عرض المشاركات - كاظم حبيب


عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - كاظم حبيب

صفحات: [1] 2 3
1
كاظم حبيب
نقاش هادئ مع السيد علي الشرع بشأن واقع العراق الراهن (1-4)
جاء ردّ السيد علي الشرع على مقالي حول موقفه من المستشار الاقتصادي السيد الدكتور مظهر محمد صالح متوتراً وفيه الكثير من الشخصنة التي لا تنفع النقاش، بل يفترض أن نركز على المسائل المركزية، وهو في ردّه اتبع نفس الأسلوب في الهجوم والنصيحة بعودتي إلى الاقتصاد وترك السياسة ونقد المرجعية والاهتمام بقضايا الشعب لأني أعيش في ألمانيا خارج العراق ولأن الناس لا تهتم بمقالاتي ورسائلي. أدرك إن الجهل بالشخص ليس عيباً، ولكن العيب حين يتوجه كاتب ما بالنقد لشخص دون أن يحاول معرفة هذا الشخص وكتاباته وتاريخه السياسي مثلاً. إذ لا يكفي أن يعرف أن كاظم حبيب من مواليد كربلاء، وهو ليس سراً، ولا يكفي ان يعرف أنه يعيش في ألمانيا، أو يكتب مقالات سياسية ورسائل للمرجعية لا يقرأها أو يهتم بها أحد. هذا غير كافي أخي السيد علي الشرع. سأحاول توزيع مناقشتي على وفق النقاط التي وردت في مقاله الموسوم "مع كاظم حبيب في دفاعه عن المستشار الاقتصادي للعبادي".
1.   كاظم حبيب والكتابة السياسية ونقد المرجعية
الكتابة السياسية ليست حكراً على أحد، بل يفترض أن يشارك فيها جميع أبناء الشعب، ويبقى السؤال مستوى المشاركة والاحتراف وتأثيرها. وبالتالي من حقي ومن حق كل إنسان أن يكتب في السياسة لأنها تؤثر على حياة الشعب ووجوده ومستوى معيشته ودوره ومستقبل العراق. ورغم ذلك فأنا من سياسي الخمسينيات من القرن الماضي وعضو في الحزب الشيوعي منذ العام 1952 وسجين ومُبعد سياسي في العهد الملكي لسنوات أربع، ومعتقل ومعذب في العهد البعثي في العام 1978، ونصير في حركة أنصار الحزب الشيوعي العراقي لسنوات خمس في النضال ضد نظام البعث. كما كنت لسنوات كثيرة عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ولسنوات عدة عضواً في المكتب السياسي للحزب. وبعدي عن العراق لم يمنعني من زيارة العراق باستمرار والتعرف على أوضاع الشعب، ومنهم أهلي، وأعرف بعمق معاناة الشعب والجوع والحرمان والموت المستمر بسبب سياسات الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها المسلحة ومن يدافع عنها وعن تدخل المرجعية في السياسة، التي نتج عنها الوضع المأساوي الذي يعيش تحت وطأته الشعب العراقي طيلة السنوات الـ 15 المنصرمة. فأنا سياسي ولست طارئاً عليها ولا من سياسيي الصدفة. أما في مجال الاقتصاد، حيث كنت أستاذاً في الجامعة المستنصرية وفي جامعة الجزائر، وصدر لي الكثير من الكتب في هذا المجال، ولي مقالات بالمئات حول الاقتصاد العراقي واقتصاديات البلدان العربية والنامية وعن الوضع الاقتصادي الخرب في فترة حكم البعث الإجرامي والفترة المظلمة الراهنة ومنشورة في الحوار المتمدن وفي الكثير من المجلات والمواقع والكتب. والجهل بها ليس عيباً، ولكن العيب في أن يُعيَّر الشخص لأنه يكتب بالسياسة ولا يكتب بالاختصاص. لقد طرحت مشروعاً متكاملاً حول تطوير الاقتصاد العراقي وحول اقتصاد كردستان العراق قبل الغزو والاجتياح الداعشي، ونشرته على نطاق واسع. وكم كنت أتمنى لو قرأت مناقشاتي مع الأستاذ الدكتور سيار الجميل أو الدكتور محمد علي زيني أو الدكتور بارق شبر أو غيرهم والتي هي منشورة في المواقع، وربما ينفع أن تقرأ الكتاب الموسوم الرثاثة في العراق: أطلال دولة ... رماد مجتمع، نصوص تشريحية للوظيفة الهدمية للإسلام السياسي"، الذي صدر في العام 2015 عن دار ميزوبوتاميا لمجموعة من الكتاب وتحرير الدكتور فارس نظمي، يتصدر الكتاب مقالي الموسوم: "الاقتصاد السياسي للفئات الرثة الحاكمة في العراق" بقلم أ. د. كاظم حبيب.
أما نقدي للمرجعية، فهو حق مشروع لمن يعي دور الدين ودور المرجعية في المجتمع. وليس غريباً رفضك لموقف، إذ أن هناك فريقين، فريق يريد ربط الدين بالسياسة والدولة وفريق يرفض ذلك وأنا من الفريق الثاني، لأن مجتمعا مثل المجتمع العراقي حيث تتعدد فيه الديانات والمذاهب لا يمكن أن يربط أحد الديانات بالدولة حتى لو كان دين الأكثرية. فالدولة لا دين لها لأنها شخصية معنوية، ويتوجب على الدولة أن تكون حيادية إزاء جميع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية غير العنصرية والشوفينية والطائفية، وأن تعامل كافة المواطنات والمواطنين على أساس المساواة في المواطنة الحرة والمشتركة وليس على أساس الدين والمذهب أو القومية. بغير ذلك يبدأ التمييز بين الديانات والمذاهب وأتباعها وهو ما يعيش المجتمع العراق الآن بسبب القول بأن الإسلام دين الدولة وأن المرجعيات الشيعية والمؤسسات الدينية السنية تتدخل بالسياسة من أوسع أبوابها، وكانت أحد أبرز الأسباب فيما يعاني منه الشعب من حكم الأحزاب السياسية الإسلامية، وهو خروج عن المعروف عن دور المرجعية الشيعية في زمن السيد أبو الحسن الموسوي وقبله وبعده بفترة.
المرجعية الشيعية يفترض فيها أن تتخذ موقفاً اجتماعياً إزاء ما يحصل في البلاد ولها الحق في نقد النواقص التي تؤذي الشعب، ولكن لا أن تتدخل في دعم هذا الحزب أو ذاك، أو في دعم الأحزاب الإسلامية السياسية التي خربت البلاد وساهمت في موت مئات الآلاف من البشر.
انتقادي للمرجعية يأتي من باب آخر أيضاً في كونها لا تتخذ الموقف المناسب من البدع التي يمارسها حشد من الشيعة في مناسبات العزاء على الشهيد الحسين بن علي بن ابي طالب وصحبه، والذي هو إساءة كبرى للإسلام والمذهب الشيعي معاً. كما إن هذه البدع ليس فيها أي احترام للشهداء الأبرار، وقد رفضها علماء أخيار في العراق ولبنان وإيران، ولكن لا يتصدى لها السيد علي السيستاني أو المراجع الشيعية الأخرى، وهو أمر غير مقبول. وإليك أراء بعض المراجع الشيعية بشان طقوس عاشوراء: 
1.   آية الله العظمى السيد محسن الحكيم "إن هذه الممارسات (التطبير) ليست فقط مجرد ممارسات... هي ليست من الدين وليست من الأمور المستحبة بل هذه الممارسات أيضا مضرة بالمسلمين وفي فهم الإسلام الأصيل وفي فهم أهل البيت عليهم السلام ولم أرَ أيا من العلماء عندما راجعت النصوص والفتاوى يقول بان هذا العمل مستحب يمكن إن تقترب به إلى الله سبحانه وتعالى إن قضية التطبير هي غصة في حلقومنا".
2.   آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي: في رده على سؤال حول إدماء الرأس وما شاكل يقول "لم يرد نص بشرعيته فلا طريق إلى الحكم باستحبابه)) راجع: المسائل الشرعية ج2 ص 337ط دار الزهراء بيروت.
3.   آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر في جوابه لسؤال الدكتور التيجاني حين زاره في النجف الاشرف " ان ما تراه من ضرب الأجسام وإسالة الدماء هو من فعل عوام الناس وجُهّالهم ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء بل هم دائبون على منعه وتحريمه" راجع: كل الحلول عند آل الرسول ص 150 الطبعة الأولى 1997 م للتيجاني.
4.   آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني "ان استعمال السيوف والسلاسل والطبول والأبواق وما يجري اليوم من أمثالها في مواكب العزاء بيوم عاشوراء باسم الحزن على الحسين (عليه السلام) انما هو محرم وغير شرعي". راجع: كتاب هكذا عرفتهم. الجزء الأول لجعفر الخليلي.
5.   آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي "على المؤمنين الأخوة والأخوات السعي إلى إقامة مراسم العزاء بإخلاص واجتناب الأمور المخالفة للشريعة الإسلامية وأوامر الأئمة (عليهم السلام) ويتركوا جميع الأعمال التي تكون وسيلة بيد الأعداء ضد الإسلام، إذ عليهم اجتناب التطبير وشد القفل وأمثال ذلك..."
6.   آية الله العظمى السيد كاظم الحائري "ان تضمين الشعائر الحسينية لبعض الخرافات من أمثال التطبير يوجب وصم الإسلام والتشيع بالذات بوصمة الخرافات خاصة في هذه الأيام التي أصبح إعلام الكفر العالمي مسخرا لذلك ولهذا فممارسة أمثال هذه الخرافات باسم شعائر الحسين (عليه السلام) من أعظم المحرمات".
7.   آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله "... كضرب الرأس بالسيف أو جرح الجسد أو حرقه حزنا على الإمام الحسين (عليه السلام) فانه يحرم إيقاع النفس في أمثال ذلك الضرر حتى لو صار مألوفا أو مغلفا ببعض التقاليد الدينية التي لم يأمر بها الشرع ولم يرغب بها." راجع: إحكام الشريعة ص 247.
8.   آية الله الشيخ محمد مهدي الاصفهي "لقد دخلت في الشعائر الحسينية بعض الأعمال والطقوس فكان له دور سلبي في عطاء الثورة الحسينية وأصبحت مبعثا للاستخفاف بهذه الشعائر مثل ضرب القامات.". راجع: عن كيهان العربي 3 محرم 1410 هـ.
9.   آيه الله العظمى السيد محسن الأمين ".... كما ان ما يفعله جملة من الناس من جرح أنفسهم بالسيوف أو اللطم المؤدي إلى إيذاء البدن إنما هو من تسويلات الشيطان وتزيينه سوء الأعمال." راجع: كتاب المجالس السنية. الطبعة الثالثة ص 7.
10.   آيه الله محمد جواد مغنية ".... ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان والعراق وإيران كلبس الأكفان وضرب الرؤوس والجباه بالسيوف في العاشر من المحرم ان هذه العادات المشينة بدعة في الدين والمذهب وقد أحدثها لأنفسهم أهل الجهالة دون ان يأذن بها إمام أو عالم كبير كما هو الشأن في كل دين ومذهب حيث توجد فيه عادات لا تقرها العقيدة التي ينتسبون إليها ويسكت عنها من يسكت خوف الاهانة والضرر." راجع: كتاب تجارب محمد جواد مغنية.
11.   آية الله الدكتور مرتضى المطهري "ان التطبير والطبل عادات ومراسيم جاءتنا من ارثودوكس القفقاز وسرت في مجتمعنا كالنار في الهشيم." راجع: كتاب الجذب والدفع في شخصية الإمام علي (عليه السلام). "
وهناك أسماء كثيرة ضد ظاهرة التطبير وغيرها ومنهم آية الله العظمى الشيخ محمد علي الأراكي  (1312هـ - 1415هـ)، السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، وآية الله الشيخ محمد باقر الناصري، والعديد من كبار المراجع الدينية الشيعية.
وقولك بأن مقالاتي لا يهتم بها أحد، فهو ما لا استطيع تقديره ولك الحق في قول ذلك، وكان الأجدر بهيئة تحرير جريدة العالم أن تخبرني، إن كان حقاً عدم وجود اهتمام بمقالاتي، لكي أكف عن الكتابة لها.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية. 
12/08/2018               


2
كاظم حبيب
نتائج العدّْ اليدوي وتشكيل الحكومة العراقية الجديدة
انتهى العدّْ اليدوي للتدقيق في نتائج الفرز الإلكتروني وتبين عن وجود تباينات طفيفة جداً لم تغير من نتائج الفرز الإلكتروني. وهذه الحقيقة لا تغير من واقع ما أجمع عليه المراقبون في العراق من أن الانتخابات في العراق شابها الكثير من عمليات تزييف إرادة الجماهير من خلال شراء أصوات الناخبين، ولاسيما الفقراء منهم والمعوزين والبسطاء والمخدوعين، أو مشاركة جمهرة من شيوخ الدين في التأثير على مسيرة التعبئة للانتخابات لصالح هذا الحزب الإسلامي أو لهذه المليشيا الطائفية الشيعية المسلحة أو تلك، ولاسيما في المناطق التي تعرضت للدمار، إضافة إلى قانون الانتخابات السيء الصيت والتدخل الإقليمي في هذه الانتخابات لصالح قوى بعينها عبر الأموال والدعاية التلفزيونية الأفراد. وبالتالي فالعدّْ اليدوي لا يغير من تلك الحقيقة، ولكن يؤكد إمكانية استخدام الفرز الإلكتروني في استخراج نتائج الانتخابات حين تكون الانتخابات نظيفة وعادلة.
تفتح نتائج العدّْ اليدوي لنتائج الانتخابات الباب على مصراعيه لتشكيل التحالف الأكبر الذي يمكن تكليف أحد مرشحيه لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة. ومنذ بدء الإعلان عن نتائج الفرز الإلكتروني بدأت الحوارات حول تشكيل الكتلة الأكبر، وبدأ الصراع الحقيقي والتدخل الخارجي، ولاسيما الإقليمي في التأثير على مجرى تشكيل الكتلة الأكبر. وإذا كانت قائمة سائرون قد أكدت في برنامجها الانتخابي وفي حديث مقتدى الصدر، أو أعضاء في قيادة سائرون، إلى أنهم يرفضون تشكيل حكومة على أساس المحاصصة الطائفية ويسعون إلى تشكيل حكومة عابرة للطوائف وعلى ضوء برنامج مدني يحمل معه موم الناس، فأن قائمتي فتح ودولة القانون أكدتا بما لا يقبل الشك أنهما يسعيان إلى تشكيل الكتلة الأكبر اعتماداً على ذات الأسس الطائفية ومحاصصاتها في تشكيل الحكومة الجديدة وأن مرشحهما واحداً من اثنين: إما المالكي وإما هادي العامري، وكلاهما مسؤولان بشكل مباشر أو غير مباشر عن الحشد الشعبي والميليشيات الطائفية المسلحة وما جرى في العراق خلال السنوات المنصرمة من مآسي وكوارث ودماء ودموع وفساد لا حصر لها. في حين بقي مركز رئيس الوزراء لقائمة سائرون يتراوح بين اسمين أو ثلاثة أكثرهم حظاً في الحصول عليه ولدورة ثانية، كما يبدو، هو حيدر العبادي.
كان هناك أكثر من احتمال لتشكيل القائمة الكبرى، ولاسيما في ضوء الحوارات والتقلبات في الرؤية أو الرغبة أو الاحتمال، ولكن التحالف الذي بدا أكثر حظاً في تشكيل الكتلة الأكبر في الانتخابات هو الذي يستند إل القوائم الانتخابية التالية:
سائرون 54 مقعداً نيابياً، النصر 42 مقعداً نيابياً، الوطنية 21 مقعداً نيابياً، والحكمة 19 مقعداً نيابياً، إذ مجموع القوة التصويتية له هي 136 صوتاً من مجموع 329 صوتاً. يبقى هنا أصوات الأحزاب والقوى الكردية في كردستان العراق. فإذا أضيف لمجموع مقاعدة التحالف المشار إليه في أعلاه عدد أصوات الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ومجموعهما 35 صوتاً، ستكون القوة التصويتية لهذا التحالف المحتمل 171 صوتاً في المجلس الجديد، وبالتالي يشكل الكتلة القادرة على الحصول على أكثر من نصف أصوات أعضاء مجلس النواب وعددها 165 صوتاً. وهذا الاحتمال هو الأكثر حظاً حتى الآن. من الممكن أن يحصل هذا التحالف على أصوات أخرى من قوائم فازت بعدد قليل من الأصوات وضمن القوى المدنية والديمقراطية، عندها سيمتلك هذا التحالف قوة تصويتية مريحة في التصويت على قرارات مجلس النواب. بيضة القبان لهذا التحالف مرتبطة بأصوات القوائم الكردية ولاسيما قائمتي الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. 
أما التحالف الآخر الذي تضغط إيران بقوة على تشكيله فهو من مكون من قوائم الفتح ودولة القانون والنصر والحكمة، وربما يسعون إلى جر سائرون له لتفليشه، ليبقى في الغالب تحالفاً شيعياً طائفياً بامتياز، وفي حالة رفض سائرون يسعون إلى تشكيل تحالف من القوى الأربع الأخرى، إضافة إلى محاولة كسب الاتحاد الوطني الكردستاني أو قائمتي الكرد وربما قوائم كردية أخرى صغيرة. هذا التحالف لا تصل قوته التصويتية إلى قوة تحالف سائرون مع النصر والوطنية والحكمة والكرد، وبالتالي من الواقعي القول باحتمال قيام حكومة تمثل قوى التحالف الأول، وتكون في الغالب برئاسة حيدر العبادي.
ولكن هذا التحالف يفترض فيه أن يضع برنامجه الانتخابي زائداً الموقف من القضية الكردية ومن مطالب الكرد المشروعة والعادلة والواقعية ضمن برنامجه ليستطيع السير في تشكيل الحكومة وفي الحصول على تأييد أوسع مما هو عليه رئيس الحكومة الحالية من تراجع شديد في تأييد الناس له وللأحزاب الإسلامية السياسية.
هناك افتراض أن يقوم رئيس الوزراء الحالي، وبعد تشكيل التحالف وتشكيل الوزارة الجديدة، بتحويل حزبه أو قائمته إلى حزب مدني، وكذا تيار الحكمة، فهل هما في مستوى الأحداث والتغيرات المطلوبة في الساحة السياسية العراقية؟ لم يبرهن الطرفان على مثل هذا التوجه الفعلي خلال الفترة المنصرمة رغم حديثهما عن المدنية. كما إن المسألة مرتبطة بمدى قدرة مقتدى الصدر وتياره التحول من مجموعة سياسية شيعية، إلى مجموعة سياسية مدنية تتناغم مع التصريحات الكثيرة التي أطلقت قبل واثناء الانتخابات العامة، والتخلص من حالة التقلبات في التصريحات والتي تقع بين مدينتي "نعم" و "لا"، على حدِّ قول الشاعر الروسي افتوشنكو!
الصراعات الداخلية المتأثرة بالصراعات والضغوط الخارجية، الإقليمية منها والدولية، على القوى السياسية العراقية ستكون شديدة الوطأة على الجميع خلال هذه الفترة. ولا بد من حركة جماهيرية واسعة تواصل ضغطها بالاتجاهات التي تبلورت في الحراك المدني وفي مظاهرات الجنوب والوسط خلال شهري تموز وآب، والتي لا تزال لم تتوقف حتى الآن وبصيغ مختلفة، لكي يمكنها فرض برنامجها في الإصلاح والتغيير على مجلس النواب وعلى تشكيل الحكومة الجديدة، إذ بغير ذلك سيتواصل الوضع الطائفي البائس والفساد والإرهاب المدمر لوحدة العراق وشعبه ومستقبل بناته وأبناءه.                     

3
كاظم حبيب
هل قادة حزب الدعوة متماثلون في كل شيء سيء؟
حين انتزع المالكي رئاسة الوزراء من رئيس حزبه السابق إبراهيم الجعفري، الذي رفض تسليم المسؤولية ما لم يمنح أعلى راتب يمنح في العراق، كما اشارت إلى ذلك الصحف في حينها وفيما بعد، أقسم على مكافحة الإرهاب والفساد وتحقيق التقدم. وبقي في السلطة بالرغم من إرادة الشعب، بل بمساومة معروفة في ظهران ومخلة بالدستور العراقي على نواقصه، بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، وبين المالكي ومسعود البارزاني وبعض قادة الأحزاب السنية من جهة أخرى، وبموافقة تامة من رئيس الجمهورية حينذاك مام جلال الطالباني لدورة ثانية وبالتالي حكم العراق بين 2006-2014. وحين اُنتزعَ منه موقع رئيس الوزراء انتزاعاً، كان العراق بفضله قد انحدر إلى مستنقع لا قرار فيه، حيث تفاقمت الطائفية المقيتة والعداء لأتباع الديانات الأخرى والإرهاب العنيف واحتلال أجزاء كبيرة من العراق، كما أصبح الفساد المتعدد الأشكال في عهده المشؤوم نظاماً متكاملاً يمارس علانية ودون خجل وبمليارات الدولارات، والتي طرح البنك المركزي حجم الموارد المالية المتحققة خلال الفترة الواقعة بين الفترة بين "خلال السنوات 2005-2017 ما يقرب من 706.23 مليار دولار أميركي، وبلغ مقدار ما أنفق منها 703.11 مليار دولار، أي ما نسبته 99.5% من حجم الإيراد الكلي، والمتبقي كما في 31/12/2017 دُوِّر إلى رصيد افتتاحي لحساب وزارة المالية في بداية عام 2018". (راجع، عدنان حسين، تقرير البنك المركزي جيد، لكنه ناقص.."، 01/08/2018). ولم ينشر البنك ولا وزارة المالية كيف صرف هذا المبلغ وكيف سرق وفرط به، دع عنك نهب النفط الخام والآثار وقوت الشعب وما إلى ذلك. وكانت وعود الملاكي بمحاربة الفساد والكشف عن الفاسدين بمثابة اللازمة التي يذكرها باستمرار ولا يكشف عنها، ولكن المثل العراقي النابت "اللي جوه أبطه عنز يبغج" كان متطابقاً مع سلوكه تماماً، وكأنه قيل بشأنه. أي أنه ترك العراق أسوأ مما سلم له في فترة إبراهيم الجعفري.
وحين أصبح الأمر لا يطاق استبدل المالكي بعضو قيادته ومكتبه السياسي وقائمته حيدر العبادي. وكما أقسم سلفه اليمين الدستوري، اقسم العبادي يمينياً دستورياً غليظاً بمكافحة الطائفية والفساد وتحقيق الإصلاح. فرح حسنو النية كثيراً في الخلاص من المالكي أولاً، وبالوعود التي أغرق العراقيات والعراقيين بها على مدى سنوات حكمه المنصرمة ثانياً. فما أن يتقدم بخطبة عصماء في محفل لشيوخ العشائر، وهي كثيرة جداً، أو يدلى بتصريحات، زادت كلها على خطب وتصريحات رئيس حزبه المالكي بمرات، إلا وتحدث عن الفساد والتصدي له ومحاربته. ولكنه لم يتقدم حتى ربع خطوة على هذا الطريق، بل راوح في مكانه، وكأنه أصيب بشلل الحركة. ولكن العبادي طلع علينا يوم أمس بتصريح جديد قال فيه بأنه سينشر أسماء الفاسدين ويطلب تقديمهم للمحاكمة! عفارم على هذا التصريح، إنها محاولة للوصول إلى ترشيح جديد لرئاسة الوزراء دون أن يقدم للناس تلك الحيتان الكبيرة التي التهمت أموال العراق النقدية ونفطه وقوت الشعب، عفارم عليك رئيس وزراء العراق سنسمع بعد أيام أسماء حيتان صغيرة ممن هم وسطاء للحيتان الكبيرة تُستخدم ككبش فداء لوعوده الكثيرة ويترك الحيتان الكبيرة التي هي في حزبه وفي الأحزاب الإسلامية السياسية وفي بقية الأحزاب الحاكمة على مستوى العراق كله بعيدة عن ان تصاب بأذى! إن وعوده ومواعيده بالكشف عن الفساد لا تبتعد عن قول الشاعر كعب بن زهير في قصيدته "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول"، ومعذرة للشاعر لتغييري المؤنث بالمذكر:
مواعيدُ عُرقوبٍ له مثلاً          وما مواعيدهُ إلَّا الأباطيلُ
أتحدى رئيس وزراء العراق إن يتجرأ ويعلن عن الحيتان الكبيرة الفاسدة في قيادة حزبه والأحزاب الأخرى وفي الحكومة ومجلس النواب والقضاء العراقي، أتحدى رئيس الوزراء إن تجرأ بقول الحقيقة ووضع اليد على من تسبب في كل الوارث التي وقعت في العراق منذ وصول المالكي، دع عنك فترة الخائب إبراهيم الجعفري الذي يعتبر أول من حول أجهزة الدول الأمنية والجيش والشرطة إلى أجهزة مليئة بقيادات وكوادر وأعضاء الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة حتى يومنا هذا، والتي كانت السبب وراء احتلال الموصل ونينوى وقبلها المحافظات الغربية، وما وقع فيها من إبادات جماعية ومجزرة سپايكر .. الخ.
لنرى كيف سيتصرف بهذا الوعد الجديد الذي لم يحدد تاريخ إعلان أسماء الفاسدين وتركها ربما للمساومات القادمة لتشخيص اسم رئيس الوزراء والتحالفات الكبيرة لتشكيل الحكومة القادمة، ثم ينسى بعدها، كما نسي نوري المالكي قوله في عام 2014 بـ"ان لديه ملفات فساد لو كشفها لأنقلب عاليها سافلها، .."!!!   
يبدو لي، وارجو ألّا أكون متفائلاً جداً، بأن الشعب لم يعد قادراً على تحمل من يضحك على ذقنه ويمارس اللعب بالكلمات ليتجاوز تنفيذ ما تطالب المظاهرات التي انطلقت مع أوائل تموز/ يوليو 2018 ولا تزال مستمرة حتى الآن رغم التآمر الصارخ على وأدها!!   
01/08/2018

4
كاظم حبيب
طوق نجاة المرجعية الشيعية يناقض طبيعة النخب الإسلامية الحاكمة!
ما كان ينبغي للمرجعية الدينية الشيعية في النجف أن تتدخل في السياسة وتزج نفسها فيما لا يعنيها، وأن تحافظ على موقعها الديني والاجتماعي من كل العراقيات والعراقيين من مختلف الديانات والمذاهب، كما كان عليه الموقف الممتاز والمتقدم الذي اتخذه السيد أبو الحسن الموسوي في أربعينيات القرن العشرين ورفض التدخل في الحية السياسية. ما كان ينبغي أن تخوض المرجعية المذهبية في السياسية من أوسع أبوابها وتؤيد بحرارة وقوة الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية إلى الحد الذي جعلها وتلك الأحزاب في موقع واحد ومسؤولية واحدة إزاء ما جرى ويجري في العراق منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية – الصدامية في العام 2003 حتى يومنا هذا (صيف عام 2018)، لتبدأ من جديد ف محاولة منها لتوفير طوق نجاة لهذه القوى الإسلامية السياسية الشيعية، ومع قوى وأحزاب سنية طائفية مماثلة، والتي أذلت مجتمعة كل الشعب العراقي وداست على كرامته وساهمت في قتل أبناءه وبناته وتشريدهم وتهجيرهم، وجوعت الملايين من البشر وسرقت المئات من المليارات من الدولارات الأمريكية من خزينة الدول العراقية وفرطت بالكثير منها بصور شتى. نعم، ما كان لهذه المرجعية الدينية والمذهبية، التي كانت لها هيبة في نفوس مقلديها وبقية الناس، أن تسمح باستخدامها من قبل أحزاب إسلامية سياسية لا هم لها سوى ملء الجيوب وسرقة اللقمة من أفواه الفقراء والمعوزين واليتامى والأرامل وكل الكادحين. لقد كان المفروض ومنذ اليوم الأول ان تنأى المرجعية الشيعية، وكل المرجعيات الشيعية الأخرى، والمؤسسات الدينية السنية، بنفسها عن الولوج في نفق السياسة المظلم الذي خلقته الأحزاب التي ساندتها ومنحتها بركاتها!!     
واليوم تواجه المرجعية الخراب والدمار والموت والهجرة الواسعة التي حلت بالعراقيات والعراقيين نتيجة سياسات هذه الأحزاب وتأييدها لها، إذ خطب الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل مرجعية السيد على السيستاني، فقال ما يعرفه ويعيشه كل الشعب يوميا: "يعلم الجميع ما آلت اليه اوضاع البلاد وما تعاني منه هذه الايام من مشاكل متنوعة وأزمات متشابكة، وكانت المرجعية الدينية تقدّر منذ مدة غير قصيرة ما يمكن ان تؤول اليه الامور فيما اذا لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية وجادة في سبيل الاصلاح ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية،..". وفي هذا المقطع إدانة صريحة للحكم وأسلوبه وعواقبه، ولكنه في الوقت نفسه يذكرنا بمن أيد أولاً بأول هذا الحكم وسانده في أربع دورات انتخابية بين 2005-2018. ولا يمكن أن يلغي ذلك التأييد قول الخطيب: "ومن هنا قامت (المرجعية، ك. حبيب) على مرّ السنوات الماضية بما يمليه عليها موقعها المعنوي من نصح المسؤولين والمواطنين لتفادي الوصول الى الحالة المأساوية الراهنة." أقول مرة أخرى القضايا المطروحة كلها إدانة صارخة لنظام الحكم الطائفي المقيت ولأركانه وأحزابه السياسية الإسلامية الحاكمة، سواء من تولى الحكم بعد إسقاط الدكتاتورية ومن هم في الحكم حالياً، ولكنه لا يطالب بتخلي هؤلاء عن الحكم، بل يدعوها له شرط إجراء بعض الإصلاحات.
ولكن ماذا يراد من هذه الخطبة؟ من يطالع هذه الخطبة سيجد نفسه أمام بعض المسائل المهمة التي لا بد من ذكرها لنفهم حقيقة الموقف وما يجري في العراق ودور هذه النخب الحاكمة وكذلك دور مرجعية السيد السيستاني. فالخطبة المعبرة عن موقفه تعتبر من حيث المبدأ:
** بمثابة طوق نجاة، أي محاولة لإنقاذ أحزاب الإسلام السياسي الحاكمة من خسارة الحكم، وهي التي لا تستحق النجاة بأي حال، لأنها غاصت في دماء ودموع ومآسي العراقيات والعراقيين ودمار بلدهم ونهب خيراته وموارده على مدى 15 عاماً، بحيث لا يمكن أن يغفر لها الشعب، علماً بأن هناك من عمل باستمرار على غلق بصيرة وبصر الشعب عن الجرائم التي ارتكبتها الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة حتى الآن بحق الشعب.
** وهي بمثابة طوق نجاة لنظام الحكم الطائفي السياسي، الذي ليس في الخطبة ما يدين الطائفية السياسية والسياسات التي انتهجها النظام باسم "المظلومية الشيعية" بشكل مباشر، وليس فيها دعوة حقيقية لنظام حكم مدني ديمقراطي، رغم الحديث العام عن " الاصلاح ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية"!
** وهي محاولة، وعبر التدخل في السياسية، تبرئة ساحة المرجعية من الالتصاق السابق الكبير وغير المنقطع مع هذه الأحزاب المخالفة في نشأتها للدستور العراقي الذي يرفض إقامة أحزاب سياسية على أساس ديني أو مذهبي، والتي وضعت العراق في مستنقع الفساد والإرهاب والموت والدمار. والتي وجهت نار غضبها ضد الشعب المنتفض باستخدام الرصاص الحي وقتل وجرح الكثير من المتظاهرين في البصرة والسماوة والديوانية وكربلاء والنجف وذي قار وبابل وبغداد وغيرها من المدن المنتفضة. إن ممارسة العنف من حكومة تصريف أعمال، أدى إلى تفاقم غضب الناس فاستخدم البعض العنف الذي لا يجوز استخدامه، فالمظاهرات كانت وما تزال سلمية وديمقراطية.
** إن من واجب المرجعية الاجتماعي، وليس السياسي، إدانة الفساد ونهب موارد الشعب وتجويعه ونقص الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والنقل والصحة ...الخ. وهذه الأمور ليست سياسية مباشرة بل ذات خلفية سياسية، بسبب طبيعة الحكم الذي قاد إلى هذه العواقب. وهو الذي وجد تعبيره الصحيح في خطبة الشيخ عبد المهدي الكربلائي.
** إن من واجب المرجعية الأساسي إدانة الأحزاب الإسلامية السياسية التي استخدمت وادعت إنها تحكم باسم الدين والمذهب الشيعي والمرجعية، وبالتالي أساءت إلى هذه الجهات كلها دون أن يصدر عن المرجعية إدانة مباشرة لهذه الأحزاب التي ما تزال تحكم ويراد إنقاذها من السقوط تحت ثقل التجاوزات الفظة على الدستور وحقوق الإنسان في العراق وحقوق أتباع الديانات الأخرى وحقوق القوميات والحق في التنمية والتقدم والازدهار. وقد أدى كل ذلك إلى رفع المتظاهرين الشعارات الكثيرة المنددة بهذه القوى الحاكمة ومنها "باسم الدين باگون الحرامية"، و "باسم الله هتكونة الشيلاتية".30/07/2018



5
كاظم حبيب
لو تسنى لحزب الدعوة ان يحكم العراق بمفرده، فماذا سيحصل؟
من تابع قيادة حزب الدعوة الإسلامية للحكم التحالفي بين "أطراف ثلاثة"، هي الأحزاب الشيعية والأحزاب السنية والأحزاب الكردية، على أساس المحاصصة في توزيع السلطات الثلاث والمؤسسات والمناصب والغنائم، لتيقن، بما لا يقبل الشك، بأن هذا الحزب قد تصرف منذ أن تسلم إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء منذ العام 2005، ومن ثم نوري المالكي منذ العام 2006 حتى العام 2014 بشكل خاص، ثم حيدر العبادي منذ أب/أيلول 2014، بصورة استبدادية مريعة في مختلف المجالات ومارس أبشع أشكال التمييز الديني والمذهبي والقومي إزاء أتباع بقية الديانات والمذاهب والقوميات، كما هيمن على الثروة الوطنية وتصرف بها وكأنها بيت ماله يعطي من يشاء بغير حساب ويحرم من يشاء بغير حساب. وهو ما كان يفعله معاوية بن أبي سفيان حين كان والياً ثم خليفة في الشام، إذ قال: "إنما المال مالنا والفيء فيئنا فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه" (أميل توما: الحركات الاجتماعية في الإسلام، دار الفارابي بيروت 1981، ص 58). أما أبو جعفر المنصور فقد وقف يوم عرفة خطيباً وأعلن برنامجه السياسي بقوله: "أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته، وإرادته وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا، إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني". (إمام عبد الفتاح إمام: الطاغية، دراسة فلسفية في صور الاستبداد السياسي، سلسلة عالم المعرفة 183، الكويت، ص 219). إلا أن المستبد بأمره في فترة حكمه نسى الله والأنبياء والأولياء
  ورغم إن صاحبنا نوري المالكي لا يرقى إلى جزء من قدرات وإمكانيات وحنكة هذين الحاكمين الأموي والعباسي على التوالي، فأنه حاول أن يتشبه بهما فعلياً حين تصرف بالشعب ومال الشعب على وفق مشيئته ورغباته وسادية حكمه وشخصه. كما أنه مارس ذات السياسية التي مارسها أبو جعفر المنصور في موضوع الانتقام حين توجه أبو جعفر المنصور ضد الأمويين قتلاً وتشريداً، مارس نوري المالكي ذات السياسية إزاء أبناء الشعب العراقي من السنة، ولا سيما في محافظات غرب بغداد والموصل، إضافة إلى افعاله التمييزية الأخرى المناهضة للقيم الإنسانية إزاء أتباع الديانات من غير المسلمين. وعلى الشعب أن يتذكر خطبته بكربلاء حين صرخ قائلاً: " الذين قتلوا الحسين لم ينتهوا بعد، المعركة لا زالت مستمرة بين أنصار الحسين وأنصار يزيد!".
لقد مارس هذا الحزب وهو في السلطة، وهنا الحديث لا يشمل بالضرورة كل أفراد حزب الدعوة الإسلامية، إذ فيهم من هو نظيف، ولكن أتحدث هنا عن مؤسسة حزبية وعن قيادة وعن كوادر حزبية، كل ما ألحق ويلحق الضرر بالشعب والوطن، وكان في طليعة من لعب دوراً أساسياً في تنشيط الفساد والرشوة وإغراء الناس بالسحت الحرام ليصوتوا له ولقادته أو ليسكت الآخرين عن الاحتجاج على سياساته.. لقد مارس كل ما هو مساعد على تشتيت وحدة الشعب العراقي ونسف مبدأ المواطنة وإعلاء قاعدة المحاصصة الطائفية والهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية والمواطنة. هذا علماً بأن هذا الحزب لم يكن وحده في الحكم، ولكن هيمن على الحكم وسيرَّه على وفق رؤية رئيسه وأسكت بقية قادة حزبه أما بالجزرة أو بالعصا غير المرئية للإنسان الاعتيادي. فماذا يمكن ان يحصل لو تسنى لهذا الحزب أن يحكم بمفرده بلاد الرافدين وبسياسي مثل نوري المالكي؟ لن يكون العراق، بأي حال من الأحوال، أفضل مما كان عليه في فترة حكم البعث والدكتاتور صدام حسين. ولزاد في الطين بلة خضوعه الكامل للمرشد الإيراني علي خامنئي وسياسة جعل إيران هي المسيِّرة والموجهة والمقررة لسياسات العراق الداخلية والخارجية ولتحول العراق، وأكثر مما هو عليه اليوم، ولاية من ولايات إيران المترامية الأطراف، تماماً كما تحدث قبل شهور بعض قادة إيران عن العراق وموقعه من الإمبراطورية الإيرانية المنشودة منهم ومن نوري المالكي.
إن من يريد التحالف مع حزب الدعوة، الذي يترأسه نوري المالكي، سواء أكان من القوى العربية أم الكردية أم غيرهما، ومع هادي العامري وقيس الخزعلي، معناه إنه يريد تسليم العراق إلى إيران جملة وتفصيلاً، ومعنا أنه يريد بناء دولة مستبدة وتابعة وخاضعة لإرادة إيران ولإرادة ولاية الفقيه ووليهّا، وهو ما يفترض أن يفهمه كل من يفكر بتشكيل كتلة كبرى بقيادة رئيس قائمة "دولة القانون ومن معه من قادة المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة!!!".
لو تسنى للمالكي أن يحكم العراق ثانية، أو من يتحالف معه كهادي العامري مثلاً، سيتغير وجه العراق نحو الأكثر سوءاً ويستكمل هؤلاء ما مارسوه بين عامي 2006-2014 وذلك عبر الإمعان بسياساتهم الطائفية والتمييز الحاقد ضد أتباع الديانات الأخرى ونشر أوسع لأوجه الفساد كافة في البلاد ولتفاقم الوجه الثاني للفساد وأعني به الإرهاب والحرب على أساس الهوية الطائفة والدينية والقومية.
لو تسنى لرئيس حزب الدعوة الراهن ورئيس قائمة دولة القانون، نوري المالكي، أن يحكم العراق، لأصبح العراق الدولة الأولى في الطائفية والفساد والإرهاب على صعيد المنطقة والعالم، وهو ما يفترض أن ينتبه له كل مواطنة شريفة ومواطن شريف في العراق المبتلى بهذه الأمراض الاجتماعية والسياسية القاتلة.               
29/07/2018

6
كاظم حبيب
جرائم بشعة ترتكب في العراق تحت حكم أحزاب الإسلام السياسي!
من يتابع ما يجري في العراق خلال السنوات التي أعقبت إسقاط دكتاتورية البعث وصدام حسين في العام 2003، سيجد نفسه أمام أبشع الغرائب والعجائب وأكثرها دونية وتدميراً للقيم الإنسانية العامة والشاملة وللشعب العراقي ونسيجه الاجتماعي، سيجد نفسه أمام جرائم لا يمكن تصور حصولها في مجتمع عراقي قبل سبعين أو ستين عاماً وفي العهد الملكي، رغم سوأته المعروفة وطبيعة حكامه والنظام السياسي - الاجتماعي الذي ساد حينذاك. يكفي أن يطالع الإنسان الصحف المحلية أو التقارير التي تنشرها الكثير من منظمات المجتمع المدني ذات المصداقية والموثقة أو منظمة الشفافية العالمية ليتعرف على حجم وسعة التنوع والقسوة والسادية في ارتكاب تلك الجرائم. لا شك، إن من يقف وراء أو يوجه أو يشارك مع مرتكبي تلك الجرائم هم جمهرة واسعة من النخبة الحاكمة ومن العاملين في قيادات وكوادر وأعضاء الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم، ولاسيما الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة، الشيعية منها والسنية، وحواشيهم، إضافة إلى قوى الإرهاب الأخرى. إليكم بعض ما جرى ويجري في العراق:
-   نهب مليارات الدولارات الأمريكية من ميزانية الدولة العراقية عبر ما يسمى نهبها من الباطن، إضافة إلى التفريط الهائل بالموارد المالية عبر مشاريع وهمية، أو عبر مشاريع فعلية، ولكن لم تنجز وسرقت أموالها ومعداتها، كما في قطاع الكهرباء، على سبيل المثال لا الحصر.
-   نهب نفط العراق من جميع أبار استخراجها وفي جميع أنحاء العراق دون استثناء، إضافة إلى إلحاق أكبر الضرر بالمصالح العراقية نتيجة تمرير جولات تراخيص العقود النفطية في فترة حسين الشهرستاني وغيره، أو الحصول على رشاوي بالملايين لمنح شركات أجنبية عقود المشاركة في الإنتاج أو عقود الخدمة وعلى مستوى العراق كله.
-   نهب المليارات من الدولارات عبر بيع الدولار في المزاد عبر البنك المركزي، ولا يعرف حتى الآن حجم المليارات التي هربت إلى إيران في فترة الحصار ضدها.
-   نهب موارد العراق المالية عبر العقود التجارية وعقود المقاولة، وكذلك عبر استيراد المشتقات النفطية والتيار الكهربائي، وهو أحد العوامل التي تسببت في تأخير إنجاز مشاريع الكهرباء.
-   سيادة نظام الفساد Corruption system في الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومؤسساتها والاقتصاد الوطني والمجتمع، بحيث لا يمكن أن تجري عملية إدارية أو محاكمة أو مراجعات حكومية أو حتى تسجيل زواج أو عقار أو ...الخ دون دفع رشوة، الذي لم يعد كما في العهد الملكي يقتصر على "الواشر" (خمسين فلساً لا غير) الذي يدفع لأبي إسماعيل" (الشرطي)، بل بمئات وملايين الدولارات الأمريكية.
-   والفساد لا يقتصر على الجانب المالي بل الجانب الإداري وبشكل واسع كالتعيين والترقية والدرجات الوظيفية وفي الوزارات والمؤسسات والقضاء والمدراء العامين والمدراء بل وحتى الفراشين من ذوي الرواتب الواطئة جداً.
-   انتشار ظاهرة الاغتيالات المدفوعة الثمن، سواء عبر الميليشيات الطائفية المسلحة الشيعية أم عبر المنظمات التكفيرية السنية وما يماثلها، وعبر مؤسسات أمنية أجنبية، سواء أكانت تابعة لحزب الله اللبناني، أم للحرس الثوري وجهاز الأمن الإيراني، أم لإسرائيل والموساد، أم لدول الجوار الأخرى. كما يشار إلى تلك المليشيات التي تأتمر بأوامر وقرارات أحزابها في تصفية المناوئين لها، كما حصل في المئات من الاغتيالات السياسية، ولاسيما بين 2006-حتى اوقت الحاضر، ومنها اغتيال المناضل المثقف والكاتب والشيوعي كامل عبد الله شياع، والصحفي والكاتب هادي المهدي وغيرهما.
-   رغم الأموال الكبيرة المصروفة والمهدورة عجزت الحكومات المتعاقبة عن توفير الخدمات الأساسية والضرورية للشعب، وليس السبب في عدم وجود كفاءات في العراق بل بسبب الفساد والنهب وعدم احترام الشعب ومصالحه.   
-   عجز الحكومات المتعاقبة على التصدي لعمليات التفجير الانتحارية أو إشعال الحرائق أو نهب دور ومحلات عمل أصحاب الأعمال، ولاسيما محلات الصابئة المندائيين ودور وكنائس المسحيين ومناطق الإيزيديين في نينوى ...الخ.
-   أما الجريمة الأكبر والأبشع هي تلك وقعت في الموصل، حين ترك الحكم الطائفي المقيت أبواب العراق مشرعة أمام جحافل القتلة الداعشيين في غرب العراق ومحافظة نينوى، وما تعرض له السكان بسبب سياسات النظام السياسي الطائفي المحاصصي المنتجة للفساد والإرهاب والخراب، والتي سمحت للإرهابيين اختراق الجبهة الداخلية وممارسة الإبادة الجماعة في نينوى.
ولم يقتصر الفساد على هذه المجالات بل شمل أيضاً:           
-   اتساع ظاهرة زواج القاصرات اللواتي بعمر تسع سنوات، ومن أزواج يتجاوزن عمر أباء القاصرات أو حتى أجدادهن.
-   استمرار بيع أعضاء من جسم الإنسان، ولاسيما من أبناء وبنات العائلات الفقيرة التي تعيش في عوز دائم لا يمكن تصوره. وهناك مجموعة من الأطباء ومساعديهم التي تتعامل مع قوى الجريمة المنظمة (المافيات) في الحصول على تلك الأعضاء وتسويقها في دول الخليج على نحو خاص مقابل مبالغ طائلة.
-   استمرار واتساع ظاهرة العهر بين الصبايا والصبيان بسبب الحاجة القاهرة لتوفير لقمة العيش وبسبب التشرد والعيش في الشوارع في جميع محافظات العراق تقريباً، وكذلك بين الأرامل لأسباب مادية.
-   تفاقم عمليات الاغتصاب والمتاجرة بالجنس النسوي والولادي من قبل مافيات تتعامل بذلك وعلى نطاق غير محدود، بما في ذلك تصديره الضحايا إلى الخارج.
-   انتشار ظاهرة وكلاء بيع المخدرات في أنحاء العراق والتي كلها تأتي من أفغانستان وإيران لتسوق في العراق وفي الخليج وغيرها من البلدان. إلا إن استهلاكها في العراق آخذ بالاتساع نتيجة الأوضاع المتزايدة تعقيداً وصعوبة. والكثير من العاملين في أجهزة الدولة والأحزاب يتعاملون بذلك وعبر جماعات في إيران، وغالباً ما تصل المواد المخدرة أثناء الزيارات للأماكن المقدسة أو عبر شط العرب ومنافذ حدودية أخرى بسبب الفساد الواسع النطاق.
-   تفاقم ظاهرة الرشوة أو الوساطة في عمليات نجاح وعبور الطلبة الفاشلين في الامتحانات في مختلف مراحل الدراسة، ولاسيما الثانوية والجامعية والدراسات العليا.
-   تفاقم فعلي واستمرار في تزوير الشهادات أو الحصول عليها من إيران أو لبنان أو غيرها من الدول، إيطاليا مثلاً، أو حتى وجود مكاتب لعمليات تزوير الشهادات التي يرغب بها الشخص ومقابل مبالغ غير كبيرة وحسب الشهادة. والكثير من هؤلاء احتلوا مراكز عليا في سلطات الدولة العراقية منذ وصول الأحزاب الإسلامية السياسية إلى قيادة الحكم. ومن يزور شهادته يمكن أن يزور كل شيء ايضاً.
-   تفاقم عليات الانتحار بين البنات والشباب، سواء كان انتحاراً فعلياً أم قتل من قبل العائلة والادعاء بالانتحار بذريعة حماية "الشرف!".
وهناك الكثير من الجنح والجرائم الأخرى التي يعاقب عليها القانون، ولكن مرتكبيها لا يعاقبون في العراق. وأبرز وأكثر تلك الجرائم خطورة تلك التي تمارسها مجموعة ممن بيدها السلطة وتمثل أحزابها فيها وفي أجهزة الدولة المختلفة وحواشيها ووسطائها، ولاسيما في مجال النفط وسرقة أموال الدولة من الباطن وغسيل الأموال ومزاد بيع الدولار من جانب البنك المركزي العراقي، وما تمارسه المصارف التجارية الخاصة من تعامل غير شرعي في هذا المجال، تهريب العملة الصعبة إلى البنوك الأجنبية، العقود التجارية للحكومة وعقود المقاولات والبناء.
ثم أخطر من كل ذلك ادعاء الحكومة ورئيسها الحالي بمحاربة الفساد، في حين يسكت أو يحجم عن تقديم أكبر الفاسدين في السلطات الثلاث إلى الادعاء العام أو القضاء لمحاسبتهم، في حين تتوفر لديه، كما ادعى سلفه أيضاً، ملفات كاملة عن الفاسدين الكبار. والحكمة تقول الساكت عن الحق شيطان أخرى، أو الساكت عن الجريمة مشارك فيها.
وبدلاً من أتخاذ الإجراءات لتغيير كل هذه الأوضاع مارس رئيس الحكومة سياسة ضرب المظاهرات باستخدام السلاح والرصاص الحي وسقوط ضحايا وممارسة الاعتقال والتعذيب وأخذ البراءات، وأخيرا وليس آخر محاولات الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية إغراء العشائر العراقية بالمال لتتخلى عن التظاهر، أو تدير ظهرها للمتظاهرين، وتسعى إلى تفليش المظاهرات الجارية في جنوب ووسط العراق وبغداد. وهذه الحالة تذكرنا بما لجأ إليه الاستعمار البريطاني حين تسنى له شراء مجموعة من شيوخ العشائر بالمال لتتخلى عن النضال ومواجهة الظلم الاستعماري. وكثيراً ما يشار إلى دور المستشارة البريطانية في العراق "مس غيرترود بيل" (1886-1926م) في هذا الصدد الحاكم البريطاني العام حينذاك، ولاسيما علاقتها مع شيوخ العشائر ومع وجهاء بغداد. كما عادت حليمة إلى عادتها القديمة في اغتيال الشخصيات الحقوقية والاجتماعية التي تلتزم جانب الشعب ونضاله ومظاهراته وتتبنى الدفاع عنه في المحاكم العراقية عند الاعتقال، والذي بدأ باغتيال المحامي جبار محمد كرم في البصرة والذي جاء بأوامر عراقية-إيرانية، حيث النفوذ الإيراني في البصرة في أعلى مستوياته، رغم الهتافات الشعبية التي ارتفعت في البصرة: "إيران بره بره وبغداد تبقى حره"، أو "... البصرة تبقى حرة"، و "باسم الدين باگونة الحرامية"!
كما اشتدت ظاهرة مطاردة الصحفيين والإعلاميين العراقيين بسبب نشرهم المعلومات والحقائق عن تظاهرات الشعب والشعارات التي ترفعها تلك المظاهرات ضمن انتفاضة شعبية أخرست النخب الحاكمة والقمتهم أحجارا. إن الانتفاضة الشعبية ستنتصر في خاتمة المطاف رغم التآمر عليها، لأن حضارة العصر الراهن التي يتميز بها العالم لا يمكنها أن ترتضي بوجود مثل هذا النظام السياسي الطائفي المحاصصي المتعفن والمولد للخراب والدمار والفساد والإرهاب والتمزق والذي يعود لماضٍ سحيق.
إن المظاهرات الشعبية، هذه الانتفاضة الشجاعة، تمثل الضوء الذي يشع في نهاية النفق، الذي زج فيه العراق من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والدول التي تحالفت معها وإيران وبقية دول الجوار، إنها الأمل في التغيير المنشود عاجلاً أم آجلا!           

7

ملحق للرسالة المفتوحة إلى رئيس وزراء العراق
السيد رئيس وزراء العراق د. حيدر العبادي
لم يعد الإنسان قادراً على ملاحقة الإجراءات القمعية التي تتخذها حكومتكم والحكومات المحلية في جنوب ووسط العراق، وكذلك الأجهزة الأمنية وجهاز مكافحة الإرهاب والكثير من الميليشيات الطائفية المسلحة التي تمارس الدور القمعي ضد المتظاهرين في مختلف مدن العراق. لقد تجاوزتم على الدستور العراقي حين أوقفتم استخدام الإنترنيت وقطعتم الاتصال الخارجي لتمنعوا حركة التواصل الاجتماعي ودورها في تعبئة التظاهرات الشعبية الموجهة ضد الطائفية السياسية والفساد والإرهاب وتدهور الخدمات من جهة، ولتمتعوا وصول المعلومات عن التظاهرات وعن الأساليب الوحشية التي تواجه بها القوى القمعية الرسمية والتشكيلات خارج القانون الجماهير الشعبية المحتجة والمنتفضة ضد النخب الحاكمة الفاسدة من جهة ثانية والتي زاد تعريها بسلوكها العدواني الجديد الذي عرفته في العام 2011 بشكل صارخ.
ثم أعطيتم الأوامر بتوجه الرصاص الحي وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع إلى صدور وعيون الجماهير المتظاهرة لا في المدن الجنوبية والوسط فحسب، بل وفي ساحة الحرير في بغداد وغيرها أيضا، حيث استخدمت الصوندات والهراوات وكل أساليب القمع والضرب الوحشية ضد المتظاهرين والمتظاهرات الشجعان أيضاً. فسقط شهداء وجرحى ومعوقين بأعداد كبيرة، وأنتم الذي أدعيتم حماية المتظاهرين والمتظاهرات والدفاع عن حقهم في التظاهر!، وإذا بكم أنتم بالذات تصدرون الأوامر بضرب المتظاهرين بالحديد والنار. لقد تجاوزتم كل الخطوط الحمراء، التي تدعون أن الشعب قد تجاوزها، لقد تجاوزتم على الدستور العراقي وعلى لائحة حقوق الإنسان الدولية، وخر4قتم مباد عدم استخدام العنف في مواجهة مطالب الشعب الملحة. على شعبنا والمنظمات الحقوقي والأحزاب الديمقراطية أن تدرس إمكانية إقامة الدعوى على شخصكم وحكومتكم في محكمة حقوق الإنسان في هولندا، لأنكم استخدمتم مركزكم الحكومي كرئيس للوزراء ومركزكم العسكري كقائد عام للقوات المسلحة العراقية في عدم حماية المتظاهرين والمتظاهرات، بل تجاسرتم على الشعب بإصداركم الأوامر بضرب المظاهرات بالحديد والنار وبخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والهراوات. وكان الأسلوب الذي مورس عدوانياً صارخاً ومليئاً بالكراهية والحقد على الشعب، ولاسيما ضد المتظاهرين والمتظاهرات، وراغباً في إلحاق أكبر الأذى بهم.   
ولم يكفكم كل ذلك، بل كما يبدو من أسلوب عملكم الذي يتميز بوجهين أصبحا مكشوفين للمزيد من الناس. فقد أعطيتم الأوامر باعتقال أكثر من خمسين صحفياً وإعلامياً عراقياً والتعرض لهم ومطاردتهم واعتقالهم، كما اعتقلت أجهزة الأمن والأجهزة السرية مجموعة من الصحفيين ومن المواطنين وعرضتهم للتعذيب وسعت إلى نزع البراءة منهم ومن المتظاهرين، وفرض التوقيع على ورقة تؤكد بعدم مشاركتهم في المظاهرات الشعبية أو الكشف عن مفاسد الحكومة وقمعها للمظاهرات. أي إعطاء صك بالبراءة!!! هذه الأساليب الوحشية التي ابتدعها مجلس حلف بغداد في أعوام 1955-1958، في فترة ترأس د. عبد العزيز الدوري لجنة مكافحة الشيوعية في حلف "السنتو"، في فترة حكم نوري السعيد ووزير داخليته سعيد قزاز ومدير أمنه العام بهجة العطية، والتي مارسها نظام الحكم القومي الشوفيني والبعثي الدموي في العراق فيما بعد. وها أنتم، رئيس وزراء العراق، تسيرون على درب المستبدين السابقين نوري السعيد وعبد السلام عارف وصدام حسين ونوري المالكي، وتستلهمون ذات الأساليب التي تستخدمها الأجهزة الأمنية الإيرانية في زمن الشاه (السافاك)، والأجهزة الأمنية الحالية (وزارة الاستخبارات والأمن القومي لجمهورية إيران الإسلامية، إطلاعات) والحرس الثوري الإيراني وبسيج.
انكم تغامرون ضد الشعب وإرادته ومصالحه، وتتراجعون خطوات متسارعة جداً إلى الوراء عن الوعود التي قطعتموها أمام الشعب والرأي العام العالمي، وتتفوقون على رئيس حزبكم نوري الملاكي فيما فعله بالشعب العراقي، إن واصلتم هذه المسيرة الخطيرة الموجهة ضد الشعب ومصلحة الوطن.
ما أن أعلن أحد المحامين الشرفاء السيد جبار كرم عن استعداده للدفاع عن المعتقلين حتى اغتيل في أحد شوارع البصرة في حي الهادي من قبل مسلحين قتلة "مجهولين!!" وفي وضح النهار. وهي محاولة مجرمة لبث الخشية في فوف من يتبنى أو يدافع عن قضايا المعتقلين في أحداث الانتفاضة الشعبية الجارية. لقد وصل صراخكم إلى عنان السماء بأنكم تؤيدون المظاهرات السلمية، ولكنكم في الوقت نفسه تعاقبون حتى من يريد الدفاع عن المتظاهرين!!
كفوا عن قمع المظاهرات، أطلقوا سراح المعتقلين، كفوا عن ملاحقة الصحفيين واعتقالهم، استجيبوا لإرادة المتظاهرين والمتظاهرات بنزع سلاح المليشيات الشيعية التي تشكل جسد الحشد الشعبي الراهن وقياداته من الميليشيات الطائفية المسلحة، قدموا الفاسدين الكبار إلى المحاكمة، وإلا فأنتم أحدهم، أوقفوا نزيف الدم، تخلوا عن الطائفية ومحاصصاتها المذلة، وأنتم عضو في قيادة حزب طائفي مرغ ويمرغ يومياً كرامة الإنسان العراقي بالتراب ومنذ ثلاثة عشر عاماً.
ليس هناك من يشفع لكم ولأعضاء حكومتكم الذين لا يستقيلوا بسبب سياستكم الخرقاء إزاء المظاهرات ومطالب الشعب، إن واصلتم درب الصد ما رد، إن واصلتم ضرب المظاهرات وقمع المتظاهرين والمتظاهرات وولغت قواتكم الأمنية ومن معها بدماء العراقيين!!
لقد أعذر من أنذر، وغداً لناظره قريب!!!
د. كاظم حبيب
24/07/2018       

8
كاظم حبيب
رسالة مفتوحة إلى رئيس وزراء العراق
السيد رئيس وزراء العراق الدكتور حيدر العبادي المحترم
منذ الثامن من أيلول/سبتمبر 2014 تسلمتم رئاسة مجلس الوزراء العراقي بعد فرض الانسحاب من رئاسة الحكومة على رئيس حزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي. أي ان قيادة الحكم بقيت بيد حزب الدعوة باعتباركم عضوا في قيادة هذا الحزب وعلى أساس المحاصصة الطائفية. وأديتم القسم القانوني بأنكم ستعملون على إصلاح الأوضاع والتغيير ورفض المحاصصة الطائفية التي رفضها الشعب وأدانها بشدة. لقد كان رفض الشعب لنوري المالكي الدور الأساس في إزاحته عن السلطة التي أساءَ استخدامها ومارس سياسات طائفية متشددة ومقيتة، واستخدم المال لإرشاء وإفساد المزيد من القوى والناس في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، وجعل من الفساد نظاما سائدا ومعمولاً به في العراق، مما أسهم بتنشيط وتوسيع ونشر المزيد من الإرهاب في البلاد. وما حصل في المحافظات الغربية ولمدينة الموصل محافظة نينوى من اجتياح تدميري لها من قبل تنظيم القاعدة الإرهابي ومن ثم تنظيمات داعش الإرهابية والتكفيرية لدليل على طبيعة سلطة نوري المالكي والقوى المشاركة معه في السلطة. وبالتالي فنوري المالكي هو المسؤول الأول عن كل ما حصل في العراق بين عامي 2006-2014 من فساد وإرهاب واجتياحات وموت ودمار وتفريط هائل بأموال البلد والتجاوز الفظ على الدستور العراقي وعلى سلطات ومؤسسات الدولة الأخرى. وتشارك في هذه المسؤولية الأحزاب التي شاركته الحكم ولم تعمل لإيقافه ووضع حد لسياسات التدميرية للشعب ووحدته ووحدة الوطن.
ها انتم تحكمون العراق منذ أربع سنوات عجاف وقاسية على الشعب، إلى الحد الذي أُجبر على الانتفاض للخلاص ممن تسببوا في أوضاع العراق الراهنة. والسؤال هو: هل أدركتم بعمق ومسؤولية حقيقة ما يريده الشعب؟ سؤالي ليس استفزازاً لدرجتكم العلمية ولا لموقعكم الحكومي، بل ارتباطاً بخطابكم الأخير في 20/07/2018 في إحدى قاعات مجلس الوزراء وبحضور شيوخ العشائر وبعيدا عن ممثلي المتظاهرين الآخرين من مدن العراق المنتفضة، وما جاء في هذا الخطاب الاستفزازي الذي لا شك وأنه يَصْبُ الزيت على نار الانتفاضة والغضيب المتصاعدين ويؤجج المشاعر ويؤكد لهم بأنكم بعيدون كل البعد عن تنفيذ ولو مطلب أساسي واحد من مطالب الشعب الأساسية، واعني به محاربة الفاسدين الكبار، دع عنك التخلي عن الطائفية في النظام والمحاصصة في توزيع المسؤوليات في الدولة العراقية وسلطاتها الثلاث. جاء في خطابكم ان هناك من الفاسدين من يحاول اتهام الجميع بالفساد. هذا ممكن تماماً، ولكن ما هو دوركم في وضع اليد على هؤلاء الفاسدين الكبار الذين يتهمون الجميع بالفساد، ولماذا لا تقومون بشخيص الفاسدين ولديكم جميع الملفات، ولماذا لا تقدمون هذه الحيتان الكبيرة إلى المحاكمة لتؤكدوا للمجتمع بأنكم جادون في ذلك ولا تتسترون على رفاق حزبكم والاحزاب المماثلة لحزبكم من حيث الإيديولوجيا والسياسة؟ التقارير الدولية وتقارير هيئة النزاهة ومنظمات المجتمع المدني وصوت الشعب الهادر يؤشر بصواب إلى الجماعة الفاسدة وأبرز الفاسدين في البلاد، فلماذا لا تتخذون أي إجراء بهذا الصدد؟ أنتم بسياستكم هذه تسمحون بخلط الأوراق بحيث لا يتم التمييز بين الفاسد الكبير وبين الإنسان النبيل غير الفاسد!
كل المؤشرات تؤكد بما لا يقبل الشك بأنكم جزء من الحزب الحاكم، من حزب الدعوة الإسلامي، وهو حزب سياسي طائفي، وليس حزباً مدنياً ديمقراطياً ووطنيا يضم ف صفوفه أبناء وبنات الوطن من كل القوميات والديانات والمذاهب، بل يقتصر على جزء من الشيعة. ومن هنا يبرز طابع الطائفي! حزبكم هذا حكم العراق منذ العام 2004/2005 حتى الوقت الحاضر (2018) بشكل مباشر، وأنتم ساهمتم في الحكم بشكل مباشر كوزير وكرئيس وزراء وغير مباشر أيضاً كقيادي في حزب الدعوة. وبالتالي يمكن أن تكونوا  وأنك متورطين في كل ما حصل في العراق خلال الفترة المنصرمة، وأنكم، كما يبرهن الواقع وليس الحدس، لا تمتلكون الاستعداد الذاتي لاتخاذ أي إجراء حقيقي ضد الفاسدين وضد أعضاء حزبكم والاحزاب الشيعية الأخرى المؤتلفة ولا حتى السنية، وأنتم لا تمتلكون الجرأة والشجاعة الضروريتين لإصلاح، دع عنك التغيير، النظام السياسي الطائفي المحاصصي المقيت. انتم تخشون الفاسدين في حزبكم وفي الاحزاب الاسلامية الاخرى وميليشياتهم الطائفية المسلحة، ومن يقف وراءهم خلف الحدود العراقية الشرقية، ولأي سبب كان، ولهذا فأنتم غير مؤهلين عمليا لحمل راية الإصلاح والتغيير، كما اعتَقَدَ البعض من حسني النية، وإلا لماذا هذا الموقف غير العقلاني والسيء من الفاسدين وعجزكم عن تقديمهم للقضاء أو الادعاء العام لمحاكمتهم، بمن فيهم أولئك الذين كانوا سببا فيما حصل في غرب العراق وفي الموصل ونينوى.
لا استغرب أبداً إن بادر المتظاهرون إلى رفع شعار إسقاط الحكومة القائمة، كما أُسقطت حكومة المالكي، لأنكم تزوغون في خطاباتكم عن وضع اليد عما يريده الشعب، الشعب الذي يريد الخلاص من الطائفية والمحاصصة السياسية ومن الفاسدين والميليشيات الطائفية المسلحة والسلاح الذي بأيدي العاملين فيها، ومن الإرهاب والإرهابيين الآخرين، يريد التغيير والخدمات والخلاص من رثاثة الدولة وسلطاتها ومؤسساتها. لم يعد مناسبا مجاملتكم من أي حزب سياسي أو سياسي مدني وديمقراطي، إذ إن هذا سيكون على حساب الشعب ومصالحه واستمرار كل الظواهر المدمرة التي نشأت في ظل حكم الجعفري والمالكي وتواصلت في فترة حكمكم منذ أربع سنوات حتى الآن.
تطالبون الأحزاب ان لا تحل مشاكلها وخلافاتها مع الحكومة في الشارع! ولكن هذه المظاهرات يا رئيس الوزراء ليست من صنع الأحزاب الإسلامية السياسية الفاسدة التي تحكم العراق والمتصارعة على الحكم والمال والجاه معكم ومع غيكم، بل هي مظاهرات شعب لم يعد قادراً على تحمل المزيد من الضيم والجور والطائفية المقيتة والفساد وتدهور الخدمات والجوع والحرمان وفقدان الحقوق ولقمة العيش، لم يعد قادرا على السكوت، ويرى جزءاً أساسياً من النخب الحاكمة "خاتلة" وراء الأسوار الحديدية، في الخضراء، خشية من المتظاهرين الغاضبين من القهر والتركيع الذي يفرض عليهم بكل السبل الدنيئة من جانب النخب الحاكمة. الاحزاب الحاكمة ترسل مجاميع من المندسين، وعبر جهاز الاستخبارات من اجل الاساءة للمظاهرات وطابعها السلمي. إما أنكم تعرفون وتغلّسون فتلك مصيبة، وإما أنكم لا تعرفون فالمصيبة أعظم!
ليس هناك في اجهزة الشرطة والأمن من يستطيع توجيه الحديد والنار إلى صدور المتظاهرين ما لم يكن لديه أوامر من المسؤول الأول عن الحكومة والقوات المسلحة، وأنتم وحدكم تحتلون هذين المركزين. وبالتالي فأنتم المسؤول عن القتلى والجرحى الذين سقطوا في المظاهرات الأخيرة، ٌوليس من رمى الرصاص الحي القاتل سوى الأداة التي نفذت القرار، والذي يجب محاسبته ايضا، ولكن أنتم أول من يجب محاسبته على إصدار هذه القرارات الهمجية التي تسمح باستخدام السلاح والرصاص الحي في فُض المظاهرات ولو بقتل وجرح أو حتى اعتقال المتظاهرين الذين يكفل لهم الدستور الحق في التظاهر. إنها سياسة ليست خرقاء فحسب، بل مجنونة وجريمة لا يمكن غفرانها. إليكم ما جاء في تصريح المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي عن القمع الوحشي والحقد والكراهية والعنف التي تلبست الأجهزة الأمنية وهي تمارس عملية فض مظاهرة ساحة التحرير يوم السبت 21/07/2018، والتي لا يمكن أن تدعوا وتقولوا إنكم لا تعرفون بها:
"ما حصل يوم امس يدعونا الى التأكيد مجددا على ادانة ورفض استخدام العنف أيا كان نوعه، وتحميل الحكومة والوزارات والهيئات المعنية والاجهزة ذات العلاقة كامل المسؤولية عن وقوع ضحايا، وعن استمرار الملاحقات والاعتقالات للناشطين وللمتظاهرين والعودة الى اسلوب اخذ التعهدات السيء والمرفوض قانونا ودستوريا، وكذلك استخدام الضرب المبرح والماء الحار والغازات المسيلة للدموع بهدف الايذاء ، ونطالب بوقف كل هذه الممارسات المدانة فورا واطلاق سراح المعتقلين، واحالة المسؤولين عن اصدار تلك الأوامر الى التحقيق والمساءلة القانونية." (راجع: طريق الشعب، 22/07/2018، ص2).
 
 



9
كاظم حبيب
اليقظة والحذر من دموع التماسيح، فدموع الطائفيين الفاسدين خديعة كبرى!!!
من تسنى له الاستماع إلى الكلمة التي ألقاها هادي العامري، رئيس منظمة ميليشيا بدر الطائفية المسلحة، ورئيس قائمة فتح، في الحفل الخطابي بمناسبة الذكرى السنوية لثورة العشرين، يدرك بأن قادة المليشيات الطائفية المسلحة والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية، مثل بدر وعصائب أهل الحق وحزب الله وعشرات غيرها زرعتها إيران بالعراق في فترات مختلفة، يشعرون بضيق كبير من نتائج الانتخابات العامة، رغم إنها لم تغير الكثير من الأمور، ومن المظاهرات الشعبية المستمرة والمتصاعدة منذ فترة في جميع مراكز محافظات وأقضية جنوب العراق ووسطه، ويتلمسون بوضوح بأن وعي الناس أخذ يغتني ويتبلور تدريجيا ويتعرف أكثر فأكثر على طبيعة وسلوكيات الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة ويكتشف كل المخزيات فيها والتي مورست  خلال السنوات الـ 15 المنصرمة وهم على رأس السلطة والفساد والإرهاب، ويدركون أنهم، وليس غيرهم، المقصودون بقوة وزخم واستمرارية هذه المظاهرات التي ارتفعت فيها شعارات "باسم الدين باگونة الحرامية" و"باسم الله هتكونة الشيلاتية"، إلى جانب المطالبة الملحة بالتغيير لنظام سياسي طائفي محاصصي مقيت، مرَّغ كرامة الشعب بالأرض وتَسَببَ في هدرِ دماء مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين، إضافة إلى جرحى ومعوقين اكثر من ذلك بكثير، وإلى احتلال مدن وقرى وأراضي عراقية واسعة يعيش فيها الملايين من البشر، وحرمهم من خدمات أساسية مثل الكهرباء والماء الصافي للشرب والنقل وفرص العمل ومعالجة الفقر ومحاكمة الفاسدين والمفسدين والإرهابيين بمختلف أصنافهم، كما لم يوفر لهم والأمن والاستقرار. أدرك هؤلاء الحكام، إلى حدود واضحة، جعلتهم يذرفون الدموع الكاذبة، التي يطلق عليها "دموع التماسيح"، ويعلنوا توبتهم عن الجرائم التي ارتكبوها خلال العقد والنصف من السنين العجاف والمريرة المنصرمة، وعن "القصور والتقصير" اللذين صاحبا عملهم، بأمل أن يقبل الشعب توبتهم ويصدق كذبهم ودموعهم. إنهم في سرهم يضحكون بملء الأشداق ويعتقدون بأن هذا الشعب قصير الذاكرة وينسى بسرعة الجرائم والأخطاء الفاحشة التي ارتكبوها خلال الفترة المنصرمة، ويغفر لهم ذلك ويسكت عنهم ويؤيد استمرار وجودهم في حكم العراق، هذا الحكم الذي لم يعرف العراق مثيلاً له خلال العصر الحديث، بسبب استخدامه المفرط وبكل وقاحة للدين الإسلامي والأنبياء والأولياء الصالحين، وهم منهم براء، ثم براء، ثم براء، ليتمتعوا بثلاث مسائل: السلطة والمال والجاه وبصورة غير شرعية! "يا ذئاباً فتكت بالناس ألاف السنين اتركيني أنا والدين فما أنت وديني!!
لقد قال واحداً من أبرز وأكبر وأخطر مجرمي العصر الحديث، الذي تسبب في الحرب العالمية الثانية، والتي راح ضحيتها بين 62-78 مليون قتيل، عدا الجرحى والمعوقين والخسائر المالية والتراثية والحضارية، إنه أدولف هتلر، وردد معه غوبلز وهملر وكل الجوقة النازية: "اكذبوا، ثم اكذبوا، ثم اكذبوا، لعل بعض أكاذيبكم تعلق بأذهان الناس!". إن العامري يتحدث، وأنا أعتذر قبل غيري، ولكنه يسعى بوضوح إلى رمي ثقل القضية وما حصل في العراق على عاتق الآخرين فتباً لك ولأمثالك من الفاسدين!   
لقد تعرف هادي العامري على مسألتين هما: أن نسبة عالية من الشعب العراقي لم تذهب للتصويت في الانتخابات العامة الأخيرة عقابا لهم، أولاً، وأن المظاهرات هي ضدهم بشكل مباشر ثانياً. ولكن هذا الرجل لم يفهم ولا يريد أن يفهم بأن الشعب جزع من أعمالهم وهو غاضب أشد الغضب عليهم ولا يريدهم، بل هو يعلن توبته واعتذاره، باسمه وباسم اتباعه ومن معه، عما فعله وفعلوه بالشعب المستباح بطائفيتهم وفسادهم وإرهابهم خلال الأعوام المنصرمة، لا ليكف عن السياسة ويركن إلى إراحة الشعب العراقي منه وممن معه، بل لكي يستمر في الحكم ويواصل ذات السياسة، تماماً كما أعلن قبل ذاك رئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي حين قال المستبد بأمره في لقاء صحفي متلفز ما يلي نصاً:
"المتصدين من السياسيين، والشعب يعلم، وأنا أعتقد بأن هذه الطبقة السياسية، وأنا منهم، ينبغي ألا يكون لها دور في رسم خريطة العملية السياسية، لأنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، وأنا منهم. ينبغي أن يبرز جيل آخر بخلفية الوعي لما حصل وبخلفية الأخطاء التي ارتكبوها..،". والسؤال العادل: هل تخلى هذا المفتون بنفسه عن العمل السياس وانتحى جانبا ليريح الشعب من ويلاته؟ كلا، فهو لا يزال يصول ويجول ويسعى إلى تشكيل الكتلة الأكبر ليعيد الأجواء التي ارتكبت في "عهده الميمون!!!" أبشع الجرائم والتجاوزات على الدستور وحقوق الإنسان والحق في الحياة. إنه يريد أن يعود ومعه قادة المليشيات الطائفية المسلحة وكل الذين يعتذرون اليوم ليكذبوا على الشعب المستباح بهم، ليمارسوا ذات السياسة التي مارسوها طيلة السنوات المنصرمة، وليسمحوا لدول الجوار على التدخل الفظ في الشأن العراقي ومصائر الناس فيه.
أتمنى ألا تمر هذه الأكاذيب، وهذه الادعاءات بالتوبة والاعتذار عما ارتكبوه من جرائم وما سرقوه من أموال وما اقترفوه من تجاوزات، حتى على الدستور الذي وضعوه ووقعوا عليه، على الشعب العراقي أو على الغالبية العظمى منه لكيلا يفسحوا لهم المجال لممارسة ما مارسوه في السنوات المنصرمة. إن قصة توبة هادي العامري، وقبل ذاك نوري المالكي، تذكرني بتوبة الثعلب الذي جاء بلباس الواعظين وأعلن بأنه تاب عن التهام الدجاج والخراف، واقسم بأنه بنى بيتاً له ولهم وسقفه قوي يضمهم جميعاً ويحميهم من كل المخاطر، في حين أنه كان قد هيأ كل شيء ليلتهمهم على وجبات بعد أن يدخلوا بيته، لأنه هو الذي يشكل الخطر الأكبر على الدجاج والخراف!! قال أحمد شوقي بهذا الصدد ما يلي:
برز الثعلب يوماً      في شعار الواعظينا
فمشى في الأرض يهدي       ويسبُّ المـاكرينـــا
ويقول: الحمد للـــ      ـه إله العالمينـــــا
يا عباد الله توبوا       فهو كهف التائبينا
مخطيٌّ من ظن يوماً    أنَّ للثعلب دينــــا
في الوقت الذي يتحدث رئيس الوزراء عن حق الشعب في التظاهر السلمي على وفق الدستور العراقي، تقوم المليشيات الطائفية المسلحة، وفي مقدمتها ميليشيا عصاب الحق ورئيسها قيس الخزعلي بحملة اعتقالات للمتظاهرين في النجف وفي عدد آخر من مدن العراق ويمارسون بذلك دور قوات الأمن العراقية دون وجه حق، إن هذه المليشيات تشكل خطراً مباشراً على الأمن والاستقرار في العراق.، إن للمتظاهرين مطالب عادلة ومشروعة، سواء كان بتغيير النظام المحاصصي الطائفي أم بتوفير الخدمات الأساسية المتدهورة. فهل هذا هو "عربون الصدق!"، على وفق العهد الذي قطعه العبادي إلى الشعب بحماية المتظاهرين. هل هو استمرار لعمليات القتل التي طالت 18 مواطناً من المتظاهرين في أكثر من مدينة في جنوب ووسط العراق، أم إنها البداية لقمع أوسع على أيد المليشيات الطائفية المسلحة؟ لنرفع صوت الاحتجاج ونطالب بإطلاق سراح جميع من اعتقل من المتظاهرين في الفترة الأخيرة لأنها اعتقالات غير شرعية وظالمة ومخالفة للدستور!

10
  كاظم حبيب
ما هي السمة المميزة لانتفاضة الشعب في العراق، وما الموقف منها؟
بعد ان نُشر مقالي الموسوم هل يتعلم حكام العراق من تجارب الماضي المريرة للمستبدين؟ في موقع الحوار المتمدن وفي جريدة "العالم" العراقية، وردتني رسالة من اخ فاضل تضمنت النص التالي:
"أودّ التعليق بخصوص مقالتك بجملتين فقط " ليس قطيع الشعب والمتظاهرين ذهب 24 قيراط فبينهم من يقوم بخبط الماء لإيجاد أسباب فتنة . " و " ليس جميع الحكام من 2003 إلى الآن كتلة صلبة واحدة لنبقى نحكم عليهم بنفس الحكم ". أعتقد أن الوتر الذي يجب علينا العزف عليه : الدعوة إلى تنظيف المتظاهرين من الأدران ، واستغلال التناقضات بين صفوف الكتل المتسلطة ، وكشف الذئاب منهم عن الداعين بحقوق الجماهير." انتهى التعليق. لا شك أني احترم كل الآراء والملاحظات النقدية التي تصلني من القارئات والقراء الكرام، ولكن ليس بالضرورة أن اتفق مع بعضها أو جميعها. وسأحاول في هذا المقال مناقشة هذه الملاحظات.
خلال الأيام المنصرمة تسنى لي نشر ثلاثة مقالات حول الوضع بالعراق والتظاهرات المتصاعدة. وهي مقالات من حيث الفكر والمضمون يكمل بعضها الأخر، وتشير إلى ما أراده الأخ الفاضل في ملاحظاته، منها:
•   المظاهرات كلها عموما سلمية وبعيدة عن التشنج، رغم وجود كل مسببات الغضب!   
•   وجود من يعمل على تشويه المظاهرات والإساءة للمتظاهرين بممارسة العنف والتخريب ليعطي الذريعة للحكم والقوات الأمنية بضربها.
•   سيادة الفساد في السلطات الثلاث للدولة العراقية ومؤسساتها، ولكن هذا لا ينفي وجود موظفين بمستويات مختلفة غير فاسدين، رغم قلتهم، والفاسدون يعتبرونهم مجانين أو سذج في أحسن النعوت!
•   لا شك بوجود تناقضات وصراعات بين النخب الحاكمة المستبدة، ولكن كلها تصب في مجرى الصراع على السلطة والمال والجاه أو النفوذ الاجتماعي، وليس من اجل تحقيق مصالح الشعب والوطن.
•   الدعوة الى فضح من يحاول الإساءة لأهداف المظاهرات والمتظاهرين من جهة، ولحق الشعب في التظاهر المكفول دستوريا من جهة أخرى.
•   المطالبة بمحاكمة كبار الفاسدين والمفسدين والذين يتصدون لأي تغيير في طبيعة النظام الطائفي القائم، وهو يعني في جوهره ان هناك من هم غير فاسدين ويفترض التمييز بينهم وبين الفاسدين. وكبار الفاسدين كانوا أو ما زالوا يحتلون أعلى المناصب والمسؤوليات في الدولة وفي الأحزاب الحاكمة.
ولكن السؤال العادل هنا هو: هل ينبغي للكاتب ان يعيد ويصقل ظواهر سلبية محدودة ومدانة شعبيا ومن قبل القوى المدنية والديمقراطية العلمانية، أم يستوجب التركيز على ما هو أساسي في نضال الشعب العراقي وأهدافه العادلة والمشروعة والمهدورة في المرحلة الراهنة، والتي تتلخص في النضال للخلاص من النظام السياسي الطائفي المحاصصي الذي أذل ويذل الشعب يومياً، والذي تدافع عنه النخب الاسلامية السياسية الحاكمة والبعض الأخر، وضد الفساد، ومن اجل توفير الخدمات المتدهورة دوما.
لدي القناعة الشخصية، وهو ما تؤكده المظاهرات السلمية المستمرة والمتصاعدة، بأن علينا ان نتجنب ما يسعى حكام العراق الحاليون جرّنا إليه، وذلك بالحديث عن العنف والتخريب في المظاهرات لتشويه سمعتها، تماماً كما فعل حاكم العراق المستبد رئيس الوزراء السابق.  رئيس الوزراء العراقي الحالي تحدث في خطابه الأخير عن "مظاهرات سلمية ومظاهرات مدسوسة" ثم يتحدث عن خط أحمر!!". وقد انبرى إلى مناقشته وتخطئته بوضوح وصواب الدكتور علي الرفيعي، رئيس التيار الديمقراطي الاجتماعي في العراق، في رسالته المفتوحة الموجهة الى رئيس الوزراء حيدر العبادي، والتي أعدتُ نشرها في موقعي على الفيسبوك لأهميتها وصواب ما جاء فيها. كل المظاهرات الجارية سلمية وجادة وتطرح مطالب عادلة اولاً، وهي مطروحة منذ سنوات دون ان تحاول النخب الحاكمة الفاسدة الاستجابة الجزئية لها وكانت وعودها ومواعيد إنجازها كاذبة يصح عليها قول الشاعر:
مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل
ثانياً، ثم كل المظاهرات الجارية في العراق جيدة وسلمية، واندساس البعض لا يغير من طبيعتها السلمية ومطالبها العادلة، ومن مهمات الحكومة كشف هذا البعض المندس والمُسيء للمظاهرات الشعبية الحاشدة والمتصاعدة، بسبب انعدام الثقة كلية بين الحاكم المستبد والفاسد والمحكوم، كما يقع على عاتق الحكومة مهمة حماية المتظاهرين ثالثا. لقد نسى رئيس الوزراء الحالي ومن سبقه بأنهم قد تجاوزا الخطوط الحمراء في مصالح الشعب أميالاً وأميال وداسوا على كرامة الإنسان وحقوقه وصلاحياته، وما أن انبرى للتظاهر حتى برز الخط الأحمر يتهدد المظاهرات السلمية، رغم تأييد رئيس الوزراء لها شكلياً، إذ لولا ذلك لما أعطيت الأوامر بضربها بالرصاص الحي واستشهاد الكثير من المواطنين.
ان التركيز على بعض التجاوزات الحاصلة من بعض العناصر هو ما تسعى إلى ترويجه النخب الحاكمة الفاسدة، لكي يتسنى لها توجيه الرصاص الحي الى صدور أو ظهور المتظاهرين، كما حصل في اكثر من مدينة جنوبية وفي وسط العراق وأدى الى استشهاد 18 مواطنا من إعمار شتى، بمن فيهم صبية وشبيبة وجرح اكثر من 100 مواطن على أيدي اجهزة الأمن القمعية. علينا ان نطالب بإلحاح وبلا كلل:
•   إيقاف التصدي الهمجي للمتظاهرين السلميين فوراً، لأن الجماهير تمارس حقها الشرعي المكفول دستوريا وفي لوائح حقوق الإنسان الدولية.
•   الاستجابة الفورية لمطالب الجماهير في رفض الطائفية ومحاصصاتها في الحكم والمجتمع ومحاربة الفاسدين الكبار واعوانهم ومحاكمتهم والتصدي للإرهاب الجاري في البلاد على أيدي داعش والميليشيات الطائفية المسلحة.
•   إطلاق سراح معتقلي الانتفاضة الشعبية المتصاعدة وتعويض عائلاتهم ومعالجة الجرحى منهم وتعويضهم ومحاكمة من أعطى الأوامر باستخدام الرصاص الحي لضرب المتظاهرين.
إن من تابع اجتماع رؤساء الكتل السياسية المشاركة في الحكم بدعوة من رئيس الجمهورية والبيان الصادر عنه يدرك تماماً بأن:
•   النخب الحاكمة لا تريد بأي حال الاستجابة الفعلية لجوهر المطالب الشعبية الأساسية التي تؤكد رفض الطائفية ومحاصصاتها كلية، ومحاكمة الفاسدين والمفسدين الكبار فورا، ومحاربة الإرهاب وتفكيك المليشيات الطائفية المسلحة ونزع سلاحها ومحاكمة من استخدم السلاح منهم في ضرب المتظاهرين، والاستجابة لمطالب الشعب في توفير الخدمات المتدهورة، ولاسيما الكهرباء والماء ومعالجة البطالة والفقر المتفاقمين، رغم زيادة واردات العراق من نفطه الخام المصدر، وإيقاف دفع الرواتب الهائلة والمخصصات لكبار موظفي الدولة والنواب وغيرهم ، والتي كشف عنها مؤخراً ومن جديد عادل عبد المهدي، التي يتسلمها هو أيضا، وتصل الى 12 مليون دولار أمريكي سنوياً عدا الرواتب والمخصصات الاخرى، ... إلخ.
•   إن الحديث عن المندسين القلة يخدم النخب الحاكمة وليس المظاهرات، لأنهم يريدون ذلك لتشويهها، رغم انهم يعرفون جيداً من هو هذا البعض المندس، إنه بالأساس من اتباع بعض القوى المشاركة في الحكم والمتصارعة على الدور الأول في الحكم، أو تلك العناصر القادمة من وراء الحدود او بتوجيه منها، أو بعض اللصوص والمافيات التي تريد نشر الفوضى وتوفير الأجواء للإجهاز على المتظاهرين وكسر شوكتهم وإرادتهم والالتفاف على المطالَب المشروعة الداعية للتغيير، إذ ان التغيير ليس في مصلحتها بأي حال بل في مصلحة الشعب!!!
19/07/2018



11
كاظم حبيب
هل يتعلم حكام العراق من تجارب الماضي المريرة مع المستبدين؟
من يتصفح تاريخ العراق المديد، دع عنك من يدرسه بعناية، سيدرك بجلاء وجود ظاهرة سلوكية مشتركة تبرز في تجنب حكام العراق، وجلهم عتاة، التعلم والاستفادة من دروس الماضي ومن الحكام الذين سبقوهم في الحكم والعواقب الوخيمة التي نشأت بفعل سياسات الاستبداد والهيمنة وسلب حرية وحقوق الشعب الأساسية وتجويعه. لم يتعلموا، وغير مستعدين على التعلم، من دروس الهبَّات والوثبات والانتفاضات والثورات الشعبية على النظم التي أرادت تركيع الشعب وسلب حريته وقوته. كما لم يتذكروا، ولا يسمعون لمن يريد تذكيرهم، بأن "الحكم لو دام لغيركم ما وصل إليكم"، وإن "الظلم إن دام دمر". وهذه الظاهرة السلوكية هي نتيجة لتفاعل عوامل اجتماعية ونفسية وتاريخية، خاصة بالأفراد وعامة بالمجتمع، إنها نتيجة لوجود وفعل علاقات إنتاج استغلالية متخلفة سائدة في العراق، ومن افرازات البنى الفوقية الناشئة عنها ومن بنية المجتمع الطبقية المشوهة، وكذلك من التركة الثقيلة لمئات السنين والمستوى المتدني للوعي الفردي والجمعي في المجتمع العراقي، إضافة إلى الخصائص الفردية التي تبرز عند المستبدين أنفسهم ودور وعاظ السلاطين المرتزقة والحاشية المفسدة والفاسدة في تنشيط عملية تحول الحاكم صوب السلوك الاستبدادي وقهر المجتمع باسم الدفاع عن المجتمع!
يتصور الحكام المستبدون إن المجتمع ليس سوى قطيع من الماشية يمكن السيطرة عليه والتحكم به وفرض الخضوع عليه. وهذا التصور لم يكن بعيداً عن الواقع في فترات معينة، إذ بدا لهم وكأن هذا التصور صحيح تماماً لطول فترات الظلم والسكوت عنه. ولكن ما أن يشتد الاضطهاد والجور والبؤس والحرمان والجوع حتى يتصاعد الغضب تدريجاً ويغلي كما يغلي الماء حين تصل درجة حرارته إلى 100 درجة، عندها يتفجر الغضب. حين تنضج الحالة الثورية، حين يرفض الشعب المظلوم العيش في ظل وهيمنة وجور الحاكم وحرمانه من الحقوق والعيش الكريم، وحين يعجز الحاكم عن فرض قوانينه التي أصدرها وهيمنته على المجتمع، ومع ذلك يرفض تغيير الأوضاع التي دفعت بالبلاد إلى الحالة الثورية، أي حين تلتقي الظروف الذاتية وتتفاعل مع الظروف الموضوعية، عندها لا يمكن كبح جماح وثبة الشعب أو انتفاضته أو حتى ثورته، وربما تكون سلمية أو عنيفة، إنه شكل من أشكال قانون تحول الكم إلى كيف. ومن يقرر سلمية أو عنف الاحتجاج والوثبة أو الثورة هو الحاكم وأجهزته على وفق الطريقة التي تعاملون بها مع الأحداث. 
لقد طالب الشعب العراقي بالإصلاح والتغيير منذ السنوات الأولى ورفض المحاصصة الطائفية واحتج على شق وحدة الصف الوطني والنسيج الاجتماعي نتيجة ممارسة سياسية مناهضة لأتباع الديانات الأخرى والسياسية الطائفية المتصارعة والسياسة القومية الشوفينية. ولكن غاص الحكم في مستنقع الطائفية والعداء لأتباع الديانات الأخرى ورفض أي إصلاح أو تغيير لحالة الفساد السائدة والتصدي الصارم للإرهاب القاتل للبشر والمدمر للبنية التحتية والمعطل لعملية التنمية. فكان أن وجه المستبد بأمره حاكم العراق بين 2006-2014 نار غضبه ضد المدنيين الديمقراطيين وضد من يطالب بالإصلاح في العام 2011 على وجه الخصوص وضرب المطالبين بالتغيير، فسمح ببروز أكبر وأشد لتيارين متصارعين هما التطرف الإسلامي السني المتمثل بالقاعدة وداعش وبناتها وأخواتها وكل ما أسسته ودعمته السعودية وقطر وبعض دول الخليج من جهة، وبالتطرف الشيعي المتمثل بالميليشيات الشيعية المسلحة من أمثال بدر وعصائب أهل الحق وحزب الله وكل ما أسسته إيران وحزب الله في لبنان بالعراق من جهة ثانية. فكان الصراع والموت والدمار ومن ثم الاجتياح للموصل ونينوى، وقبل ذاك صلاح الدين والأنبار وديالى وبعض مناطق كركوك مثل الحويجة...الخ.
إن النظام السياسي الطائفي في العراق هو الحاضن الرئيسي لثلاث ظواهر مدمرة هي: 1) تمزيق وحدة الشعب، 2) نشر الفساد على أوسع نطاق في الدولة وسلطاتها الثلاث والمجتمع، 3) ونشر الإرهاب الدموي والخراب العام. وهي الحالة التي سادت العراق منذ العام 2004/2005 حتى الوقت الحاضر، وكانت ولا تزال قيادة السلطة بيد حزب الدعوة الإسلامية وبقية الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية وبدعم من المرجعيات الشيعية وبمشاركة القوى والأحزاب السنية وبعض الأحزاب الكردية بصورة هامشية، ولكنها كلها سعت لفترة طويلة منح الحكم الشرعية الرسمية في حين لا يمتلك الشرعية الدستورية، إذ أن النظام القائم ضد الدستور الذي يرفض الطائفية ووجود أحزاب إسلامية سياسية تقود البلاد نحو الهاوية.
لقد مرَّغت النخب الحاكمة كلها دون استثناء جبين الشعب بالتراب، ودفعت بالبلاد إلى مستنقع نتن من الثلاثي السابق، الطائفية والفساد والإرهاب، وكانت الحصيلة: جوع وحرمان وغياب خدمات وفقر وبطالة وتفريط إجرامي بأموال الشعب وسرقتها جهارا نهارا، فصالَ الردى بالشعب جهارا نهارا، على حد قول الشاعر صفي الدين الحلي (صالَ فينا الرّدى جهاراً نهارا ... فكأنّ المنونَ تطلبُ ثارَا).
إن هذه الأوضاع قد دفعت حتى بأولئك الناس الطيبين الذين أيدوا نظام الحكم الطائفي من منطلق ديني -طائفي بدأوا ينقلبون عليه لأنهم يعيشون المأساة والمهزلة مع هذا الحكم البائس والجائر بأنفسهم.
هذا هو الواقع، وغيره كثير، هو السبب وراء انتفاضة أبناء وبنات جنوب العراق ووسطه، وبضمنهما بغداد، على هذا الواقع المرّ والجنوني. وسيلتحق بهم بنات وأبناء المحافظات الأخرى التي لا تزال تعاني من مرارة النزوح والتهجير القسري والعيش في خيام لا عيش أدمي فيها. إن المتظاهرين السلميين يطالبون بحقوقهم، وهم يتجنبون أولئك الذين يسعون إلى تخريب المظاهرات للسماح بضربهم، بعضهم قادم من وراء الحدود وبعضهم يتحرك بأوامر من وراء الحدود، وبعضهم ممن يشارك منذ العام 2004/2005 بحكم البلاد وينافس الحاكم الراهن العاجز عن تحقيق ما وعد به الشعب من محاربة الفساد والإرهاب والبطالة والفقر وفشل في ذلك!!! 
للمظاهرات أسباب لا يمكن أن تنتهي حتى وأن قمعتموها اليوم فستنهض غداً وهلمجرا، تماما كما قمعت عام 2011 وانطلقت عام 2016 مرة أخرى لتتواصل حتى اليوم بحراك مدني ديمقراطي سليم ومؤثر. كوني على ثقة أيتها النخب الحاكمة في العراق بأن حكماً طائفيا في بلد تعدد القوميات والديانات والمذاهب لن يستقيم ابداً ولن يعيش طويلاً حتى باستخدام القمع والإرهاب والإفساد والقتل والاعتقال. والشعب في طريقه إلى وعي أفضل للواقع وللقوى والأحزاب التي حكمته طيلة السنوات المنصرمة وأذاقته شتى المآسي وعرضته لشتى المهازل، وسيرفض العيش في ظلها وتحت وطأتها!!!
إن طريق خلاص العراق من مستنقع العفونة الراهن يتم عبر الخلاص من الثلاثي الأخطر، من الطائفية ومحاصصاتها في الحكم والمجتمع، ومن الفساد السائد والفاسدين الكبار أولاً وقبل كل شيء، ومن الإرهاب الدموي المتواصل بكل أشكاله، إضافة إلى وضع حد لتدخل الجوار العراقي والدولي في الشأن العراقي.
                   

12
كاظم حبيب
أيتها النخب الحاكمة الفاسدة... الشعب يمهل ولا يهمل!!
هل امتلأ كأس الشعب بالحرمان والبؤس والمرارة من سلوك النخب الإسلامية السياسية الحاكمة والفاسدة والسادرة في غيّها ورفضها الاستماع إلى صوت العقل والتخلي عن الحكم بدلاً من تزييف الانتخابات وسرقة الأصوات وممارسة الغش للبقاء في الحكم. هل امتلأ كأس الشعب بالكذب والخداع والضحك على الذقون والوعود الفاحشة بمكافحة الفساد بالفاسدين أنفسهم من سلوك هذه النخب الحاكمة التي تسلمت السلطة عبر تحالف مخزي بين الولايات المتحدة وإيران ودول الجوار لتجاوز مجتمع مدني ديمقراطي ودولة ديمقراطية علمانية حديثة تستجيب لمصالح اشعب وإرادته الحية، بعد أن أسقطوا عبر الحرب الخارجية أعتى دكتاتورية عرفها تاريخ العراق الحديث لينصّبوا على أنقاضها دكتاتورية جديدة باسم الدين. لقد هبّ الشعب في ذات المدن التي جاء منها الحكام الجدد، حكام الصدفة البائسة، ليحكموا باسمهم وهم بعيدون عنهم بعد السماء عن الأرض، وليهتفوا بصوت وصل إلى عنان السماء "باسم الدين باگونة الحرامية". نعم لقد امتلأ الكأس وفاض!!!
التظاهرات لا تطالب بالماء الصافي للشرب، ولا بالكهرباء ليحميهم من حر الصيف وبرد الشتاء ولا من البطالة المستفحلة، ولا من الجوع والحرمان من بقية الخدمات والعيش تحت خط الفقر لنسبة عالية من سكان العراق فحسب، بل ضد حكم طائفي شرس فكك بالقوة والقسوة والغش النسيج الوطني والاجتماعي للشعب العراقي، ضد حكم فاسد سرق المليارات من الدولارات الأمريكية من خزينة الدولة العراقية ومن قوت الشعب ولقمة عيشه، ضد من أساء لجميع القيم والمعايير الإنسانية والأخلاقية التي تبجحوا بها طيلة سنوات حكمهم البغيض وهم منها براء، ضد نخبة لا تعرف غير توجيه النار وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع إلى المتظاهرين الذين يطالبون بحقوقهم المشروعة والعادلة منذ سنوات، ضد أولئك الذين يقطعون إمكانيات التواصل الاجتماعي بين المتظاهرين وبقية أبناء الشعب عبر الانترنيت لأنهم يخشون الشعب ويعيدون ما فعله عدو الشعب الأجوف رئيس الوزراء العراقي السابق والطائفي الشرس حتى النخاع في مواجهة مظاهرات المجتمع المدني في العام 2011. الخزي والعار لحكام لا يعرفون غير لغة السلاح دفاعاً عن حكمهم السيء، مما جعل البعض، الذي ضاق ذرعاً، يترحم على من سبقهم من مستبدين وفاسدين في حكم العراق.
لن يكون في مقدوركم خداع الشعب ولا تخويفه بميليشياتكم المسلحة التي أذاقت الشعب سنوات طويلة ولا تزال مرّ الإساءة والعذاب والاغتيال والتشريد والنهب، وسوف يواصل نضاله حتى يحقق ما يسعى إليه، فالشعب، كما تعرفون جيداً، ونذكركم به أن كنتم قد نسيتم ذلك، يُمهل ولا يَهمل، وله صبر أيوب، ولكن حين يتفجر الغضب فيه فلا يرحمكم كما لم ترحموه طيلة 15 عاماً، وأن لم تتراجعوا فالغضب آتٍ لا ريب فيه عاجلاً أم آجلاً.
لن ينفعكم دس عناصر وسط المتظاهرين ليحرقوا أو يسرقوا أو يدمروا بنايات حكومية ليتسنى لكم اتهامهم بالعنف والقوة، لتوجهوا نيران حقدكم وكراهيتكم للشعب إلى صدور أبناء الشعب المتظاهرين بدعوى التجاوز على التظاهر السلمي. المتظاهرون سلميون وتظاهراتهم سلمية ومطالبهم عادلة ومشروعة، والمتجاوز على تلك الحقوق هو أنتم أيتها النخب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، الحاكمة في البلاد. من هنا جاءت مظاهرات الأمس في بغداد تؤكد حق الشعب بالتظاهر السلمي وهو ما ينظمه الدستور العراقي ولائحة حقوق الإنسان الدولية، وتطالب الالتزام بمواد الدستور في مواجهة المظاهرات السلمية والاستجابة لمطالب الشعب.
وهنا أردد مع الشاعر الفقيد كاظم السماوي قوله: وإذا تكاتفت الأكف فأي كف يقطعون، وإذا تعانقت الشعوب فأي درب يسلكون!!! 
لكم المجد يا شهداء العراق الجدد والقدامى، شهداء الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، شهداء النضال في سبيل مجتمع مدني ديمقراطي ودولة ديمقراطية علمانية.
لكم المجد أيها المتظاهرون النشامى، ولكم النصر في خاتمة المطاف
16/07/2018       

13
الإشاعة الكاذبة والتآمر على مصالح الشعب ديدن النخب الحاكمة في العراق
كاظم حبيب

ليس هناك شيء ما في العراق يسير في، وعلى، الطريق الصحيح، ليس هناك في العراق شيء اسمه الدولة، وليس لشبه الدولة هذه سلطات نزيهة أو تمتلك ضميراً حياً يؤنبها حين ترتكب خطأ ما أو تمارس تقصيراً بحق مصالح الشعب والوطن، كل شيء في هذه الدولة خطأ في خطأ، ابتداءً من قمة الهرم إلى أسفله. كله فاسد كدولة وكنظام حكم وكمؤسسات، ومن في هذه الدولة غير فاسد، وهم ليسوا قلة كأفراد بالضرورة، يعتبر مجنوناً، ويعامل كمجنون ترك عقله في مكان ما ونساه!! هكذا هو العراق، وهذه حقيقته الراهنة، مهما حاولنا تزويق وتلميع صورته الحالية، ومهما هتفنا بعظمة العراق وشعبه، فهتافاتنا كلها لا صدى لها ولا يمكنها أن تمسح حقيقة الواقع الذي يعيش تحت وطأته هذا الشعب المستباح بأديانه ودنياه، بدمه ودموعه، فهو يلعق جراحه دوماً ولا يشفى منها!!

إنها ليست دولة رثة بسلطاتها الثلاث فحسب، بل نشرت الرثاثة في كل مكان، في كل شبر من أرض العراق، نشرت البؤس والفاقة والنفايات بين الملايين من بنات وأبناء هذا الشعب، الذي نطلق عليه باعتزاز كبير، صانع واحدة من أغنى حضارات العالم القديم، أو أحد مهود الحضارة والثقافة القديمة!

حكام اليوم فازوا بالسبق بالمقارنة مع حكام الأمس والأمس الأول، في مجال الكذب والخديعة والتآمر والنهب والسلب وسرقة اللقمة من أفواه الكادحات والكادحين، بزّوهم في كل شيء، ولاسيما في الرذيلة. فليس هناك أسوأ مما صنعوه في العراق، لقد وضعوا نظاماً متكاملاً للفساد الداخلي على مستوى المال والإدارة والاقتصاد والمجتمع، نظاماً متكاملاً للفساد المرتبط عضوياً بدول الجوار كلها دون استثناء، رغم تفوق إيران وتركيا من جهة، والسعودية وقطر والبعض الآخر من دول الخليج من جهة أخرى، إضافة إلى ارتباط ذلك الفساد عضوياً مع نظام الفساد العالمي الذي تديره مؤسسات المال والمال الموازي على الصعيد العالمي.

كل يوم تظهر إشاعة في بغداد وتنتشر إلى جميع ارجاء العالم ثم تُكذب، ويبدو إنها وضعت لهذا الغرض لإشاعة الفوضى والشك في كل شيء وفي كل إنسان بالعراق، وهو أمر بالغ الوضوح والضرر. مكائن الإشاعة تعمل بحيوية بالغة في بغداد وطهران وأنقرة والرياض والدوحة وواشنطن، وربما لندن وباريس وبرلين، إنها مؤسسات سياسية وبحثية وإعلامية ودينية ومذهبية، إنها مؤسسات لا تريد الخير للشعب والوطن. تبدأ بنشر تشكيل تحالفات سياسية وحكومات واتفاقات، ثم يظهر إنها من صنع الخيال المريض أو المطلوب حصوله!!

هناك تفاعل بين الأحزاب الإسلامية السياسية، شيعية كانت أم سنية، بالعراق وبغض النظر عن قوميتها، وبين حكام وشيوخ دين دول الجوار والمنظمات الإسلامية العاملة على الصعيد العالمي، يهدف إلى تحديد مسيرة العراق المطلوبة منهم، ورغم التعارض والتصارع فيما بينهم، إلا إنهم في المحصلة النهائية يسعون لأن يكون العراق في دائرة مصالحهم وليس مصالح الشعب العراقي.

هذا الوضع قاد ويقود إلى مزيد من الخراب والبؤس والتخلف في توفير الخدمات للشعب العراقي، ولاسيما الأساسية منها كالكهرباء والماء والغذاء والعمل، وهو ما يعيشه الناس اليوم، رغم توفر المزيد من المال بالعراق الرسمي الفاسد، بسبب ارتفاع أسعار النفط الخام في السوق العالمي وزيادة صادرات العراق من النفط الخام. المناطق التي تخلصت من إرهاب داعش، تعيش اليوم إرهاب الخراب والدمار وروائح الموتى والطائفية الغاشية والفساد المرعب والتدهور في الأخلاق والقيم العامة.

الظرف الراهن في العراق، رغم مصاعبه الكبيرة، يساعد على كشف أوراق الحكام ومن يقف خلفهم ويساند مسيرتهم المدمرة للعراق وشعبه وفضح ألاعيبهم وألاعيب من يساندهم من وراء الحدود. العملية معقدة وصعبة، وكما قال العزيز الكاتب رضا الظاهر بصواب: علينا أن ننحت في الصخر، ولكن لا بد من القيام بهذا العمل النبيل. إنه قدر الناس الطيبين الذين يريدون انقاذ العراق من مؤسسات وأحزاب وحكام الصدفة والخسة والدناءة، إنه قدر قوى التيار الديمقراطي، قوى تقدم ومن يقف معها ومن يؤيد مسيرتها، فهو ستعود إلى سابق عهدها لتواصل المسيرة النضالية في سبيل عراق أفضل وشعب يستحق الأفضل!!

13/07/2018


14
شكر وامتنان واعتزاز
الأخوات والأخوة، الصديقات والأصدقاء، الرفيقات والرفاق الأعزاء
تحية ودٍ واعتزاز
ابتداءً أقدم شكري وامتناني لكل من بعث برسالة أو اتصل هاتفياً يستفسر عن سبب انقطاعي عن الكتابة والنشر خلال ما يقرب من شهر. لقد حاولت المواصلة، ولكن اضطراري إجراء الفحوصات المكثفة ودخولي المستشفى وبقائي فترة فيها وإجراء عملية إزالة جزء من الرئة المصاب بالسرطان الخبيث، هو الذي منعني عن الكتابة أو اللقاء بالأصدقاء أو الإجابة على مراسلاتهم، وتجنبت إخبار أي من أفراد العائلة سوى زوجتي لتجنيب الأهل والأصدقاء والأحبة تحمل مشقة القيام بزيارتي في المستشفى.
لقد أجريت العملية بنجاح بتاريخ 02/07/2018 في مستشفى البروتستانت في بوخ/برلين، والآمل في أن ينتهي كل شيء بعد تنفيذ بقية العلاجات الضرورية، والتي ستستغرق بعض الوقت.
مرة أخرى اطمئن الأصدقاء والأحبة وأشكرهم على حسن اهتمامهم
كاظم حبيب
12/07/2018
 

15
أدب / كابوس
« في: 22:13 18/06/2018  »

كابوس

                                         
يحيى علوان

 مُثقلاً بحنينِ لَقْلَقٍ إلى عِشٍ فوقَ مِئذنَةٍ .. يتدفَّأُ فيه بالأذان ،
يستيقظ "رأسه" من رماد النسيان ، لمّا ينامُ ،
لا يسقطُ في غواية الأحلامِ ..
يقطعُ تذكرةً لقدميه ، يتسكّعُ على شاطيءِ الذكرى ..
 في زمنٍ ما جادَ عليه بيدٍ تُرتِّقُ مِزَقَ أناه اللائب ..
مثل غجريٍّ ضالٍ في غاباتِ العصورِ ، يطاردُ فتاتَ خبزِ ذكرياته ، كي لا يضلّ الطريقَ
إلى "الكوما" الروحية ! وسطَ بُرَكٍ من الهراء الرقراق !! يروحُ عندها يحصي جراحه
، مثل لصٍّ يجلس ليُحصي غنائمه !
رجلاه تقودانه في شوارعَ مصدورةٍ بدخانِ عوادمِ السياراتِ والحافلات ...
في طرقاتٍ وأزقّةٍ ، عارياً إلاّ من اشواق "إبن زُريق" البغدادي ...
............................
منذُ زمنٍ أوغَلَ في البَعاد، ما عادَ يتذكره ،عرفَ الكهولةَ، وإنحناءةَ ظهرِ الطفولة ،
ظلَّ يحملُ رأسه بين كتِفيه ، وأيامه على ظهره ... 
يمشي فوقَ نفسه ،
جسَده أمسى ذِكرى زمانه، دروبه مستديرة ، مُلتَفَّةٌ على حالها ...
حُلمُه يقودُ خطاه ،
ما تبقى له من عمرٍ أمسى مثل صالة إنتظار فى محطة قطاراتٍ مهجورة ،
ترعى بها الريح ، يتربَّعُ فيها الصمتُ على مقاعد مُترَعةً بالغبار ...
يُقامرُ منذُ سنينَ من أجلِ "بيدرِ فَرَحٍ ليلةَ الحصاد"!
يتلهَّفُ لفرحةٍ ، كلهيبِ موقدٍ يلوحُ ، من خلف  الشباك ،
لتائهٍ في صحراء من الثلجِ ...
أحبَّ بلاداً رَحلَ عنها ، يُريد زيارَةَ أمسِه... ليُقوِّمَ ظهرَ ذاكرته المُقوَّس!
.........................
بضعُ خطواتٍ تفصله عن مكانٍ ظلَّ يؤجِّلُ العودة إليه دهراً،
قلبه يَنُطُّ مثلما كانَ في أوّل موعدٍ غراميٍّ ، 
ما عادَتْ له غيرَ عينٍ واحدة ، تركها مفتوحةً ترصدُ أحلامه العابرة ..
إرتدى نسيانه/ ذاكرته ، رَشَّ شيئاً من عطره الأثير،
خرج لايلوي على شيءٍ ، ولا يدري كيف يُريحُ الظلَّ من شمسِ الظهيرة ،
في سكونٍ فَرّت الأصواتُ منه ... وعافَه الصدى ،
مثلَ جرحٍ يَصدحُ بالأنين ...
..........................
متردداً أمسى أمام دهليز ذاكرةٍ تحرسُها "ليثي"* ، حين شَعرَ كأنَّ شفّاطةً رهيبةً شَفَطَتْه ،
لم يَقوَ على مقاومتها ... أرخى قواه مُتزحلقاً ...
أحسَّ بأنه خفيفٌ ، ربما لأنه تَرَكَ ظلَّه مُعلَّقاً على شماعة خلفَ باب الدار .. 
في نهاية الدهليز قومٌ بوجوهٍ من نحاس ، مُتماثلةٍ ، تفيضُ إبهاماً ..
لاتَشي بفرَحٍ  أو بحزنٍ ،
أيدٍ مبتورة تُصفِّقُ لصفاقةِ الوطن !
رهطٌ "بابليٌّ"، الكلُّ يصرخ .. ولا أحد يفهمُ الآخر ...
مدينةٌ مُسَوَّرةٌ بالطوف**والعَجاج ، والقمامة ...
ساعة "القُشلَة" ، وحدها تعملْ !
إرتعبَ ! حاوَلَ العودةَ من حيث إنتهى .. لمْ يفلح .
تحلَّقَ القومُ من حوله كأنه "تسومبي!" ،
صرخَ بهم :" أنا إبن هذه الأرضُ ، التي طَشَّتْ في الدُنى الحرفَ ،
وما جَنَتْ غير الحروب !!
جئتُ لـ ــ أكتبَ بدمٍ أسود ، حِبر الغراب ــ "
* نحن ، قاتَلنا ولم ننتصرْ... جرّبنا " الممكنات !"كلِّها ...
 لا ندري أنَفرحُ الآنَ أم نَحزن ؟!                                                       
ــ هذا سؤالٌ ساذجٌ ! أتنتظرونَ فَتْوَى بالحزنِ وأُخرى بالفرحِ ؟!
* ماذا تريدُ ، يا غريب ؟! فنحنُ لانملكُ إلاّ الوفاءَ وإجسادٍ من قمح وشمس !!
ــ جئتُ إذ طوَّحَ الحنينُ بي ،
  جئتُ لعلَّ شيئاً فيَّ يَنبُذُني .. أو لعلّي أصيرُغيري !
  قد جئتُ من قبلُ ، وربما من بعدُ ... لم يكنْ أحدٌ بأنتظاري،
  ولم أجد أحداً يُصدِّقُ ما أرى ...
فالكلُّ منشغلٌ بأعلان "براءة" الخطأ !
 أنا البعيدُ .. مَنْ أنتَ يا أنــا ؟!
في أيِّ سِركٍ تُراني ؟!
مَنْ خَلَطَ أوراقَ اللعبةِ علينا ، فلم نَعُدْ نعرفُ "الثُوّارَ" من"كِلِدّار" اليسارِ ؟!!
سأكُفُّ عن الكتابةِ كي لاتصلَ رسائلُ إستغاثتي إلى مَنْ لايهمه الأمر..!
وحين لن يسمعني أحد .. أروحُ أنتحبُ حتى لا أختنق ..!
............................
هذه أشباحكم تلعنُكم ...
نساؤكم حِلٌّ لغيركم ما دامَ في المحرابِ منافقٌ ، دجّالٌ يَؤُمُّكم !!
جئتُ لا لأُصلِحَ أيَّ معنىً خارجيٍّ أو إشتقاقيٍّ ،
بل كي أُرمِّمَ داخلي الخاوي إثرَ جفافٍ عاطفي ..
وأعرفُ أنَّ "العامّةَ" تموتُ بِبَهجةٍ مَجّانيةٍ ،
فلا يعطيهم الوطنُ غير الحق في الموتِ أيامَ  الحرب !
والذلَّ أيامَ السِلم لـ"بناءِ" الوطنِ من جديد !!
....................
* تَمهّلْ! لاتَتَورّطْ كثيراً بالعاطفةِ والحماسة !! قالوا ،                                                                 لَمْ نَرهنْ سوى طيبتنا، كي لا نتأخرَ عن " الزَفَّةِ" ونُرمى بسِهامِ "الأنعزالية"!
  فها نحن مَنْ نحنُ !
  لنا ما تبقّى لنا من الأمس ،
 علوُّ النجمِ عاليةٌ أرواحنا ،
 أَبيَّةٌ نفوسُنا كالطير طليقاً يُحلِّقُ أبعدَ من مدى الرصاص ..!   
 هكذا وُلِدنا كسائرِ الخلقِ سواسية ! 
 لنا ما لنا .. ولنا ما لغيرنا من سماء ، 
لَهُمْ ما لَهُمْ .. ولهم ما لنا من هواء ،       
لَهم دينهُم .. ولنا "ديننا"!
لنا ما لنا.. وليس لهم ما لنا من أيادٍ بيضٍ وجبَاهٍ ناصعةٍ !
لَهُمْ ما ليسَ لنا من السحتِ الحرام .. وما يندى له الجبين !
لنا تبتسمُ المرايا .. ولهُم الذُعرُ من صورهم فوقَ الماء !
........................
........................
ثمَّ أننا نحتكمُ إلى البرامج ، دونَ النوايا، التي لاتعرفها إلاّ الآلهة !

ــ الكلُّ ضد الفساد ، والجميع يريد مصلحة الناس والديمقراطية والشفافية ..إلخ!!
   مَنْ المسؤول إذاً ؟!
  هل أكونُ أنا المسؤول وعليَّ أنْ أعتذر؟!
  عنْ ماذا؟!
  عن الخراب العميم ، الذي طال كل شيء؟!
  عن ملايينِ القتلى والمسبيين واليتامى والمفقودين ؟!
   فقد صادروا الله ،
   قَتلوه في الكتب ، فوقَ المنابرِ، صيَّروه "سيافاً"في بلاطِ الحُكّام !   
  الكلُّ تَبرّأ ، فلا أثَرَ لِمَنْ غرزَ مخالبه في صدورنا  ونجا ..!
  أيكونُ الكذبُ الصفيقُ أعلى مراتب الحقيقة ؟!
 إذ غدت الأخيرةُ مؤجلةً إلى حياةٍ غير هذه ..
  والذكرياتُ إلى أَعمارٍ أخرى ..
  وما عادَ الإخلاصُ ذا نفعٍ ..!
  أيتحتَّمُ عليَّ الآنَ ، أَنْ أُحكِمَ بناءَ عبارتي [ أقولُ لمُغرضٍ قد يقراُها عمارتي ، أنا لا أملكُ
حتى حجارة واحدة في خربة بأيٍّ من بقاع العالم، ناهيك عن عمارة !] كي لا تُغضبَ "القومَ"؟!


  كمْ هيَ ساديةٌ همومُ الناس !!
 لذلك سأرسمُ وجه إيديت بياف فوقَ صخرِ الروح ، تُسلّيني ، تعويذةً كي لاتُغريني
الآفاقُ المُلبَّدةُ بالكآبةِ والرحيلِ من جديد ... 
.......................
.......................
أَفاقَ إذْ سقطَ عن السرير.. يلهثُ مُقطَّعَ الأنفاسِ .. يتصبَّبُ عَرَقَاً بارداً ...!!!                                                                                       
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ليثي إلهة النسيان في أساطير الأغريق .
** جدار من الطين والتبن ، لا تدخل الحجارة ولا الطابوق في قوامه . 


16
كاظم حبيب
التحالفات العراقية والدور الإيراني
حين دخل الحزب الشيوعي العراقي في تحالف مع قوى التيار الصدري باسم "سائرون"، سجلت مع عدد من الأخوات والأخوة المناضلين رأياً واضحاً ومكثفاً حول الموقف من هذا التحالف، وأشرنا فيه باختصار شديد إلى خسارتنا لوحدة قوى التيار الديمقراطي، التي كانت تتشكل من الحزب الشيوعي العراقي، وكان العمود الفقري في التيار، والحزب الاجتماعي الديمقراطي الجديد وثلاثة عشر حزباً آخر وشخصيات ديمقراطية علمانية عراقية كثيرة. وقد أطلق على هذا التحالف المدني الديمقراطي اسم "تقدم". ونشط أتباع "تقدم" في الداخل والخارج لصالح هذا التحالف الجديد. ولعبت الحركة المدنية الاحتجاجية دوراً مهماً في تكوين رصيد شعبي واسع نسبياً لصالح تحالف "تقدم"، وكان من المؤمل أن يحرز مقاعد في المجلس أكثر مما تحقق له في تحالف "سائرون". وكان في مقدوره أن يتحالف بعد ذاك مع التيار الصدري أو مع غيره على وفق البرامج المطروحة والفعلية للقوى السياسية التي تمت تجربتها خلال الأعوام المنصرمة.
اكتفيت بهذا الراي الذي صدر عن "لجنة المبادرة لتوحيد الحركة الوطنية الديموقراطية في العراق". وسكت عن إبداء الرأي بشأن "سائرون"، ورجوت الآخرين أن يكونوا في نقدهم موضوعيين وبعيداً عن التجريح، إذ من حق الحزب الشيوعي أن يتخذ المواقف التي يراها مناسبة في العمل السياسي، على أن يستفيد بأقصى ما يمكن من تجارب العقود المنصرمة في مثل هذه التحالفات والموقف من نقد سياسات القوى التي يتحالف معها حين ترتكب تلك القوى أخطاءً، أو تبتعد عن الالتزام بالخط المتفق عليه في التحالف. وفي الدعاية الانتخابية دعوت لانتخاب ممثلي الحزب الشيوعي العراقي وقوى التيار الديمقراطي.
خلال الفترة التي تشكل تحالف "سائرون وحتى اليوم وصلتني رسائل واتصالات هاتفية كثيرة عن موقفي وسبب سكوتي عن إعطاء الرأي بشأن ما يحصل بالعراق في إطار "سائرون" ومجرى التحالفات مع القوى الأخرى والمقالات والتصريحات التي نشرها الحزب، ولاسيما الرفاق في قيادة الحزب الشيوعي العراقي. أقول مرة أخرى، أي شخص يحق له أن يتخذ رأياً في قضية ما ويمكن أن يكون الراي خاطئاً، ولكن هذا لا يشكل مشكلة كبيرة، فهو رأي فرد، ولكن حزب سياسي، كالحزب الشيوعي العراقي، حين يتخذ موقفاً سياسياً يفترض أن يحسب نتائجه أو عواقبه جيداً، إذ الوقوع في خطأ تكون له عواقب سلبية على الحزب والمجتمع. من هنا تكون مسؤولية الحز السياسي أكبر بكثير من مسؤولية الفرد، على أهمية وضرورة أن لا يقع الفرد في أخطاء مؤذية
تحالف سائرون استفاد من الحملة الشعبية الاحتجاجية الواسعة إلى أبعد الحدود الممكنة، التي بدأت عام 2011 وتوقفت بشرسة وعنف النظام السياسي الذي كان يقوده المستبد بأمره نوري المالكي وبإسناد شديد من إيران، ثم بدأت الحركة الاحتجاجية ثانية في العام 2014، في كسب أصوات الشيوعيين والكثير من المدنيين الديمقراطيين والمحتجين على السياسات الطائفية المحاصصية والفساد والإرهاب، ورفعت من رصيد التيار الصدري في الانتخابات الأخيرة إلى نسبة تتراوح بين 40-50% من عدد الأصوات التي حصل عليها هذا التيار في انتخابات عام 2014.
في التحليل السياسي يمكن القول بأن الحزب الشيوعي في تحالفه" مع التيار الصدري في "سائرون"  قد استطاع التحرك بحيوية أكبر وولج مجالات لم يلجها في السابق ووصل إلى جماعات كان يصعب الوصول إليها قبل ذاك. ولكنه لم يحقق النتائج المرجوة من العملية الانتخابية، وكان رصيده من النواب، على وفق قناعتي، أكبر لو كان قد استمر في تحالفه مع بقية قوى التيار الديمقراطي في تحالف "تقدم". 
ما هي المسائل التي تثار في تحالف حزب شيوعي مع التيار الصدري في "سائرون"؟
التعاون مع شخصيات دينية ليس غريباً على عمل الحزب الشيوعي العراقي، فهناك شخصية عبد الكريم الماشطة من الحلة، وشخصية محمد الشبيبي من النجف، وكان للحزب خط حزبي خاص لرجال الدين (خط الموامنة)، ولاسيما في كلية الشريعة ببغداد مثلاً. ولكن تلك الشخصيات الدينية كانت مدنية وعلمانية ترى ضرورة فصل الدين عن الدولة، وهي مسألة مركزية لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية.
التيار الصدري، حركة دينية سياسية اجتماعية، تعتمد على زعامة أو قيادة شخص واحد، إذ له يعود القرار الأول والأخير، وليس هناك من يستطيع اتخاذ أي قرار آخر، إن قراراته فتاوى لتابعيه أو مريديه أو مقلديه، الذين كانوا في الغالب الأعم يقلدون والده قبل استشهاده على أيدي النظام البعثي الدكتاتوري.
ومثل هذه الحركة الدينية الشيعية قد ارتبطت طويلاً بإيران، ورغم بروز محاولات الابتعاد عنها، كان الحبل السري قوياً إلى حد يصعب الانفكاك عنها، أو يمكن العودة إليها تحت ظروف وضغوط معينة. وبالتالي لا يخضع الصدر في قراره على المتحالفين معه بل لموقفه الشخصي الخاضع بهذا القدر أو ذاك لعوامل كثيرة. ويمكن أن تختلف قرارات بين ليلة وضحاها دون أن يحتاج إلى تفسير أسباب تغيير مواقفه. قال لن يتحالف مع المالكي والعامري، وهنا نحن أمام تحالف محتمل من هذا النوع هو الذي تحدث عنه!
والمسالة الثالثة في هذا الصدد تبرز في طبيعة الجماهير الواسعة المؤيدة لمقتدى الصدر، فهي مؤيدة بالأساس من موقع ديني، وليس اجتماعي، وهي بالأساس بسيطة وتقبل بما يقرره الصدر ولا تناقش في ذلك، إلا القليل الذي تأثر بالحركة المدنية الاحتجاجية وتفاعل مع شعاراتها المناهضة للطائفية والفساد والإرهاب ويمتلك شيئاً من الوعي الفكري والاجتماعي والسياسي. وهم الذين برزوا في فترة الاحتجاجات وكفلوا التواصل مع الحركة المدنية الاحتجاجية.
من هنا فأن التفاوض مع القوى الأخرى من جانب التيار الصدري لم ولن يخضع للقوى المشاركة في تحالف "سائرون"، بل لقرار مقتدى الصدر الشخصي وحده لا غير. وحين قال سأتحالف مع النصر أو الائتلاف الوطني أو مع الكرد ...الخ، كان قراراً فردياً، وحين قال الآن مع فتح، هو قرار فردي أيضاً ولم يرجع به إلى الحزب الشيوعي العراقي أو إلى بقية القوى المتحالفة معه. إنها الإشكالية التي تضع القوى الأخرى في حرج دائم من أمرها. وكان بيان الحزب الشيوعي التوضيحي الأخير بتاريخ 13/06/2014 يعبر عن هذا الحرج الذي برز في موقف الذي "لا يطير ولا ينكض باليد"! في حين كان موقف الدكتور فارس نظمي أكثر وضوحاً وجرأة في تحديد المسيرة: رفض التحالف مع فتح، الأفضل أن يكون تحالف سائرون في المعارضة من أن يكون في تحالف محاصصي طائفي جديد...الخ.
لا شك إن مقتدى الصدر قد تعرض لضغوط مباشرة تجلت في تهديد مباشر باغتياله أولاً، وتفجير مستودع الأسلحة التابع لسرايا السلام التابعة له في مدينة الثورة ثانياً، وإرسال تحذيرات مباشرة من قاسم سليماني المقيم حاليا بالعراق لصهر التحالف الجديد، الذي أشار المالكي بأنه يجد التأييد من جانب إيران! كما إن إيران تضغط على الكرد وعلى قوى كثيرة وحركت قواها وأموالها وما عندها من عيون لتعمل على ذلك!
ومع ذك فالأمور لم تنته حتى الآن، والاحتمالات القادمة عديدة، ولكن لا بد للحزب الشيوعي أن يكون له موقفه الواضح الذي لا لبس فيه، رغم صعوبة وتعقيدات الوضع، لا لأعضاء الحزب فحسب، بل وللجماهير المؤيدة له وللقوى المدنية والديمقراطية الأخرى التي تنتظر عودته لها وعمله معها. لا بد أن يكون له الموقف الرافض لأي تحالف طائفي خاضع لسطوة وسيطرة إيران التي يمثلها هادي العامري والمالكي والخزعلي ومن لف لفهم، فهؤلاء يمثلون القطب الأكثر طائفية وعنفاً ورفضاً لمصالح الشعب العراقي والأشد رغبة في ربط العراق بعجلة إيران ومصالحها وهيمنتها الكاملة على العراق وعلى قراراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الداخلية منها والخارجية.                       
   

17


كاظم حبيب

الرؤية المريضة للبروفيسور سعد الفاضل حول العرب وأهل السودان!
تسنى لي، من خلال الصديق الدكتور حامد فضل الله، أن أقرأ قبل ثلاثة أيام مقالاً للسيد البروفيسور سعد الفاضل من السودان تحت عنوان طويل "... عروبة السودانيين الزائفه هي السبب في التمادي و التطاول عليها في الاعلام العربي بشكل عام". تضمن المقال عدداً من الأفكار التي وجدت ضرورة مناقشتها لسببين مهمين هما: 1) الأحكام المطلقة التي ساقها لنا مقال البروفيسور سعد الفاضل، والتي لا يجوز التغاضي عنها حين يكون كاتبها بدرجة استاذ؛ و2) ارتكاب البروفسور جملة من الأخطاء الفكرية التي لا يجوز تركها تمر دون مناقشة وتبيان خَطلها، على وفق قناعتي.
يبدأ المقال بتوجيه نداء إلى السودانيين باعتبارهم ليسوا أقل شأناً من الأعراب. وهي لعمري مسألة لا يأتيها الباطل بأي حال، فكلنا بشر، وهي السمة الأساسية التي تميزنا جميعاً وليس غيرها. وبالتالي فأي تفكير آخر يضع المسألة في خانة العنصرية والتمييز العنصري، يضعها بين ألـ "أنا" وألـ "أخر"، أنا الجيد وهو السيء ...الخ. وهنا في تعريف الإنسان لا يلعب حالة الفقر والبؤس المالي والتخلف أي دور في تحديد سمة الإنسان.   
ثم يشير إلى تفاخر العرب في الأنساب أو تحقير بعضهم البعض الآخر بسبب النسب ...وهلمجرا. وهذا الأسلوب في المفاخرة الفارغة كان وما يزال قائماً في سلوك القبائل العربية سابقاً وحالياً، وفي جميع الدول العربية التي ما تزال تعيش في الماضي ولم ترتق إلى حضارة القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، فهم يعيشون الماضي في الحاضر. ولكن وجود هذه الظاهرة لا تنحصر بالعرب أو العربان أو القبائل العربية، بل مارستها وربما ما تزال تمارسها الكثير من البلدان النامية التي ما تزال متخلفة في تطورها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وفي وعيها الحضاري، كما لم تتخلص منها بعض الشعوب المتقدمة في تطورها الاقتصادي والاجتماعي، والذي مارس لديها في الماضي وقبل انتقالها إلى العصر الصناعي الحديث، ورغم ذلك فهي ما تزال موجودة حتى في الدول الأوروبية التي قطعت شوطاً كبيراً في تقدمها والذي نجده أحياناً في الصراع المذهبي بين الكاثوليك والبروتستانت، أو بين المحافظات التي كانت في السابق اقطاعيات. إنها ظاهرة غير حضارية ومتخلفة لا شك في ذلك. في فترة العباسيين صدرت فتوى عن دار الخلافة تقول بأن لا يجوز أن يكون خليفة على المسلمين ما لم يكن من آل قريش، باعتبار أن النبوة قد ظهرت بينهم، وادعوا أن النبي قال "الأئمة من قريش". لهذا التزم سلاطين الدولة العثمانية بهذه الفتوى تقريباً!
لا شك لديَّ بأن البروفيسور سعد الفاضل يطرح نصف الحقيقة حين يقول بأن العرب حاولوا وما زالوا يحاولون فرض عروبتهم على شعوب أخرى، وهو ما نراه في دول شمال أفريقيا أو الموقف من الشعب الكردي، ولكن ليس كل العرب من قام بذلك، بل الحكام العرب والجماعات الشوفينية والعنصرية من العرب، وهو ما نجده أيضاً لدى حكام آخرين مثل حكام تركيا وحكام إيران إزاء الكرد أو ما نعيشه حالياً من صراع بين كاتالونيا وإسبانيا. أي ليس الحكام العرب والعنصريين من العرب وحدهم بهذه الحالة السيئة، بل هي ظاهرة عنصرية ومتخلفة لا تزال ترفض الاعتراف بحقوق الإنسان وحقوق القوميات والشعوب في تقرير مصيرها بنفسها أو فرض هويتها على الشعوب الأخرى، أو ترى إنها أفضل منها!!
ثم يؤكد البروفيسور سعد الفاضل بأن هذا السلوك يجسد ثقافة العرب. وهذا القول يمثل نصف الحقيقة أيضاً، إذ إن هذه الثقافة هي ثقافة الحكام العرب والأفارقة، ومنهم حكام السودان، سواء أكانوا عرباً أم أفارقة أم الاثنين معاً، ثقافة الإسلام السياسي المتخلف، ثقافة الفئات الاجتماعية المهيمنة على الشعوب العربية وليست ثقافة القوى الديمقراطية والتقدمية بالعالم العربي. التمييز بين الاثنين ضروري حقاً. أؤكد ثانية هناك جمهرة من العرب تمارس سياسات حكامها في التمييز العنصري أو في الشوفينية العربية، ولكن لا يجوز تعميم ذلك.
ولكن الأخطر في مقال البروفيسور سعد الفاضل يبرز في اعتماده النظرية العنصرية البائسة والمتخلفة والعدوانية التي تتحدث عن الأجناس الثلاثة" التي تقترن بأبناء نوح الثلاثة الأساسيين، وهم: يافت وسام وحام. وهي رؤية دينية عنصرية متخلفة تؤكد ما يلي:
"ينحدر الأوروبيون البيض، وهم من الجنس الآري من يافت  (Japhet)؛ في حين ينحدر العرب واليهود وبقية الآسيويين من سام (Sem)، الذين يشكلون معا الجنس السامي؛ أما الأفارقة فينحدرون من حام ((Ham. وإن أبناء وأحفاد سام وحام يعتبرون من المغضوب عليهم الذين حكم عليهم بخدمة أبناء وأحفاد يافت حتى الأزل، باعتبارهم سادة وبسبب نقاوة دمهم وكونهم لم يرتكبوا خطايا أو ذنوب، في حين اعتبرت دماء أبناء سام وحام ملوثة وغير نقية، علما بأن هؤلاء الأخوة، إضافة إلى الأخ الرابع جانيثون (Ganithon) هم جميعا، وفق تلك الأساطير، من أبناء آب واحد هو نوح ((Noah المنحدر من آدم وحواء. وكان الحكم على أبناء وأحفاد كنعان (جانيثون) بالعبودية الأبدية، وأن يكونوا عبيدا للعبيد، كما جاء في ميثولوجيا الديانة اليهودية والمسيحية." (أنظر: د. كاظم حبيب، الهجرة المغاربية وواقع العنصرية والعداء للأجانب في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي، كتاب بثلاثة أجزاء موجود في مكتبة التمدن في موقع الحوار المتمدن، 2000. قارن أيضاً: Poliakow، Leon، Der arische Mythos، 1. Auflage، Junius Verlag- Hamburg،1993، S. 22).
لقد اعتمد الأوروبيون على هذه النظرية لا لغزو دول العالم واستعمارها فحسب، بل ولتحويل سكان آسيا وأفريقيا عبيداً لهم، ولنا في تاريخ اسبانيا والولايات المتحدة وهولندا وألمانيا خير تعبير عن هذا السلوك الاستعماري الإجرامي الشائن بحق الشعوب الآسيوية ولاسيما الشعوب الأفريقية. وقد شارك العرب في فترة الإمبراطورية الأموية والعباسية والعثمانية، بل وفي فترة الفتوحات الأولى، فيما أطلق عليه بالفتوحات الإسلامية، والتي كان هدفها استعمار الشعوب الأخرى واستغلالها واستخدامها لمصالحهم، وهي تجسيد لذات العقلية الاستعمارية، علماً بأن العرب وغيرهم قد مارسوا العبودية لا بحق السود وحدهم بل وبالأسرى الآخرين من البيض. ويمكن العودة بهذه الرؤية العنصرية إلى تاريخ الرومان واليونان أيضاً وتاريخ بعض الدول الأوروبية حتى الأمس القريب في جنوب أفريقيا وغيرها. ويمكن أن نجد شواهد على هذا السلوك في عدد من الدول الخليجية كالسعودية وقطر والإمارات وغيرها. كما إن الإسلام لم يحرم العبودية وامتلاك العبيد والجواري، وهي إشكالية كبيرة لا بد من إدانتها بقوة والمطالبة بمنع حصولها في أي زمان ومكان. 
إن النظرية العرقية، نظرية خاطئة وخطيرة ومهمتها اضطهاد الشعوب لصالح الدول الاستعمارية ولصالح الحكام والمسؤولين وكبار الإقطاعيين والرأسماليين، وهي ما تزال كذلك، ولهذا فالعربي الاعتيادي لا يميز بينه وبين الأفريقي أو السوداني، فكلاهما إنسان. ولكن التمييز يكون عند الحكام ومالكي وسائل الإنتاج والفئات الغنية التي تحاول اضطهاد واستغلال الإنسان. وعلينا أن نميز بين الحالتين.   
لا شك في أن للشعب السوداني تراث وتاريخ إنساني مشرف، إذ ساهم في بناء حضارة الإنسان في عهود مختلفة، ولا يختلف في ذلك عن أي شعب آخر. ولكن ليس كل تاريخ شعب السودان واحد. فالشعب السوداني خضع لاستغلال حكامه أيضاً، ومنهم الحاكم الحالي، تحت واجهات كثيرة بما فيها الدينية، وبالتالي لا يجوز القول إن تاريخ السودان أو العرب كله جيد أو كله سيء، بل فيه الغث والسمين، وكذا تاريخ كل الدول ومناطق العالم المختلفة.
من حق الإنسان أن يتبنى القومية التي يعتقد إنه منها، أو يعتنق الدين الذي يعتبره مناسباً، أو أن لا يعتقد بأي شيء من هذا القبيل، ويكتفي بكونه إنساناً يحمل رأيه وفكره ولا يتدخل أحد بشأنه في هذا الصدد. وبالتالي لا أجد ضيراً في أن ترى جمهرة من السودانيين في كونها عربية الهوية، ولكنها في الوقت ذاته أفريقية الهوية وشرق أوسطية الهوية ...الخ. أو أنها لا ترى كونها عربية الهوية بل أفريقية، كما في حالة البروفيسور سعد الفاضل. ولكن لا يجوز إهانة من يعتقد بهذا أو ذاك، إذ في ذلك محاولة لاستلاب حق الإنسان في الانتماء القومي أو الديني أو المذهبي. كما لا يجوز مخاطبة الشعب السوداني بهذه اللغة السمجة والخشنة.       
أنتم سودانيون، سواء أكنتم عرباً أم أفارقة، أم كنتم عرباً وأفارقة في آن واحد، فهذا لا يغير من الأمر شيئاً لدى الإنسان الاعتيادي، ولكنها تصبح مشكلة عند القوميين اليمينيين المتطرفين أو العنصريين، وبغض النظر عن الفقر أو الغنى، وبغض النظر عن الدين أو لون البشرة. نحن كلنا بشر وتجمعنا الإنسانية ويفرقنا الفكر المتطرف أياً كان هذا الفكر، ولاسيما الفكر العنصري أو التمييز الديني أو المذهبي.
أشعر إن في هذا المقال استهانة كبيرة وإهانة غير مباشرة وغير مقبولة لشعب السودان، سواء أراد الكاتب ذلك أن لم يرد، وهو إجحاف غير مبرر لا يجوز ممارسته مع شعب السودان وبكامله، إضافة إلى كون إصدار حكم مطلق على جميع السودانيين وبهذه الصورة السمجة غير مقبول بأي حال، كما هو غير مقبول حكمه على كل العرب. أتمنى على الكاتب، وهو أستاذ، أن يراعي في هذا الصدد جوانب عديدة بما في ذلك علم النفس الاجتماعي والسياسي!       
أما بصدد كون أبناء السودان يتحدثون، وربما يكتبون العربية، بفصاحة وسلامة أفضل من العرب، ففيه حكم مطلق. فهناك من السودانيين، سواء أكانوا عرباً أم أفارقة أم الاثنين معاً، ممن يتحدثون العربية بطلاقة ويجيدون كتابتها باعتبارها لغة الأم، كما هو الحال بين بقية العرب. كما يوجد بين أبناء العرب ومن السودان من لا يتحدث العربية بطلاقة أو يكتبها بصورة سليمة. والأمر يتعلق هنا بمستوى تعليم الإنسان وثقافته... وقدراته الفكرية.. إلخ، وليس لكونه سودانياً أم لبنانياً أم مصرياً أم عراقياً. وليس من باب الإساءة بأي حال أقول بأن الأخ البروفيسور سعد الفاضل قد وقع بأخطاء نحوية واملائية كثيرة حقاً ما كنت أتمنى أن يقع فيها، لكي يبرهن على حكمه المطلق. جرى تأشير مجموعة من الأخطاء باللون الأحمر وليس كلها. لم أعمد إلى تصحيحها.
ملاحظة: ارفق مع مقالي مقال السيد البروفيسور سعد الفاضل ليتسنى للقارئ والقارئة معرفة سبب مناقشتي لبعض مضامين المقال المذكور.

عروبة السودانيين الزائفه هي السبب في التمادي و التطاول عليها في الاعلام العربي بشكل عام ...*

*بروفسور سعد الفاضل.*

ايها السوداني ، ايها الأبنوسي ، قد تكون شديد السواد ، مفلس ، فقير ، تعيش في بلد متأخر جداً ، لكنك لست اقل من الاعراب في شئ و ليسوا أكرم منك في شئ ..

العربان امّم و قبائل ، فتجدهم في شبه جزيرتهم يتفاخرون بأصلهم و فصلهم ، فمن هو (عتيبي) يرى نفسه أفضل من (القحطاني) و من هو قحطاني يرى نفسه أفضل من (الشمري) و من هو شمري يرى نفسهم أفضل من (المطيري) و من هو مطيري يرى نفسه أفضل من (المري) ..الخ ، ثم تجد (قبائل نجد) يتفاخرون على (أهل الحجاز) و أهل الحجاز يتفاخرون بأصلهم على (اهل اليمن) .. و يجتمعون كلهم ليقللوا من أصل (عرب الشام و العراق الفينيقيون و الاشوريين) و يقولون ان نسبهم لا ينتهي الي معد بن عدنان و لا فهر و لا عمرو بن لحي و ثم يأتي في مؤخرتهم (المصريين) الذي يراهم العرب على انهم ليسوا من العربان تفصيلاً و يجتمع كل هؤلاء في التندر و التطاول على (اهل السودان) ...

هذه هي ثقافة العرب منذ (جرهم) و (خزاعه) و (قريش) و (قطفان) و (عاد) و (ثمود) .... تفاخر و تطاول و هجاء و ذم و حروب و شجاعه فارغه و سبي للنساء و غير ذلك ...

شأءت الاقدار ان يتناسى السودانيين اصلهم الحامي الممتد الى كوش بن حام بن نوح ، العرق الحامي الضارب في القدم ثم يعتنقون فكره غير مثبته علمياً لدرجة الإيمان و اليقين عن هجره عربيه ضخمه غيرت ديمغرافيا المنطقه و حولت السودانيين الي عرب ينتمون الي العباس عّم النبي عليه أفضل الصلاة و السلام ...

النتيجه :-

ايها السودانيون ؛ ماذا تنتظرون من شعوب تنتنفس عنصريه و تعيش في ماضٍ شديد القبليه ؟!

لن يعترفوا بكم كأخوة في نفس العرق أبد الدهر ، فهم لا يعترفون ببعضهم البعض ، أنتم في تاريخهم عبيد يستخدمونهم لرعاية الإبل و خدمة الحجيج و جمع الأخشاب فقط و لم تكونوا يوم ساده او أنداد لهم ...

و في المقابل تناسيتم ان اجدادنا في كوش و نبته و مروي اسسوا حضارات قديمه ذُكرت في مشاهد منها في الكتب المقدسه و اهتم بها اهل الغرب اهتماماً شديد فاق اهتمام اَهلها بها ، حتى ان المصريين شعروا بخطوره شديده من ذلك مما سيؤثر سلباً على حضارتهم الفرعونية ..

يؤسفني اننا لا نمتلك دراما ملهمه تبعث في السودانيين حب الانتماء لهذا الوطن الغالي ، لدينا فنون مآسيه لا تقل روعه عن فنون العرب ، فنون تحكي عن النوبه و البجه و العنج و الانقسنا و الفور ، تعبر عن تاريخ غني بالتجارب الإنسانيه و الحضارات القديمة ، تعكس الجمال النقى و الرهيب الموجود في تلك الوجوه السوداء الابنوسيه شديدة الطيبه و سريعة الغضب ...

نعلم ان السودان هو البلد الوحيد في المنطقه الذي لم تطاله الفتوحات الاسلاميه و إنما انتشر الاسلام عن طريق التجاره في الغالب الاعم ...

الحمد لله رب العالمين نجيد اللغه العربيه بفصاحه أفضل من اَهلها و نقرأ القران و متمسكون بكتاب الله و سنة النبي الكريم عليه أفضل الصلوات وازكى التسليم ...

اشعر بالاشمئزاز عندما اجد سودانيون يسبون و يلعنون من يصفهم بالدونيه و عدم العروبه بألفاظ نابيه قبيحه ، اعزائي ، ترفعوا عن النزول لهذا المستوى ، لا تشعروهم بأن لهذه الاعمال قيمه كبيره ..

قولوا لهم لسنا عرباً و نحن سودانيون ، لنجرب مره ان نجتمع في سودانيتنا ...

نعم نحن مفلسون ، فقراء غير متعلمين ، نعيش في بلد شديد الفقر ، لكن و الله لسنا اقل من اي شخص في هذا الكوكب

لننهض بفنوننا و نعكس عمقها الدافئ و الحقيقي للجميع ليس من اجل إثبات الذات و لكن لتكريم حضارات و ثقافات قامت و ترسخت في هذه البلاد ، لننهض بالدراما ، الأدب ، الغناء ، المسرح ، الكوميديا ، السينما و حتى الرياضه ، فتلك القوى الناعمة صارت اكثر تأثيراً من الاسلحه النوويه .. عندها لن نضطر ان ندافع عن شئ ، و لن يحاول اي رخيص ان يتربص بتاريخنا و اصلنا ..

ما دمنا نستهلك فنونهم و دراماتهم و أعمالهم سوف نتبعهم الي الابد ...

*منقول من صفحة بروفسور سعد الفاضل على الفيس بوك*


   


________________________________________

18
د. كاظم حبيب
محن وكوارث المكونات الدينية والمذهبية في ظل النظم الاستبدادية الحاكمة بالعراق!

انجزت هذه الدراسة بهدف عقد مؤتمر خاص لمناقشة أوضاع أتباع المكونات الدينية الأخرى المضطهدة بالعراق بمشاركة
المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الإنسان
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق
منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق، ألمانيا (أمرك)

برلين – بغداد
 2018


لقراءة الموضوع كاملا انقر على الرابط التالي
http://www.ankawa.com/sabah/Study.pdf

19
سبيل التعامل الديمقراطي بين الرأي والرأي الآخر!!

صديقي العزيز

قرأت رسالتك الكريمة المليئة بالآلام والشجون والخشية على العراق القادم، التي تزيد كثيراً ما تزيد من ألام الجسد المنهك الذي نحمّله الكثير. لا شك في أن لك رأي، ولي رأي، وللآخر أو الآخرين رأي آخر، وليس هناك من يحكم على صواب هذا الرأي أو ذاك سوى الأيام. المنهج والتجربة والواقع يساعدان على التحليل السليم شريطة ممارسة المنهج التحليلي بشكل صائب، وكذلك القراءة السليمة للواقع والفهم المدقق للتجربة. وهي مسائل تختلف من واحد إلى آخر، ومن حزب إلى حزب، وعلى وفق الكثير من المؤشرات. يتعذب البعض لأن الآخر أو الآخرين لم يأخذوا برأيه ومارسوا رأيهم، وربما تنشأ عن ذلك كارثة. ولكن الآخر أو الآخرين، الذين لهم رأي آخر، ربما يفكرون بنفس الطريقة، وبالتالي، من هو الصحيح؟ لا يمكن البت بذلك سوى الواقع الحياتي التي يمكن ان يدلل على صواب أحد الرأيين أو يقع بين بين! 
غالباً ما كنت في حياتي السياسية والعامة أفكر بطريقة أشعر بأنها ضرورية بعد مرور 83 عاما من عمري وما يقرب من 70 عاما في الحركة الطلابية والوطنية والشيوعية. أفكر باني على صواب والآخر مخطئ، ولكن أضع مجالاً في ان يكون الآخر على صواب وانا المخطئ، ولو بقدر معين! أشعر بأن ليس هناك لونين فقط أسود وابيض، بل هناك أطياف لونية اخرى بينهما، وعليّٓ ان لا اعتقد بأن رأيي هو الأصوب دوماً، رغم وجود دلائل تشير الى صواب الرأي الذي أتبناه إزاء هذه القضية أو تلك، وليس دوماً. لقد مررنا بتجارب مريرة، ولكن الحياة ما تزال أكثر غنىً من تجاربنا الشخصية. ففيها الكثير من المفاجئات التي تجعلني لا أقطع بصواب رأيي، رغم قناعتي بصوابه!
كنت حين أُعتقل، أفكر كثيرا كيف سأواجه الجلادين وأساليبهم الوحشية في التعذيب اليومي؟ هل أنا قادر على الصمود أمام وحشية الجلادين؟ كنت لا أقبل باليقين، بل أقبل بالشك لأتغلب عليه بالصراع نحو الصمود. كان هذا في الخمسينيات من القرن العشرين، حيث كان التعذيب شرساً وموجعاً في أقبية التحقيقات الجنائية، وفي سجن بغداد وسجن بعقوبة، وكان هذا في الأمن العامة مع الجلادين البعثيين وأساليبهم الأكثر وحشية في التعذيب النفسي والجسدي في العام 1978. وأدركت في حينها وحتى الآن أهمية النظرة الشكية للأمور الإنسانية، وهي التي ساعدتني على الصمود والحفاظ على كرامتي وكرامة الحزب الذي أنتمي له والفكر الذي اقتنعت به وأحمله معي دوماً.
في سني النضال المديدة تعرفت أيضاً على بعض، وليس الكل، من كان واثقا من نفسه وسقط تحت وطأة الخوف حتى قبل التعذيب، رغم إعلانه الشجاعة التي كان يرغب في تحقيقها إنسانيا، وكان يطالبنا بالصمود ونحن في الطريق إلى سجن بعقوبة، ولكنه كان أول وآخر من وقع على البراءة من بيننا، نحن العشرة الذين تمّ نقلهم في العام 1958 إلى سجن بعقوبة وقبل ثورة تموز بعدة شهور. أنا واثق من الفكر الذي أحمله ومن رأيي، وأثق بنفسي، ولكن اترك للنفس البشرية، بضعفها وقوتها، ان تعيش الامتحان وتتغلب على الضعف وتعزز قدرتها على الثبات. يشعر الإنسان وهو بين أيدي الجلادين بالسرور، رغم أوجاع التعذيب، حين يرى الفشل والخزي في وجوه الجلادين بعد أن عجزوا عن كسر إرادة الإنسان المناضل!   
وضع العراق ليس عاديا، فهو مليء بالتعقيدات الكبيرة والمصاعب الجمة. لا يمكن ان نركن لرأي واحد وتحليل واحد أو تفسير واحد، بل لا بد من رؤية كل الاحتمالات الأخرى، وأن نستمع إلى كل الآراء، تلك التي نتفق معها أو نختلف، نؤيدها أو لا نرفضها، إذ من حق الآخر أو الآخرين أن يروا غير ما تراه أو أراه، خاصة وأنهم ليسوا أفراداً، بل هم حزبا سياسيا له نضاله المجيد وخبرته وقيادته ورأيه ومسؤوليته. لقد أبديت رأيك واوضحت تفاصيله وعواقبه، ولكنه لم يقنع جمهرة كبيرة من الآخرين أو الحزبيين، في حين هناك من أيد رأيك. فلنرى كيف تسير الأمور!
تعذيب النفس في مثل هذه الأحوال غير نافع، بل له عواقب سلبية. من جانبي التزم بالقاعدة الفقهية القائلة "رأيي صَوابٌ يَحتَمِلُ الخَطأ، ورأيُ غَيري خَطأ يَحتَمِلُ الصَّوابَ."!
لا أؤيد كتابة مقالات حادة لأنها توتر الأمور مع قوى لا نريد لها الأذى ولها رأيها. الحوار بيننا ضروري والسؤال هو: بعد ان حصل ما حصل، كيف نمنع وصول الأكثر وحشية وعدوانية الى دست الحكم ولاسيما رئيس الوزراء السابق، أو أحد المسؤولين عن المليشيات الطائفية المسلحة التي ساهمت بإغراق البلاد بالموت والفساد. يفترض، كما أرى، أن ندين النظام الطائفي المحاصصي، ندين إيران وكل من يقف معها، ندين كل القوى الأجنبية التي تتدخل بالشأن العراقي، ولاسيما الولايات المتحدة وقطر والسعودية، ونطالب بإقامة دولة ديمقراطية علمانية ومجتمع مدني ديمقراطي حديث، ونلح في ذلك ونفضح الفساد والفاسدين ونطالب بمحاكمتهم. علينا أن نعمل من أجل وحدة وتمتين وتعزيز وحدة القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية لمواجهة أوضاع جديدة، ربما تحمل معها مفاجئات جديدة، وربما أكثر صعوبة مما هي عليه الآن.
كاظم حبيب
06/06/2018

20
المنبر الحر / الحركة القرمطية
« في: 20:10 04/06/2018  »
د. كاظم حبيب

الحركة القرمطية
نشر الكاتب السيد الدكتور رضا العطار بتاريخ 29/05/2018 مقالاً في موقع (صوت العراق) تحت عنوان " دولة القرامطة تماهت بالشريعة الاسلامية وطبقت الاشتراكية البدائية وتغزلت بالمجوسية من بعيد! ح 7"، تحامل فيه بقسوة على الحركة القرمطية مستنداً في ذلك إلى بعض الكتاب العرب الذين اتخذوا أساساً موقف العداء من كل الحركات الفكرية والسياسية والاجتماعية المادية في التاريخ والفكر العربي والإسلامي، ومنها الحركة القرمطية وحركة الزنج مثلاً، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر علي أحمد باكثير، في كتابه الموسوم "الثائر الأحمر. أنشر هنا ما ورد في كتابي الموسوم "لمحات من عراق القرن العشرين في المجلد الأول منه (11 مجلداً) الصادر بتاريخ 2013 عن دار أراس -أربيل- كردستان العراق-العراق، وتحت عنوان "الحركة القرمطية" النص الآتي. وبعد الانتهاء من نشر هذا النص، سأبدأ بمناقشة ما نشره الدكتور رضا العطار بهذا الصدد. كاظم حبيب

كانت الحركة القرمطية واحدة من بين مجموعة مهمة من الحركات الفكرية والاجتماعية والسياسية المعارضة التي ظهرت في العهد العباسي في العراق وفي مناطق أخرى من الدولة العباسية، مثل البحرين واليمن والأحساء والشام1، التي عبرت في اتجاهاتها الأساسية عن حيوية فكرية وثقافية متميزة وعن تطلع مشروع نحو العدالة الاجتماعية وعن استعداد كبير لمقاومة الطغيان والظلم. واستندت أكثر هذه الحركات الفكرية والسياسية إلى أرضية الدين الإسلامي في بلورة افكارها وصياغة مهماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. إلا أن هذه الحركة كانت متميزة، بالقياس إلى بقية الحركات الفكرية والسياسية في العراق، بسبب اتخاذها أبعاداً اجتماعية أكثر شمولية وعمقا وأكثر التصاقاً بحياة الغالبية الواسعة من كادحي الريف والمدن العراقية في الوسط والجنوب، وأكثرها تأثرا بالفكر الفلسفي اليوناني المتحرر، وأكثرها استفادة من الحضارات التي مرَّ بها أو عاشها العراق القديم، أو الثقافات المجاورة التي تأثر بها المجتمع العراقي حينذاك، وخاصة الثقافة الفارسية. وعند متابعة أفكار هذه الحركة ونشاطاتها السياسية والاجتماعية وما قامت به وما كانت تنوي تحقيقه، أو بتعبير آخر برنامجها البديل للمجتمع والدولة العباسية، سواء كان ذلك في العراق، أم كانت امتداداتها في البحرين، على وجه الخصوص، وفي بلاد الشام واليمن والأحساء، يجد الباحث من الأدلة ما يؤكد أنها كانت قد تجاوزت عصرها، من الناحيتين الفكرية والسياسية، وكذلك في الجوانب التنظيمية، بقرون عديدة. ويمكن أن يلاحظ ذلك بوضوح فيما طرحته حركة القرامطة من أفكار واتجاهات وآفاق سياسية واقتصادية واجتماعية ذات مضامين إنسانية استطاعت في ضوئها على تعبئة كثرة كاثرة من الأنصار والأتباع حولها، كما تسنى لها ممارسة تلك الاتجاهات على أرض الواقع الفعلي، في البحرين ولعقود كثيرة. والحركة القرمطية تلتقي في بعض أبرز أهدافها مع الحركة البابكية في إيران وحركة الزنج في العراق مثلا، رغم وجود ما يميزها عنهما أيضا.
إن دراسة الفكر القرمطي وأفكار الكثير من الحركات الفكرية في ذلك العصر تشير إلى أن أغلبها انطلق من بانوراما فكري-سياسي شيعي واسع ومن مواقع سياسية ودينية معارضة للنظام السياسي وللدين الرسمي اللذين كانا قائمين حينذاك. فقادة الحركة القرمطية انحدروا من صفوف الحركة الإسماعيلية أو تبنوا أفكارها ثم اختلفوا معها2. كما أن أرضيتهم الشيعية لم تجعلهم متطابقين مع الشيعة في العديد من وجهات النظر. اختلفوا عنهم في الموقف الثوري المتحرر واتسامهم بروح التسامح إزاء الأديان والمذاهب الأخرى، كما أنهم بنوا موقفهم الفكري والسياسي على أرضية الواقع الاجتماعي وانطلاقا من مصالح الفئات الأكثر كدحا وحرمانا في المجتمع، كأبناء العشائر العربية الفقيرة والفلاحين الأنباط والزنوج الكادحين في المناطق الواقعة بين الكوفة والبصرة، أي على فلاحي الريف وسكان البادية وحرفيي المدن الأكثر تعرضا للاستغلال والاضطهاد والحرمان. وتميزت حركة وأفكار القرامطة لا برؤية واقعية للمجتمع فحسب، بل وبنزعة مادية عقلانية لا تهدف إلى شرح الواقع السيئ القائم ورفضه والتبشير ضده فحسب، بل كانت تسعى أيضا إلى تغييره وإقامة بديل عنه. وإذا كان هذا الاتجاه الاجتماعي والسياسي المغلف بمواقف دينية ذات اتجاهات معتزلية وإسماعيلية أو شيعية عامة غير واضح في بداية الدعوة للحركة وأفكارها، مما ساعد على إهمال مكافحتها من جانب الدولة العباسية والولاة في مناطق نشاطها، فأنها واجهت فيما بعد حملات واسعة من جانب أعدائها لتشويه طبيعتها واتجاهاتها الفكرية والسياسية ومضامينها الاجتماعية والاقتصادية والدينية في محاولة من هؤلاء الأعداء للإساءة البالغة لسمعة ونشاط الحركة وقيادتها والعاملين فيها، إلى جانب ممارسة الإرهاب الدموي المتواصل ضد دعاتها والملتزمين بأهدافها والمدافعين عن أفكارها. ويستشف من مصادر كثيرة تبحث في وتتحدث عن الحركة القرمطية بأنها كانت من أكثر الحركات الفكرية في الإسلام تحررا وثورية ودعوة لإقامة العدالة الاجتماعية بين الناس وإرساء الحكم على تلك الأسس. وكان القرامطة مقتنعين بأن الحكام العباسيين الذين يتحدثون باسم الإسلام كانوا أبعد الناس عن المبادئ التي بشر بها الإسلام.
لم تكن الدولة العباسية وحدها تحارب القرامطة وتحاول القضاء على حركتهم السياسية، بل شاركت معها جماعات وشخصيات دينية بارزة سعت إلى استخدام الأساليب المعروفة في مكافحة مثل هذه الحركات، باعتبارها حركة خارجة عن الدين الإسلامي وتقف ضده، وهي في نظرهم ذات أهداف الحادية ومزدكية أو مجوسية أو مانوية أو حركة زنادقة. وكان أبو حامد الغزالي من أكثر المتطرفين في مناهضتهم ورفض توبتهم3 ، والذي كان لا يعني سوى حل سفك دمهم، في حين تشير بعض المصادر إلى أن أبا حنيفة قد أفتى بالقتال إلى جانبهم حينذاك، وأن أخرين رفضوا اعتبارهم خارجين عن الإسلام. ويمكن فيما يلي ايراد نماذج من أساليب الإساءة للقرامطة:
•   أورد ميكال يان دي خويه في كتابه عن القرامطة، نقلا عن المقريزي، ما يلي: "وأقام الدعاة في كل قرية رجلا مختارا من ثقاتها يكلف بجمع كل ما يملكه أهل القرية من ماشية وحلي ومتاع وما إليها... لم يعد أحد منهم يملك شيئا سوى سيفه وسلاحه. فلما ترسخت هذه المؤسسة، أمر قرمط دعاته بجمع جميع النساء ذات ليلة ليختلطن بجميع الرجال من غير تمييز. كان ذلك في نظره منتهى الصداقة والاتحاد الأخوي. وإذ آنس من نفسه السيطرة التامة على نفوسهم وتيقن من طاعتهم له، أباح لهم النهب وكل ما شابهه من التجاوزات، وعلمهم ان يخلعوا نير الصلاة والصوم وسواهما من تعاليم الإسلام، قائلا لهم إن معرفة المعلم والحقيقة التي أطلعهم عليها تكفيهم مؤونة كل ذلك. وأنهم إن ثبتوا في الأيمان فلا خوف عليهم من المعصية والعقاب"4. ويؤكد الكاتب نفسه إلى أنه ليست هناك أية دلائل تؤكد مثل هذه السلوكية إزاء النساء عند القرامطة، وهي تهم وردت في كتابات أعداء القرامطة، إذ أن كل الدلائل تشير إلى أنهم كانوا يشكلون فرقة من الفرق الإسلامية الأكثر وعياً وتقدماً واجتهاداً والتي كانت قد تصدت بحماس ومسؤولية ضد حكم الظلم والفساد. ومن الممكن أن تكون للقرامطة اجتهادات معينة إزاء الصوم والصلاة أو إزاء الحجر الأسود في الكعبة وغيرها من القضايا الدينية، ولكن من غير المعقول والصعب حقا اتهامهم في ظروف المجتمع العراقي او البحريني أو الإسلامي حينذاك وبشكل عام بإشاعة أو إباحة المرأة بين الرجال وبالطريقة التي تحدث عنها أعداء الحركة القرمطية. ولكن هذا لا يعني أن المرأة لم تتمتع بالحرية في عهد القرامطة والتي كانت تشارك في الإنتاج وفي تقديم الدعم المالي والعيني للحركة. جاء في كتاب محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي الموسوم "كتاب كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة" حول سلوك القرامطة ما لا يعقل في ظروف العراق حينذاك، إذ كتب حول طريقة الدعوة وكسب المريدين الجدد، إذ بعد أن يبلغ "المخدوع الجديد" الدرجات الأربعة، أي التخلص من الصلاة، ثم السماح بشرب الخمر ولعب الميسر، ثم التحرر من الصوم، ثم التخلص من الطهارة، ولم يبق له سوى درجة واحدة ليصل إلى مبتغاه فيقول: "يا مولانا إن عبدك فلان قد صحت سريرته، وصفت خبرته، وهو يريد أن تدخله الجنة، وتبلغه حد الأحكام وتزوجه الحور العين، فيقول له: قد وثقته وأمنته؟ فيقول يا مولانا قد وثقته وأمنته وخبرته فوجدته على الحق صابراً ولأنعمك شاكراً، فيقول علمنا صعب مستصعب، لا يحمله إلا نبي مرسل، أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان فإذا صح عندك حاله، فاذهب به إلى زوجتك، فاجمع بينه وبينها، فيقول سمعا وطاعة لله ولمولانا، فيمضي به إلى بيته، فيبيت مع زوجته، حتى إذا كان الصباح، قرع عليهما الباب، وقال: قوما قبل أن يعلم بنا هذا الخلق المنكوس، فيشكر ذلك المخدوع، ويدعو له، فيقول له: ليس هذا من فضلي، هذا من فضل مولانا، فإذا خرج من عنده تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة، فلا يبقى أحد إلا بات مع زوجته، كما فعل ذلك الداعي الملعون ثم يقول له: لا بد لك أن تشهد المشهد الأعظم عند مولانا، فادفع قربانك، فيدفع اثنى عشر دينارا5، ويصل به ويقول يا مولانا، إن عبدك فلان يريد أن يشهد المشهد الأعظم، وهذا قربانه، حتى إذا جن الليل ودارت الكؤوس، وحميت الرؤوس وطابت النفوس، أحضر جميع أهل هذه الدعوة الملعونة حريمهم، فيدخلن عليهم من كل باب، وأطفأوا السرج والشموع، وأخذ كل واحد منهم ما وقع عليه في يده، ثم يأمر المقتدي زوجته أن تفعل مفعل الداعي الملعون، وجميع المستجيبين، فيشكره ذلك المخدوع على ما فعل له فيقول: ليس هذا من فضلي، هذا من فضل مولانا أمير المؤمنين فاشكروه ولا تكفروه، على ما أطلق من وثاقكم ووضع من أوزاركم، وحط عنكم آصاركم ووضع عنكم أثقالكم، وأحل لكم بعض الذي حرم عليكم جهالكم (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)"6. من قراءة هذا النص الطويل الذي أوردته يدرك الإنسان مدى الكراهية التي كانت تتحرك في صدور جمهرة من المسلمين المتزمتين المرتبطين بالسلطة حينذاك إزاء هذه الحركات التي استطاعت أن تكسب تأييد جمهرة الكادحين وأن هؤلاء عجزوا عن محاربة الحركة فكريا وسياسيا فتوجهوا صوب الدس الرخيص عليها بطريقة تعبر عن مرض نفسي يعاني منه هؤلاء الكتاب أو رجال الدين المتزمتين7. اتُهم القرامطة بالإباحية والكفر والارتداد عن الإسلام. واتفق أكثر الكتاب المسلمين حينذاك على توجيه هذه التهم إليهم لا لأنها صحيحة أو اختبروها بأنفسهم، بل كانت ترديدا لما قاله عنهم بعض رجال الدين من أصحاب السلطة حينذاك والمدافعين عن الخلافة العباسية بغض النظر عن مظالمها وعن عدالة القضية التي كانت هذه الحركة تدافع عنها. لقد كان البعض منهم يأخذ عن البعض الآخر ما ورد في كتاباته دون تمحيص أو تدقيق. وليست هناك حركة معارضة جادة ظهرت في تلك الفترات إلا واتهمت بمروقها عن الإسلام والإباحية والكفر وتوجهت نيران الإسلام الرسمي ضدها. إنها الأداة التي تستخدمها القوى الظلامية والمحافظة لمهاجمة حركات التحرر الفكري والتنويري في كل مكان وزمان، وهي ما تزال تواجه قوى التغيير في المجتمعات المختلفة حتى الوقت الحاضر، وخاصة في المجتمعات التي ينتسب أكثر أفرادها إلى الإسلام.               
•   يورد هادي العلوي عن اغتيال أبو سعيد الجنابي منشئ الحكم القرمطي في البحرين ما يلي:
"منشئ الحكم القرمطي في شرق الجزيرة العربية. قتله خادمه في الحمام. ولم يذكر سبب مباشر لقتله لكن أبن العماد يقول إنه راود الخادم في الحمام فاضطره إلى قتله. وهذا أتهام مندرج في عداد التشنيعات التي روجها الإعلام السني ضد الباطنية ولم يعرف زعماء القرامطة مجون أو فجور يجيز الشك في سلوكهم. إذا استثنينا الحسن الأعصم حفيد أبو سعيد الذي حكم بعده بستين عاما وكان سيء السلوك والسياسة معا وبسببه اضطر القرامطة إلى إبعاد أسرة الجنابي عن الحكم"8. وتشير الكثير من المصادر إلى أن مؤامرة كانت قد حيكت لقتل زعماء القرامطة، إذ أن الخادم قد استدعى آخرين بحجة دعوتهم من قائدهم أبو سعيد الجنابي ثم اغتالهم حتى انتبه إلى ذلك أحدهم وقام بمساعدة آخرين بالقبض على الخادم9. ويعتبر الكاتب علي أحمد باكثير أكثر الكتاب العرب المعاصرين حقدا وكرها وتشنيعا بالقرامطة. ويمكن للإنسان أن يطلع على تشنيعاته المبتذلة وغير المعقولة والمسيئة للحركة القرمطية في كتابه الموسوم ب "الثائر الأحمر" الصادر في القاهرة. ولعب الحنابلة، والغزالي على نحو خاص، دورا كبيرا في السعي من اجل تشويه سمعة القرامطة والإساءة لهم. كما كانوا أشد خصوم المعتزلة، باعتبارهم جماعة كافرة، وساهموا مساهمة كبيرة في اضطهادهم10.
كانت تجربة القرامطة في العراق غنية جدا وذات قيمة تاريخية من جوانب ثلاثة، هي: الجانب الفكري والجانب الاجتماعي والسياسي-الإعلامي والجانب التنظيمي.
ظهرت الحركة القرمطية في نهاية النصف الأول من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، أي في فترة نمت فيها ونشطت الاتجاهات الشيعية وحركة المعتزلة والمتصوفة وإخوان الصفا وخلان الوفا. واتسع نشاط هذه الحركة وتعززت مواقعها وبدأت أولى فعالياتها ضد الدولة العباسية في فترة كانت الحركة البابكية قد سبقتها، ثم تزامنت مع حركة الزنج بقيادة على بن محمد في العقدين السادس والسابع من القرن الثالث الهجري. وكان ظهورها الأول في الكوفة وفي المنطقة الممتدة حتى البصرة وبين أوساط النبط والزنج من الفلاحين وبين أفراد العشائر العربية في المنطقة التي كانت تعاني من الحرمان ومن استغلال بشع. كما انتشرت أفكار الحركة في أوساط الحرفيين في الكوفة والبصرة. وكانت هذه المناطق بشكل عام مواقع تعرفت قبل ذاك على أفكار ونشاطات الحركات الشيعية والمعتزلة والإسماعيلية والمتصوفة. وكان لهذا الواقع تأثيره البارز على الجانب الفكري لحركة القرامطة، إذ كان فكرا متفردا جمع بين بعض أبرز مقولات المعتزلة مثل خلق القرآن واعتماد التأويل في تفسير القرآن والسنة، إضافة إلى الأخذ بمبدأ العدالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا. كما أنها أخذت عن الشيعة، وبحرية نسبية، مفهوم الإمامة، وكذلك القول بالمهدي المنتظر. ومن الجدير بالإشارة إلى أن "المنتظر" الذي يتحدث عنه الشيعة لا يبرز عند المسلمين الشيعة بمختلف فرقهم فحسب، بل يبرز عند أديان اخرى وتحت أسماء أخرى، تحدثت وآمنت بعودة "منتظر" ما، وإن كان رؤيتها له والمهمات التي يعود من أجلها متباينة نسبيا، كما هو الحال مع "الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلامية.“ فالقول بالمنتظر جاء ليعبر عند المسلمين الشيعة، على نحو خاص، رفضهم للواقع الفاسد القائم وسعيهم من خلال "المنتظر القادم" إلى تغيير ذلك الواقع، إنها صرخة المستقبل عند العاجزين عن تغيير الواقع الذي يعيشون فيه والمرفوض منهم، إضافة إلى أنه يفتح باب رزق أمام تلك الحركات لتأمين موارد مالية للحركة. ويبدو أن قادة الحركة كانوا يدركون الطابع الرمزي والشعبي لفكرة المنتظر والتي تجلت فيما أوصى به أبو سعيد أتباعه في البحرين للتعرف على شخصية المنتظر القادم من أجل إبعادهم عن محاولات الذين يدّعون النبوة والإمامة ويقدمون أنفسهم على أنهم المنتظر الذي طال انتظاره.
اعتمد الفكر القرمطي على الموقف العقلي المشحون بنزعة مادية، سواء عن وعي فلسفي من جانب قادة الحركة أم عن تعامل عفوي لا يخلو من وعي نسبي في كل الأحوال. وهذه النزعة العقلانية والمادية من جهة، وتحدر قادة الحركة من أوساط شعبية كادحة من جهة أخرى، هي التي ساعدت الحركة في أن تكون قريبة من الواقع ومن الناس ومن معاناتهم اليومية، وبالتالي في تبني برنامج ثوري طموح ومتقدم. ويبرز فهمهم للواقع الاجتماعي والديني والسياسي حينذاك من الاسم الذي أطلقوه على حركتهم وليس الاسم الذي اطلق عليهم والذي عرفوا به حتى الآن، واعني به "القرامطة11" نسبة إلى حمدان القرمطي، إذ كانوا يسمون أنفسهم، كما يشير إلى ذلك حسين مروة عن عليان في (القرامطة في العراق)، "المؤمنون المنصورون بالله والناصرون لدينه والمصلحون في الأرض.“
وكانت الحركة في منهجها العقلي - التأويلي تسعى لا إلى فهم الواقع ونقده، بل إلى تغييره، أي إلى إقامة سلطتها السياسية وإلى تنفيذ برنامجها الاجتماعي والاقتصادي. ومع أن قرامطة العراق عجزوا عن تحقيق هدف الوصول إلى السلطة، فأن أكثر من ظاهرة وممارسة تشير إلى وجهتهم الاجتماعية، سواء في طريقة تعاملهم مع بعضهم في المناطق المحيطة بالكوفة وفي "دار الهجرة" وفي المناطق الأخرى التي وجدوا فيها، أم في طبيعة الدولة التي أقامها قرامطة البحرين. من هنا يمكن الإشارة إلى أن الحركة القرمطية لم تكن مجرد حركة فكرية تنويرية مجددة فحسب، بل كانت حركة سياسية اجتماعية ثورية أو انقلابية تطمح إلى إقامة العدل والمساواة بين الناس وترفض الظلم والطغيان وتتصدى لهما. ويبدو للباحث أن عوامل خمسة ساعدت على انتشار أفكارهم بين الكوفة والبصرة حينذاك، ومن ثم في مناطق أخرى من الدولة العباسية وهي:
•   انتشار الظلم والفساد على نطاق واسع وغياب العدالة الاجتماعية في مجتمع الدولة العباسية، إضافة إلى ابتعاد الخليفة العباسي والولاة عن الحكم وفق ما أمر به الدين.
•   تعرض النبط والزنج والموالي وكذلك بعض العشائر العربية إلى استغلال بشع من جانب المستحوذين على الأراضي الزراعية في هذه المناطق وفي عموم العراق وبقية مناطق الدولة العباسية، إضافة إلى التمييز بين الناس في غير صالح الكادحين والفقراء والموالي.
•   التزام قادة الحركة القرمطية بمبادئ اجتماعية وأخلاقية سامية، واستنادهم إلى أرضية دينية واقعية يفهمها الكادحون المعرضون للاستغلال والظلم على نحو خاص. يقول الدكتور عبد العزيز الدوري، نقلا عن ابن الأثير، بأن الدعوة القرمطية انتشرت "بين الفلاحين الجهلة الذين كانوا يئنون من جشع الجباة واستغلال الملاكين"، كما "انتشرت الحركة بين اهل الحرف وعوام المدن، وقد كان مستوى معيشتهم واطئا،..."12. ومنه يتبين للإنسان بأن هذه الفئات الكادحة لم تكن فقيرة ومستغلة فحسب، بل وكانت محرومة من كل خدمات الدولة العباسية، وكانت تئن تحت وطأة الجهل والتخلف. إلا أن هذا لم يمنعها من وعي أوضاعها المزرية ورفضها ومقاومتها بقوة السلاح لتلك الأوضاع. فالقرامطة لم يرفضوا الوضع القائم فحسب، بل قدموا للناس بديلا فكريا وسياسيا معقولاً يقوم على مبدأ التعاون والألفة فيما بينهم. وقد كان أبو حامد الغزالي يستخف بهذه الفئات الاجتماعية الكادحة التي كانت تلتحق بهذه الحركات السياسية والاجتماعية نتيجة إدراكها لواقعها التعس والحيف النازل بها، وكان يعتبرهم جهلة لا يفقهون حيث يقول عنهم "والعامي الجاهل يظن أن التلبيس بالأديان والعقائد مثل المواصلات والمعاقدات الاختيارية، فيصلها مرة بحكم المصلحة ويقطعها أخرى"13. وهو في هذا يدل عن ابتعاده عن حياة الناس وسكناه في برجه العاجي حينذاك.   
•   استعدادهم الكامل لخوض النضال ضد الظلم والطغيان والبرهنة عليه من خلال خوض المعارك المسلحة ضد الدولة العباسية والولاة بشجاعة فائقة وحفظهم لأسرار العاملين معهم نتيجة إيمانهم بالقضايا التي كانوا يناضلون في سبيلها، واستعدادهم الثابت على الموت في سبيلها.
•   التسامح الديني الذي تميزوا به. فهم من جانب كانوا مؤمنين بقضايا ورافضين لقضايا أخرى تبعدهم عن بعض الفرق الإسلامية الشيعية أو عن اهل الحديث، ولكنها في الوقت نفسه كانت لا ترفض أداء اولئك الناس لطقوسهم الدينية وفي الجوامع. وهي في هذا أيضا تقدم ظاهرة جديدة ومهمة في الحركات الفكرية الإسلامية في العصر العباسي لم تظهر بالضرورة لدى الكثير من تلك الحركات السابقة لها أو التي تلتها. وترد أكثر من إشارة في المصادر التاريخية إلى أن القرامطة قاموا بهدم المساجد، إذ يؤخذ ذلك عليهم باعتباره الدليل على كفرهم وبعدهم عن الإسلام. يشير الكاتب عارف تامر في كتابه الموسوم "القرامطة: أصلهم-نشأتهم-تاريخهم- حروبهم"، وانسجاما مع رأي الدكتور حسن إبراهيم وطه أحمد شرف، إلى ما يلي: " وأما عن تهديم المساجد فقد نرى أنه من الجدير تكرار القول: بأنه لم يكن ذلك إلا بعد أن يسمع القرامطة في هذه المساجد إقامة الخطبة باسم العباسيين على ما هم عليه من الفسق والفجور. هذا بالإضافة إلى مسبة أهل البيت الفاطميين"14. وهو في هذا لا يقدم الحجة على سلامة مثل هذه الأعمال. إذ إنها تبقى مرفوضة في كل الأحوال.
ويؤكد عدد من الباحثين تأثير القرامطة الملموس على مشاعر الناس ووعيهم وتنامي عدد أتباع الحركة واتساع رقعة نشاطهم الدعائي وتشكيلهم خطرا على سلطة الدولة العباسية. ويشير حسين مروة في كتابه النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية إلى هذا التأثير فيقول: “.. ويدلنا على مدى هذا الخطر عمقا واتساعا ما ذكره أبن الاثير من أن أحد قواد جيش المعتضد فاجأ القرامطة في أحد مراكزهم من منطقة الكوفة عام 287 هجرية، فقتل رؤساءهم وأسر الآخرين ولكنه اضطر إلى تسريحهم جميعا لأنهم كانوا من الفلاحين، ولأن قتلهم أو إبقاءهم في الأسر يومئذ يعني تعطيل الأرض هناك من الزراعة. ففي هذه الواقعة دلالة على الجانب الطبقي من القضية أولا، وعلى كثرة الفلاحين الداخلين في الدعوة القرمطية ثانيا، إلى حد أن غيابهم عن الأرض كان يؤدي إلى شلل حركة الزراعة في المنطقة"15. إن اتساع القاعدة الشعبية للحركة وتعزز مواقعها بين الفلاحين في ريف الفرات الأوسط والجنوب من جهة، وعدالة القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي طرحتها الحركة في حينها من جهة ثانية، وشدة الظلم الذي ساد المجتمع ونزل على نحو خاص بالكادحين من الفلاحين والكسبة والحرفيين في العصر العباسي من جهة ثالثة، والأساليب الهمجية الشرسة التي مارسها الحكم العباسي ضد القرامطة، وضد الأسرى منهم على نحو خاص، من جهة رابعة، دفعت بأبي حنيفة، كما يشير إلى ذلك اللاذقاني نقلا عن تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، إلى أن يصدر فتواه التي دعا فيها إلى القتال إلى جانب القرامطة.16 كما رفض القاضي، أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول، طلب تخطئة الوزير علي بن عيسى الذي لم يحكم بتكفير القرامطة حين قال: "إذا لم يصح عنده كفرهم وكاتبوه بالتسمية لله ثم الصلاة على النبي محمد (ص) وانتسبوا إلى أنهم مسلمون وإنما ينازعون في الإمامة فقط لم يطلق عليهم الكفر"17. إذ أن الدولة العباسية كانت تريد اتهامهم بالكفر لتستطيع تعبئة الناس حولها في القضاء عليهم. ويبدو لي أن السيد اللاذقاني كان مصيبا في تقديره للعوامل التي دفعت العباسيين إلى تشديد الخناق ضد القرامطة، حين التقط ملاحظة الغزالي وأوردها كما يلي: "إن الخلافة العباسية لم تحاربهم لتشيعهم لآل علي بل لظهورهم بالطعن على سلاطين الزمان كما يقول الغزالي.“18. وكان الغزالي يضمر الكراهية للإسماعيلية ولكل من كانوا يدعون أنهم من الباطنيين، وكذلك لكل من كان يكافح الخليفة، منطلقا في ذلك من القاعدة التي تقبل بالإمام الفاسق بدلا عن الفتنة في المجتمع الإسلامي. 
امتلكت حركة القرامطة حسا رفيعا في تحديد المهمات النضالية الصائبة للمرحلة التي كانت تمر بها، كما تميزت بالقدرة على اختيار أسلوب التنظيم المناسب وطريقة توجيه الدعاية للدعوة وقوة الاقناع، إضافة إلى الابداع في قيادة الأتباع والمريدين. فالمعلومات التي وصلتنا تشير إلى أن قرامطة العراق بقيادة حمدان القرمطي قد التزموا في نشاطهم السياسي والاجتماعي والدعائي بعدد من الأسس المهمة لتنمية الحركة وتوسيع قاعدتها وضمان سرية أعضائها نشير إلى بعضها فيما يلي:
•   الأخذ بمبدأ القيادة الجماعية للحركة وليس الاعتماد على قائد واحد بمفرده. وشاركتهم في ذلك الحركة الإسماعيلية وحركة الزنج أيضا، إذ اعتمد علي بن محمد، صاحب الزنج، على مجموعة العقداء ووزع عليهم المهمات بين أعضاء القيادة وفق الاختصاصات التي تميز بها العقداء. فمثلاً اختار حمدان القرمطي اثنا عشر نقيبا من بين أتباع الحركة شكل منهم مجموعته القيادية؛
•   بادر حمدان إلى إرسال أفضل دعاة الحركة إلى بعض مناطق الدولة العباسية من أجل نشر أفكار الحركة وتأمين الدعم السياسي والمادي لها، حيث وصل دعاته إلى البحرين والشام واليمن وغيرها وكسبوا الكثير من الأتباع والأعوان؛
•   ضمان الدعم المالي للحركة وأتباعها من خلال إلزام الأتباع بدفع ضريبة معينة من جهة، والقيام بتوزيع تلك الأموال على شؤون الحركة ولمصلحتها بين الأتباع وعلى مختلف النشاطات من جهة أخرى، والذي أطلق عليه نظام (الألفة)19. حتى أن بعض الأتباع كان يتنازل عن بعض الأموال الإضافية والممتلكات التي في حوزته لصالح الحركة. ويشير حسين مروة نقلا عن الطبري إلى أن القرامطة استطاعوا بتلك الأموال بناء قلعة حصينة لهم قرب الكوفة سميت "دار الهجرة"، وبتسليح الأتباع20. ويشير عبد العزيز الدوري إلى علاقات العمل والتوزيع الممتاز والمنصف بين القرامطة فيقول: " وأخذ كل فرد يشتغل بجد وإخلاص لخير المجموع، وذلك ليحتل المركز الذي يليق بخدماته. فالنساء يأتين بما يحصلن عليه من الغزل، وحتى الأطفال يقدمون الجعل الذي يحصلون عليه من نظارة الحقول، وليس لأحد ملك عدا سيفه وسلاحه. وقد قال حمدان لأتباعه أنهم في غنى عن المال لأن الأرض لهم"21. ويتابع الدوري قوله في مكان آخر منوها عن علاقة الثقة المتبادلة بين القائد والأتباع والحماسة التي استقبلوا بها تعليمات حمدان القرمطي مشيرا إلى ما يلي: "وقد قبل أتباع حمدان تدابيره بكل حماس، ولا سيما وأنه جعل ما يعطى للفرد يتناسب وحاجاته، بينما جعل مركزه الاجتماعي يتناسب وقابلياته لخدمة المجموع"22. اذ كان حمدان يعتقد، كما يرى الدوري، ب "أن سبب التذمر هو الشقاء المادي والحطة الاجتماعية، وأنه لا يمكن تحقيق المساواة الاجتماعية دون المساواة المادية. ولذلك كان لا بد من قطع دابر الفقر..."23.       
•   قدّم قرامطة البحرين نموذجا متميزا وغير معهود في ذلك الزمان حين أقاموا جمهوريتهم أو دولتهم المستندة إلى بنية اجتماعية جديدة وتنظيم جديد للعمل وعلاقات إنتاج غير معهودة، وخاصة في موقفهم من الأرض كوسيلة إنتاج أساسية وكذلك من الإنتاج وتوزيعه بين افراد المجتمع القرمطي، وكذلك في موقفهم من تربية الأطفال ورعاية الشيوخ أو العجزة والمعوقين.
وساهمت حركة القرامطة في البحرين في توضيح بعض القضايا الفكرية والاجتماعية التي لم تستطع حركة القرامطة في العراق تحقيقها بسبب عجزها عن الوصول إلى السلطة في الكوفة او في البصرة او في بغداد، ولكنها كانت تقف معها على ارضية واحدة. فالرحالة الفارسي ناصر خسرو الذي زار البحرين في فترة وجود هذه الدولة القرمطية يشير إلى الدور الذي لعبته الدولة الجديدة في تنظيم الاقتصاد وحياة الناس. كتب ناصر خسرو الذي زار الأحساء سنة 445 هجرية / 1052 م، كما جاء في كتاب تاريخ الفلسفة العربية للكاتبين حنا الفاخوري وخليل الجر، يقول: "إنّ في الأحساء طواحين تخصُّ الحكومة وهي تطحن للناس مجانا لأن الحكومة نفسها تنقد الفعلة اجورهم وتقوم بجميع نفقات الطواحين"24. ويورد السيد عارف تامر مؤلف كتاب القرامطة نصا مقتبسا من كتاب سفر نامة أيضا للرحالة الفارسي ناصر خسرو علوي حول تنظيم الإنتاج وزيادة إيرادات الدولة حينذاك بقوله: "كان في الأحساء أكثر من عشرين ألف محارب، ولما توفي أبو سعيد الجنابي انتقلت الحكومة إلى مجلس شورى مؤلف من ستة من الدعاة كانوا يحكمون بالعدل والانصاف، وكان لهذه الحكومة ثلاثون ألف عبد زنجي يشتغلون بالزراعة وفلاحة البساتين، وليس عندهم ضرائب ولا أعشار، وإذا افتقر أحدهم أو استدان، أعانه الآخرون ليستعيد وضعه، فليس للدائن غير رأسماله، وكل غريب ينزل المدينة وله صناعة، يعطى ما يكفيه من المال ليشتري ما يلزم صناعته من عدد وآلات، وهناك بيوت معدة لسكنى الفقراء على حساب المجموع، وقد شاهد في الأحساء أيضا طواحين تملكها الدولة وتدير شؤونها، وهذه الطواحين مهمتها طحن الحبوب للرعية مجانا"25. جاء في كتاب سفر نامة لصاحبه ناصر خسرو بهذا الصدد النص التالي: "وفي الحسا مطاحن مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجاناً، ويدفع فيها السلطان نفقات إصلاحها وأجور الطحانين، وهؤلاء السلاطين الستة يسمون السادات، ويسمى وزراؤهم الشائرة، وليس في مدينة الحسا مسجد جمعة، ولا تقام بها صلاة أو خطبة، إلا أن رجلا فارسيا اسمه علي بن أحمد بنى مسجداً، وهو مسلم حاج غني كان يتعهد الحجاج الذين يبلغون الحسا، والبيع والشراء والعطايا، والأخذ يتم هناك بواسطة رصاص في زنبيل بزن لك منها ستة ألاف درهم، فيدفع الثمن عدداً من الزنابيل، وهذه العملة لا تسري في الخارج، وينسجون هناك فوطا جميلة، ويصدرونها للبصرة وغيرها"26.       
•   إن لجوء القرامطة في تنظيم اتباعهم في الحركة إلى السرية في العمل انطلق من الرغبة في حماية أتباع الحركة من الإرهاب الذي كانت تتعرض له الحركات الفكرية والسياسية المعارضة حينذاك، خاصة وأن المسؤولين العباسيين كانوا قساة على معارضيهم وخصومهم ومن كان يعمل ضدهم لا تعرف الرحمة طريقها إلى قلوبهم ولا يتورعون عن ممارسة التعذيب والتمثيل بضحاياهم ودفنهم وهم أحياء. وفي هذا الموقف تجلي نسبي لمفهوم التقية عند المسلمين عموما والشيعة منهم بوجه خاص، ولكنهم كانوا يدافعون عن مبادئ حركتهم عند الأسر بثقة عالية بالنفس والمعتقد، رغم أنهم كانوا يتعرضون للتعذيب والموت على أيدي أتباع الخلافة العباسية. والتقية أو سرية العمل التي التزموا بها هي التي دفعت أبو حامد الغزالي إلى رفض توبة قادتهم بشكل خاص باعتبارهم لا يظهرون ما يبطنون. كما تطرف بفتواه إلى حد "القول بعدم جواز الزواج منهم وعدم ائتمانهم على وظائف الدولة"27. كتب الغزالي يقول: "وأما إبضاع نسائهم فإنها محرّمة، فكما لا يحلّ نكاح مرتدة لا يحلّ نكاح باطنية معتقدة لما حكمنا بالتكفير بسببه من المقالات الشنيعة التي فصلناه. ولو كانت متدينة ثم تلقفت مذهبهم انفسخ النكاح في الحال إن كان قبل المسيس، ويوقف على انقضاء العدة بعد المسيس…"28. كما حرم الغزالي أن يرث بعضهم بعضا واعتبر جميع الباطنيين كفرة أو مرتدين29.       
ويبدو أن القسوة البالغة التي تعرض لها قرامطة العراق من جانب الخلافة العباسية والمحاربة الفكرية من جانب الفكر الديني الرجعي والمحافظ والرسمي، وعلى رأسهم الإمام الغزالي، قد دفع بهم إلى مواجهة العنف بالعنف، أو السن بالسن والعين بالعين، مما دفع المؤرخين إلى اتهامهم بالقسوة أيضا. الا أن قسوة الخلافة ومحاربتهم المستمرة قد شملت قرامطة البحرين والشام وغيرهم. مما دفع بقرامطة البحرين إلى ممارسة أعمال عنف وقتل غير مبررة ضد الحجاج إلى مكة والتي أضرت بالحركة وسمعتها وتأثيرها. كما أن نقل الحجر الأسود من مكة إلى البحرين واستمرار وجوده هناك 22 عاما يعبر في جوهره عن عدة مسائل مهمة هي:
•   أن الحركة القرمطية في البحرين كانت كما يبدو لا تعتقد بسلامة العبادة لله عبر الحجر الأسود، فهو في وعيها لا يعدو كونه صنما من الأصنام التي كانت تقوم بعبادته الأعراب في الجاهلية وقبل مجيء الإسلام؛
•   الجانب التجاري الذي كانت تهتم به دولة القرامطة أذ كانت تريد "تحويل مكاسب الحج إلى حكام هجر" كما يشير إلى ذلك اللأذقاني30.
•   رفض الخليفة العباسي المقتدر منح أبو سعيد الجنابي شؤون الولاية على البصرة والأهواز31.
•   للتدليل على عجز الدولة العباسية عن حماية رعاياها، وبالتالي يمكن أن يتعرض كل إنسان فيها لمخاطر غير معروفة العواقب، إذ أن الدولة ضعيفة ومشتتة.     
تشير المصادر التي تحت تصرف البحث إلى أن حركة القرامطة خاضت في العراق معارك دامية وتلقت ضربات قاسية من قوات الخلافة العباسية، إلا أنها حملت قوات الخلافة العباسية خسائر كبيرة أيضا، كما إنها كانت بعد كل ضربة تبرز مرة أخرى قوية وقادرة على المنازلة. وهكذا استمرت حركة القرامطة في كفاحها وعملياتها العسكرية والإعلامية ضد الدولة العباسية حتى قيامها بالثورة في عام 316 هجرية/928 م، حيث خاضت قوات القرامطة في سواد واسط وفي مناطق عين تمر معارك قاسية لم تستطع الصمود في وجه قوات الخلافة وانتهت إلى اندحارها في تلك المعارك، وإلى تراجع نشاط الدعوة في العراق. وتحتل أهمية بالغة تلك الرايات التي رفعتها الحركة في ثورتها حيث كتب عليها، كما يشير إلى ذلك الدكتور عبد العزيز الدوري نقلا عن أبن الأثير: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين"32.
إن الدراسة المتأنية للحركات الفكرية الثورية في العراق تؤكد جملة من الاستنتاجات المهمة التي نحن بحاجة إليها لا لفهم الماضي فحسب، بل ومعرفة مدققة للواقع الراهن وسبل التعامل مع المستقبل ايضا. فالحركات الفكرية التي شهدها العراق في العهدين الأموي والعباسي أكدت على أن الأرضية التي استندت إليها المعارضة كان الإسلام ذاته، ولكنه لم يكن الإسلام الرسمي الذي التزم به الخلفاء ودافع عنه، بل انطلق من مواقع المعارضة السياسية التي رفضت الطريقة التي تعامل بها الخلفاء والولاة أو رجال الدين الذين ارتبطوا بالحكم وأخضعوا فتواهم لمصلحة السلطة السياسية منطلقين من كون ما هو قائم يستند إلى إرادة الله التي لا يمكن تبديلها، إنها قدر الحكام والرعية في آن واحد. وبرهن الإنسان العراقي على ممارسة عقلية حيوية قادرة على التفاعل مع الواقع القائم ومع حاجات الناس، وترفض الانصياع للقاعدة القائلة "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، أو لا يمكن تغيير القدر. ولهذا كانت برامج بعض تلك الحركات ينطوي على فهم للواقع ورغبة في تغييره وسعي لذلك في آن واحد. وبرهنت قوى المعارضة الفكرية والسياسية على قدرتها على فهم سبل الدعاية والتنظيم ودور الدعاة في نشر الدعوات بين الناس وأهمية تقديم النموذج الصالح لما يسعون إليه. وهذا لا يعني بأن الحركات الفكرية كانت متكاملة ولم تبتلى بنواقص وأخطاء أو إساءات. فهذه الحقيقة تشمل ثورة الزنج، كما تشمل حركة القرامطة أو غيرها من الحركات الفكرية التي كان عليها أن تحارب دولة كبيرة ذات إمكانيات مالية وبشرية وعسكرية غير قليلة. فعلى سبيل المثال لا الحصر وعد صاحب الزنج علي بن محمد أتباعه الثوار في أن يكون لهم عبيدا حالما تنتهي الثورة بالانتصار، في حين أنهم كانوا يناضلون ضد عبوديتهم. وهذا يدلل على أن قائد الثورة المؤمن بالإسلام لم يكن قد تخلى عن النص القرآني الذي لا يحرم وجود واقتناء العبيد، وبالتالي يسمح بوجوده أيضا لدى العبيد الذين سيحررهم. ولا يعرف ما إذا كانت هذه النقطة من بين العوامل التي منعت حصول اتفاق بين قائد ثورة الزنج وقائد الحركة القرمطية. ويمكن أن يورد الإنسان أخطاء أخرى لثورة الزنج ومنها تعذيب الأسرى أو القسوة في التعامل، وهكذا بالنسبة إلى حركة القرامطة. ولكن لا يمكن تصور أن حركة من هذا النوع وفي تلك الظروف وفي مستوى الوعي الذي كان عليه القادة والأتباع والمعين الذي استقوا منه أفكارهم ما كان في مقدورهم تجنب مثل تلك الأخطاء أو غيرها، ولكن لا يجوز القبول بها أو تبريرها.       
•   يضاف إلى كل ذلك حقيقة أن الدولة العباسية كانت تمارس سياسات الاستبداد الفكري والسياسي على نطاق واسع وفي مختلف العهود التي مرت بها، وكانت سببا آخر في وقوع الثورات ضد العباسيين. كما جوبهت تلك الحركات الفكرية بالعنت ومحاولة تصفيتها بدلا من التفكير في الأسباب التي قادت إلى وقوعها وسبل تجاوزها ومعالجة آثارها. 
•   ولا شك في أن الطبيعة الاستبدادية للحكم وسياسات الإرهاب ضد المثقفين والمتنورين والمفكرين وغياب العدالة الاجتماعية وتحكم فئة صغيرة بمصائر الناس قد ساعدت كلها على بروز مناورات ومؤامرات ليست داخلية فحسب، بل وخارجية أيضاً. بمعنى آخر كانت العوامل الداخلية سببا في تزايد الأطماع الخارجية بالدولة العباسية والتي كانت في المحصلة النهائية سبباً إضافياً في قبرها، إذ كانت الجبهة الداخلية مهورة من الداخل وغير قادرة على المقاومة ومواجهة العدوان الخارجي. 

المصادر والهوامش


1 أنظر: زكار، سهيل د، أخبار القرامطة في الأحساء واليمن والشام والعراق، دار حسان للطباعة والنشر، دمشق، سوريا، 1982، المدخل ص 5-77. 

2 ملاحظة: تُنسب الحركة الإسماعيلية إلى إسماعيل، الأبن البكر لجعفر بن محمد الصادق، الأمام السادس عند الشيعة، وتوفي إسماعيل ووالده كان ما يزال على قيد الحياة، واعتبر بعض أتباع جعفر الصادق بأن إسماعيل، رغم وفاته المبكرة وفي أثناء وجود أبيه على قيد الحياة، أنه الوارث للإمامة، وليس الهادي الأبن الثاني لجعفر الصادق، والذي يعتبر عند الشيعة الإمامية الإمام السابع، نشأت هذه الحركة من أتباع له بعد وفاته وفي إطار الفكر والمذهب الشيعي الذي بناه وقوّمه وكرسه جعفر الصادق على نحو خاص، ولكن الأتباع اجتهدوا ونمو عددياً، ثم اختلفوا ونشأت منهم وعنهم حركات كثيرة، كلها اقترنت باسم الإسماعيلية، وأطلق أتباع المذهب السني على هذه الحركة بالباطنية بسبب اعتمادهم على التفسير والتحليل المعمق لبواطن الأمور بدلا من الاستدلال عليها من ظاهرها فقط، وأطلق عليهم بالسبعية ايضا، باعتبار إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق هو الإمام السابع بعد والده، أشار أبو حامد الغزالي إلى السبعية بما يلي: " وأما "السبعية" فإنما لقبوا بها لأمرين: أحدهما: اعتقادهم أن أدوار الإمامة سبعة، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الدور، وهو المراد بالقيامة؛ وأن تعاقب هذه الأدوار لا آخر لها قط، والثاني: قولهم إن تدابير العالم السفلي، أعني ما يحويه مقعر فلك القمر منوطة بالكواكب السبعة التي أعلاها زُحل، ثم المشتري، ثم المرّيخ، ثم الشمس، ثم الزهرة، ثم عطارد، ثم القمر، وهذا المذهب مسترق من ملحدة المنجمين وملتفت إلى مذاهب الثنوية في أن النور يدبر أجزاؤه الممتزجة بالظلمة بهذه الكواكب السبعة، فهذا سبب التلقيب،،“ راجع في هذا الصدد: فضائح الباطنية مصدر سابق، ص 12، واعتبر الغزالي الإسماعيلية من الباطنية التي تسري عليها أحكامه على بقية الجماعات التي سميت بالباطنية، ومنها الحركة القرمطية والبابكية والعديد غيرها من الحركات الفكرية في ا لإسلام حينذاك أو فيما بعد أيضاً.         
3 أنظر: اللاذقاني، محي الدين، ثلاثية الحلم القرمطي، ص62.
4 أنظر: يان دي خويه، ميكال، القرامطة، ترجمة حسني زينة، دار أبن خلدون، القاهرة، 1960، ص 36.
5ملاحظة:  جاء في هذا الكتاب (كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة) أن الداعية كان يطلب من المريد الجديد أن يدفع له بعد نهاية كل درجة وقبل بلوغها مبلغا قدره اثنى عشر دينارا، وهكذا يكون عند بلوغه نهاية الدرجات قد دفع 72 دينارا للداعية، ص 205-210.
6 أنظر: زكار، سهيل د، أخبار القرامطة في الأحساء والشام واليمن والعراق، مصدر سابق، ص 27-210.
7 ملاحظة: إن من يقرأ هذه الكتابات والدس الرخيص على تلك الحركات ويتذكر الدس الرخيص الذي ملأ أكداسا من الكتب التي صدرت في عقود القرن العشرين لتشويه سمعة الأحزاب الشيوعية والاشتراكية من خلال الادعاء بأنها ذات اتجاهات وأفكار إباحية، وهي محاولة خائبة استهدفت أبعاد الناس عن تلك الأحزاب التي استقطبت جمهرة واسعة جدا من الكادحين والمثقفين باعتبارها ضمن حركات ثورية مدافعة عن حقوق وحريات العمال والفلاحين وسائر الكادحين وضد أشكال الاستغلال والقمع التي كانوا وما زالوا يتعرضون لها في المجتمعات العربية والإسلامية وفي غيرها أيضا.   
8 أنظر: العلوي، هادي، فصول من تاريخ الإسلام السياسي، الكتاب الثاني، الاغتيال السياسي في الإسلام، ط 1، مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، نيقوسيا-قبرص، 1995، ص 249.
9 المصدر السابق نفسه، ص 249.
10 أنظر: يشير د، سهيل زكار، صاحب كتاب "أخبار القرامطة في الأحساء والشام واليمن والعراق"، إلى ما يلي بشأن أصل كلمة القرامطة:
"في المصادر المبكرة والمعاجم اللغوية نجد معنى القرمطة: اللون الأحمر أو مقاربة الخطوة، أو دقة الكتابة وتداني الحروف والسطور أو النقص، هذا ومن أفضل ما قيل في تعريفها ما أورده أبن العديم في كتابه بغية الطلب حيث قال: "وإنما سموا القرامطة: زعموا أنهم يدعون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر بن علي، ونسبوا إلى قرمط، وهو حمدان بن الأشعث، ما كان بسواد الكوفة، وإنما سمي قرمطاً لأنه كان رجلا قصير، وكان رجلاه قصيرتين، وكان خطوه متقارباً، فسمي بهذا السبب قرمطاً… وذكر بعض  العلماء أن لفظة قرامطة، إنما هي نسبة إلى مذهب يقال له القرمطة خارج عن مذاهب الإسلام، فيكون على هذه المقالة عزوه إلى مذهب باطل لا إلى رجل"، وذكر  بعض آخر إنما هو نسبة إلى "بني قرمطي بن جعفر بن عمرو بن المهيأ … بن عامر بن صعصعة،“ ثم يقول: "… بأن كلمة "قرمطة" هي كلمة آرامية تعني "العلم السري،“"  ص 44-45.
11 أنظر: الدوري، عبد العزيز د، تاريخ الاقتصاد العراقي في القرن الرابع الهجري، مصدر سابق، ص 96.
13 المصدر السابق نفسه، ص 96.
14 أنظر: تامر، عارف، القرامطة أصلهم-نشأتهم-تاريخهم-حروبهم، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.
15 أنظر: مروة، حسين، النزعات المادية في الإسلام، الجزء الثاني، مصدر سابق، ص 19.
16 أنظر: اللاذقاني، محي الدين د، ثلاثية الحلم القرمطي، مصدر سابق، ص 82.
17 المصدر السابق نفسه، ص 71.
18 المصدر السابق نفسه، ص 63.
19 أنظر: الدوري، عبد العزيز د، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مصدر سابق، ص 98.
20 أنظر: مروة، حسين، النزعات المادية في الإسلام، مصدر سابق 19.
21 أنظر: الدوري، عبد العزيز، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مصدر سابق، ص 98.
22 المصدر السابق نفسه، ص 98.
23 المصدر السابق نفسه، ص 98.
24 أنظر: فاخوري، حنا والجر، خليل، تاريخ الفلسفة العربية، في جزئين، ط 3، دار الجيل، بيروت، 1993، الجزء الأول، ص 219.
25 أنظر: عارف، تامر، القرامطة- أصلهم - نشأتهم،، ، مصدر سابق، ص 99/100.
26 أنظر: خسرو، ناصر، سفر نامة، في كتاب زكار، سهيل د، أخبار القرامطة… ، مصدر سابق، ص 196.
27 أنظر: اللاذقاني، محي الدين، ثلاثية الحلم القرمطي، مصدر سابق، ص 62.
28 أنظر: الغزالي، أبو حامد، فضائح الباطنية، مصدر سابق، ص 96.
29 المصدر السابق نفسه، ص 96.
30 المصدر السابق نفسه، ص 72/73.
31 المصدر السابق نفسه، ص.
32 أنظر: الدوري، عبد العزيز، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مصدر سابق، ص 99,


21
كاظم حبيب
الانتخابات في الدولة الفاسدة بسلطاتها ونخبها الحاكمة
حين كان الشعب يعيش في ظل الحكم الملكي بالعراق، ولاسيما بالخمسينيات من القرن العشرين كان يمارس عملية الانتخابات البرلمانية بغضب وانزعاج شديدين، لأنه كان يدرك تماماً بأن الحكومات العراقية المتعاقبة تمارس التزوير والتزييف العلنين لصالح مرشحي حزب الاتحاد الدستوري (تأسس 1951، الذي كان يتزعمه نوري السعيد (1988 – 1958م) أولاً، وللحزب المماثل له من حيث الفكر والسياسة الاقتصادية والاجتماعية، حزب الأمة الاشتراكي (تأسس 1951)، الذي كان يتزعمه صالح جبر (1896 – 1957م).  كان أحدهما يضم في عضويته أكثرية سنية، وقلة شيعية ومسيحية، والثاني كان يضم في عضويته أكثرية شيعة وأقلية سنة ومسيحية. وكان نوري السعيد يتحدى أتباعه وخصومه الذين يترشحون لعضوية مجلس النواب بأنهم لا يستطيعون الفوز بمقعد في المجلس النيابي لولا تأييد الحكومة لهم، وبتعبير آخر لولا تزوير الحكومة لنتائج الانتخابات لصالح من تريد فوزه. ولم يجرأ أي نائب في مجلس النواب الرد على هذا التحدي لأنهم كانوا يدركون هذه الحقيقة المرة. لقد كان نوري السعيد في ذلك صريحاً وشفافاً جداً، فهو يعرف ما يجري ويوجه العمل بما يريد وما يرضي نهجه الفكري والسياسي. كان السعيد صديقاً مخلصا لبريطانيا، وكان يعتقد بأنها الدولة الوحيدة القادرة على حماية العراق من أطماع تركيا وإيران أساساً، ومن غزوات السعودية التي كان يتعرض لها العراقيون في الوسط والجنوب بين فترة وأخرى، ولاسيما في نهايات "الرجل المريض"، الدولة العثمانية. وكان مؤمناً بالرأسمالية على الطريقة التي تشتهيها بريطانيا للعراق!!
وحين فازت الجبهة الوطنية في العام 1954 بـ 11 نائباً لا غير من مجموع 135 نائباً، استفز هذا النجاح الجزئي النخبة الحاكمة ونوري السعيد والبلاط الملكي والاستعمار البريطاني، فتقرر أن يقدم أرشد العمر استقالة وزارته، التي أجرت الانتخابات، وأن يكلف نوري السعيد بتشكيل وزارته الثانية عشر (12) في العام 1954، وكان شرط نوري السعيد لتشكيل وزارته الجديدة حل المجلس النيابي وإجراء انتخابات جديدة ليتخلص من النواب الديمقراطيين. وكان له ما أرد. فبعد تشكيل الوزارة أصدر مجموعة من المراسيم الاستبدادية، بضمنها: حل مجلس النواب وحل جميع الأحزاب السياسية، بما في ذلك حزبه، ومنع وحبس من يمارس النشاط الطلابي والشبابي والنسائي والسلام وما شاكل ذلك، إضافة إلى إسقاط جنسية كوكبة من المناضلين الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين حينذاك. ثم أجرى الانتخابات في ظل تلك المراسيم والاعتقالات والتوجه صوب عقد حلف بغداد الذي تم له ذلك في العام 1955. وحين أجرى الانتخابات الجديدة فاز 121 نائباً بالتزكية، وهم من مجموعات النخب الحاكمة الملكية، و14 نائباً فازوا بشكل صوري، كما يشير إلى ذلك المؤرخ عبد الرزاق الحسني في الجزء التاسع من كتابه تاريخ الوزارات العراقية، وأغلبهم كان من مؤيدي الحكم. وأصبح النواب الديمقراطيون ألـ 11 خارج قبة البرلمان. وفي العام 1956 هتف نوري السعيد في إذاعة وتلفزيون بغداد "دار السيد مأمونة"، وجاءه الجواب في ثورة تموز 19058.
لقد أسس الحكم الملكي الأرضية الفاسدة لكل ما حصل لاحقاً من مآسي ونكبات بالعراق، فهو النظام الذي بدأ الإخلال ببنود الدستور العراقي لعام 1925 تشريعاً ونهجاً وسياسة، مما أدى إلى بروز كراهية شديدة ورفض تام للحكم الملكي الإقطاعي الرجعي، الذي يحن له البعض حالياً، بسبب ما عانوه لاحقاً ومازالوا، من النظم السياسية الأكثر بشاعة وفاشية!
اما البرلمان العراقي في عهد البعث وأحمد حسن البكر وصدام حسين فكان ألعوبة بيد قوى النظام الشمولي، بيد مجلس قيادة الثورة وقيادة حزب البعث، ولاسيما بيد الدكتاتور صدام حسين. وكان الفوز لقائمة البعث مضموناً أكثر من 100%، ولا يمكن أن يترشح شخص ما، ما لم تصدر موافقة عليه من قيادة حزب البعث. وكانت عدد الأوراق الموضوعة في الصناديق أكثر من عدد من يحق لهم التصويت والمقترعين. وأخيراً تم انتخاب صدام حسين مدى الحياة لرئاسة الجمهورية، وأنهوا بذلك مسرحية انتخاب الدكتاتور السمجة! وكانت الكراهية والحقد والرغبة في الخلاص من النظام البعثي قد وصلت مداها الأقصى، ولكن ضعف المعارضة، التي كان الاستبداد قد قصم ظهرها، لم تستطع إسقاطه، فاستعان أغلبها بمن لا يجوز الاستعانة به لإسقاط الدكتاتورية، فكان لها ما أرادت، فشُنّت حرب خارجية عبر تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة وخارج إطار الأمم المتحدة وأسقط النظام، وأقيم على أنقاضه النظام السياسي الطائفي المحاصصي الذي مازال يُذيق الشعب العراقي الأمرين.   
وبالدولة العراقية الزاخرة بالطائفية والفساد والإرهاب، جرت أربعة انتخابات عامة، ثلاثة منها في 2006 و2010 و2014 وكانت مزورة 99%، ومن فاز بشخصه وخلقه كان لا يتجاوز عدد أصابع اليدين. وحين اتهمت المعارضة الانتخابات بالتزوير احتج الحاكمون والفائزون فيها، عدا أولئك القلة الذين فازوا بسبب التزامهم برنامجاً للتغيير، إذ أكدوا على كون الانتخابات مزورة فعلاً. والمزورون السابقون يعرفون كيف تزور الانتخابات من حيث الأساليب والأدوات والتقنيات ...الخ.
لم تختلف انتخابات 2018 كثيراً أو قليلاً عن الانتخابات السابقة من حيث ممارسة التزوير وتزييف الإرادة وتقديم الرشاوى، ولكن أول من انبرى بالحديث عن التزوير والتزييف هم من شاركوا دوماً بذلك، هم من حكموا البلاد وما زالوا يحكمون، هم من خسر الكثير من قادتهم الانتخابات الأخيرة، وهم أدرى بما جرى ويجري في الانتخابات من تزوير وتزييف لإرادة الناخبين واستغلال فقر الناس وجهلهم ودينهم. هذه الانتخابات التي أطهرت النتائج تغيير 70% من أعضاء المجلس الحالي، هي التي جعلت المجلس المزور نفسه يعقد جلسة ليعلن عن قرارات تطالب بإلغاء أو إعادة النظر بصناديق الاقتراع وحساب ما تبقى منها باليد، إضافة إلى إعادة حسابها بالمكائن الحديثة أيضاً.
ما هي الخشية التي تراود المجلس الحالي الذي تنتهي ولايته في نهاية هذا الشهر، حزيران/يونيو 2018؟ إنهم يعتقدون، وهم في الغالب الأعم من أتباع أو من مؤيدي الوجود الإيراني الكثيف والحاسم بالعراق، وهم من خسر جزئياً في الانتخابات، لأنه قد تحالف مع إيران أيضاً، كما في حالة رئيس مجلس النواب وقائمته، بأن المجلس مقبل، إذا تشكلت أكثرية من "سائرون" ومن يتحالف معها، ستغير بعض أوجه المعادلة في غير صالح إيران والولايات المتحدة، وهم يستندون في ذلك إلى البرنامج الانتخابي لـ"سائرون". وهم يخشون على مصالحهم الشخصية وعلى ما مارسوه من نهب وسلب لثروة العراق وموارده النفطية والمالية وقوت الشعب. إنهم يعتقدون، بالرغم من خسارة الكثير منهم، إنهم ما زالوا في الحكم وهم يهيمنون على أجهزة الدولة وهم قادرون على الدفع بالاتجاه الذي يريدون، فهل سيغير التحالف الجديد هذا الاعتقاد، ولا يسمح بمجيء الزمر التي قادت البلاد إلى جحيم داعش والموت والخراب والفساد والجوع والحرمان والتشرد والنزوح والهجرة؟
لم تشر الانتخابات إلى تغيير كبير في النتائج، ولكنها أشارت إلى مسألة مهمة، هي أن النظام الطائفي مرفوض بالعراق، فهل سينجح الشعب في وأد حلم الجماعة التي تسببت في آلام الشعب طيلة 15 عاماً، ترأس مجلس الوزراء؟ لا يمكن التنبؤ بشيء واضح، فالأرقام مختلطة، والقوى الخارجية، ولاسيما إيران تلعب دوراً سيئاً مستمراً لتشكيل تحالف يحاول أن يغري الكرد وبعض القوى ليعود من سلَّمَ العراق إلى داعش، أو من يماثله في النهج والممارسة، إلى رئاسة الوزراء، وهو الأمر الذي سيشكل استمرار نكسة ونكبة العراق الجارية حتى الآن!!
إن ما ينبغي الانتباه له والاهتمام به في هذه الفوضى "الخلاقة!!!"، التي دعت لها وزيرة خارجية الولايات المتحدة كونداليزا رايس، والتي يعيشها شعب العراق وبقية شعوب منطقة الشرق الأوسط عموماً. هي أن وحدة وتعاون وتنسيق القوى المدنية والديمقراطية العراقية التي يمكن ويفترض ان تكون الضمانة الفعلية لإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية التي تعتمد مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والعدالة الاجتماعية باعتبارها القواعد الثابتة لحكم العراق وبعيداً عن التمييز الديني والمذهبي والقومي أو أي شكل من أشكال التمييز الأخرى، التي عاش الشعب العراقي تحت وطأتها وظلمها طيلة ما يقرب من ستين عاماً عجافاً ويبابا، عذا فترة قصيرة من حكم الزعيم عبد الكريم قاسم.
             

22
كاظم حبيب

سيبقى الحزب الشيوعي العراقي شوكة في عيون أعداء الشعب والوطن!
قبل أشهر قليلة أحتفل الحزب الشيوعي العراقي بعيد ميلاده الرابع والثمانين، وسيبقى يشعل شموع ميلاده المتجدد عقوداً وعقوداً قادمة، وفي أجواء يناضل من أجلها، من أجل سيادة الشعار الذي رفعه ونادى به سكرتير عام الحزب الشيوعي العراق للعراق وشعبه، الرفيق فهد، "وطن حر وشعب سعيد"، هذا الشعار الذي أرّق ويؤرّق دوماً كل أعداء الشعب والوطن منذ ولادة الحزب، بل ومنذ أن تشكلت أولى الخلايا الشيوعية بالبصرة والناصرية في العام 1929، ومنذ أن أصدر فهد بيانه الأول في 13 كانون الأول/ديسمبر عام 1932 حاملاً "شعار المطرقة والمنجل، ويا عمال العالم اتحدوا، ويعيش اتحاد جمهوريات عمال وفلاحي البلاد العربية"، ثم وقع البيان باسم "عامل شيوعي" وتم تعليق البيان في 18 مكاناً بالناصرية.
لقد واجه الحزب عنت واضطهاد وقمع الحكومات المتعاقبة. ففي حينها لم تتحمل الحكومة الملكية القومية الشوفينية حينذاك، حكومة ناجي شوكت الأولى، التي تشكلت في تشرين الأول 1932 واستقالت في اذار/مارس 1933، هذا البيان ونشاط الخلايا الشيوعية وفهد بالناصرية، فاشتكت لدى الشخصية الوطنية والاجتماعية المعروفة ورئيس الحزب الوطني محمد جعفر أبو التمن بأن مساعد رئيس فرع الحزب في الناصرية شخص "هدام"، والمقصود هنا فهد، فرد عليهم أبو التمن بكلمة جديرة بالتذكير لمن لا يتحلى بالوطنية وحب الشعب، إذ قال إنه ليس هداماً، بل انه بناء يحاول ان يبني مع الفلاحين والضعفاء حياة سعيدة للناس وانني اعضده بما املك من طاقة". وحين تشكلت حكومة رشيد عالي الگيلاني الأولى بادرت إلى اعتقال فهد بالناصرية في العشرين من شباط/فبراير 1933 وقدمته إلى المحاكمة، فكان أول مواطن عراقي يدافع عن الشيوعية ويعترف بأنه شيوعي امام المحاكم، حيث أعلن في المحكمة أمام القاضي والحاضرين "انا شيوعي وهذا معتقدي". وأطلق سراحه بتدخل من الزعيم جعفر ابو التمن، إذ لم يكن قد صدر حينذاك قانون تحريم الشيوعية السيئ الصيت، بل صدر في العام 1938، وفق المادة (89 أ) من ق. ع. ب. والذي نص على ما يلي:  نحن ملك العراق وبموافقة مجلس الأعيان والنواب أمرنا بوضع القانون الآتي :- مادة 1، 1- يعاقب بالأشغال الشاقة أو الحبس مدة لا تزيد على سبع سنين أو بالغرامة أو بهما كل من حبذ أو روج بإحدى وسائل النشر المنصوص عليها في المادة 78 من هذا الـ (القانون) أيا من المذاهب الاشتراكية البلشفية الشيوعية والإباحية وما يماثلها التي ترمي إلى تغيير نظام الحكم والمبادئ والأوضاع الأساسية للهيئة الاجتماعية المضمونة بـ (القانون) الأساسي". وكان نص القانون ضد مضمون الدستور العراقي لعام 1925!!
لقد جرب النظام الملكي وجرب القوميون والبعثيون في العام 1963، ومن ثم البعثيون في العام 1970/1971 وفي 1978، والسنوات اللاحقة إلى حين إسقاطهم، تصفية الحزب الشيوعي العراقي باعتقال وسجن وقتل قياداته وكوادره والآلاف من أعضاء وأصدقاء ومؤيدي الحزب، ولكنهم جميعهم فشلوا في ذلك فشلاً ذريعاً، بل انتهوا إلى قير وبئس المصير، في حين لا يزال الحزب الشيوعي وسيبقى صامداً رافعاً راية النضال في سبيل الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية، الدولة الحديثة، بوجه كل أعداء الشعب والوطن، أعداء الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، أعداء حقوق القوميات والأمن والسلام والعدالة الاجتماعية بالعراق.
وخلال الأعوام المنصرمة، ومنذ قيام النظام السياسي الطائفي والشوفيني في أعقاب إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة، حاول هؤلاء الأوباش أعداء الشعب والوطن من جديد الاعتداء على الحزب ومقراته واغتيال العديد من خيرة كوادره ورفاقه محمين بغطاء المتنفذين في السلطة وخارجها، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، الرفيق الشهيد سعدون (وضاح حسن عبد الأمير) والرفيق الشهيد كامل عبد الله شياع، إضافة إلى عمليات تدمير وتخريب واغتيال جرت على أيدي هؤلاء الأوباش ضد كل الشعب العراقي.
وفي مساء 25/05/2018 "تعرض مقر الحزب الشيوعي العراقي في شارع الأندلس بوسط بغداد إلى عدوان آثم بعبوة محلية الصنع ألقيت في حديقة المقر، من دون أن توقع خسائر بشرية، عدا بعض الاضرار المادية جراء الانفجار"، كما جاء في تصريح للمكتب السياسي للحزب. إن هذا العمل الجبان لم يكن بهدف قتل بعض الشيوعين فحسب، بل وبالأساس بهدف الترويع وإشاعة الخوف من العمل مع الحزب، بعد أن برز نشاط الحزب ورفاقه وأصدقاء الحزب بشكل واسع قبل وأثناء فترة الانتخابات العامة الأخيرة، رغم إمكانيات الحزب المالية الشحيحة.
لم يكف من قام بهذا العمل ومن يقف وراءه بما فعلوه بالعراق خلال الأعوام المنصرمة من قتل وتدمير وترويع ونزوح وتهجير للسكان الآمنين، ولم يكفهم ما مارسوه من فساد هائل وتفريط كبير بأموال الشعب ونهب خيراته وتجويع النسبة العظمى من بنات وأبناء الشعب، ولم يكفهم بسبب تلك السياسات الغادرة والطائفية حتى النخاع، السماح باجتياح العراق وما فعله التكفيريون بأتباع الديانات والمذاهب بنينوى، من مسيحيين وإيزيديين وشبك وتركمان ومسلمين مخالفين لنهج التكفيريين، وضد أبناء وبنات بقية محافظات العراق الغربية، لم يكفهم جعل العراق واحداً من أكثر الدول فساداً ورثاثة وإرهاباً، بل هم يحاولون اليوم إشعال الفتنة من جديد والبدء بعمليات تستهدف نشر الفوضى والعبث بأمن المواطنات والمواطنين وتوفير فرصة فرض الوضع الذي يريدونه، خشية من أي تغيير أو إصلاح جذري يسعى إليه الشعب.
لن تستطيعوا النيل من الحزب الشيوعي العراقي ومن الشعب، ولن ترعبوه أيها الجبناء، يا من تعملون في الظلام كالخفافيش، رغم انكم مسندون داخلياً وإقليمياً، لا تملكون القدرة والكفاءة على مقارعة الحجة بالحجة، بل ديدنكم هو ديدن الفاشيين في كل مكان وزمان، الحقد والكراهية وممارسة الإرهاب والعنف وإشاعة الفوضى بالبلاد، ليحلوا لكم نهب البلاد وإملاء جيوبكم بالسحت الحرام!!! خسئتم يا من يحق لنا القول عنكم "عادت حليمة إلى عادتها القديمة، فبئس العودة وبئيس المصير!
 26/05/2018

23
كاظم حبيب
العراقيون الزرادشتيون


الزرادشتية ديانة قديمة يبلغ عمرها قرابة 3500 سنة، ظهرت بمنطقة أذربيجان بإيران والمنطقة التي يعيش فيها الكرد (أورمية) والتي يطلق عليها الفرس "الرضائية" أيضاً، إذ كانت ضمن دياناتهم القديمة، ولا زال هناك من يعتنقها بإيران والعراق، إضافة إلى دول أخرى مثل الهند. وهي ديانة توحيدية تؤمن بـ "الخالق غير المخلوق"، وتؤمن بوجود إلهين، أهورا مزدا "إله النور والخير"، إله العقل والحكمة والمعرفة، وأهريمان "إله الظلام والشر"، الإله الذي يرفض العقل والحكمة والمعرفة، وهما في صراع دائم. والزرادشتيون يقدسون العناصر الأربعة النار والماء والهواء والتراب، ويحرّمون تدنيسها، باعتبارها عناصر طاهرة. وعند الصلاة يتوجهون صوب النور ولاسيما الشمس. وقد شرح غاستون بلاشر العوامل التي دفعت الديانات القديمة إلى التركيز على هذه العناصر الأربعة ذات الأهمية الفائقة في حياة الإنسان، التي أدركها وعبر عنها زرادشت، على النحو التالي:
" - النار: تُضيء وتُدفئ، انها عُنصر قوة الانسان وسموه على العالم الحيواني ولكنها يمكن ان تنقلب ضده، فالنار تحرق، وهي على علاقة مع الشمس.
-  الماء يُطهر: إضافة إلى ذلك يعتبر مصدر الحياة أو التجدد، ومن هنا كان طقس الينابيع المنتشرة جداً، والشعائر الكثيرة في كل الديانات تقريباً.
-  الهواء: هو العنصر السماوي، ومن هنا يكون الارتفاع في المسيرة الروحية.
 - الأرض: رمز الخصب والخصوبة كذلك. ولها علاقتها مع الولادة والموت، والحيٌة هي رمز هذه الثنائية."1
 
الديانة الزرادشتية سبقت الديانات الكتابية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، وانتشرت في منطقة واسعة من آسيا، ولم تتجاوزها، وهي ما تزال تجد بقايا لها في عدد من دول العالم الآسيوي، بما فيها إيران. كما برزت مجدداً بإقليم كردستان العراق، رغم إنها لم تختف يوماً.
ظهرت الزرداشتية كديانة في فترة بدأت فيها الديانة المثرائية بالأفول. وكان زرادشت أول من وضع أسسها وبدأ بنشرها، وتبنى بعض الجوانب المهمة من الديانة الميثرائية، وحلّت عملياً محلها. وتدريجاً اندثرت الديانة الميثرائية، وانتهت عبادة الإله العظيم مثراس Mithrasوحلت عبادة الإله "أهورا مزدا" محلها. وقد جاء ذكر الإله ميثرا "في أقدم الكتب المقدسة (ريك فيدا) باسم (ميثرا) وفي الآفستا باسم (ميثرا) بأنه اله النور حامي حمى الحقيقة وعدو الكذب والخطيئة ، وورد في (الآفستا) عن (ميثرا) بأنه يعاقب كل من حلف يمينا كذبا أو ينحرف عن الحق والصواب والنزاهة ، انه يحطم القبائل والجماعات المناهضة له، ويهب الصحة والصداقة والرجاء للذين يمجدونه ويكون حليفا مؤيدا لمن ينذرون أنفسهم له."2 فمن هو زرادشت؟

زرادشت
يعتبر زرادشت إحدى الشخصيات الإصلاحية التي ظهرت في منطقة الشرق الأوسط أو جنوب غرب آسيا. ويعتبره أتباع نبياً ضمن مجموعة الأنبياء الذين وضع كلا منهم ديناً يحمل الكثير من عقائد وطقوس وتقاليد الديانات السابقة، مع إضافة تعاليم وطقوس وعقائد دينية جديدة أو متقاربة. وحين الاطلاع عل جوهر الدين الزرادشتي سيجد فيه الكثير جداً من قيم وسمات وخصائص وطقوس أو عقائد الديانات السابقة له او تلك التي وجدت في ذات الحقبة الزمنية. كما إن العديد من الديانات التي ظهرت بعد ذاك أخذت من الزرادشتية أو غيرها جملة من القيم والأفكار والعقائد والطقوس الدينية، كما هو حال الدين الإسلام مع الديانة اليهودية والمسيحية أو هاتين الديانتين مع الديانات البابلية، والتي يمكن الاطلاع عليها في الرقم التي وجدن في حفريات بابل ونينوى وغيرها أو في التلمود البابلي الذي يعتبر أهم كتاب مقدس لدى يهود العالم بعد التوراة، والذي كتب ببابل. وكان الدين الزرادشتي أحد أهم الديانات التي مثلت القطيعة الفعلية مع تعدد الآلهة والأخذ بمبدأ الإله الواحد، كما هو حال الديانات الإبراهيمية أو قبل ذاك بالنسبة للديانة المندائية مثلاً.         
 الدراسات والأبحاث والكتب الكثيرة المنشورة عن زرادشت تشير إلى وجود تباين في مسالتين:
المسألة الأولى: يبرز التباين في أن البعض من الباحثين يعتبر شخصية زرادشت أسطورية ولم تكن موجودة أصلاً، في حين هناك الغالبية العظمى من الباحثين، ولاسيما من الشرق، يؤكدون وجود مثل هذه الشخصية والشواهد على ذلك كثيرة ومهمة، ويمكن متابعة نموذج للنقاش في هذا المجال في كتاب الباحث زهير كاظم عبود، الزرادشيتة، الذي يؤكد فيه وجود مثل هذه الشخصية الدينية فعلاً بالاعتماد على الكثير من الدلائل الملوسة وما اكتشف من أثار بإيران تؤكد وجوده ودوره في وضع الدين الذي سمي باسمه، إضافة إلى الكتب القديمة التي تأتي على ذكره وعن أعماله ودوره في نشر الدين ومثله وقيمه الإنسانية.3
 المسالة الثانية: التباين في تحديد فترة ولادته وعمله، فهناك من يشير إلى أنه ولد وعمل خلال الفترة الواقعة بين 1000 – 500 ق.م.، وهي الفترة التي ظهر فيها بوذا وكونفوشيوس.4  ويشير الباحث زهير كاظم عبود إلى فترة ولادة زرادشت بقوله: "ويقدر الباحثون ان زرادشت ولد في حدود 628 قبل الميلاد، وأنه توفى في العام 551 أو نحوهما، وهناك من يذكر أنه ولد في الفترة 660 – 583 قبل الميلاد ومسقط رأسه بلاد الماديين بأذربيجان..".5 وأن ولادته كانت بمدينة أورمية والتي يطلق عليه الإيرانيون "رضائية"، وتتلمذ على يد الحكيم الشهير "بوزين كوروس"، إذ اهتم والده بتعليمه منذ كان في سن السابعة من عمره وظل الابن معه ثمانية أعوام درس فيها عقيدة قومه، ودرس الزراعة وتربية الماشية وعلاج المرضى، ثم عاد إلى موطنه بعد هذه الأعوام الطوال.6  وتشير الباحثة آمنة محدادي في مقال لها منشور في الحوار المتمدن بهذا الصدد ما يلي: "تنسب الديانة الزرادشتية إلى "زرادشت" بن "يوشارب"،الذي ظهر في زمن "كشتاسف" بن "لهراسب" الملك،وأبوه من "أذربيجان"،وأمه من "الرى". ولد عام 598 أو 599 ق م، وتوفي في 522 أو 521 ق م، وفي فترة ظهور زرادشت كان ظهور"بوذا" في الهند وظهور "كنفشيوس" في الصين، وظهور الفلاسفة الإغريق،.. ."7
وخلال هذه الفترة امتلك الحكمة والطب ومعرفة الأعشاب واستخداماتها، ومعرفة معمقة بالأحجار الكريمة، إضافة إلى كونه أصبح فلكياً مرموقاً. إن دراسته ومعرفته بالديانات القديمة، ومنها الميثرائية، واطلاعه على الديانة اليهودية، مكنته من أن يضع لنفسه، ومن ثم للمؤمنين بدينه، فلسفة أو عقيدة دينية جديدة تأخذ من الماضي وتستلهم الحاضر والمتغيرات الحاصلة في المجتمع الزراعي الذي كان يعيش فيه. يؤمن الزرادشتيون بأن زرادشت نبي، وهو نبي آخر الزمان، أي لا يأتي من بعده نبي آخر، وهو الأمر الذي نجده لدى أتباع أكثر من دين واحد. يؤكد زرادشت في صلواته على وحدانية الإله فهو يقول، كما "جاء ذلك على صفحات الـ(أفت) حيث ينبعث صوت زرادشت عبر سطور الـ(جاتها يآسنا) يناجي الإله ( أهور مزدا).
إنّي لأدرك أنّك أنت وحدك الإله وأنّك الأوحد الأحد، وإنّي من صحة إدراكي هذا أوقن تمام اليقين من يقيني هذا الموقن أنّك أنت الإله الأوحد.. اشتدّ يقيني غداة انعطف الفكر مني على نفسي يسألها: من أنتِ؟ ولفكري جاوبت نفسي؛ أنا؟ إنّي زرادشت أنا، وأنا؟ كاره أنا الكراهية القصوى الرذيلة والكذب، وللعدل والعدالة أنا نصير! من هذه أتفكّر الطيبة التي تحوم في خاطري، ومن هذا الانعطاف الطبيعي في نفسي نحو الخير، ومن هذا الميل الفطري في داخلي إلى محق الظلم وإحقاق الحقّ أعرفك. من هذه الانفعالات النفسية والميول الفكرية التي تؤلّف كينونتي وتكوّن كياني ينبجس في قلبي ينبوع الإيمان بأنك أنت وحدك أهورا مزدا، الإله وأنّك الأوحد الأقدس الخيّر الحقّ."8
 
الديانة الزرادشتية
ينطلق زرادشت في دينه من وجود إله واحد كلي القدرة وموجود في كل مكان وعلى الناس أن يعبدوه. ولكن هذا الإله الواحد يظهر في الدين الزرادشتي بثنائية، بإلهين منفصلين عن بعضهما ومتصارعين دوماً، إنهما: الإله أهورا مزدا، إله الخير والنور، والإله أهريمن، إله الشر والظلام. وإن إله الخير والنور هو المنتصر في المحصلة النهائية. كما يطرح الدين موضوعة أن العالم منقسم إلى عالمين: عالم النور وعالم الظلام، عالم الخير وعالم الشر. ويشار إلى مسائل الزرادشتية تستند إلى قاعدتين اثنتين: أولاهما بيان امتزاج النور بالظلمة، وثانيهما بيان سبب خلاص النور من الظلمة وجعل الامتزاج مبدأ والخلاص معاداً. كما إن النور هو الأول بالظهور. 
وفي هذا تتجلى رؤية التناقض الفلسفية التي تجد تعبيرها في الوجود كله في الديانة الزرادشتية. وإذ يدفع اهورا مزدا اتباع الدين والبشر صوب أسس أو ثلاثة مبادئ هي: الفكر الصالح والقول الصالح والعمل الصالح، يسعى أهريمن إلى معاكسة هذه الثلاثية، بالفكر الطالح والقول الطالح والعمل الطالح. ويعتقد الزرادشتيون بأن الإنسان غير مجبر على اختيار طريق الشر والظلام، إذ أنه يقف أمام طريقين طريق الخير والنور وطريق الشر والظلام وعليه أن يختار أحدهما، وبالتالي فهو مسؤول عن افعاله ويحاسب أمام الله، فأما يمنح الثواب أو يواجه العذاب! ويؤمنون بعذاب القبر وأن اختلف أسلوب عذاب القبر في الديانة الزرادشتية عن عذا القبر في الإسلام مثلاً.   
ويرى زرادشت بأن الإنسان يتكون من جسد وروح، ويرى إن الروح نقية وطاهرة، وإن الجسد غير نقي أو غير طاهر لأنه يموت ويتعفن. ومن هنا تأتي الطقوس الخاصة التي يمارسها الزرادشتيون لكيلا تدنس الأرض الطاهرة بأجساد متعفنة. فالزرادشتيون "يكرهون فكرة اختلاط الجسد المادي بعناصر الحياة؛ الماء والتراب والهواء والنار حتى لا يلوثها، لذا فهم يتركون جثامين الموتى للطيور الجارحة على أبراج خاصة تسمى أبراج الصمت أو (دخنه) باللغة الفارسية، حيث يقوم بهذه الطقوس رجال دين معينون، ثم بعد أن تأكل الطيور جثة الميت توضع العظام في فجوة خاصة في هذا البرج دون دفنها."9
تستند الديانة الزرادشتية إلى عناصر أربعة تعتبر أساس الحية، وهي عناصر طاهرة ونقية ومقدسة لا يجوز تدنيسها، إنها: النار والما والهواء والتراب. ولا تختلف الديانات الأخرى عن ذكر هذه العناصر أيضا، والاختلاف في أنها مقدسة ولكنها غير معبودة، لأن العبادة للإله الواحد. أما في الديانات الأخرى فهذه العناصر غير مقدسة، باعتبارها من خلق الله، والمقدس هو الله وحده. هنا نجد التوافق في الإله الواحد، والاختلاف في العناصر الأربعة من حيث التقديس وعدم التقديس. كما إن هناك اختلافاً أخر هو: في الديانة الزرادشتية نجد إلهاً واحداً بثنائية الإله أهورا مازدا والإله أهريمن، في حين إن الديانات التوحيدية الأخرى تعبد وتقدس إلهاً واحداً أيضاً، وأن ابليس (الشيطان) ليس سوى من مخلوقات الله، وأن كان من نار وليس من نطفة البشر أو الملائكة، كما ورد في القرآن. فقد جاء في سورة الأعراف (مكية) ما يلي: "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.10 والطين هو التراب، ولهذا فأن الطين، أو التراب والنار هما سواسية من حيث الطهارة والنقاوة. وجاء في بحث عن الزرادشتية بشأن أبراج الصمت ما يلي: "أبراج الصمت هو اسم أطلقه الرحالة الغربيون على الأبنية التي يستعملها الزرادشتيون للتخلص من جثث موتاهم و التي يسموها بلغتهم "دخمه"، وهي بناء دائري الشكل يبنى على جبل صغير أو تلة عالية في موقع بعيد عن المدينة، ويدير المبنى مجموعة من الكهنة ولا يحق لسواهم الدخول اليه، وعندما يموت شخص ما من أتباع الديانة الزرادشتية يؤتى بجثته الى البرج حيث يرفعها الكهنة ويضعوها على سطح المبنى الدائري الشكل و الذي يكون محاطا بسياج مرتفع حتى لا يشاهد الناس الجثث وهي تؤكل وتتحلل، والسطح يتكون في العادة من ثلاث حلقات متداخلة، يوضع الأطفال وصغار السن في الحلقة المركزية من الدائرة اما النساء فتمدد جثثهن في الحلقة الوسطى في حين يوضع الرجال في الحلقة الخارجية، وما ان توضع جثة جديدة على السطح حتى تنقض عليها وتمزقها النسور(3)  المتواجدة بكثرة حول سياج البرج لتعودها على تناول لحوم الموتى هناك، وتترك الجثة قرابة السنة لتتحلل أجزائها بشكل كامل ولا يتبقى منها سوى العظام التي يجمعها الكهنة فيما بعد ولا يدفنوها وإنما يضعوها في تجاويف خاصة لحفظ العظام موجودة داخل البرج و تحاط هذه التجاويف بالجير الذي يساعد على تحلل العظام خلال عدة سنوات."11 
تلعب النار دوراً مهماً في الديانة الزرادشتية، باعتبارها ناراً مقدسة ويسعون للاحتفاظ بها مشتعلة، ولاسيما في معابدهم، كما أنهم يتوجهون بصلاتهم صوب الشمس حيث مصدر النور. يمارسون الصلاة في أوقات خمسة، تمام كما يمارسها المسلمون من حيث التوقيت، ولكنهم يمارسونها وقوفاً ويتلون التراتيل الدينية. ويحتفل الزرادشتيون بعيد نوروز في الحادي والعشرين من شهر أذار/مارس من كل عام ولمدة 13 يوماً، ويكون الاحتفال كبيراً في اليوم السادس حيث يعتبر يوم ميلاد زرادشت.   
إن التعاليم التي وضعها زرادشت لمتبني دينه في مخطوطات كثيرة ومهمة، جمعت وأحرق الكثير منها في العام 331 ق.م بعد سقوط الدولة الأخمينية وانتصار الإسكندر الكبير بعد أن فرض حكمه على البلاد. جاء في مقال مهم للسيد صبري المقدسي بعنوان " الزرادشتية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية" حول حرق المخطوطات ما يلي: "331 ق.م، انتصار ألكسندر المقدوني على الملك داريوس الثالث، واخضاعه للبلاد الايرانية بعد معركة(اربيل). وإنهائه لحكم السلالة الأخمينية وتدميره للعاصمة(بيرسيبوليس)، التي كانت العاصمة المهمّة للإمبراطورية منذ 550 ق.م. وحرق عدد كبير من الكتب المزدية والزرادشتية المقدسة. والغاء تعاليم (آفيستا) وشرائعها القانونية، ومحاولة فرض الديانة الإغريقية على سكان المنطقة الذين بقوا ملتزمين خفية على دين اجدادهم."12
للديانة الزرادشتية كتاب مقدس هو "الأفيستا"، ويطلق عليه أيضاً بـ "الأبستاق"، أي الأصل أو المتن باللغة الفارسية القديمة، ويشتمل على تعاليم الفيلسوف أو النبي زرادشت. وللكرد نسخة من الأفيستا مكتوبة باللغة الميدية، الكردية القديمة، ويقال بأن تعاليم هذا الكتاب دونت أساساً بهذه اللغة.13             
يعتبر زرادشت فيلسوفاً كبيراً وحكيما ومبشراً استطاع وضع تعاليم جلبت لها ملايين البشر ودعت إلى إمعان العقل والتمييز بين الخير والشر، بين النور والظلام. كتب الأستاذ زهير كاظم عبود في مقدمة كتابه الموسوم "الزرادشتية" ما يلي: "ترك زرادشت بصماته الواضحة على مجتمع، وعلى حضارة إنسانية، وتبين أنه كان متماسكاً على نشر فضائله وقيمه، غير عابئ بمباهج الدنيا ومغريات السلطة، عاش عفيفاً ومات عفيفاً، وكان اسماً كبيراً في صفحات التاريخ الإنساني. قاد عملية التنوير الإنساني في فترة حالكة، وجاهد من أجل إثبات القيم الخيرة التي تمسك بها، وأسس فلسفة انتشرت على مساحة ليست بالقليلة، وآمنت بها ملايين من البشر ولم تزل حاضرة وقائمة حتى اليوم. زرادشت كان اسماً حاضراً من بين أسماء بناة القيم والفلسفة والحِكم ولم يزل."14  وجاء في كتاب خليل عبد الرحمن الموسوم "أفستا: الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية" عن مضامين هذه الكتاب ما يلي: "أفستا، الكتاب المقدس للديانة الزرادشتيه يتجاوز عمره ثلاثة آلاف سنة. إنها موسوعة الحضارة، الثقافة، الأخلاق والأنتروبولوجيا للشعوب الآرية. بل إنها تشهد على عظمة روح وثقافة الشعوب الآرية، حيث تمثل أقدم وثيقة تاريخية، ثقافية، دينية وقانونية مكتوبة تعكس المراسم والطقوس الدينية، الأفكار الفلسفية، الأخلاق، علم الفقه، الشرائع الطب والفلك في المجتمع البدائي الإيراني. أفستا، طفولة الشعوب الآرية: الكردية، الأرمنية، الفارسية، الطاجيكية، الأفغانية...إلخ وهي صفحة مشرقة في تاريخ تطور الأديان والثقافة الإنسانية، وأحد المصادر المكتوبة المبجلة في تاريخ الحضارة البشرية، التي تناقلتها الأجيال عبر آلاف السنين شفاهة وكتابة فهي غنية بالأساطير الجميلة، مفعمة بحب الخير والكفاح من أجله، والإيمان بنصره على قوى الشر، كما أنها متخمة بالتغني بالصدق والحقيقة، فالحقيقة فيها أفضل الخيرات."15
يتوزع كتاب الأبستاق (أفستا) على واحد وعشرين جزءاً، لم يبق منها سوى خمسة أجزاء هي:
" * يسنا: يعني نوع من الأناشيد أو التراتيل، وهي عبارة عن ادعية ومعلومات حول الدين وينسب إلى الرسول زرادشت، ويقع في  72 يسناهات وكل يسنا يشتمل على مجموعة ادعية. * ويسبر: يضم مجموعة من ملحقات الـ "يسنا" وهي أكثر من 23 كَرده. * ونديداد: يصف هذا الجزء الاشكال المختلفة للأرواح الشريرة، وهي تدور حول الحلال والحرام، الطاهر والنجس، ويتضمن الكثير من القوانين الدينية، ومعها القوانين ضد الابالسة. * يشتها: ويعني الاناشيد والتسابيح وكل يشت باسم أحد الاجسام النورانية. * افيستا: بجوك (خردة افيستا) وهي الصلوات اليومية وتضم تراتيل في بيان عظمة الإله."16 يؤمن الزرادشتيون بوجود الملائكة، وهي لا تختلف في أعمالها عن الملائكة التي يؤمن بها المسلمون، فـ "هم لا يتناسلون ولا يأكلون ولا يشربون ولا يمكن رؤيتهم، وتتطابق نظرة الزرادشتية مع الإسلام الذي حل بعدها بزمن طويل حول قضية الملائكة، وهم موكلون بأوامر الله."17 والكثير من الكتاب يرى بأن الكثير من الأفكار والطقوس الدينية في الإسلام مأخوذة من الديانة الزرادشتية، وهي الأقدم من حيث ظهور نبي الزرادشتيين.18
فكرة تناسخ الأرواح
الزرادشتيون يؤمنون بتناسخ الأرواح والتي تعني انتقال الأرواح من أجساد الموتى إلى أجساد أخرى لتعيش حياة ثانية. وهم ليسوا وحدهم من آمن بهذه الرؤية الميتافيزيقية، بل الكثير من الشعوب التي آمنت بالديانات القديمة، ومنها الزرادشتية والإيزيدية والهندوسية. يقول الباحث محمد ياسين: "هناك الكثير من الديانات التوحيدية القديمة و الوثنية تذعن بالتناسخ حتى إنه يعتبر ركنا أساسيا وواحدا من أهم ثوابت الديانة “البوذية” و“الهندوسية”، ويجد له قالبا في ما يطلق عليه “السامسارا”، وتعني عجلة الولادة و الموت، ومقتضاها أن الأجسام البشرية لا تكون شيئا، عدا أنها ثوب تلبسه الروح ذاتها في كل ولادة وتخلعه عند كل وفاة، ونفس الأمر بالنسبة لشعوب وديانات كثيرة مثل الطاوية، والمايا، والانكا…"19. وهو يشير في الوقت ذاته إلى ما يلي: "أما الديانات الإبراهيمية فإنها ترفض عقيدة التناسخ جملة وتفصيلا، بينما جادلت بعض طوائفها ذات الخلفية الفلسفية و الغنوصية -التي لا تأبه بالعالم المادي و تعطي أولوية للروح- جادلت بمشروعية الفكرة وتهالكت في سبيل الذود عنها، خاصة في التراث الصوفي اليهودي المتمثل في مبدأ “القبالة” أو “الكابلا”، هذا الاتجاه الذي عرف النور فعليا في القرن 12.م وظهر أول مرة كاتجاه مستقل في الجنوب الأوروبي، وبات ما يعرف حاليا: ”بالتجديد اليهودي."20، كم إن الإسلام بمذاهبه السنية والشيعية "تقف موقف المصادم المنافح لمثل هكذا معتقد، بينما تؤمن الطائفة “الدرزية” غاية الإيمان بتناسخ الأرواح ،لدرجة أنه يمنع في طقوس الموت عندهم البكاء على الميت أو حتى تأبينه!!"21 هناك تباين فيما بين الديانات المؤمنة بتناسخ الأرواح في موضوع انتقال الروح من جسد إلى جسد، فبعضها يعتقد بانتقالها من جسد إنسان إلى جسد إنسان آخر، وبعضها الآخر يعتقد بانتقالها إلى جسد إنسان أو حيوان/ بل وإلى جماد أيضاً. ومن هنا أطلقت على تنوع عملية التناسخ والتقمص بما يلي:   
"النسخ: انتقال الروح من {{بدن انسان الى بدن انسان آخر}}.
الرسخ: انتقال النفس الناطقة من بدن انسان الى نبات.
المسخ: انتقال النفس المذكورة من بدن انسان الى الحيوانات.
الفسخ: انتقال النفس الناطقة من بدن انسان الى الجمادات."22
وتعتقد الديانة الزرادشتية بأن "الشخص الصالح ترجع روحه لجنين صالح، أما الفاسد تذهب لشخص فاسد."23
أما العلم وأغلب العلماء، ولاسيما الأطباء، فهم يرفضون بوضوح هذه الرؤية المثالية، إذ أن توقف وصول الدم إلى دماغ الإنسان ينهي وجود الحياة في جسمه، إنه الموت ولا حياة بعد الموت. 
يشير الكاتب زهير كاظم عبود إلى وجود خطأ شائع وخلط حاصل لدى شيوخ الدين المسلمين وجمهرة من الباحثين والسياسيين بين الزرادشتية والمجوسية. والمجوسية هي الديانة التي ذكرت بالقرآن، حيث ورد بشأنها "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" 24. وهي ديانة تختلف عن الزرادشتية وأن كانت قد انطلقت منها واختلفت معها. يشير إلى ذلك الكاتب زهير كاظم عبود في كتابه السابق الذكر حين كتب ما يلي: "هناك من يذكر بأن المجوس هم أعضاءٌ بالوراثة، في طبق كهنوتية في ميديا، وهي مملكة قديمة كانت تقع في المنطقة التي تسمى الآن شمال إيران، ويسمى العضو في هذه الطبقة مجوسياً، اشتهر المجوس بممارسة السحر، وبتفسير البشائر والنذر والأحلام وتقديم القرابين التنجيمية، وه غير كهنة الزرادشتية".25 وفي الوقت الذي حرمت الديانة الزرادشتية الصيام، ألزمت المجوسية أتباعها بالصيام لأيام محددة.       
وتلتقي الزرادشتية مع الكثير من الديانات، سواء تلك التي يطلق عليها "سماوية" أو التي تسمى "وضعية"، في عدد كثير من المحرمات، وبشكل خاص: الكفر بالله، والقتل والسرقة وشهادة الزور والزنى والغيبة والنميمة وخيانة الأمانة، والسحر وأكلة الميتة والربا والانتحار والإجهاض عمداً، والزواج بالمحرمات،.."26   
الزرادشتيون بالعراق
وجد الزرادشتيون منذ القدم بإيران والعراق في فترة حكم الأخمينيين، واعتبر الدين الرسمي للإمبراطوريات الثلاث: الأخمينية والبارثية والساسانية. إذ كانت الديانة الزرادشتية، كما أشير سابقاً قد ولدت في مدينة أرمية مع ولادة مؤسسها زرادشت (زارا)، والتي تعتبر جزءاً من كردستان، وكانت خاضعة للدولة الساسانية. ويرجع أسم هذه الإمبراطورية إلى الكاهن الزرادشتي ساسان، الذي كان جد أول ملوك الساسانيين، الملك أردشير الأول (أردشير بن بابك بن ساسان.، باعتباره مؤسس الدولة الساسانية (الإمبراطورية الفارسية الثانية).27
بدأت "الفتوحات" الإسلامية للسواد في عهد الخليفة الأول أبو بكر الصديق، واستكمل في عهد عمر بن الخطاب، وتم للجيش الإسلامي إسقاط الدولة الساسانية بعد حروب دامت عشر سنوات، قتل فيها الكثير من الفرس ممن كانوا يدينون بالزرادشتية. وقد أُجبر الناس بعدها على دخول الإسلام أو الهروب من إيران إلى الهند أو دفع الجزية. فتراجع وجود الدين الزرادشتي لهذه السبب في عموم المنطقة ومنها المنطقة الكردية، التي هي الأخرى لم يدخل سكانها الإسلام بسهولة بل على حد السيف، فكان القرآن بيد والسيف باليد الأخرى! وهذا ما يؤكده التاريخ حيث وضع السكان أمام ثلاثة احتمالات: إما القبول بالإسلام ديناً لهم وترك دياناتهم القديمة، ومنها الزرادشتية والإيزيدية، أو الهجرة من الأرض المحتلة، التي هي أرض أجدادهم، أو دفع الجزية، حيث اعتبروا من أهل كتاب، كما جاء بشأنهم في القرآن. وهذا ما حصل أخيراً حين اجتاح واحتل عصابات الإسلام السياسي المتطرف، تنظيم داعش الإرهابي والتكفيري الموصل وبقية مناطق محافظة نينوى وتعاملوا مع الناس من غير المسلمين بطريقة مماثلة لما حصل في الفتح الإسلامي، والذي هو في الجوهر نوع من احتلال أراضي شعوب أخرى بالقوة وفرض الهيمنة أو الاستعمار عليها. جاء في خطبة للخليفة الثاني عمر بن الخطاب بصدد الفتوحات الإسلامية، كما ورد في كتاب "تاريخ الطبري" ما يلي:
فـ " بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله فأنتم مستخلفون في الأرض قاهرون لأهلها قد نصر الله دينكم فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا أمتان أمة مستعبدة للإسلام وأهله يجزون لكم يستصفون معايشهم وكدائحهم ورشح جباههم عليهم المؤونة ولكم المنفعة وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة قد ملأ الله قلوبهم رعبا فليس لهم معقل يلجؤون إليه ولا مهرب يتقون به قد دهمتهم جنود الله عز وجل ونزلت بساحتهم مع رفاغة العيش واستفاضة المال وتتابع البعوث وسد الثغور بإذن الله مع العافية الجليلة العامة التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام والله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين وذكر الذاكرين واجتهاد المجتهدين مع هذه النعم التي لا يحصى عددها ولا يقدر قدرها ولا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته والمسارعة إلى مرضاته واذكروا عباد الله بلاء الله عندكم واستتموا نعمة الله عليكم وفي مجالسكم مثنى وفرادى.." 28
جاء في كتاب وعاظ السلاطين للدكتور علي الوردي عن الأسلوب الذي تمت فيه عمليات الفتح الإسلامي اعتماداً على ما ذكره أبن الأثير في "الكامل" وعباس محمود العقاد في كتابه "أبو الشهداء"، ما يلي:
"يقول المؤرخون أن الجيش الأموي الفاتح عندما دخل المدينة بعد واقعة الحرة أباحها ثلاثة أيام "فاستعرض أهل المدينة بالسيف جزراً كما يجزر القضاب الغنم حتى ساخت الأقدام في الدم وقتل أبناء المهاجرين والأنصار".29 ثم يواصل قوله: "يروى أن جندياً من جنود ذلك الجيش الفاتح دخل على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها فطلب منها مالاً. فقالت له: "... والله ما تركوا لنا شيئاً!" فغضب الجندي وأخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها فضرب به الحائط فانتثر دماغه على الأرض... ."30 ثم يقول علي الوردي: وليس في هذا غرابة. فالفتح هو الفتح في كل زمان ومكان. جرى الفتح الأموي في المدينة فعرفنا خبره. ولكننا لا ندري كيف جرى في بلاد بعيدة، وماذا قاسى الناس هنالك منه. فالجنود الذين يفعلون في مدينة الرسول لا يبالون أن يفعلوا مثله في بلاد الأعاجم أو الكفرة. ولا غرو بعد هذا أن نرى موسى بن النصير يجر وراءه من السبايا ثلاثين ألف عذراء بعد فتح الأندلس. ولا أظن بأن أولئك العذارى وقعن في الأسر طوعاً واختياراً. إن المجاهدين الفاتحين لا بد قد خطفوهن من البيوت بعد أن قتلوا رجالها ونهبوا ما فيها. فليس من المعقول أن يذهب المجاهدون إلى بيوت المدن المفتوحة فيطرقون الباب ويقولون: "أعطونا عذراء في سبيل الله". إن سبي كل فتاة وراءه قصة طويلة من النهب وسفك الدماء وانتهاك الحرمات."31         
 هكذا كان الفتح الإسلامي، وهكذا هو أسلوب كل الفاتحين المستعمرين للبلدان الأخرى، عرفناه لا في نشر الديانة الإسلامية، بل وفي نشر الديانة المسيحية في أوروبا الاستعمارية التي توجهت صوب القارة الأمريكية، ولاسيما الجوبية، وأفريقيا، على سبيل المثال لا الحصر.   
الزرادشتيون بالعراق الحديث
 
مارست القلة الموجودة من الزرادشتيين طقوسهم الدينية بشكل سري في فترة الدولة الملكية العراقية أو العهد الجمهوري، وكذلك فيما بعد، ولم تكن لهم معابد رسمية. ولكن لا توجد شواهد على اضطهادهم بالعراق. اعترفت حكومة إقليم كردستان العراق بعد الإطاحة بالنظام البعثي في العام 2003، وكذلك البرلمان الكردستاني بالديانة الزرادشتية وحق أتباعها في ممارسة طقوسهم. فقد جاء في مشروع دستور إقليم كردستان في المادة 65 النص التالي بشأن حرية الأديان:

"المادة: 65
لا إكراه في الدين، ولكل فرد حرية الفكر والدين والعقيدة وتتكفل حكومة الإقليم بضمان حرية مواطني كوردستان من مسلمين ومسيحيين وإيزيديين وغيرهم لممارسة عباداتهم وشعائرهم وطقوسهم واحترام الجوامع والمساجد والكنائس وأماكن العبادة الأخرى وتطويرها."32 وقد وأشار مدير إعلام وزارة الاوقاف والشؤون الدينية في حكومة اقليم كردستان مريوان نقشبندي، إن قانون الوزارة أعطى حرية ممارسة الشعائر الدينية للجميع، وأضاف: "قانون وزارة الاوقاف يستند الى عدة مبادئ اهمها حرية الاديان والمعتقدات في اقليم كردستان، ولهذا فإن أي ديانة، إن كانت في الإطار القانوني، مرحب بها ونساعدها ونقدم لها التسهيلات".33
 على وفق المعلومات المتوفرة لم يعلن حتى الآن عن أية ممارسات مناهضة لأتباع هذا الدين بإقليم كردستان العراق، ولهم اليوم معبد بمدينة السليمانية. ومن المعروف إن هذا الدين من الأديان التبشيرية، وبالتالي يسعى اتباعه إلى كسب المريدين والمعتنقين له. ويمكن أن تثير هذه المسألة القوى الإسلامية السياسية المتطرفة التي لا ترفض الأديان الأخرى فحسب، بل وترى ضرورة أن يدخل جميع الناس في الإسلام، شاءوا ذلك أم ابوا! وقد برزت اتجاهات متباينة في الموقف من الاعتراف الرسمي بهذا الدين بالإقليم، كما ورد في مقال للسيد عبد الجبار العتابي. فهناك من رحب بذلك حين قال:
"باتت الظواهر الفكرية والاجتماعية كثيرة، وبخاصة فيما بعد زلازل التغيير وشعور المواطن انه امام مفهوم جديد، لم يألفه من قبل". وتابع قوله: "الزرادشتية مبدأ اخلاقي وقيمي فاعل، وهو الاقرب الى روح التصوف الاسلامي، والسؤال كيف ولماذا التجأ الشباب الى هذا الدين، ما الذي وجدوه مغايرًا عمّا هو سائد في كردستان وربما العراق كاملًا؟ لابد من بحث واجابة".34 وهناك عالم دين مسلم اعتبر "مسألة التحدث في الموضوع نوعاً من الهذيان، قائلاً إن التحدث فيه كفر والحاد، مشددًا على قول الله سبحانه وتعالى (ان الدين عند الله الاسلام).354
أكد لقمان الحاج كريم، رئيس المجلس الأعلى للزرادشتية (منظمة زند)، وجود 100 ألف شخص يعتنق هذا الدين بالإقليم. كما أكد بأن المنظمة لن تمارس السياسة، بل ستركز في عملها على الجانب الديني فقط.31 ومع ذلك يمكن أن يصطدم هذا التوجه بالقوى الإسلامية السياسية بالإقليم أو بالعراق عموماً، كما هو الحال في الموقف من اتباع الديانات الأخرى التي تتعرض إلى الكثير من المصاعب والمتاعب والتهديدات والتشريد والتهجير والقتل بالعراق والتي تقف وراءها المليشيات الطائفية المسلحة وقوى الإرهاب التكفيرية، شيعي وسنية، كما تطرقنا إليها في الصفحات السابقة. إن من واجب المسلمين والمسلمات أن يفكروا بثلاث مسائل هي:
1.   الأهمية القصوى لضمان حرية العقيدة واعتناق الدين الذي يراه الفرد مناسباً له، أو لا يعتقد بأي دين أو مذهب. فهذا الموثق يشكل جزءاً أساسياً من حقوق الإنسان التي لا يجوز المساس بها بأي حال.
2.   لماذا تتخلى جمهرة من الشبيبة من أتباع الدين الإسلامي عن دين الإسلام والتحول صوب إلى الإلحاد، كما تشير إلى ذلك أخبار العراق، أو ما يطرحه بعض الوعاظ المتشددين في مجالسهم الدينية، في الفترة الأخيرة، والتي بدأت جمهرة من شيوخ الدين المتخلفين تثير الضجة حول هذا الموضوع ولا يسألون أنفسهم، لماذا يتحول هؤلاء الشباب، إن صح ذلك، إلى ملحدين؟
3.   إن من حق الإنسان أن يتحول من دين إلى دين آخر، ولا يجوز المساس بهذا الحق بأي حال، ولا يجوز استخدام العنف في كسب أو فرض الدين الإسلامي على الناس، أو من جانب أي دين آخر، ولا يجوز ممارسة التشريد والقتل والسبي والاغتصاب، كما حصل بالعراق من جانب قوى الإسلام السياسي المتعصبة والمتطرفة والإرهابية منذ العام 2003 حتى الوقت الحاضر لفرض الدين الإسلامي على الناس.
المصادر والهوامش
1.   أنظر: فيليب سيرنج، رمزية العناصر الأربعة، ترجمة عبد الهدي عباس، موقع غاستون باشلار Gaston Bachelard.
2.   أنظر: مثرا، موقع المعرفة الإلكتروني، أخذ المقتطف بتاريخ 17/05/2018. 
3.   أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية، بغداد، 2015، دون ذكر دار النشر، ص 20/21.
4.    Siehe: Heiko Diadesopulus, Zoroaster: Urvater der Religion des Umbruchs,
Philognosie, Wissen gestaltet die Welt, 08.09.2017.
5.    أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية، مصدر سابق، ص 42.
6.   أنظر: زرادشت Zoroaster (ZOHR-oh-as-tər)(Avestan: Zaraϑuštra)، موقع المعرفة، 17/05/2018.
7.    أنظر: آمنة محدادي، فلسفة الدين الزرادشتية، موقع الحوار المتمدن، المحور: الفلسفة، علم النفس، وعلم الاجتماع العدد 4744، 10/03/2015.
8.   أنظر: الزرادشتية، موقع الميثولوجيا والتاريخ، (الآي 44 من الجاتها ياسنا)، مدونة تعنى بعرض ودراسة الميثولوجيا والتاريخ والأديان،
9.   أنظر: الديانة الزرادشتية، موقع آريايى أم، أخذ المقتطف بتاريخ 21/05/2018.
10.    أنظر: القرآن، سورة الأعراف، مكية، الآية 12.
11.    أنظر: أياد العطار، أبراج الصمت.. تنشر جثث الموتى لتأكلها النسور!، موقع كابوس، أخذ المقتطف بتاريخ 21/05/2014.
12.     أنظر: صبري المقدسي، الزرادشتية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية، موقع الحوار المتمدن، المحور: دراسات وأبحاث في التاريخ والتراث واللغات، العدد، 4083، في 05/05/2013.
13.    أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية، بغداد، 2015، دون ذكر دار النشر، ص 123.
14.    أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 4.
15.     أنظر: خليل عبد الرحمن، "أفستا: الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية، روافد للثقافة والفنون، 2008.
16.    أنظر: أبستاق، موقع الموسوعة الحرة، ويكبيديا. 21/05/2018.
17.     أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية/ مصدر سابق، ص 86.
18.   حامد عبد الصمد، باحث في الإسلام، هل الإسلام مقتبس من الزرادشتية؟ ستصدم عندما تعرف الحقيقة عقائد وشرائع الاسلام مسروقة من الزرادشتية.. معقول!، youtupe، بتاريخ 11/04/2018. 19
19.    أنظر: محمد اسين، فكرة عن تناسخ الأرواح وإمكانية التجسد من جديد، موقع أصوات مهاجرة، شؤون ثقافية، 08/07/2016.
20.    أنظر: المصدر السابق نفسه.
21.    أنظر: المصدر السابق نفسه.
22.    أنظر: خالد علوكة، تناسخ الأرواح، موقع الحوار المتمدن، محور العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني، العدد 3890، في 24/10/2912.
23.    أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية/ مصدر سابق، ص 181.
24.    أنظر: القرآن، سورة الحج، الآية 17. السورة مدنية، وأربع آيات منها مكية.
25.    أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية/ مصدر سابق، المدخل، ص9.
26.    أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 197.
27.    أنظر: ساسانيون، الموسوعة الحرة، ويكيبيديا، أخذت المعلومات بتاريخ 23/05/2018.
28.    أنظر: محمد بن جرير الطبري أبو جعفر، تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك المؤلف، صدر بخمسة أجزاء، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ/ 1987م.
29.    أنظر: الدكتور علي الوردي، وعاظ السلاطين، دار كوفان-لندن، 1995. ص 209. 
30.    أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 209/210.
31.    أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 2010.
32.   أنظر: مشروع دستور اقليم كوردستان – العراق، المجلس الوطني الكردستاني، بتاريخ 24/09/2006.
33. أنظر: عبد الجبار العتابي من بغداد، جدل في العراق حول تأسيس مجلس الديانة الزرادشتية، إيلاف، 06/05/2015.
34. أنظر: المصدر السابق نفسه.
35.  أنظر: الزردشتية تعود إلى كردستان بسبب التطرف الديني، موقع السومرية نيوز، بتاريخ 2 حزيران/يونيو 2015.
   
برلين في 24/05/2018



24
كاظم حبيب
دانا جلال، ما كان ينبغي لك أن تموت مبكراً أيها المناضل الحالم!

في خضم الحياة النضالية المديدة والشديدة التعقيد والمصاعب، المليئة بالدماء والدموع، والمصحوبة أيضاً بالكثير من السعادة الداخلية والفرحة وراحة الضمير، يلتقي الانسان بعدد هائل من المناضلات والمناضلين الشجعان والأوفياء والمخلصين لقضية شعبهم، لقضية الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية، بمفهومها الإنساني العميق والشامل، والسلام والازدهار. يتعلم المناضل منهم الكثير من الفضائل والقيم الإنسانية العامة والشاملة، ومنها فضيلة الاستعداد الفعلي للتضحية بالنفس والنفيس وقبول الموت بصفاء ونقاء تامين، إذا ما وضُع هذا المناضل أو المناضلة أمام أحد أمرين: إما الخيانة للشعب والوطن، أو الموت في سبيل قضية الشعب والمبادئ التي اعتنقها عن قناعة، وليس إيماناً أعمى. وقد برهن على ذلك عشرات الألوف من خيرة المناضلين والمناضلات حين مرّوا بتجربة من هذا النوع، سواء أكانوا قد فقدوا حياتهم فعلا، ام نجوا من موت محقق بشرف وواصلوا النضال بعزم وحزم وصلابة فائقة.
دانا جلال، هذا الإنسان الطيب والمتوتر دوماً، الحالم أبداً..، كان واحدا من هؤلاء المناضلين الشجعان الذين ماتوا واقفين كشجرة السنديان المعمرة والنخلة الباسقة، مدركا بوضوح انه سائر الى نهايته، حين أوصى بنشر صورته الهادئة والمفعمة بالمحبة والسلام مع النفس بعد موته، مات الإنسان الحالم بالحرية والديمقراطية والاشتراكية والسلام والاستقلال لوطنه كردستان وللعراق وكل البلدان الأخرى، لشعوبها، الذي نذر نفسه لها وناضل بإصرار وعناد وحزم من أجلها!     
كان لدانا جلال تأثير بيّن على جمهرة من محبيه ورفاق دربه، بسبب فكره ومبادراته وحيويته ونشاطه الكثيف والود الذي يحمله للجميع، برز بعد وفاته عبر هذه الموجة الجميلة من الرسائل والكلمات التي عبرت عن هذا الود الكبير له وللقضية التي خسرته بوفاته. ترك دانا جلال أثراً كبيرا في الرفيقات والرفاق المناضلين الذين رافقوه في مسيرته النضالية، ترك اثرا بإصراره على النضال، بمواقفه المبدئية، باستقراره ودفاعه عن المبادئ التي اقتنع بها، وعلى الجرأة والشجاعة التي تميز بها في مواجهة العدو والصديق في قول ما يفكر به ولا يبالي بالعواقب المحتملة دون اي نزعة من مغامرة أو طيش. ترك اثرا بنقاء الفكر الذي يحمله، ونقاوته النضالية في الدفاع عن القضايا العادلة التي آمن بها وشارك في حمل رايتها.
كان دانا جلال مناضلا أمميا، لم تحركه الروح القومية الضيقة ولا الإقليمية الأكثر ضيقا وسوءاً، بل ربط نضاله القومي الكردي بنضال بقية شعوب الأمة الكردية من جهة، وبنضال الشعب العراقي والشعب الإيراني والشعب التركي، من جهة اخرى. إنها الرؤية الأممية الصادقة والفاعلة، ولذلك لم يكن هناك بالضرورة ذلك الإطار الحزبي الضيق الذي يحمل همه ويتسع لنضاله، اذ وجد في العملية النضالية المشتركة لهذه الشعوب من النظم الاستبدادية القهرية طريق الخلاص الفعلي لكل شعوب المنطقة. لقد شارك في النضال الحزبي، ولكن أفق تفكيره وعمله كان أرحب بكثير، وهو ما ميّزه، ولم يكن مريحاً للبعض القليل! 
عاش مناضلا وفي احضان عائلة شيوعية مناضلة، وساهم في النضال منذ ان كان طالبا، ومن ثم في الحركة الأنصارية ضد النظم الدكتاتورية وضد جلادي شعبه الكردي وعموم الشعب العراقي. ناضل بالبندقية وبالقلم، كإعلامي تميَّز بأسلوبه وشراسة قلمه في مقارعة المستبدين والفاسدين ومصادري الحريات العامة وحقوق الإنسان، وسارقي أموال الشعب ولقمة عيشه والمتحكمين بحياته ومستقبل أجياله. رفض التمييز والعنصرية والشوفينية وضيق الأفق القومي، رفض التمييز ضد المرأة وحمل مع المرأة راية النضال في سبيل حقوقها الكاملة والتامة. لقد كان دانا جلال مناضلاً عضوياً على وفق رؤية ومفهوم غرامشي للمناضلين العضوين الشجعان..
لقد كان دانا جلال ابناً باراً للشعب الكردي وأصيلا في نضالاته والمبادئ الي حملها في مسيرته النضالية حتى النفس الأخير حين توقف القلب عن الخفقان ... له الذكر الطيب دوماً وله مكان في قلوب محبيه الذين سيحملون الراية التي واصل رفعها طيلة حياته القصيرة والمفعمة بالحياة...
كاظم حبيب
برلين في 12/05/2018






25
العراقيون البهائيون

لا أدافع عن هذا الدين أو ذاك، ولا عن هذا المذهب أو ذاك، كما لا أطرح هنا صواب أو خطأ ما ورد لدى هذه الديانات والمذاهب من معتقدات وطقوس وتقاليد، بل أدافع هنا بلا هوادة عن حق الإنسان أينما كان وحريته التامة في الاعتقاد وفي تبني هذا الدين أو ذاك وهذا المذهب أو ذاك، وهذه الفلسفة أو تلك أو بلا دين أو مذهب. إنه الحق الذي لا يجوز المساس به بأي حال. لقد ناضلت البشرية عشرات القرون لتكريس هذا الحق والتمتع بهذه الحرية، فلا يجوز التفريط بهما أو السماح بالتجاوز عليهما! 

البهائية ديانة حديثة ظهرت بإيران في القرن التاسع عشر وعلى يد المبشر الأول بقيام هذا الدين التاجر الشاب علي محمد الشيرازي الملقب بـ "الباب" (1819 – 1850م)، الذي أشار بوقت مبكر إلى من التزم بهذا الدين الجديد والذي سيأخذ على عاتقه نشر الدين والدعوة له وإعلاء شأنه، إنه الشيخ ميرزا علي حسين النوري والملقب بـ "بهاء الله" (1817- 1892م)، المولود بمدينة نور بطهران/إيران. عانى هذا الرجل قرابة أربعين عاماً من الملاحقة والنفي إلى الدولة العثمانية، ثم الاعتقال والسجن، ثم الموت في السجن. عاش عشر سنوات من عمره ببغداد، كما استقر لمدة سنتين بالسليمانية. وقبل مغادرته بغداد أعلن "حضرة بهاء الله في نيسان من عام ١٨٦٣ انه مبعوث من الله، وان هدف رسالته هو تحيق الوحدة والاتحاد بين بني البشر. ومنذ ذلك الحين ارتبط البهائيون العراقيون بروابط الالفة والصداقة مع باقي مكونات المجتمع العراقي.
أوصى حضرة بهاء الله قبل موته بخلافة أبنه عباس أفندي له، والذي لُقب بـ "عبد البهاء" (1844 - 1921م)، المولود بطهران إيران. ولكن اختلف عباس أفندي مع أخيه غير الشقيق محمد علي. وبالتالي أصبح للبهائية طائفتان. أطلق على الأولى بالعباسيين تيمناً بعباس أفندي وعلى الثانية بالموحدين. ويبدو إن الثانية لم تعد كبيرة بعد أن مورس ضدها الطرد والمنع من الوصول إلى مرقد بهاء الله في حيفا.
مارس عبد البهاء التجوال في العالم للتبشير بدينه وكتابة الرسائل وما يسهم في توسيع دائرة المعتنقين له. وقبل أن يتوفى أوصى بخلافة أكبر أحفاده المدعو شوقي أفندي (1897 – 1957م) له في قيادة أتباع الدين. وبعد وفاته اقيم المجلس الذي أطلق عليه "بيت العدل الأعظم" في العام 1963 على وفق ما ورد في كتاب الشريعة البهائية، الكتاب (الأقدس)، البيت الذي يشرف ويدير شؤون أتباع الدين البهائي. رفضت مجموعة من البهائيين الاعتراف ببيت العدل الأعظم واعتبروا البهائي الأمريكي الولادة تشارلز ميسون ريمي Charles Mason Remey  (1874-1974م) ولي أمر البهائيين. وقد أطلق على هذه المجموعة اسم البهائيون الأرثوذكس ولها مريدون في بعض المدن الأمريكية.
يشير موقع الموسوعة الحرة إلى أن عدد معتنقي الديانة البهائية بالعالم وصل في العام 2012 بحدود 7,8 مليون نسمة من مجموع سكان العالم البالغ في نفس العام أكثر من 7 مليار نسمة.
يؤمن أتباع هذا الدين الحديث بالإله الواحد، وهم بهذا توحيديون. كما يدعون إلى دين واحد، على اعتبار أن كل الأديان جاءت من مصدر واحد هو الخالق، وأن لها رسالة واحدة، وأن الناس أخوة في الإنسانية وهم متساوون. ولهم كتاب مقدس يطلق عليه بـ "الأقدس"، كما لديهم كتب عرفانية كثيرة أخرى منها كتاب "الإيقان".
برز عداء شيوخ الدين المسلمين لهذا الدين واتباعه، ولاسيما شيوخ الدين الإيرانيين حيث ظهر في إيران دعاة هذا الدين لأول مرة، لسبب أساسي هو قولهم بمجيء نبي بعد النبي محمد، في حين أن المسلمين يعتقدون بأن النبي محمد هو آخر الأنبياء والمرسلين، وبالتالي فهي ضد الرؤية الإسلامية بشأن النبوة. ولهذا حوربوا بغيران وبتركيا في حينها، كما هم محاربون بالعراق واليمن ومناطق أخرى من العالم العربي.
وضع البهائيين بالعراق 
في الوقت الذي عانى البهائيون من اضطهاد السلطات الإيرانية، اعترفت سلطات الاحتلال البريطاني بالعراق بالدين البهائي وفق كتاب (بيان المحاكم رقم 6 في 28/12/1917). ويعتبر هذا الكتاب أول اعتراف رسمي للبهائيين قبل تشكيل الدولة العراقية الملكية. وواصلت الحكومة العراقية الملكية الاعتراف بهذا الدين وأتباعه، لهذا كانت عقود زواج البهائيين تصدر عن محاكم الأمور الشخصية لغير المسلمين. كما تم تثبيت البهائية في السجل الأساسي لإحصاء 1957 كواحدة من العقائد الدينية المثبتة في استمارة التعداد والسجل الأساسي، وكان البهائيون يثبتون في حقل الديانة (بهائي) للوثائق الرسمية. وكان لهم مركز ومقبرة كما كان للمحفل الروحاني المركزي للبهائيين في العراق (المؤسسة الروحانية على المستوى الوطني) مساهمات على الصعيد المجتمعي. وخلال تلك الفترة تم تشكيل العديد من المؤسسات المحلية في مختلف مدن العراق كالسليمانية وكركوك والموصل وخانقين ومختلف مناطق بغداد إضافة الى مناطق محافظة ديالى والنجف وكربلاء والبصرة وغيرها.
وبسبب خصوصية الدين البهائي يمتنع معتنقو هذا الدين عن التدخل في الاعمال السياسية والحزبية اضافة الى وجوب احترام وتقدير واطاعة السلطات الحاكمة في اي دولة يعيشون فيها فان تعاقب السلطات الحاكمة لم يؤثر على تعايش البهائيين مع ابناء وطنهم او على علاقة البهائيين بالدولة" كما جاء في وثيقة مكتوبة أرسلها لي أحد المعتنقين لهذا الدين. لم يجر أي تغيير في أوضاع البهائيين في فترة الحكم الجمهوري الأول بعد ثورة تموز 1958. ولكن أول الإجراءات المناهضة للبهائيين برزت في أواسط الستينيات من القرن العشرين، إذ تم وضع اليد على مبنى (حضيرة القدس) المركز البهائي في بغداد عام 1965. وفي العام 1970 ارتكب انتهاك صريح ضد حقوق البهائيين بصدور قانون 105 /1970 حرم بموجبه النشاط البهائي وتم حل مؤسساتهم ومصادرة الكتب والأموال والممتلكات. وما يزال يعاني البهائيون من أثار وعواقب هذا القانون، ومع صدور هذا القانون جرى في العام 1974 الحكم على عشرات البهائيين بالعراق بالحبس لمدد تتراوح بين عشر سنوات والمؤبد. وبتاريخ 24/07/1975 صدر القرار المجحف رقم 358 بحق البهائيين من مديرية الأحوال المدنية الذي تضمن تجميد قيود البهائيين في سجلات الاحوال المدنية، واعطاء الدائرة صلاحية استبدال حقل الديانة، مما ادى الى سلب الحقوق المدنية والقانونية مثل الحصول على هويات الأحوال المدنية وبقية الوثائق الثبوتية وتسجيل بيانات الولادات وتسجيل الزيجات وغيرها، ما لم يُثّبت في حقل الديانة مسلم. كما تم تغيير الكثير من قيود البهائيين في دوائر الاحوال المدنية. وبالرغم من كل هذه التقييدات للحرية الا ان العلاقة التي تربط البهائيين بجيرانهم واصدقائهم استمرت بكونها علاقة منفتحة مبنية على الاحترام والتقدير من الجميع. 
وقد وصلتني وثيقة من واحد من دعاة الدين البهائي أشار فيها إلى ما يلي:
"بعد عام 2003، تم الغاء سريان القوانين الجائرة ومنها قانون 105 لسنة 1970، والذي لا ينسجم مع الشرعة الدولية ولا مع دستور العراق الجديد، الذي يضمن معاملة متساوية لجميع العراقيين في جميع النواحي ومنها الدين، فأعاد البهائيون تشكيل مؤسساتهم الروحانية التي تقوم بإدارة ورعاية شؤون البهائيين في العراق في اندماجهم وخدمتهم لمجتمعهم. ومنذ ذلك الحين والبهائيون يمارسون نشاطاتهم المعنية بالاهتمام بتربية الاطفال وإطلاق طاقات الشباب بكل حرية يشاركهم فيها أبناء وطنهم من المكونات الاخرى. كما اعادت هيئة نزاعات الملكية بعض الاملاك البهائية المصادرة بقرار محكمة الثورة المنحل. كما ألغى وزير الداخلية قرار مديرية الاحوال المدنية 358 بتاريخ 24/7/1975 الذي تم بموجبه تجميد قيود البهائيين واستبدال حقل الديانة من بهائي الى مسلم، بصدور كتاب وزارة الداخلية 5441 في 19/3/2007 والذي تم تعميمه على كل دوائر الاحوال المدنية بموجب كتاب المديرية العامة للسفر والجنسية المرقم 5708 في 04/04/2007، وعلى إثر هذا القرار تم عملياً رفع التجميد عن القيود، وصدرت لعدد من البهائيين هويات مثبت فيها حقل الديانة (بهائي).
لقد تم الاعتراف الرسمي بإقليم كردستان العراق بـ "المجلس البهائي لإقليم كوردستان العراق" بموجب الأمر الوزاري الصادر عن وزير الداخلية بالإقليم المرقم 5292 والمؤرخ في 26/ 2/ 2012، حيث تم تثبيت ممثل رسمي للبهائيين في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية بالإقليم بموجب الامر الوزاري المرقم 180 والمؤرخ 11/10/2015، اسوة بباقي الاديان من غير المسلمين. وشارك البهائيون رسمياً بمناقشات حراك دستور الإقليم ومشاريع صياغة وتعديل القوانين ذات العلاقة، ومنها قانون 5 لسنة 2015 لحماية حقوق مكونات كوردستان، حيث مازال البهائيون ومع العديد من الجهات المهتمة يحاولون إضافة اسم البهائيين ضمن مكونات الإقليم في القانون.
أما ببغداد، ورغم عدم وجود اضطهاد مباشر للبهائيين، فما زال معتنقو هذا الدين يناضلون من أجل إلغاء القانون رقم 105 لسنة 1970، إضافة إلى إلغاء الكتاب الذي صدر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي بتاريخ 26/07/2007 وبرقم 1215 الذي تضمن منع دوائر الأحوال المدنية عن تثبيت (بهائي) في حقل الديانة في هوية الأحوال المدنية وتسجيله مسلم. وهو تراجع صارخ في فترة رئيس الوزراء السابق وبتأثير مباشر من الحوزة الدينية بقم/إيران، وهو إجراء مناقض للدستور العراقي. كما خلت الدراسة التي أعدتها دائرة الرصد والأداء وحماية حقوق الإنسان في وزارة حقوق الإنسان بالعراق تحت عنوان "أطياف العراق مصدر الثراء الوطني" في العام 2011 عن ذكر البهائيين ضمن هذه الأطياف. وهذا الموقف يتناغم مع القرار الصادر عن مجلس الوزراء بعدم تثبيت في حقل الدين (بهائي) للمواطنات والمواطنين البهائيين. وتناغماً مع هذا الاتجاه المناهض للبهائيين تم هدم دار تاريخي للبهائيين بقرار من الإدارة المحلية ببغداد، تحت ذريعة كونه داراً قديمة آلية إلى السقوط. وقد قُدمت اعتراضات واحتجاجات ضد الهدم، ولكنها لم تنفع. كما وجهت هيئة الدفاع عن ابتاع الديانات والمذاهب في العراق رسالة إلى مديرية الآثار بالعراق طالبة منها الحفاظ على هذا الأثر التاريخي لأتباع الديانة البهائية، ولكن كلها لم تجد نفعاً مع القوى الإسلامية السياسية الحاكمة والمتنفذة.     
إن من واجب العراقيات والعراقيين الأحرار أن يتضامنوا مع مواطناتهم ومواطنيهم اتباع الديانة البهائية لنيل حقهم المشروع للتمتع بحرية العبادة، وإقامة دور العبادة الخاصة بهم، وممارسة الطقوس والشعائر الدينية دون عوائق أو عقبات. إنه الحق الذي لا يجوز المساس به والذي ما تزال الحكومات العراقية المتعاقبة تمتنع عن رفع الحيف الذي وقع عليهم في عهد الدكتاتورية البعثية والصدامية الغاشمة، وذلك بإلغاء القانون رقم 105 لسنة 1970، إضافة إلى إلغاء الكتاب الذي صدر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي بتاريخ 26/07/2007 وبرقم 1215، الذي تضمن منع دوائر الأحوال المدنية عن تثبيت (بهائي) في حقل الديانة في هوية الأحوال المدنية وتسجيله مسلم.


26
د. كاظم حبيب
محن وكوارث الشبك بالعراق
إلى بنات وأبناء شعبنا العراقي، إلى إخوتنا في الإنسانية، إلى المواطنات والمواطنين الشبك، أقدم لكم جميعاً خالص تعازي لمن سقط منكم شهيداً أو جرح وعوق لأسباب سياسية، أو دينية، أو مذهبية، أو عنصرية وشوفينية، على امتداد الفترات المنصرمة ولاسيما في أعقاب إسقاط الدكتاتورية البعثية والصدامية الغاشمة وقيام نظام سياسي طائفي مقيت ومحاصصة مذلة للإنسان العراقي، رجلاً كان أم امرأة، بإصرار من الإدارة الأمريكية وولاية الفقيه بإيران وشيوخ الدين والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية بالعراق، ومن ثم، وبشكل أبشع، بعد اجتياح الموصل وعموم محافظة نينوى حيث وقعتم ضحية سهلة في أيدي الدواعش الأوباش، بسبب السياسات الرجعية والمشوهة التي مارستها القوى الطائفية الحاكمة بالعراق، والتي سمحت لولوج هذه الجماعات الإسلامية السياسية المتطرفة والمتوحشة من ثغرة النظام السياسي المركزية، من الطائفية في الفكر والممارسة اليومية، إلى العراق. أنتم، كغيركم من أبناء وبنات محافظة نينوى والمحافظات الغربية والحويجة وديالى عانيتم الأمرين تحت الاحتلال الداعشي وسطوته، أو أجبرتم على النزوح إلى مناطق أخرى، وعانيتم بقسوة كبيرة منها ومن الهجرة القسرية والتمييز. أحييكم بحرارة وأشد على أيديكم، فأنتم وغيركم جزء من هذا الشعب، وأبناء وبنات هذا الوطن المستباح حتى الآن بالطائفية والفساد والإرهاب!!!       

الشبك مكون عراقي يعتنق الإسلام ديناً، وأفراده على مذهبين: الشيعي الجعفري أو الإمامي، وهم يشكلون الأكثرية، والسني الشافعي، وهم يشكلون الأقلية. والعيش المشترك بين معتنقي المذهبين في الإسلام لم تنغّصه الصراعات المذهبية.
اختلف الباحثون والكتاب بثلاث مسائل جوهرية بشأن الشبك، وهي:
1. الموطن الأصلي للشبك ومتى قدموا إلى العراق؛ 2. الديانة والمذهب الذي يعتنقه الشبك؛ و3. وهل يشكلون قومية خاصة بهم أم أنهم جزء من قومية أخرى، وما هي اللغة التي يتحدثون بها. لقد ذهب الباحثون مذاهب كثيرة في تشخيص الإجابة عن هذه الأسئلة.     
 لقد تسنى لي قراءة عشرات المقالات والكتب التي بحثت في موضوع الشبك والمناقشات التي جرت حتى الآن بين الباحثين، والكتاب والتي في الغالب الأعم لم تتوصل إلى وحدة الرأي. ويبدو إن هذه المسألة ستبقى محوراً للنقاش في الفترة القادمة أيضاً. ولكن لا بد للباحث، إضافة إلى سعيه في التحري عن مصادر قديمة تشير إلى وجهة الإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من الحوار مع أصحاب الشأن وذاكرة عائلاتهم وما سجل لديهم بشأن الإجابات المطلوبة. وفي الآونة الأخيرة التقيت مع السيد يوسف محرم، المقيم مع عائلته ببرلين واستمعت لوجهة نظره ورؤيته للمسائل المطروحة، كما اطلعت على الدراسة التي أعدها أثناء دراسته الجامعية، ومن ثم دراسة الأستاذ سعد سلوم1 والأستاذ زهير كاظم عبود عن الشبك2، وكذلك دراسة الدكتور رشيد الخيون3، واللقاءات التي أجريت مع الباحث والسياسي والنائب الدكتور حنين گدو وما نشره بصدد الشبك، باعتباره أحد أبناء الشبك وممثلاً عنهم في المجلس النيابي العراقي في الوقت الحاضر.
لقد استخلصت من كل ذلك المسائل التالية:
الشبك قوم قدموا إلى بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا) من منطقة حوض بحر قزوين بنهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر ضمن الحملة التي قادها تيمور لنگ (تیمور الأعرج) (1336  -1405 م) على المنطقة في الفترة بين 1397/1398-1405م)، بما فيها مدينة الموصل. لقد كان جيش المغول لا يتكون من جنود مغوليين فحسب، بل من جنود ينتسبون إلى أقوام أخرى كانت تحت سيطرة المغول والقائد المغولي تيمور لنگ في اجتياحه العسكري صوب العراق والشام ...الخ. وقد استقرت مجاميع مختلفة من الجنود والعوائل التابعة لقوات المغول بالعراق، ومنهم عائلات من الشبك. كما إن الحملات العسكرية اللاحقة من جانب الصفويين أو غيرهم قد جلبت معها الكثير من الأقوام إلى العراق لتقطن فيه، ومنهم الفرس أيضاً. وهم بهذا المعنى قوم ضمن الأقوام التي كانت خاضعة لسيطرة المغول على حوض بحر قزوين، وأن اسمهم "الشبك" متأتي من اسم الملك والقائد العسكري الذي كان الشبك تحت أمرته، واسمه الشاه بگ، والتي تحورت لتصبح الشبك. وفي مناطق الشك هناك قرية باسم المنارة شبك أصبحت منذ القدم مقبرة لموتى الشبك، والتي يقال أن الشاه بگ مدفون فيها. هم يعتقدون جازمين بأنهم ليسوا من القومية التركية أو الكردية أو الفارسية، بل قومية خاصة بهم، إنها القومية الشبكية. وويبدو أنهم منذ أن كانوا في حوض بحر قزويني قد تبنوا المذهب الشيعي، ولكن قرب قرى بعينها من الموصل بأكثريته السنية قد أثر على مذهب هذه القرى وحولها إلى المذهب السني، كما إن جوارهم لكدستان قد ساهم بتبني المذهب السني الشافعي. وما زال الشيعة منهم حتى الآن على التقاليد الإمامية، رغم دخول الكثير من الطقوس البكتاشية بحكم وجودهم ضمن العراق وتحت الهيمنة العثمانية، وهي طقوس قريبة من طقوس الشيعة الإمامية مع بعض المغالاة في موضوع الحسين وأهل البيت. ويشار إلى أن كبار السن, وجمهرة من الشباب، من الشبك ما زالوا يمارسون التقاليد والطقوس البكتاشية المعروفة عن الطائفة البكتاشية بتركيا وبعضهم بالعراق. إلا أن اقترابهم من الحوزة الدينية الشيعية، إضافة إلى هيمنة الأحزاب الشيعية على الحكم بالعراق قد ساعدت على تغلغل الأحزاب الشيعية في صفوفهم وكسب المزيد منهم إلى التقاليد والطقوس الشيعية، ولاسيما الشباب منهم.
وللشبك لغتهم الخاصة، التي هي ضمن اللغات الهندو-أرية المستقلة التي دخلت عليها كلمات تركية وفارسية وربما بعض الكلمات الكردية، ولكنها خاصة بهم ويستخدمون الحروف العربية، ولكنها تكتب بشكل أفضل بالحروف اللاتينية. وبهذا المعنى فهم مكون قومي شبكي وديني إسلامي بمذهبين شيعي جعفري متشابك مع الطريقة البكتاشية، وسني شافعي.
يذكر السيد يوسف محرم إلى أن " للشبك عادات وتقاليد خاصة متميزة من حيث إقامة الاعياد و المناسبات الدينية والاعراس، وممارسة باقي التقاليد الاجتماعية... لأقلية الشبك زي خاص تراثي فلكلوري ذات قيمة تاريخية خاصة بهم. يوجد في مناطق الشبك مزارات ومقامات دينية مقدسة مثل مقام الامام زين العابدين ع ومقام امام الرضا وامام العباسية ومرقد قلورش ومزارات دينية اخرى."4 من هنا فهم يرفضون محاولات جعلهم جزءاً من القومية الكردية، كما يرفضون الادعاء بكونم جزءاً من القومية التركية، إضافة إلى إنهم يرفضون الادعاء لكونهم من القومية الفارسية أو جاءوا مع الصقويين إلى العرق، كما إنهم قاوموا محاولات تعريبهم من جانب النظام البعثي، بالرغم من أن جوازاتهم وهوياتهم الشخصية ما تزال تحمل الأسماء أو الألقاب العربية التي فرضت عليهم. يشير تقرير كتبه يوسف محرم بشأن أوضاعهم بالعراق إلى ما يلي:
"مع تعاقب الحكومات في العراق أستمر مسلسل تهميش الشبك حتى سيطرة حزب البعث على الحكم بالعراق، حيث استخدم النظام سياسة التعريب ضد الشبك ومسخ هويتهم ومحاولة إنهاء وجودهم بشكل نهائي في العراق واجبارهم على التسجيل في الهويات الشخصية بأنهم عرب والانتساب الى القبائل العربية. ولم يكتف بسياسة التعريب في محاولة انهاء وجود الشبك فحسب، بل قام النظام بين عامي 1987 و1988 بعمليات أنفال ضد عائلات الشبك في منطقة سهل نينوى، وذلك بهدم منازلهم وقراهم واعتبارهم تبعية إيرانية وليسوا عراقيين. كما تم اعتقال الكثير من الشخصيات الشبكية المعروفة ومن رجال الاعمال لأسباب طائفية، وإجبار رجال الدين الشبك على تطبيق منهاج البعث في ممارسة الطقوس الدينية."4 تشير المعلومات المتوفرة إلى إن الشبك يستوطنون 56-72 قرية وناحية ومدينة تقع في شرقي الموصل وعلى الجانب الشرقي من نهر دجلة وتتبع إلى أربعة أقضية هي: قرقوش، والموصل وتلكيف، والحمدانية. قدَّرت سلطات الاحتلال البريطاني نفوس الشبك في العام 1925 بـ 10000 نسمة، وبلغ نفوسهم على وفق إحصاء العام 1977 بحوالي 80000 نسمة.5 كما قدر في العام 2002 بحدود ربع مليون نسمة.
عاش الشبك أوضاعاً طبيعية في العهد الملكي حيث اعترف بهم النظام السياسي حينذاك في كونهم يشكلون قومية بذاتها هي القومية الشبكية، وأنهم يتبعون مذهبين الشيعي والسني. يتحدث الشبك عن حالتين في أوضاعهم بالموصل في العهد الملكي:
أولاً: علاقات تعايش سلمي متميز وتعاون وتضامن وحسن جوار بعيدا عن أي شكل من أشكال العنف أو استخدام السلاح بين المكونات القاطنة في سهل نينوى، وهم المسيحيون والإيزيديون والتركمان والشبك.
ثانياً: علاقات تمييز وتهميش من جانب إدارة الموصل وأهل الموصل السنة، باعتبارهم شيعة روافض: فكان التعامل يجري عملياً على النحو التالي: أهل الموصل السنة درجة أولى، العائلات المسيحية درجة ثانية والعائلات الإيزيدية درجة ثالثة، والشبك درجة رابعة. وكانوا يعانون من العزلة وعدم التعامل الاقتصادي معهم.
أما في فترة البعث الثانية فقد تعرضوا لعملية تعريب صارخة. لقد أصدر النظام أوامر تقضي بتسجيل العراقيين في شمال العراق أما عرباً أو كرداً، فسجل عدد يتراوح بين 300-400 شخص كأكراد، وسجل بقية الشبك كعرب. وأعطيت لهم في التسجيل ألقاباً عربية أو حورت أسماؤهم. مثال على ذلك يوسف محرم سلمان البو حيْو، أصبح يوسف محرم سلمان النعيمي، في حين أنه من عائلة شبك معروفة في أوساط الشبك.
أما الذين سجلوا بأنهم كرد، وهم من قرى الشبك، فقد أصبحوا ضمن الفرسان (الجحوش)، وهجَّروا من مناطقهم إلى دشت حرير بإقليم كردستان، حيث أقيم لهم حينذاك مجمع سكني. وعلى العموم فقد عاشوا في هذه الفترة تحت وطأة التمييز المشدد، نورد هنا على سبيل المثال لا الحصر ما كانوا يعانون منه في محافظة نينوى. 
** النظرة الدونية للشبك باعتبارهم روافض وعدم التعامل الاقتصادي من باب التعالي، ** منع الزواج معهم، والابتعاد عن إقامة علاقات اجتماعية معهم، ** عدم السماح لهم بالعمل في الإدارة أو في الأمن أو التعليم، ** وجود تحفظ على الشبك عموماً من منطلق خاطئ أنهم جاءوا مع الغزاة وساهموا في الحملات التي تعرضت لها الموصل!! ** وقد أدى هذا إلى انغلاق الشبكيين على أنفسهم ومحاولة العيش في اكتفاء ذاتي من خلال نشاطهم الاقتصادي في قطاعي الزراعة ورعي الماشية. ويشير السيد يوسف محرم إلى هذا الموقف بما يلي:
"كانت النظرة التي تجعل الآخر في مرتبة أدنى اجتماعيا موجودة في البيئة الموصلية التي عشت فيها، فقد كان المجتمع الموصلي ينظر نظرة دونية إلى الإيزيدي والشبكي وفي بعض الأحيان إلى الكردي أيضاً". وبعدها بدأت مظاهر التمييز تنتقل إلى المجتمع الكردي بوصفه مجتمعا أكبر، فأخذ الشبكيون يواجهون هذا التمييز في المحيط الكردي بعد أن كانوا يعانون منه في محيطهم العربي."6
بعد سقوط الدكتاتورية البعثية استبشر الشبك خيراً، وتمنوا أن تنتهي أيام التمييز والعزلة والحرمان. وقد بدأ فعلاً بعض الانفراج. إلا إن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، إذ في أعقاب تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء، بدـأت حملة ظالمة ضد الشبك بالموصل وسهل نينوى، وبدأ القتل على هوية الشبك باعتبارهم شيعة روافض وبكتاشية. وتم قتل أكثر من 1500 إنسان من الشبك الذكور وبعض النساء بين 2005-2014، أي حتى اجتياح الموصل من تنظيمات القاعدة وداعش التي كانت لها مواقع قوية بالموصل ودور كبير في تصفية الكثير من الناس. كما حصلت عملية تهجير واسعة بلغ عدد الذين هجروا 1200 نسمة من الشبك من مدينة الموصل ومن أيسر الموصل، أي من أحياء نينوى الشرقية والميثاق والتأميم والبكر وأربچیة والوحدة. كما تعرض الإيزيديون إلى قتل واسع بالموصل وفي المناطق التابعة لمحافظة نينوى في ذات الفترة. ولكن الشبك تعرضوا لمعاملة سلبية من جانب الأحزاب الكردستانية، إذ يشير التقرير الذي أمتلك نسخة منه إلى ما يلي: 
"مارست الاحزاب الكردية وبأخص منها الحزب الديمقراطي الكردستاني وكذلك الاتحاد الوطني الكردستاني أبشع انواع سياسات إذابة هوية الشبك من خلال سياسة التكريد وفرض الهوية الكردية على الشبك والضغط على أبناء الشبك من خلال حملات الاعتقال والتهديد والترهيب. كما أن قسماً من الأحزاب الكردية فتح مقرات حزبية له داخل قرى الشبك واجبارهم على الانتماء للحزب الديمقراطي الكردستاني، وكذلك تغيير ديمغرافية مناطق الشبك من خلال توطين عوائل كردية في مناطق الشبك ومنع الشبك من بيع وشراء وحرية التصرف بممتلكاتهم وفرض عليهم اللغة الكردية والتدخل في حياتهم الاجتماعية والتدخل في مناسبات الشبك الدينية وافتتاح مراكز ثقافية تابعة لحزب الديمقراطي الكردستاني من اجل مسخ ثقافة الشبك وتكريدها، إضافة إلى منع الشبك من حق التمثيل السياسي من خلال السيطرة على كوتا الشبك في مجلس النواب العراقي."8 أما بعد اجتياح داعش للموصل وسهل نينوى ابتداء من حزيران 2014 فقد وقعت أبشع الكوارث والمآسي وعمليات الإبادة الجماعية بالمكونات الدينية والقومية بالموصل ومحافظة نينوى ولاسيما ضد المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان الشيعة من أهالي تلعفر. يشير التقرير السابق ذكره إلى أوضاع الشبك تحت الهيمنة الداعشية إلى ما يلي:
"بعد احداث 10. 6. 2014 وسيطرة تنظيم داعش الارهابي على مدينة الموصل وقبل دخوله منطقة سهل نينوى سيطر التنظيم على ما يقارب 9 قرى من أقلية الشبك وهي تقع على الحدود بلدية مدينة الموصل، حيث ارتكب التنظيم أعمالاً إرهابية فيها من قتل وخطف. فقد ذبح تنظيم داعش الإرهابي في قرية "سادة بعويزه"، التي تقع شمال شرق مدينة الموصل، أكثر من 4 عوائل من الشبك بجميع أفرادها واختطف أكثر من 50 شاباً وشيخاً من قرية "عمر كان" الشبكية، التي تقع جنوب شرق مدينة الموصل، ومصيرهم مجهول لحد الآن. كما قام باختطاف العشرات من الشبان من أهالي قرية "بازوايا" وقرية "كوجلي" وتم قتلهم جميعاً. وبسبب انسحاب قوات البيشمركة الكردية من منطقة سهل نينوى وسيطرة داعش على مناطق وقرى أقلية الشبك في سهل نينوى، نفذ الدواعش تهجير جميع المواطنين والمواطنات الذين ينتمون الى اقلية الشبك ويقدر عددهم بحدود 350 ألف نسمة اي ما يعادل 20 % من اجمالي سكان مدينة الموصل. وكذلك نفذ تنظيم داعش عمليات اختطاف لأكثر من 300 شخص من أقلية الشبك، قسم منهم وضع في سجن بادوش والذي كان تحت سيطرة تنظيم داعش الإرهابي، وقسم اخر في سجون مدينة الرقة السورية. عثر في الفترة الماضية على ثلاث مقابر جماعية تتكون كل مقبرة على مجموعة كبيرة من المدنيين من أقلية الشبك في منطقة "الحاوي" وقضاء "سنجار" وناحية "الگوير". لم يقف سلسلة جرائم تنظيم داعش الارهابي الى هذا الحد، بل قام بتفجير جميع المقامات الدينية والمواقع الاثرية الخاصة بأقلية الشبك في قرية "علي رش" وقرية "تيس خراب" وقرية "العباسية" وقرية "بازوايا" و"خزنة تبة" و"منارة شبك"، كما قامت بتفجير المواقع الاثرية في قرية "طبرق زيارة". نشر تنظيم داعش الارهابي وعلى صفحات التواصل الاجتماعي بتاريخ 19.3.2015 صور يصف بها كيفية تفجير الحسينيات والمراقد والمراكز الدينية الخاصة بأقلية الشبك، وقدر ذلك بأكثر من 8 مواقع. بعد تهجير جميع المدنيين من أقلية الشبك الى محافظات وسط وجنوب العراق وإقليم كردستان يعاني المدنيون من أقلية الشبك أصعب الظروف المعيشية وقلق مع انعدام الامن وانعدام الرعاية الصحية والتعليم، وكذلك تفشي الكثير من الأمراض بين الأطفال والنساء وكبار السن مع ارتفاع عدد الوفيات، كلها بسبب سوء الظروف المعيشية وارتفاع مستوى الأمية والبطالة بين المواطنين والمواطنات، ووصل الإرهاب إلى حد الإبادة الجماعية ضدهم، حسب المعايير والقانون الدولي للإبادة الجماعية."9
المصادر والهوامش
  أنظر: سعد سلوم، مائة وهم عن الأقليات الدينية في العراق، مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، بيروت-بغداد، 2015.
2 أنظر: زهير كاظم عبود، الشبك، سلسلة كتب سرمد، ط أولى، السليمانية، إقليم كردستان العراق. 2006م.
3 أنظر: رشيد الخيون د.، الأديان والمذاهب في العراق: ماضيها وحاضرها، مركز المسبار، دبي، 2016.
4 تقرير خاص ليوسف محرم موجود في أرشيف د. كاظم حبيب).
5 المصدر السابق نفسه.
6 قارن: ديوان أوقاف الأديان المسيحية والإيزيدية والصابئة المندائية، العراق نصرت مردان 4 كانون الأول/ 2010).
7 في لقاء خاص مع السيد محرم بتاريخ 26/03/2018، الساعة 14 بعد الظهر، ك. حبيب.
8 تقرير خاص ليوسف محرم موجود في أرشيف د. كاظم حبيب.   
9 المصدر السابق نفسه.


27
كاظم حبيب
لم ينته توزيع الأدوار بين المرجعية وأحزاب الإسلام السياسي الطائفية!!
ما كان للنظام السياسي الطائفي أن يتكرس بالعراق لولا العوامل التالية:
1.   الطريقة التي تم بها إسقاط الدكتاتورية الغاشمة والقوى التي شاركت فيها والعواقب الوخيمة التي نشأت عنها من تدمير شامل للبنية التحتية ومؤسسات الدولة العراقية وفرض الاحتلال الدولي على العراق وفتح الباب أمام القوى الإرهابية للإسلام السياسي بالولوج إلى العراق ونقل المعركة معها إليه.
2.   الدور الذي لعبته المرجعية الشيعية في التعجيل بوضع الدستور وإجراء الانتخابات العامة في ظل الاحتلال، ودستور أعرج ومشوه، وبداية صارخة لإقامة نظام سياسي طائفي محاصصي مقيت، بدعم مباشر وتنسيق صارخ مع المحتل، مما أسهم بدعم جهود المحتل في توزيع السلطة مبكراً على أسس طائفية محاصصية مناهضة لمبدأ الوطن والمواطنة.
3.   التدخل السياسي المباشر الذي لعبته إيران ليس في دعم القوى والأحزاب السياسية الطائفية لتكريس حكم الطائفة فحسب، بل وفي تشكيل الميليشيات الطائفية المسلحة وتمويلها وتسليحها وتنفيذ برامج مدمرة لتنفيذ عمليات إرهابية ضد أتباع الديانات الأخرى وتنشيط الصراع الطائفي والاختطاف والقتل، وكذلك القتل على الهوية، وزيادة عدد القنوات التلفزيونية الدعائية الخاصة الممولة من إيران لتكريس الطائفية والوجود الأمني والمليشي والاقتصادي والاجتماعي والمذهبي الإيراني بالعراق. وقد وجد هذا الوضع تأييداً واضحاً من المرجعية الشيعية بالنجف، إضافة إلى دورة حوزة قم بذلك.
4.   الدور غير العقلاني للقوى السياسية الكردية في الابتعاد عن التعاون وتنسيق العمل والعلاقة مع القوى الديمقراطية العربية وغيرها العربة بالبلاد، والمساومة الفظة مع القوى الإسلامية الطائفية بدعوى مظلومية الكرد والشيعة، ومع النظام السياسي الطائفي، للحصول على مكاسب آنية معينة، ولكن كانت لها عواقب وحصيلة مأساوية على الكرد خضوصاً وعلى الشعب العراقي عموماً. وقد كان كل ذلك متوقعاً. أضافة إلى إغراق المحافظات الكردستانية بالقوى والنشاط الإيراني والتركي في آن واحد والأسواق بسلع البلدين ومقاولاتهم في البناء والمشاريع الخدمية الأخرى.
5.   الضعف الواضح والمساومة المضرة التي أبدتها القوى المدنية والديمقراطية وبعض القوى اليسارية في السكوت عما يجري بالبلاد، إلى حد قيام البعض بتقديم أكاليل الزهور لشخص وحكومة نوري المالكي ووزراءه، ومداراة الوضع بما ساعد على تكريس القوى والنهج الطائفي بالبلاد. كما إن التحرك المدني ضد الطائفية السياسية ونظامها السياسي واستبدادها الفكري وفسادها بدأ متأخراً، مع نهوض وانفجار ما أطلق علي بـ "الربيع العربي"، واستمراره حتى الآن.
6.   ولا شك في أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي وتشوه البنيتين الاقتصادية والاجتماعية (الطبقية) بالعراق، وكذلك تشوه وتخلف الوعي المنبثق عنهما قد ساعدا على قبول المحتالين والفاسدين والسطحيين والطارئين والرثين ف السلطة واستمرار هيمنتهم عليها حتى الآن. وقد عجزت القوى المدنية والديمقراطية واليسارية عن الاستفادة من ضعف وأخطاء وبشاعة ما حصل بالعراق بفعل وجود هذه القوى السياسية المتخلفة على رأس السلطة والنظام السياسي بالعراق. ولم تكن عملية التنوير الفكري والسياسي سهلة بل معقدة جداً، بسبب القدرات المالية والإعلامية التي وجدت السند والدعم والتأييد من جانب المؤسسات والمرجعيات الدينية والمحتلين الأجانب والمتدخلين الأفظاظ في الشن العراق، ولاسيما إيران، ومن ثم السعودية وتركيا ودول الخليج.
  لم يكن تدخل المرجعيات الشيعية والمؤسسات الدينية السنية بالحياة السياسية العراقية مقبولاً، بل كان وما يزال مضراً وألحق أفدح الأضرار بقضية الشعب العراقي والدولة العراقية. وكان هناك منذ البدء توزيع الأدوار فيما بينها وما يزال هذا مستمراً. وما الرسالة الأخيرة التي أُعدت باسم المرجع الديني السيد على السيستاني والتي قرأها عبد المهدي الكربلائي بتاريخ 04/05/2018، سوى تأكيد فعلي وحقيقي ليس بشأن التدخل المستمر منذ 14 عاماً في السياسة العراقية ومن أوسع أبوابها فحسب، بل وبتأييد مستمر واستثنائي لقوى الإسلام السياسي الشيعية الحاكمة الفاسدة وحليفتها السنية الفاسدة أيضاً، التي ألحقت الدمار الشامل ووفرت مستلزمات اجتياح داعش للمحافظات الغربية ومحافظة نينوى واحتلاله وممارسة السبي والاغتصاب والنزوح والتهجير والقتل والفساد والإرهاب والبؤس والفاقة بالبلاد. إن الرسالة الأخيرة تعلن عن مواصلتها التدخل غير المشروع الذي يرفضه الدستور بالشأن العراقي.
حتى الآن، ورغم انتهاء مهمة تحرير الموصل، ما يزال السيستاني الذي دعا للجهاد الكفائي وأسس للحشد الشعبي، لم يطلب حل الحشد العشبي وإنهاء دوره، بل تركه يشكل أحزاباً سياسية ذات نهج ووجهة إيرانية صرفة، ليدخل معها الانتخابات لصالح إيران. إنها البشاعة بعينها، سواء اعترفت المرجعية بها أم لم تعترف، وكذا المؤسسات الدينية السنية وأحزابها السياسية الطائفية والفاسدة.
إن من واجب كل إنسان غيور على وطنه وشعبه أن يفضح هذه الأدوار ولا يسكت عنها ولا يسمح ببقاء هؤلاء بالسلطة وعبر الانتخابات، لأنهم سيمارسون السياسة ذاتها ولكن بصورة أبشع من السابق. أتمنى على الناخبين أن يصوتوا لمن لم تلطخ يديه بدماء العراقيات والعراقيين ولم تلوث يديه وجيوبه بالفساد والمال الحرام!
 

28
د. كاظم حبيب
محن وكوارث المندائيين في وطنهم العراق
إلى أحبتنا، أخواتنا وأخوتنا المندائيين، مواطناتنا ومواطنينا في الوطن المستباح بالطائفية والفساد والإرهاب، إلى من عانوا من ظلم الحكام وجمهرة من شيوخ الدين المسلمين العرب وغير العرب أثناء الحكم العثماني والفارسي وقبلهما وبعدهما بالعراق حتى الوقت الحاضر، إلى الشهداء الذين سقطوا لعقيدتهم الدينية أو لأفكارهم ومواقفهم السياسية الوطنية والديمقراطية، إلى من أجُبروا على ترك أرض وطنهم ومياههم، مياه دجلة والفرات، والمندي، إلى من يحنون دوماً للعودة إلى أرض الأجداد، إلى الأرض التي ساهموا بحراثتها وزراعتها والصناعة الفضية التي مهروا حرفتها وأبدعوا فيها، إلى أولئك الأبطال الذين رغم كل ذلك استمروا صامدين على أرض الوطن لأنهم ملحها ونور دنيانا، اليكم يا من أنتم بالوطن أو بالمهجر، هذه اللوحة المكثفة عن دوركم وواقعكم والمحن التي كابدتم منها والكوارث التي عشتم تحت وطأتها وعانيتم منها، يا من تمارسون دوركم في الخلاص من النظام السياسي الطائفي وقوى الفساد والإرهاب وتعملون من أجل بناء عراق ديمقراطي علماني لا تمييز فيه على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو الفكر الإنساني الحر!!   

المندائيون يشكلون جزءاً أصيلاً من سكان وداي الرافدين، ميزوبوتاميا، منذ أن بزغت الحضارة السومرية على هذه الأرض الطيبة، وهم لا زالوا بالعراق وسيبقون فيه، رغم الكوارث والمحن المستمرة التي تعرضوا لها عبر تاريخهم الطويل، ورغم التهجير القسري الذي لم يتوقف حتى الآن. وقد لعبوا وما زالوا يلعبون دوراً حيوياً ومهماً في الحياة الفكرية والروحية العراقية. وبهذا الصدد يشير الكاتب الفقيد عزيز سباهي إلى ما يلي: "لعب الصابئة، رغم كونهم طائفة دينية صغيرة، دوراً ملحوظاً في تطور الحياة الروحية والفكرية في بلاد ما بين النهرين خلال ظهور المسيحية وانتشارها أو بعد ظهور الإسلام، ولاسيما بعد ازدهار الحضارة العربية-الإسلامية أيام العباسيين، ولمعت من بينهم شخصيات علمية أسهمت بقسط وافر في إعلاء شأن الحضارة العربية-الإسلامية. ولكنهم بعد تدهور هذه الحضارة، والغزو المغولي، والفتح العثماني من بعد، وتعرضهم إلى الاضطهاد في العهود المختلفة، انكمشوا على أنفسهم في القرى المنتشرة عند البطائح الممتدة من جنوب نهر الفرات حتى نهر كارون في جنوب غرب إيران، ..".1
يختلف الباحثون حول أصل الدين المندائي. إلا أن الكثير من الدراسات المقارنة المهمة لأبرز الباحثين الذين بحثوا في الدين المندائي تشير إلى أن هذا الدين رافديني الأصل، إذ أن هناك روابط أو وشائج قوية بين الدين المندائي والدين السومري العراقي القديم. وهنا يبدو لي بأن من المجدي حقاً أن نفكر بالاتجاهين التاليين، وهما:
أ‌.   هل إن السومريين، كمجموعة بشرية، كانوا مجاورين للمندائيين، كمجموعة بشرية أخرى، في جنوب العراق، وبالتالي كانت المجموعتان متأثرتين بأصول دينية ذات جذر واحد مع تباين في تفاصيل الدين.
ب‌.   أم إن المندائيين هم الاستمرار لما تبقي من السومريين، وبالتالي فأن دينهم يتطلق من جذر واحد، ولكنه، كأي دين آخر، عرف بعض التحولات والتغيرات عبر القرون اللاحقة، ولاسيما في مجال تعدد الآلهة في الدين السومري، في حين تسود وحدانية الحي العظيم في الدين المندائي، وتحول الآلهة المتعددة في الديانة السومرية إلى ملائكة (إثري) في الدين المندائي تخوض ذات الصراعات التي كانت تخوضها في الدين السومري أو البابلي بشكل عام، إضافة الى تميز الدين المندائي بالغنوصية (المعرفية).
في أغلب دراسات الباحثين تجري المقارنة بين الدينين ولا تنطلق من احتمال كونهم كمجموعة بشرية من أصل واحد. ولكن الباحث عزيز سباهي أثار في بحثه القيم تساؤلاً مشروعاً بهذا الصدد، حيث كتب ما يلي: "يثار هنا تساؤل مشروع. هل كان المندائيون قد تأثروا بشكل مباشر بأفكار الجماعات البابلية التي كانت تجاورهم، أو أن يكونوا هم ذاتهم من بقايا البابليين وطوروا معتقداتهم من خلال تفاعلهم مع الجماعات اليهودية والفارسية وغيرها التي كانت تعيش بجوارهم، أو أن يكونوا من الجماعات الآرامية التي تطورت أفكارها كثمرة للتفاعلات المختلفة، أو أن يكونوا جماعة صغيرة هاجرت إلى جنوب العرق من الغرب وهي تحمل فكراً غنّوصياً فطورته بتأثير الفكر البابلي والفارسي محولة إياه إلى تيار غنّوصي ذي مزايا شرقية خاصة؟" 2مع إنه لا يقطع بأي من هذه الاحتمالات، إلا إنه يميل، وأنا معه في ذلك، واستناداً إلى تراثهم الأدبي في مختلف المراحل إنهم من جنوب العراق.3
إن تتبع الكثير من الدراسات والكتب الصادرة عن باحثين مختصين بالشأن المندائي، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب هنري أوستن لايارد الموسوم "نينوى وما تبقى"4، وكتاب الباحثة المختصة الليدي دراور الموسوم "الصابئة المندائيون"، وكتابها الثاني الموسوم "أساطير وحكايات صابئية"5، وكتاب مارك ليدزبارسكي الموسوم "كتاب يوحنا عن المندائيين6، ثم كتاب عزيز سباهي الموسوم "أصول الصابئة (المندائيين) ومعتقداتهم الدينية"7، وكتاب خزعل الماجدي الموسوم "جذور الديانة المندائية"8، التي تعتبر دراسات جادة ومهمة أجرت مقارنة بين الدين السومري والدين المندائي، وهي تشير إلى التماثل الكبير في الجواهر الإلهية الثلاثة التي برزها الباحث خزعل الماجدي: جوهر الماء وجوهر النور وجوهر الظلام9، إضافة إلى التقارب الكبير في المندي، وتراتبية الكهنة، ومراسيم دفن الموتى والطقوس الدينية، ورمز الديانة الدرفش أو (الراية)، مع الأساس الفلسفي لهذا الدين وجوهره ومدى تأثير الغنّوصية العرفانية أو المعرفية عليه لاحقاً. إضافة إلى الأساطير والحكايات الشعبية. وتجدر هنا الإشارة إلى تركيز الباحث عزيز سباهي أولاً ومن ثم الباحث خزعل الماجدي على مسألة أساسية في الدينين هي التماثل الكبير في أسطورة الخلق أو الكون. كتب عزيز سباهي في كتابه القيم بهذا الصدد ما يلي:
"1. إن كلا الأسطورتين تقرّان بوجود عالمين من البداية.: عالم الظلام، العالم الأسفل، تسكنه كائنات معينة (تي آمت وأبسو) والوحوش الأخرى في البابلية (والروها وكاف وأور وكرون والوحوش الأخرى في المندائية من جهة،. .. وعالم النور، عالم السماء، العالم العلوي من جهة أخرى. إن أهمية هذه المسألة تكمن في كون الأسطورة البابلية (ذات الأصل السومري) قد أشارت بوضوح تام إلى هذا التناقض منذ البداية. وبالتالي فهي أصل القول بعالمي الظلام والنور وليست المعتقدات الفارسية. إن الفرس هم الذين استقوا هذا المعتقد من بابل وطوروه من بعد إلى صراع بين أهريمان وأهورا مازدا، وبالتالي فأن المندائيين يأخذون معتقدهم في الظلام والنور من البابليين مباشرة وليس من خلال الفرس كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين..." 10 وهنا يمكن أن ترد الملاحظة التالية: يقول عزيز سباهي إن المندائيين يأخذون معتقدهم من البابليين مباشرة وليس من الفرس، ولكن الوقائع التاريخية تشير وتؤكد إلى أن المندائيين هم بابليون أيضاً، أي أنهم جزء من الحضارة البابلية ومعتقداتها، وإن معتقداتهم هي جزء عضوي من معتقدات البابليين، مع الأخذ بالاعتبار تطورها والإضافات الي حصلت على الديانة المندائية.
"2. كلا الأسطورتين تقومان على أساس أن تمرداً ما يحدث في عالم الظلام ضد عالم النور، وأن عالم النور يعمد إل قمعه فتتم بعدها عملية الخلق. وكلاهما يصف الاستعدادات التي يتخذها كلا الطرفين استعداداً للصدام.
3. كلاهما يختار شاباً لقمع التمرد ويمنح كل الوسائل الضرورية لاكتساب قوة جبارة يستطيع بها أن يحقق النصر على قوى عالم الظلام ...
4. وفي الأسطورتين يبدو الإنسان مزيجاً من عنصرين: أرضي، طين الأرض، وما ينشأ عنه من خلق وطباع وغرائز مستمدة من العالم الأسفل، عالم الشر، وسماي: مرة يبدو في صورة دم إلهي، وتارة في صورة نفس سماوية، وما يرتبط بها من عقل ومعرفة وحكمة."     
وفي ضوء ذلك، هناك من الدلائل ما يؤكد أصلهم الرافديني البابلي العراقي، رغم وجود بعض الآراء التي ترى أن أصل وجودهم متوسطي شامي مصري، وبعضهم الآخر يرى كونه فارسي وهندي الديانة. إذ جاء في الكاتب الموسوم "جذور الديانة المندائية للكاتب الدكتور خزعل الماجدي بهذا الصدد ما يلي: إلا أننا نرى ان أصول الديانة الصابئية المندائية تمتد بجذورها راسخة في أرض العراق القديم، وتحديداً أرض سومر.. حيث نرى ان الدين الصابئي المندائي هو ما تبقى من الدين السومري (الذي طواه الزمن منذ زمن بعيد) .. ولكنه أصبح مغلفاً بالكثير من الأديان التي أتت من داخل أو خارج العراق القديم". ثم يؤكد ذلك مباشرة بقوله: "إن الدين المندائي دين توحيدي شأنه في ذلك شأن الديانات الموحدة المعروفة ولكن عمقه الروحي والتاريخي ضارب في الجذور القديمة لأقدم ديانات وادي الرافدين."11
تعتبر الديانة المندائية أقدم الأديان التوحيدية التي يطلق عليها المسلمون بالديانات الكتابية (المندائية والمجوسية واليهودية والمسيحية والإسلام)، وكتابهم المقدس "كنزا ربا" إضافة إلى كتب دينية عديدة أخرى، منها على سبيل المثال لا الحصر نشير إلى "دراشة اديهيا"، و "ديوان أباثر"، وديوان "حران كويثا". والدين المندائي مغلق غير تبشيري، وغير معروف تماما ما إذا كان منذ البدء غير تبشيري، أم حصل هذا لاحقاً بسبب المضايقات والاضطهاد والقمع الذي تعرض له المندائيون، إذ إن الأديان من حيث المبدأ تبشيرية عموماً، وبالتالي، فأتباع هذا الدين لا ينافسون أتباع الأديان الأخرى في دينهم، ولا يسعون إلى كسب أتباع الأديان الأخرى لدينهم. دين الصائبة المندائيين، وبخلاف الكثير من الأديان، فالدين المندائي مسالم، يدعو إلى المعرفة، بحكم غنوصيته، وليس لهذا الدين من نبي أو مؤسس محدد، كما في الأديان الكتابية الأخرى، وهو أمر إيجابي، فاتباع هذا الدين، الناس، كلهم هم الذين مارسوا هذا الدين ووضعوا طقوسه وسجلوا تراتيله. كتب الشيخ الترميذة علاء النشمي إجابة عن سؤال من هو مؤسس الدين، ما يلي: "إن الديانة المندائية تختلف عن باقي الأديان، بكونها ليس لديها مؤسس بشري .. أن المندائية ببساطة هي شرعة الحياة الفطرية (شرشا اد هيي) التي عرفها والتزم بها آدم أبو البشر (أول إنسان عاقل) .. فقد ورد في ك/ي، عندما أمر الخالق العظيم، رسول الحياة والنور (هيبل زيوا) (أ.س) بما يلي: ((اذهب، ناد بصوتك آدم وامرأته حواء وجميع ذريتهم بصوت عال ناديهم واجمعهم وخذ على نفسك أن تعلمهم كل شيء. أعطهم دروسا عن ملك النور السامي ذو القوة الواسعة العظيمة دونما حد أو عدد وعرفهم بعوالم النور الأبدية))، وأيضا ورد في ك/ي ((لقن آدم وزوجته العلم والمعرفة)). فهذا الأمر من الخالق العظيم لملاكه الطاهر، بان يعلم آدم وزوجته حواء (العلم والمعرفة).. فهذه المعرفة هي المندائية، ويقصد بها معرفة وجود الرب الحي العظيم. فالمندائية امتداد لشريعة عوالم النور (عوالم الله).. فهي تعني المعرفة.. ويقصد بها معرفة الرب وتوحيده، الحي العظيم (هيي ربي) مسبح اسمه، وتنظيم الصلة ما بين رب الأكوان والإنسان، وهذا هو أهم شيء وجوهر الدين المندائي.. وأول من عرف، وكان مندائي بسبب معرفته، هو آدم (مبارك اسمه).. المندائية هي معرفة الحياة وهي ليست وليدة عصر، وإنما وليدة كل العصور."12 من هذا يمكن القول بأن الدين المندائي يقترن بأدم ونوح وسام وشيت وبعدد آخر من المصلحين (الأنبياء) الذين ذكروا في القرآن أيضاً، ولاسيما إبراهيم ويحيى وزكريا، بالتالي فهم يحترمون جميع "أنبياء" الأديان الأخرى.
رغم هذا التوضيح، اختلف الكهنة وشيوخ الدين من جميع الأديان الأخرى بشأن المندائيين. ويعود هذا إلى حد ما إلى الانغلاق المندائي على الذات من جانب شيوخ الدين المندائيين ومنذ القدم، باعتباره ديناً باطنياً لا يجوز كشف أسراره. ونشأ عن ذلك، إضافة إلى عوامل أخرى لا دخل للمندائيين فيها، ومنها محاولة احتوائهم وإدخالهم في دين الآخرين، كما لحقت بهم إساءات كثيرة وتفسيرات خاطئة، وتعرضوا إلى محن وكوارث كثيرة عبر تاريخهم الطويل.
فعلى سبيل المثال لا الحصر جاء في كتاب (حران كويثا) (حران السفلى) ( Inner Harran ) ، وهو أحد الكتب الدينية الذي يتحدث عن تأريخ الصابئة المندائيين، إلى تعرضهم في القرن الميلادي الأول وفي بداية الدعوة المسيحية الى الإرهاب والمجازر وحملة إبادة جماعية للمندائيين في مدينة أورشليم سنة 70م التي كان يسيطر عليها الحكم الروماني حيث تمت إبادة آلاف المندائيين ومن بينهم 360 رجل دين مندائي وكانت هذه المذبحة العامل الأساسي في هجرتهم الأولى من اورشليم والعودة الى موطنهم الاصلي في وادي الرافدين ووقف التبشير بالدين المندائي مما أثر على أعدادهم لاحقا".13 يمكن هنا العودة إلى مواعظ وتعاليم (دراشة أديهيا) ليحيى بن زكريا الذي يشير فيه إلى العلاقة مع اليهود حينذاك.14
كما كتبت الليدي إي. أس. دراوور في كتابها (الصابئة المندائيون) عن الإبادة التي تعرض لها المندائيون في القرن الرابع عشر في مدينة العمارة حين كان السلطان محسن بن مهدي حاكما عليها، وكان ابنه فياض حاكما على شوشتر حيث تعرض بعض العرب على امرأة مندائية لغرض اغتصابها وعلى أثر ذلك أعلنت الحرب على المندائيين فتم قتل رجال الدين والرجال والنساء والاطفال وبقيت الطائفة بلا رجال دين لعدة سنين.15 بالنسبة للمسلمين، من حيث المبدأ، يفترض أن يأخذوا بما جاء في القرآن بشأن المندائيين، إذ اعتبرهم أهل كتاب، وبالتالي فلا يجوز الإساءة لهم أو قتلهم بأي حال. فهل تصرفوا باستمرار على هذا الأساس؟ واقع الحال يشير إلى غير ذلك! فقد تصرف الكثير من الحكام وشيوخ الدين المسلمين بخلاف ذلك، ونقلوا موقفهم أحياناً كثيرة إلى أوساط المسلمين، مما أدى إلى تعرضهم للكثير من الكوارث والمحن على امتداد تاريخهم في ظل الدول ذات الأكثرية المسلمة.
فالواقع يشير إلى أن شيوخ المسلمين لم يختلفوا عن كهنة وشيوخ بقية الأديان الكتابية بشأن الديانة المندائية وأتباعها. فمنهم من رأى ضرورة فرض الجزية عليهم باعتبارهم من الذميين وأهل كتاب، ومنهم من رأى أنهم كفارا يجب قتلهم. كتب د. رشيد الخيون في كتابه الموسوم "الأديان والمذاهب بالعراق" في الجزء الأول منه بهذا الصدد ما يلي: " إن الجهل في تاريخ هذا الدين، بسبب باطنيته جعل الطبري ينقل عن المفسر عبد الرزاق الصنَّعاني (ت 211ه) عن سفيان الثَّوري (ت 161ه) "الصابئون قوم بين اليهود والمجوس ليس لهم دين).16 ومثل هذا التقدير ليس خطأً فادحاً فحسب، بل يعرض أتباع هذه الديانة إلى خطر القتل على ايدي المسلمين. كتب الخيون بصواب ما يلي: لا نعتقد أن في الشرق منبع الأديان، هناك قوماً لا دين لهم. ومن يطلع على كتاب "كنزا ربا" وترجمات كتب المندائيين الأُخر مثل "ديوان أباثر" ورسوم الأفلاك، والكائنات النورانية قد يعذر الزمخشري (ت 538ه) على الشطر الأخير من عبارته التالية: "قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة".17 التفسيرات الخاطئة وبعيداً عن معرفة الدين وأصوله وطقوسه كان سبباً في الكثير من الاجتهادات الخطيرة التي عرضت أتباع الديانة المندائية إلى الكثير من الكوارث والمحن. فعلى سبيل المثال لا الحصر صدرت فتاوى تعتبرهم مشركين، وبالتالي يحل على المسلمين قتلهم، منها مثلاً ما أفتى به محتسب بغداد والقاضي والفقيه الشافعي ابي سعيد الحسن بن يزيد الإصطخري (ت328هـ) أيام القاهر العباسي، روى الخطيب البغدادي (ت 463ه) في سياق ترجمة الإصطخري: أفتاه بقتلهم، لأنه تبين له أنهم يخالفون اليهود والنصارى، وأنهم يعبدون الكواكب، فعزم الخليفة على ذلك، حتى جمع بينهم مالاً كثيراً له قدر فكف عنهم."18
تؤكد جميع المصادر التي تحت تصرفي إلى العراق وإيران هما موطنا المندائيين. كتب الباحثان نعيم بدوي وغضبان الرومي في مقدمة كتاب الليدي دراوور الموسوم "الصابئة المندائيون" الذي قاما بترجمته ما يلي: "حول ضفتي الرافدين وبخاصة في المناطق السفلى من النهرين فيما يسمونه البطائح منهما حيث يصب النهران العظيمان مياههما في الأهوار وحيث يلتقيان في مدينة القورنة قبل أن يفرغا مياههما في الخليج العربي، وفي بطائح عربستان من بلاد إيران حول نهر كارون الذي يصب هو أيضاً مياهه في الخليج ذاته، في تلك الأصقاع عاش ولا يزال يعيش بقايا طائفة يطلق عليها الصابئين أو الصابئة أو الصبة وتطلق هي على نفسها اسم (المندايي). وكان الصابئون المندايي هؤلاء يقطنون تلك الأصقاع حين فتحت الجيوش الإسلامية بلاد الساسانيين وكانوا بأعداد كبيرة تكفي لأن يذكرهم القرآن الكريم باعتبارهم ديناً كتابياً ويمنحهم الحماية ويسميهم (الصابئين)، هذه التسمية التي لا يزالون يُعرفون بها اليوم والتي تضمن لهم وجودهم وعيشهم بين المسلمين كدين كتابي متسامح معه." 19 لغة المندائيين هي الآرامية- المندائية، وهم آراميون.
سنحاول فيما يلي أن نتطرق إلى واقع المندائيين بالعراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى الآن.   
أشرنا سابقاً إلى أن المندائيين يتسمون بخصائص إنسانية كالرغبة الجامحة في السلام والمحبة والتعاون والتضامن والابتعاد عن الصراعات وحب العراق، باعتباره وطن الآباء ولأجداد الذي شاركوا في بناء حضارته على امتداد تاريخ العراق بكل صمت وتواضع، وهم من محبي العلم والمعرفة. ومن هنا انطلقت تلك الحكمة المندائية التي تقول "ويل لعالم غير منفتح على غيره، وجاهل منغلق على نفسه". جنبهم هذه المواقف الكثير من المصاعب والآلام، رغم بروز مواقف غير ودية من جانب الحكام في فترات مختلفة من تاريخ العراق. وفي العراق الحديث، حيث وضع الدستور والقوانين ونظم العمل الحديثة، ابتعد المشرع العراقي عن ذكر أتباع الديانة المندائية في الدستور أو في القوانين والأنظمة، كما حصل بالنسبة لليهود والمسيحيين، وأهمل الجانب الشرعي في ديانات الآخرين في أحين أهمل ذلك في ديانة المندائيين، وبشكل خاص موضوع الزواج والطلاق والوراثة والزواج بغير المندائي ...الخ.
كما تجلى أيضاً في اعتبارهم يعبدون النجوم والكواكب في بعض كتب التعليم المدرسية والتي تتنافى مع موقفهم التوحيدي والذي لا يختلفون به عن المسلمين في موقفهم من الإله الخالق. كتب الكاتب العراقي المندائي يقول: "فقد جاء بإحدى الكتب التدريسية لمادة (الدين) لجميع مدارس العراق للصف الثاني متوسط، والذي عرف بموجبه الصابئة بانهم قوم يعبدون الكواكب والنجوم، وبهذا تكون الدولة طرفا بالموضوع، وقد ساهمت بتثقيف الشباب وتحريضهم على ممارسة العنف والقتل اتجاه أفراد هذه الطائفة، بشكل غير مباشر باعتبارهم ملحدين كفرة، رغم أن وزارة الاوقاف والشؤون الدينية على إطلاع تام بمحتوى كتب الصابئة الدينية، التي قام بترجمتها الى اللغة العربية أساتذة وعلماء من الجامعات العراقية، وبإشراف الوزارة نفسها وباقي دوائر الدولة المعنية بما فيهم صدام حسين نفسه. وبمعنى آخر أن الدولة أباحت جريمة قتل أبناء هذه الطائفة عمدا مع سبق الاصرار مع الاسف الشديد. وهناك وقائع مادية وأمور سلبية أخرى عديدة مدونة بشكل رسمي أمام القضاء لا يسمح المجال لطرحها جميعها الان." 20 وإذا كان هذا الأمر قد أساء لهم كثيراً خلال الفترات المنصرمة وقبل إسقاط دكتاتورية البعث وإقامة النظام السياسي الطائفي على أنقاضه من جانب الحكومات العراقية المتعاقبة، فأن الدستور العراقي الجديد قد جاء على ذكر المندائيين مرة واحدة في الفقرة ثانياً من المادة الثانية، إذ نصت:
"ثانياً: يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والإيزيديين، والصابئة المندائيين."21
"كما إن البطاقة التموينية الجديدة قد تضمنت ما يسيء إلى المندائيين على وفق ما جاء في بيان لرئاسة الطائفة، نرفق هنا نصه:

 
راجع: مجلس شؤون الصابئة المندائيين العام في العراق، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

وفي الواقع العملي لا يتمتع الصابئة المندائيون بأي حرية فعلية، لأنهم يعيشون في تهديد دائم من قبل قوى الإسلام السياسي المتطرفة، كم إن الحكومة لا توفر لهم أي وضع أمن، بل ربما بعض القوى الحاكم ترتاح لهجرة بقية المندائيين من العراق، تماماً كما هو الموقف من بقية أتباع الأديان والمذاهب الأخرى ومنهم المسيحيون. فقد تعرض المندائيون بالعراق، سواء أكان في موطنهم الأصلي جنوب العراق، أم ببغداد، إلى شتى صنوف الاضطهاد والمطاردة والتشريد والقتل والتهجير، إضافة إلى سلب دورهم ومحلات عملهم وما فيها من جانب المليشيات الطائفية المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية بشكل خاص في مناطق الجنوب وبغداد، إضافة إلى التنظيمات الإرهابية السنية، كالقاعدة وداعش أو غيرها.   
ليست لدينا معلومات تفصيلية عن عدد السكان المندائيين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. وأول المعلومات المتوفرة تعود إلى الإحصاء الرسمي لعامي 1957 و1965، إذ لم يذكر عن أتباع الديانة المندائية قبل ذاك بشكل مستقل عن بعض الأديان الأخرى، بل كان أتباع الديانة المندائية يدمجون مع الإيزيديين وأتباع ديانات أخرى، وتذكر تحت باب "آخرون".
والجدول التالي يشير إلى عدد نفوس المندائيين في هاتين السنتين 12957 و1965:         
المنطقة    السنة   عدد سكان الصابئة المندائيين بالعراق في عامي 1957 و1965   نسبة المندائيين إلى نسبة السكان العراق والمناطق%
العراق
العراق   1957
1965   11.825             
14.262                 0,03%
0,18%
المحافظات الشمالية
المحافظات الشمالية   1957
1965   359
305   3,0
2,1
المحافظات الوسطى
المحافظات الوسطى   1957
1965   5.421
7.492   45,1
52,5
ومنها بغداد
ومنها بغداد   1957
1965   3.768
6.271   31,9
43,9
المحافظات الجنوبية
المحافظات الجنوبية   1957
965   6.305
6.465   52,2
45,3
      المصدر: د. فاضل الأنصاري، مشكلة السكان، مصدر سابق، ص 31 و32.

ورغم هجرة جمهرة غير قليلة من المندائيين إلى خارج العراق في فترة حكم البعث، بسبب مواقف المعارضة من استبداد النظام وبطشه ومن ملاحقة أجهزة الأمن لهم وابتزازهم، فأن عدد السكان الصابئة قد قدر بـ 70000 نسمة في نهاية عام 2002 وبداية 2003. وتشير آخر المعطيات المتوفرة إلى إن عدد المندائيين بالعراق لا يزيد عن عدد يتراوح بين 7000 - 10000 نسمة، ونسبة مهمة من هذا العدد تعيش بإقليم كردستان، ولاسيما أربيل حيث بنوا معبدهم المسمى "المندي". وبهذا يكون عدد المهجرين قسراً يصل إلى رقم خيالي بالنسبة للأقلية الدينية السكانية المندائية، إذ بلغ بحدود 60000 نسمة أو ما يعادل 85% من المندائيين. وهم يعيشون اليوم بأوروبا، ولاسيما بالسويد والولايات المتحدة وكندا وأستراليا والأردن، حيث تعتبر الدولة الأردنية موقع العبور لهم إلى دول العالم الأخرى. إنها جرائم بشعة تلك التي ارتكبت بحق الأفراد والعائلات المندائية خلال الفترة الواقعة بين 2003-2016، إذ بلغ عدد القتلى على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة والإرهابية بـ 193 شهيداً. 22 ولا بد من الإشارة إلى أن الجرائم ضد المندائيين ما تزال ترتكب حتى الآن بهدف إشاعة الرعب في صفوفه ودفعهم للهجرة من وطنهم والسيطرة على أملاكهم، إنها جريمة مستمرة ولم يوضع لها حد حتى الآن.   


المصادر
  أنظر: عزيز سباهي، أصول المندائية (المندائيين) ومعتقداتهم الدينية، دار المدى للثقافة والنشر، منشورات المدى، دراسات 18، ط 1، دمشق -1996.

2 أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 77/78.
3 المصدر السابق نفسه.
4 Henry Austin Layard, Ninevah and its Remains, John Murry, London1849.
5 أنظر: الليدي دارور، الصابئة المندائيون، ترجمة نعيم بدوي وغضبان الرومي، دار المدى للثقافة والنشر، ط 2، بغداد 2006.
أنظر أيضاً: الليدي دراور، أساطير وحكايات شعبية، ترجمة نعيم بدوي وغضبان الرومي، دار هيفي، أربيل، ط 2، 2009. 
6 Siehe: Mark Lidzbarski, Das Johannesbuch der Mandäer, Verlag von Alfred Töpelmann, Giesen 1915.
7 أنظر: عزيز سباهي، أصول المندائية (المندائيين) ومعتقداتهم الدينية، مصدر سابق.
8 أنظر: خزعل الماجدي، جذور الديانة المندائية مطبعة صفاء حسين الناصر، بغداد، 1997.
9 أنظر، خزعل الماجدي، جذور الديانة المندائية، مصدر سابق، ص 10-22.
10 أنظر: عزيز سباهي، أصول الصابئة .. ، مصدر سابق، ص 76.
11 أنظر: خزعل الماجدي، جذور الديانة المندائية، مطبعة صفاء حسين الناصر، ط 1، 1997. ص 1.
12 أنظر: الشيخ الترميذة علاء النشمي، أسئلة وأجوبة عن الديانة المندائية على موقع الهوية الآرامية، أخذ المقتطف بتاريخ 21/03/2018.
13 أنظر: فائز الحيدر، الصابئة المندائيون والإرهاب عبر التأريخ، موقع اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر، 7 شباط/فبراير 20139.
14 أنظر" يحيى بن زكريا، دراشة أديهيا، مواعظ وتعاليم، بغداد، الطبعة الأولى، 2001م.
15 أنظر: الليدي دراوور، الصابئة المندائيون/ مصدر سابق.
16 أنظر: رشيد الخيون، د.، الأديان والمذاهب بالعراق، مصدر سابق، ص 115.
17 أنظر: المصدر السابق نفسه.
18 أنظر: المصدر السابق نفسه ص 116/117.
19 أنظر: الليدي دراوور، الصابئة المندائيون، ترجمة نعيم بدوي وغضبان الرومي، دار المدى للثقافة والنشر، بغداد، 2006، ص 7.
20 أنظر: عربي فرحان الخميسي، المركز القانوني للصابئة المندائيين في العراق، الجمعية المندائية في المهجر، بتاريخ 21 نيسان/أبريل 2013.
21. الدستور العراقي لسنة 2005.
22 أنظر: التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان في العراق لعام 2016 الصادر عن الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية. 



29
كاظم حبيب
المشاركة في الانتخابات خطوة على طريق تغيير النظام الطائفي بالعراق
الانتخابات هي معركة واحدة من معارك النضال بالعراق، وليست خاتمة المطاف، من أجل تغيير النظام السياسي الطائفي المحاصصي الفاسد حتى النخاع، ومن الواقع المزري الرَّث الذي يعيش تحت وطأته شعب العراق. الانتخابات هي جزء من عملية نضالية معقدة وطويلة ولكنها ضرورية جداً، باعتبارها خطوة هامة على طريق، طال أم قصر، سيصل بالعراق إلى نتيجته المرجوة في التغيير الجذري وفي إزاحة الطائفية السياسية والحفنة الفاسدة الحاكمة من الحكم، إنها الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية التي مزقت وحدة الشعب العراقي وسعت إلى تدمير نسيجه الوطني، وفرطت بأتباع الديانات والمذاهب الأخرى، وعمقت الصراعات والنزاعات القومية والدينية والمذهبية، وتسببت بموت مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين، وأكملت ما عجزت عن تحقيقه الدكتاتورية البعثية والصدامية الجائرة بالعراق ووحدة نضاله الوطني.
إن هدف المشاركة في الانتخابات ليس الحصول على عدد من المقاعد النيابية من جانب القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية، زاد أو قل هذا العدد، فحسب، بل وبالأساس خوض معركة فكرية وسياسية ضد الوضع القائم، خوض معركة فضح القوى التي حكمت العراق طيلة الأعوام المنصرمة وقادت البلاد إلى الموت والنزوح والهجرة والخراب والسبي والاغتصاب للنساء وبيعهن في سوق النخاسة الإسلامي السياسي وخطف الأطفال، وخنق العراق بمزيد من الديون الخارجية والمزيد من البطالة والجوع والحرمان للغالبية العظمى من بنات وأبناء العراق. إنها معركة يجب أن نخوضها بكل ما أوتينا من قوة لصالح مرشحي الحزب الشيوعي العراقي والقوى الديمقراطية والمدنية العراقية، وكل من يطرح بإخلاص ونزاهة برنامجه الانتخابي الوطني والمدني الديمقراطي، ولا يكون كالحرباء يبدل جلده كلما وجد غنيمة جديدة، أو من برهن على إن وجوده في الحكم وحوله كان من أهم وارأس الأسباب التي قادت البلاد إلى الحضيض الذي فيه الشعب حالياً، ملايين من النازحين، وملايين أخرى من المهاجرين، ونصف المجتمع يعاني من الفقر ونسبة عالية جداً من البطالة، ونسبة أعلى من البطالة المقنعة، وأحزان دائمة وعطل دينية عن العمل لا مثيل لها في جميع بلدان العالم، والتي تقود إلى المزيد من التخلف والفاقة المالية والاجتماعية. يجب أن نناضل من أجل منع هؤلاء النهابة والمرتزقة من دخول مجلس النواب العراقي وحكم البلاد.
إن معركة الانتخابات هي معركة واحدة من مجموعة معارك نضالية سلمية تخوضها القوى الديمقراطية والمدنية وكل من يؤمن بفصل الدين عن الدولة والسياسة، والعمل من أجل بناء دولة ديمقراطية حديثة وعلمانية، ومجتمع مدني ديمقراطي تُحترم فيه الهويات الفرعية، ولكنها لا تشكل أساس المواطنة، بل المواطنة العراقية المتساوية أمام القانون والمشتركة في السراء والضراء، هي أساس وحدة العراق وتقدمه وتطوره وازدهار حياة شعبه، فأتباع كل القوميات والديانات والمذاهب يشتركون في هذه الهوية العراقية مع كل الاحترام والاهتمام الهويات الفرعية.
إن الدعوة لمقاطعة الانتخابات حق مشروع لكل إنسان أو مجموعة أو حزب أو منظمة، ولكن السؤال الأساسي هو: لمن تخدم الدعوة لمقاطعة الانتخابات؟ إنها، وكما أرى، سوف تخدم الأحزاب والقوى الحاكمة الفاسدة التي ما تزال تقود البلاد من كارثة إلى أخرى. فهل هاذ ما يريده الداعون إلى مقاطعة الانتخابات؟ لا شك بأن بعضهم، في أحسن الأحوال، يعتقد بان هذا الموقف يخدم فضح النظام! ولكن هذا غير كاف وغير واف بأي حال، بل إن المقاطعة ستقود إلى عكس ذلك، إلى مجيء السيئين والفاسدين إلى هذا المجلس، ولهذا أرى ضرورة المشاركة في الانتخابات لعزل القوى والأحزاب الإسلامية السياسية التي حكمت العراق 15 عاماً وفرطت بـ 800 مليار دولار من أموال النفط العراقي ورفعت من مديونية العراق الخارجية وخلفت الدمار والرثاثة والبؤس، واخضعت البلاد في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية إلى الشروط غير الإنسانية وغير النافعة في وصفة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وصفة التثبيت والتكيف الاقتصادي في الاقتصاد العراقي، على غرار ما يجري بمصر حالياً. يجب أن نمنع عبر برامجنا الوطنية والديمقراطية وصول هؤلاء إلى مجلس النواب ومن ثم حكم البلاد.
إن من واجب الوطنيين والمدنيين والديمقراطيين العلمانيين المشاركة في الانتخابات لانتخاب العناصر والقوى والقوائم النظيفة والنزيهة والمخلصة للعراق والتي لم تتلطخ أيديها بدماء العراقيات والعراقيين، ولا مدّت أيديها بالنهب والسلب في جيوب العراقيات والعراقيين لسرقة لقمة العيش من أفواه اليتامى والأرامل والكادحين من شعبنا المكابد، ولا نهبت خزينة الدولة والنفط الخام وكل ما يمكن أن ينهب من هذا الوطن المستباح بالطائفية والفساد والإرهاب. لننتخب من وقفوا إلى جانب الشعب، وهم منه وإليه، منذ 84 عاماً وهم يناضلون بلا هوادة مع القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية الأخرى من أجل إقامة الوطن الحر والشعب السعيد، إنه الشعار الذي يمكن أن تلتقي عنده اقوى الساعية إلى إنقاذ هذا الوطن من شرور من يريد الشر لهذا الشعب والوطن، سواء من هم بالداخل أو من القوى الخارجية والدول الطامعة بالعراق وخيراته!             

30
د. كاظم حبيب
كوارث ومحن الإيزيديات والإيزيديين (دسنايا) بالعراق

إلى أحبتنا وأخوتنا الإيزيديين والإيزيديات، إلى مواطناتنا ومواطنينا، إليكم يا من عانيتم من ظلم وعدوان وحقد وكراهية الحكام المسلمين وجلاوزتهم بالعراق وغير العراق، يا من تحملتم الكوارث وحملات الإبادة الجماعية في ظل الدولة العثمانية والدولة العراقية، يا من صبرتم على الضيم والبلوى وقاومتم الاستبداد والاضطهاد والتمييز الديني، ويا من برهنتم أنكم أبناء هذا العراق وبناة حضارته القديمة والحديثة، إليكم يا من تحملتم قسوة الإرهابيين التكفيريين من الدواعش وغيرهم وممن يحاول فرض دينه عليكم ومن الحكام الذين لا يستحون ولم يقدموا حتى الآن الاعتذار لكم، رغم المطالبة، لما مارسته دولهم وحكوماتهم السابقة والراهنة بحقكم، اليكم في عيدكم النيساني، رغم كل الكوارث والمحن، هذه الورقة المتواضعة لتعبر عن التضامن الإنساني لما تحملتموه من مصائب وكوارث ومحن وإبادة جماعية، من دماء ودموع، إليكم تحية وألف تحية وأطيب التمنيات، والعمل من أجل عراق آخر غير العراق الطائفي المحاصصي الفاسد والإرهابي والمريض الراهن، عراق ديمقراطي علماني حديث!!!     

يعود تاريخ الديانة الإيزيدية (دسنايا) بالعراق إلى الفترة التي برزت في هذه المنقطة من العالم مجموعة من الأديان التي وضعتها شعوب المنطقة أو تبنتها، منها: المندائية، والزرفانية، والمثرائية، والمانوية والمزدكية والزرادشتية، أي في الفترة التي سبقت وجود العرب في المنطقة وقبل أو أثناء دخول اليهودية إلى بلاد ما بين النهرين، وقبل دخل الديانتين المسيحية والإسلام إليها. وقد تبنت واحدة من المجموعات السكانية في هذه المنطقة من العالم (إيران، العراق، سوريا، وتركيا، ومناطق أخرى) الدين الإيزيدي. ويشار إلى إن الإيزيديين يشكلون جزءاً من الشعوب الهندو-آرية، كالفرس والكرد، وغالبيتهم يتحدثون بالكردية، في حين إيزيدية بعشيقة وسوريا يتحدثون العربية، ويجيدون الكردية أيضاً. ينتشر العراقيون الإيزيديون في مدن عديدة منها: الشيخان وبعشيقة وبحزاني ومنطقة سنجار وباعذرة، كما إن مجاميع أخرى تعيش في سُمّيل وزمّار.
والإيزيدية من الأديان الطبيعية والموحدة، وكان اسمهم القديم دسنايا1، ولها مزار رئيسي واحد يأمه إيزيديو العالم ويقع في لالش وعلى مقربة من عين سفني، مركز قضاء الشيخان، الذي يبعد 40 كم عن دهوك و60 كم عن الموصل. ويمكن أن نجد للديانة الإيزيدية صلة ما في الفترة السومرية بالعراق وما بعدها، ويتجلى في عدد من المسائل بما في ذلك يوم الأربعاء الذي يعتبر يوم العطلة أو العيد الإيزيدي. 
تعرض الإيزيديون على امتداد تاريخ وجودهم بالعراق، ولاسيما منذ الفتح الإسلامي لهذه المنطقة من العالم، ولاسيما في ظل الإمبراطورات العربية والعثمانية، إلى الكثير من المضايقات والاضطهاد والقتل والتهجير. لقد نفذت مجازر كثيرة بحقهم دون أن يرتكبوا جرماً يستوجب مثل هذه الجرائم البشعة التي تعرضوا لها، سوى إصرارهم على التمسك بدينهم غير التبشيري. والسبب في هذا الموقف العدائي من الإيزيديين يكمن في النهج الخاطئ والخطير ضد الأديان الأخرى وأتباعها عموماً من جهة، وضد الإيزيديين بشكل خاص من جهة أخرى لاعتبارين: 
1- اعتبارهم من الكافرين وعبدة إبليس. ومثل هذه الفتوى تفرض على المسلمين منازلتهم وإخضاعهم للإسلام حتى لو تم ذلك بشن الحرب وممارسة الاضطهاد بحقهم؛
2- اعتبارهم يشكلون واحدة من تلك الفرق الإسلامية الخارجة على أسس وقواعد الإسلام أو مرتدة عنه، والتي يحل دم أفرادها على المسلمين، أو توبتهم وعودتهم إلى الإسلام. وقد اتهموا مرة بأنهم من أتباع يزيد بن معاوية، وأخرى كونهم من الخوارج أو الأباضية، ومرة ثالثة على أنهم من الشيعة الرافضة.
وأولى تلك الفتاوى التي صدرت بهذا الصدد، كما يشير إلى ذلك المؤرخون، كانت في القرن التاسع الميلادي أو الثالث للهجرة ونسبت إلى الإمام محمد بن حنبل والإمام أبى الليث السمرقندي.2
كتب الباحث العراقي صباح كنجي بهذا الصدد وبصواب يقول:
"والتاريخ يتحدث عن جرائم بشعة ارتكبها الولاة والسلاطين والحكام المسلمون بحق الإيزيدية في سنجار وبعشيقة وبحزاني والشيخان وغيرها حيث قامت تلك الجيوش بالهجوم على قراهم ومدنهم والحقت بهم الدمار والخراب وقد حللت الفتاوي الإسلامية سبي نساؤهم وقتل شيوخهم واطفالهم ونهب ممتلكاتهم. واهم الفتاوي التي صدرت من قبل شيوخ وائمة المسلمين التي اباحت قتلهم هي فتاوي الامام احمد بن حنبل في القرن التاسع الميلادي والامام ابي الليث السمرقندي والمسعودي والعمادي و عبدالله الربتكي التوفي في عام1159 والمتواجدة في مكتبة السليمانية وهي مهدات الى نعيم بك بابان ولم تقتصر الحملات العسكرية على الأتراك المسلمين فقط حيث يحدثنا التاريخ القريب عن حملة الامير الكردي الاعور (الأمير محمد الرواندوزي) الذي ارتكب ابشع الجرائم بحق الإيزيدية في عام1832 . وجميع هذه الحملات كانت تبحث عن ذرائع واسباب واهية لكي تنطلق الجيوش المعبئة بالحقد والكراهية لتقوم بدورها في القصاص من الأبرياء (الكفار) ولتنشر الإسلام في المناطق التي استعصت عليهم وهكذا كرر التاريخ نفسه لأكثر من مرة وبنفس المحتوى ضد الإيزيديين والأرمن والسريان والكلدان وبقية الأديان بما فيهم اليهود والمسيحيين." 3
لقد جاء في نص "الفتوى الدينية!" الصادرة عن الشيخ عبد الله الربتكي المتوفي سنة 1159 هجرية الموجودة في المكتبة السليمانية، المهداة من نعيم بك آل بابان إلى إسماعيل حقي بك الأزميري. ما يلي: "إعلم أنهم متفقون على أباطيل من عقائد وتأويل كلها مما يوجب الكفر العتيد والضلال العنيد. فمنها أنهم ينكرون القرآن والشرع ويزعمون أنه كذب وأن مثل هذيانات الشيخ فخر هي المعتمد عليها والتي يجب أن يتمسك بها ولهذا يعادون علماء الدين ويبغضونهم بل إن ظفروا بهم يقتلونهم بأشنع قتل… ولا خفاء في أن هذه المذكورات كلها مما يوجب أشنع الكفر وأقبحه فهم إذن كفرة أصلية كما نقل عن بعض كتب المذهب ونسب إلى أصل المذهب فانه نقل عن كتاب المتفق والمختلف إن الظاهر من مذهب مالك أنه إذا ظهر أحكام الكفر في بلدة تصير دار حرب وهو مذهب الشافعي وأحمد (رض) واتفقوا على أموالهم. … قال في الأنوار: "توبة المرتد وإسلام الكافر أن يشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويتبرأ من كل دين يخالف الإسلام ويرجع من كل اعتقاد هو كفر" هذا معلوم لو أجبروا وأكرهوا وأوعدوا بكل مكروه لم يتبرأوا عن معتقدهم في آدي ويزيد ولالش وغير ذلك من شيوخهم، ومنه رأيهم على أنهم زنادقة وتوبة الزنديق لا تقبل في وجه. (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم) الآية".4
وجاء في كتاب أبن الفوطي الموسوم ب "الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المئة السابعة" بأن بدر الدين لؤلؤ قام في عام 1254 م 652 هجرية، أي قبل غزو المغول لبغداد بأربع سنوات، بنبش قبر الشيخ آدي بن مسافر وأخرج جثمانه وأحرق عظامه. 5
يشير المؤرخ عباس العزاوي في كتابه "تاريخ اليزيدية وأصل معتقدهم" نقلا عن كتاب تقي الدين أحمد بن علي المقريزي الموسوم " السلوك لمعرفة دول الملوك" إلى حملة الإبادة التي تعرض لها الإيزيديون في عام 1414 م 817 هجرية بما يلي: "في هذه السنة قد حُرق قبر الشيخ آدي الكائن في حكار من بلاد الكُرد. قد تجمع هؤلاء على قبره وقد سموا بالعدوية فاتخذوه قبلة لهم. وهم كثيرون … وصار يتهافت الناس لزيارته. وهؤلاء عقبوا سلوك هذا الشيخ. وصار محل اعتمادهم واحترامهم …ولما تجاوزوا الحد… قام عليهم جلال الدين محمد بن عز الدين يوسف الحلواني من الشافعية، من فقهاء إيران فأغرى الأمراء بالقيام عليهم ودعاهم لمحاربتهم. وأجاب دعوته كل من حاكم جزيرة أبن عمر (أمير عز الدين البختي) وجماعة من الكُرد السندية مع حاكم قرية شرانش وأمير توكل الكُردي. وأيضا أرسل حاكم حصن كيفا جيشا لمساعدتهم وكذا التحق بهم أمير شمس الدين محمد الجردقلي. بهذه القوة العظيمة هاجموا جبل هكار وقتلوا الكثير من أتباع الشيخ آدي، وقد أسر جماعة من أتباع الشيخ آدي ممن يسمى (بالصحبتية) ثم جاؤا إلى قبر الشيخ آدي لأجل هدمه فوصلوا قرية شرالق (وفي الكتب الأخرى يسمى لالش أو ليلش) فهدموا قبته وحفروا القبر فأخرجوا عظامه وأحرقوها بمرأى من القوى الصحبتية وقالوا لهم انظروا عظام من تدعون ألوهيته كيف تحترق ولا يستطيع أن يمنعنا واغتنموا غنائم كثيرة. ولما عادوا عن النهب اجتمع الصحبتية وعمروا القبة من جديد وعادوا إلى ما كانوا عليه من عاداتهم القديمة".6
 لم تكن مثل هذه الفتاوى والإعمال المخزية سوى تعميقاً للخلافات وإساءة متعمدة وخطيرة ودعوة المسلمين لقتل أتباع الديانة الإيزيدية وحرمانهم من حقهم المشروع في أن تكون لهم طقوسهم وشعائرهم الدينية وتقاليدهم وقبور أوليائهم الصالحين يقومون بزيارتها والتبرك بها، كما يفعل أتباع الكثير من الأديان والمعتقدات في العالم منذ آلاف السنين.
لقد تعرض الإيزيديون في فترة الحكم العثماني إلى عشرات المجازر الدموية التي صدرت على ضوء الفرمانات التي أصدرها شيوخ الإسلام في ظل الدولة العثمانية المنافية لكل ما هو إنساني نبيل. وقاد ذلك إلى موت نسبة عالية من بنات وأبناء أتباع الديانة الإيزيدية، أو تحول بعضهم قسراً إلى الدين الإسلامي، أو هروبهم إلى خارج حدود الدولة العثمانية.7
يشير الكاتب العراقي أمين فرحان جيجو في كتابه الموسوم " القومية الإيزيدية جذورها – مقوماتها – معاناتها " إلى الأسباب الكامنة وراء هذا الموقف العدواني لبعض الأطراف ضد أتباع الديانة الإيزيدية، إضافة إلى ما ذكر سابقاً، إلى ما يلي:
١ – الحصول على الغنائم والممتلكات الإيزيدية .
٢ – اجتثاث الامتداد التاريخي والحضاري السومري البابلي للشعب الإيزيدي .
٣ – محو اللغة الإيزيدية.
٤ – اجتثاث الديانة الإيزيدية التي هي امتداد للديانة البابلية .
٥ – القضاء على المعالم الحضارية والتاريخية والتراثية للشعب الإيزيدي .
٦ – الاستحواذ على المناطق والجغرافية الإيزيدية بأكملها .
٧ – استغلال الطاقات البشرية من الإيزيديين الذين يقعون تحت رحمة الغازين لمهنة العبيد وتجنيدهم في صفوف الجيوش الغازية .
٨ – سلب الأطفال واختطاف النساء .
٩ – القضاء على الشعب الإيزيدي بهدف عدم تنامي قدراته البشرية والجغرافية والفكرية والإدارية."8
لقد قادت هذه الهمجية الفكرية والسياسية والاجتماعية إلى ارتكاب جرام بشعة بحق الإيزيديين على امتداد تاريخ الدولة العباسية والعثمانية، وكذلك في الدولة العراقية الحديثة ابتداءً من عام 1935 حين رفض الإيزيديون، ارتباطاً بتعاليم دينهم، التجنيد الإجباري في الجيش العراقي، وخاضت قوات الشرطة معركة ضدهم أدت إلى قتل عدد كبير منهم وجرح الكثير إضافة إلى اعتقال 244 شخصاً منهم وإيداعهم السجن. كما تعرض الإيزيديون إلى مجزرة أخرى وقعت ضمن حملات الإبادة الجماعية ضد شعب كردستان والكرد في العام 1988 حيث استشهد منهم في هذه الحملات 193 شخصاً من النساء والرجال والأطفال.9 وفي فترة الجمهورية الرابعة (البعثية) فقد ارتكب النظام البعثي الكثير من الجرائم البشعة بحق الإيزيديين بما في ذلك التعريب، أي تسجيلهم عرباً قسراً. وقد سعى الزميل صباح كنجي على جمع معلومات مهمة حول ما حصل لهم في فترة الحكم الدكتاتوري البعثي حيث ورد ما يلي:
"وفي عام 1975 إثر انهيار الحركة الكردية المسلحة شمل التغيير والتهجير أكثر من 300 قرية ومدينة في سنجار بالإضافة الى تهجيرهم من مركز القضاء وتدمير محلة البرج وبقية بيوتهم بالكامل وتم اجبارهم على السكن في مجمعات سنجار القسرية الـ 12 التي منحت اسماء عروبية وإسلامية:
اولا : مجمعات الشمال: 1ـ  خانه صورـ  مجمع التـأميم، 2ـ  سنوني ـ مركز ناحية الشمال، 3ـ  دو كري ـ مجمع حطين، 4ـ  دهولي ـ مجمع القادسية، 5ـ  بورك ـ مجمع اليرموك، 6ـ   كوهبل ـ مجمع الاندلس، 7ـ   زورافا ـ مجمع العروبة،
ثانيا: مجمعات القبلة ـ  جنوب جبل سنجار: 1ـ  سيبا سيخ خدرـ  مجمع الجزيرة، 2 ـ كر عزير ـ تل عزيرـ  مجمع القحطانية، 3ـ  كر زه رك ـ مجمع العدنانية، 4ـ  تل قصب ـ  مجمع البعـــث، 5ـ تل بنات  ثالثاً: ـ  مجمع الوليــد   
كما تم تهجير الكثير من الإيزيديين من أهالي سنجار ايضا إلى منطقة باعذرة ومجمع خانك في دهوك .. كذلك جرى تهجير المتواجدين منهم في مناطق زاخو وغالبيتهم من عشيرة الهويرية الى مجمع خانك ومنطقة سينا وشيخ خدر وشاريا .. والقرى المهجرة من ضفاف نهر دجلة بسبب ملابسات الثورة الكردية ومشروع بناء السد في منطقة الدنانية هي :1ـ زينافا، 2ـ كبرتو، 3ـ ديربون، 4ـ بيبزن، 5ـ زينية، 6ـ خيرافا، 7ـ كمونة، 8ـ قسر يزدين، 9ـ سوركا، 10، ـ مام شفان، 11ـ جه م بركات، 12ـ كوتبة، 13ـ ربيبي، 14ـ مشكل.
وبعد ترحيل اهالي هذه القرى تم تجميعهم في مجمع (خانك) التابع لقضاء سُمّيل وأصبح نفوسه بحدود 30 ألف نسمة.. استقبل أكثر من 65 ألف لاجئ ومشرد من اهالي سنجار بعد اجتياحها من قبل الدواعش عام 2014. وفي العام ذاته 1975 .. جرى تهجير عدد آخر منهم من مناطق سهل نينوى والشيخان الى الفلوجة والحلة والناصرية وبقية المدن العربية في وسط وجنوب العراق.. ومن القرى المهجرة في منطقة الشيخان التي اجبر سكانها على تركها والسكن في مجمع مهت.. وتم اسكان القبائل العربية فيها عام 1975: 1ـ قرية مام رشان، 2ـ  مقبلي، 3ـ  محمودة، 4ـ جروانا، 5ـ  مهمد رشان.
وفي المرحلة الثالثة من عهد حكم البعث تم تهجير سكان العديد من قرى الإيزيدية في دشت سينا وجرى تجميعهم في مجمع شاريا والقرى والمدن المهدمة عام 1987 قبل الانفال والتي لا يتحدث عنها السياسيون والمؤرخون للأسف هي : 1ـ تدمير قرية سينا كاملة وتفجير بيوتها الإسمنتية ومن كان معهم من مهجرين سابقين من عشيرة الهويرية المرحلين من زاخو وكانوا يسكنون في بيوت طينية بين سينا وشيخ خدر..، 2ـ تدمير قرية شيخ خدر كاملة وتفجير بيوتها الإسمنتية، 3ـ تدمير قرية شاريا وتفجير بيوتها الاسمنتية، 4ـ تدمير قرية كله بدرة وتفجير بيوتها الاسمنتية، 5ـ تدمير قرية خرشني وتفجير بيوتها الاسمنتية، 6ـ دمير قرية ركافا وتفجير بيوتها الاسمنتية.
أما في محور الشيخان ـ القوش فقد تم تدمير القرى التالية في نفس الفترة أي في عام 1987 قبل الانفال أيضاً:
1ـ قرية كرسافة ونقلهم الى مجمع النصيرية وشيخكا، 2ـ قرية خورزان ونقلهم الى مجمع النصيرية وشيخكا،
3ـ قرية طفطيان ونقلهم الى مجمع النصيرية وشيخكا، 4ـ قرية بيوس العليا ـ ملا جبرا ودمج سكانها بسكان باعذرة،
وفي الانفال عام 1988 تم تغييب اكثر من 200 فرد إيزيدي من اهالي بحزاني وبعشيقة وسنجار وخورزان وبوزان وباعذرة وملجبرا والشيخان ومجمع خانك ودوغات وختارة..". 10 ما في فترة الجمهورية الخامسة، حيث أقيم النظام السياسي الطائفي، التي بدأت بعد إسقاط النظام الدكتاتوري العراقي في العام 2003،
 فقد تعرض الكثير من الإيزيديين إلى القتل على ايدي الميليشيات الإسلامية السياسية المسلحة من أتباع القاعدة في محافظة الموصل إذ نفذ بحق العمال الإيزيديين جرائم بشعة حقاً وبأعداد كبيرة، ولم يلقوا الحماية من حكام الموصل والدولة العراقية والحكم الطائفي السياسي بالعراق. كما جوبهوا بنهج تمييزي مدمر لكرامة الإنسان وعيشه بالعراق. كتب صباح كنجي ف إجابة عن سؤال حول أحوال الإيزيديين بعد سقوط النظام البعثي ما يلي:
"بعد سقوط نظام صدام حسين تعرض الإيزيديون الى هجمات المتطرفين الاسلاميين ومنعوا من العمل في بغداد والمحافظات الجنوبية وتم حرق محلاتهم ومن ثم جرت عمليات مستمرة لقتلهم وقد ذهب ضحية العمليات الاجرامية للإرهابيين اكثر من ( 400 ) فرد إيزيدي وهناك ايضا ميول لمقاطعة الإيزيديين وعدم التعامل معهم ولذلك انقطع الطلبة الإيزيديين عن الدراسة في جامعة الموصل وعدده حوالي ( 1600) طالب وطالبة في مختلف الاختصاصات كما هناك صعوبة في تسويق بضاعة الإيزيديين في مختلف مدن العراق بما فيها مدن كردستان رغم وجود حكومة علمانية بسبب الميول الاسلامية التي تتفشى بشكل يؤدي الى مقاطعة غير المسلمين، ويشمل هذا عدم التردد على عيادات الاطباء الإيزيديين ومقاطعة المنتوجات الزراعية والحيوانية والالبان والطرشي وغيرها من البضاعة التي كان يتاجر بها الإيزيديون".11
ثم كانت الطامة الكبرى باجتياح الموصل من قبل عصابات داعش المجرمة بعد انسحاب القوات المسلحة العراقية بشكل انهزامي وكذلك قوات البيشمركة من سنجار وغيرها في سهل نينوى والتي أدت إلى حصول كارثة إنسانية رهيبة ونفذ بحق الإيزيديين عمليات إبادة جماعية تجلت في نزوح عشرات الآلاف منهم من مناطق سكناهم إلى جبل سنجار ومنه إلى دهوك وأربيل وغيرها من مناطق العراق، وفي اعتقال الآلاف منهم وتعريضهم للقتل والسبي والاغتصاب والنهب والسلب. لقد كانت جريمة بشعة.
إذا كان تنظيم داعش الإرهابي قد وضع أمام المسيحيين واحداً من أربعة خيارات هي: 1) التحول صوب الإسلام والقبول بالختان للرجال؛ 2) دفع الجزية والخراج؛ 3) ترك البلاد بما على جلودهم من ملابس فقط؛ و4) قطع الرؤوس، إلا إنه لم يضع أمام الإيزيديين سوى خيارين أما 1) الدخول في الإسلام أو 2) قطع الرؤوس، أما نصيب النساء فكان السبي والبيع في سوق النخاسة الإسلامي والاغتصاب والقتل بمن فيهن البنات القاصرات، وكان نصيب الأطفال إدخالهم في الدين الإسلامي وتدريبهم على العنف وقتل من هم من ديانات أخرى. وقد مارسوا ذلك حقاً، إذ لم يدخل من الإيزيديين في الإسلام إلا بضعة أفراد سقطوا في أيديهم وفرض عليهم عنوة ومن رفض قتل فعلا بقطع رأسه.
إن المعلومات المتوفرة لدينا عما فعله القتلة الداعشيين تشير إلى ما يلي:
تعرض الإيزيديون الى أبشع جرائم العصر بسبب اقتحام تنظيم داعش الى قضاء سنجار في 3/آب/2015.. حيث تم سرقة وحرق (25) مجمعا تابعا لأبناء هذا المكون.. وحجز (1500) طفل، وزجهم في معسكرات خاصة لتدريبهم على العمليات الانتحارية والقتالية.. وحرق وسليب (25) مجمعا تابعا لأبناء المكون الإيزيدي.. وغادر (18) ألف منهم الى تركيا.

عدد النازحين من مناطق الإيزيديين
عدد النازحين   عدد القتلى   عدد المختطفات   عدد المفقودين   عدد الجرحى
430ألف   4541   5422   841   890
   المصدر: كاظم حبيب، الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة، دار نينوى، دمشق 2017.
   المزارات وأماكن عبادة الإيزيديين التي تم الاعتداء عليها وتدميرها من تنظيم داعش
1      شقسىَ باتىَ   مجمع بابيرة   13/8/2014
2      شيَخ بابك   مجمع بابيرة   13/8/2014
3      شيَخ مخفي   مجمع بابيرة   13/8/2014
4      ملك شيَخ سن   مجمع بابيرة   13/8/2014
5      ست حبيبة   بعشيقة وبحزانى   16/8/2014
6      ست خديجة   بعشيقة وبحزانى   16/8/2014
7      شيَخ حسن   بعشيقة وبحزانى   3/8/2014
8      شيَخو بكر   بعشيقة وبحزانى   16/8/2014
9      سجادين   بعشيقة وبحزانى   16/8/2014
10      شيَخ شمس   بعشيقة وبحزانى   16/8/2014
11      ملك ميران   بعشيقة وبحزانى   -
12      شيَخ بابك   بعشيقة وبحزانى   -
13      قبة ابو ريش   بعشيقة وبحزانى   -
14      شيَخ مندبال   سنجار   24/8/2014
15      ئيَزى   سنجار   22/8/2014
16      مزار ناسر دين   بعشيقة وبحزانى   16/10/2014
17      ئامادين   سنجار   20/10/2014
18      مزار الشيخ شرف الدين الشيخ عدي   سنجار   20/10/2014
19      مهمد رشان   سنجار   27/10/2014
    المصدر: كاظم حبيب، الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة، دار نينوى، دمشق 2017.

ويشير الباحث صباح كنجي إلى عواقب داعش الإجرامية بحق الإيزيديين إلى ما يلي:
"وفي مرحلة داعش تم اجتياح منطقة سنجار كاملة المكونة من مركز القضاء واربعة نواحي و12 تجمعاً، بالإضافة الى مدينتي بحزاني وبعشيقة في سهل نينوى.. وكانت نسبة التدمير في مركز قضاء الشيخان تتجاوز 95% من مجموع ما فيها من بيوت ومنازل ومنشآت ودوائر حكومية، كما ارتكبت أبشع الفظاعات.. وتم فرض الدين الاسلامي على من وقع في الاسر من الاطفال والنساء، وجرى استعبادهم، والتشنيع بهم، باعتبارهم كفار، كذلك جرى قتل واعدام الكثير منهم.. وفي بحزاني وبعشيقة تم تدمير البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية ونهب المعامل والمؤسسات، وحرق وتدمير بساتين الزيتون، إضافة الى وجود أسرى ومفقودين وقتلى ومسبيين من اهالي المدينتين.. وقد تسببت هذه الاوضاع في تفاقم الهجرة والتهجير.. حيث نشأت عدة مخيمات لهم في مناطق زاخو ودهوك وشاريا وباعذرة وايسيان، إضافة الى وجودهم وانتشارهم في المدن ابتداء من دهوك والعمادية وسرسنك واربيل والسليمانية..، مع اضطرار لجوء الاخرين الى سوريا وتركيا ومن ثم الهجرة إلى أوروبا.. ويقدر عدد المهاجرين الإيزيديين الى ألمانيا وبقية دول اللجوء بأكثر من 70 ألف مواطن ومواطنة لحد الآن منذ اجتياح داعش لسنجار في3/8/2014.. كما جرى استقدام اكثر 1500 من طفلة وفتاة وامرأة اسيرة ومغتصبة الى المانيا للعلاج النفسي والطبي .. وعموماً يمكن القول ان الهجرة شملت لأول مرة شرائح اجتماعية جديدة شملت.. التجار والاغنياء الذين قرروا مغادرة العراق، وكذلك المهندسين والاطباء والمعلمين وحاملي الشهادات العالية في مختلف الاختصاصات العلمية ومن المثقفين..".12 وللاطلاع على تفاصيل الخسائر المادية التي لحقت بالإيزيديين ومدنهم ومؤسساتهم الاقتصادية والاجتماعية الدينية يمكن العودة إلى مقال مهم للباحث صباح كنجي نشر في موقع الحوار المتمدن بعنوان " تقديرات أولية لخسائر بحزاني وبعشيقة على يد الدواعش"، العدد 5178 بتاريخ 35/2016 في محور الإرهاب والحرب والسلام. 
الهوامش والمصادر
   كتب لي أحد الباحثين من أبناء المنطقة ما يلي: ما يخص المكون الإيزيدي.. بلا شك هذا المكون عريق وهم من بقايا السكان الأصليين في العراق.. تسمية الإيزيدية تعتبر تسمية حديثة ذات طابع إسلامي.. ولكن حقيقة وجودهم أعرق وأقدم بكثير من الحقبة الإسلامية.. لايزال يطلق عليهم من جيراهم في بلدات والقرى المسيحية في سهل نينوى مثل (القوش ، تللسقف ، باطنايا، بغديدا (قرقوش)، كرمليس ، برطلة الخ ) تسمية (دسنايا) اسمه التاريخي القديم وهي كلمة  آرامية – سريانية ( تعني عبدة الاله سين (اله القمر ) مكونة من مقطعين سريانيين ( سين يعني قمر .. ئيل يعني الاله ) ، فهم تاريخيا ليسوا لا كردا ولا عربا ، انهم مكون عراقي عريق يطلقون على انفسهم بـ (دسنايا) ، وجميعهم  يعرفون حقيقة أصولهم ، إلا ان الاضطهادات المتتالية وعبر التاريخ جعلهم ينكرون أصولهم وقاية أولا ، اضافة إلى الطمع في الحصول على مكاسب و مناصب من الجهات المتنفذة  (كردا أو عربا) انقطاعهم عن اصولهم التاريخية كان له تأثير على لغتهم و ثقافتهم الرافدينية الأولى ( هنالك كتاب اسمه (الإيزيدية عقيدة و دين) على شكل بحث فيه الكثير من الاستنتاجات عن أصل و فصل الإيزيدية للكاتب والباحث يوسف زرا من اهالي القوش). ك. حبيب

2 صباح كنجي، اسئلة عن الإيزيدية، موقع بحزاني، 28/02/2012. 
3 سامي سعيد الأحمد: اليزيدية: أحوالهم ومعتقداتهم، الكتاب في جزأين، مطبعة الجامعة، بغداد، 1971، الجزء الأول، ص 27-41). 
4 أنظر: العزاوي، عباس. تاريخ اليزيدية وأصل عقيدتهم. بغداد. مطبعة بغداد. منصف الثلاثينات من القرن العشرين. ص 84-90.
5 توفيق زرار، موضوعات حول تاريخ اليزيدية واليزيديين، مجلة لالش. العدد 5/ 1995. دهوك ص 83.
 6 العزاوي، عباس. تاريخ اليزيدية وأصل عقيدتهم، مصدر سابق، ص112/113.
7 ملاحظة: يمكن متابعة تلك المجازر البشعة في كتب كثيرة صادرة عن كتاب إيزيديين وغير إيزيديين بحثوا بعمق ومسؤولية في هذه المسألة منها على سبيل المثال لا الحصر السادة: عدنان زيان فرحان، قادر سليم شمو، لكتابهم المشترك بعنوان عنوان (مأساة الإيزيديين) وعنوان فرعي (الفرمانات وحملات الإبادة ضد الكورد الإيزيديين عبر التاريخ) الصادر عن مطبعة خاني في دهوك في سلسلة كتبها عام 2009، وكتاب أمين فرحان جيجو الموسوم حملات الإبادة الجماعية (الفرمانات ) التي تعرض لها الشعب الإيزيدي، وكتاب الأستاذ زهير كاظم عبود عن الإيزيديين، وكتب أخرى ومقالات كثيرة بهذا الصدد. ك. حبيب

8 أنظر: أمين فرحان جيجو، القومية الإيزيدية جذورها – مقوماتها – معاناتها، بغداد، 2010.
9 أنظر: كاظم حبيب، الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة، دار نينوى، دمشق، 2017. القائمة للتي
10 أنظر: كاظم حبيب، الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة، دار نينوى، دمشق، 2017. القائمة للتي نشرتها في كتابي المذكور أعدت من قبل الصديقين صبحي حجو وصباح كنجي كل على انفراد.
11. أنظر: صباح كنجي، الاحصاء والمعلومات عن الإيزيدية والاقليات منذ تشكيل الدولة العراقية..، مصدر سابق. 12. أنظر: صباح كنجي، عن الاحصاء والمعلومات عن الإيزيدية والاقليات منذ تشكيل الدولة العراقية.. أوائل نيسان 2018).


31
د. كاظم حبيب
الكوارث وحرب الإبادة ضد الآشوريين والكلدان والسريان
إلى أحبتنا، إلى مواطناتنا ومواطنينا الآشوريين والكلدان والسريان، في الذكرى السنوية الحزينة والأليمة نقدم التعازي القلبية لما حل بعائلاتكم في منطقة حكاري بتركيا من مجازر بشعة وإبادة جماعية مماثلة لما تعرض لها الأرمن مع بدء الحرب العالمية الأولى وكذلك في الفترات اللاحقة، مما أُجبر الأجداد والآباء والأمهات على مغادرة مناطق سكناهم والهجرة الواسعة إلى العراق وإيران. وبالعراق الحديث تعرض السكان الآشوريين والسريان إلى مجازر بشعة في ديرابون وسهل سُميل بنينوى. في الرابع والعشرين من شهر نيسان/أبريل من كل عام يحيي الآشوريون السريان ذكرى هذه المجزرة الأليمة. نشاركهم الحزن ونطالب الحكومة التركية لا الاعتذار لهم فحسب، بل وتعويضهم، كما نطالب الحكومة العراقية بالاعتذار لهم لما حل بهم من محنٍ ومآسٍ وكوارث. ثم كانت مجزة الكلدان في صوريا/العراق في العام 1969. إنها مجازر ومآتم متلاحقة!! 
تبنى الآشوريون، الكلدان، والسريان، وهم من أحفاد أقدم شعوب العراق بعد السومريين والآموريين والأكديين، الدين المسيحي منذ القرن الأول للميلاد وساهموا في بناء الحضارة العراقية القديمة، حضارة أشور وبابل، وكذلك الحضارة العربية في عراق الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، رغم ما عانوه من تمييز وتهميش وإقصاء من جانب أغلب الخلفاء والسلاطين والحكام العرب. وكانت الفترة الأموية اقل وطأة على المسيحيين من الفترات اللاحقة ولعوامل كثيرة. الكثير من القرى والأرياف والمدن بالعراق التي يسكنها النبط قد تبنوا المسيحية أيضاً وانتشرت بينهم، وأقيمت الكثير من الكنائس والأديرة في وسط وجنوب العراق، إضافة إلى شماله وغربه. كما تبنى الكثير من العرب في الحيرة مثلاً المسيحية. كان أغلب المسيحيين والمسيحيات الذين وجدوا بالعراق قبل الحرب العالمية الأولى هم كلدان وسريان مسيحيون وأرمن. ومع بداية الحرب العالمية الأولى تعرض السكان الآشوريون والكلدان والأرمن من رعايا الدولة العثمانية، ومنها منطقة حكاري، إلى عمليات اضطهاد جديدة، تحولت إلى حملات إبادة جماعية. تشير الأبحاث التي تعرضت لحملات الإبادة التي نظمت ونفذت ضد المسيحيين بمختلف طوائفهم أثناء وجود الدولة العثمانية، إلى أن الآشورويين والسريان قد تعرضوا في العقد الأخير من القرن العشرين إلى حملة عسكرية نفذت فيها مجزرة رهيبة راح ضحيتها الآلاف من الأشوريين والسريان الأبرار. وثد شارك في هذه الحملات القوات التركية والجندرمة وفرق الفرسان الحميدية. وهذه الفرق شكلت بالأساس بمرسوم صدر عن السلطان عبد الحميد الثاني في كانون الثاني/يناير عام 1890 ونص على تشكيل فرسان (خيالة) من الكُرد في كُردستان. وقد نفذ هذا القرار في كانون الثاني/يناير من عام 1891.1 وهذه الفرق ساهمت في المجزرة التي نظمها السلطان عبد الحميد الثاني ضد الآشوريين والسريان في الفترة الواقعة بين 1895-1898، في المدن ذات الأغلبية المسيحية التالية: آورهوي (أورفه أو الرها) وآميد (ديار بكر) وماردين وغيرها من القصبات التابعة لهذه المدن الرئيسية. وقد راح ضحيتها الآلاف من رعايا الدولة العثمانية.
أما الحملة الثانية فقد وقعت بين عامي 1914 و1915 في منطقة حكاري باعتبارها المنطقة الرئيسية للسكان الآشوريين.2 وتشير التقديرات إلى أن عدد ضحايا الإبادة الجماعية ضد الآشوريين تجاوز النصف مليون من النساء والرجال والأطفال الآشوريين السريان. وف ذات الفترة نفذا حملة الإبادة الجماعية ضد الأرمن، وهم من أصل أهل البلاد، واسعة جداً وشاملة وهمجية، إذ بلغ عدد ضحاياها أكثر من مليون إنسان أرمني مسيحي ومسيحية. ولم ينج منهم إلا القليل الذي فرّ إلى العراق ايضاً.
ورغم الوعود التي قطعت للآشوريين والسريان من جانب الدولة البريطانية في إسكانهم بالعراق، لم يتم الإيفاء بها. وعانى الآشوريون بشكل خاص الأمرين، مما دفعهم إلى رفض الحلول التي طرحت عليهم، وطرحوا حلولاً رفض الحكم العراقي تنفيذها، مما أدى إلى حصول صدامات هنا وهناك بسبب احتجاجاتهم. وقد استغل الحكام القوميون العرب الموقف المتشدد للآشوريين فشنوا حرباً شعواء ضدهم أدت إلى تنفيذ مجزرتين بشريتين نفذتا غدراً في العام 1933 في قرية "سُمَّيل" بسهل نينوى والأخرى بـ "ديرابون" على الحدود العراقية السورية، أدت إلى قتل غادر للمئات من الرجال والنساء والأطفال، كما أصيب الكثير من الآشوريين، ولاسيما الرجال الآخرين بجروح في المجزرتين.   
وقبل ذاك، وفي فترة وجود فيصل الأول على عرش البلاد، لم يتعرض المسيحيون الكلدان والسريان والأرمن إلى تمييز ملموس، وكانوا يعملون بشكل طبيعي وفي مجالات كثيرة كباقي المواطنين. إلا إن تنامى ذلك بعد وقوع المجزرتين ضد الآشوريين، وفي فترة وجود فيصل ملكاً على عرش العراق، رغم وجوده للمعالجة في سويسرا، وبسبب التحاق الآشوريين في العام 1920/1921 بقوات الليفي، التي شكلها البريطانيون بالعراق في العام 1915، وكان أغلبهم في البداية من الهنود والعرب، ومن ثم من الكرد وغيرهم. وغالباً ما يجري الحديث عن الآشوريين في قوات الليفي بهدف الإساءة لهم، في حين إن أول مجموعة من الليفي كان أفرادها من اليهود، وكذلك مجموع من العرب، ومن ثم الكرد.3 المشكلة الكبيرة التي عانى منها المسيحيون بالعراق ناتجة عن موقف أيديولوجي قومي شوفيني وديني متخلف وغير متنور إزاء أتباع الأديان الأخرى ورفض الآخر من قبل الحكام المسلمين. وكان هذا السلوك المناهض لأتباع الدين المسيحي يُنقل إلى أوساط الشعب أيضاً مقروناً بالتحريض ضدهم، مما كان يعرضهم إلى التهميش، ومنه قلة التعيينات في المواقع المهمة من أجهزة الدولة والسلك الدبلوماسي والمدارس العسكرية على سبيل المثال لا الحصر، أو ما يقرر عن الدين المسيحي وبقية الديانات الأخرة غير الإسلام في المناهج والكتب المدرسية...
في أثناء وبعد فشل محاولة انقلاب شباط عام 1959 بالموصل التي قام بها العقيد عبد الوهاب الشواف، ومعه القوى القومية الناصرية والبعثية والإخوان المسلمين والرجعيين، تعرض المسيحيون إلى الملاحقة والاضطهاد والقتل والتهجير، حيث أجبر الآلاف منهم على ترك الموصل والهجرة إلى بغداد أو البصرة أو نحو الخارج بذريعة تأييدهم لعبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي العراقي. وبعد انقلاب شباط عام 1963 تعرض المسيحيون إلى الاضطهاد ثانية، للأسباب السابقة، مما أدى إلى هجرة جديدة لهم إلى الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واستراليا. ثم نفذ البعثيون مجزرة جديدة ضد السكان المسيحيين الكلدان في قرية صوريا والتي استشهد فيها عدد كبير من المسيحيين والمسيحيات على أيدي نظام البعث الفاشي في العام 1969. جاء في مقال عن هذه المجزرة في موقع ن ما يلي: "في السادس عشر من ايلول من كل عام تستذكر الأمة الآشورية مذبحة صوريا ففي مثل هذا اليوم قبل أكثر من سبعة واربعين سنة وجهت فوهات البنادق والرشاشات إلى ابناء أمتنا من أهل صوريا نساءً ورجالاً كباراً وصغاراً ولم ينجُ منها حتى كاهن القرية ومختارها فذبح وقتل أبرياء لا ذنب لهم سوى كونهم اناسا فقراء آمنين يعيشون في قريتهم الوادعة لم يؤذوا أحداً ولم يكونوا ضد أحد." ويشير الكاتب إلى أن السبب في ارتكاب هذه المجزرة البشعة التي كان فيها مسلمون أيضاً إلى جانب أكثرية مسيحية، هو "انفجار لغم أرضي تحت إحدى العجلات العسكرية للقافلة ولم يتسبب بأية أضرار بشرية. وكانت القافلة بقيادة "الملازم عبد الكريم خليل الجحيشي المعروف بوحشيته وسلوكه العدواني تجاه القرويين من أهالي القرى الواقعة تحت رحمة أو إدارة هذا الفوج العسكري."4
وإذا كان التمييز والتهميش والإقصاء قد تعرض له المسيحيون في فترة حكم البعث في الثمانينات والتسعينيات والتي فرضت عليهم هجرة واسعة حقاً، ولاسيما في فترة الحروب العديدة التي خاضها النظام العدواني والتوسعي العراقي في الداخل والخارج، فأن أكبر اضطهاد وقمع وتهجير قسري تعرض له المسيحيون والمسيحيات برز في فترة الحكم الطائفي، الذي أقيم بالعراق في العام 2003/2004، أي بعد إسقاط دكتاتورية البعث وصدام حسين الغاشمة، حيث لوحق المسيحيون والمسيحيات في الوسط والجنوب وبغداد والموصل من قبل المليشيات الطائفية المسلحة من جهة، وسكوت مطبق، وتأييد فعلي من الأحزاب الإسلامية السياسية، التي كانت تمتلك تلك الميليشيات الطائفية المسلحة من جهة أخرى، إضافة إلى قوى القاعدة حينذاك، كما تعرضت أغلب كنائسهم إلى التفجير وإشعال الحرائق فيها وقتل الكثير من المصلين أثناء تأديتهم الصلاة، مما أُجبر على اثر ذلك الألوف منهم للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وكندا وأوروبا والأردن. ثم كان الهروب الواسع نتيجة إرهاب وقمع الدواعش الذين اجتاحوا الموصل ومن ثم بقية مناطق سهل نينوى منذ منتصف عام 2014 وحتى تحرير الموصل ونينوى عموماً في نهاية العام 2017. وقد نزح من الموصل قسراً جميع المسيحيين وتوجهوا إلى دهوك وعنكاوة وأربيل بإقليم كردستان العراق، وإلى مناطق أخرى من العراق هرباً من قتل الدواعش، ومن محاولة فرض الإسلام عليهم عنوة، إضافة إلى سلب ونهب كل ما يملكون من أموال منقولة وغير منقولة.
لم يكن اجتياح الموصل عملية معقدة، إذ كان الفساد، ولاسيما في صفوف القوات المسلحة والشرطة وأجهزة الإدارة المحلية، والإرهاب، قد عمَّ الموصل وبعض مناطق سهل نينوى على أيدي الداعشيين والقوى المتطرفة في المدينة والمحافظة من جهة، وانسحاب القوات المسلحة العراقية بقرار من أعلى سلطة في القوات المسلحة العراقية، من رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، قد جعل مدينة الموصل ومن ثم محافظة نينوى، تسقط في ساعات ودون مقاومة في أيدي الداعشيين القتلة. بيد هؤلاء الأوباش الذين مارسوا عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي وديني وسبي واغتصاب وبيع النساء الإيزيديات بسوق النخاسة الإسلامي، شملت أتباع جميع الأديان والمذاهب، ولاسيما الإيزيديون والمسيحيون والشبك والتركمان بالموصل وعموم محافظة نينوى، كما أنهم مارسوا الاضطهاد والقسوة والعدوانية في التعامل مع المواطنين والمواطنات السنة ممن رفض الاستجابة لفكرهم المتطرف والعدواني أو لم يتناغم مع سياساتهم.
من المشكلات الكبيرة الأخرى التي تعاني منها العائلات المسيحية من مختلف الطوائف بالعراق تبرز في ادراج بلدات ومناطق مسيحية خاصة في سهل نينوى ضمن المناطق المتنازع عليها بين حكومة بغداد وحكومة الإقليم (والتي أشير إليها بالمادة 140 في الدستور العراقي).. مما جعلها منطقة تنافس وصراع.. وعقد الصفقات المعلنة والمستورة..، ولا شك في أن ضحيتها دائما كانوا وما زالوا هم أهالي هذه المناطق، والمناطق كلها مازالت منكوبة. وقد ترك هذا الصراع، ومازال، تداعيات خطيرة جدا على وجود هذا المكون الأصيل. وكما في جميع الشعوب والقوميات قوى قومية متطرفة، فأن المعلومات المتوفرة تشير إلى معاناة المسيحيين من تطرف قوى قومية كردية ايضاً بإقليم كردستان العراق، إذ لا يقل خطورة في بعض مراحله وممارساته عن التشدد الديني.. والامثلة كثيرة عن التداعيات الخطيرة على هذا المكون، لاسيما على أولئك الذين تقع جغرافيتهم ضمن جغرافية الإقليم. وقد كتب لي أحد المثقفين المسيحيين البارزين حول أوضاع المسيحيين ومعاناتهم يقول:
" كما أن هناك سبباً آخر في هذا الصدد يتمثل في جعل الكنيسة ورجال الدين المرجعية الفعلية للمكون المسيحي، خاصة في الاقليم، وعادة هذه الطبقة الدينية، التي لا تمتلك خبرة سياسية وإدارية ولا دراية بالحاجات الحقيقية للمكون المسيحي، لأن هذه الامور هي خارج خبرتها وتخصصها، وهي في معظم الاحيان تراعي مصالحها الكنسية الخاصة وتحابي السلطة وتخضع لرغباتها. بعيدا عن مصالح المكون المسيحي، مما يؤدي الى تهميش الإرادة الحقيقية لهذا المكون."5
والمعلومات المتوفرة تشير إلى المعاناة الكبيرة للمسيحيين بالعراق خلال الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية وفي ظل الدولة الطائفية الهشة التي أقامها التحالف التساومي بين الولايات المتحدة وإيران بالعراق. فالمعلومات التي وفرتها الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية تشير إلى استشهاد "عدد كبيرٍ من الشعب المسيحي بلغ 2220 شخصاً بين عام 2003 ولغاية شهر آذار من عام 2018". أما عدد الكنائس والمزارات والأديرة التي جرى الاعتداء عليها في العراق فقد بلغ 167 كنيسة بين عامي 2003 -2018. منها 35 كنيسة دُمرت على أيدي الداعشيين المجرمين بين سنة 2014 – 2017. 6
وخلال الفترات العصيبة من تاريخ العراق الحديث برز نزوح السكان المسيحيين من مناطق سكناهم أو اضطرارهم للهجرة إلى خارج العراق على وفق ما ورد في الجداول الإحصائية الرسمية. ويمكن للجدول التالي ان يوضح ذلك.
جدول رقم (4)
جدول يشير إلى أعداد ونسب السكان المسيحيين في إجمالي سكان العراق
السنة   إجمالي سكان العراق/نسمة   عدد السكان المسيحيين   نسبة المسيحيين %
1890   1.830.000   39.850   2،2

1914   2.200.000   32.493   1،5
1920   2849.282   79.779   2،8
1927   2.968.000   148.400   5،0
1934   3.293.740   164.687   5.0
1947   4.564.000   149.656   3،28
1957   6.206.017   204.226   3،3
1965   8.067.230   250.084   3،1
1977   12.129.497   606.474   5.0
1987   18.644.000   932.200   5،0
1997   22.046.000   734.131   3،3
2003   24.683.313   814.549   3،3
2005   28.000.000   560.000   2،0
2006   29.041.753   580.835   2،0
2007   29.682.000   593.640   2،0
2008   30.680.190   613.603   2،0
2013   34.000.000   450.000   1،3
2016   36،000.000   350.000   0،97
2017 /2018     37.139.519   300.000   0،8
قارن: كاظم حبيب، مسيحيو العراق.. أصالة.. انتماء، مواطنة، دار نينوى للطباعة والنشر، دمشق 2018.
أنظر أيضاً: هرمز النوفلي، الإحصائيات الرسمية للسكان وعدد المسيحيين بالعراق عبر التاريخ، في الثلاثين من أيلول 2009. بلا ذكر الموقع.

والجدول يكشف بوضوح إلى أن العراق فقد، خلال الفترة الواقعة بين 2003 – 2018، عدداً كبيراً من سكانه العراقيين المسيحيين والمسيحيات ومن مختلف طوائفهم الدينية، إذ بلغ 514000 نسمة، وهو أمر بالغ الخطورة على وجود ومستقبل مسيحيي ومسيحيات العراق. ويشعر المتتبع بأن هذا الواقع المزري لم يحرك الحكومة العراقية ولا مجلس النواب، بل استقبلوا كل ذلك بدم بارد وارتياح كبير، حيث يشكل الإسلاميون السياسيون الطائفيون من شيعة وسنة الأكثرية الكبرى فيهما، ولم يتخوا أية إجراءات فعلية لمواجهة هذا النزوح الكارثي، وكأن ما حصل هو بالضبط ما كانت تسعى إليه فعلاً وتبتغي وقوعه، إذ لم تبدأ عمليات ملاحقة المسيحيين وتشريدهم على أيدي داعش أولاً، بل بدأت قبل ذاك على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة الشيعية أساساً، ومن ثم السنية، ولاسيما تنظيم القاعدة ومن ثم داعش ومن لّف لفّها. 
وقد جرت عمليات قتل لعدد غير قليل من رجال الدين المسيحيين نشير لهم فيما يلي:
"- الشهيد المطران بولص فرج رحو - رئيس اساقفة الكنيسة الكلدانية في محافظة نينوى خطف بتاريخ 29 \ شباط - وقتل في الموصل بتاريخ 13\ آذار \2008
- الشهيد القس يوسف عادل عبودي - راعي الكنيسة السريانية في بغداد - اغتيل بمسدس كاتم صوت امام عائلته - بتاريخ 5 \ نيسان \ 2008
- الشهيد الاب بولص اسكندر بهنام - من كنيسة السريان الارثوذكس - خطف ثم قتل وقطع الى اربع قطع - في الموصل بتاريخ 12 \ 10 \ 2006
- الشهيد الاب منذر السقا - من الكنيسة البروتستانتية - خطف ثم قتل في الموصل - بتاريخ 11 \ 11 \ 2006
- الشهيد القس رغيد عزيز متي كني - راعي كنيسة روح القدس الكلدانية في الموصل - بتاريخ 3 \ حزيران \ 2007 - قتل مع ثلاثة من الشمامسة .. وهم:
الشهيد الشماس وحيد حنا ايشوع
الشهيد الشماس بسمان يوسف داود
الشهيد الشماس غسان عصام بيداويد
الشهيد سمير عبد الاحد - استشهد في مدينة الموصل اثر عملية اختطاف سيادة المطران بولص فرج رحو - بتاريخ 29 \ شباط \ 2008
الشهيد فارس جرجيس خضر - في نفس التاريخ
الشهيد رامي حكمت بولص - في نفس التاريخ
الشهيد الاب متي يوسف ونجله فادي - استشهد اثر حادث انفجار - في مدينة الموصل - بتاريخ 2 \ 12 \ 2008.
الشهيد الشماس الشاب عبد الخالق بـاكوس موسى- استشهد بتاريخ 7 \ 2 \ 2007".

المصادر
  أنظر: هوكر طاهر توفيق، الكُرد والمسألة الأرمنية 1877-1920. دار الفارابي - بيروت، ودار أراس -أربيل، إقليم كردستان العراق، 2014.
2 أنظر: جميل حنا، مذابح إبادة الآشوريين في هكاري، الحوار المتمدن، العدد 4472 بتاريخ 03/06/2014.
3 راجع: أبرم شيبرا، قوات الليفي العراقية في الوثائق البريطانية العسكرية، موقع عنكاوة، 18/10/2010.
4 مجزرة صوريا، موقع Nala4U.com، 17 أيلول/سبتمبر 2016.
5 المصدر: موجود في أرشيف الكاتب.
6 أنظر: حميد مراد، شهداء سميل .. شهداء الوطن، موقع عنكاوة، بتاريخ. .04/08/2008 ».
أنظر أيضا: (راجع: كاظم حبيب، مسيحيو العراق، أصالة.. انتماء.. مواطنة.. دار نينو، دمشق، 2018."، إضافة إلى استشهاد أكثر من 65 امرأة بأعمار مختلفة خلال ذات الفترة. (المصدر السابق نفسه). 



32
كاظم حبيب
في الذكرى السنوي 103 للإبادة الجماعية للأرمن في الإمبراطورية العثمانية
على الدولة التركية الحالية أن تعترف بالإبادة الجماعية التي نفذتها الإمبراطورية العثمانية في العام 1915 ضد الأرمن، التي كلفت هذا الشعب عدداً يتراوح بين مليون ومليون ونصف إنسان من الرجال والنساء والأطفال الأرمن. إنها ذكرى حزينة ومؤلمة. إن عدم الاعتراف بها من جانب الحكومات التركية المعاقبة وعدم إدانتها يسهم في ممارسة الحكومة التركية الحالية ودكتاتورها الجديد نفس النهج الدموي ضد الشعب الكردي في كردستان تركيا. التعازي إلى أحبتنا الأرمن بالعراق والمواساة لما اصابهم في ظل النظام الطائفي المحاصصي المستبد بالعراق...
يمتلك الأرمن تاريخاً طويلاً بالعراق، حيث يشار إلى وجودهم منذ العهد البابلي، وكذلك في العهود الأموية والعباسية والعثمانية اللاحقة. وساهموا مع بقية بنات وأبناء بلاد الرافدين في بناء وتطوير الحضارة الرافدينية. وفي العهد العثماني بالعراق كان الأرمن من الأوائل الذين أدخَلوا المدارس التعليمية الحديثة إلى العراق. تبعهم العراقيون اليهود، ومن ثم الطوائف المسيحية الأخرى. وقد سبقوا مدحت باشا في إقامته مدارس بالعراق منذ توليه ولاية بغداد عام 1869 وأنشأ أول مدرسة صناعية فيها عام 1871، كما أقيمت في عام 1896م أول مدرسة ابتدائية للبنات.1 وكان الحكم العثماني قد أقَّر حق كل طائفة من الطوائف الدينية بإقامة مدارسها الخاصة.
يشير البحث الموسع عن "نشأة المدارس بالعراق" للأستاذ طه العاني إلى الدور الطليعي للأرمن في فتح المدارس الحديثة بالعراق، إذ كتب ما يلي: " تعد مدرسة الأرمن للذكور في بغداد من أقدم هذه المدارس، إذ يرقى تاريخ تأسيسها إلى سنة 1270 هـ/ 1853م. وفي السنة نفسها تم افتتاح مدرسة الأرمن الأرثوذكس (للبنات). تلاها افتتاح مدرسة الاتفاق الشرقي الكاثوليكي سنة 1296 هـ/ 1878 م حيث افتتحتها الطوائف الكاثوليكية الثلاث، إلا أن الدراسة في هذه المدرسة واجهت صعوبات عديدة أدت إلى اغلاقها سنة1311 هـ/ 1893، حيث بادرت كل طائفة من الطوائف المسيحية الثلاث بافتتاح مدرسة خاصة بها."2 أما الطائفة اليهودية فقد فتحت أول مدرسة لها بالعراق في العام 1864، كما يشير إلى ذلك الكاتب أميل كوهين إذ كتب: في10 كانون الأول سنة 1864 افتتحت مدرسة الأليانس الأولى في بغداد وقررت أن يكون منهجها علمانيا فقط بعيدا عن التعليم الديني وشغلت مبنى صغيراً في محلة تحت التكية وكانت أول مدرسة أليانس في المشرق العربي.."3
وكانت للطائفة الأرمنية بالعراق العديد من الكنائس، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى ان الأرمن بنوا عدداً من الكنائس في كل من بغداد والبصرة والموصل. إذ وجدت ببغداد أربع كنائس هي: كنيسة القديس گريگور المنور قرب ساحة يونس السبعاوي- الطيران سابقا، وهي الكنيسة الأم ومقر المطرانيه، وكنيسة مريم العذراء في منطقة الميدان، وكنيسة القديس گرابيت ضمن مجمع دار العجزة في منطقة الرياض (كمپ ساره)، وكنيسة القديسين الشهداء ضمن حدود مقبرة الأرمن الجديدة في حي خان بني سعد. وكانت هناك كنيسة الثالوث المقدس التي شيدت عام 1857م في منطقة الشورجة، وظلت قائمة لفترة مائة عام، ولكنها توقفت عن خدمة المؤمنين عام 1957م، وتم بناء بناية سوق الأرمن التجاري في الشورجة مقابل البنك المركزي على قطعة ارض تابعة للكنيسة.4 ويشير السيد هامبرسوم أغباشيان إلى إن الأرمن بنوا ثلاث كنائس لهم بالبصرة، ولكن، وعبر العقود المنصرمة، لم يبق منها سوى كنيسة واحدة بنيت في عام 1736، وأعيد إعمارها في أعوام 1905 – 1909، ثم رممت مرة أخرى في عام 1931. أما بالموصل فقد بنيت كنيسة أجميازين المقدسة عام 1857 واستمرت قائمة حتى العام 1968، إذ أقيم على أنقاضها كنيسة جديدة وبالاسم نفسه. ثم بنيت كنيسة أخرى في أحد احياء الموصل، ولكن نهبت وسرق ما فيها بما في ذلك المرمر، حتى قبل تدشينها، في أعقاب حرب الخليج الثالثة عام 2003، وفي أجواء الفوضى التي سادت البلاد برغبة صارخة من جانب الولايات المتحدة مباشرة بذريعة "ليتنفس الشعب نسيم الحرية!". وبنيت في عام 1932 أول كنيسة للأرمن بمدينة كركوك النفطية وكنيسة جديده عام2016 ،5 وهناك كنائس للأرمن في زاخو ودهوك وقرية افزروك في شمال العراق ويتم حاليا بناء كنيسة في اربيل.
وأثناء الحرب العالمية الأولى تعرض الأرمن في الإمبراطورية العثمانية إلى حرب إبادة من جانب السلطات العثمانية أدت، على وفق التقارير الصادرة عن الكثير من مراكز ومعاهد البحث العلمي والمؤرخين، إلى استشهاد عدد يتراوح بين 1000000 - 1500000 أرمني من "رعايا" الإمبراطورية العثمانية. 6 أما الكتاب الأزرق الذي أصدرته الحكومة البريطانية في العام 1916، والذي كتب مقدمته المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي فيشير إلى إن عدد القتلى بلغ حتى ذلك الحين 600000 أرمني.7 وتقدر الحكومة التركية إلى إن عدد القتلى يتراوح بين 300000-500000 أرمني، ورغم ذلك فهي لا تعترف بأن ما حصل على الأراضي التركية، وفي مناطق سكن الأرمن الأصلية، باعتبارهم من اصل سكنة هذه الأرض، كان إبادة جماعية!! وبالتالي فأن الحكومات التركية المتعاقبة تلجأ إلى مقاطعة تلك الدول دبلوماسياً، إذا ما اعترفت بأن ما ارتكبته الإمبراطورية العثمانية ضد الأرمن كان إبادة جماعية.8
لقد حقق الحكام العثمانيون ليس مجزرة بشرية ضد الأرمن فحسب، بل مارسوا وحققوا عملية "تطهير عنصرية" ضدهم، إن من تبقى منهم على قيد الحياة هرب باتجاه سوريا والعراق طالباً النجاة بنفسه. كتب الدكتور سيّار الجميل يقول: "لقد دفع الأرمن العراقيون أسوة بغيرهم من العراقيين النجباء، أثمان باهظة من حياتهم ودمائهم وتشرّدهم على امتداد تاريخ طويل من وجودهم. ولعل مأساتهم التاريخية تشكّل خصوصيتهم التراجيدية ليس في العراق وحده، بل امتدت مع وجودهم عبر التاريخ.. وكان تشرّهم التاريخي ديسابورا حقيقية عند مفصل القرنين التاسع عشر والعشرين. قاد موجات كبرى منهم إلى الفناء حتى وصلت بقاياهم نحو الجنوب، ليستقر من بقي منهم على قيد الحياة في العراق، إذ رحب بهم العراقيون ترحيبا خاصا، وشاركوهم عواطفهم ومآسيهم، فوجد الأرمن في العراق أهالي لهم، وملاذا مطمئنا، ووطنا خصبا بديلا، وبلدا آمنا، ومجتمعا راقيا حماهم من كل غوائل التمزق والضياع..".9 وقبل أن يستقبل العراق جمهرة ممن تبقى من الهاربين الأرمن من جحيم الإبادة الجماعية، كان هناك مواطنون ومواطنات أرمن بالعراق، وهم من أحفاد الأرمن الذين وصلوا العراق منذ مئات السنين وفي فترات مختلفة، بما في ذلك الفترة العباسية في حكم العراق، الذين شكلوا جزءاً عضوياً مهماً من الشعب العراقي وعاشوا بسلام وعلاقات طيبة وإنسانية مع بقية السكان من مختلف القوميات والديانات والمذاهب. وقد ساهم العرقيون الأرمن باستقبال الأرمن الهاربين من الدولة العثمانية وسعوا للعناية بهم. وقد توزعت المجموعة على أربع مدن أساسية هي بغداد والموصل والبصرة وكركوك، إضافة إلى وجود عائلات قليلة في مدن أخرى مثل أربيل وكرمنليس، أو مدن أخرى في وسط العراق. وكان الأرمن في بدايــات وجودهــم بالعــراق "مقسمين بالنسبة الى تبعيتهم للسلطات الكنسية، فقد كان أرمــن البصرة يتبعــون مطرانية (أبرشية) اصفهان، أما أرمن بغداد فكانوا يتبعون الكرسي الرسولي في أيجميازين في أرمينيا.10 ثم اصبحت الكنيسة الرسولية الارمنية - الارثودوكسية في العراق بعد فترة تابعة بجميع كنائسها الى الكرسي الرسولي في أيجميازين من ناحية الامور الدينية والطقوس والشعائر وغيرها الى يومنا هذا. وتشير السفارة الأرمنية إلى إنه و"نتيجة للإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الأرمني عام 1915، فقد هاجر عشرات الألوف من الأرمن الى العراق. في عشرينيات القرن الماضي سكن العراق، وبالتحديد حوالي 90 ألف أرمني، بعد فترة من الزمن "عاد قسم منهم الى أرمينيا، بينما هاجر القسم الاخر الى اماكن اخرى"11. وعلى وفق المعلومات المتوفرة عن مخيم اللاجئين الآشوريين والأرمن بالقرب من مدينة بعقوبة في شهر نيسان/أبريل من عام 1918 فقد بلغ عدد الأرمن 41583 نسمة من النساء والرجال والأطفال، وتقلص العدد في المخيم في أيلول من نفس العام إلى 39191،12 أي قبل تشكيل الدولة العراقية الملكية. وتشير سفارة الجمهورية الأرمنية ببغداد إلى أن عدد نفوس الأرمن بالعراق بلغ في العام 2003 وقبل إسقاط الدكتاتورية عبر حرب الخليج الثالثة 25 ألف نسمة.13 وهذا يعني بأن هجرة الأرمن من العراق حصلت في فترات مختلفة، وبشكل خاص في فترة حكم البعث، ولكن ليست هناك إحصائيات عن عدد الأرمن الذين تركوا العراق وهاجروا إلى أرمينيا أو إلى أوروبا وأمريكا الشمالية بين تشكيل الدولة العراقية في عام 1921 وسقوط الدكتاتورية البعثية في عام 2003.   
عاش العراقيون الأرمن ضمن المجتمع العراقي كجزء منه له خصوصيته، واندمجوا فيه وأصبحوا جزءاً من نسيجه الوطني الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والرياضي. عاشوا كمجموعة قومية أرمنية وكمجموعة دينية مسيحية محترمة. ساهموا في الحياة العامة كباقي العراقيات والعراقيين، وزج منهم في السجون العراقية بسبب انتمائهم للأحزاب السياسية، ولاسيما للحزب الشيوعي العراقي، وبسبب مواقفهم الوطنية دفاعاً عن استقلال وسيادة العراق وضد الرجعية ومصادرة الحريات الديمقراطية والحقوق الأساسية للمواطن والمواطنة بالعراق، سواء أكان ذلك في العهد الملكي أم في العهود الجمهورية اللاحقة في أعقاب سقوط الجمهورية الأولى عام 1963. إلا إن أبشع ما أصابهم جاء في أعقاب إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة، بعد احتلال العراق وإقامة النظام السياسي الطائفي فيه عام 2003.
لقد تعرضت كنائس الأرمن في كل من مدينتي بغداد والموصل إلى التدمير، وإلى اختطاف القساوسة الذين لم يتم العثور عليهم حتى الآن. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة بالعداء لأتباع الديانات الأخرى والفوضى والإرهاب التي سادت بالعراق، أجبر أكثر من 3000 مواطنة ومواطن من الأرمن على مغادرة العراق باتجاه أرمينيا أو الغرب أو الأردن. وفي العام 2007 تم قتل سيدتين أرمنيتين على أيدي قوات أمن أسترالية في منطقة المسبح ببغداد، إضافة لمن قتل على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة والدواعش وعصابات الجريمة المنظمة، إذ بلغ عدد قتلى الأرمن 45 شخصاً، إضافة إلى اختطاف 32 شخصاً أخر منهم بين عامي 2003 - 2007. جاء في المقال الدكتور سيار الجميل السابق الذكر بهذا الصدد ما يلي:
"كانت هناك 225 عائلة ارمنية تسكن الموصل قبل 2003، أما بعد 2003، فلم يبق إلا حوالي 10 عوائل فقط قبل ثلاثة أعوام. ولقد حصلت على معلومات خاصة من أعلى المصادر الارمنية في العراق تقول بأن إحصائية عن الأرمن الموجودين حاليا فعليا في الموصل هم 45 عائلة فقط وكل عائلة تتكون من 2 شخص في البيت... أما الباقون، فقد آثروا الهجرة إلى خارج العراق والقسم الآخر أصبح متشتت بين القرى المسيحية في سهل نينوى... هذه الإحصائية من رئيس طائفة الأرمن... وبخصوص الحلة!!! هناك لدى الأرمن أراضي خاصة لهم من قديم الزمان وقبل الهجرة، اذ سكنوا في تلك المناطق آنذاك واليوم أصبحت للوقف لان كل اهلها وناسها سافروا إلى خارج العراق وبقيت الأراضي وقف. ويقول الارشمندريت ناريغ اشكانيان (63 عاما) بينما كان أحد الكهنة يسجل آخر الولادات والوفيات في صفوف الطائفة، "نحن هنا لنبقى فهذه أرضنا أيضا، رغم ما نواجهه من مصاعب في بعض الأحيان". ويبلغ عدد أفراد الطائفة حاليا نحو 12 ألفا بينهم سبعة إلى ثمانية آلاف في بغداد، فيما يبلغ عدد السكان في العراق 29 مليون نسمة."14
المصادر والهوامش
1. أنظر: طه العاني، نشأة المدارس بالعراق/ شبكة زدني للتعليم، 8 شباط/فبراير 2015.
2. المصدر السابق نفسه.
3. أنظر: أميل كوهين، مدارس الأليانس اليهودية في العراق، مؤسسة الحوار الإنساني، لندن، في 7 شباط/فبراير 2017.   
4. أنظر: هامبرسوم أغباشيان. تاريخ الأرمن بالعراق، مصدر سابق.
أنظر أيضاً: الكنائس الأرمنية بالعراق، موقع أزتاك العربي للشؤون الأرمنية، 5 شباط/فبراير 2013.
5. أنظر أيضاً: بدر الرحال، الأرمن تاريخ عريق بالعراق، موقع ستار تايمز، 29/01/2009
6. أنظر: هامبرسوم أغباشيان. تاريخ الأرمن بالعراق، مصدر سابق.
7. أنظر: مجدي خليل، القضية الأرمنية بعد مائة عام من الإبادة، الموقع الإلكتروني للتنظيم الأرامي الديمقراطي"، 1/1/2017.
8. وجدير بالإشارة الى ان الدول التالية تعترف بالتطهير العرقي "الإبادة الجماعية" ضد الشعب الأرمني حتى الآن وهي: اوروغواي (1965)، قبرص (1982)، روسيا (1995)، يونان (1996)، بلجيكا (1998)، ايطاليا (2000)، الفاتيكان (2000)، لبنان (2000)، فرنسا (2001)، سويسرا (2003)، كندا (2004)، سلوفاكيا (2004)، هولندا (2004)، ليتفانيا (2005)، فنزويلا (2005) ، شيلي (2007)، الارجنتين (2007)، السويد (2010)، وليفيا (2014)، النمسا  (2015)، المانيا (2015).
كما إنه ماعدا المجالس النيابية لهذه الدول، فقد اعترف البرلمان الاوروبي ايضا عام 1987 بالإبادة الجماعية ضد الشعب الأرمني** . أنظر: موقع رووداو، دول اعترفت بالإبادة الجماعية ضد الأمن. 1/1/2017. ** كذلك تعترف بها 43 ولاية أمريكية، وأقاليم مثل إقليمي الباسك وكتالونيا في إسبانيا، إقليم القرم المنضم حديثاً إلى روسيا، نيوساوث ويلز وجنوب أستراليا في أستراليا، وكيبيك في كندا. أيضاً، تعترف بها الأمم المتحدة، البرلمان الأوروبي، ومجلس أوروبا. أنظر: موقع رصيف 22، عشر حقائق حول الإبادة الجماعية. مصدر سابق.
9. سيّار الجميل، بروفيسور دكتور، الأرمن العراقيون: الخصوصيّة والجاذبيّة والأسرار الحيويّة، الحلقة الثالثة: دياسبورا وطن بلا بديل!، طيف اجتماعي عراقي حيوي، الموقع الإلكتروني للدكتور سيار الجميل، في 31/10/2010. 
10. أنظر: موقع سفارة جمهورية أرمينيا بالعراق، معلومات عامة عن الجالية، بتاريخ 1/1/2017.
11. المصدر السابق نفسه. وإيجميازين مدينة في جمهورية أرمينيا.
12. جي. كلبرت براون، قوات الليفي العراقية 1915-1932، مصدر سابق، ص 287.
13. المصدر السابق نفسه.
14. سيّار الجميل، بروفيسور دكتور، الأرمن العراقيون: الخصوصيّة والجاذبيّة والأسرار الحيويّة، الحلقة الثالثة، مصدر سابق.
 


  


33
كاظم حبيب
ما الهدف وراء العدوان الثلاثي الجديد على سوريا؟
(1)
لا أختلف مع المطالبين برحيل الدكتاتور بشار الأسد، ولا عن طبيعة نظامه البعثي الاستبدادي، ولا عن تسببه في أغلب المآسي والكوارث التي عانى ويعاني منها شعب سوريا منذ سنوات حتى قبل بدء الحرب الأخيرة التي بدأت قبل ثماني سنوات، ولا أرى إمكانية العيش الكريم لشعب سوريا مع هذا الدكتاتور الأرعن والنظام البعثي المجرم في المستقبل. ولكني أختلف مع مجموعات أساسية من قوى المعارضة السورية التي تخلت عن الأسلوب السلمي في قارعة النظام البعثي وقررت البدء باستخدام السلاح في مواجهة عنت النظام السياسي السوري المقيت منذ العام 2011 لوعي عبثي وقرار غير مدروس مفاده قدرتها عبر هذا الأسلوب في الكفاح يمكنها الوصول إلى إقامة الدولة المدنية الديمقراطية. ولكنها، وحال تحولها صوب السلاح، فتحت الباب على مصراعيه للتدخل الإقليمي والدولي، فسقط أغلب قوى المعارضة السياسية المسلحة في أحضان الدولة العثمانية الجديدة وتحت إرادة وهيمنة السلطان الجديد رجب طيب أردوغان، وكذلك في أحضان دول الخليج، ولاسيما السعودية وقطر، وهما دولتان كانتا وما تزالان تطمعان في أن يكون لهم دورهم التابع للولايات المتحدة في المنطقة العربية وعموم منطقة الشرق الأوسط. عندها تسلمت قوى الإرهاب الإسلامية الهيمنة الفعلية على ساحة المعارك ضد النظام السوري. ويمكن الإشارة هنا إلى بعض هذه التنظيمات بمسمياتها المختلفة جيش الإسلام، ولواء الإسلام والجبهة الإسلامية وأحرار الشام وجبهة النُصرة وفلق الرحمن وهيئة تحير الشام وأنصار الإسلام، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وأمكن للعملة الرديئة أن تطرد من الساحة السياسية والعسكرية السورية العملة الجيدة وتحتل مكانها في جميع مواقع المعارك بما في ذلك الغوطة الشرقية قبل انسحابها الأخير بيوم واحد من توجيه الضربة الصاروخية الجديدة من دول العدوان الثلاثي، وكأنه أحد عوام الانتقام لخسارة هذه القوى الإرهابية للغوطة الشرقية، رغم الأموال الكبيرة التي صرفت من الدول الغربية وتركيا والسعودية وقطر لتبقى وتقاوم ضغط قوات النظام السوري. 
من المؤلم والمؤسف حقاً أن قوى المعارضة السورية المدنية لم تمنح الفرصة الكافية لتمارس نضالها السلمي للتخلص من استبداد النظام السوري وأن تتمتع بتأييد الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، قبل أن يسقط هذا النظام المتعفن في أحضان القيادة الإيرانية الرجعية الراغبة في الهيمنة على سوريا وجعلها جزءاً من الإمبراطورية الفارسية، كما تريد ذلك للعراق، وهي التي تحلم بذلك وتتمنى تحقيقه، إضافة إلى سقوط النظام السوري في أحضان روسيا الرأسمالية التي كانت وما تزال تفتش عن مجال حيوي لنفوذها تحت شمس الشرق الأوسط والدول العربية، علماً بان سوريا بدأت علاقاتها بالاتحاد السوفييتي في العالم 1955 حيث كانت أول دولة عربية تعقد اتفاقية استيراد السلاح السوفييتي. ومنذ ذلك الحين يرتبط النظام السوري بعلاقات خاصة مع روسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي. لم تدخل روسيا الصراع منذ بدايته، بل تدخلت في العام 2013 حين أصبحت دمشق مهدد بالاحتلال من قبل قوى الإرهاب الإسلامية السياسية المتطرفة، والتي كانت تسنى لها في العام 2014 الزحف إلى العراق واجتياح الموصل وهددت أربيل وبغداد أيضاً.   
(2)
بعد مرور ما يقرب من ثماني سنوات من النزاع الدموي تحولت سوريا إلى مركز للصراع والنزاع الدولي والإقليمي على المجالات الحيوية ومناطق النفوذ لأربع دول من الدول الخمس الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، (عدا الصين)، ومجموعة من الدول الإقليمية، ابتداءً من إسرائيل، التي تحتل جزءاً كبيراً من الجولان السوري منذ العام 1967، والتي توجه باستمرار ضربات صاروخية ضد مواقع سورية في سعي منها لتدمر القدرات العسكرية ودعم قوى الإرهاب الإسلامي السياسي، ومن إيران وتركيا، وكذلك من السعودية وقطر، وانتهاء بحزب الله الإيراني بلبنان. إنها معارك دموية ضحيتها الشعب السوري على أيدي التشكيلات العسكرية لقوى الإسلام السياسية المتطرفة التابعة لداعش والقاعدة وقوى معارضة مرتبطة وتابعة لتركيا وأخرى لإيران ومحكومة بمصالح دولية وإقليمية غير مصالح اشعب السوري. لقد اختلط الحابل بالنابل وضاع الهدف المركزي لنضال القوى المدنية والعلمانية الديمقراطية السورية التي بدأت في حينها النضال السلمي لتغيير هيمنة حزب البعث على السلطة والمجتمع، ولاسيما بعد موت الدكتاتور الأب، حافظ الأسد، وتسليم السلطة لأبنه الدكتاتور الصغير بشار الأسد، بعد إجراء تغيير النص الدستوري حول عمر رئيس الجمهورية!   
(3)
كل الدلائل التي يمكن الاطمئنان إليها تشير إلى أن النظام السوري، ورغم كل جرائمه المعروفة بحق الشعب السوري، لم يوجه ضربة كيمياوية إلى موقع في مدينة دوما أولاً، وكل الدلائل تؤكد أيضاً بأن ليست هناك أي ضربة كيمياوية وجهت لهذه المنطقة من أي جهة كانت ثانياً، وبالتالي فالعملية كلها مفتعلة. ولكن لماذا؟ ومن المستهدف من هذه العملية؟ وما العواقب المترتبة عليها؟
لنترك العوامل الكامنة وراء الوضع المتأزم في منطقة الشرق الأوسط جانباً، ونتحرى عن العوامل المباشرة والفعلية التي تسببت في الضجة المفتعلة حول الكيمياوي بمدنية دوما السورية. إن أي متتبع حيادي يمكن أن يتوصل إلى تسجيل العوامل التالية:
1) يخوض العالم الغربي حرباً باردة جديدة ضد روسيا في الوقت الحاضر، وسبب ذلك يبرز في:
** بروز روسيا كدولة نووية كبرى في السياسة الدولية، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ إن اعترافهما بذلك ينهي القطبية الأحادية للولايات المتحدة في العالم، ويؤشر بروز أقطاب أخرى، ومنها الصين إلى جانب روسيا. وهو واقع قائم شاء الغرب أم أبى!
** رفض روسيا التعاون مع حلف الأطلسي وعدم السماح له بالاقتراب من أوكرانيا، على وفق الاتفاق المبرم مع الحلف الأطلسي بعدم اقتراب الحلف من الدول المحاذية لحدود الاتحاد السوفييتي. وقد أدى اقتراب الحلف من أوكرانيا إلى النزاع الدموي في هذه الدولة الهشة وانشطارها إلى جزئين.
** استعادة روسيا لجزيرة القرم، التي كان قد وهبها خروتشوف عام 1964 إلى أوكرانيا، والتي كانت قبل ذاك جزءاً من الاتحاد السوفييتي، وفيها قاعدة عسكرية بحرية ضخمة لروسيا الاتحادية.
** الخسارة الفادحة التي تعرضت لها الدول الغربية في مواقعها بسوريا، والتي حلت مكانها الدولة الروسية، والتي تحقق، بدعمها للقوات السورية الرسمية، نجاحات في التخلص من الدواعش وتعزز مواقع النظام السياسي الاستبدادي بسوريا والمتحالف مع روسيا وإيران وحزب الله المهيمن على السياسة اللبنانية.
** الدور الذي لعبته روسيا في دعم إيران وفي الوصول إلى الاتفاق النووي معها وبموافقة الولايات المتحدة، في فترة رئاسة أوباما، والاتحاد الأوروبي. إن هذه الاتفاقية كانت وما تزال تؤرق وتغيظ إسرائيل والسعودية، ومن ثم الحزب الجمهوري وترامپ، الناطق الجديد باسم إسرائيل عملياً، والمدافع عنها، والذي صادق على نقل سفارة بلاده إلى القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل فقط!!!، والراغب في ألغاء ذلك الاتفاق أو تعديله، في حين أن روسيا والاتحاد الأوروبي وإيران يرفضون أي تعديل أو إلغاء للاتفاقية. وقد أدى ذلك إلى تقارب علني، كان قبل ذاك سرياً بين السعودية وإسرائيل بذريعة مواجهة إيران! 
(4)
إن هذه العوامل أو بعضها قد دفعت الدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا إلى حدما، باعتبارها الدولة المستعمرة السابقة لسوريا وذات المصالح فيها، إلى الانتقام من سياسات ومواقف روسيا المناهضة لسياسات الغرب عموماً أو المتخلفة معها من خلال عمليتين بائستين ومفضوحتين هما: عملية تسميم الجاسوس الروسي وابنته في سالزبوري، علماً بوجود اتفاق جنتلمان دولي لا يجوز قتل أي جاسوس يتم تبادله بجاسوس أخر، وهو ما تحرص عليه دول العالم ولم يحصل أي خرق لهذا الاتفاق عالمياً حتى الآن، والادعاء الثاني بضرب مدينة دوما بالسلاح الكيمياوي. وتؤكد روسيا بأنها بعيدة عن تسميم الجاسوس وأن ليس هناك أي تسمم لسكان دوما.
(5)
وفي الجانب السوري فأن الغرب، الذي خسر مواقعه في سوريا، يتشبث بإزاحة بشار الأسد عن السلطة. وهو طلب معقول من حيث المبدأ، ولكن إزاحته في هذه الفترة وبهذه الفوضى السائدة بسوريا يمكن أن تقود إلى أوضاع مماثلة لما حصل بالعراق في أعقاب إسقاط الدكتاتورية البعثية الصدامية عام 2003. وعلينا هنا أن نتذكر إن الحرب التي نظمتها الولايات المتحدة بتحالف دولي خارج إطار الشرعية الدولية ضد النظام الدكتاتوري بالعراق قد اقترنت بكذبة دولية كبرى لفقتها الإدارة الأمريكية وتحدث بها وزير الخارجية الأمريكية كولن پاول في مجلس الأمن الدولي، والسياسي العراق الحليف للولايات المتحدة الدكتور أحمد الچلبي (1944-2015م)، وأجزاء من المعارضة العراقية. وبالتالي فهي محاولة للانتقام من الأسد لأنها غير قادرة على إزاحته.
يبدو مناسباً أن نتابع المسالة من جانب آخر، أي في أوضاع كل من ترامب وماي. فالمعلومات المنشورة عالمياً تشير إلى أن دونالد ترامپ وتيريزا ماي يعانيان بشكل مرهق ويومي من أزمات داخلية شديدة ومشكلات متفاقمة الأثر السلبي على سلوكهما على الصعيد الدولي، أي باتجاه صرف النظر عن الأزمات والمشكلات الداخلية وإشغال الناس بمثل هذه المشكلات المفتعلة. وهو أمر تؤكده الأحداث الأخيرة والكثير من المحللين السياسيين والنفسيين بكل من الولايات المتحدة وبريطانيا. ولكن سوف لن يعينهما ذلك في التغلب على المصاعب الداخلية، بل سيزيد من تعقيدها بالتعقيد السياسي على صعيد العلاقات الدولية.
(6)
لقد وقفت دول الاتحاد الأوروبي إلى جانب تيريزا ماي ودونالد ترامپ من منطلق التضامن لدول حلف شمال الأطلسي مع الدولة القائدة لهذا التحالف، والذي يعني في المفهوم الشعبوي "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، وهو مفهوم خطير جداً إذا ما ساد في العلاقات الدولية وجرى ابتعاد الدول الكبرى عن المعايير والأسس الدولية في التحقق من الاتهامات المثارة دولياً ضد هذه الدولة أو تلك. لقد أصدر الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية ضد روسيا، كما قامت 14 دولة أوروبية بطرد دبلوماسيين روس من بلدانها ومجموعة من الدبلوماسيين المراقبين في الحلف الأطلسي، إضافة إلى إعلانها الوقوف إلى جانب الدول الثلاث في عدوانها وتأييد الضربات الصاروخية ضد سوريا صبيحة يوم السبت المصادف 14/04/2018، رغم إعلان ميركل إنها لن تشارك في الضربات العسكرية، ولكن ميركل ذاتها اعتبرتها استجابة ضرورية للرد على استخدام الكيماوي بدوما، في حين لم يثبت حتى الآن استخدام سوريا للسلاح الكيمياوي بدوما ولا أي جهة أخرى. وسيبقى على هذه الدول أن تبرهن على مصداقية ادعاءاتها!
(7)
لقد نسقت الدول الكبرى الثلاث، الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، واتفقت بتوجيه 103 ضربة صاروخية من بوارج حربية وطائرات وقاعدة العديد الجوية الأمريكية بقطر والقاعدة الجوية البريطانية بقبرص، استمرت 50 دقيقة. استهدف القصف الثلاثي عددا من القواعد والمطارات والمقرات العسكرية ومركز للبحث العلمي بدمشق العاصمة ومحيطها وموقع عسكري بحمص، ثم اعتبر وزير الدفاع الأمريكي إن الضربات قد انتهت ولن تتواصل. استطاعت سوريا أن تصد 71 صاروخاً من المجموع الكلي للصواريخ التي أطلقت عليها، وهو نجاح كبير للنظام السوري، ولكنه ساهم في تدمير بعض البنى التحتية وقتل وجرح جمهرة من السوريين.     
لقد اعتبر الكثير من المحللين إن هذه الضربات غير موجهة ضد سوريا وبشار الأسد بقدر ما هي موجهة ضد روسيا ووجودها بسوريا غير المرغوب فيه من جانب هذه الدول. إضافة إلى كونه تحذيراً شديد اللهجة لإيران التي تلعب دوراً كبيراً بسوريا، وربما لحزب الله أيضاً. ولهذا جاء تصريح سفير روسيا في واشنطن، بأن هذه العملية تعتبر إهانة مباشرة لفلاديمير بوتين، إضافة إلى إنها تجاوزاً على الشرعية الدولية.
من احتمالات هذه الضربات تفليش ما وصلت إليه مفاوضات الحل السلمي بسوريا أولاً، وتوسيع قاعدة القتال وإشاعة الفوضى بسوريا والمنطقة ثانياً، وتوجيه ضربات انتقامية من إيران وحزب الله وروسيا ضد وجود القوات الأمريكية بسوريا والمنطقة. كما كان في مقدور روسيا مواجهة ذلك برد مباشر. ولم يحصل ذلك حتى الآن. يبدو لي إن جميع الأطراف لا تريد توسيع الصراع والنزاع الدموي في المنطقة، رغم شراسة الضربة الثلاثية على سوريا. وهو أمر أيجابي. 
فقد أعلن البنتاغون انتهاء العملية العسكرية الثلاثية بضربات محدودة، وأنه قد ابلغ الروس بأنها ضربات لا تستهدف التصعيد، كما أعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية إنها أعلمت الروس بهذه الضربات وتوقيتها ومحدوديتها، في حين أعلنت روسيا إنها لم تشارك في مواجهة الضربات الصاروخية. وبهذا المعني يراد القول بأن تنسيقا بصيغة ما قد تم بين الولايات المتحدة وروسيا وأن الضربات سوف لن تستهدف النظام السوري أو القوات الروسية وستكون محدودة ولا تستوجب الرد الروسي.
(8)
ما هي التداعيات المحتملة لهذه الضربات الصاروخية الثلاثية؟
أغلب دول العالم وشعوبها قد استنكرت هذه العملية واعتبرتها تجاوزاً على الشرعية الدولية وعدم إعطاء فرص للتحقق من استخدام النظام السوري للسلاح الكيمياوي بدوما. وفي هذا إدانة صريحة للدول الثلاث التي تجرأت على المجازفة باحتمال المزيد من التداعيات الخطرة لهذه العملية. وعلى وفق المعلومات المنشورة فقد أعترض 300 من أعضاء الكونغرس الأمريكي على هذه الضربات واعتبروها مخالفة للدستور الأمريكي وتجاوزا من جانب الرئيس الأمريكي على صلاحيات الكونغرس البالغ 535 عضواً، منهم 435 نائباً و100 شيخاً.
لقد كان في مقدور هذه العمليات أن تقود إلى تداعيات خطيرة على صعيد المنطقة والعالم، وأن تعرض السلام العالمي إلى مخاطر جدية، وهو تعبير عن عجز العالم ومجلس الأمن الدولي في إيجاد حلول سلمية للمشكلات القائمة، وعن عدم كف الدول الاستعمارية الكبرى عن استخدام قدراتها العسكرية ضد شعوب البلدان النامية، وحيثما شعرت بتهديد "مجالها الحيوي!" ومصالحها الاستعمارية! والجدير بالإشارة إن الشخصية الاستبدادية العثمانية الجديدة، رجب طيب أردوغان، قد أيد تلك الضربات الصاروخية واعتبرها ضرورية، وهو المعتدي الكبير على شعب سوريا في منطقة عفرين، وعلى شعب العراق بإقليم كردستان العراق، كما ايدتها كل من السعودية وقطر، واعترض عليها كل من العراق ولبنان ومصر والإمارات العربية وتونس.. ودعا العراق إلى مناقشة الضربات الصاروخية في القمة العربية التاسعة والعشرين التي ستعقد يوم 15/نسيان/أبريل بالظهران بالمملكة السعودية.
لم تزعزع هذه الضربات الصاروخية النظام الدكتاتوري السوري، بل يبدوا وكأنها ستساهم في تكريسه وتساعد على موقف أقوى في مفاوضات الحل السلمي بمدينتي سوچي وجنيف.   
             

34
سخونة الحرب الباردة الجديدة ومخاطر سياسات حافة الحرب!

د. كاظم حبيب

منذ أن تولى دونالد ترامپ رئاسة البيت الأبيض وأجواء ساخنة تؤشر اشتعال حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية. ولم تقف الدول الغربية الأخرى متفرجة على هذا الصراع بل سارعت إلى تأييد تهديدات الرئيس الأمريكي، سواء أكان بمزيد من العقوبات الاقتصادية، أم طرد الدبلوماسيين الروس، أم بتوجيه ضربة "صواريخ حديثة وذكية وجديدة" ضد مواقع سورية محمية من قبل القوات الروسية الاتحادية. هذا التصعيد الجديد أعقب الضجة المفتعلة التي نظمتها بريطانيا في قضية تسميم العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال (66 عاماً) وابنته يوليا (33 عاماً) في مدينة سالزبوري، ببريطانيا، واعتبرت روسيا هي المسؤولة عن ذلك، لأن هذه النوع من المادة السامة أُنتجت بالاتحاد السوفييتي، علماً بأن مكتشف هذا النوع من السموم يعيش بالولايات المتحدة. ولم تتمكن بريطانيا أن تأتي حتى الآن بأي دليل على تورط روسيا بهذه العملية غير الإنسانية، بل إن بريطانيا رفضت دخول روسيا ضمن لجنة تحقيقية لتشخيص المسؤول عن عملية التسميم، كما رفضت الدول الغربية في مجلس الأمن الدولي قيام اللجنة الدولية المسؤولة عن حظر استخدام الأسلحة المحرمة دوليا بالتحقيق في مزاعم قيام الحكومة السورية بضرب مدنية دوما بالسلاح الكيمياوي، علماً بأن هذه المهمة هي من اختصاصات هذه اللجنة. علماً بأن كل الظروف المحيطة لا تسمح حتى لنظام دكتاتوري وقح مثل النظام السوري وشخصية مستبدة هزيلة مثل بشار الأسد، على استخدام السلاح الكيماوي ضد شعبه. والأسئلة التي تطرح عن العوامل الكامنة وراء هذا التصعيد في توتير العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية المتنفذة وروسيا الاتحادية، وهل إن هذه الحرب الباردة يمكن أن تنتهي إلى صدام عسكري بين دول حلف شمال الأطلسي وروسيا الاتحادية على الأراضي السورية، وبالتالي احتمال إشعال حرب مدمرة في منطقة الشرق الأوسط وبعيداً عن الدول المشعلة لهذه الحرب المحتملة، أم سينتصر العقل وتعود الدبلوماسية والحوارات السياسية إلى المقدمة لتجد حلولاً معقولة لمشكلة سوريا وعموم مشكلات الشرق الأوسط؟
حين يتتبع الباحث مجرى الأحداث وتطوراتها على الصعيد العالمي وبمنطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، يمكنه تسجيل بعض الظواهر المقلقة لشعوب العالم المحبة للأمن والسلام على الصعيد العالمي والمناهضة للحروب والهيمنة الأجنبية، نشير إلى أبرزها فيما يلي:     
1. تواجه شعوب العالم الرأسمالي المتقدم، بما في ذلك روسيا الاتحادية، أزمة سياسية حقيقة تبرز في تراجع الحياة الديمقراطية والتمثيل البرلماني ومصداقية الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية التي تحكم في هذه الدول. وتعاني غالبية الحكومات فيها من تراجع في شعبيتها، عدا روسيا رغم شمولية النظام، وتأييد سياساتها الداخلية. ويمكن أن نورد هنا أمثلة كثيرة في المقدمة منها بريطانيا وإيطاليا وألمانيا الاتحادية وفرنسا. ويقدم الوضع بالولايات المتحدة الأمريكية النموذج الساطع على حقيقة الوضع الداخلي بالولايات المتحدة حيث فقد الشعب ثقته بالقوى السياسية المهيمنة وبالإدارة البيروقراطية التقليدية المحافظة الفاقدة للتأييد والتي قادت إلى صعود شخصية غير سياسية ومليونير غير محسوب العواقب إلى قيادة البيت الأبيض على حساب شخصية من صلب الإدارة البيروقراطية المحافظة الحاكمة، بعد أن وعد ناخبيه:
أ) أن تخدم سياسته أولاً وقبل كل شيء الولايات المتحدة الأمريكية أمريكا أولاً America first، وكأنها قبل ذاك لم تكن كذلك. وتشمل هذه السياسة الحقل الاقتصادي أيضاً؛
ب‌.   أن يفرض أجندته السياسية على الصعيد العالمي وفي محاور الصراع في مناطق العالم المختلفة، ومنها منطقة الشرق الأوسط، على حكومات وشعوب تلك المناطق، بما يحقق مصالح أميكا أولاً؛   
ت‌.   أن يبتز العالم مالياً من خلال التدخل في شؤون الدول الأخرى وفرض إرادته عليها، شريطة أن تدفع للولايات المتحدة تكاليف ما تمارسه الولايات والدبلوماسية الأمريكية من أفعال.
ث‌.   أن يحد من اللجوء إلى الولايات المتحدة وأن يبني سوراً مانعاً على حدود المكسيك وبأموال مكسيكية!
ج‌.   تعديل الميزان التجاري الأمريكي بفرض ضرائب على السلع الواردة إلى الولايات المتحدة بخلاف شروط منظمة التجارة الدولية الحرة.
2. الدور المحدود والضعيف لشعوب هذه الدول في التأثير على سياسات حكومية الدول الغربية  الداخلية منها والخارجية، مما أدى إلى أن تكون بعيدة عن مصالح شعوبها الفعلية.
3. كما إن السياسات الاقتصادية الدولية، التي ما تزال تتحكم بها اللبرالية الجديدة، تلعب دورها في تعميق الصراعات الداخلية والتوترات بسبب تفاقم الفجوة في الدخول ومستوى المعيشة والبطالة من جانب، وسعي تلك الدول على معالجة مشكلاتها الداخلية عبر تصديرها نحو الخارج، لتخفف من أزماتها الداخلية المؤقتة، في حين إن هذه السياسات تعمق من تلك المشكلات الداخلية على المدى المنظور.
4. ويبدو إن حكام الدول الرأسمالية المتقدمة عادت بحنينها للماضي لفرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية والتقنية وتعزيز مناطق النفوذ الحيوي الأكثر حداثة لكل منها في إطار السياسات العولمية للنظام الرأسمالي الدولي وصراع المصالح المتجدد.
5. كما لا يخلو هذا الواقع من نهج جديد لدى حكام الدول المستعمرة وشبه المستعمرة السابقة إلى الشعور بالعجز عن السيطرة على شعوبها أو التحكم التام بأوضاع المنطقة، مما يجعلها تسعى إلى طلب الدعم من حكومات الدول التي استعمرتها في السابق أو دولاً إقليمية لنجدتها في مواجهة شعوبها أو في صراعها ونزاعها مع الدول الأخرى في المنطقة. ويتجلى ذلك باليمن وسوريا والعراق مثلاً.
6. وفي هذا السياق يلاحظ بوضوح تخلي الغرب عن الحديث والادعاء بدفاعه عن حقوق الإنسان وحقوق القوميات والديمقراطية، لأنها أصبحت تهدد مصالحها بالدول النامية ومنطقة الشرق الأوسط. ويتجلى ذلك في تأييدها المبطن لقوى الإسلام السياسي بالمنطقة واستمرار تسليح النظم الاستبدادية بالسلاح، رغم كونها مناطق نزاع ساخنة، كما هو حال تسليح السعودية وبقية دول الخليج او تسليح تركيا أو تسليح روسيا لإيران وسوريا.
7. الارتفاع الشديد في مبيعات السلاح والعتاد على الصعيد العالمي وبدء عملي لسباق تسلح في المنطقة والعالم، وتراجع شديد في الرقابة الدولية وعبر الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية على إنتاج أجيال جديدة من الأسلحة النووية، التي تهدد العالم بحرب طاحنة ومدمرة لكوكبنا الأرضي. وبحسب آخر تقرير لمعهد أبحاث السلام سيبريس أرتفع إجمالي حجم صادرات السلاح على الصعيد العالمي خلال الفترة 2012-2016 بنسبة 16%، ونسبة عالية منها وصلت إلى دول الشرق الأوسط، ولاسيما السعودية.
ونشير هنا إلى ثلاث مسائل مهمة مارستها الدول الغربية ودول المنطقة التي تحاول الهيمنة على سياسات دول المنطقة:
أ‌.   تشكيل وتأييد القوى الإسلامية السياسية المتطرفة، ابتداء من القاعدة ومروراً بداعش وانتهاءً بتنظيمات منشقة على داعش أو تابعة لها بأسماء أخرى. فنحن أمام ممارسات الولايات المتحدة لهذه السياسة وكذلك كل من تركيا والسعودية ودول الخليج وإيران.
ب‌.   تأييد النظم السياسية المستبدة بالمنطقة والمناهضة لشعوبها بمختلف السبل المتاحة لها، وبالتالي فهي تقف بالضد من مصالح شعوب هذه الدول.
ت‌.   تشكيل تحالفات سياسية مؤقتة وأخرى دائمية، بما يسهم في خدمة أهدافها ومصالحها ومصالح إسرائيل بالمنطقة، كما يلاحظ من تأييد التحالف السعودي الخليجي ضد اليمن، بسبب الوجود الإيراني الواضح باليمن والمتحالف مع الحوثيين. أو تأييد التحالف الجديد بين إسرائيل والسعودية ضد إيران. 
  إن هذه الوقائع والظواهر الصارخة وما تحمله من إشكاليات وموت ودمار لشعوب ودول المنطقة يمكن أن يؤشر الهدف المركزي من هذه السياسات على الصعيد العالمي والمنطقة، وأعني به الهيمنة على شعوب ودول المنطقة وفرض سياساتها ومصالحها والتحكم بخيراتها، ولاسيما المواد الخام الاستراتيجية فيها ولاسيما النفط الخام والتحكم بالتجارة الخارجية الدولية. 
إن سياسة ترامپ الانفعالية الراهنة تضع العالم على حافة حرب جديدة، لما يمكن أن ينشأ عن تصرفاته الفردية وسياسة ردود الفعل الهستيرية بعيداً عن بصيرة الإنسان العاقل والمدرك لمخاطر حرب جديدة بمنطقة الشرق الأوسط أو على الصعيد العالمي. وهو اليوم يعيش تحت ضغوط داخلية شديدة الأثر على تصرفاته غير المحسوبة، وفي المقدمة منها أتهام فريقه الانتخابي بالتنسيق مع روسيا، والفضيحة الجنسية مع ستورمي دانيلز الممثلة في صناعة الافلام الإباحية، والمظاهرات الحاشدة لتلاميذ وطلاب المدارس ضد حرية اقتناء وحمل السلاح  والتي بلغ عدد المشاركين فيها أكثر من نصف مليون إنسان وحصلت في 800 مدينة أمريكية، إضافة إلى مناهضة الاتحاد الأوروبي لسياسته التجارية وفرض رسوم جمركية على واردات الحديد والالومنيوم لبلاده، وبدء حرب تجارية مع الصين الشعبية، وكذلك شجب العالم لتأييده لحرب التحالف الخليجي ضد اليمن والموت المتفاقم والنزوح والهجرة والأمراض الفتاكة والدمار الشامل للمدن اليمنية، وهو متورط أيضاً بوعود انتخابية ضاغطة عليه وغير واقعية على الصعيد العالمي.   
إن أي ضربة صاروخية ضد سوريا من جانب التحالف الغربي، ستجابه بتصدي روسي، كما صرح بذلك پوتين، مما يمكن أن يقود ذلك إلى توسيع الحرب بسوريا وتورط دول المنطقة كلها بحرب لا يمكن التنبؤ بعواقبها المدمرة على شعوب وحياة واقتصاد المنطقة والعالم. ولهذا لا بد من العمل على منع حصول ذلك، والسعي لإيجاد حل سلمي وديمقراطي للقضية السورية وإنقاذ الشعب السوري من حرب مدمرة تجاوز عمرها سنوات سبع عجاف. المفاوضات والحلول الدبلوماسية والسلمية عبر الأمم المتحدة هو الطريق الوحيد لحل معضلات دول المنطقة والعالم، وبدونها ستكون الشعوب وحدها هي الخاسرة من هذه السياسات المتعارضة مع الحضارة الإنسانية ومصالح الشعوب ومستقبلها.
[/center]

35
رسالة مفتوحة إلى السيد على السيستاني ووكلاءه بالعراق
سماحة آية الله العظمى السيد على السيستاني المحترم/ الحوزة الدينية بالنجف

تحية طيبة،

وبعد، كُنتُ قد وجهت في السنين المنصرمة أكثر من رسالة إلى جنابكم حول عدد من الأمور التي تمس المجتمع العراقي بالصميم، ومنها ما يمس أتباع الدين الإسلامي والمذهب الشيعي أو ما تعرض له أتباع الديانات الأخرى بالعراق وفي ظل حكومات تترأسها وتقودها أحزاب إسلامية سياسية حظيت بتأييدكم وبركاتكم. ولم احظ بجواب منكم. وكان من المفترض، وأنتم في المقام الديني الرفيع، أن تجيبوا على رسائلي ذات المضامين غير الشخصية والتي تمس الشأن العراقي الديني والاجتماعي العام مباشرة. ومع ذلك فأن من فوائد رسائلي المفتوحة أنها تُقرأ من عدد كبير من القارئات والقراء بالعراق وبدول عربية أخرى وحيثما وجد قراء بالعربية. إذ إن لها بعداً تنويرياً يعالج العيوب التي يعاني منها المجتمع والتي لا تجد أذاناً صاغية لدى الغالبية العظمى من شيوخ الدين بالعراق، لأن عدداً كبيراً منهم منشغل بأكتناز وتكديس الأموال والتعاون مع جمهرة من سياسيي الصدفة من رجال الدين والأحزاب الإسلامية السياسية. وفي الغالب الأعم، فأن هذه الأموال هي من السحت الحرام، إضافة إلى العقارات ودور السكن التي احتلوها وسكنوا فيها أو حولوها إلى مراكز لعملهم الحزبي و"الديني!". وهذا ليس ادعاءً أهوجاً أو غير مسؤول من جانبي، بل هو التعبير الصارخ عن حقيقة دامغة تحدثَ البعض من وكلائكم عنها، ومنهم الشيخ عبد المهدي الكربلائي. ولم يهتف الشعب عبثاً أو رغبة في الإساءة إلى أحد، حين قالوا "باسم الدين باگونه الحراميه"، و"باسم الله هتكونة الشلايتية"!!، بل كان هذا الشعار المزدوج واقعاً يعيشه الناس يومياً وفي كل شبر من أرض الدولة العراقية دون استثناء.

السيد المحترم

لقد تدخلتم، وما زلتم، بالسياسة من أوسع أبوابها، وهي ليست من صلب مهمات موقعكم ومركزكم الديني، وتسببتم بوصول أشخاص وأحزاب سياسية إسلامية طائفية مريضة بكراهية الشعب والفساد والرغبة في إيذاء أوسع دائرة ممكنة من الناس، ولاسيما أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، وتسببتم في هيمنتهم على سلطات الدولة الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضاء، ودعمتم أسوأ هذه الشخصيات التي تسببت بمآسي وكوارث العراق خلال السنوات الـ 15 المنصرمة، التي سرقت وسهلت نهب أموال الشعب وقوته اليومي ، كما سلَّمَتْ، بعدوانيتها وطائفيتها المقيتة، مدينة الموصل وسهل نينوى، وكل محافظة نينوى، ومحافظات غرب العراق، إلى المحتل الدموي، تنظيم داعش المجرم، والذي أدى إلى موت مئات الآلاف من أبناء وبنات العراق ومن كل الأعمار وإلى جرائم الإبادة الجماعية.

ومن موقع المسؤولية الدينية التي في أيديكم وعنقكم لم تقفوا بوجه البدع الدخيلة على الإسلام التي تمارس سنوياً في عشرة عاشوراء أو أربعينية الشهيد الحسين وصحبه الكرام، ولا في المناسبات الأخرى التي أصبحت تشمل ثلثي أيام العمل بالعراق. كما لم تساهموا في مساعدة فقراء العراق من خلال تبيان رأيكم الديني، وليس السياسي، في واقع الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء، بين "بحبوحة" شيوخ الدين ومعممي السياسة من جهة، والعوز الشديد الذي يلف نسبة عالية جداً من سكان العراق من جهة أخرى.

لا أدعوكم هنا إلى التدخل في السياسة أبداً، أو الوقوف إلى جانب هذا وضد ذاك، بل أدعوكم إلى الالتزام بمهامكم الدينية، تلك التي تخليتم عن الكثير منها منذ سقوط الدكتاتورية البعثية الغاشمة وقيام النظام السياسي الطائفي المقيت على أنقاضه، وتدخلتم في مهمات ليست ضمن واجباتكم الدينية،من خلال:

** عدم التدخل في السياسة والالتزام بمبدأ الفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة، وهو مبدأ لصالح الدين وأتباعه، ولصالح الدولة ومواطناتها ومواطنيها في آن واحد.

** أن توجهوا أنظاركم وجهودكم صوب الدفاع الديني عن الإنسان، أياً كان، دينه أو مذهبه، قوميته أو لغته أو جنسه، أي الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، الذين تعرضوا للعسف والاضطهاد والقتل على الهوية والسبي والاغتصاب وبيع النساء الإيزيديات في سوق النخاسة الإسلامي وممارسة العبودية بحق الإنسان غير المسلم!!!

** أن تلعبوا دوركم الديني في الاستعداد الفعلي للكشف دون رحمة عن الذين استخدموا وما زالوا يستخدمون الدين للخديعة والكذب وتشويه العقول وسرقة المال العام، سواء أكانوا من شيوخ الدين، أم من العاملين في الأحزاب الإسلامية السياسية وفي السلطة، لأنهم باسم الدين يمارسون كل ذلك.

** أن تساهموا من موقعكم الديني في الدفاع عن الأيتام والأرامل والمعوقين من ذوي الحاجات الخاصة، والابتعاد عن الدفاع عن كل مَن ارتدى العمامة، لكن جيوبه مليئة بالسحت الحرام، فهؤلاء ذئاب وليسوا بشراً. وكم كان أبن النجف الشاعر محمد صالح بحر العلوم محقاً حين قال وهو يخاطب تلك الذئاب بالذات:

يا ذئاباً فتكت بالناس ألاف القرون      اتركيني أنا والدين فما أنت وديني       

أمن الله قد استحصلت صكاً في شؤوني         وكتاب الله في الجامع يشكو اين حقي!

** أن تقوموا بتوزيع الأموال التي في حوزتكم، ولاسيما الخمس، لإعمار العراق، ومنها إقامة بيوت للأرامل والفقراء ودور حضانة ومدارس لليتامى من الأطفال، بدلاً من توجيه تلك الأموال إلى بناء ما يشاء ويريد حكام إيران، على حسب ما قرأته في موقعكم على الإنترنت، وما يتحدث به اقرانكم.

** إن تبحثوا مع شيوخ الدين بإيران ليتخلوا حقاً وصدقاً عن التدخل الفظ في الشأن الديني العراقي، وأن يكفوا عن تصدير الجمعيات والبدع التي تشوه الدين والمذهب بالعراق، في حين لا يمارس كل ذلك بإيران.

** أن تطلبوا من إيران الكف عن تمويل المليشيات الطائفية المسلحة بالأموال والسلاح والعتاد والخبراء والقياديين والجواسيس الذي يتولون العمل في الحشد الشعبي برموزه المعروفة التي لا تلتزم بالإرادة العراقية، بل بإرادة المرشد الإيراني السيد علي خامنئي، وهو ما يصرح به أغلب قادة المليشيات الطائفية المسلحة. إن هذه المهمة واحدة من مهماتكم وواجباتكم الدينية وليس السياسية.

** ومن واجبكم الديني والاجتماعي أن تمنعوا شيوخ الدين من وكلائكم أو غيرهم، من شتم المدنيين والديمقراطيين والشيوعيين والإساءة لسمعتهم باسم الدين وباسمكم وبأسماء مراجع دينية أخرى بالنجف. لأنهم بذلك يسيئون بقصد التشويه إلى أناس شرفاء لم تتدنس أيديهم بالسحت الحرام أو خطايا الكذب والتزوير والتهريب والقتل.. ألخ. وهو ما يعرفه الإنسان العراقي جيداً.

** كم أتمنى عليكم أن تمنعوا رفع صور شيوخ الدين الإيرانيين والعراقيين في الساحات العامة وفي الدعاية الانتخابية مستثمرين بساطة الناس لتشويه إرادة العراقيات والعراقيين باسم الدين وباسمكم.

** من واجبكم الديني، وليس السياسي، تحريم الرشوة وشراء وبيع أصوات الناخبين أو ممارسة التزوير والغيبة لأنها كلها مخالفات تتناقض ما هو ملزم ومطلوب من المسلم والمسلمة عموماً، فـ "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده!".

** ومطلوب منكم أن تحرموا مثلاً شراء أعضاء من جسم الإنسان، ولاسيما الأطفال، بسبب حاجة العائلات للمال، أو عهر الأطفال من الذكور والإناث الذي أصبح تجارة رابحة بالعراق، أو تصدير المخدرات من افغانستان وإيران إلى العراق وتدمير صحة أطفال وشباب العراق، والتي أصبح موسم الزيارات الحسينية أحد الأبواب المهمة في تهريب المخدرات إلى العراق!

لديّ، سماحة السيد، قائمة طويلة بما هو مطلوب منكم باعتباركم تحتلون الموقع الأهم والأول بين مراتب شيوخ الدين بالعراق، إذ يمكن أن يُسمع صوتكم الديني من قبل المسلمات والمسلمين الشيعة بجانبه الديني وليس السياسي. فما ذكرته في أعلاه يعتبر جملة من المجالات التي يمكنكم أن تخدموا الإنسان العراقي والحياة الدينية والاجتماعية العراقية، وأن تدعوا للتآخي بين اتباع جميع الديانات والمذاهب بالعراق وتحرموا الصراع والنزاع الديني والمذهبي والقومي، فقد سالت بالعراق دماء ودموع كثيرة وكثيرة جداً لا طاقة لهذا الشعب في تحمل المزيد منها، والظلم، كما تعرفون، إن دام دمّر. لم يكن البعثيون وحدهم من تسبب بسيول الدماء في الحروب وفي الاستبداد، بل الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية بميلشياتها الطائفية المسلحة وسياساتها التي مزقت النسيج الوطني العراق أكثر فأكثر.   

ارجو لكم الصحة والعمر المديد للقيام بالواجبات الدينية والاجتماعية الملقاة على عاتقكم، على حسب اجتهادي وقناعتي.

مع خالص التقدير

د. كاظم حبيب


36

كاظم حبيب

نقاش متعدد الجوانب مع أفكار كريم مروة حول اليسار

منذ أن تعرفت على كريم مروة، ومعه الرفيق غسان رفاعي، في منتصف الستينيات من القرن العشرين ببيروت، وأنا في طريقي إلى بغداد بصورة سرية ، ومنذ أن بدأ حوارنا بشكوك مشروعة حينذاك حول مدى صواب ما طرحه الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي وتبنته الحركة الشيوعية العالمية عن إمكانية ولوج طريق التطور اللارأسمالي وتجاوز مرحلة الرأسمالية صوب الاشتراكية، أو ما سمي بطريق التوجه الاشتراكي، ونظريات الانتقال إلى الاشتراكية في البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، وحين تمادى البعض، (والتر أولبريشت)، وأطلق على مصر بأنها تسير في الاتجاه الاشتراكي، منذ ذلك التاريخ بدأت متابعتي لنشاط الحزب الشيوعي اللبناني ولكتابات ومواقف كريم مروة. كنا جميعاً من مدرسة واحدة هي المدرسة الماركسية–اللينينية. وكنا نشترك بذات الأحلام، والكثير منها كان أوهاماً يجمعها نوايا حسنة. كان ينقصنا إدراك مخاطر تلك الأخطاء. ومع ذلك فقد كانت تلك الفترة مليئة بالحركة الدائبة وبالتضحيات الجسام والبطولات النادرة التي اجترحها الشيوعيون والتقدميون والديمقراطيون في البلدان العربية، رغم الحصيلة الضعيفة لذلك النضال التي اقترنت بانتكاسات سياسية واجتماعية كبيرة على صعيد الحركة الشيوعية العالمية والمنظومة الاشتراكية، طاولت عموم منطقة الشرق الأوسط، ومنها البلدان العربية.
ومنذ ما يقرب من عقدين، وقبل وقوع الزلزال الكبير الذي هزَّ العالم المتمثل بسقوط الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية. وهو زلزال شببيه، في شروط تاريخية مختلفة، بالزلزال الذي هز العالم لدى قيام الدولة السوفييتية في أعقاب انتصار ثورة أكتوبر في عام 1917، منذ ذلك التاريخ الجديد المشار إليه بدأ التفكير لدى مجموعة من مناضلي الحركة الشيوعية والحركة اليسارية في البلدان العربية بضرورة التمعن في ماضي الحركة الشيوعية وأحزابها السياسية وماضي حركة اليسار وحاضرها وآفاق المستقبل، ومتابعة جادة للتحولات الكبيرة الجارية في العالم والتغيرات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط واستيعاب الواقع المتحرك والمتغير سلباً أو إيجاباً في البلدان العربية.
لا شك في أن حركة البريسترويكا في الاتحاد السوفييتي منذ العام 1984/1985 قد حركت المياه الراكدة في أوساط وأحزاب الحركة الشيوعية العالمية، ودلت على عمق الأزمة التي يعاني منها الفكر الماركسي-اللينيني وتعاني منها حركة اليسار على الصعيد العالمي. وهي الأزمة التي دفعت برفاق في الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية إلى التفكير بعقلية نقدية لماضي وحاضر الحركة الشيوعية والعمالية ولسياسات أحزابها ولممارساتهم الفعلية، ومنها الحزب الشيوعي اللبناني- وإلى التطلع في مشروع جديد نحو المستقبل. في هذه الفترة بالذات كنا في الحزب الشيوعي العراقي نتابع أوضاع الحزب الشيوعي اللبناني والصراعات الفكرية والسياسية التي كانت تجري داخله، والمواقف المتباينة إزاء الكثير من الأحداث، وبروز تيار تجديدي فيه يحمل رؤية جديدة ويطرح أفكاراً جديدة للمشكلات التي تعاني منها البلدان العربية. ولم تكن كل تلك الرؤى والأفكار موضع ارتياح أو تقبل من جانب العديد من الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية، ومنها الحزب الشيوعي العراقي. ولم يكن ذلك الجديد في الفكر وفي السياسة كله على صواب، إذ لم يكن قد بني على أسس وقواعد متينة وواضحة حينذاك.
كان كريم مروة واحداً من أبرز وأنشط من اجتهد لتكوين رؤية جديدة نقدية للكثير من مواقع الفكر القديم الذي كان راسخاً في أذهان غالبية الرفاق في الحركة الشيوعية في لبنان وفي سائر البلدان العربية. وكان يستند في عرض أفكاره تلك إلى معرفة جيدة بالنظرية، وإلى استيعاب لمكونات المنهج المادي الجدلي وسبل استخدامه، وإلى قراءة مدققة للواقع المتحرك وتجربة غنية ومتراكمة عبر عقود من العمل الفكري والسياسي ومن العلاقات الواسعة مع قوى حركة اليسار على الصعيدين العربي والعالمي.
ومنذ ما يقرب من 15 سنة، وأنا أتابع كتابات الأستاذ كريم مروة ومواقفه الجديدة من الحزب الشيوعي اللبناني وفي الحركة الشيوعية في البلدان العربية ومن محاولاته في بث روح التجديد في الحركة اليسارية في بلداننا، كما كنت أتابع الرفض والمقاومة الشديدة التي كان يواجهها من قوى متنفذة في الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية من جهة، والرضا والقبول من جانب قوى يسارية تتطلع للجديد وللتجديد من جهة أخرى.
علينا باستمرار أن نتذكر بأننا كنا، كشيوعيين، نعمل في حركة شديدة التماسك والانغلاق الإيديولوجي على الذات والانضباط الحديدي الذي لم يفسح في المجال للفكر من الانطلاق بحرية ومبادرة حيوية. كانت المدرسة قد التزمت بالنظرية الماركسية–اللينينية التي تحولت بمرور الزمن إلى أشبه ما يكون بـ"دين"، وإلى قيد شديد على فكر وحركة وحرية الإنسان الشيوعي وقدرته على ممارسة الاستقلال الفكري. كما كانت التربية وحيدة الجانب ومتعالية على المدارس الفكرية الأخرى. بعكس ما كان يفترض أن تكون عليه. ولهذا كنا، نحن أعضاء هذه المدرسة الفكرية، شديدي القناعة بنظريتنا دون أن يكون لدينا أدنى شك وقلق حول تحليلاتنا واستنتاجاتنا، بعكس ما كان يتطلبه الموقف العلمي الرصين من الغوص في أعماق الأحداث وتحليلها بعناية واستخلاص الاستنتاجات الواقعية والموضوعية. كنا نستهلك ما ينتجه السوفييت من مقولات واجتهادات، دون أن نمتلك الحق عملياً في المبادرة الفكرية وطرح ما نفكر به. ومن هنا نشأ الجمود في حركتنا وفي وعينا للواقع. وبدأت مظاهر الأزمة الفكرية والسياسية في الحركة الشيوعية وفي حركة اليسار على الصعيد العالمي منذ زمن بعيد. ثم تراكمت وتشابكت وتفجرت تلك الأزمة في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وأحدثت ذلك الزلزال، الذي لا تزال مفاعيله تبرز بصيغ مختلفة، وستبقى مؤثرة لفترة طويلة.
لا شك في أن الحركة الشيوعية بالبلدان العربية قد لعبت دوراً متميزاً وملموساً في النضال ضد الإمبريالية وضد السيطرة الأجنبية ومن أجل تعزيز الاستقلال والسيادة الوطنية وتنشيط عملية التنوير الديني والاجتماعي والدفاع عن مصالح الكادحين والمحرومين. وقدمت في نضالها الكثير من التضحيات الجسام قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها. لكنها كانت في الوقت نفسه قد ارتكبت الكثير من الأخطاء التي خلفت عواقب غير قليلة على الصعيدين الفكري والسياسي وعلى صعيد الممارسة العملية. ويبدو لي إن واحدة من أبرز تلك الأخطاء الفكرية والسياسية للمدرسة الماركسية–اللينينية، التي كنا جزءاً منها، هي القناعة الإيمانية غير المبررة بأننا كنا دوماً على حق، وأن الحقيقة كانت إلى جانبنا، وأن الصواب كان يقترن بتحليلاتنا وتقديراتنا للواقع وللمهمات التي كانت تواجه شعوبنا. واستندنا في تلك القناعة إلى إننا كنا نستخدم المنهج المادي الجدلي بشكل صحيح، ولم يكن الأمر هكذا دائماً. بل كنا في صيغة تلك القناعة على خطأ كبير. لقد كانت رغباتنا وطموحاتنا تسبق تحليلاتنا وتؤطرها. وكانت هي الموجهة الفعلية لتلك التحليلات وليس الواقع القائم باعتباره أساس وقاعدة التحليل الفعلية. أورد مثالاً واحداً على ذلك. لقد توصلت الحركة الشيوعية في وقت مبكر إلى القناعة بأن الرأسمالية كانت تقترب من نهايتها، إنها كانت في المرحلة الثالثة من أزمتها العامة، وأنها كانت قاب قوسين أو أدنى من مرحلة لفظ أنفاسها ممهدة بذلك لمرحلة جديدة في حياة البشرية، مرحلة الاشتراكية الخالية من الاستغلال والحرمان والعبودية لرأس المال. وقد بلغ الأمر بسكرتير عام الحزب الشيوعي السوفييتي، نيكيتا خروتشوف، أن طرح مقولة وهمية خادعة مفادها "أن أفق بناء الشيوعية في الاتحاد السوفييتي لم يعد بعيداً، بل هو أصبح قريباً جداً!، في وقت كانت الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد بدأت منذ سنوات العقد السابع من القرن العشرين تشدد من خناقها على رقاب شعوب الاتحاد السوفييتي وتلقي بظلالها على الحياة اليومية للإنسان السوفييتي. لقد تم إنكار واقع وجود تناقضات وصراعات اجتماعية وسياسية في المجتمع السوفييتي، باعتبار أن الاشتراكية لا تعرف التناقضات، وبالتالي لم يتحركوا باتجاه حلها، مما زاد من فعلها وعمق من تلك التناقضات وشدد من الصراعات وكاد يحولها إلى نزاعات. وسرنا مع الاتحاد السوفييتي في ذلك التصور الحالم. وكنا واهمين وارتكبنا بذلك، كحركة وكأحزاب وكأفراد، سلسلة من الأخطاء الفادحة كان يفترض فيها، ومنذ فترة غير قصيرة، أن تدفعنا إلى إعادة النظر بحركة اليسار عموماً، وبالأحزاب الشيوعية منها بشكل خاص، من أجل استخلاص الدروس والعبر من الماضي واستيعاب حركة الحاضر واستشراف المستقبل. ولا بد لنا أن نعترف هنا مرة أخرى بأننا كنا مستهلكين للتنظير السوفييتي الذي كان في الغالب الأعم إرادي النزعة وسطحي التحليل في التعامل مع المادية التاريخية. لم نشغّل عقولنا وأصبنا بكسل التفكير، ولم نكن مبادرين وفعالين في التحليل المطلوب لأوضاعنا المحلية وللأوضاع على الصعيدين الإقليمي والدولي، مما أوقعنا في أخطاء ومطبَّات كثيرة وكبيرة.
والآن وللأسف الشديد نلاحظ حراكاً ضعيفاً في صفوف الشيوعيين باتجاه إعادة النظر الجادة بالماضي وبسياسات الأحزاب الشيوعية، مما ساهم بتقسيم حركة اليسار إلى جزء قديم وآخر يطمح للتجديد. وإذ يتمثل القديم بتلك الأحزاب التي تعيش بين مدينتي "نعم ولا" وفق تعبير جميل للشاعر الروسي يفجيني افتوشنكو، أي بين الخشية من التغيير والتعثر فيما جرى تحديده، وهو قليل، وبين عدم القدرة على متابعة التغيرات الكبيرة الجارية في عالمنا الراهن، والعجز بالتالي عن فهم ضرورات إجراء التغيير والتجديد الفكري والسياسي والتنظيمي والتجديد في العلاقة مع فئات وقوى المجتمع داخل حركة اليسار في البلدان العربية. أما الجديد في اليسار فلا يزال في بداياته. فهناك تيار التجديد الذي يتمثل بإفراد وجماعات صغيرة أخذت على عاتقها طرح رؤيتها الجديدة حول الأفكار والإحداث والسياسات السابقة، قدمت تحليلاتها للواقع الجاري ومهمات المرحلة الراهنة والسعي لاستشراف المستقبل. ولا شك في أن كل ما هو جديد لا يصطدم بالقديم فحسب، بل ويُحارب بقوة من جانب حاملي المشروع القديم. إذ يتهم أصحاب المشروع الجديد باليمينية وبالمساومة مع الإمبريالية والبرجوازية وما إلى ذلك. ومثل هذا التوجه يلحق الضرر البالغ بعملية التجديد المنشودة في حركة اليسار ويعطلها، ولكن الجديد سيفرض في المحصلة النهائية نفسه عاجلاً أم آجلاً.
نحن اليوم أمام محاولات واجتهادات جادة لتجديد فكر ومشروع اليسار في البلدان العربية. ونجد لذلك نواتات في الكثير من البلدان العربية، ومنها لبنان والعراق على سبيل المثال لا الحصر.
يحتل كريم مروة (ولادة 1930م) مكانة مرموقة ومتميزة بين دعاة التجديد في فكر ومشروع اليسار الديمقراطي بلبنان والبلدان العربية. ويتجلى ذلك في النشاط الدؤوب، وهو ابن 88 عاماً، في مجموعة الكتب والمقالات واللقاءات الغنية التي نشرت والتي يتحرى فيها الكاتب بجهد مثابر ومسؤولية عالية عن سبل تجديد حركة ومشروع اليسار. ومن بين أبرز ما كتبه إلى الآن يتصدر كتابه الأخير "نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي". وهو كتاب يستحق القراءة والمناقشة بجدارة. (دار الساقي، بيروت، 2010).
إن الانطلاق بحركة اليسار نحو آفاق جديدة وتجديد فعلي لفكرها ومشروعها السياسي يتطلب الالتزام بالقواعد التالية:
1-   ضرورة الاستخدام السليم والعلمي للمنهج المادي الجدلي في البحث والتحليل والتدقيق في الظروف الملموسة لواقع هذا البلد أو ذاك؛
2-   الانطلاق من واقع الحياة اليومية للناس ومن المتغيرات الجارية على الاقتصاد والمجتمع، وعلى فكر ووعي الفرد والمجتمع أولاً، وكذلك التغيرات الحاصلة على الصعيدين الإقليمي والدولي ثانياً، من أجل تحديد المهمات والأهداف المرحلية والابتعاد عن محاولة القفز فوق المراحل أو حرقها؛
3-   تأمين الربط العضوي بين عملية التغيير في البنية الاقتصادية والاجتماعية في هذا البلد أو ذاك، وبين تطور وعي الفرد والمجتمع وسعيهما المشترك لصالح حرية الإنسان وحقوقه المشروعة وسعادته والعدالة الاجتماعية، واستخلاص مدى الاستعداد الفعلي للمشاركة في عملية التغيير.
4-   تشخيص دقيق وسليم للقوى الاجتماعية التي يهمها إنجاز مهمات المرحلة التي يفترض أن تتبلور في مجالين أساسيين: أ- مجال تحديد المهمات في إطار برنامج تستوجبه طبيعة المرحلة؛ ب- أن تكون المهمات المطلوب تحقيقها متطابقة مع القوى الاجتماعية والسياسية المعنية بالنضال لتحقيق المشروع الوطني والديمقراطي.
في هذا الاتجاه يحدد كريم مروة بعض المرتكزات العامة التي يفترض أن تسود في العلاقات السياسية، بعد أن غابت عنها طويلاً، مثل الأخلاق والصدق والشفافية واحترام الرأي والرأي الآخر ورفض العنف وسياسة القوة، والتحول صوب التنافس الديمقراطي في تحقيق المهمات، والتداول الديمقراطي السلمي والبرلماني للسلطة، وفصل الدين عن الدولة، وحرية وحقوق الإنسان وحرية المرأة...الخ، ثم يخلص إلى تأكيد مرتكزين أساسيين. في المرتكز الأول يؤكد مروة أن المفاهيم العامة في الفكر السياسي والاجتماعي، وفي الفكر عموماً، هي مفاهيم متغيرة، أي غير ثابتة عنده (ص 74). في حين يتلخص المرتكز الثاني في كون ".. بلداننا هي جزء من عالم يتغير وتجري فيه تحولات كبيرة، وأن علينا أن نكون جزءاً من هذه التحولات، في الاتجاه الصحيح فيها، ضد الاتجاهات النقيضة لمصالح بلداننا ولمصالح البشرية عموماً." (ص 74/75). وهما مرتكزان يفترض ألا يغيبا عن ذهن من يعكف على دراسة الأوضاع السائدة في بلداننا وفي العالم المعاصر.
إن الاستناد إلى المنهج المادي الجدلي في دراسة أحداث السنوات المنصرمة تجعلنا وجهاً لوجه أمام جملة من المسائل المهمة التي يمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:
1.   القفزة الهائلة في مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية على الصعيد العالمي. وهي نتاج الثورة العلمية-التقنية، ثورة الإنفوميديا، التي ساهمت في نقل الرأسمالية إلى مرحلة جديدة في تطورها، هي مرحلة العولمة في جميع مجالات الحياة باعتبارها عملية موضوعية لا مرَّد لها، حولت العالم إلى قرية كونية متلاصقة في دورها ودروبها. وقد أسهمت هذه الثورة في توفير إمكانية أفضل للرأسمالية على الصعيد العالمي في معالجة مشكلاتها وأزماتها الاقتصادية بمستويات جديدة ترمي بثقل عواقبها على الفئات الأكثر ضعفاً عند شعوب الدول الرأسمالية المتقدمة، وعند شعوب البلدان النامية على نحو خاص. وهو ما تشير إليه وتؤكده الأزمة المالية والاقتصادية الجديدة الجارية، التي تفجرت في نهاية العام 2008، وتفاقمت في بداية 2010 ولم تصل إلى نهايتها حتى الآن. لكنها توفر، في الوقت نفسه، إمكانية جديدة لدفع عملية التطور في البلدان النامية، إن أحسن تجاوز السلبيات التي تنشأ عن السياسات العولمية التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة إزاء البلدان النامية، وهي سياسات موغلة بوحشية الاستغلال.
2.   إن الانهيار الكبير للاتحاد السوفييتي وبقية بلدان مجلس التعاضد الاقتصادي قد نشأ بفعل عوامل داخلية وتراكمات كثيرة ارتبطت بالواقع الذي انطلقت منه تلك البلدان، ومن التراكم الذي كان يتم على ذلك الأساس الهش من البناء، إذ لم تتوفر لروسيا القيصرية في حينها القاعدة المادية ولا الوعي الفردي والاجتماعي الكافيين والضروريين للتوجه صوب بناء الاشتراكية. وهو ما حصل بالفعل في البلدان الأخرى التي لحقت بالاتحاد السوفييتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتبنت نموذجه للاشتراكية. وعليه فأن العوامل الخارجية لم تلعب سوى الدور المساعد والمهم في تعجيل الانهيار.
3.   الانتكاسات المتلاحقة لحركة التحرر الوطني العربية التي اقترنت بعدد كبير من العوامل، بما في ذلك مشروع الأحزاب الشيوعية وحركة اليسار عموماً، إضافة إلى الحركات القومية والدينية المتشددة، التي يعود بعض أسبابها لطبيعة المهمات التي رفعتها تلك الحركات التي لم تكن متناغمة مع طبيعة المرحلة ومع مهماتها ولا مع أساليب وأدوات النضال.
4.   تبلور قراءة جديدة أكثر واقعية وفهماً وأكثر تدقيقاً في مسألتين مهمتين، هما: سبل التعامل مع الفكر الماركسي ومنهجه المادي الجدلي من جهة، والاستناد إلى الواقع الذي تعيش فيه شعوب البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، عند استخدام هذا المنهج المادي الجدلي لإعادة النظر في الماضي وفهم الحاضر واستشراف المستقبل من جهة أخرى.
نحن إذن أمام قوى لا تزال تحمل القديم وتتشبث به وترفض التنازل عنه ولا تريد أن ترى الجديد أو هي عاجزة عن رؤيته لأي سبب كان، وأخرى قرأت الجديد واستوعبت ضرورة وعي القوانين الموضوعية المحركة لعمليات التحول الاقتصادي والاجتماعي في هذا البلد أو ذاك، التي على ضوئها يمكن رسم المهمات التي يفترض النضال من أجلها في المرحلة الجارية.
في هذا الإطار يضعنا كريم مروة أمام مجموعة من القضايا الجوهرية التي ربما ليس عليها خلاف كبير في الظاهر، ولكن الاختلاف حولها يبدأ في الممارسة العملية.
إن الدراسة التي يقدمها لنا كريم مروة غنية ومتعددة الجوانب سأحاول أن التقط منها بعض النقاط المهمة لإبداء الرأي بشأنها:
1) طبيعة المرحلة والموقف من بناء الدولة الديمقراطية الحديثة. ذلك السؤال الذي يواجهنا في المرحلة الراهنة هو تحديد المهمة المركزية في النضال الذي تخوضه شعوب الشرق الأوسط بشكل عام وشعوب البلدان العربية على نحو خاص؟ هنا أجد نفسي متفقاً مع الكاتب حين يؤكد أن المهمة التي تواجه شعوبنا ليست تحقيق الاشتراكية، بل هي مهمات وطنية وديمقراطية، تقع في إطار مرحلة انتقالية تتطلب إقامة العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في اقتصاديات ومجتمعات البلدان العربية، رغم الاختلاف في مستويات تطورها. إننا إذن أمام مهمات التخلص من بقايا العلاقات ما قبل الرأسمالية وبناء الرأسمالية التي يفترض أن تكون غير منفلتة لكي تشكل القاعدة المادية لتطور جديد مناسب للقوى المنتجة المادية والبشرية، إضافة إلى ربط ذلك بمستوى تطور وعي الإنسان الفردي والجمعي المجتمعي. فشعوب البلدان العربية لا تزال تعيش في ظل علاقات إنتاجية واجتماعية متنوعة تتراوح بين البداوة والفلاحة، علاقات أبوية وعلاقات إنتاج شبه إقطاعية متخلفة وعلاقات عشائرية، وبين مجتمعات نمت لتوها علاقات إنتاج رأسمالية حديثة التكوين وفي مجالا ت التجارة والعقار، وأخرى نمت فيها علاقات الإنتاج الرأسمالية نسبياً، كما في كل من مصر وسوريا والمغرب والعراق، وأخرى قائمة على الاقتصاد الريعي النفطي السعودية والعراق وليبيا ودول الخليج. وفي جميع هذه البلدان يلاحظ وجود نظم سياسية غير ديمقراطية واستبدادية وغياب الحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. كما تلعب المؤسسات الدينية دورها البارز في التأثير على فكر الإنسان وعلى الكثير من سلوكياته وتصرفاته إزاء نفسه وإزاء الآخر.
2) نستخلص مما تقدم استنتاجاً جوهرياً يؤكد بان مهمة شعوب هذه البلدان، مهمة أحزابها اليسارية على وجه الخصوص، لا تكمن في رفع شعارات اشتراكية تتجاوز حدود المرحلة الديمقراطية، بل يفترض لهذه الشعارات أن تتطابق مع طبيعة المرحلة ومهماتها الأساسية، التي بلورها كريم مروة في المشروع الذي طرحه كبرنامج مرحلي لليسار العربي، رغم التباين الذي يمكن أن يحصل حين يجري الحديث عن كل بلد بشكل ملموس.
إن هذا الإقرار يقود إلى الرؤية التالية:
1-   إن المرحلة الراهنة ليست مرحلة انتقالية من الرأسمالية إلى الاشتراكية أو تجاوز المرحلة الرأسمالية، بل هي بالتحديد مرحلة انتقال من علاقات ما قبل الرأسمالية، وهي علاقات متشابكة، علاقات رأسمالية حديثة التكوين وضعيفة، الانتقال إلى علاقات إنتاجية رأسمالية متقدمة. 2- هذه الرؤية الواقعية لا تعني بأي حال إيقاف النضال من أجل مواجهة ومناهضة محاولات تشديد استغلال العمال والفلاحين والكسبة والحرفيين والمثقفين في هذه البلدان، بل يفترض أن يتواصل النضال من أجل الحد من هذا الاستغلال بقوانين اقتصادية واجتماعية ملزمة. إن النضال من أجل الاشتراكية يمر عبر الصراع بين الطبقة العاملة والحلفاء الأساسيين، وبين المستغلين في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالي وتأمين الأرضية والقاعدة المادية للتحولات المنشودة صوب مجتمع العدالة اجتماعية.
2-   إن هذا الواقع يطرح علينا سؤالاً مشروعاً: إذا كانت المهمة الراهنة ليست اشتراكية ولا شيوعية، وإذا كانت ذات طابع وطني وديمقراطي، تقود إلى إرساء قواعد ومبادئ الحرية الفردية وحرية المجتمع وسيادة الديمقراطية ودولة القانون والحق والمؤسسات الدستورية.. الخ، فأن هذا يفترض أن يتجلى في ثلاث مسائل جوهرية بعيداً عن الهروب إلى أمام: أ- إن على البرامج الجديدة التي يفترض أن تطرحها قوى اليسار للنضال مع قوى الشعب من أجل تحقيقها مرحلياً التي يفترض أن تتناغم مع فهم الواقع واستيعاب مهمات وأساليب وأدوات تغييره. ب- إن اسم هذا الحزب اليساري أو ذاك ينبغي أن ينسجم مع طبيعة المهمات المرحلية. جـ- إن تحديد الأدوات والأساليب السلمية والديمقراطية التي تختارها قوى اليسار للنضال من أجل تحقيق تلك الأهداف، ينبغي أن تكون بعيدة عن العنف والقوة والسلاح وعن الانقلابات. وحين تحاول القوى المستقلة والحاكمة مواجهة الجماهير ونضالها بالنار والحديد، عندها تتبلور وتنضج ظروف ومستلزمات الخلاص من تلك النظم موضوعياً وعبر التحولات الثورية التي يفرضها الواقع السياسي والاجتماعي بالبلاد.
إن هذا التوجه يُحصّن قوى اليسار من الهروب إلى أمام، كما حصل في بداية ثورة أكتوبر 1917. ففي الوقت الذي استنتج فيه لينين في كتاب "الدولة والثورة" في العام 1916 بأن روسيا غير جاهزة للبناء الاشتراكي بأي حال، فإنه سرعان ما قرر بعد الثورة مباشرة السير بالبلاد تحو بناء الاشتراكية! ثم عاد عن ذلك في العام 1921 في "برنامج السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب) انطلاقاً من قناعته بعدم واقعية ذلك البرنامج. وكان ستالين منذ العام 1922 تقريباً قد هيمن على قيادة وسياسة الحزب والدولة ودفع بهما صوب تنفيذ النهج المتطرف الأول في بناء الدولة السوفييتية الجديدة بعد أن فرض العزلة الفعلية على لينين المريض حتى مماته. وقد انتهت هذه الدولة في العام 1989/1990 إلى النهاية المأساوية المعروفة لنا جميعاً. وعلينا أن نتذكر البرامج الطموحة التي طرحتها الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية خلال العقود المنصرمة التي عجزت عن تحقيق الكثير والأساسي منها، وساهمت عملياً، في خلق أجواء الإحباط السائدة في الوقت الراهن، بسبب انهيار التجربة الاشتراكية. وكانت الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية تنطلق في وضع برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من المقولة التي سادت حينذاك بأن العالم يعيش مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وكان الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية هو المؤثر المباشر على تفكيرنا وتحليلنا، في حين أن الرأسمالية كانت ولا تزال تمتلك مقومات البقاء متجاوزة أزماتها الدولية. إذ هي كانت ولا تزال ضرورة موضوعية لاقتصاديات مجتمعاتنا. ولهذا يمكن القول بوضوح إن برامجنا في العديد من القضايا الجوهرية والأساسية لم تكن متطابقة مع واقع بلداننا حينذاك ومع الواقع القائم في العالم. لا شك في أن العالم سوف يتجه في المحصلة النهائية صوب الاشتراكية، وإن الرأسمالية توغل في استغلال شعوب العالم، وبالتالي فهي في مرحلة نضالية معقدة وطويلة الأمد يمكن أن يقال عنها مرحلة انتقال، ولكنها ليست قصيرة، لأسباب ترتبط بامتلاك الرأسمالية إمكانيات ما تزال تسمح لها بالبقاء فترة لا يمكن تحديدها حالياً، إلا إنها إذا ما لفظت أنفاسها، فالاشتراكية هي البديل الواقعي والموضوعي لها. 
ومن هنا جاء مشروع البرنامج الذي طرحه كريم مروة في كتابه " نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" مطابقاً بخطوطه العامة والأساسية، كما أرى، لمهمات المرحلة والواقع الراهن في البلدان العربية، مع ضرورة جعل فقراته أكثر ملموسية بالارتباط مع واقع كل بلد. لقد هربنا إلى أمام في برامجنا السابقة ولا بد من العودة إلى أرض الواقع بعيداً عن الأوهام، ولا بد أن تكون لقوى اليسار أن تبني أحلامها التي تعطي لنضال الإنسان حيويته والمجتمع وتشبع طموحاته المشروعة، أحلام العيش في أجواء الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية والسلام. لا يمكن أن يعيش الإنسان بدون أحلام، ولكن لا بد للأحلام أن تكون واقعية وتتطابق مع الواقع الموضوعي والقدرات النضالية لكل شعب من الشعوب ونضوج الظروف الموضوعية للتحولات المنشودة.
ماذا يقدم لنا كريم مروة في مشروع برنامجه الجديد؟
ابتداءً يمارس كريم مروة، وقبل تقديمه مشروعه، نقداً موضوعياً وواعياً لتجربة الحركة الشيوعية في العالم العربي خلال العقود المنصرمة، التي جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبشكل أكثر ملموسية منذ العقد السابع من القرن الماضي. إذ بدون مثل هذه الرؤية النقدية للتجربة المنصرمة بما لها وما عليها، لا يمكن التقدم خطوات ثابتة وقوية نحو الأمام لتحقيق نهضة جديدة في حركة اليسار. فمن يعجز عن القيام بدراسة نقدية لماضي الحركة وحاضرها بجرأة ومسؤولية واستخلاص دروسها، يصعب عليه تحقيق التجديد ووعي مهمات الحاضر والدفع السليم باتجاه مستقبل أفضل. ومن الجدير بالإشارة إلى أن كريم مروة لا ينسى بأنه كان من المشاركين الفعالين في وضع تلك البرامج القديمة ومن مواقع القيادة أيضاً، وبالتالي فهو ينتقد نفسه من موقع المسؤولية في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني حينذاك. ويؤشر ذلك إلى مصداقية النقد الذي يمارسه.
بعد ذلك يقدم لنا كريم مروة مشروع برنامج نضالي ديمقراطي متوازن يتضمن عشرين بنداً يعالج فيها قضايا النضال في ظروف المرحلة الراهنة التي تستهدف بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة التي يتمتع فيها الفرد بحقوق الإنسان والمواطنة الحرة والمتساوية، سواء أكان رجلاً أم امرأة، دولة حق وقانون ديمقراطي، دولة مؤسسات ديمقراطية، دولة ينمو في إطارها المجتمع المدني الديمقراطي الحديث، وليس المجتمع الأهلي القديم. دولة مدنية تفصل بشكل واضح بين الدين والدولة وتحترم جميع الأديان والمذاهب. ويطرح مروة في هذا الجزء من الكتاب بقية بنود البرنامج الذي يقترحه بجوانبه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، من دون أن يغفل الموارد الطبيعية وسبل استثمارها. كما يعطي مكاناً خاصاً للضمانات الاجتماعية، ويدعو إلى احترام حقوق الأقليات القومية في البلدان العربية، ويشدد على ضرورة النضال لتحرير بلداننا من أنظمة الاستبداد ومن المظالم التي تفرضها على شعوب البلدان التي تسود فيها هذه الأنظمة.
ولم ينس مروة القضية الفلسطينية، إذ أفرد لها فقرة خاصة باعتبارها واحدة من ابرز القضايا التي تشكل مصدر القلق والتوتر والحروب في منطقة الشرق الأوسط. ومن حقه أن يحمل أربعة أطراف مسؤولية الوضع في فلسطين، وهي إسرائيل وسياسات الاحتلال والقمع والغطرسة التي تمارسها بإصرار وعناد، وعجز الدول الكبرى والمجتمع الدولي عن المساهمة في حل هذه المعضلة، وكذلك الحالة المزرية السائدة في معسكر القوى الفلسطينية والبلدان العربية. كما يفترض أن يضاف إلى ذلك عامل التدخل الفظ في شؤون الشعب الفلسطيني من جانب دول المنطقة وبشكل خاص إيران وسوريا والسعودية التي ساهمت في نشوء الواقع الراهن عموماً والمشكلة الناشئة عن سياسات حماس في غزة ورفضها حل الخلاف مع الحكومة الشرعية في الضفة الغربية.
ويتطرق مروة إلى موضوع التكامل الاقتصادي بين البلدان العربية والتنسيق السياسي لصالح الدفاع عن القضايا العربية الملحة والعادلة، ثم يطرح بصورة دقيقة أهمية العلاقة بين الدول العربية والعالم، إنطلاقاً من أن بلداننا هي جزٌء من هذا العالم ولنا فيه مصالح ولنا قضايا يستوجب حلها وجود مثل تلك العلاقات مع جميع دول العالم لمساعدتنا في حل الإشكاليات الإقليمية التي لم تحل إلى الآن، ومنها القضية الفلسطينية ومشكلة الإرهاب.. .الخ. وأخيراً يضع كريم مروة أمامنا بوضوح الموقف الذي يفترض أن تتخذه قوى وحركة التغيير الديمقراطي في العالم العربي من قوى وحركة التغيير على الصعيد العالمي، داعياً إلى تحقيق التعاون والتنسيق في النضال من اجل الوصول إلى قواسم مشتركة فيما بينها لتعمل من اجل تحقيق تغيير فعلي في سياسات الدول الكبرى في الكثير من القضايا الملحة السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية، ورفض التهديد باستخدام القوة أو الحروب الاستباقية من جانب الدول الكبرى وحل المعضلات بالطرق السلمية الديمقراطية، ورفض الإرهاب الدولي المتصاعد الصادر عن قوى الإسلام السياسية المتطرفة وإدانته ومعالجة العوامل التي تتسبب في بروز ظاهرتي التطرف والإرهاب على الصعد الإقليمية والدولية.
في الختام أود أن أشير إلى ثلاث نقاط مهمة:
1-   حول العولمة: علينا أن نميز بوضوح، بخلاف ما يطرح من جانب بعض قوى اليسار، بين العولمة كعملية موضوعية باعتبارها مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية لا مرد لها، وهي مرتبطة عضوياً بالتطور الهائل الحاصل في القوى المنتجة المادية والبشرية على الصعيد العالمي، وهي ذات طبيعة رأسمالية استغلالية وتسري عليها قوانين المرحلة الرأسمالية في تطور المجتمع البشري، وبين السياسات العولمية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الرأسمالية المتقدمة التي تعبر عن محاولة جادة للهيمنة على الاقتصاد العالمي والتحكم بتطور البلدان النامية واستغلال شعوبها. وإذ تشكل بلداننا جزءاً من العالم المعولم موضوعياً حيث يفترض في هذه البلدان الاستفادة القصوى من الجوانب الإيجابية في هذه العولمة لصالح تطورها المستقل، فأن على شعوب هذه البلدان العمل الجاد للتخلص من الجوانب السلبية الناشئة عن سياسات الدول الرأسمالية المتقدمة التي تسعى باستمرار إلى التضييق على وجهة تطور هذه البلدان ورمي ثقل أزماتها على عاتق الفئات الكادحة من شعوبها وشعوب البلدان النامية.
2-   حول الأحزاب الشيوعية، لقد تشكلت الأممية الثالثة في العام 1919 جاء في أعقاب ثورة أكتوبر 1917 ونشوء الاتحاد السوفييتي ومحاصرته من جانب الدول الرأسمالية المتقدمة حينذاك والحرب التي شنت ضده من قبل 22 دولة رأسمالية وحاجته إلى دعم دولي من جانب حركة شيوعية جديدة في مواجهة أحزاب الحركة الاشتراكية للأممية الثانية. وإذ انتقلت بعض الأحزاب الاشتراكية أو أجنحة فيها إلى الأممية الثالثة، فقد تأسست في سنوات لاحقة مجموعة من الأحزاب الشيوعية في العالم العربي بقرار من الأممية الشيوعية. وعبر تشكيل الكومنترن الذي لعب دوراً كبيراً في هذا المجال وربط الحركة الشيوعية بمركز توجيهي واحد هو الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، أصبحت الحركة الشيوعية عموماً مستهلكة للفكر السوفييتي بدلاً من أن تقوم تلك الحركة بأحزابها المختلفة بإنتاج أفكارها انطلاقاً من واقعها الخاص. لقد تمت روسنة الفكر الماركسي في فترة مبكرة من تأسيس الحركة وجرى تعميمها وترويجها، وبشكل خاص في فترة هيمنة ستالين على مركز الحركة الشيوعية العالميةً تحت مصطلح الماركسية-اللينينية. إن تأسيس الأحزاب الشيوعية في العالم العربي جاء استجابة لحاجة تضامن دولية بين ملتزمي الماركسية-اللينينية من جهة، والذي وجد استجابة محلية حينذاك بسبب السيطرة الاستعمارية والتخلف الشديد والبؤس الواسع النطاق في البلدان العربية والدور السلبي للمؤسسة الدينية في التنوير الديني والاجتماعي من جهة ثانية. إن إدراك هذه المسألة والسعي للتخلص من احتمال إقامة أي مركز قادم للحركة اليسارية هو السبيل لتطور الحركة وتقدمها فكراً وممارسة. إن هذه الوجهة تحقق استقلالية الحركة في كل بلد من البلدان، وهي ضرورية لوضع سياسة تتطابق مع، أو تقترب جداً من، الواقع وهي لا تتعارض مع الحاجة الفعلية إلى التضامن والتشاور والتعاون والتفاعل فيما بين الأحزاب والقوى اليسارية على الصعد المحلية والإقليمية والعالمية.
3-   القضية الثالثة التي تهمنا نحن الذين نعاني من تراجعات حادة وانكسارات شديدة في حركة التحرر الوطني وبناء الدول الوطنية الديمقراطية الحديثة التي يثيرها بوعي ومسؤولية عالية كريم مروة، هي العلاقة الجدلية بين النضال من أجل الحرية والحياة السعيدة في الماضي، منذ عهد سبارتاكوس مروراً بثورة الزنج في العراق وانتهاء بالواقع الراهن، وبين الفشل الذي أصيبت به تلك الحركات الذي تعود بعض أسبابه إلى عدم توافر الشروط الموضوعية للنجاح، إضافة إلى عدم امتلاك الوعي الضروري لدى تلك الحركات بالواقع الذي لم تدركه تلك الحركات جيداً ولم تستوعب حركة التاريخ وسبل التعامل الواعي مع القوانين الموضوعية. إن العالم يتحرك بمجمله نحو الأمام والارتدادات الحادة التي تصيب أجزاء من هذا العالم لا تؤثر كثيراً إلا بمقدار ما تساهم في تعديل المسيرة العامة. ومن هنا فأن انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية يجسد مجموعة من الحقائق التي تؤكد بأن البدايات اقترنت بارتكاب أخطاء، وإن الواقع لم يكن مدركاً بشكل جيد وأن ما كان قد جرى قد تناقض مع ما كان يفترض أن يكون، وبالتالي اصطدم الفكر الانتقائي بواقع الحال. كل ذلك يستوجب من قوى اليسار الجديد إعادة النظر في دراسة التجربة والعوامل التي تسببت في انهيارها وسبل الخلاص منها من خلال دراسة واقع العالم والمتغيرات فيه في ضوء المنهج العلمي المادي الجدلي.
أ‌)   إن انهيار النظام السياسي في الاتحاد السوفييتي وفي غيره من الدول الاشتراكية لا يعني ثلاث مسائل جوهرية: لا يعني بأي حال انتصار الرأسمالية على الاشتراكية أولاً؛ ولا يعني فشل الفكر الاشتراكي أو فكر العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية للإنسان الفرد والمجتمع ثانياً؛
كما لا يعني أن على قوى اليسار في العالم، ومنها قوى اليسار في البلدان العربية، أن تتوقف عن الحلم بعالم جديد خال من الاستغلال والبؤس والفاقة شريطة أن تعي مراحل تطور المجتمعات التي تعيش فيها وتنأى بنفسها عن الأوهام وتشخص المهمات والأهداف بصورة دقيقة وتستفيد من دروس التجارب السابقة منذ كومونة باريس في العام 1871 إلى الوقت الحاضر ثم تواصل النضال من أجل الأهداف الإنسانية النبيلة وفق تلك المراحل وليس بالقفز فوقها.
لقد كان الفضل الكبير لماركس وإنجلز أنهما وضعا أو استكملا وضع منهج علمي للبحث والتدقيق واستخلاص الاستنتاجات الضرورية للممارسة السياسية من قبل الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب السياسية، إنه المنهج المادي الجدلي. واستخدام هذا المنهج بوعي ومسؤولية في دراسة الواقع القائم في كل بلد من البلدان أو على الصعيدين الداخلي والخارجي أو الإقليمي والدولي، يساعدان على معرفة الماضي وفهم الواقع القائم والعوامل الفاعلة والمؤثرة فيه والمتغيرات الحاصلة عليه والسياسات التي يفترض انتهاجها على وفق المرحلة التي يمر بها هذا المجتمع أو ذاك. إنه الطريق الأسلم لوضع المقولات وتحديد المهمات والأهداف بعيداً عن الاتكاء على النظرية التي هي ليست بالأساس سوى تجريد وتجسيد الواقع القائم وصياغته في مقولات. من هنا جاء تشخيص إنجلز حين قال "الماركسية ليست عقيدة جامدة، بل نظرية مرشدة". فحين يتغير الواقع الذي نعيش فيه، تتغير المقولات النظرية أيضاً. لا بد إذن من صياغة مقولات جديدة في ضوء العلاقة بين الظواهر الجديدة الفاعلة. ومن هنا يمكن القول بأن الكثير من المقولات النظرية التي تحدث بها ماركس وإنجلز في حينها لم تعد سارية المفعول حالياً أو شاخت، ولكن دراستها تساعد في فهم طريقة التعامل مع الواقع وتحليله ليس أكثر. لكن القوانين التي تم اكتشافها بصدد الرأسمالية مثلاً فهي لا تزال فاعلة لأنها مرتبطة بالتشكيلات الاقتصادي والاجتماعية، رغم أن فعل هذه القوانين متباين من بلد إلى آخر وفق مستوى تطور البلدان وعوامل أخرى.
وإذا كان الجزء الأول من كتاب كريم مروة يتمتع بهذا الغنى الفكري والسياسي، فأن الجزء الثاني منه يتضمن نصوصاً منتقاة من ماركس وإنجلز ولينين وبليخانوف وروزا لوكسمبورغ وغرامشي. وهي نصوص مهمة يطرح أصحابها في زمانهم رؤية جديدة ومهمة يتبناها ويلتقي عندها الكثير من قوى اليسار في البلدان العربية. لكنها لا تزال غير مؤثرة في الساحة السياسية العربية والشرق أوسطية، وهي مهمة جداً من أجل تحريك المياه الراكدة في هذه المنطقة من العالم، رغم حركتها السريعة في أماكن أخرى من العالم. إن المشكلة التي يمكن تشخيصها بالنسبة لقوى اليسار في العالم العربي هي أن ساعة بعض هذه القوى، لا تزال متوقفة تقريباً، في حين أن الزمن يجري وبسرعة، ولا يقتصر الأمر على عدم تقدمنا خطوات إلى أمام، بل إلى واقع تراجعنا عن حركة الزمن وعن المسيرة والتقدم والحضارة العالمية.


37
في الذكرى الرابعة والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي
تحية ودٍ واعتزاز، تحية النضال والمواصلة للحزب الشيوعي العراق
إلى رفاقي، رفاق الحزب الشيوعي العراقي، إلى صديقاتي وصديقاتي أعضاء ومؤيدي ومؤازري الحزب الشيوعي العراقي، أقدم أجمل التهاني، وأطيب التمنيات، وأحر التحيات، وأصدق مشاعر الود، بمناسبة حلول الذكرى الرابعة والثمانون لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، أقدم وأعرق حزب وطني عراقي نشأ وواصل مسيرته المديدة والنضالية على هذه الأرض الطيبة، أرض الرافدين، في كل الظروف الإيجابية والسلبية المليئة بالمصاعب والتضحيات، وسقى تربتها بدماء شهداء الحزب والوطن، وحقق الكثير من المنجزات على طريق التنوير والتعبئة النضالية على مدى العقود المنصرمة. الحزب الشيوعي كان ولا يزال مدرسة نضالية مجيدة في سبيل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والسلام، تخرج منها عشرات الألوف من المناضلات والمناضلين الشجعان الذين واصلوا المسيرة في صفوف الحزب، أو استشهدوا، أو واصلوا النضال في صفوف القوى الوطنية الأخرى. فالكثير من الأحزاب السياسية العراقية، العربية منها والكردية أو غيرها، قد اغتنت ببعض المناضلين الشيوعيين السابقين في صفوفها الذين حافظوا على وعيهم الديمقراطي والاجتماعي وساهموا في بناء علاقات حميمة مع الحزب الشيوعي العراقي
وكانت صحافة الحزب الباسلة مدرسة أخرى تخرج منها المئات من خيرة الصحفيين البواسل الذين لا زالوا يواصلون المسيرة النضالية بالفكر والقلم، أو استشهد أو توفى منهم أحبة رائعين، كما يعمل آخرون في صفوف أحزاب وطنية أخرى، أو هم مستقلون، ولكنهم غير مستقلين عن أماني وحاجات وطموحات الشعب وحقوقه المشروعة وضد التجهيل والفساد والإرهاب. لتكن الذكرى الجديدة حافزاً للنضال في سبيل تحقيق شعار الشعب العراقي من كل القوميات، شعار وطن حر وشعب سعيد
كاظم حبيب
 
في 30 أذار/ مارس 2018
نشر على فيسبوك كاظم حبيب بالتاريخ أعلاه



38
كاظم حبيب
هل الإسلام ينتمي إلى المانيا؟، هل هو جزء منها؟
(1)
ألقى رئيس الجمهورية الألمانية الأسبق كريستيان فولف في العام 2010 خطاباً أشار فيه لأول مرة في تاريخ المانيا إلى أن "الإسلام جزءٌ من ألمانيا". وكان يريد بذلك التغلب على الأجواء السلبية التي نشأت بسبب مواقف قوى اليمين واليمين المتطرف من المواطنين الألمان المسلمين، أو من اللاجئين القادمين من دول عربية أو ذات أكثرية مسلمة، لاسيما حين كان، ولا يزال العداء للأجانب يستخدم بإصرار ومتعمد في الحملات الانتخابية المحلية والعامة. وقد أثار هذا الرأي الصريح والواضح نقاشاً واسعاً بين مؤيد له ومعارض، كما هوجم رئيس الجمهورية بقوة من المناهضين لهذا الرأي. ثم خفت حدة النقاش لفترة غير قصيرة حين أزيح عن المسؤولية. ولكنها عادت بفعل اللجوء الواسع النطاق وغير المتحكم به الذي شمل أوروبا الغربية، ولاسيما ألمانيا، في ضوء الأحداث الدامية والحروب بسوريا والعراق, ومشكلات الدول العربية الأخرى والأفريقية وأفغانستان، حين منع رئيس وزراء هنغاريا دخول أي لاجئ إلى بلاده، وحصر اللاجئون على  الحدود وفي أوضاع كارثية، مما دعا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى التصريح الاستثنائي  بتاريخ 30/08/2015 قالت فيه "نحن قادرون على ذلك"، أي على استيعاب اللاجئين، وبهذا فتحت، بتاريخ 04/09/2015، حدود ألمانيا أمام مئات الآلاف من اللاجئين السوريين والعراقيين والآخرين القادمين من دول تعاني من حروب وأزمات سياسية واقتصادية. وأدى ذلك، وبسبب ضعف الاستعداد لاستيعاب هذا العدد الهائل الذي زاد عن المليون نسمة، إلى خلق أزمة سياسية وصراعات فكرية وسياسية حادة بألمانيا، استغلها اليمين واليمين المتطرف بشكل خاص ضد الحكومة الألمانية وضد ميركل مباشرة، وكذلك ضد اللاجئين. وقد وجد هذا التعقيد تجسيده في تنامي أصوات اليمين المتطرف في انتخابات أيلول/سبتمبر عام 2017 ، حيث دخل حزب اليمين المتطرف "البديل لألمانيا" لأول مرة إلى البرلمان الاتحادي منذ تأسيس الدولة الألمانية الاتحادية وحصل على نسبة أصوات قدرها 12,6% أو ما يعادل 94 نائباً ونائبة في البرلمان من مجموع 709 نائباً. لم يكن سبب ذلك عدد اللاجئين المرتفع الذين دخلوا ألمانيا هو الوحيد في الوصول إلى هذه النتيجة، التي اقترنت بخسارة كبيرة للأحزاب الثلاثة المؤتلفة في الحكومة الاتحادية، الحزب المسيحي الديمقراطي (CDU) والحزب المسيحي الاجتماعي (CSU) والحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)، ,لاسيما الأخير، بل كانت ولا تزال هناك أسباب عديدة ومهمة أخرى، منها مثلاً اتساع الفجوة في الدخل والمعيشة بين الأغنياء والفقراء، وتنامي عدد الفقراء والمعوزين بألمانيا وتراجع مستوى معيشة الكثير من المتقاعدين، أو ضعف الرعاية لكبار المسنين والمصابين بمرض الشيخوخة والعجز .. في أغنى بلد أوروبي.
وأثناء النقاشات حول الأجانب والمسلمين صرح رئيس الجمهورية السابق يواخيم غاوك في العام 2016 قائلاً "المسلمون المقيمون في ألمانيا هم فقط الذين ينتمون إليها"، وبمعنى واضح: إن "الإسلام لا ينتمي إلى المانيا". وبذلك خالف كريستيان فولف وجدد النقاش حول هذا الموضوع.
وخلال الفترة المنصرمة استمر النقاش الموضوعي والشعبوي يدور بين هاتين الصيغتين: "الإسلام ينتمي إلى المانيا" أو إن "المسلمين جزءٌ من المانيا"، وأن "الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا"، على حد تعبير وزير الداخلية الألماني الجديد ورئيس الحزب المسيحي الاجتماعي في بافاريا، الذي أطلقه في أول يوم تسلم فيه مسؤولية وزارة الداخلية الألمانية في 16/03/2018. ومع هذا التصريح الأخير تفجر النقاش واحتدم من جديد، إذ تصدت له المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في اليوم التالي مباشرة (17/03/2018) وقالت:
“الإسلام ينتمي إلى ألمانيا“. وأضافت أن “البعض قد يجد مشكلة في قول ذلك، وهذا حقهم”، إلا أن “مسؤولية الحكومة الفيدرالية تتمثل في تعظيم التماسك داخل المجتمع، وليس إضعافه“. ثم واصلت قولها "إن ألمانيا كانت مسيحية ويهودية، ولكن 4.5 ملايين مسلم يعيشون فيها حاليا، ولذلك فإن دينهم الإسلام بات الآن جزءاً من ألمانيا" (الأردن تايمز، 22/03/2018). ثم توالت النقاشات في المقابلات الصحفية ونشر المقالات الصحفية بين مؤيد لزيهوفر ومعارض له، أو مؤيد لميركل ومعارض لها. ولقد أيد الحزب اليميني المتطرف، البديل لألمانيا، رأي زيهوفر بحرارة وفي مجلس النواب.
(2)
يشير القانون الأساسي الألماني (الدستور) إلى مجموعة من المبادئ الأساسية التي تشكل القيم والمعايير والأسس والنظم التي تعتمدها الدولة الألمانية ومجتمعها في العلاقات الداخلية والخارجية. ومن أبرز تلك المبادئ التي تضمنها الدستور الألمانية والتي تمس موضوع البحث، يجدها المتتبع في المواد 1-19 التي تشكل الفصل الأول من القانون الأساسي الألماني، نشير هنا إلى بعض مضامينها:
1)    تقوم الدولة الألمانية على الفصل بين الدين والدولة، وهذا يعني بأن الدول الألمانية، كأي دولة بالعالم، لا دين لها لأنها شخصية معنوية، وهي علمانية، والدين فيها يخص الفرد.
2)    كرامة الإنسان مصانة ولا يجوز المساس بها، وهو نص جامع لكل البشر ومانع لأي تجاوز. وهو نص قاطع وأساسي لم يحدد هوية فرعية لهذا الإنسان أو ذاك، وبالتالي، فالمسيحي واليهودي والمسلم والهندوسي والبوذي أو من أي دين أو مذهب مقيم بألمانيا، هو إنسان محترم ولا يجوز المساس بكرامته ويحاسب وفق القوانين المرعية حين يرتكب أية مخالفات.
3)    يتمتع المواطن والمواطِنة بألمانيا، ومنهم كل حاملات وحاملي الجنسية الألمانية من أصل غير الماني، بحقوق وواجبات متساوية بغض النظر عن الدين أو المذهب أو الفكر والفلسفة التي يتبناها، وهم متساوون أمام القانون.
4)    فكل من يعيش على الأرض الألمانية يتمتع بحرية العقيدة والضمير والإيمان، وله الحق في ممارسة دينه وطقوسها وإقامة شعائره الدينية، وبناء دور العبادة أو أن يكون بلا دين.
5)    ويحرم القانون الأساسي أي تمييز بين البشر، سواء أكان بين الرجل والمرأة، أم بين البشر على أساس البشرة أو اللغة أو القومية.. الخ.
6)    ويفرض القانون الأساسي احترام بنوده والالتزام بها، بغض النظر عن موقف الفرد من هذه المادة أو تلك، إذ لا بد من الالتزام بكل المواد، كما يحق لكل الفرد العمل السلمي والديمقراطي من أجل إجراء تغيير على أي مادة لا يتفق مع مضمونها وعبر مجلس النواب أو الاستفتاء الشعبي العام. وإلى أن يتحقق له ذلك، عليه أن يلتزم بالقانون الأساسي جملة وتفصيلاً ودون أي موقف انتقائي من مواده.
7)    يضمن الدستور الحق في اللجوء السياسي، كما يمكن أن يقبل اللجوء لأسباب أخرى على وفق قوانين تنظم ذلك.
8)    ويجري هنا تأكيد أهمية العمل على تحقيق الاندماج بالمجتمع الألماني من خلال تعلم اللغة الألمانية والاطلاع الجيد على ثقافته وتاريخه وتقاليد شعبه وعاداته.
(3)
هذه المضامين وغيرها الواردة في القانون الأساسي الألماني تعني فعلياً بأن الدولة الألمانية، التي تفصل بين الدين والدولة، ليست دولة مسيحية، بل هي دولة حيادية، لا دين لها، ولا يدخل الدين في هويتها كدولة، ولا في سياساتها ولا في مواقفها إزاء المواطنات والمواطنين على وفق انتماءاتهم الدينية والمذهبية. وبالتالي، فالمسيحية لا تنتمي للدولة الألمانية، كما لا تنتمي إليها اليهودية أو الإسلام، ولا أي دين آخر، فكلها ديانات لا تنتمي للدولة الألمانية، إذ أن الدين يعتبر مسألة فردية ومرتبطة بالفرد ذاته، وليس بالدولة التي يعيش فيها. وعليه فأن التعبير القائل بأن الإسلام جزءٌ من المانيا، هو تعبير خاطئ وبعيد عن الواقعية، كما هو غير واقعي القول بأنها دولة مسيحية. إنها دولة علمانية تفصل بين الدين والدولة، ولا يغير من هذه الحقيقة أن الدستور الألماني متأثر بالحضارة والثقافة والتقاليد المسيحية الأوروبية، ولكنها حضارة وثقافة متنورة، ويستند قانونها الأساسي على القيم الحضارية وتلاقح الثقافات للمجتمعات البشرية التي تحققت عبر القرون المنصرمة. فمن غير المعقول ولا المقبول أن نقول بأن الإسلام ينتمي إلى ألمانيا، إذ إن هذا، يعني، شاء الإنسان أم ابى، إن على الدولة الألمانية أن تأخذ بالقيم والمعايير والأحكام الواردة بالقرآن من جهة، وبشرائع المسلمين بمختلف مذاهبهم، إذ لا يمكنها أن تنتقي مذهباً إسلامياً واحداً دون غيره، من جهة ثانية. فهل هذا يتوافق مع الدستور الألماني، هل يجوز أن يأخذ الألمان بتعدد الزوجات كما هو وارد في القرآن "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا" (سورة النساء، الآية 3)، أو أن يأخذ بتوزيع الأرث الوارد في القرآن على أساس التمييز بين الذكر والأنثى: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ"، (سورة النساء، الآية 11)، أو أن يأخذ بزواج القاصرات اللواتي لتوهن بلغت التاسعة من طفولتها، كما جاء في شرائع المسلمين على وفق الآية القائلة : "وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا "، (سورة الطلاق، الآية 4)، بل ويحلل روح الله الخميني عملية التفخيذ الجنسي مع الرضيعة، حيث ورد في كتابه الموسوم "تحرير الوسيلة" قوله: "12- لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين ، دواماً كان النكاح أو منقطعاً ، وأمّا سائر الاستمتاعات كاللّمس بشهوة والضمّ والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة ، ولو وطئها قبل التسع ولم يفضها لم يترتّب عليه شيء غير الاثم على الأقوى"، (ص 221 )، أو هل يجوز تحريم الزواج المثلي، الذي لا يحرم ببلداننا، رغم انتشار المثلية فيها، فحسب، بل ويؤدي في الكثير من الأحيان إلى القتل والتمثيل فيهم ... الخ. أعتقد إن كل ذلك غير ممكن في مجتمع قانونه الأساسي متقدم وحضاري وحديث وقوانينه تجيز ذلك.
(4)
منذ أيام والصحف والتلفزة الألمانية مشغولة بنشر الربورتاجات والمقابلات والمقالات والآراء حول ما حصل في واحدة من المدارس الابتدائية ببرلين حيث أساءت تلميذة ألمانية مسلمة إلى بنت ألمانية يهودية بعد أن سألتها عن دينها، كما أساء وتحرش وهدد تلميذ مسلم آخر تلميذ آخر لكونه لا يؤمن بالله، وأنه سيدخل النار. إن هذه المسألة جديرة بالمناقشة من جانب العرب والمسلمين والتصدي لها. إذ إن التلاميذ الصغار لا يميزون بين من يؤمن بالله أو من هو يهودي أو مسلم أو مسيحي، فلا بد أن تكون هذه المسألة مطروحة في بيوت العائلات العربية والمسلمة ومن الوالدين، وليس كلها طبعاً. إن من واجب العائلات العربية والمسلمة أن تلعب دورها بما يسهم في تثقيف وتنوير وتوعية بناتهن وأبناءهم بمبدأ الاعتراف بالديانات والمذاهب كلها، وبأتباعها وأن من حق الإنسان أن يؤمن بهذا الدين أو ذاك، وهي مسألة شخصية بحتة ولا يجوز التدخل فيها أو مساس كرامة من يؤمن بدين أو مذهب أو فكر أو فلسفة أخرى أو اتهامه بالكفر. إن المجتمع الألماني قائم على احترام الديانات والمذاهب دون تمييز، وبالتالي لا بد من الالتزام بهذا المبدأ المثبت في دستور ألمانيا وبغير ذلك سيكبر الأطفال وهم متحفزون ضد أتباع الديانات الأخرى، ومنها ضد السامية أو ضد الملحدين ..الخ، وهو امر بالغ الخطورة على مستقبل العلاقات الاجتماعية بألمانيا، ولاسيما وأن هناك ما يقرب من 4,5 مليون مسلم ومسلمة بألمانيا وبحدود 12 مليون نسمة في دول الاتحاد الأوروبي. 
(5)
لهذا اعتقد وأرى بأن التعبير الصائب والسليم هو القول بـ "أن المسلمات والمسلمين بألمانيا هم جزءٌ من مواطني ومواطنات ألمانيا"، وهذا ينطبق على مسلمات ومسلمي الاتحاد الأوروبي، ما داموا يتمتعون بكامل الحقوق والواجبات ومتساوون أمام القانون، ويحق لهم إقامة دور عبادتهم ويمارسون طقوسهم وشعائرهم الدينية بكل حرية، والتعامل معهم لا يختلف من حيث القانون الأساسي عن التعامل مع المسيحيين أو اليهود أو الهندوس أو البوذيين أو الصابئة المندائيين أو الإيزيديين المقيمين بألمانيا.
حين أطرح هذا الرأي، أدرك تماماً بوجود أفراد وجماعات بألمانيا لهم سياسات ومواقف وسلوكيات مناهضة للأجانب، ولاسيما ضد العرب والمسلمين وضد السامية. ولكن الغالبية العظمى من السكان الألمان ديمقراطيون ويعون تماماً قانونهم الأساسي ويؤيدونه ويرفضون الظواهر السلبية التي تظهر في المجتمع، إذ أن مثل هذه الظواهر السلبية، بل وأكثر منها، موجودة في الدول العربية وذات الأكثرية المسلمة في الموقف من المسيحيين واليهود وأتباع ديانات أخرى. ورغم ذلك هذا لا يبرر وجود مثل هذه الظواهر والكفاح ضدها بطريقة سلمية وديمقراطية أمر ضروري دائماً.
(6)
إن من واجب العرب والمسلمين عموماً، ودون استثناء، إن يدركوا بشكل سليم وواقعي، بأن التعايش العقلاني بين أتباع جميع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والفلسفية بألمانيا أو بأوروبا، يستوجب مجموعة من المتطلبات، منها بشكل خاص:
1.    التعلم الجاد والمسؤول للغة الألمانية، باعتبارها لغة المجتمع الذي أصبحنا نشكل جزءاً منه، مع بعض خصوصياتنا.
2.    الاطلاع الجاد والمعقول على ثقافة هذا البلد وشعبه الذي احتضننا، ومعرفة تاريخه وعاداته وتقاليده وأعياده واحترامها.
3.   الالتزام الثابت بمواد الدستور الألماني كلها، بغض النظر عما يمكن أن يختلف هذا الإنسان أو ذاك مع هذه المادة أو تلك فيه، إذ بدون هذا الإقرار والالتزام بالقانون الساسي لا يمكن أن تنشأ علاقات سليمة في المجتمع.
4.   إن ما يتمتع به الإنسان العربي أو المسلم بألمانيا لا يتمتع ولو بمثقال واحد منه مواطنات ومواطنو البلدان العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة، وهذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أي إنسان عاقل، كما إن ما عانى ويعاني منه أتباع الديانات الأخرى، كالمسيحيين، والإيزيديين والمندائيين والشبك والبهائيين، كما هو حالهم بالعراق وإيران، أو حال المسحيين في مصر وباكستان ... الخ، إضافة إلى الصراعات والنزاعات الطائفية في هذه البلدان، خير دليل على هذا الواقع المزري.
5.   لا يجوز للمسلمين والمسلمات أن يطالبوا بأن يكون الإسلام جزءاً من ألمانيا، بمعنى القبول بما هو وارد في القرآن والشرائع العديدة، إذ سينشأ مجتمعاً متصارعاً ومتنازعاً، كما يجري اليوم بالدول العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة، والدور الذي تمارسه القوى السلفية والإسلامية المتطرفة والتكفيرية، التي ترى في بقية الديانات كفرا وأتباعها كفاراً يجب اجتثاهم!!!، بل على المسلمين والمسلمات كأفراد يشكلون أن يؤكدوا بأنهم جزءً من ألمانيا، ولكل فرد منهم الحق، كغيره من المواطنين والمواطنات، في ممارسة الدين الذي يعتنقه والطقوس التي يلتزم بها بحرية تامة، أو من لا يؤمن بأي دين أو إله.
6.    إن ما حصل في مدرسة برلينية، بل وفي مدارس أخرى ببرلين وألمانيا في الإساءة إلى طفلة يهودية الديانة، أو بمن لا يؤمن بالله، من جانب أطفال عرب ومسلمين سيؤدي إلى عواقب وخيمة ما لم نعالجها مبكراً. إن من واجب عائلات العرب والمسلمين أن يربَّوا بناتهم وأولادهم على مبادئ الاعتراف بالديانات وأتباع الديانات الأخرى والقبول بالآخر وتجنب التمييز والأفكار العنصرية التي تناهض الديانات الأخرى، بما في ذلك ضد السامية أو ضد اليهود، وأن الدين مسألة شخصية لا يجوز المساس بها بأي شكل كان، كما أن الإيمان بالله هو الأخر قضية شخصية لا يجوز مس كرامة الإنسان الأخر الذي لا يؤمن بالله. إن هذه المسالة بحاجة إلى عملية تثقيف وتنوير وتوعية مستمرة في البيوت والمدارس وفي وسائل الإعلام لكي ينشأ الأطفال عموماً، ولاسيما أطفال المسلمين والمسلمات، على أسس قويمة وقيم ومعايير إنسانية وحضارية حديثة.



39
كاظم حبيب
العسكرة الفارسية الجديدة وحرب يمنية مماثلة بالعراق!!
لا يمر يوماً واحداً دون صدور تصريحات وخطب نارية ومقالات مشحونة بالعداء للعرب من شخصيات إيرانية من الخط السياسي والديني الأول ومن كتاب سياسيين ودون أن تمتلئ الصحف الإيرانية ونشرات الأخبار العالمية بها، بأمل أن تنعش الوضع الداخلي المتأزم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحقوقياً من جهة، وبهدف إشاعة التشنج والتوتر السياسي والاجتماعي بالعراق ومنطقة الشرق الأوسط من جهة ثانية وإلها العب الإيراني بها أيضاً لينسى أوضاعه المأساوية. ولا يبقى كل ذلك دون ردود أفعال مماثلة من بعض الدول العربية التي تسهم بدورها في زيادة التوتر والتصعيد السياسي. خلال السنوات العشر المنصرمة تشكلت محاور سياسية وتفلشت، ثم تشكلت أخرى وتفلشت أيضاً، وما تزال تتشكل على نحو مخل في غير مصلحة شعوب المنطقة لا يحمد عقباه، لأن كل ذلك ناشئ عن رغبة في الاستحواذ والهيمنة واستغلال الشعوب وإخضاعها لسياسات الدول التي تعتبر نفسها كبيرة أو عظمى بالمنطقة، ومن حقها أن تقود المنطقة دون غيرها. فنحن أمام النظام الدكتاتوري والعنصري التركي، الذي يعيد إلى ذاكرتنا العهد العثماني البغيض من جهة، وأمام النظام الثيوقراطي الاستبدادي الفارسي، الذي يعيد بدوره إلى ذاكرتنا العهد الصفوي البغيض من جهة أخرى، وكذلك أمام الدولة السعودية التي تشكل محوراً خليجياً لتفرض إرادتها على الدول العربية، بدعوى الصراع المذهبي، من جهة ثالثة!!! أما مصر، فرئيسها "الأوحد" والمستبد بأمره وبشعبه، تخلى حالياً عن الهيمنة على المنطقة، فهو مشغول بسبل إخضاع الشعب المصري لإرادته وإرادة حفنة من العسكر لا غير، وليشبع الشبع المصري من الفول والبصل ومن الحرمان والبؤس والفاقة والسكن في المقابر. الحرب الطاحنة بسوريا والحرب الأكثر طحناً باليمن "السعيد!!" ما تزال مستمرة ويراد إشعال حرب منشودة من جانب إيران وتركيا بالعراق أيضاً!!
القادة الإيرانيون، السياسيون وشيوخ الدين في حوزة قم وغيرها، ولليس الشعب الإيراني، يحملون البغض والكراهية والحقد ضد الشعب العراقي، وهم يتمنون في السيطرة الكاملة والمكشوفة والمعترف بها من العراقيات والعراقيين على العراق كله. وهم يرون بالعراق ولاية من ولايات الدولة الفارسية، كما حصل في فترة الساسانيين ، أو في فترة الصفويين (إسماعيل الصفوي). وليس عبثاً إن ألقى وزير الدفاع الإيراني العميد حسين دهقان أخيراً في ذكرى معركة ديزفول خطبة نارية ذات أهداف استعمارية صارخة وعدوانية ضد الشعب العراقي والعرب ومن أجل احتلال العراق في آن، حين قال:     
"..، ان العراق بعد 2003 أصبح جزءاً من الامبراطورية الفارسية، ولن يرجع الى المحيط العربي، ولن يعود دوله عربيه مرة أخرى، وعلى العرب الذين يعيشون فيه ان يغادروه الى صحرائهم القاحلة التي جاءوا منها.. من الموصل وحتى حدود البصرة.. هذه اراضينا وعليهم إخلائها.."!!! هل هناك يا ترى وقاحة أكثر من هذه الصلافة، هل هناك إنسان عراقي شريف يستطيع أن يتحمل مثل هذه الإساءة الوقحة لكل الناس العراقيين والعراقيات، ولا يشعر بالإساءة الشديدة لكرامته وعزة نفسه!! لم يكتف وزير الدفاع الإيراني بذلك بل أضاف ما كنا نعرفه قبل هذه الخطبة العدوانية" بقوله:
" لدينا في العراق قوة الحشد الشعبي الشيعي، ستُسكِتَ اي صوتٍ يميل الى جعل العراق يدور حول ما يسمى بمحيطه العربي.. إن العراق عاد الى محيطه الطبيعي الفارسي"!! لم نشك يوماً بأن الحشد الشعبي وقادته هم عراقيون بالاسم، ولكنهم إيرانيون بالفعل، عدا أولئك الذين التحقوا في القتال بناءً على نداء السيد علي السيستاني للتطوع في ضوء مفهوم الجهاد الكفائي، إذ إن الآخرين هم من تلك المليشيات الشيعية التي تشكلت إما بإيران، كما بالنسبة لمنظمة بدر ورئيسها هادي العامري، وإما تلك البقية التي شكلها الإيرانيون بالعراق دون استثناء. وولاء هذه التشكيلات المسلحة ليس للعراق ولا تحت أمرة رئيس الوزراء، رغم القانون الصادر بهذا الصدد، بل يتلقون أوامرهم من العميد قاسم سليماني ومن وزير الدفاع الإيراني ومن الخامنئي، وليقل رئيس الوزراء العراقي ما يشاء في هذا الصدد، فهو ليس القائد الفعلي لهذا "الحشد الشعبي!". والغريب بالأمر أن ليس هناك واحداً من العراقيين والعراقيات العرب الشيعة، ولا من الحوزة الدينية بالنجف أو شيوخ دين شيعة أخرين، قد خرج إلى الملأ وصرح بالضد من هذه الخطبة الوقحة لوزير الدفاع الإيراني، والمضامين الاستعمارية التي جاء فيها، إذ إن السكوت علامة القبول والخضوع، بل حتى الركوع للقادة الفرس بإيران.   
لم يكتف حسن دهقان بذلك، بل أشار إلى تنامي القوة العسكرية الإيرانية وإلى قدرة إيران في التصدي لكل العرب وإسقاط نظمهم السياسية، وأضاف: وسيلقون نفس مصير صدام حسين الذي قتلناه، انتبه يا شعب العراق، ليس الشعب العراقي من أعدم صدام حسين ورهطه، بل هم بالإمبراطورية الفارسية الجديدة حيث قال: كما "قتلناه!!!
يقول دهقان: " إيران اليوم وصلت الى مرحلة تصمم وتنتج فيها حاجتها من الصواريخ البالستية وكروز بمدى 3000 كيلومتر، .. لقد عدنا دوله عظمى كما كنّا سابقا، وعلى الجميع ان يفهم هذا، نحن أسياد المنطقة، العراق وافغانستان واليمن وسوريا والبحرين، عما قريب كلها تعود الى أحضاننا وهو مجالها الحر الطبيعي" ثم يضيف: “اليوم كل المحاولات في المنطقة تهدف الى اضعاف إيران، لكن إيران تقف بعزم وصلابة.”
كلنا شهود على نمو الروح العسكرية الانتقامية، والاستعدادات العسكرية، ونمو ترسانة الأسلحة الهجومية الإيرانية، وعديد القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني من جهة، وصرف المليارات من الدولارات الأمريكية من خزينة الشعب الإيراني على الحرب التي يشارك فيها الحرس الثوري الإيراني في كل من اليمن وسوريا من جهة ثانية، والاستعداد لحرب جديدة ربما بالعراق أيضاً، كلها تأتي على حساب حياة ومصالح ومعيشة وجوع وحرمان الشعب الإيراني، وإن هذا الشعب الأبي الذي أطاح بشرطي المنطقة، بشاه إيران ونظامه السياسي، لن يسكت، كما سكت حتى الآن، عما عاني منه خلال العقود التي مرت عليه، منذ الإطاحة بنظام الشاه عام 1979.
 إن على العراقيين أن يرفعوا رؤوسهم عالياً، أن يصونوا كرامتهم من عبث العابثين، ممن يريدون الهيمنة على العراق وشعبه، واستغلال خيراته، وسلب حقوقه وحرياته، سواء أكان الغزاة قادمين من إيران أو تركيا. لن يصبح العراق جزءاً من الإمبراطورية الفارسية الجديدة أو تابعاً، كما لن يكون جزءاً من الإمبراطورية العثمانية الجديدة أو تابعاً لها، فهي أضغاث أحلام، وعلى الشعب العراقي أن يبرهن لهم ذلك.
إن تصريحات القادة بإيران تدفع بالأمور إلى حافة الحرب مع بقية الدول العربية وتركيا بالعراق، إنها تريد أن تحول العراق إلى ساحة حرب جديدة، كما هو حال سوريا واليمن، ساحة نفوذ لها، وهو ما يجب مقاومته ورفض الوجود الأجنبي الإيراني والتركي وأي نفوذ أجنبي آخر بالعراق. سوف لن يغفر الشعب العراقي لأتباع إيران بالعراق حين يسعون لتكريس إرادة إيران ونفوذها ووجودها ومصالحها بالعراق، ولا يستنكرون تلك التصريحات غير اللائقة وغير الحكيمة بل الاستفزازية لمشاعر وكرامة الشعب العراقي بكل قومياته واتباع دياناته ومذاهبه. كما سوف لن يسكت عمن يسكت عن التدخل العسكري الهمجي لتركيا لسوريا أو بشمال العراق وكردستان، إنه الوهم الذي سيسقطهم إن واصلوا الارتهان لإيران أو تركيا أو لأي دولة أجنبية أخرى.     



40
كاظم حبيب
هل أصبح أردوغان شرطي المنطقة ومجرم حرب في آن؟

لم يطرح هذا السؤال على بساط البحث قبل 15 سنة، بسبب ادعاءات اردوغان بالديمقراطية وتقديمه نموذج الإسلام الديمقراطي التركي. رفضت القبول بهذا الرأي وبما أطلق عليه حينذاك بالظاهرة الإسلامية التركية الجديدة، النموذج الإسلامي الاردوغاني. وقد تجلى موقفي هذا في ندوة مشتركة عقدت في مدينة كولون بألمانيا، وشاركت فيها الفقيد الأستاذ الدكتور جلال صادق العظم في الحديث عن حرب العام 2003 بالعراق والتجربة التركية. وقد تبنى الدكتور العظم تجربة أردوغان الإسلامية وسعى إلى إبراز جوانب إيجابية وعناصر ديمقراطية في نهجه الإسلامي. وقد كتب ونشر بعض المقالات بذات الاتجاه. أبديت رأيي المخالف وأشرت إلى إنها فورة سياسية مؤقتة سرعان ما تتغير، وأن السياسة الأردوغانية الحقيقية قادمة لا ريب في ذلك، كما عارضت رأيه بشأن حرب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وخارج إطار قرارات مجلس الأمن الدولي ضد النظام الدكتاتوري البعثي بالعراق، لما توقعت أن يحصل بالعراق في أعقاب الحرب مع قناعتي التامة بأن النظام لن يصمد أمام تلك الحرب غير المتكافئة وما يمكن أن ينجم عنها، والتي ذكرها بندوات أو كتبتها ونشرتها في مقالات كثيرة في حينها. ومن المؤلم القول بأن المسألتين قد برهنتا على صواب موقفي. لقد بنيت موقفي بصدد تركيا استناداً إلى ثلاث مسائل جوهرية: 1) طبيعة النظام السياسي التركي وتغييبه للحريات العامة والحياة الديمقراطية عن الشعب بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه، 2) والأيديولوجية الإسلامية المتشددة التي تبناها أردوغان حين كان عضواً في حزب الرفاه الإسلامي ومحافظاً لمدينة إسطنبول حين اعتقل وأبعد عن منصبه وحكم عليه ثمانية شهور بالسجن بسبب تطرفه السياسي وتحريضه على الكراهية الدينية في تركيا في العام 1998، 3) ومواقفه المناهضة لحق تقرير المصير للشعب الكردي وتأييده الحرب التي كانت تخوضها النظم التركية العسكرية منذ الثمانينيات ضد الشعب الكردي المطالب بحقوقه الإدارية والثقافية، والتي واصلها هو أيضاً حين أصبح مسؤولاً عن قيادة الدولة التركية، ثم أجبر على إيقاف الحرب بسبب أوضاعه المالية المعقدة وكثرة القتلى واحتجاج العالم ومطالبة الاتحاد الأوروبي بممارسة تركيا للمعايير أوروبية بشأن حقوق الإنسان إن كان يريد حقاً الدخول إلى عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الشعب الكردي في كردستان تركيا يشكل أكثر من 20% من إجمالي سكان تركيا، وهناك ما يقرب من 10% من أقليات قومية أخرى، وبحدود 70% ترك وبهويات مذهبية وفرق إسلامية عديدة، ولاسيما المذهب الحنفي، إضافة إلى العلويين والبكتاشيين... ومن المعروف عن تركيا إن التثقيف الفكري والسياسي فيها ينحاز بقوة إلى جهة العنصرية والتمييز القومي والديني والمذهبي، إذ ما تزال في الذاكرة النشطة لشعوب العالم جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية التي ارتكبها النظام العثماني مع بداية الحرب العالمية الأولى، ولاسيما في العام 1915 وما بعده، ضد الآشوريين والسريان في "مجازر سيفو" أو "بشاتو دسيفو" أي "عام السيف"، و"مجازر الأرمن"، الذين كانوا يشكلون أكثرية المسيحيين في الدولة العثمانية.  وأشير إلى إن عدد قتلى الآشوريين والسريان حينذاك بين 250-500 ألف شخص، وعدد قتلى مجازر الأرمن بأكثر من مليون قتيل، وهي مذابح يندى لها جبين البشرية كلها، والتي لم تعترف الدولة التركية حتى اليوم بهذه المذابح التي قامت بها الدولة العثمانية، وتحاول مقاطعة الدول التي تعترف بوقوع الإبادة الجماعية دبلوماسياً.     
واليوم يمارس أردوغان سياسة عدوانية وتدخل عسكري فظ في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، ولاسيما بالعراق وسوريا، حيث أقام قاعدة له في بعشيقة بالعراق، ويسعى اليوم إلى إقامة قاعدة أخرى في سلسلة جبال قنديل العراقية بدعوى موافقة الحكومة العراقية على مطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، في حين أعلنت الحكومة العراقية ووزارة الخارجية العراقية رفضها وشجبها لأي تدخل عسكري في شؤون العراق الداخلية وطالبت بانسحاب القوات التركية من بعشيقة. وبالأمس ضربت طائرات حربية تركية منطقة كردستان العراق بصواريخ أودت بحياة أربعة شبان كرد. وإذ احتجت حكومة إقليم كردستان، فأن الحكومة العراقية ووزارة خارجيتها لم تحتج حتى الآن على هذه الجريمة النكراء. وكذلك تمارس الآن تركيا التدخل العدواني العسكري وتجتاح سوريا وتحتل عفرين وتشرد أكثر من 120 ألف مواطن كردي سوري من هذه المنطقة، إضافة إلى قتل المئات من السكان المدنيين، واستشهاد مقاتلين كرد ضد المحتل الجديد. وهم الآن يهددون بالولوج أكثر فأكثر بالعمق السوري وصولاً إلى منبج حيث توجد قوات حماية الشعب الكردي. فهل يا ترى تحول أردوغان إلى شرطي شرير في المنطقة وإلى مجرم حرب؟ إن الدلائل كلها تشير إلى هذا التحول الفعلي، إذ لم يكن مندوب الدنمرك في مجلس الأمن الدولي مخطئاً حين أعلن بـ: أن تركيا دولة مجرمة والرئيس أردوغان مجرم حرب في ظل المجازر التي يقوم بها الجيش التركي في عفرين". واحتج المندوب التركي وهدد بقطع العلاقات مع الدنمرك!!! ويوم أمس 22/03م2018  شجبت المستشارة الألمانية بشدة ونددت بأشد العبارات، في الحديث عن سياسة حكومتها في مجلس النواب الألماني، الاعتداء العسكري التركي على عفرين وقتل الأبرياء وتشريد الآلاف من الكرد.
إن الولايات المتحدة، حليف تركيا في حلف شمال الأطلسي، التي التزمت في الدفاع عن قوات حماية الشعب الكردي وسلحتها، أثناء المعارك ضد عصابات داعش في الرقة، عاصمة القتلة الداعشيين، وتطهير الأرض من رجسهم، وأبدت شجاعة فائقة في القتال في مناطق أخرى من سوريا أيضاً، تخلت بكل نذالة عن هؤلاء المقاتلين الشجعان وتركتهم وحدهم دون ان تمولهم حتى بالسلاح، وسمحت لتركيا وطيرانها الحربي ودباباتها وقواتها البريد باجتياح المنطقة وتحويل عفرين وضواحيها إلى أنقاض. إنها المساومة الدولية القذرة بين الحكومات الخمس المشاركة في العدوان على الشعب السوري بكل قومياته، إنها (الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وسوريا)، والأخيرة شجبت التدخل التركي، ولكنها لم ترسل قوات مسلحة حكومية دفاعاً عن مدينة عفرين السورية وتركتها تسقط بأيدي المحتل التركي ومجرم الحرب اردوغان. إن السكوت عن هذه الجرائم التي ترتكب اليوم، ستدفع بهذا الدكتاتور المغامر إلى المزيد من التهور والعنجهية والعفترة العثمانية في سعيه العدواني والتوسعي. وهو يمارس منذ عدة سنوات سياسة داخلية استبدادية متشددة ضد كل القوميات بتركيا وضد الشعب التركي ذاته، حيث تحتض سجون تركيا ومعتقلاتها عشرات الألوف من المناضلين ضد نظامه والذين يتعرضون لأبشع صور التعذيب النفسي والجسدي، والمئات من الصحفيين الترك ايضاً، وهو يعمل بدأب للهيمنة على السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والسلطة القضائية والإعلام ويمركزها كلها في قبضته الحديدية. إذ سمح الدكتاتور أخيراً لحليفته دولة قطر، التي تشاركه في العدوان على دول المنطقة، ولتلك الجماعة القريبة من أردوغان وسياساته، على شراء مجموعة دوغان الإعلامية وشراء الكثير من الأسهم في شركات إعلامية أخرى بما يسمح لأردوغان عبر الشركة القطرية في الهيمنة التامة على كامل أجهزة الإعلام التركية تقريباً، لتوظيفها لصالح سياساته الاستبدادية والعدوانية والإخوانية (جماعة الأخوان المسلمين) بتركيا والمنطقة. علماً بأن الحليفين التركي والقطري يقفان في صف واحد مع التنظيم الدولي الإرهابي للإخوان المسلمين. 
إن من واجب الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لا أن يرفض سياسات تركيا العسكرية والتوسعية في منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل وأن يقاومها ويفشَّل جهود أردوغان في التحول الفعلي إلى شرطي إرهابي في المنطقة، وأن يمارس بهوس المجنون الحروب ضد الدول المجاورة وضد من يختلف معه بذريعة تهديد تركيا وحدودها ونظامها السياسي.

41
الأخوات والأخوة الكرد
الأخوات والأخوة جميعاً
تحية طيبة
أُحيي بحرارة وأقدم أطيب وأحر التهاني والتمنيات للشعب الكردي بالعراق ولبقية أبناء وبنات الأمة الكردية في جميع أقاليمهم الكردستانية بمناسبة الذكرى السنوية لعيد نوروز، عيد الربيع والزهور والحب والحياة، وأتمنى أن ينتهي ليل الظلام والآلام والماسي التي تعرضوا لها خلال القرون والعقود المنصرمة، والتي لا زالوا يتعرضون لها، كما في عفرين، وان يحققوا آمالهم وتطلعاتهم العادلة والمشروعة. لنقف حداداً وإجلالاً على أرواح شهداء الشعب الكردي وأخرهم شهداء عفرين المقدامة التي احتلتها يوم أمس قوات الدولة الدكتاتورية والدكتاتور أردوغان، والتي راح بعض العرب من عملاء الترك ومن يسمون بـ "الجيش الحر!" ينهبون بخسة ودناءة بيوت واسواق ومحلات النازحين الكرد. نشد على أيدي المناضلين الكرد اينما كانوا، كاظم حبيب
تهنئة وتحية للشعب الكردي
بمناسبة عيد نوروز المجيد
في الحادي والعشرين من اذار من كل عام يحتفل الشعب الكردي في كردستان وعدد من دول المنطقة والعالم بحلول عيد نوروز القومي التحرري من نير الظلم والاضطهاد وبحلول موسم الربيع وتفتح الزهور والأشجار في السهول الوديان والجبال مع بداية السنة القمرية الجديدة .
ويسر المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الانسان ان يرفع اسمى التحيات وازكى التبريكات للشعب الكردستاني في العراق وبقية اجزاء كردستان الاخرى ، املين ان تعود هذه الذكرى وقد عم السلام والآمان والمحبة والتسامح من اجل تحقيق حقوقه المشروعة والعادلة في تقرير مصيره وما يصبون اليه من حرية وعزة وعيش كريم ، وأسوة ببقية شعوب المنطقة والعالم ، بعيداً عما يتعرض اليه من قمع وقتل واضطهاد وإذلال وإقصاء وتهميش في سائر اماكن تواجد الكرد وخصوصاً ما يجري من احتلال وقتل وتشريد ونهب في مدينة عفرين من قبل القوات التركية الغازية والتي راح ضحيتها اكثر من ( الف شهيد وآلاف الجرحى من المدنين واضطرار 150 الف مواطن للنزوح من المدينة ) ، اضافة لاجتياحها للحدود العراقية بمسافة اكثر من خمسة عشر كيلو متر عمقاً ، بتواطؤ اقليمي ودولي .
اننا في المنتدى العراقي لحقوق الانسان في الوقت الذي ندين ونشجب الاعمال والمجازر والانتهاكات الفضة الوحشية التي ترتكب بحق المواطنين الابرياء نطالب بوقف الهجوم العدواني على سيادة الاراضي العراقية والسورية والتي تعد خرقاً لميثاق الامم المتحدة في هذه السنة 2018 والمعتمدة من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة باعتبارها عاماً لحقوق الانسان .
نكرر تهانينا الصادقة بمناسبة عيد نوروز المجيد للشعب الكردي .
المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الانسان
20/3/2018
 


42

كاظم حبيب
لا لجرائم الإبادة العنصرية والفاشية، لا للدكتاتور أردوغان في عفرين...!!!
تعرض الشعب الكردي على امتداد العقود المنصرمة إلى الكثير من الجرائم البشعة التي مارستها نظم سياسية عنصرية وفاشية، نظم دكتاتورية لا قيمة للإنسان عندها. ففي سنوات الفترة 1961-1991 تعرض الشعب الكردي بإقليم كردستان العراق إلى العديد من الحروب الهمجية من الحكام العراقيين، وكانت أبشع تلك المجازر حرب الإبادة القذرة التي مارسها نظام البعث الفاشي والعنصري بزعامة الدكتاتور المجرم صدام حسين بين شباط/فبراير 1988 وتشرين الأول/أكتوبر من نفس العام، والتي راح ضحيتها أكثر من 180 ألف قتيل ومغيب، ودمار واسع وتلويث كبير للبيئة، كما كانت قمتها قصف المدينة التاريخية البطلة حلبچة بالسلاح الكيماوي الذي أودى بحياة وجرح وتعويق ما يزيد عن 10 ألاف مواطن  ومواطنة من إقليم كردستان العراق، بمن فيهم الأطفال الرضع والنساء الحوامل وكبار السن والمرضى. وحيث تمر علينا الذكرى الثلاثون لمجزرة حلبچة الأليمة، يمارس المستبد العثماني والدكتاتور الأهوج رجب طيب اروغان، وأمام أنظار العالم كله، وبمساومات دولية وإقليمية قذرة، أبشع مجزرة جديدة بحق شعب عفرين بسوريا، فمنذ ما يزيد عن شهرين والطائرات التركية والمدافع ترمي بحممها على هذه المدينة وضواحيها وتقتل يومياً وفي كل ساعة المزيد من الكرد ومن أولئك الكرد والعرب الذين لبّوا الدعوة وجاءوا من مناطق أخرى دفاعاً عن مدينة عفرين البطلة وشعبها الأبي أمام جحافل الغزاة العثمانيين الجدد. وتشير المعلومات الواردة إلى نزوح هائل يقدر بعشرات الالاف من مدينة عفرين، كما يؤكد القتلة الترك بأنهم قتلوا أكثر من 3000 مقاتل كردي عدا قتلى المدنيين الذين لا يذكروهم.
لقد جربت النظم التركية العسكرية والمستبدة خلال ثلاثة عقود خنق صوت الشعب الكردي في كردستان تركيا وتجرعت الفشل الذريع وتحمل الشعبان التركي والكردي خسائر بشرية فادحة، إضافة إلى خسارة مادية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات الأمريكية، كما تعطلت عملية التنمية، فأُجبر النظام التركي على المساومة الموقتة في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ولكنه عاد مرة أخرى بزعامة الدكتاتور العثماني الجديد رجب طيب أردوغان ليشن حرباً عدوانية ضد الكرد في كردستان تركيا. وأن يدعي كذباً بأن كرد عفرين ومنبج بسوريا يهددون سيادة الدولة التركية، وعليه لا بد من إخضاعهما لسيطرة تركيا. ولكن هذا الدكتاتور الأرعن ينسى أو يتناسى وقائع تاريخ نضال الشعوب ومقاومتها للغزاة والمحتلين والمستبدين، فحتى لو حقق نجاحاً موقتاً في هذه الحملة العسكرية الهمجية الواسعة والظالمة، مع ما حملته وتحمله معها من خسائر بشرية وعمرانية فادحة، فأن الفشل سيكون، في المحصلة النهائية، من نصيب هذا الدكتاتور الجديد، وسوف لن تختلف نهايته عن نهاية الدكتاتور صدام حسين ورهطه.   
إن الحرب التي يخوضها اردوغان وقواته المسلحة ضد شعب عفرين الكردي السوري تعتبر تجاوزاً فظاً على القانون الدولي والشرع الدولية وعلى اللوائح المثبتة في العلاقات الدولية للأمم المتحدة. ورغم ذلك فأن الطاغية هذا الطاغية دأب بخطبه يستهزئ بالعالم كله، بالأمم المتحدة، بمجلس الأمن الدولي، وبكل دول العالم والرأي العام العالمي وكل الذين طالبوه بإيقاف القصف الجوي والمدفعي على شعب عفرين والتخلي عن تطويق ومحاصرة سكانها وقطع الماء والكهرباء عنهم. وفي إحدى خطبه الرعناء إن الولايات المتحدة لم تتعرف بعد على الصفعة العثمانية!! هكذا وبكل وقاحة يتحدث باسم الدولة العثمانية!! ومن المآسي الفعلية أن تتعاون فصائل مسلحة تدعي معارضتها للنظام السوري وتدعي إنها حرة "الجيش السوري الحر!!!"، ولكنها في واقع الحال تحولت إلى قوة عميلة تخدم الطاغية العثماني ومصالحه وأغراضه الخبيثة بسوريا، كما إن طاغية سوريا، بشار الأسد، هو الآخر رفض نجدة سكان عفرين بقوات عسكرية سورية مسلحة تتصدى للقوات التركية والمرتزقة السوريين الذين يحاربون مع القوات التركية لتطويق سكان عفرين ومحاصرتها واحتلالها، لقد حصلت مساومة قذرة بين سوريا وإيران وروسيا والولايات المتحدة وتركيا في السكوت الفعلي عما يجري بعفرين لتقطيع أوصال قوات حماية الشعب الكردي وتسليمها رؤوسهم هدية لأردوغان من أجل ضرب مطالبة الكرد بحقوقهم المشروعة بسوريا.
وما يجري في الغوطة السورية ليس سوى الدليل الثابت على حجم المناورات الوقحة التي تمارسها الدول الكبرى والإقليمية في المنطقة المشاركة في هذه الحرب والجارية على حساب حياة ومصالح سكان الغوطة والشعب السوري عموماً، فقد تحولت سوريا إلى ساحة صراع دولي وإقليمي منذ سبع سنوات بعيداً عن مصالح الشعب وعن سوريا التي يريدها الشعب السوري دولة ديمقراطية وعلمانية ومجتمعاً مدنياً ديمقراطياً لا يسود فيه البعث الفاشي الحاكم ولا سلطة دكتاتورية مقيتة.
إن من واجب ذوي الضمائر الحية والنظيفة في كل أنحاء العالم أن يقفوا معنا إجلالاً لشهداء حلبچة البطلة في الذكرى الثلاثين للمجزرة الكيماوية التي ارتكبها نظام البعث المجرم وصدام حسين بحق الشعب الكردي وسكان حلبچة، وإجلالاً للشهداء الذين يتساقطون يومياً وفي كل ساعة في معارك عفرين وضواحيها، وكذلك في الغوطة وبقية أنحاء سوريا، وأن يقدموا معنا الدعم الشديد والتضامن الإنساني مع نضال المقاتلين في سبيل حرية الكرد وحقوقهم المشروعة وحرية سوريا، وأن يحتجوا بشدة ويعلنوا عن إدانتهم الشديدة للحرب العدوانية والكارثية التي تنفذها القوات العسكرية التركية بقرار مباشر من الدكتاتور أردوغان.
ليندحر غزو وعدوان الدولة التركية ضد عفرين وسوريا، لتندحر الحرب الظالمة بسوريا، ولينتصر الشعب الكردي وعموم الشعب السوري على الغزاة والمحتلين والمستبدين.
   



43
د. كاظم حبيب
حوار بين كاتبين حول فكر وأبحاث علي الوردي وفالح عبد الجبار
قرأت بعناية واهتمام المقال القيم الذي كتبه الدكتور حميد الكفائي، حيث بذل جهداً متميزا في إبراز الأعمال الفكرية المميزة للفقيد الدكتور فالح عبد الجبار ودوره الثقافي المعمق والعضوي ونشاطه الذي لم يكل حتى اللحظة الأخيرة من عمره، في هذه المرحلة المعقدة والصعبة من حياة ونضال الشعب العراقي، وكان بعنوان: "فالح عبد الجبار: عاش فاعلاً ومات واقفاً1. وقد أعجبت بالمقال حقاً، وعبرت له عن ذلك برسالة شخصية قصيرة. ثم قرأت المقال القيم الذي كتبه الدكتور عبد الخالق حسين بعنوان: "علي الوردي وفالح عبد الجبار: هل فاق التلميذ أستاذه؟"2، سجل فيه إعجابه بكتابات ونشاط فالح عبد الجبار الفكرية وانخراطه في الحياة السياسية العراقية وتحولاته الفكرية المهمة والمعبرة عن تطور وعيه وتقدمه. وينقل لنا الدكتور عبد الخالق حسين في مقاله المذكور في أعلاه حواراً شيقاً ومهماً جرى بينه وبين الدكتور حميد الكفائي تضمنت مقارنة مهمة بين الأستاذ الدكتور علي الوردي (1913 – 1995م)، والدكتور فالح عبد الجبار (1946-2018م). أحاول هنا أن أبدي رأيي المتواضع بالمفكرين الكبيرين اللذين برزا في مرحلتين وفترتين زمنيتين مختلفتين نسبياً من تاريخ العراق الحديث، لعب كل منهما دوره المميز في الحياة الاجتماعية وفي البحث العلمي الاجتماعي، والأخير في الحياة السياسية العراقية أيضاً. كما إن علينا أن نشير إلى باحثين اجتماعيين أخرين بروزا في ذات الفترتين، منهم على سبيل المثال لا الحصر الباحث الاجتماعي والأكاديمي الدكتور شاكر مصطفى سليم، والباحث الاجتماعي والأكاديمي المميز في الفترة الحالية واللصيق بهذه المرحلة، الدكتور إبراهيم الحيدري، المعروف بأبحاثه العلمية وكتبه الكثيرة والرصينة التي يفترض أن تجلب انتباه الباحثين في حقول علم الاجتماع، والذي يقترب كثيراً من المدرسة الفكرية لفالح عبد الجبار، كما في أبحاثه ملامح مهمة من مدرسة علي الوردي.     
إن دراستي لكتب الأستاذ علي الوردي، وكذلك كتب ودراسات ومقالات فالح عبد الجبار، اقنعتني شخصياً بإن الفارق بينهما نوعي ومتنوع ومتعدد الجوانب لصالح فالح عبد الجبار، رغم الأهمية الكبيرة والريادية والطليعية للدكتور علي الوردي، في البحث العلمي والنشر والتنوير في العراق في حقل علم الاجتماع على وفق المنهج الوضعي. وأحاول هنا أن أُشيرَ إلى عددٍ من المسائل المفيدة في تشخيص التمايز بين الباحثين:
** ولد علي الوردي قبل الحرب العالمية الأولى بعام واحد، في حين ولد فالح عبد الجبار بعد الحرب العالمية الثانية بعام واحد، وهي فترة زمنية طويلة نسبياً، وشهدت أحداثاً كثيرة ومتباينة من حيث تأثيرها على الفرد والمجتمع العراقي، كما برزت وتبلورت فيها، بعد نضوج كل منهما في دراساته، الكثير من الأبحاث والتقدم في مناهج ونظريات علم الاجتماع.
** هناك تباين كبير بين طبيعة المرحلة والفترة الزمنية التي عالجها وبحث فيها وكتب عنها علي الوردي والتي حملت الكثير من سمات مجتمع الدولة العثمانية وصراع البداوة والحضارة، وتلك التي عالجها وبحث فيها ونشر عنها فالح عبد الجبار، والتي تميزت بمحاولات جادة ولكنها بطيئة ومتعثرة في بناء المجتمع المدني والدولة التي كانت ما تزال خاضعة للهيمنة البريطانية، ثم في أجواء ثورة تموز 1958 وما أعقبها من أحداث وتطورات لاهبة، أي إن التباين النسبي في الزمان وفي الظروف السياسة والاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت بكل منهما بالعراق كان مهماً وملموساً، بما في ذلك التغير النسبي الملموس في بنية المجتمع العراقي الطبقية ووعيه الاجتماعي.
** وإذا كان علي الوردي بعيداً عن النشاط السياسي الحزبي أو المباشر، فقد كانت له خلفية سياسة واضحة ومواقف سياسية مهمة، في حين كان فالح عبد الجبار جل حياته يعيش في خضم الحياة السياسية والحزبية اليومية وفاعلاً فعلياً فيها، من خلال ممارسته الصحافة التي برع في تحليلها أيضاً، إضافة إلى قدراته البحثية العلمية. وبصدد الخلفية السياسية للأستاذ علي الوردي أشير هنا إلى ما ورد له في كتابه وعاظ السلاطين بصدد الانتخابات البرلمانية بالعراق عام 1954 ودخول القوى الديمقراطية والقومية في جبهة سياسية مشتركة في تلك الانتخابات، إذ كتب: "لو كنت من أرباب العمائم لأفتيت باعتبار التصويت واجباً دينياً، ولجعلت التقاعس عنه ذنباً لا يغتفر ... إنني أعرض هذا الرأي على رجال الدين، وأتحدّاهم أن يقبلوه أو يحققوه."3، أو في موقفه من الإقطاع، وهو موقف سياسي من نظام الحكم الذي كان مؤيداً للإقطاع والعلاقات الإنتاجية الإقطاعية التي كانت تهيم على الاقتصاد والمجتمع بالعراق في الخمسينيات من القرن الماضي، إذ كتب يقول: "ومن عجيب أن نرى نظام الإقطاع يختفي في العالم الثالث قبل مئات السنين، بينما هو في ظهور وتزايد في العراق الحديث، إذ يكدح آلاف الفلاحين في الأرض كالعبيد، ليأتي بعد ذلك رجل واحد فيأخذ ما أنتجوه بعرق الجبين، ويذهب حيث ينعم بالملذات بدون حساب." 4 وعلينا هنا أن نستعيد بذاكرتنا إلى ما حصل في مظاهرات الفلاحين التي واجهت الشرطة التي جاءت لإخماد المظاهرة بهوستهم الشهيرة التي قارنت بين حياة ومعيشة الإقطاعي كريم، وحياة ومعيشة الفلاح الكادح: "كرَّيم يأكل عنبر وأنا بليه دنان اسمع يا مفوض، كرَّيم يركب كاديلاك وأنا بليه نعال اسمع يا مفوض"! ثم تحدث عن اقتصاد النفط وكيف كانت تنفق إيراداته، وهو الذي كان يستمع إلى هوسات الناس حيث تقول: "خمسة بالمية من النفط ما طاح بدينة..!" كتب الوردي: "يخيل لي –ولعلني مخطئ- أن هذه الأموال التي أنعم الله بها على العراق في الآونة الأخيرة، تجري في أخاديد معينة، وهي في نهاية المطاف تصب في جيوب أفراد معدودين ... الخ."5
وحين نتتبع دراسات فالح عبد الجبار وكتبه سنجد ما يؤكد شجبه الصريح والواضح للنظام السياسي القائم حينذاك، ودعوته الشديدة للديمقراطية باعتبارها الأفضل والأنسب للعراق. وكان صريحاً وواضحاً في نقده للنظم السياسية التي حكمت العراق طيلة وجوده على قيد الحياة، وسواء أكان في صفوف الحزب الشيوعي العراقي أم قريباً منه ومحسوباً عليه. لقد كان فالح عميق الفهم للعلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية للفرد العراقي وللمجتمع، وهو ما تجلى في جميع كتاباته.
** وأود هنا الإشارة إلى ثلاث مسائل جوهرية في حقل البحث في علم الاجتماع لدى الباحثين الكبيرين: علي الوردي وفالح عبد الجبار:   
المسألة الأولى: التباين في المنهج الذي استخدمه كل منهما في دراساته الاجتماعية
التزم الدكتور علي الوردي في دراساته للمجتمع العراقي بالمنهج الوضعي في علم الاجتماع. واعتمد في ذلك على مزيج من أفكار ومناهج أبرز أربعة علماء في حقول علم الاجتماع، ابتداءً من القرن الرابع عشر للميلاد حتى الربع الأول من القرن العشرين، وهم 1) عبد الرحمن بن محمد أبن خلدون (1332 – 1406م) المغربي في كتابه الأهم "المقدمة ومدرسته في التاريخ والاجتماع الذي صدر في العام 1377م، و2) وعالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت (1798-1857م)، و3) وعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (1858-1917م)، و4) وعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864- 1920م)، مع واقع وجود تمايز بين هؤلاء الأربعة، ولاسيما لدى ماكس فيبر، الذي استفاد مما حصل من تقدم في هذا المجال، ولاسيما في أبحاث أستاذه الألماني أدموند هرسل (1859 – 1938م)، وفيه تأكيد لدور علم النفس في البحوث الاجتماعية. وتجلى ذلك في أبحاث ماكس فيبر وتطوير نظريته الوضعية الفينومينولوجيا. وقد أبدى اهتماماً كبيراً في دراسته للمجتمع، كما برز عند الأخرين من ذات المدرسة، في تحييد الدين والفكر اللاهوتي عن التأثير في دراساته العلمية ومحاولة الاستفادة من الأسس العلمية التي حاول العلماء قبله وضعها، والتي استهدفت التخلص من فكرة القوى الخارقة وإحلال فكرة القوانين الموضوعية الفاعلة في الطبيعة، وتلك التي تفعل في المجتمع.6 أي أن هؤلاء الأربعة اعتمدوا في دراساتهم على متابعة الظواهر الاجتماعية ودراستها بدلاً من الوقوع في حبائل الغيبيات، وبتعبير أدق، فصل الدين عن البحث العلمي، (الدين شيء والعلم شيء آخر)، أي البحث في الظواهر التي تبرز في حياة الإنسان والمجتمع، وتشذيب علم الاجتماع من الخرافات والأساطير. وهو ما سعى إليه علي الوردي أيضاً في فترة معقدة حيث كانت تنتشر مثل هذه الخرافات والأساطير، وما تزال. وإذا كان ماكس فيبر قد أبدى اهتماماً خاصاً بالجانبين الاقتصادي والديني، فأن الآخرين كانوا أقل اهتماماً بهذا الموضوع، والذي انعكس إلى حد ما على دراسات الدكتور علي الوردي. كما إن المنهج الوضعي أبعد كلية الصراع الطبقي عن المجتمع وقلل من أهمية الاقتصاد. وهو ما يمكن تلمسه بشكل واضح في كتابات ماكس فيبر. وقد التزم الدكتور علي الوردي بهذا المنهج، ولم يقدم شيئاً إضافياً لتطوير المنهج الوضعي لعلم الاجتماع، ولكنه أغنى علم الاجتماع بأبحاثه الميدانية والنقدية ودراساته العلمية عن المجتمع العراقي. ويتجلى ذلك إلى حد ما أو جزئياً بدور المادية التاريخية في كتابات علي الوردي كتابه الأساسي "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"، بمجلداته الستة، حيث وظف تاريخ المجتمع العراقي قبل ذاك وبشكل عقلاني لدراسة الواقع الاجتماعي العراقي خلال الفترة الواقعة بين تكوين الدولة العراقية والخمسينيات من القرن العشرين.7 وعلى وفق قناعتي ودراستي لكتاب المقدمة لابن خلدون، ولاسيما الجانب الاقتصادي المهم فيه، لاحظت إن الدكتور علي الوردي لم يستفد من مكونات منهج ابن خلدون ولم يربط بين جوانب بنية الإنتاج الاجتماعي والبناء الفوقي، وهو نقص بارز في الغوص في عمق المشكلات الاجتماعية والعوامل المسببة لها والنتائج أو العواقب المحتملة. لابن خلدون قول مهم جداً لكل الباحثين، أياً كان مجال بحثهم، ورد في المقدمة:
"إنه لا يكفي أن تصف موج البحر، وظهور السفن، حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر.. لا بد لك أن تفهم ما في القاع.. قاع البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش… وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أياماً كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركاباً.. وينزفون عرقاً، وتتمزق أجسامهم تحت السياط.. أجل، ينبغي أن تعطيني صورة كاملة، عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور". 8       
أما الباحث الدكتور فالح عبد الجبار فقد اعتمد منهجاً آخر تماماً، اعتمد المنهج المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي، وأخذ بقواعد البحث العلمي القائمة على "التجريد والتجسيد المتعاقب والتدقيق"، للوصول إلى النتائج والاستنتاجات التي يحققها البحث العلمي وليس اية أحكام مسبقة. لقد تسنى لفالح التعمق في المنهج المادي الديالكتيكي من خلال دراساته المكثفة والمعمقة والمتواصلة لكتاب "رأس المال" وترجمته له، وهي أفضل ترجمة تحققت لهذا السفر الجليل لكارل ماركس حتى الآن، والذي يعتبر أهم دراسة قام بها ماركس مستخدما فيها منهجه العلمي في دراسة المجتمع الرأسمالي، إضافة إلى كتاب "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"، الذي طرح فيه بوضوح منهجه في البحث. وقد احتل الاقتصاد والصراع الطبقي والتغريب موقعاً أساسياً في هذا التحليل، ولكن ليس الاقتصاد وحده، كما يدعي المروجون المناهضون للتحليل المادي الديالكتيكي، من جهة، ولا الصراع الطبقي وحده، الذي يتجلى ايضاً في التغريب الفعلي بين العامل والجزء المهم مما ينتجه، أي فائض القيمة، كما يروج هؤلاء أيضاً من جهة ثانية، بل هما الحقلان اللذان يؤثران بشكل أساسي ورئيسي على بنية المجتمع وتطوره، إضافة إلى عوامل عديدة أخرى لا يمكن ولا يجوز إغفالها. يؤكد المنهج المادي الديالكتيكي على إن الوعي الاجتماعي انعكاس للواقع المادي، وليس العكس. وهذه المقولة هي التي لعبت وما تزال تلعب دورها الجوهري في التمايز ما بين المثالية والمادية. المنهج المادي الديالكتيكية ينطلق في دراسته للمجتمع من العلاقات الإنتاجية السائدة ومستوى تطور القوى المنتجة والعلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، وما ينشأ عنها من بناء فوقي يشكل الظواهر الاجتماعية المنبثقة عن أسلوب الإنتاج السائد في المجتمع، وما يمكن أن ينشأ عن ذلك من استغلال، سواء أكان في ظل العلاقات الإنتاجية الإقطاعية أم في ظل العلاقات الإنتاجية الرأسمالية. وعلم الاجتماع المادي الديالكتيكي لا يتوقف عند دراسة هذه العلاقات والظواهر الناشئة عنها فحسب، بل يتحرى عن التناقضات والصراعات الناشئة عنها وما الدور الذي تلعبه في التحولات النوعية اللاحقة. يلخص ماركس منهجه على النحو التالي:
"إن العمل الذي قمت به لتبديد الشكوك التي كانت تراودني هو العرض الانتقادي لفلسفة الحق لهيجل.. وأدى بحثي هذا إلى إن العلاقات القانونية والأشكال السياسية لا يمكن فهمها من ذاتها ولاسيما بالتطور العام للعقل البشري، وإنما على الأصح لها جذورها في الظروف المادية للحياة.. والنتيجة العامة التي توصلت إليها.. يمكن صياغتها باختصار كما يلي: يدخل الناس خلال قيامهم بعملية الإنتاج الاجتماعي في علاقات محددة لا يمكن الاستغناء عنها ومستقلة عن إرادتهم. وعلاقات الإنتاج هذه تتوافق مع المرحلة المحددة لتطور القوى المادية المنتجة يشكل المجموع الكلي لعلاقات الإنتاج هذه البنية الاقتصادية للمجتمع، وهو الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه البنية الفوقية السياسية والقانونية والتي تتوافق معها أشكال محددة للوعي الاجتماعي. إن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد عمليات الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بشكل عام. فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، وإنما العكس من ذلك فإن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم."9 
إن الدراسات الأساسية والمهمة التي كتبها ونشرها فالح عبد الجبار، بغض النظر عن مدى توفيقه في التحليل لهذه المسألة السياسية أو تلك، استند إلى المنهج المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي، وكان في الغالب الأعم موفقاً ومتقدما على اقرانه في العلوم الاجتماعية وفي الكثير من تحليلاته السياسية.             
المسألة الثانية: العلاقة بين النظرية والممارسة لدى كلٍ من الباحثين
يبدو لي بأن الباحثين الوردي وعبد الجبار كانا متحررين من الدوغماتية والجمود العقائدي في ممارستهما لمنهجيهما، وكانا منفتحين على المناهج الأخرى، والنظريات في هذا الصدد، دون أن يعيق ذلك أو يؤثر سلباً على ابحاثهما العلمية في قضايا المجتمع. فكلاهما نهلا بمسؤولية وعمق من المناهج والنظريات التي التزما بها وابدعا فيها، ولكنهما لم يساهما في إغناء وتطوير تلك النظريات أو مناهج البحث العلمي الاجتماعي، ولكنهما أغنيا البحث العلمي الاجتماعي التطبيقي بما أنجزاه من أبحاث ودراسات اجتماعية. وبالنسبة لفالح عبد الجبار فقد ساهم بفعالية وحيوية كبيرتين في المجالات السياسية والاقتصادية أيضاً. كتبت الدكتورة ناهدة عبد الكريم حافظ في بحث لها عن "فكر الوردي في طبيعة المجتمع العراقي" بهذا الصدد ما يلي: "لقد كان فكر د. الوردي فكراً انتقادياً لكنه لم يحفل بتقديم بدائل أو مقترحان يمكن الاستفادة منها في حياتنا اليومية." 10، وهي على حق في ذلك، في حين كان فالح ناقداً ثورياً للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي من جهة، وطارحاً لبدائل في مختلف المجالات التي بحث فيها، أي طرح موقفه ووجهة نظره بشأنها من جهة ثانية. كتب ماركس في الموضوعة 6 عن فيورباخ ما يلي: "كل ما قام به الفلاسفة في السابق هو تفسير العالم بطرق مختلفة، بيد أن المطلوب هو تغييره".11
وإذ كان الباحثان قد أقاما علاقات وطيدة بالأوساط الشعبية وأوساط المثقفين، فأن علاقات فالح كانت أوسع وأكثر عمقاً بكثير، سواء أكان في الحياة السياسية العراقية والعربية أم في بعض دول منطقة الشرق الأوسط، أم مع الأحزاب والشخصيات السياسية والاجتماعية العراقية والعربية وخارج إطار العالم العربي أيضاً. وقد ساعد ذلك على توسيع مدارك وأفق نظر ونشاط الدكتور فالح عبد الجبار بالمقارنة مع الدكتور علي الوردي، الذي حصر أبحاثه بالعراق فقط.
لقد كان علي الوردي يؤمن بالصدمة التي يفترض أن يجابه بها المجتمع، ولاسيما الأوساط المثقفة، أن يستفزهم ويثيرهم، أن يدفع بهم للتفكير والبحث، وكانت هذه مسألة مهمة حقاً وصعبة أيضاً في الخمسينيات من القرن العشرين، رغم ما تحمله معها من مشاكسات مع أقرانه ومع أوساط معينة في المجتمع، ولاسيما شيوخ الدين. كتب الدكتور سليم الوردي في محاضرة له عن أطروحات علي الوردي بهذا الصدد ما يلي: " أدرك الوردي أن أطروحاته لا تتمكن من شق طريقها في فضاء معرفي يعجّ بالمسلّمات والمحرّمات والثوابت المألوفة. فتعمّد أسلوب الصدمة في محاولة منه تحرير الوعي الاجتماعي من أسر تلك المسلّمات. وكلّفه ذلك تحمّل سهام النقد الحاد من كل صوب وحدب."12 ويمكن أن يلاحظ ذلك في كتبه العديدة ولاسيما لمحات اجتماعية ووعاظ السلاطين ومهزلة العقل البشري وأسطورة الأدب الرفيع وشخصية الفرد العراقي.
ويبدو لي أيضاً إن الدكتور علي الوردي لم يعمل بما يتطلبه منهج ابن خلدون من مقارنات للبرهنة على الاستنتاجات التي كان يخلص إليها، بل اقتصر على مجتمع واحد هو العراق والمقارنة مع النموذج المثالي للفرد والمجتمع الذي مارسه واضعو المنهج الوضعي. تشير الباحثة العلمية السعودية الدكتورة زهرة الخضاب بصواب بصدد منهج أبن خلدون إلى ما يلي:
"1- ملاحظة ظواهر الاجتماع لدى الشعوب التي أتيح له الاحتكاك بها والحياة بين أهلها. 2- تعقب هذه الظواهر في تاريخ الشعوب نفسها في العصور السابقة لعصره. 3- تعقب أشباهها في تاريخ شعوب أخرى لم يتم الاحتكاك بها والحياة بين أهلها. 4- الموازنة بين هذه الظواهر جميعا. 5- التأمل في مختلف الظواهر للوقوف على طبائعها وعناصرها الذاتية وصفاتها العرضية واستخلاص قانون تخضع له هذه الظواهر في الفكر السياسي وفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع."13 وهذا ما يؤكد الفكرة الأساسية التي أشار لها ابن خلدون حول البحر وما فيه مثلاً. أما أبحاث علي الوردي فقد اقتصرت على العراق ولم يتوسع في بحث الجوانب الاجتماعية للدول المجاورة، بما يسهم في تأكيد استنتاجاته، كما لم يحاول رؤية الأمر على إنه ليس صراعا بين البداوة والحضارة فحسب، بل أن هناك صراعاً جوهرياً، لم يَعره كثير اهتمام أو انتباه، ولاسيما الصراع الاجتماعي المرتبط بواقع العراق الاقتصادي-الاجتماعي حينذاك، أي بطبيعة علاقات الإنتاج التي سادت العراق أثناء حياة وعمل د. علي الوردي، رغم إنه أشار بشكل سريع إلى استغلال الإقطاعيين للفلاحين بالعراق.   
المسألة الثالثة: سعة أو محدودية المواضيع التي كانت موضع اهتمام الباحثين.
اشرت في النقطة الثانية إلى إن الوردي قد اقتصر في أبحاثه وموضوعاته على الفرد والمجتمع بالعراق، وهي موضوعات كبيرة ومهمة وأساسية بالنسبة لحياة الشعب العراقي ولأي باحث في علم الاجتماع. وهذا التخصص والتركيز على العراق لا يعتبر نقيصة بالنسبة للباحث الرائد والكبير علي الوردي، ولكنه يختلف في هذا عن الباحث الاجتماعي الحديث والماركسي المتميز فالح عبد الجبار، الذي اتسع وتنوع في أبحاثه لتشمل العراق والدول المجاورة، إيران وتركيا، والدول العربية وكذلك البلدان النامية، كما امتدت لتشمل الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالقاعدة الاقتصادية الإنتاجية للمجتمع وبالبناء الفوقي الناشئة عنها في آن واحد. فالعلاقات الإنتاجية والقوى المنتجة، المادية منها والبشرية، في ظل العلاقات الإنتاجية الإقطاعية، ومن ثم في فترة تطور العلاقات الإنتاجية الرأسمالية المحدود بالعراق والتغريب الناشئ عن هذ العلاقات في واقع الاستغلال ومصادرة فائض القيمة في قطاع النفط الاستخراجي وفي غيره، كما شملت قضايا السياسة والدين والفكر الديني والتشريع والدولة المستبدة وأجهزتها الإدارية والقمعية، وما يتمخض عن كل ذلك من عنف الدولة والعنف المضاد والمشكلات النفسية وازدواج الشخصية في المجتمع، مما يشير إلى بانوراما بحثية في المجتمع العراقي والبلدان المجاورة، وإلى تشريح تلك المجتمعات ليلتقط منه ويشخص طبيعة العلاقات والظواهر الناشئة عنها والعلاقة فيما بينها.
من الملاحظ إن اهتمام الكتاب وأوساط المثقفين وأوساطاً أخرى قد ازداد بأبحاث وكتب علي الوردي بعد وفاته، والآن نلاحظ هذه الظاهرة مع الدكتور فالح عبد الجبار بعد وفاته حيث يزداد الإقبال على كتاباته وكتبه أكثر بكثير على ما كان عليه حين كان حياً، وسيزداد هذا الاهتمام أضعاف ما كان عليه في حياة أبي خالد بعد أن انتهى بتلك اللوحة الدرامية الخالدة، وهو يتحدث لنا ومعنا من على شاشة التلفزة، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة. كم أتمنى علينا جميعاً أن نبدي اهتماماً أكبر بباحثاتنا وباحثينا الإجلاء وهم أحياء قبل أن يلفظوا انفاسهم الأخيرة، لكي نناقش أفكارهم وابحاثهم، ولكي ندفع بهم إلى المزيد من البحث والإبداع في مختلف المجالات. وأنا هنا لا أتحدث عن الحكومات، على امتداد تاريخ العراق الحديث، التي لم تبد يوماً أي اهتمام بالكتاب والكاتبات والبحث العلمي والباحثين والباحثات في جميع الاختصاصات، بل أركز على الكتاب والباحثين والمثقفين من النساء والرجال أولاً وقبل كل شيء.
برلين في 12/03/2018
الهوامش
1 د. حميد الكفائي، فالح عبد الجبار: عاش فاعلاً ومات واقفاً، جريدة الحياة بتاريخ 4/03/2018.
2  د. عبد الخالق حسين، علي الوردي وفالح عبد الجبار: هل فاق التلميذ أستاذه؟، الحوار المتمدن، محور الفلسفة، علم النفس وعلم الاجتماع، في 8 أذار/مارس 2018.
3 د. علي الوردي، "وعّاظ السلاطين"، الطبعة الثانية، سنة 1995 دار كوفان لندن، صفحة 108.
4 د. سليم الوردي، الاستاذ الدكتور سليم الوردى: كيف نقرأ على الوردى؟، مركز علي الوردي للدراسات والبحوث. 13 تموز/ يوليو 2010.
5 المصدر السابق نفسه.
6 د. إبراهيم بايزو، مدخل موجز إلى علم الاجتماع (3): الاتجاهات الكلاسيكية في علم الاجتماع ـ موقع أنفاس.نت من أجل الثقافة والإنسان، 17 أذار/مارس 2014.
7 كان الفقيد مهدي الحافظ قد حدثني في أحد لقاءاتنا عن الدكتور علي الوردي وزيارته لهفي المستشفى حين كان مريضاً وحين كان مهدي الحافظ يعمل في اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي، أه أشار له بأنه استفاد من الماركسية ومن المنهج المادي التاريخي في دراساته. كاظم حبيب
8 عبد الرحمن بن محمد أبن خلدون، المقدمة، أو كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، الصادر ف 1377 م. تحقيق مصطفى الشيخ مصطفى، مؤسسة الرسالة، دمشق، بدون تاريخ.   
9 د. أحمد القصير، منهجية علم الاجتماعي بين الماركسية والوظيفية والبنيوية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012. يستكمل ماركس ما توصل إليه بحثه بقول: " وعندما تبلغ القوى المنتجة المادية في المجتمع درجة معينة من تطورها، تدخل في تناقض مع علاقات الإنتاج الموجودة أو مع علاقات الملكية – وليست هذه سوى التعبير القانوني لتلك – التي كانت إلى ذلك الحين تتطور ضمنها، فبعد أن كانت هذه العلاقات أشكالاً لتطور القوى المنتجة، تصبح قيوداً لهذه القوى، وعندئذ ينفتح عهد الثورة الاجتماعية، ومع تغير الأساس الاقتصادي يحدث انقلاب في كل البناء الأعلى الهائل بهذا الحد أو ذلك من السرعة." 
10 د. ناهدة عبد الكريم حافظ، فكر الوردي في طبيعة المجتمع العراقي، ضمن أبحاث عن "الملامح المستقبلة للمجتمع العراقي، كلية الآداب-جامعة بغداد، منشورات المجمع العلمي العراقي، مطبعة المجمع العلمي، بغداد، 2002، ص 59.   
11 كارل ماركس، أطروحات حول فيورباخ، كتبها ماركس في العام 1845 ونشرت لأول مرة في العام 1888 في ملحق خاص لكتاب فريدريك أنجلز الموسوم "لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية". 
12 د. سليم الوردي، الاستاذ الدكتور سليم الوردى: كيف نقراء على الوردى؟ جريدة المدى، مجتمع مدني، 28 أيار/ميس 2008.   13 د. زهرة الخضاب، منهج أبن خلدون في دراسة التاريخ. المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والإنسانية، علم الاجتماع- العلوم الاجتماعية- دراسات علم الاجتماع، 16/شباط/فبراير 2010.   

44
نظرات في كتاب "مسيحيو العراق.. أصالة.. انتماء.. مواطنة" للدكتور كاظم حبيب

اسم المؤلف: د. كاظم حبيب

دار النشر: دار نينوى، دمشق
سنة الإصدار: 2018
يتضمن الكتاب ثلاثة أجزاء و17 فصلاً ومجموعة من المباحث في كل فصل. كما يتضمن 30 ملحقاً، إضافة إلى مجموعة من الصور وفهرس بالأسماء، ويقع الكتاب في 1072 صفحة.

يعالج الكتاب بمجمله واقع العراقيين المسيحيين منذ دخول المسيحية إلى وادي الرافدين (ميزوبوتاميا) في القرن الأول الميلادي حتى العام 2016/2017.
يتوزع الجزء الأول على فصلين: يبحث الفصل الأول في البوابات التي دخلت المسيحية منها إلى العراق، ومنها الرسل الأوائل، ودورهم الريادي في نشر المسيحية في هذه المنطقة من العالم وتبني المسيحية على نطاق واسع من سكان العراق ومعاناتهم في مواجهة الديانة الزرادشتية، قبل دخول الإسلام إلى العراق. ويشخص الدور الثقافي للكنيسة الشرقية في مدن ومدارس عديدة منها الرها ونصيبين وحدياب والحيرة في نشر التعاليم واللغة والآداب السريانية. وفي الفصل الثاني يبحث في الصراعات التي نشبت حينذاك بين الكنيستين الغربية والشرقية وعواقبها على جموع المسيحيين في المنطقة. وكذلك الانشقاقات التي حصلت حينذاك ونشوء الطوائف المتصارعة وعواقبها على المسيحيين. إن الاستعراض المكثف والسريع للدين المسيحي في هذه المدن القديمة في بلاد ما بين النهرين كان الهدف منه التحري عن الفترات الزمنية التي وصل خلالها الدين المسيحي إليها والشخصيات أو الجهات الدينية أو الأسرى الذين أمنوا بالدين المسيحي ونشروه في هذه الديار. ويتبين من الدراسة أن الدين المسيحي لم ينقل دفعة واحدة إلى كل أنحاء بلاد ما بين النهرين، بل تم في فترات متباينة وبوسائل تبشيرية عديدة. وإذا كان وصول الرسل الأوائل قد تم في القرن الأول الميلادي، فأن القرون اللاحقة، وإلى حين مجيء المسلمين إلى هذه البلاد، في الثلث الأخير من القرن السابع الميلادي، شهدت وجوداً وقبولاً واتساعاً للدين المسيحي في أغلب مدن وارياف بلاد ما بين النهرين. وأن الكثير من هذه المدن في الشمال أو الجنوب أو الوسط قد أقيمت فيها الكنائس والأديرة المسيحية، والكثير منها قد اندثر ومنها ما يزال دون تنقيب. وما نقب وعثر عليه لا توجد عناية فعلية به حتى الآن. في حين تشكل هذه الكنائس والأديرة ثروة حضارية وتراثاً عراقياً مهماً وأصيلاً يشترك فيه مسيحيو العراق بمختلف طوائفهم، كما يهم المجتمع العراقي بأسره. ويمكن أن يشكل مزاراً لمسيحيي العالم.
أما الجزء الثاني فيتوزع على فصلين أيضاً. يبحث الفصل الثالث منه وبتوسع في موقف القرآن ونبي المسلمين محمد والخلفاء الراشدين من الدين المسيحي والمسيحيين. كما يبحث في المشاكل التي برزت ومواقف التمييز الديني إزاء المسيحيين، رغم العهود التي قطعت لهم، ومن ثم إجراء عمر بن الخطاب المخالف لتلك العهود في تهجير مسيحيي نجران إلى العراق، وعواقب ذلك وتأثيراته حينذاك وفي الفترات اللاحقة، وهي معززة بالوثائق. أما الفصل الرابع بمباحثه الأربعة فيعالج بالوقائع والتحليل موقف الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية من المسيحية والمسيحيين والمشكلات التي واجهتهم رغم دورهم الثقافي والإنساني المميز خلال تلك العهود والعوامل الكامنة وراء تلك المواقف والفوارق النسبية المهمة بين تلك العهود في الموقف من المسيحية والمسيحيين وأسباب ذلك. إضافة إلى العواقب السلبية لمواقف التمييز والتهميش والإقصاء على الإنسان المسيحي ودوره في المجتمع. فرغم اعتراف الإسلام بالمسيح والديانة المسيحية، إلا إن الموقف ينطلق من اعتبار الدين الإسلامي هو أخر الأديان السماوية وعلى أتباع جميع الديانات الأخرى أن يدخلوا في الدين الإسلامي، وهو ما يشكل جوهر الصراع الذي ينشب بين أتباع الديانات ويتناقض مع القول الوارد في القرآن "لكم دينكم ولي دين"! وفي هذا القسم استشهادات كثيرة على صور التمييز والإساءة ولاسيما من جانب الخلفاء والحكام.
أما الجزء الثالث فيبحث في أوضاع العراقيين المسيحيين والمسيحيات في أعقاب الحرب العالمية الأولى والدولة الملكية العراقية الحديثة التي تأسست في العام 1921 والجمهوريات اللاحقة منذ العام 1958. ويتضمن هذا الجزء13 فصلاً.
الفصل الخامس يبحث في تطور الواقع السكاني للمسيحيين وأضاعهم في أعقاب سقوط الدولة العثمانية وفي ظل الدولة الملكية وموقف الدولة الجديدة من المسيحيين وصور التمييز التي ظهرت ضدهم في هذه الفترة. كما يضع الكتاب القراء والقارئات أمام المجزرة التي نظمت ونفذت ضد السكان الآشوريين من النساء والرجال في سهل سُمّيل وكذلك في مجزرة ديرابون وعواقبها على المجتمع المسيحي عموماً، وعلى مناطق سكناهم والعوامل الفعلية،ولاسيما غياب الديمقراطية والحكم الرشيد ، والشوفينية والتمييز الديني، الكامنة وراء ما حصل للمسيحيين بطوائفهم العديدة.وفي هذا الجزء إدانة صارمة وشديدة لتلك الجرائم والأسباب التي أدت إليها، والموقف الخاطئة والسيئة للقوى والأحزاب والعرب والكرد منها.
أما الفصول 6، 7، و8 فتبحث بالتفصيل في أوضاع المسيحيين في الجمهوريات الأربعة اللاحقة وما تعرضوا له من اضطهاد ونزوح وتهجير قسري وتحت ضغط الواقع القائم حينذاك، ولاسيما في الفترة 1959 والفترات اللاحقة، إضافة إلى المجزرة البشعة التي نظمت ضد الكلدان المسيحيين في صوريا عام 1969 وأسبابها وما نجم عنها. وتتضمن أسماء الشهداء في هذه المجرة والمجازر التي سبقتها، وأسماء الجرحى على وفق ما توفرت للباحث.
أما الفصل التاسع فيبحث في الجمهورية الخامسة، جمهورية النظام السياسي الطائفي، وما اقترن بوجود هذا النظام من استبداد ديني وتمييز واضطهاد وملاحقة وتشريد وقتل وحرق الكنائس وتفجيرها وقتل القساوسة والمطارنة من جانب المليشيات الطائفية المسلحة، السنية منها والشيعية، المحلية منها والعربية ومن شذاذ الآفاق، في الوسط والجنوب والشمال، وكذلك التغيير الديموغرافي لمناطق العائلات المسيحية في نينوى وإقليم كردستان العراق. ويورد الكاتب نماذج عما حصل وشهادات نساء ورجال مسيحيين تعرضوا لتلك الجرائم البشعة. وكذلك ما حصل للإيزيديين وغيرهم، من إبادة جماعية على ايدي الدواعش المجرمين، بعد أن سُلمت الموصل دون دفاع عنها من قبل النظام الطائفي والسكوت الدولي عن ذلك طويلاً. وفي هذا يقدم الكاتب الكثير من الوقائع والأرقام والشهادات حول ما حصل للعائلات المسيحية بالعراق.
الفصل العاشر يبحث بشكل خاص في اضطهاد المسيحيين في كل الإمبراطوريات تحت لواء الإسلام والدولة العراقية خلال القرون والعقود المنصرمة وبتفاصيل مذهلة.
الفصل الحادي عشر يتطرق بشكل خاص إلى العراقيين المسيحيين الأرمن منذ بدء وجودهم، ولاسيما بعد الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها في العام 1914-1915 في تركيا، والكوارث الي حلت بهم، ودورهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالعراق، وموقف الأتراك الراهن من تلك المجازر البشعة التي شكل ضحاياها جبلاً يقدر عددهم بأكثر من مليون ضحية.
الفصل الثاني عشر يتطرق في مباحثه الخمسة بالتفصيل وبالشواهد والتحليل إلى العوامل الكامنة وراء التمييز القومي والديني اللذين تعرض لهما مسيحيو العراق،والتغيير الديموغرافي الذي تعرضت له مناطق سكناهم التاريخية والراهنة بالعراق، وتفاصيل عن المؤتمر الذي عقد في برطلة وعنكاوة في مناهضة التغيير الديموغرافي وشجبه والمطالبة باستعادة المسيحيين لمناطق سكناهم. وكان الكاتب رئيساً لهذا المؤتمر ولجنته التحضيرية.
يتطرق الفصل الثالث عشر إلى واقع وعواقب تلك السياسات على وجود المسيحيين بالعراق والهجرة الكبيرة التي حصلت في فترات مختلفة ولاسيما في العام 2014-2016 وآثارها السلبية على مسيحيي العراق أولاً، وعلى المجتمع العراقي بشكل عام. وتشير الأرقام المتوفرة إلى أن مسيحيي العراق قد تقلص عددهم من مليون وربع المليون نسمة إلى حدود 300 ألف نسمة حالياً، ولا تزال الهجرة لم تتوقف، ولاسيما بعد النزوح العام عن الموصل وسهل نينوى في أعقاب اجتياح داعش للمنطقة. ويضع الكتاب شهادات وأرقاماً وإحصائيات مهمة تكشف عن الواقع المرَ للعائلات المسيحية في هذه الفترة العصيبة من تاريخ العراق ومسؤولية النظام السياسي الطائفي والقوى والأحزاب الإسلامية السياسية عن كل ذلك. 
اما الفصلان 14 و15 فيبحثان في دور المسيحيين الريادي والطليعي في مجالات الثقافة، والفنون، واللغة، والأدب والشعر العربي والسرياني،والقصة، والمسرح، والطباعة والصحافة، والطب.. الخ، إضافة إلى دورهم الاقتصادي، الصناعي والزراعي وفي قطاع البنوك والتجارة والتأمين. كما يورد الكاتب أسماء وادوار أعلام المسيحيين الكبار والرواد في هذا المجالات، وكذلك العدد الكبير ومن الوزن الثقيل لمثقفي المسيحيين في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية العراقية. ويتحدث بتوسع عن بعض الأسماء المهمة الحديثة في دورها الثقافي والإعلام والروائي بالعراق.
يبحث الفصل السادس عشر في عواقب الحرب الأخيرة في نينوى والاحتلال والإرهاب على المجتمع العراقي، ولاسيما على مسيحيي العراق من حيث النزوح والمشكلات الناشئة عنها وسبل العيش اللاحق للمسيحيين بالعراق وسبل معالجتها.
الفصل السابع عشر يتطرق إلى آفاق معالجة أوضاع المسيحيين بعد تحرير الموصل وعموم نينوى، وما يفترض أن يحصل، على وفق مطالب المسيحيين، في الموقف من سهل نينوى (محافظة) أو غير ذلك، والمشكلات المعقدة الأخرى المرتبطة بفترة ما بعد التحرير من النواحي الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية.
وباختصار شديد يضع الكتاب أمام القارئة والقارئ بالعربية لوحة بانورامية مكثفة عن حياة ودور ومكانة المسيحيين الطليعي في الثقافة والاقتصاد والحياة الاجتماعية في وادي الرافدين منذ القرن الأول للميلاد حتى السنوات الأخيرة من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين من جانب، والمآسي والكوارث التي تعرضوا لها بسبب الفكر الشوفيني والتمييز الديني من جانب آخر، وبسبب غياب الحياة الديمقراطية وهيمنة الاستبداد والقسوة والعنف والفساد في حياة المجتمع من جانب النظم السياسية الحاكمة والفئات الاجتماعية المهيمنة على الاقتصاد ودست الحكم من جانب ثالث. ويحاول ان يطرح الحلول الممكنة والضرورية في هذا الصدد.
لقد وقعت مأساة كبيرة في العام 1949-1951/1952 حين تم تهجير 130 ألف يهودي عراقي إلى إسرائيل، بتعاون تم بين أربع دول هي: بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل والعراق، وكان أغلبهم لا يرغب بالهجرة ويرى العراق وطنه ووطن أجداده. واليوم نحن نواجه حالة مماثلة، وأن كانت من طراز آخر وزمان آخر، ولكن الحقيقة الماثلة تؤكد إن قوى الإسلام السياسي بالعراق والمنطقة لا تريد للمسيحيين أن يبقوا بالعراق والمنطقة، واستمرار النظام الطائفي السياسي بالعراق يهدد باحتمال ذلك، في حين إن العراق وطنهم ووطن أجدادهم وفيه تراثهم الحضاري المديد. ومن هنا يفترض خوض النضال لإبقاء هذه اللوحة الملونة العراقية زاهية بالشعب المسيحي، بالكلدان والسريان والآشوريين والأرمن، وببقية اتباع الديانات. وهذا يتطلب عملاً نضالياً وتنويرياً مشتركاً وطويل الأمد، داخلياً وعربياً ودولياً، لكي نتجنب ما حصل ليهود العراق أو ما يمكن أن يحصل أيضاً للصابئة المندائيين أو حتى للإيزيديين. 
تشكل الملاحق جزءاً مهماً وأساسياً من الكتاب لما فيه من وثائق تاريخية، (قسم منها حذفه الرقيب السوري، كما حذف بعض النصوص من البحث ذاته أيضاً، ولم يتأثر مضمون الكتاب بهذا الحذف التعسفي وغير المسؤول)، وبعض المقالات والإحصائيات كشواهد على ما تعرض له المسيحيون، إضافة إلى أسماء شهداء المسيحيين خلال الفترة الواقعة بين 1933 حتى العام 2016/2017 وما تيسر للكاتب جمعه عبر التعاون النبيل مع أخوة مسيحيين ومنظمات مجتمع مدني مهتمة بشؤون المسيحيين بالعراق. ويتضمن الكتاب فهرس بالأسماء الواردة في الكتاب، ونبذة عن حياة الكاتب.
اعتمد الكاتب واستفاد في إنجاز الكتاب على مجموعة كبيرة من الكتب التاريخية الباحثة في الشأن المسيحي العراقي، سواء أكانت من باحثين وكتاب عرب أم أجانب، وسواء أكانوا من الآباء والكتاب المسيحيين أم من الكتاب والباحثين العلمانيين. كما استفاد من الكثير من الدراسات والمقالات القديمة والحديثة المنشورة في المجلات والصحف أو في المواقع الإلكترونية. وكذلك أجرى لقاءات مكثفة وعديدة ومفيدة جداً مع باحثين قساوسة ومطارنة من عنكاوة والموصل والقوش ودهوك ومع لغويين وباحثين مسيحيين. ويتضمن الكتاب فهرس بأهم وأبرز المصادر، إضافة إلى الهوامش.
نبذة عن الكاتب كاظم حبيب
من مواليد كربلاء 16/4/1935، حامل شهادات بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه PhD،ودكتوراه علوم DSc، أستاذ جامعي سابق، باحث علمي وكاتب وناشر وناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وعن أتباع الديانات والمذاهب في العراق، إضافة إلى كونه سياسي عراقي يعيش حالياً في المهجر. عضو في عدد من منظمات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية.
أصدر حتى الآن ما يزيد عن 30 كتاباً وعشرات الدراسات والأبحاث وبين 2500 ج 3000 مقالاً في حقول الاقتصاد والسياسة والمجتمع والبلدان النامية وقضايا حقوق الإنسان والمجتمع المدني وعن العنصرية والتمييز الديني والمذهبي. وأبرز كتبه "لمحات من عراق القرن العشرين"، ويقع في أحد عشر مجلداً، وكتاب عن "يهود العراق والمواطنة المنتزعة"، وكتاب عن "الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة"، والكتاب الأخير هو "مسيحو العراق.. أصالة.. انتماء.. مواطنة، إضافة إلى كتب: العولمة من منظور مختلف بجزئين، والفاشية التابعة في العراق، والتخطيط الاقتصادي، والاقتصاد الزراعي في العراق....

45
كاظم حبيب
المرأة العراقية والذكورية الجاحدة! 
في الذكر السنوية ليوم المرأة العالمي
ليس هناك من جديد في بلاد ما بين النهرين بشأن المرأة العراقية، سوى مسألتين بارزتين هما: استمرار الذكور على جحودهم الفظ لدور المرأة ومكانتها في الدولة والمجتمع والاقتصاد وإصرارهم على انتزاع حتى ما تبقى لها لما تحقق من حقوق قليلة قبل خمسة عقود في قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 أولاً، وإصرار المرأة الشجاعة على مواصلة النضال بعزم أقوى وأشد من السابق على انتزاع حقوقها المشروعة والعادلة ومساواتها التامة بالرجل ثانياً، ودعم هذا النشاط من جانب المتنورين من الذكور ومنظمات المجتمع المدني والقوى التقدمية، في مواجهة نظام سياسي طائفي مقيت يدعم كل الإجراءات التي تحط من قدر المرأة وتنتزع حقوقها وكرامتها، بما في ذلك البنات القاصرات في قانون أو تعديلات قانونية للقانون السابق أقرها مجلس الوزراء وحولها إلى مجلس النواب لإقرارها، والتي تعبر عن مدى الوضاعة التي وصل إليها النظام السياسي بالعراق وعموم القوى الحاكمة حتى الآن. وقد نهضت حملة إنسانية نبيلة ضد هذه التعديلات المقترحة وأجبر مجلس النواب البائس على تأجيل إقرارها لظرف أخر يمكن عندها فرضها على المجتمع!!
بسبب فداحة الاغتصاب الحاصل على حقوق المرأة العراقية، ينسى الكتاب والإعلاميون التقدميون ما في اللغة العربية من ذكورية مطلقة، وهي لغة القرآن أيضاً. إذ أن جميع المسائل الواردة في القرآن تتحدث إلى ومع الذكور لا غير، وليس مع المرأة. وحين يرد ذكر المرأة فباعتبارها تابعاً وخاضعاً للرجل، نتاج ضلع..، ولأن "الرجال قوامون على النساء..". (راجع هنا المقال القيم للدكتور محمد محمود الموسوم " واضْرِبُوهُنَّ: قراءات الأمس"، الحوار المتمدن بتاريخ 06/07/2018). وهكذا عاش وما زال العرب يعيشون منذ قرون على إنكار حقوق المرأة ودورها المماثل والمعادل لدور الرجل في الدولة والمجتمع والاقتصاد وبقية المجالات، ويتعاملون معها على إنها "ناقصة عقل!". ومن يفكر بهذه الطريقة يؤكد أنه يعاني من نقص في عقله بالمطلق، وليس المرأة. فمن حق الرجل أن يضرب المرأة إن نشزت، كما جاء في سورة النساء 4، الآية 34: " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا"، ومعنى النشوز، كما جاء في معجم المعاني، "نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ بِزَوْجِهَا: تَمَرَّدَتْ عَلَيْهِ ، اِسْتَعْصَتْ ، أَبْغَضَتْهُ". لم يكن الإسلام وحده قد اتخذ هذا الموقف من المرأة، بل سبقته اليهودية ومن ثم المسيحية. إلا أن الديانتين اليهودية والمسيحية قد شهدتا تحولاً في الموقف والممارسة عبر عملية التنوير التي صاحبت التطور الصناعي وبروز البرجوازية في الحياة السياسية والحكم وتبني مبدأ المساواة بين المرأة والرجل وتحرير المرأة من عبودية الرجل وهيمنته البشعة، في حين مازال المسلمون، يعاملون المسلمات، على ما وضع منذ أكثر من 1439 عاماً ولم يعرفوا عملية التنوير الديني والاجتماعي حتى الآن. ورغم كل ذلك استطاعت المرأة في بعض الدول العربية والدول ذات الأكثرية الإسلامية انتزاع بعض الحقوق، ومازلن يناضلن لانتزاع بقية الحقوق من براثن الرجل المستأسد على المرأة والمغتصب لحقوقها. في هذه المقالة القصيرة سوف أعالج مسألة واحدة تبدو هامشية للبعض، ولكنها أساسية في حكم الموقف الذكوري المتخلف من المرأة.
منذ سنوات بدأت استخدم في كتاباتي لغة ذكورية وأنثوية في آن واحد. ووجهت نداءات بضرورة استخدام هذه الثنائية في الكتابة. ولكن القلة القليلة استجابت لهذا النداء حتى الآن. وليس هذا غريباً على بلد مثل العراق أو الدول العربية. فالألمان الذكور يواجهون، رغم تحررهم يواجهون، مثل هذه المشكلة، وتتجلى في مطالبة متزايدة من جانب النسوة بتغيير النشيد الوطني إلى لغة ذكورية وأنثوية في آن واحد، أو التخلي عن بلد الأب Vaterland، واستخدام بيت الوطن،Heimatland . (راجع جريدة برلينر تسايتونك بتاريخ 06/03/2018، ص 8)
إن استخدام اللغة الثنائية، ذكورية وإنثية، من جانب كتابنا وكاتباتنا ومن جانب إعلامينا وإعلامياتنا، من جانب الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ونقابات العمال والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى، وفي الكتب الدراسية لجميع المراحل الدراسية، سيلعب دوراً تثقيفاً مهماً جداً، إلى جانب دوره النفسي والاجتماعي، على السامعين والسامعات كافة، وسيساهم تدريجاً في إلغاء اللغة الذكورية المنفردة لصالح اللغة الثنائية. وسيجد تعبيره تدريجاً في السلوك الفردي للمرأة والرجل ويقترن مع النضال المتواصل من أجل انتزاع الحقوق الفعلية الأخرى وليس باللغة فقط. فبدلاً من أن نكتب "أبناء" العراق، لا بد لنا أن نكتب "بنات وأبناء" العراق، رجال ونساء العراق، أو بدلاً من أن نكتب الأستاذ فلانة بن فلان، لابد أن نكتب الأستاذة فلانة بنت فلان، أو المديرة أو القاضية أو الوزيرة أو العالمة أو الدكتورة...الخ.                   
حين وصلني العدد الأول من المجلة الإلكترونية "الأكاديمي" باللغتين العربية والإنكليزية، عن "جمعية الاكاديميين العراقيين في استراليا ونيوزلندا" واطلعت على محتوياتها القيمة حقاً، لفت انتباهي، وهي مجلة أكاديمية ديمقراطية تصدر عن جمعية متقدمة في موقفها من المرأة والرجل ولها فرع يدافع عن حقوق الإنسان، استخدامها اللغة الذكورية عند ذكر المرأة، الأستاذ فلانة بن فلان، (دع عنك خلو هيئة التحرير من أي امرأة في عضويتها!)، رغم وجود عدد كبير من النساء العراقيات المتقدمات في مجال العلم والثقافة والفن في استراليا بشكل خاص، وليست لدي معلومات عن نيوزيلندا. فكتبت لهيئة التحرير ملاحظة بشأن ذكورية الكتابة ورجوتهم التفكير بشأن تغيير ذلك. ومن المؤسف إن هيئة التحرير لم تجبني على استفساري واقتراحي بهذا الصدد!
أتمنى على جميع الأحزاب والمنظمات والشخصيات من كتاب وإعلاميين وعاملين في الشأن العام، أن يبدؤا باستخدام اللغة الإنثوية إلى جانب اللغة الذكورية في الكتابة، لكي نخلق حساً إنسانياً سليماً إزاء المرأة بالعراق، رغم الجو السياسي المغبر والمضبب والمزاج الراهن المناهض لحقوق المرأة، بسبب هيمنة قوى الإسلام السياسية الطائفية على مقاليد الدولة والحكم ومجلس النواب والقضاء العراقي والإعلام الحكومي، وهيمنة واسعة على الإعلام الخاص أيضاً. إنها وفي هذه الظروف يفترض على كل الديمقراطيين المقتنعين بمساواة المرأة بالرجل في جميع المجدالات، بما في ذلك اللغة، أن يبدؤا مقاومتهم للذكورية المستفحلة، وسيكون ذلك هدية متواضعة للمرأة العراقية في يومها العالمي، للأم والأخت والزوجة والبنت والخالة والعمة..، وللإنسانة العراقية المناضلة في كل زاوية من أرض الرافدين، في العراق المستباح حتى الآن!                 

46
كاظم حبيب
تزايد قلق الديمقراطيين من اليمين واليمين المتطرف في أوروبا!

كما تجتاح الدول العربية وغير العربية ذات الأكثرية المسلمة موجة مديدة من الإرهاب الأعمى المدمر من جانب قوى الإسلام السياسي اليمينية واليمينية المتطرفة والتكفيرية، حيث هيمنت بعض قواها على الحكم في عدد من هذه الدول، لاسيما في أسيا وأفريقيا، كما في إيران وتركيا والسودان والسعودية والعراق مثلاً، وتمارس سياسات استبدادية وتفرض إرهاباً فكرياً ضد أتباع الديانات الأخرى وضد أتباع الفكر الآخر والرأي السياسي الآخر، وكذلك ضد أتباع القوميات الأخرى، والتي أدت إجراءاتها حتى الآن، سواء تلك التي في السلطة أم خارجها، إلى موت ما يزيد عن مليون ونصف المليون إنسان خلال الأعوام العشرة المنصرمة، وهي ما تزال تواصل ذات السياسات ولم يردعها إجراءات ما يدعى بالتحالف الدولي ضد الإرهاب، لأنه غير جاد وغير موحد ودون تنسيق ومتشابك ومتداخل مع أجهزة أمنية لبلدان غير قليلة، تجتاح أيضاً الدول الرأسمالية المتقدمة موجة مديدة من السياسات والإجراءات ذات النهج والمضامين اليمينية للقوى والأحزاب الحاكمة من جهة، وتفاقم كبير في نشاطات القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة والقوى النازية الجديدة خارج السلطة من جهة ثانية. وبصدد الصنف الأول يمكن الإشارة بوضوح كبير إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وهنغاريا وبولونيا والنمسا وسلوفاكيا والتشيك وبلغاريا وأخيراً النمسا وإيطاليا حيث فاز اليمين واليمين المتطرف في الانتخابات العامة الأخيرة، قد شكل التحالف اليميني واليمين المتطرف الحكومة في النمسا، وربما سيشكل الحكومة بعد أن فازت أحزاب خمس نجمات وبرلسكوني وحزب الشمال اليميني المناهض للأجانب واللاجئين في إيطاليا في انتخابات شباط/فبراير 2018، أما الصنف الثاني فيمكن تأشير دول مثل فرنسا وهولندا وألمانيا والدنمارك والسويد، على سبيل المثال لا الحصر. هذه الاتجاهات ليست وليدة اليوم، بل بدأت بشكل ملموس في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين وتصاعدت مع انهيار النظم السياسية والاجتماعية "الاشتراكية" في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، وتفاقمت بهيمنة فعلية لسياسات اللبرالية الجديدة وقوى المحافظين الجدد في هذه الدول. وكان الأمير زيد بن رعد بن الحسين على حق وصادق حين أكد في تقريره للأمم المتحدة ما يلي: "اليوم، القمع أصبح مألوفا. لقد عادت الدول البوليسية والحريات الأساسية تتراجع في كل منطقة في العالم. كما ان الخجل ايضا يتراجع". وتابع قوله: أن "كارهي الأجانب والعنصريين يتصرفون دون اي شعور بالحرج. مثل المجري فيكتور اوربان الذي قال في وقت سابق هذا الشهر "لا نريد ان يختلط لوننا ... مع الآخرين.." ألا يعلمون ما الذي حدث للأقليات في المجتمعات التي يسعى قادتها للنقاء الأثني والوطني والعرقي؟". (i24 Europa, News, 26.02.2018). وإذا كانت هذه النزعات الشديدة في توجهها الشوفيني والعنصري والديني المتزمت، فأن من الواجب الإشارة إلى دول مثل تركيا وإيران ومصر والسعودية والعراق على سبيل المثال لا الحصر!
إن تفاقم الموقف السلبي والمتشدد والمعادي لليهود والأجانب في دول الاتحاد الأوروبي وعموم أوروبا، ولاسيما ضد المسلمين، يعتبر جانباً واحداً من السياسات اليمينية واليمينية المتطرفة في هذه الدول، إذ أن الجوانب الأخرى أوسع وأشمل وأكثر عمقاً وخطورة على مجمل أوضاع هذه الدول، منها مثلا ما جرى في هنغاريا وبولونيا بشأن التغييرات الجارية على القوانين ووزارة العدل، وعلى حقوق وحريات الأفراد، أو على طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في مجمل الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ومنها السياسات الضريبية التي تزداد تمايزاً في غير صالح العمال وصغار ومتوسطي المنتجين، وفي صالح كبار الرأسماليين والشركات الرأسمالية الاحتكارية. والمؤشر لهذه الخطورة يبرز في نتائج الانتخابات المحلية والانتخابات العامة في أغلب هذه الدول خلال الفترة الواقعة بين 2015-2018، وما يمكن أن يحصل في السنوات القادمة، حيث تشير الكثير من التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث واستطلاعات الرأي إلى احتمال واضح بحصول القوى اليمينية واليمينية المتطرفة والشعبوية على نسبة مهمة من الأصوات والمقاعد النيابية في عدد متزايد من الدول الأوروبية. (راجع أبحاث وتقارير عن مناهضة السامية ومناهضة الأجانب صادرة عن المكتب الاتحادي للتثقيف السياسي بألمانيا (Bundesamt für politische Bildung, in 2014, 2015, 2016, 2017 ( إن هذه الاتجاهات السياسية والاجتماعية، التي امتدت إلى الأوساط العمالية النقابية، بدأت تثير قلق القوى اليسارية والديمقراطية في أغلب الدول الأوروبية، وبدأت تنظم المظاهرات احتجاجاً على هذه الظواهر، ولكنها ما تزال ضعيفة ودون المستوى المطلوب لمواجهة هذه الاتجاهات اليمينية واليمينية المتطرفة، التي أدت سياسات اسلافها إلى نشوب حربين عالميتين في القرن العشرين، والتي كان أحد عوامل نشوبها ضعف التحالفات السياسية والاجتماعية بين القوى المناهضة لهذه الاتجاهات الفكرية والرأسمالية المتطرفة، مما يذكرنا بما حصل في أوروبا في النصف الثاني من العقد الثالث وما بعده في تفاقم الصراعات بين الأحزاب السياسية المناهضة للفاشية والنازية واليمين المتطرف.   
والسؤال المشروع في هذا الصد: ما هي العوامل الكامنة وراء هذا النزوع المتنامي صوب اليمين واليمين المتطرف الشعبويين؟ تجمع تقارير مراكز الأبحاث، ولاسيما في الدول الأوروبية، إلى مجموعة من العوامل المهمة التي يمكن بلورتها في النقاط التالية:
** إن اختفاء دولة المعسكر الاشتراكي عن المنافسة مع المعسكر الرأسمالي، وبشكل خاص في المجال الاقتصادي والاجتماعي، أسس قناعة لدى قادة النظم السياسية في هذه الدول وكبار الرأسماليين تشير إلى أن في مقدورهم الآن ممارسة سياسة رأسمالية جديدة تستبعد المساومة التي أجبرت عليها قبل ذاك مع الطبقة العاملة والفلاحين، وضاغطة على الأجور والمكاسب الاجتماعية التي تحققت عبر نضال الطبقة العاملة والمثقفين والبرجوازية الصغيرة، وتحت ضغط المنافسة الدولية، وباختصار يمكنهم الآن ممارسة سياسة "رأسمالية متوحشة!!" لا تعرف الرحمة والمساومة، على حد قول المثل "غاب القط ألعب يا فأر!".
** قادت هذه السياسة اللبرالية الجديدة إلى خمس عواقب صارخة: أ) ارتفاع حجم البطالة؛ ب) تفاقم استغلال الطبقة العاملة وبقية المنتجين وارتفاع أرباح الرأسماليين؛ وج) اتساع الفجوة في الدخل ومستوى المعيشية بين طبقات وفئات المجتمع في غير صالح الطبقة العاملة وصغار المنتجين وذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل؛ د) تفاقم أزمة السكن ولاسيما بالنسبة لذوي الدخل المحدود وارتفاع عدد المشردين دون سكن؛ هـ) الهجوم المعاكس على المكاسب الاجتماعية في مجالات الصحة والتعليم ودور الحضانة ورياض الأطفال والرواتب التقاعدية والمعونات الاجتماعية التي تحققت للمجتمع خلال فترة الحرب الباردة في غير صالح الطبقة العاملة وصغار المنتجين وذوي الدخل المحدود.
** تراجع شديد في مصداقية القوى والأحزاب السياسية التقليدية الحاكمة، بما فيها الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية (الأحزاب الاشتراكية) والأحزاب الديمقراطية المسيحية، مما فسح في المجال لنشاط أوسع للقوى اليمينية واليمنية المتطرفة الشعبوية، فجميع هذه الأحزاب تبنت سياسات اللبرالية الجديدة وقادت إلى عواقب وخيمة للمجتمع، كما ضاع التمايز بين الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية والأحزاب المسيحية أو المحالفظة.
** ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع إيجارات السكن بنسب عالية وأسعار السلع الاستهلاكية والنقل وغيرها، مما أدى إلى تراجع كبير في القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود في جميع الدول الأوروبية والولايات المتحدة وغيرها.
** كما إن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم الرأسمالي في العام كله 2008 ما تزال عواقبها لم تنته بعد وهي شديدة الأثر على الفقراء والمنتجين في الدول الرأسمالية المتقدمة، وكذلك على شعوب الدول النامية. إذ أن عواقب الأزمة الحادة ألقيت على كاهل الفئات المنتجة والفقيرة في الدول الرأسمالية وشعوب البلدان النامية.
** إن الحروب التي أُشعلت في عدد من الدول، ولاسيما في دول الشرق الأوسط وأفريقيا، بسبب صراع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للدول الكبرى، والحروب الداخلية والخارجية من جهة، والسياسات الاستبدادية للكثير من حكومات الدول النامية التي تجد التأييد والدعم من الدول الرأسمالية المتقدمة من جهة ثانية، والتغيرات الجارية على البيئة وتدمير الكثير من مناطق سكن جماهير واسعة شعوب عدد من الدول النامية، بما فيها قطع أشجار الغابات والخامات التي استنزفت من قبل الدول الرأسمالية والفئات الحاكمة في ذات البلدان والتغيرات المناخية بسبب تلوث البيئة، من جهة ثالثة، والاستمرار في انتاج وبيع المزيد من الأسلحة التقليدية الحديثة، عبر السوق الرسمي والسوق الموازي، من جانب الدول المنتجة والمصدرة للسلاح مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا الاتحادية وبريطانيا وإيطاليا ..الخ، إلى الدول في المناطق التي فيها صراعات ونزاعات ساخنة من جهة رابعة، قادت كلها وغيرها إلى مزيد من النزوح الداخلي أولاً، وفيما بين الدول النامية ثانياً، وإلى هجرة بشرية واسعة صوب الخارج، نحو الدول الرأسمالية المتقدمة، ولاسيما إلى أوروبا ثالثاً. ويقدر عدد الذين تشملهم الهجرة القسرية والنزوح إلى أكثر من 60 مليون نسمة على الصعيد العالمي. ورغم إن نسبة ضئيلة منهم قادمة إلى أوروبا والولايات المتحدة، تعلن أوروبا، وكذلك الولايات المتحدة ودول أخرى، عن عجزها وعدم استعدادها على استيعاب هذا الجزء الصغير منهم، ولاسيما تلك الدول التي كانت ضمن المعسكر الاشتراكي وكذلك النمسا وإيطاليا والولايات المتحدة. ومع ذلك فأن هذه النسبة الضئيلة قد أججت الصراع الداخلي، بسبب عدم توفير مستلزمات استقبال هذه الهجرة غير المتوقعة من جانب الدول الأوروبية والخطاب غير العقلاني من عدد من الأحزاب الحاكمة إزاء اللاجئين وخوض الانتخابات بشعارات مناهضة لهم. وبدأت القوى اليمينية واليمينية المتطرفة تستخدم شعارات شعبوية لكسب الناس إليها وتعبئتها ضد الحكومات القائمة، والتي تصب في خانة معاداة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة. 
تستخدم القوى والأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة الجوانب الاجتماعية في مشكلات الدول الرأسمالية المتقدمة باتجاهين، فهي تعلن عن عدم وجود مساواة وعدالة اجتماعية في هذه الدول، وهذا صحيح، ولكنها لا تقصد في هذا الجانب التمايز المتسع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة المنتجة للخيرات المادية وصغار المنتجين والفئات ذات الدخل المحدود، بل تشير إلى وجود الأجانب في البلاد الذي، حسب تقديرها المناهض للأجانب، السبب في عدم العدالة والمساواة، أي أن وجود اللاجئين أو الأجانب عموماً في غير صالح أبناء البلاد، ويوردون مسائل مثل ضعف الرواتب التقاعدية والمزاحمة على فرص العمل وعلى السكن. إن هذا المنحى يستهدف تحويل الصراع الطبقي الداخلي بسبب التمايز الطبقي واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، إلى صراع قومي، أي بين شعوب تلك البلدان والأجانب القادمين كلاجئين إليها أو القاطنين فيها. إنها تعمل بإصرار ودأب على تأجيج العداء والصراع ضد الأجانب، إذ أنهم يعرفون تماماً، بأن هذه الذرائع التي يدّعونها لا تصمد أمام الوقائع على أرض الواقع، بل كلها ناتجة عن طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي الرأسمالي، الذي يزداد توحشاً في جشعه لتحقيق المزيد من الأرباح على حساب المنتجين، والسياسات التي تمارسها حكومات هذه البلدات ذات النهج النيولبرالي، الذي تدافع عنه القوى اليمينية واليمينية المتطرفة بحماس منقطع النظير. وهي تدعو إلى مزيد من دور الرأسماليين واحتكاراتهم في المنافسة الرأسمالية على الصعيد الدولي ومزيد من استغلال شعوب البلدان النامية، لأنها تعتقد، وفق نظرتها العنصرية، بأن شعوبها هي الأكثر رقياً والأفضل عرقياً من شعوب البلدان النامية ومن حقها أن تقوم بذلك. أنها تستعيد من ترسانة النازية الألمانية، من النظرية التي روج لها الفريد روزنبيرغ وهتلر وغوبلز وغيره، نظرية الشعب الآري المتميز والمفضل عن الشعوب السامية (الآسيويون) والحامية (الأفارقة) السيء الصيت!! وهي بأسلوبها الشعبوي تؤثر على فكر ومزاج الناس من ذوي الوعي الاجتماعي والسياسي المحدود وتؤلب المجتمع ضد الأجانب بشكل صارخ، إذ أصبح العداء لوجود الأجانب رأسمالها الذي تسعى من خلاله إلى غزو المجالس النيابية المحلية والعامة في الدول الأوروبية. إن الدراسة الجيدة لبرامج القوى اليمينية واليمينية المتطرفة في الدول الأوروبية تساعد على معرفة التناقض بين موقفهم الرأسمالي المتطرف النيولبرالي الساعي إلى تعزيز مواقع الاحتكارات الرأسمالية، وبين دعوتهم السطحية والكاذبة للعدالة الاجتماعية، التي لا تعني العدالة الفعلية بل الاستعداء على الأجانب وإلى استبعاد اللاجئين من أوروبا. واليوم، فهذه القوى تستخدم تخويف الأوروبيين بوجود مخاطر أسلمة أوروبا. والقوى الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية تساعد القوى اليمينية واليمينية المتطرفة والنازية الجديدة في أوروبا على تحقيق نجاحات معينة في دعاياتها المضللة في الأوساط الاجتماعية في المجتمعات الأوروبية، لأنها تعلن عن أن أوروبا هي دار حرب بالنسبة للمسلمين، ولا بد من تحويلها إلى دار سلام أو دار للإسلام!!! إنها ثرثرة وجعجعة فارغة، ولكنها فاعلة في نسبة غير قليلة من الأوساط الشعبية ذات الوعي الضعيف!! 
     
   

47
كاظم حبيب
احتفالية تكريمية في منتدى بغداد للثقافة والفنون ببرلين
اقام منتدى بغداد للثقافة والفنون احتفالاً تكريمياً ممتعاً وبهيجاً للزميلين الفاضلين الأستاذ أحمد عفاني، المهندس والإعلامي والكاتب والمثقف والناشط العربي الفلسطيني في صفوف الجالية العربية بألمانيا، ولاسيما ببرلين، والصديق الدكتور حامد فضل الله، الطبيب والكاتب والمثقف والناشط الحقوقي العربي الأفريقي السوداني، لدورهما المميز في مجال تمتين العلاقات بين أبناء وبنات الدول العربية والشعب الألماني، الذين يعيشون في كنفه وبين أبنائه وبناته ويتمتعون بثقافة هذا الشعب الرائعة، ويسعون إلى تحقيق التلاقح الثقافي بين الثقافات، ولنشرهما الكتب والكثير من المقالات والترجمات من الألمانية إلى العربية ومن العربية إلى الألمانية حول مواضيع مهمة في الثقافة والفنون وقضايا المسلمين والعرب عموماً بألمانيا. إضافة إلى كونهما من المناضلين ضد الشوفينية والعنصرية والتمييز الديني والطائفي وضد النظم الاستبدادية وغير الديمقراطية، وفي سبيل الحرية والحياة الديمقراطية والمجتمع المدني في منطقة الشرق الأوسط وفي سبيل السلام.  وتضمن الحفل كلمة ألقاها الزميل عصام الياسري رئيس المنتدى حول الثقافة والمثقف ودورهما في حياة الشعوب العربية وفي الشتات العربي، وأهمية تنشيط الحياة الثقافية في صفوف الجالية وضرورة إيصالها إلى الألمان أو التمتع بالثقافة الألمانية، مؤكداً على دور المثقف العربي الديمقراطي في نشر الفكر الديمقراطي الحر والثقافة الديمقراطية والدفاع عن القيم الإنسانية والحضارية، ومنها الثقافة والفنون التي تعاني اليوم الأمرين في الدول العربية. وكان التفاتة جميلة أن تقدم الكلمة باللغة الألمانية أيضاً، بسبب حضور مجمعة من النسا والرجال الألمان من أصدقاء الزميلين والمنتدى.
ثم قدم كل من الزميل عصام الياسري ملف التكريم إلى الأستاذ أحمد عفاني، والزميل قيس الزبيدي ملف التكريم للدكتور الطبيب حامد فضل الله. تضمن الملفان كلمات تقييمية ودية من أصدقاء الزميلين بهذه المناسبة، كما تضمنا صوراً عن حياتهما ونشاطهما في الوطن وفي المانيا. ثم قدم الزميلان نبذة عن حياتهما ونشاطهما في الوطن وألمانيا في مجال الثقافة والحياة الاجتماعية للجالية في ألمانيا، إضافة على مجال الطب بالنسبة للزميل حامد فضل الله، ولاسيما في مجال الدفاع عن مصالح الجالية وحقوق الإنسان في بلدانهم.
وقد تخلل الاحتفالية عزف جميل على العود وغناء عربي من عازف العود ذاته. وقد غصت القاعة بالحضور وأجبر العديد منهم على الوقوف احتفاء بالزميلين. كان هذا التكريم هي المبادرة الثانية من جانب المنتدى في تكريم الشخصيات الثقافية والفنية والاجتماعية من مواطني ومواطنات الدول العربية وألمانيا، وكان الأول هو الزميل الفنان التشكيلي المبدع منصور البكري، الراقد حالياً في المستشفى..، نتمنى له الشفاء العاجل والعودة إلى إبداعه في الفن التشكيلي وفي النشاط الثقافي العام. وقد وضع المنتدى مشروعاً لتكريم شخصيات تعيش في المانيا وتساهم في حياة ونشاط الجالية العربية والعراقية. 
وقد شاركت بهذه الاحتفالية بكلمة عن صديقي الفاضل والعزيز الدكتور حامد فضل الله التي وضعت في ملف التكريم مع بقية الكلمات، كما شاركت منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق، ألمانيا/أمرك بكلمة بهذه المناسبة وضعت في الملف أيضا. في أدناه نص الكلمتين:     
الصديق العزيز الدكتور حامد فضل الله   
يعتبر الصديق الدكتور حامد فضل الله واحدا من أبرز أعمدة وشخصيات الحياة الثقافية والاجتماعية العربية بألمانيا، ولاسيما ببرلين. تجمعنا صداقة ما بعد الخمسين من العمر التي غالباً ما تقوم على المبادئ وبعيداً عن المصالح، إذ تعتمد الأخوة والفهم المتبادل عند الاختلاف، والتضامن والتعاون والعمل المشترك في حقول الثقافة وحقوق الإنسان والمجتمع المدني وهموم العالم العربي المتراكمة والمتفاقمة. ومنذ بداية التسعينات أصبحنا أصدقاء لما تبقى من العمر. أرجو له ولعائلته ولكم طول العمر والصحة والعافية.
للصديق والأخ حامد فضل الله خصال لا تفوت على من يتعرف عليه. فهو إنسان متواضع، دمث الخلق وشفاف الطبع، طيب المعشر، كريم النفس، صريح ونزيه اللسان وصادق القلم، يمد يد المساعدة بأكثر من المستطاع، مما يكلفه صحته. له علاقات ودية واسعة مع العرب وغيرهم ببرلين، بغض النظر عن وجهات نظرهم السياسية، فالعلاقات الاجتماعية عنده ذات نكهة إنسانية حميمة يفترض ألَّا تضيع في أجواء اختلاف الآراء أو المواقف السياسية، له رأيه ومواقفه السياسية الإنسانية في الدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته، وحقوق القوميات، وحقوق المرأة ومناهضة كل أشكال العنصرية والطائفية، والتمييز الديني والمذهبي، والتمييز ضد المرأة. الصديق حامد من الملتزمين بالحكمة المندائية التي تقول: "ويل لعالم لا ينفتح على غيره، وويل لجاهل منغلق على نفسه".   
حين بدأت أبحث عن شخصيات ديمقراطية من دول عربية تشارك معي في تشكيل منظمة تساهم مع منظمات أخرى في الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية، وبعد أن كنت عضواً في المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وجدت في حامد فضل الله ونخبة من الأخوة والأخوات من الدول العربية، خير عون وناشط في هذا المجال، وهو ما يزال يناضل على هذا السبيل. وفعلاً أسست "منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية" في العام 1991، وقدمت الكثير من المساعدات للاجئين والمقيمين من الدول العربية، ولكنها أصبحت ميتة سريرياً!
حامد طبيب نسائية، فأضفت عليه مهنة الطب النبيلة، ولاسيما النسائية، الكثير من نكهة المرأة والود الصادق والوفا للأصدقاء والدفء الإنساني في علاقاته مع الآخرين، كما وجدت طريقها إلى كتاباته وقصصه القصيرة، التي تحمل عبق النسوة والطرافة واللقطة المميزة والذكية والمؤثرة.
حامد كاتب مقل ومتميز، كتاباته تتميز بلغة سليمة ورشيقة، يختار كلماته كما يختار الطبيب الدواء الناجع لمريضه. ويمكن للقراء أن يجدوا ذلك في كتابه الوحيد والمهم الموسوم "أحاديث برلينية" وضع فيه خلاصة تجاربه وحياته وعلاقاته منذ أن غادر السودان ليحط بألمانيا ليدرس اللغة والطب والثقافة الألمانية.
حامد مثقف عضوي هادف ومؤثر بالمعنى الغرامشي. يكتب الشعر الشعبي بالسودانية، ومقل فيه أيضاً، ويحفظ الكثير من الشعر السوداني الشعبي، ويبدع في استخدامه.         
حامد قارئ نهم باللغتين العربية والألمانية، أحب الترجمة إلى جانب الكتابة. يختار منها ما يراه نافعاً للعرب، ولاسيما المسلمين، بما يساعدهم على فهم الألمان وثقافتهم، وما يفترض أن يكونوا عليه وبعيداً عن التطرف الديني أو القومي والمغالاة بها، كما يترجم ما يراه نافعاً للألمان لفهم مواقف ونهج العرب بعيداً عن مواقف الذين اكتووا بنار الحروب والإرهاب التي تركت تبعاتها وتداعياتها وأخلاقها على سلوكيات بعضهم المشينة. يقف بوضوح إلى جانب اللاجئين ويطالبهم بالاندماج بالمجتمع الألماني والأوروبي وليس الانصهار فيه، ويثني على مواقف الألمان في استقبالهم للاجئين ويطالبهم بالمزيد من قبول الآخر والتفاعل معه والتلاقح الثقافي وتوفير مستلزمات تنشيط وتسهيل عملية الاندماج بالمجتمع الألماني.
محاولات حامد الفكرية والعملية جادة في إيصال الفكر والأدب الديمقراطيين السليمين في الثقافة العربية إلى الألمان، وهي مشاركة مهمة ومحمودة وتحتاج إلى رعاية للإكثار منها. يمتلك حامد حساً نقدياً رفيع المستوى مدركاً لدور النقد وضروراته وأهميته، صريحاً وجريئاً في ممارسته، ولكنه يرفض الإساءة والتجريح!
همٌ إنساني نبيل يؤرق حامد، إنها العلاقة المتوترة وضعف التعاون والتضامن بين جاليات وأفراد الدول العربية. فالاستبداد الحكومي والحروب والإرهاب والقمع والفساد والحرمان وغياب الحريات والحياة الديمقراطية والدستورية وتفاقم الفجوة بين مستوى حياة ومعيشة الأغنياء المتخمين، والفقراء البائسين، رغم غنى الأوطان، هي الظواهر السائدة منذ عقود بالدول العربية، والتي تركت آثارها السلبية العميقة على العلاقات بين مواطنات ومواطني الدول العربية بألمانيا وعموم أوروبا. وكثيراً ما بذل حامد الجهد لإصلاح ذات البين، ومنها مثلاً دوره النبيل لإصلاح العلاقات المتوترة بين الجماعات العراقية ببرلين، والتي لم ينجح في تحقيقها، وكذا الحال في سعيه للمّ الصف السوداني بعيداً عن السياسة، فالمشتركات الثقافية والاجتماعية والإنسانية أكثر بكثير من دور السياسة في التفريق والتباعد... الود وعدم نسيان الأصدقاء والأحبة والحنين والوفاء لهم هي من أبرز خصاله الطيبة.
لا يغيب حامد عن الندوات الثقافية التي تعقدها المنتديات العربية ببرلين إلا إذا كان في وعكة صحية. ويساهم بحيوية فيها ويدعو الآخرين للمشاركة فيها، لاسيما وهو يلاحظ الإحباط الشديد في صفوف مواطني ومواطنات الدول العربية واحجامهم عن المشاركة في مثل هذه الفعاليات، باعتبارها جزءاً من الكارثة التي تعاني منها شعوب الدول العربية بحكم الاستبداد السياسي والحروب والإرهاب والخراب الاقتصادي والتدخل الأجنبي الدولي والإقليمي والإحباط النفسي والتمييز ضد المرأة، إنها جزءٌ من المهمات التي يفترض أن ينهضوا بها، وهم في الخارج، مواطنات ومواطنو الدول العربية لصالح شعوبهم.   
الشكر الجزيل للأخ عصام الياسري ومنتدى بغداد الثقافي على هذا التكريم الجميل، فهو تكريم صادق لشخصية ثقافية وإنسانية نبيلة، إنه الأخ والصديق الدكتور حامد فضل الله.
كاظم حبيب
برلين في 3 تموز/ يوليو 2018

السيدات والسادة الكرام
الأخ والصديق الدكتور حامد فضل الله المحترم
اسعدنا جداً مبادرة تكريمك من قبل منتدى بغداد الثقافي ورئيسه الأخ السيد عصام الياسري. فهي مبادرة قيمة يشكرون عليها.
منذ أن تعرفنا على الأخ الدكتور حامد فضل الله في حقل النضال في سبيل الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية وعن حقوق الأجانب واللاجئين في ألمانيا في أوائل العقد الأخير من القرن العشرين، كان وما يزال يعتبر مثالاً وقدوة حسنة لأعضاء منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية، وكذلك مسانداً لنضال منظمتنا، منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق/ أمرك المانيا. فمنذ سنوات وهو يتابع، بحرص كبير على شعب العراق، أوضاع البلاد والحروب المدمرة التي خاضها نظام صدام حسين والعواقب الوخيمة التي نتجت عنها، ولاسيما في مجال حقوق الإنسان، ولاسيما حق الإنسان في الحياة والعمل والكرامة. كما كان وما يزال يتابع باستياء كبير التدخلات الخارجية الدولية والإقليمية في الشأن العراقي، وما نشأ عنها من حروب وصراعات دموية، والتي ما يزال يتعرض لها العراق وما نتج عنها من موت وخراب ودمار، ولاسيما بعد غزو عصابات داعش الإجرامية للموصل ومناطق أخرى من العراق. وأدرك بحس سليم، ومنذ البدء، ما يمكن أن يتعرض له العراق بسبب الحرب التي شنتها الدول الكبرى بقيادة الولايات المتحدة في العام 2003 ضد العراق وإقامة نظام طائفي سياسي فاسد في البلاد.
أننا إذ نحيي العزيز حامد في يوم تكريمه، نرجو له الصحة الموفورة والمزيد من العطاء في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني في الدول العربية قاطبة. مع صدق ودنا واحترامنا الكبيرين
الدكتور غالب عبد العزيز العاني
رئيس منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق/ ألمانيا أمرك     
هامبورغ في، 03.03/2018
 
د. حامد فضل الله، برلين 2017

48
كاظم حبيب
فالح عبد الجبار، الإنسان الطيب والمناضل الشجاع والعالم الرصين
مات فالح على غير موعد، اختطفته يد المنون دون وداع، هكذا هو الموت..، يأتي على غير موعد، لا يعلن عن قدومه، زائر غريب ومضني لا يمكن ردّه..، جاء في وقت غير مناسب، لم يمهله لإنهاء الفكرة في المذياع، أتعبه موضوع العراق المنهك وهو يتحدث في فترة قصيرة عن تاريخ العراق المأساوي.. ها هو الموت يختطف من جديد صديقاً ورفيقاً ومناضلاً آخر.. يختطف الأحبة واحداً بعد الآخر.. سعدنا برؤيته على شاشة التلفزيون، وأنهكنا الحزن قبل ان ينهي الموضوع!!   
كان فالح في قمة عطائه الإنساني، وفي حركة دائبة غير قادر وغير راغب على التوقف ولو لحظة واحدة ليريح قلبه المتعب مما جرى ويجري في العراق الجريح وفي المنطقة!! كان شعلة وهاجة ينير درب الآخرين ويشتعل ذاتياً.
  التقيته قبل فترة وجيزة، تجولنا في شوارع برلين اخترنا مطعماً هادئاً، جلسنا وتحدثنا في همومنا المشتركة، وتحاورنا عن المشاريع الكثيرة الواعدة التي كان ينوي القيام بها وإنجازها، وتحدثت له عما أقوم به فيما تبقى من سنوات عمر الشيخوخة. اتفقنا على تنشيط فعاليات بعض منظمات المجتمع المدني التي نعمل فيها، وأن نكرس وقتاً أكثر لها. كان لا يهدأ.. في زحمة أعماله الكثيرة وسفراته المكوكية في أنحاء العالم، كان يحمل حقيبته الصغيرة وأوراقه وأقلامه ونظارته. منذ وفاته شلت يدي عن الكتابة عنه لقسوة المفاجئة، رغم معرفتي بقلبه العليل.. مات وهو لا يحمل غير أوراقه وقلمه، وفي قلبه يحمل زوجته العزيزة فاطمة المحسن وابنته فيروز وولديه خالد وعلي والكثير الكثير من الرفاق والأصدقاء والمحبين والمعجبين بكتاباته.. 
لقد عمل فالح بدأب العالم المفكر، ومنهجية الباحث الجاد والرصين، فهو شديد الذكاء، دقيق الملاحظة، سريع البديهة، قوي الذاكرة وموسوعي المعرفة مع اعتداد بالنفس. عمل فالح بإخلاص على وفق الحكمة المندائية القائلة "ويل لعالم غير منفتح على غيره، وجاهل منغلق على نفسه"!
كانت لقاءاتنا قليلة، ولكن كنا حين نلتقي تكون موضوعات البحث العلمي والمشاريع التي نقوم بها هي مادة الحديث، إلى جانب أوضاع الشعب العراقي والمنطقة وأوضاع العراقيات والعراقيين في الخارج ومشكلاتهم المعقدة بسبب تعقد أوضاع الداخل.
لقد كان رفيق درب نضالي طويل، كان منفتح العقل والقلب، يكره القيود على الفكر والممارسة، يريد أن يكون طائراً حراً يحلق في الأعالي، ليرى بأفق أوسع ما على الأرض وفي السماء، ثم يحط على الأرض، ليتلمس برؤية مباشرة وموضوعية وهادفة ما يمكن أن يكون نافعاً فيما يكتب وينشر.
عشنا فترة معاً، وفي موقع واحد، في الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراقي، ضمن حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين في جبال وارياف وقرى كردستان العراق، كانت واحدة من مراحل النضال الصعبة ضد نظام البعث والدكتاتورية والحرب والعدوان، وفي سبيل عراق ديمقراطي مدني حر، وشعب ينعم بالحرية والرفاه، وقوميات تتمتع بحريتها وحقوقها الأساسية.
مات فالح مبكراً، خسرناه مفكراً ومناضلاً وصديقاً رائعاً.. أنجز أبو خالد العزيز الكثير وبقي الكثير الذي فكر وعمل على إنجازه.. ستبقى صورته في ذاكرتنا وستبقى كتاباته تساهم في إنارة طريق النضال لغد أفضل بالعراق والمنطقة. التعازي القلبية للعزيزة فاطمة المحسن ولبقية افراد عائلته ورفاقه ومحبيه.           

49
كاظم حبيب
هل ستكون الانتخابات القادمة نزيهة في ظل نظام طائفي فاسد؟
منذ سنوات والانتخابات النيابية بالعراق تجري في ظل نظام سياسي طائفي فاسد، فلم يحص العراق من ذلك سوى مجالس نيابية مليئة بالعناصر الطائفية والفاسدة ووظفت سلطة المجلس لتحقيق مصالحها والاستمرار في استمرار وجود النظام الفاسد وإعادة إنتاج الأوضاع الفاسدة التي تسمح للفاسدين في احتلال لا مقاعد مجلس النواب فحسب، بل والسلطة السياسية والمواقع الأساسية في أجهزة الدولة المختلفة والقضاء أيضا.
ويراد للانتخابات القادمة، التي يجري التحضير لها حالياً، أن تجري في ظل ذات الأوضاع والشروط التي جرت فيها الانتخابات في الدورات السابقة. فما هي الشروط الفعلية الراهنة التي أجمعت الأحزاب الإسلامية السياسية والمتحالفين معها، على إبقائها كما هي؟ يمكن تلخيصها، كما أرى، بالآتي:
1. تجري الانتخابات في ظل نظام سياسي طائفي أُعتمد في تشكيل سلطته السياسية، كغيرها من الحكومات التنفيذية السابقة، على المحاصصة الطائفية والأثنية في توزيع الحقائب الوزارية، والتي لا تعتمد مصالح الشعب، بل مصالح الأفراد والأحزاب التي ينتمون إليها. وهذا كلام لا يطلق جزافاً على عواهنه، بل يعتمد على حقائق الوضع بالعراق، والتي يمكن تقديم ألف دليل ودليل للبرهنة عليه، وباعتراف المسؤولين في الدولة.
2. تجري الانتخابات بإشراف المفوضية العليا "المستقلة!" للانتخابات، التي تشكلت على أساس المحاصصة الطائفية السياسية، والتي لم تبرهن قبل ذاك على حياديتها ولا يمكن أن تؤمَّنَ انتخابات حيادية ونزيهة في الجولة القادمة.
3. قانون الانتخابات لا يبشر بالخير ويعتمد طريقة غير سليمة في احتساب أصوات الناخبين والتي تخدم مصالح الأحزاب السياسية الحاكمة أولاً وقبل كل شيء، وضد الأحزاب التي يطلق عليها بالصغيرة.
4. وقانون الانتخابات لا يمنع الفاسدين الذين نهبوا أموال الدولة أو فرطوا بها من المشاركة في الترشح لخوض الانتخابات، بل يلتزم جانبها. وهو تأكيد جديد كون الفاسدين أنفسهم وضعوا قانوناً يسمح لهم بالعودة إلى مجلس النواب، رغم كل أنواع السحت الحرام الذي دخل في جيوبهم وكروشهم وحساباتهم المصرفية في الخارج.
5. والانتخابات تجري في ظل أوضاع ما يزال النازحون في عدد من محافظات البلاد يعيشون في أوضاع رثة ومريرة، ولا تسمح لهم بمشاركة واعية وعقلانية وأجواء سليمة في إعطاء أصواتهم بحرية ونزاهة، كما إن الفساد يحاول اصطيادهم، 
6. والانتخابات تجري في ظل وجود 206 أحزاب سياسية أجيزت لخوض الانتخابات، وهو تعبير لا عن فوضى الحياة السياسية العراقية فحسب، بل وعن فسادها وفساد الحياة السياسية وعن غياب البرامج الحزبية الجادة التي تقنع الجماهير بصواب ترشحها لخوض الانتخابات. وكم كانت سلام خياط صادقة في مقالها الموسوم " وكل حزب بما لديهم، فرحون!!" حين كتبت " يستدل على مرض الملاريا بالحمى والبرداء والتعرق ، يستدل على مرض التايفوئيد بارتفاع درجات الحرارة ، يستدل على مرض الهيضة بالاستفراغ المتكرر .. يستدل على سقوط المطر بتكاثف السحب والغيوم … فبماذا يستدل على كثرة الأحزاب المعلنة في بلد مزقته أحقاد الطائفية وتناهبه الفساد ؟؟" (جريدة المدى، الأعمدة، 21/02/2018).
7) وحين يسيطر الحزب الحاكم والأحزاب المتحالفة معه من قوى الإسلام السياسية الطائفية على أجهزة إعلام الدولة وتسخرها لصالحها، إضافة إلى امتلاكها الكثير من قنوات التلفزة الخاصة بها والممولة من جانب إيران أو قوى أخرى في المنطقة. وهي في الوقت ذات تمتلك الكثير من الموارد المالية التي توظفها لشراء الذمم والداعية الواسعة.
8) وحين يلعب الدين دوره المشوه عبر شيوخ دين غير متنورين ومنحرفين ومتحالفين مع الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي تمارس خداع الناس وتزوير إرادتهم عبر ركوب موجة نشر الطقوس غير العقلانية في صفوف الناس واستخدام المساجد والحسينيات لدعم المرشحين الطائفيين والفاسدين من جهة، ونشر الدعاية المضللة والكاذبة ضد القوى الديمقراطية والتقدمية واللبرالية من جهة ثانية.     
 9) التدخل الإيراني الفظ في الشأن الداخلي العراقي، في فترة التحضير للانتخابات العامة القادمة، حين صرح السياسي الإيراني علي أكبر ولايتي، وهو مدعو للمشاركة في "مؤتمر إسلامي"، بمطالبة "المقاومة الإسلامية!" بـ "عدم السماح للشيوعيين والليبراليين بالعودة إلى الحكم في العراق"، وكأنهم كانوا في الحكم قبل ذاك. كما لا شك في وجود تدخل فظ من جانب الجيران الأخرين كالسعودية وقطر والإمارات.. الخ، والذي ظهر بصور شتى.   
فهل يتوقع في مثل هذه الأجواء والشروط أن تحصل انتخابات جادة وحيادية ونزيهة يصل فيها ممثلو الشعب الحقيقيين إلى مقاعد مجلس النواب؟ اترك الإجابة لكل عراقي وعراقية يحملان وعياً بما جرى ويجري بالعراق، وضميراً نظيفاً، وحساً ديمقراطياً صادقاً، وهم الغالبية العظمى من الشعب العراقي، وهي الغالبية التي كانت وما تزال ساكتة!!! 

50
الأسس المادية لظواهر لاستبداد والقسوة والتعذيب والتمييز في المجتمع العراقي
الحلقة الأولى
منذ سنوات، العراق يمّرُ بفترة صعبة ومعقدة ومتشابكة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وبيئياً من ناحية، وداخلياً وعربياً وإقليميا ودولياً من ناحية ثانية، وتعاني مكوناته القومية وانتماءاته الدينية والمذهبية والفلسفية والفكرية من مصاعب جمة ومظالم كبيرة وإخفاقات لا حصر لها. إلا أن هذه الفترة، حيث تهيمن قوى وأحزاب إسلامية سياسية طائفية على الدولة والحكم، لا تنفصل عن الفترة السابقة حيث كانت قوى وأحزاب قومية وشوفينية مستبدة تهيمن على السلطة السياسية طيلة أربعة عقود عجاف، كما لا تنفصل عن معاناة شعب وداي الرافدين من نهج الاستبداد والقسوة والتعذيب والتمييز بمختلف صوره وأشكال ظهوره، وكذلك الاستغلال والحرمان والقهر عبر تاريخه السياسي والاجتماعي المديد. إن هذه المعاناة لم تنزل عليه من آلهة السماء، كما إنها ليست من آلهة العالم السفلي، بل كانت وما تزال نتيجة منطقية لجملة من العوامل الفاعلة والمؤثرة على تكوين البنية العقلية والنفسية للفرد والمجتمع، وهي التي تعيد إنتاج نفسها، وتكون السبب في استمرار بروز تلك الظواهر أو حتى تفاقمها، والتي عاش وما يزال يعيش الإنسان العراقي والمجتمع تحت وطأتها. لا شك في أن المسيرة التاريخية الطويلة للعراق قد شهدت تحولات وتغيرات معينة، ولكنها كانت في المحصلة النهائية غير جذرية وولم تكن قادرة على إزالة تلك العوامل أو الأسباب التي كانت وما تزال بروز تلك الظواهر!
ومن بين أبرز تلك الظواهر السلبية نشير هنا إلى ثلاث أساسية هي: 1) الاستبداد في الحكم، و2) القسوة في التعامل وممارسة التعذيب، و3) التمييز في الموقف من المواطن على أساس قومي أو ديني أو مذهبي أو فكري أو سياسي أو من حيث الجنس.
 وفي هذه الدراسة المكثفة محاولة للولوج إلى صلب هذه المسائل السائدة في المجتمع العراقي بهدف الوصول إلى رؤية موضوعية وعلمية تؤشر الأسس المادية، أي العوامل أو الأسباب الفعلية، التي تكمن وراء بروز هذه الظواهر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العراقية، في حياة الإنسان والمجتمع بالعراق، وفي عملية إعادة إنتاجها.
تشير دراسات وأبحاث وكتب غير قليلة صادرة خلال العقود الخمسة المنصرمة إلى رأي مفاده أن الشعب العراقي عموماً يتميز بالقسوة والشراسة والتطرف والعنف في التعامل فيما بين أفراده ومكوناته ومع الآخرين. وأن هذه الميزة الثابتة فيه منذ القدم، هي التي انتجت وما تزال تنتج المستبدين والنظم الاستبدادية. وأن هذه الخصائص التي ما تزال تميز العراقيين، تتجلى في أفعال الفرد والمجتمع إزاء الأحداث التي يمر بها وردود الأفعال نحوها وطريقة التعامل معها. وهي لا تتجلى في الممارسة اليومية للفرد والمجتمع فحسب، بل تبرز بشكل صارخ في التشريعات التي عرفها العراق القديم حتى يومنا هذا، وخاصة تلك القوانين العقابية التي تنص على أحكام وعقوبات قاسية جداً بحق المخالف أو الجاني التي لا تتناسب مع طبيعة تلك المخالفات أو الجنايات التي ارتكبها الفرد.  وتدخل ضمن تلك العقوبات مختلف الإهانات والإساءات أو أشكال التعذيب الجسدي والنفسي وتنوع وتعدد أساليب القتل والتمثيل بجسم القتيل واضطهاد أفراد عائلته. وتشير أيضاً إلى جرائم القتل التي ارتكبت على مدى تاريخ العراق القديم والإسلامي والحديث، ومنها المذابح التي نظمها القادة العسكريون أثناء الفتح الإسلامي الأول ومن ثم الأمويون والعباسيون والمغول والدويلات التي نشأت بعد المغول حتى الاحتلال العثماني للعراق، ثم العثمانيون والفرس والمماليك وقوات الاحتلال البريطانية والحكم الملكي والحكم الجمهوري، بما فيها وقائع سحل بعض المسؤولين التي حصلت في بغداد في أعقاب ثورة تموز عام 1958، أو أحداث الموصل وكركوك، إضافة إلى ما جرى ويجري في العراق منذ عدة عقود من اعتقال وسجن وتعذيب وتهجير قسري وتعريب وقتل وتذبيح للسكان الأبرياء في كردستان العراق، وبشكل خاص مذابح عمليات الأنفال واستخدام الأسلحة الكيميائية في حلبچة وغيرها، أو عمليات الإعدام الواسعة والجماعية لقوى المعارضة العراقية من مختلف التيارات الفكرية والسياسية في السجون والمعتقلات العراقية خلال السنوات التي أعقبت انقلاب شباط/فبراير عام 1963 حتى سقوط النظام الاستبدادي، أو القتل الواسع النطاق الذي قامت به أجهزة الحكم الأمنية والقوات الخاصة لحزب وحكم البعث ضد المنتفضين في الوسط والجنوب وفي كردستان العراق في ربيع عام 1991، وإجبار مئات الآلاف من المواطنين الكرد، ومن قوميات أخرى على المسيرة المليونية إلى تركيا وإيران هرباً من بطش النظام الصدّامي ودمويته، أو ملاحقته للآلاف من الهاربين بعد الانتفاضة من الوسط والجنوب إلى إيران والسعودية، يضاف إلى ذلك جرائم القتل والتعذيب أثناء عمليات التطهير العنصري ضد الكرد الفيلية وعرب وسط وجنوب العراق، باعتبارهم من أصل إيراني أو تبعية إيرانية. أو ما جرى في أعقاب سقوط النظام في عام 2003 وبروز مجموعات إرهابية همها إثارة الفوضى وعدم الاستقرار وقتل الأبرياء أو إشعال الحرائق والتخريب والنهب والسلب وما إلى ذلك. كما تشير هذه الموضوعة إلى واقع أن القسم الأعظم من ملوك وحكام وادي الرافدين قد قتلوا بصيغ شتى، ونادراً من مات منهم موتاً طبيعياً.  ثم جرائم الإبادة الجماعية الجديدة التي ارتكبت بالموصل وبقية مدن وأرياف وقرى محافظة نينوى وفي مدن عراقية أخرى في أعقاب هروب القوات المسلحة العراقية وقوات الپيشمرگة أمام عصابات داعش الإرهابية والتكفيرية وعمليات القتل والسبي والاغتصاب على أيدي عراقية وقوى إسلامية سياسية من شذاذ الآفاق منذ 2014 حتى نهاية العام 2017 بحق الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان، ومجزرة قاعدة سپايكر الجوية على أيدي عصابات داعش.       
تتضمن هذه الرؤية على جملة الوقاع الفعلية. إذ أنها تستعرض وقائع تاريخية ثابتة جرت في العراق ولا خلاف عليها. وهي بطبيعة الحال تعبر عن ممارسات تتسم بالقسوة البالغة والعنف المتطرف لا يمكن ولا يجوز نكرانها أو التخفيف منها ومن آثارها. ولكنها تضع العربة قبل الحصان، إذ تضع النتائج كأسباب، وبالتالي تعجز عن وضع اليد على العوامل الفعلية. والمطلوب هنا هو التحري عن العوامل التي تسببت في بروز تلك الظواهر وفي استمرار إعادة إنتاجها.
يشير البعض من الكُتّابِ والباحثين إلى أن العراق قد عرف في تاريخه الطويل أنظمة سياسية استبدادية ودموية مارست كل الظاهر السلبية، سواء أكانت تلك النظم ملكية أم جمهورية، وسواء أكان الحكام ملوكاً أم خلفاء إسلاميين، أم قادة عسكريين، أم رؤساء قبائل وعشائر أم قوات احتلال أجنبية. أي إن السبب يكمن في هذه النظم. وهذا الأمر صحيح نسبياً أيضاً، ولكنه، هو الآخر نتيجة لعوامل أساسية كانت وراء نشوء أو إقامة مثل هذه النظم السياسية المستبدة. كما إن هذه الموضوعة تتضمن في الوقت نفسه أحكاماً قاطعةً موجهة إزاء شعب بأكمله، لا يمكن قبولها كما هي، بل يفترض مناقشتها والتحري عن العوامل الكامنة وراء ظهورها أو الأسباب المحركة أو الدافعة لها. وتشير الكثير من الوقائع الحياتية إلى أن الغالبية العظمى من الناس في العراق أصبحت تؤمن بهذه الأحكام وكأنها حقيقة ثابتة وترددها دون انقطاع وتنعكس في كتاباتها ونقاشاتها، سواء تم ذلك عن وعي أم عن دون وعي منها، بما تنطوي عليه هذه الأحكام وما تحمله من مضامين وعواقب. وهي تحرم المجتمع من فرصة التحري عن الأسباب من جهة، وعن سبل معالجتها من جهة أخرى، إذ أن جمهرة غير قليلة لا تعتقد بإمكانية معالجة هذه الظواهر أصلاً، باعتبارها جزءاً من طباع العراقيين الثابتة. ويبدو أن هذه الجمهرة قررت سلفاً، أو تعطي الانطباع على الأقل، وكأن العراقيين، نساءً ورجالا، حالما يولدون يحملون معهم "وراثياً" جينات الاستبداد والقسوة والسادية والرغبة الجامحة في التعذيب، والشراسة والتطرف والعنف، وأنهم بسبب ذلك غير قادرين على الخلاص منها واستبدالها بجينات الرحمة والهدوء والاعتدال والدفء وعدم التطرف في التعامل فيما بينهم أو مع الآخرين. فهو بهذا المعنى قدر العراقيين الحتمي الذي لا فكاك ولا خلاص منه.
ولكن العراق، وكما أرى، بحاجة ماسة ودون أدنى ريب إلى خوض نقاش علمي وجاد ومتواصل حول هذا الواقع وتلك الظواهر الفعلية السائدة كالاستبداد والقسوة والقمع والعنف في السلوك العام في حياتنا نحن بنات وأبناء العراق، إذ بدون ذلك يصعب علينا التخلص من هذه الظواهر ومن الأساس المادي الذي نمت فيه وتطورت عليه، وأصبحت وكأنها جزءٌ من السلوكية والشخصية العراقية. كما يمكن أن يشارك إلى جانب الباحثين العراقيين في إنجاز أبحاث متخصصة علماء في علوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد والتاريخ والطب من بلدان عربية وغير عربية لمساعدتنا في فهم هذه الظواهر ومعالجتها.
أصدر بعض الكتاب العراقيين ومن دول أخرى، وفي فترات مختلفة، عدداً من الكتب المهمة والقيمة التي تبحث في موضوع الاستبداد والقسوة والتعذيب والعنف في العراق أو في المجتمع الإسلامي عموماً والعراق خصوصاً. وإذا كان بعضهم استعرض بشكل موسع ومتعدد الجوانب مختلف أنواع القسوة والتعذيب والاستبداد ومعاناة الإنسان، وبذل جهداً كبيراً في جمع وتصنيف وتدقيق الكثير من المعلومات المتناثرة في عدد كبير من الكتب خلال القرون المنصرمة، كما في الكتاب الطليعي المتميز الذي أصدره الباحث والمحامي عبود الشالجي الموسوم "موسوعة العذاب" بأجزائه السبعة،  فأن كتاباً آخرين سعوا ضمن محاولة جادة إلى استعرض (أو) وتحليل العوامل الكامنة وراء بروز ظاهرة القسوة والتعذيب والاغتيال في الإسلام، كما في كتاب عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"[ii]، وفي أبحاث الكاتب الراحل الأستاذ هادي العلوي[iii]، أو كتاب السيد باقر ياسين الموسوم "تاريخ العنف الدموي في العراق"[iv]، أو كتاب "ثقافة العنف في العراق" للكاتب سلام عبود[v]، أو كراس "تشريح الاستبداد: النظام العراقي نموذجاً" للكاتب إسماعيل شاكر الرفاعي[vi]، أو في كتابي السيد كنعان مكية الموسومين "القسوة والصمت"[vii]، و"جمهورية الرعب"[viii]، إضافة إلى أبحاث الأستاذ الدكتور علي الوردي الخاصة بالمجتمع العراقي، ومنها دراسته لـ "شخصية الفرد العراقي"، وكتب "وعاظ السلاطين"[ix]، والمجلدات الستة مع الملحق الغزير بالمعلومات والتحليلات والموسوم "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"
  • ، وكذلك كتابين للدكتور كاظم حبيب، الأول بعنوان "الاستبداد والقسوة في العراق"[xi]، والثاني "الفاشية التابعة في العراق"[xii]، كما صدرت مجموعة أخرى من الكتب المهمة الأخرى التي سجلت ممارسات الإرهاب والقمع في العراق قبل وبعد ثورة تموز عام 1958، التي في مقدورها إنارة الطريق للبحث في هذا الموضوع المهم. منها على سبيل المثال لا الحصر، كتاب "العبودية الاختيارية"، للكاتب الفرنسي إيتيان دو لا بويسي، حول الحرية والعبودية، أو كتابي الدكتور فالح مهدي المهمين ، وهما "الإحباط الشيعي والخضوع السني"،[xiii]و "البحث عن جذور الإله الواحد"[xiv]، التي ترتبط بدور الدين في التأثير على سلوك الفرد والمجتمع والعلاقات بين البشر.

يعتبر كتاب السيد باقر ياسين محاولة جادة وجهداً طيباً لاستعراض واقع الاستبداد والقسوة وعمليات التعذيب على امتداد فترة زمنية طويلة من تاريخ العراق من جهة، ودراسة العوامل الكامنة وراء بروز هذه الظاهرة في العراق من جهة أخرى، وأجرى مقارنة للتناقض القائم أو للمفارقة الفعلية بين شدة وسعة وعمق وشراسة العنف وديمويته في العراق من جانب، والحضارة الشامخة التي بناها شعب العراق على مر العصور، وخاصة في العصر البابلي، من جانب آخر، فكتب يقول: "إننا لا نريد ولا نرضى الإساءة لبلادنا العريقة - وادي الرافدين الخالد - لكننا نسعى بالتأكيد للتفتيش عن مجموع الدوافع الغريبة التي تقف وراء الأنماط من السلوك المتصف بالعنف الفائق والقسوة البالغة والتطرف والشدة والقهر والميل شبه الدائم نحو سفك الدماء والأعمال اللاإنسانية والنزوع العدواني في فرض الموت القسري على الإنسان في هذه البلاد منذ أكثر من خمسة آلاف سنة والذي ما زالت فصوله المخزية تدور دون توقف حتى يومنا هذا…"[xv]. ثم يواصل قوله مؤكداً ما يلي: "إننا لا نريد أن نبرهن هنا على وجود العنف الدموي والقسوة في حياة العراق ومسيرته التاريخية فحسب، بل نريد البرهنة إضافة إلى ذلك على وجود التطرف والمبالغة في تنفيذ العنف والقسوة والدموية، وسنحاول أن نثبت ذلك بالشواهد والوقائع والأحداث المستمدة من التاريخ العراقي لتسليط الضوء على هذا الموضوع وتشخيص بعض الجوانب المتميزة في طبيعة السلوك الاجتماعي لسكان هذه البلاد /الحكام والرعية/ ورصد مظاهر العنف والدموية كنزعة سيكولوجية ثابتة في حياة المجتمع العراقي"[xvi]. ثم أورد الكاتب سلسلة مرعبة من أحداث العنف والقسوة التي عاشها العراق على امتداد أكثر من خمسة ألاف سنة، إلى جانب العلوم والتقنيات التي اكتشفها أو اخترعها وساهم بها العراق في بناء حضارة الإنسان. ويورد كثرة من الشواهد على ذلك. ثم يكتب محللا ظاهرة العنف والقسوة على النحو الآتي: "إن التحليل المنطقي لهذه الظاهرة والأكثر انطباقاً على الواقع هو ما ينسجم مع منهج بحثنا ووجهة نظرنا عن شيوع العنف الدموي في العراق والتصاقه بتاريخ هذه البلاد على نحو استثنائي غير طبيعي، وإن مناخ العنف السائد في العراق باعتباره الميزة المستديمة لطبائع الأقوام والقبائل والناس إضافة إلى شيوع السلوك المتسم بالقسوة والشراسة والنفور والطباع الحادة وسيادة الأعراف البدوية والتقاليد القبلية الصارمة ذات النزوع الدائم للتمرد والثأر والعنف والتحدي الدموي والذاتية وقوة الشكيمة والعناد لدى سكان البلاد ربما كانت هي العوامل والأسباب التي دفعت خالد[xvii] لتلك التصرفات الدموية الشرسة والتشدد البالغ في العنف والإجراءات المتصفة بالقسوة والصرامة مع أهل العراق كي يستطيع فرض سيطرته على الموقف"[xviii]. ثم يقارن بين ما جرى في العراق وما جرى في بلاد الشام فيقول: "بينما كان غياب تلك العوامل والأسباب وانتفاء وجودها في الشام ربما هو السبب الذي أضفى على شخصية خالد الصارمة تلك الأبعاد الإنسانية من الليونة والمرونة والتسامح والصبغة السلمية التفاوضية التي اتسم بها سلوكه ومواقفه وتصرفاته خلال تنفيذ مهماته العسكرية في بلاد الشام"[xix]. ومن الجدير بالملاحظة أن الكاتب باقر ياسين، وهو عضو قيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي، جناح سوريا، حين أنجز هذا الكتاب، تجاوز بشكل كامل مجازر حزب وحكم البعث والقوميين في أعقاب انقلاب شباط الدموي المشؤوم بالعراق في العام 1963، وكانت أبشع الجرائم السياسية التي شهدها العراق منذ تأسيس الدولة العراقية حتى ذلك الحين. ثم يواصل باقر ياسين قوله مستنتجاً ما يلي: "أما إذا لم تكن تلك الأسباب هي الباعث لهذه الظاهرة فإن التفسير الوحيد لذلك التباين في حجم المعارك واتساعها ودمويتها بين العراق والشام هو أن يكون العنف الدموي القدر الإلزامي الذي يتوجب أن يلازم بلاد الرافدين وسكانها في كل الحقب والعصور"[xx]. وفي فقرة "تطبع المجتمع العراقي بالجدية والتذمر والحزن الدائم" يخلص باقر ياسين إلى القول: "كان من نتائج وانعكاسات تطبيق منهج العنف الدموي لفترات زمنية طويلة في تاريخ العراق، شيوع وانتشار بعض الطباع والعادات والسجايا الأخلاقية والسلوكية التي أصبحت، بمرور الزمن، جزءً من معالم وسمات المجتمع العراقي بعد أن طبعت بطابعها سلوك الفرد العراقي وحددت بدرجة كبيرة تصرفاته وميوله الشخصية بصورة عامة"[xxi]. والطباع هنا لا تعني التقاليد والعادات، إذ أنه يشير إلى العادات بعد الطباع مباشرة. فهل يعني في ذلك أنها غريزة من غرائز الإنسان أي أنها جزء من البنية البيولوجية للإنسان العراقي؟ وهل العنف هو حقاً من طبيعة الإنسان عموماً والعراقي خصوصاً، أم أن العنف والقسوة من جهة، والسلم والرحمة أو الرأفة من جهة أخرى، هما من السلوكيات المكتسبة عند الإنسان؟ ومما رفع من درجة الشك في هذا التصور محاولة السيد باقر ياسين اعتبار تلك النزعة وكأنها سيكولوجية ثابتة وموروثة وغير متغيرة في حياة المجتمع العراقي. وفي مكان آخر من الكتاب يقول السيد باقر ياسين، في معرض مناقشته لفكرة التبدل السريع في السلوكية والمزاج لدى الناس في العراق، ما يلي: "لقد أورد الباحث ستيفن لونگريگ أن سبب هذا التغيير الحاد والسريع في موقف الأهالي في بغداد من قاسم باشا هو "العنف الخالي من الحكمة الذي أبداه قاسم.. وسوء سلوك أحلافه الشمريين العقيل"[xxii]. غير أن ذلك السبب لا يبدو كافياً لإحداث مثل هذا التبدل الحاسم والمصيري في موقف الناس في بغداد بعد بضعة أيام من استقبالهم لقاسم باشا.. ذلك الاستقبال البهيج الحافل بمظاهر الفرح والتأييد والإجلال. إن السبب الذي يورده الباحث لونگريگ لا يمكنه أن ينفي شكوك الباحث المتتبع أو يبعد تفكيره عن الأسباب والمعاني المتعلقة بالجانب السلوكي والنفسي (السيكولوجي) للفرد العراقي ونزوعه الفطري في هذا المسلك خصوصاً إذا وضع في الاعتبار الأرضية التاريخية الغنية بالشواهد والأمثلة والدلائل والأحداث المماثلة التي يحفل بها التاريخ العراقي منذ قرون عديدة"[xxiii]. إن مجرى البحث والمقطع الأخير بشكل خاص، حيث يشير باقر ياسين إلى الجانب الفطري في السلوك العراقي، يؤكد للمتتبع مسألتين في آن، فهي مرة ظاهرة ملازمة لا باعتبارها مكتسبة بل فطرية، ومرة أخرى باعتبارها ظاهرة مكتسبة عبر السلوكية العامة للحكام والمجتمع العراقي في آن. وفي موقع آخر من الكتاب يذكر الكاتب في الفقرة الأولى من الفصل الأول وتحت عنوان: بلاد الرافدين: تاريخ عريق يبدأ بالعنف التصادمي، يقول الباحث ما يلي: "ليس غريباً أن يبدو التاريخ العراقي أمامنا غارقاً بأحداث العنف الدموي عندما نكتشف أن بدايات هذا التاريخ تتحدث للبشرية منذ بدء الخليقة عن قصص الصراع المتواصل القائم على العنف التصادمي بين الإرادات المتناقضة للآلهة المتعددة الأسماء التي عبدتها وخضعت لها الأقوام والحضارات التي قامت في وادي الرافدين منذ الألف الرابع قبل الميلاد، تلك القصص التي أبدعتها وصاغتها التجربة الأولى للعقل البشري والمتمثلة بالأساطير الملحمية لشعوب سومر وبابل وآشور"[xxiv]. ولكن علينا ألا ننسى بأن تاريخ العراق، أو وجود الإنسان في العراق، قد سبق هذا التاريخ بآلاف كثيرة أخرى من السنين، إذ لم يكن الوضع فيه على شاكلة العهد السومري أو حتى على شاكلة سكان تل العبيد قبل ذاك. إذ أن هاتين الحضارتين متقدمتان كثيراً بالقياس إلى حضارات أخرى في العراق سبقت حضارة تل العبيد وحضارة سومر. فالتنقيبات في المناطق المجاورة أو تلك التي أجريت في كردستان وشمال العراق عموماً تؤكد وجود الإنسان منذ ألاف السنين كما تشير إلى حياة وعلاقات تختلف عن حياة وعلاقات العهد السومري، وبالتالي فأن تاريخ سكان وادي الرافدين هو أقدم بكثير من العهد السومري، أي أنه لم يبدأ بالعنف الذي تميزت به عهود سومر وبابل وآشور، وهي تعبر عن حضارة جديدة تحققت في الثورة الثانية عملياً، أي حضارة دويلات المدن التي تختلف إلى حدود كبيرة عن حضارة عهد الصيد وجمع الثمار وحضارة الرعي والزراعة. إذ أن الحضارة الأولى وجزء مهماً من الحضارة الثانية، رغم تشابك الأخيرة مع حضارة دويلات المدن والدولة المركزية فيما بعد، تميزتا بعلاقات وسلوكية وسمات اجتماعية تختلف عن العلاقات والسلوكية الاجتماعية التي تشكلت في المدن ودويلات المدن في الحضارة السومرية والبابلية والآشورية والكلدية، باعتبارها حضارة ارتبطت بوجود دولة وتقسيم عمل اجتماعي وتملك خاص وفائض إنتاج وتنامي دور الدين والحياة المؤسسية للمجتمع والتي اعتمدت على وضع وتنفيذ القوانين والشرائع المختلفة. ومع ذلك تبين الشرائع الأساسية الأربع التي وضعت في العهود السومرية والبابلية والأشورية إلى أن الشريعتين الأولى والثانية لم تكونا تتضمنان عقوبات جسدية بحق من ارتكب مخالفات أو جرائم، بل كانت غرامات بدفع المذنب.[xxv]
والآن، كيف نفهم مضمون مثل هذه الموضوعات والآراء وبعض الأحكام التي تتضمنها إزاء الفرد في العراق، وبالتالي إزاء المجتمع أو الشعب في العراق؟ وما مقدار الحقيقة التي تحملها هذه الآراء والأحكام؟ وكيف يفترض أن نتعامل مع الحكم الرئيسي الشائع والقائل: الفرد العراقي عنيف ومتطرف بالطبع، أو أنه يحمل جرثومة العنف منذ الولادة؟ وما هي العوامل التي تسببت في انتشار مثل هذه المقولات؟ وكيف يمكن تجاوز هذا الأحكام؟ أو كيف يمكن التعامل معها؟ وكيف يمكن الخلاص منها؟
من أجل أن تكون الإجابة واضحة وموضوعية لا بد لنا من متابعة بعض النتائج الأساسية التي توصلت إليها الدراسات التي أنجزت في مجال الأنثروبولوجيا حول الكثير من الجماعات البشرية التي تسمى بدائية لمعرفة مدى وجود جملة من ظواهر العنف والقسوة والعدوانية في السلوك الإنساني عند تلك الجماعات، وتلك الدراسات الاجتماعية التي استفادت منها لطرح استنتاجها بهذا الصدد.
 
عبود الشالجي، موسوعة العذاب، مؤلف في سبعة أجزاء، الدار العربية للموسوعات، بيروت، لندن، بدون تاريخ. 
[ii] عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهر، مصر.
[iii] العلوي، هادي. فصول من تاريخ الإسلام السياسي. دفاتر النهج. مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي. نيقوسيا. قبرص. 1995.   
[iv]باقر ياسين، تاريخ العنف الدموي في العراق، دار الكنوز الأدبية، بيروت ط 1، 1999.
تشكل دراسة السيد باقر ياسين محاولة جادة للبحث في أصل العنف الدموي في العراق، وهي تثير الكثير من الأسئلة التي يفترض فينا التحري عن إجابات لها. ولدي ثلاث ملاحظات أساسية حول الكتاب، والتي سأتناول بعضها في متن البحث مباشرة، وهي: 1) إن البحث تاريخي ومعاصر في آن واحد، فهو إلى جانب بحثه في تاريخ العنف، يتحرى عن الوقائع والدوافع والحلول أيضاً، كما جاء في عنوان الكتاب. ومع أن الكتاب مكون من 435 صفحة، فأن ما منح للفترة الواقعة بين 1958-1968 لا يزيد عن عشر صفحات فقط لا تتضمن التجربة التي سعى الباحث إلى تجسيدها في دراسته لتاريخ العنف في العراق، كما لم يتطرق إلى جوهر الإشكالية في هذا الصدد؛ 2) تجنب الباحث، علماً بأن البحث قد أنجر في عام 1999 أن يدرس الفترة التي أعقبت انقلاب 1968 حتى الوقت الحاضر، وهي من أكثر فترات العراق ظلامية وظلماً وعدوانية بحق الشعب العراقي؛ 3) ويدا لي أن الباحث حاول أن يعزي تلك الظواهر إلى طبيعة الشعب العراقي، وهي إشكالية سنحاول معالجتها في متن البحث مباشرة. ويمكن أن يكون النقص في معالجة الفترة 1958 وما بعدها ناشئ عن جانب منهجي، أي أن البحث يعالج تاريخ العنف في العراق، ولا يبحث في الحاضر. وإذا كان الأمر هكذا، فمن المفيد أن يواصل هذا البحث ويعالج الفترة التي أعقبت ثورة تموز عام 1958 مروراً بانقلاب شباط عام 1963 وتشرين الثاني عام 1963 وانقلاب عام 1968 حتى الوقت الحاضر. خاصة وأن الكاتب على علم بخبايا الفترة الواقعة بين 158-1968 بشكل خاص وما بعدها بشكل عام (ك. حبيب)   
[v] عبود، سلام. ثقافة العنف في العراق. منشورات الجمل. كولون. ألمانيا. 2002.
[vi] الرفاعي، إسماعيل شاكر. تشريح الاستبداد: النظام العراقي نموذجاً. دار الكنوز الأدبية. بيروت. 1999. 
[vii] كنعان مكية، جمهورية الخوف، منشورات الجمل، 2009.
[viii] كنعان مكية، القسوة والصمت، منشورات الجمل، 2005.
[ix] علي الوردي، وعاظ السلاطين، دار ومكتبة دجلة والفرات، بغداد، 1954.
  • علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، في ستة أجزاء، طبع في قم، إيران على أساس الطبعة الأولى للكتاب، 1996م.
[xi] كاظم حبيب، الاستبداد والقسوة في العراق، مؤسسة حمدي للطباعة والنشر، السليمانية، كردستان العراق، العراق، 2005.
[xii] كاظم حبيب، الفاشية التابعة في العراق، مؤسسة حمدي للطباعة والنشر، السليمانية، كردستان العراق، العراق، 2008. 
[xiii] فالح مهدي، الخضوع السني والإحباط الشيعي، نقد العقل الدائري، بيت الياسمين للنشر والتوزيع، القاهرة – جمهورية مصر العربية، طبعة أولى 2015 .   
[xiv] فالح مهدي، البحث عن جذور الإله الواحد، في نقد الأيديولوجية الدينية، دار العودة، بيروت-لبنان، 2017.
 [xv] باقر ياسين، تاريخ العنف الدموي في العراق-الوقائع - الدوافع – الحلول، دار الكنوز الأدبية، بيروت ط 1، 1999،
ص 16/17. 
[xvi] المصدر السابق نفسه، ص 19.
[xvii] المقصود هنا القائد العسكري العربي خالد بن الوليد.
[xviii]  باقر ياسين، مصدر سابق، ص 94. يقصد هنا خالد بن الوليد عند فتحه العراق والجازر التي ارتكبت بحق الأسرى من العراقيين والفرس في دفاعهم عن وطنهم ضد الفاتحين الجدد، لأنهم دافعوا عن وطنهم بحرارة ولم يستسلموا بسهولة.
[xix] المصدر السابق نفسه، ص 94.
[xx] المصدر السابق نفسه، ص 94/95.
[xxi] المصدر السابق نفسه، ص 411، المقصود هنا كتاب ستيفن هيمسلي لونگريگ، أربعة قرون من تاريخ العرق الحديث، ترجمة جعفر الخياط، مأخوذ عن الطبعة الرابع’ طبع انتشارات الشريف الرضي، قم-إيران، 1997.
[xxii] لاحظ هنا أن الكاتب لونگريگ يطرح فكرة مفادها أن العنف يمكن أن يكون حكيماً وعنفاً آخر يمكن أن يكون غير حكيم، وهو تعبير عن التفكير الذي يؤيد العنف على أن يستخدم بحكمة، وهي فكرة مرفوضة من جانبي إن أن العنف بكل أشكاله مرفوضاً ويقود إلى اضطهاد وعنف مضاد في حالات غير قليلة. ك. حبيب.     
[xxiii] ياسين، باقر. تاريخ العنف الدموي في العراق، مصدر سابق، ص 242.
[xxiv]  نفس المصدر السابق. ص 29.
[xxv] الشرائع الأربع الأساسية، والتي تعتبر ضمن الشرائع الكبرى في العالم، إضافة الشريعة الرومانية، هي:
شريعة العاهل السومري أورو كارجينا ((2350-2353 قبل الميلاد)، وشريعة أور ظ نمو الثانية في العهد السومري (2113-2006 قبل الميلاد)، وشريعة لبت عشتار (1934-1924 قبل الميلاد) في العهد الآموري أو البابلي القديم، وشريعة حمورابي (1750-1792 قبل الميلاد) في العهد البابلي. يضاف إلى ذلك اللوائح الآشورية. راجع: كاظم حبيب، لمحات من عراق القرن العشرين، 11 مجلداً، المجلد الأول، دارا ائاراس، أربيل، كردستان العراق، العراق، 2013، ص 344-368.
 



51
كاظم حبب
أينما تمتد الأصابع الإيرانية تشتعل نيران الكراهية ويرتفع دخان الحرائق!!
لم يكتف علي خامنئي أن يكون قائد جيش المقدس الإيراني العميد قاسم سليماني مسؤولاً عن الحشد الشعبي وعن تنظيم الأمور السياسية والعسكرية الإيرانية بالعراق، والتأثير المباشر على التحالفات السياسية لقوى الإسلام السياسي بالعراق، والعمل الكثيف مع أتباع إيران، في هذا الوطن المستباح بالنفوذ الإيراني وعملاء إيران، للتأثير على الوضع السياسي ووجهته، فحسب، بل أرسل أخيراً كبير مستشاريه و "وجه الگباحة" الإيراني إلى بغداد ليقود، ولو ليومين أو ثلاثة، الحملة السياسية والانتخابية بالعراق لصالح الموالين لإيران وأتباعها ضد القوى الوطنية والديمقراطية، ضد الشيوعيين واللبراليين، وضد والمدنيين من المسلمين المتدينين والواعين لما تريده إيران بالعراق، ليقود حملة تدخل وقحة وقذرة باسم جبهة "المقاومة الإسلامية!" وحشده الشعبي ضد سيادة العراق واستقلاله. فهو يقول بملء فمه يجب "عدم السماح للشيوعيين والليبراليين بالعودة إلى الحكم في العراق". من أعطاك هذا الحق لتتحدث في العراق بهذه اللغة الناسخة للدستور العراقي الذي يقر بحق الجميع دون تمييز المشاركة في حكم العراق" ومتى كان الشيوعيون واللبراليون الديمقراطيون في الحكم بالعراق؟ ألم تكن الأحزاب الإسلامية السياسية، التي ساعدتم على تشكيل أبرزها والتأثير الكبير في سياساتها ونشاطها اليومي وساهمتم في تمويلها وتشكيل ميليشياتها الطائفية المسلحة وتزويدها بما تحتاج من دعم إعلامي متنوع، وتزويد بعضها بأسماء من يفترض اغتياله أو اختطافه ونقله إلى إيران ليموت هناك أبشع ميتة إسلامية سياسية على طريقة داعش؟ من منحك يا ولايتي، هذا الحق لتتحدث نيابة عن العراق في علاقاته ومواقفه السياسية والعسكرية، الإقليمية منها والدولية؟ هل اصبحتم سادة العراق، وهل تحولت بغداد عاصمة للدولة الفارسية الطائفية والعنصرية! 
لقد ساهمتم، يا حكام إيران، بنشر الإرهاب الديني بالعراق وساهمتم بنشر الفساد وسرقة الدولار العراقي بدعم من مسؤولين عراقيين كانوا على رأس السلطة وما زالوا في قيادة الدولة العراقية. وها هم الموالون لكم والتابعون لخطكم وخططكم يؤيدون ما تحدثتم به ببغداد، وهم بذلك يقفون بالضد من إرادة الشعب ومصالحه وسيادته. يقول نوري المالكي: أن "أميركا تسعى إلى أن يكون لها موطئ قدم جديد في العراق"، وأن "العراق ليس كاليابان وكوريا الجنوبية، ولن يكون بإمكان الأميركيين الوجود العسكري فيه"، ولكنه يريد أن يكون لإيران ليس موطئ قدم فحسب، بل أن تكون بغداد عاصمة الدولة الإسلامية الفارسية. أما الفلتة العراقية، المفتون بفلسفته والعاشق لصورته، أما إبراهيم الجعفري، فيقول إن "أميركا هي أهم مشكلة في الشرق الأوسط». وقال إن "زيارة وزير الخارجية الأميركي (ريكس تيلرسون) المنطقة ناجمة عن الهزائم الميدانية والعسكرية"، وإن "إيران والعراق وسورية، من خلال تعاونها المستمر، لن تسمح للأميركيين بالنفوذ في مناطق يقطنها الأكراد".، ولكن هذا يعمل على أن يكون لإيران النفوذ المطلق بالعراق!     
يقول ولايتي "على جبهة المقاومة أن تحول دون انتشار القوات الأميركية تدريجياً شرق الفرات". إن ولايتي يريد بذلك أن يحوّل العراق إلى ساحة للقتال ضد القوات الأمريكية. إن منع وجود قوات أمريكية في سوريا أو العراق هي من مهمات الشعبين السوري والعراقي وليس من واجبك تلقين الشعب العراقي والسوري بما يجب أن يفعلوه، فهما أدرى بصالحهما وسبل الدفاع عن سيادة أراضيهما. أنكم تعملون لفرض نفوذكم على العراق وهو ما لا يقبل به أو تتحمله كرامة الإنسان والمجتمع العراقي.   
يحذر ولايتي الشعب العراق من " مخططات أميركا لتقسيم المنطقة وبث الفرقة والخلافات فيها". وإذا كان هذا ديدن الولايات المتحدة منذ عقود، فأنتم الأسوأ في هذا الصدد، فأنتم من عمق الخلاف والصراع في اليمن، وأنتم من زرع حزب الله في لبنان وعمق الخلافات، وأنتم من دفع الدكتاتور السوري الصغير إلى رفض القبول بالحملة المدنية لتغيير الواقع السوري منذ سبع سنوات وشجعتموه على شن الحملة الظالمة ضد القوى المدنية والديمقراطية السورية وتسببتم في حرب ما يزال أوراها مشتعلاً، ويزداد يومياً عدد ضحاياه من قتلى وجرحى ومعوقين ونازحين ومهجرين في شتى بقاع العالم، وأنتم من تعاون وساوم الولايات المتحدة على زرع النظام الطائفي السياسي بالعراق، وساندكم الدكتاتور والنرجسي رئيس الوزراء العراقي السابق الذي حكم البلاد تسعة أعوام وسلمها للغزاة الداعشيين، وأنتم من تسبب بالحرب الدينية والطائفية القذرة بالعراق ضد أتباع الديانات الأخرى والحرب المذهبية الشيعية - السنية، وساندتم من قال بلغة طائفية وقحة "المعركة لا زالت مستمرة بين أنصار الحسين وأنصار يزيد..."! أنتم قمتم بكل ذلك وأكثر، والان تقدمون "النصح" بوقاحة للشعب العراقي ليمنع وصول الشيوعيين واللبراليين إلى مجلس النواب، أو الحكم!
من الغريب المستهجن حقاً ألَّا يرد أي مسؤول حكومي، ولاسيما رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، بالعراق على هذه التصريحات المخلة باستقلال وسيادة الوطن، على هذا التدخل الفظ بالشأن العراقي الداخلي، بهذا التأييد لأتباع إيران بالعراق وضد القوى الوطنية والديمقراطية من شيوعيين وليبراليين ومتدينين مدنيين. إنها مرة أخرى مأساة ومهزلة تجري بالعراق منفذوها هم من أشد أتباع إيران بالعراق وأكثرهم كراهية لوحدة الشعب العراقي ونضاله ضد الطائفية والتمييز الديني والمذهبي والفكري والسياسي!! لنعمل جميعاً على دحر كل الذين يسمحون لأنفسهم بالتدخل في الشأن العراقي وضد كل من يدعمون ويساندون هذا التدخل الفظ ويعملون من أجل جعل العراق تابعاً وخاضعاً لإيران!!


52
كاظم حبيب
المأساة والمهزلة في عراق اليوم!
العراق بين جحيمي الهيمنة الإيرانية والأمريكية!
كان العراق، ومنذ القدم، نهباً للمحتلين القادمين من أرض فارس، وأحياناً من مناطق أبعد من إيران، كما في فترة هيمنة اليونان، بقيادة ألكسندر الكبير (المقدوني)، أو المغول بقيادة هولاكو أو جنكيزخان. ثم كانت بلاد الرافدين ساحة للصراع وحروب عدة بين الدولة العثمانية والدولة الفارسة منذ فترة حكم سليم الأول (1470 – 1520م) ومؤسس الدولة الصفوية إسماعيل الصفوي (1487 – 1524م)، والتي بدأت بمعارك جالديران في العام 1514 م، وأخرها كانت الحرب في الفترة بين (1821 - 1823) اثناء الدولة القاجارية في فارس. ثم كانت الحرب العالمية الأولى حيث تخلص العراق من مخالب وهيمنة الاستعمار العثماني باسم الإسلام، ليقع تحت الهيمنة الإمبريالية البريطانية. وليس غريباً أن نلاحظ بأن شعب العراق بكل مكوناته القومية، وريث الحضارة والتراث الخالدين لبلاد ما بين النهرين (الميزوبوتاميا) أو وادي الرافدين، استمر يواجه أطماعاً تركية وفارسية مستمرة، يواجه اليوم، إلى جانب الصراع التركي- الفارسي حول العراق، اهتماماً كبيراً من جانب الولايات المتحدة الأمريكية للعراق ونفطه، وما فيه من خيرات وأسواق. وليس هذا الاهتمام الاستعماري وليد اليوم، بل بدأ منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم تفاقم في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتجلى في مشاريع النقطة الرابع (مشروع ترومان) ومشروع الشرق الأوسط وحلف بغداد (السنتو)، تقدمت بها الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على نفط العراق والمنطقة. وكان أخر جهد لها في الخمسينيات حين طرحت فكرة ربط الدول التالية: باكستان، إيران، العراق، تركيا وبريطانيا بحلف عسكري-سياسي واقتصادي، أطلق عليه حلف بغداد، وتكون هي الراعية لهذا الحلف الجديد. وقد تأسس هذا الحلف فعلاً في العام 1955، وخروج العراق منه بعد ثورة تموز عام 1958 مباشرة. وكانت الأهداف ورا هذا الحلف تتلخص في الهيمنة سياسات الدول الأعضاء والتحكم بنفطها وربطها عسكريا بها، بذريعة مواجهة الشيوعية ونفوذ الاتحاد السوفييتي في المنطقة. وسعت الولايات المتحدة إلى ربط كل من مصر والأردن وسوريا وعموم المنطقة بها، ولكنها جوبهت برفض مصر للحلف وفضح نواياه وتعزيز علاقاتها بالاتحاد السوفييتي. ولم ينافس شاه إيران الولايات المتحدة وبريطانيا في الهيمنة على العراق حينذاك، رغم أطماع الشاه بالعراق، بل حاول أن يكون شريكا في الحلف ويعمل بموجب معاهدة ترسيم الحدود بين العراق وإيران التي وقعت في سعد أباد (إيران) في العام 1937 وعبر وساطة بريطانية.
وفي الوقت الذي ما زال الصراع بين تركيا وإيران حول العراق أو مناطق منه مستمراً، يلاحظ احتدام الصراع بين إيران والولايات المتحدة على العراق واستفحاله في أعقاب الحرب الأمريكية-البريطانية ضد نظام البعث وصدام حسين الدكتاتوري المطلق وإسقاطه في العام 2003، وتنصيب الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية على رأس السلطة، وإقامة دولة ونظام المحاصصة الطائفية والأثنية بالعراق، عبر مساومة إيرانية-أمريكية مذلة لنضال وطموحات وأهداف الشعب العراقي. والهدف من ذلك كان وسيبقى الهيمنة على سياسات العراق واقتصاده، ولاسيما النفط\ فيه، والتحكم بمصير شعبه. وإذا كان العراقيون يؤكدون القول "أينما تمتد الأصابع الأمريكية يرتفع الدخان"، فأن لسان حالهم اليوم يقول إلى جانب ذلك، "أينما تمتد الأصابع الإيرانية يرتفع الدخان" أيضا، علماً بأن تركيا والسعودية وبعض دول الخليج تشارك في كل ما يتعرض له العراق من تدخل وأزمات سياسية!
واليكم الشواهد على الدور الإيراني والأمريكي وأطماعهما بالعراق من خلال تصريحات المسؤولين في هاتين الدولتين اللتين تتنازعان لا الهيمنة على العراق فحسب، بل وعلى الإقليم أيضاً:
 أولاً إيران:
"قال علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إن "إيران اليوم أصبحت امبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي".  ثم قال إن "جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا إما أن نقاتل معا أو نتحد"، ثم يؤكد "كل منطقة شرق الأوسط إيرانية"، قائلا "سندافع عن كل شعوب المنطقة، لأننا نعتبرهم جزءا من إيران، وسنقف بوجه التطرف الإسلامي والتكفير والإلحاد والعثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهيونية"، ثم هاجم تركيا بقوله "إن منافسينا التاريخيين من ورثة الروم الشرقية والعثمانيين مستاؤون من دعمنا للعراق". أما حيدر مصلحي فقد صرح بـ "إيران تسيطر فعلاً على أربع عواصم عربية، كمال قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو"، ويقصد بها دمشق وبيروت وصنعاء وبغداد". أما الجنرال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، فقد أكد، على وفق ما أوردته وكالة "مهر" الإيرانية: إن "المسؤولين في إيران لم يكونوا يتوقعون هذا الانتشار السريع لـ(الثورة الإسلامية) خارج الحدود لتمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن وأفغانستان".
الولايات المتحدة الأمريكية:
في أكثر من اجتماع انتخابي ولقاء صحفي عقده دونالد ترامب، صرح بموقفه الثابت من العراق، وأكده في تصرفاته كلها أثناء فترة المعركة الانتخابية وفي أعقابها. وإلى القارئات والقراء الكرام نصوص من تلك التصريحات الخطيرة والمسيئة للشعب العراقي، سواء أكانت في خطبه أم إجاباته عن أسئلة الصحفيين. قال دونالد ترامب:
-   العراق به أكبر حقول النفط في العالم، إنه ثاني دولة ويأتي بعد السعودية. يمتلك نفطاً بقيم 15 تريليون دولار.
-   جيشهم قد تمت إبادته. وأنه مجتمع فاسد تماماً كل شيء هناك فاسد، قادته فاسدون.
-   فأنا قلت ببساطة: لو عاد لي الأمر، فسآخذ النفط، على أقل تقدير أخذ 1،5 تريليون دولار أو أكثر.
-   عندما ذهبنا إلى العراق افترضت إننا سنأخذ النفط.
-   هناك قول قديم: المنتصر له الغنائم، سنأخذ النفط. إنهم لم يدفعوا ما عليهم.
-   أنا قلت إن كنا سنترك العراق فليكن النفط لنا، قالوا إن ترامب فظيع والعراق بلد ذو سيادة! وبسخرية قال ترامب..  العرق بلد ذو سيادة.. ضحك في القاعة!! أمر لا يصدق!
-   أنا سوف أخذ ثروتهم.. سوف أخذ النفط.. لا يوجد شيء اسمه العراق.. لا يوجد شيء اسمه العراق.. قادتهم فاسدون إنهم منقسمون.. سأخذ الثروة.. سأضع حلقة حولهم.. نترك قواتنا في مناطق معينة، ثم نسيطر على المناطق التي فيها النفط.
-   الناس هنا لا يعرفون أن العراق لديه نفط.. لكن لديه أكبر مخزون للنفط في العالم كله.. سآخذ النفط وندفع لأنفسنا 1,5 تريليون دولار أو أكثر، وندفع الباقي لبريطاني والدول التي ساعدتنا..
-   أنا دائماً أقول كان المفروض أن نأخذ النفط من العراق..". 
 لم يمتلك رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الجرأة بالرد على ترامب، حين أكد بأن قادة العراق فاسدون، وهم الذين نهبوا العراق والولايات المتحدة شاهد على ذلك، وكانت كلمة حق يراد بها باطل.، وفي أجابته على موضوع النفط يقول العبادي، على وفق ما نقلته وكالات الأنباء، "ليس واضحاً ماذا يقصد الرئيس الأمريكي عندما تحدث، فهل انه كان يقصد في عام 2003 أو من أجل عدم استيلاء داعش على هذا النفط"، متابعا "لكن بالتأكيد نفط العراق للعراقيين واي كلام خلاف ذلك غير مقبول ولا اتصور أن اي مسؤول في العالم يدعي امتلاك شيء ليس له".. لم يقل ترامب إنه يملك نفط العراق، بل قال إنه سوف يأخذ نفط العراق والفارق بينهما واضح حتى لمن لا يملك البصيرة والبصر.
هكذا أصبح العراق في ظل النظام السياسي الطائفي الفاسد نهباً وغنيمة سهلة لكل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وللمساومة الاستعمارية بينهما على حساب مصالح الشعب العراقي ومستقبل أبناءه وبناته وتطور اقتصاده وتحسن معيشته. فالقادة الفاسدون، الذين ما زالوا يحتلون مواقع القيادة والحكم في البلاد، هم الذي أوصلوا العراق إلى هذا الدرك، إلى هذا المستنقع النتن، الذي يسمح لمثل هؤلاء الساسة الأوباش في إيران أن يتحدثوا بتلك الصورة التي تجعل من العراق مستعمرة لإيران، وأن يتحدث رئيس دولة أمريكية بهذه الطريقة الوقحة عن العراق، ويؤكد عزمه على نهب نفط العراق وشعبه. لقد جعل القادة الطائفيون عراق الرافدين يعيش بين جحيمين، جحيم الهيمنة الإيرانية وجحيم الهيمنة الأمريكية أو جحيم المساومة بينهما.. إن المطلوب حقاً هو مطالبة العراق
1.   تعويضات من الدول المنتجة والمصدرة للسلاح لبيعها كميات هائلة ليست أسلحة دفاعية فحسب، بل وهجومية إلى العراق، إضافة إلى توفير تقنيات إنتاج أسلحة الدمار الشامل، لاسيما الكيماوي والجرثومي.
2.   دعم الولايات المتحدة وتشجيعها، إضافة إلى الدول الأوروبية الأخرى، النظام العراقي في شنّه الحرب ضد إيران، وتزويده بالسلاح لمواصلتها، إضافة إلى تزويدها الدولتين بالسلاح والعتاد والمعلومات، بما يمكن من استمرار الحرب أطول فترة ممكنة.
3.   شن الحرب ضد العراق ولاسيما بعد غزو الكويت، إذ كان بالإمكان طرد القوات العراقية دون حرب في العام 1991، وكان الأمر يحتاج إلى وقت ودبلوماسية من نوع أخر غير التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تريد استفزاز النظام الدكتاتوري المتعفن، لشن الحرب.
4.   القصف الجوي المستمر ضد العراق، ولاسيما في العام 1998، وكذلك فرض الحصار الاقتصادي على العراق طوال 13 عاماً، ما أدرى إلى استشهاد جمهرة كبيرة جداً تقدر بمئات الآلاف من أبناء وبنات الشعب ولاسيما الأطفال والعجزة والمرضى.
5.   الحرب الأمريكية-البريطانية الأخيرة التي شنت ضد النظام العراقي بدعوى امتلاكه للسلاح النووي، وظهر كذب هذا الادعاء المتعمد لتوفير الذريعة بشن الحرب، وبالتالي من حق الشعب أن يطالب الولايات المتحدة وبريطانيا أولاً، وبقة الدول التي شاركت في هذه الحرب بالتعويضات لا عن خسائر الحرب مباشرة، بل وعما حصل للعراق خلال الأعوام المنصرمة منذ 2003 حتى الآن، لاسيما غزو العراق من قبل عصابات داعش وكل القوى الإرهابية والميليشيات الطائفية المسلحة.
6.   لم يكن ليواجه العراق ما واجهه خلال السنوا الـ 15 المنصرمة لولا قيام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية من جهة وإيران من جهة أخرى بإقامة النظام السياسي الطائفي المقيت على أنقاض نظام شوفيني مقيت، الذي تسبب بالصراعات الطائفية الدموية وبنزوح قوى الإرهاب من أنحاء العالم صوب العراق لتدميره، ولم يكن هذا خارج حسابات الولايات المتحدة التي ترى في العراق خطراً على مصالحها في المنطقة وعلى إسرائيل.
ولكن هل في مقدور الحكومة العراقية الراهنة أن تقوم بذلك؟ الشعب العراقي يعيش اليوم في دولة هشة ورثة، كما أن المسؤولين فيها، وفي السلطات الثلاث، أكثر رثاثة من حيث الفكر والممارسة، وأكثر فساداً. إنها المأساة والمهزلة في عراق اليوم!!! ولا بد لها أن تنتهي، وستنتهي، فالظلم إن دام دمر، والشعب يمهل ولا يهمل، ولكن، ولكي يصح ذلك، لا بد من تنشيط العمل لتغيير موازين القوى بالبلاد لصالح القوى الديمقراطية والتقدمية، وهي عملية معقدة وطويلة، تستوجب عملاً تنويرياً وسياسياً واجتماعياً واسعاً وكثيفاً ومسؤولاً.   
     
 


53
كاظم حبيب
عن أي وحدة يتحدث رئيس الوزراء العراقي؟
عُقد في دولة الكويت الشقيقة المؤتمر الدولي لـ"إعادة إعمار العراق" خلال الفترة 12-14 شباط/فبراير 2018، بأمل تحقيق ثلاثة اهداف مهمة على وفق رؤية الحكومة العراقية، وهي:
** المساهمة في إعادة تأهيل البنى التحتية في عموم العراق، ** إعادة الاستقرار للمناطق المتضررة، ** وتنمية قطاع الخدمات. ويتطلب ذلك:
1.   الحصول على دعم مالي من الدول المشاركة والمستعدة لدعم العراق بالمال والخبرة الفنية لإعادة إعمار العراق.
2.   الحصول على ممولين ماليين يوظفون رؤوس اموالهم في إقامة المشاريع الاقتصادية التي تدخل ضمن إعادة إعمار العراق وإعادة تأهيل اقتصاده الوطني المخرب، والبالغ عددها على حسب تقدير الحكومة العراقية 157 مشروعاً.
3.   الحصول على منح من منظمات دولية ومجتمع مدني لتأمين إقامة مشاريع تؤمن ما يساعد العراق في النهوض بمشاريع خدمية لصالح الطفولة والأرامل والمعوقين، نتيجة الحروب والإرهاب وسوءات السياسة العراقية.
وشارك في هذا المؤتمر، إضافة إلى العراق والكويت والأمم المتحدة والبنك الدولي نحو 70 دولة أبرزها الولايات المتحدة والسعودية وتركيا وإيران إضافة للكويت وقطر، كما ستشارك قرابة 70 منظمة إنسانية منها 30 منظمة إقليمية ودولية و25 منظمة عراقية و15 منظمة كويتية. وتتطلع الحكومة العراقية إلى حصولها على المبلغ الذي سوف تحتاجه لإعادة إعمار المناطق المخربة والذي قدر بين 88 - 100 مليار دولار أمريكي.
ورغم الصعوبة الواضحة في الوصول إلى هذا الرقم، ولاسيما موقف الولايات المتحدة التي قررت عدم تقديم أي دعم في هذا المؤتمر، بل يتطلع الرئيس الأمريكي إلى سرقة 1,5 تريليون دولار أمريكي من نفط العراق، ومع فالأمل في ان يتحقق المبلغ للمشاركة في تطلع الشعب العراقي للخلاص من عواقب الحروب الماضية والإرهاب، وكذلك من الطائفية والفساد الذي ما يزال يعم البلاد.
لقد شارك حيدر العبادي في مؤتمر دافوس بسويسرا، وشارك في مؤتمر الكويت، بأمل تنشيط المشاركة الدولية الواسعة وطرح رغبات العراق بالحصول على 88 مليار دولار امريكي تستوجبها عملية إعادة أعمار المناطق المخربة بالحروب والإرهاب وسوءات السياسة العراقية. وقدم في اللقاء كلمة تحدث فيها عن تحقيق العراق النصر على داعش وحقق الوحدة ضد من كان يراهن على الصراع المذهبي والديني والقومي والارهاب!
ومع قناعتي بضرورة دعم المؤتمر والسعي للحصول على المبلغ المنشود، رغم صعوبة ذلك، إلا إن أسئلة عادلة ومشروعة كثيرة تطرح نفسها على رئيس الوزراء العراقي تستوجب الإجابة الواقعية وليس الهروب إلى أمام في المؤتمر الدولي، الذي يعرف جميع من حضر المؤتمر، واقع العراق الراهن ومشكلاته الكبيرة والمعقدة: هل حقق العراق النصر التام على داعش وكل القوى الإرهابية؟ وهل حقق العراق الوحدة الوطنية حقاً؟ وهل تخلص العراق من النظام الطائفي الفاسد، ومن الصراعات الطائفية (المذهبية) السياسية؟ وهل توفق العراق في إيقاف الهجرة الدينية للمسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين بسبب التمييز والكراهية ضدهم وضد البهائيين وغيرهم من اتباع الديانات والمذاهب الأخرى؟ وهل تمكن العراق من معالجة القضية الكردية بطريقة سلمية وعادلة، ام ما يزال رئيس الحكومة، وبعنجهية بائسة، يعاقب الشعب الكردي على ممارسته واحداً من اهم حقوقه العادلة والمشروعة؟ وهل تخلص العراق من الفساد السائد في الوطن كله، ولاسيما فساد القوى التي بيدها الحكم؟ او الخلاص من الإرهاب الذي ما يزال يحصل في عقر دار الحكومة، في العاصمة بغداد؟
كان الأجدر برئيس الوزراء ان يتحدث بالحقيقة القائمة بالعراق، وعن عدم تنفيذه لوعده بالتغيير وبالتخلص من الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية في الحكم، أن يتحدث بالحقائق لا بتمنيات فارغة، كان وما يزال يسعى الشعب العراقي إلى تحقيقها، بدون ان يتخذ الخطوات الضرورية لتغيير الواقع العراقي القائم.
ان العراق، يا رئيس الوزراء، جزء من هذا العالم الواحد والصغير، وشعوب العالم، وحكامها قبل غيرهم، يعرفون ما يجري بالعراق منذ 15 عاماً، ويعرفون ان العراق ما يزال يعاني من مرض الطائفية الخطير، وأن الفساد ما يزال سائداً، والفاسدين ما زالوا كثر ويقفون على رأس الاحزاب الحاكمة والحكم ودوائر الدولة ومجلس النواب والقضاء وفي القوات المسلحة وفي "الحشد الشعبي!" الرسمي وغير الرسمي ("المليشيات الطائفية المسلحة")، ولم يسترد العراق حتى الان المبلغ الضائع الذي يتراوح بين 500-600 مليار دولار امريكي تعتبر منهوبة ومفرط بها والذين نهبوها أو أساءوا التصرف بها ما زالوا في قيادة الدولة والحزب الحاكم وفي المحافظات كلها دون استثناء. القوائم الطائفية المقيتة ما تزال تشكل غالبية القوائم والاحزاب المرشحة في الانتخابات القادمة، والنظام داعم لها وهو جزء منها، ورئيس الحكومة يشكل أحد هذه القوى المتحالفة طائفيا لخوض الانتخابات القادمة. والحكومة العراقية ما تزال راكبة بغلتها ولا تحاول حل المشكلات القائمة بالسرعة الضرورية والابتعاد عن تجويع الشعب الكردي بعدم دفع الرواتب او فتح المطارات الدولية في اربيل والسليمانية.. انها سياسة ليست فقط غير عقلانية، بل ذات طبيعة انتقامية من الشعب الكردي الذي صوت لصالح حريته واستقلاله، بغض النظر عن موقف القيادة، الذي ابتعد كثيراً عن العقلانية والتعامل على وفق الدستور العراقي، تماماً كما كان تعامل الحكومة الاتحادية السيء مع الدستور العراقي، وهو امر مرفوض تماماً ومناقض لكل اللوائح الدولية في مجال حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. ورئيس الوزراء ذاته يتنكر لحق هذا الشعب في تقرير مصيره بنفسه وينطلق في ذلك من موقف ديني متطرف، كما هو موقف الدول الدكتاتورية في كل من تركيا وإيران وسياسة الحكم السوري الدكتاتوري، التي كانت ترفض دوماً ولسنوات طويلة منح أبناء وبنات الشعب الكردي الجنسية السورية!!
كان على رئيس الوزراء ان يكون صادقا مع نفسه والعالم، الذي لا شك يطالبه باستعادة الأموال من الفاسدين، في الوقت الذي يمد يده للحصول على منح لفقراء ومعوزي العراق، لأطفاله وارامله ومعوقيه، في وقت تمتلئ جيوب الفاسدين بالسحت الحرام بمليارات الدولارات، إنها محنة الشعب في أحزابه الاسلامية السياسية التي خذلته وسرقته بسياساتها وبالحكم الطائفي الذي لم يتخل عنه حتى رئيس الوزراء الذي ادعى إنه ضد الطائفية وضد التمييز القومي، ولكنه يمارسهما ليلاً ونهاراً وهو على رأس هذا الحكم الطائفي المقيت وفي قيادة "حزب الدعوة الإسلامية" الذي تسبب في كل ذلك لأهل العراق!!
لقد انتصر العراق على داعش عسكرياً، رغم وجود جيوب لداعش ما تزال فاعلة، ورغم وجود خلايا نائمة تضرب في بغداد بشكل خاص، إضافة إلى الفكر الداعشي الوهابي المتشددة، ما يزال فاعلاً، إضافة إلى وجود فكر شيعي مماثل في التطرف والقسوة والعنف، يتجلى في نشاط الأحزاب الإسلامية وميليشياتها الطائفية الشيعية المسلحة وفي محاولات التشريع الجعفري المتطرف كما في موضوع قانون الأحوال الشخصية على سبيل المثال لا الحصر. كما إن تكميم أفواه من يحاربون الفساد مستمر بالعراق، وأحد هذه الأمثلة الصارخة صدور حكم قضائي مجحف بحق الناشط المدني والمكافح ضد الفساد المالي والإداري السيد باسم خزعل خشان، بحبسه ست سنوات، دليل جديد على طبيعة النظام القضائي الراهن بالعراق، حيث تطالب بإلغاء هذا الحكم الجائر جميع منظمات المجتمع المدني بالعراق، كما تطالب بإصلاح القضاء العراقي وتغيير من كان على رأس القضاء في فترة حكم صدام حسين أيضا. إن الحكم والقضاء بالعراق ما يزال يُحكم بالكثير من قوانين البعث وصدام حسين الجائرة والمنافية للشرعية واللوائح الدولية في مجال حقوق الإنسان!!!   


54


كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.
(6-6)
يتم، شكوك وآلام واعتقال!
حط يحيى علوان أخيراً في مدينة مشهد المزدحمة بسكانها وبالزائرين الذين يأمون إليها من سائر أرجاء العالم الإسلامي، وهي مدينة قديمة تستحق المشاهدة للتعرف على معالمها وضواحيها. بعد أيام قليلة استعاد جزءاً من عافيته ومزاجه الطبيعي بعد أن كان قد هدَّهُ التعب والألم. وجد في دار المضيف بعض الراحة النفسية، إذ التقى بالرفيق أبي حيدر (حمزة عبد)، الذي كان قد أصيب بشظية في ساقه وعاني من ضربة الكيمياوي التي تعرض لها رفاق قاطع بهدينان في العام 1988، وكان في طريقه إلى أفغانستان للمعالجة. قضيا معاً أسابيع عدة بانتظار توفر فرصة العبور الآمنة، فتسنى لهما التجوال في المدينة والقيام بسفرة ممتعة إلى مدينة طوس. كتب يحيى: "في مشهد شعرت أنني أتخفف نوعاً ما من مخاوفي السابقة ورحت أقترب من سجيتي.. كنت أخرج مع أبي حيدر، نستكشف المدينة، شوارعها أسواقها.. زرنا مرقد الأمام الرضا، سافرنا معاً مع عائلة أم أيسر إلى متنزه في مدينة طوس ... حيث مرقد الشاعر الإيراني المشهور أبو القاسم الفردوسي..". (ص 268).
كانت الحرب ما تزال تثير الناس، رغم مرور ما يقرب من ثماني سنوات على اندلاعها. تدفع الناس إلى الاحتجاج.. يثيرهم التشدد والتزمت الديني.. يستفزهم فرض الچادر على النساء، حتى المسيحيات بطهران أو غيرها. تعرف يحيى على واحد من الاحتجاجات التي بدأ الناس يمارسونها في إيران.. "كانت امرأة تُفرد إزارها [تشادور]، مثل عارضة أزياء، فتكشف عن جسدٍ عارٍ تحت الإزار، إلا من ملابس داخلية شحيحة.. ولما حضرت قوة من "أخوات زينب"!.. سارعت تلك المرأة وغابت بين الجموع في السوق الكبير، حاول بعض المارة عرقلة مطارديها!..". (ص 269). في إحدى زياراتي إلى طهران، ركبت حافلة عامة، سمعتُ شخصين يتحدثان عن أوضاعها في إيران: قال أحدهما: "زندگی ما مرگ تدریجی است" (حیاتنا موت تدريجي أو بطيء)، أجابه الثاني: "خداوند به کلمات شما درست است" ( والله كلامك صحيح)!!
كنت يوماً مع الرفيق أبي سرباس (أحمد باني خيلان) نجوب شوارع همدان نفتش عن دار القنصلية التركية للحصول على سمة الدخول إلى تركيا.. سألنا أحد المارة.. قال: سيروا على هذا الطريق، ستواجهكم ساحة واسعة، في الوسط منها مسلة عالية، ستجدون عليها الكثير من (ميمون) (القردة)، عندها سيروا على اليمين ستجدون القنصلية هنا. وحين وصلنا الساحة، رأينا المسلة ولم نجد قردة هناك، وجدنا عدداً كبيراً من صور كبار الملالي المسؤولين عن النظام الإيراني الإسلامي المتحجر، ملصقة على جوانب المسلة! إنه أحد أوجه الاحتجاج الشفاهي الساخط والصامت!
لم تكن أسابيع وجوده في مشهد ثقيلة على يحيى، فالصحبة الطيبة والتجوال والتعرف على المدينة خفف من ضائقة الطريق المريرة، رغم رغبته العارمة في العودة إلى البيت واللقاء بصغيرته، بابنته الحبيبة. ثم حان موعد مغادرة مشهد، بعد أن كان الرفيق أبو حيدر قد غادرها قبله بأيام. 
تهيأ للسفر.. من كراج "مشهد" نحو قرية السلامات.. أعطيت ملامحه واتكاؤه على عصاه لمن سيستقبله هناك، يناديه بـ "أبي فلاح".. سينقله إلى حيث الحدود الإيرانية-الأفغانية.. وصلوا القرية، غادر المسافرون السيارة وفوجئ بصوت يقول: "أغاي أبو فلاه!.. بفرموا..!"، صوتٌ فيه بحة، يصلك قبل أن ترى مصدره، تتلفت حولك فلا ترى أحداً، ركاب السيارة ابتلعهم الغسق والدروب الضيقة، ذابوا كحبة ملح في ماء." ثم يصف دليله للعبور فيكتب: "يصل إلى مسامعك شيءٌ يدق الأرض فيرتد مخنوقاً.. رأس كبيرٌ، لا يتناسب مع قامة قصيرة تقترب منك.. بطيئاً، يتكئ على عكاز خشبي، ورجل تتمرجح في الهواء بلا ساقٍ، بشرة دكناء حمّصتها الشمس وكستها بطبقة من التجاعيد.. مدَّ يدهُ يمسحُ غبارَ الكآبة عن وجه مكدود وعينين تفيضان مكراً.. ما أن انفرجت شفتاه حتى بان صفان من الأسنان شديدة الصُفرة، قُل قهوائية..". (ص 283). كان يدخن الحشيش، قدم له لفافة اعتذر، فهو لم يجربها، سار معه حتى الدار.. استقبلته زوجته الشابة.. ظنها ابنته.. كتب يحيى "ابتسمت لكَ، فَرَّشت وجلك، على الزرع في باحة الدار.. فتحت بصدرك حجرات مغبرة الأقفال، كنت نسيتها، فأرسلت إليها صعقة من دفق فتنتها .. فتتتها ومشت."، إنها النفس الخضراء ليحيى التي ينتعش لمرئى النساء الجميلات.. تجده يقول:
"ناديت روحك.. لم تسمع. كان داخلك يصرخُ بصمم، فاكهة دانية القطوف في بستان محرم، ستبيت على اشتهائها ما العمل؟ .. ثمرة تغص بها إن قضمتها.. تطعن قلبك إن لم ... تموت إن هي التهمتك!.. أنت أمير بلا إمارة، مفلس في حيرة طواحين تعبث بالريح، لهفةً لدون كيخوته، لكنني سأمتطي الحرفَ، كما تفعل الساحرات مع العصيِّ..". (ص 285). يذهب الدليل إيهاب يستكشف الطريق.. تبقى وحدك.. تقول "منذ ستٍ، تصيح ربابة الشوق، تقاطع نياط "الأبوذية"، ولا بدوي ينتبه أو يصغي!" عربة تجرها خيول الرغبة والرهبة كانت.. تراءى لك أن رغبتها تفح بنوع غريب من الإثارة والتمني الصارخ، يهذيان شبقاً.. تطبق على صدرها تعتصره، فتطرد ما تجمع فيه من زفرات الحرمان والنهي، الذي يرفض أن يلبي توسلات جسد بض.. سترضع شحمة أذنك، فتحس برعشة تخضك من آخر ركن فيك، وتدخلان في أحلى لعبة في الكون.. ستترنح تتركها تفعل بك ما تشاء، تعجنك، بعد أن صيرتك هلاماً تعيد تشكيله، كيفما تشتهي.. سينسى الزمن نفسه، حتى يجرفكما الطوفان، يطفئ الحرائق ويخرس لعثمة الانتظار والتردد.." هكذا قضى يحيى جزءاً من ليلته بعد ذاك العذاب الطويل في درب التيه والعطش والجوع.. "يقول يحيى "خنقت سعيدة صرخة انفلتت منها.. تلقفتها خيول الريح وركنتها في واحد من رفوف الأمس، لتكون طعماً للحنين..". (ص 291/292). بعد هذا يقول يحيى ضمن مقطوعة من نثر شعري مرطب بحلاوة الحب:
"تعالي إذ اشتهيك، فأحلى لعنة صدفةٍ أنتِ.. تعالي، الساعة، لا يبل عطشي إليك إلا أنتٍ.. تعالي وحكي دمي بطارف غمّازتك.. اغفري، سعيدة، خطيئة آلهة أورثتني شيئاً من أنكيدو.. كفاني خبأت شهواتي في السر، الذي عشته، حتى لم يعُد بمقدوري إفناؤها في جسدي، فالموعود رهان خاسر للُسذَّجِ". (ص 296).
يم تكن سعيدة عصية ً.. كانت قوية كما الخطيئة أمام ضمير محاصرٍ أعزل!.. انكسرت نظراتكما، وسقطت في المسافة بين بين.. فارت المهجة، شاغت الروح.. كانت سعيدة مُبللةً بالفراش.. ترقص فوق جنون الأقحوان.. تضوع الممر بنسائم خليط من الحبق والفل..". (ص 291).   
ما ان انتهى من حلمه بسرعة في رحلة الحب الخطيئة، خشية عودة "إيهاب"، حتى عوقب على تلك الخطيئة، إذ وجد نفسه في خطر جديد داهم، كتب يحيى: "دون "إنذار مسبق" تضيء المكان َ أنوار كشافة، وتسمع وقع أقدام كثيرة تتراكض وتتقافزُ كالأباليس في كل الاتجاهات، تلتها رشقات رشاشات.. ترمي بحالك على الأرض، دون الحاجة إلى تفكير، وتزحف ناحية الزريبة. تدفع الباب الموارب وتنسلُّ بين قوائم البقر، الذي سيسترك دون خوار قد يفضحك.. تندفع بهدوءٍ زاحفاً حتى آخر الزريبة، فيفسح البقر الوديع لك في المكان المظلم، الذي لا يصله حتى خيط ضوء.. تكاد تشعر بالاختناق، ينهمر دمعك وتغالب شعوراً بالغثيان يجتاحك من روث البقر....، .. فجأة يندفع باب الزريبة بعنف وتمتد ماسورتا رشاشين ومصباح يدوي.. كأن البقر الكريم "شَعَرَ" بخطورة الموقف وارادَ أن ينتصر لشخص مطارد بين الله والحدود.. فراح يخور ويدور على نفسه بحركات عنيفة حفَّزها الضياء الحاد.. وضع الشخصان المناديل على وجهيهما اتقاء الروائح الكريهة، التي اختزنتها الزريبة.. وغادرا المكان.... ". (ص 298). ظل يحيى قابعاً في مكانه طوال الليل.. رغم وصول إيهاب قبل ذاك.. لم يكن مستعجلاً على إخراجه من الزريبة.. خشية عودة حراس الحدود. كان المطر قد تساقط طوال الليل، منعت تلك الروائح النتنة يحيى حتى من الإغفاءة القصيرة. ثم توقف المطر. تناولا الفطور الذي أعدته ذات الإزار الجميل.. تقرر الرحيل..، اتجها صوب طريق العبور. يقول يحيى: حملتَ صُرتكَ تتوكأ على عصاك، وعندما أيقنت أن "صاحبك" تخطى باب الدار، استدرت إلى الوراء، أومأتْ سعيدة مودعةً... "خدا حافز". انطلقت بهما الدراجة النارية "بسرعة جنونية"، لا تتناسب مع أرض زراعية محروثة حديثاً ملأى بالمطبات والحفر.. وراح يدندن بأغنية، فيما تختض أنت كشگوة اللبن..!". (ص 303).
ولكن عذابهما لم ينته.. لقد عاشا مرارة الانتظار والعطش واشعة الشمس المحرقة، كانت تصب بحممها على رأسيهما، كان رأس الدليل مغطى، بينما رأس يحيى مكشوف للشمس والريح.. وجد الدليل نفسه مجبراً على العودة.. بين حظ عاثر، لم يصل دليل الطرف الآخر، لم تصل إشارة وجوده، وبين فرحة اللقاء الثاني بسعيدة، عادا بالدراجة إلى الدار بانتظار الغد. حال وصولهما الدار سقط إيهاب على الأرض من شدة الإرهاق.. بعد أن صاح بصوته المبحوح سعيدة!.. يقول يحيى "جاءت تركض حافية، حاسرة الرأس، مُهَدَّلةَ الزيق، انحنت عليه تلطم وجهها وتصفق بالأخرى.. قلت لها "عجلي بشربة ماء"، دون أن تكلف نفسها عناء إلقاء نظرة عليك.. كانت مرتبكة، إذ رأت إيهاب ملقى على الأرض، يصدر ما ليس يشبه الشخير، بل ما يصدر عن ثور ينحر!.." من شدة الإنهاك. أحضرت طاسة ماء، وكانت قد ألقت إيشارباً خفيفاً على رأسها..". تعاونا "على حمل إيهاب إلى الغرفة، حيث نام فوراً على بطنه ودفنَ وجهه في الوسادة.". (ص 330). فيما كنت تجلس على الحصير، غير بعيد من باب الغرفة، خرجت سعيدة منها مكتئبة.. قرفصت إلى جانبك صامتة. شاردة الذهن، تُجرَّحُ وجه الأرض بعود.. جاءته بعد الغروب، وذهبت قبل الشروق، وتركت في يديَّ حفنة من التوريات ٍ ولم تعدْ..".
في صباح اليوم التالي تسنى له العبور، لم يكن سهلاً، جاءت إشارة الدليل في الجهة الأخرى. انتهت مهمة إيهاب وعاد أدراجه.. لم يسقه حتى قطرة ماء يسد بها رمقه! "لا قَطرَ يطفئُ الهسيس بجوفك.. صحراء عارية إلا من شظايا الجحيم، فأين الهرب؟ لا أبنية ولا أشجار ولا نبات... قفرٌ أقرعٌ"! (ص 314).
كان على يحيى والدليل الجديد أن يقطعا صحراء قاحلة. أرضاً رملية "ضجرٌ يبحث عن ظله، ومضجرٌ هذا الرمل الأخرس، يعجز حتى عن إرجاع صوت كعب عالٍ، تتلهف إليه مسامعي، تتلهى به مخيلتي، ترسم قواماً ملائكياً فوقه!.. السراب هو سيد الموقف حين تكون في البراري والشمس تحرقك والعطش يغرقك في الأوهام، السراب. حين التقيت، مع مجموعة من الشبيبة، بسكرتير عام الحزب الشيوعي في تشيلي لويس كورفيلان، حدثنا عن السراب حين يكون الإنسان في الصحراء تائهاً ويهدَّه العطش، إذ كلما يقترب منه يبتعد!..، كان يقارن ذلك مع قائد عسكري من النظام يتحدث عن ضرورة تحالفه مع الحزب الشيوعي لبناء الاشتراكية في تشيلي.. كان ذلك في كانون الثاني/ يناير من عام 1972 أثناء انعقاد المهرجان العالمي لاتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي.. فهل يمكن أن يكون سراباً تحالفات سياسية محتملة مع قوى إسلامية سياسية!..                                             
كتب يحيى وقد هدَّه التعب والعطش "ها هو عويل الريح تماهى مع مدارات الضياع في ملكوت الرمل.. ودفقات الخوف من أفق متبرج/ مليء بفوهات التيه.. فالهواء هنا هتوك.. يمر خفيفاً، ثم يلتهب، لا جدران، حتى تلك التي تعبت من الوقوف وحمل التمائم و"علق النذور... الشمس تجلدني بشواظٍ من جحيم..". على الصفحة 339 يستذكر يحيى رحلة الضنى فيكتب:   
رَملٌ.. رَملٌ.. ثم رَملٌ.. فرَملٌ.. على امتداد النظر.. وما خلف تخوم المدى.. لا شيء غير الرمل.. حتى ما وراء السراب، وحيداً يتمطى في عزلته.. رَملٌ يقضي العمر يلتحف ب رَملٍ، رَملٌ يرحل.. ورَملٌ يأتي، بروق ورعود من سحاب عاقرٍ.. موحشٌ هذا الرملُ..". إن هذا النثر الشعري يدلك على حالة يحيى ومزاجه وهو يخوض رمال الصحراء بركبته المعطوبة وعطشه..
حين يواجه يحيى أوضاعاً صعبة يلوذ إلى الأصغاء لذاته، يحاورها ويحاور غيره.. نقرأ في هذا الكتاب الشيق مقطوعات من النثر الشعري الجميل.. في فقرة تحت عنوان "يتيم" نقرأ الكثير من ذوقه الأدبي، بلغةٍ جميلةٍ، وغنى مفرداتها، وخصب خيال صاحبها، ومصداقية الحالة النفسية التي تنساب الكلمات والجمل من بين أصابعه لتحط على ورق لا يمحى.. منها:
"من ذا يطرق باب ليلتي.. يشاركني وحدتي؟.. أنا الرازح المُعنى في غربتي، أُشعلُ بخور الحنين، أسامر وحشتي.. أُلملمُ شَواردي، مثل هُدهُد أضاع الكلام.. لا يكترث لخسوف بدرٍ. أي مناكد أتى يسلبني أثامي الجميلة، يبعثر زهوراً نثرتها فوق فراش الصمتِ.. حيث نصبتُ شباكي أستدرج طيفاً شقياً؟" ... (ص 275). 
يصف يحيى ريحاً عاتية في وسط صحراء رملية: كأن شفاطة رهيبة حطَّت فوقنا، تحاول اقتلاعنا مع الدراجة النارية.. تشبثنا بها ودخلنا مع الإعصار في ما يشبه لعبة "شدَّ الحبل"! ولما يئس منا، تركنا يعدو في عجلة من أمره، كأن لديه موعداً هاماً!...". (ص 357).
عبور الحدود بمثل هذه الطرق فيها الكثير من المخاطر، فالمهربون لا يدفعهم النبل في نقل أمثالنا عبر الحدود، بل النقود، وهم يسعون في الحصول عليها بشتى السبل.. قال الدليل ليحيى: "هات ما عندك!.." قلت له صاحبك الأعرج، في الجانب الآخر، هو الذي رتب الأمر وتسلم المبلغ!.. فقال.. لا شأن لي به، أريد أجر أتعابي هنا، منك، وإلا سيكون مصيرك مجهولاً، سأتركك هنا وأمضي، لن أكون مسؤولاً عما يحصل لك!.. قلت فتشني وأن وجدت نقوداً أو شيئاً ينفع، فهو لك.. شرع يفتش جيوبي عابساً، فما لقي سوى هوية مزورة.. تناول كيس البلاستيك، كانت به بعض حاجياتي.. أدوات حلاقة، فرشة أسنان، ملابس داخلية متسخة وجوارب تزكم الأنوف، كنت أخفيت فيها بها 1500 تومان إيراني، و500 على انفراد، ... وعندما فتح الكيس صدمته الرائحة، أدار وجهه عابساً..." (ص 359)         
وأخيراً وبعد مرارة الطريق ولف ودوران "وصلنا إلى مبنى متواضع.. قدمت نفسي ... شيوعي عراقي قادم من كردستان، وهذه الهوية المزورة التي استخدمتها لعبور إيران، وأن قيادة حزبكم في كابل لديها علم بذلك، ..". سجلوا محضراً بذلك.. ليجري تسليمه مع يحيى علوان للمسؤولين في هرات.. وصلوا عصراً. نقل بسيارة جيب روسية إلى دار تابع للمخابرات العسكرية الأفغانية، فوجئ بوجود رفيقٍ نصيرٍ له فيها، إنه الرفيق أبو واثق (المسرحي لطيف حسن) ورفيق نصير آخر. كانت أيام الحجز ثقيلة بعد كل مرارات الطريق من طهران إلى هرات. يقول يحيى "الزمن كسول.. سيغدو الأسبوع سبعة "قرون"!
وبعد أن حلحلت الملابسات، التقى رفاق الدرب الطويل، التقى، أبو علياء وأبو حيدر وأبو سامر، في طائرة عسكرية روسية نقلتهم إلى كابل، وتخلف عنهم أبو واثق لعدم وجود مكان له في الطائرة التي حجزت لهم للثلاثة مع رابع يحرسهم، ثم توفرت إمكانية المغادرة منها إلى موسكو ومنها إلى برلين حيث صدم ما لا يشبه كل الملمات والأوقات المرة والعثرات التي مرّ بها في طريق العودة من كردستان العراق إلى برلين!! إنها الحياة بمفاجأتها السارة والحزينة، وأحياناً كثيرة ليس لها من مرد!!!
وأخيراً، إن من يقرأ هذا الكتابة الحافل بالأحداث الشخصية، التي مرَّ بها يحيى علوان، والتي تقترن برؤيته للأحداث، كما حدد نفسه ذلك بصواب في بداية الكتاب، سيدرك دون أدنى ريب عدداً من المسائل المهمة التي يمكن تلخيص بعضها القليل: ** لقد كان الأنصار الشيوعيون أوفياء للوطن والشعب، بغض النظر عن مدى صواب أو خطأ، هذه القضية أو تلك، كانوا جادين ومخلصين فيما سعوا إليه، رغم الوهم الذي رافق ذلك الحلم الجميل؛ ** قدموا التضحيات الغالية، بأنفسهم أم بعائلاتهم أحياناً، دون أن ينتظروا شكراً أو جزاءً جراء تلك التضحيات؛ لم يختاروا هذا الطريق الصعب، بل فرض عليهم، حين أجبروا على ترك العراق أو الالتحاق بجبال وأرياف كردستان وتشكيل حركة الأنصار الشيوعيين، لقد كان هروباً من نظام استبدادي مطلق سلط جام غضبه وعدوانه على الشيوعيين وأصدقاء الحزب وكل القوى الديمقراطية، ومارس الأساليب الفاشية مواجهة كل المعارضين له؛ ** كما إن نهاية الحركة الأنصارية، التي دامت قرابة عشر سنوات، (نهاية 1978-نهاية 1988)، اقترنت بهجوم عسكري كاسح لمنطقة وجود الأنصار الشيوعيين من جانب قوات النظام الدكتاتوري المطلق، أجبروا على إثرها مغادرة جبال وأرياف كردستان العراق صوب الخارج؛ ** لقد تحملت جمهرة كبيرة من رفاق الدرب الأنصاري الكثير من الحزن والألم والعذابات الشديدة، قدم الرفيق أبو علياء بهذا الكتاب لوحة حية وواقعية لواحد من هذه النماذج المهمة، بغض النظر عن هذا الرأي أو ذاك حول هذه المسألة أو تلك. كما نشر أخرون كتباً حول تجربتهم الأنصارية؛ ** وقدمت حركة الأنصار عدداً كبيراً من الشهداء، يمكن أن نقول، أن جلهم كان يفترض أن يكون اليوم معنا، لولا الأخطاء التي ارتكبت من أبرز القيادات التي لم تكن ناضجة ولا بحجم المسؤولية التي أنيطت بهم. ومع ذلك قدمت هذه التجربة دروساً كثيرة وغنية لم تدرس بعد، وبحاجة إلى الكثير من البحث والتدقيق للوصول إلى استنتاجات تنفع القادم من المناضلين والمجتمع العراقي، والقادم من الأيام!!           
ليس في هذه القراءة المكثفة لكتاب الكاتب والإعلامي المميز يحيى علوان بأسلوبه الشعري وخياله الخصب ما يشبع عن قراءة هذا الكتاب، أتمنى أن يجد الكتاب طريقه إلى أيدي قارئات وقراء اللغة العربية، فهو خزين من المعلومات والتجارب الغنية والتي يمكن أن ينتقى منها الكثير من الدروس والعبر! للكاتب التحية والشكر الجزيل على ما وفره لي من متعة القراءة والكتابة عن الكتاب. 
كاظم حبيب، 9 شباط/فبراير 2018         

55

كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.
(5،1-5)
هل بعد روعة روشنگ، تعذيب وفلق في كرمان؟!!
الطريق من إيران إلى أفغانستان مليء بالمغامرات والمخاطر، طريق يمر عبر معبرين رئيسين يستخدمان من قبل الجماعات التي تسهل العبور مقابل دفع مبالغ مالية: هما طريق طهران – زاهدان–هرات في أفغانستان، ومنها إلى كابل، أو طهران – مشهد في إيران-هرات في أفغانستان، ومنها إلى كابل، حيث يصبح الطريق سالكاً بالطائرة إلى موسكو، الاتحاد السوفييتي حينذاك. يواجه عابرو هذه الطرق الكثير من المصاعب والعقبات، بما في ذلك محاولات سلب ما يملكه الشخص من نقود أو كاميرات أو أشياء ثمينة يعتز بها لجانبها المعنوي. وأثناء وجودي في حركة الأنصار الشيوعيين قرابة خمس سنوات، استخدمت، بمساعدة تنظيم الحزب بإيران، طريق زاهدان في العبور إلى إيران ومنها إلى كردستان العراق، وطريق مشهد بإيران للعبور إلى أفغانستان، كما استخدمت مرة واحدة الطيران السوري في الوصول إلى إيران والخروج منها، بجواز سفر سوري. وعبر الطريقين، سواء أكان مع الأفغان أم مع الإيرانيين، كان العاملون في تهريب الأشخاص يتميزون بالجشع والرغبة في انتزاع وسلب كل ما يمكن انتزاعه من الرهينة عندهم. ويشعر المرافق لهم بخطورة الوضع وما يمكن أن يتعرض له، إن لم يستجب لمطالبهم غير المبررة. وإذ عبرت بسلام في السفرات الثلاث، لكنها كانت مليئة بالصعاب ومخاطر الوقوع بأيدي قوات الپاسدار الإيرانية، التي لا تعرف الرحمة ولا الخلق القويم، والتعرض للعطش المهلك الذي يقترب من حافة الشعور بقرب النهاية.. وخلال سنوات العقد التاسع من القرن العشرين وقع أنصار أحبة أسرى في كمائن الپاسدار وجواسيس العدو الإيراني وعيونه المبثوثة في كل مكان، فاعتقل وعذب وسجن بعضهم قبل ان يطلق سراحه، عبر وساطات كردية أو دولية غير قليلة، حصل هذا للرفيق الفقيد النصير الدكتور رحيم عجينة، والرفيق النصير، الذي عين فيما بعد وزيرا في الكابينة السادسة لحكومة إقليم كردستان، جورج يوسف منصور، وكذلك نقيب الفنانين لاحقاً الرفيق النصير صباح المندلاوي. كما استشهدت مجموعة طيبة من الرفاق وهم على طريق العبور من سوريا- تركيا-العراق، وبالعكس.
كان على الرفيق النصير يحيى علوان أن يصل إلى كردستان العراق عبر سوريا-تركيا العراق، وأن يغادر المنطقة، بعد ست سنوات، عبر زاهدان، ثم يُجبر، في ظروف مريرة، للعودة والعبور عبر مدينة مشهد. ولهذا أطلق الكاتب على رحلة العودة بـ "رحلة الضنى"! وهو على حق كبير، وحين التقينا قبل فترة وجيزة، تحدثنا معاً، فأخبرته بأني أطلقت على رحلتي كلها "رحلة الآلام" ولم أنشر ما كتبته حتى الآن!
كان الرفيق النصير أبو جنان (زهير الزاهر)، مسؤولاً عن تنظيم الحزب في إيران، بعد مغادرة الرفيق أبو علاء وعائلته الطيبة طهران، وإقامته محطة ضرورية للحزب في كابل، لغرض استقبال وتنظيم سفر الرفاق. وقد هيأ الرفيق زاهر مجموعة من الرفاق الشجعان والملتزمين بالسرية واليقظة إزاء جواسيس العدو وعيونه، كما اقام مجموعة من العلاقات التي تسهل له إنقاذ الرفاق في حالة وقوعهم بأيدي العدو. ولم تكن هذه المهمة سهلة، ولم تكن موفقة باستمرار. كان الرفيق يستفيد، بذكائه وكفاءته وتميزه التنظيمي ودقة عمله، من مواطن ضعف العدو، التي تبرز بشكل كبير في النظم الاستبدادية المركزية. ومع أن الكثير من الرفاق كانوا يغادرون طهران في أوقات متقاربة، إلا أن كلاً منهم لم يكن يعرف ب وجود ومكان الآخرين بطهران أو الطريق الذي سيسلكونه.. إنها ضرورات الصيانة في بلد مليء بالجواسيس والعيون، منهم إيرانيون ومنهم عراقيون زعران، في مدينة مثل طهران! ولم يكن الرفيق أبو جنان يميز في ترحيله الرفاق بين القادة والكوادر أو الأعضاء، فلديه كانوا كلهم سواسية، يفترض أن يخرجوا بسلام من إيران..
حل موعد مغادرة الرفيق يحيى علوان، وكنت حينها في طهران، على وشك الرحيل أيضاً، واختير له طريق زاهدان. رافقه أحد رفاق الحزب المتحدثين بالفارسية. وفي زاهدان، وفي طريق العبور إلى الجانب الآخر من الحدود إلى أفغانستان، حصل له ما لم يكن في الحسبان، لاسيما وأن الرفيق يحيى يعاني من ركبة مريضة لا تقوى على حمله في الحالات الطبيعية، فكيف والأمر يتطلب السرعة في السير والركض أحياناً أو حتى القفز بضعة أمتار من عل.         
يكتب يحيى: "الطريق، التي سلكناها حول قرى صغيرة في أطراف زاهدان تغط في النوم.. إلا من بعض دواب تنهش زرع الأرض في الظلام البارد.. تنظر إلينا بعيون جامدة، فيما تجتر العشب.. ليل مسلح بالظلام.. ظلمة تمد آذانها، تسترق السمع.. تجس النبض.. توحي بعيون خفية تراقبنا فتملأ الجو ريبة..". (ص 195). كان السير طويلاً في أرض يصعب السير عليها وبركبة مريضة.. فيستكمل قوله.. "هدني التعب، ونزفت ما تبقى لي من قوى. ومما فاقم تعبي حدَّ الإرهاق، أن البرية ابتلعت القمر الرضيع، وكنست السماء من نجوم براقة، سال بعضها يجرجر خيطاً لامعاً خلفه، لم تلبث أن لملمته بسرعة، مثلما يمحو الأطفال في دفاتر المدرسة خطاً إملائياً.. فرحت أتعثر، وبعصاي أتقي السقوط.. بينما يلح مرافقي أن أسرع، كي لا يفوتنا الموعد في زاهدان!.... كنت اترنح من الأعياء.. حاولت أن أقف كي استرجع أنفاساً هربت مني، أتناول جرعة ماءٍ، تحت قبة الظلام.. إلا إنه أبى!..". (ص 196).  كان مرافقي يحثني على السير "تحامل على نفسك، إن كنت تريد النجاة"!.. يحاوره يحيى، "ولكن حملي ثقيل، يا رفيق!. يرد عليه "تخفف منه، القِ به"!. لم ينتبه رفيق الطريق، أن يحيى لا يستطيع التخلص من حمل ماضيه المثبت في دفاتر يحملها على ظهره. يقول له: "حملي مشدود على ظهري! كيف اتخلص من ماضيَّ..؟!". إنها المحنة حقاً، ألمُ الركبة الذي ينهشه، وحِملهُ الثقيل على ظهره يزيد جهد الركبة ويضاعف آلامها! يحاول رفيق الطريق أن يقارن بينه وبين رفاق آخرين ساعدهم على مغادرة إيران عبر الطريق ذاته، ولكن هل يمكن مقارنة اصحاء سالمين/ مع شخص يعاني من ركبة مريضة هي المسؤولة عن حمله ونقل خطاه!
في مثل هذه الأوضاع الحرجة، يعيش المرء احداثاً شتى، تقفز إلى ذهنه كشريط سينمائي، حيث قضى سويعات حلوة في بيت المسرحي الكبير الرفيق خليل شوقي، علها تخفف من آلام الركبة والظهر وغيرها. كان إنساناً بديعاً احبه يحيى كما أحبه عراقيون وعراقيات كثُّر!..
كان على يحيى أن يصل إلى حفرة يقبع فيها لحين وصول الدليل ليعبر به الحدود. قال رفيق الدرب، أترى تلك الحفرة، علينا أن نصل إليها.. تمنى لو أن تأتي الحفرة إليه.. ولكن كيف؟ تركه الرفيق للحظات ليقضي حاجة، وسار هو صوب الحفرة.. انزلق فيها.. فماذا جرى؟ صدمه ضياء أعشى عينيه، وأيدٍ تلقفته بقسوة ووحشية، فما كان منه إلا أن يصرخ بصوت مرتفع يسمع حتى عن بعد "كمين.."، كان يريد أن ينبه رفيقه كي لا يتوجه صوب الحفرة فتتلقفه الأيدي الخبيثة.. وحسناً فعل! ذكرني سلوك الرفيق يحيى بحادثة مماثلة حصلت في العام 1955. حين كنت أسكن مع رفيقين في غرفتين في عقد النصارى ببغداد. يبدو أن الأمن قد اكتشف البيت الذي نسكنه. نصب كميناً لنا ليلاً.. حين وصلت البيت مساء، فتحت الباب تلقفتني أيدي شرطة التحقيقات الجنائية وأدخلتني الغرفة، كان الرفيق عبد الأمير الصراف قد وصل قبلي ووقع في أيديهم. كنت أعرف أن الرفيق أبو قاعدة (كاظم فرهود) سيصل البيت قريباً، فبدأت أصرخ بصوت مرتفع معترضاً على اعتقالي، علَّهُ يسمعني، فرعوا يضربوننا بقسوة بالغة لكي نسكت، ونحن لا نكف عن الصراخ، إلى أن أدركوا إن الرفيق كاظم فرهود لن يأتي، وفعلاً فقد علمنا فيما بعد أنه سمع صراخنا من بعيد وعاد راجعاً من حيث أتى وتخلص من الوقوع في الكمين! 
كتب يحيى: وبأسرع مما أسترد الشهيق، طُرحتُ أرضاً .. أحسستُ بالتراب يعفر وجهي.. كادت ذراعاي تنخلعان من الكتفين، عندما شدوا وثاقي إلى الظهر.. "ضبطوا!.." وضعي بسرعة.. كمموا فمي وشدَّوا عصابة على عيني ثم أحكموا رباط القدمين! حتى أحسست بنفسي مرمياً على صفيح بارد على ظهر سيارة پيكاب، لا تفتأ تخضني كشگوة لبن.." (ص 200).   
حين توقفت السيارة وأنزلوه منها سقط أرضاً.. لم يقو على النهوض .. شتموه بشتيمة عراقية من فم جايفُ .. صرخوا "ابن الزفرة"! عرف أنهم عراقيون.. من جنس أفراد النظام الإيراني وأتباعه.. ثم جاءته صفعات قاسية "أجلسوني على كرسي متهالك، يصدر صريراً عند أبسط حركة.... جاءني صوت: "يا الله سولفنة.. تره عدنه كل المعلومات، عنك وعن ربعك.. وإذا تچذب، راح نصلخ جلدك!.. أول وتالي نحجيك! (ص 202). كان أبو أحمد وصاحبه ملا جواد.. هما من يستجوبانه.. راودتني أسئلة عادلة ومشروعة: أين هما الآن، وبعد هذه السنين الطويلة، في أي قيادة لحزب إسلامي هم يعملون، أو على رأس أي ميليشيا طائفية شيعية مسلحة يقودان، أو أي وزارة يحتلان بالعراق؟؟ فهما من الصنف الرث  نفسه الذي يحكم عراقنا المستباح بالطائفية والفساد والإرهاب..
كتب يحيى يصف جلاوزة الجلادين المستبدين: "هكذا هو عرف الجلاوزة في أنظمة الكراهية والاستبداد، أياً كانت مسمياتهم.. ينهالون على الضحية أولاً بكل ما أوتيت لهم من بشاعة، كي تسهل مهمة "تغريده" استنطاقه، بما يريدون أو ما يفيدهم!.." (ص 2003). استعصى عليهم استنطاقه، فهو ليس من النوع الذي يلين أمام هكذا أوباش.. عالجوه بتعذيب وحشي، رضرضوا عظامه، رفعوه فلقة أوجعت باطن قدميه.. حاولوا سحق مقاومته.. عجزوا عن ذلك.. كان الغيظ والغضب والانكسار سيد الموقف لدى الجلاوزة، وفرحة الصمود الممتزجة بألم الضربات القاسية لدى المناضل يحيى علوان.
وكنت، أنا أقرأ هذا الكتاب القيم للصديق يحيى علوان، حطَّت ذاكرتي عند العام 1955 مرة أخرى، حين جرى اعتقالي مع عازف الكمان عبد الأمير الصراف وساروا بنا إلى بناية التحقيقات الجنائية.. وهنا تسلط علينا المفوض أنور عبد العزيز وأدهم العاني، أشبعونا ضرباً وتعذيباً وفلقة.. زاد غيظهم حين جوبهوا بالصمود والصمت. أعيدت هذه المسرحية في سجن بغداد، قبل ترحيلنا إلى سجن بعقوبة لنقضي فيه بقية الحكم الصادر بحقنا. جاء السجانة، جلاوزة مدير السجن، لطفي الخزرجي، والنظام الملكي، بالفلقة.. بدأوا بالضرب على باطن القدمين لكلينا، بدأت أعد معهم 1، 2، 3.. وبصوت مرتفع حتى وصلت للضربة الـخامسة والستين بعصا مهيأة لهذا الغرض.. كنت راغباً أن أغيظهم، أن أقهرهم، توقفت عن العد، عجزت عن المواصلة.. لم نعد قادرين على السير بعد أن فكوا وثاق أرجلنا.. ولكن كان لا بد من السير وتحمل الألم، لكيلا تُصاب القدمان بتخثر الدم.. وهم يدركون ذلك ويجبروك على السير شئت أم أبيت!!
حين سمع يحيى العميلين العراقيين يتحدثان عن وجود جواسيس يعملون لصالح صدام حسين، استنفرت كل أحاسيسه واستفزت مشاعره وروحه الكفاحية.. "رنَّت كالناقوس في رأسي....، قلت بحدة ظاهرة ما شأني بذلك؟! .. أنا واحد من المناضلين ضد صدام ونظامه، عانينا من نظامه الإجرامي.... أنا شيوعي، ومنذ ست سنوات، أنا في صفوف الأنصار، ألا تخجلون من هذا السلوك الشائن والتعامل المنحط مع من يقارعون صدام بكل الوسائل؟!.." (ص 205). لقد كانت جرأة من يحيى أن يقول لهم بأنه شيوعي..، أن يتحداهم وليكن ما يكون.. السجن بهذه التهمة في إيران أشرف بما لا يقاس وأكرم من أن يتهم الإنسان بالتجسس لنظام صدام حسين الفاشي.. وضُع يحيى في زنزانة انفرادية لا تختلف كثيراً عن الزنزانات الانفرادية في سجون العراق الموحشة، ضلت تحرك فيه المشاعر والذكريات ويستعيد قصائد يحاول بها أن يقتل الوقت الثقيل، أو ينظم نثراً شعرياً ضمنه كتابه بلغته الشعرية الرشيقة التي لا يتسع المجال لذكرها..   
تغير التعامل قليلاً، ولم تتغير الجفوة والكراهية.. فهم مجبولون عليها! يبدو إن الرفيق المرافق، الذي نجا من الكمين، أوصل خبر الاعتقال إلى المسؤول بطهران.. دخل للحال على الخط.. أجرى اتصالات.. فهو مسؤول عن سلامة رفاقه.. أمكن الاتفاق، على توفير فرصة لهروبه، عبر وسطاء بطهران.. وعبرهما مع الحراس المناوبين.. تم ذلك بسلاسة، رغم القلق الذي هيمن على يحيى، فهو ما يزال يواجه حظه العاثر.. استقبله الرفاق، إذ حط، بعد عدة أيام ومن جديد، في بيت آخر بطهران ليعيش تجربة سجن إجباري، أو قل، اختياري، جديدة..
كان عليه أن يبقى فترة في هذا البيت الجميل، الذي أصبح سجناً له ولرفيق آخر، إذ حرم عليهما الخروج من الدار خشية الوقوع بيد العدو.. فيحيى الآن هارب من قبضة الپاسدار.. ومطلوب رسمياً منهم. لم يعد في مقدوره رؤية روشنگ، تلك المرأة التي أسعدته ليالٍ ثلاث، ليس ممكناً التفتيش عن الطبيبة في مستشفيات طهران وشوارعها لتخفف بشفتيها وحبها عن بعض آلامه وأوجاع الضربات التي تلقاها على جسده المنهك!!         
        رحلة الضنى..، رحلة الضياع والجوع والعطش في الطريق إلى مشهد!
لم يترك الرفيق أبو جنان رفيقه أبا علياء أن ينتظر طويلاً بطهران، هيأ له بأسرع ما يمكن، إمكانية السفر إلى مشهد، إنه طريق العبور الثاني، الذي لا يخلو من مخاطر وعقبات الپاسدار، ومن صيادي النقود وباعة المخدرات، وهم يجوبون بدراجاتهم النارية مدن وأرياف أفغانستان وهم يحملون سلاحهم.. رُحّل مع عائلة بالقطار المتجه إلى مدينة مشهد بخراسان... كان كل شيء على ما يرام، مهيئاً لإيصاله بسلام.. ولكن، هل يترك حظ يحيى العاثر الرحلة بسلام، أم يلاحقه أينما حلَّ أو ذهب..، هل يمنحه فرصة النجاة لرؤية بنيَّته بسهولة.. عليه أن يدفع ضريبة حب الوطن وعشق الناس بالعراق..
انطلق القطار يسير الهوينا. إنه وبقية المسافرين، يسمعون أصوات الصواريخ تتساقط على طهران وضواحيها.. مرّ وقت مرح مع طفلي العائلة التي ترافقه.. اهتزازات القطار الرتيبة نسجت خيوط إغفاءة هانئة.. كتب يحيى "لست أدري كم من الوقت مضى، عندما انتزعَنا من المقاعد انفجار هائل، فتوقف القطار فجأة وانطفئت الأضواء.. هبَّ كل المسافرين مذعورين للنزول من العربات متدافعين، بعضهم قفز من الشبابيك.. حلَّ رعبٌ خرافي.. كنا قبل قليل في حيز مرئي محدود المعالم، صرنا في عتمة بلا حدود، كأننا نزلنا إلى عالم الظلمات!.. أصوات مخنوقة، أطفال يبكون، نساء ورجال وشيوخ يبحثون في الظلام عن ذويهم، كما لو أن مجهولاً يترصدهم في الظلمة...". (ص 244). لم يفقد يحيى العائلة التي رافقته فحسب، بل فقد هويته المزورة أيضاً وكل حاجياته، وأصبح الآن في خطر الوقوع في أيدي الپاسدار عند كل نقطة تفتيش.. والمسافة إلى مشهد بعيدة.. كان عليه أن يسير في الاتجاه الذي يسير فيه الآخرون، عله يصل إلى مشهد.. يقول يحيى: "بما أنني لا خبرة لي بالمكان وجغرافيته وليس لديَّ أوراقٌ ثبوتية، حتى المزورة منها.. وبالتالي لا أعرف المسافة إلى زمنان، سمعت مرة أن فيها أكبر معتقل لأسرى الحرب العراقيين" قرر اللحاق بهم، "أردد في نفسي "نزل جواد عند مرقد الرضا" كي لا أنساه. فهو خيط الأمل المتبقي للحاق بالعائلة.." (ص 245.) كانوا يسيرون ثلاث ساعات ليرتاحوا ساعة.. مرً يومان على هذه الشاكلة. وصلوا إلى محطة تعبئة المحروقات ولمح راية الهلال الأحمر. كتب يحيى علوان: "لمحت إلى جانب المحطة راية الهلال الأحمر فوق مبنى متواضع، إلى جانب مُصلى. اتجهت نحوه طلباً للمساعدة في تطبيب القروح في قدميّ، علني أحصل على بعض الحبوب تلجم أوجاعي.. كان في المركز امرأة ورجل بملابس بيضاء، حاولا إلجام استغرابهما من هيئتي، لكن سرعان ما تبدل الموقف إلى اهتمام واضح حين لاحظا أنني "أخرس". أدخلاني إلى غرفة المعالجة وأحضراً طستاً صغيراً فيه ماء دافئ. غسلا الجروح طبباها بمرهم، وضعا قطناً ولفافات معقمة، غسلا شعري ورقبتي، قالا عليك أن ترتاح قليلاً." (ص 253) لم يكن لديه وقت للراحة.. تركهما في رحلة صوب التيه والعطش والجوع. يهرب من نقاط التفتيش يختفي في حفرة في البراري. لكي ينجو بنفسه من أسئلة من يلتقيه في الدرب، ادعى الخرس والبكم.. فكانت تجربة جديدة يمر بها لم يفكر بها يوماً.. الطريق طويل، بعد مسيرة يوم كامل هدَّه التعب.. اشتدت الآم الركبة وقروح القدمين، رغم العلاج والحبوب المسكنة، والجوع يرهقه ويضعف قدرته على السير.. سار بعيداً عن الطريق العام ليتجنب اللقاء بالبشر.. أجبر على خوض ماء نهر ليعبر إلى الجهة الثانية، كتب يقول: "عندما خضت في ماء النهر حتى السرة، كان بارداً جداً، يحدث ما يشبه فعل المِشرط. لكن قمراً ضامراً مثل بيضة، كان قد نهضَ من فراشه متأخراً، يغتسل في النهر، ابتسم لي وغمزني مشجعاً.. حين صرت في الجانب الآخر، كنت أرتجف مثل سعفةٍ، أحاول منع أسناني أن تصطك بسرعة.. جمعت كومة من الأوراق اليابسة والعيدان، أشعلت ناراً، رحت أطعمها من الأغصان، وأتحسس دفئاً لذيذاً بدأ يدب فيَّ قرب النار، فيما الجزء البعيد عنها من جسمي كان يختض برداً..". (ص 260).   ثم واصل السير، بعد أن جفف ملابسه.
قطع مسافة طويلة في غابة، بدأت الآمه تعضه من جديد، وزادها بؤس الحالة النفسية وعدم معرفة وجهة السير.. أجبر أخيراً على العودة إلى الطريق العام، لم يعد قادراً على السير، كان عليه أن يتحرى عمن يساعده للوصول إلى مبتغاه.. كتب يحيى بلوعة ومرارة "يا طريق الضنى!.. أما كفاك شبتَ على كتفي .. فهلا تكرمت وترجلت؟!.. في اليوم التالي، ظهراً بدأ الطريق ينحدر كاشفاً عن أفق رحيب، أغراني باستراحة طويلة نسبياً في طريق ترابي غير معبد، ينحدر إلى يمين الطريق العام، ...". (ص 256).
عجيب أمر الإنسان، قدرته على التحمل لا نهاية لها.. كتب عن رحلة الضنى يقول: "كنتُ طوال الرحلة أحمل الطريق على كتفي، أداريه، لكنني دُهشت لما بلغنا مفترقا، قفز من على كتفي، تركني حتى دون وداع.. فصرت حيث أضع قدمي يصير الطريق!..".         
"من بعيد لاحت شاحنة كبيرة (تريلر) تُرسل في الفضاء عموداً من دخان رمادي. توقفت عندي وأشار لي السائق البدين، ذو الوجه السمين المُدوَّر، أن أصعد إلى جانبه في القمرة بسرعة. صعدت وحييته بإشارة من يدي.. تذمر قائلاً اللعنة على الشيطان، الذي أرسل لي أعرج وأخرس.. ثم خبط بكفه الغليظة على مقود الشاحنة "راديو ماشين خرابت! فَهمِدي؟!..". واستأنف متذمراً "أريد من يسليني كي لا أنام، فأمامي مسافة طويلة. ماذا فعلت كي يرسل الله لي شخصاً مثلك؟!..". بلع يحيى اللعنة، إذ نجا من سير طويل للوصول إلى مدينة مشهد.. في نيشابور وجد من يأخذه معه، وهو الأخرس والأعرج، بعد أن فهم صاحب العربة منه إنه يريد الوصول إلى الإمام الثامن، إلى علي موسى الرضا. قال له، أنا ذاهب إلى السوق فانتظرني. حين نزل من العربة مودعاً السائق يقول يحيى "الآن فقط، خلعت عني "حجاب "الخرس". ووجد صاحب نزل جواد، "لقد بدأ الحظ يبتسم لي من جديد". والتقى العائلة التي فقدها عند الانفجار في الطريق إلى مشهد وعمها الفرح... وعاد الأمل بالوصول إلى غايته، إلى رؤية ابنته، نهاية لبعض ألامه..                 
 انتهت الحلقة 5،1 من 5 وتليها 5,2 من خمسة   

56

كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.
(4-5)
روشنگ..
لم تكن حياة الأنصار الشيوعيين كلها حزن وإحباط وألم، بل كانوا يبذلون الجهود الكبيرة لإنعاش الحياة اليومية بالكثير من الفعاليات الأدبية والثقافية العامة والمعارض التشكيلية والمسرحيات القصيرة، كما كانت الإذاعة وتحرير جريدة الحزب "طريق الشعب" تأخذ وقتاً من العاملين في الإعلام المركزي حين كان في سهل لولان، أم حين انتقل إلى خواكورك. ولكنها مع ذلك كانت محدودة وذات أفاق ضيقة، إضافة على ما كان يحصل بين الفينة والأخرى من استشهاد مناضلين شيوعيين في مصادمات مع قوات الحكومة العراقية، وفيما بين القوات "الصديقة!". كما كانت هذه الحياة تزداد جفافاً حين يطول بقاء النصير سنوات كثيرة في حركة الأنصار دون أن يفكر المسؤولون بضرورة إجازة هؤلاء الرفاق ليغادروا الموقع. وما زال في ذاكرتي ذلك الطبيب الذي قضى عشر سنوات في حركة الأنصار لم يطالب بخروجه ولم يفكروا بمنح إجازة له. وحين التقيته مرة وعلمت فترة وجوده رجوته أن يقدم طلبا. وبعد الحاح مني قدم الطلب وأجيز وخرج فعلاً، ولكن كان قد نسى الكثير من علم الطب، رغم أنه كان الطبيب الأول الذي أجرى الكثير من العمليات الجراحية للمصابين أو لحاجات اضطرارية وعالج الكثير من المرضى، وكنت أحدهم، إن الطبيب مهند البراك. وهكذا كان وضع صاحب هذا الكتاب. لا شك إن طول الفترة كان يضفي على النصير الكثير من الملل عندما تكون الحركة بطيئة وليست هنا فعاليات تساعد على تنشيط فكر الإنسان وروح. وهو ما كان يفت في عضد الرفاق وتبدو حياتهم يابسة فعلاً وكئيبة أيضاً. وهو ما تجلى في كتاب يحيى علوان، وليس الناطق بتجربته وحده، بل هو يعبر عن تجارب الكثير من الأنصار الذين ضحوا بالغالي والنفيس أثناء وجودهم هناك، بل بعضهم فقد حتى عائلته..   
في هذا الجزء من الكتاب تتغير الحالة نسبياً، وتقل العثرات التي رافقت الفترة السابقة والانتظار المديد، ولو لفترة من الزمن، مهما كانت قصيرة، وتنتعش الابتسامة، ويشرق الحب من جديد، في قلب من كان الحب والتفاؤل والأمل لا يفارقن حياته، كانا جزءاً من عناوين مهمة في مجرى حياته وعلاقاته الإنسانية، لولا جليد الانتظار المرهق والوعود المراوغة! غادر يحيى قواعد الأنصار وخلع ملابس الأنصارية الكردية، وارتدى ملابس الأفندية، على حد تعبير العراقيين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وحط الرحال في مدينة أورمية، حيث يعيش فيها المسيحيون والكرد والتركمان،  ليتوجه منها إلى طهران مباشرة. غادر الباص مساء أحد أيام الصيف ويحيى علوان أحد ركابه. ما أن حل الليل حتى سرح كاتبنا بأحلامه وهمومه، يقتل الوقت باستعادة ذكرياته، تقطع بين الفينة والأخرى من مساعد السائق، حيث يصرخ بصوت أجش، "صلوات الله على محمد وأل محمد"، برطانة يصعب فهمها. كان يحيى بين النوم واليقظة، حين شعر بشيء يمس إحدى قدميه. سحبها لئلا يزعج من يجلس أمامه، بعد أن كان قد مدهما ليريح ركبتيه المتعبتين من الجلوس الطويل. بعد لحظات قصيرة مدهما من جديد.. احس باللمس الخفيف ثانية، وكان مقصوداً.. وحين حل الظلام ولم يبق سوى ضوء خافت، التقت عيناه بعيني سيدة إيرانية متلفعة بالجادر، ارتسمت على محياها ابتسامة مستحية ومحببة. شعر بارتياح ممزوج بهزة خفيفة منعشة تجوب كيانه.. فبعد سنوات ست عجاف ويباب، تحرك مشاعره دغدغة خفيفة من امرأة في قدميه.. رغم وجود النصيرات في الحركة الأنصارية كن قد تحولن إلى مقاتلات تلفهمن خشونة الحياة وعصاميتها بعيداً عن حياة الحب التي هي جزء من حياة الشبيبة.
استلذ يحيى بتلك الأحاسيس حين لامس إبهام قدمه باطن قدمها اللدن.. والتقت النظرات ثانية وارتاح لمغزاها.. فهل من أمل في هذه اللعبة الخفية. يقول الكاتب: "تكررت اللعبة من جديد.. لمَّا التفتت بنظرها ناحية اليسار، بانت ظلال ابتسامةٍ في جانب من وجه صاحبة القدم.. أخذت تدفع قدمي، التي تعرت من ضغط حذاءٍ جلدي، لم آلَفه منذ سنين في الجبل". (ص 118) إنه غزل من نوع جديد جميل وبرئ، لم يألفه من قبل! يا له من سحر جميل، إنه، كما يقول يحيى، "أقرب إلى لهو الطفولة منه إلى الحرمان أو الكبت الدفين..". فهل نصدق هذا الوصف، بعد صوم جنسي مديد وحرمان أكد؟ استطابت له اللعبة، فدغدغ مشاعرها، وابتلعت ضحكة مكتومة.. ثم توقف الباص في طهران، انتهت اللعبة الظريفة، وطار الحلم بمتعة جديدة، حين نزلت، وكان في استقبالها شخص أنيق بسيارته، لم تلتفت لتمنحه نظرة الوداع! عندما استقلت السيارة وغادرت الكراج..
استقبله الرفاق في طهران، وسكن في بيت فيه أكثر من عائلة ونزيل، بينهم عائلة عراقية من تلك العوائل التي هجرت قسراً إلى إيران قبل بدء الحرب العراقية – الإيرانية، في الطريق مات رب العائلة بجلطة قلبية. استقر يحيى في غرفة صغيرة بانتظار أنجاز وثيقة تؤهلة عبور الحدود الإيرانية إلى افغانستان. وفي أولى جولاته بطهران، استفزه سلوك النظام الإيراني، حين أجبروا الشخصية الشيوعية الإيرانية وحبيس سجن "إيفين" المروع، إحسان طبري، ليمتهنوا كرامته، ليتحدث لسامعيه، عن سوءات الفكر الشيوعي والأخطاء التي ارتكبها، إنها محنة المناضلين في مثل هذه النظم المستبدة. في هذا السجن الموحش، قضى فيه، أحد رفاقنا الأنصار، سنوات عدة، تعرض فيها إلى أبشع صور التعذيب الوحشي الإرهاب النفسي والجسدي، وصمد وتحدى النظام وجلاوزته. وقد سجلت مذكرات الرفيق رحيم الشيخ علي (واسمه الحركي حيدر فيلي) في كتاب أصدره الكاتب عبد الرحمن منيف بعنوان " الآن.. هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى)، والغريب أن كاتب الرواية لم يذكر فيه حتى اسم كاتب المذكرات حيدر أو يشير إلى إنها أخذت من تسجيلاته!!     
كانت الحرب العراقة الإيرانية ما زالت مستمرة، وكان القصف المتبادل ضد سكان المدن وبعيداً عن جبهات القتال غير منقطع. تجمع الناس في ساحة الأمام الحسين بطهران ليعبروا عن احتجاجهم ضد هذا القصف العشوائي الجنوني. كتب يحيى علوان وهو المشاهد لهذا التجمع "...بلغت حماسة الجمهور واحدة من ذراها بإخراج "مسرحي" مؤثر، عندما اعتلى المنصة بعض ذوي الضحايا.. من بينهم عجوزٌ، مقوسة الظهر .. لم تبكِ ولم تولول!.. كانت كسيرة الخاطر...، كانت تحمل رضيعاً بقماطه، رفعت رأسها إلى السماء وصاحت: لا اعتراض على أمرك.. أخذت أمه واباه، لماذا لم تأخذه كذلك، مع اشقائه الأربعة .. من أين لي أن أرضعه؟!.. ثم كشفت عن ثديين سائحين مثل عجينة ممطوطة، أمن هذين الثديين الجلد؟..." (ص 156). لقد كان المنظر عصياً على التحمل.. هاج الناس وماجو.. هكذا هي حروب الحكام، هكذا دائماً كانت، وهكذا كان الأبرياء والضعفاء وقودها!         
 من بعيد وفي زحمة شديدة التقت عينا يحيى بعيني سيدة الباص، التي دغدغته ولم تودعه، ولو بنظرة خاطفة. ثم غابت عنه.. كتب يحيى "فجأة التقت نظراتنا، مستني بابتسامةِ من كرنفال عيونها الرمادية المائلة إلى الزرقة.. رَفَّ القلب كنطيط أرنب مفزوع.. ارتبك النبض. حاولت أن أصرخ بيد أن خرساً شل لساني وما عرفت كيف أناديها..". (ص 156).
في حسرة على  ضياع ما كان في أمس الحاجة إليه، قرر نسف أسبوعيته الشحيحة في اقتناء الخمرة، وليكن بعدها الطوفان، فاليوم خمر وغداً أمر، على حد قول امرؤ القيس. منعت السلطات الإيرانية الخمرة، فانتشرت الخمور في كل أرجاء إيران، ولاسيما طهران، وأكثر من أي وقت مضى، حتى في فترة حكم الشاه حيث كانت مباحة. فاليوم، يصل الراغب فيها متى يشاء، بأنواع شتى وبأسعار أعلى، يستفيد منها من يمتلك السلطة ليتاجر بها عبر وسطاء ويكدس الأرباح. وهكذا، حين حُرَّم البغاء، ازداد الجنس واتسعت دائرة ممارسته "المحرمة!" في إيران، وابتدعت أساليب جديدة، بما في ذلك زواج المتعة!! في أحد الأيام كنت مع الرفيق ابي علاء في سيارة تاكسي بطهران.. استفسر السائق بفضول عن هويتنا، قلنا له سوريون.. نظر إلينا بالمرآة وقال بجسارة بالغة: هل تريدان مزاولة الجنس.. يمكنكما الحصول على بنات جميلات باكرات بعمر الزهور لا يزدن عن 16 و17 سنة، فهل ترغبان؟!.. قلنا له، كلا.. شكراً على العرض.. لسنا بحاجة.. لم يقطع الأمل، قال تخسران شيئاً جميلاً، أنهن من بنات الملالي، لم تر الشمس فر...!! رجوناه أن يتوقف، فسكت عن الكلام غير المباح!
كتب يحيى علوان بفرحة غامرة: اليوم تسلمت مخصصاتي الأسبوعية، وقررت أن أذهب إلى چاراه مولوي لأشتري كيس لبن.. جهزت المازة وغسلت صحنين ليكونا جاهزين لأطباق شهية، وأشعلت شمعة كي تكتمل مراسيم سهرة تنقصها امرأة طالما حاولت استدراجها لكنها كانت تتمنع بغنج معجون بخبث لئيم!..". ورغم الخمرة كانت الوحدة موحشةً..       
لم يبخل في التفتيش عن سيدة الباص، يجوب شوارع وأزقة طهران، وكان له ما أراد.. التقيا ثانية بعد أيام وعلى غير موعدٍ، عند مفترق طرق، لم ينتظر أن يفقدها هذه المرة، لحق بها امتدت يده ليمسك بيدها بقوة، وبجرأة ما عهدها فيه، أخذها معه، بين استحياء وتمنع خفيف ورغبة في السير معه، رغم الخشية من عيون شرطة "الآداب" الوقحة، التي تتجول في طهران في كل مكان، لتمسك من تعتقد أنه ليس زوجها أو أخيها! كتب يحيى: "كنت عند الإشارة الضوئية للعبور، لمَّا لاحت لي في الجانب الآخر من الشارع، أحسست بما يشبه صعقةً كهربائية، بعثرتني، فلم أدرِ ما فعلت.. كانت تلف نفسها بإزار حريري أسود، تمسك به أسفل الصدر بطريقة مغرية كعادة صبايا طهران.. تسمرت في مكانها، عندما رأتني أحدّقُ إليها... ركلت التردد وكل كوكتيل الخوف والخجل، حصل لدي قطعٌ!.. لم أعد أفكر في نتائج فعلتي.. تَعَشَقتْ أصابع أيدينا، بعد أن تلعثمت في البداية..". (ص 158). حين وصلا الدار تمنعت، ولكن.. كان بحزمه جاداً وصادقاً، فاستجابت.. فصعدا السلم، ودخلا الغرفة، بعيداً عن فضول عيون نزلاء الدار.. فكان الحب المشبوب.. "كنا شبحين وسط عتمة حطَّت سريعاً، ولمَّا حاولت أن أدير مفتاح الضوء، أشارت بإصبعها أن أترك ذلك.. آملةً أن تخفف الظلمة من حرج قد يعتريها وهي تقشر نفسها أمام عين غريبة". (ص 160). ويتساءل يحيى مع نفسه: ما سرُّ وجعي بكِ، يا امرأة؟!. وهل كان يحيى يحتاج إلى مثل هذا السؤال أو جواب عنه..، بعد ست سنوات من اليباب والتصومع!..       
يصف يحيى لياليه الثلاث بجمالية رفيعة وأدب رشيق ولغة الغزل المباح، وكأننا في إحدى ليالي ألف ليلة وليلة المليئة بالعشق والوله بين جسدين مشبوبين. كتب عاشقنا الحزين في مسرة نادرة "أمسكت كتفيها، لأردع جسدي، كي يكف عن فضح ضعفي.. فإذا بجسدها، هو الآخر قد تصلب وراح يختضُّ، شفتها السفلى ترتجف، كأنها تتمنع.. مررت بأناملي فوق رمانتيها، رق لحمها، فانحل جسدها.. جسدان مرتبكان، يستظلان أحدهما بالآخر.. تضاءلت الخيارات بعد أن زال "الحجاب"، الذي كنا "نسترذل" تحته حاجات الجسد ونعرض عنه". يصف يحيى ليلاه "أرخت يديها من حولي كأنها تريد أن تعبَّ مزيداً من الهواء في صدر اعتصرته بقوة لا شعورية، فانفلت نهدان مذعوران، يبحثان عن دفيئة يلوذان بها.." (ص 163) أما عن نفسه فيقول: "ضممتها إلىَّ، كان عطرها ثرثاراً.. رحت أتهجى كل تفصيل فيها، لم تبد ممانعة.. أحسست بأنفاسها تلفح وجهي، وبتموجات تنبع من مغارات اللذة.. عندما أسندت رأسها على كتفي، تريدُ أن تنوش بلسانها شحمة أذني! غرقت في طوفان مدوخ من خليط عطور....، أمسيت فاغر الفاه.. هرب صوتي وحل صمت يحاور كلمات لم أتفوه بها..". (ص 163) لقد قطف يحيى ثماراً محرمة.. ما أحلاها..
لقد اقترن الحب بالمداعبة والشقاوة المحببة، لقد أسكره الحب دون خمرة. كان الحب خمرة الحياة! إذ بدونه لا حياة.. لم ينعم برحلة الحب الجميلة سوى أيام ثلاثة، أجبر بعدها على شد الرحال، إلى مدينة زاهدان في طريقه إلى أفغانستان. فماذا واجه في هذه الرحلة وكيف عاشها وكيف وصل إلى برلين؟ هذه كلها سأتطرق إليه وبكثافة شديدة في الحلقة الخامسة والأخيرة من هذا الاستعراض المكثف لكتاب يحيى علوان الشيق فشكراً له على هذه المتعة التي وفرها لي لقراءة كتابه..   
   

                     

57


كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.
(3-5)
مطارد بين "الله" والحدود
هذا الجزء المهم من الكتاب يتضمن نصوصاً عديدة، بعضها تتجلى فيه الفرحة الغامرة والنشوة، وبعضها الآخر يعكس الحزن الذي يهيمن على الإنسان، حين يتحول الحلم الجميل إلى وهم جارح يترك ندباً كثيرة. وفي هذا الصراع المرير بين السعي لتحقيق الحلم، وبين تحوله إلى وهم، ولاسيما عند السياسيين، يتجلى في مجرى الحياة اليومية للإنسان، والتي عبَّر عنها يحيى علوان بلغة رقيقة تبعث على التفكير وتشيع البهجة أحياناً، رغم ما تحمله في ثناياها من حزن شفيف، ومصاعب جمة مرً بها الكاتب ذاته، وعاشها لحظة بلحظة، وتمرمر بها كثيراً. فحين يتحدث عن قرار صدر قبل عامين ونصف العام بـ "تسريحه!" من حركة الأنصار الشيوعيين للسفر إلى برلين للعلاج ولقاء العائلة، والاتصال من جديد بالمدنية والحضارة وعالم الكتب الحديثة، لتجديد الفكر وتنشيط العقل والروح وتغيير ما ترسب في النفس من أفكار عقيمة أو مرهقة، ثم لا ينفذ القرار إلا بعد عامين ونصف العام، خلالها يتحول الحلم إلى وهم مستمر ضاغط يرهق الإنسان ويلعن حظه العاثر. يقول يحيى بلغة أدبية مأزومة "قم فمن نجا من الموت ليس بالضرورة أفضل حظاً، على الدوام، ممن ماتوا..، قم اسحل جراب أحلام لم تصبح مستهلكة بعد.. حدق بعيون رعاة النسيان، استقرئ صمتهم الفاجر.. وانتبه، قد يجفل من خطوك القطا، يدثّر فراخه بالظنون!.. خذ المفتاح.. بأناةٍ ادخل حصن التيه، هاجسك عكازك.. حيث الغموض مسجى في الزوايا النائمة!... خذ عصاك تتوكأُ بها على زمنٍ مراوغ.." (ص 94)     
حين يشعر الإنسان أن ظلماً يلحق به يومياً، دون أن يجد له سبباً يبرره، عندها يعجز العقل وينهك الجسد على تحمل البقاء في المكان الذي هو فيه، خاصة حين تطرح ألف ذريعة وذريعة مراوغة لتسويف "التسريح!"، وحين يرى بأم عينيه كيف يغادر كثيرون الموقع دون رجعة. يقول يحيى بوجع، رغم غبطته بخروج الآخرين: "ستمر أمامك "قوافل"، تعبر لـ"العلاج"، ولا تعود..! ولأنكَ "منضبط" وتخجل لأن هناك غيرك ممن جاءوا قبلكَ إلى هنا، لن تسأل.. ولهذا أطلق الكاتب عنواناً فرعياً لهذا النص ليعبر عن هذه الحالة "التي هو فيها "مزلقة الوهم تبدأ بالتمني!..". ما زلت أتذكر خريف عام 1984، وأنا أرى مصاعب السير عند يحيى بسبب الركبة، إلحاح "أبو نسيان" بمغادرة الموقع، حين قدمت طلباً للمرة الثانية، دون إبلاغهما بذلك، لتجنب الإحباط المحتمل حين لا يأتي أي جواب، أؤكد فيه ضرورة مغادرتهما إلى برلين وبراغ. وكانت ثلاثة أسباب وراء هذا الطلب: الصحة العليلة والعائلة وضرورة تجديد الفكر والحيوية وطول الفترة، إضافة إلى الرغبة. وقيل لي بأن الطلب يدرس من جانب المكتب العسكري والمكتب السياسي! غادرت الموقع في نهاية خريف العام ذاته. وعلمت أثناء المؤتمر الرابع للحزب 1985 بأن الموافقة قد تمت على الطلبين. ولكن لم ينفذا إلا بعد فترة طويلة حقاً! يقول يحيى علوان بهذا الصدد: "عامان ونصف العام سينقضيان على قرار سفرك.. لا الشهر القادم أتى، ولا الثاني والثلاثون.. وستظل تنتظر". (ص 95).
عجيب وغريب أمر من يصبح مسؤولاً عن مجموعة من البشر، فيسعى لكي يتحكم بحياتهم وأرواحهم، بل حتى بأحلامهم، ويعمل على تحويلها إلى أوهام. إنهم يسعدون بعذاب الآخرين! إنها السادية! كانت هناك عدة طرق لعبور الأنصار نحو الخارج عبر الحدود الإيرانية الأفغانية، وعبر الحدود الإيرانية السوفييتية، وعبر الحدود التركية السورية، إضافة إلى طريق الجو من طهران إلى دمشق، والذي لم يكن يستخدمه إلا من يملك جوازاً سورياً صالحاً. كل هذه الطرق كانت ممكنة مع صعوبات غير قليلة، وغالباً ما عرقل المسؤولون العسكريون عن القواطع خروج الرفاق بذريعة الحاجة لهم، والطريق "غير سالك"، أو غير "آمن"، وهم يعرفون إن الطرق كلها، بهذا القدر أو ذاك غير "آمنة"، رغم صدور قرارات من المكتب السياسي بخروج عدد غير قليل من الرفاق!! ليضرب الرفاق رؤوسهم بالصخر، لن نسمح لأحد بالخروج! لقد أثار هذا الموقف المتعجرف والمتصلب احتجاجاً عادلاً ولغطا مفهوماً، وأدى بالبعض إلى المغادرة على مسؤوليته الخاصة، فوقع فريسة في أيدي العدو الإيراني، زج به بالسجن وتعرض للتعذيب وبالشفاعات خرج البعض منهم. لقد صح قول البعض: من جاء باختياره، لا يحق له أن يخرج باختياره!! يقول يحيى علوان: "فاحت رائحة الليل ونداوة الوادي، كانت الساعات تطحن الزمن ولا تدري ماذا تفعل بنخالته.. إلى أين سيفضي بنا المسير عن بلادٍ ارتديناها عشقاً، كي لا يقتلنا زمهرير الشتات..؟! ستأكل أقدامنا الطرق، وبغبار المسير سنعبث بخرائط الحدود، وَلاّدة الحروب الحمقاء..!". (ص 101). هكذا كان وضع الرفيق أبأ علياء، إذ كتب يجسد هذه اللوحة بألوانها الداكنة: "سلام على حُمَّاكَ ورجفة قلبك يوم أبلغوك بقرار سفرك للعلاج ولقاء العائلة، ما أن تصبح الطريقُ سالكة..."، سنتان ونصف حتى أصبحت الطريق سالكة.. ثم يقول: بأسنانك ستقضم الهواء والثلج، كي ترى اللامرئيَّ، مستعداً ستكون لتصديقِ، حتى الكذبة، لأن الحلم يظل أحلى من تحققه علك تنوش غَدِكَ المُضرِبَ عن المجيءِ.." (ص 94).
كان الحزن يهيمن على الأنصار، وهم يرون كيف يموت الناس بأعدادٍ غفيرةٍ في الحرب المجنونة بين إيران والعراق.. وكانت اللعنة الأبدية تصب على رؤوس النظام الفاشي بالعراق حين غزا إيران وبدأ به الحربَ ضدها... ولكن اللعنة تحولت ضد إيران حين حررت أرضها، وحين رفض "الملالي" إيقاف الحرب، وبدأت القوات الإيرانية تحتل أرضاً عراقية، بدأت شفلاتها وجراراتها تجرف الأرض العراقية في الجنوب والوسط وفي جبال كردستان. تغير الموقف. وحين يتحدث يحيى عن الحرب يقول: "غولٌ رهيبٌ هي الحربُ، خراب عميم بكل المعاني من دون زيادة أو نقصان، .. الحرب تندلع بمنتهى السهولة والحماقة، وتسيل دون لعثمة على شفاه المذيعين، تتصدر واجهات الصحف.. وما أن تطول حتى يهرب القراء إلى الصفحات الداخلية، لأنهم ألفوها وألفوا تهجيتها وتلاوتها.... هي ريح شرقية تهب من زمن اليباب، تبحث عن شجرة لتقتل كل خضرة، تجنن الطير، فيروح يبحث عن جناح، يهربُ لينقذَ ريشه..!" (ص 108). 
من كان مشاركاً في حركة الأنصار الشيوعيين، كان باستمرار، وأيا كان الموقع الذي هو فيه، مشروع شهادة، لا يدري متي يحصده الموت، بيد قناص وهو يسير عبر الجبال أو يتنقل بين القرى، أو بصليات نارية كثيفة عبر جندي في طائرة روسية سمتية. لقد استشهد الكثيرون على أيدي العدو، ولكن المصاب أعظم حين كان الاستشهاد يتم على أيدي من يشاركونك القتال ضد النظام. لقد حدث هذا حين حصل القتال بين پيشمرگة الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، حيث قتل عشرات الأنصار الشيوعيين وبعض الشيوعيات الباسلات غدراً برصاص الاتحاد الوطني، قتلوا حتى بعض الأسرى عندهم في معارك بشت آشان الأولى والثانية! يقول يحيى بهذا الصدد: "مشغولة هي الحرب.. لا تكترث لإضافتنا إلى فاتورتها.. من نكون نحن، غير نكرات تتلفع بأسماء "حركية" غفلة لا ماضٍ ولا مستقبل لها..؟! مجرد كائنات تشغل حيزاً من الحاضر.. مشاريع للذبح من قبل الأعداء، وحتى "الأصدقاء"..!" (ص 108/109). كانت هذه الحالة هي الأخرى جزءاً من واقع الحياة النضالية الأنصارية! يمكن ان تنجو من هذا الخطر أو ذلك وبعد سنين طويلة حين تبلَّغ بقرب سفرك، وحين تجد نفسك فعلاً في الطريق إلى "بنيتك"، تشعر بقدرتك على استنشاق هواءٍ نقي تمتع برؤية قرية كردية، "أشنوية"، التي تمر بها في صبيحة يوم مشرق. يصف يحيى هذه القرية: "ضوء صباح رخيٍّ، يغمر القرية فتضج بتظاهرة من أصوات دجاج وبقرٍ وكلابٍ ونهيق حمير. قرية تستيقظ على مهلها، تلون سماءها بأعمدة من دخان المدافئ/الطباخات.. تغوي بغفوة صباحية لذيذة، قبل صعود الشمس نحو قبة السماء." ص 109).     
يركب الحافلة في الطريق إلى طهرن. تراوده من جديد تلك الكوابيس الخانقة التي شقيَ بها وهو في موقع الإعلام المركزي، يوم حلم بأن ركب الحافلة لتنقله إلى بنيته الحلوة، ثم توقفت الحافلة في الطريق فينزل منها، وإذا بها تغادر دونه فيركض محاولاً الوصول إليها، فتبتعد فيسرع الركض، تتوقف وكأنها تنتظره، وإذا بها تسرع من جديد. يشعر بالغصة، بالاختناق، وكأنه يسقط في وادٍ سحيق لا قرار فيه.. يقول يحيى: "مثل ملسوع أقفز إلى باب الباص، أمسك بمقبضه، إذ حضر طيف زارني غير مرة في الجبل.. وما زلت أتذكره جيداً.. كنت أرى في المنام أنني في سفرة طويلة بحافلة كبيرة، ليس فيها مرافق صحية وأنا حاقن أريد أن أفرغ مثانة تكاد تطق.. وعندما يقف الباص في محطة للاستراحة... حين أنزل مع الركاب، تنطلق الحافلة، فأركض خلفها.. حتى أدركها في اللحظة الأخيرة لاهثاً، يابس الحلق، وقد علقت على شفتي بقائم شتائم.. ولكن لكم..؟ فالحافلة لبلا سائق...". وفي الطريق إلى طهران يتحدث يحيى مع نفسه فيكتب: "تُرى بماذا يحلم المسافرون النائمون في باصً، يقطُع بسكين ضيائه كعكة الظلام..؟! سأهمهم مع نفسي بكلام غامضٍ، يرن في صمتٍ، يَرِجُع بدوره إليّ..". (ص 113).                               
وفي نص أخر تحت عنوان "من قتل الزهرة في صدري..؟! يكتب بذاكرة ما تزال طرية بعد وصوله طهران. فكله شوق جارف، حب عارم لإبلاغ عائلته، لاسيما ابنته، بوصوله إلى طهران وقرب مغادرته لها صوب برلين، المدينة الثقافية التي تركها منذ ما يزيد عن ست سنوات عجاف! لقد مرّ بقرى كثيرة، ولكنه لم يتمتع منذ سنوات بمدينة كبيرة كطهران فيقول عنها: "طهران تستيقظ مثل تنينٍ رهيبٍ، مصحوبة بزفة من ضجيج، لا يهدأ إلا سويعات قليلة آخر المساء.. فعند الفجر يستيقظ مؤذنو المساجد، يرتدون، على عجل أقنعة التقوى، دون أن يؤدوا غُسل الجنابةِ! يستلون ميكروفوناتهم من حضن الليل، طلباً للثواب.. فيعلو الضجيج، يرتعد في نومه الرضيع.. ثم لا يلبث أن ينتصر على فزعه فيروح يتمطق بثدي أمه، أو يرضع إبهامه.. طوفان مخيف من الحافلات والسيارات تملأ ميدان ئازادي والشوارع، التي تصب فيه وتتفرع منه..". (ص 123).
ترجل الكاتب على عجل من الباص ليبحث عن كابينة للتلفون ليتصل بمن يساعده على الوصول إلى برلين عبر الطرق الموازية ذات المخاطر المحتملة أولاً وليتحدث إلى عائلته يبشرها بوصوله إلى طهران وقرب مغادرته لها نحو برلين. وإذ سعد بالوصول إلى ضالته بطهران، انتكس مزاجه بقسوة الخيبة التي جوبه بها. يقول عن ذلك:
"كان لديَّ وقت كافٍ، كي أسفح ملل الانتظار بالذهاب إلى البريد وإخبار الأهل في برلين، أَني صرت الآن على الطريق ... ويلزمني بعض الوقت، حتى أصل برلين.. لأنني بدون وثائق، ووجودي في إيران غير شرعي، وقد يحدث مكروه يقلبُ كل الخطط!..". (ص 128). فكيف كان الفعل ورد الفعل؟ الفعل لم نقرأه لدى يحيى، ولكن ردّ الفعل الذي جوبه به يفضح الفعل ذاته: يقول يحيى: "ترنَّحتُ ودارت بي دائرة البريد، لما خرجت من سماعة التلفون، هراوةٌ انهالت على سمتي.. مصحوبة بعواء ٍ وبذاءات ٍ تركت في الأذن صريراً يبعث على الغثيان.. شب حريقٌ في صدري، خرجتُ، تقيأت دماً، بفعل المذبحة، التي نشبت بداخلي.. جلست عل