عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - كاظم حبيب

صفحات: [1] 2 3
1
نظرة في كتاب "الاقتصاد العراقي – الأزمات والتنمية للسيد الدكتور علي خضير مرزا


د. كاظم حبيب

لحلقة التاسعة
قراءة في الفصل التاسع: الزراعة: التخلف عن إشباع حاجة السكان
يقدم لنا الدكتور علي مرزا مساهمة مهمة عبر تسجيله وتحليله للوحة مكثفة جداً عن الواقع الزراعي وحجم الإنتاج في فترة كان القطاع الزراعي يشكل القطاع الأول في تحقيق الناتج المحلي الإجمالي، فترة الريع الزراعي، وفي الفترة التي أصبح القطاع النفطي يشكل القطاع الأول في توفير النسبة العظمى من الناتج المحلي الإجمالي وتراجع القطاع الزراعي إلى الموقع الثاني فالثالث أو متقلب بينهما. وإذ أشار إلى دور الإجراءات التي اتخذتها الدولة العثمانية لتوطين البدو من خلال توزيع الأراضي الأميرية على شيوخ العشائر والعائلات الميسورة في الولايات الثلاث، انتقل إلى الفترة التي أعقبت تخلص العراق من الهيمنة العثمانية وسقوطه تحت الهيمنة البريطانية حتى سقوط الملكية عام 1958. وقسم الفترة الواقعة بين 1864-2018 بالسبة للقطاع الزراعي إلى فترتين: الأولى قبل العهد النفطي، والثانية بعد سيادة الدولة الريعية النفطية، وقارن بين أربع مسائل مهمة للفترتين المذكورتين، وهي:
إجمالي مساحات الأراضي المستخدمة في الزراعة أولاً، وإنتاجية الفرد الواحد أو الدونم الواحد ثانياً، وإجمالي الإنتاج الزراعي، ومقارنة بين نمو السكان ونمو الإنتاج الزراعي ثالثاً، وعلاقة ذلك بإشباع حاجات المجتمع والقدرة التصديرية للمحاصيل الزراعية رابعاً. كما ركز في دراسته على المحاصيل الزراعية الثلاثة: الحنطة والشعير والرز. ثم عمد إلى إبراز دور النفط وتنامي إيراداته السنوية على دور القطاع الزراعي ومستوى الاهتمام بهذا القطاع الأكثر أهمية لإشباع حاجات السكان من السلع الزراعية والمواد الأولية الصناعية، من خلال استخدامه خطوتين، أولى إجراء مقارنة بين الإنتاج الزراعي في الفترتين، والثانية إجراء قياس الارتباط بين معدل حصة الشخص من العوائد النفطية ومعدل حصته من الإنتاج الزراعي، وتوصل إلى استنتاج بهذا الصدد صاغة على النحو التالي: "نخلص من الاختبار باستخدام الخطوتين إلى: 1) أن حصة الشخص من الإنتاج الزراعي كانت في تصاعد قبل العهد النفطي وفي تدهور خلال العهد النفطي. وب) يبين معامل الارتباط عموماً، ارتباطاً عكسياً بين تغير حصة الشخص من العوائد النفطية وحصته من كمية الإنتاج خلال العهد النفطي. ج) وبذلك نميل للاعتقاد إلى أن كلا الاختبارين يرجحان باحتمال معقول صحة الفرضية الريعية، عموماً". (أنظر، مرزا، الكتاب، ص229/230).
على أهمية هذه الدراسة وضرورة إبراز دور الدولة الريعية النفطية السلبي على القطاع الزراعي وعلى مجمل الاقتصاد الوطني والحياة الاجتماعية والسياسية، وأهمية تغيير هذه العلاقة لصالح تنويع الاقتصاد الوطني والاهتمام بالقطاع الزراعي، فأن أي دراسة اقتصادية ليست مهمتها الجانب التقني والحسابي فحسب، بل وبالأساس دور الاقتصاد في التأثير المباشر وغير المباشر على الإنسان في معيشته وحياته سلباً أو إيجاباً، أي ضرورة الغوص في أعماق المشكلة الزراعية في العراق لا البقاء على سطح الأرقام على أهميتها، رغم إن الأرقام تمنحنا صورة مفيدة ولكن المعدل لا يعبر عن واقع الحال للفئات الاجتماعية المختلفة. غالباً ما يشير علماء الاقتصاد إلى إن الأرقام الإحصائية التي تنشرها الدول، ولاسيما النامية، تشبه مايوه السباحة النسائي إذ يكشف عن الكثير من جسم المرأة، ولكنه يخفي أهم ما فيه.
كتب ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي 1332-1406م) في مقدمته ما يلي: "إنه لا يكفي أن تصف موج البحر، وظهور السفن، حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر... لا بد لك أن تفهم ما في القاع... قاع البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش… وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أياماً كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركاباً.. وينزفون عرقاً، وتتمزق أجسامهم تحت السياط.. أجل، ينبغي أن تعطيني صورة كاملة، عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور".                     
إن البحث في الاقتصاد الزراعي يفترض أن يمتد ليشمل، على وفق قناعتي الشخصية، عدة مسائل جوهرية، إذ كان بودي لو كان قد تطرق إليها الزميل مرزا ولو بكثافة، لأني مقتنع بأن لديه الكثير من المعلومات حولها، أشير إلى أهمها فيما يلي:
أولاً: أهمية الإنتاج الزراعي في ضمان الأمن الغذائي والاقتصادي للعراق، ولاسيما وأن المنطقة مليئة بالمفاجئات غير السارة والتي تستوجب تأمين احتياطي منه. ومرّ العراق بتجارب مريرة في هذا الصدد ومنها فترة الحصار الدولي بين 1992-2003. 
ثانياً: الأهمية القصوى لتنويع الإنتاج الزراعي وأهمية ذلك لمسالتين مهمتين هما: الدورة الزراعية وتأثيرها الإيجابي على خصوبة التربة ونوعية الإنتاج من جهة، وتحسين معدلات الغلة وزيادة الإنتاج وتأمين المنتجات الزراعية للاستهلاك الغذائي، والخامات الزراعية للقطاع الصناعي.
ثالثاً: القطاع الزراعي لا يشمل المحاصيل الزراعية فحسب، بل هو قطاع يشمل المحاصيل ومنتجات البستنة والغابات والثروة الحيوانية والثروة السمكية، وبالتالي، فالاقتصار على المحاصيل الزراعية لا يقدم لوحة كافية عن القطاع الزراعي ضمن صورة الاقتصاد الوطني.
رابعاً: واقع الاستغلال الذي يتعرض له الفلاح غير المالك للأرض الزراعية وفئات المزارعين الآخرين، وسبل استخدام الريع الزراعي في الاقتصاد العراقي في الفترة التي سبقت الريع النفطي وبعده. وهناك معلومات كثيرة في هذا الصدد ابتداءً من رسالة الدكتوراه للدكتور صالح حيدر وانتهاء بكتاب الدكتور طلعت الشيباني، وزكي خيري وعزيز سباهي وكاظم حبيب وعشرات كتب أخرى حول القطاع الزراعي، إضافة إلى كتاب الدكتور كامل عباس مهدي الصادر باللغة الإنكليزية في لندن عام 2000 وتحت عنوان "الدولة والزراعة في العراق، التطور الحديث، الركود وتأثير النفط"  State and Agriculture in Iraq- Modern Development, Stagnation and the Impact of Oil إضافة إلى الكثير من الأبحاث والدراسات والمقالات المهمة الصادرة بهذا الشأن والمنشورة على العديد من المواقع الإلكترونية.
خامساً: مستوى الخدمات التي تقدم للفلاحين والريف العراقي خلال الفترات المنصرمة، ومدى تأثير ذلك على هجرة الشباب بشكل خاص، وبقاء الفلاحين كبار السن في الريف والزراعة، على ما يلاحظ في العراق خلال فترات طويلة.
سادساً: مدى تأثير الحروب العراقية، الداخلية منها والخارجية، فعلياً على الريف والزراعة العراقية وحياة العائلات بالارتباط مع التجنيد الإجباري للقوى العاملة التي تتراوح أعمارهم بين 18-60 سنة وأحياناً أقل وأكثر من هذين الحدين، إضافة إلى نشر الألغام في الكثير من الأراضي الزراعية الحدودية ولاسيما في إقليم كردستان العراق. 
وإذ أشير إلى هذه المسائل المهمة في القطاع الزراعي فلا بد أن أشير أيضاً إلى الأهمية القصوى لأي باحث اقتصادي يعالج أوضاع القطاع الزراعي إن يبحث في مسألتين مهمتين لا يجوز إغفالهما بأي حال، حتى لو اختلفت وجهات نظر الباحثين، وأعني بهما:
طبيعة علاقات الإنتاج السائدة في البلاد قبل وبعد الإصلاح الزراعي لا على ما هو مسجل في القوانين فحسب، بل والحالة الفعلية على أرض الواقع، وهي أمور متيسرة.
مستوى تطور القوى المنتجة البشرية والمادية ومدى تأثيرها على إنتاجية العمل أو غلة الدونم الواحد من الأرض الزراعية في السنة. إذ إن التوسع في الأرض وزيادة الغلة التي برزت بشكل خاص في الفترة التي سبقت الفترة الريعية النفطية قد أدت إلى تسليط استغلال بشع على الفلاحين، إذ كان عليه أن يعمل ساعات أكثر وعلى مساحات أوسع لإنتاج غلة مساوية أو أكثر لصالح مالك الأرض أو المستحوذ عليها. وحين توفرت إمكانية زيادة نصب المضخات المائية على شواطئ الأنهر وزيادة المكائن الزراعية من تراكتورات (حارثات) وحاصدات وأدوات أخرى وأسمدة كيمياوية وحبوب محسنة ومخازن وقضايا النقل الزراعي وسبل التسويق، ازدادت غلة الأرض وارتفعت إنتاجية الفرد الواحد، ولكن لم تلعب باستمرار دوراً تحسينيا في حياة ومعيشة الفلاحين.
ويبدو لي بإن المفروض أن يبحث الكاتب واقع الزراعة العراقية ومشكلاتها الراهنة في أعقبت إسقاط الدكتاتورية الغاشمة حتى سنة صدور الكتاب والدور الكبير والمتنامي لكبار الملاكين الذين عادوا إلى الأراضي التي فقدوها بسبب القانونين الزراعيين وتعديلاتهما، ودور شيوخ العشائر الذين عادوا وبشكل أقوى إلى دورهم السابق في الهيمنة على الفلاحين والريف بل وبروز تأثيرهم المتنامي وتقاليدهم التي تهيمن حالياً على أجواء المدن العراقية، ومنها بغداد.   
الحلقة العاشرة
قراءة في الفصل العاشر: التصنيع: نشاط متدهور
الفترة بين 1921-1968
قدم الباحث الدكتور علي مرزا في الفصل العاشر دراسة تحليلية قيمة عن نشوء وتطور القطاع الصناعي في العراق منذ النواتات الأولى في العهد العثماني، ومروراً بالعهد الملكي بين 1921-1958، وانتهاء بالعهود الجمهورية المتلاحقة بين 1958- 2014 تقريباً مع واقع تقلبات هذا القطاع الذي يفترض أن يشكل قاعدة النمو والتطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي في العراق. وفي هذا الفصل أيضاً يفتقد المتتبع والمتتبعة شيئاً مهماً وحيوياًن هو غياب الربط العضوي والجدلي بين الحياة الاقتصادية والحياة الاجتماعية، بين التغيرات الاقتصادية والتغيرات المصاحبة لها أو اللاحقة بها في الجانب الطبقي ومن ثم في وعي البشر، إضافة إلى التغيرات الحاصلة في عدد المشتغلين وعدد المؤسسات والأجر وإنتاجية العمل لفترات كانت متوفرة، وربما فترات أخرى لم تتوفر. إن غياب هذا الجزء المكمل يضعف الاستنتاجات المهمة، رغم الأهمية الواضحة في المادة الاستعراضية والتحليلية التي قدمها لنا الزميل د. علي مرزا في هذا الكتاب وفي فصل التصنيع. لا أنطلق في ملاحظتي هذه من موقف أيديولوجي أو سياسي، بل من واقع علاقة التفاعل بين الاقتصاد والمجتمع والتأثير المتبادل بينهما ومن ثم تجليات ذلك على مستوى حياة ومعيشة الأفراد وعلى وجهة التناقضات المحتملة والصراعات واحتمال تحولها إلى نزاعات سياسية مؤذية.   
إذا تابعنا الفترة الواقعة بين 1927 و1945، أي بين صدور قانون التعرفة الجمركية رقم 30 لسنة 1927 وقانون تشجيع الصناعة الوطنية لعام 1929 بعد مطالبة جادة من جمعية أصحاب الصنائع العراقية التي أجيزت عام 1928 برئاسة صالح القزاز، ونهاية الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الحكومة قد أبدت اهتماماً بالصناعة المحلية، والتي أكدها الدكتور مرزا برسالة الملك فيصل الأول عام 1932 وطالبت بها "جماعة الأهالي"، إضافة إلى "جماعة الإصلاح الشعبي" برئاسة عبد الفتاح إبراهيم في النصف الأول من العقد الرابع من القرن العشرين، و"الحزب الوطني" برئاسة جعفر أبو التمن، أن تدفع قليلاً أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة إلى تنشيط دورهم وإنشا بعض المصانع الصغيرة حلال الفترة المذكورة. ,إذ بلغ عدد المشاريع الصناعية في عام 1929 (8) مشاريع صناعية صغيرة، ارتفعت أثناء الحرب العالمية الثانية حتى العام 1945 إلى (96) مشروعاً صناعياً صغيراً، وهي في الغالب مشاريع صناعية استهلاكية خفيفة مثل صناعات الغزل والنسيج وحلج الأقطان والسجاير والتقطير والأحذية والطابوق والشخاط.. إلخ، كما كانت رؤوس أموالها محدودة جداً وقلة عدد العاملين فيها، وضآلة حجم الإنتاج الصناعي لهذه المنشآت. (أنظر: د. كاظم حبيب، دراسة في اتجاهات ومشاكل التطور الصناعي في العراق للفترة 1917-1962، مجلة المستنصرية العدد 2-1971، بغداد). ويشير الزميل مرزا إلى ذلك بقوله: " إن نشاط القطاع الخاص وإمكانياته لم تكن كافية لحصول نهضة صناعية تنقل البلد إلى طريق التقدم" (أنظر/ مرزا، الكتاب، ص 239. ولكن وخلال الفترة الواقعة بين 1945 و1949 ارتفع عدد المشاريع الصناعية في العراق إلى 145 مشروعاً، أي بزيادة قدرها 49 مشروعاً. وقد ارتفع مقدار رأسمال المشاريع الصناعية المدفوع في عام 1948 3،133،741 د.ع. وقمة الإنتاج 1،403،372 د.ع. وعدد العاملين 1649 شخصاً، وارتفع في عام 1949/1950 إلى 3،914،000 د.ع. و1،555،428 د. ع. وعدد العاملين 2626 على التوالي. (أنظر/ د. صباح الدرة، التطور الصناعي في العراق-القطاع الخاص، بغداد، مطبعة النجوم، 1968، ص 74).
ويبدو لي من المناسب أن أشير إلى حقيقة أن واقع العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية التي سادت الفترة الواقعة بين 1921-1958 وأسلوب استخدام كبار الملاكين للريع المنتج في الزراعة لم تسمح لجزء مهم من هذا الريع أن يستخدم في تكوين وتراكم راس المال البدائي في البنية التحتية والصناعة العراقية، كما حصل في بلدان أخرى، حيث كانت الزراعة بقرة حلوب للمدن وتكوين وتراكم رأس المال البدائي، إذ كان هؤلاء الملاكون يستخدمون هذا الريع استهلاكاً بذخياً وأوجه صرف غير عقلانية، ولم يكن دخل الفلاح الضئيل يكفي لسد رمق عائلته، وبالتالي لم يكن في مقدوره توفير ما يمكن إعادة توظيفه في الزراعة. وكان كبار الملاكين يقدمون بعضاً من ذلك الريع كقروض للفلاحين ترهق كاهلهم بنسبة الفائدة التي عليهم دفعها.   
إلا إن الدفعة الجديدة والنسبية للصناعة العراقية قد بدأت بعد تأسيس مجلس الإعمار ومن ثم وزارة الإعمار، وكذلك المصرف الصناعي العراقي، الذي تأسس عام 1935 كمصرف صناعي وراعي، ثم إلى مصرف تنموي صناعي عام 1946 لتقديم القروض ولم ينشط فعلياً إلا في بداة الخمسينيات، وبعد أن تحقق للعراق المناصفة في الأرباح وزيادة العوائد النفطية ابتداء من عام 1951. وإذا تابعنا الفترة الواقعة بين 1949-1959، على وفق المعلومات المتوفرة، سنجد إن عدد المنشآت الصناعية التي يفوق عدد العاملين فيها 20 عاملاً قد وصل إلى 295 منشأة صناعية وارتفع عد العاملين فيها إلى 42802 شغيلاً، وارتفعت نسبة المشاركة في تكوين الناتج المحلي الإجمالي إلى 7،2%، وهو تقدم ملموس ومهم. وقد حصل ذلك بسبب زيادة مشاركة الدولة في إنشاء المصانع أولاً ومشاركة المصرف الصناعي في تمويل مشاريع مشتركة مع القطاع الخاص. ولا بد من إبراز دور المصرف الصناعي الذي لم يرد بشأنه شيء في كتاب الزميل مرزا، ولأهمية هذا الدور في مستقبل العراق لتأمين تطوير قطاع صناعي مختلط حكومي وخاص، أشير إلى الشركات الصناعية التي ساهم فيها المصرف الصناعي كلياً أو جزئياً بلغت بين عامي 1949-1957 (14) مشروعاً وهي مشاريع خاصة بمواد البناء كالأسمنت والجوت والجلود والمرمر والجص والتمور وغيرها. (أنظر: كاتلين م. لانگلی، تصنيع العراق، مطبعة دار التضامن، بغداد، 1963، مترجم إلى العربية، ص 93). رغم تأسيس مجلس ووزارة الإعمار والمصرف الصناعي، ورغم الضغط السياسي الذي مارسته القوى السياسية بشأن تسريع التصنيع، ورغم قيام خبراء ومؤسسات استشارية بتقديم المقترحات المهمة للحكومة العراقية، فأن أغلبها لم يجد طريقه إلى التنفيذ، كما إن البرامج التي وضعتها الحكومة العراقية خلال هذه الفترة لم يجر تنفيذها بنسبة عالية، فالفرق بين التخصيص والتنفيذ كان واسعاً ويعبر عن ضعف الأجهزة الإدارية العاملة وربما الرغبة في عدم التسريع في عملية التنمية الصناعية. يمكن أن نقرأ النص المهم التالي الوارد في كتاب الدكتور علي مرزا ليوضح الوجهة التي دعت لها تقارير الخبراء الإيجابية منها والسلبية من جهة، وما أسجله من تخلف شديد في تنفيذ مناهج مجلس الإعمار من جهة أخرى.             
استنتج الدكتور علي مرزا بصواب ما يلي:
"وبالرغم من إجماع هؤلاء الخبراء (تقرير البنك الدولي في 1952، وكارل أيفرسن 1954، واللورد سولتر 1955، وشركة آرثر دي لتل 1956) على ضرورة تركيز استخدام العوائد في مجال تطوير البنية الأساسية (طرق، مواصلات، محطات كهرباء/ الخ) ورأس المال الاجتماعي (مستشفيات، مدارس، الخ)، إلا أنهم جميعاً دعوا أيضاً إلى إنشاء الصناعات التي يتوفر لها السوق المحلية والمواد الأولية وتقام على أسس تجارية (أي مربحة). أي أن هه التقارير أوصت بإنشاء صناعات تحل محل الاستيراد وليست موجهة للتصدير. وربما كان هذا منبع هذه الاستراتيجية التي استمرت فيما بعد..". (أنظر، مرزا، الكتاب، ص 240/241). أما الجانب الثاني الذي لم يشر له الدكتور علي فهو الفارق الكبير بين تخصيصات المناهج الاستثمارية لمجلس الإعمار وبين مستوى تنفيذ تلك المناهج في الصناعة العراقية. فتخصيص 70% أو 50% من إيرادات النفط ليس هو العامل الحاسم في المسألة، بل في العلاقة بين توزيع الدخل بين الاستثمار والاستهلاك من الناحية النظرية والعملية أولاً وبين مستو ى تنفيذ تلك الاستثمارات وحصة الاستهلاك الاجتماعي فمن حصة الاستهلاك الإجمالي في الدخل القومي، أي في عملة توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي خلال الفترة 1951-1957. لد تسنى لي أن أدرس هذه الفترة وأن أكتب عنها، وأن استنتج في ضوء الإحصاء الحكومي إلى ما يلي:
"لقد وضع مجلس الإعمار خلال هذه الفترة ثلاثة مناهج استثمارية خمسية أولها في عام 1951 ليغطي الفترة حتى عام 1955، ثم عدل وأضيفت عليه مبالغ جديدة ومدد حتى عام 1956. وقد جرى تخصيص مبلغ قدره (31) مليون دينار تقريباً لتنمية الصناعة الوطنية. إلا إن ما صرف منه فعلاً بلغ (5،4) مليون د.ع. فقط أو ما عادل 17،4% من المبلغ المخصص للصناعة، أو ما يعادل 3،5% من مجموع تخصيصات البرنامج الخماسي الذي بلغ مجموع تخصيصاته 155,3 مليون د.ع. وفي عام 1955 صدر المنها الاستثماري الثاني ليشمل الفترة حتى عام 1959، وقد كان نصيب الصناعة في التخصيصات 43،6 مليون د.ع. أو ما نسبته 14،3% من المجموع الكلي للمنهاج. وقد وزع هذا المبلغ على سنوات البرنامج الخمسة واستهدف إنشاء جملة من المؤسسات الصناعية الاستهلاكية والإنشائية وإنشاء شبكات لإنتاج وتوزيع الكهرباء في مختلف مناطق العراق الرئيسية. إلا إن التنفيذ الفعلي لمشاريع المنهاج الثاني وتعديلاته التي شملت الفترة 1956-1960 لم تكن بأفضل من مستوى التنفيذ في المنهاج الأول". (أنظر: د. كاظم حبيب، دراسة في اتجاهات ومشاكل التطوري الصناعي في العراق، مصدر سابق، ص 27). لا بد لي هنا أن أشير إلى أن موقف الحكومات العراقية المتعاقبة غير المتحمس للتصنيع في العراق يعود بالدرجة الأولى على طبيعة هذه الحكومات التي كانت تمثل ف واقع الحال تحالفاً بين كبار ملاك الأراضي الزراعية والكومپرادور التجاري المتعاون مع الشركات التجارية البريطانية، إذ كان هذا التحالف يرى في التصنيع خطراً يهدده مواقعه ومصالحه، في حين كانت قوى المعارضة تضغط باتجاه التصنيع بهدف تفكيك هذا التحالف وتعزيز مواقع البرجوازية الصناعية في الاقتصاد والسياسة العراقية. 
خلال الفترة الملكية كانت ظروف العمل للعمال صعبة للغاية، رغم صدور قانون العمل رقم 72 لسنة 1936 فأن ساعات العمل كانت مديدة وأجور العمال واطئة، وغياب الضمانات الاجتماعية والصحية، إضافة إلى ظروف العمل القاسية وغير الأمنة. مما دفع الكثير من العمال إلى الإضراب والمطالبة بزيادة الأجور وتقليص ساعات العمل وتحسين ظروف العمل. ويمكن أن نتابع ذلك في إضرابات عمال السجاير في بغداد أو عمال كاورباغي في كركوك في عام 1946، أو عمال السكك في بغداد وعمال الميناء في البصرة في الخمسينيات من القرن الماضي. وكانت الحكومة تمارس القمع في مواجهة تلك الإضرابات العمالية وسقوط شهداء واعتقال وسجن العمال، كما حصل في كركوك وبغداد والبصرة على نحو خاص.  جاء في دراسة عن تاريخ الحركة العمالية في العراق للباحث الدكتور إبراهيم خليل العلاف بصدد ظروف عمل العمال في هذه الفترة ما يلي:
"لقد أدى تطور انتاج النفط وتوفي مجالات جديدة وفرص جديدة للعمل إلى ان عدد العاملين في صناعة النفط سنة 1957 وصل الى 12 ألف شخص. اما في المؤسسات الصناعية الاخرى فقد بلغ العدد 264 ألف شخص. ولاشك في ان هذا التوسع في انتاج النفط (30 مليون طن 1954 ) وفر مجالات عمل لعدد كبير من الناس الذين انضموا الى الطبقة العاملة العراقية وما ان جاءت سنة 1958 الا وقد ازداد عدد العمال العراقيين الى اكثر من مليون عامل .لكن هذا لم يحل دون تفاقم مشكلة البطالة واتساع سياسة القمع وما يلحق ذلك من اذى للعمال والذين غرق بعضهم بالديون واصبح ارباب العمل يسومونهم سوء العذاب وكانت السجون تتلقف الكثيرين منهم واصبحت النقابات والجمعيات العمالية عاجزة عن تقديم اي مساعدة مالية لهم ومما ضاعف الامر سوءا عدم وجود صناديق للضمان الاجتماعي وعدم تأسيس صناديق للتقاعد وبالرغم من تحديد وقت العمل في قانون رقم 72 لسنة 1936 بثمان ساعات إلا أن وقت العمل الفعلي كان بين 12-16 ساعة يوميا وبالأجور اليومية نفسها .هذا فضلا عن تشغيل النساء والأطفال والأحداث دون السن القانونية في أعمال شاقة وبأعداد كبيرة .وقد دفع الوضع المزري هذا العمال الى التظاهر والاضراب الذي قمع بالقوة كما حدث في مذبحة كاورباغي بكركوك سنة 1946 ووثبة كانون الثاني 1948 وانتفاضة تشرين 1952 وكان امتصاص نقمة العمال واحدا من أهداف إنشاء مجلس الاعمار والبدء بمحاولات إصلاحية للوضعين الاقتصادي والاجتماعي. إن نضال الطبقة العاملة العراقية فرض على الحكومات وأصحاب المؤسسات والاحتكارات الرضوخ وإصدار تشريعات عمالية والموافقة على تأسيس نقابات وجمعيات عمالية." (أنظر: د. إبراهيم خليل العلاف، تاريخ الحركة العمالية في العراق، ذاكرة عراقية، ملاحق المدى، 28/04/2013).   
يقسم الدكتور مرزا الفترة الواقعة بين 1958-1968 إلى فترتين هما 1958-1962، أي الفترة الواقعة بين ثورة تموز وإسقاط الحكم الوطني 1963، ثم الفترة بين 1963 حيث استولى البعثيون والقوميون، ثم القوميون على الحكم حتى العام 1968. ويشير بصواب إلى أن الفترة الأولى شهدت توجهاً لدى حكومة الثورة بتصنيع العراق وبدعم القطاعين العام والخاص وبتوجهه صوب مسالتين مهمتين حيث استنتج بصواب:
"ومع توسع القطاع العام خلال الفترة 1958-1962 فأن القطاع الخاص استمر في نشاطه في القطاعات الاقتصادية الصناعية والتجارية. ووجد ذلك إسناداً سياسياً، حيث بالإضافة لتوجه الدولة نحو مجال واسع في الرعاية الاجتماعية وإسناد القطاع العام الإنتاجي، فأن الحكم كان بصورة عامة، متعاطفاً مع البرجوازية الصناعية والتجارية." (أنظر، مرزا، الكتاب، ص 242). لقد ألغت حكومة الثورة مجلس ووزارة الإعمار وأسست وزارة الصناعة على وفق القانون رقم 74 لسنة 1959. يشير الباحث سلام إبراهيم كبة على العلاقة الجديدة التي نشأت بين الاتحاد السوفييتي والعراق بعد ثورة تموز 1958 والاتفاقية الاقتصادية التي وقعها وزير الاقتصاد حينذاك الأستاذ إبراهيم كبة بقوله:
"ن أهم منجزات ثورة 14 تموز عقد اتفاقية التعاون الفني والاقتصادي مع الاتحاد السوفييتي التي نصت على القيام بالمسح الصناعي والنفطي الجيولوجي والمغناطيسي والسيميكي العام، التركيز على الصناعة في المشاريع بحيث احتلت 80% من مجموع قيمة مشاريع الاتفاقية، التركيز في القطاع الصناعي العام على الصناعات الثقيلة كمعامل الفولاذ والاسمدة الكيمياوية والكبريت وحامض الكبريتيك واللوازم والعدد الكهربائية، وعلى الصناعات الزراعية كمعامل المكائن والمعدات الزراعية والاسمدة النيتروجينية ومحطات الجرارات الزراعية ومعامل النسيج والتعليب، وعلى الصناعات التحويلية كمعامل النسيج القطني والصوفي والتريكو والخياطة والزجاج والمصابيح الكهربائية والتعليب والأدوية." (أنظر: سلام إبراهيم عطوف كبة، الباردوكس الصناعي في العراق الجديد/ القسم الأول، موقع الحوار المتمدن، العدد 4082، 04/05/2013).
أما الفترة الواقعة بين شباط/فبراير 1963 وتشرين الثاني من نفس العام فقد شهد توقفاً لعملية التنمية، إذ كان الاهتمام منصباً على ملاحقة المعارضين للنظام والذين قاوموا الانقلاب البعثي-القومي الفاشي وبدء الصراع مع حركة التحرر الكردية وتراجعاً واضحاً في التوجه صوب التصنيع، وبرزت مصاعب غير قليلة أمام المجتمع مما سهل إسقاط النظام المشترك للبعثيين والقومين بحليفهم القومي الناصري بقيادة عبد السلام عارف. وخلال هذه الفترة لعب القوميون اليمينيون دوراً بارزاً في قيادة الدولة، كما وضع على رأس السياسة الاقتصادية المجموعة التي كونت حزب "الاتحاد الاشتراكي العربي" وخاصة كل من خير الدين حسيب وأديب الجادر، حيث أسسا المؤسسة الاقتصادية، وكجزء منها أقيمت المؤسسة العامة للصناعة في عام 1965، ولكن هذه المجموعة قد أقدمت في تموز/يوليو 1964 على تأميم المصارف وشركات التأمين وشركات تجارية ومنشآت صناعية، بلغ مجموع رأس مال المصارف والشركات والمنشآت المؤممة 28 مليون د.ع. لا غير. أما رؤوس أموال المنشآت الصناعية فلم تزد عن 26 مليون د.ع.  لم تكن عملية التأميم ضرورية بأي حال، بل كانت ذات أهداف أوسع من الإسناد الشعبي وتقليد تأميم مصر بين 1961-1964، (أنظر: كاظم حبيب، طبيعة إجراءات التأميم في الجمهورية العربية المصرية، رسالة دكتوراه، جامعة الاقتصاد (برونو اويشنر) برلين، شباط/فبراير 1968)، بل كانت المجموعة الاقتصادية تهدف، إضافة لما أشار إليه الدكتور علي مرزا، إلى ما يلي:
التماثل، وليس التقليد، مع مصر والسعي فقامة الوحدة العربية معها، بخلاف نهج عبد السلام عارف الذي لم يكن يرغب بأي وحدة فعلية.
الرغبة في السيطرة على الاقتصاد الوطني من خلال تشديد هيمنة الدولة على الاقتصاد الوطني من خلال قطاع الدولة.
معاقبة البرجوازية العراقية، وخاصة البرجوازية الصناعية، من قوى يمينية في البرجوازية الصغيرة، بسبب مواقفها المناهضة للانقلابات البعثية والقومية.
سعيها لكسب القوى الاشتراكية، ومنها الحزب الشيوعي العراقي إلى جانبها، في كونها تسعى إلى تعزيز قطاع الدولة الذي كان يدعو له الحزب الشيوعي العراقي. أي الدعوة إلى حل الحزب الشيوعي وانخراط الشيوعيين العراقيين في الاتحاد الاشتراكي، كما حصل في العام 1964 في مصر حيث حل الحزب الشيوعي المصري نفسه وانخرط في الاتحاد الاشتراكي. وقد ظهرت جماعة صغيرة في قيادة الحزب الشيوعي العراقي التي دعت إلى ذلك، ولكن أغلبية قيادة الحزب وكل القاعدة الحزبية رفضت هذا النهج واتهمت الداعين له بالخط اليميني في الحزب والذي تمثل فيما أطلق عليه بخط آب 1964. (أنظر: عزيز سباهي، عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراق، الجزء الثالث، منشورات الثقافة الجديدة، بغداد، 2005، ص 32-47).
لقد أدت هذه الإجراءات، كما يشير الدكتور مرزا عن حق، إلى مسالتين: "ولقد قادت إجراءات التأميم في 1964 إلى إضافة مجوعة من الصناعات ساهمت بتوسيع مجال القطاع العام في الصناعة وغيره من القطاعات. ولكن، من ناحية أخرى، كان لها أثر سلبي دائم الحضور في تردد هذا النشاط وخشيته المستمرة من توجهات الدولة تجاه نشاطه، ..". (أنظر: مرزا، الكتاب، ص242). لقد كان الضرر كبيراً وتجلى في المذكرة المهمة التي قدمها رئيس غرفة التجارة في العراق حينذاك الشيخ محمد رضا الشبيبي بتاريخ 28 تشرين الاول 1965 موجهة الى رئيس الوزراء العراقي آنذاك الدكتور عبد الرحمن البزاز، رئيس الحكومة مبيناً فيها المشكلات التواجه الاقتصاد العراقي والشعب والمناخ الاستثماري الذي نتج عن التأميم ...الخ. يشير الدكتور محمد علي زيني إلى المردود السلبي لإجراءات التأميم بقوله: "إن قرارات تأميم القطاع الخاص والقرارات التقييدية التي رافقتها أفرزت مردودات عكسية كبيرة على الاقتصاد العراقي." كما إن تأميم الصناعات الخاصة قد دفعت بالكثير من أصحاب رؤوس الأموال الخاصة إلى تهريب أموالهم، وأن عدداً من المدراء الجيدين ورجال الأعمال الناجحين إلى تهريب أموالهم إلى خارج العراق." (قارن: د. محمد عل زيني، الاقتصاد العراقي، الماضي والحاضر وخيارات المستقبل، مؤسسة الرافدين، طبعة ثانية، لندن، 2003، ص 111).     
وبودي هنا أن أشير إلى إن التأميمات قد رفعت مجموع رأس مال القطاع العام من 48،8 مليون د.ع. إلى 66،8 مليون د. ع. من إجمالي الرساميل المسجلة آنذاك والبالغة 186،8 مليون د.ع. ولا تدخل رؤوس الأموال الأجنبية الموظفة في صناعة النفط ضمن هذا الرقم، أي إن نسبة الزيادة بلغت حوالي 27%. (أنظر: سباهي، مصدر سابق، ص 35).   
انتهت الحلقة العاشرة وتليها الحلقة الحادية عشرة، التصنيع: نشاط متدهور، الفترة 1968-2017   
كاظم حبيب                       


2
كاظم حبيب
هل من جديد في العراق؟ نعم، تمخض الجبل فولد فأراً!
مرَّت الآن ستة شهور على تسلّم عادل عبد المهدي رئاسة الوزراء في العراق. حتى الآن لم يستكمل مجلس الوزراء قوامه، في وزارتي الدفاع والداخلية، ولا مجل النواب لجانه ال 25. ولكن الأهم من كل ذلك هو أن رئيس الوزراء ومجلسه لم يخطو خطوة واحدة إلى الأمام في عدة محالات جوهرية تمس كيان العراق كله:
1.   وضع عناصر في مجلس الوزراء لا تنتمي لأحزاب طائفية وعلى أساس المحاصصة الطائفية، أي عنا وطنية مستقلة.
2.   مكافحة الفساد باعتباره المطلب الوطني الملح والمستمر الذي راوغت فيه كل الوزارات السابقة، لأنها تشكل جزءاً أساسياً من الفساد ذاته، والقائمة أيضاً، وبالتالي الفاسدون يواصلون ليس وجودهم في مواقعهم فحسب، بل وفسادهم الكبير أيضاً.
3.   لم يبدأ أي تنفيذ فعلي لبرنامج الدولة الاقتصادي، بل هو السير على منوال الوزارات السابقة في تصريف الأعمال وصرف الأموال بعيداً عن التنمية الاقتصادية، والوعود الفارغة تبدو اليوم للشعب بوضوح كبير، وكما قيل دوماً "العربة الفارغة كثيرة الجعجعة".
4.   رغم الاتصالات مع مصر والأردن والسعودية، فأن طبق الذهب بأموال العراق يقدم لإيران أولاً، وهي التي تبني اليوم بنيتها الأساسية في مجالات الأمن والحشد والاقتصاد وعموم الدولة والمجتمع، بما لا يفسح أي مجال لقرار اقتصادي أو سياسي مستقل يمكن أن يصدر عن الحكومة العراقية الحالية، كما كان الأمر في عهد رئيس الوزراء الأسبق على نحو خاص. 
5.   الاستجابة لمطالب الشعب في مجال الخدمات لا يزال كما كان عليه قبل ذاك رغم حملات الاحتجاج والإضرابات.
الا يحق للعراقيات والعراقيين يرددون بوضوح كامل المثل الشعبي "تيتي ... تيتي ... مثل ما رحتي جيتي"، ولكن العودة تكون أسوأ من الذهاب إذ لا حراك جديد وبالتالي يكون التخلف هو سيد الموقف. دعونا نتفحص الأمر.       
فالساحة السياسية العراقية لا تزال، كما كانت منذ الاحتلال الأمريكي-الإيراني للعراق حكراً على قوى الإسلام السياسي يلعبون فيها كما يشاؤون، بل ويحاول البعض منها احتواء القوى المدنية والديمقراطية بتخريجات تبدوا مقبولة ومشجعة، ولكن كما يقول المثل "أبو گروة ايبيّن بالعبره"! كنت أتمنى ألَّا يحصل ذلك، وكنت أمني النفس بأن أكون على خطأ كبير، وأحبتي على صواب، بعكس الأمر الاعتيادي حيث يتمنى المرء أن يكون هو على صواب وآخرون هم  أو آخر هو على خطأ. ولم تتحقق أمنيتي ولا أملي، فتذكرت قول المتنبي الكبير:
مَا كلُّ ما يَتَمَنّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ                         تجرِي الرّياحُ بمَا لا تَشتَهي السّفُنُ
فحين أُعلن عن تشكل تحالف "سائرون نحو الإصلاح في 17/01/2018 بين التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي وبعض القوى السياسية الأخرى لخوض الانتخابات المحلية، ثم في استمرار هذا التحالف لخوض الانتخابات العامة في 12 أيار/مايس 2018 حمل التحالف شعار "سائرون لبنا الدولة المدنية.. دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية". وهو شعار جيد وقوي. وفي حينه نشر الموقع الإلكتروني لـ "سائرون" ما يلي: "تؤكد القوى المشاركة في "سائرون نحو الإصلاح" أن هدفها من التكتل هو تعديل مسار العملية السياسية في العراق وحل الأزمات ومغادرة نهج المحاصصة الطائفية، وهو ما أشار إليه عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي مفيد الجزائري الذي صرح للجزيرة نت في الثالث من أبريل/نيسان 2018 بأن هذا التحالف - الذي جمع بين "إسلاميين معتدلين" و"علمانيين ديمقراطيين"- يمثل كسراً للطائفية السياسية ونهجاً ربما تتسع قاعدته الجماهيرية في المستقبل.(أنظر: موقع تحالف سائرون، أخذ المقتطف بتاريخ 15/04/2019.) وفي الانتخابات التشريعية لعام 2018 فازت قائمة سائرون بـ 54 مقعداً، كانت حصة الحزب الشيوعي العراقي منها مقعدين، وهما للرفيق رائد فهمي، سكرتير اللجنة المركزية وللرفيقة هيفاء الأمين. ومن مجمل التصريحات الصادرة بشأن سائرون كان ولا يزال يجري تأكيد خمسة مسائل جوهرية: ** من أجل إصلاح الدولة ونهجها، ** ضد الطائفية والمحاصصة الطائفية، ** بناء الدولة المدنية، دولة المواطنة، ** ضد الفساد ومحاسبة الفاسدين، ورفض التدخل الإقليمي والدولي في الشأن العراقي. ليس هناك من عاقل لا يؤيد هذه الأهداف، إن كان حاملها، أو بعض أبرز حامليها جادين لتنفيذها.
والسؤال المهم الذي يواجه كل مشارك ومتابع للساحة السياسية العراقية: ماذا تحقق بالنسبة للأهداف الخمسة الأساسية، على وفق ما يجري فعلياً في الساحة السياسية العراقية، وليس من خلال أي تصور شخصي لما يحصل. أي أترك العدسة تسجل الوقائع ومن خلال الصحافة العراقية التي لم يكذب ما جاء فيها أو يتحفظ عليها.
فأول الأمور السيئة كانت مساومة تسليم السلطة لا لشخصية تكنوقراطية وطنية نزيهة، بل سلمت للإسلامي اليميني عادل عبد المهدي المؤمن بولاية الفقيه والمتشبث بشباك الكاظم ليفرجها له بدون الاعتماد على الشعب. وثاني الأمور السيئة هو التعاون غير المعقول مع قائمة فتح التي تضم كل المليشيات الطائفية المسلحة التي تعود لإيران، والذي لا يتعب رئيس هذا الفتح عن تقبيل يد سيده وفقيه أمره. دعونا نتابع ما ينشر في الصحافة العراقية. بتاريخ 14/04/2019 نشرت جريدة المدى البغدادية تقريرا مهماً وطويلاً للصحفي السيد محمد صالح تحت عنوان "اجتماعات بين الفتح وسائرون تُنهي الخلاف على رئاسات اللجان رغم تحفّظ الكتل الشيعيّة"، جاء فيه ما يلي:
"حسمت اللقاءات الثنائية بين تحالفي سائرون والفتح أسماء رؤساء اللجان البرلمانية ونوابها والمقررين في اجتماع عقد قبل يومين حيث اتفقا مع باقي المكونات على منح القوى الشيعية رئاسة ثلاث عشرة لجنة برلمانية دائمة و12 لجنة للقوى السنية والكردية مناصفة. وسيقوم تحالفا سائرون والفتح بعملية توزيع رئاسات هذه اللجان على الكتل والأحزاب الشيعية. وستناقش مفاوضات اللحظة الأخيرة عدد اللجان البرلمانية الدائمة وإمكانية استحداث لجنة واحدة أو لجنتين لترضية بعض الكتل والمكونات، في حين ماتزال رئاسة لجنتي النزاهة والقانونية غير محسومتين." (أنظر: محمد صالح، اجتماعات بين الفتح وسائرون تُنهي الخلاف...، 14/04/2019). ماذا يعني هذا النص؟ إنه يعني ببساطة فائقة إن سائرون بأشراف مقتدى الصدر وفتح بقيادة هادي العامري يقرران التوزيع المحاصصي الديني والطائفي للجان مجلس النواب، أي إن المحاصصة الطائفية التي يُراد تجاوزها، تكرست بصورة رسمية وعبر مفاوضات بين سائرون التي تضم التيار الصدري الشيعي وفتح التي تضمن كتلاً شيعية، أي أصبح التكتلان الكبيران يقرران توزيع المقاعد على بقية الأحزاب الشيعية بدلاً من التحالف الوطني أو البيت الشيعي السابق. بهذا المعنى لم تتحقق أية خطوة إلى الأمام في مجال تجاوز المحاصصة الطائفية في العراق بل جرى تكريسها لا في توزيع عدد الوزارات بين الطوائف الدينية فحسب، بل وفي اللجان العاملة في مجلس النواب، وجرى الأخذ بذات القاعدة التي وضعها باول بريمر في أن يكون للشيعة أكثرية وللسنة والكرد الدرجة الثانية والثالثة أو مناصفة، ومن ثم يتصدقون على البعض من أتباع الديانات الأخرى بلجنة أو لجنتين تبتكر لهم. فما هو الجديد، وما هو التغيير الحاصل في هذا الاتجاه، وما هو موقع مبدأ المواطنة في هذا المجرى؟ الشيء الوحيد هو أن سائرون وفتح قرروا توزيع حصة الشيعة عليهما وعلى بقية الكتل الشيعية، وهكذا مع السنة والكرد.
والأكثر إساءة لما كانت تقول به سائرون في توجهها لإلغاء المحاصصة وجعل السلاح بيد الدولة ما ورد في التقرير المذكور، حيث كتب السيد محمد صالح بناء على تصريح قيادي في سائرون لم يذكر اسمه ما يلي: "أما بخصوص تمسك تحالف سائرون برئاسة لجنتي الأمن والدفاع البرلمانية يبرر القيادي قائلا إن "التيار الصدري يمتلك أكبر فصيل مسلح (سرايا السلام) فضلا عن وجود مشروع إصلاحي لتحالف سائرون في وزارتي الدفاع والداخلية والأمن الوطني وإنهاء عملية الفساد المستشرية في هذه المؤسسات". اين أصبح شعار إنهاء المليشيات الطائفية المسلحة، أين صار شعار كل السلاح بيد الدولة فقط. إن بقاء التيار الصدري مالكاً لسرايا السلام، وهادي العامري لفيلق بدر، والخزعلي لعصائب الحق، وكتائب حزب الله والعشرات من المليشيات الطائفية المسلحة والكثير منها من إنتاج وتوجيه وأشراف وتمويل إيراني، فماذا حدا مما بدا!! ألا يصلح المثل الشعبي هنا أيضاً: "تيتي..تيتي .. مثل ما رحتي جيتي...". لم يتغير ما كان ينبغي أن يتغير على وفق تصريحات قادة سائرون. لست ممن كان يعتقد بان التغيير سيحصل ما دام عادل عبد المهدي تسلم رئاسة الحكومة، بل كنت أعول اساساً على الحركة المدنية الشعبية التي صمدت ونمت منذ سنوات وأن تتسع لتغير من ميزان القوى، بما في ذلك تأمين التعاون مع قواعد قوى إسلامية نظيفة وواعية، لفرض نفسها على الشارع والنخب الحاكمة لتغيير الوجهة الجارية حتى الآن، .إلا إن الوعود الكبيرة التي أطلقها عادل عبد المهدي، لم تنفذ بأي حال وبقي كل شي على ما هو عليه، بل وأن تصبح المحاصصة الطائفية رسمية وتعلن في الصحافة علناً وبروح طائفية مقيتة ومكشوفة، إذ لم يعد هناك أي تردد في التوزيع الطائفي في مجلس النواب، الذي يصرخ ليل نهار، بأنه لا يعمل على أساس طائفي. هذا هو مربط الخيل. وليس هناك أي اعتراض عليه مِن منْ هم في مجلس النواب على هذا التوزيع المخل والمضر بالعراق وشعبه، فيما عدا ما وصلني من خبر جديد من "اتحاد العشب" تحت عنوان "ضرورة تحقيق التوازن السياسي لا "المحاصصاتي" في تشكيل اللجان البرلمانية: ولكن النصوص المقتطفة من مشاركة الرفيق رائد فهمي لا تتضمن هذه الصراحة في مناهضة التوزيع الطائفي كما في العنوان، واليكم ما جاء فيه: " اعتقد ان الموضوع يتضمن أكثر من بعد، الأول كفاءة وخبرة الأشخاص وهذا مهم جدا، والبعد الثاني هو ضرورة تحقيق التوازن السياسي داخل اللجان، بمعنى يجب ان تعكس حجم الكتل السياسية المختلفة داخل مجلس النواب". ثم أكد: "توازن الكتل السياسية في اللجان، يعكس رأي الشعب، الذي اعطى صوته لها، وهذا يعني انه ايد مشروعها، من هنا لا يمكن ان يجري الالتفاف على الارادة الشعبية ونتائج الانتخابات" ثم يضيف الخبر الصحفي بأن الرفيق منبهاً الى انه لا يقصد بالتوازن السياسي "التوازن القومي والمذهبي". (انظر: "رائد فهمي: ضرورة تحقيق التوازن السياسي لا "المحاصصاتي"، في تشكيل اللجان البرلمانية"، المركز الإعلامي للحزب الشيوعي العراقي.) كنت أتمنى، نعم كنت اتمنى وأمل أن يكون موقف الحزب الشيوعي العراقي، المناهض للطائفية ومحاصصاتها من حيث المبدأ والممارسة، أكثر وضوحاً وصراحة في تصريح الرفيق رائد فهمي، وفي رفضه لموقف سائرون في التعاون مع فتح لتنظيم التوزيع المحاصصي لرؤساء اللجان ونوابها والمقررين فيها، وتبرئة الحزب من هذا العمل الطائفي البغيض، وأن يكون موقف الحزب في رفض ذلك في مجلس النوب أيضاً.
ليس هذا كل ما يجري في العراق، بل هناك أشياء أخرى، انظروا إلى ما يقوم به رئيس الوزراء العراقي. إنه لا يكتفي باستيراد ما قيمته 20 مليار دولار أمريكي سلعاً وخدمات من إيران، بأسعار خيالية لدعم إيران، كما طلب رئيس وزراء إيران حسن روحاني، بل أكد إنه سيصرف 40 مليار دولار أمريكي لدعم إيران، في وقت يعاني العراق الأمرين تحت وطأة الواقع الراهن، ولاسيما في محافظات نينوى وغرب العراق التي اجتاحها داعش بفضل وجود الأحزاب الإسلامية السياسية على رأس السلطة في العراق. لست إلى جانب الحصار الاقتصادي الأمريكي ضد الشعب الإيراني، فهو جريمة بشعة، عانى الشعب العراقي منها وليس صدام حسين وطغمته المجرمة حين فرض على العراق، ورفضت القوى الإسلامية السياسية العراقية المطالبة برفعه انتقاماً من النظام، ولكنه كان إساءة للشعب، إذ إن قرار الحصار الأمريكي لا يعاقب النخب الحاكمة ولا الملالي في إيران، إذ إنها لن تعاني من عواقب هذا الحصار، بل الشعب الإيراني وحده هو من يعاني الأمرين، والتي بدأت أثارها تشتد من خلال ارتفاع حجم البطالة واتساع جديد لقاعدة الفقراء والجوع والحرمان.
ولكن علينا تشخيص الواقع التالي في العلاقة مع إيران: فمنذ تولي نوري المالكي السلطة في العراق في عام 2006 حتى يومنا هذا، توجهت مئات المليارات من الدولارات الأمريكية من الخزينة العراقية بشكل رسمي أو غير رسمي (غير شرعي) إلى الخزينة الإيرانية والسوق الإيراني وبأساليب كثيرة. (على من يرغب الاطلاع أكثر يمكنه مراجعة خطاب أحمد الجلبي حول إيرادات العراق التي بلغت 550 مليار دولار أمريكي في خمس سنوات، ومنها 312 مليار دولار ذهبت عبر مزاد البنك المركزي إلى البنوك الخاصة بذريعة استيراد في حين إن مبلغ الاستيراد الفعلي لم يزد عن 155 مليار دولار أمريكي، فأين ذهبت البقية. وهل اغتيل لهذا السبب كما يشاع؟) اعتقد أن السيد عادل عبد المهدي قد وقف عند شباك السيدة معصومة في مدينة قم أخيراً وأقسم، وهو يقبل الشباك، بأنه سيقدم كل شيء لصالح إيران حتى لو كان العراق كله وجميع أهله. التحليل الواقعي والمنطقي يشير إلى أن ما أشرت إليه في أعلاه هو عين الصواب، فالماضي يعيش حاضرنا وحاضرنا يعبر عن ماضٍ عالق في العراق لم يتحرر منه بعد، ونحتاج إلى المزيد من الجهود الشبابية التطوعية والحراك المدني الشعبي لتساهم في تخليص العراق من جحيم ومستنقع الطائفية ومحاصصاتها والفساد السائد. إنها المآسي والمحن والأزمات التي يعيشها الشعب ويعاني منها في آن وبقسوة، ولن يحلها سوى النضال والحراك المدني الشعبي لتغيير ميزان القوى في صالح القوى المدنية والديمقراطية، تيارها الديمقراطي، الذي عول عليه الكثير، لصالح إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية.       


3
لتكن خبرات عام 1971 و1985/1986 دروساً بليغةً للشعب والأحزاب السودانية


كاظم حبيب

في عام 1985 انطلقت انتفاضة شعبية عارمة استطاعت إسقاط نظام النميري العسكري رغم تلفعه بعباءة الإسلام
المهلهلة، وبعد أن عجزت القوى العسكرية في محاولاتها الانقلابية على إسقاطه. وفي انتخابات عام 1986 فاز حزب
الأمة بقيادة الصادق المهدي وشكل مع حزب الاتحاد الديمقراطي حكومة سودانية لم تمارس سياسة ديمقراطية تستجيب
لمطالب الشعب السوداني، كما لم تتمكن من إيجاد حل عملي لمشكلة جنوب السودان. بل كانت أحزاباً تقليدية لم تخرج
عن عباءة الدين والطائفة الدينية والقبلية. وفي حينها بدأ صراع مرير بين الأحزاب السياسية السودانية انتهى باستيلاء
حزب المؤتمر الوطني الإسلامي، الذي تأسس في عام 1985، بقيادة حسن الترابي، بما أطلق عليه بـ "ثورة الإنقاذ
الوطني" التي قادها العميد حينذاك عمر حسن البشير. وتمكن من البقاء في السلطة ثلاثة عقود عجاف ودموية. وأطيح
به أخيراً في انتفاضة شعبية رائعة. والسؤال الذي يدور في بال الكثير من السودانيات والسودانيين وغيرهم من
مواطني الدول العربية ممن يتابعون مجرى الأوضاع في السودان وأيديهم على قلوبهم مما يمكن أن يحصل في السودان
بسبب تزايد الشعور بوجود مؤامرة خبيثة تحاك علناً من جانب السعودية- دولة الإمارات – مصر، ومن وراءهم
الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على نحو خاص.
تؤكد خبرات الشعوب مع انتفاضاتها وثوراتها الوطنية إنها لم تفشل يوماً بسبب التآمر الخارجي على تلك الانتفاضة أو
الثورة فحسب، بل وبالأساس لأسباب داخلية معروفة للجميع نشير إلى بعضها فيما يلي:
1. الصراعات التي يمكن أن تخوضها الأحزاب السياسية فيما بينها إما للانفراد بالسلطة أو لتوزيع الحقائب
الوزارية فيما بينها، وبالتالي تفتت وحدة الشعب وتمزق إرادته التي هي وراء الانتفاضة.
2. وجود علاقات عمل مشترك بين القوى الخارجية وأيديها الممتدة إلى الداخل، إلى الأحزاب السياسية العاملة
في الداخل، بحيث تتمكن من تمرير مؤامراتها عبرها ومن خلال تشديد الصراعات الحزبية وتفاقمها بما يقود
إلى استيلاء بعض القوى العسكرية على السلطة والعودة إلى المربع الأول، كما حصل في العام 1971 أو
العام 1989، بل حتى قبل ذاك.
3. وهذا الواقع كان في واقع الحال تجسيداً حياً لضعف الوعي الديمقراطي والممارسة الديمقراطية ووعي الحرية
كضرورة في صفوف قيادات الأحزاب السياسية السودانية التي لم ترتق إلى مستوى الانتفاضات السابقة
وسقطت في صراعاتها وعجزت عن رؤية ما يحاك لها وضد إرادة ومصالح الشعب السوداني.
إن الحركة الشبابية الشعبية الجارية في السودان وانتفاضتها من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، من أجل
العمل والخبز وضد الفقر وفي سبيل الدفاع عن الكرامة وضد الحرب الداخلية، لم تساهم كل الأحزاب السودانية، بل
بعضها، في بداية انطلاقتها بقيادتها، بل كانت بمبادرة وقيادة الحركات الشبابية والمنظمات المهنية، منظمات المجتمع
المدني، ولكن كان للأحزاب السياسية المعارضة لنظام البشير الدموي دورها المعروف والمحفز على الانتفاضة
الجارية. والسؤال الذي لا بد منه هو: هل ستجد هذه الأحزاب السياسية التي تريد المشاركة في السلطة مع تجمع
المهنيين السودانيين لغة مشتركة وأهدافاً تجمعها بحيث لا تخوض الصراعات المدمرة فيما بينها على السلطة أو على
حقائب وزارية ومواقع ليها فيها، وبالتالي تقود إلى استفادة بعض القوى العسكرية لتنظيم انقلاب يجري الاستعداد له
منذ الآن ضد الانتفاضة الشعبية ومكاسبها المهمة التي تحققت حتى الآن بإسقاط البشير ثم إسقاط نائبه ومجموعة من
الطغمة الحاكمة، وليس كل نظامه وقواه الفاعلة التي لا تزال تملك الكثير من الإمكانيات والمليشيات التي يمكن أن
تتحرك في كل لحظة ضد الانتفاضة الشعبية. لتكن تجارب الماضي القريب شاخصة أمام أنظار وبصائر القوى والأحزاب
السياسية والتنظيمات المنهية المدنية في السودان لكي تستطيع تحقيق النصر والسير على طريق الحرية والديمقراطية
وحقوق الإنسان والسلام والعدالة الاجتماعية.

4
.        نظرة في كتاب الاقتصاد العراقي – الأزمات والتنمية للسيد الدكتور علي خضير مرزا


د. كاظم حبيب

                                              لحلقة الثامنة

قراءة في الفصل الثامن: معضلة الأوبك بين حصة السوق وتحديد الإنتاج

تميز العقد السادس والنصف الأول من العقد السابع (الخمسينيات والنصف الأول من الستينيات) من القرن العشرين
بسمات أساسية أشرت تصاعد حركة التحرر الوطني في الدول التابعة والمستعمرة وإلى انبلاج صبح جديد للشعوب التي
عانت من استغلال وقهر الدول الاستعمارية، ولاسيما في القارات الثلاث آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، كما سجلت هذه
الفترة تراجعاً ملموساً في قدرة الدول الاستعمارية على فرض إراداتها بشكل مباشر على الشعوب، ولهذا كانت تستخدم
أساليب وطرق جديدة وغير مباشرة للوصول إلى ذات الأهداف، وأعني بذلك استغلال الموارد الأولية وشعوب البلدان
النامية، إضافة إلى الهيمنة على أسواقها، إنه الاستعمار القديم الجديد بتقنيات حديثة.
رغم إن وعي الشعوب لم يكن في جميع القارات والدول متقدماً وبشكل متماثل، إلا إن قواها السياسية الديمقراطية
والتقدمية لعبت دوراً كبيراً في التأثير على جملة من الإجراءات التي أعاقت بحدود معينة بعض الجهود الاستعمارية
ومنها تشكيل الأحلاف العسكرية او عقد اتفاقيات اقتصادية مخلة بالاستقلال والسيادة الوطنية أو منعها من اتخاذ
مواقف سياسية واجتماعية مستقلة على الصيد الدولي. وجاء اقتراح تشكيل منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط
(أوبك) في هذه الفترة المهمة من حياة وتاريخ شعوب البلدان النامية، ومنها شعوب الشرق الأوسط. وكان العراق لتوه
قد خرج من دائرة الهيمنة البريطانية ومنطقة الاسترليني وحلف بغداد بعد ثورة تموز 1958، حيث بدأت السلطة
السياسية تفكر في تنفيذ بعض أبرز الشعارات التي رفعتها القوى الديمقراطية المعارضة لسياسات الحكومات العراقية
في العهد الملكي، ومنها في المجال الاقتصادي: الإصلاح الزراعي، التوجه صوب التصنيع والتعليم المهني، قانون
العمل والعمال، عقد اتفاقيات اقتصادية واسعة مع الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا، إضافة إلى مقترح تأسيس منظمة
ألـ(أوبك) في عام 1960. وخلال هذه الفترة عمدت شركات النفط الدولية والاحتكارية إلى تخفيض حجم إنتاج وتصدر
النفط بهدف رفع أسعاره وتحقيق ربحية عالية للشركات الاحتكارية، ولكنها كانت مؤذية بالنسبة للدول النامية المنتجة
والمصدرة للنفط لحاجتها الماسة لمزيد من الإنتاج والتصدير، مما أشعر البلدان المنتجة والصدرة للنفط بأهمية
وضرورة تشكيل هذه المنظمة ووافقت عل اقتراح العراق.
يشير الدكتور علي مرزا في بداية الفصل الثامن حول منظمة الأوبك إلى عوامل عدة أثرت وتؤثر على سياسة الأوبك
النفطية، وسواء أكان ذلك في مجالي إنتاج وتسويق النفط، أم في مجال أسعار نفطها في السوق العالمية، وعلى الدول
الأعضاء في هذه المنظمة. ويلخصها:
1. "وجود مجموعة من الدول الأعضاء في الأوبك التي لها أهداف مختلفة ووسائل محدودة في التأثير على
سوق النفط العالمية (بالذات أسلوب تحديد "حصص" إنتاجية للدول الأعضاء في مرحلة الاستخراج)
تختلف عن كارتل الشركات النفطية الكبرى".
2. امتلاك الكارتل العالم من خلال تكامله الأفقي والعمودي قدرة التأثير على عقود النفط وفي التأثير على
الصناعة النفطية. كما يمتلك الكارتل العالمي إمكانيات بثلاثة اتجاهات، هي: أ) إيجاد مناطق بديلة لاستخراج
النفط وعرضه في السوق الدولية، وب) إيجاد بدائل عن استخدام النفط أو بعض استعمالاته، وج) القدرة
على زيادة الكفاءة في استخدام النفط وتقليص الكميات المستخدمة منه سنوياً.
3. وجود خلافات سياسية ووجهات نظر متباينة بين بعض أعضاء دول الأوبك التي تسمح للكارتل العالمي
اللعب عليها والاستفادة منها مما يحد من فعالية المنظمة. لم يتوسع الكاتب في هذه النقطة حرصاً والتزاماً
بمحاولة معالجة الموضوع اقتصادياً. ولكن النفط ذو جانبين لا فكاك منهما، إنهما السياسة والاقتصاد.
ويبدو لي بأن العامل الثالث يمكن أن ينظر إليه من جانب آخر، وأعني بذلك دور الصراع السياسي الدائر منذ عقود
بين بعض الدول الأعضاء في الأوبك، ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط، وبتأثير واضح من الدول الكبرى
المستهلكة للنفط. وقد لمس الكاتب هذه المسألة في العامل الثالث، ومشاركة بعضها في محاور سياسية دولية،
بحيث يستطيع الكارتل العالمي للنفط والدول الكبرى التي تساهم الشركات النفطية الكبرى فيه، ولاسيما الولايات

2

المتحدة الأمريكية وبريطانيا، التأثير المباشر وغير المباشر على سياسات تلك الدول بما في ذلك السياسة النفطية،
سواء أكان من حيث كميات الإنتاج الموجهة للتصدير، أم ما ينشأ عن ذلك من تأثير واضح على السياسة السعرية
للنفط في السوق الدولي. وغالباً ما لعبت السياسة دوراً مؤذياً جداً في اقتصاد النفط للدول المختلفة، سوأ أكان عبر
مقاطعتها اقتصادياً أو الحد من كميات تسويقها للنفط أو حجز إيراداتها النفطية في البنوك الدولية. وقد واجه
العراق ذلك في أوقات عديدة خلال القرن الماضي، كما واجهته إيران في فترة رئيس الوزراء الإيراني د. مصدق
في الخمسينيات من القرن العشرين، أو ما تواجهه إيران حالياً، كما تواجه فنزويلا هذه المعضلة بقسوة بالغة في
الوقت الحاضر، بالرغم من التباين في الدولتين، ولكن الهدف من هذه المقاطعة إسقاط النظامين من خلال الحصار
الاقتصادي، ومنها حصار تسويق النفط الخام، وقبل ذاك عانى الشعب العراقي، وليس نظام صدام حسين وحاشيته،
من الحصار الدولي الذي دام 13 سنة وأدى إلى كوارث هائلة في العراق، وخاصة وفيات الأطفال والمرضى وكبار
السن، رغم التخفيف النسبي الذي حصل بعد صدور قرار "النفط مقابل الغذاء".
علينا أن نؤكد هنا بأن النفط سلاح ذو حدين، ولكن الاعتماد الرئيسي والأساسي على موارد تصدير النفط الخام
والغاز في اقتصاد بلد ما، أي في اقتصاد ريعي، لا يصبح ذو حدين، بل بحدٍ واحدٍ يلحق أفدح الأضرار بالاقتصاد
والمجتمع في عالمنا الرأسمالي المعاصر والمتناقض والمتصارع لتحقيق أقصى الأرباح على حساب حياة ومصالح
وإرادة الشعوب.
الدكتور علي مرزا يبحث في هذا الفصل المهم عن العلاقة الجدلية بين مسألتين عرض النفط أو حصة الأوبك من
النفط في السوق الدولية، وتحديد الإنتاج وتأثير ذلك سلباً أو إيجاباً على أسعار النفط هبوطاً وصعوداً، وبالتالي مد
تأثير ذلك على الإيرادات المالية للدول الأعضاء في الأوبك. وقد تابع هذه المسألة بعناية كبيرة وعبر فترات
ومقارنات وإحصائيات يصعب التعبير عنها باختصار في مثل هذه التعليقات والمراجعات المكثفة. ومن هنا أعود
لأنصح، لا العراقيات والعراقيين فحسب، بل وكل قراء العرب ممن لهم اهتمام أو رغبة الاطلاع على هذا القطاع
المهم في الاقتصاد الوطني للدول المنتجة والمصدرة للنفط، وأغلبها دول ريعية وحيدة الجانب في تطور اقتصاداتها
الوطنية ومتخلفة في بنية دخلها القومي رغم ارتفاعه بسبب دور موارد النفط في تكوينه. ولا أبتعد عن الحقيقة
حين اشير دون تردد بأنها دول غير ديمقراطية أو مستبدة وتنقصها الحوكمة الرشيدة والوعي بحاجات الشعب
وضرورات تغيير بنية اقتصاداتها الوطنية وتنوع مكونات الدخل القومي بقطاعات إنتاجية، وخاصة الصناعة
التحويلية والزراعة. إن تجارب شعوب الدول المنتجة والمصدرة للخامات الأساسية كالنفط أو الماس أو الذهب ..
إلخ حتى الآن ومنذ أكثر من قرن من الزمان تشير إلى أن أغلب تلك النظم السياسية أن لم نقل كلها، ليست
ديمقراطية، بل ومستبدة أو دكتاتورية مطلقة، سواء أكانت عبر العسكر أو عبر حزب واحد أم من خلال عائلة
واحدة أم عبر دكتاتور أهوج ونرجسي مريض، وتعيش أغلب شعوبها في عوز شديد أو تغيب عنها شمس الحرية
والديمقراطية وحقوق الإنسان، كما هو حال دول الخليج العربي والسعودية وإيران والعراق وليبيا والجزائر
والكثير من الدول الأفريقية أو أمريكا الجنوبية ... إلخ.
انتهت الحلقة الثامنة وتليها الحلقة التاسعة وتبحث في الفصل التاسع عن القطاع الزراعي

الحلقة التاسعة

قراءة في الفصل التاسع: الزراعة: التخلف عن إشباع حاجة السكان

يقدم لنا الدكتور علي مرزا مساهمة مهمة عبر تسجيله وتحليله للوحة مكثفة جداً عن الواقع الزراعي وحجم
الإنتاج في فترة كان القطاع الزراعي يشكل القطاع الأول في تحقيق الناتج المحلي الإجمالي، فترة الريع
الزراعي، وفي الفترة التي أصبح القطاع النفطي يشكل القطاع الأول في توفير النسبة العظمى من الناتج المحلي
الإجمالي وتراجع القطاع الزراعي إلى الموقع الثاني فالثالث أو متقلب بينهما. وإذ أشار إلى دور الإجراءات التي
اتخذتها الدولة العثمانية لتوطين البدو من خلال توزيع الأراضي الأميرية على شيوخ العشائر والعائلات
الميسورة في الولايات الثلاث، انتقل إلى الفترة التي أعقبت تخلص العراق من الهيمنة العثمانية وسقوطه تحت
الهيمنة البريطانية حتى سقوط الملكية عام 1958. وقسم الفترة الواقعة بين 1864-2018 بالسبة للقطاع
الزراعي إلى فترتين: الأولى قبل العهد النفطي، والثانية بعد سيادة الدولة الريعية النفطية، وقارن بين أربع
مسائل مهمة للفترتين المذكورتين، وهي:

3

إجمالي مساحات الأراضي المستخدمة في الزراعة أولاً، وإنتاجية الفرد الواحد أو الدونم الواحد ثانياً، وإجمالي
الإنتاج الزراعي، ومقارنة بين نمو السكان ونمو الإنتاج الزراعي ثالثاً، وعلاقة ذلك بإشباع حاجات المجتمع
والقدرة التصديرية للمحاصيل الزراعية رابعاً. كما ركز في دراسته على المحاصيل الزراعية الثلاثة: الحنطة
والشعير والرز. ثم عمد إلى إبراز دور النفط وتنامي إيراداته السنوية على دور القطاع الزراعي ومستوى
الاهتمام بهذا القطاع الأكثر أهمية لإشباع حاجات السكان من السلع الزراعية والمواد الأولية الصناعية، من
خلال استخدامه خطوتين، أولى إجراء مقارنة بين الإنتاج الزراعي في الفترتين، والثانية إجراء قياس الارتباط
بين معدل حصة الشخص من العوائد النفطية ومعدل حصته من الإنتاج الزراعي، وتوصل إلى استنتاج بهذا
الصدد صاغة على النحو التالي: "نخلص من الاختبار باستخدام الخطوتين إلى: 1) أن حصة الشخص من
الإنتاج الزراعي كانت في تصاعد قبل العهد النفطي وفي تدهور خلال العهد النفطي. وب) يبين معامل الارتباط
عموماً، ارتباطاً عكسياً بين تغير حصة الشخص من العوائد النفطية وحصته من كمية الإنتاج خلال العهد
النفطي. ج) وبذلك نميل للاعتقاد إلى أن كلا الاختبارين يرجحان باحتمال معقول صحة الفرضية الريعية،
عموماً". (أنظر، مرزا، الكتاب، ص229/230).
على أهمية هذه الدراسة وضرورة إبراز دور الدولة الريعية النفطية السلبي على القطاع الزراعي وعلى مجمل
الاقتصاد الوطني والحياة الاجتماعية والسياسية، وأهمية تغيير هذه العلاقة لصالح تنويع الاقتصاد الوطني
والاهتمام بالقطاع الزراعي، فأن أي دراسة اقتصادية ليست مهمتها الجانب التقني والحسابي فحسب، بل
وبالأساس دور الاقتصاد في التأثير المباشر وغير المباشر على الإنسان في معيشته وحياته سلباً أو إيجاباً، أي
ضرورة الغوص في أعماق المشكلة الزراعية في العراق لا البقاء على سطح الأرقام على أهميتها، رغم إن
الأرقام تمنحنا صورة مفيدة ولكن المعدل لا يعبر عن واقع الحال للفئات الاجتماعية المختلفة. غالباً ما يشير
علماء الاقتصاد إلى إن الأرقام الإحصائية التي تنشرها الدول، ولاسيما النامية، تشبه مايوه السباحة النسائي إذ
يكشف عن الكثير من جسم المرأة، ولكنه يخفي أهم ما فيه.
كتب ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي 1332-1406م) في مقدمته ما يلي: "إنه لا يكفي أن
تصف موج البحر، وظهور السفن، حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر... لا بد لك أن تفهم ما في القاع... قاع
البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش… وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أياماً
كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركاباً.. وينزفون عرقاً، وتتمزق أجسامهم تحت
السياط.. أجل، ينبغي أن تعطيني صورة كاملة، عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور".
إن البحث في الاقتصاد الزراعي يفترض أن يمتد ليشمل، على وفق قناعتي الشخصية، عدة مسائل جوهرية، إذ
كان بودي لو كان قد تطرق إليها الزميل مرزا ولو بكثافة، لأني مقتنع بأن لديه الكثير من المعلومات حولها،
أشير إلى أهمها فيما يلي:
أولاً: أهمية الإنتاج الزراعي في ضمان الأمن الغذائي والاقتصادي للعراق، ولاسيما وأن المنطقة مليئة
بالمفاجئات غير السارة والتي تستوجب تأمين احتياطي منه. ومرّ العراق بتجارب مريرة في هذا الصدد ومنها
فترة الحصار الدولي بين 1992-2003.
ثانياً: الأهمية القصوى لتنويع الإنتاج الزراعي وأهمية ذلك لمسالتين مهمتين هما: الدورة الزراعية وتأثيرها
الإيجابي على خصوبة التربة ونوعية الإنتاج من جهة، وتحسين معدلات الغلة وزيادة الإنتاج وتأمين المنتجات
الزراعية للاستهلاك الغذائي، والخامات الزراعية للقطاع الصناعي.
ثالثاً: القطاع الزراعي لا يشمل المحاصيل الزراعية فحسب، بل هو قطاع يشمل المحاصيل ومنتجات البستنة
والغابات والثروة الحيوانية والثروة السمكية، وبالتالي، فالاقتصار على المحاصيل الزراعية لا يقدم لوحة كافية
عن القطاع الزراعي ضمن صورة الاقتصاد الوطني.
رابعاً: واقع الاستغلال الذي يتعرض له الفلاح غير المالك للأرض الزراعية وفئات المزارعين الآخرين، وسبل
استخدام الريع الزراعي في الاقتصاد العراقي في الفترة التي سبقت الريع النفطي وبعده. وهناك معلومات كثيرة
في هذا الصدد ابتداءً من رسالة الدكتوراه للدكتور صالح حيدر وانتهاء بكتاب الدكتور طلعت الشيباني، وزكي
خيري وعزيز سباهي وكاظم حبيب وعشرات كتب أخرى حول القطاع الزراعي، إضافة إلى كتاب الدكتور كامل
عباس مهدي الصادر باللغة الإنكليزية في لندن عام 2000 وتحت عنوان "الدولة والزراعة في العراق، التطور
الحديث، الركود وتأثير النفط" State and Agriculture in Iraq- Modern Development,

4

Stagnation and the Impact of Oil إضافة إلى الكثير من الأبحاث والدراسات والمقالات المهمة
الصادرة بهذا الشأن والمنشورة على العديد من المواقع الإلكترونية.
خامساً: مستوى الخدمات التي تقدم للفلاحين والريف العراقي خلال الفترات المنصرمة، ومدى تأثير ذلك على
هجرة الشباب بشكل خاص، وبقاء الفلاحين كبار السن في الريف والزراعة، على ما يلاحظ في العراق خلال
فترات طويلة.
سادساً: مدى تأثير الحروب العراقية، الداخلية منها والخارجية، فعلياً على الريف والزراعة العراقية وحياة
العائلات بالارتباط مع التجنيد الإجباري للقوى العاملة التي تتراوح أعمارهم بين 18-60 سنة وأحياناً أقل وأكثر
من هذين الحدين، إضافة إلى نشر الألغام في الكثير من الأراضي الزراعية الحدودية ولاسيما في إقليم كردستان
العراق.
وإذ أشير إلى هذه المسائل المهمة في القطاع الزراعي فلا بد أن أشير أيضاً إلى الأهمية القصوى لأي باحث
اقتصادي يعالج أوضاع القطاع الزراعي إن يبحث في مسألتين مهمتين لا يجوز إغفالهما بأي حال، حتى لو
اختلفت وجهات نظر الباحثين، وأعني بهما:
1) طبيعة علاقات الإنتاج السائدة في البلاد قبل وبعد الإصلاح الزراعي لا على ما هو مسجل في القوانين
فحسب، بل والحالة الفعلية على أرض الواقع، وهي أمور متيسرة.
2) مستوى تطور القوى المنتجة البشرية والمادية ومدى تأثيرها على إنتاجية العمل أو غلة الدونم الواحد من
الأرض الزراعية في السنة. إذ إن التوسع في الأرض وزيادة الغلة التي برزت بشكل خاص في الفترة التي
سبقت الفترة الريعية النفطية قد أدت إلى تسليط استغلال بشع على الفلاحين، إذ كان عليه أن يعمل ساعات
أكثر وعلى مساحات أوسع لإنتاج غلة مساوية أو أكثر لصالح مالك الأرض أو المستحوذ عليها. وحين
توفرت إمكانية زيادة نصب المضخات المائية على شواطئ الأنهر وزيادة المكائن الزراعية من تراكتورات
(حارثات) وحاصدات وأدوات أخرى وأسمدة كيمياوية وحبوب محسنة ومخازن وقضايا النقل الزراعي
وسبل التسويق، ازدادت غلة الأرض وارتفعت إنتاجية الفرد الواحد، ولكن لم تلعب باستمرار دوراً تحسينيا
في حياة ومعيشة الفلاحين.
ويبدو لي بإن المفروض أن يبحث الكاتب واقع الزراعة العراقية ومشكلاتها الراهنة في أعقبت إسقاط
الدكتاتورية الغاشمة حتى سنة صدور الكتاب والدور الكبير والمتنامي لكبار الملاكين الذين عادوا إلى
الأراضي التي فقدوها بسبب القانونين الزراعيين وتعديلاتهما، ودور شيوخ العشائر الذين عادوا وبشكل
أقوى إلى دورهم السابق في الهيمنة على الفلاحين والريف بل وبروز تأثيرهم المتنامي وتقاليدهم التي
تهيمن حالياً على أجواء المدن العراقية، ومنها بغداد.
انتهت الحلقة التاسعة وتليها الحلقة العاشرة، الفصل العاشر: التصنيع: نشاط متدهور
08/04/2019

5
كاظم حبيب
رؤية حوارية حول وعي المجتمع ودور الدولة العراقية

بعد أن نشرت الكراس الموسوم "كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق" على عدد من المواقع الإلكترونية الصديقة، ومنها الحوار المتمدن وصوت العراق والناس ومركز النور وعنكاوة...، وإلى عدد كبير من الصديقات والأصدقاء وصلتني رسائل كثيرة مؤيدة ومطالبة بنشر المادة ككراس ورقي. وهو الذي سيحصل قريباً. ولكن وصلتني رسالة مهمة أيضاً من أخ كريم وأكاديمي انشر نصها في الآتي بعد أن رجوت الزميل موافقته على نشرها ونشر إجابتي عنها فوافق. وارتأيت عدم وجود مبرر لذكر اسم صاحب الرسالة لاسيما وأن الموضوع عام ويدور في خلد الكثير من الناس:
"أحسنتم استاذنا بتذكيرنا بكل هذه الماّسي والتي ربما بدأت بسميل ولم تنته حتى هذه الساعة ، لكنني اختلف معكم بتحميل حكامنا على مر العصور المسئولية الاولى ، لأنني ارى ان الشعب هو من يتحمل المسئولية الاولى ، ولو كنا شعبا واعيا وممتلكا لإنسانيته ككل الشعوب المتحضرة لما نجى حكامنا بهذه الجرائم بل ولجابهناهم بالعقاب بدل التهليل والتأييد لهذه المذابح حتى هذه الساعة ، استاذي الكريم عندما كنت في كردستان صدمت بان هناك من هو موجود في شعبنا الكردي من يحن لصدام وايامه ويبرر له حلبجة وغيرها !!!! واذا كان هذا شيئا نزيرا فانظر الى تنامي الصداموية في كل انحاء العراق الان وامنيات الشعب بمجيئ من يذبح حكامنا الحاليين واحلامهم بتعليق هؤلاء في الساحات العامة!!!! ...... البداية مع الشعب استاذنا الكبير وليست في اي مكان اخر".
الأخ الفاضل
تحية طيبة
شكراً جزيلاً على تجشمكم قراءة كراسي الموسوم "كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق" وتفضلكم بإبداء ملاحظاتكم ورأيكم حول بعض ما ورد فيه. بودي أن أشير إلى الملاحظات التالية فيما يخص رأيكم الذي أحترمه:
1.   كما تعرفون بأن الدولة، بسلطاتها الثلاث، وعلى وفق الدستور العراقي، مسؤولة عن القيام بكل الجهود الممكنة والضرورية لرفع وعي الإنسان الفرد ووعي المجتمع أو وعي الشعب، فوعي الفرد والمجتمع لا يتشكلان بشكل عفوي وعشوائي، بل من خلال جملة من السياسات والإجراءات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والإعلامية والبيئية. وهذا الجهد المتشابك والمعقد والطويل الأمد لا يمكن أن يقوم به الأفراد، بل هو بالأساس جزء عضوي ورئيسي من مهمات الدولة بسلطاتها الثلاث ومؤسساتها، ولاسيما التربوية والتعليمية والإعلامية من جهة، وتأمين تطور اقتصادي يساهم في تخليص العراق من علاقات الإنتاج من قبل الرأسمالية ومن بقايا العلاقات العشائرية المتجددة في البلاد ومن تأثير التشوه الديني الذي تمارسه جملة من المؤسسات والمرجعيات الدينية، ويفتح المجال لتغيير في بنية المجتمع الطبقية وفي وعيها الاجتماعي. ومن هنا يمكن أن نؤكد بأن ضعف الوعي لدى الأفراد والمجتمع، وبتعبير أكثر دقة، لدى الغالبية العظمى من المجتمع ناشئ عن تخلي الدولة العراقية عن أكثر مهماتها أساسية وأهمية من جهة، وعن ارتكاب أخطاء فاحشة وسوءات في سياساتها في هذه المجالات من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال لا الحصر نشير إلى إن العلاقات شبه الإقطاعية والعشائرية لا يزيلها الأفراد، حتى لو رغبوا في ذلك، وكذلك الموقف من المرأة والأحوال الشخصية، بل هي من أهم واجبات الدولة، إذ يفترض فيها إصدار قانون الإصلاح الزراعي وإلغاء قانون العشائر، وصياغة قانون حديث للأحوال الشخصية، وكذلك التوسع في التصنيع وتحديث الزراعة والتعليم والتثقيف العام ومحاربة التشوه والزيف الديني، واستخدام الفنون الجميلة المتنوعة لزيادة حس الإنسان المرهف بالحب والجمال والذوق الحسن والعلاقات الإنسانية المتبادلة ...الخ.
كما إن رفع وعي الناس هو من مهمات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأجهزة الإعلام الحكومية وغير الحكومية أيضاً، فهي التي تتحمل المسؤولية بالدرجة الثانية. ولكن علينا، ونحن نطرح هذه المسألة، أن نتابع ماذا حصل للأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني خلال العقود المنصرمة التي كانت تحاول القيام بمثل هذه المهمات، لقد كانت تحارب بقسوة لا مثيل لها في غالب الأحيان. ويكفي أن تمر على تاريخ العراق الحديث، أي منذ ولادة الدولة العراقية الملكية في العام 1921 لترى كيف عانت الأحزاب السياسية المعارضة وكم هم أعضاء هذه الأحزاب الذين حملوا راية التنوير الفكري والاجتماعي والسياسي الذين دخلوا السجون والمعتقلات، وكم هم الذين عانوا تحت التعذيب حتى الموت أو استشهدوا على أعواد المشانق أو في ساحات النضال أو في السجون أو عبر الاغتيالات. فحرية الأحزاب وقدرتها على الحركة والتوعية تأتي من طبيعة الدولة بسلطاتها الثلاث، أي بالنظام السياسي القائم. فحين تكون سلطات الدولة الثلاث غير ديمقراطية أو استبدادية، فلا يمكن للأحزاب أن تفعل الكثير في هذا الصدد إلا بحدود ضيقة ومقيدة.
دعني هنا أذكر بواقع أن الدستور العراقي يحمل مع ديباجته ومجموعة من مواده الكثير من المفرقعات التي تتفجر في المجتمع. دعني أشير إلى واحدة منها: ترد في الفقرة أولاً من المادة الثانية من الدستور ما يلي: "اولاً ـ الاسـلام دين الدولــة الرسمي، وهـو مصدر أســاس للتشريع: أ ـ لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.  ب ـ لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.  ج ـ لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور." ولكن العراق عديد الديانات والمذاهب وبالتعالي لا يمكن تمييز دين ع دين آخر من ناحية، كما إن الدولة لا دين لها فهي شخصية اعتبارية، وبالتالي يبدأ التمييز فيها ثم يتواصل ليؤكد لا يجوز سن قوانين تتعارض من ثوابت أحكام الإسلام، فكيف ونحن في عراق فيه أتباع لديانات أرى ولها أحكام غير أحكام الإسلام في دياناتها.
ثم تابع التربية الطائفية الموجهة ضد الآخر في العراق. اليك أبشع نموذج حصل قبل سنوات حين وقف الطائفي حتى النخاع والمستبد بأمره رئيس الوزراء الأسبق في مدينة كربلاء حين صرخ كالبوم: "المعركة اليوم هي بين أنصار الحسين وأنصار يزيد".، ويقصد بوضح تام بين الشيعة والسنة، علماً بأنه يعرف مدى تقدير السنة للحسين واستشهاده، إنه يغرف من الماضي ليشوه علاقات الناس الراهنة.

وبعد دور الدولة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، يأتي دور الأفراد، ولاسيما الفئات المثقفة والواعية من العمال والكسبة والطلبة في عملية التوعية والتنوير، سواء أكان من خلال التعليم والتثقيف الذاتي أو من خلال انخراطهم بالقوى والأحزاب السياسية، فهم في مقدورهم أن يمارسوا وبحدود ضيقة ايضاً عملية التوعية الفردية والجماعية في صفوف المجتمع.
2.   إذا اتفقنا بشأن النقطة الأولى فيمكن أن نجد في المجتمع الذي لم تساهم الدولة في رفع وعي الفراد او المجتمع بصورة صحيحة وغير مشوهة، اختلالات في تفكير الأفراد، إزاء هذه القضية او تلك أو الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.. ، وسواء أكان هؤلاء الأفراد من الكرد أم من العرب أم من غيرهم من أتباع القوميات الأخرى في العراق، الذين يحنون لحكم صدام حسين، حكم دكتاتوري أهوج وشوفيني مريع. وهناك، أخي الكريم، من يحن للنظام الملكي، لأنه لم يعش تحت وطأته، أو ما جاء بعد العهد الملكي كان مريعاً بحيث جعله ينسى العهد المرير السابق. ولكن هذه المسألة مرتبطة مباشرة بتخلف الوعي أو ضعفه لهذا الشخص أو ذاك أو حتى لدى جماعة، فذاكرتهم قصيرة جداً وينسون تماماً إن الذي وضع أساس الخراب، وأوصل القضية المزرية "من الباب للمحراب" هو النظام الملكي، أو بتعبير أدق، النظام السياسي والحكومات المتعاقبة في العهد الملكي، حيث تم تشويه الدستور ووضعت قوانين مضادة للقانون الأساسي (الدستور)، وزورت الانتخابات وصودرت الكثير من الحقوق وحوربت المعارضة وزج بالكثير منهم في السجون بل وأعدمت مجموعة منهم ...الخ.
3.   علينا أن نقرأ تاريخ العراق المديد بإمعان ودقة، تاريخ العراق منذ العهود القديمة، ولكن وبشكل خاص منذ عهود "الفتح الإسلامي الأول" فالعهد الأموي والعهد العباسي وما بينه وبين العهد العثماني من دويلات، ومن ثم العهد العثماني، فالدولة العراقية الحديثة والمحتل البريطاني. لقد كان تعامل الغالبية العظمى، إن لم نقل كل الحكام، وحشياً، شرسأ وعدائياً على مدى قرون مع السنين العجاف في العراق، فيكفي أن تقرأ كتاب الفقيد والشخصية الديمقراطية المحامي عبود الشالجي الموسوم "موسوعة العذاب" بسبعة أجزاء، أو كتاب المؤرخ والباحث الديمقراطي الفقيد هادي العلوي الموسوم "التعذيب في الإسلام" أو كتابي الموسوم "الاستبداد والقسوة في العراق، الصادر في عام 2006 في السليمانية وكتب كثيرة أخرى، لتتعرف على الأسباب الأساسية التي ساهمت بخلق روح الخشونة والقسوة والتشفي والانتقام والانتهازية والتشوه والتشوش في المعايير والقيم ، لدى الجمهرة الواسعة من الناس في العراق. ولكن علينا الحذر في هذه المسألة، فهذه الظاهرة ليست عراقية بحتة، بل كانت أو/و لا تزال موجودة ليس في صفوف الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه فحسب، بل هي موجودة لدى كل الشعوب التي ماثل وضعها وتطورها وضع العراق وتطوره تقريباً وما مرت به تلك الشعوب أيضاً. إنها ليست جينات يلد معها الفرد، بل هي نتاج الدولة والمجتمع، أي العلاقات الاجتماعية السائدة في بلد ما وتطورها..إلخ.
4.   لا أطرح جديداً حين أذكر، أخي العزيز، بأن القرآن مليء بصيغ التعذيب السادية المرضية وروح الانتقام والقسوة في التعامل مع الآخر، وهي تربية يومية يعيش الفرد والمجتمع عموماً في البيت والمدرسة والشارع والدولة والمجتمع. ويمكن أن نقرأ ذلك فيما ينشره الزميل الفاضل والصديق الأستاذ ضياء الشكرجي في الفترة الأخيرة من مقالات على صفحات موقع الحوار المتمدن، لهذا علينا ألَّا نستغرب أبداً من حصول ما تشير إليه في رسالتك الكريمة. إنه واقع مرّ ومرير في آن. ومهمتنا كمثقفين ديمقراطيين لا أن نراقب هذه الحالة ونكتب عنها ونحلل أسبابها، بل من واجبنا العمل على تغيير هذا الوضع المزري الذي يسود اليوم في العراق، علينا المشاركة في رفع الوعي الفردي والجمعي ليستطيع العراقي والعراقية إدراك ما يجري له وما يريدون به في دولة ذات نظام سياسي فاسد ومشين وغير عادل، وكيف يفترض أن يواجه هذا الواقع ويتغلب عليه. وأخيراً أقول: نعم، المطلوب هو العمل مع الشعب لتغيير وعيه وتنويره وتطويره، ومعه أيضاً لتغيير الوضع القائم لصالح الشعب وحريته وحياته الديمقراطية وكرامته وعيشه الكريم.
5.   هل يمكن أخي الفاضل أن تتصور كيف يمكن أن ينشأ الصبايا والصبيان، أولئك الذين ولدوا مع ولادة هذا النظام الطافي البليد والرجعي، وينمون ويتربون يوميا من خطب وكتب صفراء مسمومة، وفي ظل أحزان داكنة يعيش تحت وطأتها هؤلاء الشباب والأطفال بسبب ذكرى وفاة هذا الإمام أو ذكرى مقتل إمام أخر أو ولادة آخر مصحوبة بالبكاء على ولاته لأن ما شهيدا. يبقى الحزن والبكاء واللطم على الصدور وضرب السلاسل (الزناجيل) بسكاكينها المدببة على الظهور والتطبير سيد الموقف. وهل تتصور كيف يمكن أن ينشأ أطفالنا وكيف يتكون وعيهم في ظل المناحات اليومية والكذب والتشويه والتزوير الذي يتلى عليهم من على منابر الجوامع والمساجد وفي المدارس والجامعات وفي كل شارع وزقاق في العراق، للتاريخ والأحداث وليعمقوا الصراع الطائفي في البلاد، كما فعل رئيس الوزراء الأسبق ورهطه وحزبه وتحالفه السياسي الشيعي. لهذا علينا أن ندرك بأن وعي الكثير من العراقيات والعراقيين قد نشأ وتور في ظل هذه الأوضاع، فلا تستغرب مما حصل ويحصل في بلاد الرافدين منذ أن احتلت القوات الأمريكية العراق ونصبت القوى الطائفية المقيتة على رأس السلطة
لك ودي وامتناني على إثارتك الموضوع، وما أتمناه هو ان يكون فاتحة حوار ونقاش علمي رصين بصدد هذا الموضوع الحيوي والمهم.
كاظم حبيب
9/04/2019



6
د. كاظم حبيب
نظرة في كتاب "الاقتصاد العراقي – الأزمات والتنمية للسيد الدكتور علي خضير مرزا
الحلقة السادسة
قراءة في الفصل السادس المشهد النفطي بعد تغيير عام 2003   

كتب الدكتور على خضير مرزا في عام 2018 مشيراً إلى البطء الشديد والتأخير غير المعقول في إقرار قانون النفط والغاز بما يلي: "منذ سنة 2007 ومسودة قانون النفط والغاز لم تُقر بالرغم من إحالتها إلى مجلس النواب في شباط من تلك السنة." (أنظر: مرزا، الكتاب، ص 131). هذا الاستنتاج الصحيح لم يمس قانون النفط والغاز فحسب، بل يشمل الكثير من القضايا المهمة والأساسية الأخرى، في حين كانت السرعة تميز قوانين وإجراءات وسياسات أخرى. فقد تميزت الفترة التي أعقبت إسقاط الدكتاتورية البعثية باتجاهين متعارضين في حكم البلاد من حيث البطء والسرعة:
تميز الاتجاه الأول بـ:
** بطء شديد جداً وتخلف استثنائي في عمليات إعادة إعمار البنية التحتية التي خربتها الحروب المتتالية، ولاسيما الطاقة الكهربائية والمياه الصالحة للشرب والمؤسسات الصحة والتعليمية والبنايات المدرسية وعجز عن تطهير البلاد من ملايين الألغام الأرضية المزروعة ومن التلوث الهائل في كل جوانب الحياة، ولاسيما الماء والهواء والأرض والغذاء...إلخ.
** ابتعاد فعلي وصارم عن توجيه جزء مناسب من الدخل القومي، أو من موارد النفط المالية، من جانب الحكومة صوب توظيف رؤوس الأموال في القطاعين الصناعي وفي مجمل عملية التنمية الاقتصادية والبحث العلمي والتدريب المهني.
** بط شديد وإعاقة جادة في وضع وإقرار القوانين الأساسية التي تنظم حياة المجتمع مثل قانون النفط والغاز وقانون شركة النفط الوطنية، أو القوانين والنظم التي تحكم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمجالس المحلية في المحافظات، مما تسببت في خلق مشكلات ولدًّت مشكلات أخرى...إلخ.
** بط شديد في إنجاز المشاريع الخدمية المقرر إقامتها أو إهمالها كلية، رغم وجود تخصيصات لها، أو حتى بعد استيراد معداتها وتلفها، إضافة إلى تعرض الموارد إلى النهب والسلب.
** بطء شديد في مكافحة الإرهاب وقواه وعواقب ذلك على الدولة والاقتصاد الوطني والمجتمع.
** بطء شديد في مكافحة الفساد، بل وابتعاد تام عن محاسبة الحيتان الكبيرة التي ابتلعت جزءاً كبيراً من خيرات البلاد وموارده النفطية والتي تتصدر المشهد السياسي والسلطات الثلاث.
أما الاتجاه الثاني فقد تميز بـ:
** سرعة هائلة في تنشيط عمليات استخراج وتصدير النفط الخام، ومن ثم في إبرام العقود والتوقيع عليها في جولات تراخيص متنوعة، عقود خدمة فنية ومشاركة في الإنتاج مع غياب الوحدة والتنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمجالس المحلية في المحافظات.
** سرعة انتشار الفساد كالنار في الهشيم وفي نهب خيرات البلاد والتخصيصات الموجهة للمشاريع الاقتصادية التي لم تنفذ بمئات المليارات من الدولارات الأمريكية، والتفريط بأموال الدولة بطرق وساليب كثيرة التنوع.
** السرعة في اغتناء النخب الحاكمة وقيادات الأحزاب السياسية الإسلامية والقومية وحواشيهم على حساب مصالح الشعب وخزينة الدولة والاقتصاد الوطني.
** سرعة هائلة في تشكيل الميليشيات الطائفية المسلحة وتسلطها على مقدرات الشعب ومصادرة حقوقه وحرياته الشخصية والعامة.
** السرعة في إصدار التشريعات التي تخدم مصالح النخب الحاكمة وقيادات أحزابها السياسية وتلك التشريعات التي تحد من حقوق الشعب وإرادته ومصالحه ورقابته.
وفي ضوء هذا الواقع الحكومي أحاول أن أتبين الموقف من اقتصاد النفط والغاز في العراق من خلال القراءة المكثفة للفصل السادس من كتاب الزميل مرزا، حيث عنون الفصل: "المشهد النفطي بعد تغيير عام 2003: بنى أساسية ومؤسسية بدون تشريعات مساندة"، وهذا عين الصواب.
تبرز أهمية هذا الفصل في معالجة الباحث لمسألتين أساسيتين تمس السياسة النفطية للنظام السياسي الطائفي الذي انبثق من رحم الغزو الدولي للعراق واحتلاله ورسم نهجه الأساسي وسياساته على أيدي الرئيس الأمريكي المهووس بالنموذج الأمريكي والمسكون بأداء رسالة سماوية للعالم، جورج دبليو بوش، وعبر المستبد بأمره پاول بريمر. وفي حينها عَبَّرَ جورج دبليو بوش عن خشيته من اجتياح جيوش "يأجوج ومأجوج" العراقية إسرائيل واحتلالها، على وفق ما جاء في التوراة والإنجيل، ما لم يسرع بتدمير القوات العراقية! جاء هذا في حديث هاتفي بينه وبين الرئيس الفرنسي جاك شيراك! (أنظر: ياسمينة صالح، عن كتاب جون كلود موريس الموسوم "لو كررت ذلك على مسامعي فلن اصدقه"، منشورات بلون الفرنسية 2009/2010). والمسائل المهمة التي يعالجها هذا الفصل هي:
1)   قانون النفط والغاز
جدير بالإشارة إلى إن السيد الباحث قد عالج في مقالات مهمة خلال السنوات المنصرمة المشاكل التي أحاطت بمسودة هذا القانون، عبَّر فيها عن وجهة نظره والتي نشرت على صفحات شبكة الاقتصاديين العراقيين وتبلورت بشكل مكثف ووافٍ في هذا الكتاب. ابتداءً يعرض الكاتب للقارئات والقراء لوحة واضحة عن ثلاث مسائل جوهرية هي: ** انتشار الموارد البترولية في أغلب مناطق العراق، مع تخلف في تطوير البنى الأساسية، ومن ثم في الطاقة الإنتاجية والإنتاج السنوي؛ ** التركيز في إنتاج النفط والغاز على أحواض ثلاثة وفي أربع مناطق هي: حوض زاگروس في الشمال وإقليم كردستان، وحوض الرافدين، وبضمنه المنطقة الجنوبية والمنطقة الوسطى، وثم حوض الوديان والصحراء الغربية؛ ** عن إنتاج النفط والتقدير لاحتياطي النفط العراقي. كما يدل على ذلك بعرض جداول توضيحية مهمة بهذا الصدد. وكانت أشارته التالية مهمة جداً لإنها تحمل في طياتها النقد لما يجري في العراق بصدد هذه النقطة حيث كتب: "إن انتشار الموارد البترولية في كافة أنحاء العراق لا يولد مشكلة جدية، في شأن الاستكشاف التطوير والإنتاج، طالما كانت هذه الموارد تخضع لإدارة مركزية، غير إن وضعية الإدارة في العراق في الوقت الحاضر في ضوء ما ورد في الدستور (الماد 111 و112) وفي قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 المعدل في 2013، بقيت غير واضحة." وأضيف هنا إلى ذات المشكلة مع إقليم كردستان. أي إن المشكلة تكمن في تداخل المسؤوليات والصلاحيات، إضافة إلى التداخل النفطي الموجود بالأساس بين محافظات العراق ومع الدول المجاورة والتي تستوجب المعالجة الجادة والوضوح في الحقوق والصلاحيات.   
يشير الباحث إلى أن أول مسودة لهذا القانون طُرحت من قبل مجلس الوزراء لمناقشتها في مجلس النواب العراقي كان في عام 2007 ولم يتر بسبب بروز نقاط اختلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ومع المحافظات، ثم طرحت مسودة قانون ثانية مع بعض التعديلات في العام 2011 في فترة وجود نوري المالكي على رئاسة مجلس الوزراء أيضاً، والتي هي الأخرى لم تحظ بقبول من جانب حكومة إقليم كردستان ومواقف كتل سياسية أخرى واراء ناضجة لخبراء عراقيين في اقتصاد النفط. ولهذا السبب تعطل إصدار القانون طوال السنوات المنصرمة، مما دفع وزارة النفط الاتحادية ووزارة نفط الإقليم العمل كلاً بمفرده وبعيداً عن مادتي الدستور العراقي، علماً بأن الإقليم، بخلاف الحكومة الاتحادية، أقر في عام 2007 قانوناً للنفط والغاز خاصاً به لا يتناغم مع الدستور العراقي الاتحادي ولا مع مسودة قانون النفط والغاز الاتحادي. 
كرّست المادة 111 من الدستور العراقي لعام 2005 النص التالي: "النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات." ثم جاءت المادة 112 لتؤكد ما يلي:
"اولا: تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة على ان توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدة محددة للأقاليم المتضررة والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق والتي تضررت بعد ذلك بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد وينظم ذلك بقانون.
ثانيا: تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق اعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار." (أنظر: نص الدستور العراقي لعام 20005، المكتبة القانونية العراقية للحكم المحلي). والمشكلة التي تفاقمت سنة بعد أخرى، ولاسيما في غياب الثقة المتبادلة بين الحكومتين، برزت بسبب غياب قوانين ونظم إدارة ناضجة وتحديد لحقوق وصلاحيات الحكومتين ووزارتي النفط، إضافة إلى عدم إقرار قانون النفط والغاز الاتحادي. علماً بأن النص الدستوري في المادة 112 جاءا بصورة متناقضة وتجسد المساومة غير العقلانية من جانب الكتل الحزبية المتصارعة التي وضعت الدستور وعلى حساب الاقتصاد والمجتمع. وبالتالي خضعت العلاقة بين الحكومتين في مجال اقتصاد النفط إلى ميزان القوى بينهما في التصرف بالتنقيب والاستخراج والتصدير، وقبل هذا وذاك في المفاوضات وإبرام عقود النفط والغاز بعيداً عن أي سياسة مشتركة وتعاون وتنسيق بين الحكومتين. وكان هذا الغموض والتخبط التشريعي يصب في مصلحة شركات البترول الأجنبية التي أبرمت عقوداً مع الطرفين، ولم يكن بأي حال في مصلحة العراق عموماً. ويشير الدكتور علي إلى أن مسودة قانون النفط والغاز تضمنت ثلاث عناصر مهم: تكوين مجلس اتحادي لتنسيق وتوحيد السياسات النفطية، وتكوين شركة نفط وطنية اتحادية، قبول القانون بإبرام عقود الخدمة والمشاركة في الإنتاج ومنح الامتياز. ثم أضيف فيما بعد تكوين صندوق للمستقبل. وفي هذه الأمور برز الخلاف وتعقد بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وبالتالي تعطل مناقشة وإقرار قانون النفط والغاز طيلة الفترة المنصرمة. هناك الكثير من النقاط التي تستوجب المعالجة والتي تستوجب القراءة المتمعنة في كتاب الدكتور علي مرزا، إضافة إلى أبحاث مختصين آخرين مثل أحمد جياد موسى وقاسم الأمير وعصام الجلبي، على سبيل المثال لا الحصر.       
2) قانون شركة النفط الوطنية
تم في عام 1987 إلغاء شركة النفط الوطنية، التي تأسست بموجب القانون رقم 11 لسنة 1964، بسبب تدهور إيرادات الدولة العراقة أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ودمجها بوزارة النفط. ورغم إن مسودة قانون النفط والغاز لعام 2007 دعا إلى تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية، إلّا إن أول ظهور لمسودتين فتأسيس شركة النفط الوطنية جاءا في عامي 2016 و2017. ويشير الدكتور مرزا إلى إن عام 1967 شهد صدور القانون رقم 123 لسنة 1967 الذي وضع جميع الأراضي التي استعادها القانون رقم 80 لسنة 1961 من شركات النفط الأجنبية الثلاث تحت تصرف شركة النفط الوطنية. ومنذ إلغاء شركة النفط الوطنية العراقية حتى عام 2018 بقي اقتصاد النفط مرتبطاً بوزارة النفط العراقية، فيما عدا تلك الحقول التي لم تخضع لوزارة النفط في إقليم كردستان العراق، إضافة إلى نفط كركوك منذ إسقاط الدكتاتورية عام 2003 تقريباً حتى نهاية عام 2017 حيث عادت وزارة النفط الاتحادية لتشرف على نفط كركوك ثانية.
في عامي 2016 و2017 ظهرت مسودتان تقترحان تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية. وفي عام 2018 وافق مجلس الوزراء الذي ترأسه حيدر العبادي على قانون شركة النفط الوطنية وأرسل إلى مجلس النواب لمناقشته وإقراره ثم إرساله إلى رئيس الجمهورية للمصادقة عليه ونشره في الوقائع العراقية. وقد تم ذلك على عجل شديد في الخامس من أذار/مارس عام 2018، وبنفس السرعة غير المعهودة صادق رئيس الجمهورية على هذا القانون. لقد ظهرت قبل المصادقة على هذا القانون وبعد المصادقة عليه الكثير من الملاحظات والاعتراضات المهمة ومن خبراء في اقتصاد النفط العراقي، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، علي خضير مرزا، وأحمد جياد موسى، وفؤاد قاسم الأمير، وحمزة الجواهري، وطارق شفيق، ووليد خدوري، وعصام الجلبي.. إلخ. وفي حينها، ومن ثم وردت في كتاب الدكتور علي مرزا جملة من الملاحظات على القانون قبل وبعد المصادقة عليه. فقد قارن أولاً بين القانون رقم 123 لسنة 1967 ومسودة القانون الجديدة مؤكداً أهمية عدم اعتبار شركة النفط الوطنية شركة مقاولة، بل أن تكون مؤسسة مستقلة قادرة على إنجاز جميع العمليات النفطية التي يفترض أن تقوم بها بقية الشركات الوطنية في مختلف بلدان العالم، وألاَّ تعتمد توزيع عوائد النفط على السكان، والذي لا يسمح بتوجيه موارد النفط المالي’ أو جزء منهم منها صوب التنمية الإنتاجية وتطوير الاقتصاد الوطني، إضافة إلى تأكيد ضرورة خضوع حسابات الشركة لديوان الرقابة المالية. كما يؤكد ضرورة دفع الشركة "معدل ضريبة الدخل يوازن بين تأمين مناسب/مستدام لوزارة المالية، من ناحية، وتدفق نقدي كافٍ لشركة النفط الوطنية يمكنها من تحقيق الاستقلال والكفاية المالية، من ناحية أخرى". (أنظر: مرزا، الكتاب، ص 139). ويرى ضرورة قيام الشركة ذاتها بدفع الرسوم الضريبية عن الشركات الأجنبية المتعاقدة معها باعتبارها المسؤولة عن ذلك ويدخل ذلك ضمن عقود المقاولة. ويتساءل عن مدى جدوى أو إضعاف للقوة التنافسية للشركة الوطنية حين يتحتم عليها الدخول في تنافس مع الشركات الأخرى للحصول على مناطق للتنقيب والإنتاج خارج إطار المناطق الممنوحة لها حصراً، وماذا يعني تسليم الشركة الوطنية النفط الخام لشركة تسويق النفط، أي تشكيل شركة أخرى مستقلة للقيام بعمليات التسويق. كما يرى ضرورة إزالة عدم الوضوح في توزيع المسؤوليات بين جهات عديد، في حين لا بد من حصرها في شركة النفط الوطنية. ويعتقد بعدم صواب استقلالية الإقليم والمحافظات عن السلطة المركزية في مجال اقتصاد النفط، التي تسببت حتى الآن للكثير من المشكلات ولاسيما مع الإقليم. ويلاحظ في مسودة القانون الجديد خطأ حذف الإشارة لصندوق المستقبل وعدم خضوع حسابات الشركة لديوان الرقابة المالية. إضافة على نقاط أخرى عديدة.
قبل وبعد صدور قانون شركة النفط الوطنية العراقية كتب مجموعة غير قليلة من خبراء النفط والاقتصاد مقالات ووجهوا رسائل إلى المسؤولين في الحكومة الاتحادي ووزارة النفط وإلى الرأي العام العراقي حول نواقص القانون وسلبياته والنتائج غير السليمة التي ستنشأ عن ذلك. وحين لم ينفع كل ذلك تبنت مجموعة من الخبراء والمختصين والاقتصاديين والسياسيين إقامة دعوى قضائية ضد رئيس مجلس النواب، باعتبار المجلس هو الذي أقر القانون ودفعها لرئيس الجمهورية الذي صادق عليها فعلاً. وقام كل من الخبير النفطي السيد فؤاد قاسم الأمير والسيد ماجد علاوي بتقديم الدعوى القضائية إلى المحكمة الاتحادية العليا ضد ما ورد في القانون من مواد مخالفة لنص الدستور العراقي. وقد نظرت المحكمة بهذه القضية وأصدرت قرار حكم نافذ مؤيدة مجموعة كبيرة من تلك الملاحظات النقدية الجوهرية المطالبة بإلغائها من القانون الجديد. وعلى وفق تقديري فأن قرار المحكمة الاتحادية العليا، الذي أخذ بأغلب الملاحظات النقدية للنقاط السلبية في القانون يشير إلى احتمالين لا غير: إما إن واضعي القانون لا يعون شيئاً من اقتصاد النفط أصلاً وغير مطلعين على قوانين شركات وطنية في دول أخرى ولا حتى على قانون 123 لسنة 1967، رغم أنهم مسؤولون كبار في وزارة النفط، ومنهم وزير النفط والخبراء النفطيين العاملين في الوزارة، وهو أمر غير ممكن بل مستحيل، أو أنهم، كلاً أو بعضاً، يجسدون اللوبي النفطي الفاسد والمهيمن الذي عمل ويعمل في غير صالح العراق ولصالح جهات معينة لا تخدم شعب العراق واقتصاده الوطني. واترك الحكم للقارئات والقراء الكرام حين يقرأون الكتاب والنقد الموجه، إضافة إلى الملاحظات الواردة في نص الدعوة القضائية المشار إليها في أعلاه، وكذلك قرار المحكمة الاتحادية العليا الصادر في 23/01/2019، (العدد: 66 وموحداتها 71 و157 و224 /اتحادية، إعلام/2018). أتمنى أن يتسنى لهم جميعاً قراءة الكتاب لأهميته والاطلاع أيضاً على نص الدعوى المقامة على رئيس مجلس النواب، وقرار المحكمة الاتحادية العليا بهذا الخصوص في واحدة من أهم القضايا النادرة التي بتت بها المحكمة الاتحادية العليا لصالح المجتمع والاقتصاد العراقي، لأهمية ذلك بالنسبة إلى معلوماتهم الشخصية، ولأنها تمس مصالح كل عراقية وعراقي، ولأنها تتعلق بأهم ثروة خامية يمتلكها العراق بعد الإنسان.   
كاظم حبيب
05/04/2019
انتهت الحلقة الخامسة وتليها الحلقة السابعة: قراءة في الفصل السابع: العقود والاتفاقيات النفطية/الغازية
 

7
د. كاظم حبيب
نظرة في كتاب "الاقتصاد العراقي – الأزمات والتنمية للسيد الدكتور علي خضير مرزا
الحلقة الخامسة
قراءة في الفصل الخامس: المشهد النفطي 1921-2002، الامتيازات النفطية والإدارة الوطنية
يضع الكاتب الدكتور علي خضير مرزا قراءه وقارئاته في الباب الثالث من الكتاب أمام أربعة فصول مهمة تبحث في اقتصاد النفط العراقي، ابتداءً من اكتشافه والتوقيع على امتياز استثماره واستغلاله ومروراً بقانون 80 لسنة 1961، ومن ثم تأميم مجموعة شركات نفط العراق في عام 1972، وانتهاءً بتراخيص عقود النفط بعد عام 2003. وهي فترة تمتد لأكثر من قرن من السنين العجاف، حيث اقترن اكتشاف واستخراج وتصدير النفط الخام العراقي بسيول من الدم العراقي وبالفقر والحرمان والاستبداد، بدلاً من أن يكون رحمة وعنواناً للخير والتقدم والازدهار والحرية والديمقراطية والسعادة لبنات وأبناء الوطن. وقد "قال أحد ممثلي شركة نفط العراق بتشفي، كلمة تصلح أن تكون عنواناً لمأساة العراق: لقد أريقت دماء غزيرة (في العراق)، ولكن، شكراً للسماء، لم ترق قطرة واحدة من البترول". (أنظر: إبراهيم علاوي، البترول العراقي والتحرر الوطني، دار الطليعة-بيروت، 1967، ص 170، عن الأهرام المصرية 15 أغسطس 1966). إنها المأساة وهي المهزلة في آن واحد، والتي يمكن أن نتبين بعض أهم جوانبها في الفصل الخامس، الذي سيكون موضوع هذه الحلقة، دون أن يخوض الباحث بالتفاصيل السياسية، باعتبارها الرديف المباشر والوجه الثاني لاقتصاد النفط في العراق، إذ تقرأ بين سطور الكتاب ما يساعد على معرفة واقع حال العراق مع نفطه.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن اقتصاد النفط قد حظي بمئات الكتب الغنية بالمعلومات والتحليلات من قبل كتاب عراقيين وعرب وأجانب تبحث في جوانبه المتلفة، ولاسيما تاريخ وتفاصيل التوقيع على منح الامتياز وما بعده وإلى الوقت الحاضر، وليس سهلاً المرور على جميع من كتب بهذا الصدد، إذ تضم مكتبتي الشخصية الكثير المهم منها. وكانت رسالتي لنيل درجة الماجستير في عام 1964 تعالج موضع اقتصاد النفط في العراق. 
يطرح الكاتب في الفصل الخامس معلومات عن مرحلة اكتشاف وجود النفط الخام في العراق في العهد العثماني، رغم معرفة وجوده من قبل أجدادنا الأوائل من السومريين والأكديين والآشوريين وعموم البابليين واستخدام القير في البناء وإكساء الشوارع، ثم التوقيع على امتياز شركة النفط التركية التي أصبح اسمها فيما بعد "شركة نفط العراق". ويضعنا الكاتب في جو الصراعات والمساومات الدولية بين شركات البترول الاحتكارية ودولها ومع العراق بهدف الحصول على امتياز ممتاز لصالح الشركة والمشاركين فيها في مقابل إلحاق ولاية الموصل بالعراق وسن الدستور العراقي والبدء بمفاوضات حول موقع بريطانيا في العراق عسكرياً وسياسياً واقتصادياً والتي تم التوقيع عليها في معاهدة 1930 والتي مهدت إلى إلغاء الانتداب على العراق عام 1932. لقد تمكن البريطانيون، وكانت لهم اليد الطولى في العراق، على فرض التوقيع على امتياز منح التنقيب واستخراج وتصدير النفط الخام العراقي عام 1925 ولمدة 75 عاماً وبشروط مجحفة في السنة ذاتها التي صدر فيها القانون الأساسي العراقي ووضع الأسس لعلاقة التبعية العراقية لبريطانيا.
لقد هيمن البريطانيون على اقتصاد النفط العراقي وعلى مساحات واسعة من الأراضي العراقية للتنقيب عن البترول لشركة نفط العراق، ومن ثم لأبنتيها، وهما شركة نفط الموصل (1932)، وشركة نفط البصرة (1938)، طيلة الفترة الواقعة بين 1924-1958 تقريباً وعلى حصة الأسد من إيرادات نفط العراق، سواء حين كان طن النفط بأربع شلنات ذهب، أم حين أصبح العراق يحقق 50% من أرباح صادرات النفط منذ العام 1951 -حتى العام 1972، على وفق اتفاقية مناصفة الأرباح الموقعة عام 1952 بأثر رجعي. ودون الدخول بتفاصيل الاختلاف في وجهات النظر والصراعات بين الحكومة العراقية وشركات النفط الاحتكارية، لخص لنا الكاتب مرزا بوضوح مواطن الغبن العديدة التي لحقت بالعراق من جراء تلك الاتفاقيات والفجوة الكبيرة بين إيرادات العراق وأرباح الاحتكارات البترولية الأجنبية من نفط العراق. ولكن هناك غبن أخر ومتنوع لحق بالعراق بصورة غير مباشرة وألحق خسائر فادحة بالعراق وسأحاول بلورة واقع الغبين على التوالي:
** أولى الخسائر المالية التي لحقت بالعراق تجلت في عقد الامتياز والتي برَّزها الدكتور علي مرزا في واقع الإِتاوة الضئيلة التي تدفعها شركات النفط الاحتكارية  لخزينة الدولة عن الطن الواحد من النفط الخام المصدر والبالغة 4 شلنات ذهب، والفضل في تكريس 4 شلنات ذهب يعود لوزير المالية الأول والمواطن العراقي الكبير ساسون حسقيل، أولاً، وفي حرمان العراق من حقه في المساهمة في الامتياز، على وفق ما أقرته اتفاقية سان-ريمو السرية عام 1920 في إيطاليا بحصة 20% من الأسهم. وقد تم تقسيم الحصص بين الشركات الاحتكارية في العام 1928. والخسارة هنا تتجلى في إبعاد العراق عن المشاركة في الأرباح كمساهم بـ 20%، هي نسبة كبيرة وخسارة فادحة.
** الخسارة الثانية برزت في "احتساب سعر النفط المنتج في العراق والموزع على المساهمين في الشركة، بسعر الكلفة وليس بسعر البيع الفعلي" ويوضح الدكتور مرزا الهدف من ذلك بقوله: " وكان الهدف من ذلك هو تجنب إظهار تحقق أرباح في مرحلة استخراج النفط، وبذلك يمكن تجنب إشراك العراق في الأرباح والاقتصار على دفع إتاوة، royalty، له عن كل طن أو برميل منتج." (أنظر: مرزا، الكتاب، ص 107/108)، واعتبرت الإنتاج للمنفعة العامة وليس لتحقيق الأرباح، وهو ضحك مكشوف على ذقون حكام العراق وشعبه!   
** هيمنة شركات النفط الاحتكارية على مدى 36 سنة على مساحات واسعة جداً من الأراضي العراقية لأغراض التنقيب عن البترول واستخراجه وتصديره، والتي لم تسمح للعراق بمنحها لشركات أخرى، في حين لم تقم تلك الشركات النفطية الثلاث، العراق والبصرة والموصل، بالتنقيب فيها للعثور على النفط واستخراجه وتصديره ة، حيث ظهر إنها لم تستثمر سوى 0,5 % من مجموع الأراضي التي كانت بحوزتها، وأن حقولها كانت في هذا النصف بالمئة من أراضي العراق. (أنظر: إبراهيم علاوي، البترول العراقي والتحرر الوطني، مصدر سابق، ص 206).     
** الخسارة الصارخة في علاقات العراق النفطية مع شركة نفط العراق وبناتها، تبرز في الاختلاف الكبير بين شروط امتياز النفط العراقي وشروط امتياز نفوط دول أخرى في غير صالح العراق، كما هو الحال مع السعودية أو مع ليبيا. أو مع فنزويلا. (أنظر: مرزا، الكتاب، ص 110).   
** كما يمكن أن نتابع في الكتاب خسارة العراق لما أطلق عليه بريع التنفيق إلى أن تقرر استحصاله من شركات النفط الاحتكارية بعد اتفاقية المناصفة في الأرباح ويشير الدكتور علي مرزا بصواب إلى هذه النقطة بقوله:
".. إن اتفاقية المناصفة في 1952 لم تشمل، بشكل منفصل، حقاً للدولة ينبع من ملكيتها للمورد الطبيعي وهو الإِتاوة/الريع بل دمجها في حصة الدولة من الأرباح. في حين يحق للدولة فرض إتاوة على كمية الإنتاج، داخل حدودها القانونية، وتستطيع استلامها عيناً أو نقداً، مقيمة بالأسعار السائدة. بغض النظر عن حالة الربح أو الخسارة." لقد بلغت نسبة الريع 12،5%، وبالتالي ازدادت إيرادات العراق بنسبة 6,25% عما كانت تتسلمه قبل التوقيع على هذا الاتفاق الذي وقع في العام 1964.       
أما الغبن غير المباشر فيبرز في أربع ملاحظات مهمة:
1.   إن قلة إيرادات العراق من النفط الخام المصدر قبل المناصفة في الأرباح حتى بعدها قد حرم خزينة العراق من مبالغ طائلة كان في مقدورها أن تحسن من معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي، لاسيما وأن الاقتصاد العراقي كان اقتصاداً متخلفاً بحاجة إلى المزيد من الأموال.
2.   تلك الموارد المصادرة بفعل الامتياز المجحف، والتي دخلت في حساب أرباح شركات النفط الاحتكارية، كان المفترض أن تستخدم في عملية البناء والتعمير وإقامة الصناعة الوطنية أو تحديث الزراعة، والتي حرم منها العراق وساهمت في أعاقت تطوره، إلى جانب واقع أن شركات النفط الاحتكارية كانت تعرقل، عبر تأثيرها المباشر على الدولة وسلطاتها الثلاث، بكل السبل مطالبة الشعب العراقي بالتنمية والتصنيع وتطوير الخدمات العامة.
3.   ولكن لهذه الخسائر المالية تأثير سلبي آخر برز في عجز الدولة عن توفير فرص عمل جديدة للأيدي العاملة العاطلة عن العمل، إذ كان عدد العاطلين يتراكم وينمو سنة بعد أخرى.
4.   إن هذه الأموال الافتراضية المصادرة من حصة العراق لو كانت قد وظفت فعلاً لحققت تراكماً رأسمالياً مناسباً وزادت من ثروة العراق ومن دخله السنوي، وربما كان يعود بالفائدة على الشعب العراقي، رغم إن العراق كان يردد أهزوجة معروفة (هوسة) تقول: "خمسة بالمية من الربح ما طاحت بدينة"، أي لم يحصل الشعب حتى على 5% من أرباح شركات النفط العراقية.         
رغم كل ذلك فأن نضال الشعب العراقي في اعقاب الحرب العالمية الثانية ونضال شعوب المنطقة قد أجبر شركات النفط الاحتكارية على إعادة النظر باتفاقياتها النفطية، والتي انتهت بتوقيع العراق على اتفاقية المناصفة في الأرباح مع شركات النفط الاحتكارية في عام 1952. وهي التي سمحت زيادة إيرادات العراق النفطية والبدء بعملية بناء وإعمار ومشاركة نشطة نسبياً للدولة، عبر مجلس ووزارة الإعمار والمصرف الصناعي في إقامة مجموعة من المشاريع الصناعية وتقديم القروض للفلاحين من خلال المصرف الزراعي، وتنشيط جملة من الخدمات العامة ومنها الصحية والتعليم. ولكنها كانت في الوقت ذاته البداية الفعلية لتحول العراق إلى دولة ريعية نفطية، بعد أن كان ريعياً زراعياً، إذ لم تسعى الدولة إلى وضع سياسة اقتصادية تهدف إلى خلق توازن وتناسب عقلاني تدريجي بين اقتصاد النفط والاقتصاد الإنتاجي الصناعي والزراعي في البلاد وفي تكوين الدخل القومي.
لقد اتخذ العهد الجمهوري الأول خطوات جريئة حين أقدم على ثلاث إجراءات مهمة هي: إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، الذي استعاد 99،5% من مجموع المساحات التي كانت ممنوحة لشركات النفط الاحتكارية العاملة في العراق، رغم إن هذا القانون لم يقلص من قدرة الشركات على استخدام أبار النفط التي كانت تقع ضمن ال 0,5% من الأراضي التي بقيت تحت هيمنتها. والخطوة الثانية كانت الدعوة وإقامة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك عام 1960)، والتي أصبحت في فترات معينة شوكة ناغزة في عيون شركات النفط الاحتكارية، والخطوة الثالثة حين تم تأسيس شركة النفط الوطنية. وهذه الخطوات المهمة، وقبل ذاك الخروج من حلف بغداد ومن منطقة الإسترليني، والدخول بمفاوضات مع شركات النفط الاحتكارية حول إعادة النظر بالامتياز وحقوق العراق، أدت كلها إلى تفاقم التوتر مع الشركات والدول الرأسمالية الكبرى التي تسندها من جهة، ومع القوى المناهضة لنهج الجمهورية الأولى بإجراءاتها المهمة كالإصلاح الزراعي وقانون الأحوال الشخصية والموقف من المرأة والدعوة لاستعادة الكويت كجزء من العراق والمعارك ضد حركة التحرر الكردية، من جهة أخرى، كما لم تقابلها إجراءات تدعم الجبهة الداخلية وتعزز القدرة على مواجهة التآمر ضد حكومة قاسم، ثم أدت إلى حصول انقلاب 8 شباط 1963 والإطاحة بجمهورية 14 تموز 1958.
ومن المحطات المهمة في اقتصاد النفط العراقي، والتي يبحث فيها الكتاب، صدور قانون تأميم مصالح شركات نفط العراق والموصل والبصرة في العراق في عام 1972، والذي اقترن بأحداث سياسية مهمة في منطقة الشرق الأوسط أدت في حينها إلى حصول فورة في أسعار النفط الخام وزيادة في الإنتاج والتصدير وارتفاع كبير في إيرادات النفط الخام العراقي المصدر. وكان في مقدور العراق بعد إجراءات التأميم أن يتحول تدريجياً إلى دولة صناعية وزراعية متقدمة لو كان نظام الحكم البعثي قد مارس سياسات واقعية وعقلانية وذات منحى ديمقراطي ونهج اقتصادي واجتماعي واقعي وحكيم. إلا إن إيرادات النفط الخام الكبيرة قد تساقطت كزخات مطر شديدة على رؤوس قادة النظام البعثي فأعمت بصرهم وبصيرتهم في آن، إضافة إلى طبيعة حزب البعث القومية الشوفينية واليمينية ونهجه الانفرادي المناهض لبقية القوى السياسية العراقية. ومع إن نظام البعث قد حاول انتهاج سياسة صناعية وزراعية جديدة، ولكنه سقط في مجموعة من المطبات الثقيلة والمدمرة، منها بشكل خاص:
1.   النهج الاستبدادي والرغبة في الانفراد بالسلطة والمال ومصادرة الحريات والحقوق الأساسية للشعب والتحول تدريجياً إلى دولة دكتاتورية شمولية وفردية مطلقة. وقد تكرس هذا النهج الانفرادي في المؤتمر القطري الثامن لحزب العربي الاشتراكي في بغداد عام 1974 أولاً، وفي الممارسة الفعلية لإرهاب الدولة البعثية ابتداءً من منتصف عام 1977 واستمراراً في تصفية التحالف مع الحزب الشيوعي العراقي واعتقال ما يقرب من 100 ألف إنسان بين عامي 1978-1981 ومحاولة إسقاطهم سياسياً وسجنهم وقتل جمهرة منهم، ثم المجزرة التي نظمها صدام حسين ضد مجموعة كبيرة من قادة وكوادر في حزبه وسلطة البعث في عام 1979 وقبل تسلمه السلطة المطلقة من احمد حسن البكر، وتحضيره لممارسة ما كان يسعى إليه منذ البدء/ بما في ذلك تصفية الحلفاء والمعارضين والخصوم.
2.   النهج القومي الشوفيني والتطلع لدولة عراقية كبرى تلتحق بها تدريجياً الدول العربية الأخرى، أي سياسة توسعية على حساب الدول العربية ومركزها العراق، والتطلع ليكون العراق دولة إقليمية عسكرية كبرى. 
3.   التوجه صوب تحويل العراق إلى ترسانة ضخمة للسلاح الدفاعي والهجومي من خلال استيراد أحدث الأسلحة ومن جميع الدول المنتجة للسلاح، وإقامة صناعة عسكرية متقدمة بدعم مباشر من كل الدول المنتجة للسلاح، الغربية منها والشرقية، وكذلك السعي لإنتاج السلاح الكيماوي والبيولوجي والنووي. إضافة إلى التوسع في عديد القوات المسلحة العراقية وأجهزة الأمن المتعددة والشرطة.. الخ.
4.   وقد شاركت دول العالم المنتجة والمصدرة للسلاح، سواء أكانت من المعسكر الرأسمالي أم المعسكر الاشتراكي السابق، في دعم النظام العراق وتشجيعه وتأييد سياساته العامة، إذ إنها كانت تطمح وبكل السبل في الحصول على جزء مهم من موارد النفط المالية، وكانت تتسابق في بيعه السلاح أو في الحصول على مشاريع تقيمها في البلاد وبأسعار خيالية غير خاضعة للمعايير الدولية.
5.   وخلال فترة قصيرة تحول العراق إلى دولة عسكرية توسعية يريد قادتها البرهنة على قدراتهم العسكرية وتحت شعار "الحقوق لا تمنح بل تنتزع!". فاستغلوا المحاولات الإيرانية بعد عام 1979 التدخل في الشأن العراقي ودعم التفجيرات التي اعتمدها حزب الدعوة الإسلامية في العراق، ليخوضوا حرباً ضد إيران دامت ثماني سنوات عجاف ومدمرة.
6.   وعلى الصعيد الاقتصادي اتخذ المؤتمر القطري الثامن نهج التنمية الانفجارية، والذي كان أحد الأسباب المباشرة في التفريط بأموال هائلة لإقامة مشاريع بذخية والتوسع الأفقي بعيداً عن التخطيط العقلاني وبما يحتاجه العراق فعلاً. ولهذه الغاية استورد العراق أعداداً كبيرة من الأيدي العاملة الأجنبية ولاسيما من مصر، وأقيمت العديد من المصانع المهمة في السبعينيات من القرن العشرين ومنها البتروكيماويات في البصرة على سبيل المثال لا الحصر.
وخلال فترة الحرب العراقية-الإيرانية، في عام 1987، أقدم النظام على حل شركة النفط الوطنية ودمجها بوزارة النفط وتقسيم نشاطها إلى ثلاث شركات عامة، في الوسط والجنوب والشمال، بسب تراجع القدرة المالية التي استنزفتها الحرب العراقية الإيرانية، كما يشير إلى ذلك الدكتور علي مرزا في كتابه على الصفحة 123. رغم الخسائر البشرية والمادية التي تحملها العراق في الحرب مع إيران، فقد خرج من الحرب غير خاسر لها، بل حقق نصراً على إيران الخميني حين أجبر الخميني على القول بأنه يتجرع السم حين يوقع على إيقاف القتال وتراجعت أحلامه التوسعية. ولكن هل لطموحات وأطماع صدام حسين حدود، وهل للصراعات بين دول الخليج وتأثير الولايات المتحدة عليها حدود، ولاسيما في الخلاص من الغريمين إيران والعراق، فكان استفزاز الكويت بمطالبتها بتسديد الديون فوراً والموقف من زيادة تصدير نفطها.. إلخ، سبباً لغزو الكويت. فقد أدت، تلك السياسات والرغبة الجامحة في التوسع والعنجهية السياسية الصدامية، إلى اجتياح القوات المسلحة العراقية للكويت واحتلاله على طريقة الغزو القبائلي العدواني والإمعان في إهانة الشعب الشقيق، والتي انتهت إلى حرب الخليج الثانية التي أذلت العراق وشعبه وقواته المسلحة، وإلى فرض الحصار الاقتصادي الدولي وتجويع المجتمع استمر طيلة 13 عاماً أدى إلى مآسي وكوارث كثيرة بما فيها وفيات بعشرات الآلاف من الأطفال والعجزة وكبار السن والمرضى. ثم كانت الحرب الخليجية الثالثة التي أدت إلى الإطاحة بنظام الحكم الدكتاتوري البعثي. لقد دمًّرت سياسات البعث العسكرية والتوسعية وحروبه الداخلية والخارجية الكثير جداً مما بني في العراق من منشآت صناعية وهياكل ارتكازية ومنشآت اجتماعية. وكانت خسارة فادحة لشعب العراق. 
ووفي ختام هذه الحلقة أود أن أشير إلى ملاحظة شخصية تتلخص في وضوح موقفي من اتجاهات تطور تلك الفترة حين التقيت بصدام حسين في المؤتمر الزراعي ببغداد وناقشته من على منصة المؤتمر، حيث كنت أترأس تلك الجلسة بشأن الأوضاع الاقتصادية في العراق وفشل سياسات التخطيط والتسعير للسلع، في عام 1976، ثم تركت المنصة وجلست بجواره وتحدثت معه طوال ساعة ونصف الساعة عن أوضاع العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما استمعت لوجهة نظره وخرجت من اللقاء المنقول عبر شاشة التلفزة بانطباع واضح هو إن حزب البعث يسير في "درب الصد ما رد"، وأن عواقب ذلك ستكون وخيمة، وقد بلغت قيادة الحزب الشيوعي العراقي برأيي، ثم سجلت ذلك تفصيلاً في التقرير الذي أعدته اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي العراقي، وكنت مسؤولها، في منتصف عام 1977 وقدم إلى اللجنة المركزية ومكتبها السياسي بشأن التدهور المتسارع في نهج وسياسات حزب البعث، والرؤية القاتمة لما يمكن أن يؤول إليه الوضع في العراق.   
انتهت الحلقة الخامسة وستليها الحلقة السادسة حول النفط العراق خلال الفترة بين 2003-2018. 
كاظم حبيب
03/04/2019

8
الأخوات والأخوة الأعزاء
الصديقات والأصدقاء الأعزاء
تحية قلبية
أضع بين أيديكم كراساً عن كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب في العراق، عن معاناتهم في العراق منذ عقود، ولاسيما في الفترة الأخيرة. لقد ارقني هذا الكراس كثيراً وأتعبني نفسياً، إذ كان عليَّ، ولكي أكتب هذا الكراس، أن أقرأ الكثير من الكتب، وقد قرأت فعلاً عشرات الكتب وما نشر في المواقع عن أتباع الديانات والمذاهب واطلعت على أوضاعهم الكارثية  التي مروا بها في العهود المختلفة عبر القرون المنصرمة في العراق. لقد كانت هناك فترات طيبة ومريحة للجميع، ولكنها كانت قصيرة وقصيرة جداً، كما في أعقاب ثورة تموز 1958 مثلاً. يمكن لكل منكم، امرأة كانت أم رجلاً، أن يضع نفسه مكان أحد هؤلاء الأخوة أو إحدى الأخوات من أتباع الديانات والمذاهب الدينية والفلسفية، وهم مواطنون عراقيون وهن مواطنات عراقيات، لكي يمكن أن يحس بإحساسهم ومرارة العيش في مثل تلك الأوضاع التي عاشوا فيها، رغم إن العيب كل العيب في الحكام على مدى التاريخ، وليس في الشعب ذاته، ولكن الششعب يتحمل مسؤولية ايضاً بسبب الجهل والأمية وضعف الوعي والتعصب القومي أو الديني أو المذهبي. إنها المأساة وهي المهزلة ايضاً. تذكروا فقط الإبادة الجماعية عام 1988 للكرد في الأنفال، تذكروا ما أصيب به الكرد الفيلية أو شيعة الجنوب الذين اتهموا بالتبعية، أو ما حصل للإيزيديين والمسيحيين والصابئة المندائيين وفي الفلوجة وصلاح الدين وقبل اجتياح داعش للموصل، أ ما حصل للمجتمع المسيحي والإيزيدي والشبك والتركمان في أعقاب اجتياح الموصل وعموم نينوى، ثم الجريمة البشعة والنكراء التي قطع فيها رؤوس 50 أخت إيزيدية ودفن في سوريا على ايدي الدواعش المجرمين. ولنفكر بمن كان السبب وراء ما حصل في العرق، أليس النظام الطائفي المحاصصي ومن كان على رأس السلطة حينذاك، اليس الفساد وفقدان الذمة والضمير؟ أتمنى أن نفكر بكل ذلك. أتمنى لمن يقرأ هذه الدراسة المكثفة المنشورة في مواقع كثيرة، منها الحوار المتمدن، صوت العراق، موقع الناس، مركز النور ومواقع أخرى أن يفكر بأوضاع العراق الجارية وأن يتضامن معي مع اتباع الديانات والمذاهب دفاعاً عن حقهم في الإيمان وعن حريتهم في العبادة. الشكر لمن يتسنى قرأة الكراس ويوسع نشره بسحبه من أحد المواقع. كاظم حبيب

http://www.ankawa.com/sabah/kahdemhabib.pdf

9
د. كاظم حبيب
نظرة في كتاب "الاقتصاد العراقي – الأزمات والتنمية للسيد الدكتور علي خضير مرزا
الحلقة الثالثة
قراءة في الفصل الثالث: السكان وقوة العمل
يقدم الباحث العلمي والكاتب الدكتور علي خضير مرزا دراسة علمية ممتعة ورزينة عن التطورات والتغيرات السكانية وقوة العمل والفقر في العراق خلال فترة مديدة، ولكنه يركز بصواب على العقود الأخيرة ويطرح استنتاجاته، إضافة إلى استشرافه لتطور البنية السكانية وقوة العمل في السنوات القادمة. ويعتمد في ذلك على ما هو متوفر من إحصائيات عن السكان والأحوال الاجتماعية، التي غالباً ما يكون، كما أرى، احتمال أن يصل الانحراف فيها بما يتراوح بين 7-15%، وغالباً ما يكون نحو الأسفل حين يتعلق الأمر بأرقام البطالة والفقر والفساد. وقد أشار إلى ذلك بقوله: "ومنذ اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية بدأ التحفظ في نشر البيانات. وتدريجاً اختفت منشورات رصينة خاصة ما يتعلق ببيانات الجهاز المركزي للإحصاء والبنك المركزي". ثم يقول في مكان آخر "وبالرغم من إن الكاتب يعتقد إن معظم البيانات المستخدمة في هذا الكتاب تمثل المُتغيرات التي تصفها بصحة معقولة، في المتوسط، ولكن بسبب ظروف القلاقل وعدم الاستقرار في إعدادها من قبل الجهات الإحصائية فأن درجة من عدم اليقين حولها. لهذا السبب ينبغي الحذر في تفسير النتائج والتوصيات التي تعتمد على البيانات المستخدمة، والنظر إليها كتوجيهات عامة صحيحة، بدلاً من كونها تشير إلى وقائع دقيقة". (أنظر: مرزا، ص 3). وتأكيداً لما ورد في أعلاه أروي هنا الحادثة الآتية التي شاهدتها كغيري من الناس: في ندوة عامة نظمت لصدام حسين في نهاية عام 1977 ونقلت عبر قناة التلفزة العراقية قال فيها بشأن عدد سكان العراق حينذاك ما مضمونه: حين يقرر القادة السوفييت بأن حجم إنتاج الحنطة أو الرز في الاتحاد السوفييتي وصل عام كذا إلى كذا طن، فأن جميع المسؤولين يلتزمون بهذه الأرقام ولا يحيدون عنها وتسجل في الإحصاءات الرسمية كواقع حال. وأنا صدام حسين أقول هنا أيضاً بأن عدد سكان العراق في عام 1977 بلغ 12 مليون نسمة وعلى الجميع الالتزام بهذا الرقم ولا يجوز ذكر غيره! وهكذا يجد المتتبع هذا الرقم قد سجل في الإحصاء الرسمي العراقي ولم يحد عنه أحد. ومنذ عام 1978 تقريباً توقف الجهاز المركزي للإحصاء، وكذلك البنك المركزي عن نشر تفاصيل إحصائية مهمة عن الاقتصاد والمال والمجتمع في العراق بقرار من صدام حسين نائب رئيس مجلس قيادة الثورة حينذاك. ومن هنا برزت الكثير من المصاعب التي واجهت الباحثين والإحصائيين وراسمي السياسات الاقتصادية والاجتماعية في العراق. وهي حالة لا تقتصر على العراق فحسب، بل تمتد إلى الكثير من الدول النامية. وفي قناعتي فأن إحصائيات المرحلة الراهنة وفي الكثير من المجالات غير دقيقة، لا بسبب القلاقل وعدم الاستقرار فحسب، بل بسبب طبيعة النظام السياسي وتجلياته في السلوك والممارسات الكثير من مؤسسات الدولة، رغم حصافة وسلامة وحسن نية ووجود جمهرة من موظفي الدولة النزيهين. ويعتبر العراق أحد النماذج الصارخة في مجال الإحصاء وعد الدقة في المعلومات، ولاسيما في موضوع البطالة والفقر وإيرادات الدولة والفساد ...الخ.
يبحث الكاتب في هذا الفصل المكثف عدداً من تفاصيل القضايا السكانية ويستكمل بها ما طرحه في الفصل الثاني عن النمو السكاني في "أرض السواد"، رغم إن أرض السواد لا تشمل العراق كله، بل البصرة ووسط العراق وبغداد وجزء من ولاية الموصل القديمة. فالتقديرات السكانية للفترة الواقعة بين 1867 -1905 في الولايات العثمانية الثلاث (بغداد والبصرة والموصل) تؤكد زيادة سكانية ضعيفة جداً لا يزيد متوسطها السنوي البسيط للفترة الواقعة 1867-1905 عن 23700 نسمة. علماً بأن تقاليد سكان الريف والبادية كانت تميل بقوة صوب إنجاب المزيد من البنين، باعتبارهم والمال زينة الحياة الدنيا، وهم بحاجة لهم للزراعة أو لرعي الماشية أو للغزو، ولكن البؤس والفاقة والأمراض السارية والفتاكة والفيضانات كانت تفتك بنسبة عالية من السكان، ولاسيما الولادات الجديدة، وبالتالي يكون صافي الزيادة السكانية ضئيل جداً. (أنظر: د. محمد سلمان حسن، "التطور الاقتصادي في العراق 1864-1958"، الفصل الأول، نمو وتركيب السكان، المكتبة العصرية، بيروت، 1065؛ الدكتور فاضل الأنصاري، "مشكلة السكان، نموذج القطر العراقي، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1980؛ د. كاظم حبيب، لمحات من عراق القرن العشرين، الكتاب الثاني من 11 مجلد، الفصل الخامس: البنية الاجتماعية لسكان العراق في الفترة الأخيرة من العهد العثماني، دارا أراس، اربيل، 2013). كما إن التحولات في البنية السكانية من حيث البداوة والريف والحضر قد بدأت عملياً وتدرجياً مع إجراءات مدحت باشا الإصلاحية الذي حكم العراق خلال الفترة 1869-1872، حيث اتخذ جملة من الإجراءات التي أدت فيما بعد إلى حصول تغير نسبي في نسب توزيع السكان بين البدو والريف، في حين حافظ سكان الحضر على نسبتهم بين عام 1867-1905 ولفترة غير قصيرة، إذ قدر سكان البدو والريف بـ 35% و41% على التوالي من إجمالي السكان، في حين تغير التناسب في عام 1905 لصالح الريف على النحو التالي على التوالي: 17% و59%. أما السكان الحضر فقد احتفظوا بنسبة 24% من السكان. وتسارع هذا التحول بعد إجراءات داوسن بالنسبة لتسوية حقوق الأراضي وإجراءات أخرى قادت إلى حصول تحول كمي مهم لصالح الريف أولاً، والمدينة ثانياً، على حساب سكان البادية في العام 1935، والتي وضعها الدكتور علي مرزا أمام القارئات والقراء وعلى النحو التالي: ريف 65،1، بدو 6،5، وحضر 28،4 بالمائة. (أنظر: مرزا، ص 42).
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن المجتمع حتى عام 1947، وربما بعد ذلك أيضاً، لم يكن قد أدرك أهمية الإحصاء السكاني بالنسبة للاقتصاد الوطني والخدمات الاجتماعية وقضايا السكن ...الخ، وكانت الخشية بالأساس من الخدمة العسكرية التي قوبلت منذ عهد مدحت باشا بثورة أهالي بغداد ضد التجنيد الإجباري، واستمر هذا الرفض والخشية من التعداد السكاني عقوداً طويلة لاحقة. وبرزت ظاهرة مهمة في فترة الحرب العالمية الثانية حين بدأ الحصول على حصص تموينية بسبب شحة المواد الغذائية والاستهلاكية عموماً، إذ بدأ الناس يسجلون الولادات الجديدة، مما أعطى دفعة مناسبة للإحصاء السكاني، كما إن احتياج القوات البريطانية للسلع الاستهلاكية في فترة الحرب قد دفعت بريطانيا على الموافقة في إقامة مجموعة من المشاريع الصناعية الاستهلاكية التي ساعدت على نزوح إضافي من الريف إلى المدينة وحسنت بشكل ملموس من التوزيع النسبي للسكان بين البادية والريف والحضر.
واليوم يواجه العراق إشكالية جديدة تمس التعداد السكاني على صعيد العراق كله، الذي تعرقل تنفيذه في عامي 2009 و2017 لأسباب ثلاثة هي: 1) عدم الثقة في الوصول إلى تعداد سليم ونزيه بشأن إجمالي السكان الكرد في العراق ونسبتهم إلى إجمالي عدد السكان، 2) الخشية من بروز تناسب ف البنية القومية لسكان محافظة كركوك ومناطق أخرى ، يطلق عليها "المناطق المتنازع عليها" بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بما يميل لهذا الطرف أو ذاك، و3) حول مقدار الحصة التي يفترض أن يتسلمها الإقليم من الميزانية العامة بالارتباط مع عدد ونسبة سكانه. ومن حق أي باحث التشكيك بالأرقام التقديرية التي تجنح إما إلى تقدير مرتفع أو منخفض لعدد سكان العراق عموماً والإقليم خصوصاً، للأسباب المذكورة في أعلاه. وبالتالي فأن العراق بحاجة إلى بناء ثقة جديدة تسمح بإجراء هذا الإحصاء الذي ربما يساعد على حل بعض المعضلات القائمة.
لقد ورد لدى الزميل د. مرزا ما يلي: "وبعد عام 1997 لم يجر تعداد سكاني شامل. وكان المقرر إجراء تعداد في 2009 ولكنه لم يتم وأخذ يؤجل كل سنة، فيما بعد". (أنظر: مرزا، ص 45). وكان المفروض أن يشير الزميل إلى تفسير هذه الحالة الشاذة، لاسيما وأن الإقليم لم يشارك في أي تعداد سكاني بعد عام 1977 والذي جرى في ظروف معقدة أيضاً، فيما عدا إشارته إلى عدم شمول المحافظات الكردستانية بالتعداد السكاني عام 1997 "بسبب "استقلالها الفعلي" عن الحكومة المركزية".
هناك مسألة أخرى كان بودي أن يشير إليها الدكتور ميرزا، والتي لم يشر إليها الكثير من الكتاب العراقيين خلال تلك الفترة وما بعدها، والتي أثرت، شئنا أم أبينا، على الزيادة السكانية في نفوس العراق والتي حصلت بعد تعداد السكان لعام 1947، وأعني بها إسقاط الجنسية عن يهود العراق في العام 1951 والأجواء السلبية المناهضة لليهود بسبب الوضع في فلسطين وقرار التقسيم عام 1947، والذي أدى إلى هجرة 138 ألف نسمة من العراق إلى إسرائيل، وقلة قليلة منهم إلى بدول أخرى، في فترة زمنية لا تتجاوز الأربع سنوات. وهي خسارة فادحة في موزائيك العراق السكاني أولاً، وفي المستوى الرفيع للكوادر العلمية والفنية والأيدي العاملة اليهودية التي هُجرّت من العراق ثانياً، وتأثير ذلك على عدد ونسب الولادات خلال الأعوام اللاحقة للتهجير ثالثاً. (أنظر: كاظم حبيب، يهود العراق والمواطنة المنتزعة، الشرق الأوسط، بيروت، 2015).
يضعنا الدكتور علي مرزا أمام مجموعة من المشكلات المعقدة التي تواجه العراق من الناحية السكانية والاجتماعية وأبرزها:
1.   واقع حصول معدلات نمو سكانية عالية تجد تعبيرها في دخول أعداد كبيرة في سوق العمل سنوياً وعجز الاقتصاد العراقي استيعابها بسبب غياب التنوع في بنية الاقتصاد الوطني والذي دفع بالحكومات المتعاقبة إلى التوسع في عملية التوظيف الحكومي التي قادت حتى الآن إلى بروز ظواهر سلبية منها: استنزاف نسبة مهمة وعالية من الدخل القومي أو من الميزانية الاعتيادية؛ تضخم الجهاز الحكومي وبروز بطالة مقنعة مرهقة للاقتصاد والمجتمع؛ استمرار وجود بطالة مكشوفة بسبب حالة الاشباع أو التخمة الحاصلة في استيعاب البطالة من قبل الجهاز الحكومي وعدم وجو فرص عمل في قطاعات اقتصادية إنتاجية.   
2.   إن الخلل الكبير في الاقتصاد العراقي المرتبط بالنمو السكاني يبرز في وحدانية التطور الاقتصادي العراقي، اقتصاد يعاني من تخلف قطاعي الصناعة التحويلة والزراعة، وغياب تحديث وسائل إنتاج الصناعات السلعية أو الحرفية الصغيرة.
3.   اللجوء إلى زيادة استخراج وتصدير النفط الخام للحصول على عوائد مالية أكبر لتأمين ما يسد حاجة العراق لتمويل الميزانية الاعتيادية ودورها في إضعاف "العلاقة بين مستوى إنتاج النفط الأفضل كما تقررها متطلبات ميزان المدفوعات من ناحية، والمعدلات الفنية للإنتاج التي تمد في عمر هذا المصدر" من ناحية أخرى، إضافة إلى تعميق وتشديد الطابع الريعي للاقتصاد.
4.   الدور الكبير والأساسي للموارد المالية من تصدير النفط الخام في التشغيل الحكومي بحيث تهيمن الحكومة على نسبة عالية من العاملين، التي تخلق بدورها تبعية مباشرة لنسبة عالية من العاملين وعائلاتهم لإيرادات الدولة المالية وسياسات الحكومة في تأمين رواتبهم ومعيشتهم.
5.   عدم وجود سياسة موحدة حول معدلات النمو السكاني المطلوبة، فهناك من يرغب في تحديدها، وهناك من يرى ضرورة زيادتها.
6.   التأثير السلبي لعدم وضوح الموقف من وجهة النمو السكاني على قدرة المشرع في تأمين علاقة عقلانية بين النمو السكاني والخدمات العامة، كالصحة والتعليم والنقل والسكن ... الخ، إضافة إلى تأمين الأمن الغذائي للسكان.
7.   العلاقة المختلة بين تشغيل الرجال وتشغيل النساء، فرغم إن نسبة النساء في العراق تعادل نسبة الرجال في إجمالي السكان فأن تشغيلهن في حدوده الدنيا، لأسباب ترتبط بطبيعة علاقات الإنتاج السائدة والدور الذكوري المخل في المجتمع ودور الدين وشيوخه، إضافة إلى تخلف الوعي وتخلف العملية الاقتصادية والاجتماعية والحضارية في العراق.
8.   ويضع الكاتب قراءه وقارئاته أمام عدة مسائل مهمة، رغم غنى البلد بالموارد المالية الناشئة عن اقتصاد النفط الريعي، منها: أ) وجود نسبة عالية من العاطلين عن العمل، وهي بطال مكشوفة، إضافة إلى وجود واسع لبطالة مقنعة، وعواقبهما السلبية على المجتمع، إذ كلما ازداد عدد أفراد العائلة بالنسبة لمعيل واحد، وهي ظاهرة عامة في العراق، ازداد فقرها ووقوع تلك العائلات تحت خط الفقر، وب) النسبة العالية للفقر في العراق وعواقبه على الصراعات والنزاعات المجتمعية، ج) تحمل ميزانية الدولة الاعتيادية أعباء لا طاقة لها، ويأتي ذلك على حساب الحصة التي يفترض أن توجه لأغراض التثمير الإنتاجي في الاقتصاد وتغيير بنيته. علماً بأن الأرقام الرسمية تطرح صورة قاتمة عن البطالة والفقر، ولكن الواقع يفوق ذلك بكثير.
9.   ويشير الكاتب بوضوح إلى مشكلة معقدة جداً برزت في العراق بعد إسقاط الدكتاتورية البعثية في العراق عام 2003 والتي تتلخص ببروز من يطلق عليهم بالفضائيين، أي أن هناك عشرات وربما مئات الآلاف من الأسماء المسجلة في دوائر الدولة وتقبض رواتب على الورق في حين لا وجود مادي لتلك الأسماء في أجهزة الدولة. وأن هناك من يتسلم تلك الرواتب عنهم. وحسب المعلومات المتوفرة لديّ والمنشورة في الصحف العراقية والمعترف بوجودها حكومياً، فأن هذه الظاهرة ليست مقتصرة على إقليم كردستان، بل هي منتشرة في جميع محافظات العراق وجميع دوائر الدولة تقريباً، إضافة إلى وجودها في القوات المسلحة والمليشيات الطائفية المسلحة التي تشكل الهيكل العظمي للحشد الشعبي. وهي تكلف خزينة الدولة المليارات من الدنانير العراقية، دع عنك أشكال الفساد الأخرى.     
وبودي هنا أن أشير إلى ثلاث مسائل جوهرية يفترض أن يتوجه لها اهتمام الباحثين، كما أرى، في البحث العلمي عن الاقتصاد والمجتمع في العراق، والتي أختم بها هذه الحلقة، وهما:
1.    لا وجود لاستراتيجية تنموية وسياسة اقتصادية واجتماعية عقلانية في العراق منذ عقود، وقد تفاقم هذا الوضع منذ سقوط الدكتاتورية واحتلال العراق وقيام النظام السياسي الطائفي وتجلياته في المجال السكاني أيضاً. ويتجلى التذمر الشعبي من واقع الأوضاع المتردية في تفاقم حملات الاحتجاج والتظاهر والإضرابات بسبب البطالة وتراجع الخدمات ومنها الطاقة الكهربائية والماء والسكن والنقل .. الخ، والتي يمكن أن تتعاظم خلال الفترة القادمة. وتقدم بغداد والبصرة والموصل، لوحة قاتمة حقاً عن الأوضاع المزرية لغالبية السكان.
2.   إن تجارب العقود المنصرمة التي شهدتها جميع الدول النامية ذات الاقتصاد الريعي، ولاسيما النفطية، والعراق نموذج حي وراهن لها، تشير إلى إنها الأكثر استعداداً وتحفزاً لممارسة الاستبداد والقسوة والتحكم بالثروة والمجتمع في آن واحد، وهي الأكثر استعداداً لممارسة القمع والاضطهاد وملء السجون والمعتقلات بأصحاب الرأي الآخر، في سبيل البقاء في السلطة والاحتفاظ بها والهيمنة على الثروة والنفوذ الاجتماعي، وهي الأكثر فساداً وتفريطاً بأموال الدولة والمجتمع. وتجربة الدول العربية الريعية كلها دون استثناء تجسد هذا الواقع المحزن الذي يستوجب إبرازه والكتابة عنه ولاسيما من قبل الباحثين في الاقتصاد والمجتمع، والتي عانى ولا زال يعاني منها شعب العراق بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه.
3.   أشعر بأهمية وضرورة مثل هذه البحوث القيمة المهتمة بالشأن الاقتصادي أن تبحث في الوقت ذاته الجانب الاجتماعي، باعتباره التجلي الفعلي لطبيعة السياسات الاقتصادية والمالية التي تمارس الدولة. ومن نافل القول أن أشير إلى أن معالجة إشكالية الطبقات والفئات الاجتماعية، باعتبارها واحدة من القضايا الجوهرية في البنية السكانية وذات العلاقة المباشرة ذات أهمية فائقة بالارتباط مع الواقع الاقتصادي والتحولات الجارية فيه من خلال أربع مسائل جوهرية: أ) دور الطبقات والفئات الاجتماعية باعتبارها، من حيث المبدأ، الحاملة الفعلية للمجتمع المدني والديمقراطية، وهي البرجوازية المتوسطة، ولاسيما الصناعية، والطبقة العاملة، وفئات المثقفين، ب) دورها في إنتاج الثروة المادية والروحية في المجتمع، 3) ودورها في تغيير الوعي الفردي والمجتمعي، 4) وتأثيرها الفعلي على تحديد معدلات النمو السكانية للتحولات الفعلية في موقف متحفظ لدى العائلات البرجوازية والطبقة العاملة الصناعية من إنجاب الكثير من الأبناء والبنات، بخلاف العائلات الريفية والفلاحية. أعني بذلك حجم ودور وتأثير هذه الفئات من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إذ خلال العقود الأخيرة، ومنذ النصف الثاني من العقد التاسع من القرن العشرين تغيرت بنية المجتمع العراقي الطبقية، بفعل الاستبداد الفردي المطلق والحروب والحصار الدولي وتدمير البنية التحتية والمشروعات الاقتصادية والصناعية، وغياب الاستثمار الإنتاجي الحكومي والخاص والأجنبي. فقد تقلص حجم الطبقة العاملة العراقية بشكل دراماتيكي، وتراجع دورها في إنتاج الخيرات المادية، كما تقلص عدد الفلاحين الشباب العاملين في الزراعة، وتدهور الإنتاج الصناعي، ودُمرت أو أغُلقت الكثير من المشاريع الصناعية العائدة لقطاع الدولة، أو للقطاع المختلط والقطاع الخاص، إضافة إلى تدهور القطاع الصناعي الحرفي الصغير بقواه المنتجة البشرية، ووسائل إنتاجه ونوعية الإنتاج. وقد أدى هذا الواقع إلى تدهور شديد في حجم ودور وتأثير العمال وفئات البرجوازية الصغيرة، والبرجوازية المتوسطة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما تراجع دور البرجوازية المتوسطة في مجمل العملية الاقتصادية، وفي الصناعة خصوصاً. في مقابل ذلك ارتفع حجم فئة أشباه البروليتاريا، والعاملين على هامش الاقتصاد العراقي، والذين يعيشون على هامش المجتمع أيضاً، والذين هم بعيدون تماماً عن الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. إنها بنية طبقية مشوهة وناتجة عن تشوه بنية الاقتصاد الوطني. وكل ذلك ترك تأثيره المباشر على وعي الإنسان الفردي والجمعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي. وسأفرد لهذه النقطة التي لم اجدها في مفردات ومضامين كتاب الزميل الدكتور علي مرزا حلقة خاصة بالارتباط مع الفصل العاشر من الكتاب حول تطور القطاع الصناعي في العراق.
انتهت الحلقة الثالثة وستليها الحلقة الرابعة
31/03/2019
 

10
المنبر الحر / تحية رفاقية حارة
« في: 19:12 30/03/2019  »
الرفيق العزيز رائد فهمي سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي
الرفيقات والرفاق الأعزاء أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الأعزاء
الرفيقات والرفاق الأعزاء
تحية رفاقية حارة
يسعدني أن أحييكم بحرارة وأهنئكم من القلب أيتها الرفيقات أبها الرفاق الأعزاء، ومن خلالكم أحيي وأهنئ جميع رفيقات ورفاق الحزب والاصدقاء والمتعاطفين والمتعاونين معه من القوى الديمقراطية والشعبية بمناسبة الذكرى ألـ 85 لتأسيسه، هذا الحزب الذي لم ينل من نضاله الدؤوب والمثابر طيلة العقود المنصرمة كل تلك المحاولات اليائسة والبائسة للإساءة له وتشويه سمعته وسمعة رفاقه،  والممارسات القمعية المرعبة والإرهاب الدموي والتهجير القسري، فهو، وبرغم كل تلك الصعوبات والمعوقات الهائلة، يعتبر الحزب الأقدم والأغنى تجربة القائم في العراق منذ يوم تأسيسه المبارك حتى يومنا هذا، وسيبقى في المستقبل أيضاً، ليساهم بقوة وعزم في النضال الوطني والطبقي من أجل بناء الوطن الحر والشعب السعيد.
يخوض الحزب، برفاقه ورفيقاته وأصدقاء الحزب ومحبيه، النضال في مرحلة معقدة وخطيرة جداً ومليئة بالمصاعب والعوائق المحلية والإقليمية والدولية، ولكن نضال الحزب ونشاطه كانا على الدوام في مواجهة مباشرة مع مثل هذه المصاعب والعراقيل والتغلب عليها لصالح وضع العراق على طريق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والتنمية والعدالة الاجتماعية والسلام. وفي سبيل ذلك قدم الحزب الكثير والكثير جداً من الشهداء الأبرار والضحايا العزيزة التي نقف اليوم جميعاً وفي هذه الذكرى العطرة إجلالاً وتقديراً لهم ولعائلاتهم النبيلة.   
ليس هناك من حزب تعرض إلى محاولات التصفية الجسدية والسياسية مثل الحزب الشيوعي العراقي ومنذ أول يوم من تأسيسه، وبالتالي فهو الحزب الذي كان ولا يزال مستهدفاً من كل الأعداء في الداخل والخارج. ولكنه خرج منها بعزم وروح وثابة واحتضان حميم من قبل الشعب الكادح والقوى اليسارية والديمقراطية والشعبية الأخرى. وهو ما يستوجب الاعتزاز به وصيانته وتطويره.
أتمنى للحزب، في يوم ذكرى تأسيسه، ولرفيقاته ورفاقه السلامة والحصافة والحكمة والنجاح فيما تتخذه قيادة الحزب وقاعدته من قرارات في مسيرة الشعب والحزب الجارية. لتنتعش وتتطور أكثر فأكثر علاقة الحزب بالشعب وكادحيه وقواه الديمقراطية والتقدمية، ولتنتصر إرادة الشعب في الخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة والفساد والإرهاب، وفي سبيل التغيير لصالح الدولة الديمقراطية بسلطاتها الثلاث، ولصالح المجتمع المدني الديمقراطي العلماني. ولتسد الأخوة والتضامن والسلام بين قوميات الشعب كافة.
أحييكم بحرارة وأشد على أيديكم
رفيقكم كاظم حبيب
28/03/2019         

11
د. كاظم حبيب
نظرة في كتاب "الاقتصاد العراقي – الأزمات والتنمية للسيد الدكتور علي خضير مرزا
الحلقة الثانية
العراق الحديث.. التكوين

في هذه الحلقة سأتناول بقراءة متأنية الفصل الثاني من الكتاب الذي تناول فيه الباحث الدكتور علي خضير مرزا بصفحات قليلة وتكثيف شديد واقع الحالة السكانية في الولايات الثلاث، بغداد والبصرة والموصل تحت هيمنة السلطنة العثمانية ومن ثم المماليكية فالعثمانية، والتدخلات الإيرانية في الشأن العراق التي رافقت تلك الفترة، ومن ثم نشوء الدولة العراقية الحديثة.  ويشير إلى واقع وجود البدو الرحل والفلاحين الذين شكلوا معاً نسبة عالية من إجمالي السكان في ظل علاقات مشاعية أبوية في الريف، بدأت تتحول تدريجياً إلى علاقات ملكية جديدة في فترة حكم مدحت باشا، ولكنها استكملت وتكرست في فترة الاحتلال البريطاني وصدور قانون العشائر عام 1916، ومن ثم قوانين ارنست داوسن في عامي 1932/1933 التي أطلق عليها بـ "قوانين تسوية حقوق ملكية الأراضي" بعدها بعقدين تقريباً صدرت قوانين أخرى، أي في عامي 1951 و1952، حول بيع الأراضي الأميرية التابعة للدولة والتي كُرَّست، بموجب جميع تلك التشريعات، علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية الاستغلالية في الريف العراقي، حيث تم انتزاع الأرض من أيدي الفلاحين الفقراء ووضعت في أيدي شيوخ العشائر والمتعاقدين السابقين مع الحكم العثماني وتجار المدن والعائلات الميسورة. وخلال الفترة بين قوانين أرنست داوسن وقوانين 1951 و1952 وبسبب هذه القوانين، إضافة إلى عوامل أخرى مهمة، منها الفقر المدقع وغياب الخدمات ومنها التعليم،  برزت بوضوح مؤشرات نزوح المزيد من الفلاحين من الريف إلى المدينة من جهة، ونزوح البدو الرحل من البادية إلى الريف من جهة ثانية. ثم تسارعت عملت النزوح من الريف إلى المدينة في اعقاب ثورة تموز 1958، مما أدى إلى استمرار عمليات بروز أحياء أو مدن جديدة عشوائية رثة في أطراف المدن الكبيرة، ولاسيما العاصمة بغداد. ويشير الباحث بوضوح وصواب إلى حصول تحول جديد في نزوح معاكس من المدينة إلى الريف بعد عقود من السنين بسبب الحروب والحصار الاقتصادي الدولي والعودة إلى التكافل العشائري للخلاص من الكوارث التي حلت بالعراق خلال العقد الأخير من القرن العشرين وما بعده بشكل خاص. لقد ساهمت العلاقات شبه الإقطاعية وقانون العشائر لعام 1916 وتعديلاته القليلة إلى تعريض الفلاحين إلى المزيد من الاستغلال والقهر الاجتماعي، وإلى السعي للهروب من الريف إلى المدينة، ولاسيما بعد أن توفرت نسبة أكبر من إيرادات النفط للخزينة العراقية وبدأ الحكومات المتعاقبة بإقامة بعض المشاريع الصناعية ومشاريع الخدمات العامة التي تطلبت المزيد من الأيدي العاملة، وبالتالي هجرة المزيد من الفلاحين. ورغم مطالبة المجتمع بالإصلاح الزراعي، فأن الحكومات الملكية المتعاقبة أغلقت أذانها طويلاً ثم جاء خطاب نور السعيد في العام 1956 الذي أثار المجتمع وقواه الديمقراطية والذي عرف بالأهزوجة (الهوسة) "دار السيد مأمونة" التي هزج بها من دار إذاعة بغداد، ثم طرح مشروعه للقضاء على الإقطاع، الذي تسنى لي تسجيله خطياً حين كنت مبعداً سياسياً في قضاء بدرة الحدودي مع إيران بعد قضاء فترة الحكم بالسجن، لإعدان نشرة أخبار للمبعدين، جاء فيه: إن القضاء على الملكيات الكبيرة يتم في الفترة القادمة بسبب الزوجات المتعددة لشيوخ العشار وملاك الأراضي حيث يولد لهم الكثير من الأبناء وعند موته تتوزع تلك الأراضي على الأبناء، وكذا أبناء البناء فنقضي على الإقطاع! ولكن لم تكن دار السيد مأمونة ولا النظام الملكي شبه الإقطاعي كان قادراً على الصمود بوجه انتفاضة الجيش 1958 والسعي لتحويلها إلى ثورة بإجراءات ثورية وإصلاحية ديمقراطية، من ضمنها قانون الإصلاح الزراعي.       
في بحثه عن التنوع السكاني والعقد الاجتماعي والحوكمة يشير الدكتور علي مرزا  إلى الرأي التالي القائل بتعرض العراق الجديد "إلى مخاطر هددت سلامة ووحدة اراضيه. وتكررت هذه المخاطر بدرجات عنف مختلفة أكثر من مرة". (أنظر: مرزا، ص 32). ويرى بصواب بعكس من يرى إن السبب وراء ذلك يكمن في "كيان العراق المصطنع" الذي قررت اتفاقية سايكس بيكو 1916 وما بعدها من معاهدات استعمارية إقامته، بل في غياب العقد الاجتماعي/السياسي وغياب الحوكمة الرشيدة في البلاد. (قارن: مرزا ص 32). لم يتوسع الباحث في هذا المجال، رغم تشخيصه الصائب للمعضلة التي تواجه العراق بسبب هذا التنوع وأسلوب التعامل معه. وأجد من المناسب أن أتوسع بهذه النقطة المهمة التي أشَّرها الزميل مرزا، وهي واحدة من مهمات القراءة المتمعنة في الكتب.
من السمات البارزة التي يتميز بها العراق، إن أُحسن الاستفادة منها، وجود تنوع السكاني باتجاهات ثلاثة:
** التنوع القومي حيث وجود العرب والكرد، ومنهم الكرد الفيلية، والكلدان والآشوريين والسريان والتركمان والفرس يعيشون في هذه المنطقة منذ قرون؛
** التنوع الديني والمذهبي حيث يقطن العراق مواطنات ومواطنون مسلمون، شيعة وسنة بمذاهب عدة، ومنهم الشبك، ومسيحيون بطوائف عديدة، ويهود حتى أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، وصابئة مندائيون وإيزيديون وكاكائيون وبهائيون وزرادشتيون؛
** التنوع الطبقي، حيث تطورت في العراق وتغيرت عبر السنين أوزان الطبقات أو الفئات الاجتماعية العراقية وبشكل خاص: فئات الفلاحين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية والمستحوذين عليها، بينهم تجار وشيوخ عشائر، وبرجوازية تجارية، وفئات من البرجوازية الصغيرة كالكسبة والحرفيين والمثقفين، ومن ثم الطبقة العاملة قبل ومع نشوء البرجوازية الصناعية وتطورهما البطيء، إضافة إلى أشباه البروليتاريا، وهم في الغالب الأعم تلك الفئات النازحة من الريف إلى المدينة والتي كانت تعيش على هامش حياة المدينة والاقتصاد.   
ويضع الكاتب أصبعه على المشكلة الرئيسية في المجتمع العراقي التي نشأت بسبب "غياب أو توافق عقد اجتماعي/سياسي جامع، ونتيجة لتفاعل عوامل متعددة اقتصادية وسياسية واجتماعية، نشأت معضلة وتفاقمت بمرور السنين". (أنظر:مرزا، ص 34). ويرى إن المعضلة ناشئة بوجهين أ. "عدم التوصل إلى تطبيق حوكمة governance جامعة تحظى بقبول كافة المكونات مما أدى بالنتيجة إلى استمرار توتر/خلاف.."، وب "منذ أواخر السبعينيات اتسمت كفاءة استخدام العوائد النفطية بالتواضع: من  خلال أنفاق جزء كبير منها على نزاعات خارجية ...". (اأنظر: مرزا، ص 35).
في هذا التحليل السليم يقفز الكاتب على مرحلة طويلة من السنين التي تميزت بسوء الحوكمة من جهة، وبسوء استخدام الموارد المالية رغم شحتها، أي الفترة الواقعة بين 1921-1951 من جهة أخرى، إضافة إلى الفترة اللاحقة. إن أهمية الإشارة الموسعة لهذه الفترة تكمن في كونها كانت الأساس الخاطئ وغير العقلاني في بناء الدولة العراقية وما بني عليه لاحقاً كان الأكثر بعداً عن العقلانية والحوكمة الرشيدة، بما في ذلك التجاوز الفظ على القانون الأساسي وتزوير الانتخابات وتفاقم البطالة والفقر وتغييب الحريات الديمقراطية وإعلان متكرر للأحكام العرفية في البلاد. 
لقد برزت المشكلات الكبيرة مع وضع القانون الأساسي (الدستور) لعام 1925، والتوقيع على منح امتياز النفط في ذات الفترة تقريباً، وعقد معاهدة 1930 بجوانبها العسكرية والقانونية والمالية وبروتكولاتها السرية، ومن ثم طريقة إلحاق ولاية الموصل بالعراق عام 1926، وعدم إيفاء الحكومة الملكية بما اتفق عليه مجلس عصبة الأمم مع الملك فيصل الأول والحكومة العراقية من التزامات بشأن حقوق الكرد.
فالدستور العراقي كرس مسائل خاطئة منذ البدء حين أشار إلى إن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، وبالتالي ميز في موقف الدولة من الأديان الأخرى وأتباعها، في حين إن الدولة ليست سوى شخصية اعتبارية (معنوية) لا دين لها، وبذلك أوجد الأرضية لممارسة التمييز إزاء أتباع الديانات والمذاهب الأخرى. وهنا لم ينشأ التمييز إزاء أتباع الديانات الأخرى فحسب، بل ونشأ معه التمييز أزاء أتباع المذهب الشيعي، بسبب اعتبار الدولة مسلمة على وفق المذهب الحنفي، مما دفع شيوخ الدين الشيعة إلى مقاطعة الدولة وسلطاتها الثلاث ولسنوات عديدة، مما عمق الخلافات الطائفية في المجتمع التي كانت قد تفاقمت في فترة الحكم العثماني والصراع العثماني الفارسي. كما إن القانون الأساسي قد ميَّز اللغة العربية عن باقي اللغات باعتبارها لغة الدولة الرسمية، في حين يتشكل العراق من إقليمين عربي وكردي أولاً، كما يتكون المجتمع من قوميات عدة، ولاسيما القومية الثانية، هي القومية الكردية من حيث النفوس بعد القومية العربية ثانياً، إذ كان المفروض أن يأخذ المشرع بالاعتبار وجود الكرد في إقليم كردستان ويقرر استخدام اللغتين.
كما إن القانون الأساسي قد اعتراف بقانون العشائر الذي وضعته إدارة الاحتلال البريطانية في العراق منذ العام 2016 لتكسب إلى جانبها شيوخ العشائر، بحيث أصبح هذا القانون مرادفاً للدستور العراقي في تعامل مزدوج في غير صالح المجتمع المدني الذي جسدته الكثير من بنود القانون الأساسي. كما تجلى التمييز في عملية البناء والتعمير منذ أن بدأت الحكومة بوضع برامجها التنموية والتي لم تنفذ في الغالب الأعم وتوقفت في فترة الحرب العالمية الثانية والتي برز فيها التعامل الهامشي مع الألوية المتخلفة أصلاً والتركيز على بعض المدن مثل بغداد والموصل والبصرة. وكان لسلطات الاحتلال البريطاني دورها البارز في إعاقة تنفيذ برامج تنموية في العراق، ولاسيما في مجال التصنيع والذي سنتطرق له أثناء قراءة الفصل التاسع المكرس للصناعة الوطنية في العراق.
حين برزت المشلات القومية والدينية والمذهبية والاقتصادية، بضمنها الفلاحية، في الثلاينيات من القرن العشرين وبعد إلغاء حكم الانتداب لم تمارس الحكومات العراقية المتعاقبة، وبدعم مباشر من المستشارين البريطانيين في الوزارات العراقية والسفارة البريطانية، سياسة عقلانية تعتمد الحوار والنفس الطويل لمعالجة وحل المشكلات، بل استخدمت العنف المفرط والقوة المسلحة حيث أشركت الجيش والشرطة في قمع الحركات السياسية وطمس الخلافات وكأنها غير موجودة! نشير هنا على سبيل المثال لا الحصر مجزرة سهل سميل ضد الآشوريين في العام 1933، أو ضد الإيزيديين الذين رفضوا الانخراط في القوات المسلحة في ذات الفترة تقريباً، أو حركات الفرات الأوسط الفلاحية والعشائرية في العام 1935. وقد أدى كل ذلك إلى نشوء أجواء سياسية متوترة قادت إلى وقوع انقلاب بكر صدقي العسكري عام 1936، ثم انقلاب مايس القومي 1941 وإلى تنامي الحركات الكردية السياسية والعسكرية في النصف الأول من العقد الخامس من القرن العشرين، إضافة إلى الوثبة والانتفاضات في أعقاب الحرب العالمية الثانية. إن كل هذه الأحداث قد رفعت من درجة التوتر والخلاف التي أشار إليها الزميل الدكتور علي مرزا والتي لم يشر إلى طابعها السياسي/القومي والاجتماعي مباشرة، ولكنه جمعها بصواب بـ "عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية"، تعبر بجملتها عن غياب الحوكمة الرشيدة وعن عدم وجود عقد اجتماعي/سياسي متفق عليه بين مكونات المجتمع. ويبدو إن الجهد الحكومي كان منصباً، كما شخص ذلك الملك فيصل الأول وعمل من أجله على "أمل واهم" هو إقامة "أمة عراقية" من قوميات متعددة، على طريقة الوهم السائد لدى شيوخ الدين المسلمين بوجود "أمة إسلامية"، وبسبب ذلك يرفضون الاعتراف بالقوميات وحقوقها والحق في تقرير المصير. لو تميزت سياسات سلطات الدولة الثلاث بالحياة الدستورية والحريات الديمقراطية واحترام القانون الأساسي، لكان بالإمكان وضع عقد اجتماعي-سياسي يؤمن التفاعل والتلاقح الثقافي بين القوميات ويمنحها في الوقت ذاته حقوقها المشروعة والعادلة ضمن الدولة الملكية العراقية. وهو الذي لم يحصل! 
منذ خمسينيات القرن الماضي، ومع تشكيل مجلس ووزارة الإعمار بالارتباط مع تنامي إيرادات العراق النفطية، بسبب المناصفة في إيرادات النفط الخام المُصَدر، بدأ حراك نسبي مهم صوب القطاع الصناعي شاركت فيه الدولة والمصرف الصناعي والقطاع الخاص، مما ساعد على زيادة الحاجة إلى الأيدي العاملة وإلى ارتفاع عدد النازحين من الريف إلى المدينة، بالرغم من قانون العشائر وملاحقة الشرطة للفلاحين النازحين بذريعة وجود ديون في رقبتهم لكبار ملاك الأراضي. وقد ساهم ذلك في تحسين التناسب بين عدد سكان الريف والحضر لصالح الحضر، لا في المدن الكبيرة فحسب، بل وفي بعض المدن الأخرى. واتسع هذا الاتجاه في أعقاب ثورة تموز 1958 حيث توجهت حكومة عبد الكريم قاسم صوب عقد اتفاقيات واسعة مع الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا عام 1959 لنشر مجموعة من المصانع في بغداد وفي مدن أخرى. كما ساهم في ذلك قانون الإصلاح الزراعي الديمقراطي البرجوازي الذي لم ينفذ كما ينبغي ولم تكن الحكومة تمتلك رؤية واضحة لما تريد فكانت تقف بين "مدينتي نعم ولا" حائرة مما دعا الدكتور علي مرزا أن يكتب بصواب "فنتيجة لتطبيق قانون الإصلاح الزراعي وما تبعه من انهيار العلاقة بين الفلاح ومالك الأرض التي تواجدت قبل 1958، والتي لم تستبدل ببديل مناسب، تعرض الإنتاج الزراعي لانخفاض قلل الحاجة للأيدي العاملة في الريف." (أنظر:مررزا، ص 38). إن المشكلة الكبيرة في علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية تبرز في الابتعاد الكلي من جانب ملاك الأراضي الكبار عن استخدام وتوظيف الريع المتحقق في الزراعة في الإنتاج الزراعي من خلال تحسين تقنيات واساليب ووسائل الإنتاج الحديثة، بل في الغالب الأعم كانت تستخدم وتستهلك أو تكتنز من جانب المستحوذين على الريع الزراعي في المدن، مما كان يقود إلى الفقر وضعف إنتاجية العمل للفرد الواحد. وكان يدفع بأصحاب الأراضي إلى التوسع في استخدام الأرض الزراعيةبدلاً من التقنيات الحديثة وللتعويض عن النقص في مقدار الغلة في الدونم الواحد، وهو ما يشير إليه بصواب الباحث، بحيث أدى إلى ارتفاع في إنتاجية العمل افقياً وليس عمودياً وإلى توفير كمية مناسبة للتصدير. (اأنظر: مرزا، ص 39).
لقد شهد القطاع الزراعي تحسناً ملموساً في السبعينيات من القرن الماضي لثلاثة أسباب جوهرية هي: 1) صدور قانون الإصلاح الزراعي الثاني رقم 117 لسنة 1971 بمواد جديدة ومهمة رغم عدم تنفيذها الفعال في المحصلة النهائية، و2) تنفيذ عمليات الري والبزل الجديدة وغسل التربة وتخليصها من الملوحة، و3) تأمين المزيد من محطات تأجير المكائن الزراعية وبأسعار مناسبة. إلا إن هذه العملية لم تستمر طويلاً، أذ كانت الحرب العراقية الإيرانية ومن ثم غزو واحتلال الكويت وحرب الخليج الثانية ومن ثم الحرب الخليجية الثالثة. واليوم يعيش الريف العراقي أزمة فعلية بسبب تسلط العلاقات العشائرية مجدداً على حياة الريف والزراعة العراقية والتي تنعكس أيضاً على حياة المدن، ولاسيما المدن الطرفية. وكم كان الدكتور علي مرزا محقاً حين اشار إلى إن بعض الكُتّاب يشيرون إلى واقع "ترييف المدينة"، وهي مرتبطة عضوياً بقانون العشائر الجديد وطبيعة الدستور العراق الجديد الذي أقر في العام 2005. ويبدو لي بأن العراق منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين بدأ يعيش تدريجاً، ولكن بتصاعد وتفاقم، ردة فكرية واجتماعية وسياسية شديدة الفاعلية وجدت تعبيرها في التخلي الكلي عن المجتمع المدني وعن التصنيع وتحديث الزراعة، وهي إشكاليات تساهم فيما أطلق عليه بـ "ترييف المدينة". كما إن سوء توزيع واستخدم موارد النفط الخام، أو بتعبير أدق، سوء توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي واستخدامه، كلها عوامل تقود إلى مزيد من المخاطر التي تهدد العراق لا في تطوره وتقدمه فحسب، بل وفي وحدته.               
يشخص الدكتور علي مرزا بصواب جملة من المخاطر التي تفاقمت خلال العقود الأخيرة. والتي كما تبدو لي ناشئة عن أسباب جوهرية ارتبطت إما بنظام سياسي أستبدادي وشوفيني وتوسعي مارس سياسات تميزت بالقسوة والعنف والحروب الداخلية والخارجية وبالفساد والتفريط بأموال المجتمع، أو بنظام سياسي طائفي فاسد، متخلف وضعيف. ويبدو لي إن الباحث قد جمع كل ذلك في النص المهم الأتي الوارد في النقطة الرابعة من الكتاب حيث كتب: "ويشير بعض الكتاب إلى "ترييف" المدينة خلال فترات العقود الثلاثة الماضية، أي تصاعد القيم العشائرية على حساب قيم "المدينية" في المدن نفسها.وكان هذا التطور نتيجة لإبراز وتصعيد البعد اعشائري لأهداف سياسية و/أو عسكرية، كما في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وامتد ذلك لما بعد 2003. فأثناء الفترة 2005-2009، وخاصة 2007/2009، حُفّزِت عشائر الوسط الأعلى لتشكيل مجموعات قتالية (من خلال مجالس الصحوات) للمساهمة في دحر تنظيم القاعدة الإرهابي. ونتيجة لضعف السلطة التنفيذية الرسمية والمجتمع المدني، عموماً، ينقل عن وجود مجالس عشائرية في المدن، ومن ضمنها بغداد، لحل بعض النزاعات التي تنشأ بين الأفراد والجماعات خارج القنوات الرسمية". (أنظر: مرزا، ص 40). ولا بد هنا أن استميح الكاتب عذراً في أن استكمل هذه اللوحة الخانقة بالإشارة الواضحة إلى الوجود المخل والمشين للمليشيات الطائفية المسلحة التي تلعب دوراً كبيراً وسيئاً في الساحة السياسية والاجتماعية في العراق، كما تضعف إلى أبعد الحدود دور الدولة وسلطاتها الثلاث، بل وتحل محلها وتزيد عليها، إضافة إلى أنها تؤرق وتؤذي المجتمع، لاسيما وأنها جميعاً تعود لأحزاب سياسية إسلامية طائفية من حيث النهج والسياسة والممارسة، و/أو ترتبط بدول الجوار العراقي. 
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة نظرة في الفصل الثالث: السكان وقوة العمل
28/03/2019
تنويه: حصول خطأ غير مقصود
حصل خطأ في مقالي الموسوم "نظرة في كتاب الاقتصاد العراقي- الأزمات والتنمية، الحلقة الأولى، المدخل، حين أشرت إلى إن السيد الدكتور علي خضير مرزا كان استاذاً جامعياً في ليبيا، إذ كتب لي الزميل الفاضل مشيراً إلى أنه لم يكن كذلك، لذلك وجدت مناسباً التنويه لهذا الخطأ والاعتذار للكاتب والقراء في آن واحد. كاظم حبيب




12
د. كاظم حبيب
نظرة في كتاب "الاقتصاد العراقي – الأزمات والتنمية للسيد الدكتور علي خضير مرزا


الكتاب: الاقتصاد العراقي – الأزمات والتنمية
الكاتب: الدكتور علي خضير مرزا
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون ش.م.ل.
مكان النشر: بيروت - لبنان
سنة النشر: تموز/يوليو 2018
الرمز الدولي: ردمك 7-7352-01-614-978
الحلقة الأولى
المدخل
الدكتور علي خضير مرزا اقتصادي عراقي يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة بيرمنگهام البريطانية. عمل في وزارتي النفط والتخطيط في العراق، كما عمل في ليبيا أستاذاً جامعياً، كما أنه كبير مستشاري قسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة. يمتلك الدكتور مرزا معرفة واسعة ومعمقة بالنظريات الاقتصادية وخبرة عملية طويلة وناضجة في المجال الاقتصادي، ولاسيما اقتصاد النفط، للدول المنتجة والمصدرة للنفط عموماً والعراق على نحو خاص. أصدر في العام 2012 كتابه الموسوم "ليبيا: الفرص الضائعة والآمال المتجددة" عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، والذي جاء بعد عام من الإطاحة بنظام حكم معمر القذافي في ليبيا، وبالتالي وضع القارئات والقراء أمام حقائق الوضع الاقتصادي في هذا البلد المنكود طوال عقود خمسة مشيراً فيه إلى الفرص التي فوَّتها النظام السياسي على الشعب الليبي لبناء اقتصاد وطني متنوع ومتقدم ومزدهر، ومتأملاً أن يفتح التغيير الأبواب أمام الليبيين لتغيير اقتصادهم الريعي النفطي إلى اقتصاد منتج يسمح بتغيير فعلي في بنيتي الاقتصاد والمجتمع وفي تنويع مكونات الدخل القومي. وهي آمال لا تزال قائمة رغم الصراعات المرهقة الجارية في ليبيا وإرهاب قوى الإسلام السياسي المتطرفة الناشطة فيه.
وقبل صدور كتابه الجديد وبعده نشر الباحث الدكتور علي مرزا مجموعة مهمة وكبيرة من الدراسات والأبحاث العلمية في مجالات النفط والتنمية الاقتصادية في العراق، حيث قدم معالجات غنية تتميز بالثراء والكثير من البحث والاستقصاء والتدقيق، والتي يمكن الاعتماد عليها فيما تورده من معلومات قيمة واستنتاجات مهمة تسهم في دعم الباحثين في هذا المجال.
الكتاب الأخير الذي بين أيدينا والموسوم "الاقتصاد العراقي -الأزمات والتنمية" هو التتويج الفعلي لعمله العلمي خلال الأعوام المنصرمة وتركيزه الكبير على الاقتصاد العراقي. إنه موسوعة ومسح وتحليل واسعين للاقتصاد العراقي في قطاعاته الأساسية، إذ تتبلور فيه أفكار الباحث وتجاربه الغنية في الشأن الاقتصادي والاجتماعي.
إن من تسنى له متابعة الكتابات الاقتصادية خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر سيجد أمامه مجموعة من الكتب المهمة التي عالجت موضوع الاقتصاد العراقي بمختلف فروعه وقطاعاته وبتوسع ملموس. ومن بين تلك الدراسات المهمة والمنشورة كتاب الفقيد الدكتور محمد سلمان حسن الموسوم " التطور الاقتصادي في العراق، التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي 1864-1958" الصادر في عام 1965، وكتابه عن "دراسات في الاقتصاد العراقي" الصادر في عام 1966 وكتابات وكراسات أخرى عن النفط والسكان وثورة العشرين، وكذلك كتاب الدكتور خير الدين حسيب الموسوم "الدخل القومي في العراق 1953-1961" الصادر عام 1964، وهو أول كتاب من نوعه في العراق عن حسابات الدخل القومي، ثم كتاب الفقيد الدكتور عباس النصراوي الموسوم "الاقتصاد العراقي- النفط. التنمية. الحروب. التدمير. الآفاق 1950-2010"، الصادر عام 1995، إضافة إلى كتب اقتصادية عديدة أخرى للكاتب، إضافة إلى كُتّاب آخرين وكتب أخرى صدرت خلال الفترة المذكورة. ويندرج كتاب الدكتور علي خضير مرزا ضمن هذه المجموعة القيمة من الكتب التي تبحث في الاقتصاد العراقي خلال العقود المنصرمة، والتي يمتد بعضها إلى ما قبل تشكيل الدولة العراقية وأغلبها لما بعد ذلك. ويمكن الإشارة هنا إلى صدور كتاب لي بعنوان "لمحات من عراق القرن العشرين"، يحتوي على 11 مجلداً ويقع بـ 4250 صفحة، يتضمن فصولاً كاملة عن واقع وتطور الاقتصاد والمجتمع في العراق قبل وبعد تشكيل الدولة العراقية، ويمتد إلى حين صدور الكتاب في العام 2013، عن دار أراس للطباعة والنشر في أربيل، والذي لم يصل إلى أيدي الكثير من القراء والقارات في العراق والدول العربية بسبب الكمية القليلة التي طبعت منه ونفذت بسرعة.   
يتضمن كتاب "الاقتصاد العراقي – الأزمات والتنمية" 19 فصلاً موزعة على أبواب سبعة وفهرس بالمصادر ويقع في 526 صفحة. هناك مجموعة من الفصول التي تتعرض إلى تفاصيل المشكلات القطاعية في الاقتصاد العراقي، وهي الفصول 2، 3، 4، 5، 9، 10، 11، 17، و18. لخص الفصل الأول بوضوح المضامين الأساسية لفصول الكتاب، في حين ركزت الفصول 2، 3 و4 على التكوين الاجتماعي والموارد السكانية والموارد المائية والمشكلات المرتبطة بها وتصور إمكانية تجاوزها. وبحث في الفصول 5، 6، 7، مشكلات النفط منذ البدء حتى الوقت الحاضر وعبر مراحل مرتبطة بواقع العراق وتطور أحداثه والتغيرات النسبية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وركز بشكل تفصيلي ودقيق على جولات التراخيص النفطية، التي حولها خلافات وأراء كثيرة، مبّرِزا جوانبها الإيجابية والسلبية ومقارناً بين عقود الخدمة وعقود المشاركة في الإنتاج على صعيد العراق ودول أخرى، إضافة إلى بلورته الفوارق بين العقود التي وقعتها الحكومة الاتحادية وتلك التي وقعتها حكومة إقليم كردستان العراق والسلبيات البارزة في أوضاع العلاقات النفطية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على الاقتصاد النفطي وعموم الاقتصاد الوطني في العراق في ضوء غياب القوانين المنظمة لهذه العلاقة على سبيل المثال لا الحصر.
أما الفصل الثامن فقد خص به الباحث منظمة الأوبك: "منظمة الدول المصدرة للنفط" وتطور سياساتها ومواقفها واستراتيجيتها في عالم النفط وما يفترض أن تعمل من أجله. وهي دراسة مهمة وقيمة ذكرتني بالدارسة القيمة التي نشرها الصديق الفقيد الدكتور عباس النصراوي والصادرة باللغة الإنجليزية في كل من بالتيمور ولندن في عام 1984 وتحت عنوان „Opec in a Changing World Economy“  " أوبك في اقتصاد عالمي متغير"، إضافة إلى كتابه الآخر والمهم الصادر في نيويورك ولندن في عام 1991 وباللغة الإنجليزية أيضاً وتحت عنوان ِ“Arab Nationalisim, Oil, and the Poltical Economy of Dependency“، "القومية العربية والاقتصاد السياسي المعتمد على الذات". أما الفصل التاسع فقد ركز الباحث على القطاع الزراعي باعتباره كان القطاع الأول المنتج للدخل القومي في بلد زراعي متخلف، غالبية سكانه من الريف والزراعة والبداوة، قبل أن يحل القطاع النفطي في أعقاب الحرب العالمية الثانية ومنذ 1951/1952 بشكل خاص ليحتل موقع القطاع الزراعي في تكوين النسبة الأعلى للدخل القومي. ويبلور الباحث في هذا الفصل مشكلات الاقتصاد الزراعي وتطوره قبل ثورة تموز وما بعد الإصلاح الزراعي الذي حصل في العام 1958 وغياب وضوح الرؤية في معالجة مشكلاته أوضاعه الراهنة ومعاناة الزراعة والفلاحين والأمن الغذائي. أما الفصل العاشر فقد توجه صوب القطاع الصناعي التحويلي، ليشير إلى المشكلات التي كانت ولا تزال تواجه هذا القطاع الحيوي الذي كان في مقدوره أن يغير من بنية الاقتصاد العراقي ومن طابعه الريعي ومن بنية المجتمع الطبقية لو تسنى للعراق تطويره وبشكل منسق مع القطاعين الزراعي والنفطي على وفق إستراتيجية تنموية واعية وهادفة. ويؤكد الباحث على واقع التدهور الحاصل في هذا القطاع، لاسيما بعد الفترة التي أطلق عليها مصطلح "التغيير"، ويقصد به، بعد غزو العراق واحتلاله في عام 2003 من قبل التحالف الدولي خارج الشرعية الدولية وبقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ومن ثم إنهاء الاحتلال وحتى الوقت الحاضر. وفي الفصل الحادي عشر يبحث الكاتب في ثروة المجتمع أو الدخل القومي العراقي وتوزيعه بين الحكومة الاتحادية وحكومات المحافظات والإقليم والمشكلات التي واجهت ولا تزال تواجه العراق، ولاسيما الموقف من قطاع النفط وموارده المالية. أما الفصل الثاني عشر فيعالج موضوع المركزية واللامركزية في الحكم بالعراق وعلاقة ذلك بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية. أما الفصل الثالث عشر فيركز على موضوعة مهمة طرحت من جانب بعض الاقتصاديين العراقيين والتي تدعو إلى توزيع موارد النفط على المواطنين، ليبين سلبيات هذه الدعوة وأهمية تأمين التوزيع والاستخدام العقلاني للثروة النفطية ومواردها المالية على وفق استراتيجية اقتصادية اجتماعية تساهم في تغيير بنية الاقتصاد أولاً، وبينة المجتمع ثانياً. ويطرح الباحث في الفصلين الرابع عشر والخامس عشر هيكلية التخطيط وإشكالياته ومضمون التخطيط المركزي والتخطيط التأشيري من الناحية النظرية، وما يجري في العراق عملياً، إضافة إلى معالجته لاستراتيجية التنمية الوطنية الصادرة عن وزارة التخطيط منذ العام 2003. أما الفصل السادس عشر فيبحث الكاتب في علاقة العراق ببرنامج صندوق النقد الدولي ورأيه فيه في واقع العراق الراهن، وهي إحدى النقاط التي سنتطرق إليها لاحقاً. يعالج الباحث في الفصل السابع عشر موضوع التضخم وفعالية السياسة النقدية، علماً بأن السياسة المالية والنقدية هما الأداة التنفيذية للسياسة الاقتصادية والاجتماعية والتي يفترض أن تكون نصب عيون القارئات والقراء. يعالج الفصل الثامن موضوعاً أساسياً وقطاعاً رئيسياً في الاقتصاد العراقي، وأعني به قطاع التجارة الخارجية والسياسات التجارية لدورها المميز في التأثير المباشر سلباً أو إيجاباً على عملية التنمية، إعاقة أو دعماً، لعميلة تغيير بنية الاقتصاد الوطني والتنويع الاقتصادي ومن أجل انقاذ العراق من براثن الاقتصاد الريعي النفطي.
أما الفصل الأخير فيطرح الباحث سؤالاً مهماً تحرى عنه منذ بدء الكتاب حتى نهايته هو: هل يمكن تحقيق التنوع الاقتصادي والإفلات من الفخ الريعي في العراق؟ وسنبحث بتوسع في إجابة السيد الدكتور علي خضير مرزا عن هذا السؤال في ظل الأوضاع الجارية في العراق منذ العام 2003 حتى الوقت الحاضر، ولاسيما طرحه لعدد من المقترحات المهمة بما فيها موضوع التربية والتعليم والبحث العلمي.
لا أضيف كثيرا حين أشير إلى إن الباحث قد بذل جهداً كبيراً ومتميزا لتشخيص المشكلات الأساسية التي واجهت ولا تزال تواجه الاقتصاد والمجتمع في العراق والتي يمكن بلورتها في النقاط التالية:
** غياب استراتيجية تنموية للاقتصاد والمجتمع في العراق على امتداد تاريخ العراق الحديث، رغم التبدلات التي حصلت في العراق، والذي يتجلى اليوم وأكثر من أي وقت مضى في غياب الاستراتيجية والسياسات الاقتصادية الوطنية.
** منذ أن انتهى الطابع الريعي الزراعي في الاقتصاد العراقي في بداية الخمسينيات من القرن العشرين، حل محله بامتياز الطابع الريعي النفطي، إذ بدأت هذه السمة المميزة بالتفاقم سنة بعد أخرى، وأصبحت المعرقل الفعلي لعملية التنمية الاقتصادية والتثمير الإنتاجي لتغيير بنية الاقتصاد والمجتمع والعواقب المرتبطة بذلك والناشئة عنه.
** في الفصول الأولى من الكتاب يضع الباحث يده على مشكلتين كبيرتين وأساسيتين في الاقتصاد والمجتمع، إضافة إلى مشكلات عديدة أخرى، هما، أولاً، مشكلة معدلات النمو السكانية العالية من جهة، وتدهور القدرة على استيعاب المزيد من الأيدي العاملة التي تدخل سنوياً إلى سوق العمل، وبالتالي تفاقم البطالة، ولاسيما بين الشبيبة، وتفاقم التضخم في الجهاز الإداري الحكومي إلى أكثر من التخمة بكثير من جهة أخرى، وثانياً، مشكلة شحة حصة العراق من المياه الداخلة إلى أراضيه من تركيا وإيران من ناحية، واستخدامها السيء والتفريطي، إضافة إلى قلة وسوء استخدام المياه الجوفية والاثار الناجمة عن كل ذلك حالياً وفي المستقبل من ناحية أخرى.   
** ويطرح الباحث مشكلة معقدة أخرى كانت ولا تزال تواجه العراق ناشئة عن بنية المجتمع القومية، ولاسيما بعد قيام الفيدرالية الكردستانية، وغياب القوانين المنظمة للعلاقة الاقتصادية، ومنها المالية والنفطية، والإدارية والاجتماعية والسياسية، بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، وكذلك بين الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات والعواقب التي برزت حتى الآن والتي يمكن أن تتفاقم لاحقاً.
وفي مجرى قراءتي لهذا الكتاب سأحاول أن أشير إلى تلك المشكلات الأخرى والمهمة التي لم يشر إليها الباحث والتي تشكل نقصاً يمكن تداركه، إن اقتنع بها الباحث، في الطبعة الثانية لهذا الكتاب المهم والقيم حقاً.
واحدة من المسائل المهمة التي أرى ضرورة الإشارة إليها هنا في هذا المدخل من قراءتي للكتاب هي عدم الإشارة الواضحة للاختلالات الشديدة في استيعاب وإدراك المسؤولين عن الاقتصاد العراقي ورسم سياساته للقوانين الاقتصادية الموضوعية الفاعلة في المجتمع وفي العملية الاقتصادية وسبل التعامل معها والعواقب الوخيمة لهذا الإهمال الذي ينعكس في جملة من الظاهر البارزة مثل اختلال العلاقة بين التوظيفات الاستثمارية (الإنتاجي) والانفاق الاستهلاكيأ أي فس سوء توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي. إن عدم الوعي بهذه القوانين وعدم التعامل الواعي معها يقود إلى سلسلة من الاختلالات الكبيرة والكثيرة في مجمل العملية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، والتي تقود بدورها إلى تناقضات وصراعات، ثم تتحول، حين لا تعالج، إلى نزاعات سياسية، كما حصل في وثبات العراق وانتفاضاته ومنذ ثم في عام 1958 أو فيما بعد أيضاً.   
المشكلات الكبيرة والمعقدة التي أظهرها الكاتب لم تنشأ دون عوامل وأسباب كثيرة ودون الإساءة للقوانين الاقتصادية الموضوعية المرتبطة بطبيعة علاقات الإنتاج السائدة في العراق وفي العلاقات الاقتصادية الدولية. وقد أشار الباحث إلى العوامل الاقتصادية والاجتماعية، ولكنه تجنب تماماً البحث في العوامل السياسية التي كانت وراء ذلك، بما فيها الحريات العامة والحياة الديمقراطية والمؤسسات الدستورية، حيث كتب يقول: "ونتيجة لتعرض العراق لأزمات سياسية واجتماعية وجيوسياسية عديدة خلال هذا التاريخ، فأن عرض وتحليل هذا التطور يأخذ بالاعتبار الأزمات المذكورة من ضمن العوامل الأساسية المؤثرة فيه، وربما المتأثرة به. غير أن من المناسب الإشارة إلى أن تفسير وتحليل العوامل المسببة لهذه الأزمات يقع خارج نطاق هذا البحث" (الكتاب، ص1). على وفق رؤيتي للأمور ومن وجهة نظري، أرى بأن البحث الاقتصادي البحت غير ممكن ما لم تكن هناك خلفية فكرية وسياسية لدى الباحث وفي التحليل العلمي للأحداث والوقائع الاقتصادية والاجتماعية في أي بلد من البلدان، وبالتالي لا يمكن تجاوزها بذلك المقطع الذي أورده الكاتب في أعلاه، فالاقتصاد أو السياسات الاقتصادية في أي بلد من البلدان هي نتاج النظام السياسي الحاكم الذي يقرر طبيعة ومضامين السياسات الاقتصادية، ومن هنا يفترض تأكيد حقيقة أن الاقتصاد  والسياسات الاقتصادية المنبثقة عن طبيعة نظام حكم معين هما من حيث المبدأ والواقع "وجهان لعملة واحدة" لا يمكن الفصل بينهما، وبالتالي فتجنب التحليل لهذه المسألة تبقى المعالجة العلمية ناقصة حين لا يشار إلى العوامل السياسية الفاعلة والمسببة أو تلك التي لا تزال تتسبب في الفساد السائد وفي مجمل العملية الاقتصادية والاجتماعية الجارية في البلاد، كما أشار إلى ذلك بصواب السيد الدكتور وليد خدوري في مقاله الموسوم عن كتاب "الاقتصاد العراقي الأزمات والتنمية" المنشور في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، مثلاً، أو اغفال موضوع الطابع القومي البعثي في فتر حكم البعث أو المحاصصة الطائفية في الدولة العراقية الراهنة وفي السلطات الثلاث وتأثيرها على غياب الاستراتيجية التنموية والتنويع الاقتصادي...الخ، أو في موضوع العواقب التي ترتَّبت عن غزو واحتلال العراق، أو تلك السياسات التي قادت إلى احتلال الموصل وكل محافظة نينوى من قوى الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرف والتكفيري (داعش) وعواقبها على الاقتصاد والمجتمع، أو الحراك الشعبي الجاري والعوامل الكامنة وراء ذلك، ولاسيما موضوع الخدمات العامة، بما فيها الطاقة الكهربائية والماء الصحي، وهي موضوعات مهمة سأبحث بها لاحقاً ضمن قراءتي لهذا العمل الاقتصادي الكبير والقيم للسيد الدكتور علي خضير مرزا.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية: قراءة في الفصول 2، 3 و4.             
26/03/2019         
 



13
كاظم حبيب
هل من علاقة بين ضحايا العبارة وطبيعة النظام السياسي العراقي؟
سؤال يمكن أن يقال عنه أنه يستخف بعقول الناس في العراق، عقول النساء والرجال بل وحتى الصبية من بنات وأبناء العراق. إذ لا يمكن أن يحصل مثل ما حصل في مدينة الموصل الحدباء في بلد تكون فيه طبيعة النظام السياسي إنسانية وخاضعة لإرادة ومصالح وحقوق المجتمع. ولكن يمكن لمثل هذا الحادث أن يحصل في كل بلد من بلدان العالم حين تسود في هذا البلد:
** دولة هشة مائعة كالدولة العراقية التي لم تعد مالكة لسيادتها واستقلالها السياسي والاقتصادي؛
** وفيها نظام سياسي طائفي مقيت لا علاقة له بالشعب وإرادته وحياته ومصالحه، بل جل هم حكامه تقديم الوعود الكاذبة وإفقار المجتمع واستمرار جعله ريعياً خاضعاً لصادرات وإيرادات النفط الخام؛
** نظام سياسي فاسد من أعلى قمته إلى أدناه، ويخشى حكامه تقديم أكبر وأكثر المسؤولين فساداً مالياً وإدارياً واجتماعياً، إلى المحاسبة القانونية، لأنهم، وكما يبدو، متورطون بذات العلة، على الفساد كنظام سائد ومعمول به في الدولة والمجتمع؛
** ونظام سياسي إرادته ليست بيده بل هناك من يصدر الأوامر له، مرة من الولايات المتحدة، ومرات ومرات وعلى الدوام من إيران وأحياناً من دول جارة أخرى.     
فهل في مثل هذه الحالة يمكن أن يطرح سؤال كما جاء في العنوان؟ كلا بطبيعة الحال، ولكن أردت به أن أقول: انتظروا أكثر فأكثر إن استمرت هذه العملية السياسية البائسة التي ربما يتصور البعض إنها ستقود إلى خير العراق، في حين إنها تغوص يوماً بعد آخر في مستنقع الطائفية والفساد والفوضى والوعود الوهمية وفي كل شيء.
الحزن والأسى والألم يحز فينا نحن بنات وأبناء هذا البلد وفي الخارج لما أصاب أهل الموصل ومن كان في زيارتها وركب العبارة لتغرق في نهر دجلة ويموت أكثر من مئة إنسان ويصاب بأذى بالغ ما يقرب من خمسين شخصاً، بين الضحايا أطفال ورُضّع ونساء ورجال لا يعرفون السباحة. إنها كارثة جديدة تضاف إلى كوارث أهل الموصل وعموم نينوى التي ألحقها بهم النظام السياسي الطائفي حين سلمت الحكومة الأسبق، الطائفية والفاسدة بامتياز، الموصل وكل محافظة نينوى إلى الداعشيين الأوباش لتنتقم من أهل الموصل ومن الكرد ومن أتباع ديانات أخرى ومن الشعب العراقي كله. وحين لا يحاسب الفاسدون والمسؤولون عن الجرائم التي ارُتكِبت في الموصل وعموم نينوى، فكيف لا ينتظر الإنسان وقوع مثل هذه الكوارث المريعة في الموصل وربما في مناطق أخرى من العراق.   
لقد هبَّ أهل الموصل بوجه رئيس الدولة وبوجه محافظ الموصل، أي بوجه الدولة والسلطات الثلاث، بوجه كل المسؤولين، يعلنون رفضهم لهم لأنهم لم يفعلوا شيئاً للموصل وعموم نينوى لا قبل العدوان الداعشي المجرم عليها ولا بعد ذاك، إنهم محبطون جداً، لأن النظام السياسي ومجلس النواب والقضاء العراقي لم يفعلوا ما كان ينبغي عليهم أن يفعلوه في الموصل وعموم نينوى منذ أن بدأ الفساد يعم الموصل في فترة حكم رئيس الوزراء الأسبق ومحافظ الموصل الأسبق وكل المسؤولين قبل وبعد ذاك، وبالتالي سمحوا للفساد أن يلعب دورهم في وقوع مثل هذه الجريمة البشعة حيث تنقلب العبارة على ركابها فتقتل ثلثين منهم وتصيب الباقي بجروح واختناقات ..الخ، إنهم مسؤولون عما جرى ويجري في الموصل وعموم نينوى بل وفي كل العراق.   
كم أتمنى أن يعي الشعب العراقي كله، وليس جزءاً منه، بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه الدينية والفلسفية والفكرية، كما برز الوعي الجديد لدى أهل الموصل في مواجهة المسؤولين ورفضهم لهم، فهم لا يستحقون غير الذي قوبلوا به من قبل المتظاهرين الغاضبين للخسارة الجديدة في أرواح بنات وأنباء الموصل وعموم نينوى وزوراها في عيد نوروز السعيد الذي تحول إلى مأساة ويوم حزين مريع وغير سعيد. كان المفروض أن يزورا الموصل ونينوى قبل وقوع هذه الحادث وليس بعده ليروا ما فعلت أيديهم في الموصل ونينوى منذ سنوات كثيرة.
العزاء والمواساة لأهلنا وأحبتنا ممن فقدوا بناتهم وأبناءهم، من الصغار والكبار، في هذه الحادثة المروعة، والعزاء لكل الشعب العراقي ولنا جميعاً، والذكر الطيب للضحايا الأبرياء، والخزي والعار لمن تسبب في حصول هذه الكارثة من جميع مستويات السلطات في الدولة العراقية.
والسؤال كيف ستتعامل الحكومة العراقية ومجلس النواب والقضاء العراقي مع أهل الضحايا من جهة، ومع من تسبب بهذه الجريمة البشعة من جهة أخرى. دعونا لا نتعجل النتيجة، رغم معرفتنا العامة بالموقف، دعونا ننتظر، كما انتظرنا تشكيل مئات اللجان الحكومية للكشف عن القتلة والمجرمين دون طائل، وسجلت على متهم مجهول وأغلق الملف! فهل سيحصل في هذه الجريمة كما في جرائم أخرى وقعت وتقع يومياً في العراق؟ الأيام بيننا!!!


14
كاظم حبيب
هل أخفق تكتل سائرون باختيار عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء؟
"الاعتراف بالخطأ فضيلة وليس رذيلة"
حين يكون لتكتل سياسي عراقي واسع برنامجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً محدداً ومهمات ذات أهمية مباشرة وعاجلة، يفترض فيه أن يتم اختيار رئيس الوزراء على وفق تلك المهمات الرئيسية والأساسية واستناداً إلى معايير أو محكات معينة يكون الرجل قادراً على الالتزام بها وتحقيقها. ومن خلال برنامج وتصريحات قادة "سائرون"، ومنهم سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، نتابع تأكيد مجموعة من المهمات المركزية والجوهرية نشير إليها فيما يلي:
1.   مكافحة الطائفية السياسية في الدولة العراقية والتخلي عن المحاصصة الطائفية في الحكم وبنية مجلس الوزراء.
2.   مكافحة الفساد والبدء بالحيتان الكبيرة ومحاسبتها على وفق الدستور والقوانين العراقية.
3.   تأكيد سيادة العراق واستقلاله والتخلص من تدخل الدول المجاورة وغيرها في الشأن العراقي.
4.   التوزيع العقلاني لموارد الدولة والبدء بعملية التنمية التي تخفف تدريجياً من طابع الريع النفطي للاقتصاد العراقي.
5.   تحسين الخدمات ومكافحة البطالة والفقر في البلاد.
في الثاني من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2018 كلفَ رئيس الجمهورية السيد عادل عبد المهدي بتشكيل مجلس الوزراء، وفي الرابع والعشرين منه قدم أسماء مجلس وزراءه إلى البرلمان، إذ صُوت على البعض قبولاً ورفُض البعض الآخر. فماذا حصل في العراق بعد مرور ستة شهور على تكليف رئيس الوزراء الجديد؟ من المعروف أن السيد عبد المهدي قد تقلد قبل ذاك العديد من المناصب الوزارية، كما كان نائباً لرئيس الجمهورية في أكثر من دورة. ولم يكن سجله مرضياً، بل كان مليئاً بالعثرات. وفي ضوء ذلك واستناداً إلى سيرته السياسية منذ أن كان بعثياً في أوائل الستينيات من القرن الماضي ومروراً بتنقلاته العديدة، وإلى أن حط به الرحال في حزب سياسي طائفي بامتياز أُسس في إيران في عام 1982 وعلى أيدي القيادة الإيرانية حينذاك، كما كونت له فيلقاً عسكرياً تحت أمرة الحرس الثوري الإيراني باسم فيلق بدر، الذي قاتل إلى جانب الجيش الإيراني في الحرب العراقية الإيرانية، أشرت في أول مقال لي نشر في الحوار المتمدن-العدد: 6044 - 2018 / 11 / 4 بعد اختياره ثم تشكيله للمجموعة الأولى من مجلس وزراءه ما يلي:
"من كان، أو ما يزال، يعتقد بأن السيد عادل عبد المهدي قادر على نزع عباءته الإسلامية الشيعية ودشداشته الطويرجاوية والظهور بموقع المستقل عن الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي اختارته لمهمة خاصة استثنائية فيها من التعاون والتنسيق والمساومة بين الولايات المتحدة وإيران، كان مخطئاً وحَّمل الرجل، المستعد للاستقالة فوراً في أول أزمة تواجهه، فوق طاقته وقناعاته الفعلية والمصلحية الراهنة.
منذ البدء كانت لي قناعتي الشخصية بعدم قدرة عادل عبد المهدي على تحقيق الاستقلالية في اختيار الوزراء بحكم متابعتي لمواقف السيد عادل عبد المهدي، الفكرية والسياسية والاجتماعية خلال السنوات الـ 15 المنصرمة، وهو أبن العائلة المنتفكية المعروفة التي عايشتها وأنا الآن ابن نيف وثمانية عقود من السنين، أولاً، ومن خلال كتاباته الكثيفة واليومية في جريدة العالم العراقية بعد خروجه من الوظائف الرسمية، إضافة إلى كتبه في الدعوة للاقتصاد الإسلامي ثانياً، ومن خلال مواقفه من المال والمنح المالية الحكومية الكبيرة التي كان ولا يزال يتلقاها سنوياً هو وأمثاله من قادة قوى وأحزاب الإسلام السياسي العراقية الفاسدة بصورة غير شرعية وخارج المألوف الإنسان والعدالة الاجتماعية ثالثاً، وكذلك في سياساته أثناء كان وزيراً للنفط أو على رأس وزارات أخرى، رابعاً، معرفتي بتقلباته الفكرية والسياسية قبل سقوط الدكتاتورية البعثية الغاشمة حين كان في العراق ومن ثم في فرنسا حين تبنى بعد الماوية والتروتسكية النهج الخميني في أعقاب ثورة الشعب الإيراني الديمقراطية، التي احتواها وحرَّفها الإسلاميون السياسيون باتجاه ديني شيعي متطرف ومتطلع للتوسع في المنطقة باسم الدين والمذهب خامساً."
السؤال: ما الذي أُنجزه رئيس الوزراء العراقي خلال الشهور الستة المنصرمة؟
كل الوقائع الجارية على الأرض تشير بما لا يقبل الشك إلى ما يلي:
** مجلس الوزراء شُكل على أساس طائفي وقومي محاصصي بامتياز، ونشب صراع حول بعض الوزارات السيادية والأساسية بين القوى والأحزاب مثل وزارة الداخلية ووزارة الأمن الوطني ووزارة الدفاع على سبيل المثال لا الحصر، ثم مطالبة قوى طائفية تابعة لإيران والحشد الشعبي بمناصب "الداخلية والأمن القومي وقيادة الحشد الشعبي"، وإذ انحاز لها عبد المهدي في موضوع الحشد الشعبي لا يزال الوضع معقداً لمنصب وزارة الداخلية.
** وفي مجال مكافحة الفساد أعاد رئيس الوزراء تشكيل "المجلس الأعلى لمكافحة الفساد" وقال في كلمة تشكيله ما يلي: إن "الهدف من تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد هو تمكينه من اتخاذ الإجراءات الرادعة وتوحيد جهود الجهات الرقابية في سياق عمل جديد قادر على التصدي لأي جهة أو شخص مهما كان موقعه وأن نتصرف كدولة في كشف الفساد وحماية المجتمع والمواطنين والمال العام على حد سواء." (راجع: حمزة مصطفى، عبد المهدي يشكل مجلساً أعلى لمكافحة الفساد في العراق، جريدة الشرق الأوسط،02  كانون الثاني/يناير 2019 م رقم العدد14645]]). "فماذا حدا مما بدا؟"
على وفق المعلومات المتوفرة وبعد مرور هذه الفترة قدم رئيس الوزراء أربعين ملفاً ثانوياً وليس تلك الملفات الساخنة التي تمس كبار المسؤولين في الأحزاب السياسية الإسلامية وفي قمة الهرم الحكومي خلال الأعوام المنصرمة. وهذا يعني دول لف أو دوران إن الرجل لم يلتزم بما يُفترض أن يلتزم به: وقد قلت في حينها إن دولة فاسدة بسلطاتها الثلاث لا يمكنها محاربة الفساد وتقديم الفاسدين للمحاكمة، لأن الحكام هم جزء من الفساد السائد كنظام قائم ومعمول به من قبل الدولة والمجتمع. وسوف لن يلتزم بذلك.
** أما في موضوع السيادة والاستقلال الوطني، فأن الشعب يستخدم التعبير التالي " القضية لاگفة طين"، بمعنى إن الاستقلال والسيادة الوطنية مخترقتان من قبل دول الجوار، وبتعبير أدق من قبل حكام إيران، والآن حليف إيران الجديد قطر، وزيارة روحاني إلى العراق هي التعبير الأكثر وضوحاً في هذا المجال وما توصلا إليه من نتائج في غير صالح العراق. ويبدو أن إيران هي الدولة المهيمنة والعراق هو البنك الممول لإيران من جهة، ومرقد لموتى إيران من جهة ثانية، ومعبر للمخدرات وسوق لتصريف سلعها المصنعة وغيرها، إن العراق يعتبر اليوم دولة شبه تابعة! لا غير، وقلتها قبل ذاك شبه مستعمرة! 
** أما الموقف من الفقرتين الرابعة والخامسة، فليس هناك أي تغيير فعلي في السياسة الاقتصادية والاجتماعية وفي عملية التنمية الوطنية، فالرجل الاقتصادي يقف وهو في الحكم بعيداً عن الاقتصاد ومحكوما بالتعهدات المقدمة لصندوق النقد الدولي أولاً، ولإيران ثانياً، ولتركيا ثالثاً، في أن يكون المستورد لسلعهما الصناعية والزراعية وتابعاً لهما، ويبقى دولة ريعيةً نفطيةً برغم مطالبات الشعب والقوى الوطنية. والخدمات تفوح منها راحة التخلف والعفونة والفساد وعدم التقدم خطوة واحدة إلى أمام. ويكفي أن نلقي نظرة على البصرة التي تفوح منها اليوم رائحة الخراب والرثاثة والمرض والمياه العفنة، وهي المحافظة الغنية بمواردها الطبيعية بنفطها وأرضها الزراعية وسكانها البواسل والمهمشين حالياً.
وقد كنت صادقاً حين كتبت، لمن كان يردد في محاضراته داخل وخارج العراق بأن عادل عبد المهدي هو الأفضل بين الخيارات الأخرى وإذا استقال يكون القادم أسوأ:
"أتمنى أن نبتعد عن محاولة إرضاء النفس والقول بأن تنصيب عادل عبد المهدي يعتبر خطوة إيجابية ضرورية بأمل رفض المحاصصات الطائفية ومحاسبة الفاسدين في الحكم والدولة العراقية، إذ سنتحمل قبل غيرنا مسؤولية مكاشفة الشعب بواقع الحال، لكيلا يفاجأ بما لا يحمد عقباه. فالشخصية المستقلة لا تأتي من وسط وقلب قوى الإسلام السياسي الطائفية التي حكمت وما تزال تحكم العراق حتى الآن، بل تأتي من الأوساط السياسية الوطنية المستقلة، وهي كثيرة وبعيدة عن الأوساط الحاكمة، والتي تمتلك العلم والاختصاص المهني والفني النافع للبلاد، وتعي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وبيئيا وخدماتياً ما يحتاجه العراق وشعبه خلال هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر وفي المستقبل. فحتى الآن أصيب كل من راهن على عادل عبد المهدي بخيبة أمل، وأملي أن تتم مراجعة الموقف ومواجهة ما يسعى إليه حالياً عادل عبد المهدي." (راجع: كاظم حبيب، الحوار المتمدن، هل في مقدور عادل عبد المهدي نزع عباءته الإسلامية المهلهلة؟).
من هنا يتبين إن تكتل سائرون، وعلى وفق تقديري وقناعتي الشخصية، وبغض النظر عن النيات الحسنة، إذ أن "الطريق إلى جهنم مفروش بالنيات الحسنة"، كان مخطئاً تماماً بالموافقة على اختيار عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء، لأنه شخصية إسلامية حزبية غير مستقلة حتى لو كان قد جمد عضويته مؤقتاً وشكلياً في المجلس الأعلى وتيار الحكمة. ويفترض أن يتم الابتعاد عن تكرار القول بـ "أنه كان ولا يزال الخيار الأفضل بين خيارات سيئة كثيرة". إذ اعتقد بأنه الخيار الأسواء بين خيرات سيئة، لأنه يفعل ما يريدون تحت ستار الاستقلالية، وأنه الخيار الذي وافق عليه تكتل سائرون أيضاً، وبضمن سائرون الحزب الشيوعي العراقي!   


15
كاظم حبيب
فنزويلا شوكة جارحة في عين ترامب وعيون اللبراليين الجدد

ليس هناك من يشك في ارتكاب قادة الدولة الفنزويلية منذ تولي هوغو تشافيز الحكم في العام 1999 أخطاءً فادحة في السياسة الاقتصادية والاجتماعية، خاصة وأن كان يتحدى بسياساته الولايات المتحدة الأمريكية وسياسات اللبرالية الجديدة. فبلد مثل فنزويلا كان يفترض أن يضع قادة الحزب الاشتراكي الموحد سياسة اقتصادية واجتماعية جديدة تأخذ بنظر الاعتبار أربع مسائل جوهرية:
أولاً: وضع خطة اقتصادية اجتماعية تأخذ بالاعتبار حلولاً بعيدة المدى وحلولاً أخرى آنية، تجد تعبيرها في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي بما يسهم في تخصيص نسبة مناسبة من الدخل القومي لصالح التثمير الإنتاجي في الاقتصاد الوطني وتغيير بنية الاقتصاد، ونسبة أخرى لصالح الاستجابة لحاجات الناس ولاسيما الفئات الكادحة والفقيرة.
ثانياً: يفترض أن تشتمل الخطة عملية تغيير واقع الاقتصاد الريعي المعتمد بنسبة عالية جداً على إيرادات النفط الخام المستخرج والمصدر سنوياً، بما تسهم في بناء وتطوير صناعة وطنية حديثة وزراعة حديثة وتنويع وزيادة معدلات نمو الاقتصاد الوطني والدخل القومي.
ثالثاً: معالجة مشكلات المجتمع الكبيرة والكثيرة ولاسيما البطالة والفقر والسكن والمستوى الواطئ للرواتب ومعدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي والاستجابة التدريجية لمطالبها الملحة والعادلة دون الإضرار بعملية التنمية المطلوبة ولا بمصالح الشعب اليومية.
رابعاً: العمل الجاد والمخطط لتقليص اعتماد البلاد على الاستيراد السلعي لإشباع حاجات السكان الأساسية للسلع والخدمات وتجنب السقوط في التبعية للخارج، وفي ذات الوقت تقليص الطابع الريعي والتبعية لاقتصاد النفط الخام. 
وبدلاً من التفكير العقلاني بهذه المسائل وانتهاج سياسة تساهم في تعزيز الاقتصاد الوطني من خلال توجيه نسبة مهمة من أموال النفط صوب التنمية والتثمير الإنتاجي، صوب القطاعين الأساسيين الاقتصاد الصناعي والاقتصاد الزراعي لزيادة التشغيل وتوفير المزيد من فرص العمل وتنمية وتنويع مصادر الدخل القومي وتحسين مستوى المعيشة، وتأمين نسبة مهمة من الأمن الاقتصادي لفنزويلا والمجتمع، وبدلاً من انتهاج سياسة تشدد من الطابع الريعي للاقتصاد والدولة الفنزويلية من خلال الاعتماد على إيرادات النفط الخام، توجه هوغو تشافيز، ومن ثم نيكولاس مادورو وبقية قادة الحزب الاشتراكي الموحد، صوب التحسين السريع لحياة ومعيشة الفقراء والمعوزين وعلى مدى قصير، بما في ذلك تأمين دور سكن وضمان صحي وتحسين رواتب وأجور الشغيلة.. الخ، وأهملت بشكل صارخ المهمات المركزية الأخرى التي كانت ولا تزال تواجه الاقتصاد والمجتمع. لقد أدت هذه السياسة التي تميزت بالعجز عن فهم واقع وحاجات البلاد الآنية والمستقبلية إلى زيادة الاختلالات في بنية الاقتصاد الفنزويلي وتفاقم الاعتماد على إيرادات صادرات النفط الخام، وكذلك الاعتماد على استيراد السلع لإشباع حاجات السكان، حتى وصل دور النفط يشكل في العام 2018 ما يقرب من 99% من صادرات فنزويلا، رغم تراجع كميات النفط المصدر، وهذا يعني عجز القطاعات الأخرى عن المشاركة في التصدير وتوجيه الموارد المالية صوب الاستيراد الاستهلاكي، وعجز متعاظم في الاستجابة لمطالب الناس الاستهلاكية والتشغيل. وقد اقترن ذلك بتفاقم الأعمال العدائية للولايات المتحدة وبعض دول أمريكا الجنوبية المجاورة لفنزويلا، ولاسيما كولومبيا والبرازيل أخيراً. ومما زاد في الطين بِلة الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة على فنزويلا والإجراءات القاسية والعدائية التي أصدرها ترامب بشكل خاص، ومن ثم تراجع أسعار النفط الخام وتذبذبها، الذي قلل من الإيرادات السنوية لفنزويلا، ودفع بها إلى نشوء أزمة اقتصادية بنيوية فعلية حادة ومتفاقمة، ازمة إنتاج واستيراد واستهلاك وتصدير، وارتفاع غير معهود لنسب التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية للسكان.   
من المؤسف حقاً أن القوى اليسارية في فنزويلا لم تتعلم من دروس الدول الأخرى وما حصل لها بسبب سياساتها الاقتصادية الخاطئة والتعامل غير العقلاني مع حركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية وعدم الاستفادة الواعية والناضجة من الفكر اليساري عموماً والماركسي على وجه الخصوص، في مجال الاقتصادي السياسي والتنمية الاقتصادية في اقتصاديات الدول النامية، لاسيما الدول الريعية.
لا يمكن ولا يجوز الدفاع عن سياسات تشافيز ونيكولاس مادورو الخاطئة، إذ يفترض أن نتحدث عنها بصراحة ونتعلم منها ومن تجارب الآخرين، وأن نكون ناقدين لها من منطلق الاستفادة من التجربة وليس من منطلق التشفي بتلك الأخطاء. ولكن علينا تأكيد حقيقة أخرى، هي أن ما يعاني منه شعب فنزويلا اليوم ليس بسبب سياسات تشافيز ومادورو فحسب، بل وبالأساس وقبل كل شيء بسبب تلك السياسات العدوانية التي مارستها ولا تزال تمارسها بعنجهية الإدارة الأمريكية والكونغرس ووكالة المخابرات المركزية، منذ مجيء تشافيز ومن ثم مادورو إلى السلطة، ضد الدولة والحكومة الفنزويلية بسبب سياساتها الخارجية والداخلية اليسارية والتقدمية.
لقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بمناهضة فنزويلا منذ سنوات كثيرة وبرزت في توقيع باراك أوباما على عقوبات ضد مسؤولين سياسيين فنزويليين من خلال تجميد اصول وعدم منح تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة في العام 2015. إلا إن أكثر العقوبات الاقتصادية التي ألحقت إضراراً فادحة بالاقتصاد الفنزويلي وشعبها وذات الطابع العدواني جاءت مع مجيء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وبعد انتخاب مادورو مجدداً لرئاسة الجمهورية. فقد فرض قرار ترامب "حظرا على التعاملات في الديون الجديدة والأسهم التي تصدرها الحكومة الفنزويلية وشركة "بتروليوس دي فنزويلا PDVSA" النفطية الحكومية، بالإضافة إلى بعض السندات الموجودة المملوكة للقطاع العام، كما تحظر أيضا دفع أرباح للحكومة الفنزويلية". وأخيراً أصدر ترامب في العام 2019 إجراءات عقابية جديدة اشتملت على عقوبات مالية ضد 5 من كبار المسؤولين المقربين من نيوكلاس مادورو. كما حظر تجارة الذهب مع فنزويلا. (راجع: موقع اليوم السابع، أرتي روسيا، موقع بوابة العين الإخبارية...الخ). كما رفضت بريطانيا إعادة الذهب الموجود لديها لحساب فنزويلا والذي تقدر قيمته بـ 1,2 مليار دولار أمريكي. وبالتالي فأن هذه السياسات قد عمقت الأزمة الاقتصادية الداخلية ورفعت من ديونها حيث بلغت الآن ما يقرب من 120 مليار دولار أمريكي، وتراجع شديد في إجمالي حجم الإنتاج المحلي، كما تفاقمت نسب التضخم بارتفاعات جنونية بلغت بمئات الآلاف خلال فترة قصيرة جداً، وحولت نسبة غير قليلة من الشعب ضد سياسات مادورو، لاسيما وأن الأسواق قد شح ما فيها من السلع وتراجعت الخدمات، ومنها الصحية وتوفير الأدوية والحاجات الأساسية، كما تفاقمت البطالة وتنامى عدد الفقراء في البلاد. وقد استفادت واستخدمت المعارضة المحافظة واليمينية والمتطرفة برئاسة خوان غوايدو، وبالتنسيق التام واليومي مع الولايات المتحدة وكولومبيا وغيرها من دول أمريكا الجنوبية، نشاطاتها المعادية لحكومة مادورو، لتشن حملة شعواء ضده، تمثلت بالإضرابات والاحتجاجات والمظاهرات مما قسم الشعب الفنزويلي إلى جزئين ضد أو مع نيكولاس مادورو أو ضد أو مع خوان غوايدو.       
إن سياسات التهديد والوعيد والعقوبات الاقتصادية كانت ولا زالت تشكل جزءاً عضوياً من سياسة قوى اللبرالية الجديدة المتحكمة بسياسات الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تفاقمت في فترة ترامب، والتي تتعارض كلية مع لائحة الأمم المتحدة التي تنص على احترام استقلال وسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ورفض أي عمل يسعى للإطاحة بنظمها السياسية. إن سياسة الولايات المتحدة الخارجية إزاء الدول الأخرى، ولاسيما الدول النامية، والدول النفطية، تستهدف فرض أيديولوجيتها وفلسفتها الاقتصادية النيولبرالية عليها، وممارسة كل السبل المشروعة وغير المشروعة لتنفيذ مخططاتها بهذا الصدد، وفي سبيل الهيمنة على نفط هذه الدول.
إذا كانت سياسة باراك أوباما خاطئة ومضرة بالنسبة إلى فنزويلاً، إلا إنها لم تصل إلى حد التآمر اليومي وممارسة كل السبل المتوفرة لدى ترامب ولدى حلفائه في أمريكا الجنوبية لإسقاط حكومة مادورو. إلا إنها مهدت السبيل لممارسة سياسات أكثر قسوة وعدوانية. فالولايات الأمريكية وحلفاءها يرون في المعارض اليميني المتطرف، خوان غوايدو، وغريم نكولاس مادورو، الشخص المناسب الذي سيضع الاقتصاد الفنزويلي ونفط فنزويلا تحت امرة وإرادة ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، ويمارس نموذجا لسياسات تابعة للولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية والبحر الكاريبي من جهة ثانية، ويضطهد الكادحين والفقراء من جهة ثالثة. إنها السياسة التي تتعارض وتتناقض بشدة مع إرادة ومصالح الشعب الفنزويلي.
واليوم تقف نسبة عالية من الشعب الفنزويلي والقوات المسلحة الفنزويلية إلى جانب مادورو لا لأنها تؤيد تلك السياسات الخاطئة التي مورست في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، بل لأنها ترى وتدرك مخاطر التدخل الأجنبي الواسع النطاق بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والذي يتهدد الاستقلال والسيادة الوطنية الفنزويلية وكرامة وحرية وحقوق الشعب، ولأنها تجعل النفط الفنزويلي، ثروة البلاد الأساسية بعد شعبها، في خدمة ومصالح الولايات المتحدة وتبعية كاملة لها. وقد اصطفت أغلب دول الاتحاد الأوروبي، التي تصرخ دوماً بالدفاع عن حقوق الإنسان وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، إلى جانب سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في فنزويلا وتؤيد نهج غوايدو المناهض للدستور، رغم إنها لا تزال ترفض التدخل العسكري في فنزويلا.
إن متظاهرين فنزويليين تسندهم قوات كولومبية وقوى محافظة ورجعية تقف على حدود فنزويلا وقد كدست مساعدات "إنسانية!" تريد العبور بها إلى الجانب الفنزويلي، في حين إنها معبأة بأعداء فنزويلا وبالأسلحة والعتاد لتفرض حرباً ضد القوات المسلحة الفنزويلية التي تقف في الجانب الفنزويلي رافضة دخول تلك القوى ومساعداتها الكاذبة. إذ لو كانت مساعدات فعلية، لكان عليها تسليمها إلى الصليب الأحمر الفنزويلي ليقوم بتوزيعها على المحتاجين من الناس، وليس أن تدخل القوى الأجنبية المعادية مع تلك "المساعدات!" إلى فنزويلا. إنهم يستثمرون حاجة الشعب الفنزويلي للغذاء والدواء ليؤججوه ضد حكومة الحزب الاشتراكي الموحد وضد نيوكولاس مادورو، فهل سينجحون؟ لقد نجحت الإمبريالية الأمريكية في إسقاط نظام حكومة مصدق في إيران في العام 1953، وحكومة عبد الكريم قاسم في بغداد في التحالف مع البعث وقوى رجعية كثيرة في العام 1963، وفي إسقاط حكومة سلفادور أليندي في شيلي عام 1974، وهي لا تزال تتآمر ضد كوبا، لاسيما بعد مجيء ترامب، وهي التي تساعد السعودية والإمارات العربية في حربهم ضد شعب اليمن وفي مواجهة إيران، وهي التي تهدد جميع الدول بالعقوبات الاقتصادية ما لم تستجيب لإرادة ومصالح الإدارة الأمريكية.
إن من واجب كل العقلاء في فنزويلا العودة إلى طاولة المفاوضات لحل المشكلات العالقة وتفويت الفرصة على أعداء فنزويلا الداخليين والخارجيين لتفجير حرب داخلية في صفوف الشعب الفنزويلي، وهي الغاية الراهنة للإدارة الأمريكية لفرض التدخل العسكري فيها. إن من واجب الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي رفض السياسات التي تمارسها الولايات المتحدة ضد الشعب الفنزويلي ودعمها الكبير لقوى المعارضة اليمينية وتشجيعها التآمر على الحكومة الفنزويلية. ويبدو إن شعار "ارفعوا أيديكم عن فنزويلا" هو الشعب الواقعي المناسب لقوى حركة التحرر الوطني والقوى الديمقراطية في سائر ارجاء العالم لدعم الشرعية في فنزويلا.   
       

16
كاظم حبيب
دكتاتور تركيا يعيد ممارسة سياسات السلطنة العثمانية البائدة
أينما يولي الإنسان وجهه يجد في دول الشرق الأوسط دون استثناء نظماً سياسية دكتاتورية وعلى رأسها دكتاتوراً مطلقاً، إما تحت واجهة دينية إسلامية سياسية وطائفية، وأما تحت واجهة مدنية مشوهة ومزيفة، وإما تحت واجهة عشائرية أو عائلية، بعضها ملكي، وبعضها الآخر جمهوري، ولكنها كلها في الهمِّ شرق، كلها مصابة بداء العداء لمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق أتباع الديانات والمذاهب، كما أنها أغلبها، إن لم نقل كلها، مصابة بداء مناهضة مصالح الشعب والتنمية الوطنية والفساد، وغالباً ما تتهم المناهضين لسياساتها بالتآمر والتعاون مع الأجنبي على حساب شعوبها، في حين أنها هي المتعاونة مع هذا الأجنبي الإقليمي أم ذاك ومع هذا الأجنبي الدولي أم ذاك، على حساب مصالح شعوبها ومستقبلها.
نحن اليوم أمام نظام سياسي تلبس أولاً بلباس الافتزام بمبادئ الحرية والديمقراطية، كما ادعى إمكانية المعايشة والمزاوجة بين الإسلام السياسي والحريات العامة والحياة الديمقراطية وحل المشكلات القومية بالطرق السلمية. وكان الهدف من وراء ذلك تعزيز مواقعه في البلاد وفرض الهيمنة على الدولة بسلطاتها الثلاث وعلى الاقتصاد والمجتمع. وحالما تيقن من قدرته على العودة إلى أصوله الإيديولوجية الإخوانية (إخوان المسلمين) والاستفراد بالدولة والمجتمع والسير على الأسلوب السلفي وممارسة العنف في مواجهة المعارضة حتى أعلن عن سياساته ومواقفه صراحة ودون مواربة. إنها الدولة التركية وإنه الدكتاتور طيب رجب أردوغان. وقد استثمر محاولة الإطاحة به من قبل زميله في الدين والعشرة الطويلة والعمل المشترك فتح الله گولن في 15 تموز/يوليو 2016، (وكان، كما تبين أخيراً، قد وصلته معلومات تفصيلية عن خيوط التحرك ضده واستعد له)، ليشن حملة شعواء لا مثيل لها في المجتمع التركي، حتى في فترة سيادة العسكر على البلاد، فاعتقل عشرات الآلاف من المواطنات والمواطنين من مختلف القوميات ومن المدنيين والعسكريين، ومن مختلف الوزارات والمؤسسات والشركات، بتهمة التآمر على حكومة أردوغان. كما استغل هذه الحادثة ليشن حملة على كل معارضيه من مختلف القوى السياسية التي لا ترتبط بأي صلة بحزب أو جماعة فتح الله گولن، ولاسيما حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، إضافة إلى جمهرة كبيرة من المدافعين عن حقوق الإنسان وأولئك الذين شاركوا في احتجاجات ساحة غيزي في العام 2013، كم افتعل معارك جديدة ضد الشعب الكردي ومطالبه العادلة والمشروعة، وشن حرباً عدوانية ضد الأحزاب الكردية المناهضة لسياساته في تركيا.
في أكتوبر من عام 2017 قامت الشرطة التركية باعتقال الشخصية الثقافية التركية ورئيس معهد الأناضول الثقافي والناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان واليساري المزاج ورجل الأعمال عثمان كافالا ومعه 16 شخصاً آخر بتهمة التحريض ودعم احتجاجات "غيزي" عام 2013. وبقي هؤلاء في المعتقل دون توجيه تهمة مباشرة وتحديد موعد للمحاكمة طوال 477 يومياً. واليوم ولأول مرة وجه المدعي العام التركي التهمة ضد عثمان كافالا والـ 16 الآخرين بتهمة التعاون مع الخارج للتحريض ضد حكومة أردوغان، والتي تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد. وتشير الجريدة البرلينية "برلينر تسايتونگ بتاريخ 22/02/2019 إلى أن التهم الموجهة له وللآخرين يمكن أن تصل عقوبتها إلى مئات السنين.               إن التهم، كما اشارت منظمة العفو الدولية، سخيفة ومضحكة، وهي محاولة بائسة للانتقام ممن شاركوا أو ساندوا احتجاجات الشعب التركي في ساحة غيزي عام 2013.
إن نداءات كثيرة صدرت عن منظمات دولية وإقليمية تطالب بإطلاق سراح المعتقلين لأنهم لم يرتكبوا جرماً، بل مارسوا حقاً ثابتاً حتى في الدستور التركي الراهن ورغم التغييرات المخلة التي لحقت فيه، حيث يكفل حق الاحتجاج والتظاهر السلمي. إن مكتب معهد الأناضول الثقافي عبر عن فرحه بتحديد موعد المحاكمة، بعد أن حبس ما يقرب من 16 شهراً بعيداً عن الشرعية الدستورية، لكي يتسنى له الدفاع عن نفسه وتأكيد براءته من التهم الفارغة والقرقوشية الموجهة له ولنشطاء الدفاع عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني الديمقراطي في تركيا.
إن سيف الدكتاتور مسلط على رقاب الناس في تركيا فحتى شهر نوفمبر من عام 2018، بل حتى الآن، قامت الشرطة وتقوم بحملات اعتقالات جديدة واسعة للمئات من العسكريين والمدنيين الترك بتهمة التعاون مع فتح الله گولن. وهي تهمة أصبحت، كما يقال في الأدب السياسي العرابي "قميص عثمان" لاعتقال أي إنسان يريد اعتقاله أردوغان وطغمته الحاكمة. كما إن رئيس حزب الشعب الديمقراطي في تركيا وعشرات من صحبه يقبعون في سجون السلطنة العثمانية الجديدة دون وجه حق وبتهمة تأييد حق الشعب الكردي في الحصول على حقوقه العادلة والمشروعة وفي سبيل الحريات العامة والحياة الديمقراطية في تركيا.
أن الإدانة لهذه السياسات غير كاف، بل لا بد للرأي العام العالمي ومنظمات المجتمع المدني والمجتمع الدولي، وكل الذين يؤمنون بالحرية والديمقراطية والعدالة، أن يرفعوا أصواتهم مطالبين بإيقاف التعذيب وانتزاع الاعترافات والمحاكمات القوقوشية، (التي عرفت بها السلطنة العثمانية القديمة)، وأطلاق سراح جميع معتقلي الرأي والعقيدة والنشاط المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان في تركيا. إنها ساعة الحقيقة التي يجب مواجهتها بجرأة وتضامن متين مع الشعب التركي وقواه الديمقراطية. إن على الاتحاد الأوروبي أن يوقف مفاوضاته مع تركيا بشأن عضويتها في الاتحاد الأوروبي، لأنها خرقت كل الشروط الأساسية والإنسانية والحقوقية التي تتطلبها عضوية الاتحاد الأوروبي، فهي لم تعد دولة تحترم القانون الدولي والمبادئ الأساسية للائحة حقوق الإنسان الدولية والعهود والمواثيق الدولية بهذا الصدد، كما تمارس الاعتقال الكيفي الطويل ودون تهم أو محاكمات، وتمارس شتى أساليب التعذيب الجسدي والنفسي، وترفض الاعتراف بحقوق القوميات الأخرى وتمارس التدخل في شؤون الدول الأخرى سياسياً وعسكرياً وإعلامياً، كما هو الحال في العراق وسوريا، وسيادة الفساد في الدولة، وهيمنة الحاكم المستبد على السلطات الثلاث ومصادرة استقلالية القضاء التركي، وكذلك إخضاع مجلس النواب لإرادة السلطان الجديد. وكان أعضاء في برلمان الاتحاد الأوروبي قد طالبوا أخيراً بإيقاف المباحثات مع تركيا بهذا الصدد، وهو موقف صحيح وعادل.   
24/02/2019

17
كاظم حبيب
عرش الدكتاتور السوداني في مهب الريح!
لم يعد دكتاتور السودان الأهوج مالكاً زمام عقله ولا مدركاً لأفعاله، فلياليه تحولت إلى كوابيس مرهقة، يرى تعاظم الاحتجاجات، وتزايد المظاهرات والمتظاهرين، يرى سقوط قتلى، ودماء زكية تسيل في الشوارع... إنها من صنعه. يرى جثث الشهداء تنهض.. تتحرك صوبه.. تلتف حوله، تمتد أياديها لتضيق الخناق حول عنقه، يكاد يختنق، يصرخ ولكن لا صوت سوى ولولة وحشرجة. يفز من نومه غارقاً في تعرق شديد. يسمع ولولته واستجداءه النجدة لإنقاذه من اختناق شديد يكاد يقضي عليه. يجلس على حافة السرير.. يفرك عينيه لا يرى شيئا سوى الظلام وصوت بساطيل (جزم) الحرس خارج غرفة نومه. يتناول قدحاً من الماء ليزيل جفاف الفم، يعود ويضع رأسه على الوسادة التي تخفي مسدساً تحتها وبجواره رشاشاً.. يحاول النوم، جفناه لا يستجيبان للنوم، يبقى مشدوداً إلى قلق مرهق وأرق دائم لا فكاك منه. يتحول البشير في نُهُرهِ إلى شخص مسطول يتخبط في أقواله وأفعاله يبدو كمن فقد عقله. عرش الدكتاتور يهتز تحت عجزه الثقيل. عبأ المزيد من الجنود والشرطة حول القصر، ولكن من يضمن له ولاءهم له، بعد أن أصدر أمراً بتوجيه الرصاص الحي إلى صدور وظهور أبناء وبنات السودان، وهم أبناء وبنات أو أخوة أخوات أو أقرباء هؤلاء الجنود وضباط الصف والضباط أيضاً. الشك المتفاقم يفتك به، يزيد من أرقه. منح ضباط القوات المسلحة ورجال الأمن المزيد من الرواتب والمخصصات والمكاسب بأمل شراء ضمائرهم والحصول على تأييدهم وسكوتهم عن جرائمه، ولكن هل يكفي ذلك لقتل ضمائر أبناء الشعب من العاملين في القوات المسلحة وهم يرون كيف يقتل الدكتاتور شعب السودان، وإلى متى؟
امس، الجمعة 22/02/2019 أعلن الدكتاتور عمر البشير حالة الطوارئ لمدة عام في كل أنحاء البلاد وحل الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، ودعا البرلمان لتأجيل تعديلات دستورية تتيح له الترشح لولاية جديدة عام 2020، في محاولة منه لإضعاف زخم التظاهرات الشعبية المتصاعدة والمعبرة عن المزاج الثوري المتنامي في صفوف الشعب السوداني والمطالبة بأسقاط النظام الدكتاتوري والخلاص من الدكتاتور. ولكن في المقابل ومباشرة بعد هذا الخطاب "دعا تجمع المهنيين السودانيين المنظم للمظاهرات "إلى مواصلة التظاهر حتى تحقيق أهداف هذه الانتفاضة والتي هي تنحي رأس النظام ورئيسه وتصفية مؤسساته". (راجع: موقع قناة فرانس 24، 23/02/2019).
إن هذا الإجراء هو آخر ما في جعبة هذا الدكتاتور، كما هو حال كل المستبدين في الأرض، والذي يمكن أن يغرق البلاد ببحر من دماء الشعب ودموعه، ولكن سيُقهر هذا النظام العفن في المحصلة النهاية وسينتصر الشعب السوداني الشقيق، الذي عانى من كل الفساد والموبقات لـ "نظام حكم إسلامي سياسي" خائن للشعب وخانق لحرية الإنسان وحقوقه ومتجاوز على كرامته وحياته ولقمة عيشه.
إن النصر سيكون حليف الشعب السوداني مهما أوغل الدكتاتور وارهابيو الحكم في ظلمهم واضطهادهم ومحاولة قهرهم لنضاله المرير والمظفر للإطاحة بالطغمة الحاكمة والبدء ببناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي والسعي لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية في البلاد.         

18
كاظم حبيب
أسئلة مباشرة إلى رئيس وزراء العراق
لن أكتب في هذه المقالة عن الدولة العراقية الطائفية الفاسدة بسلطاتها الثلاث، ولن أكتب عن حياة المجتمع التي حولتها الطغمة الحاكمة الفاسدة إلى بؤس وفاقة وحرمان ومرارة مستمرة، ولا عن الأطفال المشردين من بنات وأولاد في شوارع العراق، ولن أكتب عن الأرامل من النساء اللواتي فقدن أزواجهن عبر الحروب والإرهاب والسياسات المجحفة بحق النساء ويعانين من شظف العيش ومرارة الاستجداء، ولن أكتب عن أحوال عائلات الشهداء وجرحى والمعوقين وآلامهم، ولن أكتب عن المستشفيات البائسة وغياب العناية الصحية ونقص الأدوية والمعدات وكثرة النفايات المتجمعة في المستشفيات أو قربها، ولا عن أنهار البصرة المطمورة بالقاذورات، ولن أكتب عن مآسي التربية والتعليم التي وصلت إلى حد لا يطاق أُجبرت معها نقابة المعلمين على إعلان الإضراب العام ليومين يمكن أن يتكررا، ولن أكتب عن الرؤوس الفاسدة والمفسدة التي تحتل حتى يومنا هذا مواقع سيادية في سلطات الدولة العراقية ومؤسساتها وأجهزتها، ولن أكتب عن غياب التنمية الاقتصادية، ولاسيما التنمية الصناعية والزراعية وتفاقم الطابع الريعي للدولة واقتصادها، ولن أكتب عن التدخل الفظ في شؤون العراق الداخلية وانتهاك الاستقلال والسيادة الوطنية يومياً وفي كل لحظة، لا لن أكتب عن هذا وغيره كثير في هذا المقال، بل سأطرح مجموعة من الأسئلة المباشرة على رئيس وزراء العراق، باعتباره المسؤول الأول عن أمن وسلامة وحياة المواطنة والمواطن في العراق وأقسم على أداء واجباته لصالح الشعب والمواطِن والمواطِنة أولاً، وباعتباره القائد العام للقوات المسلحة ثانياً، شئنا ذلك أم أبينا، فهذا هو العراق حتى اليوم، إذ لا صوت يعلو غير صوت الفاسدين والميليشيات المسلحة في بلد يعتبر واحداً من أقدم وأشهر مهود الحضارة البشرية.
السؤال الأول: هل سمعت باغتيال المثقف والكاتب والروائي العراقي الدكتور علاء المشذوب في مدينة كربلاء، وقيل قد تم الاغتيال أثناء وجودك في هذه المدينة؟ فهل جاء ذلك صدفة أم توقيتاً هادفاً؟ 
السؤال الثاني: لم أسمع عنك أنك تحدثت عن هذه الجريمة البشعة التي أغتيل فيها مثقف صوبت إلى رأسه وجسده 13 إطلاقة من رشاش، ولم تشجبها أو تدينها، لماذا؟
السؤال الثالث: هل أنت مع اغتيال هذه الشخصية الثقافية من مدينة الثقافة الإنسانية لأنه انتقد المليشيات المسلحة وانتقد سياسات الخميني والخامنئي في العراق، وإلا فما معنى السكوت حتى الآن؟
السؤال الرابع: وإذا كنت غير موافق على هذا الاغتيال، فماذا فعلت لملاحقة القتلة ومن يقف وراءهم؟
السؤال الخامس: إن السكوت على الجريمة يعني، دون أدنى ريب، الرضى عنها من جهة، والمشاركة في ارتكابها من جهة ثانية، فهل تقبل لنفسك ذلك؟
السؤال السادس: هل هناك سيف مسلط على رقبتك تخشى الحديث عن الجريمة وعن القتلة وعن ملاحقتهم لأنهم يشكلون جزءاً من هذا النظام السياسي القائم؟
السؤال السابع: وهل شكلت لجنة لكي تمحو آثار الجريمة ويختفي تشخيص القتلة ليقوموا باغتيالات جديدة ضد من يملك الشجاعة ويدين أوضاع العراق والتدخل الإيراني فيه، فعلاء المشذوب لم يكن وحده المقصود بالقتل، بل المقصود كل من يفتح فمه ويمسك بقلمه ليكتب بضمير حي عن الأوضاع البائسة في العراق وعمن يقف خلفها وما المقصود منها؟ 
لست وحدي من يوجه هذه الأسئلة وغيرها، بل هناك الآلاف المؤلفة التي ادمت الجريمة البشعة قلوبها وأدمعت عيونها وتعاظم غضبها على نظام سياسي فاسد غير قادر على حماية أبناء وبنات الوطن الجريح والمستباح بالطائفية والفساد والإرهاب والاختطاف والاغتيال والموت...
انتظر الجواب من رئيس وزراء العراق عادل عبد المهدي وليس من غيره، فهو المسؤول الأول عن امن وسلامة وحياة المواطنة والمواطن في العراق.     
         

19
كاظم حبيب
السيسي ينصَّب نفسه دكتاتورا مطلقاً على شعب مصر
انطلق الشعب المصري بثورته المظفرة ضد النظام السياسي الفردي، ضد فردية رئيس الجمهورية محمد حسني مبارك وضد الظلم والفقر والفساد، ثم انتفض على حكم الاخوان المسلمين والرئيس الاخواني محمد مرسي بسبب سياساته المنافية للدستور المصري وللحياة الديمقراطية والتعددية، وبهدف اقامة الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي. وانتصر بإسقاط هذا الدكتاتور الإسلامي السياسي الجديد. ولكن هذا الانتصار سرق بين عشية وضحاها، سرق بقرار مسبق، إذ ركب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع في مجلس وزراء محمد مرسي عبد الفتاح السيسي الموجة الثورية وساهم في الإطاحة بمرسي، وادعى العمل على وضع دستور ديمقراطي وإقامة حياة دستورية ديمقراطية وإطلاق الحريات للشعب وتأمين التطور الاقتصادي في البلاد. فانتخب رئيساً للجمهورية. ولكن الرجل وحالما تسلم السلطة بدأ بتهيئة شروط تنصيب نفسه رئيساً للجمهورية مدى الحياة وإجراء تعديلات في الدستور، على وفق رغباته وعبر مجلس نواب مليء باتباعه وجمهرة من الانتهازيين المستعدين خيانة ضميرهم في مقابل تحقيق مصالحهم الذاتية على حساب مصالح الشعب ولقمة عيش الفقراء. وبعد ان هيمن على الحكم كرس هيمنته على السلطات الثلاث ومؤسساتها وعلى الاعلام المصري، بدأ بوضع تعديلات على الدستور لتسمح له بتحقيق عدة مسائل جوهرية والوصول من خلالها إلى فرض الحكم المطلق، الشمولي:
** ان يصبح رئيساً للجمهورية حتى العام 2040، وأن تكون كل دورة رئاسية ست سنوات بدلاً من أربع سنوات، ثم يمكن تمديدها بتعديلات اخرى ليكون رئيساً مدى الحياة. وتشير بعض الصحف المصرية إلى أن السيسي بدأ يهيئ نجله الضابط محمود السيسي لهذا المنصب، كما كان يريد أن يفعل ذلك محمد حسني مبارك، لاسيما وأنه قد كلف بوضع الملامح الأساسية للتعديلات الدستورية على وفق تصور الوالد في مقر جهاز الاستخبارات العامة وبمساعدة المستشار القانوني، محمد بهاء أبو شقة. كما تشير الصحف والمواقع إلى "ترقية ابنه محمود الضابط بالمخابرات العامة ترقية استثنائية من رتبة رائد لرتبة عميد، وتعيينه نائبا لرئيس جهاز المخابرات العامة، الذي ترأسه مؤخرا مدير مكتب السيسي السابق اللواء عباس كامل "خزنة أسرار السيسي". (راجع: محمد مغاور، على خطى نجلي مبارك: أبناء السيسي يصنعون إمبراطورية بالرقابة والمخابرات، موقع عربي 21، 22 تموز/يوليو 2018).
** ان يكرس دستورياً، وليس عملياً حسب، هيمنته التامة على السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وكذلك على الاعلام، وبالتالي ان يصبح الدكتاتور المطلق غير الخاضع لأي رقابة، وهو ما لم يحلم به مبارك ولم يصل إليه. فله الحق بإقالة الوزارة وتشكيل وزارة جديدة وتعيين الوزراء دون العودة لمجلس النواب، وإنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية للنظر في الشئون المشتركة للجهات والهيئات القضائية يرأسه رئيس الجمهورية، أي السيسي نفسه، ومن حقه اختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا، كما تمنح التعديلات الجديدة صلاحيات تتجاوز صلاحيات مجلس النواب، ويتحول غالبية النواب إلى بيادق يحركها السيسي كما يشاء. 
** القضاء على اي شكل من أشكال الحياة الديمقراطية وتحويل المؤسسات الدستورية القائمة الى مجرد هياكل شكلية لا تملك أي سلطة في الإفتاء أو الفصل في القضايا الدستورية، وبعيدة عن إرادة ومصالح الشعب وستكون المأمور المطيع لرئيس الجمهورية.
** فرض السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات الخارجية بما تخدم مصالحه ومصالح الضباط الكبار والطغمة الحاكمة معه وعلى حساب مصالح الشعب المصري وحياته ومستقبل أجياله، لاسيما وهو الذي يقرر من يكون في مجلس الوزراء والسياسة الاقتصادية الاجتماعية التي ينبغي انتهاجها في مصر. إن هذه التعديلات تعيد مصر إلى العهد الملكي الوراثي، على موضة "الجمهورية الوراثية"، ولكن بدون الهامش الديمقراطي الذي عرفته مصر نسبياً في عهد الملك فاروق.
ان ما يجرًي اليوم في مصر هو أسوأ بكثير جداً عما كان عليه الوضع في عهد محمد حسني مبارك السيء والذي سمح بالوصول الى هذه النتيجة المحزنة في مصر. فإذا كان المئات من السياسيين في مصر في فترة مبارك في السجون والمعتقلات، فأن السجون والمعتقلات المصرية حالياً مليئة بمعتقلي وسجناء الرأي من السياسيين المخالفين لسياسات السيسي، والكثير منهم ممن شارك في التغييرات صوب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي حصلت في مصر، ويقدر عددهم بين 60-100 ألف معتقل وسجين. وتمارس أجهزة الأمن والشرطة والمحققين شتى صنوف وأساليب وأدوات التعذيب النفسي والجسدي وضد عائلاتهم أيضاً. وقد أدى السيسي في لقاء تلفزيوني صحفي بأن ليس في مصر سجناء سياسيين بل هم إرهابيون. وفي خطاب للرئيس عبد الفتاح السيسي قال بالحرف الواحد "اسمعوا كلامي أنا بس"، حين كان يحاول الطعن بنقد المعارضة للسياسات المصرية. ألا يعني هذا أن ليس من حق أحد أن يخالف رأي وكلام السيسي، اليس هذا أسلوب وحديث الطغاة، ألا يذكرنا هذا بحديث صدام حسين عام 1978 حين قال في ندوة تلفزيونية وأمام جمهور واسع "حين أقول إن عدد نفوس الشعب العراقي 13 مليون فهذا قانون وعلى الجميع الالتزام به ولا يجوز مخالفته!"، وبهذا كان يعارض ما نشره الجهاز المركزي للإحصاء.
إن هذا الواقع المرير يقترن بمزيد من المديونية للمؤسسات المالية الدولية من جهة، وتفاقم البطالة إلى حدود (10%) من القوى القادرة على العمل من جهة ثانية، وتفاقم حالة الفقر ونسبة العوائل الفقيرة التي تعيش تحت خط الفقر عالية جداً وتبلغ حالياً بحدود 27,5% من مجموع السكان البالغ حالياً 104 مليون نسمة، أي بأكثر من 28 مليون نسمة، وهناك الملايين التي تعيش على خط الفقر، وتلك التي تعيش فوق خط الفقر بقليل، ثم بدأت تتبخر الطبقة الوسطى من المجتمع المصري، وقد كتب منذ سنوات الكاتب المصري الفقيد رمزي زكياً كتاب بعنوان "وداعاً للطبقة الوسطى"، إضافة إلى نسبة التضخم العالية التي بلغت في شهر كانون الثاني/يناير 2019 (43.45 %)، والارتفاع المستمر في أسعار الحاجات الاستهلاكية الأساسية لغالبية السكان، مما يزيد من بؤس وفاقة الفئات الاجتماعية الكادحة وتلك التي تعيش على هامش الاقتصاد والمجتمع المصري، إضافة إلى إلغاء الحكومة المصرية دعمها لعدد مهم من الحاجيات الاستهلاكية الأساسية، ومنها الكهرباء، بناء على نصائح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المتحكم حالياً بوجهة السياسة الاقتصادية بمصر منذ العام 2014 ولا تزال مستمرة في تنشيط هذه الوجهة في إلغاء الدعم. وقد كتب السيد همام سرحان مقالاً بعنوان: إلغاء الدعم في مصر.. "القرار الخاطئ" أم "الدواء المرّ"؟ ما يلي: " بعد مرور شهر على سلسلة القرارات الي أصدرتها الحكومة المصرية مؤخرًا، بالرفع الجزئي للدعم عن أسعار المحروقات (السولار، البنزين، الغاز الطبيعي)، والكهرباء والمياه، يبدو أن المواطن المشغول بالجري وراء لقمة العيش، لم يجد بُدّا من الاستسلام للأمر الواقع، رغم ما أصاب ميزانيته الضعيفة أصلا من تدهور جراء ارتفاع أسعار معظم السلع والخدمات الأساسية" (راجع: موقع SWI الإلكتروني) وقد أثار هذا غضب الشارع المصري، كما تثيره الآن سياسات النظام السيسي الاقتصادية والاجتماعية. وهي السياسة التي تقود الكثير من العائلات إلى حالة العدم وتراجع مستمر للفئة المتوسطة وانحدارها في أحضان العائلات الفقيرة.
كتب الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق الكثير من الكتب المهمة ولكن أبرز كتابين في المرحلة الراهنة هما كتاب "اقتصاديات الفساد في مصر" حيث نشر، وكتاب "هل مصر بلد فقير حقا؟ وإذ يتحدث في الكتاب الأول عن حجم الفساد الهائل وتطوره منذ عهد حسني مبارك ومع "الانفتاح الاقتصادي: والأخذ ببرنامج صندوق النقد الدولي "التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي"، واعتباره نظاماً سائداً في مصر وفي كل المستويات. أما الكتاب الثاني الذي يتحدث عن واقع الفقر في مصر وأسبابه وأن مصر ليست فقيرة ولكن سياسات الدولة والانفتاح الاقتصادي وعن الهدر الحكومي وحجم الفساد الهائل في مصر وعن أساليب المحاسبة الرأسمالية.. الخ، باعتباره السبب وراء هذا الفقر العام والحديث عن مصر دولة فقيرة، في حين أن هناك من يفقرها يومياً. فقد صودرت مسودته وقبل نشره من المطبعة من قبل جهاز الأمن الوطني، رغم حصوله قبل ذاك على أذن بالنشر. ولم يكتف الأمن الوطني بذلك بل "ألقت قوات الأمن المصري، أمس الأحد، القبض على أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، مؤلف كتاب "هل مصر فقيرة حقاً"، عبد الخالق فاروق والذي اقتيد إلى قسم شرطة مدينة الشروق، شرقي العاصمة القاهرة، وفقاً لتدوينة كتبتها زوجته نجلاء سلامة، على حسابه الشخصي عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك". كما "وسبق أن أخفت أجهزة الأمن صاحب مطبعة دار السلام، إبراهيم الخطيب، الذي تولى طباعة كتاب الخبير الاقتصادي البارز، وذلك من مقر عمله بواسطة رجال أمن بزي مدني، بمؤازرة ضباط من جهاز الأمن الوطني، من دون سند قانوني أو إذن من النيابة العامة، ومن غير المعلوم مكان احتجازه حتى الآن، علماً بأن النيابة أصدرت قراراً بإخلاء سبيله." (راجع: هل مصر بلد فقير حقاً؟، ملخص كتاب قاد عبد الخالق فاروق للاعتقال، موقع العربي الجديد، القاهرة في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2018).
والسؤال: هل سيقبل الشعب المصري بهذا الوضع الاستبدادي الرجيم، ام سينتفض مجددا، بالرغم من كل أشكال الإرهاب التي يتعرض لها الشعب المصري؟ لا اعتقد بأن هذا الشعب المقدام سيقبل بهذا الوضع، رغم ما عراف عنه من صبر ونفس طويل في تحمل المصائب والكوارث. ولكن حين تدق الساعة، حين يمتلئ كأس البؤس والفاقة والجوع والحرمان، وحين يزداد الضغط عبر الاعتقال والتعذيب والحبس، وحين يُسكت كل صوت معارض بشتى السبل، أو يجبر على ترك البلاد، وحين تداس كرامة الإنسان وتنحر حرياته وحقوق الأساسية، وحين تلتقي العوامل الموضوعية بالعوامل الذاتية وتنضج عوامل الحالة الثورية، عندها ينقلب السحر على الساحر، عندها يعيش الشعب عرساً جديداً، عندها تزهر براعم الربيع الثاني وتعلن الحراك الشعبية الديمقراطية عملية الخلاص من الدكتاتورية والدكتاتور لإقامة الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي المتحرر. لا يمكن الخلاص من هذا الوضع إلا بإيجاد لغة مشتركة وأهدافاً نضالية مشتركة بين قوى المعارضة المصرية أولاً، والتزام العمل لبناء الثقة مع الشعب والتحري عن لغة مشتركة معه وتبني إرادة ومصالح وتطلعات الشعب المصري ثانياً. لا يمكن لأي دكتاتور التغلب على إرادة الشعب، إن أحسنت قوى المعارضة من دورها وفعلها المشترك وتبني برنامج مشترك لا يكشف عن عورات النظام فحسب، بل ويطرح الأهداف التي يناضل من أجلها الشعب والاستعداد للتضحية من أجلها.

20
كاظم حبيب
المليشيات الطائفية المسلحة في الحشد الشعبي، المخاطر المحتملة، فما العمل؟
قيمتك ليست في عيون الناس، بل هي في ضميرك، فإذا ارتاح ضميرك ارتفع مقامك.  أنيس منصور
لم يعد سراً على أحد وجود ما يزيد عن 67 ميليشيا طائفية شيعية مسلحة، تمتلك منها إيران 41 ميليشيا وتتوزع الميلشيات الأخرى على عدد آخر من الأحزاب الإسلامية السياسية العراقي والمرجعيات الدينية العراقية. (راجع: صالح محمد، ما هي المليشيات الشيعية المقاتلة بالعراق؟ (ملف+ إنفوغراف) موقع عربي21-، في 3 تشرين الأول/نوفمبر 2016). وأكثر المليشيات عدداً وتسلحاً وقدرات مالية ونفوذاً سياسياً واجتماعياً، وأشدها خطورة على العراق ومستقبله هي تلك التي ترتبط مباشرة بإيران وبالمرجعية الدينية والسياسية الإيرانية (39 +2 تابعة لحزب الله)، أي كلها خاضعة للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، السيد علي خامنئي، كما ترتبط بممثل المرشد والحرس الثوري الإيراني وجيش القدس الجنرال الإيراني قاسم سليماني وتخضع لقيادته وإرادته وتوجيهاته، وهي من إرادة وتوجيهات الخامنئي والدولة الإيرانية. أما المليشيات الشيعية الأخرى، فمهما كان نفوذها العراقي وحجم عددها وتسلحها، فهي في المحصلة النهائية غير قادرة على الزوغان الفعلي عن إرادة أو مصالح إيران في العراق، وتُجبر بهذا القدر أو ذاك على التعاون مع المليشيات العراقية-الإيرانية، ولاسيما الرئيسية منها، ولاسيما فيلق بدر بقيادة هادي العامري، وعصائب الحق بقيادة قيس الخزعلي، وكتائب حزب الله بقياد جعفر الغانمي.. الخ.
جميع هذه المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة تعمل تحت عباءة الحشد الشعبي، وقادتها هم قادة الحشد الشعبي ورئيس الحشد الشعبي المباشر هو فالح فياض، الخاضع بالتمام والكمال لإرادة قاسم سليماني. ورغم الحديث عن استقلالية "سرايا السلام" فهي أيضاَ ضمن الحشد الشعبي، وبالتالي فاستقلاليتها نسبية، وهي تخضع من حيث المبدأ لقرارات رئيس الحشد الشعبي فالح فياض، مع إنها من حيث الواقع العملي تحت قيادة السيد مقتدى الصدر. جميع هذه الميليشيات تمتلك جزئين، جزء ضمن الحشد الشعبي، وجزء أخر إطار الحشد الشعبي، وأحدهما يستكمل الآخر.         
حين نكل رئيس الوزراء العراقي الأسبق بالجيش العراقي من خلال فرض الهزيمة عليه دون إبداء أي مقاومة أو خوض المعارك ضد عصبات داعش الإجرامية التي اجتاحت الموصل وعموم نينوى في حزيران من عام 2014، وسيطرت على كل ما يملكه الجيش العراقي في نينوى من سلاح وعتاد وعربات وأموال، ومارست الإبادة الجماعية والتشريد والسبي والاغتصاب والقتل على شعب نينوى، ولاسيما الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان، إضافة إلى معاناة الكثير من المسلمين العرب السنة، وحين أصبح العراق كله مهدداً، دعت المرجعية الدينية الشيعية في النجف إلى الجهاد الكفائي، فتطوع الناس واستطاعت الميليشيات المسلحة المنظمة احتواء المتطوعين وتشكيل الحشد الشعبي منهم ومن تطوع من خارجهم، وأصبحوا القوة الثانية في العراق بعد الجيش، ثم حولهم العبادي إلى قوة عسكرية رسمية تحت قيادة الدولة وجزء من القوات العسكرية العراقية، ولكنها حافظت على استقلاليتها عن الدولة والحكومة ورئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة عملياً، وأصبحت جيشاً داخل جيش يتحرك بأوامر من قادته العراقيين وبأوامر قاسم سليماني. إذا كان الكثير من المتطوعين أو حتى جماعات منه في الحشد الشعبي قد ساهموا فعلاً في عملية تحرير الموصل واستشهد الكثير منهم، فأن المؤسسة لها إرادة وأهدافاً ومصالح أخرى لا تلتقي بأي حال وفي وضعها الحالي مع إرادة وأهداف ومصالح الشعب العراقي. والكثير من العراقيين الذين يؤمنون بهذه الحقيقة يخشون الحديث عنها لأن مصيرهم مصير من ينتقد إيران، كما حصل للأديب والروائي العراقي الشهيد الدكتور علاء المشذوب لأنه انتقد الخميني حيث وجهة له ثلاث عشر رصاصة لترديه قتيلاً وجسدت الحقد والكراهية والعدوانية الغاشمة للقتلة ومن أرسلهم لقتله، أو حتى اعتقال رئيس "لواء أبا الفضل العباس" أوس الخفاجي، وميليشيته التي هي جزء من الحشد الشعبي، وموالية لإيران أيضاً، لأنه أشار بكلمة قصيرة إلى إن إيران وراء اغتيال المشذوب. وبعد اعتقال الخفاجي صدر بيان عن أجهزة الأمن العراقية تؤكد بعدم علمها عن سبب اعتقال الحشد الشعبي للخفاجي. أي إن قرار الاعتقال صدر عن الحشد الشعبي وقائده فالح الفياض، الذي هو في الوقت نفسه مستشار الأمن القومي في العراق، دون علم أجهزة الدولة العسكرية، ومنها الأمن العراقي. وهذا الرجل يراد له أن يكون وزيراً لداخلية العراق لتصبح إيران السيدة بلا منازع في العراق، وأكثر مما هي عليه الآن. لقد كان من واجب المرجعية الدينية الشيعية أن تؤكد انتهاء الجهاد الكفائي بعد تحرير نينوى ومناطق أخرى من اعراق من عصابات داعش الإجرامية وتؤكد ضرورة حل الحش الشعبي. 
على وفق التقاليد الشيعية المؤمنة بولاية الفقيه، فأن المقُلِد يخضع لفتوى ولي الفقيه دينياً وسياسياً، وبالتالي فأن جميع الميليشيات الموجودة في العراق والمؤمنة بولاية الفقيه تخضع للقرارات والتوجيهات السياسية والفتاوى الدينية لولي الفقه الحالي في إيران، للسيد الخامنئي. وبالتالي فأن قرارات المرجعيات الشيعية العراقية أولاً، وقرارات الحكومة العراقية ثانياً، لا تعتبر بأي حال ملزمة لتلك الميليشيات، ولا قيمة دينية لها، بل الملزم لها ما يقرره خامنئي وعبره قاسم سليماني ممثله السياسي والعسكري في العراق. وهنا تبرز أكبر مشكلة إزاء الدولة العراقية ومن يحكم العراق. ولا تبرز مثل هذه المشكلة حين يكون الحاكم هو الآخر من المؤمنين بولاية الفقيه، وحين يكون خامنئي هو سيده وولي أمرهِ، ولكنها في الحالتين هي أكبر مشكلة تواجه الشعب العراقي كله وتواجه استقلال وسيادة العراق ومستقبله.
دعونا نورد مثالاً احتمالياً واحداً قريباً من الواقع الجاري والقادم من الأيام: لو استوجب الأمر بقاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق لمواجهة بقايا داعش ومن يماثلهم في العراق، على وفق الاتفاقيات الأمنية وملحقاتها المبرمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق، ولكن هذا الوجود يخالف موقف خامنئي الذي ينعكس على موقف الميليشيات الشيعية المسلحة المطالبة برحيل القوات الأمريكية والتي تريد إصدار قرار في مجلس النواب بشأنه. فكيف سيكون موقف الحكومة العراقية وكيف ستواجه الحشد الشعبي بقياداته الميليشياوية، خاصة إذا ما اتخذت هذه المليشيات قرار المقاومة العسكرية للوجود الأمريكي في العراق؟
وكيف سيكون الموقف من الوجود الإيراني العسكري والسياسي الكثيف غير المبرم باتفاقيات عسكرية وغير الرسمي في العراق؟ إنه القنبلة الموقوتة التي ستنفجر في أي لحظة، والتي ستقود إلى حرب أمريكية-إيرانية على أرض العراق، وستكون أعنف وأشد من الحرب الجارية منذ ثماني سنوات في سوريا. إلا إنها يمكن أن تجر لها أطرافاً أخرى في الشرق الأوسط.
إن الموقف المناسب والسليم للعراق وشعبه ومستقبل أجياله واستقلال قراراته وسيادته الوطنية وفي كل الأحوال هو حل الميلشيات الشيعية وسحب ما هو موجود منها في سوريا ونزع سلاح جميع أفراد هذه الميليشيات المنتمية للحشد الشعبي. وبتعبير أدق لا بد من قرار حل الحشد الشعبي وجعل العراق دولة واحدة بدون دولة عميقة موجهَة، وجيش عراقي واحد بدون حشد شعبي عميق وموجَه، الذي تديره الميليشيات الشيعية المسلحة والمهيمنة عملياً على محافظات القطر في الوسط والجنوب وبغداد، والمتحكمة في مجلس النواب من خلال أحزاب تلك الميليشيات المسلحة. والمشكلة المركزية في العراق تكمن في الحكم الطائفي ذاته الذي أوجد الميليشيات المسلحة ويراها ضمانة لاستمرار حكم الإسلام السياسي البائس والمتخلف في العراق، والذي أسقط العراق في مستنقع الفساد والإرهاب والفاقة الشعبية وغياب التنمية الاقتصادية الإنتاجية وسيادة متفاقمة للطابع الريعي للاقتصاد، رغم إمكانيات العراق على تغيير هذا الوضع لو كان في حكم البلاد من هم يستمعون بأذن صاغية لإرادة الشعب وحاجاته وتطلعاته الفعلية. لو، وكما كان الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري يردد بين الحين والآخر: (آه من هذه الـ "لو" ما ألعنها!).     
           

21
كاظم حبيب
من أجل تضامن شعوب العالم مع انتفاضة شعب السودان
منذ نهاية عام 2018 يتصاعد غضب ونضال الشعب السوداني السلمي، وبإصرار الأحرار وعزم المناضلين، ضد دكتاتورية نظام الإسلام السياسي المتطرف وضد الدكتاتور الأهوج عمر البشير. وقد قدم هذا الشعب الأبي حتى الآن الكثير من الشهداء الأوفياء لشعبهم وحقوقه الأساسية ومصالحه وإرادته، كما زُج في المعتقلات الكثير من المناضلين الذين صمدوا بوجه الطغيان والأساليب الفاشية المستخدمة في معاقبة المعتقلين والمتظاهرين وأبناء وبنات الشعب. وتشير آخر الأخبار في أم درمان وبقية المدن السودانية إلى تزايد عدد المشاركين في هذه المظاهرات ودخول النساء إلى المعركة الوطنية والديمقراطية ضد الدكتاتورية وخيانة قضايا الشعب والفساد المستشري من جهة، وتفاقم الأساليب العدوانية التي تمارسها الطغمة الحاكمة وأجهزتها الأمنية ضد المتظاهرين والمتظاهرات. فقد جاء في أحد التقارير بهذا الصدد ما يلي: "وانتقلت التظاهرات بعد تفريقها إلى شارع الدكاترة، أشهر شوارع مدينة أم درمان ثم إلى منطقة السوق، وردد المتظاهرون هتافات بسقوط النظام. كما شنت قوات الأمن حملة اعتقالات في صفوف المحتجين. وجاءت احتجاجات اليوم بعدما تجمّع المئات، بناء على دعوة من تجمع المهنيين السودانيين وأحزاب معارضة، للتضامن مع المعتقلات اللواتي احتُجزن بسبب الاحتجاجات وتم إيداعهن في سجن النساء بأم درمان. ويشارك العنصر النسائي بشكل واضح في الاحتجاجات منذ اندلاعها." (راجع: عبد الحميد عوض، السودان: تجدد الاحتجاجات في أم درمان تضامناً مع المعتقلات، الخرطوم، موقع أخبار السودان، 10/02/2019). وفي مقابل تزايد الاحتجاجات وشمولها موظفين في أجهزة الدولة تضامنت مع المحتجين هدد مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني الفريق صلاح عبد الله قوش بقوله: " أن كافة القوات النظامية مصطفة تماما وراء الشرعية، وأن السبيل الوحيد للتغيير هو صناديق الاقتراع، وأنهم لن يسمحوا بانزلاق السودان الى الفوضى،" .. وأنّ ”المحسوبية مرفوضة ولا تهاون خلال المرحلة القادمة، في التعامل مع المتقاعسين أيًا كانت صفاتهم ومواقعهم في جسم الدولة“. راجع: مدير المخابرات السودانية: لن نسمح بانزلاق البلاد إلى الفوضى، موقع أرم، 11/02/2019).
لا شك في أن هذا النضال الوطني والديمقراطي سيستمر طالما بقي البشير وقادة حزب المؤتمر الوطني الفاسدين على رأس السلطة واستمرارهم في ممارسة النهج ذاته منذ أن تسلم هذا الدكتاتور ورهطه الحكم بانقلاب عسكري دموي والاستيلاء على الدولة بسلطاتها الثلاث بصورة غير شرعية في العام 1989. ويتطلب تحقيق النصر المزيد من التعاون والتضامن ووحدة موقف جميع القوى الديمقراطية المناضلة ضد النظام الدكتاتوري ومن أجل إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية في السودان، وبعيدا عن الأحزاب الإسلامية السياسية التي حكمت السودان بالحديد والنار طيلة ثلاثة عقود منصرمة (1989-2019). ولم يحصد الشعب السوداني طوال هذه العقود العجاف سوى البؤس والفاقة والحرمان، سوى الاعتقال والتعذيب والمزيد من الفساد والإرهاب ضد الشعب وقوى المعارضة.
إن تحقيق وحدة نضال القوى الوطنية والديمقراطية للشعب السوداني في هذه المرحلة النضالية الحاسمة ستجلب إليها المزيد من الناس المتضررين من وجود هذا النظام، بمن فيهم الكثير من صغار ومتوسطي الموظفين والمستخدمين، إضافة إلى العمال والفلاحين والكسبة والحرفيين وأجزاء جديدة من مثقفي البلاد. إنها معركة قاسية، ولكنها نبيلة، وستنتصر الانتفاضة بإرادة الشعب وتضامن الشعوب العربية والأفريقية والآسيوية والرأي العام العالمي.   
إن نداءات التضامن قد انطلقت في بلدان عديدة مع شعب السودان ولا بد من توسيع هذا التضامن وتعميمه في أرجاء العالم. فعلى سبيل المثال لا الحصر دعت اللجنة المحلية للمثقفين للحزب الشيوعي العراقي إلى اجتماع تضامني مع الشعوب السوداني الذي عقد يوم أمس 10/02/2019 في بغداد. وجاء في النداء الصادر عن الاجتماع ما يلي: " نعلن التضامن مع الشعب السوداني وانتفاضته الباسلة، التي تتصاعد منذ انطلاقتها في 19 كانون الاول 2018، ضد طغمة البشير الدكتاتورية التي تحكم البلاد بالحديد والنار منذ 30 عاماً، وتواصل أجهزتها الأمنية وميليشياتها قمع الاحتجاجات السلمية بإطلاق العنان لأجهزتها الأمنية باستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين والتعذيب الوحشي للمعتقلين، ما أدى الى استشهاد أكثر من 50 مواطناً".
إن من واجب المثقفين في أرجاء العالم أن يرفعوا راية التضامن النضالي مع الشعب السوداني في انتفاضته الشجاعة عالياً وأن يمارسوا اشتى الأساليب السلمية الممكنة للاحتجاج على هذا النظام وأساليبه الدموية في مواجهة المنتفضين والتنديد الحازم بالدكتاتور عمر البشير وطغمته الجائرة، وأن يدعموا المطالبة بإسقاط الدكتاتورية وإقامة الدولة الديمقراطية والحياة الدستورية وممارسة حقوق الإنسان في السودان.
 



   





22
كاظم حبيب
هل يمكن لسلطات دولة فاسدة محاربة الفاسدين والمفسدين؟
"اتسع الخرق على الراتق"
حكمة قديمة
سؤال عادل ومشروع يدور على بال كل إنسان في العراق: هل يمكن لسلطات دولة فاسدة كالعراق، حيث تحتل المرتبة 169 في الفساد من بين 180 دولة في العالم في العام 2017 ولم يتحسن الوضع في العام 2018 بل تفاقم، أن تحارب الفساد وتكافح الفاسدين، وتُطهر العراق من رجسهم وشرورهم وعواقب الرجس والشرور؟ وسبب عدالة ومشروعية هذا السؤال يكمن في حقيقة أن الفساد لم يعد ظواهر متفرقة يمارسها هذا الموظف الكبير، أو هذا المصرفي أو التاجر أو القاضي أو ذاك، بل أصبح الفساد المالي والإداري، ومنذ أن تم احتلال العراق في العام 2003 بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية والحاكم المستبد بأمره باول بريمر وبأوامر من إدارة جورج دبليو بوش أولاً، ومنذ أن سَلَّمت سلطة الاحتلال الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث بيد الأحزاب الإسلامية السياسية العراقية ومن تعاون معها ثانياً، نظاماً متكاملاً وفاعلاً وحاكماً في سلطات الدولة الثلاث وأجهزتها المدنية والعسكرية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي المجتمع. إن هذا الواقع الفاسد لا يعني إن النظام البعثي قبل ذاك لم يكن فاسداً، بل كان الفساد يمارس من قبل قيادة البعث الحزبية ومجلس قيادة الثورة مع حفنة من الأعوان ومن يرغب النظام مشاركتهم في الفساد، ولكنه كان يعاقب من يمارس الفساد دون علمه أو خارج إرادته. وكان العقاب يمس الغالبية العظمى من الشعب، إلا في سنوات الحصار الاقتصادي الذي اجبر الكثير من البشر على ذلك بسبب العوز. ولكن ما حصل في العراق يختلف تماماً. فالاحتلال أفسد الحكام الجدد بالرواتب والمخصصات ووضع ميزانية الدولة بيد الفاسدين والمفسدين، ونشأت فئة اجتماعية رثة فاسدة من حيث السلوك السياسي والمالي والاجتماعي. مثل هذا الواقع الفاسد لا يعني أيضاً عدم وجود مجموعة من الأفراد تتميز بنظافة اليد والعفة، ولكن هذه المجموعة لا تشكل سوى قلة قليلة، إذ من طبيعة النظام الفاسد أن يدفع بأفراد المجتمع بكل السبل المتوفرة إلى ممارسة الفساد، إذ بذلك فقط يمكنهم مواصلة فسادهم واستمرار قهرهم للمجتمع، وإلا لما كان لأبطال هذا النظام الفاسدين مكاناً لهم في العراق.
لا يمكن أن يعيش الفاسد طويلاً في بلد تسود فيه الحريات العامة والحياة الديمقراطية، إذ سرعان ما يُكتشف الفاسد وتنشر فضيحته ويحاكم. ولكن الفساد ينمو كالفطريات ويتعاظم عدد الفاسدين في ظل الجهل والأمية وانتشار الخرافة ودور شيوخ الدين المسلمين المزيفين منهم، أو الساكتين عن الفساد، أو الذين يعيشون على صدقات كفارة الفاسدين التي يدفعونها لغسل فسادهم، أو كما يعترف الفاسد أمام الكاهن خلف ستار في الكنيسة مثلاً. ففي الدول المتقدمة تحصل حوادث فساد غير قليلة، ولكن سرعان ما تفضح عبر وسائل الإعلام وعبر صحفيين نزيهين لا يخشون القتل على أيدي الفاسدين الذين تم فضحهم، كما يحصل في بلد كالعراق، حيث جرى اغتيال الكثير من الناس الأوفياء لوطنهم وشعبهم بسبب فضحهم للفاسدين في مقالات أو تقارير نشرت لهم، كما حصل للمغدور الدكتور علاء المشذوب وغيره، أو كما يقال عن تسميم الدكتور أحمد الجلبي الذي قام بنشر تقارير عن فساد هائل لمئات المليارات حصلت في فترة حكم المستبد بأمره نوري المالكي على سبيل المثال لا الحصر، رغم إن الرجل كان جزءاً من النظام السياسي الطائفي القائم.
لقد ادعى وتعهد حيدر العبادي على مكافحة الفساد، ثم صرح بأن مكافحة الفساد أخطر من محاربة الإرهاب، وجُبن أمام الفاسدين من قادة حزبه والأحزاب الإسلامية الأخرى أو من المشاركين معه في الحكم. وحين جاء نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء عام 2006 أدعى بصوت عال إنه مصمم على محاربة الفساد والإرهاب. ولكن كلا الظاهرتين انتعشتا في فترة حكمه وبجهوده الخاصة في رعاية الفاسدين وحمايتهم وأصبحتا سائدتين وتحول الفساد إلى نظام فاسد بالكامل واشتمل على مئات المليارات من الدولارات الأمريكية، ثم أعلن قبل تنحيته عن الحكم ما يلي: "بحوزتي ملفات سأضعها بيد القضاء لثمان سنوات التي كنت فيها رئيساً للوزراء وسأعلنها امام المحاكم وأجرَّ مرتكبيها من سادة ومشايخ وأبناء مراجع ومسؤولين شيعة وسنة الى المحاكم ليأخذوا جزائهم العادل"، وتعهد امام الحضور "انا ابن الشهيد الاول الشهيد الصدر لا اخاف والله معي والادلة معي بإذن الله تعالى". (راجع: المالكي يهدد بكشف ملفات فساد ثمانية اعوام لمسؤولين كبار وابناء مراجع، سومرنيوز، 20 أغسطس 2015".
ولكن ماذا حصل؟ اختفت ملفات الفساد، فلو كان قد أعلن عنها لصدر الحكم عليه بالفساد وحماية الفاسدين طيلة سنوات حكمه. لم يعلن عنها ولم يخش الله بل خشي من الفاسدين من أمثاله، وبالتالي وفي كل الأحوال فالساكت عن الفساد والفاسدين فاسداً ومشاركاً في جرائم الفساد التي احتوتها تلك الملفات التي لم يعلن عنها والتي عانى ولا يزال شعب العراق يعاني منها حتى الآن.         
لعبت المليشيات الطائفية المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية السياسية دون استثناء دوراً كبيراً في نشر الفساد والإرهاب في العراق بممارساتها اليومية في ابتزاز الجماهير الواسعة وفي اختطاف الناس وفرض دفع فدية بألاف الدولارات الأمريكية، وفي تعذيب معتقليهم وقتلهم أو نقلهم إلى إيران. وغالباً ما كانت عائلة الضحايا يدفعون الفدية، ولكن الكثير من الضحايا قُتل تحت التعذيب.
الفساد لم يشمل خزينة الدولة وأموال الشعب فحسب، بل تفاقم ليشمل أعضاء في جسم الإنسان، ولاسيما أعضاء أبناء وبنات العائلات الفقيرة والمعوزة، وأعضاء الأطفال والصبيان والصبايا المشردين، وهي جريمة بشعة ترتكب باستمرار بحق أبناء وبنات العراق. والفساد يبرز أيضاً في العراق في عبور مئات الأطنان من المخدرات عبر النقاط الحدودية بين إيران والعراق، سواء تلك القادمة من إيران أو عبرها من أفغانستان، وعبر مافيا منظمة تنظيماً جيدا ومرتبطة بمافيات إقليمية ودولية في هذا المجال وبشخصيات نافذة في الحكم، منها ما يبقى في العراق، ومنها ما يمرر إلى دول الخليج أو إلى سوريا فلبنان أو عبر الأردن ...الخ.
الفساد ضارب أطنابه في العقود التجارية ولاسيما تجارة السلاح، وفي مجال العقار ودور سكن عناصر حزب البعث والحكم البعثي والكثير من الدور الحكومية الأخرى التي استولى عليها حكام العراق الجدد دون وجه حق بعد سقوط دكتاتورية البعث وبدعم من إدارة الاحتلال لرشوتهم وإخضاعهم لإرادتها وقراراتها. ويمكن لكل عراقي أن يتابع مثل هذه القضايا في حي الخضراء وفي الكرادة الشرقية والجادرية وغيرها في بغداد أو في المدن العراقية الأخرى، وصحف العراق والصحف العالمية والكثير من المواقع مليئة بأخبار صادقة وصحيحة عن هذه السرقات والاستيلاءات المكشوفة. مثل هذه القوى المهيمنة على حكم العراق والمتهمة بالفساد والكثير من الموبقات، لا يمكنها بأي حال محاربة الفساد والقضاء على الموبقات، فهي بذلك تحارب نفسها.
أدرك العراقيون والعراقيات إن من يشكل لجاناً للتحقيق يريد قتل التحقيق وإفشال اكتشاف الجريمة ومن قام بها، بعد أن عاشوا تشكيل مئات اللجان للكشف عن جرائم القتل أو الاختطاف أو الفساد، ولم تكتشف أي حالة حتى الآن، وما اكتشف عبر هروب هذا الوزير أو ذاك الموظف، كما حصل مع السوداني، فأنه سرعان ما يعفى عنه لأنه سكت عنم الفاسدين معه ولم يكشف عنهم. بدأ عادل عبد المهدي بتشكيل مجلس ولديه الكثير من اللجان، وفي مقدمتها هيئة النزاهة، ولكنه يريد أن يشغل الناس بها ويضع على رأسها من نفس القوى الفاسدة، فكيف يمكن محاربة الفساد في مثل هذه الحالة.
لا يمكن محاربة الفساد في العراق إلا من خلال انتفاضة سلمية للشعب ضد الفساد، ضد الحكام الحاليين، القيام بعصيان مدني، إذ بدون ذلك ستتولى المليشيات الطائفية المسلحة وقواها في الحشد الشعبي على حماية النظام الطائفي الفاسد القائم والدفاع عن الفساد والفاسدين. إن التصور بأن عادل عبد المهدي سيحارب الفساد، كمن يعيش سراباً، كالتائه في البيداء يرى السراب وكأنه ماءً يمكن أن يرويه فيركض نحوه ولن يجد غير السراب، فيموت عطشا!!! أيها الناس لقد اتسع الخرق على الراتق، لاسيما وإن "الراتق المنقذ!" قد ساهم في الخرق وتوسيعه.

23
كاظم حبيب
العوامل الكامنة وراء نجاح انقلاب شباط/فبراير 1963 في العراق - في الذكرى السنوية 56 لانقلاب البعث الدموي-

 شكل حزب البعث العربي الاشتراكي الهيكل الرئيسي والعقل المدبر والمنفذ الفعلي لانقلاب الثامن من شباط/فبراير 1963 1، في حين لعبت القوى القومية الأخرى، وخاصة في الجيش، الدور المساند والداعم له مثل عبد السلام محمد عارف وعبد الكريم فرحان وصبحي عبد الحميد وعارف عبد الرزاق وعبد الهادي الراوي، إضافة إلى مشاركة بعض المؤمنين المتدينين من الضباط المسلمين المتشددين من أمثال عبد الغني الراوي وغيره، في عملية التنفيذ وليس في التحضير للانقلاب2، وكانت المجموعة الأخيرة ترتبط بالجناح القومي الناصري من الحركة السياسية العراقية، في حين كان العقيد الركن عبد الغني الراوي يرتبط بشكل أقوى وأوضح بالتيار السياسي والديني للملكة العربية السعودية، وإن كان يعمل تحت خيمة التيار القومي الناصري بجناحه اليميني. لقد بني هذا التعاون السياسي في فترة الانقلاب في ضوء التحالف القديم الذي نشأ في العام 1959 بين القوى القومية بمختلف أجنحتها والقوى البعثية، والذي أطلق عليه في حينها بـ "التجمع القومي" رغم انفضاض عقده بعد سقوط الوحدة المصرية السورية وانسحاب سوريا من تلك الوحدة الشكلية في أعقاب انقلاب 1962، وكذلك التحالف السياسي المباشر المناهض لحكم عبد الكريم قاسم بين قوى البعث والقوى الكُردية. أما التحالف بين القوى القومية والقوى الإسلامية السياسية، شيعية كانت أم سنية، فقد كان تحالفاً عملياً تحقق على الأرض وفي الشارع وفي الموقف العام من حكم وسياسات قاسم الوطنية وقانون الأحوال الشخصية، رغم الفجوة التي كانت قائمة بين فكر وممارسات حزب البعث وبين قوى الإسلام السياسي الشيعية. وإذا كانت قوى الإسلام السياسي الشيعية قلقة من موقفها المناهض لقاسم، بسبب أن غالبية أتباع المذهب الشيعي كانت تميل إلى جانب عبد الكريم قاسم، في حين أن نسبة غير قليلة من أتباع المذهب السني كانت ضد قاسم.
كانت القيادة الفعلية للانقلاب محصورة بيد النواة الصلبة المكونة لقيادة حزب البعث والتي تمثلت قبل انقلاب شباط بالثلاثي على صالح السعدي، أمين سر القيادة القطرية حينذاك، وحازم جواد وطالب شبيب، وكلاهما كان عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث، وكلهم من الشباب الذين لا تزيد أعمارهم حينذاك عن الثلاثين عاماً، إضافة إلى كل من أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وعبد الستار عبد اللطيف ومنذر الوندواي، وهم من أعضاء المكتب العسكري لحزب البعث، وكذلك قيادة فرع بغداد، التي كان حازم جواد مسؤولاً عنها 2. وكانت هذه المجموعة الصغيرة تدير نشاط القيادة القطرية والمكتب العسكري لحزب البعث في آن واحد وتخطط للانقلاب. وكان المكتب العسكري لحزب البعث مسؤولاً عن تنظيم وتأمين العلاقة مع الضباط المرتبطين بحزب البعث أو المساندين لحركة الانقلاب ضد حكومة عبد الكريم قاسم وتوزيع المهمات على المشاركين في الانقلاب. لم يكن للانقلابيين عدد كبير من الضباط المساندين لحركتهم بقدر ما كان للشيوعيين والقاسميين والديمقراطيين من الضباط وضباط الصف والجنود. ومع ذلك نجح الانقلاب البعثي وأطيح بحكم قاسم واستولى البعثيون على السلطة السياسية. والسؤال المشروع الذي يفرض نفسه في هذا المجال هو: لِمَ انتصر الانقلابيون وفشل قاسم في الاحتفاظ بالحكم؟
ويبدو لي مفيداً بلورة الإجابة عن هذا السؤال بنقاط محددة لإدراك عمق المشكلات التي اقترنت بعملية الإطاحة بحكم الفريق الركن عبد الكريم قاسم. إذ يفترض أن نتابع حركة القوى المتصارعة حينذاك، أي كيف كانت تعمل القوى التي تساند وتقف بمستويات مختلفة إلى جانب قاسم، وكيف كانت تعمل القوى المضادة لحكم عبد الكريم قاسم؟ وبصدد الجزء الأول من هذا السؤال يمكن بلورة الجواب بالنقاط التالية:
* هيمنت فردية قاسم على علاقته مع القوى الأخرى وسيطرة القناعة لديه بأنه الحاكم المعبود من الشعب والقادر على قهر كل المتآمرين، وهي صيحة أقرب ما تكون إلى "دار السيد مأمونة" التي أطلقها نوري السعيد حينذاك وقبل إسقاط نظامه الملكي، رغم الفارق بين الشخصيتين وأهدافهما. لم تساعد السمة الفردية والغرور، رغم تواضعه الشخصي قبل ذاك، على الاستعانة بالآخرين لمساعدته في التعرف على الواقع السياسي في البلاد. ورغم معرفته باحتمال حصول انقلاب واعتقال بعض البعثيين، إلا أنه لم يستطع إدراك عمق الأزمة التي كان يعيشها نظامه السياسي خصوصاً والعراق كله عموماً في آن، واستصغر وسخر من القوى المناهضة له وبإمكانياتها. ولهذا لم يتخذ وينفذ مجموعة كبيرة من الإجراءات التي كانت ضرورية والتي كان في مقدورها وضع حد أو إعاقة وقوع الانقلاب أو إفشاله عند وقوعه. والجدير بالإشارة إلى أن عبد الكريم قاسم لم يأمر أو يمارس التعذيب ضد المعتقلين من البعثيين قبل الانقلاب بأيام، للحصول على أسرار الانقلاب، وهو أمر يحسب لصالح قائد ثورة تموز 3. لقد كان قاسم فرداً مستبداً برأيه في تعامله مع الأحداث والواقع العراقي ومع آراء الآخرين الذين نصحوه وحذروه من النشاط التآمري ضده، ولكنه لم يفرض نظاماً دكتاتورياً مطلقاً في البلاد.
* الحرب المجنونة التي فجرها عبد الكريم قاسم ضد الشعب الكُردي والتي استنزفت الكثير من قواه الداخلية والعسكرية وتسببت في زيادة المعارضين وللحرب في كردستان بنسبة عالية. حيث هيمن شعار "السلم في كردستان"، إذ طالبت أغلب القوى السياسية العراقية من قاسم إيقاف القتل وحل المسألة الكُردية بالطرق السلمية وعبر التفاوض المباشر.
* كما أن سياسته غير العقلانية إزاء الكويت ودعوته إلى إلحاقها بالعراق وادعاء عائديتها للعراق وسعيه الفعلي لاستعادتها بالطرق العسكرية، ثد ساهمت في تنشيط كل القوى الدولية، ولاسيما بريطانيا، في تشديد العمل ضد حكومة قاسم.
* وفيما عدا عن ذلك فأن الثقة العالية التي كانت لدى قاسم بنفسه أولاً، وبأن الشعب سيدافع عنه في اللحظة المناسبة ثانياً، ورغبته في تجنب أي حرب أهليه ثالثاً، ساهمت كلها في نجاح الانقلابيين في إسقاط حكم عبد الكريم قاسم. إذ أنه حتى اللحظة الأخيرة رفض إعطاء السلاح للمدافعين عنه خشية وقوع حرب أهلية، خاصة وأنه كان يعتقد جازماً بأن المجتمع منقسم على نفسه بين مؤيد للشيوعيين ومعارض للبعث أو العكس، وبالتالي فأن الحرب ستكون شرسة والضحايا كبيرة.
* ارتفاع مستوى الشك في الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان يدعم عبد الكريم قاسم أكثر من أي قوة سياسية أخرى في البلاد، رغم اختلاف الحزب معه في جانبين، في سياسته الفردية ونزوعه إلى الهيمنة وابتعاده الفعلي عن الممارسات الديمقراطية من جهة، وحربه ضد الشعب الكُردي التي كانت تستنزف قوى البلاد من جهة أخرى. ونشأ هذا الشك عن أسباب عدة، وهي:
   - المعلومات التي بلغت قاسم عن نية بعض الضباط الشيوعيين بتنظيم انقلاب ضده، رغم أنه كان يعرف بأن قيادة الحزب الشيوعي رفضت هذا المقترح، وأنها تسانده، ولكنها تسعى إلى تغيير نهجه السياسي وإجراءاته الفردية. ومع ذلك بقي الشك لديه بالحزب الشيوعي كبيراً ومتفاقماً.
    - تكرار قيام قيادة الحزب الشيوعي العراقي إبلاغ عبد الكريم قاسم عن مواعيد كانت قد وصلتها وتشير إلى احتمال تنفيذ عملية انقلاب ضده من جانب البعثيين والقوميين، كما أصدر الحزب الشيوعي العديد من البيانات والتحذيرات من احتمال وقوع انقلاب وشيك، وكان آخرها في 25/1/1963 5، أي قبل 13 يوماً من وقوع الانقلاب الناجح. ويبدو أن تلك المواعيد التي لم تكن كاذبة، كانت تلغى من قبل المخططين لها وتؤجل لموعد أخر. فارتفع الشك لدى قاسم بأن الشيوعيين يريدون التشويش على علاقته بالبعث والقوى القومية وأنهم يريدون أثارته ضدهم، حتى بلغ به الأمر دعوة القوميين إلى ترشيح ثلاث شخصيات جديدة لتدخل الوزارة ممثلة عنهم، وتم ذلك عبر محمد صديق شنشل، رغم أن البعثيين رفضوا ذلك. ومع أن قاسم قد اعتقل بعض قادة البعثيين، إلا أنه لم يمس القيادة الفعلية بشكل كامل ليتسنى له شل الحركة الانقلابية ومنع تنفيذ المخطط المرسوم. 
    - وقوف الحزب الشيوعي إلى جانب شعار "الديمقراطية للعراق والسلم لكُردستان" أغاظ عبد الكريم قاسم ودفعه إلى ممارسة إجراءات جديدة ضد الحزب الشيوعي وزج المزيد من كوادر وأعضاء الحزب بالسجن وإصدار جملة أحكام ثقيلة ضدهم.
* أدى هذا الشك بالحزب الشيوعي إلى اتخاذ قاسم مجموعة من الإجراءات ضد الشيوعيين، وأهمها:
- فصل الكثير من الضباط الشيوعيين من القوات العسكرية أو إحالتهم على التقاعد أو نقلهم إلى مراكز بعيدة أو غير فعالة.
   - الكف عن التحاور معهم أو استشارتهم أو استشارة المقربين منهم إليه.
   - شن حملة واسعة ضد الشيوعيين من قبل أجهزة الأمن والاستخبارات قادت إلى ارتفاع مستوى المناهضة الفعلية لعبد الكريم قاسم في القاعدة الحزبية للشيوعيين ولدى الكادر الوسط.
* غياب أي شكل من أشكال التعاون الفعلي المنشود بين القوى السياسية العراقية من جهة، وحكومة عبد الكريم قاسم من جهة أخرى، لمواجهة أي محاولة انقلابية محتملة، وغياب الاستعداد الفعلي لمواجهة أي انقلاب محتمل. وكل المؤشرات تؤكد وجود صراعات وخلافات في المعسكر المساند لقاسم بسبب الاختلاف في المواقف حول سياساته ومواقفه إزاء الديمقراطية والحياة الدستورية والحرب في كُردستان والموقف من الكويت ... الخ.
* عدم وجود أسرار في معسكر عبد الكريم قاسم يمكن أن تبقى خافية على الانقلابيين بسبب وجودهم المنتشر في أجهزة الأمن والاستخبارات وفي وزارة الدفاع أيضاً.
* وجدير بالإشارة إلى أن عبد الكريم قاسم لم يكن يعتبر القوى البعثية أو القوى القومية من الناصريين وغيرهم عدوة له، بل كان يعتبرها اتجاهاً فكرياً وسياسياً يختلف معه، ولكن يحق له الحياة والعمل في العراق. ولهذا سكت عن النشاطات التي كان يقوم بها حزب البعث وبقية القوى القومية، رغم إدراكه بأنها موجهة ضده.     
وفي مقابل هذا تمتعت القوى المناهضة لحكم عبد الكريم قاسم بعدة امتيازات ساعدتها على إسقاط حكم قاسم، نشير إلى أهمها فيما يلي:
- الموقف السياسي المشترك لدى القوى البعثية والقومية الناصرية المعارضة لحكم قاسم المصممة على إسقاط النظام، في مقابل التفكك في مواقف القوى المساندة لقاسم.
- حرية الحركة الواسعة التي تمتعت بها القوى البعثية والقومية وكل القوى المناهضة لحكم عبد الكريم قاسم، فهو رغم سياسته الفردية وغير الديمقراطية، تساهل مع القوى المناهضة له التي كانت تريد الانقضاض عليه وعلى نظامه على أساس مبدأ "عفا الله عما سلف".
 - حرية العمل في القوات المسلحة لأغلب البعثيين والقوميين الذين استطاعوا بفعل وجود قوى لهم في مواقع المسؤولية تركيز وجودهم العسكري في مناطق حساسة وقريبة من بغداد ومعسكر الرشيد وقادرة على استخدامها لتوجيه الضربة.
- القدرة في الوصول إلى أدق المعلومات عن تحركات عبد الكريم قاسم ومجموعة الضباط المؤيدين له والقوى المعارضة للانقلابيين من خلال جهاز الأمن وجهاز المخابرات ووزارة الدفاع.
- إشاعة الرعب في صفوف الناس من خلال عمليات الاغتيال ضد الوطنيين أو إشاعة الفوضى بتنظيم الإضرابات الطلابية التي بدأت في 24/12/1962 6، أو حول أسعار البنزين قبل ذاك بكثير وما إلى ذلك.
 - التذمر الشعبي من بعض سياسات قاسم التي أبعدت جمهرة من الناس عن الالتفاف حول نظامه، رغم الحب الذي كان يحظى به.
 - التحالف الواسع الداخلي والعربي والإقليمي والدولي الذي تحقق في مناهضة حكم قاسم والسعي لإسقاطه.
لقد كانت الأرضية صالحة جداً لتنفيذ الانقلاب، وكانت القدرة على إيقافه وصدّه محدودة جداً، بسبب عدم تعاون قاسم مع القوى المساندة له وغياب الموقف المشترك.
تميز الانقلاب الذي وقع في الثامن من شباط/فبراير 1963 بالعنف والدموية وروح الانتقام والثأر من قادة وقوى ومساندي الحكم الجمهوري الأول. وإذ عجز عبد الكريم قاسم عن الدفاع عن نفسه واحتمى بوزارة الدفاع التي اعتبرها "عريناً" له، فأن القوى السياسية الأخرى، ومنها قوى الحزب الشيوعي العراقي بشكل خاص، رفضت الاعتراف بهذا الانقلاب والاستسلام للانقلابيين وقررت بناء على قرار قيادة الحزب وسكرتيرها الأول، سلام عادل، مقاومة الانقلاب والسعي لإفشاله، رغم إدراك سلام عادل بأن إمكانية النجاح في المقاومة ضعيفة جداً بعد أن أدرك ومن خلال اتصاله المباشر بقاسم، بأن الأخير غير مستعد لتسليح الجماهير المدافعة عنه وعن الجمهورية الأولى.
وقفت إلى جانب الحزب الشيوعي في مقاومة الانقلاب قوى شعبية واسعة في العديد من أحياء بغداد وفي أنحاء أخرى من العراق، كما في البصرة التي تصدت بإخلاص وقوة للانقلابيين، ولكن دون أن تمتلك السلاح والقدرة الفعلية على المقاومة، فيما عدا البعض الذي كان قد اختزن سلاحه الشخصي أو استطاع الحصول عليه من بعض مراكز الشرطة كما في الكاظمية مثلاً. ليست تفاصيل المقاومة التي نهضت في أنحاء من العراق وفي أحياء كثيرة من بغداد، مثل الكاظمية وحي الأكراد الفيلية أو الكرادة أو المواقع والشوارع القريبة من وزارة الدفاع وباب المعظم وغيرها هي التي تهم الباحث والبحث، إذ كتب عن هذا الموضوع كثيراً، بقدر ما يهم البحث مدى صواب أو خطأ تلك المقاومة، ومدى التحضير لها والتنسيق مع القوى السياسية الأخرى ومع الحكم في ضوء الاختلال في ميزان القوى الذي تحقق بفعل موقف عبد الكريم قاسم الفعلي من موضوع المقاومة وخشيته من اشتعال حرب أهلية.
كل الدلائل تشير إلى ثلاث وقائع مهمة، وهي:
1.   لم يكن هناك أي تنسيق عملي بين القوى التي كانت تساند عبد الكريم قاسم وبين قاسم نفسه، رغم معرفة الجميع بأن الانقلاب قاب قوسين أو أدنى، وأن قاسم قد نبه إلى ذلك واتخذ بعض الإجراءات، سواء أكان باعتقال بعض البعثيين القياديين، أم بنقل بعض الضباط البعثيين والقوميين ومصادرة بعض الأسلحة التي كانت في مخازن خاصة وضعت لصالح الانقلاب من قبل ضباط بعثيين، كما حصل مع الضابط البعثي خالد مكي الهاشمي. 
2.   لم تكن خطة الطوارئ التي وضعت من قبل الحزب الشيوعي لمواجهة الانقلاب كفيلة بضمان مقاومة ناجحة للانقلاب، خاصة وأن الحزب كله لم يكن على وفاق في سياسته مع حكومة قاسم. ولهذا تعثر تنفيذ الخطة ابتداءً من قبل المسؤول العسكري للجنة العسكرية للحزب الشيوعي والمسؤول عن تنفيذ الخطة أصلاً. حتى أن المسؤول عن تنفيذ الخطة قائد القوة الجوية العراقية الشيوعي والشخصية المحبوبة في القوات المسلحة العراقية الزعيم الطيار جلال جعفر الأوقاتي لم يبلَّغ بضرورة مغادرته البيت إذ أن من كان عليه إيصال الخبر له تعطلت سيارته، ولم يعمد إلى أخذ سيارة أجرة لإيصاله إلى دار جلال الأوقاتي الذي قتل على مقربة من داره وهو بصحبة أحد أبنائه الصغار صبيحة يوم الانقلاب 7، كما لم تكن هناك خطة بديلة في حالة تعثر أي من مراحل الخطة لأي سبب كان.
3.   لم يكن الشعب العراقي موحداً في موقفه من حكم عبد الكريم قاسم، خاصة وأن موقف الغالبية الكُردية كانت ضد حكومة قاسم ومتحالفة مع قوى البعث والقوى القومية لإسقاط حكومته، كما أن جمهرة كبيرة من العرب لم تعد تثق بسياسة قاسم غير الديمقراطية. أما القوى الشعبية التي كانت تريد الدفاع عنه فكانت لا تمتلك القيادة السياسية والعسكرية الموحدة والقادرة على منحها التوجيهات والأسلحة لكسب المعركة ضد الانقلابيين.
وعلينا أن نعي مسألة أخرى هي كثرة من الجماهير التي ركضت في مظاهرات انتصار ثورة 14 تموز 1958، يمكن أن تركض وراء كل انقلاب يحصل في البلاد، فهم جزء من المجتمع الهامشي المسحوق الذي كان ينتظر من كل حركة انقلابية الحصول على مكاسب معينة، إذ لا تربطه بالانقلابيين أياً كانوا أي توافق أو تناغم فكري وسياسي بأي حال. وأن هذه الجماهير التي استفادت من الثورة في البداية تعرضت إلى الكثير من المشكلات حيث بدأت الثورة بالتعثر والوضع السياسي بالتراجع. 
إن الدعوة إلى مقاومة الانقلاب استندت لدي قيادة الحزب الشيوعي العراقي إلى عدد من الركائز المهمة، وهي:
1.   القناعة التامة بأن المغامرين الجدد ينفذون سياسة مرتبطة بهذا القدر أو ذاك بالاستعمار البريطاني والشركات النفطية الدولية والولايات المتحدة الأمريكية، وهي بالتالي تشكل جزءاً من مخطط دولي يستهدف المنطقة بأسرها ويقوم على مناهضة حركة التحرر الوطني العربية وفي المنطقة، إضافة إلى كونه موجهاً ضد الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية. ولم تكن الحركة الوطنية العراقية مخطئة حين اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بدعم الانقلاب في العراق وأن الانقلابيين جاءوا بقطار أمريكي، على وفق تصريح علي صالح السعدي في العام 1963، إذ أن السفير الأمريكي الحالي هيل أوضح بتاريخ 19/2/2010 في تصريح واسع له عن أوضاع العراق والانتخابات قوله:
"وأشار بشكل صريح الى انه في الستينيات عندما كانت الولايات المتحدة قلقة جداً من احتمال انتشار الشيوعية إلى العراق، كان البعث يرى باعتباره بديلاً عن الشيوعية، حيث كانت الولايات المتحدة في حقيقة الأمر تفضل البعثية، وكذلك في عملية عام 1968 والتي أدت إلى عودة البعثيين و كانت الولايات المتحدة تفضل ذلك على أن يصبح فيها العراق شيوعياً" 8 .
2.   والقناعة بأن الانقلاب مناهض لمصالح الشعب وحرية الوطن ولا يخدم قضية الديمقراطية والتقدم الاجتماعي، بل هو ردة رجعية تدفع بالبلاد إلى الوراء وسقوط في الممارسة الشوفينية والرجعية. وقد جاء فيما بعد في حديث شخصي للملك حسين بن طلال مع محمد حسنين هيكل حول انقلاب البعث في العام 1963 قوله:
"تقول لي أن الاستخبارات الأميركية كانت وراء الأحداث التي جرت في الأردن عام 1957. أسمح لي أن أقول لك إن ما جرى في العراق في 8 شباط (فبراير) قد حظي بدعم الاستخبارات الأميريكية. ولا يعرف بعض الذين يحكمون بغداد اليوم هذا الأمر ولكني أعرف الحقيقة. لقد عُقدت اجتماعات عديدة بين حزب البعث والاستخبارات الأميركية، وعقد أهمها في الكويت. أتعرف أن ... محطة إذاعة سرية تبث إلى العـراق كانت تزود يوم 8 شباط (فبراير) رجال الانقلاب بأسماء وعناوين الشيوعيين هناك للتمكن من اعتقالهم وإعدامهم" 9 . 
3.   وأن التحالف بين الحركة الكُردية وقوى الانقلاب لم يكن سوى هروب الحركة الكُردية إلى أمام من الواقع القائم بأمل الخلاص من حكم عبد الكريم قاسم، ولكن قوى البعث لم تكن مستعدة بأي حال الاستجابة لحقوق الشعب الكُردي، بل كانت تصم الحركة الكردية بـ"أنها حركة استعمارية مشبوهة"، كما جاء في جريدة الاشتراكي التي كان يصدرها حزب البعث قبل سقوط النظام بأسابيع قليلة 10. وفي تشرين الثاني من العام 1962 أصدر حزب البعث بياناً نشر في صحافته تضمن الفقرة التالية بشأن الحركة المسلحة التي كان يقودها ملا مصطفى البارزاني:
"إن الحركة المسلحة في الشمال وموقف عبد الكريم قاسم منها، تفوح منهما رائحة التآمر والتواطؤ مع الاستعمار، فقيادة الحركة المسلحة بماضيها وحاضرها الملطخ بالدماء والمتصف بالاعتداء، ونياتها العدوانية التي أفصحت عنها مراراً وتعصبها الأعمى، يجعلها محلاً للريبة والاتهام. وأن موقف تركيا وإيران عضوي (السنتو) من الحركة، ورعايتهما هذه الحركة وتغذيتها بكل ما تحتاج إليه من مؤن وعتاد، يحول هذا الاتهام إلى يقين وإدانة" 11. وعلينا أن نقدر مدى الخطأ الفادح الذي وقعت فيه الحركة الكردية بقيادة ملا مصطفى البارزاني في تحالفها مع حزب البعث والقوى القومية لإسقاط الجمهورية الأولى والخلاص من عبد الكريم قاسم للحصول على حقوق الشعب من قوى لا تعترف بوجود للشعب الكردي أساساً.
4.   إن القوى البعثية والقومية سوف ترتكب مجازر بشعة بحق قيادة وكوادر وأعضاء ومؤيدي الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية وضد مؤيدي قاسم أيضاً، إضافة إلى المخاطر التي تتهدد الضباط المختلفين معهم، وبالتالي لا بد من المقاومة لتجاوز المحنة المحتملة الأكثر قسوة، في حالة نجاح الانقلاب.
5.   وكانت قيادة الحزب الشيوعي تعتقد أيضاً بأن الجماهير ستهب دفاعاً عنى النظام الجمهوري وعن مكاسبها، كما أن قاسماً سيمنح الشعب ثقته ويمده بالسلاح والعتاد لمقاومة الانقلاب والذي لم يتحقق.
ومع ذلك فقد تكونت لديَّ القناعة بأن الدعوة للمقاومة جسدت حالة عاطفية لدى سلام عادل وقيادة الحزب، إن كانت قد اتخذت القرار بشكل مشترك، أكثر منها عملية عقلية مدروسة على أرض الواقع. ورغم القناعة المتوفرة أيضاً بأن الانقلابيين حتى لو لم تكن هناك مقاومة مسلحة ضدهم، لقاموا بذات المجازر الدموية التي ارتكبوها ضد حكم عبد الكريم قاسم وضد الناس الذين ساندوه أو حتى الذين اختلفوا معه ورفضوا سياساته. لقد كانت الكراهية والحقد وحب الانتقام والهيمنة الكاملة على السلطة السياسية في أعلى وأقسى وأسوأ صورها لدى حزب البعث.
لقد أصدر الحزب الشيوعي العراقي بتاريخ 3 كانون الثاني/يناير 1963 بياناً علنياً أشار فيه إلى ما يجري في الخفاء لتنفيذ انقلاب بعثي - قومي ضد حكم عبد الكريم قاسم وحذر من العواقب الوخيمة لنجاح مثل هذا الانقلاب. فقد جاء في البيان ما يلي:
"هناك معلومات متوفرة تشير إلى أن الكتائب المدرعة في معسكرات بغداد ولواء المشاة التاسع عشر أصبحت مراكز لنشاط عدد كبير من الضباط الرجعيين والمغامرين الذين يأملون بتحويل هذه المراكز إلى قواعد انطلاق لانقضاض مفاجئ على استقلال البلاد، وقد حددوا موعداً بعد آخر لتحقيق هذا الغرض. وللموعد الحالي مغزى خاص نظراً لخطورة الأزمة السياسية الراهنة وعدد الزيارات التي يقوم بها بعض كبار الجواسيس الأميركيين لبلدنا" 12.
لقد كانت لدى الحزب الشيوعي العراقي معلومات موثوقة بأن حزب البعث والقوى القومية والمتحالفة تستعد لتنفيذ عملية انقلابية ضد نظام الحكم وبلغا قاسم به عبر الكثير ممن كانوا يتصلون به حينذاك، كما أن الأستاذ الراحل محمد حديد هو الآخر قد بلغ عبد الكريم قاسم بوجود مؤامرة تستهدف النظام وشخص عبد الكريم. ولكن قاسماً كان قد فقد الثقة بهؤلاء واعتمد على جواسيس البعث الذين احتلوا مواقع مهمة في أجهزة الأمن العراقية.
وبعد الانقلاب أصدر الحزب الشيوعي بياناً نارياً جاء فيه ما يلي:
" إلى السلاح لسحق المؤامرة الاستعمارية الرجعية
أيها المواطنون! يا جماهير شعبنا المجاهد العظيم! أيها العمال والفلاحون والمثقفون وسائر القوى الوطنية والديمقراطية!
قامت زمرة تافهة من الضباط الرجعيين المتآمرين بمحاولة يائسة للسيطرة على الحكم، تمهيداً لإرجاع بلادنا إلى قبضة الاستعمار والرجعية فسيطرت على مرسلات الإذاعة في أبي غريب وهي تحاول أن تثير مذبحة بين أبناء جيشنا الباسل لتنفيذ غرضها السافل الدنيء في السيطرة على الحكم.
إن جماهير شعبنا المجاهد حفار قبر المؤامرات، وجماهير جيش 14 تموز حفار قبر الملكية والاستعمار، ينهضان الآن كرجل واحد للدفاع عن استقلال البلاد ولدحر المؤامرة والمتآمرين، أعوان وصنائع الاستعمار والرجعية، والتأهب لرد أية محاولة استعمارية خارجية للتدخل في شؤون البلاد.
إلى الشوارع يا جماهير شعبنا الأبي المجاهد، لكنس بلادنا من الخونة المارقين.
إلى السلاح للدفاع عن استقلالنا الوطني وعن مكاسب شعبنا.
إلى تشكيل لجان الدفاع عن الاستقلال الوطني في كل معسكر وكل محلة ومؤسسة وفي
كل قرية.
إلى الأمام.
إلى تطهير الجيوب الرجعية، وسحق أية محاولة استعمارية في أية ثكنة وأية بقعة من بقاع البلاد.
إن الشعب بقيادة القوى الديمقراطية سيلحق العار والهزيمة بهذه المؤامرة السافلة، كما سبق أن سحق بلمحة خاطفة مؤامرة الكيلاني والشواف وغيرها ... إننا نطالب الحكومة بالسلاح.
فإلى الأمام، إلى الشوارع، إلى سحق المؤامرة والمتآمرين.
بغداد في 8 شباط 1963       الحزب الشيوعي العراقي" 13
 
أدى النداء الذي أطلقه الحزب الشيوعي لمقاومة الإرهاب إلى نزول جماهير واسعة من الناس إلى الشوارع في محاولة منها لمواجهة الانقلاب، في وقت كانت لا تمتلك أسلحة تساعدها على مواجهة الانقلابيين. في مقابل هذا عجز عبد الكريم قاسم عن استخدام الإذاعة لبث نداءاته التي كان يريد إيصالها إلى الجمهور والموجهة ضد الانقلابيين وطمأنة الناس بأن هذه الحفنة من الخونة الانقلابيين سينهزمون، إذ كان الانقلابيون قد سيطروا على محطة البث أولاً، ولآن الذين تسلموا البيان لإيصاله إلى دار الإذاعة إما عجزوا عن ذلك أو كانوا متواطئين مع الانقلابيين. تضمن أحد ندائي عبد الكرم قاسم النص التالي:
"من الزعيم عبد الكريم قاسم إلى أبناء الشعب الكرام وإلى أبناء الجيش المظفر، إن أذناب الاستعمار وبعض الخونة والغادرون والمفسدون الذين يحركهم الاستعمار لسحق جمهوريتنا، الذين يحاولون بحركات طائشة النيل من جمهوريتنا ولتقويض كيانها. إن الجمهورية العراقية الخالدة وليدة ثورة 14 تموز الخالدة لا تسحق وأنها تسحق الاستعمار وتسحق كل عميل خائن، نحن نعمل في سبيل الشعب وفي سبيل الفقراء بصورة خاصة. وتقوية كيان البلاد. فنحن لا نقهر وأن الله معنا.
أبناء الجيش من مختلف الكتائب والأفراد، أيها الجنود البررة مزقوا الخونة اقتلوهم، اسحقوهم إنهم يتآمرون على جمهوريتنا ليحطموا مكاسب ثورتنا هذه الثورة التي حطمت الاستعمار وانطلقت في طريق الحرية والنصر. وإنما النصر من عند الله وأن الله معنا. كونوا أشداء أسقطوا الخونة والغادرين. أبناء الشعب في كل مكان، أسقطوا الخونة والغادرين، والله ينصرنا على الاستعمار وأعوانه وأذنابه" 8/2/1963. 14
لم يتسن لقاسم إيصال نداءاته إلى ضباط الجيش العراقي ولا إلى الشعب، في حين تمكن الحزب الشيوعي العراقي من إيصال بيانه ودعوته لمقاومة الإرهاب إلى أوساط غير قليلة من الجيش والشعب، فهب الشارع البغدادي محاولاً الوصول إلى وزارة الدفاع للمشاركة في الدفاع عن الجمهورية وقاسم في آن واحد، كما تحرك بعض الضباط الشيوعيين ومن مؤيدي قاسم أو الديمقراطيين الرافضين لقوى حزب البعث والقوى القومية، إلا أنهم حوصروا من قبل من كانت بيده المبادرة في احتلال رؤوس الجسور والطرق الخارجية أو مناطق مهمة من بغداد. لقد صمم الانقلابيون على ممارسة جميع أشكال العنف في مواجهة أتباع قاسم ورفاق الحزب الشيوعي العراقي، وخاصة القوى التي أرسلت للسيطرة على وزارة الدفاع، حيث مقر عبد الكريم قاسم.
بدأت التحركات الشعبية في الكاظمية والكرادة وحي الأكراد والكريمات وفي مناطق أخرى من الرصافة، إضافة إلى تحركات في مواقع عسكرية.
لقد تمت سيطرة الشيوعيين وأتباع قاسم على الكاظمية وخاضوا معارك ناجحة ضد القوات التي وقفت إلى جانب الانقلاب، إلا أن ميزان القوى قد اختل بعد توجيه المزيد من القوات العسكرية ونهوض تعاون بين البعث وجماعة الشيخ الخالصي في الكاظمية حيث ضربت مناطق شعبية بالمدافع وقتل الكثير من الشيوعيين وأصدقاء الحزب في تلك المعارك.  كما وقعت معارك في حي الأكراد في محلة باب الشيخ وفي الكريمات والكرخ والكرادة ومناطق أخرى من العراق، إلا أنها كانت دون جدوى.
اختلفت التقديرات عن عدد الذين سقطوا في معارك الأيام الثلاثة، حيث قدر زكي خيري عدد القتلى من الشيوعيين والقاسميين والديمقراطيين بحدود 5000 إنسان، في حين قدر آخرون بتراوح العدد بين 12000-15000 إنسان، كما أن تقديرات أخرى ذكرت بأن عدد الشهداء الذين سقطوا في تلك المعارك بلغ بحدود 1500 إنسان، وأكثرهم كان من الشيوعيين والديمقراطيين. كتب زكي خيري يقول:
"وبلغ عدد القتلى خلال الأيام الثلاث الأولى من الانقلاب 5000 شخص في المقاومة وفي ملاحقة الشيوعيين من بيت إلى بيت" 15. أما حنا بطاطو في كتابه "العراق" أو "الطبقات الاجتماعية في العراق" فقد كتب يقول: "وفي تقديرات الشيوعيين ان لا أقل من 5000 "مواطن" قتلوا في القتال الذي جرى من 8 إلى 10 شباط (فبراير) وخلال الاصطياد الشرس للشيوعيين من بيت إلى بيت في الأيام التي تلت" 16. ثم يقول متابعاً:
"وذكر مصدر في الفرع الأول من مديرية الأمن العراقية للمؤلف في العام 1967 أن عدد القتلى للشيوعيين يومها وصل إلى 340 قتيلاً. وقدر مراقب دبلوماسي أجنبي حسن الاطلاع ولا يرغب في ذكر اسمه مجموع عدد القتلى بحوالي 1500، ويتضمن هذا الرقم ما يزيد على مئة جندي سقطوا داخل وزارة الدفاع و "شيوعيين كثيرين" 17. أما عدد البعثيين الذين قتلوا في هذه المعارك فقد قدر بالعشرات، إذ ذكر حنا بطاطو ذلك بقوله: "أما البعثيون فيقدرون خسائر حزبهم بثمانين شخصاً" 18.
قدم حي الأكراد معركة بطولية وملحمية يائسة ضد الانقلابيين بقيادة عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي محمد صالح العبلي، الذي اعتقل فيما بعد مع عدد من أعضاء قيادة وكوارد وأعضاء وأصدقاء الحزب وعذبوا بشراسة واستشهد الكثير منهم تحت التعذيب. وإذ بدأ القتال في هذا الحي بمشاركة ما يقرب من 4000 مقاوم، تقلص العدد إلى 1500 مقاوم في اليوم الثاني من الانقلاب وإلى 500 مقاوم في اليوم الثالث منه، وجلهم من الشيوعيين وأصدقاء الحزب ومن أبناء حي الأكراد 19. وكانت خاتمة المعارك ونهاية المقاومة المسلحة للانقلاب الدموي الفاشي في الأساليب التي استخدمها ضد القوى السياسية المعارضة له وضد الشعب بشكل عام.

                 
الهوامش والصادر
   كتب السيد عزيز الدفاعي يقول: "آن مذكرات أكرم الحوراني والمرحوم طالب شبيب وتصريحات علي صالح السعدي أمين سر الجناح اليساري لحزب البعث آنذاك التي أكد فيها بان البعثيين وصلوا إلى السلطة على ظهر دبابة أمريكية ينفيها الجناح الآخر من الحزب كما آن مذكرات هاني الفكيكي (أوكار الهزيمة) لا تعيننا كثيرا في تقديم تفسيرات ووقائع معززة بالوثائق والأدلة والاعترافات الرصينة حول الدور الذي قامت به واشنطن في إسقاط جمهورية الزعيم وإعدام المئات من كوادر الحزب الشيوعي العراقي حسب ادعاءات هؤلاء الساسة والمؤرخين.
بعد نصف قرن على تلك الفترة الكارثية من تأريخ بلاد مابين النهرين في العصر الحديث يشير كاتبان أمريكيان مرموقان وهما NAUM CHOMSKY الحائز على جائزة نوبل و MILAN RAI  في كتابهما WAR PLAN IRAQ)) آن وليام ليكلاند مسؤول المخابرات المركزية في السفارة الأمريكية في بغداد بالتعاون مع عدد من الجنرالات العراقيين وقادة حزب البعث قد نجح في رسم خطة انقلاب 8-فبراير- شباط عام 1963 والتي اعتبرها السوفيت آنذاك صفعة قوية وجهت لهم ولطموحاتهم في العراق". (راجع: الدفاعي، عزيز. العراق في الحقبة الأمريكية. الجزء الأول. الحوار المتمدن. العدد 2064 في 10/10/2007. (المقصود هنا قطار أمريكي وفق ما جاء في تصريحات على صالح السعدي، وليس على ظهر دبابة أمريكية، كاظم حبيب).
وجاء في حوار مع الدكتور عقيل الناصري أجراه السيد مازن لطيف علي بهذا الصدد ما يلي: "وقد افتخر بعض ضباط المخابرات الأمريكية بمساهمتهم في إنجاح الانقلاب المضاد لقاسم. وهذا ما أشار إليه جيمس إيكنيس الذي عمل في السفارة الأمريكية في بغداد في مرحلة تموز/ قاسم النيرة، حيث قال عن قادة البعث: "عرفت كل زعماء البعث وأعجبت بهم" ويؤكد أن " المخابرات الأمريكية لعبت دوراً في انقلاب حزب البعث عام 1963. لقد اعتبرنا وصول البعثيين إلى الحكم وسيلة لاستبدال حكومة تؤيد الاتحاد السوفيتي بحكومة أخرى تؤيد أمريكا. إن مثل هذه الفرص قلما تتكرر. ويضيف إيكنيس "صحيح أن بعض الناس قد اعتقلوا أو قتلوا إلا أن معظم هؤلاء كانوا شيوعيين ولم يكن ذلك ليزعجنا ". بمعنى آخر كانت هنالك أموال أمريكية بل ومشاركة فعلية على الأرض. راجع الناصري، عقيل. انقلاب شباط 1963 في العراق وتخاذل الوعي العنفي. نشر في الحوار المتمدن بتاريخ 11/2/2007.
راجع: الدفاعي، عزيز. العراق في الحقبة الأمريكية. الجزء الأول. الحوار المتمدن. العدد 2064 في 10/10/2007 . (المقصود هنا قطار أمريكي وفق ما جاء في تصريحات على صالح السعدي، وليس على ظهر دبابة أمريكية، كاظم حبيب).
- راجع أيضا: الناصري، عقيل. انقلاب شباط 1963 في العراق وتخاذل الوعي العنفي. نشر في الحوار المتمدن بتاريخ 11/2/2007.
 

2 الفكيكي، هاني. أوكار الهزيمة. تجربتي في حزب البعث العراقي. مؤسسة المنار. لندن-قبرص. 1992. ص 235.
3 سعيد، علي كريم د. عراق 8 شباط 1963. من حوار المفاهيم إلى حوار الدم. مراجعة في ذاكرة طالب شبيب. بيروت. دار الكنوز الأدبية. ط 1. 1999. ص 49.
4 سعيد، علي كريم د. عراق 8 شباط. مصدر سابق. الهامش. ص 58. يقول الكاتب الراحل الدكتور علي كريم سعيد بهذا الصدد وفي هذا الهامش رقم 1 ما يلي: "واعتقد أن تسامح قاسم وعدم استخدامه التعذيب الوحشي والقسوة ومعاقبة الزوجة والأطفال والأخوان ... الخ  مما مارسته الحكومات التالية، ساعد البعثيين في تنفيذ خطتهم ضده. فلم يكن قاسم وحده يعرف بوجود حركة يخطط لها ضد نظامه، بل علم بذلك مجلس الوزراء بكامله وعدد من المهتمين. فقد حدثتني الدكتورة مي ألأوقاتي أن خالها هاشم جواد (وزير خارجية قاسم) أخبرهم أن مجلس الوزراء بحضور قاسم أُعلِمَ أكثر من مرة بمحاولة سيقوم بها البعثيون".
5  يوسف، ثمينة ناجي، وخالدو نزار. سلام عادل سيرة نضال. في جزئين. الجزء الثاني. ط 1. دمشق. دار المدى للثقافة والنشر. 2001. ص 336.   
6  - بطاطو، حنا. العراق. الكتاب الثالث. مصدر سابق. ص 286.
7 - خيري، زكي وسعاد. دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. المجلد الأول. ط 1. لندن. 1984. ص 372.
8  بطاطو، حنا. العراق. مصدر سابق. ص 289.
9  موقع الوكالة الوطنية العراقية للأنباء. نينا. في 19/2/2010.
10  بطاطو، حنا. العراق. مصدر سابق. الكتاب الثالث. ترجمة عفيف الرزَّاز. ط 1. بيروت. مؤسسة الأبحاث العربية. ص 300.
 11 خيري، زكي وسعاد. دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. المجلد الأول. ط 1. لندن. 1984. ص 377.
12 العاني، نوري عبد الحميد د. وصحبه. تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري. 1958-1968. الجزء الخامس. ط 1. بغداد. المطبعة العربية. 2002. ص 228.
13 بطاطو، حنا. العراق. الكتاب الثالث. مصدر سابق. ص 287. 
14 العاني، نوري عبد الحميد د. وصحبه. تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري. الجزء السادس. مصدر سابق. ص 26.
15 أورد الدكتور علي كريم سعيد بياناً أخر كتبه الفريق الركن عبد الكريم قاسم موجهاً إلى الجيش والشعب في العراق، ولكنه لم يصل إلى أسماع العراقيين بسبب إما تغييبه مع البيان= =الثاني أو بسبب خيانة جاسم العزاوي الذي كان المفروض أن يوصله لبثه من دار الإذاعة العراقية. ولا يختلف النص الأول عن النص الثاني إلا ببعض الكلمات، والمحتوى يبقى واحداً يؤكد ثقة قاسم بالجيش والشعب وبقدرتهما على سحق الانقلاب، دون أن يكون قد اتخذ الإجراءات الكفيلة بالتصدي للانقلاب. راجع في هذا الصدد: سعيد، علي كريم د. عراق 8 شباط 1963. مصدر سابق. ص 78.   
16 خيري، زكي وسعاد. دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. مصدر سابق. ص 382.
17 بطاطو، حنا. العراق. الكتاب الثالث. مصدر سابق. ص 298.
18 المصدر السابق نفسه. ص 298.
19 المصدر السابق نفسه. ص 297.


24
كاظم حبيب
من هم قتلة الروائي والكاتب علاء المشذوب؟
هل تعتقد الحكومة العراقية إن العقلاء من الناس بالعراق لا يعرفون من هم قتلة الدكتور علاء المشذوب؟ هل تعتقد حقاً بأن الناس العقلاء لا يعرفون بأن الحكومة العراقية تعرف تمام المعرفة من هم القتلة ومن وجههم بالقتل؟ هل تعتقد أيضاً بأن وزارة الداخلية وأجهزة الأمن الداخلية المليئة بالميليشياويين ومستشار الأمن الوطني ورئيس الحشد الشعبي كلهم لا يعرفون من هم قتلة شهداء الشعب والوطن من المثقفين العراقيين الآخرين الذي استشهدوا بذات الطريقة التي استشهد بها الروائي والكاتب والمثقف العراقي د. علاء المشذوب؟ إن القتلة أيها "السادة!" لا يحتاجون إلى العمل في الخفاء كالخفافيش التي تختفي خلف جنح الظلام لتمارس القتل، إنهم قتلة محترفون ينفذون أوامر بالقتل صدرت لهم ويحملونها في جيوبهم ويجوبون بها الشوارع بمدن الجنوب والوسط وبغداد بدراجاتهم البخارية وعرباتهم الحكومية ليمارسوا الاختطاف والتعذيب وإطلاق الرصاص من كواتم الصوت أو بدونها لاغتيال الضحايا على الطريقة التي تعرض لها الشهيد د. علاء المشذوب، وتماما كما حصل قبل ذاك، في فترة حكومة المستبد بأمره نوري المالكي ببغداد حين تم اغتيال المسرحي والكاتب هادي المهدي، ومن ثم المثقف التنويري والكاتب الشيوعي المبدع كامل عبد الله شياع، وكما حصل لمئات من العلماء في مجال الطب والهندسة وغيرها من العلوم، أو كما حصل لمئات الصحفيين والإعلاميين والعلماء والمواطنات والمواطنين العراقيين خلال السنوات المنصرمة من الحكم الطائفي المحاصصي المقيت. نحن، أخص العقلاء من العراقيات والعراقيين، وأنتم يا أركان الحكومة الطائفية السياسية المقيتة، نعرف بالتحديد من هي القوى التي يهمها اغتيال الفكر الديمقراطي الحر، اغتيال الكلمة الصادقة والحرة والمعبرة عن أماني الشعب وآماله والمخلصة لقضية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، اغتيال من يكشف ملفات الفساد ويتحدث عن المليارات التي سرقت بالعراق، وكذلك من سرق ويسرق يومياً اللقمة من أفواه الجياع والمعوزين والمرضى والمعوقين والأرامل والأطفال المشردين. نحن، وأنتم أيها الحكام بالعراق، أدرى بتلك القوى الميليشياوية الطائفية المسلحة التي تأتمر بأوامر أحزابها الإسلامية السياسية وبمن يقودها من وراء الحدود، من إيران، الحكم وشيوخ الطائفية السياسية. وإذ نقوم نحن بكشف هوية المجرمين القتلة ومن يوجههم، تقومون أنتم بالتستر عليهم، لأنهم جزء منكم وليسوا بعيدين عنكم، أنهم أنتم!
قيل قديما، ولا زلنا نردد بصواب إن الشعب العراقي "مفتح باللبن" وأنه "يقرأ الممحي والمكتوب"، هذا القول صحيح لملايين من العراقيات والعراقيين، ولكن مع الأسف الشديد لم يشمل كل العراقيات والعراقيين حتى الآن، بل هناك الملايين التي لا تزال الغشاوة تحرم بصرها وبصيرتا من رؤية الحقائق والوقائع، وإلا لما بقي هؤلاء "السادة!" الفاسدون في الحكم ولو لليلة واحدة. ولما استطاع هؤلاء الحكام، وعلى مدى 16 عاماً، الضحك على ذقون كثرة من بنات وأبناء الشعب العراقي، ومواصلة الحكم بالطريقة ذاتها التي حكموا بها العراق خلال السنوات المنصرمة رغم المطالبة بالإصلاح التغيير الفعلي للنظام الطائفي المحاصصي. ومن اعتقد بأن الحكام القدامى الجدد في هذا العهد الطائفي المرير، في حكومة عادل عبد المهدي في الجمهورية الخامسة الطائفية، سيغيرون الأوضاع وينتقلون إلى مرحلة غير طائفية وغير محاصصية وغير تابعة لإيران، خاب اعتقاده، وهم كمن نسى القول العراقي الشهير: هل تنتظر من شفاثة عافية (الصحيح شثاثة، وهي كلمة آرامية تعني الصافية، وهي قضاء عين تمر التابع لمحافظة كربلاء)، أو كما ذكرت مرة في مقالٍ سابق لي قول الشاعر العربي المخضرم كعب بن زهير في قصيدة (البردة)، ولا بأس من إعادة نشره:
ولا تَـمَسَّكُ بـالعَهْدِ الـذي زَعَمتْ *** إلاَّ كَـما يُـمْسِكُ الـماءَ الـغَرابِيلُ
فـلا يَـغُرَّنْكَ مـا مَنَّتْ وما وَعَدَتْ *** إنَّ الأمـانِـيَّ والأحْـلامَ تَـضْليلُ
كـانَتْ مَـواعيدُ عُـرْقوبٍ لَها مَثَلا *** ومــا مَـواعِـيدُها إلاَّ الأبـاطيلُ
وإذا كان حيدر العبادي قد وفى بإدارة عملية تحرير نينوى وابتعد خوفاً ورعباً من المس بملف الفساد وجُبن أمام الحيتان الكبيرة أن تبتلعه، فأن عادل عبد المهدي و"رغم الجعجعة بلا طحين" التي أثارها، أو "العربة الفارغة كثيرة الجعجعة"، حين أعلن تشكيل مجلس أعلى لمكافحة الفاسد ومحارية المفسدين"، فأنه سوف لن يتخذ الخطوات الفعلية ليمسك بتلابيب كبار الفاسدين والمفسدين المعروفين للشعب العراقي كله والذين يطرح، الإعلام المحلي والإقليمي والعالمي المطلع جيداً على أوضاع وفساد العراق، أسماؤهم يومياً، إذ أن أغلبهم من جاءوا به إلى الحكم وبموافقة مباشرة من إيران ليكون مرحلة انتقالية لصالح عبور تمهيداً لمجيء ذات القوى الموبوءة والمرفوضة من الشعب والتي تتحرك حول المستبد بأمره رئيس الوزراء الأسبق في العراق، والذي يحاول تجسين صورته دون فائدة. إن هذا المجلس شكل ليلهي الناس به وإلا لاستفاد من الهيئات والمؤسسات الموجودة أصلاً لهذا الغرض.
ليكن الشعب شاهداً على ما أقول: أن رئيس الحكومة ووزارة الداخلية والقضاء العراقي سيتوصلان إلى نتيجة واحدة: غلق قضية اغتيال الروائي العراقي الديمقراطي د. علاء المشذوب، وستسجل في سجلات الشرطة ضد متهمين مجهولين، كما حصل في قضيتي الشهيدين هادي المهدي وكامل شياع ومئات القضايا الأخرى، سواء أكانت اغتيالات أم فساد أم أجهزة فحص فاسدة أم ..الخ.
ولكن هل على الشعب العراقي أن نقبل بهذه المهزلة المستمرة؟ لا، على الإطلاق، يجب أن يرفض ذلك! من واجب المجتمع أن ينهض، أن ينتفض ضد هذه السياسة الجهنمية التي قادت وتقود إلى موت المزيد من المثقفين والمثقفات، والكثير من المواطنات والمواطنين الآخرين في العراق، بالأمس في بغداد، ومن ثم في البصرة، وبعدها في كربلاء وقبل ذاك وبعده في مدن عراقية أخرى.
اتفق تماماً مع دعوة تجمع عقلاء برئاسة البروفيسور الدكتور قاسم حسين صالح الموجهة إلى المجتمع العراقي، إلى منظمات المجتمع المدني وعقلاء الشعب العراقي، للتظاهر والاحتجاج والمطالبة بالتحقيق "السريع والنظيف" للكشف عن القتلة ومن وجههم للقتل وإعلان النتائج على الرأي العام العراقي والعالمي ومحاسبة الفاعلين. إنها الطريقة الوحيدة لتحريك الشارع العراقي لتحقيق نتيجة أفضل مما نتوقعه من الحكم الطائفي المحاصصي المقيت القائم.
الذكر الطيب للشهيد علاء المشذوب والعزاء لعائلته ومحبي أدبه وشخصه، والخزي والعار للقتلة المجرمين ومن يقف وراءهم.
كاظم حبيب       
       

25
كاظم حبيب
ألا يحق للشعب توجيه الاتهام لبوش الأب والابن بارتكاب جرائم في العراق؟
هذا السؤال، ومنذ سنوات، يتبادر إلى أذهان ملايين البشر ليس في العراق حسب، بل وفي الكثير من أرجاء العالم. جورج بوش الأب هو الذي أعلن حرب العام 1991 ضد العراق بذريعة تحرير الكويت. وجورج دبليو بوش الابن هو الذي أعلن حرب العام 2003 ضد العراق بذريعة وجود أسلحة دمار شامل وإزاحة الدكتاتورية البعثية والصدامية عن الحكم وإرساء الديمقراطية في العراق! وقبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من الإجابة عن سؤالين آخرين مهمين هما: هل كانت الحرب الأمريكية الأولى ضرورية حقاً لتحرير الكويت أم كان بالإمكان تحريرها دون تلك الحرب؟ وهل كانت الحرب الأمريكية الثانية لتدمير أسلحة الدمار الشامل في العراق ضرورية أم كان وجود هذه الأسلحة كذبة فعلية، إذ كان المفتشون الدوليون وصدام حسين نفسه قد أنهوا قب بدء الحرب وجود هذه الأسلحة، وكانت الولايات المتحدة تعرف ذلك قبل غيرها؟
لقد كتبت ونشرت مجموعة كبيرة من المقالات في حينها أكدت فيها إمكانية تحرير الكويت دون حرب، وإن التحرير سيتم فعلاً ويحتاج إلى فترة زمنية قصيرة جداً لتحقيق الهدف المنشود، أي فرض انسحاب القوات العسكرية العراقية بالكامل من الكويت دون حرب، إذ إن الموقف الدولي وبدء الحصار والكثير من المؤشرات الأخرى كانت تؤكد إمكانية انسحاب العراق من الكويت خلال شهر أو شهرين أو حتى أقل من ذلك. فما هي أسباب شن الحرب؟ الأهداف الحقيقية وراء تلك الحرب كانت واضحة، ومنها بشكل خاص: الهيمنة الفعلية الكاملة على منطقة الشرق الأوسط ونفط العراق ومواجهة إيران ومراقبتها، ومعاقبة صدام حسين على تلك الصواريخ التائهة والعشوائية التي وجهها إلى صحراء إسرائيل، ومعاقبة الشعب العراقي على "تأييده!" لصدام حسين في احتلال الكويت وتهليله لتوجيه الصواريخ ضد إسرائيل، كما صرح بذلك قائد العمليات الحربية في حرب عاصفة الصحراء (Desert Storm 1991) هربرت نورمان شوارزكوف. كما لم تكن حرب الابن الانتقامية في غزو العراق في العام 2003 في أعقاب جرائم 11 أيلول/سبتمبر 2001 وغزو أفغانستان ضرورية بأي حال، لأن النظام الصدامي قد وافق على قرار تدمير أسلحة الدمار الشامل وقام بنفسه وكذلك اللجنة الدولية بتدمير ومراقبة تدمير تلك الأسلحة، ولاسيما الكيمياوية منها، إذ لم يكن لدى العراق قبل ذاك غيرها. وبالتالي كانت الحرب انتقامية يراد بها الهيمنة الكاملة على العراق وعلى نفطه والاستمرار بمعاقبة الشعب العراقي بذريعة تأييده لصدام حسين وحروبه، في وقت كان بوش الابن يعلم علم اليقين بأن الشعب العراقي ضد صدام حسين ونظام البعث في العراق ويناضل للإطاحة به. لقد حذرت المعارضة العراقية من حرب مدمرة لن تكون في صالح العراق، رغم إمكانية إسقاط الدكتاتور صدام حسين، ولكن ماذا بعد؟ الجحيم بصورة أخرى وبينت ذلك في محاضرة بلندن قبل الحرب بعدة شهور وبمشاركة السادة محمد بحر العلوم ومحمود علي عثمان ويونادم كنا. 
تؤكد الكثير من المعلومات التي نشرت في أعقاب الحرب، سواء في كتب أمريكية أم صحافة ومجلات مختصة ووقائع على الأرض أم وثائق دامغة، بأن لم تكن هناك أي ضرورة فعلية لنشوب الحربين بأي حال، ولكن الإدارة الأمريكية بقيادة بوش الأب، ومن ثم بوش الابن، كانت مصرة على شن الحربين بغض النظر عن عواقبهما المدمرة على الشعب العراقي، فمصالح أمريكا الاستعمارية فوق كل اعتبار، وهي السياسة التي لا تزال مستمرة حتى الآن. لم تكن الحربان غير ضروريتين حسب، بل لم تكن ضرورية تلك الأسلحة التدميرية الشاملة التي استخدمت في الحربين أيضا، ومنها استخدام العتاد المنضب باليورانيوم 238 (Uranmunition و DU-Munition) المحرم دولياً والمعروف في قدرته على تدمير وحرق الدروع والعربات ومن فيها من الجنود وضباط الصف والضباط وتلويث البشر والماء والهواء والتربة والمزروعات وكل أجواء المنطقة التي تستخدم فيها تلك الأسلحة. وقد استخدمت هذه الأسلحة في الحربين وجرى بتعمد واضح وبقرار أمريكي صارخ بإرجاع العراق عبر حرب الأب إلى فترة ما قبل التصنيع، على حسب قول وزير خارجية الولايات المتحدة حينذاك جيمس بيكر، وعلى تدمير البنى التحتية في الحربين بشكل كامل تقريباً. وهكذا كان!
عواقب الحرب الصحية فقط
سوف لن أتحدث عن نتائج هاتين الحربين على شعب العراق من حيث النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والعسكرية، والصراعات والنزاعات الفكرية والدينية والطائفية والمليشيات الطائفية المسلحة ونهب العراق تراثاً وثروة وإيقاف عملية التنمية فيه ونشر الفساد والإرهاب في كل مكان من أرض بلاد ما بين النهرين، أرض الحضارات والتراث الإنساني القديم، وعدم إرساء الديمقراطية في البلاد، بل ما حصل بعد الحرب الابن الثانية إزاحة الدكتاتورية البعثية وإقامة دكتاتورية دينية طائفية محاصصية مقيتة على أنقاضها ووضع العراق فعلياً تحت الحماية الإيرانية. لقد أزال التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة دون قرار من مجلس الأمن وخارج الإرادة الدولية والرأي العام العالمي دكتاتورية قومية شوفينية توسعية بغيضة، وأقام دكتاتورية طائفية سياسية مقيتة تابعة وخاضعة لإيران وسياستها في العراق والمنطقة. كما لن أتحدث عن أساليب التعذيب الأكثر وحشية ودموية التي استخدمت ضد المعتقلين في سجن أبو غريب وفي البصرة وسجون ومعتقلات أخرى من قبل أجهزة الأمن والقوات العسكرية الأمريكية والبريطانية وبعلم الحكومة العراقية حينذاك، بل سأتحدث هنا عما فعلته الحربان من نشر للأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية في الولادات الجديدة على امتداد الفترة الواقعة بين عام 1991 حتى الوقت الحاضر لاسيما في محافظة البصرة كلها وفي محافظات الجنوب والوسط وبغداد، والعراق عموماً، كما ظهرت هذه التشوهات في ولادات المجندات الأمريكيات أو انتقل التلوث إلى النساء الأمريكيات عبر الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في تلك الحروب. هذه النتائج كانت وما تزال تقترن بآلام وعذابات جسدية ونفسية قاسية وأحزان مريرة للمرضى ولعائلاتهم وللمجتمع عموماً. 
في العام 2003 كتب الدكتور كاظم المقدادي عن كميات الأسلحة المحرمة دوليا المستخدمة في حرب عام 1991 وكذلك في حرب 2003 ما يلي: تم في هذه الحرب "استخدام الذخائر المصنعة من النفايات النووية. ومما زاد المخاوف ان أغلب الكمية التي استخدمت في حرب عام 1991 من ذخيرة اليورانيوم سقطت على جنوب العراق، وخاصة البصرة والمناطق المحيطة بها والقريبة من الحدود الكويتية، بينما في حرب عام 2003 قصفت القوات الأمريكية والبريطانية كافة أرجاء العراق، واستهدفت حتى المناطق الكثيفة بالسكان، وتبين ان الذخائر المستخدمة كانت مطورة كثيراً وذات قدرة تدميرية رهيبة، وأكثر فتكاً. وما نشهده حالياً أغلبه من أضرار 320 – 800 طناً استخدمت عام1991  ولا يعرف أحد، غير رب العالمين، ما الذي ينتظر الشعب العراقي من أضرار كمية نحو 2000 طن من القذائف المطورة والأكثر فتكاً بالبشر، استخدمت عام 2003 ضد العراق." (راجع: كاظم المقدادي، لمصلحة مَن يتسترون على حجم الإصابات السرطانية في العراق؟!! 2- 3))، الحوار المتمدن، 2008 / 8 / 7).
وكشف تقرير لموقع “كاونتر بنج” الأميركي، عن تسبب الولايات المتحدة الأميركية بارتفاع نسب الاصابة بمرض السرطان في العراق الى 600%، مشيرا إلى أن واشنطن القت 970 قنبلة وصاروخ اشعاعي مشبع بمادة اليورانيوم على العراق". "أشار الدكتور “جواد العلي” المتخصص بالأورام السرطانية وعضو الجمعية الملكية البريطانية للأطباء في إنكلترا، أن “الغبار الصحراوي يحمل الموت للعراق حيث تشير دراساتنا إلى أن أكثر من أربعين بالمائة من سكان البصرة سيصابون بالسرطان. نحن نعيش في هيروشيما أخرى” حسب قوله. (راجع: ازدياد نسب السرطان 600% جراء القصف الأمريكي للعراق، موقع يقين في 8 كانون الأول/ديسمبر 2018).
وجاء في تقرير عن كتاب للدكتور الطبيب كاظم المقدادي يعنوان " التلوث الإشعاعي والمضاعفات الصحية لحروب الخليج" صادر في العام 2015 بشأن حجم كارثة التلوث النووي في العراق ما يلي: " أُطلقت على العراق خلال الحربين 1991 و2003 كمية هائلة من ذخائر اليورانيوم خلفت أكثر من 2200 طنا متريا من اليورانيوم المنضب، وهذا اليورانيوم المنضب الذي استعمل في العراق يساوي في ذريته ما يعادل 250 قنبلة ذرية، وهذا وفقا لما قدره البروفسور ياغازاكي  Katsuma Yagasaki  من الهيئة العلمية في جامعة ريوكيوس في أوكيناوا في اليابان". كما أشارت الدكتورة موزه بنت محمد الربان من منظمة المجتمع العلمي العربي إلى "إن الأمر لا يقتصر على اليورانيوم المنضب فحسب، بل لقد استخدمت أنواع عديدة من الملوثات في تلك الحروب كان لها أبلغ الأثر على البيئة والصحة لأهالي المنطقة، والدليل القاطع على لا إنسانية من يتشدقون بحقوق الإنسان، وأن هذه الأمة العربية والإسلامية مستهدفة من قبل هؤلاء الحاقدين لتدميرها على كافة المستويات بما في ذلك حياتها ومستقبلها." (راجع: الجزيرة، منظمة المجتمع العلمي العربي بتاريخ 19/11/2015).
فما هي النتائج الفعلية لهذا الاستخدام الهمجي للأعتدة المعاملة باليورانيوم المنضب Depleted Uranium، وأنواع أخرى من الملوثات؟ أشار الدكتور كاظم المقدادي في مقاله إلى حجم الإصابات حتى العام 2008 إلى ما يلي:
أشارت إحصائيات المستشفيات العراقية الى إن عدد الاطفال العراقيين المصابين بالسرطان ارتفع من 32  ألف إصابة في عام 1990، ليصل الى 130  ألف إصابة في عام 1997. وأضيفت لها خلال العقد الماضي عشرات الآلاف من الإصابات السرطانية. وبلغت الإصابات لغاية عام 2001 أكثر من 74 ألف و400 إصابة. وقدر الخبراء أن تبلغ 100 ألف إصابة مع نهاية عام 2007- وفق معدلات الإصابات للسنوات 2000 – 2004. " (المصدر السابق نفسه).  [ملاحظة: كثرة إصابات عام 1990 جاءت بنتيجة استخدام السلاح الكيماوي في الحرب العراقية الإيرانية ولاسيما في جنوب العراق].   
 وفي العام 2015 أشار، على وفق ما جاء في تلخيص كتاب الدكتور كاظم المقدادي، إلى ارتفاع في الإصابات على النحو التالي: "إن العقدين الأخيرين شهدا انتشارا للأمراض السَرطانيّة في المجتمع العراقي على نحو كارثي، وبلغت الإصابات السَرطانيّة أكثر من مليون إصابة مُسجّلة رسميا، وما زال العدد يرتفع باستمرار. ويموت من هذه الإصابات سنويا ما يتراوح بين 10 آلاف و12 ألف شخص، وهناك عشرات آلاف الإصابات والوفيات سنويا غير المسجلة". ومن بين العواقب التي ذكرها الدكتور كاظم المقدادي في كتابه المشار إليه في أعلاه نذكر ما يلي:
•   كثرة حالات الإجهاض المتكرر والولادات الميتة.
•   ظهور حالات من التشوهات الولادية الرهيبة وغير المعروفة من قبل. صور ثلاث مرفقة تشير إلى بعض التشوهات الخلقية على جسم الولادات الحديثة لأطفال من البصرة.
•   انتشار العقم لدى رجال ونساء.
•   كثرة الإصابات السرطانية في المناطق التي قصفت بالأسلحة الغربية.
•   انتشار الحالات السرطانية وسط عوائل لم يصب أحد منها من قبل، وأحيانا أكثر من فرد في العائلة الواحدة.
•   لاحظ الباحث الدكتور جواد العلي إصابة المريض الواحد بأكثر من حالة سرطانية (2 و3 وحتى 4 حالات) في آن واحد.
•   انتشار أمراض سرطانية وسط أعمار غير الأعمار المعروفة طبيا، مثل سرطان الثدي لدى فتيات بعمر 10 و12 سنة، وسرطانات أخرى نادرا ما تصيب شريحة الأطفال.
•   ارتفاع الإصابات السرطانية والوفيات بالسرطان بنسب عالية جدا، بلغت أضعاف ما كانت عليه قبل عام 1989. (المصدر السابق نفسه).
وعلينا ألَّا ننسى بأن الضربات الجوية قد دمرت الكثير من المستشفيات والمستوصفات العراقية بحيث عجز العراق عن توفير المستشفيات الضرورية لمعالجة مرضى الرطان والأمراض الأخرى التي اقترنت بعواقب تلك الحروب.
فما هو الموقف الذي يفترض أن تتخذه الحكومة إزاء هذا الواقع المستمر الذي ستبقى عواقبه سنوات طويلة لاحقة، لاسيما وأن الصحراء العراقية ورمالها ملوثة باليورانيوم المنضب أولاً، وكثرة من الملوثات الأخرى المنتشر في أرض ومياه وهواء وأغذية العراق؟
الإجابة عن السؤال الأول الوارد في عنوان المقال تكون: نعم، للشعب العراق وحكومته كل الحق والواجب إقامة دعوى قضائية دولية ضد كل من بوش الأب وبوش الابن وكل من شاركهما في إعلان الحربين واستخدام تلك الأسلحة المحرمة ضد الشعب العراقي، وضد كل من مارس الكذب على المجتمع الأمريكي والدولي لإمرار حرب الخليج الثالثة عام 2003، لاسيما وأن استخدام هذه الاعتدة المعاملة باليورانيوم المنضب في حربين ضد العراق والمحرمة دولياً والجرائم الناتجة عنها لا تتقادم مع مرور السنين، ولا يمنع ذلك وفاة الأب في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، إذ إن الكثير من الجناة ما زالوا على قيد الحياة.
لا يمكن لمنظمات المجتمع المدني ولا للأحزاب السياسية أن تقيم الدعوى ضد هذين الرئيسين للولايات المتحدة الأمريكية، بل لا بد للحكومة العراقية أن تقوم بهذه المهمة. ويبدو إن الحكومة العراقية والأحزاب الإسلامية السياسية التي تشكل قيادة هذه الحكومة، والتي سلمها الاحتلال الأمريكي-البريطاني مقاليد الدولة وسلطاتها الثلاث، لا تجرأ على إقامة الدعوى، وبالتالي سيبقى العراق يعاني من المصائب دون موقف حازم إزاء من يتجرأ على استخدام هذا السلاح في أي  حروب قادمة محتملة أيا كان موقعها وأسبابها، كما سيبقى العراق محروماً من التعويضات الدولية لضحايا هذين العدوانين الهمجين ولعوائل الضحايا، ولاسيما تقديم المساعدة الضرورية والعاجلة للضحايا لمعالجة أوضاعهم الصحية ومكافحة الأمراض السرطانية والمواقع الملوثة التي يزيد عددها عن 143 موقعاً حسب المعلومات المتوفرة التالية:
فقد " كشف فريق علمي قاده إدوارد إليسون، وهو مختص بعلوم التلوّث الإشعاعي، وجود ما يزيد على 143 موقعاً ملوّثاً باليورانيوم المنضّب في 7 محافظات عراقيّة، منها قرابة 40 موقعاً في بغداد، و22 موقعاً في البصرة، و20 موقعاً في الناصرية، و20 موقعاً في مدينة بابل، و16 موقعاً في محافظة ديالى، و14 موقعاً في محافظة ميسان، و11 موقعاً في محافظة واسط." (راجع: كاظم المقدادي، 14عاماً من تلوّث العراق بإشعاع اليورانيوم، جريدة الحياة بتاريخ 14  شباط/فبراير 2017). في حين كانت وزارة البيئة العراقية قد كشفت في العام 2007، عن وجود 315 موقعاً ملوّثاً بالإشعاع المتأتي من أسلحة اليورانيوم." (المصدر السابق نفسه)، وهو الأمر الذي يدعو إلى الاستغراب من موقف الحكومة العراقية، لاسيما وأنها لم تمارس اية جهودٍ فعلية لمكافحة المواقع الملوثة حتى الآن.
يبدو إن من واجب الرأي العام العراقي ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب الوطنية والديمقراطية والرأي العام العالمي والقوى الخيرة في العالم أن يمارسوا جميعاً الضغوط السياسية المتواصلة على الحكومة العراقية، واستخدام كل السبل المتوفرة لفرض إقامة الدعوى ضد المسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا (ولاسيما توني بلير وأركان حكومته حينذاك) لإشعال الحربين أولاً، واستخدام اليورانيوم المنضب ثانياً، وبسبب حجم الضحايا الهائل أثناء الحربين والإصابات المليونية بشتى الأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية بعد ذلك والتلوث الهائل والمستمر في العراق ثالثاً.
لا بد لشعب العراق من الوصول إلى هذا الهدف ولا بد من العمل من أجله بكل همة وبلا هوادة.   
     
 
صور من ألبوم البروفيسور الدكتور الطبیب گنترSiegwart-Horst Günther  (1925-2015) عن عواقب استخدام أعتدة اليورانيوم المنضب Uranmunition و DU-Munition ضد الدروع في حرب الخليج الثانية 1991.
   
 
صورة العتاد المعامل باليورانيوم المنضب من مقال د. كاظم المقدادي في جريدة الحياة بتاريخ 14 شباط فبراير 2017.             

26
كاظم حبيب
تجربتي الشخصية مع داء سرطان الرئة
في عام 1999 لاحظتُ شيئاً أشبه بدملة صغيرة جداً برزت على جلد البطن. كانت ذات عدة ألوان لا تشبه الدملة العادية. راجعت طبيبة جرَّاحة ورجوتها فحص هذا الجزء من الجلد. القت نظرة سريعة وقالت لا شيء، إنه مجرد دملة لا تستوجب القلق، إلا إذا أردت إزالتها من الناحية الجمالية، لم أقتنع برأيها وقلت له بأني لا أتحدث عن الناحية الجمالية، فهو جزء صغير لا يلاحظ أولاً، كما أني لا أسير في الشوارع مكشوف البطن، كما يفعلن النساء الهنديات، بل يحوم شكي حول شيءٍ آخر. ابتسمت كمن غير مصدق، ولكنها، وتحت إصراري، وافقت على مضض واقتطعت ذلك الجزء الصغير ورسلته إلى الفحص المختبري. بعد ثلاثة أسابيع اتصلت بي هاتفياً راجية مراجعتها بسرعة. ذهبت إليها مباشرة,  اعتذرت مني بشدة لعدم تشخيصها الصحيح، إذ كانت نتيجة الفحص المختبري بأن العينة تؤكد عن وجود سرطان خبيث، ولكن ليس من نسيج الجلد، بل هو من نسيج داخل الجسم، ولكنه طفح على الجلد. تقرر أرسال العينة إلى مختبر آخر تابع إلى جامعة برلين الحرة. وجاءت النتيجة مطابقة لنتيجة الفحص المختبري الأول. لهذا قررت إجراء المزيد من لفحوصات على أعضاء الجسم الداخلية. وعلى مدى عام كامل (2000) تم تحويلي إلى عدد كبير من المستشفيات والأطباء المختصين لإجراء الفحوصات على الكبد والرئة والمعدة والأمعاء والكليتين والمجاري البولية والبروستات والرأس أو الدماغ ...الخ. ولم يعثروا على أثر للسرطان. فكانت أخر طبيبة اختصاصية ممتازة في أمراض السرطان قد اكدت لي بخلو جسمي من مرض السرطان، ومع ذلك فمن المفضل أن أخضع للفحوصات السنوية للتيقن من خلو الجسم منه. ولم اشعر بأي حاجة للفحص الخاص بعد ذلك. لقد وجه المختبران نقداً للطبيبة الجراحة لأنها اقتطعت عينة صغيرةً جداً، إذ الأفضل في مثل هذه الحالات أن تكون القطعة المقتطعة من الجسم أكبر لضمان فحوصات أكثر.
بعد مرور 18 عاماً على هذا الحادث، وفي الأشهر الأولى من عام 2018، أصبت بزكام خفيف مع نشوء بلغم يجبرني على افتعال السعال للخلاص منه. وهي ممارسة غير مريحة، لاسيما أثناء انعقاد الندوات أو اللقاءات العامة أو تقديمي بعض المحاضرات، دون الإحساس بأي وجع. وفي البيت قالت زوجتي مازحة بأن لدينا في الشقة حصان يصهل بين فترة وأخرى، لأن افتعال السعال كان شبيهاً بصهيل الحصان. فقلت لها وجود فرس في البيت يستوجب وجود حصان أيضاً، على حد تمييز العرب بين الأنثى والذكر. ولكني حجزت موعداً لدى طبيب العائلة. في عيادة الدكتور الطبيب جيدو كُنيکر (Dr. Med. Guido Koemiger) أشرت له بمشكلة البلغم الملازمة منذ عدة شهور، ورويت له مزحة زوجتي، فضحك وقال إذن لا بد من إجراء الفحص الشعاعي. اجري الفحص الشعاعي الاعتيادي. بعدها مباشرة طلبت مني طبية التصوير الشعاعي أن أراجع في اليوم الثاني طبيب العائلة ولم تخبرني بنتيجة الفحص. وهكذا كان. قال الطبيب كُنيکر، يبدو أن هناك شكاً بوجود سرطان في الرئة، وعلينا إجراء المزيد من الفحوص، ومنه فحص التصوير المقطعي (CT)  Computer Tomographie للتيقن من الحالة الفعلية. في اليوم التالي أجري الفحص فعلاً، وكانت النتيجة وجود سرطان لا يمكن معرفة نوعه قبل إجراء فحوصات إضافية. لم يكن الأمر مفاجئاً لي بسبب ما قيل لي في العام 1999، رغم عدم وجود علاقة بين الاثنين، كما أكد الأطباء ذلك. شعر طبيب العائلة بالارتياح حين لاحظ سلوكي الاعتيادي ودون بروز أي ارتباك في موقفي، إذ أخذت الأمر ببساطة تامة. ففي عالمنا المليء بالتلوث ليس في الهواء الذي نستنشقه والماء الذي نشربه فحسب، بل وفي جميع المأكولات التي نتناولها يومياً، والأرض التي نمشي عليها، والملابس التي نرتديها ...الخ، وبالتالي فالإصابة بهذا الداء الخبيث ممكنة في كل لحظة ولكل إنسان على هذه الأرض الملوثة حين تتوفر الشروط المناسبة لبروزه ونموه لدى هذا الشخص أو ذاك. حولني طبيب العائلة مباشرة إلى طبيبة مختصة بأمراض الرئة والسرطان هي الدكتورة كاترين بورشكة (Frau Dr. Med. Katrin Poerscke). فأجرت فحوصات أولية إضافية مثل التنفس والوزن وما إلى ذلك. ثم حولتني مباشرة إلى مستشفى أمراض الرئة، ومنها سرطان الرئة، وهي مستشفى بروتستانتية مختصة ومعروفة في مدينة بوخ (Buch) التابعة لمدينة برلين (Evangelische Lungenklinik Berlin) ثم جرى تحويلي منها إلى منشآت صحية مختصة لإجراء فحوصات جديدة للتيقن من انتشار أو عدم انتشار السرطان في باقي أجزاء الجسم. فكان هناك فحص CT ,  MRT , PET  وفحص الحنجرة وتخطيط القلب وفحص الدم. بدأت هذه الفحوصات في 25/05/2018 وانتهت في بداية الشهر السادس وتيقنوا من خلو بقية أعضاء الجسم منه عدا وجوده في منطقة يمين الوسط من الرئة وبالقياسات التالية: 1,6 x 3,4 x2,6 cm مع اتصال غير واضح بالضلوع المجاورة، ربما بسبب وجود التهاب سابق أو سل عظمي سابق متيبس أو احتمالات أخرى، دون وجود انبثاث للخلايا السرطانية (Metastasen) في باقي أعضاء الجسم. ويبدو، كما أشار الأطباء بأن السرطان حديث العهد، واكتشافه مبكراً يساعد على الشفاء منه. فقرروا إجراء العملية في 02/07/2018. وقيل أن صحتي العامة، وأنا في الثالثة والثمانين من عمري، تتحمل إجراء العملية الكبيرة. لقد كنت متيقناً من شفائي، فأنا رجل متفائل عموماً والسرطان حديث العهد رغم خبثه، ولكن ليس عدائياً جداً، كما يظهر احياناً لدى بعض المصابين به. لهذا كانت معنوياتي عموماً عالية وبعيدة عن التفكير بالموت القريب، وكنت أمزح وأقول ما زال الوقت مبكراً إلى إعطاء ملعقتي لشخص آخر، على حسب تعبير الألمان!
أجرت رئيسة قسم العمليات الجراحية في المستشفى المذكور، الدكتورة الطبيبة کندا ليشبار (Frau Dr. Med. Gunda Leschbar )، العملية بنجاح، إذ اقتطعت، مع فريقها الطبي، الجزء الخامس من الرئة، الخرقة (Lapen) بكامله، حيث كان السرطان قد حط فيه لتقطع دابره مبدئياً. وفي اجتماع عقد في 25/07/2018 قررت لجنة الأطباء في الكونفرنس الخاص بما يفترض القيام به بعد العملية، وبعد وصول نتائج الفحص المختبري المتقدم للقطعة المستأصلة من الرئة، وضع برنامجٍ يمتد إلى ثلاثة شهور يتم فيها إجراء أربع جولات كيماوي بين كل جولة وأخرى ثلاثة أسابيع استراحة، دون الحاجة إلى المعالجة بالإشعاع.
في الفترة الواقعة بين إجراء العملية والمعالجة بالكيماوي اتصل بي بعض الأصدقاء الأفاضل طالبين مني عدم المعالجة بالكيماوي والاكتفاء بالعملية لما لهذه المعالجة من أعراض جانبية مدمرة ومؤذية، لاسيما وأني متقدم في العمر. شكرتهم لنصيحتهم الأخوية والودية التي أحترمها وأقدر رغبتهم في تجنيبي الآلام المحتملة للمعالجة بالكيماوي. ولكني أخبرتهم بأني سأستجيب لقرار الأطباء لأنهم أدرى بوضعي الصحي وقدرة تحملي، كما يقدرون أهمية وضرورة إجراء العلاج الكيماوي. وهكذا كان.
دخلت قسم المعالجة بالكيماوي بالمستشفى المذكورة يوم 21/08/2018، وهي برئاسة البروفيسور الدكتور الطبيب كريستيان کروه (Prof. Dr. Med. Chrisian Grohe)، حيث أجريت مجموعة من الفحوص قبل بدء زرق الكيماوي بالوريد، منها فحص إم أر تي للرأس وسي تي للرئة والمعدة وتخطيط للقلب ومستوى إداء الرئة لوظيفتها التنفسية، إضافة إلى فحص الدم. في اليوم التالي بدأ العلاج الكيماوي بمزيج من أدوية متعددة دام الزرق بحدود ساعتين ونصف الساعة. وبعد أن قضيت ليلة واحدة في المستشفى نقلت إلى شقتنا في برلين، على أن يتم أجراء ثلاثة فحوص على الدم في فترات متفاوتة لمعرفة تأثير الكيماوي على بنية الدم ومدى إمكانية تحمل الزرقة الثانية من الكيماوي بعد ثلاثة أسابيع.       
لم تظهر أية أعراض جانبية بعد الزرقة الأولى، وكان وضعي العام طبيعياً دون ألام أو منغصات صحية. ثم كانت الزرقة الثانية التي سبقتها فحوصات أخرى ولاسيما الدم حيث وافق الطبيب المختص على زرقة الوجبة الثانية من الكيماوي. وفي اليوم التالي غادرت المستشفى. بعد اليوم الرابع وبعد الانتهاء من تناول ثماني حبات من الكورتيزون موزعة على أربعة ايام للمساعدة في تجنب أو تحمّل الآلام. بدأت أشعر بآلام حادة في الفقرات وعظام الظهر والكتفين وحيثما وجدت قبل ذاك مناطق وجع سابقة في الجسم. كانت الآلام مرهقة تحرمني من متعة النوم الهادئ غير المتقطع. استمرت هذه الآلام قرابة اسبوع، ثم بدأت بالتراجع التدريجي حتى انتهت مع نهاية الأسابيع الثلاثة. وخلالها تم فحص الدم لثلاث مرات خلال الأسابيع الثلاثة. وبدا إن بنية الدم كانت مناسبة للجولة الثالثة من الكيماوي. الوجبة الثالثة بدأت بعد ثلاثة أسابيع بفحوصات مماثلة للجولتين السابقتين التي نفذت مساءً لأغادر المستشفى الي الشقة في اليوم التالي. تناولت ذات الكمية من الكورتيزون لأربعة وقبل ذاك زرقت بإبرة كورتيزون أيضا. في اليوم الخامس بدأت أعيش آلاماً مبرحة في جميع أجزاء الجسم يمكن تحملها، تناولت حبة دكلوفيناك (Diclofenac 75 mg) ضد الآلام، ولكنها لم تنفع كثيرا, وفي اليوم السادس وعلى الساعة الرابع صباحاً أصبت بنوبة حادة في القلب وفي الكتف الأيسر قدرت إنها غلطة (شعبياً جلطة) قلبية مفاجئة. استخدمت بشاش النيترولنکوال (Nitrolingual Spray)  الذي ساعد قليلاً، ثم جاءت نوبة أخرى أشد من السابقة استخدمت النيترولنکوال ثانية وبجرعة أكبر، فتراجع الألم. وفي الصباح راجعت طبيب العائلة حولني رأساً إلى الطوارئ حيث قضيت ليلة كاملة لديهم تبين أنها كانت ذبحة صدرية حادة وليس غلطة قلبية. والذبحة الصدرية بدأت معي منذ عشرين عاماَ، لهذا أحمل معي دوماً بشاش النيترولنکوال. عولجت بعناية كبيرة واقترح الطبيب الخفر بقائي في المستشفى لإجراء فحوصات إضافية، ولكني فضلت العودة إلى الدار في صبيحة اليوم الثاني.
لم تتوقف الآلام في أعضاء عديدة من الجسم بما فيها الكليتين والمجاري البولية، ولاسيما العظام، بسبب معاناتي من مرض المفاصل(ِArthrose) والاستهلاك. لقد وجه طبيب العائلة نقداً لي لسببين، الأول عدم ذهابي إلى الطوارئ في الصباح الباكر وبعد النبوية الأولى مباشرة، والثاني بسبب عدم بقائي في المستشفى لإجراء الفحوصات الدقيقة على القلب. وكان الطبيب محقاً في نقده، ولم أقدر بصواب الموقف. 
أجريت الفحوصات لثلاث مرات على الدم وكانت المرة الأخيرة أكدت إمكانية خوض جولة أخيرة مع الكيماوي. زرقت به كما في المرات السابقة،  وغادرت المستشفى إلى الشقة في اليوم الثاني، على أن أعود لهم بعد ثلاثة أسابيع لإجراء فحوصات واسعة لمعرفة وضع الجسم من ناحية خلوه من السرطان. كان عليً أن أبقى ليومين من أجل إجراء الفحوصات الضرورية.
كانت الجولة الرابعة مع الكيماوي أخف وطأة بكثير من الجولة الثالثة، إذ لم أتعرض لذبحة صدرية أو أي آلام قاسية، رغم حصول آلام في الفقرات والكتف الأيسر والمفاصل عموماً، لم يتساقط شعر رأسي الذي فضضته سنوات العمر الكثيرة. وبمزحة مع زوجتي أم سامر قلت لها: كنت أتأمل أن يسقط ليظهر ثانية على اللون الأسود الذي ولدت معه، ولكن لم يحصل!
بعد ثلاثة أسابيع عدت إلى المستشفى وأجريت فحوصات كثيرة ومتنوعة انتهت بإعلامي بأن جسمي حالياً خالٍ من السرطان ويمكن أن أذهب إلى عائلتي على أنهم سيرسلوا برنامجاً لفحوصات لاحقة بعد ثلاثة شهور وبعد ستة شهور. وهذا ما حصل.
لقد كانت التجربة غنية حقاً تعرفت فيها على مجموعة كبيرة من الأطباء والطبيبات والممرضات الذين كانوا مثالاً لغنى معارفهم وعمق وعيهم لتخصصهم ومهماتهم ونبلهم الإنساني وودهم واحتضانهم للمريض.
ساعدني التخلص من المرض عدة عوامل مهمة، بأمل أن لا يعود ثانية:
1. اكتشاف السرطان مبكراً، إذ كان ما يزال صغيراً ولم ينتشر إلى باقي أجزاء الجسم. والفضل في هذا يعود لحرص طبيب العائلة على إجراء الفحص الإشعاعي حال سماعه لشكوى البلغم.
2. المعالجة الطبية الممتازة التي عجلت بمعالجتي وانقاذي منه، والتي جسدت حرص الفريق الطبي.
3. الإرادة التفاؤل وعدم حصول ارتباك في موقفي إزاء المرض وإيجابيتي إزاء العلاج وقناعتي بإمكانية الخلاص الناجح من الداء الخبيث.
4. احتضان العائلة والأصدقاء لي واستفسارهم المستمر وودهم الذي عزز معنوياتي والتي كان لها الأثر المهم على الوضع النفسي الإيجابي.             
5. حرصي على عدم الإصابة بالرشح (الاستبراد) أو التهاب الرئة أو أي عدوى محتملة لكيلا تضعف مقاومة الجسم للكيماوي.
6. وخلال فترة الإصابة بالمرض والمعالجة أغرقت نفسي وبأكثر من السابق بالقراءة المكثفة وكتابة المقالات في الموضوعات التي كانت وما تزال تشغل بالي وبال كل العراقيات والعراقيين، أوضاع العراق المتدهورة في ظل النظام الطائفي السياسي الفاسد والتابع والمتخلف والمناهض لمصالح الشعب، بحيث كنت أنسى الآلام الجانبية للمعالجة بالكيماوي المنهكة للجسم والقدرة على التركيز. 
7. وبأمل عدم عودة السرطان أو مواجهته المبكرة في حالة عودته في أي موقع من الجسم لا بد من الالتزام ببرنامج المستشفى الخاص بالفحص المستمر كل ثلاثة شهور، إذ أنه الضمانة الفعلية لمواجهة احتمال عودته ومعالجته، خاصة وأن علوم الطب لم تتوصل حتى الآن إلى معرفة كل الأسباب الملموسة لظهور هذا النوع أو ذاك من السرطان لدى هذا الشخص أو ذاك. علوم الطب في تقدم سريع وهائل وإمكانية معالجة هذا الداء الخبيث أصبحت ممكنة، وهو أمر مفرح لكل من يمكن أن يصاب بهذا الداء.
برلين في 31/01/2019

27
د. كاظم حبيب
السودان ونظام البشير الاستبدادي إلى أين، وأين هي قوى المعارضة المنظمة؟
منذ الانقلاب العسكري في 30 حزيران/يونيو 1989 تولى عمر البشر السلطة في السودان، وهو لا يزال يحكم البلاد منذ ثلاثين عاما بالحديد والنار. وهو واحدٌ من بين أشد المستبدين والساديين الذين عرفتهم منطقة الشرق الأوسط مثل صدام حسين ومعمر القذافي وزين العابدين بن علي وحسني مبارك وحافظ الأسد الذين انتهوا إلى مزبلة التاريخ، وبعضهم لا زال يحكم البلاد مثل عبد الفتاح السيسي وبشار الأسد والأمير محمد بن سلمان وبعض حكام دول الخلج العربي، أو خامنئي، أو بشكل غير مباشر كنوري المالكي وقاسم سليماني ولن تكون عاقبة هؤلاء بأفضل ممن سبقوه من الحكام. لقد مارس البشير، العسكري الجاهل والفاسد، سياسة دينية متطرفة ومستبدة قادت بالنهاية إلى قيام دولة جديدة في جنوب السودان، التي لم يكن سكانها بالضرورة يدعون إلى الانفصال، لولا السياسة العدوانية والدينية المتطرفة الخرقاء التي مارستها حكومة البشير على نحو خاص. وقد عبر لي عن ذلك صراحة وبوضوح القائد الجنوبي الدكتور جون قرنق حين التقيته في هافانا/كوبا أثناء انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي الكوبي في العام 1987، بأنهم لا ينوون الانفصال وإقامة الدولة الوطنية ولكنهم يريدون الديمقراطية والحقوق القومية وحق المواطنة لشعب جنوب السودان والشعب السوداني عموماً. كان هذا قبل تولي حزب المؤتمر الوطني "الإسلامي" السياسي الفاسد الحكم في البلاد في انقلاب على حكومة الصادق المهدي المنتخبة والتي عجزت عن تحقيق الوحدة الوطنية بالاستجابة لمطالب شعب جنوب السودان والشعب السوداني عموما/ مما سهل على الانقلابيين مهمتهمً. 
وخلال السنوات المنصرمة عبر الشعب السوداني عن رفضه للنظام السياسي الإسلامي المتطرف ودعوته لتغيير النظام والخلاص من الدكتاتورية والفساد الذي أصبح يشكل كابوساً خانقاً للشعب وبؤساً وفاقة لا تطاقان. فسرقة كبار المسؤولين لم تعد وحدها الظاهرة البارزة، بل فضائح فساد أخرى أصبحت جزءاً من النظام السياسي القائم فقد جاء في مقال للكاتب د. عبد الوهاب الأفندي بهذا الصدد ما يلي:
" بلغت الوقاحة بالمتورطين في إحدى هذه الفضائح، وهو مدير شركة حكومية أسس شركات خاصة باسم أقربائه ومنحها عقود بأكثر من ثلاثمئة مليون دولار، أن تلك الشركات قاضت الشركة الحكومية وألزمتها بدفع عشرات الملايين من الدولارات زعمت أنها مستحقة لها. ولم تكتف بذلك، بل وجندت لذلك مؤسسات عدلية، بل وأحد قضاة المحكمة الدستورية ووزير عدل سابق، من أجل مهزلة تحكيم حصلت بموجبها على الملايين. وقد أثار ذلك حفيظة أكثر أنصار النظام ولاءً، مما دعا إلى تدخل البرلمان وتسريب الفضيحة." ثم يؤكد الكاتب بعد ذكره لعدد آخر من الفضائح بقوله: " في هذه المشاهد السريالية يتجسد سقوط هذا النظام، ليس فقط أخلاقياً ودينياً وسياسياً، بل ومن جهة فقدان العقل." (راجع: الفساد في السودان والمصيبة الأعظم ..، بقلم: د. عبد الوهاب الأفندي، موقع السودان اليوم، 6 فبراير 2018).
وفي الوقت الذي ادعى حاكم السودان المستبد بأمره بأنه يعمل على مكافحة القطط السمان، نشرت منظمة الشفافية العالمية عن السودان اعتماداً عل منظمة الشفافية السودانية ما يلي:
"قالت منظمة «الشفافية السودانية»، في تقرير لها مطلع العام 2017، إن دراساتها للبيانات الحكومية والإحصاءات الرسمية وواقع الفساد في السودان تؤكد أن الخسائر من جراء الفساد في البلاد فاقت 18 مليار دولار سنويًا. وفي تقرير صدر عام 2015، عن المراجع العام – وهو الشخص المسئول عن مراجعة حسابات الدولة – فإن نسبة الفساد في دواوين الدولة ارتفعت إلى 300%. " (راجع: كريم اسعد، حرب القطط السمان: هل ينجح السودان في القضاء على الفساد؟ موقع إضاءات، في 30/06/2018).
إن الظواهر الثابتة والمميزة للواقع السوداني تشير إلى الوقائع التالية:
** أدت سوء السياسة الاقتصادية والاجتماعية للحكومة السودانية إلى تدهور شديد ومستمر في الاقتصادي السوداني يجد تعبيره أيضاً في ارتفاع كبير في نسب التضخم، حيث ارتفع التضخم السنوي إلى 68.93% في نوفمبر 2018، بعدما وصل إلى 68.44% في أكتوبر. من نفس العام.
** لقد أصبح الفساد في ظل النظام الإسلامي السياسي نظاماً سائداً في ارجاء الدولة حيث تمارسه السلط\ات الثلاث والمؤسسات والهيئات المحلية والإقليمية والدولية والمجتمع.
** أما نسبة البطالة فقد بلغت في العام 2017 إلى 19,6% من القوى العاملة، حسب الأرقام الرسمية في حين إنها أكثر من ذلك بكثير. ويقدر الخبراء إلى إنها تبلغ بحدود ثلاثة ارباع السكان. ويؤكد الواقع الراهن إلى إن البطالة بين الخريجين واسعة جداً ومؤذية لمزيد من العائلات.
** وكما أشرنا سابقاً فأن نسبة الذين تحت خط الفقر تزيد عن ثلي سكان السودان، أي ما يقرب من 27 مليون إنسان من مجموع 42،2 مليون مجموع سكان السودان في العام 2017. وإذ ينتشر الفقر في عموم السودان فأن مدن شرق البلاد هي الأكثر فقراً. فتقرير البنك الدولي يشير إلى أن مناطق شرق السودان تعد الأكثر فقرا وجفافا في البلاد وتأوي نحو 147 ألف نازح في مدن القضارف وكسلا وبورتسودان من جملة مليوني نازح في السودان. (راجع: شرق السودان أكثر المناطق فقرا وجفافا، قناة "امدرمان (ام درمان) الفضائية" تتوقف نهائيا، موقع دابنقا، في ديسمبر 19 – 2016، راديو دبنقا/وكالات). وكذلك " الناس الذين يعيشون في المناطق التي كانت أو لا تزال تتأثر بالجفاف والصراع - وخاصة في جنوب دارفور - هي الأكثر عرضة للفقر." (راجع: د. جمال سعد، الفقر في السودان، 10 كانون الثاني/يناير 2016).
** كشف البنك الدولي عن ديون السودان حتى نيسان/أبريل 2018 على النحو التالي: " أن السودان ما يزال يعاني من ضغوط الديون الخارجية التي بلغت(54)  مليار دولار منها (85%) متأخرات، وتضم قائمة دائني السودان مؤسسات متعددة الأطراف بنسبة (15%)، ونادي باريس (37%) بجانب (36%) لأطراف أخرى، بجانب (14%) للقطاع الخاص. (راجع: البنك الدولي يكشف عن حجم ديون السودان الخارجية، موقع السودان اليوم في 10 نيسان/ابريل 2018). وعلى المتتبع أن يدرك حجم العواقب التي تنتجها الديون الخارجية والفوائد السنوية المترتبة عليها على الاقتصاد السوداني وشعب السودان.
وفي الآونة الأخيرة وحيث أشارت الولايات المتحدة إلى رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ورفع العقوبات عنه، بدأ صندوق النقد الدولي بفرض نموذجه وشروطه المعروفة على السودان أيضاً، باعتبارها "خارطة طريق لإنعاش السودان" والتي برهنت في كل التجارب السابقة لبلدان عن فشلها المريع وفي غير صالح شعوب تلك البلدان، ومنها:
-   توحيد أسعار الصرف وتعويم العملة السودانية (الجنية).
-   إجراءات اقتصادية كلية وهيكلة داعمة ملائمة لتوحيد سعر الصرف وخصخصة القطاع العام.
-   إلغاء الدعم الحكومي للكهرباء والقمح بشكل خاص. 
-   توسيع قاعدة البلاد الضريبة إذا أرادت الاستفادة من رفع العقوبات الامريكية.
أدى كل ذلك إلى تراجع شديد في سعر الجنية السوداني مقابل الدولار، حيث أصبح في نهاية عام 2018 إلى 58 جنيهاً مقابل الدولار الواحد، الذي انعكس ذلك على أسعار المواد الغذائية والسكن وغير ذلك مما زيد من إرهاق كاهل الكادحين والفقراء والمعوزين من السكان، وهم الغالبية العظمى.
من هنا يمكن استنتاج بأن دولة السودان أصبحت في عهد البشير واحدة من أكثر الدول فقراً وبؤساً، وأكثر اضطهاداً لشعبها وللمعارضة السياسية الديمقراطية وأكثر استغلالاً لسكان الريف وإملاقاً للفئات الكادحة، كما إنها واحدة من تلك الدول التي رعت وما تزال الإرهاب الإسلامي السياسي في منطقة الشرق الأوسط. وقد احتل اسمها مكاناً بارزاً في قائمة الدول الراعية للإرهاب.
لذلك كله انطلقت الانتفاضة الشعبية الجديدة في مدن مثل دنقلا والقضارف وبربر وكريمة، ثم لحقتها الخرطوم العاصمة وبقية المدن السودانية التي تطالب بالاستجابة لمطالبها بمكافحة الفساد والفقر والبطالة في البلاد، كما تطالب بالتغيير والتخلص من النظام الاستبدادي الفاسد ومن المستبد بأمره عمر البشير، لاسيما وأن النظام قد وافق على جميع الشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث رفع سعر الخبز ثلاثة أضعاف في وقت يعتبر الغذاء الرئيسي للغالبية العظمى من السكان، للفقراء والمعوزين. ولم يجد المستبد بأمره غير توجيه خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والرصاص الحي إلى صدور وظهور المتظاهرين ليقتل 19 شخصاً ويصيب 397 شخصاً بجروح، حسب تصريح وزير إعلام النظام، (راجع: الإعلان عن عدد القتلى والمصابين في مظاهرات السودان، موقع  الجرنال، بتاريخ 27/12/2018)، في حين تشير المعارضة إلى إن عدد القتلى والجرحى يفوق التصريح الحكومي،  من جهة، واتهام المتظاهرين المحتجين من أبناء السودان الفقراء بالعمالة للأجنبي، وأنهم يتحركون بإرادة الأجنبي المعادية للسودان، في وقت يدرك الشعب السوداني من هو الذي يخون القضية الوطنية ومن هو الذي يُجوّع الشعب السوداني، ومن هو الذي يرعى الفساد والفسادين في البلاد. إنه الجهل والفساد والعداء للشعب الذي يتميز به عمر البشير، إنها الإساءة لكرامة الشعب ومصادرة حقوقه العادلة والمشروعة، بعد ان أصبح البشير شحاذاً عالمياً.       
إن ما يجري في السودان لا يختلف كثيراً عما يجري في العراق والموقف الذي تتخذه الحكومة في مواجهة مظاهرات البصرة التي تطالب بالحصول على العمل للعاطلين والخدمات المحروم منها سكان البصرة وبقية أنحاء العراق. وإنها ذات المشكلة في بقية الدول العربية. إنها المحنة والمأساة التي يلتقي بها شعوب بلدان منطقة الشرق الأوسط عموماً المبتلات بنظم استبدادية وعنصرية وشوفينية ودينية وطائفية متطرفة.
إن النظام السوداني بقيادة البشير وحزب المؤتمر الوطني الإسلامي السياسي المتطرف والفاسد يسير بسرعة فائقة إلى طريق مسدود، إلى الصدام المباشر والأكثر شدة مع الشعب السوداني، إلى استخدام النظام المزيد من العنف والسلاح ضد الشعب المحتج، لينتهي كما انتهى إليه نظام زين العابدين بن علي في تونس، ومعمر القذافي ونظامه في ليبيا، حين رفض الجيش الدفاع عنهما، وهو ما يمكن أن يحصل في السودان أيضاً، إذ أن الجيش لم يحسم موقفه حتى الآن، ولا شك فهو من حيث المبدأ جزء من هذا الشعب المبتلى بالبشير ورهطه، ولا بد أن يحس يوماً بآلام الشعب ومأساته. لقد اعتقل البشير بهمجية عدداً متزايداً من قوى المعارضة بمن فيهم بعض ممثلي الأحزاب السودانية ويعرضهم للتعذيب والإساءة، ومن بينهم بعض قادة الحزب الشيوعي السوداني. إن المعركة الجارية في السودان تستوجب موقفاً وطنياً تضامنياً مع الحركة الشعبية العفوية التي انطلقت وعلى رأسها المنظمات المهنية، منظمات المجتمع المدني، ولا بد من عمل توحيدٍ منظمٍ وعاجل من جانب جميع القوى الديمقراطية المعارضة للحكم الثيوقراطي الاستبدادي في السودان، الحكم الذي رفضه الشعب ويسعى للخلاص منه بعد ثلاثين عاماً من الاستبداد والبؤس والفاقة والحرمان والاضطهاد.
إن الشعب السوداني بحاجة إلى تضامن الرأي العام العالمي، ولاسيما شعوب الدول العربية وقواها الديمقراطية، بحاجة إلى دعم المجتمع الدولي، بحاجة إلى إدانة سلوك وعنف النظام السوداني وهمجية تعامله مع الشعب المحتج، مهما اعتقد المستبدون إنهم قادرون على قهر الشعب، إذ أنهم مخطئون ومخطئون جداً وستبرهن الأيام على ذلك إذ لا بد لهذا الشعب أن ينتصر مهما طال ليل الظلم والظلام..
29/12/2018

28
كاظم حبيب
البصرة: الشرارة التي ستنطلق منها الانتفاضة ضد الطائفية والفساد والإرهاب في كل العراق
رغم كل المعاناة القاسية والمريرة على مدى عقود عجاف، ورغم الحروب والغزو والموت للبشر والنخيل، لم تصل معاناة أهل البصرة، كما هي عليه منذ 15 عاماً بالتمام والكمال. منذ أن تسلّم الإسلاميون السياسيون الطائفيون الفاسدون سدَّة الحكم في بلاد الرافدين. فأهل البصرة، ومعهم الغالبية العظمى من شعب العراق، يعانون من ظلم واضطهاد وحرمان من خدمات وبطالة مجحفة وعيش رث وإساءات مستمرة، منذ أن نصَّبَ المحتلون الأمريكيون والبريطانيون القوى والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية على رأس السلطة في العراق وفرضوا نظام المحاصصة الطائفية والأثنية المقيتة على نظام الدولة السياسي والاجتماعي، وداسوا بأقدامهم الدنسة على مبدأ وهوية المواطنة العراقية، ودعوا في الوقت ذاته للهويات الفرعية القاتلة لتتقاتل، ومارسوا في الوقت ذاته وبإصرار وعناد جامحين سياسات التمييز العنصري الأهوج ضد أتباع الديانات والمذاهب الأخرى وضد القوميات الأخرى، وجلبوا معهم، ومنذ اليوم الأول الفساد والإرهاب للبلاد، ثم الموت والخراب والحرمان للغالبية العظمى من بنات وأبناء العراق. ولم يكن ما حصل في الموصل وعموم نينوى وقبل ذلك في الأنبار وصلاح الدين سوى النتيجة المنطقية لسياساتهم في وأد الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي العراقي والخضوع لإرادة الأجنبي.
البصرة، ميناء العراق الوحيد وعاصمته الاقتصادية وأرضها الغنية بالثروات ولاسيما النفط والغاز وثغره صوب العالم الفسيح، تعاني من البؤس والرثاثة والخراب، تعاني من البطالة والحرمان، وأهلها الطيبون يعانون من محاولات جادة ومتواصلة لإذلالهم بتكريس هيمنة الحرس الثوري الإيراني بملابس شبه عسكرية عراقية رثة وأسماء عراقية، لتعتقل وتعذب وتسجن بسجون سرية أو تنقل المنتفضين إلى إيران ليجدوا مقبرة مفتوحة لهم في إحدى زوايا إيران. إنها المحنة الكبيرة التي يعاني منها أهل البصرة، ومعهم أغلب أبناء وبنات وادي الرافدين. عرفت البصرة بإضراباتها العمالية وانتفاضاتها الشعبية منذ الخمسينيات من القرن العشرين ولقنت الحكام بصمودها ورفضها القهر والاضطهاد والاستغلال دروساً في النضال المجيد المعمد بالدم والدموع. ولم يسكت أهل البصرة على السياسات الاستبدادية للنظام البعثي المشين والعنصري وانتفضوا بوجه قوات النظام وسعوا لإسقاطه لولا غدر القوات الأمريكية الغازية في ربيع عام 1991 ومساومتها القذرة مع نظام البعث حينذاك وفي أعقاب هروب القوات العراقية من جحيم أحدث الأسلحة التدميرية ورصاصهم المشبع باليورانيوم المنضب.   
ولم يسكت أهل البصرة، منذ أن استولت الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية على السلطة في البلاد في العام 2003/2004 حتى الوقت الحاضر، عن إعلان رفضهم للحكم الطائفي السياسي والفساد ونقص الخدمات والإرهاب والتدخل الخارجي في شؤون البلاد ومارسوا شتى أنواع النضالات المهنية والمعيشية والاجتماعية، ومن ثم السياسية اليومية، ليكسروا حاجز الخوف من إرهاب السلطة السياسة واستخدامها القوات المسلحة مرة، والحشد الشعبي مرة أخرى، والميليشيات الطائفية المسلحة مرة ثالثة، وكلها دفعة واحدة في مواجهة إضرابات ومظاهرات أهل البصرة. لقد سقطت حتى الآن كوكبة من الشهداء الأبرار واعتقل والكثير من المتظاهرين وعذبوا بوحشية، كما اختطف البعض الآخر واغتيل آخرون من المدنيين الديمقراطيين من النساء والرجال أثناء الانتفاضة الشعبية. وها هم أهل البصرة يتظاهرون مرة أخرى بسبب عدم استجابة الحكم بمطالبهم العادلة والمشروعة، ومرة أخرى تبدأ القوات الأمنية والمليشيات المسلحة بمختلف مسمياتها بضرب المتظاهرين وقتل بعضهم واعتقال أو اختطاف البعض الآخر، مما ألزم تنسيقية التيار الديمقراطي في البصرة إلى إصدار التصريح التالي بشأن أوضاع البصرة:
"اقدمت القوات الامنية في البصرة على تفريق المتظاهرين بأسلوب عنفي قاتل و ذلك باستخدام الرصاص الحي مما ادى الى استشهاد عدد منهم و جرح آخرين و الذي طالما استنكرناه و حذرنا منه و الذي سينفتح على تطورات تنذر بمخاطر تهدد امن و استقرار المحافظة و النسيج الاجتماعي و الممتلكات العامة و الخاصة ...
- نطالب الحكومتين المحلية و الاتحادية بالتحرك المسؤول و الفوري لإيقاف هذا الاعتداء الغاشم على المتظاهرين و نحملهما مسؤولية ذلك.
- نطالب قيادة عمليات البصرة و الاجهزة الامنية كافة القيام بواجباتها الدستورية و القانونية بحماية المتظاهرين و توفير الاجواء الآمنة للمتظاهرين للتعبير عن آرائهم و مطالبهم بحرية تامة .
- نطالب بتوفير الخدمات كافة و الاستجابة الفعلية لمطالب المتظاهرين المشروعة دون مماطلة او تسويف.
المجد لشهداء الحركة الاحتجاجية و الشفاء للجرحى
تنسيقية البصرة للتيار الديمقراطي
البصرة تغلي اليوم لأن الحكام المحليين والاتحاديين لا يريدون الاستجابة لمطالب الشعب العادلة والمشروعة، فهم صم بكم عمي لا يفقهون. هذا الغليان المستمر بالبصرة لا يمكن أن يبقى بالبصرة وحدها، فما يعاني من أهل البصرة يعاني منه أيضاً أهل بابل والنجف وكربلاء والديوانية والعمارة والناصرية وبغداد، والموصل والأنبار وصلاح الدين وسامراء والمدن الكردستانية، وبالتالي سيفجر المنتفضون قريباً الأرض تحت أقدام الطائفيين الفاسدين الذين يرفضون فهم ما يطالب به أهل العراق، فهم عن شعبهم ساهون وفي غيهم سادرون مستهترون..     
وفي هذا الفترة التي تستوجب لحمة العراقيات والعراقيين بغض النظر عن دينهم ومذهبهم وقوميتهم، يطلع علينا أحد الشيوخ المسلمين الشيعة في البصرة ليعلن من على منبر المسجد المركزي موقفه البائس والمعادي لاحتفال أهل البصرة وجنوب العراق عموما من مسلمين ومسيحيين بأعياد ميلاد السيد المسيح، نبي المسيحيين، ويدعو بذلك غل ى الكراهية والبغضاء ويتبع بذلك أيضاً ما صرح به مفتي السنة في الجمهورية الشيخ مهدي الصميدعي بدعوة المسلمين عدم المشاركة في احتفالات المسيحيين بعيد ميلاد السيد المسيح. إنها دعوات لا تختلف عن سلوك داعش وتوجهاته التكفيرية العدوانية المناهضة للوحدة الوطنية والتضامن بين أتباع جميع الديانات والمذاهب في العراق. إنها فتوى ظالمة ودعوة معادية للوحدة الوطنية يجب رفضهما ورص الصفوف في مواجهة الطائفية والفساد والإرهاب في العراق، في مواجهة الحكم الطائفي المحاصصي ومن أجل الإصلاح والتغيير والاستجابة الحقيقية لمطالب أهل البصرة والعراق.

29
كاظم حبيب
ستبقى آمال الشعب الكردي قائمة رغم معاناته الراهنة
لم يبدأ الشعب الكردي نضاله القومي والوطني في سبيل الحرية والاستقلال والوحدة القومية حديثاً، بل كان هذا هاجسه وهدفه منذ قرون، وتجلى في الإمارات التي تشكلت على امتداد القرون المنصرمة، والتي يمكن العودة إليها في العديد من كتب التاريخ، ومنها عل سبيل المثال لا الحصر كتاب المؤرخ شرفخان البدليسي (1543-1606)، وكتاب "خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من اقدم العصور التاريخية" للسيد محمد أمين زكي (1880-1958)، وكتاب د. مكرم الطالباني بعنوان "تطور الحركة القومية الكردية" بجزئين، وكتاب "الكرد وكردستان" تأليف أرشاك سافراستيان وترجمة الدكتور احمد خليل ..وغيرها. كما تجلى ذلك وبشكل خاص منذ بداية القرن العشرين في حركة الشيخ عبد السلام البارزاني في العام 1909/1910، ومن ثم مفاوضات الكرد مع الحلفاء قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، وثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية وإعلانه الملكية، وكذلك إعلان استقلال جمهورية أرارات الكردية بقيادة اللجنة المركزية لـ حزب خويبون، في 28 أكتوبر 1927، أثناء موجة من الانتفاضات بين الكرد جنوب شرق تركيا. واستطاع الجيش التركي استخدام العنف المفرط في القضاء عليها في العام 1930. كما بدأت في الثلاثينيات الحركات التحررية اللاحقة للشعب الكردي في العرق بقيادة الشيخ أحمد البارزاني، وتواصلت في الأربعينيات بقياد الملا مصطفى البارزاني، إضافة إلى تحركات واسعة خلال العقدين الرابع والخامس من قبل الكثير من المثقفين الكرد الذين شكلوا تنظيمات عديدة منها على سبيل حزب هيوا (الأمل) تأسس في العام 1938، ومن ثم حزب شورش (الثورة) وحزب رزگاري كرد (تحرير الكرد). تتوج نضال الشعب الكردي في كردستان إيران بإعلان قاضي محمد (1893-1947) جمهورية كردستان والتي سميت في كتب التاريخ "جمهورية مهاباد" التي أجهضت بقسوة بالغة من قبل قوات الدولة الشاهنشاهية الإيرانية وأعدم قاضي محمد في العام 1947. ووقد شاركت مجموعة من المناضلين الكرد بقيادة الملا مصطفى البارزاني ومجموعة من الضباط الكردي العراقيين في دعم جمهورية مهاباد، حيث أصبح الملا مصطفى البارزاني قائداً لقواتها العسكرية. وإذ استطاع البارزاني الهجرة إلى الاتحاد السوفييتي، قرر أربعة من الضباط الكرد العراقيين العودة إلى العراق بعد أن أعطت الحكومة العراقية وعداً بالعفو عنهم، ولكن الحكومة العراقية أخلت بوعدها وارتكبت جريمة إعدامهم في آذار/مارت من عام 1947 وهو نف الشهر والعام الذي أعدم فيه قاضي محمد رئيس جمهورية مهاباد.                          في العام 1946 بدأ تبلور أهداف ومهمات الحركة التحررية الكردية في لكردستان العراق واقترن نضالها بشكل واضح مع نضال الشعب العراقي عموماً في سبيل الحريات العامة والديمقراطية واستقلال البلاد وسيادتها وحقوق الشعب الكردي. وقد تجلت في الموقف الذي اتخذه الحزب الشيوعي العراقي من المسألة الكردية منذ تأسيسه وكذلك حزب الشعب الماركسي الذي أسسه عزيز شريف، وفيما بعد سمي بوحدة النضال، وعند تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي (وفيما بعد أصبح الحزب الديمقراطي الكردستاني).
وعلى العموم يمكن القول بأن نضال الكرد في العراق قد مرّ بثلاث مراحل: المرحلة الأولى تجلت في مطالب ديمقراطية بما فيها الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والاجتماعية، والمرحلة الثانية تجلت في طرح شعار الحكم الذاتي في إطار الدولة العراقية، والمرحلة الثالثة تجلت في إقامة النظام الفيدرالي ضمن الدولة العراقية. ولا شك في أن الكرد بالعراق كانوا يفكرون دوماً بإقامة دولتهم الوطنية المستقلة على القسم الجنوبي من أرض كردستان الكبرى أو إقليم كردستان العراق. وهي المرحلة الرابعة في هذا النضال.     لقد وجد نضال الشعب الكردي الدعم والتأييد من الحزب الشيوعي العراقي وقوى وأحزاب ماركسية في العراق، وكذلك في كل من إيران وتركيا. إلا إن هذه النضالات العادلة والمشروعة، على وفق مبادئ الأمم المتحدة القائمة على أساس حق تقرير المصير للشعوب، قد وجدت المعارضة والمقاومة والمجابهة العسكرية والحرب من جانب القوى الحاكمة في هذه الدول الثلاث، وهي حكومات قومية شوفينية ورجعية متعصبة. وهي التي سمحت للمحامي والسياسي العراقي الماركسي الأستاذ عزيز شريف أن يشير في كتابه الموسوم "المسألة الكردية في العراق" إلى ما يلي:       
 "ظاهرتان للمسألة الكردية في العراق:  الظاهرة الأولى تمثل الوجه السلبي للمسألة الكردية أي أثر السياسة الاستعمارية الرجعية التي قضت باستعباد الشعب الكردي وتمزيق أوصاله وإبقائه في مستوى من العيش البهيمي. أما الظاهرة الثانية للمسألة الكردية في العراق فإنها تمثل الوجه الإيجابي لهذه المسألة وهو كفاح الشعب الكردي في سبيل حرياته وفي سبيل تقرير مصيره. والمسألة الكردية في العراق ليست عراقية صرفة، إنها جزء من مسألة الشعب الكردي في جميع موطنه كُردستان وأن مزقته السياسات الاستعمارية الرجعية المحلية الجائرة وأن تعددت لهجاته حتى بدت أحياناً كأنها لغات مختلفة بسبب العزلة. وأن ترابط أجزاء المسألة الكردية يبدو جلياً في التدابير السياسية والبوليسية العسكرية المنسقة التي تقوم بها قوات الحكومات السائدة في العراق وتركيا وإيران ومن فوقها ومن ورائها الاستعمار الانگلو أمريكي لقمع أية حركة انتفاضة كردية، تقع في أي من الأقطار الثلاثة وأحدث مثال لهذه التدابير المنسقة هو التعاون العسكري بينها لسحق حركة البارزانية عام 1945." هذا ما كتبه عزيز شريف في العام 1950. ولكن أقسى جريمة وإبادة جماعية تعرض لها الشعب الكردي في حملات الأنفال عام 1988، إضافة إلى مؤامرة اتفاقية الجزائر لعام 1974 التي وقعت بين صدام حسين وشاه إيران بدعم مباشر من حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل وتركيا. وأخيراً حصول تعاون عدواني مناهض للكرد حصل بين حكومات الدول الثلاث في سبتمبر من عام 2017 بعد بروز نتائج الاستفتاء الذي أجرته حكومة إقليم كردستان بشأن مستقبل كردستان العراق، والذي حاز على 92,73% من مجموع المصوتين الذين بلغت نسبتهم إلى مجموع المسجلين 72,16%. ويمكن اعتبار النسبتين عالية جداً بالقياس إلى نسب المشاركة في الانتخابات في عموم الدول النامية ومنها العراق، والتي تؤكد رغبة الكرد في إقامة دولتهم الوطنية المستقلة. وهي لا تختلف عن رغبة الكرد في كل من كردستان إيران وكردستان تركيا، في حين أن كرد سوريا لهم مطالب وحقوق مشروعة، منها إدارية وثقافية واجتماعية، تؤدي إلى تعزيز الوحدة الوطنية في سوريا لو استجيب لها بعقلانية من جانب حكام سوريا.
لم يكن قرار الاستفتاء في كردستن للتنفيذ المباشر لإقامة الدولة الكردستانية على أرض إقليم كردستان في العراق، بل كان تأكيداً لثلاث مسائل جوهرية:
1.   التعبير عن حق الشعب الكردي في إقليم كردستان العراق في تقرير مصيره بنفسه، باعتباره حقاً مشروعاً لجميع الشعوب صغيرها وكبيرها، وهو حق ثابت ووارد في اللوائح الدولية للأمم المتحدة والهيئات الدولية ولوائح حقوق الإنسان وحقوق الشعوب.   
2.   التعبير عن رغبة الشعب الكردي الصادقة في إقليم كردستان العراق.
3.   تحسيس الحكومة العراقية بأن الشعب الكردي في كردستان العراق قد اختار الفيدرالية في الحكم باختياره حين كانت توفرت إمكانية لتجاوز الدولة العراقية في فترة حكم البعث في العام 1991، وبالتالي لا بد للدولة الاتحادية بسلطاتها الثلاث مراعاة هذه الحقيقة في التعامل بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في جانبي الصلاحيات والواجبات.
وإذا ما اختلفنا مع المسؤولين في الإقليم في مسالة توقيت الاستفتاء، فأن هذا لا يعطل ولا يبطل حق الشعب الكردي في إجراء الاستفتاء وفي إعلان نتائجه واحترامها من قبل العرب والحكومة الاتحادية، ومن ثم التفاوض مع حكومة الإقليم بشأن الموقف ما بعد الاستفتاء. ولكن الموقف الذي اُتخذ إزاء ليس الاستفتاء فحسب، بل وإزاء الشعب الكردي عموماً من جانب الحكومة الاتحادية بقيادة حيدر العبادي عبر عن:
1.   رؤية أيديولوجية قومية شوفينية متعصبة ورافضة لحق تقرير المصير للشعب الكردي من حيث المبدأ؛
2.   ورؤية إيديولوجية دينية متعصبة ومتشددة تعتبر المسلمين كلهم أمة واحدة يعيشون في دولة إسلامية واحدة هي الدولة العراقية، ولا يحق لهم غقامة دولتهم الوطنية المستقلة إذ يعتبر ذلك انفصالاً مرفوضاً.
وتناغماً مع هذين الموقفين الإيديولوجيين الخاطئين اتخذت الحكومة الاتحادية إجراءات ذات طبيعة إرهابية وقمعة وعقابية ضد إرادة الشعب الكردي وحقه في إجراء الاستفتاء. فكان الامتناع عن دفع الرواتب وفرض الحصار الاقتصادي وإجراءات عقابية وعسكرية أخرى كادت تقود إلى مآسي جديدة، ودامت فترة غير قصيرة وكانت ضد العدالة والشرعية والانصاف. وهو نفس الموقف الذي تتخذه الدولة الثيوقراطية "الإسلامية" الإيرانية بقيادة المرشد الطائفي والمستبد بأمره علي خامنئي، والدول الثيوقراطية التركية الجديدة بقيادة الشوفيني المستبد بأمره رجب طيب أردوغان من حقوق الشعب الكردي في الدولتين. وما الحرب العدوانية التي يخوضها حكام تركيا حالياً ضد الشعب الكردي في كردستان تركيا والصواريخ التي تطلق على أراضي كردستان العراق من تركيا التي تقتل المدنيين بذريعة قصف مقرات حزب العمال الكردستاني ليست سوى جريمة بشعة وتجاوز على استقلال وسيادة العراق وانتهاك صارخ للائحة الأمم المتحدة وضد إرادة المجتمع الدولي.
كم كان الفقد الدكتور زهدي الداوودي على صواب حين كتب يقول: „إن القومية الكبيرة التي تستعبد القومية الصغيرة، ليست حرة. ولقد آن الأوان كي يفهم القوميون العرب والأتراك والفرس هذه الحقيقة...". (راجع: الحوار المتمدن بتاريخ 26/12/2009).
وإذ تعرض تحقيق آمال ومهمات الشعب الكردي إلى الانتكاسة أكثر من مرة على امتداد القرن العشرين وحتى الآن، كان يعاود النهوض وبعزيمة أقوى وأمضى من السابق. ورغم حاجة الشعب الكردي لتأييد الشعب العربي وبقية القوميات في العراق من جهة، وتأييد المجتمع الدولي والكثير من الدول والرأي العام العالمي من جه أخرى، إلا إن التجارب المريرة التي مرّ بها هذا الشعب المناضل تؤكد الاستنتاج التالي: إن تحقيق الآمال والمهمات يتطلب أولاً وقبل كل شيء تحقيق الوحدة الوطنية للشعب الكردي، وحدة الإرادة والعمل، وحدة الهدف، والعمل على قبول الرأي والرأي الآخر والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة في الإقليم، يتطلب إعادة بناء الإنسان الكردي ورفع مستوى وعي الجماهير والاستجابة لحاجاتهم وتطلعاتهم والاستفادة الفعلية من دروس الماضي من خلال العمل على تغيير بنية الاقتصاد الكردستاني، ولاسيما التصنيع وتحديث الزراعة وتطويرها، وتغيير بنية المجتمع الطبقية وتأمين مستلزمات أساسية لتحقيق الأماني والأهداف التي يتطلع لها الشعب الكردي. كما لا بد من انتهاج سياسة تؤكد وحدة النضال ضد الاستبداد والتطرف والطائفية التي تمارس من جانب الحكومة الاتحادية وضد كل القوميات، ومنهم العرب. إن كسب ثقة الشعب الكردي من جانب القوى السياسية والاستجابة لحاجاته وتطلعاته هي الضمانة لوحدة نضاله وانتصاره على من يقف ضد طموحاته وتطلعاته العادلة والمشروعة. فلا بد من تجاوز أخطاء الفترات السابقة في العمل المشترك بين القوى والأحزاب السياسية في إقليم كردستان، كما لا بد من التعلم من الأخطاء الحكومية في مجال التنمية الاقتصادية والبشرية وأهمية وسبل استخدام الموارد المالية المتوفرة في عملية تنمية إنتاجية عقلانية توفر الأرضية الصالحة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي وتنمي الثروة الوطنية وتحسن مستوى معيشة وخدمات بنات وأبناء الشعب في كردستان العراق. ومع قرب حلول العام الجديد أرجو لهذا الشعب عبور الأزمة والنجاح في تحقيق الوحدة الوطنية ومواجهة الواقع الجديد والاحتفاظ بالأمل والعمل من أجل تحقيق الأهداف العادلة والمشروعة.


30
كاظم حبيب
اليمن الحزين يبكي على قتلاه ويدين مساهمة تجار الحروب والسلاح على تدميره

يدرك الشعب اليمني أنه ضحية صراع المصالح الإقليمية وتجارب السلاح وأرباح تجار السلاح والحروب والموت، ومع ذلك غير قادر على إيقاف قتال الأشقاء، لأن الدول الاستعمارية بأساليبها الجديدة وتلك المتطلعة لتكريس نفوذها أو تأمين نفوذ لها في المنطقة، لا تريد ذلك، فهي تسع فعلياً إلى تخريب المنطقة ومواصلة القتال التدميري، بل تريد وتعمل على سيادة "الفوضى الخلاقة في عموم المنطقة، كما جاء على لسان كونداليزا رايز، وزيرة خارجة الحزب الجمهوري في عهد جورج دبليو بوش (الابن)، لإمرار مشاريعها العدوانية ضد شعوب المنطقة وبالتعاون مع حكوماتها المستبدة والرجعية والتابعة لهذه الدولة أو تلك على صعيد الدول الكبرى أو على صعيد المنطقة. هذه هي الحقيقة المُرّة التي يجب ان يراها الشعب اليمني وكل شعوب منطقة الشرق الأوسط بعيون مفتوحة وذهن متيقظ ورؤية واعية ومضادة. والحرب لا تحل المشكلة اليمنية، بل المفاوضات المباشرة بين اليمنيين أنفسهم. ك. حبيب
 
رغم شعور الحوثيين الزيديين بالتمييز من جانب الحكومة المركزية في اليمن، إلا إنها لم تقم بتحرك سياسي وعسكري طوال عقود ضد الحكومة اليمنية المركزية التي يدين حكامها بالمذهب الشافعي في الإسلام. ورغم الاختلاف بين المذهب الشافعي المتسامح لحكام اليمن وبين المذهب الحنبلي الوهابي المتشدد لحكام السعودية، فقد ارتبط حكام اليمن خلال العقود الأربعة الأخيرة بحكام السعودية والتزموا بدعم سياساتهم، رغم تيني علي عبد الله صالح، الذي تسلم الحكم في العام 1978 لفكر البعث ونهجه السياسي القومي الشوفيني وأقام علاقات متينة مع القيادة القومية لحزب البعث بقيادة ميشيل عفلق، ولاسيما مع نظام البعث العراقي ومع صدام حسين شخصياً. ولم تجد السعودية في ذلك غضاضة مادامت العلاقات معها قوية ومتناغمة، كما كانت لها هي الأخرى، ولاسيما في فترة حكم الملك فهد علاقات كتينة مع حزب البعث وصدام حسين.
إلا إن الخميني، وبعد سرقته لثورة الشعب الإيراني واستيلائه على الحكم في العام 1979، عمد إلى تبني تصدير "الثورة الإسلامية الشيعية" إلى الدول ذات الأكثرية الإسلامية وتلك التي سجلت في دستورها "الإسلام دين الدولة"، علماً بأن الدولة لا دين لها باعتبارها شخصية معنوية. وقد بدأ التدخل الإيراني الفعلي في شؤون الدول الأخرى بشكل مباشر، ولاسيما في الدول العربية ومنها اليمن. وقد أثار هذا التدخل حفيظة النظم السياسية الأخرى، ولاسيما المملكة السعودية، مما أدى إلى نشوب صراعات ونزاعات، بل وحرب دموية مجنونة بين إيران والعراق لفترة دامت ما يقرب من 8 سنوات عجاف ومدمرة ومميتة. ثم كانت الحرب في سوريا التي بدأت قبل ما يقرب من سبع سنوات ولا تزال مستمرة ومدمرة ومميتة لمزيد من البشر والنازحين واللاجئين.
أما في اليمن، البلد المتخلف اقتصادياً واجتماعياً وسياسيا، فقد بدأ التدخل الإيراني بتشجيع الحوثيين على مواجهة التمييز والمطالبة بحقوق متساوية والمشاركة في الحكم. ورغم صحة تلك المطالب، إلا إنها كان مطالب حق يراد بها باطل وغطاء تسترت به إيران لتحقيق مصالحها في اليمن. ولكن الحكم المركزي بقيادة علي عبد الله صالح لم يلتف لهذه المطالب ولم يهتم بإيجاد حلول عملية وعادلة مع الحوثيين. مما وسَّع شقة الخلاف وحولها إلى صراعات سياسية ومن ثم إلى نزاعات دموية.
فخلال الفترة الواقعة بين أوائل الثمانينيات من القرن الماضي والعام 2004 بدأ الحوثيون يسعون إلى امتلاك السلاح والتدريب عليه وتعزيز قدراتهم القتالية من خلال دعم إيران وحزب الله اللبناني-الإيراني لهم. وظهر ذلك بوضوح حين نشبت حروب ست بين الحوثيين وقوات الحكومة المركزية بقيادة رئيس الجمهورية علي عبد الله صالح بين عامي 2004-2010، وكلفت الشعب اليمني الكثير من التضحيات البشرية والخسائر المادية والتوقف الفعلي عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وخلال هذه الفترة كانت سياسة علي عبد الله صالح تزداد استبداداً، ولاسيما بعد تحقيق الوحدة مع اليمن الجنوبي في أيار/مايس 1990. ولكن حرباً تفجرت بين الجنوب بقيادة علي سالم البيض، والشمال بقيادة علي عبد الله صالح في العام 1994 انتهت بالسيطرة على عدن وإنهاء الانفصال الذي أعلنه قائد الجنوب. وقد حصل الشمال على تأييد السعودية الكامل، مما أوقع علي عبد الله صالح تحت نفوذ السعودية بشكل واسع جداً. وخلال الفترة الواقعة بين 1994-2011 مارس علي عبد الله صالح سياسة استبدادية فاسدة لم تضطهد وتستفز الحوثيين وحدهم، بل وبقية الشعب اليمني، مما أدى إلى انفجار ثورة شعبية ضده في العام 2011، انتهت بإجبار علي عبد الله صالح على التنازل عن رئاسة الجمهورية لصالح نائبه عبد ربه منصور هادي في العام 2011. وقد أيد حكام إيران هذه الثورة، في حين وقف حكام السعودية ضدها، مما جعل المعركة ليست يمنية فحسب، بل وعلى صعيد المنطقة.   
لم تختلف سياسة الرئيس الجديد إزاء الحوثيين عن سياسة صالح السابقة، مما أدى إلى نشوب معارك بينهم وبين الحكم المركزي. وقادت هذه المعارك إلى بروز تحالف جديد بين أعداء الأمس، بين الجبهة الشعبية بقيادة علي عبد الله صالح وجماعة الحوثيين (حركة أنصار الله) التي أدت إلى احتلال صنعاء. عندها فرض على عبد ربه هادي منصور التنازل عن رئاسة الجمهورية لنائبه وفرضت عليه الإقامة الجبرية بصنعاء في كانون الثاني/يناير 2015. وفي شباط/فبراير 2015 تسنى له الهروب مع مجموعة من أعضاء حكومته إلى عدن وبدعم كامل من السعودية ودول عربية خليجية أخرى. ومنها أعلن سحب استقالته وإعلان الحرب ضد تحالف الحوثيين والجبهة الشعبية وبدعم من المملكة السعودية ودول خليجية، في حين وقفت إيران مع الحوثيين وبقوة أكبر من السابق.
شكل الحكم السعودي تحالفا لدول عربية وغير عربية ذات أكثرية مسلمة لخوض الحرب ضد الحوثيين لدعم عبد ربه هادي ناصر. حظي هذا التحالف على تأييد ودعم متنوع من جانب الدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. في هذه المرحلة بالذات أصبحت اليمن ساحة فعلية لحرب إقليمية بين التحالف الذي تقوده السعودية لدعم الحكومة اليمنية برئاسة منصور، وبين تحالف تقوده إيران لدعم الحوثيين بقيادة عبد الملك الحوثي. ويجري هذا الصراع تحت واجهة دينية، في حين أنه صراع مصالح بين إيران والسعودية ودول خليجية بامتياز، إذ إنها تخشى من النفوذ الإيراني على نظمها السياسية. إنها ليست حرب الشعب اليمني، حرب الأشقاء، بأي حال، وليست حرباً دينية مذهبية، وإن بدت كذلك للبعض، إنها حرب الحصول على نفوذ وهيمنة وتحقيق مصالح في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما لدول المنطقة ذات الأكثرية المسلمة. إن هذه الحرب التي بدأت منذ أواخر عام 2014 لا زالت مستمرة ولا زالت تقتل المزيد من البشر وتدمر الكثير من المدن وتزيد من بؤس وفاقة وجوع ومرض ونزوح المزيد من السكان من مناطق القتال الكثيرة أو الهجرة إلى خارج اليمن. ومنذ فترة غير قصيرة يستد القتال في مدينة الحديدة بهدف السيطرة على ميناء الحديدة لاستخدامه في الحرب الدموية الجارية بين الطرفين، كما تحاول الأمم المتحدة الاستفادة منه لأغراض إيصال المساعدات الإنسانية على اليمنيين. ولم يتوصل المتفاوضون إلى نتيجة فعلية إيجابية بصدد المينا، رغم الاتفاق على بعض الخطوات بهذا الشأن.
إن المجتمع الدولي لا يريد إيقاف القتال رغم تحرك الأمم المتحدة ورئيسها وتشكيل لجنة ومسؤول للتفاوض بين الفرقاء المتقاتلين، إذ أن الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية تنشط هذه الحرب من خلال استمرارها لا في بيع المزيد من السلاح إلى السعودية وبقية الدول المشاركة في التحالف "العربي الإسلامي" بقيادة السعودية فحسب، بل وفي تأييد هذا التحالف في حربه في اليمن لأن الدول الغربية الكبرى ضد إيران ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، كما إن إيران تمارس تزويد الحوثيين بمزيد من السلاح الذي تبيعه لها الدولة الروسية ودول أخرى من تجار السلاح والموت، إضافة إلى السوق الموازي الناشط في منطقة الشرق الأوسط. والتقارير المتوفرة تشير إلى خسائر هالة تحملها المجتمع اليمني بسبب هذه الحروب. فتقرير صادر عن منظمة حقوق الإنسان في صنعاء تشير إلى الأرقام التالية:
بلغ عدد القتلى 296834 يمني و24000 طفل لأسباب كثيرة منها المرض وسوء التغذية والغارات الجوية والقصف المدفعي والتفجيرات المستمرة. إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى والمعوقين. أما الخسائر المادية فتشير الإحصائية إلى تدمير "271 مصنعا و19 مؤسسة إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية و28 مركز إرسال إذاعي وتلفزيوني وميكرويف، وتم تدمير 400 منشأة وشبكة اتصالات حكومية وخاصة و420 منشأه وشبكة ومحطة كهرباء و450 منشأة ومحطة وناقلة نفطية وغازية و85 منشأه رياضية، هذا بجانب تدمير 9 مطارات مدنية و14 ميناء و5000كم من الطرق و95 جسر. كما أشار البيان إلى أن عمليات التحالف قد دمرت 2641 منشأة تربوية وتعليمية منها 293 تدمير كلي و2348 تدمير جزئي ودمر 68 مرفقا إداريا تربويا، وتم قصف وتعطيل 23 جامعة حكومية وأهلية كليا وجزئيا وتدمير 60 معهدا وكلية مجتمع، وتشريد ٢.٥ مليون طالب لا يذهبون للمدارس والجامعات نتيجة الحرب. كما استهدفت الحرب 1016 مزرعة للمحاصيل و535 سوقا مركزيا للمنتجات الزراعية و40 سوقا زراعيا ريفيا و81 سوقا فرعيا ومخزنا للتبريد و8010 منشأة مائية و1090 مضخة مياه و10 وحدات طاقة شمسية." راجع: خسائر اليمن البشرية والمادية بعد ثلاث سنوات من الحرب، موقع سبوتنيك عربي، 28/03/2018). ولا شك في أن المعارك الأخيرة في الحديدة وغيرها كلفات الشعب اليمني الكثير من القتلى والجرحى والمعوقين والنازحين والمشردين.
إنها واحدة من أكبر الجرائم التي ترتكب ضد الشعب اليمني، وهي الحرب التي لا بد لشعوب منطقة الشرق الأوسط والرأي العام العالمي من النضال الدؤوب والجاد لإيقافها، لمنع إيران والسعودية ودول خليجية وغيرها مواصلة الحرب المدمرة، إذ ستكون وبالاً لا على الشعب اليمني فحسب، بل وعلى شعوب المنطقة بأسرها. إن الحرب الجارية في اليمن لن تحل مشكلة الحكم، ولن تحقق لأي من الطرفين النصر على الآخر، ولكن الجرح الكبير سيبقى مفتوحاً ونازفاً ما دام هناك تدخل خارجي مستمر ومشين في شؤون الشعب اليمني، والحل الوحيد يكمن في  إيقاف القتال فوراً والبدء بمفاوضات مباشرة بين اليمنيين أنفسهم لضمان إقامة دولة ديمقراطية ومجتمع مدني ومشاركة فعلية من جانب جميع اليمنيين في حكم البلاد، وبعيداً عن المحاور الإقليمية والدولية التي لا تريد للشعب اليمني الأمن والسلام والخير والتقدم، بل تريد تحقيق مصالحها الخبيثة في اليمن وفي عموم منطقة الشرق الأوسط. إن هذا يمكن أن يتم حين تمتنع الدول المنتجة والمصدرة والبائعة للسلاح عن ارساله لأطراف النزاع الدموي، حين تمتع عن تزويدها بالمال لشراء السلاح من السوق الموازية، بل تقديم الدعم للشعب اليمني لمواجهة جوعه وجراحه. الحل يكمن في أجبار المتقاتلين في الركون إلى التفاوض ودون تدخل خارجي غير مساعد على إعادة الأمن والسلام لليمن الحزين وشعبه المستباح بالحرب.       
 

31
كاظم حبيب
حصاد الحكم الطائفي الفاسد في العراق
احتفل العراقيون والعراقيات يوم أمس، 10/12/2018، وهو يوم الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان أيضاً،  بالذكرى السنوية الأولى لانتصار الشعب العراقي بقواته المسلحة والبيشمركة والمتطوعين على أعداء الشعب من الإرهابيين الذين اجتاحوا الوطن من بوابة الموصل وعموم نينوى. رغم إن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن أرض العراق ما تزل لم تطهر من رجس هذه العصابات حتى الآن، إذ سكان بعض المناطق مازالوا يعانون من عودة عصابات داعش ونشاطهم التخريب والقتل لمن يقف في وجههم.
لا يخفى على الناس في العراق بأن النصر الحقيقي لا يقاس بطرد المحتل وتحرير الأرض فقط، بل وبخلق أوضاع طبيعية وآمنة ومستقرة للذين عانوا من الاحتلال. إذ كان الاجتياح والاحتلال وسبي واغتصاب وقتل الناس وتهجيرهم نتيجة لسياسات حقيرة فاسدة وطائفية مذلة مارستها النخبة الحاكمة في أرجاء العراق منذ العام 2003/2004، ولاسيما في الموصل وعموم نينوى ومحافظات غرب العراق، مما سهل على القاعدة والدواعش اجتياح العراق وهروب القوات المسلحة بجميع اصنافها من مناطق الموصل ونينوى بقرار من القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء حينذاك نوري المالكي. لقد احتل الدواعش الأوغاد الموصل وكل سهل نينوى ومارسوا كل الفقرات الواردة في مفهوم ومضمون الإبادة الجماعية ضد بنات وأنباء شعبنا العراقي من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان. وما لم تتغير تلك السياسات التي تسببت في تذمر السكان وتسهيل مهمة الاجتياح والاحتلالي، لن يستقر العراق ولن يغيب الداعشيون وأمثالهم عن الساحة العراقية، بل يمكن أن يعودوا بقوة أكبر ويمارسوا بشاعات جديدة.
لقد مارس النظام الطائفي ولاسيما في فترة حكم نوري المالكي سياسة التمييز الديني والطائفي بأجلى معانيه وأشدها ظلماً وقهراً للإنسان، كما مارس عملية إفساد منظمة وهادفة لجمهرة كبيرة من القادة العسكريين في الجيش والشرطة والأمن الداخلي وسمح للفساد بالانتشار والهيمنة على مجمل نشاط الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث، وأفسد العلاقة مع القيادة الكردية بمساوماته الخادعة من أجل البقاء في السلطة والحصول على ولاية ثانية. لقد أصبح العراق الرث مكب نفايات وفساد وطائفية تقف فوقه وتعيد إنتاجه النخبة الحاكمة وأبرز قادة قوى وأحزاب الإسلام السياسي، وعلى رأسهم نوري المالكي. ولكي نؤكد ما أشرنا إليه نورد لكم جملة من الأرقام التي تسبر غور مضمون ووجهة ودلالات العملية السياسية الجارية في العراق منذ العام 2003/2004 حتى الوقت الحاضر.       
الشعب العراقي والكثير من شعوب الأرض يعرفون بأن الغالبية العظمى من شعبنا العراقي مستباحة من النخب الحاكمة، من قوى وأحزاب الإسلام السياسي، من ميليشياتها المسلحة، من طبيعة المحاصصة في العملية السياسية الجارية، مستباحة من الطائفيين والفسادين والإرهابيين وحاملي كاتم الصوت، الناس يستباحون ثانية بسبب عودة الداعشيين ثانية إلى بعض المناطق التي حررت، والغالبية مستباحة من إيران بصورة مباشرة من خلال وجودها في جميع سلطات الدولة العراقية ومفاصلها الحساسة، وفي السياسات العراقية التي تفرضها غيران داخلياً وخارجياً.
الإحصائيات التي تحت تصرفنا تؤكد بعلى سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
** بلغت البطالة على وفق الأرقام الرسمية 31% حتى عام 2017 وهي في تزايد مستمر، علماً بأن النساء لا يدخلن في عديد العاطلين عن العمل، كما إن الرقم الفعلي أكثر من ذلك بكثير
** بلغت نسبة من هم تحت خط الفقر 35%، والرقم الفعلي أعلى من ذلك بكثير، ويصل إلى حدود 50% من هم تحت أو على خط الفقر أو أعلى بقليل منه.
** بلغ عدد اليتامى 5,6 مليون نسمة حتى نهاية عام 2017، وبلغ عدد الرامل بين 14-52 سنة 2 مليون أرملة.
** بلغ عدد الذين هجروا العراق 3,4 مليون نسمة، توزعوا على 64 دولة، إضافة إلى 4,1 مليون نازح، 1,7 مليون منهم يعيشون في معسكرات تفتقر للعيش الأدمي،
** بلغ عدد الأميين 6 ملايين نسمة ممن لا يقرأ ولا يكتب.
** سقط 430 ألف قتيل و620 ألف جريح، منهم 30% بعاهات أخرجتهم من خانة القادرين على العمل، و58 ألف مفقود لا يعرف مصيرهم خلال الفترة الواقعة بين 2003-2016/2017.
** وهناك 271 ألف معتقل، منهم 187 ألف لم يحالوا على القضاء حتى عام 2017الآن.
** بسبب البطالة وانعدام وسائل الترفيه والضياع وفقدان الأمل بمستقبل يزداد تعاطي الحشيشة سنة بعد أخرى وترتفع النسبة باستمرار، ولاسيما بين الشباب.
** يوزع رئيس مجلس النواب الأموال على النواب بدون حساب أو قيد، في وقت تعاني نسبة عالية من الشعب العراقي من الجوع والحرمان والبؤس الشديد. وقد رفض نائبان شيوعيان قبول المنحة التي قرر مجلس النواب توزيعها على النواب دون وجه حق، وقدرها 45 مليون دينا عراقي لكل منهما وهما هيفا الأمين ورائد فهمي. أي أن رئيس المجلس وزع دفعة واحدة مبلغاً قدره 14805000000 دينار عراقي، أي 14,8 مليار دينار عراقي. كم مدرسة كان بالإمكان بناءها بهذا المبلغ الهدية "المتواضعة" الذي قدم لأعضاء مجلس النواب، إضافة إلى رواتبهم الدسمة جداً ومخصصاتهم ومخصصات إعلامهم وحمايتهم وزياراتهم واللجان وما إلى ذلك. 
** تشير المعطيات المتوفرة إلى انتشار 39 وباءً، والكثير من الأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية التي لم تكن معروفة في العراق قبل اليوم، ولاسيما في البصرة والمنطقة الجنوبية عموماً.
** وفي العراق قتل خلال الفترة 2004-2017 277 صحفياً عراقي وأجنبي على النحو التالي: 199 صحفياً قتلوا على أيدي مسلحين مجهولين أو مليشيات مسلحة، 56 آخرين لقوا حتفهم اثناء تواجدهم في اماكن حدثت فيها انفجارات نفذها مجهولون. 22 صحفيا قتلوا بنيران القوات الأمريكية. صحفيان قتلا بنيران القوات العراقية. كما تعرض 74 صحفياً ومساعداً إعلامياً الى الاختطاف، قتل اغلبهم ومازال مصير 14 منهم مجهولا. (قارن: مرصد الحريات الصحفية أخذ المقتطف بتاريخ 11/12/2018).
** يذكر فيديو منشور تحت عنوان "العراق في أرقام" إلى الحقائق الاقتصادية التالية: 13328 معملاً ومصنعاً ومؤسسة إنتاج توقفت عن العمل، ويستورد العراق 75% من حاجته للمواد الغذائية سنويا، كما يستورد 91% من حاجته لمواد البناء وصناعات أخرى. ورغم توفر إمكانيات غير قليلة لتغطية حاجة الاستهلاك المحلي لمواد غذائية مهمة كالطماطم وخضروات أخرى، فتح العراق باب الاستيراد لتغزو البلاد منتجات زراعية إيرانية تنافس الإنتاج الزراعي المحلي في أسعارها، مما يجعل الفلاحين يكفون عن الإنتاج ويتحملون خسائر كبيرة.
** بلغت إيرادات العراق المالية المتأتية من تصدير النفط الخام (786,2) مليار دولار أمريكي خلال الفترة الواقعة بين 2004-2017 (قارن: سرمد كوكب الجميل، نمير أمير الصائغ وعدي سالم، تقرير الاقتصاد العراقي: التحديات والخيارات، مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية، 11/8/2018). والسؤال العادل: أين ذهبت هذه الأموال في وقت لا يزال العراق بائساً رثاً ونسبة عالية من سكانه تعيش تحت خط الفقر وعاطلة عن العمل، كما يفتقد العراق لعملية تنمية فعلية، والعاصمة بغداد تعتبر واحدة من أكثر المدن قذارة، دع عنك الكثير من المدن العراقية الأخرى؟  الجواب نجده لدى منظمة الشفافية العالمية. فعلى وفق مؤشر الفساد "لا تزال منظمة الشفافية العالمية تصنف العراق بـالأكثر فساداً بين دول العالم الأخرى". ودولة العراق واحدة من 12 دولة هي الأكثر فساداً في العالم. (قارن: نصير الحسون، العراق يتصدر لائحة الدول الأكثر فساداً في العالم. جريدة الحياة في 21 أذار/مارس 2018).
** وما يزال العراقيون والعراقيات يعانون من ضعف مرير في الخدمات الأساسية، ولاسيما الكهرباء والماء الصالح للشرب والمدارس التي يمكن أن تكون مناسبة لبني البشر، ويفتقد طرق مواصلات مناسبة وأزمة حقيقة في السكن ...الخ. وبهذا الصدد يشير عضو لجنة النزاهة البرلمانية شيروان الوائلي إلى أن "ملف الكهرباء لن يتحسن بإقالة الوزير، مبينا ان الوزارة صرفت منذ عام 2004 لغاية الان نحو 50 مليار دولار على هذا الملف، فيما اتهم لجنة الطاقة النيابية بـ"خداع" الشعب." (راجع: عمار طارق، لوائلي: الكهرباء صرفت 50 مليار دولار منذ 2004 ولجنة الطاقة تخدع الشعب، مؤيد الطيب - السبت 27 تموز 2013). وقد ارتفع هذا المبلغ بين عامي 2013-2018. 
هذا جزء يسير من حصاد العراق المأساوي والكارثي الذي تسببت به النخبة الطائفية الحاكمة في العراق منذ 2003/2004 حتى الوقت الحاضر، وهذا هو الوضع الذي تسبب في انتفاضة أهلنا في البصرة وبعض مناطق جنوب ووسط العراق، وهو الذي سينتفض من أجله كل الشعب العراقي، إذ مازالت هذه النخبة الحاكمة السيئة تضحك على ذقن الشعب حين ادعت بأنها ستشكل وزارة غير طائفية وغير محاصصية، في حين اختارت شخصاً لا يمكنه الخروج عن دائرة المحاصصة الطائفة ولا عن إرادة إيران ومرشدها الخامنئي وممثله في العراق العميد قاسم سليماني. والشعب يعرف هذه الحقيقة قبل الديمقراطيين. 
إن النخبة الحاكمة العراقية تدوس يوماً بعد أخر وأكثر فأكثر في بطن العراقيات والعراقيين، مما تدفع بهم إلى انتفاضة شعبية حقيقية لا في البصرة وحدها، بل وفي جميع أنحاء العراق، ولا في اعتصام في البصرة وكربلاء ومناطق أخرى بل في احتمال تنظيم عصيان مدني تنضج ظروفه تدريجاً، ولن ينفع اختيار شخص لإعادة الثقة بمن فقد الشعب ثقته بهم، بهذه النخبة التي نهبت العراق وسلبت شعبه العيش الكريم والحياة الآمنة والمساواة بين مواطنيه ومواطناته. إنها الطامة الكبرى التي يعيش تحت وطأتها هذا الشعب المستباح بالطائفية السياسية ومحاصصاتها المذلة وبالفساد، كنظام سائد وفاعل، وبالاغتيالات للشبيبة المدنية المحتجة، على ايدي المليشيات الطائفية المسلحة المؤتمرة بأوامر النخبة الحاكمة وبمن هم وراء الحدود. وليس غريباً أن يرتفع صوت إنسان عراقي يدافع عن فلاحي البصرة الذين لم يعد في مقدورهم تصريف بضاعتهم من الطماطم بسبب فتح الأبواب أما استيراد الطماطم والكثير من الخضروات من إيران والتي أدت إلى وعجز الفلاح العراقي عن تسديد الديون التي بذمته والتي اقترضها لمواصلة إنتاج الطماطم مثلاً. ((راجع: Video-1544355660.mp4x400 224). 
 إن الشعب العراقي بحاجة إلى إعادة تنظيم الحركة المدنية بما يساعد على تعزيز التعاون والتنسيق والتضامن والعمل المشترك بين العمال والفلاحين والطلبة والشبيبة، بمن يئن من نقص الخدمات ومن يعاني من بطالة ومن يخشى الموت جوعاً، لمواجهة النخبة الحاكمة الفاسدة التي لم تعد قادرة وغير راغبة في أي إصلاح ولو جزئياً، دع عنك التغيير الفعلي لنظام المحاصصة الطائفي الفاسد. إن عملية احتجاج وانتفاضة مشتركة هي التي يجب العمل من أجلها لكنس هذه النخبة الفاسدة التي لم تتعلم من السنوات المنصرمة ولن تتعلم لأنها ليست موالية لهذا الشعب ولهذا الوطن، بل موالاتها كما يبدو لغير هذا الوطن ولغير هذا الشعب. والسؤال الذي يوجهنا جميعاً هو: متى يقتنع الشعب العراقي بعقم أانتظار أي إصلاح أو تغيير على أيدي النخب الحاكمة الفاسدة؟ وحين تقتنع الأكثرية بذلك، وهي في طريقها إليه، عندها لن تقف أي قوة على وجه الأرض أما نضال هذا الشعب وعدالة قضيته، لن تقف خراطيم المياه ولا الرصاص المطاطي أو الرصاص الحيّ الذي استخدم في الفلوجة في العام 2011 وفي بغداد ومن ثم في البصرة ومناطق أخرى من العراق ولا الاعتقالات والتعذيب والسجون والاختطاف والاغتيالات بأي حال...
       


       

32
نقاشات حول سجون العراق
================
إلى جميع القارئات والقراء
تحية طيبة
نشرت في موقعي على الفيسبوك تقريراً مكثفاً قدمه الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح إلى اجتماع مهم نظمته منظمة غير حكومية ألمانية في برلين حول السجون في الدول العربية، ومنها العراق. وتحدث التقرير باختصار وكثافة عما فعله الجيش والقوات الأمنية الأمريكية في سجن أبو غريب وما فعله الأمن وشرطة السجون العراقية بالسجناء العراقيين من تعذيب ..الخ.  ونصه كما يلي:
السجناء العراقيون
في منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية
أ.د. قاسم حسين صالح
مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية
أمين عام تجمع عقول

 بمبادرة من مؤسسة (أمم UMAM ) عقد في برلين للمدة(28-30 نوفمبر/تشرين الثاني،2018) منتدى لمناقشة اوضاع السجون والسجناء في الشرق الاوسط وشمال افريقيا.
 شاركت في المنتدى شخصيات فكرية تمثل معظم البلدان العربية بينهم من تعرض/تعرضت للسجن واخرى من بلدان اجنبية على مدى ثلاثة ايام بجلسات صباحية ومسائية.. استعرضت احوال السجناء والمعتقلين والمحتجزين في العالم العربي والمخالفات التي تنفرد بها أبنية السجون العربية التي تستهدف اضطهاد  السجين جسديا واحتقاره نفسيا.
 وهدف المنتدى الى توحيد الرؤى المتعلقة بالشؤون السجنية في العالم العربي من حيث تعدد المسميات والتداخلات والمخالفات القانونية واعادة تركيبها بصياغات مفاهيمية واضحة وموحدة،وتحديد أهداف مشتركة يؤسس لعمل يوحد الجهود بمدد زمنية تعمل على تأمين حقوق السجين التي تبنتها الأمم المتحدة ونصت عليها الاتفاقيات الدولية.
 استهل المنتدى اعماله بمحاضرتنا الموسومة ( السجون العربية.. اذلال وتعذيب وانتقام- العراق انموذجا) وكانت بأربعين شريحة (سلايد) باللغة الانجليزية ،بدأتها بفضائح سجن ابو غريب التي ارتكبتها القوات الأمريكية معززة بصور التعذيب التي تجسد امتهان الكرامة وبشاعة الاحتقار ضد المعتقلين العراقيين من دولة تدعي انها المدافعة الاولى في العالم عن حقوق الإنسان، واعتراف الأمريكان انفسهم  بانهم  قاموا بتعذيب الاطفال لإرغام آبائهم في ابو غريب على الاعتراف..وشهادات من منظمات دوليه بينها (هيومن رايتس ووتش ) التي وثقت في تقريرها لسنة 2008 وجود "25 " ألف محتجز عراقي لدى الجيش الأميركي دون توجيه اتهامات إليهم أو مثولهم للمحاكمة.
 واشارت المحاضرة الى ان جميع المنظمات الحقوقية تتفق على أن قضية المعتقلين في العراق تمثل انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان، وان عددهم بحسب تصريحات ( اتحاد الأسرى والسجناء السياسيين العراقيين) هو أربعمائة ألف معتقل، منهم ستة آلاف وخمسمائة حدث، وعشرة آلاف امرأة،يواجهون ظروفا صعبة بحسب بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالعراق.
التعذيب في السجون العراقية
 حرصنا على ان نوصل للرأي العام العربي والدولي التوكيد بأن  المصادر الرسمية العراقية والأميركية وتقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية  تتفق على أن المعتقلين في العراق يتعرضون لأنواع التعذيب المحظورة بموجب قانون حقوق الإنسان الدولي. وان سجن ابو غريب يعدّ (الأرحم بين السجون رغم فضائحه الفظيعة) بحسب منظمة اتحاد الأسرى والسجون السياسيين العراقيين، التي سجلت حالات وفاة لمعتقلين يعتقد انها بسبب التعذيب.
 والمخجل ان الجنود الامريكيين وقوات الامن العراقية استخدمت مختلف وسائل التعذيب:العزل والحرمان،الضرب والتجويع، الإهانة والسب،التعرية والاعتداء الجنسي والاغتصاب، التبول على السجناء، الصعق بالصدمات الكهربائية على أجزاء حساسة من الجسد، التعرض لدرجات الحرارة والبرودة القصوى لفترات طويلة، والتعليق من الأطراف.. فيما ينفي مسؤولون عراقيون تعرّض المعتقلين للتعذيب،ويقولون إنها مجرد ادعاءات،مع ان العراق يعدّ الأكثر في عدد السجون بالمنطقة التي تتوزع بين جهات متعددة:الدفاع، الأمن القومي، المخابرات.. وسجون الأحزاب السياسية، فضلا عن السجون السرية.
 ووفقا لمركز بغداد لحقوق الإنسان فأن "جرائم التعذيب ما تزال مستمرة، وسوء التعامل هو الصفة السائدة مع النزلاء في سجون وزارات الدفاع والداخلية والاستخبارات ومكافحة الإرهاب وقيادات العمليات بالمحافظات، عدا عن سجون وزارة العدل"(فبراير 2018)،وصدور أحكام بالإعدام نُفّذت ضد معتقلين تعرّضوا للتعذيب، وأخرى ضد معتقلين بناءً على اعترافاتهم تحت التعذيب.فيما تؤكد مصادر اخرى بانه منذ 9 مارس/آذار 2003 (تاريخ الغزو الأميركي ـ البريطاني للعراق) وإلى اليوم (2018)لم يقدّم للقضاء العراقي أي من مرتكبي جرائم التعذيب في السجون العراقية، ولم تشكّل الحكومة أية لجنة حقيقية للتحقيق في جرائم التعذيب وسوء المعاملة في سجونها، ولم تُقدم على أية خطوة في سبيل إيقاف أو تقليل حجم ظاهرة التعذيب وخطورته".(العربي الجديد).
شهادات سجناء عراقيين
 وحرصنا ايضا على توثيق شهادات لسجناء عراقيين نوجزها بالآتي:
* القيود لا تنزع من إيدينا، والطعام رديء والماء شحيح، والكلاب البوليسية تدخل علينا من حين لآخر لتعبث بأجسادنا وتثير الرعب، مريضنا لا يذهب للطبيب، والمعافى فينا يتعرض للتعذيب والاهانات وانتهاك الكرامة، الزحام يخنقنا والحر يقتلنا وأخبار مواعيد الإعدام ترعبنا (سجن الحوت).
* السجون باتت كالمقابر دفّنا فيها، ويبتلعنا الصمت، ويتجاهلنا الاعلام ومنظمات حقوق الانسان بشكل معيب ومخزي (سجن الناصرية)
*التعذيب النفسي والجسدي يمارس بقسوة: يدخلون علينا الكلاب البوليسية، يخبروننا ان كتب تنفيذ الاعدام قد وصلت الى السجن وهي اخبار كاذبة، وضع القيود بايدينا ونحن داخل الزنزانة بشكل مستمر، بعضنا لم يستحم منذ اكثر من شهر، نومنا وصلاتنا بالدور بسبب ازدحام الزنزانة بالنزلاء، والمصابون بامراض مزمنه لا يسمح لهم بمراجعة الطبيب.
 وشهدت السجون العراقية اجبار اغلب المعتقلين على حضور محاضرات دينية يلقيها رجال دين من شعبة الإرشاد الديني في وزارة العدل، ينتمون لحزب الفضيلة الإسلامي، الذي كان ينتمي له وزير العدل السابق، حيدر الزاملي، وتعرّض معتقلين للضرب بالهراوات والقضبان الحديدية والعصي الكهربائية في بعض حملات التفتيش وعمليات إجراء التعداد اليومي، واجبار آخرين بالوقوف على رِجل واحدة ورفع اليدين إلى الأعلى عدة ساعات.
 يؤكد صحة هذا الشهادات تقرير لمفوضية حقوق الانسان بان تلك الانتهاكات والتعذيب النفسي والجسدي تم توثيقها خلال الزيارات الميدانية للسجون، ولم تتم مساءلة للضباط او المسؤولين عن التحقيق وعن مسؤولي السجون، ولا توجد تحركات جدية بشأن الانتهاكات الحاصلة ضد المعتقلين رغم خطاباتها العديدة لوزارة العدل.
  وتفيد التقارير بصدور احكام بالسجن المؤبد واخرى بالاعدام نتيجة دعوات كيدية ومخبرين سريين لتهم ملفقة، وان عدد حالات الاعدام في العراق بلغت ( 967 من 2005 الى نيسان 2018).
والمفارقة ان الدستور العراقي يحرّم التعذيب وفق المادة 37/ح المثبتة بالنص:(يحرّم جميع انواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة اللاانسانية، ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالأكراه او التهديد او التعذيب. وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي اصابه وفقا للقانون).
مناشدة وتوصيات
 وانتهت المحاضرة بمناشدة مؤسسة (أمم للأبحاث والدراسات ) والمشاركين في المنتدى  العرب والاجانب الى تأمين تحقيق التوصيات الآتية:
·        دعوة الحكومة العراقية والجهات ذات العلاقة الألتزام بتطبيق ما نص عليه الدستور العراقي بالمادة 37/ح التي تحرّم كل انواع التعذيب الجسدي والنفسي.
·        غلق السجون السرية التابعة لأحزاب السلطة وقوى سياسية اخرى، والأفراج عن المعتقلين فيها او ترحيلهم الى السجون الرسمية بموجب مذكرات قضائية.
·        الكشف عن المعتقلين العراقيين في السجون الأمريكية داخل العراق الذين اعتقلوا دون توجيه تهم قضائية بحقهم، وتسليمهم لوزارة العدل العراقية.
·        الزام الجهات المعنية بالسماح لعوائل السجناء بزيارة ذويهم في السجون دون ضغوط او ابتزاز، وتأمين الفرصة لقيام المنظمات الحقوقية المحلية والدولية بزيارة السجناء والمعتقلين.
·        دعوة المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان (العفو الدولية، هيومن رايتس ووتش، الصليب الأحمر..) الى تفعيل دورها من مستوى الأدانة المكتوبة الى مواقف عملية تدين تجاوزات الحكومات العربية في تعاملها مع السجناء والمعتقلين.
·        فتح دورات وورش عمل للسجناء تمكنهم من ممارسة اعمال منتجة بعد خروجهم من السجن.
·        توفير الفرص لعلماء النفس والاجتماع باجراء دراسات ميدانية على السجناء داخل السجون لتشخيص مشاكلهم النفسية والاجتماعية والسجنية وتقديم المقترحات للجهات المعنية لمعالجتها.
·        اعادة تأهيل السجناء الذين يطلق سراحهم وفق برامج سيكولوجية علمية معتمدة عالميا تعيد لهم توازنهم الذي يؤمن لهم التوافق الأسري والتكيف الاجتماعي والمهني.
·        قيام (مؤسسة أمم) بتنسيق الجهود والنشاطات الخاصة بأدب السجون (رواية، شعر، مسرحية، نص سينمائي، فنون تشكيلية..) على صعيد الوطن العربي.. للتوثيق واشاعة الثقافة على مستوى المواطن العربي بأن وظيفة السجن هي حماية المجتمع وليست خدمة الحاكم للبقاء في السلطة.
 
في الجلسة الختامية تقدمنا بجزيل الشكر والامتنان لمنظمي المنتدى والجهود الكبيرة التي بذلها الأستاذ لقمان سليم ومونيكا وعلي منصور.. ووعد بلقاء في اوائل مارس /آذار 2019  لتدارس ما انجز من نقطة الشروع، وتأمين مواصلة المشوار لتحقيق انبل مشروع انساني يوصلنا الى مجتعات عربية خالية من السجون التي تخدم حكامنا العرب المصابون بهوس الاستفراد بالسلطة والثروة.
قاسم حسين صالح
 برلين في 1 ديسمبر/كانون اول- 2018
 تعليقات
أشار الأستاذ رحيم العكيلي في ملاحظة سريعة عل الفيسبوك إلى أن الـ: "تقرير ملخص ويكشف جزء بسيط من مصائب سجوننا ومآسي والالام من يدخل اليها سواء اكان برئ ام مذنب." 
فأجبته بالملاحظة التالية:
عزيزي استاذ رحيم العگيلي تحية قلبية، من المفيد ان يعرض كل منا ما لديه من معلومات، ولدي ايضا الكثير من المعلومات عن سجون العراق وأرحب بما ينشر في هذا الخصوص من مختلف الباحثين والصحفيين وكم أتمنى عليك ان تنشر ما تعرفه بهذا الصدد لكي يمكن نشره على أوسع نطاق ممكن. ما نشر على الألمان مهم ويمكن طرح المزيد منه، مع ودي واحترامي، كاظم حبيب

أما السيد سعد حسين فقد اعترض على التقرير بقوله: "التقرير استاذي العزيز فيه الكثير من المغالطات وبعض المعلومات غير دقيقة".
فكتبت له ما يلي على الفيسبوك ما يلي:   
"عزيزي استاذ سعد حسين أفضل ان تشير الى ما تراه مغالطة وتصحح ذلك لكي نستطيع ان نتعرف على موقع المغالطة، اذ لا يكفي الإشارة الى وجود مغالطات دون البرهنة عليها وذكر البديل." كاظم حبيب
جاء الجواب الآتي من السيد سعد حسين
"دكتوري العزيز ادناه ما اشرت له كمغالطات .
الفقرة : الكشف عن المعتقلين العراقيين في السجون الأمريكية داخل العراق الذين اعتقلوا دون توجيه تهم قضائية بحقهم، وتسليمهم لوزارة العدل العراقية.
الرد
ليس من سجون أمريكية في العراق الان وآخر معتقل تم تسليمه في نهاية العام ٢٠١٠ من خلال لجنة شؤون المعتقلين التي نظرت ملفات ١٥ الف معتقل تم اطلاق سراح ثلثي هذا العدد لعدم كفاية الأدلة لإحالتهم للقضاء العراقي ، فيما تم استلام الثلث الأخير من قبل الحكومة العراقية وزارة العدل بموجب قرارات توقيف قضائية صدرت بعد تقييم الأدلة التي تقدم بها الجانب الامريكي وتم اعتمادها من قبل السلطات التحقيقية العراقية وانا احد أعضاء لجنة شؤون المعتقلين التي كانت برئاسة القاضي كاظم الطائي .

٢. الزحام يخنقنا والحر يقتلنا وأخبار مواعيد الإعدام ترعبنا (سجن الحوت).

الرد : سجن التاجي هو السجن الذي يسمى سجن الحوت ويقع في بغداد وطاقته الاستيعابية ٦٠٠٠وفيه وفق اخر احصائية ٥٨٧١ محتجز ،اي انه لم يتجاوز طاقته الاستيعابية ولا يضم اي محكوم بالاعدام ، فكيف أرعبتهم اخبار مواعيد التنفيذ.

٣. تؤكد مصادر اخرى بانه منذ 9 مارس/آذار 2003 (تاريخ الغزو الأميركي ـ البريطاني للعراق) وإلى اليوم (2018) لم يقدّم للقضاء العراقي أي من مرتكبي جرائم التعذيب في السجون العراقية، ولم تشكّل الحكومة أية لجنة حقيقية للتحقيق في جرائم التعذيب وسوء المعاملة في سجونها،

الرد
منذ العام ٢٠٠٤ وحتى العام ٢٠١١ تم احالت العشرات وقد وثقتها تقارير وزارة حقوق الانسان السنوية وشكلت المئات من اللجان التحقيقية لذات الغرض وصدرت احكام انضباطية وجزائية بحق ضباط ومراتب وموظفين من الوزارات الأمنية والمدنية .

٤. وان سجن ابو غريب يعدّ (الأرحم بين السجون رغم فضائحه الفظيعة)

الرد: ان سجن ابو غريب خارج الخدمة ومدمر منذ العام ٢٠١٤ ولا يوجد فيه سجين واحد او موظف.

المعلومات الدقيقة عن الخريطة السجنية وظروف الاحتجاز قد تضمنها تقريرنا الظل الذي قدمناه للجنة حقوق الانسان العربية ويمكن الاطلاع عليه على الرابط ادناه .

https://www.iohrd.nl/.../%d8%aa%d9%82%d8%b1%d9%8a%d8%b1...

اعتذر عن الاطالة دكتور". سعد حسين
وجهت هذه الرسالة الآتية بما فيها من معلومات إلى الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح:
"الأخ الفاضل السيد البروفيسور الدكتور قاسم حسين صالح، تحية طيبة
 بعد نشر تقريرك على موقعي في الفيسبوك جاء رد من السيد سعد حسين، ليست لديَّ معرفة به، فرجوته تقديم ما يعتقده مغالطات في تقرير الدكتور قاسم وإبراز الدليل على ذلك. فكتب لي على الفيسبوك ما أرسله لك الآن للاطلاع عليه، وربما الرد عليه وهو الأصوب.
اعتقد أن هناك نقاط ضعف فيما كتبه السيد سعد حسين ولكن أفضل أن ترد عليه أنت دكتورنا الغالي.
مع الود، كاظم حبيب
فجاء الجواب التالي الموجه إلى الأخ السيد سعد حسين 

"الاخ سعد حسين المحترم
ابلغني الصديق الأخ الكبير الدكتور كاظم حبيب بوجود (مغالطات) في ورقتنا المقدمة الى منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية الذي عقد في برلين (28-30نوفمبر 2018).. واظن ان جنابك هو الاخ سعد سلطان حسين صاحب منظمة اوهارد ، وكنت استفدت من احد نصوصك بوصفك صاحب خبرة في السجون العراقية واعددت تقارير مع شبكة العدالة للسجناء
عزيزي سعد
اشارت ورقتنا في نصها باللغة الانجليزية ان الاميركان سلموا العراقيين ما لديهم من معتقلين في 2010، لكننا ركزنا على ما ارتكبته القوات الامريكية من امتهان للكرامة الانسانية واحتقار للعراقيين سواء فضائحها في سجن ابو غريب او بشاعة ما ارتكبته في سجونها الأخرى والانتهاكات التي يجب ان تحاسب عليها دوليا وعراقيا.
وبخصوص التعذيب، فان المنظمات الحقوقية تؤكد وجوده الآن في السجون العراقية، وان كثيرا منها فيها اكثر من طاقتها الاستيعابية.
وفيما يخص السجون السرية فهي موجودة فعلا وتابعة لأحزاب السلطة وقوى سياسية
ان السجون في العراق يجب ان تكون تابعة لوزارة العدل فيما تتعدد مصادرها وجنابك تعرف ذلك
وبخصوص معاقبة مرتكبي جرائم التعذيب فان الطب العدلي وثق 1400 حالة لهذا العام، وان القضاء عاجز عن احضار او استدعاء المتهمين بجرائم التعذيب، وعدد الشكاوى قليل جدا لأن الناس لا يؤمنون بوجود عدالة في العراق، ولأن من يشتكي يلفقون ضده تهمة ثانية. صحيح هناك محكمتان لحقوق الانسان (كرخ ورصافة).. لكن الاجراءات الرقابية والقضائية مخجلة جدا والغالب فيها هو الافلات من العقاب.
 
 
انني اوجه الدعوة لجنابك الكريم وبالتنسيق مع الدكتور كاظم حبيب ان نتعاون في عقد ندوة أو اي نشاط نراه مناسبا يعقد في العراق او هولندا (المقصود المانيا، ك. حبيب) لمعالجة هذه القضية الانسانية، ونوحد الجهود لنصل الى تحقيق ان تكون وظيفة السجن هي حماية المجتمع وليس خدمة الحاكم.
 تحياتي واحتراماتي، أرجو نشره على صفحتك في الفيسبوك .. تحياتي

قاسم حسين صالح
 
كاظم حبيب: أسجل هنا ملاحظاتي الشخصية حول النقاش الجاري حول سجون العراق
1.   يجري النقاش بأسلوب حضاري هادئ ونافع لكشف حقائق أوضاع السجون في العراق، وهي مسالة مهمة حقاً .
2.   لقد نشرت الكثير من المقالات عن سجن أبو غريب وما جرى فيه استناداً واعتماداً على تقارير أمريكية ودولية كثيرة وما أشار إليه الدكتور قاسم حسين صالح قليل من كثير وهي عينة لا أكثر.
3.   ما يجري في المعتقلات العراقية لا يختلف في قليل أو كثير عما كان يجري في معتقلات صدام حسين التي عانيت فيها لفترة قصيرة، وعاني الكثير من المناضلين الشجعان الكثير من الآلام، وأعرف عراقيين عانوا الأمرين في سجون النظام السياسي الطائفي العراقي الراهن في فترة نوري المالكي وما بعده، وما يجري في السجون العراقية حالياً، وكذلك في السجون السرية للميليشيات الطائفية المسلحة ولجماعة الحرس الثوري الإيراني في الحشد الشعبي معروفة، وربما خفيت عن الأخ سعد حسين.
4.   إن أوضاع السجون العراقية بائسة. وقد كتب عنها مرة الأخ إبراهيم الحريري في جريدة طريق الشعب، وكتبت تعليقاً على مقاله وكانت رغبتنا تشكيل هيأة للدفاع عن أوضاع السجناء والسجينات في العراق، سواء أكانوا سجناء وسجينات الرأي والعقيدة أم غير سياسيين وسياسات، وما يطلق عليهم في العراق سجناء عاديين أو حتى من الإرهابيين. ولم يتسنى لنا تحقيق هذا الهدف النبيل حتى الآن.
5.   أرى من جانبي بأن ما نشره الأخ الدكتور قاسم حسين صالح لا يتضمن مغالطات بل اختلاف في زاوية الرؤية للموضوع والحقائق على الأرض أكثر بكثير مما ذكره الأخ قاسم. وما جرى ويجري لمعتقلي البصرة المحتجين على ايدي الميليشيات الطائفية المسلحة وجماعة إيران في الحشد الشعبي جرائم يندى لها جبين الإنسان.
6.   أتمنى على الأخ سعد حسين أن يزودنا بتقارير فعلية عن حقائق الوضع في السجون وعددهم وعدد السجون ومواقعها وما يجري فيها، وهل هناك تعذيب أم لا، وأن يطرح علينا سبل مواجهة ما يجري في هذه السجون، ولاسيما أولئك الذين قضوا شهور وسنوات في السجون دون تقديمهم للمحاكمة، إضافة إلى مدى معرفته بالسجون السرية القائمة في العراق.     


33
كاظم حبيب
التفكير بصوت مسموع: التعامل العقلاني المطلوب في التحالفات السياسية في العراق
"يفترض أن يكون مسعى القوى الديمقراطية، ومنها الحزب الشيوعي العراقي، نحو تحقيق تلك التحالفات التي تلتزم بصرامة وحزم ومسؤولية بالمهمات الآنية والملحة التالي: ** تحقيق تغيير في النظام السياسي الطائفي محاصصاته الطائفية المذلة؛ ** مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين وتقديمهم للعدالة؛ ** رفض العنصرية والشوفينية وضيق الأفق القومي والطائفية باعتبارها مفرقة للصف الوطني ورافضة لمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية؛ محاربة الإرهاب والتصدي لكل قوى الإرهاب بمختلف مسمياتها؛ ** حل الميليشيات الطائفية المسلحة ورفض وجود جيش داخل الجيش العراقي، ودولة داخل الدولة العراقية، ومنع وجود السلاح بأيدي أفراد وجماعات ومؤسسات غير حكومية وغير دستورية؛ الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء؛ ** حماية الاستقلال والسيادة الوطنية، ورفض والتصدي لأي تدخل خارجي في الشؤون العراقية؛ ** إعادة إعمار المناطق التي خربتها الحروب والصراعات الطائفية وتوفير الخدمات الأساسية للمجتمع بأسره؛ ** البدء بعملية تنمية و\نية تغير واقع العراق الاقتصادي الريعي المتخلف والمشوه والتابع؛ ** العمل من أجل مكافحة البطالة والفقر والفجوة المتسعة في مستويات الدخل والمعيشة وتأمين العدالة الاجتماعية؛ تأمين أسس ومناهج التربية والتعليم على أسس علمية متقدمة وحديثة؛ بناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني. .. وأي تحالف يبتعد أو يزوغ أو يتساهل عن الأهداف الجوهرية، ولاسيما مناهضة ورفض الطائفية والفساد والإرهاب، يعني أنه لا يريد الإصلاح ولا التغيير، إذ لا يمكن له أن يحقق التحالف المنشود الذي تسعى إليه القوى الديمقراطية العراقية. عن هذه الأهداف وعن التجارب السابقة يتحرك أمامي شريط تجارب التحالفات السابقة والأخطاء التي رافقتها والعواقب التي تحملها الشعب من جراء ذلك، رغم مسؤولية النظم السياسية الأول والأساس عما لحق الشعب العراقي ولا يزال يلحق به من جراء ذلك، من أذى شديد وخسائر بشرية ومادية هائلة، وأتحدث بها هنا بصوت مسموع."   ك. حبيب       
التحالفات السياسية ظاهرة قديمة متجددة باستمرار، تمارسها مختلف القوى والأحزاب السياسية في العالم، سواء أكانت من اليمين أم اليسار أم الوسط، وصيغ أخرى أيضاً. كما مارستها قبل ذاك، أو ما تزال حيثما وجدت حالياً، القبائل والعشائر، إضافة إلى الإمبراطوريات القديمة والدول الحديثة. والأحزاب السياسية في العراق مارستها منذ تشكيل الدولة الملكية 1921 حتى الوقت الحاضر. وهي ظاهرة تعبر عن مصالح طبقية وسياسة مشتركة بين القوى والأحزاب المتحالفة، سواء أكانت تلك الأهداف مؤقتة أم متوسطة المدى أم طويلة الأمد، وسوا أكان التحالف من أجل مجموعة من الأهداف أو عدد منها أو حتى من هدف واحد، يمكن بعدها أن يتطور ويتمدد أو ينتهي بانتهاء تحقيق الهدف أو الأهداف المتفق عليها. والتحالفات السياسية بمختلف صيغها هي شكل من أشكال الجبهات السياسية التي يشكلها حزبان أو أكثر لمواجهة أو معارضة حكم قائم، أو الدفاع عن حكم تقوده أو تشارك فيه.
كل أشكال التحالفات والجبهات السياسية والاجتماعية عاشتها مختلف الأحزاب السياسية الديمقراطية العراقية، سواء أكانت في المعارضة وهي الأكثر، أم في الحكم وهي النادرة منذ الثلاثينيات من القرن الماضي حتى الوقت الحاضر. وكان الحزب الشيوعي العراقي أول من دعا إلى تشكيل الجبهة الوطنية الموحدة في العراق في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي ظهرت في كتاب الرفيق حسين محمد الشبيبي (صارم)، عضو المكتب السياسي للحزب. وقد تأثر مفهوم وبنية الجبهات الوطنية لدى الأحزاب الشيوعية والعمالية للأمية الثالثة، رغم إلغاء الكومنترن (مكتب الأممية الثالثة) في العام 1943، في أغلب دول العالم، بما فيها الدولة النامية، ومنها العراق، في تلك الفترة ولسنوات طويلة بفكر و"تعاليم" الحزب الشيوعي السوفييتي والأممية الثالثة والتقرير الذي قدمه جيورجي ديمتروف حول الجبهة الشعبية المعادية للفاشية في العام 1935 في مؤتمر الكومنترن السابع ومن ثم في كتابه عن الجبهة الوطنية في العام 1938، إضافة إلى أفكار جوزيف ستالين في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولاسيما في الموقف من البرجوازية المتوسطة بنزعته اليسارية الانعزالية والمتطرفة، التي كانت تؤكد على تشكل الجبهات الوطنية، ولكن تؤكد أيضاً على قيادة الأحزاب الشيوعية والعمالية لهذه الجبهات وإدانة سلوكيات البرجوازية المتوسطة. وبسبب هذا الشرط غالباً ما تعرض نشوء الجبهات الوطنية، ولاسيما مع الأحزاب البرجوازية الوطنية المتوسطة، بل حتى مع أحزاب البرجوازية الصغيرة، إلى مصاعب جمة. ويعتبر كتاب الرفيق محمد حسين الشبيبي "الجبهة الوطنية الموحدة: طريقنا وواجبنا التاريخي"، والمقدمة التي كتبها الرفيق فهد نموذجاً لمسعى الأحزاب الشيوعية الجاد خلال تلك الفترة، مع كونه كان بنزعة يسارية من حيث الأهداف والقوى ودور الحزب الشيوعي في الجبهة. والمشكلة الكبيرة التي كانت تواجه الأحزاب الشيوعية في الدول النامية، ولاسيما العراق، هو الجبهة التي كانت تؤكد على التحالفات الطبقية في موجهة طبقة أو طبقات أخرى، في حين أن المجتمع لم تكن كل الطبقات فيه قد تبلورت بذاتها ولذاتها وفي مصالحها، ولاسيما الطبقة العاملة أو حتى البرجوازية الوطنية المتوسطة.
فيما بعد، ولاسيما في الخمسينيات وتحت قيادة الرفيق سلام عادل، لم يعد الحزب يركز على قيادة الحزب للجبهة أو أهدافاً يسارية، بل سجل تحولاً واقعياً ملموساً في رؤية الحزب لمشكلات العراق والحلول المطلوبة، مما ساعد على تشكيل جبهة الاتحاد الوطني ولجنتها العليا والتي انتهت باتفاقات مع حركة اضباط الأحرار وإسقاط النظام الملكي وتشكيل حكومة الثورة. وبعد انتصار الثورة بدأت الصراعات بين الأحزاب الأعضاء في الجبهة، ولاسيما بين التيار القومي اليميني والتيار الماركسي، مما أدى إلى إنهاء وجود الجبهة.
حقق الحزب الشيوعي خلال الفترة اللاحقة تعاوناً سياسياً مع عدد من عدد من القوى السياسية لم يصل إلى مستوى التحالف، ثم كان تحالفه مع حزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1972 وبعد وصول الأخير إلى السلطة عام 1968 واتخاذه جملة من السياسات والإجراءات التي جعلت قيادة الحزب توافق على التحالف السياسي بقيادة حزب البعث، والتي سميت بـ "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية"، رغم الضربات الموجعة جداً التي أنزلها حزب البعث والنظام السياسي البعثي بالحزب الشيوعي وتنظيماته في نهاية عام 1970 وبداية 1971. بعد خروج الحزب من التحالف في نهاية عام 1978 وبداية عام 1979، أمكن الدخول بتحالفات جديدة منها جود وجوقد، في الثمانينيات من القرن الماضي، إضافة إلى تشكيل الجبهة الكردستانية في العام 1988. انتهت تلك الجبهات ولم تحقق الكثير وأصبح بعضها يشكل عبئاً ثقيلاً على الحزب بسبب الصراع المستمر بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وفي التسعينيات حتى الإطاحة بنظام البعث عبر التحالف الدولي خارج إطار الشرعية الدولية، تشكلت تحالفات عديدة محدودة وواسعة لم يكن الحزب الشيوعي باستمرار طرفاً فيها لسببين: موقف الأحزاب الإسلامية السياسية من الحزب الشيوعي العراقي، وهو نتاج لموقف إيران أيضاً من جهة، ورفض الحزب الشيوعي العراقي الحرب الخارجية لإسقاط الدكتاتورية والعواقب المحتملة لمثل هذه الحرب من جهة ثانية، والتي تحققت أغلب تلك المخاوف العادلة. وبعد إسقاط الدكتاتورية لم تتشكل جبهة سياسية جديدة، رغم الأهمية القصوى لمثل هذه التحالفات السياسية بين القوى والأحزاب الديمقراطية، وبدا كل حزب أو قوة ديمقراطية تسعى لتعزيز مواقعها ونفوذها، مما أدى إلى خسارة كبيرة في تشكيل منبر ديمقراطيً مشترك مبكراً في العراق وفي أعقاب إسقاط الدكتاتورية ليلعب دوره في التعبئة والممارسة السياسية الفعالة. وفي حينها دعوت لأن يكون شعار القوى الوطنية الديمقراطية كلها هو: "قوى تنظيم الحركة الوطنية تتقوى وتتعزز أحزابكم السياسية". ولم يستمع لهذه الدعوة أحد وكانت صرخة في البيداء! وبعد فترة أمكن تشكيل تحالفات سياسية بين قوى ديمقراطية نشأ عنها التيار الديمقراطي العراقي بقواه العديدة، ومن ثم جبهة "تقدم". بعدها تشكل "سائرون" التي شارك فيها الحزب الشيوعي العراقي، وقوى ديمقراطية وإسلامية سياسية بقيادة مقتدى الصدر، وعليه اختفت "تقدم".
ليس هناك أي اعتراض على التحالفات السياسية المؤقتة وذات الأهداف المحدد، سواء أكانت انتخابية أم لإجراء إصلاحات سياسية أو حتى تغيير الأوضاع القائمة، ومنها الخلاص من الطائفية والفساد والإرهاب. ولكن ما يفترض أن تأخذ به القوى الديمقراطية، ولاسيما الحزب الشيوعي العراقي، باعتباره أكبر القوى الديمقراطية العراقية، التي تتحالف مع قوى أخرى إسلامية سياسية أو محافظة، هي أن تستفيد من دروس تجاربها السابقة في التحالفات والجبهات التي تشكلت خلال ما يقرب من 70 عاماً، وهي فترة غنية بدروسها: وبودي أن ألخص بشكل مكثف رأيي الشخصي ببعض الدروس المهمة:
1.   كل تحالف سياسي مع قوى ذات أيديولوجية وأهداف أخرى يستوجب بعض التنازلات عن بعض أهدافها أو صياغتها بما يساعد على اتفاق المتحالفين.
2.   وفي مثل هذه الحالة لا بد للقوى الديمقراطية، ومنها الحزب الشيوعي، أن تحافظ على استقلاليتها الفعلية في التحالفات السياسية أو حتى في قيام جبهة وطنية، وألَّا تتخلى عن أهدافها الأساسية.
3.   ألَّا تكف عن ممارسة النقد لما تطرحه القوى الأخرى من أراء ومواقف بما يخالف صيغة الاتفاقات الموقع عليها، وتعتبر خاطئة من وجهة نظره أيضاً، بل عليها واجب ممارسة النقد بأسلوب حضاري وديمقراطي، إذ بدون ذلك تفقد القوى الديمقراطية شخصيتها المستقلة ودورها في التحالف وموقعها في صفوف جمهورها أو قاعدتها الحزبية والجماهيرية.
4.   أن ترفض أي انفراد في اتخاذ القرارات أو التصريحات من جانب واحد باعتبار هذا الطرف أو ذاك يمثل القوى الأكبر في التحالف، إذ أن ذلك يفقد القوى الديمقراطية دورها وفاعليتها ومواقعها في المجتمع، كما إن عليها هي الأخرى ألَّا تنفرد باتخاذ قرارات دون التشاور والاتفاق مع القوى الأخرى، إنه شارع عريض باتجاهين.
5.   أن تحافظ على الندية في العمل والمساواة في الحقوق والواجبات وفي التعامل المتبادل، فليس هناك قائد ومقاد.
وفي مثل هذه التحالفات غالبا ما تنشأ وجهات نظر متباينة حول هذا التحالف أو ذاك، ومع هذه القوى أو تلك. ويفترض في مثل هذه الحالة ممارسة أ- إدارة الصراع الداخلي بشكل عقلاني وخوض نقاش يعتمد السعي للإقناع أو البقاء بوجهات نظر متباينة، فالتنوع في الآراء لا يلحق أضراراً بالقوى الديمقراطية؛ وب_ الأخذ برأي الأكثرية، ولكن مع إبداء كل الاحترام للرأي الأخر، وامتلاكه حق الدفاع عن رأيه بكل السبل المتوفرة لديه. إذ ليس هناك ما يمكن أن يعطي الحق لأي من الرؤيتين أو أكثر القناعة بأن رأي الأكثرية أو رأي الأقلية هو الصائب، مما يستوجب اتخاذ موقف الاحترام المتبادل للرأي والرأي الآخر من جهة، والسماح بطرح وجهة نظر الأقلية بكل حرية وبصورة علنية من جهة أخرى. ج- الابتعاد كلية عن استخدام العقوبات ضد من يختلف في رأيه عن رأي الأكثرية، أو من أن ينشر رأيه علناً، إذ إن هذا الحق يكفله الدستور العراقي، على ما فيه من نواقص واختلالات، ولائحة حقوق الإنسان، حتى لو كان عضواً في حزب سياسي له نظامه الداخلي، إذ إن النظم الداخلية للأحزاب يفترض فيها أن تتوافق في مضامينها وأساليب وأدوات عملها مع الدستور وحقوق الإنسان، وألَّا تتعارض معها. 
إن التجارب السابقة تشير إلى عدد من المسائل المهمة التي يفترض تجنبها تماماً، منها بشكل خاص:
1.   الميل الواضح في عدم توجيه النقد للقوى الحليفة بسبب تجاوزها على الاتفاقات الموقع عليها، خشية انزعاج أو عدم ارتياح القوى الأخرى. إذ إن هذا الموقف يدفع ويشجع هذه القوى إلى ارتكاب المزيد من التجاوزات.                 
2.   منع الأقلية في طرح رأيها صريحاً وواضحاً ونشره علناّ بذريعة الالتزام بالنظام الداخلي، مما يخلق ازدواجية في شخصية الإنسان عندما يجبر على التثقيف برأي ل يتبناه، وهو أمر مخالف حقوقياً ويلحق اضراراً نفسية وسياسية بالعضو أيا كان موقعه الحزبي.
3.   اضطهاد الأقلية في معارضتها لرأي الأكثرية، أو لرأي القيادة، واتخاذ إجراءات عقابية بحق من ينشر رأيه علناً.
4.   فسح المجال أمام الأقلية أو أحدهم برفع دعوى داخل الحزب أو أمام القضاء ضد العقوبات المتخذة بحق الأقلية أو بحق الفرد، ولاسيما الطرد، إذ إن ذلك يعتبر مخالفة لحق الفرد في امتلاك رأي آخر كمواطن أو كعضو في حزب معين.
إن مثل هذه الوجهة تعتبر ضمانة للقوى والأحزاب الديمقراطية أن تكون ديمقراطية حقاً وتتعامل على وفق مبادئ حقوق الإنسان وأن تكون نظمها الداخلية منسجمة مع مبادئ حقوق الإنسان السياسية ولا تعارض معها بأي حال. ولا شك في أن أي عقوبة قد اتخذت أو تتخذ بهذا الصدد تعتبر غير شرعية ومخالفة لحقوق الإنسان أولاً وأخيراً، وهو ما يفترض أن ترتضيه الأحزاب الديمقراطية لنفسها بأي حال، إذ لا يجوز أن تتضمن نظمها الداخلية أفكاراً وإجراءات شمولية تمارسها الأحزاب الديمقراطية، ومنها الأحزاب الشيوعية والعمالية، ولاسيما أن القوى والأحزاب الديمقراطية تدعو دوماً إلى احترام الرأي والرأي الآخر وتطالب بالالتزام الثابت بمبادئ حقوق الإنسان وتنفيذها الفعلي، والأحرى بها أن تمارسها ايضاً.
   

             

34
كاظم حبيب
خلوة صريحة مع النفس والمجتمع: هل عرفنا الديمقراطية وهل عشناها فعلاً بالعراق؟
غالباً ما أخلو إلى نفسي مراجعاً ومناقشاً ما مررت به من أحداث وتفاعلات ومواقف. وحين خلوت قبل أيام إلى نفسي وحاورتها بصراحة وفكرت  في مجرى وشريط حياتي وحياة من كان معي أو حولي أو عموم الشعب العراقي، الذي أنا منه وإليه، سجلت بوضوح كبير ظاهرة كانت ولا تزال سائدة بالعراق، وهي  أنَّي لم أعش في وطني الحبيب حياة الحرية والديمقراطية ولم اعرفهما لا في البيت ولا في المدرسة ولا في الشارع، كما لم اعشها مع من كان معي ومن هم حولي، ولا الشعب كله كان يعيشهما، بل تعرفت عليهما حين بدأت أقرأ الكتب التي وصلت إلى يديَّ من خلال التنظيم السري للحزب الشيوعي العراقي، التي كانت تشرح مفهوم ومضمون الحرية والديمقراطية والمساواة بين النساء الرجال ورفض التمييز العنصري والديني والمذهبي، ومعنى العيش في ظل الحرية والديمقراطية. وحين بدأت أقارن بين ما كنت أقرأه، وبين ما كنت أعيش تحت وطأته، أدركت عمق وسعة الفجوة الهائلة بين كنت ما قرأت وما كنت أعيش فيه، إذ إن العيش في ظل الحرية والديمقراطية شيءٌ، والقراءة عنهما شيءٌ آخر تماماً، إضافة إلى وعي العيش تحت وطأة تغييبهما.
ولدت في بيئة عراقية محافظة، كأغلب العائلات العراقية، ولاسيما تلك التي حرمت من وسائل التثقيف الحديثة في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي مثل كربلاء، وأعني بها غياب السينما والمسرح أو صعوبة الوصول المناسب إلى الكتب والمجلات والصحف الحرة والديمقراطية التي لا تتحدث عن "أفضال" الحكومة على شعبها" وضرورة أن يكون الشعب دوماً في خدمتها وإطاعة أوامرها والابتعاد عما يبغضها...، كان هذا هو الواقع الذي عشت فيه، حيث لم أتعرف فيه بملموسية عن معنى الحرية والديمقراطية سنوات طويلة من عمري كصبي وبداية شبابي، أو حتى فيما بعد، حيث تجلى الموقف غير الديمقراطي في موقف سلطات الدولة الثلاث من المواطِنة والمواطن ومن مفهوم المواطنة الحرة والمتساوية أساساً. فالمواطن والمواطنة لا حقوق فعلية لهما، رغم أن الدستور العراقي السابق، والجديد كذلك، يعترف بحقهما ولا يفرق بين المواطنين، وأن لم يذكر المواطنات مباشرة، ولكن يقصد الإناث أيضاً. فغلتنا ذكورية بحتة، رغم إن اسمها انثوي. وتجلى في غياب الحرية الفعلية والديمقراطية الحقيقية، على نسبيتها، عن الأحزاب السياسية التي تشكلت في تلك الفترة وما بعدها. فهي في الغالب الأعم أحزاب النخب الحاكمة، أما الأحزاب الديمقراطية فكانت تعيش الاسم أكثر من الفعل، لأنها كانت محاربة من السلطات الثلاث ببعض القوانين والمراسيم والنظم وبالأفعال أكثر. وحتى الحزب الذي أصبحت عضواً فيه منذ بداية شبابي، ورغم تعلمي فيه معنى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأعني بذلك الحزب الشيوعي العراقي، لم أعش ثمارها الفعلية كما ينبغي وكما قرأتها أو ثُقفت بها، ومع ذلك كانت في الحقيقة هي الأفضل عما كان موجوداً وسائداً في مجتمعنا وفي الأحزاب الأخرى. فغياب مبادئ وممارسات الحرية والديمقراطية في بلد ما مثل العراق، ينعكس بكامل ثقله على كل الأحزاب السياسية العلنية منها والسرية وعلى حياتها الداخلية وعلاقاتها المتبادلة، وتزداد مصاعب الأحزاب السرية في ممارسة الحرية والديمقراطية في الحياة الحزبية، لأنها كانت، أو لا تزال، تخشى المطاردة والملاحقة والاعتقال والتعذيب والسجن، وما يمكن أن يتعرض له المعتقل من احتمالات التعذيب وانكشاف أسرار الحزب، ولاسيما أسماء الأعضاء فيه، وبالتالي فهي مجبرة على اختيار عناصرها القيادية وكوادرها ليس بالضرورة ممن يمتلكون قدرات فكرية وسياسية مميزة أو معارف وتجربة غنية أو استقلالية في التفكير، بل يكون المحك الأساس هنا هو قدرة هذا المناضل أو ذاك وهذه المناضلة أو تلك على الصمود في مواجهة خصوم هذا الحزب السري حين يعتقل، والخصوم هم في الغالب الأعم السلطات الثلاث في الدولة غير الديمقراطية. كما يجبر على عقد مؤتمراته في فترات متباعدة. فمؤتمر الحزب الشيوعي العراقي الأول عقد في العام 1944/1945، أي بعد مرور عشرة أعوام على تأسيسه، ومؤتمر الثاني عقد بعد مرور 26 سنة على عقد المؤتمر الثاني. على سبيل المثال لا الحصر. وسبب ذلك يكمن في طبيعة الأوضاع التي سادت العراق طيلة العقود المنصرمة.     
مبادئ الحرية والديمقراطية ليست فيتامينات يمكن أن تؤخذ كحبوب أو أبر يزرقها الطبيب لهذا المواطن أو تلك المواطنة، بل هي مبادئ وممارسات لا بد أن يعيشها الأطفال والصبية والشبيبة يومياً في البيت والمدرسة والشارع والمجتمع وفي دوائر الدولة وفي الإعلام والكتب والتربية والتثقيف اليومي وفي الأحزاب والحياة الاقتصادية والاجتماعية... أي في كل مجالات الحياة اليومية. هذا النوع من المبادئ والممارسات لم يعشها شعبنا العراقي في كل تاريخه الحديث والمعاصر، دع عنك تاريخه الأموي والعباسي والعثماني أو حتى الملكي، الذي بدا وكأنه كان يريد بناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني، ولكنه زاغ عنهما حين اعتقدت نخبه الحاكمة أنها ستعرض حكمها لمخاطر الضياع من يدها، إن سمحت للحرية أن تنتعش وتُنعِش الناس بها، وللديمقراطية أن تنتشر لتزدهر بها حياة الإنسان، إذ حين يبدأ العقل بالتفكير الحر، وحين ينمو الوعي ويستقل في رؤيته للواقع وما يفترض أن يحصل، ينتفض على واقعه ويرفضه ويعمل على تغييره.
حين لا يتعلم الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، معنى الحرية والديمقراطية منذ صغره ولا يتعرف عليهما بالممارسة العملية، لا يمكنه بأي حال أن يفهم أهميتهما أو يمارسهما مع الآخرين، ولا حتى أن يطالب بهما لنفسه، كما لا يجد غضاضة في التجاوز على حرية وحقوق الآخرين دون أن يدرك بأنه قد تجاوز بذلك على حقوق الآخرين، على حريتهما وعلى الديمقراطية التي يجب أن يتمتع بها الآخرون أيضاً. الحرية هي إدراك الضرورة، وهي ببساطة أيضاً "أن تمد يدك بحيث لا تمس أنف غيرك"..
المعضلة الحقيقية في مجتمعاتنا ذات الأكثري المسلمة تبرز في واقع التربية والتعليم والثقافة الدينية التي تصل إلى الطفل والطفلة والصبي والصبية، بل والشبيبة أيضاً، فهي ثقافة بعيدة كل البعد عن مفهوم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وبناء الإنسان المستقل القادر على التفكير بحرية واستقلالية، فهي ثقافة شمولية متسلطة ترفض الفكر والرأي الآخر وتحاربهما بقسوة استثنائية، بل تصل إلى حد اغتيال من يحمل فكراً ورأياً أخر، وبالتالي لا يجد المجتمع أمامه غير ثقافة صفراء، في الغالب الأعم، ثقافة وتربية وتعليم كلها تتسم بالفاقة والخرافة والزيف والتشوه، ينشرها من يعتقد إنه يمتلك الحق الإلهي في نشر ايديولوجيته ورفض أي فكر أو رأي آخر أو نقد، فالحاكمية لله وحده، وكل الديانات الأخرى والأيديولوجيات الأخرى والأفكار والآراء الأخرى والنظم الأخرى نابعة من الجاهلية الأولى، إنها الجاهلية بعينها، إنها كفر وبهتان. وهذا يعني بوضوح يجب محاربتها. إنه التجسيد الحي للبؤس الفكري والسياسي الذي يعيش تحت وطأتهما المواطن والمواطنة في جميع الدول ذات الأكثرية المسلمة، ولاسيما في السعودية وإيران والسودان والعراق، وما يريدونه ويسعون إليه في العراق أكثر مما هو عليه الآن بكل ما اتيحت لهم من إمكانيات داخلية ودعم ومساعدة خارجية.
النخب الحاكمة في العراق تتحدث بملء أفواهها عن وجود حريات وديمقراطية في العراق، وهي أول من تجاوزت عليهما وداستهما بأقدامها. الدستور العراقي الجديد يؤكد حق الإنسان بالتظاهر، وحقه في أن يكتب أو يقول أو ينتقد ما يشاء ومن يشاء. ولكن هذا الإنسان "الحر" سيجد أمامه من يسدد كاتم الصوت الذي يحمله صوب صدره أو يأتيه من الخلف حتى في وضح النهار، ويطلق رصاصته المميتة، أو سيجد من يختطفه من الشارع لينقله إلى واحد من بيوت الاعتقال الكثيرة السرية الخاصة بالمليشيات الطائفية المسلحة، أو في معتقلات سرية لأجزاء من الحشد الشعبي ذات الانتماء الميليشياوي ليعذب ويموت ويدفن دون أن يعلم به أحد، ويبقى مصيره مجهولاً.. كما هو حاصل في البصرة، أو ينقل إلى بلد مجاور لينتهي هناك بالمصير ذاته الذي انتهى إليه الكثير من مناضلي ذلك البلد..
نحن في العراق أمام واقع مرير، فحكامه، الذين يعتمدون العمائم فكراً وممارسة، وهم في الغالب الأعم طائفيون بامتياز، بغض النظر عن ارتدائهم لها أو عدمه، يتحكم بهم وبممارساتهم اليومية الفكر الإسلامي السياسي الشمولي، وهم في الغالب الأعم قد تعلموا على مواجهة الفكر الآخر بالرفض، لأن فكرهم منزل ولا مرد له وأبدي، إنه جوهر "الحاكمية لله وحده"، سواء نقطوا بها، كما لدى الإخوان المسلمين ولدى أتباع المذهب السني الوهابي، أم لم ينطقوا بها بهذه الصورة، كما في فكر المذهب الشيعي في إيران! ولكن الحصيلة واحدة.
كيف الخلاص من هذا الواقع، إنها المحنة التي يفترض أن يواجهها وستصدى لها من يعي مخاطر غياب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، إنهم الأناس الواعون الذين بدأوا يتكاثرون تدريجاً، لا بسبب عيشهم في ظل الحرية والديمقراطية، بل بسبب التفاعل الجاري بين الثقافات في العالم واطلاعهم على ظروف عيش الشعوب الأخرى التي تتمتع بهذا القدر أو ذاك بالحرية والديمقراطية، إنها عملية معقدة وطويلة إنها عملية سيرورة وصيرورة غاية في التعقيد والتشابك ولكنها لسيت مستحيلة، بل ممكنة والشعوب قادرة على التعلم من الشعوب الأخرى والتفاعل معها ووضع خارطتها الذاتية في ضوء تطور وعيها، وهو الذي يجعل الأمل في نفوس من يجد في الحرية والديمقراطية طريق الخلاص من البؤس والفاقة الفكرية، من الفساد والإرهاب، من الدولة الدينية التي لا تميز بين اتباع الديانات المختلفة بسبب دياناتهم فحسب، بل وبين أتباع المذاهب في الدين الإسلامي، بسبب اختلاف مذاهبهم. إنها المحنة والكارثة التي لا بد من العمل للخلاص منها في العراق، بل وفي جميع الدول ذات الأكثرية المسلمة لصالح سيادة المجتمع المدني ومبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية ويحدونا الأمل بانتصار ذلك ويقربنا منه حين نعمل من أجله.           
30/11/2018       
   

35
كاظم حبيب
دونالد ترامپ: المال أولاً ولو جاء على جثث الضحايا وكوارث البيئة
لم تستطع جميع السياسات والمواقف المريعة التي اتخذها دونالد ترامپ على الصعيد الداخلي والعالمي، بما فيها خروج الولايات المتحدة من "اتفاقية باريس لعام 2015 بشأن "التغير المناخي" والتهديد باستخدام السلاح على الحدود الأمريكية المكسيكية ضد لاجئي هندوراس وغواتيمالا والسلفادور، والمشاركة الفعلية بالحرب الهمجية الجارية في اليمن وسوريا، والخروج من اتفاقية الصواريخ المتوسطة والقريبة المدى مع روسيا الاتحادية ونكران ما يحصل في العالم من كوارث في العديد من البلدان التي ترتبط بشكل مباشر بواقع التغير المناخي الجاري والتلوث البيئي المتفاقم في الكرة الأرضية، بما فيها حرائق كاليفورنيا تموز 2018، أن تكشف عن الوجه الحقيقي لهذه الشخصية الأمريكية من أصل أوروبي ألماني مهاجر، (على وفق ما جاء في موقع "اليوم السابع" بتاريخ 4 تموز/يوليه 2018) إذ "أن جده فريدريك كان ألمانيا فقيراً وهارباً من القانون ومهاجراً إلى واشنطن في القرن التاسع عشر"، ولهذا فهو، كما يبدو، يعتقد بأن أغلب جميع اللاجئين هم هاربون من القانون ومجرمون ويهددون الولايات المتحدة، بالقدر الذي كشفه الموقف المعيب والبشع وغير الأخلاقي الذي اتخذه ترامپ إزاء قتل الصحفي من المملكة السعودية جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول شرَّ قتلة، وذلك بتقطيعه وتذويب جثمانه بالأحماض الكيماوية. ويقال أن رأسه قد نقل، كما تشير إلى ذلك وسائل الإعلام الدولية، إلى المملكة، ليتيقن من قَتلهِ وليشفي غليل من أراد قتله بأي ثمن. و(قارن: موقع هس بريس، مصدر تركي: تسجيلات تكشف قطع رأس الصحافي خاشقجي بإسطنبول، 18 تشرين الأول/أكتوبر 23018). وهذه الممارسة، وكثير غيرها، تقليد وحشي قديم استخدمها الكثير من الخلفاء العرب وغير العرب من المسلمين، إذ يجسد قسوة وسادية مرضية عند هؤلاء الحكام. ونحن نعرف بأن أحكاما كثيرة تصدر بقطع الرؤوس سنوياً في المملكة السعودية، فـ"محمد سعيد البيشي هو قاطع الرؤوس الأول في المملكة العربية السعودية. قطع هذا العام وحده (2015) 97 رأسًا فقط من رؤوس المواطنين السعوديين وغير السعوديين، ولا تزال يداه ويدا ابنه ممدودة. " لقطع رؤوس أخرى. (المصدر: موقع المصدر: تسفي برئيل، هل سيتوقف السعوديون عن قطع الرؤوس؟ في 15 حزيران/يونيو 2015). وفي أحدث تقرير لها صدر يوم السبت، قالت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان ESOH )) إن "عمليات الإعدام من قبل الحكومة السعودية في الربع الأول من عام 2018 زادت بنسبة 72 بالمائة." وقالت مجموعة "ريبريف" المعنية بمناهضة عقوبة الإعدام في أن "معدل الإعدام في المملكة العربية السعودية قد ازداد منذ تعيين محمد بن سلمان وليا للعهد في عام 2017. وقالت المنظمة إن 133 عملية إعدام قد تمت في الأشهر الثمانية التي تلت تعيينه في 17 حزيران/يونيو الماضي (2017) مقارنة بـ 67 حالة. في الثمانية أشهر السابقة." (المصدر: غلوبال ريسيرش: عمليات "قطع الرأس" في السعودية ازدادت بنسبة 70% في عهد "ابن سلمان"، موقع الواقع السعودي، استناداً إلى غلوبال ريسيرش بتاريخ الإثنين 23 نيسان 2018.).
لقد وقف رؤساء أمريكا منذ تأسيس المملكة السعودية إلى جانب الحكام السعوديين، وكان الاتفاق بينهما يستند إلى قاعدة أساسية تؤكد ما يلي: "النفط والتأييد المطلق منكم للولايات المتحدة وأمنها القومي، وحماية حكم البيت السعودي منَّا لكم". وهكذا سارت الأمور على أساس هذه القاعدة بين الآمر والمأمور أو بين السيد والمسود، بعد أن تراجع تأثير بريطانيا وتقدمت الولايات المتحدة الأمريكية في نفوذها في المملكة السعودية منذ ما يزيد عن سبعة عقود، ولاسيما في اعقاب الحرب العالمية الثانية. ولكن لم يصل الأمر إلى الحد الذي بلغه في عهد دونالد ترامپ. فترامپ تجاوز كل الخطوط الحمراء في العلاقات الدبلوماسية الدولية حين أكد بأن "من المحتمل أن ولي العهد كان على علم بالحادث، ربما كان على علم وربما لا". ، فأن الولايات المتحدة تعتبر "السعودية حليف موثوق وافق على استثمار مبالغ مالية غير مسبوقة في الولايات المتحدة". ، علما بأن وكالة المخابرات المركزية سي آي أي   CIA"خلصت إلى أن بن سلمان هو من أمر بالقتل."، على وفق التقارير التي نشرت في وسائل الإعلام الأمريكية. قال ترامپ إن "العالم خطير"، ثم وصف السعودية بـ"أنها حليف للولايات المتحدة ضد إيران، وأضاف: "تنفق السعودية المليارات في الحرب على الإرهاب الإسلامي المتطرف، بينما قتلت إيران الكثير من الأمريكيين وأبرياء آخرين في الشرق الأوسط". ، علماً بأن الدولتين السعودية وإيران لا تساهمان في تمويل الإرهاب وتنشيط الصراع الطائفي الشيعي – السني والتدخل في شؤون الدول الأخرى فحسب، بل وتمد قوى الإرهاب بمزيد من العناصر المقاتلة والدعاية الإعلامية وما يساهم في تأجيج الحروب الداخلية، كما هو حاصل في سوريا واليمن والصراع الدموي في العراق. وأشار بيان ترامپ إلى التزام السعودية بالاستثمار وشراء الأسلحة الأمريكية. وقال: "لو أننا ألغينا هذه العقود فإن روسيا والصين ستكونان المستفيد الأكبر، ثم اعترف بأن مقتل خاشقجي كان "فظيعاً"، ولكنه قال: "ربما لن نعرف أبدا حقيقة ما حصل له". (قارن: مقتل جمال خاشقجي: ترامپ يدافع عن العلاقات مع السعودية، موقع BBC عربي نيوز، الأخبار في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018). ويبدو أن معارضة بدأت تظهر بشكل أوسع في مجلسي النواب والشيوخ في الولايات المتحدة ضد سياسة ترامپ بشأن السعودية، كما إن المعارضة بدأت تتسع بين الأوساط الشعبية الأمريكية لعموم سياسات ترامب، ولكنها لم تصل بعد إلى المستوى الذي يمكن أن يعرَّضه إلى إبعاده من البيت الأبيض.   
إن هذا التوحش الرأسمالي النيولبرالي واللاأخلاقي، الذي اشتد في فترة ولاية ترامپ، يؤكد حقيقة أن الولايات المتحدة، التي احتلت العراق في العام 2003 لم تألوا جهداً إلا وبذلته من أجل أن تبقى "الفوضى الخلاقة" والفساد والإرهاب والتخلف في العراق سائدة، بما في ذلك ترك الحدود مفتوحة للإرهابيين، وترك النهابة يسرقون العراق وثروته الآثارية التاريخية، ومصارفه، وقصور صدام حسين، كما سمحت، إضافة إلى كل ذلك، بتغلغل إيران في مناطق العراق الشيعية ومفاصل الدولة والمجتمع، ومنها بغداد، وتغلغل الوهابية السعودية والخليجية في مناطق العراق السنية، ومنها بغداد ايضاً، كما أصبحت كردستان موقعاً مهماً لنشاط واسع النطاق، ولاسيما اقتصادياً، لإيران وتركيا، إضافة إلى علاقات سياسية شديدة الفاعلية للسعودية مع الجماعات الإسلامية السياسية الكردية. وما يزال العراق يعاني جراء تلك السياسة المتطرفة للولايات المتحدة في العراق وسيبقى لفترة غير قصيرة على هذه الشاكلة حتى يعي الشعب ما خطط ونفذ ضده وما يراد له حالياً وفي المستقبل، وما ينبغي عليه القيام به والتصدي له ومقاومته وإسقاط أهداف كل القوى الخارجية التي تريد إيقاع أكبر الأضرار والخسائر بالشعب العراقي، وجني أقصى الفوائد لتلك الدول في العراق.     
27/11/2018
         

36
كاظم حبيب
ما الخدمة الأساسية التي يقدمها عادل عبد المهدي لإيران؟
لم أكن بعيداً عن الواقع العراقي حين أشرت بصراحة ووضوح إلى أن العراق يعتبر دولة شبه مستعمرة لإيران خلال فترة حكم نوري المالكي ورهطه بين 2006-2014، واستمر هذا الواقع الفاعل إلى حدود كبيرة في فترة ولاية حيدر العبادي 2914-2018، رغم محاولاته تقليص التدخل الفظ والمستمر لإيران واتباعها في شؤون العراق كافة، ليس بواسطة مستشاريها المدنيين والعسكريين والدينيين الطائفيين،  وعلى رأسهم العميد قاسم سليماني، فحسب، بل وبوجود جيش جرار من المدنيين والعسكريين، من جواسيس وعيون وحرس ثوري وبسيج وجيش المقدس وقوى واسعة في الحشد الشعبي في العراق، ومنها إزاحته لـ "فالح فياض" من مسؤولية الحشد الشعبي وتوليها بنفسه باعتباره القائد العام للقوات المسلحة. لقد استفادت إيران بشكل كبير من وجود المالكي وإلى حد ما غير قليل من العبادي، على رأس الحكم وهي لا تزال تستفيد، من العراق، ولاسيما في المجال الاقتصادي من حيث التصدير أولاً، وعرقلة التنمية الاقتصادية عبر أعوانها في الوزارات المسؤولة عن التنمية، بما في ذلك قطاع الكهرباء والمالية والمصارف ثانياً، وعبر السوق السوداء ولاسيما المخدرات التي تدخل العراق من جميع المنافذ الحدودية مع إيران، إضافة إلى تهريب العملة الصعبة بأساليب وطرق كثيرة ثالثاً.
ورغم إن العبادي لم يسع إلى إغاظة إيران جدياً أو إعاقة استفادتها من الاقتصاد العراقي، فأن إزاحته لفالح فياض من الحشد الشعبي، كانت وحدها كافية لسقوط ورقة الود الأخيرة المتبقية بين إيران والعبادي، وأصبحت الرغبة في إزاحته لا تخطئها العين المجردة. وأول إجراء حصل بعد تشكيل الجزء القليل من الوزارة الجديدة برئاسة عادل عبد المهدي هو عودة فالح فياض لقيادة ورئاسة الحشد الشعبي، ومن ثم ترشيحه من كتلة البناء ليكون وزيراً للداخلية، وآخر من نفس الفصيلة لوزارة الثقافة..، وكلهم مشهود لهم بالحب الشديد لإيران وللنهج الطائفي المتطرف الذي تتقنه إيران ونقلته للفكر والسياسة العراقية.
وبهذا أصبح عادل عبد المهدي شخصية مرغوباً بها من جانب إيران، الذي لم يتوقف عن مدح الحشد الشعبي ودوره فحسب، بل واستجاب لمطلب فالح فياض بمساواة رواتب الحشد الشعبي برواتب الجيش العراقي، وأغلب أعضاء الحشد الشعبي هم من قوى المليشيات الطائفية المسلحة الموزعة بين بدر وعصاب أهل الحق وحزب الله ومن لف لفها، وهي كلها مرتبطة فكرياً وسياسياً بإيران، اعترف عادل عبد المهدي بذلك أم أنكره، فهي حقيقة لا تخطئها العين ايضاً، إنه الحرس الثوري العراقي، إنها جيش حزب الله اللبناني-الإيراني. ولم يبق سوى وزارة الداخلية ليتحقق لإيران هيمنة كاملة على كل أجهزة الأمن والشرطة وقوى مكافحة الإرهاب والقوة الخاصة والتي شكلها نوري المالكي خارج الشرعية الدستورية، "فدائيي المالكي" وهي على غرار منظمة "حنين" التابعة لحزب البعث وبقيادة صدام حسين، كم إنها تذكرنا بـ "فدائيي صدام حسين"، وقبل ذاك بـ "فدائيي يونس سبعاوي" التي شكلها وزير الاقتصاد في حكومة انقلاب رشيد عالي الكيلاني في مايس/أيار 1941 ومسؤول الأمن عملياً في قيادة ذلك الانقلاب.
إن أكبر خدمة قدمها عادل عبد المهدي لإيران هي تسليمه قيادة الحشد الشعبي لفالح فياض أولاً، وتأكيده على دور هذا الحشد في السياسة العسكرية العراقية ثانياً، وربما سيكون تعيينه لاحقاً لفالح فياض وزيراً للداخلية ثالثاً. أما منافع إيران في القضايا الأخرى، في مجال الاقتصاد والمال والبنوك وتعطيل عملية التنمية الإنتاجية واستكمال مشاريع الخدمات، فتأتي لاحقاً ومن خلال الوجود المكثف لإيران على أرض العراق وفي جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات. ولهذا لم ينته الموقف الفعلي الذي لا يزال يشير إلى إن العراق تابع لإيران في سياساته ومواقفه الداخلية والدولية، وأشبه بمستعمرة، رغم كل المحاولات التي تجري من البعض في التخفيف من هذا الواقع المزري والمعيب والمخل باستقلال وسيادة العراق والتي تجعل دولة العراق هشة حقاً، شاء بعض المسؤولين الذين يسعون إلى تخفيف هذه التبعية ذلك أم أبوا! فالواقع المُر هو القائم والذي يفقأ العين.                   

37
ملف خاص في الذكرى الثلاثين لمجازر الأنفال وحلبچة باعتبارها جرائم ضد الإنسانية وإبادة الجماعية

https://www.youtube.com/watch?v=vEUzlBEtJZ0
لقراءة الملف كاملا
http://www.ankawa.com/sabah/Alanfal_in_Kurdistan.pdf

38
كاظم حبيب
متى تنتهي كوارث وآلام وأحزان مسيحيي ومسيحيات العراق؟
في الذكرى السنوية الخامسة لانعقاد مؤتمر "أصدقاء برطلة
ضد التغيير الديمغرافي لمناطق المسيحيين الأصلية في العراق"

منذ ان استولت الطغمة البعثية المتطرفة على حكم العراق في انقلابها الفاشي في 8 شباط عام 1963، إذا أغفلنا ما حصل للعائلات المسيحية في العام 1959 في أعقاب فشل مؤامرة العقيد عبد الوهاب الشواف، بدأت واحدة من أكثر العمليات الهادفة تحقيق التغيير السكاني (الديمغرافي) الفعلي في مناطق سكن وعمل المسيحيين التاريخية، في قرى وأرياف سهل نينوى والموصل، والتي تواصلت في فترة حكم القوميين اليمينيين أيضاً، ثم اتخذت أبعاداً جديدة بعد أن استولى حزب البعث ثانية على الحكم في العام 1968 وفرضه الدكتاتورية المطلقة على البلاد ومارسته سياسات معادية للأثنيات الأخرى إلى حين إسقاطه على أيدي قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا بخلاف موقف مجلس الأمن الدولي والشرعية الدولية. مارس حزب البعث في هذه الفترة عمليات تغيير سكانية عبر إطفاء الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مناطق سكنية يجري بيعها وتمليكها لمن هم من غير أبناء المنطقة، ولاسيما لعائلات من نينوى وجنوب العراق وإسكانهم فيها، فقد جاء في مقال للناشط في مجال حقوق الإنسان السيد وليم وردة، وورد النص ذاته في مقال للناشطة السياسية وحقوق الإنسان الدكتورة كاترين ميخائيل، ما يلي:
لقد عمد النظام السابق إلى أسلوب إطفاء الأراضي الزراعية في قرى ونواحي وأقضية المسيحيين لغرض تحويل صنفها من زراعي إلى سكني. وتتم هذه العملية بالرغم من إرادة سكان المنطقة وضد مصالحهم وبدون تعويض يذكر. وحين يتم التعويض فيكون رمزياً مما دفع الأهالي إلى رفض تسلم مبلغ التعويض. وكان النظام السابق يوزع تلك الأراضي التي تم إطفاؤها على رجال المخابرات والأمن وحاشية ومريدي النظام ورأسه. وكان هذا الإجراء يعني دخول أناس من مناطق أخرى، وأغلبهم من المسلمين إلى مناطق المسيحيين. والوثائق تشير إلى بيع تلك الأراضي على سبيل المثال لا الحصر الى جماعات من الشرقاط والقيارة وربيعة ليأتوا ويبنوا مساكن لهم في تلكيف والحمدانية مما جلب ذلك معه الكثير من المشكلات الاجتماعية. وإذ تم إلغاء قرارات مجلس قيادة الثورة على عموم العراق فيما عدا محافظة نينوى التي التزمت حتى الآن بتطبيق مضمون قرارين سيئين هما القرار 111 لسنة 1995 والقرار 117 لسنة 2000, وهما يعنيان الاستمرار بإطفاء الأراضي الزراعية وتحويل صنفها إلى أراض سكنية وتوزيعها على مستفيدين من مناطق أخرى ومن غير المسيحيين." (راجع: وليم وردة، من أجل إيقاف عمليات التغيير الديمغرافي لمناطق مسيحيي العراق، موقع منظمة حمورابي لحقوق الإنسان، وراجع أيضاً، د. كاترين ميخائيل، التغيير الديمغرافي مرض مزمن في العراق، صحيفة المثقف. 19/11/2018).
وبعد إسقاط الدكتاتورية توقع الكثير من المسيحيين، ولاسيما الجماعات التي أيدت الحرب ضد الدكتاتورية البعثية، وعموم الشعب العراقي، بأن الأوضاع ستتجه صوب الأفضل وستتوقف عمليات التغيير الديمغرافي لمناطق سكن وأراضي المسيحيين أولاً، ثم يستعيد المسيحيون لما نهب من بيوتهم وأراضيهم الزراعية وعقاراتهم بأساليب كثيرة وخارج الشرعية الدستورية ثانياً، ويتمتعون مع بقية أبناء وبنات الشعب بالرحة والاستقرار والكرامة والتقدم ثالثاً. ولكن، ما حصل هو العكس من ذلك تماماً، وهو ما توقعت حصوله في أكثر من دراسة ومقال ومحاضرة وندوة أجريتها قبل بدء حرب عام 2003، إذ تعرض المسيحيون أينما كانوا في العراق إلى نهب جديد وبأساليب مختلفة، بما فيها ممارسة التهديد والإرهاب والقتل والتشريد. وهو الذي دفعني ومجموعة من العراقيات والعراقيين التقدميين والديمقراطيين إلى تأسيس "هيأة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب في العراق في العام 2004 للتنبيه والتحذير عما يمكن أن يحصل من عدوان واضطهاد ضد أتباع الديانات والمذاهب وصراعات طائفية مميتة، ووقد حصل ما كنا نخشاه فعلاً وما يزال مستمراً بأشكال مختلفة.
يمكن إيراد عشرات الأمثلة عما جرى في الموصل وسهل نينوى وكركوك والبصرة وبغداد خلال الفترة بين 2004-2014، إذ تعرضت دورهم وكنائسهم للتدمير وإشعار النيران فيها واختطف وقتل الكثير من القساوسة والمواطنات والمواطنين المسيحيين قبل اجتياح داعش للموصل وسهل نينوى. وقد عمد الإرهابيون، ومنها أعضاء الميليشيات الطائفية المسلحة، إلى بث الرعب في نفوس المسيحيات والمسيحيين وإجبارهم عل ترك دورهم أو بيعها بأبخس الأثمان والهروب بجلودهم. وما حصل بعد ذلك كان أقسى وأشد، إذ ارُتكبت جرائم بشعة ضد الإنسانية وإبادة جماعية للإيزيديين بشكل خاص، وللمسيحيين وللشبك والتركمان. لقد سقطت محافظة نينوى كلها تحت الاحتلال الوحشي لعصابات داعش الإرهابية التكفيرية المجرمة، ومورست كل الموبقات والبشاعات والقتل والاغتصاب والسبي وبيع الآلاف من النساء الإيزيديات بسوق النخاسة "الإسلامي"، وشُرد مئات الألوف من الناس الأبرياء، وتقلص عدد المسيحيين والإيزيديين في العرق بنسبة كبيرة جداً. كما دمرت أجزاء كثيرة وكبيرة من الموصل وسهل نينوى، بحيث أصبح الكثير من المنازل والمحلات غير قابل للعيش والعمل، ويفترض إعادة البناء بشكل كامل تقريباً.
حتى يومنا هذا لم يعمد القضاء العراق ولا الادعاء العام إلى محاسبة ومحاكمة من كان مسؤولاً عما جرى ضد المسيحيين في الفترة بين 2004-2014 أولاً، ولا الذين كانوا السبب وراء اجتياح الموصل وسهل نينوى في 10 حزيران/يونيو من عام 2014 وما بعده، وأعني بهم رئيس وأعضاء الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة والقيادات العسكرية وبقية المسؤولين ثانياً، مما ساعد على ارتكاب عمليات تغيير سكاني جديدة في الموصل وسهل نينوى حتى بعد تحريرها من أيدي الأوباش الدواعش. لقد كان المواطنون المسيحيون والمسيحيات يتوقعون تحسن الوضع بعد تحرير المنطقة من العصابات التي دنست أرض الوطن وداست على كرامة البشر فيها. ولكن توقعات الناس خابت تماماً ومنيت بالفشل مرة أخرى، ولاسيما بالنسبة لمسيحيات ومسيحيي العراق. فماذا يجري الآن في مناطق المسيحيين؟ سأترك الحديث هنا إلى عدد من الوقائع التي يؤكدها أصحاب الأرض من بنات وأبناء الوطن المستباح بالطائفية والمليشيات الطائفية المسلحة والحشد وسياسات التمييز الديني والمذهبي والفساد الالي والإداري؟ اليكم بعض الوقائع المهمة، وهو جزي قليل من كثير جداً:
** "حذّر المطران شليمون وردوني، مدير أبرشية بغداد للكلدان من ان هناك مشكلة حقيقية وخطيرة تتعلق بتزوير تبعية أملاك عقارية تعود لمسيحيين، مشيرا الى أن الحكومة تمكنت من إيقاف 50 عملية بيع مزورة لعقارات مملوكة لمسيحيين في سهل نينوى حتى الآن، كما قال إن هناك ما يقارب 350 عملية مناقلة بيع مزورة على الاقل تتم متابعتها، مؤكداً أن الكنيسة الكاثوليكية تحاول جاهدة المساعدة في إرجاع الاملاك لأصحابها ولكن المهمة صعبة." ويواصل المطران رودني فيؤكد: "المسيحيون في سهل نينوى يتهمون ميليشيا الحشد الشعبي بالعمل على تغيير ديموغرافية مناطقهم بجلب سكان من الشبك الشيعة وإسكانهم فيها. كاميرا "العربية" زارت أبرشية "مار متى" التاريخية في السهل ونقلت معاناة المسيحيين مع الحشد بعد تقطع السبل بهم. (راجع: الحكومة تتابع 350 قضيّة تزوير للاستحواذ على أملاك المسيحيين، جريدة المدى، رقم العدد: 4313، في 11/18/2018).
** بالرغم من تحمسه للعودة إلى بيته في بلدة “بغديدا” جنوب الموصل، فإن “زيا عزيز” البالغ من العمر 43 عامًا، لم يقضِ أكثر من أسبوع واحد هناك، قبل أن يعود مرة أخرى إلى ناحية “عنكاوا” في “أربيل”؛ خوفًا على عائلته من التهديدات الواسعة، التي يقول: إنها تطال المسيحيين على أيدي عناصر “لواء الشبك” التابع لـ”الحشد الشعبي”، ووصلت إلى حد التحرش بالنساء". (راجع: رولا الخطيب، مسيحيو العراق.. تغيير ديمغرافي تنفذه "الحشد" بسهل نينوى، موقع العربية نت، 1 شباط/فبراير 2018).   
** " وكان النائب المسيحي “جوزيف صليوا” قد وجه في كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي (2017) خطاباً إلى رئيس الوزراء العراقي “حيدر العبادي“، طالباً منه التصدي لحالات الاعتداء التي تحصل على النساء المسيحيات في وضح النهار، من قبل عناصر اللواء 30 التابع لميليشيا “الحشد الشبكي”، متهماً إياهم بالقيام بجرائم بشعة بحقهن. واتهم “صليوا” في لقاء مُتَلْفَز -تابعته “وكالة يقين”- عناصر ميليشيا الحشد؛ باستغلال مواقعها لتحقيق تغيير ديموغرافي في قضاء “الحمدانية” شرق الموصل، مبيناً أن أبناء “المكون الشبكي” يسعون لبناء منازل بشكل تجاوزات غير قانونية، في أراضٍ تابعة للمؤسسات الحكومية. (راجع: سهل نينوى.. ميليشيا الحشد تهدد باقتلاع المسيحيين من موطنهم التاريخي، موقع وكالة يقين للأنباء، قسم التقارير-نينوى، في 29 أذار/ مارس 2018).
** ويتفق مع النائب “صليوا” في هذا الموضوع؛ مدير شؤون المسيحيين في وزارة الأوقاف بحكومة إقليم كردستان “خالد البير”، والذي أكد وجود عملية مستمرة لنقل عوائل من الوسط والجنوب؛ لإسكانهم في منطقة “برطلة” ضمن “سهل نينوى”، وأن هناك مجمعات سكنية يتم بناؤها هناك، وبشكل سريع لهذا الغرض." (المصدر السابق نفسه).
** "وفي بلدة برطلة ايضاً ذات الغالبية المسيحية  تم الاستحواذ على بعض الأراضي، وكتابة عبارات طائفية مستفزة على جدران البلدة كـ(برطلة للشبك)، بالإضافة إلى ترهيب السكان واجبارهم على بيع ممتلكاتهم، وكل هذه الممارسات  كان الهدف الاساس منها إبعاد مسيحييّ برطلة عن مناطقهم، وفرض نفوذ الشبك الشيعة على هذه المناطق، وفي وقت سابق بنى هؤلاء مدرسة في البلدة اطلقوا عليها اسم (الخميني) وذلك امعاناً في سياسة التغيير الديموغرافي والتضييق على مسيحيي المنطقة، وهذا التغلغل المباشر متواجد حتى هذه اللحظة بطرق مدعومة من قبل قوى عراقية مشاركة في السلطة، ودول مجاورة. (راجع: المرصد الآشوري: التغيير الديموغرافي بحق قرى وبلدات مسيحية في شمال العراق مستمرّ...، عشتارتيفي كوم، بتاريخ 06/12/2017).
** قال عضو الهيئة القيادية في التجمع السياسي الكلداني السرياني الآشوري صباح ميخائيل في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "مناطق المسيحيين في سهل نينوى تتعرض لتجاوزات وعمليات تغيير ديمغرافي من خلال التحايل القانوني وتنفيذ المشاريع الخدمية"، مبيناً بأن "استمرار هذه السياسة يهدد الوجود المسيحي في العراق". وأضاف ميخائيل أن "المسيحيين في منطقة سهل نينوى يعانون من التهميش وقلة الخدمات والبطالة"، داعيا "الجهات الحكومية والسياسية بترجمة وعودهم لحماية حقوق المسيحيين والأقليات الأخرى على أرض الواقع". (المصدر السابق نفسه).
ومن الجدير بالإشارة إلى أن عام 2013 شهد انعقاد المؤتمر الأول لأصدقاء برطلة على مدى يومين في كل من أربيل وبرطلة بسهل نينوى وتحت شعار "لا للتغيير الديمغرافي لمناطق المسيحيين الأصلية في العراق". حضر جلسة الافتتاح المئات من العراقيات والعراقيين من مختلف أنحاء العراق،  وكنت حينها رئيساً لمكتب اللجنة التحضيرية لهذا المؤتمر, وبعد المؤتمر قدمنا مجموعة كبيرة من الوثائق حول التغيير الديمغرافي لرئيس إقليم كردستان، السيد مسعود بارزاني، في لقاء مباشر بمقره في "سر رش" صلاح الدين، كما وضعنا الحكومة المركزية ومجلس النواب والقضاء العراقي أمام مسؤولياتهم بشأن هذه المشكلة، إضافة إلى توجيه رسالة إلى السيد عمار الحكيم، إذ كان من العاملين على شراء دور السكن والأراضي من المسيحيين وبأسعار خيالية في برطلة لصالح عائلات من الشبك وبأموال قيل أنها كانت قادمة من الحكومة الإيرانية. كما صدرت عن المؤتمر مجموعة من التوصيات المهمة. ولكن لم يجر أي تغيير في الموقف ولم تتوقف عمليات التغيير الديمغرافي في مناطق المسيحيين وفي غير صالحهم، بل يمكن تقديم الأدلة على إن المشكلة تتخذ اليوم أبعادا جديدة بعد تحرير المنطقة من عصابات داعش، إذ تساهم قوى حكومية وجماعات الحشد الشعبي بهذه العملية المخالفة للدستور العراقي وحقوق الإنسان وقرارات مجلس القضاء الأعلى. ومن هنا نؤكد مجدداً على أهمية وضرورة تعبئة الرأي العام العراقي والقوى الخيرة في الذكرى السنوية الخامسة لمؤتمر أصدقاء برطلة ضد الأفعال الإجرامية التي تزيد من آلام وكوارث وأحزان مواطناتنا ومواطنينا المسيحيين وتدفع بهم إلى ترك العرق، موطنهم الأصلي، والهجرة إلى دول الشتات العراقي، وهي كارثة حقيقة جديدة يمكن أن تحيق بالشعب العراقي المستباح بالطائفية والفساد وأنواع جديدة من الإرهاب.
وأخيراً أرى ضرورة عقد المؤتمر الثاني لأصدقاء برطلة لطرح الموقف إزاء ما يجري من تغيير ديمغرافي ف مناطق المسيحيين أولاً، والأوضاع البائسة التي لا يزال يعيش تحت وطأتها النازحون، إضافة إل نقص شديد في الخدمات وعدم اهتمام الدولة والرأي العام العراقي والعالمي لأوضاع المسيحيين واتباع الديانات الأخرى في العراق من غير المسلمين، سوا أكانوا من الشيعة أم السنة، واقترح أن يكون في ربيع عام 2019 في أربيل وفي إحدى بلدات سهل نينوى. 
كاظم حبيب، في 20/11/2018
   
 صورة من جلسة افتتاح مؤتم أصدقاء برطلة بتاريخ 24/11/2013 في قاعة الشهيد سعد في أربيل



39
كاظم حبيب
الفساد: مأساة ومهزلة العراق المستمرة، نوري المالكي وعلي العلاق نموذجاً
في عام 2007 قرر العراق وبدعم من الأمم المتحدة تشكيل "مجلس مشترك لمكافحة الفساد في العراق" وسميّ في حينها على محسن إسماعيل العلاق، محافظ البنك المركزي حالياً، رئيساً لها، والتي وضعت لها ما سمي بـ "الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في العراق 2010-2014". وأن تكون عضوية هذا المجلس مكونة من: مجلس النواب، القضاء، ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة ومفوضية حقوق الإنسان ومجالس المحافظات، وأن يخضع هذا المجلس لرقابة المجتمع المدني ووسائل الإعلام. أي أن البدء بالعمل قد تقرر أن يكون عام 2010. وكان علي العلاق يحتل بين 2006 و2014 منصب الأمين العام لمجلس الوزراء، أي طيلة الفترة التي كان نوري المالكي رئيساً للوزراء، وكان عملياً أمين سره ومعتمده، وهو الذي عينه محافظاً للبنك المركزي وكالة ومن ثم أصالة. وطيلة السنوات الأربع لم يمارس هذا المجلس أعماله وأحبطت عملياً الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي ساهمت الأمم المتحدة في وضعها. وفي العام 2014 قرر حيدر العيادي، رئيس الوزراء الجديد أن يكون رئيساً لهذا المجلس المشترك، وأن يكون علي العلاق عضواً فيه مع أعضاء أخرين من الجهات المشخصة بالعضوية. ولكن ماذا حصل في فترة وجود العلاق أميناً عاماً لمجلس الوزراء 2006-2014، إضافة إلى رئاسته للمجلس المشترك لمكافحة الفساد بين 2007-2014؟ المعلومات المتوفرة عن هذه الفترة في مجال الفساد المالي والإداري تشير إلى إنها كانت الفترة الأوسع والأكثر فساداً في تاريخ العراق الجاري. فـ "بحسب لجنة المالية في البرلمان العراقي- كبّد الفساد العراق خسارة قيمتها ثلاثُمئة وستون مليار دولار خلال الفترة بين عاميْ 2006 و2014، وهذا ما أكدته منظمة الشفافية الدولية في إدراجها العراق ضمن أسوأ ست دول في العالم فساداً." (راجع. تداعيات الفساد في العراق وآفاق مكافحته، موقع الواقع العربي، 14/08/2015). راجع الملحق 1. وقد حمَّل رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب الدكتور أحمد الجلبي، الذي مات فجأة ويشار إلى احتمال تدبير موته بعد هذه التصريحات، مسؤولية تداعيات انهيار البنية المالية للبلاد للحكومة السابقة والبنك المركزي ومن وصفها بـ”العصابات” التي تتحكم بسعر السوق، وقال ان "سبب الانهيار الاقتصادي هو فترة الحكم من سنة 2006 الى سنة 2014 حيث دخل العراق مبلغ 551 مليار دولار والحكومة استوردت ما مجموعه 115 مليار دولار والبنك المركزي باع للبنوك الاهلية كمية 312 مليار دولار ، مضيفا ان "هذا المبلغ الذي أهدر (312 مليار دولار) كان بإمكانه بناء الاحتياطي النقدي". كما كشف الجلبي إن "اطرافاً سياسية تضغط على البنك المركزي لزيادة مخصصات البنوك بالمزاد لقاء مبالغ وهناك مذكرات داخل البنك المركزي بأسماء هؤلاء السياسيين من مجلس النواب ومن الحكومة". (راجع: المدى تبدأ بنشر ملف الفساد الذي أعده الجلبي وكان على وشك اعلان وقائعه الكاملة قبل وفاته، 7/11/2015).
وأكد الرئيس السابق لهيئة النزاهة القاضي رحيم العگيلي، وهو المطلع على أوضاع هذه الفترة جيداً، وجود آلاف المشروعات الوهمية والفاشلة التي تقدر قيمتها بنحو 228 مليار دولار، تخصم من ميزانية العراق."، (راجع: المصدر السابق ذاته). كما يشير رئيس هيأة النزاهة الأسبق السيد موسى فرج إلى أن أخطر أنواع الفساد هو "فساد البطانة المحيطة برئيس الوزراء السابق نوري المالكي وحمايته لهم، وقلت يومها في لقاء مع صحيفة الحياة اللندنية: الأمانة العامة لمجلس الوزراء هي بؤرة الفساد في الحكومة العراقية... وقد إستئذبوا وإستأذب في حمايتهم، ووجدت أن البرلمان مهلل في حينه، وسطوة رئيس الحكومة عليه مكشوفة، وأن رئيس لجنة النزاهة في مجلس النواب الذي بلغها من خلال المحاصصة سيئة الصيت، قد دخل تحت عباءة المالكي في صفقة فاسدة لحماية نفسه وأخيه ومتنفذين من حزبه، كنت ألاحق قضايا سرقة وتهريب النفط المتهمين بها.. من جانب آخر، فإن رئاسة مجلس القضاء كانت منفذة لرغبات رئيس الحكومة وبطانته، في حين أن مواجهة الفساد من خلال هيئة النزاهة لا تستكمل إلا من خلال القضاء..". (راجع: عبد الجبار العتابي، مافيا الفساد في العراق يقودها ساسة وحكوميون كبار، إيلاف، 6/نوفمبر 2014). "ووفقا لمسح أجرته منظمة الشفافية الدولية المعنية بمراقبة الفساد، أقر 56 في المئة ممن جرى مقابلتهم بأنهم دفعوا رشوة في عام 2010. بينما يرى غالبية هؤلاء وتقدر نسبتهم بنحو "63 في المئة" بأن جهود الحكومة العراقية لمكافحة الفساد غير فعالة. ويرى نحو 77 في المئة أن الفساد ازداد منذ عام 2007." (راجع: بي بي سي، بالأرقام: عشر سنوات منذ غزو العراق، 20  مارس/ آذار 2013).
وقبل إزاحة نوري المالكي من رئاسة مجلس الوزراء وأثناء الصراع على المنصب هدد أكثر من مرة بقوله "بحوزتي ملفات سأضعها بيد القضاء لثمان سنوات التي كنت فيها رئيساً للوزراء وسأعلنها امام المحاكم وأجَّر مرتكبيها من سادة ومشايخ وأبناء مراجع ومسؤولين شيعة وسنة الى المحاكم ليأخذوا جزائهم العادل"، وتعهد امام الحضور "انا ابن الشهيد الاول الشهيد الصدر لا اخاف والله معي والأدلة معي بإذن الله تعالى". (راجع: مصادر: المالكي يهدد بكشف ملفات فساد ثمانية اعوام لمسؤولين كبار وابناء مراجع، موقع سومرنيوز، 20 أغســطس، 2015). ولكن نوري المالكي لم يضع أي ملف من الملفات التي بحوزته تحت تصرف القضاء العراقي، كما إن القضاء العراقي لم يجرأ على مطالبته بتلك الملفات ولا محاسبته على عدم تقديمها، لأن إخفاء أي ملف من ملفات الفساد يعتبر مشاركة فعلية في الفساد.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى وجود ملفات كثيرة يستوجب فتحها وتقديمها إلى القضاء العراقي والادعاء العام لمواجهة رئيس الوزراء نوري المالكي والأمين العام لمجلس الوزراء سابقاً، المدعو علي العلاق، وهو محافظ البنك المركزي حالياً. وأهم تلك الملفات هي: سقوط الموصل، الفضائيين، البنك المركزي وبيع الدولار والمصارف الخاصة، النفط، التسلح، أجهزة الكشف عن المتفجرات والسلاح، العمليات العسكرية ضد الأنبار والفلوجة عام 2011، مظاهرات 2011 في ساحة التحرير ومناطق أخرى من العراق، الموقف من الهيئات المستقلة، الطائرات العراقية في روسيا، ملف إثارة العداء والاستعداء الطائفي في العراق، احمد نوري المالكي.
وإذ ابتعد نوري المالكي عن مركز المسؤولية الأول، ترك ظله البغيض، علي العلاق، يعمل كما يشاء في البنك المركزي ثم ليعلن دون حياء عن تلف 7 مليار دينار عراقي (بحدود 6 مليار دولار أمريكي) بسبب تسرب مياه الأمطار إلى خزينة البنك المركزي في العام 2013. وقد بدأ مجلس النواب تحقيقاً بهذا الخصوص. والغريب إن علي العلاق لم يكتشف هذا إلا بعد مرور خمس سنوات على الادعاء بتلف هذا المبلغ الكبير. وهنا أذكر القراء بالحكمة القائلة "صدق العاقل بما لا يعقل فأن صدق فلا عقل له". كما إن هذا الرجل أراد أن "يخلد" الفساد السائد في العراق حين وضع اسمه ولم يكتف بتوقيعه على كمية جديدة من الأوراق النقدية تقدر ب 90 مليار دينار عراقي، إذ “أصدر البنك المركزي العراقي طبعات جديدة من النقود، ووضع عليها اسم محافظ البنك علي العلاق، في إجراء غير مسبوق بالعراق". وجاء الخبر يقول بأن علي العلاق يدس اسمه على 90 مليار دولار.. استفزاز العراق بعملته". (موقع الترا)، وكما معروف فمثل هذا الفعل يعتبر مخالفة عالمية. وقد ترأس البنك المركزي منذ تأسيس البنك المركزي 17 محافظاً لم يعمد إلى كتابة اسم أي من هؤلاء المحافظين غير هذا السقيم علي العلاق، ربيب المالكي وحافظ أسراره! وبدأ الشارع العراقي حملة شطب اسم العلاق من الأوراق النقدية نكاية به وتصحيح الخطأ الفاحش! 
 



40
كاظم حبيب
حين تُغيَّب الديمقراطية وتسود الطائفية يسقط القانون: العراق نموذجاً
أشيع في العراق بأن النخبة الحاكمة بكل مكوناتها الراهنة تريد الخلاص من الطائفية السياسية ومن المحاصصة في تشكيل الحكومة العراقية، وأنها تسعى لتشكيل حكومة تكنوقراطية وبناء مجتمع مدني ومحاربة الفساد والإرهاب. هذه الإشاعة التي روّج لها كثيرون، حتى ممن يقف بالضد من الطائفية ومحاصصاتها المذلة للشعب والمواطنة، غابت عنهم مسألة بديهية، ولكنها مهمة وأساسية هي: أن النخب الطائفية والفاسدة المرتبطة بالأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي مارست التمييز الديني والطائفي، وغرقت حتى قمة رأسها مستنقع الفساد المالي والإداري والاجتماعي، ولعبت ميليشياتها الطائفية المسلحة دوراً إرهابياً مريعاً في محافظات العراق ضد المجتمع، وساعدت على خرق استقلال العراق وسيادته للجارة إيران وسمحت بتدخل اكثير من الدول في شؤون العراق الداخلية، وجوعت نسبة عالية جداً من شعب العراق وحرمتهم من أهم الخدمات الأساسية طيلة السنوات المنصرمة، لا يمكن لمثل هذه النخب الحاكمة تشكيل حكومة غير طافية وغير فاسدة أو مستقلة، كما لا يمكنها التخلي عن ميلشياتها الطائفية المسلحة والإرهابية، إذ إنها سند استمرار وجودها وحكمها وبقائها، ولا يمكنها بأي حال من حيث المبدأ والواقع أن تقيم مجتمعاً مدنياً يستند إلى مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة وترفض الدمج بين الدين والدولة، لأن ذك يتناقض مع أيديولوجيتها الدينية المشوهة ومصالحها، بل ستبقى حبيسة دائرتها الضيقة المقيتة والمميتة وأفكارها السقيمة والرجعية والمتخلفة وممارساتها المخلة بكل ما هو إنساني ونبيل.
كانت هذه الإشاعة التي أطلقتها النخبة الحاكمة للتعتيم على نهجها ليست فقط خاطئة، بل وكذبة كبيرة حاول حتى البعض المدني إقناعنا بصوابها. وها نحن وهم والجميع نواجه حقائق الوضع العراقي في تشكيل حكومة من "گرگري" يرأسها "عادلوي"، حكومة بطعم العلقم ورائحة العفونة الطائفية تفوح منها وتزكم أنوف العراق والعالم كله. حتى إن بعض من دعا إلى تشكيلها بدا اليوم يؤكد طائفيتها. رئيس الوزراء المكلف بتشكيلها كان جزءاً من النخبة الحاكمة طيلة الفترة المنصرمة، ولم يكن مستقلاً عنها أو حيادياً في نهجه وسياساته ومواقفه. إن الإشكالية ليست في هذا الوزير أو ذاك فحسب، بل بالأساس في طبيعة النظام السياسي الطائفي القائم في العراق، برئيس الوزراء الطائفي ذاته، وبالقوى السياسية المشكلة للسلطة التنفيذية، فهي قوى صادرت الحريات العامة والديمقراطية من خلال سياساتها اليومية وسلوك قادتها وميليشياتها الطائفية المسلحة طيلة الفترة المنصرمة وماتزال.
يمكن للإنسان العراقي الحر أن يكتب مقالاً في الصحافة وينتقد هذه النخبة أو تلك أو الميليشيات الطائفية المسلحة، ولكنه سيبقى مستهدفاً للانتقام بصيغة ما بما في ذلك القتل عبر تلك الميليشيات الطائفية المسلحة، وحين يعتقل ويعذب، أو حين يقتل لن تكتشف الجهة التي اعتقلته وعذبته، أو الجهة التي قتلته، وستوجه تهمة ضد مجهول ويحفظ الملف ولن يُعثر على الجهة أو القاتل أبداً، لأنها أو لأن القاتل منهم. هكذا قتل في الآونة الأخيرة عدد من النساء والرجال، وقبل ذاك قتل المناضل كامل شياع وهادي المهدي، وقتل ابن اختي (أحمد جواد الهاشمي) وزوجته وابنته ذات الأربعة عشر ربيعاً، حيث ذبحوا في دارهم بمنطقة الطارمية من الوريد إلى الوريد... وحيث اغتيل عشرات بل والمئات من المختصين والعلماء والصحفيين والآلاف من العرقيات والعراقيين، وهكذا ستستمر هذه السياسة في ظل هذه الحكومة المباركة من "القيادة الإيرانية والأمريكية" في آن!
حين تغيب شمس الحرية والديمقراطية ودفئها عن وطننا العراق، يغيب القانون أيضاً ويتم التجاوز عليه ليل نهار، حينها يختفي فعل القضاء، بما فيه الادعاء العام، وهي الحالة المضنية والقاتمة التي يعيش تحت وطأتها شعب العراق منذ ما يقرب من 16 عاماً.
من حقي كمواطن عراقي أن أتساءل: هل القضاء العراقي مستقل؟ هل يتصرف وفق ما يمليه عليه الدستور العراقي؟ وهل يتابع القضاء والادعاء العام ما يجري في العراق منذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة حتى الآن، دع عنك الفترة السابقة في ظل الحكم البعثي والصدامي الدكتاتوري البغيض؟ وهل يتصرف القضاة على وفق ضمائرهم، ومنهم الادعاء العام، أم أن الطائفية السياسية والفساد والإرهاب والخشية من الإرهابيين أماتت الكثير من تلك الضمائر؟ وإذا كان القضاء مستقلاً، فلماذا لا يحقق بما صرح به محافظ البنك المركزي بتلف 7 مليار دينار عراقي بماء المطر وفي بناية البنك المركزي؟ قال العرب: حدث العاقل بما لا يعقل فأن صدق فلا عقل له. فهل القضاء العراق صدق هذه الفرية وكذا الادعاء العام؟ قال أحمد الجبوري، عضو مجلس النواب، "أني شراي وأكو من يبيع صوته"، حين أتهم بشراء مجموعة من الأصوات لصالح رئيس مجلس النواب الحالي، فهل لم ينتبه الادعاء العام وعموم القضاء لهذا القول الوقح في تجاوزه على الدستور العراقي والقوانين المرعية، أم لم يجد القضاء في ذلك أي جريمة، بل مسألة اعتيادية في ظل العراق الفاسد؟ حين يغيب القانون يمارس الفاسدون ما يشاؤون، وقيل قديماً: "غاب القط ألعب يا فأر!"
هناك عشرات القضايا التي أهملها القضاء العراقي والادعاء العام، ولاسيما في فترة حكم نوري المالكي، وما حصل من فساد وإرهاب واجتياح، علماً بأن غالبية الشعب العراقي كانت مقتنعةً بأن القضاء في فترة هذا الدكتاتور الصغير غير مستقل وخاضع له ولإرادته وسكوته عن الكثير من التهم التي وجهت له دون أن يحرك ساكناً. من المسؤول عن وقوع الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين والمسيحيين وغيرهم؟ من المسؤول عن اغتصاب أخواتنا الإيزيديات وبيعهن في سوق النخاسة؟ من المسؤول عن ترك الأسلحة والأموال لكي تقع في أيدي عصابات داعش المجرمة؟ من المسؤول عن الدمار الشامل في الموصل وعموم نينوى وعن جريمة سپايكر؟ 
سيبقى الناس يطرحون المزيد من الأسئلة على القضاء العراقي ويطالبون بالإجابة، سيلاحقون القضاء العراقي والادعاء العام ويتهمونه بعدم الاستقلالية والسكوت عما مارسته وماتزال تمارسه النخبة الحاكمة الفاسدة من مفاسد مريعة في العراق، وسيبقى الناس يراقبون ممارسات القضاء وادعاء العام إلى أن تتيح لهم الفرصة لتغييره أو أن يغير نفسه أو ما بنفسه!   
 
 
 


41
كاظم حبيب
توحش السياسات النيولبرالية الترامپية ومخاطر العالم المتفاقمة
القسم الثالث والأخير
ليس ترامپ هو الرئيس الوحيد الذي يمتلك مثل هذه السمات السيئة في العالم، بل هناك الكثير من رؤساء الدول والسياسيين الذين لا يختلفون عنه قيد أنملة ويتجاوزونه في ذلك ويزيدون عليها. إلا إن الفارق الكبير بين ترامپ وهؤلاء الرؤساء يكمن في بعض المسائل المهمة، منها بشكل خاص:
** التزامه الثابت بالإيديولوجية النيولبرالية الأكثر إمعاناً في استغلال المجتمع والأكثر قهراً للفرد والأكثر تطرفاً في توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء على المستويين السياسي والاقتصادي وعلى الصعيدين الداخلي والدولي، وفي بقية المجالات الأخرى، وبشكل خاص المجالات العسكرية والبيئية والثقافية.
** وأن ظهور مثل هؤلاء القادة السياسيون الذين يتسمون بالفردية والاستبداد واحتقار فعلي للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان يعتبر نتيجة منطقية لأزمة الديمقراطية التي يمرّ بها المجتمع الأمريكي، والتي تعتبر جزءاً من التناقض المتفاقم بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الرأسمالية. ويمكن أن يلاحظ المتتبع هذه الظاهرة في دول الاتحاد الأوروبي أيضاً والتي في تنامي مستمر وخطير.
** كما إن الصلاحيات الكبيرة التي يمنحها دستور الولايات المتحدة الأمريكية للرئيس الأمريكي على المستويين الداخلي والخارجي يمكن أن تقود إلى إساءة في استخدامها وإلى تفريخ مشكلات جديدة وكبيرة.
** ولأن ترامپ يقف على رأس أقوى دولة عسكرياً وأغنى دولة اقتصادياً، ويلعب دور القائد الفعلي للعالم الرأسمالي الأكثر تقدماً، ويقود ويشرف ويمول أقوى وأوسع حلف عسكري هو حلف الشمال الأطلسي، تبدو الصورة أكثر قتامة وخطراً.
** كما يمسك ترامپ بيديه مفتاح الحقيبة النووية الأمريكية، وله الحق في إرسال قوات عسكرية إلى مناطق مختلفة ولمدة ثلاثين يوماً دون موافقة الكونغرس، على أن يعرض فيما بعد لاستحصال الموافقة.
** إضافة إلى اعتبار ترامپ الدولة التي لا تقف مع أمريكا عدوة لها، فأن من لا يقف إلى جانبه ويؤيده فهو عدو له، سواء أكان من السياسيين المحليين، أم على الصعيد الدولي، وعلى وفق معاييره المشوهة لمفهوم الصداقة.
** ومن الصعوبة بمكان أن تقدر ما يمكن أن يقوم به ترامپ كرد فعل عن سياسة أو موقف محدد على الصعيدين الداخلي والخارجي، فهو شخصية غير محسوبة الإجراءات والعواقب، شخصية فردية معقدة ومتداخلة وجشعة. 
من هنا تبرز مخاطر السياسات الرأسمالية النيولبرالية المتوحشة والأكثر عدوانية التي بدأ بتنفيذها ترامپ منذ توليه إدارة البيت الأبيض وسيستمر بها خلال السنتين القادمتين، وربما لولاية ثانية، والتي تتناغم مع طبيعته وسماته الشخصية. لم يكن اختيار الحزب الجمهوري لترامپ من بين عدد من المرشحين السياسيين الجمهوريين البارزين عبثياً، بل لمعرفتهم بطبيعته وسلوكياته، ولكونه يمتلك القدرة على تنفيذ ما يسعون إلى تحقيقه. إذ لم تكن الوعود التي أطلقها دونالد ترامپ أثناء حملته الانتخابية جزافاً، بل كانت نابعة من الرؤية التي استقرت في أذهان الجماعات الأكثر تطرفاً والأكثر شراسة في الحزب الجمهوري وفي المجتمع الأمريكي لتطبيق اللبرالية الجديدة لا على صعيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية والموقف من الأجانب واللجوء وفي مجمل السياسات الداخلية فحسب، بل على الصعيد العالمي، ولاسيما على صعيدي العلاقات الاقتصادية والعسكرية والبيئة. وقد وجد هذا تعبيره في الموقف من البطالة الواسعة والتشغيل والسياسة الجمركية والسياسة الضريبية ومن قانون الرعاية الصحية، وتنشيط قوى اليمين المحافظ والمتطرف، حيث تلتقي فيه قوى البيض العنصرية والقوى المناهضة للسامية والمعادية للأجانب، وضد اللجوء بمختلف أشكاله، وبناء السور مع المكسيك، وقانون الجنسية، والإصرار على حق اقتناء السلاح لكل مواطن ومواطنة في أمريكا وحمله...الخ، في الداخل، أما نحو الخارج فقد برز في الدعوة للخروج من الاتفاقية النووية مع إيران، وتشديد الصراع ضد كوريا الشمالية، والتدخل العسكري المباشر في سوريا وفي اليمن، وتأييد مطلق وغير مقيد لإسرائيل ونقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس ورفض وجود دولتين على الأرض الفلسطينية السابقة عملياً فيما يطلق عليه بـ "صفقة القرن"، وكذلك التدخل الفظ في شؤون أمريكا الجنوبية، ولاسيما فنزويلا، وتأييد القوى اليمينية الأكثر تطرفاً في البرازيل، والعودة إلى مقاطعة كوبا، وتشديد العمل بالعقوبات الاقتصادية وتوسيع دائرة ممارستها، ضد إيران وروسيا، إضافة إلى البدء بدعم التوظيفات الجديدة في الإنتاج العسكري التقليدي والحديث وتطوير أجيال جديدة منها والدفع باتجاه سباق التسلح على صعيد الدول الكبرى والعالم من خلال تشديد التوترات والصراع والاستفزاز، بما يمكن أن يقود إلى خلق بؤر لمشكلات مستعصية ومصاعب مالية لكل من روسيا والصين على نحو خاص، إضافة إلى محاولة بناء قواعد عسكرية في الدول المجاورة لروسيا، ولاسيما دول البلطيق واكرانيا وغيرها، وإجراء المناورات العسكرية الواسعة مع دول حلف الأطلسي على الحدود الروسية. هذا النهج الموغل بالتشدد والعدوانية المباشرة والصريحة من جانب القوى المساندة والداعمة لدونالد ترامپ اقترنت بشعور كاسح لدى هذه القوى بأن الولايات المتحدة قد فقدت قدرتها على قيادة العالم وعلى الدفاع عن مصالحها وأنها لم تعد البعبع الذي كان يرعب شعوب العالم، وأن الولايات المتحدة تقدم الكثير من الأموال وتبني الكثير من القواعد العسكرية وتنشر الكثير من الجنود والأسلحة في العالم دفاعاً عن العالم الرأسمالي، في حين لا تشارك الدول الأخرى، ولاسيما دول الاتحاد الأوروبي وخاصة المانيا وفرنسا، بما ينبغي عليهما من زيادة الأموال المخصصة للتسلح ودعم قوات حلف الأطلسي، وأن الصين وروسيا بدأتا بلعب دور أكبر في السياسة والاقتصاد في العالم لا بد من إيقافهما.
كل هذه الأفكار دأب ترامپ على نشرها أثناء حملته الانتخابية. وما أن تسلم إدارة البيت الأبيض حتى بدأ بتطبيق ما وعد به فعلياً، وحقق بعض المكاسب، كما في موضوع تقليص البطالة وزيادة التشغيل، مما رفع من رصيده لدى مسانديه وداعمي سياساته، ولكنه حصد من جانب آخر رفض قوى مجتمعية جديدة ضده، ولاسيما في صفوف النساء، بسبب مواقفه وفضائحه النسائية وتصريحاته المخلة. لقد أدت سياسات ترامپ إلى بروز شرخ أكبر وأوسع من السابق في المجتمع الأمريكي، إلى جانب شروخ أخرى، مثل تفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وبين السود والبيض، وبين من هم من أصل أوروبي ومن هم من أصل اسيوي. وهي التي قادت إلى خسارة الحزب الجمهوري للأكثرية في مجلس النواب، رغم تحسن مواقعه في مجلس الشيوخ في الانتخابات النصفية الأخيرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2018. وتشير استطلاعات الرأي إلى انخفاض شعبية ترامپ إلى نسبة تتراوح بين 40-43%، ولكنه لا يزال يحتفظ بتأييد واسع لدى من صوت له.   
إن المخاطر الكبيرة المتزايدة على الأمن والسلام في العالم في فترة رئاسة ترامپ للبيت الأبيض تأتي من النواحي التالية:
أولاً: البدء بإلغاء الاتفاقية المعقودة مع (الاتحاد السوفييتي سابقاً) روسيا في مجال الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى من جانب الولايات المتحدة، بدعوى عدم التزام روسيا ببنود هذه الاتفاقية. ثم خروج الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية للدول الخمس + واحد مع إيران.
ثانياً: إن هذا الموقف من جانب الولايات المتحدة يقود إلى تصعيد غير مسبوق لسباق التسلح، لا بين روسيا والولايات المتحدة فحسب، بل وعلى الصعيد العالمي وفي منطقة الشرق الأوسط.
ثالثاً: إن منطقة الشرق الأوسط المليئة بمشاكل قديمة وجديدة متراكمة يمكن أن تتفجر فيها حروب إقليمية جديدة لعدة أسباب:
أ‌.   الموقف المتشدد من قبل إسرائيل والولايات المتحدة إزاء إيران في موضوع الاتفاقية النووية والصواريخ التي تقوم إيران بتطويرها وإنتاجها باستمرار. كما إن فرض العقوبات الاقتصادية والمالية القاسية جداً على إيران سيزيد من التوتر في المنطقة، رغم إنه لن يلحق ضرراً بالفئات الحاكمة، بل سيكون الشعب الإيراني ضحية هذه المقاطعة. 
ب‌.   التدخل الإيراني المستمر في الشؤون الداخلية لدول المنطقة باتجاه تصدير الثورة "الإسلامية" "الشيعية" الإيرانية إلى دول منطقة الشرق الأوسط والعواقب الوخيمة الناجمة عن هذه السياسة المجنونة وتصادمها المصلحي مع مصالح تركيا والسعودية ودول الخليج الأخرى. ولا شك في أن العراق واحد من الدول التي تعاني من سياسة التدخل الإيراني الفظ والواسع في الشأن العراقي، على سبيل المثال لا الحصر.
ت‌.   النهج السياسي العسكري السعودي الجديد ليس في التصدي لإيران فحسب، بل وفي محاولتها الهيمنة على سياسة الدول العربية، بما لديها من أموال وما تجده من تأييد أمريكي-إسرائيلي، وما تقتنيه من أسلحة ليست دفاعية فقط، بل وهجومية ايضاً، كما يلاحظ استخدام ذلك في الحرب في اليمن.     
ث‌.   الوضع المتوتر دوماً بسبب رغبة إسرائيل الجامحة باتجاهين هما: رفض عملي لقيام دولة فلسطين والعمل على تآكلها التدريجي، والتوسع في بناء المستوطنات الصهيونية الجديدة في الضفة الغربية، مما يشدد من التوتر والصراع، بما يقود إلى معارك جديدة، لاسيما وأن دونالد ترامپ هو الأكثر تأييداً لإسرائيل في سياستها التوسعية في القدس والضفة الغربية.       
ج‌.   استمرار الولايات المتحدة الأمريكية ببيع المزيد من الأسلحة التقليدية المتطورة إلى دول منطقة الشرق الأوسط، مما دفع ويدفع الدول الأخرى المنتجة للأسلحة ببيع المزيد من الأسلحة إلى دول في المنطقة، كما هو الحال مع روسيا وبريطانيا وفرنسا، والتي تخلق أجواء متوترة قابلة للاشتعال في كل لحظة وفي كل زاوية من منطقة الشرق الأوسط، كما هو الحال في اليمن وسوريا، أو حتى العراق وغزة. إضافة إلى العواقب الوخيمة لمثل هذه السياسة على التنمية الاقتصادية وعلى مستوى معيشة الغالبية العظمة من السكان ومن الخدمات المقمة لها.
رابعاً: إن السياسة التي تمارسها الولايات المتحدة حالياً إزاء الكثير من الدول، ولاسيما إزاء روسيا والصين، بدأت بتنشيط الحرب الباردة مجدداً وستقود إلى تنشيط تشكيل الأحلاف العسكرية والتكتلات الاقتصادية في غير صالح شعوب العالم.
خامساً: كما أن سياسة الولايات المتحدة في مجال البيئة وخروجها من اتفاقية باريس للتغير المناخي والعواقب الوخيمة لهذه النهج الخطير الذي يقود إلى المزيد من التلوث وتدهور البيئة والمناخ في العالم، وما يصاحب ذلك من مشكلات جديدة بما فيها نزوح المزيد من البشر من مناطق سكناهم، والمزيد من الأمراض والأوبئة والكوارث الطبيعية، وما يقترن بكل ذلك من عواقب وخيمة على البشر والعلاقات بين الدول.
سادساً: ورغم ادعاء ترامپ بكونه ضد العولمة الجارية، فأن العولمة الرأسمالية الجارية هي عملية موضوعية مرتبطة بمستوى تطور الاقتصاد الدولي والتشابكات الجارية فيه وتطور العلوم والتقنيات، فأنه يعمل من أجل أن تكون الولايات المتحدة هي المستفيدة هي المستفيدة الأولى اساساً من العولمة الرأسمالية في ظل النهج النيولبرالي المتشدد، والذي تجلى في إجراءات ترامپ في مجال السياسة الجمركية والمالية والعقوبات الاقتصادية، مما سيقود إلى صراع لا بين روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى فحسب، بل وبين الولايات المتحدة وبين ودول الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا وغيرها من الدول الرأسمالية المتقدمة والحليفة لأمريكا. وفي هذا عواقب كثيرة مخلة على الاقتصاد العالمي وعلى حياة ومعيشة شعوب كثيرة ولاسيما شعوب الدول النامية.
نحن أمام سياسات تكتيكية جديدة لولايات المتحدة ذات نهج نيولبرالي متوحش بكل معنى الكلمة وجامح يقود إلى تعميق الانقسام في العالم بين الدول الغنية والفقيرة، بين الدول المتقدمة والمتخلفة اقتصادياً، وكذلك في كل بلد من هذه البلدان. وتقدم الكثير من الدراسات الراهنة لوحة قاتمة عن الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء في العالم وعلى صعيد كل دولة من الدول الرأسمالية المتقدمة وعدد أصحاب المليارديرات من جهة، ونسبة الفقراء المتسعة في هذه الدول وعلى الصعيد العالمي. إنها كارثة حقيقية حين نعلم، على وفق تقرير لمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، بـ "أن الفجوة بين الفقراء والأغنياء تستمر في الاتساع. وفي دول المنظمة الأعضاء، البالغ عددها 34، يحصل أغنى عشرة في المئة من السكان على 9.6 أضعاف ما يحصل عليه أفقر عشرة في المئة." (راجع: أنتوني روبن رئيس قسم الإحصاء في بي بي سي، فجوة بين الأغنياء والفقراء تستمر في الاتساع، 5 أيار/مايو 2015). كما إن حالة ألمانيا هي الأخرى تشير إلى مخاطر من هذا النوع "فقد حذَّرَت جمعيات اجتماعية كثيرة من عواقب عدم معالجة تفاقم الفقر والعوز، فنسبته ارتفعت عام 2015 إلى 15.7 في المائة (أي 13.4 مليون شخص، من إجمالي 82 مليون نسمة، عدد سكان ألمانيا) وعلى كل واحد من خمسة اليوم (أي 16.1 مليون) أن يقلق لأن الفقر يهدده لأسباب كثيرة، منها التسريح من العمل.  وتعريف الفقر في ألمانيا هو أن يكون دخل الشخص أقل من 11.53 يورو يومياً، مع العلم أنه طرأ في السنوات الثلاثة الماضية ارتفاع على أسعار المواد الغذائية الأساسية والكهرباء والماء والمواصلات وبدل الإيجارات بنسب متفاوتة." (راجع: عدالة سلامة، الفقر والغنى ينموان في ألمانيا، الشرق الأوسط، 18 مارس 2017). علماً بأن التقارير الأخيرة تشير إلى أن النسبة ارتفعت إلى 17% ممن يتهددهم الفقر في المانيا. أما كيوساكي فيشير "إلى أنه في الولايات المتحدة على سبيل المثال وخلال الأعوام الأخيرة واصلت ثروة الـ5% الأغنى النمو بينما انخفضت القيمة الحقيقية لمدخرات واستثمارات بقية الأمريكيين." (راجع: روبرت كيوساكي، لماذا يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا؟ وما هو الحل؟، موقع أرقام، 23/03/2018). إن المشكلة ليست في واقع تنامي عدد الفقراء من جهة وتزايد ثروة الأغنياء من جهة أخرى في العالم فحسب، بل في طبيعة العلاقات الإنتاجية السائدة ومستوى تطور القوى المنتجة الذي يقود إلى المزيد من التفاوت والصراع في كل من هذه المجتمعات على حدا وعلى الصعيد العالمي.
13/11/2018



42
كاظم حبيب
توحش السياسات النيولبرالية الترامپية ومخاطر العالم المتفاقمة
القسم الثاني
العوامل الكامنة وراء سياسات ترامپ الجديدة

تسلم أوباما إدارة البيت الأبيض في العام 2009 من جورج دبلو بوش، الذي اعتقد بخرافات تسبب أذى كبيراً للبشرية والحياة الدولية وحفزته على التدخل الفظ والمستمر في شؤون الشعوب والدول الأخرى وشجعته على العدوان، فكلفت المزيد من الأموال والجهود والموت والخراب، كما نشطت سباق التسلح على الصعيد العالمي. وقد برز ذلك في إيمانه بمسائل لا تمت إلى العقل والمنطق بصلة، ولاسيما: 1) إيمانه الشديد بأن له رسالة سماوية لا بد له أن يؤديها على الصعيد العالمي وملزم بها، 2) وأن من واجبه العمل على إلزام الشعوب والدول الأخرى الأخذ بالرسالة التي يحملها، رسالة الحرية والديمقراطية على الطريقة الأمريكية، 3) وأن من يقف ضد هذه السياسات ومصالح الولايات المتحدة ونفوذها هو عدو لدود للولايات المتحدة يجب مواجهته وكسر شوكته، وإن من يساندها هو صديق لها، 4) وأن على الولايات المتحدة دعم إسرائيل بكل السبل والإمكانيات، إضافة إلى المبادرة في البحث عن "يأجوج ويأماجوج" في العراق والوراد ذكرهما في التوراة والإنجيل لصالح الدفاع عن دولة إسرائيل حليفة أمريكا الأولى في الشرق الأوسط التي تتهددها هذه الجيوش، 5) وإن الحرب ضد العراق هو الطريق الضامن للتخلص من "يألجوج يأماجوج". (قارن: جون كلود موريس، لو كررت ذلك على مسمعي فلن أصدقه، عن منشورات: بلون الفرنسية، 2009/2010). بـمثل هذا الرجل المهووس بالخرافات والدين والحرب وإسرائيل قد ابتلي شعب العراق، واصبح ضحية حربه وعدوانه. لا شك، في أن سياسات جورج دبليو بوش الداخلية والخارجية والاقتصادية ودور الشركات العقارية والاحتكارية الأمريكية والدولية وحروبه في أفغانستان والعراق، قد تسببت كلها في تفجير الأزمة المالية العميقة والشاملة في الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 2007 وتواصلت 2008 مباشرة، تلك الأزمة الاقتصادية الحادة التي تفاقمت بسرعة لتشمل أوروبا وكل العالم الرأسمالي، بما فيه الجزء المتخلف منه ومحيطه التابع، في الدول النامية. وتعتبر هذه الأزمة المالية، وهي في الجوهر، أزمة اقتصادية، إذ عبرت بوضوح عن وجود أزمة بنيوية تشمل النظام الرأسمالي العالمي كله، وهي من أسوأ الأزمات التي أصيب بها الاقتصاد الرأسمالي العالمي منذ أزمة الكساد العام في العالم عام 1929.
لقد واجه الاقتصاد الأمريكي مصاعب جمة ومصائب هائلة جراء هذه الأزمة، ولكن تسنى للحكومة الأمريكية، الممثلة الشرعية للاحتكارات الرأسمالية الكبرى أن تلقي بكامل عبئ الأزمة وثقلها وعواقبها المدمرة على كاهل: أ- أولئك الذين كانوا ضحية مباشرة للأزمة المالية والعقارية والذين خسروا دورهم التي اشتروها بالقروض الأمريكية الميسرة من البنوك العقارية وغيرها، إضافة إلى أغلب جماهير الشعب الأمريكي، والذين لم يعودوا قادرين على تسديد القروض وفوائدها ، مما أجبروا على خسارتها الفعلية. ونتيجة ذلك ألقى بمئات الآلاف من العمال والمستخدمين وصغار المنتجين على قارعة الطريق عاطلين عن العمل ومفلسين وبائسين حقاً، وب- دافعي الضرائب، حيث قامت الدولة الأمريكية بدفع مبالغ طائلة حقاً كمنح أو تعويض عن الخسائر التي تحملتها البنوك نتيجة سياساتها ومضارباتها في سوق العقار لإنهاضها ثانية، رغم إن أصحاب البنوك والرأسماليين العقاريين والشركات العقارية وغيرها كانت هي الرابح الأول والأخير والوحيد من تلك الأزمة البشعة، وكان الشعب وخزينة الدولة هما الخاسران. وهكذا فعلت دول الاتحاد الأوروبي حيث تحمل دافعو الضرائب المليارات من اليورو من خزينة الدولة، كما تحمل الفقراء والمنتجين والكادحين والفئات الصغيرة والمتوسطة خسائر مالية فادحة ومواقع عملهم وأعلن الكثير جداً منهم إفلاسه. لقد حققت هذه الأزمة أرباحاً طائلة وخيالية لكبار الرأسماليين وأصحاب البنوك والشركات العقارية والمضاربين بالعقار والأوراق المالية وغيرها، وكانت على حساب الاقتصاد الوطني والمجتمع ولاسيما المنتجين والفقراء منه. وكان هذا متوقعاً ومحسوباً من الأساس.
غادر بوش البيت الأبيض في العام 2009 والمجتمع الأمريكي واقتصاده يعانيان من مصاعب جمة، وأوضاع سياسية معقدة على الصعيدين الداخلي والدولي. وفي العام نفسه تسلم باراك أوباما الإدارة في الولايات المتحدة. وتشير المعطيات المتوفرة إلى بعض الأرقام المهمة ذات التأثير المباشر على المشكلات التي واجهت باراك أوباما أثناء فترة حكمه بين 2009-2016: 
-   بلغت البطالة في العام 2009/2010 نسبة قدرها 10%، والتي اقترنت بأزمة 2008. 
- وفي العام 2010 بلغت الأرقام الفعلية لإجمالي الدين العام الأمريكي 13.528على وفق الإحصاء الرسمي الأمريكي خلال الفترة 2008-2017 على النحو التالي:




لم تكن الديون وحدها مرهقة للاقتصاد والمجتمع الأمريكي فحسب بل كذلك الفوائد المترتبة عليها وتراكمها المستمر من سنة إلى أخرى كما هو وارد في الجدول أعلاه.
ونتيجة لكل هذه الديون وتراكم الفوائد ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج الإجمالي الأمريكي في العامين 2016 و2017 على النحو التالي: 81,5% و82,3%. (. (Factbook, CIA, gover. USA, Economy, 2018  ويقدر أن ترتفع هذه النسبة في العام 2018 الجارية. (المصدر السابق نفسه). واحتسب ما يصيب الفرد الأمريكي الواحد من الدين العام 60,340 دولار أمريكي في العام 2015، وهو في زيادة مستمرة وأعباء مرهقة للأجيال القادمة. وكانت الإدارة الأمريكية وما تزال مستعدة على طبع المزيد من النقود الورقية وضخها للأسواق لتجاوز مصاعبها وحاجاتها الملحة.
- وتشير الأرقام الرسمية إلى ارتفاع العجز في الميزان التجاري الأمريكية بين صادراتها واستيراداتها. فوفق الأرقام المتوفرة عن صادرات عامي 2016 و2017 بلغا 1.456 و1.576 تريليون دولار أمريكي، قفي حين بلغ حجم الاستيراد للسنتين المذكورتين على التوالي: 2.208 و2.352 تريليون دولار أمريكي، وازداد العجز من 752 مليار دولار إلى 776 مليار دولار أمريكي. (المصدر السابق نفسه).   
- تراجعت الوظائف الشاغرة من 6090.00 إلى 5562.00 خلال الشهرين الماضيين، وقد تراجعت أيضا الرواتب خارج القطاع الزراعي من 167 ألف دولار إلى 156 ألف دولار خلال نفس الفترة. (مجلة مناي).
¬- وخلال فترة حكم أوباما انخفضت نسبة البطالة من 10% في الفترة ذاتها إلى 4,9%، ولكنها بدأت بالارتفاع ثانية إلى 5,1% في العام 2016. 
- ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن الميزانية الحربية للولايات المتحدة الأمريكية أخذة بالتزايد سنة بعد أخرى، وهي الأعلى في العالم حيث بلغت في الأعوام الثلاث التالية كما يلي: 2015: 596 مليار دولار أمريكي (3,9% من الناتج المحلي الإجمالي، 2016: 597,5 مليار دولار (3,3) من إجمالي الناتج المحلي، 2017: 610 مليار دولار أمريكي (قارن: الموسوعة الحرة، قائمة الدول حسب الإفاق العسكري، في 11/11/2018، وانظر: الإنفاق العسكري حول العالم.. أمريكا الأولى والسعودية الثالثة، بالعربي CNN في 11/11/2018).
ورغم ذلك فقد تحقق واحداً من أبرز المكاسب التي تمس الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي في مجال الرعاية الصحية، إذ صدر القانون، الذي يعتبر تخفيفاً فعلياً عن الملايين من الفقراء والمعوزين والمنتجين الأمريكيين، والذي لاقى معارضة شديدة من جانب اللبراليين الجدد والمحافظين المتشددين في الحزب الجمهوري. ولا شك في أن هذا القانون يكلف الدولة مبالغ طائلة ويقلل بحدود ضئيلة من أرباح الرأسماليين الذين هيمنوا على حقل الرعاية الصحية.   
هكذا كان الوضع الاقتصادي الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية قبل انتقال إدارة البيت الأبيض إلى دونالد ترامپ. أما على الصعيد الدولي فقد جرت خلال الأعوام المنصرمة تغيرات كبيرة في الساحة السياسية والاقتصادية الدولية، ولاسيما بدء فقدان الولايات المتحدة لقطبيتها الدولية الواحدة، حيث تشاركها اليوم، بهذا القدر أو ذاك، الصين وروسيا، كما بدأت أوروبا تتخذ مواقف أخرى تختلف في جوانب مهمة منها عن السياسة الأمريكية. ورغم التشنج والتوتر المستمرين في الشرق الأوسط، فأن الاتفاقية النووية مع إيران جعل المنطقة أكثر أمناً وأقل خطراً على السلام، ولكن بقيت الحروب مستمرة في اليمن وسوريا والعراق ضد داعش. كما بدأ الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا يتخذ منحى أكثر شدة ولاسيما في عدة مسائل مهمة:
1.   محاولة الولايات المتحدة الاقتراب أكثر فأكثر بقوات حلف الأطلسي من الحدود الروسية ولاسيما في الجمهوريات السوفييتية السابقة ومحاولة تطويقها عسكرياً وسياساً، مما أغاظ الروس كثيراً وتسبب في قيام روسيا باستعادة جزيرة القرم الروسية، التي كانت قد سجلت باسم اكرانيا في العام 1964 من قبل نيكيتا خروتشوف باعتبار الأخيرة جزءاً من اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية، بحملة عسكرية وفصلها عن أكرانياـ والتي أغاظت بدورها الغرب كله. ولا بد من الإشارة إلى إن الاتفاق الذي تم بين الدولة السوفييتية قبل انهارها التام والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بأن الحلف الأطلسي لا يقترب بقواته العسكرية أو قواعده من الدول المحادة للاتحاد السوفييتي، والذي جرى تجاوزه من جانب الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية.
2.   اتهام الروس التدخل في الشؤون الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية، ولاسيما في الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها دونالد ترامب ضد هيلاري كلنتون.
3.   دعم الروس لإيران وسوريا في الحرب ضد الإرهاب وضد التدخل العربي-التركي القطري والخليجي عموماً في الشأن السوري.
4.   مد خط الغاز من روسيا إلى دول الاتحاد الأوروبي الذي يزعج الولايات المتحدة الأمريكية.
5.   تطور العلاقات السياسية والعسكرية التنسيقية بين روسيا والصين الشعبية.
6.   المنافسة الاقتصادية، رغم المصاعب الروسية، للاقتصاد الأمريكي في مناطق معينة من العالم ولاسيما في مجال الطاقة.
7.   اتهام الروس بأنها تخل باتفاقية الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى وغيرها من الاتفاقيات التي عقدت في الثمانينات من القرن الماضي.   
ورغم التوتر النسبي بين البلدين في عهد أوباما، فقد استمر العمل بالاتفاقيات العسكرية الكبرى وفي أطار التشاور وعقد اللقاءات لتجاوز حصول سباق تسلح نووي، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب الدولي، إضافة إلى استمرار التعاون الاقتصادي بينهما. وقد بدا العالم أكثر هدوءاً في فترة حكم أوباما رغم الحروب الإقليمية والتوترات المستمرة في الشرق الأوسط أو في دول أفريقية أو في أمريكا الجنوبية.
إلا أن الصراع بين القوى الداخلية في الولايات المتحدة، ولاسيما بين الحزبين اللذين يتداولان الحكم وبين القوى الأكثر تشدداً وتطرفاً في الحزب الجمهوري وفي القوى الرأسمالية الأكثر رغبة في تشديد الاستغلال والهيمنة العالمية حتى على دول الاتحاد الأوروبي، وبين المعتدلين نسبياً من الحزب الديمقراطي وقوى اجتماعية أخرى ضد التطرف في تطبيق سياسات اللبرالية الجديدة المعمقة للتفاوتات الطبقية والصراعات الاجتماعية والسياسية، قد احتدم قبل وأثناء الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي فاز فيها دونالد ترامپ على منافسته الديمقراطية هيلاري كلنتون، والتي أشيع إلى وجود تلاعب في الانتخابات وتدخل روسي لصالح ترامپ، والذي شدد من التوتر والانقسام الداخلي الأمريكي.
لقد عمد دونالد ترامپ، منذ أول تسلمه للإدارة في البيت الأبيض، إلى ممارسة سياسات تميزت بعدة سمات لم يكن بعضها غائباً عن السياسيين والسياسات الأمريكية، ولكنها اتخذت أبعاداً جديدة وخطيرة:
1.   الغاية تبرر الواسطة وأيا كان الثمن.
2.   الديماغوجية العالية جداً وما يمكن أن يطلق عليه بالشعبوية المبتذلة، والتي تذكر الإنسان بدعايات الثلاثينيات من القرن الماضي في ألمانيا أو في فترة جورج دبليو بوش بشأن العراق وتبريراته للحرب.
3.   الكذب جهاراً نهارا دون حياء، على قاعدة "افتروا ثم افتروا ثم افتروا لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس".
4.   العداء المباشر للصحافة والإعلام واتهامها جميعاً بالتزوير والنفاق والكذب.
5.   الاستخدام المباشر والفعال للتقنيات الأكثر حداثة في العلاقة مع المؤيدين والمتعاونين.
6.   طرح شعار "أمريكا أولاً"، ولكن في الحقيقة برز بجواره شعار "مصالح ترامپ" في المقدمة، لأن الشعار الأول كان دوماً في صدارة عمل الرؤساء في أمريكا وأن لم يعلنوا عنه صراحة.
انتهى القسم الثاني ويليه القسم الثالث والأخير

43
كاظم حبيب

توحش السياسات النيولبرالية الترامپية ومخاطر العالم المتفاقمة
القسم الأول
لا تختلف استراتيجيات الولايات المتحدة الأمريكية من حيث الجوهر منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي حتى الوقت الحاضر، رغم التنقل بين تكتيكات كثيرة ومتنوعة من جهة، ورغم تبادل قيادة الحكم بين الحزبين الحاكمين، الديمقراطي والجمهوري، ورغم انتقال الرئاسة من رئيس لهذا الحزب أو ذاك من جهة ثانية. فالاستراتيجية المعهودة كانت وستبقى حماية وتعزيز النفوذ والمصالح الأمريكية في جميع أرجاء العالم أولاً، ولو جاء ذلك على حساب الاقتصاد العالمي، أو حلفاء أمريكا الأوربيين وغيرهم، إضافة إلى الهيمنة الفعلية على السياسة والاقتصاد والعلم والتقنية والثقافة في العالم ثانياً، والسيطرة على أهم منابع المواد الأولية ذات الطبيعة الاستراتيجية في السياسة والاقتصاد، ولاسيما النفط والغاز الطبيعي ثالثاً، ومحاربة أي شكل من اشكال النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الرافضة للرأسمالية، أو نمط الحياة والثقافة و"الديمقراطية الأمريكية!" بكل السبل التي تتوفر لديها رابعاً، والسعي إلى فرض مصالحها في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، رغم وجود امتلاك حق استخدام الفيتو ضد محاولات الولايات المتحدة من جانب الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي.
أما الاختلاف في الممارسة فيكمن في عدد آخر من المسائل المهمة أيضاً، رغم إنها تقع في خانة التكتيكات السياسية اليومية والطويلة الأمد، التي ربما تستمر لأكثر من دورة رئاسية في البيت الأبيض. وقد برهنت تجارب أكثر من 70 سنة المنصرمة على صواب هذا الاستنتاج بصدد سياسات الولايات المتحدة في الاستراتيج والتكتيك على الصعيد الدولي. ويمكن ان نمرَّ على أبرزها فيما يلي: 
1.   التغيرات الملموسة في نعومة أو قساوة أساليب المواجهة مع الدول الأخرى المعارضة أو المناهضة.
2.   استخدام أساليب جامحة ومدمرة من جانب وكالة المخابرات المركزية في تنظيم الانقلابات الناعمة أو العسكرية، وبالتنسيق مع القوى المحلية المدنية منها والعسكرية.
3.   استخدام المعونات العسكرية والمالية والغذائية مباشرة، أو من خلال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، للوصول إلى أهدافها السياسية والاقتصادية إزاء هذه الدولة أو تلك، إضافة إلى الإفادة الكبيرة من منظمة التجارة الدولية الحرة ودور الدولار الأمريكي في التعامل الاقتصادي الدولي، ولاسيما التجاري.
4.   تشكيل الأحلاف العسكرية مع الدول الأخرى في القارات المختلفة، إضافة إلى إقامة القواعد العسكرية في دول كثيرة في القارات كافة. فقد بلغ عددها وحجمها على النحو التالي في العام 2009: لقد ".. نشر الجيش الأمريكي تقريرا عن قواعده العسكرية، أشار فيه إلى وجود ما بين 600 إلى 900 موقع على أراضي أجنبية. هذا التقرير الذي يعود إلى عام 2009، والمتاح على موقع وزارة الدفاع يدرج 716 موقع عسكري في الخارج، 13 منها مصنفة "كبيرة" و19 مصنفة "متوسطة". وتشمل القائمة الكاملة مئات من المواقع الصغير عددها 620. بالأرقام." (أنظر: موقع اليوم السابع، القواعد العسكرية لجيشي أمريكا وروسيا فى الخارج. الإثنين، 04 يونيو 2018 ). وجاء في تقرير آخر للسيد الفريد ميللر بهذا الصدد ما يلي: " يبلغ عدد القواعد العسكرية الأمريكية 1000 قاعدة في جميع أنحاء العالم.  أما روسيا فلديها 20 قاعدة.".  (البريشت ميللر، المسؤول عن النشر:  Albrecht Müller، موقع صفحات للتفكير، باللغة الألمانية بتاريخ 14 شباط/فبراير 2017).
5.   تشديد سباق التسلح على الصعيد العالمي على مستوى تحديث وتطوير الأسلحة التقليدية أو الأسلحة النووية أو الصواريخ العابرة للقارات وغيرها، إضافة إلى تنشيط بيع السلاح وسباق التسلح في الدول النامية في القارات الثلاث وأوروبا، وتنشيط نزاعات الشعورة بالقوة وروح المغامرة في حل المشكلات الإقليمية التي تقود إلى حروب مدمرة لشعوبها واقتصاداتها.
6.   اتخاذ شعار محاربة الشيوعية واجهة لمحاربة كل ما هو ديمقراطي وتقدمي في العالم، والمساعدة على ترسيخ كل ما هو استغلالي ورجعي ومحافظ في العالم، وتشكيل تحالفات سياسية مع قوى إسلامية سياسية متطرفة ومن ديانات أخرى لمكافحة الشيوعية.
7.   وقد نجم عن ذلك ما أطلق عليه بالحرب الباردة التي تجنبت الحرب الساخنة، كما في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولكنها تسببت في حروب إقليمية كثيرة جداً أدت إلى خسائر هائلة في الأرواح والاقتصادات والتخلف وزيادة التلوث وتدهور البيئة، ولاسيما في الدول المتحاربة والمتجاورة ولأسباب كثيرة. وكان التأثير السلبي لكل ذلك كبيراً على شعوب الدول النامية، إذ إنها أصبحت جزءاً من الحرب الباردة وتوزعت على المعسكرين الشرقي الاشتراكي والغربي الرأسمالي، وعانت الأمرين من جراء ذلك، وآثارها لا تزال سارية حتى الآن. 
هذه السياسات الاستعمارية الاستغلالية والعدوانية وغيرها حققت للولايات المتحدة والدول الرأسمالية المتقدمة الأعضاء في حلف الأطلسي الكثير من المكاسب على حساب مجموعتين من الدول هما الدول الاشتراكية التي انهارت تحت ثقل سياساته وأوضاعها الداخلية غير السليمة والمتعددة الأوجه من جهة، وتحت ضغط الخارج، ولاسيما سباق التسلح على الصعيد العالمي من جهة ثانية، كما عانت منها شعوب الدول النامية جميعها، ولاسيما الأكثر فقراً وتخلفاً في العالم.
هذه السياسات جلبت للدولة الأمريكية كراهية شديدة من جانب غالبية شعب الدول النامية، ولكنها جلبت في الوقت ذاته تعاوناً أوثق وأكثر عدوانية مع حكومات أغلب الدول النامية، ولاسيما ف منطقة الشرق الأوسط التي حمت النظم الرجعية ومونتها وساعدتها في مواجهة شعوبها.   
منذ ثمانينيات القرن العشرين بدأت في العالم الرأسمالي المتقدم ممارسة سياسات اللبرالية الجديدة وتبلورت بشكل صارخ في فترة حكم رونالد ريگن في الولايات المتحدة، ومارغريت تاتشر في المملكة المتحدة، وهلموت كول في ألمانيا الاتحادية، وفي الاتحاد الأوروبي يعد تشكيله في فترة گاستون ثورن من لكسمبورغ، ... وهي السياسات التي ماتزال مستمرة حتى الآن، ولكنها توحشت بأضعاف المرات بعد انهيار دول المنظمة الشرقية الاشتراكية بغض النظر عن الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تبلورت بشكل خاص منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، وأن بدأت مخففة قليلاً ، في جوانب منها في فترة حكم الرئيس باراك أوباما، ولكنها لم تغير من جوهر الاستراتيجية الأمريكية بشيء، إلِّا في بعض تكتيكاتها، التي كانت رغم ذلك مفيدة نسبياً للعالم.
ولكن ما هو الجديد في التكتيكات الأمريكية منذ التسعينيات، والتي تفاقمت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حتى الآن؟ يبدو لي كمتتبع إمكانية الإشارة إلى النقاط التالية:
1.   التفرد في الساحة الدولية بعد انهيار القطب الثاني الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية واعتبر العالم عندها بقطبية واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية، ومنها بدأت بوضوح علامات السعي الأكثر جموحاً وصراحة في الهيمنة على العالم والاستفادة القصوى من ثورة الانفوميديا والعولمة والقدرات العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة وعموم الدول الرأسمالية المتحالفة في حلف شمال الأطلسي.
2.   الإيغال بسياسات الاستغلال الرأسمالي المتوحشة من جانب الشركات الاحتكارية العابرة للقارات للطبقة العاملة في الدول الرأسمالية المتقدمة والدول النامية وتراجعت عن الكثير من الإيجابيات التي تحققت للطبقة العاملة والكادحين في تلك الدول بسبب نضالات الطبقة العاملة والمنافسة الحادة بين المعسكرين لكسب الشعوب إلى جانبها، وتخلت بوضوح عن الكثير من استعدادها على المساومة مع الطبقة العاملة على الأجور وأوقات العمل ومكاسب كثيرة أخرى، مما شدد من التوتر والصراعات الطبقي داخل الدول الرأسمالية، ولاسيما حين تفاقمت البطالة وبدأت الأزمات الاقتصادية الدورية والمالية تعصر بالكادحين وترمي بهم على قارعة الطريق والفقر والإفلاس.   
3.   سياسات الضربات الاستباقية في مواجهة ما يبدو للولايات المتحدة مخاطر على مصالحها في أي مكان من العالم، ولاسيما في الدول النامية، إضافة إلى تقسيم الدول إلى عدوة وشريرة حين لا تكون معها وصديقة حين تكون معها. وقد تبلور هذا الموقف في أعقاب حرب الخليج الثانية ضد الكويت وتفاقم في أعقاب تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وتميز بذلك جورج دبلو بوش.
4.   فرض العقوبات الاقتصادية على كل الدول التي لا تخضع لإرادة وشروط الولايات المتحدة، حتى على الدول المتحالفة معها، كاليابان وألمانيا الاتحادية والدول النامية، كما مع العراق وإيران.     
5.   استخدام الصراعات الأثنية والدينية والمذهبية بشكل مكثف واستغلالها لفرض هيمنتها وسياساتها في مختلف المناطق التي فيها مشكلات أثنية أو دينية، وقد برز في هذا المجال بعض المفكرين الأيديولوجيين الأمريكيين المدافعين عن الرأسمالية المتوحشة من أجل تقديم تفسير فلسفي متهافت لهذه السياسات وترويجها في العالم، وكان على رأسهم صموئيل هنتنگتون منذ العام 1991 أو فرانسيس فوکویاما عن الرأسمالية والديمقراطية البرجوازية باعتبارها تشكل نهاية التاريخ.
6.   الاستعداد لممارسة شتى الأكاذيب على الصعيدين المحلي والعالمي وتجنيد الإعلام الرسمي وغير الرسمي لهذا الغرض لتبرير تدخلهم السياسي أو شن العدوان والحروب على الدول الأخرى. وأبرز مثال على ذلك أكذوبة تملك العراق لأسلحة الدمار الشامل وشن الحرب "لتطهيره منها"، بهدف إقناع شعب الولايات المتحدة بأهمنية وضرورة تلك الحرب. 
7.   المبادرة باستخدام وكالة المخابرات المركزية والبنتاگون لتكوين تشكيلات شبه عسكرية من قوى إسلامية سياسية متطرفة من الدول ذات الأكثرية المسلمة، أو ممن هم في خارجها، كما في أوروبا وأمريكا مثلاً، لمواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ومن ثم امتدادها إلى دول أخرى في العالم، ومنها التنظيم الإرهابي "القاعدة" ومن ثم "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش) وعشرات أخرى موزعة في الكثير من البلدان النامية. وقد شاركت كل من السعودية وباكستان وبعض دول الخليج في تبني هذا المشروع والمساهمة فيه بشرياً ومالياً وسلاحاً وتدريبات عسكرية وأمنية ومعلومات تجسسية وتقنية.
8.   البدء بالحديث عن إن منطقة الشرق الأوسط بحاجة إلى "فوضى خلاقة" تعيد تشكيل هذه المنطقة، على وفق الرؤية الأمريكية للدول الصديقة لها. وقد بادرت وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش (الأبن) كوندوليزا رايس إلى طرح هذا النهج السياسي، فكانت الحرب بين إسرائيل ولبنان، وبين فلسطين وإسرائيل، ولاسيما غزة، والحرب في سوريا، وكانت الحرب في العراق وأفغانستان، ثم كان اجتياح العراق من الموصل، وكانت الحرب في اليمن، وكلها ما تزال مستمرة بطريقة وأخرى لتشعل المنطقة وتعيد ترتيب الأوراق لصالح إسرائيل.
ومنذ أن وصل باراك أوباما إلى البيت الأبيض حاول استخدام التكتيكات الناعمة لتحقيق جوهر الاستراتيجية الأمريكية في العالم. فعلى سبيل المثال محاولته تقليص نسبي لسباق التسلح، أو عقد الاتفاقية النووية بين الدول الخمس +1 مع إيران، أو محاولة التخفيف من غلواء تأييد سياسات إسرائيل إزاء الشعب الفلسطيني والتركيز في الإعلام على حل الدولتين... الخ. ويمكن اعتبار فترة حكم باراك أوباما فترة استراحة دولية قصيرة ونسبية في تكتيكاتها الدولية والإقليمية بين جورج دبليو بوش وبين من أتى بعد باراك أوباما، دونالد ترامپ.
في عام 2016 نجح ترامپ على هنري كلنتون في الوصول إلى البيت الأبيض، وأصبح في كانون الثاني/يناير 2017 رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. وبذلك انتصر النيوليبراليون الأكثر تطرفاً والمحافظون الأكثر تشدداً  في الحزب الجمهوري والمجتمع الأمريكي بنجاح دونالد ترامپ. فما هو الجديد في السياسات التكتيكية الأكثر تشدداً وتطرفاً وقسوة لدونالد ترامپ؟
انتهى القسم الأول ويليه القسم الثاني.
07/11/2018





44
كاظم حبيب
هل في مقدور عادل عبد المهدي نزع عباءته الإسلامية المهلهلة؟*
من كان، أو ما يزال، يعتقد بأن السيد عادل عبد المهدي قادر على نزع عباءته الإسلامية الشيعية ودشداشته الطويرجاوية والظهور بموقع المستقل عن الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي اختارته لمهمة خاصة استثنائية فيها من التعاون والتنسيق والمساومة بين الولايات المتحدة وإيران، كان مخطئاً وحَّمل الرجل، المستعد للاستقالة فوراً في أول أزمة تواجهه، فوق طاقته وقناعاته الفعلية والمصلحية الراهنة. 
منذ البدء كانت لي قناعتي الشخصية بعدم قدرة عادل عبد المهدي على تحقيق الاستقلالية في اختيار الوزراء بحكم متابعتي لمواقف السيد عادل عبد المهدي، الفكرية والسياسية والاجتماعية خلال السنوات الـ 15 المنصرمة، وهو أبن العائلة المنتفكية المعروفة التي عايشتها وأنا الآن ابن نيف وثمانية عقود من السنين، أولاً، ومن خلال كتاباته الكثيفة واليومية في جريدة العالم العراقية بعد خروجه من الوظائف الرسمية، إضافة إلى كتبه في الدعوة للاقتصاد الإسلامي ثانياً، ومن خلال مواقفه من المال والمنح المالية الحكومية الكبيرة التي كان ولا يزال يتلقاها سنوياً هو وأمثاله من قادة قوى وأحزاب الإسلام السياسي العراقية الفاسدة بصورة غير شرعية وخارج المألوف الإنسان والعدالة الاجتماعية ثالثاً، وكذلك في سياساته أثناء كان وزيراً للنفط أو على رأس وزارات أخرى، رابعاً، معرفتي بتقلباته الفكرية والسياسية قبل سقوط الدكتاتورية البعثية الغاشمة حين كان في العراق ومن ثم في فرنسا حين تبنى بعد الماوية والتروتسكية النهج الخميني في أعقاب ثورة الشعب الإيراني الديمقراطية، التي احتواها وحرَّفها الإسلاميون السياسيون باتجاه ديني شيعي متطرف ومتطلع للتوسع في المنطقة باسم الدين والمذهب خامساً. أؤكد مرة أخرى بأن رئيس الوزراء الجديد غير قادر حقاً على الوفاء بعدة التزامات قدمها للشعب العراقي، وهي:
أولاً: أن يكون مستقلاً حقاً وصدقاً عن الأحزاب الإسلامية السياسية في تعامله مع الأحداث ومواقفه كرئيس وزراء عراقي يتطلع للإصلاح ورفض المحاصصة الطائفية والفساد.
ثانياً: أن يرفض الخضوع لإرادة الدولة الإسلامية الإيرانية ومرشدها الخامنئي، كما في فترة حكم المالكي، في اختيار شخصيات تسعى إيران لفرضها على العراق من التابعين لها ومن قادة الحشد الشعبي ومن الطائفيين والفاسدين المعروفين الذين اغتنوا من السحت الحرام وعلى حساب الشعب ومصالحه ورزق يومه، إذ تظهر يومياً الكثير من الفضائح لهذه النخب الفاسدة الحاكمة.
ثالثاً: أن يختار شخصيات وطنية مستقلة وتكنوقراطية متميزة وبعيدة عن تأثير الأحزاب الإسلامية السياسية التي حكمت العراق طيلة 15 عاماً ولم تجلب له الخير والتقدم، بل ساقته إلى البؤس والفاقة والموت والخراب والإرهاب والفساد وتفتيت الوحدة الوطنية، إنه المستنقع الطائفي السياسي والفساد النتن.
رابعا: أن يكافح الفساد والفاسدين لا من الأسفل، بل من القمة، فالسمك يتعفن ويفسد من رؤوسه لا من ذيوله، إضافة إلى دعوته تطهير سلطات الدولة الثلاث بمختلف أجهزتها وهيئاتها المستقلة وغيرها من خلال المحاسبة الجادة والموضوعية والمسؤولة والعادلة في آن.     
من خلال متابعتي لجلستي مجلس النواب الأولى والثانية، وما طرح من جانب الأوساط السياسية، وما تم تشكيله من مجلس الوزراء حتى الآن، وما يرغب تنسيبهم لوزارات مهمة ومؤثرة في المجتمع: وزارات الثقافة والداخلية والتربية، على سبيل المثال لا الحصر، تؤكد بجلاء ما كنت أتوقعه وأخشاه. فالرجل خاشع مستكين أمام إرادة طهران ومرشدها أولاً وقبل كل شيء، وملتزم بما يطلبه أتباع إيران المباشرين، ومنهم هادي العامري الذي أدان أخطاءه الفاحشة، ولكنه عاد ليكررها قبل اختفاء صدى صوته، ومعه نوري المالكي وقيس الخزعلي ومن لفَّ لَفّهم، أولاً كما أنه عاجز عن تجاوز المحاصصة الطائفية بصورة مباشرة أو غير مباشرة ثانياً، وعن المقربين والمحسوبين والمنسوبين من النخبة الفاسدة ثالثاً. إن إيران تريد وزارة الداخلية، لأنها الوزارة التي تعرف: 1) أسرار العراق ونشاط قوه السياسية ومعارضي الإسلام السياسي؛ 2) وتعرف أين توجد قوى إيران التجسسية والحرس الثور وفيلق القدس والجماعات العسكرية الأخرى والعيون الوقحة والحاقدة التي ترصد حركة العراقيات والعراقيين وتقدم التقارير لإيران مباشرة؛ 3) وتعرف وتوجه الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة التي تنفذ أوامر إيران مباشرة وبضمنها الحشد الشعبي؛ 4) كما إنها تعرف علاقات إيران والتابعين لها كموظفين ومستخدمين في سلطات الدولة الثلاث وفي مختلف الأجهزة التنفيذية ومجلس النواب.
أتمنى أني نبتعد عن محاولة إرضاء النفس والقول بأن تنصيب عادل عبد المهدي يعتبر خطوة إيجابية ضرورية بأمل رفض المحاصصات الطائفية ومحاسبة الفاسدين في الحكم والدولة العراقية، إذ سنتحمل قبل غيرنا مسؤولية مكاشفة الشعب بواقع الحال، لكيلا يفاجأ بما لا يحمد عقباه. فالشخصية المستقلة لا تأتي من وسط وقلب قوى الإسلام السياسي الطائفية التي حكمت وما تزال تحكم العراق حتى الآن، بل تأتي من الأوساط السياسية الوطنية المستقلة، وهي كثيرة وبعيدة عن الأوساط الحاكمة، والتي تمتلك العلم والاختصاص المهني والفني النافع للبلاد، وتعي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وبيئيا وخدماتياً ما يحتاجه العراق وشعبه خلال هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر وفي المستقبل. حتى الآن أصيب كل من راهن على ذلك بخيبة أمل، وأملي أن تتم مراجعة الموقف ومواجهة ما يسعى إليه حالياً عادل عبد المهدي.
كان وما زال أمام القوى الديمقراطية والقوى المستقلة أن تدرك جيداً بأن اختيار عادل عبد المهدي جاء لتجنيب الأحزاب الإسلامية السياسة وحكمها الكارثة المحتملة، كارثة السقوط ورفض المجتمع كلية لها بفعل ما جنته أيديها خلال الأعوام المنصرمة والعواقب الوخيمة التي تعرض لها وما يزال حتى الآن بسبب استمرار وجودها على رأس الحكم الطائفي القائم في العراق، وأن ما تحقق لا يعدو سوى ذر الرماد أو رمال الصحراء الحمراء في العيون.
لقد أدرك الشارع المدني العراقي بسرعة فائقة الخطر الذي يتهدد العراق بمحاولة تكليف مسؤول الحشد الشعبي الفعلي، فالح الفياض، ومرشح عصائب الحق حسن کزار الربعي، إضافة إلى مرشحين من ذات النسيج الطائفي ومن أتباع الميليشيات الطائفية المسلحة، فبدأ تحركه ضد المحاصصات الطائفية والفساد والتجاوز الفعلي لعادل عبد المهدي على التعهد الذي قطعه على نفسه أمام الشعب العراقي وأمام الدستور والقسم الذي أداه، ويفترض أن يتسع هذا التحرك ليشمل العراق كله لإنقاذ العراق مما هو عليه وفيه الآن.                         
•   مدبنة زراعية صغيرة (قضاء الهندية) تقع بين بابل (الحلة) وكربلاء، واسمها الرسمي الهندية، وتباعة لمحافظة كربلاء بعد أن كانت تابعة لقضاء بابل. ينطلق منها عزاء الطويريج (ركضة طويريج) حيث يلتقي في هذا العزاء راكضو أهل الطويريج وراكضو أهل كربلاء وآخرون من الزوار، في العاشر من شهر محرم في مكان يبعد 2 كم عن كربلاء يطلق عليه (قنطرة السلام)، لتبدأ الهرولة الراكضة المشتركة صوب مرقد الحسين والتطواف حول صحن المرقد ومنها صحن مرقد العباس والتطواف حول المرقد في الصحن، ثم الركض إلى المنطقة التي نصبت فيها الخيام (المخيم) حيث يتم حرق الخيام وينتهي العزاء. وطيلة الركض يهتف الراكضون "واحسيناه" أو "يا حسين" أو "حسين حسين يا حسين".         

45
كاظم حبيب
أهمية ودور الشبيبة والنساء في نشاط قوى التيار الديمقراطي العراقي
الابتعاد القسري عن المجتمع العراقي، عن الفئات الاجتماعية، عن الشبيبة من الذكور والإناث، نتجت عنه فجوة واسعة ومديدة وغربة فيما بين المجتمع والقوى والأحزاب السياسية ونشطاء التيار الديمقراطي العراقي بكل فصائله واتجاهاته الفكرية والسياسية الديمقراطية واليسارية والاشتراكية. وكانت هذه الظاهرة الواقعية واحدة من أقسى العواقب السلبية الحادة التي أصيب بها التيار الديمقراطي العراقي خلال الفترة التي هيمنت فيها القوى والأحزاب القومية والبعثية اليمينية والشوفينية والرجعية المتطرفة على حكم البلاد. فطيلة حكم هذه القوى، الذي دام أكثر من خمسة عقود، مارست فيها سياسات تدميرية ضد القوى المعارضة لها أو المستقلين عنها أو حتى ضد قواها الذاتية، إذ تميزت بممارسة أبشع أنواع الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والشوفينية والطائفية، كما فرضت هيمنتها المطلقة على المجالات الفكرية والسياسية والحياة الاقتصادية والاجتماعية وعلى الإعلام والنشر، كما صادرت جميع حقوق الإنسان السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، ولاسيما الحق في العمل والحياة والكرامة، وغاصت في استخدام أقسى أنواع العنف السادي المرضي والاضطهاد المتعدد الجوانب والأغراض،  ومطاردة المعارضين واعتقالهم وقتل الكثير منهم أو زجه بالسجون لسنوات كثيرة، أو فرض الهجرة القسرية على قوى وكوادر وأعضاء ومؤيدي التيار الديمقراطي العراقي وقوى سياسية أخرى أيضاً، إضافة إلى زجها الشعب العراقي بعدة حروبٍ إجرامية داخلية وخارجية متلاحقة دامت طوال الفترة بين 1980 حتى سقوطها بحرب الخليج الثالثة 2003، بضمنها السنوات العجاف، سنوات الحصار الاقتصادي الدولي وتفاقم حياة البؤس والفاقة للغالبية العظمى من أبناء وبنات المجتمع، وحيث حصدت الحروب والحصار والاستبداد مئات الألوف من العراقيات والعراقيين ومن مختلف الأعمار والقوميات والديانات والمذاهب الفكرية.
ورغم النشاط الفكري والسياسي والاجتماعي والإعلامي لقوى التيار الديمقراطي العراقي بكل فصائله العربية والكردية والقوميات الأخرى، لفضح وإدانة نهج وسياسات النظام البعثي الدكتاتوري، سواء أكانت خارج الوطن أم في مناطق إقليم كردستان العراق، في فترة الكفاح الأنصاري أو في الفترة التي أعقبت عام 1991، بعد اضطرار نظام الحكم البعثي على الانسحاب من بعض مناطق إقليم كردستان العراق، فأن انقطاعاً طويلاً وغربة فعلية حصلت عن المجتمع ونسيان ملموس من جانب الذين ولدوا في نهاية السبعينيات وما بعدها لحركة ونضال ودور قوى وأحزاب التيار الديمقراطي خلال العقود المنصرمة وعدم معرفة الحجم الكبير للتضحيات، ولاسيما الشهداء الأبرار، الذي قدمته هذه الحركة لتخليص العراق من الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والفكري.
وخلال فترة الاغتراب عن الوطن لم يستطع التيار الديمقراطي العراقي العمل الواسع والمناسب في صفوف الجاليات العراقية التي كانت في الغالب الأعم في أكثريتها تعاني من مصاعب جمة، بما في ذلك الإحباط والبطالة وعوز العيش الكريم، إضافة إلى قناعتها بعدم قدرة قوى التيار الديمقراطي العراقي على تغيير الوضع الدكتاتوري في العراق. وبسبب طول فترة الغربة كبر سن أغلب كوادر وأعضاء قوى التيار الديمقراطي الذين كانوا شباباً وبين 30-50 سنة أصبحوا بعد إسقاط الدكتاتورية كبار السن، ولاسيما القيادات الحزبية والكوادر المتقدمة، الذين عادوا إلى الوطن وعاودوا نشاطهم في الداخل، مع من كان قد بقي في الداخل من الكوادر القديمة، والتي هي الأخرى لم تعد شابة. لقد وجدت هذه القوى نفسها أمام وضع جديد معقد ومشوه ومجتمع صعب الراس. وهنا لا بد من تشخيص بعض سمات أضاع العراق في أعقاب إسقاط الدكتاتورية، لكي نتفهم مدى صعوبة العمل الجديد في الداخل في ظل سلطة الاحتلال الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وقواتهما العسكرية والمدنية باتجاهاتهما الفكرية والسياسية والاقتصادية المعروفة ورغبتهما في تكريس هيمنتهما على العراق، إضافة إلى عوامل أخرى.
أولاً: حصول تحولات واسعة وعميقة جداً وسلبية في بنية المجتمع العراقي. فقد تقلص بشكل استثنائي عدد أبناء وبنات الطبقة العاملة العراقية، بسبب التدمير الهائل الذي أصيبت به الصناعة الوطنية وتوقف فعلي في الاستثمار الصناعي وعجز عن توفير المواد الأولية والاحتياطية للمكائن والمعدات المتبقية، وخراب الكثير من الأراضي الزراعية وتلوثها ووجود الألغام المبثوثة في المناطق الحدودية وخسارة هائلة في نخيل العراق وعموم زراعته، بسبب الحروب واستخدام الأعتدة المحرمة دولياً من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا والعراق نفسه في المعارك (اليوانيوم المخصب والسلاح الكيماوي)، إضافة إلى تراجع حجم الطبقة البرجوازية المتوسطة وعموم الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة، ولاسيما فئة المثقفين، نتيجة الانهيار الذي أصيب به الاقتصاد العراقي وتخلفه الشديد وريعيته التي جلبت له الكثير من المتاعب، بما في ذلك الاستبداد السياسي والتدخلات الخارجية الفظة. وكل هذه العوامل أدَّت إلى بروز فئات ذات قاعدة اجتماعية واسعة جداً نشأت بفعل انحدار الكثير من العائلات العمالية والفلاحية والبرجوازية الصغيرة إليها، فئات هامشية تعيش على هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فئات يصعب عليها تدبير أمر عيشها اليومي، إنها من أشباه البروليتاريا وفئات أخرى رثة في سلوكها ومصادر عيشها اليومي وعلاقاتها الاجتماعية. وهي تحمل معها تركة ثقيلة من سياسات النظام وقسوته وعنفه وساديته، كما إنها ضحية النظام السياسي الدكتاتوري ونهجه وسياساته العسكرية والحربية والعدوانية نحو الداخل والخارج، إضافة إلى فساده وتعفنه.
ثانياً: تراجع شديد وعام في الوعي السياسي والاجتماعي في المجتمع العراقي نتيجة الاستبداد والقهر والتوعية المشوهة والمزيفة للنظام الدكتاتوري من جهة، وبسبب الفقر والحرمان والبطالة والأمراض والحروب والموت الذي حصد مئات الآلاف من سكان العراق، ولاسيما الذكور، وأصيب ما يقارب ذلك العدد بجروح وعوائق وتشوهات أبعدوا عملياً عن مجمل العملية الاقتصادية، دفع بهم كل ذلك إلى الغوص في الغيبيات والخرافات والأساطير والسحر، ثم السقوط تحت تأثير شيوخ دين مزيفين ومشوهين وأحزاب وقوى إسلامية مماثلة تستثمر الدين لصالحها وإملاء جيوبها بالسحت الحرام من جهة ثانية.             
ثالثاً: وبسبب تلك الأوضاع الشاذة والطويلة الأمد حصل تراجع في السلوك العام وفي صيغ التعامل اليومي للكثير من القيم والمعايير العامة وذات الطابع الإنساني الشمولي التي عرف بها الشعب العراقي، ونشأت عوضاً عنها سلوكيات غير حميدة كالانتهازية والخديعة والمختلة والركض وراء المكاسب بأي ثمن، إضافة إلى تفاقم العنف والضغينة والعدوانية والرغبة في الثأر والنزعات الشوفينية الطائفية المقيتة والرغبة في الانتقام.
رابعاً: وعلى أثر إسقاط الدكتاتورية على أيدي القوى الإمبريالية المعروفة، ولاسيما الولايات المتحدة وبريطانيا، التي ادَّعت بناء الديمقراطية "الأمريكية!" على أنقاض الفاشية في العراق، قامت بتسليم الدولة بسلطاتها الثلاث بأيدي قوى إسلامية سياسية طائفية، بأيدي جماعات من أشباه البروليتاريا ومن الفئات الرثة، والفئات الرجعية والمحافظة القديمة، التي فرضت الحكم الطائفي المحاصصي على البلاد، والذي أنهى العمل بمبدأ وهوية المواطنة، وأخذ بالهويات الفرعية القاتلة والمدمرة لوحدة الشعب ومصالحه الأساسية. لقد نهض في العراق حكماً طائفياً محاصصياً بأيديولوجية دينية رجعية مشوهة وفاسدة، نخرت في النسيج الوطني للمجتمع العراقي ودفعت بالبلاد إلى جحيم لا يطاق ولا يختلف كثيراً في بعض أبرز جوانبه السيئة عن النظام السياسي الشوفيني والعنصري.
في مثل هذا الواقع كان على القوى الديمقراطية العراقية أن تجد طريقها في العمل السياسي والاجتماعي وأن تطرح برامج تتناغم مع الواقع الجديد في العراق، وأن تعمل على تجميع قواها والتعاون والتنسيق فيما بينها لتجاوز الصعاب والإحباطات المتراكمة في المجتمع وجماهير قوى التيار الديمقراطي العراقي.
لم يكن العمل سهلاً على كوادر قوى التيار الديمقراطي العديدة القادمة من الخارج وتلك التي كانت في الداخل ولا على إيجاد لغة مشتركة فيما بينها، بل نشأت منافسة غير عقلانية ورغبة في توسيع وتقوية الذات، ربما حتى على حساب الآخرين من قوى التيار، أولاً، وصعوبة الوصول إلى الشبيبة التي لم تتعرف عن قرب على قوى التيار الديمقراطي، وغالبيتهم ليسوا من الشبيبة ثانياً ويصعب عليهم تغيير خطابهم السياسي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
في مقابل ذلك كانت قوى الإسلام السياسي، الشيعية منها والسنية، التي تسلمت الحكم، قد وجدت في عمل المساجد والجوامع والحسينيات والمنابر الدينية مجالاً واسعاً للعمل في أوساط المجتمع، حين عادت إلى العراق وتسلمت السلطة، فاستطاعت أن تجتاح الساحة العراقية وتمارس بالتعاون مع المرجعيات والمؤسسات الدينية الهيمنة على المجتمع مستفيدة من بعض التقاليد والطقوس الدينية، ولاسيما المذهبية الشيعية، في التأثير على المجتمع اشيعي والشبيبة الشيعية لصالحها ومصالحها في آن واحد.
رغم إن هذا الوضع البائس لا يزال قائماً حتى الآن، استطاعت قوى التيار الديمقراطي، ولاسيما الزب الشيوعي العراقي، بجهود كثيرة وحثيثة وتضحيات غير قليلة، اختراق نسبي للطوق الذي فرض عليها، وإيجاد لغة مشتركة نسبياً مع جمهرة من الشبيبة والنساء، في مجال الحراك المدني الشعبي، خاصة وأن المجتمع العراقي يعاني الأمرين من سياسات النظام الطائفية والفساد السائد اللذين تجليا بشكل صارخ في كامل سياساتها وتعاملاتها اليومية والتي افتضح أمرها على نطاق واسعد.
لقد استطاع الحزب الشيوعي أن يجدد نسبياً جزءاً من قيادته وكوادره وأن يكسب نسبياً المزيد من الشباب والنساء في العمل، ورغم إنه بحاجة إلى المزيد والمزيد جداً من العمل باتجاه الشباب والنساء وعموم المجتمع، إلا إن الواقع يشير إلى أن بقية قوى التيار الديمقراطي لم تستطع حتى الآن أن تجدد نفسها أو تضيف شباباً إلى قياداتها، وبالتالي فهي لم تستطع التوسع في القاعدة الشبابية أو النسوية كما يفترض أن يكون عليه الأمر، وبالتالي فأن تأثيرها في المجتمع بقي ضعيفاً وتأثيرها محدوداً والتصويت لها في الانتخابات العامة واطئاً، مع قناعتنا بوجود تزوير وتزييف للإرادة ورشوات هائلة شهوت العملية الانتخابية كلها. إني بهذا المعنى أود أن أؤكد بأن أعضاء قيادات قوى تيار الديمقراطي في أغلبها لا تزال من كبار السن أولاً ومن الذكور ثانياً ونادراً ما تجد امرأة في القيادة، فيما عاد الحزب الشيوعي فله بعض النسوة في اللجنة المركزية وواحدة في المكتب السياسي للحزب.
ما لم تتحرك قوى التيار الديمقراطي، بما فيها الحزب الشيوعي العراقي، بشكل أكبر وأوسع، نحو الشبيبة من الذكور والإناث، وما لم توضع خطة متكاملة بهذا الصدد مع استخدام التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال الأكثر حداثة وتأثيراً، فسوف يصعب عليها تجاوز الواقع الراهن القائم في العراق، فالشبيبة هي عصب الحياة وهي التي تمتلك القدرة على وعي الجديد والتجديد والتفاعل مع المجتمع والأحداث بسرعة وبحيوية فائقة، ولها القدرة في التأثير المباشر على بقية فئات المجتمع. بين الشبيبة الطلبة وكثرة من المثقفين ومن العمال والفلاحي والكسبة والحرفيين، والكثير منهم من أبناء وبنات الفئات الكادحة والفقيرة المظلومة والمضطهدة اقتصادياً واجتماعياً والتي تعيش على هامش الحياة السياسية، وهي الصوت الذي لم يجد في القوى الإسلامية السياسية من اهتم به وبمصالحه وحقوقه والذي يدرك يوماً بعد أخر، المخاطر التي تلم بالعراق وأكثر حتى من السابق، بسبب النهج الطائفي المحاصصي والفساد ووجود الميليشيات الطائفية المسلحة والصراع الطائفي في البلاد على مستقبل البلاد والشعب، إضافة إلى كون الشبيبة بدأت تدرك تدريجياً بأنها قد استغلت ولا تزال تستغل بوحشية من جانب قوى الإسلام السياسي الطائفية لصالحها ومصالحها، دون أي اعتبار لمصالح الشبيبة وحياتها ومستقبلها ومستقبل البلاد.
إنها واحدة من أهم مهمات قوى التيار الديمقراطي هو العمل الجاد والدروب بين الشبيبة لكسبها إلى جانب برامجها ونشاطاها وفعالياتها للخلاص من النظام السياسي الطائفي المحاصصي، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية، إنها من أكثر المهمات صعوبة وحيوية وتعقيداً، ولكنها الأكثر أهمية ونبلاً، إذ عليها يعتمد تغيير واقع العراق الراهن.
           
                   

46
د. كاظم حبيب
لنحيي معاً ذكرى وفاة المناضلة الوطنية والأممية ورائدة المرأة العراقية الدكتورة نزيهة الدليمي
حين نحتفي هذا العام بتأبين الدكتورة نزيهة جودت الدليمي في ذكرى وفاتها السنوية، فنحن نستذكر فيها حياة امرأة عراقية مناضلة مقدامة كرّست حياتها للنضال اليومي الشجاع طيلة ستة عقود ونيف من سني الكفاح المليئة بالأحداث الجسام والتحولات الدراماتيكية، على الصعد المحلية والإقليمية والدولية، نُحي ذكرى نضالها الدؤوب ضد الاستعمار والاستغلال والحرب والتدخل الأجنبي في شؤون البلاد وضد الانقلابات والشوفينية والعنصرية والتمييز الديني والمذهبي والطائفية السياسية، وفي سبيل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومنها بشكل ملموس حقوق المرأة ومساواتها التامة بالرجل وعلى جميع الأصعدة، وفي سبيل الأمن والسلام العالميين والعدالة الاجتماعية، لا على صعيد العراق حسب، بل وعلى صعد الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط والعالم. فهي مناضلة وطنية ديمقراطية وأممية أمينة على مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحق أتباع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية الديمقراطية في ممارسة عباداتهم واتجاهاتهم الفكرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية والسلام.
كانت رفيقتنا الدكتورة نزيهة الدليمي منذ نشأتها السياسية، أثناء الحرب العالمية الثانية، قد ناهضت منذ البدء النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية التي انتشرت أفكارها الشوفينية والعنصرية في العراق منذ أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، وتجلت في تأسيس نادي المثنى بن حارث الشيباني في العام 1935 والذي ارتبط بعلاقات عمل وتعاون وتنسيق مستمر ومتين مع الحزب النازي والحكومة الهتلرية والقنصل والوزير المفوض الألماني في بغداد الدكتور فريتز غروبا، إذ كانت له علاقة ممتازة مع الملك غازي الأول ورئيس حزب الشعب القومي رشيد عالي الكيلاني ومفتي القدس محمد أمين الحسيني.
في العام 1941 حاك العقداء الأربعة وحزب الشعب القومي السري انقلاب الأول من مايس/ أيار 1941 ضد الحكومة الملكية. في نهاية شهر أيار/مايس من نفس العام فشل الانقلاب، فنفذ أتباع الحزب وفدائيي محمد يونس وجموع من الأوباش مباشرة مجزرة رهيبة وجريمة بشعة ضد اليهود في الأول والثاني من شهر حزيران/يونيو 1941 في بغداد وراح ضحيتها 144 من المواطنات والمواطنين العراقيين اليهود. وقبل ذاك كان قد حصل فرهوداً مماثلاً في البصرة دون وقوع قتلى.
في العام 1945، وهي طالبة في كلية الطب، شاركت الدكتورة نزيهة مع مجموعة من النسوة في تشكيل "الجمعية النسوية لمكافحة النازية والفاشية" برئاسة السيدة عفيفة رؤوف وعضوية الدكتورة روز خدوري وخانم زهدي ومبجل بابان وناشطات أخريات.
تركز نضال نزيهة في هذه الفترة في تعبئة النساء للنضال من أجل الحصول على حقوقهن المغتصبة في مجتمع كان لا يزال يعاني من التخلف الاقتصادي والاجتماعي وغياب الوعي بالحقوق والواجبات، إضافة إلى كونه ذكوريا متعسف وديني مشوه في مواقفه إزاء المرأة تماما.
في العام 1947 تخرجت من كلية الطب، فعمدت إلى وضع اختصاصها في مساعدة الفقراء والمعوزين، حين كانت عيادتها في مدينة كربلاء أو في السليمانية، وبالتالي ساهمت عبر مهنتها إلى توسيع دائرة المناضلات والمؤيدات لحقوق المرأة، وكسبت من خلال ذلك جمهرة واسعة من النساء للحزب الشيوعي العراقي لا عبر دعايتها المباشرة للحزب بل عبر حيويتها ونشاطها الطبي في مساعدة الآخرين وسلوكها الإنساني وسمعتها الطيبة، إذ اعتبروا ذلك جزءاً من سلوك ونشاط الشيوعيين لصالح الفقراء.
في العام 1952 بادرت مع مجموعة من النساء الناشطات في تشكيل رابطة المرأة العراقية وانتخبت في أول مؤتمر لها رئيسة للرابطة، في ذات الفترة التي تم تأسيس اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي وحركة السلام العراقية كجزء من حركة السلم العالمية، والتي كانت بتوجيه ودعم كبيرين من الحزب الشيوعي العراقي. وفي العام 1953 شاركت في مؤتمر اتحاد النساء الديمقراطي العالمي في كوبنهاگن وانتخبت الرابطة عضوة في هذا الاتحاد.
في العام 1958 فجر الجيش العراقي انتفاضة عسكرية ناضل الشعب لتحويلها إلى ثورة شعبية لتحقق له الكثير من طموحاته الوطنية والديمقراطية. في أول تشكيلة حكومية بعد الثورة، برئاسة الزعيم عبد الكريم قاسم، تولت الدكتور نزيهة الدليم وزارة البلديات، وهي أول امرأة عربية تصبح وزيرة في الدول العربية. جاء توزيرها لعدة أسباب مهمة، منها سمعتها الطيبة كطبية نسوية، ورئاستها لرابطة المرأة العراقية وحيويتها ونشاط المنظمة البارز في فترة الحكم الملكي وتعرض مناضليها للاضطهاد والسجن والتعذيب، عضويتها في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، الذي كان قد حصل في نفس العام وبمبادرة من الرفيق سلام عادل، السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب. كان لتوزيرها الوقع الحسن في الشارع العراقي، ولاسيما بعد أن برهنت بدورها الفعال في وزارة البلديات، ومنها: 1) كثرة منجزات وزارة البلديات لصالح المجتمع عموماً ولاسيما للكادحين، 2) أطلاق اسم مدينة الثورة على المنطقة التي امتلأت بالفلاحين الهاربين من ظلم الإقطاعيين وكبار الملاكين والعناية بها وبقاطنيها، 3) توزيعها قطع بمساحات مناسبة على العائلات الفلاحية في مدينة الشعلة لبنا دور لهم بدلاً من الأكواخ الطينية العشوائية، 4) دورها المميز مع الرابطة في انجاز وإصدار حكومة الثورة قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 كأحسن قانون في الدول العربية حينذاك وفي العراق حتى الآن. وكان هذا القانون المتقدم، رغم تواضعه فيما تضمن من حقوق مهمة للمرأة العراقية، من العوامل التي دفعت بالقوى الرجعية والقومية اليمينية والبعثية والفئات الإقطاعية والمؤسسات والمرجعيات الدينية، إضافة إلى الحركة المسلحة الكردية المشاركة في لتآمر على حكومة قاسم وإسقاطها بانقلاب شباط الدموي والفاشي عام 1963، وبدعم دولي امريكي بريطاني مباشرين، مما أكده علي السعدي نائب رئيس وزراء حكومة البعث الانقلابية بقوله "جئنا بقطار أمريكي"، ودول حلف بغداد (السنتو) والعديد من الدول العربية.
وبسبب المخاطر التي تجمعت حول حياة الدكتورة نزيهة الدليمي، وحياة الكثير من المناضلين حينذاك، قررت قيادة الحزب الشيوعي العراقي إرسالها للدراسة الحزبية في موسكو في العام 1961. وبعد إسقاط النظام الوطني رغم فردية عبد الكرم قاسم وتراجع في سياساته الديمقراطية، انتقلت الدكتورة نزيهة الدليمي إلى براغ وساهمت في تشكيل "حركة الدفاع عن الشعب العراقي وانتخبت في عضوية هيئتها القيادية إلى جانب رئيسها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري والدكتور فيصل السامر والأستاذ عبد الفتاح إبراهيم والفنان التشكيلي محمود صبري والدكتور عزيز الحاج ونوري عبد الرزاق حسين وآخرون. هيأت الدكتور نزيهة الدليمي، عضوة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، نفسها للعودة إلى الوطن وعادت فعلاً في العام 1967/1968 ونسبت عضوا في لجنة منطقة بغداد للنهوض بعمل الحزب النسوي ورابطة المرأة العراقية في آن واحد، وكانت قبل ذاك قد ساهمت في اجتماع اللجنة المركزية في براغ في العام 1964 الذي تم فيه انتخاب الرفيق الفقد عزيز محمد السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، كما مثَّلت الحزب في مجلس وهيئة تحرير مجلة الوقت، لسان حال الأحزاب الشيوعية والعمالية للأممية الثالثة على الصعيد العالمي.
لقد شاركت الدكتورة نزيهة الدليمي أثناء وجودها في الخارج في الفترتين اللتين أجبرت على مغادرة العراق، الأولى 1961 والثانية 1978، في جميع المؤتمرات الدولية لاتحاد النساء الديمقراطي العالمي وكانت نائبة لرئيسة الاتحاد، وفي مؤتمرات نسوية وندوات كثيرة، كما كانت عضوة في هيئة رئاسة مجلس السلم العالمي إلى جانب الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، وهو من المشاركين في أول اجتماع لحركة السلام العالمي في العام 1948، وأحد مؤسسي مجلس السلم العالمي في مؤتمر الحركة الأول في العام 1950 والعضو الدائم فيه، وكذلك كل من الرفيقين القياديين والفقيدين عزيز شريف وعامر عبد الله.
تميزت نزيهة الدليمي بالحيوية والنشاط الدؤوب وبعلاقات واسعة مع المنظمات الإقليمية والدولية في مجالات النساء وحركة السلام العالمية والقوى الديمقراطية اليسارية واتسمت بالتواضع الجم في علاقاتها مع من حولها ومع الناس الكادحين الفقراء والعاملين معها.
قرر المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي انتقال الدكتور نزيهة الدليمي من دمشق إلى مدينة بوتسدام بألمانيا الديمقراطية في نهاية العام 1985 بداية 1986. وقد كلفت بكتابة تاريخ الحزب، بعد أن كانت مسؤولة عن تنظيمات الحزب في الخارج لسنوات عديدة حتى العام 1986 وبسبب مرض القلب الذب كانت بداية معانتها منه، وللأجواء السياسية المعقدة في الشام والصراعات الحزبية الجانبية التي بدأت تبرز حينذاك.
بدأت الدكتورة بهذا العمل الكبير، ولم يكن التاريخ ضمن اختصاصها، فأنجزت جزءاً صغيراً ومحدوداً منه، إذ لم تتوفر المصادر ولا ساعدتها صحتها على استكماله، ولكنها عملت مع الرفيقة ثمينة سلام عادل في موسكو لمراجعة كتاب ثمينة الموسوم "سلام عادل". واختلفا في بعض المسائل، فعادت إلى برلين. لقد تميزت نزيهة باستقلالية الرأي والرغبة في الحوار والنقاش الموضوعيين للوصول إلى الرأي الصائب والسديد دون تعصب أو أصرار، وملكنها كانت باستمرار إلى جانب رأي قيادة الحزب، وكانت مؤمنة تماماً بالحزب والماركسية -اللينينية وبالاتحاد السوفييتي، ولهذا كان الضربة قاسية حين انهار الاتحاد السوفييتي وكل المعسكر الاشتراكي، ولكنها لم تفقد ثقتها وأحلامها ببناء المجتمع الخالي من الاستعمار والاستغلال والعنصرية والتمييز والحروب.
اختارت د. نزيهة بوتسدام لتكون قريبة من شقيقها واثق الدليمي وعائلته، فاحتضنت من العائلة بمحبة واحترام دائمين، وعاشت في شقة خاصة بها وقريبة من عائلة الأخ إلى حين وفاتها. لقد كانت الفقيدة نزيهة محط احترام وحب كبيرين من رفاقها وأصدقاءها وصديقاتها ومن كانت تلتقي بهم, كانت الزيارات لها دائمة من قادة الحزب الذين يمرون ببرلين ومن القاطنين بألمانيا ولاسيما برلين. لقد فقدت نزيهة شقيقين عزيزين هما لطفي وواثق، وكلاهما أصغر سناً منها، فتلقت بذلك ضربة قاسية في الصميم لم تكن تتوقعها ولم تتحملها، كما إنها كانت بعيدة عن السياسة اليومية وعن رابطة المرأة العراقية، رغم كونها كانت ماتزال رئيستها بسبب بعدها عن واقع الحياة السياسة والاجتماعية اليومية وعن الناس ولاسيما النسوة في بغداد والعراق، وكان هذا البعد يحز في نفسها كثيرا ويؤرقها وتحس بالعزلة والوجع النفسي. لم تكن في عزلة عن الأصدقاء والصديقات وعن الزيارات المتكررة لها، ولكنها كانت معزولة عن واقع الحياة السياسية في بغداد أو دمشق أو حتى برلين، بسبب صغر وبعد بوتسدام وعدم وجود وسائل الاتصال الحديثة، كما كانت تعاني من ضعف في القلب، وكان سبب وفاتها، وفي القدرة على السير بسبب العمر، وكانت محاطة برعاية عائلة شقيقها وزوجته الفاضلة وابنته الدكتورة زحل وأبنيه الدكتور سعد وأحمد وزينة. وكانوا حولها حين وفاتها في المستشفى.
لقد كانت لي علاقة رفاقية وأخوية وصداقية حميمة مع الدكتورة نزيهة واحترام كبير متبادل منذ الستينيات من القرن الماضي وعملنا في حزب واحد وفي تنظيمات واحدة لفترات معينة، ولاسيما في فترة السرية ببغداد، وفي تنظيمات الخارج، وكانت لي زيارات لها في بوتسدام مع أصدقاء وصديقات من العراق وألمانيا، وأهدتني نسخة مصورة من مسودة كتابها غير المنجزة وغير المطبوعة عن تاريخ الحركة الوطنية والحزب الشيوعي العراقي والتي استفد منها في كتابة رسالة ماجستير عنها في بغداد، كما شاركت في فيلم وثائقي ألماني عن العراق في فترة العهد الملكي، وانجزت كراساً عن حياة ونضال ودور المرأة العراقية.
إننا إذ نحيي ذكرى الفقيدة، نتابع أيضاً وبغضب وحزن شديدين استمرار موجة جرائم الاغتيالات الجبانة التي ترتكب ضد الناشطات من النساء العراقيات ومن اللواتي يعملن في مجالات الزينة النسوية والشأن العام، وكذلك ضد مجموعة من المناضلين الشجعان، بعد أن انطلقت حملة نضالية احتجاجية وانتفاضة شعبية ضد نظام المحاصصة الطائفية ونقص شديد في الخدمات والفساد السائدين وظواهر التمييز الديني والطائفي والقومي المقيتة، لاسيما بعد أن عمدت الحكومة وأجهزتها الأمنية والمليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي بضرب المظاهرات في البصرة ومناطق أخرى في الجنوب والوسط وبغداد، وملاحقة تلك القوى المسلحة خارج القانون للناشطات والناشطين واغتيالهم بوحشية وفي وضح النهار. لم تنتج التحقيقات الرسمية التي أعلن عنها رئيس الوزراء حتى الآن عن اكتشاف أي مجرم، علماً بـأن سلطات الدولة تعرف عين اليقين من هم القتلة، سواء أكانوا من داخل الحدود، أم جاءوا من وراء الحدود ومن دول الجوار، ولاسيما إيران. إننا إذ ندين هذه الجرائم ونطالب بإيقافها فوراً والكشف عن مرتكبيها القتلة، وعن عمليات الاختطاف والابتزاز والتغييب ومحاكمتهم وأنزال العقاب العادل بهم.
في العراق قررت الحكومة العراقية في العام 2009 إقامة تمثال لها في إحدى ساحات بغداد كأول امرأة ووزيرة وناشطة نسوية وديمقراطية، والذي لم يتحقق حتى الآن، ولا بد من السعي للضغط من أجل تنفيذه.
في اليوم التاسع من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2007 توقف قلبها عن الحركة وفقدنا بها أختاً ورفيقة وصديقة ومناضلة جسورة ومتواضعة وذات مبادئ ثابتة وحب كبير للشعب العراقي.
الذكر الطيب للمناضلة النسوية والديمقراطية والشيوعية المقدامة، المناضلة الوطنية والعربية والأممية الساطعة كشهاب بزغ واختفى سريعاً، ولكن بقي وهجه يشع في سماء العراق ليشارك في إنارة طريق النسوة العراقيات والحركة الديمقراطية والتقدمية العراقية دوماً في نضالها الحثيث والثابت من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومنها حقوق النسوة والسلام والعدالة الاجتماعية، من أجل وطن حر وشعب سعيد.
كاظم حبيب
برلين، 27/10/2007
ملاحظة: ألقيت الكلمة في الاحتفال التأبيني في الذكرى السنوية لوفاة الرفيقة المناضلة الدكتورة نزيهة الدليمي التي أقيمت في منتدى بغداد للثقافة والفنون في برلين بتاريخ 27/10/2018.                   

47
كاظم حبيب
ما الجديد في أوضاع العراق الراهنة؟
ليس هناك من كان يعتقد بوجود إمكانية فعلية لإجراء تغيير جذري في أوضاع العراق الراهنة دفعة واحدة، رغم حقيقة كون النظام السياسي الطائفي والمحاصصي قد فقد قدرته على البقاء والمواصلة في الحكم من الناحية الموضوعية، بسبب فساد وخداع وعجز النخب الإسلامية السياسية الحاكمة على تقديم ما يمكن أن يمنحهم الشعب تأييده، رغم بروز رغبة عارمة لدى المزيد من الأوساط الشعبية الراغبة في التغيير. والمشكلة لا تزال تكمن في الجانب الذاتي، أي في جانب القوى الراغبة في التغيير والساعية إليه. فما هي تلك العوامل الكامنة وراء ما حصل في العراق خلال الفترة الأخيرة والتي أدت إلى تشكيل حكومة عادل عبد المهدي، حكومة اللاتغيير؟
يمكن، كما أرى، تلخيص العوامل الفاعلة في الواقع العراقي الراهن في النقاط التالية:
1.   الدلائل المتوفرة تشير إلى أن ميزان القوى السياسية والاجتماعية لا يزال يميل لصالح القوى الرافضة للتغيير، ولكنها ترى إمكانية إجراء تغيير شكلي وجزئي في بعض القوى والأفراد من النخب الحاكمة، في حين لا تزال القوى الراغبة والعاملة من أجل التغيير تعاني من نقاط ضعف غير قليلة تستوجب تجاوزها لتحقيق التغيير المنشود في ميزان القوى لصالحها. وهذا الاختلال في ميزان القوى لصالح القوى التي حكمت العراق خلال الأعوام الـ 15 المنصرمة ناشئ عن الواقع التالي:
أ‌.   رغم مرور فترة طويلة لا يزال الوعي الاجتماعي والسياسي لنسبة عالية جداً من بنات وأبناء المجتمع العراقي ضعيفاً وإلى حد كبير مزيفاً ومشوهاً، وهي نتيجة منطقية لما يقرب من ستة عقود من حكم الدكتاتورية والعنف والحروب والفقر والتجهيل وتزييف وعي الفرد والمجتمع.
ب‌.   هيمنة قوى الإسلام السياسي، ولاسيما الشيعية منها، على الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث، منذ إسقاط دكتاتورية البعث حتى الآن، التي جعلت منها دولة هشة وهامشية، إضافة إلى وجود دولة عميقة فاعلة فيها (دولة داخل دولة). فهذه القوى تمتلك الحكم والمال والقوات المسلحة والتأييد الديني، إضافة إلى وجود ودور الميليشيات الطائفية المسلحة والإرهابية المنتشرة في أنحاء البلاد والتابعة للأحزاب أو لقوى ودول أجنبية، وهي التي أشرفت على الانتخابات ومارست كل أساليب التزوير والتزييف والرشوة لإبقاء الهيمنة الطائفية والمحاصصة على مجلس النواب والحكم.
ت‌.   الدور الفاعل والمساند بالأساس وبقوة معلنة من جانب المرجعية الدينية الشيعية للأحزاب والقوى الإسلامية السياسية الشيعية وللحكم السياسي الطائفي المحاصصي القائم، مع نقد لا بد منه موجه لمجموعة من الفاسدين المفضوحين من النخب الحاكمة والتي لم يعد الدفاع عنها ممكناً وللحفاظ على النظام وحمايته من الانهيار أساساً. 
2.   الضعف الذي لا تزال تعاني منه الأحزاب والقوى الديمقراطية والتقدمية الراغبة في التغيير، إذ إنها تعاني من:
أ‌.   ضعف كل منها على انفراد وقلة تأثيرها على أوساط الشعب الواسعة، ولاسيما الكادحة والفقيرة التي تعاني من طبيعة وسياسات النظام السياسي الطائفي المحاصصي الفاسد، رغم التحسن النسبي الملموس في قاعدتها الاجتماعية ونشاطها وتأثيرها خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
ب‌.   ضعف تعاونها وتضامنها والتنسيق الضروري فيما بينها وتكاثر تكتلاتها غير المنتج والمؤثر سلباً على دورها ونشاطها وتأثيرها.
ت‌.   ومع التحسن النسبي في دور القوى اليسارية العراقية، ولاسيما الحزب الشيوعي العراقي، إلا إنها جميعاً لم تعثر حتى الآن على لغة مشتركة فيما بينها تسمح لها بالتعاون والتنسيق والتأثير الإيجابي على مجمل المجتمع العراقي ولاسيما الفئات الكادحة والفقيرة والمضطهدة.
ورغم الضعف الذي تعاني منه القوى الديمقراطية العراقية، فإنها استطاعت أن تقود حركة مدنية شعبية تميزت بالحيوية والفاعلية ورفعت الشعارات السليمة وواصلت الحراك المدني المطالب بالتغيير لثلاث سنوات متواصلة، عبأت الكثير من الناس حولها. وهي جديرة بمواصلة ذلك.
3.   ومنذ أن تسلمت قوى الإسلام السياسي الطائفية الحكم في البلاد تحول الفساد إلى نظام (سيستم) قائم بحد ذاته وسائد ومتشابك بين قوى الفساد في الداخل والخارج، حيث تلعب القوى السياسية ذات النهج المافيوي التابعة للأحزاب أو البيوتات الدينية المعروفة، دورها في كل ذلك، والذي يسمح بهيمنة هؤلاء الفاسدين على الكثير من القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
4.   والدلائل كلها تشير إلى واقع وجود علاقة تشابكية متينة ومخلة باستقلال العراق وسيادته الوطنية وبقراراته الداخلية والدولية بين أغلب قوى الإسلام السياسي الحاكمة، الشيعية منها والسنية، وبين الدول المجاورة للعراق على أساس ديني ومذهبي. ولكن هذه العلاقة تجسد بالأساس مصالح ذاتية للقوى الأجنبية مخلة ومضرة بمصالح العراق والمجتمع العراقي. ورغم المشكلات المتفاقمة التي تعاني منها دول الجوار، إيران والسعودية وتركيا وقطر والإمارات العربية، والتي يمكن ان تضعف بهذا القدر أو ذاك دورها وتأثيرها في العراق، إلا إنها لا تزال تمتلك اوراقاً مهمة بيديها، قادرة على التأثير الفعلي في مجرى أحداث العراق، ولاسيما إيران، التي تعاني من مشكلات متفاقمة داخلية وإقليمية ودولية، سياسية واقتصادية واجتماعية، وكذلك السعودية بعد اغتيال جمال القاشقجي وجرائم الحرب التي ترتكبها في اليمن. وتلعب الدول الكبرى، ولاسيما الولايات المتحدة، دورها المؤثر سلباً على أوضاع العراق، واستعدادها، رغم عدائها الصارخ لإيران، على المساومة مع إيران على حساب الشعب العراقي.
   ما هو الجديد في أعقاب الانتخابات وبدء تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة عادل عبد المهدي؟

العوامل الذكورة في أعلاه وغيرها لعبت دورها في نتائج الانتخابات العامة الأخيرة وفي بروز حل هجين، "لا يطير ولا ينكض باليد"، أو بين مدينتي "نعم ولا" على حد قول الشاعر الروسي الفقيد أفتوشنكو. فعادل عبد المهدي ليس بالشخصية المستقلة، بل هو جزء من قوى الإسلام السياسي، وكان عضواً قيادياً في المجلس الإسلامي الأعلى والمرتبط بعلاقات قوية مع عمار الحكيم ويصعب عليه الفكاك من تأثير ودور المرجعية الشيعية، كما كان وزيراً لأكثر من وزارة في الحكومات السابقة، وكان نائباً لرئيس الجمهورية ممثلاً عن قوى الإسلام السياسي، كما يصعب عليه حقاً التصدي الفعلي الحازم لنهج إيران في التدخل المباشر والفظ والمستمر في الشؤون العراقية. فالحكومة الجديدة التي تم تشكيل أجزاء منها أخيراً، لم تبتعد عن المحاصصة الطائفية من حيث الجوهر، رغم الضجة الإعلامية التي تثيرها قوى إسلامية سياسية بعينها تدعي الطلاق مع المحاصصة الطائفية. فهل من جديد حاليا وحقاً في كل ذلك؟ يمكن تلمس أربع نقاط مهمة تعبر عما اشرت إليه في إبعاد نسبي لبعض القوى والأشخاص المحروقة أوراقهم عن الحكم المباشر:
1.   اعتراف الجميع، ومنهم قوى الإسلام السياسي، بفشل النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المقيتة والمذلة للشعب، رغم إصرارهم على استمرار العمل به عملياً، واعتراف بعضهم بارتكابهم أخطاء فادحة لا غير، في حين إن ما حصل في العراق لم يكن مجرد أخطاء منهم، بل جرائم بشعة يندى لها جبين الإنسان.
2.   إبعاد حزب الدعوة عن المشاركة المباشرة في الحكومة الجديدة، رغم الوجود الكثيف والمهيمن لهذا الحزب على أجهزة السلطة التنفيذية وله قوى مؤيدة ومؤثرة في المجلس النيابي، وكذلك في السلطة القضائية. فهذا الحزب وقادته البارزين هم الأكثر مسؤولية بين جميع قوى الإسلام السياسي العراقي عن كل ما حصل في العراق خلال الأعوام المنصرمة منذ إسقاط الدكتاتورية الشوفينية وإقامة الاستبداد الديني والمذهبي في الحكم وتشديد الصراع الطائفي والديني في البلاد، إضافة إلى اجتياح داعش واستباحته لجزء كبير من بنات وأبناء الشعب في محافظة نينوى ومحافظات غرب العراق. 
3.   وجود خطوط عامة جيدة لبرنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي مطروح، والعبرة في التنفيذ بالأساس، وهو في حكم المستقبل أو الغيب. وليس هناك ما يؤكد على تحقيقه إذا ما استمرت هذه القوى تهيمن على أجهزة الدولة بسلطاتها الثلاث وتلك المسؤولة عن تنفيذ البرنامج.
4.   وجود بعض الأسماء التي يعتقد أنها مستقلة في التشكيلة الوزارية الجديدة، إلا إن الأيام سوف تكشف عن مدى علاقتهم بقوى الإسلام السياسي الشيعية أو السنية، ومدى استقلاليتهم فعلاً. 
  ويبدو لي إن هذه النقاط هي التي سمحت للرفيق رائد فهمي، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ان يصرح: بـ "أن جلسة التصويت على الثقة بالحكومة الجديدة حقق خطوة نحو تجاوز نهج المحاصصة، ونجح في اخراج الحكومة جزئيا من هذا النهج". (رائد فهمي: عملية تشكيل الحكومة سجلت الخروج جزئيا من نهج المحاصصة ، موقع الحزب الشيوعي العراقي، 27/10/2018). وهي مسألة قابلة للنقاش.
ما هي الجوانب السلبية في الوضع العراقي الراهن:
1.   إن شخصية رئيس الوزراء الجديد ليست مستقلة، بل هي في القلب من قوى الإسلام السياسي الطائفية، وكان عادل عبد المهدي عضواً في حزب سياسي طائفي مؤيد لإيران ومتحالف معها، ويتبع في مواقفه ما تأمر به المرجعية الشيعية.
2.   وجود قوى من قائمة البناء، والتي هي بالأساس فتح، ورئيسها هادي العامري، مسؤول ميلشيا منظمة بدر الطائفية المسلحة خارج القانون، المشاركة في الحكم، وهي الحليف الأقوى والتابع لإيران مباشرة. وهذا التشخيص ليس ادعاء مني على هادي العامري، بل كان تصريحا منه أكد فيه أنه يقلد علي خامنئي، وبالتالي ينفذ ما يطلب منه مرشد الثورة الإسلامية في إيران، وهو الذي قام بتقبيل يد سيده الخامنئي. وهو أمر بالغ الخطورة، والشعب العراقي يعرف تماماً هذا الأمر وماذا يعني ذلك.   
3.   إن الادعاء بتجاوز المحاصصة الطائفية، كما تتحدث عنه قوى الإسلام السياسي، كذبة لا يجوز القبول بها أو ترويجها، بل هو التفاف على طلب التغيير لا غير، رغم الملاحظات الإيجابية التي أشرنا إليها.
4.   وإذ تخلت قائمة سائرون عن حصتها في الحقائب الوزارية، وهي في الغالب الأعم حصة قوى مقتدى الصدر، الأكثر قاعدة ونفوذا وتأثيراً في "سائرون"، وهي قوى إسلامية سياسية طرحت برنامجاً مهماً وجد تعبير بعض مهماته في منهاج الحكومة الجديدة، فأن الأحزاب الكردية والأحزاب السنية والجماعات الشيعية الأخرى لم تتخل عن ذلك، وبالتالي، فأن هذا الجزء قد تخلى عن حصته، وربما سيجد تمثيله بترشيحات لشخصيات قريبة من "سائرون" لعدد من الحقائب الوزارية غير المحسومة حتى الآن، وهي ثماني وزارات مهمة، بما فيها وزارة الثقافة، التي احتجت نقابة الفنانين بحق وصواب على اسم الشخص الذي كان ضمن قائمة حكومة عادل عبد المهدي، إذ رفض البرلمان ممارسة التصويت بشأنه وبشأن وزارات أخرى.             
من هنا أرى بأن مطلب التغيير للنظام السياسي الطائفي ومحاصصاته سيبقى قائماً ولا بد من النضال من أجل تحقيقه من خلال تنشيط الحركة المدنية الشعبية وتعزيز دور ونضال وتأثير وتعاون القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية وتعبئة المجتمع لهذا الغرض وممارسة الضغط لمحاربة الفساد والفاسدين وتقديمهم للمحاكمة، وحل التنظيمات المسلحة ومنع اقتناء وبقاء السلاح خارج القانون والسلطة التنفيذية، وحل الشد الشعبي المكون بالأساس من ميليشيات طائفية قائمة، وتنفيذ برنامج اقتصادي-اجتماعي-بيئي يؤمن عملية تنمية قادرة على تحقيق التغيير البنيوي في الاقتصاد العراقي وخطوة مهمة على طريق إزالة الطابع الريعي للاقتصاد العراقي بتنمية قطاعي الصناعة والزراعة عبر قطاعات الدولة والخاص والمختلط وتوفير عاجل للخدمات الأساسية وحل مشكلة الكهرباء والماء والسكن والنقل والعمل للعاطلين، إضافة إلى تأمين الخدمات الصحية والضمان الصحي ...الخ.
إن الأيام والأشهر القادمة ستظهر مدى قدرة الحكومة الجديدة على تنفيذ البرنامج التي وعدت بطرحه. ولكن يفترض ألَّا يُترك هذا الأمر لإرادة الحكومة وعملها، بل لا بد من النضال من أجل مصالح الشعب والوطن وإنقاذ البلاد من الطائفية السياسية ومحاصصاتها المذلة ومن تأثير القوى الأجنبية في الشأن العراقي. 

48
الموضوع: شكوى ضد نوري كامل المالكي، رئيس وزراء العراق السابق 
السيد رئيس الادعاء العام في العراق المحترم 
السادة المحترمون
أدى نوري كامل المالكي حين تسلمه رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 20 أيار/مايو 2006 نص اليمين الدستوري التالي:
"اقسم بالله العلي العظيم أن اؤدي مهماتي ومسؤولياتي القانونية بتفانٍ واخلاص وان احافظ على استقلال العراق وسيادته، وأرعى مصالح شعبه واسهر على سلامة ارضه وسمائه ومياهه وثرواته ونظامه الديمقراطي الاتحادي وان اعمل على صيانة الحريات العامة والخاصة واستقلال القضاء والتزم بتطبيق التشريعات بأمانة وحياد، والله على ما اقول شهيد".
وأدى هذا اليمين للمرة الثانية بعد أن كُلف بولاية ثانية بتاريخ 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2010. كما أنه وبحكم الدستور العراقي لعام 2005 أصبح نوري المالكي القائد العام للقوات المسلحة العراقية.
إن متابعة عمل ونشاط رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة نوري كامل المالكي خلال الفترة الواقعة بين 2006 -2014 وما شهده العراق من أحداث جسام خلال هذه السنوات المذكورة، تؤكد لي بأن المومأ إليه لم يلتزم باليمين الدستوري الذي أداه وابتعد كلية عن الالتزام بالدستور العراقي لعام 2005 في جميع المجالات التي تعتبر ضمن صلاحياته وواجباته. فهم لم يعمل على حماية الشعب العراقي من المناهضين له والمتربصين بالشعب، ولم يدافع عن أرض الوطن، وتسبب أثناء وجوده على رأس السلطة بكوارث هائلة حلت بالشعب العراقي، كما وقعت مساحات واسعة من الأراضي العراقية ومدن كثيرة ومحافظات تحت احتلال وهيمنة قوات إرهابية مجرمة، عصابات داعش التكفيرية والدموية، وما اقترن بذلك من اجتياح ونزوح وسبي وتهجير واغتصاب للنساء العراقيات و بيع الآلاف من مواطناتنا من النساء الإيزيديات في سوق النخاسة، إضافة إلى تفاقم الصراع الطائفي الشيعي السني على مستوى الحكم والمليشيات الطائفية المسلحة والإرهاب والقتل على الهوية وموت واسع النطاق في سائر أرجاء البلاد وسيادة الفساد والتفريط بعشرات المليارات من الدولارات الأمريكية، وتفاقم الفقر والبطالة، وتوقف عملية التنمية في البلاد ونقص شديد جداً في الخدمات وبروز مشاريع وهمية كلفت خزينة الدولة عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية ...الخ. في ضوء الوقائع المتوفر التي تشير إلى تجاوز رئيس الوزراء الكثير جداً من صلاحياته وانتهاكه الفظ للدستور العراقي واليمين الدستوري، أشارك السيد رحيم العكيلي والسيد كامل الحساني الشكوى المقدمة منهما إلى الادعاء العام العراقي للتحقيق في التهم الموجهة لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي وتقديمه للمحاكمة في ضوء ما يتوصل إليه الادعاء العام من الواقع والحقائق الواردة في نص الشكوى المرفقة. 
مع خالص التقدير
الدكتور كاظم حبيب
24/10/2018     
نص شكوى السيد رحيم العكيلي، القاضي السابق، والمحامي كامل الحساني، ضد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي المقدمة إلى الادعاء العام في العراق طالباً محاكمته بناء على التهم الموجهة له:
السيد رئيس الادعاء العام في العراق المحترم ...   
                                                          م / شكوى 
طالب تحريك الشكوى :- المركز الوطني للبحوث والدراسات القانونية والقضائية / منظمة مجتمع مدني عراقية  - مسجلة وفقا للقانون / يمثلھا امينھا العام القاضي السابق رحيم حسن العكيلي ونائب الامين العام المحامي كامل الحساني . /العنوان :العراق  - بغداد – شارع حيفا . 
المتھم :- نوري كامل المالكي / رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة / السابق - نائب رئيس الجمھورية العراقي ./العنوان :العراق - بغداد المنطقة الدولية- شارع الدستور . 
جھة الشكوى : 
تولى المتھم ( نوري كامل المالكي ) منصب رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة في العراق بين عامي 2006 – 2014 وقد ارتكب خلال فترة حكمه عدد من الانتھاكات والجرائم الخطيرة ، وحيث ان منصب القائد العام للقوات المسلحة ھو منصب مدني طبقا لنص المادة ( 9 / اولا – أ ) من الدستور التي نصت : - ( تتكون القوات المسلحة والاجھزة الامنية من مكونات الشعب العراقي ... وتخضع لقيادة السلطة المدنية .. ) لذا فلا وجه قانوني للقول بان التھم المنسوبة للقائد العام للقوات المسلحة من اختصاص القضاء العسكري لانه منصب مدني ، وانما تختص محاكم قوى الامن الداخلي والمحاكم العسكرية بالجرائم التي يرتكبوھا العسكريون حصرا ، وحيث ان الدستور نص في المادة ( 93 / سادسا ) منه على ان تختص المحكمة الاتحادية العليا في : - ( الفصل في الاتھامات الموجھة الى رئيس الجمھورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء .. ) لذا فأن الادعاء بكون الجرائم المنسوبة الى المتھم بضمنھا الخيانة العظمى ھي من اختصاص القضاء العسكري ھو تنصل من السلطة القضائية لاداء مسؤلياتھا الدستورية ومحاولة للتخلى عن مواجھة قضايا الشعب . 
لذا نطلب اتخاذ الاجراءات القانونية وتحريك الدعاوى الجزائية ضد المتھم عن الجرائم الاتية : 
اولا :- جرائمه باعتباره كان يتولى منصب قائد عام للقوات المسلحة :- 
1- الخيانة العظمي :- في سقوط ثلث العراق بيد منظمة ارھابية ( داعش ) ، وتسببه في تسليح تلك المنظمة المجرمة باليات واسلحة الجيش العراقي المتطورة التي يقدر قيمتھا ( باكثر من خمسة عشر مليار دولار ) الذي تركھا الجيش خلفه حين تخليه عن الدفاع عن الارض في المحافظات المنكوبة وما نتج من قتل وجرح وتھجير وتشريد ملايين المواطنين وإنتھاك حقھم في الحياة وأعراضھم وأموالھم  وسبي النساء وبيعھن في اسواق النخاسة الداعشية  .
-2
-3
-4 -5
 مجزرة سبايكر : - حينما ورط الاف الشباب ( غير المدرب ) فعينھم لاغراض انتخابية منحرفة ، ودفع بھم الى معسكر في صلاح الدين وتركھم ھناك بلا تدريب ولا اسلحة يدافعون بھا عن انفسھم وبلا مبرر عسكري لوجودھم ھناك مما جعلھم صيد سھل لمنظمة ارھابية قتلتھم جميعا بابشع جريمة في تاريخ العراق الحديث . والدليل (الملف التحقيق الذي تتداولة المحكمة الجنائية المركزية في بغداد ) .
 ارتكابه مجازر كبرى ضد الشعب العراقي تعد جرائم ابادة وجرائم ضد الانسانية حينما قتل مئات من الاطفال والنساء والمتظاھرين كما فعل في الزركة والحويجة والفلوجة والرمادي . الادلة :- دعاوى تلك المذابح في مراكز الشرطة والطب العدل ودوائر الإدعاء العام بتلك المناطق بإفتراض إطلاع رئاستكم عليھا طبقا لقانون الإدعاء العام رقم 159 لسنة 1979) .
 ارتكابه المجزرة الكبرى في كربلاء ضد نصار السيد الحسني عام 2014 .(ملفات في مديرية شرطة كربلاء ومحاكم التحقيق والجنايات في كربلاء  . ) .
 تسببه في المأسي التي تعرضت لھا الاقليات (من مسيحيين وايزيدية ) وتقصره في حمايتھم وتھاونه في اغاثتھم وتوفير ادنى المتطلبات لھم .(ملفات مجلس النواب والمؤسسات المدنية والدينية الوطنية والدولية ) .
6-   نشر الفساد في المؤسسة العسكرية والامنية باختلاسات ممنھجة عن طريق الفضائيين وقبض العمولات عن عقود التسليح وتموين الجيش وقوى الامن الداخلي ، وبيع المناصب والرتب غير المستحقة ، واخذ الاتوات . 
الدليل(ملفات التحقيق المغلقة والمفتوحة داخل مكاتب المفتشين العموميين في وزارة الدفاع وفي وزارة الداخلية وھيئة النزاھة ) 
7-   تسليط البعثيين على قيادة المؤسسة العسكرية والامنية والقضائية وتسليط سيف الاجتثاث عليھم لضمان ولائھم وعدم خروجھم عن الطاعة من اجل تنفيذ اجنداته الخارجة عن القانون والدستور . والدليل (قوائم الإجتثاث والمستثنين من الاجتثاث من بالمؤسسات الأمنية بدون موافقة مجلس النواب ) خلاف قانون المسائلة والعدالة رقم 10 لسنة 2008 .
8-   الانفراد في تعيين القادة العسكريين دون ترشيح اسمائھم الى مجلس النواب للمصادقة عليھم طبقا لنص المادة ( 61/خامسا /ح  من الدستور ) لضمان ازاحة من يخرج عن طاعته منه في اي وقت يشاء .
9-   انشاءه مؤسسات امنية وعسكرية وقوات قذرة ليس لھا اساس لا في الدستور ولا في القانون من اجل السيطرة والتحكم والتفرد بالحكم وعسكرة المجتمع وتنفيذ الاجندات السياسية  مثل مكتب القائد العام للقوات المسلحة وجھاز مكافحة الارھاب والتي اھدر بھما مئات الملايين من الدولارات وساھمت مساھمة كبيرة في اضعاف الجيش ونشر الفساد فيه عن طريق اخذ الاتوات وبيع المناصب والرتب غير المستحقة ونشر فساد الفضائيين بشكل منظم ومنھجي ، كما أمعنت في خلق فوارق بين تشكيلات القوات المسلحة وجرى تحصين تجاوزاتھا  وخروقاتھا من المساءلة القانونية والقضائية  بأوامر مباشرة من المتھم
.(واقع المؤسسة إقرار الحكومة ومجلس النواب والتحالف الدولي بوجوب إعادة بناءھا بشكل مھني ووطني) 
10   - انحرافه ببناء الجيش بنھج طائفي واقصائي ، وتوريطه في المعارك السياسية واستخدامه ضد الشعب .والدليل وحدات الجيش التي إنتشرت داخل العاصمة بغداد وبقية المدن العراقية ومنھا من توجھت ضد إقليم كردستان العراق .. خلاف المادة ( 9 /أولا - أ ، والمادة 110/ ثانيا ) من الدستور التي حددت دور الجيش بالدفاع عن العراق وحماية الحدود العراقية من العدوان الخارجي وحظرت ان يكون اداة لقمع الشعب , ومنعته من التدخل في الشؤون السياسية  .
11   - ممارسة أعمال الطواريء دون تخويل من مجلس النواب  ، وادارة البلد بالازمات ، والتجاوز على الأملاك والطرق العامة والخاصة وقطع الطرق وتقييد حرية الأشخاص بالحركة وتفتيشھم اليومي ، وممارسة الاعتقالات العشوائية وانتھاكات حقوق الانسان ،خلافا للمادة (61/تاسعا) من الدستور التي نظمت احكام اعلان حالة الطوارئ .
12   - اعدام السجناء والموقوفين في السجون والمعتقلات حال وبعد احتلال داعش للموصل وصلاح الدين وديالى ، وتصغية السجناء والموقوفين طائفيا بترتيب كمائن بالشوارع العامة لقلتھم بعد اخراجھم من السجون بحجة نقلھم .(ملفات دعاوى مقتل السجناء المسجلين في سجلات وزارة العدل وإفتراض إطلاع رئاستكم عليھا طبقا لقانون الإدعاء العام ) .
13   - تنفيذ الاعتقالات العشوائية بلا اوامر قضائية في الكثير من المحافظات العراقية ، مثل حادثة الاعتقال الجماعي قبل القمة العربية في بغداد، واعتقال اكثر من ثلاثة الاف رجل في زيارة المتھم للموصل قبل احتلالھا وفق اقراره في احد لقاءاته التلفزيونية .
14   - ارتكاب جرائم الاختفاء القسري بشكل ممنھج على الاف من العراقيين من قبل جھات امنية مرتبطة به او مليشيات مدعومة منه
، وقتلھم والقاء جثثھم في الشوارع او الانھر ، او اخفائھم لفترات طويلة لحرمانھم من حماية القانون لھم مما يعد خرقا لاتفاقية الاختفاء القسري التي صادق عليھا العراق بموجب القانون  رقم 17 لسنة 2010 والتي تعتبر الاختفاء القسري الممنھج ضد الاشخاص جريمة ضد الانسانية(ملفات وقوائم محفوظة لدى تشكيلات السلطة القضائية ووزارة حقوق الإنسان ومفوضيتھا ) 
15   - إستخدام سلطاته في وقف الإجراءات القانونية أو رفض مباشرة القضاء بإتخاذ الإجراءات القانونية بحق القيادات المدنية والعسكرية المتھمة بالجرائم الجنائية ضد المدنيين ( ملفات المشمولين المحفوظة في وزارتي الدفاع والداخلية ومحاكم التحقيق والجنح والجنايات في العراق بإفتراض إطلاع رئاستكم عليھا طبقا لقانون الإدعاء العام ) .
16   - استخدامه القوات المسلحة عام 2012 لتھديد اقليم كوردستان - من اجل تحقيق مكاسب سياسية ضيقة  - في سابقة خطيرة مخالفة للدستور الذي منع تدخل القوات المسلحة في الشؤون السياسية طبقا لنص المادة ( 9 / اولا ) من الدستور والتي حصرت دور االقوات المسلحة في الدفاع عن العراق . ( ملف تشكيل قوات دجلة والتھديد بالمواجھة التي حصلت في تموز
 . (2012
 
ثانيا : - جرائمه كرئيس لمجلس الوزراء :- 
 
1-   خرقه استقلال القضاء وتدخله في شؤونه ، واستعماله في تصفية خصومه السياسيين ، وشراء المواقف السياسية
،ومنح صكوك البراءة للموالين له سياسيا من المجرمين والفاسدين (ملفات قضائية ضد محافظ البنك المركزي ووزير المواصلات السابق جرى تبرأتھم بعد خروج المشكو منه من الحكومة ،بينات شخصية ،إقرار رئيس مجلس القضاء أمام نائب رئيس الجمھورية الدكتور أياد علاوي وإعلان الأخير بالقنوات التلفزيونية وبينات تحريرية ،كل الأوامر والإعمامات والتوجيھات المحفوظة بملفات مجلس القضاء والأمانة العامة لمجلس الوزراء ) 
2-   نشر ممارسات التعذيب وانتزاع الاعترافات بالاكراه بشكل ممنھج  ووحشي خصوصا في الجھات الامنية المرتبطة بالمتھم وفق الثابت في تقارير منظمات دولية رصينة متاحة على الشبكة الدولية.
3-   فتح وادارة السجون السرية التي تجري فيھا اسوء وابشع انواع الانتھاكات في تاريخ العراق الحديث ، وفق الثابت في تقارير لمجلس النواب وتقارير منظمات دولية محترمة كمنظمة العفو الدولية وھيومن رايس ووج .
4-   تھريب السجناء والموقوفين من الارھابيين بالمئات من سجن ابي غريب وغيره ، والذين عادوا لاحتلال ثلث العراق خلال اشھر . .(دعاوى ھروب المحكومين المسجلين في سجلات وزارة العدل وإفتراض إطلاع رئاستكم عليھا طبقا لقانون الإدعاء العام .
5-   اطلاق سراح الارھابيين المحكومين من العرب بشمولھم بالعفو الخاص او بدونه كاالتونسين والليبين واردنين وسعوديين خلافا لنص المادة ( 73 / اولا ) التي منعت العفو الخاص في جرائم الارھاب نھائيا .
6-   ايقاف تنفيذ احكام الاعدام بعدد من الارھابين وتھريبھم خلال اشھر بعد ذلك . .(دعاوى ھروب المحكومين بالاعدام المسجلين في سجلات وزارة العدل وإفتراض إطلاع رئاستكم عليھا طبقا لقانون الإدعاء العام ) .
7-   ارھاب وقمع المتظاھرين السلميين في بغداد والبصرة ومحافظات اخرى عام 2011 باستخدام القوى الامنية والمروحيات
، وتصفية بعض الناشطين ( مثل ھادي المھدي ) وترتيب تھم ملفقة ضد اخرين كما في قضية اتھام الشباب الاربعة بتزوير بطاقات الاحوال المدنية .مللفات موجودة في وزارة الداخلية وقيادة قوات بغداد ومحاكم التحقيق في تلك المناطق’ بإفتراض إطلاع رئاستكم عليھا طبقا لقانون الإدعاء العام ) .
8-   تأسيس مليشيات خاصة به ودعمھا باموال الدولة واسلحتھا والياتھا ومنح اعضائھا ھويات الدولة لتنفيذ اجنداته غير المشروعة ، خلافا لاحكام الدستور في المادة ( 9 / اولا - ب ) التي حظرت بالقطع تشكيل المليشيات.(الملفات المعدة في دوائر الداخلية والأمن الوطني والمخابرات ) .
9-   تعطيله الدور الرقابي لمجلس النواب من خلال رفضه الحضور للاستجواب واصدار الاوامر للوزراء والقادة العسكريين بالامتناع عن الحضور الى المجلس (حسب المحاضر الرسمية المسجلة لمجلس النواب في دورته الثانية ).
10   - تستره على الجرائم الارھابية وملفات الفساد التي كان يعلن عن وجودھا لديه وانه منع تقدمھا للعدالة بحجة الحفاظ على العملية السياسية ، مما ادى الى اھدار المزيد من دماء الابرياء واموال الدولة ، مخالفا احكام القانون والدستور ، وكل ذلك بقصد استعمال تلك الملفات لاخضاع المعنيين وشراء المواقف السياسية .(قضية المجرم الدولي مشعان الجبوري وجملة من التصريحات الرسمية المتلفزة أوالمنشورة بوسائل الأعلام الرسمية وغير الرسمية يمكن تقديمھا حسب الطلب) .
11   - تزوير الانتخابات والتلاعب بارادة الناخبين من خلال شراء اصواتھم من خلال بتوزيع الھبات والدرجات الوظيفية والاراضي الوھمية كرشاوى انتخابية خلافا للتشريعات التي تنظم التصرفات التي تقع على الأموال العامة وتشريعات المفوضية المستقلة للإنتخابات  .(فحص شكاوى المرشحين والناخبين المحفوظة في مكاتب المفوضية بالمحافظات ومفاتحة المحافظات لحصر المنافع التي وزعت خلال الفترة الإنتخابية ) .
12   - استغلال اموال الدولة ومواردھا في دعايته الانتخابية ودعاية كتلته وانفاق مئات المليارات فيھا من اموال الشعب
.(مطالبة المشكو منه بكشف عن المبلغ الدعاية الإنتاخبية ومقارنتھا بكشف الذمة المالية الذي قدمه عام 2006) .
13   - التأمر مع مفوضية الإنتخابات لإستبعاد بعض بعض المرشحين والفازين (التحقيق بملفات المفوضية الخاصة بالمستبعدين من المرشحين والفائزين)
14   - توزيع الاف القطع من اراضي الدولة على الاقارب والموالين خارج الاطر والصلاحيات الدستورية القانونية التي أكدت على حرمة المال العام (مفاحتة الأمانة العامة لمجلس الوزراء / لتقديم كل البيانات عن الأراضي والعقارات التي وزعت بين الفترة من 2006 وحتى 2014)
15   - نھب عقارات ازلام النظام السابق المحجوزة لمصلحة الدولة بالتلاعب والتزوير وتسجيلھا باسماء الموالين والمقربين
(ملفات محفوظة بين الأمانة العامة لمجلس الوزراء ووزارة المالية /عقارات الدولة واالتسجيل العقاري وامانة بغداد إحدھا ملف تخصيص أرض تعود لأحد أفراد عائلة صدام وتخصيصھا الى رئيس مجلس القضاء الحالي ).
16   - التفريط بحقوق العراقيين البحرية والبرية والنھرية (كل الملفات الموجودة في الأمانة العامة ورئيس ھيئة المستشارية التابع الى رئيس مجلس الوزراء ، وزارة الخارجية , وزارة الموارد المائية , وزارة النقل والمتعلقة ببناء ميناء مبارك الكبير ، والإتفاقيات التواطئية لخور العمية ، والتخلي عن الدفاع عن حقوق العراق المائية مع الدول المتشاطئه والتفريط بھا ) . 
17   - رفضه تطبيق النظام الديمقراطي الإتحادي ومباشرته لعدد من الطعون ضد كل التشريعات التي أصدرھا ممثلي الشعب بقصد تعطيل النظام اللامركزي والنظام الاتحادي ومبادئ التداول السلمي من خلال استخدام سلطته على المحكمة الاتحادية لاصدار قرارات الغاء القوانين مثل قانون تحديد الولايات وقانون المحافظات وقانون مجلس القضاء وقانون الغاء وزارتي العمل والبلديات والاشغال العامة .(عشرات ملفات الدعاوى التي حسمتھا الإتحادية أو سحبت من المحكمة أو إنھا مازالت قيد النظر) .
18   - استغلال نفوذه في تمكين اقاربه واصھاره وابنه من مقدرات الدولة مما مكنھم من ابتزاز المقاولات وكبار موظفي الدولة من خلال التدخل في تعاقدات الوزارات وقبض مليارات الدولارات كعمولات ، واستغلال موارد الدولة وامكاناتھا لتحقيق مصالح خاصة ونھب عقاراتھا ، وممارسة سلطات وصلاحات امنية وعسكرية وادارية خارج اطار القانون والدستور .(ملفات وإجراءات وتسھيلات إدارية ومقابلات تلفزيونية مع المشكو منه إعترف علانية بدور ولده .كما يمكن للإدعاء العام مفاتحة القضاء اللبناني حول القضايا الجنائية المسجلة ضد ولده وبعض المقربين منه، والكثير من الوثائق التي نشرت في الاعلام ومواقع التواصل عن دور ابنه واقاربه في التدخل ادارة الدولة والتحكم بمفاصلھا  .
19   - سرقة نصف النفط المباع للاردن عن طريق ( 14 ) شركة مسجلة في لبنان و( 8 ) شركات مسجلة في الاردن تقوم بنقل النفط العراقي لبيعه للادرن وتسرق نصفه قبل وصوله للادرن وتقوم بغسل الاموال والشركات مسجلة باسم ابن المالكي او اشخاص مرتبطين بھم (مفاحة السلطات الأردنية واللبنانية للتأكد من أسماء وعمل الشركات المسجلة بإسم إبن المالكي وأقاربه )
20   - استغلاله وظيفته في اختلاس طائرة مھداة للدولة العراقية بتسجيلھا باسمه خلافا للقانون .(ملف الطائرة التي طلبت الأمانة العامة من وزارة النقل إعادتھا الى إصول الوزارة ) .
21   - التنصت على الاتصالات الھاتفية وفق ما اعلنه وزير الاتصالات محمد علاوي اكثر من مرة اخرھا يوم 25 / 4 / 2014 على قناة البغدادية  وھو مخالفة دستورية للمادة ( 40 ) من الدستور : - ( حرية الاتصالات والمراسلات والبريدية والبرقية والھاتفية والالكترونية وغيرھا مكفولة ولا ييجوز مراقبتھا او التصنت عليھا او الكشف عنھا .. ) .
22   - خرق استقلال الھيئات المستقلة ، واستخدام شخصيات ھزيلة محدودة القدرة ومنعدمة الكفاءة لادرتھا وكالة لضمان الولاء وعدم الخروج عن الطاعة ، مما اثر في ادائھا ومنعھا من اداء مھامھا خصوصا في مكافحة الفساد وحماية حرية التعبير والاعلام .(التعديلات والتغييرات التي أجراھا المشكو منه على قيادات ھذه التشكيلات بدون العودة الى مجلس النواب) .
23   - الاستحواذ على الھيئة العراقية لخدمات البث والارسال ( شبكة الاعلام  العراقي ) وتسخيرھا في خدمة نھجه الطائفي الدكتاتوري ، من اجل التفرد بالسلطة والتغطية على الانتھاكات والخروقات الكبرى للدستور والقوانين .(كل الأوامر والتوجيھات الصادرة من المشكو منه أو مكاتب الأمانة العامة وملفات مجلس النواب المتعلقة بالشبكة بعد أن  أمر المشكو منه بعزل شبكة الإعلام عن رقابة مجلس النواب خلاف النصوص الدستورية وأمر تشكيل الھيئة ) .
24   - تبنيه نھجا طائفيا اقصائيا ترك شرخا كبيرا في السلم الاجتماعي وروج للعنف من خلال نظريته عن احفاد الحسين ويزيد
.(تنطبق عليه المادة (2 /فقرة 4) من  قانون الإرھاب رقم 13 لسنة 2005).
25   - مصادرته لاستقلال الھيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة ، واستخدامه ملف الاجتثاث لتصفة خصومه واستثناء كبار البعثيين لاستعماله ضد الشعب وضد خصومه السياسيين بدون أخذ موافقة مجلس النواب حسب قانون المسائلة والعدالة . 
26   - ادارته الوظائف العليا في الدولة بالوكالة ( الوزارات الامنية – رؤساء الھيئات المستقلة – وكلاء الوزرارات - قيادات الجيش – الجھات غير المرتبطة بوزارز كامانة بغداد)  لمنع مجلس النواب من اداء دوره في المصادقة على تلك الوظائف ، وتمكينه من ازاحة من يخرج عن طاعته منه واستخدامه لشخصيات غير مؤھلة او فاسدة فيھا خلاف النص الدستوري . 
27   - استيلاءه على ھيئة الاعلام والاتصالات ومصادرته لاستقلالھا واستخدامھا في مصادرة  حرية الرأي والتعبير  وحرية الاعلام  ، من خلال غلق الفضائيات الناقدة لاداءه ونھجه الطائفي والدكتاتوري . 
28   - شراء الذمم و الفضائيات والاقلام الاعلامية الفاسدة باموال الدولة لدعم تفرده بالسلطة ونھجه الطائفي في ادارة الدولة 
.(مفاتحة مجلس الوزراء لحصر الأموال التي صرفت على وسائل الإعلام الرسمية التي سخرت لوسائل الإعلام الشخصية للمتھم وكتلته السياسية )
29   - تسببه في ضياع ما يزيد على ( 800 ) مليار دولار امريكي من اموال العراق دون ان يحقق بھا منجز واحد ، لا على المستوى الامني ولا الاقتصادي ولا الخدمي .(طلب كشف من وزارة المالية وكشف بالمشاريع التي إنجزت في 15 محافظة عراقية خلال فترة ترؤوسه لمجلس الوزراء .) .
30   - عجزه وفشله في ادارة الدولة التي سببت بعجز ھائل لمؤسسات الدولة ب تقديم الخدمات للمواطنين ،فلا كھرباء ولا ماء ولا امن ولا عدالة ولا صحة ولا تعليم ولا مجاري رغم تسليمه موازنات انفجارية سرق معظمھا ھو واتباعه والمحسوبين عليه(مطابقة بين البرنامج الحكومي الذي أقسم على تنفيذه في آخر ولاية له وواقع المؤسسات الأمنية والخدمية ) 
31   - انفاقه مئات المليارات من الدولارات خارج اطار الموازنة العامة للدولة ودون تخويل قانوني يمحنه ذلك مما ادى الى فلاس الخزينة العامة للدولة . (مراجعة ملف الموازنة التشغيلية لعام 2014 ) .
32   - تضييعه كل الفرص الاستثمارية لبناء واعمار العراق وطرده رؤوس الاموال الاستثمارية الاجنبية من خلال الإدارة الفاسدة في المؤسسات المعنية وتمكينه المقربين والموالين له من ابتزاز المستثمرين لمشاركتھم فـــي مشاريعھم او فرض اتوات عليھم .(الطلب من ھيئة الإستثمار الوطنية لحصر اسماء المستثمرين ونتائج إستثماراتھم ،والبحث بصحة العملية الإستثمارية بمشروع بسماية السكني  وفقا لقانون الإستثمار النافذ ) 
33   - تبني سياسة تعطيل العمل الرقابي على اعمال السلطة التنفيذية بحجة تعطيلھا لجھود الاعمار والبناء من خلال ضرب المنظومة الرقابية ، وتسريح معظم المفتشين العموميين ذوي الخبرة والكفاءة ، وتعويم ھيئة النزاھة واستخدامھا لاستھداف الخصوم السياسيين ومنح صكوك البراءة للموالين من الفاسدين ، مع ضمان عدم فتحھا لمفات الفساد لمكتبه والتابعين له واقاربه واصھاره وابنه . (مراجعة جميع الملفات التي اغلقتھا ھيئة النزاھة بين عامي 2011 – 2014 والبحث في اسباب الغاء الخطوط الساخنة فيھا ، والاستعانة بملفات مكاتب المفتشين العموميين في الوزارات العراقية )
 
34   - انتھاكه الاتفاقيات الدولية وتعھدات العراق امام الامم المتحدة والمجتمع الدولي حين استھدافه بالقتل والتشريد اللاجئين في العراق من مجاھدي خلق وقتل العديد منھم .(ملف مجاھدي خلق الموجود في مكتب القائد العام للقوات المسلحة السابق وجھاز الأمن الوطني والمخابرات ووزارة الدفاع وإفتراض إطلاع رئاسة الإدعاء العام ،كما أن ھناك عدد من الدعاوى الجنائية الدولية التي تتداولھا محاكم إوربية وأمريكية يمكن تزويد رئاستكم بنسخ من ھذه الدعاوى ) .
 
35   - تعطيله تنفيذ التعداد العام للسكان خلافا للقانون والدستور .(بدليل قرار محكمة الإتحادية رقم 69 لسنة 2009التي إعتبرته مخالف للقانون وإصراره على عدم تنفيذه للقانون ورفضه  تنفيذ قرار المحكمة ) .
 
36   - استغلال منصبه في منع تطبيق احكام الدستور وقانون تشكيل الاقاليم حينما منع تحقيق مطالب المحافظات الغربية ومحافظة صلاح الدين والبصرة بتشكيل اقاليم في محافظتھم خلاف الدستور والقوانين .(ملفات طلبات الأقليم المحفوظة في وزارة الدولة لشؤون المحافظات ومكتب الأمانة العامة لمجلس الوزراء ) .
 
37   - تعاونه وتواطئه مع رئيس مجلس القضاء ورئيس المحكمة الإتحادية العليا بتعطيله المتعمد للتشريعات التي تصحح وضع وتشكيلات السلطة القضائية وفقا للمتطلبات الدستورية من خلال مخاطبات مكاتب المتھم الى مجلس النواب لسحب مشاريع القوانين التي تخص قانون مجلس القضاء والمحكمة الإتحادية العليا بينما مرر كل التعديلات المناصبية والوظيفية التي أرادھا رئيس المحكمة الإتحادية لبعض العناصر القضائية ومنھا مشاريع قانون التمديدات وتعديل التمديد لأعضاء محكمة التمييز . 
 
38   - الحنث باليمين الدستورية :- اذ اقسم وفقا لنص المادة ( 50 ) من الدستور بان يحافظ على استقلال العراق وسيادته ويرعى مصالحه ويسھر على سلامة ارضه وسمائه ومياھه وثرواته وان يعمل على صيانة الحريات واستقلال القضاء وان يلتزم بتطبيق التشريعات بامانة ، وقد حنث بكل فقرة من فقرات اليمين وفق ما يأتي :- 
1-   حنث بقسمه في الحفاظ على سيادة العراق واستقلاله وسلامة اراضيه حينما احتلت منظمة ارھابية ثلث ارضه .
2-   حنث بقسمه في الحفاظ على ثروات العراق حينما اھدر ( 800 ) مليار دولار بلا ثمرة حقيقة .
3-   حنث بقسمه في العمل باستقلال القضاء حينما تدخل في شؤونه واستعمله للتآمر وصنع الملفات السوداء للخصوم السياسيين ، ومنح صكوك البراءة للموالين والارھابيين والفاسدين ، كما استعمله لحرف احكام الدستور وھدم مبادئه الاساسية .
 
39   - خرق الدستور وتعطل احكامه :- اضافة الى الخروقات التي ذكرناھا في الجرائم اعلاه ، فأن المتھم ارتكب الخروقات الدستورية الاضافية الاتية:- 
 
اولا : - عدم وضع نظام داخلي لمجلس الوزراء تعطيلا لنص المادة ( 85 ) : - ( يضع مجلس الوزراء نظاما داخليا لتنظيم سير العمل فيه )   ثانيا : - تعطيل الدور التشريعي لمجلس النواب واجھاض دوره الرقابي :- من خلال الاصرار على ان  مجلس النواب لا يمكنه اصدار القوانين الا بمشروع قانون يرده من السلطة التنفيذية حصرا ، وانه عاجز عن اجراء اي تعديل في مشاريع القوانين الا بموافقة الجھة التنفيذية، والطعن بكل قانون لا يعجبه امام محكمة - اخضعھا لارادته بالتخويف والترھيب والعطايا والامتيازات - لالغاء تلك القوانين متى شاء  . ومن خلال منع اي تنفيذي من الذھاب الى مجلس النواب الا باذن منه ، ورفض ذھاب وزراء مطلوب استجوابھم عن مخالفات وفساد منھم وزير الشباب والرياضة ووزير التعليم العالي والقادة الامنيين وغيرھم .  المادة  ( 61 / سابعا – ج ) من الدستور . 
 
ثالثا : - عدم اعداد مشاريع القوانين التي يتطلبھا الدستور البالغة ( 58 ) قانون رغم اصراره على منع مجلس النواب من التشريع الا بمشروع منه ، مما عطل اغلب نصوص الدستور لعدم وجود قوانين تنظمھا منھا قانون محاكمة رئيس الجمھورية ورئيس الوزراء والوزراء وقانون العنف الاسري وقانون مجلس الاتحاد وقانون ھيئة ضمان حقوق الاقاليم والمحافظات وقانون ھيئة مراقبة تخصيص الواردات الاتحادية .وقانون العاصمة بغداد وغيرھا . وتعطيل تنفيذ القوانين النافذة :- اذ عطل المالكي العديد من القوانين رغم انه انما عين في منصبه لتنفيذ القوانين واھمھا قانون الخدمة العامة وقانون التعريفة الكمركية وقانون رواتب مجلس الوزراء وقانون التقاعد الموحد الصادر عام 2006 . 
رابعا: تورطه بالتدخل في الشؤون الإدارية والمالية للسلطة القضائية التي نص الدستور على إستقلالھا المالي المرتبط بمجلس النواب  (موازنات وملاكات وتوظيفات السلطة القضائية التي يجري ترتيبھا بين الدائرة الإدارية والمالية لمجلس القضاء والأمانة العامة لمجلس الوزراء )   
رابعا :- انشاء سجون سرية وايداع الموقوفين فيھا :- كسجن الشرف وغيره من عشرات السجون في وزارة الداخلية والالوية والثكنات العسكرية خلافا للمادة ( 19 / ثاني عشر – ب ) من الدستور : - ( لا يجوز الحبس او التوقيف في غير الاماكن المختصة ... ) .و انتشار التعذيب المنھجي للموقوفين من اجل انتزاع اعترافات منھم او انتقاما لاسباب طائفية او سلطوية : - خلافا لنص المادة ( 37 / اولا – ج ) :- ( يحرم جميع انواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الانسانية .... ) .وتفتيش المنازل بلا اذن قرار قضائي : - وھي ممارسة اتبعتھا القوات الامنية بطريقة مخالفة للدستور باوامر مباشرة من المالكي حتى داخل المنطقة الخضراء ، خلافا لنص المادة ( 17 / ثانيا ) :- ( حرمة المساكن مصونة ولا يجوز دخولھا او تفتيشھا او التعرض لھا الا بقرار قضائي ووفقا للقانون ) .ولاعتقالات التعسفية بلا قرارات قضائية خلافا للمادة ( 37 / اولا – ب ) من الدستور :- (  لا يجوز توقيف احد او التحقيق معه الا بموجب قرار قضائي ) . 
 
خامسا :- تقييد الحق بالتظاھر السلمي وقمع المتظاھرين ومصادرة حرية الاعلام  خلافا لنص المادة ( 38 / ثانيا ) :- ( تكفل الدولة بما لا يخل بالنظام العام والاداب : - ... ثانيا : - حرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر.  ثالثا :- حرية الاجتماع والتظاھر السلمي وتنظم بقانون) . 
 
سادسا : - عدم تقديم الحساب الختامي لمجلس النواب خلافا لنص المادة  (62 ) من الدستور :- ( اولا :- يقدم مجلس الوزراء مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي الى مجلس النواب لاقراره . ) . 
 
سابعا : - التدخل في البنك المركزي وابعاد رئيسه  ، خلافا للمادة ( 103 ) من الدستور . 
 
ثامنا : - عدم احترام التوازن في القوات المسلحة بين مكونات الشعب العراقي :- خلافا لنص المادة ( 9 / اولا – أ ) :- ( تتكون القوات المسلحة والاجھزة الامنية من مكونات الشعب العراقي بما يراعي توازنھا وتماثلھا دون تمييز او اقصاء ... ) . 
 
تاسعا : - منع المحافظات من ممارسات صلاحياتھا الدستورية على مبدأ اللامركزية الادارية ، والاصرار على ادوات الحكم المركزي خلافا لنص  ( 122 / ثانيا ) من الدستور : - ( تمنح المحافظات التي لم تنتظم في اقليم الصلاحيات الادارية الواسعة بما يمكنھا من ادارة شؤونھا على وفق مبدأ اللامركزية الادارية ... ) . 
 
عاشرا:- عدم تنفيذ خطوات التطبيع والاحصاء والاستفتاء في كركوك والمناطق المتنازع عليھا ، طبقا لنص المادة ( 140 ) من الدستور التي نصت : - اولا :- تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة ( 58 ) من قانون ادارة الدولة ... ثانيا :- .. على ان تنجز كاملة ( التطبيع ، الاحصاء ، وتنتھي باستفتاء في كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليھا لتحديد ارادة مواطنيھا ) في مدة اقصاھا الحادي والثلاثين من كانون الاول سنة الفين وسبعة ) ، ولم ينجز المالكي اي شئ لحل تلك القنبلة التي قد تنفجز لتشعل العراق باكملــــــه رغم التكليف الدستوري الوجوبي الصريح .
وحيث ان كل ما تقدم ھي افعال تشكل اخطر الجرائم والانتھاكات التي ارتكبت ضد النظام الدستوري والقانوني العراقي الوليد بعد عام 2003 وھي من ابشع صور انتھاكات حقوق الانسان والفساد واستغلال النفوذ والمنصب ، لذا نطلب من رئاستكم القيام بواجباتھا القانونية
 - وفقا لنص المادة ( 2 / اولا ) من قانون الادعاء العام رقم 159 لسنة 1979 المعدل – بعتبار في  تحريك الشكاوى الجزائية ضد المتھم نوري كامل المالكي عن الجرائم اعلاه . وطلب اتخاذ الاجراءات القانونية بحقه وبحق من تورط في ارتكابھا معه او ساعده عليھا أو ساھم بھا، وطلب اصدار الامر بمنع سفرھم ، والقبض عليھم جميعا وايداعھم التوقيف حالا .   
                                                                     ولكم وافر التقدير والإحترام..   
 
  المحامي كامل الحساني                                                         القاضي السابق رحيم حسن العكيلي               نائب الامين العام                                           الامين العام للمركز الوطني للبحوث والدراسات القانونية والقضائية   




49

برجى الإنتباه بان الحفل التأبيني سيكون مساء يوم السبت المصادف 27/10/2018 وعلى الساعة السادسة مساءً إ إذ ذكر خطأ يوم الجمعة المصادف 27/10/2018
للعلم مع الاعتذار للخطأ
كاظم حبيب


50
أدعو الجميع من ذوي الضمائر الحية إلى المشاركة في حملة جمع التواقيع وإيصال النداء إلى المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية وإلى المجتمع الدولي والرأي العام العالمي والإعلام وتحويلها إلى حملة جماهيرية على صعيد واسع، علماً بأن النداء المنشور في موقع الحوار المتمدن لأغراض التوقيع قد ترجم إلى ثلاث لغات هي الكردية والإنكليزية والألمانية وسينشر بهذه اللغات وستنظم وفود لهذا الغرض كما شكلت لجنة من سبعة مناضلين للقيام بهذه المهمة ومنسقها العام هو الأستاذ الدكتور تيسير الآلوسي.  كاظم حبيب
رابط الحملة: http://ehamalat.com/Ar/sign_petitions.aspx?pid=1033

نداء ملح وعاجل
إلى جميع منظمات المجتمع المدني العراقية والعالمية
إلى منظمات حقوق الإنسان في كل مكان

عاش العراق، ولا يزال، أوضاعاً مريرة، عانى فيها من الكوارث والمآسي على امتداد أكثر من نصف قرن، من الاستبداد والحروب والحصار ومصادرة كاملة لحقوق الإنسان، بما فيها الحق في حماية الكرامة والحق في الحياة والعمل، عانى من العنصرية والشوفينية وضيق الأفق القومي والتمييز الديني والطائفي والفكري والسياسي وضد المرأة، عانى من النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية المذلة، وعرف القتل الجماعي والتفجيرات الانتحارية والاغتيالات الفردية والاختطاف، عرف الاجتياح والنزوح والتهجير القسريين والسبي والاغتصاب للنساء والأطفال وبيع النساء والأطفال في سوق النخاسة، عرف التكفير وقتل غير المسلم والمسلم تحت هذا العنوان، عرف القتل على الهوية الفرعية والاسم، عرف الموت تحت التعذيب بأساليب القرون الوسطى والحديثة، شهد ولا يزال نهب موارد البلاد والمال العام بعشرات المليارات من الدولارات الأمريكية، وكذلك السلب والتدمير المنظم لتراث العراق الإنساني أو تهريبه، وعرف تشويه الوعي وتزوير الإرادة وتغييب المصالح اليومية الإنسانية الأساسية للفرد والمجتمع، عرف زرع الألغام في أغلب المناطق الحدودية والتي ما تزال تقتل بنات وأبناء الفلاحين، عرف التدخل الفظ من قبل دول الجوار والدول الكبرى في الشؤون الداخلية لدولة عراقية هشة، عرف هذا وغيره ولا يزال يعاني من كل ذلك وعواقب ذلك.
لهذه الأسباب كلها وغيرها، ولاسيما عواقب الاجتياح الداعشي والإبادة الجماعية واغتصاب النساء الإيزيديات على نحو خاص، مُنحت المناضلة المقدامة والشجاعة نادية مراد، رمزاً وتكريماً لكل النساء المغتصبات وكل نساء وشعب العراق، جائزة نوبل للسلام لعام 2018. إلا إن هذه الجائزة الكبرى والعالمية التي منحت لنادية مراد من منظمة مجتمع مدني هي الأكاديمية السويدية هي بمثابة نداء إنساني موجه إلى جميع منظمات المجتمع المدني في العراق والعالم والرأي العام العالمي والمجتمع الدولي للتحرك صوب العراق والفئات الحاكمة في العراق والمجتمع العراقي ومطالبتهم بتحقيق عاجل وملح لخمسة أهداف مركزية، إذ بدونها سيبقى العراق عرضة لكل ما حل به ولا يزال مستمراً حتى الآن بصور شتى:
أولاً: المطالبة بالالتزام بمبادئ وشرعة حقوق الإنسان والتي من ضمنها الكف عن ممارسة سياسات المحاصصة الطائفية، لأنها تعتبر تمييزا صارخاً وظالماً بين البشر يقوم على أسس عرقية ودينية وطائفية مقيتة ومرفوضة من جانب الأمم المتحدة ومبادئ ومنظمات حقوق الإنسان.
ثانياً: المطالبة بتقديم كل المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بالعراق على امتداد السنوات الـ 15 المنصرمة إلى القضاء العراقي وبعضها إلى محكمة العدل الدولية بسبب طبيعتها الإجرامية الدولية والإبادة الجماعية. وهذا يشمل كل المسؤولين الذين مارسوا السياسات الطائفية وتجاوزوا على حقوق الإنسان ومارسوا الفساد وسهلوا الاجتياح والقتل الجماعي وسبي واغتصاب آلاف النساء الإيزيديات والتهجير لأتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق من جهة، والقوى التي مارست ذلك من تنظيم داعش الإجرامي ومن ساعده في فعل ذلك من جهة ثانية. كما يتطلب ذلك نزع سلاح جميع المليشيات الطائفية المسلحة وحل الحشد الشعبي ووضع الأسلحة والعتاد بيد الدولة وقواتها المسلحة الرسمية.
ثالثاً: المطالبة بتأمين الحقوق المدنية وحقوق الإنسان في العراق، وكذلك حقوق المرأة ومساواتها بالرجل وحقوق الطفل.
رابعاً: توفير الخدمات الأساسية للمواطنات والمواطنين الذين لا يعانون من نقصها فحسب، بل ومن تنامي الفقر والحرمان، ولاسيما الأرامل واليتامى من الأطفال والعاطلين عن العمل والمشردين والمعوقين، بسبب سياسات الاستبداد والحروب والفساد والإرهاب والطائفية، ضمن برنامج آني ومتوسط المدى للتنمية الاقتصادية والبشرية ووضع موارد النفط في خدمة الاقتصاد والمجتمع والبيئة في العراق.
خامساً: دعم جهود الشعب العراقي لوقف التدخل في الشؤون الداخلية للعراق من جانب دول الجوار والدول الكبرى وحماية استقلال قراراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية. 
نحن الموقعين أدناه ندعو جميع منظمات المجتمع المدني ذات الأهداف الإنسانية والمخلصة لمبادئها إلى التكاتف والتعاون والتنسيق لتحقيق الأهداف المذكورة أعلاه لصالح الشعب العراقي والتي تقع ضمن صلاحياتها وواجباتها الإنسانية المباشرة، باعتبارها منظمات مجتمع مدني، ومنظمات حقوق الإنسان، التي تدافع عن الإنسان وحريته وكرامته وحياته ومستقبله، إذ أن تحقيق هذه الأهداف ستكون جائزة نوبل للسلام، التي منحت للسيدة الفاضلة نادية مراد، ذات معنى حقيقي وقيمة إنسانية كبيرة لها ولنساء وشعب العراق!!!
بانگەوازێکی پێویست وبە پەلە
بۆ تەواوی رێکخراوەکانی کۆمەڵگای مەدەنی عێراقی وجیهانی
بۆ رێکخراوەکانی مافی مرۆڤ لە هەر شوێنێك بن.....
بەردەوام و ئێستاشی لەگەڵدا بێت عێراق لە بارودۆخێکی تاڵدایە، بە درێژایی نیو سەدەیە بە دەست بەڵا وکارەستدا دەناڵێنێت، لە زوڵم وجەنگ وگەماڕۆ وزەوتکردنی تەواوی مافەکانی مرۆڤ لەگەل نەبوونی مافی پارێزگاری لە کەرامەت ومافی ژیان وکارکردن، هەروەها بە دەست دەمارگیری وشۆڤێنیەت وبەرتەسکردنەوەی ئاسۆی نەتەوایەتی وجیاکاری ئایینی وتایفی وفکری وسیاسی ودژایەتیکردنی ئافرەت دەناڵێنێت، هەروەها لە دەست سستەمی سیاسی تائیفی وپشکپشکێنەی داڕزاو، هەروەها ناسینی کوشتنی بە کۆمەڵ وتەقینەوەی خۆکوژی وپاکتاوکردن ورفاندنی کەسەکان ودەستبەسەرداگرتن ودەربەدەری وئاوارەیی بە زۆر و بە کەنیزەك کردن ودەستدریژی بۆ سەر ئافرەت ومنداڵ وفرۆشتنی ئافرەت ومنداڵ لە بازاڕی کۆیلەکان، هەروەها تەکفیرکردن وکوشتنی موسڵمان ونا موسڵمان لەژێر ئەم ناونیشانەدا ناسی، هەروەها ناسینی کوشتن لە سەر ناسنامە وناو، هەروەها ناسینی مردن لە ژێر ئەشکەنجە بە شێوازەکانی سەدەکانی ناوەڕاست وبە شێوازی نوێ، ئێستاشی لەگەڵدابێت بە تاڵانکردنی سەرچاوەکانی ولات وسامانی گشتی بە دەیان ملیار دۆلاری ئەمریکی بە خۆیەوە بینیوە ودەبینێت، هەروەها بە تاڵانبردن ووێرانکردنی رێکخراو بۆ کولتوری مرۆیی عێراقی وبەقاچاغبردنی، هەروەها ناسینی شێواندنی هزر وتەزویرکردنی ئیرادە ونەهێشتنی بەرژەوەندیە مرۆیی وبنەڕەتیەکانی رۆژانەی تاک وکۆمەڵگا، هەروەها ناسینی چاندنی مین لە زۆربەی ناوچە سنووریەکان کە ئێستاشی لەگەڵدابێت کچ وکوڕی جوتیارەکان دەکوژێت، هەروەها ناسینی تەدەخولێکی لە رادەبەدەر لە لایەن وڵاتانی دراوسێ ووڵاتە زلهێزەکان لە کاروباری ناوخۆیی عێراقێکی فشەڵ، ئەمانە وجگە لەمانەشی ناسی وئێستاشی لەگەڵدابێت بە دەست هەموو ئەمانە وئاکامەکانی دەناڵێنێت.
لەبەر هەموو ئەم هۆکارانە وجگە لەمانەش، بە تایبەتیش دەستدرێژی داعش وپاکتاوکردنی بە کۆمەڵ ودەستدڕیژی کردنە سەر ئافرەتانی یەزیدی بە شێوەیەکی تایبەت خەڵاتی نۆبلی ئاشتی بەخشرا بە تێکۆشەر وئازا وبوێر نادیە موراد وەکو رێزو رەمزێک بۆ هەموو ئەو ئافرەتانەی دەستدرێژیان کراوەتە سەر وهەموو ئافرەتان وگەلی عێراق.
بەڵام ئەم خەڵاتە گەورە وجیهانییە کە بەخشراوە بە نادیە موراد لە رێکخراوێکی کۆمەڵگای مەدەنی کە رێکخراوێکی ئەکادیمی سوێدیە بانگەوازێکی مرۆییە وئاراستەی هەموو رێکخراوەکانی کۆمەڵگای مەدەنی لە عێراق ورای گشتی جیهانی وکۆمەڵگای نێودەوڵەتی کراوە بۆ کەوتنە خۆ دەربارەی عێراق وئەو توێژەی دەسڵاتدارە لە عێراق وکۆمەڵگای عێراقی وهەروەها داوا لێکردنیان بۆ بەدیهێنانێکی بە پەلە بۆ پێنج ئامانجی سەرەکی کە بە بێ بەدیهێنانی ئەم ئامانجانە عێراق بە قوربانیی ئەوەی بەسەری هاتووە دەمینێتەوە وکە تاوەکو ئێستاش بە شێوازی جیاواز هەر بەردەوامی هەیە:
یەکەم: داوای پابەندبوون بە بنەماکانی مافی مرۆڤ ولەناویاندا دەستهەڵگرتن لە پەیرەوکردنی سیاسەتی پشکپشکێنەی تائیفی لەبەر ئەوەی بە جیاکاریێکی رون وزاڵمانە دادەندرێت لەنێوان مرۆڤەکان لەسەر بنەمای رەگەزی وئایینی و تائیفی ناپەسەند ورەتکراوە لەلایەن نەتەوە یەکگرتووەکان وبنەماکانی رێکخراوەکانی مافی مرۆڤ.
دووەم: داواکردن بە رووبەرووکردنەوەی هەموو بەرپرسان لەو تاوانانەی ئەنجام دراون لە عێراق بە درێژایی ١٥ ساڵی رابردوو بۆ دادوەری عێراقی وهەندێکیشیان بۆ دادگای دادی نێودەوڵەتی  بە هۆی سروشتە تاوانکاریە نێودەوڵەتیەکەی ولە ناوبردنی بە کۆمەڵ. هەروەها ئەمە هەموو بەرپرسەکان دەگرێتەوە ئەوانەی پەیڕەوی سیاسەتی تائیفیان کردووە ودەستدرێژیان کردوەتە سەر مافەکانی مرۆڤ وگەندەڵیان کردووە وئاسانکاریان کردووە بۆ هەڵکوتانە سەر وکوشتنی بە کۆمەڵ وکۆیلەکردنی ئافرەت ودەستدرێژیکردنە سەر هەزاران ئافرەتی ئێزیدی وئاوارەبوونی شوێنکەوتوانی ئایین وئاینزاکانی تر لە عێراق لە لایەک وئەو هێزانەی ئەمەیان ئەنجامداوە لە رێکخراوی داعشی دڕندە وئەوانەی هاوکاریان کردوون لە لایەکی تر.
هەروەکو ئەمە ئەوە دەخوازێت کە هەموو میلیشیا تائیفیەکان لە چەک دابماڵدرێن وحەشدی شەعبی هەڵبوەشێندرێتەوە وچەک وتەقەمەنی بدرێتەوە دەستی دەوڵەت وهێزە چەکدارە فەرمیەکەی.
سێیەم: داوای دابینکردنی مافە مەدەنی ومرۆییەکان بکرێت لە عێراق، بە هەمان شێوە مافی ئافرەت ویەکسانکردنی لەگەڵ پیاو وهەروەها مافی منداڵ.
چوارەم: فەراهەمکردنی خزمەتگوزارییە بنەڕەتیەکان بۆ هاوڵاتیانی ژن وپیاو ئەوانەی کە تەنها بە دەست کەمییەکەیەوە نانالێنن بەلکو بە دەست بێبەشکردن وهەژارییەوە بە تایبەتیش بێوەژن وهەتیوەکان لەمنداڵان وبێکارەکان وبێ ماڵ وحالەکان وپەککەوتووەکان، بە هۆکاری سیاسەتی زوڵم وجەنگەکان وگەندەڵی وتیرۆر وتائیفییەت، لە میانەی پرۆگرامێکی هەنووکەیی وناوەند مەودا بۆ گەشەپێدانی ئابوری ومرۆیی ودانانی سەرچاوەکانی نەوت لە خزمەتی ئابوری وکۆمەڵگا وژینگە لە عیراق.
پێنجەم: پاڵپشتی هەوڵەکانی گەلی عێراق بۆ وەستاندنی تەدەخول کردن لە کاروباری ناوخۆیی عێراق لە لایەن وڵاتانی دراوسێ وزلهێزەکان وپارێزگاریکردن لە سەربەخۆیی بڕیارە سیاسی وئابوری وکۆمەڵایەتی وژینگەییەکانی.
ئێمە کە واژوومان کردووە لە ژێرەوە داوا لە گشت رێکخراوەکانی کۆمەڵگای مەدەنی خاوەن ئامانجی مرۆیی ودڵسۆز بۆ بنەماکانی دەکەین بۆ هاتنە پاڵ وهاوکاری وهەماهەنگی بۆ بەدیهێنانی ئامانجە ئاماژەپێکراوەکانی سەرەوە بۆ بەرژەوەندی گەلی عیراق وئەوەی بە شێوەیەکی راستەوخۆ دەکەوێتە چوارچێوەی دەسەڵات وئەرکە مرۆییەکانی ، بەو پێیەی کە رێکوپێکە.

09/10/2018
الموقعون رابط حملة جمع التواقيع
http://ehamalat.com/Ar/sign_petitions.aspx?pid=1033


51
كاظم حبيب
ماذا يعني منح نادية مراد جائزة نوبل للسلام؟ وماذا ينبغي أن نفعل؟
من حق الشعب العراقي، ولاسيما نسوة العراق، وبالأخص النسوة الإيزيديات، ممثلات عن كل النساء اللواتي تعرضن للاضطهاد والاختطاف والأسر والاغتصاب والقتل والتشريد والنزوح الجماعي والتهجير القسريين، أن يهلل لمنح جائزة السلام للمرأة المقدامة، لنادية مراد، رمز النضال ضد الحرب والعدوان والقتل والاغتصاب للنساء لا في العراق فحسب، بل وفي جميع أنحاء العالم. ولكن من حق الشعب العراقي، ولاسيما نسوة العراق، وبالأخص الإيزيديات ومن تعرض من النسوة الأخريات إلى كل العذابات في العراق، أن يحزنَّ لأن منح هذه الجائزة جاء لا بسبب اكتشافات واختراعات وانجازات علمية وثقافية وبيئية ... لصالح البشرية جمعاء، كما هو حال غالبية جوائز نوبل للسلام التي تمنح سنوياً، بل لأن العراق وشعبه ونساءه، ولاسيما نساء نينوى الإيزيديات والمسيحيات والشبك والتركمان، قد تعرضن لأسوأ الكوارث والمآسي، لأسوأ وأول إبادة جماعية فعلية وقعت في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، لأن أكثر من 5000 امرأة إيزيدية تم أسرهن واغتصابهن و بيعهن في "سوق النخاسة الإسلامي" من أبشع تنظيم إسلامي سياسي تكفيري وعدواني ووحشي، تنظيم داعش. ومنح هذه الجائزة يراد منه تأكيد ثلاث مسائل جوهرية آمل أن لا تغيب عن بال كل العراقيات والعراقيين، بل كل نساء ورجال العالم:
1.   الأهمية البالغة لرفض الحروب والاستبداد والعنف والتمييز وما يقترن بها من قتل ودمار واغتصاب للنساء وتشويه للطفولة والحياة اليومية للإنسان.
2.   الأهمية البالغة للكفاح ضد التمييز الذي تعاني منه المرأة في جميع بقاع العالم، ولاسيما في الدول ذات الأكثرية المسلمة، وما يؤكد الموقف غير السليم للشريعة والفكر الديني الإسلامي من المرأة المسلمة وغير المسلمة وعواقب ذلك على المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة.     
3.   الأهمية البالغة لمعاقبة كل الذين يمارسون اغتصاب النساء، كما لا يجوز بأي حال إعفاء مجرمي الاغتصاب بسبب مرور زمن محدد من جهة، ومحاسبة ومعاقبة النظم السياسية والشخصيات التي قادت سياساتها إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم، ومنها الاغتصاب وضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية من جهة أخرى.
إن منح جائزة نوبل للسلام لعام 2018 للسيدة المناضلة نادية مراد من جانب الأكاديمية السويدية تعني دون أدنى ريب بأن على الشعب العراقي أن يطالب دون هوادة وبإصرار مستمر ثلاث مسائل أساسية:
1.   النضال الدؤوب ضد كل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي قادت إلى وقوع تلك الجرائم البشعة في العراق عموماً وضد النساء خصوصاً، ولاسيما اغتصاب النساء الإيزيديات وغيرهن. وهذا يعني النضال ضد السياسات الطائفية والأثنية والتمييز الديني والمذهبي والتمييز ضد المرأة بكل أشكاله وصور ظهوره وممارسته. وهذا يتطلب أيضاً فصل الدين عن الدولة وإقامة دولة ديمقراطية علمانية.
2.   النضال دون هوادة وملاحقة مستمر لتقديم كل المسؤولين العراقيين الذين كانوا سبباً وراء اجتياح الموصل ونينوى من جانب تنظيم داعش المتوحش ووقوع جرائم الإبادة الجماعية، وبضمنها جرائم الاغتصاب ضد النساء وتشويه الطفولة البريئة والقتل والتشريد والتدمير ...الخ، إلى القضاء العراقي ومحاكمتهم وتأمين العدالة وإنزال العقاب بمن يستحق منهم ذلك.
3.   ملاحقة كل القتلة والمجرمين الذين مارسوا سياسة الإبادة الجماعية في الموصل ونينوى من قوى الظلام والجريمة، من تنظيم داعش الإرهابي ومن تعاون معه وساعده في ارتكاب جرائمه.
إن منح الجائزة بطبيعتها المعنوية غير كاف، بل يفترض أن يجد تعبيره في معاقبة المجرمين وفي توفير الأرضية الصالحة لعدم تكرار وقوع مثل هذه الجرائم البشعة في العراق، لاسيما وأن العوامل التي قادت إل كل ذلك لا تزال قائمة، كما إن الشخوص الذي تسببوا في وقوع تلك الجرائم لا زالوا  على رأس الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة وفي السلطة أيضاً.
     

   

52
كاظم حبيب
وفاءً للمناضلة السودانية الديمقراطية والأممية الشجاعة فاطمة إبراهيم في الذكرى الأولى لوفاتها*
مرَّ عام وعدة أسابيع على وفاة السيدة الفاضلة والمناضلة الديمقراطية والأممية الشجاعة فاطمة إبراهيم، وبوفاتها فقدت الحركة النسوية والديمقراطية السودانية والعربية والحركة النسوية العالمية واحدة من أكثر النساء دفاعاً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والسلام والعدالة الاجتماعية. وفي المجتمع السوداني المحافظ، الذي كان ولا يزال يعيش أوضاعاً مماثلة لأوضاع الدول العربية والدول النامية الأخرى من حيث التخلف الاقتصادي والاجتماعي والفقر وغياب الحريات الديمقراطية، وجدت فاطمة إبراهيم في العام 1952، وهي ابنة العشرين ربيعاً، طريقها إلى صفوف الحزب الشيوعي السوداني، الحزب الذي رفع منذ منتصف الأربعينيات من القرن العشرين رايات النضال ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية ومن أجل الاستقلال والسيادة الوطنية وفي سبيل التنمية والتقدم الاجتماعي والعيش الكريم والإنساني للشعب السوداني، ولاسيما كادحيه في المدينة والريف. وأصبحت فاطمة عضوة في لجنة الحزب المركزية، كما كانت من المشاركات في تشكيل الاتحاد النسائي السوداني في العام 1952، وانتخبت في العام 1956 رئيسة لهذا الاتحاد، وكانت في الوقت ذاته رئيسة تحرير جريدة "صوت المرأة" منذ العام 1955، لسان حال الاتحاد النسائي السوداني. وانتخبت فاطمة إبراهيم في العام 1965 نائبة في مجلس النواب السوداني، وهي أول امرأة سودانية وعربية تنتخب في مجلس نيابي في الدول العربية كافة.
في خضم النضال من أجل الحريات العامة والديمقراطية في السودان وضد الدكتاتورية الغاشمة تعرضت فاطمة إبراهيم للاعتقال عدة مرات، كما تعرض زوجها الشفيع أحمد الشيخ، العضو القيادي في الحزب الشيوعي السوداني والقائد النقابي السوداني والعالمي المعروف للاعتقال، ثم أقدمت الدكتاتورية النميرية في العام 1971 على ارتكاب جريمة إعدامه وإعدام مجموعة من خيرة أبناء السودان، ومنهم سكرتير عام الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب وجوزيف قرنق، والرائد هاشم العطا، والمقدم بابكر النور، والرائد فاروق حمدالله، وغيرهم، رغم الاحتجاجات العالمية الواسعة ضد هذه الجريمة الجبانة.
لعبت فاطمة إبراهيم دوراً مهماً في تعبئة نساء السودان في النضال من أجل حقوق المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل. وخلال فترة نضالها على راس الاتحاد النسائي السوداني تحققت الكثير من المكاسب للمرأة السودانية، والتي حاولت النظم الدكتاتورية والإسلامية السياسية سلبها من جديد. إلا إن نضال المرأة السودانية، ورغم كل الصعوبات ما يزال يتصدى لتلك المحاولات الرجعية المناهضة للمرأة وحقوقها في المجتمع السوداني.
وبسبب دورها النضالي النسوي والوطني في السودان انتخبت في العام 1991 رئيسة لاتحاد النساء الديمقراطي العالمي لسنوات عدة، ولعبت دوراً مهماً في نضال المرأة على الصعيد العالمي وساهمت بتنشيط حركة التضامن بين نساء العالم عموما، ونساء الدول العربية والبلدان النامية خصوصاً، وتركت بصماتها الواضحة على هذه المنظمة بسبب روحها النضالية العالية، وشغفها بالعمل لصالح المرأة وعمق إنسانيتها وتواضعها الجم. ونتيجة لهذا الدور النضالي على الصعيد العالمي منحت في العام 1993 جائزة الأمم المتحدة لحقوق الانسان. كما مُنحت في العام 2006 الجائزة السنوية لمؤسسة أبن رشد للفكر الحر. وجاء في حيثيات قرار منحها الجائزة ما يلي: "ان الفائزة من أبرز الساسة في بلادها حيث كان اسمها رمزا لنضال المرأة السودانية " ضد حكومات القمع العسكرية وواجهت منذ بداية نضالها صعوبات. مع تكوين الاتحاد النسائي السوداني في ظروف اجتماعية صعبة في العام 1952" حيث لعب الاتحاد النسائي دورا في أن تظفر المرأة السودانية في العام 1964 بحق التصويت وحق الترشيح لدخول البرلمان. وفي العام 1965 صارت فاطمة ابراهيم أول نائبة في البرلمان.". وتجلى اهتمامها المتعدد الجوانب فيما نشرته من كتب مهمة منها: حصادنا خلال عشرين عاما، -المرأة العربية والتغيير الاجتماعي، -  حول قضايا الأحوال الشخصية،  -  قضايا المرأة العاملة السودانية، -  آن أوان التغيير ولكن! و-  أطفالنا والرعاية الصحية.
إنها المرأة الجليلة التي لم يتوقف نضالها الفكري والسياسي والاجتماعي والثقافي لحظة واحدة رغم وجودها القسري في المنفى، كما وقفت باستمرار إلى جانب نضال النساء العراقيات والحركة الديمقراطية العراقية، وهو ما أكده بيان الحزب الشيوعي العراقي في رسالة التعزية والمواساة التي وجهها إلى الحزب الشيوعي السوداني، جاء فيها:
"اننا نقدر عاليا الدور الذي نهضت به الفقيدة على الصعد كافة، داخل السودان وخارجه، ولا ننسى مساهمتها الفاعلة في حملات التضامن مع نساء وشعب بلادنا، ما جعل لها مكانة خاصة في وجدان الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين، اسوة بشهداء حزبكم الخالدين عبد الخالق محجوب والشفيع احمد زوج الفقيدة الكبيرة، وغيرهما ".
من هنا أقول ثانية بأننا كنا أمام امرأة مناضلة وطنية وقومية ديمقراطية سودانية وأممية في آن واحد، وكانت في حياتها النضالية قدوة لنضال المرأة وكل الديمقراطيات والديمقراطيين والتقدميين واليساريين، ولاسيما في الدول العربية والدول النامية. إنها ستبقى في ذاكرة المناضلات والمناضلين العرب وغير العرب، فلها الذكر الطيب دوماً. كاظم حبيب، برلين في 22/09/2018.
•   ألقيت هذه الكلمة، وكلمات أخرى، في الاحتفاء التأبيني بذكرى مرور عام واحد على وفاة السيدة فاطمة إبراهيم أحمد، الذي أقامته أربع منظمات مجتمع مدني هي: الجمعية الأدبية السودانية في برلين، والجالية السودانية، برلين\برندبورغ ورابطة المرأة العراقية، ومنتدى بغداد للثقافة والفنون ومؤسسة أبن رشد للفكر الحر، وبتهيئة وإشراف الدكتور حامد فضل الله في مقر منتدى بغداد للثقافة والفنون في برلين بتاريخ 29/09/2018.

53
كاظم حبيب
هل يمكن للدولة الطائفية الفاسدة بناء دولة ديمقراطية واقتصاد مزدهر؟
2-2
هل يمكن بناء اقتصاد وطني وتنمية متوازنة في دولة طائفية فاسدة؟

تشير بعض المصادر المطلعة إلى إجراء مفاوضات بين الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية الطائفية من خلف كواليسها، إلى احتمال أن يتوحد حزب الدعوة من جديد ليرشح أحد قيادييه السادرين في غيهم والمعروفين للشعب ، أو أن يصبح عادل عبد المهدي، القيادي السابق في المجلس الأعلى الإسلامي قبل انشقاقه، رئيساً للوزراء في العراق، رغم اعتذاره لخشيته من فقدان تأييد هذه القوة بعد قليل من تنصيبه، في تحالف "معقول" بين الفتح وسائرون، لو لم يكن الحزب الشيوعي العراقي حتى الآن عضواً في هذا "السائرون!"، المتقلب دوماً بين اليمين واليمين الوسط المتخلف، ثم العودة إلى اليمين الأكثر وحشة وظلمة لمستقبل العراق وشعبه، في ضوء الضغوطات المشتدة التي يتعرض لها مقتدى الصدر وأبويته ومهو ما يزال شاباً ومزاجه الشخصي، ثم يتحول من رفض التعاون مع قوى خاضعة لإيران إلى تحالف مع قوى راكعة بالتمام والكمال لإيران. ولكن سيكون هذا التحالف الوزاري، كما أرى وكما رأت الكاتبة والصحفية التقدمية د. سلوى زكو، غير معقول وغير مقبول وغير مبرر بالمرة، لو استمر الحزب الشيوعي العراقي، المناضل المُجرب والمجَرِب والعريق والأقدم وجوداً في الساحة السياسية العراقية منذ تشكيل حلقاته الماركسية الأولى 1930 وتأسيسه عام1934، في هذا التحالف العجائبي الغرائبي، واحتمال المشاركة في وزارة من "گرگري!"، رغم وجود فرامل (بريكات) معلنة في حالات معينة، إذ سُتدفع البلاد خطوة إضافية خطيرة ومرعبة باتجاه المزيد من السقوط في أحضان إيران، وبقاء الميليشيات الطائفية المسلحة متحكمة بالساحة السياسية والاجتماعية والعسكرية العراقية، وستستمر الأوضاع على ما هي عليه، بل ستزداد سوءاً، بسبب جشع إيران للدولار الأمريكي في العراق ولكل شيء فيه!! وإذا ما حصل هذا الشيء وأصبح عادل عبد المهدي رئيساً للوزراء، أو من يماثله، أو من حزب الدعوة الملفوظ، فسيطرح كل منهم رؤيته الاقتصادية التي لا تبتعد عن رؤية أسلافه من رؤساء وزارات الأحزاب الإسلامية الحاكمة في العراق منذ أكثر من خمسة عشر عاما, وقد تسنى لي مناقشة مقال عبد المهدي الموسوم "من أين وكيف يبدأ الانطلاق الاقتصادي بالعراق مع السيد عادل عبد المهدي". ؟، في سلسلة مقالات من خمس حلقات، نقاشاً هادفاً وموضوعياً. من هنا أقول بأن هذه القوى لو شكلت وزارة جديدة على شاكلة سابقاتها وأعادت العمل بنظام المحاصصة الطائفي القائم حالياً لعجزت الدولة العراقية الهشة والهامشية المعتمدة في اقتصادها على الريع النفطي عن التقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام في حل معضلات الاقتصاد والمجتمع في العراق، بل ستتسبب بمشكلات اقتصادية محلية وإقليمية ودولية جديدة، بسبب الاحتمال الأكبر في خضوعها لإرادة إيران في صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يؤكد باستمرار عليها هادي العامري، مسؤول فتح وقائمة البناء وقائد "ميليشيا منظمة بدر الطائفية المسلحة" والمنضوية أجزاء مهمة وكبيرة منها تحت عباءة الحشد الشعبي، الذي تسيطر على قياداته الفرعية الأساسية قادة الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة، إضافة إلى كونها لا تزال تعمل بمنظمة بدر وميليشيات أخرى تعمل تحت عباءة وهوية الحشد ولكنها تحمل هوية ميليشياتها الخاصة بها أيضاً. 
كتب لي صديق فاضل، أقرأ كتاباته واستمع إلى رأيه بعناية، في أعقاب نشر مقالي الموسوم "ما القديم الجديد في الدولة العجائبية والغرائبية العراقية؟ ما يلي:
" أحسنتم، انها دولة مكوناتية تقسم مناصب الدولة فيها. حسب كل مكون ويخضع المنصب نفسه داخل المكون الواحد لقانون العرض والطلب، انها سوق سياسية مع الأسف، احسنتم التشخيص والتحليل".
وحقاً وصلتني الكثير من الرسائل المهمة ومن شخصيات عراقية ديمقراطية ومستقلة كثيرة أسعدني ذلك، كما نشرت في عدد كبير من المواقع، إضافة إلى نشرها في جريدة العالم العراقية، كحال الكثير من مقالاتي التي تنشر في هذه الجريدة مشكورة. فشكراً لثقة من كاتبني بشأن ما ورد في مقالي المذكور.
أؤكد من جديد بأن هذه الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية، شيعية كانت أم سنية، أولاً، وهذه القوى الحاكمة الحالية، التي قادت البلاد إلى مستنقع فيه المزيد من الرثاثة والتخلف والبطالة والبؤس والفاقة والخراب والدمار والنزوح والهجرة القسرية والموت، لا يمكنها بأي حال أن تبني الدولة الديمقراطية المنشودة التي تنتهج سياسات اقتصادية اجتماعية ثقافية بيئية، داخلية ودولية مستقلة، لأنها طائفية النهج والنزعات، ونهَّابة للثروات، ومعادية لحقوق الإنسان، بما في ذلك حق التنمية والبيئة النظيفة والعدالة الاجتماعية والسلم الاجتماعي والأمن الوطني المستقر والمتطور. إنها المعاناة التي ستطول، إن لم تنجح الحركة المدنية الشعبية السلمية والديمقراطية الوصول إلى تغيير في ميزان القوى الداخلية لتغيير الواقع الراهن بهذه الدرجة المطلوبة والضرورية أم تلك، نحو إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي.       
لم يختلف الاقتصاديون العراقيون عن تحديد طبيعة الاقتصاد العراقي الريعي النفطي ولا عن تخلفه وتشوهه الشديدين في قواه المنتجة وطبيعة علاقات الإنتاج السائدة فيه عموماً. وقد كتبت كثرة من الاقتصاديين العراقيين مجموعة كبيرة من الكتب المهمة حول الاقتصاد والنفط على امتداد العقود المنصرمة حتى الوقت الحاضر، ومنها كتب ودراسات ومقالات الدكتور على مرزا وكتابه الجديد الموسوم "الاقتصاد العراقي: الأزمات والتنمية"، وهو أحدث كتاب في هذا الصدد وموعود به، كتب عنه السيد الدكتور وليد خدوري مقالاً مهماً قيَّمهُ بما يستحق من تقدير للكتاب والكاتب الاقتصادي الغزيز في الإنتاج والمعرفة، ونشر في جريدة الحياة وفي موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ 17/09/2018. وسأجد فرصة للكتابة عنه.     
•   الاختلاف بين الاقتصاديين الديمقراطيين بشأن الاقتصاد العراقي يبرز في بلورتهم حجم النواقص والسلبيات في الواقع الراهن وعموم الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وفي مدى تأثيرها على الدولة والاقتصاد والمجتمع حالياً من جهة، وفي النهج والحلول المطلوبة التي يقترحونها لهذا الواقع المتدهور باستمرار من جهة ثانية. وهو أمر طبيعي ويدفع إلى المزيد من النقاش والتحليل والتدقيق بهدف الوصول إلى الصيغة المثلى، شريطة أن تتوفر الظروف والشروط الذاتية والموضوعية لنهج سليم ومتقدم في العراق. فليس وضع الحلول الاقتصادية المطلوبة والصحيحة للاقتصاد العراقي بالعملية الشديدة التعقيد والصعوبة بالنسبة للمختصين والخبراء في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والذين يمتلكون المعلومات الضرورية عن واقع الاقتصاد وثرواته وموارده البشرية وحاجات البلاد الفعلية، الآنية وذات المدى المتوسط والبعيد. هذه المسألة يعترف بها من يدرك بأن الخلل ليس في طرح الحلول، بل في غياب الناس الأوفياء لشعبهم عن المواقع التي ينبغي ان يكونوا فيها المختصون المخلصون ويستوجب وجودهم المهمات والحلول الناجعة المنشودة. فالخلل المقصود هنا هو في هيمنة مجموعة من الشخصيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي أقامت لها احزاباً سياسية دينية طائفية، جمعت في صفوفها القيادية مجموعات من البشر، تكالبت منذ تسلمها السلطة باليد مباشرة من الولايات المتحدة وإيران، وهي مغرقة في التخلف وبعيدا عن وعي مهمات التنمية المستدامة وشروطها، ثم في وضعها موارد البلاد المالية والخاماتية، ولاسيما النفط والغاز الطبيعي، تحت رحمتها وتصرفها ونهبها كلما حلا لها ذلك، وبدا واضحا ان الشيء الوحيد الذي عشقته هو النهب الدائم وارشاء المزيد من البشر والتفريط بالمال العام ليدوم لهم الحال. وهنا أضعكم أمام أحد النماذج السيئة التي دلَّنا عليه عادل عبد المهدي في لقائه التلفزيوني مع القناة السومرية, فهو يتسلم راتب وزير متقاعد ومخصصات غلاء المعيشة كوزير، ومستحقات الحماية الشخصية ومصروفات الدعاية والإعلام، إضافة إلى ثروته الشخصية التي استردها بعد غزو أمريكا للعراق. ثم يتسلم مبلغاً مقدره مليون دولار شهرياً أو (12) مليون دولار أمريكي سنويا كمساعدة اجتماعية يتصرف بها كما يشاء بغير حساب! وهو ليس وحده بهذه "المنحة السنوية" الدائمة التي يمنحها الحكام لأنفسهم من أموال أجدادهم، بل معه الكثير من هؤلاء "القادة الأفذاذ!!!" الذين يسرقون ملايين الدولارات الأمريكية من خزينة الدولة ومن أفواه الجياع والمعوزين والمشردين من الأطفال اليتامى والفقراء والنساء الثكالى والأرامل دون ان يشعروا ولو للحظة واحدة بالذنب والخزي والعار لما يمارسونه. وهم بهذه المساعدة التي يقولون انهم يقدموها للفقراء، يشترون بها أصوات الفقراء ويوسعون نفوذ الطبقة الرثة الحاكمة المالي والاجتماعي! على هذه اللوحة البائسة دافع عنها عادل عبد المهدي بوعي رجل لا يفقه من الاقتصاد شيئاً مناسباً. ويذكرني هذه التصرفات بما ورد في خطبة لأبي جعفر المنصور حين وقف خطيباً في يوم عرفة حدد برنامجه السياسي كما يلي: بهذا الصدد ما يلي: " وقف أبو جعفر المنصور يوم عرفة خطيبا يحدد برنامجه السياسي فقال:
"أيها الناس, إنما أنا سلطان الله في أرضه, أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده, وحارسه على ماله, أعمل فيه بمشيئته, وإرادته وأعطيه بإذنه, فقد جعلني الله عليه قفلا, إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم, وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني.". (راجع: الدكتور إمام عبد الفتاح إمام، "الطاغية"، دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي, سلسلة عالم المعرفة رقم 183, الكويت 1994, ص 219). بهذا السلوك يتعامل حكام العراق مع أموال شعب العراق!
ماذا يعني ذلك؟ إن هذه المجموعة من سياسيي العراق المغرق بالطائفية يتركز همها ويتمحور لا في كيفية بناء الاقتصاد الوطني المزدهر الشعب المنتج والشبعان والسعيد، بل في الكيفية التي تنمي ثرواتها الشخصية وبقاء نفوذها على الاقتصاد المتخلف والرثاثة وتصرفها المطلق بالمال العام والنفوذ على المجتمع. هذا الواقع برهنت عليه السنوات الخمسة عشر المنصرمة بألف ألف وبرهان. وأصبح عدد الفاسدين آلاف أضعاف ما كان منهم في زمن البعثيين، وآلاف آلاف الأضعاف على ما كان عددهم في زمن الملكية.
هل ينفع ان أشارك في طرح برامج وحلول للاقتصاد والمجتمع والثقافة والبيئة وامور أخرى؟ نعم هو نافع للجمهور الواسع، ولكنه غير نافع للحكام الحاليين الذين اذلوا دينهم وشعبهم ووطنهم وهم يدركون ذلك تمام الإدراك، ولكن في غيهم جادون ولا يمنعهم من ذلك غير انتفاضة الفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل، غير العمال والفلاحين الذين يكدون لا ليَشبَعوا وعائلاتهم، بل ليُشبعوا من سلبوهم لقمة عيشهم وعائلاتهم، وهم ليسوا سوى حكام العراق ولإلب القوى والأحزاب (الدينية!) التي أصبح إلهها المطلق هو الدولار الأخضر وليس الله الذي لا يعبدوه!
لقد فاض غضب الناس بالضحك على ذقونهم وتجويعهم وشراء الذمم والمناصب. ان هذه القوى الحاكمة لن تبني اقتصاداً وطنيا عبر عملية تنمية اقتصادية وبشرية مستدامة يستوجبها واقع العراق ويعرفها من يريد نقل العراق من مستنقعه النتن الراهن الى مواقع اخرى يطمح اليها الشعب ويعمل من اجلها، بل هي تعمل لمزيد من خراب العراق وملء الجيوب والبنوك بالسحت الحرام!!!
لا أنوي في هذه المقالة المشاركة في تقديم الحلول التي أراها واقعية للعراق، فالحلول مطروحة منذ سنوات كثيرة، إذ إن النقص في وجود الناس المخلصين لهذا الشعب والأرض الطيبة على رأس الحكم وفي المواقع التي ينبغي ان يكونوا فيها ليدفعوا عجلة التنمية الوطنية والديمقراطية المنشودة، والقلة الموجودة لا تسمع!
إن الصراع الجاري في العراق بين القوى الحاكمة الحالية لا يمس مصالح الشعب والاقتصاد والنمو الاقتصادي وتوفير فرص عمل للعاطلين وتأمين العيش والضمان الاجتماعي والصحي للناس الفقراء والمعوزين، بل من يمكنه فرض نفسه ويتسلم السلطة من بين هؤلاء الحكام القيمين على الحكم حتى الان ليعيدوا إنتاج نظامهم الطائفي المحاصصي المقيت، وتقاسم المغانم وليذهب الشعب العراقي الى ما يماثل جحيم البصرة والجنوب، ولتتلقى صدور وظهور المتظاهرين الرصاص الحي والقتل والاعتقال والسجن والتعذيب والموت على أيدي مرتزقتهم من الميليشيات الطائفية المسلحة وقوى الاٍرهاب الاخرى القادمة من وراء الحدود الإقليمية والدولية.
يقال ان الأمريكيين يريدون العبادي والايرانيين يريدون هادي العامري أو المالكي، وأن اخرين يريدون ويتحركون بين هذا وذاك ليرضوا بمساومة حقيرة، كما حصلت في العام 2010 وجاء المالكي لدورة جديدة في رئاسة الحكومة، الطرفين الخارجيين وليس الشعب العراقي ومصالحه وخلاصه من الذل والهوان الراهنين. ليس من مصلحة الشعب ان يبقى مثل هؤلاء البشر على رأس الحكم، فالظلم إن دام دمر، ولكن في النهاية ينقلب على رأس الفاسقين الظالمين من حكام البلاد!!!
23/09/2018

54
كاظم حبيب
ما القديم الجديد في الدولة العجائبية والغرائبية العراقية؟
من يتابع تصريحات الأحزاب والقوى والسياسيين، بمن فيهم، وأكثرهم، من أصحاب النعمة الحديثة المنهوبة وسياسيي الصدفة، يجد أنها تدور عن رفضهم للمحاصصة الطائفية والدعوة للدولة المدنية، حتى المرجعية الشيعية التي يفترض ألَّا تتدخل بالسياسة، تتدخل من أوسع أبوابها وتؤذي سمعتها ودورها الديني والاجتماعي ومكانتها في المجتمع العراقي. ولكن هل حقاً هناك تحول إلى الدولة المدنية العابرة للطائفية والأثنية، أم لا تزال المحاصصة الطائفية والدولة الطائفية بسلطاتها الثلاث هي السمة والسياسة الفعلية للقوى الحاكمة ومن معها من الأحزاب والقوى السياسية العراقية؟ هل أعاد القديم القائم إنتاج نفسه باسمٍ دعائي كاذبٍ وفاشلٍ جديد؟ 
لقد أُبعدت هوية المواطنة والوطن وكُرّست الهوية الفرعية القاتلة، لقد انتخب رئيس مجلس النواب على أساس هوية فرعية هي المذهب السني في الإسلام المستباح، وانتخب على ذمة المعلومات السائدة بدفع مبلغ طائل يصل إل 30 مليون دولار لكي يصبح رئيساً للمجلس، ونائب الرئيس الأول شيعي المذهب في الإسلام المستباح أيضاً، والنائب الثاني كردي الهوية، ولا أدري ما هي المبالغ التي دفعت لهذين المنصبين، على وفق ما جاءت به النائبة ماجدة التميمي حول رئيس المجلس وطريقة انتخابه ودور أبو أحمد الجبوري في المسألة!! فما هو الجديد في المؤسسة التشريعية العراقية؟ هل تحولت إلى مؤسسة مدنية حقاً ومواطنة عراقية حقاً أم لا تزال كما كانت طائفية وأثنية حتى النخاع؟ في هذه السلطة التشريعية لا يجوز لمسيحي أو مندائي أو إيزيدي أو تركماني مخلص وأمين ومثقف عالي المستوى أن ينتخب لهذه المواقع الثلاثة، بل لا بد أن يكون سنياً وشيعياً وكردياً على التوالي!! فهل هذا يتناغم مع حقوق الإنسان، بل حتى مع الدستور العراقي الراهن؟
والآن يأتي دور رئيس الجمهورية، إذ لا بد أن يكون كردياً، بل وأكثر من ذلك، لا بد أن يكون من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني؟ وهنا استبيحت هوية المواطنة العراقية لصالح الهوية الفرعية أيضاً، سواء أكانت قومية أم دينية أم مذهبية. والسؤال لماذا لا يحق للمسيحي والمندائي والإيزيدي والتركماني أن يرشح وينتخب لهذا الموقع المهم في الدولة العراقية، وهم، على وفق الدستور العراقي، مواطنون من الدرجة الأولى؟ هل هذه الدولة التي تنتخب رئيس البلاد، ولو شكلياً، على أساس محاصصة وليس على وفق مبدأ المواطنة، هي دولة مدنية وديمقراطية؟ ليس هناك عاقلاً واحداً بالبلاد يصدق هذه الفرية أو الكذبة التي ترددها الأحزاب الإسلامية السياسية، ولاسيما ميليشياتها الطائفية المسلحة؟ الوحيدون الذين يمكن أن يصدقوا كذبتهم هم المدعون كذباً أنهم يبنون دولة ديمقراطية ومجتمعاً مدنياً!!! هذا ما سيحصل يوم 25/09/2018 في انتخاب أحد مرشحي الكتل الكردية. ليس هناك اعتراض على انتخاب كردي لهذا المنصب ولأي منصب آخر في الدولة العراقية، بل الاعتراض أنه ينتخب على أساس المحاصصة الأثنية والطائفية في دولة طائفية بامتياز وبعيدة كل البعد عن مبدأ المواطنة والهوية الوطنية! هنا تحدثنا عن الذكور في الانتخابات في حين أن المرأة محرومة كلية من كل هذه المناصب، وهو امر بالغ الخطورة في دولة أكثر من نصف سكانها من النساء، إنه المصادرة الحقيقية لحقوق المرأة ومساواتها في المجتمع!
وسيأتي بعد ذلك إيجاد مرشح من الأحزاب والقوى الشيعية لينتخب رئيساً لوزراء العراق حصراً! هنا يأتي السؤال العادل والمشروع: لماذا هذا الحصر بالشيعة لو كانت الأحزاب والقوى السياسية العراقية تريد بناء دولة مدنية وديمقراطية، وتريد الخروج من عنق الزجاجة الطائفية التي حُشر العراق فيها حشر وهو يختنق فيها ومنها يومياً، وتجد تعبيرها في واقع العراق الدامي والمرير؟ لماذا لا يكون مواطناً أو مواطنة من أي دين أو مذهب أو قومية أو من أي حزب يحدده الناخب الحر والديمقراطي والذي يحترم ضميره وذمته؟
سيأتي مجلس الوزراء على شاكلة سلفه البائس والمحنط والذي عجز عن محاربة الفساد والفاسدين المتربعين على مواقع الدولة العراقية بكل سلطاتها ومؤسساتها المدنية والعسكرية والميليشياوية المسلحة وهم يحتلون كل الوظائف الأساسية بل حتى الكثير من الثانوية في البلاد وعلى أساس طائفي أو أثني وحزبي، كما عجز عن تحسين ولو جزئياً من الخدمات التي يفترض أن تقدم للشعب، بل زاد في الطين بِلة. والمكسب الوحيد الذي لعب دوره فيه هو تحرير العراق من داعش، وأن لم ينتهِ بعد! وهو مكسب كبير.
أما الحديث عن التغيير فأقرأ أيها المواطن العراقي، واقرأي أيتها المواطنة العراقية، السلام لا على التغيير فحسب، بل وعلى الإصلاح الذي تبخر فعلاً، بعد هذه الطريقة في انتخاب رئيس المجلس ونائبيه، وما سيلحقه من انتخاب رئيس الجمهورية ومن ثم اختيار رئيس الوزراء، فنقرأ جميعاً على الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي في العراق السلام، إلى حين أن ينهض الشعب ليكنس الرثاثة السائدة في البلاد.
إن من واجب القوى الديمقراطية والتقدمية واليسارية العراقية أن تكون صريحة وجريئة وواضحة حول ما يجري في العراق، عليها فضح ما يجري وليس السكوت عنه وابتلاع اللغم الذي سيتفجر بصيغة ما في داخلها وفي المجتمع.
العراق أمام وضع صعب ومعقد للغاية، لاسيما وهناك محاولات جادة لمساومة قذرة في غير صالح العراق تبدو متحركة في سماء السياسة العراقية الملبدة بالغيوم الكثيفة، حيث إيران تمارس ضغوطاً بصورة مرعبة ومدمرة لاستقلال وسيادة العراق ولطموح الناس في دولة ديمقراطية ومجتمع مدني حديث. إننا أمام وضع شبيه بما جاء في تلخيص صائب وصادق لندوة نقاشية جرت في مجلة الثقافة الجديدة العراقية والتي أشار الملخص السيد عادل عبد الزهرة فيها إلى الحقيقة التالية:     
"هناك أزمة هيكلية ولا يمكن الحديث عن اصلاح في ظل ادارة دولة مهدمة ،أصبحت السياسة في العراق عبارة عن توزيع المغانم، يحتاج الإصلاح الى مصلحين كما تحتاج الديمقراطية الى ديمقراطيين، ليس لدينا مصلحين في العراق بسبب وجود معوقات وسيطرة عقول فاشلة على الدولة، إضافة إلى سيطرة الفساد وعملية النهب المنظمة، أذا أردنا الإصلاح فنحتاج إلى مصلح محاط بقاعدة اجتماعية مساندة، الإصلاح منظومة اجراءات تحتاج إلى أدوات ومؤسسات قانونية والى ادارة عملية الإصلاح ،البيئة الاقليمية والدولية هي بيئة طاردة لعملية إصلاح العراق، العراق فضل المكوناتية على المواطنة، لدى العراق رقم قياسي في التوافقية وليس الدستورية، الاستجوابات في البرلمان العراقي هي لأغراض الاسقاط السياسي وليس كما في البرلمانات في العالم، الفساد في العراق ظاهرة وليس حالة وهو ليس عفويا وعشوائيا وانما هو ممنهج وهو من أخطر الأمراض ربما يتجاوز الإرهاب، ننظر إلى العراق من ثقب المكونات وليس من البوابة الوطنية العراقية، هناك سوء فهم للفيدرالية في العراق وعلينا أن ننظر إليها نظرة صحيحة، ينبغي أن تقوم المؤسسة العسكرية على أساس المواطنة، قضية بيع المناصب تعكس درجة الاستخفاف بالمؤسسات، .." إلخ. (راجع: مجلة "الثقافة الجديدة" تقيم حوله طاولة مستديرة: اصلاح النظام السياسي في العراق – الواقع والرهانات، مركز الاتصالات الإعلامية (ماتع)، الحزب الشيوعي العراقي). والمقصود بالمكوناتية، الطائفية والأثنية، والتوافقية تعني هنا عملياً المساومة المخلة بالدستور! (ك. حبيب).
       

55


كاظم حبيب
حوار موضوعي وهادف حول طبيعة ومهمات منظمات ونشطاء حقوق الإنسان
بعد نشر مقالي الموسوم "خلوة مع النفس بصوت مسموع حول الموقف من حقوق الإنسان" وصلتني مجموعة من الرسائل التي تؤيد الأفكار الأساسية الواردة في المقال المذكور، وتدعو إلى مناقشة تلك الأفكار والملاحظات في منظمات حقوق الإنسان العراقية في الداخل والخارج. ومن بينها كانت رسالة الأخ الأستاذ المهندس الاستشاري نهاد القاضي، أمين عام هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق، والأخ صبحي حجو والدكتور خليل عبد العزيز وأخوات وأخوة آخرين. كما وصلتني رسالة مهمة من الصحفي العراقي المميز والكاتب الأستاذ صلاح النصراوي يناقش فيها المقال ويطرح أفكاراً تستحق وتستوجب المناقشة. يجد القراء رسالته الكريمة في نهاية مقالي ومناقشتي المكثفة لما ورد فيها من أفكار وملاحظات، لكي يتسنى للقارئات والقراء الاطلاع على أفكاره بشكل مباشر.
أود أن أقدم شكري الجزيل وامتناني للزميل العزيز والصديق الأستاذ صلاح النصراوي على خوض النقاش الهادف والهادئ مع الأفكار التي وردت في مقالي سالف الذكر، بغض النظر عن اتفاقي أو اختلافي مع بعض ملاحظاته والتي سأبينها في مناقشتي في هذا المقال والتي وافق على نشر رسالته الشخصية، إضافة إلى تقديره الذي اعتز به حول مقالاتي التي تصله مني مباشرة.
ابتداءً أشير إلى أن هذا المقال هو ليس المقال الأول الذي أنشره عن المشاكل التي تواجهها منظمات حقوق الإنسان والنشطاء فيها، بل نشرت قبل ذاك عشرات المقالات حول هذا الموضوع وعموم الشرعة الدولية لحقوق الإنسان في موقع الحوار المتمدن وصوت العراق والناس وفي جريدة العالم البغدادية وغيرها. وآخر مقال نشرته في هذا الصدد جاء بعنوان "مادة للمناقشة: سبل وأدوات تنشيط وتجديد حركة حقوق الإنسان بالعراق"، في موقع الحوار المتمدن بالعدد 5717 في 04/12/2017، ولهذا اتفق تماماً مع الزميل صلاح النصراوي على الفقرات أولاً وثانياً الواردة في رسالته، في حين اختلف معه جزئياً أو أكثر في ثالثاً ورابعاً وخامساً. وعليه سأركز نقاشي على النقاط الثلاث الأخير والتي تدور النقطة ثالثاً حول موقف منظمات حقوق الإنسان من حقوق الفرد وحقوق القوميات أو الأثنيات في بلد متعدد القوميات أو الأثنيات، ثم النقطة رابعاً حول الموقف من حق الشعوب من تقرير مصيرها بنفسها، بما في ذلك حقها في الانفصال وتشكيل دولها المستقلة، والنقطة خامساً حول مسألة الفصل بين ما هو فردي في حقوق الإنسان، وما هو جماعي كحق القوميات في تقرير مصيرها بنفسها.
1. من المعروف أن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان لا تلتزم من حيث المبدأ، وبسبب طبيعة عملها الطوعي، باللائحة الدولية لحقوق الإنسان الصادرة في العاشر من شهر كانون الأول/ديسمبر 1948 فحسب، بل وبالشرعة الدولية لحقوق الإنسان والتي تتضمن خمس وثائق دولية مهمة هي: 1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 2- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، 3- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، 4- البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن تقديم شكاوي من قبل الأفراد، 5- البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بهدف العمل على إلغاء عقوبة الإعدام. كما صدرت وثائق كثيرة أخرى ضمن هذه المجموعة من الوثائق منها مثلاً: حقوق المرأة وحقوق الطفل وضد التعذيب وحقوق الشعوب الأصلية والحق في بيئة نظيفة...الخ. هذه كلها تقع ضمن حقوق الإنسان الفرد وضمن حقوق الجماعات البشرية من قوميات أو أتباع ديانات ... إلخ. والفرد الذي ينتمي لمنظمات حقوق الإنسان لا يمكنه أن ينتقي من هذه الوثائق ما يعجبه ويترك الوثائق الأخرى التي تشكل جزءاً أساسياً من حقوق الفرد في إطار الجماعة التي ينتمي إليها، فاغتصاب حقوق الفرد لا يختلف عن اغتصاب حقوق جماعة بعينها لأي سبب كان، وسواء أكان بسبب التمييز الشوفيني، أم العنصري، أم بسبب التباين الديني، أم المذهبي، أم الفلسفي والفكري، أم بسبب الجنس، أي التمييز بين الذكر والمرأة لصالح الذكر، كما هو جارٍ في مجتمعاتنا والمجتمعات ذات الأكثرية المسلمة.
2. في النقطة ثالثاً يطرح الزميل النصراوي فكرتين مهمتين، وبقدر صواب الفكرة الأولى التي يؤكد فيها شمولية مبادئ حقوق الإنسان وأهمية الالتزام بها، وسواء أكانت هذه الحقوق فردية أم جماعية لأنها تقع ضمن إطار الشرعة الدولية لحقق الإنسان، أجد خطأ الفكرة الثانية الواردة في هذه النقطة والتي تميز بين حقوق الفرد، التي يفترض أن تهتم بها منظمات حقوق الإنسان، وحقوق الجماعات التي لا تعتبر ضمن اختصاص منظمات حقوق الإنسان، على حد رأي زيد بن رعد بن الحسين، المفوض السامي الأممي السابق لحقوق الإنسان، والذي أختلف معه أيضاً وتماماً.
منظمات حقوق الإنسان تميز بين اغتصاب حق الفرد واغتصاب حق شعب بكامله، ولكنها لا تدافع عن الأول وتهمل الثاني، بل من واجبها الكامل الالتزام بالمسألتين، أي الدفاع عن حق الفرد وحق الشعب أو الجماعة التي تتعرض حقوقها للاغتصاب والمصادرة. سأورد أمثلة تتعلق بنشاط المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي أنا عضو فيها، ومركزها القاهرة، وتأسست عام 1982 بليماسول في قبرص، حيث تمارس الدفاع عن حقوق الأفراد في فلسطين المحتلة من جهة، وحقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس من جهة أخرى. وهو موقف سليم ولم يعترض عليه أحد من نشطاء حقوق الإنسان ولا الزميل النصراوي. لأن الموقف سليم وعادل ومشروع. وهنا ينطبق بيت الشعر الذي كتبه الشاعر السوري أديب إسحاق الذي أراد نقد الموقف الخاطئ الذي يميز بين قتل شخص واحد وقتل شعب أو اغتصاب حقوق فرد وحقوق جماعة حين قال:
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر... وقتل شعب آمن مسالة فيها نظر
إن الخصوصية في الدفاع عن حقوق الإنسان الفردية حين تنتهك، لا تعني بأي حال تمييزها عن حقوق الجماعة حين تنتهك، فالفرد هو جزء من جماعة بشرية، إنهم مجموعة أفراد تنتهك حقوقهم بصورة مشتركة ولا بد لمن يدافع عن حقوق الفرد أن يدافع عن حقوق الجماعة المنتهكة حقوقها في بلد ما من جانب حكومة ذلك البلد أو الدولة بكل سلطاتها. حين تجاوز النظام السوري على حقوق الفرد في سوريا، تصدَّت له منظمات حقوق الإنسان وطالبت بالكف عن ذلك، وحين نهضت الحركة المدنية الديمقراطية مطالبة بحقوق الشعب في الديمقراطية والحريات العامة واضطهدها النظام السوري وزج بالمناضلين بالسجن وعرضهم للتعذيب، تصدَّت منظمات حقوق الإنسان منددة بالنظام الذي ينتهك حقوق الشعب ومدافعة عن حقق الشعب السوري بالحرية والديمقراطية والمجتمع المدني. وحين اضطهد صدام حسين الشعب الكردي واستخدم السلاح الكيمياوي, تصدت له منظمات حقوق الإنسان، بما فيها لجنة حقق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومنظمات عراقية حقوقية ... إلخ. الخصوصية هنا لا تعني التمييز بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة، فهي كلها حقوق، بل لأن هناك تمييز وانتهاك يشمل حقوق جماعة أكبر، يمكن أن يشارك في الدفاع عنها المجتمع الدولي، الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إضافة إلى الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان.           
3. كما يشير الزميل صلاح النصراوي بصواب، فأن موقفي من القضية الكردية ليس جديداً، بل هو يستند إلى المبادئ التي أحملها وقناعتي التامة بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان بكل وثائقها، وهي المبادئ التي رفع رايتها الحزب الشيوعي في العراق ودافع عنها وتعرض بسببها للاضطهاد والقمع حزباً وأعضاءً ومؤيدين، كما اقتنعت بها لاحقاً الحركة الاشتراكية العربية ورئيسها عبد الإله النصراوي. المسألة تعود إلى الثلاثينيات من القرن العشرين، أي منذ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي الأمين لمبادئه وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ولا وصاية لأحد عليها. يشكل العرب في العراق جزء من الأمة العربية الموزعة على الكثير من الدول، كما يشكل الكرد في إقليم كردستان العراق جزء من الأمة الكردستانية الموزعة على أربع دول في المنطقة. وهذه الأمة الكردية تقيم على أرض اسمها كردستان موزعة على الدول الأربع ذاتها. وكما كان من حق الشعوب العربية إقامة دولها من حق الكرد ايضاً، وليس في هذا أي غرابة أو مجافاة للمبادئ والحقائق على أرض الواقع. ولكن شعوب الأمة الكردية تعاني من اضطهاد قومي شوفيني وعنصري من الدول الأربع، ولاسيما في تركيا وإيران وموضوع الجنسية والإدارة في سوريا. وقد حقق الكرد في العراق بنضالهم المرير وبدعم من المناضلين العرب بعض النجاح في التمتع ببعض حقوقهم المهمة كالحكم الذاتي ومن ثم الفيدرالية. وليس في هذا أي فضل من أحد على الكرد، ومن حقهم أن يناضلوا في سبيل إقامة دولتهم الوطنية المستقلة في كل تلك الأقاليم الكردستانية. ومن واجب الناشط في مجال حقوق الإنسان أن يتبنى ممارسة هذا المبدأ الذي هو جزء أصيل من مبادئ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. إن ما يمارسه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الاضطهاد وقمع وسجن وتعذيب للمناضلين الكرد، إضافة إلى حرب يخوضها ضدهم وكذلك اضطهاد وتمييز ضد العلويين، كأفراد وجماعات أثنية ودينية، لا يمكن سكوت منظمات حقوق الإنسان عن كل ذلك، بل لا بد من إدانة الحرب والاضطهاد والتمييز بكل قوة ومن جانب منظمات حقوق الإنسان، وهذا ليس تدخلاً في السياسية، بل تدخلاً ضد انتهاك حقوق الأفراد وحقوق الجماعات التي هي جزء عضوي من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. إن القادة الترك يمارسون سياسية قومية شوفينية متطرفة لا يجوز القبول بها، بل لا بد من شجبها وإدانتها والمطالبة بموقف سليم وواضح إزاء حقوق الأفراد والجماعات البشرية في الدولة التركية. وهكذا حال الكرد في كردستان إيران حيث يتعرض الكرد هناك إلى اضطهاد وقمع ومحاربة لمن يطالب بحقوقه العادلة المشروعة كأفراد وكشعب كردي. 
حين تعرض الفرد المسيحي والإيزيدي والمندائي والتركماني، كأفراد إلى الاضطهاد دافعنا عنهم كناشطين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، وحين تعرضت هذه الجماعات، وليس كأفراد فقط، دافعت منظمات حقوق الإنسان العراقية في الداخل والخارج عن هذه الجماعات التي سلبت حقوقها وشردت وانتهكت أعراضها وبيع النسوة في "سوق النخاسة الإسلامي!"، أي حين تعرضت للإبادة الجماعة، ولم يظهر أي تمييز بين الفرد وخصوصية الجماعة، بل اتفق الجميع على صواب الدفاع عن الفرد والجماعة من جانب منظمات حقوق الإنسان ونشطائها. ليس هناك من مشكلة في اختلاف وجهات نظرنا الشخصية إزاء المسألة الكردية، ولكن يفترض ألَّا نختلف فيما يمس اضطهاد الفرد أو الجماعة في أي من حقوقها المشروعة والعادلة والتي تقرها اللوائح الدولية لحقوق الإنسان.
وحين تعرض العرب المسلمين إلى انتهاك بحقوقهم المشروعة كأفراد، أو حين تعرضت الجماعات المذهبية الشيعية أو السنية إلى اضطهاد من جانب نظام صدام حسين، ومن ثم من جانب النظام السياسي الطائفي الجديد، وحين بدأ القتل على الهوية وشمل جميع المسلمين شيعة وسنة، تصدَّت منظمات حقوق الإنسان ذات المبادئ السليمة والواعية لمهماتها لهذا النهج العدواني، سواء أكان من جانب الأحزاب الشيعية الحاكمة وميليشياتها الطائفية المسلحة، أم من جانب قوى الإرهاب السنية المتطرفة أو التكفيرية.                 
4. لا شك في وجود أحزاب ومنظمات سياسية ومنظمات مجتمع مدني تدافع عن مصالح جماعات بشرية معينة منها على سبيل المثال أحزاب كردستانية أو منظمات مجتمع مدني للكرد أو للشبك أو للتركمان أو للمندائيين أو للإيزيديين أو للمسيحيين، والتي يمكن أن تحمل أهدافاً محددة، وتتضمن مهمات تندرج ضمن مبادئ حقوق الإنسان. ولكن هذه المنظمات هي ليست تلك المنظمات التي أسست على أساس الدفاع عن حقوق الإنسان بغض النظر عن قومية أو دين أو جنس أو لون أو لغة هذا الإنسان أو ذاك، وهذه الجماعة أو تلك. إنها تدافع عن الجميع وأينما حصل اضطهاد للإنسان أو الجماعة أو أي شعب أيضاً. كيف نستطيع الدفاع عن إنسان مغاربي من الأمازيغ حين تنتهك حقوقه الفردية المشروعة والعادلة، ونسكت حين تنتهك حقوق الجماعة الأمازيغية وبضمنها الفرد الأمازيغي ذاته مثلاً في دول شمال افريقيا المغاربية؟ هذا التمييز غير منطقي لمن يعمل ويناضل كناشط في مجال الدفاع عن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها اللائحة العالمية لحقوق الإنسان. إن الفصل والتمييز موقف غير مقبول ويتنافى مع مهمات الناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. من هنا جاء في مقالي السالف الذكر الذي هو محور نقاشنا، بأن مبادئ شرعة حقوق الإنسان، بما فيها اللائحة الدولية، هي سلة واحدة لا يمكن انتقاء مبادئ وحقوق منها، ورفض مبادئ وحقوق أخرى، بذريعة أن حقوق الجماعة لها خصوصية تختلف عن حقوق الفرد، وأن الأخيرة هي من واجبات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. هناك خصوصية حين يكون الاضطهاد والتمييز جماعي لشعب كامل، ولكن هذه الخصوصية لا يعني بأي حال فصل الدفاع عن حقوق الأفراد حين تتعرض حقوقهم إلى الانتهاك عن حقوق الجماعة أو شعب ما في نضال منظمات حقوق الإنسان.       
14/09/2018


الاخ العزيز الدكتور كاظم حبيب المحترم
تحية طيبة، وبعد
استمتعت، كما هي العادة دائما مع كتاباتكم القيمة والغنية والمتنوعة، بموضوعكم الاخير عن حقوق الانسان في العراق والذي وصفتموه بانه "خلوة مع النفس بصوت مسموع". ولي، ان سمحتم، بعض الملاحظات التي هي حصيلة تجربتي وعملي في هذا المجال منذ سنوات اود ان اطرحها عليكم.
اولا: ان (حركة) حقوق الانسان في العراق حديثة النشأة وهي تعود الى فترة ما بعد الغزو الامريكي في للعراق عام 2003.لم يشهد العراق من قبل حركة حقوقية بالمعنى المتعارف عليه بسبب الانظمة القمعية والدكتاتورية التي توالت عليه، اما النشاطات الحقوقية المدافعة عن حقوق الانسان فقد كانت تجري في إطار عمل الاحزاب والجماعات السياسية باعتبارها مطالب عامة. ما شهدته حركات واحزاب المعارضة لصدام حسين في الخارج من تأسيس لمنظمات حقوقية، خاصة في اوربا، كانت بالتأكيد منظمات مسيسة انشأت لتخدم اغراضا سياسية وحزبية ودعائية في سياق العمل المضاد للنظام حتى لو انها كانت تساهم فعلا في فضح جرائم النظام وانتهاكاته لدى المجتمع الدولي.
ان الامراض العديدة التي تعاني منها (حركة) حقوق الانسان الان، او بعضها على اقل تقدير، تأتي من الارث الذي وصلها عبر منظمات الماضي وشخصياته التي كانت ولا زالت مسيسة اما بسبب ارتباطاتها او بسبب العادات والمنهج الذي تمرست عليه بالإضافة الى علاقاتها الحالية السياسية وارتباطاتها الايدولوجية، وما اضيف اليها الان من ارتباطات طائفية وإثنية (قومية).فالمتابع يعرف جيدا ان التجربة المحدودة للنشطاء السياسيين القدماء او السابقين في مجال  حقوق الانسان العراقية محدودة ولا يمكنها ان تفي باشتراطات عمل الحركات الحقوقية العالمية، وخاصة وفق المعايير العالمية لحركة حقوق الانسان الدولية.
هذا نقص او عيب اساسي يجب تشخيصه ومعالجته.
ثانيا: ان (حركة) حقوق الانسان في العراق تعاني من واستقطابات طائفية ومذهبية وإثنية ودينية شديدة حولت المنظمات (بعضها او الكثير منها) التي تعمل في هذا الاتجاه الى واجهات لطوائفها واديانها وإثنياتها وهذه مشكلة حقيقية ينبغي مواجهتها وحلها ومن دون مواجهة هذا التحدي لن تنجح الحركة الحقوقية العراقية في بناء نفسها وفي مواجهة الانتهاكات والتجاوزات الفظيعة. ان نشطاء حقوقيين يدافعون عن حقوق ابناء ملتهم وطائفتهم ودينهم فقط لا يمكن ان يدافعوا عن حقوق (الإنسان) بل لا يمكن ان يتمتعوا بالمصداقية المطلوبة لاكتساب شرف الدفاع عن حقوق الانسان.
المطلوب مواجهة هذا التحدي بكل قوة وجسارة وعلى كل الاصعدة كي تحصل الحركة الحقوقية العراقية على المصداقية والموثوقية وعلى بطاقة الدخول الى رحاب حركة الانسان العالمية. هذا الموضوع بالذات هو موضع اهتمامي وسأناقشه في ورقة في مؤتمر دولي في شهر تشرين الثاني القادم واتمنى ان تنعقد حوله ندوة عراقية خاصة للدفع بالمزيد من الافكار والرؤى بهذا الاتجاه، خاصة وان الصراعات الطائفية في العراق مستمرة، ولربما تتأجج مرة اخرى في اي وقت.
ثالثا: ان (فكرة) حقوق الانسان والتي اصبحت الان ميدانا من ميادين العمل الفكري والثقافي والفلسفي، اضافة طبعا للميادين الحقوقية والقانونية والسياسية، تدور جوهريا حول اساسيات وهي كل ما يتعلق بالحريات والحقوق والعدالة التي جاءت بها الثقافات والشرائع والاديان ولكنها اضحت مقننة باتفاقيات ومعاهدات دولية اصبحت هي الإطار القانوني الكوني الشامل الذي يتم الالتزام به ليس فقط لتأكيد شمولية حقوق الانسان وانما ايضا بربطها بالقانون الدولي وبالعلاقات الدولية متعددة الاوجه. ان الجميع يعترف بان الشمولية لا تعني عدم وجود خصوصية، ولكن هناك اصرار انه لا ينبغي ان تستخدم الخصوصيات بهدف التملص من الالتزامات الاساسية التي تعتبر الانسان انسانا مهما كان لونه او دينه او ..... إلخ.
من هذا المنطلق فان فكرة حقوق الانسان لابد ان تعني اولا بالفرد، اي الانسان، اما الجماعات او الاقليات او الاثنيات فان حقوقهم تأتي في إطار "الحقوق الجماعية" وليس الفردية وفي سياق القانون الدولي والاتفاقيات الخاصة بالأقليات والاثنيات. ان اخر من اهتم بالتأكيد والتركيز على هذه الفكرة هو المفوض السامي الاممي لحقوق الانسان السابق زيد بن رعد الحسين بقوله ان "مهمة المدافعين عن حقوق الانسان هي "الدفاع عن حقوق الافراد، اما الدفاع عن جماعات معينة ضد جماعات اخرى فانه يرتقي الى خلق لصراعات الغد." وانا اجدا ان هذه قضية مهمة جدا في السياق العراقي ينبغي مراعاتها لتجنب الخلط بين القضيتين.
رابعا: ان قضية حق تقرير المصير هي حق للشعوب وليس للأفراد ولا ينبغي الخلط بينهما. وفي السياق العراقي هذا موضوع في غاية الاهمية من الناحيتين السياسية والحقوقية ويجب ان يكون واضحا لدى العاملين في كلا النشاطين. ان حق تقرير المصير منذ ظهوره في اوربا في عهد تصاعد قضايا القوميات وتطوره بعد ذلك كمبدأ سياسي وحتى تبنيه في ميثاق الامم المتحدة وبعض وثائقها الاخرى هو حق خاص للشعوب للتخلص من هيمنة امة اخرى او من الاستعمار الاجنبي وليس حقا للأفراد وهو امر ضروري لإعطاء الامر بعدا سياسا بكل ما يتعلق الامر بقضايا الدولة والاستقلال والسيادة.
ان دفاع المدافعين عن حق الشعوب في تقرير المصير يأتي من ايمانهم بالحق وبالحريات والعدالة ولكن عدم تبنيهم او دفاعهم عن حق تقرير مصير يؤدي الى انفصال جزء من بلادهم لا ينزع عنهم هويتهم في كونهم نشطاء حقوقيين لأنهم يتخذون هنا موقفا سياسيا باعتبارهم مواطنين في دولة وليس باعتبارهم نشطاء حقوقيين. وفي الحالة العراقية فان نشطاء حقوق الانسان قد يدافعون عن حق الانسان الكردي كما يدافعون عن حق الشيعي والسني والمسيحي وغيرهم ولكنهم لا يرون بالضرورة انهم يشاركون الكردي حقه (الجماعي) في تقرير المصير. تلك قضيتان منفصلتان والربط بينهما لا ينفع بل يضر العمل الحقوقي.
من الطبيعي ان هناك كلام كثير بخصوص هذا الموضوع ولكني اشير اليه هنا باختصار لتركيزكم عليه في مقالتكم ولمعرفتي ايضا باهتمامكم الشخصي تاريخيا به ولكني مع كل الاحترام والود الذي أكنه لكم ولمسيرتكم الشخصية والنضالية والسياسية ارى من واجبي ان اطرح رأيا قد يكون مخالفا له مع اصراري على ضرورة ان تلتزم الحركة الحقوقية العراقية بالتفريق في عملها بين النشاطات المتعلقة بحقوق الانسان وبين الدعوة الى تأييد حق تقرير المصير للكرد. ان هذا الخلط يؤدي الى خلاف بشأن قضية ليست في صميم عمل الحقوقيين والى شق وحدة الحركة الحقوقية وبعثرة جهودها.
خامسا: هناك ملاحظات ايضا تتعلق بالمنظمات التي تعمل في مجال الدفاع عن حقوق الاقليات والإثنيات في العراق وهي تحتاج الى تفصيل كثير بشأن الفصل بين ما هو حق انسان (فردي) وحق جماعي للأقلية او الجماعة الدينية او الإثنية. ان نظرة عابرة على تسميات ونشاطات الكثير من المنظمات تكشف انها تندرج في إطار الدفاع عن حق الجماعة، وهو بطبيعة الحال حق مكفول وطبيعي ومشروع ومطلوب وخصص له القانون الدولي والاتفاقات الدولية حيزا كبيرا من التشريعات والمبادئ، ولكن لا ينبغي هنا ايضا الخلط بين ذلك وبين العمل في مجال حقوق الانسان على الرغم من ان الحركة الحقوقية ستظل تحمل دائما شعلة الدفاع عن هذه الجماعات ضد الانتهاكات التي تتعرض لها ضمن المعايير التي اختطتها حركة حقوق الانسان العالمية.
اشكرك جدا على اتاحة هذه الفرصة وايضا على رحابة صدرك (وهو أمر انا متأكد منه تماما) وارجو ان تتاح للإخوان في منظمات حقوق الانسان في العراق فرصة فتح باب النقاش بشأن هذه الافكار وغيرها بهدف تطوير عملها وادائها.
مع كل المحبة.
صلاح النصراوي


56
كاظم حبيب
الضغوط الإيرانية على قوى الإسلام السياسي العراقية.. إلى أين؟
تمارس الدولة الإيرانية بقضها وقضيضها، بكل سلطاتها ومؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والدينية، ضغوطاً متفاقمة ومتصاعدة يوماً بعد آخر على العراق حكومة وأحزاباً سياسية إسلامية وقومية، عربية وكردية، وميليشيات طائفية مسلحة و"منظمات مجتمع مدني!" إسلامية شيعية، من أجل إعادة إنتاج الوضع الطائفي المحاصصي القائم في العراق منذ العام 2003 حتى الوقت الحاضر، ولاسيما منذ أن تسلم المدعو إبراهيم الجعفري رئاسة الحكومة أثناء الاستفتاء على الدستور العراقي الجاري حالياً، حتى الوقت الحاضر. فلم تكتف بالهجوم الصاعق بكامل أسلحتها الإعلامية والدعائية الدينية وغير الدينية ضد رئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي، بسبب موقفه من العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، بل جندت كل ما تملكه من نفوذ سياسي واقتصادي واجتماعي-ديني مذهبي وعسكري للضغط على مقتدى الصدر وسائرون للموافقة على التنسيق والتعاون  وتشكيل الكتلة الأكبر مع قائد ميليشيا بدر الإيرانية النزعة والتكوين والمهمات، هادي العامري، والمسؤول الأول عن قائمة "فتح" التي تضم جزءاً من قادة الحشد الشعبي، بمن فيهم قيس الخزعلي، ومن لف لفه، من أتباع إيران في العراق. وهم بالتالي، يسعون إلى نسف ما طرحته قائمة "سائرون" من أهداف ومهمات، ولاسيما الابتعاد عن المحاصصة الطائفية ومحاربة الفساد والفاسدين، وأغلبهم في الأحزاب الإسلامية السياسية وفي قوائمهم الانتخابية ومن أتباع إيران، إضافة إلى رفض النفوذ والتأثير الأجنبي على القرار العراقي، ولاسيما إيران وتركيا ودول الخليج والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية. إن لهذه الدول كلها دون استثناء علاقات وامتداد في جميع المنظمات الإرهابية العاملة في المنطقة والخارج، ولاسيما تنظيم القاعدة وفروعه المحلية، ولهذا يفترض ألَّا نستغرب من احتمال التنسيق في التخريبات والحرائق التي أشعلت في البصرة لتشوه التظاهرات السلمية والمطالب الديمقراطية المشروعة لأهلنا في البصرة المستباحة.
إن تصريحات مقتدى الصدر اليومية المتباينة تجعل المتحالفين في "سائرون" في حيرة من أمرهم، فهم لا يستطيعون نشر تصريحات معارضة لتصريحات الصدر التي تنتقل من تحالف إلى آخر حسب مستوى الضغوط المسلطة عليه من إيران وحزب الله في لبنان وقوى داخلية ايضاً، ولاسيما من قاسم سليماني ومن معه من القوى الإيرانية المقيمة في العراق لفرض النهج الإيراني السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري على العراق، أو لهوى في نفسه!
كما إن القوى السياسية الكردية في كردستان العراق تتعرض هي الأخرى إلى ضغوط مماثلة سياسية واقتصادية واجتماعية، إضافة إلى ضغوط أمنية وعسكرية، وذلك بقصف مواقع في إقليم كردستان بذريعة قصف مواقع للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا). وقد أدى القصف الصاروخي الإيراني العدواني الأخير إلى استشهاد عدد غير قليل من المواطنات والمواطنين العراقيين والإيرانيين. ويهدف هذا الضغط إلى إقناع الكرد بكل السبل بضرورة تحالفهم مع فتح ومواصلة تأييد وجود نظام طائفي سياسي في البلاد، الذي كان، ولا يزال، السبب وراء الكوارث والمآسي التي عانى منها العرب والكرد والكلدان والآشوريين والسريان والإيزيديين والتركمان في محافظة نينوى وبقية العراقيات والعراقيين في أنحاء البلاد الأخرى، ومنهم المندائيين في جنوب ووسط العراق.       
إن إعادة إنتاج نظام المحاصصة الطائفي في العراق يعني دون أدنى ريب استمرار الفساد والإرهاب والتخلف والعجز عن التنمية وتوفير الخدمات وتغيير الواقع البائس والرث الراهن والبطالة المتفشية، يعني استمرار الدمج السلبي المدمر بين الدين (المذهب) والدولة، وهي مخالفة صريحة للدستور العراقي الراهن، رغم كل سلبياته ونواقصه. كما إنها ستجعل من العراق ساحة حقيقية للصراع الديني والمذهبي والموت المتجدد للمواطنات والمواطنين بصيغ مختلفة.
لقد طرح الحزب الشيوعي العراق، في مقال مهم في جريدة طريق الشعب لهذا اليوم (13/09/2018) تحت عنوان "البرنامج الاصلاحي الحقيقي هو المخرج"، رأيه في الأهداف التي يفترض أن تحققها الحكومة العراقية القادمة، وإذ أتفق مع تلك الأسس والأهداف، يبقى السؤال المشروع الذي يطرحه واقع العراق الراهن هو: هل في مقدور تحالف بين "سائرون" و"الفتح"، ومن معه، تحقيق مثل هذه الأهداف المهمة، علماً بأن الأخير، ومن معه، خاضع من قمة رأسه إلى أخمص قدميه في الدفاع عن هيمنة إيران على القرار السياسي والاقتصادي والدولي العراقي، والذي لا يأتمر إلا بأوامر الذي يقلده مذهبياً، المرشد الإيراني، على خامنئي، على حد تصريحاته بالذات والمنشورة في كل مكان. يقول الحزب الشيوعي العراقي بوضوح ما يلي:     
"ويتوجب القول ايضا في هذا السياق، ان من اهم حلقات الاصلاح تعزيز البناء المؤسسي للدولة بسلطاتها الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتجاوز حالة التشظي التي كرسها نهج المحاصصة، ومعالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، والتوجه الجدي نحو مكافحة الفساد وتجفيف منابعه وعوامل اعادة انتاجه، كذلك محاربة الفاسدين، واتخاذ التدابير القانونية والادارية الضرورية لتحقيق ذلك كله، واعادة هيكلة المؤسسات المعنية وذات الصلة." ثم يؤكد المقال ما يلي:
"ومن الضروري بجانب ذلك التشديد على استقلالية القرار الوطني العراقي، وقطع طريق التدخلات الخارجية، وتأمين تمتع المواطنين بحقوقهم وحرياتهم الدستورية، من دون قمع او ملاحقة او تضييق". ولا ينسى المقال تأكيد أهمية الاستجابة لمطالب الشعب في الخدمات ولاسيما الماء والكهرباء وفرص العمل.. وتخفيف معاناة الناس في كل أنحاء العراق.
أؤكد سلفاً، إن تشكلت حكومة بهذه البنية أو التحالفات، ستكون وبالاً على الشعب، لأنها تعيد إنتاج ما هو قائم الآن، ولن تكون قادرة على محاربة الفساد بالفاسدين، ولا التصدي للطائفية بالطائفيين الذين مرغوا جباه الشعب بالتراب والبؤس والفاقة والخراب، ولن تتخذ قرارات مستقلة، لأن إيران ستكون المصدرة لتلك القرارات، ولن تحل الميليشيات المسلحة لأن قادة المليشيات سيكونون في الحكم مباشرة. إنها المأساة والمهزلة المتوقعة!!!
 



57
كاظم حبيب
خلوة مع النفس بصوت مسموع حول الموقف من حقوق الإنسان
الدول التي عشنا فيها، نحن أبناء وبنات الدول العربية من قوميات عديدة وديانات ومذاهب واتجاهات فلسفية وفكرية متنوعة، كانت ومازالت، دول غير ديمقراطية، استبدادية، سواء أكانت ملكية أم جمهورية، وسواء أكانت النظم السياسية فيها تحكم عبر هذا الحزب أم ذاك، أم عبر هذه العائلة والعشيرة أم تلك، أم عبر العسكر أم شيوخ الدين، أم تحالف بين بعضها والبعض الآخر. فكل هذه النظم السياسية لم تعرف يوماً الديمقراطية حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق القوميات ولم تكف عن التمييز بين البشر، وهي نظم لم تكن من حضارة القرن العشرين ولا هي الآن من حضارة وثقافة القرن الحادي والعشرين. إنها نظم سياسية بالية تعود إلى ماضٍ سحيق ومرير.
ولدنا وترعرعنا وتربينا وعشنا في مجتمعات لم تعرف المعنى الحقيقي للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق أتباع الديانات والمذاهب والفلسفات، لم تعرف سوى عنف الدولة وسلطاتها الثلاث، وعنف العائلة وعنف الشارع والمدرسة بشكل عام. لم يعرف آباؤنا ذلك ولا أجدادنا المساواة في التعامل بين الرجل والمرأة أو بين العائلات أو بين البشر عموماً. فالتمييز كان حاضراً سواء أكان ضد الجنس الآخر، ضد المرأة، أم ضد الشخص الآخر من العشيرة الأخرى، أم من القومية الأخرى، أم من دين أو مذهب آخر. كان هذا في البيت والمدرسة والدوائر الحكومية وفي الشارع وعموم المجتمع. كان هذا في إطار الدولة العثمانية الثيوقراطية التي حكمت العراق ما يقرب من أربعة قرون عجاف وما بعدها.
كان العنف المنزلي والعنف في المدرسة من قبل المعلمين والمعلمات أو مدير ومديرة المدرسة، وكان في الشارع، وقبل هذا وذاك كانت الدولة بسلطاتها ومؤسساتها المختلفة، ولاسيما الأمنية، تمارس العنف ضد مواطنيها، وبالتالي ينعكس ذلك في سلوك الرعية أو المواطنين والمواطنات.
من يقرأ الكتب المدرسية في درس التاريخ مثلاً، سيجد العجب العجاب، سيتعلم، وهو في لا يزال صفحة بيضاء، تاريخنا العربي والإسلامي مقلوباً، سيجده ضد حقائق التاريخ. مليء بالكذب والادعاء والافتراء. يكرس العداوة والبغضاء ضد الآخر، سواء أكانت من قوميات أم شعوب أخرى أم من ديانات ومذاهب أخرى. نحن الأفضل والآخرون هم الأسوأ، إنها الرؤية النمطية الخاطئة والمضرة وذات المضمون الشوفيني والعنصري.   
من هذا الواقع المرير، وتحت وطأة هذه الظروف وفي فترات مختلفة، التحق البعض أو الكثير من المواطنين على نحو خاص، أي من أبناء وبنات هذه الدول، بمنظمات حقوق الإنسان، لأننا عانينا من مرارة الاستبداد وظلم الحكام وقسوة النظم السياسية. ولكن ونحن ندعي أننا نناضل من أجل حقوق الإنسان، وندعي فهمنا لها، ولا أعمم هذه الظاهرة على الجميع، أن بعضنا أو الكثير منا، ولا استثني نفسي، لم نعِ حتى الآن مضامين ومعاني مبادئ حقوق الإنسان وشرعتها وعياً كافياً، لم نستوعبها استيعاباً مناسباً، وبالتالي لم نتصرف في كل الأحوال تصرفاً يتناغم ويتفاعل مع تلك المبادئ. إن هذا الواقع ناجم عن الواقع الذي عشنا فيه ولم نتخلص من عواقبه في خلفيات تفكيرنا وسلوكنا، وتطفح على سطح الأحداث في الملمات وفي الحالات الحرجة التي تمسنا أو تمس مصالح من ننتمي أو ننتسب لهم.
الكثير من الديمقراطيين والتقدميين فقدوا البصر والبصيرة الواقعيين السليمين حين برزت الصراعات الطائفية، فقدوا بوصلة حقوق الإنسان وراحوا يتحزبون لهذه الطائفة أو تلك ويلتحقون بهذا الحزب الطائفي أو ذاك، أو يؤيدون طروحاته ويساندون سلوكياته التي تتعارض كلية مع مبادئ حقوق الإنسان، في حين أنهم لا زالوا أعضاء في منظمات تقول بأنها مع حقوق الإنسان، أو أنها في النشر مع حقوق الإنسان. هناك منظمات أسست على اساس الدفاع عن حقوق الإنسان، ولكنها تقف مع هذا الشعب أو ذاك حين يتعرض للتجاوز على حقوق الإنسان، ولكنها تنسى شعباً أخر حين يتعرض لانتهاك حقوقه، رغم معرفتها بما يجري في هذه الدولة أو تلك من الدول العربية، ولا تجد إلا القليل من الناشطين يعترضون على هذا النهج المتعارض مع حقوق الإنسان.
مبادئ حقوق الإنسان سلة متكاملة لا يمكن ولا يجوز الأخذ ببعضها وإهمال بعضها الآخر، لا يمكن ولا يجوز أن تسود الانتقائية في ممارسات من يعمل ويناضل في مجال حقوق الإنسان. هذا الموقف أعيشه يومياً حين أتابع نشاط بعض أو أغلب منظمات حقوق الإنسان في الدول العربية، ومنها العراق، وتلك التي في خارج دولها، سواء أكان في مجال العلاقات الإنسانية والاجتماعية، أم في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان أو في التعامل العائلي. إن بعض هؤلاء يعتبر عبئاً حقيقياً على عمل حقوق الإنسان، لأنهم لا يقدمون النموذج المطلوب لنشطاء حقوق الإنسان، بل يساهمون في الإساءة لحقوق الإنسان.
تجد عضواً في منظمات حقوق الإنسان يتبنى الدفاع عن حقوق الإنسان ينتقد هذا الحزب أو ذاك حين يرتكب تجاوزاً على حقوق الإنسان، ولكنه ينسى انتقاد الحزب الذي ينتمي إليه حين يرتكب تجاوزاً على حقوق الإنسان وانتهاكاً لها. إن مثل هذا الشخص لم يعِ بعمق ومسؤولية مبادئ حقوق الإنسان التي تستوجب خلع الحزبي عباءته الحزبية حين يحتكم لحقوق الإنسان، وإلا أصبح كـ "من يعلم على الصلاة ولا يصلي!"، أو كما جاء في "مسرحية الكاتب الفرنسى الكبير موليير "تارتوف" في العام 1664 رسم فيها شخصية رجل دين فاسد يسمى تارتوف، يسعى إلى إشباع شهواته الإنسانية الرخيصة وهو يتظاهر بالتقوى..."، (موقع حروفي، علاء الأسواني، الدين الشكلي، 12/05/2018). ووقد أصبحت شخصية تارتوف نموذجاً سيئاً لمن يتناقض سلوكه مع ادعاءه بالتدين، ونجد هذا في واقع الحال في عدد هائل من حكام العراق الحاليين من أعضاء الأحزاب الإسلامية السياسية ومن المساندين لهم.   
كان أغلب الديمقراطيين والتقدميين إلى جانب حق الشعب الكردي في تقرير مصيره التزاماً منهم بالمبادئ التي آمنوا بها، ومنها حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. ولكن حين مورست سياسات خاطئة من الحكومتين الاتحادية وإقليم كردستان العراق، وتطور الوضع سلبياً، انقلب البعض لا ضد السياسات الخاطئة التي مارستها الحكومة الكردستانية أو قيادة الإقليم السياسية فحسب، بل وضد حق تقرير المصير الذي هو جزء ثابت وأصيل من مبادئ حقوق الإنسان وحقوق الشعوب. وهكذا نجد هذا الموقف السلبي والخاطئ لدى بعض النشطاء ممن يعمل في منظمات حقوق الإنسان والأعذار التي تقدم كثيرة ولكنها غير مبررة وغير صحيحة.                           
الإنسان كيان قابل للتعلم، وليس فينا من ولد ورضع مبادئ حقوق الإنسان مع حليب أمه، بل حاولنا أن نتعلمها ولا زلنا نحتاج إلى الإمعان في تعلمها واستيعاب مضامينها وسبل الالتزام بها والدفاع عنها، وهو واجب أساسي ورئيسي من واجبات من يعمل كناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. من واجبنا أن نتخلص مما علق فينا من رواسب العلاقات في مجتمعاتنا التي تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان، سواء اكان في الوطن أم خارجه، ومهمة من هم في الداخل أصعب بكثير ممن هم في الخارج.

58
كاظم حبيب
مأساة البصرة ومهزلة جلسة التشريعي-التنفيذي المشتركة
من شاهد جلسة مجلس النواب العراقي الاستثنائية بحضور مجلس الوزراء ومحافظ البصرة، مع غياب 149 نائباً عن الجلسة، رغم الادعاء باستثنائيتها وأهميتها وعجالتها، يتيقن بأن المأساة التي يعيش تحت وطأتها  الشعب العراقي عموماً وأهل البصرة خصوصاً خلال هذا العام والأعوام السابقة، يقابلها مهزلة مروعة لا مثيل لها أبطالها السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، مهزلة الصراع على السلطة بين قوى وأحزاب سياسية إسلامية طائفية مقيتة حكمت العراق طيلة الفترة المنصرمة وشعارها الأول الاحتفاظ بالسلطة على وفق النهج القديم ومواصلة نهب الموارد المالية وتجويع الشعب وتركيعه لإرادتها ومصالحها غير المشروعة. من تتبع كلمات رئيس الوزراء والوزراء والوزيرات من جهة، ومحافظ البصرة ومن معه ونواب البصرة أدرك عظم الكارثة التي يعاني منها الشعب العراقي، فكل من هؤلاء لم يجد ما يعترف به أمام الشعب ويدين الأخطاء الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الخاطئة والخطيرة التي ارتكبها رئيس ومجلس الوزراء والوزراء من جهة، ومحافظ البصرة وبقية المسؤولين فيها من جهة أخرى، ومجلس النواب العراقي طيلة الأعوام المنصرمة من جهة ثالثة، بل كانت هناك اتهامات ومزايدات وادعاءات بأنهم عملوا كل شيء لكي لا تخرب البصرة ولا يتسمم أهلها ولا يجدون ماءً نقياً وتيار كهربائي مستمر و...إلخ، وأن أهل البصرة هم الذين خربوا كل شيء، كما يبدو من طريقة طرحهم وتحميل كل طرف الطرف الآخر المسؤولية عما حصل في البصرة وبقية أنحاء العراق. انكم تجسدون بسلوككم المثل الشعبي النابت والمناسب لأوضاعكم "غراب يگلة لغراب وجهك أبگع". لقد تسببتم وارتكبتم، وأنتم وأحزابكم جميعاً في الحكم، الكثير والكثير جداً من الكوارث والمآسي ومارستم أبشع الأساليب للحفاظ بهذه السلطة الطائفية المحاصصية المقيته، ولم تتورعوا عن استخدام الحديد والنار، سواء في العام 2011 أم هذا العام، بحق المتظاهرين السلميين الذين لم يطالبوا إلا بالماء والكهرباء والخبز والعمل الذي سرقتموه من أفواه وحياة الأطفال والنساء والشيوخ وبقية بنات وأبناء الشعب العراقي المستباح بكم.
كم كنتم أغبياء في أسلوب طرحكم لما قمتم به خلال مسيرة الـ 15 سنة المنصرمة: وعود عسلية كاذبة وخداع وضحك على ذقون الناس الطيبين والبسطاء والمخدوعين بكم وبأغلب شيوخ الدين والأدعياء منهم وكل المتحالفين مع هذا الحكم البائس والرث. كم أبديتم حمية في الدفاع عن أنفسكم في مواجهة الاتهامات المتبادلة وبأساليب سيئة متوترة وفارغة من أي معنى، في حين لم تظهر هذه الحمية المطلوبة في الدفاع عن مصالح الشعب وسيادة البلاد واستقلاله المشروخ بسلوك وتدخل دول الجوار. الوزيرات والوزراء الذين تحدثوا لم يجدوا نقصاً في عمل وزاراتهم، وبالتالي فالنواقص والأخطاء التي كانت ضمن الأسباب لما حصل ويحصل في البصرة، كان سببها الناس وليس الوزارات والوزراء والوزيرات وبقية المسؤولين الفاسدين دون استثناء.
هل تابعتم ما طرحه محافظ البصرة حين قال له رئيس الوزراء، لماذا تركت الموقع في هذا الظرف الحرج، فقال له: لقد طلبني "زعيم الشعب!" ولو كان قد طلبك لذهبت أيضاً.. هكذا يفهم هذا المحافظ العلاقة بين الحزب الذي ينتمي إليه و