عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - غازي عزيز التلاني

صفحات: [1]
1
امسية تأبينية  لمناسبة الذكرى الاولى لرحيل الاب يوحنا عيسى

لمناسبة الذكرى الاولى لأنتقال الخوراسقف الاب يوحنا عيسى الى الاخدار السماوية وتحت شعار (احسنت، أيها الخادم الصالح الأمين كنت أمينًا على القليل، فسأقيمك على الكثير : أدخل نعيم سيدك)، اقامت ابرشية عقرة والزيبار امسية تأبينة بهذه المناسبة يوم الاثنين الموافق 2 من اذار 2015 وتضمنت الامسية الفقرات التالية :
-         صلاة (آتي ليدين العالم) بالسريانية
-         دقائق صمت مع موسيقى
-         كلمة الاب دنخا عيسى عن الاب يوحنا عيسى تلتها قراءات من مزمور 16
-    قراءات من الكتاب المقدس من نبوءة حزقيال ، وقراءة من رسالة بولس الرسول الى تيموثاوس الاولى تلتها قراءة من انجيل يوحنا .
-         وتم تقديم عرض شرائح مصور عن حياة الاب يوحنا عيسى اعده غازي عزيز التلاني
-         وقدم عدد من المشاركين كلمات وخواطر وقصائد وشهادات شخصية عن الاب الراحل
حضر الامسية التأبينية عدد من الاباء الكهنة ولفيف من ابناء ابرشية عقرة من داخل وخارج الابرشية من اربيل ودهوك ومناطق اخرى
الراحة الابدية اعطه يارب ونورك الدائم فليشرق عليه
 
غازي عزيز التلاني
دهوك



2
صدور العدد 22 من مجلة صوت صارخ

عن ابرشية عقرة والزيبار صدر العدد 22 من مجلة (صوت صارخ) ، حيث تضمن العدد مواضيع دينية واجتماعية وثقافية منوعة .
من هذه المواضيع
-        هل نحن نعيش في القرن 21؟  الاب دنخا عيسى
-        وأما الحاجة فإلى...   ماهر حربي
-        دور الاعلام في الرسالة المسيحية   نبيل جميل سليمان
-        الامثال الشعبية في منطقة عقره   عبدالاحد يوحنا بيسان
-        تاريخ الهجرات لدى ابناء ابرشية عقرة  ابلحد المرجي
-         الهجرة الى اين، والى متى؟  ابو فادي
وغيرها من المواضيع
يرأس هيئة تحرير المجلة  الاب دنخا عيسى الراهب
وتتكون هيئة التحرير من كل من
عبد الاحد يوحنا نيسان
نبيل جميل سليمان
سامي يوحنا الساتي
جميل بنيامين الساتي
لقراءة المجلة كاملة انقر على الرابط التالي
http://en.calameo.com/read/001635461038ce96ace8e
 
كما يمكن الحصول على النسخة الالكترونية من المجلة  بمراسلتنا على البريد الالكتروني التالي :
ghazi_lazer@yahoo.com
 
غازي عزيز التلاني



3
صدور العدد 20 من مجلة (صوت صارخ )
صدر العدد عشرون من مجلة صوت صارخ التي تصدر عن ابرشية عقرة وزيبار ويرأس تحرير المجلة الاب يوحنا عيسى ويشارك في تحريرها نخبة من مثقفي ابناء الابرشية وتضمن, وهي مجلة دينية ثقافية اجتماعية تصدر بشكل فصلي .
تضمن هذا العدد المواضيع التالية
-         الافتتاحية بعنوان ( هؤلاء الصغار ) لرئيس التحرير
-         قومي .... الاب يوحنا عيسى
-         دير مار توما ....... بنيامين حداد
-         الله والام البشرية ........ ترجمة عزيز عمانوئيل زيباري
-         رواية الحاكايات في قرى منطقة عقرة ...... عبد الاحد يوحنا نيسان
-         اللغة السريانية والتعليم .................. عادل دنو يوحنا
-         نقرات (كوجينا ) ................ ابلحد المرجي
-         ظل صديق ..........كريم اينا
-         الجمال يبني الروح ............ ماهر حربي
-         لقاء مع الفنان مبدع ماهر
-         قصيدة اعترافات ......... جميل بنيامين الساتي
-         اضافة الى الابواب الثابتة واخبار الابرشية والصفحة السريانية
وجدير ذكره ان الاب يوحنا عيسى رئيس تحرير المجلة والمدبر البطريركي لأبرشية عقرة والزيبار قد تعرض لانتكاسة صحية قوية جعلته طريح فراش المرض  .... ندعوكم للصلاة من اجل سلامته .
لقراءة المجلة انقر على الرابط التالي
http://en.calameo.com/read/00124289953412f200180



4
صدر العدد التاسع عشر من مجلة صوت صارخ التي تصدرها ابرشية عقرة والزيبار والتي يرأس تحريرها الاب الفاضل يوحنا عيسى المدبر البطريركي لأبرشية عقرة والزيبار وتضمن العدد العديد من المواضيع الدينية والاجتماعية وتحقيقات وصفحات ثقافية وتضمن العدد ايضا اخبار الابرشية والنشاطات التي قامت بها الابرشية والاخويات التابعة لها
لقراءة المجلة اضغط على الرابط التالي
http://en.calameo.com/read/00163546161ba00ebdcdb


غازي عزيز التلاني


5
صدور رواية ܢܘܪܐ   (المرآة)
للاستاذ كيوركيس خوشابه ميخائيل
صدر للاستاذ كيوركيس خوشابه ميخائيل رواية باللغة السريانية حملت اسم ناورا  ܢܘܪܐ  (المرآة) وهي الاصدار الروائي الاول للاستاذ كيوركيس باللغة السريانية.
وتدور احداث الرواية عن حياة شعبنا والاحداث اليومية التي ترافقها.
وقعت الرواية في اكثر من 200 صفحة من القطع الصغير.
الرواية من تصميم واخراج فني المصمم غازي عزيز التلاني وطبعت في مطبعة هاوار في دهوك .
للحصول على النسخة الالكترونية من الرواية مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
Ghazi_lazer@yahoo.com


6
صدر العدد الثامن عشر من مجلة (صوت صارخ) التي تصدرها ابرشية عقرة والزيبار الكلدنية وهي مجلة فصلية روحية ثقافية عامة وتضمن العدد مجموعة من المواضيع الروحية والثقافية نذكر منها:
-   الافتتاحية (المسيرة قد بدأت ولا ينبغي ان تتوقف) لرئيس التحرير الاب يوحنا عيسى
-   الانتباه والاصغاء من ثمار الروح القدس للاب دنخا عيسى
-   القبر الفارغ ... نبيل جميل سليمان
-   تجربتي مع المرض ... الاب يوحنا عيسى
ومواضيع دينية وثقافية اخرى
يرأس تحرير المجلة الاب يوحنا عيسى الوكيل البطريركي لأبرشية عقرة والزيبار
ويحررها نخبة من المثقفين من ابناء الابرشية
لقراءة المجلة اضغط على الرابط التالي
http://en.calameo.com/read/0016354611cd96d745824


7
صدور كتاب (بين يديك) للاب يوحنا عيسى

عن منشورات ابرشية عقرة والزيبار صدر للاب يوحنا عيسى كتاب (بين يديك) وهو عبارة عن مجموعة صلوات كتبت في مناسبات مختلفة ، ويقول الاب يوحنا في مقدمة الكتاب:
 (كان هناك دافع وراء كتابة هذه الصلوات وهي مستمدة من حياة الناس وتعبر عن مواقف حقيقية وتعالج حالات حياتية وإيمانية معاشة.
إنها قصائد حب خالصة للرب يسوع ومناجاة بين المصلي وربه أو حوارات عميقة بينهما حول الكثير مما يشغل بال المؤمن وهمومه وانتظاراته.
عدد منها كتب عن أيام ومناسبات لها مكانة ووقع خاص في حياة المؤمنين. وبعضها انعكاس لمشاعر الكاتب في حالات الوحدة والعزلة والمرض وغير ذلك الكثير. 
جرى تلحين بعض هذه الصلوات ورتلت بحناجر الأجواق الكنسية في دمشق وعمان لتنضم إلى قائمة التراتيل التي تؤدى في غير مكان في الداخل والخارج ونسخت على أقراص أنيقة لتكون في متناول المؤمنين. كما ان اثنتين من هذه الصلوات نشرتا في مجلة "نجم المشرق" الغراء.
بالنسبة لعنوان الصلاة اكتفينا بالكلمات الأولى من كل واحدة منها.
نأمل أن تساعد هذه الصلوات المؤمنين على العيش في أجواء روحية مميزة وتنقلهم إلى آفاق من الإيمان والسكينة والطمأنينة.)
يقع الكتاب في 68 صفحة من القطع الصغير واحتوى على تخطيطات معبرة بريشة الفنان مبدع ماهر حربي . صمم الكتاب واخرجه فنيا غازي عزيز التلاني
 
للحصول على النسخة الالكترونية من الكتاب مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
Ghazi_lazer@yahoo.com




http://upload.ankawa.com//files/1/ankawa1/baena.pdf




8
ايها الاحباء ابناء عقرة داخل الابرشية وخارجها
نعمة ربنا يسوع المسيح ونعمة الله الاب وشركة الروح القدس معنا جميعا.
لقد ألمت بي, كما تعلمون, في هذه الآونة الاخيرة, وعكة صحية اضطرتني للسفر خارج القطر للمعالجة حسب نصيحة الاطباء. وهنا اود ان اؤكد لكم بان حالتي تبعث الى الاطمئنان إذ هي مستقرة وجيدة كما قالت لي الطبيبة  المشرفة على معالجتي.
ومذ ان تناهى هذا الخبر الى مسامعكم حتى تحركتم جميعا:  رجالاً ونساء, شباباً وشابات بل وحتى الاطفال الصغار.
فرحتم تقيمون صلوات خاصة في كل كنائس الابرشية كما في بيوتكم وتعبرون عن صدق مشاعركم, مشاعر الحب والاسى والحزن وتجمعون المال الضروري لأتمكن من معالجة حالتي المرضية. وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على محبتكم الخالصة وتضامنكم القوي معي في هذه المحنة. وقد صدق قولي فيكم حينما كنت اردد دوما بان رأسمالي هو الجماعة وليس المال. فأما المال واما الجماعة.
اما انا فقد اخترتكم انتم.
وحالما اتعافى من مرضي واستعيد صحتي, سنعود انا وانتم لحمل عين الرسالة الواحدة الملقاة على عاتقنا جميعا, هذه الرسالة التي ان هي الا رسالة المسيح وليست رسالة خاصة بنا. وفي الوقت ذاته, سنعود الى تكميل مسيرتنا الرائعة التي بدأناها في الموصل ومن ثم في ابرشيتنا العزيزة عقرة. هذا وعد وعهد قد قطعناهما على انفسنا مذ ان بدأت خدمتي قبل اكثر من 40 عاماً.
وهنا, لا يسعني, ايها الاحباء, الا ان اتقدم اليكم جميعا, رجالاً ونساء, شباباً وشابات والى كل اطفالنا الحلوين, عن خالص محبتي وصدق مشاعري وعظم شكري وامتناني.
وفي الختام, ارفع الى الرب الاله القدير دعائي وصلاتي من اجل ان يحفظكم من كل مكروه انتم وعوائلكم وان يمنحكم الصحة الدائمة والعمر المديد.
والى أمام  
ودمتم تحت حماية امنا مريم العذراء
 المخلص لكم
الاب يوحنا عيسى
المدبر البطريركي لابرشية عقرة



9
صدور كتاب ( أرض القداسة )
للاستاذ عبد الاحد يوحنا نيسان



عن ابرشية عقرة والزيبار صدر كتاب ( ارض القداسة ) للاستاذ عبد الاحد يوحنا نيسان والكتاب هو جولة في رحاب ابرشية عقرة والزيبار
يهدف هذا الكتيّب إلى التعريف بأديرة أبرشية عقرة والزيبار وكنائسها ومزاراتها،  قديمها وحديثها، مع الإشارة إلى الأبنية المرفقة بها أو الواقعة تحت إدارتها. وسوف يشمل البحث الأماكن (الأديرة، الكنائس والمزارات) سواء تلك التي ما زالت قائمة وتؤدي وظيفتها التقليدية أو التي توقفت عن ذلك لأي سبب كان. وكذلك الأماكن المندثرة وما زالت هناك بعض الآثار الدالة عليها.
يقول مؤلف الكتاب في مقدمته
إن الأهداف التي نتوخاها من هذا الكتيب هي:
         1. التعريف بكنائس الأبرشية وأديرتها ومزاراتها.
           2. أن يكون بمثابة دليل للسياحة الدينية في منطقة عقرة.
         3. التعريف بالآثار المسيحية التي ما زالت قائمة في هذه المنطقة.
لقد حاولنا تتبع أي ذكر سابق لهذه الأماكن في المصادر التاريخية وخاصة في المخطوطات العائدة للأبرشية مما يتيح لنا التوصل إلى أقدم تاريخ لوجود الدير أو الكنيسة أو المزار. ومما لاشك فيه أن هناك فترة أخرى يصعب تقديرها قبل الذكر الأول. وفي غياب ذكر الكنيسة فإن ذكر الكاهن أو القرية أو أحد أبناء أبنائها قد يكون مؤشراً مفيداَ في التكهن بوجود الدير، الكنيسة  أو المزار في تلك التواريخ.
قدم للكتاب وراجعه الاب البير ابونا
ورأى الكتاب النور بجهود الاب الغيور يوحنا عيسى الوكيل البطريركي على ابرشية عقرة والزيبار الذي رافق المؤلف في رحلة البحث عن الاثار المتبقية للكنائس والاديرة في القرى التابعة لأبرشية عقرة والزيبار.
يقع الكتاب في 74 صفحة من القطع الصغير وطبع بالالوان وعلى الورق الفني . الكتاب من تصميم غازي عزيز التلاني وشاركه عبد الاحد يوحنا في تنسيق النص الداخلي.
لقراءة الكتاب انقر على الرابط التالي
http://en.calameo.com/read/001242899f6f3fe9fc26f
وللحصول على النسخة الالكترونية مراسلتنا على العنوان البريدي التالي
Ghazi_lazer@yahoo.com


10

هل من رسالة في الأحدث الأخيرة؟

شهدت كردستان العزيزة الآمنة، في هذه الآونة الأخيرة، أحداثاً لم تكن تدور في بال أحد. وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على عقلية معينة ما زالت سائدة وفاعلة عند البعض إلى أيامنا هذه، هذه العقلية التي تلجأ إلى استخدام العنف طريقاً إلى الفرض بدلاً من أن تمارس حقها في الديمقراطية وصولاً إلى مبتغاها.
بيد أن هذه الأحداث تطرح العديد من الأسئلة: ترى، من وراء هذه الأحداث؟ ما هو الدافع؟ لماذا اختيار هذا الوقت بالذات؟ من هو المستفيد؟ وأخيراً من هو المستهدف؟
إن كل هذه الأسئلة وغيرها مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقاً وهي تستحق لأن نقف عندها لنقرأها ولئن كانت الأجوبة عليها صعبة وغامضة في الوقت الراهن.
قد يكون وراء هذه الأحداث شخص أو جهة ما منظمة سواء كانت حزبية أو سياسية، داخلية أو خارجية أو الاثنان معاً. وإذا ما سلمنا فرضاً بوجود مثل هذه الجهة الخارجية فهذا يعني إنها استطاعت أن تستخدم الداخل بمثابة أداة ليس إلا لتحقيق مآربها وغاياتها .
أما الدافع إلى ذلك فهو الآخر يظل مبهماً وغامضاً. فقد يكون إثارة الشغب كما قيل أو إثارة الفتنة أو زعزعة الأمن والاستقرار أو تنفيذ مخطط لجهة ما، إذا ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
وقد يكتسي أمر توقيتها أهمية بالغة. ولذلك نتساءل: ترى، لماذا وقعت هذه الأحداث في هذا الوقت بالذات وليس في وقت آخر، علماً بأن مثل هذه الأحداث لم تجر من قبل في هذه الربوع الجميلة.
وما يقال عن هذه الأسئلة الثلاثة، يقال كذلك عن السؤالين الأخيرين. ويتعلق الواحد بمصلحة الجهة المنفذة وأما الآخر فبالمستهدف.
وهنا يحق لنا أيضاً أن نتساءل: ترى، لمصلحة من جرت هذه الأحداث ومن هو المستفيد منها؟ هل هي لمصلحة الأجنبي أم لمصلحة جهة ما داخلية؟ ثم من هو المستهدف؟ هل إنه حكومة إقليم كردستان التي أخذت تشيع قيم المحبة والعدل والتسامح والمساواة والتآخي بين المواطنين أم المستهدف هو وجود المسيحيين وحضورهم الفاعل من أجل تهجيرهم وتشتيتهم هنا أيضاً وبالتالي الإجهاز على ما تبقى من هذا المكون الأصيل؟
قد يكون المستهدف هذه الجهة أو تلك أو الاثنان معاً. وإذا ما صحت الفرضية الأخيرة، فإن الرسالة التي تود هذه الجهة المنفذة إيصالها مزدوجة. رسالة موجهة إلى حكومة إقليم كردستان وأخرى إلى المسيحيين. وسنكون سعداء إذا ما ثبت بالدليل بأن قراءتنا لهذه الأحدث كانت خاطئة.
ولكن الأيام القادمة قد تكون كفيلة بالكشف عما تخبأه هذه الأحداث الأخيرة التي جرت في كردستان العزيزة والتي فاجأت الجميع.   

11
السلام هبة السماء للأرض
(رسلة راعوية)
                                                                                                                          الأب يوحنا عيسى


إلى أبناء أبرشية عقرة الأحباء
عليكم النعمة والسلام من لدن الله أبينا
والرب يسوع المسيح


يسرني أن أوجه إليكم، أيها الأحبة، هذه الرسالة، لمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة لكيما أتقدم إليكم بأحر تهاني مقرونة بأطيب أماني لكم ولأسركم الكريمة, وكذلك لكيما أتناول فيها موضوعاً نحن بأمس الحاجة إليه ألا وهو السلام.

1)   السلام هبة السماء...

إن السلام، ولاشك هبة من هبات السماء للأرض. وهذه الهبة تعطيها مجاناًوذلك لفرط حبها الجم وليس بسبب حق أو استحقاق منا. هنا يكمن سبب عطاء السماء لنا هذه الهبة، شأن هبات وخيرات أخرى كثيرة: إنها تحبنا، هذا هو سر السماء. وما في السماء كما على الأرض، سوى الحب وحده "الله محبة". وفيما قد ينقص في هذا الحب بعد من أبعاده على الأرض أو قد يتحول إلى شيء آخر فإن الحب في السماء يظل باقياً، قائماً، دائماً وثابتاً.
وإذا كانت السماء لم تبخل، لحظة واحدة، بهذه الهبة للأرض، فقد منت عليها، هذه المرة، بهذه العطية مرافقة لمولد أمير السلام يسوع المسيح وهو أكبر وأعظم عطية من السماء للأرض. أولم ينشد الملائكة في يوم مولده قائلين "المجد لله في السماء وعلى الأرض السلام"، الأمر الذي يعني أن السلام على الأرض أفضل تعبير مرئي عن مجد الله السماوي.

2)   للأرض
إذا كانت السماء قد أعطت ومازالت تعطي هذه الهبة مجاناً للأرض أي للإنسان، كل إنسان، فعليها، والحالة هذه، أن تقبلها وأن تستثمرها لتصبح بمثابة أساس دائم وثابت عليها ترتكز الحياة الإنسانية والمسيحية إذ من المعروف ألا أمن ولا استقرار، لا تطور ولا تقدم إلا عن طريق السلام. وقد دلت على ذلك تجربة الإنسان الطويلة والمريرة، عبر التاريخ، عندما كان يفقد هذه القيمة الأساسية في حياته.
والسلام الذي نعنيه وننشده ليس سلاماً خارجياً حسب وإنما سلاماً داخلياً يقوم على التماسك والوحدة مع الذات وعلى الوئام والانسجام والتناغم داخل قوى الإنسان وإذ ذاك يمكن للإنسان أن يسعى إلى نشره خارجاً عنه ونعني بذلك الإنسان الآخر كما في الطبيعة.
ومما قد يعرض هذا السلام للخطر هو وجود تحديات كبيرة وكثيرة تقف أمامه وأبرزها الخطيئة التي تدخل الاضطراب في الإنسان والتي هي أصل قيام الحروب والفوضى والنزاع والخصام. فالحروب، على سبيل المثال، تبدأ أولاً داخل الإنسان أي في عقله وقلبه ومن ثم تندلع في الخارج. ولذلك يجب إطفاء الحروب في الداخل أولاً ومن ثم في الخارج.

3)   متطلبات السلام
أما تحقيق هذا السلام فهو يشترط توفر متطلبات معينة:
‌أ.   توفر مناخ ملائم للسلام لينمو ويكبر. فلا يمكن أن يقوم ويدوم السلام في ظل أو مناخ الحرب.
‌ب.   أن يكون لجميع بني البشر طيب الإرادة في صنعه. فالسلام ليس منوطاً بشخص أو شخصين بل بكل الناس. ومتى ما أراد هؤلاء السلام عليهم أن يكفوا عن إشعال الحرب  كما عليهم أن يلقوا ويكسروا كل أسلحة الحرب ويشرعوا باستخدام كل أسلحة السلام من أجل بنائه.
‌ج.   أن تتظافر كل الجهود وتبذل كل المساعي من قبل الأفراد والمؤسسات المعنية من أجل استتباب السلام.
‌د.   إرساء السلام على أسس ودعائم المحبة والعدالة ذلك أن السلام إن هو إلا ثمرة هاتين القيمتين إذ لا سلام من دون المحبة وكذلك من دون العدالة.

4.   خطوات عملية يجب اتخاذها.

بيد أن هذه المتطلبات غير كافية ما لم ترافقها خطوات أخرى عملية لكيما يقوم ويدوم ويكتمل السلام. وإليكم بعضاً من هذه الخطوات:
‌أ.   أن نتصالح مع الله، مع الآخر ومع الذات. والتصالح مع الذات يعني أن نستعيد التماسك والوحدة مع الذات التي كنا قد فقدناها. فلا يكون هناك تعارض بل تطابق في حياتنا.
‌ب.   أن نصفي وننقي قلوبنا من الحقد والكراهية والضغينة فنقول مع المزمر "قلباً نقياً أخلق في يا الله".
‌ج.   أن نعترف بأخطائنا وخطايانا وذنوبنا طالبين الرحمة والمغفرة مما يتطلب منا الجرأة والشجاعة.
‌د.   أن نصفح ونغفر لبعضنا البعض أثناء أدائنا الصلاة أو خارجها. فيأتي هذا الغفران بمثابة تعبير عن ممارسة سلطتنا على غفران الخطايا وكذلك بمثابة تعبير عن حبنا. فالذي يحب هو وحده يغفر!
‌ه.   أن تكون لنا الشجاعة في المبادرة إلى السلام. فنقوم بأول خطوة جريئة في سبيل السلام من دون أن ننتظر من الآخر فعل ذلك. فالشجاع هو من بدأ بالخطوة الأولى.
‌و.   أن نكون على استعداد دائم لقبول هذا السلام من الطرف الآخر من دون أن نعتبر ذلك ضعفاً أو جبناً بل قوة.
وأختتم رسالتي هذه إليكم بالدعاء لكم جميعاً من أمير السلام بقضاء أيام سعيدة هانئة. ملؤها الحب والسلام وكلي أمل بأن هذه الرسالة ستساهم في صنع السلام وإرساء دعائمه في حياتكم الشخصية والأسرية.
دمتم تحت حماية أمنا مريم العذراء

المخلص لكم
الأب يوحنا عيسى
المدبر البطريركي لأبرشية عقرة
   عيد الميلاد المجيد 2011


12
صدور العدد الثالث عشر من مجلة (صوت صارخ)
عن ابرشية عقرة

صدر العدد الثالث عشر من مجلة (صوت صارخ) والتي تصدر عن ابرشية عقرة والزيبار وهي مجلة دينية ثقافية عامة
رئيس تحرير المجلة : الاب يوحنا عيسى
هيئة التحرير
عبد الاحد يوحنا نيسان
نبيل جميل سليمان
جميل بنيامين الساتي
سامي يوحنا الساتي
وتضمن العدد العديد من المواضيع الدينية والثقافية والاجتماعية ومنها:
متى سيصبح شبابنا قوة؟................................ رئيس التحرير
للشباب يومھم ........................................... الأب يو حنا عيسى
الھوية والغيرية...........................................نبيل جميل سليمان
النشاطات الاقتصادية في مدينة عقرة ..................عبدالأحد يوحنا نيسان
المرأة مدرسة الحياة ..................................  الأب دنخا عيسى الراھب
مرثا ومريم في خدمة لكنيسة
(تحقيق عن لجان النساء في أبرشية عقرة) ...................... أجرى التحقيق: أبلحد المرجي
لا تدق ھذا المسمار)قصيدة(..............................بسام عزيز لازر
القسم السرياني..........................................فوزي ميخائيل
اضافة الابواب الثابتة – من نتائج القراء – اخبار الابرشية – استراحة –
 
للحصول على النسخة الالكترونية من المجلة مراسلتنا على العنوان التالي
Ghazi_lazer@yahoo.com


http://www.ankawa.com/upload/19/ankawa2/sout_sarek.pdf






13

صدور العدد الثاني عشر من مجلة صوت صارخ
لأبرشية عقرة والزيبار

عن ابرشية عقرة والزيبار صدر العدد الثاني عشر من مجلة (صوت صارخ) والتي يترأس تحريرها الاب يوحنا عيسى ويشارك في تحريرها نخبة من ابناء الابرشية وتضمن العدد مجموعة من المواضيع القيمة والقصائد الشعرية وغيرها
 
من المواضيع في هذا العدد
كيف يصير المرء تلميذا  للاب يوحنا عيسى
جمالية العمارة في كنائسنا للفنان ماهر حربي
لقاء مع المرنمة حنان يلدا التلاني
تقاليد الزواج في القرى المسيحية في عقرة للاستاذ ابلحد المرجي
تحقيق عن جامع عقرة الاثري
اضافة الى الابواب الثابتة
من نتائج القراء
استراحة
اخبار الابرشية




14

أبرشية عقرة والزيبار
(نيابة بطريركية)



AQRA & ZEBAR BISHOPRIC
Patriarchal Vicar

   
 

إلى أبناء الجالية العقراوية الأعزاء في استراليا
سلام الرب معكم

بمزيد من الفرح والفخر والاعتزاز تلقيت نبأ تأسيسكم جمعية باسم "جمعية مار قرياقوس العقراوية الكلدانية"
إن هذه المبادرة الرائعة التي قمتم بها تستحق حقاً المديح والثناء. وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى قوة ومتانة الأواصر الأخوية التي تربطكم بعضكم ببعض في بلاد المهجر، طالما انها مبنية وقائمة على أسس الأخوة والمحبة والوحدة والوفاق والتضامن، هذه القيم الإنسانية والمسيحية السائدة فيما بينكم. فلولاها، لما ولدت هذه المبادرة. وفي الوقت ذاته، إن من شأن هذه المبادرة أن تعزز وتقوي وتعمق من أواصركم هذه القوية والمتينة، بعيداً عن الانعزال والانغلاق.
وإذا كانت هذه المبادرة الرائعة التي أطلقتموها في هذه الآونة الأخيرة مبعث فرح وفخر لنا جميعاً وهي الأولى من نوعها في بلاد المهجر فهي، ولاشك، تحملكم مسؤولية كبيرة وجسيمة يجب أن تضطلعوا بها بجدارة واقتدار، وفي الوقت ذاته، توصل هذه المبادرة رسالة أكيدة إلى كل أهلنا الأعزاء القاطنين والمتواجدين في مختلف بلدان المهجر لكيما يحذوا حذوكم ويقتدوا بمثالكم الرائع هذا. وهكذا يقومون هم أيضاً بمثل هذه المبادرات وذلك خدمة لكل أبناء جالياتنا العقراوية.
وإذ أهنئكم قلبياً، أيها الأعزاء، على هذه المبادرة الرائعة، أتمنى لها أن تنمو وتكبر وتتسع وتتواصل بفضل قوة إرادتكم ومحبتكم وإخلاصكم وأمانتكم وكذلك بفضل مثابرتكم وعزيمتكم وشهامتكم المعهودة والمشهود لها وذلك من أجل تحقيق أهدافها النبيلة والسامية التي تصبون إليها. كما إنني أتمنى، في الوقت ذاته، أن تمتد لتعم وتشمل بلداناً أخرى حيث يعيش أهلنا الأعزاء طالما أن مثل هذه المبادرات تهدف إلى خير أبناء جالياتنا العقراوية.
فإلى المزيد من هذه المبادرات البناءة، المفيدة والمثمرة.
وليبارككم الرب الإله ويبارك جميع أعمالكم.
وإلى الأمام
ودمتم تحت حماية أمنا العذراء
المخلص لكم
 الأب يوحنا عيسى
المدبر البطريركي لأبرشية عقرة
 

15
المنبر الحر / القيامة سر به نحيا
« في: 16:56 13/04/2011  »
القيامة سر به نحيا



إلى أبناء أبرشية عقرة الأعزاء
إليكم النعمة والسلام من لدن الله أبينا والرب يسوع المسيح.
أود أن أوجه إليكم هذه الرسالة التي تأتي في أجواء الاحتفالات بأعياد القيامة المجيدة لأتناول فيها حقيقة قيامة الرب يسوع المسيح، هذا السر الذي به نحيا جميعاً.
ولما كان المسيحيون قد عاشوا وما يزالون يعيشون هذا السر وبه، سأقسم هذه الرسالة إلى قسمين: في القسم الأول سأتحدث عن عيش المسيحيين لهذا السر أمس. أما في القسم الثاني فإنني سأتطرق فيه إلى عيشنا هذا السر اليوم.

القسم الأول: المسيحيون وهذا السر أمس
لابد لي من التأكيد هنا بأن القيامة لم تكن من نسيج خيال التلاميذ، أولئك الذين لم يكونوا يتوقعون هذه القيامة بل لم يكونوا مستعدين لقبولها هم الذين أذهلهم وأذعرهم ما جرى ليسوع هذا النبي الذي كانوا قد وضعوا فيه كل أمالهم، هذه الآمال التي ذهبت سدى بصلبه!
إن القيامة حدث بل حدث الأحداث جرى ليسوع المسيح في برهة أو لحظة ما لا يعلمها إلا الله هو الذي وقف إلى جانب يسوع مقيماً إياه، بقوته وقدرته، من بين الأموات. وهكذا جاءت القيامة كعمل الله أو فعله بيسوع المسيح، مؤيداً شخصه وصحة كل ما قاله وفعله لأهل زمانه بوجه كل أولئك الذين اعتبروه باطلاً. بيد أن هذا الحدث ليس أعجوبة حتى وإن كانت أكبر وأعظم أعجوبة حدثت لإنسان ما في التاريخ وإنما سر أي أنها حقيقة لم يصل إليها التلاميذ بحواسهم بل عرفوها عن طريق الإيمان إذ أوحى الله لهم بها وقبلوها بالإيمان. ومذ ذاك عاش هؤلاء التلاميذ بهذا السر ومنه، هذا السر الذي بدل حياتهم رأساً على عقب وهو الذي حملوه ليذيعوه على الملء ليؤمنوا به وهو الذي عبروا عنه في قوانينهم وأناشيدهم وعاشوه في احتفالاتهم ولاسيما إبان الاحتفال بالأوخارستيا.

القسم الثاني: المسيحيون وهذا السر اليوم ومنذ ذلك الحين، تناقلت الأجيال تلو الأجيال هذا الخبر السار، هذه البشرى وعاشوها في واقع حياتهم اليومية.
وما زلنا نحن معشر المسيحيين اليوم ننقل هذا الخبر السار صباح عيد القيامة ونحن نعيَد بعضنا بعضاً قائلين: قام المسيح ".
إلا أن هذه الحقيقة لا نعيشها فقط في زمن معين كأن يكون زمن القيامة بل في واقع حياتنا اليومية عندما نعي بهويتنا وقضيتنا أو بتعبير آخر بذاتنا ورسالتنا وكذلك عندما ننتصر كل مرة على الشر الكامن فينا أو على الخطيئة الساكنة فينا لكي نكون دوماً أهل الانتصار وليس الانكسار شأن ربنا ومعلمنا يسوع المسيح.
ولكن إذا كان المسيحيون الأوائل، كالرسل على سبيل المثال، قد وجدوا صعوبة كبيرة في التعبير، بلغة  مناسبة وملائمة، عن هذا السر العظيم لما له من غنى وتعدد الأبعاد، فإن صعوبة المسيحيين اليوم قد تكمن في إيجاد توافق بين القيامة وبين واقع حياتهم اليوم وهم يعيشون في عالم يسوده فيه الكذب والخداع والغش وتغلب عليه الأنانية والمصلحة الذاتية الضيقة. هنا قد يعيش المسيحيون تناقضاً وهو تحد حقيقي يواجهونه يجب إيجاد حل له بالمطابقة بين القيامة وبين الحياة اليومية.
وفيما كل المسيحيين مدعوون إلى عيش هذه الحقيقة، بشكل دائم ومتواصل لتغدو حياتهم قيامة حقيقية، فعلية ودائمة، عليهم ألا يتملكوها ويحتكرونها لأنفسهم لأنها ملك مشاع للجميع بل أن يحملوها ويذيعوها على الآخرين سواء كانوا في الداخل أو الخارج طريقاً إلى الإيمان بها من أجل أن نعيشها جميعاً وبالتالي نعيش هذه الخليقة الجديدة التي تحققت عبر قيامة الرب يسوع من بين الأموات.
وفي ختام هذه الرسالة ولمناسبة أعياد القيامة المجيدة، يسرني أن أقدم إليكم جميعاً أطيب الأماني وأحلى الأماني متمنياً لكم قيامة مجيدة وأيام فرح وحب وسلام تدوم بينكم
وكل عام وانتم بألف خير
                   
محبكم
                                الأب يوحنا عيسى
                         الوكيل البطريركي لأبرشية عقرة   


16
اصدارات / صدور كتاب قصص الصحراء
« في: 19:12 07/02/2011  »
صدور كتاب قصص الصحراء

صدر عن ابرشية عقرة والزيبار كتاب (قصص الصحراء) والذي يضم مجموعة من القصص الروحية ذات المغزى العميق لمؤلفة الأب برونو فيريرو مرشد البابا الراحل يوحنا بولس الثاني وقد نقلها من الإيطالية إلى اللغة العربية الأب دنخا عيسى الراهب وهو أحد أبناء أبرشية عقرة. وقصص الصحراء هي قصص لإنعاش النفس. لم تكتب للتسلية أو اللهو وإنما من أجل استخراج عبر وحكم منها وقد جاءت بأسلوب بسيط وسلس.
ويعد الكتاب هو الثاني ضمن سلسلة الكتب التي تصدرها ابرشية عقرة والزيبار بعد كتاب افكار من الانجيل للاب يوحنا عيسى. قام بتصميم الكتاب والغلاف الخارجي غازي عزيز التلاني.
 
لطلب النسخة الالكترونية من الكتاب يرجى المراسلة على البريد الالكتروني التالي
Ghazi_lazer@yahoo.com



--

17
المنبر الحر / حاجتنا إلى السلام
« في: 14:16 02/01/2011  »
حاجتنا إلى السلام
(رسالة راعوية بمناسبة عيد الميلاد المجيد)

إلى أبناء أبرشية عقرة الأعزاء
إليكم النعمة والسلام من لدن الله أبينا والرب يسوع المسيح.
لقد اعتدنا، منذ فترة ليست وجيزة، أن نوجه إليكم رسائل راعوية نعالج فيها، بمناسبة الأعياد الكبرى كعيد الميلاد والقيامة، بعض المسائل المهمة والأساسية التي تخص حياتنا البشرية والمسيحية.
وفي هذه الرسالة وهي تأتي في أجواء أعياد الميلاد المجيدة ورأس السنة الجديدة، أود أن أتناول أمراً أو موضوعاً هو في غاية الأهمية والخطورة ألا وهو أمر أو موضوع السلام.
لذا سأتحدث، في القسم الأول من هذه الرسالة، عن الله كونه اله السلام وينبوعه. أما في القسم الثاني فسأتطرق إلى حاجتنا إلى هذا السلام اليوم والتحديات التي تواجهه. وأخيراً سأتناول الخطوات التي يجب اتخاذها من أجل أن يسود ويتعزز.

القسم الأول: الله إله السلام

تؤكد كل كتابات العهد الجديد بأن الله هو إله السلام كما هو إله الرحمة والرأفة لكل بني البشر ذلك أن كل هؤلاء يشكلون خليقته بل ذروة خليقته واسماها على الإطلاق.
ففي عيون الله، وبهذه العيون يجب أن ينظر المؤمن وليس بعيونه الخاصة، كل إنسان غالٍ ثمين وعزيز على قلب الله وبالتالي له قيمة لا تقدر بثمن. ولذا يجب ألا يمس الإنسان، أي إنسان، بأي أذى وألا يلحق به أي ضرر.
وإذا كان الله إله السلام فلأنه في ذاته ملئ الحب والحق والعدل بحيث ليس هناك متسع، في حياته الثالوثية، للنزاع والصراع والخصام والانقسام بل للوحدة والانسجام والوئام التام والمطلق.
وإذا ما بنينا، نحن معشر البشر والمسيحيين، السلام على هذا الأساس القوي، المتين والثابت وأعني بذلك على المحبة والحق والعدل، قام السلام ودام بيننا عهداً أبدياً.
وإذ خلق الله الإنسان، فقد منحه هذه الهبة العظيمة وهذه العطية الكبيرة ألا وهي السلام إذ هو ينبوعها فلكيما يعيشها في بعدها العامودي أي مع الله وكذلك في بعدها الأفقي أي الإنسان مع أخيه الإنسان. وإن استبعاد أو إلغاء أو إقصاء أي من هذين البعدين سيخلق حتماً خللاً في هذا التوازن.
وإذ جاء يسوع المسيح إلى هذه الأرض فإنما جاء من أجل أن يحل السلام بين كل بني البشر. ترى أوليس السلام هو موضوع أنشودة جوق الملائكة الذين رتلوا يوم ميلاده قائلين" المجد لله في العلى والسلام في الأرض للناس فإنهم أهل رضاه" (لوقا 2/14).
ولما كان يسوع المسيح داعية سلام لا حرب، فقد سعى إليه وحققه بكل أقواله وأعماله وأحداث حياته ولاسيما بحدث موته وقيامته إذ بهما صالح البشر مع الله وبالعكس ومع بعضهم البعض ولاسيما اليهود والوثنيين إذ هدم جدار العداوة الذي كان قائماً بينهم والذي كان يفصلهم عن بعضهم البعض فجعل من الشعبين شعباً واحداً إنساناً واحداً

القسم الثاني: حاجتنا إلى السلام اليوم

إن هدية السلام هذه المعطاة لنا من قبل الله كدليل وعلامة محبته لنا، علينا أن نتقبلها ونقبلها أولاً لأنها تمثل قيمة وحاجة أساسية من حاجاتنا إذ من دونها لا أمن ولا طمأنينة ولا راحة بال وكذلك من دونها لا بناء ولا رقي ولا تقدم. وفي الوقت ذاته علينا أن ننميها ونستثمرها إذ نبقى مسؤولين عنها. وإذ ذاك بوسعنا أن نمسي دعاة لها فننشرها في المحيط أو البيئة التي نعيش فيها لتسود ثقافة السلام وليس ثقافة الحرب أو العنف أو القتل.وباحترامنا هذه القيمة، فإنما نحترم الحياة بوجه عام وحياة الإنسان بوجه خاص وبالتالي نحترم واهبها ألا وهو الله. فله وحده الحق، وليس شخصاً آخر، أن يستردها بعد أن يكون قد منحها لنا.
ولكن يؤسفنا القول بأننا قد أسأنا وما زلنا نسيء إلى الله وإلى أنفسنا وإلى الإنسان وأخيراً إلى هذا الكون بما فيه من أرض وطير وشجر وحيوانات. ولذا فقد آن أوان لأن نرد الاعتبار إلى كل هؤلاء لئلا يبقى أحد من بعد ضحية استغلال الإنسان أو ضحية نظرته الخاطئة!.
إلا أن تحقيق هذا السلام في واقع الحياة ليس بالأمر الهين. فهو يتطلب توفر الإرادة الطيبة وبذل كل الجهود وكل المساعي الكبيرة، الكثيرة والحثيثة ذلك أن أمر تحقيق السلام منوط بنا جميعاً وذلك بإزالة بعض المعوقات والموانع وبعض التحديات عن طريقه كالحروب والنزاعات والصراعات التي ما زالت قائمة بين بني البشر وكذلك المطامع والمصالح الآنية، الشخصية، الخاصة الضيقة التي تحول دون تحقيقه.
ولذا على كل هؤلاء الناس، شأن الدول والحكومات، أن يكفوا عن طمعهم وجشعهم واستغلالهم وعن حسدهم وأنانيتهم البغيضة، كل هذه الشرور وهذه الخطايا التي تحول دون سيادة السلام في العالم وفي قلوب بني البشر. وإنه لأمر يثير الاستغراب والإعجاب حقاً وهو ان يسرع الإنسان الخطى في التطور في كل المناحي،  في حين ان تطوره الإنساني يظل بطيئاً للغاية.
كما ان على المسيحيين وهم دعاة وحاملو السلام أن يحملوا هذه القيمة ويعززوها ويعيشوها وكذلك عليهم أن ينشروها في كل بقاع العالم بكل الطرق والوسائل ولاسيما عن طريق الاعتراف بالآخر وبحقوقه وحدوده. ولربما قد يكون هنا مكمن حل كل مشكلة القوة والعنف والحرب والقتل. وبهذا الصدد لهم دورهم الكبير، العظيم والمؤثر عليهم أن يلعبوه بقوة وايجابية.

خطوات يجب القيام بها.
وما أجل تحقيق فعلي لهذه القيمة في حياتنا كما في حياة العالم فلابد من القيام بالعديد من الخطوات. وسوف أذكر هنا بعضاً منها:
1.   قبول الآخر والاعتراف به وبحقوقه وحدوده طريقاً إلى سلام دائم قائم وثابت بين كل بني البشر.
2.   المحافظة على هذه العطية كقيمة وحاجة أساسية نعيشها في كل مفرداتنا اليومية.
3.   بناء السلام على أسس من المحبة والعدل والحق من أجل ديمومته واستمراريته.
4.   نشر ثقافة السلام بدلاً من ثقافة الحرب والقتل والعنف والكراهية.
5.   القيام بالتوعية الدائمة والمستمرة حول السلام من أجل احترام قيمة الحياة وكذلك من أجل أن يكون هذا السلام أساساً للبناء والتقدم والتطور والازدهار.
6.   القيام بمساع ومحاولات ومبادرات من أجل إحلال السلام بين الأشخاص من جهة وبين الحكومات والدول من جهة أخرى من أجل استعادة السلام طريقاً إلى تقويته وتعزيزه، علماً بأن السياسة مسؤولة، إلى حد كبير، عما يجري في العالم من حروب وصراعات ونزاعات.
7.   إنشاء مؤسسات محلية، إقليمية ودولية تعنى بالسلام في العالم وفيما بين البشر، بعد أن سئم الناس من كوارث وويلات الحروب وهم يتطلعون إلى العيش في أمان وطمأنينة وراحة بال.

هذه بعض مقترحات أسوقها مساهمة مني في إحلال السلام وتعزيزه ومما لاشك فيه ان ثمة مقترحات أخرى من الممكن ضمها إلى هذه المقترحات، من شأنها أن تعمل على تعزيز هذا السلام.
وإذ اختم رسالتي هذه، فإنما أختمها بالدعاء إلى أمير السلام لكيما يحل السلام في بلدنا العزيز العراق المتألم والجريح وكذلك لكيما يحل السلام في العالم كله فينعم بهذه العطية العظيمة والثمينة الممنوحة لنا من واهب كل الخيرات.

محبكم
الأب يوحنا عيسى
المدبر البطريركي لأبرشية عقرة
عيد الميلاد 2010
 

18
أدب / زدنا دينارا
« في: 11:02 27/10/2010  »


زدنا دينارا


الاب يوحنا عيسى

ارزقنا اليوم خبز يومنا
قلتها، يا رب،
في صلاتك
ونحن
، في صلاتنا اليوم،
نطلب منك:
زدنا، يا رب، دينارا
زدنا دولارا
فهو وحده يجدينا نفعاً
في أيام اليسر والعسر
ولا فرق،
طمعاً فيه،
إن جاءنا
هذا أو ذاك
حلالاً
أو حراماً
جهاراً
أو خفاء
طالما
 صار هو
شغلنا الشاغل
وهمنا
وغمنا
الأول والأخير
فلقد صدقت
حين قلت:
إما الله وإما المال  



19
هل المرأة محررة اليوم؟

لقد قيل الكثير عن المرأة وقضاياها، نثراً وشعراً، معها أو ضدها، فراح الكتاب يؤلفون مقالات بل أسفاراً عنها. وراح الشعراء أيضاً يتغنون بدورهم بحسن وسحر جمالها عبر أشعار رائعة نظموها فيها ولها.
ولكن على الرغم من ذلك، ظلت المرأة عرضة للاستلاب والاستبعاد والاستغلال والابتزاز. وكذلك ظلت ضحية عقلية معينة وإذن نظرة معينة حملها الرجل تجاهها.
وانطلاقاً من إيماني بالمرأة وقضاياها، أود أن أتناول، في هذا المقال، هذا الموضوع مساهمة مني في تحريرها من كل ما من شأنه أن يحط من قدرها وقيمتها.
ولكن قبل أن أتطرق إلى موضوع بحثنا هذا، يجدر بي أن أقول كلمة عن المرأة. فمن هي؟.
1.   المرأة من هي؟

إن المرأة هي، قبل كل شيء إنسان خليقة الله وهي هذا الكائن اللطيف الذي يحمل مشاعر وأحاسيس رقيقة.
ولما كانت المرأة إنسان فهي، بالتالي، شبيهة بالرجل وإذن متساوية معه ولاسيما فيما يخص الكرامة الواحدة التي تتمتع بها، هذه الكرامة التي تستمدها من الله نفسه وليس من إنسان أو شخص آخر. لذا فهي ليست منة أحد عليها!
إلا أن المرأة، ولئن كانت إنسان، فهي أنثى مدعوة لأن تعيش دعوتها وبالتالي مدعوة لأن تصبح زوجة ومن ثم أماً. وبذلك تختلف المرأة عن الرجل الذي يصبح زوجاً فأباً.
بيد أن هذا الاختلاف لا يهدف إلى التنافر والتناحر لا ولا إلى النزاع والخصام وإنما إلى الانسجام والوئام وإلى الوحدة وتكامل المختلفين طريقاً إلى الإثراء والاغتناء والقوة والامتداد.

2.   المرأة السيدة.

ولكن حياة هذين الكائنين لم تخل، منذ ظهورهما على الأرض، من حدوث توترات وصراعات ومشاكل وصعوبات واجهتهما واعترضت سبيلهما ولاسيما بالنسبة إلى نظرتهما إلى الواحد الآخر. وكذلك بالنسبة إلى العلاقات التي تربطهما، تلك العلاقات التي لم تكن دوماً في مستوى تؤهلهما لعيش حياة مشتركة هانئة وسعيدة.
فلقد راحت المرأة، في مرحلة من مراحل التاريخ، تسود على الرجل فكانت زعيمة القبيلة والعشيرة التي تأمر وتنهي وهي السيدة التي بيدها أمر زواجها من أكثر من رجل. وقد سميت هذه المرحلة بمرحلة الأمومة وهي مرحلة معروفة في التاريخ البشري وقد سادت ردحاً طويلاً من الزمن.
بين أن الرجل استطاع، في لحظة من الزمن، أن ينتزع عنها السلطة ليسود عليها ويقودها. فراح هو، هذه المرة، يتزوج من أكثر من امرأة واحدة معتبراً إياها ناقصة أو كائناً أدنى ومهمشاً دورها.
وهكذا أصبحت المرأة ضحية نظرة الرجل الفوقية التي حملها ضدها وإذن ضحية نظرة خاطئة ما زالت هي السائدة والتي تعاني منها المرأة.

3.   الرجل والمرأة معاً.

إلا أن قضية المرأة قد طرأت عليها بعض التغييرات في هذه الأزمنة الأخيرة. فلقد أخذت المرأة تعي بواقعها، بذاتها وبكيانها وحقوقها مطالبة بهذه الحقوق كالحرية والمساواة والاستقلالية. وقد شاركها وما يزال بعض الرجال المدافعين عنها والمتحمسين لقضيتها.
وإذا كان يحق للمرأة أن تشعر بشيء من التحرر قد تحقق لصالحها، إلا أنها بعيدة كل البعد عن تحررها الحقيقي، التام والكامل وليس فقط الشكلي أو الصوري كالتحرر من بعض المظاهر.
فما زالت المرأة، في العديد من البلدان، ضحية نظرة خاطئة إليها من قبل الرجل وأحياناً من قبل نفسها، الأمر الذي يتطلب تصحيح هذه الحالة. كما أنها ما زالت غير محررة من بعض التقاليد والعادات البالية التي أصبحت أسيرة لها. وكذلك غير محررة من بعض الضغوط والقيود والعقد النفسية التي تلازمها وترافقها كعقدة الخوف والخجل والعيب، هذه العقد التي يزرعها المربون في نفسيتها عبر التربية والتي تشل من قدراتها وإمكانياتها وطاقاتها مما لا يمكنها من إخراجها إلى حيز الوجود وتشكل عائقاً كبيراً وجدياُ أمام تقدمها.
 وأخيراً، وهذا هو الأمر الأهم، فإن حريتها ما زالت غير محررة تماماً وبشكل نهائي وكامل ذلك أن هذه الحرية مكبلة ومقيدة.
ولذا فمن الضروري أن يشارك الرجل والمرأة معاً في تحريرها. إن هذا التحرير، بالنسبة إلى الرجل، يمر عبر تحريره وتحرره من عقليته الفوقية والمضادة لها معترفاً بها وبكيانها كونها إنسان مثله ومتساوية معه لا إنسان قاصر أو تابع أو عبدة له.
أما بالنسبة إلى المرأة، فإن هذا التحرير يمر عبر تحرير ذاتها من كل ما من شأنه أن يحط من قدرها وقيمتها، رافضة كل نظرة خاطئة إليها وكل التقاليد والعادات البالية وكل الضغوط والعقد النفسية ونافضة عن ذاتها كل إشكال الاستعباد والاستلاب والاستغلال والابتزاز التي قد تتعرض لها ومطالبة بكامل حقوقها غير المجزأة وغير المنقوصة لكيما تمتلك ذاتها فتكون هي كما أرادها الله وليس كما يريدها الآخرون بتحويلها إلى خادمة أو آلة أو أداة أو تابعة أو سلعة تباع وتشترى، طالما أنها إنسان له حقوقه الكاملة.
وهكذا تحافظ المرأة على ذاتها وكيانها أي على إنسانيتها من هذا الخطر الداهم، القائم والدائم لكيما تبقى إنساناً وشخصاً جديراً بالثقة والحب والتقدير والاحترام.
ومما لاشك فيه ان للمؤسسات التربوية كالأسرة والكنيسة والمدرسة دور أساسي تلعبه في هذا التحرير ولاسيما الكنيسة التي يجب أن تقف إلى جانبها وإلى جانب قضاياها العادلة. لا بل على هذه المؤسسات التربوية أن تنشأ الفتاة على قيم الحرية والمساواة والاستقلالية والاعتماد على الذات وإذ ذاك لن تكون هناك حاجة إلى تحريرها!.

20
قيامة يسوع المسيح قيامتنا

إلى أبناء أبرشية عقرة الأعزاء
عليكم النعمة والسلام من لدن الله أبينا والرب يسوع المسيح.
في هذه الأيام المباركة والمقدسة حيث نحتفل فيها بأحداث جسام جرت قبل ألفي عام، هذه الأحداث التي شكلت منعطفاُ تاريخياً، يطيب لي أن أوجه إليكم جميعاً هذه الرسالة الثانية، بعد رسالة الميلاد، وفيها أتطرق إلى أهم وأبرز حدث في حياة يسوع المسيح ألا وهي قيامته من بين الأموات، هذه القيامة التي هي بمثابة طريق تفضي إلى قيامتنا اليوم كما في الأزمنة الأخيرة. من هنا وقع اختيارنا على هذا العنوان "قيامة يسوع المسيح قيامتنا".

1. قيامة يسوع المسيح قيامتنا...

تشكل قيامة يسوع المسيح، ولاشك، حدثاً فريداً ووحيداً في التاريخ إذ لم يجر لأي إنسان أو شخص كلن. أجل انه حدث وحيد وفريد كما كان وما يزال يسوع المسيح شخصاً فريداً ووحيداً.
وبوسعنا التأكيد بأن هذا الحدث تاريخي وفي الوقت ذاته أبعد من التاريخ البشري. إنه حدث تاريخي إذ جرى في لحظة من لحظات الزمن، هذه اللحظة التي كانت وحدها الشاهدة عليه إذ لم يكن هناك لا شهود ولا آلة تصوير. وفي الوقت ذاته، إن هذا الحدث يتجاوز أحداث التاريخ إذ هو سر تمجيد يسوع المسيح به صار إنساناً جديداً، كائناً جديداً، خليقة جديدة.
إلا أن هذه الخليقة الجديدة لم تأت من الأرض وإلا لكانت قيامة يسوع المسيح شبيهة بقيامة لعازر التي إن هي إلا إحياء جثة ومن ثم لكان قد تعرض، مرة أخرى، إلى الموت والفساد بل إن هذه الخليقة جاءت من السماء وبالتالي فهي خليقة سماوية غير قابلة الموت والفساد.
ولأن هذه الخليقة تنتمي إلى نمط آخر من الأحدث، فلا يمكننا، والحالة هذه، أن نصل إليها عبر المعرفة الحسية وإنما عن طريق آخر ألا وهو طريق الإيمان، هذا الإيمان الذي إن هو إلا رؤية وحياة به نرى ونعيش يسوع المسيح القائم من بين الأموات، الحي والحاضر بيننا.
أما من أقام يسوع المسيح فهو ذاك الذي أرسله إلى العالم وأيده بالروح القدس، حاضراً، مرافقاً ومسانداً ليسوع المسيح في كل ما قاله وعمله. إنه الله أبوه. وفعلاً، إن العهد الجديد كله يؤكد بأن الله أبوه هو الذي وقف إلى جانب ابنه. فجاءت قيامته فعل وفاء الله أبيه لابنه مصدقاً شخصه وصحة رسالته بوجه كل أولئك الذين قاوموه ورفضوه كما قاوموا ورفضوا رسالته واصفين إياه بشتى النعوت!
وبإقامته من بين الأموات، جعله حياً وبالتالي حاضراً، عاملاً وفاعلاً ليس فقط في زمان ومكان معينين، بل في الكون، في التاريخ، في العالم وفي البشر. وكذلك جعله حياً وحاضراً وفاعلاً في حياة مؤمنيه.
ولذا، فنحن معشر المسيحيين، ليس لدينا تعليم حسب ولئن كان أخلاقياً وإنما شخص حي ما زلنا نؤمن به وبحضوره وبفعاليته في حياتنا بحيث يمكنه اليوم، كما في الأمس، أن يحيا فينا وبالتالي يؤثر فينا ويغيرنا. كما بوسعنا أن نلتقي به ونعرفه ونحبه وأن نبني ونعقد معه، عبر الإيمان، علاقة قوية وعميقة مدعوة لأن تتعزز وتتطور لتتحول إلى علاقة حب عميقة وصداقة حميمة وصميمة بحيث لا يمكن لأي شيء أو لأي شخص كان أن يفصلنا عنه وعن حبه. يكتب القديس بولس في رسالته إلى أهل رومة قائلاً: فمن يفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف" (رومة 8/35-36).
وبوسعنا أن نعيش هذا الشخص الحي وأعني بذلك صفاته، مزاياه، خصاله، مبادئه، قيمه، أقواله، أعماله وكل أحداث حياته من خلال العديد من الطرق كالحياة العامة والتعليم والكرازة والرسالة وأخيراً الليتورجيا. ترى، أو ليس محور الليتورجيا كله يدور حول هذا الشخص الحي يسوع المسيح. وبذلك نعيش كل أحداث حياته ولاسيما موته ودفنه وقيامته من بين الأموات.

2. ...قيامتنــا

لما كان الرأس قد قام، فنحن أيضاً قد قمنا وسنقوم معه كوننا جميعاً أعضاء في جسده. فحيث الرأس، هناك الجسد. وحيث الجسد، هناك الرأس، هذا الرأس الذي يقيمنا اليوم وسيقيمنا غداً. فلا جسد من دون رأس كما إنه لا رأس من دون جسد.
وستكون قيامتنا شبيهة بقيامة الرأس، قيامة مجيدة، سماوية بحيث لن يقوى الموت والفساد علينا. فلن نذوق الموت ولن نرى الفساد إذ سنكون أحياء مثل يسوع المسيح الحي ومثل الله الحي.
ولكن، بانتظار أن يحقق المسيح هذا الرجاء فينا في الأزمنة الأخيرة، علينا أن نعيش القيامة اليوم وكل يوم وكل لحظة من لحظات حياتنا وليس فقط إبان أعياد القيامة المجيدة. وهكذا نعيش القيامة في حياتنا اليومية.
والقيامة التي نعني بها هي أن نعي بدعوتنا ورسالتنا كوننا جميعاً رسل يسوع المسيح حاملو رسالته. وكذلك أن ننتصر على ذاتنا وعلى قوى الشر ذلك ان حربنا ليست في الخارج وإنما من الداخل لنكون دوماً منتصرين وليس منكسرين. وما المسيحي إلا رجل الانتصار وليس رجل الانكسار شأن يسوع المسيح المنتصر.
واغتنم هذه المناسبة السعيدة لكيما أزف إليكم جميعاً بشرى القيامة كما كان يزفها آباؤنا الواحد للآخر قائلين"قام المسيح، حقاً قام". وكذلك لكيما أقدم إليكم جميعاً، كباراً وصغاراً، شباباً وشابات، أحر التهاني وأطيب الأماني سائلاً صاحب هذا العيد أن يمن عليكم وعلى عوائلكم بفيض بركانه وخيراته.ودمتم وكل عام وأنتم بألف خير.
محبكم
 الأب يوحنا عيسى
الوكيل البطريركي لأبرشية عقرة
عيد القيامة 2010

21
هذا المصلوب هو مسيحي
الأب يوحنا عيسى

المصلوبون موجودون في كل زمان ومكان، فلقد وجدوا في الزمن الغابر.. كما انهم موجودون في زماننا هذا. ومن بين هؤلاء، هذا المصلوب أمامكم الذي يدعى اسمه يسوع الناصري.
ولكن قبل أن نتناول بالحديث هذا المصلوب، علينا أن نعرّف المصلوب من هو؟
1.   من هو المصلوب؟
إن المصلوب هو كل مضطهد، كل مطارد، كل معذب، كل متألم، كل مرفوض ومرذول. كل مهجر، كل مغرب، كل مشرد وكل مظلوم ومقهور. وأخيراً المصلوب هو كل منفذ فيه حكم الموت أو حكم الإعدام خنقاً أو شنقاً أو رمياً أو رجماً.

2.   المصلوبون أمس واليوم وغداً.

فلكم أن تتصوروا الكم الهائل من المصلوبين أمس واليوم وغداً.
إنهم يصلبون لأنهم يطالبون بحقهم في الحرية والعدالة والمساواة والحياة مثل سائر بني البشر. إنهم يصلبون لأن رؤيتهم تختلف عن رؤية الآخرين حول الحياة والأشياء. إنهم يصلبون لأنهم يعارضون الحكام الطغاة والسلطات المستبدة التي تحيا من ضحاياها كما تحيا الحيوانات من حيوانات أخرى بافتراسها. ويا له من شبه!.
إنهم يصلبون لأنهم يجاهرون علناً بمبدأ آخر، بقضية أخرى، بإيمان آخر، إذ لا يهابون ولا يخشون أحداً، وهم أشداء وأقوياء في قوة الحق الذي يحملونه، فيلاقون قدرهم ومصيرهم المحتوم المنتظر بجرأة وشجاعة وصبر وأناة.
أما الصالبون فهم أنفسهم،في كل عصر ومصر، جلادو إخوتهم البشر الذين يصبحون ضحاياهم، أولئك الذين لا يحملون قطرة ذرة من الإنسانية في قلبهم مستخدمين العنف، وهو سلاح الضعفاء والعاجزين. فهم بلا رحمة ولا شفقة.
وهم يصلبون إخوتهم لأنهم لا يقيمون وزناً لهم ولأرائهم وأفكارهم وطروحاتهم. إنهم يصلبون إخوتهم لأنهم يضيقون ذرعاً بمطالبتهم لهم ولإخوتهم البشر بالحرية والمساواة والعدل. إنهم يصلبون إخوتهم لأنهم يرفضون التعدد والتنوع والاختلاف إذ يريدون لوناً واحداُ وحاكماً واحداً أوحداً متسلطاً ومستبداً يفرض نفسه بالقوة ويقصي أعداءه وخصومه بالأسلوب ذاته. إنهم يصلبون إخوتهم لئلا تتعرض مصالحهم كالسلطة والمال، إلى الخطر والتهديد والزوال. وهكذا تبقى مصالحهم مؤمنة.
وأخيراً يصلبون إخوتهم البشر لأنهم كفرة مصيرهم نار جهنم معتقدين بأنهم على حق دوماً. وأما الآخرون فهم على باطل يجب إقصاؤهم وإبعادهم وتصفيتهم حتى ولو كان ذلك بالقوة.

3.   يسوع المسيح المصلوب.

وكما حدث ويحدث اليوم للبشر، هكذا حدث ليسوع المسيح. فلقد جاءنا من الله أبيه رسولاً مبشراً بحلول السماء على الأرض، سماء الحب والسلام والوحدة والوفاق، بعيداً عن النزاع والخصام والانقسام، داعياً الناس، كل الناس، إلى الدخول في هذه السماء وعيشها، عبر الإيمان والتوبة والولادة الجديدة.
وللتدليل على صحة شخصه ورسالته، عمل الخير للناس، كل الناس، ولاسيما الخطاة والمرضى وبعض الموتى، إذ منحهم الغفران والشفاء والقيامة كما منحهم كلمة الله.
ولكنه ما أن دخل إلى هذا العالم، فإذا بملك ذلك الزمان يضطهده بمحاولة قتله ولن ينجو منه إلا بهروبه إلى مصر. كما اضطهده ورفضه آخرون كالرؤساء والكتبة والفريسيين الذين نعتوه بالمجنون والمضلل والسامري وبمثير الشغب والمتمرد.
كل هذا فعلوا به حسداً وغيرة وخوفاً من نجاح رسالته ومن أجل تأمين مصالحهم الشخصية.
وبسبب هذا الاضطهاد وهذا الرفض الذي لاقاه، لمواقفه وتصرفاته من الرؤساء والكتبة والفريسيين من جهة، ومن الخطأة والفقراء والمساكين من جهة أخرى، شعر بدنو وقرب أجله، الأمر الذي أنبأ به أكثر من مرة. ولكنه ظل أميناً، ثابتاً، صامداً وراسخاً كالطود الأشم، فلاقى الصليب كمجرم ولص.
لقد كان هذا الصلب، والحق يقال، بعيداً كل البعد عن تفكير اليهود والتلاميذ على حد سواء، أولئك الذين كانوا يحلمون بمسيح محرر سياسي يحررهم من ربقة ونير عبودية الرومان ويجعلهم أسياد العالم بأسره، الأمر الذي لم يفعله يسوع.
فلقد قدم عن ذاته صورة أخرى، مغايرة  ألا وهي صورة يسوع متألم، معذب، مرفوض ومصلوب أي محكوم عليه كمجرم ولص مرفوض ملعون من الشريعة وبعيد عن الله. وفي الوقت ذاته قدم عن نفسه صورة مسيح قائم من بين الأموات، في اليوم الثالث، هذا الرقم الذي يشير إلى يوم القيامة العامة(اليوم الثالث)، هذا اليوم الذي أتى مع قيامة يسوع وان قيامتنا نحن هي وراءنا، قد تمت في يسوع.
إلا أن هذه الصورة الجديدة عن يسوع لم يقبلها التلاميذ الأولون لأول وهلة بل رفضوها. ولكنهم دخلوا شيئاً فشيئاً في منظوره ، منظور مسيح متألم ومصلوب يستحق، بموته، الخلاص لكل الناس.
بيد أن هذا المسيح هو المسيح الحقيقي وليس مسيح اليهود أو مسيح الآخرين. ولأنه كذلك، فهو مسيح المسيحيين وبالتالي هو مسيحي ومسيحَك ومسيحُك وليس لديناً مسيحاً آخر بديلاً عنه. فهو المسيح الذي نحبه لأنه هو أحبنا أولاً وبذل ذاته دوننا. وهو المسيح الذي نؤمن ونعترف به. وأخيراً هو المسيح الذي نسجد له ونعبده لأنه صار محل عبادتنا بدل الهيكل.

4.   المسيحي مصلوب اليوم.

وعلى اثر يسوع وعلى غراره ومثاله، صلب المسيحيون في كل زمان ومكان. فطوردوا ولوحقوا وعذبوا وشردوا وأخيراً قتلوا. ترى، أليست كنيستنا المشرقية كنيسة الشهداء. وفي الوقت ذاته ، أرغموا على السكوت والصمت في حين تمتع الآخرون بكل الحرية والإمكانية من أجل نشر إيمانهم وأديانهم.
ولكن، على الرغم من مرور أكثر من ألفي عام، لا يزال هذا المشهد يتكرر في العديد من البلدان والأوطان كما في وطننا العزيز العراق. فها هوذا المسيحي في العراق يصلب كل يوم. إنه يكابد الألم، يضرب، يهجر من بيته يطرد من وطنه، يغرب، يشرد وأخيراً يقتل لا لذنب اقترفه سوى إنه يحمل هوية المسيحي. وكم وكم من المسيحيين عذبوا وقتلوا في هذه السنوات الأخيرة بسبب هويتهم المسيحية؟.
فإلى متى سيكف الناس عن صلبنا في العراق كما في العالم. إلى متى لن يعترفوا بحقنا في الحرية والحياة.، ولكن ليعلم هؤلاء بأن شمس الحرية هذه التي تخيفهم قادمة، آتية لا محالة، هذه الشمس التي ستنتصر في حين ان ظلم القوة ستندحر وتنكسر. وإذ ذاك يكون النصر الأخير والغلبة النهائية لشمس الحرية هذه.
وعلى الرغم من كل ما أصابنا أمس ويصيبنا اليوم وسيصيبنا غداً، سنبقى أمناء، أوفياء لهذا المصلوب الذي أحبنا أولاً. سنبقى راسخين، ثابتين لا تزعزعنا الأخطار المحدقة بنا ولا التيارات الجارفة التي تعصف بنا اليوم كالإلحاد والمادية.
وسنظل نؤمن به، نحبه، نشهد له. وما الصليب الذي نحمله ويحمل علينا إلا جزء من إيماننا ومحبتنا له وجزء من رسالتنا. إنه صليب الحب وليس حب الصليب. ولا بد من صليب الحب هذا في حياتنا المسيحية، ذلك إنه شرط وطريق إلى القيامة فالمجد. كما كان طريق يسوع المسيح إلى هذه القيامة وهذا المجد إذ لا طريق آخر إلا طريق الصليب هذا.
 
 

22
أهذه هي الديمقراطية؟
                                                                                       الأب يوحنا عيسى

من المعروف ان الديمقراطية جاءت وسادت بعد سيادة مرحلة الثيوقراطية. وهكذا شهدنا انتقالاً من سيادة حكم الله إلا سيادة حكم الشعب.
إلا أن الديمقراطية، بعكس ما يظن البعض، تعني أكثر من إجراء انتخابات ذلك أن هذه الأخيرة إن هي إلا وسيلة لممارسة هذه الديمقراطية. إنها تعني حكم الشعب بالشعب وللشعب عبر اختيار ممثليه بالاقتراع السري، الحر، المباشر والنزيه، بعيداً عن التزوير الذي قد يشوبها أحياناً، الأمر الذي يفسدها ويدخل البلاد في مشاكل جمة.
وفيما تشهد الدول المتقدمة وتعيش هذه الديمقراطية منذ زمن بعيد، فإن معظم الدول النامية ما زالت بعيدة عن هذه الممارسة، إذ ترزح تحت نير الدكتاتورية.
أما الديمقراطية التي يشهدها العراق حالياً فهي فتية وحديثة العهد ولا يمكن وصفها بالحقيقية إذ يغلب عليه  طابع الطائفية والقومية. وعلى هذا الأساس يختار الناخب، تبعاً لمرجعيته، مرشحه الطائفي أو القومي. وإذ ذاك لا يكون هذا الناخب إلا رقماً طائفياً أو قومياً ليس إلا. ناهيك عن التهديدات التي قد يتعرض لها من قبل بعض الجهات أو الإغراءات التي قد تقدم له.
أما إذا أردنا أن تسود في العراق ديمقراطية حقيقية إن لم نقل كاملة، فلا بد أن يتوفر فيها عنصر المواطنة وإذن الشراكة الكاملة بين كل مكونات الشعب. وكذلك عنصر الإنسانية. وهكذا ترتقي كل الأحزاب ولاسيما الأحزاب الدينية والقومية العاملة والفاعلة في الساحة إلى مستوى آخر ألا وهو المستوى الوطني والإنساني ذلك ان هذا المستوى هو الذي سيبقى ويدوم في حين ان الطائفية والقومية والقبلية والعشائرية ستزول لا محالة يوماً ما ليحلّ محلها ما هو عام وشمولي كالمواطنة والإنسانية والذي بوسعه وحده أن يربط ويوحد بين أبناء الوطن الواحد.
ولقد تبين لي، وهذه الحقيقة قد توصلت إليها من خلال تأملي، بأنه كلما ارتقينا إلى ما هو عام، سنجد العوامل أو القواسم المشتركة التي من شأنها أن تجمعنا وتوحدنا. وبالعكس، كلما نزلنا إلى ما هو خاص، فإن الخصوصيات أو التفاصيل قد تحمل في طياتها بذور التفرقة والتجزأة والانقسام بين الناس كالطائفية على سبيل المثال. فمن لا يكون من طائفتنا ليس منا. ومن ليس منا قد نعتبره ضدنا، الأمر الذي يستوجب إبعاده وإلغاؤه ولئن كان بالقوة.
إن هذا الأمر قد يحدث بين أبناء الوطن الواحد، إذا لم يحسنوا فهم واحترام الاختلافات التي تعتبر أمراً طبيعياً بل ضرورياً إلى جانب وجود قواسم مشتركة بينهم. من هنا يجب التأكيد والتركيز على ما هو عام وليس على ما هو خاص، من أجل تعزيز التآخي والوحدة والتضامن والتعاضد.
فإذا ما قامت هذه الديمقراطية في العراق وعلى هذه الأسس القوية، المتينة، الصحيحة والسليمة التي ذكرناها سابقاً، كتب وقدر لها النجاح وبالعكس سيكون مصيرها الفشل ذلك ان الشعب، بوعيه المتنامي والمتزايد، هو الذي سيعمل على إفشال هذه التوجيهات التي لا تخدم مصالحه وقضاياه كقضية الوحدة.
ومن هذا المنطلق، سوف لن يكون المرشح ممثلاً لطائفته أو قوميته أو عشيرته أو قبيلته، وإنما فرداً يمثل نفسه ولئن كان منتمياً إلى حزب ما، لما يمتلك هذا الفرد من إمكانيات وقدرات وطاقات تؤهله وتتيح له لأن يتبوأ هذا المنصب أو هذا الموقع. هنا تكمن، في رأيي، الديمقراطية الحقيقية.
وللوصول إليها، لابد من الانتقال من هذه المرحلة التي يعيشها العراق إلى المرحلة التي نحن بصددها، الأمر الذي يتطلب، ولاشك، وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً نبذله جميعاً ولاسيما في تغيير عقليتنا الدينية - القبلية العشائرية إلى عقلية معاصرة.
أما إذا أخفق هذا المواطن- الفرد في مهمته ولم يلعب دوره الحقيقي، فإن الانتخابات كفيلة بتغييره واستبداله بآخر ليضطلع بهذه المهمة بكفاءة واقتدار وجدارة ويلعب دوره بشكل حقيقي، قوي، فعال وناجع.
فإلى مثل هذه الديمقراطية في العراق نتطلع جميعاً وإلى بزوغ فجرها مجيداً علينا أن نعمل جميعاً ليتمتع العراق بنعمة الحرية والديمقراطية والأمن والأمان تتيح له التمتع، من ثم، بكل خيراته وهي عديدة، متنوعة وكثيرة، تلك الخيرات التي أنعمها الله عليه إن هو أجسن استخدامها من أجل سعادة ورفاهية أبنائه، أولئك الذين عانوا الكثير وما يزالون يعانون اليوم لا بل أكثر من كل شعوب العالم. ترى، أولم يحن الوقت ليأخذ أبناء العراق قسطهم من الراحة في ظل أمن وسلام دائم؟


23
المنبر الحر / سفر يونان سفر الله
« في: 22:07 05/02/2010  »
سفر يونان سفر الله
   
الأب يوحنا عيسى

قد يستغرب القارئ، لأول وهلة، من هذا العنوان متسائلاً : "ترى ، أوليست كل أسفار الكتاب المقدس أسفار الله ومن الله ؟" ولكن قبل أن نجيب إلى هذا السؤال الوجيه، يجدر بنا الحديث أولاً عن هذا السفر الثمين وإن بإيجاز من أجل التعريف به
.
1.   سفر يونان.
   إن سفر يونان واحد من أسفار الكتاب المقدس . وهو سفر قصير بل من اقصر الأسفار الواردة فيه. ولكنه سفر ثمين نظراً إلى مضمونه ومحتواه أو بتعبير آخر نظراً إلى رسالته إذ يحمل قيمة دائمة وثابتة - وهذا ما يهمنا - تصلح لكل الناس ولكل الأزمنة والأمكنة . من هنا تتأتى أهميته.
   وقد يكون هذا السفر من أشهر الأسفار ليس فقط بسبب ظرافة وفكاهة القصة التي يرويها وإنما بسبب علاقة يونان بالمسيح ورمزيته إذ يرمز يونان وهو في بطن الحوت إلى المسيح في القبر .
   إلا إننا نجهل كاتبه. ولكن بوسعنا القول بأنه لاهوتي بارع وممتاز من الطراز الأول إذ يطرح لاهوتاً متقدماً متخطياً بذلك الجدلية الخاصة بارميا وحزقيال، جدلية الخطيئة -التوبة -الحياة   إذ لا يرد ذكر في آخر السفر ، للتوبة . يكتب الأب ﭭنسان قائلاً :" إنه لافت حقاً للنظر أن لا يبدي يهوه أي تلميح إلى توبة النينويين . ويظهر أن توبتهم هذه لا تدخل في حساب خلاصهم . فالله لا يترك البشر يقودونه . وارتدادهم ليس السبب الحقيقي " لرجوع الله " كما كان يظن في السابق (3/10).
   أما زمن كتابة هذا السفر فهو يعود إلى أواسط الجيل الخامس قبل المسيح نظراً إلى أسلوبه والمفردات الآرامية التي يستخدمها كاسم الموصول ش الذي يكشف عن تأثير آرامي . وكذلك عبارة السفينة والقرار الإلهي .
   وفضلاً عن ذلك، فإن هذا السفر يقتبس عن يوئيل والنبي ارميا خاصة . وهو معروف لدى يشوع بن سيراخ (49/10).
   ولقد كان أسلوبه الأدبي وما يزال موضع جدال كبير بين المفسرين ، فبعضهم يعتبرونه قصة تاريخية حدثت في زمان ومكان معينين .
إلا أن هذا الرأي يفتقر إلى الأدلة والشواهد كالكتابات الآشورية حيث لا يرد فيها ذكر لتوبة قام بها أهل نينوى مع اعترافنا بوجود عناصر تاريخية في هذا السفر كوجود نينوى وأهلها وشخصية يونان التاريخية ( 2ملوك 14/25) .
   أما آخرون، ويزدادون أكثر فأكثر، فهم يرون فيه حكاية لاهوتية ليس إلا شأنها شأن رواية الخلق. يكتب الأب ﭭنسان مورا قائلاً:" غير إن التحليل السابق يجيز لنا التأكيد على أن هذا السفر لا يدخل ببساطة في فن الأسطورة ( فمن يكون بطله عندئذ؟) ، أو في فن الحكاية الدنيوية ، أو في فن الشعر التعليمي ، بل هو حكاية لاهوتية تستخدم مواداً كتابية أصيلة من أجل تأوين كلام الله"  .

2.   الله موضوع هذا السفر.
   إلا أن هذه الحكاية لا تتناول عدة مسائل أو مواضيع في آن واحد كالرسالة والنبوءة والخطيئة والتوبة ذلك أن قصد الكتاب لا يمكن إلا أن يكون واحدا بل يتطرق إلى مسألة واحدة ومحددة إلا وهي مسألة الله وفيه يدافع الله عن ذاته إزاء الموقف الذي يتخذه منه يونان النبي . من هنا جاء عنوان هذا المقال " سفر يونان سفر الله " .
   بيد إن هذه الحكاية لا تتناول مسألة الله من زاوية وجوده أو وحدانيته فهذا أمر مفروغ منه بل من زاوية تماثله وتماثل عمله في العالم .
   فالله ، في هذا السفر ، يريد أن يكون إلهاً للجميع، سواء كانوا يهوداً أم وثنيين. كما إنه يريد أن يكون عمله في العالم واحداً ، متجانساً وشاملاً ألا وهو خلاص الجميع ،هذا الخلاص الذي يقدمه ويمنحه لليهود والوثنيين على حد سواء ليس بسبب أعمالهم كقيامهم بالتوبة وإنما بسبب هويته كونه إلهاً محباً ، رحوماً وحنوناً . فلأنه يحب الجميع فهو يود خلاصهم إذ يمنحهم الغفران . إنه إله قريب من إله وأب يسوع المسيح الذي يطلع شمسه على الأشرار والأخيار وينزل المطر على الأبرار والفجار ( متى 5/45).
   إلا ان هذا التماثل في الله وفي عمله هو الذي لا يعجب يونان بل يرفضه بقوة وبالتالي يرفض حمل الرسالة إلى الوثنيين ، هذا الرفض الذي يقوده إلى التمرد والعصيان وإلى الدخول في عراك وجدال وخصام ونزاع مع الله ذلك أن يونان يريد أن يكون إلهاً محباً رحوماً وحنوناً لليهود في حين يكون منتقماً لأهل نينوى ، مدخلاً بذلك في الله وفي عمله تناقضاً وازدواجية ، الأمر الذي لا يرتضيه الله لنفسه إذ يود أن يكون كما هو وليس كما يريده يونان أن يكون . تلك هي المشكلة الدائمة والقائمة.مشكلة الإنسان مع الله من جهة ومشكلة الإنسان مع أخيه الإنسان من جهة أخرى ، هذه المشكلة التي لم تجد طريقها إلى الحل إلى يومنا هذه.
   إلا أن الله ، من دون أن ييأس ، يسعى إلى النهاية إلى إفهام وإقناع نبيه بالقبول به كما هو وبالتالي بتغيير تصوره عنه من خلال طرحه السؤال عن ذاته . ولكن من دون جدوى . وما سفر يونان إلا سؤال من الله عن الله . يكتب الأب ﭭنسان قائلاً :"وهكذا نلمس في الرواية إن كل الثقل وكل الحركة يقودان إلى السؤال الأخير: سؤال من الله عن الله " .
   وسيبقى هذا السؤال مفتوحاً ومطروحاً . وعلينا أن نجيب إليه : ترى ، من هو الله وما عمله ؟ ، الأمر الذي يحتم علينا أن نقوم ، غالباً ما، بتغيير في قناعاتنا وتصوراتنا الخاطئة عنه .
   ومن الجدير بالذكر هنا ان يونان إن هو إلا شخص مسخر إذ يرمز إلى اليهود العائدين من الجلاء ، هؤلاء المتعصبين ، المتزمتين ، المتطرفين والمنغلقين على أنفسهم . أما أهل نينوى فهم يرمزون بدورهم إلى كل الأقوام والشعوب .

3.   نحن وهذا السفر.
   قد يكون ما يهمنا، في هذا السفر نحن أبناء هذا الزمان ، هي هذه الحكاية اللاهوتية لما لها من قيمة دائمة وثابتة وليست القصة التاريخية التي بوسعنا أن نعجب بها برهة ولكنها لا تعنينا بشيء بل تعني التاريخ إذ تعود إلى الماضي. فهي قد حدثت وانتهت . لذا فإن القصة التاريخية تحمل قيمة آنية بعكس الحكاية اللاهوتية .
   أما الحكاية اللاهوتية فهي تعنينا لأنها قصتنا كما كانت قصة يونان وهي قصة كل إنسان في كل زمان ومكان . فقد نشبه نحن أيضاً يونان، ذاك النبي الذي يطلب شراً لا خيراً لأعدائه . كما إننا قد نرفض مثله إعادة النظر في قناعاتنا وتصوراتنا عن الله بالعودة إلى إله وأب يسوع المسيح باعتباره إله الجميع وأب الجميع . وكذلك لكي نحب كل الناس ، مثله وعلى غراره .


_________________________________________________

  سفر يونان ، الأب ﭭنسان مورا ، دار المشرق _ بيروت ص 52 .

  المصدر نفسه ص 51

  المصدر نفسه ص 40

  المصدر نفسه ص 9

24
المنبر الحر / انصرف حزيناً...
« في: 22:11 27/01/2010  »
انصرف حزيناً...
الأب يوحنا عيسى

ثمة لقاء حدث وحوار جرى في جو يتسم كله بالحرية من أوله و إلى آخره إذ ليس فيه فرض ولا إكراه ولا إجبار بل عرض وقبول أو رفض. هذا هو دأب يسوع دوماً مع سامعيه ومحاوريه. أولا يقول في خاتمة أقواله وأمثاله :"من له أذنان ليسمع فليسمع".
إنه لقاء حدث وحوار جرى بين يسوع من جهة وبين أحد محاوريه من جهة أخرى. ومحاوره، هذه المرة، إن هو إلا شاب غني ويدور حوارهما حول مسألة الحياة الأبدية. إن هذا الحوار لهو في غاية الأهمية بالنسبة لأهل زماننا الذين عليهم إتباع الأسلوب عينه وليس أسلوب الجدال العقيم.
ومذ أن يدنو الشاب الغني من يسوع يسميه المعلم كما كان يسميه تلاميذه وأهل زمانه طارحاً عليه سؤالاً محدداً:"ماذا أعمل من صالح لأنال الحياة الأبدية".
إن هذا السؤال إن دلَّ على شيء فإنما يدل على حرصه واهتمامه بنيل الحياة الأبدية، حياة الله. وإذ يعترض يسوع على سؤاله عن الصالح، يؤكد يسوع بأن الصالح بامتياز أي الله واحد وليس غيره داعياً إياه إلى حفظ الوصايا بمثابة طريق يفضي إلى الحياة الأبدية إذ يقول له:"فإذا أردت".إن هذه العبارة ترد هنا كما ترد في مواضع أخرى حيث يدور الحديث عن الصوم والصلاة والصدقة ذلك ان يسوع يدع مستمعيه أو محاوريه أحراراً بالقبول أو بالرفض، بالعمل أو عدم العمل، إذ يدرك كل الإدراك بأن قيمة عمل ما تكمن في الحرية التي يتمتع بها المرء ويمارسها إذ لا قيمة له من دون هذه الحرية.
وإذ يعلن الشاب الغني بأنه قد حفظ كل هذه الوصايا، يعرض عليه مشروعاً وذلك بدعوته إلى إتباعه، إلى التلمذة له بالدخول في مدرسته.
وما الإتباع إلا اقتفاء آثار المعلم أو بصورة أعمق الالتحاق والالتصاق والارتباط بشخصه ومشروعه عن طريق الإصغاء إلى تعليمه والعمل به ومقاسمة مصيره مثله ومن أجله. وكذلك عن طريق تحقيق مشروعه أو بتعبير آخر حمل رسالته إلى العالم اليوم، مما يتطلب إعداداً جيداً، طويلاً ومستمراً.
إلا أن تحقيق هذا المشروع يتطلب، ولاشك، بيع الأموال ليس فقط من هذا الشاب الغني وإنما من كل أمرءٍ يود إتباع يسوع، ليس بمثابة حرمان وترك شيء سيء بحد ذاته (المال) لا ولا بمثابة تصوف يؤهلنا أكثر إلى ملكوته، وإنما بمثابة التعبير العملي لمحبتنا لقريبنا، ولاسيما لإخوتنا الفقراء والمساكين والمعوزين، أولئك الذين علينا أن نعطيهم من دون حساب. إن مثالية الحب الفعلي هذه تتخطى بكثير مجر ألا تقتل أو لا تسرق كما تقتضي منا وصايا الله العشر.
إلا أن هذا الشاب الغني ما أن يسمع كلام يسوع إذ به ينصرف حزيناً بعد أن وضعه يسوع أمام أمرين أو أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يتبع يسوع فيخسر أمواله وإما أن يحتفظ بأمواله فيخسر يسوع. تلك هي المعادلة المعروضة، معادلة الربح- الخسارة والخسارة- الربح، هذه المعادلة التي نجدها في الحياة الطبيعية كما نجدها في الحياة البشرية والمسيحية. فالقديس بولس، على سبيل المثال لا الحصر، خسر يهوديته وفريسيته ولكنه ربح المسيح. كذا الشأن مع آلاف     بل ملايين من الناس الذين تحولوا وما يزالون يتحولون من دياناتهم إلى يسوع المسيح.
ولقد كان بود هذا الشاب الغني أن يتبع يسوع ساعياً إلى تحقيق مشروعه المعروض عليه والمغري. بيد أن تعلق قلبه وبالتالي تعلق حبه بالمال حال دون ذلك. ففضل المال على يسوع رافضاً، بحريته، دعوته إلى الإتباع والتلمذة.
إن هذا النص، شأن نصوص أخرى، يحذرنا، ولاشك، من مغبة الوقوع في خطر التعلق بالمال كما في مخاطر أخرى عديدة تكمن فيه، هذا المال الذي لا يعتبر شيئاً سيئاً بل جيداً في حد ذاته إن أحسنا فهمه واستخدامه بمثابة وسيلة فعالة وقوية معطاة ومقدمة لنا وموضوعة في خدمتنا فلا يتحول أو ينقلب المال إلى هدف منشود ومن ثم نسعى إليه في واقع حياتنا.
فالمال أمر مطلوب وضروري لا بل بات أكثر ضرورة من أي وقت مضى. ولكن شرط ألا نقع في فخاخه ومخاطره وألا نعطيه الأولوية في حياتنا وكذلك شرط أن نظل أسياداً أحراراً وفي ذات الوقت منفتحين إلى قيمنا العليا، هذه القيم التي لا تعلوها قيمة أخرى والتي تتمثل بالله والمسيح والإنجيل. فنعطيهم أولوية الحب في حياتنا وليس لشخص أو لشيء آخر كأن يكون المال.

25
مشكلة العراق أين تكمن؟
الأب يوحنا عيسى

إن مشكلة العراق، شأن مشكلة الدول النامية، قديمة- جديدة، كبيرة وخطيرة. وهي أبعد وأكبر مما يطفو على السطح من إفرازات ومظاهر.
في هذا المقال، سأتطرق إلى هذه المشكلة ساعياً إلى تقديم ما أراه حلاً لها.
1.   مشكلة العراق.

إن مشكلة العراق، في رأيي، ليست في السياسة ولئن كان معظم السياسيين الحاليين حديثو العهد في هذا المضمار، علماً بأن العراق يمتلك من القدرات والطاقات البشرية الكثيرة والكبيرة ما يؤهله لأن يتبوأ مواقع متقدمة في عالم اليوم وله عمق تاريخي وحضاري موغل في القدم، هذا العمق الذي يتيح له أن يكون ركيزة قوية للاستناد عليها والانطلاق منها لبناء حاضره ومستقبله.
كما إن مشكلة العراق ليست في الاقتصاد إذ حباه الله بموارد طبيعية غنية ومتعددة. إلا أن هذا الغنى بدل أن يكون سبب رفاه ورخاء الشعب، كان وما يزال سبباً للفقر، نظراً للأزمات التي مر بها والحروب التي خاضها، عبر تاريخه الطويل الممتد إلى آلاف السنين، تلك الحروب التي أنهكت قواه واستنفذتها موارده وبالتالي أفقرته. ولذا فإن العراق بلد غني أما شعبه فهو فقير. ويا لها من مفارقة!.
2.   مكمن المشكلة.

في رأيي، إن مشكلة العراق تكمن في رفض الآخر، في عدم قبوله والاعتراف به ولوجوده وكيانه وحقوقه وحدوده، سواء كان هذا الآخر فرداً أم جماعة أم شعباً صغيراً أو كبيراً. فما زال الأنا يحمل ذهنية مضادة للآخر ويروج لها، ذهنية أحادية الجانب، تلك التي لا ترى في الآخر سوى خصم وعدو يهدد وجوده، عوض النظر إليه بمثابة أخ وصديق وشريك.
ولذا سعى وما يزال يسعى الأنا إلى إلغاء الآخر حتى وإن كان بالقوة. إذا ما تطلب الأمر ذلك من أجل إزاحته بل إزالته من الوجود ليكون الأنا هو الوحيد في الساحة يمرح ويسرح فيها كما يشاء.
إن هذه الذهنية ليست بجديدة بل هي قديمة قدم الزمان، إذ نراها سائدة في التاريخ المدني كما في التاريخ الديني.
3.   أين الحل.

أما الحل الذي نراه لهذه المشكلة  فهو يكمن في تغيير هذه الذهنية المضادة للآخر والتي تستند إلى منطق: إما وأما الآخر. فيتم استبدالها بذهنية أخرى تقبل بالآخر وتعترف به بمثابة متساو وشبيه ومختلف وبالتالي يتم الاعتراف بمبدأ التعددية والتنوع والاختلاف. وقد يكون هذا الآمر جديداً بالنسبة إلى ما كان سائداً قديماً.
ولأن الآخر ليس فقط شبيهاً حسب بل مختلفاً، من هنا تتأتى ضرورة الدخول في حوار معه الآخر من أجل الاغتناء والتكامل والقوة وكذلك من أجل التفاهم سبيلاً إلى تغيير في مواقف ومفاهيم معينة قد يحملها هذا الطرف ضد الطرف الآخر.
ولكيما يتحقق هذا القبول وهذا الاعتراف لابد من توفر سلامة النية وصفاء القلب. وكذلك لابد من توفر الثقة وتعزيزها وتقويتها. فقد يكون هذا الشرط الأساسي معدوماً، غالباً ما، بين مختلف الفرقاء والأطرف في عراق اليوم، هذا الشرط الذي قد يحول دون خلق علاقة قوية ومتينة مع الآخر ودون العمل سوية من أجل بناء الوطن العزيز العراق.


26
لماذا خلق الله الإنسان؟
الأب يوحنا عيسى

لقد راودني هذا السؤال الجوهري والأساسي، منذ زمن بعيد، ساعياً إلى الإجابة عليه. كما إن هذا السؤال قد طرحه وما يزال يطرحه الإنسان أمس واليوم. وهذا السؤال هو: ترى، لماذا خلق الله الإنسان؟ هل خلقه للعبثية والقدرية أم خلقه للعبادة أو لشيء آخر؟.
هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا المقال.
هل خلق الله الإنسان للعبادة؟.

ثمة جواب جاهز وحاضر يأتينا من الإنسان المؤمن، قديماً وحديثاً، سواء كان هذا الإنسان المؤمن وثنياً أم مؤمناً موحداً. وهذا الجواب هو إن الله إنما خلق الإنسان من أجل أن يعبده. فالآلهة، قديماً، قد خلقت البشر من أجل أن يلبي هؤلاء بعض حاجاتها كالطعام، على سبيل المثال. وعندما يقوم هؤلاء البشر بإزعاج هذه الآلهة ولا يدعونها ترتاح، فإذاك تقوم هذه الآلهة بدورها بجلب الطوفان عليهم، انتقاماً منهم.
أم خلقه لشيء آخر.

بيد أننا نعتقد بأن هذه العبادة لا تشكل الهدف الرئيسي من خلق الله للإنسان ذلك أن الله ليس بحاجة إلى مثل هذه العبادة. ولكن، فلأن الله قد خلقنا، لا بد لنا، نحن البشر، أن نعترف بربوبيته وسيادته التامة والمطلقة علينا. فنعبر عنها من خلال أفعال وأقوال كالشكر والتمجيد والمديح. وكذلك من خلال حركات نقوم بها كالسجود والركوع والانحناء ورفع وبسط الأيدي، تلك الحركات التي تنم عن اعترافنا الدائم بهذه الربوبية والسيادة علينا.
أما الهدف الحقيقي والرئيس الذي من أجله خلقنا الله فهو يتمثل أولاً بالمحبة. فالله، إذ خلقنا، فإنما خلقنا بالمحبة وللمحبة وذلك من أجل عقد شركة محبة دائمة تقوم بينه وبين الإنسان. وفيما لا يمكنه الله أن يخون ذاته إذ يظل أميناً، فإن الإنسان بسبب حريته الممنوحة له والتي يتمتع بها، قد خان وما يزال يخون الله، مراراً وتكراراً، بسبب وقوعه في الخطيئة، هذه الخطيئة التي جلبت وتجلب له الموت نسميه الموت الروحي. ولذا ثمة أناس كثيرون هم أحياء ولكنهم موتى. ولكيما يعودوا إلى الحياة، فهم بحاجة إلى توبة نصوح يقومون بها، هذه التوبة التي تتحقق من خلال إدارة ظهرنا للخطيئة وتوجهنا وعودتنا إلى الله وإلى الذات مع ما تتطلبه هذه التوبة من خطوات عملية عديدة يجب القيام بها. وإذ ذاك تعود، مرة أخرى، شركة حياة المحبة بيننا وبين الله. ولكن من المؤسف القول ان كثيرين من الناس يفضلون الموت على الخطيئة والظلمة على النور بسبب إصرارهم على البقاء على الخطيئة وكأن الخطيئة ليست موجودة في حين انها تنبع من مسؤوليتنا وحريتنا.
كما إن هذا الهدف يتمثل ثانياً بالمشاركة في الخلق. فلقد خلقنا الله من أجل أن نشاركه في عمل الخلق وذلك عن طريق الإخصاب والإنجاب سبيلاً إلى تواصل الخلق وديمومته. وهكذا تكون مشاركتنا في فعل الخلق امتداداً لعمل الخلق.
ويتمثل هذا الهدف ثالثاً بتحقيق الخليقة. فلقد خلقنا الله من أجل أن نحقق خليقته عبر الزمن وشيئاً فشيئاً. هذه الخليقة ما زالت ناقصة. ولذا فهي بحاجة إلى أن نبلغ بها إلى اكتمالها وكمالها وإذن إلى ذروتها.
ذاك هو الهدف الكبير والرئيس الذي أراه وراء خلقنا.
نحن وهذا الهدف.

ينبغي لنا، نحن معشر المسيحيين، وقد عرفنا الهدف الذي من أجله خلقنا الله، أن نسعى إلى تحقيقه في واقع الحياة اليومية. ففي الوقت الذي علينا أن نبتعد عن الخطيئة وننتصر عليها لئلا نقطع العلاقة مع الله، علينا أن نعزز شركة المحبة القائمة بيننا وبين الله من جهة وبيننا وبين إخوتنا البشر من جهة أخرى وأن نظل أمناء دوماً لهذه الشركة لكيما تدوم وتتواصل .
وكذلك ينبغي لنا أن نشترك في الخلق من خلال الإخصاب والإنجاب. إن رفضنا للإخصاب والإنجاب لهو خطيئة كبيرة نرتكبها لأننا نتهرب من تحمل المسؤولية. وكذلك نؤكد على أنانيتنا وعدم محبتنا للحياة التي تتواصل عبر العطاء. فالشجرة التي لا تثمر تقطع وتلقى في النار (متى3: 10).
وأخيراً نسعى إلى تحقيق هذا العالم الذي هو بحاجة إلى النماء والبناء والتطور والتقدم في كل الميادين. وذلك بإرادتنا وجهدنا وعملنا وطاقاتنا ومواهبنا وإمكانياتنا الفردية والجماعية، لتأتي عملية النماء والبناء والتطور والتقدم متناغمة، متناسقة، متوازنة وجميلة. وهكذا يصير عالمنا أفضل وأجمل بكثير مما هو عليه اليوم.

27
رسالة راعوية

إلى أبناء أبرشية عقرة الأعزاء

إليكم النعمة والسلام من لدن الله أبينا والرب يسوع المسيح.
في غمرة احتفالاتنا بأعياد الميلاد المجيدة ورأس السنة الجديدة، يطيب لي أن أوجه إليكم هذه الرسالة الراعوية القصيرة لكيما أقدم إليكم جميعاً تهاني الحارة وتمنياتي الطيبة داعياً إياكم إلى اكتشاف المعاني السامية والعظيمة المتضمنة في هذه الأعياد وليس الاكتفاء فقط بالمظاهر الخارجية ولئن كانت مفرحة وجميلة. وفي الوقت ذاته لكيما أدعوكم إلى عيش كل القيم التي حملها هذا الطفل بولادته وما يزال يحملها إلى العالم وإلينا من أجل أن تتواصل وكذلك من أجل أن نعيش بوئام وانسجام وسعادة.
ولما كانت هذه القيم عديدة وكثيرة، سأركز في هذه الرسالة على بعض منها إذ أراها ضرورية لحياتنا اليوم وهذه القيم هي:

السلام: إن السلام هو أحد أسماء إلهنا، هذا الإله الذي، بتجسده، إنما جاء من أجل أن ينشر السلام في قلوب كل البشر، داعياً إياهم إلى أن يعيشوا هذا السلام وفي الوقت ذاته أن يصنعوه لكيما يصيروا أبناء الله (متى 5: 9)
ولكن هذا السلام، ولئن كان عطية الله، ليس منوطاً به حسب بل أيضاًُ بالإنسان الذي عليه أن يقبله وأن يستثمره في حياته.

والسلام الذي نعنيه ليس هو غياب الحرب المفتوحة بل التناغم والخصب والسعادة والاتحاد بالله. ولكيما يقوم ويدوم هذا السلام يجب بناؤه على المحبة والعدل وليس القوة ذلك ان القوة تؤجل المشكلة ولا تحلها، كما إنها تعمل على فرض الحلول.
إلا أن التحدي الكبير الذي قد يواجهه ويهدده فهو، ولاشك، الخطيئة، هذه الخطيئة التي تبدأ بمثابة نية في قلوب البشر وتتحول إلى فعل يفصل، يقطع، يغّرب ويدخل الفوضى والاضطراب الداخلي في نفس الإنسان، مما يتطلب محاربتها من أجل استعادة العلاقة المفقودة عن طريق المصالحة: أجل المصالحة  مع الذات ومع الله ومع أخينا الإنسان.

الوحدة: وكما إننا بحاجة إلى السلام يسود فينا وبيننا، هكذا نحن بحاجة إلى الوحدة، وحدة الفكر ووحدة القلب. فإلى هذه الوحدة المتأصلة في يسوع المسيح، ندعوكم، أيها الأحباء، كما دعا المسيح تلاميذه وكذلك القديس بولس لمسيحيي زمانه.
وإذ ندعوكم إلى هذه الوحدة، فلعلمنا بوجود صراعات وتوترات ونزاعات تحدث في  حياتنا اليوم حول العديد  من  المسائل  كما  حدثت فـي حياة الكنيسة أمس. وكذلك لعلمنا بوجود خلافات واختلافات في الرأي أو في مختلف وجهات النظر. ,وهذا أمر طبيعي جداً.
 
إن هذا الواقع لا يمكن إلغاؤه أو إنكاره أو تجاهله أو طمسه، بل علينا احترامـه وفـي ذات الوقت مواجهته ومجابهته بروح المسيحية روح الأخوة والمحبة والعدل والحق والصدق. وكذلك علينا معالجته بأسلوب حضاري وليس بأسلوب آخر. وهذا الأسلوب إن هو إلا أسلوب الحوار طريقاً إلى التفاهم. وأخيراً علينا إيجاد آليات صحيحة مبنية على أسس صحيحة تسهم في بناء وحدة المتعددين يوماً بعد آخر وبالجهد الدائم والمتواصل المبذول في سبيل تحقيق هذا الهدف ألا وهو الوحدة.

المحبة: وما يقال عن السلام والوحدة، يقال كذلك عن المحبة، فكما ان إلهنا سلام ووحدة، كذلك هو محبة. ذاك هو أدق وصف ورد في رسالة القديس يوحنا الأولى (يوحنا 4: 8، 16).
وهذا الإله المحبة هو الذي أودع في قلب الإنسان، منذ البدء هذه المحبة أو هذا الحب والتي، من خلالها، يجمع، يربط ويوحد المتعددين ليجعل منهم واحداً، شأن الأزواج.
ولما كانت هذه المحبة أو هذا الحب ناقصة فقد أكملها يسوع المسيح إذ أضاف إليها بعداً آخر ألا وهو البعد الإلهي مقدماً ذاته بمثابة نموذج أو مثال لهذا الحب لكيما نحب على غراره أو مثاله:"أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم". (يوحنا 15: 12).
وهذه المحبة التي أوصانا بها ربنا يسوع المسيح تنفي  الحسد  والغيرة والخوف  كما  إنها تسمو على كل مشاعر الحقد والضغينة والكراهية والبغضاء والثأر.
لذا لا يحق للمسيحي قط أن يكره أو يبغض أو يثأر بأية طريقة كانت، بل أن يطالب فقط بحقه المادي أو المعنوي أو يتنازل عنه جزئياً أو كلياً.
لاشك إن هذه المحبة صعبة لأنها متطلبة ولكنها ليست مستحيلة إذ عاشها يسوع المسيح ومن بعده العديد من المسيحيين كمـا يعيشها اليوم كثير مــن

المسيحيين وما تولده من فرح. إنه فرح الحب أو المحبة بعكس الغيرة والحسد التي ينجم عنهما الضيق والحزن والتوتر النفسي.

التضامن: أما القيمة الرابعة والأخيرة التي نحتاجها اليوم فهي قيمة التضامن. فنظهر تضامننا الأخوي، الحقيقي والفعلي مع كل أولئك الذين هم بحاجة فعلية إلى محبتنا قبل أن يكونوا بحاجة إلى خبزنا أو طعامنا أو شرابنا أو مالنا.
بهذه الروح، نتضامن في السراء والضراء، ولاسيما في هذه الأيام المباركة، مع الفقير والمسكين فنطعمه ونكسوه. بهذه الروح نتضامن مع المريض فنواسيه ومع المتألم فنخفف عنه الألم. بهذه الروح نتضامن مع المظلوم فنرفع عنه الظلم ومع الباكي فنكفكف دموعه.
ترى، أو ليس مثل هذا التضامن يدعونا يسوع المسيح كما يدعونا القديس بولس عندما يكتب قائلاً:"أفرحوا مع الفرحين وأبكوا مع الباكين". (رومة 12: 15). أجل نشعر بشعور الآخرين في الفرح كما في الحزن.
وإذ نعيش هذه القيم، أيها الإخوة والأخوات، في هذه الأيام وفي كل أيام حياتنا، فلكيما نعيش حياة وادعة، وهادئة. وكذلك لكيما تكون لنا بمثابة أساس نرتكز عليه من أجل النجاح والتقدم، إذ لا نجاح من دون هذه القيم. وأخيراً لكيما نؤدي، من خلالها، شهادة حسنة ليسوع المسيح في الوسط الذي نعيش فيه وبالتالي نعطي مثالاً صالحاً للآخرين.
ولتكن مع روحكم، أيها الإخوة، نعمة ربنا يسوع المسيح. آمين.         
               
           محبكم الأب يوحنا عيسى
             الوكيل البطريركي لأبرشية عقرة
           عيد الميلاد 2009

28
نشيد الأناشيد سفر حب
الأب يوحنا عيسى

ثمة، في الكتاب المقدس، سفر صغير يدعى نشيد الأناشيد. ويدل أسمه أو عنوانه على أفعل التفضيل أي أحسن وأفضل الأناشيد.
ولما كان هذا  السفر قد أثار وما يزال يثير اهتمامي وإعجابي، منذ فترة ليست بوجيزة، سأتطرق إليه في هذا المقال من أجل التعريف به وبقيمته إذ لا يزال يحمل قيمة إيجابية لأبناء هذا الزمان بوجه عام وللمسيحيين بوجه خاص ولاسيما ان كثيرين منهم يجهلونه في حين ان تعليمه يصب في العهد الجديد وبالتالي في الإنجيل المقدس.

1.   التعريف بالسفر.

يقع هذا السفر الجميل ما بين سفر الجامعة وسفر اشعيا, وقد نسب إلى سليمان كما نسبت إليه أسفار أخرى كسفر الأمثال وسفر الجامعة وسفر الحكمة. وهذه العادة كانت متبعة في القديم لينال كتاب ما شهرة أو قوة من مؤلفه أو صاحبه.
ولكن، في الحقيقة، لا يمكن نسب هذا السفر إلى سليمان في الوقت الذي يظل مؤلفه مجهولاً بالنسبة إلينا.
أما زمن كتابته فهو يعود إما إلى عصر الفرس في القرن الخامس قبل الميلاد. ويدل على ذلك إنشاؤه ولغته، علماً بأنه يحتوي على عناصر قديمة قد يرقى عهدها إلى أيام سليمان.
يحتوي هذا السفر على سبع قصائد مؤلفة من حوارات تجري بين الحبيب والحبيبة، حوارات تقطعها الأصوات.
إلا أن وجود هذه القصائد في الكتاب المقدس وهو كلام الله قد أثار وما يزال يثير إعجاب واستغراب الكثيرين وسبب إحراجاً كبيراً لليهود والمسيحيين على حد سواء. ونتساءل هنا: ترى، ما الضير من وجود مثل هذا السفر في الكتاب المقدس ونحن نعلم بأن الحب شيء حسن ومقدس وقد وضعه الله، منذ البداية، في قلب الرجل والمرأة ليحقق به وحدتهما وتكاملهما.

2.   تفسير السفر.

وفضلاً عن ذلك، فإن تفسير هذا السفر قد أثار هو الآخر وما يزال يثير جدلاً كبيراً وواسعاً في أوساط الشراح. أهو سفر رمزي أم سفر غزلي؟
إلى هذا السؤال أجاب ويجيب العديد من الشراح بأنه سفر رمزي أو تمثيلي يتحدث عن علاقة الله بشبه أو علاقة المسيح بكنيسته وهكذا. أما آخرون وهم يزدادون أكثر فأكثر فهم يرون ان هذا التفسير بعيد عن الواقع والحقيقة ويذهبون إلى اعتباره سفراً غزلياً يدور محوره حول الحب البشري من دون أن يأتي على ذكر الله أو الإخصاب أو الإنجاب.
أما أنا فأميل إلى التفسير الثاني إذ أرى فيه سفر حب بشري يعبر، بطريقة رائعة، عما يجيش في قلب الإنسان، سواء كان رجلاً أم امرأة، من عواطف ومشاعر إنسانية نبيلة كالإعجاب والاشتياق، يفصح عنها الحبيب تارة والحبيبة طوراً آخر. وفيه نجد وصفاً متبادلاً للجمال البشري وقلقاً وخوفاً وبحثاً عن الآخر من أجل إيجاده.

3.   تعليم هذا السفر.

ولكن من دون أن نقف عند هذه التفاصيل، علينا أن نذهب- وهذا ما يهمنا في هذا السفر- إلى المحتوى أو المضمون أي الرسالة التي يود إيصالها. وهذه الرسالة تتمحور حول أمور ثلاثة جوهرية وأساسية بالنسبة إلى الزواج: 1. المساواة  2. عدم جائزية الطلاق  3. عدم جائزية تعدد الزوجات. وهكذا يكون هذا السفر شاهداً على ترقي المرأة في ذلك الزمان ويعمل على تصحيح حالة المؤسسة الزوجية التي نالها التشويه بإعادتها إلى نقائها وصفائها وأصالتها التي كانت قد فقدتها بفعل قساوة قلوب الناس كما يقول يسوع المسيح.
وعلينا أن نتناول الآن بشيء من التفصيل هذه الأمور الثلاثة:
1.   المساواة: في وقت كانت المرأة كائناً تابعاً للرجل وأدنى منه بل يعتبرها ملكاً له، فإن المرأة، في هذا السفر، على قدم المساواة مع الرجل. أما ما يجعلها متساوية معه فهو، ولاشك، الكرامة الواحدة التي يتمتع بها الاثنان وكذلك الحب. فالحبيبة هي للحبيب مثلما الحبيب لحبيبته "أنا لحبيبي وحبيبي لي" (نشيد الأناشيد: 2: 6). "أنا لحبيبي وأشواقه لي" (نشيد الأناشيد 7: 11) بعد أن كانت أشواق المرأة تذهب إلى الرجل  بعد السقطة الأولى، الأمر الذي يعتبر تصحيحاً للحالة. ولذا على الرجل أن يعتبر امرأته شريكة حياته وليس شيئاً آخر.
2.   عدم جائزية الطلاق: في وقت كانت الشريعة تجيز الطلاق فإن هذا الزواج لا ينوي الانتهاء إذ هو مبني على الحب وليس على اعتبارات أخرى، هذا الحب الذي بمقدوره أن يتواصل وأن يواجه ويجابه كل الأخطار المحدقة به ليخرج منها منتصراً قوياً. هذا ما تقوله الحبيبة لحبيبها في آخر النشيد "اجعلني كخاتم على قلبك كخاتم على ذراعك فإن الحب قوي كالموت والهوى قاس كمثوى الأموات سهامه سهام نار ولهيب الرب. المياه الغزيرة لا تستطيع أن تطفئ الحب والأنهار لا تغمره ولو بذل الإنسان كل مال بيته في سبيل الحب لاحتقر احتقاراً" (نشيد الأناشيد 8: 6-7).
3.   عدم جائزية تعدد الزوجات: في وقت كانت الشريعة تجيز تعدد الزوجات، فإن الحبيب واحد والحبيبة واحدة. واحد لواحدة وواحدة لواحد. فلقد كان بإمكان الله أن يخلق أكثر من آدم لحواء وأكثر من حواء لآدم. ولكنه خلق واحداً وواحدة ليس إلا.
      هكذا أراد الله أن تكون المؤسسة الزوجية، عندما خلق الله الإنسان ذكراً وأنثى ووحدهما عن طريق الحب الذي وضعه في قلبيهما من أجل أن يتم التكامل والوحدة والتواصل بينهما وبذلك يتقاسمان الحياة في السراء والضراء ولاسيما الحب الذي لا يمكن تقسيمه أو مقاسمته مع آخر أو مع أخرى ‘ذ يجب أن يعطي بكليته غير مقسم ولا مجزء لشريك أو لشريكة الحياة.

4.   رسالة السفر.

يشكل سفر نشيد الأناشيد بحق رسالة قوية موجهة إلى أبناء زماننا كما إلى أبناء كل زمان ومكان ولاسيما إلى المسيحيين اليوم فيها يدعوهم إلى الحفاظ على أصالة ونقاء وصفاء هذه المؤسسة الإلهية لتبقى مثلما أرادها الله منذ البدء.
فلقد أرادها الله وما يزال يريدها قائمة على الحب والوحدة والثبات لئلا تزعزعها كل الأخطار التي قد تحدق بها سواء كانت خارجية أو داخلية. وهي ستبقى صامدة وثابتة، طالما انها تقوم على هذه الأركان الثلاثة التي تشكل أساساً قوياً ومتيناً لها.
ومما قد يسهم في نجاح هذه المؤسسة الإلهية وديمومتها فهو، ولاشك، حسن الاختيار لشريك أو شريكة الحياة، هذا الاختيار الذي يجب ألا يقوم على اعتبارات مصلحية أو منفعية لا ولا فقط على العاطفة أي على القلب وإنما على العقل أي يكون اختياراً عقلانياً من أجل ضمان نجاح هذه المؤسسة الإلهية وتواصلها واستمراريتها, وبنجاحها تكون الكنيسة ناجحة. ولذلك فإن الكنيسة معنية للغاية بهذه المؤسسة الإلهية وترافقها مدى الحياة كأم حنونة ورؤوفة تكن لكل أولادها الحب.

29
المنبر الحر / وتكونون لي شهوداً
« في: 10:10 26/10/2009  »
وتكونون لي شهوداً
   
                                                                                               الأب يوحنا عيسى

"وتنالون قوة من الروح القدس لتكونوا لي شهوداً"، وردت هذه العبارة في سفر أعمال الرسل   حيث يسأل التلاميذ الرب يسوع عن زمن استعادة الملك إلى إسرائيل فيجيبهم يسوع قائلاً:"ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي حددها ألآب بذات سلطانه. ولكن الروح القدس ينزل عليكم فتنالون قوة وتكونون لي شهوداً في أورشليم وكل اليهودية والسامرة، حتى أقاصي الأرض"، ذاك هو "مكان" شهادة الرسل.
وفيما أدع المقطع الأول من هذا المحور، سأتطرق إلى المقطع الثاني ألا وهو " وتكونون لي شهودا". فأتحدث، في القسم الأول من هذا المقال عن التلاميذ بمثابة شهود يسوع المسيح. أما  في القسم الثاني، فسأتناول الكلام عن المؤمنين وبالذات الشباب اليوم، كونهم شهود يسوع المسيح الحي في عالم اليوم

01 التلاميذ الأولون شهود يسوع المسيح أمس

ثمة أناس كثيرون شهدوا يسوع المسيح. والمقصود بعبارة "شهد" رأى، سمع. فالشاهد هو من شهد أي رأى وسمع ومن ثم أخبر بما رأى وسمع.
أجل شهدوه، وهو يعيش بين ظهرانيهم، يعمل، يعلم، يصنع العجائب والآيات لأهل زمانه. يقول يسوع لمعاصريه:"حينئذ تقولون: لقد أكلنا وشربنا أمامك، ولقد علمت في ساحاتنا. فيقول لكم: لا أعرف من أين أنتم، إليكم عني يا فاعلي السوء جميعاً!" (لوقا 13/ 26-27).
وبهذا المعنى أيضاً، شهده التلاميذ. فإذا هو إنسان مثل سائر الناس. يأكل ويشرب، يفرح ويحزن، يسير وينام، يغضب ويتعب.كما انهم شهدوه أيضاً وهو يصنع الخير لأهل زمانه، هذا الخير المتمثل بالعجائب والآيات التي اجترحها يسوع، مما قاد هؤلاء التلاميذ إلى اكتشاف ما في هذا الإنسان من اختلاف: اختلاف في شخصه، اختلاف في أسلوب حياته واختلاف في طريقة تعليمه، الأمر الذي أثار إعجاب واستغراب التلاميذ ومعاصريه على حد سواء.
ولكن لا يمكننا اعتبار هؤلاء الناس معاصري يسوع شهوداً له، بمعناه الخاص، ذلك أن الشاهد يجب أن يكون قد تتلمذ ليسوع وكان شاهداً لقيامته.
أما الاثنا عشر، وهم شهود القيامة، فقد أقامهم الرب يسوع شهوداً له بقوله لهم:"وتكونون لي شهوداً". ومن الجدير بالذكر والملاحظة ان هذا التكليف- وهو أمر أساسي للغاية لفهم هذا النص، يأتي على أثر القيامة وبعد أن أنهىوا مرحلة التلمذة وآمنوا بالقيامة.
فمن المعروف ان يسوع قد دعا، قبل القيامة، اثني عشر شاباً للتتلمذ له. وقد اختارهم مختلفين، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. فقد كانوا مختلفين في الطبائع، مختلفين في الاتجاهات الفكرية والسياسية وكذلك مختلفين في الطبائع والنفسيات. ولكنه جعل من هؤلاء واحداً إذ بناهم على وحدة المحبة والإيمان:"أحبوا بعضكم بعضاً" وآمنوا بالله وآمنوا بي"
ولقد لبى هؤلاء الشباب دعوة يسوع بالالتحاق والالتصاق به. فدخلوا في مدرسته حيث أمضوا فيها ثلاث سنين أعدهم يسوع فيها للرسالة التي كانت تنتظرهم، هذه الرسالة التي يأمرهم بها، إبان إحدى الظهورات، لحملها إلى العالم أجمع. وبهذا الأمر الصادر من الرب يسوع، يحولهم من تلاميذ إلى رسل. فالمرء يبقى تلميذاً طالما لم يرسله الرب.
وفي مدرسة يسوع هذه، أصغوا إلى هذا المعلم وهو يكلمهم عن الله وعن صفاته: عن محبته، عن طيبه، عن حنانه، عن غفرانه وعن رحمته. أصغوا إليه وهو يكلمهم عن هذا الأب وملكوته وعن متطلباته وضرورة الدخول فيه عبر الإيمان والتوبة والولادة الجديدة. كما أصغوا إليه وهو يكلمهم عن ضرورة إتباعه في حمل الصليب، صليب الحب وليس صليب الخشب أو الذهب، هذا الصليب الذي سيحملونه هم أيضاً، على غرار معلمهم وسيدهم يسوع المسيح.
لقد كان هذا الإصغاء، ولاشك، طريقاً إلى قبول يسوع وقبول كلام الله والعمل به في حين ان ثمة أناس رفضوه كما رفضوا كلامه، هذا الرفض الذي انقلب إلى عناد.
وبهذا يشبه هؤلاء التلاميذ ذاك الرجل الحكيم الذي بنى بيته على الصخر بعكس أولئك الذين يسمعون كلامه ولا يعملون به فيشبهون ذاك الرجل الذي بنى بيته على الرمل.
كما ان هذا التكليف يأتي على أثر إيمان التلاميذ بقيامة الرب يسوع، هذا الحدث الذي كشف هوية يسوع المسيح الحقيقية والكاملة كونه الرب، المسيح، المخلص وليس فقط يسوع أو ذاك الرابي الذي كان يعلم، وبالتالي غير نظرة الرسل إلى المسيح تغييراً جذرياً.
صحيح ان التلاميذ لم يروا يسوع بعيون الجسد وهو يقوم من بين الأموات, لا ولا رأوه بهذه العيون إبان مختلف الظهورات. وكم تمنوا أن يروه قائماً هكذا، الأمر الذي جعلهم يترددون طويلاً في الإيمان بالقيامة. إلا أنهم توصلوا إلى معرفة الرب يسوع القائم عن طريق الإيمان الذي إن هو إلا رؤية من خلالها رأى التلاميذ المسيح قائماً وذلك عبر الإيمان. وهكذا أدرك التلاميذ بأن معرفة الرب يسوع تتطلب منهم عين الإيمان وليس عين الجسد.
لهذا الإيمان شهد الرسل، بقوة وشهادة الروح القدس، للعالم آنذاك، هذا العالم الذي كان مكوناً من اليهود والوثنيين.

02 التلاميذ شهود يسوع المسيح اليوم.

وما يقال عن الشهود أمس، يقال أيضاً عن الشهود اليوم. فما زال يسوع المسيح يقيم من كل المؤمنين وبالتالي من كل الشباب شهوداً له بقوله لهم:"وتكونون لي شهوداً". وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على أن شخص يسوع المسيح وليس شيئاً أو شخصاً آخر يشكل محور شهادة التلاميذ.
أجل يشهد التلاميذ، وبالتالي الشباب اليوم، وهم شباب المسيح، لشخص يسوع المسيح: يشهدون لإنسانيته وما في هذه الإنسانية من سعة أفق مدهشة ومذهلة في التفكير والقلب. ويكفي مثل السامري الصالح ليدلل على هذه السعة في الأفق. وكذلك يشهدون لإلوهيته وهو الكلمة المتجسد الذي إنما جاء ليكشف الله الأب ومحبة "الابن الوحيد الذي في حضن ألآب هو أخبر" )يوحنا 1/18).
ويشهد التلاميذ لأحداث حياته من الميلاد والعماد والتجلي والصلب ولاسيما القيامة، هذا الحدث المركزي والمؤسس الذي حمله التلاميذ بشرى إلى العالم آنذاك معلنين ان المسيح "قام ... حقاً قام". وقد صاروا شهوداً لهذا الحدث. وما الاثنا عشر، قبل كل شيء، إلا شهود لقيامة الرب يسوع.
وكذلك يشهدون لصفاته: لمحبته، لجرأته، لشجاعته، لصراحته، لصدقه ولرباطة جأشه. وأخيراً يشهدون لقيمه ومبادئه المرتكزة على المحبة والسلام والحق والحقيقة والحنان والرحمة.
وهنا يطرح السؤال ذاته: ترى، لماذا على التلاميذ وبالتالي على الشباب أن يشهدوا للمسيح؟ وجواباً على هذا السؤال نقول بأن على التلاميذ أن يشهدوا للمسيح ليس فقط لأنهم يؤمنون به ويكنون له كل الحب، وإنما لكيما يعرفه العالم ويؤمن به ويحبه كما هو يحب العالم، من أجل أن يتخذه مخلصاً، معلماً، نموذجاً ومثالاً يقتدي ويحتذي به. ان العالم المتخبط اليوم في الظلمة والصراعات والنزاعات والحروب يحتاج إلى مثل هذا المثال وهذا النموذج.
ومن المعروف ان شهادة المؤمنين وبالتالي الشباب تتوجه إلى العالم بأسره. وأعني بذلك إلى كل أولئك الذين هم في داخل الكنيسة وهم ليسوا دوماً بالشهود الحقيقيين. كما أنها تتوجه إلى من هم خارجها سواء كانوا مؤمنين أم لا.
ولكي يصدق العالم هؤلاء الشهود، عليهم أن يعيشوا المسيح، كل المسيح، وأن يعايشوا الإنجيل، كل الإنجيل وليس فقط جانباً أو زاوية من زوايا الإنجيل بحيث يرى الناس فيهم المسيح حياً وحاضراً وكذلك يرون الإنجيل حياً فيهم.
وبوسع التلاميذ أن يعايشوا المسيح في الحياة اليومية من خلال معايشتهم لصفاته وقيمه ومبادئه. وكذلك يعايشوه في الليتورجيا حيث يدور محورها حول شخص يسوع وحول أحداث حياته: الميلاد، العماد، التجلي، الصلب والقيامة.
ومتى ما عايش التلاميذ يسوع المسيح حملوه في داخلهم، ومتى ما حملوه في داخلهم، إذ ذاك استطاعوا أن يحملوه إلى الخارج. وأدوا الشهادة له. تلك هي ميزة المسيحيين وبالتالي الشباب، إذ هم وحدهم قادرون على حمل المسيح وإعطائه للعالم، كما حملته مريم وأعطته للعالم.
وبوسع المؤمنين وبالتالي الشباب أن يؤدوا هذه الشهادة بطرق ثلاث: بالحياة والكلام والدم.
الشهادة بالحياة أي الشهادة التي تتجسد فعلياً وعملياً في المواقف والتصرفات والأحكام والأفعال والأعمال، بكلمة، تلك التي تنعكس في السلوكية كلها. وهكذا يكون المسيحيون شهود المسيح، شهود قيامته من بين الأموات، شهود انتصار الحياة على الباطل. وهكذا ينبذ المسيحيون في حياتهم الكذب والرياء والخداع والحق والكراهية والخيانة، ويعيشون في الصدق والإخلاص والمحبة. وهذه الشهادة هي أصدق وأبلغ من ألف كلام أو مقال أو كتاب.
الشهادة الثانية هي شهادة الكلام. وتبتدئ بالأجوبة إلى أسئلة أولئك الذين يسألوننا عن إيماننا بصورة صحيحة. لذا على المسيحي أن يتسلح بالثقافة لئلا يبدو ضعيفاً وعاجزاً. كما ان قناعاته ينبغي أن تبدو قادرة على تعبير الواقع وإنارة تصورات الآخرين ومفاهيمهم. كما تشمل استخدام الوسائل الإعلامية الحديثة، مثلاً، وكافة تقنيات الاتصال (الصحافة، النشر، الوسائل المسموعة والمرئية) لإيصال البشرى الإنجيلية. وهناك المشاركة الفعلية والمباشرة في أنشطة التثقيف المسيحي والتنشئة الدينية وتهيئة الموعوظين والمساهمة في خدمة الكنائس الأخرى على طريق الدعوات الكهنوتية والرهبانية والعلمانية المختصة.
أما النوع الثالث فهو الشهادة بالدم. والمقصود به الاستعداد لتحمل الضيق والاضطهاد وحتى الموت، إذا اقتضى الأمر، في سبيل الإيمان بالمسيح، كالشهداء الذين بذروا الحياة بدمائهم. لأن المسيحي ليس من علم وعاش وحسب، وإنما من تألم أيضاً من أجل المسيح. ولكني أتجاوز ذلك فأقول: ليست الشهادة قبول الموت الطبيعي في سبيل المسيح حسب، بل هي الموت الدائم أيضاً... عن النفس، عن الخطيئة، عن الأنانية، عن الكبرياء، عن الاستعلاء، عن الاستغلال، عن الجشع، عن الطمع. إنها النضال أيضاً من أجل الحق باسم يسوع وإنجيله. فهو، بالنسبة إلى المؤمن بالمسيح، لاسيما إذا أوصل هذا النضال صاحبه إلى تحمل الأذى والقمع، أو الموت، في جسده ونفسه، شهادة واستشهاد حق.


30
هؤلاء الرؤساء الصالحون
                                                                                            الأب يوحنا عيسى

كنت قد كتبت، في موقع عشتار وعنكاوة، مقالاً بعنوان " هؤلاء الرؤساء الأردياء" وفيه نوهت بوجود رعاة صالحين إلى جانب رؤساء أردياء.
وفي هذا المقال ، أود الحديث عن هؤلاء الرعاة الصالحين لكيما أكمل الصورة وبالتالي أكون عادلاً ومنصفاً ذلك إننا، نحن معشر الشرقيين، نبرز السلبيات في حين نخفي الإيجابيات، الأمر الذي لا أرتضيه لنفسي.
أجل ثمة رعاة صالحون في الكنيسة.
   إنهم رعاة صالحون لأنهم يحملون قلب الأب وقلب الراعي بل قل قلب الأم. ولذا فهم يكنون لرعاياهم محبة حقيقية، صافية وخالصة، هذه المحبة التي تدفعهم إلى خدمتهم بالاهتمام الجدي بهم وبشؤونهم ذلك ان المحبة هي في أصل وأساس هذه الخدمة. فمن يحب هو الذي يخدم.
   إنهم رعاة صالحون لأنهم يصغون بانتباه كبير وبالغ إلى هموم رعاياهم واحتياجاتهم ومشاكلهم ولاسيما إلى الفقراء والمساكين، ساعين إلى التخفيف منها أو تلبيتها أو حلها، كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
   إنهم رعاة صالحون لأنهم يعطون لرعاياهم كلمة الله ويسعون إلى تثقيفهم الدائم والتواصل عبر مختلف القنوات والوسائل كالندوة والدورة والمعهد والنشرة والمجلة والجريدة وغيرها.
   إنهم رعاة صالحون لأنهم يدخلون في الحوار مع العاملين معهم ولا يفرضون عليهم شيئاً بالقوة متبعين أسلوب العرض وليس الفرض.
   إنهم رعاة صالحون لأنهم يعطون حيزاً كبيراً من الحرية للعاملين معهم فلا يعتبرونهم قاصرين أو تابعين لهم بل مشاركين وشركاء معهم في عين الرسالة الواحدة. كما انهم لا يخنقون المبادرات التي تصدر هنا وهناك بل يقومون بتبنيها ورعايتها لتنمو وتكبر. وهكذا تسهم في تقوية الحركة الشاملة في حياة الكنيسة، إيماناً منهم بأن الحركة هي الحياة.
   إنهم رعاة صالحون لأنهم لا يقيمون من أنفسهم المركز والمحور بل المسيح ولا يسعون إلى جمع المال بل إلى كسب قلوب الناس وعقولهم إلى يسوع المسيح.
   إنهم رعاة صالحون لأنهم يعطون جل وقتهم وراحتهم ويضعون كل طاقاتهم ومواهبهم في خدمة مؤمنيهم بل يبذلون أنفسهم، كما فعل البعض في الآونة الأخيرة، من أجل رعاياهم عندما يرون الذئب مقبلاً إليهم ليبدد ويخطف ويفترس.
   إنهم رعاة صالحون لأنهم مخلصون وأمناء لدعوتهم ورسالتهم. فلا تزعزعهم مختلف التيارات التي تعصف بهم ولا كل التجارب التي يتعرضون إليها. فيخرجون منها منتصرين وأقوى من ذي قبل، شأن يسوع المسيح.
   إنهم رعاة صالحون لأنهم أقوياء بفكرهم، بتماسكهم وبوحدتهم مع أنفسهم. فلا ازدواجية ولا تناقض في حياتهم بين القول والعمل وبين الفكر والسلوك. وهم بذلك يعيشون في سلام شأن يسوع المسيح وشأن القديسين.
   إنهم رعاة صالحون لأنهم يجسدون مبادئ وقيم المسيح في حياتهم ويتحلون بصفاته التي اكتسبوها منهكالمحبة والتواضع والحنان والرحمة وغيرها، بعيداً عن الأنانية والكبرياء والطمع والجشع والاستغلال، تلك الآفات العدوة التي تفتك بالكنيسة.
   وأخيرً إنهم رعاة صالحون لأنهم ينبذون التجزأة والاقتسام والفرقة والتمييز ويدعون إلى الوحدة: وحدة الكنيسة ووحدة القوم ووحدة العالم مقرنين القول بالعمل. فلا يقولون في العلن ما ينفوه في السر.
وأختم حديثي هذا بالدعاء إلى يسوع المسيح الراعي الصالح لكيما يرسل إلى كنيسته جمعاء، شرقاً وغرباً، مثل هؤلاء الرعاة الصالحين يقودون رعاياهم إلى المراعي الخضراء والخصبة بهمة وغيرة ومحبة كبيرة.



31
هؤلاء الرؤساء الأردياء
                                                                                             الأب يوحنا عيسى

ليس بمقدور أحد أن ينكر ما لمختلف الجماعات أو المجموعات من حاجة كبيرة وماسة إلى راعٍ أو رئيس أو قائد أو مسؤول –فالأمر سيان- تكون مهمته التنسيق بين مختلف الأطراف وكذلك الجمع والتوحيد والتنظيم وأخيراً التوجيه.
ولكيما يتبوأ الرئيس أو الراعي أو المسؤؤل موقعاً ما لابد أن تتوفر فيه بعض الصفات الضرورية والأساسية تؤهله للاضطلاع بالمسؤولية أو القيادة أو الرعاية بجدارة وكفاءة كالذكاء والشجاعة والحكمة والفطنة والإخلاص والأمانة وغيرها من الصفات.
وكما كان لسائر الشعوب القديمة رؤساؤها المدنيون والدينيون، هكذا كان للشعب اليهودي رؤساؤه، أولئك الذين كان قد أقامهم الله من أجل قيادة شعبه نحو مصيره.
ولما كان هؤلاء الرؤساء، غالباً ما، أردياء، فقد ندد بهم الأنبياء بشدة، الأمر الذي فعله يسوع المسيح أيضاً، إذ كان يرى في رؤساء زمانه أناساً أردياء للعديد من الأسباب:
السبب الأول لأنهم لم يؤمنوا ولم يتوبوا على يد يوحنا المعمدان في حين آمن به العشارون والخطأة (متى 21: 32).
السبب الثاني لأنهم كانوا يغتنون على حساب الفقراء وقتئذٍ.
أما السبب الثالث والأخير فلأنهم رفضوا كل الأنبياء كما رفضوا الابن وقتلوه وأبوا أن يعطوا الثمر لصاحب الكرم، مما اضطر هذا الأخير إلى استبدال هذا الشعب بشعب آخر، جديد ألا وهو الشعب المسيحي، ذاك الذي آمن بيسوع المسيح رباً ومسيحاً ومخلصاً.
وفي زماننا، كما في الزمن الغابر، ثمة رؤساء أردياء في الذين كما في السياسة. وإذ أدع جانباً الميدان السياسي، رغم انني مدرك تماماً بأنه سبب الكثير من الحروب التي نشبت وما تزال تنشب في العالم وكثير من المشاكل التي حدثت فيه، سأحصر حديثي بالميدان الديني فقط.
•   إنهم رؤساء أردياء لأنهم لا يحملون قلب الأب وقلب الراعي الذي يحب ويحن ويحنو ويرحم لا أن يكون لهم قلب الحجر أو قلب التاجر.
•   إنهم رؤساء أردياء لأنهم لا يهتمون إلا بأنفسهم لا برعاياهم ويسعون إلى تحقيق مآربهم ومنافعهم ومصالحهم الخاصة والشخصية لا إلى تحقيق مصالح جماعاتهم.
•   إنهم رؤساء أردياء لأنهم يغتنون على حساب الجهلة والفقراء والبسطاء.
•   إنهم رؤساء أردياء لأن مشاعر الحسد والغيرة والطمع والجشع تعشش في قلوبهم ونفوسهم.
•   إنهم رؤساء أردياء لأنهم يبشرون بأنفسهم، بأفكارهم، بأقوالهم وبآرائهم الخاصة فينسبون إلى الله ما هو قولهم ورأيهم وفكرهم بدل أن ينشروا كلام الله ويعلنوا على الملأ بشرى المسيح واضعين أنفسهم خداماً لها.
•   إنهم رؤساء أردياء لأنهم لا يهتمون بأمور رعاياهم وجماعاتهم وبتلبية حاجاتها وحل مشاكلها والاهتمام بها في كل الجوانب ولاسيما في الجانب الروحي.
•   إنهم رؤساء أردياء لأنهم لا يسعون إلى تثقيف ذواتهم وتثقيف رعاياهم بشكل دائم، منتظم، متواصل ومتكامل بدءاً بالطفولة وانتهاء بالشيخوخة.
•   إنهم رؤساء أردياء لأنهم يتكتلون ويتآمرون ويتحزبون ويتناحرون كأهل هذا العالم بدل أن يتحاوروا ويتصارحوا ويفكروا بما هو الأصلح والأنفع والأجدر والأقدر ناشدين خير الكنيسة.
•   وأخيرا إنهم رؤساء أردياء لأنهم، وهذا أمر جوهري وأساسي، لا يتخذون من راعيهم الصالح والكبير أسوة وقدوة حسنة ومثالاً ونموذجاً للاحتذاء بشخصه، بصفاته، بحبه، بعطائه، بسخائه، وبنكران ذاته، هو الذي لم يفكر لحظة واحدة بذاته وراحته ووقته وحياته بل انصب جل اهتمامه بالإنسان من أجل اسعاده باخراجه من الحالة التعيسة التي كان يعيش فيها ذلك ان الإنسان هو قمة وغاية الخليقة.
لذا ستبقى الدعوة قائمة وموجهة إلى هؤلاء وإلى كل الرؤساء لكيما يعيدوا النظر في تفكيرهم ومواقفهم وتصرفاتهم ويكفوا عنها تماماً. وفي الوقت ذاته، ينظروا إلى نموذجهم الكبير يسوع المسيح ليتشبهوا به وبالتالي يصير هؤلاء رؤساء أو رعاة صالحين لرعاياهم يقودونهم إلى المسيح لا أن يجعلوا من أنفسهم المحور والمركز.
أكتفي بهذا القدر من الكلام لئلا تطول وتطول القائمة، يقيناً مني بأن ثمة رؤساء ورعاة صالحين. أقول هذا لكيما أكون عادلاً ومنصفاً ولا أسوّد اللوحة ذلك ان التعميم حكم جائر واذن مرفوض وغير مقبول.



32
المنبر الحر / للمسيحي مناخه
« في: 15:37 27/09/2009  »
للمسيحي مناخه
                                                                                       الأب يوحنا عيسى

لم يأت المسيح حاملاً سيفاً بل زيتوناً. لم يأت راكباً فرساً بل حماراً إذ جاء سلاماً وحباً وصدقاً وحناناً وتواضعاً مثل الله لا مثل الإنسان. فعاش مثل الله وفاه بأقوال الله وعمل أعمال الله.
إلا أن أصحاب السلطة، وهم الأقوياء الضعفاء، أولئك الذين لا يروق لهم نجاح الآخرين والذين يعشش الخوف في قلوبهم تجاههم قد تحولوا إلى أعداء وخصوم له. فاضطهدوه مذ دخوله إلى هذا العالم شأن هيرودس الملك بغية القضاء عليه وشأن الرؤساء الذين عادوه ورفضوه كما رفضوا تعليمه ناعتين إياه بشتى النعوت وذهبوا إلى حد محاولة اغتياله أكثر من مرة بغية إقصائه وإلغائه. وإذا لم يفلحوا في ذلك فلأن ساعته لم تكن قد أتت بعد ولأنهم كانوا يخافون الشعب الذي كان ينزله منزلة النبي.
ومثلما فعل بعض اليهود بيسوع المسيح، كذلك فعل وثنيون وآخرون بالمسيحيين في كل زمان ومكان إذ اضطهدوهم وأذاقوهم مر العذاب وقتلوهم لا لذنب اقترفوه وإنما خوفهم من إيمانهم الجديد لئلا ينتشر وينتصر هذا الإيمان الذي بدا لهم مثيراً للقلق والخوف سيما وإنه كان يدعو الناس أنذلك إلى الحرية والمساواة والاستقلال.
وما جرى ليسوع المسيح ولهؤلاء المسيحيين أمس، ما يزال يجري اليوم أيضاً للمسيحيين وفي العديد من البلدان، إذ يتعرضون إلى خطر القوة، هذه القوة التي يستخدمها البعض ضدهم بغية إسكاتهم وإلغائهم وإقصائهم من أجل إزالتهم عن وجه الأرض.
وهنا يطرح المرء هذا السؤال: ترى، لماذا هذا التصرف غير المبرر تجاه هؤلاء الناس المسالمين والمحبين؟ هل لأنهم خطيرون؟ هل لأنهم سيئون ومفسدون ومضرون؟ هل لأنهم يثيرون القلق ؟ أم لأنهم عناصر خير وسلام ومحبة وعدالة وتقدم وبناء لأوطانهم وبلدانهم بل للعالم بأسره؟.
وفيما أترك الجواب للقارئ العزيز، فإن الشيء المؤكد هو إن مصير هؤلاء مرتبط بالمناخ أو الجو السائد في العالم أو الذي سيسود فيه. فإذا كان هذا المناخ أو الجو مناخ أو جو القوة فإن عددهم سيتناقض، لا محالة، في العراق كما في العالم، إذ ليس بمقدور هؤلاء استخدام القوة كما يفعل الآخرون ذلك إن هذه القوة منافية لهويتهم وقضيتهم أو بتعبير آخر منافية لطبيعة دعوتهم ورسالتهم بل منافية لطبيعة إلههم الذي يؤمنون به والذي إن هو إلا قوة محبة وليس أية قوة أخرى. وبهذا الصدد فن أدق وصف لله نجده في رسالة القديس يوحنا الأولى حيث يؤكد قائلاً: إن الله محبة" (1 يوحنا 4: 8). ولذا فقد ألينا وقطعنا على أنفسنا ألا نستخدم، على مثال معلمنا، القوة مع أحد وأن نحترم حرية الآخر في قراره وخياره. ترى، ماذا يمكن أن يكون الإنسان لو استلبت حريته منه؟
أما إذ ساد في العالم مناخ أو جو القانون والحرية فإذ ذاك فبإمكان المسيحي يمكن أن يعيش وينمو ويزداد كما تعيش بعض النباتات في مناخات أو أجواء معينة. وبعكسه يكون الموت.
ولما كان جو القانون والحرية بهذا القدر من الأهمية من أجل وجودنا وحياتنا ومستقبلنا، فلا بد لنا نحن معشر المسيحيين أن:
1.   نسعى إلى نشره في أرجاء المعمورة كلها.
2.   نطلب بل نطالب كل الحكومات بإشاعة هذا المناخ بين كل المواطنين ليتسنى لجميع المواطنين العيش في ظل القانون والحرية، هذه الهبة الثمينة والعظيمة المعطاة لجميع البشر.
3.   نطلب بل نطالب كل المؤسسات التربوية بإدخال مفردات الحرية والمساواة والاستقلال والاحترام ضمن مناهجها لكيما تنشأ الأجيال القادمة على هذه القيم.

ومما يفرح حقاً ويبعث إلى التفاؤل والأمل هو ان وعي الناس اليوم بالحرية أخذ يزداد اليوم أكثر فأكثر وفي ذات الوقت أخذ يزداد رفضهم للقوة ولاسيما في الشأن الديني الذي يجب أن يبنى على أساس واحد وحيد ألا وهو الحرية في الخيار واتخاذ القرار ومن أجل إضفاء معنى وقيمة لأي عمل نقوم به. إذ لا معنى ولا قيمة له إذا ما كان  مفروضاً من الخارج بالقوة أو بفعل القانون.


33
هل كان يسوع ضد الأغنياء حقاً؟

                                                                                          الأب يوحنا عيسى

إنه لمن الضرورة بمكان طرح هذا السؤال والإجابة عليه، ذلك ان هناك بلبلة وعدم وضوح في مسألة موقف يسوع المسيح من الأغنياء: ترى، هل كان ضدهم أم معهم؟
وللإجابة على هذا السؤال، لابد لنا من العودة إلى الإنجيل المقدس لنعرف موقف يسوع من الأغنياء، إذ يسلط الضوء على هذه المسألة.

1.   هل كان يسوع المسيح ضد الأغنياء؟.

من يقرأ الإنجيل المقدس أو يسمعه، شأن رسائل القديس بولس، وهو يتحدث عن الأغنياء، قد يستنتج بأن المسيح كان ضد الأغنياء كما كان ضد الغنى.
إلا أن هذا الاستنتاج خاطئ تماماً، ذلك ان المسيح لم يكن لا ضد الأغنياء ولا ضد الغنى الذي كان يعتبر في زمانه خيراً وبركة ومكافأة للغني بعكس الفقر.
ولكن الصحيح ان المسيح حذر الأغنياء بقوة وشدة من المخاطر والمساوئ الكامنة في الغنى.

2.   مخاطر ومساوئ الغنى؟.

وهذه المخاطر والمساوئ عديدة ومختلفة يجدر بنا أن نستعرضها:
01 الأنانية: قد يتحول الغني المسيحي، شأن أي إنسان آخر، إلى أناني. وإذ ذاك فهو لا يفكر إلا بنفسه وراحته وسعادته ناسياً بل رافضاً إشراك الآخرين في خيراته، تلك الخيرات التي أنعمها الله عليه، سواء كانت هذه الخيرات مادية أو فكرية أو روحية أو فنية.
أما المسيح فهو يعلمنا، شأن كتابنا، بأن نحب الآخر حبنا لأنفسنا. بل أحياناً أن نحبهم أكثر من أنفسنا على غرار يسوع المسيح وهو القائل:"ما من حب أكبر من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه".
02 غياب الله في حياته: قد يؤمن الغني بالله وبوجوده. ولكنه قد يعيش وبالتالي يتصرف وكأن الله ليس موجوداً وبالتالي لا يعيش بحسب إرادته التي تتطلب منه العدل والرحمة والحنان والرأفة. فالله، وإن كان موجوداً، فهو غائب عن أفق تفكيره وحياته ذلك انه ليس بحاجة إليه. وهذا ما نسميه بالإلحاد العملي كما ان هناك إلحاد نظري يتبع منهجاً معيناً لإنكار الله وإنكار وجوده.
03 التعالي: قد يصاب الغني، من جراء غناه، بالغرور والتعالي على الآخرين بحيث يعتقد بأنه أصبح فوق الآخرين وفوق النجوم والغيوم، ناسياً جبلته كونه إنساناً مثل سائر الناس بحاجة إليهم كما هم بحاجة إليه.
04 الاتكال على المال: وهذا خطر آخر قد يقع فيه الغني إذ قد يتكل على غناه وليس على الله اعتقاداً منه بأنه بمقدوره أن يلبي كل حاجاته. إلا أن هذا الاتكال إن هو إلا وهم سراب، ذلك ان المال ليس شيئاً ثابتاً ودائماً. فقد يكون اليوم في حوزة شخص ما وغداً في حوزة آخر. فهو شيء متحرك ومتقلب. ولذا يجب أن يكون الاتكال على الله وليس على المال أو السلطان أو الإنسان إذ ليس في يده الخلاص كما يقول المزمر.
05 حب المال: قد يرتبط قلب الإنسان بحب المال وحده ويتعلق به تعلقاً كبيراً وشديداً بحيث ينسى أية أولية أخرى في حياته. إن هذا الارتباط يشكل، ولاشك، أكبر خطر قد يقع فيه المسيحي كذاك الغني الذي يتحدث عنه الإنجيل المقدس حيث ارتبط قلبه بحب المال، هذا الارتباط الذي حال دون أن يتتلمذ ليسوع المسيح. إما أن يحتفظ بماله وإذ ذاك يخسر المسيح وإما أن يخسر المال ويربح المسيح. ولكنه فضل المال على المسيح فذهب حزيناً.
3.   أغنياء آخرون.

ومقابل هؤلاء الأغنياء، ثمة أغنياء آخرون منفتحون على الله وعلى الإنسان.
أجل إنهم منفتحون على الله إذ لا يؤمنون به حسب، بل يعملون بمشيئته وما تتطلبه منهم هذه المشيئة.
وكذلك هم منفتحون على الإنسان، إذ يشركونه في خيراته سواء كان ذلك بشكل فردي أو عبر مختلف المؤسسات كمساعدة الفقراء ودعم المشاريع الكنسية أو الخيرية أو الاجتماعية بحيث يمكن أن نصف هؤلاء بالأغنياء الأغنياء ذلك انهم أغنياء بمالهم وأغنياء بعطائهم، بعكس الأغنياء الآخرين الذين تكلمنا عنهم والذين يمكن أن نسميهم بالأغنياء الفقراء، شأن هذا الغني الذي يتحدث عنه الإنجيل المقدس حيث أعطته أرضه هذا العام، غلات كثيرة، مما زادته غنى. ولكنه كان فقيراً في الله أي في الأعمال الصالحة التي يقم بها تجاه الفقراء والمساكين والمعوزين.



34
المنبر الحر / نحن وهذا الرجل
« في: 14:54 11/09/2009  »
نحن وهذا الرجل
الأب يوحنا عيسى

01 هذا الرجل.
في قديم الزمان، ظهر على أرضنا، أرض البشر، رجل، قديم الأيام. ولد فقيراً. عاش فقيراً ومات فقيراً. لم يكن له لا مال، ولا سلطان ولا عيال ذلك ان قلبه لم يتعلق بواحدة من هذه، إذ كان غنياً، مليئاً، مشبعاً، حراً ومفتوحاً.
مشى على أرضنا إنساناً لا ملاكاً، إنساناً طيباً، صافياً، صادقاً، متواضعاً ومحباً. لا غش فيه، لا رياء، ولا نفاق. لا غيرة، لا حسد، لا بغضاء ولا ثأر في قلبه. ولا ازدواجية أو تناقض في حياته. فلقد كان كله صدقاً وحقاً وحباً وسلاماً وعدلاً وحناناً ورحمة ووحدة داعياً أتباعه إلى العلو والسمو وإلى الدنو من مقام الله ليكون الأبناء على غرار أبيهم. لذا فلا نظير ولا مثيل له من قبله ولا من بعده.
كان ملكاً بل ملكاً أعزل ووحيداً. لا جيش يحميه ولا قبيلة أو عشيرة تسنده ولا قوة تقف إلى جانبه. سلطانه الغفران والشفاء والحب يسود به، لا بالسلاح، على قلوب البشر التي أفتتنها.
ولكنه كان قوياً بقوة الحق الذي كان يحمله. فلم يهب أحداً حتى وإن كانوا من كبار القوم. فقال الحق بوجه الأقوياء والأغنياء حتى وإن كان ثمن هذا القول الموت على الصليب. ولكنه لم يغش ولم ينكسر بل، على العكس، نجح وانتصر إذ وقف الله أبوه إلى جانبه، بإقامته من الأموات مؤيداً بذلك صحة كل ما قاله وفعله. ولذا، لسنا، نحن معشر المسيحيين، أبناء الانكسار بل أبناء الانتصار.

02 نحن وهذا الرجل.
أفلا يستحق هذا الرجل أن نتخذه مثالاً ونموذجاً لنا للإقتداء والاحتذاء بسعينا الجاد والدؤوب إلى اكتساب كل مزاياه وكل صفاته وكل قيمه ومبادئه لنصير مثله أو لنقل لنقترب منه. ومتى ما صرنا مثله صرنا مثل الله إذ لا طريق لنا إلى الله إلا طريق يسوع المسيح الطريق. فمن تشبه بيسوع ، تشبه بالله.
ولكن، في الواقع، ما زلنا بعيدين عن الاقتداء والاحتذاء بهذا النموذج  لكيما نعيشه كاملاً كما نعيش إنجيله كاملاً. ومن أدعى ذلك كان كاذباً إلا القديسون والأبرار والصالحون.
فما زال التناقض أو التعارض سائداً في حياتنا، التناقض بين القول والعمل والتناقض بين الحياة والسلوك. ومن لا يعيش التماسك والوحدة مع الذات لا يعرف السلام إلا القديس والملحد.
وما زالت شرور وخطايا الأنانية والمادية والجشع والطمع والكبرياء والحسد والغيرة والبغضاء تعشش في قلوبنا ذلك إننا لم نرتق  بعد إلى المستوى الذي يطلبه منا يسوع المسيح: مستوى الله أو مستوى الإنسان الجديد. فالأمر سيان.
وما زال قلبنا مرتبطاً بحب السلطة التي ما أن نفوز بها حتى نتشبث بها ونحولها من خدمة الآخرين إلى خدمة أنفسنا ومصالحنا. وكذلك نحولها إلى استبداد  وتسلط بغيض على الآخرين بحيث لا نقيم وزناً لأرائهم وأفكارهم وقناعاتهم ولا لطريقة حياتهم.
وأخيراً ما زال قلبنا عالقاً بحب المال شأن الشاب الغني الذي فضل، إزاء الدعوة، المال على إتباع يسوع فذهب حزيناً. فنبحث عن المزيد من الإثراء والاغتناء وعن المزيد من بناء قصور وصروح هي شبه فارغة لا لمجده تعال بل لمجدنا نحن، الأمر الذي يحدث أكثر  من أي وقت مضى، في كنيسة اليوم التي ما فتئت تفكر ببناء الحجر وليس ببناء البشر، هذه الكنيسة التي هي أحوج ما تكون إلى وضع خطط وبرامج من أجل إعلان البشرى وكذلك من أجل النهوض بواقعها الذي لا يحسد عليه اليوم. ترى، ماذا ستكون الكنيسة إن لم تكن حاملة البشرى؟. إن الكنيسة هي كنيسة بقدر ما هي رسولة. وإلا فقدت معنى وجودها، إذ تتحول إلى دائرة أو مؤسسة ليس إلا.
 لذا فلا بد لنا من القيام بمسعى جاد وجهد حقيقي من أجل أن نتحول جميعاً إلى يسوع المسيح النموذج لكيما نصير نحن بدورنا هذا النموذج في فكرنا وقلبنا وسلوكنا وحياتنا، الأمر الذي يتطلب قوة وطيب الإرادة.
إلا  أن هذا التحول لا يتحقق، والحق يقال، بين ليلة وضحاها ، وإنما عبر الزمن وتدريجياً. وفي هذا الصدد قد نتقدم خطوة إلى الأمام باتجاه تحقيق هذا النموذج أو قد نتراجع خطوة إلى الوراء بسبب بشريتنا التي قد تقبل أو ترفض هذا التحول.
ولكن من الضرورة بمكان آن يكون لنا هذا القرار وهذا الخيار وهذا العزم القوي والأكيد من أجل مواصلة تحقيق هذا التحول، حتى وإن تراجعنا أو فشلنا أحياناً.

35
المنبر الحر / نحـن هنـا
« في: 09:43 26/08/2009  »

نحـن هنـا

الأب يوحنا عيسى

 نحن هنا. هنا باقون في هذه البلاد، بلادنا، بلاد وادي الرافدين. فهذه الأرض أرضنا وهذه السماء سماؤنا وهذه المياه مياهنا وهذه الطيور طيورنا. وتلك الجبال والتلال والوديان والينابيع جبالنا وتلالنا وودياننا وينابيعنا. لذا فنحن لسنا غرباء عنها ولا هي غريبة عنا لأننا منها وهي منا. ولكن الغريب العجيب أن يشعرنا الآخرون بأننا غرباء عنها وهي غريبة عنا!.
وإذا لم يكن الأمر كذلك، ترى، أية أرض أرضنا وأية سماء سماؤنا. هل ان أرض وسماء وينابيع وتلال وجبال بلدان أخرى قاصية أو دانية هي أرضنا وسماؤنا ومياهنا وينابيعنا وتلالنا وجبالنا؟
نحن هنا. هنا باقون.  صامدون وثابتون إلى أن تنقشع الغيوم عن سمائنا وينبلج الصبح على أرضنا حاملاً إلينا البشرى بإقرار كل حقوقنا غير المجزأة وغير المنقوصة كحقنا في الحياة والمساواة والحرية مثل سائر المواطنين. فلا يتم النظر إلينا وكأننا مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة وإنما مواطنون متساوون مع الآخرين وشركاء معهم في هذه الوطن لنا ما لهم وعلينا ما عليهم.
نحن هنا، هنا باقون لأن الحياة تصنع هنا وليس في بلدان وأوطان أخرى. أجل تصنع الحياة: هنا، الحياة المادية والروحية والاجتماعية والفكرية والثقافية وغيرها من أوجه الحياة. ألسنا أبناء أولئك الذين شيدوا وعمروا وبنوا أكبر الحضارات ودوخوا العالم بجولاتهم وصولاتهم.
وإذا ما أنكروا علينا هذا الحق في الوجود والحياة، رحلنا إلى مكان آخر من بلدنا لنصنع الحياة هناك من دون كلل ولا ملل ومن دون أن نقطع الرجاء. هذه هي الحياة. إنها حركة يجب أن تستمر وتتواصل بلا توقف ولا انقطاع. وإلا لكان الموت والضياع.
نحن هنا. هنا باقون نحيا ونموت. هذا قدرنا وهذا مصيرنا وهذا مستقبلنا. لن نرحل. لن نهاجر. لن نغترب مع الراحلين والمهاجرين والمغتربين إلى آفاق بعيدة لنجني أثمار أتعاب الآخرين. أولئك الذين كدوا وجدوا من أجل أن يوصلوا بلدانهم وأوطانهم إلى هذا المستوى من الرقي. دعوتنا أن نعيش هنا هويتنا ورسالتنا أن نعمل هنا من أجل قضيتنا إذ لا قضية لنا إلا في بلدنا وليس خارجاً عنه.
نحن هنا. هنا باقون مع سائر مواطنينا الذين تربطنا معهم أواصر المحبة والمودة والسلام والذين نكن لهم كل المحبة والمودة والتقدير والاحترام نقاسمهم الحياة بحلوها ومرها وكذلك نقاسمهم الخيرات سواء كانت مادية أو روحية أو فكرية.
نحن لا ننكر ما لهذا العيش المشترك من عسر وضيق ومن ثمن باهض أحياناً. ولكن علينا جميعاً، هم ونحن، أن نتعلم وأن نتقن فن هذا العيش المشترك وأن نتبع جميعاً الحوار سبيلاً إلى قبول الآخر والاعتراف به من أجل التفاهم والاغتناء والإثراء. تلك هي مشكلتنا. وإذا ما حلت حلت الكثير من العقد والمشاكل التي تحدث بيننا.
فلقد ولَّ، إلى غير رجعة، زمن الجدال وزمن رفض الآخر والفرض بالقوة بعد أن أخذ وعي الإنسان يزداد بذاته وبحريته التي لا يمكن إنكارها أو تجاهلها أو تجاوزها بل يجب احترامها واستثمارها.
نحن هنا. هنا باقون لنكون شهود من هو النور والحق والحقيقة، وكذلك لنكون شهود محبة وأخوة وسلام وغفران وعدل وأمانة وإخلاص.
فكم من ظلمات يمكننا أن نبددها بنورنا. وكم من ضغائن وأحقاد بوسعنا أن نزيلها بمحبتنا الغافرة. وكم من بناء مادي أو فكري أو علمي بمقدورنا أن نشيده عالياً في سماء أرضنا بإخلاصنا وأمانتنا وتفانينا وتضحيتنا.
فهل أدركنا حقاً ما يحمله وجودنا من معنى ومغزى ومن قيمة ودلالة لبلدنا ولأهلنا في وادي الرافدين.
مع اعتذاري واعتزازي بكل الراحلين والمهاجرين والمغتربين.


36
المنبر الحر / الحرية ، لمن ؟
« في: 18:39 09/08/2009  »
الحرية ، لمن ؟


                                                                                           الأب يوحنا عيسى

   إن الحرية قيمة من القيم الإنسانية الأساسية . وهي هبة من الهبات التي منحها الله للإنسان بل أغلاها وأثمنها .
   فإذ خلق الله الإنسان خلقه حراً . وأراده وما يزال يريده حراً . وهو الوحيد الذي يحترم حرية الإنسان إلى أبعد الحدود إذ لا يفرض عليه شيئاً بل يعرض ولا يتجاوزها أو يتخطاها .
   ومما لا شك فيه أن الإنسان إنسان بحريته . فمن قال الحرية قال الإنسان. فلا إنسانية وبالتالي لا عزة ولا كرامة ولا استقلال ولا سيادة من دون هذه الحرية حيث يتحول المرء إلى عبد أو آلة أو أداة ليس إلا .
   ولقد منح الله للإنسان هذه الهبة الثمينة والكبيرة لتكون له بمثابة هذه الطاقة ، هذه القدرة وهذه الإمكانية الهائلة تتيح له الجواب إلى دعوة الله بالقبول أو الرفض كما تتيح له تحقيق ذاته وكذلك بناء العالم الخارجي .
    فالإنسان هو وحده القادر على أن ينضم أو لا ينضم إلى الله وذلك عبر حريته . فيقول له نعم أو لا . وهو وحده القادر ليس فقط على النمو والتكرار بل على الخلق والإبداع والابتكار بعكس كل الكائنات الأخرى مما يميزه عنها كالطيور والحيوانات .
   والحرية التي نحن بصددها لا تعني أن نفعل ما نشاء . تلك حرية منفلتة . وفعلاً ، بوسعنا أن نفعل ما نشاء لولا بعض الروادع . ولكن كل ما نفعله ليس صحيحاً ، سليماً ، صائباً وبناء .
   فالمقصود بالحرية هي هذه الحرية الملتزمة ، المنضبطة التي تعرف حدودها . وكذلك الحرية المؤطرة  ، إن صح التعبير ، تتحرك ضمن أطر معينة .
   ولكي تعاش هذه الحرية ، فإن الإيمان والقناعة لا يكفيان بل هي بحاجة إلى الجرأة والشجاعة من أجل كسر كل القيود التي تربطها وفك كل السلاسل التي تكبلها . وكذلك من اجل التحرر من بعض المفاهيم والأفكار السائدة والتقاليد والعادات البالية التي عفا عليها الزمن والتي تحول دون تقدم مسيرة الحرية وبالتالي تحول دون انتصارها وانتشارها في العالم بأسره بمثابة قيمة إنسانية شاملة .
   وما يصح بالنسبة إلى الرجل يصح كذلك بالنسبة إلى المرأة التي عانت ما عانت وما تزال تعاني  مما هو سائد في المجتمع ضدها وبالتالي من تهميش وتغييب وكأنها كائن دوني مخلوق للجنس والإنجاب حسب ،  لا لأن تكون مخلوقة حرة وشريكة على قدم المساواة مع الرجل .
   إلا أن ثمة أناس يريدونها لأنفسهم فقط باحتكارها واقتصارها عليهم ليكونوا هم وحدهم أحراراً بل أسياداً أحراراً يتمتعون بها في حين يحرمونها على الآخرين باستعبادهم واستغلالهم واستلابهم وكذلك بتقييدهم وتكبيلهم .
   وهذا ما حدث في الماضي وما يزال يحدث اليوم إذ استعبدت شعوب وأمم وما يزال بعضها مستعبداً ومستغلاً . لذا بوسعنا القول بأن الحرية لم تكن أبداً حرة ولم تعش دوماً من قبل كل الناس .
   كما إن هناك فئة أخرى تود إرغام الآخرين على الصمت والسكوت فيما يخص حرية التعبير . فهم وحدهم لهم كل الحرية وكل الحق فيما يتكلمون ويطرحون أيماناً منهم بأنهم يمتلكون كل الحقيقة التي يجب أن ينقلوها إلى الآخرين . وما على هؤلاء إلا الإذعان والانصياع والقبول .
   وقد تكون وراء ها الإسكات دوافع معينة كالخوف من الحرية لئلا يظهر الحق وتنكشف الحقيقة . ذاك هو التحدي الكبير الموضوع أما الناس وأمام الأديان على حد سواء .
   إلا أن الحرية ليست حكراً  أو وقفاًَ على بعض الناس دون غيرهم ، ذلك أن الحرية هبة الله لجميع الناس لا يمكن انتزاعها منهم وبالتالي فهي حق من حقوقهم يجب أن يتمتعوا بها بعيداً عن أي إكراه أو إجبار أو ضغط أو تهديد أو تخويف . فليس ثمة نوعان من البشر: أناس أحرار وآخرون عبيد بل الجميع أحرار . وهم يولدون أحراراً ويجب أن يعيشوا ويموتوا أحراراً ذاك قدرهم ومصيرهم .
   ولذا يجب تحرير حرية الإنسان من كل أشكال الاستعباد والاستغلال والاستلاب ومن كل القيود والسلاسل بقوة إرادتنا وبجهدنا ونضالنا وعملنا الدائم مستخدمين لذلك كل الوسائل المتاحة ، ليبقى الناس ، كل الناس ، أحراراً فيما يختارون ويعيشون ويتصرفون وفيما يكتبون ويطرحون . لا أن يفرض عليهم ما يختارون وكيف يعيشون ويتصرفون وما يكتبون ويطرحون وكأنهم أطفال قاصرون لا بالغين .

37
المنبر الحر / فرد أم جماعة؟
« في: 13:18 03/08/2009  »
فرد أم جماعة؟
                                                                                              الأب يوحنا عيسى

أجد لزاماً عليّ، وأنا أختار وأتناول هذا العنوان، أن أوضح حالاً وفوراً ما المقصود منه منعاً من أي غموض أو التباس قد يسببه في أذهان بعض القراء.
فأنا لا أتوخى من هذا العنوان تفضيل الفرد على الجماعة لا ولا عزله عن مجتمعه وبيئته الطبيعية. فالإنسان، شئنا ذلك أم أبينا، كأي كائن آخر، ابن بيئته ومجتمعه وبالتالي ينتمي إلى جماعة، سواء كانت هذه الجماعة صغيرة أم كبيرة كالأسرة والمجتمع والشعب وأخيراً البشرية جمعاء. فالإنسان عضو موجود دوماً مع الآخرين وفي الآخرين. لذا فلا وجود للإنسان خارج الجماعة وبالتالي غير منتم. أما ما ليس مقبولاً فهو أن يكون تابعاً لهذه الجهة أو تلك، ذلك ان الله ‘ذ خلقه أراده حراً ومستقلاً.
ولكن ما أريد قوله هنا هو ان الإنسان، ولاسيما في الشرق، غالباً ما يتخذ قيمته من مجتمعه كالحسب والنسب والانتماء الديني أو القومي أو القبلي أو العشائري. فيتبوأ، وإن كان ضعيفاً وهزيلاً، مواقع ومراكز مرموقة لا يستحقها. وهذا أمر غير مقبول ومرفوض تماماً، الأمر الذي يتطلب فك الارتباط بين الانتماء والحسب والنسب من جهة، وبين تبوأ مركز أو موقع، من جهة أخرى. كما يتطلب الأمر إحداث تغيير جذري في بعض البنى السائدة في المجتمع كالعشائرية والقبلية من أجل تغيير عقليتنا لكيما نتمكن من اللحاق بركب الحضارة والحداثة. وأخيراً يتطلب الأمر تغيير بعض مفاهيم مازالت قائمة وسائدة في المجتمع.
أما الحالة السليمة والصحيحة والمطلوبة فهي أن يتخذ المرء قيمته لا من انتمائه أو حسبه ونسبه وإنما من قيمته الذاتية كونه إنسان يتمتع، شأن الآخرين، بعين الكرامة الواحدة. فالبشر، كل البشر، متساوون. ولابد من توفير عين الفرص للجميع لكيما يتمكنوا من تحقيق ذواتهم وكذلك تحقيق هذا العالم غير المكتمل.
كما ان المرء يتخذ قيمته الذاتية مما يحمله من صفات وقيم ومبادئ وإمكانيات وقدرات واختصاصات واهتمامات تؤهله لأن يشغل مركزاً أو موقعاً ما سواء في الكنيسة أم المجتمع.
وبالإضافة إلى هذه الأسس أو هذه المعايير يجب أن تتوفر أسس أخرى كالخبرة والإخلاص والأمانة. وإنه لمن الضرورة بمكان أن يتوفر هذا الشرط الروحي الأساسي من أجل أن يتحقق التطور والتقدم. وقد يكون هذا الشرط الروحي هو الذي ينقصنا في كثير من الأحيان.
تلك هي الأسس أو المعايير التي يتم بموجبها انتخاب أو اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب وليس لاعتبارات أخرى كأن يكون الحسب أو النسب أو الانتماء.
إن هذا الشخص الذي يتم اختياره أو انتخابه يجب أن يبقى في حدوده الطبيعية والإنسانية لئلا يتحول، كما يحدث أحياناً كثيرة، إلى شخص أبدي أو إلى شخص رمز أو مؤله  ذلك  اننا، نحن معشر الشرقيين، نميل وننزع إلى تأليه الأشخاص أو إلى جعلهم رموزاً أو أشخاصا أبديين في حين ان الله هو الكائن الدائم والأبدي. ولقد ول زمن تبجيل وتقديس الناس أو تأليههم، ذلك ان كل شيء، في هذا الزمن، يخضع للدراسة والتحليل والنقد بل الانتقاد.   
أما إذا أخفق هذا المسؤول في مهمته لأسباب  معينة، فإن الديمقراطية الحقيقية هي الكفيلة باستبداله بآخر، طالما ان هذا المسؤول انما جاء إلى الحكم أو الموقع من أجل أن يَخدُم لا أن يُخدَم. ولذا سيبقى الشعب هو الحكم الفاصل وصاحب الكلمة النهائية والأخيرة والحاسمة معطياً للحاكم أو المسؤول حقه في الوقت المناسب.
إن الشعوب قد تسكت أو قد ترغم على السكوت برهة أو زمناً طويلاً على الضيم والظلم والإجحاف الذي يلحق بها، ولاسيما عندما تمارس القوة تجاهها. إلا أن القوة لم ولن تحل المشكلة بل تؤجلها فقط.
ولذا نرى الشعوب تنتفض وتثور، في الوقت الذي تراه مناسباً، على حكامها الظالمين وتستبدلهم بآخرين نافضة عنها غبار العبودية. وبذلك تشق طريقها إلى الحرية والاستقلال والمساواة.
صحيح ان كل الشعوب لم تجد طريقها إلى الحرية. فما زال بعضها يئن تحت وطأة الاستعباد والاستلاب. ولكن سيأتي يوم وهو آت حيث ستنال كل الشعوب حريتها وسيادتها واستقلالها لتبزغ شمس الحرية على كل الشعوب وعلى كل بقاع العالم ليعيش البشر، كل البشر، أحراراً كما خلقهم الله وأرادهم. ولا عزة ولا كرامة ولا سيادة للإنسان من دون هذه الحرية التي تجعل من الإنسان أن يكون إنساناً وليس شيئاً آخر.

38
المنبر الحر / هم ونحن
« في: 18:10 27/07/2009  »
هم ونحن
                                                                                                الأب يوحنا عيسى

هم حضاريون ومتحضرون، نظاميون في حياتهم وعملهم، محبون للحق والعدل. فلا إيذاء ولا اعتداء إلا ما ندر. ولا فرق بين كبير قومهم وصغيرهم. فالكل سواسية أمام القانون، مهما تباين اللون أو الجنس أو الدين ومهما علا الشأن وكبرت الرتبة. فالناس، كل الناس، بشر متساوون، يتمتعون بعين الكرامة الواحدة.
هم وطنيون غيورون، حريصون ومخلصون لبلدانهم وأوطانهم. ولذا شيدوا وعمروا وما يزالون قرى ومدناً وصروحاً شامخة لا أجمل منها تمتع نظرك بها بإعجاب واستغراب ساعات وساعات من دون كلل ولا ملل.
هم عشاق الحرية يعيشون هذه الهبة الثمينة والعظيمة الممنوحة ، وإن أحياناً، بإفراط وهذا ثمنها، من دون حسيب أو رقيب وبعيداً عن نظرة حاسد أو حاقد.
هم عشاق الحياة، أرضاً وسماء، ماء وهواء وما فيها من جمال وخضار وحيوان وحجر وشجر وطير وهم يسعون  إلى إنمائها وازدهارها وإلى الحفاظ على عناصرها معتبرين أنفسهم جزءاً منها أو عنصراً من عناصرها. إنها  الحياة والحياة عندهم، ثمينة، كريمة، غالية ومقدسة.
هم صادقون وحقيقيون في كلامهم وعملهم وفي إيمانهم بعيداً عن الغش أو التصنع أو التكلف.
هم يقبلون الآخر الشبيه بهم والمختلف عنهم في آن واحد. وإذ أقول هذا، فإني عالم ومدرك تماماً بأنهم ليسوا لا ملائكة ولا قديسين بل إنهم بشر مثلنا لهم أخطاؤهم وخطاياهم ونواقصهم وعيوبهم وزلاتهم وانحرافاتهم.
ونحن، ولنقل معظمنا لئلا نظلم البعض منا، قبليون، عشائريون في ذهننا وسلوكنا، نحسب للنسب والشرف حساباً وننزع، في فض مسائلنا ومشاكلنا إلى الجدال والاقتتال لتزداد الأمور تعقيداً وتفاقماً وتعاظماً. فلا بد لعشيرة ما أن تنتصر والأخرى أن تنكسر. تلك هي سنة الحياة بل قل سنة الغابة.
نحن، ولنقل معظمنا، فوضويون لا يروق لنا النظام وكارهون للحق والعدل ديدننا الظلم والجشع والطمع.
نحن، ولنقل معظمنا، لا نحترم الطبيعة ولا نسعى إلى إنمائها ذلك أن عيوننا لا ترتاح إلا إلى الصحراء وليس إلى الحياة الخضراء.
نحن، غالباً ما، لسنا وطنيين. لا ولاء ولا انتماء لنا. لا إخلاص ولا حب نحمله تجاهه لأننا غرباء فيه. وإذا كنا من رجال الدولة فإن الفرصة مؤاتية لنا للاستغلال والنهب والسلب لتمتلأ جيوبنا ولتكن بطون الآخرين خاوية، خالية وفارغة طالما ان هذا قدرهم وقضاؤهم. وليكن الله في عونهم.
نحن، غاباً ما، غير صادقين في كلامنا وعملنا وإيماننا. فإنه لمن السهل علينا الكذب ثم الكذب. وليصدق من يصدقنا.
نحن، غالباً ما، أعداء الحرية بل هي عدوتنا اللدودة كأنما الله لم يمنحها لنا هبة عظيمة. فلا بد من خنقها وهي في مهدها ولا بد من إسكات المطالب بها حالاً وفوراً لئلا يستفحل أمرها.
ونحن، غاباً ما، نسعى إلى إلغاء الآخر وإقصائه ولئن كان ذلك باستخدام القوة كونه مصدر إزعاج ونزاع وصراع وليس مصدر قوة وغنى ووحدة وتكامل.
وأختتم قولي، هنا أيضاً، بأن في حياتنا،كما في تراثنا، ما هو أصيل وجيد وصالح يجب الحفاظ عليه وتناقله من جيل إلى جيل.
ترى، متى سنستفيق على وضعنا هذا ونبدل ما في أنفسنا؟ متى سنذهب إلى أسباب وجذور مشكلتنا بغية مواجهتها ومعالجتها بكل جرأة وشجاعة لنلحق بركب السائرين نحو التحضر والنظام والعدل والحق ونحو الحرية والحياة والصدق وأخيراً نحو قبول الآخر.   

39
الأحزاب الطائفية والمواطنة

الأب يوحنا عيسى

دعوني، بادئ ذي بدء، أن أعبر عن بغضي وكرهي الشديدين لعبارة الطائفة والطائفية.
فهذه العبارة، شأن عبارات أخرى، جاءت متأخرة إذ لا نجدها في كل الكتب الدينية وإنما ظهرت إبان الحكم العثماني, وقد يكون القصد منها بث الفرقة والتجزئة ليس إلا.
إلا أن العبارة الصحيحة التي يمكن أن نطلقها على هذه الأحزاب هي عبارة الأحزاب الدينية- السياسية، علماُ بأن مثل هذه الأحزاب كانت موجودة ورائجة في زمن يسوع المسيح كالحزب الفريسي، على سبيل المثال.
وفي الواقع، إنه لمن السهل علينا أن نفهم دوافع ودواعي نشوء هذه الأحزاب إذ ولدت في أعقاب فشل الأنظمة الاشتراكية والاستبدادية القمعية، بمثابة طريق إلى الخلاص.
إلا أن السبب الأهم والرئيس الذي يقف وراء نشوئها هو ان الدين يشكل عاملاً قوياً ومؤثراً على فكر الإنسان سواء كان فرداً أو جماعة. لذا فمن السهل استقطابه وكسبه للانخراط في مثل هذه الأحزاب والعمل فيها، ولاسيما ان الدين هنا يقدم جملة من الإغراءات والغيبيات التي قد يصدقها البعض.
وإذ ينخرط المرء في هذه الأحزاب فإيماناً منه بأن هذه الأحزاب الدينية- السياسية قادرة على جلب الخلاص والرفاه للشعب. وكذلك قادرة على إحداث تغيير في الحياة.
إلا أن هذه الأحزاب، والحق يقال، قد فشلت وسوف تفشل مستقبلاً في مشروعها الخلاصي هذا، ذلك ان هذا الميدان ليس ميدانها وإنما ميدان سياسي بحت، وبالتالي ميدان السياسيين. 
كما أن هذه الأحزاب لا تشكل، بسبب طابعها الديني الضيق، عامل وحدة وقوة بل عامل فرقة وضعف بين المواطنين إذ تقصي وتبعد البعض إن لم نقل تحاربهم وأحياناً بالقوة.
وأخيراً إن هذه الأحزاب الدينية- السياسية ولاسيما الحاكمة منها، قد تضطر، أحياناً كثيرة، إلى القيام بأعمال قد تتنافى وطبيعتها، مما يجعلها تخسر شريحة أو شرائح معينة من المجتمع.
وفي رأيي، إن الحاجة إلى هذه الأحزاب قد انتفت في العراق طالما ان مقاليد الحكم بيدها اليوم. ولذا فهي مدعوة إلى أن تتحول من أحزاب طائفية إلى أحزاب وطنية. هنا يكمن الخلاص الفعلي والحقيقي للعراق والعراقيين. وفعلاً، ان هذا الخلاص رهن بالوطنية والمواطنة وبالشراكة في المواطنة إذ من شأنها أن تحقق الوحدة الوطنية وبالتالي تعزز روح المواطنة لدى كل الشرائح في المجتمع. وكذلك يتم النظر إلى الجميع باعتبارهم مواطنين شركاء في عين الوطن، مواطنين متساوين في عين الحقوق والواجبات. وعلى هؤلاء جميعاً أن يبدوا حرصهم الشديد ويعبروا عن حبهم الجم وانتمائهم القوي له. وأخيراً عليهم أن يعبروا عن إخلاصهم له عبر أفعال وليس فقط عبر أقوال.
كما ان خلاص العراق يكمن في إشراك كل الأطراف والمكونات في العملية السياسية. فلا يتم إقصاء أو إلغاء أو إبعاد أي طرف أو أي مكون من هذه العملية السياسية بأية حجة أو ذريعة. فلكل الأطراف والمكونات الحق والواجب في المشاركة في هذه العملية من أجل أن تتحقق الوحدة الوطنية. وكذلك من أجل أن يستتب الأمن والاستقرار والسلام في ربوع بلدنا العزيز العراق الذي عانى وما يزال يعاني الكثير. وأخيراً من أجل بناء هذا الوطن بناء قوياً وشاملاً، هذا الوطن الذي يتمتع بقدرات وطاقات وثروات هائلة وطائلة تمكنه وتؤهله لأن يتبوأ مكانة مرموقة، بارزة ومتقدمة بين الدول الراقية بل الأكثر رقياً، إذا ما توفر شرط واحد وأساسي ألا وهو شرط الإخلاص والأمانة لهذا الوطن المظلوم. ويثبت الجميع ذلك بالقول والفعل.
فما قد ينقصنا حقاً هو هذا الأساس الروحي الضروري للتنمية الشاملة وللنهوض بالبلد على كل الصعد 



40
المنبر الحر / نكون أو لا نكون
« في: 12:32 11/07/2009  »
نكون أو لا نكون

                                                                                          الأب يوحنا عيسى

أنا لست رجل سياسة ولا أفقه شيئاً من خفاياها. ولكني مؤمن أشد الأيمان بوجوب أحترام استقلالية الميادين وبالتالي احترام استقلالية السياسة إذ لها ميدانها ورجالها وقوانينها، شأن الأصعدة الأخرى التي تكون وحدة وتكاملاً فيما بينها، ولكن، على الرغم من استقلالية هذه الأصعدة، فهي مترابطة ترابطاً وثيقاً وقوياً وبالتالي تتفاعل مع بعضها البعض.
كما إني لست منضوياً تحت لواء أي حزب كان، احتراماً وتقديراً لمهنتي بل لنقل بصورة أدق احتراماً لمهمتي، ولكني واحد من مناصري الإنسان ومحبيه.
أجل الإنسان الشامل حاملاً القيم الإنسانية العالمية. ولكن إلى أن يدخل الإنسان ، كل إنسان، في هذه المرحلة الأخيرة والنهائية من مراحل التاريخ البشري - وقد دخلها البعض فعلا ً- أرى لزاماً علينا أن نكون بناة وحدتنا بمعناها الديني والقومي معاً لئلا نكرر عين الأخطاء بل عين خطايا الماضي . فتصير أجيالنا القادمة ضحايا كما صرنا ومازلنا ضحايا أخطاء بل خطايا أرتكبها آباؤنا في  الماضي كخطيئة الانقسام الذي حدث في الكنيسة وما زلنا نعاني منه جميعاً، هذه الخطيئة التي رافقت حياة ومسيرة الكنيسة والى أيامنا هذه.
ولقد أرتكب آباؤنا في الأيمان هذه الخطيئة بسبب جهلهم بمبدأ التعددية في الوحدة. ولذا فهم لم يؤسسوا للوحدة بل للانقسام . فجاء البناء خاطئا لأن الأساس كان خاطئاً. وأن هذا الخطأ الفادح أو هذه الخطيئة الكبيرة قد تتكرر اليوم أيضاً ولكن، هذه المرة، على صعيد آخر ألا وهو الصعيد القومي فإن أسسنا أو أسس البعض للانفصال، فسوف يرافقنا هذا الانفصال ردحاً طويلاً من الزمن. ولكن إن أسسنا للوحدة، فإذ ذاك، بوسعنا أن نبني هذه الوحدة يوماً بعد آخر وخطوة فخطوة لحاضرنا ومستقبلنا طالما أن  هذا الأساس كان سليماً وصحيحاً. فاللحظة التي نمر بها ونعيشها ليست فقط تاريخية بل مصيرية. فأما أن نكون أو لا نكون. وبوسعنا جميعاً أن نستغلها من أجل اتخاذ قرار وحدوي صائب. وإلا فقد تضيع هذه الفرصة وقد لا تأتينا فرصة أو فرص أخرى  في المستقبل. والحكيم هو من استغل الفرصة المقدمة إليه.
ومما لاشك فيه إن هذا البناء منوط بنا جميعاً، قمة وقاعدة. فنساهم فيه مساهمة قوية، فعالة وايجابية باستخدام كل الوسائل والسبل المتاحة لنا من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود ألا وهو الوحدة.
أما أنا فأود أن أكون، مع غيري، واحداً من هؤلاء الدعاة، من هؤلاء بناة وصناع الوحدة بل ان أكون داعية وبنّاءً صغيراً لوحدتنا الدينية والقومية معاً.
قد لا يتفق الجميع مع هذا الرأي أو هذه القناعة . وهذا من حقهم. فهم أحرار فيما يعتقدون، أحرار في الرفض أو القبول. ولكني أعرف شيئاً واحداً وأكيداً وهو أننا نشكل جميعاً عنصراً أو مكوناً أصيلاً واحداً ووحيداً نشأ وترعرع وعاش على ربوع هذه الأرض، أرض وادي الرافدين، هذه الأرض المعطاء التي تجمعنا وتوحدنا، بالإضافة إلى عناصر أخرى موحدة كاللغة والتاريخ وغيرها من العناصر. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا ندعو إلى ما يجمعنا ويوحدنا لا إلى ما يفصلنا ويفرقنا ويشتتنا ويبددنا ، سيما وإننا نشكل أقلية دينية واتنية في هذا البلد.

صفحات: [1]