عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - أوات أسعدى

صفحات: [1]
1
شيء عن حكم الرجم البشع

أوات أسعدى
كانت السماء داكناً في ذلك اليوم الرمادي من خريف العام الماضي، عندما تقدم شخص مسلح ملتحي امام عدسة کامیرا  ليعلن عن ما يطلق عليه إقامة حد الزنا على امرأة متزوجة في ريف حماة. ان هذا المشهد القاسي وبكل معنى الكلمة يعتبر الاول من نوعه في سوريا المنكوبة حیث ينشر له تسجيلاً مصوراً.
الوالد تبرأ من ابنته ولم يستجيب لندائاتها لمسامحتها على فعلتها الا بعد ان طالبە المسلحون الملثمون بان یسامحها لانها "ستنتقل الى الله سبحانه و تعالى".
ان الشخص المسؤول طلب من الفتاة ان تقول أخر كلمة لها في الدنيا وهي استجابت و نطقت ببعض الكلمات قائلة: "انصح كل حرمة مستورة ان تحافظ على عرضها أكثر مما تحافظ على روحها وانصح كل اب لم يزوج ابنته ان يراقبها". ربما سبقت هذا المشهد الغريب مسرحية اخرى حيث تم فيه مثول الضحية اما محكمة يطلق عليها "شرعية". والاغرب من كل ذلك ان المسكينة سؤلت بعد قراءة "حكم الله" عليها فيما اذا كانت هي موافقة بهذا الحد. ان لم یكن هناك تزوير في الامر فمن المؤكد انه قد تمت قبل ذلك عملیة غسل دماغ لهذه الضحية المسكينة، بأنها ستدخل جنتهم اذا ما قامت هي بأدلاء موافقتها على ذلك الحد.
لقد بدأ هذا المشهد الى هذه اللحظة وكأنە مسرحية عادية، خصوصا بعد ان لم يظهر على وجهه الوالد اي تصرف غير عادي او همجي على غرار ما يتنظره المرء من اولئك الموجودين من حوله من المسلحين المتطرفين. غير ان هذا الرجل قد تمكن خلال الدقائق القادمة ان يسجل من القساوة والوحشية ما لا يتصوره العقل الانساني. فهو بنفسه قام بتوثيق واقتياد ابنته التي هي من لحمه و دمه و ربما كانت دائماً حياته وحبيبته وقرة عينيه، وكأنه يقود كائناً غير الانسان، ليضعها في حفرة مخصصة لتلك العملية كانت قد حضرت قبل ذلك، لذلك الحكم. و بعد ان تركها عاد الى الوراء عدة امتار و بدأ بكل قواه برمي الحجارة على ابنته، وكأنه يرمي الحجارة على حيوان مفترس يحاول مهاجمته. وشاركه في هذا الهجوم البشع بعض المسلحين الواقفين هناك.
ان هذا المنظر المأسوي ربما يعتبر الاول من نوعه في تأريخ الانسانية اصلاًَ: أب متجرد من كل رحمة و شفقة ورأفة انسانية یقتل ابنته بأبشع الطرق ويقضي بكل قساوة على حياة انسان مغلوب على امره. لماذا هذه البشاعة؟ يا لها من كارثة! الى اي درجة من القساوة والهمجية و اللاإنسانية وصل الیها بعض من عناصر المجتمعات الاسلامية؟
العقيدة العمياوية يمكن ان تفعل بالإنسان مالا تفعله اي مادة مخدرة ، سواء اطلق على تلك العقيدة "الوهية" ام "خرافية" ، او اذا كانت نابعة من العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة تحت مسميات "الحفاظ على الشرف والعرض أو غسل العار" و ما شابه ذلك من المصطلحات التي اوجدها الرجل اصلاً في المجتمعات الابوية المتسلطة لسحق الانثى.
ربما يقول البعض بأن هذا الحد في الشريعة الاسلامية لا يطبق اذا نقص شرط واحد وهو رؤية فعلة التغميد بشكل تام من قبل اربع شهود على نحو يزيل كل الشبهات. وهذا من سابع المستحيلات. لذا نادراً ما سجلت الروايات التأريخية الاسلامية عن حدوث أقامة حد الرجم. لذا نستطيع أن نثبت انه فعلاً لنكوص حضاري ثقيل ان يتم تنفيذ هذا الحكم الهمجي في القرن الواحد والعشرين في بعض اصقاع البلاد الاسلامية.
فما هي نوعية الرسالة التي يريد هؤلاء القتلة ایصالها: الهدف الرئيسي من هذه المسرحية الوحشية هو اخافة وارهاب الناس و التباهي بقوتهم وقوة عقيدتهم وتصوراتهم في الفصل والعداء المطلق و القتل بأقسى الطرق لبنت من قبل والدها. وهذا بحد ذاته يمكن اعتباره بـ "تزايد جديد وخارق" يسطره تأريخ مليء بالدم. حيث يتحدث بعض الروايات الاسلامية عن قتل أبو عبيدة بن ابي جراح لأبيه في معركة بدر. و تطرح هذه القضية عادة في مسألة مايطلق عليه في الاسلام "الولاء والبراء". أي أن العقيدة الاسلامية تستطيع بكل سهولة ان يحول أفراد الأسرة الواحدة الى ألد الأعداء و هنا يقتل آب ابنته بشكل مرعب ليست في حالة المواجهة المسلحة ، بل في يوم عادي ونزولا عند حكم الشريعة.   
الى جانب الحرق فإن قصاص الرجم اقسى عقوبة عرفها التأريخ. لنا ان نتسأل: ماذا كان حكم الزنا في البداية لدى اوائل الحضارات الانسانية؟ فحمورابي، الذي لم يزعم بأنه سليل الالهة أو من ذات الالوهية حيث وصف نفسه بأنه خليل الهة سجل في مواد شريعته تحت رقم 129 مايلي: "إذا قبض على امرأة مضطجعة مع سيد فيجب عليهم أن يوثقوهما ويلقوهما في الماء. ويمكن لزوج المرأة أن يبقي زوجته على قيد الحياة إذا رغب، كما يمكن للملك أن يخلّي حياة أمته." وقانون التوراة اخذ في البداية بهذا الحكم نوعما من دون الخوض في التفاصيل : "وإن أخذ رجل يضاجع امرأة متزوجة فليمُت كلاهما." (تثنية 22:22). ورفض حكم الرجم من قبل يسوع المسيح بقوله عن امرأة زانية أراد اليهود رجمها: "من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بأول حجر."
ضمن هذا السياق نفصح عن حقيقية خافية على الكثيرين: أن الرجم حتى الموت كان في الاساس من ابتكار الوثنيين في اليونان القديمة. فهؤلاء "الكفار" هم الذين اختلقوا هذا الحكم الهمجي لجرائم عديدة من ضمنها الزنا. ومن المرجح ان اليهود وقعوا في فترة زمنية معينة تحت تأثير هذا الحكم الا انهم لم يسيروا عليه دائماً و أبداً. ومما لا شك فيه ان دخول هذا الحكم في الديانة الاسلامية قد تم تحت تأثير الديانة اليهودية. ورغم كل ذلك فأن هذا الحكم هو في غاية القساوة و طريقة بطيئة نسبياً لحكم الأعدام وبالتالي انتهاك صارخ لحقوق الانسان وتقويض بشع لمبدأ التناسب في القوانين الجنائية. فالى متى ينئ الاسلام بشكل عام عن تبني مبدأ سلامة النفس والجسد كحق إنساني أساسي؟


2
التغلب على الماضي.. برانت والمالكي
أوات أسعدي
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أعتاد المسؤولين الألمان أن يواجهوا مآسي الماضي بشکل وئيد. غير ان زيارة المستشار الألماني فيلي برانت الى بولندا في نهاية عام 1970 رافقتها حدث تاريخي فريد من نوعه، وهو التعامل مع قضية الشعور بالذنب بکل إخلاص وجدية.
كان من ضمن برنامج برانت في بولندا زيارة ضريح الجندي المجهول. بعد ذلك بوقت قصير تخطى المستشار الالماني باتجاه شاهد أبكم لتاريخ الحرب: أمام النصب التذكاري لضحايا غيتو وارشو. كما هو الحال دائما في مثل هذه المناسبات والزيارات فأن أثنين من حراس الشرف يتقدمون الضيف الكبير ويضعون اكليلاً من الزهور أمام النصب، وبعدها يقوم صاحب الاكليل بتعديل موضع ربطات الاكليل رمزياً ويتخطى خطوة أو خطوتين الى الخلف ليقف برهة من الزمن اجلالاً لذكرى الضحايا. ولكن ماحدث في تلك اللحظات، لم يکن يتوقع أو يخطر ببال أحد. هناك، امام برج الأسلاك المحترقة، سقط برانت جاث على ركبتيه، واضعا يده‌ اليمنی علی کفه‌ اليسری، غارق في الذكرى البشعة ـ حياة مئات الالاف من البشر الذين أصبحوا ضحايا المحارق النازية (الهولوكوست) والحرب الكونية الثانية. لقد استمر ركوع المستشار الالماني مايقارب من ثلاثين ثانية على الأسفلت الرطب. بعدها نهض برانت، وکان عمره‌ آنذاك 56 سنة، دفعة واحدة دون الإستعانة بيديه، عائدا بخطوات هادئة وخفيفة نحو الخلف الى أصحابه ولم يترك وراءه أية أسئلة معلقة!
هذه البادرة كانت في الواقع مصدر إلهام اللحظة. وبها تمكن الضيف ان يعرب عن صدمته الحقيقية لما حدث في الماضي للبولنديين وخاصة اليهود منهم من قبل نظام واناس بات الان يقودهم هو سياسياً. فما حصل تم بروح ومعنوية عالية. ومنذ ذلك الحين، بدأ المرء في بولندا، احد اكبر المجتمعات المتضررة من جرائم النازية، يشعر وكأنه نجا من مرض خطير.
ففي مذكراته كتب برانت حول ماقام به امام النصب التذكاري: "في هاوية التاريخ الألماني، وتحت وطأة الملايين من القتلی، فعلت ما علی المرء عمله، عندما تُعجز اللسان عن البيان."
إن "ثني الركبتين في وارشو" لبرانت هي أحد النماذج النادرة لقوة الأنسان في التعامل مع مأسات الماضي. وهي تعتبر من أبرز رموز التأريخ المعاصر لألمانيا وبالتالي هويتها الجديدة بعد الحرب... وهي في نفس الوقت مثالا رائعاً لإظهار وتقديم الدليل بأنه حتى الرموز تمتلك تاريخاً لنشؤها وتبقی خالدة.
ما من شك في ان جمهورية المانيا الاتحادية استطاعت التغلب على ماضيها القاتم، فالکثير من الأخلاف البريئين من جرائم الاسلاف أعتذروا رسمياً و بكل شهامة لضحايا الابادات الجماعية. وما قام به برانت أمام نصب غيتو وارشو، لم تكن بادرة رسمية، بل هو شعور انساني صادق، به فتح في الواقع فصلا جديدا في العلاقات بين بولندا وألمانيا.
وماذا عن التغلب على الماضي في العراق؟
خلال الايام القليلة القادمة يُنتظر المالكي في زيارة له فى كردستان العراق، المنطقة التى هُضم حقوق أهلها من قبل جميع الانظمة العراقية وشهدت الكثير من الابادات الجماعية لساکنيها على ايدي النظام البائد (مأساة الانفال، تصفية الـ 8000 بارزاني، محرقة حلبجة، محنة شيخ وسانان، وهي بالمناسبة اول قرية كردستانية قصفت عام 1987 بالأسلحة الكيماوية و... و....). فيا ترى هل يضع السيد نوري مالكي في زيارته المرتقبة آية من آيات الاعتذار لشعب كردستان لما اقُتُرف ضدهم؟
الالتباسات التي شابت العلاقات العراقية ـ الكردستانية في الأونة الأخيرة ربما تمنع المالكي ان يؤثر مخلفات ومضاعفات تسع عقود من الزمن من تأريخ القضية الكردستانية على نظرته الى عالم السياسة الواقعية الرمادي اللون، وخاصة في هذه الأيام التي بات فيها الكثير من العراقيين ينسون عن عمد أشباح الماضي، وبالأخص ما أقتُرفت بحق الكرد من جرائم وتصفيات وملاحقة وتعريب...
رغم كل ذلك فأن آية صادقة من قبل رئيس الوزراء العراقي في كردستان وبالتحديد في أحدى الاماكن التى تعرضت الى الجينوسايد، وهي بالعشرات إن لم نقل بالمئات، فأنها لن ترد بالجحود وستظل انجازا يسطر التاريخ عظمته... وليس من الضروري ان تكون مطابقاً لما قام به نظيره الالماني السابق في بولندا قبل حوالي 38 عاماً... 


 صورة تاريخية لفيلي برانت يظهر فيها وهو يركع
أمام نصب تذكاري بمدينة وارشو أقيم لضحايا النازية

   



3
هل يحقق المالكي ما تمناه الملك فيصل الاول؟
أوات أسعدي
كتب الملك فيصل الاول في احدى مذكراته المؤرخة بتاريخ أذار 1932، "إن البلاد العراقية هي من جملة البلدان التى ينقصها أهم عنصرٍ من عناصر الحياة الإجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية، فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين..." وفي معرض تحليله لهذه المعضلة الحقيقية تقدم فيصل ببضع مقترحات لحلها مشيراً في البداية الى منطق القوة والضعف العسكري الذي کان تعاني منه تلك الدولة قائلة: "يكفينا لتقدير مبلغ قوانا لاخماد هياج مسلح، ما قاسيناه ابان ثورة الشيخ محمود والنقص العددى البارز الذي ظهر في قوتنا العسكرية انئذ." وقد اقترح الملك خطة معينة مكونة من 12 نقطة وجد فيها ان "بارقة الامل في الرسوخ السياسي تزداد نوراً." وكانت النقطة الاولى عبارة عن: "تزييد قوة الجيش عدداً، وبشكله الحاضر، بحيث يصبح قادراً على إخماد أي قيام مسلح ينشب في ان واحد، على الأقل، في منطقتين متباعدتين."
ما من شك في أن تحقيق وتنفيذ تلك الخطة، كما ثبت ذلك فيما بعد، ارتد الى نحر صاحبه وبشكل مأسوي. فمن جهة ثمة ادلة تفيد بأن ابنه، الملك غازي، كان ضحية مؤامرة الجيش، ومن جهة ثانية من المعروف أن حفيده، أي الملك فيصل الثاني، قتل بشكل مأساوي إلى جانب خاله الامير عبدالاله اثناء الانقلاب العسكري في 14 تموز 1958 في بغداد.
واليوم بعد مضي اكثر من 76 عاماً على تلك المذكرة للملك نرى حالة غريبة في الخارطة السياسية والاجتماعية للعراق كما لو أن عقرب الساعة فيها قد تعطل الى حد كبير عن الحركة بالاتجاه الصحيح، حيث تشكلت كيانات سياسية على كل اساس يخطر في البال، وربما لن يكون اخرها حركة العراقيين الحرة (أنصار الحرية والسلام) التي تضم أصحاب البشرة السوداء حصراً والتى تطالب بـ "اعتبار السود أقلية من الأقليات." والارجح ان مكمن المشكلة لیس في التواجد الكثيف للحركات السياسية في عراق اليوم، بل في بعض السياسات التى تعيق في الاساس ديمومة تطور بناء المجتمع المتمدن... وهنا نقصد ما تقوم به الحكومة الحالية برئاسة السيد نوري المالكي وبكل جدية من تعبئة للعشائر لأغراض "امنية" على حد تعبيره. وتسببت هذه المسألة، أي تشكيل ما يسمى بمجالس الإسناد، خاصة في المناطق المتنازع عليها بين حكومته وحكومة اقليم كردستان بالآونة الأخيرة في تعميق الخلافات بين الجانبين، إذ يعتبر السيد المالكي تشكيل تلك المجالس أمراً قانونياً ودعماً لاستتباب الأمن والاسقرار، في حين تعتبرها حكومة الإقليم تهديدا ومصدرا للفتنة. هذا ويحتمي الطرفين بدستور العراق.
فهنا يتسائل المرء: ماهي المسألة التى يعتبرها مالكي خطراً ظلامياً يستلزم المواجهة والاستأصال في بعض المناطق من العراق؟ خاصة في تلك الربوع من البلاد التى لم تعرف تدهوراً امنياً خطيراً شبيهاً بما كان موجوداً في محافظة الأنبار او بعض محافظات الجنوب...
وليس من المفاجئة ان يجد رئیس الوزراء الاتحادي في بعض المناطق من يناصره في مشروعه... ولكن لماذا؟
فعلى سبيل المثال من المستبعد جداً ان یکون هدف بعض الوجهاء في قضاء الحويجة (الواقعة في محافظة كركوك ومن المناطق المتنازع عليها) والذين يطالبون بتشكيل تلك المجالس، مساعدة قوات الامن في ملاحقة تلك العناصر التى قامت بتهديد معظم العوائل الكردية القاطنة في تلك المدينة بالمحو ان لم يتروكها. ففي تلك المدينة سُجلت بعد 9 من ابريل 2003 أول حالات ملاحقة العوائل على اساس الهوية واستمرت الى ان اصبحت المدينة شبه خالية من العوائل الكردية. وأوضح احد عناصرهم حديثاً بأن "تشكيل مجالس الإسناد في كركوك... سيؤدي إلى إحداث توازن" (!!) دون ان ينطق بكلمة واحدة في تصريحه عن مكافحة الارهاب.
من البديهي ان موضوع مجالس الاسناد لا يشكل مدخلاً خصباً لفك اسباب التمزق والتشنج الموجودين في المجتمع العراقي. لانه من الصعب جداً استيعاب التوجهات العشائرية ودمجها في داخل عملية التطور الديموقراطي حتى لو كتب ذلك في الدستور. فالعشيرة عادة (وهذا بعكس طبيعة أكثرية الاحزاب السياسية) تعجز في كثير من الاحيان عن التطور والتفاعل الايجابي مع بناء دولة القانون لأسباب هيكلية ترجع الى بنيتها الاجتماعية. فهي بحد ذاتها مؤسسة اجتماعية، وسياسية الى حد ما، ترفض التدخل في شؤونها اصلاً.
فالحكومة الأتحادية بحاجة الى قراءات جديدة تساهم في التعامل مع هذه المسألة وعلیها ان تضعها في اطار فهم اوسع لطبيعة التحديات الاجتماعية والسياسية لهذه العملية في الظروف الراهنة. وما قاله المالكي في مؤتمره الصحفي عن العشائر يأتي الى حد ما بمثابة توجه ايجابي، وربما ملائكي ايضاً، لدور العشائر في عراق اليوم. وفي رسالة له الى رئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني كتب المالكي: "ان مجالس الاسناد هي جزء من منظومة الأمن الذي مايزال هشا بسبب وجود الخلايا الارهابية النائمة والخارجين عن القانون الذين يتربصون بالعراق شرا، وان قوات الجيش والشرطة لم يكن بمقدورها على الاطلاق فرض سلطة القانون وحدها لولا دعم مجالس العشائر العراقية الغيورة وثم مجالس الاسناد والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني."
ان مايثير الدهشة في هذا التسلسل الغريب هو وضع "القوى السياسية" بعد "مجالس العشائر العراقية الغيورة" وحتى بعد "مجالس الاسناد". فأذا كان فرض سلطة القانون لم يكن ممكناً لولا دعم "هاتين المنظومتين" على حد تعبير المالكي، فعلى المتفائلين بعراق ما بعد صدام إذاً، ربما الانتظار 76 عاماً اخری كي تنشأ في البلاد "الوحدة الفكرية" التى دعا اليها الملك فيصل الاول وبالتالي تشكيل "دولة القانون"، التي اختارها السيد نوري المالكي اسماً لقائمته الانتخابية لمجالس المحافظات المقبلة.
الحكومة التى تتعامل مع الامور المهمة بهذه الطريقة الغريبة، غير قادرة على استيعاب المعطيات السياسية.
على اية حال فإن حسابات مالكي السياسية وخطواته الفعلية تفوح منها الأن، وهذا ما لا يمكن انكاره، رائحة عسكرة البلاد مجدداً، وذلك عن طريق ربط العشائر بالمؤسسات الامنية وهي بالتالي تنافي عملية تمدن المجتمع و بناء دولة القانون.
وأخيراً هل من الحكمة ان یکون منطق القوة والعسكرة الخیار الصحيح دائماً وابداً؟
كيفما تطورت الاحداث فأن هذا المنطق له نتائج عكسية في اغلب الاحيان. يمكن للمرء ان يتصوره كبومرنغ الاسترالي ـ اي تلك الخشبة المنحنية المسطحة التى ترمى فتعود الرمیة إلى قاذفها. فإذا كان قاذفها لا يتقن الضربة ربما تقتله او على الاقل تؤذیه بشكل خطر جداً. وفي بداية مقالنا تقدمنا بالدليل المناسب عن خطورة العسكرة في العراق منذ نشأته... ونعتقد ان ذلك يكفي.



صفحات: [1]