وبقية دول المحور، فأن هذا الموقف كان مرفوضاً من جانب الشارع العراقي وكل القوى القومية والغالبية العظمى من القوى الوطنية العراقية بسبب مواقف بريطانيا من القضايا العراقية والعربية. لقد كان الموقف الرافض لمساندة بريطانيا ينطوي على موقفين، رغم كونهما كانا يدعوان إلى الحياد في الحرب، أي موقف القوى القومية التي كانت تدعو إلى الحياد، ولكنها كانت تريد الوقوف عملياً إلى جانب دول المحور، وموقف الحزب الشيوعي العراقي وبعض القوى التقدمية التي كانت تدعو إلى الحياد أيضاً وكانت تعنيه فعلاً، إذ أن الحزب الشيوعي العراقي اعتبر الحرب، قبل دخول الاتحاد السوفييتي الحرب ضد ألمانيا الهتلرية، بمثابة حرب استعمارية تستهدف إعادة تقسيم مناطق النفوذ لا غير. إلا أن هذا الموقف قد تغير بعد دخول الاتحاد السوفييتي إلى جانب الحلفاء في الحرب ضد الهتلرية بعد أن غزت جحافل النازيين اراضي الاتحاد السوفييتي، رغم الاتفاقية التي وقعتها حكومة ستالين مع حكومة هتلر في عام 1939 في ميونيخ. لقد غير الحزب الشيوعي العراقي موقفه في ضوء التبديل الذي أجرته الأممية الشيوعية (الأممية الثالثة) على موقفها إزاء الحرب والدولة النازية بعد دخول الاتحاد السوفييتي طرفاً في الحرب.

محنة اليهود العراقيين سنة 1941 (الفرهود)
قلة نادرة من الكتاب العراقيين الديمقراطيين الذين نشروا سيرهم الذاتية كتبوا شيئاً عن فاجعة اليهود التي وقعت في يومي الأول والثاني من حزيران/يونيو ،1941 أو بحثوا في قانون إسقاط الجنسية عن يهود العراق الذي صدر عن وزارة توفيق السويدي في العام 1950. ومن هؤلاء القلة يأتي أسم الأستاذ هاشم الشبلي، حيث شخص طبيعة المسألتين، الفاجعة والقانون، والموقف منهما وأدانهما بشدة. فقد كتب بشكل مكثف عن فاجعة الفرهود ببغداد يقول: "هاجمت مجموعات من الأوغاد والرعاع بيوت ومحلات اليهود فنهبتها وقتلت ساكنيها واغتصبت نساءها وفتياتها ولم يتركوا لهم شيئا، وجرى كل ذلك في اليوم الثاني لتكليف السيد المدفعي بتشكيل حكومته في 2/6/1941 واستمر القتل والنهب والاغتصاب يومين ولم تقف الأعمال الإجرامية إلا بعد تدخل الجيش للقضاء على هذه العصابات الإجرامية." (الكتاب الثاني، ص 39). والصحيح إن الجرائم التي ارتكبت في الفرهود قد بدأت في اليوم الأول من حزيران واستمرت في اليوم الثاني من حزيران أيضاً، حيث تدخل الجيش لإيقاف تلك الجرائم البشعة، بعد أن تم تشكيل الحكومة الخامسة للسياسي العراقي جميل المدفعي، الذي كان من بين المناهضين للانقلاب وضد "حكومة الدفاع الوطني" التي ترأسها رشيد عالي الگيلاني، كما إنه هرب إلى البصرة والتحق بالوصي على العرش عبد الإله بن علي الذي كان ذد هرب هو الآخر إلى البصرة واحتمى بشيوخها. والمعلومات المتوفرة تشير إلى أن الجماعات التي شاركت في هذا الفرهود لم تكن من الرعاع والأوغاد فحسب، بل كان بينهم جمهرة من الجنود المقهورين في الحرب ضد القوات البريطانية وكذلك مجموعة من "كتائب الشباب" التي شكلها يونس السبعاوي، وكذلك من منظمة "فدائيي السبعاوي"، إضافة إلى أولئك العنصريين الحاقدين على اليهود ممن ترسخت في أذهانهم الدعاية النازية التي انتشرت بشكل واسع جداً في النصف الثاني من العقد الرابع من القرن العشرين. ورغم التباين في تقدير عدد القتلى من اليهود في فاجعة الفرهود، فقد ثبت بأن عددهم بلغ 144 شهيداً عدا الجرحى وحالات الاغتصاب ونهب الأموال والأثاث والسلع من البيوت والمحلات. (كاظم حبيب، يهود العراق والمواطنة المنتزعة، دار المتوسط، إيطاليا، 1915). وتؤكد بعض المصادر و المعلومات المتوفرة أن السفير البريطاني كنهان كورنواليس حينذاك، ورغم علمه بما كان يحصل من فرهود في شوارع وأزقة بغداد ضد العائلات اليهودية المسالمة، لم يتخذ أي إجراء لوقف هذه المجزرة البشعة ورفض دخول الجيش البريطاني، الذي كان عند أبواب بغداد، من الدخول إليها وزجه في الدفاع عن العائلات اليهودية وانقاذها من براثن الأوغاد والعنصريين والنهابة. كتب الباحث الدكتور سلمان درويش في كتابه الموسوم "كل شيء هادئ في العيادة" يقول: "بدأت مذبحة الفرهود في يوم 1 حزيران في باب الشيخ من قبل الأكراد الشيعة الفيلية بعد أن دس المفوض الألماني فريتز غروبه سمومه النازية وحرض ضد اليهود وبث دعايته العنصرية بين أفراد الشعب والجيش العراقي خلال عدة أشهر مما هيأ الأجواء للإيقاع بهم. ثم جاء اندحار الجيش العراقي، الذي ضمّ بعض الأطباء والضباط اليهود، أمام القوات البريطانية ورفض "مختار محلة الكريمات" السفير البريطاني السر كنهام كورنواليس السماح للجيش البريطاني المحتل بدخول بغداد وإن كانت تقع على عاتقه مسؤولية الحفاظ على الأمن فيها. (راجع: سلمان درويش، كل شيء هادئ في العيادة، منشورات رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق، رقم 2، مكتبة الدكتور داود سلمان- سالا لمؤلفات يهود العراق، 1981، ص 60-62). 
أما بصدد قانون إسقاط الجنسية فقد أكد الكاتب وبتشخيص وتقدير سليم ما يلي: "وقبل أن ينسى اليهود أثار هذه الجرائم، (ويقصد بها فاجعة الفرهود في مدينتي بغداد والبصرة، ك. حبيب)، قامت الحكومة العراقية بإصدار قانون إسقاط الجنسية عن اليهود في سنة 1950 الذي تم بموجبه إسقاط الجنسية العراقية عن اليهود ومصادرة أملاكهم وممتلكاتهم وأموالهم وتسفيرهم إلى الخارج حيث سفّر أغلبهم إلى إسرائيل وبعضهم الآخر إلى دول أخرى." (الكتاب الثاني، ص 39). وكان للكاتب تقديره الصائب حين أكد بأن هذا الإجراء غير الإنساني بحق يهود العراق قد "قدم خدمة لإسرائيل لا مثيل لها وذلك لأنه كان من بينهم علماء وأدباء وصحفيون وأساتذة ومصرفيين خسرهم العراق واستفادت منهم إسرائيل". (المصدر السابق نفسه). لقد ارتُكبت جريمة ضد الدستور العراقي وضد الإنسانية وتم تنفيذها بمؤامرة ثلاثية اشتركت فيها حكومات ثلاث دول هي بريطانيا وإسرائيل والعراق وبدعم كثيف من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. وكان الأستاذ الشبلي على حق كبير حين أكد بصواب ما يلي:
اليهود في العراق ليسوا لاجئين أو مستوطنين وإنما هم من سكنة العراق منذ آلاف السنين وكان لهم دور مشهود في بناء حضارة وادي الرافدين وفي الحضارة العربية الإسلامية وفي بناء العراق الحديث" (المصدر نفسه، ص 39).
كان بودي أن يتوسع في البحث في هذه القضية المهمة، ولاسيما في هذه الفترة من تاريخ العراق المعاصر، حيث يتهدد نفس المصير، ولو بأساليب أخرى أكثر همجية وعدوانية، إذ أن هناك مخططاً بشعاً يراد به إفراغ العراق من القوميات وأتباع الديانات الأخرى بالبلاد، كما هو حاصل منذ سنوات ما بعد سقوط الدكتاتورية البعثية وإقامة النظام السياسي الطائفي بالعراق، ضد المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين على سبيل المثال لا الحصر، والذين هم ليسوا لاجئين ولا مستوطنين بل هم من أصل أهل البلاد ومنذ آلاف السنين أيضاً. فقد هُجّر من العراق قسراً عبر أسقاط الجنسية عن اليهود، على وفق التقارير الرسمية 118,000 يهودي ويهودية من العراق، وفي الواقع بلغ العدد أكثر من 130,000 نسمة من أتباع الديانة اليهودية. أما في السنوات الأخيرة ومنذ العام 2003 حتى الوقت الحاضر ارتفع عدد المهجرين قسراً من مسيحيي العراق ومن مناطق وجود المسحيين بالبصرة وبغداد والموصل وسهل نينوى وإقليم كردستان العراق ما يتراوح بين 800,000 -1,000,000 نسمة، كما هُجّر من الصابئة المندائيين ما يزيد عن 50,000 نسمة ولم يبق منهم بالعراق غير عدد يتراوح بين 10,000-15,000 نسمة. كم إن أعداداً غفيرة جداً من الإيزيديين والإيزيديات قد نزحوا إلى الإقليم أو غادروا البلاد وعانوا من إبادة جماعية مرعبة. لقد كانت وما تزال مخاطر جمة تهدد المزيد من العائلات العراقية، لا بسبب عصابات داعش وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ضد هذه المجموعات السكانية العراقية بعد اجتياح الموصل وسهل نينوى فحسب، بل وتلك الجرائم التي ارتكبتها المليشيات الطائفية المسلحة في الوسط والجنوب وبغداد، وكذلك قوى القاعدة الإرهابية وتنظيمات إرهابية أخرى معادية لأتباع الديانات والمذاهب بالعراق، وما يمكن أن يحصل في الفترة القادمة.   

انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية.

35
كاظم حبيب
نظرات في كتاب "مذكرات نصير الچادرچي"

اسم الكتاب: مذكرات نصير الچادرچي
المؤلف: نصير الچادرچي
الناشر: دار المدى - بغداد
تاريخ النشر: طبعة أولى 2017
عدد الصفحات: 495 صفحة وبضمنها ملاحق وصور

يتضمن كتاب المذكرات مقدمة وكلمة شكر وخمسة فصول تمتد أحداثها إلى أكثر من ثمانية عقود، إذ تبدأ مع ثلاثينيات القرن العشرين لتنتهي في النصف الثاني من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وهي فترة طويلة كانت مليئة بالأحداث الجسام، حيث بدأت بمحاولات أولية لبناء المجتمع المدني بالعراق الملكي الدستوري مع تجاوزات على الدستور الديمقراطي لعام 1925، ثم واجه العراق الانقلابات ودكتاتوريات عسكرية متلاحقة، لتنتهي بعراق الحضارات القديمة، إلى بلد مخربٍ ورثٍ، وشعبٍ تائه وممزقٍ، ودولة هشة بسلطاتها الثلاث، ونظام سياسي طائفي مقيت ومحاصصة طائفية وأثنية بغيضة، واجتياح للموصل ونينوى وغيرها من المحافظات، وحيث تسود بالبلاد المليشيات الطائفية المسلحة، وتغيب عن المجتمع حقوق الإنسان وحقوق أتباع الديانات والمذاهب والقوميات، كما تهيمن الهويات الفرعية القاتلة لتطرد الهوية الوطنية، أو هوية المواطنة الحرة والمشتركة والمتساوية، إضافة إلى سيادة الفساد كنظام قائم ومعمول به ومقبول وممارس من قبل الدولة والسلطات الثلاث والمجتمع، وكذلك استمرار الإرهاب والموت كظاهرة يومية اعتيادية!!
يبدأ الكاتب نصير الچادرچي بمذكراته ليشير إلى ولادته في بيت اختار وتبنى ربُ الأسرة لنسفه نهجاً ديمقراطياً في الحياة السياسية والاجتماعية وفي بناء عائلته، ولد ونشأ في بيت ينعم بالثقافة والروح الوطنية والاستقلالية التي ينعم أفرادها في إبداء الرأي وفي التعبير عن الذات والممارسة اليومية. مثل هذه النشأة، وفي أجواء ثقافية ومكتبة عامرة ونشاط سياسي دؤوب وعلاقات إنسانية واسعة، لا يمكن أن ينشأ نصير إلا وهو يحمل عدة سمات مهمة تميزت بها شخصيته، والتي يمكن أن يتلمسها القارئ والقارئة، دع عنك من يعرفه شخصياً وتابع نشاطه خلال العقود المنصرمة من خلال قراءة الكتاب: منها مثلاً تنوع مصادر ثقافته وسعة اطلاعه وطموحه للمعرفة، حرية حركته واختياراته الفكرية والسياسية واستقلاليته الفكرية، وتمسكه بالديمقراطية وممارسته لها في حياته اليومية والعائلية. وبسبب تلك النشأة والوضع الاجتماعي والسياسي الذي ساد العراق حينذاك، تميز أيضاً بالتمرد الثوري والجرأة بعيداً عن الجنوح أو النزوع للقوة والعنف، مع تنامي الرغبة الجامحة في تغيير الأوضاع والمشاركة في تحقيق التغيير. ويمكن إيراد ثلاثة أمثلة على ذلك، وهي مهمة: موقفه ورأيه المستقل الرافض لتنفيذ قرار منظمة الحزب الشيوعي العراقي بمصر في انتماء الشيوعيين العراقيين إلى الحزب الشيوعي المصري لما في ذلك من مخاطر غير مبررة على وجودهم بمصر. أي أنه رفض القاعدة التي تقول "نفذ ثم ناقش!" أو "الطاعة" التي كانت سائدة حينذاك في الحزب الشيوعي العراقي رغم وجود عدم قناعة لدى الشيوعي. ثم موقفه من ميراث زوجته في منحها لأبنتهما مي، إذ التزم بوصية الزوجة الفاضلة بعد وفاتها وخسارته الكبيرة بها، وطرح الأمر على ابنته. فاتخذت الموقف المنصف إزاء أخويها، ولكن الأخوين التزما بموقفٍ أمين وصادق لوصية أمهما الفاضلة وحبهما لأختهم. إنها قضية تبدو صغيرة، ولكنها تعبر عن الروح الديمقراطية في التعامل العائلي وعن التربية السليمة التي حظي بها الأبناء والبنت. والمسألة الثالثة تبرز في إعادة تشكيل الحزب الوطني الديمقراطي والموقف الإيجابي المسؤول من العضو القيادي القديم في الحزب هديب الحاج حمود، والذي انتهى مع الأسف بلجوء الأخير إلى شق وحدة الحزب. كما يمكن أن نتابع مواقفه المماثلة في الفترات اللاحقة.
ولد نصير الچادرچي وترعرع في فترة زمنية تميزت بتنامي ملموس لاتجاهين متعارضين في الواقع العراقي حينذاك: الأول برز في تنامي الحركة الديمقراطية العراقية المناهضة للهيمنة الاستعمارية وضد العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعة، والرغبة في التجديد وتحديث الاقتصاد، وبزوغ جديد للبرجوازية الوطنية وتنامي البرجوازية الصغيرة، ولاسيما دور المثقفين الديمقراطيين في السياسة والثقافة بمختلف الفنون المعاصرة، ودور الطلبة، وبدء نشاط المرأة في الحياة السياسية وبشكل خاص في أعقاب الحرب العالمية الثانية وانهيار دول المحور لصالح الديمقراطية على الصعيد العالمي. أما الاتجاه الثاني فبرز في تفاقم دور الفئات الحاكمة في تشويهها للدستور العراقي الديمقراطي لعام 1925 في الممارسة الفعلية وفي التشريع والانتخابات ومحاربة حرية الرأي والأحزاب والتجمع والتظاهر، والرغبة المحمومة لدى الحكام في الدخول في الأحلاف العسكرية ومناهضة الحركة الديمقراطية المتمثلة في أحزاب علنية مثل الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال القومي النزعات وأحزاب أخرى تشكلت في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته، إضافة إلى أحزاب سرية مثل الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردي (فيما بعد الكردستاني) وغيرها من الكتل اليسارية، ومنها حزب الشعب (النضال) للمناضل وعضو مجلس السلام العالمي عزيز شريف. وهنا يفترض الإشادة برأي نصير الچادرچي الذي أشار بوضوح لا يقبل اللبس إلى إن سياسات الفئات الحاكمة المؤيدة من بريطانيا والبلاط الملكي ومن كبار الإقطاعيين وملاكي الأراضي، كان السبب وراء تفاقم الصراع وإسقاط النظام الملكي في رده الصريح وغير المباشر على من كان يتحدث عن تطرف القوى الديمقراطية العراقية في مواقفها من النظام الملكي ومن القوى والفئات الحاكمة مثل نوري السعيد وسعيد قزاز وصالح جبر وبهجت العطية على سبيل المثال لا الحصر.
لم ترفع القوى الديمقراطية شعار إسقاط الملكية بل كانت تتحدث دوماً وتنتقد سياسات الحكم، سواء أكان هذا في وثبة كانون، أم في انتفاضة تشرين، أم في انتفاضة عام 1956، لتأييد مصر في تأميم قناة السويس وضد العدوان الثلاثي عليها، ورفض موقف الحكومة العراقية في مناهضة مصر وسياستها، وضد إرهاب السلطة وقمعها.
لقد أُجبرت القوى الديمقراطية على التحالف فيما بينها، رغم وجود اختلافات مبدئية بينها، في اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني أولاً، ومع تنظيم الضباط الأحرار لإسقاط النظام الملكي ثانياً. وكان توضيح هذا الأمر بالغ الأهمية. ويورد نصير الچادرچي أمثلة كثيرة لسياسات التجاوز الفظ على الحياة الديمقراطية وحقوق المعارضة الوطنية التي كفلها الدستور، منها على سبيل المثال لا الحصر إلغاء نتائج انتخابات عام 1954 حين تقرر أن يكون نوري السعيد رئيساً للوزراء بأمر السفير البريطاني، وحين عمد الأخير إلى حل المجلس النيابي وحل الأحزاب السياسية وصدرت مراسيم إسقاط الجنسية في العام 1955 عن شخصيات وطنية وديمقراطية، وحين حرم منظمات المجتمع المدني كالشبيبة والطلبة ورابطة المرأة وحركة أنصار السلام. وعن هذه المرحلة يتحدث نصير الچادرچي برؤية ثاقبة وموضوعية عن دور والده، الشخصية الديمقراطية المتميزة، في عدد من المسائل المهمة في صفوف المعارضة العراقية وعلاقاته المتشعبة الواسعة بالشخصيات السياسية والثقافية وصلابة مواقفه ورفضه المساومة منذ أن استوزر أول مرة بعد انقلاب بكر صدقي العسكري وحكمت سليمان في العام 1936 ممثلاً عن جماعة الأهالي وجمعية الإصلاح الشعبي، واستمرار هذه المواقف في العهد الملكي في مواجهة عبد الإله بن علي، الوصي على عرش العراق حينذاك، كما يشير إلى سجن والده وسجنه أيضاً. ومن متابعة مذكراته يشير بأمانة وصدق بأن تعامل السلطات معه باحترام وكذلك من جانب الشخصيات السياسية العراقية البارزة، كانت نتيجة لكونه ابن كامل الچادرچي، ولكنها كانت لدوره ومواقفه السياسية أيضاً، وفي هذا التقدير موضوعية عالية وتواضع أمام شخصية متميزة كوالده، إضافة إلى إنه قد تعلم من الوالد جملة مسائل أهمها، صلابة الموقف والجرأة في المواجهة، إضافة إلى الصراحة والوضوح في إعطاء الرأي واتخاذ الموقف الحازم. ويشير نصير الچادرچي بصدد ما حمله معه من نهج وسلوك وممارسات من بيت والديه إلى الآتي:
"إن حديث أي إنسان عن حياته طيلة فترة خمسة وثلاثين عاماً قضاها من عمره يحتاج إلى مئات الصفحات، ولكن بالنسبة لشخص تربى بأجواء وطنية تحت خيمة أحد رواد النهج الديمقراطي في العراق، جالسَ ورافقَ شخصيات وطنية وديمقراطية فمن المؤكد أن يكون متذمراً وناقماً على السلوك والنهج غير الديمقراطي الذي مارسه النظام طيلة الحقبة الزمنية التي حكم بها." (مذكرات نصير الچادرچي ص 306) 
ومن هنا يمكن القول بأن مذكراته الشخصية، رغم ورود ألـ "أنا" فيها كثيراً، إلا إنها كانت في الموضع الصحيح وموضوعية دون غمط حق الآخرين أو أدوارهم، كما لاحظنا تلك الذاتية الصارخة في الكثير من كُتّاب السيرة الشخصية لمناضلين وشخصيات سياسية وثقافية عراقية. ويعطينا نصير الچادرچي صورة دقيقة عن مفاوضات تشكيل جبهة الاتحاد الوطني ودور الأحزاب فيها والعلاقات التي نشأت عبره مع الضباط الأحرار ولاسيما مع رفعة الحاج سرّي. وربما فاتته هنا الإشارة إلى أن الحزبين القوميين (الاستقلال والبعث) رفضا مشاركة الحزب الديمقراطي الكردي في جبهة الاتحاد الوطني، مما تقرر تكليف الحزب الشيوعي العراقي في أن يكون صلة الوصل بين اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردي (الكردستاني لاحقاً).
وحين تأتي المذكرات على ثورة 14 تموز 1958 يطرح نصير الچادرچي رؤية والده والحزب الوطني الديمقراطي والاختلافات التي حصلت في هذا الحزب إزاء سياسات عبد الكريم قاسم ورؤيته لمسيرة قاسم. وفي الموقف من سياسات قاسم تتباين الآراء في الساحة السياسية العراقية حتى الوقت الحاضر. ولكن تشخيصات كامل الچادرچي كانت صائبة ودقيقة، ولكنها تميزت بالشدة، وربما لم تسمح لقاسم على التراجع، إن كان التراجع ممكناً لعسكري وطني ونزيه مثله، ولكنه من حيث المبدأ لا يختلف قاسم عن العسكر في موقفه من السلطة والقناعة بأنه الحامي الوحيد للثورة، وأن الشعب هو الذي منحه هذه السلطة وعليه ممارستها بالشكل الذي يراه هو مناسباً! ولا شك بصواب التقدير القائل بفردية قاسم ونزعته في الحكم، مع الإقرار بوطنيته ونزاهته، ولكن الدرب إلى جهنم يمكن أن يمر عبر النوايا الحسنة وعن هذا الطريق أيضاً. وذكر الكاتب تفاصيل اللقاء بين عبد الكريم قاسم وكامل الچادرچي بناء على طلب الأول والطريقة التي قابل بها الثاني قاسم والتي كان فيها الكثير من القسوة والصرامة، وأقول بعض الخشونة، رغم إنها من حيث المبدأ لم تكن بعيدة عن الواقع والضرورة. وينتهي نصير الچادرچي في وصف اللقاء بما يلي:
"كان لقاءً عاصفاً كثيراً ما تداولناه في مجالسنا الخاصة.. أما انطباعي الذي خرجت به فقد كان ذا دلالتين وتحسب للشخصيتين. لكامل الچادرچي.. جرأته وصراحته وحرصه على الوطن عند أعلى المناصب في الدولة. ولعبد الكريم قاسم.. أدبه الجم واحترامه للشخصيات الوطنية" (أنظر في ها الصدد من ص 235/236).
ولنصير الچادرچي التقدير صائب عن مسؤولية عبد الكريم قاسم في انتكاسة الثورة أولاً، وفي تصفيتها عبر انقلاب شباط الفاشي عام 1963 ثانياً. إلّا إن هذا التقدير يحتاج إلى استكمال، كما أرى، وبهذه الصورة: كان قاسم المسؤول الأول عما انتهى إليه وضع العراق في عام 1963، ولكن الأحزاب السياسية العراقية دون استثناء، وأن اختلف حجم دورها ومسؤوليتها، تتحمل المسؤولية ايضاً، بسبب جموحها في المشاركة أو الوصول إلى السلطة أو محاولات تنظيم انقلابات عسكرية ضده، وبسبب ضعف وعيها وقدرتها على رؤية وقراءة صحيحة لموازين القوى والعوامل المحلية والإقليمية والدولية الفاعلة في الوضع السياسي حينذاك، أو تصلبها المبدئي. لقد تورط قاسم بمعارك داخلية وخارجية عديدة في آن واحد من جهة، ولاحق القوى الديمقراطية، ولاسيما اعتقال الشيوعيين وزجهم بأحكام قاسية في السجون، التي هي الأخرى ارتكبت أخطاءً في حينها من جهة أخرى، ثم تورط في حرب بكردستان العراق من جهة ثالثة، وقرَّبَ القوى المتآمرة ضده ووضعها في مواقع المسؤولية العسكرية والمدنية من جهة رابعة، وبهذا وفَّر قاسم الأرضية الصالحة لنجاح التآمر المحلي والإقليمي والدولي على ثورة تموز التي كانت تعيش انتكاستها قبل ذاك. ولا شك في أن لموقف قاسم غير الإيجابي والمتأثر بالحاشية العسكرية القومية القريبة منه إزاء القيادة الكردية ومطالبها حينذاك، وموقف القيادة الكردية المتعجل التي سارعت إلى إعلان ثورة أيلول 1961 ضد حكومة الثورة ودخولها في تحالف مع القوى البعثية والقومية المتآمرة ضد الجمهورية، على قاعدة عدو عدوك صديقي، قد ساعد في تسهيل مهمة القوى البعثية التي جاءت بقطار أمريكي-بريطاني إلى السلطة. يقدم نصير الچادرچي لنا لوحة پانورامية عن ثورة تموز والسياسات الإيجابية والسلبية التي مارستها قادة الثورة وبموضوعية عالية وفهم عميق لأهداف الثورة التي نُكبت بالعسكر. حين أسترجع أحداث تلك الفترة، وأنا من جيل نصير الچادرچي ذاته، أود تسجيل الرأي التالي: لقد لعب قاسم دوراً مهماً في شق وحدة الحزب الوطني الديمقراطي من خلال كسبه محمد حديد والجناح الذي تشكل في حينها إلى جانبه، واستعداد الأخير للمساومة مع قاسم، ربما بهدف إصلاحه، ولكن الحصيلة الفعلية كانت في غير صالح مسيرة الثورة ولا في مصلحة قاسم، كما إن هذا الانشقاق في الحزب الوطني الديمقراطي قد لعب دوراً سلبياً في قدرة هذا الحزب، الذي تأسس في العام 1946، والذي يحمل التراث النضالي والفكري لجماعة الأهالي وجمعية الإصلاح الشعبي منذ العام 1933، على التأثير المناسب والضروري في أحداث ما بعد ثورة تموز وعلى سياسات قاسم، خاصة وأن مساومة جناح محمد حديد ومسايرته لسياسات قاسم، قد اضعفت القدرة على تغيير سياسات قاسم. لقد لعب الحزب الوطني الديمقراطي دوراً نضاليا وإصلاحياً مهماً وحيوياً منذ تأسيسه حتى قيام ثورة تموز 1958 وكان محفزاً للنضال وواجه عنت السلطات الملكية واستبداد حكامها ولاسيما نوري السعيد، وكثيراً ما أُجبر الحزب على تعطيل نشاطه أو غلق جريدته، الأهالي ومن ثم صوت الأهالي، التي كانت مطلوبة شعبياً. كما إن قاسم لعب دوراً غير سليم في محاولته شق وحدة الحزب الشيوعي العراقي بدفع داود الصائغ إلى تشكيل حزب كارتوني حينذاك من أجل رفض منح الحزب الشيوعي إجازة عمل أو التعاون معه بذريعة وجود حزب آخر هو الحزب الشيوعي العراقي! لقد برزت لدى قاسم سياسة "فرق تسد!"، وكان مخطئاً في ذلك!   
لقد حصلت بين 1963-1968 سلسلة من الانقلابات القومية-البعثية اليمينية المتطرفة وعاني الوطنيون والديمقراطيون الأمرين على أيدي هذه النظم السياسية الاستبدادية وقواها القومية المتطرفة. ويشير نصير الچادرچي إلى اعتقاله بعد انقلاب شباط 1963 واعتقال المئات بل الآلاف من الناس الديمقراطيين والشيوعيين وأنصار عبد الكريم قاسم، وجمهرة كبيرة من المثقفين الذين التقى بهم في المعتقل ومعاناتهم من أساليب التعذيب وإساءات الحكام الجدد والسجانة. وفي هذا القسم من الكتاب، ومع إشارته إلى ما تعرض له من ضرب وإساءة، إلا إنه ركز على ما أصاب الآخرين من جور وتعذيب واضطهاد، سواء أكان في معتقل النادي الأولمبي، أم في معتقل "أبو غريب" مع المثقفين ومعاناتهم في ليالي التحقيق المريعة مع المعتقلين. إن الكاتب يقدم صورة حية لمعاناة المثقفين في ظل الحكم الفاشي والعذابات التي تعرضوا لها ومعاناة عائلاتهم. ويذكر نموذجاً واحدا عن قذارة السجانين، وليس كلهم طبعاً ويمدح منهم رؤساء العرفاء، ولم ينج من قبضة الحرس القومي ورجال الأمن البعثيين حتى المجانين من الناس أو المرضى بالصرع. ويمكن الاطلاع على هذا السلوك الهمجي على ص 254 من الكتاب. 
وغَدَرَ البعثيون والقوميون بالكرد، كما كان متوقعاً، الذين تحالفوا معهم لإسقاط حكومة قاسم، فشنوا الحرب مجدداً في كردستان العراق ضد الشعب الكردي وقيادته. ولم تمض فترة طويلة حتى انقض الحلفاء القوميون على الحكام البعثيين ليمارسوا أساليب مماثلة في تعذيب حلفاؤهم البعثيين وخصومهم الجدد وأصدروا كتاباً بعنوان (الكتاب الأسود) يتحدث عن خسة ودناءة وفضائح البعثيين، ولكنهم نسوا مشاركتهم في الخسة والدناءة والفضائح، ومساهمتهم في جريمة تنظيم قطار الموت حينذاك الذي حمل المئات من الضباط والعسكريين السجناء من بغداد في عز الصيف بقطار شحن حديدي إلى نقرة السلمان، كاد أن يهلك الجميع لولا نخوة وشجاعة أهل السماوة.
وفي الفصل الثالث، وتحت عنوان "الحياة تحت ظلال خيمة سوداء"، يكتب نصير الچادرچي مذكراته عن 35 عاماً من حكم البعثيين بالعراق، ويتطرق إلى الأوضاع في ظل النظام القومي بين 1963-1968 وعشية انقلاب القصر والمخابرات العراقية ووصول البعثيين إلى السلطة ثانية. ويشرح سياسة البعثيين في محاولة منهم تحسن قبح وجوههم بسياسات التقرب من الوطنيين والديمقراطيين والشيوعيين. ويشير إلى أحداث مهمة منها على سبيل المثال لا الحصر اتفاقية أذار للحكم الذاتي بكردستان العراق، التي أُجبر عليها البعث نتيجة تدهور أوضاع نظامه في الحرب ضد الشعب الكردي وقيادته السياسية، ثم عن محاولات البعث لوضع دستور جديد أو مع مرافقته للشاعر الكبير محمد مهدي لجواهري، ومعهما الشخصية الوطنية عبد اللطيف الشواف، في زيارة لنادي المنصور وحديثه مع سكرتير النادي كاظم الخلف، وما حصل له في النادي ورواية نصير الچادرچي الشيقة عن الشخصية النجفية التي انتقلت إلى بغداد وأقام فيها واراد أن يقيم مجلس عزاء للإمام الحسين، وطالب القارئ بعدم ذكر السنة ولا المسيحيين ولا بني أمية في حديثه، ولم يكن من القارئ إلا أن قال لصاحب الدار: "لا مانع، ولكن حينها سأقول بأن الحسين قد مات صعقاً بالكهرباء ولم يمت بواقعة الطف استجابة لطلباتك." (مذكرات نصير الچادرچي ص 313). وهنا أراد نصير الچادرچي أن يشير بشكل غير مباشر، كيف كان الناس حينذاك يتصرفون باحترام إزاء مشاعر الآخرين ولا يريدون الإساءة لأصحاب المذهب أو الدين أو الرأي الآخر بأي حال.                       
ويتطرق نصير الچادرچي إلى اعتقال شقيقه المهندس المعماري والفنان الكبير، رفعة الچادرچي، وما حصل له في المعتقل ومعاناة العائلة، ولاسيما أمه وزوجته، وسعيهم لإطلاق سراحه. وفي هذا المقطع من الكتاب يقدم لنا نصير مشهداً مسرحياً أو سينمائياً ممتازاً لنتبين منه حقيقة سلوك المستبدين في الأرض الذين لا يحترمون كرامة الإنسان ويتصرفون وفق أهواءهم وسلوكهم النرجسي والمرضي بعيداً عن الشعور بالمسؤولية إزاء الإنسان. ويشير لنا إلى كتاب "بين ظلمتين" الذي صدر بتحرير مشترك بين رفعة الچادرچي وبلقيس شرارة، زوجة رفعة. والكتاب يجسد الدكتاتورية بأبشع صورها واخس سلوكياتها وأفدح عواقبها على الفرد والمجتمع. وقد تسنى لي الكتابة والنشر عن هذا الكتاب القيم. ويمر الكاتب أيضاً على معاناة العراقيين في الحصول على شهادة الجنسية العراقية وما حصل لأبنة شقيقه باسل الچادرچي المهاجر إلى كندا (ريمة) وما حصل لها في دائرة الجنسية وقول مدير الجنسية الذي صرخ بالموظف المعرقل للعملية "إذا كانت حفيدة كامل الچادرچي ورشيد عالي الكيلاني لا تمنح الجنسية العراقية فلمن تمنحها؟ .." (ص 324) وهنا يمكن الإشارة إلى معاناة الكرد الفيلية وعرب الوسط والجنوب في تهجيرهم القسري بعد إسقاط الجنسية العراقية عنهم إلى إيران، حيث وصل عدد المهجرين قسراً بمئات الآلاف إضافة إلى معاناة المرضى والأطفال والعجزة وموت غير قليل منهم بالألغام المزروعة في الطريق.
وفي هذا الفصل يتحدث الكاتب عن الإرهاب الذي تعرض له الشعب العراقي وعن طموحات وأطماع النظام في التوسع وغزو الكويت وحرب العام 1991 بعد أن رفض نظام صدام حسين الانسحاب من الكويت والعواقب الوخيمة التي تعرض لها الشعب نتيجة تلك السياسات المناهضة لمصالح الشعب. ثم ينهي الفصل بالإشارة إلى الحرب في العام 2003 حيث تم إسقاط دكتاتورية البعث وصدام حسين واحتلال العراق من قبل القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة دون تخويل من مجلس الأمن الدولي.
ولاحظت بأن نصير الچادرچي قد تجنب ذكر ثلاث مسائل جوهرية، ربما سهواً أو بسبب حجم الكتاب، أشير إليها فيما يلي:
1.   اتفاقية الجزائر في العام 1975 والانتكاسة الشديدة التي تعرض لها الشعب الكردي وقضيته وتحالف إيران والعراق وبتأييد من الولايات المتحدة وإسرائيل في توجيه الضربة للحركة الكردية المسلحة بقيادة مصطفى البارزاني، والتي اقترنت قبل ذاك بالمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث عام 1974 وما أعقبه من بدء الهجوم على الحركة الديمقراطية العراقية وإنهاء عملي للتحالف بين حزب البعث والحزب الشيوعي العراقي وما حصل للشيوعيين والديمقراطيين بالعراق.
2.   التهجر القسري الواسع النطاق من جانب النظام العراقي للكرد الفيلية وعرب الوسط والجنوب خلال الفترة بين 1979-1980 والذي أشرت إليه في أعلاه بدعوى "تبعيتهم لإيران!"، والخشية منهم أثناء الحرب التي شنها ضد إيران في العام 1980.
3.   الحرب التي خاضها صدام حسين والقوات المسلحة ضد الشعب الكردي والحركة الكردية المسلحة وضد قوات الپيشمرگة -الأنصار الشيوعيين في العام 1988 وما حصل فيها من إبادة جماعية ضد الشعب الكردي واستخدام السلاح الكيماوي في حلبچة وغيرها، والتي راح ضحيتها عشرات الألوف من الناس الأبرياء من الكرد ومن قوميات أخرى.
لديّ الثقة بأن الكاتب والسياسي الديمقراطي المميز نصير الچادرچي له مواقف واضحة وسليمة إزاء هذه القضايا الثلاث التي وقعت بالعراق في ظل حكم البعث الدموي، قبل هيمنة صدام حسين على السلطة وفي أثناء وجود أحمد حسن البكر، وبعد المجزرة التي نظمها ضد رفاقه في الحزب ومجلس قيادة الثورة للاستيلاء الكامل والمطلق على السلطة بالعراق. ومع ذلك كان لا بد من التنويه إليها.   
 وفي بداية الفصل الرابع من كتاب المذكرات يطرح نصير الچادرچي بدلاً عن القراء سؤالاً مهماً عن موقف شخصٍ ناضل في مطلع شبابه ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية على وطنه وهو سليل أسرة وطنية قضى والده الكثير من سني عمره متنقلاً بين السجون والمواقف والحظر والمحاكمات في سبيل قضية وطنه واستقلاله ونيل شعبه حقوقه كاملة وأهمها الحرية، عن سر قبوله للأمر الواقع من وجودٍ لقوات أجنبية تهيمن على بلده بعد كل تلك السنين من النضال والطموح، فأقول تجاه ما رأيت حينها بأن (الإنسان أهم من الأرض) إلا في حالة أن تكون الأرض هي المحور والنقطة المركزية لنضال الشعب ووحدته من أجل تحريرها واستعادتها من المستعمر والدخلاء كقضية فلسطين، ووجود (داعش) في المحافظات العراقية وآخرها مدينة الموصل." (ص 335/336). هذا السؤال طرحه الكثير منّا على نفسه، ولكن قبل ذاك السؤال الأكثر أهمية هو الموقف من الحرب ذاتها والتي قادت حقاً إلى طرد النظام الدكتاتوري الفاشي، ولكنها، وبسبب ضعف وعي الشعب واستعداده للنضال ضد الدكتاتورية، كانت الحرب لا تعني سوى الاحتلال ومن ثم إقامة النظام الطائفي الذي نهض في أعقاب الحرب والعواقب التي يعيشها العراق ليس بالموصل ونينوى وصلاح الدين والأنبار فحسب، بل وفي العراق كله، ومنها ما يعيشه العراق اليوم في الخلافات المحتدمة مع إقليم كردستان العراق. لقد رفضتُ الحربَ، ولكن، وبعد وقوعها، لم يكن أمامي وأمام غيري، إلا البحث عن سبل مناسبة للخلاص من المحتل ومن الوجهة التي عملت الإدارة الأمريكية وإيران والأحزاب السياسية الطائفية على فرضها على الشعب بالعراق، فرضها النظام الطائفي المقيت الذي يعاني الشعب حالياً من ويلاته المريرة.
تشير المعطيات الواردة في المذكرات إلى الدور الذي سعى نصير الچادرچي إلى القيام به لدرء، أو السعي للوصول إلى نتائج أفضل لصالح المجتمع العراقي، وأعني بها:
1.   الموقف الرافض للتوزيع الطائفي للجنة السداسية فالسباعية، ومن ثم في مجلس الحكم الانتقالي وإصراره على أن يكون ممثلاً للحزب الوطني الديمقراطي لا ممثلا ًعن السنة، وهو موقف سليم وحصيف، إضافة إلى موقفه الرافض لأن يكون حاكم بغداد.
2.   الموقف الرافض للسرعة في وضع الدستور العراقي وإجراء الانتخابات، والتي جسدت مشاركة قوى لا يمكن إلا أن يخرج عنها دستور مشوه في الكثير من مواده واتجاهه العام، وانتخابات لا يمكن أن تأتي إلا بالنتائج السلبية التي ظهرت حيث استطاعت القوى السياسية الطائفية اجتياح المجلس النيابي. وأشير هنا إلى إن المرجعية الدينية والمذهبية الشيعية لعبت دوراً بارزاً وحاسماً ومتفقاً مع موقفي الولايات المتحدة وإيران في تعجيل وضع الدستور وتنظيم الانتخابات، وكانت النتائج كما ارادتها هذه الأطراف الثلاثة وبالضد من مصالح الشعب.
3.   الموقف الرافض لحل الجيش العراقي وعدم دفع رواتب تقاعدية لأفراد القوات المسلحة المسرحة قسراً، والذي مارسه بريمر بأمر من الإدارة الأمريكية، وما يمكن أن ينشأ عن ذلك من عواقب تجويع العائلات وإمكانية اقتناص عناصر منهم من جانب قوى الإرهاب والتطرف. وما كان يخشاه نصير الچادرچي وقوى ديمقراطية أخرى قد وقع فعلاً وبأبشع صوره.
4.   لقد أكد في محادثاته مع أطراف كثيرة إلى أهمية حصول تحالف وطني ديمقراطي بين القوى والأحزاب الوطنية والديمقراطية على صعيد العراق كله، وكذلك بمشاركة الحزبين الكرديين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ولكن من المؤسف القول بأن المكاسب الضيقة والآنية قد هيمنت على أغلب الأطراف، مما جعل من المستحيل تحقيق ذلك الهدف النبيل. وقد لعب التحالف الكردي-الشيعي دوره السلبي البارز فيما وصل إليه العراق بعد أن تخلت القيادات الكردية عملياً وفعلاً عن التعاون والتنسيق مع حليفها السابق والدائم، القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية، وركزت على التحالف مع الأحزاب الشيعية الطائفية التي تخلت عنها كلية!
5.   كما يتبين من مجرى الكتاب الجهد الذي بذله نصير الچادرچي وبقية الأخوة العاملين معه، مثل هاشم الشبلي وعبد الرزاق السعيدي وغيرهم في الوصول إلى إعادة تشكيل ونشاط الحزب الوطني الديمقراطي والمشكلات التي واجهت تشكيله والتي لعبت، كما أرى، الكثير من الذاتية والرغبة في قيادة هذا الحزب، والتي كان لها الدور البارز في فشل تلك المحاولات. لقد كان وما يزال مهماً للعراق وشعبه وجود حزب كالحزب الوطني الديمقراطي في الساحة السياسية العراقية لتجميع القوى الوطنية من فئات المجتمع وبشكل خاص ما تبقى من البرجوازية المتوسطة والبرجوازية الصغيرة والمثقفين الديمقراطيين، وكذلك من عمال وفلاحين، إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي وقوى سياسية يسارية وديمقراطية أخرى، لينتهج السبيل المناهض للطائفية والشوفينية والعنصرية ويمارس سياسة إصلاحية ديمقراطية يبعد الوطن عن الطريق المعوج الذي هو فيه الآن، وما تسبب ويتسبب به من كوارث ونكبات. وقد نشأت مراسلة بين أستاذي الفاضل نجيب محي الدين وبيني حول أهمية وجود مثل هذا الحزب وضروراته وضرورات وجود شبيبة، إناثاً وذكوراً، فيه، إذ بدونها يستحيل بناء الحزب مجدداً وتطوره ولعب دره المنشود بالبلاد.
6.   ولا شك في صواب الموقف الذي اتخذه نصير الچادرچي من اللقاء بصدام حسين يعد اعتقاله ورفضه الشماتة بهذا الأسلوب المشين الذي مارسه موفق الربيعي مع الدكتاتور الذي أذاق الشعب العراقي مرً العذاب. وقد أعلنت موقفي في حينها بأن من الأفضل للعراق التخلي عن أحكام الإعدام بما في ذلك التخلي عن تنفيذ حكم الإعدام بصدام حسين، لا من باب الرحمة به، بل من المبدأ الفعلي القائل بإن أحكام الإعدام لا تنفع أحداً ولن تغير من طباع المستبدين ولن تقدم لهم دروساً مفيدة، وخير دليل على ذلك سلوك رئيس الوزراء السابق والقائد العام للقوات المسلحة الذي انتهج في فترة حكمه بين 2006-2014 سياسات وأساليب لا تختلف كثيراً عن صدام حسين والعواقب المريعة التي نشأت عنها، وهو ما يزال يسعى لفرضها على الحكم والمجتمع وكذلك نشاطه المحموم في العودة إلى السلطة!       
لقد تضمن هذا الفصل تفاصيل مهمة غير مطروقة سابقاً، سواء أكان في الموقف من حاكم العراق الأمريكي والمستبد بأمره پاول بريمر، أم من القوى السياسية الطائفية ونهجها وسلوكياتها، أم في مجمل الأوضاع الجارية والتي دعته إلى رفض ترشيح نفسه للانتخابات الثانية التي جرت بالعراق لقناعة تشكلت لديه بأن الأوضاع تسير بالاتجاه الغلط، وهو ما وقع حقاً.
إن كتاب نصير الچادرچي، والملاحق التي جاءت في نهاية الكتاب، يشكل شهادة حية وموضوعية ومهمة عن العصر الذي نحن فيه، عن الفترة التي تقع بين 1933، وهي سنة ولادته، وعام 2017، حيث اُحتل العراق في العام 2014 من عصابات داعش والنضال لتحرير البلاد من رجس هذه العصابات والخلاص من الطائفية المقيتة المهيمنة على البلاد والعواقب التي نشأت وتنشأ عنها إن استمرت في الهيمنة على حكم البلاد. أشعر بأن المكتبة العراقية قد اغتنت بهذا الكتاب وكذلك سيغتني بمعلومات ومعارف ومواقف مهمة من يقرأ هذا الكتاب، ولاسيما الشبيبة العراقية، من الإناث والذكور.
وأخيرا أشعر بضرورة وأهمية أن أشير إلى إن الصديق ورفيق النضال الديمقراطي الطويل الأستاذ نصير الچادرچي يعتبر بحق قامة وطنية وديمقراطية شامخة قدمت للعراق وشعبه، بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية الديمقراطية واليسارية والعلمانية، الكثير من الخدمات وما يزال يقدم مثل هذه الخدمات النبيلة. إنه أبن ذلك الأب الجليل كامل الچادرچي وابن تلك العائلة الكريمة التي قدمت الكثير من الخدمات في السياسة والأدب والهندسة المعمارية والفن. أتمنى له الصحة الموفورة والعافية وطول العمر
برلين في 15/10/2017
 


36
كاظم حبيب
وماذا بعد...، وهل من سبيل للتعامل العقلاني الحكيم بين بغداد وأربيل؟

حين دعيت مع مجموعة من المثقفين العرب من العراق والدول العربية لندوة عقدت بالسليمانية بتاريخ 16 و17 أيلول/سبتمبر 2017 حول قرار السيد رئيس الإقليم بإجراء الاستفتاء بالإقليم، التي اعتبرت المناطق المتنازع عليها جزءاً من الإقليم، أبدى المثقفون العرب، وأنا منهم، رأياً صريحاً وواضحاً وصادقاً لا لبس فيه، بأن الاستفتاء غير صحيح لعوامل كثيرة ومهمة، بما في ذلك الوضع في البيت الكردي ذاته، وتساءلنا جميعاً، وماذا بعد الاستفتاء؟ لم تكن هناك أذان صاغية لرأينا، بل قوبلنا بعد ارتياح عام من الأخوات والأخوة الكرد. ولكن الكثير من مثقفي كردستان العراق جاء إلينا وقال بوضوح لا لبس فيه: أنتم على حق، فنحن نخشى العواقب، وأنه قرار غير مدروس جيداً ومتعجل، لاسيما وأن القرار يؤكد إجراء الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها، حيث يعتبر مخالفة صريحة للدستور العراقي ومحاولة لفرض الأمر الواقع في وقت ما يزال العراق، ومعه كردستان، يخوضان حربا ضد داعش. لقد عشت أسبوعاً كاملاً بالسليمانية وأربيل والتقيت بعشرات المثقفين الكرد الذين كانت مشاعرهم القومية عالية جداً، ولكن الكثير منهم أيضاً، وبعض سائقي التاكسي، الذين تسنى لي الحديث معه، عبر لي عن خشيته الكبيرة من عواقب الاستفتاء وكان هذا البعض صريحاً معي دون أن تكون لهم معرفة بي. لقد كانت الكلمات التي ألقيت في ندوة السليمانية من الأخوة الكرد ترى بأن الاستفتاء انتصاراً للشعب الكرد، وإنها فرصة نادرة لا بد من الاستفادة منها وأنهم مستعدون لمواجهة كل العواقب.
حين صرح السيد رئيس الإقليم بأن المناطق التي حررتها قوات الپيشمرگة، والتي كانت ضمن المناطق المتنازع عليها، ستبقى جزءاً من إقليم كردستان ولن نخرج منها، نشرت بتاريخ 23/08/2016 مقالاً في جريدة العالم العراقية وفي مواقع كثيرة، منها الحوار المتمدن وصوت العراق والناس ومركز النور، تحت عنوان: "ما الموقف المطلوب من مشكلات المناطق المتنازع عليها بالعراق؟" قلت فيه بأن هذا القرار غير صائب لأنه مخالف للدستور ولأنه سيتحول إلى ألغام في العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، إذ لا بد من معالجتها بطريقة دستورية وبالحوار السلمي والديمقراطي بين الطرفين. وقد جاء في مقالي المذكور ما يلي: "صدرت في الآونة الأخيرة عدة تصريحات عن قياديين مسؤولين بإقليم كردستان العراق تشير إلى أن قوات الپيشمرگة لن تنسحب من المناطق التي حررتها أو ستحررها لأنها تعتبر جزءاً من المناطق المتنازع عليها وتشكل جزءاً من إقليم كردستان وستبقى فيه. إن هذا التصريح غير مناسب في هذه المرحلة التي يخوض الجميع النضال لتحرير كل المناطق المحتلة، إذ إنه يخلق المشكلات ويعقد النضال المشترك المطلوب حالياً، وهو بالتالي خاطئ. كما إن مثل هذا الموقف لا يؤسس لحل سلمي ديمقراطي عقلاني لكل المناطق التي تعتبر ضمن المناطق المتنازع عليها، وستخلق أرضية خصبة للصراع والنزاع المستديم، بل وإلى احتمال التصعيد من قوى بعينها من الجانبين تقود إلى إشعال حرب عراقية – عراقية غير مبررة وتقود إلى سقوط ضحايا كثيرة وخسائر فادحة لا معنى لها. أشعر بأن الأخوة بالإقليم لم يفكروا جيداً بعواقب هذه الخطوة على صعيد المنطقة، خاصة وإن إقليم كردستان محاط بإعداء إلداء يسعون اليوم قبل غد إلى وأد الفيدرالية، وإن فيدرالية كردستان شوكة شديدة الألم في عيونهم. واعتقد بأن حكومة وأحزاب إقليم كردستان العراق، التي تعاني من صراعات داخلية معقدة، ستكون في وضع صعب وغير مبرر وغير مطلوب في آن، وهو ما لا ارجوه لها....، لهذا اقترح على رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق أن يدرسوا الأمر بعناية مع جميع القوى والأحزاب الكردستانية، والتمعن في الأوضاع المتوترة الراهنة لا على صعيد العراق حسب، بل وعلى صعيد المنطقة بأسرها، من أجل التعرف على كل الاحتمالات قبل اتخاذ قرار من هذا النوع، ولاتخاذ القرار السليم والمناسب الذي يحافظ على العلاقة النضالية المشتركة والمديدة بين الشعبين العربي والكردي وبقية القوميات بالعراق. " (الحوار المتمدن بتاري 23/8/2016). لم تجر إعادة النظر بهذا الموضوع فحسب، بل اتخذ، كما أرى، إجراء خاطئ أخر هو الاستفتاء، وهو الأمر الذي فاقم المشكلة وعمقها في ظرف غير مناسب تماماً، والذي أدى إلى ما نحن فيه الآن!
ولكن الآن، وبعد أن تم الاتفاق بين أطراف في البيت الكردستاني مع الحكومة الاتحادية باستعادة القوات والإدارة العراقية المشتركة للمناطق المتنازع عليها كلها تقريباً، لا بد من العودة إلى التفكير بحلول ديمقراطية حول العلاقة الأخوية والنضالية المشتركة مع الشعب الكردي والقوميات الأخرى بإقليم كردستان أولاً ومع الشعب العربي بالعراق ثانياً، وتنظيم العلاقات والإدارة الديمقراطية المشتركة في المناطق المتنازع عليها بما يسهم في تعزيز الأخوة والصداقة والتضامن بين جميع القوميات بالعراق الجمهوري الديمقراطي المنشود.
إن العلاقة السليمة مع الإقليم بحاجة إلى إعادة النظر بالدستور العراقي وإلى وضع قوانين حاكمة لهذه العلاقة على الصعيدين الداخلي، بما في ذلك موضوع النفط والمالية والصلاحيات والحقوق والقوات المسلحة.. الخ، والعلاقات الخارجية أيضاً، على وفق أسس الفيدرالية المعروفة دولياً والمجربة جيداً، بما يساعد على تجنب الخلافات والمشكلات بسبب المواد الدستورية الحمالة لأوجه عديدة.           
وإذا كان العراق بحاجة إلى التغيير والديمقراطية والخلاص من الطائفية ومحاصصاتها والفساد، فأن الوضع بإقليم كردستان العراق هو الآخر بحاجة إلى التغيير والديمقراطية والحياة الدستورية والبرلمانية السليمة وحرية الصحافة ومحاربة الفساد، كما إنه بحاجة، وكذلك العراق كله، إلى برامج للتنمية الاقتصادية والبشرية، وبشكل خاص للخلاص من الاقتصاد الريعي والاستهلاكي والعمل الجدي لبناء صناعة وطنية وزراعة حديثة ومتنوعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير الأمن الغذائي والاقتصادي، بخلاف الوضع الراهن حيث لا أمن غذائي ولا اقتصادي والاعتماد على موارد النفط الخام لا غير بالعراق ومنه الإقليم ايضاً، والذي لم ولن يساهم في تقدم العراق كله بما فيه الإقليم.
واليوم وبعد أن حصل ما حصل على الحكومة الاتحادية ان تتخذ مواقف صارمة إزاء التجاوزات التي وقعت وما تزال ترتكب ضد الكرد في المناطق المتنازع عليها والتي تقود إلى مزيد من التوتر والصراع والنزاع الدموي، كما حصل في خانقين والتون كوبري وكركوك وغيرها. إن قرار سحب "قوات الحشد الشعبي: من المناطق المتنازع عليها، بما فيها جماعات "الحشد الشعبي" المحلية مثل "الحشد التركماني والحشد العشائري، سيساعد على إبعاد محاولات الانتقام والإساءات أو التهجير القسري، كما حصل مؤخراً والعمل على إعادة من هجر قسراً أو بسبب خشيتهم من الانتقام إلى مناطق سكنهم.
إن من واجب الأخوة الكرد أن يسعوا إلى إعادة لملمة صفوفهم والدخول بحوار جاد ومسؤول مع الحكومة الاتحادية لتحقيق النتائج المرجوة والعادلة لكلا الطرفين. إن من واجب الطرفين الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت في الفترة المنصرمة وبجرأة من أجل معالجة المشاكل القائمة بروح الأخوة والصداقة والتضامن ولصالح المجتمع العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية المتعددة.
لنعمل من أجل التغيير وانتصار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات واتباع الديانات والمذاهب بالعراق كله، ولنعمل على دحر الطائفية والشوفينية والفساد والإرهاب والتدخل الخارجي في الشأن العراقي. لندحر كل القوى المتطرفة والساعية إلى تأجيج الصراعات والنزاعات الدموية والمليئة بالحقد والكراهية والتي أشار إليها رئيس الوزراء في خطاباته الأخيرة والذين مارسوا الاستبداد والقسوة والفساد في فترة حكمهم بين 2006-2014 والعواقب الوخيمة لتلك السياسات الطائفية المذلة للشعب وقواه الديمقراطية. 
       

37
كاظم حبيب
لتتوقف التحشيدات العسكرية المتبادلة، ليحتكم الجميع للعقل والحوار
في الوقت الذي يتعاظم قلق الناس بالعراق كله حين يرون ويسمعون عن تحشيدات عسكرية كبيرة ومتسارعة من جانب القوات العراقية وقوات الپيشمرگة الكردستانية، وتزداد الخشية من احتمال وقوع صدام عسكري في نقطة ما ليمتد لهيبها إلى كركوك كلها ثم إلى كل المناطق المتنازع عليها وإلى كردستان والشمال كله، تتعالى في الوقت ذاته الأصوات الخيرة والعاقلة الداعية إلى إعمال العقل والعودة إلى الحكمة ودروس الماضي من كون الحروب لا تعالج المشكلات بل تزيدها تعقيداً، وأن الحروب لا يمكن إلا أن تلد حروب أخرى، والدم ينزف دماً، على حد قول الشاعر الجواهري الذي تغنى بكردستان وشعبها.
في هذا الوقت بالذات ترتفع أصوات المتشددين والمتطرفين والشوفينيين الداعية إلى الحرب وتطويق كردستان وتجويعها وكسر شوكة الشعب الذي أعطى رأيه بالاستفتاء في 25/09/2017 2017. إن هذه الأصوات الجاعرة لا تختلف قطعاً عن تلك الأصوات التي كانت تبث سمومها في فترة حكم البعث والدكتاتور الأرعن صدام حسين وحديثه المخزي عن "الجيب العميل!". وها هي إذاعة العراقية تحشد كل من هب ودب من المناوئين للشعب الكردي ليتحدثوا عن ضرورات إنهاء المعركة بسرعة ونقد الحكام بسبب تساهلهم مع الكرد وما حصل بكركوك. 
علينا أن نعلم جميعاً بأن لا يمكن لأي طاغية أو عنصري بشع أن يمنع أي شعب عن الإدلاء برأيه أولاً أو المطالبة بحقه في تقرير المصير. ولكن والإدلاء بالرأي لا يعني نهاية المطاف وبدء الانفصال. وبالتالي فلا معنى من المطالبة بإلغاء أو تجميد الاستفتاء. فما حصل قد حصل، وعبر الشعب الكردي عن رأيه وكان الجميع يتوقع ذلك بالقطع. وعلى الحكومة العراقية أن تبتعد عن عمليات التصعيد ولا تتماثل مع ما تمارسها الحكومتان المستبدتان في كل من إيران وتركيا لخنق الشعب الكردي والانتقام منه لجرأته ونضاله وحصوله على الفيدرالية، والتي لم تكن هدية من الحكومة العراقية بل اكتسبت بنضال هذا الشعب وتضحياته الجسام وبمساندة الشعب العربي وبقية القوميات بالعراق.
إن مطالبة الشعب الكردي بالكف عن طرح مسألة حقه في تقرير المصير لا يجسد وعياً بالحق الدولي لكل الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ودون وصاية من أحد. وعلى حكومات المنطقة التي فيها أجزاء من الأمة الكردية المقسمة أن تعترف للشعب الكردي في كل منها بحقه الثابت في تقرير مصيره.
صحيح إن طرح الاستفتاء في هذه الفترة وفي الظروف التي يمر بها العراق لم يكن مناسباً، وقد عبرت عن هذا الرأي مراراً وتكراراً لا من منطلق قومي أو شوفيني بل من مصلحة الشعبين وبقية القوميات في هذا الظرف العصيب الذي ما يزال يمر العراق كله بسبب الحرب ضد عصابات داعش المجرمة ولأسباب أخرى بينتها في أكثر من مقال ولقاء. ولم يكن هذا الاستفتاء المتعجل سوى هروبا إلى الأمام من تلك المشكلات الصعبة التي كانت تواجهها سياسات الحكم بالإقليم، وكان الأفضل اختيار وقت آخر لمثل هذه الخطوة وحين تكون كردستان قد وفّرت مستلزمات فعلية لتحقيق هذه الخطوة وما يفترض أن يأتي بعدها.
ومع ذلك فالاستفتاء قد حصل، وليس خاتمة المطاف، كما عبَّرت عن ذلك القيادات الكردية ذاتها، وعلى الحكومتين تقع مسؤولية البدء بالحوار والتفاوض السلمي والديمقراطي لمعالجة المشكلات القائمة التي ستحل مشكلة الاستفتاء من نفسها، فلم يكن قد وقع الاستفتاء لو كانت الحكومات العراقية المتعاقبة قد عالجت المشكلات القائمة، وخاصة مشكلة المناطق المتنازع عليها على وفق ما حدده الدستور العراقي، وعلى وفق الفترة الزمنية المحددة لذلك. إلا إن التسويف والمماطلة وتجاوز الفترة الزمنية والتعقيدات المتفاقمة التي نشأت في فترة حكم رئيس الوزراء السابق هي التي أوصلت الأمور إلى الطريق الراهن والذي يبدو وكأنه مسدود. ولكن ليس هناك من طريق مسدود وعلينا سلوكه، إنه طريق الحوار والحل السلمي الديمقراطي لكل المشكلات العالقة، ولا يمكن لطبول الحرب أن تعالج المشكلة بل لتدق أجراس السلام في كركوك وفي كل العراق.
لنرفع جميعاً شعار السلام وليس الحرب الطريق لحل المشكلات العالقة.
لتخرس كل الأصوات الناعقة والداعية للحرب والموت والدمار، ليخرس كل المتطرفين والمتشددين والشوفينيين في الطرفين.     
     

38
د. كاظم حبيب
هل شاخ الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني أم تخلى عن مبادئ الاشتراكية؟
لم يعد طرح هذا السؤال غريباً عن الأوساط السياسية والشعبية بألمانيا: هل شاخ الحزب الاشتراكي الألماني، أم أنه قد تخلى عن مبادئه الأساسية التي تشكل المضمون الأساسي للاشتراكية، أم شاخت قيادته وكوادره وخطابها السياسي؟ ولم تترك الصحف الألمانية الكبيرة والمعروفة عن نشر المقالات والنقد لهذا الحزب وطرح الكثير من الأسئلة التي تصب بنفس الوجهة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر جريدة الوقت الأسبوعية Die Zeit، أو جريدة برلينر تسايتونگ Berliner Zeitung ، أو جريدة نويس دويتشلاندNeues Deutschland   اليسارية، أو جريدة فرايتاگ. Freitag  كما إن هناك أسئلة أخرى تثار منها مثلاً: لماذا يطرح مثل هذا السؤال منذ سنوات؟ ولماذا لا يلقى صدى ورد فعل إيجابي من جانب قيادة هذا الحزب، وهم يرون كيف تتراجع شعبية حزبهم؟ نحاول في هذه المقالة تقديم رؤية اجتهادية للعوامل الكامنة وراء هذه الظاهرة وبشكل مكثف.
تشير المعطيات المتوفرة عن النتائج التي حققها الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني في عدد من الدورات الانتخابية للبرلمان الاتحادي منذ العام 1949 حتى العام 2017 إلى اللوحة الأتية لعدد منها:

Vgl.: Bundestag.de, Ergebnisse der Bundestagswahlen.
وإذا كانت النتائج في الدورات الانتخابية خلال هذه الفترة الطويلة متقلبة من دورة إلى أخرى، إلا إنها لم تنخفض عن الثلاثين بالمئة إلا في العام 1949، ثم بدأت بالصعود والتقلب والتراجع المستمر منذ العام 2005 حتى الوقت الحاضر. وأسوأ النتاج ظهرت في الدورة الانتخابية لعام 2017. فما هي العوامل الكامنة وراء هذا الواقع بألمانيا؟ في ضوء الدراسات والمناقشات المنشورة يمكن تشخيص عوامل عدة عامة تشمل الأوضاع بألمانيا كلها، بل وأوروبا عموماً من جهة، وعوامل أخرى تخص أزمة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني من جهة أخرى؟                                                 
فمنذ  منتصف الثمانينات من القرن الماضي، ولاسيما منذ انهيار النظام السياسي بالاتحاد السوفييتي ومعه النظم السياسية بأوروبا الشرقية، وكذلك ألمانيا الديمقراطية، وإقامة الوحدة الألمانية، تفاقم ممارسة الحكومات الألمانية المتعاقبة لاتجاه سياسي واقتصادي واجتماعي يميني، ووجد تعبيره في توجهات مماثلة داخل المجتمع الألماني. وإذا كان هذا التوجه قد بدأ منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي بممارسة سياسات اللبرالية الجديدة التي انطلقت من الولايات المتحدة وبريطانيا وشملت العالم الرأسمالي كله ، تنامى أكثر فأكثر في العقد الأخير من القرن العشرين وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية وتجلى في الانقضاض على المكاسب الاجتماعية التي تحققت خلال فترة الحرب الباردة بين المعسكرين وتقليصها، وفي التشدد مع طالبي اللجوء وإجراء تغييرات متشددة في القوانين والقواعد المنظمة للجوء، وكذلك في الموقف من وجود الأجانب بألمانيا. يضاف إلى ذلك بروز نهج متصاعد في الأوساط الشعبية مناهض للسامية أو لليهود، إذ بدا واضحاً في ارتفاع عدد الجنح والإساءات التي ترتكب في مقابر اليهود أو التحرش بهم.. الخ. "فبحسب التقرير الذي أعدته لجنة مكونة من خبراء عن معاداة السامية في ألمانيا، يساور اليهود في ألمانيا قلق على أمنهم بشكل متزايد بسبب التجارب اليومية المعادية للسامية. لذا طالبت مجموعة الخبراء الذين تم تعيينهم من جانب البرلمان الألماني "بوندستاج" بتحسين سبل تسجيل الجرائم المعادية للسامية والمعاقبة عليها وكذلك تعزيز خدمات تقديم المشورة لضحايا معاداة السامية، ولكن الخبراء حذروا في الوقت ذاته من التسرع في الاستنتاجات. وجاء في التقرير أنه على الرغم من أن معدل الآراء المعادية للسامية بين الشباب ذوي الخلفية المجتمعية المسلمة يزيد على ما هو عليه بين غير المسلمين، وعلى الرغم من أن المهاجرين الوافدين بصفة خاصة من دول عربية وشمال أفريقية يميلون لمعاداة السامية، فإن المسلمين الأكبر عمرا وغير المسلمين يختلفون عن ذلك قليلا. وأفترض الخبراء وجود نحو 20 بالمئة من معاداة السامية الكامنة داخل المواطنين الألمان بشكل إجمالي." (راجع: يهود ألمانيا يشعرون بالتهديد من تزايد العداء للسامية بين المسلمين، تقرير، نشر في موقع المصراوي في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2017). وجاء في تقرير عن معاداة اليهود في الحياة اليومية بألمانيا نشر على موقع دويتشة فيلة DW ما يلي: "وصف الحاخام دانييل ألتر تعرض اليهود لشتائم وإهانات وحتى لاستخدام العنف ضدهم، بأنه "أمر عادي كليا في ألمانيا"، مشيرا إلى أن حوالي ثلث الألمان معادون لليهود. ويضيف: "معاداة اليهود ظاهرة منتشرة في جميع فئات المجتمع". وأصبحت هذه الظاهرة "مقبولة اجتماعيا"، كما يقول ألتر الذي تولى في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي منصب مفوض الجماعة اليهودية في برلين لشؤون مكافحة معاداة السامية." (نشر بتاريخ 04/02/2017، وأخذ المقتطف بتاريخ 10/10/2017). 
أما بالنسبة لمعاداة الأجانب فقد أظهرت نتائج استطلاع للرأي أعده محاضرون في جامعة "لايبزيج" الألمانية، زيادة عداء الألمان تجاه المسلمين واللاجئين والغجر خلال العام الحالي (2016)، بنسبة تفوق نظيرتها خلال عامي 2011 و2014.  فتتراوح نسبة الرافضين للأجانب بألمانيا بين 40-45% في العام 2016." كما "أعرب 50% من المشاركين في الاستطلاع عن شعورهم بأنهم غرباء في بلدهم بسبب المسلمين في البلاد، في حين كانت النسبة 36،6%  عام 2014، و26،1% في 2011". (راجع: استطلاع: ارتفاع نسبة العداء ضد المسلمين واللاجئين بألمانيا خلال 2016، تقرير نشر في موقع فيتو Veto، في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2017).
تقترن هذه الظواهر السلبية، سواء أكانت بألمانيا أم بالاتحاد الأوروبي عموماً وخلال السنوات العشرين المنصرمة، بأزمة الديمقراطية التي تعاني منها ألمانيا وكذا الاتحاد الأوروبي، ولاسيما في العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، والحكومة والأحزاب السياسية والبرلمان والحكومات المحلية ومجالسها من جهة أخرى، وتراجع شديد في مصداقيتها بين أوساط المجتمع. وفي ذات الوقت تنامي دور القوى والأحزاب اليمينية ونشاطاتها في المجتمع ودخولها في المجالس المحلية وفي مجلس النواب الألماني. وفي الانتخابات الأخيرة مثلاً فاز الحزب اليميني الراديكالي المسمى „البديل لألمانياAlternative für Deutschland " (AfD) بنسبة تصويتية عالية بلغت 12,6% في انتخابات عام 2017 في حين لم يحز في انتخابات عام 2013 أكثر من 4,7% والتي لم تؤهله الدخول في البرلمان الاتحادي الألماني، إذ لم يحصل على النسبة المحددة دستورياً، وهي 5%. وولكن ما هي أسباب هذه الظواهر السلبية؟ فيما يلي محاولة تشخيص بعض المشاكل التي تدفع بهذا الاتجاه اليميني في المجتمع الألماني:
** ضعف العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، والسلطة السياسة والبرلمان الاتحادي والمجالس المحلية من جهة أخرى وتراجع في استشارة الشعب في معالجة مشكلاته واعتماد التمثيل النيابي مع تقلص شديد في العلاقة بين النائب وناخبيه خلال الدورة الانتخابية وعدم الانتباه لحاجاته والتغيرات الطارئة على المجتمع الألماني.
** اتساع الفجوة (المقص) بين الأغنياء والفقراء بألمانيا، بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء، بحيث أصبحت الصحف الألمانية، حتى اليمينية والمحافظة منها، تشكو من هذه الظاهرة وتخشى من عواقبها. فقد أشار النائب اليساري گريگوري گيزي إلى أن 10% من السكان يملكون 61% من صافي الثروة لعام 2011 بألمانيا«، وأن عدد أصحاب اليورو المليارديرية بألمانيا بلغ 830 ألف في العام 2012 بعد أن كان 720 ألف في العام السابق له، أي بزيادة قدرها 110 ألف ملياردير في سنة واحدة رغم الأزمة التي تلف العالم الرأسمالي". والاتجاه في ارتفاع مستمر. ويؤكد ذلك ما يشار في الصحافة إلى ارتفاع في عدد المليارديرية والمليونيرية من جهة، وارتفاع مستمر في عدد الذين يقعون تحت خط الفقر المحدد لدول متقدمة مثل ألمانيا، وازدياد عدد الأطفال الذين يعانون من فقر عائلاتهم. فقد بلغت نسبة الفقراء في العام 2005 (14,7%) من مجموع السكان، وارتفعت هذه النسبة في الأعوام اللاحقة لتصل في العام 2017 إلى (15,7%)، أو ما يعادل 12,9 مليون نسمة في هذا العام. (راجع 2016 و2017(Zeit online. تعتبر العائلة الألمانية فقيرة حين يكون دخل المرأة أو الرجل مع طفل لا يزيد عن 970 يورو في الشهر، وعن 1097 يورو مع طفلين شهرياً، والفقير هو من يقل دخله الشهري 60% عن متوسط دخل الفرد. (ceco.de,Armutgrenze: (   
** اتساع الفجوة في مستوى معيشة الفئات الاجتماعية, وارتفاع نسبة التضخم السنوية، ولكن بشكل خاص ارتفاع إيجارات السكن، بسبب المضاربات بالعقار ودور السكن، ونقص كبير ف عرض الشقق المخصصة للعائلات التي تستحق المساعدة الاجتماعية، وضعف الاستثمارات الحكومية والخاصة الموجهة لهذا الغرض. وهذه الزيادة تجهز على نسبة ارتفاع المدخولات لذوي الدخل المحدود مما يقلص من صافي الدخل المتحقق لهم ويسمح بتراجع مستوى معيشة هذه الفئات الفقيرة ومحدود الدخل من المجتمع. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع في عدد المشردين وبدون مأوى والمحتاجين إلى المساعدة الاجتماعية.
** ومع تقلص عدد العاطلين عن العمل خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغت في نيسان/أبريل من العام 2017 نسبة قدرها 5,8%، إلا إنها ما تزال عالية بين الأجانب، وبشكل خاص بين القادمين الجدد الذين لا يجدون عملاً لهم، مما يدفع بالبعض الكثير منهم إلى بيع جسده في سوق العهر الألماني غير الرسمي. فأخر تقرير نشر في جريدة برلينر تسايتونگ يوم 09/10/2017 أشار إلى ما يلي:" من يتمشى في البارك الكبير لمنطقة تيرگارتن ببرلين سيصطدم بظاهرة غريبة صبية قاصرين وشباب من اللاجئين يبيعون جسدهم بين أشجار البارك لقاء نقود قليلة. وأغلب هؤلاء اللاجئين جاءوا من أفغانستان وباكستان وإيران". (Berliner Zeitung, Nr. 235, Montag, 09.10.2017; S. 17)، علماً بأن هذه الظاهرة لا تقتصر في وجودها على برلين بل هناك تقارير تشير إلى انتشارها في محافظات ألمانية أخرى.
** ضعف سياسة الاندماج الاجتماعي للأجانب عموما ومنذ السبعينيات من القرن الماضي، ولم تتحسن كثيراً رغم النقد الموجه للحكومة بهذا الخصوص، ولكن وبشكل خاص أولئك الذين بدأوا يفدون إلى المانيا كلاجئين خلال الفترة 2015-2016 بسبب الحروب في الشرق الأوسط وغرب أسيا والأوضاع السيئة للكثير من المجتمعات في أفريقيا. وقد استقبلت ألمانيا مئات الآلاف من اللاجئين إليها خلال عامي 2015 و2016 بحيث عجزت أجهزة الإدارة تنظيم القادمين، وتوفير الظروف المناسبة لهم، مما أدى إلى ارتفاع مستوى التذمر في صفوف المجتمع واستخدم بنذالة من قبل القوى اليمينية واليمينية المتطرفة ضد السياسات الحكومية وضد الأجانب أيضاً.     
** التراجع الشديد في معالجة المشكلات الاجتماعية المتزايدة بألمانيا بسبب غياب برنامج على صعيدي أوروبا وألمانيا لهذا الغرض، مما ساهم في بروز فجوة متسعة في مستوى المعيشة والامتيازات وفي المعالجة الطبية وفي التعليم ورياض الأطفال ...الخ. وقد بدأت الصحافة تنشر معلومات غير قليلة عن غياب المساواة في مجالي التعليم والصحة ووجود مستويين متمايزين للأغنياء وللفقراء.   
** ومن الجدير بالإشارة إلى إن الأحزاب المحافظة واليمينية، في محاولة منها لوقف تقدم القوى اليمينية المتطرفة، تحاول أن تنافسها، بل وتتجاوزها في بعض الأحيان، في طرح الشعارات اليمينية التي لا تضعف التوجه اليميني في المجتمع بل تعززه، ويستفيد منه اليمين المتطرف.     
أما على صعيد الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني فأن الكثير من الدراسات والمقالات ومتابعتنا الشخصية لأوضاع هذا الحزب تؤكد تأثير عوامل مهمة تتسبب في ضعفه والتي يمكن بلورتها فيما يلي:
1. من حيث المبدأ لا يعتبر أي حزب سياسي هدفاً بذاته، بل هو وسيلة أو أداة لتحقيق أهداف الجماعة التي تشكل هذا الحزب أو ذاك، والتي بدورها تعبر أو تسعى للتعبير بهذا القدر أو ذاك عن مصالح فئة أو فئات اجتماعية بعينها. وبالتالي فالأحزاب كوسيلة لا تشيخ، بل بمرور السنين تتراكم لديها الخبرة والتجربة والدروس التي يمكن أن تنفع قيادات الأحزاب وأعضائها في وضع استراتيجياتها وتكتيكاتها. إلا إن من يشيخ في الأحزاب هي القيادات التي لا تتغير لسنوات طويلة ولا تتطعم باستمرار بدماء شابة جديدة ممتلئة حيوية ودفقاً جديداً وقادرة على تقديم مبادرات تسهم في تجديد وتوسيع وتطوير علاقة الأحزاب بالواقع وبالحداثة والمجتمع، ولاسيما الشباب من الذكور والإناث، وتحمل معها تطلعات الشباب وحاجاتهم، وتتخلص من خطابها القديم الذي ربما بلى وتخشب. وإذا حاولنا رؤية ما جرى ويجري في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني خلال العقود الثلاثة الأخيرة فيمكن القول بأن هذه القيادة لم تعرف التجديد الضروري في قوام القيادة وفي توزيع المسؤوليات في الحزب والبرلمان وفي المسؤوليات الحكومية على مستوى المركز والمحافظات، وبالتالي حافظ كبار السن على مواقعهم الأساسية ورفضوا بعناد التنازل عنها لمن هم من أصغر سناً منهم، دع عنك الشبيبة. وهذه المعاناة جعلت الحزب يبدو وكأنه قد شاخ فعلاً، في حين أن الشيخوخة قد شملت القيادة والكوادر وأساليب وأدوات العمل والخطاب السياسي.
2. والمسألة الأكثر تأثيراً على علاقة الحزب الديمقراطي الاجتماعي بأوساط الشعب وأصحاب الدخل المتوسط والمحدود وجمهرة المثقفين تبرز في تخلي الحزب عن عدد من المبادئ الأساسية التي التزمت بها أحزاب الأممية الثانية وميزتها عن الأحزاب البرجوازية بألمانيا وعموم أوروبا، رغم وجود تباين جوهري بين أحزاب الأممية الثانية في فترة تشكيلها ولسنوات طويلة لاحقة، وبين أحزاب الديمقراطية الاجتماعية للفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، ولاسيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومساوماتها مع البرجوازية الكبيرة في بلدانها. وأبرز ما لوحظ على هذا الحزب بألمانيا هو تراجعه عن الدعوة الجادة والعمل الفعلي لصالح مبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، والعمل على تحقيق المساواة بين المواطنين، وضعف دور المرأة في الحزب وقياداتها والمساواة بينها وبين الرجل في الكثير من جوانب الحياة ومنها الأجر مقابل العمل نفسه. يضاف إلى ذلك استمرار التمايز بين شرق ألمانيا وغربها رغم مرور 30 عاماً على قيام الوحدة الألمانية والذي يبرز في الرواتب التقاعدية ورواتب الموظفين وفي الأجور وبين المرأة والرجل في غير صالح شرق ألمانيا، وكذلك في بطء تطور الشرق مما يؤدي إلى انتقال الكثير من الشبيبة إلى غرب ألمانيا لنقص في فرص العمل وارتفاع حجم البطالة.
3. كما برز بوضوح ضعف اهتمام الحزب الديمقراطي الاجتماعي بالمشكلات الاجتماعية التي تواجه المواطن والمواطنة بألمانيا وعلى المستوى الأوروبي، وضعف برنامجه في هذا المجال، وبشكل خاص بالنسبة للطبقة العاملة صغار المنتجين وأصحاب المحلات الفردية والفئات الأكثر فقراً في المجتمع. وبهذا ترك الحزب هذه الفئات تواجه استغلال متفاقم من جانب كبار الرأسماليين والاحتكارات الرأسمالية المحلية والدولية، ومضاعفة أرباحها، في حين تعاني الفئات الفقيرة من شظف العيش وتراجع مكاسبها الاجتماعية.
4. وفي فترة التحالف بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر برئاسة المستشار گيرهارد شرودر مستشاراً لألمانيا نفذ  ما أطلق عليه بـ "اجندا 2010" التي اعتبرت عملية إصلاح النظام الاجتماعي وسوق العمل بألمانيا والذي ألحق اضراراً فادحة بالفئات الفقيرة والعاملة وذوي الدخل المحدود ...الخ والتي رفضت من أغلب سكان المانيا ورحبت به الفئات المالكة لوسائل الإنتاج والاحتكارات الكبيرة، وكانت له عواقب سلبية على سمعة وشعبية الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر في آن. 
5. إن التحالف بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني والحزبين الديمقراطي المسيحي والاجتماعي المسيحي منذ العام 2005، والذي استمر حتى انتخابات عام 2017، قد أضعف تأثير الحزب في سياسة الدولة الألمانية وأضعف مصداقيته لدى أوساط الشعب الألماني، وبالتالي كانت النتيجة رفض المجتمع لمثل هذا التحالف بين الحزبين الكبيرين الديمقراطي الاجتماعي والديمقراطي المسيحي المتحالف مع الحزب الاجتماعي المسيحي، من خلال تراجع القوة التصويتية لهذه الأحزاب في الدورة الانتخابية لعام 2017.     
6. إن هذه الحقائق تؤكد بأن الحزب الديمقراطي الاجتماعي قد خضع لقوى الجناح اليميني في الحزب والمجتمع في صياغة أهدافه وشعاراته وفي ممارساته اليومية، مما أضعف القوى اليسارية فيه وفي المجتمع، وتجلى ذلك في استعداده للمساومة والموافقة على الكثير من سياسات الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي المسيحي التي لم تحظ بتأييد المجتمع وكانت سلبية، سواء أكان ذلك في موضوع الحد الأدنى للأجر، أم بصدد نسبة الضرائب التي يفترض أن تفرض على كبار الشركات الرأسمالية الاحتكارية وكبار الرأسماليين، أم بصدد زيادة الراتب التقاعدي للمتقاعدين وتحول الكثير منهم إلى حالة الفقر رغم عملهم الشاق لعقود عديدة، أو الموقف من تصدير المزيد من الأسلحة إلى الدول النامية ومناطق النزاع الساخنة وإلى النظم الرجعية والمعادية للديمقراطية ... الخ.
7. ورغم بروز فرصة تشكيل تحالف سياسي بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب اليسار وحزب الخضر لتشكيل الحكومة الاتحادية في ضوء نتائج انتخابات سنة 2013، رفض الحزب الديمقراطي الاجتماعي تشكيل الحكومة، ودخل في تحالف مع الحزبين المسيحيين، مما أفقد المجتمع الألماني فرصة تحقيق التغيير النسبي المنشود في السياسات الألمانية على الصعد المحلية الأوروبية والدولية. وقد عوقب هذا الحزب في العام 2017 بتراجع نسبة المصوتين له وبخسارة أكثر من خمس نقاط، في حين ارتفع رصيد حزب اليسار وحزب الخضر وعدد المصوتين لهما نسبياً.   
من هنا يمكن القول بأن الحزب الديمقراطي الاجتماعي لم يشخ، بل الشيخوخة شملت قيادته التي عشقت الكراسي على حساب مصالح المجتمع، ولاسيما الفقراء منهم، وتخليه عن الجوهري من المبادئ الاشتراكية ولاسيما العدالة الاجتماعية وفي تخشب خطابه السياسي والاجتماعي. ومن هنا حاول رئيس الحزب الجديد مارتين شولتزMartin Schulz ، الذي ورث القيادة من قائد الحزب اليميني سيغموند غابريل، أن يعيد الاعتبار لشعار الحزب المركزي "العدالة الاجتماعية" نظرياً، ولكنه أصبح رئيساً للحزب في وقت قصير قبل الانتخابات ولم يتسن له بلورة وطرح برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي متكامل يُظهر فيه الفوارق بين أهداف وسياسات حزبه الديمقراطي الاجتماعي وبين أهداف وسياسات اتحاد الحزبين المسيحيين المحافظ. كما بدأ بمحاولة تغيير في قيادة الحزب بعد ظهور نتائج الانتخابات مباشرة حين وضع وزيرة العمل السابقة ونائبة رئيس الحزب اندريا ناليس  Anderea Nahles رئيسة للكتلة البرلمانية الاتحادية للحزب في البرلمان الاتحادي الألماني، وهي السيدة التي تقود الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، وبالتالي فهو بذلك أعطى دفعة أولي جديدة نحو اليسار، إذ ربما يتبلور بشكل أفضل في مؤتمر الحزب القادم. ولا بد من الإشارة بأنها ولأول مرة في تاريخ هذا الحزب تنتخب امرأة لقيادة الكتلة البرلمانية الديمقراطية الاجتماعية في البرلمان الاتحادي منذ تأسيس الدولة الألمانية الاتحادية عام 1949.     
وفي ضوء نتائج الانتخابات ومن أجل بذل محاولة استعادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي لتوازنه وعلاقته بالمجتمع والطبقة العاملة والفئات المتوسطة والفقيرة من خلال تأكيد جوهر مبادئه الاشتراكية والسعي لاستعادة تأييد مزيد من بنات وأبناء الشعب الألماني له باعتباره حزب شعبي، ومن أجل تمييز نفسه عن الاتحاد المسيحي الديمقراطي، رفض الحزب المشاركة في الحكم التي جلبت للحزب والمجتمع الكثير من المشكلات، في تحالف مع الاتحاد المسيحي، وقرر البقاء في المعارضة إلى جانب حزب اليسار. وتحاول السيدة ميركل تأليف حكومة جديدة تتشكل من أربعة أحزاب هي الديمقراطي المسيحي والاجتماعي المسيحي والديمقراطي الألماني الحر (اللبرالي) وحزب الخضر. ويطلق على هكذا تشكيلة بتحالف جامايكا لأنه ألوان هذه الأحزاب هي الألوان التي يتشكل منها علم جامايكا: أسود وأصفر وأخضر. وسوف لمن يكون سهلاً تشكيل مثل هذه الحكومة، وستبذل الكثير من الجهود والمساومات المتابدلة لتشكيلها إذ بدون ذلك لا بد من إجراء انتخابات جديدة، إذ أعلن الحزب الديمقراطي الاجتماعية المشاركة مع الاتحاد المسيحي في تشكيل الحكومة بأي حال من الأحوال.   
ومن الممكن ان يبدأ تعاون جديد بين القوى اليسارية بألمانيا بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي والحزب اليساري لا في مواجهة الحكومة الجديدة من تحالف القوى المحافظة بشكل عام، بل وبمواجهة حزب البديل لألمانيا، وهو حزب يميني متطرف معادٍ للأجانب وضد قبول اللاجئين بألمانيا وشعاره "ألمانيا للألمان: وضد "أسلمة المانيا!"، وهو حزب شديد المحافظة ويجد التأييد من النازيين الجدد والقوى اليمينية المتطرفة المماثلة له، ومن تلك الحركة بگيدا ( PEGIDA) (Patriotische Europäer gegen die Islamisierung des Abendlandes) (مواطنو أوروبا ضد اسلمة الغرب) التي رفضت قبول اللاجئين بألمانيا وتظاهرت على مدى ثلاث سنوات ضد الأجانب. وقد حصل حزب البديل لألمانيا على عدد كبير من الأصوات أخذها من المصوتين السابقين لبقية الأحزاب باعتباره حزبا احتجاجيا ويمينياً متطرفاً، وحصل على أصوات بشكل خاص من اتحاد الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي المسيحي، ولكنه انتزع أيضاً جمهرة كبيرة من مؤيدي الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر وحزب اليسار.
إن الفترة التي سيكون الحزب الديمقراطية الاجتماعي فيها في المعارضة سيبرز ما إذا كان قادراً على تجديد قيادته وتحديث أهدافه وسياساته والدفع باتجاه اليسار لمقاومة الدفع بالاتجاه الميني الذي سيحكم الحكومة الاتحادية القادمة ونشاط القوى اليمينية المتطرفة.
10/10/2017
       

39
كاظم حبيب
السياسات المحمومة لدول الجوار والوضع بكردستان العراق!!
يسعى النظامين التركي والإيراني إلى تصعيد التوتر على الحدود العراقية التركية والعراقية الإيرانية والتهديد باتخاذ إجراءات عقابية ضد الشعب الكردي بهدف خسيس هو تجويع هذا الشعب بغلق الحدود ومنع تصدير النفط أو إيصال شحنات الغذاء وغيرها إلى الإقليم بهدف محاصرته من كل الجهات. هذا الموقف العدواني الذي يحمل في طياته الكثير من الروح العنصرية والاستبداد والظلم يعبر عن طبيعة النظامين في البلدين الجارين وعن طبيعة الحكام في هذين البلدين الذين لا يرعون حرمة ويتدخلون في الشأن العراقي بوقاحة بالغة وكأنهم يتحدثون عن العراق أو كردستان وكأنهما أقضية ومحافظات تابعة لهما يعملون فيها وضدها ما يشاءان. هذا الموقف المتعجرف والعدواني ليس غريباً عمن يزج بعشرات الآلاف من الناس الأبرياء في المعتقلات ويسلط عليهم شتى أنواع التعذيب الهمجي، كما يحصل بتركيا منذ العام المنصرم حتى الآن، أو ما يضمه سجن إيفين وغيره من معتقلي الرأي والعقيدة والموقف السياسي منذ الثورة المسروقة في العام 1979 بإيران حتى الآن. وقد تناغم مع هذا الموقف العدواني مجلس النواب العراقي، لأنه لا يمتلك حريته بل هو خاضع في أكثريته "المسلمة!" لإرادة إيرانية شريرة، وإلا لما اتخذ المجلس النيابي تلك الإجراءات الشرسة التي طالبت حكومة بغداد بتنفيذها، والتي بدأ بعضها بالتنفيذ الفعلي كما جرى في غلق مطاري أربيل والسليمانية.
لم نخف عن القيادات الكردستانية، ولاسيما الحزبين الحاكمين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، رأينا في سياسات الإقليم منذ سنوات وتحالفاته السياسية، سواء تم ذلك عبر مقالات منشورة في الصحف والمواقع العراقية، أم عبر رسائل شخصية أم باسم التجمع العربي لنصرة القضية الكردية، حين كنت أمينها العام، أم عبر لقاءات مباشرة خاصة وعامة وانتقدنا بعض تلك السياسات التي وجدناها لا تنسجم مع أهمية دعم النضال في سبيل الديمقراطية على صعيد كردستان والعراق كله، أم بصدد القوانين التي تصدر عن مجلس النواب العراقي التي كان التحالف الكردستاني يؤيدها وهي في غاية السوء وفي غير مصلحة الدولة الديمقراطية وحرية الصحافة أو الأحزاب أو الانتخابات أو حتى حول العلاقات المتوترة بين القوى السياسية بكردستان العراق ذاتها. وغالباً ما اصطدمنا بأذن غير صاغية على أهمية ما كنا نورده كأصدقاء مخلصين للشعب الكردي ولحقه في تقرير مصيره. حتى شعرنا بأن الأخوة لم يعودوا يرتاحون لرسائلنا وملاحظاتنا أو لنقل بوضوح نقداتنا للوضع، علماً بأننا لم نقصر أبداً في نقد وتشريح سياسات الحكم ببغداد، ولاسيما رئيس الوزراء السابق الذي أغرق العراق بالدم والدموع، وخاصة محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى ومحافظة نينوى، بسبب سياساته الطائفية اللعينة. وحين دعينا إلى اجتماع بالسليمانية لإبداء الرأي حول الاستفتاء لم نبخل على المسؤولين الكرد برأينا حرصاً منّا على سلامة الفيدرالية وما تحقق فيها من منجزات عمرانية لم تعتمد التنمية والاستثمار والتشغيل الإنتاجيين، وحرصاً على تقدمها وتطورها وحذرنا من العواقب المحتملة لإجراءات بعينها لم ينضج ظرفها المناسب، رغم إنها حق من حقوق الشعب الكردي وكردستان العراق. وكانت خشيتنا تأتي من معرفتنا بطبيعة النظام العراقي الطائفي الذي يرفض في حقيقته حق تقرير المصير للشعب الكردي، وكذا الأحزاب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، على حد سواء، أولاً وخشيتنا من دول الجوار التي تخشى من التجربة الكردستانية بالعراق وانتقالها إلى كردستان إيران وكردستان تركيا أو إلى الكرد بسوريا ثانياً. وهي لا تختلف كثيراً في طبيعتها عن النظام العراقي الطائفي، إذ لا ترفض الفيدرالية ببلدانها فحسب، بل وترتعش من ذكر كلمة الفيدرالية أو سماع كلمة حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، وكأنها لسعت من حية سامة قاتلة. إنه الموقف القومي الشوفيني الذي يرى لأتباع قوميته كل الحقوق، ويرفض ذات الحقوق للشعوب الأخرى!
لقد طرحت سؤالاً منطقياً بالسليمانية بدا مزعجاً للبعض من الأخوة مفاده: وماذا بعد الاستفتاء؟ اشعر اليوم وأكثر من أي وقت مضى بأهمية وضرورة الإجابة العقلانية عن هذا السؤال من جانب حكومتي أربيل وبغداد، ولا بد من أخذ الواقع العراقي والإقليمي والدولي بنظر الاعتبار. علينا أن نعي إن دول العالم، ولاسيما الكبرى منها، لا تعرف الصداقة بين الدول، بل تعترف بالمصالح فقط، حتى لو كانت لديها قواعد عسكرية ومصالح معينة بالإقليم، فأن مصلحتها مع تركيا العضو في الأطلسي، رغم تحالفها مع إيران الذي لا ترتاح له دول حلف الأطلسي، أكبر بكثير من مصلحتها بالإقليم رغم جوار الإقليم لإيران وأهمية وجود قواتها على الحدود الكردستانية العراقية-الإيرانية. لقد خذلت الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل الشعب الكردي في العام 1975 حين تم توقيع اتفاقية العار في الجزائر من قبل نظام البعث والنظام الشاهنشاهي الإيراني وبمباركة تلك الدول. وحينها صدر قرار عن الحزب الديمقراطي الكردستاني أشار إلى أهمية التعلم من هذه التجربة القاسية وما حصل من نزع لسلاح البيشمركة وتسليمها لإيران وما اعتبر نكسة كبيرة للثورة الكردستانية. ومثل هذا الموقف يمكن أن يتكرر من جانب ذات الدول حين تجد مصلحتها في ذلك، وأتمنى ألَّا يحصل أبداً ما حصل في العام 1975 وسنناضل مع الشعب الكردي لكيلا يحصل ذلك. ولكن لا بد من التعلم من دروس الماضي في وضع السياسات الصائبة والمدروسة وغير المرتجلة أو العفوية في هذه المرحلة المعقدة من تاريخ الشعب الكردي بكردستان العراق وتاريخ العراق وقومياته عموماً.
أكرر مرة أخرى وأخرى بأن حل المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، سواء أكان قبل أم بعد الاستفتاء، يجب ألَّا يعالج بالقوة والعنف والسلاح وسفك الدماء، بل بالحوار السلمي والديمقراطي وبالمرونة المطلوبة لصالح الشعبين وبقية القوميات بكردستان والعراق كله. إن التفاوض السلمي والديمقراطي هو الأداة الوحيدة والناجعة لحل كل ما هو عالق، مع قناعتنا بما يمكن أن يصاحب ذلك من عثرات وانقطاعات وتوترات بسبب من يسعى لإشعال النيران، كما يفعل اليوم رئيس الوزراء السابق ورهطه في تصريحاته وخطبه السيئة الصيت. وللعراق تجارب غنية ومريرة في حل المعضلات عبر الحروب وخاصة مع الشعب الكردي.               


40
كاظم حبيب
الموقف من الاستفتاء في إقليم كردستان العراق
لقد أجرى الكرد استفتاءً شعبياً في إقليم كردستان العراق، وكذلك في المناطق المتنازع عليها في كل من كركوك وديالى ونينوى. وكانت النتيجة واضحة إلى جانب الاستقلال. لم يكن يتوقع أي إنسان عاقل أن يكون التصويت بغير ذلك. ولكن عملية إجراء الاستفتاء وتوقيتها جرى الاختلاف بشأنهما بالعراق والعالم، عدا دولة إسرائيل التي أيدت الاستفتاء. كما اختلفت مواقف القوى السياسية العراقية بشأن الاستفتاء قبل البدء به وبعد النتيجة التي أظهرها الاستفتاء، بين من عمل بحقد وكراهية على التصعيد وإعلان الحرب الكلامية والدعوة لتجويع الشعب الكردي، وبين من أشار إلى خطأ هذا الاستفتاء وضرورة إلغاءه، كما طالبت قوى سياسية بحل المعضلة بالطرق السلمية والتفاوضية والعودة عن اعتبار الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها أمراً محسوماً، لما يمكن أن يجر من مشكلات على العراق عموماً والمناطق المتنازع عليها وإقليم كردستان العراق. لقد حصل الاستفتاء وعلى المجتمع العراقي تلافي تداعياته وما يسعى إليه أعداء الشعوب التي يمكن أن تغرق العراق بالفوضى والدماء والدموع.
وكان أكثر النافخين ببوق الحرب والعدوان رئيس الوزراء السابق والقائد العام للقوات المسلحة حينذاك، السياسي الذي في فترة حكمه تسلمت عصابات داعش مدينة الموصل ومن ثم محافظة نينوى كلها على طبق من ذهب ودون قتال، بل باستسلام وهروب مريعين. إذ دعا إلى مقاطعة شاملة لكردستان والتنسيق مع تركيا وإيران ضد الإقليم لتجويع الشعب الكردي. كما كان وراء القرارات القاسية والظالمة التي صدرت عن مجلس النواب العراقي التي تطالب الحكومة العراقية ورئيسها بتنفيذ تلك القرارات المجحفة بحق الشعب الكردي، والتي تؤكد فرض الحصار جواً وبراً وغلق المطارات بأربيل والسلمانية ...الخ. وجرى التهديد باستخدام القوة والسلاح لكسر شوكة الشعب الكردي، وهو أمر مرفوض وشجبته الحوزة الدينية بالنجف في خطبة لوكيل السيد علي السيستاني، إذ دعا إلى الحوار والتهدئة لمعالجة المشكلة.
وعلى شاكلة نوري المالكي وتصعيده سار المماثل له في الشوفينية والتطرف الديني والمذهبي رجب طيب أردوغان، الذي هدد الكرد بقطع الأرزاق من خلال غلق صنبور النفط المصدر ومنع الشاحنات المحملة بالغذاء من الدخول إلى كردستان عبر تركيا، إذ قال بالحرف الواحد: "لحظة ما نقرر إغلاق الصنبور سينتهي الأمر، سيتم إزالة كل دخولهم، لن يجدوا أكل وشرب لحظة منع الشاحنات عن شمال العراق..". راجع فيديو خطاب أردوغان في موقع Yeni Safak)
ولم يكن موقف الحكومة الإيرانية بأفضل من ذلك، بل أقدمت، على المناورات العسكرية على الحدود العراقية الإيرانية، كما فعلت تركيا، وبدأ التهديد بممارسة ذات السياسة والنهج الشوفينيين والطائفيين المتطرفين. كل هؤلاء يقفون في صف المناوئين لحقوق الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره في أقاليمهم، وبعكس دول العالم التي تؤيد تلك الحقوق، ولكنها اختلفت في الموقف من وقت وأسلوب إجراء الاستفتاء حيث طالبت بتأجيله.
إن العقلاء والديمقراطيين العراقيين والعراقيات من العرب والكرد وغيرهم، وليس المجانين والمهوسين بالشوفينية والطائفية الذين اجتمعوا يوم أمس (04/10/2017) بطهران ليقرروا اتخاذ إجراءات قاسية مع بغداد ضد الشعب الكردي، سيعملون من أجل معالجة الموقف عن طريق التفاوض وحل المعضلات بالطرق السلمية والديمقراطية والعودة إلى اللحمة الاجتماعية التي تساعد على تطور العراق وتقدمه في ظل نظام سياسي مدني ديمقراطي علماني يرفض الشوفينية والعنصرية والطائفية السياسية، كما يرفض التمييز والتهميش والإقصاء ويعمل على تحقيق المصالحة الوطنية والتفاعل الإيجابي بين مكوناته القومية وأتباع دياناته ومذاهبه العديدة ويعترف بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه.
إن العراق يعيش تحت وطأة نظام سياسي طائفي محاصصي يرفض مبدأ المواطنة ويعتمد الهويات الفرعية المفرقة للصفوف والمعمقة لنهج التمييز والتهميش والإقصاء، تماماً كما حصل خلال السنوات الـ 14 المنصرمة والتي كانت ذروتها فترة حكم المصاب بالنرجسية المرضية والمهووس بالطائفية والكراهية لكل ما هو غير شيعي، رغم إن شيعيته تظهر في جيبه وليس في رأسه أو حبه لآل البيت، حيث أساء لأهل البيت أكثر من أي شخص آخر بالعراق بسبب السياسات التي انتهجها في فترة حكمه بين 2006-2014. لقد أصبح هذا الرجل دونكيشوت العراق بجدارة، فهو يحمل سيفه الخشبي ويمتطي دولة القانون ليجهز على كل العراقيين من غير الشيعة وكل الشيعة الذين يقفون بوجهه ويرفضون نهجه المدمر لوحدة العراق. وإذا كان ذلك الإسباني حالماً وواهماً بحرب ضد الطواحين الهوائية، فهذا الشوفيني والطائفي يحلم بحرب ضد كل المكونات الأخرى، وهو الأمر الذي يفترض أن ينتبه له كل من لم ينتبه لعواقب سياساته حتى الآن رغم الإبادة الجماعية التي تسبب بها بالموصل وسهل نينوى ضد الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان وأهل الموصل السنة أيضاً الذين رفضوا التعامل مع عصابات داعش أو وجودها البغيض بمحافظة نينوى.     
إنها الدعوة لكل العراقيين الشرفاء العقلاء أن يمارسوا الضغط الكبير من أجل حل المشكلات القائمة مع رئاسة وحكومة الإقليم بالطرق السلمية والتفاوضية الديمقراطية وأن يمنحوا الوقت الضروري لتجاوز الوضع الراهن، والذي يتطلب حقاً إجراء تغيير جذري وحقيقي في حكم العراق لصالح الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية وليس الدولة شبه الدينية المتطرفة القائمة حالياً. هذه الدولة التي كل حكامها لم يلتزموا دون استثناء لم يلتزموا حتى بالدستور الذي وضعه وأقسموا تنفيذه والدفاع عنه!!!


41
السيدة المصونة هيرو خان إبراهيم أحمد المحترمة
عائلة الفقيد المحترمة
السيدات والسادة أعضاء قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني المحترمون
أشارك الشعب الكردي الصديق خصوصاً والشعب العراقي عموماً الحزن والأسى بفداحة الخسارة الكبيرة التي أصيب بها بوفاة القائد الوطني الكردي والسياسي العراقي المتميز ورئيس الجمهورية العراقية السابق ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني السيد جلال حسام الدين الطالباني، الذي توفي يوم الثلاثاء المصادف 03/10/2017 بعد معاناة طويلة مع المرض، الذي أصيب به اثناء وجوده على رأس الدولة العراقية. إنها خسارة كبيرة وفي هذا الظرف العصيب الذي يمر بها العراق وإقليم كردستان العراق أن تفتقد البلاد شخصية محورية مثل السيد مام جلال الطالباني.
العزاء والسلوى لعائلة الفقيد الكبير ولشعبه الكردي والشعب العراقي الذي قدَّر فيه نهجه الوطني والتقدمي. كما إنه خسارة شخصية لي بسبب الصداقة الطيبة التي ربطتنا منذ العام 1956 حيث كنا موقفين في موقف السراي ببغداد. الذكر الطيب للفقيد الفاضل.
كاظم حبيب 


42
بلاغ صادر
عن اجتماع جمهرة من المثقفين العراقيين من العرب والكرد ببرلين في 30/09/2017
بتاريخ 30/09/2017 عقدت ببرلين ورشة عمل تداولية مفتوحة للجميع شاركت فيها مجموعة من المثقفات والمثقفين العراقيين من العرب والكرد المقيمين بألمانيا وممثلي تنسيقية التيار الديمقراطي ومنظمة الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني ومنسق لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية ومن المستقلين، ناقشوا فيها مسألتين مهمتين تحظيان في المرحلة الراهنة باهتمام كبير في الساحة العراقية وبين عراقيي الخارج وهما:
1)   من أجل دعم جهود وحدة القوى المدنية والديمقراطية العراقية في النضال من أجل دولة مدنية ديمقراطية علمانية وضد نظام المحاصصة الطائفية في العراق.
2)   مناقشة ما ترتب من أوضاع سياسية وإجراءات في أعاقب انتهاء الاستفتاء في إقليم كردستان وفي المناطق المتنازع عليه.
وبعد مناقشات مستفيضة بشأن الفقرة الأولى اتفق المجتمعون برفع ما طرح من أفكار وملاحظات ومداخلات في ورشة العمل إلى المؤتمر الأول للقوى المدنية والديمقراطية والعلمانية العراقية المزمع عقده ببغداد في نهاية شهر تشرين الأول من هذا العام 2017. وهم يتمنون النجاح والتوفيق في الوصول إلى نتائج مهمة تشد لحمة القوى الديمقراطية في مواجهة الوضع الراهن والدفع باتجاه التغيير والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته التي ألحقت أضراراً فادحة بالوطن والمواطن.
وبصدد الفقرة الثانية بعد مناقشات مستفيضة وتبادل وجهات النظر بروح ديمقراطية واعية لأوضاع العراق والمنطقة والإقليم، توصل المجتمعون إلى النقاط التالية:
يرى المجتمعون ما يلي:
1.   للشعب الكردي الحق الكامل في تقرير مصيره بنفسه بما في ذلك حق الانفصال عن الدولة العراقية وإقامة دولته الوطنية المستقلة. كما من حقه ان يجري استفتاء حول الاستقلال ولا يتعارض ذلك مع الدستور العراقي أو القوانين الدولية.
2.   إلا إن المجتمعين يرون بأن إجراء الاستفتاء في هذه الفترة وبالارتباط مع الأوضاع الداخلية والإقليمية وبالأساليب التي تم اعتمادها لم يكن مناسباً. إلا إن الاستفتاء قد حصل وعبر الشعب الكردي عن رأيه في ذلك.
3.   اتخذ مجلس النواب العراقي والحكومة العراقية مجموعة من الإجراءات التي نعتقد بأنها خاطئة وتساهم في تشديد التوتر على الساحة العراقية المتوترة أصلاً وتضعف النضال ضد عصابات داعش لتحرير الأرض العراقية من دنسهم.
4.   ويرى المجتمعون ضرورة الابتعاد الكلي والمطلق عن استخدام السلاح في معالجة المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق.
5.   ويؤكد المجتمعون لزوم التخلي الكامل عن خطاب إثارة الأحقاد والكراهية من جانب الجميع، وبشكل خاص في وسائل الإعلام والتصريحات المتشنجة، والتزام الدعوة إلى التهدئة والبدء بالتحري عن حلول للمشكلات القائمة.
6.   إبعاد دول الجوار عن التدخل في الشأن العراقي أو طلب دعمها لهذا الطرف أو ذاك، وعلى القوميات بالعراق أن تحل مشكلاتها فيما بينها وبالطرق التفاوضية السلمية والاستفادة من تجارب الماضي السيئة والمدمرة عند استخدام السلاح.
7.   استثناء الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها، سواء أكان تصويت الأغلبية بـ "نعم" أم "لا"، مناطق كردستانية أو عراقية، بل تخضع للحوار وإعادة التصويت في فترة لاحقة وفي ظروف أكثر عقلانية. ومثل هذه الخطوة من شأنها أن تنزع فتيل التصعيد والاحتقان الراهنين في تلك المناطق وفي عموم الوضع السياسي المتوتر، والتي تسعى بعض القوى المعادية للشعب الكردي وعموم الشعب العراقي إلى تشديده، والعودة الجادة لتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي بشأن المناطق المتنازع عليها لمصلحة الجميع.
8.   تنشيط النضال من أجل التغيير الجذري للحكم بالعراق والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة ودوره في تفتيت النسيج الوطني والاجتماعي للشعب العراقي، ومحاربة الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة والمجتمع، ومكافحة الإرهاب الذي ما يزال يقتل المزيد من البشر ببغداد وغيرها من المدن العراقية.
9.   توحيد مواقف القوى الديمقراطية والعلمانية على صعيد الدولة العراقية، ومنها إقليم كردستان العراق، لمواجهة احتمالات التصعيد وعواقبه على العراق كله.
10.   وفي حالات الضرورة يمكن الاستعانة بالأمم المتحدة لتقريب وجهات النظر والمساعدة في حل المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
وأبدى بعض الأخوة في ورشة العمل موقفاً لا يرى صواب اعتبار الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها ملغياً، بل ساري المفعول عليها أيضاً، مع البدء بالحوار غير المشروط لمعالجة المشكلات القائمة بين الطرفين.
برلين في 30/09/2017



43
كاظم حبيب
من يروج للحلول العسكرية والتجويع والتشدد بالعراق؟
لم أجد إجراء الاستفتاء ضرورياً، إذ وجدت فيه تصعيداً للخلافات الدائرة في العراق أولاً، وحرفاً فعلياً لمجرى الصراع المتنامي بين القوى والأحزاب الطائفية السياسية، التي مرغت كرامة العراقيين والعراقيات بالتراب وتسببت بمآسي وكوارث مريرة، التي يعاني منها العراق حالياً وبحصول إبادة جماعية بالموصل ونينوى، وبين القوى المدنية الديمقراطية واليسارية العراقية، إذ كان انحسار دور وتأثير القوى وأحزاب الإسلام السياسي الشيعية والسنية يلوح بالأفق قوياً من جراء نهجها وتدهور سمعتها وفسادها السائد. فبدأت تخسر مواقعها السابقة واتخذت، لتجاوز هذه الحالة اليائسة، إجراءات ثلاث هي:
1)   تبديل أسماء بعض أحزابها وتغيير تحالفاتها واعتقال صغار فاسديها وترك حيتان الفساد في الحكم؛
2)   ) العمل، وعبر الوساطة الإيرانية، خلق تحالف بين بعض الأحزاب الشيعية وبعض الأحزاب السنية، ولاسيما جماعة الإخوان المسلمين، ممثلة برئيس المجلس النيابي السني، ومتجاوزة بذلك على مصالح الجماهير الشيعية والسنية وكل الشعب؛
3)   شن حملة قذرة ضد القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية والحداثوية بدعوى إلحادها، وهي تدرك إن الملحد الفعلي هو الذي أساء ويسيء للدين بتعميم الفساد في بنية الدولة والمجتمع ومن فرط بأجزاء من الوطن وتسبب في موت مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين.
في مطالعتي في لقاء السليمانية بتاريخ 16 و17/09/2017 طرحت رأيي وبينّت المسائل التالية:
** نسبة مهمة من المجتمع العراقي اكتشفت طبيعة جميع الأحزاب السياسية الحاكمة بالعراق منذ إسقاط الدكتاتورية حتى الآن. وقد تجلى ذلك في رفع شعارين متلازمين في المظاهرات التي جرت خلال السنوات الثلاث المنصرمة، وهما: "باسم الدين باگونة الحرامية" و"باسم الله هتكونة الشلاتية". وكان هذا قبل الدعوة للاستفتاء.
** وعلى هذه الأرضية بدأ الصراع المحتدم يدور بين القوى المدنية والديمقراطية واليسارية من جهة والأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة من جهة أخرى، وبدأ الشارع يميل أكثر فأكثر وتدريجياً صوب القوى المدنية.
** وقد أجبرت، حتى المرجعية الشيعية المؤيدة للسياسات السابقة للأحزاب والقوى الدينية، على التخلي العلني عن تأييدها وتطالب بالدولة والمجتمع المدنيين!
** ولكن قرار الاستفتاء قد سهل على القوى الظلامية أن تحول دفة الصراع ليكون وكأنه بين العرب والكرد، وتعبئة كل القوى المناهضة للكرد، سواء في فترة حكم البعث، أم في الوقت الحاضر، ضد الشعب الكردي، رغم التحالف الذي نسجه الكرد والشيعية بين الأحزاب الشيعية والأحزاب الكردية، وتصدر هذا التحالف الحكم بالبلاد طوال السنوات المنصرمة، رغم تنبيهاتنا وتحذيراتنا بخطأ مثل هذا التحالف الكردي-  الشيعي الطائفي وأضراره الشديدة على مصالح المجتمع العراقي.   
** وأكدت، بما لا يقبل الشك، وبـتأييد غالبية المجتمعين في السليمانية، بأن القيادات السياسية الكردية كلها ومعها رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق، لم توفر مستلزمات إعلان الاستفتاء والاستقلال من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية، وهي أمور أساسية ومهمة لتأمين ضمانات استقلال كردستان.
** لم أكن في هذا اللقاء مجاملاً ولا محابياً بل كنت صادقاً ومخلصاً في هذا الموقف وصريحاً مع الشعب الكردي أولاً وقبل كل شيء، وهو الذي يهمني ويهم أصدقاء الشعب الكردي، وهو لا يتعارض أبداً بل يؤكد موقفي الثابت والمستمر من حق الشعب الكردي المطلق في تقرير مصيره بنفسه ودون وصاية من أحد حين تكون الظروف ملائمة وهو الذي يحدد ذلك مع الاستماع قدر الإمكان لنصيحة الأصدقاء، محلياً وعربياً ودولياً. كما كنت أميناً على مصالح شعب العراق بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه التي يمكن أن تتضرر من هذا الصراع الذي يراد فرضه على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية العراقية!
والآن انتهى الاستفتاء وعرفنا ما كنا نعرفه دون الاستفتاء، ولكن ربما عرفت الدول الإقليمية والدولية ما كانت تعرفه ولا تريد الاعتراف به قبل الاستفتاء، فما العمل؟
علينا أن نتابع باهتمام ردود فعل جهات داخلية مختلفة، منهم حلفاء الكرد من الأحزاب الشيعية التي راحت تقدم قائمة من الإجراءات لتجويع الشعب الكردي، (راجع موقع إيلاف بتاريخ 25/09/2017
http://elaph.com/Web/Opinion/2017/9/1169285.html)
وفيه المقترحات العدوانية لحنان فتلاوي، أو مقترحات مجلس النواب العراقي. وأغلب هؤلاء الذين وافقوا على تلك الإجراءات في مجلس النواب العراقي لهم أقنعة وجذور ومواقع سابقة في حزب البعث، أو لهم مواقف إسلامية متعصبة ترفض الاعتراف بالقوميات وحقوقها وترى المسلمين كلهم بغض النظر عن قوميتهم ولغتهم "أمة إسلامية! واحدة ذات رسالة خالدة!!! وهؤلاء هم الذين يعلمون بوقاحة لتصعيد المواقف والإساءة لكل المنجزات التي تحققت للشعب الكردي خلال الفترة السابقة، وهو الذي ينبغي رفضه. وهذا الموقف يتناغم تماماً مع القوى الحاكمة المستبدة في كل من إيران وتركيا، والتي تحاول اليوم التهديد بالتدخل العسكري لحسم الموقف ضد الشعب الكردي. هذا الموقف ليس مرفوضاً فحسب بل لا بد من شجبه ومنع وقوعه بكل السبل المتوفرة.
وهناك موقف القوى المدنية والديمقراطية واليسارية التي أنتمي إليها فكرياً وسياسياً، تجد في أن ما جرى لم يكن ضرورياً، ولكن حصل، إذ عبَّر الشعب الكردي عن رغبته في الاستقلال في وقت لاحق وليس الآن. ولكن أرى أيضاً بأن على القيادات الكردية أن تمتنع عن اعتبار التصويت في المناطق المتنازع عليها تصويتاً نهائياً وإنهاءً للخلاف على عائدية تلك المناطق, إن اتخاذ مثل هذا الموقف العقلاني سيساعد على تخفيف الأجواء المتوترة والمتصاعدة يوماً بعد أخر والتي تهدد بعواقب وخيمة على العراق كله، كما إنه يساعد على الدخول بمفاوضات جدية وسلمية وديمقراطية لمعالجة الأمر بصورة صحيحة وحكيمة، إذ أن هناك من ينتظر إصرار القيادات السياسية الكردية على ضم المناطق المتنازع عليها إلى الإقليم ليبدأ نزاعاً عسكرياً مدمراً ويتحول العراق إلى ما جرى ويجري اليوم في كل من سوريا واليمن! إن القيادة الكردية تتحمل اليوم مسؤولية رفع الفتيل من البرميل المليء بالديناميت والقابل للاشتعال في كل لحظة، كما على الحكم الاتحادي الابتعاد عن كل ما يساهم في تعقيد اللوحة، ومنها محاولة إشراك قوى خارجية في الصراع الجاري بالعراق. إن قوى شوفينية ودينية متطرفة في الطرفين تعمل على التخندق ورفض إيجاد حلول سلمية وديمقراطية للمشكلات العالقة ما بعد الاستفتاء وترتفع وتيرة المهاترات الكلامية بما لا يوفر التربة الصالحة لحلول سلمية وديمقراطية.
على الشعب العراقي كله وبكل قومياته أن يفرض على حكام العراق والإقليم كافة أن يجنحوا للسلم وأن يعاقبوا من يحاول دفع الأمور إلى نهاياتها الحزينة والمدمرة، إلى حرب تبدأ ولا يُعرف متى تنتهي، كما لا تعرف العواقب التي ستترتب عليها!
إن من يحاول صب المزيد من الزيت بعد انتهاء الاستفتاء المختلف بشأنه على النار المشتعلة، سوف لن يحصد غير الموت والخراب والدمار للعراق كله، وسيكون النهاية الفعلية لأولئك الذين أقاموا النظام الطائفي -الأثني السياسي بالعراق وروجوا للمحاصصة الطائفية المذلة وعملوا بها ولها ليصل العراق إلى هذه الحالة التعيسة الراهنة.   

44
إشكالية الهوية وحقوق المكونات
د. كاظم حبيب
نحن اليوم لسنا أمام إشكالية نظرية نتحرى عن حل لها أو إجابة عنها، بل نحن أمام حالة عملية ملموسة ومطروحة على بساط البحث والممارسة، إنها إشكالية هوية الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره بنفسه. فما هو مفهوم الهوية في هذا الإطار الذي حددته؟   
أرى إن الهوية بمفهومها الملموس هي التعبير عن، أو التجسيد لـ، وعي الفرد وادراكه لذاته وثقافته ضمن المجموعة الثقافية أو الحضارية التي هو منها ويعيش معها، إنه الوعي الذي يضع الإنسان أمام خياره ورغبته الملحة في اثبات ذاته، وفيما يسعى إليه. وهي باختصار إدراك معنى الحرية كضرورة، كرؤية فلسفية. والهوية بهذا المعنى لا تقتصر على عنصر واحد، فهي تجمع بين ماضي الفرد والجماعة وحاضرهما ورؤيتهما المشتركة للمستقبل، وهي تجمع بعض أو كل العناصر التي يمكن أن تشكل الهوية، ومنها: الثقافة، واللغة، والتاريخ، والذاكرة، والقومية، والوضع النفسي والتطلعات، والعادات والتقاليد، والجغرافية، أو المكان. والفرد الكردي له هويته المشتركة مع البشرية كلها، إنها إنسانيته، ولكن له خصوصيته في هويته، كما لبقية البشر، فهو كردي القومية، واللغة، والثقافة، والتاريخ، وكردستاني المكان، أو الجغرافية، وهو ميزوبوتامي التراث والحضارة، أو عراقي المشاركة في التاريخ والهموم، كما إنه شرق أوسطي وآسيوي في آن واحد. ومن هنا نرى أن ليست للإنسان، ومنهم الفرد الكردي، هوية واحدة، بل هوية مركبة من هويات فرعية، وتعددها لا يلغي الهوية التي يرى فيها شخصه أو شخصيته وثقافته ويركز عليها كفرد ضمن الجماعة التي هو منها. كما علينا أن نرى بأن الهوية ليست ثابتة بل متحركة ومتطورة بتطور وعي الإنسان وقدرته على وعي ذاته وحقوقه ولاسيما حريته باعتبارها وعي الضرورة.
ولكن الهوية قد تصبح قاتلة حين تكون ذات نزعة قومية شوفينية أو عنصرية، أو دينية متشددة أو طائفية متعصبة تميز بين أتباع الديانات والمذاهب، وتمارس التمييز بين الناس على إساس ذلك وتمارس قاعدة الـ "أنا" ضد الـ "آخر"! ويمكن أن تبرز هذه الهوية القاتلة لدى جميع الشعوب والقوميات دون استثناء!
الشعب الكردي يتمتع، كبقية شعوب العالم، بحقه الكامل والحر في تقرير مصيره بنفسه، ودون وصاية من أحد. وهذا الحق مضمون دولياً على وفق وثائق الأمم المتحدة التي نصَّت، على سبيل المثال لا الحصر، على ما يلي:
لـ"جميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها بحرية وإرادة واستقلال وفقاً لمْا تريدهُ، بعيداً عن أية قوة أو تدخل أجنبي. وبعيداً عن أية أعمال بربرية وخزتْ بآثارها الضمير الإنساني، لبزوّغ فجر جديد يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة والتحرر من الخوف والاضطهاد، والدفع بالرّقي الاجتماعي قدمًا، ولتحقيق مستوى أرفع للحياة في جوُ من الحرية الإنسانية والتسامح والأخوة والعيش المشترك، كأسمّى ما ترّنو إليه أيةُ نفس بشرية". [أنظر: حق الشعوب في تقرير مصيرها، تقرير، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 421 الصادر في 4/ كانون الأول/1950، منظمة حمورابي لحقوق الإنسان. 06/08/2017]. فهل من حق الشعب الكردي أن يمارس بكل حرية هذا الحق؟ أطرح هذا السؤال الغريب لأن هناك حكاماً في الدول الأربع التي وزع عليها الشعب الكردي في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو التوزيع الثاني تاريخياً، يرفضون الاعتراف بهذا الحق بكل شراسة بل خاض بعضهم الحرب أو استخدم الإبادة الجماعية، وما زال بعضهم مستعداً لارتكاب مثل هذه الجريمة، إضافة إلى القوى القومية والدينية اليمينية والمتطرفة التي لا ترى في ممارسة هذا الحق أي شرعية، وهي بذلك تبرهن على إنها ليست حرة، أو لا تفهم معنى الحرية لها وللآخرين.   
لم تكن النظم السياسية العراقية كلها ولا الحكومات التي أقيمت في العهد الملكي، ولا العهود الخمسة للجمهوريات العراقية، منصفة وعادلة مع الشعب الكردي ومع القوميات الأخرى، بل كانت جائرة ومستبدة مع الشعب العراقي كله، ولاسيما مع الكرد والقوميات الأخرى، وعلينا هنا أن نتذكر حرب النظام الدكتاتوري البعثي والإبادة الجماعية في عمليات الأنفال ضد الشعب الكردي، أو سياسات حافة الحرب من جانب النظام السياسي الطائفي برئاسة المستبد بأمره نوري المالكي ورهطه. فكان التمييز والتهميش والإقصاء في صلب علاقة الحكومات العراقية المتعاقبة مع الشعب الكردي والقوميات الأخرى.
لا يمكن لأي إنسان حر وعاقل أن ينكر حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وفيما عاناه خلال العقود المنصرمة، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان حراً ما لم يعترف بحق الإنسان الآخر في التمتع بالحرية الكاملة غير المنقوصة، وبالتالي أدرك تماماً، كإنسان حر وديمقراطي ومادي المنهج والنهج، بأن الشعب الكردي يحلم منذ قرون وعقود ويتطلع إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بدولة كردستانية ديمقراطية حرة ومستقلة. وقد ناضل بعناد واستمرارية من أجل هذا الهدف وقدم لها أغلى التضحيات، ومن حقه الكامل أن يناضل بعزيمة مضاعفة من أجل ذلك. وليس من حق أحد أن يعترض على ممارسة هذا الحق، ولكن من حق أي صديق من أصدقاء الشعب الكردي أن يتساءل: هل حان الوقت المناسب لمثل هذه الخطوة؟ وإذا كان هذا الوقت قد حان فلِماذا الاستفتاء؟ إذ يمكن إعلان الاستقلال.
أشعر، كصديق ثابت للشعب الكردي، منذ أكثر من ستة عقود، وناضل معه في سبيل الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير للشعب الكردي، بأن الوقت لم يحن تماماً للاستفتاء أو لخطوة الاستقلال، بل أشعر بأن العودة إلى استراتيجية التحالف مع القوى الديمقراطية العراقية في رفض التمييز والتهميش والإقصاء وحل الخلافات والمشكلات القائمة بطرق ديمقراطية وسلمية وسريعة، ورفض قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية السيء لا تأييده، ورفض تشكيل مفوضية الانتخابات على أسس المحاصصة الطائفية، والسعي لتجميع القوى الديمقراطية في مواجهة القوى الظلامية، وحل المشكلات الداخلية بالإقليم وتعزيز الديمقراطية والمؤسسات الدستورية وحقوق الإنسان، هو الطريق الوحيد والأسلم والأضمن الذي يمهد الطريق لتحقيق ما تتطلع له القوميات العديدة بالعراق، ولاسيما طموحات وتطلعات الشعب الكردي في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية على أرضه. إنها الخطوة الأساسية والضرورية والوحيدة للوصول إلى الهدف المنشود للشعب الكردي وقواه الوطنية. لقد فكرت ملياً بالأمر ليس من منطلق قومي شوفيني، وليس من منطلق وطني عراقي ضيق، بل من منطلق مصلحة الشعب الكردي ومصلحة العراق بكل قومياته في المرحلة الراهنة، وأرى أن يكون قرار إعلان الاستقلال في ظرف أكثر هدوءاً وأكثر مناسباً لمفاوضات مع حكومة أكثر ديمقراطية وواقعية من الوضع المعقد الراهن، كما يفترض أن يتجلى في سياسات ومواقف أخرى من جانب الحكومة الكردستانية بهدف تمتين الصف الديمقراطي الداخلي. كما أرى بأن الشعب الكردي لا يحتاج إلى استفتاء، إذ أن الشعب الكردي يتطلع إلى ذلك اليوم بكل شغف وتلهف، ولن يضيف الاستفتاء، إلا للرأي العام العالمي والمجتمع الدولي بأن الشعب الكردي يريد الاستقلال. كنت أتمنى أن ينحصر الاستفتاء في المناطق التي هي جزء من كردستان، ثم تترك المناطق التي تخضع لمصطلح "المتنازع عليها" لترتيب لاحق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لتجنب أي مضاعفات في الوضع العراقي.
هناك، كما يعرف الجميع، الكثير من التعقيدات الراهنة التي يفترض معالجتها قبل هذه الخطوة ومنها حل مشكلة المناطق المتنازع عليها التي راوغ حكام العراق طيلة السنوات المنصرمة على حلها، بل عملوا ضد الدستور، وهم اليوم ينادون بالدستور الذي تخلوا عنه، إضافة إلى مشكلة ومواقف القوميات الأخرى بالإقليم ...الخ.
ومع ذلك فمن يقف إلى جانب قضية الشعب الكردي، يفترض فيه أن يترك التقدير النهائي للشعب الكردي ذاته، وبالتالي فالأمر متروك للشعب الكردستاني فيما يراه مناسباً في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق وكردستان العراق وأوضاعهما المعقدة. أتمنى على الأخوة والأصدقاء الكرد أن يتخذوا الموقف الذي يجنب الشعب الكردي وبقية أبناء وبنات العراق المزيد من المصاعب والمتاعب. وهذا الموقف لا يعني أن على الأصدقاء أن لا يبدوا رأيهم في الموقف، كما يفترض ألا يفسد اختلاف الراي في الود قضية!
لقد انتهى الاستفتاء وليس هناك من شك حول نتيجة الاستفتاء. وجميع القيادات الكردية أكدا بان الاستفتاء لا يعني إعلان الاستقلال مباشرة بل سيخضع للحوار مع الحكومة الاتحادية. إن الوضع ما بعد الاستفتاء يتطلب الكثير من الحذر والحيطة، وأرى ضرورة الالتزام بما يلي:
1.   الابتعاد الكلي والمطلق عن استخدام السلاح في معالجة المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
2.   التخلي الكامل عن خطاب إثارة الأحقاد والكراهية من جانب الجميع، وبشكل خاص في الإعلام والدعوة إلى التهدئة والبدء بالتحري عن حلول للمشكلات القائمة.
3.   إبعاد دول الجوار عن التدخل في الشأن العراقي أو طلب دعمها لهذا الطرف أو ذاك، وعلى القوميات بالعراق أن تحل مشكلاتها فيما بينها وبالطرق التفاوضية السلمية والاستفادة من تجارب الماضي السيئة عند استخدام السلاح.
4.   عدم اعتبار الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها، سواء أكان تصويت الأغلبية بـ "نعم" أو "لا"، مناطق كردستانية أو عراقية بل تخضع للحوار وإعادة التصويت في فترة لاحقة وفي ظروف أكثر عقلانية.
5.   تنشيط النضال من أجل التغيير الجذري للحكم بالعراق والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة.
6.   لقد كان الصراع بالعراق قد تبلور قبل إعلان إجراء الاستفتاء بكردستان بين القوى الديمقراطية ومن يرفض الطائفية، وبين القوى السياسية الطائفية الحاكمة. وقد تسبب الوضع الأخير إلى حرف هذا الصراع باتجاه أن يتحول ليكون بين العرب والكرد! وهو أمر خطير لا يجوز السماح به. وبالتالي لن يستفيد من ذلك إلا أولئك الذين تسببوا بنكبة العراق في الموصل ونينوى وغرب العراق، من أمثال رئيس الوزراء السابق ورهطه المُضلل والفاسد، ولهذا لا بد من العودة إلى الوضع الطبيعي إلى خوض الصراع لصالح الشعب من خلال أجراء التغيير في واقع الحكم بالعراق لصالح الديمقراطية والعلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي.   

 
   


45
كتاب "مسيحيو العراق .. أصالة .. انتماء .. مواطنة"
سيصدر في شهر تشرين الثاني/ كانون الأول 2017 كتاب "مسيحيو العراق .. إصالة .. انتماء .. مواطنة .." عن دار نينوى. يقع الكتاب بحدود 900 صفحة ويحمل 30 صورة والكثير من الوثائق المهمة عن أحوال المسيحيين بالعراق.
يتضمن الكتاب ثلاثة أجزاء موزعة على 17 فصلاً و31 ملحقاً من الوثائق والتقارير والرسائل والصورة عن الكثير من النكبات التي حلت بالمسيحيين ومنها الاجتياح الأخير للموصل ونينوى. والكتاب يقدم سجلاً تاريخياً مكثفاً عن أوضاع المسحيين بالعراق وعن ودورهم الحضاري المميز بالثقافة العربية عموماً والعراقية على وجه الخصوص. ويتناول الكثير من جوانب مشاركتهم في الريادة والرفد الثقافي والإنساني، وعن دورهم في النضال الوطني والديمقراطي بالعراق، إضافة إلى موجات التمييز والاضطهاد والعسف التي تعرضوا لها خلال تاريخهم المدي بالعراق منذ دخول المسيحية إلى العراق في القرن الأول الميلادي، في أرض الرافدين، ميزوبوتاميا، مروراً بالعهد الملكي، وانتهاءً بالجمهوريات الخمس العراقية، أي حتى الوقت الحاضر وما حصل لهم قبل وفي أعقاب اجتياح الموصل وسهل نينوى في ظل الجمهورية الخامسة، في ظل الدولة الطائفية – الأثنية ومحاصصاتها المذلة للشعب والوطن والمواطنة.   
وأنشر هنا كلمة الشكر التي سيتضمنها الكتاب للدعم والمساعدة التي قدمت لي خلال إنجاز هذا الكتاب. وقد عملت على إنجاز هذا الكتاب ما يقرب من ثلاث سنوات، أملي ان يعبر بشكل أمين عن هذا الجزء الرائع من أبناء وبنات الشعب العراقي. كما يتضمن هذا الإعلان مفردات هذا الكتاب وهو خير عون أولي لمعرفة ما في الكتاب. يمكن أن يتعاون الأخوة في الخارج وفي بعض المدن لتسجيل أسماء من يرغب بنسخة من الكتاب لتدبير الأمر مع الناشر وإرسالها بالطائرة عبر بيروت، كما جرى مع كتاب "الإيزيدية ديانة عراقية – شرق أوسطية قديمة".
كلمة شكر وتقدير
لم يكن في مقدوري إنجاز هذا الكتاب، وأنا الباحث بمفردي دون سكرتارية أو سكرتير، وكذا كتبي الأخرى التي صدرت خلال الأعوام الستين المنصرمة، لولا الدعم الذي توفر لي من عدد كبير من الأخوات والأخوة والأصدقاء الكرام الذين زودوني بالكتب الضرورية وبالمعلومات المفيدة عبر الرسائل أو عبر إعلامي بمواقع ومكتبات يمكن العثور فيها على ضالتي في البحث والتقصي. وأخص هنا بالذكر الأب الدكتور شليمون إيشو خوشابا، مسؤول دار المشرق الثقافية بدهوك، الذي أهداني مجموعة من الكتب المهمة التي افادتني كثيراً، كما ساهم الأخ كامل زومايا بتقديم مجموعة أخرى من الكتب، إضافة إلى تزويدي بالمعلومات والتقارير التي أفادتني كثيراً. وجدير بالذكر إن الأخ السيد حميد مراد، رئيس الجمعية العراقية لحقوق الإنسان بالولايات المتحدة الأمريكية، قد افادني كثيراً بوضع التقارير السنوية الصادرة عن الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية، ومكتبة الجمعية بأربيل تحت تصرفي وتوفير المعلومات التي كنت أرجو منه توفيرها لي. كما إن السيد روند كوركيس بولص، رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب السريان والسيد أكد مراد، سكرتير الاتحاد، قد فتحا لي مكتبة الاتحاد ومكتبتيهما الشخصية بعنكاوا ووفرا لي الكثير من المعلومات القيمة والصور لهذا الكتاب. وجدير بالشكر أيضاً السيد باسم جميل أنطون والسيد ليث الحمداني على دعمهما لي بتوفير بعض المعلومات التي كانت ضرورية للبحث. وهنا لا بد من الإشارة إلى إن تقارير منظمة شلومو للتوثيق، التي يرأسها السيد خالص إيشوع، كانت ذات فائدة كبيرة بما وفرته لي من معلومات عن النازحين والمهاجرين وعن الانتهاكات الكبيرة التي تعرض لها المسيحيون بالموصل وفي عموم محافظة نينوى. وشكري الجزيل يتوجه أيضاً إلى المهندس هامبرسوم اغباشيان الذي أرسل لي ملخصا لكتابه عن الأرمن في العراق، كما أرسلت له الفصل الخاص بالأرمن لمراجعته بسبب كونه مختصاً بالشؤون الأرمنية. وقد ابدى ملاحظات قيمة ومفيدة استفدت منها. وكذلك الأخ يعقوب البقال الذي أهداني كتابه عن الكلدان في ديترويت باللغة الإنكليزية، وللأخ كمال يلدو من ديترويت على جهده المشكور في الحصول على كتب ومعلومات تفيد الكتاب ذاته. وشكري يتوجه إلى الأخ مازن لطيف علي لدعمه لي ببعض الكتب المتوفرة في مكتبته عن المسيحيين. كما أشكر الأخ المخرج طاهر سعيد متي لتزويده لي مجموعة من الصور عن المآسي التي حلت بالبلدات والكنائس المسيحية.
وشكري يتوجه إلى يونس بولص متي (أبو سيفان)، مدير موقع الناس الالكتروني، الذي بذل جهداً مشكوراً في التعاون معي لإنجاز جرد واسع نسبياً للشهداء المسيحيين في النضال الوطني العراقي، سواء أكانوا أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي، وهم الأكثرية، أم أعضاء في أحزاب وطنية وديمقراطية أخرى ومستقلين، إضافة إلى ضحايا الحروب.   
وشكري الجزيل يتوجه بشكل خاص إلى الأب ألبير أبونا بعنكاوة للوقت الذي خصصه لقراءة الجزء الأول من الكتاب، والتي أشار فيها إلى بعض التصويبات فيما يخص الديانة المسيحية. كما أتوجه بشكري الجزيل إلى الأخ الأستاذ علي الكحلة الطائي لتطوعه وتجشمه عناء قراءة الكتاب وتدقيقه. وشكري الجزيل للصديق الطائي ثانية بسبب اختياره عنوان الكتاب الحالي، إذ وضعت للكتاب عدة عناوين، ثم استشرت بعض الأخوة بشأنها أو اقتراح عناوين أخرى لاختيار أحدها. وكان من بينها مثلاً "مسيحيو العراق جزءً أصيل وثابت من أهل العراق" أو "مسيحيو العراق.. مضطهدون في وطنهم". ومن بين المقترحات التي وصلتني اخترت أخيراً العنوان التالي "مسيحيو العراق.. إصالة.. انتماء.. مواطنة"، ليكون عنواناً للكتاب، وهو أحد العناوين المقترحة من الصديق الفاضل الأستاذ على الكحلة الطائي.   
وأخيراً الشكر لزوجتي التي تحملتني طيلة العقود المنصرمة وأنا منشغل بالسياسة والبحث العلمي، وكانت المسؤولة الأولى عن تربية أطفالنا طيلة فترة غيابي عن العائلة لأسباب نضالية، أو اعتكافي في صومعة القراءة والبحث والكتابة، ومنها كتابة المقالات السياسية والاجتماعية وحقوق الإنسان والقوميات والمواطنة، وإنجاز الكتب التي وضعتها حتى الآن تحت تصرف القارئات والقراء الكرام والمكتبة العربية.
لقد قرأت من أجل إنجاز هذا الكتاب عشرات الكتب التي تبحث في أوضاع المسيحيين واستفدت من الكثير من الأبحاث والدراسات والمقالات التي نشرها الكتاب في الصحف والمجلات والمواقع، التي لا يسعني ذكرها كلها، فشكري لهم جميعاً، إذ كانوا جميعاً عوناً لي في إنجاز هذا الكتاب. 
كاظم حبيب، خريف 2017   


د. كاظم حبيب
مسيحيو العراق.. أصالة.. إنتماء.. مواطنة
بغداد – برلين 2017
مفردات الكتاب

مسيحيو العراق.. أصالة.. إنتماء.. مواطنة   1
مفردات الكتاب   2
الإهداء   15
كلمة شكر وتقدير   16
استهلال   18
الجزء الأول   26
الفصل الأول   26
بوابات دخول المسيحية إلى بلاد ما بين النهرين   26
الجماعة الأولى: جمهرة من أتباع الديانة اليهودية   26
الجماعة الثانية   36
أسرى الساسانيين من مسيحيي أنطاكية   36
الجماعة الثالثة   37
أتباع الديانة الزرادشتية (المجوسية)   37
الجماعة الرابعة   40
الأقوام القاطنة في سوريا وبلاد ما بين النهرين   40
2. الرها (أورهاي) المدينة التاريخية   44
3. مدينة نصيبين   47
4. مملكة الحيرة (حرتا)   50
الفصل الثاني   58
الصراعات الأولى بين الكنيستين الشرقية والغربية   58
الجزء الثاني   66
الفصل الثالث   66
النماذج الأولى للتعامل الإسلامي مع المسيحية والمسيحيين وتأثيرها على الفترات اللاحقة   66
المبحث الأول: مواقف القرآن من النصارى (المسيحيين)   66
المبحث الثاني   74
مضمون العهود المقطوعة من النبي محمد للنصارى (للمسيحيين)   74
المبحث الثالث   79
موقف الخلفاء الراشدين من الدين المسيحي والمسيحيين   79
الخلاصة   89
الفصل الرابع   91
أوضاع المسيحيين في الإمبراطوريات الإسلامية   91
المدخل   91
المبحث الأول   94
أوضاع المسيحيين في الدولة الأموية   94
المبحث الثاني   101
أوضاع المسيحيين في الدولة العباسية   101
المبحث الثالث   107
أوضاع المسحيين بين سقوط الدولة العباسية واحتلال الدولة العثمانية للعرق - الدويلات العراقية   107
المبحث الرابع   113
أوضاع المسيحيين في الدولة العثمانية   113
الجزء الثالث   134
أوضاع العراقيين المسيحيين في أعقاب الحرب العالمية لأولى   134
الفصل الخامس   134
المبحث الأول   134
الواقع السكاني المسيحي بالعراق   134
المبحث الثاني   142
أوضاع العراق بعد سقوط الدولة العثمانية وقيام الدولة الملكية   142
واقع المسيحيين في ظل الدولة العراقية الملكية   149
الفصل السادس   155
الجمهورية الأولى   155
أوضاع المسيحيين في جمهورية 14 تموز 1958   155
الفصل السابع   169
أوضاع المسيحيين في الجمهوريتين الثانية والثالثة   169
المبحث الأول   169
الجمهورية الثانية   169
أوضاع المسيحيين في الجمهورية البعثية-القومية المشتركة   169
القوى الداخلية   171
الدول الخارجية   173
المبحث الثاني   179
الجمهورية الثالثة   179
أوضاع مسحيي العراق في جمهورية القوميين العراقيين   179
الفصل الثامن   185
الجمهورية الرابعة   185
أوضاع مسيحيي العراق في جمهورية البعث الشوفينية والمستبدة [1968 - 2003م]   185
المرحلة الأولى   191
المرحلة الثانية   192
المرحلة الثالثة   193
مفهوم الإبادة الجماعية   199
أولاً: الموقف من الشعب الكردي   203
ثانياً: الموقف من عرب الوسط والجنوب الشيعة   204
ثالثاً: الموقف من المسيحيين   205
الفترة الأولى   207
الفترة الثانية   210
تهديم القرى والكنائس واغتيالات ضد رجال الدين المسيحيين   213
في فترة حكم البعث بالعراق   213
المرحلة الأولى: تشمل الفترة الواقعة بين 1963-1968   213
المرحلة الثانية: 1968-1979   215
مذبحة المسيحيين الكلدان في صوريا في أيلول 1969   216
المرحلة الثالثة: الفترة الواقعة بين 1980-2003م   224
الفصل التاسع   228
الجمهورية الخامسة   228
أوضاع المسيحيين في الجمهورية الطائفية – الأثنية 2003-2017   228
المدخل   228
اضطهاد المسيحيين وعدم حمايتهم في سياسات الحكم الطائفي   235
المبحث الثاني   244
اجتياح الموصل وعواقبه المدمرة على العراقيين المسيحيين   244
الشاهد: خيري شنگالي   258
المبحث الثالث   262
التمييز في الدستور والقوانين العراقية   262
الفصل العاشر   269
الاضطهاد الديني والسياسات الشوفينية ضد مسيحيي العراق   269
المدخل   269
المبحث الأول   272
اضطهاد المسيحيين في عراق الامبراطورية الأموية   272
اضطهاد المسيحيين بالعراق في فترة انحطاط الدولة العباسية   275
المبحث الثالث   282
اضطهاد المسيحيين في عراق الإمبراطورية العثمانية   282
المبحث الرابع   297
اضطهاد المسيحيين في العهد الملكي   297
(الآشوريون بالعراق)   297
معركة ديرا بون   306
مجزرة سُمّيل ضد الآشوريين   312
الفصل الحادي عشر   320
العراقيون الأرمن   320
المبحث الأول   320
متى بدأ وجود الأرمن بالعراق   320
المبحث الثاني   326
الهجرة الأرمنية إلى العراق في أعقاب   326
أوضاع العراقيين الأرمن   333
الفصل الثاني عشر   344
السكان ونهج وسياسات التغيير الديمغرافي ضد مناطق مسيحيي العراق   344
المدخل   344
المدخل مفهوم التغيير الديمغرافي   344
المبحث الأول   347
الواقع السكاني المسيحي بالعراق   347
المبحث الثاني   351
التغيير الديمغرافي في العهد الملكي   351
المبحث الثالث   353
التغيير الديمغرافي في عهود الجمهوريات العراقية   353
المبحث الرابع   360
التغيير الديمغرافي في ظل النظام السياسي الطائفي   360
المبحث الخامس   363
التغيير الديمغرافي لمناطق المسيحيين بإقليم كردستان   363
الفصل الثالث عشر   373
النزوح والهجرات المسيحية من العراق   373
المبحث الأول   373
مفهوم الهجرة والعوامل المؤثرة فيها   373
(الجانب النظري العام)   373
واقع الهجرة الدولية   376
المبحث الثاني   396
واقع وعواقب السياسات الطائفية والشوفينية على هجرة مسيحيي العراق   396
الفصل الرابع عشر   405
دور المسيحيين في الحضارة والثقافة العراقية   405
دور المسيحيين في اللغة العربية والأدب العربي   408
أولاً: اللغة العربية   408
ثانياً: دور العراقيين المسيحيين في الأدب العربي   414
أ: في الشعر   414
المثقف والشاعر والمناضل ألفريد سمعان   418
ب. في أدب الرحلات   446
ج: في القصة والرواية   449
ت: في الترجمة   456
ثالثاً: في المسرح   461
الفنان المسرحي البروفيسور الدكتور عوني كرومي   469
"وداعاً أخي عوني!   472
الفنان المسرحي والشاعر الدكتور موفق ساوا   474
رابعاً: في الموسيقى والغناء   481
خامساً: في الصحافة   488
الصحفي والكاتب العراقي المميز الدكتور فائق بطي (أبو رافد)   498
الصحفية صاحبة التحقيقات المميزة مريم السناطي   505
الصحفية والكاتبة المبدعة والمناضلة سلوى زكو   508
سادساً: في المجالس الأدبية والثقافية   528
ثامناً: الأعياد المسيحية بالعراق   539
الفصل الخامس عشر   543
دور المسيحيين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العراقية   543
المبحث الأول   543
دور المسيحيين في الحياة السياسية العراقية   543
أولاً: مشاركة المسيحيين في السلطة التنفيذية   544
ثانياً: مشاركة المسيحيين في السلطة التشريعية   547
أ. المجلس التأسيسي   547
ب. مشاركة المسيحيين في مجلس الأمة   548
1. مجلس الأعيان   548
2. مجلس النواب   548
ثالثاً: في الحياة السياسية العامة   554
المناضل الوطني والشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد)   562
المناضلة السياسية والاجتماعية والحقوقية الباسلة هناء أدور   577
رابعاً: دور العراقيين المسيحيين في القانون والسلطة القضائية   584
المبحث الثاني   587
دور المسيحيين في الحياة الاقتصادية العراقية   587
قطاع الزراعة   589
القطاع الصناعي   593
1. الحرف والمهن التقليدية   593
ب. الصناعة الحديثة   593
دور المسيحيين في قطاع البنوك والتجارة   597
دور المسيحيين في قطاع التأمين   599
دور الأطباء المسيحيين في العراق المعاصر   605
الفصل السادس عشر   608
عواقب الحرب والاحتلال والطائفية السياسية بالعراق   608
خلال الفترة 2003 – 2017   608
[إشكاليات قبل وبعد تحرير الموصل وبقية   608
المناطق المحتلة من عصابات داعش]   608
الفصل السابع عشر   621
آفاق معالجة المشكلات الراهنة والمستقبلة التي نشأت بفعل النظام السياسي الطائفي وعواقب اجتياح واحتلال داعش   621
المبحث الأول   623
المشكلات المحتملة التي ستواجه المجتمع في المحافظات التي خضعت لاحتلال داعش   623
أولاً: مشكلات السكن والبنية التحتية والخدمات   624
ثانياً: معاناة النساء والأطفال النفسية والاجتماعية   627
ثالثا: مشكلات الشبيبة العراقية في زمن الطائفية والفساد والإرهاب والحرب   630
رابعاً: المشكلات العشائرية والتقاليد البالية والمشكلات القومية   641
المبحث الثاني   645
سُبل معالجة عواقب الكوارث التي حَلَّت بالعراق، ولاسيما المناطق التي نُكِبت بداعش   645
المبحث الثالث   654
الخاتمة: مستقبل العراقيين المسيحيين   654
ما العمل؟   666
غالبية المسلمين والمسلمات بالعراق أمام امتحان المواطنة!   675
الملاحق   679
الملحق رقم 1: نص عهد النبي محمد لنصارى (مسيحيي) نجران   679
"نص عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران"   679
الملحق رقم 2   682
العراق وفضيحة التعذيب في سجن "أبو غريب" (1 - 4 حلقات)   682
الملحق رقم 3: شهداء معركة "ديرابون"   696
الملحق رقم 4   701
قائمة بأسماء مذبحة سُمَّيل في العام 1933   701
الملحق رقم 5   703
ذكريات عن الإبادة الجماعية للأرمن في الحرب العالمية الأولى   703
مقطع مهم من مقال الدكتور سعد سلوم "أم الارمن تروي قصتها.. عندما تصبح اراكسي "فطوم،"   703
الملحق رقم 6   705
الملحق رقم 7   708
النواب المسيحيون: الكورد الذين استولوا على 53 قرية مسيحية   708
الملحق رقم 8   710
وماذا بعد انتهاء مؤتمر -أصدقاء برطلة- ضد التغيير السكاني لمناطق مسيحيي العراق؟   710
الملحق 9   715
نص قرار المحكمة الاتحادية بشأن التغيير الديموغرافي   715
الملحق رقم 10   718
نص قرار اللجنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة بشأن التغيير الديموغرافي لمناطق المسيحيين في إقليم كردستان العراق   718
الملحق رقم 11   719
عدد الطوائف المسيحية بالعراق والمعترف بها رسمياً   719
الملحق رقم 12   720
فتوى محسن الحكيم ضد الشيوعية   720
الملحق رقم 13   722
محن المسحيين بالعراق   722
الملحق رقم 14   724
نظرة مفعمة بالحزن والألم في رواية "يا مريم"، للروائي المبدع سنان أنطون بقلم كاظم حبيب   724
الملحق رقم 15   729
هل نقرع الأجراس من أجل الدفاع عن المسيحيين العراقيين ومصيرهم في وطنهم؟ بقلم الدكتور سيار الجميل   729
الملحق رقم 16   734
موقف الخليفة عمر بن الخطاب من مسيحيي نجران   734
الملحق رقم 17   737
كتاب وزارة العدل العراقية حول بيع وشراء عقارات المسيحيين العراقيين   737
الملحق رقم 18   738
رسالة من لوزان تكشف حقيقة وفاة الملك فيصل الاول - رشيد كَرمـــة   738
الملحق رقم 19   741
مقالة عن الأب أنستاس الكرملي للصحفي والكاتب علي حسين   741
الملحق رقم 20   742
جداول بالمسرحيات التي قدمت، وغالبيتها لأبناء من عائلات عراقية مسيحية   742
الملحق رقم 21   747
شهداء الحزب الشيوعي العراقي والحركة الوطنية العراقية السياسيين من بنات وأبناء العائلات المسيحية منذ العام 1949-2017   747
قائمة الشهداء المسيحيين   747
أولاً: السياسيين   747
ثانياً: غير السياسيين   750
أ: ضحايا الحرب العراقية – الإيرانية   750
ب: ضحايا التفجيرات والإرهاب   756
ج : ضحايا كنيسة سيدة النجاة   776
الملحق رقم 22   778
قائمة شهداء رجال الدين المسيحيين والشهيدات المسيحيات وموظفي الدولي   778
الشهداء من الناشطين السياسيين وموظفي الدولة   780
الملحق رقم 23   783
قائمة الشهداء المسيحيين العامة في العراق منذ 2003 بدء الاحتلال ولغاية 9/6/2014، أي قبل اجتياح مدينة الموصل ومحافظة نينوى   783
الملحق رقم 24   801
الرسائل المتبادلة بين كاظم حبيب وباسم جميل أنطون   801
الملحق رقم 25   806
البيان الصادر عن مؤتمر "مستقبل المسيحيين في العراق" الذي عقد في بروكسل للفترة من 28-30 حزيران 2017   806
الملحق رقم 26   809
نماذج من كتابات العنصرية لعصابات داعش المتوحشة على كنائس ودور المسيحيين في بطنايا بالعراق وصور تجسد الخراب الذي حل بالبلدات والكنائس المسيحية   809
الملحق رقم 27   811
التقسيمات الإدارية للواء الموصل في العام 1962   811
الموسوعة الإحصائية عن التقسيمات الإدارية في الجمهورية العراقية   811
الملحق رقم 28   820
تحليل الشخصية المسيحية العراقية للدكتور فارس كمال نظمي   820
الملحق رقم 29   823
اتفاقية منع وقوع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها عام 1948   823
الملحق رقم 30   828
تقرير "عن مدينة الموصل"   828
الملحق رقم 31   831
أوضاع حقوق الانسان في العراق   831
من 01/01/2017 لغاية ولغاية 30 /1/2017   831
المصادر والمراجع   834
الكتب العربية   834
رسائل الماجستير والدكتوراه   840
المواقع   841
المجلات   857
الجرائد   858
رسائل متبادلة   859
المصادر والمواقع الأجنبية   860
   فهرست الأسماء

46
كاظم حبيب
من أين وكيف يبدأ الانطلاق الاقتصادي بالعراق؟
نقاش موضوعي وهادف مع السيد عادل عبد المهدي
الحلقة الأولى: تشخيص الظواهر والعواقب والابتعاد عن الأسباب الحقيقية

نشر الاقتصادي العراقي السيد عادل عبد المهدي مقالاً تحت عنوان "الانطلاق الاقتصادي" وتضمن خمس حلقات بعناوين فرعية مختلفة في جريدة العالم البغدادية خلال الفترة 27/08/-03/09/2017. وهو في جوهره مقالاً نقدياً لواقع الحال بالعراق ومقترحات اقتصادية لتجاوز هذا الواقع المزري. وأشر المقال بصيغ مختلفة عدداً من المشكلات الجوهرية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي والتي يمكن تلخيصها، وأرجو أن يكون تلخيصي دقيقاً وأميناً على مضمون المقال وما أراد الكاتب قوله:
1.   إن الاقتصاد العراقي ريعي، استيرادي واستهلاكي، يعتمد على موارد النفط المالية في تأمين حاجات المجتمع الاستهلاكية عبر الاستيراد.
2.   والاقتصاد العراقي بهذا المعنى اقتصاداً وحيد الجانب ويعاني من خلل في بنيته، ولاسيما في تخلف قطاعيه الإنتاجيين الصناعي والزراعي حيث لا يساهمان إلا بنسبتين ضئيلتين في الناتج المحلي الإجمالي. ويرى بأن ".. فالأموال الريعية السهلة، وتدمير العلاقات الزراعية، وتأميم الصناعة والمصارف والسيطرة على التجارة الاساسية، وهروب الرساميل والخبرات، والهجرة الواسعة من الريف، والحروب والحصار والعقوبات والارهاب والسياسات الفاشلة، دمر هذه القطاعات وجعل البلاد تعتمد على الاستيراد والواردات النفطية. ويرى ضرورة تغيير هذه البنية المشوهة.
3.   لا توجد استراتيجية تنموية حقيقية ولا توجد خطط للتنمية الوطنية الاقتصادية والبشرية، إذ ".. ركزت معظم خططنا على الاستقطاعات والجبايات من اقتصاديات هي ضعيفة اساساً، واللجوء للقروض الداخلية والخارجية". ويرى " إن مزيجاً ناجحاً من استراتيجيات “بدائل الاستيراد ومحفزات التصدير” Import Subsitution and Export Promotion  يمكنها مع الاستراتيجيات الاخرى، ان تحقق نتائج مهمة لانطلاق القطاعات الحقيقية".
4.   ويقول عادل عبد المهدي بوضوح: أن "الاقتصاد هو الاقتصاد الكلي Macro-economy والجزئي Micro-economy، وان قليلين، من اصحاب القرار التنفيذيين والتشريعيين، او حتى بين الجمهور من يقدر اهمية هذه القضايا، ليس لصعوبتها، بل لاعتيادهم على مفاهيم “الاقتصاد السلطاني” ومعادله المعاصر “الاقتصاد الريعي”. وبتعبير آخر لا توجد عقلية اقتصادية تعي مفهوم التنمية، ويتطلب الأم "تغيير عقليات وسياسات، وأولها إزالة التشدد والبيروقراطية كأسباب أساسية للجمود والفساد وهدر الأموال وغسيلها وهروبها". 
5.   ويرى ضرورة أن يلعب القطاع الأهلي (الخاص) الدور الأول في الاقتصاد، "مع اهمية الحفاظ على قوة وفعالية ورشد القطاع العام لإحداث التوازن المطلوب انطلاقاً من ظروفنا الواقعية والبنيانية ولاعتبارات اجتماعية وسياسية. ويرى ضرورة قلب المعادلة بعد أن كان القطاع الخاص تابعاً للقطاع العام، إذ لا بد من تفكيك احتكار الدولة للصناعة والزراعة والتجارة والمصارف والاتصالات والمواصلات والطباعة والاعمال البلدية والمياه والكهرباء والتعليم والصحة والكثير من النشاطات. وان تبدأ القطاعات الاهلية بأخذ المبادرة في جميع هذه النشاطات بدعم وتشجيع الدولة، ونقل الكثير من قدراتها في هذا المجال لمؤسسات المجتمع الفردية والجماعية".
6.   ثم يقترح لضمان الاحتفاظ بأموال الشعب المسروقة ومن السحت الحرام بالعراق من خلال عدة مقترحات أولها: "1 - نقترح –خلال مدة محددة- اعفاء الاموال التي تودع، من كشف مصدرها او اخضاعها للتحاسب الضريبي، وذلك خلافاً للتعليمات الدولية والعراقية المتشددة، والتي تساهم، بوعي او جهل، بهروب الاموال وبقائها خارج الدورة المصرفية. فالدولة تضغط اليوم على موجودات المصارف لتوفر لنفسها الاموال، في وقت تعاني المصارف من ضعف الاقتصاد، وعدم سداد معظم المقاولين لديونهم، لعجز الحكومة عن تسديد مستحقاتهم".
في المقال بحلقاته الخمس العديد من التشخيصات السليمة لطبيعة الاقتصاد العراقي وسماته الأساسية والاختلالات فيه، ولكن فيه زوغان أيضاً عن العوامل الحقيقية وراء هذا الواقع. إذ أن المقال لا يغوص في عمق المسألة السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية العراقية، ويقف عند السطح. ولا أدعي أنه لا يعرفها، ولكنه، على اقل تقدير، يبتعد عنها، لأنها تمس الفئة الحاكمة بالعراق كلها، وهو جزءً عضوي منها، فقد تبوأ وما يزال مناصب سيادية في الدولة والنظام السياسي والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية الحاكمة ومن كبار الأثرياء بالبلاد. هناك العديد من المقترحات التي يمكن الأخذ بها لو كان ضد وضع السيد الكاتب يده على الجرح المركزي في الوضع العراقي، إذ بهذا الوضع لا تنفع معه تلك المقترحات ولا حتى أفضل الاستشاريين الاقتصاديين بالعراق، إذ إن التغيير الجذري هو الحل الأمثل للواقع العراقي الراهن. وعليه لا بد لمن ينبري لهذا الموضوع أن يسعى لوضع الأمور التي زاغ عنها الكاتب في نصابها الصحيح.

رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي"
الحلقة الثانية: ما هي طبيعة العلاقات الإنتاجية الفاعلة بالعراق؟
هناك الكثير من الأسئلة التي تواجه كل كاتب اقتصادي عراقي جاد وموضوعي والتي تفرض عليه ضرورة السعي للإجابة عنها، ومنها: ما هي طبيعة علاقات الإنتاج الفاعلة بالعراق في الوقت الحاضر؟ وما هو مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية؟ ما هي طبيعة الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومؤسساتها؟ وما هي طبيعة السلطة التنفيذية والتشريعية على نحو خاص؟ وما هي طبيعة القوى والأحزاب السياسية الحاكمة بالبلاد؟ وما هي سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الداخلية منها والخارجية؟ وما هي عواقبها تلك السياسات على الاقتصاد والمجتمع؟  وهل للدولة العراقية استراتيجية تنموية ورؤية اقتصادية – اجتماعية عقلانية؟ وهل يمكن إصلاح ما خُرّبَ حتى الآن بنفس القوى الحاكمة ونهجها وأدواتها وأساليبها في الحكم؟ وما هو البديل الذي يفترض العمل من أجله لتغيير ما جرى ويجري حتى الآن لصالح المجتمع العراقي ومستقبل أجياله وتقدم اقتصاده وازدهار شعبه؟
نحن لسنا أمام طلسم يحتاج إلى من يفك أسراره، فأسرار العراق مكشوفة أمام العالم كله. وما يجري بالعراق منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية الصدامية الغاشمة يؤكد طبيعة الأوضاع المزرية فيه. ومع ذلك علينا الإجابة عن الأسئلة التي أوردناها وغيرها في عدة حلقات.
يتحدث السيد عادل عبد المهدي عن "الاقتصاد السلطاني" السائدة في صفوف المسؤولين وأصحاب القرار، أي حكام العراق. ولكن لماذا لا يضع النقاط على الحروف ويقول: أن عقلية الحكام السائدة بالعراق حالياً نابعة من طبيعة العلاقات الإنتاجية الفاعلة حتى الآن في العراق، والتي استردت عافيتها بوجود الفئة الحاكمة الحالية بعد أن أجهزت وأكملت التصفية الفعلية لقانوني الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 والقانون رقم 117 لسنة 1970 وعودة كبار ملاكي الأراض الزراعية إلى الهيمنة على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إضافة إلى عودة العلاقات العشائرية إلى سابق عهدها في الهيمنة على سكان الريف وسكان المدن العشوائية حيث يعيش فيها أبناء الريف السابقين، وكذلك البدء بمناقشة مجلس النواب وإقرار " قانون مجلس قبائل وعشائر العراق" والمصادقة عليه واعتماد الدولة ونظام الحكم والعشائر على هذا القانون في التعامل اليومي، وهي رده اقتصادية اجتماعية وسياسية مريعة عما تحقق في أعقاب ثورة تموز 1958 حين ألغي قانون العشائر واعتمدت القوانين المدنية في التعامل اليومي في المجتمع. إن هذه العلاقات الإنتاجية المتخلفة والعلاقات العشائرية لا تعيق التطور الرأسمالي بالبلاد فحسب، بل وتعرقل تطور الثقافة الديمقراطية والتلاقح الثقافي، وتعيق نمو الوعي السياسي والاجتماعي الديمقراطي والتنويري لدى الغالبية العظمى من السكان، ولاسيما بين النساء، كما إنها تصبح القيم على سلوك الناس وإرادتهم وخنق حريتهم الشخصية والتصرف الفظ بمصالحهم، لاسيما وان التحالف السابق بين كبار الملاكين والمؤسسات الدينية الذي عاشه العراق قبل ثورة تموز 1958 قد عاد إلى الفعل في المجتمع العراقي، وهو بدوره يمارس ما جرى تأكيد دوره السلبي الكبير في دفع الناس إلى الغيبيات والغوص في الخرافات والأساطير وأعمال السحر والشعوذة، وفي استفحال الثقافة البالية وتشويه استشهاد الحسين بين علي بن أبي طالب وصحبه الكرام بممارسة طقوس غريبة عن الدين والثقافة بدلاً من ممارسة أساليب حضارية في إبراز دورهم في الدفاع عن المضطهدين ضد الجائرين والفاسدين من الحكام. إن العلاقات الإنتاجية السائدة حالياً تلعب دوراً معرقلاً لتطور القوى المنتجة المادية والبشرية، لأن هذه العلاقات تمنع فكرياً واجتماعياً وسياسياً من تحويل الأموال المكدسة إلى استثمارات رأسمالية في قطاعي التنمية الإنتاجية، في الصناعة والزراعة، وكذلك في قطاعات الخدمات الإنتاجية والأساسية للسكان كالتعليم والصحة والنقل والاتصالات والمواصلات ..الخ، وكذلك صوب تطوير الفنون الإبداعية الجميلة، إنها المعرقل لكل ذلك لأنها لا تسمح بطبيعتها استخدام أموال الدولة وأموال القطاع الخاص لتحقيق التراكم الرأسمالي المطلوب وتركيزها على الاستهلاك البذخي الذاتي أو توظيفها في شراء العقارات وبناء القصور في والمضاربات وما إلى ذلك في دول أخرى. وهي بهذا لا تفرط بالأموال، وأغلبها منهوب من خزينة الدول وجزء أساسي من السحت الحرام، بل وتمنع تطور الاقتصاد الوطني وتعظيم الثروة الوطنية وتوفير فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل وللأيدي الجديدة التي تدخل سنوياً في سوق العمل المحلي. إنها سياسة مورست خلال السنوات الـ 14 المنصرمة دون احترام لمصالح الإنسان والمجتمع العراقي واقتصاده الوطني. وإذا كان النظام شبه الإقطاعي في العهد الملكي قد استغل الفلاحين ونهب الكثير من قوتهم، إلا إنه خلا من الفساد المالي في سرقة أموال الشعب من خزينة الدولة، كما جرى ويجري مع عودة بقايا تلك العلاقات بصيغة جديدة للفعل في اقتصاد العراق ومجتمعه. والسرقة والتفريط هنا لا يشمل مئات الملايين بل مئات المليارات من الدولارات الأمريكية، وهي سرقة من قوت الشعب. وكان الدكتور أحمد الچلبي قد بدأ بكشف هذه السرقات والتفريط بالمال العام، إلا إنه وبطريقة ما فيها الكثير من الغموض والشك توفى الرجل على حين غرة وبعد أيام قليلة من تصريحاته المعروفة التي استفزت رئيس الوزراء السابق ورهطه، وعلى وفق معلومات الكثير من العارفين بخفايا الفئات الحاكمة بالعراق. 
إن نظرة فاحصة على مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية، بعد مرور 14 سنة على الحكم السياسي الطائفي الراهن، تكشف عن تخلف شديد في التقنيات المستخدمة في مختلف مجالات الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، وعن تخلف في القطاعين الصناعي والزراعي وعن بقاء المؤسسات الصناعية الحكومية مجمدة إلى حين بيعها بأبخس الأسعار للقطاع الخاص، أو حتى لقاء دينار عراقي واحد. ويكفي ان يتمعن الإنسان في القوى العاملة العراقية، التي لا تجد مجالاً للتعليم المهني والفني والتأهيل المستمر، إضافة إلى تخلف شديد في مستوى التعليم المهني المتوفر وكذلك في عموم قطاعي التربية والتعليم في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات، بحيث أصبح العراق يحتل موقعاً متخلفاً جداً في مجال المقارنة مع مستوى التعليم في دول نامية أخرى بمنطقة الشرق الأوسط، دع عنك عن مستواه في الدول المتقدمة.         
من هنا نشير، وبخلاف البحث في الظواهر السلبية القائمة، علينا التفتيش عن العوامل التي تتسبب في بروز تلك الظواهر السلبية، إذ أن العراق يعاني من تشابك بين علاقات إنتاجية متخلفة وعلاقات رأسمالية طفيلية تجنح إلى التوظيف في العقارات والمضاربة وتجارة الاستيراد السلعي الاستهلاكي والبذخي والتحري عن مجالات الربح السريع والتي لا تسمح بتوجيه الأموال المكدسة صوب توظيفات إنتاجية لتنمية الاقتصاد الصناعي والزراعي واستخدام تقنيات حديثة، كما تقف حجر عثرة في طريق تطوير وتقدم القوى العاملة والتعليم بمختلف مراحله والبحث العلمي وتوفير فرص عمل للعاطلين.

رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي"
الحلقة الثالثة: طبيعة ونظام الحكم بالعراق
رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي"
الحلقة الثالثة: طبيعة ونظام الحكم بالعراق
من يعمل في الحياة الاقتصادية والسياسية عملياً، دع عنك المختص بعلم الاقتصاد، يدرك طبيعة العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد، فالسياسات الاقتصادية التي تمارس ببلد ما تعكس بدقة طبيعة الحكم والفئات الحاكمة. ويتجلى ذك بوضوح في العهد الملكي وفي العهود الجمهورية الخمس التالية، أي بضمنها نظام الحكم الحالي. ولهذا يشار إلى الحقيقة التالية: إن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة!
فالقراءة المتأنية لواقع الاقتصاد والمجتمع بالعراق، ولنهج الدولة الاتحادية وطبيعة السلطات الثلاث فيها، وسياسات الحكومة الاتحادية منذ العام 2005 حتى الآن، وما آل إليه الوضع بعد اجتياح عصابات داعش لمحافظة نينوى وغيرها، تكشف بأن النخبة الحاكمة الحالية تنحدر من فئات اجتماعية هامشية وغير هامشية، ولكنها انسلخت عنها لتشكل مجتمعة فئة جديدة أَطلقُ عليها مصطلح "الفئة الرثة"، وهي في الواقع فئة طفيلية، وهي ليست ذات الفئة التي يُطلقَ عليها في الأدب الكلاسيكي الماركسي مصطلح "البروليتاريا الرثة" أو الفئة الهامشية أو المهمشة عملياً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافاً، إنها الفئات الفقيرة والمعدمة في المجتمع. إن "الفئة الرثة" تهيمن على السلطات الثلاث بالدولة العراقية، وتتحكم بها من خلال السلطة التنفيذية.   
وهذه الفئات الرثة الهجينة تسعى إلى الاغتناء على طريقة القطط السمان، وأغلبها أصحاب نعمة حديثة، إذ إنها تستنزف موارد الدولة من الباطن، وبأساليب مافيوية ورشاوى ونهب وسلب علنيين. وهذا الجزء المؤثر والحاسم في النخبة الحاكمة يطبع عمل الحكومة كله ويميزه ويمنحه سلوكية معينة وإجراءات محددة، إذ تسعى هذه الفئة إلى إنعاش وتوسيع قاعدة الفئات التي يصطلح عليها بالطفيلية، سواء أكان ذلك في قطاع المضاربات المالية، أم في قطاع السمسرة العقارية، أم في قطاع المقاولات والعقود النفطية واستيراد السلاح، أم في قطاع التجارة الخارجية والداخلية، أم في المجالات الاقتصادية والإدارية الأخرى وفي المجتمع عموماً. ويبرز هنا دور العلاقات والسلوكيات العشائرية التي لم تعد تنسجم مع القرن الواحد والعشرين أيضاً، بل تعود إلى علاقات ما قبل الرأسمالية، وهي في نشاطها أسوأ من الفترة التي كان العراق يئن تحت وطأة الهيمنة الاستعمارية المباشرة أو شبه الاستعمارية وسياساتها الاقتصادية ووجود كامل للعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية. إن الواقع العراقي يشير بوضوح إلى تدهور مستمر في الأوضاع العامة. فالوضع القائم بالبلاد يعكس تشابكاً عجيباً يخدم على المدى القريب مصالح النخبة الحاكمة من الفئات الرثة، التي لا يهمها بأي حال تنمية وتطوير الاقتصاد الوطني والمجتمع المدني، بل يتركز همها وجوهر نشاطها على سبل زيادة ثروتها من سرقة المال العام وتعظيم حساباتها المصرفية الخاصة على حساب الاقتصاد الوطني وقوت الشعب. وهي تدعي محاربة الفساد، ولكنها تحتفي بكبار الفاسدين وتسكت عنهم وتضعهم في أعلى مواقع المسؤولية بالدولة العراقية.
ويتركز ذكاء الفئات الرثة في هدف أساسي هو: كيف تحافظ على الوضع القائم وعلى وجودها في السلطة وإدامته بما يسهم في زيادة فرص نهبها لموارد الدولة وإسكات الشعب ومنع احتجاجاته. ولكنها حتى في هذه القضية فشلت في الاحتفاظ والدفاع عن أرض العراق ووحدته، إذ سمحت هذه "الفئات الرثة" باجتياح "داعش" واحتلاله لما يقرب من ثلث مساحة العراق في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز أياماً معدودة. ومع فرحة تحرير أغلب المناطق، فأن مثل هذه المكاسب العسكرية لا يمكن أن تدوم دون وجود وضع سياسي واقتصادي واجتماعي آخر بالبلاد غير القائم حالياً.
والإشكالية الكبيرة في سياسة هذه الفئة الضارة يكمن في عرقلتها للتنمية الاقتصادية، ولاسيما التنمية الصناعية والزراعية والتنمية البشرية العقلانية، وتتصدى للحداثة وتغيير البنية الاجتماعية، والتي مارسها بول بريمر رغم وجوده القصير بالعراق، إلا إنه كرَّس سياسة وسلوكاً معوجين وفاسدين. ولم يخرج بريمر من العراق إلا بعد أن كرس، وبدعم من النظام الإيراني الطائفي، نظاماً سياسياً طائفياً يقوم على المحاصة الشيعية-السنية-الكردية، ليطمر بذلك، مع أشلاء الحرب، مبدأ المواطنة الحرة والمستقلة والمشتركة بالعراق.
هذه الفئات الرثة والهجينة ليست حديثة العهد بل كانت تشكل جزءاً من قوى المعارضة السياسية للنظام الاستبدادي السابق، وهي التي اتفقت مع الإدارة الأمريكية في أعقاب مؤتمر المعارضة ببيروت عام 1991 على تسلم الحكم، بذريعة أنها تمثل الغالبية العظمى من السكان من الناحيتين الدينية والمذهبية وأن تتفق مع أحزاب سنية وكردية أيضاً. وبالتالي فإن غالبية قوى المعارضة حسمت الأمر على هذه الصورة الطائفية والأثنية في بنية قيادة المعارضة التي وافقت على شن الحرب في سنة 2003م لإسقاط نظام صدام حسين. وكانت تشكيلة الحكم الطائفية القائمة على أساس المحاصصة مطلوبة من الإدارة الأمريكية ومناسبة لمصالحها بالعراق وبمنطقتي الخليج والشرق الأوسط، إذ بهذا الصورة يبقي العراق دون استقرار وفي صراع ونزاع مستمرين يبعده عن التنمية وعن تغيير بنية الاقتصاد الوطني وبنية المجتمع الطبقية ومستوى الوعي السياسي والثقافي. لقد حقق بريمر ما أرادته الإدارة الأمريكية في خلق تلك الأجواء السلبية التي أطلقت عليها "كوندليزا رايز" بـ"الفوضى الخلاقة" Creative Chao، الفوضى المدمرة التي يعاني منها العراق حالياً، بل إن الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط تعاني من هذه الفوضى الخلاقة. فما هي السمات التي تميز الفئات الاجتماعية الرثة التي تخلق الرثاثة وتنشرها بالبلاد؟
ابتداءً، يجب أن نشير إلى ضرورة التمييز بين الفئات الهامشية والفئات الرثة، فهما لا يعنيان بشكل تلقائي شيئاً واحداً، كما إنهما ليسا مترادفين، ولكنهما يلتقيان ببعض السمات المشتركة وأهمهما: موقعهما من الإنتاج ومن الملكية لوسائل الإنتاج وفي بعض الأخلاقيات. فالفئات الرثة الحاكمة بالعراق لا علاقة لها بالإنتاج المادي حتى الآن، وهي غير مالكة لوسائل الإنتاج حتى الآن، ولكن تملك الكثير من الأموال المنهوبة من خزينة الدول بسبل كثيرة وغير مشروعة، كما إنها تهيمن على الاقتصاد الوطني وخزينة الدولة من خلال موقعها في الدولة والحكم وفي الأحزاب السياسية المهيمنة حالياً على الساحة السياسية العراقية. وهي تهيمن على موارد البلاد، وخاصة النفط الخام وعوائده المالية المتأتية من التصدير السنوي للنفط الخام، والذي يشكل أكثر من (97%) من صادرات العراق، ونسبة عالية من الناتج القومي الإجمالي ومن الدخل القومي. ففي مقال للدكتور مظهر محمد صالح ورد بهذا الصدد ما يلي: "ما ا زلت الثروة النفطية هي المورد السيادي المالي الغالب الذي تصطف حوله قوة الدولة الاقتصادية والسياسية مركزيا، سواء في دور عوائد الن