عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - كاظم حبيب

صفحات: [1] 2
1
كاظم حبيب
ما الهدف وراء العدوان الثلاثي الجديد على سوريا؟
(1)
لا أختلف مع المطالبين برحيل الدكتاتور بشار الأسد، ولا عن طبيعة نظامه البعثي الاستبدادي، ولا عن تسببه في أغلب المآسي والكوارث التي عانى ويعاني منها شعب سوريا منذ سنوات حتى قبل بدء الحرب الأخيرة التي بدأت قبل ثماني سنوات، ولا أرى إمكانية العيش الكريم لشعب سوريا مع هذا الدكتاتور الأرعن والنظام البعثي المجرم في المستقبل. ولكني أختلف مع مجموعات أساسية من قوى المعارضة السورية التي تخلت عن الأسلوب السلمي في قارعة النظام البعثي وقررت البدء باستخدام السلاح في مواجهة عنت النظام السياسي السوري المقيت منذ العام 2011 لوعي عبثي وقرار غير مدروس مفاده قدرتها عبر هذا الأسلوب في الكفاح يمكنها الوصول إلى إقامة الدولة المدنية الديمقراطية. ولكنها، وحال تحولها صوب السلاح، فتحت الباب على مصراعيه للتدخل الإقليمي والدولي، فسقط أغلب قوى المعارضة السياسية المسلحة في أحضان الدولة العثمانية الجديدة وتحت إرادة وهيمنة السلطان الجديد رجب طيب أردوغان، وكذلك في أحضان دول الخليج، ولاسيما السعودية وقطر، وهما دولتان كانتا وما تزالان تطمعان في أن يكون لهم دورهم التابع للولايات المتحدة في المنطقة العربية وعموم منطقة الشرق الأوسط. عندها تسلمت قوى الإرهاب الإسلامية الهيمنة الفعلية على ساحة المعارك ضد النظام السوري. ويمكن الإشارة هنا إلى بعض هذه التنظيمات بمسمياتها المختلفة جيش الإسلام، ولواء الإسلام والجبهة الإسلامية وأحرار الشام وجبهة النُصرة وفلق الرحمن وهيئة تحير الشام وأنصار الإسلام، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وأمكن للعملة الرديئة أن تطرد من الساحة السياسية والعسكرية السورية العملة الجيدة وتحتل مكانها في جميع مواقع المعارك بما في ذلك الغوطة الشرقية قبل انسحابها الأخير بيوم واحد من توجيه الضربة الصاروخية الجديدة من دول العدوان الثلاثي، وكأنه أحد عوام الانتقام لخسارة هذه القوى الإرهابية للغوطة الشرقية، رغم الأموال الكبيرة التي صرفت من الدول الغربية وتركيا والسعودية وقطر لتبقى وتقاوم ضغط قوات النظام السوري. 
من المؤلم والمؤسف حقاً أن قوى المعارضة السورية المدنية لم تمنح الفرصة الكافية لتمارس نضالها السلمي للتخلص من استبداد النظام السوري وأن تتمتع بتأييد الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، قبل أن يسقط هذا النظام المتعفن في أحضان القيادة الإيرانية الرجعية الراغبة في الهيمنة على سوريا وجعلها جزءاً من الإمبراطورية الفارسية، كما تريد ذلك للعراق، وهي التي تحلم بذلك وتتمنى تحقيقه، إضافة إلى سقوط النظام السوري في أحضان روسيا الرأسمالية التي كانت وما تزال تفتش عن مجال حيوي لنفوذها تحت شمس الشرق الأوسط والدول العربية، علماً بان سوريا بدأت علاقاتها بالاتحاد السوفييتي في العالم 1955 حيث كانت أول دولة عربية تعقد اتفاقية استيراد السلاح السوفييتي. ومنذ ذلك الحين يرتبط النظام السوري بعلاقات خاصة مع روسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي. لم تدخل روسيا الصراع منذ بدايته، بل تدخلت في العام 2013 حين أصبحت دمشق مهدد بالاحتلال من قبل قوى الإرهاب الإسلامية السياسية المتطرفة، والتي كانت تسنى لها في العام 2014 الزحف إلى العراق واجتياح الموصل وهددت أربيل وبغداد أيضاً.   
(2)
بعد مرور ما يقرب من ثماني سنوات من النزاع الدموي تحولت سوريا إلى مركز للصراع والنزاع الدولي والإقليمي على المجالات الحيوية ومناطق النفوذ لأربع دول من الدول الخمس الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، (عدا الصين)، ومجموعة من الدول الإقليمية، ابتداءً من إسرائيل، التي تحتل جزءاً كبيراً من الجولان السوري منذ العام 1967، والتي توجه باستمرار ضربات صاروخية ضد مواقع سورية في سعي منها لتدمر القدرات العسكرية ودعم قوى الإرهاب الإسلامي السياسي، ومن إيران وتركيا، وكذلك من السعودية وقطر، وانتهاء بحزب الله الإيراني بلبنان. إنها معارك دموية ضحيتها الشعب السوري على أيدي التشكيلات العسكرية لقوى الإسلام السياسية المتطرفة التابعة لداعش والقاعدة وقوى معارضة مرتبطة وتابعة لتركيا وأخرى لإيران ومحكومة بمصالح دولية وإقليمية غير مصالح اشعب السوري. لقد اختلط الحابل بالنابل وضاع الهدف المركزي لنضال القوى المدنية والعلمانية الديمقراطية السورية التي بدأت في حينها النضال السلمي لتغيير هيمنة حزب البعث على السلطة والمجتمع، ولاسيما بعد موت الدكتاتور الأب، حافظ الأسد، وتسليم السلطة لأبنه الدكتاتور الصغير بشار الأسد، بعد إجراء تغيير النص الدستوري حول عمر رئيس الجمهورية!   
(3)
كل الدلائل التي يمكن الاطمئنان إليها تشير إلى أن النظام السوري، ورغم كل جرائمه المعروفة بحق الشعب السوري، لم يوجه ضربة كيمياوية إلى موقع في مدينة دوما أولاً، وكل الدلائل تؤكد أيضاً بأن ليست هناك أي ضربة كيمياوية وجهت لهذه المنطقة من أي جهة كانت ثانياً، وبالتالي فالعملية كلها مفتعلة. ولكن لماذا؟ ومن المستهدف من هذه العملية؟ وما العواقب المترتبة عليها؟
لنترك العوامل الكامنة وراء الوضع المتأزم في منطقة الشرق الأوسط جانباً، ونتحرى عن العوامل المباشرة والفعلية التي تسببت في الضجة المفتعلة حول الكيمياوي بمدنية دوما السورية. إن أي متتبع حيادي يمكن أن يتوصل إلى تسجيل العوامل التالية:
1) يخوض العالم الغربي حرباً باردة جديدة ضد روسيا في الوقت الحاضر، وسبب ذلك يبرز في:
** بروز روسيا كدولة نووية كبرى في السياسة الدولية، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ إن اعترافهما بذلك ينهي القطبية الأحادية للولايات المتحدة في العالم، ويؤشر بروز أقطاب أخرى، ومنها الصين إلى جانب روسيا. وهو واقع قائم شاء الغرب أم أبى!
** رفض روسيا التعاون مع حلف الأطلسي وعدم السماح له بالاقتراب من أوكرانيا، على وفق الاتفاق المبرم مع الحلف الأطلسي بعدم اقتراب الحلف من الدول المحاذية لحدود الاتحاد السوفييتي. وقد أدى اقتراب الحلف من أوكرانيا إلى النزاع الدموي في هذه الدولة الهشة وانشطارها إلى جزئين.
** استعادة روسيا لجزيرة القرم، التي كان قد وهبها خروتشوف عام 1964 إلى أوكرانيا، والتي كانت قبل ذاك جزءاً من الاتحاد السوفييتي، وفيها قاعدة عسكرية بحرية ضخمة لروسيا الاتحادية.
** الخسارة الفادحة التي تعرضت لها الدول الغربية في مواقعها بسوريا، والتي حلت مكانها الدولة الروسية، والتي تحقق، بدعمها للقوات السورية الرسمية، نجاحات في التخلص من الدواعش وتعزز مواقع النظام السياسي الاستبدادي بسوريا والمتحالف مع روسيا وإيران وحزب الله المهيمن على السياسة اللبنانية.
** الدور الذي لعبته روسيا في دعم إيران وفي الوصول إلى الاتفاق النووي معها وبموافقة الولايات المتحدة، في فترة رئاسة أوباما، والاتحاد الأوروبي. إن هذه الاتفاقية كانت وما تزال تؤرق وتغيظ إسرائيل والسعودية، ومن ثم الحزب الجمهوري وترامپ، الناطق الجديد باسم إسرائيل عملياً، والمدافع عنها، والذي صادق على نقل سفارة بلاده إلى القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل فقط!!!، والراغب في ألغاء ذلك الاتفاق أو تعديله، في حين أن روسيا والاتحاد الأوروبي وإيران يرفضون أي تعديل أو إلغاء للاتفاقية. وقد أدى ذلك إلى تقارب علني، كان قبل ذاك سرياً بين السعودية وإسرائيل بذريعة مواجهة إيران! 
(4)
إن هذه العوامل أو بعضها قد دفعت الدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا إلى حدما، باعتبارها الدولة المستعمرة السابقة لسوريا وذات المصالح فيها، إلى الانتقام من سياسات ومواقف روسيا المناهضة لسياسات الغرب عموماً أو المتخلفة معها من خلال عمليتين بائستين ومفضوحتين هما: عملية تسميم الجاسوس الروسي وابنته في سالزبوري، علماً بوجود اتفاق جنتلمان دولي لا يجوز قتل أي جاسوس يتم تبادله بجاسوس أخر، وهو ما تحرص عليه دول العالم ولم يحصل أي خرق لهذا الاتفاق عالمياً حتى الآن، والادعاء الثاني بضرب مدينة دوما بالسلاح الكيمياوي. وتؤكد روسيا بأنها بعيدة عن تسميم الجاسوس وأن ليس هناك أي تسمم لسكان دوما.
(5)
وفي الجانب السوري فأن الغرب، الذي خسر مواقعه في سوريا، يتشبث بإزاحة بشار الأسد عن السلطة. وهو طلب معقول من حيث المبدأ، ولكن إزاحته في هذه الفترة وبهذه الفوضى السائدة بسوريا يمكن أن تقود إلى أوضاع مماثلة لما حصل بالعراق في أعقاب إسقاط الدكتاتورية البعثية الصدامية عام 2003. وعلينا هنا أن نتذكر إن الحرب التي نظمتها الولايات المتحدة بتحالف دولي خارج إطار الشرعية الدولية ضد النظام الدكتاتوري بالعراق قد اقترنت بكذبة دولية كبرى لفقتها الإدارة الأمريكية وتحدث بها وزير الخارجية الأمريكية كولن پاول في مجلس الأمن الدولي، والسياسي العراق الحليف للولايات المتحدة الدكتور أحمد الچلبي (1944-2015م)، وأجزاء من المعارضة العراقية. وبالتالي فهي محاولة للانتقام من الأسد لأنها غير قادرة على إزاحته.
يبدو مناسباً أن نتابع المسالة من جانب آخر، أي في أوضاع كل من ترامب وماي. فالمعلومات المنشورة عالمياً تشير إلى أن دونالد ترامپ وتيريزا ماي يعانيان بشكل مرهق ويومي من أزمات داخلية شديدة ومشكلات متفاقمة الأثر السلبي على سلوكهما على الصعيد الدولي، أي باتجاه صرف النظر عن الأزمات والمشكلات الداخلية وإشغال الناس بمثل هذه المشكلات المفتعلة. وهو أمر تؤكده الأحداث الأخيرة والكثير من المحللين السياسيين والنفسيين بكل من الولايات المتحدة وبريطانيا. ولكن سوف لن يعينهما ذلك في التغلب على المصاعب الداخلية، بل سيزيد من تعقيدها بالتعقيد السياسي على صعيد العلاقات الدولية.
(6)
لقد وقفت دول الاتحاد الأوروبي إلى جانب تيريزا ماي ودونالد ترامپ من منطلق التضامن لدول حلف شمال الأطلسي مع الدولة القائدة لهذا التحالف، والذي يعني في المفهوم الشعبوي "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، وهو مفهوم خطير جداً إذا ما ساد في العلاقات الدولية وجرى ابتعاد الدول الكبرى عن المعايير والأسس الدولية في التحقق من الاتهامات المثارة دولياً ضد هذه الدولة أو تلك. لقد أصدر الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية ضد روسيا، كما قامت 14 دولة أوروبية بطرد دبلوماسيين روس من بلدانها ومجموعة من الدبلوماسيين المراقبين في الحلف الأطلسي، إضافة إلى إعلانها الوقوف إلى جانب الدول الثلاث في عدوانها وتأييد الضربات الصاروخية ضد سوريا صبيحة يوم السبت المصادف 14/04/2018، رغم إعلان ميركل إنها لن تشارك في الضربات العسكرية، ولكن ميركل ذاتها اعتبرتها استجابة ضرورية للرد على استخدام الكيماوي بدوما، في حين لم يثبت حتى الآن استخدام سوريا للسلاح الكيمياوي بدوما ولا أي جهة أخرى. وسيبقى على هذه الدول أن تبرهن على مصداقية ادعاءاتها!
(7)
لقد نسقت الدول الكبرى الثلاث، الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، واتفقت بتوجيه 103 ضربة صاروخية من بوارج حربية وطائرات وقاعدة العديد الجوية الأمريكية بقطر والقاعدة الجوية البريطانية بقبرص، استمرت 50 دقيقة. استهدف القصف الثلاثي عددا من القواعد والمطارات والمقرات العسكرية ومركز للبحث العلمي بدمشق العاصمة ومحيطها وموقع عسكري بحمص، ثم اعتبر وزير الدفاع الأمريكي إن الضربات قد انتهت ولن تتواصل. استطاعت سوريا أن تصد 71 صاروخاً من المجموع الكلي للصواريخ التي أطلقت عليها، وهو نجاح كبير للنظام السوري، ولكنه ساهم في تدمير بعض البنى التحتية وقتل وجرح جمهرة من السوريين.     
لقد اعتبر الكثير من المحللين إن هذه الضربات غير موجهة ضد سوريا وبشار الأسد بقدر ما هي موجهة ضد روسيا ووجودها بسوريا غير المرغوب فيه من جانب هذه الدول. إضافة إلى كونه تحذيراً شديد اللهجة لإيران التي تلعب دوراً كبيراً بسوريا، وربما لحزب الله أيضاً. ولهذا جاء تصريح سفير روسيا في واشنطن، بأن هذه العملية تعتبر إهانة مباشرة لفلاديمير بوتين، إضافة إلى إنها تجاوزاً على الشرعية الدولية.
من احتمالات هذه الضربات تفليش ما وصلت إليه مفاوضات الحل السلمي بسوريا أولاً، وتوسيع قاعدة القتال وإشاعة الفوضى بسوريا والمنطقة ثانياً، وتوجيه ضربات انتقامية من إيران وحزب الله وروسيا ضد وجود القوات الأمريكية بسوريا والمنطقة. كما كان في مقدور روسيا مواجهة ذلك برد مباشر. ولم يحصل ذلك حتى الآن. يبدو لي إن جميع الأطراف لا تريد توسيع الصراع والنزاع الدموي في المنطقة، رغم شراسة الضربة الثلاثية على سوريا. وهو أمر أيجابي. 
فقد أعلن البنتاغون انتهاء العملية العسكرية الثلاثية بضربات محدودة، وأنه قد ابلغ الروس بأنها ضربات لا تستهدف التصعيد، كما أعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية إنها أعلمت الروس بهذه الضربات وتوقيتها ومحدوديتها، في حين أعلنت روسيا إنها لم تشارك في مواجهة الضربات الصاروخية. وبهذا المعني يراد القول بأن تنسيقا بصيغة ما قد تم بين الولايات المتحدة وروسيا وأن الضربات سوف لن تستهدف النظام السوري أو القوات الروسية وستكون محدودة ولا تستوجب الرد الروسي.
(8)
ما هي التداعيات المحتملة لهذه الضربات الصاروخية الثلاثية؟
أغلب دول العالم وشعوبها قد استنكرت هذه العملية واعتبرتها تجاوزاً على الشرعية الدولية وعدم إعطاء فرص للتحقق من استخدام النظام السوري للسلاح الكيمياوي بدوما. وفي هذا إدانة صريحة للدول الثلاث التي تجرأت على المجازفة باحتمال المزيد من التداعيات الخطرة لهذه العملية. وعلى وفق المعلومات المنشورة فقد أعترض 300 من أعضاء الكونغرس الأمريكي على هذه الضربات واعتبروها مخالفة للدستور الأمريكي وتجاوزا من جانب الرئيس الأمريكي على صلاحيات الكونغرس البالغ 535 عضواً، منهم 435 نائباً و100 شيخاً.
لقد كان في مقدور هذه العمليات أن تقود إلى تداعيات خطيرة على صعيد المنطقة والعالم، وأن تعرض السلام العالمي إلى مخاطر جدية، وهو تعبير عن عجز العالم ومجلس الأمن الدولي في إيجاد حلول سلمية للمشكلات القائمة، وعن عدم كف الدول الاستعمارية الكبرى عن استخدام قدراتها العسكرية ضد شعوب البلدان النامية، وحيثما شعرت بتهديد "مجالها الحيوي!" ومصالحها الاستعمارية! والجدير بالإشارة إن الشخصية الاستبدادية العثمانية الجديدة، رجب طيب أردوغان، قد أيد تلك الضربات الصاروخية واعتبرها ضرورية، وهو المعتدي الكبير على شعب سوريا في منطقة عفرين، وعلى شعب العراق بإقليم كردستان العراق، كما ايدتها كل من السعودية وقطر، واعترض عليها كل من العراق ولبنان ومصر والإمارات العربية وتونس.. ودعا العراق إلى مناقشة الضربات الصاروخية في القمة العربية التاسعة والعشرين التي ستعقد يوم 15/نسيان/أبريل بالظهران بالمملكة السعودية.
لم تزعزع هذه الضربات الصاروخية النظام الدكتاتوري السوري، بل يبدوا وكأنها ستساهم في تكريسه وتساعد على موقف أقوى في مفاوضات الحل السلمي بمدينتي سوچي وجنيف.   
             

2
سخونة الحرب الباردة الجديدة ومخاطر سياسات حافة الحرب!

د. كاظم حبيب

منذ أن تولى دونالد ترامپ رئاسة البيت الأبيض وأجواء ساخنة تؤشر اشتعال حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية. ولم تقف الدول الغربية الأخرى متفرجة على هذا الصراع بل سارعت إلى تأييد تهديدات الرئيس الأمريكي، سواء أكان بمزيد من العقوبات الاقتصادية، أم طرد الدبلوماسيين الروس، أم بتوجيه ضربة "صواريخ حديثة وذكية وجديدة" ضد مواقع سورية محمية من قبل القوات الروسية الاتحادية. هذا التصعيد الجديد أعقب الضجة المفتعلة التي نظمتها بريطانيا في قضية تسميم العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال (66 عاماً) وابنته يوليا (33 عاماً) في مدينة سالزبوري، ببريطانيا، واعتبرت روسيا هي المسؤولة عن ذلك، لأن هذه النوع من المادة السامة أُنتجت بالاتحاد السوفييتي، علماً بأن مكتشف هذا النوع من السموم يعيش بالولايات المتحدة. ولم تتمكن بريطانيا أن تأتي حتى الآن بأي دليل على تورط روسيا بهذه العملية غير الإنسانية، بل إن بريطانيا رفضت دخول روسيا ضمن لجنة تحقيقية لتشخيص المسؤول عن عملية التسميم، كما رفضت الدول الغربية في مجلس الأمن الدولي قيام اللجنة الدولية المسؤولة عن حظر استخدام الأسلحة المحرمة دوليا بالتحقيق في مزاعم قيام الحكومة السورية بضرب مدنية دوما بالسلاح الكيمياوي، علماً بأن هذه المهمة هي من اختصاصات هذه اللجنة. علماً بأن كل الظروف المحيطة لا تسمح حتى لنظام دكتاتوري وقح مثل النظام السوري وشخصية مستبدة هزيلة مثل بشار الأسد، على استخدام السلاح الكيماوي ضد شعبه. والأسئلة التي تطرح عن العوامل الكامنة وراء هذا التصعيد في توتير العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية المتنفذة وروسيا الاتحادية، وهل إن هذه الحرب الباردة يمكن أن تنتهي إلى صدام عسكري بين دول حلف شمال الأطلسي وروسيا الاتحادية على الأراضي السورية، وبالتالي احتمال إشعال حرب مدمرة في منطقة الشرق الأوسط وبعيداً عن الدول المشعلة لهذه الحرب المحتملة، أم سينتصر العقل وتعود الدبلوماسية والحوارات السياسية إلى المقدمة لتجد حلولاً معقولة لمشكلة سوريا وعموم مشكلات الشرق الأوسط؟
حين يتتبع الباحث مجرى الأحداث وتطوراتها على الصعيد العالمي وبمنطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، يمكنه تسجيل بعض الظواهر المقلقة لشعوب العالم المحبة للأمن والسلام على الصعيد العالمي والمناهضة للحروب والهيمنة الأجنبية، نشير إلى أبرزها فيما يلي:     
1. تواجه شعوب العالم الرأسمالي المتقدم، بما في ذلك روسيا الاتحادية، أزمة سياسية حقيقة تبرز في تراجع الحياة الديمقراطية والتمثيل البرلماني ومصداقية الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية التي تحكم في هذه الدول. وتعاني غالبية الحكومات فيها من تراجع في شعبيتها، عدا روسيا رغم شمولية النظام، وتأييد سياساتها الداخلية. ويمكن أن نورد هنا أمثلة كثيرة في المقدمة منها بريطانيا وإيطاليا وألمانيا الاتحادية وفرنسا. ويقدم الوضع بالولايات المتحدة الأمريكية النموذج الساطع على حقيقة الوضع الداخلي بالولايات المتحدة حيث فقد الشعب ثقته بالقوى السياسية المهيمنة وبالإدارة البيروقراطية التقليدية المحافظة الفاقدة للتأييد والتي قادت إلى صعود شخصية غير سياسية ومليونير غير محسوب العواقب إلى قيادة البيت الأبيض على حساب شخصية من صلب الإدارة البيروقراطية المحافظة الحاكمة، بعد أن وعد ناخبيه:
أ) أن تخدم سياسته أولاً وقبل كل شيء الولايات المتحدة الأمريكية أمريكا أولاً America first، وكأنها قبل ذاك لم تكن كذلك. وتشمل هذه السياسة الحقل الاقتصادي أيضاً؛
ب‌.   أن يفرض أجندته السياسية على الصعيد العالمي وفي محاور الصراع في مناطق العالم المختلفة، ومنها منطقة الشرق الأوسط، على حكومات وشعوب تلك المناطق، بما يحقق مصالح أميكا أولاً؛   
ت‌.   أن يبتز العالم مالياً من خلال التدخل في شؤون الدول الأخرى وفرض إرادته عليها، شريطة أن تدفع للولايات المتحدة تكاليف ما تمارسه الولايات والدبلوماسية الأمريكية من أفعال.
ث‌.   أن يحد من اللجوء إلى الولايات المتحدة وأن يبني سوراً مانعاً على حدود المكسيك وبأموال مكسيكية!
ج‌.   تعديل الميزان التجاري الأمريكي بفرض ضرائب على السلع الواردة إلى الولايات المتحدة بخلاف شروط منظمة التجارة الدولية الحرة.
2. الدور المحدود والضعيف لشعوب هذه الدول في التأثير على سياسات حكومية الدول الغربية  الداخلية منها والخارجية، مما أدى إلى أن تكون بعيدة عن مصالح شعوبها الفعلية.
3. كما إن السياسات الاقتصادية الدولية، التي ما تزال تتحكم بها اللبرالية الجديدة، تلعب دورها في تعميق الصراعات الداخلية والتوترات بسبب تفاقم الفجوة في الدخول ومستوى المعيشة والبطالة من جانب، وسعي تلك الدول على معالجة مشكلاتها الداخلية عبر تصديرها نحو الخارج، لتخفف من أزماتها الداخلية المؤقتة، في حين إن هذه السياسات تعمق من تلك المشكلات الداخلية على المدى المنظور.
4. ويبدو إن حكام الدول الرأسمالية المتقدمة عادت بحنينها للماضي لفرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية والتقنية وتعزيز مناطق النفوذ الحيوي الأكثر حداثة لكل منها في إطار السياسات العولمية للنظام الرأسمالي الدولي وصراع المصالح المتجدد.
5. كما لا يخلو هذا الواقع من نهج جديد لدى حكام الدول المستعمرة وشبه المستعمرة السابقة إلى الشعور بالعجز عن السيطرة على شعوبها أو التحكم التام بأوضاع المنطقة، مما يجعلها تسعى إلى طلب الدعم من حكومات الدول التي استعمرتها في السابق أو دولاً إقليمية لنجدتها في مواجهة شعوبها أو في صراعها ونزاعها مع الدول الأخرى في المنطقة. ويتجلى ذلك باليمن وسوريا والعراق مثلاً.
6. وفي هذا السياق يلاحظ بوضوح تخلي الغرب عن الحديث والادعاء بدفاعه عن حقوق الإنسان وحقوق القوميات والديمقراطية، لأنها أصبحت تهدد مصالحها بالدول النامية ومنطقة الشرق الأوسط. ويتجلى ذلك في تأييدها المبطن لقوى الإسلام السياسي بالمنطقة واستمرار تسليح النظم الاستبدادية بالسلاح، رغم كونها مناطق نزاع ساخنة، كما هو حال تسليح السعودية وبقية دول الخليج او تسليح تركيا أو تسليح روسيا لإيران وسوريا.
7. الارتفاع الشديد في مبيعات السلاح والعتاد على الصعيد العالمي وبدء عملي لسباق تسلح في المنطقة والعالم، وتراجع شديد في الرقابة الدولية وعبر الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية على إنتاج أجيال جديدة من الأسلحة النووية، التي تهدد العالم بحرب طاحنة ومدمرة لكوكبنا الأرضي. وبحسب آخر تقرير لمعهد أبحاث السلام سيبريس أرتفع إجمالي حجم صادرات السلاح على الصعيد العالمي خلال الفترة 2012-2016 بنسبة 16%، ونسبة عالية منها وصلت إلى دول الشرق الأوسط، ولاسيما السعودية.
ونشير هنا إلى ثلاث مسائل مهمة مارستها الدول الغربية ودول المنطقة التي تحاول الهيمنة على سياسات دول المنطقة:
أ‌.   تشكيل وتأييد القوى الإسلامية السياسية المتطرفة، ابتداء من القاعدة ومروراً بداعش وانتهاءً بتنظيمات منشقة على داعش أو تابعة لها بأسماء أخرى. فنحن أمام ممارسات الولايات المتحدة لهذه السياسة وكذلك كل من تركيا والسعودية ودول الخليج وإيران.
ب‌.   تأييد النظم السياسية المستبدة بالمنطقة والمناهضة لشعوبها بمختلف السبل المتاحة لها، وبالتالي فهي تقف بالضد من مصالح شعوب هذه الدول.
ت‌.   تشكيل تحالفات سياسية مؤقتة وأخرى دائمية، بما يسهم في خدمة أهدافها ومصالحها ومصالح إسرائيل بالمنطقة، كما يلاحظ من تأييد التحالف السعودي الخليجي ضد اليمن، بسبب الوجود الإيراني الواضح باليمن والمتحالف مع الحوثيين. أو تأييد التحالف الجديد بين إسرائيل والسعودية ضد إيران. 
  إن هذه الوقائع والظواهر الصارخة وما تحمله من إشكاليات وموت ودمار لشعوب ودول المنطقة يمكن أن يؤشر الهدف المركزي من هذه السياسات على الصعيد العالمي والمنطقة، وأعني به الهيمنة على شعوب ودول المنطقة وفرض سياساتها ومصالحها والتحكم بخيراتها، ولاسيما المواد الخام الاستراتيجية فيها ولاسيما النفط الخام والتحكم بالتجارة الخارجية الدولية. 
إن سياسة ترامپ الانفعالية الراهنة تضع العالم على حافة حرب جديدة، لما يمكن أن ينشأ عن تصرفاته الفردية وسياسة ردود الفعل الهستيرية بعيداً عن بصيرة الإنسان العاقل والمدرك لمخاطر حرب جديدة بمنطقة الشرق الأوسط أو على الصعيد العالمي. وهو اليوم يعيش تحت ضغوط داخلية شديدة الأثر على تصرفاته غير المحسوبة، وفي المقدمة منها أتهام فريقه الانتخابي بالتنسيق مع روسيا، والفضيحة الجنسية مع ستورمي دانيلز الممثلة في صناعة الافلام الإباحية، والمظاهرات الحاشدة لتلاميذ وطلاب المدارس ضد حرية اقتناء وحمل السلاح  والتي بلغ عدد المشاركين فيها أكثر من نصف مليون إنسان وحصلت في 800 مدينة أمريكية، إضافة إلى مناهضة الاتحاد الأوروبي لسياسته التجارية وفرض رسوم جمركية على واردات الحديد والالومنيوم لبلاده، وبدء حرب تجارية مع الصين الشعبية، وكذلك شجب العالم لتأييده لحرب التحالف الخليجي ضد اليمن والموت المتفاقم والنزوح والهجرة والأمراض الفتاكة والدمار الشامل للمدن اليمنية، وهو متورط أيضاً بوعود انتخابية ضاغطة عليه وغير واقعية على الصعيد العالمي.   
إن أي ضربة صاروخية ضد سوريا من جانب التحالف الغربي، ستجابه بتصدي روسي، كما صرح بذلك پوتين، مما يمكن أن يقود ذلك إلى توسيع الحرب بسوريا وتورط دول المنطقة كلها بحرب لا يمكن التنبؤ بعواقبها المدمرة على شعوب وحياة واقتصاد المنطقة والعالم. ولهذا لا بد من العمل على منع حصول ذلك، والسعي لإيجاد حل سلمي وديمقراطي للقضية السورية وإنقاذ الشعب السوري من حرب مدمرة تجاوز عمرها سنوات سبع عجاف. المفاوضات والحلول الدبلوماسية والسلمية عبر الأمم المتحدة هو الطريق الوحيد لحل معضلات دول المنطقة والعالم، وبدونها ستكون الشعوب وحدها هي الخاسرة من هذه السياسات المتعارضة مع الحضارة الإنسانية ومصالح الشعوب ومستقبلها.
[/center]

3
رسالة مفتوحة إلى السيد على السيستاني ووكلاءه بالعراق
سماحة آية الله العظمى السيد على السيستاني المحترم/ الحوزة الدينية بالنجف

تحية طيبة،

وبعد، كُنتُ قد وجهت في السنين المنصرمة أكثر من رسالة إلى جنابكم حول عدد من الأمور التي تمس المجتمع العراقي بالصميم، ومنها ما يمس أتباع الدين الإسلامي والمذهب الشيعي أو ما تعرض له أتباع الديانات الأخرى بالعراق وفي ظل حكومات تترأسها وتقودها أحزاب إسلامية سياسية حظيت بتأييدكم وبركاتكم. ولم احظ بجواب منكم. وكان من المفترض، وأنتم في المقام الديني الرفيع، أن تجيبوا على رسائلي ذات المضامين غير الشخصية والتي تمس الشأن العراقي الديني والاجتماعي العام مباشرة. ومع ذلك فأن من فوائد رسائلي المفتوحة أنها تُقرأ من عدد كبير من القارئات والقراء بالعراق وبدول عربية أخرى وحيثما وجد قراء بالعربية. إذ إن لها بعداً تنويرياً يعالج العيوب التي يعاني منها المجتمع والتي لا تجد أذاناً صاغية لدى الغالبية العظمى من شيوخ الدين بالعراق، لأن عدداً كبيراً منهم منشغل بأكتناز وتكديس الأموال والتعاون مع جمهرة من سياسيي الصدفة من رجال الدين والأحزاب الإسلامية السياسية. وفي الغالب الأعم، فأن هذه الأموال هي من السحت الحرام، إضافة إلى العقارات ودور السكن التي احتلوها وسكنوا فيها أو حولوها إلى مراكز لعملهم الحزبي و"الديني!". وهذا ليس ادعاءً أهوجاً أو غير مسؤول من جانبي، بل هو التعبير الصارخ عن حقيقة دامغة تحدثَ البعض من وكلائكم عنها، ومنهم الشيخ عبد المهدي الكربلائي. ولم يهتف الشعب عبثاً أو رغبة في الإساءة إلى أحد، حين قالوا "باسم الدين باگونه الحراميه"، و"باسم الله هتكونة الشلايتية"!!، بل كان هذا الشعار المزدوج واقعاً يعيشه الناس يومياً وفي كل شبر من أرض الدولة العراقية دون استثناء.

السيد المحترم

لقد تدخلتم، وما زلتم، بالسياسة من أوسع أبوابها، وهي ليست من صلب مهمات موقعكم ومركزكم الديني، وتسببتم بوصول أشخاص وأحزاب سياسية إسلامية طائفية مريضة بكراهية الشعب والفساد والرغبة في إيذاء أوسع دائرة ممكنة من الناس، ولاسيما أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، وتسببتم في هيمنتهم على سلطات الدولة الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضاء، ودعمتم أسوأ هذه الشخصيات التي تسببت بمآسي وكوارث العراق خلال السنوات الـ 15 المنصرمة، التي سرقت وسهلت نهب أموال الشعب وقوته اليومي ، كما سلَّمَتْ، بعدوانيتها وطائفيتها المقيتة، مدينة الموصل وسهل نينوى، وكل محافظة نينوى، ومحافظات غرب العراق، إلى المحتل الدموي، تنظيم داعش المجرم، والذي أدى إلى موت مئات الآلاف من أبناء وبنات العراق ومن كل الأعمار وإلى جرائم الإبادة الجماعية.

ومن موقع المسؤولية الدينية التي في أيديكم وعنقكم لم تقفوا بوجه البدع الدخيلة على الإسلام التي تمارس سنوياً في عشرة عاشوراء أو أربعينية الشهيد الحسين وصحبه الكرام، ولا في المناسبات الأخرى التي أصبحت تشمل ثلثي أيام العمل بالعراق. كما لم تساهموا في مساعدة فقراء العراق من خلال تبيان رأيكم الديني، وليس السياسي، في واقع الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء، بين "بحبوحة" شيوخ الدين ومعممي السياسة من جهة، والعوز الشديد الذي يلف نسبة عالية جداً من سكان العراق من جهة أخرى.

لا أدعوكم هنا إلى التدخل في السياسة أبداً، أو الوقوف إلى جانب هذا وضد ذاك، بل أدعوكم إلى الالتزام بمهامكم الدينية، تلك التي تخليتم عن الكثير منها منذ سقوط الدكتاتورية البعثية الغاشمة وقيام النظام السياسي الطائفي المقيت على أنقاضه، وتدخلتم في مهمات ليست ضمن واجباتكم الدينية،من خلال:

** عدم التدخل في السياسة والالتزام بمبدأ الفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة، وهو مبدأ لصالح الدين وأتباعه، ولصالح الدولة ومواطناتها ومواطنيها في آن واحد.

** أن توجهوا أنظاركم وجهودكم صوب الدفاع الديني عن الإنسان، أياً كان، دينه أو مذهبه، قوميته أو لغته أو جنسه، أي الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، الذين تعرضوا للعسف والاضطهاد والقتل على الهوية والسبي والاغتصاب وبيع النساء الإيزيديات في سوق النخاسة الإسلامي وممارسة العبودية بحق الإنسان غير المسلم!!!

** أن تلعبوا دوركم الديني في الاستعداد الفعلي للكشف دون رحمة عن الذين استخدموا وما زالوا يستخدمون الدين للخديعة والكذب وتشويه العقول وسرقة المال العام، سواء أكانوا من شيوخ الدين، أم من العاملين في الأحزاب الإسلامية السياسية وفي السلطة، لأنهم باسم الدين يمارسون كل ذلك.

** أن تساهموا من موقعكم الديني في الدفاع عن الأيتام والأرامل والمعوقين من ذوي الحاجات الخاصة، والابتعاد عن الدفاع عن كل مَن ارتدى العمامة، لكن جيوبه مليئة بالسحت الحرام، فهؤلاء ذئاب وليسوا بشراً. وكم كان أبن النجف الشاعر محمد صالح بحر العلوم محقاً حين قال وهو يخاطب تلك الذئاب بالذات:

يا ذئاباً فتكت بالناس ألاف القرون      اتركيني أنا والدين فما أنت وديني       

أمن الله قد استحصلت صكاً في شؤوني         وكتاب الله في الجامع يشكو اين حقي!

** أن تقوموا بتوزيع الأموال التي في حوزتكم، ولاسيما الخمس، لإعمار العراق، ومنها إقامة بيوت للأرامل والفقراء ودور حضانة ومدارس لليتامى من الأطفال، بدلاً من توجيه تلك الأموال إلى بناء ما يشاء ويريد حكام إيران، على حسب ما قرأته في موقعكم على الإنترنت، وما يتحدث به اقرانكم.

** إن تبحثوا مع شيوخ الدين بإيران ليتخلوا حقاً وصدقاً عن التدخل الفظ في الشأن الديني العراقي، وأن يكفوا عن تصدير الجمعيات والبدع التي تشوه الدين والمذهب بالعراق، في حين لا يمارس كل ذلك بإيران.

** أن تطلبوا من إيران الكف عن تمويل المليشيات الطائفية المسلحة بالأموال والسلاح والعتاد والخبراء والقياديين والجواسيس الذي يتولون العمل في الحشد الشعبي برموزه المعروفة التي لا تلتزم بالإرادة العراقية، بل بإرادة المرشد الإيراني السيد علي خامنئي، وهو ما يصرح به أغلب قادة المليشيات الطائفية المسلحة. إن هذه المهمة واحدة من مهماتكم وواجباتكم الدينية وليس السياسية.

** ومن واجبكم الديني والاجتماعي أن تمنعوا شيوخ الدين من وكلائكم أو غيرهم، من شتم المدنيين والديمقراطيين والشيوعيين والإساءة لسمعتهم باسم الدين وباسمكم وبأسماء مراجع دينية أخرى بالنجف. لأنهم بذلك يسيئون بقصد التشويه إلى أناس شرفاء لم تتدنس أيديهم بالسحت الحرام أو خطايا الكذب والتزوير والتهريب والقتل.. ألخ. وهو ما يعرفه الإنسان العراقي جيداً.

** كم أتمنى عليكم أن تمنعوا رفع صور شيوخ الدين الإيرانيين والعراقيين في الساحات العامة وفي الدعاية الانتخابية مستثمرين بساطة الناس لتشويه إرادة العراقيات والعراقيين باسم الدين وباسمكم.

** من واجبكم الديني، وليس السياسي، تحريم الرشوة وشراء وبيع أصوات الناخبين أو ممارسة التزوير والغيبة لأنها كلها مخالفات تتناقض ما هو ملزم ومطلوب من المسلم والمسلمة عموماً، فـ "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده!".

** ومطلوب منكم أن تحرموا مثلاً شراء أعضاء من جسم الإنسان، ولاسيما الأطفال، بسبب حاجة العائلات للمال، أو عهر الأطفال من الذكور والإناث الذي أصبح تجارة رابحة بالعراق، أو تصدير المخدرات من افغانستان وإيران إلى العراق وتدمير صحة أطفال وشباب العراق، والتي أصبح موسم الزيارات الحسينية أحد الأبواب المهمة في تهريب المخدرات إلى العراق!

لديّ، سماحة السيد، قائمة طويلة بما هو مطلوب منكم باعتباركم تحتلون الموقع الأهم والأول بين مراتب شيوخ الدين بالعراق، إذ يمكن أن يُسمع صوتكم الديني من قبل المسلمات والمسلمين الشيعة بجانبه الديني وليس السياسي. فما ذكرته في أعلاه يعتبر جملة من المجالات التي يمكنكم أن تخدموا الإنسان العراقي والحياة الدينية والاجتماعية العراقية، وأن تدعوا للتآخي بين اتباع جميع الديانات والمذاهب بالعراق وتحرموا الصراع والنزاع الديني والمذهبي والقومي، فقد سالت بالعراق دماء ودموع كثيرة وكثيرة جداً لا طاقة لهذا الشعب في تحمل المزيد منها، والظلم، كما تعرفون، إن دام دمّر. لم يكن البعثيون وحدهم من تسبب بسيول الدماء في الحروب وفي الاستبداد، بل الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية بميلشياتها الطائفية المسلحة وسياساتها التي مزقت النسيج الوطني العراق أكثر فأكثر.   

ارجو لكم الصحة والعمر المديد للقيام بالواجبات الدينية والاجتماعية الملقاة على عاتقكم، على حسب اجتهادي وقناعتي.

مع خالص التقدير

د. كاظم حبيب


4

كاظم حبيب

نقاش متعدد الجوانب مع أفكار كريم مروة حول اليسار

منذ أن تعرفت على كريم مروة، ومعه الرفيق غسان رفاعي، في منتصف الستينيات من القرن العشرين ببيروت، وأنا في طريقي إلى بغداد بصورة سرية ، ومنذ أن بدأ حوارنا بشكوك مشروعة حينذاك حول مدى صواب ما طرحه الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي وتبنته الحركة الشيوعية العالمية عن إمكانية ولوج طريق التطور اللارأسمالي وتجاوز مرحلة الرأسمالية صوب الاشتراكية، أو ما سمي بطريق التوجه الاشتراكي، ونظريات الانتقال إلى الاشتراكية في البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، وحين تمادى البعض، (والتر أولبريشت)، وأطلق على مصر بأنها تسير في الاتجاه الاشتراكي، منذ ذلك التاريخ بدأت متابعتي لنشاط الحزب الشيوعي اللبناني ولكتابات ومواقف كريم مروة. كنا جميعاً من مدرسة واحدة هي المدرسة الماركسية–اللينينية. وكنا نشترك بذات الأحلام، والكثير منها كان أوهاماً يجمعها نوايا حسنة. كان ينقصنا إدراك مخاطر تلك الأخطاء. ومع ذلك فقد كانت تلك الفترة مليئة بالحركة الدائبة وبالتضحيات الجسام والبطولات النادرة التي اجترحها الشيوعيون والتقدميون والديمقراطيون في البلدان العربية، رغم الحصيلة الضعيفة لذلك النضال التي اقترنت بانتكاسات سياسية واجتماعية كبيرة على صعيد الحركة الشيوعية العالمية والمنظومة الاشتراكية، طاولت عموم منطقة الشرق الأوسط، ومنها البلدان العربية.
ومنذ ما يقرب من عقدين، وقبل وقوع الزلزال الكبير الذي هزَّ العالم المتمثل بسقوط الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية. وهو زلزال شببيه، في شروط تاريخية مختلفة، بالزلزال الذي هز العالم لدى قيام الدولة السوفييتية في أعقاب انتصار ثورة أكتوبر في عام 1917، منذ ذلك التاريخ الجديد المشار إليه بدأ التفكير لدى مجموعة من مناضلي الحركة الشيوعية والحركة اليسارية في البلدان العربية بضرورة التمعن في ماضي الحركة الشيوعية وأحزابها السياسية وماضي حركة اليسار وحاضرها وآفاق المستقبل، ومتابعة جادة للتحولات الكبيرة الجارية في العالم والتغيرات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط واستيعاب الواقع المتحرك والمتغير سلباً أو إيجاباً في البلدان العربية.
لا شك في أن حركة البريسترويكا في الاتحاد السوفييتي منذ العام 1984/1985 قد حركت المياه الراكدة في أوساط وأحزاب الحركة الشيوعية العالمية، ودلت على عمق الأزمة التي يعاني منها الفكر الماركسي-اللينيني وتعاني منها حركة اليسار على الصعيد العالمي. وهي الأزمة التي دفعت برفاق في الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية إلى التفكير بعقلية نقدية لماضي وحاضر الحركة الشيوعية والعمالية ولسياسات أحزابها ولممارساتهم الفعلية، ومنها الحزب الشيوعي اللبناني- وإلى التطلع في مشروع جديد نحو المستقبل. في هذه الفترة بالذات كنا في الحزب الشيوعي العراقي نتابع أوضاع الحزب الشيوعي اللبناني والصراعات الفكرية والسياسية التي كانت تجري داخله، والمواقف المتباينة إزاء الكثير من الأحداث، وبروز تيار تجديدي فيه يحمل رؤية جديدة ويطرح أفكاراً جديدة للمشكلات التي تعاني منها البلدان العربية. ولم تكن كل تلك الرؤى والأفكار موضع ارتياح أو تقبل من جانب العديد من الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية، ومنها الحزب الشيوعي العراقي. ولم يكن ذلك الجديد في الفكر وفي السياسة كله على صواب، إذ لم يكن قد بني على أسس وقواعد متينة وواضحة حينذاك.
كان كريم مروة واحداً من أبرز وأنشط من اجتهد لتكوين رؤية جديدة نقدية للكثير من مواقع الفكر القديم الذي كان راسخاً في أذهان غالبية الرفاق في الحركة الشيوعية في لبنان وفي سائر البلدان العربية. وكان يستند في عرض أفكاره تلك إلى معرفة جيدة بالنظرية، وإلى استيعاب لمكونات المنهج المادي الجدلي وسبل استخدامه، وإلى قراءة مدققة للواقع المتحرك وتجربة غنية ومتراكمة عبر عقود من العمل الفكري والسياسي ومن العلاقات الواسعة مع قوى حركة اليسار على الصعيدين العربي والعالمي.
ومنذ ما يقرب من 15 سنة، وأنا أتابع كتابات الأستاذ كريم مروة ومواقفه الجديدة من الحزب الشيوعي اللبناني وفي الحركة الشيوعية في البلدان العربية ومن محاولاته في بث روح التجديد في الحركة اليسارية في بلداننا، كما كنت أتابع الرفض والمقاومة الشديدة التي كان يواجهها من قوى متنفذة في الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية من جهة، والرضا والقبول من جانب قوى يسارية تتطلع للجديد وللتجديد من جهة أخرى.
علينا باستمرار أن نتذكر بأننا كنا، كشيوعيين، نعمل في حركة شديدة التماسك والانغلاق الإيديولوجي على الذات والانضباط الحديدي الذي لم يفسح في المجال للفكر من الانطلاق بحرية ومبادرة حيوية. كانت المدرسة قد التزمت بالنظرية الماركسية–اللينينية التي تحولت بمرور الزمن إلى أشبه ما يكون بـ"دين"، وإلى قيد شديد على فكر وحركة وحرية الإنسان الشيوعي وقدرته على ممارسة الاستقلال الفكري. كما كانت التربية وحيدة الجانب ومتعالية على المدارس الفكرية الأخرى. بعكس ما كان يفترض أن تكون عليه. ولهذا كنا، نحن أعضاء هذه المدرسة الفكرية، شديدي القناعة بنظريتنا دون أن يكون لدينا أدنى شك وقلق حول تحليلاتنا واستنتاجاتنا، بعكس ما كان يتطلبه الموقف العلمي الرصين من الغوص في أعماق الأحداث وتحليلها بعناية واستخلاص الاستنتاجات الواقعية والموضوعية. كنا نستهلك ما ينتجه السوفييت من مقولات واجتهادات، دون أن نمتلك الحق عملياً في المبادرة الفكرية وطرح ما نفكر به. ومن هنا نشأ الجمود في حركتنا وفي وعينا للواقع. وبدأت مظاهر الأزمة الفكرية والسياسية في الحركة الشيوعية وفي حركة اليسار على الصعيد العالمي منذ زمن بعيد. ثم تراكمت وتشابكت وتفجرت تلك الأزمة في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وأحدثت ذلك الزلزال، الذي لا تزال مفاعيله تبرز بصيغ مختلفة، وستبقى مؤثرة لفترة طويلة.
لا شك في أن الحركة الشيوعية بالبلدان العربية قد لعبت دوراً متميزاً وملموساً في النضال ضد الإمبريالية وضد السيطرة الأجنبية ومن أجل تعزيز الاستقلال والسيادة الوطنية وتنشيط عملية التنوير الديني والاجتماعي والدفاع عن مصالح الكادحين والمحرومين. وقدمت في نضالها الكثير من التضحيات الجسام قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها. لكنها كانت في الوقت نفسه قد ارتكبت الكثير من الأخطاء التي خلفت عواقب غير قليلة على الصعيدين الفكري والسياسي وعلى صعيد الممارسة العملية. ويبدو لي إن واحدة من أبرز تلك الأخطاء الفكرية والسياسية للمدرسة الماركسية–اللينينية، التي كنا جزءاً منها، هي القناعة الإيمانية غير المبررة بأننا كنا دوماً على حق، وأن الحقيقة كانت إلى جانبنا، وأن الصواب كان يقترن بتحليلاتنا وتقديراتنا للواقع وللمهمات التي كانت تواجه شعوبنا. واستندنا في تلك القناعة إلى إننا كنا نستخدم المنهج المادي الجدلي بشكل صحيح، ولم يكن الأمر هكذا دائماً. بل كنا في صيغة تلك القناعة على خطأ كبير. لقد كانت رغباتنا وطموحاتنا تسبق تحليلاتنا وتؤطرها. وكانت هي الموجهة الفعلية لتلك التحليلات وليس الواقع القائم باعتباره أساس وقاعدة التحليل الفعلية. أورد مثالاً واحداً على ذلك. لقد توصلت الحركة الشيوعية في وقت مبكر إلى القناعة بأن الرأسمالية كانت تقترب من نهايتها، إنها كانت في المرحلة الثالثة من أزمتها العامة، وأنها كانت قاب قوسين أو أدنى من مرحلة لفظ أنفاسها ممهدة بذلك لمرحلة جديدة في حياة البشرية، مرحلة الاشتراكية الخالية من الاستغلال والحرمان والعبودية لرأس المال. وقد بلغ الأمر بسكرتير عام الحزب الشيوعي السوفييتي، نيكيتا خروتشوف، أن طرح مقولة وهمية خادعة مفادها "أن أفق بناء الشيوعية في الاتحاد السوفييتي لم يعد بعيداً، بل هو أصبح قريباً جداً!، في وقت كانت الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد بدأت منذ سنوات العقد السابع من القرن العشرين تشدد من خناقها على رقاب شعوب الاتحاد السوفييتي وتلقي بظلالها على الحياة اليومية للإنسان السوفييتي. لقد تم إنكار واقع وجود تناقضات وصراعات اجتماعية وسياسية في المجتمع السوفييتي، باعتبار أن الاشتراكية لا تعرف التناقضات، وبالتالي لم يتحركوا باتجاه حلها، مما زاد من فعلها وعمق من تلك التناقضات وشدد من الصراعات وكاد يحولها إلى نزاعات. وسرنا مع الاتحاد السوفييتي في ذلك التصور الحالم. وكنا واهمين وارتكبنا بذلك، كحركة وكأحزاب وكأفراد، سلسلة من الأخطاء الفادحة كان يفترض فيها، ومنذ فترة غير قصيرة، أن تدفعنا إلى إعادة النظر بحركة اليسار عموماً، وبالأحزاب الشيوعية منها بشكل خاص، من أجل استخلاص الدروس والعبر من الماضي واستيعاب حركة الحاضر واستشراف المستقبل. ولا بد لنا أن نعترف هنا مرة أخرى بأننا كنا مستهلكين للتنظير السوفييتي الذي كان في الغالب الأعم إرادي النزعة وسطحي التحليل في التعامل مع المادية التاريخية. لم نشغّل عقولنا وأصبنا بكسل التفكير، ولم نكن مبادرين وفعالين في التحليل المطلوب لأوضاعنا المحلية وللأوضاع على الصعيدين الإقليمي والدولي، مما أوقعنا في أخطاء ومطبَّات كثيرة وكبيرة.
والآن وللأسف الشديد نلاحظ حراكاً ضعيفاً في صفوف الشيوعيين باتجاه إعادة النظر الجادة بالماضي وبسياسات الأحزاب الشيوعية، مما ساهم بتقسيم حركة اليسار إلى جزء قديم وآخر يطمح للتجديد. وإذ يتمثل القديم بتلك الأحزاب التي تعيش بين مدينتي "نعم ولا" وفق تعبير جميل للشاعر الروسي يفجيني افتوشنكو، أي بين الخشية من التغيير والتعثر فيما جرى تحديده، وهو قليل، وبين عدم القدرة على متابعة التغيرات الكبيرة الجارية في عالمنا الراهن، والعجز بالتالي عن فهم ضرورات إجراء التغيير والتجديد الفكري والسياسي والتنظيمي والتجديد في العلاقة مع فئات وقوى المجتمع داخل حركة اليسار في البلدان العربية. أما الجديد في اليسار فلا يزال في بداياته. فهناك تيار التجديد الذي يتمثل بإفراد وجماعات صغيرة أخذت على عاتقها طرح رؤيتها الجديدة حول الأفكار والإحداث والسياسات السابقة، قدمت تحليلاتها للواقع الجاري ومهمات المرحلة الراهنة والسعي لاستشراف المستقبل. ولا شك في أن كل ما هو جديد لا يصطدم بالقديم فحسب، بل ويُحارب بقوة من جانب حاملي المشروع القديم. إذ يتهم أصحاب المشروع الجديد باليمينية وبالمساومة مع الإمبريالية والبرجوازية وما إلى ذلك. ومثل هذا التوجه يلحق الضرر البالغ بعملية التجديد المنشودة في حركة اليسار ويعطلها، ولكن الجديد سيفرض في المحصلة النهائية نفسه عاجلاً أم آجلاً.
نحن اليوم أمام محاولات واجتهادات جادة لتجديد فكر ومشروع اليسار في البلدان العربية. ونجد لذلك نواتات في الكثير من البلدان العربية، ومنها لبنان والعراق على سبيل المثال لا الحصر.
يحتل كريم مروة (ولادة 1930م) مكانة مرموقة ومتميزة بين دعاة التجديد في فكر ومشروع اليسار الديمقراطي بلبنان والبلدان العربية. ويتجلى ذلك في النشاط الدؤوب، وهو ابن 88 عاماً، في مجموعة الكتب والمقالات واللقاءات الغنية التي نشرت والتي يتحرى فيها الكاتب بجهد مثابر ومسؤولية عالية عن سبل تجديد حركة ومشروع اليسار. ومن بين أبرز ما كتبه إلى الآن يتصدر كتابه الأخير "نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي". وهو كتاب يستحق القراءة والمناقشة بجدارة. (دار الساقي، بيروت، 2010).
إن الانطلاق بحركة اليسار نحو آفاق جديدة وتجديد فعلي لفكرها ومشروعها السياسي يتطلب الالتزام بالقواعد التالية:
1-   ضرورة الاستخدام السليم والعلمي للمنهج المادي الجدلي في البحث والتحليل والتدقيق في الظروف الملموسة لواقع هذا البلد أو ذاك؛
2-   الانطلاق من واقع الحياة اليومية للناس ومن المتغيرات الجارية على الاقتصاد والمجتمع، وعلى فكر ووعي الفرد والمجتمع أولاً، وكذلك التغيرات الحاصلة على الصعيدين الإقليمي والدولي ثانياً، من أجل تحديد المهمات والأهداف المرحلية والابتعاد عن محاولة القفز فوق المراحل أو حرقها؛
3-   تأمين الربط العضوي بين عملية التغيير في البنية الاقتصادية والاجتماعية في هذا البلد أو ذاك، وبين تطور وعي الفرد والمجتمع وسعيهما المشترك لصالح حرية الإنسان وحقوقه المشروعة وسعادته والعدالة الاجتماعية، واستخلاص مدى الاستعداد الفعلي للمشاركة في عملية التغيير.
4-   تشخيص دقيق وسليم للقوى الاجتماعية التي يهمها إنجاز مهمات المرحلة التي يفترض أن تتبلور في مجالين أساسيين: أ- مجال تحديد المهمات في إطار برنامج تستوجبه طبيعة المرحلة؛ ب- أن تكون المهمات المطلوب تحقيقها متطابقة مع القوى الاجتماعية والسياسية المعنية بالنضال لتحقيق المشروع الوطني والديمقراطي.
في هذا الاتجاه يحدد كريم مروة بعض المرتكزات العامة التي يفترض أن تسود في العلاقات السياسية، بعد أن غابت عنها طويلاً، مثل الأخلاق والصدق والشفافية واحترام الرأي والرأي الآخر ورفض العنف وسياسة القوة، والتحول صوب التنافس الديمقراطي في تحقيق المهمات، والتداول الديمقراطي السلمي والبرلماني للسلطة، وفصل الدين عن الدولة، وحرية وحقوق الإنسان وحرية المرأة...الخ، ثم يخلص إلى تأكيد مرتكزين أساسيين. في المرتكز الأول يؤكد مروة أن المفاهيم العامة في الفكر السياسي والاجتماعي، وفي الفكر عموماً، هي مفاهيم متغيرة، أي غير ثابتة عنده (ص 74). في حين يتلخص المرتكز الثاني في كون ".. بلداننا هي جزء من عالم يتغير وتجري فيه تحولات كبيرة، وأن علينا أن نكون جزءاً من هذه التحولات، في الاتجاه الصحيح فيها، ضد الاتجاهات النقيضة لمصالح بلداننا ولمصالح البشرية عموماً." (ص 74/75). وهما مرتكزان يفترض ألا يغيبا عن ذهن من يعكف على دراسة الأوضاع السائدة في بلداننا وفي العالم المعاصر.
إن الاستناد إلى المنهج المادي الجدلي في دراسة أحداث السنوات المنصرمة تجعلنا وجهاً لوجه أمام جملة من المسائل المهمة التي يمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:
1.   القفزة الهائلة في مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية على الصعيد العالمي. وهي نتاج الثورة العلمية-التقنية، ثورة الإنفوميديا، التي ساهمت في نقل الرأسمالية إلى مرحلة جديدة في تطورها، هي مرحلة العولمة في جميع مجالات الحياة باعتبارها عملية موضوعية لا مرَّد لها، حولت العالم إلى قرية كونية متلاصقة في دورها ودروبها. وقد أسهمت هذه الثورة في توفير إمكانية أفضل للرأسمالية على الصعيد العالمي في معالجة مشكلاتها وأزماتها الاقتصادية بمستويات جديدة ترمي بثقل عواقبها على الفئات الأكثر ضعفاً عند شعوب الدول الرأسمالية المتقدمة، وعند شعوب البلدان النامية على نحو خاص. وهو ما تشير إليه وتؤكده الأزمة المالية والاقتصادية الجديدة الجارية، التي تفجرت في نهاية العام 2008، وتفاقمت في بداية 2010 ولم تصل إلى نهايتها حتى الآن. لكنها توفر، في الوقت نفسه، إمكانية جديدة لدفع عملية التطور في البلدان النامية، إن أحسن تجاوز السلبيات التي تنشأ عن السياسات العولمية التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة إزاء البلدان النامية، وهي سياسات موغلة بوحشية الاستغلال.
2.   إن الانهيار الكبير للاتحاد السوفييتي وبقية بلدان مجلس التعاضد الاقتصادي قد نشأ بفعل عوامل داخلية وتراكمات كثيرة ارتبطت بالواقع الذي انطلقت منه تلك البلدان، ومن التراكم الذي كان يتم على ذلك الأساس الهش من البناء، إذ لم تتوفر لروسيا القيصرية في حينها القاعدة المادية ولا الوعي الفردي والاجتماعي الكافيين والضروريين للتوجه صوب بناء الاشتراكية. وهو ما حصل بالفعل في البلدان الأخرى التي لحقت بالاتحاد السوفييتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتبنت نموذجه للاشتراكية. وعليه فأن العوامل الخارجية لم تلعب سوى الدور المساعد والمهم في تعجيل الانهيار.
3.   الانتكاسات المتلاحقة لحركة التحرر الوطني العربية التي اقترنت بعدد كبير من العوامل، بما في ذلك مشروع الأحزاب الشيوعية وحركة اليسار عموماً، إضافة إلى الحركات القومية والدينية المتشددة، التي يعود بعض أسبابها لطبيعة المهمات التي رفعتها تلك الحركات التي لم تكن متناغمة مع طبيعة المرحلة ومع مهماتها ولا مع أساليب وأدوات النضال.
4.   تبلور قراءة جديدة أكثر واقعية وفهماً وأكثر تدقيقاً في مسألتين مهمتين، هما: سبل التعامل مع الفكر الماركسي ومنهجه المادي الجدلي من جهة، والاستناد إلى الواقع الذي تعيش فيه شعوب البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، عند استخدام هذا المنهج المادي الجدلي لإعادة النظر في الماضي وفهم الحاضر واستشراف المستقبل من جهة أخرى.
نحن إذن أمام قوى لا تزال تحمل القديم وتتشبث به وترفض التنازل عنه ولا تريد أن ترى الجديد أو هي عاجزة عن رؤيته لأي سبب كان، وأخرى قرأت الجديد واستوعبت ضرورة وعي القوانين الموضوعية المحركة لعمليات التحول الاقتصادي والاجتماعي في هذا البلد أو ذاك، التي على ضوئها يمكن رسم المهمات التي يفترض النضال من أجلها في المرحلة الجارية.
في هذا الإطار يضعنا كريم مروة أمام مجموعة من القضايا الجوهرية التي ربما ليس عليها خلاف كبير في الظاهر، ولكن الاختلاف حولها يبدأ في الممارسة العملية.
إن الدراسة التي يقدمها لنا كريم مروة غنية ومتعددة الجوانب سأحاول أن التقط منها بعض النقاط المهمة لإبداء الرأي بشأنها:
1) طبيعة المرحلة والموقف من بناء الدولة الديمقراطية الحديثة. ذلك السؤال الذي يواجهنا في المرحلة الراهنة هو تحديد المهمة المركزية في النضال الذي تخوضه شعوب الشرق الأوسط بشكل عام وشعوب البلدان العربية على نحو خاص؟ هنا أجد نفسي متفقاً مع الكاتب حين يؤكد أن المهمة التي تواجه شعوبنا ليست تحقيق الاشتراكية، بل هي مهمات وطنية وديمقراطية، تقع في إطار مرحلة انتقالية تتطلب إقامة العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في اقتصاديات ومجتمعات البلدان العربية، رغم الاختلاف في مستويات تطورها. إننا إذن أمام مهمات التخلص من بقايا العلاقات ما قبل الرأسمالية وبناء الرأسمالية التي يفترض أن تكون غير منفلتة لكي تشكل القاعدة المادية لتطور جديد مناسب للقوى المنتجة المادية والبشرية، إضافة إلى ربط ذلك بمستوى تطور وعي الإنسان الفردي والجمعي المجتمعي. فشعوب البلدان العربية لا تزال تعيش في ظل علاقات إنتاجية واجتماعية متنوعة تتراوح بين البداوة والفلاحة، علاقات أبوية وعلاقات إنتاج شبه إقطاعية متخلفة وعلاقات عشائرية، وبين مجتمعات نمت لتوها علاقات إنتاج رأسمالية حديثة التكوين وفي مجالا ت التجارة والعقار، وأخرى نمت فيها علاقات الإنتاج الرأسمالية نسبياً، كما في كل من مصر وسوريا والمغرب والعراق، وأخرى قائمة على الاقتصاد الريعي النفطي السعودية والعراق وليبيا ودول الخليج. وفي جميع هذه البلدان يلاحظ وجود نظم سياسية غير ديمقراطية واستبدادية وغياب الحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. كما تلعب المؤسسات الدينية دورها البارز في التأثير على فكر الإنسان وعلى الكثير من سلوكياته وتصرفاته إزاء نفسه وإزاء الآخر.
2) نستخلص مما تقدم استنتاجاً جوهرياً يؤكد بان مهمة شعوب هذه البلدان، مهمة أحزابها اليسارية على وجه الخصوص، لا تكمن في رفع شعارات اشتراكية تتجاوز حدود المرحلة الديمقراطية، بل يفترض لهذه الشعارات أن تتطابق مع طبيعة المرحلة ومهماتها الأساسية، التي بلورها كريم مروة في المشروع الذي طرحه كبرنامج مرحلي لليسار العربي، رغم التباين الذي يمكن أن يحصل حين يجري الحديث عن كل بلد بشكل ملموس.
إن هذا الإقرار يقود إلى الرؤية التالية:
1-   إن المرحلة الراهنة ليست مرحلة انتقالية من الرأسمالية إلى الاشتراكية أو تجاوز المرحلة الرأسمالية، بل هي بالتحديد مرحلة انتقال من علاقات ما قبل الرأسمالية، وهي علاقات متشابكة، علاقات رأسمالية حديثة التكوين وضعيفة، الانتقال إلى علاقات إنتاجية رأسمالية متقدمة. 2- هذه الرؤية الواقعية لا تعني بأي حال إيقاف النضال من أجل مواجهة ومناهضة محاولات تشديد استغلال العمال والفلاحين والكسبة والحرفيين والمثقفين في هذه البلدان، بل يفترض أن يتواصل النضال من أجل الحد من هذا الاستغلال بقوانين اقتصادية واجتماعية ملزمة. إن النضال من أجل الاشتراكية يمر عبر الصراع بين الطبقة العاملة والحلفاء الأساسيين، وبين المستغلين في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالي وتأمين الأرضية والقاعدة المادية للتحولات المنشودة صوب مجتمع العدالة اجتماعية.
2-   إن هذا الواقع يطرح علينا سؤالاً مشروعاً: إذا كانت المهمة الراهنة ليست اشتراكية ولا شيوعية، وإذا كانت ذات طابع وطني وديمقراطي، تقود إلى إرساء قواعد ومبادئ الحرية الفردية وحرية المجتمع وسيادة الديمقراطية ودولة القانون والحق والمؤسسات الدستورية.. الخ، فأن هذا يفترض أن يتجلى في ثلاث مسائل جوهرية بعيداً عن الهروب إلى أمام: أ- إن على البرامج الجديدة التي يفترض أن تطرحها قوى اليسار للنضال مع قوى الشعب من أجل تحقيقها مرحلياً التي يفترض أن تتناغم مع فهم الواقع واستيعاب مهمات وأساليب وأدوات تغييره. ب- إن اسم هذا الحزب اليساري أو ذاك ينبغي أن ينسجم مع طبيعة المهمات المرحلية. جـ- إن تحديد الأدوات والأساليب السلمية والديمقراطية التي تختارها قوى اليسار للنضال من أجل تحقيق تلك الأهداف، ينبغي أن تكون بعيدة عن العنف والقوة والسلاح وعن الانقلابات. وحين تحاول القوى المستقلة والحاكمة مواجهة الجماهير ونضالها بالنار والحديد، عندها تتبلور وتنضج ظروف ومستلزمات الخلاص من تلك النظم موضوعياً وعبر التحولات الثورية التي يفرضها الواقع السياسي والاجتماعي بالبلاد.
إن هذا التوجه يُحصّن قوى اليسار من الهروب إلى أمام، كما حصل في بداية ثورة أكتوبر 1917. ففي الوقت الذي استنتج فيه لينين في كتاب "الدولة والثورة" في العام 1916 بأن روسيا غير جاهزة للبناء الاشتراكي بأي حال، فإنه سرعان ما قرر بعد الثورة مباشرة السير بالبلاد تحو بناء الاشتراكية! ثم عاد عن ذلك في العام 1921 في "برنامج السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب) انطلاقاً من قناعته بعدم واقعية ذلك البرنامج. وكان ستالين منذ العام 1922 تقريباً قد هيمن على قيادة وسياسة الحزب والدولة ودفع بهما صوب تنفيذ النهج المتطرف الأول في بناء الدولة السوفييتية الجديدة بعد أن فرض العزلة الفعلية على لينين المريض حتى مماته. وقد انتهت هذه الدولة في العام 1989/1990 إلى النهاية المأساوية المعروفة لنا جميعاً. وعلينا أن نتذكر البرامج الطموحة التي طرحتها الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية خلال العقود المنصرمة التي عجزت عن تحقيق الكثير والأساسي منها، وساهمت عملياً، في خلق أجواء الإحباط السائدة في الوقت الراهن، بسبب انهيار التجربة الاشتراكية. وكانت الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية تنطلق في وضع برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من المقولة التي سادت حينذاك بأن العالم يعيش مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وكان الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية هو المؤثر المباشر على تفكيرنا وتحليلنا، في حين أن الرأسمالية كانت ولا تزال تمتلك مقومات البقاء متجاوزة أزماتها الدولية. إذ هي كانت ولا تزال ضرورة موضوعية لاقتصاديات مجتمعاتنا. ولهذا يمكن القول بوضوح إن برامجنا في العديد من القضايا الجوهرية والأساسية لم تكن متطابقة مع واقع بلداننا حينذاك ومع الواقع القائم في العالم. لا شك في أن العالم سوف يتجه في المحصلة النهائية صوب الاشتراكية، وإن الرأسمالية توغل في استغلال شعوب العالم، وبالتالي فهي في مرحلة نضالية معقدة وطويلة الأمد يمكن أن يقال عنها مرحلة انتقال، ولكنها ليست قصيرة، لأسباب ترتبط بامتلاك الرأسمالية إمكانيات ما تزال تسمح لها بالبقاء فترة لا يمكن تحديدها حالياً، إلا إنها إذا ما لفظت أنفاسها، فالاشتراكية هي البديل الواقعي والموضوعي لها. 
ومن هنا جاء مشروع البرنامج الذي طرحه كريم مروة في كتابه " نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" مطابقاً بخطوطه العامة والأساسية، كما أرى، لمهمات المرحلة والواقع الراهن في البلدان العربية، مع ضرورة جعل فقراته أكثر ملموسية بالارتباط مع واقع كل بلد. لقد هربنا إلى أمام في برامجنا السابقة ولا بد من العودة إلى أرض الواقع بعيداً عن الأوهام، ولا بد أن تكون لقوى اليسار أن تبني أحلامها التي تعطي لنضال الإنسان حيويته والمجتمع وتشبع طموحاته المشروعة، أحلام العيش في أجواء الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية والسلام. لا يمكن أن يعيش الإنسان بدون أحلام، ولكن لا بد للأحلام أن تكون واقعية وتتطابق مع الواقع الموضوعي والقدرات النضالية لكل شعب من الشعوب ونضوج الظروف الموضوعية للتحولات المنشودة.
ماذا يقدم لنا كريم مروة في مشروع برنامجه الجديد؟
ابتداءً يمارس كريم مروة، وقبل تقديمه مشروعه، نقداً موضوعياً وواعياً لتجربة الحركة الشيوعية في العالم العربي خلال العقود المنصرمة، التي جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبشكل أكثر ملموسية منذ العقد السابع من القرن الماضي. إذ بدون مثل هذه الرؤية النقدية للتجربة المنصرمة بما لها وما عليها، لا يمكن التقدم خطوات ثابتة وقوية نحو الأمام لتحقيق نهضة جديدة في حركة اليسار. فمن يعجز عن القيام بدراسة نقدية لماضي الحركة وحاضرها بجرأة ومسؤولية واستخلاص دروسها، يصعب عليه تحقيق التجديد ووعي مهمات الحاضر والدفع السليم باتجاه مستقبل أفضل. ومن الجدير بالإشارة إلى أن كريم مروة لا ينسى بأنه كان من المشاركين الفعالين في وضع تلك البرامج القديمة ومن مواقع القيادة أيضاً، وبالتالي فهو ينتقد نفسه من موقع المسؤولية في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني حينذاك. ويؤشر ذلك إلى مصداقية النقد الذي يمارسه.
بعد ذلك يقدم لنا كريم مروة مشروع برنامج نضالي ديمقراطي متوازن يتضمن عشرين بنداً يعالج فيها قضايا النضال في ظروف المرحلة الراهنة التي تستهدف بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة التي يتمتع فيها الفرد بحقوق الإنسان والمواطنة الحرة والمتساوية، سواء أكان رجلاً أم امرأة، دولة حق وقانون ديمقراطي، دولة مؤسسات ديمقراطية، دولة ينمو في إطارها المجتمع المدني الديمقراطي الحديث، وليس المجتمع الأهلي القديم. دولة مدنية تفصل بشكل واضح بين الدين والدولة وتحترم جميع الأديان والمذاهب. ويطرح مروة في هذا الجزء من الكتاب بقية بنود البرنامج الذي يقترحه بجوانبه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، من دون أن يغفل الموارد الطبيعية وسبل استثمارها. كما يعطي مكاناً خاصاً للضمانات الاجتماعية، ويدعو إلى احترام حقوق الأقليات القومية في البلدان العربية، ويشدد على ضرورة النضال لتحرير بلداننا من أنظمة الاستبداد ومن المظالم التي تفرضها على شعوب البلدان التي تسود فيها هذه الأنظمة.
ولم ينس مروة القضية الفلسطينية، إذ أفرد لها فقرة خاصة باعتبارها واحدة من ابرز القضايا التي تشكل مصدر القلق والتوتر والحروب في منطقة الشرق الأوسط. ومن حقه أن يحمل أربعة أطراف مسؤولية الوضع في فلسطين، وهي إسرائيل وسياسات الاحتلال والقمع والغطرسة التي تمارسها بإصرار وعناد، وعجز الدول الكبرى والمجتمع الدولي عن المساهمة في حل هذه المعضلة، وكذلك الحالة المزرية السائدة في معسكر القوى الفلسطينية والبلدان العربية. كما يفترض أن يضاف إلى ذلك عامل التدخل الفظ في شؤون الشعب الفلسطيني من جانب دول المنطقة وبشكل خاص إيران وسوريا والسعودية التي ساهمت في نشوء الواقع الراهن عموماً والمشكلة الناشئة عن سياسات حماس في غزة ورفضها حل الخلاف مع الحكومة الشرعية في الضفة الغربية.
ويتطرق مروة إلى موضوع التكامل الاقتصادي بين البلدان العربية والتنسيق السياسي لصالح الدفاع عن القضايا العربية الملحة والعادلة، ثم يطرح بصورة دقيقة أهمية العلاقة بين الدول العربية والعالم، إنطلاقاً من أن بلداننا هي جزٌء من هذا العالم ولنا فيه مصالح ولنا قضايا يستوجب حلها وجود مثل تلك العلاقات مع جميع دول العالم لمساعدتنا في حل الإشكاليات الإقليمية التي لم تحل إلى الآن، ومنها القضية الفلسطينية ومشكلة الإرهاب.. .الخ. وأخيراً يضع كريم مروة أمامنا بوضوح الموقف الذي يفترض أن تتخذه قوى وحركة التغيير الديمقراطي في العالم العربي من قوى وحركة التغيير على الصعيد العالمي، داعياً إلى تحقيق التعاون والتنسيق في النضال من اجل الوصول إلى قواسم مشتركة فيما بينها لتعمل من اجل تحقيق تغيير فعلي في سياسات الدول الكبرى في الكثير من القضايا الملحة السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية، ورفض التهديد باستخدام القوة أو الحروب الاستباقية من جانب الدول الكبرى وحل المعضلات بالطرق السلمية الديمقراطية، ورفض الإرهاب الدولي المتصاعد الصادر عن قوى الإسلام السياسية المتطرفة وإدانته ومعالجة العوامل التي تتسبب في بروز ظاهرتي التطرف والإرهاب على الصعد الإقليمية والدولية.
في الختام أود أن أشير إلى ثلاث نقاط مهمة:
1-   حول العولمة: علينا أن نميز بوضوح، بخلاف ما يطرح من جانب بعض قوى اليسار، بين العولمة كعملية موضوعية باعتبارها مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية لا مرد لها، وهي مرتبطة عضوياً بالتطور الهائل الحاصل في القوى المنتجة المادية والبشرية على الصعيد العالمي، وهي ذات طبيعة رأسمالية استغلالية وتسري عليها قوانين المرحلة الرأسمالية في تطور المجتمع البشري، وبين السياسات العولمية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الرأسمالية المتقدمة التي تعبر عن محاولة جادة للهيمنة على الاقتصاد العالمي والتحكم بتطور البلدان النامية واستغلال شعوبها. وإذ تشكل بلداننا جزءاً من العالم المعولم موضوعياً حيث يفترض في هذه البلدان الاستفادة القصوى من الجوانب الإيجابية في هذه العولمة لصالح تطورها المستقل، فأن على شعوب هذه البلدان العمل الجاد للتخلص من الجوانب السلبية الناشئة عن سياسات الدول الرأسمالية المتقدمة التي تسعى باستمرار إلى التضييق على وجهة تطور هذه البلدان ورمي ثقل أزماتها على عاتق الفئات الكادحة من شعوبها وشعوب البلدان النامية.
2-   حول الأحزاب الشيوعية، لقد تشكلت الأممية الثالثة في العام 1919 جاء في أعقاب ثورة أكتوبر 1917 ونشوء الاتحاد السوفييتي ومحاصرته من جانب الدول الرأسمالية المتقدمة حينذاك والحرب التي شنت ضده من قبل 22 دولة رأسمالية وحاجته إلى دعم دولي من جانب حركة شيوعية جديدة في مواجهة أحزاب الحركة الاشتراكية للأممية الثانية. وإذ انتقلت بعض الأحزاب الاشتراكية أو أجنحة فيها إلى الأممية الثالثة، فقد تأسست في سنوات لاحقة مجموعة من الأحزاب الشيوعية في العالم العربي بقرار من الأممية الشيوعية. وعبر تشكيل الكومنترن الذي لعب دوراً كبيراً في هذا المجال وربط الحركة الشيوعية بمركز توجيهي واحد هو الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، أصبحت الحركة الشيوعية عموماً مستهلكة للفكر السوفييتي بدلاً من أن تقوم تلك الحركة بأحزابها المختلفة بإنتاج أفكارها انطلاقاً من واقعها الخاص. لقد تمت روسنة الفكر الماركسي في فترة مبكرة من تأسيس الحركة وجرى تعميمها وترويجها، وبشكل خاص في فترة هيمنة ستالين على مركز الحركة الشيوعية العالميةً تحت مصطلح الماركسية-اللينينية. إن تأسيس الأحزاب الشيوعية في العالم العربي جاء استجابة لحاجة تضامن دولية بين ملتزمي الماركسية-اللينينية من جهة، والذي وجد استجابة محلية حينذاك بسبب السيطرة الاستعمارية والتخلف الشديد والبؤس الواسع النطاق في البلدان العربية والدور السلبي للمؤسسة الدينية في التنوير الديني والاجتماعي من جهة ثانية. إن إدراك هذه المسألة والسعي للتخلص من احتمال إقامة أي مركز قادم للحركة اليسارية هو السبيل لتطور الحركة وتقدمها فكراً وممارسة. إن هذه الوجهة تحقق استقلالية الحركة في كل بلد من البلدان، وهي ضرورية لوضع سياسة تتطابق مع، أو تقترب جداً من، الواقع وهي لا تتعارض مع الحاجة الفعلية إلى التضامن والتشاور والتعاون والتفاعل فيما بين الأحزاب والقوى اليسارية على الصعد المحلية والإقليمية والعالمية.
3-   القضية الثالثة التي تهمنا نحن الذين نعاني من تراجعات حادة وانكسارات شديدة في حركة التحرر الوطني وبناء الدول الوطنية الديمقراطية الحديثة التي يثيرها بوعي ومسؤولية عالية كريم مروة، هي العلاقة الجدلية بين النضال من أجل الحرية والحياة السعيدة في الماضي، منذ عهد سبارتاكوس مروراً بثورة الزنج في العراق وانتهاء بالواقع الراهن، وبين الفشل الذي أصيبت به تلك الحركات الذي تعود بعض أسبابه إلى عدم توافر الشروط الموضوعية للنجاح، إضافة إلى عدم امتلاك الوعي الضروري لدى تلك الحركات بالواقع الذي لم تدركه تلك الحركات جيداً ولم تستوعب حركة التاريخ وسبل التعامل الواعي مع القوانين الموضوعية. إن العالم يتحرك بمجمله نحو الأمام والارتدادات الحادة التي تصيب أجزاء من هذا العالم لا تؤثر كثيراً إلا بمقدار ما تساهم في تعديل المسيرة العامة. ومن هنا فأن انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية يجسد مجموعة من الحقائق التي تؤكد بأن البدايات اقترنت بارتكاب أخطاء، وإن الواقع لم يكن مدركاً بشكل جيد وأن ما كان قد جرى قد تناقض مع ما كان يفترض أن يكون، وبالتالي اصطدم الفكر الانتقائي بواقع الحال. كل ذلك يستوجب من قوى اليسار الجديد إعادة النظر في دراسة التجربة والعوامل التي تسببت في انهيارها وسبل الخلاص منها من خلال دراسة واقع العالم والمتغيرات فيه في ضوء المنهج العلمي المادي الجدلي.
أ‌)   إن انهيار النظام السياسي في الاتحاد السوفييتي وفي غيره من الدول الاشتراكية لا يعني ثلاث مسائل جوهرية: لا يعني بأي حال انتصار الرأسمالية على الاشتراكية أولاً؛ ولا يعني فشل الفكر الاشتراكي أو فكر العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية للإنسان الفرد والمجتمع ثانياً؛
كما لا يعني أن على قوى اليسار في العالم، ومنها قوى اليسار في البلدان العربية، أن تتوقف عن الحلم بعالم جديد خال من الاستغلال والبؤس والفاقة شريطة أن تعي مراحل تطور المجتمعات التي تعيش فيها وتنأى بنفسها عن الأوهام وتشخص المهمات والأهداف بصورة دقيقة وتستفيد من دروس التجارب السابقة منذ كومونة باريس في العام 1871 إلى الوقت الحاضر ثم تواصل النضال من أجل الأهداف الإنسانية النبيلة وفق تلك المراحل وليس بالقفز فوقها.
لقد كان الفضل الكبير لماركس وإنجلز أنهما وضعا أو استكملا وضع منهج علمي للبحث والتدقيق واستخلاص الاستنتاجات الضرورية للممارسة السياسية من قبل الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب السياسية، إنه المنهج المادي الجدلي. واستخدام هذا المنهج بوعي ومسؤولية في دراسة الواقع القائم في كل بلد من البلدان أو على الصعيدين الداخلي والخارجي أو الإقليمي والدولي، يساعدان على معرفة الماضي وفهم الواقع القائم والعوامل الفاعلة والمؤثرة فيه والمتغيرات الحاصلة عليه والسياسات التي يفترض انتهاجها على وفق المرحلة التي يمر بها هذا المجتمع أو ذاك. إنه الطريق الأسلم لوضع المقولات وتحديد المهمات والأهداف بعيداً عن الاتكاء على النظرية التي هي ليست بالأساس سوى تجريد وتجسيد الواقع القائم وصياغته في مقولات. من هنا جاء تشخيص إنجلز حين قال "الماركسية ليست عقيدة جامدة، بل نظرية مرشدة". فحين يتغير الواقع الذي نعيش فيه، تتغير المقولات النظرية أيضاً. لا بد إذن من صياغة مقولات جديدة في ضوء العلاقة بين الظواهر الجديدة الفاعلة. ومن هنا يمكن القول بأن الكثير من المقولات النظرية التي تحدث بها ماركس وإنجلز في حينها لم تعد سارية المفعول حالياً أو شاخت، ولكن دراستها تساعد في فهم طريقة التعامل مع الواقع وتحليله ليس أكثر. لكن القوانين التي تم اكتشافها بصدد الرأسمالية مثلاً فهي لا تزال فاعلة لأنها مرتبطة بالتشكيلات الاقتصادي والاجتماعية، رغم أن فعل هذه القوانين متباين من بلد إلى آخر وفق مستوى تطور البلدان وعوامل أخرى.
وإذا كان الجزء الأول من كتاب كريم مروة يتمتع بهذا الغنى الفكري والسياسي، فأن الجزء الثاني منه يتضمن نصوصاً منتقاة من ماركس وإنجلز ولينين وبليخانوف وروزا لوكسمبورغ وغرامشي. وهي نصوص مهمة يطرح أصحابها في زمانهم رؤية جديدة ومهمة يتبناها ويلتقي عندها الكثير من قوى اليسار في البلدان العربية. لكنها لا تزال غير مؤثرة في الساحة السياسية العربية والشرق أوسطية، وهي مهمة جداً من أجل تحريك المياه الراكدة في هذه المنطقة من العالم، رغم حركتها السريعة في أماكن أخرى من العالم. إن المشكلة التي يمكن تشخيصها بالنسبة لقوى اليسار في العالم العربي هي أن ساعة بعض هذه القوى، لا تزال متوقفة تقريباً، في حين أن الزمن يجري وبسرعة، ولا يقتصر الأمر على عدم تقدمنا خطوات إلى أمام، بل إلى واقع تراجعنا عن حركة الزمن وعن المسيرة والتقدم والحضارة العالمية.


5
في الذكرى الرابعة والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي
تحية ودٍ واعتزاز، تحية النضال والمواصلة للحزب الشيوعي العراق
إلى رفاقي، رفاق الحزب الشيوعي العراقي، إلى صديقاتي وصديقاتي أعضاء ومؤيدي ومؤازري الحزب الشيوعي العراقي، أقدم أجمل التهاني، وأطيب التمنيات، وأحر التحيات، وأصدق مشاعر الود، بمناسبة حلول الذكرى الرابعة والثمانون لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، أقدم وأعرق حزب وطني عراقي نشأ وواصل مسيرته المديدة والنضالية على هذه الأرض الطيبة، أرض الرافدين، في كل الظروف الإيجابية والسلبية المليئة بالمصاعب والتضحيات، وسقى تربتها بدماء شهداء الحزب والوطن، وحقق الكثير من المنجزات على طريق التنوير والتعبئة النضالية على مدى العقود المنصرمة. الحزب الشيوعي كان ولا يزال مدرسة نضالية مجيدة في سبيل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والسلام، تخرج منها عشرات الألوف من المناضلات والمناضلين الشجعان الذين واصلوا المسيرة في صفوف الحزب، أو استشهدوا، أو واصلوا النضال في صفوف القوى الوطنية الأخرى. فالكثير من الأحزاب السياسية العراقية، العربية منها والكردية أو غيرها، قد اغتنت ببعض المناضلين الشيوعيين السابقين في صفوفها الذين حافظوا على وعيهم الديمقراطي والاجتماعي وساهموا في بناء علاقات حميمة مع الحزب الشيوعي العراقي
وكانت صحافة الحزب الباسلة مدرسة أخرى تخرج منها المئات من خيرة الصحفيين البواسل الذين لا زالوا يواصلون المسيرة النضالية بالفكر والقلم، أو استشهد أو توفى منهم أحبة رائعين، كما يعمل آخرون في صفوف أحزاب وطنية أخرى، أو هم مستقلون، ولكنهم غير مستقلين عن أماني وحاجات وطموحات الشعب وحقوقه المشروعة وضد التجهيل والفساد والإرهاب. لتكن الذكرى الجديدة حافزاً للنضال في سبيل تحقيق شعار الشعب العراقي من كل القوميات، شعار وطن حر وشعب سعيد
كاظم حبيب
 
في 30 أذار/ مارس 2018
نشر على فيسبوك كاظم حبيب بالتاريخ أعلاه



6
كاظم حبيب
هل الإسلام ينتمي إلى المانيا؟، هل هو جزء منها؟
(1)
ألقى رئيس الجمهورية الألمانية الأسبق كريستيان فولف في العام 2010 خطاباً أشار فيه لأول مرة في تاريخ المانيا إلى أن "الإسلام جزءٌ من ألمانيا". وكان يريد بذلك التغلب على الأجواء السلبية التي نشأت بسبب مواقف قوى اليمين واليمين المتطرف من المواطنين الألمان المسلمين، أو من اللاجئين القادمين من دول عربية أو ذات أكثرية مسلمة، لاسيما حين كان، ولا يزال العداء للأجانب يستخدم بإصرار ومتعمد في الحملات الانتخابية المحلية والعامة. وقد أثار هذا الرأي الصريح والواضح نقاشاً واسعاً بين مؤيد له ومعارض، كما هوجم رئيس الجمهورية بقوة من المناهضين لهذا الرأي. ثم خفت حدة النقاش لفترة غير قصيرة حين أزيح عن المسؤولية. ولكنها عادت بفعل اللجوء الواسع النطاق وغير المتحكم به الذي شمل أوروبا الغربية، ولاسيما ألمانيا، في ضوء الأحداث الدامية والحروب بسوريا والعراق, ومشكلات الدول العربية الأخرى والأفريقية وأفغانستان، حين منع رئيس وزراء هنغاريا دخول أي لاجئ إلى بلاده، وحصر اللاجئون على  الحدود وفي أوضاع كارثية، مما دعا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى التصريح الاستثنائي  بتاريخ 30/08/2015 قالت فيه "نحن قادرون على ذلك"، أي على استيعاب اللاجئين، وبهذا فتحت، بتاريخ 04/09/2015، حدود ألمانيا أمام مئات الآلاف من اللاجئين السوريين والعراقيين والآخرين القادمين من دول تعاني من حروب وأزمات سياسية واقتصادية. وأدى ذلك، وبسبب ضعف الاستعداد لاستيعاب هذا العدد الهائل الذي زاد عن المليون نسمة، إلى خلق أزمة سياسية وصراعات فكرية وسياسية حادة بألمانيا، استغلها اليمين واليمين المتطرف بشكل خاص ضد الحكومة الألمانية وضد ميركل مباشرة، وكذلك ضد اللاجئين. وقد وجد هذا التعقيد تجسيده في تنامي أصوات اليمين المتطرف في انتخابات أيلول/سبتمبر عام 2017 ، حيث دخل حزب اليمين المتطرف "البديل لألمانيا" لأول مرة إلى البرلمان الاتحادي منذ تأسيس الدولة الألمانية الاتحادية وحصل على نسبة أصوات قدرها 12,6% أو ما يعادل 94 نائباً ونائبة في البرلمان من مجموع 709 نائباً. لم يكن سبب ذلك عدد اللاجئين المرتفع الذين دخلوا ألمانيا هو الوحيد في الوصول إلى هذه النتيجة، التي اقترنت بخسارة كبيرة للأحزاب الثلاثة المؤتلفة في الحكومة الاتحادية، الحزب المسيحي الديمقراطي (CDU) والحزب المسيحي الاجتماعي (CSU) والحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)، ,لاسيما الأخير، بل كانت ولا تزال هناك أسباب عديدة ومهمة أخرى، منها مثلاً اتساع الفجوة في الدخل والمعيشة بين الأغنياء والفقراء، وتنامي عدد الفقراء والمعوزين بألمانيا وتراجع مستوى معيشة الكثير من المتقاعدين، أو ضعف الرعاية لكبار المسنين والمصابين بمرض الشيخوخة والعجز .. في أغنى بلد أوروبي.
وأثناء النقاشات حول الأجانب والمسلمين صرح رئيس الجمهورية السابق يواخيم غاوك في العام 2016 قائلاً "المسلمون المقيمون في ألمانيا هم فقط الذين ينتمون إليها"، وبمعنى واضح: إن "الإسلام لا ينتمي إلى المانيا". وبذلك خالف كريستيان فولف وجدد النقاش حول هذا الموضوع.
وخلال الفترة المنصرمة استمر النقاش الموضوعي والشعبوي يدور بين هاتين الصيغتين: "الإسلام ينتمي إلى المانيا" أو إن "المسلمين جزءٌ من المانيا"، وأن "الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا"، على حد تعبير وزير الداخلية الألماني الجديد ورئيس الحزب المسيحي الاجتماعي في بافاريا، الذي أطلقه في أول يوم تسلم فيه مسؤولية وزارة الداخلية الألمانية في 16/03/2018. ومع هذا التصريح الأخير تفجر النقاش واحتدم من جديد، إذ تصدت له المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في اليوم التالي مباشرة (17/03/2018) وقالت:
“الإسلام ينتمي إلى ألمانيا“. وأضافت أن “البعض قد يجد مشكلة في قول ذلك، وهذا حقهم”، إلا أن “مسؤولية الحكومة الفيدرالية تتمثل في تعظيم التماسك داخل المجتمع، وليس إضعافه“. ثم واصلت قولها "إن ألمانيا كانت مسيحية ويهودية، ولكن 4.5 ملايين مسلم يعيشون فيها حاليا، ولذلك فإن دينهم الإسلام بات الآن جزءاً من ألمانيا" (الأردن تايمز، 22/03/2018). ثم توالت النقاشات في المقابلات الصحفية ونشر المقالات الصحفية بين مؤيد لزيهوفر ومعارض له، أو مؤيد لميركل ومعارض لها. ولقد أيد الحزب اليميني المتطرف، البديل لألمانيا، رأي زيهوفر بحرارة وفي مجلس النواب.
(2)
يشير القانون الأساسي الألماني (الدستور) إلى مجموعة من المبادئ الأساسية التي تشكل القيم والمعايير والأسس والنظم التي تعتمدها الدولة الألمانية ومجتمعها في العلاقات الداخلية والخارجية. ومن أبرز تلك المبادئ التي تضمنها الدستور الألمانية والتي تمس موضوع البحث، يجدها المتتبع في المواد 1-19 التي تشكل الفصل الأول من القانون الأساسي الألماني، نشير هنا إلى بعض مضامينها:
1)    تقوم الدولة الألمانية على الفصل بين الدين والدولة، وهذا يعني بأن الدول الألمانية، كأي دولة بالعالم، لا دين لها لأنها شخصية معنوية، وهي علمانية، والدين فيها يخص الفرد.
2)    كرامة الإنسان مصانة ولا يجوز المساس بها، وهو نص جامع لكل البشر ومانع لأي تجاوز. وهو نص قاطع وأساسي لم يحدد هوية فرعية لهذا الإنسان أو ذاك، وبالتالي، فالمسيحي واليهودي والمسلم والهندوسي والبوذي أو من أي دين أو مذهب مقيم بألمانيا، هو إنسان محترم ولا يجوز المساس بكرامته ويحاسب وفق القوانين المرعية حين يرتكب أية مخالفات.
3)    يتمتع المواطن والمواطِنة بألمانيا، ومنهم كل حاملات وحاملي الجنسية الألمانية من أصل غير الماني، بحقوق وواجبات متساوية بغض النظر عن الدين أو المذهب أو الفكر والفلسفة التي يتبناها، وهم متساوون أمام القانون.
4)    فكل من يعيش على الأرض الألمانية يتمتع بحرية العقيدة والضمير والإيمان، وله الحق في ممارسة دينه وطقوسها وإقامة شعائره الدينية، وبناء دور العبادة أو أن يكون بلا دين.
5)    ويحرم القانون الأساسي أي تمييز بين البشر، سواء أكان بين الرجل والمرأة، أم بين البشر على أساس البشرة أو اللغة أو القومية.. الخ.
6)    ويفرض القانون الأساسي احترام بنوده والالتزام بها، بغض النظر عن موقف الفرد من هذه المادة أو تلك، إذ لا بد من الالتزام بكل المواد، كما يحق لكل الفرد العمل السلمي والديمقراطي من أجل إجراء تغيير على أي مادة لا يتفق مع مضمونها وعبر مجلس النواب أو الاستفتاء الشعبي العام. وإلى أن يتحقق له ذلك، عليه أن يلتزم بالقانون الأساسي جملة وتفصيلاً ودون أي موقف انتقائي من مواده.
7)    يضمن الدستور الحق في اللجوء السياسي، كما يمكن أن يقبل اللجوء لأسباب أخرى على وفق قوانين تنظم ذلك.
8)    ويجري هنا تأكيد أهمية العمل على تحقيق الاندماج بالمجتمع الألماني من خلال تعلم اللغة الألمانية والاطلاع الجيد على ثقافته وتاريخه وتقاليد شعبه وعاداته.
(3)
هذه المضامين وغيرها الواردة في القانون الأساسي الألماني تعني فعلياً بأن الدولة الألمانية، التي تفصل بين الدين والدولة، ليست دولة مسيحية، بل هي دولة حيادية، لا دين لها، ولا يدخل الدين في هويتها كدولة، ولا في سياساتها ولا في مواقفها إزاء المواطنات والمواطنين على وفق انتماءاتهم الدينية والمذهبية. وبالتالي، فالمسيحية لا تنتمي للدولة الألمانية، كما لا تنتمي إليها اليهودية أو الإسلام، ولا أي دين آخر، فكلها ديانات لا تنتمي للدولة الألمانية، إذ أن الدين يعتبر مسألة فردية ومرتبطة بالفرد ذاته، وليس بالدولة التي يعيش فيها. وعليه فأن التعبير القائل بأن الإسلام جزءٌ من المانيا، هو تعبير خاطئ وبعيد عن الواقعية، كما هو غير واقعي القول بأنها دولة مسيحية. إنها دولة علمانية تفصل بين الدين والدولة، ولا يغير من هذه الحقيقة أن الدستور الألماني متأثر بالحضارة والثقافة والتقاليد المسيحية الأوروبية، ولكنها حضارة وثقافة متنورة، ويستند قانونها الأساسي على القيم الحضارية وتلاقح الثقافات للمجتمعات البشرية التي تحققت عبر القرون المنصرمة. فمن غير المعقول ولا المقبول أن نقول بأن الإسلام ينتمي إلى ألمانيا، إذ إن هذا، يعني، شاء الإنسان أم ابى، إن على الدولة الألمانية أن تأخذ بالقيم والمعايير والأحكام الواردة بالقرآن من جهة، وبشرائع المسلمين بمختلف مذاهبهم، إذ لا يمكنها أن تنتقي مذهباً إسلامياً واحداً دون غيره، من جهة ثانية. فهل هذا يتوافق مع الدستور الألماني، هل يجوز أن يأخذ الألمان بتعدد الزوجات كما هو وارد في القرآن "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا" (سورة النساء، الآية 3)، أو أن يأخذ بتوزيع الأرث الوارد في القرآن على أساس التمييز بين الذكر والأنثى: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ"، (سورة النساء، الآية 11)، أو أن يأخذ بزواج القاصرات اللواتي لتوهن بلغت التاسعة من طفولتها، كما جاء في شرائع المسلمين على وفق الآية القائلة : "وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا "، (سورة الطلاق، الآية 4)، بل ويحلل روح الله الخميني عملية التفخيذ الجنسي مع الرضيعة، حيث ورد في كتابه الموسوم "تحرير الوسيلة" قوله: "12- لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين ، دواماً كان النكاح أو منقطعاً ، وأمّا سائر الاستمتاعات كاللّمس بشهوة والضمّ والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة ، ولو وطئها قبل التسع ولم يفضها لم يترتّب عليه شيء غير الاثم على الأقوى"، (ص 221 )، أو هل يجوز تحريم الزواج المثلي، الذي لا يحرم ببلداننا، رغم انتشار المثلية فيها، فحسب، بل ويؤدي في الكثير من الأحيان إلى القتل والتمثيل فيهم ... الخ. أعتقد إن كل ذلك غير ممكن في مجتمع قانونه الأساسي متقدم وحضاري وحديث وقوانينه تجيز ذلك.
(4)
منذ أيام والصحف والتلفزة الألمانية مشغولة بنشر الربورتاجات والمقابلات والمقالات والآراء حول ما حصل في واحدة من المدارس الابتدائية ببرلين حيث أساءت تلميذة ألمانية مسلمة إلى بنت ألمانية يهودية بعد أن سألتها عن دينها، كما أساء وتحرش وهدد تلميذ مسلم آخر تلميذ آخر لكونه لا يؤمن بالله، وأنه سيدخل النار. إن هذه المسألة جديرة بالمناقشة من جانب العرب والمسلمين والتصدي لها. إذ إن التلاميذ الصغار لا يميزون بين من يؤمن بالله أو من هو يهودي أو مسلم أو مسيحي، فلا بد أن تكون هذه المسألة مطروحة في بيوت العائلات العربية والمسلمة ومن الوالدين، وليس كلها طبعاً. إن من واجب العائلات العربية والمسلمة أن تلعب دورها بما يسهم في تثقيف وتنوير وتوعية بناتهن وأبناءهم بمبدأ الاعتراف بالديانات والمذاهب كلها، وبأتباعها وأن من حق الإنسان أن يؤمن بهذا الدين أو ذاك، وهي مسألة شخصية بحتة ولا يجوز التدخل فيها أو مساس كرامة من يؤمن بدين أو مذهب أو فكر أو فلسفة أخرى أو اتهامه بالكفر. إن المجتمع الألماني قائم على احترام الديانات والمذاهب دون تمييز، وبالتالي لا بد من الالتزام بهذا المبدأ المثبت في دستور ألمانيا وبغير ذلك سيكبر الأطفال وهم متحفزون ضد أتباع الديانات الأخرى، ومنها ضد السامية أو ضد الملحدين ..الخ، وهو امر بالغ الخطورة على مستقبل العلاقات الاجتماعية بألمانيا، ولاسيما وأن هناك ما يقرب من 4,5 مليون مسلم ومسلمة بألمانيا وبحدود 12 مليون نسمة في دول الاتحاد الأوروبي. 
(5)
لهذا اعتقد وأرى بأن التعبير الصائب والسليم هو القول بـ "أن المسلمات والمسلمين بألمانيا هم جزءٌ من مواطني ومواطنات ألمانيا"، وهذا ينطبق على مسلمات ومسلمي الاتحاد الأوروبي، ما داموا يتمتعون بكامل الحقوق والواجبات ومتساوون أمام القانون، ويحق لهم إقامة دور عبادتهم ويمارسون طقوسهم وشعائرهم الدينية بكل حرية، والتعامل معهم لا يختلف من حيث القانون الأساسي عن التعامل مع المسيحيين أو اليهود أو الهندوس أو البوذيين أو الصابئة المندائيين أو الإيزيديين المقيمين بألمانيا.
حين أطرح هذا الرأي، أدرك تماماً بوجود أفراد وجماعات بألمانيا لهم سياسات ومواقف وسلوكيات مناهضة للأجانب، ولاسيما ضد العرب والمسلمين وضد السامية. ولكن الغالبية العظمى من السكان الألمان ديمقراطيون ويعون تماماً قانونهم الأساسي ويؤيدونه ويرفضون الظواهر السلبية التي تظهر في المجتمع، إذ أن مثل هذه الظواهر السلبية، بل وأكثر منها، موجودة في الدول العربية وذات الأكثرية المسلمة في الموقف من المسيحيين واليهود وأتباع ديانات أخرى. ورغم ذلك هذا لا يبرر وجود مثل هذه الظواهر والكفاح ضدها بطريقة سلمية وديمقراطية أمر ضروري دائماً.
(6)
إن من واجب العرب والمسلمين عموماً، ودون استثناء، إن يدركوا بشكل سليم وواقعي، بأن التعايش العقلاني بين أتباع جميع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والفلسفية بألمانيا أو بأوروبا، يستوجب مجموعة من المتطلبات، منها بشكل خاص:
1.    التعلم الجاد والمسؤول للغة الألمانية، باعتبارها لغة المجتمع الذي أصبحنا نشكل جزءاً منه، مع بعض خصوصياتنا.
2.    الاطلاع الجاد والمعقول على ثقافة هذا البلد وشعبه الذي احتضننا، ومعرفة تاريخه وعاداته وتقاليده وأعياده واحترامها.
3.   الالتزام الثابت بمواد الدستور الألماني كلها، بغض النظر عما يمكن أن يختلف هذا الإنسان أو ذاك مع هذه المادة أو تلك فيه، إذ بدون هذا الإقرار والالتزام بالقانون الساسي لا يمكن أن تنشأ علاقات سليمة في المجتمع.
4.   إن ما يتمتع به الإنسان العربي أو المسلم بألمانيا لا يتمتع ولو بمثقال واحد منه مواطنات ومواطنو البلدان العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة، وهذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أي إنسان عاقل، كما إن ما عانى ويعاني منه أتباع الديانات الأخرى، كالمسيحيين، والإيزيديين والمندائيين والشبك والبهائيين، كما هو حالهم بالعراق وإيران، أو حال المسحيين في مصر وباكستان ... الخ، إضافة إلى الصراعات والنزاعات الطائفية في هذه البلدان، خير دليل على هذا الواقع المزري.
5.   لا يجوز للمسلمين والمسلمات أن يطالبوا بأن يكون الإسلام جزءاً من ألمانيا، بمعنى القبول بما هو وارد في القرآن والشرائع العديدة، إذ سينشأ مجتمعاً متصارعاً ومتنازعاً، كما يجري اليوم بالدول العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة، والدور الذي تمارسه القوى السلفية والإسلامية المتطرفة والتكفيرية، التي ترى في بقية الديانات كفرا وأتباعها كفاراً يجب اجتثاهم!!!، بل على المسلمين والمسلمات كأفراد يشكلون أن يؤكدوا بأنهم جزءً من ألمانيا، ولكل فرد منهم الحق، كغيره من المواطنين والمواطنات، في ممارسة الدين الذي يعتنقه والطقوس التي يلتزم بها بحرية تامة، أو من لا يؤمن بأي دين أو إله.
6.    إن ما حصل في مدرسة برلينية، بل وفي مدارس أخرى ببرلين وألمانيا في الإساءة إلى طفلة يهودية الديانة، أو بمن لا يؤمن بالله، من جانب أطفال عرب ومسلمين سيؤدي إلى عواقب وخيمة ما لم نعالجها مبكراً. إن من واجب عائلات العرب والمسلمين أن يربَّوا بناتهم وأولادهم على مبادئ الاعتراف بالديانات وأتباع الديانات الأخرى والقبول بالآخر وتجنب التمييز والأفكار العنصرية التي تناهض الديانات الأخرى، بما في ذلك ضد السامية أو ضد اليهود، وأن الدين مسألة شخصية لا يجوز المساس بها بأي شكل كان، كما أن الإيمان بالله هو الأخر قضية شخصية لا يجوز مس كرامة الإنسان الأخر الذي لا يؤمن بالله. إن هذه المسالة بحاجة إلى عملية تثقيف وتنوير وتوعية مستمرة في البيوت والمدارس وفي وسائل الإعلام لكي ينشأ الأطفال عموماً، ولاسيما أطفال المسلمين والمسلمات، على أسس قويمة وقيم ومعايير إنسانية وحضارية حديثة.



7
كاظم حبيب
العسكرة الفارسية الجديدة وحرب يمنية مماثلة بالعراق!!
لا يمر يوماً واحداً دون صدور تصريحات وخطب نارية ومقالات مشحونة بالعداء للعرب من شخصيات إيرانية من الخط السياسي والديني الأول ومن كتاب سياسيين ودون أن تمتلئ الصحف الإيرانية ونشرات الأخبار العالمية بها، بأمل أن تنعش الوضع الداخلي المتأزم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحقوقياً من جهة، وبهدف إشاعة التشنج والتوتر السياسي والاجتماعي بالعراق ومنطقة الشرق الأوسط من جهة ثانية وإلها العب الإيراني بها أيضاً لينسى أوضاعه المأساوية. ولا يبقى كل ذلك دون ردود أفعال مماثلة من بعض الدول العربية التي تسهم بدورها في زيادة التوتر والتصعيد السياسي. خلال السنوات العشر المنصرمة تشكلت محاور سياسية وتفلشت، ثم تشكلت أخرى وتفلشت أيضاً، وما تزال تتشكل على نحو مخل في غير مصلحة شعوب المنطقة لا يحمد عقباه، لأن كل ذلك ناشئ عن رغبة في الاستحواذ والهيمنة واستغلال الشعوب وإخضاعها لسياسات الدول التي تعتبر نفسها كبيرة أو عظمى بالمنطقة، ومن حقها أن تقود المنطقة دون غيرها. فنحن أمام النظام الدكتاتوري والعنصري التركي، الذي يعيد إلى ذاكرتنا العهد العثماني البغيض من جهة، وأمام النظام الثيوقراطي الاستبدادي الفارسي، الذي يعيد بدوره إلى ذاكرتنا العهد الصفوي البغيض من جهة أخرى، وكذلك أمام الدولة السعودية التي تشكل محوراً خليجياً لتفرض إرادتها على الدول العربية، بدعوى الصراع المذهبي، من جهة ثالثة!!! أما مصر، فرئيسها "الأوحد" والمستبد بأمره وبشعبه، تخلى حالياً عن الهيمنة على المنطقة، فهو مشغول بسبل إخضاع الشعب المصري لإرادته وإرادة حفنة من العسكر لا غير، وليشبع الشبع المصري من الفول والبصل ومن الحرمان والبؤس والفاقة والسكن في المقابر. الحرب الطاحنة بسوريا والحرب الأكثر طحناً باليمن "السعيد!!" ما تزال مستمرة ويراد إشعال حرب منشودة من جانب إيران وتركيا بالعراق أيضاً!!
القادة الإيرانيون، السياسيون وشيوخ الدين في حوزة قم وغيرها، ولليس الشعب الإيراني، يحملون البغض والكراهية والحقد ضد الشعب العراقي، وهم يتمنون في السيطرة الكاملة والمكشوفة والمعترف بها من العراقيات والعراقيين على العراق كله. وهم يرون بالعراق ولاية من ولايات الدولة الفارسية، كما حصل في فترة الساسانيين ، أو في فترة الصفويين (إسماعيل الصفوي). وليس عبثاً إن ألقى وزير الدفاع الإيراني العميد حسين دهقان أخيراً في ذكرى معركة ديزفول خطبة نارية ذات أهداف استعمارية صارخة وعدوانية ضد الشعب العراقي والعرب ومن أجل احتلال العراق في آن، حين قال:     
"..، ان العراق بعد 2003 أصبح جزءاً من الامبراطورية الفارسية، ولن يرجع الى المحيط العربي، ولن يعود دوله عربيه مرة أخرى، وعلى العرب الذين يعيشون فيه ان يغادروه الى صحرائهم القاحلة التي جاءوا منها.. من الموصل وحتى حدود البصرة.. هذه اراضينا وعليهم إخلائها.."!!! هل هناك يا ترى وقاحة أكثر من هذه الصلافة، هل هناك إنسان عراقي شريف يستطيع أن يتحمل مثل هذه الإساءة الوقحة لكل الناس العراقيين والعراقيات، ولا يشعر بالإساءة الشديدة لكرامته وعزة نفسه!! لم يكتف وزير الدفاع الإيراني بذلك بل أضاف ما كنا نعرفه قبل هذه الخطبة العدوانية" بقوله:
" لدينا في العراق قوة الحشد الشعبي الشيعي، ستُسكِتَ اي صوتٍ يميل الى جعل العراق يدور حول ما يسمى بمحيطه العربي.. إن العراق عاد الى محيطه الطبيعي الفارسي"!! لم نشك يوماً بأن الحشد الشعبي وقادته هم عراقيون بالاسم، ولكنهم إيرانيون بالفعل، عدا أولئك الذين التحقوا في القتال بناءً على نداء السيد علي السيستاني للتطوع في ضوء مفهوم الجهاد الكفائي، إذ إن الآخرين هم من تلك المليشيات الشيعية التي تشكلت إما بإيران، كما بالنسبة لمنظمة بدر ورئيسها هادي العامري، وإما تلك البقية التي شكلها الإيرانيون بالعراق دون استثناء. وولاء هذه التشكيلات المسلحة ليس للعراق ولا تحت أمرة رئيس الوزراء، رغم القانون الصادر بهذا الصدد، بل يتلقون أوامرهم من العميد قاسم سليماني ومن وزير الدفاع الإيراني ومن الخامنئي، وليقل رئيس الوزراء العراقي ما يشاء في هذا الصدد، فهو ليس القائد الفعلي لهذا "الحشد الشعبي!". والغريب بالأمر أن ليس هناك واحداً من العراقيين والعراقيات العرب الشيعة، ولا من الحوزة الدينية بالنجف أو شيوخ دين شيعة أخرين، قد خرج إلى الملأ وصرح بالضد من هذه الخطبة الوقحة لوزير الدفاع الإيراني، والمضامين الاستعمارية التي جاء فيها، إذ إن السكوت علامة القبول والخضوع، بل حتى الركوع للقادة الفرس بإيران.   
لم يكتف حسن دهقان بذلك، بل أشار إلى تنامي القوة العسكرية الإيرانية وإلى قدرة إيران في التصدي لكل العرب وإسقاط نظمهم السياسية، وأضاف: وسيلقون نفس مصير صدام حسين الذي قتلناه، انتبه يا شعب العراق، ليس الشعب العراقي من أعدم صدام حسين ورهطه، بل هم بالإمبراطورية الفارسية الجديدة حيث قال: كما "قتلناه!!!
يقول دهقان: " إيران اليوم وصلت الى مرحلة تصمم وتنتج فيها حاجتها من الصواريخ البالستية وكروز بمدى 3000 كيلومتر، .. لقد عدنا دوله عظمى كما كنّا سابقا، وعلى الجميع ان يفهم هذا، نحن أسياد المنطقة، العراق وافغانستان واليمن وسوريا والبحرين، عما قريب كلها تعود الى أحضاننا وهو مجالها الحر الطبيعي" ثم يضيف: “اليوم كل المحاولات في المنطقة تهدف الى اضعاف إيران، لكن إيران تقف بعزم وصلابة.”
كلنا شهود على نمو الروح العسكرية الانتقامية، والاستعدادات العسكرية، ونمو ترسانة الأسلحة الهجومية الإيرانية، وعديد القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني من جهة، وصرف المليارات من الدولارات الأمريكية من خزينة الشعب الإيراني على الحرب التي يشارك فيها الحرس الثوري الإيراني في كل من اليمن وسوريا من جهة ثانية، والاستعداد لحرب جديدة ربما بالعراق أيضاً، كلها تأتي على حساب حياة ومصالح ومعيشة وجوع وحرمان الشعب الإيراني، وإن هذا الشعب الأبي الذي أطاح بشرطي المنطقة، بشاه إيران ونظامه السياسي، لن يسكت، كما سكت حتى الآن، عما عاني منه خلال العقود التي مرت عليه، منذ الإطاحة بنظام الشاه عام 1979.
 إن على العراقيين أن يرفعوا رؤوسهم عالياً، أن يصونوا كرامتهم من عبث العابثين، ممن يريدون الهيمنة على العراق وشعبه، واستغلال خيراته، وسلب حقوقه وحرياته، سواء أكان الغزاة قادمين من إيران أو تركيا. لن يصبح العراق جزءاً من الإمبراطورية الفارسية الجديدة أو تابعاً، كما لن يكون جزءاً من الإمبراطورية العثمانية الجديدة أو تابعاً لها، فهي أضغاث أحلام، وعلى الشعب العراقي أن يبرهن لهم ذلك.
إن تصريحات القادة بإيران تدفع بالأمور إلى حافة الحرب مع بقية الدول العربية وتركيا بالعراق، إنها تريد أن تحول العراق إلى ساحة حرب جديدة، كما هو حال سوريا واليمن، ساحة نفوذ لها، وهو ما يجب مقاومته ورفض الوجود الأجنبي الإيراني والتركي وأي نفوذ أجنبي آخر بالعراق. سوف لن يغفر الشعب العراقي لأتباع إيران بالعراق حين يسعون لتكريس إرادة إيران ونفوذها ووجودها ومصالحها بالعراق، ولا يستنكرون تلك التصريحات غير اللائقة وغير الحكيمة بل الاستفزازية لمشاعر وكرامة الشعب العراقي بكل قومياته واتباع دياناته ومذاهبه. كما سوف لن يسكت عمن يسكت عن التدخل العسكري الهمجي لتركيا لسوريا أو بشمال العراق وكردستان، إنه الوهم الذي سيسقطهم إن واصلوا الارتهان لإيران أو تركيا أو لأي دولة أجنبية أخرى.     



8
كاظم حبيب
هل أصبح أردوغان شرطي المنطقة ومجرم حرب في آن؟

لم يطرح هذا السؤال على بساط البحث قبل 15 سنة، بسبب ادعاءات اردوغان بالديمقراطية وتقديمه نموذج الإسلام الديمقراطي التركي. رفضت القبول بهذا الرأي وبما أطلق عليه حينذاك بالظاهرة الإسلامية التركية الجديدة، النموذج الإسلامي الاردوغاني. وقد تجلى موقفي هذا في ندوة مشتركة عقدت في مدينة كولون بألمانيا، وشاركت فيها الفقيد الأستاذ الدكتور جلال صادق العظم في الحديث عن حرب العام 2003 بالعراق والتجربة التركية. وقد تبنى الدكتور العظم تجربة أردوغان الإسلامية وسعى إلى إبراز جوانب إيجابية وعناصر ديمقراطية في نهجه الإسلامي. وقد كتب ونشر بعض المقالات بذات الاتجاه. أبديت رأيي المخالف وأشرت إلى إنها فورة سياسية مؤقتة سرعان ما تتغير، وأن السياسة الأردوغانية الحقيقية قادمة لا ريب في ذلك، كما عارضت رأيه بشأن حرب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وخارج إطار قرارات مجلس الأمن الدولي ضد النظام الدكتاتوري البعثي بالعراق، لما توقعت أن يحصل بالعراق في أعقاب الحرب مع قناعتي التامة بأن النظام لن يصمد أمام تلك الحرب غير المتكافئة وما يمكن أن ينجم عنها، والتي ذكرها بندوات أو كتبتها ونشرتها في مقالات كثيرة في حينها. ومن المؤلم القول بأن المسألتين قد برهنتا على صواب موقفي. لقد بنيت موقفي بصدد تركيا استناداً إلى ثلاث مسائل جوهرية: 1) طبيعة النظام السياسي التركي وتغييبه للحريات العامة والحياة الديمقراطية عن الشعب بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه، 2) والأيديولوجية الإسلامية المتشددة التي تبناها أردوغان حين كان عضواً في حزب الرفاه الإسلامي ومحافظاً لمدينة إسطنبول حين اعتقل وأبعد عن منصبه وحكم عليه ثمانية شهور بالسجن بسبب تطرفه السياسي وتحريضه على الكراهية الدينية في تركيا في العام 1998، 3) ومواقفه المناهضة لحق تقرير المصير للشعب الكردي وتأييده الحرب التي كانت تخوضها النظم التركية العسكرية منذ الثمانينيات ضد الشعب الكردي المطالب بحقوقه الإدارية والثقافية، والتي واصلها هو أيضاً حين أصبح مسؤولاً عن قيادة الدولة التركية، ثم أجبر على إيقاف الحرب بسبب أوضاعه المالية المعقدة وكثرة القتلى واحتجاج العالم ومطالبة الاتحاد الأوروبي بممارسة تركيا للمعايير أوروبية بشأن حقوق الإنسان إن كان يريد حقاً الدخول إلى عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الشعب الكردي في كردستان تركيا يشكل أكثر من 20% من إجمالي سكان تركيا، وهناك ما يقرب من 10% من أقليات قومية أخرى، وبحدود 70% ترك وبهويات مذهبية وفرق إسلامية عديدة، ولاسيما المذهب الحنفي، إضافة إلى العلويين والبكتاشيين... ومن المعروف عن تركيا إن التثقيف الفكري والسياسي فيها ينحاز بقوة إلى جهة العنصرية والتمييز القومي والديني والمذهبي، إذ ما تزال في الذاكرة النشطة لشعوب العالم جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية التي ارتكبها النظام العثماني مع بداية الحرب العالمية الأولى، ولاسيما في العام 1915 وما بعده، ضد الآشوريين والسريان في "مجازر سيفو" أو "بشاتو دسيفو" أي "عام السيف"، و"مجازر الأرمن"، الذين كانوا يشكلون أكثرية المسيحيين في الدولة العثمانية.  وأشير إلى إن عدد قتلى الآشوريين والسريان حينذاك بين 250-500 ألف شخص، وعدد قتلى مجازر الأرمن بأكثر من مليون قتيل، وهي مذابح يندى لها جبين البشرية كلها، والتي لم تعترف الدولة التركية حتى اليوم بهذه المذابح التي قامت بها الدولة العثمانية، وتحاول مقاطعة الدول التي تعترف بوقوع الإبادة الجماعية دبلوماسياً.     
واليوم يمارس أردوغان سياسة عدوانية وتدخل عسكري فظ في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، ولاسيما بالعراق وسوريا، حيث أقام قاعدة له في بعشيقة بالعراق، ويسعى اليوم إلى إقامة قاعدة أخرى في سلسلة جبال قنديل العراقية بدعوى موافقة الحكومة العراقية على مطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، في حين أعلنت الحكومة العراقية ووزارة الخارجية العراقية رفضها وشجبها لأي تدخل عسكري في شؤون العراق الداخلية وطالبت بانسحاب القوات التركية من بعشيقة. وبالأمس ضربت طائرات حربية تركية منطقة كردستان العراق بصواريخ أودت بحياة أربعة شبان كرد. وإذ احتجت حكومة إقليم كردستان، فأن الحكومة العراقية ووزارة خارجيتها لم تحتج حتى الآن على هذه الجريمة النكراء. وكذلك تمارس الآن تركيا التدخل العدواني العسكري وتجتاح سوريا وتحتل عفرين وتشرد أكثر من 120 ألف مواطن كردي سوري من هذه المنطقة، إضافة إلى قتل المئات من السكان المدنيين، واستشهاد مقاتلين كرد ضد المحتل الجديد. وهم الآن يهددون بالولوج أكثر فأكثر بالعمق السوري وصولاً إلى منبج حيث توجد قوات حماية الشعب الكردي. فهل يا ترى تحول أردوغان إلى شرطي شرير في المنطقة وإلى مجرم حرب؟ إن الدلائل كلها تشير إلى هذا التحول الفعلي، إذ لم يكن مندوب الدنمرك في مجلس الأمن الدولي مخطئاً حين أعلن بـ: أن تركيا دولة مجرمة والرئيس أردوغان مجرم حرب في ظل المجازر التي يقوم بها الجيش التركي في عفرين". واحتج المندوب التركي وهدد بقطع العلاقات مع الدنمرك!!! ويوم أمس 22/03م2018  شجبت المستشارة الألمانية بشدة ونددت بأشد العبارات، في الحديث عن سياسة حكومتها في مجلس النواب الألماني، الاعتداء العسكري التركي على عفرين وقتل الأبرياء وتشريد الآلاف من الكرد.
إن الولايات المتحدة، حليف تركيا في حلف شمال الأطلسي، التي التزمت في الدفاع عن قوات حماية الشعب الكردي وسلحتها، أثناء المعارك ضد عصابات داعش في الرقة، عاصمة القتلة الداعشيين، وتطهير الأرض من رجسهم، وأبدت شجاعة فائقة في القتال في مناطق أخرى من سوريا أيضاً، تخلت بكل نذالة عن هؤلاء المقاتلين الشجعان وتركتهم وحدهم دون ان تمولهم حتى بالسلاح، وسمحت لتركيا وطيرانها الحربي ودباباتها وقواتها البريد باجتياح المنطقة وتحويل عفرين وضواحيها إلى أنقاض. إنها المساومة الدولية القذرة بين الحكومات الخمس المشاركة في العدوان على الشعب السوري بكل قومياته، إنها (الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وسوريا)، والأخيرة شجبت التدخل التركي، ولكنها لم ترسل قوات مسلحة حكومية دفاعاً عن مدينة عفرين السورية وتركتها تسقط بأيدي المحتل التركي ومجرم الحرب اردوغان. إن السكوت عن هذه الجرائم التي ترتكب اليوم، ستدفع بهذا الدكتاتور المغامر إلى المزيد من التهور والعنجهية والعفترة العثمانية في سعيه العدواني والتوسعي. وهو يمارس منذ عدة سنوات سياسة داخلية استبدادية متشددة ضد كل القوميات بتركيا وضد الشعب التركي ذاته، حيث تحتض سجون تركيا ومعتقلاتها عشرات الألوف من المناضلين ضد نظامه والذين يتعرضون لأبشع صور التعذيب النفسي والجسدي، والمئات من الصحفيين الترك ايضاً، وهو يعمل بدأب للهيمنة على السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والسلطة القضائية والإعلام ويمركزها كلها في قبضته الحديدية. إذ سمح الدكتاتور أخيراً لحليفته دولة قطر، التي تشاركه في العدوان على دول المنطقة، ولتلك الجماعة القريبة من أردوغان وسياساته، على شراء مجموعة دوغان الإعلامية وشراء الكثير من الأسهم في شركات إعلامية أخرى بما يسمح لأردوغان عبر الشركة القطرية في الهيمنة التامة على كامل أجهزة الإعلام التركية تقريباً، لتوظيفها لصالح سياساته الاستبدادية والعدوانية والإخوانية (جماعة الأخوان المسلمين) بتركيا والمنطقة. علماً بأن الحليفين التركي والقطري يقفان في صف واحد مع التنظيم الدولي الإرهابي للإخوان المسلمين. 
إن من واجب الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لا أن يرفض سياسات تركيا العسكرية والتوسعية في منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل وأن يقاومها ويفشَّل جهود أردوغان في التحول الفعلي إلى شرطي إرهابي في المنطقة، وأن يمارس بهوس المجنون الحروب ضد الدول المجاورة وضد من يختلف معه بذريعة تهديد تركيا وحدودها ونظامها السياسي.

9
الأخوات والأخوة الكرد
الأخوات والأخوة جميعاً
تحية طيبة
أُحيي بحرارة وأقدم أطيب وأحر التهاني والتمنيات للشعب الكردي بالعراق ولبقية أبناء وبنات الأمة الكردية في جميع أقاليمهم الكردستانية بمناسبة الذكرى السنوية لعيد نوروز، عيد الربيع والزهور والحب والحياة، وأتمنى أن ينتهي ليل الظلام والآلام والماسي التي تعرضوا لها خلال القرون والعقود المنصرمة، والتي لا زالوا يتعرضون لها، كما في عفرين، وان يحققوا آمالهم وتطلعاتهم العادلة والمشروعة. لنقف حداداً وإجلالاً على أرواح شهداء الشعب الكردي وأخرهم شهداء عفرين المقدامة التي احتلتها يوم أمس قوات الدولة الدكتاتورية والدكتاتور أردوغان، والتي راح بعض العرب من عملاء الترك ومن يسمون بـ "الجيش الحر!" ينهبون بخسة ودناءة بيوت واسواق ومحلات النازحين الكرد. نشد على أيدي المناضلين الكرد اينما كانوا، كاظم حبيب
تهنئة وتحية للشعب الكردي
بمناسبة عيد نوروز المجيد
في الحادي والعشرين من اذار من كل عام يحتفل الشعب الكردي في كردستان وعدد من دول المنطقة والعالم بحلول عيد نوروز القومي التحرري من نير الظلم والاضطهاد وبحلول موسم الربيع وتفتح الزهور والأشجار في السهول الوديان والجبال مع بداية السنة القمرية الجديدة .
ويسر المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الانسان ان يرفع اسمى التحيات وازكى التبريكات للشعب الكردستاني في العراق وبقية اجزاء كردستان الاخرى ، املين ان تعود هذه الذكرى وقد عم السلام والآمان والمحبة والتسامح من اجل تحقيق حقوقه المشروعة والعادلة في تقرير مصيره وما يصبون اليه من حرية وعزة وعيش كريم ، وأسوة ببقية شعوب المنطقة والعالم ، بعيداً عما يتعرض اليه من قمع وقتل واضطهاد وإذلال وإقصاء وتهميش في سائر اماكن تواجد الكرد وخصوصاً ما يجري من احتلال وقتل وتشريد ونهب في مدينة عفرين من قبل القوات التركية الغازية والتي راح ضحيتها اكثر من ( الف شهيد وآلاف الجرحى من المدنين واضطرار 150 الف مواطن للنزوح من المدينة ) ، اضافة لاجتياحها للحدود العراقية بمسافة اكثر من خمسة عشر كيلو متر عمقاً ، بتواطؤ اقليمي ودولي .
اننا في المنتدى العراقي لحقوق الانسان في الوقت الذي ندين ونشجب الاعمال والمجازر والانتهاكات الفضة الوحشية التي ترتكب بحق المواطنين الابرياء نطالب بوقف الهجوم العدواني على سيادة الاراضي العراقية والسورية والتي تعد خرقاً لميثاق الامم المتحدة في هذه السنة 2018 والمعتمدة من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة باعتبارها عاماً لحقوق الانسان .
نكرر تهانينا الصادقة بمناسبة عيد نوروز المجيد للشعب الكردي .
المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الانسان
20/3/2018
 


10

كاظم حبيب
لا لجرائم الإبادة العنصرية والفاشية، لا للدكتاتور أردوغان في عفرين...!!!
تعرض الشعب الكردي على امتداد العقود المنصرمة إلى الكثير من الجرائم البشعة التي مارستها نظم سياسية عنصرية وفاشية، نظم دكتاتورية لا قيمة للإنسان عندها. ففي سنوات الفترة 1961-1991 تعرض الشعب الكردي بإقليم كردستان العراق إلى العديد من الحروب الهمجية من الحكام العراقيين، وكانت أبشع تلك المجازر حرب الإبادة القذرة التي مارسها نظام البعث الفاشي والعنصري بزعامة الدكتاتور المجرم صدام حسين بين شباط/فبراير 1988 وتشرين الأول/أكتوبر من نفس العام، والتي راح ضحيتها أكثر من 180 ألف قتيل ومغيب، ودمار واسع وتلويث كبير للبيئة، كما كانت قمتها قصف المدينة التاريخية البطلة حلبچة بالسلاح الكيماوي الذي أودى بحياة وجرح وتعويق ما يزيد عن 10 ألاف مواطن  ومواطنة من إقليم كردستان العراق، بمن فيهم الأطفال الرضع والنساء الحوامل وكبار السن والمرضى. وحيث تمر علينا الذكرى الثلاثون لمجزرة حلبچة الأليمة، يمارس المستبد العثماني والدكتاتور الأهوج رجب طيب اروغان، وأمام أنظار العالم كله، وبمساومات دولية وإقليمية قذرة، أبشع مجزرة جديدة بحق شعب عفرين بسوريا، فمنذ ما يزيد عن شهرين والطائرات التركية والمدافع ترمي بحممها على هذه المدينة وضواحيها وتقتل يومياً وفي كل ساعة المزيد من الكرد ومن أولئك الكرد والعرب الذين لبّوا الدعوة وجاءوا من مناطق أخرى دفاعاً عن مدينة عفرين البطلة وشعبها الأبي أمام جحافل الغزاة العثمانيين الجدد. وتشير المعلومات الواردة إلى نزوح هائل يقدر بعشرات الالاف من مدينة عفرين، كما يؤكد القتلة الترك بأنهم قتلوا أكثر من 3000 مقاتل كردي عدا قتلى المدنيين الذين لا يذكروهم.
لقد جربت النظم التركية العسكرية والمستبدة خلال ثلاثة عقود خنق صوت الشعب الكردي في كردستان تركيا وتجرعت الفشل الذريع وتحمل الشعبان التركي والكردي خسائر بشرية فادحة، إضافة إلى خسارة مادية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات الأمريكية، كما تعطلت عملية التنمية، فأُجبر النظام التركي على المساومة الموقتة في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ولكنه عاد مرة أخرى بزعامة الدكتاتور العثماني الجديد رجب طيب أردوغان ليشن حرباً عدوانية ضد الكرد في كردستان تركيا. وأن يدعي كذباً بأن كرد عفرين ومنبج بسوريا يهددون سيادة الدولة التركية، وعليه لا بد من إخضاعهما لسيطرة تركيا. ولكن هذا الدكتاتور الأرعن ينسى أو يتناسى وقائع تاريخ نضال الشعوب ومقاومتها للغزاة والمحتلين والمستبدين، فحتى لو حقق نجاحاً موقتاً في هذه الحملة العسكرية الهمجية الواسعة والظالمة، مع ما حملته وتحمله معها من خسائر بشرية وعمرانية فادحة، فأن الفشل سيكون، في المحصلة النهائية، من نصيب هذا الدكتاتور الجديد، وسوف لن تختلف نهايته عن نهاية الدكتاتور صدام حسين ورهطه.   
إن الحرب التي يخوضها اردوغان وقواته المسلحة ضد شعب عفرين الكردي السوري تعتبر تجاوزاً فظاً على القانون الدولي والشرع الدولية وعلى اللوائح المثبتة في العلاقات الدولية للأمم المتحدة. ورغم ذلك فأن الطاغية هذا الطاغية دأب بخطبه يستهزئ بالعالم كله، بالأمم المتحدة، بمجلس الأمن الدولي، وبكل دول العالم والرأي العام العالمي وكل الذين طالبوه بإيقاف القصف الجوي والمدفعي على شعب عفرين والتخلي عن تطويق ومحاصرة سكانها وقطع الماء والكهرباء عنهم. وفي إحدى خطبه الرعناء إن الولايات المتحدة لم تتعرف بعد على الصفعة العثمانية!! هكذا وبكل وقاحة يتحدث باسم الدولة العثمانية!! ومن المآسي الفعلية أن تتعاون فصائل مسلحة تدعي معارضتها للنظام السوري وتدعي إنها حرة "الجيش السوري الحر!!!"، ولكنها في واقع الحال تحولت إلى قوة عميلة تخدم الطاغية العثماني ومصالحه وأغراضه الخبيثة بسوريا، كما إن طاغية سوريا، بشار الأسد، هو الآخر رفض نجدة سكان عفرين بقوات عسكرية سورية مسلحة تتصدى للقوات التركية والمرتزقة السوريين الذين يحاربون مع القوات التركية لتطويق سكان عفرين ومحاصرتها واحتلالها، لقد حصلت مساومة قذرة بين سوريا وإيران وروسيا والولايات المتحدة وتركيا في السكوت الفعلي عما يجري بعفرين لتقطيع أوصال قوات حماية الشعب الكردي وتسليمها رؤوسهم هدية لأردوغان من أجل ضرب مطالبة الكرد بحقوقهم المشروعة بسوريا.
وما يجري في الغوطة السورية ليس سوى الدليل الثابت على حجم المناورات الوقحة التي تمارسها الدول الكبرى والإقليمية في المنطقة المشاركة في هذه الحرب والجارية على حساب حياة ومصالح سكان الغوطة والشعب السوري عموماً، فقد تحولت سوريا إلى ساحة صراع دولي وإقليمي منذ سبع سنوات بعيداً عن مصالح الشعب وعن سوريا التي يريدها الشعب السوري دولة ديمقراطية وعلمانية ومجتمعاً مدنياً ديمقراطياً لا يسود فيه البعث الفاشي الحاكم ولا سلطة دكتاتورية مقيتة.
إن من واجب ذوي الضمائر الحية والنظيفة في كل أنحاء العالم أن يقفوا معنا إجلالاً لشهداء حلبچة البطلة في الذكرى الثلاثين للمجزرة الكيماوية التي ارتكبها نظام البعث المجرم وصدام حسين بحق الشعب الكردي وسكان حلبچة، وإجلالاً للشهداء الذين يتساقطون يومياً وفي كل ساعة في معارك عفرين وضواحيها، وكذلك في الغوطة وبقية أنحاء سوريا، وأن يقدموا معنا الدعم الشديد والتضامن الإنساني مع نضال المقاتلين في سبيل حرية الكرد وحقوقهم المشروعة وحرية سوريا، وأن يحتجوا بشدة ويعلنوا عن إدانتهم الشديدة للحرب العدوانية والكارثية التي تنفذها القوات العسكرية التركية بقرار مباشر من الدكتاتور أردوغان.
ليندحر غزو وعدوان الدولة التركية ضد عفرين وسوريا، لتندحر الحرب الظالمة بسوريا، ولينتصر الشعب الكردي وعموم الشعب السوري على الغزاة والمحتلين والمستبدين.
   



11
د. كاظم حبيب
حوار بين كاتبين حول فكر وأبحاث علي الوردي وفالح عبد الجبار
قرأت بعناية واهتمام المقال القيم الذي كتبه الدكتور حميد الكفائي، حيث بذل جهداً متميزا في إبراز الأعمال الفكرية المميزة للفقيد الدكتور فالح عبد الجبار ودوره الثقافي المعمق والعضوي ونشاطه الذي لم يكل حتى اللحظة الأخيرة من عمره، في هذه المرحلة المعقدة والصعبة من حياة ونضال الشعب العراقي، وكان بعنوان: "فالح عبد الجبار: عاش فاعلاً ومات واقفاً1. وقد أعجبت بالمقال حقاً، وعبرت له عن ذلك برسالة شخصية قصيرة. ثم قرأت المقال القيم الذي كتبه الدكتور عبد الخالق حسين بعنوان: "علي الوردي وفالح عبد الجبار: هل فاق التلميذ أستاذه؟"2، سجل فيه إعجابه بكتابات ونشاط فالح عبد الجبار الفكرية وانخراطه في الحياة السياسية العراقية وتحولاته الفكرية المهمة والمعبرة عن تطور وعيه وتقدمه. وينقل لنا الدكتور عبد الخالق حسين في مقاله المذكور في أعلاه حواراً شيقاً ومهماً جرى بينه وبين الدكتور حميد الكفائي تضمنت مقارنة مهمة بين الأستاذ الدكتور علي الوردي (1913 – 1995م)، والدكتور فالح عبد الجبار (1946-2018م). أحاول هنا أن أبدي رأيي المتواضع بالمفكرين الكبيرين اللذين برزا في مرحلتين وفترتين زمنيتين مختلفتين نسبياً من تاريخ العراق الحديث، لعب كل منهما دوره المميز في الحياة الاجتماعية وفي البحث العلمي الاجتماعي، والأخير في الحياة السياسية العراقية أيضاً. كما إن علينا أن نشير إلى باحثين اجتماعيين أخرين بروزا في ذات الفترتين، منهم على سبيل المثال لا الحصر الباحث الاجتماعي والأكاديمي الدكتور شاكر مصطفى سليم، والباحث الاجتماعي والأكاديمي المميز في الفترة الحالية واللصيق بهذه المرحلة، الدكتور إبراهيم الحيدري، المعروف بأبحاثه العلمية وكتبه الكثيرة والرصينة التي يفترض أن تجلب انتباه الباحثين في حقول علم الاجتماع، والذي يقترب كثيراً من المدرسة الفكرية لفالح عبد الجبار، كما في أبحاثه ملامح مهمة من مدرسة علي الوردي.     
إن دراستي لكتب الأستاذ علي الوردي، وكذلك كتب ودراسات ومقالات فالح عبد الجبار، اقنعتني شخصياً بإن الفارق بينهما نوعي ومتنوع ومتعدد الجوانب لصالح فالح عبد الجبار، رغم الأهمية الكبيرة والريادية والطليعية للدكتور علي الوردي، في البحث العلمي والنشر والتنوير في العراق في حقل علم الاجتماع على وفق المنهج الوضعي. وأحاول هنا أن أُشيرَ إلى عددٍ من المسائل المفيدة في تشخيص التمايز بين الباحثين:
** ولد علي الوردي قبل الحرب العالمية الأولى بعام واحد، في حين ولد فالح عبد الجبار بعد الحرب العالمية الثانية بعام واحد، وهي فترة زمنية طويلة نسبياً، وشهدت أحداثاً كثيرة ومتباينة من حيث تأثيرها على الفرد والمجتمع العراقي، كما برزت وتبلورت فيها، بعد نضوج كل منهما في دراساته، الكثير من الأبحاث والتقدم في مناهج ونظريات علم الاجتماع.
** هناك تباين كبير بين طبيعة المرحلة والفترة الزمنية التي عالجها وبحث فيها وكتب عنها علي الوردي والتي حملت الكثير من سمات مجتمع الدولة العثمانية وصراع البداوة والحضارة، وتلك التي عالجها وبحث فيها ونشر عنها فالح عبد الجبار، والتي تميزت بمحاولات جادة ولكنها بطيئة ومتعثرة في بناء المجتمع المدني والدولة التي كانت ما تزال خاضعة للهيمنة البريطانية، ثم في أجواء ثورة تموز 1958 وما أعقبها من أحداث وتطورات لاهبة، أي إن التباين النسبي في الزمان وفي الظروف السياسة والاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت بكل منهما بالعراق كان مهماً وملموساً، بما في ذلك التغير النسبي الملموس في بنية المجتمع العراقي الطبقية ووعيه الاجتماعي.
** وإذا كان علي الوردي بعيداً عن النشاط السياسي الحزبي أو المباشر، فقد كانت له خلفية سياسة واضحة ومواقف سياسية مهمة، في حين كان فالح عبد الجبار جل حياته يعيش في خضم الحياة السياسية والحزبية اليومية وفاعلاً فعلياً فيها، من خلال ممارسته الصحافة التي برع في تحليلها أيضاً، إضافة إلى قدراته البحثية العلمية. وبصدد الخلفية السياسية للأستاذ علي الوردي أشير هنا إلى ما ورد له في كتابه وعاظ السلاطين بصدد الانتخابات البرلمانية بالعراق عام 1954 ودخول القوى الديمقراطية والقومية في جبهة سياسية مشتركة في تلك الانتخابات، إذ كتب: "لو كنت من أرباب العمائم لأفتيت باعتبار التصويت واجباً دينياً، ولجعلت التقاعس عنه ذنباً لا يغتفر ... إنني أعرض هذا الرأي على رجال الدين، وأتحدّاهم أن يقبلوه أو يحققوه."3، أو في موقفه من الإقطاع، وهو موقف سياسي من نظام الحكم الذي كان مؤيداً للإقطاع والعلاقات الإنتاجية الإقطاعية التي كانت تهيم على الاقتصاد والمجتمع بالعراق في الخمسينيات من القرن الماضي، إذ كتب يقول: "ومن عجيب أن نرى نظام الإقطاع يختفي في العالم الثالث قبل مئات السنين، بينما هو في ظهور وتزايد في العراق الحديث، إذ يكدح آلاف الفلاحين في الأرض كالعبيد، ليأتي بعد ذلك رجل واحد فيأخذ ما أنتجوه بعرق الجبين، ويذهب حيث ينعم بالملذات بدون حساب." 4 وعلينا هنا أن نستعيد بذاكرتنا إلى ما حصل في مظاهرات الفلاحين التي واجهت الشرطة التي جاءت لإخماد المظاهرة بهوستهم الشهيرة التي قارنت بين حياة ومعيشة الإقطاعي كريم، وحياة ومعيشة الفلاح الكادح: "كرَّيم يأكل عنبر وأنا بليه دنان اسمع يا مفوض، كرَّيم يركب كاديلاك وأنا بليه نعال اسمع يا مفوض"! ثم تحدث عن اقتصاد النفط وكيف كانت تنفق إيراداته، وهو الذي كان يستمع إلى هوسات الناس حيث تقول: "خمسة بالمية من النفط ما طاح بدينة..!" كتب الوردي: "يخيل لي –ولعلني مخطئ- أن هذه الأموال التي أنعم الله بها على العراق في الآونة الأخيرة، تجري في أخاديد معينة، وهي في نهاية المطاف تصب في جيوب أفراد معدودين ... الخ."5
وحين نتتبع دراسات فالح عبد الجبار وكتبه سنجد ما يؤكد شجبه الصريح والواضح للنظام السياسي القائم حينذاك، ودعوته الشديدة للديمقراطية باعتبارها الأفضل والأنسب للعراق. وكان صريحاً وواضحاً في نقده للنظم السياسية التي حكمت العراق طيلة وجوده على قيد الحياة، وسواء أكان في صفوف الحزب الشيوعي العراقي أم قريباً منه ومحسوباً عليه. لقد كان فالح عميق الفهم للعلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية للفرد العراقي وللمجتمع، وهو ما تجلى في جميع كتاباته.
** وأود هنا الإشارة إلى ثلاث مسائل جوهرية في حقل البحث في علم الاجتماع لدى الباحثين الكبيرين: علي الوردي وفالح عبد الجبار:   
المسألة الأولى: التباين في المنهج الذي استخدمه كل منهما في دراساته الاجتماعية
التزم الدكتور علي الوردي في دراساته للمجتمع العراقي بالمنهج الوضعي في علم الاجتماع. واعتمد في ذلك على مزيج من أفكار ومناهج أبرز أربعة علماء في حقول علم الاجتماع، ابتداءً من القرن الرابع عشر للميلاد حتى الربع الأول من القرن العشرين، وهم 1) عبد الرحمن بن محمد أبن خلدون (1332 – 1406م) المغربي في كتابه الأهم "المقدمة ومدرسته في التاريخ والاجتماع الذي صدر في العام 1377م، و2) وعالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت (1798-1857م)، و3) وعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (1858-1917م)، و4) وعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864- 1920م)، مع واقع وجود تمايز بين هؤلاء الأربعة، ولاسيما لدى ماكس فيبر، الذي استفاد مما حصل من تقدم في هذا المجال، ولاسيما في أبحاث أستاذه الألماني أدموند هرسل (1859 – 1938م)، وفيه تأكيد لدور علم النفس في البحوث الاجتماعية. وتجلى ذلك في أبحاث ماكس فيبر وتطوير نظريته الوضعية الفينومينولوجيا. وقد أبدى اهتماماً كبيراً في دراسته للمجتمع، كما برز عند الأخرين من ذات المدرسة، في تحييد الدين والفكر اللاهوتي عن التأثير في دراساته العلمية ومحاولة الاستفادة من الأسس العلمية التي حاول العلماء قبله وضعها، والتي استهدفت التخلص من فكرة القوى الخارقة وإحلال فكرة القوانين الموضوعية الفاعلة في الطبيعة، وتلك التي تفعل في المجتمع.6 أي أن هؤلاء الأربعة اعتمدوا في دراساتهم على متابعة الظواهر الاجتماعية ودراستها بدلاً من الوقوع في حبائل الغيبيات، وبتعبير أدق، فصل الدين عن البحث العلمي، (الدين شيء والعلم شيء آخر)، أي البحث في الظواهر التي تبرز في حياة الإنسان والمجتمع، وتشذيب علم الاجتماع من الخرافات والأساطير. وهو ما سعى إليه علي الوردي أيضاً في فترة معقدة حيث كانت تنتشر مثل هذه الخرافات والأساطير، وما تزال. وإذا كان ماكس فيبر قد أبدى اهتماماً خاصاً بالجانبين الاقتصادي والديني، فأن الآخرين كانوا أقل اهتماماً بهذا الموضوع، والذي انعكس إلى حد ما على دراسات الدكتور علي الوردي. كما إن المنهج الوضعي أبعد كلية الصراع الطبقي عن المجتمع وقلل من أهمية الاقتصاد. وهو ما يمكن تلمسه بشكل واضح في كتابات ماكس فيبر. وقد التزم الدكتور علي الوردي بهذا المنهج، ولم يقدم شيئاً إضافياً لتطوير المنهج الوضعي لعلم الاجتماع، ولكنه أغنى علم الاجتماع بأبحاثه الميدانية والنقدية ودراساته العلمية عن المجتمع العراقي. ويتجلى ذلك إلى حد ما أو جزئياً بدور المادية التاريخية في كتابات علي الوردي كتابه الأساسي "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"، بمجلداته الستة، حيث وظف تاريخ المجتمع العراقي قبل ذاك وبشكل عقلاني لدراسة الواقع الاجتماعي العراقي خلال الفترة الواقعة بين تكوين الدولة العراقية والخمسينيات من القرن العشرين.7 وعلى وفق قناعتي ودراستي لكتاب المقدمة لابن خلدون، ولاسيما الجانب الاقتصادي المهم فيه، لاحظت إن الدكتور علي الوردي لم يستفد من مكونات منهج ابن خلدون ولم يربط بين جوانب بنية الإنتاج الاجتماعي والبناء الفوقي، وهو نقص بارز في الغوص في عمق المشكلات الاجتماعية والعوامل المسببة لها والنتائج أو العواقب المحتملة. لابن خلدون قول مهم جداً لكل الباحثين، أياً كان مجال بحثهم، ورد في المقدمة:
"إنه لا يكفي أن تصف موج البحر، وظهور السفن، حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر.. لا بد لك أن تفهم ما في القاع.. قاع البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش… وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أياماً كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركاباً.. وينزفون عرقاً، وتتمزق أجسامهم تحت السياط.. أجل، ينبغي أن تعطيني صورة كاملة، عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور". 8       
أما الباحث الدكتور فالح عبد الجبار فقد اعتمد منهجاً آخر تماماً، اعتمد المنهج المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي، وأخذ بقواعد البحث العلمي القائمة على "التجريد والتجسيد المتعاقب والتدقيق"، للوصول إلى النتائج والاستنتاجات التي يحققها البحث العلمي وليس اية أحكام مسبقة. لقد تسنى لفالح التعمق في المنهج المادي الديالكتيكي من خلال دراساته المكثفة والمعمقة والمتواصلة لكتاب "رأس المال" وترجمته له، وهي أفضل ترجمة تحققت لهذا السفر الجليل لكارل ماركس حتى الآن، والذي يعتبر أهم دراسة قام بها ماركس مستخدما فيها منهجه العلمي في دراسة المجتمع الرأسمالي، إضافة إلى كتاب "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"، الذي طرح فيه بوضوح منهجه في البحث. وقد احتل الاقتصاد والصراع الطبقي والتغريب موقعاً أساسياً في هذا التحليل، ولكن ليس الاقتصاد وحده، كما يدعي المروجون المناهضون للتحليل المادي الديالكتيكي، من جهة، ولا الصراع الطبقي وحده، الذي يتجلى ايضاً في التغريب الفعلي بين العامل والجزء المهم مما ينتجه، أي فائض القيمة، كما يروج هؤلاء أيضاً من جهة ثانية، بل هما الحقلان اللذان يؤثران بشكل أساسي ورئيسي على بنية المجتمع وتطوره، إضافة إلى عوامل عديدة أخرى لا يمكن ولا يجوز إغفالها. يؤكد المنهج المادي الديالكتيكي على إن الوعي الاجتماعي انعكاس للواقع المادي، وليس العكس. وهذه المقولة هي التي لعبت وما تزال تلعب دورها الجوهري في التمايز ما بين المثالية والمادية. المنهج المادي الديالكتيكية ينطلق في دراسته للمجتمع من العلاقات الإنتاجية السائدة ومستوى تطور القوى المنتجة والعلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، وما ينشأ عنها من بناء فوقي يشكل الظواهر الاجتماعية المنبثقة عن أسلوب الإنتاج السائد في المجتمع، وما يمكن أن ينشأ عن ذلك من استغلال، سواء أكان في ظل العلاقات الإنتاجية الإقطاعية أم في ظل العلاقات الإنتاجية الرأسمالية. وعلم الاجتماع المادي الديالكتيكي لا يتوقف عند دراسة هذه العلاقات والظواهر الناشئة عنها فحسب، بل يتحرى عن التناقضات والصراعات الناشئة عنها وما الدور الذي تلعبه في التحولات النوعية اللاحقة. يلخص ماركس منهجه على النحو التالي:
"إن العمل الذي قمت به لتبديد الشكوك التي كانت تراودني هو العرض الانتقادي لفلسفة الحق لهيجل.. وأدى بحثي هذا إلى إن العلاقات القانونية والأشكال السياسية لا يمكن فهمها من ذاتها ولاسيما بالتطور العام للعقل البشري، وإنما على الأصح لها جذورها في الظروف المادية للحياة.. والنتيجة العامة التي توصلت إليها.. يمكن صياغتها باختصار كما يلي: يدخل الناس خلال قيامهم بعملية الإنتاج الاجتماعي في علاقات محددة لا يمكن الاستغناء عنها ومستقلة عن إرادتهم. وعلاقات الإنتاج هذه تتوافق مع المرحلة المحددة لتطور القوى المادية المنتجة يشكل المجموع الكلي لعلاقات الإنتاج هذه البنية الاقتصادية للمجتمع، وهو الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه البنية الفوقية السياسية والقانونية والتي تتوافق معها أشكال محددة للوعي الاجتماعي. إن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد عمليات الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بشكل عام. فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، وإنما العكس من ذلك فإن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم."9 
إن الدراسات الأساسية والمهمة التي كتبها ونشرها فالح عبد الجبار، بغض النظر عن مدى توفيقه في التحليل لهذه المسألة السياسية أو تلك، استند إلى المنهج المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي، وكان في الغالب الأعم موفقاً ومتقدما على اقرانه في العلوم الاجتماعية وفي الكثير من تحليلاته السياسية.             
المسألة الثانية: العلاقة بين النظرية والممارسة لدى كلٍ من الباحثين
يبدو لي بأن الباحثين الوردي وعبد الجبار كانا متحررين من الدوغماتية والجمود العقائدي في ممارستهما لمنهجيهما، وكانا منفتحين على المناهج الأخرى، والنظريات في هذا الصدد، دون أن يعيق ذلك أو يؤثر سلباً على ابحاثهما العلمية في قضايا المجتمع. فكلاهما نهلا بمسؤولية وعمق من المناهج والنظريات التي التزما بها وابدعا فيها، ولكنهما لم يساهما في إغناء وتطوير تلك النظريات أو مناهج البحث العلمي الاجتماعي، ولكنهما أغنيا البحث العلمي الاجتماعي التطبيقي بما أنجزاه من أبحاث ودراسات اجتماعية. وبالنسبة لفالح عبد الجبار فقد ساهم بفعالية وحيوية كبيرتين في المجالات السياسية والاقتصادية أيضاً. كتبت الدكتورة ناهدة عبد الكريم حافظ في بحث لها عن "فكر الوردي في طبيعة المجتمع العراقي" بهذا الصدد ما يلي: "لقد كان فكر د. الوردي فكراً انتقادياً لكنه لم يحفل بتقديم بدائل أو مقترحان يمكن الاستفادة منها في حياتنا اليومية." 10، وهي على حق في ذلك، في حين كان فالح ناقداً ثورياً للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي من جهة، وطارحاً لبدائل في مختلف المجالات التي بحث فيها، أي طرح موقفه ووجهة نظره بشأنها من جهة ثانية. كتب ماركس في الموضوعة 6 عن فيورباخ ما يلي: "كل ما قام به الفلاسفة في السابق هو تفسير العالم بطرق مختلفة، بيد أن المطلوب هو تغييره".11
وإذ كان الباحثان قد أقاما علاقات وطيدة بالأوساط الشعبية وأوساط المثقفين، فأن علاقات فالح كانت أوسع وأكثر عمقاً بكثير، سواء أكان في الحياة السياسية العراقية والعربية أم في بعض دول منطقة الشرق الأوسط، أم مع الأحزاب والشخصيات السياسية والاجتماعية العراقية والعربية وخارج إطار العالم العربي أيضاً. وقد ساعد ذلك على توسيع مدارك وأفق نظر ونشاط الدكتور فالح عبد الجبار بالمقارنة مع الدكتور علي الوردي، الذي حصر أبحاثه بالعراق فقط.
لقد كان علي الوردي يؤمن بالصدمة التي يفترض أن يجابه بها المجتمع، ولاسيما الأوساط المثقفة، أن يستفزهم ويثيرهم، أن يدفع بهم للتفكير والبحث، وكانت هذه مسألة مهمة حقاً وصعبة أيضاً في الخمسينيات من القرن العشرين، رغم ما تحمله معها من مشاكسات مع أقرانه ومع أوساط معينة في المجتمع، ولاسيما شيوخ الدين. كتب الدكتور سليم الوردي في محاضرة له عن أطروحات علي الوردي بهذا الصدد ما يلي: " أدرك الوردي أن أطروحاته لا تتمكن من شق طريقها في فضاء معرفي يعجّ بالمسلّمات والمحرّمات والثوابت المألوفة. فتعمّد أسلوب الصدمة في محاولة منه تحرير الوعي الاجتماعي من أسر تلك المسلّمات. وكلّفه ذلك تحمّل سهام النقد الحاد من كل صوب وحدب."12 ويمكن أن يلاحظ ذلك في كتبه العديدة ولاسيما لمحات اجتماعية ووعاظ السلاطين ومهزلة العقل البشري وأسطورة الأدب الرفيع وشخصية الفرد العراقي.
ويبدو لي أيضاً إن الدكتور علي الوردي لم يعمل بما يتطلبه منهج ابن خلدون من مقارنات للبرهنة على الاستنتاجات التي كان يخلص إليها، بل اقتصر على مجتمع واحد هو العراق والمقارنة مع النموذج المثالي للفرد والمجتمع الذي مارسه واضعو المنهج الوضعي. تشير الباحثة العلمية السعودية الدكتورة زهرة الخضاب بصواب بصدد منهج أبن خلدون إلى ما يلي:
"1- ملاحظة ظواهر الاجتماع لدى الشعوب التي أتيح له الاحتكاك بها والحياة بين أهلها. 2- تعقب هذه الظواهر في تاريخ الشعوب نفسها في العصور السابقة لعصره. 3- تعقب أشباهها في تاريخ شعوب أخرى لم يتم الاحتكاك بها والحياة بين أهلها. 4- الموازنة بين هذه الظواهر جميعا. 5- التأمل في مختلف الظواهر للوقوف على طبائعها وعناصرها الذاتية وصفاتها العرضية واستخلاص قانون تخضع له هذه الظواهر في الفكر السياسي وفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع."13 وهذا ما يؤكد الفكرة الأساسية التي أشار لها ابن خلدون حول البحر وما فيه مثلاً. أما أبحاث علي الوردي فقد اقتصرت على العراق ولم يتوسع في بحث الجوانب الاجتماعية للدول المجاورة، بما يسهم في تأكيد استنتاجاته، كما لم يحاول رؤية الأمر على إنه ليس صراعا بين البداوة والحضارة فحسب، بل أن هناك صراعاً جوهرياً، لم يَعره كثير اهتمام أو انتباه، ولاسيما الصراع الاجتماعي المرتبط بواقع العراق الاقتصادي-الاجتماعي حينذاك، أي بطبيعة علاقات الإنتاج التي سادت العراق أثناء حياة وعمل د. علي الوردي، رغم إنه أشار بشكل سريع إلى استغلال الإقطاعيين للفلاحين بالعراق.   
المسألة الثالثة: سعة أو محدودية المواضيع التي كانت موضع اهتمام الباحثين.
اشرت في النقطة الثانية إلى إن الوردي قد اقتصر في أبحاثه وموضوعاته على الفرد والمجتمع بالعراق، وهي موضوعات كبيرة ومهمة وأساسية بالنسبة لحياة الشعب العراقي ولأي باحث في علم الاجتماع. وهذا التخصص والتركيز على العراق لا يعتبر نقيصة بالنسبة للباحث الرائد والكبير علي الوردي، ولكنه يختلف في هذا عن الباحث الاجتماعي الحديث والماركسي المتميز فالح عبد الجبار، الذي اتسع وتنوع في أبحاثه لتشمل العراق والدول المجاورة، إيران وتركيا، والدول العربية وكذلك البلدان النامية، كما امتدت لتشمل الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالقاعدة الاقتصادية الإنتاجية للمجتمع وبالبناء الفوقي الناشئة عنها في آن واحد. فالعلاقات الإنتاجية والقوى المنتجة، المادية منها والبشرية، في ظل العلاقات الإنتاجية الإقطاعية، ومن ثم في فترة تطور العلاقات الإنتاجية الرأسمالية المحدود بالعراق والتغريب الناشئ عن هذ العلاقات في واقع الاستغلال ومصادرة فائض القيمة في قطاع النفط الاستخراجي وفي غيره، كما شملت قضايا السياسة والدين والفكر الديني والتشريع والدولة المستبدة وأجهزتها الإدارية والقمعية، وما يتمخض عن كل ذلك من عنف الدولة والعنف المضاد والمشكلات النفسية وازدواج الشخصية في المجتمع، مما يشير إلى بانوراما بحثية في المجتمع العراقي والبلدان المجاورة، وإلى تشريح تلك المجتمعات ليلتقط منه ويشخص طبيعة العلاقات والظواهر الناشئة عنها والعلاقة فيما بينها.
من الملاحظ إن اهتمام الكتاب وأوساط المثقفين وأوساطاً أخرى قد ازداد بأبحاث وكتب علي الوردي بعد وفاته، والآن نلاحظ هذه الظاهرة مع الدكتور فالح عبد الجبار بعد وفاته حيث يزداد الإقبال على كتاباته وكتبه أكثر بكثير على ما كان عليه حين كان حياً، وسيزداد هذا الاهتمام أضعاف ما كان عليه في حياة أبي خالد بعد أن انتهى بتلك اللوحة الدرامية الخالدة، وهو يتحدث لنا ومعنا من على شاشة التلفزة، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة. كم أتمنى علينا جميعاً أن نبدي اهتماماً أكبر بباحثاتنا وباحثينا الإجلاء وهم أحياء قبل أن يلفظوا انفاسهم الأخيرة، لكي نناقش أفكارهم وابحاثهم، ولكي ندفع بهم إلى المزيد من البحث والإبداع في مختلف المجالات. وأنا هنا لا أتحدث عن الحكومات، على امتداد تاريخ العراق الحديث، التي لم تبد يوماً أي اهتمام بالكتاب والكاتبات والبحث العلمي والباحثين والباحثات في جميع الاختصاصات، بل أركز على الكتاب والباحثين والمثقفين من النساء والرجال أولاً وقبل كل شيء.
برلين في 12/03/2018
الهوامش
1 د. حميد الكفائي، فالح عبد الجبار: عاش فاعلاً ومات واقفاً، جريدة الحياة بتاريخ 4/03/2018.
2  د. عبد الخالق حسين، علي الوردي وفالح عبد الجبار: هل فاق التلميذ أستاذه؟، الحوار المتمدن، محور الفلسفة، علم النفس وعلم الاجتماع، في 8 أذار/مارس 2018.
3 د. علي الوردي، "وعّاظ السلاطين"، الطبعة الثانية، سنة 1995 دار كوفان لندن، صفحة 108.
4 د. سليم الوردي، الاستاذ الدكتور سليم الوردى: كيف نقرأ على الوردى؟، مركز علي الوردي للدراسات والبحوث. 13 تموز/ يوليو 2010.
5 المصدر السابق نفسه.
6 د. إبراهيم بايزو، مدخل موجز إلى علم الاجتماع (3): الاتجاهات الكلاسيكية في علم الاجتماع ـ موقع أنفاس.نت من أجل الثقافة والإنسان، 17 أذار/مارس 2014.
7 كان الفقيد مهدي الحافظ قد حدثني في أحد لقاءاتنا عن الدكتور علي الوردي وزيارته لهفي المستشفى حين كان مريضاً وحين كان مهدي الحافظ يعمل في اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي، أه أشار له بأنه استفاد من الماركسية ومن المنهج المادي التاريخي في دراساته. كاظم حبيب
8 عبد الرحمن بن محمد أبن خلدون، المقدمة، أو كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، الصادر ف 1377 م. تحقيق مصطفى الشيخ مصطفى، مؤسسة الرسالة، دمشق، بدون تاريخ.   
9 د. أحمد القصير، منهجية علم الاجتماعي بين الماركسية والوظيفية والبنيوية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012. يستكمل ماركس ما توصل إليه بحثه بقول: " وعندما تبلغ القوى المنتجة المادية في المجتمع درجة معينة من تطورها، تدخل في تناقض مع علاقات الإنتاج الموجودة أو مع علاقات الملكية – وليست هذه سوى التعبير القانوني لتلك – التي كانت إلى ذلك الحين تتطور ضمنها، فبعد أن كانت هذه العلاقات أشكالاً لتطور القوى المنتجة، تصبح قيوداً لهذه القوى، وعندئذ ينفتح عهد الثورة الاجتماعية، ومع تغير الأساس الاقتصادي يحدث انقلاب في كل البناء الأعلى الهائل بهذا الحد أو ذلك من السرعة." 
10 د. ناهدة عبد الكريم حافظ، فكر الوردي في طبيعة المجتمع العراقي، ضمن أبحاث عن "الملامح المستقبلة للمجتمع العراقي، كلية الآداب-جامعة بغداد، منشورات المجمع العلمي العراقي، مطبعة المجمع العلمي، بغداد، 2002، ص 59.   
11 كارل ماركس، أطروحات حول فيورباخ، كتبها ماركس في العام 1845 ونشرت لأول مرة في العام 1888 في ملحق خاص لكتاب فريدريك أنجلز الموسوم "لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية". 
12 د. سليم الوردي، الاستاذ الدكتور سليم الوردى: كيف نقراء على الوردى؟ جريدة المدى، مجتمع مدني، 28 أيار/ميس 2008.   13 د. زهرة الخضاب، منهج أبن خلدون في دراسة التاريخ. المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والإنسانية، علم الاجتماع- العلوم الاجتماعية- دراسات علم الاجتماع، 16/شباط/فبراير 2010.   

12
نظرات في كتاب "مسيحيو العراق.. أصالة.. انتماء.. مواطنة" للدكتور كاظم حبيب

اسم المؤلف: د. كاظم حبيب

دار النشر: دار نينوى، دمشق
سنة الإصدار: 2018
يتضمن الكتاب ثلاثة أجزاء و17 فصلاً ومجموعة من المباحث في كل فصل. كما يتضمن 30 ملحقاً، إضافة إلى مجموعة من الصور وفهرس بالأسماء، ويقع الكتاب في 1072 صفحة.

يعالج الكتاب بمجمله واقع العراقيين المسيحيين منذ دخول المسيحية إلى وادي الرافدين (ميزوبوتاميا) في القرن الأول الميلادي حتى العام 2016/2017.
يتوزع الجزء الأول على فصلين: يبحث الفصل الأول في البوابات التي دخلت المسيحية منها إلى العراق، ومنها الرسل الأوائل، ودورهم الريادي في نشر المسيحية في هذه المنطقة من العالم وتبني المسيحية على نطاق واسع من سكان العراق ومعاناتهم في مواجهة الديانة الزرادشتية، قبل دخول الإسلام إلى العراق. ويشخص الدور الثقافي للكنيسة الشرقية في مدن ومدارس عديدة منها الرها ونصيبين وحدياب والحيرة في نشر التعاليم واللغة والآداب السريانية. وفي الفصل الثاني يبحث في الصراعات التي نشبت حينذاك بين الكنيستين الغربية والشرقية وعواقبها على جموع المسيحيين في المنطقة. وكذلك الانشقاقات التي حصلت حينذاك ونشوء الطوائف المتصارعة وعواقبها على المسيحيين. إن الاستعراض المكثف والسريع للدين المسيحي في هذه المدن القديمة في بلاد ما بين النهرين كان الهدف منه التحري عن الفترات الزمنية التي وصل خلالها الدين المسيحي إليها والشخصيات أو الجهات الدينية أو الأسرى الذين أمنوا بالدين المسيحي ونشروه في هذه الديار. ويتبين من الدراسة أن الدين المسيحي لم ينقل دفعة واحدة إلى كل أنحاء بلاد ما بين النهرين، بل تم في فترات متباينة وبوسائل تبشيرية عديدة. وإذا كان وصول الرسل الأوائل قد تم في القرن الأول الميلادي، فأن القرون اللاحقة، وإلى حين مجيء المسلمين إلى هذه البلاد، في الثلث الأخير من القرن السابع الميلادي، شهدت وجوداً وقبولاً واتساعاً للدين المسيحي في أغلب مدن وارياف بلاد ما بين النهرين. وأن الكثير من هذه المدن في الشمال أو الجنوب أو الوسط قد أقيمت فيها الكنائس والأديرة المسيحية، والكثير منها قد اندثر ومنها ما يزال دون تنقيب. وما نقب وعثر عليه لا توجد عناية فعلية به حتى الآن. في حين تشكل هذه الكنائس والأديرة ثروة حضارية وتراثاً عراقياً مهماً وأصيلاً يشترك فيه مسيحيو العراق بمختلف طوائفهم، كما يهم المجتمع العراقي بأسره. ويمكن أن يشكل مزاراً لمسيحيي العالم.
أما الجزء الثاني فيتوزع على فصلين أيضاً. يبحث الفصل الثالث منه وبتوسع في موقف القرآن ونبي المسلمين محمد والخلفاء الراشدين من الدين المسيحي والمسيحيين. كما يبحث في المشاكل التي برزت ومواقف التمييز الديني إزاء المسيحيين، رغم العهود التي قطعت لهم، ومن ثم إجراء عمر بن الخطاب المخالف لتلك العهود في تهجير مسيحيي نجران إلى العراق، وعواقب ذلك وتأثيراته حينذاك وفي الفترات اللاحقة، وهي معززة بالوثائق. أما الفصل الرابع بمباحثه الأربعة فيعالج بالوقائع والتحليل موقف الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية من المسيحية والمسيحيين والمشكلات التي واجهتهم رغم دورهم الثقافي والإنساني المميز خلال تلك العهود والعوامل الكامنة وراء تلك المواقف والفوارق النسبية المهمة بين تلك العهود في الموقف من المسيحية والمسيحيين وأسباب ذلك. إضافة إلى العواقب السلبية لمواقف التمييز والتهميش والإقصاء على الإنسان المسيحي ودوره في المجتمع. فرغم اعتراف الإسلام بالمسيح والديانة المسيحية، إلا إن الموقف ينطلق من اعتبار الدين الإسلامي هو أخر الأديان السماوية وعلى أتباع جميع الديانات الأخرى أن يدخلوا في الدين الإسلامي، وهو ما يشكل جوهر الصراع الذي ينشب بين أتباع الديانات ويتناقض مع القول الوارد في القرآن "لكم دينكم ولي دين"! وفي هذا القسم استشهادات كثيرة على صور التمييز والإساءة ولاسيما من جانب الخلفاء والحكام.
أما الجزء الثالث فيبحث في أوضاع العراقيين المسيحيين والمسيحيات في أعقاب الحرب العالمية الأولى والدولة الملكية العراقية الحديثة التي تأسست في العام 1921 والجمهوريات اللاحقة منذ العام 1958. ويتضمن هذا الجزء13 فصلاً.
الفصل الخامس يبحث في تطور الواقع السكاني للمسيحيين وأضاعهم في أعقاب سقوط الدولة العثمانية وفي ظل الدولة الملكية وموقف الدولة الجديدة من المسيحيين وصور التمييز التي ظهرت ضدهم في هذه الفترة. كما يضع الكتاب القراء والقارئات أمام المجزرة التي نظمت ونفذت ضد السكان الآشوريين من النساء والرجال في سهل سُمّيل وكذلك في مجزرة ديرابون وعواقبها على المجتمع المسيحي عموماً، وعلى مناطق سكناهم والعوامل الفعلية،ولاسيما غياب الديمقراطية والحكم الرشيد ، والشوفينية والتمييز الديني، الكامنة وراء ما حصل للمسيحيين بطوائفهم العديدة.وفي هذا الجزء إدانة صارمة وشديدة لتلك الجرائم والأسباب التي أدت إليها، والموقف الخاطئة والسيئة للقوى والأحزاب والعرب والكرد منها.
أما الفصول 6، 7، و8 فتبحث بالتفصيل في أوضاع المسيحيين في الجمهوريات الأربعة اللاحقة وما تعرضوا له من اضطهاد ونزوح وتهجير قسري وتحت ضغط الواقع القائم حينذاك، ولاسيما في الفترة 1959 والفترات اللاحقة، إضافة إلى المجزرة البشعة التي نظمت ضد الكلدان المسيحيين في صوريا عام 1969 وأسبابها وما نجم عنها. وتتضمن أسماء الشهداء في هذه المجرة والمجازر التي سبقتها، وأسماء الجرحى على وفق ما توفرت للباحث.
أما الفصل التاسع فيبحث في الجمهورية الخامسة، جمهورية النظام السياسي الطائفي، وما اقترن بوجود هذا النظام من استبداد ديني وتمييز واضطهاد وملاحقة وتشريد وقتل وحرق الكنائس وتفجيرها وقتل القساوسة والمطارنة من جانب المليشيات الطائفية المسلحة، السنية منها والشيعية، المحلية منها والعربية ومن شذاذ الآفاق، في الوسط والجنوب والشمال، وكذلك التغيير الديموغرافي لمناطق العائلات المسيحية في نينوى وإقليم كردستان العراق. ويورد الكاتب نماذج عما حصل وشهادات نساء ورجال مسيحيين تعرضوا لتلك الجرائم البشعة. وكذلك ما حصل للإيزيديين وغيرهم، من إبادة جماعية على ايدي الدواعش المجرمين، بعد أن سُلمت الموصل دون دفاع عنها من قبل النظام الطائفي والسكوت الدولي عن ذلك طويلاً. وفي هذا يقدم الكاتب الكثير من الوقائع والأرقام والشهادات حول ما حصل للعائلات المسيحية بالعراق.
الفصل العاشر يبحث بشكل خاص في اضطهاد المسيحيين في كل الإمبراطوريات تحت لواء الإسلام والدولة العراقية خلال القرون والعقود المنصرمة وبتفاصيل مذهلة.
الفصل الحادي عشر يتطرق بشكل خاص إلى العراقيين المسيحيين الأرمن منذ بدء وجودهم، ولاسيما بعد الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها في العام 1914-1915 في تركيا، والكوارث الي حلت بهم، ودورهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالعراق، وموقف الأتراك الراهن من تلك المجازر البشعة التي شكل ضحاياها جبلاً يقدر عددهم بأكثر من مليون ضحية.
الفصل الثاني عشر يتطرق في مباحثه الخمسة بالتفصيل وبالشواهد والتحليل إلى العوامل الكامنة وراء التمييز القومي والديني اللذين تعرض لهما مسيحيو العراق،والتغيير الديموغرافي الذي تعرضت له مناطق سكناهم التاريخية والراهنة بالعراق، وتفاصيل عن المؤتمر الذي عقد في برطلة وعنكاوة في مناهضة التغيير الديموغرافي وشجبه والمطالبة باستعادة المسيحيين لمناطق سكناهم. وكان الكاتب رئيساً لهذا المؤتمر ولجنته التحضيرية.
يتطرق الفصل الثالث عشر إلى واقع وعواقب تلك السياسات على وجود المسيحيين بالعراق والهجرة الكبيرة التي حصلت في فترات مختلفة ولاسيما في العام 2014-2016 وآثارها السلبية على مسيحيي العراق أولاً، وعلى المجتمع العراقي بشكل عام. وتشير الأرقام المتوفرة إلى أن مسيحيي العراق قد تقلص عددهم من مليون وربع المليون نسمة إلى حدود 300 ألف نسمة حالياً، ولا تزال الهجرة لم تتوقف، ولاسيما بعد النزوح العام عن الموصل وسهل نينوى في أعقاب اجتياح داعش للمنطقة. ويضع الكتاب شهادات وأرقاماً وإحصائيات مهمة تكشف عن الواقع المرَ للعائلات المسيحية في هذه الفترة العصيبة من تاريخ العراق ومسؤولية النظام السياسي الطائفي والقوى والأحزاب الإسلامية السياسية عن كل ذلك. 
اما الفصلان 14 و15 فيبحثان في دور المسيحيين الريادي والطليعي في مجالات الثقافة، والفنون، واللغة، والأدب والشعر العربي والسرياني،والقصة، والمسرح، والطباعة والصحافة، والطب.. الخ، إضافة إلى دورهم الاقتصادي، الصناعي والزراعي وفي قطاع البنوك والتجارة والتأمين. كما يورد الكاتب أسماء وادوار أعلام المسيحيين الكبار والرواد في هذا المجالات، وكذلك العدد الكبير ومن الوزن الثقيل لمثقفي المسيحيين في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية العراقية. ويتحدث بتوسع عن بعض الأسماء المهمة الحديثة في دورها الثقافي والإعلام والروائي بالعراق.
يبحث الفصل السادس عشر في عواقب الحرب الأخيرة في نينوى والاحتلال والإرهاب على المجتمع العراقي، ولاسيما على مسيحيي العراق من حيث النزوح والمشكلات الناشئة عنها وسبل العيش اللاحق للمسيحيين بالعراق وسبل معالجتها.
الفصل السابع عشر يتطرق إلى آفاق معالجة أوضاع المسيحيين بعد تحرير الموصل وعموم نينوى، وما يفترض أن يحصل، على وفق مطالب المسيحيين، في الموقف من سهل نينوى (محافظة) أو غير ذلك، والمشكلات المعقدة الأخرى المرتبطة بفترة ما بعد التحرير من النواحي الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية.
وباختصار شديد يضع الكتاب أمام القارئة والقارئ بالعربية لوحة بانورامية مكثفة عن حياة ودور ومكانة المسيحيين الطليعي في الثقافة والاقتصاد والحياة الاجتماعية في وادي الرافدين منذ القرن الأول للميلاد حتى السنوات الأخيرة من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين من جانب، والمآسي والكوارث التي تعرضوا لها بسبب الفكر الشوفيني والتمييز الديني من جانب آخر، وبسبب غياب الحياة الديمقراطية وهيمنة الاستبداد والقسوة والعنف والفساد في حياة المجتمع من جانب النظم السياسية الحاكمة والفئات الاجتماعية المهيمنة على الاقتصاد ودست الحكم من جانب ثالث. ويحاول ان يطرح الحلول الممكنة والضرورية في هذا الصدد.
لقد وقعت مأساة كبيرة في العام 1949-1951/1952 حين تم تهجير 130 ألف يهودي عراقي إلى إسرائيل، بتعاون تم بين أربع دول هي: بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل والعراق، وكان أغلبهم لا يرغب بالهجرة ويرى العراق وطنه ووطن أجداده. واليوم نحن نواجه حالة مماثلة، وأن كانت من طراز آخر وزمان آخر، ولكن الحقيقة الماثلة تؤكد إن قوى الإسلام السياسي بالعراق والمنطقة لا تريد للمسيحيين أن يبقوا بالعراق والمنطقة، واستمرار النظام الطائفي السياسي بالعراق يهدد باحتمال ذلك، في حين إن العراق وطنهم ووطن أجدادهم وفيه تراثهم الحضاري المديد. ومن هنا يفترض خوض النضال لإبقاء هذه اللوحة الملونة العراقية زاهية بالشعب المسيحي، بالكلدان والسريان والآشوريين والأرمن، وببقية اتباع الديانات. وهذا يتطلب عملاً نضالياً وتنويرياً مشتركاً وطويل الأمد، داخلياً وعربياً ودولياً، لكي نتجنب ما حصل ليهود العراق أو ما يمكن أن يحصل أيضاً للصابئة المندائيين أو حتى للإيزيديين. 
تشكل الملاحق جزءاً مهماً وأساسياً من الكتاب لما فيه من وثائق تاريخية، (قسم منها حذفه الرقيب السوري، كما حذف بعض النصوص من البحث ذاته أيضاً، ولم يتأثر مضمون الكتاب بهذا الحذف التعسفي وغير المسؤول)، وبعض المقالات والإحصائيات كشواهد على ما تعرض له المسيحيون، إضافة إلى أسماء شهداء المسيحيين خلال الفترة الواقعة بين 1933 حتى العام 2016/2017 وما تيسر للكاتب جمعه عبر التعاون النبيل مع أخوة مسيحيين ومنظمات مجتمع مدني مهتمة بشؤون المسيحيين بالعراق. ويتضمن الكتاب فهرس بالأسماء الواردة في الكتاب، ونبذة عن حياة الكاتب.
اعتمد الكاتب واستفاد في إنجاز الكتاب على مجموعة كبيرة من الكتب التاريخية الباحثة في الشأن المسيحي العراقي، سواء أكانت من باحثين وكتاب عرب أم أجانب، وسواء أكانوا من الآباء والكتاب المسيحيين أم من الكتاب والباحثين العلمانيين. كما استفاد من الكثير من الدراسات والمقالات القديمة والحديثة المنشورة في المجلات والصحف أو في المواقع الإلكترونية. وكذلك أجرى لقاءات مكثفة وعديدة ومفيدة جداً مع باحثين قساوسة ومطارنة من عنكاوة والموصل والقوش ودهوك ومع لغويين وباحثين مسيحيين. ويتضمن الكتاب فهرس بأهم وأبرز المصادر، إضافة إلى الهوامش.
نبذة عن الكاتب كاظم حبيب
من مواليد كربلاء 16/4/1935، حامل شهادات بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه PhD،ودكتوراه علوم DSc، أستاذ جامعي سابق، باحث علمي وكاتب وناشر وناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وعن أتباع الديانات والمذاهب في العراق، إضافة إلى كونه سياسي عراقي يعيش حالياً في المهجر. عضو في عدد من منظمات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية.
أصدر حتى الآن ما يزيد عن 30 كتاباً وعشرات الدراسات والأبحاث وبين 2500 ج 3000 مقالاً في حقول الاقتصاد والسياسة والمجتمع والبلدان النامية وقضايا حقوق الإنسان والمجتمع المدني وعن العنصرية والتمييز الديني والمذهبي. وأبرز كتبه "لمحات من عراق القرن العشرين"، ويقع في أحد عشر مجلداً، وكتاب عن "يهود العراق والمواطنة المنتزعة"، وكتاب عن "الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة"، والكتاب الأخير هو "مسيحو العراق.. أصالة.. انتماء.. مواطنة، إضافة إلى كتب: العولمة من منظور مختلف بجزئين، والفاشية التابعة في العراق، والتخطيط الاقتصادي، والاقتصاد الزراعي في العراق....

13
كاظم حبيب
المرأة العراقية والذكورية الجاحدة! 
في الذكر السنوية ليوم المرأة العالمي
ليس هناك من جديد في بلاد ما بين النهرين بشأن المرأة العراقية، سوى مسألتين بارزتين هما: استمرار الذكور على جحودهم الفظ لدور المرأة ومكانتها في الدولة والمجتمع والاقتصاد وإصرارهم على انتزاع حتى ما تبقى لها لما تحقق من حقوق قليلة قبل خمسة عقود في قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 أولاً، وإصرار المرأة الشجاعة على مواصلة النضال بعزم أقوى وأشد من السابق على انتزاع حقوقها المشروعة والعادلة ومساواتها التامة بالرجل ثانياً، ودعم هذا النشاط من جانب المتنورين من الذكور ومنظمات المجتمع المدني والقوى التقدمية، في مواجهة نظام سياسي طائفي مقيت يدعم كل الإجراءات التي تحط من قدر المرأة وتنتزع حقوقها وكرامتها، بما في ذلك البنات القاصرات في قانون أو تعديلات قانونية للقانون السابق أقرها مجلس الوزراء وحولها إلى مجلس النواب لإقرارها، والتي تعبر عن مدى الوضاعة التي وصل إليها النظام السياسي بالعراق وعموم القوى الحاكمة حتى الآن. وقد نهضت حملة إنسانية نبيلة ضد هذه التعديلات المقترحة وأجبر مجلس النواب البائس على تأجيل إقرارها لظرف أخر يمكن عندها فرضها على المجتمع!!
بسبب فداحة الاغتصاب الحاصل على حقوق المرأة العراقية، ينسى الكتاب والإعلاميون التقدميون ما في اللغة العربية من ذكورية مطلقة، وهي لغة القرآن أيضاً. إذ أن جميع المسائل الواردة في القرآن تتحدث إلى ومع الذكور لا غير، وليس مع المرأة. وحين يرد ذكر المرأة فباعتبارها تابعاً وخاضعاً للرجل، نتاج ضلع..، ولأن "الرجال قوامون على النساء..". (راجع هنا المقال القيم للدكتور محمد محمود الموسوم " واضْرِبُوهُنَّ: قراءات الأمس"، الحوار المتمدن بتاريخ 06/07/2018). وهكذا عاش وما زال العرب يعيشون منذ قرون على إنكار حقوق المرأة ودورها المماثل والمعادل لدور الرجل في الدولة والمجتمع والاقتصاد وبقية المجالات، ويتعاملون معها على إنها "ناقصة عقل!". ومن يفكر بهذه الطريقة يؤكد أنه يعاني من نقص في عقله بالمطلق، وليس المرأة. فمن حق الرجل أن يضرب المرأة إن نشزت، كما جاء في سورة النساء 4، الآية 34: " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا"، ومعنى النشوز، كما جاء في معجم المعاني، "نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ بِزَوْجِهَا: تَمَرَّدَتْ عَلَيْهِ ، اِسْتَعْصَتْ ، أَبْغَضَتْهُ". لم يكن الإسلام وحده قد اتخذ هذا الموقف من المرأة، بل سبقته اليهودية ومن ثم المسيحية. إلا أن الديانتين اليهودية والمسيحية قد شهدتا تحولاً في الموقف والممارسة عبر عملية التنوير التي صاحبت التطور الصناعي وبروز البرجوازية في الحياة السياسية والحكم وتبني مبدأ المساواة بين المرأة والرجل وتحرير المرأة من عبودية الرجل وهيمنته البشعة، في حين مازال المسلمون، يعاملون المسلمات، على ما وضع منذ أكثر من 1439 عاماً ولم يعرفوا عملية التنوير الديني والاجتماعي حتى الآن. ورغم كل ذلك استطاعت المرأة في بعض الدول العربية والدول ذات الأكثرية الإسلامية انتزاع بعض الحقوق، ومازلن يناضلن لانتزاع بقية الحقوق من براثن الرجل المستأسد على المرأة والمغتصب لحقوقها. في هذه المقالة القصيرة سوف أعالج مسألة واحدة تبدو هامشية للبعض، ولكنها أساسية في حكم الموقف الذكوري المتخلف من المرأة.
منذ سنوات بدأت استخدم في كتاباتي لغة ذكورية وأنثوية في آن واحد. ووجهت نداءات بضرورة استخدام هذه الثنائية في الكتابة. ولكن القلة القليلة استجابت لهذا النداء حتى الآن. وليس هذا غريباً على بلد مثل العراق أو الدول العربية. فالألمان الذكور يواجهون، رغم تحررهم يواجهون، مثل هذه المشكلة، وتتجلى في مطالبة متزايدة من جانب النسوة بتغيير النشيد الوطني إلى لغة ذكورية وأنثوية في آن واحد، أو التخلي عن بلد الأب Vaterland، واستخدام بيت الوطن،Heimatland . (راجع جريدة برلينر تسايتونك بتاريخ 06/03/2018، ص 8)
إن استخدام اللغة الثنائية، ذكورية وإنثية، من جانب كتابنا وكاتباتنا ومن جانب إعلامينا وإعلامياتنا، من جانب الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ونقابات العمال والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى، وفي الكتب الدراسية لجميع المراحل الدراسية، سيلعب دوراً تثقيفاً مهماً جداً، إلى جانب دوره النفسي والاجتماعي، على السامعين والسامعات كافة، وسيساهم تدريجاً في إلغاء اللغة الذكورية المنفردة لصالح اللغة الثنائية. وسيجد تعبيره تدريجاً في السلوك الفردي للمرأة والرجل ويقترن مع النضال المتواصل من أجل انتزاع الحقوق الفعلية الأخرى وليس باللغة فقط. فبدلاً من أن نكتب "أبناء" العراق، لا بد لنا أن نكتب "بنات وأبناء" العراق، رجال ونساء العراق، أو بدلاً من أن نكتب الأستاذ فلانة بن فلان، لابد أن نكتب الأستاذة فلانة بنت فلان، أو المديرة أو القاضية أو الوزيرة أو العالمة أو الدكتورة...الخ.                   
حين وصلني العدد الأول من المجلة الإلكترونية "الأكاديمي" باللغتين العربية والإنكليزية، عن "جمعية الاكاديميين العراقيين في استراليا ونيوزلندا" واطلعت على محتوياتها القيمة حقاً، لفت انتباهي، وهي مجلة أكاديمية ديمقراطية تصدر عن جمعية متقدمة في موقفها من المرأة والرجل ولها فرع يدافع عن حقوق الإنسان، استخدامها اللغة الذكورية عند ذكر المرأة، الأستاذ فلانة بن فلان، (دع عنك خلو هيئة التحرير من أي امرأة في عضويتها!)، رغم وجود عدد كبير من النساء العراقيات المتقدمات في مجال العلم والثقافة والفن في استراليا بشكل خاص، وليست لدي معلومات عن نيوزيلندا. فكتبت لهيئة التحرير ملاحظة بشأن ذكورية الكتابة ورجوتهم التفكير بشأن تغيير ذلك. ومن المؤسف إن هيئة التحرير لم تجبني على استفساري واقتراحي بهذا الصدد!
أتمنى على جميع الأحزاب والمنظمات والشخصيات من كتاب وإعلاميين وعاملين في الشأن العام، أن يبدؤا باستخدام اللغة الإنثوية إلى جانب اللغة الذكورية في الكتابة، لكي نخلق حساً إنسانياً سليماً إزاء المرأة بالعراق، رغم الجو السياسي المغبر والمضبب والمزاج الراهن المناهض لحقوق المرأة، بسبب هيمنة قوى الإسلام السياسية الطائفية على مقاليد الدولة والحكم ومجلس النواب والقضاء العراقي والإعلام الحكومي، وهيمنة واسعة على الإعلام الخاص أيضاً. إنها وفي هذه الظروف يفترض على كل الديمقراطيين المقتنعين بمساواة المرأة بالرجل في جميع المجدالات، بما في ذلك اللغة، أن يبدؤا مقاومتهم للذكورية المستفحلة، وسيكون ذلك هدية متواضعة للمرأة العراقية في يومها العالمي، للأم والأخت والزوجة والبنت والخالة والعمة..، وللإنسانة العراقية المناضلة في كل زاوية من أرض الرافدين، في العراق المستباح حتى الآن!                 

14
كاظم حبيب
تزايد قلق الديمقراطيين من اليمين واليمين المتطرف في أوروبا!

كما تجتاح الدول العربية وغير العربية ذات الأكثرية المسلمة موجة مديدة من الإرهاب الأعمى المدمر من جانب قوى الإسلام السياسي اليمينية واليمينية المتطرفة والتكفيرية، حيث هيمنت بعض قواها على الحكم في عدد من هذه الدول، لاسيما في أسيا وأفريقيا، كما في إيران وتركيا والسودان والسعودية والعراق مثلاً، وتمارس سياسات استبدادية وتفرض إرهاباً فكرياً ضد أتباع الديانات الأخرى وضد أتباع الفكر الآخر والرأي السياسي الآخر، وكذلك ضد أتباع القوميات الأخرى، والتي أدت إجراءاتها حتى الآن، سواء تلك التي في السلطة أم خارجها، إلى موت ما يزيد عن مليون ونصف المليون إنسان خلال الأعوام العشرة المنصرمة، وهي ما تزال تواصل ذات السياسات ولم يردعها إجراءات ما يدعى بالتحالف الدولي ضد الإرهاب، لأنه غير جاد وغير موحد ودون تنسيق ومتشابك ومتداخل مع أجهزة أمنية لبلدان غير قليلة، تجتاح أيضاً الدول الرأسمالية المتقدمة موجة مديدة من السياسات والإجراءات ذات النهج والمضامين اليمينية للقوى والأحزاب الحاكمة من جهة، وتفاقم كبير في نشاطات القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة والقوى النازية الجديدة خارج السلطة من جهة ثانية. وبصدد الصنف الأول يمكن الإشارة بوضوح كبير إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وهنغاريا وبولونيا والنمسا وسلوفاكيا والتشيك وبلغاريا وأخيراً النمسا وإيطاليا حيث فاز اليمين واليمين المتطرف في الانتخابات العامة الأخيرة، قد شكل التحالف اليميني واليمين المتطرف الحكومة في النمسا، وربما سيشكل الحكومة بعد أن فازت أحزاب خمس نجمات وبرلسكوني وحزب الشمال اليميني المناهض للأجانب واللاجئين في إيطاليا في انتخابات شباط/فبراير 2018، أما الصنف الثاني فيمكن تأشير دول مثل فرنسا وهولندا وألمانيا والدنمارك والسويد، على سبيل المثال لا الحصر. هذه الاتجاهات ليست وليدة اليوم، بل بدأت بشكل ملموس في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين وتصاعدت مع انهيار النظم السياسية والاجتماعية "الاشتراكية" في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، وتفاقمت بهيمنة فعلية لسياسات اللبرالية الجديدة وقوى المحافظين الجدد في هذه الدول. وكان الأمير زيد بن رعد بن الحسين على حق وصادق حين أكد في تقريره للأمم المتحدة ما يلي: "اليوم، القمع أصبح مألوفا. لقد عادت الدول البوليسية والحريات الأساسية تتراجع في كل منطقة في العالم. كما ان الخجل ايضا يتراجع". وتابع قوله: أن "كارهي الأجانب والعنصريين يتصرفون دون اي شعور بالحرج. مثل المجري فيكتور اوربان الذي قال في وقت سابق هذا الشهر "لا نريد ان يختلط لوننا ... مع الآخرين.." ألا يعلمون ما الذي حدث للأقليات في المجتمعات التي يسعى قادتها للنقاء الأثني والوطني والعرقي؟". (i24 Europa, News, 26.02.2018). وإذا كانت هذه النزعات الشديدة في توجهها الشوفيني والعنصري والديني المتزمت، فأن من الواجب الإشارة إلى دول مثل تركيا وإيران ومصر والسعودية والعراق على سبيل المثال لا الحصر!
إن تفاقم الموقف السلبي والمتشدد والمعادي لليهود والأجانب في دول الاتحاد الأوروبي وعموم أوروبا، ولاسيما ضد المسلمين، يعتبر جانباً واحداً من السياسات اليمينية واليمينية المتطرفة في هذه الدول، إذ أن الجوانب الأخرى أوسع وأشمل وأكثر عمقاً وخطورة على مجمل أوضاع هذه الدول، منها مثلا ما جرى في هنغاريا وبولونيا بشأن التغييرات الجارية على القوانين ووزارة العدل، وعلى حقوق وحريات الأفراد، أو على طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في مجمل الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ومنها السياسات الضريبية التي تزداد تمايزاً في غير صالح العمال وصغار ومتوسطي المنتجين، وفي صالح كبار الرأسماليين والشركات الرأسمالية الاحتكارية. والمؤشر لهذه الخطورة يبرز في نتائج الانتخابات المحلية والانتخابات العامة في أغلب هذه الدول خلال الفترة الواقعة بين 2015-2018، وما يمكن أن يحصل في السنوات القادمة، حيث تشير الكثير من التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث واستطلاعات الرأي إلى احتمال واضح بحصول القوى اليمينية واليمينية المتطرفة والشعبوية على نسبة مهمة من الأصوات والمقاعد النيابية في عدد متزايد من الدول الأوروبية. (راجع أبحاث وتقارير عن مناهضة السامية ومناهضة الأجانب صادرة عن المكتب الاتحادي للتثقيف السياسي بألمانيا (Bundesamt für politische Bildung, in 2014, 2015, 2016, 2017 ( إن هذه الاتجاهات السياسية والاجتماعية، التي امتدت إلى الأوساط العمالية النقابية، بدأت تثير قلق القوى اليسارية والديمقراطية في أغلب الدول الأوروبية، وبدأت تنظم المظاهرات احتجاجاً على هذه الظواهر، ولكنها ما تزال ضعيفة ودون المستوى المطلوب لمواجهة هذه الاتجاهات اليمينية واليمينية المتطرفة، التي أدت سياسات اسلافها إلى نشوب حربين عالميتين في القرن العشرين، والتي كان أحد عوامل نشوبها ضعف التحالفات السياسية والاجتماعية بين القوى المناهضة لهذه الاتجاهات الفكرية والرأسمالية المتطرفة، مما يذكرنا بما حصل في أوروبا في النصف الثاني من العقد الثالث وما بعده في تفاقم الصراعات بين الأحزاب السياسية المناهضة للفاشية والنازية واليمين المتطرف.   
والسؤال المشروع في هذا الصد: ما هي العوامل الكامنة وراء هذا النزوع المتنامي صوب اليمين واليمين المتطرف الشعبويين؟ تجمع تقارير مراكز الأبحاث، ولاسيما في الدول الأوروبية، إلى مجموعة من العوامل المهمة التي يمكن بلورتها في النقاط التالية:
** إن اختفاء دولة المعسكر الاشتراكي عن المنافسة مع المعسكر الرأسمالي، وبشكل خاص في المجال الاقتصادي والاجتماعي، أسس قناعة لدى قادة النظم السياسية في هذه الدول وكبار الرأسماليين تشير إلى أن في مقدورهم الآن ممارسة سياسة رأسمالية جديدة تستبعد المساومة التي أجبرت عليها قبل ذاك مع الطبقة العاملة والفلاحين، وضاغطة على الأجور والمكاسب الاجتماعية التي تحققت عبر نضال الطبقة العاملة والمثقفين والبرجوازية الصغيرة، وتحت ضغط المنافسة الدولية، وباختصار يمكنهم الآن ممارسة سياسة "رأسمالية متوحشة!!" لا تعرف الرحمة والمساومة، على حد قول المثل "غاب القط ألعب يا فأر!".
** قادت هذه السياسة اللبرالية الجديدة إلى خمس عواقب صارخة: أ) ارتفاع حجم البطالة؛ ب) تفاقم استغلال الطبقة العاملة وبقية المنتجين وارتفاع أرباح الرأسماليين؛ وج) اتساع الفجوة في الدخل ومستوى المعيشية بين طبقات وفئات المجتمع في غير صالح الطبقة العاملة وصغار المنتجين وذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل؛ د) تفاقم أزمة السكن ولاسيما بالنسبة لذوي الدخل المحدود وارتفاع عدد المشردين دون سكن؛ هـ) الهجوم المعاكس على المكاسب الاجتماعية في مجالات الصحة والتعليم ودور الحضانة ورياض الأطفال والرواتب التقاعدية والمعونات الاجتماعية التي تحققت للمجتمع خلال فترة الحرب الباردة في غير صالح الطبقة العاملة وصغار المنتجين وذوي الدخل المحدود.
** تراجع شديد في مصداقية القوى والأحزاب السياسية التقليدية الحاكمة، بما فيها الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية (الأحزاب الاشتراكية) والأحزاب الديمقراطية المسيحية، مما فسح في المجال لنشاط أوسع للقوى اليمينية واليمنية المتطرفة الشعبوية، فجميع هذه الأحزاب تبنت سياسات اللبرالية الجديدة وقادت إلى عواقب وخيمة للمجتمع، كما ضاع التمايز بين الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية والأحزاب المسيحية أو المحالفظة.
** ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع إيجارات السكن بنسب عالية وأسعار السلع الاستهلاكية والنقل وغيرها، مما أدى إلى تراجع كبير في القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود في جميع الدول الأوروبية والولايات المتحدة وغيرها.
** كما إن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم الرأسمالي في العام كله 2008 ما تزال عواقبها لم تنته بعد وهي شديدة الأثر على الفقراء والمنتجين في الدول الرأسمالية المتقدمة، وكذلك على شعوب الدول النامية. إذ أن عواقب الأزمة الحادة ألقيت على كاهل الفئات المنتجة والفقيرة في الدول الرأسمالية وشعوب البلدان النامية.
** إن الحروب التي أُشعلت في عدد من الدول، ولاسيما في دول الشرق الأوسط وأفريقيا، بسبب صراع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للدول الكبرى، والحروب الداخلية والخارجية من جهة، والسياسات الاستبدادية للكثير من حكومات الدول النامية التي تجد التأييد والدعم من الدول الرأسمالية المتقدمة من جهة ثانية، والتغيرات الجارية على البيئة وتدمير الكثير من مناطق سكن جماهير واسعة شعوب عدد من الدول النامية، بما فيها قطع أشجار الغابات والخامات التي استنزفت من قبل الدول الرأسمالية والفئات الحاكمة في ذات البلدان والتغيرات المناخية بسبب تلوث البيئة، من جهة ثالثة، والاستمرار في انتاج وبيع المزيد من الأسلحة التقليدية الحديثة، عبر السوق الرسمي والسوق الموازي، من جانب الدول المنتجة والمصدرة للسلاح مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا الاتحادية وبريطانيا وإيطاليا ..الخ، إلى الدول في المناطق التي فيها صراعات ونزاعات ساخنة من جهة رابعة، قادت كلها وغيرها إلى مزيد من النزوح الداخلي أولاً، وفيما بين الدول النامية ثانياً، وإلى هجرة بشرية واسعة صوب الخارج، نحو الدول الرأسمالية المتقدمة، ولاسيما إلى أوروبا ثالثاً. ويقدر عدد الذين تشملهم الهجرة القسرية والنزوح إلى أكثر من 60 مليون نسمة على الصعيد العالمي. ورغم إن نسبة ضئيلة منهم قادمة إلى أوروبا والولايات المتحدة، تعلن أوروبا، وكذلك الولايات المتحدة ودول أخرى، عن عجزها وعدم استعدادها على استيعاب هذا الجزء الصغير منهم، ولاسيما تلك الدول التي كانت ضمن المعسكر الاشتراكي وكذلك النمسا وإيطاليا والولايات المتحدة. ومع ذلك فأن هذه النسبة الضئيلة قد أججت الصراع الداخلي، بسبب عدم توفير مستلزمات استقبال هذه الهجرة غير المتوقعة من جانب الدول الأوروبية والخطاب غير العقلاني من عدد من الأحزاب الحاكمة إزاء اللاجئين وخوض الانتخابات بشعارات مناهضة لهم. وبدأت القوى اليمينية واليمينية المتطرفة تستخدم شعارات شعبوية لكسب الناس إليها وتعبئتها ضد الحكومات القائمة، والتي تصب في خانة معاداة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة. 
تستخدم القوى والأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة الجوانب الاجتماعية في مشكلات الدول الرأسمالية المتقدمة باتجاهين، فهي تعلن عن عدم وجود مساواة وعدالة اجتماعية في هذه الدول، وهذا صحيح، ولكنها لا تقصد في هذا الجانب التمايز المتسع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة المنتجة للخيرات المادية وصغار المنتجين والفئات ذات الدخل المحدود، بل تشير إلى وجود الأجانب في البلاد الذي، حسب تقديرها المناهض للأجانب، السبب في عدم العدالة والمساواة، أي أن وجود اللاجئين أو الأجانب عموماً في غير صالح أبناء البلاد، ويوردون مسائل مثل ضعف الرواتب التقاعدية والمزاحمة على فرص العمل وعلى السكن. إن هذا المنحى يستهدف تحويل الصراع الطبقي الداخلي بسبب التمايز الطبقي واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، إلى صراع قومي، أي بين شعوب تلك البلدان والأجانب القادمين كلاجئين إليها أو القاطنين فيها. إنها تعمل بإصرار ودأب على تأجيج العداء والصراع ضد الأجانب، إذ أنهم يعرفون تماماً، بأن هذه الذرائع التي يدّعونها لا تصمد أمام الوقائع على أرض الواقع، بل كلها ناتجة عن طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي الرأسمالي، الذي يزداد توحشاً في جشعه لتحقيق المزيد من الأرباح على حساب المنتجين، والسياسات التي تمارسها حكومات هذه البلدات ذات النهج النيولبرالي، الذي تدافع عنه القوى اليمينية واليمينية المتطرفة بحماس منقطع النظير. وهي تدعو إلى مزيد من دور الرأسماليين واحتكاراتهم في المنافسة الرأسمالية على الصعيد الدولي ومزيد من استغلال شعوب البلدان النامية، لأنها تعتقد، وفق نظرتها العنصرية، بأن شعوبها هي الأكثر رقياً والأفضل عرقياً من شعوب البلدان النامية ومن حقها أن تقوم بذلك. أنها تستعيد من ترسانة النازية الألمانية، من النظرية التي روج لها الفريد روزنبيرغ وهتلر وغوبلز وغيره، نظرية الشعب الآري المتميز والمفضل عن الشعوب السامية (الآسيويون) والحامية (الأفارقة) السيء الصيت!! وهي بأسلوبها الشعبوي تؤثر على فكر ومزاج الناس من ذوي الوعي الاجتماعي والسياسي المحدود وتؤلب المجتمع ضد الأجانب بشكل صارخ، إذ أصبح العداء لوجود الأجانب رأسمالها الذي تسعى من خلاله إلى غزو المجالس النيابية المحلية والعامة في الدول الأوروبية. إن الدراسة الجيدة لبرامج القوى اليمينية واليمينية المتطرفة في الدول الأوروبية تساعد على معرفة التناقض بين موقفهم الرأسمالي المتطرف النيولبرالي الساعي إلى تعزيز مواقع الاحتكارات الرأسمالية، وبين دعوتهم السطحية والكاذبة للعدالة الاجتماعية، التي لا تعني العدالة الفعلية بل الاستعداء على الأجانب وإلى استبعاد اللاجئين من أوروبا. واليوم، فهذه القوى تستخدم تخويف الأوروبيين بوجود مخاطر أسلمة أوروبا. والقوى الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية تساعد القوى اليمينية واليمينية المتطرفة والنازية الجديدة في أوروبا على تحقيق نجاحات معينة في دعاياتها المضللة في الأوساط الاجتماعية في المجتمعات الأوروبية، لأنها تعلن عن أن أوروبا هي دار حرب بالنسبة للمسلمين، ولا بد من تحويلها إلى دار سلام أو دار للإسلام!!! إنها ثرثرة وجعجعة فارغة، ولكنها فاعلة في نسبة غير قليلة من الأوساط الشعبية ذات الوعي الضعيف!! 
     
   

15
كاظم حبيب
احتفالية تكريمية في منتدى بغداد للثقافة والفنون ببرلين
اقام منتدى بغداد للثقافة والفنون احتفالاً تكريمياً ممتعاً وبهيجاً للزميلين الفاضلين الأستاذ أحمد عفاني، المهندس والإعلامي والكاتب والمثقف والناشط العربي الفلسطيني في صفوف الجالية العربية بألمانيا، ولاسيما ببرلين، والصديق الدكتور حامد فضل الله، الطبيب والكاتب والمثقف والناشط الحقوقي العربي الأفريقي السوداني، لدورهما المميز في مجال تمتين العلاقات بين أبناء وبنات الدول العربية والشعب الألماني، الذين يعيشون في كنفه وبين أبنائه وبناته ويتمتعون بثقافة هذا الشعب الرائعة، ويسعون إلى تحقيق التلاقح الثقافي بين الثقافات، ولنشرهما الكتب والكثير من المقالات والترجمات من الألمانية إلى العربية ومن العربية إلى الألمانية حول مواضيع مهمة في الثقافة والفنون وقضايا المسلمين والعرب عموماً بألمانيا. إضافة إلى كونهما من المناضلين ضد الشوفينية والعنصرية والتمييز الديني والطائفي وضد النظم الاستبدادية وغير الديمقراطية، وفي سبيل الحرية والحياة الديمقراطية والمجتمع المدني في منطقة الشرق الأوسط وفي سبيل السلام.  وتضمن الحفل كلمة ألقاها الزميل عصام الياسري رئيس المنتدى حول الثقافة والمثقف ودورهما في حياة الشعوب العربية وفي الشتات العربي، وأهمية تنشيط الحياة الثقافية في صفوف الجالية وضرورة إيصالها إلى الألمان أو التمتع بالثقافة الألمانية، مؤكداً على دور المثقف العربي الديمقراطي في نشر الفكر الديمقراطي الحر والثقافة الديمقراطية والدفاع عن القيم الإنسانية والحضارية، ومنها الثقافة والفنون التي تعاني اليوم الأمرين في الدول العربية. وكان التفاتة جميلة أن تقدم الكلمة باللغة الألمانية أيضاً، بسبب حضور مجمعة من النسا والرجال الألمان من أصدقاء الزميلين والمنتدى.
ثم قدم كل من الزميل عصام الياسري ملف التكريم إلى الأستاذ أحمد عفاني، والزميل قيس الزبيدي ملف التكريم للدكتور الطبيب حامد فضل الله. تضمن الملفان كلمات تقييمية ودية من أصدقاء الزميلين بهذه المناسبة، كما تضمنا صوراً عن حياتهما ونشاطهما في الوطن وفي المانيا. ثم قدم الزميلان نبذة عن حياتهما ونشاطهما في الوطن وألمانيا في مجال الثقافة والحياة الاجتماعية للجالية في ألمانيا، إضافة على مجال الطب بالنسبة للزميل حامد فضل الله، ولاسيما في مجال الدفاع عن مصالح الجالية وحقوق الإنسان في بلدانهم.
وقد تخلل الاحتفالية عزف جميل على العود وغناء عربي من عازف العود ذاته. وقد غصت القاعة بالحضور وأجبر العديد منهم على الوقوف احتفاء بالزميلين. كان هذا التكريم هي المبادرة الثانية من جانب المنتدى في تكريم الشخصيات الثقافية والفنية والاجتماعية من مواطني ومواطنات الدول العربية وألمانيا، وكان الأول هو الزميل الفنان التشكيلي المبدع منصور البكري، الراقد حالياً في المستشفى..، نتمنى له الشفاء العاجل والعودة إلى إبداعه في الفن التشكيلي وفي النشاط الثقافي العام. وقد وضع المنتدى مشروعاً لتكريم شخصيات تعيش في المانيا وتساهم في حياة ونشاط الجالية العربية والعراقية. 
وقد شاركت بهذه الاحتفالية بكلمة عن صديقي الفاضل والعزيز الدكتور حامد فضل الله التي وضعت في ملف التكريم مع بقية الكلمات، كما شاركت منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق، ألمانيا/أمرك بكلمة بهذه المناسبة وضعت في الملف أيضا. في أدناه نص الكلمتين:     
الصديق العزيز الدكتور حامد فضل الله   
يعتبر الصديق الدكتور حامد فضل الله واحدا من أبرز أعمدة وشخصيات الحياة الثقافية والاجتماعية العربية بألمانيا، ولاسيما ببرلين. تجمعنا صداقة ما بعد الخمسين من العمر التي غالباً ما تقوم على المبادئ وبعيداً عن المصالح، إذ تعتمد الأخوة والفهم المتبادل عند الاختلاف، والتضامن والتعاون والعمل المشترك في حقول الثقافة وحقوق الإنسان والمجتمع المدني وهموم العالم العربي المتراكمة والمتفاقمة. ومنذ بداية التسعينات أصبحنا أصدقاء لما تبقى من العمر. أرجو له ولعائلته ولكم طول العمر والصحة والعافية.
للصديق والأخ حامد فضل الله خصال لا تفوت على من يتعرف عليه. فهو إنسان متواضع، دمث الخلق وشفاف الطبع، طيب المعشر، كريم النفس، صريح ونزيه اللسان وصادق القلم، يمد يد المساعدة بأكثر من المستطاع، مما يكلفه صحته. له علاقات ودية واسعة مع العرب وغيرهم ببرلين، بغض النظر عن وجهات نظرهم السياسية، فالعلاقات الاجتماعية عنده ذات نكهة إنسانية حميمة يفترض ألَّا تضيع في أجواء اختلاف الآراء أو المواقف السياسية، له رأيه ومواقفه السياسية الإنسانية في الدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته، وحقوق القوميات، وحقوق المرأة ومناهضة كل أشكال العنصرية والطائفية، والتمييز الديني والمذهبي، والتمييز ضد المرأة. الصديق حامد من الملتزمين بالحكمة المندائية التي تقول: "ويل لعالم لا ينفتح على غيره، وويل لجاهل منغلق على نفسه".   
حين بدأت أبحث عن شخصيات ديمقراطية من دول عربية تشارك معي في تشكيل منظمة تساهم مع منظمات أخرى في الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية، وبعد أن كنت عضواً في المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وجدت في حامد فضل الله ونخبة من الأخوة والأخوات من الدول العربية، خير عون وناشط في هذا المجال، وهو ما يزال يناضل على هذا السبيل. وفعلاً أسست "منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية" في العام 1991، وقدمت الكثير من المساعدات للاجئين والمقيمين من الدول العربية، ولكنها أصبحت ميتة سريرياً!
حامد طبيب نسائية، فأضفت عليه مهنة الطب النبيلة، ولاسيما النسائية، الكثير من نكهة المرأة والود الصادق والوفا للأصدقاء والدفء الإنساني في علاقاته مع الآخرين، كما وجدت طريقها إلى كتاباته وقصصه القصيرة، التي تحمل عبق النسوة والطرافة واللقطة المميزة والذكية والمؤثرة.
حامد كاتب مقل ومتميز، كتاباته تتميز بلغة سليمة ورشيقة، يختار كلماته كما يختار الطبيب الدواء الناجع لمريضه. ويمكن للقراء أن يجدوا ذلك في كتابه الوحيد والمهم الموسوم "أحاديث برلينية" وضع فيه خلاصة تجاربه وحياته وعلاقاته منذ أن غادر السودان ليحط بألمانيا ليدرس اللغة والطب والثقافة الألمانية.
حامد مثقف عضوي هادف ومؤثر بالمعنى الغرامشي. يكتب الشعر الشعبي بالسودانية، ومقل فيه أيضاً، ويحفظ الكثير من الشعر السوداني الشعبي، ويبدع في استخدامه.         
حامد قارئ نهم باللغتين العربية والألمانية، أحب الترجمة إلى جانب الكتابة. يختار منها ما يراه نافعاً للعرب، ولاسيما المسلمين، بما يساعدهم على فهم الألمان وثقافتهم، وما يفترض أن يكونوا عليه وبعيداً عن التطرف الديني أو القومي والمغالاة بها، كما يترجم ما يراه نافعاً للألمان لفهم مواقف ونهج العرب بعيداً عن مواقف الذين اكتووا بنار الحروب والإرهاب التي تركت تبعاتها وتداعياتها وأخلاقها على سلوكيات بعضهم المشينة. يقف بوضوح إلى جانب اللاجئين ويطالبهم بالاندماج بالمجتمع الألماني والأوروبي وليس الانصهار فيه، ويثني على مواقف الألمان في استقبالهم للاجئين ويطالبهم بالمزيد من قبول الآخر والتفاعل معه والتلاقح الثقافي وتوفير مستلزمات تنشيط وتسهيل عملية الاندماج بالمجتمع الألماني.
محاولات حامد الفكرية والعملية جادة في إيصال الفكر والأدب الديمقراطيين السليمين في الثقافة العربية إلى الألمان، وهي مشاركة مهمة ومحمودة وتحتاج إلى رعاية للإكثار منها. يمتلك حامد حساً نقدياً رفيع المستوى مدركاً لدور النقد وضروراته وأهميته، صريحاً وجريئاً في ممارسته، ولكنه يرفض الإساءة والتجريح!
همٌ إنساني نبيل يؤرق حامد، إنها العلاقة المتوترة وضعف التعاون والتضامن بين جاليات وأفراد الدول العربية. فالاستبداد الحكومي والحروب والإرهاب والقمع والفساد والحرمان وغياب الحريات والحياة الديمقراطية والدستورية وتفاقم الفجوة بين مستوى حياة ومعيشة الأغنياء المتخمين، والفقراء البائسين، رغم غنى الأوطان، هي الظواهر السائدة منذ عقود بالدول العربية، والتي تركت آثارها السلبية العميقة على العلاقات بين مواطنات ومواطني الدول العربية بألمانيا وعموم أوروبا. وكثيراً ما بذل حامد الجهد لإصلاح ذات البين، ومنها مثلاً دوره النبيل لإصلاح العلاقات المتوترة بين الجماعات العراقية ببرلين، والتي لم ينجح في تحقيقها، وكذا الحال في سعيه للمّ الصف السوداني بعيداً عن السياسة، فالمشتركات الثقافية والاجتماعية والإنسانية أكثر بكثير من دور السياسة في التفريق والتباعد... الود وعدم نسيان الأصدقاء والأحبة والحنين والوفاء لهم هي من أبرز خصاله الطيبة.
لا يغيب حامد عن الندوات الثقافية التي تعقدها المنتديات العربية ببرلين إلا إذا كان في وعكة صحية. ويساهم بحيوية فيها ويدعو الآخرين للمشاركة فيها، لاسيما وهو يلاحظ الإحباط الشديد في صفوف مواطني ومواطنات الدول العربية واحجامهم عن المشاركة في مثل هذه الفعاليات، باعتبارها جزءاً من الكارثة التي تعاني منها شعوب الدول العربية بحكم الاستبداد السياسي والحروب والإرهاب والخراب الاقتصادي والتدخل الأجنبي الدولي والإقليمي والإحباط النفسي والتمييز ضد المرأة، إنها جزءٌ من المهمات التي يفترض أن ينهضوا بها، وهم في الخارج، مواطنات ومواطنو الدول العربية لصالح شعوبهم.   
الشكر الجزيل للأخ عصام الياسري ومنتدى بغداد الثقافي على هذا التكريم الجميل، فهو تكريم صادق لشخصية ثقافية وإنسانية نبيلة، إنه الأخ والصديق الدكتور حامد فضل الله.
كاظم حبيب
برلين في 3 تموز/ يوليو 2018

السيدات والسادة الكرام
الأخ والصديق الدكتور حامد فضل الله المحترم
اسعدنا جداً مبادرة تكريمك من قبل منتدى بغداد الثقافي ورئيسه الأخ السيد عصام الياسري. فهي مبادرة قيمة يشكرون عليها.
منذ أن تعرفنا على الأخ الدكتور حامد فضل الله في حقل النضال في سبيل الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية وعن حقوق الأجانب واللاجئين في ألمانيا في أوائل العقد الأخير من القرن العشرين، كان وما يزال يعتبر مثالاً وقدوة حسنة لأعضاء منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية، وكذلك مسانداً لنضال منظمتنا، منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق/ أمرك المانيا. فمنذ سنوات وهو يتابع، بحرص كبير على شعب العراق، أوضاع البلاد والحروب المدمرة التي خاضها نظام صدام حسين والعواقب الوخيمة التي نتجت عنها، ولاسيما في مجال حقوق الإنسان، ولاسيما حق الإنسان في الحياة والعمل والكرامة. كما كان وما يزال يتابع باستياء كبير التدخلات الخارجية الدولية والإقليمية في الشأن العراقي، وما نشأ عنها من حروب وصراعات دموية، والتي ما يزال يتعرض لها العراق وما نتج عنها من موت وخراب ودمار، ولاسيما بعد غزو عصابات داعش الإجرامية للموصل ومناطق أخرى من العراق. وأدرك بحس سليم، ومنذ البدء، ما يمكن أن يتعرض له العراق بسبب الحرب التي شنتها الدول الكبرى بقيادة الولايات المتحدة في العام 2003 ضد العراق وإقامة نظام طائفي سياسي فاسد في البلاد.
أننا إذ نحيي العزيز حامد في يوم تكريمه، نرجو له الصحة الموفورة والمزيد من العطاء في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني في الدول العربية قاطبة. مع صدق ودنا واحترامنا الكبيرين
الدكتور غالب عبد العزيز العاني
رئيس منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق/ ألمانيا أمرك     
هامبورغ في، 03.03/2018
 
د. حامد فضل الله، برلين 2017

16
كاظم حبيب
فالح عبد الجبار، الإنسان الطيب والمناضل الشجاع والعالم الرصين
مات فالح على غير موعد، اختطفته يد المنون دون وداع، هكذا هو الموت..، يأتي على غير موعد، لا يعلن عن قدومه، زائر غريب ومضني لا يمكن ردّه..، جاء في وقت غير مناسب، لم يمهله لإنهاء الفكرة في المذياع، أتعبه موضوع العراق المنهك وهو يتحدث في فترة قصيرة عن تاريخ العراق المأساوي.. ها هو الموت يختطف من جديد صديقاً ورفيقاً ومناضلاً آخر.. يختطف الأحبة واحداً بعد الآخر.. سعدنا برؤيته على شاشة التلفزيون، وأنهكنا الحزن قبل ان ينهي الموضوع!!   
كان فالح في قمة عطائه الإنساني، وفي حركة دائبة غير قادر وغير راغب على التوقف ولو لحظة واحدة ليريح قلبه المتعب مما جرى ويجري في العراق الجريح وفي المنطقة!! كان شعلة وهاجة ينير درب الآخرين ويشتعل ذاتياً.
  التقيته قبل فترة وجيزة، تجولنا في شوارع برلين اخترنا مطعماً هادئاً، جلسنا وتحدثنا في همومنا المشتركة، وتحاورنا عن المشاريع الكثيرة الواعدة التي كان ينوي القيام بها وإنجازها، وتحدثت له عما أقوم به فيما تبقى من سنوات عمر الشيخوخة. اتفقنا على تنشيط فعاليات بعض منظمات المجتمع المدني التي نعمل فيها، وأن نكرس وقتاً أكثر لها. كان لا يهدأ.. في زحمة أعماله الكثيرة وسفراته المكوكية في أنحاء العالم، كان يحمل حقيبته الصغيرة وأوراقه وأقلامه ونظارته. منذ وفاته شلت يدي عن الكتابة عنه لقسوة المفاجئة، رغم معرفتي بقلبه العليل.. مات وهو لا يحمل غير أوراقه وقلمه، وفي قلبه يحمل زوجته العزيزة فاطمة المحسن وابنته فيروز وولديه خالد وعلي والكثير الكثير من الرفاق والأصدقاء والمحبين والمعجبين بكتاباته.. 
لقد عمل فالح بدأب العالم المفكر، ومنهجية الباحث الجاد والرصين، فهو شديد الذكاء، دقيق الملاحظة، سريع البديهة، قوي الذاكرة وموسوعي المعرفة مع اعتداد بالنفس. عمل فالح بإخلاص على وفق الحكمة المندائية القائلة "ويل لعالم غير منفتح على غيره، وجاهل منغلق على نفسه"!
كانت لقاءاتنا قليلة، ولكن كنا حين نلتقي تكون موضوعات البحث العلمي والمشاريع التي نقوم بها هي مادة الحديث، إلى جانب أوضاع الشعب العراقي والمنطقة وأوضاع العراقيات والعراقيين في الخارج ومشكلاتهم المعقدة بسبب تعقد أوضاع الداخل.
لقد كان رفيق درب نضالي طويل، كان منفتح العقل والقلب، يكره القيود على الفكر والممارسة، يريد أن يكون طائراً حراً يحلق في الأعالي، ليرى بأفق أوسع ما على الأرض وفي السماء، ثم يحط على الأرض، ليتلمس برؤية مباشرة وموضوعية وهادفة ما يمكن أن يكون نافعاً فيما يكتب وينشر.
عشنا فترة معاً، وفي موقع واحد، في الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراقي، ضمن حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين في جبال وارياف وقرى كردستان العراق، كانت واحدة من مراحل النضال الصعبة ضد نظام البعث والدكتاتورية والحرب والعدوان، وفي سبيل عراق ديمقراطي مدني حر، وشعب ينعم بالحرية والرفاه، وقوميات تتمتع بحريتها وحقوقها الأساسية.
مات فالح مبكراً، خسرناه مفكراً ومناضلاً وصديقاً رائعاً.. أنجز أبو خالد العزيز الكثير وبقي الكثير الذي فكر وعمل على إنجازه.. ستبقى صورته في ذاكرتنا وستبقى كتاباته تساهم في إنارة طريق النضال لغد أفضل بالعراق والمنطقة. التعازي القلبية للعزيزة فاطمة المحسن ولبقية افراد عائلته ورفاقه ومحبيه.           

17
كاظم حبيب
هل ستكون الانتخابات القادمة نزيهة في ظل نظام طائفي فاسد؟
منذ سنوات والانتخابات النيابية بالعراق تجري في ظل نظام سياسي طائفي فاسد، فلم يحص العراق من ذلك سوى مجالس نيابية مليئة بالعناصر الطائفية والفاسدة ووظفت سلطة المجلس لتحقيق مصالحها والاستمرار في استمرار وجود النظام الفاسد وإعادة إنتاج الأوضاع الفاسدة التي تسمح للفاسدين في احتلال لا مقاعد مجلس النواب فحسب، بل والسلطة السياسية والمواقع الأساسية في أجهزة الدولة المختلفة والقضاء أيضا.
ويراد للانتخابات القادمة، التي يجري التحضير لها حالياً، أن تجري في ظل ذات الأوضاع والشروط التي جرت فيها الانتخابات في الدورات السابقة. فما هي الشروط الفعلية الراهنة التي أجمعت الأحزاب الإسلامية السياسية والمتحالفين معها، على إبقائها كما هي؟ يمكن تلخيصها، كما أرى، بالآتي:
1. تجري الانتخابات في ظل نظام سياسي طائفي أُعتمد في تشكيل سلطته السياسية، كغيرها من الحكومات التنفيذية السابقة، على المحاصصة الطائفية والأثنية في توزيع الحقائب الوزارية، والتي لا تعتمد مصالح الشعب، بل مصالح الأفراد والأحزاب التي ينتمون إليها. وهذا كلام لا يطلق جزافاً على عواهنه، بل يعتمد على حقائق الوضع بالعراق، والتي يمكن تقديم ألف دليل ودليل للبرهنة عليه، وباعتراف المسؤولين في الدولة.
2. تجري الانتخابات بإشراف المفوضية العليا "المستقلة!" للانتخابات، التي تشكلت على أساس المحاصصة الطائفية السياسية، والتي لم تبرهن قبل ذاك على حياديتها ولا يمكن أن تؤمَّنَ انتخابات حيادية ونزيهة في الجولة القادمة.
3. قانون الانتخابات لا يبشر بالخير ويعتمد طريقة غير سليمة في احتساب أصوات الناخبين والتي تخدم مصالح الأحزاب السياسية الحاكمة أولاً وقبل كل شيء، وضد الأحزاب التي يطلق عليها بالصغيرة.
4. وقانون الانتخابات لا يمنع الفاسدين الذين نهبوا أموال الدولة أو فرطوا بها من المشاركة في الترشح لخوض الانتخابات، بل يلتزم جانبها. وهو تأكيد جديد كون الفاسدين أنفسهم وضعوا قانوناً يسمح لهم بالعودة إلى مجلس النواب، رغم كل أنواع السحت الحرام الذي دخل في جيوبهم وكروشهم وحساباتهم المصرفية في الخارج.
5. والانتخابات تجري في ظل أوضاع ما يزال النازحون في عدد من محافظات البلاد يعيشون في أوضاع رثة ومريرة، ولا تسمح لهم بمشاركة واعية وعقلانية وأجواء سليمة في إعطاء أصواتهم بحرية ونزاهة، كما إن الفساد يحاول اصطيادهم، 
6. والانتخابات تجري في ظل وجود 206 أحزاب سياسية أجيزت لخوض الانتخابات، وهو تعبير لا عن فوضى الحياة السياسية العراقية فحسب، بل وعن فسادها وفساد الحياة السياسية وعن غياب البرامج الحزبية الجادة التي تقنع الجماهير بصواب ترشحها لخوض الانتخابات. وكم كانت سلام خياط صادقة في مقالها الموسوم " وكل حزب بما لديهم، فرحون!!" حين كتبت " يستدل على مرض الملاريا بالحمى والبرداء والتعرق ، يستدل على مرض التايفوئيد بارتفاع درجات الحرارة ، يستدل على مرض الهيضة بالاستفراغ المتكرر .. يستدل على سقوط المطر بتكاثف السحب والغيوم … فبماذا يستدل على كثرة الأحزاب المعلنة في بلد مزقته أحقاد الطائفية وتناهبه الفساد ؟؟" (جريدة المدى، الأعمدة، 21/02/2018).
7) وحين يسيطر الحزب الحاكم والأحزاب المتحالفة معه من قوى الإسلام السياسية الطائفية على أجهزة إعلام الدولة وتسخرها لصالحها، إضافة إلى امتلاكها الكثير من قنوات التلفزة الخاصة بها والممولة من جانب إيران أو قوى أخرى في المنطقة. وهي في الوقت ذات تمتلك الكثير من الموارد المالية التي توظفها لشراء الذمم والداعية الواسعة.
8) وحين يلعب الدين دوره المشوه عبر شيوخ دين غير متنورين ومنحرفين ومتحالفين مع الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي تمارس خداع الناس وتزوير إرادتهم عبر ركوب موجة نشر الطقوس غير العقلانية في صفوف الناس واستخدام المساجد والحسينيات لدعم المرشحين الطائفيين والفاسدين من جهة، ونشر الدعاية المضللة والكاذبة ضد القوى الديمقراطية والتقدمية واللبرالية من جهة ثانية.     
 9) التدخل الإيراني الفظ في الشأن الداخلي العراقي، في فترة التحضير للانتخابات العامة القادمة، حين صرح السياسي الإيراني علي أكبر ولايتي، وهو مدعو للمشاركة في "مؤتمر إسلامي"، بمطالبة "المقاومة الإسلامية!" بـ "عدم السماح للشيوعيين والليبراليين بالعودة إلى الحكم في العراق"، وكأنهم كانوا في الحكم قبل ذاك. كما لا شك في وجود تدخل فظ من جانب الجيران الأخرين كالسعودية وقطر والإمارات.. الخ، والذي ظهر بصور شتى.   
فهل يتوقع في مثل هذه الأجواء والشروط أن تحصل انتخابات جادة وحيادية ونزيهة يصل فيها ممثلو الشعب الحقيقيين إلى مقاعد مجلس النواب؟ اترك الإجابة لكل عراقي وعراقية يحملان وعياً بما جرى ويجري بالعراق، وضميراً نظيفاً، وحساً ديمقراطياً صادقاً، وهم الغالبية العظمى من الشعب العراقي، وهي الغالبية التي كانت وما تزال ساكتة!!! 

18
الأسس المادية لظواهر لاستبداد والقسوة والتعذيب والتمييز في المجتمع العراقي
الحلقة الأولى
منذ سنوات، العراق يمّرُ بفترة صعبة ومعقدة ومتشابكة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وبيئياً من ناحية، وداخلياً وعربياً وإقليميا ودولياً من ناحية ثانية، وتعاني مكوناته القومية وانتماءاته الدينية والمذهبية والفلسفية والفكرية من مصاعب جمة ومظالم كبيرة وإخفاقات لا حصر لها. إلا أن هذه الفترة، حيث تهيمن قوى وأحزاب إسلامية سياسية طائفية على الدولة والحكم، لا تنفصل عن الفترة السابقة حيث كانت قوى وأحزاب قومية وشوفينية مستبدة تهيمن على السلطة السياسية طيلة أربعة عقود عجاف، كما لا تنفصل عن معاناة شعب وداي الرافدين من نهج الاستبداد والقسوة والتعذيب والتمييز بمختلف صوره وأشكال ظهوره، وكذلك الاستغلال والحرمان والقهر عبر تاريخه السياسي والاجتماعي المديد. إن هذه المعاناة لم تنزل عليه من آلهة السماء، كما إنها ليست من آلهة العالم السفلي، بل كانت وما تزال نتيجة منطقية لجملة من العوامل الفاعلة والمؤثرة على تكوين البنية العقلية والنفسية للفرد والمجتمع، وهي التي تعيد إنتاج نفسها، وتكون السبب في استمرار بروز تلك الظواهر أو حتى تفاقمها، والتي عاش وما يزال يعيش الإنسان العراقي والمجتمع تحت وطأتها. لا شك في أن المسيرة التاريخية الطويلة للعراق قد شهدت تحولات وتغيرات معينة، ولكنها كانت في المحصلة النهائية غير جذرية وولم تكن قادرة على إزالة تلك العوامل أو الأسباب التي كانت وما تزال بروز تلك الظواهر!
ومن بين أبرز تلك الظواهر السلبية نشير هنا إلى ثلاث أساسية هي: 1) الاستبداد في الحكم، و2) القسوة في التعامل وممارسة التعذيب، و3) التمييز في الموقف من المواطن على أساس قومي أو ديني أو مذهبي أو فكري أو سياسي أو من حيث الجنس.
 وفي هذه الدراسة المكثفة محاولة للولوج إلى صلب هذه المسائل السائدة في المجتمع العراقي بهدف الوصول إلى رؤية موضوعية وعلمية تؤشر الأسس المادية، أي العوامل أو الأسباب الفعلية، التي تكمن وراء بروز هذه الظواهر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العراقية، في حياة الإنسان والمجتمع بالعراق، وفي عملية إعادة إنتاجها.
تشير دراسات وأبحاث وكتب غير قليلة صادرة خلال العقود الخمسة المنصرمة إلى رأي مفاده أن الشعب العراقي عموماً يتميز بالقسوة والشراسة والتطرف والعنف في التعامل فيما بين أفراده ومكوناته ومع الآخرين. وأن هذه الميزة الثابتة فيه منذ القدم، هي التي انتجت وما تزال تنتج المستبدين والنظم الاستبدادية. وأن هذه الخصائص التي ما تزال تميز العراقيين، تتجلى في أفعال الفرد والمجتمع إزاء الأحداث التي يمر بها وردود الأفعال نحوها وطريقة التعامل معها. وهي لا تتجلى في الممارسة اليومية للفرد والمجتمع فحسب، بل تبرز بشكل صارخ في التشريعات التي عرفها العراق القديم حتى يومنا هذا، وخاصة تلك القوانين العقابية التي تنص على أحكام وعقوبات قاسية جداً بحق المخالف أو الجاني التي لا تتناسب مع طبيعة تلك المخالفات أو الجنايات التي ارتكبها الفرد.  وتدخل ضمن تلك العقوبات مختلف الإهانات والإساءات أو أشكال التعذيب الجسدي والنفسي وتنوع وتعدد أساليب القتل والتمثيل بجسم القتيل واضطهاد أفراد عائلته. وتشير أيضاً إلى جرائم القتل التي ارتكبت على مدى تاريخ العراق القديم والإسلامي والحديث، ومنها المذابح التي نظمها القادة العسكريون أثناء الفتح الإسلامي الأول ومن ثم الأمويون والعباسيون والمغول والدويلات التي نشأت بعد المغول حتى الاحتلال العثماني للعراق، ثم العثمانيون والفرس والمماليك وقوات الاحتلال البريطانية والحكم الملكي والحكم الجمهوري، بما فيها وقائع سحل بعض المسؤولين التي حصلت في بغداد في أعقاب ثورة تموز عام 1958، أو أحداث الموصل وكركوك، إضافة إلى ما جرى ويجري في العراق منذ عدة عقود من اعتقال وسجن وتعذيب وتهجير قسري وتعريب وقتل وتذبيح للسكان الأبرياء في كردستان العراق، وبشكل خاص مذابح عمليات الأنفال واستخدام الأسلحة الكيميائية في حلبچة وغيرها، أو عمليات الإعدام الواسعة والجماعية لقوى المعارضة العراقية من مختلف التيارات الفكرية والسياسية في السجون والمعتقلات العراقية خلال السنوات التي أعقبت انقلاب شباط/فبراير عام 1963 حتى سقوط النظام الاستبدادي، أو القتل الواسع النطاق الذي قامت به أجهزة الحكم الأمنية والقوات الخاصة لحزب وحكم البعث ضد المنتفضين في الوسط والجنوب وفي كردستان العراق في ربيع عام 1991، وإجبار مئات الآلاف من المواطنين الكرد، ومن قوميات أخرى على المسيرة المليونية إلى تركيا وإيران هرباً من بطش النظام الصدّامي ودمويته، أو ملاحقته للآلاف من الهاربين بعد الانتفاضة من الوسط والجنوب إلى إيران والسعودية، يضاف إلى ذلك جرائم القتل والتعذيب أثناء عمليات التطهير العنصري ضد الكرد الفيلية وعرب وسط وجنوب العراق، باعتبارهم من أصل إيراني أو تبعية إيرانية. أو ما جرى في أعقاب سقوط النظام في عام 2003 وبروز مجموعات إرهابية همها إثارة الفوضى وعدم الاستقرار وقتل الأبرياء أو إشعال الحرائق والتخريب والنهب والسلب وما إلى ذلك. كما تشير هذه الموضوعة إلى واقع أن القسم الأعظم من ملوك وحكام وادي الرافدين قد قتلوا بصيغ شتى، ونادراً من مات منهم موتاً طبيعياً.  ثم جرائم الإبادة الجماعية الجديدة التي ارتكبت بالموصل وبقية مدن وأرياف وقرى محافظة نينوى وفي مدن عراقية أخرى في أعقاب هروب القوات المسلحة العراقية وقوات الپيشمرگة أمام عصابات داعش الإرهابية والتكفيرية وعمليات القتل والسبي والاغتصاب على أيدي عراقية وقوى إسلامية سياسية من شذاذ الآفاق منذ 2014 حتى نهاية العام 2017 بحق الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان، ومجزرة قاعدة سپايكر الجوية على أيدي عصابات داعش.       
تتضمن هذه الرؤية على جملة الوقاع الفعلية. إذ أنها تستعرض وقائع تاريخية ثابتة جرت في العراق ولا خلاف عليها. وهي بطبيعة الحال تعبر عن ممارسات تتسم بالقسوة البالغة والعنف المتطرف لا يمكن ولا يجوز نكرانها أو التخفيف منها ومن آثارها. ولكنها تضع العربة قبل الحصان، إذ تضع النتائج كأسباب، وبالتالي تعجز عن وضع اليد على العوامل الفعلية. والمطلوب هنا هو التحري عن العوامل التي تسببت في بروز تلك الظواهر وفي استمرار إعادة إنتاجها.
يشير البعض من الكُتّابِ والباحثين إلى أن العراق قد عرف في تاريخه الطويل أنظمة سياسية استبدادية ودموية مارست كل الظاهر السلبية، سواء أكانت تلك النظم ملكية أم جمهورية، وسواء أكان الحكام ملوكاً أم خلفاء إسلاميين، أم قادة عسكريين، أم رؤساء قبائل وعشائر أم قوات احتلال أجنبية. أي إن السبب يكمن في هذه النظم. وهذا الأمر صحيح نسبياً أيضاً، ولكنه، هو الآخر نتيجة لعوامل أساسية كانت وراء نشوء أو إقامة مثل هذه النظم السياسية المستبدة. كما إن هذه الموضوعة تتضمن في الوقت نفسه أحكاماً قاطعةً موجهة إزاء شعب بأكمله، لا يمكن قبولها كما هي، بل يفترض مناقشتها والتحري عن العوامل الكامنة وراء ظهورها أو الأسباب المحركة أو الدافعة لها. وتشير الكثير من الوقائع الحياتية إلى أن الغالبية العظمى من الناس في العراق أصبحت تؤمن بهذه الأحكام وكأنها حقيقة ثابتة وترددها دون انقطاع وتنعكس في كتاباتها ونقاشاتها، سواء تم ذلك عن وعي أم عن دون وعي منها، بما تنطوي عليه هذه الأحكام وما تحمله من مضامين وعواقب. وهي تحرم المجتمع من فرصة التحري عن الأسباب من جهة، وعن سبل معالجتها من جهة أخرى، إذ أن جمهرة غير قليلة لا تعتقد بإمكانية معالجة هذه الظواهر أصلاً، باعتبارها جزءاً من طباع العراقيين الثابتة. ويبدو أن هذه الجمهرة قررت سلفاً، أو تعطي الانطباع على الأقل، وكأن العراقيين، نساءً ورجالا، حالما يولدون يحملون معهم "وراثياً" جينات الاستبداد والقسوة والسادية والرغبة الجامحة في التعذيب، والشراسة والتطرف والعنف، وأنهم بسبب ذلك غير قادرين على الخلاص منها واستبدالها بجينات الرحمة والهدوء والاعتدال والدفء وعدم التطرف في التعامل فيما بينهم أو مع الآخرين. فهو بهذا المعنى قدر العراقيين الحتمي الذي لا فكاك ولا خلاص منه.
ولكن العراق، وكما أرى، بحاجة ماسة ودون أدنى ريب إلى خوض نقاش علمي وجاد ومتواصل حول هذا الواقع وتلك الظواهر الفعلية السائدة كالاستبداد والقسوة والقمع والعنف في السلوك العام في حياتنا نحن بنات وأبناء العراق، إذ بدون ذلك يصعب علينا التخلص من هذه الظواهر ومن الأساس المادي الذي نمت فيه وتطورت عليه، وأصبحت وكأنها جزءٌ من السلوكية والشخصية العراقية. كما يمكن أن يشارك إلى جانب الباحثين العراقيين في إنجاز أبحاث متخصصة علماء في علوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد والتاريخ والطب من بلدان عربية وغير عربية لمساعدتنا في فهم هذه الظواهر ومعالجتها.
أصدر بعض الكتاب العراقيين ومن دول أخرى، وفي فترات مختلفة، عدداً من الكتب المهمة والقيمة التي تبحث في موضوع الاستبداد والقسوة والتعذيب والعنف في العراق أو في المجتمع الإسلامي عموماً والعراق خصوصاً. وإذا كان بعضهم استعرض بشكل موسع ومتعدد الجوانب مختلف أنواع القسوة والتعذيب والاستبداد ومعاناة الإنسان، وبذل جهداً كبيراً في جمع وتصنيف وتدقيق الكثير من المعلومات المتناثرة في عدد كبير من الكتب خلال القرون المنصرمة، كما في الكتاب الطليعي المتميز الذي أصدره الباحث والمحامي عبود الشالجي الموسوم "موسوعة العذاب" بأجزائه السبعة،  فأن كتاباً آخرين سعوا ضمن محاولة جادة إلى استعرض (أو) وتحليل العوامل الكامنة وراء بروز ظاهرة القسوة والتعذيب والاغتيال في الإسلام، كما في كتاب عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"[ii]، وفي أبحاث الكاتب الراحل الأستاذ هادي العلوي[iii]، أو كتاب السيد باقر ياسين الموسوم "تاريخ العنف الدموي في العراق"[iv]، أو كتاب "ثقافة العنف في العراق" للكاتب سلام عبود[v]، أو كراس "تشريح الاستبداد: النظام العراقي نموذجاً" للكاتب إسماعيل شاكر الرفاعي[vi]، أو في كتابي السيد كنعان مكية الموسومين "القسوة والصمت"[vii]، و"جمهورية الرعب"[viii]، إضافة إلى أبحاث الأستاذ الدكتور علي الوردي الخاصة بالمجتمع العراقي، ومنها دراسته لـ "شخصية الفرد العراقي"، وكتب "وعاظ السلاطين"[ix]، والمجلدات الستة مع الملحق الغزير بالمعلومات والتحليلات والموسوم "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"
  • ، وكذلك كتابين للدكتور كاظم حبيب، الأول بعنوان "الاستبداد والقسوة في العراق"[xi]، والثاني "الفاشية التابعة في العراق"[xii]، كما صدرت مجموعة أخرى من الكتب المهمة الأخرى التي سجلت ممارسات الإرهاب والقمع في العراق قبل وبعد ثورة تموز عام 1958، التي في مقدورها إنارة الطريق للبحث في هذا الموضوع المهم. منها على سبيل المثال لا الحصر، كتاب "العبودية الاختيارية"، للكاتب الفرنسي إيتيان دو لا بويسي، حول الحرية والعبودية، أو كتابي الدكتور فالح مهدي المهمين ، وهما "الإحباط الشيعي والخضوع السني"،[xiii]و "البحث عن جذور الإله الواحد"[xiv]، التي ترتبط بدور الدين في التأثير على سلوك الفرد والمجتمع والعلاقات بين البشر.

يعتبر كتاب السيد باقر ياسين محاولة جادة وجهداً طيباً لاستعراض واقع الاستبداد والقسوة وعمليات التعذيب على امتداد فترة زمنية طويلة من تاريخ العراق من جهة، ودراسة العوامل الكامنة وراء بروز هذه الظاهرة في العراق من جهة أخرى، وأجرى مقارنة للتناقض القائم أو للمفارقة الفعلية بين شدة وسعة وعمق وشراسة العنف وديمويته في العراق من جانب، والحضارة الشامخة التي بناها شعب العراق على مر العصور، وخاصة في العصر البابلي، من جانب آخر، فكتب يقول: "إننا لا نريد ولا نرضى الإساءة لبلادنا العريقة - وادي الرافدين الخالد - لكننا نسعى بالتأكيد للتفتيش عن مجموع الدوافع الغريبة التي تقف وراء الأنماط من السلوك المتصف بالعنف الفائق والقسوة البالغة والتطرف والشدة والقهر والميل شبه الدائم نحو سفك الدماء والأعمال اللاإنسانية والنزوع العدواني في فرض الموت القسري على الإنسان في هذه البلاد منذ أكثر من خمسة آلاف سنة والذي ما زالت فصوله المخزية تدور دون توقف حتى يومنا هذا…"[xv]. ثم يواصل قوله مؤكداً ما يلي: "إننا لا نريد أن نبرهن هنا على وجود العنف الدموي والقسوة في حياة العراق ومسيرته التاريخية فحسب، بل نريد البرهنة إضافة إلى ذلك على وجود التطرف والمبالغة في تنفيذ العنف والقسوة والدموية، وسنحاول أن نثبت ذلك بالشواهد والوقائع والأحداث المستمدة من التاريخ العراقي لتسليط الضوء على هذا الموضوع وتشخيص بعض الجوانب المتميزة في طبيعة السلوك الاجتماعي لسكان هذه البلاد /الحكام والرعية/ ورصد مظاهر العنف والدموية كنزعة سيكولوجية ثابتة في حياة المجتمع العراقي"[xvi]. ثم أورد الكاتب سلسلة مرعبة من أحداث العنف والقسوة التي عاشها العراق على امتداد أكثر من خمسة ألاف سنة، إلى جانب العلوم والتقنيات التي اكتشفها أو اخترعها وساهم بها العراق في بناء حضارة الإنسان. ويورد كثرة من الشواهد على ذلك. ثم يكتب محللا ظاهرة العنف والقسوة على النحو الآتي: "إن التحليل المنطقي لهذه الظاهرة والأكثر انطباقاً على الواقع هو ما ينسجم مع منهج بحثنا ووجهة نظرنا عن شيوع العنف الدموي في العراق والتصاقه بتاريخ هذه البلاد على نحو استثنائي غير طبيعي، وإن مناخ العنف السائد في العراق باعتباره الميزة المستديمة لطبائع الأقوام والقبائل والناس إضافة إلى شيوع السلوك المتسم بالقسوة والشراسة والنفور والطباع الحادة وسيادة الأعراف البدوية والتقاليد القبلية الصارمة ذات النزوع الدائم للتمرد والثأر والعنف والتحدي الدموي والذاتية وقوة الشكيمة والعناد لدى سكان البلاد ربما كانت هي العوامل والأسباب التي دفعت خالد[xvii] لتلك التصرفات الدموية الشرسة والتشدد البالغ في العنف والإجراءات المتصفة بالقسوة والصرامة مع أهل العراق كي يستطيع فرض سيطرته على الموقف"[xviii]. ثم يقارن بين ما جرى في العراق وما جرى في بلاد الشام فيقول: "بينما كان غياب تلك العوامل والأسباب وانتفاء وجودها في الشام ربما هو السبب الذي أضفى على شخصية خالد الصارمة تلك الأبعاد الإنسانية من الليونة والمرونة والتسامح والصبغة السلمية التفاوضية التي اتسم بها سلوكه ومواقفه وتصرفاته خلال تنفيذ مهماته العسكرية في بلاد الشام"[xix]. ومن الجدير بالملاحظة أن الكاتب باقر ياسين، وهو عضو قيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي، جناح سوريا، حين أنجز هذا الكتاب، تجاوز بشكل كامل مجازر حزب وحكم البعث والقوميين في أعقاب انقلاب شباط الدموي المشؤوم بالعراق في العام 1963، وكانت أبشع الجرائم السياسية التي شهدها العراق منذ تأسيس الدولة العراقية حتى ذلك الحين. ثم يواصل باقر ياسين قوله مستنتجاً ما يلي: "أما إذا لم تكن تلك الأسباب هي الباعث لهذه الظاهرة فإن التفسير الوحيد لذلك التباين في حجم المعارك واتساعها ودمويتها بين العراق والشام هو أن يكون العنف الدموي القدر الإلزامي الذي يتوجب أن يلازم بلاد الرافدين وسكانها في كل الحقب والعصور"[xx]. وفي فقرة "تطبع المجتمع العراقي بالجدية والتذمر والحزن الدائم" يخلص باقر ياسين إلى القول: "كان من نتائج وانعكاسات تطبيق منهج العنف الدموي لفترات زمنية طويلة في تاريخ العراق، شيوع وانتشار بعض الطباع والعادات والسجايا الأخلاقية والسلوكية التي أصبحت، بمرور الزمن، جزءً من معالم وسمات المجتمع العراقي بعد أن طبعت بطابعها سلوك الفرد العراقي وحددت بدرجة كبيرة تصرفاته وميوله الشخصية بصورة عامة"[xxi]. والطباع هنا لا تعني التقاليد والعادات، إذ أنه يشير إلى العادات بعد الطباع مباشرة. فهل يعني في ذلك أنها غريزة من غرائز الإنسان أي أنها جزء من البنية البيولوجية للإنسان العراقي؟ وهل العنف هو حقاً من طبيعة الإنسان عموماً والعراقي خصوصاً، أم أن العنف والقسوة من جهة، والسلم والرحمة أو الرأفة من جهة أخرى، هما من السلوكيات المكتسبة عند الإنسان؟ ومما رفع من درجة الشك في هذا التصور محاولة السيد باقر ياسين اعتبار تلك النزعة وكأنها سيكولوجية ثابتة وموروثة وغير متغيرة في حياة المجتمع العراقي. وفي مكان آخر من الكتاب يقول السيد باقر ياسين، في معرض مناقشته لفكرة التبدل السريع في السلوكية والمزاج لدى الناس في العراق، ما يلي: "لقد أورد الباحث ستيفن لونگريگ أن سبب هذا التغيير الحاد والسريع في موقف الأهالي في بغداد من قاسم باشا هو "العنف الخالي من الحكمة الذي أبداه قاسم.. وسوء سلوك أحلافه الشمريين العقيل"[xxii]. غير أن ذلك السبب لا يبدو كافياً لإحداث مثل هذا التبدل الحاسم والمصيري في موقف الناس في بغداد بعد بضعة أيام من استقبالهم لقاسم باشا.. ذلك الاستقبال البهيج الحافل بمظاهر الفرح والتأييد والإجلال. إن السبب الذي يورده الباحث لونگريگ لا يمكنه أن ينفي شكوك الباحث المتتبع أو يبعد تفكيره عن الأسباب والمعاني المتعلقة بالجانب السلوكي والنفسي (السيكولوجي) للفرد العراقي ونزوعه الفطري في هذا المسلك خصوصاً إذا وضع في الاعتبار الأرضية التاريخية الغنية بالشواهد والأمثلة والدلائل والأحداث المماثلة التي يحفل بها التاريخ العراقي منذ قرون عديدة"[xxiii]. إن مجرى البحث والمقطع الأخير بشكل خاص، حيث يشير باقر ياسين إلى الجانب الفطري في السلوك العراقي، يؤكد للمتتبع مسألتين في آن، فهي مرة ظاهرة ملازمة لا باعتبارها مكتسبة بل فطرية، ومرة أخرى باعتبارها ظاهرة مكتسبة عبر السلوكية العامة للحكام والمجتمع العراقي في آن. وفي موقع آخر من الكتاب يذكر الكاتب في الفقرة الأولى من الفصل الأول وتحت عنوان: بلاد الرافدين: تاريخ عريق يبدأ بالعنف التصادمي، يقول الباحث ما يلي: "ليس غريباً أن يبدو التاريخ العراقي أمامنا غارقاً بأحداث العنف الدموي عندما نكتشف أن بدايات هذا التاريخ تتحدث للبشرية منذ بدء الخليقة عن قصص الصراع المتواصل القائم على العنف التصادمي بين الإرادات المتناقضة للآلهة المتعددة الأسماء التي عبدتها وخضعت لها الأقوام والحضارات التي قامت في وادي الرافدين منذ الألف الرابع قبل الميلاد، تلك القصص التي أبدعتها وصاغتها التجربة الأولى للعقل البشري والمتمثلة بالأساطير الملحمية لشعوب سومر وبابل وآشور"[xxiv]. ولكن علينا ألا ننسى بأن تاريخ العراق، أو وجود الإنسان في العراق، قد سبق هذا التاريخ بآلاف كثيرة أخرى من السنين، إذ لم يكن الوضع فيه على شاكلة العهد السومري أو حتى على شاكلة سكان تل العبيد قبل ذاك. إذ أن هاتين الحضارتين متقدمتان كثيراً بالقياس إلى حضارات أخرى في العراق سبقت حضارة تل العبيد وحضارة سومر. فالتنقيبات في المناطق المجاورة أو تلك التي أجريت في كردستان وشمال العراق عموماً تؤكد وجود الإنسان منذ ألاف السنين كما تشير إلى حياة وعلاقات تختلف عن حياة وعلاقات العهد السومري، وبالتالي فأن تاريخ سكان وادي الرافدين هو أقدم بكثير من العهد السومري، أي أنه لم يبدأ بالعنف الذي تميزت به عهود سومر وبابل وآشور، وهي تعبر عن حضارة جديدة تحققت في الثورة الثانية عملياً، أي حضارة دويلات المدن التي تختلف إلى حدود كبيرة عن حضارة عهد الصيد وجمع الثمار وحضارة الرعي والزراعة. إذ أن الحضارة الأولى وجزء مهماً من الحضارة الثانية، رغم تشابك الأخيرة مع حضارة دويلات المدن والدولة المركزية فيما بعد، تميزتا بعلاقات وسلوكية وسمات اجتماعية تختلف عن العلاقات والسلوكية الاجتماعية التي تشكلت في المدن ودويلات المدن في الحضارة السومرية والبابلية والآشورية والكلدية، باعتبارها حضارة ارتبطت بوجود دولة وتقسيم عمل اجتماعي وتملك خاص وفائض إنتاج وتنامي دور الدين والحياة المؤسسية للمجتمع والتي اعتمدت على وضع وتنفيذ القوانين والشرائع المختلفة. ومع ذلك تبين الشرائع الأساسية الأربع التي وضعت في العهود السومرية والبابلية والأشورية إلى أن الشريعتين الأولى والثانية لم تكونا تتضمنان عقوبات جسدية بحق من ارتكب مخالفات أو جرائم، بل كانت غرامات بدفع المذنب.[xxv]
والآن، كيف نفهم مضمون مثل هذه الموضوعات والآراء وبعض الأحكام التي تتضمنها إزاء الفرد في العراق، وبالتالي إزاء المجتمع أو الشعب في العراق؟ وما مقدار الحقيقة التي تحملها هذه الآراء والأحكام؟ وكيف يفترض أن نتعامل مع الحكم الرئيسي الشائع والقائل: الفرد العراقي عنيف ومتطرف بالطبع، أو أنه يحمل جرثومة العنف منذ الولادة؟ وما هي العوامل التي تسببت في انتشار مثل هذه المقولات؟ وكيف يمكن تجاوز هذا الأحكام؟ أو كيف يمكن التعامل معها؟ وكيف يمكن الخلاص منها؟
من أجل أن تكون الإجابة واضحة وموضوعية لا بد لنا من متابعة بعض النتائج الأساسية التي توصلت إليها الدراسات التي أنجزت في مجال الأنثروبولوجيا حول الكثير من الجماعات البشرية التي تسمى بدائية لمعرفة مدى وجود جملة من ظواهر العنف والقسوة والعدوانية في السلوك الإنساني عند تلك الجماعات، وتلك الدراسات الاجتماعية التي استفادت منها لطرح استنتاجها بهذا الصدد.
 
عبود الشالجي، موسوعة العذاب، مؤلف في سبعة أجزاء، الدار العربية للموسوعات، بيروت، لندن، بدون تاريخ. 
[ii] عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهر، مصر.
[iii] العلوي، هادي. فصول من تاريخ الإسلام السياسي. دفاتر النهج. مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي. نيقوسيا. قبرص. 1995.   
[iv]باقر ياسين، تاريخ العنف الدموي في العراق، دار الكنوز الأدبية، بيروت ط 1، 1999.
تشكل دراسة السيد باقر ياسين محاولة جادة للبحث في أصل العنف الدموي في العراق، وهي تثير الكثير من الأسئلة التي يفترض فينا التحري عن إجابات لها. ولدي ثلاث ملاحظات أساسية حول الكتاب، والتي سأتناول بعضها في متن البحث مباشرة، وهي: 1) إن البحث تاريخي ومعاصر في آن واحد، فهو إلى جانب بحثه في تاريخ العنف، يتحرى عن الوقائع والدوافع والحلول أيضاً، كما جاء في عنوان الكتاب. ومع أن الكتاب مكون من 435 صفحة، فأن ما منح للفترة الواقعة بين 1958-1968 لا يزيد عن عشر صفحات فقط لا تتضمن التجربة التي سعى الباحث إلى تجسيدها في دراسته لتاريخ العنف في العراق، كما لم يتطرق إلى جوهر الإشكالية في هذا الصدد؛ 2) تجنب الباحث، علماً بأن البحث قد أنجر في عام 1999 أن يدرس الفترة التي أعقبت انقلاب 1968 حتى الوقت الحاضر، وهي من أكثر فترات العراق ظلامية وظلماً وعدوانية بحق الشعب العراقي؛ 3) ويدا لي أن الباحث حاول أن يعزي تلك الظواهر إلى طبيعة الشعب العراقي، وهي إشكالية سنحاول معالجتها في متن البحث مباشرة. ويمكن أن يكون النقص في معالجة الفترة 1958 وما بعدها ناشئ عن جانب منهجي، أي أن البحث يعالج تاريخ العنف في العراق، ولا يبحث في الحاضر. وإذا كان الأمر هكذا، فمن المفيد أن يواصل هذا البحث ويعالج الفترة التي أعقبت ثورة تموز عام 1958 مروراً بانقلاب شباط عام 1963 وتشرين الثاني عام 1963 وانقلاب عام 1968 حتى الوقت الحاضر. خاصة وأن الكاتب على علم بخبايا الفترة الواقعة بين 158-1968 بشكل خاص وما بعدها بشكل عام (ك. حبيب)   
[v] عبود، سلام. ثقافة العنف في العراق. منشورات الجمل. كولون. ألمانيا. 2002.
[vi] الرفاعي، إسماعيل شاكر. تشريح الاستبداد: النظام العراقي نموذجاً. دار الكنوز الأدبية. بيروت. 1999. 
[vii] كنعان مكية، جمهورية الخوف، منشورات الجمل، 2009.
[viii] كنعان مكية، القسوة والصمت، منشورات الجمل، 2005.
[ix] علي الوردي، وعاظ السلاطين، دار ومكتبة دجلة والفرات، بغداد، 1954.
  • علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، في ستة أجزاء، طبع في قم، إيران على أساس الطبعة الأولى للكتاب، 1996م.
[xi] كاظم حبيب، الاستبداد والقسوة في العراق، مؤسسة حمدي للطباعة والنشر، السليمانية، كردستان العراق، العراق، 2005.
[xii] كاظم حبيب، الفاشية التابعة في العراق، مؤسسة حمدي للطباعة والنشر، السليمانية، كردستان العراق، العراق، 2008. 
[xiii] فالح مهدي، الخضوع السني والإحباط الشيعي، نقد العقل الدائري، بيت الياسمين للنشر والتوزيع، القاهرة – جمهورية مصر العربية، طبعة أولى 2015 .   
[xiv] فالح مهدي، البحث عن جذور الإله الواحد، في نقد الأيديولوجية الدينية، دار العودة، بيروت-لبنان، 2017.
 [xv] باقر ياسين، تاريخ العنف الدموي في العراق-الوقائع - الدوافع – الحلول، دار الكنوز الأدبية، بيروت ط 1، 1999،
ص 16/17. 
[xvi] المصدر السابق نفسه، ص 19.
[xvii] المقصود هنا القائد العسكري العربي خالد بن الوليد.
[xviii]  باقر ياسين، مصدر سابق، ص 94. يقصد هنا خالد بن الوليد عند فتحه العراق والجازر التي ارتكبت بحق الأسرى من العراقيين والفرس في دفاعهم عن وطنهم ضد الفاتحين الجدد، لأنهم دافعوا عن وطنهم بحرارة ولم يستسلموا بسهولة.
[xix] المصدر السابق نفسه، ص 94.
[xx] المصدر السابق نفسه، ص 94/95.
[xxi] المصدر السابق نفسه، ص 411، المقصود هنا كتاب ستيفن هيمسلي لونگريگ، أربعة قرون من تاريخ العرق الحديث، ترجمة جعفر الخياط، مأخوذ عن الطبعة الرابع’ طبع انتشارات الشريف الرضي، قم-إيران، 1997.
[xxii] لاحظ هنا أن الكاتب لونگريگ يطرح فكرة مفادها أن العنف يمكن أن يكون حكيماً وعنفاً آخر يمكن أن يكون غير حكيم، وهو تعبير عن التفكير الذي يؤيد العنف على أن يستخدم بحكمة، وهي فكرة مرفوضة من جانبي إن أن العنف بكل أشكاله مرفوضاً ويقود إلى اضطهاد وعنف مضاد في حالات غير قليلة. ك. حبيب.     
[xxiii] ياسين، باقر. تاريخ العنف الدموي في العراق، مصدر سابق، ص 242.
[xxiv]  نفس المصدر السابق. ص 29.
[xxv] الشرائع الأربع الأساسية، والتي تعتبر ضمن الشرائع الكبرى في العالم، إضافة الشريعة الرومانية، هي:
شريعة العاهل السومري أورو كارجينا ((2350-2353 قبل الميلاد)، وشريعة أور ظ نمو الثانية في العهد السومري (2113-2006 قبل الميلاد)، وشريعة لبت عشتار (1934-1924 قبل الميلاد) في العهد الآموري أو البابلي القديم، وشريعة حمورابي (1750-1792 قبل الميلاد) في العهد البابلي. يضاف إلى ذلك اللوائح الآشورية. راجع: كاظم حبيب، لمحات من عراق القرن العشرين، 11 مجلداً، المجلد الأول، دارا ائاراس، أربيل، كردستان العراق، العراق، 2013، ص 344-368.
 



19
كاظم حبب
أينما تمتد الأصابع الإيرانية تشتعل نيران الكراهية ويرتفع دخان الحرائق!!
لم يكتف علي خامنئي أن يكون قائد جيش المقدس الإيراني العميد قاسم سليماني مسؤولاً عن الحشد الشعبي وعن تنظيم الأمور السياسية والعسكرية الإيرانية بالعراق، والتأثير المباشر على التحالفات السياسية لقوى الإسلام السياسي بالعراق، والعمل الكثيف مع أتباع إيران، في هذا الوطن المستباح بالنفوذ الإيراني وعملاء إيران، للتأثير على الوضع السياسي ووجهته، فحسب، بل أرسل أخيراً كبير مستشاريه و "وجه الگباحة" الإيراني إلى بغداد ليقود، ولو ليومين أو ثلاثة، الحملة السياسية والانتخابية بالعراق لصالح الموالين لإيران وأتباعها ضد القوى الوطنية والديمقراطية، ضد الشيوعيين واللبراليين، وضد والمدنيين من المسلمين المتدينين والواعين لما تريده إيران بالعراق، ليقود حملة تدخل وقحة وقذرة باسم جبهة "المقاومة الإسلامية!" وحشده الشعبي ضد سيادة العراق واستقلاله. فهو يقول بملء فمه يجب "عدم السماح للشيوعيين والليبراليين بالعودة إلى الحكم في العراق". من أعطاك هذا الحق لتتحدث في العراق بهذه اللغة الناسخة للدستور العراقي الذي يقر بحق الجميع دون تمييز المشاركة في حكم العراق" ومتى كان الشيوعيون واللبراليون الديمقراطيون في الحكم بالعراق؟ ألم تكن الأحزاب الإسلامية السياسية، التي ساعدتم على تشكيل أبرزها والتأثير الكبير في سياساتها ونشاطها اليومي وساهمتم في تمويلها وتشكيل ميليشياتها الطائفية المسلحة وتزويدها بما تحتاج من دعم إعلامي متنوع، وتزويد بعضها بأسماء من يفترض اغتياله أو اختطافه ونقله إلى إيران ليموت هناك أبشع ميتة إسلامية سياسية على طريقة داعش؟ من منحك يا ولايتي، هذا الحق لتتحدث نيابة عن العراق في علاقاته ومواقفه السياسية والعسكرية، الإقليمية منها والدولية؟ هل اصبحتم سادة العراق، وهل تحولت بغداد عاصمة للدولة الفارسية الطائفية والعنصرية! 
لقد ساهمتم، يا حكام إيران، بنشر الإرهاب الديني بالعراق وساهمتم بنشر الفساد وسرقة الدولار العراقي بدعم من مسؤولين عراقيين كانوا على رأس السلطة وما زالوا في قيادة الدولة العراقية. وها هم الموالون لكم والتابعون لخطكم وخططكم يؤيدون ما تحدثتم به ببغداد، وهم بذلك يقفون بالضد من إرادة الشعب ومصالحه وسيادته. يقول نوري المالكي: أن "أميركا تسعى إلى أن يكون لها موطئ قدم جديد في العراق"، وأن "العراق ليس كاليابان وكوريا الجنوبية، ولن يكون بإمكان الأميركيين الوجود العسكري فيه"، ولكنه يريد أن يكون لإيران ليس موطئ قدم فحسب، بل أن تكون بغداد عاصمة الدولة الإسلامية الفارسية. أما الفلتة العراقية، المفتون بفلسفته والعاشق لصورته، أما إبراهيم الجعفري، فيقول إن "أميركا هي أهم مشكلة في الشرق الأوسط». وقال إن "زيارة وزير الخارجية الأميركي (ريكس تيلرسون) المنطقة ناجمة عن الهزائم الميدانية والعسكرية"، وإن "إيران والعراق وسورية، من خلال تعاونها المستمر، لن تسمح للأميركيين بالنفوذ في مناطق يقطنها الأكراد".، ولكن هذا يعمل على أن يكون لإيران النفوذ المطلق بالعراق!     
يقول ولايتي "على جبهة المقاومة أن تحول دون انتشار القوات الأميركية تدريجياً شرق الفرات". إن ولايتي يريد بذلك أن يحوّل العراق إلى ساحة للقتال ضد القوات الأمريكية. إن منع وجود قوات أمريكية في سوريا أو العراق هي من مهمات الشعبين السوري والعراقي وليس من واجبك تلقين الشعب العراقي والسوري بما يجب أن يفعلوه، فهما أدرى بصالحهما وسبل الدفاع عن سيادة أراضيهما. أنكم تعملون لفرض نفوذكم على العراق وهو ما لا يقبل به أو تتحمله كرامة الإنسان والمجتمع العراقي.   
يحذر ولايتي الشعب العراق من " مخططات أميركا لتقسيم المنطقة وبث الفرقة والخلافات فيها". وإذا كان هذا ديدن الولايات المتحدة منذ عقود، فأنتم الأسوأ في هذا الصدد، فأنتم من عمق الخلاف والصراع في اليمن، وأنتم من زرع حزب الله في لبنان وعمق الخلافات، وأنتم من دفع الدكتاتور السوري الصغير إلى رفض القبول بالحملة المدنية لتغيير الواقع السوري منذ سبع سنوات وشجعتموه على شن الحملة الظالمة ضد القوى المدنية والديمقراطية السورية وتسببتم في حرب ما يزال أوراها مشتعلاً، ويزداد يومياً عدد ضحاياه من قتلى وجرحى ومعوقين ونازحين ومهجرين في شتى بقاع العالم، وأنتم من تعاون وساوم الولايات المتحدة على زرع النظام الطائفي السياسي بالعراق، وساندكم الدكتاتور والنرجسي رئيس الوزراء العراقي السابق الذي حكم البلاد تسعة أعوام وسلمها للغزاة الداعشيين، وأنتم من تسبب بالحرب الدينية والطائفية القذرة بالعراق ضد أتباع الديانات الأخرى والحرب المذهبية الشيعية - السنية، وساندتم من قال بلغة طائفية وقحة "المعركة لا زالت مستمرة بين أنصار الحسين وأنصار يزيد..."! أنتم قمتم بكل ذلك وأكثر، والان تقدمون "النصح" بوقاحة للشعب العراقي ليمنع وصول الشيوعيين واللبراليين إلى مجلس النواب، أو الحكم!
من الغريب المستهجن حقاً ألَّا يرد أي مسؤول حكومي، ولاسيما رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، بالعراق على هذه التصريحات المخلة باستقلال وسيادة الوطن، على هذا التدخل الفظ بالشأن العراقي الداخلي، بهذا التأييد لأتباع إيران بالعراق وضد القوى الوطنية والديمقراطية من شيوعيين وليبراليين ومتدينين مدنيين. إنها مرة أخرى مأساة ومهزلة تجري بالعراق منفذوها هم من أشد أتباع إيران بالعراق وأكثرهم كراهية لوحدة الشعب العراقي ونضاله ضد الطائفية والتمييز الديني والمذهبي والفكري والسياسي!! لنعمل جميعاً على دحر كل الذين يسمحون لأنفسهم بالتدخل في الشأن العراقي وضد كل من يدعمون ويساندون هذا التدخل الفظ ويعملون من أجل جعل العراق تابعاً وخاضعاً لإيران!!


20
كاظم حبيب
المأساة والمهزلة في عراق اليوم!
العراق بين جحيمي الهيمنة الإيرانية والأمريكية!
كان العراق، ومنذ القدم، نهباً للمحتلين القادمين من أرض فارس، وأحياناً من مناطق أبعد من إيران، كما في فترة هيمنة اليونان، بقيادة ألكسندر الكبير (المقدوني)، أو المغول بقيادة هولاكو أو جنكيزخان. ثم كانت بلاد الرافدين ساحة للصراع وحروب عدة بين الدولة العثمانية والدولة الفارسة منذ فترة حكم سليم الأول (1470 – 1520م) ومؤسس الدولة الصفوية إسماعيل الصفوي (1487 – 1524م)، والتي بدأت بمعارك جالديران في العام 1514 م، وأخرها كانت الحرب في الفترة بين (1821 - 1823) اثناء الدولة القاجارية في فارس. ثم كانت الحرب العالمية الأولى حيث تخلص العراق من مخالب وهيمنة الاستعمار العثماني باسم الإسلام، ليقع تحت الهيمنة الإمبريالية البريطانية. وليس غريباً أن نلاحظ بأن شعب العراق بكل مكوناته القومية، وريث الحضارة والتراث الخالدين لبلاد ما بين النهرين (الميزوبوتاميا) أو وادي الرافدين، استمر يواجه أطماعاً تركية وفارسية مستمرة، يواجه اليوم، إلى جانب الصراع التركي- الفارسي حول العراق، اهتماماً كبيراً من جانب الولايات المتحدة الأمريكية للعراق ونفطه، وما فيه من خيرات وأسواق. وليس هذا الاهتمام الاستعماري وليد اليوم، بل بدأ منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم تفاقم في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتجلى في مشاريع النقطة الرابع (مشروع ترومان) ومشروع الشرق الأوسط وحلف بغداد (السنتو)، تقدمت بها الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على نفط العراق والمنطقة. وكان أخر جهد لها في الخمسينيات حين طرحت فكرة ربط الدول التالية: باكستان، إيران، العراق، تركيا وبريطانيا بحلف عسكري-سياسي واقتصادي، أطلق عليه حلف بغداد، وتكون هي الراعية لهذا الحلف الجديد. وقد تأسس هذا الحلف فعلاً في العام 1955، وخروج العراق منه بعد ثورة تموز عام 1958 مباشرة. وكانت الأهداف ورا هذا الحلف تتلخص في الهيمنة سياسات الدول الأعضاء والتحكم بنفطها وربطها عسكريا بها، بذريعة مواجهة الشيوعية ونفوذ الاتحاد السوفييتي في المنطقة. وسعت الولايات المتحدة إلى ربط كل من مصر والأردن وسوريا وعموم المنطقة بها، ولكنها جوبهت برفض مصر للحلف وفضح نواياه وتعزيز علاقاتها بالاتحاد السوفييتي. ولم ينافس شاه إيران الولايات المتحدة وبريطانيا في الهيمنة على العراق حينذاك، رغم أطماع الشاه بالعراق، بل حاول أن يكون شريكا في الحلف ويعمل بموجب معاهدة ترسيم الحدود بين العراق وإيران التي وقعت في سعد أباد (إيران) في العام 1937 وعبر وساطة بريطانية.
وفي الوقت الذي ما زال الصراع بين تركيا وإيران حول العراق أو مناطق منه مستمراً، يلاحظ احتدام الصراع بين إيران والولايات المتحدة على العراق واستفحاله في أعقاب الحرب الأمريكية-البريطانية ضد نظام البعث وصدام حسين الدكتاتوري المطلق وإسقاطه في العام 2003، وتنصيب الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية على رأس السلطة، وإقامة دولة ونظام المحاصصة الطائفية والأثنية بالعراق، عبر مساومة إيرانية-أمريكية مذلة لنضال وطموحات وأهداف الشعب العراقي. والهدف من ذلك كان وسيبقى الهيمنة على سياسات العراق واقتصاده، ولاسيما النفط\ فيه، والتحكم بمصير شعبه. وإذا كان العراقيون يؤكدون القول "أينما تمتد الأصابع الأمريكية يرتفع الدخان"، فأن لسان حالهم اليوم يقول إلى جانب ذلك، "أينما تمتد الأصابع الإيرانية يرتفع الدخان" أيضا، علماً بأن تركيا والسعودية وبعض دول الخليج تشارك في كل ما يتعرض له العراق من تدخل وأزمات سياسية!
واليكم الشواهد على الدور الإيراني والأمريكي وأطماعهما بالعراق من خلال تصريحات المسؤولين في هاتين الدولتين اللتين تتنازعان لا الهيمنة على العراق فحسب، بل وعلى الإقليم أيضاً:
 أولاً إيران:
"قال علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إن "إيران اليوم أصبحت امبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي".  ثم قال إن "جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا إما أن نقاتل معا أو نتحد"، ثم يؤكد "كل منطقة شرق الأوسط إيرانية"، قائلا "سندافع عن كل شعوب المنطقة، لأننا نعتبرهم جزءا من إيران، وسنقف بوجه التطرف الإسلامي والتكفير والإلحاد والعثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهيونية"، ثم هاجم تركيا بقوله "إن منافسينا التاريخيين من ورثة الروم الشرقية والعثمانيين مستاؤون من دعمنا للعراق". أما حيدر مصلحي فقد صرح بـ "إيران تسيطر فعلاً على أربع عواصم عربية، كمال قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو"، ويقصد بها دمشق وبيروت وصنعاء وبغداد". أما الجنرال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، فقد أكد، على وفق ما أوردته وكالة "مهر" الإيرانية: إن "المسؤولين في إيران لم يكونوا يتوقعون هذا الانتشار السريع لـ(الثورة الإسلامية) خارج الحدود لتمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن وأفغانستان".
الولايات المتحدة الأمريكية:
في أكثر من اجتماع انتخابي ولقاء صحفي عقده دونالد ترامب، صرح بموقفه الثابت من العراق، وأكده في تصرفاته كلها أثناء فترة المعركة الانتخابية وفي أعقابها. وإلى القارئات والقراء الكرام نصوص من تلك التصريحات الخطيرة والمسيئة للشعب العراقي، سواء أكانت في خطبه أم إجاباته عن أسئلة الصحفيين. قال دونالد ترامب:
-   العراق به أكبر حقول النفط في العالم، إنه ثاني دولة ويأتي بعد السعودية. يمتلك نفطاً بقيم 15 تريليون دولار.
-   جيشهم قد تمت إبادته. وأنه مجتمع فاسد تماماً كل شيء هناك فاسد، قادته فاسدون.
-   فأنا قلت ببساطة: لو عاد لي الأمر، فسآخذ النفط، على أقل تقدير أخذ 1،5 تريليون دولار أو أكثر.
-   عندما ذهبنا إلى العراق افترضت إننا سنأخذ النفط.
-   هناك قول قديم: المنتصر له الغنائم، سنأخذ النفط. إنهم لم يدفعوا ما عليهم.
-   أنا قلت إن كنا سنترك العراق فليكن النفط لنا، قالوا إن ترامب فظيع والعراق بلد ذو سيادة! وبسخرية قال ترامب..  العرق بلد ذو سيادة.. ضحك في القاعة!! أمر لا يصدق!
-   أنا سوف أخذ ثروتهم.. سوف أخذ النفط.. لا يوجد شيء اسمه العراق.. لا يوجد شيء اسمه العراق.. قادتهم فاسدون إنهم منقسمون.. سأخذ الثروة.. سأضع حلقة حولهم.. نترك قواتنا في مناطق معينة، ثم نسيطر على المناطق التي فيها النفط.
-   الناس هنا لا يعرفون أن العراق لديه نفط.. لكن لديه أكبر مخزون للنفط في العالم كله.. سآخذ النفط وندفع لأنفسنا 1,5 تريليون دولار أو أكثر، وندفع الباقي لبريطاني والدول التي ساعدتنا..
-   أنا دائماً أقول كان المفروض أن نأخذ النفط من العراق..". 
 لم يمتلك رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الجرأة بالرد على ترامب، حين أكد بأن قادة العراق فاسدون، وهم الذين نهبوا العراق والولايات المتحدة شاهد على ذلك، وكانت كلمة حق يراد بها باطل.، وفي أجابته على موضوع النفط يقول العبادي، على وفق ما نقلته وكالات الأنباء، "ليس واضحاً ماذا يقصد الرئيس الأمريكي عندما تحدث، فهل انه كان يقصد في عام 2003 أو من أجل عدم استيلاء داعش على هذا النفط"، متابعا "لكن بالتأكيد نفط العراق للعراقيين واي كلام خلاف ذلك غير مقبول ولا اتصور أن اي مسؤول في العالم يدعي امتلاك شيء ليس له".. لم يقل ترامب إنه يملك نفط العراق، بل قال إنه سوف يأخذ نفط العراق والفارق بينهما واضح حتى لمن لا يملك البصيرة والبصر.
هكذا أصبح العراق في ظل النظام السياسي الطائفي الفاسد نهباً وغنيمة سهلة لكل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وللمساومة الاستعمارية بينهما على حساب مصالح الشعب العراقي ومستقبل أبناءه وبناته وتطور اقتصاده وتحسن معيشته. فالقادة الفاسدون، الذين ما زالوا يحتلون مواقع القيادة والحكم في البلاد، هم الذي أوصلوا العراق إلى هذا الدرك، إلى هذا المستنقع النتن، الذي يسمح لمثل هؤلاء الساسة الأوباش في إيران أن يتحدثوا بتلك الصورة التي تجعل من العراق مستعمرة لإيران، وأن يتحدث رئيس دولة أمريكية بهذه الطريقة الوقحة عن العراق، ويؤكد عزمه على نهب نفط العراق وشعبه. لقد جعل القادة الطائفيون عراق الرافدين يعيش بين جحيمين، جحيم الهيمنة الإيرانية وجحيم الهيمنة الأمريكية أو جحيم المساومة بينهما.. إن المطلوب حقاً هو مطالبة العراق
1.   تعويضات من الدول المنتجة والمصدرة للسلاح لبيعها كميات هائلة ليست أسلحة دفاعية فحسب، بل وهجومية إلى العراق، إضافة إلى توفير تقنيات إنتاج أسلحة الدمار الشامل، لاسيما الكيماوي والجرثومي.
2.   دعم الولايات المتحدة وتشجيعها، إضافة إلى الدول الأوروبية الأخرى، النظام العراقي في شنّه الحرب ضد إيران، وتزويده بالسلاح لمواصلتها، إضافة إلى تزويدها الدولتين بالسلاح والعتاد والمعلومات، بما يمكن من استمرار الحرب أطول فترة ممكنة.
3.   شن الحرب ضد العراق ولاسيما بعد غزو الكويت، إذ كان بالإمكان طرد القوات العراقية دون حرب في العام 1991، وكان الأمر يحتاج إلى وقت ودبلوماسية من نوع أخر غير التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تريد استفزاز النظام الدكتاتوري المتعفن، لشن الحرب.
4.   القصف الجوي المستمر ضد العراق، ولاسيما في العام 1998، وكذلك فرض الحصار الاقتصادي على العراق طوال 13 عاماً، ما أدرى إلى استشهاد جمهرة كبيرة جداً تقدر بمئات الآلاف من أبناء وبنات الشعب ولاسيما الأطفال والعجزة والمرضى.
5.   الحرب الأمريكية-البريطانية الأخيرة التي شنت ضد النظام العراقي بدعوى امتلاكه للسلاح النووي، وظهر كذب هذا الادعاء المتعمد لتوفير الذريعة بشن الحرب، وبالتالي من حق الشعب أن يطالب الولايات المتحدة وبريطانيا أولاً، وبقة الدول التي شاركت في هذه الحرب بالتعويضات لا عن خسائر الحرب مباشرة، بل وعما حصل للعراق خلال الأعوام المنصرمة منذ 2003 حتى الآن، لاسيما غزو العراق من قبل عصابات داعش وكل القوى الإرهابية والميليشيات الطائفية المسلحة.
6.   لم يكن ليواجه العراق ما واجهه خلال السنوا الـ 15 المنصرمة لولا قيام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية من جهة وإيران من جهة أخرى بإقامة النظام السياسي الطائفي المقيت على أنقاض نظام شوفيني مقيت، الذي تسبب بالصراعات الطائفية الدموية وبنزوح قوى الإرهاب من أنحاء العالم صوب العراق لتدميره، ولم يكن هذا خارج حسابات الولايات المتحدة التي ترى في العراق خطراً على مصالحها في المنطقة وعلى إسرائيل.
ولكن هل في مقدور الحكومة العراقية الراهنة أن تقوم بذلك؟ الشعب العراقي يعيش اليوم في دولة هشة ورثة، كما أن المسؤولين فيها، وفي السلطات الثلاث، أكثر رثاثة من حيث الفكر والممارسة، وأكثر فساداً. إنها المأساة والمهزلة في عراق اليوم!!! ولا بد لها أن تنتهي، وستنتهي، فالظلم إن دام دمر، والشعب يمهل ولا يهمل، ولكن، ولكي يصح ذلك، لا بد من تنشيط العمل لتغيير موازين القوى بالبلاد لصالح القوى الديمقراطية والتقدمية، وهي عملية معقدة وطويلة، تستوجب عملاً تنويرياً وسياسياً واجتماعياً واسعاً وكثيفاً ومسؤولاً.   
     
 


21
كاظم حبيب
عن أي وحدة يتحدث رئيس الوزراء العراقي؟
عُقد في دولة الكويت الشقيقة المؤتمر الدولي لـ"إعادة إعمار العراق" خلال الفترة 12-14 شباط/فبراير 2018، بأمل تحقيق ثلاثة اهداف مهمة على وفق رؤية الحكومة العراقية، وهي:
** المساهمة في إعادة تأهيل البنى التحتية في عموم العراق، ** إعادة الاستقرار للمناطق المتضررة، ** وتنمية قطاع الخدمات. ويتطلب ذلك:
1.   الحصول على دعم مالي من الدول المشاركة والمستعدة لدعم العراق بالمال والخبرة الفنية لإعادة إعمار العراق.
2.   الحصول على ممولين ماليين يوظفون رؤوس اموالهم في إقامة المشاريع الاقتصادية التي تدخل ضمن إعادة إعمار العراق وإعادة تأهيل اقتصاده الوطني المخرب، والبالغ عددها على حسب تقدير الحكومة العراقية 157 مشروعاً.
3.   الحصول على منح من منظمات دولية ومجتمع مدني لتأمين إقامة مشاريع تؤمن ما يساعد العراق في النهوض بمشاريع خدمية لصالح الطفولة والأرامل والمعوقين، نتيجة الحروب والإرهاب وسوءات السياسة العراقية.
وشارك في هذا المؤتمر، إضافة إلى العراق والكويت والأمم المتحدة والبنك الدولي نحو 70 دولة أبرزها الولايات المتحدة والسعودية وتركيا وإيران إضافة للكويت وقطر، كما ستشارك قرابة 70 منظمة إنسانية منها 30 منظمة إقليمية ودولية و25 منظمة عراقية و15 منظمة كويتية. وتتطلع الحكومة العراقية إلى حصولها على المبلغ الذي سوف تحتاجه لإعادة إعمار المناطق المخربة والذي قدر بين 88 - 100 مليار دولار أمريكي.
ورغم الصعوبة الواضحة في الوصول إلى هذا الرقم، ولاسيما موقف الولايات المتحدة التي قررت عدم تقديم أي دعم في هذا المؤتمر، بل يتطلع الرئيس الأمريكي إلى سرقة 1,5 تريليون دولار أمريكي من نفط العراق، ومع فالأمل في ان يتحقق المبلغ للمشاركة في تطلع الشعب العراقي للخلاص من عواقب الحروب الماضية والإرهاب، وكذلك من الطائفية والفساد الذي ما يزال يعم البلاد.
لقد شارك حيدر العبادي في مؤتمر دافوس بسويسرا، وشارك في مؤتمر الكويت، بأمل تنشيط المشاركة الدولية الواسعة وطرح رغبات العراق بالحصول على 88 مليار دولار امريكي تستوجبها عملية إعادة أعمار المناطق المخربة بالحروب والإرهاب وسوءات السياسة العراقية. وقدم في اللقاء كلمة تحدث فيها عن تحقيق العراق النصر على داعش وحقق الوحدة ضد من كان يراهن على الصراع المذهبي والديني والقومي والارهاب!
ومع قناعتي بضرورة دعم المؤتمر والسعي للحصول على المبلغ المنشود، رغم صعوبة ذلك، إلا إن أسئلة عادلة ومشروعة كثيرة تطرح نفسها على رئيس الوزراء العراقي تستوجب الإجابة الواقعية وليس الهروب إلى أمام في المؤتمر الدولي، الذي يعرف جميع من حضر المؤتمر، واقع العراق الراهن ومشكلاته الكبيرة والمعقدة: هل حقق العراق النصر التام على داعش وكل القوى الإرهابية؟ وهل حقق العراق الوحدة الوطنية حقاً؟ وهل تخلص العراق من النظام الطائفي الفاسد، ومن الصراعات الطائفية (المذهبية) السياسية؟ وهل توفق العراق في إيقاف الهجرة الدينية للمسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين بسبب التمييز والكراهية ضدهم وضد البهائيين وغيرهم من اتباع الديانات والمذاهب الأخرى؟ وهل تمكن العراق من معالجة القضية الكردية بطريقة سلمية وعادلة، ام ما يزال رئيس الحكومة، وبعنجهية بائسة، يعاقب الشعب الكردي على ممارسته واحداً من اهم حقوقه العادلة والمشروعة؟ وهل تخلص العراق من الفساد السائد في الوطن كله، ولاسيما فساد القوى التي بيدها الحكم؟ او الخلاص من الإرهاب الذي ما يزال يحصل في عقر دار الحكومة، في العاصمة بغداد؟
كان الأجدر برئيس الوزراء ان يتحدث بالحقيقة القائمة بالعراق، وعن عدم تنفيذه لوعده بالتغيير وبالتخلص من الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية في الحكم، أن يتحدث بالحقائق لا بتمنيات فارغة، كان وما يزال يسعى الشعب العراقي إلى تحقيقها، بدون ان يتخذ الخطوات الضرورية لتغيير الواقع العراقي القائم.
ان العراق، يا رئيس الوزراء، جزء من هذا العالم الواحد والصغير، وشعوب العالم، وحكامها قبل غيرهم، يعرفون ما يجري بالعراق منذ 15 عاماً، ويعرفون ان العراق ما يزال يعاني من مرض الطائفية الخطير، وأن الفساد ما يزال سائداً، والفاسدين ما زالوا كثر ويقفون على رأس الاحزاب الحاكمة والحكم ودوائر الدولة ومجلس النواب والقضاء وفي القوات المسلحة وفي "الحشد الشعبي!" الرسمي وغير الرسمي ("المليشيات الطائفية المسلحة")، ولم يسترد العراق حتى الان المبلغ الضائع الذي يتراوح بين 500-600 مليار دولار امريكي تعتبر منهوبة ومفرط بها والذين نهبوها أو أساءوا التصرف بها ما زالوا في قيادة الدولة والحزب الحاكم وفي المحافظات كلها دون استثناء. القوائم الطائفية المقيتة ما تزال تشكل غالبية القوائم والاحزاب المرشحة في الانتخابات القادمة، والنظام داعم لها وهو جزء منها، ورئيس الحكومة يشكل أحد هذه القوى المتحالفة طائفيا لخوض الانتخابات القادمة. والحكومة العراقية ما تزال راكبة بغلتها ولا تحاول حل المشكلات القائمة بالسرعة الضرورية والابتعاد عن تجويع الشعب الكردي بعدم دفع الرواتب او فتح المطارات الدولية في اربيل والسليمانية.. انها سياسة ليست فقط غير عقلانية، بل ذات طبيعة انتقامية من الشعب الكردي الذي صوت لصالح حريته واستقلاله، بغض النظر عن موقف القيادة، الذي ابتعد كثيراً عن العقلانية والتعامل على وفق الدستور العراقي، تماماً كما كان تعامل الحكومة الاتحادية السيء مع الدستور العراقي، وهو امر مرفوض تماماً ومناقض لكل اللوائح الدولية في مجال حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. ورئيس الوزراء ذاته يتنكر لحق هذا الشعب في تقرير مصيره بنفسه وينطلق في ذلك من موقف ديني متطرف، كما هو موقف الدول الدكتاتورية في كل من تركيا وإيران وسياسة الحكم السوري الدكتاتوري، التي كانت ترفض دوماً ولسنوات طويلة منح أبناء وبنات الشعب الكردي الجنسية السورية!!
كان على رئيس الوزراء ان يكون صادقا مع نفسه والعالم، الذي لا شك يطالبه باستعادة الأموال من الفاسدين، في الوقت الذي يمد يده للحصول على منح لفقراء ومعوزي العراق، لأطفاله وارامله ومعوقيه، في وقت تمتلئ جيوب الفاسدين بالسحت الحرام بمليارات الدولارات، إنها محنة الشعب في أحزابه الاسلامية السياسية التي خذلته وسرقته بسياساتها وبالحكم الطائفي الذي لم يتخل عنه حتى رئيس الوزراء الذي ادعى إنه ضد الطائفية وضد التمييز القومي، ولكنه يمارسهما ليلاً ونهاراً وهو على رأس هذا الحكم الطائفي المقيت وفي قيادة "حزب الدعوة الإسلامية" الذي تسبب في كل ذلك لأهل العراق!!
لقد انتصر العراق على داعش عسكرياً، رغم وجود جيوب لداعش ما تزال فاعلة، ورغم وجود خلايا نائمة تضرب في بغداد بشكل خاص، إضافة إلى الفكر الداعشي الوهابي المتشددة، ما يزال فاعلاً، إضافة إلى وجود فكر شيعي مماثل في التطرف والقسوة والعنف، يتجلى في نشاط الأحزاب الإسلامية وميليشياتها الطائفية الشيعية المسلحة وفي محاولات التشريع الجعفري المتطرف كما في موضوع قانون الأحوال الشخصية على سبيل المثال لا الحصر. كما إن تكميم أفواه من يحاربون الفساد مستمر بالعراق، وأحد هذه الأمثلة الصارخة صدور حكم قضائي مجحف بحق الناشط المدني والمكافح ضد الفساد المالي والإداري السيد باسم خزعل خشان، بحبسه ست سنوات، دليل جديد على طبيعة النظام القضائي الراهن بالعراق، حيث تطالب بإلغاء هذا الحكم الجائر جميع منظمات المجتمع المدني بالعراق، كما تطالب بإصلاح القضاء العراقي وتغيير من كان على رأس القضاء في فترة حكم صدام حسين أيضا. إن الحكم والقضاء بالعراق ما يزال يُحكم بالكثير من قوانين البعث وصدام حسين الجائرة والمنافية للشرعية واللوائح الدولية في مجال حقوق الإنسان!!!   


22


كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.
(6-6)
يتم، شكوك وآلام واعتقال!
حط يحيى علوان أخيراً في مدينة مشهد المزدحمة بسكانها وبالزائرين الذين يأمون إليها من سائر أرجاء العالم الإسلامي، وهي مدينة قديمة تستحق المشاهدة للتعرف على معالمها وضواحيها. بعد أيام قليلة استعاد جزءاً من عافيته ومزاجه الطبيعي بعد أن كان قد هدَّهُ التعب والألم. وجد في دار المضيف بعض الراحة النفسية، إذ التقى بالرفيق أبي حيدر (حمزة عبد)، الذي كان قد أصيب بشظية في ساقه وعاني من ضربة الكيمياوي التي تعرض لها رفاق قاطع بهدينان في العام 1988، وكان في طريقه إلى أفغانستان للمعالجة. قضيا معاً أسابيع عدة بانتظار توفر فرصة العبور الآمنة، فتسنى لهما التجوال في المدينة والقيام بسفرة ممتعة إلى مدينة طوس. كتب يحيى: "في مشهد شعرت أنني أتخفف نوعاً ما من مخاوفي السابقة ورحت أقترب من سجيتي.. كنت أخرج مع أبي حيدر، نستكشف المدينة، شوارعها أسواقها.. زرنا مرقد الأمام الرضا، سافرنا معاً مع عائلة أم أيسر إلى متنزه في مدينة طوس ... حيث مرقد الشاعر الإيراني المشهور أبو القاسم الفردوسي..". (ص 268).
كانت الحرب ما تزال تثير الناس، رغم مرور ما يقرب من ثماني سنوات على اندلاعها. تدفع الناس إلى الاحتجاج.. يثيرهم التشدد والتزمت الديني.. يستفزهم فرض الچادر على النساء، حتى المسيحيات بطهران أو غيرها. تعرف يحيى على واحد من الاحتجاجات التي بدأ الناس يمارسونها في إيران.. "كانت امرأة تُفرد إزارها [تشادور]، مثل عارضة أزياء، فتكشف عن جسدٍ عارٍ تحت الإزار، إلا من ملابس داخلية شحيحة.. ولما حضرت قوة من "أخوات زينب"!.. سارعت تلك المرأة وغابت بين الجموع في السوق الكبير، حاول بعض المارة عرقلة مطارديها!..". (ص 269). في إحدى زياراتي إلى طهران، ركبت حافلة عامة، سمعتُ شخصين يتحدثان عن أوضاعها في إيران: قال أحدهما: "زندگی ما مرگ تدریجی است" (حیاتنا موت تدريجي أو بطيء)، أجابه الثاني: "خداوند به کلمات شما درست است" ( والله كلامك صحيح)!!
كنت يوماً مع الرفيق أبي سرباس (أحمد باني خيلان) نجوب شوارع همدان نفتش عن دار القنصلية التركية للحصول على سمة الدخول إلى تركيا.. سألنا أحد المارة.. قال: سيروا على هذا الطريق، ستواجهكم ساحة واسعة، في الوسط منها مسلة عالية، ستجدون عليها الكثير من (ميمون) (القردة)، عندها سيروا على اليمين ستجدون القنصلية هنا. وحين وصلنا الساحة، رأينا المسلة ولم نجد قردة هناك، وجدنا عدداً كبيراً من صور كبار الملالي المسؤولين عن النظام الإيراني الإسلامي المتحجر، ملصقة على جوانب المسلة! إنه أحد أوجه الاحتجاج الشفاهي الساخط والصامت!
لم تكن أسابيع وجوده في مشهد ثقيلة على يحيى، فالصحبة الطيبة والتجوال والتعرف على المدينة خفف من ضائقة الطريق المريرة، رغم رغبته العارمة في العودة إلى البيت واللقاء بصغيرته، بابنته الحبيبة. ثم حان موعد مغادرة مشهد، بعد أن كان الرفيق أبو حيدر قد غادرها قبله بأيام. 
تهيأ للسفر.. من كراج "مشهد" نحو قرية السلامات.. أعطيت ملامحه واتكاؤه على عصاه لمن سيستقبله هناك، يناديه بـ "أبي فلاح".. سينقله إلى حيث الحدود الإيرانية-الأفغانية.. وصلوا القرية، غادر المسافرون السيارة وفوجئ بصوت يقول: "أغاي أبو فلاه!.. بفرموا..!"، صوتٌ فيه بحة، يصلك قبل أن ترى مصدره، تتلفت حولك فلا ترى أحداً، ركاب السيارة ابتلعهم الغسق والدروب الضيقة، ذابوا كحبة ملح في ماء." ثم يصف دليله للعبور فيكتب: "يصل إلى مسامعك شيءٌ يدق الأرض فيرتد مخنوقاً.. رأس كبيرٌ، لا يتناسب مع قامة قصيرة تقترب منك.. بطيئاً، يتكئ على عكاز خشبي، ورجل تتمرجح في الهواء بلا ساقٍ، بشرة دكناء حمّصتها الشمس وكستها بطبقة من التجاعيد.. مدَّ يدهُ يمسحُ غبارَ الكآبة عن وجه مكدود وعينين تفيضان مكراً.. ما أن انفرجت شفتاه حتى بان صفان من الأسنان شديدة الصُفرة، قُل قهوائية..". (ص 283). كان يدخن الحشيش، قدم له لفافة اعتذر، فهو لم يجربها، سار معه حتى الدار.. استقبلته زوجته الشابة.. ظنها ابنته.. كتب يحيى "ابتسمت لكَ، فَرَّشت وجلك، على الزرع في باحة الدار.. فتحت بصدرك حجرات مغبرة الأقفال، كنت نسيتها، فأرسلت إليها صعقة من دفق فتنتها .. فتتتها ومشت."، إنها النفس الخضراء ليحيى التي ينتعش لمرئى النساء الجميلات.. تجده يقول:
"ناديت روحك.. لم تسمع. كان داخلك يصرخُ بصمم، فاكهة دانية القطوف في بستان محرم، ستبيت على اشتهائها ما العمل؟ .. ثمرة تغص بها إن قضمتها.. تطعن قلبك إن لم ... تموت إن هي التهمتك!.. أنت أمير بلا إمارة، مفلس في حيرة طواحين تعبث بالريح، لهفةً لدون كيخوته، لكنني سأمتطي الحرفَ، كما تفعل الساحرات مع العصيِّ..". (ص 285). يذهب الدليل إيهاب يستكشف الطريق.. تبقى وحدك.. تقول "منذ ستٍ، تصيح ربابة الشوق، تقاطع نياط "الأبوذية"، ولا بدوي ينتبه أو يصغي!" عربة تجرها خيول الرغبة والرهبة كانت.. تراءى لك أن رغبتها تفح بنوع غريب من الإثارة والتمني الصارخ، يهذيان شبقاً.. تطبق على صدرها تعتصره، فتطرد ما تجمع فيه من زفرات الحرمان والنهي، الذي يرفض أن يلبي توسلات جسد بض.. سترضع شحمة أذنك، فتحس برعشة تخضك من آخر ركن فيك، وتدخلان في أحلى لعبة في الكون.. ستترنح تتركها تفعل بك ما تشاء، تعجنك، بعد أن صيرتك هلاماً تعيد تشكيله، كيفما تشتهي.. سينسى الزمن نفسه، حتى يجرفكما الطوفان، يطفئ الحرائق ويخرس لعثمة الانتظار والتردد.." هكذا قضى يحيى جزءاً من ليلته بعد ذاك العذاب الطويل في درب التيه والعطش والجوع.. "يقول يحيى "خنقت سعيدة صرخة انفلتت منها.. تلقفتها خيول الريح وركنتها في واحد من رفوف الأمس، لتكون طعماً للحنين..". (ص 291/292). بعد هذا يقول يحيى ضمن مقطوعة من نثر شعري مرطب بحلاوة الحب:
"تعالي إذ اشتهيك، فأحلى لعنة صدفةٍ أنتِ.. تعالي، الساعة، لا يبل عطشي إليك إلا أنتٍ.. تعالي وحكي دمي بطارف غمّازتك.. اغفري، سعيدة، خطيئة آلهة أورثتني شيئاً من أنكيدو.. كفاني خبأت شهواتي في السر، الذي عشته، حتى لم يعُد بمقدوري إفناؤها في جسدي، فالموعود رهان خاسر للُسذَّجِ". (ص 296).
يم تكن سعيدة عصية ً.. كانت قوية كما الخطيئة أمام ضمير محاصرٍ أعزل!.. انكسرت نظراتكما، وسقطت في المسافة بين بين.. فارت المهجة، شاغت الروح.. كانت سعيدة مُبللةً بالفراش.. ترقص فوق جنون الأقحوان.. تضوع الممر بنسائم خليط من الحبق والفل..". (ص 291).   
ما ان انتهى من حلمه بسرعة في رحلة الحب الخطيئة، خشية عودة "إيهاب"، حتى عوقب على تلك الخطيئة، إذ وجد نفسه في خطر جديد داهم، كتب يحيى: "دون "إنذار مسبق" تضيء المكان َ أنوار كشافة، وتسمع وقع أقدام كثيرة تتراكض وتتقافزُ كالأباليس في كل الاتجاهات، تلتها رشقات رشاشات.. ترمي بحالك على الأرض، دون الحاجة إلى تفكير، وتزحف ناحية الزريبة. تدفع الباب الموارب وتنسلُّ بين قوائم البقر، الذي سيسترك دون خوار قد يفضحك.. تندفع بهدوءٍ زاحفاً حتى آخر الزريبة، فيفسح البقر الوديع لك في المكان المظلم، الذي لا يصله حتى خيط ضوء.. تكاد تشعر بالاختناق، ينهمر دمعك وتغالب شعوراً بالغثيان يجتاحك من روث البقر....، .. فجأة يندفع باب الزريبة بعنف وتمتد ماسورتا رشاشين ومصباح يدوي.. كأن البقر الكريم "شَعَرَ" بخطورة الموقف وارادَ أن ينتصر لشخص مطارد بين الله والحدود.. فراح يخور ويدور على نفسه بحركات عنيفة حفَّزها الضياء الحاد.. وضع الشخصان المناديل على وجهيهما اتقاء الروائح الكريهة، التي اختزنتها الزريبة.. وغادرا المكان.... ". (ص 298). ظل يحيى قابعاً في مكانه طوال الليل.. رغم وصول إيهاب قبل ذاك.. لم يكن مستعجلاً على إخراجه من الزريبة.. خشية عودة حراس الحدود. كان المطر قد تساقط طوال الليل، منعت تلك الروائح النتنة يحيى حتى من الإغفاءة القصيرة. ثم توقف المطر. تناولا الفطور الذي أعدته ذات الإزار الجميل.. تقرر الرحيل..، اتجها صوب طريق العبور. يقول يحيى: حملتَ صُرتكَ تتوكأ على عصاك، وعندما أيقنت أن "صاحبك" تخطى باب الدار، استدرت إلى الوراء، أومأتْ سعيدة مودعةً... "خدا حافز". انطلقت بهما الدراجة النارية "بسرعة جنونية"، لا تتناسب مع أرض زراعية محروثة حديثاً ملأى بالمطبات والحفر.. وراح يدندن بأغنية، فيما تختض أنت كشگوة اللبن..!". (ص 303).
ولكن عذابهما لم ينته.. لقد عاشا مرارة الانتظار والعطش واشعة الشمس المحرقة، كانت تصب بحممها على رأسيهما، كان رأس الدليل مغطى، بينما رأس يحيى مكشوف للشمس والريح.. وجد الدليل نفسه مجبراً على العودة.. بين حظ عاثر، لم يصل دليل الطرف الآخر، لم تصل إشارة وجوده، وبين فرحة اللقاء الثاني بسعيدة، عادا بالدراجة إلى الدار بانتظار الغد. حال وصولهما الدار سقط إيهاب على الأرض من شدة الإرهاق.. بعد أن صاح بصوته المبحوح سعيدة!.. يقول يحيى "جاءت تركض حافية، حاسرة الرأس، مُهَدَّلةَ الزيق، انحنت عليه تلطم وجهها وتصفق بالأخرى.. قلت لها "عجلي بشربة ماء"، دون أن تكلف نفسها عناء إلقاء نظرة عليك.. كانت مرتبكة، إذ رأت إيهاب ملقى على الأرض، يصدر ما ليس يشبه الشخير، بل ما يصدر عن ثور ينحر!.." من شدة الإنهاك. أحضرت طاسة ماء، وكانت قد ألقت إيشارباً خفيفاً على رأسها..". تعاونا "على حمل إيهاب إلى الغرفة، حيث نام فوراً على بطنه ودفنَ وجهه في الوسادة.". (ص 330). فيما كنت تجلس على الحصير، غير بعيد من باب الغرفة، خرجت سعيدة منها مكتئبة.. قرفصت إلى جانبك صامتة. شاردة الذهن، تُجرَّحُ وجه الأرض بعود.. جاءته بعد الغروب، وذهبت قبل الشروق، وتركت في يديَّ حفنة من التوريات ٍ ولم تعدْ..".
في صباح اليوم التالي تسنى له العبور، لم يكن سهلاً، جاءت إشارة الدليل في الجهة الأخرى. انتهت مهمة إيهاب وعاد أدراجه.. لم يسقه حتى قطرة ماء يسد بها رمقه! "لا قَطرَ يطفئُ الهسيس بجوفك.. صحراء عارية إلا من شظايا الجحيم، فأين الهرب؟ لا أبنية ولا أشجار ولا نبات... قفرٌ أقرعٌ"! (ص 314).
كان على يحيى والدليل الجديد أن يقطعا صحراء قاحلة. أرضاً رملية "ضجرٌ يبحث عن ظله، ومضجرٌ هذا الرمل الأخرس، يعجز حتى عن إرجاع صوت كعب عالٍ، تتلهف إليه مسامعي، تتلهى به مخيلتي، ترسم قواماً ملائكياً فوقه!.. السراب هو سيد الموقف حين تكون في البراري والشمس تحرقك والعطش يغرقك في الأوهام، السراب. حين التقيت، مع مجموعة من الشبيبة، بسكرتير عام الحزب الشيوعي في تشيلي لويس كورفيلان، حدثنا عن السراب حين يكون الإنسان في الصحراء تائهاً ويهدَّه العطش، إذ كلما يقترب منه يبتعد!..، كان يقارن ذلك مع قائد عسكري من النظام يتحدث عن ضرورة تحالفه مع الحزب الشيوعي لبناء الاشتراكية في تشيلي.. كان ذلك في كانون الثاني/ يناير من عام 1972 أثناء انعقاد المهرجان العالمي لاتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي.. فهل يمكن أن يكون سراباً تحالفات سياسية محتملة مع قوى إسلامية سياسية!..                                             
كتب يحيى وقد هدَّه التعب والعطش "ها هو عويل الريح تماهى مع مدارات الضياع في ملكوت الرمل.. ودفقات الخوف من أفق متبرج/ مليء بفوهات التيه.. فالهواء هنا هتوك.. يمر خفيفاً، ثم يلتهب، لا جدران، حتى تلك التي تعبت من الوقوف وحمل التمائم و"علق النذور... الشمس تجلدني بشواظٍ من جحيم..". على الصفحة 339 يستذكر يحيى رحلة الضنى فيكتب:   
رَملٌ.. رَملٌ.. ثم رَملٌ.. فرَملٌ.. على امتداد النظر.. وما خلف تخوم المدى.. لا شيء غير الرمل.. حتى ما وراء السراب، وحيداً يتمطى في عزلته.. رَملٌ يقضي العمر يلتحف ب رَملٍ، رَملٌ يرحل.. ورَملٌ يأتي، بروق ورعود من سحاب عاقرٍ.. موحشٌ هذا الرملُ..". إن هذا النثر الشعري يدلك على حالة يحيى ومزاجه وهو يخوض رمال الصحراء بركبته المعطوبة وعطشه..
حين يواجه يحيى أوضاعاً صعبة يلوذ إلى الأصغاء لذاته، يحاورها ويحاور غيره.. نقرأ في هذا الكتاب الشيق مقطوعات من النثر الشعري الجميل.. في فقرة تحت عنوان "يتيم" نقرأ الكثير من ذوقه الأدبي، بلغةٍ جميلةٍ، وغنى مفرداتها، وخصب خيال صاحبها، ومصداقية الحالة النفسية التي تنساب الكلمات والجمل من بين أصابعه لتحط على ورق لا يمحى.. منها:
"من ذا يطرق باب ليلتي.. يشاركني وحدتي؟.. أنا الرازح المُعنى في غربتي، أُشعلُ بخور الحنين، أسامر وحشتي.. أُلملمُ شَواردي، مثل هُدهُد أضاع الكلام.. لا يكترث لخسوف بدرٍ. أي مناكد أتى يسلبني أثامي الجميلة، يبعثر زهوراً نثرتها فوق فراش الصمتِ.. حيث نصبتُ شباكي أستدرج طيفاً شقياً؟" ... (ص 275). 
يصف يحيى ريحاً عاتية في وسط صحراء رملية: كأن شفاطة رهيبة حطَّت فوقنا، تحاول اقتلاعنا مع الدراجة النارية.. تشبثنا بها ودخلنا مع الإعصار في ما يشبه لعبة "شدَّ الحبل"! ولما يئس منا، تركنا يعدو في عجلة من أمره، كأن لديه موعداً هاماً!...". (ص 357).
عبور الحدود بمثل هذه الطرق فيها الكثير من المخاطر، فالمهربون لا يدفعهم النبل في نقل أمثالنا عبر الحدود، بل النقود، وهم يسعون في الحصول عليها بشتى السبل.. قال الدليل ليحيى: "هات ما عندك!.." قلت له صاحبك الأعرج، في الجانب الآخر، هو الذي رتب الأمر وتسلم المبلغ!.. فقال.. لا شأن لي به، أريد أجر أتعابي هنا، منك، وإلا سيكون مصيرك مجهولاً، سأتركك هنا وأمضي، لن أكون مسؤولاً عما يحصل لك!.. قلت فتشني وأن وجدت نقوداً أو شيئاً ينفع، فهو لك.. شرع يفتش جيوبي عابساً، فما لقي سوى هوية مزورة.. تناول كيس البلاستيك، كانت به بعض حاجياتي.. أدوات حلاقة، فرشة أسنان، ملابس داخلية متسخة وجوارب تزكم الأنوف، كنت أخفيت فيها بها 1500 تومان إيراني، و500 على انفراد، ... وعندما فتح الكيس صدمته الرائحة، أدار وجهه عابساً..." (ص 359)         
وأخيراً وبعد مرارة الطريق ولف ودوران "وصلنا إلى مبنى متواضع.. قدمت نفسي ... شيوعي عراقي قادم من كردستان، وهذه الهوية المزورة التي استخدمتها لعبور إيران، وأن قيادة حزبكم في كابل لديها علم بذلك، ..". سجلوا محضراً بذلك.. ليجري تسليمه مع يحيى علوان للمسؤولين في هرات.. وصلوا عصراً. نقل بسيارة جيب روسية إلى دار تابع للمخابرات العسكرية الأفغانية، فوجئ بوجود رفيقٍ نصيرٍ له فيها، إنه الرفيق أبو واثق (المسرحي لطيف حسن) ورفيق نصير آخر. كانت أيام الحجز ثقيلة بعد كل مرارات الطريق من طهران إلى هرات. يقول يحيى "الزمن كسول.. سيغدو الأسبوع سبعة "قرون"!
وبعد أن حلحلت الملابسات، التقى رفاق الدرب الطويل، التقى، أبو علياء وأبو حيدر وأبو سامر، في طائرة عسكرية روسية نقلتهم إلى كابل، وتخلف عنهم أبو واثق لعدم وجود مكان له في الطائرة التي حجزت لهم للثلاثة مع رابع يحرسهم، ثم توفرت إمكانية المغادرة منها إلى موسكو ومنها إلى برلين حيث صدم ما لا يشبه كل الملمات والأوقات المرة والعثرات التي مرّ بها في طريق العودة من كردستان العراق إلى برلين!! إنها الحياة بمفاجأتها السارة والحزينة، وأحياناً كثيرة ليس لها من مرد!!!
وأخيراً، إن من يقرأ هذا الكتابة الحافل بالأحداث الشخصية، التي مرَّ بها يحيى علوان، والتي تقترن برؤيته للأحداث، كما حدد نفسه ذلك بصواب في بداية الكتاب، سيدرك دون أدنى ريب عدداً من المسائل المهمة التي يمكن تلخيص بعضها القليل: ** لقد كان الأنصار الشيوعيون أوفياء للوطن والشعب، بغض النظر عن مدى صواب أو خطأ، هذه القضية أو تلك، كانوا جادين ومخلصين فيما سعوا إليه، رغم الوهم الذي رافق ذلك الحلم الجميل؛ ** قدموا التضحيات الغالية، بأنفسهم أم بعائلاتهم أحياناً، دون أن ينتظروا شكراً أو جزاءً جراء تلك التضحيات؛ لم يختاروا هذا الطريق الصعب، بل فرض عليهم، حين أجبروا على ترك العراق أو الالتحاق بجبال وأرياف كردستان وتشكيل حركة الأنصار الشيوعيين، لقد كان هروباً من نظام استبدادي مطلق سلط جام غضبه وعدوانه على الشيوعيين وأصدقاء الحزب وكل القوى الديمقراطية، ومارس الأساليب الفاشية مواجهة كل المعارضين له؛ ** كما إن نهاية الحركة الأنصارية، التي دامت قرابة عشر سنوات، (نهاية 1978-نهاية 1988)، اقترنت بهجوم عسكري كاسح لمنطقة وجود الأنصار الشيوعيين من جانب قوات النظام الدكتاتوري المطلق، أجبروا على إثرها مغادرة جبال وأرياف كردستان العراق صوب الخارج؛ ** لقد تحملت جمهرة كبيرة من رفاق الدرب الأنصاري الكثير من الحزن والألم والعذابات الشديدة، قدم الرفيق أبو علياء بهذا الكتاب لوحة حية وواقعية لواحد من هذه النماذج المهمة، بغض النظر عن هذا الرأي أو ذاك حول هذه المسألة أو تلك. كما نشر أخرون كتباً حول تجربتهم الأنصارية؛ ** وقدمت حركة الأنصار عدداً كبيراً من الشهداء، يمكن أن نقول، أن جلهم كان يفترض أن يكون اليوم معنا، لولا الأخطاء التي ارتكبت من أبرز القيادات التي لم تكن ناضجة ولا بحجم المسؤولية التي أنيطت بهم. ومع ذلك قدمت هذه التجربة دروساً كثيرة وغنية لم تدرس بعد، وبحاجة إلى الكثير من البحث والتدقيق للوصول إلى استنتاجات تنفع القادم من المناضلين والمجتمع العراقي، والقادم من الأيام!!           
ليس في هذه القراءة المكثفة لكتاب الكاتب والإعلامي المميز يحيى علوان بأسلوبه الشعري وخياله الخصب ما يشبع عن قراءة هذا الكتاب، أتمنى أن يجد الكتاب طريقه إلى أيدي قارئات وقراء اللغة العربية، فهو خزين من المعلومات والتجارب الغنية والتي يمكن أن ينتقى منها الكثير من الدروس والعبر! للكاتب التحية والشكر الجزيل على ما وفره لي من متعة القراءة والكتابة عن الكتاب. 
كاظم حبيب، 9 شباط/فبراير 2018         

23

كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.
(5،1-5)
هل بعد روعة روشنگ، تعذيب وفلق في كرمان؟!!
الطريق من إيران إلى أفغانستان مليء بالمغامرات والمخاطر، طريق يمر عبر معبرين رئيسين يستخدمان من قبل الجماعات التي تسهل العبور مقابل دفع مبالغ مالية: هما طريق طهران – زاهدان–هرات في أفغانستان، ومنها إلى كابل، أو طهران – مشهد في إيران-هرات في أفغانستان، ومنها إلى كابل، حيث يصبح الطريق سالكاً بالطائرة إلى موسكو، الاتحاد السوفييتي حينذاك. يواجه عابرو هذه الطرق الكثير من المصاعب والعقبات، بما في ذلك محاولات سلب ما يملكه الشخص من نقود أو كاميرات أو أشياء ثمينة يعتز بها لجانبها المعنوي. وأثناء وجودي في حركة الأنصار الشيوعيين قرابة خمس سنوات، استخدمت، بمساعدة تنظيم الحزب بإيران، طريق زاهدان في العبور إلى إيران ومنها إلى كردستان العراق، وطريق مشهد بإيران للعبور إلى أفغانستان، كما استخدمت مرة واحدة الطيران السوري في الوصول إلى إيران والخروج منها، بجواز سفر سوري. وعبر الطريقين، سواء أكان مع الأفغان أم مع الإيرانيين، كان العاملون في تهريب الأشخاص يتميزون بالجشع والرغبة في انتزاع وسلب كل ما يمكن انتزاعه من الرهينة عندهم. ويشعر المرافق لهم بخطورة الوضع وما يمكن أن يتعرض له، إن لم يستجب لمطالبهم غير المبررة. وإذ عبرت بسلام في السفرات الثلاث، لكنها كانت مليئة بالصعاب ومخاطر الوقوع بأيدي قوات الپاسدار الإيرانية، التي لا تعرف الرحمة ولا الخلق القويم، والتعرض للعطش المهلك الذي يقترب من حافة الشعور بقرب النهاية.. وخلال سنوات العقد التاسع من القرن العشرين وقع أنصار أحبة أسرى في كمائن الپاسدار وجواسيس العدو الإيراني وعيونه المبثوثة في كل مكان، فاعتقل وعذب وسجن بعضهم قبل ان يطلق سراحه، عبر وساطات كردية أو دولية غير قليلة، حصل هذا للرفيق الفقيد النصير الدكتور رحيم عجينة، والرفيق النصير، الذي عين فيما بعد وزيرا في الكابينة السادسة لحكومة إقليم كردستان، جورج يوسف منصور، وكذلك نقيب الفنانين لاحقاً الرفيق النصير صباح المندلاوي. كما استشهدت مجموعة طيبة من الرفاق وهم على طريق العبور من سوريا- تركيا-العراق، وبالعكس.
كان على الرفيق النصير يحيى علوان أن يصل إلى كردستان العراق عبر سوريا-تركيا العراق، وأن يغادر المنطقة، بعد ست سنوات، عبر زاهدان، ثم يُجبر، في ظروف مريرة، للعودة والعبور عبر مدينة مشهد. ولهذا أطلق الكاتب على رحلة العودة بـ "رحلة الضنى"! وهو على حق كبير، وحين التقينا قبل فترة وجيزة، تحدثنا معاً، فأخبرته بأني أطلقت على رحلتي كلها "رحلة الآلام" ولم أنشر ما كتبته حتى الآن!
كان الرفيق النصير أبو جنان (زهير الزاهر)، مسؤولاً عن تنظيم الحزب في إيران، بعد مغادرة الرفيق أبو علاء وعائلته الطيبة طهران، وإقامته محطة ضرورية للحزب في كابل، لغرض استقبال وتنظيم سفر الرفاق. وقد هيأ الرفيق زاهر مجموعة من الرفاق الشجعان والملتزمين بالسرية واليقظة إزاء جواسيس العدو وعيونه، كما اقام مجموعة من العلاقات التي تسهل له إنقاذ الرفاق في حالة وقوعهم بأيدي العدو. ولم تكن هذه المهمة سهلة، ولم تكن موفقة باستمرار. كان الرفيق يستفيد، بذكائه وكفاءته وتميزه التنظيمي ودقة عمله، من مواطن ضعف العدو، التي تبرز بشكل كبير في النظم الاستبدادية المركزية. ومع أن الكثير من الرفاق كانوا يغادرون طهران في أوقات متقاربة، إلا أن كلاً منهم لم يكن يعرف ب وجود ومكان الآخرين بطهران أو الطريق الذي سيسلكونه.. إنها ضرورات الصيانة في بلد مليء بالجواسيس والعيون، منهم إيرانيون ومنهم عراقيون زعران، في مدينة مثل طهران! ولم يكن الرفيق أبو جنان يميز في ترحيله الرفاق بين القادة والكوادر أو الأعضاء، فلديه كانوا كلهم سواسية، يفترض أن يخرجوا بسلام من إيران..
حل موعد مغادرة الرفيق يحيى علوان، وكنت حينها في طهران، على وشك الرحيل أيضاً، واختير له طريق زاهدان. رافقه أحد رفاق الحزب المتحدثين بالفارسية. وفي زاهدان، وفي طريق العبور إلى الجانب الآخر من الحدود إلى أفغانستان، حصل له ما لم يكن في الحسبان، لاسيما وأن الرفيق يحيى يعاني من ركبة مريضة لا تقوى على حمله في الحالات الطبيعية، فكيف والأمر يتطلب السرعة في السير والركض أحياناً أو حتى القفز بضعة أمتار من عل.         
يكتب يحيى: "الطريق، التي سلكناها حول قرى صغيرة في أطراف زاهدان تغط في النوم.. إلا من بعض دواب تنهش زرع الأرض في الظلام البارد.. تنظر إلينا بعيون جامدة، فيما تجتر العشب.. ليل مسلح بالظلام.. ظلمة تمد آذانها، تسترق السمع.. تجس النبض.. توحي بعيون خفية تراقبنا فتملأ الجو ريبة..". (ص 195). كان السير طويلاً في أرض يصعب السير عليها وبركبة مريضة.. فيستكمل قوله.. "هدني التعب، ونزفت ما تبقى لي من قوى. ومما فاقم تعبي حدَّ الإرهاق، أن البرية ابتلعت القمر الرضيع، وكنست السماء من نجوم براقة، سال بعضها يجرجر خيطاً لامعاً خلفه، لم تلبث أن لملمته بسرعة، مثلما يمحو الأطفال في دفاتر المدرسة خطاً إملائياً.. فرحت أتعثر، وبعصاي أتقي السقوط.. بينما يلح مرافقي أن أسرع، كي لا يفوتنا الموعد في زاهدان!.... كنت اترنح من الأعياء.. حاولت أن أقف كي استرجع أنفاساً هربت مني، أتناول جرعة ماءٍ، تحت قبة الظلام.. إلا إنه أبى!..". (ص 196).  كان مرافقي يحثني على السير "تحامل على نفسك، إن كنت تريد النجاة"!.. يحاوره يحيى، "ولكن حملي ثقيل، يا رفيق!. يرد عليه "تخفف منه، القِ به"!. لم ينتبه رفيق الطريق، أن يحيى لا يستطيع التخلص من حمل ماضيه المثبت في دفاتر يحملها على ظهره. يقول له: "حملي مشدود على ظهري! كيف اتخلص من ماضيَّ..؟!". إنها المحنة حقاً، ألمُ الركبة الذي ينهشه، وحِملهُ الثقيل على ظهره يزيد جهد الركبة ويضاعف آلامها! يحاول رفيق الطريق أن يقارن بينه وبين رفاق آخرين ساعدهم على مغادرة إيران عبر الطريق ذاته، ولكن هل يمكن مقارنة اصحاء سالمين/ مع شخص يعاني من ركبة مريضة هي المسؤولة عن حمله ونقل خطاه!
في مثل هذه الأوضاع الحرجة، يعيش المرء احداثاً شتى، تقفز إلى ذهنه كشريط سينمائي، حيث قضى سويعات حلوة في بيت المسرحي الكبير الرفيق خليل شوقي، علها تخفف من آلام الركبة والظهر وغيرها. كان إنساناً بديعاً احبه يحيى كما أحبه عراقيون وعراقيات كثُّر!..
كان على يحيى أن يصل إلى حفرة يقبع فيها لحين وصول الدليل ليعبر به الحدود. قال رفيق الدرب، أترى تلك الحفرة، علينا أن نصل إليها.. تمنى لو أن تأتي الحفرة إليه.. ولكن كيف؟ تركه الرفيق للحظات ليقضي حاجة، وسار هو صوب الحفرة.. انزلق فيها.. فماذا جرى؟ صدمه ضياء أعشى عينيه، وأيدٍ تلقفته بقسوة ووحشية، فما كان منه إلا أن يصرخ بصوت مرتفع يسمع حتى عن بعد "كمين.."، كان يريد أن ينبه رفيقه كي لا يتوجه صوب الحفرة فتتلقفه الأيدي الخبيثة.. وحسناً فعل! ذكرني سلوك الرفيق يحيى بحادثة مماثلة حصلت في العام 1955. حين كنت أسكن مع رفيقين في غرفتين في عقد النصارى ببغداد. يبدو أن الأمن قد اكتشف البيت الذي نسكنه. نصب كميناً لنا ليلاً.. حين وصلت البيت مساء، فتحت الباب تلقفتني أيدي شرطة التحقيقات الجنائية وأدخلتني الغرفة، كان الرفيق عبد الأمير الصراف قد وصل قبلي ووقع في أيديهم. كنت أعرف أن الرفيق أبو قاعدة (كاظم فرهود) سيصل البيت قريباً، فبدأت أصرخ بصوت مرتفع معترضاً على اعتقالي، علَّهُ يسمعني، فرعوا يضربوننا بقسوة بالغة لكي نسكت، ونحن لا نكف عن الصراخ، إلى أن أدركوا إن الرفيق كاظم فرهود لن يأتي، وفعلاً فقد علمنا فيما بعد أنه سمع صراخنا من بعيد وعاد راجعاً من حيث أتى وتخلص من الوقوع في الكمين! 
كتب يحيى: وبأسرع مما أسترد الشهيق، طُرحتُ أرضاً .. أحسستُ بالتراب يعفر وجهي.. كادت ذراعاي تنخلعان من الكتفين، عندما شدوا وثاقي إلى الظهر.. "ضبطوا!.." وضعي بسرعة.. كمموا فمي وشدَّوا عصابة على عيني ثم أحكموا رباط القدمين! حتى أحسست بنفسي مرمياً على صفيح بارد على ظهر سيارة پيكاب، لا تفتأ تخضني كشگوة لبن.." (ص 200).   
حين توقفت السيارة وأنزلوه منها سقط أرضاً.. لم يقو على النهوض .. شتموه بشتيمة عراقية من فم جايفُ .. صرخوا "ابن الزفرة"! عرف أنهم عراقيون.. من جنس أفراد النظام الإيراني وأتباعه.. ثم جاءته صفعات قاسية "أجلسوني على كرسي متهالك، يصدر صريراً عند أبسط حركة.... جاءني صوت: "يا الله سولفنة.. تره عدنه كل المعلومات، عنك وعن ربعك.. وإذا تچذب، راح نصلخ جلدك!.. أول وتالي نحجيك! (ص 202). كان أبو أحمد وصاحبه ملا جواد.. هما من يستجوبانه.. راودتني أسئلة عادلة ومشروعة: أين هما الآن، وبعد هذه السنين الطويلة، في أي قيادة لحزب إسلامي هم يعملون، أو على رأس أي ميليشيا طائفية شيعية مسلحة يقودان، أو أي وزارة يحتلان بالعراق؟؟ فهما من الصنف الرث  نفسه الذي يحكم عراقنا المستباح بالطائفية والفساد والإرهاب..
كتب يحيى يصف جلاوزة الجلادين المستبدين: "هكذا هو عرف الجلاوزة في أنظمة الكراهية والاستبداد، أياً كانت مسمياتهم.. ينهالون على الضحية أولاً بكل ما أوتيت لهم من بشاعة، كي تسهل مهمة "تغريده" استنطاقه، بما يريدون أو ما يفيدهم!.." (ص 2003). استعصى عليهم استنطاقه، فهو ليس من النوع الذي يلين أمام هكذا أوباش.. عالجوه بتعذيب وحشي، رضرضوا عظامه، رفعوه فلقة أوجعت باطن قدميه.. حاولوا سحق مقاومته.. عجزوا عن ذلك.. كان الغيظ والغضب والانكسار سيد الموقف لدى الجلاوزة، وفرحة الصمود الممتزجة بألم الضربات القاسية لدى المناضل يحيى علوان.
وكنت، أنا أقرأ هذا الكتاب القيم للصديق يحيى علوان، حطَّت ذاكرتي عند العام 1955 مرة أخرى، حين جرى اعتقالي مع عازف الكمان عبد الأمير الصراف وساروا بنا إلى بناية التحقيقات الجنائية.. وهنا تسلط علينا المفوض أنور عبد العزيز وأدهم العاني، أشبعونا ضرباً وتعذيباً وفلقة.. زاد غيظهم حين جوبهوا بالصمود والصمت. أعيدت هذه المسرحية في سجن بغداد، قبل ترحيلنا إلى سجن بعقوبة لنقضي فيه بقية الحكم الصادر بحقنا. جاء السجانة، جلاوزة مدير السجن، لطفي الخزرجي، والنظام الملكي، بالفلقة.. بدأوا بالضرب على باطن القدمين لكلينا، بدأت أعد معهم 1، 2، 3.. وبصوت مرتفع حتى وصلت للضربة الـخامسة والستين بعصا مهيأة لهذا الغرض.. كنت راغباً أن أغيظهم، أن أقهرهم، توقفت عن العد، عجزت عن المواصلة.. لم نعد قادرين على السير بعد أن فكوا وثاق أرجلنا.. ولكن كان لا بد من السير وتحمل الألم، لكيلا تُصاب القدمان بتخثر الدم.. وهم يدركون ذلك ويجبروك على السير شئت أم أبيت!!
حين سمع يحيى العميلين العراقيين يتحدثان عن وجود جواسيس يعملون لصالح صدام حسين، استنفرت كل أحاسيسه واستفزت مشاعره وروحه الكفاحية.. "رنَّت كالناقوس في رأسي....، قلت بحدة ظاهرة ما شأني بذلك؟! .. أنا واحد من المناضلين ضد صدام ونظامه، عانينا من نظامه الإجرامي.... أنا شيوعي، ومنذ ست سنوات، أنا في صفوف الأنصار، ألا تخجلون من هذا السلوك الشائن والتعامل المنحط مع من يقارعون صدام بكل الوسائل؟!.." (ص 205). لقد كانت جرأة من يحيى أن يقول لهم بأنه شيوعي..، أن يتحداهم وليكن ما يكون.. السجن بهذه التهمة في إيران أشرف بما لا يقاس وأكرم من أن يتهم الإنسان بالتجسس لنظام صدام حسين الفاشي.. وضُع يحيى في زنزانة انفرادية لا تختلف كثيراً عن الزنزانات الانفرادية في سجون العراق الموحشة، ضلت تحرك فيه المشاعر والذكريات ويستعيد قصائد يحاول بها أن يقتل الوقت الثقيل، أو ينظم نثراً شعرياً ضمنه كتابه بلغته الشعرية الرشيقة التي لا يتسع المجال لذكرها..   
تغير التعامل قليلاً، ولم تتغير الجفوة والكراهية.. فهم مجبولون عليها! يبدو إن الرفيق المرافق، الذي نجا من الكمين، أوصل خبر الاعتقال إلى المسؤول بطهران.. دخل للحال على الخط.. أجرى اتصالات.. فهو مسؤول عن سلامة رفاقه.. أمكن الاتفاق، على توفير فرصة لهروبه، عبر وسطاء بطهران.. وعبرهما مع الحراس المناوبين.. تم ذلك بسلاسة، رغم القلق الذي هيمن على يحيى، فهو ما يزال يواجه حظه العاثر.. استقبله الرفاق، إذ حط، بعد عدة أيام ومن جديد، في بيت آخر بطهران ليعيش تجربة سجن إجباري، أو قل، اختياري، جديدة..
كان عليه أن يبقى فترة في هذا البيت الجميل، الذي أصبح سجناً له ولرفيق آخر، إذ حرم عليهما الخروج من الدار خشية الوقوع بيد العدو.. فيحيى الآن هارب من قبضة الپاسدار.. ومطلوب رسمياً منهم. لم يعد في مقدوره رؤية روشنگ، تلك المرأة التي أسعدته ليالٍ ثلاث، ليس ممكناً التفتيش عن الطبيبة في مستشفيات طهران وشوارعها لتخفف بشفتيها وحبها عن بعض آلامه وأوجاع الضربات التي تلقاها على جسده المنهك!!         
        رحلة الضنى..، رحلة الضياع والجوع والعطش في الطريق إلى مشهد!
لم يترك الرفيق أبو جنان رفيقه أبا علياء أن ينتظر طويلاً بطهران، هيأ له بأسرع ما يمكن، إمكانية السفر إلى مشهد، إنه طريق العبور الثاني، الذي لا يخلو من مخاطر وعقبات الپاسدار، ومن صيادي النقود وباعة المخدرات، وهم يجوبون بدراجاتهم النارية مدن وأرياف أفغانستان وهم يحملون سلاحهم.. رُحّل مع عائلة بالقطار المتجه إلى مدينة مشهد بخراسان... كان كل شيء على ما يرام، مهيئاً لإيصاله بسلام.. ولكن، هل يترك حظ يحيى العاثر الرحلة بسلام، أم يلاحقه أينما حلَّ أو ذهب..، هل يمنحه فرصة النجاة لرؤية بنيَّته بسهولة.. عليه أن يدفع ضريبة حب الوطن وعشق الناس بالعراق..
انطلق القطار يسير الهوينا. إنه وبقية المسافرين، يسمعون أصوات الصواريخ تتساقط على طهران وضواحيها.. مرّ وقت مرح مع طفلي العائلة التي ترافقه.. اهتزازات القطار الرتيبة نسجت خيوط إغفاءة هانئة.. كتب يحيى "لست أدري كم من الوقت مضى، عندما انتزعَنا من المقاعد انفجار هائل، فتوقف القطار فجأة وانطفئت الأضواء.. هبَّ كل المسافرين مذعورين للنزول من العربات متدافعين، بعضهم قفز من الشبابيك.. حلَّ رعبٌ خرافي.. كنا قبل قليل في حيز مرئي محدود المعالم، صرنا في عتمة بلا حدود، كأننا نزلنا إلى عالم الظلمات!.. أصوات مخنوقة، أطفال يبكون، نساء ورجال وشيوخ يبحثون في الظلام عن ذويهم، كما لو أن مجهولاً يترصدهم في الظلمة...". (ص 244). لم يفقد يحيى العائلة التي رافقته فحسب، بل فقد هويته المزورة أيضاً وكل حاجياته، وأصبح الآن في خطر الوقوع في أيدي الپاسدار عند كل نقطة تفتيش.. والمسافة إلى مشهد بعيدة.. كان عليه أن يسير في الاتجاه الذي يسير فيه الآخرون، عله يصل إلى مشهد.. يقول يحيى: "بما أنني لا خبرة لي بالمكان وجغرافيته وليس لديَّ أوراقٌ ثبوتية، حتى المزورة منها.. وبالتالي لا أعرف المسافة إلى زمنان، سمعت مرة أن فيها أكبر معتقل لأسرى الحرب العراقيين" قرر اللحاق بهم، "أردد في نفسي "نزل جواد عند مرقد الرضا" كي لا أنساه. فهو خيط الأمل المتبقي للحاق بالعائلة.." (ص 245.) كانوا يسيرون ثلاث ساعات ليرتاحوا ساعة.. مرً يومان على هذه الشاكلة. وصلوا إلى محطة تعبئة المحروقات ولمح راية الهلال الأحمر. كتب يحيى علوان: "لمحت إلى جانب المحطة راية الهلال الأحمر فوق مبنى متواضع، إلى جانب مُصلى. اتجهت نحوه طلباً للمساعدة في تطبيب القروح في قدميّ، علني أحصل على بعض الحبوب تلجم أوجاعي.. كان في المركز امرأة ورجل بملابس بيضاء، حاولا إلجام استغرابهما من هيئتي، لكن سرعان ما تبدل الموقف إلى اهتمام واضح حين لاحظا أنني "أخرس". أدخلاني إلى غرفة المعالجة وأحضراً طستاً صغيراً فيه ماء دافئ. غسلا الجروح طبباها بمرهم، وضعا قطناً ولفافات معقمة، غسلا شعري ورقبتي، قالا عليك أن ترتاح قليلاً." (ص 253) لم يكن لديه وقت للراحة.. تركهما في رحلة صوب التيه والعطش والجوع. يهرب من نقاط التفتيش يختفي في حفرة في البراري. لكي ينجو بنفسه من أسئلة من يلتقيه في الدرب، ادعى الخرس والبكم.. فكانت تجربة جديدة يمر بها لم يفكر بها يوماً.. الطريق طويل، بعد مسيرة يوم كامل هدَّه التعب.. اشتدت الآم الركبة وقروح القدمين، رغم العلاج والحبوب المسكنة، والجوع يرهقه ويضعف قدرته على السير.. سار بعيداً عن الطريق العام ليتجنب اللقاء بالبشر.. أجبر على خوض ماء نهر ليعبر إلى الجهة الثانية، كتب يقول: "عندما خضت في ماء النهر حتى السرة، كان بارداً جداً، يحدث ما يشبه فعل المِشرط. لكن قمراً ضامراً مثل بيضة، كان قد نهضَ من فراشه متأخراً، يغتسل في النهر، ابتسم لي وغمزني مشجعاً.. حين صرت في الجانب الآخر، كنت أرتجف مثل سعفةٍ، أحاول منع أسناني أن تصطك بسرعة.. جمعت كومة من الأوراق اليابسة والعيدان، أشعلت ناراً، رحت أطعمها من الأغصان، وأتحسس دفئاً لذيذاً بدأ يدب فيَّ قرب النار، فيما الجزء البعيد عنها من جسمي كان يختض برداً..". (ص 260).   ثم واصل السير، بعد أن جفف ملابسه.
قطع مسافة طويلة في غابة، بدأت الآمه تعضه من جديد، وزادها بؤس الحالة النفسية وعدم معرفة وجهة السير.. أجبر أخيراً على العودة إلى الطريق العام، لم يعد قادراً على السير، كان عليه أن يتحرى عمن يساعده للوصول إلى مبتغاه.. كتب يحيى بلوعة ومرارة "يا طريق الضنى!.. أما كفاك شبتَ على كتفي .. فهلا تكرمت وترجلت؟!.. في اليوم التالي، ظهراً بدأ الطريق ينحدر كاشفاً عن أفق رحيب، أغراني باستراحة طويلة نسبياً في طريق ترابي غير معبد، ينحدر إلى يمين الطريق العام، ...". (ص 256).
عجيب أمر الإنسان، قدرته على التحمل لا نهاية لها.. كتب عن رحلة الضنى يقول: "كنتُ طوال الرحلة أحمل الطريق على كتفي، أداريه، لكنني دُهشت لما بلغنا مفترقا، قفز من على كتفي، تركني حتى دون وداع.. فصرت حيث أضع قدمي يصير الطريق!..".         
"من بعيد لاحت شاحنة كبيرة (تريلر) تُرسل في الفضاء عموداً من دخان رمادي. توقفت عندي وأشار لي السائق البدين، ذو الوجه السمين المُدوَّر، أن أصعد إلى جانبه في القمرة بسرعة. صعدت وحييته بإشارة من يدي.. تذمر قائلاً اللعنة على الشيطان، الذي أرسل لي أعرج وأخرس.. ثم خبط بكفه الغليظة على مقود الشاحنة "راديو ماشين خرابت! فَهمِدي؟!..". واستأنف متذمراً "أريد من يسليني كي لا أنام، فأمامي مسافة طويلة. ماذا فعلت كي يرسل الله لي شخصاً مثلك؟!..". بلع يحيى اللعنة، إذ نجا من سير طويل للوصول إلى مدينة مشهد.. في نيشابور وجد من يأخذه معه، وهو الأخرس والأعرج، بعد أن فهم صاحب العربة منه إنه يريد الوصول إلى الإمام الثامن، إلى علي موسى الرضا. قال له، أنا ذاهب إلى السوق فانتظرني. حين نزل من العربة مودعاً السائق يقول يحيى "الآن فقط، خلعت عني "حجاب "الخرس". ووجد صاحب نزل جواد، "لقد بدأ الحظ يبتسم لي من جديد". والتقى العائلة التي فقدها عند الانفجار في الطريق إلى مشهد وعمها الفرح... وعاد الأمل بالوصول إلى غايته، إلى رؤية ابنته، نهاية لبعض ألامه..                 
 انتهت الحلقة 5،1 من 5 وتليها 5,2 من خمسة   

24

كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.
(4-5)
روشنگ..
لم تكن حياة الأنصار الشيوعيين كلها حزن وإحباط وألم، بل كانوا يبذلون الجهود الكبيرة لإنعاش الحياة اليومية بالكثير من الفعاليات الأدبية والثقافية العامة والمعارض التشكيلية والمسرحيات القصيرة، كما كانت الإذاعة وتحرير جريدة الحزب "طريق الشعب" تأخذ وقتاً من العاملين في الإعلام المركزي حين كان في سهل لولان، أم حين انتقل إلى خواكورك. ولكنها مع ذلك كانت محدودة وذات أفاق ضيقة، إضافة على ما كان يحصل بين الفينة والأخرى من استشهاد مناضلين شيوعيين في مصادمات مع قوات الحكومة العراقية، وفيما بين القوات "الصديقة!". كما كانت هذه الحياة تزداد جفافاً حين يطول بقاء النصير سنوات كثيرة في حركة الأنصار دون أن يفكر المسؤولون بضرورة إجازة هؤلاء الرفاق ليغادروا الموقع. وما زال في ذاكرتي ذلك الطبيب الذي قضى عشر سنوات في حركة الأنصار لم يطالب بخروجه ولم يفكروا بمنح إجازة له. وحين التقيته مرة وعلمت فترة وجوده رجوته أن يقدم طلبا. وبعد الحاح مني قدم الطلب وأجيز وخرج فعلاً، ولكن كان قد نسى الكثير من علم الطب، رغم أنه كان الطبيب الأول الذي أجرى الكثير من العمليات الجراحية للمصابين أو لحاجات اضطرارية وعالج الكثير من المرضى، وكنت أحدهم، إن الطبيب مهند البراك. وهكذا كان وضع صاحب هذا الكتاب. لا شك إن طول الفترة كان يضفي على النصير الكثير من الملل عندما تكون الحركة بطيئة وليست هنا فعاليات تساعد على تنشيط فكر الإنسان وروح. وهو ما كان يفت في عضد الرفاق وتبدو حياتهم يابسة فعلاً وكئيبة أيضاً. وهو ما تجلى في كتاب يحيى علوان، وليس الناطق بتجربته وحده، بل هو يعبر عن تجارب الكثير من الأنصار الذين ضحوا بالغالي والنفيس أثناء وجودهم هناك، بل بعضهم فقد حتى عائلته..   
في هذا الجزء من الكتاب تتغير الحالة نسبياً، وتقل العثرات التي رافقت الفترة السابقة والانتظار المديد، ولو لفترة من الزمن، مهما كانت قصيرة، وتنتعش الابتسامة، ويشرق الحب من جديد، في قلب من كان الحب والتفاؤل والأمل لا يفارقن حياته، كانا جزءاً من عناوين مهمة في مجرى حياته وعلاقاته الإنسانية، لولا جليد الانتظار المرهق والوعود المراوغة! غادر يحيى قواعد الأنصار وخلع ملابس الأنصارية الكردية، وارتدى ملابس الأفندية، على حد تعبير العراقيين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وحط الرحال في مدينة أورمية، حيث يعيش فيها المسيحيون والكرد والتركمان،  ليتوجه منها إلى طهران مباشرة. غادر الباص مساء أحد أيام الصيف ويحيى علوان أحد ركابه. ما أن حل الليل حتى سرح كاتبنا بأحلامه وهمومه، يقتل الوقت باستعادة ذكرياته، تقطع بين الفينة والأخرى من مساعد السائق، حيث يصرخ بصوت أجش، "صلوات الله على محمد وأل محمد"، برطانة يصعب فهمها. كان يحيى بين النوم واليقظة، حين شعر بشيء يمس إحدى قدميه. سحبها لئلا يزعج من يجلس أمامه، بعد أن كان قد مدهما ليريح ركبتيه المتعبتين من الجلوس الطويل. بعد لحظات قصيرة مدهما من جديد.. احس باللمس الخفيف ثانية، وكان مقصوداً.. وحين حل الظلام ولم يبق سوى ضوء خافت، التقت عيناه بعيني سيدة إيرانية متلفعة بالجادر، ارتسمت على محياها ابتسامة مستحية ومحببة. شعر بارتياح ممزوج بهزة خفيفة منعشة تجوب كيانه.. فبعد سنوات ست عجاف ويباب، تحرك مشاعره دغدغة خفيفة من امرأة في قدميه.. رغم وجود النصيرات في الحركة الأنصارية كن قد تحولن إلى مقاتلات تلفهمن خشونة الحياة وعصاميتها بعيداً عن حياة الحب التي هي جزء من حياة الشبيبة.
استلذ يحيى بتلك الأحاسيس حين لامس إبهام قدمه باطن قدمها اللدن.. والتقت النظرات ثانية وارتاح لمغزاها.. فهل من أمل في هذه اللعبة الخفية. يقول الكاتب: "تكررت اللعبة من جديد.. لمَّا التفتت بنظرها ناحية اليسار، بانت ظلال ابتسامةٍ في جانب من وجه صاحبة القدم.. أخذت تدفع قدمي، التي تعرت من ضغط حذاءٍ جلدي، لم آلَفه منذ سنين في الجبل". (ص 118) إنه غزل من نوع جديد جميل وبرئ، لم يألفه من قبل! يا له من سحر جميل، إنه، كما يقول يحيى، "أقرب إلى لهو الطفولة منه إلى الحرمان أو الكبت الدفين..". فهل نصدق هذا الوصف، بعد صوم جنسي مديد وحرمان أكد؟ استطابت له اللعبة، فدغدغ مشاعرها، وابتلعت ضحكة مكتومة.. ثم توقف الباص في طهران، انتهت اللعبة الظريفة، وطار الحلم بمتعة جديدة، حين نزلت، وكان في استقبالها شخص أنيق بسيارته، لم تلتفت لتمنحه نظرة الوداع! عندما استقلت السيارة وغادرت الكراج..
استقبله الرفاق في طهران، وسكن في بيت فيه أكثر من عائلة ونزيل، بينهم عائلة عراقية من تلك العوائل التي هجرت قسراً إلى إيران قبل بدء الحرب العراقية – الإيرانية، في الطريق مات رب العائلة بجلطة قلبية. استقر يحيى في غرفة صغيرة بانتظار أنجاز وثيقة تؤهلة عبور الحدود الإيرانية إلى افغانستان. وفي أولى جولاته بطهران، استفزه سلوك النظام الإيراني، حين أجبروا الشخصية الشيوعية الإيرانية وحبيس سجن "إيفين" المروع، إحسان طبري، ليمتهنوا كرامته، ليتحدث لسامعيه، عن سوءات الفكر الشيوعي والأخطاء التي ارتكبها، إنها محنة المناضلين في مثل هذه النظم المستبدة. في هذا السجن الموحش، قضى فيه، أحد رفاقنا الأنصار، سنوات عدة، تعرض فيها إلى أبشع صور التعذيب الوحشي الإرهاب النفسي والجسدي، وصمد وتحدى النظام وجلاوزته. وقد سجلت مذكرات الرفيق رحيم الشيخ علي (واسمه الحركي حيدر فيلي) في كتاب أصدره الكاتب عبد الرحمن منيف بعنوان " الآن.. هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى)، والغريب أن كاتب الرواية لم يذكر فيه حتى اسم كاتب المذكرات حيدر أو يشير إلى إنها أخذت من تسجيلاته!!     
كانت الحرب العراقة الإيرانية ما زالت مستمرة، وكان القصف المتبادل ضد سكان المدن وبعيداً عن جبهات القتال غير منقطع. تجمع الناس في ساحة الأمام الحسين بطهران ليعبروا عن احتجاجهم ضد هذا القصف العشوائي الجنوني. كتب يحيى علوان وهو المشاهد لهذا التجمع "...بلغت حماسة الجمهور واحدة من ذراها بإخراج "مسرحي" مؤثر، عندما اعتلى المنصة بعض ذوي الضحايا.. من بينهم عجوزٌ، مقوسة الظهر .. لم تبكِ ولم تولول!.. كانت كسيرة الخاطر...، كانت تحمل رضيعاً بقماطه، رفعت رأسها إلى السماء وصاحت: لا اعتراض على أمرك.. أخذت أمه واباه، لماذا لم تأخذه كذلك، مع اشقائه الأربعة .. من أين لي أن أرضعه؟!.. ثم كشفت عن ثديين سائحين مثل عجينة ممطوطة، أمن هذين الثديين الجلد؟..." (ص 156). لقد كان المنظر عصياً على التحمل.. هاج الناس وماجو.. هكذا هي حروب الحكام، هكذا دائماً كانت، وهكذا كان الأبرياء والضعفاء وقودها!         
 من بعيد وفي زحمة شديدة التقت عينا يحيى بعيني سيدة الباص، التي دغدغته ولم تودعه، ولو بنظرة خاطفة. ثم غابت عنه.. كتب يحيى "فجأة التقت نظراتنا، مستني بابتسامةِ من كرنفال عيونها الرمادية المائلة إلى الزرقة.. رَفَّ القلب كنطيط أرنب مفزوع.. ارتبك النبض. حاولت أن أصرخ بيد أن خرساً شل لساني وما عرفت كيف أناديها..". (ص 156).
في حسرة على  ضياع ما كان في أمس الحاجة إليه، قرر نسف أسبوعيته الشحيحة في اقتناء الخمرة، وليكن بعدها الطوفان، فاليوم خمر وغداً أمر، على حد قول امرؤ القيس. منعت السلطات الإيرانية الخمرة، فانتشرت الخمور في كل أرجاء إيران، ولاسيما طهران، وأكثر من أي وقت مضى، حتى في فترة حكم الشاه حيث كانت مباحة. فاليوم، يصل الراغب فيها متى يشاء، بأنواع شتى وبأسعار أعلى، يستفيد منها من يمتلك السلطة ليتاجر بها عبر وسطاء ويكدس الأرباح. وهكذا، حين حُرَّم البغاء، ازداد الجنس واتسعت دائرة ممارسته "المحرمة!" في إيران، وابتدعت أساليب جديدة، بما في ذلك زواج المتعة!! في أحد الأيام كنت مع الرفيق ابي علاء في سيارة تاكسي بطهران.. استفسر السائق بفضول عن هويتنا، قلنا له سوريون.. نظر إلينا بالمرآة وقال بجسارة بالغة: هل تريدان مزاولة الجنس.. يمكنكما الحصول على بنات جميلات باكرات بعمر الزهور لا يزدن عن 16 و17 سنة، فهل ترغبان؟!.. قلنا له، كلا.. شكراً على العرض.. لسنا بحاجة.. لم يقطع الأمل، قال تخسران شيئاً جميلاً، أنهن من بنات الملالي، لم تر الشمس فر...!! رجوناه أن يتوقف، فسكت عن الكلام غير المباح!
كتب يحيى علوان بفرحة غامرة: اليوم تسلمت مخصصاتي الأسبوعية، وقررت أن أذهب إلى چاراه مولوي لأشتري كيس لبن.. جهزت المازة وغسلت صحنين ليكونا جاهزين لأطباق شهية، وأشعلت شمعة كي تكتمل مراسيم سهرة تنقصها امرأة طالما حاولت استدراجها لكنها كانت تتمنع بغنج معجون بخبث لئيم!..". ورغم الخمرة كانت الوحدة موحشةً..       
لم يبخل في التفتيش عن سيدة الباص، يجوب شوارع وأزقة طهران، وكان له ما أراد.. التقيا ثانية بعد أيام وعلى غير موعدٍ، عند مفترق طرق، لم ينتظر أن يفقدها هذه المرة، لحق بها امتدت يده ليمسك بيدها بقوة، وبجرأة ما عهدها فيه، أخذها معه، بين استحياء وتمنع خفيف ورغبة في السير معه، رغم الخشية من عيون شرطة "الآداب" الوقحة، التي تتجول في طهران في كل مكان، لتمسك من تعتقد أنه ليس زوجها أو أخيها! كتب يحيى: "كنت عند الإشارة الضوئية للعبور، لمَّا لاحت لي في الجانب الآخر من الشارع، أحسست بما يشبه صعقةً كهربائية، بعثرتني، فلم أدرِ ما فعلت.. كانت تلف نفسها بإزار حريري أسود، تمسك به أسفل الصدر بطريقة مغرية كعادة صبايا طهران.. تسمرت في مكانها، عندما رأتني أحدّقُ إليها... ركلت التردد وكل كوكتيل الخوف والخجل، حصل لدي قطعٌ!.. لم أعد أفكر في نتائج فعلتي.. تَعَشَقتْ أصابع أيدينا، بعد أن تلعثمت في البداية..". (ص 158). حين وصلا الدار تمنعت، ولكن.. كان بحزمه جاداً وصادقاً، فاستجابت.. فصعدا السلم، ودخلا الغرفة، بعيداً عن فضول عيون نزلاء الدار.. فكان الحب المشبوب.. "كنا شبحين وسط عتمة حطَّت سريعاً، ولمَّا حاولت أن أدير مفتاح الضوء، أشارت بإصبعها أن أترك ذلك.. آملةً أن تخفف الظلمة من حرج قد يعتريها وهي تقشر نفسها أمام عين غريبة". (ص 160). ويتساءل يحيى مع نفسه: ما سرُّ وجعي بكِ، يا امرأة؟!. وهل كان يحيى يحتاج إلى مثل هذا السؤال أو جواب عنه..، بعد ست سنوات من اليباب والتصومع!..       
يصف يحيى لياليه الثلاث بجمالية رفيعة وأدب رشيق ولغة الغزل المباح، وكأننا في إحدى ليالي ألف ليلة وليلة المليئة بالعشق والوله بين جسدين مشبوبين. كتب عاشقنا الحزين في مسرة نادرة "أمسكت كتفيها، لأردع جسدي، كي يكف عن فضح ضعفي.. فإذا بجسدها، هو الآخر قد تصلب وراح يختضُّ، شفتها السفلى ترتجف، كأنها تتمنع.. مررت بأناملي فوق رمانتيها، رق لحمها، فانحل جسدها.. جسدان مرتبكان، يستظلان أحدهما بالآخر.. تضاءلت الخيارات بعد أن زال "الحجاب"، الذي كنا "نسترذل" تحته حاجات الجسد ونعرض عنه". يصف يحيى ليلاه "أرخت يديها من حولي كأنها تريد أن تعبَّ مزيداً من الهواء في صدر اعتصرته بقوة لا شعورية، فانفلت نهدان مذعوران، يبحثان عن دفيئة يلوذان بها.." (ص 163) أما عن نفسه فيقول: "ضممتها إلىَّ، كان عطرها ثرثاراً.. رحت أتهجى كل تفصيل فيها، لم تبد ممانعة.. أحسست بأنفاسها تلفح وجهي، وبتموجات تنبع من مغارات اللذة.. عندما أسندت رأسها على كتفي، تريدُ أن تنوش بلسانها شحمة أذني! غرقت في طوفان مدوخ من خليط عطور....، أمسيت فاغر الفاه.. هرب صوتي وحل صمت يحاور كلمات لم أتفوه بها..". (ص 163) لقد قطف يحيى ثماراً محرمة.. ما أحلاها..
لقد اقترن الحب بالمداعبة والشقاوة المحببة، لقد أسكره الحب دون خمرة. كان الحب خمرة الحياة! إذ بدونه لا حياة.. لم ينعم برحلة الحب الجميلة سوى أيام ثلاثة، أجبر بعدها على شد الرحال، إلى مدينة زاهدان في طريقه إلى أفغانستان. فماذا واجه في هذه الرحلة وكيف عاشها وكيف وصل إلى برلين؟ هذه كلها سأتطرق إليه وبكثافة شديدة في الحلقة الخامسة والأخيرة من هذا الاستعراض المكثف لكتاب يحيى علوان الشيق فشكراً له على هذه المتعة التي وفرها لي لقراءة كتابه..   
   

                     

25


كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.
(3-5)
مطارد بين "الله" والحدود
هذا الجزء المهم من الكتاب يتضمن نصوصاً عديدة، بعضها تتجلى فيه الفرحة الغامرة والنشوة، وبعضها الآخر يعكس الحزن الذي يهيمن على الإنسان، حين يتحول الحلم الجميل إلى وهم جارح يترك ندباً كثيرة. وفي هذا الصراع المرير بين السعي لتحقيق الحلم، وبين تحوله إلى وهم، ولاسيما عند السياسيين، يتجلى في مجرى الحياة اليومية للإنسان، والتي عبَّر عنها يحيى علوان بلغة رقيقة تبعث على التفكير وتشيع البهجة أحياناً، رغم ما تحمله في ثناياها من حزن شفيف، ومصاعب جمة مرً بها الكاتب ذاته، وعاشها لحظة بلحظة، وتمرمر بها كثيراً. فحين يتحدث عن قرار صدر قبل عامين ونصف العام بـ "تسريحه!" من حركة الأنصار الشيوعيين للسفر إلى برلين للعلاج ولقاء العائلة، والاتصال من جديد بالمدنية والحضارة وعالم الكتب الحديثة، لتجديد الفكر وتنشيط العقل والروح وتغيير ما ترسب في النفس من أفكار عقيمة أو مرهقة، ثم لا ينفذ القرار إلا بعد عامين ونصف العام، خلالها يتحول الحلم إلى وهم مستمر ضاغط يرهق الإنسان ويلعن حظه العاثر. يقول يحيى بلغة أدبية مأزومة "قم فمن نجا من الموت ليس بالضرورة أفضل حظاً، على الدوام، ممن ماتوا..، قم اسحل جراب أحلام لم تصبح مستهلكة بعد.. حدق بعيون رعاة النسيان، استقرئ صمتهم الفاجر.. وانتبه، قد يجفل من خطوك القطا، يدثّر فراخه بالظنون!.. خذ المفتاح.. بأناةٍ ادخل حصن التيه، هاجسك عكازك.. حيث الغموض مسجى في الزوايا النائمة!... خذ عصاك تتوكأُ بها على زمنٍ مراوغ.." (ص 94)     
حين يشعر الإنسان أن ظلماً يلحق به يومياً، دون أن يجد له سبباً يبرره، عندها يعجز العقل وينهك الجسد على تحمل البقاء في المكان الذي هو فيه، خاصة حين تطرح ألف ذريعة وذريعة مراوغة لتسويف "التسريح!"، وحين يرى بأم عينيه كيف يغادر كثيرون الموقع دون رجعة. يقول يحيى بوجع، رغم غبطته بخروج الآخرين: "ستمر أمامك "قوافل"، تعبر لـ"العلاج"، ولا تعود..! ولأنكَ "منضبط" وتخجل لأن هناك غيرك ممن جاءوا قبلكَ إلى هنا، لن تسأل.. ولهذا أطلق الكاتب عنواناً فرعياً لهذا النص ليعبر عن هذه الحالة "التي هو فيها "مزلقة الوهم تبدأ بالتمني!..". ما زلت أتذكر خريف عام 1984، وأنا أرى مصاعب السير عند يحيى بسبب الركبة، إلحاح "أبو نسيان" بمغادرة الموقع، حين قدمت طلباً للمرة الثانية، دون إبلاغهما بذلك، لتجنب الإحباط المحتمل حين لا يأتي أي جواب، أؤكد فيه ضرورة مغادرتهما إلى برلين وبراغ. وكانت ثلاثة أسباب وراء هذا الطلب: الصحة العليلة والعائلة وضرورة تجديد الفكر والحيوية وطول الفترة، إضافة إلى الرغبة. وقيل لي بأن الطلب يدرس من جانب المكتب العسكري والمكتب السياسي! غادرت الموقع في نهاية خريف العام ذاته. وعلمت أثناء المؤتمر الرابع للحزب 1985 بأن الموافقة قد تمت على الطلبين. ولكن لم ينفذا إلا بعد فترة طويلة حقاً! يقول يحيى علوان بهذا الصدد: "عامان ونصف العام سينقضيان على قرار سفرك.. لا الشهر القادم أتى، ولا الثاني والثلاثون.. وستظل تنتظر". (ص 95).
عجيب وغريب أمر من يصبح مسؤولاً عن مجموعة من البشر، فيسعى لكي يتحكم بحياتهم وأرواحهم، بل حتى بأحلامهم، ويعمل على تحويلها إلى أوهام. إنهم يسعدون بعذاب الآخرين! إنها السادية! كانت هناك عدة طرق لعبور الأنصار نحو الخارج عبر الحدود الإيرانية الأفغانية، وعبر الحدود الإيرانية السوفييتية، وعبر الحدود التركية السورية، إضافة إلى طريق الجو من طهران إلى دمشق، والذي لم يكن يستخدمه إلا من يملك جوازاً سورياً صالحاً. كل هذه الطرق كانت ممكنة مع صعوبات غير قليلة، وغالباً ما عرقل المسؤولون العسكريون عن القواطع خروج الرفاق بذريعة الحاجة لهم، والطريق "غير سالك"، أو غير "آمن"، وهم يعرفون إن الطرق كلها، بهذا القدر أو ذاك غير "آمنة"، رغم صدور قرارات من المكتب السياسي بخروج عدد غير قليل من الرفاق!! ليضرب الرفاق رؤوسهم بالصخر، لن نسمح لأحد بالخروج! لقد أثار هذا الموقف المتعجرف والمتصلب احتجاجاً عادلاً ولغطا مفهوماً، وأدى بالبعض إلى المغادرة على مسؤوليته الخاصة، فوقع فريسة في أيدي العدو الإيراني، زج به بالسجن وتعرض للتعذيب وبالشفاعات خرج البعض منهم. لقد صح قول البعض: من جاء باختياره، لا يحق له أن يخرج باختياره!! يقول يحيى علوان: "فاحت رائحة الليل ونداوة الوادي، كانت الساعات تطحن الزمن ولا تدري ماذا تفعل بنخالته.. إلى أين سيفضي بنا المسير عن بلادٍ ارتديناها عشقاً، كي لا يقتلنا زمهرير الشتات..؟! ستأكل أقدامنا الطرق، وبغبار المسير سنعبث بخرائط الحدود، وَلاّدة الحروب الحمقاء..!". (ص 101). هكذا كان وضع الرفيق أبأ علياء، إذ كتب يجسد هذه اللوحة بألوانها الداكنة: "سلام على حُمَّاكَ ورجفة قلبك يوم أبلغوك بقرار سفرك للعلاج ولقاء العائلة، ما أن تصبح الطريقُ سالكة..."، سنتان ونصف حتى أصبحت الطريق سالكة.. ثم يقول: بأسنانك ستقضم الهواء والثلج، كي ترى اللامرئيَّ، مستعداً ستكون لتصديقِ، حتى الكذبة، لأن الحلم يظل أحلى من تحققه علك تنوش غَدِكَ المُضرِبَ عن المجيءِ.." (ص 94).
كان الحزن يهيمن على الأنصار، وهم يرون كيف يموت الناس بأعدادٍ غفيرةٍ في الحرب المجنونة بين إيران والعراق.. وكانت اللعنة الأبدية تصب على رؤوس النظام الفاشي بالعراق حين غزا إيران وبدأ به الحربَ ضدها... ولكن اللعنة تحولت ضد إيران حين حررت أرضها، وحين رفض "الملالي" إيقاف الحرب، وبدأت القوات الإيرانية تحتل أرضاً عراقية، بدأت شفلاتها وجراراتها تجرف الأرض العراقية في الجنوب والوسط وفي جبال كردستان. تغير الموقف. وحين يتحدث يحيى عن الحرب يقول: "غولٌ رهيبٌ هي الحربُ، خراب عميم بكل المعاني من دون زيادة أو نقصان، .. الحرب تندلع بمنتهى السهولة والحماقة، وتسيل دون لعثمة على شفاه المذيعين، تتصدر واجهات الصحف.. وما أن تطول حتى يهرب القراء إلى الصفحات الداخلية، لأنهم ألفوها وألفوا تهجيتها وتلاوتها.... هي ريح شرقية تهب من زمن اليباب، تبحث عن شجرة لتقتل كل خضرة، تجنن الطير، فيروح يبحث عن جناح، يهربُ لينقذَ ريشه..!" (ص 108). 
من كان مشاركاً في حركة الأنصار الشيوعيين، كان باستمرار، وأيا كان الموقع الذي هو فيه، مشروع شهادة، لا يدري متي يحصده الموت، بيد قناص وهو يسير عبر الجبال أو يتنقل بين القرى، أو بصليات نارية كثيفة عبر جندي في طائرة روسية سمتية. لقد استشهد الكثيرون على أيدي العدو، ولكن المصاب أعظم حين كان الاستشهاد يتم على أيدي من يشاركونك القتال ضد النظام. لقد حدث هذا حين حصل القتال بين پيشمرگة الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، حيث قتل عشرات الأنصار الشيوعيين وبعض الشيوعيات الباسلات غدراً برصاص الاتحاد الوطني، قتلوا حتى بعض الأسرى عندهم في معارك بشت آشان الأولى والثانية! يقول يحيى بهذا الصدد: "مشغولة هي الحرب.. لا تكترث لإضافتنا إلى فاتورتها.. من نكون نحن، غير نكرات تتلفع بأسماء "حركية" غفلة لا ماضٍ ولا مستقبل لها..؟! مجرد كائنات تشغل حيزاً من الحاضر.. مشاريع للذبح من قبل الأعداء، وحتى "الأصدقاء"..!" (ص 108/109). كانت هذه الحالة هي الأخرى جزءاً من واقع الحياة النضالية الأنصارية! يمكن ان تنجو من هذا الخطر أو ذلك وبعد سنين طويلة حين تبلَّغ بقرب سفرك، وحين تجد نفسك فعلاً في الطريق إلى "بنيتك"، تشعر بقدرتك على استنشاق هواءٍ نقي تمتع برؤية قرية كردية، "أشنوية"، التي تمر بها في صبيحة يوم مشرق. يصف يحيى هذه القرية: "ضوء صباح رخيٍّ، يغمر القرية فتضج بتظاهرة من أصوات دجاج وبقرٍ وكلابٍ ونهيق حمير. قرية تستيقظ على مهلها، تلون سماءها بأعمدة من دخان المدافئ/الطباخات.. تغوي بغفوة صباحية لذيذة، قبل صعود الشمس نحو قبة السماء." ص 109).     
يركب الحافلة في الطريق إلى طهرن. تراوده من جديد تلك الكوابيس الخانقة التي شقيَ بها وهو في موقع الإعلام المركزي، يوم حلم بأن ركب الحافلة لتنقله إلى بنيته الحلوة، ثم توقفت الحافلة في الطريق فينزل منها، وإذا بها تغادر دونه فيركض محاولاً الوصول إليها، فتبتعد فيسرع الركض، تتوقف وكأنها تنتظره، وإذا بها تسرع من جديد. يشعر بالغصة، بالاختناق، وكأنه يسقط في وادٍ سحيق لا قرار فيه.. يقول يحيى: "مثل ملسوع أقفز إلى باب الباص، أمسك بمقبضه، إذ حضر طيف زارني غير مرة في الجبل.. وما زلت أتذكره جيداً.. كنت أرى في المنام أنني في سفرة طويلة بحافلة كبيرة، ليس فيها مرافق صحية وأنا حاقن أريد أن أفرغ مثانة تكاد تطق.. وعندما يقف الباص في محطة للاستراحة... حين أنزل مع الركاب، تنطلق الحافلة، فأركض خلفها.. حتى أدركها في اللحظة الأخيرة لاهثاً، يابس الحلق، وقد علقت على شفتي بقائم شتائم.. ولكن لكم..؟ فالحافلة لبلا سائق...". وفي الطريق إلى طهران يتحدث يحيى مع نفسه فيكتب: "تُرى بماذا يحلم المسافرون النائمون في باصً، يقطُع بسكين ضيائه كعكة الظلام..؟! سأهمهم مع نفسي بكلام غامضٍ، يرن في صمتٍ، يَرِجُع بدوره إليّ..". (ص 113).                               
وفي نص أخر تحت عنوان "من قتل الزهرة في صدري..؟! يكتب بذاكرة ما تزال طرية بعد وصوله طهران. فكله شوق جارف، حب عارم لإبلاغ عائلته، لاسيما ابنته، بوصوله إلى طهران وقرب مغادرته لها صوب برلين، المدينة الثقافية التي تركها منذ ما يزيد عن ست سنوات عجاف! لقد مرّ بقرى كثيرة، ولكنه لم يتمتع منذ سنوات بمدينة كبيرة كطهران فيقول عنها: "طهران تستيقظ مثل تنينٍ رهيبٍ، مصحوبة بزفة من ضجيج، لا يهدأ إلا سويعات قليلة آخر المساء.. فعند الفجر يستيقظ مؤذنو المساجد، يرتدون، على عجل أقنعة التقوى، دون أن يؤدوا غُسل الجنابةِ! يستلون ميكروفوناتهم من حضن الليل، طلباً للثواب.. فيعلو الضجيج، يرتعد في نومه الرضيع.. ثم لا يلبث أن ينتصر على فزعه فيروح يتمطق بثدي أمه، أو يرضع إبهامه.. طوفان مخيف من الحافلات والسيارات تملأ ميدان ئازادي والشوارع، التي تصب فيه وتتفرع منه..". (ص 123).
ترجل الكاتب على عجل من الباص ليبحث عن كابينة للتلفون ليتصل بمن يساعده على الوصول إلى برلين عبر الطرق الموازية ذات المخاطر المحتملة أولاً وليتحدث إلى عائلته يبشرها بوصوله إلى طهران وقرب مغادرته لها نحو برلين. وإذ سعد بالوصول إلى ضالته بطهران، انتكس مزاجه بقسوة الخيبة التي جوبه بها. يقول عن ذلك:
"كان لديَّ وقت كافٍ، كي أسفح ملل الانتظار بالذهاب إلى البريد وإخبار الأهل في برلين، أَني صرت الآن على الطريق ... ويلزمني بعض الوقت، حتى أصل برلين.. لأنني بدون وثائق، ووجودي في إيران غير شرعي، وقد يحدث مكروه يقلبُ كل الخطط!..". (ص 128). فكيف كان الفعل ورد الفعل؟ الفعل لم نقرأه لدى يحيى، ولكن ردّ الفعل الذي جوبه به يفضح الفعل ذاته: يقول يحيى: "ترنَّحتُ ودارت بي دائرة البريد، لما خرجت من سماعة التلفون، هراوةٌ انهالت على سمتي.. مصحوبة بعواء ٍ وبذاءات ٍ تركت في الأذن صريراً يبعث على الغثيان.. شب حريقٌ في صدري، خرجتُ، تقيأت دماً، بفعل المذبحة، التي نشبت بداخلي.. جلست على درجات البريد أعبُ هواءً بارداً، أختض من هول الصدمةِ.. كنت قد وطّنتُ نفسي على جفاء وعتبٍ، وبرودةٍ.. إلاّ هذا الكم من الصَغارِ والحقد!..". (ص 129). 
يقول يحيى بكلام عذب وفيه الكثير من المرارة لجفوة وشتائم لا يستحقها: "يا مفيستو، أنا لم أكن باحثاً عن ذَهبٍ أو مجٍد وشهرةٍ، ما كنت صيادَ فرصٍ للنجومية ولا اعتلاء عرش بطولة!.. بوصلتي هذا الضمير، الذي لا أملك غيره.. كنت أسعى، مع كثرة من الصحب، دماؤنا على راحات أيدينا، وراء حلم بوطن خال من الذل والقهر.. وطنٌ نليق به ويليق بالكل!.. ما كنا بحارة خسروا كل شيءٍ في ملاهي مرافئَ نائيات.. ألهذا أستحق كل هذه البذاءات الرخيصة والشتائم؟! لست أنا من يستحق ُّ الشتيمة !.. غيري في أغلب الظن!..". (ص 131). حتى بعد كل هذا كان يحيى رئيفاً بغيره! (ويشير الكاتب يحيى علوان إلى أنه استعار شخصية مفيستو من"فاوست الأيرلندي" لداريل لورنس. عند داريل – مفيستو – ليس شيطاناً ورمزاً للشر، بل رمزاً للذكاء والفطنة والألمعية والأناقة، خلافا لما صوره ملتون وكريستوفر مارلو وحتى غوته.)
يحيى علوان، الذي وطَّنَ نفسه على الألم، أحس بسكين غرز في صدره.. جرح ينزف.. راح يصرخ كالملچوع بسیخ (سفود) محمر، متوهج، حارق: "بنيتي، هذا المساء.. وكل مساءٍ يحمل ُ إليَّ غمّي، الذي يسكن الصدر، في الحنجرة.. يضيق المكان.. يقل الهواء، فأشعر أني أختنق، فأصرخ.. أسمع صوتك فأهدأ.. لكن المسافة تبقى بيننا، امسحها بالحلم.."، ثم يهيم على وجهه في دروب طهران أو يستقر في الغرفة يعيش وحشته، يتساءل بحسرة: أين أنتِ الآن؟!.. لهفتي عليك!.. أنتِ التي دوماً أنادي دون أن يأتي صدى منها، لكنها تسكن وحدتي/وحشتي الظمأى إلى شيء قليل من ندى جسد ٍضممت فظلَ يحرقني في كل نبضة.. اقتات بها في زمن يمضي سريعاً, دون أن يمضي بها .. لأنها في سمائي، في هوائي..". (ص 142). وهكذا حُرم المناضل الذي قضى جل عمره حتى الآن في الدفاع عن قضايا الشعب، وقضى ست سنوات عجاف يحرم من صوت ابنته، من رؤيتها، وتحرم هي من حنان ورعاية الأبوة.. إنها محنة الإنسان الذي يحمل في وجدانه وضميره قضية شعبه!!
                                       




26


كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود، اسم الكاتب: يحيى علوان، دار النشر: الفارابي، بيروت – لبنان، سنة النشر: 2018، عدد الصفحات: 415 صفحة.
(2-5)
رَكبُ الخردَل..
.
المدخل للنص
في هذا النص الأدبي الحزين والمكثف يسجل يحيى علوان ما وقع لحركة الشيوعيين الأنصار في صيف عام 1987، وبالتحديد في الرابع والخامس من حزيران، ومن ثم في فترة لاحقة. وما تعرض له الشيوعيون في هذه الفترة، كان جزءاً من هجوم همجي دموي وفاشي شنته قيادة النظام الدكتاتوري البعثي بقرار من صدام حسين على كل الحركة الأنصارية والپيشمرگة وشعب كردستان بكل قومياته، في حملات أطلق عليها بـ "حملات الأنفال"، التي تحولت في الفترة بين عامي 1987 و1988 إلى عمليات إبادة جماعية عنصرية مريعة، حيث استخدم فيها السلاح الكيماوي، بما في ذلك كارثة مدينة "حلبچة"، حيث أُطلق النظام على السلاح الكيمياوي في تقارير الاستخبارات العسكرية العراقية مصطلح "العتاد الخاص"! لم تكن حلبچة وحدها هدفاً للسلاح الكيمياوي، بل مناطق أخرى من الإقليم، ومنها بهدينان! 
 لقد شنت مدفعية النظام وطيرانه الحربي موجات من القصف المدفعي والجوي بالقنابل الانفلاقية والعنقودية وبالسلاح الكيماوي على مقرات الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني في منطقة بهدينان، استخدم فيها غاز الخردل على مدى يومين سقط فيهما ثلاثة شهداء للشيوعيين و125 جريحا ومعوقاً، وفي الحملة الثانية سقط ثلاثة شهداء أيضاً، منهم أبو الوسن، إضافة إلى عددٍ آخر من الجرحى والمعوقين. وعانى الجرحى فيها من إصابات شتى، فمنهم من أصيب بعمي موقت، ومنهم من لم يعد قادراً على التنفس، ومنهم من لم يعد قادراً على السير، وكان بين المصابين نصيرات وأنصار.
كانت الدلائل كلها تشير إلى أن النظام بدأ باستخدام جميع ما لديه من أسلحة هجومية وسلاحه الكيمياوي المحرم دوليا، مثل غاز الخردل وغاز السارين، ضد قوات البيشمركة الكردستانية والأنصار الشيوعيين والسكان المدنيين في مختلف محافظات إقليم كردستان، وأنه سوف يشمل بهذا الهجوم جميع المناطق دون استثناء. ومع ذلك لم تتخذ قيادة الحزب والحركة الأنصارية الاستعدادات الضرورية لمواجهة احتمال توجيه ضربات كيماوية ضد مقرات الحزب الشيوعي في قاطع بهدينان القريب من الحدود التركية، وكذلك ضد مقرات قوات الپيشمرگة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني. فعلى سبيل المثال يشير أحد المقالات الذي كتبه النصير فائز الحيدر، وهو شاهد عيان، إلى ما يلي: "..، ومع الأسف لم تتخذ أية اجراءات احتياطية بعد أن قام الطيران بمهمته وهو يحوم حول المقر، وواصل القاطع اعماله الاعتيادية لليوم التالي وكأن شيئا" لم يكن !!!!، بالرغم من أن القاطع قد امتلأ بالرفاق من أعلى المستويات الحزبية والمواقع الأنصارية جاءوا الى بهدينان لحضور اجتماع المكتب العسكري والسياسي للحزب". (فائز الحيدر، قصف قاطع بهدينان بالأسلحة الكيمياوية، موقع الناس في 30/04/2007). وكانت الحصيلة كارثية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان. لقد جاء في كتاب للاستخبارات العسكرية العراقية برقم (12703) وبتاريخ 10 حزيران/يونيو 1987 بهذا الصدد ما يلي:         
"تم توجيه ضربة جوية بـ(العتاد الخاص) الى مقر الفرع الأول لزمرة البارزاني في منطقة زيوه الكائنة شمال شرق العمادية- محافظة دهوك والتي يتواجد بالقرب منها مقر القاطع الشمالي (قاطع بهدينان) لزمرة الحزب الشيوعي العراقي العميل وكانت الضربة مؤثرة وان خسائرهم 31 قتيل و100 مصاب". (راجع: کورديپيديا - عمليات الأنفال، الجزء السادس - Kurdipedi).
*****
عن النص
اختار يحيى علوان هذا الحدث الإجرامي "رَكبُ الخردَل: من بين مجموعةٍ كبيرةٍ من الأحداث التي مرت بها حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين، وهي التي بدأت في نهاية العام 1978، ليكتب نصاً أدبياً جامعاً، يتضمن رؤيته الثاقبة والمتحررة من قيود حزبية ثقيلة، ولكن بوعي ومسؤولية عاليتين، عن جملة ظواهر في إطار حركة الأنصار. كتب النص بوجعٍ ممضِ، وبكاءٍ صامتٍ، ودموع حبيسة، وحزن ثقيل، على تلك الضحايا الشابة التي طعنها الجلاد في لحظات قليلة، ثم وضع يحيى يده على مكامن الخلل التي رافقت العمل الأنصاري: غياب المعرفة العسكرية لدى "الجنرال"، رغم "عصاميته!"، نقص المعلومات عن حركة وأساليب العدو، سوء الإدارة والتوزيع العقلاني للقوات، قصور في الوعي، وضعف في الحذر واليقظة، ثم تحدث عن أجواء الاستخفاف بالعدو والغفلة أولاً، وضعف الثقة والخشية من احتمال بروز تطير يمكن أن يصيب الأنصار ثانياً، رغم أنهم جاءوا إلى هذا المكان بإرادتهم، أو تحت ضغوط حزبية نفسية، وهم مع ذلك كانوا يدركون المخاطر الجمة التي ستواجه وجودهم على أرض معركة ساخنة لا رحمة فيها من جانب العدو، ولا نكوص عن المسيرة! ثم يتطرق وبسرعة خاطفة، إلى أهمية الموضوع، لما كان عليه الموقف الأممي المصلحي من تلك الأحداث! لقد كتب يحيى علوان نصّه الجديد "رَكبُ الخردَل" على وفق معايشته الشخصية لهذه التجربة الحزينة والأليمة في آن!   
بعد مرور عشر سنوات على تشكيل حركة الأنصار الشيوعيين، لم تحقق الحركة انتصارات ملموسة تعيد البهجة لنفوس المقاتلين، بل كان لسقوط المئات من الشهداء في معارك داخلية، بين پيشمرگة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وپيشمرگة الاتحاد الوطني الكردستاني، المتنازعة بالدم على الموقع الأول، تورطت بها قوات الأنصار الشيوعيين، وأكثر مما استشهد في معارك ضد العدو الصدامي، ترك أثره البالغ على نفوس ومزاج المناضلين، الذين كانوا يحملون رؤوسهم على راحات أيديهم في كل خطوة يخطوها في جبال وأرياف وسهول كردستان العراق. اغلب المشاركين في حركة الأنصار الشيوعيين كانوا من المثقفين والدارسين ومن حملة الشهادات العالية والكوادر العلمية والحزبية المتقدمة. وكان هذا أحد أسباب تعيير الأنصار بأنهم غير قادرين على تضبيط حمولة بغلٍ، حتى قال، وما زال صوته يرن في أذني كمطرقة رعناء، الرفيق أبو يعقوب: "الرفيق اللي ما يعرف يشد بغل، شلون راح يگدر يقود شعب!". أو حين جئت مسؤولاً حزبياً عن قاطع بهدينان قال لمن حوله من الرفاق "أهوووه، هاي شلون شغله، چان عدنة مثقف واحد ما خلصانین، شلون راح نگدر اندبره مع مثقفين اثنين!!".. كتب يحيى علوان عن هذه الحالة الجارحة: "يا بُنَيَّ لا تقص رؤياكَ على أحد ٍ.. "فتصير جباناً..!" في زمن يعتدُّ بشجاعة الجهل.. يَستعذب رؤية خبير فيزياوي، أو مثقف، يحار في تضبيط حمولة بغلٍ، ربما لم يشهده من قبل..! "هكذا، هم المثقفون!.. لا يحسنون غير الثرثرة،.. والتسيب".. مقولةٌ يتمطق بها "الأميون " دفاعاً عن مواقعهم". (ص 75). إنه بذلك سجل ظاهرة وجود المثقفين في وسط جمهرة من الفلاحين، في وسط ثقافي ريفي.. أطلق رافضو وجود أنصار مثقفين تسمية "دجاج مصلحةً" لصعوبة سيرهم في الجبال أو لنزاكتهم، وبرهنوا عملياً غير ذلك..! ثم يعود الرفيق يحيى علوان ليذكر بالمصير المشترك المحتمل للمثقف والفلاح، للمتعلم والأمي في المعركة التي يخوضونها سوية في مواجهة عدو يتربص بهم جميعاً فكتب: "لا تُفسد أحلام صًحبٍ، جاءوا مثلك، على فراش من حُلمٍ، يسترجعون زهواً، افتقدوه في شتات، موحش.. على أمل عودٍ يرمم ما خلفه الغياب.. سيموتون مثلك مكفنين بالحنين إلى تلك المواطِنِ.. قد يعيش أطفالهم ويموتون كذلك على ما سيرثونه من حُلُمٍ.." (ص 75).
وأمام هذا الحشد الهائل من الشهداء والجرحى يتساءل كاتبنا المبعد عن هذا القتل المتعمد والمجنون لشباب بعمر الزهور، لا يملكون غير حبهم لهذا الوطن المستباح بالاستبداد والفاشية والعنصرية، وباستخدام السلاح الكيمياوي: "ألأننا تجرأنا على الحلم ببقعة ضوءٍ، رَدَّ العدوُّ علينا بمنجنيقٍ يَسعَلُ "خردَلاً" وتنينٍ يتجشأ لهباً..؟! (ص 75). كانت هناك خشية بعد أن حامت طائرات العدو فوق رؤوس الأنصار تهددهم بمصير كالح، يقول الكاتب: "التوجسُ منشغلٌ بتحضير بطاقات دعوةٍ لمآتمَ، ستقامُ على من نَخَرَ "الخردَلُ" أجسادهم، ونَسيَ "التاريخ" أن يفرد لهم صفحة.. لأنهم أناس عاديون، ومع ذلك لم ينتصروا.. حتى على "أقدارهم"..! (ص 77). وإذا كان الأمر كذلك، فَلِمَ لم تُتخذ الإجراءات اللازمة من جانب المسؤولين لحماية من لا حماية لهم غير أنفسهم. كتب يحيى علوان وهو يئن تحت وجع يعضه عضا: "انتصروا على مخاوفهم ورغباتهم فقط، كي ينقذوا المصيرَ من مصيره، لأنهم قرأوا كفَّ الأقدار، فقال لهم "الجنرال"..!، مثل تمثال متجهم صالب ذراعيه عند الصدرِ كي يمنع انكسار معنيات، هي صلبةٌ أصلاً.. "كلا هذه قنابل دخان ولا شيءَ آخر.. إياكم والمغالاة..! لأنها تثير هلعاً لا يليق بمناضلين..!". ويتساءل يحيى علوان: "ترى لماذا تصر "الألهةُ" على ألاّ تخطئ بحق غيرنا..؟! أَلأننا غررُ منضبطون". (ص 77).       
وفي أثناء حراسته، يوقظ يحيى علوان طباخ الفصيل لتهيئة فطور الأنصار، ويراقب من بعيد قدوم مفرزة، ربما إنها مجموعة جرحى الخردَل مع بعض البغال، الذين أخبر فصيل الإعلام بالأمس عن قرب قدومهم. يصف حال رفاق المفرزة: "..، "قافلة" تترنح على المنحدر باتجاهكم.. أهي قافلة "غجرٍ" من مهربين أم "مفرزة"..؟ الناظور سيحسم الموقف، قافلة تمشي الهُوينا، كأنها تهبط على سلم نازل من غيمة.. ثلاثةُ بغالٍ، مشدودة الآذان تتمايلُ بحذر، تنقل قائمةً، بعد أن تتأكد من ثبات بقية القوائم.. حَذَرٌ، ليتنا تعلمناه منها، على الأقل..! واحدٌ منها كان محملاً بما تحتاج إليه "القافلة/المفرزة" وآخران، على ظهر كل منهما شخصٌ، لم أتبين مَنْ هُما.. كانا أشبه بنائم يتشبثُ بخيطٍ صحوٍ هاربٍ.. كأن ملاكاً رحيماً يدفعهما من الظهر، يُنسيهما متعة "الألم" و"الخطيئة"!.." (ص 80). ثمانية راجلين، أو ما يزيد، يتساندون كأنهم سكارى".. مضرجين بما لا يمكن للناظور استبيانه من هموم.. يلملمون وجعاً، لا يكل عن التشبث برحيق النرجس.. وحزمة مواويل تناكف الغياب والنسيان..". (ص 81). لقد وصل الجرحى بعد مسيرة أيام أربعة من بهدينان إلى مقر الإعلام المركزي في خواكورك تنهك الصاحين!، وصلوا بأمل المعالجة. استقبلهم رفاق الإعلام، هيئوا لهم الماء والشاي وما توفر من فطور.. كانت أوضاعهم يرثى لها، يقول عنهم النصير يحيى علوان "كأن خزينهم من القوى أفلت صمام أمانه، فأندلفت طاسته دفعة واحدة لَمَّا وصلوا إلينا.. جلس البعض، وآخرون استطالت أجسادهم على الأرض.. وجوه سمراء كَدَّها الإرهاقُ، صفرة باديةٌ في بياض العيون، علقوا جراحاتهم في المآقي، إلى جانب غموض، أشبه بسؤال كبير يبحث في وجوهنا عن جواب لا نملكه. أنين هنا ونداء هناك.". (ص 84). فضوله الصحفي والإنساني، وبدونه لا يمكن أن يكون الإنسان صحفياً ناجحاً، يدفعه لمعرفة ماذا جرى، وكيف جرى، للرفاق الأنصار، وكيف هو إحساس أحد هؤلاء الثمانية الجرحى.. ذهب إليه وجده قد "تمدد تحت سقيفةٍ، كُنّا نسميها مجازاً بـ"المطعم"، لعلنا نُبقي على صلةٍ لنا بواقع أصبح رماد ذكرى، بفعل "التقادم" الزمني..! فضول شرس ينهشني أن أندس إليه، فأرى آخر ما أبصره.. أن أُطِلَّ على شموس ذكرياته.. ترى بماذا كان يَحلمُ!.. بي شوق أن أرى ألوانَ مراكب الرحيل مزركشة، جهزها الحنين للعبور..". (ص 85) ولكنه تراجع وتخلى عن فضوله، حين رآه منهكاً إلى حد اللعنة، "كان يعالج دوار شهيق متهالك، يليه زفيرٌ مهدورٌ.. متعثراً بأنفاسه، يشفط الهواء بمشقة مصحوبة بخرخشة في الصدر، مثل حمل صغير يستجلب ضرعاً جف..". (ص 86) خشي عليه من "عواء المدافع" التي لا قدرة له على منعها! 
وأمام هذه المآسي المتلاحقة يشير يحيى علوان إلى ما كان يجري بين النظام الفاشي والدول الاشتراكية وأحزابها الشيوعية، لقد سكتوا عما كان يجري من قتل وهدر دماء، وواصلوا تسليح الجيش العراقي في حربه ضد إيران، وضد الپيشمرگة، کما انهم واصلوا تسليح إيران ايضاً في الحرب المجنونة بين الدولتين، وتصرفوا بـ "براغماتية "أممية..!" آثرت نسيانهم، لئلا تَخرَبَ مصالحها الخاصة..!". (ص 80).                                   
 ينهي يحيى علوان هذا النص الحزين بكآبة المدرك للمأساة والمسؤول في التعبير عن خزين ذاكرته، ففيها حياة آخرين، إذ كتب يقول:
".. سأودع الريح.. إن سألتني "ماذا تحمل عني..؟" سأقول "غاز الخردَل"، "وقيعة "المروحيات وزجاجاً لا وظيفة له هنا، غير أن يتشظى..! سأحمل صولجان حزني، وأصيح: هنيئاً للعافية، فاتها أن تمسني بجناحٍ..! سأرفع رايةً من كلامٍ أبيض مطفأ، لا يحتاج إلى حماسة.. فها أَنذا أترك الشجر يتخبط في شرك الريح..".
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة 3-4
     


27
كاظم حبيب
قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان
 
عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود
اسم الكاتب: يحيى علوان
دار النشر: الفارابي، بيروت - لبنان 
سنة النشر: 2018
عدد الصفحات: 415 صفحة
1-4
مع بداية عام 2018 صدر كتاب جديد للكاتب والإعلامي العراقي يحي علوان، بعد أن كان قد صدر له قبل ذاك العديد من الكتب المهمة منها: "همس – الجثة لا تسبح ضد التيار" في العام 2003، و"تقاسيم على وطنٍ منفرد" نصوص نثرية في العام 2012، وكلاهما صدر عن دار كنعان بدمشق، وله ترجمات مهمة منها "المشط العاج" رواية فيتنامية (1969)، و"الفاشية التابعة" (1984)، نصوص ألمانية، و"حوارات المنفيين" لبرتولد بريشت (2002)، و"أيها القناع الصغير أعرفُك جيداً، للكاتب الغواتيمالي أوغستو مونتيروسو (2005).     
يتضمن هذا الكتاب عدداً من النصوص الأدبية المميزة، وضعت تحت عناوين لافتة مثل: وجع الذاكرة، وسجرت تنورا غَفَا، ورَكبُ الخردل، إلى نصوص سردية للذاكرة المتوجعة، مثل: مطارد بين الله والحدود، ورحلة الضنى، طهرن – مشهد، وفي كل من هذه السرديات الأدبية الجميلة ذات المضامين المحركة للفكر، عناوين فرعية أخرى.   
يضع الكاتب يحيى علوان في كتابه الجديد تجربته الشخصية المليئة بالأحداث والمفاجآت، حلوها ومرّها، أمام القارئات والقراء ويأخذهم معه في جولته المضنية التي استغرقت ست سنوات تبدأ في العام 1983 وتنتهي في العام 1988، حين سلك طريق العبور المعقد من سوريا عبر تركيا إلى إقليم كردستان العراق، ليحط هناك تلك السنوات المحيرة بين الوهم والحلم، ثم ليغادرها صوب طهران فمشهد (خراسان) في الطريق إلى أفغانستان، ومنها إلى موسكو فبرلين. قال عن هذه الذكريات أنها التجسيد الحي لوجع الذاكرة، إنها رحلة الضنى، التي لا تريد إلا أن تجد طريقها إلى الورق ومنه إلى وعي الإنسان، إلى القارئة والقارئ، ليتصورا مع الكاتب  وحشة الطريق ومرارة الأحداث وعمق التجربة وكثرة الأخاديد والأثار التي تركتها سني النضال على جسد الإنسان وروحه وقبل هذا وذاك على عقله. لقد كتب هذي النصوص بلغة أدبية رشيقة وحديثة مع أنه استخدام في أحايين كثيرة كلمات عربية قديمة غير متداولة أعاد لها الحياة بصورة جميلة. يقول عن هذه السنوات الست "بهذه النصوص سأحترقُ راضياً، قنوعاً!.. هي سفرُ تسللي، ستاً من العمرِ (1983-1988)، إلى وطني، ومنه.. وما استدعاه من تداعياتٍ وتهويمات.. تقترب أحياناً من أجواء كافكا، حين يكون المرء مطارداً، وسط تيه.. لمّا يكون ضعيفا، معزولاً، تحت رحمة المجهول.. خلواً إلا من غريزة النجاة.. ". (ص27).

قرأت الكثير من المذكرات التي كتبها أنصار شيوعيون، بعضهم حافظ على مواقفه، وبعضهم تخلى عن مواقعه الفكرية والسياسية وتحول إلى مواقع أخرى، بعضهم أجاد عكس التجرية وإغناء القراء وهم قلة. ولكنهم لم يبلغوا الشأو الذي بلغته تجربة الصديق والرفيق المناضل يحيى علوان، لم أقرأ هذا الكتاب الغني بأفكاره ومواضيعه ولغته الأدبية كأي قارئة أو قارئ لم يمرا بهذه التجربة الإنسانية الغنية، بل عشتها أيضا، بحلوها ومرًها، بغنى التجربة التي منحتني وفقر فرص النمو الفكري والجدب الثقافي، رغم المحاولات الجادة للمبدعين على تنشيط الحياة الثقافية، عشتها بكل معاناة المشاركين فيها، وأجريت بعفوية مقارنة بين معايشتين، أو تجربتين، تجربة يحيى علوان المؤلف، وتجربة كاتب هذا المقال. شعرت باحترام واعتزاز للمؤلف لصراحته وصدقه في التعبير عن أحاسيسه ومعاناته الإنسانية، في لحظات الإحباط والانتعاش، لحظات الألم والخوف ولحظات الشعور بالحيوية والشجاعة والإقدام..       
لم يمنحنا يحيى علوان فرصة التعرف الحميمي على ما خزنته ذاكرته من تجارب وأوجاع وأفراح شخصية وعامة فحسب، بل قدم لنا هذه الذكريات بلغة أدبية حديثة وجميلة، تجلت في صياغة لوحات فنية يمكن لأي رسام مبدع أن يحولها إلى رسوم تشكيلة بألوان الحياة ذاتها، بما فيها من ألوان زاهية وأخرى داكنة وبينية، بألوان قوس قزح أو ربيع الدنيا وخريفها. يقول عنها يحيى "إنها كتابة أدبية، فيها همسٌ وبوحٌ موجوعً، حتى وهي تصرخ أحياناً! نصوص مؤثثة بلغةٍ غير مستهلكة، لا علاقة لها بلغة الفاست فود الثقافي "Fast Food" التي تعج بها سوق الكتاب...! (ص 27). وهو في هذا على حق.
في مستهل الكتاب يتحاور الكاتب مع نفسه وقرائه عن وجع الذاكرة، عن العلاقة الجدلية بين الحلم والوهم، بين الحلم الممزوج بمخيال إنساني سليم، بما يمنح الإنسان الحيوية والدفء ودفق الحياة والتطلع إلى أمام، مما تتميز به الشبيبة، وبين الوهم الذي يتسرب إلى النفوس حين يكون الحلم في فراغ، أو بلا أدوات تحقيقه، حينها يتحول الحلم إلى سراب خادع، يُجهض الحيوية ويُنغّص على الإنسان طعم الحلم والحياة.
هنا لا يتحدث يحيى علوان عن حلم إنسان اعتيادي، بل عن حلم إنسان مثقف وسياسي، حمل معه الحلم الأبدي للإنسان، حلم الحرية والحياة الخالية من الاستغلال والعسف والجور والظلم، حلم التحرر من الخوف والجوع والحرمان..، حين شد الرحال ليترك الوطن الثاني ويلج من جديد الوطن الأم، وإذا به يصطدم بـ "جنرالات" خاوية، لا تعي معنى الحياة ولا تميز بين الوهم والحلم، وبالتالي لا تعرف، بل حتى إنها لا تعي أهمية التحري عمن يساعدها على توفير أدوات منع تحويل الحلم إلى وهم. إنها الكارثة بعينها.. لأنها ساهمت في فقدان الكثير من الشبيبة التي كانت تحمل ذات الأحلام وتعيش على أمل تحقيقها!
لا يتحدث يحيى، النصير الشيوعي المقدام، عن تجربته الذاتية فحسب، مع معرفته المسبقة بأن لدى الآخرين تجارب ذاتية أخرى متباينة، رغم ما يجمع بينها من مشتركات، بل عن تجارب تعد بالمئات بل بالآلاف لمناضلين ومناضلات من الأنصار الشيوعيين والشيوعيات الذين تسلقوا جبال كردستان قادمين من جهات شتى، من داخل الوطن المستباح، أو الذين نزحوا من الشتات العراقي ليعودوا إلى الوطن حاملين الكتاب بيد، والبندقية باليد الأخرى، مع حلم الخلاص من الذين حولوا العراق إلى سجن كبير، من الدكتاتورية والدكتاتور، من الفاشية التابعة! حين ينشر يحيى تجربته الذاتية، لا يصادر تجارب الآخرين، ويعتبرها إغناء تصب في خزين الذاكرة العراقية، إذ يقول: "في هذه النصوص، عندما يحضر المتكلم بقوة، فأنه ليس ضمير المفرد المتكلم بالضرورة. إنها "مركزية السارد".. كلامُ يجري فيه التعبير عن "الكل" بـ "قاموسٍ ومفرداتٍ" شخصية.. ذات جديدة مُجربة، لديها ما تقوله عن تجاربها بلغتها الخاصة، غير " البائتة".." (ص 28).               
يتحدث يحيى عن تجربته الشخصية بلغة واضحة ودقيقة، بل محسوبة جداً، دون أن يؤكد إنها نهائية، بل هي رؤية ذاتية.   وهي قابلة للنقاش. إذ يضعنا وجهاً لوجه أمام سؤال كبير هل كانت التجربة ضرورية، وهل حققت الحلم أو اقتربت منه، أم عبرت عن وهم لم يحسب له حساب. وهو يطرح هذا السؤال دون أن يشعر بندم خوض التجربة، ولكن أهمية طرح السؤال تكمن في كون الحياة لم تنته، وهذه التجربة ليست نهاية التاريخ.. وهنا تكمن أهمية الصياغة الدقيقة والواعية للتجربة. والسؤال المشروع الذي يواجه كل قارئ وقارئة نصوص هذا الكتاب هو: هل أصاب يحيى بذلك صلب الموضوع؟ اعتقد جازماً بإنه قد أصاب في واقع الحال ما كان يفكر به، أو ما يزال يفكر به، كثيرون من الذين كانوا في هذه المدرسة الفكرية والسياسية ذات الرؤية والنظرية الصائبة، وفي ذات الوقت، ذات التطبيقات الخاطئة والسيئة، ليس كلها طبعاً، وفي الحصيلة اقترب، بل وأحياناً كثيرة، تطابق، لدى منتسبي هذه المدرسة، الوهم مع الحلم، إنها مدرسة مشتركة فكرية وسياسية واجتماعية مشتركة لم تجدد نفسها تماماً، ولم تصحح الكثير من أخطائها حتى الآن!! وحين يشير يحيى علوان إلى هذه المدرسة المرجعية يقول: "فقد انهارت فينا "المرجعية"، التي كانت تؤطرنا، تنظم العالمَ من حولنا، تزودنا بموقعٍ وهوية، مقابل أن نتخلى لها عن رأينا الشخصي...! تحطمت، وغدا كل منا له "مرجعية" لذاته، معيارها الصدقية.. ذلك أن التجربة قد غمرتنا، سحقتنا، فرحنا نمشي على "لحم أسناننا"، مما لم نتعوده من قبل.. (ص 27)
وفي النص المعنون "سجرت تنوراً غفا"، يطرح الكاتب بشكل غير مباشر مقارنة سديدة بين مناضلين أبوا إلا أن يحترموا كرامتهم ويصونوا كلمة المثقف، وبين من ركعوا للمستبدين، ممن ارتضوا تمريغ كرامتهم بالتراب، من سمحوا باستباحة فكرهم والدوس على مواقفهم بالنكوص عنهما والقبول بالعيش في سجن الدكتاتور ليحتسوا الذل وفقدان الإرادة ويحصدوا الذل والاستهجان، إذ كتب يقول: "ندري يا صوفي، أنَّ الاستبداد والإرهاب نوّخ الناس.. رضيت الغالبية بالصمت نطقاً واستراحت.. تتشرنق به لتواصل "العيش" الشحيح، في حين أنَّ زمرة من "النخب" باعت نفسها للحاكم لضمان العيش والمنصب!.. ولم يعد ذا قيمة أن يكون المرءُ مثقفاً مفكراً، مبدعاً أو عالماً إلا إذا كان في خدمة الحاكم يحرق له "البخور"!.. وهكذا أضحت القامات مسخاً، استسهلت أن يكون الرأس مَداساً لأقدام الطغاة..". (ص 36). وهنا تحضرني المسرحية التي كتبها الكاتب والصحفي المبدع ماجد الخطيب بعنوان "عاشق الظلام"، التي تتحدث عن مثقف بارز تخلى عن هويته الفكرية وصار جزءاً من مداحي الدكتاتور! لا أشك في أن النقد الذي يتوجه للمثقف الذي يتخلى عن فكره تحت ظروف قاسية عادل، ولكن يبقى الجلاد هو المسؤول الأول عن سقوط الضحية، الجلاد الذي وضع مثل هذا المثقف وغيره بين خيارين إما الموت أو الذل والارتزاق والتطبيل "للقائد الضرورة!". وهذه الظاهرة ليست عراقية بحتة، بل هي عالمية، ولهذا يميز الناس بين المثقفين، بين مثقفي السلطة الجائرة ومثقفي الشعب..   
من استخدم طريق العبور من سوريا عبر تركيا إلى كردستان العراق، وهم غالبية الأنصار الشيوعيين، كان عليه أن يقطع مسافات طويلة، وأن يحمل اثقالاً إضافية، ليس فقط ما سوف يحتاجه هناك من ملابس وحاجات أخرى بل السلاح والعتاد الثقيل، والمثقف كان عليه أن يحمل معه زاده من الكتب التي لا غنى له عنها، وكان البعض يسخر من هذا الحمل الثقيل.. كتب يحيى علوان "سأحمل معي، يا صوفي، كما تدري، مجموعة من الكتب والمصادر، أملأ بها حقيبة ظهرٍ كبيرة.. سيقول ر. أبو محمود (جلال الدباغ) ور. أبو حسن (عادل...): الطريق صعبة، تنهك حتى البغال.. وأنتم أول من سيسلكها.. ما حاجتك للكتب، نخشى أن ترميها في الطريق من شدة التعب، فيستدل العدو على الطريق الجديد...؟! سأقول لهما أني أحتاج إليها في عملي الإعلامي.. سيسخرون مني". (ص 64). ولم يرمها في الطريق بل حملها رغم أصابته برصاصة غير طائشة! لم يكن الطريق دون مخاطر سواء بتعرض الجندرمة التركية للقافلة حين يكتشفون وجود الأنصار، أو حين يعبر الأنصار النهر. وعبِرَ هذين الخطرين سقطَ شهداء لنا قبل أن يصلوا إلى هدفهم المبتغى. وكان يحيى علوان واحداً من المصابين حين جرح في ركبته بفعل قناص تركي أصابها بطلقة جعلته يتحامل على نفسه للسير بجرحه للوصول إلى الهدف. يقول عن ذلك وهو يتحدث إلى صوفي، دليل الطريق الذي استشهد على أيدي القرَقول التركي: "نعدك أنا سنسير.. فقد رَوّضنا جنوح الفتوة فينا بما ينسجم مع انضباط عسكريٍّ!.. لن نستريح عندما عن حملنا وأثقالنا الأرجل تعيا.. ليس مهماً كم سيطول بنا المسير، وكم عسيراً سيكون.. فلقد حملنا معنا، أيضاً زوّادة من الحماسة اللازمة، تعيننا.. نتقوت بها بغض الشيء عندما ترتخي أنشوطة العزيمة!" (ص 37/38). من مرّ بهذا الطريق يعرف معاناة رواده الشجعان، فقد كان الإرهاق، وكان الموت قاب قوسين أو أدنى منه، "عندما يصل الإِرهاقُ إلى أقصاه، تفرُ منك، حتى الأحلام.. تخذلك الذاكرة..، ويعجز الجسم حتى عن حمل أعضائه.."، ويستكمل الصورة حن يكتب: " وبما فينا من وجع فاض عن حدود القدرة الإنسانية، ولأن موتنا صار أمراً عاديّاً، سنجلس لا نقوى، حتى على تبادل النظرات..". (ص 53). في هذا الطريق اجبر الكثير من رفاق الدرب إلى رمي الكثير مما جلبوه معهم من ملابس وما يحتاجون إليه وما دفعوا عنه نقوداً، ألا السلاح الذي حملوه على أكتافهم، راحوا يجرونه جراً من شدة التعب. كتب يحيى علوان: "فهذا "سامي" سيغدو مثل صغير أنهكه الإعياءُ، راح يجرجر لعبته العزيزة (بندقية كلاشنكوف) وراءه، ومما به من ضجر وتعب، غدا يرمي "لعبه" الأخرى كيفما اتفق.. سنلتقط كل ما سـ"يتخفف" منه، شريطة أن يحافظ على العهد ولا يصدر نأمة تضيعنا جميعاً.." (ص 53). إنها الخشية من الربايا التركية التي سرعان ما تلتقط الأصوات ليوجه قناصوها نيران بنادقهم صوب المسيرة..
وإذا كان بعض السائرين على هذا الطريق قد استشهد فيه، والكثير منه وصل إلى مقرات الأنصار سالماً ومنهكاً، فهناك من جرح بنيران كمائن الترك، ولكنه واصل المسيرة حتى المقرات. وكان يحيى علوان واحداً من أولئك الشجعان المصابين برصاص العدو الجامح.. يقول يحيى علوان "سأعض على أوجاع ركبة أصابتها رصاصة من الكمين التركي أثناء العبور إلى الأرض التركية، سينفد ما لدينا من ماء، وتجف حلوقنا، وسيسأل كل منا من هو أمامه وخلفه عن شربة ماء.. حتى الأدلاء استنفدوا ماءهم.. وسنصاب بما يشبه الهستيريا لما اختفينا في كهف جهنمي، راح ينفث ما اختزنته صخوره اللعينة من حرارة الشمس طول النهار، حتى تمر دورية القرَقول التركي." (ص65). 
من لم يمر بمثل هذه التجارب، يصعب عليه تصور الحالة النفسية والجسدية والعقلية التي يصاب بها الإنسان، فالإحباط والحزن والذكريات الداكنة والكوابيس القاسية تتساقط عليه كزخات المطر، فتراه، كما عبر عن ذلك الإحساس يحيى علوان بقوله " أريد أن أدق باب أمي وأفرح لفرحتها بعودتي سالماً، مهشماً، وأعتذر عن الغياب... أتمدد على حصير فوق بلاط الحوش وأشبع نوماً وشخيراً، دون أن أزعج أحداً، أو يعكر نومي أحد... ولكن من سيحرس حلمي إذا نمت.. ؟! من يطرد الذباب عني والبعوض، لو حلمت أني أحلم.. أن ماتت أمي.. ؟! يا لوحشة أمي وخيبتها من بكرِها الغائبِ، حتى عن "صلاة الغائب" عندما يدخلونها القبر فلا تجدني بانتظارها.. ". (ص 70). 
وحين ينتقد الخط السياسي الذي اتخذ حينذاك، وحين يتابع أولئك الذين يقولون "لو أن الشهداء كانوا أحياءً اليوم، لما سلكوا مسلكاً آخر، ولاتخذوا الخط السياسي نفسه الذي قررناه.. !، "ليتساءل عن حق: "ترى من أين لهم هذا اليقين الصلد، يتجرأون به على من رحلوا.. ؟!، ثم يكتب بحرص المستفز "بي جوع أن أصرُخَ وأهتف بسقوط الذرائع والمبررات، كي أتحرر وأكفر عن ذنوب وسوءات لم أرتكبها.. !" (ص 50). إنها الغشاوة والجمود، التي تمنع من دراسة علمية معمقة لتجربة راحت وانتهت، ولكنها تركت خلفها الكثير الكثير الذي يحتاج إلى مراجعة وتدقيق! مع كل البطولات التي اجترحها الأنصار، ولاسيما الشهداء منهم، ومنهم الرفيق صوفي.
ابتداءً يرى يحيى علوان بعين ثاقبة أن هناك من سيقول: إن هذا النصير تعبٌ ونادمٌ عن مشاركته في النضال العصيب!، فيتدارك الأمر بوضوح ويكتب: "هي بالتالي ليست كتابةً نادمة على ما فات، بل نصوصاً مفتوحة، صببت فيها شيئاً من نزف الروح وما جفًّ من حبال الحنجرة.. عصارة ما جنيته من خبرة حياتية متواضعة.. أصبت فيها حيناً، وأخطأت أحياناً.. لا هي رواية ولا قصة، لا هي نص علمي.. بمعنى لا مكان فيه للاستدلال أو التوثيق.. بل هي نصوص أدبية تعرض لـجانب فقط من تجربة شخصية، لا تنفي غيرها..". (ص 26/27). 
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة 2-4



28
كاظم حبيب
إلى أين يسير النظام السياسي الطائفي الفاشل والكارثي؟
مرَّ ما يقرب من عقد ونصف العقد على تسليم قوى الاحتلال الأجنبي حكم العراق بأيدي القوى والأحزاب الإسلامية السياسة الطائفية بهدف إشاعة الصراع الطائفي والديني وعدم الاستقرار بالبلاد. وهذا ما حدث فعلاً لخدمة أهداف الولايات المتحدة بالمنطقة، التي استفادت منها إيران أولاً وقبل كل الآخرين. وكانت أعوام الحكم السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية وما تزال مليئة بالصراعات والمرارات والفساد والإرهاب، أعوام عجاف جلبت معها الموت والخراب والدمار وتعميق التمزق الذي أحدثه نظام الخيانة والعنصرية والحروب، نظام البعث وصدام حسين، أعوام سيادة الهويات الفرعية القاتلة وطرد وسحق سحق هوية المواطنة العراقية المشتركة والموحدة والمتساوية، أعوام تميزت بالنهب والسلب لأموال الشعب والنفط الخام من جانب حكامه وأعوانهم الذين يدعون دوماً الإسلام دينهم، ولكن الشعب نادى بصوت عالٍ ومسموع في جميع ارجاء العالم "باسم الدين باكونة الحرامية"، :وباسم الله هتكونة الشلاتية"!! وواحد من أبرز هؤلاء الحكام الذين مرغوا كرامة الوطن والمواطن بالتراب، إذ حقق معجزة عندما تحدث صادقاً وبصراحة تامة ولأول مرة في كل حياته السياسية حين قال، في مقابلة تلفزيونية نقلت على الهواء مباشرة بعد إزاحته عنوة من رئاسة السلطة التنفيذية في صيف عام 2014 وبعد اجتياح الموصل/ ما يلي: 
"وفي الحقيقة، المتصدين من السياسيين، والشعب يعلم، وأنا أعتقد، بإن كل الطبقة السياسية، وأنا منهم، ينبغي ألاّ يكون لها دور في رسم خريطة العملية السياسية في العراق.. لأنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، [وأنت منهم سأل الصحفي]، نعم، وأنا منهم، ينبغي أن يبرز جيل آخر بخلفية الوعي لما حصل وبخلفية الأخطاء التي ارتكبوها...". ولكن هل ابتعد هذا الرجل عن السياسة وترك الحياة السياسية لجيل آخر لرسم خارطة لعملية سياسية جديدة، أم ما يزال يعمل بكل السبل المشروعة وغير المشروعة من أجل تكريس الطائفية السياسية في الحكم وتكريس وجود ودور المليشيات الطائفية المسلحة في التا\ثير المباشر على مجرى الانتخابات القادمة. لم يتحدث نوري الملكي في تلك المقابلة عن أخطاءه الفعلية، عن ذلك الخطأ البشع مثلاً حين صرخ بشراسة في مدينة كربلاء بـ "أن الذين قتلوا الحسين ما زالوا موجودين ولم ينتهوا بعد، المعركة لا زالت مستمرة بين أنصار الحسين وأنصار يزيد، ..." وكان القصد من ذلك نشر المزيد من الكراهية والعداء لأهل السنة، الذين لا دخل لهم بقتل الحسين قبل أكثر 1400 سنة، ولكنه يريد أن يوحي للشيعة بذلك! وقد برهن في هذه الخطبة الرعناء عن طائفيته اللعينة بامتياز، وكان وراء الكثير والكثير من الكوارث التي حلت بالعراق خلال هذه الأعوام، وما حصل من قتل ودمار وفساد وإرهاب بالبلاد. فهل يمكن أن ينسى الشعب العراقي هذا الرجل الذي بث الفرقة والعداء في صفوف الشعب العراقي وساعد على تكريس النفوذ الأجنبي الإيراني بالبلاد في فترة حكمه وحتى الآن، والذي تم في فترة حكمه أيضاً وبسبب سياساته الجهنمية المريضة احتلال مدنية الموصل التي استبيحت، وكذلك استباحة بقية مناطق محافظة نينوى ومناطق أخرى من العراق من قبل عصابات داعش المجرمة. لا يمكن أن تكون ذاكرة الشعب العراقي هكذا قصيرة بحيث ينسى كل ما حصل له، ويسمح لهذا المستبد بأمره، ومعه طبقته السياسية الرثة، أن تُنتخب ثانية لتجلس على مقاعد مجلس النواب وتحكم البلاد بذات السياسات التي دمرت العراق وتسببت باستشهاد مئات الآلاف من أبناء وبنات الشعب العراقي، واستباحة وسبي واعتصاب النساء والأطفال وبيعهم في سوق النخاسة الإسلامي، باعتبارهم سبايا حرب ضد الكفار!!! لقد استفادت من وجود هذا الحاكم وعموم النظام الطائفي حيتان كثيرة اعتنت على حساب الشعب وموارده وكرستهم خلال الفترة المنصرمة بالحكم، وهو يعمل على استمرار وجودهم، ولهذا انبرى أحدهم وأكثرهم إمعةً ليقول للعراقيات والعراقيين في لقاء تلفزيوني إن مات فرعونهم "فسيستنسخونه ثانية، وبالنص "اذا مات المالكي نستنسخ خلاياه ونأتي بمالكي اخر يلاحقكم ..."، باستخدام نفس الطريقة التي تم فيها استنساخ النعجة دوللي في العام 1996، واستنساخ الصين لقردين لأول مرة في العالم في العام 2017/2018!!
كم أتمنى على أبناء وبنات العراق من كل القوميات أن يتذكروا دوماً قادة الأحزاب السياسية الإسلامية الطائفية التي مرغت كرامة الإنسان العراقي بالتراب وأفقرته بفسادها ونهبها، وقتل بناته وأبناءه بسياساتها الطائفية المقيتة والتي سمحت بالقتل على الهوية...الخ. كم أتمنى أن يستعيد الشعب العراقي روحه الثورية الطاهرة التي رفضت الحكام الأوباش وتصدت لهم عبر تاريخ العراق الطويل، فروحه النقدية ورفضه للضيم والظلم لا بد لها أن تتجدد وترفض الأوضاع المزرية الراهنة ومن تسبب بها ومن يحاول إدامتها. فالقوى الطائفية الحاكمة ما تزال تريد أن تجعل من الانتخابات القادمة مجالاً لعودة الوجوه الكالحة أو المماثلة إلى مجلس النواب مرة أخرى لتماس ذات السياسات الكريهة، من خلال طريقة احتساب الأصوات وعدم حيادية مفوضية الانتخابات القائمة على المحاصصة الطائفية، وامتلاك الأموال والحكم والدعاية الدينية ودعم دول الجوار للأحزاب والعناصر الطائفية المريضة فكرياً وسياساً واجتماعياً. فهل سيخذلهم الشعب العراقي، هذا ما يرجوه ويسعى إليه الناس الشرفاء بالعراق، هذا ما يسع إليه المدنيون والديمقراطيون والعلمانيون الأوفياء لفصل الدين عن الدولة والسياسة، والفصل بين السلطات الثلاث واستقلال القضاء والإعلام الرسمي، ورفض القوانين الجائرة بما في ذلك محاولة فرض قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي يريد اغتصاب القاصرات من عمر تسع سنوات، بل وكذلك "المفاخذة“ مع من هن في عمر الرضاعة، إنها شريعة الشاذين جنسياً المصابين بـ "“paedophiles، وهي مأساة مريعة للمجتمع العراقي الذي عمل بقيم ومعايير حضارية بعيدة كل البعد عن السقوط بمثل هذه الأمراض النفسية وهذا الشذوذ الجنسي، فتباً لكم من مرضى نفسيين، إذ لا يكون مكانكم إلا في دار المجانين وسجون المختلين عقلياً!! اقرأوا ما يقوله ولي الفقيه الخميني ويلتزم بها من جاء من بعده، الخامنئي ومن لف لفهما بالعراق مثل اليعقوبي وحزب الفضيلة:
يقول روح الله الخميني في كتاب "تحرير الوسيلة ما يلي:
"مسألة 12- لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى مع الرضيعة، ..."(الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، توزيع سفارة الجمهورية العربية الإسلامية بدمشق، ص221). فهل تريدون انتخاب مثل هذه الوحوش الكاسرة والفاسدة إلى عضوية مجلس النواب. إن مكانهم في الدول المتحضرة هو السجن أو دور المعتلين جنسياً!   
إن من واجب المجتمع أن يدفع بالنظام الطائفي بالعراق، نظام المحاصة الطائفية المخل والمعتم، وكل النظم المماثلة في مزبلة التاريخ لأنها لا تنسجم مع العصر الحديث ولا مع حاجات وطموحات الإنسان والمجتمع ولا مع القيم الإنسانية العامة والشاملة، إنه المكان الوحيد الذي يستحقه النظام السياسي الطائفي. إن الجواب اللائق عن السؤال الوارد في عنوان هذا المقال، ...إلى أين، هو إلى مزبلة التاريخ وغير مأسوف عليه!!!         
 



29
رؤى مختلفة ومتصارعة إزاء حق الشعب الكردي في تقرير مصيره
(4 - 4)
ما الموقف من القضية الكردية بتركيا وإيران وسوريا

تشير القراءة الواقعية والموضوعية لتاريخ العراق الحديث منذ بداية تأسيس الدولة العراقية إلى إن النضال المشترك للشعب الكردي مع الشعب العربي وبقية القوميات بالعراق، ولاسيما مع القوى اليسارية والديمقراطية التقدمية والمتنورين، قد لعب دوراً مهماً وجوهرياً في انتزاع حقوق مهمة للشعب الكردي، والتي تشكل جزءاً أساسياً وحيوياً من حقوقه العادلة والمشروعة التي حرم منها قروناً طويلة. لم تتحقق تلك المنجزات دون تضحيات هائلة من الشعب الكردي ذاته ومن الذين ناضلوا معه من بنات وأبناء القوميات الأخرى بالعراق. لم يتسن للشعب الكردي في بقية أجزاء كردستان، رغم نضاله البطولي والمليء بالتضحيات الغالية، في الوصول إلى ما تحقق له بإقليم كردستان العراق، لعد أن وجهت تلك الضربة القاسية لجمهورية مهاباد واعدام قائد الثورة ورئيسها الشهيد القاضي محمد.
وعلى وفق قناعتي، يعود هذا المنجز بالعراق إلى عوامل عدة، منها تلك اللحمة الوطنية والتضامن النضالي بين القوى والأحزاب الوطنية والديمقراطية والتقدمية التي تحققت بالعراق، وهو الدرس الذي لا يجوز نسيانه من جانب العرب والكرد وبقية القوميات. وهذا الاستنتاج الذي تؤكد حقائق الوضع العراقي يختلف تماماً عن الاستنتاج الذي توصل إليه الإعلامي الكردي كفاح محمود كريم، المستشار الإعلامي لدى رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، ورئيس الإقليم المستقبل، السيد مسعود البارزاني، الذي لم يجد ما يجمع بين الشعبين بالعراق، رغم عيشهم المديد لعشرات القرون والتلاقح الثقافي والنضال المشترك والتضحيات المشتركة في مدن وجبال كردستان وفي كل الأرض العراقية، بسبب معاناة الكرد من الحكام الظالمين. ففي مقال له نشر بعنوان: "كوردستان والعراق إلى أين؟" بتاريخ 22/01/2018، وصلني منه بالبريد الإلكتروني، كتب ما يلي: "...، لهذه الأسباب ولأن شعب كوردستان يختلف كليا عن شعب العراق عرقيا وقوميا وثقافيا وتاريخيا وحضاريا وجغرافيا، فإنه بعد أن فشل خلال قرن من الزمان في بناء دولة مواطنة، وأن يكون شريكا حقيقيا في كيان مختلق غصبا عن الشعبين، قال كلمته بشكل سلمي متحضر، وطلب أن يكون الشعبين شجرتين مثمرتين باسقتين، لا شجرة واحدة معلولة بثمار مشوهة، لكي يسود السلام بعيدا عن الصراعات الدموية والسياسات العنصرية والطائفية، وحينما قرر الاستفتاء على مصيره انبرت العنصرية والشوفينية والمصالح لقمع توجهاته، فضرب الحصار عليه أرضا وجوا لإذلاله وكسر إرادة شعبه وإبقائه تابعا منتقص الإرادة والحرية!". انتهى النص. (موقع العراق.نت)
إن في هذا المقطع خلط متعم للأوراق ووحيد الجانب، وفيه تشويه لبعض الحقائق حين لا يذكر الكاتب واقع التضامن مع الكرد بالعراق من جانب العرب وغيرهم، كما إنها تبدو وكأنها تريد صب المزيد من الزيت على النيران التي يراد إخمادها لصالح الشعب الكردي أولاً ولبقية العراقيات والعراقيين ثانياً. فما ذكره عن مواقف مسيئة للشعب الكردي قبل وبعد الاستفتاء كانت من صنع الحكام العرب، القوميين الشوفينيين والإسلاميين الطائفيين، ولاسيما من جانب نظام البعث الفاشي والقوى الإسلامية الطائفية الحاكمة بالعراق. لقد تحالف الحزب الديمقراطي الكردستاني في العام 1963 لإسقاط حكومة ثورة 14 تموز 1958، ولم تمض فترة طويلة حتى شن النظام البعثي - القومي العربي حرباً شعواء ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني، ولكن قبل ذاك ضد كل القوى الديمقراطية العراقية وأعدم المئات من قادة وكوادر وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي وقوى أخرى من بقية الأحزاب. إضافة إلى التحالف مع الأحزاب الشيعية الطائفية وإهمال الحركة الديمقراطية حليف الحركة التحررية الكردية منذ إسقاط دكتاتورية البعث بالعراق في العام 2003.
لا يختلف مع الشطر الأول مما طرحة السيد كريم أي إنسان عراقي عاقل وشريف يحترم انسانيته وحريته وعاش أوضاع العراق طيلة العقود المنصرمة أو قرأ عنها بإمعان. ولكن المشكلة في الشطر الثاني من الفكرة، إذ يؤكد بأنه ّلا يجد أي ثقافة وتاريخ وحضارة وجغرافية تجمع بين شعوب أو قوميات العراق! إن في هذا الكثير من الجحود، كما إنه بعيد كل البعد عن الحقيقة والتاريخ. ولا يتفق بالأساس مع موقف القوى اليسارية والتقدمية من حق الشعب الكردي في تقرير مصيره ومشاركتهم في النضال المجيد للشعب الكردي. إن مقالات من هذا النوع لا تنفع أحداً، ولن تقرب الكرد من تأمين الحقوق المنشودة، بل تعبئ المزيد من البشر ضد هذه الأجواء المشحونة بالتوتر والكراهية، والتي يسعد لها المناهضون لحق الشعب الكردي في تقرير مصيره. إن من واجب الكاتب والإعلامي الواعي لمهمته والمدافع عن حقوق شعبه أن يسعى لكسب المزيد من البشر إلى جانب قضية الشعب الكردي، فالتاريخ لم ينته إلى هنا، بل ما يزال طويلاً، ولاسيما في هذه الأجواء المشحونة بالعداء للشعب الكردي من جانب حكومات الدول الأربع، التي وزُعت عليها الأمة الكردية والأرض الكردستانية قسراً، وهي أرض تشترك فيها قوميات أخرى ايضاً، ومن جانب تلك الفئات الرجعية والقومية الشوفينية والطائفية المناهضة لحقوق الشعب الكردي وحريته واستقلاله. إن هذا الأسلوب في الكتابة لن يساهم في تعزيز وحدة النضال الملحة حالياً لصالح الخلاص من النظام السياسي الطائفي، الذي اُعتبر حليفاً للكرد سنوات غير قليلة انطلاقاً من التحالف الكردي-الشيعي تحت شعار المظلومية المشتركة، والتي نبهنا إلى خطأها وخطورتها كثيراً، ولم نجد أذاناً صاغية، إذ جرى التخلي عن التحالف مع القوى الحليفة الفعلية للشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة، القوى اليسارية واللبرالية الديمقراطية بذريعة ضعفها! السياسة علم وفن، ومن واجبنا أن نفهم ذلك، وهو علم وفن الممكنات أيضاً.
إن الوقفة الواعية والموضوعية المطلوبة حالياً ومن جانب كل المناضلين بالعراق هو التعرف على الأخطاء التي صاحبت المسيرة منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية عبر القوات الأجنبية والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وبدون مثل هذا الاعتراف بالأخطاء يصعب انتهاج سياسة سليمة تدفع بنضال الشعب الكردي بالاتجاه الصحيح. فأمام النضال العراقي المشترك، العربي الكردي وبقية القوميات، الكثير الذي يستوجب القيام به لتحقيق ما يسعى إليه العراق من إقامة نظام ديمقراطي علماني حر يوفر المستلزمات الضرورية لممارسة الشعب الكردي حقه في تقرير مصيره. فالشعب العراقي بأغلبيته وكل قومياته، ولاسيما العرب، ما يزال بعيداً عن وعي الحرية وعن التمتع بها، وبالتالي فهو ما يزال غير واعٍ لها، وبالتالي غير جاهز للنضال الفعلي من أجل منحها لغيره من القوميات، إذ هو لا يتمتع بها! وفي هذه الأجواء يمكن للحكام المستبدين ممارسة ما يحلو لهم في اضطهاد أتباع القوميات الأخرى بذريعة الدفاع عن وحدة الوطن، وهو في ذات الوقت يضطهدون أبناء القومية التي يدعون تمثيلها زوراً!! يجب ألّا يصاب المناضلون بالجزع، فثمن الحرية غالٍ وطويل ومليء بالتضحيات، وقد تعلمناه من الشعب الكردي وشعوب أخرى، وقد برهن على أنه لم ولن يصاب بالجزع، بل يواصل النضال لتحقيق المنشود، وعلى مثقفيه أن يعملوا على استنهاضه باستمرار وبأسلوب لا يدفع إلى الإحباط من خلال ترديد العبارات الثورية في غير وقتها ومكانها.       
نحن اليوم ومنذ سنوات كثيرة أمام واقع يؤكد تعرض الشعب الكردي في كل من إيران وتركيا وسوريا إلى هجوم شرس وعدواني من جانب النظم السياسية الاستبدادية والثيوقراطية في هذه الدول، ومن جانب الفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية، الإسلامية السياسية والقومية الشوفينية. فكل هذه النظم بالدول الثلاث، تشن حرباً إعلامية وسياسية وعسكرية ضد النضال العادل والمشروع الذي يخوضه الشعب الكردي في هذه الدول، والتي ترفض الاعتراف بوجود أرض كردستانية فيها، أو للشعب الكردي الحق في تقرير مصيره بنفسه، أو حتى الحصول على أبسط مستويات الحقوق مثل الحكم الذاتي والحقوق الثقافية، دع عنك إقامة الفيدراليات الكردستانية فيها. وهي تتدخل بفظاظة وعدوانية في شؤون الشعب الكردي بالعراق ووقفت إلى جانب الحكومة العراقية التي تصدت للاستفتاء واعتبرته تجاوزاً على الدستور العراقي وأيدت الحصار وكل السياسات المسيئة والمؤذية للشعب الكردي، في حين يعتبر موقف الحكومة العراقية الحالي تجاوزاً فظاً على الحق الأصلي، الحق في تقرير المصير لكل شعب من شعوب العالم، بما في ذلك الشعب الكردي بكردستان العراق.
واليوم يعيش العالم غزوا بربرياً تمارسه الدولة التركية، ورئيسها الدكتاتور العثماني الجديد، رجب طيب أردوغان، إذ تقوم القوات العسكرية البرية والجوية منذ عشرة أيام باختراق الحدود السورية وضرب الشعب الكردي ووحدات حماية الشعب الكردي، وكذلك العرب، بمدينة عفرين الكردية السورية والمناطق الجبلية التابعة لها. ولا بد لصوت الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي أن يرتفع بالتنديد بالسياسة العدوانية والدموية لحكومة المستبد العثماني الجديد رجب طيب أردوغان، والحكومة الإيرانية المؤيدة لهذه السياسة المدمرة والمنسجمة مع استراتيج القوى الإسلامية السياسية والقومية الشوفينية والعنصرية التي تستهدف تصفية نضال الشعب الكردي وإيقاف مطالبته العادلة بحقوقه العادلة والمشروعة، ومنها حقه في تقرير مصيره. علينا أن ندين سياسة الولايات المتحدة التي دعمت الكرد للخلاص من عدو مجرم، هي التي خلقته قبل ذاك، للخلاص من داعش بالرقة وغيرها، ولكنها لا تمنع الدكتاتور التركي عن غزو سوريا وضرب المقاتلين الكرد والشعب الكردي في عفرين ومناطق أخرى من سوريا والإعلان عن استعداده للتوغل حتى الأراضي العراقية، بل تتعهد له بوقف مد وحدات حماية الشعب الكردي بالسلاح دفاعاً عن نفسها! إنها السياسة الخاذلة والنذلة التي عرفت بها الولايات المتحدة دوماً إزاء المسألة الكردية ونضال الشعب الكردي في سبيل حقوقه المشروعة. فمتى نتعلم من الدروس التي تقدمها الحياة يومياً لنا جميعا!!!
       
   


30
الأخوات والأخوة الكرام
الصديقات والصدقاء الأعزاء
قررت لجنة المبادرة لوحدة الحركة الديمقراطية العراقية بالإجماع اصدار البيان المرفق بعد أن تفرق شمل تقدم باتجاهين أحدهما إقامة تحالف "سائرون"، وألاخر نحو قوى ديمقراطية وليبرالية، فأضعف الوحدة النسبية التي حققها تحالف تقدم. كما تقرر إرسال هذا البيان إلى القوى والأحزاب والشخصيات كافة التي التقى بهم أعضاء اللجنة أو تراسلوا معهم بصدد دعم التحرك صوب تحقيق وحدة أو تحالف القوى الديمقراطية، يسارية وليبرالية ومتدينين متنورين ومستقلين، لتبني برنامج تخوض على اساسه الانتخابات القادمة، ثم تعزز عملها  المشترك ما بعد الانتخابات لصالح تكريس منبر ديمقراطي مدني علماني مستقل لها. لكم خالص الود والتقدير
د. كاظم حبيب
منسق لجنة المبادرة لوحدة الحركة الديمقراطية العراقية
برلين في 28/01/2018



نداء لجنة المبادرة لتوحيد الحركة الوطنية الديموقراطية في العراق
في ضوء انحدار الأوضاع العامة في العراق وتكريس نظام سياسي طائفي متهري، يفضي إلى إقامة دولة دينية متخلفة ومستبدة؛ وفي ضوء مستويات جد بعيدة ومعقدة في خطاب الدجل والتضليل من جانب الأحزاب والقوى الحاكمة؛ كان لزاماً على قوى التنوير أنْ تتصدى لظاهرة تمزق مكوناتها المدنية والديموقراطية، وأن تدعو لاصطفافها معاً في إطار تحالفي يمكنه حمل رسالة التغيير الحقيقية بما لا يقبل الالتباس والاختلاط بدجل الخطاب الإصلاحي الترقيعي وما يخفي من تمرير مزيد خطى باتجاه الدولة الطائفية الاستبدادية.
لقد ظهرت مبادرات ونداءات لقوى وطنية ديموقراطية، يسارية وليبرالية، وأخرى تقدمت بها شخصيات ديمقراطية بمبادرة لتحقيق وحدة القوى الديموقراطية، تلك المبادرة التي استقطبت مئات الشخصيات المعنية بالتغيير الحقيقي. فعقدت اللجنة اتصالاتها مع مختلف الأطراف التي يتحقق عندها نقاء انتمائها لأوسع فئات الشعب وطبقاته الفقيرة وتلبيتها بناء الدولة الوطنية العلمانية المعاصرة. وكان هدف المبادرة ولجنتها تحقيق جبهة أو تحالف عريض بين القوى الوطنية الديموقراطية على أساس توجه تلك القوى نحو تلبية الشعار الأوسع انتشاراً وتلبية لمطالب الشعب متجسداً بـ "التغيير من أجل بناء دولة ديموقراطية تحقق العدالة الاجتماعية".
وقد تأكد هذا في حصيلة مفاوضات وحوارات طويلة ومعمقة مع تلك القوى التي أسست تحالف (تقدم) وأكدت ببيانه التأسيسي توجهها لتوسيعه واستقطاب القوى النظيرة التي أوصلت موافقتها المبدئية للجنة المبادرة. لقد حيّت لجنة المبادرة قيام تقدم واعتبرته خطوة على الطريق الصحيح لخوض الانتخابات وما بعدها. ولكنها لم تشترك في (تقدم) لأنها ليست تنظيماً أو حزباً سياسيا، بل كانت وما زالت داعمةً لنشاط القوى الديمقراطية لتحقيق وحدتها وتحالفاتها المنشودة.
إنّ الفكرة هنا، تلخصت في التمسك بأوسع تحالف يمثل بناة الدولة الديموقراطية الحديثة والتصدي للطائفية وللقوى التي تسعى إلى تكريس نظام المحاصصة الطائفية ووقف تداعيات نظامها المتجه نحو تكريس دولة ثيوقراطية (دينية مستبدة). وهو ما تطلب ويتطلب تعزيز وحدتها وتماسك مكوناتها باتساع وجودهم وباحترام تنوعه وتعددية رؤاه في إطار يتحدد بالقوى علمانية الخلفية، ديموقراطية النهج والتمسك باستقلاليتها الفكرية والسياسية.
ولجنة المبادرة تعد بمواصلة مشوار دورها المستقل لدعم كل الجهود النبيلة التي تبذل لتحقيق مهمة بناء جبهة ديمقراطية واسعة ومتماسكة لإقامة الدولة الوطنية الديموقراطية الحديثة التي يمكنها بحق تلبية هذا الهدف الشعبي الوطني النبيل.
لجنة المبادرة لوحدة الحركة الديموقراطية العراقية
27/01/2018


31
كاظم حبيب
رؤى مختلفة ومتصارعة إزاء حق الشعب الكردي في تقرير مصيره
(3 - 4)
خلاصة التجارب المنصرمة مع النظم الشوفينية والإسلامية السياسية

إن تجارب تقترب من عشرة عقود من عمر الدولة العراقية في عهديها الملكي والجمهوري أكدت، على وفق متابعاتي، ما يلي:
1.   إن الموقف السلبي العربي، دع عنك التركي والإيراني، من المسألة الكردية نشأ مع نشوء وتطور الدولة العراقية، هذا النشوء والتطور غير الديمقراطي في ظل الهيمنة الإمبريالية البريطانية على العراق، وبسبب التربية والتقاليد العثمانية الاستبدادية والرؤية القومية والدينية المتعصبة والقاسية والعنيفة في آن واحد. وانعكس في سلوك الحكام وأجزاء من المعارضة العراقية على امتداد الفترات السابقة. وزاد في الطين بلة موقف سلطات الاحتلال البريطانية الاستبدادي والاستعماري الاستغلالي من القضية الكردية وسعيها لتهميش الكرد في المنطقة ومنع إقامة دولتهم الوطنية المستقلة على أرض كردستان، والإصرار على تجزئتها وإخضاع "المتمردين الكرد!" لهم ولحلفائهم بالمنطقة. فالمواقف غير الديمقراطية والشوفينية، وفيما بعد العنصرية، والاستبدادية من قضية الشعب الكردي، حملت وما تزال تحمل معها رؤية فكرية وسياسية مؤسسية غير عقلانية شاركت فيها السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على امتداد العقود المنصرمة. وكانت حصيلة تلك المواقف مأساوية على الشعب الكردي وعلى بقية أبناء وبنات الشعب العراقي، كما كانت سبباً مهماً في إسقاط النظم غير الديمقراطية والمستبدة.
2.   وهذا لا يعني أن النظم السياسية التي وجدت بالعراق كانت كلها تسير على خط واحد إزاء المسألة الكردية، إذ برز بعض التباين عند النظم المختلفة، ولكن الموقف الجوهري من حقوق الشعب الكردي ومن حقه في تقرير مصيره، كان في جوهره واحد لم يتغير. ففي الوقت الذي استخدم الجميع العنف لإخضاع الشعب الكردي، تباين في مدى وسعة العنف في فترات العهد الملكي عنها في العهد الجمهوري الأول، ومن ثم عنها في عهد البعث الأول وعهد القوميين، وكذلك في عهد البعث الثاني، وأخيراً في ظل الحكم الطائفي الحالي، من حيث العقيلة الحاكمة واستخدام اللغة والأساليب والأدوات. أي إن الاختلاف برز في شدة وقساوة العنف وفي أساليب تنفيذه لا في وجوده أصلاً. والجدير بالإشارة إلى أن النظم السياسية اللاحقة وضعت سياساتها ومارست عنفها على وفق ما أرسي في العهد الملكي من سياسات ومواقف وأساليب التعامل مع قضية الشعب الكردي.
3.   أن الرؤية الأولى إزاء المسألة الكردية، التي أشرنا إليها، ليست قاصرة وعاجزة عن تحقيق الأهداف التي ترمي إليها فحسب، بل خاطئة وخطرة وتحمل معها خطاياها، وهي مليئة بروح الاستعلاء القومي والعدوانية والرغبة في الهيمنة والاستغلال، كما تعبر عن سياسة شوفينية لا تحترم حتى قوميتها، وأنها لن تقود لاحقاً إلا كما أدت إليه في السابق، أي إلى المزيد من هدر الكرامات والدماء والدموع والخراب والدمار الواسع والخسائر البشرية والمادية، وأنها لن تحصد سوى الريح العاتية، لأنها لا تنسجم مع طبيعة الإنسان وحاجاته وحقوقه المشروعة في حضارة وعصر القرن الحادي والعشرين، فـ"من يزرع الريح يحصد العاصفة". ومن المناسب أن نشير هنا إلى أن مجموعات من القوميين العراقيين قد أدركوا هذه الحقيقة وتبنوا رؤية أخرى أكثر ديمقراطية ووعياً بواقع العراق وحاجات الشعبين العربي والكردي والقوميات الأخرى. وهي وجهة سليمة ومنصفة وتدل على التعلم من دروس الماضي لصالح المستقبل. ونشير هنا إلى الحركة الاشتراكية العربية بالعراق التي يقودها عبد الإله النصراوي والدكتور قيس العزاوي. ويمكن الإشارة هنا إلى أن بعض المؤمنين والمؤمنات من المسلمين والمسلمات من المتنورين قد اتخذوا مواقف إيجابية إزاء القضية الكردية.
أما الرؤية الثانية، الإسلامية السياسية والطائفية، فلم تستبدل الشوفينية بالطائفية فحسب، بل أضافت إلى الموقف الشوفيني نهجها الطائفي المقيت، الذي لا يختلف عن الرؤية الأولى بل يزيديها في المحصلة النهائية تمييزاً وتهميشاً وعدوانية. وما شهده الشعب العراقي من أتباع هذه الرؤية في التعامل مع الكرد أم مع الشعب العراقي عموماً أم مع المال العام والإرهاب الفكري والديني، فهو ما يزال في بدايته، وإذا ما تسنى لهم البقاء في الحكم فستكون الطامة أكبر وأكثر فداحة، لاسيما وأن الحكم الظالم إن دام دمر، وعلى الشعب العراقي أن يعي ذلك من خلال تجاربه الذاتية خلال المئة عام المنصرمة.
ومن الجانب الآخر، فأن الرؤية الثالثة لم تتوفر لها حتى الآن أي فرصة فعلية لممارسة مضامين نهجها الديمقراطي التقدمي للقضية الكردية وسبل الحل السلمي واستخدام الآليات الديمقراطية الضرورية لتحقيق الغاية المنشودة. وهو ما يفترض التركيز عليه وتبنيه. فلو كان الشعب الكردي قد تمتع بحقوقه العادلة وبحرية وكرامة في ظل الدولة العراقية، رغم طموحه القومي بدولة مستقلة، لما رفض، في ظروف العراق الملموسة، البقاء ضمن الدولة العراقية.
إن عالمنا الجديد بحاجة إلى ممارسة القيم الإنسانية العامة والشاملة، قيم المواطنة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات، قيم العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات، قيم الأمن والسلام والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، تلك القيم التي تعترف للشعوب بحقوقها العادلة والمشروعة بما فيها حقها في الانفصال وإقامة دولها الوطنية المستقلة على أرض وطنها. الاعتراف والاحترام المتبادل بالحقوق والواجبات هو الطريق الوحيد المناسب للتعامل الدولي بين شعوب تعترف بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الجماعات وتحترم نفسها. وهذا الطريق هو الذي يمكن أن يقرر استمرار وجود أكثر من شعب في دولة واحدة، أم يقرر الانفصال بسبب سياسات التمييز والتهميش والإقصاء. ولكن الواقع يقول بأن النظم السياسي القائمة بالعالم ما تزال بعيدة عن ممارسة هذه المبادئ والقيم الإنسانية. نشير هنا إلى واحد من النماذج الصارخة في هذا الصدد، إلى ما حصل، إلى جانب القضية الكردية بالعراق وإيران وتركيا وسوريا، بإسبانيا، حين قرر شعب كاتالونيا Catalunya، (تقع كاتالونيا في أقصى الشمال الشرقي لشبه الجزيرة الإيبيرية وفي الجنوب الغربي من القارة الأوروبية، (الموسوعة الحرة، ويكبيديا، كاتالونيا)، إجراء الاستفتاء على الاستقلال عن إسبانيا. رفضت الحكومة والمجلس النيابي والحكمة الدستورية، وكذلك الملك الإسباني، إجراء هذا الاستفتاء. ولما أجرى فعلاً، أصدرت المحكمة قراراً بعدم شرعية الاستفتاء وحلت المجلس النيابي الذي أجرى الاستفتاء واعتقلت بعض المسؤولين عن الاستفتاء، في حين لجأ رئي كاتالونيا إلى بلجيكاً تخلصاً من الاعتقال. وحين نظمت الحكومة الإسبانية انتخابات عامة جديدة بكاتالونيا وتحت إشرافها ورقابتها، صوت الشعب الكاتالوني إلى جانب القوى الي تريد الاستقلال وفاز حزب الاستقلال بأكثرية مقاعد المجس النيابي. ومع ذلك لم تعترف الحكومة الإسبانية بذلك وواصلت اعتقال المسؤولين السابقين وملاحقة الموجودين في بروكسل. ولم يعد الرئيس الذي انتخب ثانية إلى كاتالونيا لأن هناك قراراً باعتقاله وتقديمه للمحاكمة بذريعة خرق الدستور الإسباني. ومن هنا يمكن القول بأن الشعب الكردي ليس وحده فيما يعاني من إنكار لحقه في تقرير مصيره!
كان وما يزال نضال الشعب الكردي موجهاً صوب ثلاث مسائل جوهرية، وهي تتماشى مع اللواح الدولية، إذ تشكل جزءاً من حقوقه المشروعة، وهي:
•   الاعتراف له بحقه الكامل في تقرير مصيره على أرض وطنه بكل حرية وفي أجواء الديمقراطية وسيادة الشرعية، بما في ذلك حقه في الانفصال وإقامة دولته الوطنية المستقلة. إن هذا الحق ينبغي أن يعترف به من حيث المبدأ ويصان ويكرس في الدستور العراقي، ويكون له الحق في ممارسته متى شاء ذلك وفي ظروف يقررها وحده؛
•   الاعتراف الواقعي بأن الشعب الكردي بكردستان العراق هو جزءُ من الأمة الكردية الموزعة على أرض كردستان الممتدة في دول المنطقة الأربع، إذ وزعت عليها دون اعتبار لإرادة ومصالح ورغبة الشعب الكردي؛
•   الاعتراف له بحقه في المشاركة المتساوية في إرساء دعائم دولة عراقية جمهورية اتحادية (فيدرالية) تستند إلى دستور ديمقراطي علماني وحياة حرة وتعددية سياسية تحترم حقوق القوميات والأديان المختلفة وتعترف وتمارس حقوق الإنسان وتقيم علاقات صداقة وتعاون واعتراف متبادل مع الدول المجاورة واحترام الحدود الدولية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والشعوب الأخرى، وتعالج المشكلات الداخلية والخارجية بالطرق السلمية ووفق الآليات الديمقراطية المعترف بها دولياً.
فهل في هذا ما يتناقض مع مصالح الشعب العربي بالعراق ومع بقية القوميات التي كانت وما تزال تعيش في هذه المنطقة من العالم؟ ليس في ذلك ما يتناقض مع هذه المصالح، بل فيها كل ما يتطابق مع مصالح العرب وما يفترض في العرب أن يمارسوه إزاء أنفسهم وإزاء القوميات الأخرى التي تعيش على أرض العراق. أي أن من حق العرب الكامل أن يقيموا في المناطق العربية دولتهم الاتحادية أيضاً وتشكل الدولتان، الكردية والعربية الدولة الاتحادية، الدولة العراقية الاتحادية ذات الحقوق والواجبات المتساوية، والتي تحترم حقوق القوميات والجماعات الدينية المختلفة. وينظم هذه العلاقة دستور ديمقراطي علماني دائم وحياة برلمانية تعددية حرة ونزيهة.
العراق بلد متعدد القوميات لا يمكن أن تبنيه قوى لا تؤمن بحرية الشعوب والديمقراطية، بل تؤمن بقوة السلاح في حل المشكلات الداخلية والخارجية. وبرهن الحكم الاستبدادي والعنصري السابق والحكم السياسي الطائفي الحالي بالعراق على أنهما غير مؤهلين بالقطع على ممارسة سياسات أخرى غير تلك التي مارستاها إزاء الشعب الكردي بشكل خاص وإزاء الشعب العربي والقوميات الأخرى بشكل عام. ومن هنا تأتي الحاجة إلى ضرورة تغيير النظام السياسي الطائفي إلى نظام ديمقراطي في مجتمع مدني لتوفير المناخات الضرورية لبناء عراق ديمقراطي اتحادي علماني وتضامني جديد.
ويبدو لي أن الفيدرالية الكردستانية الراهنة، التي كان في مقدورها منذ قيامها، أن تقدم النموذج المطلوب إقامته في عراق المستقبل، عجزت عن ذلك، رغم كل الآمال التي عقدت عليها، وذلك للأسباب الآتية التي لا بد من تشخيصها والتي لا يمكن تداركها إلا من خلال التحولات الضرورية لواقع الاقتصاد وبنية المجتمع والعلاقات الاجتماعية، وهي عملية سيرورة وصيرورة اقتصادية واجتماعية ونفسية وذات بعد تاريخي في آن واحد:
** ما تزال الذهنية الأبوية-البطريركية، التي تجد تعبيرها في العقلية العشائرية والفلاحية السائدة في المجتمع الكردي، أو العراقي عموماً، وهو ما عبر عنه الأستاذ الدكتور إبراهيم الحيدري بصواب حين كتب "أن النظام الأبوي من الناحية البنيوية يتكون من طرائق التفكير والعمل والسلوك ويرتبط بنمط معين من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي التقليدي السابق على الرأسمالية."، ثم واصل تشخيصه بقوله: "وعلى الصعيد الاجتماعي يهيمن النظام الابوي على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تغلب عليها الانتماءات القبلية والطائفية والمحلية، لان المجتمع الابوي هو نوع من المجتمعات التقليدية التي تسودها انماط معينة من القيم والسلوك واشكال متميزة من التنظيم". (راجع: د. إبراهيم الحيدري، النظام الأبوي/البطريركي وتشكيل الشخصية العربية، في حلقتين، الحلقة الأولى، إيلاف، 28 سبتمبر/أيلول 2012).
وفي هذا لا يخلف المجتمع الكردي عن المجتمع العراقي في بقية مناطقه أو اقاليمه. والتي تجد تعبيرها في بنية الاقتصاد والمجتمع، تركيبه الطبقي، وفي العلاقات الاجتماعية وفي بنية أحزابها والعلاقات فيما بين القيادة والقاعدة التي لا تختلف عن علاقة الشيخ بأبناء العشيرة أو الإقطاعي أو الملاك الكبير بالفلاحين العاملين على الأرض التي استحوذ عليها. وهذا الواقع لا يتعارض مع وجود جمهرة كبيرة من المثقفين والمتعلمين المدنيين بالإقليم، إلاّ أن تأثيرهم ودورهم في الحياة السياسية والاجتماعية ما يزال ضعيفاً وخاضعاً إلى حدود بعيدة للأحزاب الحاكمة.
** وقد وجد هذا تعبيره الواضح في النهج الاقتصادي للإقليم، إذ توجهوا صوب إعمار المدن والطرق والجسور، وهو صحيح، ولكن الخطأ برز في إهمالهم الفعلي للتنمية الاقتصادية والبشرية، إذ لم يوجهوا الاستثمارات الضرورية لتحديث وتنويع الزراعة وتطويرها، وكذلك إقامة المشاريع الصناعية، بما يسهمان في تحقيق التراكم الرأسمالي وإغناء الثروة الاجتماعية وتنويع مصادر الدخل القومي وإيجاد فرص عمل وتشغيل الأيدي العاملة العاطلة أو استيعاب البطالة المقنعة في دوائر الدولة، في حين ركزوا على استيراد كل شيء، فأغرقوا الأسواق بالسلع الجيدة والسيئة الضرورية والكمالية، ونمو الذهنية والنزعة الاستهلاكية لدى السكان، بما اسهم في استنزف الدخل القومي المتحقق لكردستان خلال الفترة المنصرمة، ولاسيما بعد العام 2003 حتى بدء الأزمة المتفاقمة وتراجع الموارد المالية وارتفاع المديونية الخارجية للإقليم. ورغم ذلك فقد كانوا في هذا أفضل من حكام بغداد الذين لم يعمروا المدن بل زادوها رثاثة، ولم يهتموا أساساً بالتنمية الصناعية والزراعية ولا بالتنمية البشرية، فكان الاستيراد من إيران وتركيا سبيلهم وقبلتهم.   
** إن هذا الواقع ترك بصماته وتأثيره البالغين في السياسات الفردية التي مارسها وما زال يمارسها قادة القوى والأحزاب السياسية والأسر الكبيرة في الإقليم ورغبتهم الجامحة في البقاء على رأس السلطة وفي تأمين النفوذ الاجتماعي المهيمن والتحكم بالمالية، رغم تأكيد الجميع على التداول السلمي والديمقراطي للسلطة، الذي لا يأخذ طريقه إلى التطبيق الفعلي. إنه التجسيد الصارخ للصراع بين الذهنية البطريركية، وبين تأثير المناخ الدولي وحضارة العصر ودور المثقفين على مفردات الدستور، دون وجود رغبة فعلية (أو) والقدرة على تجاوز الواقع الاجتماعي على الالتزام به وتطبيقه.
** ضعف وفساد الإدارة الحكومية بسبب ضعف التقاليد الديمقراطية من جهة، ودور الأحزاب السياسية الحاكمة وتحكمها في سبل التوظيف والتأثير المباشر على قرارات الإدارة الحكومية وعلى القضاء في آن واحد.
** ضعف الوعي الاجتماعي بسبب تخلف العملية التنويرية وضعف أسس التربية والتعليم، وتأثير القوى الدينية على وجهة التربية المدرسية وفي المجتمع.
** عدم الفصل بين السلطات الثلاث بالإقليم وخضوعها كلها لرئاسة الإقليم، مع نشوء معارضة جزئية في المجلس النيابي، أدت بالمحصلة النهائية إلى تعطيل المجلس قبل الاستفتاء بفترة طويلة. 
** وجود فساد مالي سائد، إضافة إلى فساد الإدارة والعمل بقاعدة المحسوبية والمنسوبية السيئة الصيت، يمارس بوضوح صارخ ودون وجل، ويجري الحديث عنه في الشارع ويشارك فيه الكثير من المسؤولين أولاً وقبل الآخرين.
** تنامي الشعور القومي، أو ضيق الأفق القومي، بطريقة ليست عقلانية باستمرار، لكونها نشأت عن ردود فعل حادة لمعاناه الكرد قبل ذاك من قبل النظم السياسية التي قادها حكام عرب، وجرى تحفيزها بقوة.
** ومع إن سياسات الحكومة الاتحادية الطائفية كانت سببا أساسيا وجوهرياً في تردي العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، إلا إن سياسات حكومة الإقليم لعبت دورها السلبي الواضح في تشديد الصراع وتفاقمه.
** ومارست الأحزاب الحاكمة بالإقليم سياسة خاطئة وخطرة وبإصرار مخل تجلت في التركيز على التحالف مع الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية الشيعية في محاولة غير موفقة للتكتل ضد الأحزاب السنية العربية، والابتعاد عن التحالف مع الحليف الطبيعي للشعب الكردي ونضاله المديد، مع الحركة والقوى والأحزاب الديمقراطية، مع عموم اشعب، بذريعة غير مبررة هي أن القوى الديمقراطية ضعيفة! 
** الهيمنة العامة على الإعلام الرسمي، وضعف الإعلام المستقل ودوره في تصحيح مسارات العمل بالإقليم، إضافة إلى ضعف منظمات المجتمع وصعوبة تبنيها لمواقف مستقلة عن الأحزاب والقوى السياسية عموماً.         
هذه المشكلات وغيرها، التي يعاني منها الإقليم يجدها المتتبع بشكل أشد وأكثر ضرراً في الدولة الاتحادية والحكومة الاتحادية ومجلس النواب والقضاء، تستوجب التغيير الجذري والفصل بين الدين والدولة والسياسية، وبين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية. كما إن المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم يمكن معالجتها بطريقة سلمية وديمقراطية لو أمكن الوصول إلى إقامة حكومتين ديمقراطيتين ومستقلتين تمتلكان العزيمة والنية الصادقة على وجو هذا الدرب الإنساني، إذ لا توجد مشكلة مع كردستان العراق لا يمكن حلها بالطرق السلمية.
ويبدو لي أن القوى والأحزاب والشخصيات السياسية والثقافية وذات الاهتمام بالشؤون العراقية العامة قادرة لأن تلعب دوراً حيوياً وفعالاً في تأكيد مسألتين أساسيتين برهنت عليهما تجارب الفترة المنصرمة وهما:
•   n أن الاستبداد وممارسة القوة والعنف والقسوة والحرب أساليب لا يمكنها تقديم حلول عملية للمشكلات التي يعاني منها المجتمع العراقي، ولاسيما المسألة الكردية وقضايا القوميات الأخرى وأتباع الديانات، بل من شأن ذلك تعقيد الحالة وخلق مشكلات جديدة.
•   n وأن الحل الوحيد والممكن هو الحكم الدستوري والديمقراطي التعددي وخوض الحوار الديمقراطي والحضاري الهادف إلى تحقيق الحلول العملية للمشكلات القائمة وفي مقدمتها القضية الكردية. وأن الاعتراف بحقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة وحقوق الأقليات القومية العديدة التي أشرنا إليها في الرؤية الثالثة هو الطريق المبدئي والوحيد الذي يوصلنا إلى بناء عراق دستوري ديمقراطي اتحادي علماني.
إن تبني ذلك من قبل المثقفين العراقيين والعراقيات والقوى والأحزاب السياسية المدنية والديمقراطية والبدء بخوض حوار عراقي واسع وعلني سيكون إسهاماً كبيراً على طريق التغيير الديمقراطي المنشود للعراق الغارق في وحل الفساد واستبداد الأحزاب الطائفية والشوفينية والكراهية والعنف والموت والخراب والخضوع لدول الجوار، وسيكون دفعاً جيداً للسياسيات والسياسيين العراقيين الذين يتبنون الحلول الديمقراطية والواقعية والعادلة للعراق الراهن. 
 


32
كاظم حبيب
سكان عفرين السورية ضحايا ارهاب الدولة التركية والصراع الإقليمي الدولي
ليرتفع صوت الاحتجاج والتنديد بالعدوان العسكري التركي
لم يفاجأ الرأي العام العالمي ولا المجتمع الدولي بإرهاب الدولة التركية الذي بدأت تمارسه منذ عدة أيام ضد سكان عفرين، واستخدامها مرتزقة سوريين لهذا الغرض يشكلون الخطوط الأمامية للقوات التركية الزاحفة صوب عفرين متجاوزة الحدود الدولية ومخترقة سيادة الدولة السورية ومستخدمة المدفعية البعيدة المدى والصواريخ والطيران الحربي لضرب سكان المدينة والجبال المحيطة بها بذريعة تصفية وحدات حماية الشعب في عفرين. وقد أودى هذا العدوان العسكري حتى الآن بحياة العشرات من السكان الأبرياء وجرح اخرين وتهديم البيوت على رؤوس ساكنيها. نعم، لم يفاجأ العالم بذلك بسبب السياسات العدوانية التي بدأ بها العثماني الجديد والدكتاتور "المسلم!" رجب طيب أردوغان، بالتعاون مع عدد من الدول العربية الناكرة لحقوق شعوبها والمستبدة بهم، لتحويل واستخدام المطالب العادلة والمشروعة للحركة المدنية السلمية السورية لدحر النظام البعثي الاستبدادي بسوريا الى حرب مدمرة لتمزيق وحدة شعبها وتدمير البلاد وبنيتها التحتية وتشريد سكانها في المنافي، حتى أصبحت الكثير من المدن السورية خرائب تنعى فيها الغربان، وسكانها يعيشون بلبنان والأردن وغيرها من دول العالم. لم يفاجأ العالم حين قررت القيادة التركية المجرمة، وريثة النظام العثماني العنصري والمتخلف، دفع قواتها المسلحة مسنودة بالدبابات الحديثة والطيران الحربي صوب الأراضي السورية لقتل الناس الأبرياء، إذ سبق وأن قامت باختراق غير شرعي للحدود والأراضي العراقية وإقامة قواعد عسكرية لها ببعشيقة، المدينة العراقية، بالضد من إرادة الدولة العراقية وشعبها، وشن الطيران الحربي التركي هجمات بالصواريخ ضد أرياف كردستان ومناطقها الجبلية وقتل وتشريد الفلاحين بذريعة وجود قوات حزب العمال الكردستاني في سلسلة جبال قنديل.
إن تركيا التي عجزت عن حل مشكلة الشعب الكردي بكردستان تركيا منذ عقود وتخلت كلية عن الحل السلمي، قد تسببت بحربها العدوانية ضد هذا الشعب وحقوقه العادلة والمشروعة، إلى استشهاد الآلاف من النساء والرجال والأطفال الأبرياء وتدمير البنى التحتية وتحمل المجتمع خسائر مادية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات الأمريكية، تسعى اليوم إلى التمدد نحو الأراضي السورية، كما تم لها بالإسكندرونة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى مثلاً، لأشباع أطماعها العثمانية بالمنطقة، بذريعة حماية حدودها من الحركة الكردية المسلحة بسوريا، والتي لم تكن مسلحة إلا دفاعاً عن الأرض السورية ضد عصابات داعش التي عاثت في الأرض السورية فساداً وقتلاً وتدميرا للتراث الحضاري، وحولت مدينة الرقة إلى سوق نخاسة إسلامي لاغتصاب وبيع النساء والأطفال الأسرى، تلك العصابات التي كانت تحتضنها تركيا الأردوغانية وتزودها بالمال القادم لها من السعودية ودول الخليج، والسلاح المشترى بتلك الأموال من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ووضع المدن التركية الحدودية مرتعاً لها ومشفى لجرحى هذي العصابات. 
لم يكن أمام وحدات حماية الشعب إلا التعاون مع الولايات المتحدة، وهي التي لها أطماع بسوريا، كما هو حال إيران وروسيا الاتحادية، بهدف الحصول على السلاح والعتاد. إلا إن التحالف مع الدول الكبرى أو الدول الإقليمية ذات الأطماع ببلداننا، أياً كانت تلك الدول، بأمل تحقيق نتائج ومنجزات إيجابية، تحمل معها مخاطر جمة، بما في ذلك التخلي عنها في آخر لحظة على وفق مصالح تلك الدول. وهذا ما حصل للشعب الكردي بالعراق في أكثر من مرة خلال العقود الخمسة المنصرمة، ونعيشه اليوم من جانب الولايات المتحدة الأمريكية في الموقف من عدوان تركيا على وحدات حماية الشعب التي تتعرض لهجوم غادر على عفرين دون أن يطلب دونالد ترامب منها سوى عدم التوسع في حربها ضد شعب عفرين، ودون أي تهديد بمعاقبتها أو التصدي لها!
إن الحرب الدائرة بسوريا ومنذ سنوات هي حرب المصالح الدولية والإقليمية وضمن استراتيجياتها التي لا تتناغم بأي حال مع أهداف ومصالح شعب سوريا وشعوب المنطقة. ولولا الدكتاتورية السورية بدمويتها وعنجهيتها وخضوعها للإرادة الإيرانية، ومن ثم الروسية أيضا، ولولا الخطأ الفادح في ارتماء أغلب المعارضة السورية في أحضان الغرب وتركيا والسعودية وبعض دول الخليج، لما تطور ووصل الحال إلى الكوارث والمآسي المتواصلة منذ ما يقرب من سبع سنوات. 
كل الدلائل تشير إلى وتؤكد أن حلف شمال الأطلسي لا يريد التفريط بحليفه الجامح تركيا، ولا يريد التوقف عن تزويده بالسلاح والعتاد، كما هو حال المانيا الاتحادية التي ما تزال تزود تركيا منذ سنوات حتى الآن بكميات متزايدة حتى بلغت قيمة مبيعات ألمانيا من الأسلحة والعتاد إلى تركيا خلال الفترة 2013-2017، حوالي 443،1 مليون يورو، أي بمعدل سنوي قدره 88،6 يورو. (راجع:am 05.12.2016, Der Westen am 10.08.2017, TDF heute am 24.01.2018).   ,Spiegel Online
ومع بداية العام الجديد ،2018، وبدء تحضير تركيا للحرب العدوانية ضد عفرين وسكانها الكرد والعرب، بدأت مفاوضات جديدة بين وزير خارجية ألمانيا الاشتراكي الديمقراطي، زيغمار غابرييل، ووزير خارجية، تركيا أحمد داود أوغلو، من أجل تزويد المانيا لتركيا بالمزيد من السلاح، رغم استخدام تركيا للسلاح الألماني في غزو بلد أخر، مما أثار معارضة شديدة من قبل القوى المعارضة للحكومة الحالية والكثير من الألمان والمطالبة بإيقاف بيع السلاح لتركيا ومطالبتها بعدم استخدام تلك الأسلحة، ولاسيما الدبابات الألمانية، في هذا الغزو الهمجي.
إن من واجب كل إنسان شريف أن يرفع صوته محتجاً ومندداً بالتدخل التركي السافر بسوريا وعدوانها المباشر على عفرين ومطالبتها بالانسحاب الفوري من الأراضي السورية، ومطالبة الجامعة العربية، الجامعة التي لم تلملم وحدة العرب بل شتتها، بإدانة هذا التدخل العدواني وشجبه والمطالبة بانسحابها وكذلك الدعوة بعقد جلسة لمجلس الأمن الدول لإدانة الاعتداء والانسحاب الفوري من الأراضي السورية. إضافة إلى ضرورة شجب أي دولة تقوم بتزويد تركيا بالسلاح لمواصلة شنها الحرب ضد شعب عفرين السوري من الكرد والعرب، الذين يدافعون عنها سوية في وحدات حماية الشعب.
       




33
كاظم حبيب
رؤى مختلفة ومتصارعة إزاء حق الشعب الكردي في تقرير مصيره
(1-4)
مضامين الرؤى الفكرية والسياسية إزاء القضية الكردية بالعراق

كانت القضية الكردية بالعراق وما تزال تواجه وجهات نظر ومواقف متباينة من الناحيتين الفكرية والسياسية. والحالة ذاتها يجدها المتتبعون في كل من إيران وتركيا وسوريا، حيث جرى تقسيم أرض الشعب الكردي على هذه الدول الأربع منذ نهاية الحرب العالمية الأولى 1918، في حين كانت ذات الأرض قد قسمت على الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية في اعقاب انتصار قوات الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول في معارك جالديران التي جرت في العام 1514 على قوات الدولة الفارسية بقيادة إسماعيل الأول الصفوي. ومنذ ذلك الحين وهذا الشعب يناضل بصيغ شتى من أجل التمتع بحقوقه المشروعة وحريته وكرامته على أرضه. ورغم إقامة عدد من الإمارات في فترات مختلفة، إلا إنها كانت تنتهي بالفشل بسبب الصراعات الداخلية بين العشائر الكردية أو بسبب سلطات الاحتلال.
لا شك في أن الأمل قد انتعش في صفوف قادة الشعب الكردي بتحقيق الوحدة وإقامة الدولة الكردية في اعقاب الحرب العالمية الأولى، بسبب الوعد الذي منح لممثلي الكرد من جانب ممثلي الدولتين الاستعماريتين اللتين خاضتا الحرب ضد الدولة العثمانية وحليفتها الإمبراطورية الألمانية، إذا ما انتصر الحلفاء في تلك الحرب. ولم يف المستعمرون بوعدهم، كما لم يفوا بوعدهم للعرب في إقامة الدولة العربية الموحدة. ولكن العرب، وبدلاً من تحقيق الوحدة، أقاموا 22 دولة + دولة في الانتظار، هي الدولة الفلسطينية. كما أن كل القوميات في المنطقة أقامت دولها المستقلة، ولكن الشعب الكردي لم يسمح له بذلك. وهذا ينطبق على أتباع القومية واللغة السريانية المجزأة والمبعثرة، وهم الآشوريون والكلدان والسريان، الذين لا يطمحون في الحصول على دولة في الوقت الحاضر، بل على محافظة في شمال العراق أو على حكم ذاتي في إطار الجمهورية العراقية، تحفظ لهم حقوقهم وثقافتهم وتراثهم الحضاري ولغتهم السريانية، بدلاً من التجاوزات والانتهاكات المستمرة التي تعرضوا لها ولا زالوا يتعرضون لها بالعراق وعموم المنطقة.           
وبصدد الشعب الكردي، حيث يقتصر الحديث هنا عن الكرد بكردستان العراق، فقد خاض مع العرب وقوميات أخرى، كل على انفراد وبشكل مشترك، نضالاً عنيدا وطويلا من أجل حقوقهم العادلة والمشروعة وتنفيذ الوعد الذي أعطي لقيادة الشعب الكردي السياسية في حينها بإقامة دولته المستقلة. وتجلى ذلك النضال في انتفاضاته وثوراته قبيل قيام الدولة العراقية بقليل (2010) بقيادة عبد السلام البارزاني، و(1919) بقياد شيخ محمود الحفيد البرزنجي، أو بعدها، حين لم تكن الموصل قد ألحقت بعد بالدولة العراقية الملكية الحديثة، التي تشكلت في عام 1921. وكانت الطموحات القومية للشعب قد بدأت تبرز لتوها على صعيد النضال الوطني وتؤثر بشكل ملموس على حركة الجماهير. وكان الدور البارز في قيادة هذا النضال بيد شيوخ العشائر وعلماء الدين. وعندما ألحقت ولاية الموصل، وبضمنها كردستان الجنوبية، التي كانت تضم الى جانب الموصل المناطق الكردية، إضافة إلى السليمانية وأربيل وكركوك، إلى الدولة العراقية في العام 1925/1926، لم يتوقف الشعب الكردي عن النضال في سبيل حقوقه المشروعة التي أقرت في حينها في عصبة الأمم، رغم تخلي انكلترا وفرنسا عن وعودهما له. إذ لم يؤخذ رأي الشعب الكردي في الموقف من إقامة دولته الوطنية المستقلة، أو الاندماج بالقسم العربي من العراق وتكوين الدولة العراقية الملكية، أو إقامة الحكم الذاتي ضمن الدولة العراقية. وكان موقف الشعب الكردي واضحاً وصريحاً، إذ كان يريد إقامة دولته الوطنية أو إقامة الحكم الذاتي لكردستان. ولم يكن هذا ينسجم مع أهداف ومصالح بريطانيا، الدولة المنتدبة على المنطقة والمستعمرة لها، كما لم يكن منسجماً أيضاً مع تصورات أو أطماع مجموعة من الحكام العراقيين حينذاك.
ومنذ تلك الفترة تقريباً سادت في صفوف السياسيين والمثقفين والمهتمين في الشؤون العراقية العامة من العرب، وأغلبهم من خريجي المدارس والتربية العثمانية، رؤية قومية عروبية ضيقة إزاء الكرد وحقوقهم المشروعة والعادلة في إطار الدولة العراقية، رغم أنهم كانوا من أوائل من ناضل في سبيل الحقوق القومية العادلة للعرب بالعراق وضد سياسات التتريك العثمانية، ولكنهم لم يدركوا بعمق ومسؤولية مفهوم الحرية والديمقراطية التي يفترض أن تتمتع بها جميع الشعوب، ولأنهم أنفسهم لم يكونوا أحراراً فكرة وممارسة.
ومنذ أن تصاعد النضال الكردي وفرض وجوده في الساحة السياسية والاجتماعية العراقية، برزت رؤى أخرى لدى الأحزاب والقوى السياسية العربية إزاء الموقف من القوميات وحقوقها بالعراق.
منذ ثلاثينيات القرن العشرين تبلورت تدريجاً بالبلاد ثلاث رؤى إزاء الحقوق القومية للشعب الكردي وللأقليات القومية وسبل معالجتها والحلول التي تسعى كل منها إلى ممارستها. ورغم مرور عشرات السنين على وجود وصراع بين هذه الرؤى، ورغم كثرة المحن والكوارث والمآسي التي عاشها العراق من جراء التعامل غير الواعي وغير العقلاني وغير المنصف مع هذه المسألة الحساسة والحيوية، فأن هذه الرؤى ما تزال تتصارع وكأن دروس الماضي لا قيمة لها أصلاً عند أصحاب الرؤية الأولى والثانية، وكأن العراق بحاجة إلى مزيد من المحن والكوارث والمآسي والموت لمزيد من البشر، وكأن الشعب الكردي لا حق له، كبقية الشعوب، في التطلع إلى الحرية والديمقراطية والوحدة القومية والتمتع بها. ونحاول هنا بلورة الرؤى الفكرية والسياسية الثلاث حول المسألة الكردية:
الرؤية الأولى: تبنت هذي الرؤية، التي سادت بالعراق في مختلف المراحل المنصرمة ومارسها الحكام بإصرار عجيب في العهدين الملكي والجمهوري، مبدأ رفض الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي، ومنها حقه الثابت في تقرير مصيره على أرض وطنه وإقامة دولته الوطنية المستقلة أو حقه في إقامة الحكم الذاتي أو قيام اتحاد فيدرالي للإقليمين العربي والكردي في إطار عراق جمهوري ديمقراطي موحد. وتبنت هذه الرؤية أسلوب ممارسة القوة والعنف والردع والتأديب وخوض المعارك والحرب ضد الشعب الكردي لحرمانه من تمتعه بتلك الحقوق ومطالبته الملحة بالاستجابة لها. وتجلى هذا الموقف، حتى بعد الاعتراف بوجود شعبين بالعراق، إضافة إلى وجود أقليات قومية، بعد أسقاط الملكية وقيام الجمهورية، عندما سعى المشرع العراقي أن يكرس في الدستور المؤقت الرؤية التالية: يعتبر العراق جزءاً من الوطن العربي، جزءاً من الأمة العربية. وهذا يعني باختصار أن لا حقوق قومية خاصة ولا وجود لشعب كردي أو أمة كردية، وأن العراق كان وسيبقى جزءاً من الوطن العربي، وعلى الأكراد أن يقبلوا بذلك، شاءوا ذلك أم أبوا، أن يقبلوا بالوحدة مع العراق العربي دون حقوق قومية خاصة. علماً بأن الدستور المؤقت الذي طرح بعد ثورة تموز أشار إلى إن العرب والكرد شركاء في هذا الوطن، الذي هو العراق. ولكن كان هذا نظرياً ودون أن يجد له الممارسة الفعلية.
واشتدت هذه الوجهة الفكرية والسياسية بعد الانقلاب الفاشي في شباط/فبراير عام 1963، وتبلور في مواقف الحكومات التي تشكلت في أعقابه. إذ اعتبرت القوى والأحزاب التي تناضل في سبيل الاعتراف بالحقوق القومية العادلة والمشروعة للشعب الكردي ومطالبته بالحكم الذاتي بمثابة قوى عميلة (جيب عميل!) تريد الانفصال عن العراق، وهي جريمة لا تغتفر! وكرس هذا النهج سياسة العنف والحرب لفرض الحل الأوحد الذي تراه وتريده على الشعب الكردي. ولم تتبن هذا الموقف، سواء في العهد الملكي أم في العهد الجمهوري، القوى والأحزاب السياسية الحاكمة فحسب، بل بعض القوى والأحزاب التي كانت في المعارضة في هذين العهدين أيضاً، إذ أنها كانت وما تزال تعبر عن وجهة فكرية وسياسية قومة ذات طبيعة شوفينية بغض النظر عن وجود هذه القوى أو تلك في السلطة أم خارجها.
ولم يكن الموقف من المسألة الكردية وسبل معالجتها هي المسألة الوحيدة التي تختلف الرؤى حولها، بل كانت هناك قضايا أساسية أخرى، ومنها موقف التعامل غير المتساوي والتمييزي إزاء الكرد بالعراق من جانب الحكومات المختلفة والتي تتجلى في مختلف مجالات الحياة اليومية ابتداءً من حرمانهم من الدراسة بلغة الأم والقبول في الجامعات والمعاهد المختلفة، وخاصة العسكرية منها، أو التوظيف في الوزارات المختلفة، وخاصة الخارجية والداخلية والدفاع .. الخ، وكذلك التمييز البارز في مجال توظيف رؤوس أموال الدولة في عمليات التنمية في كردستان العراق، حيث كان نصيبها محدوداً بالقياس إلى مناطق معينة من العراق. وقد بدا هذا واضحا وصارخاً بعد انقلاب البعث عام 1963، تماماً كما كان نصيب بعض محافظات الوسط والجنوب المهملة من جانب الحكم البعثي القومي حينذاك. وكانت المشكلة تبرز أيضاً في مجال التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وخاصة المناطق الريفية أو إقامة "الطرق الاقتصادية" الخاصة بنقل السلع الزراعية وتأمين تخزينها وحفظها من التعفن وتسويقها. وهذه أمثلة محدودة على ممارسات كثيرة تعرض لها الشعب الكردي من النظم الحاكمة ببغداد. ولا شك في أن الرؤى كانت مختلفة أيضاً إزاء مفاهيم ومضامين الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وأهمية التمتع بها وممارستها الفعلية.
الرؤية الثانية: برزت بشكل واضح في فترات لاحقة، ولكنها تنطلق من حيث المبدأ من الإيديولوجية الإسلامية السياسية التي بلورها شيوخ الشريعة القائلة بأن كل الشعوب والقبائل يشكلون جزءاً من الأمة الإسلامية، وأن القوميات لا بد لها أن تذوب في الإسلام، وبالتالي لا يجوز إقامة دولة على أساس قومي. هذا من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية فأن أي قومية كانت تصل إلى السلطة، كانت تفرض حكمها "الإسلامي!" القومي، وتمارس سياسة قومية شوفينية ضد القوميات الأخرى ولا تساوي بينها وتفرض إرادتها على بقية القوميات بكل السبل المتوفرة لها. ويمكن أن نتابع مثل هذه المواقف بشكل صارخ بإيران (فرس 51%،  وآذريين (أتراك) 24%، وجيلاك ومازندرانيون 8% ، وأكراد 7%، وعرب 3%، ولور 2%، وبلوش  2%، وتركمان 2%، وقوميات أخرى 1% . (المصدر: كتاب حقائق العالم، وكذلك ويكبيديا، الموسوعة الحرة عن السكان بإيران). وتركيا (الأتراك 75%، والأكراد 20%، والعرب 2%، الأرمن، الآشوريين/السريان، الأذربيجانيين، الشيشان، والشركس). (المصدر ذاته)، وكذلك بالنسبة للأمازيغ في الدول المغاربية مثلاً...الخ. وسنتطرق إلى موقف القوى الإسلامية السياسية العراقية إزاء القضية الكردية في أعقاب عام 2003، أي بعد إسقاط دكتاتورية البعث وصدام حسين.       
الرؤية الثالثة: أما الرؤية الثالثة فقد عبرت عنها قوى وأحزاب وشخصيات سياسية يسارية وديمقراطية تقدمية، إضافة إلى مثقفين يساريين وديمقراطيين مهتمين بالشؤون العامة، فكانت في الغالب الأعم تسود في صفوف المعارضة بشكل عام، إذ كان أتباع هذه الرؤية وما زالوا يؤكدون ما يلي: إن الحل العملي والواقعي للمسألة الكردية يتم أولاً وقبل كل شيء على أساس الاعتراف المبدئي بوجود شعب كردي إلى جانب الشعب العربي إضافة إلى قوميات أخرى عديدة، تعتبر بحكم لوائح الأمم المتحدة أقليات قومية. ويترتب على هذا الاعتراف ثانياً تمتع الشعبين بحقهما في تقرير مصيرهما واختيار الوحدة مع بعضهما في دولة واحدة أم الانفصال وإقامة دولتين مستقلتين على أرض القسم العربي من العراق وعلى القسم الكردي منه، كما أن وحدتهما الاختيارية يمكن أن تتم على أساس الحكم الذاتي أو الاتحاد الفيدرالي. وهذه القضية يقررها كل شعب بمفرده ويتم الاتفاق بينهما على الشكل المناسب الذي ينص عليه بالدستور الدائم للبلاد. ومثل هذا الحل يتم عبر التفاوض الديمقراطي السلمي وفي ظل حكم دستوري ديمقراطي تعددي لا مكان للاستبداد والعنف والقسوة فيه. إنه الحل الوحيد الذي يرضي جميع الأطراف ويستند إلى قرارات الأمم المتحدة بحق الشعوب صغيرها وكبيرها في تقرير مصيرها. كما يفترض أن تتمتع بقية القوميات بحقوقها الإدارية والثقافية المشروعة التي تعتبر إغناء لثقافات البلاد وتلاقحها. ويلتزم الحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية وديمقراطية أخرى بهذا الرأي السديد بشأن القضايا القومية بالعراق.
 


34

كاظم حبيب
نقاش هادئ وشفاف مع الزميل البروفيسور الدكتور قاسم حسين صالح
اتمتع بقراءة مقالات الزميل الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح التي تجمع بين علم النفس والسياسة والمجتمع. والتمتع لا يعني الاتفاق التام مع الكاتب أو الموافقة على ما جاء في مقالاته. أحياناً أجد فيها الأحكام المطلقة التي لا تتناغم مع الرؤية النسبية للأمور، أو القناعة التامة بامتلاك الحقيقة كلها، والتي تتعارض مع العلم، ولكنها تتوافق مع كتابات العقدين الخامس والسادس وربما السابع أيضاً من القرن العشرين. ومقاله الأخير يشفع لي في مثل هذه استنتاجات عن مقالاته، مع إن فيها طعم التشويق والإثارة. لقد تعلمت في حياتي العلمية والسياسية أن أكون حذراً في أحكامي من جهة، وأن ابتعد عن القناعة بأني أمتلك الحقيقة أو الحق فيما أكتب من جهة أخرى. ولكن هذا لا يعني أني لم أرتكب أخطاءً في مثل هذه المسيرة السياسية والدراسية الطويلة نسبياُ حيث يقترب عمرها تدريجاً من سبعة عقود. 
أخر مقال قرأته للزميل البروفيسور د. قاسم حسين صالح كان بعنوان "الانتخابات العراقية.. هوس وفوضى وتيئيس - تحليل سيكوبولتك"، نشر في موقع الحوار المتمدن، العدد 5759، بتاريخ 16/01/2018، كما نشر في مواقع عديدة أخرى، تطرق في هذا المقال عن الهوس السياسي والفوضى السائدة بالعراق قبيل الانتخابات العامة القادمة، مشيراً إلى عدد القوائم والتحالفات السياسية، إضافة إلى التحالف، ولأول مرة، بين حزب ماركسي، هو الحزب الشيوعي العراقي، وحزب سياسي ديني، هو حزب الاستقامة، الذي يقوده ويشرف عليه السيد مقتدى الصدر، ثم يشير إلى دور المحللين السياسيين إلى نشر عملية التيئيس الجارية في الساحة السياسية العراقية، ثم يتطرق إلى أثرها السيكولوجي الإحباطي على الناخبين. فقد ورد في المقال النص التالي:
"ان محللين سياسيين أخذوا يشعيون عبر الفضائيات (سيكولوجيا التيئيس) بأن نتائج الانتخابات ستاتي بنفس الفاسدين، دون ان يدركوا انهم بعملهم النفسي هذا يرتكبون خطيئة وطنية، ولا يدركون ان وسائل اغراء وخداع الناخب العراقي (قطعة ارض، بطانيات، موبايلات، فلوس..) ما عادت تجدي الفاسدين نفعا، مع علمنا بعدم عدالة قانون الانتخابات ومحاولة الفاسدين الدخول في قوائم بمساومات (تزكية).
ونصيحة من شخص قضى نصف عمره في (السيكولوجيا).. ان ارتباك المشهد السياسي الآن هو لصالح المواطن ان توقف المثقفون عن اشاعة ثقافة الأحباط واجاد الآكاديميون والكتّاب السياسيون فن اقناع الناخب بأن زمن سقوط السياسيين الفاسدين قد بدأ، وان 2018 ستشهد تشكيل محكمة لمقاضاة الفاسدين تنقل احداثها الفضائيات لتعيد احياء الضمير الاخلاقي الذي اماته قادة احزاب الاسلام السياسي الذين اعتبروا الوطن غنيمة لهم فنهبوه، وافقروا شعبه وأذلوه.. وليثبتوا من جديد بأن تاريخ العراقيين يؤكد بأنهم ما استسلموا لضيم وما رضخوا لظالم ولا انبطحوا لسلطة، وسترون بأن الاحداث ستثبت.. ان غدا لناظره قريب."
يتضمن هذا النص مسائل عدة تستوجب المناقشة:
1.   هل يحق لنا أن نتفاءل أو نتشاءم دون ممارسة استخدام المنهج العلمي في التحليل زالاستناذ إلى الواقع العراقي المعاش فعلاً، وهل هناك تفاؤل مطلق أم تشاؤم مطلق؟ 
2.   ويقول إن محللين سياسيين يشيعون عبر الفضائيات سيكولوجية التيئيس؛
3.   ويؤكد بأن على المثقفين، ويقصد بهم كل المثقفين الديمقراطيين، دون استثناء، أن يكفوا عن المشاركة في الإحباط؛
4.   ثم يقول بأن الإغراء المالي والعيني (قطعة ارض، بطانيات، موبايلات، فلوس..) لم يعد يينفع مع الناخبين وما عادت تجدي الفاسدين نفعا؛
5.   ويؤكد: وإذا ما كف المثقفون عن إشاعة الإحباط، فأن تجربة نصف عمره ستثبت، بأن ارتباك المشهد السياسي الآن هو لصالح المواطن العراقي.
المقال الصحفي الذي كتبه ونشره الزميل قاسم لا يتضمن تحليلاً علمياً وواقعياً للوضع العراقي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي القائم، ولا لأوضاع الإقليم وسياسات الدول المجاورة، ولاسيما إيران، ولا للوضع الدولي، ولا لطبيعة تشكيلة مفوضية الانتخابات "المستقلة!"، ويشير فقط إلى "عدم عدالة قانون الانتخابات"، ولكن المقال والحق يقال يحمل نوايا حسنة، والطريق إلى جهنم، كما هو معروف، معبد بالو أيا الحسن، ويجسد رغبة إنسانية صادقة صوب التغيير. ولكن هل يمكن لباحث وكاتب علمي مميز مثل الزميل قاسم، قضى نصف عمره في هذا المعمعان، حسب قوله، أن يخرج بمثل هذه الخلاصة والاستنتاجات السريعة؟ قناعتي الشخصية تقول: لا يجوز ذلك، إذ أن ما تضمنه المقال يعتبر ضمن الأحكام المسبقة التي لا تستند إلى تحليل علمي وخال من الأدلة المادية التي تسهم في إشاعة التفاؤل، بل هو تعبير عن رغبة ذاتية طيبة ولكنها مبسطة إلى ابعد الحدود، بحيث يصعب على إنسان اعتيادي تقبلها، فكيف بنا وهو يخاطب المثقفين الديمقراطيين العراقيين والعراقيات، يخاطب العلماء والمختصين بعلوم النفس والسياسة والاقتصاد والاجتماع. إن إشاعة التفاؤل على أرضية غير واقعية تضعف التوجه للعمل وتعطي الانطباع وكأن هذا الهوس وتلك الفوضى في الواقع السياسي والانتخابي العراقي هما لصالح القوى الديمقراطية والتقدمية وليس في صالح القوى الإسلامية السياسية الطائفية التي حكمت العراق منذ أكثر من 14 عاماً. والتفاؤل المفرط، على الطريقة التي طرحها الزميل قاسم، هو الرديف للتشاؤم المفرط في الواقع السياسي الجاري بالعراق. التحليل العلمي هو وحده القادر على تقديم صورة إلى حدما واقعية على ما يمكن أن يحصل أثناء الانتخابات القادمة.
فالمؤشرات التي تحت تصرفي والتي طرحتها في مقالي الموسوم " لماذا ولمصلحة من يراد تكريس النظام السياسي الطائفي عبر الانتخابات العامة 2018؟ والمنشور في الحوار المتمدن ومواقع أخرى بتاريخ 17/01/2018، تشير إلى الواقع التالي:
** القوى السياسية الإسلامية الطائفية خسرت الكثير من سمعتها ورصيدها، ولكنها لم تفقد كل قواعدها، بل هي ما تزال تمتلك تأييداً شعبياً، ولاسيما ببغداد وبمحافظات الوسط والجنوب، وقادرة حتى الآن على استخدام الدين، لتغطي به مفاسدها وموبقاتها والسحت الحرام الذي يدخل جيوبها، والمال الذي ما يزال بمقدره خداع الكثير من الناس، والجار، الذي يهيمن على السياسة العراقية حالياً ودور الجنرال قاسم سليماني ووصاية المرشد الإيراني، في كسب الناس إلى جانبها. ويمكن أن نتابع ما ينظمونه من مسيرات لزيارة الإمام الحسين وما يصرف من أموال في هذا المجال وما يطرح فيها من دعايات عدوانية ضد القوى الديمقراطية في المساجد والجوامع والحسينيات. وعلينا أن ننتبه إلى أن وكلاء المرجعية، ولاسيما عبد المهدي الكربلائي، بدأوا يروجون بوضوح كبير إلى ما يماثل ولاية الفقيه بالعراق، وإلى الالتزام بتوصيات المراجع العظمى التي تعني أولاً وقبل كل شيء تأييد القوائم التي تؤيدها المرجعية والتي ستطرح التأييد لا من خلال المرجعية مباشرة بل من خلال وكلاء المرجعية (اقرأ في هذا المجال مقال الدكتور رشيد الخيون بعنوان "ولاية فقيه.. فلماذا ينتخب العراقيون!، المنشور في جريدة الاتحاد الإمارتية، يوم الأربعاء المصادف في 17 يناير 2018). 
** نسبة عالية من الجماهير ما تزال تعاني من البطالة الموجعة والفقر وصل نسبته إلى أكثر من 40% من القوى القادرة على العمل، والذي يعني نسبة عالية من سكان العراق، وكذلك الأفراد ذوي الدخل المحدود جداً، الذين يمكن أن يلعب المال والمواد العينية دورهما في شراء ذمم الناس وهم تحت سياط البطالة والفقر والحرمان، إضافة إلى ضعف الوعي بعواقب ذلك. فلا يحق لنا أن (نذرع بالجنة"، ولا الأخذ بقاعدة "الهور مرگ والزور خواشيگ" كما يقول المثل العراق النابت! الفقر والحرمان والنوم بدون عشاء كان يفترض أن يدفع بالناس إلى الثورة. لنتذكر القول المنسوب لأبي ذر الغفاري "عجبت لمن لم يجد قوت يومه، كيف لا يخرج للناس شاهرا ً سيفه". ولكن هذا غير موجود ولا يكفي أن نشيّم الناس، فرغم التحسن النسبي في وعي الناس، ولكننا لم نستخدم قدراتنا أو لم تتوفر الظروف المناسبة لاستخدام قدراتنا في رفع مستوى الوعي عند الكثير من الناس الطيبين الذين على عيونهم ما تزال غشاوة شيوخ الدين غير المتنورين والغشاشين والرثين العاملين في الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي ما تزال تزيف وعي الناس! لقد صدق رفيقي الأستاذ رضا الظاهر حين كتب مرة يقول إن عملنا هو شبية بـ "الحفر أو النقر في الصخر". 
** أعرف تماماً بأن إيران متغلغلة في العراق كله، ابتداءً من السليمانية ومروراً بكركوك وبغداد، وانتهاءً بمحافظات الوسط والجنوب، متغلغلة في السياسة وفي الأوساط الدينية والكثير من منظمات المجتمع المدني وفي الحشد الشعبي قيادة والكثير من القواعد التي كانت في السابق جزءاً من المليشيات الشيعية الطائفية المسلحة، وفي الاقتصاد العراقي وفي النسيج الاجتماعي الشيعي. وهذا التغلغل مقترن بالإعلام والمال والقادة السياسيين للأحزاب الإسلامية السياسية والمليشيات الشيعية المسلحة، عدا الصدريين، وبعض القوى القومية الكردية والعربية، إضافة إلى دور كل من تركيا والسعودية والخليج في هذا الصدد، ولاسيما على القوى والأحزاب السنية، إضافة إلى دور داعش الإجرامي في التخريب.           
** إن القوى الديمقراطية، اليسارية واللبرالية والمستقلة والمتدينة المتنورة على مستوى العراق كله ومن العرب والكرد وبقية القوميات، ما تزال متفرقة وغير موحدة، وهذا الواقع يضعفها ولا يعززها قدارتها في مواجهة قوى الإسلام السياسي الطائفية والفاسدة الحاكمة. إن الاتفاق بين الشيوعيين والصدريين ربما يأتي بنتائج معينة إيجابية في صالح القوى الديمقراطية المشاركة في التحالف الجديد "سائرون"، ولكنه في الوقت ذاته جزأ القوى التي كانت موحدة في التيار الديمقراطي العراقي ومن ثم في "تقدم"، كما إنه لم ينجح الجميع في كسب الكرد إلى جانب القوى الديمقراطية، التي كان وما يزال يفترض أن تكون هذه القوى حلفاء لبعضهم في مواجهة الوضع الإسلامي، ولاسيما بعد كل الذي حصل بالإقليم والذي كان المفروض أن يفتح آفاقاً للتعاون لتجاوز النكسة التي تعرض لها الكرد بسبب سياسات الأحزاب الكردستانية والحكومة وبسبب سياسات الحكومة الاتحادية في آن واحد!
** وأخيراً وليس أخراً، فأن قانون الانتخابات السيء الصيت سيساهم في تزوير إرادة الناس وتصويتهم، إضافة إلى دور المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في التزوير المحتمل التي شكلت على أساس المحاصصة الطائفية، ورفضوا بإصرار وقح تغييره بصورة ديمقراطية لصالح الناخب العراقي ونزاهة المفوضية.   
هذه الوقائع ينبغي أن تكون أمامنا ونحن نبحث في الوضع بالعراق وأن نقدر بدقة نسبية قدرة المجتمع على تجاوز المحنة الراهنة في وجود هذه القوى التي عرضت العراق لكل الكوارث والمآسي والموت والفقر والفساد والإرهاب حتى الآن على رأس السلطة التنفيذية وفي مجلس النواب والقضاء والادعاء العام. فالتفاؤل المفرط الخالي من مضمون مضر مثل التشاؤم المفرط، وعلى عاتق الباحثين والسياسيين والإعلاميين تقع مهمة تقدير الأمور بواقعية عقلانية، والدكتور قاسم وأنا ضمن من يشملهم ذلك.
هل يعتقد الزميل قاسم حقاً إن الحديث المتفائل في مقدوره وحده أن يحقق النصر المبين عل القوم الفاسدين؟ هل ما زلنا نؤمن دون أرضية مناسبة "تفاءلوا بالخير تجدوه؟ أو كما كنا نهتف في العابنا الرياضية: گله ..  گله .. گله فيسقط الفريق الذي لا نؤيده.
نحن أمام واقع يستوجب العمل الكثيف، العمل بخمسة اتجاهات هي:
1.   تعزيز التحالفات الوطنية الديمقراطية وتمتينها من خلال بلورة مواقف مشتركة وبرنامج مشترك يضم القوى المدنية الديمقراطية، اليسارية منها واللبرالية، والقوى المستقلة والمتدينة التي تعتقد بضرورة فصل الدين عن الدولة والمناهضة للطائفية السياسية وتؤكد مبدأ المواطنة العراقية المتساوية والموحدة والمشتركة. أن تكون هذه الوحدة على مستوى العراق كله ومن كل القوميات.
2.   تعزيز عملنا المشترك في صوف المجتمع العراقي، لاسيما بين الكادحين والمعوزين ومن ذوي الدخل المحدود الذين يعانون من البطالة والفقر والحرمان والعوز الدائم، في مقابل وجود قوى في الحكم وحواشيها تغتني يومياً على حساب الشعب وأمواله ومستوى معيشته المتدني ومستقبل الأجيال القادمة.
3.   استخدام خطاب عقلاني جديد من جانب القوى التي يهمها التغيير ويمتلك القدرة التنويرية والحداثة المناسبة التي تتناغم وفهم الناس لهذا الخطاب الشعبي المناسب وتنشيط منظمات المجتمع المدني والنقابات في هذا المجال أيضاً.
4.   فضح القوى والأحزاب السياسية الإسلامية الطائفية وليس مجاملتها بخطابنا السياسي، إذ إنها مرَّغت كرامة الإنسان العراقي بالتراب وتسببت في موت مئات الألاف من الناس الأبرياء.. الخ، وفضح من يقف خلفهم ويؤيدهم من شيوخ الدين غير المتنورين والساعين إلى إقامة حاكمية الله والولي الفقيه بالعراق والداعمين لقوى الإسلام السياسي الطائفية المقيتة.
5.   فضح القوى والدول الأجنبية التي تتدخل يومياً في الشأن العراق وتساهم في صرف الملايين من المال لدعم قوى الإسلام السياسي وأحزابها وشخصياتها الطائفية التي تعبر عن أهدافها المريضة في السيطرة على العراق وعلى سياساته وموارده وحرمانه من الاستقلال والسيادة الوطنية.
   

35
كاظم حبيب
لماذا ولمصلحة من يراد تكريس النظام السياسي الطائفي عبر الانتخابات العامة 2018؟
الطائفية والفساد هما أصل الداء والبلاء، وهما       السائدان بالبلاد، وهما السبب وراء الإرهاب الدامي   وسقوط المزيد من الشهداء، كما حصل في ساحة الطيران يوم أمس، والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية هي المسؤولة عن كل ذلك!!
تشير معطيات التحرك السياسي قبيل الانتخابات العامة المحتملة في شهر أيار/مايس 2018 إلى عدد من الوقائع المهمة التي لا بد من تشخيصها من أجل تقدير وجهة التطور المحتملة في واقع العراق الراهن، والتي يمكن بلورتها فيما يلي:
** هناك أجواء عامة مناهضة للمحاصصة الطائفية السائدة بالدولة العراقية بجميع سلطاتها لما تسببت به من كوارث ومصائب وزلازل اجتماعية هزّت المجتمع العراقي ومزقت نسيجه الوطني وعرضته للاحتلال، كما تسببت بموت مئات الآلاف من البشر ونزوح 4,5 مليون نسمة من مناطق سكناهم وهجرة مئات الألاف الأخرى، ولاسيما من أتباع الديانات الأخرى غير الإسلام، إلى خارج العراق خلال السنوات المنصرمة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية بالعراق.
** هناك أجواء مناهضة للقوى والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي شكّلت الحكومات العراقية المتعاقبة خلال السنوات المنصرمة وما تزال في الحكم، وكانت وراء كل ما حصل بالعراق من مآسي وموت ودمار وخراب وفساد وإرهاب سائدين.
** وهناك تمزق فعلي في معسكر قوى الإسلام السياسي وأحزابها وتحالفاتها، وكل منها برمي بعراته على الآخرين، ولكنها ما تزال تملك السلطة والمال والتأييد من بعض المرجعيات بصيغة مباشرة وغير مباشرة عبر وكلاء المرجعيات وفي الجوامع والمساجد، في محاولة لتبييض وجهها عبر الانتصارات التي تحققت في الموصل وبقية مناطق محافظة نينوى وصلاح الدين والأنبار، وكأنها كانت هي وراء هذه الانتصارات وليس الجيش العراقي والمتطوعين الشجعان ممن لم يكونوا من قوى المليشيات الطائفية المسلحة التي عاثت قبل وأثناء وبعد ذاك فسادا بالعراق، ومنها منظمة بدر وعصائب أهل الحق وحزب الله والعشرات الأخرى التي أسستها ونظمتها ومولتها وقادتها إيران بشخص قاسم سليماني بالعراق وأجهزة المخابرات والحرس الثوري وفيلق القدس الإيراني، والتي يترأسها مساعدون منهم: هادي العامري وفالح الفياض وقيس الخزعلي واللويزي والشمري ومن لف لفهم من قادة المليشيات الطائفية المسلحة!
** هذا التمزق ينعكس في تحالفات جديدة للقوى الإسلامية الطائفية الشيعية، مثل حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى الإسلامي والحكمة والجماعات التي شكلت أحزاباً جديدة من قوى المليشيات الطائفية المسلحة السابقة والتي تحاول اليوم أن تدخل الانتخابات بتحالفات أخرى بدعم مباشر من إيران، وكذلك الانشطارات في صفوف الجماعات الإسلامية السياسية الطائفية السنية.
** إن الزيادة في عدد التحالفات وعدد الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية المسجلة لخوض الانتخابات القادمة تعبر عن ضعف وتمزق وصراع، إذ كل منها يسعى للهيمنة على السلطة، ولكنها تعني في الوقت نفسه عن محاولة للحصول على أكبر عدد من الأصوات وعدد النواب من خلال هذا التوسع الكمي لعدد القوى التي ستشارك في الانتخابات.
** وفي الجانب الكردستاني حصل التمزق في القوى الكردية، الذي برز قبل الاستفتاء وتواصل وتعمق بعده، والذي تبلور في عدد من القوائم الانتخابية والتي تجسد ضعفاً عاماً لها جميعاً في مواجهة الأوضاع الجديدة بالعراق وكردستان. كما إن جميعها لم تسع إلى إيجاد تحالف جديد لها مع القوى الديمقراطية العراقية العابرة للطوائف والقوميات، وهو خلل كبير صاحب الحركة الديمقراطية الكردستانية منذ سقوط الدكتاتورية وابتعادها عن القوى الديمقراطية العراقية وأضعاف لها ولبقية القوى الديمقراطية، العربية وغير العربية.
** وفي الصف الديمقراطي اليساري واللبرالي والمستقل تعرض هو الآخر إلى التمزق، بعكس ما يستوجبه الوضع العراقي العام وما يتطلبه الموقف من الانتفاع الفعلي من أزمة القوى الإسلامية السياسية الطائفية. حصل التمزق في جانبين: الأول الابتعاد بين قوى التيار الديمقراطي العراقي وقوى ليبرالية وديمقراطية ومستقلة أخرى، والثاني في تفلش أو انفراط عقد التحالف الجديد "تقدم"، الذي تشكل في نهاية العام الماضي من خلال خروج الحزب الشيوعي عنه وإقامته تحالفاً مع حزب الاستقامة، الذي يقوده ويشرف عليه مقتدى الصدر، وجماعات ليبرالية أخرى، وخروج الحزب الاجتماعي الديمقراطي وتشكيله تحالفات أخرى من قوى ليبرالية. وتبريرات هذه الانشطارات والتحالفات الجديدة تسوقها القوى المنشطرة كل من منظوره الخاص وقناعته بما يمكن أن تسفر عنه نتائج تحالفاته الجديدة. 
** يراد لهذه الانتخابات أن تجري في ظل ظروف غير مناسبة من الناحية الموضوعية ونعني بذلك:           
•   النزوح الكبير لأكثر من مليوني إنسان، ممن يحق له التصويت، عن مناطق سكناهم واستحالة مساهمة الكثير منهم في التصويت، ولاسيما محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وكركوك.
•   قانون الانتخابات السيء الصيت الذي لم يعدل والذي وضع من قبل الأحزاب الطائفية التي تريد البقاء في السلطة وبطريقة مفضوحة ودون حياء.
•   وجود مفوضية الانتخابات الجديدة غير المستقلة التي أقيمت على أساس المحاصصة الطائفية المقيتة والمذلة للمواطنين والمواطنات وللشعب عموماً، والتي لن تكون نزيهة في إشرافها على الانتخابات كما حصل تماماً في الدورات الانتخابية السابقة.
•   تجري الانتخابات في غياب التوازن والمساواة في القدرة على الدعاية الانتخابية بسبب الهيمنة على الإعلام وامتلاك الأموال والتدخل الديني في الانتخابات، إضافة إلى التأثير الخارجي، ولاسيما إيران على مجرى الانتخابات، وكذلك دور المليشيات الطائفية المسلحة في ترهيب الناخبين ضد قوى معينة، وترغيبهم لقوى أخرى من خلال وجودهم في المناطق الانتخابية.
•   قيام قوى إسلامية سياسية شيعية وسنية وشيوخ بمحاولات وقحة لتشويه سمعة القوى المدنية والديمقراطية لإبعاد الناخبين عن التصويت لهذه القوى من خلال ادعاءات واتهامات كاذبة ووقحة يطلقونها من على منابر الجوامع والمساجد وفي القنوات التلفزيونية والإذاعات والصحف.
•   وجود قوى وعناصر شديدة الفساد تتربع في مواقع المسؤولية السياسية وعموم الدولة العراقية، أي في سلطاتها الثلاث، وهي التي تملك من الأموال ما يساعدها على توسيع قاعدة رشوة الناخبين وشراء أصواتهم واستخدام أساليب أخرى تتجلى في دعاياتهم الانتخابية أيضاً. وكل الوعود التي قطعها رئيس الوزراء بمحاربة الفساد والمفسدين ذهبت أدراج الرياح: وكأننا نسمع القول الشائع بالعراق "كلام الليل يمحوه النهار"! جيد أن يلقى القبض على السوداني ويسلم للحكومة العراقية ولكن الحرامية الكبار يعيشون بالعراق وببغداد، ولاسيما في المنطقة الخضراء، فلماذا لا يجري اعتقالهم، هل لأن على "ز... جرس!"؟ لقد اعلنوا خبر اعتقال "حرامي بغداد" واحد أو اثنين، وهما خارج العراق ويفترض أن يسلما إلى الحكومة العراقية، ولكن في بغداد، ولاسيما حي الخضراء، فهناك العشرات بل المئات من أشرس وأحقر "حرامية بغداد" المعروفين للناس جميعاً، ويخشى رئيس الوزراء اعتقالهم ولا القضاء العراقي ولا الادعاء العام قادر على ذلك!
** وعلينا أن نشير إلى أن نسبة عالية من بنات وأبنا الشعب العراقي يعانون من الفقر والحرمان، وهم يعيشون تحت خط الفقر المعروف دولياً في ظروف العراق الملموسة، وهناك بطالة واسعة جداً، كما إن الوعي السياسي والاجتماعي ما يزال بعيداً عن قدرة الفرد في تحليل واقع العراق وضرورات التغيير الفعلي وإبعاد القوى الحاكمة المسؤولة عن ذلك عن الدولة بسلطاتها الثلاث، ووجود الأموال الهائلة لدى الفاسدين المسروقة من أموال الشعب، وهي سحت حرام.
ماذا ننتظر من الانتخابات القادمة وفي ظل هذه التشخيصات؟   
 مع إن هذه التحالفات ما تزال هشة ومتغيرة في من يلتحق بها أن يغير تحالفه، فأن ما جاء في أعلاه يسمح لي باستنتاج يشير إلى احتمال كبير في التأثير المباشر وغير المباشر موضوعياً على مجرى الانتخابات في غير صالح نزاهتها وأمانتها لمصالح الشعب العراقي لن يكون قليلاً بل واسعاً، من خلال التأثير على نسبة عالية من الناس ممن يعانون من مشكلات مالية ومعيشية، إضافة إلى اقترانها بالجانب الديني المشوه، وبالتالي احتمال بروز ذات الوجوه وما يماثلها سلوكاً، وبنسبة عالية، في مجلس النواب الجديد، قائمة حقاً، وهي الكارثة المحتملة والمرتقبة التي يصعب، كما يبدو حالياً تلافيها. ومن كان يعول على العبادي في تشكيل قائمة عابرة للطوائف أصيب بخيبة أمل، علماً بأن الأمر كان متوقع أساساً!  لقد ارتدى العبادي دشداشة الطائفية البائسة والمهلهلة، كما كتب بصواب الزميل الكاتب والصحفي عدنان حسين في جريدة المدى وفي مقاله الموسوم "انتخابات إعادة التدوير" بتاريخ 12/01/2018 ما يلي: "من الواضح أيضاً أنه ما من أحد من الكيانات المتنفذة في السلطة منذ 2003 يريد الخروج من شرنقة الطائفة – القومية. حتى رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي لم ينقصه إلا الوقوف عند شبّاك العبّاس والحلفان لتأكيد أنه يريد تشكيل ائتلاف سياسي وطني عابر للطائفية والقومية، يتبيّن الآن أنه غير قادر على، وربما غير راغب في، نزع دشداشته الطائفية"، علماً بأن إيران لم تعد تؤيد العبادي بل تريد استبداله بـ "هادي العامري"، بعد أن احترقت أوراق المالكي كثيراً، رغم أنه ما يزال لم ييأس من تأييد إيران ولاسيما المرشد الإيراني على خامنئي.
إن الجواب عن السؤال الوارد في عنوان المقال، نعم، إن الفئات الحاكمة تعمل بكل قوة وتستخدم كل الأساليب غير المشروعة، ومنها الإفساد، للبقاء في السلطة وتكريس الطائفية السياسية، وتجد الدعم الكامل من إيران الخامنئي والجنرال سليماني لتكريس نظام المحاصصة الطائفية، النظام السياسي الطائفي الفاسد بالعراق، وهي بذلك تخدم مصالح القوى الفاسدة الحاكمة ومصالح إيران مباشرة التي تحدث بعض أبرز قادتها قبل أشهر عن إن العراق أصبح جزءاً من الدولة الإسلامية الفارسية وعاصمتها بغداد!!
 


36
كاظم حبيب
العالم يسخر من مهازل ترامپ، وترامپ يسخر من مهازل الحكام العرب!
عرف الشعب الأمريكي، ومعه العالم كله، عدداً من الرؤساء الأمريكيين الذين تميزوا بمواصفات غير حميدة، منها الجهل بأمور العالم والسياسة الخارجية والتطرف اليميني والكذب مثل ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان وجورج دبليو بوش الأبن، ولكنه لم يعرف أبداً رئيساً كالرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية، الرئيس الجديد الذي يقطن اليوم في البيت الأبيض ويحمل شعار الولايات المتحدة الأمريكية أولاً، وهو يعبر عن محتوى الشعار المعروف لألمانيا النازية الهتلرية "ألمانيا فوق الجميع"، فهو يحمل كل هذه السمات السيئة، ولكنه يفوقهم، كما يقول جيرمي د. ماير، المحاضر في جامعة جورج ماسون في السياسة الخارجية والإعلام، في عنصريته والذي يطلق كذبة ثم يصدقها ويقتنع بصحتها. ولكن الناس المحيطين به والذين يستمعون إلى أكاذيبه مقتنعون بأنها ليست سوى "روث البقر"، أي فضلاتها، والتي لا يصدق بها إلا من كان من صنفه. (المصدر: برلينر تسايتوگ Kordula Doerfler und Damir Fras, Interview mit Jermy D. Maxer, Berliner Zeitung, Nr. 11, 13./14. Januar 2018, S. Magazin, S. 1u. 2). فهو لا يستحي من أكاذيبه كما لا يستحي من أحد. وهذه الشخصية ذات الأطوار الغريبة قد شتم الكثير من الشعوب وأساء إليها بعبارات قاسية، ومنها أخيراً الشتيمة العنصرية التي وجهها للدول الأفريقية وهاييتي والسلفادور حين وصفها بـ "حثالة الدول" أو "الدول القذرة" أو "الأوكار القذرة". وكان النص الذي نقل عنه في اجتماع له مع أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي من الحجزبين الجمهوري والديمقراطي قوله التالي: "لماذا يأتي كل هؤلاء الاشخاص القادمين من حثالة الدول إلى هذا البلد؟". وقد احتج الاتحاد الأفريقي على هذه الإهانة والإساءة المتعمدة والوقحة الموجهة لشعوب قارة بأسرها وكل الناس من أصول أفريقية أو ممن هم من دول مثل هاييتي والسلفادور مثلاً. "فقد طالب سفراء 54 دولة إفريقية بالأمم المتحدة في بيان شديد اللهجة، الرئيس الأميركي دونالد ترامپ بالاعتذار والتراجع عن تصريحات وصف فيها بلدانهم ودولا أخرى بـ”الحثالة”. وبعد اجتماع طارئ في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، قالت مجموعة السفراء في بيان، إنها “صُدمت بشدة”، وبأنها “تدين الملاحظات الفاضحة والعنصرية والمتضمنة كراهية للأجانب”. (المصدر: لأمم المتحدة: 54 دولة إفريقية تطالب ترمب بالاعتذار https://www.souriyati.com/2018/01/13/93192.html  ، موقع سوريتي بتاريخ 13/01/2018).
هذا الرجل بدأ يقدم للعالم كل يوم تقريباً سواء بتصريحاته أم بـ "تغريداته" على التويتر ما يجعل العالم يسخر منه ومن الذين انتخبوا مثل هذه الشخصية القرقوزية من جهة، والخطرة والمحملة، كما تشير إلى ذلك مواقع التواصل الاجتماعي، بروح ورائحة عنصرية نتنة من جهة ثانية، وبسبب راديكاليته اليمينية المتطرفة ورغبته في المزيد من تسليط الاستغلال على الكادحين بالولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثالثة. وهو صاحب القول كان على الولايات المتحدة الأمريكية "أن تأخذ النفط" في العراق عام 2003، مشيراً إلى أنها "لو فعلت ذلك (وقتها) لما ظهر داعش"، متابعاً: "ربما ستكون هنالك فرصة أخرى".. (المصدر: ترامپ: كان على أمريكا أخذ نفط العراق في 2003 وربما ستكون هنالك فرصة أخرى لذلك، موقع رووداو، 22/01/2017").
هذا الرئيس الذي سخرت شعوب العالم منه وضحكت عليه، كما أغضبها تصرفاته السياسية ومواقفه إزاء المرأة وشعوب البلدان النامية، لم يستطع حتى الآن كسب الدول الأوروبية إلى جانبه حتى تلك الدول الأقرب من غيرها إلى الولايات المتحدة مثل بريطانيا وألمانيا ولاسيما تريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، وأنجلا ميركل، مستشارة ألمانيا الاتحادية وأغلب مسؤولي دول الاتحاد الأوروبي. هذا الرئيس بالذات يسخر، وبكل ما لهذه الكلمة من معنى من شعوب الدول العربية ويضحك بملء فمه على ذقون الحكام العرب، وهم راكعون له ومسبحون بحمده ودافعون له ما يشاء من أموال من أموال شعوبهم المقهورة بسياساتهم الاستبدادية وعنجهيتهم.
وأخيراً وليس أخراً قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل دون أن يأخذ بالاعتبار قرارات مجلس الأمن الدولي وموقف العالم كله من هذه القضية الشائكة والمعقدة والتي وضعت ضمن الحل النهائي لحل القضية الفلسطينية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. إذ "أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامپ بتاريخ 07/12/2017 في خطاب متلفز من البيت الأبيض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقال إنه وجه أوامره للبدء بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وهو ما أكده وزير خارجيته ريكس تيلرسون، ورحب نواب أميركيون بالقرار." (المصدر: المصدر: الجزيرة + وكالات 7/12/2017). ولم يكتف بذلك بل هدد كل دول العالم، وهي الدول النامية، بأنه سيقطع عنها المساعدات التي تقدم بها، وهي في الغالب مساعدات عسكرية وغذائية، والتي تمنح من الأرباح التي تتحقق للولايات المتحدة الأمريكية واحتكاراتها من اقتصاديات الدول النامية، وهذه المنح والمساعدات ليست جزءاً يسيراً مما تحقق ويتحقق لها من أرباح. 
ولم يثر هذا الموقف سخرية العالم فحسب، بل وأثار غضب جميع دول العالم تقريباً، عدا إسرائيل وتسع دول أخرى صوتت ضد القرار في اجتماع الهيئة العامة للأمم المتحدة نتيجة لتهديد ترامپ وسفيرته في الأمم المتحدة. وقد اثار غضب شعوب وحكومات العالم، أكثر مما اثار غضب حكومات الدول العربية المستكينة للولايات المتحدة، والتي لم تكن قرارات مجلس الجامعة العربية حتى الآن بمستوى الرد المطلوب على قرار هذه الشخصية الغريبة بشأن القدس.
وخلال زيارة ترامپ للمملكة السعودية اتفق مع الحكومة السعودية على عقود يبلغ مقدارها بين 400 مليار دولار أمريكي لشراء الأسلحة ومعدات عسكرية ونظم دفاع عسكري وعقود أخرى ...الخ، (المصدر: موقع الوطن بتاري 21/05/2017). كما إن المتحدث باسم البيت الأبيض أكد: "إن الرئيس ترامپ ووزير الخارجية تيلرسون حضرا مراسم توقيع عقود تسليح بنحو 110 مليارات دولار." (المصدر: اولى ارباح ترامپ من السعودية .. عقود تسليح بـ 110 مليارات دولار، موقع قناة العالم، بتاريخ 20/05/2017). كما إن حكومة ترامپ وقعت عقداً مع قطر بمقدار 12 مليار دولار أمريكي لشراء مقاتلات أف 15 في شهر حزيران 2017. إضافة إلى عقود أخرى مع دول عربية خليجية وغيرها." وهذه الأموال المدفوعة أو التي ستدفع للولايات المتحدة الأمريكية ستسرق من لقمة عيش الشعب في المملكة السعودية ولاسيما الفقراء والمعوزين والذين يعيشون عيشة الكفاف. وهي أموال تدفع لشراء الأنظمة الجديدة من الأسلحة لتساهم في قتل المزيد من البشر في اليمن أو في سوريا أو العراق أو لتشديد الصراع والدفع باتجاه حافة الحرب مع السعودية غريمها المماثل لها في الاستبداد والقهر في المنطقة.   
إن الإحباط الذي تعيشه شعوب الدول العربية لن يدوم طويلاً، وفجأة ستهض، بع أن يكون كأس الغضب قد امتلأ، عندها سيتجد حكومات هذه الدول نفسها أمام ربيع شرق أوسطي جديد يمكن أن يكنسها ويرمي بها في براميل القمامة، وهو المكان المناسب لها، لما تسببت به حتى الآن من الآم وكوارث وحرمان على شعوب المنطقة. إن الشعوب تمهل ولا تهمل، والظلم إن دام دمر.
 


37


مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية
خلال حكم
الرئيس دونالد ترامب





د. عبد الأمير رحيمة العبود
    
لم تسلم الولايات المتحدة الأمريكية من آثار بعض الأزمات التي يتعرض لها سكان العالم في الوقت الحاضر، بالرغم من تمتعها بموارد طبيعية هائلة وإمكانات اقتصادية وتكنولوجية كبيرة جداً. إذ إنها تعرضت منذ عام 2008 إلى أزمات اقتصادية متعاقبة، تركزت في ازدياد معدلات البطالة، ونزوح عدد كبير من الصناعات والمشاريع الاقتصادية نحو الصين والمكسيك وبعض الدول الأسيوية، بسب رخص الأيدي العاملة واتساع إمكانيات التسويق في تلك المناطق، إضافة إلى ما كانت تعانيه كغيرها من الدول المتطور من ازدياد عدد النازحين إليها من مختلف أنحاء العالم، وكذلك تعرضها إلى الإرهاب كغيرها من الدول المتطورة. فضلاً عن ازدياد مديونيتها الخارجية والداخلية. وقد كان لازدياد إنفاق الولايات المتحدة على التسلح ومشاركتها في الحروب، بخاصة ما تعرضت له في الآونة الأخيرة من جرّاء الحروب في أفغانستان والعراق دور كبير في ازدياد آثار تلك الأزمات.
ولهذا أنصبت سياسة الولايات المتحدة عقب تولي الرئيس "باراك أوباما" بتاريخ 20/1/2009 على تقليص المشاركة في الصراعات الدولية العسكرية والتركيز على معالجة المشاكل الداخلية للولايات المتحدة، ويبدوا أن تلك السياسة لم تفلح في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للولايات المتحدة، وقد حصل تغير كبير في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية عند مجيء الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم في مطلع عام 2017.
والجدير بالذكر أن الرئيس ترامب يعتبر من القوى اليمينية المتطرفة التابعة للحزب الجمهوري الأمريكي.
وقد تميزت سياسة ترامب خلال حملته الانتخابية بالكثير من التطرف والطيش، واستعمال أساليب المغامرة والمناورة والتهديد في سياسته الخارجية والداخلية، لمواجهة منافسته "هيلاري كلنتون". وكان هدفه الرئيس كما كان يدعي هو أن يعيد للولايات المتحدة الأمريكية قوتها السابقة وسيطرتها على العالم.
لقد كان ترامب رجل أعمال ناجح، ولكنه يفتقد إلى الحكمة والخبرة السياسية والدبلوماسية، اعتمد في خبرته التجارية الناجحة على أسلوب المغامرة والمناورة والتحدي وقد كسب من خلال ذلك على الكثير من الأموال وأصبح واحداً من كبار الأثرياء الأمريكيين.
بيد أن هذه الصفات التي تميز بها دونالد ترامب لم تكن ملائمة لما تقتضيه مهمته السياسية كرئيس دولة، بدليل أن كافة الاستطلاعات التي أُجريت آنذاك خلال الحملة الانتخابية قد أسفرت عن تغلب التأييد بنسب مرتفعة لمنافسته هيلاري كلينتون.
وما إن ظهرت نتائج الانتخابات حتى تفاجئ العالم بفوز "دونالد ترامب" بمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وخسارة منافسته "هيلاري كلينتون".
وقد أثار هذا الفوز، غير المتوقع، الشكوك لدى الكثيرين من الهيئات السياسية والإعلامية، والادعاء بممارسة نوع من التدخل غير المشروع في سير هذه الانتخابات، وقد أشير في حينه إلى احتمال ممارسة السلطات الروسية للأساليب التكنولوجية بقصد التأثير على تلك الانتخابات لصالح دونالد ترامب.
وخلال الفترة منذ فوز ترامب الانتخابات ولحين استلامه للسلطة قام ترامب بتعيين من يشاركونه في ممارسة السلطة على مستوى الوزراء ورؤساء المؤسسات الأمنية وكبار موظفي البيت الأبيض من الأثرياء ومن تميزوا بمشاركته بما كان يعلنه من سياسات التطرف والعنف في حملته الانتخابية ومن ضمنهم بعض أقاربه مثل أبنته (إيفانكا) وزوجها.
وفي ضوء هذه المعطيات قد يثار السؤال: هل سوف يفلح الرئيس ترامب في تنفيذ ما أعلنه من سياسات وإجراءات خلال حملته الانتخابية؟ وما أثـر ذلك على وضع الولايات المتحدة حتى الآن ؟
وللإجابة عن هذا السؤال بشكل واضح قد يفيدنا استعراض الإجراءات والسياسات التي أعلنها السيد ترامب وقام بتنفيذها حتى الآن:

أولاً: الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية:
يلاحظ هنا تحولاً جذرياً في سياسة ترامب إزاء الهجرة ودخول مواطني الدول الأخرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إذ إنه في برنامجه الانتخابي كان يطالب بمنع كافة المسلمين من الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكان يدعي بأن السعودية ودول الخليج العربي هي أكثر الدول الداعمة لمنظمة داعش الإرهابية.
لكنه ما إن تسلم السلطة في 20/1/2017 حتى أعلن عن حضر دخول مواطني سبعة دول إسلامية هي: إيران وسوريا والعراق واليمن والصومال وليبيا والسودان بالرغم من أن العراق من أكثر الدول التي تحارب الإرهاب وبينها وبين الولايات المتحدة تحالف استراتيجي.
وما إن صدر هذا القرار حتى قوبل بمظاهرات عارمة في مدن أمريكية عديدة، كما صدرت قرارات من عدة محاكم أمريكية تطعن في شرعيته الدستورية.
وبالرغم من قيام ترامب باستثناء العراق من شمول هذا القرار، إلا أن هذا القرار لم يطبق كاملاً حتى الآن.

ثانياً: محاربة الإرهاب:
بعد أن كانت محاربة منظمة داعش والقضاء عليها هي الهدف الرئيس الذي تركزت حوله الدعاية الانتخابية للرئيس ترامب. إذ كان يطالب بضرورة توجيه ضربة قاضية لهذه المنظمة والدول التي تمدها بالمساعدة، مع الإيحاء بدور دول الخليج العربي، ومنها السعودية بدعم هذه المنظمة عن طريق منظماتها الاجتماعية وجوامعها الوهابية، مع الإشارة إلى ضرورة التعاون مع روسيا للقضاء على هذه المنظمة.
لكن الغريب والمثير أيضا هو أن ترامب ما أن تسلم الحكم حتى تحول حديثه من محاربة داعش إلى الحديث عن محاربة الإرهاب معتبراً إيران هي الداعم الرئيس للإرهاب في العالم، ومطالباً بالتعاون مع السعودية ودول الخليج للقضاء على الإرهاب والحد من تأثيرات إيران على المنطقة، ويبدوا أن محاولة ترامب هذه هي للضغط على السعودية ودول الخليج من أجل الحصول على الأموال والاستثمارات من قبل دول الخليج لإنعاش الاقتصاد الأمريكي.

ثالثاً: الاتفاقية النووية مع إيران:
لقد حصل تحوّل ملموس في سياسة ترامب إزاء الاتفاقية النووية مع إيران بعد أن تسلم السلطة، بسبب إعلان الدول الأوروبية الموقعة على تلك الاتفاقية عن تمسكها بهذه الاتفاقية، ولهذا أصبح ترامب يدعوا إلى إجراء التغييرات على بعض بنود تلك الاتفاقية بل إن السكون قد خيم على هذا الموضوع في الآونة الأخيرة. بعد أن كان هدفه هو إلغاء الاتفاقية النووية مع إيران خلال حملته الانتخابية إلا أنَّ الحملة ضد إيران وإعلان معاداتها وضرورة معاقبتها لا تزال من أهم السياسات التي يعلن عنها ترامب باستمرار.

رابعاً: الرعاية الصحية:
بعد توليه السلطة أعلن ترامب عن إلغاء مشروع الرعاية الصحية (أوباما كير) الذي يوفر الرعاية الصحية لما يقارب الأربعين مليون أمريكي بسبب تكاليفه الباهظة واستبداله بمشروع آخر تحت اسم (ترامب كير).
لكن هذا القرار جوبِهَ بمظاهرات عارمة تهدد به في مدن أمريكية عديدة، ولم يحض بموافقة الكونغرس الأمريكي، وكان البديل الذي اعتمده ترامب فيما بعد هو طرح مشروع آخر يتضمن إلغاء جوانب متعددة من مشروع (أوباما كير) وقد اقترن هذا المشروع بموافقة مجلس النواب، ولم يحصل إلغـاؤه كليـاً.

خامسا: التحالفات الدولية:
كذلك حصل تحول واضح في موقف ترامب من التحالفات الدولية، فبعد أن كان هدفه الخروج من حلف الأطلسي "الناتو" كان موقفه حتى الآن داعماً لمشاركة الولايات المتحدة بهذا الحلف، واقتصرت مطالباته على ضرورة مساهمة الأعضاء بتكاليف ذلك الحلف وزيادتها قليلاً.
كما طالب الرئيس ترامب خلال حملته الانتخابية بالخروج من الاتفاقيات التجارية الدولية، لكنه لم يتخذ أي إجراء حول هذا الموضوع حتى الآن.

سادساً: العلاقة مع روسيا وسوريا:
تميزت العلاقات مع روسيا وسوريا بالتقلبات المفاجئة ففي الأيام الأولى من تسلمه للسلطة عبر ترامب عن رغبته بالتعاون مع روسيا من أجل حل المشكلة السورية والتعاون بشأن محاربة الإرهاب، معلناً بأن حل المشكلة السورية لا يقتضي بالضرورة إزالة نظام الأسد عن الحكم، وداعماً للقوى الديمقراطية الكُردية السورية بالأسلحة في سبيل تحرير الرقة، على النقيض من موقف أردوغان المعادي للأكراد السوريين.
لكنه ما إن أعلنت مشكلة التسمم بالسلاح الكيمياوي في مدينة "خان شيخون" نهاية نيسان الماضي حتى قام ترامب بضرب معسكر الشعيرات السوري بتسع وخمسين صاروخاً بالستيا معرباً عن رأيه بضرورة إزاحة الأسد عن الحكم في سوريا.
في الأيام الأخيرة ظهرت سياسة جديدة لترامب محورها التعاون مع روسيا لحل المشكلة السورية سلمياً دون الإشارة إلى تغيير نظام الأسد.

سابعاً: بناء الجدار مع المكسيك:
كذلك أعلن ترامب في الأيام الأولى من استلامه السلطة عن رغبته في المباشرة في بناء جدار بطول 1500كم على الحدود مع المكسيك، على أن تتحمل دولة المكسيك تكاليفه الباهظة. وقد قوبل هذا الإجراء برفض المكسيك لتحمل تكاليفه، وتفاقم المظاهرات المناهضة له، داخل الولايات المتحدة وفي دولة المكسيك، ولحد الآن لم يحصل العمل بإقامة هذا الجدار بسبب تكاليفه الباهظة.

ثامنـاً: السياسة الاقتصادية:
لم يظهر عن ترامب حتى الآن أي إجراء إزاء المؤسسات الاقتصادية المهاجرة إلى كل من الصين والمكسيك وغيرها من الدول، بعد أن كان يدعوا إلى فرض ضريبة جمرگية بمعدل 35% على السلع المستوردة منها للميزانية الأمريكية، بعد أن أعلن عن زيادة الصرف العسكري بمقدار 45 مليار دولار تجاوزاً للميزانية الأمريكية.
وقد يكون الوقت مبكراً لاتخاذ مثل هذه أو أية إجراءات أخرى لمعالجة مشاكل الاقتصاد الأمريكي.

تاسعاً: العلاقة مع العراق:
طالب ترامب مراراً خلال حملته الانتخابية بضرورة السيطرة على النفط العراقي لغرض تعويض الأمريكيين عن خسائرهم جرّاء حربهم في العراق عام 2003م.
بينما راح ترامب منذ تسلمه السلطة يعلن عن دعمه للعراق في حرية ضد داعش عسكرياً، ورغبته في زيادة هذا الدعم العسكري لحين القضاء على داعش في العراق.
وقد استقبل الرئيس ترامب الرئيس العراقي حيدر العبادي استقبالاً حافلاً في البيت الأبيض بعد توليه السلطة، ولم يحصل منه حتى الآن أي إعلان أو إشارة إلى النفط العراقي.

عاشراً: الانسحاب من اتفاقية المناخ الدولية:
على الرغم من اتساع المخاطر التي يعاني منها البشر في كل أنحاء العالم من جرّاء ازدياد حرارة الأرض وما تستوجبه هذه المخاطر من تعاون دول العالم من أجل تخفيض معدل انبعاث الغازات الدفيئة كوسيلة للحد من ازدياد حرارة الأرض، والتي تكللت باتفاقيات دولية متعددة آخرها اتفاقية باريس في 12 ديسمبر 2015 والتي تعهدت بموجبها 195 دولة بالالتزام بتطبيق الإجراءات التي تحول دون ازدياد حرارة الأرض( ) ومنها الحد من انبعاث الغازات الدفيئة نتيجة لحرق الفحم والنفط والغاز، وكذلك تقديم 100 مليار دولار إلى الدول النامية لمساعدتها على الالتزام بتطبيق تلك الإجراءات.
وإزاء هذه المخاطر الجسيمة التي تهدد مستقبل البشر قرر الرئيس دونالد ترامب بتاريخ 1 حزيران 2017 الانسحاب من هذه الاتفاقية الدولية للمناخ، بسبب ازدياد أعباءها المالية كما يدعي. بالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من أكثر الدول المتسببة في ازدياد انبعاث الغازات المسببة للاحتراز العالمي.
بمعنى أنه حتى الآن يفضل التوسع في إنتاج الفحم والنفط والغاز كوسيلة لزيادة الموارد المالية على معالجة إحدى أهم المشاكل التي تهدد مستقبل البشر وهي ازدياد حرارة الأرض.
إحدى عشر: العلاقة مع السعودية ودول الخليج العربي:
بعد أن وصف الرئيس ترامب السعودية أثناء حملته الانتخابية "بالبقرة الحلوب التي إن لم تدر الذهب والدولارات على الولايات المتحدة الأمريكية فينبغي أن تذبح بسبب موقفها الوهابي الداعم للإرهاب" وكان ذلك في 8/5/2016( ).
فقد حصل تغير مناقض وكبير في موقف ترامب إزاء السعودية بعد استلامه السلطة بخاصة بعد زيارته في البيت الأبيض من قبل ولي العهد محمد ابن سلمان بتاريخ 15/3/2017 والذي أعلن عن رغبة المملكة السعودية عن توسيع استثماراتها المالية في الولايات المتحدة الأمريكية وزيادة شرائها للأسلحة منها.
وقد اقترنت هذه الزيارة كذلك بالإعلان عن قيام ترامب في زيارة السعودية بتاريخ 20 أيار 2017 واعتبارها أول زيارة دولية يقوم بها ترامب بعد تسلمه للسلطة وقد اعتبرت السعودية هذه الزيارة فرصة لتوسيع علاقاتها مع ترامب وضمان دعمه لموقفها المعادي لإيران ولذلك فقد أعدت برنامجاً خرافياً للاحتفال بزيارته وقد تضمن هذا الاحتفال عقد ثلاثة قمم دولية برئاسة ترامب أحدها تتضمن رؤساء وممثلين عن 55 دولة عربية وإسلامية، وأخرى تتضمن كافة دول الخليج العربي، وثالثه بينه وبين ملك المملكة السعودية، وذلك لمناقشة سياسات ومشاكل المنطقة، وبخاصة علاقاتها وموقفها من إيران الذي اعتبرتها الداعم الرئيس للإرهاب.
كما تكللت هذه الزيارة بتقديم الهدايا الثمينة للسيد ترامب وعائلته التي شاركته في هذه الزيارة، والتي قدرت قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.
كل ما حصلت عليه السعودية من ترامب هو دعمها لموقفها المعادي لإيران، بينما حصل ترامب من السعودية على التعهد باستثمار 350 مليار دولار في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك التعهد بشراء أسلحة أمريكية بقيمة 120 مليار دولار.
وبذلك، وبسبب هذه المكاسب المالية الضخمة التي حققها ترامب من زيارته للسعودية، يمكن اعتبارها أهم إنجاز حققه ترامب من وراء إجراءاته التي قام بها حتى الآن.

اثني عشر: العلاقة مع إسرائيل والشعب الفلسطيني:
لم يخف ترامب دعمه وانحيازه الى إسرائيل، لكنه أعلن مراراً عن حماسه لمعالجة القضية الفلسطينية، عن طريق إنجاز حل الدولتين ، وقد اقترنت هذه الدعوة بموافقة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية "محمود عباس" واقترن هذا الحماس بمقابلة عباس والترحيب به في البيت الأبيض.
وعقب ذلك قام ترامب بزيارة إسرائيل والمناطق الفلسطينية، لكنه لم يتحدث خلال هذه الزيارة عن توسع إسرائيل في بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية، ولم يتحدث كذلك عن حل الدولتين بشكل واضح .
وبقي لفترة طويلة يعلن عن رغبته في التوسط لحل المشكلة الفلسطينية عن طريق حل الدولتين .
لكن العالم تفاجئ بتاريخ 6/12/2017 بإعلان ترامب عن عزمه نقل السفارة الأمريكية الى مدينة القدس ، واعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ، معلناً أنه بهذا الأجراء إنما ينفّذ إجراء سبق وإن اتخذه الكونغرس الأمريكي في التسعينات من القرن الماضي ، ولم يجرأ أحد من الرؤساء الأمريكيين على تنفيذه ، وإنه وهو مقتنع بضرورة تطبيقه لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ، فإنه يعتبر هذا الإجراء هو أحد الوسائل التي سوف يعتمدها لمواصلة السعي للوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين لتحقيق حل الدولتين .
وما إن أعلن ترامب عن هذا القرار حتى جوبه بالرفض والانتفاضة العارمة من قبل الفلسطينيين ، وبضمنه رفض قبول ترامب وسيطاً لحل المشكلة بين إسرائيل والفلسطينيين ، وكذلك الرفض والموقف الساخط من قبل كافة الدول العربية والإسلامية والتي تجسدت في رفض الجامعة العربية ومنظمة الاتحاد الإسلامي ، كما جوبه بالرفض من قبل كافة أعضاء مجلس الأمن خلال اجتماعهم بتاريخ 8/12/2017 باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية التي استعملت حق الفيتو لرفض القرار .
وحينما عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعا بتاريخ 21/12/2017 كانت نتيجة هذا الاجتماع هي إجماع 128 عضواً من مجموع 193 دولة هم أعضاء الأمم المتحدة على رفض قرار ترامب . بمعنى أن قرار ترامب قد رُفض من قبل ثلثي دول العالم ، وقد شملت هذه المجموعة كافة دول العالم الكبرى وبضمنها الدول الأوربية والعربية والإسلامية ، بينما لم تؤيده سوى تسعة دول في مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل والباقين من الدول الصغيرة وامتنعت عن التصويت 35 دولة ولم تحضر الاجتماع 25 دولة وبذلك يلاحظ بأن قرار ترامب هذا قد أفزع العالم ولم يُقابَل حتى الآن بغير الرفض والاستهجان من قِبل غالبية دول العالم .

الخلاصة

كل ما حصل حتى الآن يظهر جلياً بأن عناصر المغامرة والمناورة والتحدي التي تميزت بها شخصية ترامب لم تنجح حتى الآن في تحقيق أغلب توجهاته وطموحاته السياسية، ذلك لأن الإجراءات السياسية الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية تخضع لمراقبة هيئات سياسية واجتماعية أمريكية متعددة في مقدمتها الكونغرس الأمريكي والهيئات القضائية التي تحرص على حماية الدستور الأمريكي  والقوانين الأمريكية السائدة وكذلك الكثير من الهيئات الاجتماعية التي تشارك فيها المؤسسات المالية والإعلامية الكبرى، كما يشارك في تلك الرقابة بشكل مباشر وغير مباشر ممثلو الشركات الأمريكية الكبرى لحماية مصالحها، إضافة إلى الشعب الأمريكي الذي يعبر عن رأيه دائماً عن طريق المظاهرات والاحتجاجات التي ازدادت وتيرتها في مختلف الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب.
وهذه الحقيقة تؤكد بأن ترامب لا يستطيع الخروج كثيراً عن عن الخطوط الرئيسية التي ترسمها تلك الهيئات للسياسات الأمريكية، لأن خروجه عنها قد يهدد بقاءه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية كما حصل ذلك بالنسبة للرئيس الأمريكي الأسبق "ريشارد نيكسون" الذي ألغيت رئاسته عام 1974 قبل انتهاء الفترة المحددة لها دستورياً بسبب فضيحة "ووترغيت" وهو ما قد يحصل فعلاً لو استمر ترامب في مغامراته واندفاعاته غير الدستورية.
لا شك أن الفترة منذ تولي دونالد ترامب للحكم لا تزال قصيرة، ولا يمكن الحكم خلالها على مستقبل ترامب وتأثيراته على الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، بخاصة بسبب ما تميزت به إجراءاته من اندفاعات، ومغامرات غير محسوبة حتى الآن.
ومما يثير الشك حول مستقبل ترامب هو أن التحقيقات حول مدى تدخل روسيا لصالحه في الانتخابات الأمريكية الأخيرة لم تحسم بعد بل ازدادت تعقيداً في الآونة الأخيرة بعد أن قام ترامب في الآونة الأخيرة بإقالة "السيد جيمس كومي" مدير التحقيقات الفدرالي الأمريكي على أثر امتناعه عن تلبية طلب ترامب بإلغاء التحقيق حول تدخل روسيا في الانتخابات الأخيرة، وكذلك تعيين السيد "روبرت مولر" للإشراف على التحقيق في هذا الموضوع والذي لم يقترن نشاطه حتى الآن برضا السيد ت رامب. واقتران ذلك بازدياد المقابلات والتحقيقات من قبل أغضاء الكونغرس الأمريكي حول هذا الموضوع، فضلاً عن ازدياد المظاهرات الشعبية حول سياسات ترامب وآخرها احتجاج 190 مشرعاً أمريكياً على قبول الرئيس الأمريكي ترامب للهدايا المالية الشخصية مخالفة لما يشير إليه الدستور الأمريكي.
كل هذه الأمور قد تجعل موضوع عزل الرئيس دونالد ترامب عن الحكم غير مستبعد في الوقت الحاضر.
وهذا ما يوحي في الوقت ذاته بأن الرئيس ترامب قد يلجئ إلى تغيير إجراءاته واندفاعاته السياسية على الوجه الذي يضمن تحقيق الانسجام مع التوجهات السياسية والاجتماعية السائدة في المجتمع الأمريكي في سبيل البقاء في السلطة.
وفي حالة استبعاد موضوع عزل ترامب عن الحكم لأن هذا الموضوع يتطلب إنجاز العديد من الإجراءات المعقدة والعسيرة التي تستغرق فترة ليست قصيرة ، لكنه في كل الأحوال ، فإن بقاء الرئيس دونالد ترامب في السلطة سوف لا يساهم مساهمة ملموسة في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تُعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية باستثناء دوره في زيادة ثروة الأثرياء في المجتمع الأمريكي ، فضلاً عن ذلك فإن سياساته ، في كل الأحوال أيضاً ، سوف لا تساهم في تعميق التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين بقية دول العالم في معالجة المشاكل التي يعاني منها سكان العالم في الوقت الحاضر ، أو تلك التي تُهدد مستقبل البشرية . إضافة إلى ذلك فأن مغامراته واندفاعاته غير المحسوبة قد تسبب كوارث للعالم لا يعلم مداها إلا الله .

الملحق
معلومات حول الولايات المتحدة الأمريكية
عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2016=322.982.000 شخصياً
مساحة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2016= 9.830.760كم2
نظام الحكم جمهوري، دستوري رئاسي، فيدرالي
العاصمة: واشنطن
عدد الولايات: خمسون ولاية
الحكومة الفيدرالية تتكون من:
1- السلطة التشريعية: تتكون من الكونغرس الذي يضم مجلس الشيوخ ومجلس النواب، مجلس الشيوخ 100 عضواً ومجلس النواب 435 عضواً، ولكل ولاية حاكماً.
2- السلطة التنفيذية: الرئيس الأمريكي هو القائد الأعلى وهو الذي يعين مجلس الوزراء، وغيرهم من السلطات الرئيسية وكبار الموظفين والضباط.
3- السلطة القضائية: تتكون من المحكمة العليا والمحاكم الفيدرالية والمحاكم الخاصة والمحاكم الإدارية ومحاكم الولايات المتخصصة والمحلية.
حجم الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014 = 14.870 ترليون دولار وهو يشكل نسبة 24% من مجموع الناتج المحلي العالمي.
حجم الدين العام للولايات المتحدة الأمريكية عام 2016 = 19.188 ترليون دولار
حصة المؤسسات الخارجية من الدين العام = 9.000 ترليون دولار
حصة الفرد الأمريكي من الدين العام 46 ألف دولار
نسبة البطالة عام 2016 5% من القادرين على العمل
عدد الفقراء في الولايات المتحدة الأمريكية = 45 مليون شخصاً
نسبة السكان تحت خط الفقر = 14.5%
عدد أفراد القوات المسلحة الأمريكية عام 2016 = 1.400 مليون عسكري
تنفق الولايات المتحدة الأمريكية على القوة العسكرية 698 مليار دولار 2016
الإنفاق العسكرية الأمريكي يشكل 43% من الأنفاق العسكري العالمي 2016
عدد القواعد العسكرية الأمريكية في العام 750 قاعدة من 130 دولة =
في عام 2010 كان قرابة 46 مليون أمريكي ليس لديهم تأمين صحي


38
كاظم حبيب
مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق
4 - 4
استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة بالعراق
حين يقرأ المواطن والمواطنة، سواء أكان بالعراق أم خارجه، من الملمين بالشؤون الاقتصادية، تفاصيل الموازنة المالية العراقية لعام 2018 ويطلع على ملاحظات العديد من الكتاب الاقتصاديين والماليين يدرك بأن النظام السياسي القائم، الدولة وسلطتها التنفيذي (الحكومة) والتشريعية (مجلس النواب)، بعيدة كل البعد عن متطلبات الاقتصاد والمجتمع بالعراق. وهو أمر غير مستغرب لنظام سياسي طائفي يعتمد المحاصصة الطائفية والأثنية في توزيع المسؤوليات في السلطات الثلاث، وتقوده مجموعة من أحزاب الإسلام السياسي الطائفية التي لم ولا يهمها المجتمع وتقدمه وازدهاره، بل يتركز همها الأول والأخير على الاستمرار بالسلطة والنفوذ والهيمنة على المال العام والتصرف به على وفق الأغراض التي تسعى لها، ومنها زيادة ما لديها من أموال السحت الحرام في حساباتها في البنوك الأجنبية. إذ يغيب عن هذه الميزانية أي رؤية استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، للتنمية الصناعية والزراعية والسياحة والخدمات الإنتاجية، ولاسيما الطاقة الكهربائية والماء والنقل والاتصالات، ولا لمصالح الغالبية العظمى من بنات وأبناء الشعب الفقراء والكادحين وذوي الدخل المحدود. فهي ميزانية تقليدية تقوم على باب الواردات وباب المصروفات، واعتمادها بنسبة عالية جداً تصل إلى حدود أو أكثر من 90% من إيراداتها على الأموال المتأتية من صادرات النفط الخام، فهي ميزانية تكرس الريعية في الاقتصاد، ويغيب عنها ما يطرح في الوقت ذاته الميزانية الاستثمارية التي يفترض ان يرد فيها الاستثمار الحكومي الفعلي في القطاعات الإنتاجية، وما ترسمه من احتمال توظيفات في القطاع الخاص والتي سوف لن تتحقق، إذ سوف تتوجه استثمارات القطاع الخاص للتوظيف في قطاعات التجارة والعقار والسمسرة والمضاربات المالية وتهريب الأموال والأرباح. ونسبة عالية من استثمارات الحكومة ستذهب لقطاع النفط لتزيد من حالة التشوه والقطيعة بين الاقتصاد النفطي العراقي وبقية القطاعات الاقتصادية العراقية. وستعاني الجماهير الواسعة من شظف العيش والتقشف الحكومي على حساب الفقراء والمعوزين وأصحاب الرواتب المحدودة، وستزداد نسبة مدفوعات العراق عن ديونه الخارجية والفوائد السنوية المترتبة عليها، وهو خضوع صارخ لشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على وفق الاتفاقية السيئة المعقودة مع هاتين المؤسستين الدوليتين في غير صالح العراق، والتي لم تكن شروطها يوماً في صالح الفئات الكادحة والمنتجة للخيرات المادية، بل لصالح الأغنياء ومصالح الرأسمال الأجنبي ووجهة التطور التي يسعون فرضها على العراق والدول المماثلة له، كما ستتعرض موارد العراق المالية إلى النهب من الباطن والخارج وعلى نفس الوتيرة السابقة، لأن القوى والأحزاب الحاكمة ذاتها لم تتغير، ومازال الفاسدون يجلسون في الصفوف الأمامية من مواقع الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومؤسساتها الأخرى.
جاء في مقال للسيدة شذى خليل نقلاً عن الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح ما يلي:" وأكَدَ المستشار الاقتصادي لرئاسة الوزراء مظهر محمد صالح ان موازنة 2018، تحمل إرثا منذ عشر سنوات وليومنا هذا، فهي “ريعية نفطية”، حيث تبلغ صادرات النفط للعراق الاتحادي 3.888 مليون برميل يوميا. وتوقع صالح ان تصل الايرادات النفطية الى حوالي 74 تريليون دينار عراقي والإيرادات غير النفطية ، 12 تريليون دينار عراقي، شاملة الضرائب والرسوم والايرادات الرأسمالية ، والايرادات التحويلية ، اي ما تحصل علية الموازنة يقد بـ86 تريليون دينار عراقي مضافا اليه الاقتراض الداخلي والخارجي بحدود 10 تريليونات بحيث تصبح قيمة الموازنة الاجمالية 96 تريليون دينار عراقي ، عدا الديون التي سوف تسدد، وخدمات تلك الديون ( قسط + فائدة ) التي تبلغ نحو10 تريليونات."1) وأشارت في مكان آخر لموضوع مهم أيضاً قولها" "كما اكد صالح إن الخطر في الموازنة يعود الى انه كلما كانت تحقق فائضا بالإيرادات كانت تتوسع بالوظائف والرواتب مما شكل اعباء بمرور الوقت على الموازنة مشيرا الى صعوبة التخلي عن هذا التوسع، فعندما تتعرض لازمة مالية، المشكلة هنا كيف توفر استدامة مالية صحيحة، فعندما هبطت اسعار النفط حوالي 67%  عن معدلاتها التاريخية ، حاول العراق جاهدا زيادة كمية المنتج النفطي حوالي 30% لتعويض ذلك الهبوط الكبير في الاسعار، لكن دون جدوى، اذ كانت الفجوة كبيرة، فتحول العجز الافتراضي الى عجز حقيقي، فعندما تسعر الموازنة على 80 دولارا، كان العراق يبيع 103 دولارات ، وحين تسعر او تبنى الموازنة على سعر برميل النفط 53 دولارا، ونبيع ب43 دولارا."2) كما تشير شذى خليل إلى ذلك حين كتبت ما يلي: "وبيَّنَ صالح إن من النقاط المهمة في الموازنة التي يجب الإشارة إليها، هي الموازنة الاستثمارية ، التي لا تقر الا في الشهر السابع من السنة ، فمنذ 10 سنوات لم تنفذ المشاريع الاستثمارية، لكونها تقدم دون دراسة جدوى ، او تكون مستعجلة ، او تقدم بأسعار مبالغ فيها، او غير معروفة بشكل صحيح ، وتمس الحياة الاقتصادية بشكل عام ، لكنها مشكلتها انه لا يوجد فيها ترابطات بالاقتصادات اي ضعيفة، وهذا النمط من التنمية افرزته الفوائض بالإيرادات."3) وهي كما يرى القارئ والقارئة تشخيصات مهمة وصائبة وصريحة كعادة الدكتور مظهر محمد صالح. ومن هنا يمكن القول أيضاً بأن العراق ما يزال وسيبقى بعيداً عن وضع استراتيجية تنموية مستدامة ما دامت القوى الحاكمة طائفية محاصصية وكنظام سياسي فاسد ولا يعود لحضارة القرن الحادي والعشرين.       
إن وضع استراتيجية تنموية للاقتصاد والمجتمع والثقافة والتعليم والبيئة بالعراق تنسجم مع متطلبات تنظيف وحماية البيئة العراقية يتطلب:
أولاً: وجود حكومة عراقية وطنية، لا ترطن على حسب قول شعلان أبو الچون، حكومة تلتزم بمبدأ الوطن والمواطنة الواحدة والمتساوية ولا تخضع للهويات الفرعية، التي إن أخذ بها ستكون قاتلة، كما هو عليه الوضع بالعراق حالياً، حكومة ديمقراطية تلتزم بدستور ديمقراطي حضاري يفصل بين الدين والدولة وبين السلطات الثلاث واستقلال القضاء، دولة ديمقراطية علمانية حديثة، وذات قرارات سياسية واقتصادية واجتماعية مستقلة وواعية لمبدأ السيادة الوطنية. وهي مستلزمات وشروط غائبة عن العراق منذ عقود.
ثانياً: وجود أحزاب سياسية تتميز بالديمقراطية والحداثة وبعيداً عن الطائفية السياسية والشوفينية والتعصب الديني إزاء الآخر. وهو العنصر الغائب عن أغلب الأحزاب التي يؤلف ممثلوها المجلس النيابي والحكومة والهيئات المستقلة والقضاء العراقي.
ثالثاً: أن تساهم النقابات ومنظمات المجتمع المدني والرقابة الشعبية والإعلام والشعب عموماً دورها الرقابي على الدولة وسلطاتها الثلاث، وهي ليست غائبة فحسب، بل ومقموعة عملياً ومحاربة بالرزق وفرص القيام بالمهمات التي يفترض أن تكون مناطة بها.
رابعاً: أن تتوفر لدى واضعي استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية معرفة دقيقة وشاملة بإمكانيات العراق المادية وطاقاته البشرية والقدرة على الاستفادة منها فعلياً من جهة، والمشكلات التي يعاني منها العراق في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والبيئية والنفسية، وعلى المستويات الداخلية والإقليمية والدولية من جهة ثانية، ومتطلبات وحاجات الاقتصاد والمجتمع ذات المدى القريب والمتوسط والبعيد، من جهة ثالثة، وأدوات وسبل الوصول إلى تحقيق مثل هذه الاستراتيجية بصورتها العامة والتفصيلية من جهة رابعة، كما يفترض أن يعي العراق بأنه جزء من هذا العالم المعولم لكي يتوقع الكثير من الإشكاليات على المستويين الإقليمي والدولي وأن يتحرى عن إمكانيات وسبل وأدوات الاستفادة من العلاقات الاقتصادية الدولية وفهم دورها وتأثيرها على الاقتصاد والمجتمع بالعراق والاستفادة من جوانبها الإيجابية وتدارك جوانبها السلبية.
فهل مثل هذه المستلزمات أو الشروط متوفرة بالعراق؟ لا شك بوجود عناصر مدركة لكل هذه المستلزمات وغيرها، ولها القدرة على وضع استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، ولكنها ليست في تلك الأحزاب السياسية الحاكمة ولا في النخب الحاكمة التي تمثل تلك الأحزاب، بل هي في الغالب الأعم مغيبة قصداً، كما ليست من غاية الماسكين بزمام الحكم وأحزابهم الإسلامية السياسية تحقيق التنمية الفعلية، وهو ما برهنت عليه القوى الحاكمة منذ العام 2004 حتى الوقت الحاضر.
إن أهداف استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ظروف العراق الملموسة تتلخص في التلاحم الديالكتيكي بين السياسة والاقتصاد على وفق المنظور التالي:
1.   إجراء تعديلات جوهرية على الدستور العراقي بما يبعد عنه خمس مسائل جوهرية: أ. العقلية الطائفية والشوفينية التي وضعته وحددت معالمه البارزة، ب. أجراء تغيير مناسب بحيث يُبعد عن الدستور تلك المواد التي تعتبر حمالة أوجه من أجل تكريس مبادئ الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان، وحقوق القوميات، والمساواة في حقوق أتباع الديانات والمذاهب، وعلمانية الدولة، والفصل التام بين السلطات الثلاث واستقلال القضاء والهيئات المستقلة والإعلام، ورفض وجود أحزاب على أسس دينية وطائفية وعنصرية، والنص على وضع قانون ديمقراطي للانتخابات العامة والمحلية والنزاهة في إجرائها، إضافة إلى تنظيم استفتاءات شعبية لقضايا جوهرية تمس أمن وسلامة البلاد، ج. النص على المساواة التامة بين الإناث والذكور ورفض أي تمييز أو تهميش أو إقصاء لها في جميع وظائف الدولة دون استثناء، د. إرساء الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث على أسس الدولة الاتحادية واللامركزية والفيدرالية الكردستانية وتنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمجالس المحلية بقوانين ديمقراطية حديثة، هـ. رفض استخدام القوة والعنف في حل المنازعات الداخلية ومعالجتها على أساس التفاوض الديمقراطي والسلام، وتأكيد رفض ومحاربة الإرهاب والفساد السائد بالبلاد.
2.   سبل معالجة مشكلات النزوح والهجرة المستمرة من العراق لا للناس الاعتياديين فحسب، بل وللكفاءات العلمية والفنية والمهنية والخسارة الهائلة لقدرات العراق وطاقاته الفكرية والعلمية بسبب الصراعات الطائفية والتمييز الديني والمذهبي، وبسبب ما حل بالناس من علل نفسية وعصبية واجتماعية وبيئية متفاقمة، وسبل إعادة إعمار العراق، ولاسيما المناطق التي سقطت تحت حكم تنظيم الدواعش المجرم.       
3.   التخلص من الطابع الريعي للاقتصاد العراقي، حيث يشكل اقتصاد النفط الخام المصدر ما يتراوح بين 90-95% من إجمالي إيرادات العراق السنوية.
4.   التخلص من القطيعة الفعلية القائمة بين اقتصاد النفط العراقي وبقية القطاعات الاقتصادية العراقية كالصناعة التحويلية والزراعة والصناعات الصغيرة المحلية والتجارة الداخلية والخارجية والتربية والتعليم والبحث العلمي.
5.   أن يتم التوجه صوب وضع استراتيجيات فرعية ضمن الاستراتيجية العامة للتنمية الصناعية والتنمية الزراعية والتجارة والطاقة والنقل والاتصالات والماء والصحة والسكن ...الخ، كأجزاء مهمة وحيوية ومتشابكة من استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتعليمة والبيئية الشاملة والمستدامة.
6.   أن تجري الموائمة بين التقنيات الحديثة التي يراد إدخالها وبين القدرات الفنية والمهنية لاستخدامها الفعلي والسعي لتطويرها المستمر بما يحقق رفعاً لإنتاجية العمل وتقليصاً للتكاليف وتحسيناً للنوعية.
7.   أن يأخذ قطاع الدولة الاقتصادي في ظروف العراق الملموسة الدور القيادي في عملية التنمية، مع أهمية وضرورة تنشيط وتوفير مستلزمات تطوير دور القطاع الخاص واستثماراته في القطاعات الإنتاجية والخدمات، وكذلك القطاع المختلط ضمن المنظور الاستراتيجي للتنمية المستدامة، إضافة إلى إمكانيات الاستفادة من القطاع الأجنبي ضمن المنظور ذاته ومع الحاجات الفعلية للبلاد.
8.   وضع استراتيجية لخلق فرص عمل ومكافحة البطالة المكشوفة والمقنعة، بما يسهم على استيعاب الزيادات السنوية في القوى العاملة العراقية، إضافة إلى وضع استراتيجية تسهم في تغيير الوجهة الخاطئة في التعليم والاهتمام بالدراسات الفنية والمهنية بالارتباط مع مهمات التنمية الاقتصادية.
9.   سبل أشراك المرأة في العمليات الاقتصادية والاجتماعية لما لهذا العامل من تأثير متنوع الجوانب على الاقتصاد والمجتمع والمساواة التامة في حقوق وواجبات والموقف من المرأة والرجل. 
10.   استراتيجية تطوير البحث العلمي والعلاقة بين الجامعات والكليات والمعاهد والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. 
11.   كما لا بد من تأمين العلاقة الديالكتيكية بين مهمات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها التربوية والتعليمية والثقافية والبيئية من جهة، والسياسات المالية والنقدية، وعلى وجه الخصوص، الموازنة العامة والنظام الضريبي والجمارك، والنظام المصرفي، ونظام التأمين بتنوعاته، من جهة أخرى،4) إذ أن السياسات المالية والنقدية هي الأدوات التنفيذية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.. الخ. 
12.   ويبقى الهدف البارز والمميز لاستراتيجية التنمية لحكومة وطنية ديمقراطية حكيمة بالعراق هو تحقيق الازدهار والعدالة الاجتماعية لأبناء وبنات الوطن الواحد.
13.   أن تتجلى هذه الاستراتيجية التنموية الشاملة والمستدامة في خطط خمسية وسنوية للتنمية على وفق الجدوى الاقتصادية والاجتماعية في المجالات والمستويات كافة، وتأمين الرقابة المتعددة الجوانب على مستوى التنفيذ، مع اعتماد مبدأ التكريم للمنجزات الجيدة ومحاسبة المقصرين في أداء المهمات.   
14.   وأخيراً وليس أخراً أن يأخذ العراق باقتصاد السوق الاجتماعي والذي نعني به ما يلي:
لا بد للعراق أن يأخذَ، في مرحلة تطوره الراهنة ولمدى طويل لاحق، بنظام اقتصاد السوق. ولكن أي اقتصاد سوق يحتاجه العراق وما هي مواصفاته؟
أقف في هذه المرحلة مع اقتصاد السوق الذي يجمع بين الحرية النسبية والمشاركة الحكومية الواعية والمنظمة والواسعة في التنمية، إضافة إلى تنشيط الرقابة الحكومية والشعبية، وكذلك مع مجموعة من المسائل الاجتماعية التي تحد من الاستغلال الرأسمالي، على وفق المنظور اللبرالي، الذي يمارس من جانب القطاعين الخاص والحكومي، وتلك التي تخفف من التناقضات الطبقية وتسيطر على الصراعات الاجتماعية وما يمكن أن ينجم عنها من صراعات سياسية ولكيلا تتحمل إلى نزاعات تتميز بالعنف واستخدام القوة. وقد أطلق الألمان منذ ستينيات القرن العشرين اسم "اقتصاد السوق الاجتماعي" في فترة حين كان لودفيگ ايرهارد مستشاراً بألمانيا الاتحادية، والذي أطلق عليه أبو "المعجزة الاقتصادية" حينذاك، وهي بخلاف نسبي مهم عن اللبرالية وأكثر اختلافاً عن اللبرالية الجديدة المتوحشة في إطار اقتصاد السوق التي تتسبب في تشديد استغلال الطبقة العاملة بمفهومها الواسع والحديث وعموم الفئات الكادحة.5) لهذا اقترح في ظروف العراق الملموسة والمستقبلية القريبة والمتوسطة أن يؤخذ بمفهوم "اقتصاد السوق الاجتماعي" الذي يستند إلى عدة أركان أساسية، منها بوجه خاص:
أ) إعطاء دور متميز وفعال ورئيسي للقطاع العام والعمل على بلورة دوره الاقتصادي وتطوير إدارته والقوى المنتجة فيه وتشجيعه ودعمه وتوفير مستلزمات نجاحه. كما يفترض أن يلعب دوره المحتكر لقطاع النفط الاستخراجي والتكرير ومشروعات البنية التحتية، بما فيها قطاع الكهرباء والماء، كما يشارك بفعالية وروح تنافسية لإقامة مجموعة من الصناعات التحويلية ذات الأهمية الفائقة للاقتصاد الوطني والمجتمع والتي يصعب على القطاع الخاص النهوض بها وتحمل مسؤولية الاستثمار الكبير فيها مثلاً.  ويتطلب هذا الدور الاقتصادي لقطاع الدولة أن يعمل وفق المعايير الاقتصادية والمحاسبية وآليات السوق الاقتصادي في مجال المنافسة ورفع إنتاجية العمل وتقليص تكاليف الإنتاج وضبط الأسعار وتأمين الحوافز الاقتصادية للمنتجين والعاملين في الإدارة والتسوق.
ب) إعطاء دور مهم ومخطط للقطاع الخاص في مجمل العملية الاقتصادية بحيث يستكمل دور القطاع العام ويدخل في التخطيط الاقتصادي والاجتماعي.
ج) تنشيط دور القطاعين المختلط والتعاوني للمشاركة في عملية تنمية معجلة وناجحة وداعمة لنشاط القطاع العام والخاص والمجتمع، وخاصة في مجال الريف والصناعات الصغيرة وذات التقنيات العالية التي يصعب على القطاع الخاص وحده النهوض بها أو يستوجب تجميع المنتجين الصغار في جمعيات تعاونية إنتاجية واستهلاكية.
د) رسم سياسة مالية ونقدية وتأمينية تنسجم وتساهم في تنشيط وتنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تتقرر في خطة الدولة ذات المدى البعيد والخطط الخمسية والسنوية.
هـ) حين يتقرر الأخذ باقتصاد السوق الاجتماعي، عندها يتطلب بشكل خاص:
** إصدار تشريعات لمنع الاحتكار وتشديد الاستغلال تتجلى في تنظيم المنافسة والضرائب التي تستند إلى قاعدة الضرائب التصاعدية على الدخل السنوي المباشر للسكان بدلاً من فرض ضرائب غير مباشرة على السلع والخدمات لا تميز بين الناس على أساس دخولهم السنوية ومستوى معيشتهم.
** وضع حد أدنى للأجور ومساواة بين المرأة والرجل في الأجور للأعمال المماثلة.
**  وضع تشريعات تؤمن الضمان الصحي والاجتماعي وأثناء الشيخوخة أو العجز والرواتب التقاعدية والعطل السنوية وفي حالات المرض أو الحمل...الخ.
**  العناية بقدر أكبر بقضايا العدالة الاجتماعية وحياة وظروف العمال وتحديد ساعات العمل وضمان التأثير الإيجابي على علاقة تناسب سليمة بين الأجور وفائض القيمة …الخ، من خلال نظام الضرائب التصاعدية على الدخل المباشر للفرد.
**  تقديم الدعم الحكومي الضروري ولفترة غير قصيرة إلى بعض السلع والخدمات لضمان حصول الفئات الكادحة والفقيرة على احتياجاتها الأساسية مثل الخبز واللحم والخضروات والفاكهة، على سبيل المثال لا الحصر، أو دعم بعض المنتجات الزراعية التي تواجه منافسة حادة في السوق الدولية لضمان الإنتاج في العراق وضرورة توفي الأمن الغذائي.
هـ) أن تلعب النقابات ومنظمات المجتمع المدني دورها الفاعل في المجتمع وفي النضال من أجل حقوق العمال والمستخدمين والعاملين في الإدارة وفي حل الخلافات بين العمل ورأس المال وغير ذلك.
إننا بذلك نستطيع أن نضمن الكثير من الأسس التي لا تسمح بتشديد الصراع الطبقي أو الصراع بين العمل وراس المال لصالح تعجيل التنمية والاستفادة من كل الطاقات المتوفرة في البلاد. ولتطوير مستمر للعدالة الاجتماعية.
و) لدي القناعة بأن الدول النامية عموماً والعراق على وجه الخصوص لن يكون في مقدوره في المرحلة الراهنة من الناحيتين النظرية والعملية أن يمارس سياسة الباب المفتوح في الاقتصاد، إذ إنها ستعطل عملياً وفعلياً القدرة على تطوير الاقتصاد الوطني وعملية التصنيع وتحديث الزراعة بسبب المنافسة غير المتكافئة. ولهذا فأن ضمان الوصول إلى عملية تنمية فعلية مستدامة ومتطورة تستوجب في المرحلة الراهنة إخضاع التجارة الخارجية لخمسة عوامل أساسية، وهي:
*  وضعها في خدمة عملية التنمية الصناعية والزراعية والتعليمية والثقافية والبيئية..، أي التنمية الاقتصادية والبشرية ومن أجل تحقيق تراكم عقلاني مستمر للثروة الوطنية.
*  الإشباع المناسب لحاجة السوق المحلية للسلع الاستهلاكية وسلع الاستهلاك الدائم مع الاهتمام بنوعية السلع المستوردة.
*  كما يفترض أن تلعب الدولة دور المنظم والمؤثر إيجاباً على حركة وفعل قانون العرض والطلب لضمان استقرار الأسعار وخلق توزان عقلاني بينها وبين الأجور والمدخولات السنوية للأفراد والعائلات من ذوي الدخل الواطئ والمحدود، وخاصة بالنسبة لأكثر السلع أهمية وضرورية لنسبة كبيرة جداً من السكان.
*  تنويع مصادر الدخل القومي من خلال زيادة دور المنتجات الصناعية والزراعية غير النفط الخام والغاز الطبيعي في إجمالي صادرات العراق.
*  السعي لتحقيق التوازن التدريجي في الميزان التجاري العراقي مع الدول المختلفة وبين الصادرات والاستيرادات، والتي يمكن أن تؤثر إيجاباً على ميزان المدفوعات.
كل هذه الأمور غائبة عن الواقع العراقي قبل وبعد إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة وإقامة النظام السياسي الطائفي والمحاصصي بالبلاد. إن الأخذ بمثل هذه الاستراتيجية ستسهم في إقامة رأسمالية دولة ضمن العلاقات الإنتاجية الرأسمالية بالارتباط مع السوق الاجتماعي، الذي لا يماثل بالضرورة وجهة التطور ذاتها في العلاقات الإنتاجية الرأسمالية القائمة بالغرب الرأسمالي ويسمح بدفع البلاد صوب آفاق أكثر التصاقاً بالشعب وحاجاته وطموحاته ومستقبله الزاهر.6)
الهوامس والمصادر
1) راجع: شذى خليل، شرح مفصل لمسودة قانون الموازنة الاتحادية العراقية لسنة 2018، بمنظور اقتصادي..، موقع مركز الروابط للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 05/11/2017.
2) المصدر السابق نفسه.
3) المصدر السابق نفسه.
4) قارن: الدكتور ماجد الصوري، السياسة المالية والسياسة النقدية في العراق، محاضرة ألقيت في مقر الحزب الشيوعي العراقي، نشرت في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ 01/05/2013.
5) ملاحظة: تدعي الحكومة الألمانية قبل الوحدة وبعدها بأنها تمارس نظام اقتصاد "السوق الاجتماعي"،. وفي الحقيقة فأن السياسة الاقتصادية والمالية الألمانية بدأت تمارس النهج النيولبرالي منذ سنوات العقد التاسع من القرن العشرين في فترة حكم المستشار هلموت كول حتى الوقت الحاضر، وهو ضمن العوامل المهمة التي أدت إلى خسارة متلاحقة للحزب الاشتراكي الديمقراطي في عدد المصوتين له في الانتخابات العامة وخسارة المزيد من المقاعد في البرلمان الاتحادي خلال السنوات الخمسة عشرة المنصرمة وبسبب تحالفه مع تحالف الحزبين الديمقراطي المسيحي والاجتماعي المسيحي ومشاركته في حكومة تمارس السياسة النيولبرالية فعلياً. ك. حبيب
6) قارن: أوسكار لانگه، الاقتصاد السياسي، تعريب وتقديم الدكتور محمد سلمان حسن، دار الطليعة-بيروت، ط1، أذار (مارس) 1967.

 

39
كاظم حبيب
مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق
3 - 4
وجهة التنمية تحت وطأة الاحتلال والنظام السياسي الطائفي
بعد إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة سقط العراق تحت الاحتلال الأمريكي – البريطاني، وأصبح بعيداً عن إقامة دولة مدنية ديمقراطية دستورية، وانتهاج سياسة اقتصادية واجتماعية حكيمة، تتسلم الحكم بالبلاد قوى مدنية ديمقراطية بعيدة عن شبهات الطائفية والعنصرية أو الشوفينية والتمييز، تعيد بناء ما هدمته الحروب وتطلق الحريات الديمقراطية وترسي البلاد على أسس دستورية تستجيب لحقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات، دولة علمانية حديثة. ينطلق هذا التشخيص من الواقع القائم بالعراق منذ العام 2003 حتى الآن من جهة، واستناداً على مفهوم الاقتصاد السياسي وواقع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفعلية التي مارستها وما تزال تمارسها الفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية الحاكمة ثانياً، ومن واقع الخبرة والتجربة والحقيقة القائلة بان السياسة والاقتصاد هما وجهان لعملة واحدة ثالثاً. فأغلب الاقتصاديين العراقيين يدركون بوعي ومسؤولية بأن العلاقة بين السياسة والاقتصاد ذات طبيعة جدلية، فهما وجهان متشابكان ومتفاعلان يتأثر أحدهما بالأخر ويؤثر به. بمعنى أخر إن المصالح الطبقية للفئات الحاكمة تتجلى في نهجها السياسي والاجتماعي وفي السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية الممارسة فعلاً في آن واحد. فحين ندرس البرامج السياسية والاقتصادية لهذا الحزب أو ذاك في أي بلد من البلدان، سنجد مصداقية لهذا الإدراك الواقعي لدى أغلب الاقتصاديين حين يؤكدون وجود وحدة عضوية تجمع بين المصالح والأهداف التي تدافع عنها هذه الفئة أو تلك، سواء أكانت في الحكم أم خارجه، وبين السياسات الاقتصادية التي تنتهجها إن وصلت إلى الحكم أو ساندت نظاماً قائماً. ولكنه يتجلى بقوة أكبر حين تكون هذه القوى في السلطة، إذ تكون البرامج في غالب الأحيان استهلاكية وخادعة. كما لا يستبعد حصول فهم خاطئ من جانب هذه الفئة أو تلك لمصالحها الفعلية، وبالتالي فأنها ترتكب أخطاءً سياسية واقتصادية تبعدها عن مصالحها الفعلية، مما يمكن أن يستفيد منها من يعارضها في الحكم. وكان العراق من بين تلك البلدان التي عجزت أغلب أحزابه وقواه السياسية عن فهم مصالحها، وتجلى ذلك في سياساتها الاقتصادية، ولكنها اقترنت بسياسات داخلية وخارجة تتناغم مع تلك الأخطاء التي ارتكبتها في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، في اعتقاد منها إنها في صالحها. وهي في هذا عبرّت عن عدم أو قلة فهم لحركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية أولاً، وعدم تقدير للعواقب التي تترتب على وعن ذلك ثانياً. ومن هنا نلاحظ دأب الرأسماليين في الدول الرأسمالية المتقدمة، بعد أزمة 2008 على الصعيد العالمي، وبعد الفشل الكبير لسياسات اللبرالية الجديدة، على دراسة رأس المال لكارل ماركس، الذي يمكن أن ينفعهم في فهم مجمل العملية الاقتصادية للرأسمالية والسعي لتجنب المزالق الكبيرة التي يمكن أن تقود إلى عواقب وخيمة. ومع ذلك يصعب على الرأسماليين تجاوز جشعهم في تحقيق أقصى الأرباح على حساب العمل الأجير، على حساب المنتجين للثروة الوطنية، مما يقود بالبلاد إلى الأزمات الاقتصادية الدورية أو غيرها. فالقوانين الموضوعية تفعل بمعزل عن إرادة ورغبات الرأسماليين، وحين يتجاوزونها يحصل بالضد لما سعوا إليه. ومهمة دراسة رأس المال لا يحتاجها الرأسمالي فحسب، بل العامل المنتج والفلاح والمثقف التقدمي والشعب عموماً، ليدركوا كيف يمكن مواجهة الرأسماليين وفضح أساليب زيادة أرباحهم على حساب العمل الأجير وتنويع صيغ الاستغلال التي يتعرضون لها وكشف المستور منها لمواجهتها، وتفاقم عذابات عيش المنتجين، ولاسيما في البلدان الضعيفة التطور، حين تمارس سياسات النيولبرالية.   
إن النهج السياسي والاقتصادي لحكومة ما في أي بلد كان، وتجليات ذلك النهج على الجانب الاجتماعي والثقافي والبيئي، قادر، دون أدنى ريب، على كشف طبيعة النخبة أو النخب السياسية الحاكمة أولاً، وعن طبيعة المصالح الطبقية التي تمثلها وتدافع عنها، بالاستناد إلى طبيعة المرحلة التي يمر بها هذا البلد أو ذاك والمهمات التي تستوجبها طبيعة المرحلة.
لقد تشكلت بالعراق منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية والصدامية الغاشمة أربع وزارات ترأسها بالتتابع كل من أياد علاوي وإبراهيم الجعفري ونوري المالكي لدورتين، وحيدر العبادي. وإذ كانت الوزارتان الأولى والثانية قبل وضع دستور البلاد مؤقتة، فأن وزارتي نوري المالكي المتتاليتين قد أقيمتا بعد صدور الدستور الذي صودق عليه في العام 2005، ثم وزارة حيدر العبادي الحالية التي تسلمت السلطة في خريف عام 2014 وبعد إزاحة المستبد بأمره السابق.
يصعب الحديث عن وجود سياسة اقتصادية فعلية تمارسها الحكومات العراقية المتعاقبة منذ العام 2004 حتى الوقت الحاضر. كانت هناك سياسات بدأ بها پاول بريمر دفعت بالعراق صوب النيولبرالية من الناحية التشريعية وإجراءات عملية تمس التخلي عن أي دور لقطاع الدولة الاقتصادي واضعاف دور الدولة في العملية الاقتصادية والاجتماعية، وبلورة سياسة البنك المركزي والسياسة المالية والنقدية للعراق والدفع باتجاه التركيز على اقتصاد النفط الخام والعمل بالوجهة التي تقود إلى خصخصة مشاريع الدولة القديمة أو تجميدها. وقد دأبت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ العام 2004 حتى الوقت الحاضر على السير بذات الاتجاه الذي خطط له ونفذه پاول بريمر. وكان هذا يعني استمرار سمات التخلف في الاقتصاد العراقي والتبعية للاقتصاد الدولي، اقتصاد ريعي واستهلاكي، يشكل مورد الريع النفطي النسبة العظمى من إيرادات العراق المالية ودخله القومي، والابتعاد عن أي توجه جدي وملموس صوب التنمية الإنتاجية، صوب استثمار رؤوس أموال حكومية في قطاع الصناعة وتحديث القطع الزراعي، كما لم تسع إلى توفير مستلزمات فعلية من جانب الدولة لتسهيل مهمة استثمار القطاع الخاص والقطاع المختلط في الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية. وواصلت وزارة النفط العراقية، كجزء من برنامج الدولة التركيز على قطاع النفط الخام وزيادة عدد موجات منح العقود النفطية للشركات العالمية لتحيق زيادة في الإنتاج والتصدير، علماً بأن لم تكن هناك أي خطة لاستخدام تلك الموارد المالية في استثمارات إنتاجية، بل تم نهب، حسب المعلومات المنشورة على الصعيد الدولي والمحلي، القسم الأكبر من تلك الموارد بأساليب وطرق كثيرة. وقد كشف النائب ورئيس اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي المتوفي الدكتور أحمد الجلبي عن النهب والهدر الكبيرين الذي يصل إلى مئات المليارات من الدولارات الأمريكية. فقد جاء في جريدة المدى ما يلي: "نشرت صحيفة "المدى" العراقية وثائق فساد في قضية "مزاد المصرف المركزي"، ضمن ملف كان أعده رئيس اللجنة المالية في البرلمان و"حزب المؤتمر الوطني العراقي" أحمد الجلبي، أكدت أنه سلمها إياه. وجاء في أولى الوثائق المنشورة إن الجلبي كشف في رسالة عبر اللجنة المالية أن "تجاراً حصلوا على بلايين الدولارات من مزاد العملة باستخدام أسماء متوفين."1) وكشفت هيئة النزاهة، الاثنين، أن الأموال المهربة والمتواجدة في الدول المراد استرجاعها بلغت ترليوناً و14 مليون دولار، فيما أشارت إلى وجود بعض المعوقات في موضوع تسلم المتهمين واسترداد الأموال لاختلاف النظم الداخلية".2) وقد نشرت وكالة سومر نيوز معلومات مأخوذة من: "موقع المسلة الإخباري جاء فيها ما يلي: 
"..، وقال الجلبي إن "سبب الانهيار الاقتصادي هو فترة الحكم من سنة 2006 الى سنة 2014 حيث دخل العراق مبلغ 551 مليار دولار والحكومة استوردت ما مجموعه 115 مليار دولار والبنك المركزي باع للبنوك الاهلية كمية 312 مليار دولار، مضيفا ان “هذا المبلغ الذي أهدر (312 مليار دولار) كان بإمكانه بناء الاحتياطي النقدي”. وكشف الجلبي أن “اطرافا سياسية تضغط على البنك المركزي لزيادة مخصصات البنوك بالمزاد لقاء مبالغ وهناك مذكرات داخل البنك المركزي بأسماء هؤلاء السياسيين من مجلس النواب ومن الحكومة”. الراحل الجلبي أطلع موقع “المسلة” الاخباري في وقت مبكر على وقائع هذا الملف وأودع منذ فترة نسخة من محتوياته لدى المؤسسة على أمل البدء بنشر ما يتعلق بهذا الملف في وقت يحدده هو، إذ كان ينتظر مواقف الجهات الأخرى، وبينها المرجعية الدينية العليا في النجف التي كان يتطلع الى الحصول على دعمها لفتح هذا الملف وسواه من الملفات التي تميط اللثام عن النشاطات الخطيرة لمافيا الفساد في البلاد والتي ترتبط بعلاقات وشيجة بمسؤولين كبار في هذه الدولة".3)
وهناك معلومات تشير إلى أن وارادات العراق المالية من صادرات النفط الخام بلغت خلال الفترة الواقعة بين 2004-2014 على النحو التالي:     
"بلغ مجمل إيرادات العراق من تصدير النفط منذ بداية سنة 2004 إلى نهاية سنة 2014، مبلغاً قدره (633,2) مليار دولار. وبين 2006-2014 مبلغاً قدره(579,4)  مليار دولاراً. وبين 2010-2014 بلغت 401,6 مليار دولار، وبمعدل سعر فعلي قدره(96,7)  دولاراً للبرميل الواحد بدلاً من (100) دولار للبرميل الذي افترضته الدراسة".4) فاين ذهبت هذه الأموال؟
وهناك الكثير من المعلومات المنشورة التي تشير إلى رصد مئات المليارات من الدولارات لمشاريع اقتصادية لم تنفذ أو كانت مشاريع "فضائية" حسب المصطلح الجديد الذي يراد به الإشارة إلى مشاريع كاذبة غير موجودة أصلاً، كما هو أمر الفضائيين الذين يتسلمون رواتب دون وجود أي أساسٍ لهم. وهناك معلومات تفصيلية عن غسيل الأموال بالعراق، حيث ورد في تقرير لمنظمة الشفافية الدولية: العراق ضمن الدول الست الأكثر فسادا في العالم.. بعنوان: "غسيل الأموال في العراق، مفاهيم واسرار"، ما يلي:
"وأصبح العراق الملاذ الامن للقيام بجريمة غسل الاموال من قبل المافيات، فضلا عن الاسواق الجديدة التي انشئت في العالم بظل العولمة وليس لها موقع جغرافي يمكن السيطرة علية وتزايد حجم الجريمة الاقتصادية في العالم، واعلان بعض الدول قبولها الاموال غير المشروعة وتقديم التسهيلات لها مقابل فوائد عالية تمكنها من الحصول على ربحية عالية دون رقابة ومساءلة قانونية"5). ثم جاء في مكان آخر من التقرير ما يلي:
"هناك العديد من المصادر التي تصب في وعاء الاموال غير المشروعة ومن أهمها:
*  سرقات المصارف والبنوك بعد احتلال العراق والتي تمثل نسبة عالية في تكوين وعاء غسيل الاموال في العراق.
 * الاموال المتأتية من سرقة الاثار الثمينة وتهريبها، وبيعها في الاسواق العالمية.
*  تهريب النفط ومشتقاته، وتهريب المكائن والآلات والمعدات والمصانع الى الخارج، الغش الصناعي والتجاري بعد انكشاف السوق العراقية وغياب دور الدولة ومؤسساتها، وعصابات السرقات والخطف، والاموال المخصصة لا عادة الاعمار التي تتجه نحو اقامة مشاريع وتقديم خدمات وهمية. وبهذا الصدد يقول النائب رحيم الدراجي، عضو لجنة النزاهة في البرلمان، إن هناك أكثر من خمسة آلاف عقد وهمي، وتسلمت شركات وهمية نسبة تتراوح بين 30 الى 60 % من الأموال استناداً إلى هذه العقود. ويؤكد أن كمية الأموال التي أهدرت في مشاريع بناء وبنى تحتية، على الورق فقط، بلغت 228 مليار دولار، مشيراً إلى أن هذه المبالغ "تطايرت مثل الدخان".6)
*  المتاجرة بالمخدرات والرشوة والفساد الإداري، والتربح من الوظائف العامة، والاموال التي كانت بذمة مسؤولي المالية في بعض مؤسسات الدولة خلال الحرب الاخيرة، والشركات الوهمية".7) ولا بد من الإشارة إلى المليارات من الدولارات الأمريكية التي وجهت خلال السنوت الـ 14 المنصرمة لإقامة مشاريع الطاقة الكهربائية، والتي ذهب الكثير جداً منها هدراً ونهباً، إذ ما يزال الشعب العراقي يعاني من شحة في الطاقة الكهربائية وفي عدم تأمين الكهرباء الضروري للعائلات صيفاً وشتاءً. وتؤكد مصادر الأمم المتحدة والأجهزة الأمنية الكبرى بالعالم إلى أن العراق أصبح محطة مهمة لعبور المخدرات من أفغانستان وإيران إلى الخليج العربي وسويا ولبنان وتركيا. وتلعب عناصر وقوى سياسية وعسكرية ذات نفوذ كبير وميليشيات طائفية مسلحة دور كبيراً في عملية استيراد وإعادة تصدير المخدرات إلى دول الجور، إضافة إلى اتساع قاعدة المتعاطين بالمخدرات بين العراقيين ولاسيما الشباب. وقد اتسعت هذه الظاهرة بسبب الموقف غير العقلاني من بيع المشروبات الكحولية بالعراق، والذي اتسع ولم يتقلص بسبب وجود السوق الموازي الذي تمارسه ذات الجهات المتنفذة. فعلى سبيل المثال ذكر الحاج حسين الغراوي (66 سنة) من البصرة إن جاره الفقير أصبح ثرياً وأكد بأنّه ليس نادماً على العمل في المخدرات فهو لا يجبر أحداً على شرائها. كذلك، أكد أنه ليس خائفاً من المحاسبة، إذ كان يحدثني ونحن في الشارع من دون أن يخفض صوته، وقال لي: اطمئن يا حاج فلن أسجن... هناك من يحميني." 8)
وتشير الكثير من المعلومات إلى إن إيران قد استحوذت على نسبة عالية من المليارات من الدولارات الأمريكية عبر صيغ مختلفة ومنها عبر مزاد العملة، في فترة حكم رئيس الوزراء السابق، لدعم إيران أثناء فترة الحصار الاقتصادي على إيران، وهي كلها ذهبت لإيران دون وجه حق وبطرق غير شرعية ولا بد من التحقيق بما نشر حول هذا الموضوع.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة وجهت موارد مالية كثيرة للحرب الفعلية ضد داعش وخلت الخزينة من الأموال مما راح العراق يستدين من الخارج، إذ لم تكفِ موارد النفط المالية تغطية شرا الأسلحة والصرف على جبهات القتال أو إشباع حاجات السكان للسلع الاستهلاكية، وبالتالي لم تبق موارد مالية لأغراض التنمية، إذا ما اضفنا إلى ذلك استمرار الفساد المالي والنهب الفعلي لموارد البلاد المالية والنفطية. وهذي الحالة لا ولم تقتصر على بغداد وحدها، بل كانت قائمة بأربيل أيضاً.   
الهوامش والمصادر:
1)   راجع: الكشف عن ملف فساد أعده النائب العراقي الراحل أحمد الجلبي، جريدة المدى: في 15/11/2015.
2)   كم تبلغ الأموال المسروقة المهرَّبة إلى خارج العراق؟ وثيقة، موقع وجهة نظر، بتاريخ 02/04/2014).
3)   "وثائق لكشف الفساد، أراد أحمد الجلبي أن يعلنها قبل وفاته بأيام قلائل ..."، بتاريخ 08/11/2015، موقع المسلحة الإخباري.
4)   راجع: فؤاد قاسم الأمير، ملاحظات حول دراسة “الخسائر والهدر في قطاع الطاقة، شبكة الاقتصادين العراقيين في 22/6/2015.
5)   راجع: مركز الروابط للدراسات والبحوث الاستراتيجية، تقرير لمنظمة الشفافية الدولية: العراق ضمن الدول الست الأكثر فسادا في العالم.. بعنوان: "غسيل الأموال في العراق، مفاهيم واسرار"، بتاريخ 05/02/2017.
6) المصدر السابق نفسه.
7) المصدر السابق نفسه.
راجع أيضاً: "تحول من نملة إلى ديناصور".. هكذا أصبح الفساد في العراق منذ إسقاط صدام حسين، تقرير، موقع هاف بوست عربي، بتاريخ 29/12/2017.
8) أدم محمود، المخدرات تجارة محميّة في العراق، موقع العربي الجديد، بغداد، بتاريخ 16/11/2016.


40
كاظم حبيب
مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق
(2 - 4)
وجهة التنمية في عقود حكم القوميين والبعثيين اليمينيين والشوفينيين
لقد توقفت عجلة السير صوب إنجاز مهمات الثورة الديمقراطية البرجوازية بالبلاد لأسباب كثيرة منها محلية وأخرى عربية إقليمية، إضافة إلى العوامل الدولية الفاعلة في تحقيق الانقلاب المشؤوم على الثورة ومهماتها. لقد نجح الانقلاب لأسباب مهمة اقترنت بابتعاد عبد الكريم قاسم عن النهج الديمقراطي في الحكم وتنامي الفردية واتباع سياسات متسرعة وغير مدروسة من جانب قائد الثورة ورئيس الحكومة على صعيد العراق والمنطقة أولاً، والتوجهات المناهضة للثورة من جانب الأحزاب والقوى اليمينية التي قررت التآمر لتغيير النظام القائم ثانياً، كما أن القوى والأحزاب السياسية اليسارية لم تستطع فهم وادراك طبيعة ومهمات المرحلة، والتي تجلت في طرح شعارات غير مناسبة ومتطرفة اججت الصراع مع قيادة السلطة الوطنية ثالثاً، والتي ساهمت بدورها في تنشيط التآمر اليميني الرجعي المحلي والإقليمي والدولي ونجاحه في إسقاط حكومة الثورة. لقد ساعد النهج السياسي في بداية الثورة على البدء بعمليات واسعة لتغيير واقع الاقتصاد العراقي، ولكنها تعرقلت بعد أن تبدلت هذه السياسة صوب الفردية والنظرة الذاتية ومحاولة إثارة مشكلات خارجية لإخفاء الصراعات والمشكلات الداخلية المتفاقمة، بالرغم من النهج الوطني العام لسياسة قاسم، لقد تعرقلت مسيرة التصنيع والإصلاح الزراعي وعُطلت تماماً بعد إسقاط النظام الوطني عام 1963. وقد مورست سياسة همجية ضد الشيوعيين والديمقراطيين من مؤيدي قاسم وعموم القوى اليسارية والتقدمية، إذ اعتقل الآلاف من المناضلين وقتلت جمهرة مقدامة منهم داخل السجون وتحت التعذيب وفرط بالكثير من المنجزات التي تحققت في ثورة تموز. ولم يحص النظام سوى تأييد القوى الإمبريالية التي تآمرت على الجمهورية وساندته في الكشف للحكم البعثي-القومي عن المعلومات التي جمعتها أجهزة الاستخبارات الأجنبية، ولاسيما الأمريكية والبريطانية، عن بيوت وأسماء الشخصيات الشيوعية والديمقراطية العراقية التي لاقى أغلبهم مصرعه على أيدي الانقلابيين. وسرعان ما انقلب الحكام البعثيون والقوميون على حليفهم في إسقاط قاسم، على الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيسه الملا مصطفى البارزاني والقوات المسلحة الكردية (الپيشمرگة).
ورغم إسقاط نظام البعث وقيام نظام سياسي يمثل القوى القومية في خريف عام 1963، إلا إن سياسات نظام الحكم القومي الاقتصادية والاجتماعية قد ارتبطت بالمصالح الاقتصادية للفئة التجارية الكبيرة والمتحالفة مع مجموعة من العسكريين المتقاعدين أو العاملين في القوات المسلحة التي وقفت بعناد ضد التنمية والتصنيع، رغم وضعها الكثير من الخطط الاقتصادية التي لم تنفذ فعلياً، ولكنها نشطت لتحقيق زيادة مستمرة في استخراج وتصدير النفط الخام للحصول على المزيد من الإيرادات المالية التي لم توجه للتنمية الفعلية، بل عمقت تلك السياسة  التشوه في بنية الاقتصاد العراقي لصالح اقتصاد النفط الخام. وخلال هذه الفترة استعاد كبار الملاكين نفوذهم وهيمنتهم ثانية على الأرض الزراعية بشكل مباشر وغير مباشر، رغم التخفيف النسبي من الاضطهاد السياسي. وبعد مرور خمس سنوات على وجود القوميين اليمينيين في حكم البلاد، عجزوا عن إجراء أي تغيير ملموس في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فسمح الوضع بتنامي محاولات الإطاحة بالنظام من جانب قوى عديدة. وأمكن تنظيم انقلاب من داخل القصر وقادة الحرس الجمهوري والاستخبارات العسكرية وبالتعاون بين اتباع حزب البعث وبعض القوى القومية المرتبطة بالمخابرات الأجنبية، ولاسيما الأمريكية. فعاد البعثيون من جديد إلى السلطة ببغداد في 17 تموز/يوليو 1968.
وفي فترة البعث الثانية هيمن على حكم البلاد نهج سياسي قومي يميني متطرف بأبعاد جديدة غير مسبوقة في السياسة العراقية، انعكست بشكل واضح في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي العلاقات العربية والإقليمية والدولية. فماذا كانت مفردات هذا النهج على المستويين الداخلي والخارجي؟ يمكن تكثيفها بما يلي:
1.   اعتبار العراق قاعدة انطلاق لإقامة الدولة العربية الموحدة، واستخدام كل الوسائل والأساليب والأدوات المشروعة وغير المشروعة لفرض الوحدة.
2.   استخدام إيرادات الثروة النفطية العراقية لتأمين تحقيق هذا الهدف من خلال مجموعة من المهمات المباشرة وأبرزها: بناء دولة قومية ينفرد حزب البعث بقيادتها بشكل مطلق؛ اصطفاء قائد يلعب دوره في تحقيق السلطة المطلقة للبعث وللقائد مباشرة، والتخلص من أي منافس ومعارض له؛ بناء جيش عراقي كبير، قوى ومسلح تسليحاً عسكرياً بقدرات دفاعية وهجومية عالية؛ ولتحقيق هذا الهدف اعتماد: إقامة صناعة عسكرية واسعة ومتنوعة وحديثة داخل البلاد، وتنشيط عملية استيراد السلاح المتنوع والحديث على أوسع نطاق ممكن، والعمل على توفير مستلزمات إنتاج الأسلحة المحرمة دوليا، الكيماوية والجرثومية والنووية.
3.   إن تحقيق هذه المهمات يستوجب تأميم الثروة النفطية وزيادة الموارد المالية عبر التوسع باستخراجه والتحري عن آبار جديدة لزيادة حجم صادرات النفط الخام سنوياً لتكون في خدمة إنجاز هذه المهمات، إضافة إلى توسيع الطاقة الإنتاجية لمصافي النفط العراقية.
4.   الاهتمام بالصناعات التحويلية التي تساهم في تنويع مصادر الدخل القومي وتخدم تأمين الأمن الغذائي للبلاد، إضافة إلى إيلاء اهتمام خاص بالمشاريع الإنشائية والصناعة العسكرية والتعجيل بإقامة مشاريع البنية التحتية، بما في ذلك الطاقة والنقل والمواصلات الحديثة والاتصالات.
5.   الانطلاق من رأي يقول بأن الحق والقوة صنوان لا يفترقان، فالحق لا يصان والضائع منه لا ينتزع إلا بالقوة، والقوة هي السبيل لانتزاع الحق والحفاظ عليه، ومن يمتلك القوة يمتلك الحق أيضاً.
6.   الانفراد بالسلطة المطلقة غير كاف لتحقيق ما يسعى إليه البعث، بل لا بد من تصفية كل المنافسين والمعارضين له في الحكم والناقدين لنظامه وسياساته من الأحزاب والقوى السياسية الأخرى بكل السبل المتوفرة بما في ذلك ممارسة العنف والتصفيات الجسدية على أوسع نطاق ممكن، ومن هم في الخارج أيضاً. وفي البدء يمكن استخدام الجزرة والعصا، ولكن في المحصلة النهائية لا بد من أن تكون العصا هي السبيل المفضل لفرض المنشود.
7.   احتكار أجهزة ووسائل الإعلام الحديثة وتطويرها لتكون أداة فاعلة ومؤثرة على المستويات الداخلية والعربية والدولية لخدمة أهداف البعث، واستخدام الموارد المالية لكسب المساندين في الداخل والخارج.
8.   وجود قناعة تامة بأن ليس هناك في العالم من لا يمكن شراؤه، سواء أكان شخصاً أم عشيرة أم حزباً أم دولة، ولا بد من استخدام الثروة المتوفرة لهذا الغرض.
9.   بناء أجهزة أمنية حديثة بتقنيات حديثة وعناصر ذكية ومتمرسة وذات خبرة عالية تكتسب عبر الدورات والتدريبات لدى أجهزة أمنية أخرى حيثما وأينما أمكن لتكون الأداة الضاربة لتصفية المعارضين أينما كانوا لحماية النظام والقائد الضرورة. وقد شكل حزب البعث خمسة أجهزة أمنية عراقية يراقب بعضها البعض الآخر وكلها تراقب الشعب وقواه السياسية في الداخل والخارج، ووضع السفارات العراقية في خدمة الأجهزة الأمنية.
10.    مغازلة العالم الشرقي والغربي بشتى السبل الممكنة، بما في ذلك عبر الموافقة على منحهم إقامة مشاريع اقتصادية وعسكرية وخدمية بسخاء كبير وبتمويل عراقي مباشر، بهدف شراء تأييد أو سكوت تلك الدول على سياسات النظام الداخلية والخارجية والحصول عل التقنيات المطلوبة للقوات المسلحة العراقية.
11.    لقد وضعت في فترة الحكم القومي وحكم البعث الثاني الكثير من "الخطط الاقتصادية" التي توفرت فيها عناصر مهمة لو تحققت فعلياً لكان العراق في مصاف بعض الدول النامية المتقدمة في أمريكا الجنوبية مثلاً. إلا أن أربعة عوامل أساسية وقفت ضد التخطيط والخطط الاقتصادية التي وضعها اقتصاديون محترفون تميزوا بالعلمية والإمكانية والخبرة الممتازة: 1) غياب كامل للحريات والحقوق الديمقراطية وهيمنة الاستبداد الفردي والتسلط على جميع مجالات الحياة بالعراق، والاستعداد الكامل لممارسة جميع أشكال الاضطهاد والقمع والقتل والتشريد والتهجير والتعريب؛ 2) انعدام الرؤية الواقعية وهيمنة الانتقائية والرغبة الجامحة في دفع البلاد بوجهة محددة وترك الخطط جانباً، 3) توفر الموارد المالية بكميات كبيرة جداً، إذ انهمرت كالمطر من قطاع النفط الاستخراجي، فأعمت بصر وبصيرة الحكام وأغرتهم بسلوك اتجاهات خطيرة في الحياة السياسية وضد من تحالف معهم خطأً، حتى صرح طه ياسين رمضان " نملك المال ونريد الأحسن"، بغض النظر عن إمكانية الاستفادة الفعلية من الأحسن أم لا، ومورس هذا النهج بانتقائية فجة ومؤذية ومفرطة بالأموال وتحت شعار "التنمية الانفجارية"، 4) الاستعداد بخوض الحروب الداخلية والخارجية لتحقيق الأهداف الكبيرة التي حددها البعث بعد وصوله إلى السلطة وبدعم من القيادة القومية التي ترأسها ميشيل عفلق. وبذلك أقيمت بالعراق دولة بوليسية إرهابية ذات ذهنية وأهداف توسعية بكل معنى الكلمة ونشرت العسكرة والتسلح والاستعداد للحرب في كل البلاد، وتحركت لتحقيق الأهداف غير الواقعية، حين خلال للنظام وقائده الحكم المطلق دون منازع، والتي قادت إلى العواقب الكارثية التي ما يزال العراق يعاني منها.
كانت تجليات هذه السياسيات السلبية صارخة بسلبياتها على وجهة التنمية وواقع الاقتصاد العراقي وعلى مستوى حياة ومعيشة الفرد والمجتمع، ومن ثم الحروب والدمار والخراب والحصار والمجاعة والموت التي تعرض لها الشعب على مدى أكثر من ثلاثة عقود. لقد كان نهج الحكم السياسي هو الموجه للسياسة الاقتصادية والاجتماعية والمعبر عنها خير تعبير، والتي تبلورت في عواقب تلك السياسات على الاقتصاد والمجتمع.
لقد أمكن بناء مشاريع صناعية مهمة وحيوية وكثيرة نسبياً بالعراق، منها الصناعات البتروكيماوية والغزل والنسيج والسجاد، والمشروبات والأغذية وصناعات إلكترونية تركيبية، وصناعات إنشائية ومصافي النفط، وتحديث المنشآت النفطية...إلخ، رغم الكلفة المالية العالية. وكان في مقدرو العراق أن يتجه وجهة سياسية أخرى لينشر الخير العميم بالعراق وليعم بخيره على الجيران، إلا أن العكس هو الذي حصل، فلم يكن العراق وحده ضحية سياسات الحكم العراقي، بل الجيران أيضاً، والتي تحملت مع العراق خسائر مالية ومادية، اقتصادية وحضارية وبيئية كبيرة جداً. لقد أتت الحروب الداخلية والخارجية المتتالية على مئات الآلاف من البشر وعلى أغلب تلك المشاريع الصناعية والخدمية.
يشير بعض الاقتصاديين البرجوازيين بالعراق وخارجه إلى أن حزب البعث في فترة حكمه الثانية قد انتهج سياسة "اشتراكية" لبناء الاقتصاد والمجتمع، بسبب اعتماده المركزية في التخطيط وقطاع الدولة الاقتصادية. وهو تشويه متعمد لعملية التخطيط ولدور الدولة الاقتصادي، رغم إدراك وهؤلاء جميعاً دون استثناء بأن النظام السياسي العراقي في فترة حكم البعث على امتداد الفترة الواقعة بين 1968-2003 قد سعى إلى تحقيق هيمنة الدولة المستبدة والقاهرة والجائرة على الاقتصاد العراقي وموارد البلاد المالية لفرض هيمنته السياسية والاجتماعية والثقافية والتحكم بحياة ومعيشة الفرد والمجتمع أولاً وقبل كل شيء، وليس انطلاقاً من فكرة العدالة الاجتماعية، وملكية المجتمع لوسائل الإنتاج، بل ملكية الدولة الرأسمالية الريعية والاستهلاكية الضعيفة والتابعة للرأسمال العالمي، وكان خاضعاً لمشيئتها استيراداً وتصديراً ووجهة التطور الاقتصادي ايضاً. لم تكن السياسات التي مارسها صدام حسين وحزبه سوى ذات السياسة "الاشتراكية الوطنية!" التي مارسها هتلر بألمانيا، ولكن على مستوى التبعية للرأسمال الأجنبي من خلال انكشافه على الخارج تصديراً (النفط)، واستيراداً (السلع المصنعة). لقد كان هم النظام حينذاك، كما عبر عن ذلك رئيس اللجنة الاقتصادية لمجلس قيادة الثورة بعد صدور قرارات المؤتمر الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1974 وصدور قرار انتهاج "التنمية الانفجارية"، إنهم يسعون إلى إقامة دولة رأسمالية عصرية نموذجية تجلب لها بقية الدول العربية! وفي الواقع فأن تلك السياسات دفعت ساهمت بنشوء الدولة الشوفينية والإرهابية الهمجية على المستويين الداخلي والخارجي!


41
كاظم حبيب
مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق
المدخل: الصراعات الفكرية والسياسية حول وجهة التنمية
1-4
خلال العقد السادس من القرن العشرين نُشر الكثير من الأبحاث والدراسات والكتب حول موضوعات التنمية والنماذج الاقتصادية المناسبة للبلدان النامية عموماً، والعراق خصوصاً، شاركت فيه نخبة متقدمة من الكتاب والباحثين الاقتصاديين. وتبلور هذا النقاش أكثر فأكثر في أعقاب ثورة الرابع عشر من تموز 1958، حيث تولى اقتصاديون عراقيون بارزون مهمة خوض هذا الحوار والكتابة والنشر من جهة، وتطبيق ذلك في الممارسة العملية، ولاسيما في السنة الأولى والثانية من ثورة تموز. وقد استمر هذا النقاش ليشمل العقدين السابع والثامن من القرن ذاته. ويمكن أن نلاحظ ذلك في كتابات العالم الاقتصادي المميز والفقيد الدكتور محمد سلمان حسن، وفي الجانب النظري والتطبيقي أستاذ التاريخ والنظرية الاقتصادية العلامة والاقتصادي الكبير الفقيد الأستاذ إبراهيم كبة، الذي أصبح وزيراً للاقتصاد لفترة قصيرة في حكومة الثورة الأولى.
وبحدود منتصف الستينيات من القرن العشرين انتشرت بين القوى اليسارية، الاشتراكية والشيوعية والتقدمية، الموضوعة التي أطلقها المؤتمر الحادي والعشرون للحزب الشيوعي السوفييتي القائلة بوجود طريق خاص يمكن أن تسلكه الدول النامية لتجاوز الرأسمالية، وأطلقت عليه طريق التطور اللارأسمالي، والذي كان قد ورد في بعض كتابات لينين أيضاً من جهة، كما تبلورت نظرية السوق الاشتراكية في إطار الاقتصاد والتخطيط الاشتراكي للعلامة الاقتصادي البولوني أوسكار لانگة، الذي اختلف في رؤيته النظرية للاقتصاد الاشتراكي عن غالبية الاقتصاديين السوفييت المسؤولين عن رسم السياسة الاقتصادية للاتحاد السوفييتي وتأثيراتها على بقية دول مجلس التعاضد الاقتصادي، التي كانت تتنكر لدور السوق وقوانينه من جهة أخرى. وقد لعب الدكتور محمد سلمان حسن بترجمته كتاب أوسكار لانگة، الجزء الأول واستكماله الجزء الثاني، دوره في نشر أفكار أوسكار لانگة لا بالعراق فحسب، بل وبالدول العربية أيضاً. ومن جانب آخر سادت بالعراق قبل وبعد ثورة تموز 1958 نظريات اقتصاد السوق الحر، أو النظرية الرأسمالية اللبرالية بمختلف مدارسها، لدى مجموعة غير قليلة من الاقتصاديين اللبراليين العراقيين، ولاسيما ذات الاتجاه والنزعة القومية العروبية والجماعات المحافظة، ولدى الفئات البرجوازية المتوسطة والصغيرة. وبرز في هذا المجال العديد من الاقتصاديين العراقيين منهم الدكتور محمد عزيز، والدكتور عبد الرحمن الحبيب، والدكتور عبد المنعم السيد علي، والدكتور خير الدين حسيب، والدكتور محمد جواد العبوسي، وكذلك العديد من العاملين في وزارتي التخطيط والاقتصاد حينذاك وفي كلية الاقتصادي وجامعة بغداد. وكان الدكتور خير الدين حسيب هو المبادر لطرح فكرة "الاشتراكية العربية" بالعراق حينذاك، وكان عضوا قيادياً في حزب الاتحاد الاشتراكي الذي تأسس في العام 1964 وترأسه رئيس الجمهورية عبد السلام محمد عارف، وتبنتها القوى القومية العربية وقوى البعث أيضاً، كما كان المبادر لطرح فكرة إجراءات التأميم لعام 1964 وتنفيذها فعلاً. علماً بأن مجموع رؤوس أموال المشاريع الصناعية والتجارية والبنوك والتأمين لم يزد عن 28 مليون دينار عراقي، أو ما يعادل 92 مليون دولار أمريكي. وكانت الأهداف الفعلية من التأميم هي الوصول إلى ما يلي:
1.   محاولة تبويش السياسة التي كانت تطرحها القوى التقديمة والديمقراطية، ولاسيما الحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية أخرى، في موضوع دور الدولة وقطاعها الاقتصادي والتخطيط الاقتصادي. علماً بأن الحزب الشيوعي العراقي كان يدعو أيضاً إلى تعزيز دور القطاع الخاص والقطاع المختلط في الصناعة لحاجة البلاد إلى المزيد من الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية؛
2.   تنشيط القوى الداعية إلى حل الحزب الشيوعي العراقي والالتحاق بالاتحاد الاشتراكي على الطريقة التي جرت فيها العملية القيصرية بمصر، حيث أجبر الحزب الشيوعي المصري على حل نفسه وبدعم من السوفييت.1) وقد طرح عدد من قادة الحزب الشيوعي العراقي هذه الفكرة حينذاك، ولكنها رفضت من قادة حزبيين آخرين ومن الكوادر والقواعد الحزبية والجماهير المساندة للحزب الشيوعي العراقي. وكان المسؤولون السوفييت أبرز المساندين لفكرة حل الحزب الشيوعي والاندماج بالاتحاد الاشتراكي العربي بالعراق معتمدين في ذلك على موضوعة طريق التطور اللارأسمالي وقدرة البرجوازية الصغيرة على سلوك هذا السبيل. وقد فشل هذا التوجه بسبب إصرار مزيد من الكوادر الحزبية وبعض قادة الحزب لهذا الاتجاه؛
3.   محاولة غير ناجحة للتقرب والتماثل مع تجربة التأميم في جمهورية مصر العربية، حين عمد جمال عبد الناصر إلى تنفيذ إجراءات تأميم واسعة بين 1961-1964، التي ابتدأت بعد فشل الوحدة بين مصر وسوريا، وكأنها محاولة عقوبة وانتقام من البرجوازية المصرية.2) وكان من ضمن أهداف سياسة عبد الناصر الوصول إلى الادعاء بتبني الاشتراكي وإمكانية مسيرة مصر صوب طريق التطور الاشتراكي وبالتالي ليست هناك حاجة لحزب شيوعي مصري. وحين زار والتر أولبرشت، رئيس جمهورية المانيا الديمقراطية حينذاك، مصر في نهاية شباط/فبراير عام 1965 ادعى في خطاب له بأن مصر تسير في طريق الاشتراكية!
4.   محاولة كسر مقاومة القطاع الخاص لسياسات عبد السلام محمد عارف الاقتصادية ونهجه الدكتاتوري، والتي برزت في المذكرات الاحتجاجية التي قدمها الشيخ محمد رضا الشبيبي حينذاك إلى رئيس الجمهورية.3)
5.   ذر الرماد في العيون، وكأن العراق كان يسير حينذاك على طريق تطور جديد صوب الاشتراكية العربية!
وقد ألحقت إجراءات التأميم العراقية أضراراً كبيرة بالاقتصاد العراقي، كما إنها لم تنفع قطاع الدولة، بل قادت الإدارة الحكومية الفاسدة للمشاريع المؤممة إلى خسائر تحملتها خزينة الدولة.
وتصدى الدكتور محمد سلمان حسن حينذاك لسياسات القوميين العراقيين العرب الاقتصادية وهجومهم على سياسات عبد الكريم قاسم الاقتصادية مدافعا بوعي ومسؤولية عن نهج حكومة عبد الكريم قاسم الاقتصادي، الذي وضعه اقتصاديون مرموقون حينذاك وكاشفاً عن الخلل الكبير في سياسات القوميين الاقتصادية اللبرالية التي لا تعبر عن حاجات الاقتصاد والمجتمع العراقي.4) لم يكن هذا الاختلاف نظرياً بحتاً فحسب، بل كان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، إذ كان الصراع الفكري يجسد مصالح طبقية في نهج ووجهة ومضمون النموذج الاقتصادي المنشود للعراق حينذاك.
لم يكن هذا الصراع الفكري حديث العهد، بل برز في الثلاثينيات من القرن العشرين، بين سياسة الحكم الاقتصادية المحافظة التي كانت ترسم عملياً من جانب المستشارين البريطانيين في فترة ما قبل وما بعد الانتداب في العام 1932 مباشرة لتعزيز مواقع البرجوازية الكومبرادورية والشركات التجارية العراقية التابعة لها والعاملة مع الشركات التجارية الأجنبية، وكذلك الحفاظ على مصالح كبار ملاكي ومستغلي الأرض الزراعية التابعة للدولة، وبين القوى الوطنية والديمقراطية العراقية التي كانت تطالب برسم سياسة اقتصادية جديدة للعراق. فمنذ نهاية العشرينات من القرن العشرين (1929) طرحت جمعية أصحاب الصنائع العراقية، برئاسة محمد صالح القزاز، ثم نشرت الأحزاب والقوى الديمقراطية العراقية، تصوراتها حول النهج الذي يفترض أن تمارسه الدولة العراقية لتحقيق تقدمها الاقتصادي والاجتماعي وبناء المجتمع المدني، والتي تمكنت من إصدار قانون حماية الصناعة الوطنية. ويمكن لمتتبعي تاريخ العراق الحديث ملاحظة ذلك في برنامج جماعة الأهالي في العام 1933، ومن ثم في برنامج الإصلاح الشعبي لجماعة الأهالي نفسها، وفي المقالات والكراسات التي أصدرها الحزب الشيوعي العراقي، ومن ثم في برنامجه الذي أقره المؤتمر الوطني الأول في العام 1944/1945، حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي طرحها الحزب الشيوعي العراقي، وتركيزه الدائم على ثلاث مسائل جوهرية هي: أ) الحريات والحقوق الديمقراطية والالتزام بالحياة الدستورية النزيهة، وب) التوجه صوب البناء الاقتصادي، ولاسيما تنشيط القطاعين اصناعي والزراعي والخدمات الإنتاجية، والاجتماعي والثقافي السليم ومكافحة الأمية والبطالة والفقر، وج) وعبرهما يمكن تعزيز الاستقلال والسيادة الوطنية وإلغاء المعاهدات المخلة بهما. وكان الحزب الشيوعي يرى بأن بأهمية التفاعل بين الحرية والديمقراطية من جهة، وتحقيق التنمية وتأمين حصول توازن في البنيتين الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع العراقي ومن جهة أخرى، إذ بدونهما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، تحقيق التقدم وضمان الاستقلال والسيادة الوطنية.5) وإذ لم يتحقق سوى القليل جداً في مجال الصناعة مثلاً قبل الحرب العالمية الثانية، تحسن قليلاً أثناء الحرب لأسباب عديدة، منها حاجة القوات البريطانية المعسكرة بالعراق للسلع الاستهلاكية وتعذر الاستيراد... ومع زيادة حصة العراق في إيراداته النفطية والاتفاق على المناصفة مع شركان النفط الاحتكارية وتشكيل مجلس الإعمار، ومن ثم وزارة الاعمار في العام 1951/1952، وضغط القوى السياسية الديمقراطية، تحقق بعض النتائج الإيجابية المهمة لواقع العراق الصناعي حينذاك، سواء أكان باستقدام خبراء ومؤسسات لتقديم بحوث علمية أو انجاز ونشر دراسات اقتصادية حول سبل تنمية الاقتصاد العراقي، ومنها دراسة "أرثر دي لتل" حول الصناعات البتروكيماوية في العام 1956، والتي لم يؤخذ بها وأهملت تماماً، أو التقارير التي قدمت حول السياسة المالية حينذاك أيضاً. ومع ذلك أمكن إلى حد ما كسر الحاجز السميك المعرقل للتوسع في إقامة صناعة وطنية حديثة بالعراق تابعة لقطاع الدولة وأخرى مختلطة شارك فيها البنك الصناعي والقطاع الخاص، ومشاريع تابعة للقطاع الخاص. لقد اصطفت المجموعة الصغيرة من الإقطاعيين وكبار ملاكي ومستغلي الأراضي الزراعية والفئة التجارية الكبيرة المرتبطة بالشركات الأجنبية وفئة العقاريين بوعي في معارضة التصنيع والتقدم الزراعي وتحقيق الإصلاح الزراعي وتغيير بنيتي الاقتصاد والمجتمع. وقد حظيت هذه القوى بتأييد ودعم واسعين من جانب الحكومات الملكية وشركات النفط الاحتكارية والشركات التجارية الأجنبية المصدرة للسلع المصنعة والمنتجات الزراعية والدول الرأسمالية المتقدمة، ولاسيما بريطانيا. ولم تستطع الحكومات الملكية المتعاقبة، التي كانت تعبر عن مصالح كبار التجار والعقاريين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية، الاستمرار في معارضة التصنيع المحدود نسبياً. ولكنها وقفت ضد أي تغيير في القوانين التي وضعها داوسن في أعوام 1932/1933 في توزيع وتمليك الأراضي الزراعية وما سمي بـ "تسوية حقوق الأراضي الزراعية" لصالح كبار الملاكين. وهي السياسة التي تعرقل بشكل مباشر وغير مباشر تحقيق المزيد من التصنيع بالبلاد. وفي العام 1956 القى رئيس الوزراء العراقي حينذاك نوري السعيد خطاباً مدوياً أعلن فيه أن حل مسألة الأرض تتم فقط حين يموت شيخ ما توزع الأراضي المملوكة له على أبنائه الكثر، وهكذا تحل مشكلة الملكيات الكبيرة للأرض الزراعية وينتهي الإقطاع، ثم هتف "دار السيد مـأمونة"6)، ولم تكن مأمونة! إذ بعد عامين من تلك الصيحة لا غير سقطت الملكية بالعراق.7)
لعبت الطبقة العاملة ونقاباتها والأحزاب الوطنية، ومنها الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي العراقي وحزب الاستقلال وأحزاب ديمقراطية ويسارية أخرى، وجمهرة كبيرة من المثقفين والكتاب الاقتصاديين والسياسيين المستقلين، دورهم الإيجابي في هذا الصدد. وقد نشأت مجموعة من المشاريع الصناعية المهمة والحديثة بالعراق كالمشاريع الإنشائية، ولاسيما السمنت والطابوق، والزيوت النباتية والغزل والنسيج ومشاريع السكر بالموصل والعمارة ومشاريع المشروبات الغازية والكحولية والسجائر وصناعات منزلية...الخ. وقد أنجزت الكثير من البحوث والدراسات ورسائل الماجستير والدكتوراه، خارج العراق، سواء تم ذلك بالدول الغربية، أم بالدول الاشتراكية في أعقاب ثورة تموز، مسحاً مهماً وقيماً عن هذه المرحلة من تاريخ العراق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والتي نشر بعضها باللغة العربية.8)
الاتجاهات التنموية لقوى ثورة تموز 1958
مع انتصار ثورة تموز 1958 وصل إلى السلطة ممثلون يعبرون في نهجهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي عن مصالح فئات البرجوازية الصغيرة والبرجوازية المتوسطة، والتي تجلت في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والقوانين والإجراءات التي اتخذتها والتي تميزت بها تماماً عن تلك التي مارستها حكومات العهد الملكي، رغم إنها قد تعثرت فيما بعد في الممارسة الفعلية. فالقوى الديمقراطية والتقدمية العراقية طرحت رؤية وسياسة ديمقراطية تقدمية استهدفت تسريع عملية التصنيع بالبلاد وتنمية الاقتصاد الوطني بزيادة التوظيفات الحكومية الموجهة للتنمية الصناعية والزراعية والتنمية البشرية وتغيير بنية التربية والتعليم، إضافة ضرورة تنشيط القطاعين الخاص والمختلط. فخلال فترة قصيرة أصدرت حكومة الثورة مجموعة من القوانين والإجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية المهمة، منها على سبيل المثال لا الحصر، اعتبار العرب والكرد شركاء في الوطن الواحد، العراق، الذي ثُبت في الدستور المؤقت للجمهورية العراقية لأول مرة، الخروج من حلف بغداد، الانسحاب من منطقة الاسترليني، قانون الإصلاح الزراعي، قانون العمل والعمال، وقانون الأحوال الشخصية، وإجازة النقابات ومنظمات مدنية اجتماعية أخرى، كما تم وضع خطة خمسية مؤقتة استبدلت لاحقاً بخطة تفصيلية.. إلخ. كل ذلك وغيره جسد الحاجة المباشرة للتنمية الاقتصادية والتركيز على إقامة المشاريع الصناعية وتحرير الأرض والفلاح من هيمنة الإقطاعي وكبار الملاكين بأمل وهدف تغيير بنية القطاع الزراعي وإنقاذ الفلاحين من جور الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية. وكان الهدف من وراء ذلك ضمان ما يلي:
1.   الاستفادة القصوى والممكنة من موارد البلاد المالية لإقامة مشاريع صناعية تساعد على تنويع الدخل القومي وتقليص طابع الاقتصاد الريعي النفطي الاستهلاكي غير الإنتاجي، من خلال توجيه جزء مهم من إيرادات النفط المالية صوب الاستثمار الإنتاجي. "وكانت الخطة الخمسية التفصيلية 1962-1966، التي دخلت حيز التنفيذ اعتبارا من بداية 1962، تحسينا للخطط المؤقتة السابقة في تعقيدها وتنوعها. وحددت الخطة هدفا لمعدل النمو، وحسبت نسبة رأس المال إلى الإنتاج، فاستنتجت أن حجم الاستثمار يجب أن يكون بنسبة 35 بالمائة من الدخل الوطني"9)، كما أشار إلى ذلك الدكتور عباس النصراوي.
2.   الاهتمام الاستثنائي بالتنمية الصناعية والتي بدأت بها الثورة حين وقع وزير الاقتصاد العراقي، الأستاذ إبراهيم كبة، اتفاقية اقتصادية مع الاتحاد السوفييتي لإقامة 28 مشروعاً صناعيا في مدن عراقية عديدة.
3.   العمل على إجراء تغيير في بنية الاستيراد لصالح التنمية الإنتاجية، مع الاهتمام بإشباع حاجة الاستهلاك المحلي من السلع الاستهلاكية التي لا بد من استيرادها.
4.   مكافحة البطالة وتوفير مزيد من فرص العمل في القطاعات الإنتاجية والخدمات المرتبطة بها ومكافحة الفقر وتوزيع وإعادة توزيع أفضل للدخل القومي.
5.   البدء بتوسيع المعاهد الفنية والمهنية لكسب المزيد من خريجي الدراسة الابتدائية والمتوسطة أو الثانوية صوب المعاهد الفنية والمهنية والفروع العلمية والتطبيقية. كما تم إرسال مئات خريجي الثانويات والكليات للدراسة كبعثات وزمالات إلى المعاهد والكليات والجامعات الأجنبية، ولاسيما إلى الدول الاشتراكية. 
6.   ضمان تغيير علاقات الإنتاج المتخلفة والاستغلالية في الريف لتطوير القوى المنتجة وتغيير بنية الزراعة المحلية وربطها بعملة التنمية الصناعية.
7.   وكان قانون الأحوال الشخصية بداية أولية مهمة لضمان تحقيق تغيير إيجابي في مكانة ودور المرأة في المجتمع الذكوري العراقي، والذي رُفض بإصرار تآمري رجعي من جانب المؤسسات والمرجعيات الدينية السنية منها والشيعية على حد سواء.
لقد عرف العراق اقتصاداً نفطياً بتقنيات حديثة وعلاقات رأسمالية متقدمة من جهة، وعلاقات إنتاجية متخلفة في بقية فروع الاقتصاد الوطني العراقي. وكان لهذه الازدواجية في العلاقات الإنتاجية جوانبها السلبية. إلا إن تقليص الجوانب السلبية كان يتطلب توجيه نسبة مهمة من موارد النفط المالية صوب التنمية الإنتاجية، صوب الصناعة والزراعة وتحديثهما بتقنيات متقدمة وتطويعها بما يتناسب ومهمة تطوير مستمر للجانب الثاني من القوى المنتجة، الجانب البشري، لتأمين إحداث تغيير مدروس وعقلاني في بنية الاقتصاد الوطني والبنية الاجتماعية وفي بنية الدخل القومي وفي عملية توزيعه الأولى والثانية، أي في إعادة توزيعه على صورة خدمات للمجتمع، أي الاستهلاك الاجتماعي.   
وكان من المؤمل أن تساهم هذه السياسات والإجراءات البدء بتحقيق تغيير فعلي مهم في البنية الطبقية المتخلفة للمجتمع، تلك البنية التي ارتبطت بوجود علاقات إنتاجية ما قبل الرأسمالية بالريف، علاقات شبه إقطاعية، معرقلة للنمو الصناعي وتطوير الزراعة وتحديث القوى المنتجة فيها وتحرير أعداد كبيرة من الفلاحين وتغيير في وعي الفرد والمجتمع. أي إنها كانت ستساهم في زيادة عدد أفراد الطبقة العاملة الحديثة، ولاسيما في القطاع الإنتاجي أولاً، وزيادة عدد الصناعيين من البرجوازية المتوسطة ثانياً، وتوسيع قاعدة البرجوازية الصغيرة التي يرتبط نشاطها بالقطاع الصناعي العراقي وبالزراعة ثالثاً. كما كان من المؤمل أن يلعب دوراً في تحسين مستوى حياة ومعيشة الناس وزيادة السيولة النقدية في الأسواق العراقية. ولا شك في أن كل هذه المسائل قد ارتبطت بصورة واعية بالجهود الكثيفة التي بُذلت لمحاربة الأمية بالبلاد والتي كانت واسعة جداً، ولاسيما بالريف وبين النساء. وقد اقترنت هذه السياسة الاقتصادية بسياسة مالية ونقدية مناسبة، والتي هي الأخرى لم تستمر طويلاً. وكانت كل هذه السياسات والإجراءات في إطار العلاقات الإنتاجية الرأسمالية وسعي الدولة إلى تحقيق التراكم الرأسمالي المنشود في الصناعة الوطنية وفي تحديث وتنمية القطاع الزراعي. وحتى هذه الوجهة البرجوازية لم تتحملها القوى الإمبريالية والقوى المناهضة لأهداف ثورة تموز الوطنية. فتأمرت ضدها بكل ما تملك من إمكانيات.   
الهوامش والمصادر
1) ملاحظة: حين كنت أعد لرسالة الدكتوراه ببرلين سافرت إلى القاهرة ونظمت لقاءات عدة مع سياسيين واقتصاديين مصريين ومع كبار المحررين في مجلة الطليعة المصرية. ومن بين تلك اللقاءات كان اللقاء المهم مع الدكتور فؤاد مرسي في العام 1965، بعد أن كان قد أطلق سراحه من السجن وعين رئيساً للمؤسسة العامة للسيارات بمصر، وكان قبل ذلك سكرتيراً للحزب الشيوعي المصري وسجيناً، فوافق على حل الحزب الشيوعي المصري والتحاق أعضاء الحزب بالاتحاد الاشتراكي العربي. أشار لي بوضوح وصراحة إلى الضغوط السياسية والنفسية التي تعرض لها الحزب وقادته من أجل حل الحزب، رغم وجود معارضة جدية لهذا القرار، ولكن لعب السوفييت دورهم البارز في ذلك. ك. حبيب.   
2) ملاحظة: في نهاية عام 1967 أنجزت كتاب رسالة الدكتوراه ودافعت عنها في شباط/فبراير من عام 1968 وكانت بعنوان "طبيعة إجراءات التأميم في جمهورية مصر العربية" أمام لجنة من ثلاثة أساتذة في كلية الاقتصاد ببرلين. وقد حضر الدفاع جمع كبير من المصريين من العاملين في سفارة مصر، إضافة إلى بعض المصريين الدارسين والمؤيدين لتجربة مصر ومجموعة من العرب من دول أخرى، إضافة إلى مجموعة من الألمان والعراقيين المهتمين بتجربة مصر حينذاك، إذ كانت جلسة الدفاع مفتوحة. وقد تبنيت في الرسالة رأياً مفاده إن مصر لا تسير في طريق التطور اللارأسمالي أو طريق التطور صوب الاشتراكية، بل هي إجراءات اقتصادية ذات وجهة سياسية ورأسمالية دولة نامية، كما إنها لم تكن في إطار منهج اقتصادي اجتماعي اشتراكي أو تقدمي يسهم في تغيير واقع الاقتصاد المصري. وقد شنت جمهرة من المصريين من أتباع السفارة وبعض المصريين هجوماً ضد مضمون رسالة الدكتوراه والتقرير الذي قدمته بهذا الخصوص. وقد تبنى هؤلاء رأياً مفاده إن مصر تسير على طريق التطور اللارأسمالي وصوب الاشتراكية رغم السياسات غير الديمقراطية للحكومة المصرية والتي اثمرت عن أكبر انكسار سياسي في تاريخ مصر في حرب حزيران عام 1967. وكانت ألمانيا الديمقراطية تقف سياسياً إلى جانب مصر وترى في مسيرتها نهجاً لا رأسمالياً. وكان الموقف حرجاً للجنة الدفاع من الناحية السياسية، ولكنها لم تستطع إيقاف الدفاع أو رفض الرسالة نظراً لقوة الحجج التي أوردتها في الرسالة أولاً، والتقرير الذي تقدمت به دفاعاً عن رأيي ومضمون الرسالة، إضافة إلى إجاباتي التفصيلية عن الأسئلة التي طرحت أثناء جلسة الدفاع والتي انتهت لصالح الأطروحة ومنح شهادة الدكتوراه فلسفة PhD. ك. حبيب.   
3) ملاحظة: نشرت عدة دراسات عن طبيعة التأميم لعام 1964 بالعراق واعتبرتها إجراءات أساءت للاقتصاد العراقي وحجمت بشكل غير مقبول ومؤذي للنشاط الاقتصادي للبرجوازية المتوسطة العراقية وإشاعة الخوف بين صفوفها وتوقفت عملياً استثماراتها بالاقتصاد العراقي. وقد نشرت هذه الدراسات في مجلتي الطريق اللبنانية ودراسات عربية بلبنان في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات. ك. حبيب.
4) راجع: د. مظهر محمد صالح، محمد سلمان حسن: دروس في الحياة المعرفية..!، شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 02/10/2014.
5) راجع: يوسف سلمان يوسف (فهد)، كتابات الرفيق فهد، البطالة، أسبابها وعلاجها، كراس. طبعة أولى 1946، من وثائق الحزب الشيوعي العراقي، عنى بجمعه ونشره فخري كريم، دار الطريق الجديد-بغداد، دار الفارابي-بيروت، 1976.     
6) ملاحظة: كنت في هذه الفترة، وبعد الخروج من سجن بعقوبة، منذ متصف العام 1956 مبعداً في مدينة بدرة وكنت مع الرفيق 7 علي محمود، من كردستان، مسؤولين عن التقاط الأخبار من الراديو وإنجاز نشرة أخبار يومية للرفاق المبعدين، والتقطنا خطاب نوري السعيد بالكامل مع تعليقاتنا عليه للمناقشة.   
7) ملاحظة: من يتابع تطور الوضع بإيران سيجد أن هناك صيحات مماثلة تؤكد بأن "دار السيد مأمونة" وهنا المقصود علي خامنئي، وعلينا أن ننتظر أن يحل بإيران ما حل بالعراق بعد صيحة نوري السعيد الخائبة، ولو بعد حين! ك. حبيب
8) أشير هنا بشكل خاص إلى رسالة الدكتوراه للفقيد الدكتور صباح مصطفى الدرة، الذي أغتاله حزب وحكم البعث في سجنه بالعراق في العام 1980/1981، مع الدكتور صفاء الحافظ وعائدة ياسين، التي دافع عنها في العام 1965 بكلية الاقتصاد ببرلين، ونشرها بالعربية تحت عنوان تطور القطاع الصناعي في العراق في فترة لاحقة، وركز فيه على القطاع الخاص، كما أصدر لاحقاً كتاباً عن "القطاع العام" في العراق، الصادر عن دار الرواد للطباعة، بغداد، 1977.   
9) راجع: د. عباس النصراوي، التنمية والنفط 1958-1968، الفصل الثالث من كتابه الموسوم "أعباء العراق ـ النفط العقوبات والتخلف"، دار غرينوود للنشر في ولاية كنكتكت الأمريكية.



42
كاظم حبيب
نقاش مفتوح مع الدكتور طلال الربيعي حول الرأسمالية اللبرالية بالعراق

وصلني التعليق الآتي، على مقالي الموسوم " الصناعة والزراعة هما قاعدتا التنمية والتقدم الاجتماعي في ظل نظام ديمقراطي علماني بالعراق" المنشور بتاريخ 29/12/2017 في الحوار المتمدن وصوت العراق والناس ومركز النور ومواقع أخرى، من الأخ الفاضل الدكتور طلال الربيعي وتحت عنوان " استحالة التطور الرأسمالي- ليبرالي لاقتصاد العراق"، بتاريخ /12/2017
استاذ المحترم د. كاظم حبيب
كل الشكر على مقالك.
مع احترامي الشديد لاختصاصك ومع اني مجرد هاوٍ في المواضيع التي يتناولها مقالك، الا انه اسمح لي القول اني اجد من الصعوبة بمكان الاتفاق مع استنتاجك باعتبارك شخصا واحدا مثل الدكتور برهم صالح او غيره مسؤولا عن السياسات النيولبرالية للعملية السياسية. وانه بالطبع يمكنك ان تتمنى -على الدكتور برهم صالح أن يتخلى عن ذهنية اللبرالية الجديدة المتطرفة وليس عن فكره الرأسمالي، فهذا غير مطلوب منه، ولكن المطلوب منه أن يفكر بمصالح كل مكونات الشعب العراقي، ومنه شعب إقليم كردستان العراق، على المدى القريب والبعيد!-  ولكنه تمني لا يمكن مطلقا ان يتحقق على ارض الواقع على صعيد العملية السياسية بمجملها. فالقضية لا ترتبط اطلاقا بهذا الشخص او ذاك.
فكما نعلم ان رئيس مجلس حكم الاحتلال، بريمر، والذي تشير اليه المقالة، قد أصدر قرارات لتكريس السياسات النيولبرالية في العراق، وقد وافق على القرارات كل اعضاء مجلس الحكم وقتها. وهذه القرارات لا تزال سارية المفعول قانونيا.
ولكون العملية السياسية هي صناعة بريمرية بامتياز، لذا لا يمكن لها ان تكون سوى عملية محكومة بقرارات بريمر النيولبرالية. ولذا انه من غير الممكن ان يتوجه العراق توجها رأسماليا ليبراليا وكما تدعو اليه مقالتكم. كما ان الطبقة الحاكمة في العراق هي برجوازية كومبرادورية ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالرأسمال العالمي كتابع له. ولذا فان طريق التطور الرأسمالي الليبرالي في العراق مسدود الأفق بغض النظر عن ميزان القوى الآن او لاحقا في ظل العملية السياسية.
واني اعتقد ان اقتصاد العراق محكوم عليه بالفشل الى ابد الآبدين ان لم ينح منحا اشتراكيا. وهنا يكمن التحدي الكبير او الهائل الذي تواجهه القوى اليسارية التي يتحتم عليها بأسرع وقت ان تعي ان تطور العراق لا ريعيا والنهوض باقتصاده انتاجيا على صعيد الصناعة والزراعة هو عملية مستحيلة بوجود العملية السياسية التي تحكمها قرارات بريمر والتي تقوم بتنفيذها برجوازية كومبرادورية لا يهمها سوى تكريس تبعية العراق للرأسمال العالمي.
مع وافر تقديري واحترامي
**********************
أخي العزيز الدكتور طلال الربيعي المحترم
تحية طيبة وتمنيات بعام جديد وسعيد،
ابتداءً لك شكري على تفضلك بقراءة المقال والتعليق عليه. وهو تعبير عن اهتمامك بقضايا الاقتصاد والسياسة والمجتمع، وهي ليست ملاحظات هاوٍ بقدر ما هي وجهة نظر احترمها وقابلة للنقاش، وسأحاول ذلك فيما يلي:
أولاُ: اتفق معك تمام الاتفاق بأن ما خطط للعراق ونفذ من جانب الإدارة الأمريكية كان الدفع باتجاه إقامة وتكريس علاقات رأسمالية تابعة وبمنحى نيولبرالي وجد تعبيره في القوانين التي وضعها المستبد بأمره پول بريمر والمهيمن على السلطة وقراراتها، ووافق عليها مجلس الحكم الانتقالي من جهة، والدور المحدد الذي مارسته المؤسسات المالية الدولية، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ونادي باريس، في فرض شروطهما المعروفة دولياً للدول النامية على مجلس الوزراء العراقي حينذاك من جهة ثانية، ووجود أغلبية كبيرة في مجلس الحكم الانتقالي، وفيما بعد الحكومات العراقية المتعاقبة، وافقت على تلك الشروط والوجهة المحددة لها من جهة ثالثة، مما أسهم في دفع العراق بالاتجاه المطلوب له. وعلينا هنا أن نتذكر شروط هذه المؤسسات الدولية والمتمثلة في نموذج وسياسة "التثبيت والتكيف الهيكلي" بالارتباط مع الموق من ديون العراق الخارجية. إلا إن الحكام الإسلاميين السياسيين الطائفيين والقوميين الذين تسلموا الدولة بسلطاتها الثلاث، بدعم من الولايات المتحدة وإيران، وهم أجزاء من الفئات الرثة والبرجوازية التجارية الكومبرادورية المتخلفة، لم يعوا بعمق الوجهة التي زرعها بريمر بالعراق، وحتى من فهمها منهم لم يهتم بذلك، بل توجه اهتمامهم صوب نهب الموارد المالية والاغتناء الذاتي، والتركيز على تشديد السمة الريعية والاستهلاكية غير الإنتاجية في الاقتصاد العراقي، أي أنهم حتى لم يهتموا بتـأمين مستلزمات تطور القطاع الخاص في الزراعة أو في تطوير الصناعة النفطية، عدا الاستخراجية. وكان لإيران وتركيا دورهما البارز والمميز في الدفع باتجاه الرثاثة الفعلية والتبعية الكاملة للاقتصاد الإقليمي والدولي. وقد حقق البلدان، إيران وتركيا، أرباحاً طائلة على حساب الاقتصاد العراقي، كما استطاعوا زرع أجهزة أمنية في كل مكان وتعزيز دورهما في حياة البلاد السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الاقتصادية، ولاسما إيران في كل العراق، وتركيا بالإقليم على نحو خاص. كما إن الصراع الطائفي، الذي كانت خلفه وأساسه مصالح اقتصادية للقوى الأجنبية المؤثرة على القوى السياسية المحلية، إضافة إلى القوى المحلية ذاتها، قد أسهم بدوره في شل أي قدرة فعلية على تطوير الاقتصاد العراقي ومعالجة بعض مشاكله، بل عمقت هذه السياسة البائسة والرثة في المزيد من تشوه بنية الاقتصاد العراقي، بما فيه اقتصاد الإقليم أولاً، وإلى استمرار التشوه في بنية المجتمع الطبقية ثانياً، وكل ذلك أثر بقوة على استمرار تدني مستوى الوعي الفردي والجمعي بالعراق. ولا شك في أن هناك قوى حاكمة ومجتمعية مهيمنة كانت ولا زالت تعمل من أجل نشر الفكر والممارسة النيولبرالية بالاقتصادي والمجتمع بالعراق، وهو ما يفترض أن يتم التصدي له والكشف عنه وفضحه. كما إن السياسة المالية ولنقدية قذ خضعت من الناحية النظرية والعملية لهذا النهج المخالف لمصالح الاقتصاد والمجتمع. 
ثانياً: أتفق معك بأن كل القوى التي شاركت في مجلس الحكم الانتقالي، ومن ثم في مجلس الوزراء لثلاث دورات (علاوي، الجعفري، المالكي دورتين، والعبادي الحالي)، تتحمل مسؤولية الموافقة على النهج الذي اختطه بريمر، رغم طرح بعض الآراء المخالفة والتي انتقدت سياسة وتوجهات بريمر في العمليتين الاقتصادية والاجتماعية وتأثيرهما السلبي الشديد على واقع العراق وتطوره اللاحق وكذلك دوره في فرض المحاصصة الطائفية والأثنية في الحكم وبدعم مباشر من الدولة الإيرانية، إلا إنها لم تكن مؤثرة ولم تمنع حصول ما أراده المهيمنون على الحكم، إذ إن الخط العام وزخم التدخل الخارجي وطبيعة الحكم ذاتها والفئات التي تسند هذا الحكم وتتبناه ويعبر عن مصالحها، كان وما يزال يمتلك القدرة على التحكم بوجهة التطور الاقتصادي بالعراق. وحين نتابع كتابات تلك الفترة سنجد أمامنا الكثير من الصراعات الفكرية والسياسية بهذا الصدد والتي نشرت في المواقع الإلكترونية العديدة. إلا إن القوى السياسية الحاكمة وهي الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية والأحزاب الكردستانية، كانت تجد في ذلك ضالتها للوصول إلى الموارد المالية النفطية لتغتني بها ذاتياً وتساوم المجتمع على تحسين شكلي ومؤقت لمدخولاتها، ولكن في الحقيقة قد سعت إلى تجنب أي تنمية اقتصادية حقيقية أو أي دور فعلي لقطاع الدولة الاقتصادي، كما أهمل توفير مستلزمات تطور القطاع الخاص والمختلط. إنها الرثاثة بعينها، وأهملت بالتمام مصالح المجتمع ولاسيما الفائت الكادحة وذات الدخل المحدود، مما أدى إلى ارتفاع كبير في عدد الفقراء ومن هم تحت خط الفقر المعروف للدول النامية، وتزايد كبير في عدد الذين يعانون من البطالة!  لقد كان هدف الفئات الحاكمة المتصارعة، كما هو معروف، الهيمنة المطلقة على السلطة والتحكم بالمال العام، وتأمين أوسع نفوذ في المجتمع وعليه. كان هذا الصراع وما يزال هو الذي يميز العملية الجارية بالعراق منذ سقوط الدكتاتورية البعثية وقيام نظام الاستبداد الطائفي. وهي عملية سياسية ما تزال في إطار القوى الحاكمة، وليس للمجتمع الدور فيها حتى الآن. ولكن ليست هذه الحالة ذات ديمومة بل هناك من المؤشرات ما يمكن القول باحتمال كسر هذه الحلقة البائسة والخروج من طوق القوى الإسلامية السياسية والقومية الشوفينية الحاكمة.
ثالثاً: لقد نشرت حلقات من مناقشتي للدكتور برهم صالح، وكذلك مناقشات مستفيضة أجريتها مع الأخوة الدكتور سيار الجميل والدكتور بارق شبر والدكتور محمد علي زيني وآخرين، وهي كلها تصب في رفض الرأسمالية النيولبرالية المتوحشة التي يراد فرضها على الاقتصاد والمجتمع بالعراق. وهي مناقشة للقوى الحاكمة أيضاً، وهي ليست العلاقات الإنتاجية الرأسمالية المشروطة التي يمكن ويفترض أن تتطور في الاقتصاد العراقي والتي يفترض التحكم بوجهة تطورها لصالح المجتمع والاقتصاد الوطني.
أخي الفاضل، حين أطرح وجهة نظري لا يجوز لي أن أجنح بخيالي بعيداً عن الواقع. إذ لا بد من الانتباه إلى عدة مسائل جوهرية، إذ بدونها يصعب على الإنسان تحديد وجهة تطور البلاد والقضايا النضالية التي يفترض أن تتصدر المهمات مرحلياً مع الرؤية الواقعية لاستراتيجية التنمية والتطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي بالعراق:
1.   ضرورة الاستخدام السليم والعلمي للمنهج المادي الجدلي في البحث والتحليل والتدقيق في الظروف الملموسة لواقع العراق.
2.   الانطلاق من واقع الحياة اليومية للمجتمع ومن المتغيرات الجارية على الاقتصاد والمجتمع وعلى فكر ووعي الفرد والمجتمع أولاً، وكذلك التغيرات الحاصلة على الصعيدين الإقليمي والدولي ثانياً، من أجل تحديد المهمات والأهداف المرحلية والابتعاد عن محاولة القفز فوق المراحل أو حرقها.
3.   تأمين الربط العضوي بين عملية التغيير في البنية الاقتصادية والاجتماعية بالعراق، وبين تطور وعي الفرد والمجتمع وسعيهما المشترك لصالح حرية الإنسان وحقوقه المشروعة وسعادته والعدالة الاجتماعية، واستخلاص مدى الاستعداد الفعلي للمشاركة في عملية التغيير.
4.   تشخيص دقيق وسليم للقوى الاجتماعية التي يهمها إنجاز مهمات المرحلة والتي يفترض أن تتبلور في:
أ‌.   مجال تحديد المهمات في إطار برنامج تستوحيه طبيعة المرحلة،
ب‌.   وأن تكون المهمات المطلوب تحقيقها متطابقة مع القدرات الفعلية للقوى الاجتماعية والسياسية المعنية بالنضال لتحقيق المشروع الوطني والديمقراطي.
ت‌.   وثم سبل العمل وأدواته من أجل رفع وعي واستعداد الغالبية العظمى من المجتمع، ولاسيما الفئات المتضررة من الواقع القائم لإحداث التغيير المنشود.
استناداً لهذا المنهج في التحليل توصلت إلى إن على العراق أن يتخلص من بقايا العلاقات البالية ما قبل الرأسمالية، وأن يبني القاعدة المادية الإنتاجية للتطور والتقدم الاجتماعي والتي تستوجب تحقيق التراكم الرأسمالي البدائي الغائب حالياً عن الاقتصاد العراقي، أي إن العلاقات الإنتاجية الرأسمالية ستأخذ ردحاً من الوقت لتنمو وتتطور بالعراق، وعليه أن يستفيد من موارد النفط المالية لهذا الغرض ولإجراء تغيير في البنية الاقتصادية بتجاه التصنيع وتحديث الزراعة واستخدام التقنيات الحديثة. ولكن الأسئلة الأكثر أهمية التي تثار هنا، منها مثلاً: من هي القوى التي ستقود المسيرة في هذه المرحلة، وما هي طبيعة العلاقة بين الاقتصاد العراقي والاقتصاد الرأسمالي العالمي، وهل هناك إمكانية لقطيعة فعلية مع الرأسمالية العالمية في حالتها العولمية الراهنة، ومن حيث مدى ومستوى القدرة على ممارسة الاستقلال في اتخاذ القرارات الاقتصادية والسياسية وتنفيذها بعيداً عن الإملاءات الرأسمالية الدولية ومؤسساتهما المالية. طبعاً سيكون ممتازاً لو تمكنت القوى الاشتراكية التي تسعى لبناء الاشتراكية كاستراتيج بعيد المدى، دون أن تحاول حرق المراحل، الوصول إلى السلطة وأن تعمل بوحي من المنهج العلمي وعلى وفق المنظور المطروح في أعلاه، ولكن هل تتوفر مثل هذه الإمكانية حالياً؟
أن ثورة أكتوبر الاشتراكية وتطورها في فترة وجود لينين، الذي شعر بضرورة تغيير الوجهة وطرح السياسة الاقتصادية الجديدة، أي إقامة علاقات إنتاجية رأسمالية، ولكن تحت رقابة وإشراف الدولة، والتي كانت تعني رفض الإملاءات الرأسمالية العالمية على الاقتصاد الروسي، والتي ألغاها ستالين حال تسلمه السلطة، بل حتى وقبل البدء بتنفيذ النهج الجديد "النيپ". ومن ثم علينا متابعة التطور الجاري في الصين الشعبية التي يمكن أن تمنحنا القدرة على التفكير والاستفادة الواعية والعميقة من هاتين التجربتين العالميتين المهمتين. إن فشل الأولى، ولأسباب ذاتية وموضوعية، لا يعني بأي حال فشل النموذج الاشتراكي أو الفكر الاشتراكي، بل سيتحقق ذلك في آماد لاحقة.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء الاقتصاد الوطني عبر القطاعات الآتية من حيث الملكية:
1)   قطاع الدولة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية والممكنة؛
2)   القطاع الخاص المحلي وفسح المجال له للتوظيف وبالتنسيق مع قطا الدولة في إطار خطة اقتصادية حكومية؛
3)   القطاع المختلط بين الرأسمال الحكومي والرأسمال الخاص وفي إطار الخطة الحكومية،
4)   الرأسمال أو القطاع الأجنبي الذي يفترض ويمكن أن يساهم في التنمية تحت إشراف ورقابة الدولة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والمجتمع بأسره وضمن الخطة التي تقررها الدولة.
أي لا يمكن الاستغناء عن دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في هذه المرحلة ومراحل لاحقة. كما لا يمكن الاستغناء عن العلاقات الاقتصادية الدولية، ولكن يفترض أن تكون السياسة الاقتصادية قادرة على منع إملاءات الاقتصاد الرأسمالي العالمي ومؤسساته المالية والنقدية الدولية، وفي مثل هذه المرحلة يمكن أن تنمو وتتطور العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في ظل حكومة وطنية وديمقراطية. ومثل هذه الإمكانية غير متاحة حالياً بفعل وجود الحكم السياسي الطائفي والفئات الاجتماعية الرثة الحاكمة.
لا يمكن الاستغناء عن دور البرجوازية المتوسطة والبرجوازية الصغيرة في الحياة السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ إنها لا تخضع لرغبات هذا الإنسان أو ذاك، بل تخضع لبنية المجتمع الطبقة وطبيعة المرحلة والنضال الذي تخوضه مختلف الفئات الاجتماعية. وفي المرحلة الراهنة يمكن للبرجوازية المتوسطة الصناعية والبرجوازية الصغيرة أن تلعب دوراً مهماً في النضال من أجل الخلاص من الواقع الراهن. وهذا يعتمد بدوره على مدى قدرة ودور القوى الديمقراطية والتقدمية بالداخل، أي على ميزان القوى الداخلي. إن طبيعة الدور الذي تمارسه البرجوازية المتوسط يخضع لميزان القوى السياسي والاجتماعي، ولمصالحهما بالدرجة الأولى، إذ يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى فئة كومبرادورية خاضعة للرأسمال الإقليمي والدولي، إن غاب وزن ودور القوى الطبقية القادرة على الحد من هذا الميل وعقلنته ولجمه وإخضاعه لمسيرة التقدم الاقتصادي والاجتماعي، ويمكن أن يكون ميلها بتجاه وطني وديمقراطي حين تكون القوى الديمقراطية وقوى الطبقة العاملة والفلاحين قادرة على فرض وجهة أخرى وحين تطرح الشعارات التي تجسد حاجات مختلف فئات المجتمع بما فيها البرجوازية المتوسطة، والمعبرة عن طبيعة المرحلة. 
ليس بمقدور من يستلهم مستلزمات التحليل السابقة أن يطرح شعارات اشتراكية لمهمات راهنة، فهو هروب إلى الأمام، يحمل معه إمكانية العزلة والانكفاء الشديد إلى الوراء، لاسيما حين لا تكون لها أي أرضية واقعية اجتماعية صالحة لذلك. ولكن الأمر الوارد حين تكون هناك استراتيجية بعيدة المدى يستلهم الإنسان منها ويعمل من أجلها دون الاستعجال بها، مع شرط عدم الخلط واستبدال التكتيكي بالاستراتيجي، إذ عندها يتحول الاستراتيجي إلى تكتيكات يومية مؤذية.
حين تشير المصادر النظرية إلى أن الاشتراكية هي عشية الإمبريالية، أي عشية التطور الكبير في العلاقات الإنتاجية الرأسمالية بحيث يصبح التناقض بين العمل ورأس المال، بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج الرأسمالية في أسلوب الإنتاج الرأسمالي غير قابلة للمساومة، عندها ستنشأ الظروف والمستلزمات لحسم المسألة. وهذا يعني بعبارة أخرى، إذا اردنا تحقيق البناء الاشتراكي في بلادنا، فلا يمكننا أن نبنيه على التخلف والعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية والعلاقات العشائرية والجهل والأمية وغياب الوعي الفردي والاجتماعي المناسبين أو غياب التنوير الديني والاجتماعي الضروريين، بل يفترض أن تنهض طبقة عاملة وعمال زراعيين وفلاحين واعين ودور مناسب للبرجوازية الصغيرة، بمن فيهم فئات المثقفين والمثقفات والطلاب والطالبات ودور أفضل للنسوة في الاقتصاد الوطني والمجتمع...الخ. أي علينا أن نعجل في بناء العلاقات الإنتاجية الرأسمالية، ولكن تحت شروط ومستلزمات مهمة وضرورية لكيلا تكون تابعة وخاضعة للرأسمال الأجنبي أو الإقليمي، بل تخضع لبرنامج وطني وديمقراطي تقدمي. لن يكون هذا سهلاً ولكنه ليس مستحيلاً في ظروف وواقع العراق من جهة وواقع العولمة الجارية في الاقتصاد والسياسة الدوليين.
كما تعرف فأن القوانين الاقتصادية الموضوعية للرأسمالية واحدة، ولكن يختلف الأمر في فعلها على وفق واقع ومستوى تطور كل بلد من البلدان وواقع القوى الاجتماعية والسياسية فيه ودورها وإمكانياتها في تحقيق السوق الاجتماعي في ظل العلاقات الرأسمالية التي لا تعني الاشتراكية في أي حال، ولكنها تعني تقييد قوى الرأسمال في عملية استغلالها للطبقة العالمة والمجتمع، وتوفير مستلزمات التأثير الإيجابي على حركة السوق والقوانين الفاعلة فيه وعلى طبيعة العلاقات مع الخارج، ودور النقابات والقوى السياسية الديمقراطية والاشتراكية.
اكتفي اليوم بهذا القدر وسأحاول أن أنشر قريباً مقالاً أوسع بهذا الصدد. مع شكري وامتناني لإثارة الموضوع وأملي التواصل في الحوار والمناقشة. مع الود والاحترام. كاظم حبيب، بتاريخ 31/12/2017   

43
كاظم حبيب
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
(6-6)
سُبل معالجة عواقب الكوارث التي حَلَّت بالعراق، ولاسيما المناطق التي نُكِبت بالدواعش!
هناك العديد من التصورات والمقترحات المطروحة التي ترى ضرورة الالتزام بها لمعالجة أوضاع ما بعد داعش، أو ما بعد التحرر من عصابات داعش، في حين ما يزال العراق يواجه نظام المحاصصة الطائفية والفساد الذي تسبب فيما تعاني منه الموصل وسهل نينوى وبقية المحافظات الغربية، إضافة لما يتوقع حصوله من مشكلات إضافية بسبب استمرار وجود الحشد الشعبي على الصعد العسكرية والسياسية والاجتماعية. (ملاحظة: يمكن قراءة الكثير من المقالات في هذا الصدد ونشير هنا إلى: 1) الدكتور سيار الجميل في مقال له بعنوان "هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟ موقع العربي الجميل، بتاريخ 24 تموز/يوليو 2017؛ 2) الدكتورة أسماء جميل رشيد، في بحثها الموسوم "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 389، أيار 2017، ص 28-39).   
أن الحلول الواقعية يفترض أن تستند إلى قواعد عمل ثلاث:
** استخدام المنهج العلمي في دراسة وتحليل القضية أو القضايا المطروحة للمعالجة؛
** الاستناد إلى الواقع الموضوعي القائم لرؤية ما يمكن تحقيقه بعيداً عن الرغبات الذاتية أو الحلول المتخيلة، رغم أهمية وصواب استخدام خصوبة الخيال غير الجامح في مجمل العملية، وفهم التعقيدات المحيطة بالقضية والمتشابكة معها؛
** فهم واستيعاب دروس التاريخ التي مرّت على القضية أو القضايا التي يراد معالجتها وعلى أولئك الذين كانوا جزءاً من هذا التاريخ.
واستناداً إلى هذه الرؤية فأن صيغ العلاقات الماضية بين اتباع القوميات والديانات والمذاهب بالعراق لم تكن مثمرة وسليمة ودافعة نحو الأفضل والعيش التضامني المشترك. وهذا التقييم والتقدير لا يعودان إلى خلل في الإنسان العراقي ذاته، بل هو خلل أساسي في طبيعة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سادت العراق على مدى تاريخ طويل، إضافة على عدم إصلاحه في أعقاب الخلاص من الحكم العثماني والوقوع تحت وطأة الاستعمار البريطاني وقيام الدولة الملكية العراقية في العام 1921 وعلى أيدي قوات الاحتلال البريطانية وحكام تربوا في الدولة والثقافة والتراث العثماني والإسلامي، والذي لم يكن متناغماً مع حضارة القرن العشرين وتطلعات الشعوب في التحرر والتقدم. كما أن غياب التنوير الدين والاجتماعي ودور المؤسسات والمرجعيات الدينية غير الإيجابي عموماً لعب دوره المميز في استمرار شيوع الأحكام المسبقة على اتباع الديانات بالعراق وعواقبه السلبية على العلاقات بين السكان. والنظم التي سادت بالعراق لم تسع إلى بناء المجتمع على أسس ديمقراطية وحياة مدنية ونهج عقلاني وتنويري لتحقيق التعايش بين قوميات العراق العديدة وأتباع دياناته ومذاهبه المتعددة واتجاهاته الفكرية واسياسية الديمقراطية. وتجلى ذلك في ستة محاور جوهرية هي:
1.   النهج القومي الشوفيني في حكم العراق منذ بداية تأسيس الدولة العراقية الملكية.
2.   النهج الديني الطائفي بالدولة العراقية، حيث اعتبر الإسلام دين الدولة والمذهب السني هو الموجه للحكم، رغم عدم النص على المذهب في الدستور.
3.   ورغم إن الدستور في اغلب بنوده كان دستوراً ديمقراطياً ومتقدماً على أوضاع العراق وبنيته الاجتماعية والتعليمية والثقافية والاقتصادية حين أقر، فأن الممارسة الفعلية سجلت تجاوزات فظة على الدستور من السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلى جانب التدخل السياسي الفظ في شؤون السلطة القضائية لصالح كبار الملاكين وشيوخ العشائر، وضد قوى المعارضة السياسية.
4.   ومع إن العراق توجه في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية صوب التصنيع النسبي وتطوير الزراعة، إلا إن الجهود لم تكن موجهة بصورة عقلانية وواعية والتي لم تنعكس في مجال التربية والتعليم، ولاسيما التعليم المهني الضروري لأي تنمية اقتصادية بالعراق، وجرى التركيز على التعليم الإنساني، ولاسيما كلية الحقوق، لتوظيف الخريجين في دوائر الدولة.
5.   وخلال الفترات المنصرمة لم يعرف العراق فترة تميزت بنهج سياسي ديمقراطي وحياة حرة وكريمة، بل كان الاستبداد والقمع والاضطهاد وسيف أجهزة التحقيقات الجنائية، التي تأسست في فترة الاحتلال البريطاني، ومن ثم أجهزة الأمن الداخلي والشرطة العراقية، مسلط على رقاب الشعب عموماً ولاسيما قوى المعارضة. وبالتالي لم يتمتع العراق، رغم مشاركته في وضع اللائحة الدولية لحقوق الإنسان في العام 1948 والمصادقة عليها، بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة وحقوق القوميات، وحقوق أتباع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية والفكرية والسياسية.
6.   وعاشت المرأة العراقية على امتداد العقود المنصرمة تحت وطأة التخلف والتمييز ضدها وضد حقوقها لا من الرجل فحسب، بل ومن قوانين وتشريعات الدولة العراقية وقانون العشائر وتقاليد العشائر العراقية إزاء المرأة والتربية الإسلامية المتخلفة التي عانى منه المجتمع والتي حرمت المجتمع من نصفه من المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبالشكل المطلوب والواعي والهادف إلى تغيير الأوضاع القديمة والتقاليد البالية. ومن هنا يمكن تأكيد أن الإسلام لم يعرف التنوير، وإن الشعب العراقي لم يتعرف على مفهوم ومضمون التنوير الاجتماعي للتخلص من خرافات وأساطير بالية تراكمت بشكل مضر جداً على ثقافته وتقاليده وأعرافه، والتي لا يمكن التخلص منها بسهولة، ولكن ليس الأمر مستحيلاً، وبالتالي لا بد من العمل بهذا الاتجاه.       
إن الهدف من الإشارة السريعة إلى هذه المسائل هو تبيان الحقيقة التالية: إن الأوضاع التي ما تزال سائدة بالعراق، والتي تجد تأثيرها السلبي على السعي لمعالجة المشكلات المتفاقمة، تستوجب الغوص الأعمق في أوضاع العراق من جهة، كما تستوجب التغيير الأكثر جذرية لنظام الحكم الطائفي السياسي القائم بالعراق حاليا من جهة ثانيةً. فمن أجل أن تكون المعالجة فاعلة وناجحة وسريعة نسبياً على مستوى العراق كله، واستناداً إلى تجربة أكثر من تسعين عاماً في إطار الدول العراقية الحديثة التي بدأت في العام 1921، وانطلاقاً من حقوق الشعوب في تقرير مصيرها في أجواء من الحرية والديمقراطية، لا بد من تأكيد أهمية وضرورة إجراء تغيير جذري في طبيعة الدولة العراقية الهشة القائمة، وفي طبيعة نظام الحكم الطائفي-الأثني المشوه القائم منذ العام 2003، لصالح إقامة الدولة المدنية الديمقراطية، الدولة العلمانية، والحكم المدني الديمقراطي الدستوري البرلماني النزيه. إن الوصول إلى هذا الحل لا يمكن أن يتحقق دون توفير مستلزمات أو شروط تسمح بتأمين إجراء التغيير الفعلي في ميزان القوى لصالح القوى المدنية الديمقراطية العلمانية المناهضة للنهج الطائفي والأثني في الحكم وفي المجتمع، واعتماد مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة بين أبناء الوطن الواحد المتعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والفلسفية والسياسية. أي إقامة دولة تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، والفصل بين الدين والدولة والدين والسياسة، وتمنع قيام أحزاب تستند إلى الدين أو المذهب، وتلك التي تمارس الطائفية السياسية في مناهضة الديانات والمذاهب والفرق المذهبية الأخرى، وحين يبدأ المجتمع بانتخاب وتكوين مؤسساته الديمقراطية والنزيهة في سلطات الدولة الثلاث.
هذه الوجهة في النضال لا يمكن تحقيقها على وفق رغبة أو إرادة ذاتية، كما يتمناها الإنسان العراقي، سواء أكان رجلاً أم امرأة، بسبب التركة الثقيلة لعقود طويلة من الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والحروب والحصار والحرمان والعنف الحكومي وغير الحكومي، إضافة إلى التركة الجديدة التي أضافها النظام السياسي الطائفي الحالي منذ العام 2003 إلى تلك التركة الماضية، والتي يجد المتتبع واقعها في تخلف مستوى وعي الفرد والمجتمع وقدرته على مواجهة الأحداث وميله نحو الطائفية السياسية وخضوعه الشديد لشيوخ الدين وأحزاب الإسلام السياسي بفعل وتأثير شيوخ الدين. إضافة إلى إصرار القوى الاجتماعية الرثة الحاكمة على البقاء في السلطة وعلى ممارسة النهج نفسه والسياسات ذاتها التي أوصلت العراق إلى الحضيض والمستنقع الذي هو فيه الآن، رغم محاولاتها تبديل جلودها بجلود فاقعة مزيفة لا يمكن خداع الجميع بها.
ولكن لا يخطئ الإنسان حين يشير إلى الحراك السياسي الشعبي المستمر بالعراق والمنقطة وعلى الصعيد العالمي، وكذلك الحراك النسبي في وعي الإنسان وإدراكه لما جرى ويجري اليوم بالعراق من كوارث مرعبة لا حصر لها، ومن إرهاب وفساد مالي وإداري شاملين، وهذا ما تؤكده محاولات أحزاب وقوى الإسلام السياسي في استخدام لغة جديدة وحديث آخر يبرّز الأخطاء السابقة ويبررها، ويدعو برياء وزيف شديدين إلى الدولة المدنية، التي يفهمونها بطريقتهم الخاصة ولا تنتهي بتغيير في نهجهم وسياساتهم وسلوكهم الفاسد. ولكن وعي الإنسان العراقي الفردي والجمعي لم يصل إلى المستوى القادر على التمييز بين الغث والسمين، بين الصدق والكذب، بين الحقيقة النسبية وزيف الادعاءات الجديدة التي تطلقها هذه القوى والأحزاب الإسلامية السياسية في رغبتها لتحقيق التغيير المنشود. ترى قوى الإسلاميين السياسيين، ومنهم الأحزاب المؤتلفة في البيت الشيعي، بأن الديمقراطية تعني "الاليات الديمقراطية وليس مع مبادئ الديمقراطية" (علي الأديب شراسة التصلب العقائدي .. وكاشان الفقيه، تقرير واحة الحرية الإخباري، قسم سياسية، كاريكاتير، بتاريخ 07/03/2013). إذ يؤكد علي الأديب على ذلك أو كما قال في ندوة تلفزيونية: "الديمقراطية ليست الفلسفة التي يلتزم بها حزب الدعوة، بل هي أداة"، (أنظر: كاظم حبيب، دكتور، حزب الدعوة ومفهوم ممارسته للديمقراطية في العراق، موقع الحوار المتمدن في 16/10/2010)، أي إنها أداة تستخدم للوصول إلى السلطة لا غير! وحين وصلت الأحزاب الإسلامية السياسية إلى السلطة داست بأقدامها على حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية ودفعت بالعراق في مستنقع الرثاثة والموت والدمار. وكان على رأس هذه القوى حزب الدعوة والمجلس الأعلى والمليشيات الطائفية المسلحة. لهذا يستوجب مواصلة العمل باتجاهين: أولاً، فضح زيف هذه الادعاءات والكشف عن خطط هذه القوى في البقاء على رأس السلطة وممارسة السياسات الطائفية المبتذلة ذاتها؛ وثانياً، تكثيف إعمال العقل لمتابعة ما يجري بحس ديمقراطي مرهف ومسؤولية وطنية والتحري عن الحلول العملية للواقع الراهن والتخلص من النظام السياسي الطائفي والصراعات الطائفية والأثنية بالعراق، والتي يفترض أن تتجلى بصياغة أهداف مهنية ووطنية ديمقراطية مقبولة وقابلة للنضال والتحقيق والتعبئة الشعبية الواسعة حولها.
وإلى أن يتحقق توفير مستلزمات التغيير المنشود في الواقع العراقي، لا يمكن ولا يجوز للنازحين والمتضررين من السياسات الطائفية والنهج العدواني المدمر منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة أولاً، ومنذ الاجتياح الداعشي للأنبار وصلاح الدين والموصل وعموم سهل نينوى وعواقبه ثانياً، أن ينتظروا معالجة أوضاعهم المأساوية إلى أن يتحقق التغيير الجذري المنشود، بل لا بد من العمل في إطار الوضع الراهن باتجاهين رئيسين:
أولاً: العمل من أجل التغيير المباشر والسريع في أوضاع النازحين والمناطق التي حررت من داعش واستكمال تحرير المناطق التي ما تزال تحت احتلال عصابات داعش المجرمة. من هنا يستوجب العمل بجميع الأساليب والأدوات المتوفرة لزيادة الضغط الشعبي الداخلي والإقليمي والدولي، سواء أكان على مستوى الرأي العام العالمي، أم على مستوى المجتمع الدولي (الأمم المتحدة ومؤسساتها الدولية (اليونسكو واليونيسيف ولجنة حقوق الإنسان)، والمنظمات الإنسانية الأخرى، ومنها منظمات حقوق الإنسان المحلية والإقليمية والدولية ومنظمة العفو الدولية، لصالح ممارسة سياسات عقلانية في المناطق التي تعرضت للإرهاب الداعشي والطائفية السياسية، لصالح النازحين الذين يعانون الأمرين وأولئك الذين ما زالوا في المناطق التي اغتصبها تنظيم داعش الإرهابي وحررت أخيراً. فما العمل؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالأفكار التالية القابلة للنقاش والتي هي قابلة للتحقيق من حيث المبدأ:
** إبقاء التقسيمات الإدارية التي كانت قبل هيمنة داعش على الموصل والمناطق الأخرى على حالها أولاً ودون تغيير. على أن يتم تشكيل لجنة عراقية مستقلة ومحايدة تماماً ومن شخصيات مقبولة من جميع الأطراف، مع مشاركة دولية من جانب الأمم المتحدة وعناصر مختصة في القانون الدولي، تقوم بدراسة الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق حول المناطق المتنازع عليها استناداً إلى المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005 لوضع مقترحات ملزمة للتنفيذ من جانب الحكومتين لحل تلك الإشكاليات وآليات تنفيذها على أن ينتهي العمل بذلك خلال سنتين فقط كحد أقصى.
** دراسة واقعية لأوضاع السكان العراقيين المسيحيين والإيزيديين وغيرهم في المناطق التي تعرضت للاجتياح والإرهاب والنزوح والهجرة، ولاسيما بالنسبة للمسيحيين الذين يطرحون مشروع إقامة محافظة في سهل نينوى. 
** تشكيل حكومة محلية مستقلة عن الأحزاب والقوى السياسية العراقية قوامها شخصيات مستقلة تكنوقراطية يتسمون بالنزاهة والاستقامة والمهنية العالية من أبناء وبنات محافظة نينوى، تدرك عمق المشكلات التي كانت بسبب النشاط الطائفي السياسي والتي تراكمت بفعل الاجتياح لمعالجة جملة المشكلات التي تعاني منها محافظة نينوى بمركزها الموصل وأقضيتها ونواحيها. إن إبعاد كل العناصر التي شاركت فيما وصل إليه الحال بالموصل وسهل نينوى أمر ضروري لتجنب بروز إشكاليات جديدة.
** تشكيل هيئة إعمار مركزية ترتبط بالحكومة المحلية وتابعة من حيث المبدأ للحكومة الاتحادية لتمارس نشاطها في إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها المعارك، ولاسيما الماء والكهرباء والشوارع والجسور، إضافة إلى إعادة إعمار الدور المدمرة جزئياً أو كلياً، وتنظيم عملية إعادة النازحين وحل المشكلات المحتملة بين الجماعات السكانية على أسس ديمقراطية وإنسانية، والتصدي لمحاولات أخذ الثأر أو أعمال الانتقام. (قارن: سيار الجميل، دكتور، هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟، مصدر سابق).
** ومن أجل تعجيل مهمة إعادة البناء اميل إلى المقترح الذي طرحه السيد الدكتور الناصر دريد بشأن الاتفاق مع مجلس الأمن الدولي بالتزامه المشاركة الدولية في إعادة إعمار المناطق التي تعرضت للإرهاب والقمع الداعشي والفساد العراقي العام في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين على طريق ما حصل بالنسبة لألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية حيث وضع مشروع مارشال لإعادة بناء المانيا. ويمكن أن يتسع هذا المشروع ليشمل العراق كله ولينقذنا في الوقت نفسه من تدخلات دول الجوار التي تريد تحويل العراق إلى شبه مستعمرات لها، كما هو حال إيران مع العراق حالياً. 
** وضع ميزانية مالية كافية وعلى وفق برنامج مدروس لإعادة إعمار المناطق المخربة وإعادة النازحين وتأمين البنى التحتية الضرورية باتجاهين: المسائل الآنية التي لا تقبل التأجيل وتلك التي تنجز بمرحلة لاحقة.
** تشكيل هيئة من شخصيات مستقلة واعية لما حصل في هذه المنطقة من العراق لتمارس عملاً إنسانياً كبيراً هادفاً إلى توفير أجواء المصالحة والتسامح والعودة إلى العيش والحياة المشتركة، على أن تبدأ عملها منذ الآن، لأن هذا هو السبيل العقلاني الوحيد القادر على تجاوز كوارث الماضي والحاضر ببناء جسور الثقة والأخوة والمودة والاعتراف المتبادل بالآخر والتسامح.
** منع وتحريم أي تدخل أجنبي ومن دول الجوار بالشأن الداخلي لمحافظة نينوى أو كركوك أو المحافظات الأخرى والعراق عموماً التي تعرضت لإرهاب داعش، واعتبار أي تدخل من أي طرف إقليمي أو دولي بمثابة محاولة ثلم الاستقلال والسيادة الوطنية والتأثير السلبي على السير السلمي والديمقراطي للأحداث. 
** العمل على سحب السلاح، كل السلاح من أيدي السكان والمليشيات المسلحة بأي مسمى جاءت، وتالك التي في الحشد الشعبي وفرض احتكار السلاح بيد الدولة، مع العمل المتواصل لتثقيف أجهزة الدولة العسكرية والمدنية بروح المواطنة المشتركة وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والسلام والعدالة الاجتماعية.
** تحريم الدعاية الطائفية السياسية والأثنية المحرضة ضد الآخر والمحفزة للصراع والنزاع وتقديم الفاعلين للقضاء، إذ أن معاناة العراق من الطائفية السياسية والحكم الطافي السياسي كان مريراً وكلف المجتمع مئات الآلاف من الضحايا ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية وخراب ودمار شامل وأحقاد وكراهية واسعتين.
** تأمين مراكز طبية ونفسية لمعالجة المصابين بمختلف العلل الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلحة والنزاعات الطائفية والأثنية، وبشكل خاص بين الأطفال والصبية والشبيبة، وكذلك بين النساء. ولا بد من جلب المختصين من بلدان أخرى للمشاركة في هذا العملية، إضافة إلى إقامة وتنشيط مراكز البحوث النفسية والبحث العلمي ووضع برامج للمعالجة. فالدراسات المتوفرة تشير إلى أن داعش قد استخدم الأطفال المختطفين لأغراض شتى، ومنها تدريبهم على العنف والتوحش في قتل المناهضين لتنظيم داعش. وفي هذا الصدد كتب الباحث الدكتور علي عبد الرحيم صالح، في بحثه الموسوم "الجنود الأطفال في العراق.. دراسة نفسية عن أطفال الخلافة والموت والانتحار" نشر في جريدة المدى بتاريخ 5/5/2015 ما يلي: "بعد تلقين الاطفال وضمان ولائهم للجماعة، يقوم القادة والمدربون الداعشيون باختبار قدرات الاطفال ومدى تحملهم للمهمات القتالية في معسكرات خاصة مثل معسكر (اشبال ابي بكر البغدادي) ومعسكر (ابن تيمية) ومعسكر (اطفال الخلافة)، وبهذا الصدد تقوم الجماعة الاسلامية المتطرفة بتصنيف الاطفال وفق المهمات المرغوبة والملائمة لمستوى قدراتهم البدنية والعقلية والاجتماعية، ووفقا لذلك يمتلك داعش صنوفا متعددة من الجنود الأطفال". (أنظر: علي عبد الرحيم صالح، دكتور، الجنود الأطفال في العراق.. دراسة نفسية عن أطفال الخلافة والموت والانتحار، جريدة المدى، 5/5/2015).
ثم يشير في موقع آخر من بحثه إلى الآتي: "يستعمل داعش آليات نفسية شديدة الخطورة مع الاطفال عند توجيههم وتلقينهم عمليات القتل والذبح، إذ نشاهد في الكثير من مقاطع الفديو المنشورة على مواقع الانترنيت بعض الاطفال يقومون بالقتل وقطع الرؤوس، وحرق جثث الجنود والمدنيين. واشار عدد من الاطفال الذين تم أسرهم على يد القوات العراقية الى بعض هذه التقنيات: فبعد ان يتعرف القادة الداعشيون على استعداداتهم للقوة والعدوان، يقومون بتدريبهم على قطع رؤوس دمى ترتدي زيا عسكريا يشبه الجنود العراقيين او الأمريكان، وذلك بعد القيام بذبح الجنود الاسرى امامهم، ويكون ذلك مصحوبا بجو من التكبير والتهليل والتشجيع، وبصورة تدريجية ومع التلقين وزرع الكراهية في نفوس الاطفال يكون (اطفال الخليفة او ابناء ابي بكر البغدادي) قد تحولوا الى ذباحين محترفين." (المصدر السابق نفسه). ومن هنا تنشأ المهمة الخطيرة للحكومة العراقية في إعادة تأهيل الأطفال بعد الانتصار على داعش عسكرياً، إذ ستبقى اثار ذلك الاحتلال كبيراً على الأطفال الذين عاشوا ما يقرب من ثلاث سنوات تحت حكم عصابات داعش القتلة. وهنا يمكن العودة إلى بحث قيم للدكتور فيان عبد العزيز والمهندس الاستشاري نهاد القاضي الموسوم " أزمة ما بعد الأزمة وحقوق ضحايا جرائم حروب التطهير العرقي"، حيث تقدم الدراسة مقترحات مهمة لمعالجة المشكلات النفسية للنساء والأطفال بعد الانتهاء من كارثة احتلال الموصل وعموم نينوى. (انظر: فيان عبد العزيز، دكتورة، ونهاد القاضي، أزمة ما بعد الأزمة وحقوق ضحايا جرائم حروب التطهير العرقي، أبحاث مؤتمر أربيل مؤتمر حول "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين بالعراق"، في 8 و9 من شهر شباط/فبراير 2015).
** اتخاذ الإجراءات الضرورية والكفيلة والعمل المسؤول لقوىً واعية لإزالة أثار النشاط الفكري والإفتائي والعملي الذي مارسته عصابات داعش وغيرها في مناطق نينوى والأنبار وصلاح الدين والحويجة وغيرها من المناطق التي تعرضت لاجتياح أو تأثير هذه القوى. (قارن: أسماء جميل رشيد، دكتورة، "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، مصدر سابق). 
** توفير مراكز صحية ومستوصفات متنقلة للعمل في القرى والأرياف والمناطق النائية التي تعرضت للاجتياح والتدمير لمعالجة سكانها والعائدين منهم إليها.
** دفع تعويضات مجزية لمئات الألاف من السكان الذين تعرضوا للأذى وتحملوا أضراراً مادية ومعنوية بما يساعدهم على النهوض ومواصلة الحياة والعمل.
** قيام القضاء بتشكيل محكمة جنائية تعتمد المعايير القانونية والإنسانية المتقدمة لمحاسبة من تسبب في سقوط الموصل وسنجار وبقية مناطق سهل نينوى والأنبار وصلاح الدين بأيدي عصابات داعش والعواقب التي ترتبت عليها، والتي ما تزال وستبقى تعاني منها لفترة غير قصيرة. إن مثل هذه المحاكمات الشفافة والعادلة من شأنها أن تحقق العدالة المنشودة وتمنع ممارسة مثل هذه السياسات والأساليب في العمل السياسي، إضافة إلى محاسبة الفاسدين والذي ألحقوا أضراراً فادحة باقتصاد الدولة والمجتمع والمناطق المتضررة.
** قيام وزارة التربية ووزارة التعليم العالي تدريس مواد شرعة حقوق الإنسان بأجزائها المختلفة في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات العراقية ونشرها على نطاق واسع، إضافة إلى نشر الأبحاث حول عواقب التطرف القومي والديني والمذهبي والفكري على المجتمع والعلاقات الإنسانية فيما بين افراد المجتمع من مختلف القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية والفكرية. 
** الأهمية البالغة للدور الذي يفترض أن تلعبه منظمات المجتمع المدني المستقلة والواعية لوظيفتها في المجتمع، ولاسيما في هذه الفترة، في التبشير بمبدأ الاعتراف المتبادل بين أبناء وبنات جميع القوميات والديانات والمذاهب والفرق بحق كل منها بالوجود والعمل بحرية دون الإساءة لأتباع القوميات والديانات والمذاهب والفرق المذهبية أو الاتجاهات الفكرية الأخرى، إضافة إلى ضرورة تأمين التسامح المتبادل لما وقع حتى الآن بين أبناء وبنات المجتمع على أن يحاسب كل من ارتكب جرائم بحق الآخرين أيا كان موقعه والجريمة التي ارتكبها. التسامح يأتي بعد أن يكون المجتمع قد شخص المذنبين بحق المجتمع أو بحق الآخر من أبناء وبنات المجتمع. إن الدور الذي تمارسه منظمات المجتمع المدني الديمقراطية يساهم في رفع مستوى الوعي والمسؤولية المشتركة إزاء الوطن والمواطن والمواطنِة وإزاء مكافحة العنف والقمع والاضطهاد والإرهاب والفساد المستشري في كل سلطات الدولة العراقية وفي مؤسساتها وفي المجتمع.
ثانياً: العمل من أجل التغيير الجذري لواقع العراق الراهن والتخلص من النهج والسياسات الطائفية التي ما تزال تمارس بالعراق. وهي المهمة المركزية الدائمة للمجتمع العراقي.


44

الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
5-6
المشكلات العشائرية والتقاليد البالية والمشكلات القومية

** منذ الثمانينيات من القرن العشرين بدأت الأجواء العشائرية تنتعش بالعراق بفعل سلوك رئيس الدولة حينذاك الدكتاتور صدام حسين، وسعيه لتوظيفها لصالح حروبه وتجنيد المزيد من أبناء العشائر لتلك الحروب وفي قواته الأمنية. ولكنها تفاقمت في أعقاب سقوط النظام البعثي واحتلال العراق وفرض النظام الطائفي والأثني والعشائري على البلاد. وزاد في الطين بلة رثاثة الفئة الحاكمة ونهجها وسياساتها في تنشيط الجو العشائري وربطه بالدين وشيوخه وأحزابه المشوهة وبالملالي الذين يمارسون الدعاية الدينية بين أبناء العشائر، سواء أكان ذلك بالمدن أو في القرى والأرياف. ويمكن أن يتابع القاري والقارئة هذه الحقيقة فيما حصل مع الاجتياح الداعشي للموصل ومحافظة نينوى والاعتداءات على المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان والشيعة، ثم ما حصل للسنة من أهل الموصل أيضاً، إضافة إلى التحاق جمهرة غير قليلة من أبناء هذه العشيرة أو تلك بعصابات داعش وتقديم فروض الطاعة "للخليفة النكرة ابي بكر البغدادي"، ونشوء قتلى وثارات بين الناس واعتداء جيران على جيرانهم...الخ، مما يجعل استعادة الصفاء المطلوب بين سكان مدينة الموصل وضواحيها وأقضية ونواحي محافظة نينوى، ومحافظات أخرى، عملية غير سهلة في ظل الجهل والأمية والتخلف الفكري والطائفية السائدة والفساد وانتشار السلاح في كل بيت. ومن هنا يستوجب أن تكون هناك قدرات كبيرة لحكومة ديمقراطية تستطيع استعادة العلاقات بين البشر، إلا إن مثل هذه الحكومة غير متوفرة حالياً. وهي من الإشكاليات الكبيرة التي تواجه المجتمع بالموصل والأنبار وصلاح الدين وديالى والحويجة وتلعفر وغيرها من المدن التي تعرضت لاحتلال داعش، إضافة إلى المشكلات العشائرية الأخرى في المحافظات الجنوبية ومنها على سبيل لا الحصر المشكلات العشائرية الملتهبة بالبصرة والسلوك العشائري العام بالبلاد.
** كما أن عدم حل المشكلات المعقدة في المناطق المتنازع عليها قاد عملياً إلى نشوب صراعات إضافية ودفع بإجراء استفتاء بإقليم كردستان العراق وبالمناطق المتنازع عليها، مما ساعد تفاقم الخلافات وفرض سيطرة قوات الحكومة الاتحادية على أغلب المناطق المنازع عليها، ومنها كركوك وبعض مناطق نينوى وديالى، والتي يمكن أن تتفاقم مما لم تتوفر حلول عملية، وما لم تتوفر النية الصادقة لدى جميع الأطراف في معالجة هذه المسائل بروح ديمقراطية سلمية وتفاوضية بعيدة عن التهديدات واستخدام السلاح استناداً إلى المادة 140 من الدستور العراقي. ونتيجة لكل ذلك توترت بشكل غير معقول العلاقة بين الحكومتين وبدأ حصار سياسي واقتصادي من الحكومة الاتحادية غير عادل ضد الشعب الكردي، والذي يفترض أن يرفع مباشرة، ولاسيما وأن الحرب ضد داعش لم يتنته بعد فكرياً وسياسياً وخلايا نائمة وجاهزة. (أنظر: نص الدستور العراقي الدائم الذي صوت عليه في 15 تشرين الأول 2005، موقع حكومة إقليم كردستان، المادة 140 من الدستور).
لقد اتخذ مجلس النواب العراقي في 26 أيلول/سبتمبر 2016 قراراً يقضي بإبقاء محافظة نينوى على ما كانت عليه من تقسيمات إدارية في العام 2003، (أنظر: دعاء سويدان، سباق ما بعد الموصل: خرائط التقسيم حاضرة!، موقع الأخبار، أخذ بتاريخ 25/07/2017). وهو قرار صحيح بغض النظر عن طبيعة مجلس النواب العراقي الحالي. ولكن هذا القرار غير مقبول من جانب حكومة إقليم كردستان، ومن بعض القوى بنينوى أو بعض أتباع الديانات والقوميات الأخرى. لقد طرحت حتى الآن الكثير من المشاريع في كيفية التعامل مع محافظ نينوى بعد أن تحررت من عصابات داعش! فأحدها يقضي بتقسيم نينوى إلى ثماني محافظات. وهو مشروع طرح على الكونغرس الأمريكي، ولم يتخذ به أي قرار كما يبدو حتى الآن، وكأن نينوى إحدى ولايات الولايات المتحدة الأمريكية! وهناك ما يزال المشروع الأمريكي القديم، مشروع جون بايدن في العام 2006، بتقسيم العراق إلى ثلاث أقاليم أو فيدراليات اثنية ودينية ومذهبية. (أنظر: مخطط أمريكي جديد لتقسيم العراق، موقع شبكة خلك الإعلامية، بتاريخ 07/02/2017).
 كما إن هناك مشروع إقامة محافظة في سهل نينوى على وفق ما اقترحه المؤتمر الدولي الذي عقد في العام 2017 ببروكسل وبحضور أطراف مسيحية عراقية كثيرة.
** وستكون الكثير من مناطق غرب العراق وشماله وكردستان عرضة لصراع آخر شديد الحساسية والتأثير على العلاقات الإنسانية والاجتماعية، صراع حول محاولات كل طرف من الأطراف، ولاسيما الأطراف القوية والمهيمنة والمالكة لأدوات الضغط وممارسة القوة والعنف في إجراء تغيير ديمغرافي (سكاني) على مناطق بالموصل وسهل نينوى، وبتعبير أدق عموم محافظة نينوى، إضافة إلى المناطق المتنازع عليها والتي تطالب بها رئاسة وحكومة إقليم كردستان. وقد بدأت شكوى من ممارسة هذا النوع من التغيير الديمغرافي الفعلي على أرض الواقع حتى قبل تحقيق الانتصار التام على الداعشيين بالموصل أو بمحافظة نينوى عموماً، بعضها كان من قبل حكومة الإقليم وقوات البيشمركة، وبعضها الآن من قبل الجماعات الشيعية ومنهم جماعات الشبك والتركمان، وبالتعاون مع قوى في الحشد الشعبي، والتي تأتي على حساب العرب الذين سكنوا قبل الاجتياح في هذه المناطق، أو على حساب المسيحيين أو الإيزيديين الذين هم من أصل أهل هذه المناطق. وقد ذكر البحث الذي كتبته الدكتورة أسماء جميل رشيد هذه الظاهرة السلبية ومخاطرها في الفترة القادمة، كما كتب عنها ونشر الكثير من المقالات في وسائل الإعلام العراقية والأجنبية. (أنظر: أسماء جميل رشيد، دكتورة، التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية، مصدر سابق، ص 28-39).
إن التغيير الديمغرافي في هذه المنطقة لا يرتبط فقط بطرد سكانها منها، بل بما حصل من قتل وتشريد ونزوح وتهجير قسريين وصعوبات العودة وتراجع نسب الولادات الجديدة بين عائلات السكان الأصليين لهذه المناطق والتي ستجد تعبيرها في تغيير فعلي في بنية مدينة الموصل أو مناطق أخرى من محافظة نينوى. إن الفترات المنصرمة شهدت تغييرات ديمغرافية واسعة بالعراق لم تكن شرعية، بل كانت تجاوزاً فظاً على سكان تلك المناطق التي وقع عليها التغيير. ويمكن العودة إلى "الموسوعة الإحصائية عن التقسيمات الإدارية في الجمهورية العراقية" للواء الموصل، حسب التسمية السابقة، ولمدينة الموصل ومحافظة نينوى حسب التسمية الراهنة، مثلاً، أو لمدينة ومحافظة كركوك (التأميم في فترة حكم البعث)، أو غيرهما من الألوية في العام 1962، ليجد الإنسان التغييرات الحاصلة على التقسيمات الإدارية الحالية التي فرضتها الحكومات العراقية السابقة. إن البحث في هذه المشكلات يفترض ألّا ينسى الجانب الاقتصادي والمالي الراهن. فالعراق يعاني اليوم من وضع اقتصادي غاية في الصعبة لأسباب عدة جوهرية، هي:
1.   غياب النهج الاقتصادي السليم والرؤية الصائبة للمهمات الاقتصادية التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة، إذ ليست هناك سياسة اقتصادية عقلانية ولا برمجة اقتصادية تساعد على استخدام عقلي للموارد المالية المتوفرة بالعراق. فالعفوية والعشوائية وغياب الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية هي الماثلة للعيان لكل من يبحث في الشأن الاقتصادي العراقي.
2.   سيادة الفساد المالي والإداري كنظام معمول به في الدولة العراقية الهشة وفي سياسات السلطات الثلاث، وبشكل خاص من جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية، مع سكوت مطبق من جانب السلطة القضائية، مما أدى إلى خسارة مئات المليارات من الدولارات عبر عمليات فساد كبيرة جداً اقترنت بسياسات إفساد أمريكية وحكومية عراقية، ولاسيما في فترة حكم نوري المالكي، التي استمرت تسع سنوات عجاف ومريرة وعقيمة، وهي ما تزال سائدة حتى الآن.
3.   تراجع أسعار النفط الخام في السوق الدولية وانخفاض إيرادات العراق من صادراته النفطية السنوية، لاسيما وأن العراق يعتمد في نفطه على حسب آخر إشارة وردت من الدكتور مظهر محمد صالح، المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبادي، على النحو التالي:
"تهيمن واردات النفط الخام على ترتيب وحركة ثلاثة موازين أساسية في الاقتصاد الوطني وهي الحساب الجاري لميزان المدفوعات) أو ما يسمى بالرصيد الاجمالي لميزان المدفوعات، الذي تشكل تدفقات إيرادات النفط فيه نسبة 98 % من اجمالي تدفقات العملة الأجنبية). وكذلك الموازنة العامة الاتحادية اذ تمثل الإيرادات النفطية بما لا يقل عن 92 % من اجمالي الإيرادات السنوية للموازنة العامة. والميزان الاخير هو مساهمة القطاع النفطي في مكونات الناتج المحلي الاجمالي الذي يتراوح بين 46 – 50 % من تركيب ذلك الناتج. في حين لم تزد الإيرادات غير النفطية في تقديرات الموازنة العامة لسنة 2017 على 8 ترليون دينار، منها) 5,7 ترليون دينار هي الحصيلة الضريبية منها: (4) ترليون دينار ضرائب مباشرة عن دخل الملكية (1,7) ترليون دينار ضرائب غير مباشرة كالجمارك وغيرها. إذا ما استثنينا المورد النفطي من الموازين الثلاثة المذكورة آنفاً، فإن البلاد ستنصرف الى عجز ثلاثي مركب يصعب تفكيكه في المدة القصيرة بسبب ضيق التنوع في مصادر الدخل الوطني". (أنظر: مظهر محمد صالح، دكتور، التعزيز المالي للعراق: رؤية للأعوام 2018 – 2020، موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 03/08/2017).
 ولا بد هنا من الإشارة إلى أن فترة الحكم الطائفي السياسي الحالي قد عمق التشوه في بنية الاقتصاد العراقي والتبعية لاقتصاديات الخارج، ولاسيما لإيران وتركيا.
4.   ومما يزيد في الأمر صعوبة هي حرب التحرير الجارية ضد الدواعش التي لم تنته بعد رغم الإعلان عن الانتصار فيها، وسبل معالجة مشكلات النزوح ومصاعب تحقيق إعادة النازحين وارتفاع مديونية العراق الخارجية التي وصلت إلى أرقام عالية تقترب لما كان عليه العراق في فترة حكم الدكتاتور صدام حسين. وأشار الدكتور مظهر محمد صالح في ندوة اقتصادية بصدد الديون ما يلي: "بيّن صالح، أن اتفاقية نادي باريس "اتفاقية معيارية لحل الديون السيادية المترتبة بذمة العراق لـ65 دولة، منها 19 دولة ضمن نادي باريس و46 دولة خارجه". لكنه يقول إن: "الدين الداخلي بعد 2014 ارتفع من 10 مليارات إلى 46 مليار دولار، وبهذا يصبح مجموع الدين بنوعيه الداخلي والخارجي نحو 110 مليارات دولار، ضمنها ديون الخليج المعلقة لغاية نهاية 2016". (أنظر: اقتصاديون: ديون العراق تجاوزت 100 مليار دولار، ندوة معهد التقدم والسياسات الإنمائية، نشر التقرير في موقع العربية، العربية.نت، الأسواق العربية، بتاريخ 21 فبراير/شباط 2017 ).
وأضاف الخبير الاقتصادي الدكتور ماجد الصوري: "إن العراق سيقترض خلال عام 2017 نحو 17.7 مليار دولار، حسبما جاء في الموازنة العامة للبلاد، ومعنى هذا أن "القروض سترتفع بنحو ملحوظ"، متسائلا عن "قروض إقليم كردستان البالغة نحو 40 مليار دولار، وما إذا كانت ستدخل ضمن الدين العام للعراق؟". (المصدر السابق نفسه). ومنه يتبين مدى المعاناة التي ستواجه الشعب العراقي، ولاسيما النازحون، لا بسبب نقص الموارد المالية وسوء استخدامها فحسب، بل وبسبب النهب والسلب الذي تتعرض له موارد وأموال العراق على صعيد العراق كله، بما في ذلك إقليم كردستان العراق.
ومن هنا تبرز أهمية المقترح القائل بضرورة إشراك مجلس الأمن الدولي بعملة إعمار المناطق التي نُكبت بالدواعش من خلال مشروع دولي على غرار مشروع مارشال الذي أعاد بعد الحرب العالمية الثانية إعادة إعمار ألمانيا وتوفير التوظيفات المالية والخبرة العلمية والفنية والكفاءات الضرورية لإنجاز ذلك.


45
رسالة مفتوحة إلى
السيد رئيس وزراء العراق د. حيدر العبادي المحترم

تحية طيبة وبعد،
كما تعرفون، يمر العراق بمرحلة عصيبة جداً. فالطائفية السياسية والشوفينية، والتمييز الديني والمذهبي، والفساد والإرهاب، وملايين النازحين المعذبين، والبطالة المكشوفة والمقنعة، وارتفاع عدد العائلات التي تعيش تحت خط الفقر، وارتفاع عدد الأطفال المشردين واليتامى والأرامل المحرومين، وارتفاع المديونية الخارجية، كانت وما تزال هي الظواهر المميزة التي تحدد ملامح وواقع العراق الراهن. وإذا كان بعض هذه الظواهر قد نشأ بفعل سياسات النظام البعثي الفاشي استبداده الدموي وحروبه المجنونة، فأن بعضها الآخر قد نشأ وتبلور، كما تفاقم بعضها القديم، بفعل وجود وسياسات النظام السياسي الطائفي القائم على المحاصصة الطائفية والأثنية، النظام الذي يتنكر لمبدأ المواطنة العراقية الحرة والمتساوية ويأخذ حصراً بالهويات الفرعية القاتلة، والذي تسبب بما يعاني منه العراق حالياً. حين تسلمتم الحكم، باعتباركم عضواً قيادياً في حزب الدعوة الإسلامية وعضواً في قائمة دولة القانون في أعقاب إزاحة نوري الملكي من رئاسة الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة وعلى أساس المحاصصة الطائفية، تصور البعض بإمكانية تغيير الأوضاع بالعراق، في حين كانت الغالية العظمى من الشعب مقتنعة بعدم إمكانية إجراء أي تغيير جدي ما دام النظام السياسي العراقي يقوم على الطائفية السياسية ومحاصصاتها المذلة، وما دامت القوى السياسية ذاتها في الحكم. وفي حديث مع الصديق الفقيد الدكتور مهدي الحافظ قال لي بأنكم قلتم له "يا د. مهدي أنت تعرف أني مو طائفي"! لم يقتنع، ولم أقتنع بهذا القول، إذ لا يمكن أن يكون إنساناً غير طائفي ويعمل في حزب طائفي سياسي بامتياز وتقوده شخصية سياسية طائفية حتى النخاع وبامتياز وأكثر. وقد برهن وجودكم على رأس السلطة لأكثر من ثلاث سنوات عن صواب قناعتي بأنكم لم تتخلوا عن النظام السياسي الطائفي ولا عن محاصصاته، بل سعيتم إلى تكريسه بصيغ عديدة خلال الفترة المنصرمة، ومنها قانون الانتخابات وتشكيلة المفوضية العليا للانتخابات، على سبيل المثال لا الحصر.     
لقد كان هذا النظام السياسي الطائفي الذي تقودونه اليوم، والأحزاب الإسلامية السياسية المشاركة في هذا الحكم، السبب الرئيس والأساس فيما حصل بالعراق من كوارث ومآسي وموت بالجملة وسبي واغتصاب للنساء وبيعهن في سوق النخاسة الإسلامي وخراب واسع النطاق واحتلال جديد للأراضي العراقية في محافظات غرب العراق ونينوى من قبل عصابات الإجرام والخطيئة، عصابات داعش، ومن يقف خلفها في الداخل والخارج. وأنتم كعضو قيادي في المجموعة السياسية التي تقود النظام لا بد وأنكم تشاركون بقوة في تحمل مسؤولية ما حصل بالعراق منذ العام 2004/2005.
ولم يكن ما حصل بالعراق بسبب سياسات الأحزاب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، فحسب، بل كان أيضاً بسبب التدخل الحكومي الإيراني المباشر والفظ في الشؤون الداخلية للعراق والتأثير المباشر على سياسة الدولة، الداخلية منها والخارجية، وتحكمها بمفاصل مهمة، بما في ذلك الجوانب العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، ولاسيما المذهبية. وهذا الواقع قد أخل بسيادة العراق واستقلاله، والعالم كله يشهد على ذلك ويتحدثون فيه وعنه في الإعلام العالمي بكل صراحة ووضوح. 
لقد حققت القوات العسكرية العراقية وقوات الپيشمرگة والمتطوعين انتصاراً عسكرياً مهماً على عصابات داعش أعداء الشعب العراقي، وهو ما يفرح الجميع، ولكن لا بد من الأخذ بالاعتبار الحقائق التالية:
1.   إن هذا الانتصار سيبقى نسبياً وغير مكتمل ما دام العراق لم يحل مشكلاته الداخلية ولم ينته من الصراع الشيعي السني على مستوى الأحزاب والمجتمع، وما دام النظام السياسي القائم طائفي محاصصي مولد دائم للصراعات المذهبية والدينية وتجلياتها على المستويين السياسي والاجتماعي والفساد والإرهاب، وما دام هناك من يؤجج السلوك الطائفي في النشاط اليومي للدولة ومؤسساتها وعلى صعيد المجتمع.
2.   إن داعش لم ينته فكرياً وسياساً بالعراق ولن ينتهي بالسهولة التي يجري الحديث عن تصفية وجود داعش بالعراق، إنه حلم وأمل لم يتحقق بعد.
3.   كما إن لداعش خلايا نائمة كثيرة وأخرى نصف يقظة، يمكنها في كل لحظة تفجير الوضع ثانية واحتلال مناطق أخرى تجر لحرب جديدة. وداعش يمتلك الموارد المالية ويمكن أن يتحرك من الخارج.
4.   وليس غريباً عنكم حين نؤكد: إن الوضع الاقتصادي المتردي والبطالة الواسعة والفقر المتفشي على نطاق واسع يعتبر أرضاً سهلة الحرث والإنبات من جانب القوى الإرهابية وعصابات التكفير والمليشيات الطائفية المسلحة ذات الموارد المالية الكبيرة. وبالتالي يمكن أن يظهر داعش بمنتجات جديدة بأسماء أخرى ولكن بنفس النهج والدينامية العدوانية.
5.   وما دام هناك نشاط خارجي عبر دول الجوار التي تريد جعل العراق ساحة للصراعات والنزاعات السياسية والمسلحة، كما هو حاصل بكل من سوريا واليمن، وما يمكن أن يحصل بمناطق أخرى من الدول العربية. 
6.   ولن أكشف سراً حين أؤكد بوجود قوى مماثلة لداعش فكراً ونهجاً وسياسة في صفوف الأحزاب الشيعية، وليس أدل على ذلك من وجود المليشيات الطائفية المسلحة التي تهيمن وتذل الناس في محافظات الوسط والجنوب وبغداد، وطرح مشروع تغيير قانون الأحوال الشخصية باتجاه قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي رفض مجتمعياً قبل الآن، والذي يتضمن، ضمن الكثير من المسائل السيئة والمنافية للدستور العراقي، تزويج القاصرات والحق في الاستمتاع بالرضيعات لمن تقرر خطبتها أو الزواج منها، أياً كان عمر الخطيب والزوج المرتقب. كما أن دور المليشيات الطائفية خارج إطار الحشد الشعبي وداخلة ستشكل المعول الذي يهدم ما تحقق من انتصار على داعش.
لا يمكن للعراق أن يستمر في ظل نظام سياسي طائفي، ولا بد من التغيير الفعلي لهذا النظام بإقامة الدولة المدنية الديمقراطية التي تفصل بين الدين والدولة وبين السلطات الثلاث واستقلال القضاء والهيئات المستقلة عن السلطة التنفيذية، وتكريس حقوق الإنسان وحقوق المواطنة واحترام اتباع جميع الديانات والمذاهب وحقهم في ممارسة طقوسهم الإنسانية السليمة. ومن غير المعقول أن تتحدثوا عن التغيير وأنتم في قيادة حزب تترأسه شخصية كانت السبب وراء الكثير جداً من المصائب وأغلب الكوارث التي حلت بالعراق منذ العام 2006 حتى العام 2014 وما بعده. ولهذا فالأمل ضعيف في عملية التغيير في ظل سيادة الأحزاب الإسلامية السياسية على نظام الحكم بالبلاد. التغيير يبدأ حين يمتلك الحاكم الجرأة على تغيير نفسه، الانقلاب على أسس وقواعد تفكيره الطائفي السياسي الذي يتبنى الإيديولوجية الطائفية القائمة أساساً على الـ "أنا، والتمييز والكراهية ضد الـ "آخر"! لهذا أرى بأن من واجب المجتمع أن يناضل من أجل التغيير الفعلي والجذري أولاً، وإلى حين تحقيق ذلك لا بد من النضال من أجل معالجة خمس مسائل مركزية متشابكة ومتفاعلة:
أولاً: الموقف الرافض كلية للتدخل المتواصل في الشأن العراق من جانب دول الجوار، ولاسيما الدولة الثيوقراطية الإيرانية، التي تعتبر العراق تابعاً وخاضعاً لها وتتحكم بسياساته كما تشاء، وهي التي تزيد من توتير الأوضاع بإقليم كردستان وتمنع من اتخاذ إجراءات عملية لحل المشكلات القائمة، وكأنها تسعى لإعادة عهد الصفويين إلى العراق كله. وتساندها في ذلك الدولة التركية التي يسعى رئيسها إلى إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء وإعادة الحياة للدولة العثمانية وبعض مستعمراتها السابقة ومنها ولاية الموصل على أقل تقدير، ليبتلع كركوك باسم "الدفاع عن التركمان!".
ثانياً: لقد أقدم رئيس الإقليم السابق على إجراء الاستفتاء بالإقليم وبالمناطق المتنازع عليها. وكانت النتيجة 93% من الذين شاركوا في الاستفتاء قد صوتوا لصالح استقلال الإقليم. لنترك جانباً حق هذا الشعب في ممارسة الاستفتاء , وأن نترك أيضاً مدى صواب أو خطأ إجراء هذا الاستفتاء في هذا الوقت بالذات، أو مدى معارضته للدستور العراقي المعروف بنواقصه والاختلالات فيه، علماً بأن الحكومة الاتحادية كانت وما تزال حتى الآن الأكثر خرقاً لبنود الدستور العراقي. والسؤال الذي يواجه كل إنسان عاقل هو: ألا يثير لديكم، وأنتم من درس في بريطانيا وتخرج منها وتلمس سبل ممارسة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وحقوق القوميات وحقوق أتباع الديانات والمذاهب هناك، سؤالاً أساسياً ألا وهو: لماذا وقف الشعب الكردي بهذه الأغلبية الساحقة إلى جانب الاستقلال، في حين كانت أمامه فرصة إعلان ذلك في العام 1991/1992 ولم يفعلها، بل قرر إقامة الفيدرالية في أطار الجمهورية العراقية، وكانت الظروف ملائمة تماماً لمثل هذا الإعلان؟ ألا تعتقدون بأن وراء هذا الإجماع الشعبي واقع وجود علاقات غير سليمة ومخلة بقواعد العمل المشترك والالتزام بالدستور من جانب الحكومة الاتحادية أولاً وقبل كل شيء، ابتداءً من فترة حكم إبراهيم الجعفري واستمراراً في فترتي حكم نوري المالكي وفي فترتكم الجارية أيضاً، ومن جانب حكومة الإقليم ثانياً، التي تسببت كلها في بروز مشكلات كثيرة ومعقدة وزادها تعقيداً عدم التحري عن حلول عملية لها، بل الركض المشترك وراء المساومات والحلول الوقتية التي تبقي الحكام في كراسيهم البائسة، تماماً كما حصل في العام 2010 حين مُنح نوري الملكي ولاية ثانية على مجلس وزراء العراق.. الخ زوراً وبهتاناً؟ ألا ترون بأن ما حصل بعد الاستفتاء لم يقترن بإعلان الاستقلال أو ما يطلق عليه "الانفصال"، وكان يفترض أن تتوجهوا للبدء بمباحثات جدية لمعالجة المشكلات العالقة دون شروط، بدلاً من الركض وراء الحلول غير الإنسانية وشق وحدة الصف الكردي وزعزعة الاستقرار بالإقليم من جانب إيران والحشد الشعبي وما يمكن أن يترتب عن ذلك وعليه من عودة إلى نقطة الصفر في الصراع العربي الكردي؟ أرى بأن سياستكم في هذا الجانب، ورغم إن نتائج الاستفتاء لم توضع موضع التطبيق وانتهى أمرها من الناحية العملية، لا تجسد الحكمة والعقلانية التي يفترض أن يتسم بها رئيس وزراء عراقي في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد، أرى بأن من واجبكم الابتعاد عن محاصرة الشعب الكردي وقطع مخصصاته السنوية وتجويعه وحصاره دولياً عبر غلق المطارات بأمل أن تتشارك المظاهرات بإسقاط الوضع كله وتسهيل دخول القوات المسلحة العراقية إلى الإقليم عبر السليمانية أو مخمور، حيث يجري تحشيد غير طبيعي للقوات العسكرية العراقية والحشد الشعبي فيها. وهي أمور ستزيد الأمر تعقيداً لا بالعراق فحسب، بل بالمنطقة التي هي الآن في اشتعال كبير.
إن مظاهرات الشعب الكردي بالسليمانية عادلة ومشروعة ما دامت تتسم بروح الاحتجاج والمطالبة وبطريقة سلمية. فهم يحملون مطالب عادلة، يريدون رواتبهم وعيشهم الكريم، كما أنهم ضد الفساد الذي ساد بالإقليم كما ساد بالعراق كله، وهم ضد التمييز في التوظيف والتعامل بين الحزبيين واللاحزبيين السائدة بالإقليم، كما هي سائدة بالعراق كله.   
إن التفكير العقلاني والسليم يفترض أن يساعد على اتخاذ قرار واقعي يتلخص برفع الحصار عن الشعب الكردي ورفض تجويعه وإنهاكه ومعاقبته على حقه في التصويت، والمباشرة الفورية بمفاوضات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لمعالجة المسائل العالقة. لقد تحدثتم قبل أيام وقلتم: لقد انتصرنا على الدواعش والانفصال. هل من الممكن أن تساوا بين طرد عصابات داعش المحتلة لمحافظة نينوى وغيرها مع استفتاء الشعب الكردي للتعبير عن رأيه وليوضح إن العلاقة مع الحكومة الاتحادية غير سليمة وليست على ما يرام وينبغي إعادة النظر بها. من المؤسف أن أقول بأن الحكام العرب بالعراق لم يستفيدوا من تجارب ودروس الماضي، وما زال بعضهم يعتقد بأن الحل العسكري هو الحل المنشود، في حين إن أي حل عسكري سيعقد القضية الكردية ويدفع بها لتكون حفار قبر النظام السياسي الطائفي بالعراق، ويكون الوضع إجمالاً وبالاً على الجميع. لقد قال البعثيون على لسان صالح مهدي عماش ب، "أن الحرب في كردستان عبارة عن نزهة ربيعية!" فكانت وبالاً على الشعب العراقي كله.
ثالثاً: العراق غارق في ثلاث مسائل إضافية وهي الفساد السائد كنظام فاعل ومدمر بالبلاد، والإرهاب غير المنقطع والذي سيجد له منافذ جديدة للقتل والتخريب، والديون المتراكمة الجديدة على العراق المقترنة ببطالة مكشوفة ومقنعة مستنزفة للدخل القومي وإيرادات النفط السنوية. وهي التي ستجعل العراق مكشوفاً على الخارج استيراداً وتصديراً ومديونية. وكل الأحاديث عن محاربة الفساد ستذهب هباءً منثورا، ما لم تبدأ بالرؤوس التي نشرت الفساد واستفادت منه في توطيد حكمها والتي لا بد وأنها قد "أينعت وحان قطافها!". وليس هناك في الحكم من يتجرأ على ذلك!!   
رابعاً: الوضع الاقتصادي المتدهور والذي مهما حاول الخبراء على تحسينه سيفشلون ما دامت السلطة بيد الأحزاب الإسلامية السياسية التي لا تمتلك رؤية آفاقية ولا استراتيجية تنموية اقتصادية واجتماعية (بشرية) وثقافية وبيئية، وهي تعيش على الاقتصاد الريعي ونهب إيرادات النفط على نحو خاص.
خامساً: الصراعات المحتدمة بين الفئات الحاكمة والتي كل منها يريد الهيمنة على السلطة لضمان الهيمنة على المال العام والنفوذ والتأثير والتحكم بالبلاد، وهو الذي يجب مقاومته بكل السبل المتوفرة. إن إشكالية الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة تبرز في أنها قائمة على أسس تقود إلى التمييز بين اتباع الديانات والمذاهب وبين أتباع القوميات أيضاً لأنها ترفض الاعتراف بوجودها من منطلق ديني متخلف هو الأمة الإسلامية. وبالتالي فأن هذا التكوين التأسيسي يثير الصراعات والنزاعات بين اتباع الديانات والمذاهب وكذلك بين اتباع القوميات، لاسيما وأن الدولة، التي لا دين لها باعتبارها شخصية معنوية، يفرض عليها هذا الدين أو ذاك بدلاً من أن تكون دولة حيادية في موقفها من الديانات والمذاهب وتأخذ بمبدأ المواطنة الموحدة والمتساوية. إن الصراع بين هذه الأحزاب على السلطة والمال والنفوذ، وهي كلها في غير مصلحة الشعب. وقد برهنت السنوات المنصرمة من الحكم الطائفي السياسي إلى أكبر عمليات فساد في العالم، بحيث احتل العراق المواقع المتقدمة في الفساد في العالم. وأكبر الفاسدين كانوا الحكام وقادة الأحزاب السياسية والتابعين لهم وأفراد عائلاتهم وحواشيهم، ولهذا انطلقت الأهزوجة اشعبية التي تؤكد: "باسم الدين باگونه الحراميه"، و "باسم الله هتكونه الشلاتيه"، إذ لا يمكن الإنسان فاسداً إلا إذا كان شلاتياً بالمعنى والمضمون والتعبير الشعبي.
لا يمكن أن يكون العام القادم عاماً جيداً للشعب العراق ما لم يتخلص من الطائفية والفساد ويعالج مشكلاته بروح ديمقراطية وسلمية، ما لم تنشأ بالعراق حكومة مدنية ديمقراطية في دولة ديمقراطية علمانية تدرك معنى حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق اتباع الديانات والمذاهب وتنأى بنفسها عن الأديان والمذاهب ولكن تحترم اتباعها وتصون حقوقهم المشروعة وتحترم حقوق القوميات وأتباعها.
مع التقدير
د. كاظم حبيب
   

46
 
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
(4-6)
ثالثا: مشكلات الشبيبة العراقية في زمن الطائفية والفساد والإرهاب والحرب

 
ليست مشكلات الشبيبة العراقية بجديدة على المجتمع العراقي، إذ إنها ومنذ ما يقرب من ستة عقود في تفاقم مستمر اقترنت بعوامل كثيرة جاء على ذكرها الكثير من الباحثين الجادين وسجلوا الكثير من الملاحظات والاقتراحات لتغيير أوضاع الشبيبة العراقية. ولم تأخذ النظم السياسية التي حكمت العراق طيلة الفترات المنصرمة بتلك المقترحات، بل واصلت نهجها الفكري والسياسي والاجتماعي بما لم يساعد على تجاوز تلك المشكلات. وكانت ظاهرة انتحار الشباب واحدة من هذه المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع.
والمشكلة الأساسية بالعراق، التي كانت وما تزال تنتج الكثير من الظواهر السلبية والمشكلات اليومية، تكمن في طبيعة النظم السياسية التي حكمت العراق في هذه العقود المنصرمة حتى الوقت الحاضر، وبالتالي فأن أي محاولة لتغيير أوضاع الشبيبة والتصدي لمحاولات انتحار الشبيبة ومنع وقوعها ترتبط عضوياً بعملية التغيير الفعلي المطلوب في النظام السياسي القائم بالعراق. والتغيير يعني وجود قوى سياسية مقتنعة بأهمية وجود نظام سياسي ديمقراطي علماني يستند إلى دستور ديمقراطي حديث ودولة ديمقراطية ومجتمع مدني ومجلس نيابي منتخب بصورة حرة وديمقراطية ونزيهة، ويلتزم بتحقيق أهداف ومصالح الشعب والتقدم الاجتماعي بالبلاد. ولهذا لا بد للباحث أن يتحرى بعناية عن العوامل التي أدت وما تزال تؤدي إلى الحالة المرفوضة الراهنة، حالة تنامي محاولات الانتحار، وفي مجمل اوضاع الشبيبة العراقية وعواقبها على المجتمع العراقي.
لا شك في أن محاولات الانتحار لم تبدأ اليوم بالعراق، بل حصلت منذ عقود، وهي لا تقتصر على العراق وحده، بل كل الدول العربية تعاني من هذه الظاهرة والكثير من الدول النامية أيضاً وبنسب متفاوتة، إضافة إلى الدول المتقدمة، وأن اختلفت اسبابه الملوسة والمباشرة بالعراق أو بالدول العربية، عن تلك الأسباب الفاعلة بالدول الغربية مثلاً. وعلى عاتقنا تقع مهمة بلورة العوامل الحقيقية الكامنة وراء هذه الظاهرة واتساعها في الواقع العراقي الراهن وسبل معالجتها، إذ إن المعلومات المتوفرة تشير إلى تفاقم هذه الظاهرة في المجتمع العراقي، الذي يعاني من علل وأمراض اجتماعية وسياسية كثيرة ومتفاقمة. وقد اثارت هذه الظاهرة وتفاقهما قلق المجتمع، كما اثارت قلق الباحثين، إذ نتجت بسبب ذلك مجموعة من الابحاث التي حاولت وضع اليد على العوامل وسبل مواجهتها.
فالمعلومات المتوفرة عن منظمة الصحة العالمية تؤكد حصول 633 حالة انتحار بالعراق خلال عام 2013 لوحده، ومن المحتمل جداً أنها إحصائيات حكومية رسمية، وهي بالتالي غير دقيقة بالتأكيد. (أنظر: محمد العبيدي، الحد من انتحار الشباب في العراق … مهمة ليست بالمستحيلة، موقع كتابات، 16/05/2017).
[1] وتوزعت حالات الانتحار الفعلي على المحافظات العراقية، على وفق تصريح السيد مسرور أسود، عضو مفوضية حقوق الإنسان في العراق، على النحو التالي: "69 في ذي قار و76 في ديالى و68 في نينوى و44 في بغداد و33 في البصرة و16 بالمثنى و15 في ميسان و12 في واسط، وبيّن ان طرق الانتحار تراوحت بين الشنق بالحبل والغرق واستخدام السلاح الناري." (أنظر: المصدر السابق نفسه).
ولا بد من الإشارة مرة أخرى إلى أن هذه الأرقام لا تعدّ دقيقة، لأن "الكثير من حالات الانتحار في العراق هي حالات غير مبلّغ عنها، بسبب الدين والمجتمع، إذ يعتبر الانتحار من المحرّمات، حيث تتعامل بعض المجتمعات في العراق مع بعض حالات الانتحار على أنها فضيحة، فتختلق غالباً أسباباً أخرى للوفاة حفاظاً على سمعة الشخص المنتحر وعائلته هذا وأشارت إحصائية منظمة الصحة العالمية الى أن ذي قار سجلت أعلى حالات الانتحار في المحافظات العراقية، ومعظمها من الشباب الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاما." (أنظر: محمد العبيدي، الحد من انتحار الشباب في العراق، مصدر اسق).
  ونشرت جريدة الحياة اللندنية تقريراً بعنوان الانتحار في العراق ظاهرة يصعب دارستها، أشارت فيه إلى تصريح أحد العاملين في وزارة حقوق الإنسان، حيث  "ذكر السيد أمين أن وزارة حقوق الإنسان حصلت قبل أعوام، على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار لدى الشباب في محافظة كربلاء، وأن أحد الباحثين أجرى دراسة عن الظاهرة لمدة 11 شهراً سجل خلالها أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، غالبيتها بين الفتيات الشابات والمراهقات، وأكّد أن الوزارة أرسلت فريق بحث، لكنها لم تتمكن من الحصول على أي معلومة من الأهالي، ولا من الناجين من الانتحار، ولا حتى المستشفيات التي رفضت تزويدهم بالمعلومات." (أنظر: محمد الحيالي، الانتحار في العراق ظاهرة يصعب دارستها، جريدة الحياة اللندنية، بتاريخ 19 كانون الثاني/يناير 2016).
وأكدت عضوة مجلس المفوضين سلامة الخفاجي للغد برس، ما يلي: "في العام 2014 سجلنا بشكل رسمي 544 حالة انتحار، وفي العام 2015 وحتى نهاية شهر تشرين الثاني سجلنا 607 حالة انتحار من بينها حالات لغير العراقيين كانت للاجئات سوريات في إقليم كردستان، مما يؤشر وجود زيادة عن العام الماضي". (أنظر: تقرير الغد برس، بعنوان ""عشق المحبوب لحبيبه" يتسيد حالات الانتحار في العراق، موقع الغد برس بتاريخ 27/كانون الأول ديسمبر 2016).
وقد أضاف التقرير تصريحاً للرائد ( م. م) الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية، فَضّل عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالتصريح، في حديثه لـ"لغد برس"، فان "لدى مديريتنا تقارير تأتيها من قبل وزارة الصحة ومن مراكز الشرطة المنتشرة في عموم العراق حول وجود أي حالة انتحار وبعد متابعة تلك التقارير وجدنا أن غالبية المنتحرين هم من النساء بالنسبة للعامين الحالي والماضي وان أعمارهم تتراوح ما بين (17 – 30) عام، وأن طرق الانتحار الأكثر شيوعا ألان في العراق هي عن طريق تناول العقاقير الطبية بكميات كبيرة للنساء، وإطلاق رصاصة على الرأس بالنسبة للرجال، بعد أن كانت سابقا عن طريق الحرق للنساء والشنق بالنسبة للرجال". (أنظر: المصدر السابق نفسه).
وفي دراسة مهمة عن حالات الانتحار في إقليم كردستان العراق جاء فيها:
"ظهر انه ما بين عام 1991 و2006 ونتيجة لأسباب متعددة أقدمت 4159 امرأة على الانتحار، علماً ان الكثير من النساء اللواتي يقدمن على الانتحار وبسبب الخوف والضغوطات لا يفصحن عن اسباب قدومهن على هذه الطريقة ايضا ويتم فقط ادراج اسباب قدومهن على الانتحار تحت مسميات المشاكل الاجتماعية، الاقتصادية، الشرف، العادات والتقاليد.. الخ. عام 1991 أقدمت 39 امرأة، 1992 أقدمت 79 امرأة، 1993 أقدمت 128 امرأة، 1994 أقدمت 113 امرأة، 1995 أقدمت 153 امرأة، 1996 أقدمت 216 امرأة،1997 أقدمت 158 امرأة، 1998 أقدمت 377 امرأة، 1999 أقدمت 349 امرأة، 2000 أقدمت 202 امرأة، 2001 أقدمت 236 امرأة، 2002 أقدمت 303 امرأة،2003  أقدمت 325 امرأة، 2004 أقدمت 831 منها فقدت 200 امرأة لحياتها، 2005 أقدمت 300 امرأة، 2006 أقدمت 335 امرأة على الانتحار." (أنظر: ناقوس يدق الخطر.. انتحار النساء ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب والفصام والموقع كلدايا.نت بتاريخ 24/09/2012).
وجاء في تقرير السيد واثق عباس المنشور في الميدل ايست اونلاين بشأن حالات الانتحار ما يلي: "وحسب الاحصائيات لا يقتصر الانتحار في العراق على الرجال فحسب، بل يشمل النساء لاسيما الفتيات. وفي محافظة ذي قار هناك العشرات من حالات الانتحار العام الماضي، كان أشهرها انتحار شابة في الاعدادية بسبب خلاف مع والدها ومدرستها على العلامات الدراسية الهابطة. وتشيع في معظم مدن العراق حوادث انتحار النساء، لكن غالبيتها لا ترى الضوء، أو يخفيها أصحاب الشأن عبر تغليفها بقصص وحكايات أخرى تجنبا لإشاعة الخبر على الملأ. ورغم اتساع رقعة انتحار النساء في العراق الا انها تمر وسط تكتم شديد حول اسبابها، وذلك اذعانا للأعراف الاجتماعية والقبلية التي لا تزال تحكم المجتمع. وفي حالة نادرة، أقدمت فتاة جامعية في منطقة الصالحية في بغداد على الانتحار بتعليق نفسها بالمروحة السقفية، وتروي طالبة جامعية كيف أن صديقتها تناولت عشرات حبوب الباراستيمول لغرض الانتحار، لأن والدها رفض تزويجها بزميل لها في الجامعة. (انظر: واثق عباس، اندفاع عراقي نحو الانتحار، موقع ميدل ايست أونلاين. بتاريخ 18/05/2014).
وفي مقال موسع للأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح تحت عنوان "في الزمن الديمقراطي.. تضاعف حالات الانتحار في العراق!" جاء فيه بهذا الصدد ما يلي: "نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، وفي مقدمتها محافظة ذي قار التي سجلت 199 حالة في 2013 (القدس العربي). وفي تصريح حديث للقضاء العراقي فقد تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام الماضي بواقع 38، 23، 22 حالة على التوالي (الحرة عراق، 05/07/2017). (أنظر: قاسم حسين صالح، أ. دكتور، في الزمن الديمقراطي.. تضاعف حالات الانتحار في العراق! جريدة المدى، بتاريخ 08/08/2017).
[ملاحظة: اعترض ثلاثة باحثين على مقال الزميل قاسم حسين صالح في رسالة موجهة له وصلت المؤلف وهم د. نصيف الحميري و د. عماد عبد الرزاق و د. محمد عباس، جاء فيها: "1. لا يوجد ما يؤيد تضاعف حالات الانتحار في العراق بل زيادة طفيفة بين السنتين بمقدار. 2. ولا زال العراق ضمن الدول الأقل في نسبة الانتحار حتى في منطقة الشرق الأوسط. 3. ما ورد من أرقام عن كربلاء وذي قار غير دقيق لان المخول بإعطاء الأرقام الدقيقة هو مجلس القضاء الأعلى حيث أن القرار في كوّن الحالة انتحار من عدمه هو قرار القاضي. كذلك يوجد خلط في الأرقام بين المحاولات الانتحارية (عددها أكثر) والانتحار. علما أن هناك تزايد في حالات الانتحار في جنوب العراق ولكن ليس بالأرقام المعلنة بالإعلام. 4. أؤيد ما جاء بمقالك حول ان النسبة الكبرى هي بين الشباب (وجدت دراستنا أنه كانت نسبة المنتحرين تحت عمر 30 سنة 68٪‏ تقريبا). 5. أؤيدك جدا في تحليلك الممتاز لأسباب الانتحار وهو نفس الاستنتاج الذي توصلنا إليه." الرسالة مؤرخة في 08/08/2017. كل المعلومات التي لدينا والمنشورة في مواقع وصحف عراقية وعربية كثيرة تؤكد صحة تحليل الدكتور قاسم حسين صالح من حيث مضاعفة أرقام محاولات الانتحار والمنتحرين فعلياً بالعراق والتي لا تكشف عنها الجهات المسؤولة عن نشر المعلومات بسبب خشيتها من عواقب ذلك السياسية والاجتماعية، إضافة إلى أن الكثير من حالات الانتحار لا تكشف عنها العائلات المبتلات. ولهذا يمكن القول بأن الملاحظات النقدية لا تصمد أمام حقائق الوضع بالعراق مع كل الاحترام للباحثين الثلاثة.  واختلف مع مقال الدكتور قاسم بشأن  "الزمن الديمقراطي" فالعراق لا يعيش في زمن ديمقراطي، بل في ظل الفكر والحكم والسياسات الطائفية المذلة للإنسان المواطن والمجتمع.. كاظم حبيب].
نحن هنا أمام اتفاق عام حول تنامي ظاهرة الانتحار أو محاولاته بالعراق بصورة مقلقة جداً. ولكن يبرز بعض التباين في رؤية الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الظاهرة السلبية في حياة المجتمع العراقي خلال العقود الستة الأخيرة. ومن الجدير بالإشارة إلى أن هناك ندرة في الإشارة إلى حوادث الانتحار في مخيمات النازحين في سائر أرجاء العراق، أي في المخيمات التي سكن فيها النازحون في مدن الوسط والجنوب، إضافة إلى إقليم كردستان. ففي تقرير عن حالات الانتحار بين النازحين بالعراق نشر في العام 2015 جاء فيه تشخيصاً دقيقاً لحالة النازحين عموما حيث أشار إلى ما يلي:
"أفرزت المآسي التي عاشها النازحون العراقيون في المخيمات، خاصة بعد أن غرقت خيامهم بمياه الأمطار مؤخراً، وما سبقها من معاناة حصولهم على العلاجات والغذاء، حصول انهيارات نفسية لدى العديد من النازحين، وصلت حد محاولة الانتحار. وأكد نازحون أن كثيرين وجدوا في الانتحار السبيل الوحيد للخلاص مما يعانونه من "صعوبات ومآسٍ"، واصفين ما لاقوه داخل بلدهم منذ نزوحهم في صيف 2014، بأنها "معاملة غير إنسانية" مشيرين إلى "عدم تأمين مناطق يسكنون بها تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، فيما تنتشر بينهم الأمراض المعدية من جراء ضعف الرعاية الصحية، إن وجدت." (أنظر: عمر الجثماني، "الانتحار".. سبيل النازحين العراقيين للخلاص من حياة المخيمات، تقرير، موقع الخليج أونلاين. بتاريخ 04/11/2015).
أما عضوة لجنة الهجرة والمهجرين النيابية لقاء وردي، فقد صرحت بأن "الحكومة تتحمل مسؤولية عمليات الانتحار في صفوف النازحين، محذرة من مغبة تزايد هذه الحالات في ظل صمت الجهات المسؤولة عن هذه القضية الخطرة. وقالت ووردي ان “عمليات الانتحار التي وصل عددها الى 15 حالة خلال الآونة الاخيرة، بين الرجال والنساء من النازحين، جاءت بسبب الشعور باليأس وعدم قدرتهم على إعالة عوائلهم، نتيجة فقدان المورد المالي وطبيعة الحياة القاسية وفقدان ابسط مقومات الحياة الانسان." (أنظر: لقاء ووردي، المهجرين النيابية تُحمّل الحكومة مسؤولية عمليات الانتحار في صفوف النازحين، موقع الحقيقة، في 18/11/2015).
لا تميز المقالات والدراسات التي تبحث في محاولات الانتحار في مخيمات النازحين بين الأفراد من عائلات مسيحية، أم إيزيدية، أم شبك، أم تركمان، وبالتالي يصعب استخلاص أرقام خاصة بالمنتحرين أو بمحاولات الانتحار بين المسيحيين أو الإيزيديين أو من السكان المسلمين الذين عاشوا تحت وطأة جرائم عصابات داعش. إلا إن بعض الملاحظات التي ترد في تلك المقالات والدراسات يُستشف منها المنتحرات أو المنتحرين هم من أبناء العائلات الإيزيدية أو المسيحية الذين لم يتمكنوا من الانسجام مع الأوضاع الغريبة عن محيطهم الإيزيدي أو المسيحي ومعاناتهم تحت ثقل التقاليد والعادات والظروف الصعبة أو حتى حالات التمييز إزائهم، خاصة حين تكون مخيماتهم في مناطق محافظة حيث يلعب شيوخ الدين المتخلفين دورهم في ذلك.
وفي ضوء ما تقدم وفي دراسة الكثير من التقارير والدراسات، يمكن بلورة مجموعة من العوامل الكامنة وراء محاولات الانتحار المتحققة فعلاً وتلك الفاشلة، سواء أكان بعضها في حالة معينة أم كلها في أغلب الأحيان، إضافة إلى التداخل والتأثير المتبادل فيما بين هذه العوامل أو كلها في النقاط التالية:
1 . كانت وما تزال النظم السياسية التي حكمت العراق طيلة العقود الستة المنصرمة تشكل السبب الأساسي والرئيسي فيما وصلت إليه حالة المجتمع العراقي وشبابه وتفاقم حالات الانتحار، ولاسيما بين الشبيبة. فالشعب العراقي عاش في دولة مستبدة بسلطاتها الثلاث، فغيبت عبرها الحريات العامة والحقوق الأساسية للمواطنات والمواطنين، وصادرت المؤسسات وحولتها إلى أدوات بيد الحاكمين ضد غالبية المجتمع ولصالح الفئات الحاكمة والمتنفذة. وبعد إسقاط دكتاتورية البعث والفرد المطلقة وسياساته الشوفينية والعدوانية، أقيم على انقاضها دولة هشة ونظام حكم سياسي طائفي محاصصي متخلف ومستبد، مارس نهج التمييز والتهميش والإقصاء لأتباع الديانات الأخرى، وأوجد الأرضية الصالحة لصارع سياسي واجتماعي ومذهبي تحول إلى نزاع دموي مرير كلف الشعب العراقي مئات ألوف الضحايا البريئة. إن الفئات الحاكمة تتميز بالرثاثة الفكرية والاجتماعية وتمارس سياسات لا تقود إلا إلى الصراع والنزاع والموت والمرارة والإحباط في نفوس الناس عموماً، ولاسيما الشبيبة.
2.   إن الدستور العراقي الراهن، رغم بعض جوانبه الديمقراطية، يؤسس للتمييز والتهميش والإقصاء في الواقع العملي. كما إن السياسات التي تمارسها الفئات الحاكمة وضعت العراق في مصاف الدول الأكثر فساداً وتخلفاً في العالم والأكثر نهباً لموارد الدولة المالية والأبعد عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى ممارسة الفساد بكل أشكاله، من جهة وواقع استمرار وتفاقم النهب والسلب لموارد البلاد المالية والتفريط بالتنمية، والابتعاد الكبير والاغتراب الفعلي عن مصالح الشعب وإرادته الحرة، من جهة أخرى، هي من ضمن العوامل التي أدت إلى وقوع أجزاء من العراق في قبضة تنظيمات قوى الإرهاب المحلية والإقليمية والدولية الإسلامية المسلحة والإرهاب الحكومي والمليشيات الطائفية الشيعية المسلحة. وقد تجلى ذلك في محاربة أتباع الديانات الأخرى وترويعها بالحرائق والتفجيرات والاغتيالات لدفعها إلى النزوح والهجرة من البلاد. إضافة إلى ممارسة القتل على الهوية واغتيال واسع الناطق لشخصيات علمية وأطباء ومهندسين وكتاب وصحفيين.. الخ.
(ملاحظة: قدم الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح مادة مهمة حول أسباب تفاقم محاولات الشبيبة الانتحارية بالعراق. وهي دراسة مهمة وضرورية. ولكن لا يمكن الاتفاق معه حول الجزء الثاني من الفقرة التي تمس الوضع الراهن بالعراق والتي جاء فيها: "ان يعيش شعب تحت حكم دكتاتوري جاء بانقلاب عسكري يكون فيه الفرد عاجزا عن تغيير حاله، فان اقدامه على الانتحار مسألة فيها نظر، لكن أن تتضاعف اعداده في زمن ديمقراطي جاء بحاكم في انتخابات حرة فتلك مفارقة ما حدثت الا في العراق!". فالعراق الراهن ليس بديمقراطي، وقد حلت به كل هذه الكوارث منذ العام 2003 حتى الوقت الحاضر، كما إن الانتخابات بكل مراحلها ودوراتها لم تكن حرة ولا ديمقراطية، بل مورس فيها مختلف أساليب الرشوة والتزوير والتشويه، أبتداءً من طبيعة الدستور وقانون الانتخابات، ومروراً بتشكيل مفوضية الانتخابات على أساس محاصصي طائفي، وانتهاءً يدعم المرجعيات الدينية وتدخلها الفظ في هذه الانتخابات، إضافة إلى تدخل إيران وغيرها لصالح القوى الطائفية. وما هو جدير بالإشارة أن الزميل قاسم قد كتب عن هذه الدولة الهشة وعن هذا النظام السياسي الطائفي المحاصصي الفاقد للشرعية الكثير من المقالات المهمة من الجانبين الاجتماعي والنفسي، إضافة إلى الجوانب الاقتصادي والسياسية والبيئية. كاظم حبيب (انظر: قاسم حسين صالح، أ. د.، في الزمن الديمقراطي.. تضاعف حالات الانتحار في العراق!"، جريدة المدى، بتاريخ 08/08/2017).     
3.   وتشكل العلاقات الإنتاجية البالية التي استعيد دورها تدريجاً في الثمانينيات من القرن الماضي وتفاقم دورها في أعقاب سقوط الدكتاتورية وتعاظم نشاطها في الريف العراقي وتأثير تقاليدها وعاداتها وسلوكياتها الاجتماعية والاقتصادية على المدن وسكانها أساساً لمزيد من المشكلات للشبيبة. وقد اقترن ذلك بدور متعاظم للمرجعيات والمؤسسات الدينية ولشيوخ الدين في السياسة وفي التأثير المباشر على الحياة السياسية بالاتجاه السلبي المعيق للتطور الاقتصادي والاجتماعي المنشود ولحياة شبابية حرة ومتقدمة. وصاحب ذلك وجود ظاهرتين هما: انتشار الأمية على نطاق واسع والجهل السياسي والاجتماعي والغوص في متاهات حياة غير واعية وخرافات وأساطير وخضوع للمشعوذين من جهة، وغياب التنوير الديني والاجتماعي من جهة أخرى، قد أبعد المجتمع، ولاسيما الشبيبة عن إدراك العوامل التي تتسبب في أوضاعهم السيئة وتمنعهم في وعي أهمية خوضهم النضال ضدها بدلاً من الاستسلام لليأس والقنوط والاكتئاب الذي يدفع بالإنسان إلى محاولة الانتحار ووضع حد لحياته التي يشعر أن لا طائل من ورائها. إنها المحنة الكبيرة لعدد كبير من الشباب والشابات بعراق اليوم.
4.   إن البطالة الواسعة، التي تشمل نسبة عالية من القادرين على العمل، ولاسيما بين الشبيبة، والتي يشير الإحصاء الرسمي إلى إن معدلها بلغ في العام 2016 حوالي 18%، (أنظر: عجز الحكومة وانخفاض أسعار النفط ترفع معدلات البطالة فى العراق إلى 18%، بغداد بوست، 13 كانون الأول/ديسمبر 2016), في حين بلغت في محافظة ذي قار (34%)، (المصدر السابق نفسه) في حين إن الواقع الفعلي يشير إلى إن المعدل أعلى من ذلك بكثير. وغالباً ما يرتبط واقع البطالة المكشوفة، دع عنك المقنعة، مع حالة الفقر التي تعاني منها عوائل العاطلين عن العمل، فعلى وفق الإحصاء الرسمي تبلغ سبة الذي يعيشون تحت خط الفقر المعترف به دولياً للبلدان النامية، إذ أشار عبد الزهرة الهنداوي الناطق باسم وزارة التخطيط إلى أن البطالة ارتفعت إلى 30%. (أنظر: التخطيط: نسبة الفقر في العراق ارتفعت إلى 30% خلال 2016، جريدة المدى، المدى بريس، بتاريخ 09/01/2017).
 في العام 2016 بعد أن كانت 22% في العام 2014. وجاء في تقرير جريدة المدى نفسه حول البطالة قوله "يعاني العراق بطالة كبيرة سواء بين فئة الشباب القادرين على العمل وبين الخريجين الجامعيين، ويعتقد العديد من الخبراء الاقتصاديين أن التقديرات الإحصائية لهؤلاء الشباب لا تعبر بالضرورة عن الواقع الموجود فعلاً..، بمعنى إنها أعلى من ذلك بكثير.( أنظر: المصدر السابق نفسه).
 
5.   ويزداد الأمر سوءاً حين يعاني الإنسان من البطالة والفقر، وهذا لا يعني إن الشبيبة التي تعاني من البطالة والفقر وحدها يمكن أن يتجه بعضهم صوب الانتحار، بل إن الأغنياء، ولأسباب أخرى، يمكن أن يحاول بعضهم الانتحار أيضاً. إلا إن معاناة العاطل عن العمل، وكذلك الفقير، يمكن أن تدفع بالبعض إلى القنوط أو الاكتئاب والإحباط واليائس من تغيير أوضاعه الحياتية والتي توصله بدورها إلى استنتاج خاطئ هو وضع حد لحياته الشخصية.
6.   وتزيد الأمور سوءاً وقوع الشبيبة أسر التقاليد والعادات العشائرية والدينية البالية والخانقة للروح المتحركة والدفاقة والمتطلعة لحياة حرة مليئة بالحب والحياة والحركة والعطاء عند الشبيبة، سواء أكانت رغبته في زواج من يحبها أو من تحيه، وفرض زواج غير مرغوب به، أو حرمان الشبيبة من التمتع بالفنون الإبداعية بذريعة أنها محرمة دينياً، أو حرمان البنات من الرياضة والغناء والرقص وما إلى ذلك بذات الذريعة الدينية والتقاليد البالية، مما يدفع بالشبيبة إلى حالة من القنوط والرغبة في وضع حد لمعاناته بالموت! إنها التقاليد المريضة التي تضع أسواراً أمام تطلعاته العادلة والمشروعة.
7.   وسجل الواقع العراقي خلال الفترة التي أعقبت إسقاط الدكتاتورية عن بروز ظاهرة سلبية أخرى تتلخص بادعاء عائلات الكثير من الشابات بأن بناتهن أقدمن على الانتحار، في حين تشير المعلومات إلى إن العائلات مارسوا القتل العمد ضد بناتهن بذريعة غسل العار لكيلا يقعوا تحت طائلة القانون أو دفعوا بناتهن قسراً إلى الانتحار، ويتم قتلهن بصب البنزين عليهن وإشعال النار بهن بطريقة بشعة ومروعة. وأحياناً لا يمتن ولكن تتشوه اجسامهن بدرجات مختلفة. ومن الجدير بالذكر إن أعمار البنات يتراوح بين 16-30 سنة. وفي تقرير أعده السيدان سامان نوح وموفق محمد لصالح معهد الاستقصاء العراقي (نايريج) بإشراف السيد محمد الربيعي تحت عنوان مثير "محرقة النساء في كردستان تلتهم فتاة كل 20 ساعة"، أورد نماذج كثيرة عن نساء قيل عنهن إنهن حاولن الانتحار ولم يمتن وأجرى مع بعضهن مقابلات صحفية كشفاً عن خبايا هذه الظاهرة. وجاء في التقرير إن "هؤلاء النسوة كن ضحايا ظاهرة الانتحار حرقاً التي يقول خبراء اجتماع، وناشطون مدنيون، وجهات رسمية معلنة أو فضلت عدم الكشف عن هوياتها، إن معدلاتها ما زالت ترتفع في شكل كبير بسبب عجز المؤسسات الحكومية والدينية والعشائرية والمدنية عن إيقافها، لتصبح هذه الظاهرة التي عرفت بـ «محرقة النساء» واحدة من أبرز المظاهر المأسوية التي ارتبطت بنساء منطقة كردستان العراق خلال الـ 20 سنة الأخيرة." (أنظر: سامان نوح وموفق محمد، محرقة النساء في كردستان تلتهم فتاة كل 20 ساعة، تحقيق بإشراف محمد الربيعي، معه الاستقصاء العراقي، بتاريخ 24/11/2011).
8.   وخلال فترة الحروب والحصار الاقتصادي الذي تعرض له العراق في فترة حكم البعث الدكتاتوري تفشت بالعراق ظاهرة تعاطي المخدرات والحبوب، خاصة مع بدء الحملة الإيمانية التي فرضها الدكتاتور المطلق صدام حسين على المجتمع العراقي. ألا إن هذه الظاهرة، التي وجدت بسبب الحروب والأوضاع المأساوية والهروب من الواقع المريع، قد تفشت على نطاق واسع ولاسيما بين الشبيبة، بعد أن انفتحت الحدود بين العراق وإيران على مصراعيها، حيث تأتي من أفغانستان وإيران إلى العراق لتباع فيها، ومنها ما يصدر إلى دول الخلج ويباع فيها، كما يصدر منها إلى بقية الدول العربية والعالم. وتشير الكثير من المعلومات إلى إن جهات كثيرة تمارس بيع المخدرات سراً، ولاسيما جماعات الجريمة المنظمة المحمية بمجموعة من المسؤولين ارتباطاً بالفساد المستشري بالعراق. وجاء في تقرير نشر في جريدة المدى بهذا الصدد ما يلي:
" تقارير حديثة لمكتب مكافحة المخدرات التابع للأمم المتحدة أكدت أن هناك ممرين رئيسيين لدخول المخدرات نحو العراق الذي تحوَّل إلى مخزن تصدير تستخدمه مافيا المخدرات، مستفيدة من ثغرات واسعة في حدود مفتوحة وغير محروسة، فالعصابات الإيرانية والأفغانية تستخدم الممر الأول عبر الحدود الشرقية التي تربط العراق مع إيران، أما مافيا تهريب المخدرات من منطقة وسط آسيا فتستخدم الممر الثاني وصولا إلى أوروبا الشرقية إضافة إلى ذلك هناك الممرات البحرية الواقعة على الخليج العربي الذي يربط دول الخليج مع بعضها. وأضافت التقارير أن العراق لم يعــد محطة ترانزيت للمخدرات فحسب، وإنما تحوَّل إلى منطقة توزيع وتهريب، وأصبح معظم تجار المخدرات في شرق آسيا يوجهون بضاعتهم نحو العراق، ومن ثم يتم شحنها إلى الشمال، حيث تركيا والبلقان وأوروبا الشرقية، وإلى الجنوب والغرب، حيث دول الخليج وشمال أفريقيا." (أنظر: حسين عمران - تصوير/ محمود رؤوف، كل شيء عن المخدرات فـي العــراق .. أنواعها ... مصدرها.... وطرق دخولها تقرير، جريدة المدى العراقية، بتاريخ 27/05/2015). وتؤكد مصادر كثيرة إلى أن الحبوب المخدرة (حبوب الكريستال بأنواعها الكثيرة) هي الأخرى اجتاحت العراق والتي تحمل معها مخاطر إضافية إلى الشبيبة العراقية والتي تسببت في الكثير من حالات الانتحار بين الشباب. (أنظر: " الكريستال المخدر” يجتاح البصرة ومطالبات باستحداث قسم متخصص بمكافحة المخدرات، عراق برس، بتاريخ 02/01/2017).
9.   وتشير المعلومات المتوفرة عن حالة أهل الموصل والنازحين من عموم نينوى، بسبب الإرهاب الدموي الذي تعرضوا له خلال فترة هيمنة عصابات داعش على المنطقة، وبسبب السياسات الطائفية والصراع الطائفي قبل ذاك، ومن ثم في أثناء حرب تحرير هذه المناطق، إلى تفاقم الحالات التالية:
** تفاقم الأمراض والعلل الصحية والنفسية لدى الشبيبة، ولاسيما النساء، وتنامي الرغبة في الخلاص من هذه الأوضاع والأحزان من خلال الانتحار أو الهروب من الواقع بما يتسبب في اختلالات عقلية ونفسية.
** تفاقم حالات التشرد والتسول والاستعداد الكامل لبيع الجسد من الشبيبة من الإناث والذكور بهدف الحصول على لقمة عيش لهم ولعائلاتهم، لاسيما وأنهم لا يملكون مصدراً للعيش ولا عمل يوفر لهم أجراً.
** وأن عدداً متزايداً من الشبيبة بدأ يستخدم المنشطات والمخدرات لغرض تجاوز المحن التي يعيشون تحت وطأتها والتي بدورها تستوجب مورداً مالياً مما يندفع إما إلى الالتحاق بمنظمات إرهابية للحصول على ذلك المورد، أو بيع الجسد أو التوجه صوب السرقة لتغطية حاجاته.
** إن الأجيال التي ولدت ي العهد البعثي وتلك التي ولدت في أوائل إسقاط الدكتاتورية حتى الوقت الحاضر هي أجيال ولدت في ظل الحروب والحصار والدمار والفساد والإرهاب والتمييز، وتلك التي ولدت في ظل احتلال عصابات داعش، مما يجعلهم عرضة لشتى الانفعالات وشتى الأمراض والعلل الاجتماعية والاختلالات النفسية، وهي ضمن العوامل التي تقود إلى نزوع جامح للتخلص من الحياة، بسبب معاناتهم غير الإنسانية في مخيمات النازحين في المدن العراقية المختلفة والتي يحاول مسؤولو تلك المخيمات التغطية عليها..
إن الاستبداد السياسي والحروب والحصار الاقتصادي والاحتلال والإرهاب والفساد الواسع النطاق والمحاصصة الطائفية وخيبات الأمن وفقدان الأعزاء، والإحساس الصارخ بالتمييز والتهميش والإقصاء والعيش في أجواء عدم العدالة والمساواة، ولاسيما حياة النساء ومعاناتهن المركبة، والمعاناة من الظلم والإهانة اليومية، ومن حالة الفقر والبطالة والفراغ القاتل للشبيبة، كلها وغيرها عوامل تقود الإنسان، ولاسيما الشبيبة، إلى الوقوع ضحايا لعلل اجتماعية شتى وأمراض نفسية وعقلية (عصبية) واحساس بالدونية أو فقدان الثقة بالنفس والأمل بتغيير أوضاعه الصعبة، تدفع بالإنسان إلى التفكير بمحاولة الانتحار لوضع حد لمعاناته في دولة لا تحترم حقوقه ولا تستجيب لحاجاته أو تعتني به. وبهذا الصدد اشار الباحث العراقي الدكتور رافد الخزاعي إلى أسباب الانتحار وقسمها إلى مجموعتين:
"- حوالي 35% من حالات الانتحار ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب والفصام والإدمان.
 - و65% يرجع إلى عوامل متعددة مثل التربية وثقافة المجتمع والمشاكل الأسرية أو العاطفية والفشل الدراسي والآلام والأمراض الجسمية أو تجنب العار أو الإيمان بفكرة أو مبدأ كالقيام بالعمليات الانتحارية." (أنظر: ناقوس يدق الخطر.. انتحار النساء ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب والفصام والموقع كلدايا.نت بتاريخ 24/09/2012).
وعلينا هنا أن نضيف إلى أن واقع المناطق التي احتلت والعائلات النازحة إلى مناطق مختلف من العراق وفي المخيمات التي ينقصها الحياة الأدمية الطبيعية والمنغصات اليومية قد ساعدت إلى حدود بعيدة بتفاقم حالات الانتحار بين الشبيبة، ولاسيما النساء، والتي لا بد من دراستها وإيجاد السبل لمعالجتها، رغم عجز النظام القائم بمواجهة وحل هذه المعضلة بسبب طبيعته الطائفية السياسية ونهجه السياسي والاجتماعي والأوضاع الاقتصادية السائدة. 
 
 
 
 



47
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
3-6 معاناة النساء والأطفال النفسية والاجتماعية

تحت تصرف الكاتب مجموعة كبيرة من التقارير الواقعية حول أوضاع النساء العراقيات المرير اللواتي أجبرن على النزوح من الموصل وباقي مدن وقرى وأرياف محافظة نينوى والتي تشير إلى الواقع التالي:
** أعداد غفيرة من النازحات والنازحين يعانون من مشكلات صحية وأوضاع نفسية معقدة، وبشكل خاص بين النساء والأطفال، وهم يشكلون الغالبية العظمى من النازحين، إذ يشكل الأطفال والصبية والشباب نسبة كبيرة من عدد النازحين والذين حرموا من التعليم والدراسة وحتى العمل، وعاشوا البطالة والتسرب من التعليم والتشرد. ففي تقرير أنجزته الدكتورة نهلة النداوي، يعبر عن مصداقية كبيرة لاعتماده على تقارير دولية ودراسات مهمة، إذ جاء بهذا الصدد ما يلي: "حسب التقرير الأخير الرقم 49 –  الذي نشر أثناء إنجاز هذه الورقة –  إنّ عدد النازحين قد تجاوز ثلاثة ملايين نسمة.  وتؤكد التقارير المنشورة من أكثر من جهة، إن عدد النساء النازحات أكثر من نصف عدد السكان النازحين، أي بنسبة 51%، حيث تكشف متابعة عينية-  الفئات العمرية للنساء النازحات حتى شباط   2015 – أنّ: (37% منهن تتراوح أعمارهن بين (1 – 15 سنة) تليها (34 %) تتراوحن أعمارهن بين (25 – 59) سنة، تليها (21 %) بين (15 - 24 سنة)، فيما يلاحظ انخفاض نسبة النساء في عمر 60 سنة، إذ شكّلن نسبة 8%، علماً بأنّ معدّل الأعمار في العراق 70 عاماً. وممّا يلفت النظر إلى أنّ النساء الكبيرات السن قد يكن قد فضّلنَ البقاء في مناطق الصراع. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الأخبار عن هذه الفئة العمرية تغيّب كثيراً في كل الأبحاث. مثلما تجدر الإشارة إلى أنّ ارتفاع معدّل الفئات الشابة من النازحات قد قلّل فرص التعليم للبنات" (أنظر: نهلة النداوي، دكتورة، أوضاع النساء العراقيات في مناطق سيطرة تنظيم داعش، موقع الشرق الأوسط الديمقراطي، بتاريخ 20/01/2017).
 وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن عدداً كبيراً من النساء بالموصل قد جرى اغتصابهن وقتلهن على أيدي عصابات داعش. (أنظر: المصدر السابق نفسه). إضافة إلى تلك الجرائم البشعة التي ارتكبت بحق النساء الإيزيديات واللواتي زاد عددهن عن عدة ألاف امرأة إيزيدية جرى اختطافهن واغتصابهن وبيعهن في سوق النخاسة الإسلامي!!! وعلينا أن نشير هنا إلى أن عصابات داعش الإسلامية كانت تقوم باغتصاب البنات القاصرات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 9 – 15) سنة، على اعتبار إن الإسلام يبيح ذلك شرعاً! ومن الضروري أن نشير هنا إلى التوافق بين فقه داعش السني وفق الشيعي الداعشيين، إذ أنهما يبيحان زواج البنات القاصرات ابتداءً من عمر 9 سنوات. ولكن الفقه الشيعي يبيح أبشع من هذا حين يرد لدى روح الله الخميني في كتابه الموسوم "تحرير الوسيلة"، المسألة 12، ص 241، ما يلي:
"لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواما كان النكاح أو منقطعا، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة، ولو وطأها قبل التسع ولم يفضها لم يترتب عليه شئ غير الإثم على الأقوى، وإن أفضاها بأن جعل مسلكي البول والحيض واحدا أو مسلكي الحيض والغائط واحدا حرم عليه وطؤها أبدا لكن على الأحوط، في الصورة الثانية، وعلى أي حال لم تخرج عن زوجيته على الأقوى، فيجري عليها أحكامها من التوارث وحرمة الخامسة وحرمة أختها معها وغيرها، ويجب عليه نفقتها ما دامت حية وإن طلقها بل وإن تزوجت بعد الطلاق على الأحوط، بل لا يخلو من قوة، ويجب عليه دية الافضاء، وهي دية النفس، فإذا كانت حرة فلها نصف دية الرجل مضافا إلى المهر الذي استحقته بالعقد والدخول، ولو دخل بزوجته بعد إكمال التسع فأفضاها لم تحرم عليه ولم تثبت الدية، ولكن الأحوط الانفاق عليها."، فهل هناك أكثر فحشاً وعدوانية واغتصاباً بحق طفولة البنات من هذه الفتوى الجائرة. هذا الفحش هو بالضبط ما يدعو له حزب الفضيلة ورئيسه الشيخ محمد اليعقوبي ونوابه في مجلس النواب العراقي وبقية الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية أيضاً!!!، مع العلم إن الفقه السني يوافق أيضاً على زواج القاصرات من عمر 9 سنوات، وهي الكارثة التي تواجه العائلات التي توافق على اغتصاب بناتهن بهذا العمر من رجال من مختلف الأعمار!!   
** كما يعاني الكثير من الأطفال والصبية النازحين من علل نفسية ومن مرض الكآبة وكوابيس الحرب والإرهاب والقتل والعنف المرعبة التي تعرضوا لها طيلة الفترة المنصرمة وصعوبة النوم ليلاً، إضافة إلى الحرمان من التعليم في جميع مراحله والتغذية السيئة. وفي تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) حول التعليم بالعراق جاء فيه "إن المدير الإقليمي لليونيسف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا گيرت كابيليري قال .. يعاني أطفال العراق من فترات صراع طال أمدها، ومن دون فرص متساوية في الحصول على التعليم الجيد، يصبح الأطفال عرضةً للخطر، ونحن نتحدث عن ضياع جيل كامل من الأطفال. وحيث يفتقر 3,5 مليون طفل عراقي في سن الدراسة إلى التعليم، مما يعني أنهم يصبحون أكثر عرضةً لعمالة الأطفال والمالية من قبل الجماعات المسلحة وذلك بسبب الإهمال الحكومي والسياسات الخاطئة التي تنتهجها الحكومات العراقية." (أنظر: اليونيسيف: أكثر من 3.5 مليون طفل عراقي يفتقرون للتعليم، موقع بغداد بوست في 23 أيار/مايس)2017.
  يضاف إلى ذلك احتمال كبير بالتحاق بعضهم بجماعات الجريمة المنظمة كالسرقة والنهب والقتل وما إلى ذلك، بسبب حالة الفقر والتشرد وتعاطي المخدرات. وأضاف "كابيليري أن الاستثمار في التعليم يفي بحق أساسي من حقوق الإنسان لكل بنت وولد، وضروري لتنمية وتقدم البلاد وهو أفضل دواء ممكن ضد التطرف" (أنظر: المصدر السابق نفسه). وهناك تقرير حديث عن اليونيسيف يشير إلى الواقع التالي: "أن هناك 4.9 مليون طفل عراقي مهدد اليوم بسبب النزاعات والجوع؛ 1.49 مليون منهم دون سن الخامسة. وتقول منظمة الهجرة الدولية إن 55 في المائة من النازحين من الموصل أطفال. ومن القضايا التي تهدد مستقبل العراق - بل المنطقة - عدم حصول مئات الآلاف من أطفال العراق على التعليم؛ وحتى من يحصل على التعليم، فهو في غالب الأحيان بمستوى رديء. هؤلاء هم أطباء ومعلمو ومهندسو العراق مستقبلاً... فماذا يحل بالبلاد من دونهم؟" (أنظر: مينا العريبي، شدة المأساة على أطفال الموصل، جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 4/تموز/يوليو 2017). وبحسب تقرير للأمم المتحدة بعنوان «تكلفة التعليم»، "فإن العراق الدولة التي تخصص أقل نسبة من الإنفاق العام على التعليم؛ إذ مثّل الإنفاق العام على التعليم بين عامي 2015 و2016 (5.7) في المائة فقط من مجموع الإنفاق الحكومي. ومن المثير أن نصف الأطفال في مخيمات النازحين لا يحصلون على أي تعليم رسمي. " (المصدر السابق نفسه).
** كما إن مئات الآلاف من الأطفال يعانون من نقص الغذاء ويعانون من سوء التغذية، ومن أزمة صحية ونفسية. ويذكر التقرير عن الأطفال في زمن الحرب بالعراق إلى الواقع التالي: "في تقرير لليونيسف صدر في يونيو/حزيران 2016، ورد تحذير بأن العراق "من أخطر الأماكن في العالم على الأطفال"، إذ يوجد 3.6 مليون طفل في خطر الموت والإصابة والعنف الجنسي والاستغلال." (أنظر: التقرير العالمي 2016. موقع مرصد حقوق الإنسان. أخذ المقتطف بتاريخ 24/07/2017). ثم يضيف التقرير إلى حالة الأطفال بالفلوجة فيذكر: "في مارس/آذار 2016 وقت أن كانت الفلوجة تحت سيطرة داعش، قال مصدر طبي بمستشفى الفلوجة العام إن الأطفال الجائعين يتجمعون في المستشفى المحلي، إذ لم يعد هناك أي طعام متوفر وأصبح الأهالي يأكلون الخبز المصنوع من البذور التي يجمعونها من الأرض والحساء المصنوع من العشب" (المصدر السابق نفسه). وعلى القارئ والقارئة أن يربطا بين الجوع والوضع الصحي من جهة، والوضع النفسي والعصبي للطفل العراقي الذي لم يمر باجتياح واحتلال داعش فحسب، بل وما مرّ به خلال ثلاثين عاماً بأكثر من حرب ودمار وموت وجوع وحرمان، ومنها تلك السنوات العجاف التي عاشها الأطفال في فترة الحصار الدولي الكامل على العراق بين 1991 و2003.
** ولا بد من عمل الكثير لاحتضان النساء اللواتي تعرضن للإرهاب والسبي والاغتصاب منذ الاجتياح حتى استعادتهم بطرق شتى وانقاذ جمهرة كبيرة منهن حتى الآن وتوفير العلاج الطبي النفسي لهن وإدماجهن بالمجتمع. فعلى سبيل المثال لا الحصر يشير تقرير للأمم المتحدة إلى النساء الإيزيديات اللواتي أمكن انقاذهن من براثن داعش ما يلي:
"العديد من النساء والفتيات الإيزيديات اللائي هربن من داعش ونزحن إلى إقليم كردستان العراق يفتقرن لخدمات الصحة النفسية والخدمات النفسية-الاجتماعية الكافية. رغم توفير بعض الخدمات للنساء اللائي أصبحن حوامل أثناء أسرهن، فإن خدمات الإجهاض الآمن والقانوني غير متوفرة. يسمح القانون العراقي بالإجهاض فقط في حال الضرورة الطبية، مثل أن يمثل الحمل تهديدا لحياة الأم، لكن ليس في حالات الاغتصاب." (أنظر: التقرير العالمي 2016. المصدر السابق نفسه. موقع شبكة خلك الإعلامية، بتاريخ 02/08/2016).
** وتشير المعطيات المتوفرة إلى تزايد عدد الأرامل من النساء اللواتي فقدن أزواجهن لأسباب كثيرة بما فيها الحروب والاستبداد والعمليات الإرهابية. فقد جاء في تصريح للسيد عبد الزهرة الهنداوي بشأن الأرامل والأيتام من الأطفال ما يلي: "أعلنت وزارة التخطيط العراقية، ان عدد الارامل والايتام في العراق بلغ اكثر من مليون واربعمئة الف يتيما وارملة، مشيرة إلى أن الاحصائية أعدت بالتعاون مع البنك الدولي.
وقال المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي في حديث صحافي لوكالة المدى، إن عدد الاطفال الأيتام الذين تم تسجيلهم لغاية عمر 17 عاما بلغ 600 الف ماعدا محافظتي الأنبار ونينوى، فيما بلغ أعداد الأرامل 850 الف ارملة ولا يشمل المحافظتين المذكورتين آنفا. وتابع الهنداوي أن ملف الأرامل واليتامى من الملفات المتحركة بمعنى انه قابل للزيادة والنقصان، مبينا أن هذه الأعداد تمثل ناقوس خطر فيما أذا أضيفت محافظتا الأنبار ونينوى فأن أعداد الأرامل واليتامى قد يصل إلى أكثر من مليون أرملة." (أنظر: ارتفاع عدد المطلقات والأرامل والأيتام في العراق، موقع شبكة خلك الإعلامية، 20/08/2017).

  وكذلك عدد النساء المطلقات سنوياً. وهذه الإشكالية تقترن بالفقر من جهة، وبالتوترات النفسية والعصبية التي تعاني منها العائلة وانعكاساتها على العلاقة بين الزوجين وإزاء الأطفال في فترة الحرب والصراعات السياسية والطائفية من جهة ثانية. ويشير القضاء العراقي إلى حصول 700000 حالة طلاق في الفترة 2004-2014، أي بمعدل سنوي قدره 70 ألف حالة طلاق. وفي العام 2016 سجلت 53182 حالة طلاق، وهي أعلى نسبة منذ العام 2012، إذ بلغت 59500 حالة طلاق في فترة حكم المالكي في العام 2011. (أنظر: ازدياد نسب الطلاق في العراق بسبب الفقر، تقرير/ موقع يقين للأنباء. 14 تموز/يوليو 2017).
ويشير تقرير نشر في موقع "شبكة خلك الإعلامية" إلى تصرح القاضي عبد الستار بيرقدار حول أسباب تفاقم حالات الطلاق قوله: "أن أبرز اسباب تصاعد حالات الطلاق هي التغييرات الحادة التي تعصف بالمجتمع العراقي خلال السنوات الاخيرة ومنها الأزمات المالية والحروب وعجز الرجال عن توفير احتياجات العائلة أو عدم اعتماد الزواج على مقاييس صحيحة مثل التقارب في العمر أو الثقافة والمستوى الاجتماعي او زواج الشباب الصغار الذين يحصلون على الأموال عن طريق العمل مع الجماعات المسلحة او العصابات ثم ينقطع المورد عنهم أو بسبب اعتقال الأزواج في السجون لمختلف الأسباب أو تعدد الزوجات دون علم الزوجة وغيرها." (أنظر: تقرير: ارتفاع عدد المطلقات والأرامل والأيتام في العراق، موقع خلك الإعلامي مصدر سابق).
ليست هذه الأوضاع التي نشأت بالعراق من صنع الله الذي يؤمن به حكام العراق الجدد، بل هو من صنعهم بشكل مباشر، وهم المسؤولون عنه ويجب محاسبتهم، إذ لولا سياساتهم الطائفية الممعنة بالحقد والكراهية والتمييز الديني والمذهبي، والفكري والسياسي والفساد السائد لما حصل ما هو قائم حالياً بالعراق ولما انتهى إليه وضع النساء العراقيات ووضع الأطفال. إن النظام السياسي الذي تسبب بكل ذلك، وتلك الأحزاب الإسلامية السياسية التي قادت "العملية السياسية!" بالعراق حتى الآن، لا يمكن أن تكون المنقذ للعراق من هذه الأوضاع المزرية والجرائم التي ارتكبت بحق النساء والأطفال وعموم المجتمع العراقي ومعاقبة المتسببين بها.
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة.       

48
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
2-6
المجموعة الأولى من المشكلات القائمة

تشير المعطيات المتوفرة والرسمية إلى أن الفترة الواقعة بين منتصف عام 2014 ومنتصف عام 2017، أي بعد اجتياح داعش للموصل وأثناء تحرير الموصل من قبضة داعش، تصاعد حجم النزوح داخل العراق. ففي تصريح للدكتور سعد الحديثي، الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية، أكد إن عدد النازحين بالعراق بلغ 4,3 مليون نسمة في الفترة بين 2014 والشهر الثاني من 2017. (أنظر: سعد الحديثي، عدد نازحي العراق 4,3 مليون نسمة. موقع اليوم السابع بتاريخ 23 أذار/مارس 2017). ثم صرح وزير الهجرة والمهجرين جاسم محمد الجاف إلى نزوح أكثر من 670 ألف نازح من الموصل حتى شهر أيار/مايو 2017. (أنظر: جاسم محمد الجاف، عدد نازحي الموصل 670 نسمة، موقع الجزيرة بتاريخ 26/02/2017). أما تقارير الأمم المتحدة فقد أشارت إلى الآتي: "بلغ عدد النازحين الكلي 854,327 نازحاً منذ بدء العمليات في الموصل في 17 تشرين الأول/أكتوبر2016. إن تقدير المستوى الأعلى للشركاء في المجال الإنساني فيما يتعلق بعدد الأشخاص الذين سيتضررون من القتال في مدينة الموصل كان مليون شخص." (أنظر: الأزمة الإنسانية في الموصل، الأمم المتحدة-العراق، 14 حزيران/يونيو 2017). وهو الرقم الأكثر صواباً والأقرب إلى الواقع.
وكما أشير، سوف لن يكون في مقدور الحكومة العراقية، ببنيتها وطبيعتها الراهنة، تجاوز المشكلات التي نشأت والمصاعب الاجتماعية والنفسية التي نشأت أو تراكمت عبر الاحتلال، الذي استمر أكثر من ثلاث سنوات للموصل ولسكان المناطق الأخرى من محافظة نينوى، في حين عانت محافظات أخرى من هيمنة وتأثير مباشرين وفعليين لفترة أطول، وإيجاد الحلول العملية لما سيواجهه سكان تلك المحافظات من مشكلات اجتماعية ونفسية. فهذه المناطق التي تعرضت للاغتصاب والسبي والعنف المستمر والتربية الدينية المتطرفة والدمار الواسع تعاني اليوم ولفترة قادمة من مشكلات البنية التحية والخدمات الأساسية والأوضاع النفسية والعلاقات العشائرية المعقدة والمتشابكة والعلاقات الدينية والقومية التي ازداد تعقيدها.
أولاً: مشكلات السكن والبنية التحتية والخدمات : تشير المعطيات المتوفرة إلى الواقع التالي:
** دمار واسع النطاق لأغلب المناطق السكنية التي تعرضت للقتال والتدمير المتعمد من جانب عصابات داعش، وبالتالي يصعب إعادة هؤلاء النازحين إلى مناطق سكناهم دون توفير الحد الأدنى من إمكانية السكن الآدمي لهذا العدد الغفير من النازحين. ويقدر حجم الدمار بما يتراوح بين 70 - 80% من المناطق السكنية. (أنظر: مدينة الموصل المدمرة. طائرة من دون طيار تصور أحياء الموصل المحررة،
https://arabic.rt.com/videoclub/886736-%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88-%D9%8A%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D8%AD%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%84/.).
 وفي مناطق أخرى يصل إلى 90 %.  وقد تسنى لي زيارة مدينتي تلسقف (تل أسقف) وباطنايا، وسكانهما من أتباع الديانة المسيحية، برفقة أعضاء المؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق،  للاطلاع على حجم الدمار الذي حلّ بناس وبمباني هذه المدينة وشوارعها ودور عبادتها ومدارسها والخدمات الأخرى فيها، إضافة إلى ما كتب على جدران كنائسها من الداخل والخارج وعلى جدران بيوتها من جمل عنصرية وعدوانية مناهضة للمسيحيين ووجودهم بالعراق. والرؤية المباشرة للمدينة تؤكد أن 85 % من المباني ودور السكن قد هُدّمت بالكامل، وأن ما تبقى منها لم يعد قابلاً للسكن فيه، وهو حال الكثير من المدن الأخرى في سهل نينوى، مثل تلسقف، وسنجار، وبرطلة، وقرَقوش (بغديدا)، وكرمليس، وتلكيف وغيرها. (ملاحظة: في يومي 1 و2 من الشهر الخامس (أيار) 2017 عقد المؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق في مدينة عنكاوا التابعة لمحافظة أربيل في يومه الأول، في حين التم أعضاء المؤتمر في مدينة تلسقف في سهل نينوى في يومه الثاني احتفاءً بتحريرها من عصابات داعش وتضامناً مع سكانها المسحيين الذين عانوا الأمرين على ايدي وحوش داعش، حيث تم فيها انتخاب الأمانة العامة للهيئة. كاظم حبيب).

** دمار شامل للبنية التحتية كالمستشفيات والمستوصفات والمدارس والكليات والمعاهد ومياه الشرب والكهرباء...الخ. وبهذا الصدد أشار "مدير بلدية الموصل، عبد الستار خضر حبو إبراهيم الحبو، في تصريح له اليوم، إن أكثر من 90% من البنى التحتية والخدمات العامة في المدينة دمرت خلال الحرب مع "داعش"، كما أن حوالي 70% من الملكيات الخاصة تم إتلافها.. مشيرا إلى أن قيمة الخسائر التي شهدتها الموصل تقدر بمليارات الدولارات. ولفت إلى أن تحقيق "الاستقرار" في الجانب الغربي من المدينة، وما سيرافقه من عودة توفير خدمات المياه والكهرباء والخدمات العامة بشكل جزئي للمواطنين يتطلب بين ثلاثة وأربعة أشهر على الأقل.. مشددا على أن ملامح الموصل، ثانية كبريات المدن العراقية، تغيرت بالكامل و"أصبحت دمارا". (أنظر. دمار في الموصل، 90% من البنى التحتية في الموصل تعرضت للدمار، تقرير، موقع بوابة الشرق الإلكترونية، بتاريخ 19/07/2017)


.
 
** وجاء في تقرير لقناة بغداد حول مياه الشرب ما يلي: "يواجه الآلاف من أهالي الموصل أزمة صحية بسبب استخدامهم المياه الملوثة من نهر دجلة بعد توقف محطات التصفية المدمرة. ويقول سكان محليون إن مياه النهر تتسبب في حالات تسمم كل يوم باعتبارها ليست صالحة للشرب، كما أن هناك المئات من حالات الإسهال، مبدين مخاوفهم من زيادة الحالات مع حلول فصل الصيف. وقال مسؤولون في مديرية ماء نينوى إن الأسباب التي أدت إلى انقطاع الماء عن أحياء في الموصل، تعود إلى توقف مشاريع الضخ لانقطاع التيار الكهربائي وتوقف مولدات عمل الطاقة الكهربائية بعد نفاد الوقود المخصص لها." (أنظر: تقرير: دمار البنية التحتية يجبر سكان الموصل على شرب المياه الملوثة، موقع موجز العرب، عن قناة بغداد، بتاريخ 13 أيار/مايس 2017). كما إن دماراً واسع النطاق تعرضت له شوارع وطرق وأزقة وساحات مدينة الموصل وبقية المدن التي تعرضت لإرهاب داعش والتي سوف تستغرق وقتلاً طويلاً للتخلص من الأنقاض وإعادة الإعمار.
** المصاعب الكبيرة التي تواجه توفير المواد الغذائية لهذا العدد الكبير من السكان، في وقت تعاني الزراعة من تخلف شديد وشحة في المياه، وليست هناك صناعة فعلية وخراب واسع النطاق، إضافة إلى تكاليف الحرب وصعوبة توفير الموارد المالية لتأمين الغذاء للمجتمع وقواته المسلحة، لاسيما وقد تراجع سعر البرميل الواحد من النفط الخام في أسواق النفط العالمية، مما أدى إلى انخفاض شديد في إيرادات الدولة التي تعتمد على النفط الخام بنسبة عالية في تكوين دخلها القومي من جهة، وإلى ارتفاع المديونية الخارجية للدولة العراقية من جهة ثانية، وإلى تراجع شديد في معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي من جهة ثالثة، والتي اقترنت بدورها في انخفاض القدرة الشرائية للغالبية العظمى من السكان، لارتباطه بالتضخم المرتفع في أسعار السلع وال
خدمات، إضافة إلى تدهور قيمة صرف الدينار العراقي امام الدولار الأمريكي من جهة رابعة.
إضافة إلى كل تلك المصاعب الناتجة عن الخراب الشامل تقريباً الذي حلَّ بالموصل وبقية المدن والقرى التابعة لمحافظة نينوى، فأن هناك عوامل أخرى تعرقل عودة النازحين إلى ديارهم، إذ "لا يزال الخوف والقلق موجود في صفوف العائدين .. الى جانب الاهمال التام بموضوع اعادة بناء ما دمره الارهابيون والعمليات العسكرية .. كما أن هناك اعداداً كبيرة تخاف من العودة لا سيما في الجانب الايمن (المنطقة القديمة) .. وبيوتهم مدمرة للغاية.. اما مناطق سهل نينوى برطلة قره قوش كرمليس رجعت الكثير من العوائل المشكلة الان الحشد الشبكي الذي يقوده النائب حنين القدو بدأوا بممارسة اساليب استفزازية + تحرش + اسلوب جاف في السيطرات + رفع رايات مذهبية بشكل غير طبيعي الخ .. الناس جدا مستائين منهم ومنهم من يفكر بالرجوع الى عنكاوا" (راجع: كاظم حبيب، وماذا يجري بالموصل ونينوى بعد الانتصار المعلن على داعش؟ الحوار المتمدن).
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة

49
كاظم حبيب
الأوضاع القائمة بمحافظة نينوى وتلكؤ معالجتها والعوامل الكامنة وراء ذلك!
1-6

لم يعد إنسان عراقي عاقل لا يدرك إن ما حصل بالعراق من كوارث وعواقب مدمرة ومآسي وقتل ونزوح وتهجير واستباحة واغتصاب واستعباد خلال الأعوام المنصرمة، سواء أكان في مجال الصراع الطائفي بين المسلمين على أساس مذهبي، أم ممارسة التمييز الديني، أم التمييز ضد المواطنات والمواطنين باعتماد الهويات الفرعية المتصارعة والقاتلة، أم بانتشار الفساد على نطاق العراق كله وعلى ايدي المسؤولين أولاً وقبل كل شيء، ومن ثم انتشار مستمر للإرهاب الحكومي وغير الحكومي، وصولاً إلى تسليم محافظات غرب العراق ومحافظة نينوى وعاصمتها الموصل إلى عصابات داعش الغازية، كان سببه وجود نظام سياسي طائفي مقيت وممارسته للمحاصصة في توزيع سلطات الدولة الثلاث ومؤسساتها على أساس طائفي واثني في آن واحد. وأن هذا النظام مازال قائماً وفاعلاً ومؤذياً للفرد العراقي وللمجتمع. وأن المشكلة تكمن لا في طبيعة النظام الطائفي القائم فحسب، بل وفي النهج والسياسات التي يمارسها، ولاسيما الهيمنة على السلطات الثلاث من قبل السلطة التنفيذية، والدمج بين الدين والدولة ووجود أحزاب سياسية محرمة دستورياً بسبب قيامها على أساس ديني ومذهبي طائفي سياسي، إضافة إلى وجود ميليشيات طائفية مسلحة تهيمن على حركة السكان في مدن وأرياف العراق.
إن السنوات المنصرمة وأحداثها المريرة، سواء باحتلال أجزاء من العراق أم بحرب تحريرها العسكري، وضعت البلاد في المرحلة الراهنة أمام ثلاث مسائل كبيرة هي:
المسألة الأولى: عواقب استمرار النهج السياسي الطائفي الذي مورس منذ العام 2004 بالعراق حتى الآن وما خلفه من مشكلات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية ونفسية وبيئية، وعجز هذا النظام عن مواجهة تلك العواقب والذي يطرح ضرورة تغييره، والذي اقترن بوجود أحزاب إسلامية سياسية طائفية تهيمن على الحكم ولها ميلشياتها الطائفية المسلحة وسبل التخلص من ذلك.
المسألة الثانية: ما خلفه احتلال داعش من عواقب دينية واجتماعية ونفسية وصراعات مذهبية وقبلية وعنف وتوفر سلاح هائل بتلك المناطق التي كانت تحت احتلاله، وتداعياتها السياسية والإدارية والاجتماعية والنفسية وسبل معالجتها، مع حقيقة ان النظام القائم، بسبب طبيعته ونهجه، عاجز حقاً عن معالجتها، بل يزيد وجوده في الطين بِلَة، ما لم يجر تغيير هذا النظام السياسي الطائفي لصالح دولة ديمقراطية علمانية، أي دولة تفصل بين السلطات الثلاث وتفصل بين الدين والدولة، وإقامة مجتمع مدني ديمقراطي حديث.
المسألة الثالثة: سبل إعادة إعمار المناطق التي تعرضت للاجتياح والحرب والتدمير والأسس التي سوف تعتمدها في ذلك وكيف يمكن تنظيم إعادة النازحين إلى مناطق سكناهم وإيقاف عمليات الاعتداء على السكان والتصدي للتغيير الديمغرافي ومصادرة بيوت الناس في المناطق المحررة.
تشير الدكتورة أسماء جميل رشيد بصواب، في بحث مهم لها بعنوان "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، إلى حقيقة هذه الإشكالية فكتبت "في حين تتجه جميع التحليلات والرؤى إلى التنبؤ بالتحديات الأمنية والسياسية واستشراف مسارها بعد تحرير الموصل مثل إدارة الحكم في المدينة بعد تحريرها والخلافات العميقة بين المركز وإقليم كوردستان وسيناريوهات التقسيم والفيدراليات القائمة على أسس عرقية وطائفية. إلّا إن التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل والتي ستشكل التحدي الأكبر، لم تنل الاهتمام الكافي. فهناك مخاوف من ظهور مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة وتزداد هذه المخاوف مع عجز الحكومة عن إعادة النازحين وتلبية احتياجات العائدين وفشل السياسيين في التغلب على خلافاتهم وتعثر عملية الإعمار بسبب الفساد المسشري." (أنظر: أسماء جميل رشيد، دكتورة، التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 389/أيار 2017، بغداد، ص 29). كما أكد البروفيسور الدكتور سيّار الجميل بصواب أيضاً حقيقة عجز النظام الطائفي عن معالجة المشكلات القائمة حين أجاب عن السؤال التالي: "فهل الحكومة العراقية قادرة على تبني أي مشروع استراتيجي، كي تسترجع الموصل عافيتها وإعمارها؟ يقول سيار الجميل:
"أشك في ذلك، فالحكومة جزء من منظومة فاسدة، وتمثلّها دولة فاشلة.. يموت الناس من الجوع والحر الشديد، ولا منقذ ولا مجيب.. ورئيس الوزارة منشغلٌ باجتماعاتهِ وإلقاء نصائحهِ، غير آبه أو ملتفتٍ إلى الناس في محنتهم وآلامهم اليوم.. مبارك هو الانتصار على "داعش" وخلاص الموصل منه، ولكن المهم ما بعد "داعش"، فهل بدأت الحكومة مشروعاً أمنياً صارماً معتمدة على أهل البلد؟ هل بدأت بتنفيذ أي برنامج طويل المدى، كان من الضرورة إعداده منذ ثلاث سنوات؟ هل بدأت بإعمار المدارس والجامعة قبل قدوم بدء الدراسة؟ والمصيبة ما يتعرّض له أهل الموصل من حملات إعلامية وسباب وشتائم وأوصاف مطلقة جارحة من بعضهم. الانقسامات في داخل العراق سببّتها عملية سياسية جاءت بطغمة فاسدة جهولة وحقودة، لتتشكّل طبقة سياسيّة فاسدة أباحت نهب العراق، ونشرت الفساد، واعتمدت المحاصصة، وأشاعت الطائفية، وأحدثت مراكز قوى متعدّدة، لها ارتباطات خارجية، وسمحت للتدخلات الإقليمية العبث بمصير البلاد، واتخاذ القرارات نيابة بشأن مستقبلهم. التشدّق بالوطنية على ألسن الانقساميين لا ينفع أبداً، وكأن النصرَ الذي تحقق ليس عراقياً، إذ اعتبروه نصر مدن على مدينة، أو نصر طائفةٍ على أخرى، أو نصر طبقةٍ سياسيّة حاكمة.. النصر الحقيقي، يا سادة، عندما يتخلّص العراق نهائياً من كلّ الدواعش والفاسدين والجهلاء والمرابين وتجار الحروب بدماء الناس، أينما كانوا في أرض العراق." (أنظر: سيّار الجميل، دكتور، هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟ الموقع الرسمي للسيد الدكتور. http://sayyaraljamil.com/، بتاريخ 25/07/)2017).
وضع الزميلان النقاط على الحروف وشخصا بوضوح طبيعة المشكلات أولاً، ومدى القدرة على معالجة هذه المشكلات. وسأحاول طرح وجهة نظري بشأن آفاق معالجة المشكلات الراهنة والمستقبلة التي نشأت بفعل النظام السياسي الطائفي وعواقب اجتياح واحتلال داعش.

قبل أن يتعرض العراق إلى اجتياح عصابات داعش المجرمة على مدينة الموصل ومن ثم بقية أقضية ونواحي محافظة نينوى، استطاع تنظيم القاعدة الإرهابي، ومن ثم تنظيم داعش المنبثق عنه والمنشق عليه، الهيمنة الفعلية على أجزاء مهمة من محافظات الأنبار (الفلوجة مثلاً) وصلاح الدين وأجزاء غير قليلة من ديالى والتغلغل الفعلي في مدينة الموصل وضواحيها بقوى مكشوفة على حدود بعيدة باعتبارها خلايا نائمة أو متحركة بعلم السلطات المحلية للموصل. وحين سلم حكام العراق، وعلى رأسهم رئيس الوزراء السابق والقائد العام للقوات المسلحة مدينة الموصل دون قتال إلى عصابات داعش، ثم اجتياح هذه العصابات بقية أجزاء محافظة نينوى دون أن تعترضها، بل انسحبت أمامها دون قتال قوات الپيشمرگة أيضاً. قبل هذا وذاك عاش العراق وشهد هيمنة الإيديولوجية الإسلامية السياسية وتنفيذ سياسات وإجراءات سياسية ذات وجهة طائفية متطرفة وقمعية من جانب الفئات التي تقود الحكم بالعراق منذ العام 2005 حتى الوقت الحاضر. كما تعرض العراق إلى نزاع دموي بين ميليشيات طائفية مسلحة شيعية وسنية، قادت البلاد إلى حرب ضروس وقتل على الهوية وتشريد وتهجير وتفجيرات واغتيالات ونهب وسلب للبشر وثروات المجتمع.
هذا الواقع المأساوي تسبب في نشوء مشكلات بين أبناء وبنات المجتمع الواحد الموزعين على أتباع ديانات ومذاهب عديدة واتجاهات فكرية متنوعة، إضافة إلى وجود عدة قوميات. ولم يستطع، بل ولم يرغب، من تسبب بنشوء هذه المشكلات، معالجتها. وهذا يعني إن عملية التغيير تستوجب بالضرورة وجود قوى أخرى ترفض النظام السياسي الطائفي المحاصصي، وترفض الاستبداد والقمع والاعتقال الكيفي والتعذيب .. الخ، وتعتمد الحرية والديمقراطية والمدنية أو العلمانية والمواطنة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية كمبادئ أساسية لها في ممارسة حكم البلاد، وتفصل بين الدين والدولة والدين والسياسة وبين السلطات الثلاث.
من هنا يبدو واضحاً بأن العراق، كل العراق، يواجه مأزقاً كبيراً ويعيش أزمة مديدة ومتراكمة ومتفاقمة العواقب، يواجه وضعاً عاماً وشاملاً يمس المجتمع بأسره ويئن تحت وطأة المزيد من المشكلات الكبيرة والصغيرة التي تستوجب الحل العاجل والشامل، ولكن لا وجود لمن يستطيع أو يريد معالجتها بين الفئات الحاكمة التي وضعت على رأس السلطة بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والمرجعيات الشيعية في مدينة النجف. ولدى الكثير من الباحثين والمراقبين السياسيين قناعة بإن استمرار هذا النظام بصيغته الحالية فترة أخرى لا يعني سوى تفكيك حقيقي متفاقم للمجتمع وللدولة العراقية، المجتمع الذي يعاني من الصراعات، والدولة التي تعاني من هشاشة شديدة وغياب حقيقي للمؤسسات التي يستوجب الدستور وجودها الصحيح وليس الطائفي المريض الراهن.
فالعراق يقف أمام مجموعتين ومستويين من المشكلات الكبرى: المجموعة الأولى نشأت في المناطق التي تحررت عسكرياً من عصابات داعش وسبل معالجتها، ولكن لم تتخلص بعد من خلاياها النائمة، ومن تأثيرها الأيديولوجي الإسلام السياسي المتطرف، من سياساته الاجتماعية والثقافية، التي استطاع تنظيم داعش خلال عدة سنوات أن يكرس الكثير من معتقداته وأساليب عمله وأدواته في صفوف جمهرة غير قليلة من السكان السنة، لا في المناطق التي تعرضت للاحتلال فحسب، بل وفي مناطق أخرى. كما لا بد من التخلص من الفكر الشيعي الطائفي المؤدلج الذي عمق الصراع والكراهية والحقد والنزاع ضد السنة في صفوف جمهرة من الشيعة، والذي لا يختلف عن التطرف السني، إذ أن هذه الصراعات لم تبق محصورة في قيادات وكوادر وأعضاء الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية فحسب، بل تغلغلت في صفوف الكثير من الناس البسطاء الذين تأثروا بدعايات المتطرفين من قيادات وكوادر الأحزاب الشيعية العراقية أو الإيرانية أو حزب الله اللبناني. وعلينا أن نتابع مقترح حزب الفضيلة ونوابه لمشروع تغيير قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1958 بنهج إسلامي متطرف يقتطع حقوق المرأة وحقوق الأطفال من الإناث على سبيل المثال لا الحصر.
أما المجموعة الثانية من المشكلات أو المستوى الثاني منها، فهي التي تمس العراق كله والنظام السياسي الطائفي السائد فيه، وسبل تغييره جذرياً لصالح الدولة الديمقراطية العلمانية، والحكم المدني الديمقراطي الحر والحديث والإنساني.


50
كاظم حبيب
وماذا يجري بالموصل ونينوى بعد الانتصار المعلن على داعش؟
بعد أن نشرت سلسلة من المقالات حول الكثير من المواضيع المهمة الجارية بالعراق، بما في ذلك حول الموصل والنازحين، لاحظ صديق عزيز، مع حفظ الأسماء، ما يلي:
"استاذي الكريم، مازال الآلاف من الضحايا الأبرياء في الموصل تحت الأنقاض، وليس هناك اهتمام بإخراجهم، كما أن آلافا أخرى فقدت معيلهم وكل ما تملك، وأصبحوا حتى بدون لقمة خبز، والحكو