عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - ميخائيل مـمـو

صفحات: [1]
1
لقراءة الموضوع كاملا انفر على الرابط التالي:

http://www.ankawa.com/sabah/mamo8.pdf

4

اللغة الآشورية
بين
الفصحى والعامية

( رأي لتحديث اللغة الآثورية ـ الآشورية : السّريانية)

بقلم: ميخائيل ممو


من الطبيعي أنه لكل لغة عناصرها ومعاييرها الخاصة في الإستعمال بما تفرضه في فن الكتابة الأدبية الفصحى وعن طريقة اللغة المحكية المعروفة بالعامية بشكل عام.
إن الطريقة الأدبية المعروفة بالرسمية وقراءتها، عادة ما تكون محكمة بأسس القواعد النحوية الموضوعة من قبل اللغويين المتمكنين في مجال صياغاتها، وبتأكيد المناصرين والمؤيدين من خلال وعي تجاربهم المستنبطة والمستقاة من معرفتهم اللغوية باللغة الأم ولغات أخرى. لكون كل عمل تكون بدايته من خلال شخص ما أو أشخاص لهم تجاربهم بشأن ذات الهدف لمادة ما. هكذا تبدو لنا الحال الطبيعية لحياة الإنسان منذ البدء ولحد يومنا دون أي شك.
ومن الجانب الآخر فيما يخص أسلوب التعابير المحكية العامية أو الشعبية في الكلام المنطوق بالطريقة الإعتيادية، لها هي الأخرى عناصرها الخاصة، ومرد ذلك لكون غالبية أبناء الشعب الناطق بلغته الأم لا يكون على معرفة تامة بما يُكتب ويُنشر لإتصافهم بالأمية قراءة وكتابة باللغة الأم رغم تيمنهم بالروح القومية وتبعيتهم تحت راية تسميتها المتعارف عليه. وبطبيعة الحال لهذه السلبيات أسبابها المختلفة التي يدركها كل واع ٍ، التي منها فقدان المدارس الرسمية ووسائل الإعلام المؤثرة وغيرها من السلبيات المؤثرة لوجود أمة ما تتلاعب بها سلطات الدول الحاكمة أو المتنفذة بحكم السياسات المذهبية والعنصرية والمخاصصة، وعلى وفق خاص ومتميز من تدعمهم قوى الدول المسلحة بطمع ونهم أهداف المصالح الخاصة والعامة دولياً.
لهذا أود القول هنا، بأن لغتنا الآشورية وبكافة تسمياتها تتحلى وتتصف بالثراء، وإن لم تكن متميزة بذلك الثراء لما كان بإستطاعتنا أن نحافظ عليها لحد يومنا هذا بإسلوب المحادثة والقراءة والكتابة أو التدوين نوعاً ما ، بالرغم من محدودية القسم الثاني مما أشرنا إليه آنفاً.
على ضوء ما نوهت عنه وذكرت أعلاه عن اللغة الأدبية واللغة المحكية، ينبغي أن نستنبط مفارقة بين اللغتين المتداولتين الكلاسيكية والمستحدثة أي التقليدية والمعاصرة التي هي بمستوى المحكية في الكتابة وذلك بدافع سببين رئيسيين هما:
1.   المفارقة بين قواعد اللغة الكلاسيكية والقواعد المستحدثة عن نبع التقليدية مع بعض التغييرات في التهجئة واللفظ.
2.   أسلوب التعابير بالمفردات الغامضة والثقيلة على مسمع ووعي السامع والقارئ.

ومن خلال تحليل تلك النقطتين نصل لخلق ثلاث مدارس أدبية متفاوتة بناءً لما يلي:

ا. مدرسة اللغة الأدبية الكلاسيكية المحصورة في الهياكل الكنسية ووعي بعض الأدباء والمهتمين إضافة على المستوى الأكاديمي للمعاهد والجامعات التي تعترف بتلك اللغة الأدبية.
ب. مدرسة اللغة الأدبية المزدوجة أي المطعمة بالمفردات الكلاسيكية والمستحدثة في اللغة المحكية بهدف تعبئة الفراغ مما هو في اللغة الكلاسيكية عوضاً عن إستدانة وإستعمال مفردات متعارف عليها في لغات أخرى.
ج. مدرسة اللغة الأدبية المعاصرة المبنية على صيغ ومعايير اللغة المحكية والمستعارة التي فرضت موقعها في المحادثة بحكم الجوار وعوامل الهجرة والإغتراب وغيرها من الأسباب.
إن هذه المدارس الثلاث، فيما إذا قارنا بينها نجد فرقاً واسعاً بين من يعتمدها من الكتاب والإدباء والقراء، وخاصة لدى الذين ينشرون نتاجاتهم في المجلات سواء  في الوطن الأم أو ديار الهجرة، وكذلك على صفحات الإنترنيت ووسائل الإعلام الأخرى السمعية والبصرية، رغم أن أهداف كل واحد منهم هي خدمة اللغة وفق إمكاناته ومداركه وخلفيته الثقافية والتعليمية.
كما وأنه لا يخفى بأن اللغة الكلاسيكية لغة بالغة الثراء، ولكن ما هو عدد وحصيلة مدركيها ومن يتفهمها بشكل مقنع؟ أترك الجواب لكم.
وإن كانت اللغة الثانية المزدوجة بالمفردات الكلاسيكية والمعاصرة أي المستحدثة يجدون صعوبة في تعلمها وفهمها، ماذا يمكننا القول عن الكلاسيكية؟!
سؤالي هنا أتقدم به لأولئك الذين يُدلهموا أنفسهم ويقمطوها باللغة التي نصفها بالقديمة، فما هو عدد قرائها؟ دعهم هم يجيبون بأنفسهم.
إن كان تساؤلي هنا من العجب، فماذا يمكننا القول عن مارتن لوثر الألماني (1483 ـ 1546) ( الذي غَيّر اللغة اللاتينية للكتاب المقدس إلى لهجة اللغة المحكية العامية؟! حيث عمل تأثيراً كبيراً بمثابة ثورة ثقافية ولغوية استطالت اللغة الإنكليزية مع خلق وإنبثاق لغات مستعملة في الدول الأوربية بدلاً من اللغة اللاتينية المألوفة بالمقدسة إلى القرن السابع عشر. وبمثيلها في اللغة اليونانية التي نبعت واستحدثت باللغة المعاصرة المستعملة حالياً.
وكذلك الحال مع اللغة العربية الكلاسيكية المحنطة في قوالب المعلقات التي لم تعد تستعمل من قبل مشاهير الكتاب والشعراء في عصرنا الحالي. ودعوة الكثيرين منهم لتطويرها واستحداثها مع متطلبات العصر التقني لسرعة الفهم وإدراك جوهر المعاني، بحيث أن القسم المعاصر منهم يؤكد بأنها تلهث إلى الزوال، ومن الأولى إستعمال اللغة المحكية النابعة من تشذيب اللهجات المتفاوتة كلغة حية كونها الأكثر فهماً ومرونة لمسار الأدب المعاصر، كما نادى بذلك الكاتب العالمي الشهير جبران خليل جبران (1883 ـ 1931) عن مستقبل اللغة العربية حين أشار في مقالة (لكم لغتكم ولي لغتي) بقوله: (لكم من اللغة العربية ما شئتم، وأي منها ما يُوافق أفكاري وعواطفي)، وكذلك الكاتب المصري سلامة موسى واللبناني أنيس فريحة ويوسف الخال وغيرهم. كما وكان قد نحى منحاهم الأب الآشوري العراقي المرحوم بولص بيداري  (1887 ـ 1974) في كتابه الشهير الموسوم (قنبلة الأب بيداري) لمقارنته بين العربية والسريانية، المطبوع والمنشور عام 1936 في بيروت. إضافة للعديد من رواد الأدب واللغة الذين يجسدون ذات الفكرة. 
ولدى عدد من الكتاب الغربيين أيضاً عن محاور لغتهم المستقبلية تناولوا ذات المنحى من أمثال الأمريكيين الشهيرين عزرا باوند (1885 ـ 1972) وتوماس ت إليوت (1888 ـ 1965) والإنكليزي وليم ييتس (1865 ـ 1939) وغيرهم من الأوربيين بهدف الحداثة وفقاً لإنجازات التطور الزمني بغية بناء حضارة جديدة من خلال الإختراعات والإكتشافات المعاصرة. 
ولكي أكون على يقين من طروحاتي، ليحاول ويثابر القارئ المتمكن من اللغات العربية والإنكليزية والسويدية على مطالعة نصوص ما قبل مائة سنة ويقارنها مع نصوص اليوم ليلاحظ الفارق الذي نعنيه من حيث ما طرأت عليها من تغييرات.
وهنا في سياق موضوعنا (أعني بذلك اللغة الآشورية) تصادف القارئ بعض الأشكال من المفردات والمصطلحات المنحوتة والمشتقة من اللغة القديمة أي الكلاسيكية من جذور اللغة الأكدية الآشورية البابلية مع صفات أخرى التي هي من نبع اللغة الدارجة التي هي من ذات الجذور، لكون البشرية في البدء استعملت رموز مختلفة للفهم والإفهام بواسطة إشارات تجسدها الرموز الصورية وكذلك من خلال الأصوات الرمزية الخاصة والمعبرة التي تؤكد بأن الإنسان استعمل فيما بعد لهجات التعبير الخاصة به شفوياً قبل التدوين الكتابي الذي تمت معرفته على مراحل الزمن بالكتابة الأدبية.
ولهذا ليس من الغرابة أن يتم إعتماد إستعمال اللهجة الآشورية المحكية أو الدارجة النقية كلغة أدبية لإدبنا المعاصر، بالرغم من وجود العديد من اللهجات النابعة من جراء أسباب متفاوتة كظاهرة الجوار والمناطق الجغرافية بتأثير البيئة والمحيط شمالأ وجنوباً إلى جانب ظروف الطبيعة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والمعايشات المناطقية والإقليمية.
ومن ذلك المنظور يعوزنا تشذيب وتصفية تلك اللهجات والتأكيد على لهجة موحدة جامعة وخالية من الألفاظ الصوتية للحروف المستعملة في الكلمات المنطوقة مناطقياً، مثلما نلفظ على سبيل المثال كلمة الدجاجة (كثَيثا) حين نلفظها ( كتَيشا، كتَيسا، كتَيتا، كتَيثا وكثَيتا) وهكذا دواليك مع ما لا يحصى من المفردات من حيث التهجئة واللفظ غير الصحيحين.
من المؤسف حقاً بأن هكذا صعوبات لا تقتصر على المتحدثين فقط، إن كانوا على دراية من التعليم اللغوي أو عكس ذلك، بحيث يلتقي كل متمكن من اللغة بعدد كبير من المفردات بذات الشكل في نصوص التلاميذ المبتدئين، وكذلك الأمر والحالة ذاتها لدى بعض الأدباء والشعراء المعاصرين المعتمدين على الملافنة الذين هم بحاجة للتعلم، من الذين يشمروا عن ساعديهم ويقووا أصابعهم على رسم بعض الحروف والصور الإيضاحية بزخرفة بعض الصفحات على هيئة كتاب تربوي تعليمي لغرض التعليم الصحيح، بينما هم بعيدون كل البعد عن مبادئ النحو والقواعد والعلوم التربوية والنفسية التي هي من أسس عملية التعليم.

الخطأ الآخر الذي يضاعف الصعوبات هو من يجاهد ويثابر الغوص بفخر في يَمّ اللغة ومحاولة وضع قاموس وفق إمكاناته اللغوية المحدودة، بالرغم من إيجابيات العمل وجدواه على إثراء لغتنا ومكتبتنا أينما كنا. وفي الوقت ذاته بأنه عمل يكتنفه من العمل الشاق وقضاء الوقت الطويل والمضني على إتمامه، نرى بأن كل من يجد في نفسه الإمكانية اللغوية على قدر ما، يقدم على حشر تفسيراته بما يرتأيه لغوياً من حيث التهجئة والتصريف والتراكيب بمفارقة متفاوتة، ليعتمد كل من هو بحاجة على القاموس الذي يناسب أفكاره. هذه هي الصورة التي تتراءى لنا في تلك القواميس المستحدثة، ما عدا الكلاسيكية الأكثر صعوبة لأولئك الذين ليست لديهم معرفة كافية بأسسها القواعدية وشروحاتها الغامضة بمنهجية التأليف كما يبدو لنا في تآليف جهابذة اللغة من أمثال المطران توما أودو والمطران أوجين منّا بالخط الشرقي وباللهجة الشرقية ومن قبلهم حسن بن بهلول وجبرائيل قرداحي باللهجة الغربية وما لحقها بلغات أخرى كقاموس سميث وقاموس ماكلين وقاموس لويس كوستاز وقاموس الكسندر اوراهم الذي يعالج مفردات قلما تجدها في مكان آخر كونه جمع ما تداوله أبناء شعبنا في مناطق سكناهم وعلى غرار ما أقدم عليه ماكلين، وبالتالي المعاصرة منها التي عنيناها بتفاوتها الإيضاحي مع تقديرنا لجهودهم. آملاً أن لا تؤخذ ملاحظتي هذه من باب الطعن للبعض منهم، وتمجيد البعض من المحدثين طالما تعددت العشرات وبلغات مختلفة إلى جانب الآشورية ـ السريانية بالحرفين الشرقي والغربي.

مغالطات تفرضها الإرادة الفردية

من المؤسف له حديثاً إن ما رأيناه وعشناه وعانيناه في الوطن الأم في بداية السبعينيات وما تشهد له تدوينات بعض زملائنا من الكتاب فيما يخص ويتعلق بالتسمية اللغوية، أن نجدهم وقد إنجرفوا في تيار آخر بدحض ما آمنوا به ونكرانه بين ليلة وضحاها، بعد أن تواطئوا مع المصالح الشخصية في المؤسسات التي تولوا فيها صفات التسميات البراقة. ولكي أكون أكثر وضوحاً وصراحة ليحاول كل قارئ حريص ومتابع فطن أن يقارن بين تلك كتاباتهم في أيام النضال السلبي وكتاباتهم بما هو عليه اليوم، وخاصة المؤرشفة منها في مجلة " المثقف الآثوري" بقسميها العربي والآشوري ومجلات أخرى كانت تصدر في حينها.

وعلى شاكلة ما ذكرناه تطاول البعض من أكادميينا على خلق تسميات بشكل مصطلحات على المألوف أيضاً من تسمية اللغة الآشورية بمصطلح "السورِت أو السوريث" أي لغة السوريث التي قد تعني باللغة العربية " اللغة عربياً" بدل اللغة العربية. ومن يفقه تنسيبها حين نقول اللغة السورثية أو السورتية.
أنا لا أريد الخوض هنا في جذور تطور اللغة الأكدية البابلية ـ الآشورية وتحويراتها الزمنية المرحلية النحتية المتعاقبة بسبب الشين والسين والثاء والتاء ودوافع النزعات القومية والإثنية والمذهبية لوسع آفاقها بما تولده من مسوغات وتبريرات منطقية وشائكة غير منطقية لحاجة (لغاية) في نفس يعقوب. 
 
والأدهى من كل ذلك أن يَقـْدِمَ البعض بفرض إجتهادات شخصية لما هو مألوف اليوم ومنذ تأسيس أول صحيفة آشورية في العام 1849 بتسميات مغايرة لتسمية (مغلتا إو سبار زونا) التي يُعنى بها المجلة أو الصحيفة أي الجريدة لما اعتاد عليه ابناء شعبنا على تلك التسميات منذ أكثر من قرن ونصف، بإضافة وإستعاضة مصطلح " گلپارا " بحجة تسميتها أكاديمياً. وهنا لا أريد الخوض في معمعة الإشتقاق اللغوي لتلك التسمية الهجينة ، مقارنة  بالعربية التي هي من الساميات وإستعمالها للمنشورات الأكاديمية معنونة بالمجلة الأكاديمية وليس الجورنالية كما في الإنكليزية ولغات أخرى مقاربة.
نحن هنا بصدد التسهيل اللغوي وليس التعقيد بإضافة بديل لما ألف عليه أبناء شعبنا. أما أن يكون المُقتَرَح من أجل رأي  المًقترِح وملاطفة البعض للفكرة إعتباطاً، فهذة مسألة فيها وجهة نظر. ولكي لا يُتّخد موقفي سلباً، أؤيد كل من يرنو ويتبحر في إيجاد ما لم نجده في لغتنا، وأن لا نزيد من ثقل ما ألفناه رسمياً.
وبذات المنحى آخر ما ورد سمعي في الآونة الأخيرة أن ينبري أحدهم في إذعان مخيلته بإصطلاح مفردة "سبيرا" لكلمة الدكتور الأكاديمي المألوفة في كافة لغات العالم، علماً بأن "سبيرا" هي من جذر "سپر وساپر، سَپرا، سپروتا " أي الأدب واشتقاقاتها الأخرى ومنها التي تعني صفة العالم والفاهم والمتبحر وغيرها من المرادفات التي هي صفات لها مثلما في العربية التي تتجاوز العشرات بل المئات لبعص التسميات. ولطالما هي من مصنفات المعنى الأدبي، فما الحال للمتخصص كدكتور في مجال الكيمياء والفيزياء والرياضيات والرياضة وغيرها من العلوم، فهل من الممكن أن ننعته سبيرا الأدب الكيمياوي وغيرها؟ وهناك من لم يتأهل أكاديمياً لنيل حرف الدال (د. أي دكتور) ولكن يعادل بمعرفته المئات منهم. فهل يجوز أن ننعته بذات المصطلح الذي يعنى بذلك صفة حامل شهادة الدكتوراه كأعلى مؤهل جامعي؟. وهل كل الذين يحملون شهادة الدكتوراه ينبغي أن ننعتهم بلقب " سبيرا "؟ والتي من معانيها: الأديب، الخبير، العالم، العلامة، الحكيم، الحاذق، البليغ، الماهر في مجالات متنوعة بدلاً من كلمة دكتور، علماً بأن المؤهلات التخصصية للعديد منهم لا تناسب ولا ترتقي لمفاهيم المعاني المقصودة. مثلما انتشرت عادة نعت غير المتخصصين علمياً في حقل التعليم بلفظة " رابي أو ملپانا "، وكما إتسع مدلولها بالعربية لكل مهنة سواء عن قصد إو غير قصد وعلى وفق خاص في لبنان على سبيل المثال.

ومن الجدير ذكره بأن النبع الذي نعتمده هو ما دونه فطاحلة اللغة بالخط الشرقي من أمثال المطران توما أودو وأوجين منّا وغيرهم في القواميس العصرية ، وعلى شكل متميز ما دبجه أودو بشروحاته باللغة الكلاسيكية (القديمة كما ننعتها) وإشارته لمعنى كلمة " سپيرا وجمعها سپيرِ أي ܣܦܝܼܪܵܐ ܘܣܦܝܼܪܹܐ" التي تعني: (ܝܠܝܼܦܵܐ يليپا: أي المتعلم)، (ܡܕܲܪܫܵܐ مدَرْشا: أي خبير، عالم، أديب وضليع) ، (ܡܲܠܦܵܐ ملپانا: أي معلم، مدرب/ متعلم، متدرب) عكس ( ܗܹܕܝܘܼܛܵܐ هِديوطا: أي أميّ ، ساذج ، أبله) و(ܣܲܟܼܠܵܐ سَخلا أي جاهل، أحمق)، و( ܦܫܝܼܛܵܐ پشيطا: أي بسيط وغيرها من المرادفات) و (ܘܲܒܼܪܝܼܪܵܐ واوريرا أي بريرا بمعنى غبي، جاهل، ساذج، وديع وغيرها) بإعتماده وإستشهاده بمقولة اللغوي الشهير مار عوديشو الصوباوي بمفردتي ( ܠܣܵܦܪܵܐ ܣܦܝܼܪܵܐ لسَپرا سپيرا أي للمعلم البليغ أو الخبير أو الفقيه الصوباوي) حيث قال: (ܡܲܠܦܵܢܵܐ ܣܦܝܼܪܵܐ ملپانا سپبيرا أي المعلم أو الأستاذ البليغ ومرادفاتها. والقلم والعقل واللغة والوعي وغيرها ص 660 قاموس كنز اللغة السريانية وكذلك ص 509 قاموس منّا من حيث المعنى.
ولنفترض بأن إستعمال مصطلح الدكتور الخاص بالدرجة العلمية من الأخطاء الشائعة الإستعمال في لغتنا فماذا نقول عن التعابير العربية حين تتصدر ألواح الأطباء على جدران بنايات مكاتبهم الدكتور فلان ليتبعها طبيب أخصائي في كذا وكذا، علماً بأنه يحمل شهادة البكالوريوس في الطب وليس الدكتوراه. وبما أن كلمة طبيب تعني العلاج وبالإنكليزية (Medical doctor) ولغات أخرى أيضاً فما الضير من إستعمال الدرجة العلمية لحملة (PHD) العليا بذات المعنى. إضافة للكلمة المرادفة (حكيم) التي هي الأخرى يُعنى بها الطبيب إلى جانب العاقل والفيلسوف ودكتور بالإنكليزية ، علماً بأننا نستعملها في لغتنا بذاتين المعنيين.
   
إن كان الأمر أو الموضوع بهذه البساطة السهولة في استنباط واستنتاج مفردات بديلة عوضاً عن المألوفة والمتعارف عليها فلماذا لا نغير كل دخيل متسع الدلالة بعمومية استعماله عالمياً؟ بالرغم من الشروحات المحصورة بين هلالين لكل مصطلح، ومنها على سبيل المثال لا الحصر كالفيلسوف (محب الحكمة) والديمقراطية (حكم الشعب) والكلاسيكية (القديم والنموذجي) ونقيضها (الرومانطيقية)، والتكنولوجية (علم الإداء والتطبيق) والأكاديمية والقائمة تطول، وبالتالي ما شاكلها من المصطلحات التي لها صلة بالدرجات العلمية كحامل وثيقة أو شهادة الدبلوم والبكالوريوس أو الليسانس والماجستير التي ترجمها البعض بتسمية رَبّانا. فلماذا إذن نستصغر هذه التسميات وعدم إيجاد اشتقاقات تصريفية بلغتنا ونتعلق بمفردة واحدة يتوجها حرف الدال (د.) مع نقطة مصغرة؟ هل لكونه يمثل أعلى درجة علمية؟ أم لأسباب رؤى  إجتهادية خاصة للتعقيد اللغوي؟!
وفي خاتمة هذه العلة أتساءل هنا: في حال تسميتنا أو نعتنا لإسم الدكتور بإسم سبيرا، ماذا سننعت البروفيسور.
لذا أود الإشارة هنا بأن ما لنا اليوم في عصرنا الحالي لا زلنا في منتصف الطريق نخطو بخطوات وئيدة في العديد من مجالات الحياة، وما نحن بحاجة إليه تبسيط ما يصادفنا، وليس تعقيده بما لا يستلزم التعقيد.
دعونا ننتشل خيوط الأمية المتفشية فينا أولاً، ومن بعدها نرحل في تغريدنا بما يلزم التغريد. ومن ناحية أخرى من منا نحن الذين نشكل حلقات أدبنا المعاصر في كتاباتنا لم نقع في الشباك التي تقتنص هفواتنا حين يغرد كل واحد على إجتهاد هواه. أين نحن إذن من البساطة والمرونة والإستدراك على تقبل الرأي الصائب من قاعدة الإحترام فيما يقدم عليه كل واحد منا؟! إذن دعونا نعترف وبحس مرهف ومنطقي ونمتثل بمقولة: (ما هكذا تورد الإبل).

وعلى ما يبدو لي من عمق تجاربي وعلاقاتي وإتصالاتي بمن يتنسمون في رياض الأدب أراهم وكل واحد يعصف بما يلفظه يراعه ليتبوأ برجه العاجي شاهراً رمحه ليوجه لمعان ظلاله في عيون من ينظرون بوسع البصر، لتمثلهم بأساليب تلك المكونات الحزبية التي نألف واقعها بشهر سيوفها ضد بعضها وعن كثب بالخفي والعلن.
 
وأحياناً ترى العكس لدن مَن قوي عوده في رياض الأدب وأثمرت نتاجاته، لتجد في بعض مضامينها من الهفوات ما لم تتوقعه، وقد يكون ذلك بدافع السهو أو أن حيرة التصريف لمفردة ما بذات المعنى في ذات الصفحات أي بين صفحة وأخرى تدعه يدونها بطريقتين مختلفتين، فيمد سبابته ليرشدك بما هو الأصح، متغافلاً بأنه هو أيضاً إلتهمت نصوصه ذات الهفوات، ومن جملة ذلك أن يكتب في صفحة (سوف: ܒܹܕ ܘܒܹܬ) و ( تحت : ܬܚܘܼܬ ܘܬܚܘܿܬ ) و (عندها أو حينذاك: ܗܿܝܓܵܗ، ܗܵܝܓܵܗܿ، ܗܵܝܓܵܐ ܘܗܿܝܓܵܗَܐ) و (طبيعة الحال: ܗܲܠܒܲܬ ، ܗܲܠܒܵܬܵܐ ܘܐܲܠܒܲܬܵܐ) و (جيد أو حسِن: ܨܦܵܝ ܘܨܦܵܝܝܼ) و ( شخص: ܦܲܪܨܘܿܦܵܐ ܘܦܲܪܨܘܼܦܵܐ) و (القارئ: ܩܵܪܘܿܝܵܐ ܘܩܲܪܝܵܢܵܐ) وهناك ما لا يحصى على هذه الشاكلة من حيث التهجئة أو الكتابة الإملائية والتصاريف والإشتقاقات، ناهيك عن ما هو من مفردات ومصطلحات لغات أخرى كاللاتينية واليونانية على سبيل المثال لا الحصر، كما أشرنا في مطلع موضوعنا. ونحن هنا لا نُبرئ أنفسنا وننزهها من هذه الإشكالات التي يألفها كتابنا مهما كانت مستوياتهم التعليمية.
وليكن في علم كل واحد منّا بأنه ينبغي قبل كل شئ من ذوي الإهتمام اللغوي إن كانت نظرتهم ولا زالت الإستحداث أن لا يرموا صنارتهم في بحر اللغة إعتباطاً ، أي دون علة أو سبب مقنع لإنشاء وتوليد ما يدور في مخيلتهم فقط، ما لم يميزوا بين عاملي التصريف والإشتقاق بغية الإستحداث والتطوير.
لذا ينبغي معرفة التصريف بأنه علم ومعرفة يبحث تراكيب المفردات من جذور الأفعال والأسماء بزيادة ونقصان الحروف والقلب والإبدال إضافة لأهمية دور إستعمال الحركات.
وأما الإشتقاق، رغم سعة دلالاته، فهو نوع من الإستحداث اللغوي يُعنى به توليد لفظ كلمة من لفظ كلمة أخرى للدلالة المميزة على معنى معين جديد يلائم المعنى الحرفي للمصدر المُعتمد ما لم تتواجد له من المفردات في القاموس اللغوي للغة ما، أو التبسيط في إنتقاء مرادفات تماشي مفاهيم التقدم العلمي والحضاري، وبما يعرف أيضاً بالتماثل اللفظي المگرشن (لفظ كلمة أجنبية بحرف لغة أخرى) كما هو الحال في الكثير من المصطلحات الأجنبية أو الدخيلة على لغة ما، مثلما نكتب نقول: التقنية والإستراتيجية والديموغرافية والبيولوجية والأوتوقراطية واللبرالية والبروليتارية والإنترنيت والكومبيوتر وغيرها في العديد من العلوم.

الخلاصة التي تحتم علينا القول إن عملية الحداثة اللغوية لا تفرض استحداث مفردات هي أصعب مما تألفه عامة الشعب، ولا حشر مفردات هي في غاية الصعوبة على مثقفينا، لكون البعض منها لا مكانة لها في القواميس بدافع الإجتهاد الشخصي المنفرد. فإن كان كل مهتم باللغة الأم وبوازع فردي أن يجد فيما يرتأيه من باب التطور اللغوي فيما يكتبه، فهل تظن بأن ثمة من يعتمده في وسائل الشبكات الإعلامية بما تشمله السمعية والبصرية والكتابية؟! لا أظن ذلك. بسبب محدودية القراء، ومحدودية عدد من يدعموا مؤلفينا باللغة الأم وبنسب ضيئلة جداً، حسب ما تؤكده نتائج إصدارات مؤلفينا التي تركدها الرفوف العالية والسراديب النتنة. لذا فأنه من الواجب أن نوسع دائرة الإثراء اللغوي في المجال الأدبي من خلال ما يناسب الناشئة أولاً وبالتدريج من موضوعات خاصة بالأطفال والشبيبة لخلو أدبنا من هذه الموضوعات المشوقة للإهتمام الأدبي.

( نقلاً عن العدد 18 حزيران 2017 من مجلة " أترا " أي الوطن ص 65 الصادرة في استراليا صوت الحزب الآشوري الديمقراطي).


5

مرثية ومناجاة لروح الشهيد د. إلياس أسحق


ميخائيل ممو

(أن تؤمن وتعترف بصديق بعيد، هو خير لك من قريب مراوغ عنيد، تتلاعب بأحاسيسه غيرة التفنيد. هذا ما استخلصته من واقعة صديق الصدفة الشهيد د. الياس اسحق)

كيف أرثيك
 كيف أبكيك
وكيف أعزي ذويك
يا رفيق درب الصراحة
فأستميحك العذر بلآلئ الفصاحة
يا إلياس
يا من عمذت اسمك
بعطورٍ من أرقى الغِراس
ليشع نورك قدوة النبراس
بحسن خصالك النبيلة السامية
بما إقتنيت من علوم أصيلة عالية
لسنوات طويلة
وبما أسديت من نصح الفضيلة
لأبناء جلدتك من العباد
ولأبناء مجتمعك في أنحاء البلاد
ولكل من عاشرك من الأجناس
من بني الريف والمدن من الناس
من ذوي الإحسان والإحساس
 ***
دعني أناجي روحك بودٍ واحترام
وبكل ما يرويه فيض الكلام
عن فاجعة الخصام
لا الرثاء
لا البكاء
ولا العزاء
يجدي نفعاً
رغم كل آثار المحن
بعد ذلك الرحيل العليل
الذي حقاً ما له مثيل
بإختفاء سِر ولُغز الدليل
في العصر الذي ابتلاه مبدأ التنكيل
لنقُلْ وآسفاه
ليتك طاوعت
رأي أخيك ورأينا
بما ارتآه وارتأينا
بفكرة الرحيل البديل
لكنت حقاً قد تجاوزت
معضلة الجريمة النكراء
وحيرة التأويل
على يد من ارتضى
واقتدى
بفعل ما أقدم عليه شبيه قابيل
بخيانة ٍ
وبغدر أخيه هابيل
فأمسى عصرنا عصر مخيف
يدور في دهاليز صراع عنيف
لا يُؤتمن فيه
لا القريب، لا البعيد
لا ولا حتى العفيف
***
الذكريات
تؤرقني من أول لقاء
يوم أبديت لي حُسْن الإداء
مُستقبلاً إيايَ
ببالغ الإمتنان والوفاء
في ميناء إيستاد
إلى مدينة بوزنان
قضيناها بالصبر والسلوان
بتوصية مرشدك النبيل
ابن عبد الله ميخائيل

لتكون لي الدليل
بإقتفاء الدرب الطويل
فكنت حقاً نِعمَ الخليل
ليمتد اللقاء فيما بعد
بالسهر والسمر
مليئاً بالأحاديث والفِكَر
دون ضجر
إسبوعاً قضيناه معاً
تُؤطره وتُعطّره
ألحان أنغام الشجن
وكأن تلك الأيام الغابرة
لحظات عابرة
لا تعاد بالميعاد
رغم البعاد
إلا بعد فترة
إكتواها عمر الزمن
أنا في الشتات
وأنت بديار الوطن.
طالت الأيام
وطال الإنتظار
فأعقبتها السنون
وشدّ بنا الحنين الدفين
أن نعيد اللقاء المرتقب
عن كثب
بما أوحاه شوق الطلب
في ربوع قرى الخابور

بإعادة أيام ٍ طوتها
ظاهرة فترة النسيان.
وأخيراً استجاب القدر
بما قد أمر
لنزيح عنّا أفكار الضجر
بدلالة ذكرى الصُّوَر
مجبراً إياي أن نكون معاً
في عقر داركم
بصحبة أخ جديد
ألفناه باسم فهد الوديد
   
ببواكير أحاسيس شعر فريد
وبكل امتنان
قضينا
سهرتنا الساحرة
بأحاديث مؤنسة نادرة
وفي ظهيرة يومنا التالي
استضافتنا
مياه رأس العين النابعة
الناصعة الشافعة النافعة
لنقضي وقتاً ممتعاً

أزحنا فيها الكروب
وقبل أن يهجم علينا الغروب
لبينا نداء الأحبة بكل إعتذار
من كانوا في أمل الإنتظار
في مقصف سيروب القريب
بمرجه الفتان من الأفنان
ومن ضَمّنا بأجمل الترحيب
فآنستنا صدى الألحان
بصوت إبن هومه المطرب الفنان
فلَعَنّا لظى النسيان
بتمجيد ما توحيه الصِدَف
لنيل الهدف

عن خوالي السنين
وبأحلى ما دونه التاريخ
من جديد
بفرحة يوم نوسرديل المجيد
لنا المعين بالأمر اليقين
***

نصائحك
لا زالت عابقة
على جدران الفكر عالقة
لا يطويها الرحيل ولا الحداد
مؤطرة في عمق حنايا الفؤاد
لا يبددها النسيان أبداً
طالما نحن معاً
بالصور الصادقة
زاهية الألوان مع الخلّان
بتعاليق الفرح
وتلك أحاديث المرح
وفاءً لحنانك بوحي الضمير
لقوة إرادتك كالقمر المنير
لصدق كلامك بأصدق التعبير
لوسع مداركك بطابع التنوير
بصفاء نيتك كمرشد خبير
ولكل ما احتواه وعيك في المسير
بدلالة ما تبوأت
من مناصب عالية
بين دير الزور وحلب الشهباء
والحسكة الباكية

لتكون الأخيرة
دالتك المنشودة
وأنت تخاطبني
بين الحين والآخر
بتساؤلات
ما الحل؟!
ما العمل؟!
أهم ما يهمني
إنقاذ ولديّ
فلذات كبدي
من الظروف القاهرة
بلعنة أيدي البرابرة الغادرة
فطال جواب الإنتظار
وإختفى منك القرار
لردك الحتمي
وإذا بك تقرر البقاء
ليحتم عليك الجفاء
في الخفاء
بما لم ينتظره القدر
لا ولا حتى الأنبياء
وبمن قدسته
وعرفته
من أقرب المقربين
الذي لا زال قلبه
يعصره الألم
وينهك خلاياه الندم
ليعيش حياة العدم
ممزوجة بدواهي السأم
دون أن يفصح
بحقيقة ما اقترف وفعل
بما تراءى له وانتحل
ومن غير أمل
فحتام سيبقى
سر الجريمة النكراء
يطويها الخفاء؟!
ليعيش أبناء الرعية
في تأويلات
غير مُرْضية،
وحتام سيعيش
المقربون يحلمون
ليل نهار
بأبشع ما احتوته
وأخفته
هكذا جريمة وقضية؟!
***
وفي خاتمة المطاف
روحك تجلت بأجمل الأوصاف والإنصاف
يا من آمنت بالحرية والسلام
فأنت الشهيد، شهيد الوئام

نَمْ قرير العين
في مثواك الأخير
فأنت باقٍ في قلوبنا
لنلقاك في يوم المصير

فالحزن عليك كبير
وها أنت تعانق اليوم
 في أول لقاء لنا
 روح زميلنا ماتييف الخبير
يوم التقيناه معاً بأصدق التعبير
وأسفاه عليك
بما يذرفه اليراع من لوعة التحبير.


8
كيف بي أن أواسيك وجرحنا لم يندمل؟!



ميخائيل ممو

أخي فهد.. أجل، الفاجعة كبيرة على نفوسنا، وبالرغم من كبرها فهي مريرة وأليمة وقاسية.. أن تثمن قيمة إنسان كافح وناضل وخدم الإنسانية وبلغ الغاية في جهده لتطاله رصاصة غدر قذرة في الرأس من يد أقذر وأوسخ أناس عرفتهم البشرية في عصر العلم والمعرفة، جريمة كبرى من أنذل وأبشع ما يدونه التاريخ. لكن شرف الشهادة أرقى وأقدس وسام يُقلد به الشهيد.
وبالرغم من المصاب الجلل بهذا الأجل الذي لم يخطر على بال أحدٍ فإن الفاجعة لا تقل شأناً وهولاً عن تلك التي ألمّت بشهداء الخابور في محنتهم الكبرى في الوقت الذي شدّ المرحوم الفقيد من عزمه في البقاء على تلك الأرض التي ترعرع فيها وعاش بين ربوعها بإرادة صميمية تمسكاً بأقدس مقدساته المتمثلة بإقدامه على الإعتزاز بتربة الوطن وخدمته والتنسم بنسماته بإيمان لا شك فيه بوجوده القومي والوطني غير آبهٍ للمصائب والمصاعب وهو في قمة إبداعاته التي يشهد لها فكره الثاقب وطموحه الدائم بما كان يمليه على طلابه الجامعيين ولأبناء جلدته، وبما كان قد ورثه أيام دراسته الأكاديمية والزميلين د. ميخائيل عبدالله ود. جبرائيل شيعا بجامعة بوزنان في بولونيا منذ عام 1986 لغاية 1992، أثناء مراحله الدراسية العليا وهو يسعى بحرص شديد على تحقيق ما راوده من أحلام بتسنمه درجة الدكتوراه في العلوم الزراعية، وما إستنتجه من دراسته بإكتشافه نوعين من الأمراض التي تصيب المحاصيل الحقلية التي أهلته للعالمية بتسجيل مكتشفه في المجمع العالمي البريطاني إضافة لمكافأته بمنحه جنسية المواطنة البولونية وجواز السفر البولوني تقديراً لجهوده.
إن المحصلة العلمية التي نالها في مجال إختصاصه كان أساسها بالدرجة الأولى ربوع الخابور بتلك مزارعها ومحاصيلها الزراعية التي إنطبعت في مخيلته وأوحت له بالدرجة الثانية أن يلتحق بكلية الزراعة في جامعة حلب (1979 ـ 1983) ليتخرج بدرجة علمية أهلته ليكون معيداً في ذات الجامعة، ومن ثم بعد ثلاث سنوات من خدماته الوظيفية بما فيها الجامعية والعسكرية تم ترشيحه بمرسوم جمهوري من الحكومة السورية لإتمام دراسته وإيفاده إلى جمهورية بولونيا، ليعود ثانية عام 1992 إلى الوطن متسلحاً بأعلى درجة علمية في مجال إختصاصه أهلته ليتبوأ مكانة عالية في ذات الجامعة التي إنتهل من علومها، مستدرجاً خدماته الوظيفية في كلية الزراعة بجامعة حلب، حيث شغل منصب أستاذ مساعد بكلية دير الزور وكليتي الزراعة والتربية في الحسكة من جامعة الفرات إضافة لتوليه عمادة كلية الهندسة الزراعية سابقاً.
الناس الطيبون من ذوي العقل الفذّ والنّير عادة ما تخزنهم الذاكرة على جدران الفكر بوعي دائم.
هذا ما دعاني أن أحتفظ بتلك الذاكرة لحد تدويني هذه الكلمات من جراء ملاقاة الفقيد د. إلياس إسحق لأول مرة مطلع عام 1988 بتجشمه عناء السفر لإستقبالي من محطة وصولي الحدود البولونية دون أية معرفة سابقة به، بغية مساعدتي للمشاركة في مؤتمر الإتنولوجيين البولونيين عن التقاليد والتغييرات في الحياة القروية للأقليات القومية في دول العالم الثالث بجامعة بوزنان. ولمدة إسبوع كنا قد قضينا أجمل أيام من العمر غمرتها بشائر الفرح والسرور بمزحه ونكاته، وإمتداد ذلك المعشر فيما بعد من خلال عدة لقاءات أثناء زياراتي لربوع قرى الخابور التي كان آخرها مثل هذا اليوم الذي أدون كلمتي المصادِف لعيد نوسرديل أي عيد الرشاش حين قضينا يومنا الممتع في مقصف سيروب ورأس العين قبل الأحداث الإرهابية الدامية.
فما أحزنها وأشدها كرباً اللحظة التي غشي بصري بنبأ إغتيال الأخ الراحل إلياس ليغمرني الحزن الأليم مباشرة وبإحساس قوي من الفعل الذي يندى له الجبين بما يقدم عليه الجبناء بقلوبهم الخاوية من الرحمة وبتلك مواقفهم الإنتهازية ليثبتوا بأنهم لا زالوا أحفاد أولئك الذين لوثوا التاريخ بأفكارهم النتنة وبمواقفهم الشريرة دعاة الغش والكذب بديمقراطية اللاديمقراطية ومناداتهم بعدالة اللاعدالة، بدلالة دعوة الخيانة المبيتة التي استضافت ثلاثة من الأبطال الآشوريين بإستهدافهم ونجاة أحدهم بقدرة قادر وإستشهاد الأثنين الآخرين بإياد آثمة كشفت مآربهم السلطات الحكومية.
ليس لي في خاتمة هذه العبارات إلا أن أنقل ما عرفته عن الفقيد وعن كثب بأنه كان لطيف المعشر، وديع النفس، سامي الخلق، نقي القلب، مرهف الإحساس..
رغم كل هذه الصفات التي كان يجسدها وجهه الباسم وملاطفاته المؤطرة بصدق الكلمة وقهقهاته الممزوجة بالبراءة التي تُعد من المآثر الحميدة بحيث لن يدع الزمن مهما طال أمده أن يسدل عليها ستائر النسيان بين من عرفه وجالسه، وعلى وفق خاص في تلك صيدليته الزراعية التي قدّمت أجلى الخدمات لأبناء الخابور والغرباء من المزارعين.
وفي آخر المطاف لا يسعنا إلا أن نعزي أنفسنا أولاً على هذا الرحيل والفقدان القاسي، ونعزي الأخ فهد شقيقه وشريكة حياته وولديه وكل المقربين له.
وها نحن نخاطب روحك الطاهرة ستبقى ذكراك في قلوبنا رغم استشهادك بدلالة من نعوك وأمطروك بشآبيب رحمته بتلك أقلامهم الشريفة الصادقة من المؤسسات الحكومية الجامعية العلمية والأدبية والثقافية والسياسية وكل من عرفك من قريب وبعيد عرفاناً بمودتك وطيبتك ومآثرك. وستبقى تلك الأيادي التي خطفتك وأردتك شهيداً في اليوم الثالث دون أية مساومة ملطخة بدمائك الزكية يؤنبها الضمير طيلة حياتهم إن كانت لهم ضمائر، ولكن مشيئة الله ستشعرهم بأنهم غارقون في بحر من الظلمات مهما سعوا في الغفران عن آثامهم وأفعالهم الشنيعة.
دعني أيها الزميل الراحل أن أنثر على مثواك الأخير فحوى مفردات البيتين التاليين عوضاً عن تلك الزهور التي تزين ثراك الطاهر.

أرثيك للـفضل الذي أسديـته   للـناس من علم ومن إرشادِ
أرثيك للصلة القديمة والذي   مـا بـيـنـنا مـن ألـفـة وودادِ

نَمْ قرير العين في مثواك الأبدي وأن يتغمدك الباري عز وجلّ برحمته الواسعة ويسكنك فسيح جناته مع الشهداء الأبرار، ويلهم ذويك الصبر والسلوان.

11
إتحاد الأندية الآشورية في السويد وإشكالات المؤتمر العام

بقلم: ميخائيل ممو


الإتحاد كلمة مقدسة.. نعم الإتحاد كلمة مقدسة ، والإيمان بتقديس مفاهيم تلك الكلمة يحقق الإنسان ما يصبو إليه إلى العُلى وشرف العمل. ولكن حين يحيد الإنسان عن مفهوم تلك الكلمة لأسباب تفرضها عليه المنافع الشخصية يكون شبيهاً بذلك الثعلب المراوغ بجلبابه البشري لإقناع من هم حوله من ضعفاء النفوس بلقمة ما لإشباع بخلهم، أو بكأس من الماء لإرواء عطشهم ومقتضياتهم الذاتية.

ومن ناحية أخرى وكما يُقال بأنه في الإتحاد قوة. حقيقة مُثلى لا يمكن نكرانها، حتى من الذين لا يفقهون فحوى صياغتها من الأميين قراءة وكتابة، ولكن متى ما يمتثل بها من له ذرة من الفهم والعقلانية تجده بمطامعه الشخصية ومصالحه المبيتة يكون قد تغافل عنها ليستجمع أعداد الضعفاء على تحقيق مآربه بقوة ضعفهم مقابل من هم ضد ما يؤمن به ليتمكن من فرض السيطرة في المجال الذي يعمل فيه.

فإن سألتني لماذا كل هذا الهذيان المنطقي ـ دعني أنعته بالهذيان ـ لكوني لاحظت بأم عيني وعلى مقربة مثل تلك السلبيات في مجتمعنا المتناثر في دول الشتات، وعلى وفق خاص ومتميز في بلدان الإغتراب التي تدعم جمعياتنا في مناطق تواجد تجمعاتنا السكانية ناهيك عما هو في الوطن الأم. على سبيل المثال ماذا تنتظر من إنسان نفعي ، وبالآحرى من مجموعة على شاكلته حين تضطر به ظروف الحاجة أن يسيل لعابه بإستشارتك وطلب معونتك في حاجة تبرر مواقفه السلبية بغية الدعم والإسناد؟ وبالتالي يدير ظهره عنك في الوقت الذي تكشف حقيقته. أليس هذه خيانة لا يمكن التغاضي عنها؟! أليس هذا التصرف من الذين يثبتون بمعرفتهم  وفي قرارة نفسهم بأنهم يجرمون على أنفسهم؟! أليس هذا الإعتقاد طبيعة يتحلى بها مرضى النفوس ولا ثقة لهم بأنفسهم؟! ألا تظن ـ عزيزي القارئ ـ بأن أمثال هكذا أشخاص مصابون بداء النقص؟! أظنك حتماً تتفق معي ما أنا ذاهب إليه، وحتماً لك ما تضيف إليه إن كنت حقاً ممن عايشت هكذا نوعية من البشر، وأخص بالذات في مجتمعنا الآشوري وبكافة تسميات مكونات.
ولكي أقشر البيضة من شكل تكوينها البيضوي الملون كألوان عيد الفصح الذي لا يل عنهم، أود الإشارة إلى هيئة إتحاد الأندية الآشورية في السويد في مؤتمره المنعقد بتاريخ 26 آذار 2017 بمدينة نورشوبينغ أن يتخذ قراراً بعقد المؤتمر في أحد أقدم الأندية الآشورية في نورشوبينغ، ويعلن عن ذلك في كتبه الرسمية المرسلة للأندية عن طريق البريد الألكتروني البالغ عددها 26 جمعية تحت مظلة الإتحاد. وبالتالي فجأة ولأسباب مجهولة ومخفية، غير منطقية وعقلانية وبشكل مباغت يغير قراره لعقد المؤتمر في فندق تعادل مصاريفه إعالة ما يزيد عن عشرين عائلة مهاجرة مع تكليف مراقبين مؤجرين لساعات معدودات بغية الحفاظ على الأمن (حسب الإدعاء) وكأنما نحن في حرب ضد بعضنا. وهذا ما لم يحصل على مدى يزيد عن أكثر من ثلاثين عاماً في مؤتمرات إتحاد الأندية الدورية منذ تاسيسه، علماً بأن إقامته في النادي الآشوري دون أية تكاليف أي مجاناً وبتوفير كافة الخدمات بدليل دةورته الإنتخابية السابقة على إقامته في نادي بابيلون الآشوري بمدينة يونشوبينغ.

النقطة الثانية والملاحظة الأهم أن تتصرف هيئة إدارة الإتحاد بتخفيض نسبة عدد الممثلين لنواديهم لمن لهم حق المشاركة في المؤتمر وفق عدد الأعضاء المسجلين رسمياً، وذلك بغية ضمان ما تضمره الهيئة في حال التصويت لمعرفتهم بأن عدد المعارضين لأخطائهم في قرارات المؤتمر سيكون أعلى من أصواتهم ، مما جعل بعض الأندية أن تحتج بشكل مباشر على المغالطات والتجاوزات على حق تلك الأندية، إضافة لذلك إنهاء تمثيل ممثلي ناديين وتحريمهم من المشاركة لمواقفهم الصريحة.

النقطة الثالثة: الإسلوب التهجمي والإستهجاني أثناء إنعقاد المؤتمر من قبل رئيس الإتحاد الذي جعل نادي تبرو أن ينسحب مباشرة منذ البدء رغم تمثيله رسمياً بإثنين من الأعضاء في المؤتمر. إضافة لإشكال حصل سهواً مع أقدم وأول نادٍ آشوري في السويد.

النقطة الرابعة: مماطلة هيئة الإتحاد متمثلة برئيسها المتزمت في عدم الإستجابة والتفاهم مع أكثر من 12 جمعية وقعت رسميأً على تصرفات رئيس هيئىة الإتحاد. مما إضطر ممثلو تلك الأندية الإنسحاب من المؤتمر لدى التصويت على أخطائهم بمشاركة ناديين والتي كانت نتائجها 22 صوتاً للهيئة  مقابل 21 للأندية المعارضة لسياسة الإتحاد. علماً بأنه هناك ما يزيد عن ثلاثة أندية معارضة لم يقبل دخولهم في التصويت لأسباب تكتيكية. وكذلك لناديين من المعارضين لم يحضرا لأسباب خاصة خارج نطاق إرادتهم وعدم قناعتهم بالإضافة إلى نادي تبرو الذي ترك القاعة وفق النقطة الثالثة. فإن كان نادي تبرو باقياً لكانت النتائج في صالح المعارضة وفق قرار الهيئة العامة.

النقطة الخامسة: وفق علمنا بأن المدققين هم أعلى سلطة في تبرءة الهيئة من مسؤولياتهم، وبما أن موقف المدقق السيد رمسن ياقو لم يكن على قناعة بالحسابات التي تم تبذيرها فقد رفض تأييد ما تم إظهاره وكشفه عن هيئة الإتحاد، ودارت بين الهيئة  ورمسن مكاتبة طويلة بذلك الشأن. ولا أعلم هنا كيف تم تبرءة الهيئة من خلاصة الحسابات التي تعد بما لا تحصى من الصرفيات. ثم كيف يمكن الإعتماد على شخص واحد وهو السيد سركون وكذلك خلو التبرئة من بعض التواقيع لمسؤولين آخرين.

النقطة السادسة: المعروف بأنه من واجب ومسؤوليات رئيس الإتحاد أن يجيب على تساؤلات واستفسارات ومكالمات أعضاء الأندية، ولكن تحسست بأن من عليه صبغة المعارضة وكشف الحقائق يتغافل مكالمته الهاتفية ليغيض الطرف عنه عمّا في جعبته. رغم ارسال التسجيلات الصوتية الندائية لأكثر من خمسة نداءات، ليجيب بالتالي بعبارة " أكتب ما لديك" ولا أريد أن أخوض أكثر في هذه المعمعة، ولكن سأقول: ماذا نتوقع من هكذا مسؤول إن لم يعرف معنى الإحترام والتقدير؟! وفي أية درجة من الأخلاق نضعها؟! علماً بأنه يشغل منصب مكتب الإتحاد كموظف براتب شهري ورئيساً للإتحاد أيضاً ورب العمل، إضافة لموظف أو موظفين في الإتحاد يحيلان الأسئلة بأنها من مهمات الرئيس، ولكن دون إجابة مباشرة من قبله.

النقطة السابعة: تساؤلي هنا، ما معنى أن يتزمت رئيس الإتحاد ويلتزم برأيه للحفاظ على تواجده في هيئة الإتحاد ما لم تكن هناك من مصلحة شخصية أو نواقص وتجاوزات كما كشفها المدقق رمسن ياقو، وتم تزويد كافة الأندية بملاحظاته المطولة في العديد من الصفحات.

النقطة الثامنة: أنا لا أعلم كيف يمكن لرئيس هيئة الإتحاد كعمل طوعي ويتولى درجة وظيفية فيه براتب شهري محترم وكرب العمل في ذات الوقت. عايشت الإتحاد منذ تاسيسه وتوليت مهام نائب الرئيس ورئيس تحرير مجلة حويودو لعدة سنوات ولم نتقاضى لا أنا ولا الرئيس أي قرش ما عدا الذين كانوا قد شغلوا درجة موظفين أو مستخدمين في مكتب الإتحاد بشكل رسمي بعد موافقة كافة أعضاء هيئة الإتحاد بالإجماع. أما أن يتم استغلال قوة الضعفاء فهذه مسألة فيها وجهة نظر.

النقطة التاسعة: إن ما إكتشفته من رئيس الإتحاد حين يكون في مأزق مع نادٍ / جمعية ما من نوادينا يتصدى له، وخاصة من الناطقين باللهجة الشرقية، عادة ما يتولى مكالمتي هاتفياً للتدخل بغية حل المشكلة أو سوء التفاهم. ولكن بعد أن بلغ السيل الزبى في موقفي من أخطائه إنقلبت الآية، وذلك على آثر توقيعي بتصرفاته الخاطئة مع أكثر من 12 جمعية في إحتجاجها على تصرفاته الشخصية.

النقطة العاشرة: حينما علم بذلك ، باغتني في يوم ما بمكالمتي وزيارتي في بيتي لأسحب توقيعي من مجموعة المعارضين لمواقفه السلبية. بعد محادثة كشفت له عن تصرفاته الخاطئة ما بين الإعتراف ببعضها ونكران القسم منها، ولا أريد هنا أن أكشف كل ما دار سوى واحدة منها عن إقدامه على تنظيم الكونفيشن الأوربي الذي رفضه بعد محادثة لأكثر من عام، وعدم موافقته على الإتيان به لكون الفكرة كانت من نادينا بالإتفاق مع أربعة أندية أوربية وأندية المنطقة الوسطى والجنوبية في السويد، حيث تم إقتباس الفكرة وتنفيذها بأهوائه الشخصية دون أن نعلم بما أقدم عليه، وتم تسميته الكونفيشن الأول، علماً بأنه كان قد شارك هو شخصياً وبإسم إتحاد الأندية الآشورية في السويد، وذلك في الكونفيشن الأول في لندن (الموضوع له تفرعات أخرى ولكن أكتفي بهذا القدر).

النقطة الحادية عشر: تساؤلي هنا ، هل أن الكونفيشن الأوربي للأندية الآشورية يقتصر فقط على السويد وألمانيا ونصف هولندا ( النصف الآخر أعني به من كانوا السبب في إقامة الكونفيشن الأول في لندن ولم يتم إعلامهم عن ذلك أو إستدعائهم) ليتساءلوا مني فيما بعد  بإستغراب عن تلك التصرفات.

النقطة الثانية عشر: تساؤلي هنا، هل أن الإتحادات شئ (ألمانيا والسويد ونصف هولندا شئ ، ونوادينا التي ليس فيها إتحادات في دولهم شئ آخر؟  وبشكل خاص الدنمرك والنرويج  وفنلندا وأثينا وروسيا وأرمينيا ووو). أتساءل هنا ماذا يُعنى بذلك؟! أليس من حق تلك الجمعيات الآشورية من المشاركة في ذلك الكونفيشن كجمعيات آشورية.
ومن ثم أيهما الأقرب والأولى في ذلك تلك النوادي أم شخصيات إنفرادية من أمريكا وكندا ولندن لا علاقة لهم حتى بأندية دولهم وليسوا أعضاء فيها. والأدهى من ذلك أيهما الأولى تلك الشخصيات المستضافة رسمياً (لأسباب شخصية) أو الذين يناضلون على أرض الوطن الأم بلاد ما بين النهرين بتواجد أحد قادة الحركة الديمقراطية الآشورية الذي لم تعطى له الفرصة للحديث على أقل ما يمكن بخمس دقائق رغم تواجده وتأخره في الحضور يوم الإفتتاحية لأسباب خارج إرادته.

النقطة الثالثة عشر: هل من المنطق أن يتصل رئيس الإتحاد بأعضاء الهيئات الإدارية للأندية بغية التأكد عن مواقفهم من أخطاء الإتحاد ، وفيما إذا كانوا على ذات الرأي الموقع من قبل رئيس النادي أو السكرتير. أليس هذا التصرف نوعاً من التجسس بما يتعارض والنظام الداخلي للإتحاد والأندية أيضاً؟!

النقطة الرابعة عشر: ليس بإستطاعة هيئة الإتحاد أن تجبر الأندية عن إرسال المعلومات الكاملة عن كل الأعضاء من مسددي اشتراكات العضوية في نواديهم، وبالإمكان الإكتفاء بالأسماء، وفي حال عدم تنفيذ الطلب بإمكان الإتحاد زيارة الأندية والتأكد من ذلك في سجلاتهم. علماً بأن العديد من الأعضاء لا يملأوا استمارات العضوية بكافة المعلومات لأسباب خاصة. 


وهنا في الخاتمة دعني عزيزي القارئ أكتفي بهدا القدر معتمداَ تلك النقاط التي هي أكثر من ذلك، ومن لم يستعب مضامينها سأضطر لتجاوز ما نوهت عنه في أي إستفسار أو أي تساؤل منطقي لخدمة مجتمعنا ونوادينا ومؤسساتنا التي لا زالت تجهل الحقائق وتتغاضى عنها. وهنا لا أستثني مناداة أحزابنا وكنائسنا ونوادينا التي لا تقل شأناً من تلك الإشكالات في دول المهجر وحتى في الوطن الأم، بغية أن يعودوا لرشدهم ويعترفوا بما هو في الصالح العام لتحقيق مفهوم ما بدأنا به بأن في الإتحاد قوة.  وأن لا تدع جانباً أية مجموعة مهيمنة على دفة الأمور مقولة ( الإعتراف بالخطأ فضيلة ) ومن دون الإعتراف هو تشتيت مفهوم الوحدة ونخر جسد الإئتلاف لنعيش حالة الضعف دوماً. وسبحان الذي لا يخطأ. وأن لا تتخذ كلمتي هذه من باب الإستهجان والتشهير طالما إعتمدت فيها نور الحقيقة في كل ما ذهبت إليه وعن كثب وواقع عايشناه وألفناه.
وفي نهاية المطاف أسترجي من الطرفين أي من مسؤولي الأندية المعارضة الذين انسحبوا من المؤتمر ومن مسؤولي الأندية المتبقية أن يتفهموا  واقعنا المضني الذي يشتتنا، وأن يَعْمدوا إلى إيجاد حل من حالة التشرذم كحال تعدد أحزابنا وإنقسام كنائسنا ، فالطاولة المستديرة والإعتراف بالتنازلات من الطرفين هي السبيل الوحيد لحل الأزمة قبل تفاقمها، وكذلك ـ لا بأس ـ من فرض شروط منطقية من الطرفين هي أيضاً ـ نوعاً ما ـ من الممهدات للخروج من المهاترات اللامجدية.
إن كنا حقاً من المؤمنين بمفهوم كلمة الوحدة القومية والتآلف، عندها يبدو الصالح من الطالح ، وتنكشف نوايا المصلحة العامة من المصالح الخاصة.
وبرجائي هذا إن لم نتوصل لأية نتيجة نكون بمثابة من يقول لنا: أصلحوا أنفسكم أولاً  وإتفقوا ليمكننا دعمكم وإسنادكم في مطالبكم، وإلا سنظل موضع شك وحيرة بنظر السلطات التي تمد يد العون لواقعنا المتردي الذي نعيشه في الوطن الأم وديار الشتات. وذلك كما حصل لبعض المؤسسات التي عاشت ذات المعمعة وخسر الطرفان المتنازعان لأسباب شخصية. فدعونا نتخذ تجربة من تلك السلبيات.


12
من يعتمد الماضي يعيش الحاضر
الأديب أوراهم يلدا نموذجاً 

بقلم: ميخائيل ممو.
شباب في عمر الزهور، جرفتهم مشاعرهم بأن يمتثلوا ويقتفوا درب من أبدعوا في حياتهم، وعلى وفق خاص أولئك الأدباء الذين كانت تملى علينا مسيرة حياتهم وإبداعاتهم الأدبية والشعرية وأفكارهم الفلسفية في مراحل الدراسة المتوسطة وبالتالي الأكثر شأناً في مرحلة الدراسة الثانوية وعلى وجه الخصوص أدباء المهجر، ومن ثم من كانت تترجم أعمالهم إلى العربية من أشهر الأدباء الأجانب. فباتت جذور تلك المرحلة تتفرع رويداً رويدا في أعماق نفوسنا لتشد من إهتماماتنا الأدبية، ومن ثم التأثر والإمتثال بما طرحوه من أفكار في تآليفهم لينطلق كل واحد في تصميم مسار حياته بمحاولات كتابية منفردة جمعتها فكرة إصدارات النشرات المدرسية التي كانت دافعاً لإلتقاء مجموعة من الطلبة في المرحلة الأخيرة من حياتهم الدراسية التي قربتهم من بعضهم وجعلتهم يرتأوا تكوين حلقة أدبية إسبوعية في مقهى منزو ٍ يبعد الشك عن أعين المتلبسين بالخفي في منطقة مدنية لحي عسكري معروف بمعسكر الحبانية، وعلى شكل خاص الفترة الأولى لإستلام البعثيين مقاليد السلطة. حيث كنا في تلك الفترة بعد دراسة مستفيضة قد أقدمنا على تشكيل  مجموعة أسميناها بإصدقاء رابطة العروة الأدبية، وعلى ما أتذكر شملت أشخاص من المكونات القومية في الحبانية الذين كانوا يتقنون اللغة الآثورية أيضاً ومنهم الكردي والتركماني والآشوري والمتهم بالتبعية الإيرانية. بعد أن وضعنا خطوط إنطلاقنا ودونّا بياننا الأدبي لإرساله ونشره في الملحق الأدبي والإسبوعي لجريدة الجمهورية آنذاك، إسوة ببعض الجماعات ومنها جماعة كركوك الأدبية من أمثال المرحوم مؤيد الراوي وأنور الغساني وسركون بولص وجان دمو وغيرهم وإنبثاق مجموعات أخرى من المحافظات العراقية. وعلى أثر ذلك فوجئنا في يوم ما على دعوة أفراد منّا من قبل معاونية الشرطة والإستخبارات العسكرية على إتهامنا بتلك الحركة الأدبية التي لم تكن لها أي تأثير على الهيمنة الحزبية في المنطقة وتحذيرنا من الإستمرار إن لم تكن وفق الإجراءات القانونية. وبمرور الأشهر تم تخرجنا من المرحلة الثانوية وإبتعادنا عن بعضنا بدافع إلتحاق كل واحد منا بكليته من الجامعات العراقية.
إن ما دعاني لهذه التقدمة المقتضبة هي معايشتي مع الزميل أوراهم يلدا أوراهم الذي كان في حينها قد سبقنا الإلتحاق بمعهد اللغة الإنكليزية العالي بسنة أو سنتين، شاءت الصدف أن ألتقيه أثناء تواجده في الحبانية لنتعارف ونتباحث معاً في الشؤون الأدبية والثقافية التي قلما كنا نجد من له تلك الإهتمامات. ومما زاد من استغرابه عن محادثاتنا ومناقشاتنا في لقاءاتنا الأولى حين طرحت عليه فكرة الأوزان الشعرية لنظرية الشعر الحر الشبيهة بإنطلاق طير في الفضاء بحركات غير متوازية وعلى غرارها يُكتب الشعر الحر، ليفاجئني مستغرباً وقائلاً: ألا تعلم بأن هذه الفكرة أملاها علينا أحد أساتذتنا في الجامعة وهو وايلت ويتمن أو غيره حسب ما أتذكر الآن بعد ما يزيد عن الخمسين عاماً . ومن هذه الإنطلاقة زاد تقاربنا على اللقاء بين فترة وأخرى حيث كنت اقضي المبيت أحياناً لديهم. وبإفتراقنا المرحلي لتخرجه وتعيينه كمدرس في كركوك ومواصلتي الدراسة الجامعية بكلية الحقوق في البصرة، شاءت الظروف بإنتقال عائلته إلى بغداد وأنا أيضاً فيما بعد بسنوات لنلتقي ويعرفني بأشخاص من مجموعة كركوك الأدبية في دار سكناهم بمنطقة البتاوين. ومن ثم تأسيس النادي الثقافي الآثوري وعضويتنا فيه حتمت علينا إمكاناتنا وإهتماماتنا الأدبية على تولي مسؤولية هيئة تحرير مجلة " المثقف الآثوري" الصادرة عن النادي وإجتماعنا المتواصل على دراسة وإقرار المواد الصالحة للنشر باللغتين الآشورية والعربية إضافة لأعضاء آخرين تفاوتت مراحل مسؤوليتهم لأسباب خاصة ومنهم المرحوم زيا نمرود كانون وكوريئيل      شمعون ويُؤارش هيدو وغيرهم.
ما تجدر الإشارة إليه ونحن لا زلنا في بغداد، كانت للإستاذ أوراهم يلدا أوراهم مآثر كثيرة في محيط النادي الثقافي الآثوري التي منها في لجنة التحرير والنشر، مساهمته في دورات التعليم اللغوي والإشراف على مواد مجلة المثقف الآثوري إضافة لما كان يترجمه من اللغة الآشورية إلى العربية من شعر وموضوعات أخرى التي منها في مجال المسرح، ومشاركاته في المهرجانات الشعرية السنوية، وعلى ما يحضرني من تلك الإهتمامات تشجيعنا لإخيه الصغير يوسف يلدا البيلاتي وهو في مرحلة الدراسة المتوسطة بباكورة كتاباته باللغة العربية التي كنا معاً نناقشها وتشجيعنا له بنشر أول قصة قصيرة له بعنوان "اللعبة" في مجلة " المثقف الآثوري"، حيث كانت تلك التجربة دافعاً له ومحفزاً للإستمرار دون معرفتنا إلى الحين الذي برزت مواهبه تتفتح بعد دراسته الجامعية في القسم الأسباني ومن ثم هجرته إلى اليونان وتوليه مسؤولية التحرير في إحدى الجرائد العربية المهجرية، ومن بعدها استقراره في استراليا ومن هناك أرفد العديد من المجلات والمواقع بقصصه القصيرة وكذلك تقاريره الفنية في موقف إيلاف لإهتمامه الفني أيضاً. وذات الحال لأخي المرحوم سلمان مروكل ممو حين كان في المرحلة المتوسطة بتشجعينا لمحاولاته الكتابية شعراً، ونشرها في المثقف الآثوري أيضاً إلى جانب بعض الصحف المحلية في بغداد. فكانت تلك مواقفنا قد أثمرت ليصدر سلمان فيما بعد باكورة ديوانه الشعري تحت عنوان " الأرض والعشق والخوف"، إضافة لعدد من الناشئين في حينها.
تواصلنا الدائم في النادي الثقافي الآثوري جعلنا أكثر مقربة من بعضنا، والأكثر من ذلك يوم تأسيسسنا لإتحاد الأدباء والكتاب الناطقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان الذي كنا قد حولناه بصبغة آشورية من خلال إصداراته بعد رفض مطلب أدباء النادي الثقافي والتزامنا بالتسمية الأولى لتحقيق مآربنا رغم قرار السلطة آنذاك، بدلالة ما كنا ننشره في مجلة الإتحاد والنادي الثقافي الآثوري، حيث كان كافة أعضاء الإتحاد ممن يؤمنوا بالتسمية الآثورية فتولى الأستاذ أوراهم يلدا منصب نائب الرئيس في دورته الثانية عام 1974 ودورته الرابعة عام 1976 إلى اليوم الذي هاجر الوطن ليعيش حياة الإغتراب. وأكبر دليل على ما أشرت إليه هو إصداري كتاب " في رياض الشعر" قصائد آثورية مترجمة وبيبلوغرافي حياة الشعراء ومنهم أوراهم يلدا بترجمتي لقصيدته "الموت والميلاد". وتم منعه بعد إصداره بإسم وتعضيد الإتحاد رغم طبعه بموافقة وزارة الإعلام. ومن ثم إصدارات أخرى منها "المرشد في الإملاء الصحيح" لمؤلفه شموئيل جبرائيل دنخا كتب مقدمته الأستاذ أوراهم باللغة الآشورية، إضافة لديوان شعر مشترك بالآشورية لأعضاء الإتحاد بعنوان "ربيع الإتحاد الآثوري" الذي تم تصميم كلمة الآثوري بشكل رمزي من دقاق عيدان الكبريت أي الشخاط (الثـُـقـُب مفردها الثقاب)، من ضمنه قصيدة الأستاذ أوراهم المعنونة " الموت والميلاد" ص47 يقول في مقدمتها ما ترجمته من الآشورية إلى العربية " يذكر الشاعر الإنكليزي ت. س. إليوت في مطلع إحدى قصائده، في بدايتي تكمن نهايتي، ولكني أنا سأضيف وأقول: في نهايتي تكمن بدايتي" ويفسر ما قاله " السبب من ذلك إن لم أنتهي، لا أبدأ، وكل نهاية تحمل بين طياتها بذرة البداية، وكل عتاقة تنبع منها الحداثة، وكل موت يفسح مجال الولادة. مولد حياة بروح جديدة. والحياة موت وميلاد. فما أبدعه في هذه الإلتفاتة الفلسفية التي يناهض فيها الشاعر الإنكليزي الشهير إليوت (1988 ـ 1965) والحائز على جائزة نوبل عام 1948.
 
أوراهم يلدا.. رغم ثقافته العالية التي أغناها بإهتماماته اللغوية المجسدة بثلاث لغات متمثلة بالآشورية والعربية والإنكليزية بقي متابعاً ومتواصلاً لعملية الإغتراف عن كل ما ينشر بها، ومما كان مخفياً بين صفحات الطروس المخطوطة في تلك مكتبته البيتية العامرة ومكتبة الإتكال التي أسسها لخدمة القراء وليرصد وجودها بإنشائه مجلة " ليشانا وسبرايوتا أي اللغة والأدب" التي أصدر منها عدة أعداد وتوقفها لأسباب خارج إرادته فرضتها عليه أفكار من يطبلون بوجودهم القومي واللغوي والثقافي دون دعمهم لمن هو أكبر وأبلغ شأناً منهم، ودون تقديرهم لمن يخدم وجودهم بشكل مباشر بما يسعى إليه اليوم، طالما يدعه الغد على ما لم يكن عليه في الحسبان، والتاريخ أكبر شاهد على ذلك من أولئك الذين  رحلوا ولم يلمسوا أي تقدير وتقييم أيام وجودهم أحياء  ليمطروا الرحمات على أرواحهم بتأسف كبير بعد أن تُتْلى عليهم سيرة حياتهم وما خلفوه من نتاجات فكرية.
وقبل أن أختم كلمتي أود أن أرفع كلمات الشكر لأولئك الذين قلدوه وسام التقدير في يوم اللغة الآشورية من العام الماضي لجهوده وهو في وعكته الصحية، آملين له المعافاة والعودة لحياته الطبيعية طالما لا زالت النسمات تلاطف روحه وتلك إبتساماته التي إعتدنا عليها لحد لحظات كتابة هذا الكلمة تثميناً وتقديراً لجهوده ولمناسبة تتويج إسمه بشخصية العدد في مجلة أترا الغراء.


الشاعر والأديب أوراهم يلدا أوراهم في سطور.
* من مواليد 12 شباط عام 1943 في الحبانية بمحافظة الأنبار. والده الشماس يلدا أوراهم مربينا، ووالدته شربة كيوركيس يونان.
* بدأ منذ طفولته المبكرة بدراسة اللغة الآشورية على يد والده.
* أنهى دراسة الإعدادية في ثانوية الحبانية.
* خريج معهد اللغات العالي- جامعة بغداد، تخصص لغة انكليزية عام 1965.
* التحق في عام 1978 بجامعة ليفربول في مدينة لندن- انكلترا للتخصص في علم اللغة والصوت الخاص باللغة الآشورية.
* كان عضواً نشيطاً وفاعلا في النادي الثقافي الآثوري في بغداد ما بين عامي 1971-1978. وعمل سكرتيرا للنادي المذكور، وعضوا في هيئة تحرير مجلة (المثقف الآثوري),
* ألقى العديد من المحاضرات عن اللغة الآشورية الفصحى والسوادية، إضافة إلى مساهماته في الندوات والأمسيات الشعرية.
* كانت له مساهمة فعّالة في مجال الإذاعة حيث عمل في إعداد وتقديم برامج عديدة باللغة الآشورية في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في العراق.
* شارك في العديد من دورات تعليم اللغة الآشورية، وتخرجت على يديه مجموعة كبيرة من الأسماء البارزة التي يُشار إليها بالبنان، حالياً، في مجال اللغة الآشورية.
*صاحب ورئيس تحرير مجلة (اللغة والأدب والفن) التي كانت تصدر باللغات الآشورية والإنكليزية والعربية منذ عام 1991 حيث استمرت عشر سنوات بدون انقطاع.
* أصدر ديواناً شعرياً بعنوان (مِوةِأ ومولِدِأ) أي (الموت والميلاد) باللغة الآشورية. وفي عام 1995 عّده العديد من النقّاد والمهتمين بالأدب الآشوري من أوائل الشعراء الذين كتبوا الشعر الحر باللغة الآشورية.
* أنشأ في عام 2006 مكتبة تهتم باللغتين الآشورية والانكليزية باسم (مكتبة الاتكال) في مدينة شيكاغو، وكانت بمثابة  منتدى الأدباء من جميع أنحاء العالم.
* ساهم بكتاباته في المجلة التي كانت تصدرها الجمعية الأكاديمية الآشورية في شيكاغو باسم (مغلةِأ دشوةِفوةِأ اِقِدتمِيةِأ اِةورِيةِأ).
* قام بتدريس اللغة الآشورية في (كلية أوكتون) في سكوكي- شيكاغو.
* كان يدير (الحلقة الثقافية) التي كانت تضم العديد من أبناء أمتنا الآشورية من المثقفين والمهتمين بشؤون اللغة والأدب والمجتمع حيث كانت تُقام أسبوعيا في الجمعية الآشورية الأمريكية.
* من المؤسسين الأوائل للمجلس القومي الآشوري (موةثِأ اومةِنِيِأ اِةورِيِأ) منذ تأسيسه في أوائل التسعينات من القرن المنصرم.
* أصيب بجلطة دماغية في 02/06/2014 ولكنه يتعافي رويداً رويداً، وهو في تحسن مستمر.
نصلي من أجله، وندعو له بالشفاء العاجل ليعود إلى ميدان الأدب والشعر سليماً معافى. 




13
نتاجات بالسريانية / إن سألتني
« في: 17:39 12/04/2017  »

17
ما بين الضاد والظاء في اللغة الآشورية المعاصرة

الجزء العاشر
(ب)

بقلم: ميخائيل ممو

ولكي ندعم الرأي السابق ـ مما نشرناه ـ نعتمد فيما ذهب اليه الإستاذ الدكتور يحيى عباينة في كتابه المعنون " اللغة الكنعانية ، دراسة صوتية صرفية دلالية مقارنة في ضوء اللغات السامية " ص 138 حيث يذكر( ليس لدينا شك في أن للضاد في اللغات السامية وضعاً خاصاً، مرده إلى غرابة هذا الصوت، وقد أشارت الدراسات التاريخية إلى أن الضاد كان في الأصل صوتاً رخواً إحتكاكياً). معتمداً في ذلك على ما أشار إليه أيضاً كارل بروكلمان في كتابه "فقه اللغات السامية" بالعربية ص 39 ترجمة رمضان عبد التواب، في الفصل الثالث عن أقسام الأصوات في اللغات السامية بإشتراكها في العديد من الأصوات ومنها الظاء والضاد وهما: (صوتان رخوان يتكونان كالسابقين، مع رفع مؤخرة اللسان نحو اللثة، ونطق مهموز، أحدهما مهموس وهو (ظ)، والثاني مجهور وهو (ض). إضافة لوصف سيبويه بذات المعنى في "الكتاب" الجزء الرابع ص 432 وما يليها.. تحقيق وشرح عبد السلام هارون. وبمرور الزمن تحول في الأكادية (البابلية الآشورية) ولهجاتها المتأخرة والكنعانية ولهجاتها والعبرية إلى صاد، وفي الآرامية القديمة إلى صاد أولاً، ثم إلى قاف ومن ثم إلى عين في السريانية (مطلقاً) وبصورة مقيدة في النبطية. مشيراً لبعض الأمثلة نقتطف منها ما مشار اليه أدناه مع ملاحظة الرمز < بأنه يعنى به الهمزة والرمز > يعنى به حرف العين:
1.   Ṥr<   وتعني أرض وجاء فيه tṤr< أي أرض: حرفياً أرضة.
2.   <Ṥy  وتعني وضوء وأضاء وهو يتعلق بضوء الشمس، ويعنى حرفياً موضاً.
3.   n<Ṥ    أي ضأن بمعنى غنم.
4.   bṭṤ   أي ضبظ أو قبض على. 
5.   rtṤ    وتعني الضرّة أو الزوجة التالية. 
وفيما يتعلق بالحرف ظ يعتمد ما ذهب اليه بروكلمان وموسكاتي من أن أصل الظاء هو ثاء مفخمة، حيث أنه ظل موجوداً في العربية والأوغاريتية، واللغة الكنعانية حولته منذ فترة مبكرة إلى صوت الصاد المهموس. وفي ص 21 يشير بأن صوت حرف (ظ) انقلب إلى (ط) في الآرامية، معتمداً على بعض الأمثلة من الكنعانية كما يلي:
1.   ḥṡr  وتعني حظيرة أو فناء والأصل بالظاء.
2.   ḥṡ   وتعني الخوذة أو رأس السهم ويقابلها في العربية الحظوة، وهي كلمة تطلق على سهم صغير قدر ذراع.
3.   nṡr   أي نظر أو راقب.
4.   ṡm>  و ṡmy> و <ṡm>    أي بمعنى عظم ، عظمي وعظام.
5.   التقارب الصوتي في اللغات القديمة وما طرأ عليها من تغييرات اقتبسنا هذه الأمثلة.

 
وخلاصة ما يذهب اليه د. يحيى عبابنة في  ص 399 حين يؤكد بأن ( اللغة الكنعانية فقدت ستة أصوات من أصولها قبل أن تضع نظامها الكتابي وهي: الضاد التي تحولت إلى صاد. والثاء إلى شين، والذال إلى زاي، والظاء إلى صاد، والغين إلى عين والخاء إلى حاء، وجميع هذه التحولات من النوع المطلق، إذا  لم تعد هذه الأصوات الستة موجودة في النظام الصوتي على الإطلاق، فلم يحتفل بها النظام الكتابي).
أما الأصوات التي شكلت النظام الصوتي للكنعانية فقد احتفظت بالأبجدية المألوفة من أبجد إلى قرشت، وعلى ما هو عليه اليوم في الآشورية الحديثة أيضاً بإضافة اللواحق الستة المعروفة اصواتها بالباء المركخة (ܒܼ) والغين والذال والخاء والفاء والثاء، أي ( ܒܓܕܟܦܬ ) بوضع نقطة تحتها دون حرف الفاء الذي يُدعم بقوس أو هلال صغير، وكما يتبين في كتابة الأحرف المشار اليها بالشكل الآتي: ( ܒܼܓܼܕܼܟܼܦ̮ܬܼ ).
وبذات الطريقة المنوه عنها لحرف الضاد، نستحدث صوت الظاء بإضافة نقطة لحرف الطاء أي طيث (ܛ)  بالآشورية ليقابل الظاء بهذا الشكل (ܛܿ) وذلك بالكبس على مفتاح p في لوحة المفاتيح لإضافة النقطة حينما يتم إدخال كافة أبجديات الخطوط الآشورية والمستحدثة فنياً في الحاسوب كما في العربية ولغات أخرى. ومما يحفز ذاكرتنا لهذا الحرف نجد العديد من المفردات متقاربة في النطق العربي مع الآشورية ومنها على سبيل المثال: ظلم : طلوم، ظفر: طِݒرا ، ظبي: طويا (طبيا بتركيخ الباء)، ظل: طِلّا، ظلل: طلل، الظهر: طهرا، ومن مجموعة الضاد: ضاع: طعا، ضائع: طَعيا، ظب (حيوان بري): طبّا (بترخيم الباء إلى طوا وغيرها). وبما أن كلاً من الضاد و الظاء لا وجود لهما في النطق الآشوري فأنه يلفظ بالزاي حيث يقال زَرَر بدلاً من ضرر وزلوميا أو طلوميا بدلاً من الظلم علماً بأنه في الآشورية طلوميا. ومتى ما تعمقنا أكثر في مراحل تطور اللغات وتفرع اللهجات حتماً ستنكشف لنا بعض الخفايا لتعددها في كل مجموعة وفصيلة لغوية لهجوية كما في لهجة بعض القرى في شمال العراق مثلاً حين يقال: نظيفه بدلاً من نظيف، وظالوما بدلاً من ظالم، وموحضرلِه بدلاً من أحضر وما شاكل ذلك، حسب ما يؤكده أيضاً الأستاذ اللغوي نلسن د. البازي الإستاذ في جامعة البصرة سابقاً من خلال مقاله في العدد 26 ـ 28 عام  1980 من مجله "قالا سوريايا " ص 152.
نستنتج مما ذكرناه بأن حرفي الضاد والظاء لهما علاقة بحرفي الصاد والطاء، في الشبه الشكلي والصوتي ليتطابق ما في أبجدية اللغة الآشورية التي تماثلها الأبجدية العربية، وربما باقي الساميات الأخرى، طالما استنتجا من اللفظ الأبجدي الأصيل وتقارب النطق في العديد من الكلمات بدليل المنوه عنها، وعلى نحو خاص في الطاء والظاء، ومحدودية عدد مفردات الظاء المستعمل منها والأشهَر تداولاً  محصورة بـإثنتين وثلاثين كلمة أي التي تحوي حرف الظاء، علماً بأن عددها الكلي قد تم حصره في ثلاث وتسعين كلمة غير مستعملة أي أنها مهملة في العربية، بالرغم من أن عدد حروف الظاء في القرآن قد بلغت 9320. وما سواها يتم كتابتها بالضاد، حسب ما ذكره شوقي حماده في كتابه "معجم عجائب اللغة " ص85. وما يحيرني أن أجد الكلمات التي تبدأ بحرف الضاد هي ضعف ما هو بالظاء، وما يتوسطها وفي أواخر المفردات يكون الأضعاف، علماً بأن مقارنة الحروف التي وردت في القرآن قد بلغ عددها 1200 حرفاً أي أقل من الظاء بأضعاف عديدة. هل السر في ذلك بإنفراد العربية بلغة الضاد فقط وإهماله في اللغات الأخرى التي منها الفصيلة السامية؟! على أية حال، أن تساولنا هو من باب المعرفة فقط لا غير. 
ولكي ننهي كلامنا، ونعود لما آنفنا اليه من حيث الضاد والظاء، فما الضير إذن من ذلك إن أدخلنا في اللغة الآشورية ما إرتأيناه؟! أليس هذا من باب التطوير والإغناء اللغوي؟!. طالما الحاجة أم الإختراع، ولطالما استعارت العربية المئات من مفردات ذات اللغة المتداول تسميتها أيضاً بالأرامية والسريانية والبالغ عددها ما يقارب الألف مفردة (وربما أكثر، ناهيك عن الإشتقاقات في تصريف المفردات) وفق ما أشار اليه الكاتب شوقي حمادة في مؤلفه "معجم عجائب اللغة" ص 123 والشائع منها في العربية. ونأمل من القارئ الكريم والمتابع العليم الحكيم أن يتواصل معنا في الحلقة القادمة عن منشأ ومصدر أبجدية الحروف اللاتينية التي أساسها الأكادية الآشورية والأوغاريتية والآرامية شكلاً ومضموناً.


18

ما بين الضاد والظاء في اللغة الآشورية المعاصرة
الجزء العاشر
(ا)

ميخائيل ممو

سبق وإن عرضنا في حلقتنا السابقة إشكالات حرفي الضاد والظاء عبر التاريخ، وبغية التوسع أكثر في هذا السياق، نود القول هنا، نظراً لإفتقار صوت حرفي الضاد والظاء في اللغة الآشورية المعاصرة ولعدم ورود أي كلمة على منوال وسياق نطقيهما مثلما هو في العربية التي تكنى بلغة الضاد لإنفرادها بصوت هذا الحرف، فإنه لا بد أن يتم تعويض الحرفين عند الضرورة في حال الترجمة إلى لغات أخرى بإستعاضة رمز صوتيهما إلى صوت الدال أو الزاي مثلما يتم لفظه في بعض الدول العربية على نطقه بالدال أو الزاي كما في كلمة " الضمير" بنطقه " دمير أو زمير "، وكذلك في كلمة "ضابط" بقلب الضاد إلى " ز" أو " د " لتنطق زابط أو دابط في لهجات بعص الدول العربية كما في مصر، وأبيَد بدلاً من أبيض، وأحياناً في القلب والإبدال يختلف المعنى المقصود لفظاً كما في كلمة " ظلم " بلفظها " زَلَم و دَلِم " بتغيير المعنى لتعنى الأولى السهم لا ريش عليه أو نبات لا بزر عليه، ولتعنى الثانية اشتد سواده، أو في مفردة " الظاهر" لتلفظ " الزاهر أو الداهر" ولكل مفردة منهما معنى مغاير عن المعنى المقصود.
وهنا لا نستثني حرف الحاء في اللغة الآشورية الذي اشرنا اليه في سياق بحثنا السابق، وسنأتي إليه لاحقاً. بغية إيضاح الدافع الذي حدا بي لإيراد حرف الضاد وقريبه الظاء هو مصادفتي لثلاثة تراكيب لغوية لدى ترجمة الإسم المتضمن حرف الضاد الى الآشورية وعلى نحو خاص في الأسماء، ومنها اسم "نضال" قد يكون للتذكير والتأنيث في العربية، حيث تم كتابته في مجلة "سبروتا" الصادرة في العراق عن إتحاد الأدباء السريان بشكل "نيصال ܢܝܼܨܵܠ "، وفي دعوة زواج رسمية " نِدال ܢܹܕܵܐܠ " وفي إحدى المقالات القديمة كتب اسم نظام " نِـزام أي ܢܝܼܙܵܐܡ "، فذكرتني هذه الحالة باللغة الآشورية بين كتابة اسم "جورج وشورش: ܓ̰ܘܿܪܓ̰ ܙ̃ܘܿܪܙ̃ " في مجلة كلكامش التي كانت تصدر في أيران منذ الخمسينيات. ولمناسبة ذكر اسم "نضال" الذي يتحلى به الذكر والإنثى أيضاً دون مفارقة، كنت في منتصف الستينيات قد التحقت بجامعة البصرة للدراسة في كلية الحقوق والسياسة، وفي بدايات السنة الأولى تم فرز أسماء البنين عن البنات في مقاعد الدراسة، وفي اليوم الثاني كان أحدهم اسمه نضال، فكان مقعده محاطاً بمجموعة من مقاعد الطالبات، وعند دخول دكتور مادة القانون الدستوري نظر اليه وفاجأه سأله عن اسمه؟ فأجابه إسمي نضال وفق ما هو مدون على رحلتي. فإبتسم الدكتور ولم يشر لأي تعليق. وفي اليوم التالي وجد نضال اسمه في آخر المقاعد. وهذا ما يحدث عادة مثل اسم صباح الذكر وصباح الأنثى وكذلك سهام وغيرها من الأسماء الشبيهة. ولدى بني آشور أيضاً ذات المصادفات حيث لدينا إسم آثور أو آتور، وآترا أيضاً للذكر والأنثى. ولأجل تلافي هذا الإشكال في مجال اللغة الآشورية، كنا قد إرتأينا سابقاً في مقترح لنا بغية التمييز والكتابة الصحيحة خاصة في ترجمة الأسماء أن نضيف نقطة فوق أو تحت أو وسط الصاد الآشورية ( ܨ ) تماشياً مع العربية وبهذا الشكل ( ܨܼ)، ولكني وجدت الأصلح أن تضاف النقطة فوق الحرف مثلما في العربية وذلك لسهولة استعمالها في الكتابة الألكترونية بالضغط على مفتاح الصاد ومن ثم على مفتاح B أوP في لوحة المفاتيح لنستنتج اللفظ بهذا الشكل (ܨܿ) ونعني به لفظ حرف الضاد لتخفيف الإشكال الكتابي لعملية الترجمة الخاطئة على نقل الإسم، كما هو في ترجمة أسماء اللغات الأجنبية التي لا تناسب أصواتها أبجديات اللغات السامية، ومنها اللغة السويدية كمثال حصري لما تحويه من حروف يصعب على غير الناطقين بها من نطقها ونقلها بالشكل الصحيح وهي: (å, ä, ö ) كونها من حروف العلة أي الصائتة. إن الإشكال اللغوي ما بين الضاد والظاء لا حدود له بين متعلمي وكتاب اللغة العربية كما نوهنا في الجزء التاسع من دراستنا، لتقارب لفظيهما في النطق والكتابة ـ نوعاً ما ـ رغم إختلاف مخرجهما، وعلى نحوِ خاص ومتميز لغير الناطقين بالعربية ممن يعمدون تعلمها. وعلى غرار هذا الإشكال أقارنه باللغة الآشورية بين حرف الخاء بمعنى الخيث (ܚ) والكاف (كـ، ـكـ، ك) المركخة الأولية والوسطية والآخرية كالآتي: ( ܟܼـ، ــܟܼـ، ܟܼ ) أي التي نضع النقطة تحتها لإستنتاج حرف الخاء ( ܟܼـ ) وفق قوانين التركيخ، علماً بأن هناك حرف الخاء أي الخيث (ܚ) المشابه له في الآشورية الشرقية لفظاً، حيث أن أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية يلفط لديهم بحرف الحاء، وكذلك في معظم قرى أبناء الكنيسة الكلدانية، بالرغم من تجاوز عملية اللفظ أو النطق المزدوج أي في بعض المفردات يُلفظ (ح) وفي البعض الآخر (خ) رغم عملية كتابته بحرف الحاء، ومنها على سبيل المثال: مشيحا أي المسيح، شوحا أي الحمد، حوبا أي الحب، حنانا أي الحنان، حويادا أي الإتحاد. بينما في بعض المفردات تُكتب بالحاء وتُلفظ بالخاء والتي منها: خلوص أي إسرع أو انتهي، خليقا أي المخلوق، خسِرلِه أي خسر وما شابه ذلك.. بينما السريانية تستعمل الحاء بإضافة لفظ الواو مثل: حوبو وحويودو بدل الخاء، بينما لدى أبناء الكنيسة الآشورية يتم اللفظ بـ (خوبا وخويادا) علماً بأن الكتابة هي ذاتها لدى كافة الكنائس ما عدا اللفظ لدى السريان بقلب حرف الألف أي حرف الإطلاق إلى واو، مكتفياً بهذه المقارنة رغم وسعها. هذان الحرفان أي الحاء والخاء إضافة إلى الكاف المركخة (ܟـܼ) لها ذات النطق ولكن بتأثير بعض الأصول النحوية للدارسين والمتمكنين من اللغة يمكنهم التفريق في طريقة الكتابة الصحيحة والنطق القويم، إلا أنه صعوبتها القصوى لدى المبتدئين والمتعلمين نوعاً ما وبشكل عام. ومن الجدير ذكره إن بعض القرى في شمال ما بين النهرين تستثني الحاء بالخاء، ومن الممكن أن تكون لإعتبارات دينية عن استعاضة الحاء بالخاء أو عكس ذلك لأسباب وراثية من نطق التغييرات اللغوية المستمدة مما كانت عليه سابقاً، وهذه مجرد احتمالات وتوقعات غير مؤكدة لغوياً وبشكل رسمي موثق. يبين لنا المتبحرون في علم صوت بأن نطق حرف الضاد يتم بوضع حافة اللسان في أصل الثنايا العليا أو أصل الأسنان من الجانب الأيسر وهو الأمر الأيسر في النطق. أما حرف الظاء فيتم نطقه بوضع حافة الثنايا في وسط اللسان. وللتفريق بينهما نرى الضاد بأنها لا تخرج من الشفة، والظاء تبدو خارجة من الشفة مثلها مثل حرفي الثاء والذال كأحرف لثوية. وبما أن موضوع الضاد والظاء بحاجة إلى دراسة لغوية وصوتية منفردة وواسعة لا مجال للخوض في مضمونها من بحثنا المقتضب. لهذا أكتفي الإشارة من خلال تجربتي في حقل تعليمي اللغة العربية والآشورية بشكل رسمي لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً في المرحلة الثانوية من بلاد المهجر بشكل خاص، مما يعانيه التلاميذ العرب والآشوريين والأجانب أيضاً على عدم التمييز بين لفظيهما في الكتابة وعدم المقارنة بينهما. على سبيل المثال صعوبة التمييز بين الفعل (حضر) بمعنى جاء وتواجد أو الـ (حضر) بمعنى التمدن أو المتمدن من سكان المدينة، و(حظر)عليه الشئ أي منعه، أو بين فاضت البحيرة وفاظت الروح، ناهيك عن قلب الظاء ضاداً والضاد ظاءً في أغلب المفردات. وبما إن العربية تنفرد في تسميتها بلغة الضاد وعلى غرارها الظاء، فليس من الغريب أن يضاف هذا الحرف لأبجديات اللغات الأخرى لضرورات سياقات الترجمة ومنها المنضوية تحت راية اللغات السامية كالآشورية / السريانية مثلاً لتداخلها في بعض الأسماء المستحدثة كأسم خضر وخضوري، بدلاً من أن تكتب بالآشورية "خدر وخدوري"، وفي " حضر وحضور" وكذلك لحرف الظاء في "ظرف" التي نستعملها " زرݒا " وأصلها في الآشورية "بلدارا ܒܸܠܕܵܪܵܐ" علماً بأن حرف الضاد تواجد في المسمارية الأوغاريتية كما أشرنا في بحثنا السابق. أما لحرف الظاء فأنه أيضاً افتقدناه وفق ما يشير اليه الدكتور رمزي بعلبكي في كتابه "الكتابة العربية والسامية" ص 295 بقوله: ( سقوط الحرف Ẓ (أي ظ) يفسره إنقلاب هذا الحرف في الفينيقية والعبرية إلى Ṣ (أي ص) فكلمة "عظم" العربية والآوغاريتية هي بالظاء التي احتفظت بها اللغتان من السامية الأم، ترد بالصوت Ṣ في كل من الفينيقية والعبرية (عظام)، ولذلك استعملت الفينيقية شكل الحرف Ṣ لكتابة الكلمات التي كان أصل الحروف Ṣ فيها هو الحرف Ẓ ). وهذه دلالة على وجود حرف الضاد والظاء في بعض اللغات القديمة وعدم اقتصارها على العربية فقظ. ولكي ندعم ما أشرنا إليه نستميحكم العذر عزيزنا القارئ على نشر القسم المتبقي في الحلقة القادمة بعنوان "الجزء الثاني ب" لطول الموضوع والإكتفاء بما هو عليه الآن، ليتمكن القراء من استيعابه بسهولة تامة ودون أية معاناة من تلاطمات أمواج البحر اللغوي.


19
المنبر الحر / جلسة لغوية ممتعة
« في: 21:04 03/02/2017  »






27
نتاجات بالسريانية / لم يق لنا
« في: 23:05 22/08/2016  »

28
إشكالات حرفي الضاد والظاء عبر التاريخ 
الجزء التاسع
بقلم: ميخائيل ممو
إن حاجة الأنسان للتعبير عما يجول في خاطره بعامل الإنفعال الذاتي والغريزي وبحكم الأحاسيس التي تحتم عليه أشكالاً متنوعة من التعابير أدت به أن يبتكر الطريق الذي يناسبه لذلك، ومن هذه الظاهرة تعددت أساليب نظريات النشأة اللغوية لتمر بمراحل عديدة متجسدة في أطوار الكتابة أيضاً التي بلغ تطورها بالهجائية الصوتية الألفبائية أي الأبجدية المتداولة اليوم لتجسيد ما يبتغيه الفرد. وبما أن نشأة الكلام تنوعت نظرياته، فكذلك نشأة مصادر الخط أو بالأحرى الكتابة تنوعت أيضاً لدى الباحثين اللغويين برموز أشكالها بين مؤيد ومعارض لحد ما نحن عليه الآن في عمليتي التعبير اللفظي والتدوين الرسمي باللغة العربية، وكذلك بالنسبة إلى اللغات الأخرى التي لا تقل شأناً عنها رغم سعتها. وفي حالة التعمق في مضامين الكلام والكتابة ينبغينا التبحر في اسس ومصادر أو منبع كلتا الظاهرتين. وهنا يحدوني القول بأن الإشكال لا ينحصر عن المسببات، طالما الحاجة تولد ذلك وكما أشرنا في البدء، وإنما هو العوز المعرفي بالمنطق العلمي لذلك أو الخلق والإبتكار. وبما أنه نظرية الإلهام الوحي الإلهي برزت في مقدمة النظريات المتوالية عن منشأ المصدر الأساس للنطق بألفاظ متفاوتة لمعرفة الأسماء والتعابير، فعلينا الإعتماد على ما جاء في الكتب السماوية المعتمدة في التوراة والقرآن طالما ما يقارب السبعة مليارات من بني البشر يؤمنون بالنصوص الإلهية. حيث إننا نستمد نظرية الوحي الإلهي من التوراة أولاً بما جاء في الفقرتين 19 ، 20 من الإصحاح الثاني من سفر التكوين" والله خلق من الطين جميع حيوانات الحقول وجميع طيور السماء، ثم عرضها على آدم ليرى كيف يسميها، وليحمل كل منها الإسم الذي يضعه له الإنسان، فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ولطيور السماء ودواب الحقول" وكذلك في التكوين 11 قوله: " وكانت الأرض كلها لغة واحدة وكلاماً واحداً" إضافة لما جاء أيضاً "هوذا هم شعب واحد ولجميعهم لغة واحدة ". وثانياً بذات المعنى ما جاء على ذات الشاكلة في القرآن في سورة البقرة 2: 31 مؤكدة أيضاً ما ذكرناه أعلاه ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين "31"  قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم "32" قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون "33").
وهناك العديد من التفاسير لهذه الآية التي منها ما قاله الضحاك عن ابن عباس: ( وعلم آدم الأسماء كلها.   قال : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ، ودابة ، وسماء ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجمل ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها ).
أن الأمثلة المذكورة أعلاه لها من المؤيدين ومن المفندين من اللغويين العرب والأجانب فيما يتعلق بالنشأة اللغوية، ولكن ما يهمنا هنا هو عن وجود كافة أصوات الحروف الأبجدية المنطوقة فيما يشار اليها في كافة لغات العالم، إن كانت هي ذاتها وفق الوحي الإلهي بمسميات إصطلاحية متفاوتة، أي بمعنى أدق عن وجود حرفي الضاد والظاء اللذين يصعب استعمالهما في النطق من قبل شعوب أخرى غير العرب كالآشوريين مثلاً، مقارنة بما دونه الكتاب العرب القدامى وبما يعتقده أحد الكتاب العرب السيد أياد الحصني في كتاب "معاني الأحرف العربية" ص73  و77 قائلاً عن حرفي الضاد والظاء  ( يعتقد انها كانت موجودة  لحظة وجود آدم عليه السلام أو في بداية الإنسانية أو في العصر الجاهلي). ولكن يفتقدان في أغلب شعوب العالم لكون العربية تنفرد بنعتها "لغة الضاد". تساؤلنا واستغرابنا هنا، إن كان حرف الضاد حقاً هو الوحيد في العربية بين لغات العالم، أليس اللغات الأخرى من ذات الأرومة؟! ومن مصدر إلهي واحد أوحد؟! ناهيك عما قيل عن لغة الجنة إن كانت العربية أو السريانية (المشتقة عن الآشورية)  المحورة عن آرامية المسيح، وعلى ذكر ابن حزم في كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" ص32 تحقيق محمد أحمد شاكرن بيروت 1980 نقلاً عن كتاب "لسان آدم" ص27 لعبد الفتاح كيليطو بالفرنسية ترجمة عبد الكريم الشرقاوي " فإن عربية اسماعيل وعبرانية إسحق مشتقتان عن السريانية، اللغة الأم التي كان يتكلمها إبراهيم". إن ما أشير اليه هنا ليس معناه أن أفند رأياً وأدعم الرأي الآخر. فالغاية الرئيسية أن نتحف القارئ بما يجهله ولم يكن على علم بآراء القدامى والمحدثين.
ومن جانب آخر إن إعتمدنا على عوامل البيئة الجغرافية المناخية وعوامل أخرى في التأثير على الحنجرة والأوتار الصوتية لمخارج الحروف بإختفاء اصوات لدى شعب عن آخر ، ليس معنى ذلك لا وجود لتلك الأصوات في اللغات القديمة، كما يبدو لدى الآشوريين عن اختفاء حرف الحاء وتواجده لدى اليعاقبة مثلاً، ولدى العرب بشكل عام، والدلائل كثيرة لدى الشعوب القديمة وخاصة في حرفي العين والشين وغيرهما لمن يود المعرفة من خلال كتب فقه اللغة أو علم الصوتيات.
 وبما أن لغات العالم تفتقر لحرف الضاد الذي يكنى به اللغة العربية والقريب منه حرف الظاء أيضاً، سعينا في معالجة هذه الإشكالية في اللغة الآشورية المعاصرة كونها من ذات الفصيلة والآرومة والأسبق من العربية، رغم تطاول البعض من الكتاب العرب على جعل العربية هي اساس ومصدر كافة اللغات القديمة والحديثة ومنهم على سبيل المثال لا الحصر د. محمد بهجت قبيسي في كتابه "ملامح في فقه اللهجات العربيات" والدكتور نعيم فرح الأستاذ بجامعة دمشق في كتابه " النظرية السامية" والمؤرخ أحمد سوسة في كتبه المستحدثة "حضارة العرب ومراحل تطورها" و "حضارة وادي الرافدين" بكافة فصوله  وغيرهم...  عادة ما يظن البعض بأنه لا وجود لحرف الضاد المنفرد بنطقه في اللغات القديمة التي سبقت العربية، ولكن بمرور الزمن وبتأثير بعض العوامل الطبيعية قد يختفي نطق بعض الحروف لتعوض بما هو الأقرب والأنسب منها  في اللفظ  أو النطق، كما هو الحال في اللغة الآشورية حيث نجد نسبة كبيرة جداَ إن لم تكن الغالبية يستصعب عليهم نطق حرف العين رغم وجوده في الأبجدية الآشورية ـ قديماً وحديثاًـ بحيث تلفظ كلمة (عينا) أي العين بـ (إينا أو أينا) وكلمة (عِدّانا) أي الوقت بـ(دانا) والأمثلة كثيرة. لهذا فإن شأن الضاد أيضاً هو على ذات المنوال، حيث نجد في الكتابة المسمارية الإبلية (منطقة ايبلا السورية على مقربة من منطقة إدلب) من المفردات التي لها ذات الصوت مثل: وضاؤوم تعني وضوءٌ، حامضوم تعني حامض، وهذه دلالة على وجوده في الأبجدية الأوغاريتية التي كانت تحتوي على 30 ـ 32 حرفاً، مقارنة بالفينيقية أو الكنعانية (التي سنأتي على ذكرها في الجزء العاشر)  بزيادة ثمانية ـ عشرة حروف عليها. ولتأكيد ما أشرنا إليه عن وجود حرف الظاء المقارب للضاد يذكر مؤلف كتاب "معاني الأحرف العربية" الأستاذ أياد الحصني السوري الأصل في ص 73 ما يلي: (والكلمات التي تحوي حرف الظاء قليلة جداً في اللغة العربية الأصلية أي الكلمات التي يعتقد أنها كانت موجودة لحظة آدم عليه السلام أو في بداية الحياة الإنسانية أو في العصر الجاهلي ـ قرنين قبل الإسلام ـ ). لذا فإن إشكالات حرف الضاد والظاء التي يعاني منها غير العرب، نجدها أيضاً مستفحلة لدى الناطقين بالعربية أيضاً، وذلك من خلال التدوين أو الكتابة الإملائية بشكل خاص بقلب الضاد ظاءا والظاء ضادا أو بالدال أحياناً لدى طلبة المدارس والجامعات وممن لا يفرق بينهما من الكتاب المعاصرين في حقول الصحافة والإعلام وأروقة الحاسوب وخاصة في لفظ  وكتابة المفردات المتفقة أو الشبيهة المبنى والمختلفة المعنى كما في الأمثلة التالية: أضل وأظل، الحاضر والحاظر، الضال والظال، الغيض والغيظ، الفيض والفيظ، الناضر والناظر وغيرها من المفردات التي وردت في القرآن والأحايث والمهملة منها في العربية  الحديثة أي الفصيحة، ولكي يتسنى معرفة معانيها عليك بالمعاجم والقواميس العربية المختلفة. وفي دراسة مستفيضة في كتاب (العربية: دراسات في اللغة واللهجات و الأساليب)  للمستشرق الألماني يوهان فك (1894 ـ 1974 م) ترجمة د. رمضان عبد التواب يذكر في ص112 (ينطق أكثر السوريين وبعض المغاربة الضاد مثل الظاء.... فمن الناس من ينطقها كالدال، وغيرهم كالطاء، وآخرون يومئون إليها بالظاء.... وبعض الناس ينطقها دالاً فخمة، وبعضهم ينطقها دالاً عادية، وأخيراً ينطقها بعضهم لاماً مفخمة). وعادة ما يرمز للضاد في الحروف اللاتينية بوضع نقطة تحت حرف (ḍ) لتجسيد حرف الضاد. فإن كانت أمور الإشكال اللغوي لحرف الضاد والظاء بهذا الشكل لدى الشعوب العربية، فكيف يكون الحال لدى غير الناطقين بالعربية. ومن خلال هذا التنوع النطقي ليس من المنطق أن تتفاوت الألفاظ فيما حُدّد بمجموع إثنتين وثلاثين كلمة من مجموع ثلاث وتسعين كلمة تكتب بحرف (الظاء) وما سواها يكتب بحرف (الضاد)، علماً بأن غير المستعمل والمُهمل والغريب من مجموع 93 كلمة تم إبعادها وتصفيتها لينحصر العدد بإثنتين وثلاثين كلمة متداولة تحوي الظاء لسهولة ضبطها في الكتابة الصحيحة والنطق الصحيح. ولصعوبة التمييز بين حرفي الضاد والظاء ننقل هنا عمّا ورد في بعض المصادر ومنها ما أورده الجاحظ في الجزء الثاني من كتاب "التبيان والتبيين" ص 211 حين يذكر" كان رجل بالبصرة له جارية تسمى ظمــياء ، فكان إذا دعاها قال : يا ضميـــاء ! ، فقال له ابن المقفع : " قل يا ظمياء ! " ، فناداها : " يا ضميـــاء ! " فلما غيّرعليه ابن المقفع مرتين أو ثلاثًا قال له: أهي جاريتي أو جاريتك ؟" هذا الإشكال اللغوي في النطق الصحيح هو من أفواه أئمة مشاهير اللغة العربية. فكيف بنا نحن اليوم؟!
ومن مضمون هذا الإشكال اللغوي يتفاوت معنى الكلام، فمثلاً لو قلنا (الضالين) بالظاء لتبين فحوى ذلك بالدائميين لأصبح ذلك ما يخالف المعنى المقصود، كما يذكر العلامة العراقي الأصل أبو الفرج بن الجوزي (1116 ـ 1201م) في كتابه " التمهيد في علم التجويد) ص 82 ـ 83 بهذا الخصوص ما يلي: (منهُم مَن يَجعلُه ظاءً مطلقًا لأنَّه يشارك الظاء في صفاتها كلها ويزيد عليها بالاستطالة - فلولا الاستِطالةُ واختلافُ المخْرَجَيْنِ لكانتْ ظاءً - وهم أكثَرُ الشاميِّين وبعضُ أهل المشرق، وهذا لا يجوز في كلام الله تعالى، إذ لو قلنا (الضَّالِّين) بالظَّاء كان معناه: الدائمين، وهذا خلافُ مُرادِ الله تعالى، وهو مبطل للصلاة؛ لأنَّ الضَّلال بالضاد، هو ضِدُّ الهُدَى كقوله تعالى: }ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] و }وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] ونحوه، وبالظَّاء هو الدَّوام كقوله تعالى: }ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النحل: 58] فمثل الذي يجعل الضادَ ظاءً في هذا وشبْهِه كالذَّي يُبْدِل السين صادًا في نَحو قولِه تعالى: { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} الأنبياء: 3] و} وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا} [نوح: 7] فالأول من السر والثاني من الإصرار).
ومن الغرابة أيضاً، أن أية كلمة  تبدأ بأحد الأحرف التالية :(أ- ت - ث - ذ - ز- ط - ص - ض - س) لا يوجد فيها حرف الظاء بتاتا، بالنسبة للمفرد مثل "ظفر" وليس للجمع  "أظافر". لذا يمكننا القول: بما أن الضاد والظاء حرفان مستقلان حالهما حال القلب والإبدال في السين والشين، والذال والزاي والثاء وأي حروف متقاربة في اللفظ تؤدي لإشكال في الإملاء والنطق الصحيح. ولكي يكون القارئ الكريم على معرفة من المفردات الأكثر شيوعاً بالنسبة لحرف الظاء ننقلها أدناه من منتدى اللغة العربية وعلومها، وهي كالتالي:
(الحَظّ: بمعنى النصيب. الحِفْظُ: وهو ضد النسيان . الحَظْرُ: وهو المنع .الحَظْوَةُ: وهي الرفعة .الظلم. الظليم: وهو ذكر النعام .الظبي : وهو الغزال .الظبة: وهي طرف السيف .الظعن: وهو السفر بالنساء. الظرف. الظريف .الظَّنُّ .الظِّلُّ .الظفر : وهو ضد الخيبة .الظهر. الظماء .الكظم : وهو كتم الحزن. اللحظ:  وهو النظر. اللفظ .النّظْمُ  ومنها النظام النظافة .النظَر. العظم. العظيم. العَظَل : وهو الشدة ، من قولهم : أمر معظل. الغيظ : بمعنى الحنق .الفظاظة : وهي القسوة .الفظاعة : من الأمر الفظيع ، وهو الشنيع .التقريظ : مدح الحي بالشعر .المواظبة. الوظيفة. اليقظة : ضد النوم).
ولا يخفى على أحد بما لا يحصى من المقالات والبحوث لا زالت تعالج تلك الإشكالات في صفحات الإنترنيت وإصدار الكتب عنها لتلافي الصعوبات وأشهرها كتاب "الإعتماد في نظائر الظاء والضاد" لجمال الدين محمد بن عبدالله الطائي، ابن مالك (1274 ـ 1203) الذي أشار اليه المستشرق الألماني كارل بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي، ومؤلف المعجم السرياني 1895. وفي الجزء العاشر سنلقي الضوء على الحرفين المذكورين بشكل أوسع وضرورة إضافتهما إلى اللغة الآشورية المعاصرة بغية التطوير الصوتي في الأبجدية الآشورية إن جاز التعبير.


29
يوم الشهيد الآشوري
يوم الشهيد الآشوري على الأبواب في السابع من شهر آب. ولهذه المناسبة الأليمة التي مرت على الشعب الآشوري بكافة مكوناته وتسمياته سيحيى نادي بابيلون الآشوري ونادي طورعابدين الآشوري ذكراهم ويقيم تأبيناً خاصاً لهم وفق ما يلي:
اليوم والتاريخ والوقت: يوم الأحد المصادف 7 آب في تمام الساعة السادسة والنصف مساءً.
المكان: نادي بابيلون الآشوري في يونشوبينغ.
العنوان: ( Åsrnvägen 47, Mariebo, Jönköping)
حضوركم يؤكد مدى وعيكم، وإحترامكم لمن ضحوا بحياتهم من أجل بقائنا للحفاظ على وجودنا.
فأهلاً ومرحا بكم
اللجنة الثقافية المشتركة للناديين

ܝܘܡܐ ܕܣܗܕܐ ܐܬܘܿܪܝܐ
ܝܘܡܐ ܕܣܗܕܐ ܐܬܘܿܪܝܐ ܕܝܼܠܹܗ ܩܪܒܘܼܢܹܐ ܥܠ ܬܪ̈ܥܢܹܐ ܒܝܘܡܐ ܕ 7 ܐܒ، ܒܐܗܐ ܥܘܼܗܕܵܢܐ ܡܲܡܪܸ̈ܥܵܢܵܐ ܕܚܫܐ ܕܩܘܼܒܠܹܐ ܝܠܹܗ ܥܲܡܵܐ ܐܬܘܿܪܝܐ ܒܟܠܲܝܗـܝ ܫܘܼܡܵܗܹ̈ܐ ܕܐܝܼܬܠܹܗ ܒܸܕ ܡܢܵܚܸܡ ܒܹܝܬ ܣܡܵܟܼܵܐ ܕܒܵܒܝܼܠܘܿܢ ܕܐܬܘܿܪ̈ܝܐ ܥܡ ܚܘܼܕܪܵܐ ܐܬܘܿܪܵܝܐ ܕܛܘܼܪܥܵܒܕܝܼܢ ܓܵܘ ܝܘܿܢܫܘܿܦܝܼܢܓ ܠܕܟܼܵܪ̈ܲܝܗـܝ ܘܡܛܵܟܸܣ ܒܘܼܝܵܐܵܐ ܕܝܼܠܵܢܵܝܵܐ ܠܐܝܼܩܵܪ̈ܲܝܗـܝ ܐܝܟܼ ܕܒܹܐܬܵܝܵܐ ܝܠܵܗܿ:
ܝܘܡܐ ܘܣܝܼܩܘܼܡܐ ܘܥܸܕܵܢܵܐ: ܕܘܼܡܐ ܕܚܲܕَܒܫܲܒܵܐ 7 ܐܒ ܣܵܥܲܬ 18.30 ܒܪܲܡܫܵܐ.
ܕܘܼܟܵܐ: ܒܹܝܬ ܣܡܵܟܼܵܐ ܕܒܵܒܝܼܠܘܿܢ ܕܐܬܘܿܪ̈ܝܐ
ܡܚܲܘܝܵܢܝܼܬܵܐ: ( Åsrnvägen 47, Mariebo, Jönköping)
ܛܘܼܝܵܒܼܘܿܟܼܘܿܢ ܝܲܢ ܗܕܲܪܬܵܘܟܼܘܿܢ ܫܲܪܘܿܪܹܐܬܘܿܢ ܣܵܘܟܼܵܐ ( ܡܸܬܚܵܐ) ܕܥܝܼܪܘܼܬܵܘܟܼܘܿܢ، ܘܡܝܲܩܪܘܼܬܵܘܟܼܘܿܢ ܠܐܵܢܝܼ̈ ܕܕܒܼܚܠܗَܘܿܢ ܠܚܲܝܵܝܗـܝ ܡܛܘܿܠ ܕܦܝܵܫܬܲܢ ܠܢܝܼܫܵܐ ܕܚܵܡܲܝܬܵܐ ܕܐܝܼܬܘܼܬܲܢ.
ܒܫܲܝܢܵܐ ܐܬܝܼܬܘܿܢ
ܣܝܼܥܬܵܐ ܡܲܪܕܘܼܬܵܢܵܝܬܵܐ ܡܸܫܬܲܪܟܲܢܬܵܐ ܕܬܪܬܝܢ ܚܘܼܕܪ̈ܐ

30
الأبجدية في مراحلها التاريخية 8 
الجزء الثامن
بقلم: ميخائيل ممو
ان حياة الإنسان في عالمنا المتحضر بمرتكزات آليات التقنيات الحديثة يعتمد اللغة في كافة العلوم والمعارف ومناحي الحياة في ديناميكيتها  بالحركة والنشاط والحيوية بما يشهده العالم ، فاللغة هي مصدر ما توصل اليه الإنسان بتطورها المرحلي المتعاقب منذ الاف السنسن، لحد ما بلغ مجموعها ما يزيد عن الستة آلاف لغة متفاوتة بين ثنايا شعوب العالم التي ترادفت في المعنى الإنساني وإختلفت لفظاً في تسمياتها. وهذه دلالة على تواصلها ما بين الماضي والحاضر ولما يخفيه المستقبل بين الأجيال المتوالية. لذا فإن الحاضر اللغوي ـ شئنا أم أبينا ـ ورثناه عن الماضي، مستمداً من اللغة الصورية فالعهد السومري والقبطي، فالمسمارية الآشورية والأوغاريتية المسمارية المتطورة في اللاذقية المدعمة والمؤكدة بثلاثين حرفاً مستقلاً، إضافة لمن إعتمد المسمارية في تلك الفترة، كالعيلاميين في المناطق الجبلية من آسيا الصغرى والحيثيين الذين هم مجموعة من القبائل ومن ثم الفينيقية (22 حرفاً) إلى ما بين القرنين العاشر والحادي عشر،  فالآرامية المستمدة من الفينيقية،  والعربية أيضاً (22 حرفاً) التي أضيف لها ستة حروف نطقية مناسبة لأصوات الألفاظ المختلفة التي هي (ثخذ ضظغ)، وكما هي مرتبة حسب الترتيب الأبجدي في الآشورية / السريانية أي أبجد هوز حطي الخ.. وباقي الساميات (حسبما تصنف وتسمية النمساوي شلوتزر عام 1871) لتلحق بعد "قرشت" ستة حروف إضافية ليصبح عدد الحروف العربية 28 حرفاً.. علماً بأن أصوات اربعة حروف منها ما عدا (ضظ) لا وجود لها في الآشورية أو المصطلح السرياني ، حيث أن الحروف الأربعة الباقية اعتمدت في الآشورية كلواحق للأبجدية المسماة بالروادف مثلما في العربية بفعل تأثير حالات ورودها في المفردة من حيث السكون والتشديد وقواعد أخرى، وذلك بوضع وإضافة نقطة تحت الحروف المركبة في كلمة " بگدكپت (ܒܓܕܟܦܬ) أي الباء والـ (گ) الجيم المصرية والدال والكاف والـ (پp ) والتاء،  لتلفظ ( ڤ = و أو v ، غ ، ذ ، خ ، ف ، ث)، وحين تشذ عن ذلك توضع نقطة فوقها لتلفظ كما هي وتسمى بالمقشاة أي نطقها الإعتيادي. علماً بأن العربية تفتقر الى حرف (p)  الموجود في الآشورية أو السريانية المرادفة للآشورية ليتم تعويضه بالشكل التالي (ݒ)، وإفتقار الآشورية لحرف الفاء في الأبجدية الأصلية المستعملة اليوم ليعوض بوضع نصف قوس مصغر أو الشبيه بالهلال تحت ( ܦp =  ) بالشكل التالي: (ܦ̮). وفي الخط المعروف بالسرياني الغربي المستحدث عن الاسطرنجيلي يتم تعويض القوس بنقطة فوق الـ (ܦܿ) لتلفظ بصوت الفاء. وزيادة على ذلك تضاف في الآشورية أيضاً علامة (  ̰ ) تحت (گ ܓ) باللفظ المصري ليطابق صوت الجيم "ج" وتسمى تلك العلامة الرمزية بـ "المجليانا"، وبنفس العملية مع الكاف (ܟـ الأولية والمتوسطة و ܟ الآخرية) لتدل على صوت (ch)  الإنكليزي كما في (Church) الذي تفتقره العربية. وذات العلامة فوق الزاي والشين ( ܙ ، ܫ ) لتدل على صوت (Usual)  (television) إضافة لصوت حرف (v) الإنكليزي بوضع نقطة تحت الباء الآشورية (ܒܼ) لإعتماد ذات الصوت  الذي تفتقر الية العربية أيضاً ليتم تعويضه بالشكل التالي (ڤ)،  بالرغم من قلة المفردات المطابقة لأصوات الحروف الثلاثة لكون أغلبها من الدخيلة، وللضرورة فقد تم إضافتها لتتناسب مع الكلمات الدخيلة في الآشورية بحكم المعايشة الزمنية المتواصلة وروابط الجوارفي حدود ذات المناطق الإقليمية.
إن مسألة التطور اللغوي مسألة حتمية تمليها عوامل الحاجة للإفصاح عما هو عليه، ولكي نؤكد ذلك طالما نكتب بالعربية نورد هنا ما اعتمدته اللغة الآشورية بإستعمال النقاط كما أشرنا أليها، حيث أن طابع الحركات في الخط العربي إعتمده أبو الأسود الدؤلي بشكل نقاط للتمييز بين الرفع والنصب والمجرور، حين وضع نقطة تحت آخر حرف بمثابة الكسرة ، والنقطة إلى جانب الحرف للدلالة على الرفع، ونقطة فوق الحرف للدلالة على بمثابة الفتحة. وبعدها جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي ـ صاحب الأوزان الشعرية ـ بالتطور الحاسم حين استبدل النقاط بعلامات مألوفة اليوم وهي الفتحة والضمة والكسرة، ليزيد علامات أخرى منها السكون والمدة والشدة وهمزة الوصل والقطع. والهدف من ذلك التطوير اللغوي من حيث الكتابة الصحيحة والنطق الصحيح، كما تم فعله لدى الآشوريين في الخط الشرقي بإستعمال النقاط  وإستعارة الخط الغربي من الحركات اليونانية الشبيهة نوعا ما بالعربية ولحد يومنا الحالي.
أحيانأً تلعب الظروف المناخية الجغرافية  دورها في تطبع الأوتار الصوتية على نطق بعض الحروف التي تشكل كلمة ما، ولا يتسنى لشعب ما من نطقها بشكلها الصحيح كما هو الحال للأجنبي مثلاً في صعوبة تواصله من حرف القاف والحاء بالعربية مثلاً حين يلفظ الحاء بالهاء والقاف بالكاف، علماً بأن مصدر الحاء من وسط الحلق، والهاء من أقصى الحلق. وليس من المستغرب أن نجد هذه الحالة بين أطياف شعب واحد يتحدث وينطق بجذور ذات اللغة وتتفاوت لديه نطق ذات الحروف، ومنها ما يخص حرف الحاء لدي الآشوريين أيضاً كأقرب مثال، حيث تجد سكنة بعض القرى في شمال العراق وسوريا وتركيا ينطقون الحاء كما هو في العربية من وسط الحلق، بينما تجد لدى بني آشور قاطبة ينطقونه بالخاء، إلا الذين نزحوا الى المدن أو الذين تتلمذوا على دراسة العربية وإتقانها، مستثنياً منهم من تعلق واحتفظ بلغته الآشورية الأصيلة لإفتقارها من حرف الحاء، وعدم ورود أي كلمة تشكل فيها حرف الحاء في أحاديثهم اليومية ليضطروا على نطقه بالهاء. ومن جراء ذلك نجد هكذا إشكالات لغوية يستصعب فرز المعنى المقصود في الحديث، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما بين اللفظ الشرقي حين يقال "لخما" بمعنى الخبز واللفظ الغربي الذي يقال له لحما أو لحمو التي يظنها الشرقي بمعنى اللحم. أو في كلمة "خمرا" الذي يعنى بها النبيذ، لتنطق "حمرا أو حمرو" ليفهمها الطرف الأول بأن معناها اللون الأحمر وهناك الكثير من المفردات على هذا المنوال. ما أشرت اليه ليس فقط من باب النطق اللغوي المتعارف عليه لدى اللغويين الذين لديهم معرفة باللهجتين، وإنما الذين لا معرفة لهم، مؤكداً ذلك من خلال معاشرتي حين أسأل (بضم الألف الأولى وفتح الثانية) من زملاء لي ماذا يعنى بذلك؟ وهنا لا استثني نفسي حين كنت أقدم برنامجاً تلفزيونيا في منتصف السبعينات من تلفزيون بغداد باللغة الآشورية حين صادف مهرجان أفرام ـ حنين، بإستضافة اللغوي المرحوم ابروهوم نورو حين قال سأتحدث بلغتي الأم الخاصة ويعني بذلك قلب الف الإطلاق إلى الواو في نهاية الكلمة، وعليك أنت أن تقلبها إلى الألف لتفهم ما أعنيه.   
من خلال هذا العرض الموجز الذي نآنا عن الموضوع الرئيسي نوعاً ما، لا نعني استثناء العديد من النظريات وما لا يحصى من البحوث والمؤلفات التي عالجت منشأ الأبجدية أو الألفبائية مثلما تسمى في اليونانية واللاتينية (Alpha-Betta) من صوت الحرفين الآولين، والتي لم يُؤكَد صحتها من اللغويين الباحثين والخبراء الآثاريين، رغم ما يوعزه الباحثون اللغويون من إختلافات في الرأي عن مصدرها الأساسي. وبما أن أطوار الكتابة لقد مرت بمراحل مختلفة لا بد من الإشارة لها بإيجاز والتي هي:
   الكتابة التصويرية أو الصورية. 2. الكتابة الرمزية. 3. الكتابة المقطعية. 4. الكتابة الصوتية. 5. الكتابة الأبجدية الألفبائية.
لذا فإن المرجح لأسسها الأولى وفق أغلب الخبراء هوجنوب وادي الرافدين ومصر. في وادي الرافدين، استناداً للكتابة السومرية والآشورية البابلية المسمارية في نهاية الألفية الرابعة ق.م. التي توصل لحل رموزها مجموعة من الألمان ومنهم على وجه الخصوص العالم كارستن نيبور 1756 الذي راحت اتعابه أدراج الرياح، ليأتي بعده الشاب غروتفند المولود عام 1775، وكان يدرس اللغة اليونانية في مدرسة ألمانية، حيث استطاع أن يتوصل لفك رموز سبع علامات من خلال كلمة "ملك" المتكررة في الألواح السومرية، لتكون المفتاح الذي اهله لحل ما دُوّن آنذاك بالخط المسماري، فتم عرض ما توصل اليه على أكاديمية العلوم بمدينة غوتنغن الألمانية سنة 1802. كما  وكان لدور الإنكليزي هنري لايارد أهمية متميزة بالعثورعلى مواقع كنوز الآثار الآشورية في مناطق مختلفة   وإكتشاف العديد من الآثار والألواح أو الرقم الطينية الفخارية وخاصة في نينوى ومكتبة آشور بانيبال التي احتوت خمسة وعشرين ألف لوح مسماري، لتضاف إلى خزائن أرشيف ماري بعددها البالغ أكثر من عشرين ألف لوح مسماري، وأرشيف منطقة إيبلا في سوريا على ثلثمائة ألف لوح مسماري أيضاً، وفق المعجم المسماري للغات الأكدية والسومرية والعربية لمؤلفه نائل حنون عن بيت الحكمة ببغداد 2001، وأصول الحرف الليبي لمؤلفه عبد العزيز الصويعي.  والأساس الآخر لنشأة الأبجدية كما بينا  آنفاً في مصر، استناداً للكتابة الهيروغليفية المقطعية التي فك طلاسمها الفرنسي جون ف. شامبوليون وهو في العقد الرابع من عمره، بواسطة مقارنتها بالنص اليوناني بأن الكتابة المصرية رمزية وصوتية في آن واحد، بحيث ساعد اكتشافه فهم المصادر والوثائق لتاريخ مصر القديم.
ولكي نكون أكثر مقربة من حل رموز الكتابة المسمارية، رغم اختلاف الباحثين في آرائهم ، ننقل فيما يلي ما صدر عن قسم الآثار بكلية الآداب لجامعة بابل لإستاذ المادة أحمد مجيد حميد الجبوري فيما تم تدوينه. 
( بدأت الخطوات الأولى لحل رموز الخط المسماري من خلال الزيارات والرحلات التي قام بها الأوربيون إلى الشرق ، فلهم يعود الفضل في نقل آثارنا إلى أوروبا والتعرف عليها من قبل علمائهم ، وهكذا بدأت المسيرة الصعبة والطويلة لمعرفة الكتابة المسمارية وحلّ رموزها.
كان أول أولئك الرحالة الذين قاموا بزيارة الشرق هو التاجر الايطالي بترو ديلا فاليه الذي زاره إطلال مدينة برسيبوليس في إيران، فعثر على أجرة مكتوبة بكتابة مسمارية، كما استنسخ بعض الكتابات وقام بنشرها في أوروبا.
لقد مرّت محاولات حل الكتابة المسمارية بمراحل عديدة ومن قبل أشخاص كُثُر، كان من أقدمهم الباحث تيسكن الذي استطاع في عام 1798م قراءة أربع علامات من كتابات برسيبوليس العاصمة الأخمينيه التي نقلها العالم الألماني نيبور إلى أوروبا عام 1765م والتي تألفت من 42علامة، كما وتوصل تيسكن إلى معرفة إحدى العلامات المتكررة في النص وهو المسمار المائل الذي يفصل بين الكلمات وتمكن من إثبات أن هذه النصوص تمثل ثلاث لغات مختلفة، وأعقب هذه الخطوة نجاح الباحث الآثاري مونتر في سنة 1802م بالبرهنة على كون كتابات برسيبوليس تعود إلى السلالة الأخمينية وأن لغتها مشابهه إلى لغة الكتاب المقدس المعروف ب (زند أفيستا)، كما استطاع إن يحدد العلامات التي تؤلف كلمة ملك ، وهذه الخطوات ساعدت كثيرا في التوصل إلى حَلْ هذه الكتابة ،وأكد بأن تلك النصوص في حقيقتها نصا واحدا ولكنه مدون بثلاث لغات مختلفة .
 جاء من بعدهم كروتفند العالم الألماني الشهير الذي يعود له الفضل الحقيقي في إيجاد المفتاح الذي لولاه لما حلّت رموز الخط المسماري ووضع اللّمسات الحقيقية الأولى لعلم سمّي فيما بعد بعلم الآشوريات ASSYRIOLOGY).
وما كان يستوجب في بحثنا أن نتوسع أكثر مما هو عليه بعرضنا المقتضب، إلا أنه استثنينا ذلك، فضلاً عن الإطالة أو الإطناب الممل أو الإيجاز المخل، بغية قدح شرارة الإنارة لقرائنا عن هذه اللمحة الإيضائية والتوضيحية لبني شعبنا ومن يطمح في إثراء معلوماته، رغم وجود ما لا يحصى من الدراسات والأبحاث الخاصة بنشأة الأبجدية بلغات مختلفة.
وفي حلقتنا القادمة ـ إن سلمنا من الأمر الخارق للعادة من تداعيات دواعش اللغة دون ردعهم لإكمال مسيرتنا  الكتابية لردع اصرارهم ـ سنسلظ الضوء على حرفي الضاد والظاء في اللغة الآشورية المعاصرة. 



31


لتكملة الموضوع انقر على الرابط التالي

http://www.ankawa.com/sabah/ehtfalat.pdf

32
الأبجدية في مراحلها التاريخية 7
الجزء السابع
بقلم: ميخائيل ممو
أصول الأبجدية
ان حياة الإنسان في عالمنا المتحضر بمرتكزات آليات التقنيات الحديثة يعتمد اللغة في كافة العلوم والمعارف ومناحي الحياة في ديناميكيتها، فاللغة هي مصدر ما توصل اليه الإنسان بتطورها المرحلي المتعاقب منذ الاف السنسن، لحد ما بلغ مجموعها ما يزيد عن الستة آلاف لغة متفاوتة بين ثنايا شعوب العالم التي ترادفت في المعنى الإنساني وإختلفت لفظاً في تسمياتها. وهذه دلالة على تواصلها ما بين الماضي والحاضر ولما يخفيه المستقبل بين الأجيال المتوالية. لذا فإن الحاضر اللغوي ـ شئنا أم أبينا ـ ورثناه عن الماضي، مستمداً من اللغة الصورية في العهد السومري والقبطي، فالمسمارية الآشورية والأوغاريتية المسمارية المتطورة في اللاذقية المدعمة والمؤكدة بثلاثين حرفاً مستقلاً، إضافة لمن إعتمد المسمارية في تلك الفترة، كالعيلاميين في المناطق الجبلية من آسيا الصغرى والحيثيين الذين هم مجموعة من القبائل ومن ثم الفينيقية (22 حرفاً) إلى ما بين القرنين العاشر والحادي عشر،  فالآرامية المستمدة من الفينيقية والعربية (22 حرفاً) التي أضيف لها ستة حروف نطقية مناسبة لأصوات الألفاظ المختلفة التي هي (ثخذ ضظغ)، وكما هي مرتبة حسب الترتيب الأبجدي في الآشورية / السريانية وباقي الساميات (حسبما تصنف وفق النمساوي شلوتزو عام 1871) أي أبجد هوز حطي الخ  لتلحق بعد قرشت وتصبح الحروف العربية 28 حرفاً.. علماً بأن أصوات اربعة حروف منها ما عدا (ضظ) لا وجود لها في الآشورية، حيث أن الحروف الأربعة الباقية اعتمدت في الآشورية كلواحق للأبجدية المسماة بالروادف مثلما في العربية بفعل تأثير حالات ورودها في المفردة من حيث السكون والتشديد وقواعد أخرى، وذلك بوضع وإضافة نقطة تحت الحروف المركبة في كلمة " بگدكپت (ܒܓܕܟܦܬ) أي الباء والـ (گ) الجيم المصرية والدال والكاف والـ (پp ) والتاء،  لتلفظ ( ڤ = و أو v ، غ ، ذ ، خ ، ف ، ث)، وحين تشذ عن ذلك توضع نقطة فوقها لتلفظ كما هي وتسمى بالمقشاة أي نطقها الإعتيادي. علماً بأن العربية تفتقر الى حرف (p)  الموجود في الآشورية، وإفتقار الآشورية لحرف الفاء في الأبجدية ليعوض بوضع نصف قوس مصغر أو الشبيه بالهلال تحت ( ܦp =  ) بالشكل التالي: (ܦ̮). وفي الخط المعروف بالسرياني المستحدث يتم تعويض القوس بنقطة فوق الـ (ܦܿ) لتلفظ بصوت الفاء. وزيادة على ذلك تضاف في الآشورية أيضاً علامة (  ̰ ) تحت (گ ܓ) باللفظ المصري ليطابق صوت الجيم "ج" وتسمى تلك العلامة الرمزية بـ "المجليانا"، وبنفس العملية مع الكاف (ܟـ الأولية والمتوسطة و ܟ الآخرية) لتعطي صوت (ch)  الإنكليزي الذي تفتقره العربية. وذات العلامة فوق الزاي والشين ( ܙ ، ܫ ) لتعطي صوت (television) إضافة لصوت حرف (v) الإنكليزي بوضع نقطة تحت الباء الآشورية (ܒܼ) لإعتماد ذات الصوت،  بالرغم من قلة المفردات المطابقة لأصوات الحروف الثلاثة، وللضرورة فقد تم إضافتها لتتناسب مع الكلمات الدخيلة في الآشورية بحكم المعايشة الزمنية المتواصلة وروابط الجوارفي حدود ذات المناطق.
من خلال هذا العرض الموجز لا نعني استثناء العديد من النظريات وما لا يحصى من البحوث والمؤلفات التي عالجت منشأ الأبجدية أو الألفبائية مثلما تسمى في اليونانية واللاتينية (Alpha-Betta) من صوت الحرفين الآولين، والتي لم يُؤكَد صحتها من اللغويين الباحثين والخبراء الآثاريين، رغم ما يوعزه الباحثون اللغويون من إختلافات في الرأي عن مصدرها الأساسي. وبما أن أطوار الكتابة لقد مرت بمراحل مختلفة لا بد من الإشارة لها بإيجاز والتي هي:
1.   الكتابة التصويرية أو الصورية. 2. الكتابة الرمزية. 3. الكتابة المقطعية. 4. الكتابة الصوتية. 5. الكتابة الأبجدية الألفبائية.
لذا فإن المرجح لأسسها الأولى وفق أغلب الخبراء هوجنوب وادي الرافدين ومصر. في وادي الرافدين، استناداً للكتابة السومرية والآشورية البابلية المسمارية في نهاية الألفية الرابعة ق.م. التي توصل لحل رموزها مجموعة من الألمان ومنهم على وجه الخصوص العالم كارستن نيبور 1756 الذي راحت اتعابه أدراج الرياح، ليأتي بعده الشاب غروتفند المولود عام 1775، وكان يدرس اللغة اليونانية في مدرسة ألمانية، حيث استطاع أن يتوصل لفك رموز سبع علامات من خلال كلمة "ملك" المتكررة في الألواح السومرية، لتكون المفتاح الذي اهله لحل ما دُوّن آنذاك بالخط المسماري، فتم عرض ما توصل اليه على أكاديمية العلوم بمدينة غوتنغن الألمانية سنة 1802. كما  وكان لدور الإنكليزي هنري لايارد أهمية متميزة بالعثورعلى مواقع كنوز الآثار الآشورية في مناطق مختلفة   وإكتشاف العديد من الآثار والألواح أو الرقم الطينية الفخارية وخاصة في نينوى ومكتبة آشور بانيبال التي احتوت خمسة وعشرين ألف لوح مسماري، لتضاف إلى خزائن أرشيف ماري بعددها البالغ أكثر من عشرين ألف لوح مسماري، وأرشيف منطقة إيبلا في سوريا على ثلثمائة ألف لوح مسماري أيضاً، وفق المعجم المسماري للغات الأكدية والسومرية والعربية لمؤلفه نائل حنون عن بيت الحكمة ببغداد 2001، وأصول الحرف الليبي لمؤلفه عبد العزيز الصويعي.  والأساس الآخر لنشأة الأبجدية كما بينا  آنفاً في مصر، استناداً للكتابة الهيروغليفية المقطعية التي فك طلاسمها الفرنسي جون ف. شامبوليون وهو في العقد الرابع من عمره، بواسطة مقارنتها بالنص اليوناني بأن الكتابة المصرية رمزية وصوتية في آن واحد، بحيث ساعد اكتشافه فهم المصادر والوثائق لتاريخ مصر القديم.
ولكي نكون أكثر مقربة من حل رموز الكتابة المسمارية، رغم اختلاف الباحثين في آرائهم ، ننقل فيما يلي ما صدر عن قسم الآثار بكلية الآداب لجامعة بابل لإستاذ المادة أحمد مجيد حميد الجبوري فيما تم تدوينه. 
( بدأت الخطوات الأولى لحل رموز الخط المسماري من خلال الزيارات والرحلات التي قام بها الأوربيون إلى الشرق ، فلهم يعود الفضل في نقل آثارنا إلى أوروبا والتعرف عليها من قبل علمائهم ، وهكذا بدأت المسيرة الصعبة والطويلة لمعرفة الكتابة المسمارية وحلّ رموزها.
كان أول أولئك الرحالة الذين قاموا بزيارة الشرق هو التاجر الايطالي بترو ديلا فاليه الذي زاره إطلال مدينة برسيبوليس في إيران، فعثر على أجرة مكتوبة بكتابة مسمارية، كما استنسخ بعض الكتابات وقام بنشرها في أوروبا.
لقد مرّت محاولات حل الكتابة المسمارية بمراحل عديدة ومن قبل أشخاص كُثُر، كان من أقدمهم الباحث تيسكن الذي استطاع في عام 1798م قراءة أربع علامات من كتابات برسيبوليس العاصمة الأخمينيه التي نقلها العالم الألماني نيبور إلى أوروبا عام 1765م والتي تألفت من 42علامة، كما وتوصل تيسكن إلى معرفة إحدى العلامات المتكررة في النص وهو المسمار المائل الذي يفصل بين الكلمات وتمكن من إثبات أن هذه النصوص تمثل ثلاث لغات مختلفة، وأعقب هذه الخطوة نجاح الباحث الآثاري مونتر في سنة 1802م بالبرهنة على كون كتابات برسيبوليس تعود إلى السلالة الأخمينية وأن لغتها مشابهه إلى لغة الكتاب المقدس المعروف ب (زند أفيستا)، كما استطاع إن يحدد العلامات التي تؤلف كلمة ملك ، وهذه الخطوات ساعدت كثيرا في التوصل إلى حَلْ هذه الكتابة ،وأكد بأن تلك النصوص في حقيقتها نصا واحدا ولكنه مدون بثلاث لغات مختلفة .
 جاء من بعدهم كروتفند العالم الألماني الشهير الذي يعود له الفضل الحقيقي في إيجاد المفتاح الذي لولاه لما حلّت رموز الخط المسماري ووضع اللّمسات الحقيقية الأولى لعلم سمّي فيما بعد بعلم الآشوريات ASSYRIOLOGY).
وما كان يستوجب في بحثنا أن نتوسع أكثر مما هو عليه بعرضنا المقتضب، إلا أنه استثنينا ذلك، فضلاً عن الإطالة أو الإطناب الممل أو الإيجاز المخل، بغية قدح شرارة الإنارة لقرائنا عن هذه اللمحة الإيضائية والتوضيحية من بني شعبنا ومن يطمح في إثراء معلوماته، رغم وجود ما لا يحصى من الدراسات والأبحاث الخاصة بنشأة الأبجدية بلغات مختلفة.
وفي حلقتنا القادمة سنسلظ الضوء على حرفي الضاد والظاء في اللغة الآشورية المعاصرة. 


33
التزاوج اللغوي بين مجموعة اللغات السامية
الجزء السادس
بقلم: ميخائيل ممو
ما تشهد له شعوب العالم القديم والحديث عن دور الدين والسياسة على الوجود اللغوي، له تأثيره الواضح والجلي على تركيبة الدولة في سلطاتها الثلاث للهيكل الحكومي إلى جانب صدى السلطة الرابعة التي أصبحت اليوم أكثر دوياً لنشر الوعي والتأثير على الواقع المُعاش، وعلى شكل خاص ومتميز حين تتواجد لغتان أو أكثر في منطقة معينة بحكم ستراتيجيات السيطرة السياسية والإثنية للمناطق الجغرافية، إلى جانب نزعة الإستحواذ الديني أيضاً بمذاهبة المختلفة وفرض السيطرة. وأحياناً عادة ما تتسم بعض الشعوب الأثنية بالمرونة والتقبل رغم سعة المساحة التي تفرض وجودها عليها، مثلما أتبع الفرس اللغة الآرامية بأبجديتها المبسطة وتراكيب جملها وصرفها بانتشار استعمالها في المناطق التي كانت تحت نفوذها، وأبعد من ذلك بحكم التعامل التجاري والمراسلات والعقود، ومن ثم قدوم الزحف العربي الذي أودى بالوجود اللغوي الآرامي الذي انتشر لحدود كبيرة خارج دائرة الحكم الفارسي. وهنا لا نستثني لغة الشعب السومري بعد الحكم الأكدي فالبابلي والآشوري بإمتزاج لغتيهما تحت تسمية البابلية الآشورية أو الآشورية البابلية وفق المعجم الأكدي، وبالتالي تأثيرها المباشر على اللسان الآرامي وعكس ذلك بتداخلهما معاً، وعلى العربية التي استمدت ما لا يحصى من المفردات التي تفتقر اليها في حينها ليتم اعتمادها في إطار الكلمات المعربة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أسماء أشهر السنة، الأرقام والأعداد، أعضاء جسم الإنسان كالإذن والفم واللسان واليد والكتف وغيرها،  وأسماء العلم مثل سخريا أو زخريا لتصبح زكريا وشمائيل لتكون اسماعيل وأوراهم لتصبح إبراهيم وأسماء بعض الحيوانات كالنمر والذئب والثور والنسر والعقرب وغيرها مما ذكرنا التي لا مجال بالإشارة اليها لسعتها. ولمن يود معرفة ذلك عليه بالمعجم الأكدي البابلي الآشوري من منشورات المجمع العلمي العراقي، ومحاضرات الأستاذ المستشرق ج. برجشتراسر استاذ اللغات السامية في جامعة ميونخ وغيره، ناهيك عن الألفاظ اللهجوية المتداولة في العامية التي أشرنا إلى البعض منها في بحثنا السابق وفق ما ذكره العلامة اللغوي المرحوم انستانس الكرملي في مجلته "لغة العرب" وجرجي زيدان في سلسة مؤلفاته عن تاريخ آداب اللغة العربية  وغيرها من المصادر العربية والأجنبية على يد المستشرقين. وللإيضاح أكثر استقينا الكلمات الواردة في الجدول أدناه بالحرف العربي على ضوء طريقة مصطلح الصياغة الكرشونية التي تعني كتابة لفظ الكلمة الآشورية بالحرف العربي.



نستدل من النماذج المذكورة في الجدول أعلاه عن تشابه المفردات في معانيها وتوارثها عن الأكدية أي اللغة البابلية الآشورية رغم تفاوت استبدال حروف الشين والسين والتاء والحاء والخاء والكاف لإسباب نطقية أو لفظية لكل مجموعة أو شعب من الشعوب المذكورة.
وقس على ما بيناه في الجدول المنوه عنه عن الألفاظ القرآنية الدينية المُستقاة التي منها الهيكل والسماء والملك والإسم والنفس وغيرها المتوارثة عن التطور الحضاري واللغوي بعد الميلاد ومنها السلطان (شولطانا)، الصلاة أو الصلوات (صلوتا)، الشيطان أي إبليس (ساطانا)، الفردوس (پرديسا)، القسيس (قاشا)، المسيح (مشيحا أو مشيخا)، جهنم (گيهانا)، الصيام (صوما)، طوبى (طووا)، فرقان (پورقانا، ڤورقانا)، القداس (قوداشا) الكفر(كوپرنيا أو كوفرنيا)، النذر (نِذرا أو نِدرا)، الروح (روخا أو روحا)، الرحمة (رخموتا) وغيرها التي أثرت في اللغة العربية الأدبية الفصيحة. علماً عن تواجدها في العبرية الحديثة أيضاً وفق ما تشير اليه المصادر التاريخية. هذه دلالة على تداخل الآشورية / السريانية / الآرامية وتزاوجها مع العربية بدلالة الجذر اللغوي المشترك لها مع الفارق اللفظي البسيط مقارنة بقواعد الكتابة الصحيحة، حيث نجد في الآشورية اتصافها بألف الإطلاق كتابة ولفظاً، بينما السريانية والآرامية تدون بذات الحروف وتلفظ نهاياتها بالواو والعربية بالضم أو التنوين والعديد من الحبشية الأثيوبية حسب لهجاتها المتعددة بالياء للمفردة الواحدة حسب ما يلي: ( اليوم: يَوْما، يَومو، يومٌ، يومي ) واللفظ ما بين الآشورية والسريانية قد يكون لأسباب دينية لاهوتية حتمت عوامل الإنشطار الكنسي بين المذهب اليعقوبي والنسطوري في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي (451 م.)، ليسري مفعولها على اللغة أيضاً وذلك بتغيير رسم شكل العديد من حروف الأبجدية بخط مختلف له ذات الصفات النطقية، وإستعارة الحركات اليونانية الشبيهة على ما هو في العربية كالضمة والفتحة والكسرة  في حال تشكيل الحروف لتفريقها عن الحركات الشرقية من أتباع المذهب النسطوري المتمثلة بالنقاط فوق وتحت الحروف.
ولكي لا يغيب عن بال القارئ ويكون على علم بأن هناك من الكلمات في حقول متفاوتة تشترك فيها كافة اللغات المنضوية تحت فصيلة المجموعة السامية كالعربية والعبرية والأثيوبية. نضيف هنا البعض من الكلمات كإشارة لذلك ومنها اللهب والبرق، القمح والدبس والسكر، والطحن والطبخ والقلي، ثم العدد الكبير من الأفعال: علا وقدم وقرب وبكا وصرخ وذكر وسأل ولبس ونقل وركب وقرص وقدس وخطئ وذبح وبارك وفتح وغيرها.
ومما ينبغي الإشارة اليه أن العربية اتسعت دائرتها بحكم الفتوحات الإسلامية وهيبة النصوص القرآنية والعلاقات التجارية سواء مع الآراميين في دمشق، والفرس في الحيرة والمدائن، والحبشة في حينها واليمن وما تم ترجمته عن اليونانية بواسطة الآشورية والآرامية السريانية كما تسمى، وذلك في مجال العلوم الفلسفية واللاهوتية وبشكل خاص في أوائل انتشار الدعوة المحمدية وسعة انتشارها في بلدان الشرق، وعلى وفق متميز في بلاد ما بين النهرين من العصر العباسي والأموي. وكان لتلك  التأثيرات دورها في الصياغات اللفظية كقلب صوت الحرف كما هو حال التداخل بين الفارسية والعربية في العديد من الأصوات ومنها قلب حرف الهـاء إلى الحاء، ومن (گ) إلى الخاء، ومن العين إلى الألف، والكاف بالقاف، ومن الشين إلى السين التي أصلها أبريشم لتصبح أبريسم ، وكما في الآشورية في كلمة "شولطانا" لتصبح بالعربية "السلطان" و "شوقا" لتصبح "السوق" و"شعتا" إلى "ساعة" و "شبيلا" إلى سبيل وشبلا إلى سنبلة وغيرها مما لا يحصى من الأمثلة. وفي هذا المنحى هناك العديد من الحروف المستبدلة بحروف أخرى في اللفظ بين القبائل العربية قبل الإسلام تم الإشارة اليها في بحثي الموسوم "جذور اللغة العربية" المنشور في الشبكة العنكبوتية بغية الإطلاع عليه. ولا يفوتنا أن نذكر أيضاً عن لغة منطقة معلولا وبخعا وجبعدين في سوريا لبعض الحروف بألفاظ مغايرة وفق ما تبين لي من خلال مقابلتي لأعمر رجل في السن حين طلبت منه تلاوة الصلاة الربانية بغية تسجيلها وهو يلفظ الجيم بالغين مع إضافة بعض المفردات العربية، حيث أنه من الممكن أن نسوغ هذا التغيير بتأثير اللفظ الأكدي على الآرامي فالسرياني ومن ثم اللغات الأخرى، كما هو الحال لدى شعوب الدول الغربية الذين لا يستطيعوا لفظ الحاء والقاف، وكذلك من مهاجري شعوب الشرق الأوسط إلى الدول الأوربية من صعوبة لفظ صوت بعض الحروف الصائتة ومنها في السويدية مثل "u    ö, å, ä,y" ولغات أخرى لعدم تطبع الأوتار الصوتية عليها.
من هذا الشرح الموجز يتضح لنا عن توافق العديد من الألفاظ بين الآشورية والفينيقية والآرامية والسريانية والعبرانية والعربية والحبشية مثل ثور، عقرب، غراب، إيل، يوم، زمان، ملك وملكة  وغيرها التي يصعب علينا حصرها، ونشرت أشعتها على أرض لغات أجنبية عديدة ومنها الأوربية للمفردات التي تفتقر في قواميسها اللغوية المستعارة من الأكدية مصدر التفرعات اللغوية الأخرى بتسميات مختلفة من ذات الفصيلة السامية بحكم التوافق والتداخل وفق ما اثبتوه علماء وخبراء علم اللغات من القدامى والمحدثين في العالم الشرقي والغربي، ومن أمثلة تلك المفردات التي نألفها اليوم نذكر ما يلي: الزعفران، الغار، نفط، سمسم، إيل، قُطن، رُز، عنبر، قلي، ناس، فردوس، أرض، عين وغيرها مستعملة وفق الفاظ اللغات المعنية لإغناء تراثها اللغوي.
وفي الجزء السابع سنلقي الضوء على واقع الأبجدية التي لعبت دوراً كبيراً في حياة البشرية على التدوين الكتابي برموزها المألوفة بغية الربط  بين استعمالات مجموعة اللغات السامية رغم تفاوتها عن بعضها لرسم شكل الحروف.



34
تأثيرات التفاوت اللهجوي على التعليم اللغوي
الجزء الخامس
بقلم: ميخائيل ممو
تواصلاً مع ما سبق في القسم الرابع من بحثنا عن " دور اللغة وأهميتها في حياة الشعوب " نُكمل هنا عن التفاوت النطقي بمؤثرات مكامن اللفظ المتمثلة بالمصدر الرئوي مروراً بالحنجرة والقصبات فالحنك والأسنان واللسان والشفتين على مجرى الهواء الصادر من الرئتين تدريجيا بإستقباله من قبل الأعضاء الفموية وتأثير اهتزازات الأوتار الصوتية عليها، وبالتالي ملاءمتها على التطبع الصوتي وفق المحيط والبيئة المألوفة في منطقة معينة من التآلف الإجتماعي والثقافي والإقتصادي على مرور الزمن من المراحل التاريخية. عادة ما تتحدد منابع المخارج الصوتية للألفاظ عمّا هو في منطقة جغرافية أخرى تتمتع بظروف مغايرة تمليها عدة عوامل التي منها طبيعية الطقس والمناخ والحالة المعيشية وغيرها. وعلى ضوء ذلك تتضح الفروقات ويبدو تأثيرها في عملية صعوبة نطق بعض الحروف الصامتة والصائتة في لفظ الكلمة بين سكنة المنطقتين مثل حروف الحاء والقاف مثلاً، بمقارنة العارف بالعربية عن الناطق بلغة أخرى من الأجانب، طالما هناك تفاوتأ واضحاً بين ناطقي العربية من حيث لفظ الضاد والظاء والدال، الذال والزاي، التاء والثاء والقاف الأصلية (ق) التي تلفظ بصورة الهمزة مثل: وقفَ لتلفظ وَأف، ونطق الجيم غير المعطشة بأشكال متفاوتة شبيهة بالكاف المعقودة حسب أبجدية اللغة الفارسية. ومن خلال هذه الأمثلة العابرة التي لا حصر لها. ورغم العديد من الأمثلة التي تخلقها النبرة أثناء نطق الكلمة التي تتميز بها اللهجات من خلال اللكنة لا يستطيع الفرد من الإفصاح عن الكلمة أو الجملة بلغته الأم من جراء تطبع مجموعة بشرية على لحن اللغة الغالبة أو الرسمية المفروضة في دولة ما.
هذا ما نألفه أيضاً للناطقين باللغة الآشورية من سكنة إيران، حيث نجد الآشوريين وقد استمدوا نطقهم من لحن اللغة الفارسية بحيث يستصعب ـ نوعاً ما ـ على العديد من آشوريي دولة مجاورة كالعراق وسوريا ولبنان من فهم واستيعاب المقصود في الحديث رغم الجذور اللغوية المشتركة التي تُكتب بذات الحروف قراءة وكتابة، علماً بأنه أثناء اللفظ يتم إطالة المقطع الهجائي الأخير من الكلمة في حالة النطق على سبيل المثال، ودليل ذلك ما عايشته على مدى سنين عديدة من شكوى تلامذة اشوريي العراق وسوريا على عدم فهم تواصلهم مع معلمي آشوريي إيران في دروس تعليم اللغة الأم في المدارس السويدية، وكذلك بالنسبة للناطقين باللكنة الكلدانية عن عدم استيعابهم وإدراكهم لشروحات معلم اللغة الآشورية بنطقه الفصيح أو فهم معاني بعض المفردات والعبارات اللغوية في الكتاب المقرر لمعرفتهم بالكلمات الدخيلة المكتسبة من سكنة المناطق المجاورة والتزامهم بها، رغم وجود البعض منها والمألوفة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر " قاي أو قـَي: لماذا" بدلاً من "قامو : قامودي أو لْما بتسكين اللام" و" لـَـيبي ولـَكبي أو لـَكبِن: لا أستطيع ولا أريد " بدلاً من "لـِ ماصن ولِـ بَعيِن"، و" لَـَـك زالي: لا أذهب" بدلاً من لـِ أزِن أو أزلِن بإسقاط اللام"، علماً بأن اللغة الفصيحة الكلاسيكية المشتركة في القواميس لها ما يقارب العشر مفردات مرادفة لكل كلمة وفق استعمالها في الجمل المقصودة لعدم معرفتها واستعمالها في التعامل اليومي، مثلما يعاني الناطقون بالعربية من لغة العصر الجاهلي كونها مزيج من اللهجات المختلفة التي يشير اليها اللغويون، ومن تلك اللهجات في جنوب الجزيرة العربية المعينية والسبئية والحضرمية، وفي شمال الجزيرة اللهجة الثمودية والصفوية والنجدية وغيرها لتتمركز لهجة قريش القدح المُعلى لأسباب عديدة كالدينية والسياسية والإجتماعية وغيرها... ناهيك عن اللغة الطبقية المهنية واللغة السوقية المبتذلة. كما لا نستبعد هذه الإشكالات اللغوية بين تلامذة اللغة العربية من بلد عربي معين حين يكون مرشدهم ومعلمهم من بلد آخر. وهنا عادة ما يتذمر التلميذ وينقطع عن التعليم في بلدان المهجر، مطالباً بمن ينطق ويتحدث بلهجة بلده، علماً بأن عملية تعليم اللغة الأم هي ذاتها في كافة البلدان العربية وفي ديار المهجر أيضاً وفق المناهج الدراسية المعتمدة. ناهيك عن مطالبة البعض بمنهج الدولة التي قدم منها التلميذ بالرغم من أنها ذات اللغة المستعملة في كافة المناهج في صياغاتها النحوية والصرفية من حيث القواعد مع تفاوت السياسة التربوية لكل بلد. 
من خلال هذه التفرعات اللغوية عادة ما يترتب الإزدواج اللغوي المستهجن، بعيداً عن مهمة النحو الرفيع والصحيح من حيث التحريك لأواخر الكلمات، وذلك لإتصاف التعبير الشفوي العامي واللهجوي بالسواكن في آخر كل مفردة مثلما نقول بالعربية العامية " أني رحتْ للسوقْ واشتريتْ خمسْ تفاحاتْ" بدلاً من " أنا رحتُ (ذهبتُ) إلى السوقِ وإشتريتُ ستَ تفاحاتٍ". وقس على ذلك من التعابير التي لا تجد لها تحليلاً منطقياً يدعم ذلك. إضافة لإستعمال العديد من الكلمات الغريبة على ناطقي العربية في بلدان أخرى، مثل: أكو، شكو، ماكو، جا شنو، إجا، شعواط، طركاعة، تمن (الرز) و (المرك أي الشوربة)، وما لا يحصى من الكلمات والتسميات التي هي من الحقبة السومرية والأكدية البابلية الآشورية تم توارثها منذ تلك العصور التي حكموا فيها بلاد ما بين النهرين من شماله إلى جنوبه. وعلى ذات المنوال لا نستبعد المفردات المستعملة في البلدان العربية الأخرى التي يستصعب على التلاميذ فهمها مثل: " منضدة، طاولة، طربيزة وميز"، إن كانت بالعامية المحكية أو التحريفات في قلب حروف الكلمة مثل: جوز في زوج، سقّف في صفّق، وكذلك في نحت الكلم مثل: "إزّيّـك" من أيش زيّك أي ما حالك، وبلاش من بلا شئ، وعلشانك من على شأنك بمعنى من أجلك، ومنها أيضاً وين ومنين أي أين ومن أين". إضافة لعملية التحريف في شكل حروف الكلمات وإبدال نطق الحروف أثناء الإشتقاق من جذر الفعل والتحريف في مبناها ومعناها أيضاً علماً بأن اللهجات متفرعة عن الفصحى والعكس كذلك، فيما إذا استثنينا عملية التدوين لمراحل الأبجديات. واليكم نموذجاً في كلمة الصقر حين اختلف شخصان على لفظها إن كان بالصاد أو السين  أي السقر، ليحتكم الثالث أنها بالزاي أي الزقر. هذا هو دور اللهجات في عملية تشويه اللغة الفصحى.
وكذلك في الآشورية قواعدياً، بإستعمال العدد المفرد واحد وإثنين للمذكر والمؤنث في آن واحد بدلاً من القول ( خدا كتيتا: دجاجة واحدة) يقال: (خا كتيتا) أو "ترين كتاياتِه: دجاجتان" بدلاً من "تَرتين كتاياتِه" لعدم الفرز والتمييز بين قاعدة تذكير العدد مع المؤنث المعدود ، وتأنيث العدد مع المذكر المعدود، زهذه اشكالية كبيرة للناطقين بالآشورية بإستعمالهم "خا" للمذكر والمؤنث رغم أيصال المعنى المقصود، ونضيف لذلك تفاوت النطق اللهجوي بتحريف الحروف كما في " كتيتا، كتيثا، كتيشا كتيسا، جتيتا، كتِـيّا وكتـَـيّا " أي بمعنى الدجاجة، إضافة لتحريك الأسماء والصفات مثل " خِشّا : الحزن" بدلاً من "خَشّا"  خِشّانا : الحزين" بدلاً من "خَشّانا" وغيرها من الحركات في تصريف الأفعال التي تختلف من كاتب لآخر كتابة أيضاً، ومن مجموعة عشائرية أو قبلية  لأخرى ومذهبية أيضاً من حيث الكتابة والنطق فينطق الكلداني المذهب عن جملة " أفهمت ما قلت لك " قائلاً: " فهملوخ ما ميري طالوخ" والسرياني المذهب يقول: " مِستاكِلوخ ميذي دمرلي لوخ" بينما الآشوري يقول: "پورميلوخ مندي دْمِري قاتوخ أو إلوخ" ، وقس على ذلك فروقات اللفظ العديدة بذات الشاكلة، ولكن بثلاث لهجات وأكثر للغة واحدة.
أن ما يعنينا هنا في نهاية حديثنا هو: هل التعليم اللغوي إلزام أم إختيار؟ فإن كان بمفهوم الإلزام، ينبغي على الذين من أصول عربية أو من الناطقين بالعربية واللغات الأخرى أن يلتزموا بحلقات مقومات القومية التي تشكل اللغة فيها العنصر الأساس والأهم بعد الأرض أو الوطن أو قبل ذلك، ومن سُلبت واغتصبت أرضه أن يجعل من لغته بمثابة وطنه أي أرضه أينما حلت به الأقدار للحفاظ على هويته واستمرارية وجوده القومي.
أما إن كان الأمر من منطلق الفروض الدينية فعلى العرب أتباع تعاليم الديانة الإسلامية، وأن يؤدوا تلاوة الصلاة بلغة ما أنزله الله من الآيات الحكيمة في القرآن، وكذلك للمسيحيين قاطبة بإعتماد لغة المسيح في العهد القديم والجديد من التوراة والأناجيل، مثلما يتم ذلك في الهند من بني الأصول الهندية من أتباع الكنيسة الشرقية بطقسيها القديم والجديد والكنيسة السريانية أيضاً، وعلى ما أظن القبطية والمندائية حسب تصوري من خلال حضوري بعض المناسبات الخاصة بالشعبين، وعلى بُعدٍ من نصوص الترجمة التي قد لا ترتقي لذات المعنى كما هو في لغات أخرى، بتأكيد ما هو عليه اليوم فيما تطبقه الدول الإسلامية غير العربية التي تقتدي بلغة القرآن العربية قراءة وتلاوة إلى جانب إداء الفرض الموجب عليهم في تلاوة الصلاة بالعربية، بالرغم من أن لغة التواصل والتفاهم الرسمية هي غير العربية، كما في ماليزيا وأفغانستان وإيران وأندنوسيا وغيرها من البلدان الإسلامية. وإن كان الأمر بهذا الشكل فعلى الدول المسيحية أن تمتثل لهذا الفرض أيضاً، وعلى بُعد من اجتهادات العديد من المذاهب المستحدثة في عالم الغرب بتحوير ما نصت عليه الكتب المقدسة، ومن تلك المذاهب شهود يهوه والمارمون ومن يسموا بالإنجيليين وغيرهم.
الى الملتقى في الجزء السادس


36

هل التعليم اللغوي إلزام أم إختيار؟
القسم الرابع
بقلم: ميخائيل ممو
سؤال يطرح نفسه على كل من ينتمي تحت راية الوجود القومي والإثني. لكون اللغة خميرة ذلك الإنتماء، والعامل الأساسي في تقوية الروابط لشعب ما. لذا فإن عملية التعلم اللغوي لقوم ما يجعلهم على مقربة من البعض لإثبات سرد سياق الكلام في التفاهم والإنسجام لتجسيد المشاعر بسهولة تامة وقناعة دون أي التباس تشوبه سحنة الإستغراب. ولهذا نجد أن أغلب دول العالم رسمت لها في تقويم المناسبات اليوم المحدد للإحياء اللغوي بنعته " يوم اللغة الأم " إلى جانب ما أكدته منظمة اليونسكو بإقرارها " يوم اللغة العالمي " بغية الإحتفاء به سنوياً في الواحد والعشرين من شهر شباط. وهذا ليس معناه أن نربط " يوم اللغة الأم " الخاص بشعب ما لذلك اليوم العالمي، بل هو دعم إضافي لكافة لغات شعوب العالم أينما تواجدوا وحلت بهم مصائب الإضطهاد والتشريد لإحتضان ديار الشتات. ومن هذا المنطلق فإن حياة الإغتراب عادة ما تفرض عامل الإندماج في المجتمع الجديد وفق متطلبات الحياة الجديدة. وهنا بمرور الزمن وتعاقب السنين عادة ما نجد وبشكل طبيعي تخلي الأجيال المتوالية عن لغتهم الأم الأصلية المتوارثة أباً عن جد، والأكثر تضرراً من حيث الضعف اللغوي يصيب من هم في عمر الطفولة ممن ولدوا في تلك المجتمعات، واقتنوا مراحل التعليم في المدارس الرسمية لتلك البلدان، رغم حرص الوالدين في أكثر الأوقات على حث أبنائهم في الحفاظ على التعليم اللغوي والتحدث بذات اللغة المتداولة في المحيط العائلي، علماً بأن هناك من يستهجن ذلك من ذوي الأمور لتتفاعل ذريتهم وعالمهم الجديد لضمان مستقبل أفضل مؤكدين عدم جدوى تراثهم اللغوي الأصيل، دون إدراكهم ومعرفتهم ما يورثه هكذا تصور من سلبيات في حياة أبنائهم في المستقبل البعيد، وندمهم عن التخلي من لغة جذورهم التاريخية وعاداتهم وتقاليدهم التي تدعمها اللغة الأصيلة.
من هذا المضمون يتضح لمن يعض أصابع الندم بأنه حين يجوب عالم بعض الدول متسلحاً بلغة بلده الثاني فقط  ليشعر بالندم على ما أقدم عليه كونه أخذ بجريرة والديه لتحف به بوادر الصمت، لا يفقه شيئاً، وليعيش معاناة الحيرة بما يود الإفصاح عنه في التعامل، معتمداَ بالتالي لغة الإشارات، وكأنه صم بكم من طرف المقابل. ولكي يكون القارئ على معرفة أقرب مما نوهنا عنه، أنقل هنا مداخلة وتساؤل أحد القراء لإحدى مقالاتي في موقع إيلاف وهو يشكو ذات المعاناة، وفيما يلي نص ما كتبه:
( ما تتمناة سيدى الكاتب باحياء اللغات هو مجرد امنيات . نعم هى مجرد امنيات . وبصفتى أشعر بما تعانية ولدينا احساس مشترك ونعانى نفس ما تعانية. أنا من الجيل الأول فى الهجرة ..اما أبنائى وأحفادي فهم أبناء البيئة التى يعيشون فيها - الانسان ابن بيئتة - أبنائى يعرفون اللغة العربية الى حد ما أما الجيل الثالث فلا يعرفها. اما لغتنا الأم فلا أحد يعلم عنها شيئا ولو طلبت من أبنائى من الجيل الثانى لمعرفة اللغة الأصلية ينظرون اليك نظرة غريبة مفادها أنك تهذى ...والحقيقة أن اللغة كائن حى ينمو ويكبر عند الاستعمال ويضمر وينتهى عند الاهمال ونعود للسؤال: ما هو دور لغتنا الأم فى العلم والثقافة والكمبيوتر الخ الخ ؟ بالتأكيد لا شئ وهذا ليس احباط ولكن هى الحقيقة. وقد سألنى أحد أبنائى ولا أقول أحفادى : لماذا نتعلم لغة لا نتكلمها ولا ندرس بها ولا تفيدنا علميا ولا ..ولا ...ولا؟ ننتظر منكم الاجابة . تحياتى على كل حال على شعوركم ).
نعم أخي السائل والمتداخل، هذه هي الحقيقة والطامة الكبرى، حيث هناك ما لا يحصى من الأبناء الذين يعانون ذات المعاناة من موقف أولياء أمورهم وعكس ذلك أيضاً، وعلى الأخص تلك الجاليات النازحة والمهاجرة من البلدان العربية وهم من أصول عربية وإثنيات أخرى متعددة كالآشورية والأرمنية والتركمانية وغيرها من الإنتماءات القومية، علماً بأنها تتمتع بلغتين أساسيتين هما اللغة الأم ولغة البلد الرسمية أي العربية، ليكون واقعهم بالتالي وبمرور الزمن فقدانهم لهويتهم اللغوية، وربما التشبث بمفردات لا تأثير لها في التعامل اليومي أو التواصل الإجتماعي لصعوبة التعبير عما يختلج في نفوسهم بإحساس نوازع الإنتماء الإثني ليتم التفكير باللغة التي محت جذور اللغة الأصيلة.
من جراء هذا التفاوت والتباعد اللغوي بين الآباء والأبناء نستشف سلبيات ذلك في عملية التواصل الإجتماعي بتأثيرها على المحيط العائلي ليتمنطق الأبناء بلغتهم الثقافية الخاصة، أو بلغتهم الأم التي لا تفي بالغرض من حيث التعبير الصحيح والواضح لما يقصده المتكلم. ومن نتائجه أيضاً حالة الإرتباط الإجتماعي من حيث الصلة الزواجية التي يكون مؤداها فتور التواصل ومن ثم ما لا يستحب عقباه من أمر الإنفصال. وكذلك مقتضيات الظروف السياسية في حال أن يكون أولياء الأمور على يقين تام من العودة إلى الوطن الأم بعد التغييرات المؤاتية لتأدية ما يستوجب عمله بحكم التزامهم العقائدي أو الإنتماء السياسي والحزبي. فيكون موقف الأبناء في حيرة مما هم عليه بدافع التسلح الثقافي والمعرفة اللغوية لا تدعهم أن يتواصلوا ضمن المراحل التي هم عليها، وأيضاً إن كانوا في مواقع إجتماعية وظيفية لا تؤهلهم لغتهم على تحقيقها في بلدانهم الأصلية بالرغم من إصرار الوالدين على العودة. وهنا عادة ما تحصل المشادة الكلامية والإصرار على أن يحتفظ كل جانب أو طرف على موقفه.
على أية حال إن المفهوم اللغوي العام هو تلك الوسيلة لتبادل المشاعر والأحاسيس والأفكار بمفردات وتعابير تخلق التفاهم بين مجموعة من الناس، تضم جماعة بشرية معينة من المنضوين تحت راية تلك الرموز اللفظية المتفق عليها للتفاهم، متسعة أحياناً حين تكون سبيلاً للتعبير الأدبي. وهنا لا يغيب عن بالنا بأن الصيغ الكلامية الشفاهية تتفاوت بين شعب وآخر من حيث التصنيف اللغوي كتابة ومشافهة، تدويناً وتكلماً. ومن أجل أن نميز بينهما علينا أن نستدرك قواعد توليفها من حيث التراكيب المستعملة، لكون اللغة الرسمية المألوفة بالفصحى بسياقها الموحد وفق تكوين أساليب الجمل، وبما تستوجبه أواخر المفردات من حيث الإعراب والبناء كالرفع والنصب والجر وما إلى ذلك من أحكام تفرضها الحركات لموقع الكلمة كالفاعل والمفعول والمضاف وغيرها من القواعد التي يتم فرضها بما يمليه علم النحو الذي يختلف عن علم الصرف من حيث اشتقاق مفردة ما بعدة تصاريف، لا يمكن ضبطها وتعلمها واستيعابها إلا عن طريق القراءة والكتابة الصحيحة والدراسة المتواصلة، بخلاف ما يستنبط من المفردات في لغة الكلام المألوف باللهجة العامية أو الدارجة مشافهة، ناهيك عن اللغة المحلية اللهجوية المحصورة في منطقة جغرافية معينة المعروفة باللكنة كما هو الحال في اللغة الآشورية بين لكنة آشوريي منطقة أورمي في إيران وآشوريي مناطق متعددة في العراق، وكذلك بالنسبة إلى اللغة العربية بين سكنة الموصل وسكنة البصرة. وبالرغم من البُعد الجغرافي بين تلك المناطق، نجد في دائرة كل منطقة جغرافية تفاوت تلك اللكنات، وأقرب دليل على ذلك مناطق ألقوش وتلكيف وبرطلة رغم تقاربها من البعض وعلى مسافة لا تتجاوز العشرين كيلومتراً فيما يخص اللغة الآشورية التي تميزها تسميات الكلدانية والسريانية وهي من جذر واحد أصيل. وقد تكون أحياناً أخرى استعمال ذات اللهجة المحلية ولكن بلكنة مغايرة تميزها منطقة معينة عن غيرها كما يتضح ذلك في مناطق تواجد الآشوريين في ارمينيا وقرى الجزيرة من مناطق الخابور في شمال سوريا على ضوء التوزيع العشائري المألوف، ومن خلال النطق يحكم الإنسان على الإنحدار المناطقي أو العشائري للشخص. وهذه بديهة مألوفة في أكثر اللغات منها العربية التي تختلف فيها لكنة لهجة أهل الصعيد عن الإسكندرية، ولكنة سكنة شمال السويد مثل كيرونا عن  لكنة سكنة مالمو في الجنوب أو يونشوبينغ في المنطقة الوسطى. وكذلك ما يتعلق باللغة الإنكليزية حيث يتبين أن لكنة اوكسفورد " لم تعد مفهومة من الناطقين بالإنكليزية في وول ستريت، ولا في تكساس، وهاتان المنطقتان لا تفهمان لغة بعضهما بعضاً ". وهناك أمثلة عديدة وفق ما ذكره الباحث اللغوي مارسيل لوكان المدافع عن اللغة الفرنسية وأحد وكلاء متحف اللغات العالمي الذي ترعاه شبكة اليونسكو الخاصة بثلاث وعشرين أكاديمية في بلاد البحر الأبيض المتوسط، والمُلقب رجل العام لعامين متفاوتين والرجل النابغة للقرن العشرين عام 1999 من قبل مؤسسة التخطيط الحيوي الأمريكية. وإلى الملتقى في القسم الخامس من هذا البحث.


37
من يتحمل مسؤولية إحياء لغتنا؟
القسم الثالث



بقلم : ميخائيل ممو
سبق وإن سلطنا الضوء في القسم الثاني من موضوعنا الموسوم " دور اللغة وأهميتها في حياة الشعوب" وقد إرتأينا في هذا القسم أن نحدد بعض الإشكالات التي تدع لغة ما تتراوح في عقر دارها لتصبح في عداد اللغات التي في طريقها للإندثار، بالرغم ممن يحاول من بني الطليعة الواعية على بث روح الحياة فيها. لذا نود القول هنا: 
لو لم تكن اللغة برموزها الإبتكارية عبر مراحل التاريخ، لما استطعنا اليوم أن نتحدث ونتخاطب بها مع بعضنا، أو أن نقرأ لفهم ما دوّن بواسطتها،  نكتب وننشر ما يخالجنا وما تراودنا من الأفكار، وما إلى ذلك من مفاهيم أخرى.. وبما أنه قد إرتقى عددها إلى ما يقارب الستة آلاف لغة من خلال التطور البشري في كافة أصقاع العالم بهذا العدد الهائل، ليس معنى ذلك أن نتأملها ونفقهها جميعاً، ولا حتى الجزء اليسير منها. هذه بديهة لا يقرها المنطق العلمي اللغوي ولا الفلسفي لمحدودية مدارك الإنسان. إن المهم والأهم أن يتمكن الفرد من لغته الرئيسة المتعارف عليها بتسمية اللغة الأم، أي التي نشأ وترعرع عليها منذ صغره ولحد كبره. وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها، ولا تغفل على أي إنسان ينتمي إلى المجتمع البشري بحكم معايشاته اليومية في محيط مجتمعه، وعلى وجه خاص من ينتمي لذات المجموعة الإثنية التي يؤمن بها ويجعلها ديدنه الأسمى أينما حطت به الأقدار من أرض المعمورة. ليس معنى ذلك أن تتحدد المعرفة اللغوية بلغة واحدة فقط لدى الفرد، طالما هناك ما تفرضه التعاليم اللغوية وإمكاناته الإدراكية لتسلحه بلغات أخرى. إذن من الأهمية بمكان أن يتعلم ويتقن الفرد لغته الأم قراءة وكتابة طالما من السهولة أن يتحدث بها منذ نعومة أظفاره. أما أن يخلق مبررات يستوجبها التحليل الإقناعي فهذه مسألة فيها وجهة نظر. قد يكون الأمر كذلك أحياناً لظروف تفرضها الحياة الإجتماعية والسياسية العقائدية للدولة التي ينشأ فيها ومرتع طفولته. ولكن أن تكون عكس ذلك فلا وجوب للأعذار والمسوغات قطعاً. والقصد من ذلك إن توفرت كافة السبل والوسائل لتحقيق ما نعنيه، فأين تكمن العلة؟! هل هي في تصرفات إهمال الوالدين وأولياء الأمور؟ أم في نفسية الفرد ذاته؟ معايشاتنا وتجاربنا على مدى طويل من السنين أثبتت بأن الأمر يتوقف على الوالدين وثقافتهم بالدرجة الأولى، ومن ثم الأبناء بالدرجة الثانية، ولأسباب مجتمعية عديدة ثالثاً، بحكم المصاحبة والمرافقة من ذات الأعمار التقريبية تفرضها التأثيرات المباشرة عليهم  للتخلي عن التعليم اللغوي. وبما أن المسألة عمومية لدى أغلب الشعوب في ديار المهجر، إلا أن خصوصيتها تكمن لدى المكونات القومية التي ليست لها مدارس رسمية ومنابع تعليمية منظمة لإنتشال آفة الأمية كمصطلح أقرته منظمة اليونسكو الذي مفاده بأن من لا يقرأ ويكتب بلغته الأم يُحتسب في عداد الأميين بلغته الأم رغم معرفته وتثقفه بلغات أخرى لا تمت بصلة لإنتمائه اللغوي والإثني.
إن ما دعاني لهذه التنويه الهام، هو زياراتي للعديد من دول الإغتراب التي يتواجد فيها أبناء رعيتنا وجلدتنا من الآشوريين المهاجرين بكافة تسمياتهم، وعلى وفق خاص الذين تتوفر فيهم الهيمنة القومية من الشباب بالإنتماء الإثني وإفتقارهم للتربية اللغوية التي هي عماد أحاسيسهم ومشاعرهم وروح استمرارية وجودهم عبر التاريخ الحديث. وهناك أيضاً إلى جانب ذلك من لا يقلّ شأناً عنهم من أصحاب المسؤوليات في المراكز الدينية والمؤسسات الثقافية والإجتماعية يتمجدون بأصالة لغتهم القدسية ومدى أهميتها دون أن يحركوا ساكناً في الرفع من شأن أهميتها ودورها في الحياة الإجتماعية وتفعيلها بشكل مباشر ، أو المبادرة على حث أبنائهم للإلتحاق ببعض الدورات التي لا تتجاوز على أصابع اليد الواحدة إن كانت في الكنائس أو الجمعيات الخاصة التي اصبحت مرتعاً مرموقاً لهم للهو وقضاء الوقت هباءً في الإنغمار بمناقشات فارغة على طاولات مستديرة وبأعمال تمتد لساعات متأخرة من السهر لا تتناسب والتربية الأخلاقية لأبنائهم وعوائلهم.
ومن جانب آخر، إن تهيأت فرص التعليم الرسمي، يتبين لنا عن تهاون المسؤولين وتقاعس الوالدين أو أولياء الأمور من إتمام واجبهم في التعليم اللغوي المجاني على حث وتشجيع أبنائهم بغية الإلتحاق بدروس تعليم اللغة الأم. ولكي أكون أكثر وضوحاً استل مضمون هذه الفكرة من الواقع العملي في المدارس السويدية أولاً عن قلة الذين يلتحقون بدروس اللغة الآشورية وبكافة مسمياتها في كافة المراحل الدراسية، مقارنة بالكثافة السكانية لتواجد عدة آلاف من الناطقين بذات اللغة من المؤمنين بها شفاهاَ بذريعة تسمية الإنتماء القومي، بحيث لا تتجاوز نسبة تفعيلها العشرة بالمائة إن لم تكن أقل من ذلك. علماً بأنه يتم توفير كافة مستلزمات التعليم مجاناً دون أي مقابل. فإن كانت النسبة المخيبة للآمال بهذا المعدل في بلدان مشابهة، فما أدراك من البلدان الأخرى التي لا تتواجد فيها تلك الخدمات، وحسبي من ذلك حتى وإن وجدت وتهيأت الفرص بالمجهود الشخصي تجد النسبة بما لا تتوقعه أبداً، والدلائل كثيرة في العديد من دول الشتات في أوربا وأمريكا حيث تشكل فيها مجموعات سكانية اثنية كبيرة متمركزة في بقعة أو منطقة جغرافية واحدة.
هذه الإشكالية من ناحية، ومن الناحية الأخرى بعد تصاعد الوعي القومي على ضوء الأحداث السياسية والدينية في الأوطان التي يؤمها ذات الشعب تبرز الساحة السياسية والدينية والثقافية المتمثلة بالأحزاب والمراكز الدينية محدودية التوعية اللغوية لم ترق للمستوى الذي يستوجبه التعليم اللغوي في المهجر، بإستثناء بعض الجهود النادرة جداً التي يشهد لها الواقع المألوف في استراليا، ناهيك عن تألق تجربة التعليم في الوطن الأم.
وبالرغم من كل ذلك يتجلى لنا من أصداء تلك المواقع بأنها تخفي عنها أهمية التجسيد اللغوي المشمول ببرامج ومهمات أخرى كالتأليف في مجال أدب الأطفال والشبيبة والحكايات الشعبية التراثية وأدوات الألعاب الخشبية التعليمية وما شابه ذلك من وسائل الإيضاح العملية وفق ما هو متعارف عليه في المدارس الحديثة. كما وأنه من جملة ما يرتقي بالتوعية اللغوية في مجال تلك النواقص والسلبيات هو تشجيع من تتوفر فيهم المواهب فيما يتوصلون اليه ويحققوه دون دعم أعمالهم الإرشادية التوجيهية بمستوى الفكر القومي الفاعلة لتكوين الشخصية وإبراز الهوية الحقيقية، وكلنا يعلم بأن السياسات الدخيلة والنزعات الإرهابية والأوضاع المزرية في بلداننا الأصلية أردتنا على شفا حفرة من نار لنهجر أوطاننا وننقذ أرواحنا لعلنا نعود لضالتنا المنشودة والهدف المستوجب تحقيقه.

إذن دعونا أن نجعل من لغتنا الأم الوطن الدائمي لنا جميعاً أينما تواجدنا وبرغبة ملحة في كافة محطاتنا الإنتقالية، ومن خلالها نخاطب ما افتقدناه عسانا نصيب الحقيقة مثلما أصابت ذلك بعض الشعوب التي عايشت ذات المحن بصبرها الطويل جاعلة من لغاتها الدرب الشائك في طريق المعتدين وسلاح التحدي في وجوههم.
ولطالما لا زلنا في دائرة التبجيل اللغوي، فلا محالة من أن نفتح آفاقاً جديدة بطرق أبواب مستحدثة تمليها علينا وسائل الإعلام من الفضائيات والمواقع الألكترونية وغيرها من السبل التي تمتعت بألسن حرية التعبير المباشر والأقلام التي تم تحريرها من شبح الظلم والإضطهاد بإطلاق سراحها.
وهنا نود أن نثني جهود ومساعي المجلس القومي الآشوري في الينوي على يقظته ومبادرته بإقرار القرار التاريخي على جعل يوم 21 نيسان من كل عام يوم اللغة الآشورية، مستمداً أياه من ضخامة وأهمية القاموس الآشوري المحصور في واحد وعشرين مجلداً صادراً عن جامعة شيكاغو، استغرق وضعه تسعون عاماً على يد أمهر وأشهر اللغويين، توالى على جمع وتشذيب مفرداته أكثر من 85 باحثاً لغوياً من المستشرقين.
لذا.. وبهذه المناسبة التي كنا نحن على أبوابها من شهر نيسان الخالد نهيب بكافة مؤسساتنا ومدارسنا ومعلمينا أن لا ينسوا هذا اليوم التاريخي الهام، وأن يستيقظ من هم في سبات الإهمال القاتل ومن يضع العصا في دوران العجلة بأسلاكها أو قضبانها المحكمة الشبيهة بالتسميات اللغوية. وأن لا يتم إغفال ذلك من مسؤولي ومعلمي من نشيد بتجاربهم الإيجابية في سدني ونيوزيلندا ومحافظات السويد والعراق أيضاً تيمناً باللجنة الأدبية والتعليمية للمجلس القومي في شيكاغو ومالبورن وأرمينيا وجورجيا وكراسنادار في روسيا وسدني ومالبورن في استراليا ومناطق أخرى متفرقة.

 


38
ناهز التسعين ونحن عنه غافلون



بقلم: ميخائيل ممو
الآشوريون المنسيون ممن حملوا مقاليع الفكر في عقولهم، وأثقلت الشيخوخة آمالهم ليعيشوا بين حالات من الشك واليقين، تراهم عادة وقد إنزووا في صرح معاقلهم لفترة تاريخية معينة من حياتهم الباقية، وردح من الزمن بعد أن يأخذ اليأس مأخذه منهم، تراهم وعلى حين غِرّة يستأنسون ـ رغماً عنهم ـ على تلبية نداء من يناديهم بهاجس الصمت للركون في عالمهم الجديد، فيرحلون وعلى أصداء نواقيس الكنائس يُستذكرون، ليجتمع شمل العارفين من المقربين ومن المدركين على فريضة التأبين بيقين من التبجيل والتثمين، وإلقاء النظرة الأخيرة على مشرف المسكن الأخير بما أوجبه الباري عز وجل على عباد البشر بما أمر وما نهى عنه. فعل الأمر بما يتوجب على كل إنسان من الإستجابة له بحسن النية الصادقة، والنهي عما هو خارج حدود العبادة والإلتزام، مروراً بالنيات التي تطعمها النفس التواقة للمآرب الذاتية بغية الإحتياج وعقدة الأمنيات.
بالأمس القريب في السابع من أفراح نيسان سلطت إلهة الموت قبضتها على رقاب وإرادة من عُمِّدَ وتلقب بمُسمى هيبة رئيس الملائكة وتيمن بإسم بهجة نيسان الخالد، أن تكون نهايته في رحلة أبدية بعد رحلته التي استغرقت عشرة عقود (90 عاماً) في تضرعاته المهيبة، وفي إيمانه الذي لا تساوره الشكوك في أية هفوة تلامسه لتدغدغ مشاعره، ولا حتى في مصداقية أحاديثه وأمثاله وكتاباته بلغة من آمن به وإمتثل بصفاته، إلى جانب تلك اللغات التي تسلح بها بحيث لا تستبين وتفرق لفظه قط من أبنائها الأصلاء، ومنها الفرنسية ذات النغمات الرومانتيكية، والإنجليزية ذات اللفظ البديع المشوب بواقعية التجميل.
عاشرته على مدى سنوات طويلة، ألفته إنساناً واقعياً، ما يضمره في صفاء قلبه يجسده في حلاوة لسانه، ما ينطق به يقربك من قلبه، ما يناجيك به وكأنه يناديك للمشاركة في محراب إيمانه وإنسراحه الفكري البليغ، بتلك صفاته المؤنسة وثقافته الواسعة الشاملة التي تجذبك اليه لأول وهلة من سماع همسات صوته بتموجاتها الهادئة التسلسل ذات المعاني الهادفة، وبتلك مآثره التي يشهد لها كل من زامله وتعرف عليه من قريب أو بعيد، ليحمل كل واحد في مخيلته نظرته الخاصة واصفاً أياه بالمُنَظِّر للفكر السياسي، ومرشد الإجتهاد الديني، وشاعر مناسبات الأفراح والأتراح، والسارح في الخيال التأملي وعاشق الجمال وغيرها من النعوت.
بعد كل هذه الأوصاف التي تدعك في حيرة من أمر هكذا إنسان، يحدوك التساؤل، من يكون؟ وهل لدينا من يتحلى بتلك الصفات والميزات؟! نعم، ليس من الغريب أن يتواجد بيننا هكذا أفراد، وليس من العجابة أن يحوم حوالينا من هم على مقربة منا، ولكنهم بعيدون عنا، كوننا نتعمد بأن نكون بعيدين عنهم، ولا نُقيّم وجودهم. مثلما يقول المثل: "مطرب الحي لا يُقَدَر" وغيرها من الصفات، أو كما تتم الإشارة لذات المعنى بأنه "لا كرامة لنبي في قومه".
بعد هذه التقدمة، حتماً ساورتك الشكوك، وحاصرتك المشاعر لمعرفة من تكن هذه الشخصية التي لها تلك الميزات، ولكن الفهيم العليم من الإشارة يدرك. نعم، وليس من الغريب أن يتواجد بيننا المئات ممن لهم ذات الإعتبارات... غيبهم الدهر، أبعدهم القدر، وتم عزلهم وإهمالهم بدوافع من أبناء جلدتهم من بني البشر، من الذين تتلاعب في نفوسهم جذور وخزات الحسد والأنانية والغيرة القاتلة. وحيث أني لا زلت لا أقوى على الفصح بإسم هذا الإنسان الذي عنا قد رحل، لا زلت وأنا أدبج عنه وما نوهت عنه أشعر بالخجل. كونه كان يخاطبني دوماً، يا رفيقي هل سنظل نعبد مفردة الأمل بأقاويل الوجل؟! ونحن بعيدون عن توظيب حقائب العمل؟ وحتام نظل نطلب النصر من عنده تعالى؟ وهو الغافل عنا ونحن كسالى!!
كفى أن أقول: بأن كل من إقترب منه من الصغار والكبار يحمل في ذاكرته ما كان يلاطفهم به شعراً ونثراً، ومن الأقاويل والأمثال، ولا يستثني أي محفل أدبي وأية مناسبة مهما كان مستواها وحجم حضورها إلا وتراه قد إستل من غمد سترته سيفه المرصع برصيد من المفردات اللغوية الهادفة ليعلن عن مضمون تلك المناسبة بصوته الجهوري الجذاب وحركاته التعبيرية الدالة على رمزية ما يُمطره على آذان ومرآى الحاضرين.
رغم أن الحديث قد جاوز حدوده، ليس لي إلا أن أتوقف بخشوع لأعلن بأنه المرحوم " ميخائيل إيشاي داود نيسان" الملقب بـ " أبو كاندي – غاندي" لتأثره منذ مطلع شبابه بهذه الشخصية الفذة التي ألزمته أن يكني ابنه الوحيد بذلك الإسم.

ميخائيل نيسان، استنشق نسمة الحياة عام 1926* في إحدى قرى منطقة كراسنادار الروسية، بعد أن هاجر والداه من ديار أرضهم التاريخية "حكاري" بسبب الأحداث التعسفية المظلمة، وفي عام 1930 هاجروا إلى أيران، وبعد مكوثهم ما يقارب السنة فيها حطت بهم الأقدار في شمال العراق، ومن جراء أحداث سميل عام 1933 ألزمتهم العودة إلى سوريا ليستقروا فيها بمنطقة الخابور. وفي تلك الفترة بعد استقرارهم بشكل رسمي التحق بإحدى المدارس ليتعلم العربية، فتعلم من مبادئها ما يكفيه إلى جانب لغته الأم التي أتقنها قراءة وكتابة بحكم مطالعاته على يد بعض الأساتذة، وبما أنه كان من المتفوقين في تحصيله التعليمي فقد تم إلحاقه بمدرسة الدومينيكان الفرنسية وفرزه في الصف الرابع لمؤهلاته اللغوية التي أهلته لذلك. فأتقن اللغة الفرنسية بسهولة جعلته أن ينال المرتبة الأولى في منطقة الجزيرة السورية لقرى الخابور في فحوصات تلك اللغة من خلال الإمتحانات الرسمية لسلطة الحكومة الفرنسية آنذاك في سوريا، ومن خلال حديثه الشخصي إتضح لنا بأن اللجنة الإمتحانية كانت قد قدمت من بيروت. وفي عام 1945 ينتقي شريكة حياته، وبعدها بعام واحد وهو آنذاك في العقد الثاني من عمره عام 1946 يشد الرحال للمرة الثانية إلى العراق وعمل هناك بصفة مترجم في إحدى الشركات الفرنسية. وفي تلك الأثناء شدته غيرته وإمكاناته اللغوية على إتقان اللغة الإنكليزية بطلاقة. إهتماماته اللغوية جعلته أن يتبحر في العلوم الفلسفية والأدبية والدينية وعلى إقتناء ما يتيسر له باللغتين الفرنسية والإنكليزية ليقدم على الصياغة الشعرية بهما إلى جانب ما نظمه بما لا يحصى من القصائد باللغة الآشورية وعلى شكل خاص ومتميز بعد هجرته وكافة أفراد عائلته من الوطن الأم إلى السويد وهو في العقد الخامس مع العمر. ومن الجدير ذكره بأنه عادة ما كان في أغلب الأحيان يعمد على ترجمة ما ينظمه بالآشورية إلى إحدى تلك اللغتين، بدلالة ما كان ينشره في مجلة " حويودو " الغراء الصادرة عن إتحاد الأندية الآشورية في السويد ومجلات أخرى في المهجر. وإن تساءلنا عن ما أصدره من نتاج مطبوع، لم نجد له سوى باكورة عمله الشعري الموسوم باللغة الآشورية تحت عنوان "سواخي" أي بمعنى "مُبتغاي أو مُرادي" على هيئة قصيدة في ثلاثين صفحة مطعمة بالصور التراثية القروية، يفصح فيه من العادات والتقاليد برموز من التعابير الأخاذة. حيث يقول في مطلعها:
اصيخوا السمع لأمثالنا وحكاياتنا الشعبية... يحلو طعمها سرداً بإصولها الشعرية
في آخر بيت شعري يختتم القصيدة بقوله:
لا أستسيغ سماع الثناء، ولا روح الإرتقاء... لننهي الأمواج  بصف يوحد البقاء


قد يستغرب البعض من القراء مما دونته عن هذه الشخصية التي تميزت بالعديد من الصفات النادرة التي تستكشفها من خلال معاشرتك له. لذا ومن خلال علاقتنا الأخوية وإهتماماتنا الأدبية، ولكل من كان على معرفة به، وجدنا فيه طيبة الحديث، رزانة الكلام، متانة الخلق، هادئ الطبع، كثير المطالعة، غزير النظم وغيرها من الصفات. وفي سنواته الأخيرة رغم نشاطه المكثف وحيوته الدائمة جعلته ظروفه الصحية قعيد الكرسي اليدوي المدولب ليلازم دار المسنين، فاقداً لقوة ساقيه ما بين الركبة والقدم بسبب ما داهمه من مضاعفات داء السكر اللعين ليوقف تلك الإرادة التي كان يتحلى ويتنعم بها في جريه يومياً أوقات الفجر لأكثر من عشرين كيلومتراً، وما أن تشده المراوحة الوقتية فيعمد ليقضيها في إنتقاء ما ينمو من نباتات الطبيعة والأعشاب التي تعيد به الذاكرة لأيام استعمالها في القرى الآشورية، وإجراء التجارب على طبخها وتناولها وفق ما إحتواه المصدر الطبي الشهير الذي إعتمده من " كتاب الأدوية " باللغة الآشورية المترجم أيضاً إلى اللغة الإنكليزية، وربما لغات أخرى لأهميته الكبيرة وقِدَم معلوماته النباتية العلاجية.
ولطالما نحن في سياق هذه السيرة الذاتية، تحضرني الذاكرة حينما كنت مشرفاً على القسم الآشوري والعربي في مجلة "حويودو" ورئيس تحريرها فيما بعد، كان المرحوم يزودني في بداية كل شهر بقصيدة لمناسبة ما قبل إصدار العدد الشهري المعتاد عليه، وحين انهي طباعتها على الآلة الكاتبة في حينها لتبويبها، كان يخاطبني ويطلب مني بعد يوم أو يومين أن أحذف كلمة أو عبارة لأضيف غيرها. وبالرغم من إيجاد حل بطريقة ما لذلك كنت أنفذ ما يبتغيه، ولكن الأصعب من ذلك حين يبعث لي أكثر من رسالة تصحيح وتغيير في مدة اسبوعين والقصيدة قد اتخذت طريقها للنشر. ولا زلت لحد اليوم احتفظ بأغلب تلك الرسائل والقصائد التي إن تم جمعها وتشذيبها ونشرها لشكلت ديواناً شعرياً كاملاً. بعد أن استعضنا الآلة الكاتبة بالحاسوب أي الكومبيوتر خفت المتاعب علينا من حيث التصويب والتشذيب.

وفي اليوم المصادف 15 نيسان أقيم له القداس الرباني عن روحه الطاهرة في كنيسة مار جورجيوس في هالوندا، ومن ثم مواراته الثرى في مقبرة ليلا دالين في إحدى ضواحي ستوكهولم بالقرب من مثوى شريكة حياته المرحومة صبيحة داود المتوفاة عام 2004. وبعد مراسيم الدفن في الوداع الأخير لجثمانه، إجتمع المشيعون في قاعة أورهي بمنطقة فيتيا لمواساة ابنه الملقب غاندي وبناته زينا وهيلان وميلينا ونينا.
ومن الجدير ذكره بأن السيدة الوقورة سلوى التي أولته الرعاية الدائمة في دار المسنين تفضلت بقلب حزين وبعبارات مؤثرة متحدثة عن خصاله الحميدة وبأنه في الأشهر الأخيرة قضى وقتاً طويلاً في الكتابة، مدوناً ما لا يحصى من الأوراق في ملف خاص. وبعدها بأيام قبل رحيله الأبدي كان قد قرر أن يمزق كل ما إحتواه الملف دون أن يشير للدوافع التي حذت به لإتلاف ما دونه.
 المرحوم هو شقيق شقيق المرحوم باول نيسان من مؤسسي جمعية آواصر العلاقات العراقية السوفيتية في الستينيات في العراق و الدكتور داود نيسان في شيكاغو وبنيامين.
وفي خاتمة المطاف علينا أن لا نتجاهل ونستغفل هكذا شخصيات من بني شعبنا الذين سعوا في حياتهم من أجل إعلاء شأن لغتهم وآدابها، وعلى وفق خاص من اوحي لهم ما لم يتسنى ذلك لأي من كان، وكفى أن نهديهم وردة واحدة وهم على قيد الحياة بدلاً من باقات الزهور التي ترمى على لحدهم.
رحم الله زميلنا المعطاء، الذي كان من رجال العلم ورجال العلم مهما تقادم العهد وتعاقبت السنون فهم أحياء.
•    يذكر البعض بأنه من مواليد 1923 أو 1924 ولكن الأصح هو 1926 حسب ما ذكره لي من خلال لقاء موثق بالفيديو أثناء مقابلتي له.

39
دور اللغة وأهميتها في حياة الشعوب
(القسم الثاني)
بقلم: ميخائيل ممو

المطالبة بالديمقراطية اللغوية
سبق لنا في القسم الأول وسلطنا الضوء على مفهوم اللغة ومدى فاعلية التعدد اللغوي بثنائي وثلاثي اللغة إلى جانب دورها في التأهيل المعرفي والثقافي.
ومما تجدر الإشارة اليه هنا عن ديمقرطية اللغة بأن تجارب شعوب العالم أثبتت سياسة الصراع اللغوي في الدول الملتزمة في دساتيرها بوحدانية اللغة كلغة رسمية، بحيث أيقظت مشاعر وأحاسيس ومدارك الشعوب للمطالبة بالديمقراطية اللغوية كحق من حقوق الوجود القومي، وأكبر دليل على ذلك تكوين الدول بحكم لغاتها بعد نتائج الحربين العالميتين وخاصة في الدول الأوربية، تخلصاً من هيمنة الدول المُسيطرة على إدارة دفة الأمور لعوامل سياسية توسعية، فتم استقلالها بسلاح القوة اللغوية. والعامل الآخر الأكثر أهمية في المجموعات المنضوية تحت مفهوم التكوين الإثني وذات التجانس البشري المتواجدة في إطار الدول التي تتغافل عن لغاتها رغم ثنائية لغتهم أي اللغة الرسمية ولغة ما يسمى بالأقليات المتمتعة بعاداتها وتقاليدها وتراثها القومي. وبما أن هذه الحالة أدت بالكثير من تلك المجاميع للمطالبة بحقوقها اللغوية فقد انتشرت أوضاع الشغب وراح ضحيتها ما لا يحصى من النفوس البشرية في العديد من الدول ومنها على سبيل المثال التي تم الإعتراف بثلاثين لغة رسمية من مجموع ما يزيد عن المائة لغة في الهند. ولتعدد اللهجات اللغوية في بنغلادش وإعتماد لغة أقلية أثنية احتج وتظاهر الطلاب على ذلك بحيث كان مُؤدى التظاهر مقتل العدد منهم يوم 21 شباط 1952 ليتم فيما بعد تدوينه بتسمية " عيد شهداء اللغة " ومن ثم على أثر ذلك صدر قرار اليونسكو تيمناً بذلك اليوم على جعله " اليوم العالمي للغة الأم ". منذ عام 1999 ليحتفل به في مطلع العام التالي وفي كل عام للحفاظ على الهوية الثقافية والوطنية لكافة شعوب بلدان العالم. فكان هذا القرار دافعاً محفزاً للعديد من الشعوب على المطالبة بحقوقهم اللغوية والإعتراف بها ومنها على سبيل المثال التي تم الإعتراف بها الأمازيغية المنعوتة بالبربر في المغرب والجزائر، والكردية والتركمانية والآشورية ـ السريانية في العراق، وإقرار جنوب أفريقيا بعدد من اللغات كلغات رسمية إلى جانب الإنكليزية وفي كينيا على غرار ذلك وغيرها من الدول في آسيا وأفريقيا وأوربا أيضاً.

اللغة والإنتماء القومي
القومية مصلح مستحدث للوجود العشائري بتآلفها وتقاربها من البعض لأسباب تفرضها عوامل الإنتماء الإثني إلى جانب المُقوم الجغرافي واللغوي بشكل خاص وعلى وجه التحديد، تم استحداثه على ضوء الأحداث الإجتماعية السياسية في أواخر القرن الثامن عشر كبديل لمفهوم الأمة أو الدولة لمجموعة من منظري هذه الفكرة في العالم العربي والأوربي بدافع رسم وتحديد الحدود الدولية من دولة لأخرى.
 يتبين لنا هنا وبدافع مباشر بأن الوحدة اللغوية هي مبعث التسمية الحديثة لمصطلح القومية، كإنفصال وتحرر بعض الدول العربية من هيمنة السلطة العثمانية وأستقلالها في رسم حدودها الجغرافية، رغم تمسكها بالرابط الديني، وإقدامها على تسمية القومية العربية التي تبنتها بعض الأحزاب السياسية لجمع شمل البلدان العربية ذات اللغة الواحدة، بالرغم من تفاوت قياداتها ونظرة كل قائد وأبناء شعبه من تلك التسمية بفقدان الضمير الجماعي لمفهوم التضامن ووحدة التآلف حسب ما نلمسه اليوم في سياسات تلك البلدان التي تشكل تسمية الوطن العربي. هذا ما حصل أيضاً في الوجود الآشوري المتبعثر ناهيك عن التسميات المستحدثة ـ  في الولاء لظواهر الإنقسامات العشائرية، رغم تواجدها في مناطق جغرافية متقاربة وإقليمية متباعدة، ليتزعم كل قرية أو تجمع عشائري قبلي رئيس متميز يُعرف بتسمية الملّلِك بمعنى الأمير أو القائد وفق التسمية الأكدية، متزعماً للسلطة بحكم توليه الوراثي أو لأسباب أخرى في التحكم بفض النزاعات والخلافات بين أبناء العشيرة الواحدة، أو عشيرته والعشائر الأخرى، إضافة للإستشارات والتوصيات الصادرة عنه لإتباعها إلى جانب مشورة التفويض الإلهي لرؤساء الدين، ويتم تقليد ذلك بالوراثة دينياً وفق التعاليم المستوجبة، ودنيوياً وفق الأحكام الموروثة والمفروضة منذ حقبة تاريخية لعصور خلت، رغم غياب شمس البعض منها بتأثير محفزات الوعي والثقافة والشعور بموازنة ومقارنة منجزات الماضي عن الحاضر وعلى يد المفكرين المصلحين والمجددين أحياناً، وعلى يد الطموحين المُرتئين من الإنقلابيين لتولي زمام الأمور، مثلما هو اليوم في أغلب الدول العربية والعديد من الدول الأوربية أيضاً ذات الحكم الملكي.
من المتعارف عليه في أمثلتنا الشعبية " شبيه الشئ منجذب إليه " أي مماثل له بصفاته وطبائعه وسلوكه، حيث نعمد من ذلك في توضيحنا بأنه من ينطقا ذات اللغة المشابهة أصلاً، عادة ما يكونا أكثر تواصلاً وتجاذباً وتفاهماً في تجسيد أحاسيسهما وأفكارهما وما يدور في خلدهما بدافع المتعة الوجدانية التي يحسان ويشعران بها، مقارنة بالذي لا يتقن ذات اللغة بشكلها الصحيح أو أنه يجهلها. ومتى ما إفتقد الفرد لغته وهو المنتمي لذات الوجود الإثني عادة ما يشعر بالذنب على عدم معرفته وإعترافه بذلك، وفي الكثير من المواقف تراه يتحسس بالتقصير وضعف الولاء لمجموعته، عندئذ يكون منفرداً وبعيداً من واقع مجتمعه مستسلماً للصمت الذي يحز في نفسه.
وفي حالات أخرى ترى التباعد مسوغ بتبريرات مفهوم الإلتزام العقائدي الديني المذهبي أو بفكر مبادئ الإنتماء الحزبي والسياسي. ولكي نكون أكثر وضوحاً نجد أن التعاليم الدينية بالنسبة للمسيحية جعلت الفرقة مباشرة بين أبناء ذات الشعب الذي يتحدث بذات اللغة مثلما حصل قديماً بين من سميوا بالنساطرة واليعاقبة، مولدة أغصان فرعية مذهبية لذات الشجرة الأصيلة. ليلتزم النساطرة باللغة التي نشأوا عليها من حيث الحروف واللغة المعروفة باللهجة الشرقية، والجانب الآخر من اليعاقبة إقدامهم على تغيير شكل ولفظ الحروف مع إعتماد الحركات اليونانية. ناهيك عن نظرة الفلسفة المسيحية للكلدان. ولكي نتوسع أكثر نستشهد بالإنشطار الذي حصل في يوغسلافيا بسبب الإختلاف المذهبي بين من يسمون بالصرب والكروات وتُعد لغتهم لغة واحدة، إلا أن إختلافهما المذهبي فصل بينهما  في المجال اللغوي بإعتماد الكرواتيين الحروف اللاتينية، والصربيين بحروف الكنيسة الأرثوذكسية للإغريق. إذن نستنبط من هذين المثالين رغم تعدد الأمثلة لمجموعات أخرى بأن الفلسفة الدينية اللاهوتية أبعدت المجموعة الواحدة من وحدتها إلى مجموعتين متفاوتتين، وأكثر بُعداً عن الوحدة القومية لتنادي كل مجموعة بفكرها القومي بعلة التمذهب الديني. وهنا أليس من حقنا أن نستأثر بمقولة ماركس حين قال: " الدين افيون الشعوب " رغم تأويل غايته لمنطق الصراع الطبقي بغية تحطيم الإستغلال الرأسمالي لمصلحة المعدمين من المجتمعات الفقيرة. وأكبر مثال عن قبل ذلك، استغلال رجال الدين لصكوك الغفران التي استنكرها وفندها مارتن لوثر وأثبت بتحقيق بطلانها بقوة إيمانه لتؤدي إلى انقسام المانيا وسريان المذهب اللوثري البروتستانتي في الشمال والكاثوليكي في الجنوب وبحكم ترجمته للكتاب المقدس بإسلوب لغوي مبسط. لقد تم كل ذلك من خلال التفاسير اللغوية الصريحة والحكيمة، كون اللغة من أولى مقومات القومية وليس الإيمان الديني أو المذهبي. وإن كان الأمر عكس ذلك لأنضوى أتباع الكنيسة السريانية والمشرقية الآشورية في الهند تحت راية القومية الآشورية وكذلك للدول الإسلامية والبعض منها التي تلتهج وتتلسنن أحياناً بالعربية لإنضوت تحت راية القومية العربية. فالدين هنا ـ شئنا أم أبينا ـ لله والوطن للجميع في المواطنة وأحقية التمتع بالإنتماء القومي على ضوء وحدة التسمية اللغوية التي تجمع أفراد العائلة الواحدة كنموذج مصغر ومتميز لمفهوم القومية، وبالتالي اتساع رقعتها بالعشرات وبالأحرى المئات وزد على ذلك لتشكل مفهوم الإنتماء القومي الموحد تحت تسمية واحدة موحدة من منطلق اللغة المشتركة للتعبير والتفاهم والإنسجام والتقارب الدائم، كونها روح الشعب، والشعب هو مكون القومية، كجذور الشجرة النافعة التي هي روح جذعها وأغصانها وثمارها. مثلما نحن اليوم كآشوريين نعتز ونلتزم بجذور تاريخنا وما ورثناه عنهم من عادات وتقاليد كموروثات شعبية وآداب ولهجات لغوية. وكما قيل: " أن اللغة بمنزلة القلب والروح من الأمة، وعلى دعائمها يجب أن تؤسس لهم دولة موحدة ". أن ما نتمناه من هذه المقولة أن نعي وجودنا، وأن نعي أهمية تراثنا، وأن نعي تأثير لغتنا، وأن نعي معنى تآلفنا، وأن نعي عوامل جمعنا وأن وأن وأن... لا أن نُسقط واحدنا الآخر بالدوافع النفعية، ولا أن نستنكر أحدنا الآخر لأسباب فوضوية، ولا أن نشمر عن سواعدنا لأسباب تدعمها القوى الدخيلة، ولا أن نصم آذاننا عن خبرة وتجارب ومفاهيم مفكرينا وأن لا نهمشهم.. حتماً بين أبناء جلدتنا من الإصلاحيين والمدركين ومن هم بمستوى الذين أضاءوا الشموع أمام درب المفسدين والضالين في تاريخ الشعوب ولكن تم حكمهم وإبعادهم واستهجانهم وإغتيالهم وبالتالي أقتفاء ما خلفوه من أفكار إصلاحية والإيمان بها. إذن دعونا أن لا نكون بمستوى اولئك المفسدين والضالين والغافلين.


41

دور اللغة وأهميتها في حياة الشعوب
(القسم الأول)
بقلم: ميخائيل ممو

تمهيد

من المتعارف عليه بأن اللغة هي مرآة المجتمع، تعكس صيغ الأخذ والعطاء بغية معرفة منطق الإيحاء اللفظي لظاهرة التفاهم. وفي الوقت ذاته هي تلك الأداة التي يتسلح بها الفرد للدفاع عن نفسه وإيصال فكرته بدافع مشجر الإحساس لإدراك الفهم والتفكير بالإقدام على قولبة معاني التعبير بشكل متناسق كضربات أصداء السيوف حين تتمحور الألفاظ بمدلول المعاني المُعتمدة بعامل الإدراك العقلي، وبما يعيه الإنسان من خلال  محفزات الإدراك الحسي بغية الفهم والتفاهم لإستدراج ما ينبغي فعله وإيصاله بالسبل التي يعتمدها كل فرد وبأية لغة كانت.
ما هي اللغة؟
هل هي مفردة لذاتها؟ هل هي كل ما يصدره اللسان؟ هل هي مصدر الحركات الطبيعية من الإشارات؟ هل هي الرموز المتفق عليها في الحديث؟ هل هي آليات التدوين التاريخي؟ هل هي مبعث الوحي الإلهي؟ هل هي تشكيلة الإلهام الوضعي؟ هل هي خاصة بفئة منتقاة متميزة بها؟ وهل هي اللهجات المستنبطة منها اللغات المتعددة؟ وعادة ما تتوالى إستفهامات " الهل " المتكررة، إن جاز لنا التعبير بذلك! ومما لا شك فيه إن كافة التساؤلات المفترضة تقودنا لتفسيرات وتحليلات متنوعة ومتفاوتة محصورة في مضامير مفسريها ومحلليها من الإختصايين اللغوين والباحثين المخضرمين من الأوائل ومن المحدثين حين يتسلح كل واحد بوجهات نظر مستمدة من الفترة الزمنية التي عاشها وتأثر بتجاربها، أو بإعتماد ما نصت عليه الكتب السماوية منذ الخليقة على أنها من الله. ولهذا تفاوتت النظرات وتضاربت الآراء وتعددت النظريات التي ليس بوسعنا أن نتطرق لها لسعتها وتواجدها فيما لا يحصى من المصادر بلغات مختلفة.
ما يهمنا هنا هو أن نجمع ما أجمع وإتفق عليه اللغويون على تعريف اللغة بشكل متقارب وموحد رغم إختلاف التعابير والتركيب اللغوي التي جسدت معنى اللغة بأساليب مختلفة، حيث إتضح بأن أقربها انحصر في التعاريف التالية:
1.   " إن اللغة نظام عرفي لرموز صوتية يستغلها الناس في الإتصال بعضهم ببعض".
2.   " إن اللغة هي كل وسيلة لتبادل المشاعر والأفكار كالإشارات الأصوات والألفاظ.. متفق عليها لإداء المشاعر والأفكار".
3.   " اللغة ظاهرة نفسية مكتسبة تمليها نوازع الحاجة للتعبير والتفاهم".
وهناك العديد من التعابير التي تختلف في  صياغاتها التي تهدف لذات المعنى بشكل خاص لا نستبعده مما أوردناه أعلاه.
كما ويتبين لنا من خلال التعاريف الآنفة الذكرعدة مضامين متقاربة  الوشائج  ( الإتصال، تبادل ، تمليها ) ، ( نظام ، المشاعر ، ظاهرة ) وكذلك ( رموز صوتية ، الأصوات والألفاظ ، التعبير) وغيرها.

دور تعدد اللغات

ومن المتعارف عليه أيضاً بأن اللغة وسيلة للإرسال من قبل المُرسل ليتلقاها المُستَلِم أو المُتلقي بالصدى المقصود في حال الكلام الطبيعي المُكتَسَب. فإن كان المتلقي ثنائي أو ثلاثي اللغة فعليه أن يفقه اللغة التي يُخاطب بها. وعلى أقل ما يمكنه أن يدرك الفحوى، لكون حالة تعدد اللغات من الحوافز على استدراك المضمون. وفي حال التحجج بعدم المعرفة على مضمون المُرسل ـ لفظاً وتدويناً ـ فمعنى ذلك فقدان الوعي والإستيعاب اللغوي للغة الأم، وفق مفهوم النظريات التربوية والنفسية الحديثة التي يؤكدها رجال التربية المتبحرين في هذا المجال من الذين يشيرون بأن من يتقن ويفهم لغته، يتسنى له استيعاب لغة اخرى بكل سهولة. ولهذا أقدمت الحكومة السويدية على إقرار تعليم اللغة الأم منذ المراحل الأولى للطفل أي من مرحلة رياض الأطفال بمصاف اللغة الرسمية المتداولة ولحد المرحلة الثانوية مع توفير كافة مواد ومستلزمات التعليم في المدرسة الرسمية. هذا ما استنتجناه أيضاً من خلال تجاربنا ومراحل تعليمنا لأبناء جلدتنا بتفوق من لهم معرفة شبه كافية بلغتهم الأم مقارنة بمن يجهلها قراءة وكتابة وتكلماً بالشكل الطبيعي.

دور اللغة في المعرفة
وبما أن النطق اللغوي ينشأ مع نشأة الفرد، وبمراحل تطور وظائف الأعضاء الخاصة بالنطق، عادة ما تتولد لديه ثروة من المفردات التي تسعفه على الكلام ليكون منحصراً تعبيره اللغوي اللهجوي الدارج وفق نهج البيئة العائلية أو البيتية التي يعيش فيها إلى الوقت الزمني من العمر الذي يؤهله لخوض تجارب التعلم اللغوي الصحيح. عندئذ يكون قد استدرج معرفته بصيغ الكلام المبرمج على ضوء التعبير الفصيح والنطق الصحيح المبني على أصول القواعد اللغوية من حيث النحو والصرف للشكل النمطي المُنظم الخاص بتصريف الإفعال والأسماء بصيغها المختلفة والمتعددة، والإقدام تدريجياً على تشذيب منطق الكلام من التعابير العامية السائدة والدارجة المنشأ والمفردات الغريبة الدخيلة التي يقتفيها من محيط المجتمع المتداخل وهي غريبة وبعيدة عن أصوات الكلام لشعب ومجموعة ما، متخذة مجراها في الأسلوب التعبيري كتابة في حال افتقاد المرادف لها باللغة الأم الأصلية وبشكل خاص حين يكون المحيط العائلي والمجتمعي من ذوي ثنائي أو ثلاثي اللغة من ناحية الأب والأم والمجتمع من منطلق الوحدات الصوتية الأساسية لكل لغة محكية. ومن تلك الإشكالات تواجد عدة شعوب قريبة من بعضها في المنطقة التي يتعايشون فيها، وكذلك دور السيطرة الإستعمارية بفرض نفوذها مثلما هو الحال مثلاً في مواطني أبناء المجتمع الجزائري المتوارثة لديهم العديد من المفردات الفرنسية بسبب الإستعمار الفرنسي، وكذلك في الهند من خلال الإستعمار البريطاني الذي بث روح اللغة الإنجليزية في نفوس شعوبها المتعددة اللغات بدوافع المصالح السياسية وإضعاف اللغات القومية التي استيقظ الناطقون بها لإثبات وجودها بعد تقلص واستبعاد الهيمنة البريطانية وبالتالي لتخوض تجربة الصراع في سيطرة لغة مجموعة ما كلغة رسمية على لغات ولهجات مجموعات أخرى والولايات أو المناطق الجغرافية التي لا تتعامل باللغة المفروضة عليهم والإستعاضة بالإنجليزية بغية اتساع رقعة التعليم اللغوي والمعرفي بها. ومن جراء ذلك أدت تلك السياسة إلى إحتجاجات وصراعات ذهب ضحيتها المئات إن تكن الآلاف من القتلى والجرحى ومن تم اعتقالهم وزجهم في السجون بعد إختفاء وزوال نفوذ اللغة الإنجليزية بشكل تدريجي.

اللغة والثقافة
إن كانت الثقافة ظاهرة خلقية وتوعوية تنجم بين بني البشر، فاللغة هي مصدرها ونبع وجودها، تخلقها مبادئ التدوين والمشافهة التي عمادها وسائل الإعلام وما يبرزه الفكر التنويري من نتاجات. لهذا نجد بأن أي علم من العلوم لا يخلو من سمة الثقافة. وبما أن كافة العلوم مصدر تواجدها من خلال اللغة، يتحتم على الفرد أن يستوعب التعبير اللغوي الخاص بكل علم من العلوم لإثراء المعرفة. من هذا الإعتبار ينجلي الأمر بأن من يتسلح بالتعدد اللغوي كثنائي اللغة مثلاً وفق ما أشرنا إليه سابقاً، عادة ما يكون ثنائي الثقافة حين يستمد معرفته من تلك اللغات التي يتقنها ويتأثر بها ليعمد على تطبيق مضامينها في حديثه وسلوكه وعمله وحتى في أحاسيس إنفعلاته عن مصدر وعيه وإدراكه بدلالة ظاهرة الحركات التعبيرية واللفظية محتمة أياها المعايشة في مجتمعين متفاوتين في العادات والتقاليد، كمن يعيش ويواصل تعليمه العلمي التخصصي في بلد أجنبي تتفاوت فيه ما ورثه عن ما هو في مجتمع وطنه الأم. كما وأن مفهوم التثقيف الذاتي كما يبدو لا ينحصر ويتحدد فقط على ما هو متعارف عليه والمألوف من مقولة " اكتساب شئ من كل شئ " في حين المعرفة التخصصية بعلم من العلوم الصناعية مثلاً أو العلوم الإنسانية بما فيها من الحقول الأدبية أو السياسية تبدو أهميتها أعلى وأرقى من المقولة المألوفة، لكون العلوم الأدبية والتقنية تثريها مقدرة وكفاءة اللغة التي تساعد على استدراك النهضة الفكرية في كافة جوانبها. عندئذ يتم وصف المتحدث ونعته بأنه متثقف بثقافة فرنسية أو سويدية أو ثقافة البلد الذي تخصص فيه، متسلحاً بالإزدواجية اللغوية والثقافية. وهنا يتضح بأن اللغة هي عماد الثقافة، طالما تشكل ظاهرة اكتساب معرفة جديدة لبناء الشخصية المعطاءة المتسمة بروح التفاؤل في الأخذ والعطاء. 
إلى الملتقى في القسم الثاني من موضوع اللغة والإنتماء القومي والمطالبة بالديمقراطية اللغوية.
mammoo20@hotmail.com

42
مآثر شهر نيسان عبر التاريخ
بقلم: ميخائيل ممو
في كل عام جديد، عادة ما نضيف رقماً جديداً لتاريخ العام المنصرم، وذلك في فجر العام الذي يحل علينا، وعلى مَرّ الأيام تتوالى المناسبات الدينية لإحياء ذكراها متمثلة بمآثر القديسين وغيرها من المناسبات المفروضة وفق التعاليم المسيحية، وكذلك للأديان السماوية الأخرى، وللمناسبات القومية والوطنية التي لا تقل شأناً، ولها مكانتها وطعمها الخاص أيضاً على مدار السنة، والتي منها بوجه متميز في شهر مقدم الربيع شهر نيسان الخالد خلود مناسباته المتعددة، حيث تتحلى فيه الطبيعة بحلّة قشيبة زاهية لتبث الإنشراح والفرح في نفوس من هب ودب على وجه الأرض، وعلى وفقٍ متميز الإنسان ذاته لتمتعه بروح الحياة ومنها أيضاً الماشية والطيور التي تسرح وتمرح في جو من الحرية بصفاء الأجواء وما يتحلى به وجه البسيطة بألوان زاهية ومنها بشارة الإخضرار واليانعة من الثمار.
لكي نؤكد ما ذهبنا اليه يلزمنا القول بأن شهر نيسان له أهميته ومكانته وتأثيره على النفس البشرية بجماله الشبيه بجمال الهة الحب والجمال، كونه يشكل ولادة حياة جديدة على الأرض وبداية إنتشارالخير والسلام والمحبة والجلال بدلالات عديدة حين تجعله العديد من شعوب العالم بأنه شهر العطاء لتحتفل به منذ العصور القديمة متمثلة بالعصر السومري فالآشوري والبابلي، ومن ثم أبناء إسرائيل بإعتباره بداية الخلاص لشعبهم بخروجهم من أرض مصر يوم 15 نيسان والإحتفال به كعيد للفصح كما جاء في التوراة، حيث كان الأول من نيسان يوافق الإعتدال الربيعي لديهم والمتعارف عليه في التقويم الحديث يوم 21 آذار.  وكذلك ما ذهب اليه العراقيون بنعته عيد الربيع، ولدى الصابئة واليزيديين والفرس بإعتباره عيد الخليقة لديهم، إضافة لليوم الأول منه والشهير بيوم الطرافة المعروف بكذبة نيسان لدى أغلب شعوب العالم إقتداءً  بتبني التقويم المعدل الذي سَنّهُ ملك فرنسا شارل التاسع عام ‏ ‏1564. وليس من الغرابة أن تحتوي أيام شهر نيسان الكثير من المناسبات لدى العديد من شعوب العالم رغم اختلاف تقاويم الإحتفالات، كونه أقدم الأعياد منذ سبعة آلاف عام وبتسميات متفاوتة كيوم "زكموك" لدى السومريين و" أكيدو أو أكيتو" الذي يعني " ريش شاتين أو شاتيم " بمعنى رأس السنة لدى الآشوريين، ولدى اليزيديين الذين يسمونه "سر صالي" كأول يوم أربعاء من أول أسبوع في شهر نيسان حيث يكون اليوم المذكور بداية للسنة اليزيدية، والرومان اعتبروه مقدساً بالنسبة الى فينوس آلهة الحب، ويعنى به أيضاً الآلهة التي تتولى فتح أبواب السماء لتشرق أشعة الشمس بعد غيابها في فصل الشتاء أي الإنفتاح، ولتتوالى التسميات كنوروز أي بمعنى اليوم الجديد ويوم الخليقة وغيره من التسميات تيمناً بإنتشار الخصب والخضار. وأن لا تفوتنا الإشارة لرمزية ما تعنيه ملحمة كلكامش فيما تخص تموز وعشتار وأهميتها بشهر الخصب والزهو والعطاء بعودة تموز اله الخصب إلى الحياة كعودة المسيح بعد صلبه.
كما وأشارت المصادر التاريخية بأن معناه لدى السومريين شهر العبادة او المزار المقدس بتقديس الهيكل،  وفي العصر البابلي بمعنى البداية والشروع أي بدء السنة الدينية المقدسة وقيل أيضاً عن ذكر اسم نيسان في النقوش التدمرية. وإلى جانب ذلك تبين لنا من بعض مطالعاتنا بأن العرب القدامى، ولا سيما أهل البادية، كان رعاة البدو يحتفلون بشهر نيسان من أجل ماشيتهم، ولا زال هذا التقليد سائداً في بعض المناطق التي يعتاشون على الماشية وعطاء الربيع. وليس بالغريب أن يوصي النبي لعلي بمقولة " أن تأخذ من ماء المطر بنيسان " للشفاء، ربما احتفاء بمقدم شهر الربيع الثاني أي الربيع الآخر الذي هو شهر نيسان في التقويم الهجري. وهناك أيضاً العديد من التفاسير لدى شعوب الشرق الآوسط من الأكراد والأتراك والتركستان واذربيجان وغيرهم.
وهنا لا تفوتني الإشارة لمناسية عيد الفصح عن مجموعة من النصب التذكارية في مدينة بعلبك الآثرية التي وجدتُ فيها في إحدى زيارتي شكل البيضة منحوتة في أغلب الأعمدة للدلالة على رمز ميلاد الحياة وديمومتها والتي يعتز بها المسيحيون بشكل عام لحد يومنا هذا في عيد الفصح بتلوينها بألوان زاهية كرمز للربيع الزاهي بمباشرة أبناء العائلة الواحدة في صبيحة يوم العيد وفيما بعد على المقارعة بمسكها بين راحة أصابع اليد بإظهار طرفها المحدد ليقرع عليها المتسابق ببيضته من الطرف المحدد أيضا ومن ثم تكرار ذلك من طرفها الثاني، ومن يكسر الطرفين يحصل عليها وتكون حصته، ولا تقتصر هذه العادة المتوارثة على العائلة فقط، وإنما للغرباء والأصدقاء أيضاً لتتطور بإسلوب آخر هو وضع بيضة واحدة أو عدة بيوض في مكان ما من قبل طرفين متنازعين، ومتى ما جلست ذبابة ما على إحداها يخسرها الطرف المَعني بها، ربما يُعنى بذلك على توفيق حظ الفائز لتلك المناسبة القدسية، وقد تكون تلك اللعبة من باب الطرافة.
ولكي نعزز أهمية هذا الشهر الذي تتوالى فيه المناسبات، يحدونا التساؤل، هل هي المصادفات أم الحقائق التي أملتها الطبيعة. حتماً سيكون الجواب في الحالتين. إذن دعونا نسرد بعض الأمور والوقائع التي أملت على الذين يحتفون بقدسيته وفق ما يلي:
1.   لدى الآشوريين: لا أخوض في ذلك لكثرة ما كُتب وكتبتُ عن ذلك، مكتفياً بكلمة دولة العراق أمام مجلس الأمن/ نيويورك 21 آذار 2013 التي جاء فيها ما يلي:
(عيد أكيتو (رأس السنة الآشورية) يمثل بداية للخير وقدوم فصل الربيع ويعتمد على أسطورة قديمة مفادها نزول الآلهة عشتار الى العالم السفلي لإنقاذ الإله تموز ونجحت بذلك ليعم الخير وينشر الربيع أزهاره على الربوع ويسمى بالآشورية (خا بنيسان) أي الأول من نيسان ويحتفل به الآشوريون قاطبة في العراق ودول المهجر كما كان يفعل العراقيون القدماء. (يعنى بذلك أبناء الإمبراطورية الآشورية).
2.   بعد سقوط الإمبراطورية بخيانة البابليين وتألفهم مع الميدييين (الفرس) لإسقاطها، كان الأشوريون من الأوائل الذين آمنوا بالمسيح، بغية تكوين امبراطورية دينية، فبقوا على عهدهم محتفظون بعاداتهم وتقاليدهم بإحياء رأس السنة الآشورية ولحد يومنا في الوطن الأم وبلدان المهجر.
3.   تشبيه ذلك بيوم قيامة المسيح من عيد الفصح بإنتصاره على الموت، وإنتصار الخير على الشر ليكون يوم المحبة والإيمان.
4.   شبّه المسيحيون الأولون كنيسة المشرق بأزهار وورود شهر نيسان بالألوان الزاهية التي ينشرها الربيع في ذلك الشهر.
5.   تنوع التذكارات ومناسبات الأعياد التي يُحتفل بها إحياءً لذكرى العديد من القديسين في ذلك الشهر من أمثال الربان هرمز في ألقوش ومار عوديشو ومار أدي وغيرهم.
6.   العديد من العادات والتقاليد المألوفة اليوم في الكنائس ذات الصلة المباشرة بتلك التي كانت في مهرجان أكيتو، ومنها على سبيل المثال: التبخير في الكنيسة، ملابس الكهنة والشمامسة، الطهارة والقراءات، الذبائح والقرابين وغيرها الشبيهة بالأيام الإثنتي عشر لإحتفالات اكيتو.
7.   لدى العبرانيين اليهود أو بني إسرائيل: أول وأعز يوم قدسي لديهم يوم خلاصهم من عبودية مصر، وفق ما جاء في سفر التثية (16: 1ـ 4 ) " احتفلوا دائما بفصح الرب إلهكم في شهرالربيع نيسان (الشهر اليهودي القمري) ففي هذا الشهر أخرجكم الرب إلهكم من مصر ليلا، واذبحوا للرب إلهكم غنما أو بقرا في الموضع الذي يختاره الرب ليحل اسمه فيه ".
8.   جاء في سفر الخروج خروج (34 17 18) عن شهر نيسان الذي يُعنى به  (شهر أبيب) تيمناً به لتسمية " تل أبيب" قول الرب لموسى وهو في أرض مصر: «هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور، هو لكم أول شهور السنة» (خروج 12: 1). وإنه لمن المثير للانتباه أن يكون معنى هذه الكلمة ”شهر أبيب“ حرفياً: " شهر البراعم الخضراء "، وقد سُمِّي هكذا لأنه يقع في فصل الربيع، ويُقابل شهرَي مارس وأبريل أي نيسان. وقد صار هو رأس السنة العبرية الدينية، ودُعِيَ فيما بعد باسم شهر ”نيسان“، وحالياً هو الشهر السابع للسنة العبرية المدنية.
9.   لدى الصابئة: ومن الشعوب القديمة إخوتنا الصابئة المندائيين بتقديسهم لشهر نيسان، نستشهد هنا بيوم البنجة الذي معناه التكفير عن الخطايا بعماد الجماعة، حيث يتم في كل سنة من اليوم الخامس والسادس من شهر نيسان الإرتماس في الماء الجاري على النهر بثلاث دفعات قبل تناول الطعام، وفي سائر المواسم لا يجوز إلا نهاراً وفي أيام الآحاد فقط. 

10.   قد تكون من باب المصادفة لأحداث معينة على إقرار أيام متفاوتة من شهر نيسان لإحياء ذكراها ومنها: اليوم العالمي للتوعية يوم 4 نيسان، ويوم الصحة العالمي في 7 نيسان، واليوم الدولي للرحلة البشرية إلى الفضاء في 12 نيسان، واليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف يوم 23 نيسان، واليوم العالمي للملكية الفكرية في 26 نيسان، ويوم إحياء ذكرى جميع ضحايا الحرب الكيميائية في 29 نيسان وغيرها، يوم التراث العالمي في 18 نيسان، يوم الرقص العالمي 29 نيسان، ويوم عيد الشجرة في اليوم العاشر من نيسان... حيث يتبين لنا بأن كافة هذه الأيام تتوسم بالعالمية ليعم جدواها على العالم أجمع دون أية مفارقة أو تمييز، إقتداءً بهيبة نيسان الخالد بزهوه ورونقه، مستبعدين الأحداث التي لا يتناسب ذكرها ونحن بصدد أفراح هذا الشهر ومنها يوم التطهير العرقي للأرمن والآشوريين واليونان المعروف بالمذابح من قبل الأتراك العثمانيين.
ولا يفوتنا هنا من الإشارة على إقدام مجموعة من العراقيين الواعين المدركين والمخلصين للتغني بإرث ما بين النهرين، وذلك من خلال مناداتهم ومناشدتهم السلطات الحكومية بجعل يوم الأول من نيسان يوم الثقافة العراقية لإحياء ذكرى هذا اليوم تزامناً مع يوم أكيتو رأس السنة الآشورية البابلية. وهذه دلالة على أن أبناء العراق الأصلاء لا زالوا يمجدون هذا اليوم التاريخي الشهير.
11.    ومن الجدير ذكره بأن يحتفظ كل شعب بيوم لغته في إحتفال خاص إلى جانب اليوم المحدد والمتعارف عليه باليوم العالمي لكل اللغات، لا أن يجعله اليوم المخصص بلغته، لكون الكثير لا يدركوا ذلك، وخاصة من أبناء شعبنا المتعدد التسميات والمكونات الحزبية أيضاً، ولدينا دلائل على ذلك لا حاجة لذكرها.
12.    وقبل أن نختتم حديثنا عن هذا الشهر الخالد، لا بد لنا أن نشير بأن العديد من دول العالم رسمت لها اليوم الذي تحتفل بلغتها الأصلية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر يوم اللغة الصينية بتاريخ 20 نيسان تخليداً لذكرى مؤسس الأبجدية الصينية، ويوم اللغة الإنكليزية بتاريخ 23 نيسان تخليداً للذكرى السنوية لوفاة الكاتب المسرحي والروائي الشهير وليام شكسبير، إضافة لأيام أخرى ولأكثر لغات العالم. إن تلك الأيام المحدد تاريخها يتم الإحتفال بها وفق التاريخ المقرر لها، وما تم إقراره من قبل مؤسسة اليونسكو يوم 21 شباط هو يوم كافة لغات العالم لتحتفل به سوية  كافة شعوب العالم في ذات اليوم، تقديراً وتشجيعاً لها دون مفاضلة لغة على أخرى.  رغم احتفاظ كل شعب ناطق بلغته الإحتفاء باليوم المحدد للغته. 
13.   وبما أن الآشوريين كانوا من الآوائل الذين إعتمدوا الخط المسماري في كتابتهم وتطوير ذلك إلى العهد الأوكاريتي في اللاذقية بإعتماد ما يقارب 32 رمزاً أو حرفاً، فكان الأجدر بأبناء ذلك الشعب من خلال مكونات تسمياته الدينية وتنظيماته الحزبية ومنتدياته الثقافية والأدبية أن يتحسس لذلك، ولكن لربما الأحداث المأساوية التي مرّ بها دعته أن يتغافل ويتناسى ما ذهبت اليه العديد من شعوب ودول العالم. إلا أنه بعد أن انتشر الوعي وتأسست المدارس في شمال العراق ودول المهجر استيقظ المجلس القومي الآشوري في شيكاغو بولاية الينوي الأمريكية على إقرار يوم اللغة الآشورية يوم 21 نيسان من كل عام، وذلك قبل ثلاث سنوات بإعتماد التسمية تقييماً لإصدار 21 مجلداً الذي أصدرته جامعة شيكاغو لعمل دام أكثر من تسعين عاماً بمساهمة 85 باحثاً لغوياً تم تكريم المتأخرين منهم في الذكرى الثانية ليوم اللغة الآشورية لعام 2015 في احتفال خاص لمساهماتهم القيمة. ويسعنا هنا أن نكبر جهود أبناء شعبنا من المعلمين والمسؤولين في جمعياتنا الثقافية والأدبية والإجتماعية بإقدامهم على إلتزام إحياء هذه المناسبة باليوم المخصص وعلى نحوٍ خاص في أمريكا والسويد وروسيا وأرمينيا وجورجيا وليتم ادراجه في التقويم السنوي، آملين من باقي الدول التي تتواجد فيه من أبناء شعبنا أن تنحى ذات المنحى ومنها بلاد النهرين واستراليا المتواجدة فيها مدارس اشورية وأينما تواجد أبناء شعبنا الآشوري الذين يعتزون ويتفاخرون بلغتهم الأصيلة.
ومما يؤسف له أن لا تستدرك بعض التنظيمات الحزبية والمكونات الدينية المهتمة بالتعليم والتدريس اللغوي  لهذه المناسبة المختلفة عن يوم اللغة العالمي المصادف 21 شباط بأنه وإعتباره يوم اللغة الآشورية لتنعته بذات اليوم دون وعيها ومعرفتها بشموله لكافة لغات العالم، وليس بلغة محددة. كما ونأمل من كافة مسؤولي التسميات القومية المستحدثة أن يعتمدوا ذات اليوم رغم نعتهم له بما يحلو لهم شريطة أن يكون بذات اليوم المقرر، بغية أن يكون سبيل التوحيد لأيام المستقبل من منطلق اللغة المُوحدة التي تخلق شعباً موحداً، كون اللغة هي العنصر الإساسي لمقومات القومية. هذا ما استطعناه أن نكبر فيه شهر نيسان المجيد، وفي الوقت ذاته نأمل من قرائنا الكرام أن يزيدونا علماً بما لديهم من مناسبات أخرى لم تحضرنا وتخص شهر نيسان. ونحن نورد موضوعنا بالعجالى المختصرة، حيث سنكون من الشاكرين لهم.


44
مسؤوليتنا ليست لعبة بيد الضالين
بقلم: ميخائيل ممو
حين تغيب هيمنة المبادرة الجماعية لمشروع ما من أجل النهوض بمتطلبات الشعب المنتمي والمنضوي تحت راية التسمية القومية ، والتي عادة ما تتحمل مسؤولية تلك المبادرات التنظيمات السياسية المتمثلة بالأحزاب، ليس معنى ذلك التغاضي والتغافل عن همة المبادرات الفردية النابعة من الذين يتصفوا بحيادية وإستقلالية الرأي، وإستهجان فكرة المبادرة كونها لا تحتمي بإلتزامات مبادئ السلطة الحزبية أو القنوات السلطوية، أو ان أصحاب تلك المبادرات محتم عليهم أن تمر مبادراتهم من خلال نظرة مجهر سلطة الأحزاب لدعمها ، وعلى الأغلب تفنيدها وبالتالي تحويرها على نحوٍ من الماركة المسجلة بغية التباهي بأسبقية العمل التنفيذي ، بالرغم من أهميتها المعنوية المباشرة المستمدة من الفكر الحر للفرد المُبادِر الذي يعمد تفعيلها وتنفيذها دون أي شرط أو ارتباط مقصود، بغية تعميم جدواها للنفع العام وإصلاح ما ينبغي إصلاحه أو تقويمه لإثبات الوجود الوطني الشامل أو مستلزمات الوجود القومي .
إن ما حدا بي لتدوين هذه التوطئة المقتضبة هو نظرة السلطات الحكومية على تفنيد العديد من مقترحات ومبادرات إصلاحات أفراد المكونات ذات  المذهب والإتجاه الحيادي أو المتمتعة بالإستقلال التام، بغية الإرتقاء بالواقع المألوف من نظرة الموازنة بمقارنة ما هو على الأرض، وما هو في ملفات أرشفة التعاليم التنظيمية المغبرة والمُلكئة لجمالية الرفوف المكتبية، وتلك مواد كراريس الدساتير المخفية في حقائب المُنَظر أو المسؤول المباشر . وكذلك هو الحال بالنسبة للأحزاب إن كان الرأي صادراً من رؤية النسيج الإجتماعي، وممن لم يلتزم رسمياً بالتنظيم المعروف ، ليتلق الرفض والمعارضة ، كونه لم ينبع من معين الفكر الحزبي ورؤيته الستراتيجية. هذا ما ألفناه ونألفه يومياً بين أروقة عمليات تنظيمات فئات الكتل السياسية والمكونات الحزبية في عراق اليوم، سواء بين الأحزاب السلطوية الكبيرة المشاركة على إدارة دفة الحكم في العراق أو بين أحزاب القوميات الأخرى كالقومية الآشورية مثلاً والمنضوية تحت أجنحة أطراف متعددة، كالطرف الفلاني لأسباب انتخابية بعلة محدودية عضوية الإنتماء ، أو لحساب طرف آخر لأسباب مصلحية، أو لخوف من الطرف الغالب، أو بدافع التواجد المناطقي وحوافز أخرى مغمورة في العقل الباطن، بدلاً من هاجس الشعور بمفردتي الوحدة والتوحيد لتصيبان المفردة الأم " الإتحاد "، بمواقف مشتركة وموحدة ووطنية من خلال ما يقره الدستور إن كان صريحاً وواضحاً في مواده،  وذلك من أجل تشكيل قوة تضامنية واحدة بأرضية صلدة ورصينة لها أهميتها في إثبات الوجود، وعلى نحوٍ خاص في حال التحالف لأرجحية كفة الميزان على الوجه الأفضل في كافة المجالات التي تفرضها إشكالات التفضيل لشعب ما، وبشكل خاص ومتميز في المجال السياسي لتطبيق ما هو في الصالح العام والخاص. أما الإنجراف في تيارات الإستهواء دون الدليل اليقيني بتأثيرات إطماعية بغية الإستحواذ وفرض الرؤية الإنفرادية فهذه مسألة تردي الفرد المراقب في شكوك عديدة ليعيش في دوامة أربع حالات متفاوتة، الأولى بإيجابية الدعم، والثانية بسلبية النفي،  والثالثة بموقف الشك والحيرة والرابعة التنحي الى قاعدة التطرف.
هذا ما يثبته واقع اليوم بشكل أوسع من خلال توجهات الدول الكبرى وإقدامها على ترضية أطراف مستضعفة بغية إنجرافها في تيار ألاعيبها الضمنية مقابل ما تمنحه لها من وعود لردع قوة ومكانة دولة ما، لها مركزيتها وكيانها كدولة مستقلة ذات سيادة أو جهة معينة، وذلك بكسب عواطف من لا يشعروا بإنتمائهم الشرعي المباشر لقوانين ذات الوطن رغم استيطانهم على أرضه، بفارق الإنتماء القومي والمذهبي واللغوي لا بدافع صراحة الوطنية المشتركة، ومن ثم انعكاس اللعبة بفرض المناداة بحقوق الإستقلال التام إن لم يتم تلبية المطالب التي تفوق حقوق المواطنين الأصلاء، وليس الدخلاء أيضاً من الذين تكاثر عددهم واستحوذوا على أراض بحجج واهية وغير شرعية لا يقرها القانون الدولي، وذلك بدافع استغلال الأوضاع السلبية التي فرضتها ظروف البلد السياسية بمؤثرات دوافع الأزمات الإقتصادية والأمنية والإجتماعية وفقدان الثقة لتشتت الكتل البرلمانية وضعفها أو عجزها في خلق قيادة مشتركة تخدم الشعب والمصالح الحزبية والعلاقات الدولية بالتبادل الإقتصادي والتجاري والدبلوماسي والتحالف برضا الأطراف المقصودة وفق معاهدات واتفاقات خاصة. لا لتكون بالتالي طُعماً ولقمة سائغة بيد من يدرك لعبة الإستغلال من خلال المصطلح السياسي المتعارف عليه بـ " فرّق تسد "، حسب ما يبدو للعيان بالمعايشات اليومية في عراق وسوريا اليوم من الجانب الأمريكي والروسي والتركي والسعودي ودول الخليج. وهنا لا نستثني وضع التحالفات الإنتهازية التي تفرضها بعض التكتلات على إستمالة من لها ايديولجيات متعددة من أبناء شعوب المنطقة متمثلة بالقوميات الإثنية ومنها القومية الآشورية التي لها جذورها التاريحية الأصيلة في أعمق أعماق الأرض الرافدينية النهرينية ليتم استغفالها واستصغارها رغم أصالتها في إمتلاك التربة بتغيير مفهوم وفحوى التسمية التي تم انتحال الأسم الحالي للعراق من اوروك العريقة في القِدَم أو ميزوباتاميا أي بلاد ما بين النهرين، حيث لا زال لحد أيامنا الحالية يتغنى الآشوريون بالتسمية الأخيرة في محافلهم وأغانيهم أو أناشيدهم أينما تواجدوا إلى جانب تمجيد المستشرقين والباحثين اللغويين لذلك.
ولكي نربط هذا الوجود القومي الآشوري المتبع بالنهج السياسي العروبي القومي والصراع الديني المذهبي والقومي الإسلامي لبعض الفئات لا يمكننا مقارنته بالظروف القاسية والمؤلمة الكارثية التي حلت بالتكوين الإثني لشعب الإمبراطورية الآشورية ودويلاته العشر بعد السقوط ق. م. ولحد إيمانه بالمسيحية ليلق فيما بعد أبشع أنواع العذاب والقتل والتشريد مروراً بعهود المذابح التيمورلنكية ـ الجينكزخانية التترية والحقبة العربية الإسلامية والعثمانية والزمرة الداعشية وما لف لفهم في عراق اليوم، ومقارنة ذلك أيضاً بالصراع المذهبي الطائفي بين الشيعة والسنة، إن كانوا عرباً أو أكراداً وفئات أخرى. ورغم كل ما حدث وحصل على مر العهود بقي الآشوريون يكنون الإحترام والتقدير والتبجيل لكلا الطرفين في كافة مناطق تواجد المذهبين من الموصل الحدباء أم الربيعين والمناطق الغربية إلى البصرة الفيحاء.
ما الذي جناه الشعب الآشوري ليكون لقمة سائغة لمن هبّ ودبّ؟! هل هي مسيحيتهم؟ أبدا. هل هي انثروبولوجيتهم؟ طبعاً لا. هل هي عملياتهم الإرهابية؟ لا أبداً. هل هي مشاكساتهم؟ كلا. هل هو تواطئهم؟ مع من؟ هل وهل وهل تتكاثر، ولا هناك أي تساؤل تؤطره أجوبة الصفات السلبية.. إذن أين هو الخلل؟ وأين هي الدوافع لكل التجاوزات لحد يومنا هذا؟! والدلائل تفوق ما أشرنا اليه. وأقرب دليل هو حال اليوم في ديمقراطية العراق المصاب بسرطان التزييف وداء الفساد والترويع بهجرة أبناء الوطن المخضرمين من المسيحيين بكافة تسمياتهم الإثنية من الذين خدموا الوطن بعز وشرف وإخلاص بتسنمهم أهم الوظائف التي ترتقي بالبلد منذ العهد الملكي لتأسيس العراق، وبالتالي لتثمن خدماتهم بما وصفناه من صفات الإيجاب بعكس ما هو عليها،  ليهُجّروا من ديارهم بعمليات التخويف والتهديد كالإختطاف والقتل والذبح ودفع الفدية والإستيلاء على عقاراتهم ومساكنهم بالعنوة وبالتزوير المفبرك ليتطابق فعلها فعل مضمون مقولة الشاعر الذي قال:
فَيَا عَجَباً لمن رَبَّيْتُ طِفْلاً ... ألـقمُهُ بأطْراَفِ الْـبـَنَانِ
أعـلِّمهُ الـرِّماَيَةَ كُـلَّ يــوَمٍ ... فَلَمَّا اشتَدَّ ساَعِدُهُ رَمَاني
وَكَمْ عَلَّمْتُهُ نَـظْـمَ الْقـوَافي ... فَـلَمَّا قَال قَافِـيَةً هَـجَاني

mammoo20otmail.com

45
منتدياتنا الأدبية والثقافية والإجتماعية إلى أين؟
بقلم: ميخائيل ممو
حين يستقر بك المقام في محطة ما من بلدان العالم وأنت مزمع على الإستقرار بدافع الهجرة القسرية أو الطوعية، عادة ما تكون في حيرة من أمرك، تجرفك تيارات التخمين لأي منعطف تقتفي بغية الراحة النفسية والحياة الإعتيادية بحلوها ومرها. وبدون شك تحدوك الحيرة بملاقاة من هم على مقربة من أبناء جلدتك أو أن يكونوا من نسل ذات المواطنة الإقليمية التي أنت عليها. فإن كنت آشورياً تعمد لملاقاة من يتصف بصفات اثنيتك، وأحياناً لغة المواطنة الإقليمية الرسمية تكون الدافع لذلك مهما كانت المفارقات الأثنية تحيل التقارب من بعضكما من منطلق مقولة " كل غريب للغريب نسيب " وهذه حقيقة لا تنكر طالما " الحاجة أم الإختراع "، وفي علم كل إنسان واع بأن هكذا مقولات لم تصاغ هباءً ودون جدوى بفعل التجارب التي انبثقت منها وركزت مضامين مفهومها لتطبيقها عملياً.
وبما أن التجمع السكاني الإجتماعي تفرضه العادات والتقاليد الموروثة لمجموعة اثنية من الأفراد، كما تطبع الإنسان في عصوره الأولى، نجد اليوم بأن الطبقة الواعية والمثقفة تَقدم على جمع شمل من تعنيهم تلك الموروثات، سواء كانوا من أتباع قومية معينة أو تنظيمات حزبية أو اعتبارات انتماءات مذهبية من منطلق الإنقسامات الكنسية للمسيحيين، وللمسلمين أيضاً وفق تواجدهم المذهبي من خلال المساجد والجوامع والكنائس والمنتديات. وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها بدليل التجمعات التي اعتدنا عليها في بلداننا الأصلية التي تم استنساخها ونقل واقعها ونشرها في بلدان الشتات بحكم التواصل الإجتماعي الذي تفرضه مستلزمات الغربة بشكل آخر ومستحدث لتزيد الطين بلة من حيث الإنقسامات والإضطرابات النفسية التي مبعثها الإلتزامات الخاصة والأزمات العائلية التي تنعكس على مواقف ذريتها بإنسجامها مع الواقع الإغترابي وفق النشأة الإجتماعية والتربوية واللغوية الحديثة التي تحتمها قوانين ودساتير البلد المضياف. لتعيش العائلة الواحدة حالة الإزدواجية المعقدة بعلة الذرية بعيدة عن الأعراف والتقاليد الموروثة لكبار العمر. ناهيك عن الحالات النادرة التي تشذ عن مسببات تلك السلبيات بحكم التعصب والتربية المُحكمة. وهنا لا نستثني أي مجموعة كانت من بلداننا الشرقية إن كانت دينية أو قومية بدليل السلبيات التي تتراءى لنا أمام أبصارنا ومن خلال السجلات الحكومية الموثقة والوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمنشورة التي تشهد وتثبت ذلك، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أزمات حالة الطلاق والإفتراق لأسباب واهية، المعاشرة والزواج اللاشرعي من مجتمعات متفاوتة، إنعزالية السكن الإنفرادي وعواقبه، تجاوز حدود الإحترام والإلتزام، المشاحنات التي لا طائل فيها، وغيرها من الأمور التي تشحنها الملابسات الشخصية العدوانية وإختراق الأنظمة المرعية بسلوكيات وتصرفات لا يُسَوّغ فعلها لتوقع وتردي مرتكبيها تحت طائلة القانون والعقاب. لتنتشر تلك الظواهر بتبريرات تفتقر لجوهر الحقيقة، متخذة طابع الإنتشار بالتقليد الأعمى، وتناسي مقولة " يا غريب كن أديب " واستمرار التمادي في الغي والضلال الدائم بإستغلال مفردة "الحرية" المقدسة وليدة ديمقراطية الرأي المؤطرة بمفهوم العدالة والمساواة والأخلاق الإجتماعية مهما بلغت صفاتك الشخصية ومفهومك للحياة، وليأتي على بالك " إذا أنت أكرمت الكريم ملكته " ليكنّ لك أبلغ آيات الإحترام والتقدير بفضل رعايتك له بالحسن والعرفان الجميل.
لذا يستوجب علينا أن لا نستصغر وجود مؤسساتنا التنظيمية من المنتديات الأدبية والجمعيات التثقيفية والنوادي الإجتماعية كونها سفارات وقنصليات نستقي منها ما يُعلي من شأننا، بتجاذبنا أحاديث الملاطفة باللغة الأم واللغات التي تسلحنا بها في بلداننا التي هي الوسيلة المُثلى لإكتساب ما نحن بحاجة إليه. وكذلك من واجبنا دعمها مادياً ومعنوياً لترتقي سلم النجاح وتتكفل بتوفير ما ينبغي إيجاده وتوفيره للجميع دون تمييز أو مفارقة للكبار والصغار من كلا الجنسين من بناة أجيال المستقبل، بحيث أن تقع المسؤولية على كل فرد منتم ٍ بقناعة تامة، لتكون بمثابة المدرسة التي نستقي منها ما يعوزنا على يد من يضحوا بأوقاتهم طواعية بإمكانات وظائفهم وتخصصاتهم ومسؤولياتهم الخدمية المتفاوتة في حقول متعددة، شريطة أن يتم انتخاب " الرجل المناسب في المكان المناسب " لا أن نجعل من المحسوبية والمنسوبية " أي الحسب والنسب سلاح التحدي الفارغ والمصلحة الشخصية لأسباب واهية تفرضها أفكار موروثات التبعية العشائرية والشخصنة المقيتة الممزوجة بالإتهامات الفارغة بإعتماد مقولة " إن لم تكن معي فأنت ضدي " والعزوف عن المضامين الإصلاحية من ذوي المقدرة والكفاءة  والتعنت بالشكليات التي لا تجدي نفعاً كتلك البالونات التي لا يطول عهدها بإستمرارية وجودها على ما هي عليه. والأدهى من كل ذلك المراوغة المقصودة التي تفرزها بعض الأفواه بحجة الممازحة التي تكشف حقيقة المواربة في الكلام الشبيه بسم إبرة النحلة التي تغرزها في الجسم.
إن كانت مفاهيم ما أشرنا إليه تشكل بعض الإيجابيات المُفترضة، فالسلبيات لا تقل شأناً عن ذلك إن لم تكن أكثر منها بما تشهد له حال واقعها المتردي أينما تواجدت وفي أية دولة كانت من خلال رؤيتنا وملاحظاتنا ومحادثاتنا الدائمة لمستوى التقييم، وكأن العدوى انتقلت وأصابت كافة تلك المؤسسات التثقيفية والترفيهية التي شلّت من فاعليتها الموثقة بأجمل العبارات في دساتيرها الرسمية. ومن تلك الأسباب الظاهرة للعيان قلة الأعضاء الحريصين والفاعلين بصدق وإخلاص، إنشطار هيكلية المؤسسة الجامعة وفق التعنصر العشائري والإقليمي، حالها حال الأحزاب السياسية، تمركز مجموعة معينة من منطلق " عمك خالك " دون أية خدمات تحتمها فقرات الدستور، إنحصار النشاط على فئة عمرية محددة بأهوائهم الخاصة، إفتقار فعاليات الأطفال والشباب من حيث الترفيه والتوعية، شحة وقلة الحضور لكافة المحاضرات التثقيفية والتعليمية، عدم الإلتزام بالمواعيد في العديد من المناسبات، عدم إحترام قرارات الهيئة الإدارية بتجاوزها والإستخفاف منها رغم جودتها لمصلحة المؤسسة، عدم الشعور بالمسؤولية المباشرة لمن يتولى مسؤولية واجب محتم ٍ عليه أو عمل ما، غياب الدورات التعليمية اللغوية وغيرها الخاصة بالشبيبة والنسائية أيضاً وإنعدامها على أقل ما يمكن قوله. وعن موضوع الحفلات الراقصة حدّث عنها ولا حرج من حيث التباهي الممغنظ والتبرج الصارخ وجملة الصرفيات للفرد التي تعيل عائلة منكوبة في الوطن وبلدان الإنتظار التي تستحلبهم، وبالتالي ليلقوا حتفهم في بحار سفن ومراكب النجاة غير المؤمنة، إضافة لأمور وأحداث أخرى غيرها.
لذا أود التساؤل هنا وبإستغراب، إن كنا حقاً ننادي بالحقوق القومية التي تتفرع منها مؤسسات ما لا يمكننا حصرها، ونعتبر منتدياتنا الخدمية التي نوهنا عنها بأنها دوائر حكومية شبه رسمية لنا، أليس من المحتم علينا أن نحترمها ونقدسها وندعمها؟! أليس من المفروض أن نقتدي بها كحقل للتجارب. وإن شاءت الظروف وتحققت أهدافنا السامية، ألسنا بحاجة إلى التسلح بقوانين مؤسساتنا المعهودة لتطبيقها بكل سهولة في مشاريعنا المستقبلية؟! حتماً سيكون الجواب بالإيجاب. إذن ليباشر كل واحد بمكانته على نفض الغبار العالق على كتفه ويجعله من الرواسب لتكوين أرضية صلدة لمشاريع أحلام أبنية المستقبل، طالما العالم في ارتفاع وإنخفاض وعلى شفا حفرة من وادي ونار أحداث حرب مستقبلية مروعة.
mammoo20@hotmail.com   

46
بلاغة الأدب
أدب السياسة

بقلم: ميخائيل ممو

حين يطرق سمعنا العديد من المفردات والمصطلحات من الماضي البعيد منذ أيام نشأتنا وترعرعنا، مروراً بأيام مرحلة شبابنا، ونحن نتجاوز العقد الخامس والسادس والسابع من عمرنا، تستهوينا ذكراها ـ سلباً وإيجاباً ـ بمدى وعينا لها في الفترة الشبابية. ومن تلك المفردات المفردة البلاغية " البلاغة " المشتقة من الفعل " بَلـُغَ " كمصدرٍ له، لتعود بنا الذاكرة القهقري أي إلى الماضي البعيد من أيام مقاعد الدراسة للمراحل الدراسية النهائية. وفي ذات الحين لنتذكر تلك الفروع المستقاة منها والمعروفة بعلم البديع والبيان والمعاني مولدة مصطلحات الجناس والطباق والسجع والتورية والتشبيه والإستعارة والإسناد والخيال والعاطفة لتؤطر الفصيح من الكلام المؤثر بألفاظ نطق اللسان في الخطابة والمحادثة، والتدوين المحفوف بإسلوب متناسق جذاب يستلب قلوب القراء، كتلك اللوحة الفنية التي تدع الناظر المُتأمل لدقائق محتوياتها بإمعان تام من خلال شدة تزاحم وتلاحم تزاوج الألوان، وتناسق الرموز التعبيرية المُبتغى منها.
ولكي لا نسترسل فيما ذهب اليه القدامى من أئمة اللغة العربية من أمثال الجرجاني والقزويني والسكاكي وغيرهم، ومن المحدثين في عصر النهضة القومية من أمثال أحمد الزيات وأحمد الهاشمي والدكتور البكري وصلاح الدين موسى وغيرهم ممن عالجوا مفاهيم مصطلح البلاغة إلى جانب الغربيين من أمثال فكتور هيجو والفنسيين ديمارسيه وفونتاني وغيرهم من أدباء الغرب القدامى، وبالتالي من المحدثين الذين اعتمدوا في منهجيتهم العلوم اللسانية كوجه جديد لعلم البلاغة، حالهم حال الشعر التقليدي الكلاسيكي بطغيان الشعر المُستحدث عربياً على يد السياب والبياتي ونازك الملائكة ، ومن الغربيين ت. س. إليوت مُنَظر قصيدة "الأرض الخراب" وإديث سيتويل وكيتس وغيرهم الذين شيدوا ومدوا جسوراً بما لا يحصى من الشعراء المحدثين في العالم العربي والغربي.

إن أغراض الشعر والقصة في المجال الأدبي تنوعت وتفرعت بإستحداثات عديدة، حالها حال المفاهيم والمبادئ بمضامينها السياسية التي استمدت اصولها من اسس تكوين التعابير اللغوية بأساليب تدوينية مستحدثة بأطرٍ متنوعة تفرضها الصياغات الفكرية  وفق أساليب التعارض المبنية على اسس الديالكتيكية  التي فرضتها الظروف الإقتصادية والإجتماعية للنظريات السياسية من جراء انبثاق المدارس الأدبية في المحيط الأدبي والفني وتأثيرها على واقع الأدب السياسي، وعلى وجه الخصوص سياسة الأدب الروسي على يد ليو تولستوي ودوستوفسكي وتشيكوف وغيرهم من المحدثين من الإدباء الروائيين والشعراء الذين لا زلنا نقرأ تراجمهم في أمهات الصحف العربية والمواقع الألكترونية. وبما أن العصر الحالي هو عصر النهضة الفكرية الجديدة والوثبة الحضارية للتجديد الأدبي والفني والعلمي والسياسي  بغية التطوير والأرتقاء لأعلى سلم النجاح في كافة مجالات الحياة، تحدونا المفارقة بمقارنة عصور من سبقونا الذين انحصرت أفكارهم ونداءاتهم وتحدياتهم في محدودية نشرياتهم سراً داخل حدود تواجدهم ومحدودية انتقالها لدول الجوار وغيرها من الدول بشكل غير مباشر. ولكي نكون أكثر وضوحاً بأن سرية النشر والتحريض والتصدي المباشر انتفى مفعولها وغابت عنها جدران التصدي المباشر لقمعها، وليتسنى لكل فرد من حملة الأقلام والأفكار النيرة أن يستل سيفه ويشهره علناً بوجه من شاء حين لا يوائمه وذلك بإنتمائه كمواطن حر وتمتعه بالحرية المطلقة في أجواء ديمقراطية  " جمهورية ولايات المواقع الألكترونية والتواصل الإجتماعي المتحدة " الملتزمة بمنهجية ديمقراطية الرأي وحرية التعبير المباشر. لهذا نجد سياسة آداب مائدة الأكل والشرب والتعامل المباشر وغيرها من الصفات قد طغت عليها آداب سياسة السياسة وسياسة الدين بعكس ما هو مألوف، بدليل ما تقع عليه بصائرنا يومياً وفي كل لحظة من مقالات ومداخلات وتعقيبات لا حصر لها في كافة ممالك القنوات الإعلامية التي تتلاعب بالمفردات السياسية التي منها الأجندة الداخلية والخارجية لكل مملكة مستحوذٍ عليها من مُكَونٍ معين، لا يعير أية أهمية لمنطق ثقافة الإصلاح والتنوير، طالما لم تبدر المناشدة من ذات المكون، بالرغم من جدوى وصلاحية الفكر الإصلاحي والتنويري. وكأنما تلك القنوات تشكل سلطة مستقلة لذاتها من خلال رواد وإنتماءات كوادر تنظيماتها الحزبية مهما كان حجمها،  صغيراً أم كبيراً، لتفعل كل واحدة منها على مضض ٍ ضمني بفرض نزعة التعصب الطائفي والمذهبي والعقائدي المتزمت الذي يُنهك محور الضمير الجماعي لمكونات فسيفساء الشعب المنضوي تحت لواء المواطنة الموحدة وفق متطلبات الحقوق والواجبات المفروضة على كل مواطن، رغم السعي والمناداة ورغم تفاوت الإنتماء الديني، وبالرغم من أن أغلب دساتير البلدان العربية تقر بأن دين الدولة الرسمي هو الإسلام. علماً بأن هناك ممن يدينون بديانات أخرى ولهم ذات صفات المواطنة إلى جانب الإنتماء القومي بدليل تعدد القوميات كما هو عليه في العديد من الدول ومنها سوريا والعراق متمثلة تلك الإنتماءات بالوجود القومي الآشوري والكردي والأرمني والإيزيدي والصابئي. وعلى ضوء هذه الإعتبارات نجد بلاد ما بين النهرين من خلال التشكيلة السلطوية المشتركة أي الشراكة متعارضة في سياستها المؤدية دوماً الى التناحر والمشاكسات المقصودة بإعتماد كل جهة بأفكار مذاهبها الدينية التي منبعها الدين الإسلامي. إذن ما الضير في أن يتم فصل التمذهب الديني المتمثل بالتحزب السياسي لكل مكون إن كان إسلامياً أو مسيحياً أو أي دين آخر، لكون مفهوم القومية بتدرجها الحسابي العددي لكل مجموعة عادة ما تتعارض ومفهوم حكومة السلطة التيوقراطية التي تستمد أفكارها من الإيمان بالحق الإلهي على أساس عنصري، ومنها أيضاً حالة بيع صكوك الغفران من قبل سلطة الكنيسة في أوربا للصفح عن خطايا الفرد، والتي عفا عليها الدهر بعد أن تم رفضها ونبذها على يد طبقة المثقفين وبدعم من المعوزين والفقراء بحيث حادت  أوربا عن ذلك منذ خمسة قرون، وإنعتق الشعب المسيحي من قيود السلطة الكنسية ، والعالم العربي لا زال يصارع نفسه دون أن يتخذ عبرة من أحداث التاريخ المأساوية التي أردته في مهاوي الإنعزال عن بعضه لا يحيد عن البغضاء والإقتتال والتحديات ليكون لعبة يلهو بها المحتلون من الدول الكبرى كالأب الأمريكي والأم الروسية وفراخهما من الدول الأوربية لتتخذ الصين واليابان كقوتين ذات كفاءة عالية دور الحذر منها ومنعزلة نوعاً ما عنها لتختبرا  مدى شرعية الأب والأم.

ولطالما لا زلنا نتراوح في حلبة التحديات والإنقسامات الطائفية والمذهبية والقومية على مستوى بلاد النهرين عراق اليوم، ينبغينا المفهوم المتعارف عليه من منطلق العدالة الإجتماعية والمبادئ الأخلاقية أن نتشبع بها ليمكننا التسلح بإحترام الرأي والأخذ والعطاء لتجاوز أي نوع من الخلافات التي لا تدري نفعاً، إن كنا حقاً نؤمن بالعدل والمساواة اسس الإنسانية لضمان الفرص المتكافئة لأي من كان من المواطنين في البلد الواحد الموحد بإلغاء الفروق التسموية المستحدثة والتعنصر بملذات تبعية التسلسل الوراثي.لهذا يتوجب أن ندرك إن كانت مقومات القومية في الوطن الواحد هي التي تزرع أحقية التكوين القومي والأرض هي أم تلك المقومات حسبما يقال. فما بالك من أرض عراق اليوم؟! أليست هي مهد الحضارة الآشورية؟ إذن أين هي حقوق الآشوريين الذين ما فتأوا إمتداداً لتلك الحضارة العريقة بكافة تسمياتهم المذهبية؟ وإن كانت اللغة هي المقوم الأول للوجود القومي الشرعي، فأين كانت اللغة العربية قبل ذلك؟ وأين كانت اللغة الكردية التي يتمتع أبناؤها اليوم بربع مساحة الأرض الآشورية بدلالة المعالم الآثرية والمواقع الكنسية في شمال وجنوب العراق وتسميات القرى المستعربة والمستكردة وبالأحرى المغتصبة. أما إن تساءل القارئ ما علاقة العنوان بمحتوى المقالة، فليدرك من له سعة الوعي بأن بلاغة الخمسة آلاف من ألواح مكتبة آشور بانيبال هي أساس سياسة اليوم. وإن أول تشريع على وجه الآرض هو أساس النبع الثري لقوانين وتشريعات اليوم. وإن لم تصدق ذلك، فما عليك إلا أن تسعى جاهداً لقراءة كتب التاريخ التي هي أكبر شاهد على ذلك ومقارنتها بقوانين دول العالم التي تتنزه بها ولا تستنكف من الإعتراف بحقيقة وجودها ومما تعتمد عليه.
mammoo20@hotmail.com

48
قراءة في تراجيديا الدكتورة "ميم" وذويها
بقلم: ميخائيل ممو
شاءت الصدف أن اسلط الضوء على ثلاثة روابط توسمت بعنوان " من كان يصدق أن يحدث هذا؟! " لأبدأ بالجزء الأول الذي ظننته من نسج الخيال، كما اعتدنا بقراءة القصص القصيرة والروايات المأساوية التي تستلب القلوب للتعبير عن الواقعية بشكل غير مباشر. وهنا تبين لي بأن عملية السرد تبدو وكأن السارد السيد "بدري نوئيل" أراد أن يستشف فكرة معينة يلهي بها القارئ. حيث لا زلت لهذه اللحظة وأنا أدون ملاحظاتي بأنه كان يعني ذلك، كونه في سرده وعرضه لأحداث القصة اتبع طريقة عرض مقدمات الأفلام التي اعتدنا عليها، والغالبية منكم يتحسس ويدرك تلك المعايشات.
على أية حال، وكما هو مألوف لقراء القصص القصيرة، بأنها لا تتجاوز العديد من الصفحات، والقارئ النهم  عادة إن جرفته وقائعها وأحداثها الغريبة والمأساوية المباغتة يسترسل في التهام كلماتها وجملها وعباراتها. ولكني لم أكن من رواد هذا النوع من القراء، إن لم أحلل كل جملة أو عبارة عن دوافع وأسباب صياغتها بهذا الشكل أو ذاك، سواء من حيث التركيب النحوي أو اسلوب السرد الأدبي أو التحليل المنطقي لعملية التشويق والحبكة الفنية.
رغم ما أشرت اليه، وأنا في قراءتي الأولى انتابتني مشاعر الفزع والتساؤل بإستغراب ملفت للنظر.. قد تكون هذه القصة حقيقة وليست من نسج الخيال. ساردها من أبناء شعبنا، ولم يسعفني بصري أن أقرأ له من قبل.. وهل من المنطق أن ينشر الموقع هكذا قصة سردية مليئة بما لا يتوافي فيها شروط النشر من حيث الصيغة الفنية النحوية والتأثير النفسي بالرغم من سياسة الموضوع  الذي يعبر عن رأي كاتبه، كما هو متعارف عليه. وهنا ساورني الشك بأنها حقاً حادثة واقعية وللموقع رأيه في مبدأ " السبق الصحفي " بعرض الحدث كما هو.
عادة ما يثير القارئ النهم أن يتوصل دوماً ما يتبع تسلسل الأحداث، وهنا تيقنت نوعاً ما بأن واقع الحدث الأول بمحاولة استمالة الضابط المحقق الرائد (طاء) للدكتورة (ميم) ذات الخامسة والعشرين عاماً وفي عمر الزهور بجمالها الجذاب (حسب وصف السارد) بحديثه الملتوي وبلمعان نجومه الراكنة على كتفه كشرف مقدس لوطن العراق. كان قد ظن بمغالطتها على التقرير الذي أعدته لمدير المستشفى عن حادث انفجار راح ضحيته الكسبة من العمال إنه سيفلح في إقناعها لتحقيق ما يصبو اليه من أفكار سيئة بإستمالتها له. وما أن تيقن بأنه لا فرصة لذلك، وبأن شرف مهنة الطب أعلى من ذلك ومن طبيبة مسيحية تؤمن " بقضاء الله وقدره، وتردد دائما ربي اختر لي ما تراه خيرا لي ، واغفر لهما لأنهم لا يعرفون ماذا يعملون.."  فرحل أدراجه. ولا ننسى هنا بأن أمثال هذه المواقف يعيشها العراق يومياً في كل أرجائه، وفي كل زاوية من قراه ونواحيه وعلى وجه خاص ومتميز تلك الدوائر الرسمية بكافة أنواعها بإستغلال ذوي النفوس الضعيفة لحالات العوائل البائسة واليائسة من أوضاعها الإجتماعية والمعيشية والفقر المدقع الذي نال كل بيت عراقي من شماله إلى جنوبه. وأقل ما يمكن اثباته من حيث الملكية الإستحواذ اللاشرعي على دور السكن ابتزازاً بألاعيب المتسلطين على دفة الأمور بحفنة من السحت الحرام وبقسم اليمين القرآني على شرعية الإمتلاك.
ونحن لا زلنا في الجزء الأول من الليلة السوداء المكتنفة بالسحابة الدكناء والغبراء توالت بوادر الجريمة بشكل مباغت وغير متوقع، وكأنها مبيتة من ذلك الرائد المحقق الذي يمثل شرف الحكومة بالزيف والمراوغة والإحتيال لتحقيق مآربه بواسطة من هم تحت سلطته في ذات المنطقة بإستغلال منصبه الوضيفي وهيبة لباسه الرسمي أو بمبلغ مالي زهيد كرشوة للضالين المتهورين..وكما يتمتع بها هو الآخر في الجزء الثاني من الأحداث المأساوية. ربما ذلك، بالرغم من انها الحقيقة المرة التي ابتلى بها المجتمع العراقي بكل أطيافه. ولكن أن تأتي في ذات المساء وفي وقت متقارب مجموعة مؤلفة من ثلاثة شباب متهور في سيارة خاصة أمام دار أمِّ وابنتيها وهنّ يعمدن الدخول لدارهن لينهالوا عليهن بالضرب والسحب والتهديد بقوة السلاح دون سبب، ومحاولة الأم في حماية ابنتيها الدكتورة "ميم" والصغرى "حاء" ذات الخمسة عشر عاماً، لتقع الأم مباشرة مغمية على الأرض من جراء ضربة بإخمص مسدس أحد المعتدين، وسحب الفتاتين بقوة السلاح داخل السيارة والإتجاه لمكان مجهول في ذات المنطقة. كيف يمكننا أن نحلل ذلك. هذه الواقعة الأليمة التي لا شاهد عيان مباشر لها لإقناع السلطات الحكومية التي هي الأخرى غائرة في جرائم النهب والسلب والفساد المحتسب من شاكلة الإرهاب المالي والإداري.
إن الطامة الكبرى من هذه الجريمة النكراء أن يتم اختطاف الأختين في تلك الليلة لمكان مجهول واغتصابهما تحت وطأة التهديد والوعيد بالشر الجازم وتركهما في صبيحة اليوم الثاني في شارع ما على أطراف المدينة دون ستر يستر جسديهما لأسباب مجهولة، ومن ثم ليحضيا بسائق أجرة من ذوي الرحمة والخير ليقلهما في سيارته ويوصلهما لمنزلهما المقفل، دون معرفتهما بما حصل لوالديهما، ومن ثم الإستنجاد ليدخلا مسكن الجيران.
قد يتساءل القارئ، وماذ حصل للأم؟ بقيت مرمية على الأرض.. وماذا عن الأب أو أين كان الأب؟ فهذا موقف آخر.. الأب صرعته مفاجآت الصدف.. على مقربة من المنزل  حصل عطل مفاجئ في إطار سيارة الدكتورة التي كانت تقلهم، وعلى أثر ذلك طلب أن يرتجل أفراد العائلة الى منزلهم كونه على مقربة وفي ذات المنطقة. بقي الأب منهمكاً على إصلاح العطل وتبديله بالإطار الإحتياطي، ومن ثم توجهه إلى مسكنه. بعد وصوله أمام المنزل وإرتجاله وجد زوجته مغمى عليها وملطخة بالدماء، وعدم وجود ابنتيه وغيابهما من المسكن المقفلة بابه، فهاجت به الأفكار الغريبة، وبصراخه المُستغرب استغرب الجيران وهرعوا لمعرفة ماذا حصل، وهو الآخر فقد وعيه وسقط على الأرض. وبمساعدة الجار تم نقل الأم والأب بالإسعاف إلى المشفى.. وبالنتيجة كانت قد لقيت الزوجة حتفها في ذات اللحظة الهجومية، وبقي الزوج يصارع الحياة من شدة الصدمة المُفاجئة، ولتلحق الأختان بهما صبيحة اليوم الثاني في نفس المشفى بغية المعالجة أيضاً وبشكل خاص الأخت الصغرى التي كانت تنزف دماً، وليتفاجأ خطيب الدكتورة "ميم" من هذه المعضلة، حيث يعمل هو الآخر في ذات المشفى، وأقدم على الإتصال بالشرطة لتسجيل دعوة ذد مجهول، ولسوء الحظ كان المُجيب الرائد "طاء" الذي خان ضميره وشرف المهنة واستباح الحرمات بإتهام وتلفيق لا مبرر لهما ضد الدكتورة البريئة النزيهة والطاهرة ليعتبرها السبب فيما حصل هي واختها بتهمة المجني وهي السبب في مقتل والدتها، وعلى أثر ذلك أعلن بإلقاء القبض عليها واقتيادها في سيارة الشرطة كأنها إحدى المجرمات لحين إكمال التحقيق معها ، ورفضه أيضاً حضورها مراسيم دفن والدتها رغم اتخاذ التدابيرالمسبقة لذلك. تصوروا أين وصلت الحالة المزرية والمفاسد التي تحرمها كافة الأديان السماوية وحتى الكفرة أن تصبح عملية حضور توديع ودفن أقرب المقربين للفرد بالرشوة العلنية من خلال من هو تحت امرة المتسلطين كوسيط مباشر الذي هو الآخر له حصته من ذلك. تصور ايها القارئ وأنت تعيش هذه المواقف كيف بمكنك أن تتصرف. الام جثة هامدة في ثلاجة حفظ الموتى، والأب في الانعاش الصحي فاقد الوعي، والأخت الكبرى في التوقيف والأخت الصغرى تعاني آلام الإغتصاب بحاجة الى الدم وتحت المراقبة من الشرطي المُكلف. وبعد وفاة الوالد استدرج الرائد ذات الملابسات ثانية فيما يتعلق بإقامة مراسيم الدفن له دون حضور الأختين ولم يسمح لهما الذهاب الى المقبرة بحجة ان المنطقة غير آمنة.  وبقاء الدكتورة " رهن التوقيف ثلاثة ايام كان الرائد يستدعيها لغرفته ويطلب منها الحديث عن الشباب الذين تناوبوا عليها محاولاً استدراجها ويسمعها كلمات شوق وهيام ويراوغها وخداعها بأن يطلق سراحها لقاء المبيت معه ليلة واحدة إلا انها صدته بكل جرأة ، مما ضربها في غرفته عدة مرات بحجة عدم ادلاء بالمعلومات" .
   
هذا العرض المختصر هو غيض من فيض عن هذه التراجيديا، لكون الأحداث الأخرى فيها من التفاصيل المتشابكة الغريبة والمؤلمة المؤسفة التي لا يستوعبها العقل البشري، بحيث يندى لها الجبين، وتعتصر لها القلوب. لذلك لا يدفعني ضميري ويستحبني إحساسي من الغور فيها لإحتدامها بالمُفاجآت المُحيرة التي لا تُعتقل ولا يستوعبها حتى الخيال، لأدع القارئ قراءة كل ما حدث في الجزء الأول والثاني والثالث من الروابط المنشورة أدناه. كما وإني لا أريد الإطالة بكل ما حدث من أمور تبعث على الإستغراب والتعجب والإشمئزاز القاتل الذي يقزز الأبدان من حماة الشعب والوطن.. من رواد أمناء الشرطة وأتباعهم.. من المفسدين وأنصارهم.. من المخبرين السريين وقادتهم.. ومن بعهدتهم سلطة القرار الإنفرادي.. مِن ومِن ومِن...
ما يحفزني ذكره لمثل هذه الأحداث بأن الحكومة العراقية تحارب الدواعش على الممارسات اللاإنسانية والتجاوزات التي لا فائدة ترجى منها والتي هزت مشاعر العالم في الشرق والغرب، ويتناسى أفراد السلطة الحاكمة بأن ممارسات من وظفتهم وقلدتهم مقاليد الحكم في دوائرهم ومؤسساتهم الرسمية بغية نشر الأمن وحماية المواطنين الأبرياء والمخلصين النجباء للوطن الأم من أرض العراق هم أيضاً على شاكلة أسيادهم. أليسوا هم الفئة المارقة الخائنة بحق الوطن؟! أليسوا هم بأنفسهم الأكثر سوءاً وتخريباً وانتهاكاً من تجاوزات دعاة الدين الجديد؟! إذن " لا تنظر إلى القشة التي في عين غيرك، ولا تبالي بالقشة أو الخشبة التي في عينك " ، فكلاكما سواء من رداءتكم وخستكم تعرفون، ولا أقول واستشهد بمقولة "من ثماركم تعرفون " لكونكم لا تليقون التشبيه بالثمار. وتذكروا بأن من يدين بالباطل يدان بالحق لردع الباطل، و" بما تكيلون يكال لكم " هذه هي سنة الحياة من وحي شرع الله. وحتام يظل جزاء من يخلص للوطن الأم ويخدم أبناء شعبه من المعوزين والمعاقين والجرحى والشهداء وغيرهم تحت قبضة السراق والإرهاب الفكري والنفسي الحاد؟!
وفي خاتمة المطاف أرفع قبعتي للأخوين شوكت توسا وأوراها دنخا سياوش تقديراً وتثميناً لمشاعرهما وأحاسيسهما المرهفة فيما تفضلا به بتحليلهما وعرضهما كتابة لصلب الموضوع الذي ارتأينا التنويه عنه، واشيد بالذكر أيضاً السيد بدري نوئيل الذي تجرأ وأبان تفاصيل الجريمة النكراء من فم المصدر الرئيسي لها. آملين للمنكوبتين د." ميم " والقديسة " حاء " الصبر والسلوان لفقدان أعز ما كان لديهما الأم الحنونة والأب الحريص، وأن لا ينسيا بأنهما سيظلان عبرة لمن اعتبر، وليضاف اسميهما في سجل ضحايا التاريخ الإنساني إلى جانب الآلاف بل الملايين من أبناء شعبنا الذين فُـقِدوا وغُيّبوا وهُجّروا. وأن لا ننسى بأن سنة الحياة هي هكذا حين يشتد لفح أوار وحشية شريعة الغاب وتنتشر الفوضى ويغيب الأمن والأمان. وعلى ما أتصور وأظن حتى شريعة الغاب لم تكن يكتنفها التعامل الذي رويناه.
mammoo20@hotmail.com

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,801880.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,802235.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,802783.0.html

49
" من الخابور إلى السويد "
Från Khabour till Sverige

قصة باللغتين الآشورية والسويدية
بغية اثراء المكتبة الآشورية بالحرف الأصيل تواصَلَ الأستاذ ميخائيل ممو مع اثنتين من طلبته في المرحلة الأخيرة من المدرسة الثانوية على أن يكون بحثهما السنوي بكتابة قصة مستنبطة أحداثها من الواقع المأساوي الذي يعيشه اليوم أبناء شعبنا في منطقة الخابور على يد الإرهابيين، وذلك من خلال تجربة أليمة عاشتها فتاة يافعة بفقدان والديها ليضطرها الأمر أن تعيش حالة الصراع النفسي الحاد، وبالتالي بمساعدة أهل الخير أن يمدوا لها يد العون والدعم المادي والمعنوي لتصل السويد وتعيش بأمان.
بعد جهد جهيد تم صياغة القصة باللغة الآشورية الحديثة وترجمتها إلى اللغة السويدية لتصدر بعنوان " من الخابور إلى السويد "، تم طبعها في امريكا بتعضيد من مؤسسة الإتحاد الدراسي لحركة العمال السويدية فرع يونشوبينغ (ABF) الذي يتولى إعداد وتنظيم دورات دراسية في بلديات السويد. يقع الكتاب في حدود 80 صفحة من الحجم المتوسط  بسعر 100 كرونة مع إضافة سعر البريد.
لذا نشيد بقراء اللغة الآشورية / السريانية والسويدية إقتناء نسختكم من خلال الكتابة على العنوان التالي:
ABF
Västra Storgatan 12
553 15 Jönköping
Sweden
أو الإتصال للحجز على رقم  الهاتف أو البريد الألكتروني التاليين:
        + 036 – 30 61 81            michella.zayat@abf.se     

50
حتام يسرح كل حزب من أحزابنا في وادٍ ليدوي صداه في الخواء؟!
بقلم: ميخائيل ممو
(إن كنت حقاً تشكو العطش، فعليك إتمام كأسك من شدة إحتدام العطش)
أعزائي القراء.. دعوني هذه المرة أنأى الطرف عمّا دونته من مئات المقالات بما فيها من القصائد باللغتين العربية والآشورية على مدى خمسة عقود من الزمن، وبما شملت واحتوت من موضوعات خصت التربية والتعليم واللغويات والأدبيات والعموميات والنقد البناء، لأخص بالذكر الواقع السياسي المتردي الذي نعيشه اليوم ولا من منقذ حكيم أو مصلح بليغ ومفكرصنديد بهداهم مقتدون، بالرغم من آلاف المقالات التي اكتسحت المواقع الألكترونية بتواليها يومياً إلى جانب الصحافة الورقية والقنوات الإعلامية المكتضة ببرامجها المتشابكة بالتحليل والتصريحات لمعالجة الأوضاع الراهنة في مجتمعاتنا الشرق أوسطية المبتلية بالتوتر الأمني سياسياً، وبالفقر المدقع إقتصادياً، وبالقلق المفزع نفسياً وبالإنتهاكات والتجاوزات والهجرة الداخلية إجتماعياً من جراء المحاصصة الطائفية المقيتة والإقليمية المذهبية القاتلة التي جعلت الثروات النفطية والطبيعية الأخرى قبلة المستطمعين من أبناء الوطن أنفسهم لمنافعهم الشخصية ولتلك الدول النفعية التي أقدمت على إختلاق ونشر بذور الإتهامات والمشاحنات والتهديدات والتأويلات بغية نشر آفة الصراعات للتدخل المباشر بتبريرات تعكس مضامينها مساندات الدول الغربية للتحالف، والإقليمية منها إن كانت عربية وغير عربية داعمة لما تعنيه وتستهدفه الدول النفعية.       
هذا ما عشناه ولا زلنا نعيشه في مواطننا الأصلية التي من جراء تلك المطامع والمفاسد اللاشرعية أردت الملايين من مكونات الشعب الرافديني ودول الجوار في مهوى رياح دول الشتات لتنقل وأياها من ايضاحات وتعليقات وتوضيحات تجسد ما يُنشر، الشبيهة منها بالرذاذ، والأخرى بزخات المطر الكثيف التواصل، ناهيك عن المداخلات التي لا تليق بالمفهوم اللغوي نحوياً وقواعدياً واسلوبا، بمداخلات لا تفي بالغرض المحتم الذي من المفترض أن يجدي نفعاً، لأسباب تفرضها من يقدس مقولة " إن لم تكن معي فأنت ضدي ". فإن كان منطق مثقفينا وواعينا من رواد فكرة هذا الإسلوب الممتعض، كيف بنا أن نقترب من البعض لإنهاء عقد " الأنا " المشؤومة؟!. وكيف بنا أن نحقق مفهوم التفاهم والتقارب إن كان كل واحد يسرح في وادٍ؟!  حيث يتبين لنا ويتضح بشكل جلي أن الغالبية العظمى من تلك المناوشات والتحديات تعالج الأمور السياسية التي إبتلت بها البلدان العربية ودَوْر مواقف سياسة الحكومات الغربية منها، على وفق خاص ومتميز بقطبيّ البُعبُع الأمريكي والروسي ودول التحالف الأوربي لبوءات البُعبُعين مخافة من طيفها المرعب، إضافة لدول العالم الثالث التي ترضع من أثدائها، لتؤمّن ديمومة وجودها بمعيشة الكفاف من الرزق على مقدار الحاجة.
اقولها بكل صراحة وثقة متيقنة، إن كانت البلدان أو الأوطان العربية التي تزخر أراضيها بالعديد من الثروات الطبيعية التي تعادل عطاءات كل واحدة منها موارد عدة دول مجتمعة،  قد استيقظت من سباتها وتكاتفت تحت شعار الوحدة الوطنية أو الإنتماء القومي المشترك لفرضت نفسها كقوة ثالثة تضاهي القوتين الأمريكية والروسية، مشكلة قوة مغرية وفاعلة تكتسب الصين واليابان ومن دول الغرب إلى جانبها. ولكن العلة الرئيسة تكمن فيمن يظنون بأن كراسي الهيمنة السلطوية هي من لدن الخالق يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، أو التسلسل الوراثي الإثني والعشائري القبائلي والإنتماء الطائفي، لا كما هو متعارف عليه في بلدان الديمقراطية والعدالة الإجتماعية لكل فرد من أفراد المجتمع. وهنا يفرض التساؤل نفسه، كيف يمكن أن يكون الأمر كذلك إن كان الوارثون يتمنهجون خارج مشيئة الوحي الإلهي بالتطبيق الشرعي؟! وهل بالإمكان أن يساير الشعب مصالحهم الذاتية وهم يسرحون ويمرحون في عالمهم الخاص؟! هذه مسألة فيها وجهة نظر تفرضها مفاهيم المنطق الإنساني في حال إن كان أبناء الشعب الواحد سواسية أمام القانون وفق الدساتير المرعية، ووفق ما تضمنه الحديث " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، " و" الناس متساوون كأسنان المشط " وغيرها من الأحاديث المشابهة لذات المفاهيم. فأين نحن اليوم من تلك الرعاية، ومن ذلك التساوي وفق مبادئ الشرع والقوانين المرعية؟! أليس هذا التعامل والتجاوز خارج نطاق إرادة الله والأنبياء؟! ناهيك عن ما سَنّ مُشرّعو الدول من مبادئ حقوق الإنسان لحماية الإنسان والبشرية جمعاء. فإن كان تصور المتسلطين والمهيمنين عكس ذلك، فليرشدونا لطريق الصواب بناء لتصوراتهم المكبوتة في دائرة الذات، عسى أن يحل الأمن والسلام والمساواة، لا أن يستعينوا بعناصر الشر التخريبية التي تدركها الجماهير الواعية من خلال حملاتها التظاهرية بين حين وآخر. ليتم قمع البعض منها مباشرة، وترك البعض الآخر تبّح أصواتهم دون تلبية أي مطلب من مطالبهم، كما هو واقع اليوم في بلاد الرافدين، بلاد أول دولة سنّت القوانين وطبقتها ليحتذى بها وعلى ضوئها إلى يومنا الحالي في كافة أنحاء العالم. وحتام يبقى الشعب العربي يتمنطق بقول سبحانه وتعالى " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " فإن كان الأمر كذلك فقد نفذ الصبر الذي دام لأكثر من خمسين عاماً، وإن كان على منوال " الفئة القليلة " حقاً، فها هي اسرائيل تنفذ وتحقق ذلك ولا يتجاوز عدد نفوسهم الثلاثة ملايين مقارنة بالشعب العربي الذي عددهم يتجاوز أضعاف الأضعاف عليهم. إذن المسألة ليست بالكثافة السكانية المقصودة هنا، وإنما بحسن النية وقوة الإيمان والثقة المتبادلة بصدق وإعتزاز بكلمة الوحدة والتوحيد، وليس برفع الشعارات فقط والمناداة في مهب الريح، وكما قالها نزار قباني صراحة " نقعدُ في الجوامع.. تنابلاً .. كُسالى.. نشطر الأبياتَ، أو نؤلف الأمثالا.. ونشحذ النصر على عدونا.. من عنده تعالى..." وإن كان أمر الواقع حلّ وتسهيل المعاصي بالإبتهال والتضرع إلى الله، وبهذه البساطة الإيمانية لِما تكالبت شعوب الأرض على بعضها، وتجاهر بالعداء أبناء الشعب الواحد بإختلاف تكويناته الإثنية ومكوناته الحزبية. وعندها لإستجاب الخالق الباري إلى دعاء ملايين المتوسلين من ذوي الإيمان الخالص من المعذبين الذين لقوا حتفهم غرقاً وعلى أقل ما يمكن لدعاء الشيوخ والأطفال الأبرياء، وأولئك الذين تم سبيهم وانتهاك أعراضهم وشرفهم بإسم دعاة الدين الإسلامي الجديد، والإسلام منهم براء، وما شاكل تلك الإنتهاكات والمغالطات حتى من الذين يدعون الرحمة في قلوبهم، وهم بعيدون عنها. إضافة لأولئك الذين يزيدون نار الحقد بأسم الدين بين هذا وذاك بالعلن أحياناً، وأحياناً أخرى تحت ستار السهو المبرمج بتوجيهات مبطنة من سياسات القوى الكبرى.
وهنا لكي أكون حيادياً لا استثني بني شعبنا من المسيحيين بكافة تسمياتهم القومية وعلى وجه خاص  من سكنة بلاد ما بين النهرين من الآشوريين في العراق وسوريا الذين ابتلاهم الظلم والقتل والتشريد منذ سقوط الإمبراطورية الآشورية رغم إيمانهم بالقوة الغيبية الإلهية ولحد يومنا الحالي، ورغم إيمانهم الجلي فيما بعد بالمخلص والإله الواحد، ورغم وعود الرب لهم " ولآشور بركة في الآرض... وعمل يدي آشور..." بمباركته لهم في أرض مصر حسب ما ورد في العهد القديم في سفر إشعياء. فإذا كان الأمر كذلك، أين هو وعد الرب لهم؟! بالرغم من إقتفاء تكويناته المذهبية ما ذهب اليه قباني في ابياته الشعرية الآنفة الذكر المستلة من قصيدته الهجومية "هوامش على دفتر النكسة " الموجهة لملوك وسلاطين ورؤساء العرب، إلى جانب انتقال عدوى الصراعات الحزبية العربية ومنها العراقية إلى جسد الأحزاب الآشورية التي ما فتأت تعيش ذات الإنقسامات بعيدة عن بعضها وبمدارك القيادات والزعامات التي توثق في أنظمتها الداخلية ذات الأهداف بتعابير متقاربة تبعدك عن ممارساتها العملية مجسدة سلبيات النتائج التي تدع كل مجموعة من أحزابنا تسرح في وادٍ ليدوي صداها في الخواء الذي لا جدوى منه.
اخوتي القراء... ولكي لا أتَهَم (بضم الألف) بأني من دعاة التشويه والتهريج أو الإساءة لأي من كان فيما جاء في فقرتنا النهائية،  أو بتفضيل طرف على آخر، أظنكم على معرفة تامة وعلى يقين تام بكل ما أشرنا اليه بما جرى وما زال يجري، ولربما يحدوكم الإستغراب بأن يتبادر لأذهانكم التساؤل المُعتاد وما هو الحل؟! وها أنا هو الآخر أشاطركم الرأي بذات السؤال. لعلنا نتفق سوية على الصيغ الجوابية العلاجية لكل ما نوهنا عنه من الأدواء (جمع داء) أي الأمراض النفسية المستشرية ظاهرياً وباطنياً جسد تلك التنظيمات. مع شكري لمروركم على كل ما صغناه وبيناه دون خجل أو وَجَل. آملين أن تدلو بدلوكم لِما هو خير ما نسعى إليه لصالح شعبنا المُنهك، المُشَرّد، الحائر، المُبتلى ووو.. ولخير ما نتمناه لصالح التنظيمات السياسية وتكوينات الإنقسامات الدينية المتشرذمة التي لا زالت جميعها تفسر الأحلام المنشودة بتفاسير تدعمها المصالح الشخصية والنفعية والتبعبة القبلية من أجل تلك المقاعد والكراسي الزائلة بمرور الزمن الذي لا يُؤتَـمَن. وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها طالما سجلات التاريخ هي الشاهد الأكبر بما وثقت ولا زالت توثق الأحداث والنتائج القريبة العهد من شعوب ثورات الربيع العربي في الأوطان العربية التي اختلط فيها الحابل بالنابل جراء الإحتجاجات والمعارضات العارمة والإقتتال المتواصل والتلاعب بالعواطف، لتكون المحصلة من السئ إلى الأسوأ فالأسوأ، دون أي إعتبار لمفاهيم الإصلاح الذي طال آمده حتى وإن كان بشكل جزئي كما هي الأوضاع المستشرية في العراق وسوريا وليبيا واليمن، ونوعاً ما في تونس ومصر.
mammoo20@hotmail.com

51
لا تكن كالحرباء في مواقفك
بقلم: ميخائيل ممو
نعم .. لا تكن كالحرباء في مواقفك،  يا من تنظر للحياة بعين لا تبعدك النظر سوى عن رؤية المسافة المحددة بظل قامتك، وأحياناً بإزدواجية البصر، وإنحصارك في تلك المسافة التي تبعث فيك الملل، والتمركز في دائرة قِصْر رؤيتك التي تقودك فيما بعد لتخمينات في غاية السلبية تجاه المجتمع الذي لا يستثنيك من شرعية عضويته، مهما ارتقت بك رؤياك، ومهما تدنت أو انخفضت في الدائرة الوهمية التي تحتويك، رغم معرفتك بحدودها التقليدية التقييدية. 
من منطلق هذه الظاهرة على الإنسان الذي يسعى لما يطمح إليه أن يعي دوره في الحياة مهما بلغ من العمر في اكتساب المعرفة والحكمة التي عادة يقتنيها منذ صغره وفي مطلع شبابه ليستند عليها، وما تتوالى عليه فيما بعد من مراحل النشأة العمرية التي عادة يتوارثها بمعرفته واستدراكه من المحيط العائلي والمجتمعي والتثقيف الذاتي من مواقف معترك الحياة. لذا فإنه مهما طال به العمر، فهو متعطش لها في مسيرته الحياتية، وتستوجبه إرادته بحكم طموحه وتطلعاته من رفدها بما هو جديد عليه، عبر مراحل حياته للسيرعلى هديها والإمتثال بكنهها، مؤهلة إياه تجارب عديدة وقناعة تامة محفوفة بالرضا والتيقن لبناء شخصية متميزة تؤهله لإسداء النصح والإرشاد متى ما استوجبت الحاجة لذلك، وبما ينتقي من عطور تجارب رياض الحياة بغية توجيه من هم في ركبه ومسار تياره بمسوىً أعلى أو أدنى، وكذلك في حال إن كانت غاية من يلتمس مشورة ما لتقويم مَن هو بحاجة للتقويم والتقييم. أما أن يحيد عن مجرى ذلك التصور لأسباب تمليها إعتبارات أخرى، شخصية عفوية أو مصلحية نفعية،  فهذه مسألة فيها وجهة نظر. وهنا تكون تلك المسألة قد دعتنا أن نخمن مواقفه بين وجهتين متفاوتتين، الأولى إيجابية والثانية سلبية. فإن كانت حقاً تتوسم بالإيجابية فهذه دلالة على مفاهيم الصدق والإحترام والإخلاص والإيمان مؤداها الخدمة العامة دون مقابل بغية الإرتقاء بمكانة الإنسان وإقتياده ضمن موكب المصلحين، كونها تـُستَشفُ من الحصافة التي تحتكم إلى العقل الواعي لإتخاذ القرارات وتنفيذ ما ينبغي تأكيده لإصلاح ما يجب إصلاحه من المثالب، وتقويم ما ينبغي تقويمه من الإعوجاج.  أما إن تمثلت المسألة بالجانب السلبي فتلك دلالة على إزدواجية الرأي والإختفاء خلف ستار التردد والتشبث بصفة التملق لتحقيق غايات تؤطرها شارات الأنانية والبغض والحقد التي هي من الأمراض الفتاكة لشخصية الإنسان نفسياً وعقلياً وبالتالي جسدياً، مبعثها أو مصدرها ما يخزنه العقل الباطن من إشكالات ظروف نفسية يغذيها الإستهجان والإستنكار لرفض وكسح الأعمال الخلقية ذات النفع المادي والمعنوي. وفي ذات الوقت الكشف علناً ـ ربما دون معرفة واستدراك ـ  عن أردأ الصفات التي يرفضها وينددها العقل البشري المتسلح بسلاح المعرفة الحقيقية التي توسع مدارك الفرد مهما إجتازت حياته بمراحلها المتمثلة بعهد الشباب وما بعدها، ولحد الشيخوخة. أما مَن يتواطأ مع الصفات السلبية الآنفة الذكر، يؤكد حتماً عن خروجه من سكة مسار الثقة بالنفس التي تكشف حقيقته دون وعيه أحياناً، كذاك الأسد المتبختر حين يتوهم ولا يستدرك بأن يرى منافسه في ظله المشابه له على سطح ماء البئر، متحدياً تبختره في عمق البئر الذي يرمي بنفسه فيه ليصارع ظله، وبالتالي ليلق حتفه فيه.
هذا هو واقعنا الذي نعيشه اليوم في أوطاننا الأم من جراء حالة الحرمان المزرية والأضرار النفسية والصحية الناجمة عن فقدان الأمن والإستقرار والعوز المادي والمعنوي مجتمعة، بحيث لم تدع الفرد أن يعيش أواصر العلاقة الإنسانية في تعامله مع ذاته ومع الآخرين في المحيط الذي أصبح غريباً عليه. وأقل ما يمكن قوله وإثباته بأنه تتقاذفنا أمواج مواكب مكونات التحزب الطائفي بالمحاصصة للتربع على زمام البرج العاجي، تلاطفنا ألسنة العسل الممزوج بالسم القاتل، لتجعلنا قاب قوسين، نشكو الضيق والحرمان والتشريد بضعف قدراتنا على تَحَمّل ما تمليه علينا إرادتنا المشحونة بالمخاوف والفزع والقلق، لتهدينا ـ رغماً عنا ـ أن نبحث عن منفذ للخلاص، بوسائل قد تؤدي إلى الهلاك، ومن طرف آخر بأساليب لا يُحمد عقباها، كما تثبته الإحصاءات التي لا تـُقـَدر من هجرة أبناء الوطن الأصلاء من مراتع وجودهم، إلى جانب الدخلاء ـ إن صح التعبير ـ الذين يقتدون بغيرهم من الذين سبقوهم لغاية في نفس يعقوب. لتكون المصيبة الأخرى وهذه الحالة بنقل ذات الداء والأعراض من المفسدين والدجالين والسارقين إلى بلدان الشتات التي احتضنتنا ورعتنا رغم تفاوت مبادئنا ومواقفنا وانتماءاتنا في أوطاننا، فحدّث عنها ولا حرج. فكيف تحلو الحياة لشعب منزوع السلاح في أرض وطنه وبتفاقم المصائب وأهوال المعاناة بإستفحالها أن يكون ضيفاً على الضيف المُنتهك للحرمات في أرضه المغتصبة أن يعيش بأمان؟! اللهم إلا إذا انقلب السحر على الساحر. وسحر اليوم تتحكم عليه مصالح الثروات النفطية من الدول الغربية ومن يساندهم من مستوطني البلد من النفعيين، ومن اولئك اللاعبين على حبلين. هذا ما تنبأ له في مطلع العشرينات أحد مطارنة الكنيسة الشرقية وممثلها في الهند أثناء حضوره مؤتمراً دينياً في مدينة اوبسالا السويدية حين أفاد في كلمته بأن الشرق سيكون منطقة صراع على القوى النفطية. وهذا ما تحقق اليوم لصالح الدول الغربية لتنتفع من ذلك وتجعل بشكل خاص من العراق وسوريا وليبيا ودول أخرى التي منها إيران وفق الرابط المنشور في نهاية المقال بعنوان " للمزيد " حيث تعيش تلك الدول الصراع الطائفي والمذهبي شارات الوهن والتخاذل والهزال بإستحواذ تلك القوى المراوغة، ومن ثم انتشار الفساد. وها هي منظمة الشفافية الدولية تؤكد ذلك في تقريرها الذي نصبت العراق من الدول العشر الأوائل الأكثر فساداً من مجموع 168 دولة لعام 2015.
إذن ماذا ينتظر الشعب العراقي قاطبة من هذه النتائج؟ وماذا تتأمل وتنتظر تلك المكونات المنزوعة السلاح من أبناء شعبنا والمكونات الأخرى المؤمنة بمبدأ السلام والتسامح بهجر بيوتها وأملاكها وقراها من تلك السياسة التي إختلط فيها الحابل بالنابل والأخضر باليابس من جراء مساوئ تلك الصراعات المستشرية لأسباب تسموية أدت بمنزوعي السلاح المادي من الآشوريين بكافة نعوتهم والإيزيديين والصابئة وغيرهم من حماية الأرواح عوضاً عن حماية الممتلكات؟! لكون الممتلكات بالإمكان تعويضها، ولكن الأرواح لا تـُعَوّض. رغم ما حلّ بتلك المكونات التي غفل عنها من حرروا العراق بإسم ديمقراطية الإستحواذ المناهضة لمبادئ الديمقراطية الحقيقية التي من أسسها إبعاد الظلم والإستبداد، بتفضيلها طرف على آخر، ومن ثم نثر بذور الفكر الداعشي لمصالحهم الخاصة.
الأهم من كل ذلك بعد تلك النتائج المزرية والمعيبة هو أن تتخذ تلك المكونات قرار الخلاص في الحين الذي تقذف بهم أمواج البحر على السواحل الآمنة لتستقبلهم النواطير في الأماكن المأمونة من بلدان الشتات بعبارات مؤداها مبادئ الرحمة والإنسانية والإحترام والتقدير وفق مبادئ حقوق الإنسان، ليستغربوا من ذلك التعامل الإنساني في البدء. وما أن يستقر بهم المقام والوضع من بحبوحة العيش، تراهم وقد استباحوا كل شئ لدى ديوان الضيف، ناقلين ذات المساؤئ التي اعتادوا عليها. وهنا ليس معناه وفق مبادئ الأخلاق وتوصيات الشرائع السماوية أن يتجاوز البعض على ما هم عليه بعد أن تطأ أقدامهم أرض الراحة والأمان لتعيشوا براحة البال والسلام، متناسين ذلك وفي وقت قصير بتعمد التجاوز والتطاول بإسلوب شائك لا يجدي نفعاً على توفير ما لا ينبغي ولا يمكن توفيره ليدل عن يقين على الطمع الذي لا مبرر له بمناداة لا يستوجب مضاعفتها. وهنا تنعكس الآية لا على الفرد الواحد نفسه وإنما لتنتقل العدوى إلى مجموعة أكبر لتشمل من الطيبين والقنوعين بشكل غير مباشر ومن الذين يمتثلون لمقولة " خبزنا كفافنا "، وبما معناه كفانا إننا أنقذنا أرواحنا وأرواح أطفالنا الأبرياء. وهنا تستشري الطامة الكبرى بما قيل " ما زاد عن حده انقلب إلى ضده ". عندئذ تكون تلك الطامة سبباً لخلق حالة كرهٍ ونفور بإشمئزاز وفتور من الذين استقبلوك بحسن النية والإنسانية، ومن ثم تكون عاملاً مؤثراً على مَن هم مِن بعدك مِنَ الذين عاشوا ويعيشون تفاقم معاناتكم الميأوسة، بإيصاد أبواب الرحمة والعناية أمامهم مهما كانت الأعذار والمسببات بدوافع إشتداد الجشع الذي لا مبرر له، إضافة لإتباع ممارسات لا يقرها القانون ولا الأعراف النتعارف عليها. هذا ما أكدته وسائل الإعلام في أغلب دول العالم التي احتضنت اللاجئين والمشردين لتتخذ حكوماتها قرارات الترحيل بالإبعاد القسري للآلاف منهم رغم تواجدهم في تلك البلدان لفترة زمنية معينة بتوفي المأكل والمشرب والسكن والمساعدات والأمان.
لهذا تجد من تسديه النصيحة لتجنب ذلك السلوك يستهجنك ويعاديك ويكيل لك بما لا تتصوره من عبارات الحقد والتشويه، تيمناً بمضمون ما قيل إذا نصحت الجاهل عاداك، غير مستدرك لفحوى تلك العبارة، ولا لمضمون علـّم الجاهل بما يجهل عساه يهتدي لدرب الصواب إن كان يلتمس مشورة العارفين. لذلك ينبغي الإنتباه بكل حذر " من الذي كان جائعاً وشبع، لا من الذي كان شبعاً أو متخماً وجاع ". وفق ما قاله أحيقار الحكيم مستشار الملك سنحاريب قبل الميلاد لإبن أخته نادان الذي تبناه ومنحه من الثروات لينقلب على فضله.
كاتب آشوري عراقي
 mammoo20@hotmail.com
للمزيد
(إضغط على  Ctrl في لوحة الحروف وعلى المزيد في نفس الوقت
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=802453.0


52
عالم اليوم لا يقاس بعالم البارحة
بقلم: ميخائيل ممو
عالمُ عَقدٍ ما من الزمن لا يقاس بعالم عقود أو حُقوب من الزمن الذي تليه وفق معطيات الطبيعة البشرية التي تمليها تجارب الحياة، ليكون مفادها التحكم بسلوك الفرد والمجتمع، أو تلك التزعات التي تمليها آليات التطور والتغيير من حقبة لإخرى من الدهر. ولهذا عادة ما نقول في أحاديثنا الذي تفرضه المقارنة لمسألة أو حدث ما بأن عالم اليوم ليس عالم البارحة أو الأمس البعيد، ليتم إثبات ما نحن بصدده، بغية إقناع المُقابل في حال إعتصامه وتجاوزه لحدوده بسلوك يتنافي ومنطق الواقع المألوف، رغم أن مفهوم البارحة هو اليوم الذي يسبق نهاره, أي أقرب ليلة مضت وانقضت، لتكون مثالاً يحتذى به للمقارنة والمفارقة بما هو عليه الفرد أو المجتمع مهما بلغ من وعي وإدراك.
لذلك عادة ما نستشهد بالمقولة الأخيرة في حديث عابر لنفند ما لا يتطابق أو يقاس وعالم اليوم, وهذه بديهة طبيعية لا يمكن نكرانها أو التغاضي عنها طالما الزمن في مسار طويل ودائم غير محدد كسريان الكوكب حول الشمس، وكجريان نهر ما إلى ما لا نهاية. ودليل ذلك ما واكب مجاراة ومعايشات مراحل التطور البشري منذ الخليقة, والتغير الحضاري الذي وَلّـدَ وأبرَزَ مكونات بشرية تجاري الأزمان التي إنقضى وجودها وانقرضت، ومنها ما زالت تحتضر من تلك المكونات التي تقولبت على معتقداتها اللاإنسانية, ولم يبق لنا منها سوى آثار مآثرها وتاريخها ـ سلباً وإيجاباً ـ الذي نشهد له في أمثالنا وحِكَمُنا وحكاياتنا. هذه حالة طبيعية يعيشها الإنسان أيضاً وفق متغيرات حياته الطبيعية إلى اليوم الذي يواريه الثرى، لتكون حياته مبعث الذكرى للأجيال القادمة من بني جنسه من خلال علاقاته الإنسانية ودوره في المجتمع بين أبناء جلدته، ومن الجانب الآخر لبني البشرية جمعاء إن كان من الذين أبدعوا في حياتهم وخدموا الإنسانية بأفكارهم وإبداعاتهم وتألقهم لتحقيق مشاريع معينة لها أهميتها ومكانتها وجدواها. وبما أن افراد المجتمع متفاوتون في طبائعهم وقدراتهم وطموحاتهم، ليس بوسعنا أن نقارن ونقيس أبناء البارحة عن أبناء اليوم, وفي كافة المراحل والعهود الزمنية التي عاشوها وتطبعوا على مآثرها وموروثاتها. لذا نقولها وبكل بساطة وسهولة بأن ابن اليوم يختلف كلياً عن ابن البارحة. ولو تساءلنا ما الفارق؟ وبماذا نؤكد ذلك؟ لتعددت الأسباب وتفاوتت الآراء والتأويلات برؤيا واجتهادات منفردة معتمدة على مفاهيم أسس التربية الدينية وتفاوت المعتقدات السياسية وإلتزامات المعايشات الإجتماعية وغيرها من المعايير والتفاسير.
رغم التفاوت الذي نعوّل النفس على الفَتِه, فإن التقنيات الحديثة تفرض وجودها لتزيد من حدة الوعي لدى الفرد والمجتمع في أية بقعة من أرض المعمورة على المقارنة والمقايسة, ومعرفة كل شئ عن كثب حين تم الإعلان عن العالم بأنه أصبح قرية صغيرة مسيجة بتكنولوجيا أو تقنيات أطر المعلوماتية التي قيضت للبشرية كل شئ وما لا يمكن اخفاءه بالسر, وبتلك بوادر ومظاهر العولمة التي قرّبت شعوب العالم من بعضها, ليصبح كل فرد على مقربة ومعرفة مباشرة لكل ما يسود في الحياة اليومية، وأكبر دليل على ذلك وسائل وقنوات التواصل الإجتماعي التي أزاحت أقنعة الإختفاء خلف أسوار الحياء وجدران الممانعة المتوارثة لمجتمعات معينة، وكشفت عن المظالم التي تفرض بالعمد على العباد في أصقاع من العالم غير المتمدن الذي ما فتأ يتنفس الصعداء بالخفي في عقر داره للإفراج عن همّه وضيقه بإزالة الحسرات والتنهدات المُسوّرة بتأوهات الألم والكآبة، وبعلانية التستر التدويني والصوتي المدبلج أحياناً خلف ستائر الأسماء المخفية في ظروف معينة تفرضها عدة عوامل كالبيئة الإجتماعية، المُعتقد الديني وطبيعة العادات والتقاليد الموروثة المُسورة بالتحريم كما في السعودية واليمن على وجه الخصوص, وكما يتضح ذلك عِـبْر تلك القنوات التي لا حصر لها من خلال سلطان العصر المتمثل بالهاتف المحمول وأجهزة الأنترنيت على سبيل المثال لا الحصر التي استعاضت عن معاشرة الصحاب أو المخالطة بالمواجهة العلنية المباشرة عن كثب من القريب والبعيد. ليعيش الفرد أسير ذلك الواقع دون معرفته المباشرة عن الزمن الذي استلب شغاف قلبه وحصره بلهوٍ دائم في عالم تلك الدائرة المُسيجة بالأشواك والورود أحياناً متى ما تم الترفيه عن النفس خفية، ولتكون في عرفه الأماسي التي يطول أمدها أضعاف وضح النهار في غياب من يتحكم عليهم بالمحظور لا تنطوي على اسس حرية الرأي, غير آبه للجهد اللاإرادي الذي ينتزع من ديمومة وجوده رويداً رويدأ بهدوء وتؤدة والتصرف بدون رَويّة من غير شعور مباشر قد يؤدي أحياناً إلى ما لا يحمد عقباه بالقرصنة على أسرار المتحدث والإطلاع على الخفايا المخزونة بفك رموز التشفير للإسم المُشفر بطريق المراوغة المبطنة بأساليب الإطمئنان والقناعة للطرف الآخر، وبالتالي يتسلح به المُقرصن للغرض النفعي أو التشويهي بالإشهار الصوتي والرسائل النصية والفيديو وغير ذلك بغية التخويف والتهديد والفضح لتحقيق المآرب والمقاصد المخفية التي تخالج نفسية المُقرصن من المصابين بداء النرجسية اللاأخلاقية، واستغلال ذلك بمطالب السوء ومن كلا الجنسين على ضوء نتائج الإحصاءات والبيانات التي تكشف عنها إدارات المؤسسات والشركات المشرفة على مواقع الإتصالات الإجتماعية ومنها الفيس بوك، توايتر، سناب شات (المحادثة السريعة)، سكايب، بالتولك وغيرها المميزة بعدد زوارها البالغ بالآلاف إن لم يكن فوق المليون يومياً من كافة أنحاء العالم, دون التمييز ما بين الغث والسمين لتكون نتائجها الطامة الكبرى للذين وقعوا في شِباك تلك المواقع من الشبكة العنكبوتية. والأغرب من كل ذلك أيضاً أن يستقبل أصحاب البريد الألكتروني بين فترة وأخرى رسائل إغراء في غاية السرية من مؤسسات ومصادر لا علم لهم بها، وبتصورهم على انها رسمية تتمتع بالمصداقية، حيث تقوم بإغوائهم لتبلغهم وتبشرهم فيها عن فوزهم بمبالغ نقدية غير متوقعة وبجمل عديدة منها " عنوان البريد الخاص بك قد فاز بكذا مبلغ " مطالبين فيها معلومات شخصية ومن ضمنها الرقم الحسابي بغية تزويدهم بتلك المبالغ الخيالية، فيتم الإستحواذ على قرصنة المعلومات المخزونة واستغلال ذلك بالتعهد على الضمان بالأمان بوسائل النصب والإحتيال التي تبعد الشك من المبتدئين الذين لا علم لهم بها وتنقصهم الدراية الكافية من حقيقة تلك القنوات رغم تكرار المحاولات بأساليب متنوعة.
ولا يفوتنا هنا أن نشير على ضوء ما شاع وقيل عن الإرهاب العملي والفعلي المباشر بحصد أرواح البشرية في البلاد العربية بشكل خاص، أن لا ننسى بأن من مسبباته الرئيسة هو الإرهاب الإلكتروني كما يتم وصفه بدليل صراعات الدول, وما يسرت له تلك القنوات من مجموعات القرصنة على كشف الحقائق والتشهير بما تضمنته الوثائق التي كانت محمية في غاية السرية. وكما قيل أيضاً بأن الربيع العربي الذي هجج مشاعر الشعب الثائر على سلطنة حكامه ومن بيدهم زمام الأمور هو من ولادة تلك القنوات، قلبت الربيع إلى صيف قائظ وشتاء قارص، لتكون نتائجه تكالب مكونات القوى المهيمنة على بعضها, وتجاهرهم بالعداء والتواثب على السلطة والثروات ومال الشعب الذي سُلِبَت حقوقه، وحًرّمَ من قوته، وهُجّرَ من مسكنه وأرضه ليلتحف العراء ويتأسى من حالات المرض والجوع والتشريد في أرض وطنه، وأكبر نموذج لذلك شعب العراق وسوريا بشكل عام، وتلك المكونات القومية من الآشوريين والمسيحيين قاطبة والايزيديين والصابئين والأرمن وغيرهم...  فحدث ولا حرج عن تلك الملايين التي تعاني الموت النفسي البطئ وهم أصحاء في ديار الإغتراب، يشكون حالة الإغتراب الذهني وهم بعيدون عن بلدهم ومجتمعهم وتقاليدهم لشعورهم بالتيه والضياع والإستعباد والإستلاب. تؤججهم مشاعر الذكريات المزدوجة المشحونة بحياة الماضي البعيد لأيام النعمة المباركة والأيام التي أسرتهم لتوخز حياتهم بالكوارث.
إذن دعنا نعلمك ـ عزيزي القارئ ـ إن كنت من الرواد الزائرين لتلك المواقع أو القنوات ولم يكن على بالك ما أشرنا إليه رغم اطمئنانك الساذج على التواصل والمحادثة والإنفتاح، أن تتسلح بالحذر من الأقاويل المغرية التي تمزج السم في العسل دون معرفتك, أو كلسعة الثعبان المباغتة التي تقودك لعض أصابع الندم, وحينها تنطبق عليك مقولة ( لاتَ الساعة ساعة مندمٍ ) أي ( ليست الساعة ساعة مَندمٍ )، وكما يقول المثل العراقي الشهير (الفأس وقع بالراس, وما مِنه الخلاص).
فالحذر كل الحذر من تستهويه عواطفه لخوض مياه البحر الهادئ في جوّ مستلطف بطبيعته المستدرجة للأمواج  المتلاطمة دون علمه بالتيارات التي تجرفه إلى الأعماق المهلكة.   
mammoo20otmail.com


54
عالم اليوم لا يقاس بعالم البارحة
بقلم: ميخائيل ممو
عالمُ عَقدٍ ما من الزمن لا يقاس بعالم عقود أو حُقوب من الزمن الذي تليه وفق معطيات الطبيعة البشرية التي تمليها تجارب الحياة, ليكون مفادها التحكم بسلوك الفرد والمجتمع, أو تلك التزعات التي تمليها آليات التطور والتغيير من حقبة لإخرى من الدهر. ولهذا عادة ما نقول في أحاديثنا الذي تفرضه المقارنة لمسألة أو حدث ما بأن عالم اليوم ليس عالم البارحة أو الأمس البعيد, ليتم إثبات ما نحن بصدده, بغية إقناع المُقابل في حال إعتصامه وتجاوزه لحدوده بسلوك يتنافي ومنطق الواقع المألوف, رغم أن مفهوم البارحة هو اليوم الذي يسبق نهاره, أي أقرب ليلة مضت وانقضت, لتكون مثالاً يحتذى به للمقارنة والمفارقة بما هو عليه الفرد أو المجتمع مهما بلغ من وعي وإدراك.
لذلك عادة ما نستشهد بالمقولة الأخيرة في حديث عابر لنفند ما لا يتطابق أو يقاس وعالم اليوم, وهذه بديهة طبيعية لا يمكن نكرانها أو التغاضي عنها طالما الزمن في مسار طويل ودائم غير محدد كسريان الكوكب حول الشمس, وكجريان نهر ما إلى ما لا نهاية. ودليل ذلك ما واكب مجاراة ومعايشات مراحل التطور البشري منذ الخليقة, والتغير الحضاري الذي وَلّـدَ وأبرَزَ مكونات بشرية تجاري الأزمان التي إنقضى وجودها وانقرضت, ومنها ما زالت تحتضر من تلك المكونات التي تقولبت على معتقداتها اللاإنسانية, ولم يبق لنا منها سوى آثار مآثرها وتاريخها ـ سلباً وإيجاباً ـ الذي نشهد له في أمثالنا وحِكَمُنا وحكاياتنا. هذه حالة طبيعية يعيشها الإنسان أيضاً وفق متغيرات حياته الطبيعية إلى اليوم الذي يواريه الثرى, لتكون حياته مبعث الذكرى للأجيال القادمة من بني جنسه من خلال علاقاته الإنسانية ودوره في المجتمع بين أبناء جلدته, ومن الجانب الآخر لبني البشرية جمعاء إن كان من الذين أبدعوا في حياتهم وخدموا الإنسانية بأفكارهم وإبداعاتهم وتألقهم لتحقيق مشاريع معينة لها أهميتها ومكانتها وجدواها. وبما أن افراد المجتمع متفاوتون في طبائعهم وقدراتهم وطموحاتهم, ليس بوسعنا أن نقارن ونقيس أبناء البارحة عن أبناء اليوم, وفي كافة المراحل والعهود الزمنية التي عاشوها وتطبعوا على مآثرها وموروثاتها. لذا نقولها وبكل بساطة وسهولة بأن ابن اليوم يختلف كلياً عن ابن البارحة. ولو تساءلنا ما الفارق؟ وبماذا نؤكد ذلك؟ لتعددت الأسباب وتفاوتت الآراء والتأويلات برؤيا واجتهادات منفردة معتمدة على مفاهيم أسس التربية الدينية وتفاوت المعتقدات السياسية وإلتزامات المعايشات الإجتماعية وغيرها من المعايير والتفاسير.
رغم التفاوت الذي نعوّل النفس على الفَتِه, فإن التقنيات الحديثة تفرض وجودها لتزيد من حدة الوعي لدى الفرد والمجتمع في أية بقعة من أرض المعمورة على المقارنة والمقايسة, ومعرفة كل شئ عن كثب حين تم الإعلان عن العالم بأنه أصبح قرية صغيرة مسيجة بتكنولوجيا أو تقنيات أطر المعلوماتية التي قيضت للبشرية كل شئ وما لا يمكن اخفاءه بالسر, وبتلك بوادر ومظاهر العولمة التي قرّبت شعوب العالم من بعضها, ليصبح كل فرد على مقربة ومعرفة مباشرة لكل ما يسود في الحياة اليومية, وأكبر دليل على ذلك وسائل وقنوات التواصل الإجتماعي التي أزاحت أقنعة الإختفاء خلف أسوار الحياء وجدران الممانعة المتوارثة لمجتمعات معينة, وكشفت عن المظالم التي تفرض بالعمد على العباد في أصقاع من العالم غير المتمدن الذي ما فتأ يتنفس الصعداء بالخفي في عقر داره للإفراج عن همّه وضيقه بإزالة الحسرات والتنهدات المُسوّرة بتأوهات الألم والكآبة, وبعلانية التستر التدويني والصوتي المدبلج أحياناً خلف ستائر الأسماء المخفية في ظروف معينة تفرضها عدة عوامل كالبيئة الإجتماعية, المُعتقد الديني وطبيعة العادات والتقاليد الموروثة المُسورة بالتحريم كما في السعودية واليمن على وجه الخصوص, وكما يتضح ذلك عِـبْر تلك القنوات التي لا حصر لها من خلال سلطان العصر المتمثل بالهاتف المحمول وأجهزة الأنترنيت على سبيل المثال لا الحصر التي استعاضت عن معاشرة الصحاب أو المخالطة بالمواجهة العلنية المباشرة عن كثب من القريب والبعيد. ليعيش الفرد أسير ذلك الواقع دون معرفته المباشرة عن الزمن الذي استلب شغاف قلبه وحصره بلهوٍ دائم في عالم تلك الدائرة المُسيجة بالأشواك والورود أحياناً متى ما تم الترفيه عن النفس خفية, ولتكون في عرفه الأماسي التي يطول أمدها أضعاف وضح النهار في غياب من يتحكم عليهم بالمحظور لا تنطوي على اسس حرية الرأي, غير آبه للجهد اللاإرادي الذي ينتزع من ديمومة وجوده رويداً رويدأ بهدوء وتؤدة والتصرف بدون رَويّة من غير شعور مباشر قد يؤدي أحياناً إلى ما لا يحمد عقباه بالقرصنة على أسرار المتحدث والإطلاع على الخفايا المخزونة بفك رموز التشفير للإسم المُشفر بطريق المراوغة المبطنة بأساليب الإطمئنان والقناعة للطرف الآخر, وبالتالي يتسلح به المُقرصن للغرض النفعي أو التشويهي بالإشهار الصوتي والرسائل النصية والفيديو وغير ذلك بغية التخويف والتهديد والفضح لتحقيق المآرب والمقاصد المخفية التي تخالج نفسية المُقرصن من المصابين بداء النرجسية اللاأخلاقية, واستغلال ذلك بمطالب السوء ومن كلا الجنسين على ضوء نتائج الإحصاءات والبيانات التي تكشف عنها إدارات المؤسسات والشركات المشرفة على مواقع الإتصالات الإجتماعية ومنها الفيس بوك, توايتر, سناب شات (المحادثة السريعة), سكايب, بالتولك وغيرها المميزة بعدد زوارها البالغ بالآلاف إن لم يكن فوق المليون يومياً من كافة أنحاء العالم, دون التمييز ما بين الغث والسمين لتكون نتائجها الطامة الكبرى للذين وقعوا في شِباك تلك المواقع من الشبكة العنكبوتية. والأغرب من كل ذلك أيضاً أن يستقبل أصحاب البريد الألكتروني بين فترة وأخرى رسائل إغراء في غاية السرية من مؤسسات ومصادر لا علم لهم بها, وبتصورهم على انها رسمية تتمتع بالمصداقية, حيث تقوم بإغوائهم لتبلغهم وتبشرهم فيها عن فوزهم بمبالغ نقدية غير متوقعة وبجمل عديدة منها " عنوان البريد الخاص بك قد فاز بكذا مبلغ " مطالبين فيها معلومات شخصية ومن ضمنها الرقم الحسابي بغية تزويدهم بتلك المبالغ الخيالية, فيتم الإستحواذ على قرصنة المعلومات المخزونة واستغلال ذلك بالتعهد على الضمان بالأمان بوسائل النصب والإحتيال التي تبعد الشك من المبتدئين الذين لا علم لهم بها وتنقصهم الدراية الكافية من حقيقة تلك القنوات رغم تكرار المحاولات بأساليب متنوعة.
ولا يفوتنا هنا أن نشير على ضوء ما شاع وقيل عن الإرهاب العملي والفعلي المباشر بحصد أرواح البشرية في البلاد العربية بشكل خاص, أن لا ننسى بأن من مسبباته الرئيسة هو الإرهاب الإلكتروني كما يتم وصفه بدليل صراعات الدول, وما يسرت له تلك القنوات من مجموعات القرصنة على كشف الحقائق والتشهير بما تضمنته الوثائق التي كانت محمية في غاية السرية. وكما قيل أيضاً بأن الربيع العربي الذي هجج مشاعر الشعب الثائر على سلطنة حكامه ومن بيدهم زمام الأمور هو من ولادة تلك القنوات, قلبت الربيع إلى صيف قائظ وشتاء قارص, لتكون نتائجه تكالب مكونات القوى المهيمنة على بعضها, وتجاهرهم بالعداء والتواثب على السلطة والثروات ومال الشعب الذي سُلِبَت حقوقه, وحًرّمَ من قوته, وهُجّرَ من مسكنه وأرضه ليلتحف العراء ويتأسى من حالات المرض والجوع والتشريد في أرض وطنه, وأكبر نموذج لذلك شعب العراق وسوريا بشكل عام, وتلك المكونات القومية من الآشوريين والمسيحيين قاطبة والايزيديين والصابئين والأرمن وغيرهم...  فحدث ولا حرج عن تلك الملايين التي تعاني الموت النفسي البطئ وهم أصحاء في ديار الإغتراب, يشكون حالة الإغتراب الذهني وهم بعيدون عن بلدهم ومجتمعهم وتقاليدهم لشعورهم بالتيه والضياع والإستعباد والإستلاب. تؤججهم مشاعر الذكريات المزدوجة المشحونة بحياة الماضي البعيد لأيام النعمة المباركة والأيام التي أسرتهم لتوخز حياتهم بالكوارث.
إذن دعنا نعلمك ـ عزيزي القارئ ـ إن كنت من الرواد الزائرين لتلك المواقع أو القنوات ولم يكن على بالك ما أشرنا إليه رغم اطمئنانك الساذج على التواصل والمحادثة والإنفتاح, أن تتسلح بالحذر من الأقاويل المغرية التي تمزج السم في العسل دون معرفتك, أو كلسعة الثعبان المباغتة التي تقودك لعض أصابع الندم, وحينها تنطبق عليك مقولة ( لاتَ الساعة ساعة مندمٍ ) أي ( ليست الساعة ساعة مَندمٍ ), وكما يقول المثل العراقي الشهير (الفأس وقع بالراس, وما منه الخلاص).
فالحذر كل الحذر من تستهويه عواطفه لخوض مياه البحر الهادئ في جوّ مستلطف بطبيعته المستدرجة للأمواج  المتلاطمة دون علمه بالتيارات التي تجرفه إلى الأعماق المهلكة.   






55
بربكم متى يتم التسامح والتآلف ليتحقق الأمان والسلام
في شرق الأنبياء؟
بقلم: ميخائيل ممو
في أوائل وآواخر شهر نيسان عام 2003 وعلى آثر الحملة الهجومية لإزاحة السلطة الصدامية تظاهر الشعب العراقي علناً , وتعاضد مع البعبع الأمريكي وقوات التحالف على تحرير العراق من هيمنة سلطة حكم البعث البائد, ومن ثم الإقدام على إستلام مقاليد الحكم لإدارة دفة أمور بلاد ما بين النهرين الجديد تحت جناح وغطرسة الهيمنة الأمريكية البريمرية وحاشية المغتربين من رجال السياسة المعارضين,  حيث تم شرعنة تأجيج التطرف في الدستور العراقي بما لا يخدم مصالح الشعب العراقي من جراء الصراعات التي نخرت مفهوم الوحدة والتآلف بين تلك التكوينات الحزبية الدينية المذهبية والطائفية السياسية العشائرية إلى جانب الأجندة الأجنبية الإقليمية وقوى المصالح العشوائية. وعلى أثرها شاعت المفاسد والسرقات والإنتهاكات والتجاوزات لتخدم اولئك الذين لفظهم الحكم البائد من الذين احتضنتهم دول الغرب, ليتمتعوا بحياة الحرية, وليعيشوا على موارد المساعدات الإنسانية التي تقرها أنظمة تلك البلدان. ومن بعد السقوط أي المصطلح الذي ألفناه وشاع تداوله لينعم الخير بين أوساط الشعب العراقي انعكست الآية, وتيسرت لهم ظروف العودة للوطن المُحَرَر من قبضة النظام البعثي, بحكم انتماءاتهم المذهبية واتجاهاتهم السياسية ومصالحهم الشخصية المناهضة للسلطة, آملين منها على شموخ البنى التحتية المهشمة من جراء " التحرير الإحتلالي " لنهضة الرقي الحضاري في الوطن الأم وفق معايير التغيير التدريجي, ومنهجية البناء الجديد على ضوء معايشاتهم واستدراكهم لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة والتطور الحضاري التي اكتسبوها وتسلحوا بها وهم يعيشون في الشتات. وبمرور الزمن خابت الظنون لدى شرائح المجتمع وأدهشتهم بمرارة وحزن كبيرين ليعيشوا الأمرين حين انكشفت نواياهم المبيتة تدريجياً بما آل إليه العراق بأمنه القومي العام إقتصادياً وأمنياً وسياسياً وإجتماعياً, وعلى التوالي من مواقف رجال الدين إلى قادة السياسة بكافة انتماءاتهم القومية والمذهبية, عكس ما اكتسبوه وتتلمذوا عليه فترة غيابهم في بحبوحة العيش الرغيد بإسم المعارضة والمقاومة بمفهوم الإتجاه المعاكس, رغم مناداتهم بتلك المصطلحات المجسدة لحقوق الإنسان, وتعابير طمأنينة ضمان معيشة حياة كفاح الشعب الجريح الذي سُلبت حقوقه ليعيش حالة الفقر المدقع من الأوضاع المزرية, ويلتحف العراء في عقر داره من جراء التشريد والتهجير القسري في ذات الوطن.
هذا ما حصل على نحوٍ عام بين القادة السياسيين المخضرمين الذين بسطوا نفوذهم على الحكم, لتنعكس أساليبهم المجحفة بشكل مباشر على مكونات الشعب العراقي قاطبة, ولتستقطب بالتالي خميرة الشعب النهريني المتمثل بتلك المكونات الأصيلة من الآشوريين بكافة تسمياتهم المذهبية والصابئة المندائيين والإيزيديين والشبك على نحوٍ خاص ومتميز , والمسيحيين على نحوٍ عام بدافع شروط الأسلمة, وتجاوز الأمر لغيرها من شرائح الوطن الجريح المُغتصب مذهبياً والمحتل عشائرياً من هجمات وانتهاكات قوى الشر وعناصر التخريب بدلالة الخيانات المبطنة علناً وبالخفي أيضاً, مستبشرة بعصابات القتل والترهيب والإغتصاب في كل زاوية من أرض الوطن, لتطال فيما بعد وبشكل أوسع من ذلك على يد الدواعش بما فيها أرض منبع حضارة العراق, مدينة نينوى الخالدة وأم الربيعين موصل الحدباء, بتلك معالمها الأثرية التي تشهد لها أسوارها وأبنيتها وقلاعها ومنحوتاتها وألواحها النادرة ومخطوطاتها الراكنة بأمان في أولى مكتبات العالم المسماة بمكتبة آشور بانيبال أو المكتبة الآشورية, حيث كانت نينوى آنذاك عاصمة الأمبراطورية الآشورية, ممتداً شموخ وجودها منذ سيطرة الحكم الساساني الميدي والعثماني فالفتح العربي الإسلامي الذي حافظ واعتز وافتخر بتلك معالمها لقرون عديدة.
ومما يؤسف له انجراف تيار التهشيم أجساد تلك المنحوتات الفنية الشامخة على مدى سبعة آلاف عام, إضافة لقدسية الكنائس والمساجد وأضرحة علماء الدين والتراث الحضاري لهيبة العراق, بمعاول دعاة دولة الخلافة المستحدثة لإسلام جديد لا تقره مفاهيم القرآن الكريم والأحاديث القدسية وبما شرعه الباري عز وجل لعباده من العقائد والأحكام.    
استغرابنا هنا هو: إن كانت تلك النصب والمنحوتات الأثرية بمغزاها الفني تخالف المفاهيم القرآنية وتعاليمه لأقدمت على تحطيمها ونبذها جحافل الرسول في عهده وفي العهود التي توالت فيه الفتوحات الإسلامية وعهد الهيمنة الفارسية والعثمانية. وما هي المفسدة والإباحية الخارجة عن حدود الأخلاق والأدب والقانون من تلك الفنون الحضارية التي صاغها أبناء الشعب العراقي الأصلاء الممتدة جذورهم لتلك الإنتماءات البشرية والمواطنة التي نألفها ونعيشها اليوم وبكافة تسميات وصفات المواطنة؟ فإن كان الأمر كذلك, لِما اعتز الغرباء من الغربيين على سرقة الأصل منها أو استنساخها والإحتفاظ  بها في بلدانهم لتتصدر أبواب متاحفهم وأروقتها التي يزورها الملايين سنوياً من كافة أنحاء العالم, وتدر عليهم بما لا يحصى من الموارد المادية على حساب حضارة الرافدين, ناهيك عن الدراسات والأبحاث العلمية والتاريخية الأكاديمية التي لا تخلو منها رفوف المكتبات الجامعية والمؤسساتية التراثية والثقافية العالمية. فهل نحن فقط من فصيلة البشر, وهم من فصيلة الحشر؟! وهل إسلام اليوم غير إسلام البارحة؟! أعوذ بالله إن كان الأمر كذلك. وهل سننتظر بمجئ المهدي المنتظر؟! أم مجئ المسيح للمرة الثانية؟! ليخبرانا بما نحن عليه فاعلون, وبما ينبغي عمله. قد يتحتم ذلك في زمن غير منتظر من عصرنا الحالي, وربما يتحقق ذلك في عصر أجيالنا المستقبلية في الوقت الذي تتضاعف فيه الأزمات والإنتهاكات والتجاوزات أضعاف ما نعيشه اليوم والتي لا تستوعبها حتى شريعة الغاب في البقاء للأقوى. وإن كانت نينوى قد خلت من مسيحييها, فها هي الأخرى محافظة الأنبار بمدنها العريقة قد صاحبتها تلك السلبيات إمتداداً من أقصى مدنها على الحدود الغربية بما فيها مدن عانه وهيت وغيرها التي ترتقي أخبارها إلى زمن الدولة الآشورية في عهد الملك الآشوري تكلت نينورتا الثاني (889 ـ 884 ق. م.) حيث كانت تكنّى بـ (عانات) ليستمر تاريخها الى الفتح العربي حين اقتحمها خالد بن الوليد وأمر بأن لا يُهدم فيها بيعة أو كنيسة , وأن تدوي نواقيسها في أي ساعة شاء أهلها من ليل أو نهار إلا في أوقات الصلوات,  إضافة إلى الفلوجة التي اسماها الآراميون بالأنبار قبل ذلك, ناهيكم عن الحبانية والخالدية وحي الفرات "كولي كمب" التي كانت جميعها معقلاً للمسيحيين بشكل عام بما فيهم من الآشوريين بكافة تسمياتهم المستحدثة والمكونات الأخرى من النسيج العراقي كالعرب والأكراد السنة والشيعة والأرمن ومن الهنود والباكستانيين والإنكليزي المحتل منذ تأسيس الدولة العراقية من العهد الملكي لتكون تلك ابنيتها ومدارسها وكنائسها اليوم مأوىً للنازحين المشردين ولاجئين بعد أن هُجروا من ديارهم في ذات الأرض, ولا زالت الى اليوم تشهد مدينة الحبانية بمعالم المسيحيين المتمثلة بكنيسة مار كيوركيس ومريم العذراء وكنيسة مار ساوا في كولي كمب إضافة لجوامعها ومساجدها ومقابرها المقدسة.
كما علينا أن لا ننسى بأن للأنبار عمقها التاريخي منذ العهد الآشوري البابلي حين سبا نبوخذ نصر اليهود من بيت المقدس إلى بابل, حيث كانوا قد حبسوا في الأنبار, ومن ثم العهد الساساني إلى الفتح العربي في عهد خلافة أبي بكر على يد المثنى بن حارث الشيباني وخالد بن الوليد, لتزدهر في العهدين الأموي والعباسي, متخذاً منها أبو العباس السفاح عاصمة له  وكرسي مملكته  إلى أن مات حتف أنفه ودفن فيها.
ونحن على أعتاب إنهاء مقالتنا وخزتنا دبابيس جديدة من الإنتهاكات التي خصت الموتى أيضاً وهم في لحودهم ليعلن شلة من الضالين ثورتهم على قبور المسيحيين والآشوريين خاصة بإقدامهم على تدمير وتخريب ونبش ألحادهم التي أكل عليها الدهر وشرب, وهل كان في تصورهم أن يستفيقوا من رقدتهم الأبدية لإعادة سلطتهم على مدينة كركوك التي أنشأها سردانيبال ملك الآشوريين في عهد الإمبراطورية الآشورية ق. م.؟! كركوك عاصمة الذهب الأسود المعروفة آرامياً بتسمية " كرخا دبيت سلوخ" أي مدينة سلوقس وفق المجاميع النسطورية للكنيسة الشرقية منذ عام 410 م. إضافة للتسميات العديدة التي أوجدتها السلطات المهيمنة عليها كالفرثيين والفرس والعرب. والأغرب من كل هذا التصرف المشين أن يتحسس الفكر الداعشي بإطلاق سراح 25 آشورياً من الآسر تزامناً مع التخريب وتزامناً مع المولد النبوي ومولد يسوع, علماً بأن أغلبهم من الأطفال في عمر الزهور إضافة لتسعة مأسورين يتجاوزون الأربعين عاماً. حالة يكتنفها العجب العجاب لهذه المصادفة.

لذا نعود ثانية ونقول انه من المؤسف والمحزن حقاً أن تمحى مآثر تلك المعالم الأثرية من أرض الوجود بما فيها الإسلامية والمسيحية, العربية والآشورية واليزيدية لأسباب جلها بعيدة عن المفهوم الإنساني وشرع الدين الإسلامي الحنيف وتعاليم الديانات والمعتقدات الأخرى في كافة أنحاء العالم. آملين من الذين خرجوا عن هدى الصراط المستقيم بتكتلهم الديني المُصغر أن يهتدوا لطريق الحق والصواب, ويتجنبوا زهق الأرواح البشرية البريئة بأساليب وحشية من الدمار الشامل من كلا الطرفين, المتحدي المعتدي والمعتدى عليه, والتخريب المتعمد للتراث الحضاري الذي لا يُعوض مهما بلغت الحضارة الإنسانية من تطور وتقدم وإرتقاء.
وفي خاتمة المطاف نود التنبيه والإشارة لأكبر ظاهرة دينية على المصادفة التي تزامن فيها المولد النبوي مع يوم ميلاد السيد المسيح ولأول مرة منذ 457 عاماً, وهذه المصادفة قد حدثت أيضاً في نهاية شهر ديسمبر عام 1558.  أليست هذه المصادفة ـ نوعاً ما ـ إشارة  إنذار وتحذير من الخالق على شاكلة قصة الطوفان حين " رأى الرب شر الإنسان قد كثر على الأرض" لينذر نوحاً بما ينبغي عمله لتفادي نتائج الطوفان. وليس بالبعيد أن تكون تلك الظاهرة الإلهية بإلتقاء تاريخ المولدين نموذج اشعار على الإختراقات التي تنافي مبادئ الإسلام والمسيحية بإسم المشعوذين الضالين والإرهابيين ودولة الخلافة الجديدة من أجل التوحيد واحترام الرأي في المعتقد وفق مبادئ حقوق الإنسان بالرغم من لونه ومعتقده وانتمائه, انطلاقا من قول الرسول " الناس سواسية كأسنان المشط , وإنما يتفضلون بالعافية..." وقوله تعالى " لكم دينكم ولي ديني" وقوله أيضاً " لا إكراه في الدين ..." وكذلك " ليس للإنسان إلا ما سعى, وأن سعيه سوف يُرى" " فالمسلم من سلم الناس من يده ولسانه " " خير الناس من نفع الناس " وغيرها من الأحاديث والآيات بالرغم من تفاوت تفاسير المجتهدين عن فحوى ما ذكرناه. لذا هل من المنطق العقلاني بأن شلة من الإرهابيين ودعاة الخلافة الجديدة يتوسمون بالمصداقية والإيمان الصحيح ويبصرون الحقيقة أكثر من مليارين من المسيحيين في دول العالم وبأنهم على خطأ؟ وهل إن مليار ونصف من المسلمين الذين يناهضون الفكر الإرهابي هم على خطأ أيضاً؟! أبداً أن يكون ذلك, مقارنة بآلاف المعارضين القابعين في العراق وسوريا ومجموعات متناثرة هنا وهناك. حتماً هذه المقارنة لا يصدقها المنطق الإنساني والتاريخ القويم. آملين في العام الجديد أن تزول الغشاوة عن عيون الضالين المفسدين وتنصهر ريبة وقساوة قلوبهم بتفتح عقولهم ليعم السلام والأمان على البشرية جمعاء لمناسبة التقاء ذكرى أفراح ولادة النبي وولادة المسيح مع استقبالنا لخفايا العام الجديد 2016.
إذن في نهاية المطاف دعونا نقول: بربكم متى يتم التسامح والتآلف ليتحقق الأمان والأمن والسلام في شرق الأنبياء؟
mammoo20@hotmail.com

57
ذات الرأي والمغزى بتعابير متفاوتة
" رجع بخَفيّ حُنين "
ميخائيل ممو
أكل يوسف التفاحة / يوسف أكل التفاحة / التفاحة أكل يوسف / أكل التفاحة يوسف
يوسف التفاحة أكل / التفاحة يوسف أكل
ست جمل متناثرة في التركيب النحوي لتنظيم الكلمات, ومتفاوتة في قواعد وأصول التعبير اللغوي. لكل جملة تركيبها الخاص في المعنى المرمي إليه, والمقصود منه بهدف نيل والتهام التفاحة الحائرة لعملية مضغها والتهامها, بغية تحقيق ما يصبو اليه المتحدث عن ذلك, علماً بأن الغاية المرجوة هي ذاتها وفق مفهوم كل واحد من الناطقين بها, وعلى نحو ما يتأمله ويحلم به ليصيب البعض منهم منطق التلعثم والتلكؤ لمعنى الدلالة. لذا فإن التساؤل هنا يفرض نفسه, هل أن الناطق أو المتحدث يستوعب فحوى ما يتمنطق به؟! قد يكون ذلك إن إستثنينا مدى المعرفة اللغوية في عملية التعبير لكل فرد, وإن إعتمدنا علم القواعد من حيث التحكم لبناء ملائمة المفردات وترتيبها الجُمَلي من جملة توليدية إلى جملة تحليلية واستنتاجية لإختلفت كل واحدة عن الأخرى في الدلالة, طالما لكل لفظة مستقلة وكامنة في ذاتها ولا تحتاج إلى غيرها من الوحدات. فلفظة أكل تتمتع بحرية في موقعها وتنقلها في عملية التركيب كجزء صغير من حيث التركيب, وكذلك الأمر فيما ترميه تكوين ألفاظ المفردات الأخرى.
في حال إقدامنا على تحليل مضمون كل جملة, لسهل الأمر علينا بتأكيد حال الجملة الأولى وفق منطق علم النحو والقواعد المنصوص عليها في اللغة العربية من حيث الإبتداء بالفعل فالفاعل والمفعول به بتأكيد حكم الحركات الإعرابية للفعل الماضي بالفتح والفاعل بالرفع والمفعول به بالنصب إن كان الفعل بصيغة المتعدي واللازم أيضاً. أما الجمل الأخرى التي لا تنسجم وتتوافق لتلك القاعدة بالإمكان تصنيفها وفق حالات التخمين المقصود من التساؤل المفروض في الإجابة كالتأكيد مثلاً في قولك: من أكل التفاحة؟ ليكون الجواب يوسف أكل التفاحة. وحال الجمل الأخرى قد تفرضها كمّن أصيب بالسكتة الدماغية في التلكؤ والتلعثم أو كالمبتدئ على تعلم لغة حديثة, بتقديم وتأخير لفظ مفردة على أخرى مع صعوبة النطق الواضح في إيصال فكرة الفهم والإفهام بالنسبة للمُرسل والمتلقي لما يكتنف وسيلة الإرسال. متى ما تفحصنا حقيقة التعابير الآنفة الذكر في إيصال الفكرة لتفاوتت الآراء من صحة صياغاتها المتعثرة, وهذه حقيقة لا يُمكن نكرانها مهما اسهبنا في التأويل والتحليل والتعويل.
إن مناحي التعابير عادة ما تتفاوت في إبداء الرأي لإيصال المغزى, وهذه حالة تميزها الصفات التي يتحلى ويتسلح بها الفرد بحكم ثقافته ومعرفته وإسلوبه في التعبير لتجسيد فكرته, ومدى استيعابه لها على ضوء مهارة المحادثة والمقدرة على التعبير, كما هو الحال في مسألة حسابية للوصول إلى النتيجة المحتمة بأساليب وطرق رياضية حسابية وهندسية متفاوتة ومغايرة, سواء في حالة الجمع أو الطرح أو الضرب والقسمة لتكون النتيجة أو المحصلة بذات الرقم أو العدد للمطلوب اثباته. ومن ناحية أخرى مشابهة مثلما يهدف السياسيون في تحقيق مآربهم للوصول إلى سدة الحكم بأساليب متعددة منها التآمر, الإنقلاب, الثورة, الخيانة, الإتفاق الضمني وغيرها من المنافذ بالتخطيط القريب أو البعيد المدى أو المباشر. ومن هذه البديهيات نستخلص بأن النتيجة هي واحدة لتحقيق الهدف.
إن الأمثلة التي استشهدنا بها في المجال اللغوي والحسابي والسياسي استخلصناها من واقع مجموعة من ممثلي أبناء شعبنا لأحزابها السياسية ومنظماتها الفكرية في لقاءاتهم بين فترة وأخرى, وذلك من جراء الظروف والأحداث القاسية التي فرضتها عليهم بغية التقارب والتفاوض لتوحيد الرأي والفكرة التي تنشد الخلاص من هضم وهدم وجودنا القومي كشعب آشوري بكافة انتماءاته التسموية المذهبية التي تسعى للإرتقاء بهيبته التاريخية لنيل حقوقه المشروعة وفق مبادئ حق تقرير المصير والمفهوم الديمقراطي. كما وإن ذلك تؤكده العديد من مكونات الشعب العراقي وأحزابه في وقت الأزمات التي تشمل الجميع, ومن خلال مسعى كل ممثل حزبي بما يجده مناسباً في مداخلاته التي تشكل سجالاً عقيماً أي لا غالب ولا مغلوب مردها التقوقع المذهبي والعرقي والطائفي والعشائري والإتجاه السياسي أو الفكري بمقولات وتحليلات وتأويلات متضمنة ذات المعنى بأساليب مختلفة على نحو تعبير تركيب الجمل المنوه عنها سابقاً, ليتم عدم الإتفاق على النص القويم والصحيح بمهاترات ومؤاخذات يناقض بعضها الآخر باللوم والمعاتبة, لينطبق بالتالي على كل واحد منهم بعد التفاوض المثل القائل: " رجع بخَفيّ حُنين " والذي مفاده الإخفاق بمعرفتهم على الخسارة التي منيوا بها لسوء التصرف في التحام صيغة التعبير كإنفراط خرز المسبحة, وبما تؤكده أيضاَ المقولة الشائعة " أتفقوا على أن لا يتفقوا " ليفندوا عن عمدٍ ودراية هدف رؤيتهم وعلى تفتيت حروف كلمة الوحدة بمحدودية الفهم اللغوي الخاطئ للتعبير في الميدان السياسي. علماً بأن المغزى المنشود من الرأي المطروح هو ذاته, مشوباً بإسلوب مبطن تفرضه التوصيات الخارجية والجانبية من خلف الستارة المتهرئة والمعلقة بدبابيس صدئة. لذا فإنه متى ما سبرنا وتوغلنا في دساتير ونواميس أحزابهم عملياً أو بالتخمين والظن لوجدناها تنادي بمبدأ الحرية والديمقراطية التي لا مفر منها, ولكن يتم تجسيدها بعكس ما هي عليه في مفاهيمها الإنسانية الحقيقية. إذن دعنا نقولها وبحرية تامة " إن الحرية تمنحك الحق في أن تخطئ, لا أن ترتكب الخطأ عمداً ".
mammoo20@hotmail.com

58
قيمة المجهود الفكري في متجر سوق مريدي
بقلم: ميخائيل ممو
أن أبدأ حديثي عن مفهوم كلمة الأدب وما تتضمنه هذه المفردة من اعتبارات ومعايير  لغوية, من المحتم أن يستنفر من الموضوع من لا يدرك فحواه وأبعاده, لتشمل بالتالي مجموعة كبيرة ومماثلة من القراء الذين هم بعيدون عن الواقع الأدبي, وبشكل مباشر من العنوان الرئيسي والبارز الذي يتوج ويتصدر المقالة الخاصة بالأدب وما تستوعبه هذه المفردة من حقول متفاوتة, ليقتصر الأمر فيما بعد على النزر اليسير من ذوي الإهتمام الأدبي, بدلالة ما تؤكده إحصاءات مشاهدات هذا الحقل في الصفحات الأدبية الألكترونية والأعمدة المخصصة لها، ناهيك عن حقول النشريات الأخرى الورقية من المطبوعات. وهنا يبدو ويؤكد القراء العاديون والسطحيون بأنهم يشكلون أضعاف من هم من ذوي الإختصاص والإهتمام بالشأن الأدبي. ليغيب عن بال القارئ العادي من تقييم وتقدير الجهد الذي يبذله الكاتب فيما يتوصل اليه من أفكار إيجابية لإستمالة النفوس وإيصالها للناس لتدري بالنفع الخاص والعام لهم, علماً بأن الغالبية العظمى من القراء يقضون يومياً ما لا يحصى من الساعات في تصفح آليات النشر الحديثة, ومن ضمنها وأهمها في نظرهم تلك المألوفة بمواقع التواصل الإجتماعي كالفيس بوك والماسنجر وما شابه ذلك, غير مستدركين بأنها اصبحت الشغل الشاغل لهم والشبيبة على نحو خاص, لإحتوائها شذر مذر من الكلام والصور ومقاطع الأفلام الغريبة دون التمييز بين الغث والسمين, لكون الغث أو الردئ أصبح من سمات العصر حين يُصاغ ويُطعم بإشهار مشوق لإغواء القارئ أو المشاهد بتعليقات واهية ومرتجلة, ناهيك عن تلك الإعلانات المزخرفة والمزركشة بأزهى الألوان وأجمل العبارات للمواد المقصودة, وبتفوق أثمان صياغتها ونشرها أضعاف سعر مجموعة الكتاب الواحد. هذا ما يبدو واضحاً وجلياً في كافة الحقول الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية, وما شاع مؤخراً من خلال ذلك الجهاز التلفوني الساحر أو تلك الآلة الصغيرة المتعددة الأنواع  التي تتلاعب وتتراقص أصابع اليد عليها بخفة متناهية أينما تواجد حاملوها في المقاهي والقطارات والشوارع وأماكن أخرى.
إن ما دعاني لتدوين هذه الديباجة هي المصادفة التي حتمها عليّ فضولي وبشكل تلقائي لزيارة مكان منزوٍ ومختص بعرض المواد والحاجيات الفائضة لدى المتبرعين لدعم مساهمات مناداة وأهداف بعض الجمعيات الخيرية المعروفة بـ " السيكن هاند " التي تسعى لدعم المحتاجين والمعوزين في بعض الدول. كان ذلك في إحدى المدن السويدية, حيث تتصدر واجهة المحل وعلى مرآى من الزجاج العازل للفت انتباه المارة ببعض التحف النادرة أحياناً. وفي جولة بين اروقة المعروضات, فإذا بي أمام أكوام من الصناديق التي تشكو الإنعزال والملآى بأنواع من الكتب إلى جانب سلسلة طويلة من الرفوف المثقلة بما لا يحصى من المطبوعات القديمة والحديثة وكأنها متجر تراثي لبيع الكتب النادرة, ليخونك الإعتبار والتأمل بأسف بالغ لذلك الجهد الفكري والثقافي المميز بعد تصفح البعض من الكتب لتثبت حداثتها بدلالة تاريخ إصدارها, والقسم منها بتكرار ذات النسخ وكأنها صدرت حديثاً من المطابع لتجد مكانها في البيئة التي لا تلائم تواجدها, رغم أهمية مضامينها لدى الذين يحاورون أنفسهم عنها من خلال تجاربهم ومما يستنبطون من أحداث واقع المجتمع الذي يتعايشون معه ليتم تزاوجها بولادة مبادئ جديدة معمذة بعناوين الكتب الصادرة.
وهنا خطر على بالي ما كنت قد سمعته وقرأته عن شهرة " سوق مريدي " الذي كان يجمع كل ما بحاجة المشتري من المستعمل والمستحدث من المواد وبما فيها من الجرائد والمجلات والكتب، وكما يشار أحياناً بإستصغار واستهجان البعض من حملة تسمية لقب " الدكتور والماجستير أيضاً " من تلك السوق التي هي بمثابة الجامعة التي لا يعترف بها دولياً. وهذا ما تؤكده الفترة الزمنية وطرق الدراسة التراسلية لحملة تلك الألقاب التي تتعارض بمقارنتها مع الجامعات الرسمية والمعترف بها رسمياً في سجل الدراسات العليا دولياً , وغياب اطروحاتهم من التسجيل الرسمي المتعارف عليه.
إن الغرض الرئيسي من هذ العرض الغريب هو أن يختلط الحابل بالنابل, أي بما معناه المجهود الفكري والتثقيفي لمن يشار اليهم بالبنان من المبدعين والمتميزين لتكون اسماؤهم بمصاف من لا تجدي أعمالهم نفعاً, وتقييم نتاجاتهم على حدٍ سواء بذات القيمة والمكانة بأبخس الثمن, وبالسعر الذي لا يرتضيه حتى الجهلاء, وكأنك تساوي ما بين نبته تفوح بالعطر الزكي ونبتة مجاورة تزكمك نتانة أشواكها لتواجهك نسمة كأداء.
ومما لا شك فيه أنه من بين تلك العطاءات الفكرية كالكتب التراثية النادرة واللوحات الفنية الشهيرة, تجدها وقد اتخذت طريقها إلى مكان آخر مشابه نوعاً يعرف بالمزاد العلني, ليتم عرضها والإعلان عنها بغية بيعها بالمزايدة المباشرة, فتكون المفارقة كبيرة جداً بين حشر كتاب قيم وذات أهمية بين كتب غايتها الترفيه والمخادعة بإمور خرافية وغيرها من الصفات التي لا تقل شأناً عنها. فتجد المفارقة والمقارنة كبيرة حين يصل سعر الكتاب أو اللوحة بما لا يصدقه العقل. وهنا قد تكون المصادفة أن يُحشر كتاب ما بين الكتب المهداة لمتجر ما دون معرفة المُستلم لقيمة ما ورده, وليُسعّره ويُثمّنه بأبخس الثمن دون معرفة شهرة ومكانة المؤلف ونتاجه الفكري الإبداعي, وقد يكون من حملة أعلى الجوائز التقديرية. ولكي أكون أكثر صدقاً وواقعياً مما عرضناه, صادفني في يوم ما زيارة صديق في مكتبة واسعة وغنية بما تحويه, فوجد كتاباً له أهميته الفكرية والتراثية مرمياً على أحد الرفوف المحتشدة بالكتب, تناوله ليسأل المكتبي عن سعره الذي خمّنه ما بين الخمسين والمائة دولار, فإستغرب صاحبي مبتسماً بعد أن أشار لسعره الرسمي من خلال الإنترنيت بثمنمائة دولار مع محدودية النسخ المتواجدة لدى إحدى دور النشر. وهذه دلالة على أن العديد ممن يتاجرون بالكتب ويتولون مسؤولية عرضها وبيعها لا علم لهم بأهمية هكذا مطبوعات وبمؤلفيها, والأدهى من كل ذلك أن يتراءى لك المخزون منها في صناديق كارتونية أسيرة الأقبية المظلمة النتنة لتكون طـُعْماً للفئران وحشرات العث بأنواعها المتعددة, متناسين قيمة نور الكلمة, وكما ورد في إنجيل يوحنا " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ، وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ." ولكي لا نحصر الأمر على قراء العربية من أهل الذمة, نوجه تساؤلنا بجملة أين هم قراء العربية من أولى الآيات القرآنية " إقرأ بإسم ربك الذي خلق..." بتسهيلهم على إحتضان تلك المتاجر المريدية نتاجات المؤلفين الذين سهروا الليالي وعانوا ما عانوا على نشرها بخسارتهم المادية والمعنوية بدلالة نسبة إحصاءات المكتبات الخاصة والعامة ودور النشر في البلدان العربية فيما يتعلق بالمبيعات, ومنها ما هو أيضاً في ديار المهجر في بعض الدول الكبرى المكتضة بقراء العربية من أصول ديارهم الأصلية من جذور عربية, مقارنة بقراء مواطني تلك البلدان التي حلوا ضيوفاً فيها. وأين القارئ العربي من فحوى المقولة الشائعة التي تردد دوماَ " الكتاب خير صديق للإنسان " ناهيك عن خلو بيته من رف واحد لتزينه الكتب بدل تحف الزينة, مقارنة بأصحاب بيوت مواطني تلك البلدان التي لا تخلو من أمهات الكتب, ربما تيمناً بمفهوم المثل العربي الشائع إلى جانب مثل الألفة الشائع لديهم مجسداً ذكاء وقوة ووفاء ومجالسة الكلب في المقولة التي مفادها " الكلب خير جليس وصديق للإنسان". وهناك أيضاً من الدلائل الكثيرة التي تجدي الإنسان وتنقذه من الصعوبات والإشكالات مقارنة ومقايسة بما ترمي اليه العديد من الكتب رغم صغر حجمها بمحدودية عدد صفحاتها, وعلى سبيل المثال لا الحصر, كتاب النبي لجبران خليل جبران وإبداعاته الأخرى التي لا تقل شأناً في مضامينها الفلسفية والتربوية الإرشادية والتوجيهية للتثقيف الذاتي, بدلالة طغيانها مكتبات العالم بترجمتها لأكثر من خمسين لغة. آملين أن تستيقظ الضمائر لقراء العربية مهما كانت جنسياتهم لتقييم وانتشال مطبوعات المبدعين من أسواق مريدي تقديراً لقيمتها وأهميتها ومنافعها, لتطمئن أرواح من خلفوا لنا عصارة جهدهم لخدمة البشرية والحضارة الإنسانية.
mammoo20@hotmail.com

59
محاضرات لرابطة الكتاب والأدباء الآشوريين
على أثر الزيارة التي قام بها وفد أدبي من رابطة الكتاب والأدباء الآشوريين في الوطن الأم, متمثلاً بالسيد د. عوديشو ملكو والسيدة سوزان القصراني والسيد بنيامين أبرم البازي للقاء أبناء شعبنا في السويد والدانمرك.ولمناسبة هذه الزيارة فقد تولى نادي بابيلون الآشوري في يونشوبينغ مهمة تنظيم لقاءاتهم وفق الفقرات التالية:
•   الخميس 26. 11. 2015  محاضرة للطلبة الآشوريين في جامعة فيكشوـ السويد.
•   السبت 28. 11. 2015  محاضرة لأبناء شعبنا في مدينة اورهوس / الدانمرك.
•   الجمعة 04. 12. 2015  محاضرة في لينشوبينغ في تمام الساعة السادسة عصراً على قاعة مؤسسة Fridtunagatan 2.. Bilda
عنوان المحاضرة: الروابط بين الأمة الآشورية وكنائسها.
•   الأحد 06. 12. 2015 محاضرة في نادي بابيلون الآشوري, وذلك في تمام الساعة الرابعة في مقر النادي.
عنوان المحاضرة:
ـ قضايا إدبية ولغوية آشورية.
ـ استعراض أوضاع أوضاع المسيحيين عموماً في الوطن.

                   
نأمل تواجد المهتمين في الوقت المحدد
أهلاً ومرحباً بكم
نادي بابيلون الآشوري


 

60
مكونات الشعب العراقي ضحية سلطة شريعة الغاب
بقلم: ميخائيل ممو
ما أجمل أن يتشبث الإنسان بجذور نشأته في مرتع طفولته وبحبوحة صباه, ليعمد بالتالي معبراً بشعور لا إرادي عن انتمائه الإثني في الوسط الجماهيري من ذراري بني قومه وجنسه المنتمي واللامنتمي لقضاياه المصيرية، وليكشف فيما بعد بوعي شبابي وإحساس مرهف عن مواقفه القومية ـ قولاً وعملاً ـ في ميدان العالم الآشوري الصاخب, بالتصدي لتجاوزات المُعتدي من خلال المآسي والأحداث المروعة والإنتهاكات التي يعيشها أبناء جلدته من الشعب الآشوري بكافة تسمياته التاريخية التي مصدرها من ذات المعين الذي ننهل منه أفكارنا.
ومما لا شك فيه, وعلى نحوٍ خاص أن نجد أقلام العديد من كتابنا الذين تتمحور في انفسهم مشاعر الإنسانية ومحفزات الوجود القومي, يدبجون ما يتراءى لهم بمقالات عن الأوضاع المزرية والمأساوية التي تخص من هم تحت وطأة من يدعون الديمقراطية, وهم بعيدون عن فهم معنى الديمو ـ قراطية التي تعني حكم الشعب متمثلة بالذين ينتمون لمكونات ذات الشعب في الدول التي لهم فيها ذات الحقوق وعليهم ذات الواجبات على حدّ سواء وفق الدساتير المدونة. أما الإجحاف بحق المواطنة لغالبية مواطني تلك المكونات المتمثلة بالآشوريين والصابئة والأزيدية والتركمان والأرمن في الدول التي يتواجدون فيها فهي انتهاك لمبادئ الديمقراطية التي تؤكد وتعترف بأصالة تواجدهم على الأرض التي احتظنتهم ودافعوا عنها في السراء والضراء منذ فترات أيام المحن والكوارث في عهود مختلفة, إيماناً منهم بولائهم للوطن بما يحتمه القانون وتنص عليه الدساتير المرعية.
إن ما يُكتب ويُنشر تباعاً لا ضير فيه, طالما الظروف المنوه عنها تلزمهم على الإفصاح بما تُعانيه مكونات وشرائح اولئك المواطنين, علماً بأنه من واجب السلطة حماية وجود تلك المكونات بأي شكل من الأشكال, وأن لا يقتصر استغلالها في الأيام العصيبة فقط , مثلما تشهد له أحداث المعارك والحروب التي طالت الوطن الأم في فترات متفاوتة بتجنيد أبناء تلك المكونات في الخطوط الأمامية للدفاع عنه, بدلالة زخم قوافل الشهداء الذين تيتمت عوائلهم, وما لا يحصى من الأسرى بنعتهم من مواطني الدرجة الثانية أو الثالثة والتخلي عنهم لإنتفاء الحاجة المشروعة, واعتبارهم من فئات ومجاميع شذاذ الآفاق أي من الغرباء والدخلاء على الوطن الذي سقوه بدمائهم الزكية, ودافعوا عنه بإخلاص وتفانٍ لحماية الأرواح بتلك سواعدهم الفتية التي سخروها بعرق جبينهم ومروءتهم ووفائهم لتصون حدود وجوده من المعتدين. فإن كانت ديمقراطية السلطة الحاكمة تنتهج ادوار الغبن الفاحش من المكر والخديعة والحاق الضرر بالمعنى والمنطق الليبرالي الذي تنادي به, فأين هي مبادئ العدل والمساواة؟! وأين هي ممارسات الحقوق والحريات الأساسية من الناحية التطبيقية؟! وأين هي بالتالي سلوكية إحترام الرأي الآخر؟!. وأكبر دليل مستحدث لسلسلة شبيهة من هذه التساؤلات هو إقرار قانون تشريع البطاقة الوطنية بسلب حق الأطفال القاصرين من أبناء المكونات المسيحية بأسلمتهم في حال اعتناق أحد الوالدين للديانة الإسلامية, المُنافي لحرية الرأي وما أقرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة عن حقوق الأطفال بما نصه " لهم الحق في التعبير عن وجهات نظرهم وأن يتم احترامها " وغيرها من النصوص التي تؤكد ذلك. وفي الوقت ذاته تزامن الأحكام المجحفة والصادرة بحق وزير البيئة السابق السيد سركون لازار بتبريرات قضائية واهية فيها من المغالطات الثبوتية التي تفندها خدماته ومواقفه في هيكلية العمل الوزاري. تساؤلنا هنا هل لكونه آشورياً ومسيحياً فقط أم أنه العنصر الوحيد بين تكتلات التشكيلة الوزارية؟ فإن كان الأمر كذلك, أين هو القضاء العراقي من عشرات الوزراء ونوابهم ومسؤولي الكتل النيابية الذين يؤمنون بالإسلام من الذين عاثوا في أرض بلاد ما بين النهرين من فساد ودمار بسرقة ونهب أموال الشعب العراقي بإفراغ خزينته بما لا يحصى من مليارات الدولارات بالسحت الحرام بخبث وقبح وتجاوز ينافي مبادئ الدين الإسلامي الحنيف, رغم تشبثهم وتمسكهم به؟!   
هذه المغالطات والإنتهاكات والتجاوزات اللاشرعية التي تنفذها الأحزاب السياسية المهيمنة على مقاليد الحكم, وعلى إدارة دفة الأمور في البلدان التي يقطنها أبناء شعبنا, عادة ما تدع الكثيرين من أتباع تلك الأحزاب بأن يشذوا عمداً عن المسار الخلقي والمبدأ الإنساني على تجاوز حقوق الإنسان, والقيام بأسوأ مما تتقصده مفاهيم تلك الأحزاب المتسلطة بإسم الديمقراطية من الناحية النظرية بالخفي والعلانية لمآربهم الذاتية التي قد تنبع أحياناً من جوهر المبادئ المبطنة لسياسة تلك الأحزاب, كما هو الحال في الوعود الكاذبة والضمانات المعلن عنها في مواعيد صراع الإنتخابات, بغية حصد الأصوات لتحقيق مآربها, ناهيك عن تلك المجموعة من الذين يلفظهم المجتمع السوي من المنحرفين عن الأعراف والعادات والتقاليد الإجتماعية بطباعهم السلوكية الشاذة من مرضى النفوس بتمردهم على سلب حقوق الآخرين, والتطاول بالإستحواذ على ممتلكاتهم بالإختطاف والتهديد والتخويف والترحيل, مثلما يتم عن معرفة مقصودة بقلع جذور شجرة معمرة ومثمرة تدر بالنفع الوفير رغم جمالية وجودها على أرض ولادتها بجهود من يحميها بحذر واهتمام بالغين.
 الأدهى من كل ذلك ووفق منطق لكل فعل رد فعل, تستشري الأمور بشكل أوسع مما هي عليه, بحيث يقدم من يقوى على محاولات إنتزاع سلطة الأقوى بأشرس السبل وأوحش الطرق كما يتراءى للعيان وعن كثب في الساحة العراقية بين اتباع مذهبَي السنة والشيعة من متبني الإنتماء العربي, ومن الطرف الآخر من متبني الإنتماء العرقي واللغوي في الوجود القومي كالكورد والتركمان ومواقفهم من الوجود العربي دعاة القومية العربية وعكس ذلك, بالرغم من انضوائهم تحت سماء رابطة الدين الموحد المتمثل بالإسلام الذي ينفي ويُفند تلك المعتقدات من خلال مضامين ومفاهيم العديد من نصوص الآيات القرآنية. والأسوأ من كل تلك المناوشات النفعية اللاعقلانية انبلاج الموجة الجديدة والصاخبة بإسم الدواعش من الذين زادوا الطين بلة بتحريف راية الإسلام الحقيقي بتلك مبادئهم الغريبة على العالم أجمع , وبتلك مناداتهم التي تفندها كافة الديانات السماوية والوضعية على وجه الأرض, وبما شرعه الخالق لعباده من العقائد والأحكام بإقدامهم على ما لا يتواجد حتى في شريعة الغاب أي قانون البقاء للأقوى, لكون الأقوى أحياناً بحكمة الإيمان يخضع لتأثيرها لتكون نظرة رحمته مشوبة بضمير مغاير كعامل مساعد للترويح عن قوته مهما استشرت غطرسته وبلغ طغيانه. هذا ما أكدته سلطة الدواعش في قرارها المؤرخ 7 تشرين الثاني 2015 بإطلاق سراح 37 آشورياً محتجزاً من كلا الجنسين, على أمل تحرير وعودة ما تبقى من المختطفين والمهجرين من قراهم الآشورية في مناطق الخابور بسوريا وباقي المخطوفين من المكونات الأخرى في العراق وسوريا. وبهذه الخطوة تكون قوى الدواعش ـ نوعاً ما ـ قد خففت مما كانت قد أقدمت عليه مقارنة بانتهاكات سلطة ديمقراطية السلب والنهب والقتل على الهوية المستشرية في كل زاوية من زوايا أرجاء الساحات الواسعة من الحدود العراقية على المستوى الرسمي والشعبي. فحتام يبقى العراق على ما هو عليه اليوم؟! يعيش حالة الفقر المدقع بإقتصاده المُنهار, وبتشريد أبناء شعبه الجبار على أيادٍ ملطخة بدماء الأبرياء الذين يلتحفون العراء ليعيشوا حالة أزمة حشرجات الموت عشرات المرات من شدة قيظ الصيف اللاهب وقسوة اشتداد برد الشتاء القارص بأمطاره التي استعاضت عن مخزون الآبار النفطية المستحوذ عليها من ذوي المصالح الخاصة لمنافعهم الذاتية ومصالح الجهات والدول التي تدعم مصالحهم ومواقفهم السياسية لإثراء أرصدتهم في بنوك تلك الدول كضمان لتأمين حياتهم وحياة عوائلهم استعدادا للهرب المفاجئ, تيمناً بمن سبقوهم وأرشدوهم على ذات الطريق, تخلصاً من قبضة الحكم متى ما سلط القضاء النزيه مطرقته على طاولة العدل.   

64
الإحتفال بـ "يوم اللغة الآشورية" في السويد على مستوى أكاديمي 

بسبب كبر و سعة الموضوع تم نشره على شكل ملف PDF. يرجى النقر على الرابط ادناه للاطلاع.
http://www.ankawa.com/sabah/SPRAKDAG2015.pdf

69
المعلم ليس وحده المسؤول عن نجاح العمل التربوي

بقلم: ميخائيل ممو
في منتصف شهر ديسمبر من العام الماضي 2014 بدعوة من منظمة اليونسكو إلتقى في بيروت 45 خبير دولي من خبراء وزارات التربية والتعليم، المؤسسات الأكاديمية، الهيئات الدولية، المنظّمات غير الحكومية والوكالات المتخصّصة في العالم العربي للمشاركة في ورشة العمل الإقليمية الثالثة حول "تطوير سياسات وممارسات المعلّمين في العالم العربي". لعرض أفكارهم والنتائج التي كانوا قد توصّلوا إليها بمشاركة خبراء من دول أميركا اللاتينية وأفريقيا للاستفادة من عملية تطوير هذا النوع من الوثائق، وإعطاء الفرصة لزملائهم من الدول العربية للاطلاع على تجارب دولية مماثلة والتعرّف على عوائق وتحدّيات واجهت نظرائهم في مناطق أخرى خلال تطويرهم لسياسات تنظيمية عامّة للمعلّمين، بغية تبادل الآراء ووجهات النظر للوصول إلى ما يجدي نفعاً للعملية التربوية على أحسن وجه.
شملت نقاشات اللقاء التربوي حول أبرز التطوّرات، والتحدّيات والسياسات المعمول بها، بالإضافة إلى الخطوات العملية التي يجب القيام بها بهدف خلق بيئة وظيفية مناسبة لإحراز التقدّم النوعي في التعليم في العالم العربي.
من المألوف والمتعارف عليه إن الإقدام على عقد لقاءات بهذا الشكل والمحتوى تحت شعار تطوير العمل التربوي والتعليمي، ينبغي عادة ان تشمل المسببات التي تكون عائقاً لذلك التطوير، وليس حصراً على عنصر واحد من العناصر المتمثلة فقط بالمرسل اي المعلم. لكون المعلم مهما كانت درجة ممارساته التعليمية والتحصيل العلمي المقتنى والشخصية التي يتمتع بها في المجهود الذي يبذله ـ وهي من واجبه ـ عليه أن لا تتغافل تلك المؤتمرات عن الجوانب السلبية المتمثلة في المتلقي والمقصود بها التلاميذ في كافة مراحلهم التعليمية والدراسية، إضافة لوسيلة الإرسال المتمثلة بالمناهج وغيرها من العوامل السلبية.
كما لا يخفى على أحد بان المعلم مهما كانت صفات شخصيته، فأنه يحمل ذلك الإسم الذي يؤهله على إداء وظيفته وفق تأهيله العلمي والتربوي، حاله حال الطبيب الذي يقوم بواجبه لمعالجة مرضاه، وعادة ما تتفاوت الكفاءة المقدرية بين شخص وآخر. منهم من يبقى على ما تسلح  به أيام دراسته في تحصيله العلمي، ومنهم من يسعى لتطوير معلوماته وفق ما يستحدث من أمور. ومنهم من يؤدي واجبه وفق ما تملي عليه القوانين الوزارية للتربية والتعليم. لهذا فإن ما يمليه المعلم على تلامذته تتفاوت على ضوء ما يتصف بها من إمكانات وخططه المنهجية المبنية على خبراته، والسنوات التي قضى فيها مهنة التعليم والدورات التربوية التطويرية التي يقدم على المشاركة فيها للتعرف على أحدث الطرق والأساليب المستحدثة لتطبيقها.
تساؤلنا هنا هل يتمتع كافة المعلمين بتلك الصفات الإيجابية لتحقيق ما يصبون اليه؟ لا أظن ذلك بتاتاً، طالما الوضع الإجتماعي والإقتصادي والنفسي لها تأثيراتها المباشرة على حياته، حسب ما أثبتته العديد من الدراسات والبحوث الميدانية في البلاد العربية. فإن توسعنا أكثر وقارنا ذلك بمعلمي الدول من الذين يمارسون ذات المهنة في البلدان الأجنبية لأبناء المهاجرين من البلدان العربية البالغ عددهم بالملايين والراغبين في تعلم اللغة الأم، لإكتشفنا بأن الحالة هي أسوأ مما هي عليه في بلدانهم الأصلية لأسباب عديدة، منها تولي مهنة التعليم من لهم اختصاصات لا تمت بصلة للتعليم, ومنهم من لا زال متشبثاً بالأساليب التقليدية، ومنهم من لم يتأهل لمستوى التعليم، وتفاوت لهجات المعلم بحكم تفاوت عدد مجموعة التلاميذ الذين هم من بلدان عربية متعددة كالعراقي والمغربي والمصري وغيرهم. ولكي أكون أكثر مقربة من هذا الواقع، أنا شخصيا تلمست هذه الحقيقة من معايشاتي في حقل التعليم والتدريس على مدى أربعة عقود بالرغم من اعتمادي الفصحى وفق المناهج المقررة إلى جانب تمكني من اللهجات الشائعة التي تسهل علي فكرة إيصال بعض الشروحات الإيضاحية التي تستوجبها اللهجة العامية المناسبة للهجة التلميذ. فهل يتوفق المعلم في إداء رسالته ومهمته إن لم يتمكن لهجة بعض التلاميذ؟! من أجل أن أكون أكثر واقعياً وصريحاً أروي هنا ما لمسته ذات مرة من أحد المطبقين لدي الموفد من معهد معلمي اللغة العربية في ستوكهولم حين سأل عن فائدة القلم من خلال الجملة المقروءة، لتسأله إحدى الطالبات عن معنى القلم، مجيباً أياها بلهجة " ألم " لتفهم منه بأنه يعني " الوجع ". ولدى حيرته من إيصال المعنى سارع برفع القلم وأشار لما يعنيه، فأجابته الطالبة قائلة: " الله يخليك استاذ، دي گول گلم " بلهجتها الخاصة. هناك الكثير من هذه الحالات التي تصادف المعلمين الذين هم بعيدون عن لهجة التلميذ الذي ورث نطق الكلمة بلهجة المحيط العائلي والبلد الأصلي الذي قدم منه، وعلى نحوٍ خاص وظاهر للعيان أثناء الكتابة الإملائية في المراحل الأولى من التعليم لهجاء الكلمة باللفظ المتطبع عليه التلميذ، كأن يلفظ أو يكتب الجيم بالكاف أو الياء كقولهم في اسم "دجاجة" دگاگة كما في مصر ودياية كما في جنوب العراق ودول الخليج، ناهيك عن العديد من الحروف الشبيهة لهذه الحالة كتغيير لفظ حرف الظاء بالزاي، والضاد بالدال، والقاف بالهمزة وغيرها، علماً بأن هذه الظواهر متواجدة نسبياً في كافة اللغات على وفق محيط البيئة الجغرافية على سبيل المثال وغيرها من العوامل.
أما أن " يُعتبر المعلّم الأساس في نجاح أي تطوير تربوي" وفق ما أشار اليه مدير مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية مستبعداً بعض العوامل الهامة، فهي حالة لا تنطبق مع فاعلية العمل التعليمي حين يشير قائلاً: "مهما كانت نوعية وجودة المناهج الدراسية ووفرة التقنيات التربوية، ومهما بنينا من خطط واستراتيجيات، يبقى نجاحها مرهون بيد المعلّم. لذلك، الاهتمام بتأهيله وتدريبه يُعتبر من ضروريات نجاح النظام التربوي".
نعم، أن مسألة الإهتمام بتأهيل وتدريب المعلم من مستلزمات المهنة على مرور الزمن من جراء ما يستحدث في العمل التطبيقي في أرقى الدول على يد الإختصاصيين التربويين وعلماء النفس التربوي والإجتماعي وغيرهم ممن يسعى للنهوض والإرتقاء بما يشفي الغليل. أما أن نتغافل ونتغاضى عن أهمية المناهج الدراسية والفروق الفردية ووسائل الإيضاح الأخرى هي عملية لا يمكن الإستغناء عنها طالما تعد من الأجزاء المكملة لنجاح العملية التربوية، وطالما يعتمدها المعلم في إتمام واجبه، ومن دونها لا تستكمل الأهداف المرجوة، وما سعى إليه التربويون على تحسين نوعية العملية التعليمية وتشجيع رسم السياسات المدروسة على استحداث انجع السبل في العديد من الدول التي بلغ فيها التعليم أرقى المستويات كالدول الإسكندنافية مثلاً. لذلك، وكما ينبغي المبادرة على رفع مستوى رسل العلم والمعرفة، يستوجب أيضاً وعلى نحوٍ متزامن من تشذيب المناهج التعليمية وفق أحدث الطرق المشوقة شكلاً ومضموناً، وكذلك ما يتعلق بالواقع المدرسي وظروف التلاميذ كونهم يشكلون الدور الجوهري والمركز الرئيسي في دائرة التعليم، وبدون وجود ذلك لا وجود للمعلم ولا وجود لعملية التعلم والتعليم.
mammoo20@hotmail.com




71
ذكرى يوم اللغة العالمي مأثرة تاريخية



بقلم : ميخائيل ممو ـ السويد
 
تمر علينا  في غضون شهر شباط من كل عام الذكرى التي تتوج عالم العلم والمعرفة، عالم الفن الكتابي والتثقيف الذاتي، عالم "في البدء كان الكلمة..."، عالم "إقرأ ، إقرأ بإسم ربك...". نعم هذا العالم الذي أكدت نوره نصوص الكتب السماوية وأضفت على جوهر اللغة هالة من التقديس لأهميتها في حياة الإنسان. ذلك العالم الذي زاد من معانيه وكثف من دلالاته أئمة الفكر من الفلاسفة والحكماء والأدباء والشعراء منذ فجر التاريخ ولحد يومنا الحاضر الذي أطرته منابع التقنيات الحديثة بغية الوعي الدائم في مسيرة الحياة.
لذا انه من الأهمية هنا، وفي اليوم المصادف 21 شباط 2015 ان نستذكر الذكرى الخامسة عشرة من يوم اللغة العالمي بإقرار منظمة اليونسكو على ضوء ذلك اليوم من عام 1999 الذي تم تدوينه والإعلان عنه بغية الإحتفال به وتبجيله منذ عام 2000 في كافة أنحاء العالم. على أثر ذلك، وعلى مدى الخمسة عشر عاماً استقبلت المؤسسات الثقافية والمكتبية الرسمية والمنتديات الأدبية والجهات المدرسية التربوية للإحتفاء بهذه المناسبة من خلال العديد من الفعاليات والنشاطات ذات الأهمية في حياة الطلبة وذوي العلاقة من المؤسسات الأخرى.
إن كان الهدف الرئيس من منظمة اليونسكو إحياء لغات العالم على أحسن وجه، فهي دلالة على ما لها من أهمية في حياة شعوب العالم أجمع دون تمييز بين لغة وأخرى، كون اللغة هي نسمة روح الحياة في جسد الوجود القومي والوطني لأية امة، وأداة التفاعل الإجتماعي، والوسيلة لدعم وإسناد ذلك التفاعل من أجل التطور والإنتماء تحت لواء الجماعة في المجتمع الذي ينضوي تحت سقف تلك اللغة.
كما وتبين من قرارات المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة  ( اليونسكو) هو محاولة الحفاظ على تلك اللغات التي أدرجت في قائمة الإندثار والزوال والذوبان، طالما لها جذورها في اللغات المستحدثة عنها بتداولها الشفهي لبعض الشعوب، وكتابة أيضاً بإنحصار آثار وجودها لدى المهتمين بتراثهم اللغوي ولدى المستشرقين المتخصصين بدراسة تلك اللغات التي منها اللغة الآرامية التي هي وليدة وامتداد جذور اللغة الأكدية أي البابلية الآشورية المألوفة على مدى طويل من القرون والعصور التاريخية، وعلى نحو خاص ومتميز في المراكز الدينية، حيث بدأ في عصرنا الحديث يشع نجمها ويسطع نورها بتفرع تسمياتها بعد تحررها من قبضة الإستعمار السياسي والإبادة الجماعية للناطقين بها وتشتت أبنائها في أصقاع العالم، لتعيد مجدها من أجواء تلك المناطق، كونها لغة الأسلاف والأخلاف أي التي تنحدر منها ذريتهم. وأكبر دليل على ذلك تأسيس المعاهد الأكاديمية والمجامع اللغوية الخاصة بها في العراق وسوريا منبع تلك اللغة وفي دول الشتات أيضاً، إضافة للمدارس الخاصة والرسمية في العديد من الدول كما هو الحال في عراق اليوم بصورة جلية في ثمار مدارسه.
ومتى ما تأملنا بشكل أوسع لفحوى قرارات اليونسكو لوجدنا بأن أهميتها لا تنحصر فقط لما أشرنا اليه، وإنما هي أبعد من ذلك، وفي مقدمتها الإحياء والتطور اللغوي لبسط نفوذها في حياة الشعوب الناطقة بها، والحفاظ على الإرث الحضاري بما فيه الثقافي والأدبي والعلمي. إضافة لإثراء الرصيد اللغوي وتوثيق حركة النقل والترجمة بين اللغات، وتشجيع الكتاب والأدباء والشعراء والعلماء في حقول مختلفة على البحث والإستقصاء والإستنتاج في مجال تخصصاتهم. ومن أهم الأسس المعمول بها حث وتشجيع الناشئة من طلبة المدارس على تعلم لغاتهم الأم حفاظاً على وجود الهوية القومية والإنتماء الإثني، وبغية فتح أبواب قنوات سهولة التواصل بين أبناء البلد الواحد، رغم تعدد اللغات فيه بحكم تعدد الإنتماءات القومية، كما هو الحال في العراق المتعدد المكونات بلغات مختلفة عن بعضها كالكردية والتركمانية والآشورية والأرمنية إلى جانب العربية التي هي بمثابة اللغة الرسمية في المدارس والدوائر الرسمية والإعلامية. فمن هم في دول الإغتراب التي ولدوا فيها قد يستصعب عليهم من التواصل كتابة أو تحدثاً مع أبناء البلد الأصلي إن تغافلوا عن لغاتهم الأصلية. لهذا يتبين لنا جلياً في بلدان الإغتراب الديمقراطية التي تولي الإهتمام على تعلم اللغة الأم، عادة ما توفر لهم مقاعد الدراسة الرسمية المنتظمة لتعلمها والإغتراف من مناهلها إلى جانب لغة البلد الرسمية، لكون من يتعلم ويتقن لغته الأم تتيسر عليه عملية استيعاب لغة البلد بشكل أفضل وأسهل حسب ما أكدته استنتاجات البحوث التربوية والنفسية على يد أمهر الخبراء التربويين والنفسيين. إلا أنه من المؤسف حقاً أن نجد هناك نسبة كبيرة من أولياء الأمور لا يعيرون أهمية لذلك بالرغم من الإرشادات والنصائح التي عادة ما تصلهم كتابة أو عن طريق المحادثة الدورية المباشرة مع المسؤولين والمرشدين التربويين في المدارس عن واقع مستوى التلاميذ خلال السنة وفي كافة مراحلهم الدراسية. فمنهم من يمتعض على حث فلذات أكبادهم من تعلم اللغة الأم،  ومنهم من لا يحمل الفكرة محمل الجد ليدعوا أبناءهم يتحكموا بما يرتأون، ليعضوا أصابع الندم فيما بعد حين يشعروا بأهمية وفاعلية اللغة الأم في الحياة العملية.

من الأهداف الرئيسة لمقررات منظمة اليونسكو بأن اللغة وسيلة لنشر الوعي بغية القضاء على آفة الأمية التي هي من أخطر الآفات الإجتماعية في حياة الشعوب، كتلك الحشرة الضارة التي تفسد الزرع. من هذا المنطلق تسعى المنظمة دوماً على إيجاد أنجع الحلول والتوصيات والإرشادات لتلافي مفعول تلك الآفة بإقدامها على عقد وتنظيم المؤتمرات الخاصة بذلك، فكان آخرها في منتصف كانون الأول / ديسمبر 2014 بإجتماع خبراء من وزارات التربية والتعليم، المؤسسات الأكاديمية، الهيئات الدولية، المنظّمات غير الحكومية والوكالات المتخصّصة في العالم العربي في بيروت، لبنان للمشاركة في ورشة العمل الإقليمية الثالثة حول "تطوير سياسات وممارسات المعلّمين في العالم العربي" بإلتقاء 45 من الخبراء الدوليين من دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا والدول العربية لدراسة عوائق وإشكالات عملية التعليم اللغوي والخطط التي يستوجب الإعتماد عليها كحلول مستقبلية. ومن جملة ما توصل اليه المؤتمرون "بأن المعلم يشكل الدور الرئيسي في نجاح أي تطوير تربوي مهما كانت نوعية وجودة المناهج الدراسية ووفرة التقنيات التربوية. لذلك فإن الاهتمام بتأهيله وتدريبه يُعتبر من ضروريات نجاح النظام التربوي".
هذا ما لا يمكن نكرانه، لكون المعلم هو بمثابة ذلك الفلاح الذي يوفر ما يدعم نجاح ما يصبو إليه في حقله. وكذلك هو بمثابة ذلك الطبيب الذي يوصي مرضاه بالدواء الذي يشفي الداء. وتساؤلنا هنا كيف يكون الحال إن أهمل المريض ذلك الدواء؟! ونعني هنا بأن نجاح العملية التعليمية والتربية لا تتوقف على المعلم فقط ، وإنما هناك عوامل أخرى لها دورها متمثلة بالتلميذ أولاً ومن ثم ما يشوّقه من المناهج إضافة لدور رعاية الوالدين والنظام المدرسي والمجتمعي.
ما يهمنا اليوم ولمناسبة يوم اللغة العالمي أن نسعى على الإرتقاء باللغات الأم في العصر التقني الحديث الذي قلص من زخم النشر الورقي في محدودية الكتب الصادرة في أرجاء العالم وعلى نحو تنازلي سنة بعد أخرى، وأن نشد من آزر المؤلفين والناشرين الذين انحصرت نتاجاتهم في الشبكات الحاسوبية والأجهزة التقنية الأخرى بالرغم من سهولة التواصل اليومي المباشر، لكون الكتب أداة حية لدبج وتسطير الأفكار، الإحتفظ بها والعودة اليها، سواء على رفوف المكتبات العامة أو الخاصة.
mammoo20@hotmail.com




74
هنيئا لك د. روبين بيت شموئيل
بقلم: ميخائيل ممو ـ السويد
إن كان النادي الثقافي الآثوري في بغداد وفرعه في السليمانية, أيام النضال السلبي في مجال السياسة والأدب، قد لمّ شمل مجموعة كبيرة من المثقفين الآشوريين والجامعيين, وعلى نحوٍ خاص ومتميز أصحاب المقدرة الأدبية والفنية, فاليوم يشهد التاريخ لما آل اليه الفكر الأدبي من إبداعات تمخضت عواقبه في أبناء ذلك الجيل الذي تحدى الصعوبات التي لا تنكر من أجل رفع راية الوجود القومي والإعلامي بكافة حقوله، وأكبر دليل على ذلك تلك المجلة التي توجت بتسمية  "المثقف الآثوري" واحتضنت مداد أقلامهم منفردة بما يدبج فيها لسقي محتويات موضوعاتها التي كان يقطع السقي عنها في كل عدد من أيدي الرقابة السلطوية.
من فضائل ذلك المنتدى الأدبي في مرحلة السبعينيات أن يجمع بين أروقته وأفنية حديقته الغناء وفي أجواء مكتبته العامرة جُلّ المثقفين من حملة الشهادات العالية والأكاديمية بإختصاصات متفاوتة, إلى جانب المخضرمين من أبرز أدبائنا وشعرائنا الذين ارتقوا بمصاف أشهر المبدعين في حقل التأليف والكتابة الأدبية المرموقة، لتضاف أسمائهم كأعضاء فخريين في سجلات النادي بدلالة دعمهم للحركة الأدبية، وتميزهم بالمشاركات في الأمسيات والمهرجانات الشعرية والندوات والمحاضرات ودورات التعليم اللغوي, واليوم لم يبق منهم على قيد الحياة أقل من نصف أصابع اليد الواحدة، إن لم ينعموا جميعاً في الفردوس الأبدي. والأدهى من كل ذلك أن حصيلة مخزونهم الفكري كان من منابع أول مدرسة تأسست في مطلع العشرينيات من القرن الماضي على يد الآب الفاضل المرحوم يوسف قليتا في الموصل, وفي مقدمتهم المرحوم الشماس كيوركيس بيت بنيامين الذي أوفد الى الهند وهو في ريعان الشباب لتعليم أبناء الكنيسة الشرقية العلوم اللغوية والطقوس الدينية, وليرفد بعد عودته حركة الطباعة والنشر بالحروف المطبعية اليدوية التي جلبها معه ممهداً الطريق لعملية النشر المباشر, بدلالة ما يقارب الأربعين كتاباً من عصارة فكره.
أن ما انجبته مدرسة الأب قليتا, هو ذاته من الجانب النظري والتطبيقي في كنف النادي الثقافي كأمتداد لذات الحصيلة, لتسلح ما لا يحصى من الأعضاء بما كان يُملى عليهم في المناسبات القومية واللغوية والتراثية والثقافية والفنية بجهود المتضلعين من الأدباء والتربويين والأكاديميين وفق اختصاصاتهم المتنوعة. فكانت تلك الأيام بمثابة قوة دافعة لنبضات القلب, وفرصة سانحة للإغتراف من معين الفكر التقدمي للتواصل الدائم والإسترشاد بمنابع أمهات المصادر لعملية رصد التثقيف الذاتي وإستكمال حلقات تلك البوادر التي مهدت الطريق أمامهم, ليثبتوا بفخر وإعتزاز ما ابتغوه بعين الإعتبار.
بالأمس القريب ورغم الظروف القاسية التي ألمت بأبناء جلدتنا في الوطن الأم لم يتهاون أو يتقاعس خريجو النادي الثقافي في الإغتراف من مناهل العلم والمعرفة بتطوير تسلحهم المعرفي، ليتهافت كل واحد ممن ورث من ميزات ذلك المنتدى أن يشمر عن ساعديه لإستكمال ما اختمر في وعيه الثاقب بمواصلة الدراسة والبحث واستقصاء ما خفي عليهم ليؤكدوا عن كثب بأنهم لا زالوا أبناء أولئك الجهابذة الذين ارتقوا بمفاهيم الحضارة, وخلفوا امهات الألواح والرقم الطينية والوثائق التي سرت مضامينها في نفوس أبرز الباحثين واللغويين والآثاريين في أرجاء المعمورة, ليقوم البعض منهم على التبحر في تصويب وتشذيب ما ارتآه وتوصل اليه المستشرقون الغرباء في استكشافاتهم وتحقيقاتهم لعدة قرون, غير مكتفين بذلك ليتجاوز فضولهم وطموحهم في الأصول اللغوية أيضاً سواء من لدن الباحثين العرب أو من المستشرقين الأجانب رغم بعدهم عن مفاهيم تلك اللغة تفوهاً وتدويناً. فإضطر العديد من أبناء تلك اللغة بهمتهم العالية وحرصهم الشديد على مواصلة الدراسة في العديد من الجامعات ليضعوا النقاط على الحروف بشكلها الصحيح, رغم تولي الباحثون الغرباء مهمة الإشراف. لذا نجد بين فترة وأخرى يطرق سمعنا وفي عدة دول عن تخصص أبناء شعبنا في علم الآشوريات والتنقيب رغم قلتهم قياساً بالعدد الكلي الذي ينتمي تحت راية العلم الآشوري, ومن الحريصين على وجودهم القومي الزميل الشهم روبين بيت شموئيل الذي سعى جاهداً على مدى سنوات عديدة في مسيرة الإحياء اللغوي بالتدقيق والتمحيص متأهلاً درجة الدكتوراه في العلوم اللغوية الآشورية التي تكنى اليوم بالسريانية, علماً بأن اهتماماته بتأليف ونشر بعض البحوث والكتب تزامنت مع دراسته الأكاديمية, متنقلا من بلد لآخر ليصيب عين الحقيقة التي وضعها نصب عينيه. ولهذه المناسبة التي أهلته لدرجة الدكتوراه تعود بي الذاكرة القهقري بمخاطبته لي في رسالة خاصة بتاريخ 30 ايار 1998  بغية تزويده بمعلومات عن الشاعر الراحل سركون بولص بحكم العلاقة والمعرفة التي بيننا, وكوني أقرب المقربين له من خلال اللقاءات والإتصالات, وذلك لإستكمال باكورة مشروعه الأدبي بإصدار كتاب تحت عنوان " سركون بولص.. نشأته وحياته " ومن أجل تلبية طلبه وتثمين فكرته اسرعت في حينها مخاطبته هاتفياً, مثنياً الجهد الذي يبذله لشخصية سركون والمكانة التي تبوأها في عالم الشعر بالعربية والإنكليزية, مسلطاً الضوء على بعض المعلومات, ومُؤمّلاً أياه أن أكمل مسعاه بالكتابة خطياً. فكانت فرحته كبيرة لتلك المحادثة بدلالة ما نشره في مقدمة الكتاب الذي صدر عام 1998 باللغتين الآشورية والعربية حيث كتب قائلاً: " أعترف بأن تلك المحادثة الهاتفية غير المنتظرة كانت عوناً لي وإن لم تكن خطياً, قد شدت من عزمي وأغنت أفكاري. ولم يساورني تصوري بأن يكون الأستاذ ميخائيل هو المتحدث معي في ذلك اليوم الغير اعتيادي لدي. بصوت عال أقول بأني مدين لهذا الرجل الآشوري الممتلئ بروح المحبة والأيمان القومي بمده يد المساعدة من حديثه الشيق وإيضاحاته المجدية.....". كما وأني على يقين تام بأنه لم يستثني أحداً من الذين حاولوا دعمه لما كان يصبو اليه.
من هذا المحتوى يسعدني القول بأن الزميل روبين بإقدامه على ما تم تنفيذه كان الوحيد من بين أبناء شعبنا الذي خص المرحوم سركون بنتاجه المذكور بالرغم من عدم ملاقاته له، إلا من بعد شاءت الصدف أثناء تواجدهما في هولندا لمناسبة مشاركة سركون في مهرجان نوتردام الشعري قبل رحيله بعدة أشهر. ليحقق روبين حلمه الذي ساوره، متمماً فرحته وشوقه بملاقاته وجهاً لوجه. (راجع تفاصيل اللقاء من إعداد الزميل الأديب بولس آدم في الرابط المنشور أدناه).
أن ما ينبغيني القول هنا، ليس بالغريب أن يتسلح روبين بالعلوم الهندسية الأكاديمية ويحيد عن ذلك ليقتفي في مسيرة حياته دروب العمل الأدبي طالما تحفزه مشاعره وأحاسيسه المرهفة ووعيه من خلال اهتمامه وسعيه بغية التسلح بالمعارف الأدبية الآشورية، ليهندس بمقاييسه اللغوية الحقول الأدبية كتمهيد لإتحافه المكتبة الآشورية بمؤلفات صدرت تباعاً، مؤهلة أياه خوض تجربة الدراسات العليا في بغداد وهولندا ولبنان في الجامعة اللبنانية التي قلدته صولجان شهادة الدكتوراه في العلوم اللغوية الآشورية. لذا وبهذه المناسبة التي هي قمة الطموح الشخصي نشد على يده مهنئين أياه ومتأملين منه أن يتحفنا المزيد، وأن يتبوأ كرسي الأستاذية في الجامعات  العالمية ذات الشأن بمجال اختصاصه.
بطبيعة الحال، وكما نوهنا عن مفخرة النادي الثقافي الآثوري ينبغي أن لا نتغافل ونتناسى بمن سبقوه في مجال تواصلهم لتوثيق جذورهم التاريخية وأصالة وجودهم من تشذيب ما حصده الغرباء بمفاهيم واستنتاجات لا تمت للحقيقة والواقع بصلة، نذكر منهم المدير العام لمديرية الآثار ودائرة المتحف العراقي المرحوم دوني شمعون، والدكتور عوديشو ملكو، والدكتورة هيلين ملكو في علم الآثار ومنهم من هم على سلّم التدرج أمثال الزميلين زكي جيري في علم الآشوريات ونينيب لاماسو في العلوم اللغوية وغيرهم ممن يواصلون دراستهم في العديد من جامعات العالم بإختصاصات متفاوتة. مع اعتذارنا لمن خانتنا الذاكرة  الإشارة لأسمائهم.
أن عطاء الزميل روبين يثبت صورة واضحة المعالم عكس الذين لا يبذلون جهداً في تأطير ما اقتنوه من شهادات موشحة على جدران مكاتبهم وغرف مضايفهم، مزينة بحرف الدال (د.) بمنزلةِ دالة الدَلال كميزة الدّلال في صيحات مزاده العلني في سوق مريدي. فهنيئاً لك يا رفيق الدرب في الحقل الأدبي واللغوي دكتور روبين في مسعاك الذي بوأك وسام الدكتوراه، مع بالغ شكري وتقديري.



 
 

76
محطات إعلامية خارج نطاق الإعلام الصريح
بإستثناء البغدادية
بقلم: ميخائيل ممو
متى ما عُدنا القهقري لمراحل التطور الإعلامي في عراق اليوم لوجدناه قد خاض مراحل متفاوتة على ضوء ثورات وانقلابات العهود التي بسطت سيطرتها على مقاليد الحكم، إبتداءً من العهد الملكي ومروراً بالعهد الجمهوري بأدواره القاسمي والعارفي والصدامي، ليركن فيما بعد بإعلام ما بعد السقوط. إن عدنا إلى الماضي ووضعنا إعلام تلك الفترات في ميزان التقييم والتثمين لوجدنا بأن المفارقة تتفاوت من مرحلة لأخرى، طالما الإعلام متجسداً بمفهوم الصحافة كونها السلطة الرابعة لحكم الشعب. لهذا لا محالة من أن نستدرج معايير ذلك على نحوٍ مما هو عليه اليوم بدلالة القنوات التلفزيونية والمحطات الفضائية والإذاعية والصحافة الورقية الحرة والإلكترونية بما تشهد له التقنيات التي يصعب علينا حصرها بشكل دقيق، ومنها على سبيل المثال منبع التواصل الإجتماعي كالتوايتر والفيس بوك والبالتولك وغيرها مما يستحدث بين فترة وأخرى، التي أصبحت هي الأخرى بمثابة الوسيط لنقل الحقائق وتجسيدها للجمهور. ولكي نضع على طاولة البحث والتقدير ما أشرنا إليه ينبغينا ان نستدرك الصالح من الطالح، ويستوجب علينا أن نرفع من شأن الإعلام الذي يؤدي دوراً إيجابياً من أجل وضع النقاط على الحروف بتشكيلها الصحيح في الشبكات الإعلامية التي تجعل المرفوع منصوباً ومن المنصوب مكسوراً، وما عليه خارج النطاق العرفي المألوف لأسباب تمليها معولات حُقب السلطات المهيمنة أو رهبة المكونات الحزبية أو تأثيرات ذوي النفوذ المادية. هذا ما عشناه وألفناه منذ يوم السقوط ولحد يومنا الذي نألفه عن كثب.
من هذا التمهيد المقتضب يتضح لنا بأن الإعلام مهنة ورسالة. إذن إن كانت مهنة للذين يتولون مسؤؤليتها في كافة الحقول الإعلامية المشمولة بها، ينبغي والحالة هذه أن يكون من يمتهنها متسلحاً بصدق الكلمة وقوة الإيمان والمقدرة الكافية على نقل فحوى الرسالة المقصودة بدقة مضامين محتواها، ليكون المتلقي على بينة منها ومن مصداقيتها على ضوء الحقائق والشواهد التي تصله دون مواربة، وخالية من ملابسات التزييف والمخادعة. لذا وكما أشرنا بأن الميادين الإعلامية إتسعت مساحاتها بعد السقوط لإتخاذها مناحٍ جديدة في الحياة السياسية على نحوٍ خاص، وعلى مستوى أرجاء بلاد ما بين النهرين بإسلوب دكتاتورية الديمقراطية ـ إن صح التعبير ـ  فإختلط الحابل بالنابل بمساومات الهيمنة المادية النفعية الخاصة بإستشراء الفساد والسرقات والإبتزاز والإختطاف والإغتيال، باكياً / مغنياً كل واحد على ليلاه على حساب الشعب المغلوب على أمره، دون أن يَعِر أهمية للمواطن الذي هو أساس المجتمع العراقي ، وبدونه لا وجود لهم، طالما عجلات الزمن في دوار مستمر ودائم.
إن ما دعاني وحفزني لتدوين مؤشرات هذه الإلتفاتة متابعاتي اليومية للأوضاع الراهنة في عراقنا الجريح الذي آلـَمَتْهُ الهموم والمعاناة المستحدثة، وألمّت به لتعاني ثرواته هي الأخرى من الواقع المزري لمقتضيات ومتطلبات حال الشعب قاطبة، حين حلت به فيضانات النزوح والهجرة داخل الوطن الأم ، ناهيك عن الملايين الذين احتضنتهم ديار الغربة.
لنعود ونتساءل في خاتمة الحديث: حتام يبقى العراق الجريح يشكو الآلام؟ وحتام تبقى الوحوش الكاسرة تكشر عن أنيابها لتنهش جسده؟ ومن الذي يتجرأ لتضميد جراحه؟ ولكي نكون صريحين ومتفائلين من الإجابة، لا بد لنا أن نشير بكل صدق وإخلاص، إن كانت حقاً رقابة السلطة الرابعة المتمثلة بالصحافة والإعلام هي الناطور الأمين والقاضي الصادق لمجريات الأمور لتضميد الجراح، فعلى القنوات الإعلامية أن تكون بمستوى المسؤولية على كشف الحقائق وإزاحة الستارة عما تضمره من الخفايا، منتهجة النهج الذي أقدمت عليه فضائية " البغدادية " في العديد من برامجها بكشف ما يُخفى على المواطن العراقي بكافة انتماءاته المذهبية والقومية والإثنية دون مفارقة بين زيد وعبيد، أو بين كلدو وآشور بدلالة الحقائق التي يستعرضها برنامج "التاسعة " وبرنامج  " حوار عراقي " وغيرها من البرامج التي شدت الملايين لمتابعتها يومياً من عامة الشعب والساسة الذين تتوشح اكتافهم شكوك الفعل السلبي.
وفي خاتمة المطاف نرفع الدعاء آملين أن يتحقق الحلم الذي نادى به مؤسسها عون الخشلوك أثناء حديثه في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في لندن بحضور ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز حين قال " إن المسيحيين العراقيين هم أبناء العراق الأصلاء، وبدون وجودهم لا وجود للدولة العراقية "، وأن يتحقق ما ناشد به  شاعر العراق الأكبر الجواهري في قصيدته العصماء "يا دجلة الخير" حين قال:
لهفي على امَّةٍ غاض الضميرُ بها     من مدَّعي العلمِ والاداب والدين
لعـل يوماً عصـوفاً جــارفاً عَـرِمـاً    آتٍ فــتـرضيك عـقـباه وترضيني
 

78

معلمو اللغة الآشورية في مدارس يونشوبينغ
وتلاميذهم في امسية احتفالية خاصة

بإهتمام طليعة من معلمي اللغة الآشورية / اللغة الأم في المدارس السويدية بمدينة يونشوبينغ في السويد، تم تنظيم امسية خاصة بتاريخ 17 كانون الثاني 2014 شملت التلاميذ الذين يتعلمون اللغة الآشورية في مرحلة رياض الأطفال والمرحلة الإبتدائية والمتوسطة والثانوية بحضور أولياء الأمور أيضاً وضيوفهم، وذلك في قاعة ريكوليتو المألوفة في مركز المدينة. حيث كانت المناسبة مستوحاة من العرف السويدي على غرار ما تقْدم عليه الإدارات المدرسية السويدية بإقامة إحتفال خاص سنوياً للتلاميذ بشكل عام لمناسبة إنتهاء الفصل الدراسي الأول المتزامن مع عيد البشارة بميلاد يسوع المسيح واستقبال السنة الجديدة، بممارسة وتنفيذ العديد من الفعاليات المسلية بإستعمال الأعمال  اليدوية بأحجام وأشكال وألوان متفاوتة من الورق والأقمشة ومواد أخرى، ومنها على سبيل المثال المعروفة بإسم " بوسِّـل" وهي عبارة عن مجموعة من القطع الكارتونية أو الخشبية موزعة على الطاولة يتم جمعها لتشكيل لوحة متكاملة, إضافة لفعاليات أخرى متنوعة مشوقة للتلاميذ. بهذا ولأول مرة فكّرَ وسعى معلمو اللغة الآشورية الإقدام على تنظيم الأمسية المتميزة بدعوة التلاميذ وأولياء أمورهم وضيوفهم من محبي الإحياء اللغوي، وعلى أن تكون كافة النشاطات باللغة الأم بغية بث روح الوعي واليقظة لإحياء لغتنا وحمايتها ونشرها قدر المستطاع بشكل دائم، وبيان أهميتها في الحياة الإجتماعية، لكون الكثير من بني شعبنا وعلى نحوٍ خاص مجموعة من أولياء الأمور من الذين يتقاعسون ويغيضون الطرف أن يرشدوا أبنائهم على أهمية تعلم اللغة المتداولة في البيت وفي المحيط العائلي، وكذلك يعمد البعض من التلاميذ بحكم توصية الآباء والأمهات على إختيار اللغات التي درسوها في بلدانهم الأصلية على حساب لغتهم الأم التي هي بمثابة هوية وجودهم القومي، علماً بأنه من حق التلاميذ المهاجرين إختيار تعلم القراءة والكتابة باللغة الأصلية في المدرسة السويدية الرسمية بناءً على قرار السلطات السويدية.
وعلى ضوء هذه الأمسية يتحتم علينا الإشارة عن عدد الحاضرين الكبير الذي لم نتوقعه، بما يزيد عن الثلثمائة شخصاً, بمشاركة أولياء الأمور مع التلاميذ في دعم نشاطاتهم وبطرق مختلفة بغية مساعدتهم، إضافة لمساهمتهم بتقديم انواع مختلفة من الحلويات والعصير والسواخن.
ولكي يكون القارئ على معرفة من فقرات برنامج الأمسية، تفضلت في البدء المعلمة جوليت إيليا الترحيب بالحاضرين بجملٍ معبرة ومؤثرة، ومن ثم طلبت من كاتب سطور هذا التقرير ميخائيل ممو أن يتفضل بتقديم الفقرة الأولى من البرنامج متضمنة عرض فيلم عن أهمية اللغة الآشورية مع أغانٍ ذات صلة باللغة منتقاة من فيلم " ألب ـ تاو مردوتا آتوريتا " للمرحومة لينا ياكوباوا. وأثناء العرض إهتم الحضور بآذان صاغية بشوقٍ ومحبة المشاهدة والإستماع بإنتباه منقظع النظير.
بعد هذه الفقرة تم دعوة التلاميذ في طابور طويل وعلى أنغام الأغاني الآشورية التي أعدتها المعلمة شميرام داود لتناول الحلويات الخاصة بهذه المناسبة مع العصير، ومن ثم دعوة  أولياء الأمور على إرتشاف السواخن المحببة لهم كالقهوة والشاي و"كلوك" السويدي الخاص لمثل هكذا مناسبات. وبإنتهاء هذه الفقرة تفضلت المعلمة آنيت سليمانيان لإتمام البرنامج، فدعت كافة التلاميذ الذين كان عددهم أكثر من مائة تلميذ وتلميذة أن يجتمعوا في منتصف القاعة لإجراء مسابقة على أنغام الموسيقى لتعلن عن فوز كل من تبقى في الساحة، وبالتالي لتعلم الجميع بمشاركتهم على شكل حلقة كبيرة في إداء دبكات آشورية مع المعلمين.
ومن الجدير قوله من قبل الختام، كانت الفرحة قد عمّت قلوب جميع الحاضرين من خلال تعابير الشكر والتبجيل للمعلمين المسؤولين على جدوى ومنافع الأمسية التي لم يسبق لها مثيل، معززين طلبهم بإعادة تنظيم أمسيات مستقبلية وبشكل دائم. وبهذا المناسبة شارك معنا ممثل موقع " هكيانا اتورارايا " الأستاذ الجامعي سمير خوشابا من مدينة فكشو بتسجيل فقرات من الحفل إضافة للمقابلات التي أجراها كاتب السطور مع العديد من الحاضرين كأولياء الأمور والتلاميذ والمعلمين لإبداء آرائهم وتجسيد مشاعرهم.
وفي الختام لا يسعنا إلا أن نشكر بإسم لجنة المعلمين السيد سمير يلدا لإعارته القاعة مجاناً بغية استعمالها، وكذلك السيد كلبرت دخو عن تعاونه ودعمه في تنظيم رونق القاعة.
اللجنة المشرفة من معلمي اللغة الآشورية من اليمين إلى اليسار: شمعون شمعون، آنيت سليمانيان، جوليت إيليا، آشور عوديشو، مريم داود، جاكلين خيو، الفونس شمعون، شميرام داود، ألماس أيواس وميخائيل ممو أثناء إجراء اللقاء لموقع هيكيانا آتورايا.
 

79
قراءة في محاضرة الأستاذ ميخائيل ممو
عن أسباب ضعف التلاميذ باللغة العربية في المدارس السويدية

إعداد: هيئة تحرير موقع اللغة الأُم ـ العربية




في المؤتمر اللغوي الذي انعقد بتاريخ 27 ـ 28 من شهر تشرين الأول / اكتوبر في ستوكهولم ليومين متتاليين من قبل مصلحة شؤون المدارس السويدية للمواقع اللغوية الألكترونية الخاصة باللغات الأم، تضمن 24 لغة، ومن ضمنها اللغة العربية التي كان لها دور القدح المًعلى بمشاركة 160 من المعلمين والمعلمات،  توافدوا من 61 بلدية من بلديات المملكة السويدية.
كان اليوم الأول مخصصاً لإلقاء محاضرات باللغة السويدية للمشاركين الذين لم يقل عددهم عن السبعمائة تربوياً من المعلمين ومدراء المدارس. وفي اليوم الثاني توزعت اللغات منفصلة عن بعضها على ضوء البرامج الخاصة بكل لغة ليصل مجموع المشاركين في اليوم الأول والثاني 1200 عضواً. 
وفيما يخص مجموعة اللغة العربية افتتح المؤتمر الإستاذ بيوتر (Piotr Koscielniak) مسؤول مواقع اللغات الأُم في مصلحة شؤون المدارس السويدية مرحباً بالحضور ومشيراً في كلمة مقتضبة عن أهداف المؤتمر ودور مصلحة شؤون المدارس في عقد هكذا مؤتمرات لتطوير العملية التربوية وفق التقنيات الحديثة، وتمنى لهم التوفيق في مؤتمرهم. بعدها جاءَ دور المحاضرين لتقديم محاضراتهم التي انحصرت على ست محاضرات قيمة ومتنوعة في مضامينها تمثلت بالعناوين التالية: 
ـ  كيف يستخدم المعلم السبورة الذكية في التدريس؟ للإستاذ جبار زيادي. 
ـ ماذا تعرف عن مجلة نانار للدكتورة أسيل رشيد العامري.
ـ تدريس اللغة الأم وعلاقتها بالمقررات المدرسية الأخرى للاستاذ جمال جرجيس.
ـ أسباب تدنّي مستوى التلاميذ في تعلم اللغة العربية في المدارس السويدية للأستاذ ميخائيل ممو.
ـ مستوى التلاميذ في تعلم اللغة العربية للأستاذة فادية عبدالله.
ـ الإرشاد الدراسي وتحديد مستوى المعرفة لدى التلاميذ الجدد للأستاذة تامار اوكار. 

وبالرغم من تفاوت موضوع المحاضرات فقد انفرد الأستاذ ميخائيل ممو في محاضرته من خلال إصداره لنتاجه الفريد من نوعه الذي توسم بنفس عنوان محاضرته، مسترسلاً النقاط المعروضة بشروحات وتعليقات تفصيلية ذات أهمية، معولا أياها بخمسة عناصر رئيسية هي: التلميذ، المعلم، المنهج، أولياء الأمور وعناصر أخرى متفرقة، مستنبطاً من كل عنصر عشر نقاط فرعية هامة ومفصلة بدلالات وأمثلة واقعية يألفها كل مربّ تربوي قدير، مستعرضاً أياها على نحوٍ دقيق، ومُطعماً شروحاته بأمثلة مستقاة من خبراته التربوية والعملية بما يزيد عن أربعة عقود على ضوء مقدمته التي ارتجلها قائلاً:
( يسعدني أن أكون بينكم وأنا على أعتاب سنتي الأخيرة في مهنة التعليم، مستمداً مما سبقها من سنوات خلت خلاصة ما ألفته من معايشات على مدى يزيد عن أربعة عقود، منها في الوطن الأم العراق الجريح المصاب بالشلل، ومنها في ديار المهجر الملئ بالسأم والعلل.
أقف أمامكم كمحاضر وأنا لست أفضل منكم، أو أقل من ذلك، ولكن خزين خبراتي هي التي أهلتني لأقدم لكم ما نعانيه، وذلك عن " أسباب تدنّي مستوى التلاميذ في تعلم اللغة العربية في المدارس السويدية" التي حصرتها وضمنتها في كتابي الجديد الذي يحمل ذات العنوان، إضافة لموضوعات أخرى ذات أهمية لكافة التربويين وأولياء الأمور".
من هذه التقدمة القصيرة التي جسد فيها الأستاذ ميخائيل بإقتضاب معاناة مهنة التعليم شدني المحاضر أن اصيخ السمع بروية متناهية لما يعرضه، وكأنه يقرأ أفكارنا ليستلب قلوبنا بصيغ تعابيره التسلسلية المعروضة على الشاشة الكبيرة، وكأنها حلقات متواصلة ببعضها، فأفصح عما في خلده دون توقف لسعة ما يعرضه ملتزماً بوقته المحدد ليتناسب مع عشرات النقاط.. ونظراً لكثرتها وسعتها واستخلاصه لها نستثني الإشارة لها، حيث نفضل الإطلاع عليها من خلال نتاجه التربوي الصادر حديثاً, كونه يعرض فيه أيضاً الحلول الناجعة، إضافة للصعوبات التي تواجه التلاميذ في عملية التعلم للقراءة والكتابة. 

ومما استرعى انتباهي بغية الإشارة اليه انطلاقه بمفاجئتنا بسؤال لم يخطر على بالنا عن عدد مفردات اللغة العربية، ليتلقى إجابات متفاوتة لم تكن بما خمّنه وتوصل اليه الخليل بن أحمد الفراهيدي التي حصرها بالملايين وفق نظريته الإحصائية ما بين المستعمل والمهمل منه بالملايين. ومن خلال تجاربه ومعايشاته المستفيضة استطاع أن يلقي الضوء على عدد من الإستفسارات والأسئلة الخاصة بموضوع المحاضرة. والأجمل من كل ذلك سعيه في استخلاص عشرة مقترحات وتوصيات دونها في كتابه الآنف الذكر وأشار إليها للحاضرين بغية السعي لتطوير وتحسين العملية التربوية التعليمية والإرتقاء بمستواها، ليخص بها في الوقت نفسه همّة المشاركين ومسؤولي وزارة التربية ومصلحة شؤون المدارس والتي حصرها على النحو الآتي:


1.   التوافق على وضع منهج موحد بتعاضد جهود المميزين من ذوي الكفاءة والمقدرة اللغوية والتربوية والنفسية، وممن له باع طويل في الحقول المذكورة من خلال عملية التعليم في المراحل الدراسية.
2.   تشكيل لجنة استشارية موسعة من المحافظات لتكون عاملاً مساعداً ومقوياً للجنة تأليف المنهج الموحد، على أن يتم اختيار أعضائها بناءً على عطائها المميز ومراحل تخصصها في العملية التعليمية والتوثيق المهني.
3.   أن يتماشى المنهج الموحد والخطة التربوية السويدية المقررة من مصلحة شؤون المدارس الخاصة بالمناهج، مع برمجة عملية التأليف لكل المراحل الدراسية للتعليم.
4.   العمل على صياغة الأسئلة الموحدة للمراحل الختامية من خلال لجنة المناهج المؤلفة على وفق النظام السويدي المميز والمعروف بالفحص المركزي في مادة اللغة السويدية والإنكليزية والرياضيات، وكما هو مألوف ومتعارف عليه في البلدان العربية أيضاً.
5.   زيادة الحصص التعليمية لمادة اللغة الأم إسوة بباقي اللغات الرئيسة كالإنكليزية والفرنسية والأسبانية أو اللغات المشمولة بالمادة المسماة اللغة الأم كمادة حديثة، خاصة في المرحلة الثانوية، وأن تكون على أقل ما يمكن حصتان في الإسبوع، وتلاشي ما يُقرر بين اسبوع وآخر في بعض المدارس التي لا يستكمل فيها عدد التلاميذ المشمولين.
6.   أن لا تقتصر أوقات الدوام بحسب ما هو عليه اليوم أي على الأوقات الحرة، أو ما بعد الدوام وفي أوقات الفراغات في الجدول المدرسي الرسمي، لأن التلميذ يرى في ذلك إجحافاً بحقه مقارنة بزميله التلميذ السويد. بهذا من الأولى أن تزاد مادة اللغة الأم لتكون من ضمن الجدول المدرسي الرسمي، وفي ساعات لا تتضارب مع أوقات الدروس الأخرى.
7.   أن يكون إعتماد المعلم الأساسي أو الرئيسي في المدرسة من ذوي الإختصاص في مادة اللغة الأم، وليس على اسس القِدَم أو العلاقات الشخصية مع الإدارة المدرسية أو لأسباب أخرى غير مُقنعة ضمن النشاط المدرسي، لكون إدارة وحدات العمل الخاصة بمعلمي اللغة الأم أقل خبرة من المعلمين في معرفة ما يتعلق بإمور اللغة الأم في المدارس التي هم بعيدون عنها، وفي أقل تقدير انتقال المعلم بين عدة مدارس لتصل أحياناً الى أكثر من أصابع اليدين.
8.    أن تكون هناك إجتماعات دورية متعاقبة لمعلمي ذات اللغة إلى جانب إجتماعات وحدات أو مجموعات العمل التي تضم من معلمي اللغات الأخرى  لمحدودية عددها. ومن المستحسن على مديري ومسؤولي أقسام اللغة الأم تكوين مجموعات العمل المشترك من نفس اللغة بغية تبادل الآراء على النحو المباشر.
9.   إعتماد معلمين من ذوي الإختصاص والكفاءة في الحصص المخصصة لإرشاد ودعم ومساعدة التلاميذ الذين هم بحاجة لشرح وتوضيح ما يصعب عليهم، وعلى نحوٍ خاص المواد العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، وكذلك لمواد العلوم الإنسانية بأن يتمكن المعلمون من اللغة السويدية على نحوٍ مناسب لإيصال الفكرة للتلاميذ على نحوٍ تام.
10.   الإحتفال بيوم اللغة العالمي المصادف 21 شباط / فبراير من كل عام، وكذلك بيوم اللغات الأم الخاص بكل لغة، إضافة ليوم المعلم العالمي الذي يصادف في الخامس من شهر تشرين الأول / اكتوبرمن كل عام، والذي يحتفل به في أكثر من مائة دولة، بالرغم من أن بعض الدول خصصت يوماً مستقلاً لمناسبة عيد المعلم المستمد من مأثرة معينة لتاريخ تلك الدول.


80
لينارد شابو، مرشح لمجلس بلدية بوتشيركا في جنوب ستوكهولم

لينارد شابو 28 عاماً، ماجستير في حقل الإقتصاد ومن سكنة تومبا ضواحي ستوكهولم، وهو من أبناء شعبنا الطموح يسعى لتحقيق مأرب بني جلدته بكافة تسمياته القومية (الكلدانية السريانية الآشورية) وقد رشحه حزبه المسيحي الديمقراطي لخوض الإنتخابات ضمن مجلس بلدية بوتشيركا بغية الدفاع عن حقوق أبناء شعبه وبشكل خاص لتوضيح موقفه من الأحداث الأخيرة في العراق وسوريا التي تهدف التطهير العرقي للمسيحيين إلى جانب مسيحيي الشرق قاطبة في البلاد العربية. دعمكم له سيخفف من عبئ أبناء شعبنا في الوطن الأم بلاد ما بين النهرين. تسلسله في القائمة هو الرقم 16 بإسم
 Linard Shabo


82
القناة الفضائية الآشورية القومية
وخدماتها الإيجابية

ANBSAT.COM
بقلم: ميخائيل ممو
mammoo20@hotmail.com
قراءة تمهيدية
من منطلق فحوى مصطلح الإعلام المتعارف عليه بأنه وسيلة مهمتها جمع ونقل المعلومات ونشرالأخبار عبر ما ترصده مصادرها الإعلامية المتنوعة بما فيها السمعية والمرئية والمقروءة التي طغت عليها اليوم الوسائل التقنية المألوفة بالتواصل الإجتماعي بأشكال مضامين منابعها المستحدثة وفق ما تتفنن به القنوات الفضائية وما تنقله وتؤكده عنها الصفحات الإلكترونية أي الإنترنيت.
لذا نود الإشارة هنا من جوهر تلك المعلومة المقتضبة ذات المغزى الإعلامي بحصر أهميتها وفاعليتها على حركة الإعلام الآشوري بشكل خاص من خلال برامج إحدى القنوات الفضائية المعروفة بالقناة الفضائية الآشورية القومية ANBSAT (Assyrian National Broadcasting) والتي تُبث أيضاً بواسطة شبكة الإنترنيت من مقرها الرئيسي في سان خوزيه / كاليفورنيا, هادفة تغطية ما يدور من أحداث في المجتمع الآشوري بشكل عام, مستمدة معلوماتها الأساسية من واقعه ومعايشاته أينما تتواجد مكوناته التي تحتويها التسميات المركبة بصياغاتها المتفاوتة، وذلك بإعتماد وإنطلاق القناة وفق أجندتها الإعلامية الشبابية المستحدثة وتسلحها بمفاهيم الحيادية والديمقراطية والإستقلالية لأجل الجميع والصالح العام.
دوافع القراءة
إن ما دعاني لتدوين هذه التقدمة التمهيدية برزت واستنبطت من متابعاتي لبرامج القناة اليومية المتواصلة بمشاهدات وملاحظات حفزتني للإشادة بها، بدوافع بثها اليومي المتواصل وتنوع ما تحتويه من موضوعات توجيهية تعليمية وإرشادية وفنية وتثقيفية، ولقاءات حوارية دون تمييز بين عنصر وآخر أو بين مؤسسة وأخرى أو تنظيم سياسي وآخر، رغم تفاوت الأهداف وسبل تحقيقها، لتمسكها بصفتها الحيادية منذ تأسيسها، وتمتعها بمبدأ الديمقراطية واستقلاليتها من الخضوع تحت سلطة أية جهة متنفذة في الوسط السياسي أو الديني أو العشائري والإقليمي بين مكونات شرائح المجتمع الآشوري.
هذا ما حدا بمجموعة كبيرة من المشاهدين على توجيه نداءات التساؤل والإستغراب عن غيابها وانقطاعها عن البث المباشر لفترة قصيرة لا تتجاوز الإسبوع في العام الماضي، رغم قصر العمر الزمني لنشأة بثها اليومي لأسباب خارج نطاق إرادة التركيبة الإعلامية من هواة العمل الإعلامي الذين يعملون لخدمتها, ليكون بالتالي ذلك التساؤل مبعث همة ونشاط لمواكبة النشاط مرة ثانية بيقين يؤطره التفاني والإصرار على الإستمرارية دون تقاعس أو خيبة أمل, طالما تكاتفت أيدي العاملين بإرادة موحدة وتهافت العديد من ذوي اليقظة الفكرية والشعور القومي على دعم وإسناد القناة على مضاعفة استحداث البرامج المجدية بإستجابتهم طواعية.
إن ما زادني إهتماما أكثر ودفعني لمتابعة القناة بشكل يومي ودائم هو تضحية شخص واحد من بني شعبنا على تحمله التكاليف الباهضة لتأسيسها، وتبنيه مراحل ديمومتها بدافع شعوره القومي وإحساسه المرهف, وبوعيه الذي حثّه وأرشده على تبني القناة في خدمة المجتمع, بعيداً عن مشاحنات وصراعات التنظيمات العشائرية والإقليمية والإثنية والحزبية والمذهبية التي انتشرت الخلايا السرطانية في أجسادها التي إمتد بريقها من المواطن الأم وانتشارها في مواطن ديار الغربة الظاهرة أعراضها في التكتلات والتجمعات الإنتمائية لأصول مناطقية متميزة بممارساتها التاريخية، رغم معايشاتها في أجواء تستبعد مسبباتها التقليدية البالية
الحدث الأهم
بهذا ليس من الغريب هنا أن أشير إلى الحدث الأهم الذي حفزني لتدوين هذه الكلمة المستمدة من واقع مشاهدتي ومتابعتي اللقاء المباشر في برنامج تُوّجَ بعنوان "الجسر لنينوى" مع مسؤول ومؤسس القناة الفضائية السيد نينوس ترنيان في حواره مع الإعلامي الشاب والطموح السيد ستيف ناصري، بما طرحه من أسئلة ذات أهمية عن زيارة وجولة السيد نينوس لربوع الوطن الأم بلاد ما بين النهرين أثناء تجواله في شمال الوطن وحضوره لمعايشة احتفالات السنة الآشورية 6764, ومن ثم ما بلغه من طموح لتفقده بعض المدارس الآشورية والأقسام الداخلية للطلبة الآشوريين ـ قسم البنات ـ وبشكل خاص أقسام تلك الطالبات الجامعيات من اللائي يواكبن الدراسة الجامعية ولقاءاته بهن للوقوف على أجواء ظروفهن المعيشية وتواصلهن الدراسي، بحيث حفزته مواقفه القومية ومشاعره الإنسانية على تذليل بعض المصاعب وتخفيف الأعباء التي تواجه البعض منهن في معايشاتهن اليومية، وبالتالي إقدامه بالعمل الخدمي الإنساني المباشر بتوفير بعض المستلزمات الضرورية لهن على حسابه الخاص, تقديراً لجهودهن واعتزازهن وإصرارهن على مواصلة التعليم الجامعي رغم الظروف الصعبة التي أفضت عنها بوضوح كل واحدة منهن في حياتهن بدليل المخاطبة الكلامية التي تجسدها بعض الصور المرفقة أدناه التي تعزز مواقف السيد نينوس الإنسانية، وبما أدلى به في حديثه لهن وللآخرين لدعمهن ومساعدتهن وحثه المشاهدين من ذوي الهمة والغيرة والشهامة لحذو حذوه.
الأدهى من كل ذلك تجاوب الكثير من المشاهدين على مخاطبته تلفونياً بشكل مباشر والثناء على ما قام به من خلال حواره المباشر في القناة, والتي حفزت العديد منهم على تقديم وإضافة مقترحات وتوصيات إيجابية عملية أدلوا بها لدعم الحركة الطلابية لتذليل الصعوبات، ومد يد المساعدة بشكل دائم, كتمهيد للأجيال المستقبلية، ولكون إستحصال وإغتراف مبادئ العلم والمعرفة من أسس وقواعد النهضة القومية وإثبات الوجود القومي والذات في آن واحد، خاصة لواقع شعب عانى الويلات في مراحل حياته من أجل نيل حقوقه ومناداته للتمتع بالحياة الحرة الكريمة كالشعب الآشوري الذي تشهد له تلك المآسي والمذابح التي عاشها منذ سقوط الإمبراطورية الآشورية مروراً بالإضطهاد الأربعيني وأحداث التاريخ القريب والحديث ولحد يومنا هذا, بدليل ما يجري في موطنه الأصلي والبلدان التي يتواجد فيها بتأثير السلطات السارحة تحت سيطرة النفوذ المذهبي التكفيري والتعصب الديني البعيد عن مفاهيم الأديان السماوية السمحاء.
إضافة للحدث الأهم
وأنا ادون ما تم الإشارة إليه آنفاً، استرعى انتباهي من بث مباشر للقناة ذاتها بنقل مواقف شعبنا الآشوري من الإنتخابات العراقية التي حُرّم منها العديد منهم وفق التعليمات الجديدة للمفوضية العليا المستقلة للإنتخابات التي ألزمت المُنتِخب اعتماد الوثائق الأصلية لإثبات الشخصية مع اعتبارات أخرى بغية المشاركة في عملية التصويت. ونظراً لتعذر البعض من استصحاب وتوفير ما لم يكن في حسبانهم، ورغم عناء السفر لبُعد المسافات من المراكز الإنتخابية للعديد من المواطنين العراقيين وخاصة من الآشوريين الأصلاء من بني الرافدين، لم يحظوا على تتويج سبابتهم اليمنى باللون البنفسجي الغامق رمز ودليل شرعية التصويت والإنتخاب. وكان من جملة الأسباب بأن جواز السفر العراقي غير نافذ المفعول، وكذلك عدم صلاحية وشرعية دفتر الخدمة العسكرية والعديد من الوثائق الثبوتية الرسمية الصادرة عن المراجع والدوائر الرسمية التي تثبت المواطنة الحقيقية لأطياف المجتمع العراقي بحجة عدم ورود اعتمادها في التعليمات الرسمية من العملية الإنتخابية.
من خلال هذه المواقف، كان من بين الحضور في العرس الإنتخابي المذكور بإحد المراكز في كاليفورنيا صاحب القناة الفضائية السيد نينوس ترنيان (ولادة إيران) مع أحد مقدمي البرامج السيد داود البازي (ولادة العراق) الذي لم يسمح له بالتصويت لنقص في اوراقه الثبوتية بسبب قدمها وعدم صلاحيتها حسب ايضاحات مسؤول المحطة الإنتخابية، ولينجرف في قائمة البازي العديد من أبناء شعبنا بحيث أغاضه ذلك الإسلوب اللامنطقي من التعليمات وثارت ثائرته ليصاحبه في غيضه وهيجانه السيد ترنيان بإعتلاء صوته بحمم جمله وتعليقاته النقدية من خلال النقل الحي والمباشر من أمام أروقة المركز الإنتخابي الذي حتم على مسؤول المركز للتفوه بإبعاده، وهنا كان إصرار ترنيان على الإستمرار في فضح ألاعيب قرارات المفوضية والتشهير بها مهما بلغت الإجراءات ضده وضد فضائيته، وبقي على هذا المنوال بلقاء ومناقشة من لم يحظوا بحق التصويت وإظهار مستمسكاتهم المتعددة من خلال العرض المباشرعلى الشاشة.
وفي لقاء تلفزيوني من خلال برنامج خاص تضمن عرض الإشكالات الإنتخابية، ومن ثم الإتصال بالمعتمدين من المسؤولين من ممثلي المفوضية في المهجر ومناقشتهم، بحيث تم التوصل لبعض الحلول والقناعات التي يسرت في اليوم الثاني للبعض من المرفوضين على التمتع بحق التصويت والإنتخاب بحرية تامة ومنهم داود البازي مقدم البرنامج الخاص. وهنا تذكرت المقولة التي مفادها: " ما ضاع حق وراءه مطالب ".
فهنيئاً للذين مارسوا حقهم في عملية التصويت الإنتخابية.... وهنيئاً للسيد نينوس ترنيان على مناداته في تحقيق ما سعى اليه... وهنيئاً للقناة الفضائية في إداء رسالتها الإعلامية بتفان وإخلاص من أجل حرية الكلمة وديمقراطية الرأي وخدمة المجتمع المدني.
 






     
 



 
 

83
الموسيقار والملحن جوزيف ملكي
في ذمة الخلود

بقلم: ميخائيل ممو
mammoo20@hotmail.com



شاءت المصادفة بلمحة بصر أن ألمح عبارة " ورحل عنا " باللغة السويدية في موقع اتحاد الأندية الآشورية في السويد، غير متيقن من أن تكون الصورة التي يعلوها الخبر بأريحية صاحبها وبنظرته النغمية الربيعية أن يكون حقاً هو المقصود من عبارة الرحيل.. نعم الرحيل الأبدي، إن لم يكن النص الذي يليه من اللقاءات الصحفية المألوفة.  بعد التمعن على التهام الأسطر التالية فإذا به الزميل الموسيقار والملحن والأستاذ جوزيف ملكي قد فارق الحياة في رحلة أبدية. وفي اللحظة ذاتها انتابتني وخزات من خيبة أمل مؤلمة، وإعتصر فؤادي الحزن على إنسان طافت على محياه البسمة العفوية التي كانت تزامله، وبتلك أريحيته التي كان يلاطفها بدخان سيكارته التي لم يتخلى عنها بجد إلا في فترات انسراحه وانهماكه في أوقات عزفه، وكأنها تلك الريشة التي تلامس أنامله ليدغدغ بها أوتارعوده الذي عشقه طيلة حياته وكأن اهتزازات نغماته بمثابة النبع الذي يغني نبضات قلبه ليترنح ودندنات لسانه وصوته.
ملتقانا الأول وتعارفنا عن كثب فرضته سفرة نخبة من هيئة إتحاد الأندية في السويد إلى موسكو بدعوة من اتحادهم الذي كان يرأسه كلمانوف للوقوف على ديمومة العمل المشترك في العديد من النشاطات والتي منها الموسيقية بتوجيه وإرشاد العازف جوزيف. وهنا ينبغيني من واقع هذه الرحلة التاريخية أن أسرد واقعة من معايشاتنا الجميلة عن انطلاق وفدنا بإتجاه مطار ستوكهولم أن يفاجئ عازفنا جوزيف الجميع بنسيانه لآلة العود في مسكنه، والعودة ثانية لجلبه.. لتكون هذه الواقعة مبعث مزح دائم طول الرحلة، حيث لم تكن الحالة الأولى التي اعتادها المرحوم، كونه وبشعوره المرهف كأنه سارح في غيبوبة لما يدور بخلده من ألحان متزاحمة في العقل الباطن. هذه الحالة عادة ما تنتاب من يتألق ويتعمق في محاريبهم الخاصة لعمل ما.
وبمرور الأيام شاءت ظروف العمل المشترك أن نتزامل ردحاً من الزمن في فترات متعددة من خلال نشاطات إتحاد الأندية الآشورية كنائب للرئيس ومسؤولية عملي في مجلة حويودو حين كان يتولى مسؤولية كتابة القسم العربي على الآلة الكاتبة ومن ثم بحداثة تقنية الحاسوب. وفي هذه المرة عايشت واقعة أخرى ظننت بأن ظاهرة النسيان عاودته ثانية حين تأخره من تدوين مقالتين علميتين على الآلة الكاتبة بغية نشرها، نبهني عنها كاتبها الدكتور، لما فيهما من جدوى النصح والإرشاد عن مضار التدخين والكحول وبعض المأكولات المعلبة التي كان قد اعتاد عليها ـ المرحوم ـ والمسببة لتفشي الأمراض القاتلة، فخاطبته بغية التذكير، وإذا به يخاطبني ويباغتني بجدية مشحونة بقهقهته المسلية قائلاً: " صدقني يا استاذي، كلما تراقصت أناملي على لوحة مفاتيح الحروف بغية تدوين المقالة، يستوقفني الخوف والتردد من جوهر النص الذي يحرمنا عن العديد من الممنوعات التي اعتدنا عليها. بإلله عليك أن تكتبها أنت وتبعدني من مضمونها، وإلا سأظل أحلم بها دوماً". فإضطررت لتلبية طلبه وكتابة المقالتين ونشرها تباعاً في مجلة حويودو، تحاشياً من الحالة النفسية التي كانت تراوده حقاً لما يتمتع به من إحساس مرهف وشفافية عواطف جياشة ومشاعر روح فياضة ليبعد عنه وساوس الحيرة بمرافقته لسيكارته التي لم تفارقه، سارحاً وآفاق تأملات اللحن والطرب، كأنه يستلب لتأثيرها ويستوحي نغماته من حرية تموجات دخانها الراحل كرحيل أصداء موسيقاه. ولهذا كنت ترى بأن مزحه يصيب عين الحقيقة، وكما يروي أحد اصدقائه بقوله: ( ومن الطرائف التي حصلت مع الموسيقار جوزيف، أثناء ترددنا عليه لحثه بالإسراع في تلحين الأغاني، فكان يقول: إن نصف الأغنية قد إنتهى، أما النصف الآخر فيلزمه "قدح عرق").  ويجب أن لا يؤاخذ الفرد على ظاهرة النسيان طالما يشبهها جبران خليل جبران بشكل من أشكال الحرية، وقائل آخر يعتبرها أسهل طريقة للحياة، ولولا النسيان لمات الإنسان لكثرة ما يعرف.
ولكي يكون القارئ على معرفة قريبة من أهمية هذا الإنسان الذي خدم الفن والموسيقى الآشورية/ السريانية بألحانه وعزفه الدائم في العديد من المناسبات القومية داخل مملكة السويد وخارجها، لا بد من أن نلقي نظرة على سيرة حياته منذ أن ولد عام 1948 في مدينة القامشلي من والدين جذور أصالتهما تعود لعائلة ملكي القس جرجو من مديات في  منطقة طورعابدين التي أنجبت العديد من رواد الفكر القومي واللغوي بمراكزها الدينية في الأراضي التركية.
بدأ ولعه في المجال الموسيقي منذ صغره مستدرجاً هوايته على آلة السيكسفون النفخية في فرقة محلية بمدينة القامشلي على يد مدربه حسن الترك من أصول قوقاسية، وفي منتصف الستينيات تلقى دروسه الموسيقية في المركز الثقافي في القامشلي على يد الموسيقار المعروف كبرئيل أسعد متعمقاً في الموسيقى الكلاسيكية الشرقية بضوابط علامات السلم الموسيقي على أوتار ألة العود الذي أصبح فيما بعد آلته المفضلة ، رغم خبرته في العزف على العديد من الآلات كالأوكرديون والكمان والسكسفون بدليل مشاركتة في بعض العروض التي كان يقيمها ويحييها المركز.
بعد أن أحس مما اكتسبه من معرفة عن عالم الموسيقى، إرتأى أن يطرق باب التلحين، فكانت تجربته الأولى عام 1967 لأغنية " رحمتو دلبي " كلمات الدكتور ابروهوم لحدو وغناء جليل ميلو عام 1969 ومن ثم بصوت المطرب عبد الأحد لحدو عام 1981. وفي ذات العام الذي قدم لحنه الأول إنتقل من القامشلي إلى دمشق لدراسة الموسيقى أكاديمياً، أهلته متابعاته لمشاركته في العزف مع اوركسترا الإذاعة السورية في المدينة. وعلى أثر ذلك وبمرور عدة سنوات حتمت عليه الظروف الخاصة أن ينتقل إلى أسبانيا عام 1970 لدراسة الإخراج المسرحي والموسيقى أيضاً ولفترة لم تدم طويلاً تسلح فيها على الإلمام باللغة الإسبانية ، ومن ثم آثر أن ينتقل إلى السويد ليواصل عمله الموسيقي بين أبناء جلدته من تركيا وسوريا ولبنان والعراق ليعمد بالتالي على تأسيس فرقة فنية بإسم " كودو دبابل أي بمعنى فرقة بابل " عام 1975  بعضوية أفرام أسعد على العود، جورج صومو على الطبلة وجوزيف على آلة الأوكرديون مع المطربين الأخوين سيمون وبطرس حدرولي. وفي فترة زمنية قصيرة شاع أسم الفرقة واستحوذ بين أبناء شعبنا في العديد من المناسبات الخاصة والعامة، وعلى أثر تأسيس الأندية الإجتماعية والثقافية والرياضية ومن ثم جمعها تحت مظلة إتحاد الأندية الآشورية، كان قد بلغ صدى الفرقة شأواً واسعاً في المدن المتواجدة فيها الأندية الآشورية لتتعاقد معها على إحياء حفلاتها الدورية


 والمناسبات القومية والخاصة. وفي عام 1979 أصدرت الفرقة البومها الآول من ألحان جوزيف وكلمات لينا حفو بعنوان " من بيت نهرين أثيونو أي قدمتُ من بين النهرين". وفي ذات العام وبمبادرة من اتحاد الأندية الآشورية في السويد تم دمج فرقة بابل وفرقة شميرام في تسمية جديدة بإسم "عشتار" بإدارة جوزيف الذي سعى جاهداً وزملائه على تنفيذ العديد من المشاريع الفنية، والتي كان منها دعم أغاني الأطفال بإصدار أول إلبوم عام 1980 ليتبعه الإلبوم الثاني عام 1981 فالثالث عام 1983 من ألحان جوزيف ملكي أيضاً، التي زاملت ألسن الأطفال وإستحوذت في ذاكرتهم كونها تجسد واقعهم لتداولها في العديد من المناسبات الخاصة بهم، نذكر منها: " أثمول ايمر ملفونو، توخ توخ حبيبو، تاتي تاتي"، وعلى مدى السنوات المتوالية ساهم في تلحين ما لا يحصى من النصوص التي ضمتها العديد من الإلبومات وذاع صيتها من خلال بعض الأغاني والأناشيد التي كان يحبذها ملحنها ومنها: " توخ حورو دحولمِه، آزن لو شهرو، كرحمولوخ حبيبو،عشتار وتاموز وعلَيمه دو فودبول التي غنتها جوليانا جندو عام 1993، ومن جملة ما لحنه في سنواته الأخيرة في الالفية الثالثة نذكر منها: " دلو مي حوبِيدَخ، واي واي، حبيبتو دو ليبو وغيرها.. وبالتالي ليستقر به المقام عازفاً في محطة القناة الفضائية " سورويو تي في" في سودرتاليا إحدى ضواحي ستوكهولم ومن أكبر المدن التي يقطنها الشعب الآشوري بكافة تسمياته.
ومن مآثره التي لا يمكن التغافل عنها الدورات الموسيقية التي نظمها في مدينة يوتوبوري وسودرتاليا لتعليم مبادئ الموسيقى وما تتطلبه من مستلزمات لعملية الإستمرار والإبداع. كما وكان له دوره الرئيسي في تشكيل فرقة نينوى في يوتوبوري التي أنجزت العديد من الأعمال الفنية. إن عملية إحياء أربعة كونسيرتات في بولونيا بإسم الشعب الآشوري وبدعم الناشط الآشوري الدكتور الفاضل ميخائيل عبدالله كان لها صداها في المجتمع البولوني. إضافة لمسؤوليته عن توجيه وإرشاد جمعيات هواة المسرح والموسيقى من النشء الجديد برعايتهم تحت سقف اتحاد الأندية. وبقي من مآثره التي كان يحلم بها دوماً عن " بيت كازو " بتجسيد الألحان الكنسية من خلال مجموعة من المطربين لإحياء ذلك التراث الديني واللغوي والثقافي بإسلوب حداثوي ليفند تلك الألحان التركية التي استمدت من ذلك المخزون التراثي الثري. آملين من صاحبوه واستلهموا فكرته في ذاكرتهم أن يقدموا على تنفيذ ما حلم به، لتطمئن روحه في الإخدار السماوية، طالما ستظل بصماته ظاهرة على انجازاته اللحنية التي لا تغيب عن بال أشبال المستقبل في مناسبات أفراحهم ناهيك عن المناسبات القومية.  ومما ينبغي الإشارة اليه بأن الملفونو جوزيف خدم في مجال التعليم اللغوي لغير الناطقين باللغة العربية في جامعة يوتبوري إلى جانب الترجمة باللغة الأسبانية لفترة لم تدم طويلاً، ومن ثم ليتفرغ كلياً في الحقل الذي نشأ وتربي عليه لخدمة أبناء مجتمعه الذي احتظنه ليشار اليه بالبنان بدافع مهاراته وإبداعاته ومواقفه القومية التي جسدها بألحانه وأرائه . من هذه الحقـيـقة التي ألـفها الجميع من المهتـمـين بالحقـل الموسيقي والثـقافي   
والفكر القومي حتمت عليهم مواقفه أن يشيدوا بما كان ينوي تحقيقه. بهذا ونظراً لمكانة جوزيف الفنية والموسيقية والثقافية التي حظي بها بين أبناء شعبه والمنظمات التي ساهم في نشاطاتها طواعية ودون تردد، أقدمت المنظمة الآثورية الديمقراطية في الأول من سبتمبر 2007 ولمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيسها أي ميلادها الخمسون بتكريم الموسيقار جوزيف في حفل خاص تقديراً وتثميناً لجهوده التي لم يتقاعس عنها قط. وفي اليوم المصادف 29 نوفمبر 2009 حذا كورال الموسيقى الآشورية/السريانية في سودرتاليا حذو المنظمة بإحياء حفلة تكريمه في دار الشعب (فولكتس هوس) تم فيها عرض معظم ما لحنه وألفه من أغان وأناشيد بإدارة السيد عيسى هابيل.
بقي أن نقول: إن تحدثنا عن صفاته الإنسانية، ليس بوسعنا إلا أن نردد مقولة: فحدّث ولا حرج، لما كان يتمتع به من أخلاق عالية وروح  مرنة  مشوبة بالتسامح ومتوجة بالصبر أردتها أعاصير الداء المباغت دون توقع بإيقاف نبضات القلب الطيب  في الثامن عشر من شهر نيسان 2014 في العاصمة ستوكهولم، وعن عمر يناهز 65 عاماً، بتوديع أهله وأصدقائه ومحبيه، تاركاً من ذريته ولده سركون وابنته كارمن وعوده رفيق دربه الفني وملهم ألحانه في صمت عميق وحزن دفين إضافة لآلاته الموسيقية التي خلدتها ألحانه، وبعض الكتابات المستوحاة من نغماتها.
كفى أن نقول في نهاية المطاف: ستبقى آثاره عالقة في ذاكرة أجيال المستقبل رغم انطفاء لهيب ديمومة ألحانه مع رحيله الأبدي بإرادة من بث في روحه تلك النزعة الإنسانية والفنية والثقافية ليبقى خالداً ومثالاً مضيئاً دروب الآتين من بعده ليمتثلوا بصفاته.


84
محاضرة تاريخية تراثية
ضمن نشاطات نادي بابيلون الآشوري بمدينة يونشوبينغ، تتشرف اللجنة الثقافية بإستضافة السيد فيدل شوو لإلقاء محاضرة في مجال علم الآشوريات والتراث الحضاري في بلاد ما بين النهرين من منطلق بحثه ودراسته الأكاديمية.
يوم الجمعة المصادف 23/5/2014
الساعة السادسة والنصف مساءً : 18.30
المكان: مقر النادي بمنطقة ماريا بو
Assyriska Babylonföreningen, Åsenvägen 47, Mariebo, Jönköping

أهلاً ومرحباً بكم...... والدعوة عامة لكل من يشعر بإنتمائه ووجوده القومي، ولكل من يعمد على إثراء معلوماته من معين علم الأشوريات بمحاوره المتعددة.
مع تحيات
اللجنة الثقافية

87
الطالبة الأكاديمية رينا ممو
تنال شهادة الماجستير في حقل التمريض العائلي




بعد جهد من التواصل الدراسي الأكاديمي في مجال البحث العلمي للخدمات الطبية والتطبيقات العملية، كان قد حان الوقت للطالبة الجامعية رينا مَمّو في يوم الأربعاء المصادف في الثالث والعشرين من شهر نيسان 2014 لتتبوأ كرسي الدفاع عن اطروحة الماجستير في علم التمريض العائلي  معنونة أياها بتسمية:
(Triage Nurses Administrating Medication for Anaphylactic Reactions)
أي بما معناه التقريبي " فرز المصابين بالداء لتخصيص الدواء بناءً على شدّة حالتهم التحسسية" وذلك من جامعة (Resurrection University in Chicago  ) الأمريكية بمدينة شيكاغو.
بعد مناقشة طويلة عن الأسئلة التي طرحت عن مضمون الرسالة  من قبل اللجنة المشرفة استطاعت الطالبة رينا ان تسلط الأضواء بإيجابية تامة عما تعنيه في اطروحتها على خدمة المجتمع بشكل عام والذين يعانون من الحالة النفسية والمرضية بشكل خاص. بعد ذلك اجتمعت اللجنة المشرفة وأعلنت قرارها بمنحها درجة النجاح بتفوق على نيلها شهادة الماجستير، آملين منها ديمومة الإستمرار في بحوثها المستقبلية لخدمة المجتمع.
بقي أن يعلم القارئ الكريم بأن الطالبة رينا هي ابنة الدكتور دانيال ممو المتخصص في الطب الإشعائي وعمها الأديب المعروف الأستاذ ميخائيل ممو.
ولا يسعنا في إدارة عينكاوا كوم إلا أن نهنئ الأخت رينا ممو على مسعاها، آملين أن تسعى لنيل الدكتوراه.













88
الذكرى الأولى ليوم اللغة الآشورية


 
بقلم: ميخائيل ممو

ونحن على أبواب الإحتفال بيوم اللغة الآشورية الذي تم إقراره بتاريخ 23.06.2013 في حفل تكريم مجموعة من الأدباء الآشوريين من دول مختلفة بإهتمام ورعاية المجلس القومي الآشوري في شيكاغو بولاية إلينوي، تم إعتماد تسمية يوم 21 نيسان من كل عام بيوم اللغة الآشورية  للإحتفاء بهذه المناسبة التاريخية في أروقة وأفنية مدارسنا ومؤسساتنا الثقافية والأدبية والدينية والقومية، إسوة بالشعوب التي خصصت أياماً للإحتفاء بيوم لغاتهم الأم إلى جانب أيام أخرى لمناسبات عديدة لها مكانتها في تاريخ تلك الشعوب.
وبما أن اللغة الآشورية لها جذورها الأصيلة في ساحة العمق التاريخي بما منحته للبشرية من نور العلم والمعرفة بدلالة معالم الحفريات ورُقمها الطينية وما حوته خزائن مكتبة آشور بانيبال من منجزات حضارة بلاد النهرين، بدأت منابت فروعها تزهر ثانية في أرض أصالتها. ومن جراء ذلك إرتأى المكرمون وهيئة المجلس القومي الآشوري أن يكون اليوم المُشار اليه مخصصاً للمناسبة المذكورة بحضور ما يزيد عن 350 شخصاً من أبناء شعبنا يوم إعلان النبأ السار في يوم التكريم، مستقبلين أياه بفرح شديد وترحيب حاد بما له من أهمية وفاعلية كمنجز تاريخي للإحياء اللغوي بغية النهوض من الكبوة التي لازمت اللغة الآشورية لقرون عديدة، واليوم بدأ التاريخ يعيد نفسه حين بدأت بوادره تشرق في آفاق الوطن الأم وبلدان المهجر بتأسيس المدارس الرسمية والخاصة وإعلاء شأن الصحافة ووسائل الإعلام والتأليف والنشر بعد غياب دام العديد من القرون بسبب الأحداث الدينية والسياسية والأوضاع المزرية لظروف غير طبيعية من الإضطهادات والتجاوزات في مناطق تواجد الشعب الآشوري بكافة مذاهبه ومكوناته، مروراً بغزوات مظالم المغول على انتهاك حرمة الكنائس والمساجد وإتلاف كنوز الثروات اللغوية بما فيها المصادر الدينية، إضافة لما اختلقه المبشرون الأجانب فيما بعد بحكم سياسة التمذهب الديني والطائفي في تاريخنا الحديث الذي زاد من حدة الإنشطار والإنقسامات والتسميات التي لا زلنا نعاني منها، ناهيك عن فلسفة رجال الدين بما خلقوه وخلفوه منذ الأربعة قرون الأولى من انتشار المسيحية، إلى جانب الإضطهادات والمذابح التي لحقتها في العهد العثماتي وسببت تشتيتهم في أراض مترامية الأطراف من أرجاء العالم يشكلون اليوم فيها تكوينات اثنية بإسم الآشوريين كما هو الحال في تركيا وإيران وروسيا وأرمينيا وجورجيا وسوريا ولبنان وأمريكا واستراليا والعديد من الدول الأوربية دون أن يتخلوا عن عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم ووجودهم القومي.
ما هو متعارف عليه بتأكيد المتبحرين في العالم اللغوي والتربوي والإجتماعي بأن اللغة هي هوية الشعب الناطق بها في تعامله اليومي الدائم وممارسة شؤونه الرسمية وشبه الرسمية التي تفرضها منهجية مؤسساته.
من هذا المفهوم المنطقي والعقلاني يتضح لنا وكما يقال عن تواجد ما يقارب الستة آلاف من اللغات في شعوب العالم، منها المألوف ومنها المجهول ومنها التي في دورها للزوال والذوبان. فالقليل من المألوف أقرت لها أياماً للإحتفال بيوم لغاتها، وبقي القدر الكبير دون ذلك لأسباب لهجوية وقومية وجغرافية مناطقية وتعدد صيغ الناطقين بها، وإنحصار البعض منها على مجاميع اثنية نائية في أماكن تواجدها على مر السنين بعيدة عن ركب العالم الحضاري.
أما اللغة الآشورية التي عاصرت العهود والفترات الزمنية المتفاوتة منذ العهد الأكدي مرت بمراحل متعاقبة نتيجة التطور اللغوي ـ إن لم يكن التمييزـ بتبديل أشكال الحروف  والرموز المألوفة واستحداث رسمها بشكل مغاير مع تفاوت أصواتها وألفاظها اللهجوية وشكل الحركات واستعارة المفردات الدخيلة بحكم المعايشات المناطقية مع شعوب أخرى بفرض سيطرتها، ومن ثم انتحال التسميات المرادفة على مر السنين كالآرامية والسريانية والكلدانية وغيرها من التسميات المستحدثة، علماً بأن صيغها اللغوية هي ذاتها في هيكلة تكوينها ضمن أصول جذورها اللغوية التاريخية بمفرداتها وقواعد نحوها وصرفها وبشكل خاص اللغة الآشورية الشرقية الحديثة بمجاراتها لمفهوم الحداثة رغم تحفظها بجذور أصالتها كإمتداد لغوي لإصول اللغة الآشورية الكلاسيكية التي منبعها ومصدرها تلك التسميات المؤكدة في علم الآشوريات باللغة الآشورية البابلية أو البابلية الآشورية  كفرعين لهجويين ناتجين عن الأصل المشترك للغة واحدة متمثلة بالتسمية الأكدية التي شملت منطقتي بابل وآشور بإصطلاح تلك التسمية من أرضية الموقعين المألوفين بالشمالي المتمثل بآشور والجنوبي المتمثل ببابل لكون الدولة البابلية الحديثة هي بمثابة امتداد لإمبراطورية آشور ، كما هو الحال في تسمية رأس السنة الآشورية البابلية، وكذلك في أوجه التقارب والتشابه بين العربية والأكدية، أو العربية والآرامية أو التسمية السريانية المستحدثة عن اللفظة الآنكليزية اس ـ سريان. شأنها شأن مجموعة اللغات الجرمانية الإسكندنافية المعروفة بالسويدية والدنمركية والنرويجية القريبة من بعضها في القياسات النحوية والثروة اللغوية بتسميات مختلفة من أصل مشترك فرضتها مؤشرات وخصائص التحول الديموغرافي وطبيعة التوزيع الجغرافي كدول مستقلة عن بعضها مثلما كانت بابل وآشور. وليس من المُستبعد أن نستدل عن واقع اللغة الأكدية بتسمية الآشورية البابلية مثلما كان تواجد اللغة اللاتينية  قبل الميلاد وبعده كلغة رسمية ولغاية القرن السادس عشر بعد الميلاد حين غابت شمسها بسبب انبثاق اللغات القومية النامية في الغرب بدوافع الإنتماء الجغرافي والإجتماعي والإثني والسياسي لتحل محلها مطعمة بمفردات آدابها وعلومها وفلسفتها إلى جانب بقاء تراث اللاتينية بشكل رسمي في كنف المؤسسة الدينية الغربية كلغة رسمية في أفنية الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، مثلما هو الحال للآشورية الكلاسيكية بنعوتها المرادفة المطابقة للأصل عن عدم التخلي من استعمالها في الطقوس الدينية للكنيستين الشرقية والغربية بلهجتين متقاربتين، رغم امتعاض البعض من التسمية الأصل لأسباب سياسية ومذهبية نحن في غنى عنها في الميدان اللغوي.     

لهذا فإن استغرابي هنا من ذلك الإمتعاض أن لا يحاول الممتعضون من الإقتراب على فهم أوجه الحقيقة التي مصدرها أولئك الخبراء وعلماء اللغات القديمة والحديثة البالغ عددهم أكثر من 85 لغوياً قضوا أرداحاً من الزمن منذ عام 1921 وعلى مدى 90 عاماً بالتوالي على دراسة وتمحيص وتوثيق القاموس اللغوي الكبير في جامعة شيكاغو الذي نعتوه بتسمية " القاموس الآشوري" في واحد وعشرين جزءاً، بإعتباره منبع وأساس التسميات المركبة  والمذكورة آنفاً بدوافع محو أصالة التسمية القومية الآشورية التي لحقتها اسباب أخرى لا تغرب عن البال كالتعريب والتذويب.
هذا ليس معناه أن ننفي كلياً دور تسمية اللغة الآرامية وما استحدث منها، ونلغي وجودها من آدابنا وعلومنا القديمة والحديثة طالما اتسعت حدود رقعتها ومساحة أهميتها بحكم تسهيل صعوبات الكتابة المقطعية المسمارية إلى هجائية وبحروف صوتية وإتسامها بلين وبساطة أصواتها وصيغها وتراكيبها المستمدة من مراحل تطورها المبني على وجود اللغات التي قبلها، كونها من فصيلة اللغات السامية ذات الجذور المشتركة، وكذلك ينطبق الأمر فيما يخص استحدات التسمية السريانية في العصر المسيحي لحين مجئ الدين الإسلامي وسيطرة اللغة العربية على تلك التسميات التي بدأت تعيد نفسها في تاريخنا الحديث كما أشرنا آنفاً من خلال النهضة الأدبية والثقافية والإعلامية الحديثة التي يسرت إحياء الوجود اللغوي إنطلاقاً من مبدأ حقوق الإنسان وما أقرته منظمة اليونسكو بعد الأحداث الدامية في دكا عاصمة  بنغلادش ومطالبة شعبها من السلطات للإعتراف بلغتهم الأم البنغالية وبوجودها الشرعي بمصاف اللغات الأخرى المتداولة.
على أية حال ليكن في علمنا جميعاً، إنه مهما غرنا في تفاصيل ما أشرنا إليه بإسلوب سفسطائي ومن غير قناعة للإعتراف بالحقيقة سنظل نجري كجريان الأنهر الضيقة التي تصب في البحار الصاخبة الأمواج التي لا تدعنا نعوم فيها بهدوء وروية لنريح أنفسنا في العوم ونريح الذين يتأملوننا على الساحل. هذا ما يتسنى لي تشبيه واقعنا المرير في تاريخنا المعاصر بتأثير الأمواج الهائجة الصاخبة المتمثلة بأولئك الذين يفكروا دوماً على شاكلة قصر مسافة أظلالهم في وضح النهار والتي تبددها سطوة الظلمات.
وفي خاتمة المطاف نهيب برسل التربية والتعليم باللغة الآشورية والجمعيات والمؤسسات الثقافية والأدبية أن لا يبخلوا من مد يد العون لطلبتنا ومن المهتمين بلغتنا في الإقدام على الإحتفاء بهذا اليوم في الذكرى الأولى وعلى مدى السنوات القادمة ليتحسسوا بمدى أهمية اللغة وتأثيرها في حياتهم.

mammoo20@hotmail.com


102
وداعاً.. رفيقنا
زيا نمرود كانون


ميخائيل ممو / السويد


حقاً لقد فجعنا برحيل أحد أعمدة الأدب الآشوري الحديث الذي ألمَّ به المرض الظالم ليدعه يعاني من ألم الحسرات والتأوهات على ما كان يحمله بين طيات فكره لخدمة المجتمع. وبرحيله المباغت الذي لم نكن نتوقعه بهذه العُجالة التي جعلتنا أن نقف واجمين، نستذكر جمّ فضله ودرر أدبه مما تركه لنا وللأجيال القادمة.
حقاً يا رفيقنا الراحل.. لقد أديت ما عليك ووفيت في إدائك، وخدمت لغة بني شعبك بما يرضي من فهم مواقفك وتطلعاتك وخدماتك، رغم طموحك الدائم على تقديم المزيد مما خزنته في ذاكرتك. ولكن ماذا عسانا أن نفعل من مشيئة القدر. دعني أقولها وبملئ فمي ان الفاجعة التي ألمّت بنا وبمن عاشرك وتواصل معك لا تقل هولاً بمن سبقوك من ذات الرياض. بقي أن تعلم روحك الطاهرة بأن ذكراك ستبقى تناشدنا بذكر مآثرك، وبما اتصفت به من صفات حميدة متمثلة بأخلاقك المطعمة بشذا الفضائل والمزايا السامية.
حقاً يا أديبنا الراحل.. كنت شهماً لكل ما تصبو اليه، وكنت ذلك المثابر الذي لا يملّ ولا يتقاعس في مواكبة المسيرة الأدبية واللغوية، وكنت في غالب الأحيان أن تكون بمثابة ذلك الإنسان الذي لا يرنو لسمات الرقي والعلو والأبهة بما كنت تكشفه لنا وتمهد له لمشاريعك المستقبلية في الوطن الأم لتكون بالتالي وبحكم الظروف القاسية ضحية أشواك الهجرة والإغتراب.
أيام ملازمتك لفراش المرض أحزننا مرضك، وأيام شعرتَ بمحدودية العطاء الفكري تألمنا لذلك، وأيام معرفتنا بمعاناتك الشديدة ساورتنا الشكوك، وها هي اليوم تلك الشكوك تؤكد لنا نتائج تلك المعاناة بفراقك الدائم ورحيلك الأبدي بإسدال الستارة على الفصل الأخير من حياتك الزمنية بإرادة من آمنت به، تلك الحياة التي خاطبتَ فيها الحبيب في يوم ما بمقاطع من قصيدتك "أيها الحبيب" التي ترجمناها للعربية والتي بدأتها بجمل متفاوتة مفادها: اسمع ايها الحبيب.. انظر ايها الحبيب.. هيا ايها الحبيب.. نلج في موج الريح.. وبصوت حاد المرونة نصيح.. ايتها الريح.. حركينا.. حلقي بنا.. وارفعينا، لعُلى السموات.
وها هي تلك التنبؤات التي ساورتك لتلك السموات قبل اربعة عقود في الوطن قد لبت صيحاتك بعد أربعة عقود من عمرك الزمني وأنت بعيداً عن مرتع أحلامك.  
وليس لنا في نهاية حديثنا إلا أن نقول: انتم السابقون ونحن اللاحقون.. فنم قرير العين في مثواك الأخير. وما بقي لنا سوى التضرع إلى الخالق بأن يتغمد روحك بشآبيب رحماته، ويلهم ذويك وأصدقائك الصبر والسلوان.

***


ولكي يكون القارئ على معرفة بسيرة حياة الفقيد زيا نمرود كانون أنقل هنا ما دونته عن سيرة حياته عام 1976 في كتابي الموسوم " في رياض الشعر " مع بعض الإضافات الحديثة التي استقيناها من معاشاة حياة الإغتراب.
•   ولد عام 1934 في بلدة عين سفني في مدينة الموصل.
•   أنهى دراسته الثانوية عام 1957 في المعهد العلمي ببغداد.
•   تخرج عام 1958 من الدورة التربوية للمعلمين في بغداد.
•   تم تعيينه بعد تخرجه معلماً في محافظة أربيل.
•   أنتقل عام 1967 إلى بغداد، فإلتحق بالجامعة المستنصرية ليتخرج منها حائزاً على شهادة البكالويوس في اللغة الإنكليزية وآدابها.
•   عمل في القسم الآثوري (السرياني فيما بعد) بإذاعة بغداد منذ تأسيس القسم عام 1972. ليمارس عمله كمترجم ومذيع ومقدم لبرنامج ( الأدب والحياة) ولمدة تزيد عن الثلاث سنوات.
•   عضو سابق في لجنة المكتبة والهيئة السريانية والمجلة التابعة لمجمع اللغة السريانية في بغداد.
•   عضو سابق في هيئة تحرير مجلة " المثقف الآثوري " الصادرة عن النادي الثقافي الآثوري، وأحد مؤسسي جماعة " أصدقاء الأدب الآثوري". كما ومارس تعليم اللغة الآشورية في النادي الثقافي. وعلى أثرها نال وسام النادي لنشاطاته الدائمة في النادي.
•   انتخب عضواً في الهيئة الإدارية لإتحاد الأدباء والكتاب الناطقين بالسريانية وتولى منصب نائب الرئيس إبتداءً منذ عام 1973 ودوراته اللاحقة كعضو فعال لغاية عام 1980.
•   عضو اتحاد الصحفيين العراقيين عام 1980 إضافة لعضويته في الإتحاد العام للإدباء العراقيين عام 1985 ومن ثم عضويته في جمعية المترجمين العراقيين عام 1988.
•   عام 1989ـ 1993 اختير للتدريس في المعهد الكهنوتي لكنيسة المشرق الآشورية وتتلمذ على يديه العديد من رجال السلك الكهنوتي.
•   شارك في معظم المهرجانات الشعرية والأماسي الأدبية في بغداد وخارجها.
•   نشر في وقتها دراسة مسهبة وعلى شكل حلقات بجريدة التآخي تحت عنوان " تاريخ الأدب الآثوري". وكذلك العديد من المقالات في المثقف الآثوري ومجلة الإتحاد ومجلة الكاتب السرياني التي تولى فيها منصب سكرتير التحرير ومجلة مجمع اللغة السريانية.
•   له عدة دراسات تبحث في الأدب واللغة، إضافة لمجموعة شعرية.
•   عام 1993 ولأسباب خاصة شد الرحال مع عائلته الى الأردن ومنها الى شيكاغو، ليمارس فيها نشاطاته من خلال المؤسسات الآشورية، فمارس التعليم والتدريس في المدارس الرسمية وعمل كموظف في المؤسسة الخدمية لأبناء الجالية.
•   من نتاجاته الأدبية المطبوعة:
ـ كتاب بهرا وطلالي أي ضوء وضلال عام 1980 بغداد
ـ معجم الأدب السرياني، الجزء الأول، مع مجموعة من المؤلفين، 1990 بغداد من منشورات المجمع العلمي العراقي.
ـ كتاب الحلقة المفقودة في تاريخ الآثوريين" 1997 شيكاغو.
ـ تعليم اللغة الآثورية للآثوريين المولودين في المهاجر وغيرهم.
إضافة للعديد من المخطوطات والتي منها ثلاثة أجزاء لتعليم اللغة الآثورية.


104
الأستاذ د. ليون: لغتنا ليست وطننا فقط بل هويته أيضاً
وروح الجسد القومي والكنسي

بقلم: ميخائيل ممو

قبل كل شئ أستهل بداية مداخلتي لما طرحه وتفضل به زميلنا الدكتور ليون برخو في موقع عينكاوا على ضوء (الرابط 1) المرفق بعنوان: " لغتنا هي وطننا، وهويتنا الكنسية والقومية والإحتفاء بها واجب " معتمداً في تفصيلاته على ما إقترحناه بشأن تسمية  " يوم اللغة الأم " لأبناء شعبنا ووجودنا القومي، والتي عمذناها تلك التسمية " يوم اللغة الآشورية " أو " الآشورية / السريانية " من خلال مقالنا المنشور في عينكاوا كوم ( الرابط 2 )، إسوة بباقي أيام لغات الشعوب ، ونحن على أعتاب ذكرى " يوم اللغة الأم العالمي " المصادف 21 شباط من كل عام.
أستهل هذه المداخلة، لأعلم استاذنا الفاضل ليون الذي لا يألو جهداً في مسعاه على دبج الموضوعات النقدية والتحليلية المدعمة بالنظريات العلمية والمنهجية أحياناً، وبآرائه الشخصية في حين آخر، لأبين بأن اللغة ليست وطننا فقط، بل هي هويته أيضاً، يجسد قدسيتها الإيمان الكنسي والمذهبي، ويُعلي من شأنها وجود الإنتماء القومي للحفاظ على رونق وقدسية وجودها واستمراريتها، لتصبح في كل الأحوال الروح الحية في جَسَدَيّ الكنيسة والقومية معاً على مر العصور كخلود المبشر الأول الذي بشر ونطق بها وخلدها منذ فجر التاريخ الميلادي، وما قبل ذلك أيضاً ولحد يومنا هذا.

مسألة التسمية القومية لأبناء شعبنا أصبح حالها حال تفرعات التسميات الدينية بمذاهب مختلفة، بالرغم من إيمانهم الواحد، مع تفاوت في الرأي فيما يخص الإجتهادات التي خلقت الإنشقاقات، كما هو الحال بالنسبة للمذاهب الإسلامية بين الحنبلي والشافعي والمالكي والظاهري والجعفري والزيدي وغيرها لتتخذ مجرى الإنقسام والتشتت الى تسميتين رئيسيتين تمثلتا بالشقين الكبيرين المعرفين بالشيعي والسني، كما هو في الديانة المسيحية كالكاثوليكي والأرثذوكسي والبروتستانتي وغيرها من التسميات المستحدثة ذات المغزى السياسي والعدواني الذي يغيب عن بال الكثيرين.

منذ منتصف الألفية الأولى وشعبنا المسيحي في مهد نشأته خاض صراع الإجتهادات والتأويلات بفتاوى التشتيت لخلق التسميات التي نوهنا عنها، والتي بدورها زادت الطين بلة بإنتقال عدواها في جسد تسميات الإنتماء القومي، والتغافل عن مفهوم الدين لله والوطن للجميع تحت تسمية تاريخية لها دلالانها وفق منظور أسس الإنتماء العرقي الأصيل الذي تشهد له ساحات النضال ودماء ملايين الضحايا والشهداء على مدى العصور التاريخية دينياً وسياسياً.
هذا من جانب، ومن الجانب الآخر ـ آمنا بالله ـ عن وجود الشعب الآشوري والكلداني والآرامي، ولكن عن الشعب السرياني الذي استمدت منه التسمية اللغوية المستحدثة " السريانية " مسألة في غاية الشك والحيرة. فإن كانت التسمية شاملة للتسميات الثلاث من منابعها الشرعية لا ريب في ذلك. إنما الحيرة في الأمر أن نرجعها الى أصلها مثلما يتم تفسير باقي التسميات التي لا أود الخوض في إشكالاتها.. فإن كانت دينية ـ كما يؤولها البعض ـ فهذه لا تمت للحقيقة بشئ، وإن كانت تعني الإعتزاز القومي فلا بد من أن نسندها إلى مصدر إشتقاقها الرسمي والأصيل، وأن لا نتغاضى ونتغافل عن ذلك لأسباب تعنتية عدوانية وإعتبارية لغاية في نفس يعقوب.

التفسيرت اللغوية التي ألفناها، ومما لا يحصى عددها من الشروحات والمداخلات والتعليقات تدعنا أحيانأ أن نعترف بها لإسباب وحدوية، شريطة أن لا نتناسى الآشورية التي استمد تأويل وتفسير السريانية منها بسبب الترجمة التي فرضت فرضاً بالعربية ومن قبل مغالطات المستشرقين أيضاً، أو الذين إنتهجوا مقولة " خالف تُعرف "، علماً بأنها تحوير واشتقاق من المفردة الآشورية بلفظها الغربي المُعَرّف المعروف والمألوف بمصطلح  اسيريان ( Assyrian  ). وحين ننعت بالعربية التسمية المُشار اليها تكون " السّريانية " بتشديد حرف السين وإخفاء اللام. وبما أن الأل (ال) هي أداة إضافة للتعريف، فحتماً سيتم إخفاء لفظ اللام في (ال) لتلفظ  ( اسيريان  Assyrian  )  بـ ( اسريان أو اسيريان ) ومن ثم التعريف بـ ( اس + سريانية ) لكون السين من الحروف الشمسية المشددة، وعندما تدخل أداة (ال) التعريف على الحرف الشمسي في المفردة  لا يُلفظ حرف اللام. هذا من الناحية التحليلية لمنشأ التسمية الآنفة الذكر. أما عن الوجود الشرعي للمُسمى الأصل تشهد له الحقبات التاريخية، ولا يمكن نكران ذلك وكما أشرنا.
إن الحالة هذه ينطبق عليها ما ذهب اليه المؤرخون الأجانب في تعريبهم أو نقلهم لكلمة " عرب " حين صيغت بتسميات متفاوتة متمثلة بالحروف اللاتينية التالية: ( Arub, Arbi, Urbi, Arabi, Aribu Aribi  ) ولكن المفردة الأصلية والصحيحة المألوفة بقيت ولازالت محافظة على هيبتها التي هي معروفة لدى الجميع.
لذا تساؤلنا هنا، أين هي مآثر وبطولات الشعب السرياني (إن لم يكن الآشوري) الذي اشتقنا منه لفظة السريان والسريانية بمفهومها المجرد من أصالة العمق التاريخي؟ وأين هي الأماكن والمواطن التي خلدها ذلك الشعب؟ أو وأو.... أليس هو المتمثل بالآشوري والكلداني والآرامي في حقب زمنية متفاوتة أملتها الظروف السياسة؟ ولماذا لم يتم استنباط صياغتها من الكلدانية والآرامية كمفردتين يشهد لهما التاريخ السياسي والأدبي أو اللغوي على ضوء ما يتناقله المؤرخون؟   
 إذن فلماذا السرياني إن كان أصلها أسيريان أي بمعنى الآشوري؟! فالمصطلح هنا ولد من منشأ هجيني أي من أبوين متفاوتين في الأصل مثلما يقال من أب عربي وأم أعجمية في علم اللغة.
كلنا يعلم بأن التسمية الشائعة التي تكنى بها لغتنا وشعبنا هي السريانية، ولكن علينا أن نعلم علم اليقين من الذي صاغها ودونها وجعلها الشماعة التي نعتمدها ـ شئنا أم أبينا ـ لنكون من الموالين لها عمداً كما فعلت السلطات البائدة بفرض منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان والتغافل عن بني آرام والصابئة.

أما الذين يذهبون في زعمهم عن افتقاد صلات القربى بين مفردات ما شاع استعماله في عهد الآشوريين والآراميين وعصرنا الحالي انه افتراض لا أساس له، كون مكونات مفردات اللغة الحديثة أغلبها مشتقة من الأصل، وليس أدل على ذلك من برهان قاطع ودامغ من مئات المفردات التي صيغت بها الآيات القرآنية، ولا زال استعمالها أيضاً حتى في صلواتنا وكتبنا اللاهوتية والأدبية شعراً ونثراً بذات المعنى وذات اللفظ. وهناك العديد من القواميس التي تؤكد هذه الدلالات، وبشكل خاص التي صدرت حديثاً عن المهتمين بالأبحاث اللغوية والتراثية. وبمجرد زيارة عابرة بطرق باب " عمّنا كوكل أو غوغل أو جوجل " الذي هو الآخر نقلنا له ذات العدوى سيستجيب لطرقك ويلبي دعواك بالكشف عن تلك المفردات. ومتى ما تمت حيرتنا في إيجاد مفردة يستعصي علينا إيرادها في كتاباتنا، ينبغينا الأمر والحالة هذه الإستنجاد بتلك المصادر القاموسية والمخلفات التراثية والتاريخية التي حلت رموزها ومفاهيمها بالرغم من تفاوتها اللفظي أحياناً، قديماً وحديثاً. قديماً بتأثير العوامل البيئية الجغرافية والإجتماعية والثقافية والمناطقية النابعة منها اللهجات مشحونة بمواصفات خاصة تميزها عن بعضها صوتياً وربما صرفياً ونحوياً، كما يتضح لنا في تفاوت لغة لهجة شمال الرافدين عن جنوبه وفي العديد من دول العالم، وكما هو الحال بين أبناء الشعب الواحد في شمال العراق لأسباب يفرضها الإنتماء المذهبي والإدعاء القومي إلى جانب ما أشرنا اليه مسبقاً. ولكي نكون على مقربة أكثر مما أشرنا اليه ندرج فيما يلي ما أكده المعجم الأكدي في مقدمته.

( سمي الباحثون الأوائل لغة النصوص المكتشفة في بلاد آشور المتمثلة اليوم بالقسم الشمالي من العراق، اللغة الآشورية ( Assyrian Language  ) ولغة النصوص المكتشفة في بلاد بابل المتمثلة بالقسم الجنوبي من العراق، اللغة البابلية ( Babylonian Language  )  وذلك نسبة إلى أماكن اكتشاف النصوص. وبما أن النصوص المكتشفة في بلاد آشور كانت أول النصوص التي وصلت إلى أوربا إذ عكف الباحثون على دراستها وحل رموزها، فقد سمي العلم الذي يعني بدراسة النصوص المسمارية المدونة بالآشورية والبابلية عامة بعلم الآشوريات ( Assyriology  ) وما يزال يعرف بهذا الإسم..... وبأن الأكديين أشاروا الى لغتهم بمصطلح اللغة الأكدية (بالأكدية لشان أكدي    Lishan akkadi) أي اللسان الأكدي أو اللغة الأكدية).

هذا ما استنتجه المؤرخون والباحثون في العلوم اللغوية في زمن مؤسس الدولة الملك سرجون الأكدي نسبة لمدينة أكد في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد. وكما يؤكد أيضاً العديد من الباحثين المعتمدين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر هاري ساكس في كتابة " عظمة بابل " ص 68 ، لندن 1962 ترجمة عامر سليمان قوله:
مملكة أكد ( تعد أول مملكة وحدت جميع أرجاء بابل وآشور، تحت حكم مركزي واحد وإمتدت بنفوذها إلى الأقاليم المجاورة مثل بلاد عيلام جنوب غربي إيران وأجزاء من بلاد الشام).
نستنتج هنا بأن الملك سرجون ومن تبعه من ملوك الآشوريين بسطوا نفوذهم على مناطق واسعة منذ عام 2371 لغاية 2230 ق. م. أي لأكثر من مائة وأربعين عاماً. وبهذا التوسع السلطوي انتشرت تلك اللغة بخطها المسماري واستمر امتدادها لدول أخرى في الشرق بتعاقب حكم الملوك الآشوريين بدلالة الأبجدية الأوغاريتية المسمارية في اللاذقية / سوريا،  برموزها التي بلغت في حدود 32 رمزاً كتابياً معتمداً، أي بخمسمائة عام قبل انبثاق الأبجدية الفينيقية الآرامية المتقاربة في معظم أصواتها اللفظية.
***
أن ما ذكرته فيما سبق من رأي وإيضاح قد يكون بعيداً ـ نوعاً ما ـ مما ذهب اليه الزميل ليون ، ولكي أكون اكثر دقة مما أورده في مخاطبته استل فقرته التي يقول فيها: (بعدها سأعرج على موقف كاتبنا وشاعرنا وصديقنا ميخائيل من لغتنا ). حيث سبق لي وأبديت رأيي عن ذلك.
أما قوله: (ولكن رجائي الوحيد هو أن لا يتم ذلك دون دراسة مستفيضة تشترك فيها كل فئات شعبنا بمنظماتهم وكنائسهم لا سيما زعمائنا الكنسيين وأخص بالذكر بطاركتنا).
أقول وبصراحة تامة رجاؤه فيه نوع من المصداقية طالما يشير إلى دراسة مستفيضة ـ حسب قوله ـ ولكن هل أن كافة فئات شعبنا تتوفر لديه تلك المصداقية، ولا سيما المنظمات ذات العلاقة أو التنظيمات الحزبية والكنائس.. لا أظن ذلك أبداً، طالما تلك المنظمات والتنظيمات الحديثة والكنائس جعلتنا مشتتين منذ القرن الخامس والسادس من وجودنا المتآلف. وإن كان الأمر بيد زعمائنا الكنسيين من البطاركة والمطارنة ورجال الدين، فأين هو موقف اللغويين  العلمانيين من تلك الدراسة المستفيضة؟! أما الغرباء فقد سرقوا وابتزوا وسلبوا ما لدينا وأولوه على مرامهم وكأنما نحن غافلون عن الحقيقة.
أما عن معاناتنا من التشرذم وموقف مكونات شعب صار مستقبله على كف عفريت هي حالة فرضتها مواقف التزمت والإنجراف في مسار تيارات التعصب المبني على منطق التأويلات اللامنهجية أو العلمية، ومن منطلق تبريرات لا أساس لها من الصحة كما يتخبط البعض من حملة الأقلام السامة على نفث سمومهم كالحية الرقطاء، وعلى ذر الرماد في العيون التي اتسمت بحدة البصر.
وما أجمل ما يذهب اليه الأخ ليون بعبارة (لنتخذ ولو لمرة واحدة في تاريخنا المعاصر خطوة مهمة كهذه بطريقة حضارية ونترك شأنها للعلماء والأكاديميين والمختصين في صفوف شعبنا ونخرج بقرار تتفق الأغلبية عليه ويكون مسنودا ومدعوما من قيادتنا الكنسية ).
أعود وأقول: وهل حقاً ستساهم تلك القيادات الكنسية في الدعم والإسناد لما يتوصل اليه من بني جنسنا من العلماء والأكاديميين والمختصين واللغويين على ما يقروه، علماً بأن القيادات الكنسية أظهرت وأثبتت نتائج مواقفها في مطلع السبعينيات ولغاية منتصف التسعينيات في الحوار المسكوني بين الأرثوذكس الشرقيين وكاثوليك روما وغيرها من تقليد الكنائس المشرقية والمغربية في حوار برو اورينتي في المسائل اللاهوتية التي شارك فيها بطاركة ومطارنة تلك الكنائس والمذاهب، لتكون نتائجها ما خلصت اليه المجامع الكنسية الأربعة المألوفة من تحريم وانشقاق متمثلة بمجمع نيقية 325 والمجمع المسكوني الثاني 381 ومجمع أفسس 431 ومجمع افسس الثاني 449 ليعيد التاريخ نفسه في ذات الدوائر على مدار الزمن لحد عصرنا الحالي.
والنقطة الأشد غرابة أن يذكر الأخ ليون بأن ( حملة الشهادات الراقية فيها كلهم تقريبا من غير أبناء شعبنا. فهم عندما يطلقون عليها "السريانية" ينطلقون من موقف علمي أكاديمي رصين. وهذه المسألة بالذات كانت سببا لخلاف بيني وبين زميلي ميخائيل حيث رفضت الدعوة لإلقاء محاضرة في تجمع معلمي وأساتذة اللغة السريانية في السويد لورود إسمها بطريقة لا تتفق مع ما هو دارج في الأروقة العلمية والأكاديمية ).
وهنا أصاب عين الحقيقة لأشاطره الرأي بأن حملة الشهادات الراقية من الغرباء أطلقوا لفظة " السريانية" على لغتنا وشعبنا. تساؤلي هنا من أين جاءوا بهذه التسمية؟ ومن أين استنبطوها؟ وما هي المصادر التي اعتمدوها في الترجمة أو التعريب؟ علماً بأن الزميل الفاضل في بعض الكتابات يحمل الإستعمار الغربي على ما نحن عليه اليوم.
أما عن رفض الدعوة لمؤتمر اللغة الآشورية الذي أقرته وزارة التربية السويدية في حينها كان من الأفضل أن يغتبط لهذه الدعوة لينتشل فكرة المغالطة التي ضمت من آمنوا بشعار المؤتمر الذي ضم من كافة مكونات شعبنا من المعلمين والتربويين، ليؤكد ما هو دارج في الأروقة العلمية والأكاديمية، لكون الحقيقة لا يمكن بيانها والإتيان بها إلا عن طريق خذ ما عندي واعطني ما لديك من خلال المناقشة الحرة وديمقراطية الرأي طالما المؤتمر يضم كافة شرائح مجتمعنا ومن بينها من يؤمن بفكرته التي يظنها ويؤمن بها بأنها الأصح والأصوب علمياً.
وفي خاتمة المطاف لا يسعني في هذا الرد المفصل إلا أن استمحيك عذراً ـ زميلي المثابر ـ إن تجاوزت بعض الشئ في مخاطبتي ومداخلتي، ما دام رأينا يهدف لإعلاء شأن الحرف لأصالة النسج اللغوي، ولا ننس بأن لكل من يدلي بدلوه له طريقته، ولكل من يسعى بغزل النسيج اللغوي له مغزله، شريطة أن يكون الغزل ما يدري بالنفع العام، وأن لا يكيل كل واحد للآخر بمكيالين، كما يفعل البعض، وعلينا أن نتعظ  مما قاله الصوفي أبو حامد الغزالي في بيت شعري مفاده:

( غزلت لهم غزلاً دقيقاً فلم أجـد     ** لغزلي نسـاجاً فكسرت مغزلي )

آملاً أن لا نكسر مغازلنا ليتسنى لنا إتمام غزلنا.

مع بالغ شكري وتقديري
ميخائيل ممو / السويد
رابط 1
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,643438.0.html
رابط 2
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,641086.0.html

106
Michael Mammoo
Tel. 00 46 -  707 154651 mobile  
E-mail: mammoo20@hotmail.com

إلى: هيئات ومجالس مؤسساتنا القومية والأدبية واللغوية والثقافية
تحياتي..
في اليوم المصادف 21 شباط 2013 تحل على العالم أجمع الذكرى الرابعة عشر ليوم إعلان اليوم العالمي للغة الأم بعد إقراره عام 1999 وتنفيذه عام 2000 من قبل منظمة اليونسكو  بغية الحفاظ على اللغات بشكل عام وخاصة لغات ما لا يحصى عددها من شعوب الأقليات القومية التي أدرجت في قائمة الإنقراض والإنصهار ليقدر عددها 3500 لغة من مجموع ما يقارب 6000 لغة في العالم،  بالرغم من تداولها اليومي شفاهياً وتنازلها في العد العكسي كتابياً لدرجة الصفر في حال الإنقراض، وما بقي منها مخطوطات ومطبوعات أن تاخذ طريقها في سراديب قد تكون مجهولة الآثر، ولتحتسب مع مرور الزمن كتلك المدونات من الرقم الطينية التي تحميها الأغبرة والإتربة.  
بناء لهذه الظاهرة السلبية كشف الباحثون والمفكرون على أن شخصية الطفل تبنى على لغته الأم وتساهم على رقيه ونجاحه في استيعاب لغات أخرى وتنمي قدراته السلوكية والمهنية. وبما أن الطفل هو جزء أو لبنة في بنيان مجتمعه الصغير الذي يعيش في كنفه والمحيط به، فلا محالة على مدى الأجيال أن ينشأ الأطفال بذات الصفة لبناء صرح المجتمع الكبير المتمثل بالوجود القومي الحي للشعب الذي ينضوي تحت سماء اسم رايته.
إن منطمة اليونسكو حين سعت على تسمية هذا اليوم لم يكن هباء، وإنما إنطلقت من مبادئ حرية الإنسان وإحترام حقوقه في الحفاظ على وجوده مثلما عليه من واجبات تفرضها السلطات عليه في البلدان التي تتسم بتعدد اللغات والقوميات والثقافات لمكونات الشعب الذي يخدم البلد الأصلي له رغم اعتباره من مواطني الدرجة الثانية التي ينبغى أن تمحى هذه الصفة من قواميس دساتير تلك الدول طالما الجميع سواسية أمام القانون، كما هو الحال في الدول الديمقراطية.


دورات فصلية لتعليم اللغة الآشورية في جمهورية كازاخستان في شمال آسيا الوسطى

من مفهوم ومغزى الجملة الأخيرة، من الغريب حقاً، أن يتجاهل العالم المتمدن وجود شعب لا زال يتشبث ويلتزم بماضيه المجيد، ذلك الماضي الذي أنار وأضاء سماء البشرية بمنجزات وأفكار ما فتأت سجينة رفوف ودهاليز وأروقة أرقى متاحف العالم، وفي الوقت ذاته أن يتمادى ويتمارى ويتغافل القوم الذي لا زال يتغنى بتلك المآثر ويتمجد بأسلافه دون أن يضع النقاط على الحروف بشكلها الصحيح، أي أن يهمل ما لا يجب اهماله ، وأن يتغاضى عما لا ينبغي التغاضي عنه، وذلك من خلال التجمع المقصود والتعاون المُتعمد على بذر بذور التهاون والخذلان داخل مؤسساتنا الدينية والسياسية ومنتدياتنا الإجتماعية والثقافية بغية فرض السلطة الإنفرادية على حساب الهيمنة الجماعية التي تعد أساس التمدن والتطور.
من خلال هذا التمهيد المقتضب ، الذي استنبطته من واقع الحال ، سواء في الوطن الأم أو ديار المهجر ، إتضح لي في الآونة الأخيرة عن دور بعض مؤسساتنا التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، إن لم يكن أقلها وبكافة تسمياتها القومية على رصد مبالغ مادية لنشر المؤلفات باللغة القومية ولغات أخرى عما له علاقة بلغتنا وأدبنا وتراثنا وثقافتنا وعلومنا، ناهيك عن القاموس الآشوري لجامعة شيكاغو الذي استغرق العمل على إنجازه 90 عاماً  ليتم طبعه في 21 جزءاً، متضمناً 28000 مفردة مترجمة عن الخط المسماري الأكدي, يعود تاريخها لأكثر من 2500 سنة قبل الميلاد، بحيث أصبح دوي وأصداء هذا المشروع الأكاديمي الضخم والنادر مفخرة للباحثين والدارسين من اللغويين والآثاريين والباحثين إلى جانب ما يصدر سنوياً من القواميس بجهود فردية وفي حقول مختلفة.
 

ومما تجدر الإشارة اليه، حركة الترجمة والنشر والقنوات الإعلامية والمؤتمرات اللغوية التي تعقد في الوطن الأم بلاد الرافدين وبعض البلدان مدعاة فخر وإعتزاز طالما تبشر بالخير لإحياء لغتنا القومية،   

إضافة للمدارس التي تم تأسيسها لتعليم اللغة الأم بشمولها كافة المواد التعليمية وعلى كافة المراحل الدراسية والدورات التدريبية والتأهيلية للمعلمين والمدرسين, بحيث أدت هذه الإنجازات على بث مشاعر الوعي لدى بعض الغيورين في الإقدام بجهود فردية في المضي على نهجها في كاليفورنيا وأريزونا واستراليا. ناهيك عن بعض الدول التي تسمح للأجانب على تعلم لغتهم الأم في المدارس الرسمية كالسويد وأرمينيا على سبيل المثال.
لذا حقاً أقول لكم : بأنكم أقدمتم على العمل ووفيتم بما بذلتموه بدلالة أعمالكم الإيجابية التي يتصدى لها من لا تنل يداه عنقود العنب أو أية ثمرة متألقة.
ولكن ما يُؤسف له ويُحزن عليه أن نجد العديد من منتدياتنا، إن لم يكن معظمها وبكافة تسمياتها لم تصل الى المستوى الذي يطمح اليه كل فرد اشوري بكافة مكوناته، وفي جميع الحقول التي لها دورها الرئيسي لرفع هيبة الوجود القومي لغوياً وتراثياً وثقافياً، وأخص بذلك التي منها عملية تعميم التعليم اللغوي والتربوي على المستوى الرسمي ، كما هو الحال في بعض دول الشتات التي نوهنا عنها.

إن ما استرعى انتباهي وحثني للكتابة بهذا الشأن هو مشاهداتي عن كثب لأعمال ونشاطات مؤسساتنا أثناء زياراتي واستطلاعي من خلال العديد من اللقاءات. هذا ليس معناه بأنها معصومة عن السهو والخطأ إن كانت قد سعت فعلاً في تحقيق مآربها. قد تكون هناك بعض المثالب والمآخذ في المسلك والمنهج ، وهذه بديهة لا يُمكن نكرانها ، لكون الإنسان يتعلم من أخطائه ومن تجارب الآخرين ، ومن لا يَقْدم على العمل لا يرتقي سلم درجات النجاح.
وبما أن ما ذهبنا اليه مصدره النبع اللغوي, أود الإشارة إلى نقطة مهمة جداً، وهي مستنبطة من خلال كتاباتي ومطالعاتي لواقع أهمية وفاعلية اللغات الأم لدى شعوب العالم ، حيث وجدت بأن أغلب الشعوب تتمجد وتتباهى بالعديد من المناسبات القومية الخاصة بها ، مثلما نحن نحتفي بالسنة الآشورية وذكرى الشهيد الآشوري ، ناهيك عما يملأه التقويم الميلادي من مناسباتنا الدينية كباقي الديانات. ولكون الأمر هنا يتعلق بمناسبة يوم اللغة الأم العالمي الذي يشمل كافة لغات العالم، إنبرت العديد من الدول، وعلى أثر ذلك  بإقرار اليوم المناسب لها للرفع من شأن اللغة القومية والرسمية المتداولة للشعب الناطق بها بإعتبارها هوية وجوده على مدار الأزمنة، وكما يتضح من بعض الأمثلة المدونة أدناه.  
 ـ يوم اللغة الأم العالمي في 21 شباط من كل عام.
-  يوم اللغة العربية في 18 كانون الأول - ديسمبر .
-  يوم اللغة الصينية 20 نيسان - ابريل .
-  يوم اللغة الانجليزية في 23 نيسان - ابريل .
-  يوم اللغة الفرنسية في 20  آذار - مارس .
-  يوم اللغة الروسية في 6 حزيران - يونيو .
-  يوم اللغة الاسبانية في 12 تشرين الأول - اكتوبر.

أكتفي هنا بذكر هذه اللغات ، علماً بأنه هناك ما لا يحصى من اللغات لدى شرائح شعوب العالم تحتفل بالأيام التي رسمتها ليوم لغاتها.

لذا فإنني من هذا المنطلق أقترح على هيئات ومجالس مؤسساتنا بكافة اتجاهاتها إتخاذ هذه الفكرة أو المقترح بعين الإعتبار إسوة بباقي اللغات التي تمجدها شعوبها من الناطقين بها، ليكون اليوم الذي يتم تحديده للغتنا كمنطلق لتحفيز أبناء شعبنا وتعميمه عليهم أينما تواجدوا وحطت بهم الظروف والأوضاع القاسية المؤلمة.

 

طلاب وطالبات مدرسة مار بنيامين شمعون الآشورية في لاس فيكاس في أمريكا

أتقدم بمُقترحي هذا من منطلق خبراتي وتجاربي وتعاملي الدائم مع اللغة الآشورية لأكثر من أربعين عاماً، منها 34 عاماً قضيتها بتعليم وتدريس لغتنا في المدارس الرسمية السويدية ، إضافة لتأليفي سلسلة المنهج التعليمي بسبعة أجزاء لوزارة التربية السويدية والمُتداول في انحاء السويد ودول اخرى. وكذلك أنطلق بهذا المُقترح من حرصي الدائم في الإسهام على وجودنا الكلي الذي لم يبق من مقوماته العتيدة غير لغتنا التي هي روح الأمة ، وبدونها سنجهل ونذيب وجودنا الإثني لننصهر بين شعوب الدول التي نأمّها.
ومن أجل اختيار اليوم المحدد والمناسب, ينبغي أن نستمد اليوم المحدد لذلك من مناسبة  ذات صلة  بأحداث ومأثر واقعنا وتاريخنا والتي منها على سبيل المثال: يوم تأسيس أول مطبعة آشورية ، يوم طبع أول كتاب بلغتنا بعد الميلاد ، يوم ولادة  أو رحيل أول كاتب آشوري أحيى اللغة والأدب والتراث في عالمنا القديم أو الحديث، يوم الإعلان عن إكتمال وإصدار القاموس الأكاديمي لجامعة شيكاغو وغيرها من المناسبات التي يمكننا البحث عنها والتأكيد عليها لتسمية " يوم اللغة الآشورية ". ولكي لا يتزمت ويمتعض البعض من التسمية لندعها تكن التسمية " يوم اللغة الآشورية / السريانية".
إن عملية إقدامنا على هذه الفكرة ليس ضرب من الخيال كما يتصوره ويظنه البعض, وإنما يفرضه الواقع المعاصر, ولكون لغتنا التي نعتز بها ونمجدها ونتباهى بها هي من أقدم لغات العالم المستحدثة والنبع الصافي الذي اغترفت منه لغات أخرى بما لا يحصى من المفردات والمصطلحات والتعابير، وأعلنت بتحديد وتسمية اليوم الذي يُحتفى بها.. فلماذا نحن أيضاً لا نحتذي حذوها ونقتدي بها طالما يشهد التاريخ بأن لغتنا هي مصدرها. كونها اللغة التي نطق وبشر وقدس بها المسيح ومن تبعه إلى يومنا هذا من خلال الأنجيل المقدس. فإن لم نعرها ونوليها تلك الأهمية والمكانة العالية، فمن ننتظر أن يُعلي من شأنها. إذن، فمن المؤكد بأنه سيكون ليوم اللغة المُقرر دوره الفاعل في محيط مجتمعنا وبين أبناء شعبنا الناطق بها ومؤسساتنا إسوة بباقي اللغات، بغية إعادة ذكرى الإحتفاء بذلك اليوم سنوياً كإقامة الحفلات الخاصة بذلك، توزيع وتبادل الهدايا الطباعية بكافة أشكالها، إعادة طبع ونشر مؤلفاتنا وكل ما يمت بصلة لهذه المناسبة.

 

طلاب وطالبات مدرسة القديس ربان هرمز الآشورية في سدني مع أهاليهم أثناء إحتفال إنتهاء الفصل الدراسي

وفي الختام كلي أمل أن انتظر رأيكم بما نوهت عنه ليمكنني من دراسة الموضوع مع زملائي المدرسين الآشوريين في المؤتمر اللغوي السادس الذي نعقده سنوياً في السويد بدعم مصلحة شؤون المدارس التابع لوزارة التربية.

 

المدرسة الآشورية في كاليفورنيا

مع بالغ شكري وتقديري لكل من يقرأ ويتجاوب مع الفكرة المطروحة للنقاش والمتابعة عسى أن نحقق ما نصبو اليه.
ميخائيل ممو / السويد


107
راحيل ديباسو تنال شهادة الدكتوراه في العلوم الطبية




في امسية علمية ثقافية واجتماعية التقى رجال العلم والمعرفة والثقافة من السويديين والآشوريين في ملتقى  خاص بمدينة يونشوبينغ ـ السويد لمناسية نيل الطالبة الآشورية الطموحة راحيل ديباسو درجة الدكتوراه في العلوم الطبية بتاريخ 25/1/2013 عن اطروحتها المعنونة
" تأثير جينات الوراثة والخواص الميكانيكية للشرايين الكبيرة في الإنسان "
" Influence of genetics and mechanical properties on large arteries in man"
حيث كانت قد حصلت قبل ذلك تأهيلها الأكاديمي بنيلها شهادة البكالوريوس من جامعة يونشوبينغ وشهادة الماجستير من جامعة اوبسالا في السويد, وسعت فيما بعد على إتمام دراستها وبحثها في الإختصاص الذي أهلها لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة لينشوبينغ.
بعد أن ألقت بحثها الموسع الذي دام ثلاث ساعات بحضور خمسة أساتذة أكاديميين بدرجة بروفيسور وجمع كبير من ذوي الإختصاص, تمت المناقشة في قاعة المحاضرات في مشفى ريهوف بمدينة يونشوبينغ, لتجتمع اللجنة المشرفة والمقررة فيما بعد وتعلن نتيجة منحها الدرجة العلمية بإمتياز. 
ولهذه المناسبة أقيمت حفلة خاصة على شرف المُحتفى بها بإلقاء الكلمات متضمنة من المُشرف على اطروحتها البروفيسور توسنِه لانِه والمقربين لها الذين اشادوا بطموحها ومقدرتها على إنجاز ما توصلت اليه  في مجال تطوير البحث الطبي الذي أهلها للقب دكتورة راحيل. وما ينبغي الإشارة اليه بأن السيدة راحيل التي لم تتجاوز الخامسة والثلاثين من العمر هي أم لثلاثة أولاد وزوجة السياسي الآشوري المعروف إلهان ديباسو رئيس الحزب الإشتراكي الديمقراطي بمحافظة يونشوبينغ. ومن خلال هذا الإنجاز الذي توصلت اليه يمكننا إعتبار د. راحيل من النماذج النادرة بين الشبيبة الآشورية لتكون من الأمثلة الحية التي يُشار اليها بالبنان, علماً بأنها كانت قد قضت فترة طويلة في العمل القومي والشبابي في إتحاد الشبيبة الآشورية في السويد ونشرت العديد من المقالات في مدلة حويودو.
لا يسعنا في خاتمة هذا الخبر إلا أن نهنئ الطموحة راحيل بملئ قلوبنا, آملين منها المزيد من إنجازات البحوث الطبية لخدمة البشرية.
ميخائيل ممو / السويد
     












109
شكراً للأديبين عادل دنو وفليمون درمو
بقلم: ميخائيل ممو
(ما حك جلدك مثل ظفرك . . فـتولـّى أنت كـلّ أمـرك)
من منطلق مضمون هذا المثل الشائع ينطلق الزميل الأديب والروائي الأستاذ عادل دنو في استرساله المقتضب للتعريف عن جهد أدبي تشابكت فيه عدة أسماء أدبية مخضرمة من جيل العشرينيات, سبق وإنطفأ بريق عطاء معظمها في عمر السبعينات والثمانينات, ليخلفوا لنا ما جادت به قرائحهم من كتابات لم يتسنى لهم من نشرها في حينها في الوطن الأم لأسباب  سلبية عديدة مجتمعة ومؤدية بهم إجتياز الأسوار المنيعة لتحط أقدامهم في العديد من ديار الإغتراب التي إحتضنتهم ليتنسموا نفس الروح بحرية تامة, حاملين في كنائنهم الأدبية سيوفهم الورقية المعنوية, والتي منها ما أنعته باللجوء الأدبي لمؤلفاتهم في ديار الهجرة.
هذا ما شاء به القدر من جراء الظروف السياسية والإقتصادية لأدبائنا الآشوريين الراحلين من أمثال بنيامين كندلو, يوئيل بابا, آشور قليتا, شماشا كيوركيس بيت بنيامين دآشيتا ووو...وبالتالي إيشايا إليشا خنو الذي صدر بإسمه كتاب " رباعيات الخيام "  ليكون محور عرض وتحليل الأستاذ عادل دنو الذي بدوره هو الآخر نحا منحى من ذكرناهم في ديار الهجرة من خلال ما نشره وبشكل خاص تلك الرواية العتيدة التي نشرها باللغة الأم تحت عنوان " بيت نورِه" في العام المنصرم, ولضيق الوقت وبعض الظروف الخاصة ـ  أدبياً ووظائفياً ـ لم يسعفني الحظ على إتمام فصولها, آملاً ذلك مستقبلاً ، لقلة التحليل النقدي بين كتابنا للنتاجات الأدبية المنشورة في أصقاع متفاوتة والتعريف بها مثلما أقدم عليه رفيق الأدب عادل دنو في تعريفه لكتاب المرحوم إيشايا خنو.
لكي لا أكون بعيداً وفي منأى آخر مما أقدمَ عليه الزميل دنو عمّا سعى اليه الأديب فيليمون درمو على عرض وتحقيق رباعيات الخيام التي ترجمها نظماً بالآشورية المرحوم ايشايا خنو, يشرفني القول بأن ما حققه الأستاذ درمو أضاف لبنة رصينة في صرح الأدب الآشوري, لما إحتواه الكتاب المنشور من معلومات قيمة كانت جليسة الرفوف المنسية, حسب ما أبانها الأخ دنو في عرضه للكتاب في الرابط المذكور أدناه , ليُعلم القارئ عن هذا الإنجاز القيم, وليضيف أيضاً معلومات إضافية بحكم التواصل والتتبع الأدبي لما ينشر عن تلك الرباعيات لم يحظ ناشر الكتاب الإشارة اليها, ليكون القارئ على معرفة بمن سعى وأنجز ترجمة تلك الرباعيات, والتي قد يكون هناك من ترجمها أيضاً وبرحيله رحل وجودها وطواها النسيان حالها حال ما لا يحصى من الآثار الأدبية والمخطوطات التي نقرأ عنها في المباحث والتدوينات اللغوية دون أن نعثر عليها.
ما أود الإشارة إليه بأن الأسماء التي ذكرناها آنفاً وغيرها من أمثالهم في مطلع ما ذهبنا اليه, سبق لي وعاشرتهم في الوطن الأم من خلال إتحاد الأدباء والكتاب الناطقين بالسريانية في العراق والنادي الثقافي الآثوري في بغداد ومناسبات الأمسيات والمهرجانات الشعرية والأدبية ومجلة المثقف الآثوري التي زاملتها إلى اليوم الذي جعلني أتبع مسارهم, وما فتأت تلك الذكريات عالقة على صفحات فكري رغم تفاوت العمر الزمني والجيل الأدبي الذي عايشناه آنذاك. ومما يتراءى لي من تلك الذكريات عن المرحوم إيشايا خنو تلك المشية الرزينة حين كنا نقتاده بفخر وإعتزاز ليعتلي منصة الخطابة ليشنف أسماع الحاضرين بالقصيدة المُعدة لمناسبة المهرجان الشعري, ويوم لبى طلبنا هو والمرحوم شماشا كيوركيس على إتمام كتاب " سيرة حياة الملفان يوسف قليتا" الذي أشرفت على نشره وطبعه في حينها. وتمت الإشارة اليه في الكتاب الصادر حديثاُ الذي نحن بصدده.
وفي خاتمة المطاف لا يسعني إلا أن أثني هِمّة الزميل إيزريا خنو إبن المرحوم إيشايا على مفاتحة الأديب درمو الذي أضاء طريق النور بجمعه المعلومات القيمة في الموضوعات التي تضمنته دفتي الكتاب, وحبذا أن يحذ كل وريث شرعي لمخلفات ذويهم حذو الأخ إيزريا وفيليمون طالما أصبحت اليوم سبل ووسائل النشر أيسر مما كانت عليه, سواءً الورقية أو الشبكة العنكبوتية, وعلى القارئ أن لا يخامره التهاون والتقاعس في الإقدام على دعم وإسناد وإقتناء ما يصدر بالحرف المقوّم لوجوده بغية الحفاظ على تراثه بذلك الحرف الذي يتفوه وينطق به يومياً دليل اعتزازه بلغته الأم التي هي بمثابة الهوية لإنتمائه القومي, ليتسنى له الإفتخار بهم وبتراثه وأدبه وعاداته وتقاليده التي تجسد بأقلام ادبائنا وشعرائنا وكتابنا الذين هم عماد الأمة التي نتغنى بإسمها في محافلنا ومنتدياتنا ووسائل إعلامنا, مثلما يحلو لنا أن نمجد ونثني على من يدغدغوا شغاف القلوب ويهزوا المشاعر من مطربينا المؤمنين في ادائهم من الذين لولا الشعراء الصادقين في نظمهم لما سمعنا دوي أصواتهم. 

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,633329.msg5871985.html#msg5871985

110
شكر على تعازي الفقيدة هيلين كوريه عوديشو

في مدينة يونشوبينغ / السويد وبتاريخ 22/12/2012 رقدت على رجاء القيامة المرحومة هيلين كورية عوديشو إثر مرض عضال لم يمهلها الصبر على تلبية نداء ربها عن عمر يناهز 50 عاماً, وقد تمت مراسيم صلاة الجناز بتاريخ 28/12/2012 بمدينة يونشوبينغ بحضور حشد كبير من الأقارب والأصدقاء والمعارف لمؤاساة عائلة الفقيدة حيث تركت من بعدها ولديها ياقو (20 عاماً ) وستايفر (15 عاماً ) وزوجها المصون آدم أيليا إسحق. كانت قد عرفت المرحومة بمناقبها الحميدة متمثلة بالأيمان والعطاء والمحبة. رحمها الله وأسكنها فسيح جنته بصحبة الإبرار والصالحين.
ولهذا المصاب الجلل تفضل السيد آدم إسحق زوج الفقيدة بوافر الشكر والإمتنان لكل الذين شاركوه أحزانه بتقديم التعازي بحضورهم المباشر وتلفونياً, متذرعاً للرب أن يبعدهم عن كل مكروه مع مطلع العام الجديد, وأن يعيده عليهم بالخير والبركة.


111
ليلى قصراني وحكاية الأرملة العراقية الأرمنية
رفيقة القلم الحر ليلى قصراني
تحياتي
نعم.. هكذا يترنح الإنسان حينما تتحكم به المصادفات التي لم تخطر على باله, واللاتعمد حالة يفرضها أحياناً الواقع المرير من مُوَجّهٍ متلبس بغشاوة الرؤيا.
إن ما طرحتيه في مقالتك " حكاية أرملة عراقية أرمنية والجندي الأمريكي " ذات الخمسة محاور جسدت واقعاً مريراً من حياة عائلة أرمنية بريئة لم تستهوِ قلع جذورها من الأرض التي اينعت فيها جهود ثمارها, ليجبرها ذلك الحدث المروع والفاجعة الأليمة على نبذ كل شئ والتحاف ديار الهجرة, لتشاء المصادفة ثانية لذلك الإنسان اللامتعمد في خطيئته على ملاقاة أحد أفراد الضحية بحكم تأنيب الضمير قاصداً مسامحته بما أقدم عليه دون معرفته بواقع حال تلك العائلة.
أن ما هز مشاعري تلك العبارات التي تقولين فيها ـ حسب نقلك لها ـ هي:
" قالت له الأرملة الثكلى "أنت لديك دموع للبكاء لكن دموعي أنا قد نشفت" ثم أردفت، "أنتم غزوتم العراق تحت شعار الحرية. أين هي الحرية اليوم؟ اليوم العراق أسوأ من قبل...لابد انك الان سعيد بأننا قد سامحناك. ليس سهلا على شخص ما أن يصرح "أني قد سامحتك" نعم...لقد سامحتك لكني أبدا لن أنسى احبائي. كل ليلة اضع رأسي على الوسادة وأتذكر ذلك اليوم الكئيب في حياتي. "
والأدهى من كل ذلك مقولة  كتبت نورا رسالة للوبيلو بلغة أنجليزية مهملة على الفيس بوك تقول له: " بأنها فرحت بزيارته وبأن لها الان أخاً ثالثا ".
 تصور قارئي الكريم.. هذا هو الإيمان الصحيح في التسامح , وهذا هو الإيمان الصادق في العفو عن الخاطئ , وهذا هو الإيمان المُرتجى ممن يعمد الإصلاح.
ونحن بدورنا نضيف رأينا لرأي ذوي العائلة المفجوعة بمقولتها: " أين هي الحرية اليوم؟ وتُعني بها الحرية في العراق. لأجيبها قائلاً: حرية العراق لا تضاهيها أية حرية في العالم , ولا حتى في شريعة الغاب.. وَسَموها بحرية الإختطاف والقتل.. حرية النهب والسلب.. حرية الذبح على الهوية.. حرية الإغتصاب وانتهاك الأعراض.. حرية المحاصصة والمذهبية ووو...
كفاني هنا يا رفيقة القلم ـ ليلى قصراني ـ أن أقول بأنك الإنسانة الوحيدة التي تمثلت فيك مشاعر الإنسانية الحقة حين جَسّدتِ ما طرحتيه في مقالتك , ومن بين ما لا يحصى من حملة الأقلام العراقية فيما يدبجوه في المواقع التي لم تعد تُحصى.
هذا الإقدام ليس بالغريب علينا طالما عرفناك من خلال مفاهيم روايتك " سهدوتا " التي هي الأخرى مأثرة في الكشف عن واقع مكونات الشعب العراقي ومن بينها الشعب الآشوري كما هو الحال للعائلة الأرمنية المتمثلة بعائلة خاجادريان.
ما أتمناه منك أن تبري قلمك بحد السيف وتسترسلي على صياغة ما قدمتيه لنا بإسلوبك السلس وخيالك التألقي من منطلق محاورك الخمس مصاغة في خمسة فصول لتضيفي فكرة حداثوية الى رفوف المكتبة الإنسانية لخدمة الفكر الإنساني من واقع المجتمع العراقي الحالي الذي اختلط فيه الحابل بالنابل.
ميخائيل ممو / السويد
* مقالة ليلى قصراني على الرابط التالي:
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,631650.0.html

116
التعازي / رسالة شكر على التعزية
« في: 11:06 07/11/2012  »
رسالة شكر على التعزية

أصالة عن نفسي ونيابة عن ذرية شقيقتي المرحومة نرجس ممو ـ متي وذويها  والمقربين لها، لا يسعني في هذه اللحظات التي يحز مصابها الأليم في أنفسنا إلا أن أرفع أسمى آيات الشكر والإمتنان مشحونة بالتقدير والعرفان لكل من واسانا وشاطرنا الأسى والحزن من الذين احتشدوا للمشاركة في تشييع جنازتها، ومن الذين حضروا القداديس التي أقيمت عن روحها في امريكا والسويد والعراق واستراليا وانكلترا ولكافة الذين اتصلوا هاتفياً وتدويناً عن طريق البريد الألكتروني وحقول التعازي في موقع ألقوش نت وعينكاوا كوم.
وفي الوقت ذاته نتضرع الى الباري عز وجل ونبتهل من جلالة عظمته أن يبعدهم عن كل مكروه، ويخفف من أحزانهم وأن يرفلوا بتباشيرالسؤدد والطمأنينة وبالقدر الرفيع مع طول البقاء في حياتنا الزمنية. آملين أن يتغمد الله موتاكم بواسع رحمته ويسكنهم فسيح جناته، وجزاكم الله عنا خير الجزاء.

ميخائيل ممو / السويد

118
علينا أن لا نتحجج من مرارة الدواء
( ردّ على ردّ )
بقلم: ميخائيل ممو
   سبق لي واطلعت على مقال من أحد الأساتذة من رواد موقع عينكاوا كوم حين تم حشر اسمي فيه بشكل غير مباشر بدلالة الصفات التي اتمتع بها والمواقف الخاصة من المهنة التي ازاولها وعلى وجه الخصوص مجال الكتابة والتأليف والتعليم ، ولا أعلم لماذا لم يصرح علناً كاتب المقال ما يعنيه بمواقفي من حيث التسمية اللغوية. وبما أن مواصفاته اتخذت طابع التحفظ من ذكر الإسم، فأنا الآخر سأنحي ذات المنحى في ردي المباشر قائلاً:
   لم تُضرب الأمثال هباءً، ولم تُدوّن جزافاً  طالما فيها من المعاني التي يُستعان بها في الحديث والمناقشة، ومنها ما يضاهي أبرز ما ورد على ألسنة الأنبياء والحكماء والفلاسفة من الذين يشهد لهم التاريخ فيما ذهبوا اليه من أجل الإصلاح والتوجيه الصائب كمصدر للمشورة المبتغاة. وبما أن تلك الأمثال والأقوال المأثورة استنبطت بفكر واعٍ  ورأي ثاقب من منابع تجارب الحياة فيما تعمد اليه بمضاهاتها لمصادر الوحي الإلهي ، فلا محالة من أن يتم الإمتثال لها، والإستشهاد بها لتقويم إعوجاج ما ، بإسداء النصح والإرشاد، وتقويم ما يمكن إصلاحه لمن لا يستدرك نتائج أعماله أو سلوك تمنطقه بعدم مجاراته لها، وبما يفرضه واقع ومضامين تلك الأمثال المُجدية لإيقاظ الأحاسيس وتحفيز المشاعر.

   من خلال هذه التقدمة القصيرة  أود الإشارة للمثل الشعبي الشائع الذي مفاده " أتريد أكل العنب أم قتل الناطور؟! ". فإذا كان الغرض الرئيس من اقتناء العنب فلا ريب من اتباع الأساليب السلمية في إقناع الناطور وإرضائه على تحقيق المُبتغى. أما إذا كان الأمر في قتل الناطور من أجل حبيبات عنقود العنب فهذه جريمة لا تغتفر. كما وأنه ليس من المنطق أن يعمد طالب العنقود على اقتراف تلك الجريمة الشنعاء إلا فيما إذا حاد الفاعل عن القوانين المرعية وسار على خُطى أساليب المناهضة ليتبع ما ذهب اليه ميكيافيلي صاحب كتاب الأمير بمقولة " الغاية تبرر الوسيلة " أي بأية طريقة كانت لتحقيق الغاية المرجوة مهما كان حجمها. المثل المشار اليه ينطبق في معناه ومبناه على العديد من الأمور الحياتية التي تبغي تحقيق الهدف بأساليب سلبية أو إيجابية لتنفيذ المرام. كما وأنوه لمضمون المثل المذكور حصراً على ما سأتطرق اليه أدناه.

   يقودني هذا العرض إلى التنويه عما يذهب اليه بعض أبناء شعبنا ( بكافة تسمياته ) المتنورين والمثقفين ـ ناهيك ممن هم عكس ذلك ـ أثناء تمنطقهم بأساليب النقد والعزوف أو السخرية والاستهجان من منطلق التعصب الطائفي والمذهبي على عدم السماح لفلذات أكبادهم من تعلم اللغة الأم, المسماة بعرفنا الآشورية من منطلق هويتنا ووجودنا القومي, التي يُعنى بها أيضاً بمفردة السريانية عربياً، كونها معربة ومترجمة عن المفردة الإنكليزية " اسيريان " لأحكام نطقية تمليها قواعد اللغة العربية في مجال الحروف الشمسية والقمرية أثناء شمولها بأل التعريف. فإن كانت لفظة السريانية في صياغتها مستمدة من الآشورية على ضوء متطلبات التحوير النطقي أو اللفظي فما الضير من استعمال المصدر بدلاً من تهجين الأصل والإمتعاض منه أو الإستخفاف والإشمئزاز دون مبرر، واعتبار المفردة الآشورية من الوخزات التي تشلل أنسجة البنية الفكرية بإفرازات انفعالية.
 
   وبما أن موضوعنا هنا ليس الخوض في معمعة وإشكالات جذور ومنشأ التسمية التي تجرنا في أودية ودهاليز التفسيرات اللغوية من مبنى ومنطلق التيارات المناوئة والمؤيدة، آلينا على أنفسنا أن نضيف رأينا لأولئك الذين تصلنا وخزاتهم بشكل غير مباشر، ويتشكون من الأذى الهائل الذي نسببه من خلال تسمية اللغة الأم للتعليم باللغة الآشورية بأنها مبعث إقصاء الكثير من تلامذة أبناء شعبنا من المذهب الفلاني عن التحاقهم تحت سقف ومسيرة ما تُسميه وتفرضه المدارس الرسمية في السويد ودول أخرى كأستراليا وروسيا وأرمينيا في مدارسها ومؤسساتها الرسمية, وبالتالي حرمانهم من اللغة الأم لتضفى عليهم صفة الأمية التي هي ذات اللغة المنطوقة والمستعملة بذات السمات وذات الأبجدية بنحوها وصرفها أي قواعدها بشكل عام، وزد على ذلك ذات اللغة الطقسية بين أروقة الكنائس المشرقية والمغربية  ومواضعها التي يتولى عليها الكهنة من تقديم الذبيحة الرمزية أي المذبح (مدبخا), بالرغم من تفاوت ظواهر اللهجات المستعملة والمتوارثة التي أملتها الظروف الجغرافية والإنتماءات العشائرية إلى جانب المعايشات الإقليمية في العديد من مناطق تواجدهم.
   أود الاستدلال، هنا، من خلال تجربتي  ذات الأربعة عقود في هذا المضمار من حيت التأليف والتعليم ومعايشاتي الدائمة بأن الأمر لا ينحصر في التسمية اللغوية إلا لدى من هم قابعون في ركن إنطوائي ممن يشيدون بتأويلاتهم وتبريراتهم غير المنطقية بحجة النعت اللغوي، بالرغم من مشاركاتهم في مناسبات الأفراح والأتراح ، ليثبتوا بأننا شعب واحد إلا ما ندر ممن نعنيهم هنا.
وبغية دحض ما يعوّل عليه البعض من تبريرات لا تمت للواقع العلمي والتعليمي والمنطقي والتربوي بصلة، نجزم ونؤكد بأن هناك العديد من تلامذة أبناء شعبنا، بإنتماءاتهم المذهبية المختلفة، سايروا العملية التعليمية والتربوية وفق مناهجنا التعليمية وتفوقوا في دراستهم اللغوية دون أن يحيدوا عن التسمية  ويمتعضوا منها، كون الدراسة تعتمد اللغة الأدبية وليست اللهجوية، رغم تفاوتها ـ نوعاً ما ـ عما إمتاز به الأولون من جهابذة اللغة في مختلف مناحيها الإبداعية.
   والنقطة الأخرى التي أود الإشارة اليها هو أن يحملني البعض جريرة التسمية على حرمان أبناء الجالية الكلدانية أو المذهب الكلداني من التحاقهم بدروس اللغة الأم في مدينتي، ويغيظ الطرف عن العديد من المناطق من أبناء ذات الجالية وبنسبة عالية جداً دون أن يتخلوا عن تلك المناهج ويؤكدوا سنوياً عن رقيها وصلاحيتها وفاعليتها رغم التسمية الآشورية لها. أليست هذه مغالطة من الذي (الذين) يعنيني بمقولة " هؤلاء الناشطون وهم يعيشون في مدينتي وهم أصدقائي يرددون مثل السيد شذايا: "شاء من شاء وأبى من ابى" حتى على حساب تدمير شعبنا لأن الأمية دمار."
   وتساؤلي هنا أين هو الدمار أو الأمية في تلك المناطق التي لا تشمئز من التسمية بنسبتها التي تزيد على من يؤمنوا بالتسمية الآشورية؟! أرى الدمار هنا يكمن فيمن يؤجج الجمرات الخامدة ليزيد من لهيبها اشتعالاً دون جدوى.
كما وهناك العديد من العبارات والاتهامات والمغالطات التي لا أود الرد عليها ( إلا إذا استدعت الضرورة ) بحكم مرونة الطبيعة التي أتمتع بها، طالما تم نعتي بشكل غير مباشر بمقولة " شاء من شاء وأبى من أبى " التي هي بعيدة عن  فلسفة حياتي الشخصية. ولست من أتباع من يؤمنوا بما يقوله الشاعر:
إذا كان رب البيت بالدفّ ضاربٌ      فشيمةُ أهل البيت كلهمُ الرقصُ
وفيما إذا كانت مفردة السريانية لوحدها تجعلني وطنياً فما هو دور باقي مقومات الشعور الوطني وعناصر القومية التي نتمتع بها وننضوي تحت لوائها؟! ثم من هو الناشط القومي؟ ألم يكن ذلك الإنسان الناشط الذي يحمل روحه على راحته، ويسعى لتحقيق مآربه في الوطن القومي بنشاطه الدائم؟! إذن والحالة هذه تعتبر الوطنية والمواطنة عادة ما يمليها نشاط الشعور القومي والإيمان بمبادئ الإنتماء لما يحلم به من لا وطن له على أرض الواقع المرير الذي يعيشه. لذلك أقول: إن فقدنا ذلك الحلم فقدنا نشاطنا وإيماننا وعمدنا إلى صهر وجودنا.
 
   لذا دعني أقول هنا بأن تحفيز البعض من أولياء الأمور أو المتنفذين اجتماعياً وسياسياً على حرمان التلامذة الأبرياء من التعليم اللغوي الأم بسبب التسمية الآشورية أو بسبب الإنتماء المذهبي والإقليمي للمعلمين الرسميين هو تبرير غير منطقي طالما الغاية تبرر الوسيلة بإسلوب إيجابي مجدٍ لمن يهدف تحقيق ما يصبو اليه. وطالما ينوي الفرد اقتطاف العنقود باستشارة الناطور، وطالما يتمتع المعلم بشرف المهنة في إداء مهمته التربوية والتعليمية دون فرق بين زيد وعبيد، أو بين عوديشو وعبد المسيح. ومن خلال التداعي السلبي المقصود والمتعمد من قبل من يتجاوز حدود الإعتدال يتناسى ويتغافل أن إسلوبه يزيد الطين بلة ـ شئنا أم أبينا ـ كوننا نزرع بذور الحقد والكراهية والاشمئزاز في نفوس فلذات قلوبنا وأكبادنا في مطلع حياتهم، وهم أبرياء من المخاطر المستقبلية التي تزيد من الابتعاد عن بعضنا لينطلق كل واحد باكياً على ليلاه في وادٍ مغاير.
ومما يدهشني ويثير استغرابي حين يخالف البعض ـ بما ذهبوا اليه ـ على تحفيز أبنائهم الإلتحاق بدروس تعلم اللغة العربية تحت راية العروبة والقومية العربية، دون دعمهم وإرشادهم على تعلم لغة وجودهم القومي أو الإثني، لغة آبائهم وأجدادهم, علماً بأن أنظمة وقوانين وزارة التربية لشؤون المدارس في السويد تنص وتؤكد بأنه يحق للتلميذ تعلم اللغة المتداولة في البيت كلغة رئيسية أي بمعنى اللغة الأم دون غيرها مع بعض الإستثناءات في حال عدم استعمال اللغة القومية في المحيط العائلي بشكل دائم أو أن يكون التلميذ ثنائي اللغة. والأدهى من كل ذلك حين يكون معلم اللغة العربية من أصول اشورية يتم القبول به لتعليم أبنائهم العربية ويرفضونه على تعليمهم لغة هويتهم القومية.
   إذا كان هنالك ثمة أعداد ضئيلة تتشبث بحجة التسمية اللغوية، فلا ريب في ذلك، ولكن الشك الغالب والحيرة المستفحلة  هي النسبة العالية من تلامذتنا الذين ينجرفون في تيارات أولياء أمورهم بتخييرهم على هواهم، وعدم إرشادهم إلى أهمية تعلم لغتهم الأم، رغم استعمالهم لها وبأية لهجة كانت، متناسين أهميتها وفاعليتها أيضاً في المعدلات السنوية للمراحل الدراسية. ولكي نثبت ذلك عن كثب، نشير لأقرب وأكبر دليل يؤيد زعمنا، وهو أن تجد في منطقة ما يتواجد فيها ما لا يقل عن خمسين تلميذاً يتحدثون بذات اللغة الأم متوفرة لهم سبل التعليم اللغوي في المدارس الرسمية، ولا تجد بينهم من التحق بدرس اللغة الأم سوى ربع العدد وفي كافة المراحل المدرسية. وقس على ذلك ما يتراءى في العديد من ديار الهجرة التي استضافت بني   شعبنا بكافة انتماءاته المذهبية سواء في الدول التي تتيح فرص تعلم اللغة الأم أو الدورات التي تنظمها الجمعيات الثقافية والإجتماعية والأخويات الكنسية بكافة تسمياتها الشرقية منها والغربية أيضاً، بدلالة البحث الميداني الذي أجريناه قبل سنوات في ثماني دول يقطنها أبناء شعبنا، والذي كانت نتائجه ما لا يتصوره العقل عن نسبة الأمية المتفشية في مجال اللغة الأم من منطلق تعريف منظمة اليونسكو لمفهوم الأمية.
من هذا الباب دعونا إذن نعالج الأمور على ما يجدي لغتنا وآدابنا وتراثنا لتطمئن أرواح جهابذة اللغة والقديسين الذين خلدوا الأدب الكنسي ليومنا هذا. أقولها ثانية:  نعم! دعونا نعالج الأمور ليس من باب التسمية أو الإنتماء الإقليمي والمذهبي  وأحياناً العشائري والسياسي، وأن لا نتحجج ونتذرع من طعم مرارة الدواء بالتخلي عنه وهجر أعراض الشفاء الذي يمنحنا الصحة والعافية ليزيد من معرفتنا ويثري لغتنا التي هي ذات اللغة المقدسة التي ننعتها بلغة المخلص. مع اعتذاري لمن ينفض الغبار الذي على كتفه من محتوى ما ذهبنا اليه. آملاً في نهاية حديثي أن يتعض من يرمونا بحجرهم أن يتأملوا بدقة فحوى ما ذهب اليه الشاعر في قوله:
كم قال غيري كلاماً لست أفهمه      وبِتُ أكتب ما لا يفهم الناس

وفي الوقت ذاته أن لا نتناسى ما ذهب اليه الشاعر المعري قبل ما يربو عن ألف عام مضت  حين قال:

الناس للناس من بدوٍ ومن حاضرةٍ    بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

وفي الختام لنتخذ عبرة من مقولة الشاعر الذي قال:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً     وإذا افترقن تكسرت آحادا


119
يوم المعلم العالمي
تحت شعار
" إتخاذ موقف للمعلمين




بقلم: ميخائيل ممو / السويد
mammoo20@hotmail.com

إن كان لأولياء الأمور دورهم في تربية وتنشئة فلذات أكبادهم وقلوبهم, فالمعلم هو نبع ذلك الدور, بما اغترفوه من علمه وتوجبهاته ليستقبلوا الحياة العملية. وإنْ كان الطبيب مصدر الرحمة، فالمعلم هو مصدر الحكمة، وكلا المصدرين يبشران بسُبُل الخير لبني البشر. الأول بالرحمة النفسية والجسدية للعليل ، والثاني بالحكمة الأدبية والعلمية لمواكبة الدليل، ذلك الدليل الذي هو بمثابة منبع إلهام للقرطاس والقلم، للتعبيرعن هاجس أحاسيس الألم وعن هاجس أفراح النِعم، وعن كل ما ينبغيه التدوين من الخواطر والوقائع والأحداث في كافة حقول العلم والمعرفة، رغم التطور التقني الذي يَسّرَ السُبُل أمام من هم في حاجة للإثراء اللغوي والمعرفي المباشر في كافة مجالات الحياة التثقيفية الشاملة.
فيما إذا توغلنا قليلاً في عمق التاريخ القديم، إنطلاقاً من مرحلة ما قبل التاريخ لوجدنا بأن التعليم ينحصر في مرحلتين هما ما قبل الكتابة الرمزية أي الصورية وما بعد إقرار التدوين الرسمي. في الحالة الأولى تم اعتماد التعليم والتوجيه والإرشاد الشفوي من خلال الممارسات المعرفية بمستلزمات الحياة آنذاك، وبمرور الزمن ومن منطلق حكمة الإنسان وولعه في الإبتكار تهيأت له أسس الكتابة المُعتمَدة التي كان مؤداها توسع آفاق التعليم، ليعم دويها في أرجاء متفاوتة من العالم إبتداءً مما احتوته ألواح ملحمة كلكامش في جنوب بلاد الرافدين وما ناظرها في العهد الفرعوني بالكتابة الهيروغليفية، إمتداداً للعهد الإغريقي من خلال ملحمتي الإلياذة وأوديسا لهوميروس تواصلاً مع ما ذهبَ اليه سقراط وافلاطون وأرسطو بإنتشار أشعة شمس فلسفتهم وتعاليمهم على العالم أجمع من خلال النقل والترجمة، إضافة لملاحم تعليمية أخرى المتمثلة بالميثولوجيا أي مجموعة الأساطير في الهند والصين وغيرها من بلدان العالم القديم التي اعتمدت البحث عن المجهول من أسرار الكون والخليقة.
وهنا يجب أن لا ننسى ما دونه الأشوريون والبابليون ما له صلة مباشرة بالعملية التعليمية والتربوية والقانونية على ضوء ما تسجله وتشهد له تلك الرُقم والألواح الطينية التي عثر عليها في بطون أرض الرافدين متمثلة بتعليم القراءة والكتابة والرياضيات والفلك وغيرها من العلوم، لتصبح تلك الآثار القيمة حبيسة المتاحف العالمية ومنها بشكل خاص في المتحف البريطاني بفضل ما جمعه مؤسس أول مكتبة عالمية الملك الآشوري آشور بانيبال.
إن مدعاة هذه التقدمة هو مَقـدَم " يوم المعلم العالمي " الذي يصادف في الخامس من اكتوبر/ تشرين أول من كل عام, والذي تم تسميته وإدراجه هذا العام تحت شعار " إتخاذ موقف للمعلمين ".
ولكي يكون القارئ على بينة من هذه المناسبة في حياة المجتمعات، لا بد لنا من الإشارة عن الدوافع التي حتمت منظمة اليونسكو الإتفاق على إقرار التوصية عن ذلك اليوم منذ عام 1966 تثميناً لمواقف المعلم, وليكون ذلك اليوم رمزاً  عالمياً حياً لوعي ومآثر المعلم بما يقدمه وينجزه في عمله من تثقيف وتطوير. ولكي تتخذ تلك التوصية طابعها الرسمي تم إقرار ذلك منذ عام 1994 إحياءً لذكرى توقيع التوصية المشتركة والمتفق عليها بتنفيذها من قبل منظمة العمل الدولية ومنظمة الإمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أي اليونسكو لتخص وتشمل واقع وأوضاع رجال التربية من المعلمين، إسوة بيوم اللغة الأم المصادف 21 شباط من كل عام ويوم الكتاب العالمي 23 نيسان وغيرها من المناسبات المعتمدة في دول العالم.
إن هذه الإلتفاتة الجليلة هي بمثابة  شهادة تقييم وتثمين لدور بناة الأجيال من العمل النبيل في تنشئتهم للحياة المستقبلية، وذلك بغية الشد من عزمهم على مضاعفة الجهد في تولي مهام رسالتهم الإنسانية على نشر الوعي، وما يتحسسون به في دعم وإسناد من هم بحاجة التنوير من التلامذة، وفي الوقت ذاته في الإقدام على تطوير العملية التربوية من منطلق ما يتوصل اليه الباحثون والمعنيون في مجال العلم والمعرفة، وكذلك بث روح الهمة والنشاط في ممارسات المؤسسات النقابية للمعلمين للدفاع عن حقوقهم لتحقيق الأهداف التربوية والتعليمية لتتماشى مع إنجازات العصر الحديث.
من خلال مطالعاتي تبين بأن منظمة اليونسكو توصلت لبعض الحقائق التي تهم التربية والتعليم لتحقيق المساواة بين الجنسين من المعلمين، إضافة لمضاعفة الكادر التعليمي الأنثوي على الذكوري ليتم التوازن بين الجنسين، إستكمالاً لمتطلبات إستحداث مليوني وظيفة جديدة في مجال الإحتياجات اللغوية التعليمية لتحقيق وتنفيذ وتعميم عملية التعليم الإبتدائي بحلول عام 2015 من منطلق الواقع الملموس للتقارير والتوصيات المعتمدة التي أبانت وكشفت بأن نسبة الفتيات والنساء في العديد من الدول تشكل معدلات عالية من الأمية ممن لم يلتحقن في مراكز ومدارس التعليم الإساسية. وبما أن منجزات التعليم هي أساس النمو والتطور الحضاري فلا محالة من إعتماد " يوم المعلم " كمنطلق لمؤشرات جديدة في كافة مراحل الحقول التعليمية والتثقيفية، طالما يشكل المعلم مركز الثقل لتلك المؤشرات، ولطالما تحتفل أكثر من مائة دولة بذلك اليوم رغم احتفاء البعض منها في أيام وأشهر متفاوتة من السنة، منطلقة من بعض الأحداث الوطنية والقومية لتلك البلدان، ومن الدول التي تعتمد اليوم المحدد نذكر البعض منها كروسيا والباكستان والفليبين ولتوانيا وأوكراينا وأذربيجان. آملين في نهاية كلمتنا أن تعِـر المؤسسات الحكومية ذات العلاقة إهتماماً بالغاً بذلك, وأن تأخذ بعين الإعتبار هذا اليوم الهام في حياة الشعوب في أية بقعة من أرض العالم, وبشكل خاص دول العالم الثالث والشعوب التي تناضل من أجل البقاء لتحقيق أهدافها على ضوء الشعار الذي تم طرحه هذا العام من منظمة اليونسكو بدعم مواقف المعلم, لتكن تلك المواقف الإيجابية المحفزة متشعبة في خدمته, والرفع من شأنه ليشعر عن كثب بأهمية مكانته ودوره الفاعل دوماً في خدمة المجتمع, كونه يشكل حجر الأساس في رقي أبناء شعبه في كافة المهن والوظائف التي يتبوأونها بحرصه وكدّه ورعايته على تنشئتهم وإيصالهم للمراحل الختامية من دراستهم. كما وأن أقل ما يمكن تقديمه إقامة المهرجانات الإحتفائية بمكانته من قبل الجهات ذات العلاقة المباشرة, مع تثمين وتقييم دور المبدعين في مجال اختصاصاتهم المنهجية, إضافة لتشجيع الطلبة على المساهمة بما يبدر عنهم من فعاليات وغيرها من المبادرات التي تجعله أكثر حرصاً وأبلغ أثراً وأرفع شأناً.
وفي خاتمة المطاف لا يسعنا بهذه المناسبة إلا أن نتقدم بخالص التهاني وأبهى الأماني للمعلمين بهذا اليوم الموسوم بإسمهم، كما وننقل لك ـ قارئنا العزيزـ  البعض من عبارات التبجيل بحق المعلم التي تشهد بفضله والتي منها ما يلي:
* " الحمد لله الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم "

* " المعلم كالشمعة التي تحترق لتضئ الدرب للآخرين "

* " من علمني حرفاً , صرت له عبداً " أي لفضل تعليمه وجميله.

*     قُــم لِـلـمُـعَــلِّـمِ وَفِّــه الـتَـبـجــيـلا     كـادَ الـمُـعَـلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
     أعـلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَــلَّ مِنَ الَّذي   يَـبـنـي وَيُـنشِئُ أَنفُساً وعُقولا
      سُـبـحــانَـكَ الــلَـهُـمَّ خَـيـر مُـعَـلِّـمٍ   عَـلَّـمتَ بِـالقَلَمِ القُرونَ الأولى

*    لا تعجبوا إن صحتُ يوماً صيحة ً    ووقعتُ ما بين البنوك قتيـــلا
      يا مـن يـريـد الانتحــــار وجـدتـه     إن المعلم لا يعيش طـــــويلا

*    لــولا المعــلـمُ مـا قـرأتُ كـتابـــاً     يوماً ولا كتبَ الحروفَ يراعي
      فـبـفـضلهِ جـزتُ الـفضاءَ محـلقـاً     وبعـلـمهِ شـقّ الظـلامُ شعـاعي

*    أقـدّم أسـتـاذي على نـفــسِ والدي    وإن نالني من والدي الفضل والشرف
      فذاك مربي الروح والروح جوهر   وهذا مربي الجـسم والجـسم كالصدف



122
جولي
أمرأة من الماضي القريب

بقلم : إيفلين عوديشو قليتا




أنه لكلام جميل أن يقال بأن عمر الأنسان رحلة, نعم قد أكون أنا واحدة من أولئك الناس , قد أختصر عمري في هذه الرحلة التي أخذتني الى أيام طفولتي سائحة في شمال الوطن , أتسلق الأشجار والوديان والمرتفعات مع أخوتي ونغمر ارجلنا في مياه العيون العذبة الجارية من بين صخور الجبال.
نعم هذه كانت طفولتنا وما كان يعنيه لنا شمال الوطن في تلك المراحل من حياتنا . أما أن آتي بعد سنين طويلة لأعود الى نفس البقعة من التربة التي مشيتها حافية القدمين وتسلقت أشجارها بحثاً عن الثمار لأقطفها , أعود اليها محملة بأحلام نسجها خيالي الواسع سابحاً في سماء الحب والجمال والشوق لكل شئ أسمه (وطن). هذه هي قمة السعادة لي . فقد وجدت الحُّب الذي حلمت به والجمال الذي رسمته في خيالي والشوق الذي أطفأته الأحضان التي استقبلتني حالما وطأت قدماي تربة الوطن.
كل هذا يأخذني الى الساعات الأولى من رحلتي الأخيرة الى الوطن , ففي الساعة الأولى من ركوبي الطائرة جلس الى جانبي شاب في العشرين من عمره ومعه صديق من نفس العمر , أحدهم ذو سحنة فاتحة تميل الى البياض والثاني كان أسمر اللون يميل الى سحنة داكنة, المهم في الأمر, سمعتهم يتحدثون الآشورية في اللحظة الأولى من جلوسنا على مقاعدنا , وربطنا أحزمتنا,  وحتى قبل أن تقلع بنا الطائرة . قلت في نفسي مبتسمةً لحالي (هههه, إذاَ لن تموت لغتنا الغالية كما يتشاءم البعض بهذه المقولة , ما زال فيها شباب يافع ينطق بها كهذين الشابين. أبتسمت وقلت لهم بأنني آشورية مثلهم ويسعدني أن ألتقي بشباب يافع مثلهم ويتحدث اللغة الأم بطلاقة , أخبرني الجالس بجانبي بأنه أصلاً من نوهدرا / العراق  وأسمه آشور, وزميله الجالس في المقعد الأخير بأنه اصلاً من تركيا من قرية تسمى حسَّن  أو (حسَّانه) وأسمه سركون أو سرخدون, على ما أتذكر, كتمت في نفسي الدهشة لعدة أسباب, أولاً لأنني لم أشأ أن احرجهم بإستفساراتي المتعددة, ولأنني لم أكن قد سمعت بهذا الأسم لقرية آشورية من قبل , أعادوا لفظ الأسم عليِّ عدة مرات حتى تيقنت بأنني الفظ الأسم صحيحاً . أستدركت نفسي وسألت (سركون) كيف له أن يتحدث الآشورية بطلاقة وهم من قرى آشورية في تركيا , فالمعروف لدينا بأن أبناء جلدتنا من تركيا يتحدثون باللهجة السريانية الغربية كما نطلق عليها أحياناً , أخبرني , بأنه قد ترك تركيا وهو طفل صغير بعد أن أُحرقت قريتهم حسَّن (حسَّانه) والتي يتحدث أهلها بلهجة قريبة جداً للآشورية التي نتحدث بها نحن , وهاجر سركون مع عائلته الى المانيا حيث كان قادماً منها الآن للأشتراك في أحتفالات أكيتو لهذا العام (6762 آشورية / 2012 ميلادية)  والأشتراك مع بقية الشباب الآشوري القادم من جميع أنحاء العالم لحضور أجتماع  أتحاد الطلبة الآشوري العالمي المنعقد في نوهدرا .
أخذتني فرحة الوصول الى الوطن بعد غياب سنين طويلة,  وفرحتي بلقاء الأحباب من الأصدقاء والأقارب والزملاء, وغمرت روحي بسعادة لا توصف وأنا أرى أبناء أمتي قد تنفسوا الصعداء بعض الشئ .
في غمرة من كل هذا, كانت لي مفاجأة أخرى ومن نوع غريب بعض الشئ التي أعادتني الى مقعدي في الطائرة والشباب الذي جلس بجانبي . هنا كانت التي جلست بجانبي أمرأة من الماضي القريب .
أسمها (جولي) , رضيعةٌّ وُلِدت من أبوين آشوريين في قرية حسَّن (حسَّانه) من جزيرة بوتان , عندما ذهب والدها لتسجيل أسمها, قال له الكاتب التركي, هذا أسم مسيحي, لا يصح أن تسميها به, من اليوم  يصبح أسمها (ﮔولي) فأصبحت تسمى (ﮔولي) بالتركي ومعناها (الوردة) .         التقيت بهذه السيدة العظيمة والغريبة عنّا جميعاً في إحدى الأمسيات في بيت أبن عمِّها في ناحية عين كاوة من مدينة أربيل . هذا ما روته لي في تلك الأمسية من ليال الربيع بعد عودتنا من أحتفالات الواحد من نيسان رأس السنة الآشورية.  (هنا تذكرت ما قاله لي (سركون) وهو أحد الشابين الذين جلسا معي في الطائرة بأنه غيَّر أسمه من أسم تركي الى أسم آشوري عندما غادر تركيا الى احدى البلاد الأوربية والتي كان قادماً منها لزيارة الوطن الذي ينتمي اليه, ولم يراه أبداً.) يبدو أنه كُتِب على شعبنا أن يعيش بغير هويته, فإما أن يُجبَر على تسمية ابنائه بأسماء الشعوب التي أحتلت أرضه, أو نحن نغير أسماءنا بأنفسنا جرياً وراء هويةٍ أخرى هرباً من واقعنا المرير.
المهم في الأمر أن جولي أمرأة قدمت الى العراق تفتش عن أقربائها الذين تعرف عنهم فقط ما سمعته من والدها الذي أوصى بها أن تفتش عن أقربائها الذين هاجروا الى العراق بعد المجازر الشنيعة التي تعرضروا لها بناءً على آوامر صادرة من السلطات التركية آنذاك في بداية القرن العشرين , وتتواصل معهم لتصون ذات القربى بينهم, ولتحتفظ الأجيال القادمة بصِلة الرحم هذه.
كانت جولي قادمة من بلجيكا, إبنتاها الإثنتان قد تزوجتا من شابين آشوريين، ولظروف خارج نطاق ارادتهم كانو قد تركوا مدينتهم عين كاوة وأستقروا في بلجيكا, وبعد جهد سنين طويلة وبالسؤال والأستفسار , علمت جولي بأن أبن عم والدها  يعيش في عين كاوة مع عائلته الكريمة. وعلى أثر ذلك شدَّت جولي الرحال مع إبنتيها وأزواجهم الى عين كاوة, وحلَّت ضيفةً على ابن عمها وعائلته .
جلستُ أحادِث جولي, متشوقةً لسماع حكاياتها الغريبة. في المقدمة كنت قد أخبرتكم بأنها أمرأة غريبة, لا تتعجبوا فهذه السيدة يمكن أن أصفها لكم بأن تكون في نهاية العقد الخامس من عمرها, ولكن الدهر قد أخذ منها مأخذه, فقد مرّت جولي بفترات عصيبة من حياتها , عانت ما عانته من الأمراض ومشاكل صحية عديدة الى أن أدت إحدى العمليات الجراحية التي أجريت لها لأستئصال الغدة الدرقية كانت نتيجتها أن بّحَّ صوتها بحيث أصبح من الصعب عليها التحدث بطلاقة ولو لدقيقة أو دقيقتين من دون أن تتوقف لتتنفس ثم تعاود الحديث مرة أخرى, وهكذا كان الأمر في غاية الصعوبة لي أن أستطيع ألتقاط  الكثير من الكلمات وخاصة أسماء القرى التي كانت تذكرها من دون مساعدة من إحدى بنات العائلة المضَّيفة . تقول جولي بانها عانت من تسع عمليات جراحية في فترة قصيرة, سألت الرب أن يمنحهها السلامة وخاصةً في صوتها لكي تستطيع أن تروي ذكرياتها ولو أنها مؤلمة وشهادتها لما جرى في القرى المجاورة لقريتها (حسًّانه) من جزيرة بوتان .
هكذا كانت روايتها الحقيقية والمؤلمة عن ما تتذكره جولي وما شاهدته بأم عينيها ما كان يجري للقرى الآشورية الواقعة ضمن جزيرة بوتان في جنوب تركيا .
بدأ الأمر بعدة سنين قبل بداية التسعينيات من القرن الماضي حيث أشتدت ضربات حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي التركية ضد السلطات التركية, والشعب التركي بأجمله , فوصل الأمر بالسلطات التركية أن تتبع المطاردين من متمردي حزب العمال الكردستاني في كل البقاع من الأراضي التركية, حتى وصل الأمر الى مطاردتهم في جزيرة بوتان مدّعيةً بأن أعضاء الحزب المُطارد يأخذون من قرى جزيرة بوتان مأوى لهم, أو أن آهالي هذه المدن و القرى يتسترون على متمردي الحزب. وهكذا وجدت السلطات التركية أن من حقها حماية مواطنيها من هؤلاء المجرمين في اي مكان كانوا وبأية طريقة ترتأيها, وكان من ضمن خططها أن تهجم على القرى الآشورية في جزيرة بوتان بعد أنصاف الليالي لتحَّوط كل قرية أو قريتين معاً حيث يرقد أهلها بسلامٍ وآمان في بيوتهم, ولا يصحون إلا على أصوات القنابل والأعيرة النارية تطلق عشوائياُ لإرهاب أهل القرية, ومن ثم إشعال النيران فيها لتتصاعد ألهبة النيران والحرائق من شتى أطراف القرية المحترقة بأشجارها وبيوتها, يحاول الأهالي الهرب بكل ما أوتوا من قوة وسرعة لينجوا بأنفسهم مع عوائلهم تاركين وراءهم كل ما يملكون, متاعهم اليومي , مدَّخراتهم , مزارعهم , محصولهم الذي أتلفته النيران , بيوتهم المحترقة, والأغلى من كل ذلك , أراضيهم التي ورثوها عن أجدادهم , ولدوا وتربوا فيها, سمُّوا بإسمها لآنها موطنهم الأصلي وهم من ابنائها  الأصليين, تتراءى لهم وأمام أعينهم, تُسلَب, تُنهَب وتُحرَق وهم غير قادرين على حمايتها .
يا ترى أين كانت منظمات حقوق الأنسان الدولية حينها ؟
هذه الجرائم لم تحدث في القرون الوسطى !!!!!!!!!!!!
بل حدثت قبل عشرين عاماً, في القرن العشرين الحضاري !!!!!!!!!!!!!!!
لقد أُحرِقت مئات القرى والأقضية في جزيرة بوتان في العقد الثامن والتاسع من القرن الماضي. بناءً على ما ذكرته هذه السيدة العظيمة (جولي).  فقد حدث كل هذا في نهايات الثمانينيات وبداية التسعينيات. أما قريتها حسَّن (حسَّانه) فقد أحرقت عام 1993 من قبل الأكراد, ثم سكنوها وعمَّروا فيها بيوتهم, وفي السنوات الأخيرة, سمع سكان حسَّن (حسَّانه) بأن الأكراد قد أستملكوا القرية, قدموا شكاوى الى الحكومة التركية التي كانت قد غيرَّت من سياستها تجاه سكان القرى الأصليين, وبعد أن أصدروا قوانين مدنية جديدة تعيد الحق لأصحاب الأرض الأصليين, حيث تم إخراج الأكراد من هذه القرى ليعود أصحابها بأستملاكها مرة أخرى .
أنها خطوة إيجابية لا يمكن التغاضي عنها, حيث قامت الحكومة التركية الجديدة بإعادة الأراضي لأصحابها ومعها تعويضات مالية عن الأضرار التي لحقت بهؤلاء الأبرياء نتيجة الهجمات العسكرية عليهم وما خسروه من موارد طيلة هذه السنوات .
بقي أن نذكر هنا أسماء البعض من مئات القرى التي أُحرقت في تلك الفترة المريرة من تاريخ أمتنا بناءً على ما ذكرته (جولي),  وأرجو أن أكون قد وفقت في كتابة هذه الأسماء بلفظها الصحيح حسبما سمعته من هذه السيدة الكريمة .        
أما عن بعض القرى التي تتذكرها جولي هي :
كرجوليا – هيرات – راويتا – شاغ – سوربطمار – ديريكه – دادار - كرقوندا نه – شيياسوره – طورمره وأخيراً حسَّن (حسَّانه) .
ما أثار أعجابي بهذه السيدة هو إصرارها على أن تعيش حياتها بكامل صورها, وحبها الشديد لقوميتها وتحدثها بلهجتها الأصلية , وعندما كانت تحس بأنني لم أفهم ماقالته , كانت تجد مخرجاً لها بأن تستعمل مفردات آشورية صرفة لإفهام مقصدها من الكلام , وحتى الآمور الأجتماعية والسياسية لأبناء شعبنا وما يعانوه في الغربة لم تكن خافية عليها .
ندعو الله أن يطيل من عمر جميع الأمهات الصابرات على مآسي الدهر, و نأمل ألا تطول معاناة شعبنا الذي لا زال يعاني من مآسي الهجرة والقتل والضياع .



123
وداعاً... شاعرنا بنيامين ملكو
بقلم: ميخائيل ممو

mammoo20@hotmail.com



في اليوم الذي تنسم فيه الشاعر الآشوري الراحل بنيامين ملكو نسمة الحياة ، لم يكن يعلم بأنه تسلم سمة معترك الحياة التي تؤهله لخوضها, ولتقوده بالتالي تأمل محطات عديدة من قوافل العمر التي دام مسارها أكثر من 72 عاماً بأيام قربته الى المحطة الأخيرة من رحلته الحياتية الأبدية ، كما ولم يكن على دراية بأن تلك السمة قد نفذ مفعولها ليخلد الى الراحة في المحطة الأخيرة من حياته وهو مغمض العينين على فراشه , ليعيد تلك السمة الى باريها بعد انتهاء مفعولها الذي تحدد سريانها إبتداءً من السابع عشر من حزيران 1940 ولغاية الأول من تموز 2012 يوم وافته المنية  للرحيل الأبدي من الحياة الدنيوية.
ومن خلال تجاربه ومعايشاته الحياتية أدرك بأن الحياة هي أقصر من ذلك الخط القصير الفاصل بين تاريخ الولادة ـ وتاريخ لحظة الموت ، ليشد من عزمه على استغلال كل فرصة بما منّت وأنعمت عليه تجارب الحياة وقدرات ممارساته الادبية. فكان من هذا المنطلق يفجر طاقاته الفكرية وملكاته الراسخة في النفس بما يحبره ويدبجه من كتابات وتأملات تخمينية مستقبلية مستلهماً أياها شعراً ونثراً وحديثاً ينشر صداه بين أقرانه من السامعين في الجلسات والندوات لمناسبات متفاوتة ، وبين من يتأمل قصائده ومقالاته من القراء المؤمنين بما كان يطرحه بتواصل مستديم ، غير آبهٍ لوخزات الداء الذي لازمه في سنواته الأخيرة , طالما كان قد جعل من الإيمان الصادق الذي تحلى به وسيلة لتحقيق ما يصبو اليه عبر قراءاته الدقيقة لما يدور في خلد الآخرين ممن هم على قربٍ وبُعدٍ منه , مستنبطاً أياها من واقع الشتات المرير, ومن معايشات التهجير والتذويب والتعذيب القاسية , بما ألـَـمّ بأبناء جلدته من معاناة ، ومما عاناه هو الآخر برهافة حسه وعمق تفكيره وآلام معايشاته في الوطن الأم وديار الهجرة الأليمة طالما كان قد شبّ وشاب على ارضية الوعي القومي والسياسي منذ وعيه لوجوده الإثني الذي شحنه بإلتزاماته التي لم يحد عنها طيلة حياته النضالية سلباً وإيجاباً.
هذا ما كان يشعر به شاعرنا الراحل , وما كان يثبته ويطبقه على أرض الواقع , لا يقل شأناً عمّا عاناه ونادى به من سبقوه ورحلوا قبله من أدباء وشعراء ومبدعين بغية الإستقرار في المحطة الأخيرة من حياتهم. وها هو الآخر يحذو حذوهم ليلتقيهم كضيف وعضو جديد في منتداهم السرمدي برؤاهم اللامرئية في الديار الأبدية. يتطلعون بمنظار النظرة الحسية , ويتأسون بنفحات المشاعر الروحية , آملين تحقيق ما انتابهم من أحلام على تجسيد وتفعيل ما حفظته سطور طروس التاريخ الحديث.

ومن جملة ما يخطر على بالي ويتفاعل في مخيلتي من ذكريات مع الفقيد الراحل لتدعني أدون هذه المرثية وفاءً له من بعد رحيله هي تلك النداءات الهاتفية التي قربتنا من بعضنا بفضل اليراع الذي التزمناه سلاحاً مشتركاً بيننا لنتجاذب أطراف الحديث عن واقعنا بشكل عام ، وعن مسار واقعنا الأدبي واللغوي بشكل خاص ، بالرغم من عدم لقائنا مسبقاً , لحين لقاؤنا بفضل موقع خابور كوم في الحفلة التكريمية في شيكاغو قبل سنوات والتي حظيت بها وثلاثة من المبدعين حيث جعلتنا على قرب ليتكرر اللقاء على مدى عدة أيام , ومن خلال قرينته الفاضلة ليدا لاوندو التي تبنى صوتها الرخيم لتجسد أفكاره القومية التي شاع دويها وانتشر صداها بين أبناء شعبنا.
هذه هي الحياة.. كل واحد منا يأتي دوره في لحظة غير متوقعه ولم تكن في حسبانه رغم معرفته بأن الموت سيطرق بابه بشكل مباغت, إلا أن الراحل بنيامين ملكو لم يكن ذلك الإنسان الذي يخامره ويهيبه قلق الموت ـ كما ألفته ـ كونه تشبث بثقته في الحياة ، وكونه آمن بأن العطاء الدائم هو روح الحياة ، فكان حقاً الغصن اليافع من فروع تكوين الشجرة الأدبية المعطاءة التي تتساقط ثمارها اليانعة وتتناثر أوراقها تباعاً بين فترة وأخرى كرحيل ادبائنا وشعرائنا من عالم الساحة الأدبية  من تأثير معاناة زخم العطاء ومن تأثير وخزات من لا يثمن ذلك العطاء كحالة نفسية تؤكدها تطبيقات علم النفس.
المؤسف حقاً والحالة هذه ، وعلى حين غرة هو أن نفتقد انساناً عانى من أجلي وأجلك ، ومن أجل بناء المجتمع الواعي دون مقابل ، لا الذي يعاني ويعمل من أجل نفسه ولنفسه ، ولا يدع الأخرين ينتفعون من ثمار وجوده.
من هذا المنطلق نقول لأسرة الفقيد الخسارة التي منيتم بها هي خسارتنا جميعاً ، ليلهمكم الباري الصبر والسلوان ويسكن زميلنا وأخينا الراحل فسيح جناته.

***
ولكي يكون القارئ اللبيب على دراية ومعرفة عن سيرة حياة الراحل وما خطته أنامله نستعرض بإقتضاب رحلته التي نوهنا عنها , حيث أنه ولد وترعرع في قرية تل تمر التي انجبت العديد من الأدباء والشعراء والفنانين من الذين تشهد لهم أعمالهم في الساحة الأدبية والفنية والإجتماعية. وأقل ما يمكن ذكره عن مبادئ لغته الآشورية ، إن مِن جملة مَن تتلمذ على أيديهم هو الأب الراحل الجهبذ بولص بيداري. درس في المعهد الزراعي بدمشق ، بعدها شدّ الرحال عام 1960 الى بيروت حيث قضى عشر سنوات مواظباً في الحقل الأدبي وفي مجال المسرح بشكل خاص من خلال ما كتبه من مسرحيات هادفة جسدت مضامينها على خشبة المسرح بجهد الشبيبة الآشورية.
وفي عام 1970 راودته فكرة السفر الى امريكا ملتحقاً بالفناء الجامعي لدراسة الصحافة ، ومنهمكاً بما تمليه عليه تصوراته ، ناقلاً أياها بالصياغة الشعرية التي منها الشعر الغنائي ليتحف العديد من الفنانين بما يتناسب والشعور القومي ، وأبرز ما نظمه تلك الكلمات الدررية التي ما فتأت تتلألأ في سماء الأغنية الآشورية الهادفة من حنجرة ولسان المطرب القومي آشور بيت سركيس حين يصدح قائلاً: ( بيت نهرين اتري وَت لِه منشِنخ ) بما معناها ( وطني ما بين النهرين لن انساك ). وإلى جانب ذلك كتب العديد من المقالات باللغة الآشورية والعربية والإنكليزية ونشر في مجلات متفاوتة التي منها: مجلة آشور ، مهديانا ، زهريرا ، باصويا ، بين النهرين، خيروتا وغيرها من المجلات. انحصرت مؤلفاته التي من الصعب حصرها هنا في عدة مجالات تمثلت في الحقل المسرحي الدرامي والدواوين الشعرية والمقالة ، إضافة للترجمة التي خص بها ثلاثة مؤلفات هامة من الإنكليزية إلى العربية وهي: 1. رحلة هنري لايارد لجبال آشور. 2. سراج آسيا المرتعش , تأليف القس يوئيل بابا. 3. العالم بلا يهود , لكارل ماركس. ناهيك عن نتاجات أخرى التحفتها رفوف خزائنه ، حالها حال مخطوطات من سبقوه من أقرانه بتفتح قرائحهم على ما لا يحصى من النتاجات التي لا زالت طي النسيان من ذوي الإهتمام والجاه ممن تصدح أصواتهم في المنتديات على أصوات قرع الأقداح.
تساولي هنا: حتام تظل تلك الإبداعات الفكرية التراثية اللغوية تشكو الإنعزال؟! وحتام نظل نتأسى ونتأسف على ذكر رحيل أصحابها , ومن دون أن نسعدهم بوردة بائسة وكلمة شكر صادقة في أيام حياتهم؟! آملاً أن تدغدغ كلماتي هذه مشاعر من ينفض الغبار من على كتفه.


126
نتاجات بالسريانية / عبرا د اتري
« في: 11:19 13/04/2012  »

127
المطرب الستيني إيوان شمديناني
 في رحلة أبدية


( 1942 ـ 2012 )

بقلم : ميخائيل ممو

نشأ وترعرع في ربوع قوميات متعددة ومتآخية ، وعلى مرتع اتسم بالسعة والرغد ، تنسم وتنشق أريج تلك المدينة الأثرية الشامخة " اربخا " بعراقة وجودها منذ زمن الملوك الاشوريين المعروفة حالياً بإسم " عَرَفا " أي كرخ سلوخ ، كركوك الحالية ، المألوفة بنارها الأزلية وقلعتها الآثرية.
اكتسب من مآثرها التراثية وعياً وإيماناً ، جاعلاً منهما أداة لبناء معبده الذي تنسك فيه ، مستلهماً ما ترنم وتنغم فيه من ألحان طعّمها بصوته الشجي الرخيم ، وكأنها أصداء برونق مزامير مستحدثة في العهد الذي كانت أجواء العراق تتنعم بصفائها وهدوئها في مطلع الستينيات ، وفي الوقت الذي صدحت عالياً مفردات القاموس الآشوري على ألحان وأنغام وأصوات نخبة من المطربين الآشوريين وأصحاب القلم الحر، ومن بينها صوت الشاب اليافع ايوان شمديناني الذي سطع كنجمة صباحية ليترنم بجرأته ويعزز مبادئ انتمائه القومي، وليخاطب الوطن والطبيعة والحبيبة وغيرها من المضامين بلغته الأم ، لتكون تلك اغنياته بمثابة الطيور المهاجرة في أرجاء الوطن وعالم الإغتراب.

بدأ اهتمامه بالواقع الفني الآشوري منذ طفولته حينما كان يستذكر أيام الأعياد بإنطلاقة المجاميع الآشورية المحتفية آنذاك لتقديم التهاني من بيت لآخر وعلى التوالي ، وبشكل خاص حين كان يصاحبهم دوي المطرب يُؤاو إسحاق الذي كانت له مكانة خاصة في قلب المطرب الشاب ، وبالتالي تأثره به ليقتفي دربه بإسلوب حداثوي ، متبوءاً خشبة المسرح لأول مرة في عام 1960 وهو في الثامنة عشرة من العمر صادحاً بكلمات ولحن أول أغنية له التي مطلعها:
آنا مو تاتن .. انا مو تانن ... قا خليتا دلبي مو تانن
رخقا من لبي هويلا ... كو لبي دردِه دريلا
والتي ترجمتها:
أنا ماذا اقول .. أنا ماذا اقول ... لحبيبة قلبي ماذا أقول
بعـيـدة عن قـلـبي اصـبحت... وبقلبي الآلام قد زرعت

وعلى أثر ما لاقته باكورة أعماله الغنائية ، بهمة وعزيمة من هزتهم مشاعر التأليف والتلحين من الشباب أمثال اوشانا جنو وجان دشتو  ووردا نسطورس وجيمس إيشا ويوخنا خنانيا وسركون يوسف ورابي جبرائيل التفوا حوله ليجسد كلماتهم والحانهم بصوته الجهوري والشجي ، رغم شحة الساحة الغنائية من الأصوات الشبابية في تلك المرحلة ، متأثراً بالمطربين اوشانا يوئيل وبيبا، مشكلين انطلاقة شبيهة بجماعة كركوك الأدبية التي اثبتت وجودها في نهضة الأدب العراقي ، شعراً ونثراً في تلك المرحلة ، ولكن بمسحة اشورية في الحقل الغنائي والفني ، لينطلق متألقاً الشاب شمديناني بمشاركاته في العديد من الحفلات والمناسبات الإجتماعية والقومية ، محفزة أياه في الإقدام على تسجيل أول اسطوانة عام 1972 لدى الموسيقار الشهير جميل بشير في بغداد متضمنة في صفحتها الأولى أغنية " يا كخوا أي أيتها النجمة " من تأليف ولحن الفنان تيدي نيقاديموس ، وعلى الصفحة الثاني أغنية " كومينا خليِه عينخ  أي عيناك السوداوان جميلتان " من تأليف ولحن الفنان والممثل البارع سامي ياقو ، ليزيد عليهما البومين من الأغاني عام  1979 و 1982.
ومن الجدير ذكره ، أنه إلى جانب تألقه في الحقل الغنائي وبعد تخرجه من المدرسة الثانوية كان قد التحق بمعهد المعلمين ليتخرج منه ممتهناً سلك التعليم في مجال اللغة الإنكليزية ، وفي الوقت ذاته توليه رئاسة النادي الوطني الآثوري الإجتماعي في مرحلة الثمانينيات ولعدة دورات انتخابية.
ومما يؤسف له إن الظروف العصيبة التي لم تكن على البال في حينها كانت قد حتمت عليه لمواقفه الشريفة ودماثة خلقه وشعوره القومي أن يشد الرحال لعالم الهجرة والإغتراب إسوة برفاقه الذين سبقوه قبل ذلك ، ليمكث طيلة حياته على أرض السويد ، منعكفاً في صومعته ليعيش دوماً على أحلام الذكريات ، متأسياً على الواقع المزري في الوطن الأم ، وعلى ما يعانيه أبناء جلدتنا في عالم الإغتراب رغم استئناسه بعض الأحيان على حضور بعض المناسبات القومية التي ينطمها نادي بابيلون الآشوري في المدينة التي يعمرها.
 
ومما ألفناه من محادثاته كان ينظر للأغنية بأنها بحاجة لجهد كبير لا يدركه السامع الذي تصل لآذنيه ومداركه كاملة بتكوينها الثلاثي المتمثل بالكلمة واللحن والصوت في إطار الإداء المتشابك برونق وبهاء ، بالرغم من عوامل التقنيات التي لم تكن على ما هو عليه اليوم.
وما أجمل أن يلتقي في حينها ثلاثة من مشاهير كركوك في مطلع شبابهم ليتركوا لنا بصماتهم على العديد من النتاجات  ومن المآثر ما يُحمد لها ، لتكون شهادة للتاريخ في مجال الأدب والنحت والغناء ، وهم الشاعر البارع سركون بولص والرسام النحات المتألق باول عيسى والمطرب ايوان شمديناني الذي لم يمهله المرض العضال أن يعيش طويلاً ، ملبياً دعوة ومشيئة الرب في الساعة الواحدة والنصف من فجر يوم الإثنين المصاف 26 آذار 2012 في المستشفى الرئيسي بمدينة يونشوبينغ في السويد ، وليوارى الثرى في الثلاثين من ذات الشهر عن عمر يناهز السبعين عاماً.
لهذا الحدث المباغت ، لا يسعنا إلا أن نرفع لعائلة الفقيد ولأقاربه وأصدقائه  تعازينا الحارة ، آملين من الباري أن يسكنه فسيح جناته ويلهم ذويه والمقربين له الصبر والسلوان.

130
نتاجات بالسريانية / يمي
« في: 23:39 27/02/2012  »



131
احاسيس المولود الجديد في المجال اللغوي السديد
(بمناسبة يوم اللغة الأم العالمي)
بقلم : ميخائيل ممو
mammoo20@hotmail.com

تجاوب الجنين مع الحواس
منذ اللحظات الأولى التي يولد فيها المولود الحديث ، وهو يشم نسمة الحياة في عالمه الجديد ، عادة ما يحمل معه جملة أحاسيس موروثة من محيط عالم جوف الأم الذي استقر فيه سابحاً لفترة زمنية محددة نوعاً ما، تفرضها طبيعة الخلق ، مطمئناً ومتمتعاً بصمت مما يتحسسه من سمع وشم ومذاق ، حيث أن سمعه يتولد منذ تكوين مراحل الجنين الأولى وخاصة أثناء تتابع وتوالي نبضات قلب الأم ، وكذلك حاسة الشم من خلال البيئة المحيطة به ، إضافة لحاسة الذوق التي مصدرها السائل الأمينوسي الذي يحيط به، وذلك بتأثيرات متفاوتة المذاق اساسها ما تتناوله الأم في فترة حملها ، ومن ثم من جراء تصاعد التكوين الجنيني تتولد لديه حاسة اللمس ، ولهذا عادة ما يتفاعل ما بعد الولادة الإلتصاق بأمه حينما تقترب منه ، متودداً اليها لإشباع غريزة الجوع أو الإستئناس لصوتها فيما بعد.
بتفاوت الفترة المفروضة على حكم بقاء الجنين في عالمه الخاص ، واكتمال مرحلة تكوينه الجسماني المتكامل عادة ما يسعى منتفضاً ليودع عالمه الصغير الحالك والمكبل فيه ، بتحرر تفرضه حركاته الذاتية ليزيح عنه السائل الأميني أو الأمنيوسي المتدفق والمحيط به ، ناشداً التحرر بإزاحة القيود من خلال الإنقباضات التي يحدثها بمن تحمله في بطنها، ليقترب من بوابة طبيعة الولادة المكثفة بآلام المخاض ، ليعيش واقع الإنعتاق بحاسة الرؤية الجديدة المتمثلة بالبصر في عالم النور ، بغية التمتع برؤيا جديدة يطلق فيها بإدراكه الحسي لظاهرة الجوع ما يمكنه من صراخ ممزوج بالبكاء ، وأحياناً لتنبسط أسارير وجهه ببسمات بريئة لا ارادية ، معلناً منذ الأيام الأولى لولادته عن تمكنه من التفنن بلغة رمزية مقصودة متمثلة بالصراخ والبكاء والبسمة والحركة اللاإرادية للنوم والإستيقاظ إلى جانب فاعلية تلك الحواس التي اعتاد عليها وحملها معه في عالمه الجديد.
وبمرور الأيام والأشهر والسنوات يُطبّع تلك الحواس بما ينبغي أن تؤديه ، فتتسع رؤاه على الحبو والجلوس والمشي والطلب وغمغمات التلفظ بألفاظ وإشارات رمزية مألوفة في لغة الأطفال ، وبنموه الجسدي والعقلي المتواصل تنمو استعمالاته الكلامية المنفردة المقصودة ، لتشكل فيما بعد جُمَـله القصيرة المعبرة ، وبالتالي ليجمع ثروة لغوية خاصة في مملكة عالم الأطفال من تأثيرات محيطه العائلي ثم المجتمع الطفولي فالمدرسة التي توسع مداركه وترشده لما هو اوسع مما هو عليه بما يعتمده من مطالعات ولقاءات وأحاديث سمعية وبصرية تؤهله في الإعتماد على نفسه لتطوير مخزونه اللغوي ، بمسعى الطموح الذي ينتابه ويخطط له لأحلامه وتوقعاته المستقبلية ، وبشكل خاص ما يأتمل أن يصل اليه بغية تحقيق الهدف الذي رسمه لحياته المهنية.
دور الجنين في التعامل اللغوي
من هذا التخمين والتأمل تراه وقد انجرف في تيار من تيارات التخصص اللغوي عبر مراحل نشأته ونموه وميوله التي يحصرها فيما يهواه ، بإقدامه على استيعاب مضامينه والتسلح بها لتتضاعف مصطلحاته ومفرداته التعبيرية بذلك التخصص المهني أو الوظيفي كالذي ينحى منحى التعبير بلغة أدبية في مجال فروعها المتمثلة بالسرد القصصي ونظم الشعر والدور المسرحي وغيرها من الفنون الأدبية ، وكذلك الذي ينحى منحى التعبير بلغة علمية متمثلة بحقول فروعها المتفاوتة ، إضافة لمضامين معارف لغات أخرى كلغة القانون والسياسة والديانة والتجارة وغيرها من الإختصاصات المهنية ، بالرغم من الثقافة العامة التي لا يمكن التغاضي عنها والتي عادة ما تكون بمثابة تلك الأرض المُخضرة بأنواع متفاوتة من الزهور والنباتات التي تشكل رونق وزهو روضة الحياة.
لقد أثبتت الدراسات العلمية والتجارب المختبرية بأن النغمات الموسيقية لها وقعها المباشر على الجنين بدلالة تمييزه وارتياحه أثناء سماعه لها بعد الولادة حينما يكون في حالة بكاء وتوقفه المباشر. وكذلك أكدت البحوث ( أن سماع الجنين للموسيقى يؤدي الى تغيرات هرمونية من شأنها وقاية الجنين من الأمراض العصبية والنفسية كما تساعد على وقايته من عيوب النطق والعجز في التعليم واكتساب المعرفة والمهارات عندما يخرج الى النور) و ( عادة مايتأثر بالأصوات وهو في الشهر السابع ).    

ومن الطريف ذكره في هذا المجال ، ومن خلال دراسة طبية مُعتمدة ، أكدت النتائج ما أشرنا اليه بأنه قام بعض الأطباء الإختصاصيين بما يلي:

( إلقاء قصة بصوت معين على مسامع الأم الحامل، وبعد الإنجاب كرروا نفس القصة بنفس الصوت على المولود، وذلك عقب خروجه للحياة بأسابيع قليلة، وفوجئوا باستجابته وانتباهه. هذا يعني أن الجنين لا يميز صوت الأم فقط، بل يميز أيضا الأصوات الأخرى، ويتأثر بطبقة الصوت أثناء الكلام ).
 
اللغة وسيلة تفاهم وأداة تفكير

رغم كل هذه الإعتبارات ، تبقى اللغة بشكل عام فارضة نفسها على أنها وسيلة التفاهم وأداة التفكير وحلقة الوصل للتواصل بين من يتعامل بها في سلوكه اليومي كلغة عمومية ، بغض النظر عن من يتسلح بها في الجانب الخاص بحكم عمله الوظيفي في مخاطبة أقرانه من ذوي الإختصاص ذاته ، وبما يألفانه وينبغي استعماله لتحقيق الغرض المطلوب.
كما وأن استعمالها اليومي المألوف عليه بين أفراد المجتمع ، وما هو عليه في الإستعمال الوظيفي المتميز ، لا يدعنا الأمر في الحالتين أن نميزهما بحصر مفهوم كل واحدة منها بصفة معينة ، طالما هناك عنصر الإحساس والادراك بما يحفزان لعائديتهما الإثنية أو القومية والوطنية. ومن هذا المنطلق تكون اللغة والحالة هذه تلك الصورة التي تكشف هوية الفرد مهما تفاوتت أساليبها ومنطق التعبير بها.
لذا يصح لنا القول عن اللغة بأنها:
 قبل أن تكون أداة للفهم والإدراك فهي عملية تفكير ، وقبل أن تكون وسيلة للتفكير فهي هوية الفرد ، وقبل أن تكون أداة فاعلة للنطق البلاغي فهي عامل انتساب وانتماء لشعب دولة ما أو قومية معينة من شرائح المجتمع  الذي تنضوي تحت لوائه.
وقبل أن تجتمع وتتدرج تلك الأدوات المتمثلة بالفهم والإدراك والسُبل اللغوية البلاغية فهي إحساس بمختلف الحواس ، حليب لمشاعر الوعي ، غذاء للحضور الذهني وسرعة الخاطر ، وبالتالي إبلاغ ورسالة للوجود الإنساني المتواصل والدائم ، كتلك البذرة التي تنشأ لتولد فروعها المتفاوتة ، محملة بعطاء من الثمار النافعة المتفاوتة ، متمثلة بها اللغة بأنواع من الإختصاصات اللغوية المتداولة ذات التسميات المألوفة والشائعة بلغة الكتابة ، اللغة المحكية ، لغة الأطفال ، لغة الإشارات ، لغة الرجال ، لغة النساء ، لغة الحب ، لغة السيطرة ، لغة التعبير الفني ، لغة الدين ، لغة السياسة ، لغة الثقافة ، اللغة النقابية ، لغة التجارة ، اللغة العسكرية ، لغة القانون والمحاكم، لغة السير والمواصلات  ولغات المعارف والحقول الأخرى. 
إذن فاللغة والحالة هذه قبل أن تتصف بمفاهيم التعبير بها للتواصل بواسطة مفرداتها فهي هوية الإنسان وأساس ثقافته وعنصر وجوده الإثني والقومي والوطني أيضاً متى ما روعِيَت أهميتها ومكانتها في الأوطان التي تحتضنها.
يوم اللغة الأم العالمي

ان الدافع الأساسي الذي حفزني لأستدرج ما نوهت اليه هو نتائج استخدام الوسائل الحديثة من مُعِدّات وآليات التشخيص المتطورة كالأشعة والفحوصات المختبرية المعتمدة في منطق البحث العلمي ، لأنطلق على حصر ذلك بالدرجة الأولى من منطلق فاعلية الحواس وأهمية الأصوات اللغوية في حياة الإنسان وبني البشرية جمعاء منذ التكوين الجنيني وتأثيرها على المولود ، وبالدرجة الثانية من منطلق قرار المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1999 للإحتفاء بيوم اللغة الأم العالمي الذي يصادف بتاريخ 21 شباط من كل عام ، بغية تعزيز التفاهم الدولي من تعدد اللغات ، والحفاظ على ما لا يحصى من اللغات الإثنية المدرجة في إطار قائمة اللغات التي في طريقها للإنقراض والذوبان لأسباب سياسية واجتماعية وعوامل أخرى خارج نطاق وإرادة المتحدثين بها ، كالعديد منها في دول العالم وخاصة الشرق اوسطية والهند التي تتجاوز المحكية فيها بالمئات والرسمية 21 لغة ناهيك عن اللهجات التي لا تعد.
من الجدير ذكره هنا عن الدافع الذي حدى بالجمعية العامة للأمم المتحدة اختيار اليوم المشار اليه من عام 2000 كأول احتفال رسمي ، منبعه من أحداث المأساة التي شهدتها مدينة دكا عاصمة بنغلاديش حينما هجمت قوات الشرطة وفتحت النار على التلاميذ المتظاهرين لمطالبتهم الإعتراف بلغتهم الأم المعروفة والمسماة بالبنغالية.
من جراء هذا الحدث أقدمت الأمم المتحدة على إصدار قرارها بغية الحفاظ على ما لا يحصى من اللغات الإثنية المدرجة في قائمة اللغات التي في طريقها الى الإنقراض ، ومنها بشكل خاص وعلى سبيل المثال اللغات الإثنية في دول الشرق اوسطية والهند التي تشمل مئات اللغات الإثنية ، ناهيك عن ما لا يحصى من اللهجات، علماً بأن هناك ما يزيد عن العشرين لغة معترف بها رسمياً.
كما وأنه لا يخفى على أحد من أن الأمم المتحدة سعت على ادراج ست لغات في جلساتها الرسمية متمثلة بالإنجليزية والصينية والأسبانية والروسية والفرنسية كلغات عالمية ومن ضمنها اللغة العربية بناءً للقرار المؤرخ 18 كانون الأول/ديسمبر 1973 ، حيث قررت الجمعية العامة بموجبه إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة ، وذلك من بين 192 دولة عضوة ، ويحتفل بها سنوياً في الأيام المرسومة لها سواء في مقر جلسات الأمم المتحدة أو الدول التي تبنتها في تواريخ مختلفة وهي كالتالي:
-  يوم اللغة العربية في 18 كانون الأول - ديسمبر .
-  يوم اللغة الصينية 20 نيسان - ابريل .
-  يوم اللغة الانجليزية في 23 نيسان - ابريل .
-  يوم اللغة الفرنسية في 20  آذار - مارس .
-  يوم اللغة الروسية في 6 حزيران - يونيو .
-  يوم اللغة الاسبانية في 12 تشرين الأول - اكتوبر.

ولهذه المناسبة وقع خاص في نفوس التلاميذ والمعلمين ، حيث يتم الإحتفال بهذا اليوم في المدارس بطرق متفاوتة ابتهاجاً واعتزازاً بيوم اللغة الأم العالمي الذي يشمل كافة لغات العالم دون استثناء ، بغية تعزيز وتمجيد وجودها لضمان ديمومتها وبقائها وإحياء تراثها ، ليكون هذا اليوم دافعاً ومحفزاً لباقي الشعوب بغية الإحتفاء باليوم المرسوم للغاتهم الأم في المحافل الثقافية والأدبية والمؤسسات التربوية والتعليمية وبشكل خاص في المدارس لإستنهاض همة التلاميذ بغية الإعتزاز بلغتهم الأم التي ينهلوا من ينابيعها علومهم الدراسية بإعتبارها واسطة التفاهم والمخاطبة والكتابة.



Vad är ett språk?

1. Innan språket var ett verktyg till förståelse var det människans tänkande.
2. Innan språket blev ett redskap till tänkandet var det människans identitet.
3. Innan språket blev ett retoriskt uttryck var det ett symboliskt sätt att kommunicera med.
4. Innan språket blev förståelse , det vill säga, tänkande, redskap och retorik, var dessa tre olika känslor av olika syfte. Näring för medvetande, information för  sinnesnärvaro och till sist budskapet till människans existens.
5. Modersmålet kan liknas vid ett frö. Så som frön odlas och ger upphov till frukter av olika storlek och utseende, så är det med språk t ex, talspråk, skriftspråk, barnspråk, teckenspråk, männens språk, kvinnors språk, kärlekens språk, maktspråk, bildspråk, konstspråk, religionsspråk, politisk språk, kulturspråk,  fackligt språk, handels språk, militärspråk, lagspråk, domstolsspråk, trafikspråk,  rörelsespråk, och olika Kunskapsspråk....
Till sist och inte minst språket är " glädje för sinnet, men också för minnet ".
Michael Mammoo

 




132
مناجاة روح الأب الراحل يوسف سعيد
بقلم: ميخائيل ممو

mammoo20@hotmail.com





أيها الأب الفاضل ، ويا أيها الشاعر الراحل
بين الحين والحين كان الهام الشعر يراودك بشوق وحنين ، لتباغتني في كل وقفة تأملية بنداءاتك الهاتفية بغية أن تبعد وتدفع عنك الملل بإسترجاعك لذكريات الماضي الكركوكلية ، وصدى الشوق يدغدغ مخيلتك لتقف على المستجدات من أخبار الشاعرين سركون بولص وجان دمو.
وبعد رحيلهما كان يشدك الحنين والأنين لسرد مآثرهما وطيبتهما بلوعة وحسرة ، كونهما كانا من أعمدة من زاملوك في نشأة وتبني جماعة كركوك الأدبية. وكنتَ حقاً في كل مَرّة تنأى وتبتلع الحشرجة المُرّة لتعزف على أوتار عواطف قلبك الحان الحزن الدفين لذكريات الماضي من السنين. وها أنت اليوم ترفرف روحك وأياهم في جنات الخلد لتفاجئهم بقدومك حاملاً ذات الرسالة التي آمنتم بها جميعاَ.

أيها الأب الفاضل ، ويا أيها الشاعر الراحل
دعني هنا أخاطب روحك الطاهرة الزكية لأذكرك بأنه قبل رحيلك الأبدي بإيام قليلة تهاتفنا بالرغم من بحة الإجهاد التي انتابتك في يومها، فتحسستُ وتحسستَ أنت بأنك لا تقوى على اتمام حديثنا مثل ما كنتَ قد اعتدتَ عليه، لترجوني في هذه المَرّة بتنهيدة مُرّة وقاسية إثرَ حديث قصير شاكراً بطيبتك وصراحتك المألوفة على تأجيل الحديث لحين أن تتماثل بالشفاء العاجل. فهل كنتَ يا أبانا الفاضل على علم ودراية بأنك راحل عنا بهذه السرعة الخاطفة التي لم تمهلك طويلاً ؟! وهل كانت أصداء النواقيس التي الفتها تجلجل في أعماق ذاتك  لتلبي مشيئة الرب على الإستسلام؟! يبدو أن الأمر كان كذلك ، لتكون كلماتك الأخيرة شارة وداع أبدي لا تغيب عن بالنا.

أيها الأب الفاضل ، ويا أيها الشاعر الراحل
نعم ، هكذا حكم الدهر. حكم الدهر بمشيئة الأحداث أن نلتحف ديار الغربة ، نتأسى رغماً عنا ، وفي الوقت ذاته يراودنا الحنين للماضي الأليم رغم مرارته ، ولتطأ أقدام كل واحد من عناصر حلقة الحداثة الأدبية مرافئ ومحطات متفاوتة ، حالها حال خرزات السُبْحَة المتقطعة والمتناثرة من خيطها هنا وهناك.
نعم ، وبالتالي هكذا شاء القدر ، أن تختطف يد المنون كل واحد في بقعة من أرض الإغتراب نائية عن بعضها وعلى التوالي ، بدءاً برحيل جان دمو في استراليا ، سركون بولص في امريكا ، أنور الغساني في كوستريكا ، وجليل القيسي في ارض ما بين النهرين وغيرهم... واليوم ها أنت يا أبانا الكريم تثويك ارض السويد، لتجمعكم آصرة الروح في عالم الخلود السرمدي.
نعم ، رحلت عنا لتترك لنا مآثرك وآمالك وآثارك من ابداعاتك الشعرية ولقاءاتك السمعية والمرئية لتنطبع في ذاكرتنا ولنحيي ذكراك دوماً كقديس للشعر مثلما قلت ذات مرة في لقاء اذاعي " احياناً احلم ان اكون مع الملائكة ، واحيانا أن اكون انساناً آخر". فها أنت اليوم مع اولئك الملائكة الذين تأملتهم وتمنيت ملاقاتهم. ومنذ أن شَهَرَ يراعك بتألقك في مهرجان المربد الشعري وأنت تلفظ عبارات الموت في مطلع قصيدتك التي تقول فيها:
" ظلي يتكور فوق ضفاف الانهار
وموتي البطئ
لا يعرف اسرار مادة التحنيط
ولا جفاف المومياء "
وليس أكثر دلالة على مناجاتك للموت البطئ من تلك ايحاءات باكورة نتاجك الشعري الذي وسمته متوجاً  بعنوان " الموت واللغة " متجاوزاً العقد الثالث من العمر لتعني بذلك بعد الرحيل لا نترك لأولادنا سوى اللغة.
حقاً لقد صدقت في قولك ، وقد وفيت بوعدك ، بما تركته لنا من درر المعاني كأب روحاني وشاعر رباني.
وهنا تحضرني تلك كلماتك التي صغتها من نفثات يراعتك الحزينة المُسَوّرة بالمجد يوم شاركتنا بتأبين سركون بمقولة : " وبموت سركون تدفن عبقرية انسان جاء ضيفاً ورحل له اجنحة مضيافة عبر سماوات جديدة ". لنستنتج منها حدسك الذهني بأنك مصدر عبقريته منذ تبنيك لنشأته الشعرية وتنبؤك بمستقبله الإبداعي.
يا أبانا الفاضل ، وهل لي أن انسى فضلك وتبجيلك يوم خاطبتني بتقدمة كلمتك التي قلت فيها :  ( اهدي هذه الكلمة لزميلي الأديب ميخائيل ممو الذي حظي بحفل تكريمي من قبل اتحاد الأندية الآثورية في السويد ، تثمينا لجهوده في حقل الأدب والصحافة والعمل القومي وبشكل خاص في مجلة حويودو الغراء ). لتردد اسمي في كل فقرة في كلمتك بصفات متفاوتة ، اخترت منها هذا الجزء اليسير الذي تخاطبني فيه بقولك:
(ميخائيل ممو .. أكتبْ .. فالكتابة وسيفها البتار الوحيد الذي يفتح لنا أوداجها لندخل حاملين طيوباً لعذارى متكأءات على جدائل العريس القادم من جبال آثور ،  حيث هناك بقايا نكهة مطعمة بالبيلسان والبخور ، وبقايا من روائح النرجس العراقي في سفوح جبال معطرة برياح ذات هلهلات رشيقة وسعيدة ، تكتب فاتحة لنفحة في خاصرة الكتابة ، وتروي قصصاً عن لوحات آثورية تفقس بهجة روعه روحها من القلم الأسيل. عد الينا حاملاً على صدرك نبراس سيف الكتابة الآشورية ، وأكتب لنا عن أشباح الروح ، تحيطها أرض الرعب المحنطة ، تجاور صحراء أرواحنا المشردة).
أجل يا أبانا.. ها أني أوعدك ، ومثلما يُقال وعد الحر دين ، ملبياً طلبك بالكتابة التي لم اكن أحبذها أن تكون على شكل مرثية حزينة مؤلمة تعصر الألباب وتبكي الأحباب.
وها أني أعود ثانية لأحمل على صدري الوسام الذي اهديته لي بالسريانية لأدبجه على صفحات فكري بقولك:
ܕܪܰܫ ܘܰܦܪܰܫ ܐܝܕ̈ܝܟ. ܘܠܐ ܬܐܚܘܪ ܥܠ ܣܪܝ݂ܩܘܬܐ ܕܐܪܝܐ. ܘܠܐ ܚܙܘܐ ܕܢܦܩ ܐܝܟ ܟܘܟܒܐ ܘܗܘ݂ ܘܒܓܘܢܗ ܐܘܟܡܐ ܗܘܐ. ܡܫܰܚ ܙܰܠܓܗ ܒܥܰܪܦܶܠܐ ܕܛܘ݂ܪܐ. ܘܣܕܪ ܬܫܥܝ݂ܬ݂ܗ ܥܠ ܩܪܩܦܬܐ ܕܝܠܗ ܕܗܘ݂ ܡܪܐ ܕܡܪ̈ܘܬ݂ܐ. ܕܰܫܚܰܛ ܕܓ̈ܠܬ݂ܐ ܡܢ ܟܶܪܟܶܗ. ܘܠܐ ܢܳܚܬܐ ܒܚܰܕ ܡܢ ܐܫܛܪ̈ܐ ܕܟܬ݂ܝܒ̈ܬ݂ܗ.ܘܝܳܩܶܕ ܘܩܳܡܶܨ ܠܕܓܠܘܬ݂ܐ ܕܢܳܦܚܐ ܘܢܒܗܐ. ܒܟܬܒ̈ܐ ܕܒܝܬ݂ ܐܝܣܪܐܝܠ. ܗܘ ܟܪܘ݂ܟ݂ܝܐ ܕܢܫܪ̈ܐ ܕܕܳܥܪܝ݂ܢ ܠܒܝܬܐ ܕܦܳܬܰܚ ܟܘ̈ܐ ܒܫܩܝ݂̈ܦܬ݂ܐ ܕܛܘܪ̈ܐ. ܘܦܬܚ ܡܢ ܚܕܝܐ ܕܛܘܪ̈ܐ ܢܗܪ̈ܘܬ݂ܐ ܕܚܠܡ̈ܐ. ܝܘܣܦ ܣܥܝ݂ܕ

لم يبق لنا في نهاية مرثيتنا سوى مناجاتنا لروحك إلا أن نقول: إن رَزْأنا برحيلك الأبدي جسيم ، وما علينا إلا أن نتضرع الى الباري العليم أن يتغمد روحك الطاهرة شآبيب رحمته ويلهم ذويك الصبر والسلوان.



133

عازف اشوري عراقي في فرقة سمفونية سويدية
بقلم: ميخائيل ممو





عواصف الهجرة والإغتراب تنقلك احياناً ومن دون اي حسبان لعوالم لم يتوقعها الإنسان المُقابل، سواء في عالم الهجرة الدائمة أو مصادفات الترحال المباغت، لتُفاجَأ بما يشد عزمك في الوقوف على كنه ما تراه وتلمس حقيقته، لتكون بالتالي على معرفة تامة وقناعة لا تغيب عن بالك من أوليات انبهارك ودهشتك.
هذا الإفتراض إن لم يكن واقعاً ملموساً فهو بشارة لصيغة الممكن الذي حفزني بفضول مستدرك أن استنتج من اسلوب تلميذ التقيه لأول مرة على مقاعد الدراسة في صفي المدرسي من المرحلة الثانوية، متأملاً حديثه النغمي الممزوج بعبارات تَـنِمّ عن روح رقيقة تجسدها علامات الحياء والخجل المرتسمة على مُحيّاه، وكأنها الهمس الذي يبشرنا بما يخفيه بشفافية بين أوتار العواطف من خلال ما تعودت عليه أنامله التي جعل منها مفاتيح مناسبة لكل ما ينوي فتحه والكشف عنه بنغمات من الآلة السحرية التي يلقيها على كتفه والمتمثلة بالكمان.
وبتوالي الأيام شاءت المناسبات أن تقربني منه كعازف متمكن بصفة موهوب يتلاعب بأوتار الكمان كتغريد البلابل بأنغام تشنف الأسماع وتطرب القلوب. وهنا تيقنت برهافة الحس إن كان الشعر إلهام فالنغم مأواه ومسكنه المُفضل ، وإن كان الشعر فتاة فالموسيقى خطيبها. وعلى أثر ذلك وبحكم اهتمامي لنسج خيوط الشعر آثرت أن يصاحبني ريمون يوسف في مناسبات قراءاتي الشعرية بآلته المسيرة بحكمه وطوع ملامسة القوس الوتري.
إن ما حفزني لهذه التقدمة المقتضبة هو دعوتي لحضور وقائع الحفل الضخم لمنتدى فرقة كونسيرت يونشوبيغ بعنوان " في وسط اوربا " الذي اقيم في تمام الساعة الثانية ظهراً ولعدة ساعات من يوم الأحد 5 شباط على مسرح دار الثقافة سبيرا الشهير بوسعه وجمالية موقعه في مركز المحافظة، وبمشاركة ما يربو على الستين عازفاً على آلات متفاوتة عددها خمسة عشر نوعاً كالفلويت والكلارنيت والكمان والسيلو والطبل المتمثلة بالوترية والنفخية النحاسية والإيقاعية الصوتية وغيرها. كما وكان من بين العازفين أحد أبناء شعبنا الذي نوهت عنه مسبقاً بإسم ريمون يوسف. ومن الجدير ذكره ان قاعة العرض كانت قد اكتضت بجمهور الحاضرين البالغ عددهم ما يزيد عن الأربعمائة شخص.
أن العروض التي قُدمت بقيادة المايسترو السويدي اوفيه كوتنك شملت العديد من السمفونيات الشهيرة منها للألمانيين ريتشارد ستراوس (1949 ـ 1864) وانتوني دفوراك (1904 ـ 1841) والنمساوي فرانز شوبارت (1928 ـ 1797) والسويدي ميكائيل ستراند (1958 ـ 0).
ومما لفت انتباهي حيوية وذكاء العازف الآشوري العراقي الشاب ريمون بتواجده مع مجموعة كبيرة من المتمرسين السويديين بآلة الكمان التي عشقها منذ الصغر وهو ابن الثانية عشر من العمر ليتبوأ هذا المركز وهو في العشرين من عمره. ومن خلال معرفتي به أثناء تدريسي له ومرافقته لي في امسياتي الشعرية والأدبية اتضح لي مقدرته العالية على عزف العديد من الحان الأغاني الآشورية والعربية والأجنبية التي أهلته لإجراء اختبار في مجال عزفه ومعلوماته الموسيقية ومن ثم اجتياز الأختبار بنجاح ليتم ترشيحه وقبوله كعضو دائم والأصغر سناً في الفرقة السيمفونية ومشاركته لأول مرة في العرض المُشار اليه ، رغم مشاركته في مناسبات اخرى كعازف منفرد على مستوى مناسبات المحافظة.
بدورنا نهنئ العازف الشاب ريمون يوسف على مسعاه ، آملين له النجاح الدائم في حياته المهنية ودراسته التكميلية ومشاريعه المستقبلية.
 

 
 

134
نتاجات بالسريانية / يومنا عيدا
« في: 21:41 02/02/2012  »

135
حتام نبقى نرتدي الأسمال البالية؟!
 
بقلم: ميخائيل ممو / السويد

mammoo20@hotmail.com
على مدىً غير محدد ومنذ بدء الخليقة ما فتأت عجلة الزمن تدور على سكة التاريخ البشري دون أن يتلفها الصدأ ، محافظة على دورانها الدائم والمتوالي دون أن تتوانى وتتباطأ في إدائها الفعلي ، لتنهك مكونات عناصر تلك السكة المقصودة والمتمثلة بالحشد البشري ، لتنبئنا بأن من يتشبث في حاضره بمآثر الأمس متأسياً بالتخاذل يفتقد الغد نادماً على حاضره ، ليركن بالتالي على ضفاف التأمل اللامجدي سارحاً في جِنان أخيلة الظن المرتقب ، كالظل الذي يختفي بإختفاء مصدره ، وكالوهم الزائل كزوال موج البحر في جريانه المتلاطم.
هكذا تتراءى الحياة لأبناء الشعوب التي تبكي على ماضيها بترجرجهم وتربضهم تحت بقعة شجرة عجوز وارفة الظلال بأوراقها المتناثرة الساقطة وخالية الثمار ، بتغافلهم عن ميزة مبدأ الفكر الإبداعي المستلهم مِن حصيلة مَن تحصن بحصافة الرأي والتخمين الصائب ، كمثل المبدعين الذين يعمدون لتغيير مجرى الحياة بفلسفة مستحدثة ومؤطرة بفكر ثاقب.
متى ما نهج الفرد بقيادة جماعية ضالة من خلال قائد مراوغ متمسكاً بهذا المسلك السلبي واستأثر به يكون قد نحا المنحى اللغوي الهزيل لإرضاء الذات ، وتشبث بالعملي الزائف الذي لا تقره قواميس نواميس الطبيعة البشرية ولا المؤسساتية ذات الطابع الإرتقائي ، كون العملية المُعتمدة تلويحاً بسيف الهلوسة التي تنأى عن مسار المفهوم العقلاني حين يوجه مقود التجذيف دون وعي وأناة واستدراك ضد التيار الهائج وعكس مجرى السيول النهرية الجارفة. وبمعنى أدق وضوحاً وأقرب استدراكاً هو انزلاق وانجراف مجموعة عرقية أو مذهبية أو طائفية وعشائرية لتكوين نسق من السلوك المناهض بصلابة الجُلمود ، وتفرعها بعقل جمعي مؤدلج مستخلص من رحم التسمية القومية والأثنية الأم الأصيلة الولادة ، لتركن على انفراد في مهاوٍ تسلخ عن جلدها روابط المصالح المشتركة ومقومات الإنتماء الموحد بتبديد عناصر التكوين التكاملي التي بواسطتها ترسى اسس تحقيق الأهداف المرسومة بمشاعر وأحاسيس الألام والآمال المستقبلية لكل من يسعى استنباط  رؤياه من منبع الضمير الحي.
بهذا يتضح لنا جلياً أنه من أجل النهوض بمستوى مؤسساتنا الرسمية وشبه الرسمية ، وبكافة نعوتها الآنفة الذكر ومكوناتها ، ينبغيها أن تدفع بعجلة التغيير إلى ما يُلائم مراحل التطور الظاهر للعيان ، وبما يبتغيه عالم اليوم إنطلاقاً من التقدم الحضاري المشوب بالتقنية الحديثة لواقع متطلبات العصر.
من منطلق هذا الواقع ، ومن خلال ما نألفه ونعيشه يومياً كشعب آشوري بكافة تسمياته ومكوناته ، باتت تتلاعب وتتقاذف به هياج أمواج بحر الهجرة وعواصف رياح التشريد في الأوطان التي نأمّها ونقصدها وفي مراتعنا الأصلية أيضاً دون شك ، وعلى أثرها أردت أوضاعنا في مستنقع يُرثى لها. فإن تساءلنا عن دوافع ذلك وما حملته من مسببات لتراقصت الأجوبة في مخيلتنا ، لنردّها بتبريرات متفاوتة تتمركز وتنحصر مفاهيمها في إطار خاص لا يمت الواقع بصلة ، قاصدين بها السلطات المهيمنة على مرتع وجودنا بالدرجة الأولى ، متناسين تلك السلبيات التي تُنعت بعدوى الأمراض المُعدية التي تعتري أقرب المقربين لنا ومن بني شعبنا وأرومتنا أينما تواجدت هيمنته وبسطت نفوذه ، إن كانت في المجال الديني أو السياسي ، ناهيك عن مفهوم المحتوى الإجتماعي والإقتصادي ، وكأنما نعيش في عصور ما قبل التاريخ المتمثل بالإلتزام القبلي والتمييز العنصري الطائفي والعشائري ، دون أن نمتثل لمبادئ احترام الرأي والإرشاد والأخلاق بالمنطق العلمي والتربوي والإنساني معاً.
وهنا يتبادر السؤال الى الأذهان دوماً ، حتام نظل نتراوح في ذات الدائرة المقفلة؟! وحتام نبقى نرتدي الأسمال البالية؟! وحتام نستمر نتشبث بتلك الأفكار الشائكة؟! وحتام يبقى انساننا الآشوري لا يعي تجارب التغيير الجذري لشعوب العالم بغية الإقتداء بها ليظل غائراً في المواقع الهشة يعيش حالة التقهقر الدائم سواء في الوطن الأم أو بلدان المهجر؟!
عادة ما يسعى الفرد لنيل وتحقيق الأفضل والأجدى من أجل حياة أسلم وأرفع ، وينأى بمحاولات تدريجية عما يعكر صفو حياته إن كان متسلحاً بإدوات الوعي المبني على أسس نظرات ثاقبة ، تهديه بمفعول ثقته العالية الى الأمثل والأصلح ، والإلتزام بمُثل التهذيب العليا المستمدة من مستلزمات التربية والتعليم والتثقيف الذاتي لتحقيق عناصر التنمية واركان التقدم ومباهج التطور ، ليكون بالتالي وبحكم إرادته عضواً نافعاً في كيان المجتمع الذي ينتمي اليه ومفخرة له  كمثال حي يقتدى به. أكبر دليل على ذلك ما يبدر من الذين يشار اليهم بالبنان في مجال تألقهم بطراز معين لا نظير له بذات المستوى المتألق.
يتضح لنا هنا من هذه البديهة بأن الإجتهاد الفردي الصادق عادة ما يقود للنمو الدائم إن لم تشب المحيط الذي يعيشه مثالب ومخالب التخريب بمهاترات البطلان والإسقاط المُتعمَد لأسباب ومحفزات قد يجهلها الكثيرون بانضوائهم تحت أمرة رواد الجهل أو تنظيم جماعي عشائري متذبذب برؤية سلطنة ونفوذ قادته.
هذا ما لا يقل شأناً عن مهام التنظيمات الجماعية المتنفذة من خلال المؤسسات والمرافق التي تحاول أن تبسط سيطرتها وتوسع من نفوذها للإطاحة بالجهود الفردية ذات النفع العام ، لإعتبارات واهية تدعمها منافسة الردع المباشر أو الإختفاء تحت أعشاب بِركة الماء الراكد. أما إذا وسّعت تلك التنظيمات من آفاق مداركها ، واعتمدت مضامين دساتيرها بنفض الغبار الذي يتلذذ بها ، وآمنت حقاً بما تهدفه وتشير اليه لأدركت واقع النهوض والتنمية ، وما تمليه عليها وعلى المجتمع بشكل عام من نتائج ايجابية تخدم الجميع ، فتكون والحالة هذه مميزة ومتماشية مع صفات المجتمعات المتقدمة القادرة على إدارة دفة الأمور بحكمة وروية بترجمة مدوناتها إلى أفعال وأعمال بنائية رصينة لتزيد من فاعلية التنمية بالرفاه والتقدم ، دينياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، التي عادة ما تقود لتقوية وازدهار حركة الحياة في أوساط المجتمع مهما كانت تطلعاته ورؤى شرائح تكوينه.

136
أغبرة أسمال العام المنصرم
بقلم: ميخائيل ممو / السويد

mammoo20@hotmail.com
قبل أيام ودعنا العام الملئ بالثورات الربيعية في العالم العربي والتي غيّرت تقاسيم وجه التاريخ العربي ، وكذلك ودعنا ما بدا من أحداث الإنقسامات الكنائسية المذهبية في العالم المسيحي المحصورة في التسميات المستحدثة والمركبة في الحقل الديني والسياسي  ، لتمتد المسيرة بوداع ترسبات المشاحنات الحزبية المكتسية بغطاء النعرات الطائفية ، مضافاً اليها ما ولدته نزعة الإنتماءات العشائرية من حقد وبغض وكره بين الغافلين ممن يتشبثوا بأوهن المبررات اللامنطقية لإعلاء شأن ديدنهم بإلتزام التعصب العشائري الموروث والمذهبي المُستحدث كمدعاة للنصر الطائفي، وكمخفرة للإنزواء القبائلي الذي عفى عليها الزمن في عصر عالم القرية الصغيرة ، غير آبهين لنتائج سلبيات الإنقسامات والمشاحنات والمبررات بما تخفيه من أضرار وعيوب لا يحمد عقباها على الأفراد المسببين لها في العالمين الإسلامي والمسيحي ، وبشكل خاص على أقدم أرض من مهد الحضارات في بلاد ما بين النهرين وأرض الكنانة وبالتالي على المجموعات الضالة المتباهية والمنتمية تحت لواء المسميات الآنفة الذكر ، مع اتساع رقعة ذلك في البلدان التي استضافت أبناء تلك الأوطان. لترى أيضاً في العالم المسيحي وعن كثب مضاعفة قداديس أعياد الميلاد في كل حدب وصوب من ذات المنطقة السكانية ومن ذات الشريحة الإثنية ، وعلى مفترق من بعضها وهي تصدح بالدعاء والتسبيح والسجود لله ليغفر الخطايا والذنوب ، ولترى إلى جانب ذلك احتفالات أفراح أعياد الميلاد والعام الجديد موزعة هنا وهناك وعلى أقل بُعدٍ من بعضها بدوافع شخصية ونفعية ، وليكيل ضُعاف النفوس بما يحلو لهم من دعايات واتهامات فارغة لا تجدي نفعاً غير الإساءة لأصحابها ، متأملة تلك النفوس مع إشراقة بزوغ فجر العام الجديد للسهو والتغافل والتغاضي عما سلف من عناصر المناصرين والأقربين القابعين في ذات البِركة ، بتناسي من هم الأولى للإقتراب منهم والإدلاء أمامهم بلغة التسامح ، والإعتراف لهم رغم كونهم خارج إطار دائرتهم المنهجية المغلقة بحكم أسباب واهية تدحض تأويلاتهم بحيث لا يرتضي الخالق الذي يبتهلون بإسمه تلك المواقف السلبية ، ولا حتى المنطق الإنساني الصادق والأعراف المُتعارف عليها.
هذا ما نلمسه دوماً ، ولمسناه في أيام التبشير بالمحبة والسلام بإسم المسيح ، وفي صبيحة اشراقة عام نزع الأفكار البالية. هذا ما أدركناه في تلك الأيام التي يرتجى قدومها لتحقيق وتنفيذ لغة التسامح بقناعة لا غبار عليها، ولكن هيهات منها. هذا ما عشناه ، وحتماً سنظل نعيشها طوال استقبال الأيام المتوالية للعام الجديد ، طالما خرجت تلك الأجناس من طوق الأعراف والتعاليم القدسية ، لتبقى صفات السلب ملحقة بها دون أي تغيير منطقي ملحوظ.
نعم ، هذا ما يتراءى واضحاً وضوح الشمس لكل فرد مؤمن وصادق وداعٍ لبناء المجتمع الذي تسوده المؤاخاة والمؤازرة انطلاقاً من تعاليم السيد المسيح وكافة الأديان السماوية التي لا تقل تعاليمها شأناً عن بعضها ، وما ذهبت اليه مقررات حقوق الإنسان التي لا تقل هي الأخرى شأناً بما اوصت به لسعادة وطمأنينة الإنسان في مسيرة الحياة الفانية ، لكون الفرد بوعيه وثقافته ينمي ذاته ، وبدوره ينمي المجتمع ، ليتسع دور المجتمع في خدمة الفرد والفرد في خدمة المجتمع بغية محو أمية الغفلة والجهالة واجتثاث جذورها من مدارك وأذهان الذين لم تطئ أقدامهم ضفاف عُباب البحر الهائج ليستدركوا الأعماق ويغوصوا فيه لإجتذاب أصداف ومحار اللؤلؤ ونحوه.
إذا عزونا الأمر لحالة ما ذهبنا اليه نستنتج بأن أغبرة عدوى الداء ما فتأت عالقة ومتشبثة بأردان وأطراف الأسمال البالية التي استضفناها معنا في أية بقعة وطأت عليها أقدامنا ، لتبقى معشعشة ومترنحة تلاطف اخيلتنا بين المد والجزر في فوضى عارمة لا تقودنا لأي مخرج تشع منه بوادر نور الحرية وديمقراطية الرأي بمفهومها الأيدلوجي البناء ، طالما تتفشى في أعماق الذات صفات الوهن الثقافي والأمية الإجتماعية والدينية والسياسية التي تُعتبر بمثابة السماد المجدي للحياة الآمنة المُسيجة بروح طمأنينة التفاهم لنيل درجات مراحل التقدم والتطور والتعاون بأخلاق سامية ورفيعة دون الكيل بمكيال تمييز زيد على عبيد ، إلا بإسلوب السلوك العملي الصادق ، والنفعي الشامل والإيمان الصريح ، وعلى منأى واضح ومبين من صيغة الند للند والعنف بالعنف بخلقها أساليب التشاحن والتنافر والفتور، وبقاء حالة اللارضا في ديمومة مستمرة كدوران العجلة التي تبقى تدور حول نفسها إلى الحد الذي ينهكها التوقيت الزمني المحدد الذي نحدده في حياتنا العملية بمدى أيام العام الواحد ، لنستأثر باليوم الأخير منه الذي نمجده لمغفرة الذنوب والخطايا والتكفير عن السيئات ، ولكن دون جدوى بدافع فقدان الثقة بالنفس من التأمل الروحاني وذوبان التأمل الذاتي .
وفي خاتمة طروحاتي تساؤلي هو: حتام نظل نعيد أغبرة أسمال كل عام بمضاعفتها وبذات الهيئة المألوفة؟!     

137
محاضرة للدكتور دانيال ممو
في المجلس القومي الأشوري في الينوي
ضمن نشاطات المجلس القومي الأشوري في ولاية الينوي ، وبمناسبة حلول ( اليوم العالمي للسرطان) الذي يصادف في اليوم الرابع من شباط \ فبرايرمن كل عام. سيلقي الدكتور دانيال ممو محاضرة قيمة عن مرض السرطان مستمداً مضمونها من بحوثه وخبرته العملية والوظيفية ، حيث سيسلط الأضواء وبإسهاب على المحاور التالية:
* مرض السرطان بشكل عام.
* مرض سرطان الثدي الخاص بالنساء.
* مرض سرطان البروستات الخاص بالرجال.
* اسئلة ومداخلات الحاضرين.
وذلك في تمام الساعة الخامسة من مساء يوم الأحد المصادف 19 شباط \ فبراير2012، وعلى قاعة المجلس القومي الأشوري في الينوي / شيكاغو على العنوان التالي : 9131 Niles Center Road  .
لذا نهيب بأبناء شعبنا استغلال هذه الفرصة والحضور من اجل الأستفادة وزيادة الوعي الصحي ، علما بأن المحاضرة ستكون باللغة الأشورية (اللغة الأم) وبأسلوب سلس ومبسط .
الدعوة عامة للجميع


140
لغة السياقة ضمان للحياة الآمنة
بقلم: ميخائيل ممو






حينما يعجز الإنسان من التواصل الدائم مع أقرانه بحكم ما تمليه ـ أحياناً ـ بعض الظروف الخاصة التي تصادفه بغتة ، ومن دون أن يحسب لها حساباً من قبل ، يكون والحالة هذه قد تجاوز مرحلة من العمر، لتدعه أسير ذاته سارحاً في منعطفات من التأملات والتخمينات التي تعكس ارهاصاته المخفية المبطنة ، لتكون بالتالي من المنجزات التي يُحتذى بها ، ويعم جدواها على مدى طويل ، لمن يرى فيها ما تملي حاجاته ممهدة لتحقيق مطامحه التي يتعذر عليه من التميز بها ونيلها.
قد تكون هذه التقدمة الممهدة يشوبها نوع من الغرابة للقارئ بعد أن يلج بتؤدة وروية المدخل الرئيسي مما نعنيه في موضوعنا الذي كان سببه أحد زملائنا ، بعكفه على ملازمة أمر إرتضاه لنفسه ، أيقظه وأيقنه من صحة الجدوى العامة. ومن صدى هذا اليقين تمخضت لديه اتعابه الفكرية وتأملاته المرجوة بولادة كتاب ثري بمادته التعليمية والتوجيهية والإرشادية في الحقل الذي قد يصعب على الكثير من اكتناه العديد من رموزه وأشكاله ومخططاته التي تعني الكثير لخدمة الإنسان في هذا العصر الذي يزخر بزحمة السير الآلي في الشوارع والطرقات والأزقة المتخمة بأنواع متعددة من المواصلات.
الآن قد آنت الأسطر وحان الوقت لأكشف عن هوية ذلك الإنسان الذي آمن بأن الأمنيات لا يمكن من تحقيقها بالتمني ، والمعرفة دون نشرها وتعميمها لا تجدي نفعاً.
من هذا المنطلق بذل زميلي الطموح الأستاذ سمير وردا منذ أن حطت قدماه أرض الغربة في بلد الثلج والضباب المتمثل بالسويد أن يسعى جاهداً منذ السنوات الأولى على التسلح بمبادئ المعرفة اللغوية الغريبة عليه ، مثابراً ليل نهار على التقاط ما تقع عليه عيناه من المفردات ، وما تؤانس مسامعه من العبارات الرخيمة بتذبذب موسيقاها ، ليدونها في ورقة تلو الورقة لتشكل بالتالي مجلداً مليئاً بالكلمات والعبارات السويدية المترجمة الى العربية ، آملاً فيما بعد وظبها بتنقيحها وتنظيمها وإخراجها لعلها تكون الهادي الأمين لمن يظل الطريق ممن يطرقوا باب الهجرة الى السويد. فظل هذا المشروع الذي فاتحني عنه مرات ومرات تخاطب اوراقه اليائسة الرفوف المنسية التي حوتها ، ولتبق إلى اليوم في حالة يرثى لها من الشكوى التي تعانيها من السبات العميق. وعلى أثر ذلك بلغ الطموح حدوده لدى زميلي سمّوري ـ كما أسميه ـ ليعكف هذه المرة بعد استشارتي ، لفكرة أوسع أفقاً وبُعداً مما كان يتأمله ، وذلك في الإقدام على الإلتحاق بقسم اللغة العربية من معهد المعلمين في ستوكهولم ليثري مخزونه اللغوي والثقافي في مجال النحو والصرف والترجمة.  ومن ثم ليختار فترته التطبيقية لديّ ما يقارب أربعة أشهر. بعد أن قضى سنتين وتخرج من المعهد المذكور حاملاً شهادة التأهيل التعليمي ، كان قد حظي أن يعمل في مدرسة بمحاذاة المنطقة الجغرافية التي كنت أعمل فيها. وخلال تلك الفترة تجده منكباً على صياغة بعض المحاولات في مجال التأليف لمنهج تعليم اللغة العربية للمبتدئين الذي هو الآخر زامل قاموس المفردات. وبمرور الزمن وعلى مدى يزيد عن العقدين من مهنة التعليم المرهقة ، وجد الأستاذ سمير نفسه يخوض تيار الأمواج العاتية لتعود به القهقري لعهد جديد من الراحة النفسية والجسدية العملية بإحالته على التقاعد بدافع العمر الزمني ووضعه الصحي والنفسي من متاعب التعليم. وهنا حدا به الفراغ لنوع من العجز والرتابة والضجر فآلَ على نفسه أن يمارس رياضة فكرية جديدة آمدها ما يقارب السنتين حين صمم الإلتحاق بمدرسة تعليم وإدارة السياقة ، لتكون حصيلة هذا الجهد المتواصل تصميمه على تجسيد معلوماته وخبراته من خلال مؤلف موسع وشامل بعنوان " كتاب تعليم السياقة باللغة العربية " الصادر عام 2007 في 250 صفحة مزينة بالصور الإيضاحية والتمارين التطبيقية والأمثلة الإرشادية ، معتمداً على العديد من المصادر السويدية المعتمدة في مجال قيادة السيارات. وبما أن طبعته الأولى التي جاوزت الألفين نسخة قد لاقت إقبالاً منقطع النظير بنفاذها من الأسواق ، سعى مؤلفنا المذكور مرة ثانية على توسيع أفق معلوماته وخبراته من خلال القوانين المستحدثة ومعايشاته التي لامسها بشكل مباشر في الشروح النظرية والتطبيقية من خلال مدرسته الموسومة بـ " رتتا " أي بمعنى المقود ، ليلقي نظراته على ما يستوجب إضافته لما صدر. وهنا إرتأى وبجهد حثيث على تطوير كتابه الأول بزيادة ما يقارب 150 صفحة جديدة مستمدة من ملاحظاته التطبيقية ذات النفع العام لرواد العربات الخاصة والشاحنات والحافلات في البلاد العربية أو الأجنبية التي يقطنها من أبناء الناطقين بالعربية ، لكون لغة السياقة وقيادة العربات لغة عالمية تحتويها ذات الرموز الشاخصة في أغلب دول العالم لسلامة السير وتجنب الأحداث الخطيرة التي تودي بحياة الإنسان سواء من المارة أو السائق ذاته ومن معه.



نظراً لسعة الكتاب فيما يهدف اليه ، وبطبعته الأنيقة بورق صقيل ورموز اشاراته الملونة وشروحات مضامينه المبسطة على القارئ ، إرتأينا هنا أن ندرج العناوين الرئيسية المعتمدة بفروعها المتسلسلة والمتمثلة بما يلي: رخصة القيادة ، السيارة والإنسان في حركة المرور، أنظمة السلامة والتوجيه في السيارة ، كيف تبدأ بقيادة السيارة ، ملحقات ومكملات بخصوص السيارة ، الإنسان في حركة المرور ، نضوج شخصية الإنسان في حركة المرور ، الكحول وتأثيره ، حوادث المرور ، الغرامات والعقوبات ، السياقة داخل المدينة ، القوى التي تؤثر على السيارة والأمان ، السياقة على الطريق الريفي ، السياقة الليلية ، والسياقة على الطرق الزلقة ، وملحق خاص بالشواخص وعلامات المرور السويدية مع كلمات وجمل مألوفة باللغة السويدية والعربية.
ونحن على أبواب خاتمة هذا العرض ، لا يسعنا إلا نشيد بجهد الأستاذ سمير وردا الذي أهدى ثمار ما سعى اليه للناطقين بالعربية من أجل أمان حياتهم بقوله : " الذي يرغب الحصول على رخصة السياقة أن يقوم بوضع خطة كاملة قبل البدء بالحصول على رخصة السوق.... واستشهاده بالمثل الصيني: رحلة الألف ميل ، عادة ما تبدأ دوماً بالخطوة الأولى". ولكي يتسنى لك اقتناء نسختك من هذا المجهود المفيد ، عليك كتابة العنوان  التالي:   www.arabiskatrafiken.se في حاسوبك ، ومن ثم الضغط على كلمة الموقع المؤشرة باللون الأزرق للإطلاع على العديد المعلومات حسب ما هو مدون في الشكل أدناه.
 

141
بنيامين شليمون أفضل طالب في محافظة يونشوبينغ وقائد صفه.


 


بقلم: ميخائيل ممو
بهذه العبارة وصفته جريدة يونشوبينغ بوستن في عددها الصادر بتاريخ 28/10/2011   في خبر نشرته مع صورة له على صفحتها الأولى ومن خلال ريبورتاج خاص على صفحتها الخامسة بعنوان كبير مفاده " بنيامين هو الأفضل في الإختبار التقليدي المعاصر.
 في وقت سابق من شهر تشرين الأول أجرت جريدة داكنس نيهتر الأوسع صحيفة انتشاراً في السويد ، مسابقة تقليدية متوارثة لإختبار حصيلة المعلومات المعاصرة  لكافة مدارس المرحلة المتوسطة في جميع انحاء السويد. وبعد جمع وفحص كافة المشاركات البالغ عددها 235547 لإختيار أفضل مدرسة ، أفضل صف وأفضل طالب ، تبين بأن أفضل مدرسة على مستوى محافظة يونشولينغ هي مدرسة مونتيسوري الحرة في بلدية يسلافيد ، وأفضل صف هو الفصل التاسع شعبة د  في المدرسة الإنجليزية الدولية في هوسكفارنا بمدينة يونشوبينغ ، وأفضل طالب هو بنيامين شليمون من نفس الصف.

الجذور التاريخية للإختبار
تعود الجذور التاريخية لهذا الإختبار السنوي لعام 1939 الذي باشرت به صحيفة داكنس نيهتر سنوياً ، ويتم الإعلان عنه في ذات الصحيفة مع تعميم ذلك على كافة مدارس المملكة، متضمنة الأسئلة موضوعات عامة تتعلق بالحروب والكوارث والشخصيات والأحداث وغيرها من الأمور التي عاشها العالم بشكل عام. وعادة ما تعتمد الإجابات على المعلومات العامة التي يتسلح بها من يرغب في الإجابة. لقد تبين من خلال ما ذكرته الصحيفة المذكورة بأن أغلب الفائزين وعلى مدى سنوات طويلة كانت حصة الفوز للذكور ، ولكن هذا العام سجلت النتائج طفرة تاريخية بأن نصف الفائزات هن من الأناث ولأول مرة منذ عام 1939. حيث بلغ عدد الفائزين من كلا الجنسين بالتساوي ، أي 11 فائز لكل منهما ، ومن ضمنهم الطالب بنيامين ، وذلك قياساً ومقارنة بما اوردته النتائج في القرن الماضي الذي كانت نسبته 96% للذكور و 59% للإناث. والحال الأسوأ  كان في العام 2003 حين كانت الفائزة الوحيدة بين الذكور فتاة واحدة فقط في السويد. وفي لقاء معها أعزت السبب بأن شكل الإختبار يدعم الذكور لكون الغالب من الأسئلة تتعلق بالكوارث والحروب التي تهم الذكور وتبتعد عنها الإناث ، إضافة للعديد من صور الرجال في صياغة الأسئلة ، وعادة ما تتراءى صور النساء في الدعايات فقط. ومما تجدر الإشارة اليه أيضاً بأن فوز الإناث حالفهن الحظ في دورتين على مستوى السويد وذلك عام 1987 وعام 1999.

ماذا يترتب من نتائج على هذا الإختبار؟
بعد أن تنتهي المدة المحددة للإجابات ، يكون الطلاب على أحر من الجمر وبتلهف شديد على استقبال إعلان النتائج ، لكون الفائز منهم سيحصل على امتيازات لم يحلم بها ، وتجعله بين أقرانه من يشار اليه بالبنان ، بما يتسلح به من معلومات عامة ، وليكون النموذج الحي في محيط مدرسته ومجتمعه ، وبالتالي ليعيش ذكريات التقييم والتثمين الذي ينتظره من ساعة الإحتفاء لإستلامه جائزته في محيط وقائع الإحتفال الخاص ، سواء في المدرسة التي هو فيها أو المحافظة ومن ثم في المركز الرئيسي الذي مقره في العاصمة ستوكهولم في اليوم العاشر من شهر ديسمبر الذائع الصيت والذي يصادف لقاء أبرز علماء العالم في يوم توزيع جوائز نوبل.
وتجدر الإشارة هنا ، بما أن الطالب الآشوري بنيامين شليمون الذي هو من أصل عراقي ، وحاصل على لقب أفضل طالب لهذا العام بمحافظة يونشوبينغ ، وأيضاً ومن ضمن العدد المحدد للفائزين على مستوى السويد ، كونه الوحيد الذي أجاب بين زملائه في صفه بالإجابة الصحيحة ، فإنه سيشارك في اليوم المذكور ، وستكون مكافأته مشمولة بما يلي:
* الحضور في قاعة توزيع جوائز نوبل يوم العاشر من ديسمبر.
* استلام جائزته من يد الملكة سيلفيا زوجة ملك السويد.  
* المشاركة بتناول وجبة الغذاء مع وزير التربية يان بيوركلوند.
* زيارة مبنى الكونسرت لتوزيع جوائز نوبل.



بقي لنا أن نشير بأن الجريدة المحلية الأوسع انتشاراً في محافظة يونشوبينغ ، وفي مقابلة مع الطالب المبدع أجاب وعلامات الخجل مرتسمة على محياه " لم أتوقع بأني سأفوز رغم قناعتي الإيجابية بما أدليت به " ، " كما وأني أشعر نوعاً ما بالقلق من خلال مشاركتي في الإحتفال ولكن حتماً سأكون ساراً وفرحاً " وقبل ذلك ستكون الفرحة بين افراد عائلتنا.
بدورنا نهنئ الطالب بنيامين على ما خزنه من معلومات عامة في ذهنه على مدى تسع سنوات من تواجده في السويد ، مؤهلة أياه لنيل هذا الفوز بين الآلاف من المتسابقين على مستوى دولة السويد ، آملين له النجاح الدائم في حياته الدراسية والتوفيق في حياته المستقبلية.  

  

143
خبر وفاة
بتاريخ 10/10/2011 وفي إحدى مشافي ألمانيا رقدت على رجاء القيامة المأسوف عليها المرحومة أميرة سعيد وردينا زوجة السيد صليوه كيوركيس ووالدة كل من نسيم ووسام وسلام ووئام ، وذلك اثر مرض عضال عن عمر يناهز 59 عاماً ، وستوارى الثرى في مثواها الأخير في عينكاوا ، البلدة التي ولدت وترعرعت فيها. ولهذه المناسبة  سيقام القداس الإلهي عن روحها الطاهرة في تمام الساعة السابعة من مساء الأحد المصادف 16 /10 في كنيسة سانت فرانسيسكو الكاثوليكية بمدينة يونشوبينغ. كما وتقبل التعازي في قاعة الكنيسة. رحمها الله وأسكنها فسيح جناته ، وألهم أهلها وذويها ومعارفها الصبر والسلوان.
غانم سعيد وردينا
عن عائلة الفقيدة


148
الأزياء الآشورية تتحدث عن نفسها!

بقلم: ميخائيل ممو
عادة ما تقاس حضارة الأمم بآدابها وتراثها الخالد الذي تتناقله الأجيال عبر المراحل التاريخية ، سواءاً في الوطن الأم أو في الأوطان التي يأمّوها في بقاع الأرض التي تحتضنهم. ومن ذلك التراث الخالد تستشف تلك الاجيال بدقة ما يتراءى لهم ، وتستنشق منه رائحة تلك الأصالة المتوارثة عن الآباء والأجداد لتكون بمثابة الجذور التاريخية لفروع شجرة التراث بكافة أنواعه.
من هذا المنطلق تفضل كاتب السطور وأعلن قائلاً : ( أحد أقوى عناصر القومية في حياة الشعوب المنضوية تحت لواء التسميات القومية الخاصة هو التراث المشترك بين أبناء الشعب الواحد والموحّد ، وعلى أن يكون ذلك التراث مُجسّداً من خلال الموسيقى التقليدية ، الرقص الفلوكلوري ، المأكولات الشعبية ، الحكايات والأمثال ، وبالتالي الأزياء التي هي موضوعنا لمناسبة النشاط الثقافي الذي أزمع نادي بابيلون الآشوري بمدينة يونشوبينغ السويدية وأقدم على تنظيم عرضٍ تراثي للأزياء الآشورية التي لا زال استعمالها حياً ومتداولاً في المواطن الأصلية ، حيث أعلن عنه ولأول مرة بعنوان " عرض أزياء آشورية " في الساعة السابعة من مساء الأحد المصادف 21 آب 2011 في قاعة النادي.
كما وأن لهذه المناسبة دلالاتها بما تجسده العروض بالملابس التي لها كنهتها الرمزوية مثلما كان الحال للملوك الآشوريين في عهود تسنمهم السلطة في بلاد ما بين النهرين على مدى قرون طوال ، حيث كان لكل طبقة أزياؤها الخاصة كالجنود والنواطير والنساء وغيرها من الألبسة ذات الطابع المهني والتقليدي بدلالة ما احتوته متاحف الدول الكبرى من منحوتات ومخلفات الإمبراطورية الآشورية ).
هذه التقدمة المقتضبة أوحت لي أن أشيد بجهود السيدة يوليا جيري القادمة من عاصمة الضباب لندن ، لتشارك أبناء جلدتها في بلد الصقيع والثلوج السويد ، بما حاكته وخاطته أناملها من أزياء وقبعات وأحزمة واللواحق التي تُكمل هيبة الزي الآشوري المتفاوت الأشكال ، وبرونقهِ التليد المُطعم بالعتيد من الألوان الزاهية لملائمة الطبيعة وعصر الحداثة.
ما تجدر الإشارة اليه إن السيدة الطموحة والمثابرة يوليا جيري ذات الخبرة والتجربة في هذا المجال ، ومن خلال عروضها الشهيرة التي أقدمت عليها في لندن ومغنسط آلاف المشاهدين ، استطاعت في السويد أيضاً أن تجند من النساء والشابات والشباب ليثبتوا وجودهم من خلال تحليهم بتلك الأزياء التي قاربت العشرون زياً متمثلة بالرموز المتفاوتة المنقوشة والمطرزة على كل قطعة ، إبتداءاً من الرمز القومي للعلم الآشوري ، الملك والملكة ، الناطور والأسرة الملكية ، ومن ثم الطابع المتميز لكل قرية ومدينة معاصرة من شمال ما بين النهرين ولكافة الإنتماءات المذهبية لأكثر من عشرين منطقة سكنية والتي منها : نوهدرا ، القوش ، منكيش ، عقرة ، شقلاوة ، عنكاوا ، كرملش ، الخابور ، برطلة ، بغديدا ، ارموتا ، بحزاني ، كويسنجق ، والعشائرية كالتياريين وشمزدين وغيرها... بإضافة ما يتجاوز عدده ضعف ذلك.
ولكي نلقي الضوء على ما تضمنته فقرات برنامج العرض ، قبل ذلك شُنفت آذان الحضور بإغنية وطنية بجهود عضو الهيئة الإدارية السيد يونادم يونادم ، ومن ثم بوشر العرض على أنغام الموسيقى الخلفية الهادئة بزي العلم الآشوري الجذاب ، ليتبعه زي الناطور الملكي فالملك والملكة وزي البيت الملكي لتتوالى عروض الأزياء الأخرى في منتصف القاعة بين صفين من جمهور الحاضرين وعلى ضوء المناطق المُشار اليها أعلاه ، ليتخذ العارضون والعارضات فيما بعد المكان المخصص لهم بإعتلاء مسرح القاعة وقوفاً ، جنباً إلى جنب ، حيث كان يتقدم كل عرض وجود الطفلة الآشورية الشجاعة داريبيل بمعنى حامية أو حارسة الوطن ، وهي بدورها تحمل نموذجاً من صورة الزي لكل عرض. وفي الوقت ذاته صاحب العرض تعليقاً ايضاحياً وتعريفياً عن المناطق الخاصة بإرتداء واستعمال الزي بغية تزويد الحاضرين بمعلومات تُخفى عليهم ، وخاصة من الذين احتضنتهم ديار الغربة وهم بعيدون عن الوطن الأم.
بعد برنامج العرض الذي استغرق أكثر من ساعة ونصف الساعة ، وبحضور جمع غفير من المهتمين من الأطفال والشباب والكبار من كلا الجنسين ، انبرت السيدة المصممة يوليا وشكرت الحضور على اهتمامهم وتعاون هيئة النادي على استقبالها بحفاوة كبيرة ، كما واجابت بصدر رحب على بعض الأسئلة فيما يتعلق ببعض الرموز الخاصة بالأزياء. ومن ثم تقديراً لجهودها قـُـدمت لها بإسم النادي هدية تذكارية مع التقاط العديد من الصور لمجموعة العارضين بصحبة المصممة والحاضرين الذين التفوا حولها شاكرين لها عل اتعابها.
كما وتجدر الإشارة بأنه قبل ذلك وفي بداية العرض كان قد حضر ممثلو جريدة يونشوبينغ المحلية وأعدت ريبوتاجاً خاصاً معها مع التقاط العديد من الصور وتم نشر ذلك في صباح اليوم التالي بعنوان " أزياء شعبية بألوان زاهية مفرحة ". وفي خاتمة المطاف لا يسعنا إلا أن ننشر لقطات من الواقع الذي عشناه في تلك الأمسية النادرة لتضاف الى الأرشيف التراثي.
 
 

150
يوم ذكرى الشهيد الآشوري بمدينة يونشوبينغ / السويد

على أثر اللجنة المُنبثقة من نادي بابيلون الآشوري وطورعابدين والأحزاب السياسية الآشورية بمدينة يونشوبينغ في السويد ، تم إحياء الذكرى الثامنة والسبعين ليوم الشهيد الآشوري مساء الأحد المصادف 7/8/2011 في قاعة نادي بابيلون ، وبحضور جمع غفير من أبناء شعبنا الآشوري بكافة انتماءاته المذهبية والتنظيمات الحزبية.
في البدء استهل الاحتفاء بالوقوف دقيقة صمت على ارواح الشهداء ، ثم رحبت السيدة رجاء زيتون بالحاضرين ليتقدم فيما بعد المطرب ولسن هرمز بصوته الجهوري المشوب بالحنين والأسى مفتتحاً الإحتفاء بترنيمة وطنية على أنغام عازف الأورغن الشاب الطموح وليم ياقو، لتتوالى بعد ذلك فقرات متنوعة من الكلمات والقصائد والأناشيد الخاصة بالمناسبة ، حيث اعتلى منصة الخطابة السيد ايليا ديري ليلقي كلمة موحدة بإسم الناديين ، مرحباً بالحضور وشاكراً لهم استجابتهم ومشاركتهم ، ومن ثم لينطلق مستذكراً المآسي والإضطهادات التي جعلت منظماتنا تحتفي بهذا اليوم التاريخي في كافة أرجاء المعمورة التي يتواجد فيها أبناء شعبنا ، مستلهماً طروحاته من أبشع الجرائم في الماضي التليد ومنها سيفو وسميل وصوريا...

ثم تفضل السيد ايلهان ديباسو عن محافظة يونشوبينغ وبإسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي ليلقي كلمة بالمناسبة ، تلاه السيد اسحق ايليا معاون مسؤول قاطع اسكندنافيا للحركة ـ زوعا بإلقاء كلمة موحدة بإسم التنظيمات السياسية المٌشارِكة. بعدها تفضل القس دانيال شمعون راعي كنيسة مريم العذراء لكنيسة المشرق الاشورية واسترسل في كلمة ارتجالية قيمة مستذكراً فيها قيم ومعاني الشهادة. كما وكان لدوي أصوات أعضاء فرقة طور عابدين للإنشاد دورها الفاعل في إداء انشودة تراثية وطنية. كما تم عرض فلم وثائقي عن مذابح سيفو صيغت محتوياته بجهود السيد صبري عثمان القادم من هولندا وليلقي الأضواء على المجازر الدموية التي قامت بها تركيا وعانى منها شعبنا المسالم ، مختتماً حديثه عن دور مركز سيفو الذي يتولى مسؤوليته لإيصال صوت شعبنا الى بقية الدول.
 
ولأجل بث روح الوعي من خلال الغناء الوطني والتراثي عاد المطرب ولسن وشنف آذان السامعين بترنيمة " رعوش جوَنقا " أي " استيقظ أيها الشاب " ، وعلى شاكلتها صدحت فرقة طورعابدبن الإنشودة الوطنية " بيت نهرين أتريويت " أي " وطني بين النهرين ".

وفي مجال الشعر شارك البعض ممن استلهموا مضامين قصائدهم من الأحداث المأساوية بأوصاف وصور وأخيلة متفاوتة وهم السادة جورج شنكو ، شموئيل ياقو ، خوشابا يونان ، جورج ارخوان والسيدة إيليشوا كوركيس.

وفي خاتمة برنامج الإحتفاء تقدمت فرقة إنشاد نادي طورعابدبن وتألقت بإدائها المؤثر وأنشدت نشيد " دشتا دبعقوبة ". وفي نهاية المطاف الفكري والروحي والتثقيفي تم احتساء القهوة والشاي على أرواح الشهداء.



151



رواية " الشيخ والبحر" باللغة الآشورية

" تعريف بمضمون الرواية "


بقلم : ميخائيل ممو

mammoo20@hotmail.com[/center]

لمناسبة صدور ترجمة رواية " الشيخ والبحر" للكاتب العالمي أرنست همنغواي ولأول مرة باللغة الآشورية بجهود الكاتب المبدع والمترجم البارع الإستاذ كبرئيل أرميا كوركيس ، إرتأينا أن ننقل هنا نص التعريف الذي دونته كمدخل ليتصدر صفحات الرواية ، عامداً ترجمته إلى اللغة العربية ، لشحذ الهمم والوقوف على ما في الرواية من الفكر والقيم. ولكي يتسنى لك من اقتناء نسختك يمكنك حجزها من خلال موقع منشورات آتور الألكتروني على العنوان التالي: http://www.lulu.com/atourpub

                       

  
أحد عناصر تطور مستوى الأدب وتوسيعه مع أظهار تأثيره لدى مختلف الشعوب يتجسد بواسطة الترجمة أو النقل من اللغة الأم إلى اللغات المختلفة وبالعكس.
لقد عُرِفَ هذا المضمار وعُدَّ واحداً من الفنون الأدبية الجميلة للنقل أو الأستنساخ القائمة على أسس خاصة ومتنوعة لأساليب الكتابة العادية التي يُعرَف بها الكاتب، حيث تتطلب سعة الخيال والثراء اللغوي باللغتين ، أي لغة النص الأصلي ولغة الترجمة ، فضلاً عن المعرفة الواسعة بقواعد وسائر عناصر الكتابة الأدبية. كما يُعرف أيضاً أن هذا المضمار قد نبعت جذوره الأصلية مع قِدَم الفنون الأدبية لغاية إيصال الثقافة القديمة الخاصة بالأزمنة الغابرة الى مراحل الأزمنة الحديثة ، مثل ترجمة المؤلفات من اللغة الآشورية (السريانية) وبالعكس، ومن ثم نقلها الى اللغة العربية وسائر اللغات الأوربية. ومن أكثر المصاعب التي أعترضت سبيل المساعي المتواصلة كانت عملية فك طلاسم الكتابة أو الخط المسماري (الأسفيني) في القرون المتأخرة، التي تم تذليلها هي الأخرى من قبل المستشرقين بتحقيق شرح الألفاظ التي نُشِرَت لمساعدة أهتمامات الباحثين والآثاريين.
بناءً على ذلك، لو تأملنا هذا الموضوع تبعاً للغة الآشورية وضروب آدابها في مختلف الفنون مثل القصة القصيرة والرواية والقصيدة وما إلى ذلك، سنجد نقصاً هائلاً في مجال الترجمة من لغتنا إلى لغة أخرى أو بالعكس. بالطبع الأسباب عديدة ، وإحداها هي قلة القراء والمهتمين باللغة الأدبية. وتجدر هنا الإشارة إلى المجال الذي حظي بقسط وافر من الأهتمام لدينا، ألا وهو مجال شرح المفردات بغية الإستفادة منها بلغات البلدان التي يقطنها أبناء شعبنا الآشوري الناطقين باللهجتين الشرقية والغربية.

من خلال هذه المقدمة المقتضبة سنلقي الضوء على الرواية الموسومة "الشيخ والبحر" للكاتب الأمريكي أرنست همنجوي، التي ترجمها الأديب كبرئيل أرميا كوركيس.
أرنست همنجوي (1899 ـ 1961) عُرِفَ ككاتب أمريكي أريب في مجال القصة. بعد أكماله لمرحلة تعليمه بالمدرسة الثانوية، قرر عدم مواصلة دراسته الجامعية، وأعتمد على نفسه في شق سبيل الحياة الذي حدا به للعمل كمراسل بارع أو مبتدئ في حقل الصحافة. في غضون الحرب العالمية الأولى شارك هادلي ريتشاردسون الحياة الزوجية*، وهو في الحادية والعشرين من عمره، ورحلا معاً إلى فرنسا حيث حالفه الحظ في الإلتقاء بعدد من مشاهير الأدباء والفنانين وأستفاد منهم فضلاً عن نشر كتاباته في مختلف الصحف فذاع صيته في ميدان الأدب. حينئذ نشر بمساعدة عدد من الأدباء مجموعته القصصية الإولى في عام 1925 في أمريكا، وفي عام 1926 نشر روايته الطويلة الموسومة "الشمس تُشرِقُ أيضاً". وعاماً بعد عام أثرى مطبوعاته وغدا أديباً ذائع الصيت واسع الشهرة بأسلوبه السهل المؤثر على القارئ، النابع من الإستعمال اليومي الذي لا يحتاج الى التفكير في معاني المفردات الصعبة، وفي عين الوقت واصل نشر مقالاته في المجلات المعروفة في مختلف البلدان لا سيما حينما كان يعمل مراسلاً حربياً في أسبانيا. ورواية "الشيخ والبحر" المنشورة في عام 1952 نالت شهرة واسعة وتم أختيارها لمنحه جائزة بوليتزر لعام 1953 وجائزة نوبل لعام 1954 في السويد.

لا مندوحة لنا من التذكير برأي أرنست همنجوي عن نفسه حول الكتابة حيث يقول:"أحضِّرُ كل أعمالي في عقلي. ولا أُباشر بتدوينها قبل أن تكون آرائي وأفكاري منظمة. وكثيراً ما أنطق بصيغ المحادثات على النحو الذي ستكون عليه حال تدوينها. أنا أؤمن أن الأُذن هي الرقيب الحكيم الفاضل. ولا أُدوّن أي مقال على الورق قبل التحقق من أن الطريقة التي أكتبها ستكون مفهومة وجلية للجميع".
الشيخ والبحر، رواية واقعية نُسجت بأسلوب فني رائع بواسطة الطريقة الجذابة للأحداث التي تجري مجسدة بدء الصراع وسعي الإنسان في مراحل الحياة من خلال الشخصية الرئيسية "البطل" في القصة، المعروفة بإسم "سانتياغو" وصداقته مع صبي غرّ، بأظهار سوء الطالع والحوادث غير المتوقعة والفشل في بلوغ الشخص المذكور مبتغاه بصيد الأسماك لمدة طويلة بلغت الشهرين وأربعة وعشرين يوماً أي إثنين وثمانين يوماً، وبمحض إرادته يبلغ هدفه بتحقيق مبتغاه حين يصيد تلك السمكة الهائلة التي حلت ضيف قاربه لتزيد من سعادته. لكن بغتة وبدون إرادته تغدو تلك السمكة طعاماً لأسماك القرش المهاجِمة ، رغم كفاحه المرير طوال يومين لإبعادها.
نتيجة هذه الرواية تُظهر نقاط مختلفة من الكفاح في حياة الإنسان مثل الأمل والصراع والإيمان والإرادة والحنان والتجربة وغيرها من الصفات الإيجابية، وفي الوقت ذاته، يكتسب الفائدة من الأخطاء والأحداث التي يواجهها بغير توقّع.

لذلك يجدر بنا هنا التنويه بأن ترجمة هكذا رواية من لغتها الأصلية إلى لغةٍ أخرى ليست بالأمر اليسير، وعلى وجه الخصوص اللغة الآشورية المحدودة في عصرنا بقِلة  المؤلفين المَهرة والقراء النابهين مِمَّن لديهم الرغبة في حماية وبعث هذه اللغة. لكن إرادة بعض الأشخاص الغيورين المفلحين الذين يشدهم إيمانهم ليكونوا حُماةً ونواطير لأحياء وصيانة وتطوير لغتنا الأم وسائر مجالات أدبنا من أمثال زميلنا الإستاذ كبرئيل أرميا كوركيس، الذي عمل كالجندي المثابر بتحمله عبءَ عملٍ مثمر ومرهق بترجمة هذه الرواية الشهيرة عالمياً.
يُعَدُّ هذا العمل الأدبي المترجم كنزاً ثميناً بأسلوبه البلاغي الراقي والنفيس الذي يقع في 144 صحيفة. علاوة على هذا الأثراء، جهد صديقنا كبرييل لشرح كل المفردات الصعبة باللغتين العربية والأنجليزية ووضعها شروحها في هوامش بلغ عددها 535 لفظة، تُعدّ بحد ذاتها قاموساً صغيراً للقارئ الكريم.

لا ريب أن ثمة تباين ما بين المؤلِف والمترجِم، فالمؤلِفُ حُرّ بتنسيق اللغة مع أفكاره بتراكيب لغوية تنسجم مع هدف خلق آراء ممتعة ومؤثرة بمعانيها. لذلك، فأن فكرة كهذه تكون بعيدة عن تصوّر المترجم حيث يكون مقيداً بالتركيز على المعنى الذي يقصده المؤلِف الأصلي. وحينئذ تدعو الحاجة المترجم ليكون مسلحاً بأمكانيات عالية بأستخدام ألفاظ عامة وصياغة تراكيب وجُمل تؤكد ما يقصده بإيصال الفكرة باللغة الأم.
هذه الخصال نجدها بوضوح لدى المترجم كبرييل رغم تقيده بالأسلوب الكلاسيكي للغة الأدبية الراقية، بسبب اللغة الأصلية للرواية.

وختاماً نتمنى التوفيق والعمر المديد لصديقنا وأديبنا الغيور كبرييل أرميا كوركيس ليكون نموذجاً ومثالاً حياً للذين يُخفون مواهبهم كي لا يبخلوا بوقتهم لتوسيع لغتنا الآشورية وأدبنا الثري، لمواصلة إضافة لبنات جديدة راسخة في صرح أدبنا المعاصر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عام 1921تزوج همنغواي من هاردلي ريتشارد سون ، وفي عام 1927 تزوج من الكاثوليكية الرومانية بولين بفيفر وهي كاتبة باريسية في مجلة "فوج" ، وبعد طلاقها منه تزوج للمرة الثالثة عام 1940 من الكاتبة مارتا غيلهورن وهي صحفية عمل معها في اسبانيا ، وبعد عودته الى كوبا عام 1945 لحقتها بعد ذلك ماري ولتش  عام  1946وهي كاتبة أيضاً. وفي عام 1953 سافر همنغواي إلى إفريقيا ، ويقال انه تزوج هناك للمرة الخامسة على مذهب قبيلة الواكمامبا من فتاة اسمها ديبا.

152
الأماني في رواية ليلى قصراني
" سهدوتا "






بقلم: ميخائيل ممو

القصة أو الرواية بمفهومها العام رؤيا ذاتية لواقع الحياة ، مستنبطة مضامين أحداثها مما يتراءى للقاص أو الروائي بما حوله ليسبغها بالشكل الذي تحدده أفاق تخميناته ، أو بما يستلبه ويستله من مكامن الخيال ليؤنس وينعش ويُرشد القارئ بخلجاته وبما يهدف اليه ، مستأذناً رؤاه بما تمليه عليه المخاطبة بمنهج ال "أنا" للشخص المتكلم أو هو وهي وهم ، فإن كانت صيغة الأنا غالبة على السرد وكأن بطل القصة أو الرواية قد عاش ما يرويه بتجارب متعاقبة يكون القاص/الروائي والحالة هذه قد استلهم ما يتفاعل في خياله ، أو من أشخاص يتفوه بأسمائهم وما عاشوه من أحداث ووقائع بمعالجة سلوكهم.
مما لا شك فيه بأن كتابة وسرد أحداث القصة أو الرواية ليس بالأمر اليسيرعلى القاص والروائي كما يتصور البعض ، ما لم يتسلحا بخيال خصب وثروة لغوية ومقدرة تعبيرية على سبك الأفكار وقولبتها بإسلوب رصين وبمفردات وعبارات مؤطرة بطروحات ومواقف ذات جاذبية مؤثرة ، ترحل بالقارئ في ثلاث محطات متمثلة في نقطة الإنطلاق أي البداية ومن ثم ليعرج الراوي أو القاص في منعطفات النمو الوسطية وبالتالي حتمية النهاية ، كأنه في نزهة تأملية لما يتراءى له وما يدور حوله من أحداث ووقائع تدعه يتعايش معها بإزدواجية من عنصري الملهاة والمأساة أي عوالم الفرح والأسى واحتمالات أخرى ، كأن يكون القارئ متلهفاً ليضع اصبعه على الجرح ، ليكون بالتالي هو صاحب الرأي في اختيار الحكم بمعالجة ذاتية وحكم مغاير لما يفرضه القاص أو الروائي نفسه في نهاية المطاف ، أي أن يدع القارئ متبحراً في تأملات ذاتية لتحليل العقدة بحلول جديدة تنشط فيه روح التفكير الصائب بتحفيز مداركه لتكون متزامنة مع الواقع الموضوعي بإرتباط عضوي من النتيجة الحتمية.
من خلال بعض ركائز هذا المنطلق أطلت علينا بغتة في ميدان الساحة الأدبية القصصية والرواية مبدعة آشورية عراقية ، خزنت في ذاكرتها وعقلها الباطن ما وثقته بخيوط الذكريات الطفولية والشبابية ، وفيما بعد تسلحت بمعرفة جديدة لتضيف إلى خزانتها الآشورية والعربية والإنكليزية اللغة الفرنسية ، لتزيد من قوة الإستذكار والإسنتباط بالتحصيل المعرفي المتمثل بقمم شعراء وكتاب الآداب الفرنسية ، مستلهمة من تجاربهم ما يُمَكّنها أن تتجرأ على حمل اليراع بين أناملها مجسدة ما تفاعل وما فتأ يتفاعل في ذاكرتها بعنفوان المرأة الناضجة والمتسلحة بتجارب جديدة ، بحكم المراحل الزمنية وما تمليه التقنيات الحديثة ، وفي عصر تجاوز سلبيات الماضي الأليم مقارنة أياها بتلميحات ما يفرضه واقع اليوم ، بالرغم من وجود ثمة شوائب لا زالت تتغذى على قيم وتقاليد وأعراف المحيط القروي والمدائني الآهلة بالسكان ذات القيم والأخلاق السائدة بإثراء نصوصها كي تمهد طريقاً للمتلقي على المتابعة واستنتاج ما ترمي اليه.
تحلت الروائية ليلى قصراني بجرأة نادرة ، قلما تتحلى بها المرأة الشرقية كعراقية ، وبشكل خاص المنتمية لشريحة مجتمع متحفظ بقيود وأحكام عادات وتقاليد متوارثة عن الآباء والأجداد ، أو ما يفرضه الإنتماء العقائدي من أعراف ، كأنثى اشورية ترعرعت في مجتمع عربي محافظ  توارثت بعض الشئ ـ نوعاً ما ـ مما هو عليه في محيط نشأتها وتزاملها ، رغم التحرر النسبي الذي يتمتع به مسيحيو الشرق وتأثيرات أجواء ومعايشات العالم الجديد في ديار الإغتراب. ومن جراء ذلك التحرر النسبي حاولت ليلى أن تتجرد من بعض الإعتبارات التي لا يُستساغ الإفضاء عنها والإفصاح عن مكنونها إلا بسرية وعلى نطاق محدود ، قد يكون محصوراً على بني جنسها فقط ممن يكونوا على مقربة وموضع ثقة ، لكنها تتخطى تلك السرية لتؤكد حيويتها بصراحة وانفتاح حداثوي لشيوعه وانتشاره في مسار الآداب الحديثة وعلى وجه الخصوص الغربية منها ، مؤكدة مقولة لا حياء في الدين ، ولا حياء في كشف الحقيقة ، طالما كفة ميزان الحقيقة هي المنفذ لإثبات لغة واحدة لا يتقنها إلا من أضحى جاهداً بفهم وادراك معانيها.
هذا ما اتضح لي وتبين عن كثب في الوهلة الأولى من قراءتي لأولى صفحات روايتها الموسومة " سهدوثا " باللغة الآشورية أي بمعنى الشهادة بالعربية والصادرة هذا العام 2011 عن دار الغاوون في بيروت. قاصداً بتلك الجرأة على مجموعة لا تحصى من عبارات الجنس العابرة ، الواضحة المعالم والمستوحاة من طبيعة وظروف المجتمع الملبد بالكبت والحرمان ، الظمأ الجنسي والعوز المادي ، والتي قلما نجد لها مثيلاً في النتاجات الروائية أو القصصية العربية المحدودة ، قياساً بما أقدمت عليه ليلى قصراني وفي باكورة اعمالها الأدبية في حقل الرواية، وبما نُشِرَ ويُنشر في البلدان العربية رغم ندرته ومحدوديته الورقية بوازع التحفظ من خلال الصراع مع التقاليد التي تمليها قيود الأعراف الإجتماعية ليقدم العديد من الروائيين والروائيات على الإختفاء خلف ستار الحياء والخوف والإلتزام بأسماء مستعارة تشهد عليها الصحافة الألكترونية الحرة التي مهدت الطريق على كسر القيود والإنعتاق من سلطة سيوف الرقابة المملة وما يترتب عنها من سلبيات ومآخذ متعمدة.
ليلى قصراني بجرأتها وتحررها ومعايشاتها وتجاربها تجاوزت كل تلك الإشكالات ورسمت لها الطريق الصحيح والفكر الصريح غير آبهة لإية ردة فعل ممن لا يرتضي اسلوب الصراحة المطلقة التي تتمثل بإجلاء الحقيقة مهما كان فعل تأثيرها لكون قناعتها بإقتحامها هذا المجال هو بمثابة الكنز الذي لا يفنى.
لذا حاولت قصراني في بداية سردها بعملية الجذب المغناطيسي أن تُشوّق القارئ بعرض يثير الدهشة والإستغراب مباغتة أياه بفعل لم يكن مألوفاً حين تنطلق في بدء روايتها بعبارة " لم أرَ أحداً قط يشرب البترول سوى أبي. فعندما أراد التخلص من الديدان الشريطية العالقة بأمعائه. طلب من جارنا أحمد السائق كأساً من البنزين....." وبعد أن تستطرد في وصفها تعود مرة ثانية لتشد القارئ بتكرار ذات البداية ، ولكن هذه المرة  بنصيحة أمها وبمداواة علاجية أغرب من قبلها حين تزدي نصيحتها بمقولة " كانت أمي قد نصحته أن يُجمّدَ قطعة رفيعة من اللحم النّئ ويدخلها في إسته لتتجمع الديدان حولها......" والأدهى من كل ذلك ، ونحن لا زلنا نتابع الوصف أن ينتفض الأب ربما بدافع ما يعانيه أن ينتقم من ديك الجيران بتسلله الى الحديقة الخلفية لبيت أم كرومي جيرانه وإقدامه على " سحب عنق الديك الغبي بعصبية ، وكسره ، ثم تركه خارج القضبان بعدما وضع بعض حبات حنطة بجانب القفص كي يبدو كلّ شئ وكأنه مجرد حادث ".
تستمر ليلى على هذا المنوال مستدرجة بأحداث بعض الحكايات الشعبية الواقعية التي تضاعف من همة القارئ لتنقله في أجواء أكثر جاذبية متمثلة بالعديد من عبارات المفاهيم الجنسية من فعل المعاصي لتُكملها مواقف الخلافات بين أفراد العائلة على الموروث ، مواقف الجدة صاحبة القرار ، عبرة الأساطير وغيرها ، متجاوزةً حدود الساحل لتمخر عباب الدوامات المتمثلة بالتأزمات والصراعات الدينية والإجتماعية والآراء الشخصية المتزامنة مع العديد من شخوص الرواية ، كونها أكثر عمقاً وأبرز تعقيداً لتتراءى العقدة / العُقد بمحاولة كشفها والتخفيف من شدة صراعاتها تدريجياً بغية الوصول الى مرفأ النهاية. وكما أشرنا قد تكون واضحة المعالم أو أن يجهد القارئ نفسه في إيجاد ما يتوصل اليه من حلول.
ولكي نكون أكثر وضوحاً من معالم عبارات الجنس المكثفة التي عمدت اليها الكاتبة ، وتمثلت بجرأة نادرة وهي تصف حالات العديد من طبائع شخصيات شرائح المجتمع الشرقي والغربي ، نجدها قد غطت صفحات الرواية ، فيجدها القارئ على سبيل المثال لا الحصر في حكاية عشتار ص 18 وما يليها بما ينتاب الملك اخشيورش من طموح شهواني يؤدي لهجر زوجته "وشتي" ليحظَ بإبنة عم مردوخ "هدسة" اليتيمة لتنتحل اسم عشتار وتغوي الملك بجمالها وفتنتها وأساليب استمتاعها المباحة للملك التي جعلتها تتسلط على هيبة القصر الملكي والمملكة.
وفي ص 52 تستعرض الروائية حالة العوز المادي لعائلة سعاد التي تضع النقاب وتمتهن البغاء من أجل أن تنقذ أولادها من ضيق العوز والجوع. استدرجت الكاتبة مباشرة بسرد ارهاصات الحاجة الجسدية من خلال العجز الجنسي لدى سمير المقعد في كرسي ذي عجلات لأكثر من عشرين سنة بسبب تعوقه في الحرب ، وبالتالي كيف يحاول من تخفيف أزمات الحالة النفسية ، حيث يتسنى له وبفكرة ارتجالية بوردة بائسة أن يبدد ما يعانيه وما تعانيه زوجته ليلى التي ضحت بشبابها من أجله.
وفي ص 75 وما يليها تنقلنا الروائية لفصل آخر تدور أحداثه في ديار الهجرة حين يحتضن يعقوب المهاجر بلاد الإغتراب وملاقاته "ميليندا" ، امرأة من أصل ايرلندي في إحدى الحانات ليبادلها الحديث ومن ثم مصاحبتها والسفر معها الى مدينتها تكساس رغم فارق السن بينهما، مساعدة اياه في الحصول على عمل ، وبعد قضاء فترة معها وإشباع رغباتهما ، تشاء الصدف أن يلتقي فتاة اثيوبية في محل لبيع الأحذية ، وبتردده الدائم لملاقاتها تتوطد علاقة الحب الشهواني بينهما ، لتدعوه يوماً بزيارتها مساءاً حيث تتواجد أمها معها ليتناولا وجبة اثيوبية ، وبعد أن تخلد الأم في نوم عميق ، تمتعا بحرية المداعبات ليكون ختامها في المقعد الخلفي من سيارة "لوام" الإثيوبية في المرآب المغلق ، تاركين المحرك دائراً ، وهما يتداعبان ويتنفسان بصعوبة ليتملكهما النعاس ويرحلا بالتالي في نوم عميق الى الأبد بفعل انتشار عادم السيارات وكثافة الدخان. وباستيقاظ الأم صباحاً اكتشفت جثتين هامدتين ومتلاصقتين لتلعن الضيف الذي كان جثة هامدة وصاحبته أيضاً بقولها: " يا ابن الحرام! ليتهم يدفنوك مثل سنجاب ضربته سيارة في الشارع ".
هذا غيظ من فيض مما ورد في الرواية عن الأحداث الجنسية ، وعلى هيئة حكايات متداخلة، اشرت لها للدلالة على تلك الجرأة التي تحلت بها الروائية لتكشف طبيعة الرجل الشرقي والمرأة الشرقية وما يحملانه من مفاهيم سلبية تعشعش في أحكام المحرمات ، ومتى ما بسط كابوس الشهوات سلطنته أعدت من المسموحات سراً وليس علناً.
ومن ايجابيات الرواية اعتمادها على شخصيات متفاوتة الثقافات من كلا الجنسين من متفاوتي الأعمار ، ومن رجال الدين إلى تفاوت الإنتماء المذهبي والعقائدي أو العشائري ، أساسية وثانوية في سياق الرواية ، ودور كل واحد منها في إدارة دفة امور الأحداث بإختلاف الآراء كحصيلة للتناقض وأساس التطور. فالرواية بشكل عام هي من محيط المدرسة الواقعية في إطار الحياة الإجتماعية لتجسيدها مراحل متفاوتة من البعد الزماني بحكم التنقلات من وقت لآخر ، والمكاني ما بين القرية والمدينة  ، الوطن الأم وديار الإغتراب.
ولكي لا ينسرح قارئ عرضنا وتحليلنا على أمثلة يتصورها من الأدب الفاحش أو الجنس الفاضح ندرج فيما يلي ما تميزت به الروائية في نصوص روايتها.
ـ جرأة في الطرح ، مستمدة مقومات الرواية من واقع المجتمع الآشوري في عالمين متفاوتين يتمثلان بالوطن والمهجر.
ـ استذكارها للعادات والتقاليد والاعراف لدى الاشوريين ومن يجاورهم من شرائح المجتمع العراقي واستخدام التنويع في فقرات العرض ، وكأنها متعددة الأحداث في استخلاص واستنتاج ما تصبو اليه.
ـ التزام الواقعية في طروحاتها المتمثلة بشخصيات آشورية مستقاة من أحداث ووقائع الحكايات الشعبية المألوفة وكأنها من صيغ مغامرات الإثارة.
ـ تطعيم السرد بالمأثورات الحكمية المنقولة والمتوارثة.
ـ دعم الأحداث برموز مستوحاة من جذور أعماق التاريخ وأصالة التراث الرافديني ، وأقل ما يمكن الإشارة اليه رواية عشتار في بداية عرضها للأحداث ، مروراً بقدسية جبل سهدوثا ووصولاً لصلوات وروحانيات الرهبنة في الصوامع والهياكل والأمثال الشعبية المتوارثة.
ـ عرضها للعديد من الأفكار بإقتضاب من خلال استدراجها الوصفي بسرد عبارات على شاكلة الاقصوصة أو القصة القصيرة جداً بتزامنها مع سرد الأحداث في الرواية متمثلة باستطرادات قصصية متداخلة لراوٍ واحد أو اثنين بتجسيد المقومات السردية الرئيسية المتمثلة بالحدث وعنصر الشخصيات بشكل مكثف لإثارة الدهشة والإستغراب كي يتفاعل القارئ منذ بداية الحدث وتدرجه بتطوير الموقف بتسلسل جزئي يؤدي إلى نهاية الموقف أو الحدث.
من خلال هذا الإستطراد يتضح لنا في بعض الإنعطافات وكأن العرض ينقل لنا خبراً خال من مقومات الإقصوصة المتداخلة في الرواية لخلوها من نقطة التركيز أو التنوير النهائية التي تكشف خيوط البداية والوسط ، كونها محصورة في مجال واحد غير متعدد الجوانب ، مقارنة  بما هو الحال في السرد الروائي المتسع بتسليط الضوء على زوايا متعددة التفاوت في الشخصيات والأحداث والمعنى المقصود بالرغم من اعتمادها على متنوع من الحكايات.
ومتى ما صنفنا المضامين الكلية لأحداث الرواية نجدها تلتزم بالواقعية المستمدة من الأحداث والمعايشات اليومية للحياة في القرية والمدينة بتشابك المداخلات التي تمليها نوازع الإستشارة والإمتثال لما هو برأي الأكبر سناً كما تمليه الجدة الطاعنة في السن أو الأم وفي العديد من المواقف والإشكالات من خلال نصائحها وارشاداتها المطعمة بالأمثال الشعبية المتعارف عليها ، وكأنها المرجعية الرسمية لتدبير ما يحدث من أمور يُستصعب حلها ، وذلك بحكم صفات الإنصياع الأخلاقي من احترام وتقدير والولاء لمشورة الطاعنين في العمر.
ـ إضافة لما نوهنا عنه تنقلنا الروائية في أجواء متفاوتة مما يعتري العائلة الآشورية منها الصراعات والإتهامات التي تفرضها عوامل طموح الفرد في السيطرة والهيمنة بإستغلال بعض الظروف السلبية كمصادفات حالات الحزن والإهمال والعوز كما يتضح من خلال مناوشات طفيفة فيها من الجدية لنيل حصص الأرض الموروثة عن الأجداد.
ـ تحكم المرأة أحياناً من خلال ضعف شخصية الرجل مثلما تشيرلواقع عائلة موشي بإتخاذ زوجته قراراتها دوماً لما ترمي اليه.
ـ كشف اسرار وخفايا الماضي بحكمة وبإسلوب هادف بغية الإتعاظ من التصرفات الأليمة التي تطغي على العديد من المواقف ، بإعتمادها على نهج التطور الحضاري لعملية التقويم وتجريد الأفكار البالية من الفكر الآشوري الحديث.
ـ بقي أن نعرف بأن البناء الرمزي لبعض مقاطع الرواية المبوبة بأحداث معينة ينتابها الإبهام كما هو الحال على سبيل المثال في ص 105 وما يليها بسردها عن نقيضين مبهمين بإقحامها حوارات ذات منظق فلسفي ممزوج بالروحانيات بين من يلتمس المغفرة متوسلاً للعفو عن معصية بإستلهام من هيبة قدسية جبل الشهادة ، وبين من توسد وتألب فيه من أصحاب الصوامع بشذوذ البعض منهم قولاً وفعلاً وتخيلاً.
بالرغم من أن الأحداث الأساسية تتجذر في الوطن الأم ، إلا إنها تتجاوز ذلك لتنقل القارئ الى عالم آخر متمثلاً بديار الغربة وانتكاسات الهجرة متمثلة بهجرة يعقوب وما تصادفه من إشكالات وصعوبات بنهايته المحتومة قبل وقوفه على ما يعانيه أخاه ابراهيم الذي سبقه في الهجرة مع زوجته وابنه رامي مع ابنته مريم في اتخاذ قرار العودة للوطن الأم من جراء ازدواجية الصراع النفسي الحاد في المعيشة وممارسة العادات والتقاليد وغيرها من الأنظمة المفروضة على المهاجرين.
من هذا المنطلق وعلى ما يبدو دونت قصراني روايتها بالعنوان الرئيسي " سهدوثا " لتلحق به العنوان الفرعي بجملة " حكاية شعبية " والتي هي بالأحرى مجموعة حكايات شعبية متداخلة ، لتبرهن بأنها تستل تفاصيلها من أحداث واقعة فعلاً في جو آشوري أصيل وكنف عائلة اشورية ، لكي لا تجعل القارئ يرحل بعيداً بأن ما ترمي اليه هو تلك الخرافات أو التخيلات الطاغية على السرد الحكواتي الشفاهي المتوارث والمألوف بالحكايات الشعبية التقليدية بلغتها العامية.  ومتى ما صنفنا الرواية نجدها تنحى منحى ما جرى وأقدم عليه رواد الرواة بتصويرهم وتجسيدهم الأوضاع الإجتماعية والدينية والإقتصادية في التحكم بمصير الشخصيات المعنية بمعالجة سلوكهم وطباعهم كما هو الحال في روايات العديد من الرواة الفرنسيين على سبيل المثال لا الحصر من أمثال ، ستندال ، بلزاك ، فلوبير وغيرهم من الأوربيين.  
بقي أن نشير ونستدرج تلك الصبغة الطهرية التي تضفيها الروائية على جبل سهدوثا بتقديسها له وكأنه شارة السر والمكمن أو الملجأ الذي يدع الإنسان أن يغفر عن خطاياه بشهادة تألب الكهنة والرهبان والعلمانيين في قمته ، بدلالة نعوتها ووصفها له في العديد من العبارات التي مفادها من روحانية التأليه والتقديس مثل قولها: " قمة الجبل المقدس " ، " جبل سهدوثا المقدس " ، " سحابة صلوات ترتفع كل يوم فوق قمة جبل سهدوثا " ، " استشهد فارس فوق جبل سهدوثا " ، " هو الأرعن الهارب من لعنة أبيه التي تطارده حتى في جبل سهدوثا " ، " نحن لا نمزح فوق جبل سهدوثا " ، " بإمكانك أن تهرب من الناس لكن فوق سهدوثا ستواجه الله " ، " أن أصعد إلى قمة سهدوثا وأتطهّر ". وغيرها من التعابير الرمزية الخاصة بذلك.
ان الصفحات التي تفرزها الكاتبة لتُكثر بما يدور في هذا الجبل على ألسِنة رجال الدين يبدو وكأن المسحة الجبرانية قد طغت على عملية السرد بمفاهيمها المكتظة بالوعظ ومغبات السلوك والإستشهاد والإعتراف بتقريبها التسمية مما عمد اليه جبران في " نبيه " من خلال مدينته التي استنبط تسميتها من نسج الخيال مشيراً اليها بمدينة اورفاليس.
هذا الإستنتاج يقودنا الى ما أشارت اليه قصراني في ص 41 من خلال الشجار الدائر بين نجيب وسامي وعدنان والجدة عن وراثة أرض اسلافهم حين يقول سامي: " لكني ذات يوم سأصعد الى جبل سهدوثا المقدس ، وتكفيني قطعة أرض صغيرة هناك ، ثمنها مدفوع مقدماً". ثم يردف قائلاً: " سأتنسك في الصومعة ، جبل سهدوثا حياتي ". فيجيبه نجيب قائلاً: " ستصعد إلى جبل سهدوثا الذي لا وجود له ، أنت تعيش في الخيال ".
حبذا لو كانت الكاتبة قد ألمحت بشكل واضح ورؤى أوسع عن شغفها بهذا الرمز المقصود لتكون أقرب من مدارك وتأملات قارئ الرواية ، لكي لا يتيه في متاهات التخمين ، بالرغم من تألقها بأجنحة لغةٍ ذات خيال جامح وهواجس انفعالية ذات مضامين هادفة ،رغم تيقنها الشخصي مما آلت اليه.
وفي الختام نأمل أن نكون قد دوّنا فكرة واضحة عما ذهبنا اليه ، آملين للروائية ليلى قصراني مزيداً من النتاجات بإجلاء ما تراه مناسباً للمجتمع كدلائل توثيق والمسار الأدبي. وفي خاتمة المطاف يمكننا تتويج روايتها بين نوادر الأجناس الأدبية الإبداعية كأول نتاج روائي تعيشه الكاتبة ليلى في عالم الإغتراب.

mammoo20@hotmail.com
  

154
     

ليلـى كوركيــس تكسر قيود الإسم المستعار
في "من بيروت الى نينوى"



بقلم: ميخائيل ممو


أن تستعر إسماً مغايراً لما هو مألوف لدى العامة ، وتتداوله في حقل التدوين والنشر ، بغية أن تخفي ملامح شخصيتك لتطلّ على القراْء بوجه جديد من خلف الستار ، ليس بالأمر الهيّن ، لكونك تضع مسؤوليتك في حكم المجهول بقناعة متعمدة مستمدة من عدة أسباب تفرضها الظروف الخاصة والعامة التي قد تكون من واقع منطلق تيارات سياسية أو اعتبارات دينية واجتماعية أو جملة اعتبارات شخصية مرحلية. ومن جانب آخر،  نرى أحياناً وبعد انتفاء عوامل التستر يعود نـَبلُ نـُبْـل ذات القلم لإستعمال الإسم الحقيقي المتعارف عليه. وعلينا هنا أن لا ننس بأن القارئ النبيه لا يستصعب عليه من كشف الإسم المستعار من خلال مقارنة الإسلوب الذي يألفه ولا يقل شأناً بين من يذيل موضوعاته بالإسم الحقيقي والمستعار، وإلى جانب ذلك المعرفة المباشرة بظروف وواقع الشخص ذاته من خلال مواقفه العلنية ومعايشاته مع شرائح المجتمع وتطلعاته من منطلق التزاماته.
وكما نوهنا آنفاً تلزم بعض تلك الإعتبارات مواقف من يتخفى خلف ستار التكني بالأسماء المستعارة ، ولكي نكون أكثر وضوحاً ومقربة ممن يتهافت على ارتقاء سلم الإستعارة ندرج فيما يلي العديد من الأسباب التي تتضح من خلال النقاط التالية:
ـ أن يتمنطق بما يشاء وبحرية تامة.
ـ استعمال أسماء تجلب انتباه القراء.
ـ تخوفاً من أن لا تنال موضوعاته القبول.
ـ أن يكون في بداية تجاربه الأدبية.
ـ تيمناً بألقاب المشاهير التي يعتبرها مثله الأعلى.
ـ الحذر من الوقوع في أخطاء لا يتغاضى القارئ عنها والخجل من ذلك.
ـ العامل المادي لبعض الكتاب الذين ينشرون بالإسم الصريح وفي مكان آخر بالإسم المستعار.

الأغرب من كل ذلك أن ينتحل وينتسب الرجال لتسميات انثوية والعكس أيضاً