عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - مهند البراك

صفحات: [1]
1
لماذا لايمكن التصالح مع الإرهابيين ؟؟

د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net     

   فيما تتصاعد المطالبات بالمصالحة مع كل القوى العراقية من اجل مواجهة داعش مواجهة فاعلة ، و يذهب قسمٌ بعيداً الى التصالح حتى مع البعث و وريثه جيش الطريقة النقشبندية الذي يمثّل الجناح العسكري لحزب البعث الصدامي بقيادة المطلوب للعدالة عزت الدوري نائب الدكتاتور صدام، كما يطالبون، دون دراسة القضية بتمعن .  .
فالبعث الصدامي لم يعترف بجرائمه و لم يخطّئها حتىّ الآن من جهة، و من جهة اخرى تولىّ و يتولىّ كبار رؤوسه و مجرميه قيادات منظمات البعث التي اعيد تنظيمها و حملت اسماء اخرى ذات طابعٍ اسلامي، للاستفادة من الموجة الدينية الطائفية الجارية و توظيفها، و لمحاولة التسيّد و الإدعاء بكونهم هم الذين يمثلّون الطائفة السنيّة .  .
   من خلال زيادة و تعميق اساليبه الوحشيه في العمليات الارهابية الطائفية الطابع بلا مبالاة بارواح المدنيين العزّل كبقيّة العصابات الإرهابية من الشيعة و السنّة التي لاتعترف بقانون .  . او في ممارسة افراده الإغتيالات بالكواتم و تهديدهم من كانوا بعثيين في السابق(*)، وفق قوائم الارشيفات التي هرّبوها معهم بهروبهم من مواقعهم في فترة الحرب و الإحتلال  .  . تهديدهم بتنفيذ اوامره الجديدة و الاّ فالقتل بابشع الطرق مصيرهم.
وصولاُ الى تحالفه المشين كشريك لداعش الإرهابية و تمهيده السبل لها لإحتلال الموصل و تكريت من خلال كون كبار قادة داعش كانوا من كبار ضباط اجهزة صدام الخاصة و من خلال صلاتهم بضباط كبار في الجيش العراقي الحالي ممن (تابوا) او اعفي عنهم بمال او ابتزاز او ولاء شخصي في زمن رئيس الوزراء السابق المالكي .  .  وفق اوسع و اكثر المصادر المستقلة و المحايدة.
   في وقت يذكّر فيه متخصصون بأن تحريم البعث الصدامي لم يأتِ من فراغ و ان مسوّغاته تحتفظ بصحتها مازال مجرميه يتربعون على مراكزهم و مازاله يتّبع نفس اساليبه الوحشية بل و زادها دموية .  . الاّ ان سوء استخدام قانون اجتثاث البعث اساء الى جوهره و قيمته المصاغة لأجل السير بالبلاد على طريق التقدم و الرفاه الإجتماعي و السلم الأهلي، اضافة الى ما افرزه نظام المحاصصة الذي تسبب في زيادة و تعميق الصراعات الدينية و الطائفية .  .
   من جانب آخر يحذّر كثيرون من ان ظروف اليوم جعلت من الإرهاب لعدد من كبار المجرمين خاصة مرضاً ينبغي معالجته لدى اخصائيين، و صار و كأنه مهنة لأعداد متزايدة ممن فقدوا وظائفهم و مهاراتهم، و ممن يتسكّعون في شوارع حاراتهم بسبب الفقر و البطالة، الأمر الذي يتطلّب الكثير من الترويّ لدى التفكير بمحاولة استيعابهم  .  .
في وقت يرى فيه خبراء بأنه لا يمكن للإرهابيين الإتفاق مع القوى التقدمية من اجل السير الى الأمام لإصلاح البديل الوطني الدستوري البرلماني الفدرالي القائم، لإنهم يسعون اساساً لمنع تحقيق حكم القانون المؤسساتي التعددي على اساس الإنتماء للهوية الوطنية، و يسعون مرضيّاً او مصلحياً لإدامة الفوضى و اجواء الإرهاب مهما راح بسببه من ضحايا .  .
   و على ذلك فإن تحقيق اوسع مصالحة وطنية حقيقية لمواجهة داعش الاجرامية يتطلّب فرض شروط تقوم على اساس التقييم الجاد لأعمال تلك الأطراف و تسليمها كبار مجرميها و مطلوبيها للقضاء و على اساس تقديمها ما يثبت قيامها بالتصدي الحقيقي لداعش في المناطق التي احتلتها و الأخرى التي تهدد باحتلالها ـ و تقوم بانواع الأعمال التمهيدية لشن هجماتها عليها ـ .  . بالشهادة الحرة لأهالي تلك المناطق !! لأنه العربون الوطني الوحيد للتحقق من جديّة ذلك التوجه الى الصف الوطني و الى خدمة الشعب بكل اطيافه، و من اجل اكتساب المصداقية  .  .
   و يرى خبيرون و مراقبون ضرورة تحريم منظمة الإخوان المسلمين او من يقوم بدورها بأسماء اخرى لخطورة افكارها و اشكال بنائها، التي منها استوحت القاعدة الإرهابية قيامها كما تبيّن مؤخراً من حقيقة الإنتماء السابق لمؤسسها الإرهابي اسامة بن لادن، الذي يعود الى منظمته انتماء زعيم داعش الارهابية اليوم .  . و يشددون على ضرورة اعادة النظر الجديّ بالتشكيلات القائمة على اساس ديني، اسلامية كانت او غيرها، شيعيّة او سنيّة  .  .  لنفس المحاذير. و الاّ يصبح من المستحيل القضاء على الفكر الإرهابي الذي ينتعش في الحروب الطائفية و الدينية، او في الحروب التي تجري تحت راياتها .  .

23 / 2 / 2015 ، مهند البراك 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ممن كانوا بعثيين قسراً بالقوة، او اكراهاً لمواصلة حياتهم و وظائفهم بعيداَ عن الملاحقة و الشكوك. 


2
تشارلي و الإرهاب، الى ماذا  ؟؟


د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

فيما ادىّ انتصار الثورة الإيرانية ضد نظام الشاه و التدخل السوفيتي في افغانستان، الى التزايد الهائل لنشاط الدوائر الاميركية و حليفاتها الغربية و الإقليمية في المنطقة، الذي ازداد  كمّاً و نوعاً مؤديّاً الى تشكّل انواع الميليشيات المسلحة و انواع المنظمات الإرهابية، سواءً لمواجهة القوات السوفيتية آنذاك ـ بالمجاهدين الأفغان و الأفغان العرب ـ او لموازنة و مواجهة و اختراق انواع المنظمات المسلحة الاسلامية الايرانية و الأفغانية و العربية و غيرها .  .
فإن التدخّل العسكري الأميركي و اعلان الحرب على العراق و احتلاله، ادىّ الى حدوث ردود افعال عراقية و اقليمية لمواجهة الإحتلال رغم اسقاطه نظام الدكتاتورية البغيض، مواجهته تحت رايات الدين و الطائفة التي لعبت فيها ادواراً واضحة جهات متنوعة : من فلول الدكتاتورية الى التجمعات الطائفية المناوئة لنظام ولاية الفقيه الإيراني بتشجيع بيوتات اقليمية و دولية اخرى، الى أخرى .  .  في تشابك معقد لمصالح متنوعة يلعب فيها الإعلام و تطور انظمة الإتصالات ادواراً لا توصف.  .
و لعبت فيها ادواراً واضحة اقسام كبيرة من الجماهير المضيّعة، التي تحدّدَ وعيُها بفعل توالي انواع الدكتاتوريات الدموية الحاكمة في المنطقة التي سقط قسم منها .  . الجماهير التي صار يقودها غضبها و رغباتها المتعطشة للإنتقام، و ممارسة اقسام منها انواع الوحشية، كالوحشية اللانهائية التي عوملت بها حتى صارت و كأنها نمط تفكيرها و اعمالها هي بذاتها .  . و وفق ما يشيره عليها من يمثّل ايمانها و معتقداتها الدينية و الغيبية و العائلية و نزعاته و ارتباطاته، و من ترى فيه الملجأ و المنقذ الأخير بعد ان فقدت بوصلتها لأسباب عديدة .  . اضافة الى حقيقة درجة امانة من تؤمن بهم كممثلين لإرادة السماء .  . 
حتى تغيّر التناقض الجاري في المنطقة من صراع من اجل التقدم الإجتماعي و العدالة الإجتماعية، و صار و كأنه هو الصراع الدموي بين المسلمين و غير المسلمين، و بين السنّة و الشيعة .  .  الذي مهّدت له و اطّرته تبعات الحرب العراقية ـ الإيرانية، الدوائر الإيرانية الأكثر تطرفاً، الدوائر العسكرية و العنفية الأميركية، اضافة الى دوائر القرار الإقليمية المتنوعة الأكثر تطرفاً و عسكرةً .  .  . و على وقع خطى صراعات دوائر النفط و الطاقة و الاسواق التجارية.   
   و على ذلك يرى كثير من المتتبعين و السياسيين الى حدث تشارلي الذي هزّ فرنسا و اوروبا، بكونه جزء من الأزمة الدولية المخطط لها لإستيعاب الصراعات الإجتماعية و التناقضات الدولية و تسييرها على سكّة جديدة رُسم لها من يوم التداعي المؤسف للمنظومة الإشتراكية، حين بدأ الإعلام الغربي يضخّ بمفاهيم (الخطر الأخضر)، و (صراع الحضارات ) بدل تلاقيها و تفاعلها و تلاقحها من اجل خير و سعادة البشر .  . وصولاً الى التنازلات الأميركية ـ الإيرانية المتبادلة للتفاهم من اجل المصالح الأكبر بعد ان تدمّر ماتدمّر .  .     
   فليس صدفة مانقلته الـ سي ان ان و "واشنطن بوست" في 15 كانون الثاني للعام الجاري من
ان شريف كواشي، أحد مشاركي عملية باريس، قال أمام المحكمة عام 2007 بأن استعداده للذهاب إلى العراق والمخاطرة بالموت هناك جاء مما رآه من مشاهدة صور التعذيب التي كان يتعرض لها العراقيون على شاشات التلفزيون. اضافة الى اشارة أغلب دراسات مراكز الأبحاث الأميركية إلى أن الغزو الأميركي للعراق هو السبب الأبرز لتفشي ظاهرة الإرهاب في السنوات الأخيرة.
   حيث خلقت تداعيات ذلك الغزو الإطار الاجتماعي والسياسي المؤلم الذي يجري في المنطقة بتخطيط، والذي تداخلت فيه محفزات الإرهاب، بإطلاق عنان الطائفية من خلال سماح واشنطن لإيران بمد نفوذها داخل العراق، ونتيجة لذلك دخلت ظاهرة الإرهاب مرحلة جديدة، هي مرحلة الإرهاب الذي يعتاش من الطائفية، في عهد إدارة بوش السابقة.
و على ذلك فإن سياسة إدارة أوباما الرامية الى انهاء تلك المخاطر على حد اعلانها، تواجه العديد من التساؤلات ففيما لايريد أوباما الذهاب عسكرياً أكثر من توجيه الضربات الجوية، كتدخلّ اقل مما سبق، فإنه يحلّ ذلك النقص باستخدام الميليشيات الشيعية على الأرض، بديلاً عن قوات أميركية، لمحاربة داعش كميليشيات سنّية .  . ألا تدرك الإدارة بخبرائها ومستشاريها أن سياستها هذه تغذي الطائفية، وتغذي الإرهاب؟ و الا تدرك أن عملية باريس هي امتداد لما يحصل في العراق و سوريا ؟ بالنتيجة فإن  العرب والمسلمين ليسوا لوحدهم المسؤولين عن الإرهاب كما تشيّع دوائر في الغرب، دون التحقق من تفاصيل المعضلات .  .
رغم ان ردود الشارع الإسلامي في الغرب وهي في الغالب اخوانية، قاعدية وطالبانية، أكدت من جديد على إن غالبية المسلمين غير قادرة على الرد الحضاري لما يجري التحشيد له من إساءة مفترضة في الغرب، لأن القوانين المعمول بها فعلاً هناك تدين كل اساءة  لشخص او هيئة او هوية بما يدخل في باب التشهير والقذف، أو التحريض على الكراهية والعنف. في وقت لم تخرج فيه اية مظاهرة في العالم الإسلامي لإدانة قتل 200 تلميذ مسلم باكستاني على ايدي طالبان، و لم تخرج اية مظاهرة وفي أي بلد اسلامي لإدانة خطف وسبي اكثر من 7000 امرأة أيزيدية واغتصاب الكثيرات وبيعهن كالرقيق، على سبيل المثال و غيرها الكثير.
اضافة الى ان تسلكات مهووسة لأفراد من الجاليات المسلمة جعلت نسبة واضحة من مواطني عدد من الدول الغربية تقلق من الوجود المسلم . في وضع يصحّ فيه القول إن من يسيئ للرسول والله  والدين هم من يستخدمون واجهات الله ورسوله والاسلام لتنفيذ وتبرير جرائم القتل والتدمير والسبي وحرق الكنائس و المعابد و جوامع الآخر وقتل المدنيين و انتهاك الحرمات و الأخلاق .  .
من جهة اخرى، و بتأثير احداث احتجاز ارهابييّن اثنين لمواطنين في متجر اطعمة يهودي في باريس، يحذّر سياسيون و مراقبون من ان هناك نشاط للإشاعة بأن هناك لا ساميّة جديدة في أوروبا وان أخطاراً تهدد اليهود، ففيما تنشر الصحف حث نتانياهو يهود فرنسا على الهجرة إلى إسرائيل، وأيّده كتّاب ليكوديون. كتب الحاخام مدير الجمعية اليهودية الأوروبية إلى وزراء الخارجية الأوروبيين يطالبهم بتسليح اليهود في بلادهم. و مع الإدانة المطلقة للاساميّة، و لكن لااحد يذكر جرائم حكومة نتانياهو و ضحاياها من الفلسطينيين العزّل .
   و يتساءل كثيرون الا يعني ذلك و الكثير غيره الذي لايتسع له مكان في مقال .  . الا يعني ذلك صحة وجود تلك المخططات الدولية و الإقليمية في منطقتنا، حيث يجري تنفيذها من جهات مختلفة بوعي او بغير وعي .  .  لتحقيق الأهداف المذكورة آنفاً ؟؟ 

24 / 1 / 2015 ، مهند البراك
   

3
المنبر الحر / في عيد الجيش !
« في: 22:40 08/01/2015  »
في عيد الجيش !

د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net 
   
   
لعب الجيش دوراً كبيراً في تأسيس الدولة العراقية و الدفاع عنها في البدايات .  .  و فيما لعبت نخب من ضباطه و مراتبه و جنوده (*) ادواراً هامة في اسناد الانتفاضات الشعبية كما في انتفاضة تشرين الشعبية عام 1952 بتكاتف القوى الوطنية حينها  .  .  .  حين كان الجيش مدرسة للوطنية بفعل عوامل موضوعية متنوعة رغم انف الطغاة، و حتى تكللت جهود تلك النخب بقيام ثورة 14 تموز و الإعلان عن قيام الجمهورية العراقية التي حوّلت البلاد الى مرحلة جديدة دعت الى الحرية و الديمقراطية و التقدم الإجتماعي و التآخي القومي و الديني و المذهبي، قبل ان تنتكس . 
لعبت مجاميع من كبار ضباطه ادواراً سيئة بسبب انانيتها و تطلعاتها القومية الشوفينية، ادّت الى خسارات متنوعة و الى تكوّن طغم مالية عسكرية، ادّت بالتالي الى قيام دكتاتوريات عسكرية، عن طريق القيام بأنواع الإنقلابات التي لم تؤدي الاّ الى قيام حكومات دكتاتورية فردية اعاقت نمو البلاد و غمرتها بمستنقع الفقر و الجهل و المرض .  .
كانت اخطرها و اشنعها و بطرق ملتوية معقدة دكتاتورية صدام التي اشعلت الحروب في المنطقة بحثاً عن مزيد من التسلط و الاستغلال لصالح طغم عائلية بالترابط مع مصالح دوائر خارجية، راح ضحيتها مئات الألوف من خيرة شباب الوطن بكل اطيافه و مكوناته في ساحات و سواتر المعارك او على يد فرق الإعدام و القوانين العسكرية الرهيبة و عقوبات الموت .  .  رغم محاولات من مجاميع من الضباط و المراتب لتعديل المسار او للانتفاض على القيادة الدكتاتورية المجرمة، انتهت بالفشل و نُكّل تنكيلاً وحشياً بمن نشط فيها و برزت فيها اسماء الفريق عدنان خير الله، العقيد الركن محمد مظلوم الدليمي، تجمّع الضباط الجبور .  .
و لابد من التذكير بأن انتفاضة آذار شعبان المجيدة عام 1991 اطلق شرارتها عسكري بطل  انسحبت وحدته اثناء انسحاب الوحدات العسكرية بأوامر صدام، بعد ان تحطمت بأوامره نفسه بإحتلال الجارة الكويت .  .  حين اطلق العسكري النار على جدارية الدكتاتور في ساحة سعد بمركز مدينة البصرة، فهبّ افراد الجيش المنسحب و تلاحموا مع الشعب الذي انتفض لدكّ عرش الطاغية، الاّ ان الإنتفاضة اخمدت بالحديد و النار و بوحدات الحرس الجمهوري و انواع الوحدات الخاصة سيئة الصيت التي صارت بمجموعها بعدئذ هي الذراع العسكري للدكتاتور، و أُهمل الجيش حتى صار افراده يستجدون الطعام و الملابس هائمين في الشوارع .  . 
و يخوض الجيش العراقي اليوم و القوى الأمنية و القوات شبه النظامية معارك قاسية ضد قوى الارهاب الشريرة داعش و اخواتها، المدعومة من أنواع البيوتات الدولية و الإقليمية تحت رايات الطائفية البغيضة، التي ادّت اعمالها الإجرامية الى احتلال مايقارب ثلث البلاد من جهة .  . فيما قدّمت و تقدّم من جهة اخرى القوات المسلحة العراقية ـ بضمنها قوات البيشمركة الباسلة في كردستان العراق ـ انواع التضحيات و البطولات من اجل تحرير الاراضي المحتلة من يد داعش الإجرامية.   
في وقت عانى و يعاني الجيش فيه من بناء و تدريب ضعيفين و من تمزق بسبب المحاصصة الطائفية و العرقية التي ابتليت بها البلاد، بعد ان كانت حلولاً مؤقتة لحل الأزمات و الفراغات، التي نشأت بسبب حلّ الجيش و اعلان الإحتلال و مقاوماته المتنوعة السياسية و العسكرية. و يحمّل متخصصون مسؤولية الضعف ذلك، قيادات عسكرية فاسدة و اخرى تدين بالولاء لأشخاص لاخبرة عسكرية لديهم ابرزهم المالكي في رئاسته، اضافة الى اهمال و طرد اعداد كبيرة من الضباط الذين تحتاج كفاءاتهم البلاد، بجريرة كونهم من العهد المباد دون التريث بدراسة اوضاعهم .
الامر الذي جعل الجيش و القوى الامنية قابلة لإختراقات خطيرة من قبل الإرهابيين والمجرمين، كانت من نتائج ابرزها كسر و تهريب اعتى الإرهابيين من سجن ابو غريب و قمّتها سقوط الموصل بيد داعش الإجرامية، و جعل من الجيش مؤسسة عاجزة عن اداء دورها الدستوري. فالتعيينات واختيار القيادات والملاكات فيه، كان يعتمد الانتماء السياسي والولاء الطائفي والقومي وليس معايير الكفاءة والمهنية، اضافة الى عوامل متنوعة يضيق بها مقال، ادّت الى تشكيل جيش ضعيف، لاعقيدة قتالية واضحة لديه . رغم انواع المطالبات و التحذيرات من قوى و شخصيات وطنية عسكرية ومدنية و مطالبات برلمانية من اجل حلول، الاّ انها  أُهملت  .  .
و بمناسبة الذكرى الرابعة و التسعين للعيد، تزداد مطالبات اوسع الفئات و المكونات باهمية و ضرورة بناء قواتنا المسلحة على أسس وطنية سليمة، بعيداً عن الانتماءات التكوينية، وإبعادها عن الصراعات طائفية كانت ام دينية او سياسية، و عن الولاءات و الصراعات الفردية. و تقوية العقيدة الوطنية القتالية فيها على اساس العراق الإتحادي الدستوري الموحّد .  . و اعتبار النضال ضد الارهاب و من اجل حق شعبنا بالحياة و الأمن و الحرية ، الهدف المقدس الأساسي للجيش .  وان تجري تربية منتسبيه بروح الولاء للوطن واحترام المؤسسات الديمقراطية.
و السعي الى إعادة العمل بالخدمة الإلزامية تعزيزا لروح المواطنة لعموم الشعب، و كما تتزايد المطالبات الشعبية بها، على اساس انه بدون ذلك لن تتمكن القوات المسلحة من النهوض بدورها المنتظر على الوجه المطلوب. الأمر الذي يتطلب مواصلة مكافحة الفساد فيها بلا هوادة و محاسبة و معاقبة و تنحية الفاسدين و الجبناء و الوصوليين من اركانها و قياداتها .  .
   و الإنهاء العاجل لملف (الفضائيين)  الذي وضع اليد عليه و اعلنه السيد رئيس الوزراء الدكتور العبادي .  .  و الإعادة السريعة لبناء الجيش على اساس تحويله من (جيش المالكي شبه الفضائي) الى جيش البلاد، على اساس تحقيق المصالحة الوطنية التي تحققها الجهود المتفانية للقوى و الأحزاب المشاركة في العملية السياسية، وطنية متنوعة سنيّة و شيعية، عربية و كردية.
و تتزايد المطالبات بالتشديد على حصر السلاح بيد الدولة، وعدم السماح للمظاهر المسلحة خارج المؤسسات الرسمية من خلال مليشيات او جماعات مسلحة مهما كانت مسمياتها، التي تستّرت بها انواع العصابات الإجرامية، من عصابات الكواتم الى عصابات الإختطاف، و تستّرت و تتستر بها انواع التدخلات الخارجية. و تشريع القوانين الصارمة لضبط ما تشكّل منها لضرورات واجبات الدفاع و ما يمليه النفع العام من تشكيلها  .  . الأمر الذي يساعد القوات المسلحة و قوى الأمن على أداء واجبها في حفظ الأمن والاستقرار.
اضافة الى الأهمية الكبرى للعناية و الإهتمام بجرحى المعارك و ادامة التجهيزات اللوجستية و الإدارية، و تطبيق نظام الحوافز و التشجيعات و المكافئات و تحسين الرواتب على قدر جهود المقاتلين ضد داعش الإجرامية و مشاق معارك مواجهة وحوش كاسرة، تريد إشاعة الفوضى والذعر في حياة العراقيين، على اختلاف أديانهم وطوائفهم وقومياتهم.

6 / 1 / 2015 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) راجع البحوث و الكتابات عن منظمات الضباط الأحرار و شخصياتها في سنوات الحكم الملكي.


4
المصالحة و الديمقراطية الإدارية .  .

د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net
   
لا يخفى عمق الجروح التي اصابت وحدة و تراص شعبنا، التي اتخذت وتائر اخطر منذ ان اصابت وحدة الشعب المكوناتية ذاتها، بعد ان كانت تصيب الافكار و المواقف السياسية و الاجتماعية و الطبقية .  .  حيث اخذت تنحى ذلك المنحى الخطير منذ سقوط الدكتاتورية و تعليق القوانين و حل الدولة و القوات المسلحة و مقاومة فلول الدكتاتورية و اعلان الإحتلال و ظهور انواع مقاومته سلميّاً و عسكرياً لبس لبوساً طائفياً .  .  و بإعلان حكم المحاصصة الطائفية و العرقية و سوء استخدامه من قبل الكتل المتنفذة و خاصة حكومة المالكي التي حكمت ماقارب العشر سنوات، و التي كان عليها مواجهة الإرهاب الاّ انها جاءت بارهاب مضاد و بفساد اداري صار يشكّل ثنائية متلازمة مع الإرهاب  .  .  وسط تكالب القوى الداخلية المتفاعل و المدعوم من قوى اقليمية و دولية تتصارع بسبب نزاعاتها هي ـ الأخيرة ـ على الغنائم .  .
و منذ ذاك رُفع شعار المصالحة و اقيمت انواع الفعاليات و المؤتمرات و المهرجانات و الصلات و سُميّتْ انواع المناصب با سم تفاصيل ذلك الشعار .  .  الاّ ان ذلك و لكل الظروف اعلاه، لم يأتِ الاّ بسبل خاطئة لتحقيق المصالحة، سبل تسببت بأنواع النفاق و الهدر الدموي و المالي و الفساد الإداري،  و خاصة بسبب استغلال جماعات مسألة العفو و صارت غطاءات للارهاب و الفساد، بل و وصل بها عدد من ارباب السوابق الى مناصب حكومية متقدمة ـ و التقوا بالفاسدين من المسؤولين ـ و لعبوا معاً ومن مواقع متنوعة، ادواراً متواصلة بذلك النهج المؤسف، الذي ادىّ الى استفحال اخطار مهّدت السبيل لدخول داعش الإرهابية الوحشية اللاأخلاقية التي وظّفتها لإحتلال ثلث البلاد  .  .
في ظروف صارت سمة الإرهاب فيها هي الطاغية على الصراعات ـ بما فيها ممارسته من جهات عائدة لاطراف متنفذة بحكومة المالكي ـ، و صارت الجماهير بانتماءاتها المتنوعة ضحية جديدة لها و صارت الأطراف العراقية كلّها تئنّ من جراحاتها و تدعو للثأر الذي لاينتهي  حتى بتدمير مابقي من حضارة البلاد و من كياناتها و قواها الفاعلة و المحرّكة .  . 
و فيما تتطلّب المصالحة اعلان الأطراف عن اسفها و ندمها عن ماقامت به و اعلانها عن انها ستواصل نهجاً سلمياً من اجل عراق آمن اتحادي موحد بضمانة قوى متنفذة دولية و اقليمية تمتلك قوة ردع واقعية .  . لم يعلن اي طرف عن ذلك، فمن حزب البعث الصدامي الذي لم يعترف حتى الآن بأخطائه و جرائمه و لم يطالب بالعفو و لم يعلن عن اسلوب جديد سلمي، بل بالعكس  .  .  الى قيادة حزب الدعوة الحاكم و حكم رئيسه السيد المالكي، رغم اخطائه المدمّرة بعد سقوط الدكتاتورية التي وصلت حد احتلال داعش لثاني اكبر مدينة عراقية تحت حكمه، و رغم التظاهرات و المطالبات الشعبية و الانتقادات الشديدة و غيرها .  .  و رغم الإجراءات الأنضباطية للحكومة الجديدة التي صارت تُتّخذ بحق الفاسدين من مسؤوليه وفق الأحكام الدستورية .  . 
في وقت ثبت فيه ان الدماء و الإرهاب طوال السنين لا يمكنها ابادة مكوّن لمكوّن و لايمكن لمكوّن واحد ان يحكم بمفرده .  .  و ان الأمر ان جرى سابقاً فإنه لم يكن بتلك الحدة و الدموية، و انه لم يعد ممكناً الآن بسبب المتطلبات الجديدة لحياة و عالم اليوم، افعال العولمة و ضياع حدود الدول، الاكتشافات الجديدة لبواطن الأرض العراقية بطولها و عرضها .  . التي تتطلّب التفاهم و التعايش و التوافق و سيادة مفهوم التنازلات من اجل الأفضل للشعب بكلّ مكوّناته .  .  كما ان إنصاف مكوّن واحد ان صحّ التعبير من اجل التئام جراحه لوحده لم يعد حلاً، بسبب الخسائر الهائلة عند كل المكوّنات و الأطراف العراقية طيلة السنين، قبل و بعد سقوط الدكتاتورية .  . 
و تؤكّد اوساط خبيرة ان تحقيق التوافق و سيادة مفهوم " التنازلات من اجل الأفضل للشعب" هو الطريق الوحيد المفضي الى مصالحة حقيقية، و لتحقيقه يتطلّب مواجهة العقبة الصخرية لجماعات الجريمة المنظمة و ممتهني الجرائم و القتل و الإرهاب كوسائل لتحقيق الغايات، بعد ان صارت مهناً و امراضاً، تتطلب معالجتها اضافة الى معاقبة كبار ممتهنيها، فإنها تتطلّب فحصها و قياس خطورتها و بالتالي خطورة افرادها الطبية و الإجتماعية على المواطن و المواطَنَة، لتقرير مصير اولئك الأفراد و ما يستحقون .
من ناحية اخرى فإن ماجرى في البلاد في مراحل سابقة، و ماجرى من اهمال تاريخي لمناطق و مناطق، و رفاه لأُخرى في ذلك الزمن ثم تعاكس ماجرى لاحقا .  .  صارت تتطلب حلولا نصّت عليها مواد الدستور بوضوح الآن، من اجل خير البلاد و العباد و حقّهم بالتنمية و الرفاه و بالحياة الحرّة الكريمة، و لدول العالم تجاربها الساطعة الناجحة على هذه الأصعدة يمكن مراجعتها، بل و قد ذهبت وفود عراقية خصيصاً للإطلاع عليها و دراستها. و امام البلاد التجربة الناجحة لإقليم كردستان العراق الذي استطاع بحنكة احزابه و قواه و بالتفاف الشعب حولها تحقيق الأمن و السلام في منطقته، رغم انواع المخاطر و التهديدات و الثغرات و النواقص .  .   
   و فيما يختلف مراقبون و محللون في تقييم و تحليل تصاعد مطالبات بإعلان محافظات نفسها كأقاليم و ميل اخرى الى الإنضمام معاً لإعلان اقليم وفق الدستور، يرى كثيرون ان تلك المطالبات تأتي للتخفيف من المركزية المفرطة لإدارة الدولة، و للشعور بالغبن من ممارسات الحكومة الإتحادية المركزية، لعدم سماحها و فرضها على الحكومات المحلية عدم ممارسة الحقوق كاملة وفق قانون المحافظات رقم 21، و ليس بسبب ميول الإنفصال .  . 
بشرط وجود حاجة فعلية و ليس طارئة عند تكوين الإقليم المعني، وان يكون انعكاسا لإرادة أهل الإقليم الحرة ويعبر عن طموحاتهم، بعيدا عن الطائفية والإكراه و التلويح بالعنف. و في اجواء توافق  في تلك المناطق، و اجواء تحقيق مصالحة حقيقية وإعادة الأمن والاستقرار.  والاّ فإن تشكيل الأقاليم في ظل الظروف الاستتثنائية القائمة لن يحمل الأمن والاستقرار والازدهار، وإنما يمكن ان يكون مصدراً لمزيد من الانقسام و المصادمات والتدخلات الخارجية و مضاعفاتها .  .  و يؤكدون على ان الإسراع في تنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان و انجاحها كعامل للسلم و الإستقرار، سيلعب دوراً هاماً في تنضيج الآراء و المواقف من اجل السير على طريق الحكم الاتحادي الفدرالي على اساس الديمقراطية الإدارية لعموم البلاد .  .
في وقت ترى اوسع الأوساط انه لا يمكن حصول تحسن كبير اوتغيير فعلي لصالح المواطَنة و تساوي المواطنين رجالاً و نساءً بإختلاف مكوناتهم، في الحقوق و الواجبات امام القانون، ما دام النظام السياسي فيه يقوم على المحاصصة الطائفية والتمييز الديني، القومي، الطائفي و على سياسات تهميش ابن الوطن لكونه من مكوّن آخر. و لا يمكن الخلاص من الإرهاب الدموي والفساد، سواء أكان على أيدي عصابات داعش المجرمة أم على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة الاّ بحصر السلاح بيد الدولة وحدها. بشرط تقديم من سرقوا البلاد و العباد و بأنواع الفضائيين الى القضاء بعد ازاحتهم من مواقعهم الهامة في قمة الدولة و اجهزتها العليا وفي أجهزة الأمن والشرطة والجيش وأجهزة الدولة المدنية المتنوعة الأخرى.

22 / 12 / 2014 ، مهند البراك

5
هل داعش منظمة اسلامية حقّاً ؟؟
ـ 2 ـ

د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

و يجري كل ذلك في عالم ضاعت فيه القوانين و الاعراف الدولية التي كانت تحميها دول و قوى عظمى في العالم، و سيطر عليه صراع الاقوياء الضواري الذين يكونون حيث يكون الربح اعلى .  .  و يظهر ذلك الصراع واضحاً لا لبس فيه في منطقتنا التي تشكّل بقعة هامة في العالم لأسباب متنوعة اضافة الى الطاقة و الأمن، و خاصة بكونها موضع مراكز الأديان السماوية و مذاهبها و محجّها، في زمان تحاول فيه مراكز القوى العالمية و وكلائها تحويل الصراعات الطبقية و الإجتماعية في العالم و المنطقة اليوم الى صراعات دينية طائفية و عرقية، موظفة لذلك تلك الصراعات التي تأججها دول و قوى في المنطقة ذاتها .  .
و على ذلك يرى كثيرون في تصريحات سنودن (1) عن ان داعش هي وليدة انظمة و مخابرات دولية و اقليمية، بكونها تنسجم تماماً مع مايجري من صراعات في المنطقة الملتهبة بالذات لتستقطب و تكون قطباً فيها، يجذب أنواع الشباب ـ بانواع قومياتهم ـ الساخطين، على حياتهم و انظمتهم في العالم بتغييراته العاصفة، و توفير دوافع دنيوية ملموسة لهم فيها تحت الراية المقدّسة، كالنساء المنتَظَرات على الارض و ليس في الجنة و المال، والانتقام من انظمة اقليمية و غربية، و يؤكد خبراء ومسؤولون متنوعون بأن هولاء الجهاديين  لا يندفعون إلى القتال بمحفزات إيمانية بحتة فقط .  . 
اضافة الى تحقيق انتماءٍ لهم (2) بدعم من بيوتات دينية، حتى و لو كان ذلك الإنتماء عشوائياً الاّ انه يخدم رأس المال العملاق، و بالتالي الى الانغماس المسليّ الجاذب،  لإبعاد خطرهم عن مراكز الصناعة و الإستثمار و بيوت المال العالمية و لإبعادهم عن طريق تغذية صراعاتهم الدموية بينهم، ابعادهم عن تشكيل خطر جديّ على اسرائيل كقطب اقليمي هام في صراعات المنطقة في زمن صعود الموجة الدينية فيها، الأمر الذي ينطبق على مثيلات داعش الناشطة في المنطقة ايضاً  .  .
و يرى متخصصون بجماعات و ملتحقي الارهابيين في توفير انتماء للتائهين و الضائعين  .  . يجعلهم يشعرون بانتمائهم هذا، بكونه انتماء إلى جماعة، هم فيها مجاهدون. فالدين هنا هو مجرد وسيلة لتكوين جماعة إسلامية لتنسجم مع محاور الصراعات الجارية على اساس الدين و الطائفة ، و يرون انه كان يمكن أن تكون أي شيء آخر في تشكيلة صراعات المنطقة .  . انه مجتمع وهمي يقوده متنفذون اشرار تدرّبوا على قيادة جماعات من قطعان بشرية تتخيّل او يترائى لها بأنها تشكّل جزءاً منه، حتى وإن كان افرادها لا يمتّون إليه بصلة. إنهم يشعرون بأنهم جنود للدفاع عن مجتمع ديني بلوره اختصاصيون بكونه البديل المنشود، الذي يقال لهم إنه يتعرّض للتدمير .  .
و هكذا تتشكّل مراكز جاذبة للهاربين من جفاف و قساوة حياتهم، و للراغبين في المغامرة لتحقيق ذواتهم الضائعة،  او لتحقيق مطالب سياسية و للخروج من  عدم قدرتهم على الاندماج في المجتمع، والانجذاب إلى الحرب و الحلول العنفية العاجلة والرغبة في الحصول على لقب بطل في نظر الاصحاب، وخوض تجربة مثيرة معهم  .  . و حيث يلتقط كثيرون الخطاب الإسلامي المتطرف على الانترنت، الذي نادراً ما يفهمونه أو يعرفون مقتضياته، ويستخدمونه للتعويض عن نواقصهم وضعفهم ولتغذية أوهامهم أو تطلعاتهم الخيالية .  .
   فراهنت الدوائر التي تقف خلفها على تحقيق انتصارات سريعة لها بأي كلفة .  . لعب فيها دوراً واضحاً ضباط كبار كانوا من المخابرات و الوحدات الخاصة لصدام، ممن اعتمد عليهم صدام و ابنائه و الدوري في اختفائهم و هروبهم، الّذين صاروا قياديين في الهياكل الاساسية لداعش، موظفين لذلك  ارشيفاتهم المهرّبة عن اسرار البلد، اضافة الى من بقى من شبكاتهم السرية التي تلوّنت او تحوّلت الى خلايا نائمة او حزب العودة، مستغلة الضيق من الانحياز الطائفي لفترة حكم المالكي الطويلة .  .
   و حققت تلك الانتصارات السريعة لها، بتحالفها مع انواع المنظمات الإرهابية و الإجرامية التي يجمعها النهب و الإرهاب و الوحشية بأية راية كانت، فالمهم لديها ليس ماهية البديل السياسي او الشكل الديني و المذهبي، او الفكري الايديولوجي التي تطرحه، و انما تحقيق نصر عسكري يحقق لها الزعامة و الجاه و الثروة و التحاقات من المنظمات الجهادية الاخرى، الأمر الذي وصل بها الى استلام اسلحة من كبار دوائر صهيونية متطرفة، و معالجة جرحاها في مستشفيات تل ابيب كما تناقلت وكالات الأنباء بصور و مقاطع فديو .  .  نصر عسكري جعل الاخوان المسلمين في مصر يرفعون شعارات و رايات داعش، كما حصل في مظاهرات الاخوان في حي المطرية الشعبي مؤخراً هناك .  .
اضافة الى تركيزها و سعيها للسيطرة على الحقول النفطية التي باشرت باستثمار قسم منها و تسويق منتجاتها، و على حقول نفط و غاز متنازع عليها و طنياً و دولياً .  .  في تأهيل غير معقول للدخول في المعادلات الدولية في خطط تهدف الى ارعاب و ارباك اوبك. 
   و يصف مطّلعون محايدون ان الدور الذي صُممت لتلعبه داعش او اي مثيل مقبل لها في المنطقة قد يشابه الى حد بعيد ـ مع انواع الفوارق ـ ، الدور الذي قام و يقوم به افراد او دوائر حاكمة او نافذة في اسرائيل او ايران او في دول عربية كسوريا و قطر و في حكومة المالكي السابقة في العراق او في تركيا، و انها يمكن ان تكون اداة بيد اية قوة او دولة ان وفّرت لها ما تريد، لأحداث فتنة دينية تخدم اهدافها .  . 
   حتى باشرت بنسف اضرحة الانبياء و الأولياء و بتغيير القرآن بحذف آيات منه بدعوى كونها محرّفة و غيّرت آيات من " سورة الكافرون" و "سورة الأحزاب" حتى الآن، وفق تصريحات أمرائها، و شرعت بمحاربة و سبي معتنقي الديانات السماوية و المذاهب الأخرى، و اعلنت عزمها على تهديم الكعبة، الأمر الذي يجعلها غريبة عن الإسلام في الدولة الحديثة في سلوكها، او تتنافى مع احكامه المعروفة في العصر الحديث، و تتنافى مع طروحات التنوير الديني و الدولة المدنية و اجتهادات فصل الدين عن السياسة كي يلعب الدين دوراً اجدى في الحياة، وفق بيانات عديد من المراجع الإسلامية المعترف بشرعيتها. 
لذلك يرى مهتمون و مهنيون بأن معالجة المشكلة ليست امراً دينياً فقط، ولا يكفي التحريم و التأهيل و الإصلاح الديني لمواجهتها، بل لا بد من وقفة وطنية دولية لمعالجتها بمستوياتها المتنوعة . . سياسياً،عسكرياً، اقتصادياً، ثقافياً، تأهيلياً، و حضارياً في اعمال اجتماعية يومية .  .  .  و فتح بوابات التأهيل للشباب و الشابات، بدءاً من المدرسة و نشاطاتها اللاصفية .  . الى التأهيل العالي و العمل المهني .  . (انتهى)
28 / 11 / 2014 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   ـ سنودن موظف كبير في الـ (ان. اس. اي) الامن القومي الاميركي و انشق عنه .
2.   تحقيق انتماء و لو عشوائي تجسّده المقولة الشعبية المصرية ( اللي ما عندو كبير يبحث عن كبير)، لتحقيق انتماء يحقق لذلك الفرد البسيط فكراً، امنه الداخلي و يحميه وفق قناعاته الايمانية غالباً .


6
هل داعش منظمة اسلامية حقّاً ؟؟
ـ 1 ـ
د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net


   لم يعد سلوك داعش الارهابية الوحشية سرّاً او سلوكاً يمكن تبريره، من منظمة تدّعي انها تريد الخير لشعوب المنطقة على اساس ديني .  .  و كأن المنطقة خلت من الأديان و المذاهب المتنوعة و التي هي منبع الأديان السماوية و مذاهبها بأجمعها. و فيما ترى اوسع الأوساط ان الوحشية في قتل الإنسان في عالمنا الشرق اوسطي فاقت المعقول و بلغت اللاحدود في تأريخ المنطقة التي عاشت الوحشية اللاإنسانية كما عاشها العالم في مراحل غابرة بدرجات اقل او اكثر .  .
و ترى ان داعش اخذت تصوّر باحتراف واضح عملية نحر الإنسان لعرضها على العالم اجمع و تصوّر الإعدامات الجماعية و القتل الوحشي على الهواء في مجاهرة بالوحشية مخطط لها اعلامياً و نفسياً كجزء من عملية تستهدف نشر الرعب ( حتى ترتعد فرائص الخصوم والأعداء من المواجهة، وحتى ينتشر الخوف في المجتمع، ويشكّل رادعاً لكل من قد يتعاون ويدعم هؤلاء الخصوم والأعداء .  .  ومن ثم يتحقق الاستسلام )، ثم النصر تحت راية دولتها، بنظر قادتها .
   فإن تلك الاوساط الواسعة ترى في التأريخ الحديث للمنطقة و احداثها .  . الكثير من وقائع الوحشية باشكالها كما يتعرّض له الفلسطينيون منذ أكثر من ستة عقود، من اغتصاب الأرض الى تطبيق مبدأ العقاب الجماعي على من يقاوم الاحتلال، و في دول المنطقة قبل الاحتلال الأميركي ثم الاحتلال نفسه و اخطاؤه الكبيرة .  .  بعد ان كانت البيئة السياسية في العراق تحت حكم البعث الصدامي الدموي متوحشة أمنياً وسياسياً اقترفت انواع جرائم القتل الجماعي على الهوية، اضافة الى البيئة المشابهة التي خلقها نظام البعث السوري .  .   
فإذا أُخذ كلّ ذلك في الاعتبار، يتبادر الى الذهن أن داعش بدمويتها و وحشيتها لم تنزل من السماء، وإنما هي نتيجة لذلك و نبتة من النباتات السامة لبيئة سياسية واجتماعية تراكمت بالقمع، وتعفّنت بمرارات الحالة الاجتماعية التي أفرزتها هذه البيئة، و يذكّر ذلك بأن ستراتيجية الخوف التي تعتمدها داعش هي استنساخ لتجربة نظم سياسية تعتمد الستراتيجية نفسها مع مواطنيها. والعراق وسورية لا يمثلان معاً حالة عربية استثنائية، بقدر ما هما حالة يمكن ان تكون نموذجية لذلك، و على ذلك نشطت داعش فيهما و اعلنت (دولتها الاسلامية) .  .
و بنظرة سريعة الى ظهور داعش و ماهية متغيّرات عالم اليوم، يشير متخصصون الى التغييرات الجارية في عالم الجهاد اليوم، فإن المتحمسين لداعش و الملتحقين بها  و خاصة الشباب الّذين تتركز جهود داعش بالأخص لكسبهم، يتميزون عن السابق حين كان الجهادي يظهر بلحية و بثوب قصير وفي عينيه نظرات غضب وفي حركاته توتّر، و يتبنى رأياً دينياً متطرفاً، ويتردد إلى دروس ومجالس تغذّي توجهه، اضافة الى تلمّس الوسط المحيط به حدّته في المواقف، ومناداته بالخلافة وتنقية الإسلام و ظهوره بمظهر داعية جاد، لديه حد معيّن من الثقافة الدينية، و يميل إلى دوائر اجتماعية مغلقة من المتماهين معه .  .  إلى أن يتمكن أحد الكوادر من اصطياده وتجنيده، ليبعثه إلى حيث منبع التدريب والتكفير سيّئا الصيت.
انهم يتميّزون عن السابق، بعد ان تبدّلت الصورة اليوم، إذ تجد شاباً متفلتاً نحو الحياة الصاخبة، كثير العلاقات، نجماً في الحفلات بأنواعها بنسائها و رجالها، منشغلاً باهتمامات دنيوية لا تترك له مجالاً حتى لارتياد المسجد أو أداء أي من الصلوات، و فجأة يجده أصدقاء الأمس مغرّداً من أرض الشام و العراق، متسلحاً برشاش وخلفه العلم القبيح لداعش .
و فيما كانت الجماعات الجهادية تستثمر الحس الديني لأجل استقطاب الشباب وإغرائهم، وتبذل جهداً في إقناعهم بصحة معتقدها وسلامته، وأن ما يقومون به هو جهاد صعب قد لا يشكّ فيه .  . و الآن قد تكفي تغريدة واحدة من أحد المجايلين أو زملاء الدراسة لأن يبدل الشاب حياته، فلا يمسي ليله إلا بين اصحابه في الروح. و كان الملتحي إذا أراد السفر إلى أية دولة ينشط فيها الإرهاب، لاحقته الأجهزة الأمنية من محطة المغادرة إلى محطة الوصول، وتابعت خطواته أولاً بأول،حيث كان لا يستطيع السفر إلا عبر دروب معقدة وبعد محاولات لفشل الاولى  .  . أما ارهابي اليوم فهو قد يخرج من حفلة صاخبة ليتجه إلى المطار مباشرة،آمناً حتى يصل إلى أقرب نقطة تصله بجماعته.
و يلاحظ كثيرون حس المغامرة في الالتحاق بداعش، المتكئة على حملات دعائية جاذبة عن سهولة النصر وعن الامتيازات والإمكانات وخيارات اللهو الدموي لكل شاب مغامر او ضائع يبحث عن دور أو يفيض حماسة وطاقة، حتى انه اجتذب شباباً من عشرات الجنسيات .  .  كأنهم فريق كشافة عالمي !! في رحلة تتضمن انواع المغامرات المرعبة لعشّاقها. فالالتحاق بداعش لا يتطلب سوى بعض النقمة الشبابية، أياً كان سببها، وبعض التذمر من سوء الحال، ثم يقدم هذا الشكل الانتحاري للحل في إطار الشجاعة والتحدي !!
فمغردو داعش يظهرون بكونهم يتابعون انواع المباريات التي تلهب حماس الشباب ويتبادلون النكات مع متابعيهم ويستخدمون انواع المصطلحات الشبابية و التمويهية لشباب اليوم، ويبعثون بصورهم التي تظهرهم كيف يطفحون بالسعادة والسرور، ويعيشون في منازل آمنة ويقومون بانواع الموبقات تحت الراية المقدسة، ويتمتعون بكل أنواع السيارات .  .
فلا يشعر الشاب أن في انضمامه إليهم خطر، كما هي الحال مع القاعدة الارهابية، بل هو نزهة برّية وجلسة ممتعة مع الأصحاب، ثم إنها تجري ببساطة، إذ تكفي دعوة من صديق أو زميل كي يُستقبل الشاب و كأنه حامل لواء النصر، حتىّ صارت داعش ملتقى لتجمّع المغامرين بالوانهم من أي مكان و من اية ملّة كانوا، يتجمّعون على قَسَمْ .  . و يكاد يجمع الباحثون على أن سبب الانتماء لداعش هو النقمة و السخط المنفلت على حياتهم ذاتها، اكثر مما هو آيديولوجيا التي قد تأتي لاحقاً حين لا يكون أمام الإرهابي الجديد سوى مصدر وحيد (للعلم الديني) .
و تصف تقارير حكومية و لمنظمات دولية متنوعة تتناقلها و سائل الإعلام، تصف جماهير داعش بكونهم يتناسلون من النوادي والملاعب، ومن اتخاذ الإنترنت بوابة متعة وتواصل او ادمان عليها، اضافة الى كثافة حضورها في برامج و صفحات الانترنت. وتغريهم ذكوراً و اناث جماليات العرض الإعلامي للتنظيم من الوان و حماسيات و موسيقى، اضافة الى الجنس المجاني و المتنوع و الأخّاذ سواء كان عنيفاً او شاذاً للجنسين، بعد ان صارت للتنظيم نساء رقيق بقوة السلاح و الارهاب و مئات الفتيات المختطفات عنوة طوع بنانهم القذر، بحجج دينية و مذهبية زائفة، و بعد تشريعه ابواب جهاد النكاح ليكون غسّالاً للذنوب و مفتاحاً للجنة، على حدّ زعم (مراجعهم) .  .
و بذلك الهوس المتنوّع و الضحالة الفكرية و الأخلاقية و الدينية، يصبح الشباب المنتمين لداعش ذكوراً و اناث لايفرّقون .  .  لايفرّقون في احيانٍ كثيرة، بين المغامرة والجريمة، فحين يغيب الوعي، يتشابه الأمران بنظرهم، بعد ان كان دعاة الجهاد متحزبين جادّين، في تيّارٍ جارف لأنواع حركات الجهاد كما سيأتي. (يتبع)
24 / 11 / 2014 ، مهند البراك

7
التجنيد الإلزامي يوحّد الصفوف !
د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net
   
يلعب الجيش ادواراً كبيرة في حياة البلدان النامية في اتجاهات و اهداف متنوعة، الأمر الذي يعتمد على الغاية من انشائه و طبيعة نظام الحكم او انظمة الحكم في البلد المعني  .  . و قد لعب الجيش العراقي ادواراً هامة في قيام الدولة الحديثة في البلاد بعد الحرب العالمية الأولى، و في توحيد البلاد و لحمة ابنائها بغض النظر عن القومية و الدين و المذهب و الطائفة .  .  رغم نواقص و اخطاء و ادوار عزّزت افكار الحرب و العنف و الروح الشوفينية للقومية الأكبر التي يتحمّل مسؤوليتها الحكّام المستبدون و توالي الأنظمة العسكرية و الدكتاتورية التي كانت تلك الادوار هي السمة الغالبة لها،  و التي كان آخرها و اقساها نظام الدكتاتور صدام،.
حيث ان سوء استخدام الجيش من قبل السلطات الحاكمة و قوانينها العسكرية الجائرة و احكامها القاسية التي كانت تنصب على عقوبة الإعدام للمخالفين، و خاصة للسياسيين بتلفيق شتىّ التّهم العسكرية لهم، هو الذي اساء الى سمعة الجيش و الى ادواره، اضافة الى تنوّع التشكيلات المسلحة في زمان الدكتاتورية التي كانت اضافة الى الجيش .  . الجيش الشعبي ، جيش القدس، قوات المهمات الخاصة، قوات فدائيي صدامّ .  .  و قوات الحرس الجمهوري التي صارت جيوشاً و غيرها، اضافة الى اشعال و تواصل الحروب حيث عاش البلد من حرب الى حرب، طيلة ما قارب الثلاثين عاماً راح فيها مئات آلاف الشباب ضحايا لها .  .  التي ادّت الى عسكرة المجتمع، و ادّت الى ان تنفق اجيال كلّ شبابها في الجيش قسراً لاطوعاً و بلا طائل .  . 
و يرى متخصصون بان اعلان الدستور عن رفض العنف و عسكرة المجتمع لايعني الغاء الجيش، و لا انهاء الخدمة العسكرية الالزامية الى الابد، بل يعني مراعاة سير العملية السياسية بعيداً عن العنف و يعني الخدمة فيه لمدد معقولة، كما انه يتلخص بوجود جيش للبلاد يحميها من الطامعين و يحرر اراضيها منهم، جيش تُبنى عقيدته على اساس الدفاع عن الوطن الإتحادي و سلامة مسيرته السياسية من اجل التقدم و الإزدهار على اساس الدفاع عن الشرعية الدستورية .  . 
و يعني الإبتعاد عن السياسة المخططة لأية سلطة حاكمة، تسعى لفرض التأييد لفرد او لحزب بعينه كما اقترفت الدكتاتورية، بشعارات و اهداف نافقت الأماني و الطموحات التي محظتها شعوب المنطقة تأييدها و تعاطفها حينها، حين سيق شعبنا ابناؤه بالخديعة و بالحديد و فرق الاعدام، و كانت السلطة تملأ الشارع و وسائل الإعلام بتلك الشعارات لستر اهدافها الحقيقية، الأمر الذي تحوّل بعد سقوطها الى فوضى دموية خطيرة بإسم الطوائف و صراعها الذي أُشعٍلْ بفعل فاعل و صارت تسعّره الميليشيات المسلحة التي لايجمعها اطار و لا نظام يخدم الوطن او يخدم المذهب .  .  قياساً بما يمكن ان يحققه الجيش الواحد ان تربّى على مبادئ الوطنية الإنسانية، و الدفاع عن الوطن و عن جميع مواطنيه بالوان مكوّناتهم و وفق الدستور .  .
   في منطقة صارت مرتعاً للإرهاب و للعنف الوحشي بإسم الرايات المنافقة للدين و الطائفة .  .
و في دولة لم يؤسسها انتصار حركة ثورية شعبية في كلّ اجزائها، حيث ناضلت معارضة الدكتاتورية بكل قواها و قدّمت آيات الضحايا الاّ انها لم تستطع اسقاط الدكتاتورية .  .  و انما دولة قامت على انقاض دكتاتورية اسقطتها حرب خارجية و احتلال في حينه .  .
   و يرى كثيرون الآن ، ان وجود جيش موحد بقوانين عصرية هو الأداة الضرورية لإنهاء الميليشيات المسلحة و لكسر الفتن .  . بقوة جذب الانتصارات التي تتحقق، و بقوة قانون الدولة، ببلورته تدريجياً و ليس بقرار فوقي فوري، و بعد اصلاح القوانين العسكرية و سنّ جديدة بدلها .  .  ببلورته و تطبيقه عملياً بمراحل من خلال العمليات العسكرية الجارية الآن و تصعيدها ضد داعش الإجرامية النتنة. علماً بأن التجنيد الإلزامي لايتناقض مع قوانين التطوّع و عقود العمل بين الافراد الراغبين بالتطوّع سواء كان ذلك دائماً او محدود الزمن ، كما في جيوش حديثة عديدة في العالم .  . و على اساس ان يشمل الذكور بكل الوان اديانهم و مذاهبهم و مللهم ـ و تثبيت حق الإناث بالتطوّع ـ  .  . و تحسين ذلك بنقاشات البرلمان .  . 
من جانب آخر يرى خبراء و مهنيون في التجنيد الإلزامي في بلد نامي كبلدنا، بكونه ضرورة ملحة لوقف التصدع الاخلاقي عند الأجيال اللاحقة والضياع، ومدرسة لتعليم الشباب الالتزام واحترام القانون والضبط ، و بكونه ضروري لكل فئات المجتمع الأمية منها والمتعلمة، اضافة الى جمعه لفئات المجتمع العرقية والمذهبية في تفاعل ايجابي يقف بوجه المحاصصة المقيتة، و كونه فرصة لتعلّم المهن لمن لا مهنة لهم من الطبقات و الفئات الأكثر فقراً، و تهيئة الاحتياط الذي يُستدعى عند المهمات في ظروف المنطقة .  . بشرط الاعتماد على وتأسيس مدارس حقيقية وليست مزيفة للتدريب في شتى صنوف الجيش والاستفادة من خبرات الجيش السابق والدول المتقدمة   ـ راجع اسباب تبنيّ دولة الإمارات العربية قانون التجنيد الإلزامي الآن ـ 
    ليكون كلّ ذلك في اطار سعي وطني كبير تساهم فيه كل قوى التغيير داخل و خارج البرلمان اضافة الى المرجعيات الدينية الكبرى بتعدد مذاهبها .  .  لحلّ الخلل و النواقص الكبيرة في بناء و تأهيل القوات المسلحة التي تسببت بخسارتها المريرة السابقة، و لإيجاد حلول للانقسامات و الصراعات الطائفية، في اطار عملية اصلاح كبرى ضد الفساد و من اجل حشد كل الطاقات الوطنية في الحرب ضد الإرهاب و تعزيز قدرات القوات المسلحة وتوثيق اواصر التعاون والتنسيق بينها وبين قوات الحشد الشعبي وقوات البيشمركة .  . لمواجهة داعش على اسس وطنية وليس طائفية أو قومية ضيقة، لأنها تهدد كلّ العراقيين ، كما اثبتت و تثبت مجازرها و جرائمها التي ارتكبتها بحق العراقيين من جميع الأديان والمذاهب والقوميات و الملل.
و ينبّه سياسيون و مجربون بأن طريقة مواجهة الإرهاب ـ و في مقدمته داعش ـ و الإنتصار عليه، سيلعب دوراً كبيراً في التأثير على الأوضاع الناشئة فيما بعد .  . فأما أن تساهم هذه المعارك في تعزيز اللحمة الوطنية وتقوية الدولة ومؤسساتها الوطنية على اسس الكفاءة و الديمقراطية الحقيقية، او على العكس ان جرت على اسس طائفية ومذهبية واثنية ضيقة، فإنها تكرّس الانقسامات وعناصر التجزئة والتشظي .  .

10 / 11 / 2014 ، مهند البراك


8
الإنتصار على الارهاب ليس بالسلاح و الفكر فقط  !

د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net
   
بعد دماء و تضحيات متنوعة لمئات الآلاف من بنات و ابناء المناطق التي نُكبت بالارهاب، و بصراعات متنوعة بين احتكارات الأسلحة و حكومات دول كبرى و احزاب و مفكرين عالميين و محليين .  .  بدأ تفكير و خطط مواجهة الإرهاب تتحوّل من اعتبارها مواجهة عسكرية صرفة، تحسب قوة العدو بعدد مقاتليه و خسائره في معركة و كأنها هي المقياس الوحيد للربح او الخسارة .  . بدأت تتحوّل الى ان المواجهة الأساسية للإرهاب ـ اضافة الى الانتصار في معارك ـ هي مواجهة الفكر الإرهابي القسري الساعي لتحقيق اعلى الغايات، مهما كانت الوسائل .
و فيما بدأ التفكير يتغيّر الى ان الأديان هي السبب .  .  يبرز مفكرون راديكاليون يساريون و علمانيون من شتى المدارس الفكرية التقدمية و مثقفون، يرون ان العلّة الرئيسية هي في الأحزاب الدينية عندما تحكم، سواء كانت بواجهات اسلامية او مسيحية او يهودية، يبرز منها في منطقتنا اضافة الى الأحزاب الحاكمة في اسرائيل، احزاب الإسلام السياسي و الطائفي السياسي التي تعبّر كما يثبت الواقع، عن مصالح و خطط فئات و طبقات طامعة بالحكم و تتستر بإسم الدين و الطائفة لتسويق برامجها، بلا مبالاة بما يسببه ذلك بخسائر بشرية داخلية، لإثارتها نزاعات و حروب متنوعة يضيع فيها الفكر و المنطق، بدلاً من السعي لتكوين و تطوير مواقف الجماهير و تحويلها الى طاقة هائلة تواجه تحديّات المرحلة، و التي تحققها احزاب سياسية و صحافة حرة، تنظّمها قوانين دستورية  .  .
ولابدّ من الإشارة الى ان التكاليف اللازمة للحروب و النزاعات تلك تكون عادة من خزائن البلدان، المتكوّنة من ثروات الشعوب و من دافعي الضرائب، على حساب حق المواطن بعيش لائق و مجتمع اكثر رفاهية .  .  في وقت تعمل فيه دوائر الحروب تلك يداً بيد مع الدوائر السياسية و الفكرية لشحن اوسع الأوساط و تعطّشها للثأر او لحقّ مُصوّرٍ لها، لسوقها الى الحروب .  .
و في الوقت الذي يفرح فيه كثيرون الى تزايد النشاط لإبراز اهمية الفكر في مواجهة الإرهاب الذي يعني فسح المجال لإنطلاق الفكر و حداثته، مع توفير القوة اللازمة لردع الإرهاب .  .  تنبّه اوساط اخرى الى ان الإرهاب اضافة الى العوامل المذكورة، فإنه لا يُولَد الاّ في ما اصطلح عليه بـ " حواضن الإرهاب " التي تتضمّن مناطق جغرافية او فئات و اوساط شعبية معيّنة و خاصة الشبابية منها، من التي تعاني الأمريّن اكثر من غيرها في حياتها اليومية في المرحلة المعنية .  .
   لمعاناتها اكثر من واقع عنفي حربي يومي، تدمير منازل و هروب و نزوح اعداد و مجاميع متزايدة بشكل غير متصوَّر للأفراد و العوائل بنسائها و اطفالها و شيوخها، بسبب الإنتماء لطائفة و الإنتماء الطائفي المضاد من جهة، و بسبب السياسة الطائفية للحكومة في بلادنا التي تسببت في الدورات السابقة بالإعتقالات العشوائية و اهمال المحافظات العائدة للطائفة غير الحكومية ـ رغم مشاركة ابناء منها في مؤسسات الحكم ـ ، بسبب الهيمنة الفعلية لطائفة بعينها على مؤسسات الدولة، و ضغوطها المتنوعة على الطائفة المقابلة في تطبيقات غير سليمة للقوانين الجديدة .
   من جهة اخرى فإن المعاناة المتكررة من انقطاع الكهرباء و الماء الصالح للشرب و لفترات طويلة التي جعلت الحياة في الصيف اللاهب لاتطاق، اضافة الى تصاعد اسعار المحروقات في الشتاء و مخاطر البرد، تقطّع الدراسة و اهمال بناء المدارس الجديدة و بقاء نسب عالية منها في ابنيتها القديمة الآيلة الى السقوط الذي تسبب بانخفاض المعارف بل و شيوع الأمية في اوساط تزداد اتساعاً من الاجيال الجديدة، و الى انهيار الرعاية الصحية الرسمية، اضافة الى الفقر الناجم عمّا تقدّم، البطالة و انخفاض دخل الفرد في مناطق دون اخرى و غيرها، مما يجعل الحياة اليومية لاتطاق فيها .  .
   كل ذلك جعل من تلك المناطق حواضن طبيعة لإنطلاق الإرهاب بسبب رفض الواقع اليومي القائم و استنكاره او التذمّر منه، و خاصة بعد ان اهملت الحكومة و مؤسساتها المطالب السلمية و الإعتصامات المطالبة باطلاق سراح المعتقلين العشوائيين و الرهائن و النساء المعتقلات بجريرة ذويهن، و اهملت المطالبات عبر الطرق الدستورية الشرعية القائمة، بل و واجهت اعتصامات سلمية بقوة السلاح، محدثة بذلك فتنة طائفية هناك ادّت الى تمردات العشائر في المناطق الغربية، التي استغلتها و تستغلها داعش الإجرامية للتمدد، وفق ابرز وكالات الأنباء الدولية و المحايدة .  .
و حتى  تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة د. العبادي الذي بدأ باحداث تحوّل ملموس في موقف الحكومة الجديدة بتقدير مراقبين، اضافة الى توقّع جديّة وزير الدفاع الجديد الذي بدأ حقيبته باعلانه البدء بالتحقيق في أسباب سقوط الموصل و مدن هامة اخرى بيد داعش الإرهابية و اعلانه عن عزمه على معاقبة المذنبين، الأمر الذي بدأ يحدث تغيّراً ايجابياً في مواقف جماهير تلك المناطق من الحكومة .  . كما تتناقل انباء متنوعة المصادر من هناك.
   و على ذلك يرى كثير من السياسيين و المثقفين و من الأكثر اطّلاعاً ان مواجهة الإرهاب و الإنتصار عليه و خاصة مواجهة داعش الإرهابية في بلادنا لايتم بالسلاح و الفكر فقط ان توفّرا فعلاً، حيث تتصاعد شكاوى كثيرة من قلة القوات الحكومية و من عدم التعويض عمّا نقص منها بسبب القتال الضاري مع داعش في مناطق تزداد التهاباً .  . 
و انما بالشروع الفوري و حيثما امكن في الاماكن التي تُحرر من الارهاب او التي يسود فيها السلم و الإستقرار . . الشروع بتنفيذ قرارات و تنفيذ مشاريع حكومية عاجلة لتوفير الخدمات و تطويرها في تلك المناطق ( اعادة بناء البيوت المحطّمة في تلك النزاعات و القتال كمنحة من الدولة، تعويض العوائل عن خساراتها، بناء مستشفيات و مستوصفات، مدارس، اسواق و افران، اعادة الكهرباء، بناء شبكات المياه الصالحة و شبكات الصرف الصحي .  . )  و السعي بكلّ الإجراءات العملية لتكوين و تقوية شعور اوسع الأوساط باختلاف تكويناتها، بان الحكم القائم هو حكمها .  .

24 / 10 / 2014 ، مهند البراك

9
التدخّل البريّ لمواجهة خطر تحطّم الجميع !

د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

فيما اثبتت التجارب التأريخية ان الحماسيات و الأمنيات لاتحقق الأهداف الصعبة و لايمكنها القفز على الحقائق الجارية الموجودة،  و انما يمكنها شحن امكانيات موجودة باليد لتقوية فاعليتها .  .  تموج منطقتنا بصراعات دموية يتساقط فيها عشرات الآلاف و يتشرد بسببها مئات آلاف المدنيين العزّل دوريّاً .  . تحت رايات وحشية دينية و طائفية تهدد بتحطيم مكوّنات و تدمير اخرى، و تهدد بإعادة رسم دول المنطقة و مكوّناتها على اساس المصالح المستجدة، في وقت تتداعى فيه الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو اثر انكسار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى .
   و فيما برزت داعش الارهابية الوحشية، فانها تتمدد رغم انسحابات و خسارات جانبية منيت بها  وسط اعلامها الشيطاني بكونها لاتقهر و اعلام حكومي يدّعي تدميرها .  .  حتى اخذت تتصاعد مؤخراً صيحات من محافظة الانبار بان المحافظة يمكن ان تسقط في غضون ايام بيد داعش و تؤكد الطلبات الرسمية للمجالس و الهيئات الرسمية للمحافظة، على ان ما يحصل من وقائع على الارض هو غير ما يذاع في البيانات و التقارير الاعلامية الحكومية . .
مع التأكيد و التحذير من ان مركز المحافظة " مدينة الرمادي " يمكن ان تسقط في غضون اسبوعين، بعد سقوط قضاء هيت و ناحية كبيسة بايدي داعش و تمددها نحو عامرية الفلوجة، مع تراجع طلعات الطيران .  . فيما يطالب مجلس المحافظة بطلب مقدّم الى البرلمان، بضرورة تدخل قوّات بريّة خارجية لأن القوى الأمنية الداخلية غير قادرة على المواجهة . . وسط انباء عن استعداد قوة خاصة من المارينز بتعداد 2300 مقيمة في الكويت الآن، للانزال في الرمادي .  .
   يأتي ذلك في وقت، يردّ فيه وزير الخارجية الاميركي كيري وفق وكالات الانباء العراقية و الدولية، يردّ على دعوات ارسال قوات برية اميركية لمحاربة تنظيم (داعش) في محافظىة الانبار، بالتأكيد على ( انه على العراقيين القتال لاستعادة المحافظة، و أن إعادة بناء قدرات ومعنويات الجيش العراقي ستستغرق وقتا تتبلور فيه الستراتيجية و تتطور القدرات رغم نجاحات و عثرات كما في اي معركة وبالتالي ستندحر داعش ) .  . 
   و ترى اوساط واسعة ان تصريحات كيري و المواقف الرسمية للادارة الاميركية بهذا الخصوص قد لاتلاحظ او انها تتعمد ذلك لغاية في نفسها .  .  لاتلاحظ ان مايجري ليس مجرد عثرات و لا اخطاء يمكن تبريرها و انما انكسارات خطيرة و تزايد في نزيف الدم و الموت و الضحايا و هجرات مئات الآلاف ضائعين على الطرقات و على الحدود الشائكة الاسلاك بما يسترهم من ملابس فقط، تاركين مايملكون برعب و خوف متعدد المنابع .  . 
في وقت تزداد فيه سرعة تمدد داعش كحصيلة لما يجري في العراق و سوريا و لبنان .  .  رغم ضربات طائرات التحالف الدولي، و خسائرها هنا و هناك امام القوات النظامية العراقية بفصائلها .  .  و رغم انكشاف حقائق تدلل على وقوف اقطاب دولية و اقليمية يداً ضد داعش و يداً معها ، الذي يفسّره سياسيون بكأن مايجري هو دعمٍ لبروز قطب طائفي وحشي اقليمي لمواجهة قطب ايران الطائفي المتشدد المتعنّت، حسب وصفهم .  .  في وقت تزايد فيه التدخل العسكري الإيراني في دول المنطقة و تتهيأ فيه القوات العسكرية التركية للعب دور اكبر فيها، وفق وكالات انباء محايدة.       
   و على ذلك تحذّر اوساط  من تصريحات كيري الآنفة الداعية الى عدم التدخل المباشر سريعاً . . حيث يرى كثيرون ان التأخر بحجة عدم الرغبة بالتدخل المباشر الآن قد يكون من ورائه ترتيب دور يريد استخدام داعش للسيطرة على الجزء العربي من العراق و عاصمته، تمهيداً لمرحلة لاحقة يكون فيها تدخل الولايات المتحدة بشكل يضمن مصالحها و اهدافها في العراق و المنطقة بتفاصيل اعمق . . غير مبالية بالاعداد الهائلة للضحايا و بالتدمير الهائل للبلاد، ضمن ستراتيجية كبرى تُعَدّ لإعادة رسم دول المنطقة وفق المصالح الجديدة التي تتمحور على : الأمن، الطاقة، الموقع العسكري الستراتيجي، الأسواق  .  . اضافة الى تقسيم الغنائم بين اقطاب كبرى و صدّ اخرى .  .
   و تتفق اوسع الاوساط العراقية مع مطالب مجلس محافظة الأنبار، بالإستجابة الى مطلب ضرورة تدخّل قوّات بريّة خارجية سريعاً وفق العهود و الاتفاقيات المعمول بها، و خاصة اتفاقية الاطار الستراتيجي  بين العراق و الولايات المتحدة الاميركية التي تكلّف العراق مليارات الدولارات سنويّاً .  . ريثما يتم اعداد قوات " الحرس الوطني " من المحافظات السنيّة، الأمر الذي يتطلب الحاجة الى مدة سنّة، للتعبئة و التشكيل و التسليح و التدريب، وفق نتائج دراسات و تطبيق المستشارين الاميركيين المكلفين بذلك، ذاتهم .
و يرى متخصصون ان تدخّل قوات بريّة خارجية في هذه الظروف هو التطبيق العملي لمبدأ "التدخّل الإنساني " الذي اقرّته الامم المتحدة، بل ان تدخلاً لإنقاذ الارواح البشرية و محاربة الخطر المحدّق الشامل لقوميات و اديان و طوائف، يمكن ان يكون في عداد التدخلات لإنقاذ بلاد ما من وباءٍ اخطر من الطاعون و الايدز و الايبولا في عدد ضحاياه، و في تهديده للمنطقة و للعالم .  .  و ان التدخّل العسكري وفق المواثيق و احترام سيادة البلاد، هو الذي سيساعد على اعطاء فرصة للحكومة العراقية الجديدة بموروثها و فساد اجهزتها لأعادة بنائها و للاستعداد، و للقوى العراقية الفاعلة لعقد مؤتمر تضع فيه خططها الملزمة لها .  . 
و لإعادة بناء القوات المسلحة العراقية على عقيدة عسكرية وطنية اتحادية و على اساس الخدمة العسكرية الإلزامية لشباب البلاد بالوان طيفهم القومي و الديني و المذهبي، و البدء بانهاء الميليشيات و تسليم الاسلحة للحكومة، فالخدمة العسكرية لأبناء جميع المكوّنات في سبيل هدف سامي  ـ بعد اصلاح القوانين العسكرية ـ هي اداة فعّالة في تحقيق وحدة و تفاعل مكوّنات البلاد و تساوي ابنائها في الحقوق و الواجبات امام القانون .  .
و بناء شبكة توجيه معنوي فاعلة على اساس الدفاع عن الوطن و وحدة اراضيه الاتحادية، و لإنجاز تعبئة تستطيع التنسيق الفاعل مع الضربات الجويّة للتحالف الدولي و العراقي و التنسيق مع الوحدات الاكثر تطوّراً .  . و بالتالي صدّ داعش و اخراجها من البلاد كما حصل عندما اخرجت الصحوات قوات منظمة القاعدة الارهابية عام 2006 . 

14 / 10 / 2014 ، مهند البراك


10
حرس وطني او قوات بريّة اميركية ؟

د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

رغم انواع الحنين الى الماضي العراقي الجميل، الاً ان تغيّر الواقع العراقي جرى و يجري ليس كالسابق على خرائط و خطط لدوائر عظمى  .  .  و انما في واقع مرير كانت اثمانه و لاتزال باهضة و باهضة جداً بالأرواح  و الدماء و النفوس و الآمال و الأحلام، امام واقع مرعب قائم الآن شكّلت فيه داعش الاجرامية اللاخلاقية رأس الرمح المسموم الموجّه له علناً، بسبب سلوك حكومة المالكي بدرجة رئيسية، الذي ادىّ الى نشوء حاضنة هامة لداعش استغلّتها منذ سنوات .
   و فيما يعود عدد ليس قليل من السياسيين و الباحثين الى تأريخ العراقيين و بلادهم في تقدير ما سيجري، يؤكّد كثيرون على ان الآلام و الجوع و الفقر لم تكسر ارادتهم الاّ انها علّمت و تُعلّم قبول الممكن تحقيقه على طريق الأفضل في حسابات عالم اليوم، في زمان تزداد فيه العنتريات المبنية على فراغ تغذيّها دوائر و دوائر، و تزداد فيه  الحساسيات و الحذر بعد ان تكاثرت الخدع و تنوعت تنوع الحشائش المسمومة .  . التي صار يتطلب مراعاتها ـ و ليس تشجيعها ـ في اي تفكير بحل .
   و يرى ابرز المراقبون و المعنيون انه في الظروف الراهنة، لكل خطوة كبيرة للحل جوانب ايجابية و جوانب سلبية، و بحسابهما معاً ممكن تقييم فائدة الخطوة او ضررها، والاّ فإن النزيف سيزداد نزفاً و الدمار سيزداد تدميراً .  .  .  بعد ان صار من الواضح تماماً ان الحل العسكري و الأمني غير كافي لوحده، و ان الأهم هو العمل السياسي لكسب اهالي المنطقة العربية الغربية و الشمالية من السنّة، الذي يؤدي الى تصعيد رفضهم و مقاومتهم لداعش عموماً و عدم سماحهم لإستغلالها لهم كدروع بشرية لمجرمي داعش .
   و لأن العمل السياسي هو وحده القادر على الحشد و التعبئة الشعبية ضد داعش، الأمر الذي يتطلب سياسات جديدة نوعياً لجميع الدول المعنية من واشنطن إلى موسكو، ومن بكين إلى طهران، إلى العواصم الخليجية، و الى العراق وسوريا. فبعض السنة في المنطقة ـ و منها العراق أيضاً ـ ينطلقون  من المكابرة والمزايدة و يلوّحون  بـ (داعش) كراية لإنتصار لهم، بإعتبارها الرد على التطرف الشيعي و لإعادة الاعتبار لهم، ويطالبون بمقابلٍ على تخليهم عنها. او هم ليسوا مستعدين للوقوف ضدّها او محاربتها، لأنها الرصاصة التي تضمن استعادة حقوقه المنقوصة، طالما ليس لديهم ضمانات باستعادة المكانة وإيقاف الإقصاء قطعاً، و سيكابرون حتى لو كان في المكابرة مغامرة.
لأنهم يعرفون أن الحرب الأميركية على (داعش) تحتاجهم قطعاً كجنود على الأرض فيها، وهم ليسوا مستعدين لهذه الحرب إذا كانت أهدافها غامضة أو بلا ستراتيجية جديّة، لأنهم غُدر بهم على ايدي الأميركيين في السابق أكثر من مرة، آخرها كان مصير الصحوات بعدما انتفضت العشائر العراقية السنيّة بوجه القاعدة الإرهابية و طردتها، الاّ انها وجدت نفسها ضحية الإقصاء والاستفزاز والتحقير على أيدي حكومة المالكي الطائفية المدعومة إيرانياً والمباركة أميركياً، و صاروا ضحية لمطاردة الميليشيات الشيعية . . فهم يخشون السيرة الأميركية المعهودة القائمة على الاستغناء عن الشركاء بعد إتمام الحاجة، كما حصل مع اكراد العراق في السابق .
و يرى مطّلعون، ان عرب الغربية و الشمال يعرفون إن دحر الإرهاب مهم لهم و انه غير ممكن بدون قوات بريّة و لكنهم يتساءلون، و لكن سيكون لمصلحة مَن؟ و انهم يشددون على ضرورة إحساس العرب السُنّة بمواطنتهم و لابدّ ان يرون ان التغيير قد بدأ فعلاً، إذا كان لهم أن يشاركوا في الحرب الدولية على الإرهاب، التي لا يمكن كسبها إلا عبر كسب المحليين على الأرض .  . 
و يرى آخرون انه بما ان الإسلام السياسي المتطرف هو التحدي الرئيسي الذي يشل مسيرة المنطقة نحو التقدم، لأن ماكان لداعش ان تظهر و تنفجر بهذا الشكل السريع لولا تعنّت حكومات طهران و بغداد و دمشق و انحيازها الطائفي المتطرّف  في الفترة الماضية و ابتعادها او عدم استيعابها للحكم التعددي  الحقيقي  .  .
   و على ذلك يضع مسؤولون اميركيون و عراقيون خططاً لدمج السنة في "حرس وطني" يمثل قوة أمنية في المحافظة المعنية، بقصد تقليص مركزية السلطة في بغداد، من اجل معالجة مطالب السنة بوقف ما يرونه من اضطهاد من جانب قوات الأمن ذات الغالبية الشيعية. فتجري اتصالات بمتشددين من السنة قاتلوا القوات الأمريكية والحكومة العراقية بعد الاطاحة بصدام حسين. في وقت يطالب فيه قادة عشائريون سنّة معتدلون في الأسابيع الأخيرة، بالدعم من دول الخليج لطرد داعش، و تجري جماعات سنية مباحثات مع الحكومة منذ حزيران الماضي، و ان الحكومة عرضت عليهم محاربة داعش مقابل توزيع السلطات على نطاق أكبر والعفو عمن حاربوا الحكومة.
   و تفيد رويترز إن الأمريكيين التقوا بالجيش الاسلامي وبجيش النقشبندية البعثي و غيرهم لإستمالتهم لمحاربة داعش، بدل استمرار تنسيقهم معها . . في وقت تشعر فيه كثير من العشائر السنيّة بالاستياء من التأييد الأمريكي للحكومة في بغداد التي شنت حملة على احتجاجات السنّة خلال العامين الأخيرين، و تستخدم الآن البراميل المتفجرة في قصف مقاتلي داعش الذين يختبئون وسط المدنيين، ولم تلبّ حتى الآن شيئاً من مطالبهم بالحصول على مزيد من الحقوق .  .   
و يرى عدد من قادتهم بأنه ( لسوء الحظ لا يغيّر الامريكيون استراتيجيتهم بل أساليبهم فقط، فهم يرون مصالحهم في العراق الآن مع الشيعة على نحو متزايد. ويرون مصلحة مشتركة مع ايران)، ، و يقولون ( اعطني مبرراً، حتى أستطيع العودة إلى أتباعي وأقول لهم أن هؤلاء الناس جادون في ايجاد الحلول ).
   من جهة اخرى تجري واشنطن محادثات مع حلفاء من عرب الخليج بهدف توسيع نطاق تدريب مقاتلي المعارضة السورية المناهضين لداعش، وتسيلحهم وذلك لضرب التنظيم من الجانبين، بعملية كثيرة التعقيد . ويقول مسؤولون اميركيون ان حكومتهم تعمل مع السيد العبادي لإنشاء "حرس وطني" يمثل مؤسسة تديرها الحكومة تضم المتشددين السنة لتقطع مسيراً طويلا يؤدي الى تلبية مطلب رئيسي للسنة بانسحاب الجيش من محافظاتهم، فيما طرح السيد العبادي اقتراح " الحرس الوطني" كوسيلة لاستيعاب الميليشيات الشيعية والمتطوعين الشيعة الذين يقاتلون على أساس مذهبي في ظل سلسلة قيادة تتبع الدولة وذلك منذ سقوط الموصل في يونيو حزيران.
ويجري العمل لتحديد حجم قوة الحرس الوطني المطلوب وأماكن نشر هذه القوات الى جانب الجيش ونوع الضمانات الضرورية، في وقت صرّح فيه رئيس مجلس النواب لرويترز في مقابلة هذا الاسبوع إن الحرس الوطني سيتيح للمحافظات أن تكون هي المسؤولة عن سلامتها.
اضافة الى ذلك، و مما سبق يتوضّح ان لا حلول الاّ بتحقيق تضامن اقليمي لمواجهة الإرهاب، و هو امر ليس باليسير تحقيقه، لإستعانة اكثر من قطب اقليمي به لفرض شروطه .  . و بدلالة اعلان ميليشيات شيعية مدعومة من ايران، انها ضد قيام تحالف دولي لأنه قد يعيد الاحتلال !! كما اعلنت كتائب حزب الله، سرايا السلام، عصائب الحق، منظمة بدر . . و مرجعيات شيعية لها مكانتها. الذي يرى فيه كثيرون بانه رغم اهمية التحذير الاّ انه يعني عملياً وقوف الى جانب داعش !! . . و يصفه البعض بكونه طاعة للقرار الإيراني، و يرى آخرون بأنه حساسيات من نشوء قوات سنية اكثر تنظيماً ؟؟ في وقت تشعر فيه اوساط شيعية بالقلق للدعم الذي ستقدمه الولايات المتحدة للمتشددين من السنة.

20 / 9 / 2014 ، مهند البراك


11
في نواقص مواجهة الارهاب !
د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net

فيما يتابع العالم الجهود المبذولة لبناء حلف واسع ضد (دولة الخلافة) و ضد الإرهاب الجهادي  و تتحقق نجاحات . . تعيد هذه التطورات إلى الواجهة، نفس الأسئلة عن سبل التصدي لجماعات العنف الجهادي و الإرهاب، ولماذا لم تنجح الحملة الهائلة التي انطلقت على الارهاب اثر أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 ، التي لم تنجح في تحقيق هزيمة هذه الجماعات المتطرفة وتجفيف منابعها.
فرغم اصابتها اصابات بليغة، كمقتل مؤسس القاعدة اسامة بن لادن نفسه و مقتل ابرز وجوه الاسلام السياسي الإرهابي و خاصة بيد القنص الجويّ و اغتيالهم كما في اليمن مثلاً، فإنه يعاود نشاطه مجدداً و في حالات يعاود نشاطه بشكل محموم اكثر من السابق .  . و يجعل كثيرين ممن يشاهدون مايحصل، يتساءلون هل صار الإرهاب و الموت الجماعي سمة العصر في منطقتنا ؟؟
فيما  يصرّح السياسي الأميركي المعروف كيسنجر و دون تسمية المسببات الفعلية و الحلول . . بانه اخطر و اوسع من حروب اوروبا الدينية في القرن السابع عشر، حين يرفع الدين السلاح لتحقيق الأهداف السياسية !! الذي يفهمه قسم بكونه و كأنه أمر حتمي، في زمان لم تنجح فيه افكار الحتميات. و يشير آخرون بحق الى ان الأمر يزداد خطورة برفع السلاح تحت رايات الطوائف في البلد الواحد .  .  الأمر الذي يتفق معه اوسع المراقبين في المنطقة.
   و يكاد يجمع سياسيون و وجوه اجتماعية و فكرية في البلاد على ان خطورة داعش الحقيقية لاتكمن بقوتها العسكرية و اعلامها و سلوكها الوحشي و وسائلها المتطورة تكنيكياً رغم اهميتها .  . و انما تكمن اساساً بوجودها في بيئة حاضنة مناسبة جداً لها، بيئة خُلقت بسبب السياسات الامنية الخاطئة التي اعتمدها رئيس الوزراء المنتهية ولايته، طيلة تسع سنوات . . و على السّكة التي رسمتها القوى المتنفذة العالمية و المنطقية منذ اكثر من ربع قرن شاء المالكي ام ابى .  .  حين قسّمت النضال السياسي الى صراع بين طوائف و مكوّنات، صار فيه الدكتاتور صدام و حزبه و كأنما كانا يمثلان السنّة و يدافعان عنهم، رغم العديد من الأدلة النافية الدامغة التي لايتسع لها المقال . .
في وقت يصف فيه اقرب مستشاري رئيس الوزراء السابق دورالإعتقالات الجماعية العشوائية التي اتّبعتها الوحدات الأمنية الحكومية في مواجهة التفجيرات و عموم الإرهاب، و كيف انها خلقت اعداءً حقيقيين للدولة القائمة .  . فاضافة الى الأساليب القاسية المتّبعة مع المعتقلين العشوائيين، فإنهم يحتاجون شهوراً لإثبات برائتهم، و شهوراً  اخرى تمتد الى سنوات لإطلاق سراحهم الذي لايتم الاّ بدفع مبالغ ضخمة لاقدرة لهم و لعوائلهم على دفعها، خاصة بعد انقطاع موارد رزق ربّ العائلة او معيلها لأنه قابع في السجن .
فإن مجئ داعش الإرهابية التي دعمتهم اجتماعياً و مالياً ثم جنّدتهم، شكّل بنظر اوساط ليست قليلة منهم انقاذاً لهم و لعوائلهم من ظلم و قهر بعد ان سُدّت امامهم ابواب الرحمة .  .  و يصل المستشارون و يؤيدهم كثيرون كما نُشر في وسائل الإعلام العالمية و الإقليمية حينها، الى انه كانت هناك اماكن ساقطة عملياً بسبب تلك السياسات بيد داعش قبل اعلانها عن احتلالها، وبالذات في الدليم وفي الموصل، و انهم حذّروا رئيس الوزراء في حينه من ذلك . 
الأمر الذي يرون بكونه هو السبب باستمرار الإنفجارات و الأعمال الإرهابية او تصاعدها رغم تلك الإعتقالات، لتشمل الأعتقالات الجديدة اعداداً اكبر مما مضى و لتتسبب بمآسي اكبر و بارهاب اشّد و اوسع، و يعزون ذلك الى عدم كفاءة القائمين على الأجهزة الأمنية و دور الأنتهازيين و المتسلقين الذين يتسببون بافدح الأضرار للدولة و البلاد .
و يرى متخصصون ان فشل حكومتي المالكي في انهاء الارهاب يعود الى اقتصاره في مواجهته  على البعد الأمني والعسكري وإهماله أبعاده السياسية والفكرية والاقتصادية، الأمر الذي قد ينطبق او يعود الى تقليد الادارة الأميركية في مواجهتها للإرهاب، المواجهة التي شكّلت تجربة امتدت لأكثر من عقد من الزمن وشنّت فيها حربين دوليّتين في أفغانستان والعراق .  . لتثبت قصور الإعتماد على البعد الأمني و العسكري لوحده و ضحالة نتائجه، فرغم وصول عمليات الاغتيال في افغانستان و باكستان و اليمن و غيرها إلى انهاء عدد من قادة الإرهاب وكوادره وعلى رأسهم اسامة بن لادن، الاّ انه لم ينهيه ان لم يزد الأوضاع سوءاً .
من جهة اخرى .  . يعيد قسم من الباحثين السبب الى التقصير في دعم تيارات الاسلام المعتدل وإهمال دورها الفكري في تعرية قوى التطرف ومحاصرتها، دون الأخذ في الحساب بأن الاسلام السياسي عموماً يشكل حاضنة موضوعية للفكر الجهادي الإرهابي، فكلاهما ينهلان من منهل واحد وكلاهما يسعيان إلى تطبيق الشريعة الاسلامية وما يعتقدانه بحكم الله على الأرض وإن اختلفا في الأشكال والأساليب، ولن يتوانى السلمي منهما عن استخدام اكثر الوسائل استئثاراً وبربرية لحماية ما يعتبره حقه المقدس، والأمثلة كثيرة لايسعها المقال .
و يضع قسم آخر المسؤولية على فشل الإصلاح الديني، الذي يؤدي إلى غياب العقل و الى العجز عن تأسيس رؤية جريئة تحدث قطيعة نهائية بين الدين والدولة، في مجتمعات أدمنت الجمود والتقليد وصارت في أمسّ الحاجة إلى نشر العقلانية في طرائق التفكير ورسم الحدود بين الدين وأزمات الواقع واحتياجاته وفق منطق العصر وحلوله العلمية.
و في المحصّلة الأخيرة فإن السير على طريق القضاء الحقيقي على الإرهاب، يتطلب الإعتراف  بأن النهج القديم الذي اتّبع في الحرب على الإرهاب قد ساهم في نشر الإرهاب ذاته، خاصة و انه ارتكب اخطاءً طائفية و اقتصرعلى ردود الأفعال الأمنية الموقتة، والأهم لأنه تراجع عن منح الأولوية للتنمية الديموقراطية، ليس فقط لأنها تكرس قيم الحوار والنضال السلمي واحترام التعددية وحقوق الانسان، أو لأنها تمكن الناس من الدفاع عن مصالحها والمشاركة في معالجة أزماتها، وإنما أيضاً لأنها المناخ المناسب لتفتح النقد والإبداع والاجتهاد الفقهي وبالتالي لإنجاح إصلاح ديني يُنهي العلاقة المرضية بين الدين والسياسة، فهزيمة الاصلاح الديني لم تكن إلا نتيجة لهزيمة حرية مجتمعاتنا وحقوقها ولانتصار الشمولية الأيديولوجية والأحادية السياسية في سدة السلطة .  .
الأمر الذي لايمكن ان يبدأ في بلادنا بعد كلّ الذي جرى، دون اجراء مصالحة وطنية كبرى و التذكير بأن  الشعوب التي صنعت كياناتها و دولها، وضعت الامن والخدمات والعدالة الاجتماعية وتضييق الفجوات ومكافحة الفساد والحفاظ على كرامة الانسان مهما كان مكوّنه عبر برنامج معدٍّ في اجواء التخصص والكفاءات والايجابية .  .   

6 / 9 / 2014 ، مهند البراك


12
الشيوعيون على عهدهم ، في مواجهة داعش

        د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net
   
قيل و كُتب و نًشر الكثير عن نضالات و تضحيات الشيوعيين العراقيين و الكردستانيين من ابناء مختلف المكونات العراقية القومية و الدينية و المذهبية .  . نضالاتهم التي امتدت طيلة اكثر من ثمانين عاماً و الى الآن .  .  من اجل وطن حرّ و شعب سعيد، من اجل الحرية و الكرامة و احترام الإنسان العراقي أمرأة او رجل و احترام حقوقه و مكانته بين الأمم . .
حتى صار نضالهم  بتقدير ابرز وجوه المجتمع، جزءاً لايتجزّأ من الروح العراقية و نبضها الحي في التآخي و التقدم و من اجل الوطن و الشعب و من اجل تساوي حقوق مكوّناته سواء كانت قومية او دينية او مذهبية، رجالاً و نساءً . . و من اجل الدفاع عن الأرض و العرض .
و اليوم و باجرام داعش الذي لايحدّه حد لااخلاقي و لاديني ولا إنساني . . بادر عشرات الشيوعيين و مؤازريهم و اصدقائهم الى التطوّع و دعم قوات البيشمركة في معاركها الضارية من اجل المساهمة الفعّالة في تحرير البلاد من الوحشية و العنف الديني و الطائفي .  . مدللين من جديد على مواقفهم المخلصة للبلاد و لكردستان في الدفاع عن مدنهم و قراهم و عن الجماهير.
بل و ساهم عدد مع وحدات البيشمركة او في تجمعات و مفارز شكّلوها في مناطقهم لمواجهة الاعداء فيها، رغم اسلحتهم البسيطة و عتادهم المحدود . . ففيما حمل الشيوعيون و مؤازريهم السلاح و ذهبوا الى جبهات القتال لدعم وحدات البيشمركة في مناطقهم دفاعأ عن الجماهير كمقاتلين و كأدلاّء، فانهم شكّلوا حيثما امكن مفارز بارتيزانية نشيطة بالتنسيق مع القوات الحكومية ( الحشد الشعبي ) وقوات البيشمركة في اقليم كردستان .  .
و نجحوا بتلك القوات المشتركة في اجبار مسلحي داعش على الهروب من مناطق مخمور، كوير، قره جوغ ، و مناطق اخرى، بعد ان كبّدوهم اعداداً من القتلى و الجرحى .  .  فانهم حققوا نجاحات بتوجيه ضربات مفاجئة موجعة لهم في عدد من قرى منطقة سهل الموصل، اضافة الى توجيه عدد من مفارزهم المنطقية المشكّلة من الأيزيديين سواء كانوا حزبيين او أصدقاء و مؤازرين ضربات لهم في القرى المحيطة بسنجار .  .   
و من جهة اخرى، و فيما لاتزال تلك العمليات متواصلة لتحرير الارض و الأهالي من براثن مسلحي داعش بدعم من الضربات الجوية الأميركية و الحكومية الفاعلة، تفيد مصادر متنوعة إن مفارز منها واجهت المسلحين ولاحقتهم داخل الاحياء السكنية في جلولاء، اضافة الى مواجهتها ايّاهم في القرى المحيطة بها، جنبأ الى جنب وحدات البيشمركة في محافظة ديالى.
و تلعب منظمات الحزب ادواراً هامة في دعم و مساعدة العوائل المسيحية و الأيزيدية و العربية و غيرها، التي اضطرت للنزوح من بيوتها و مدنها وقراها، بسبب الاعمال الإجرامية لداعش و تهديداتها ايّاهم ، و يساهم متطوعون فاعلون من ابناء عوائل شهداء منظمة الأنصار الشيوعيين، و من العوائل الصديقة و المؤازرة ممن لبّوا نداء الحزب لمواجهة داعش و انجاح العمليات التي تقاتل الارهابيين القتلة .  .
و تمشياً مع سياسة الحزب الشيوعي الكردستاني في دعم قوات البيشمركة الرسمية و عدم تشكيل الميليشيات المسلحة و تعددها  .  .  يؤكد كثيرون على ضرورة الاهتمام بالاعمال الساندة لأعمال وحدات قوات البيشمركة و ادامتها .  . تدريبا و تسليحاً لتكون عوناً كفوءاً و اكثر استعداداً لدعم القوات الرسمية للبيشمركة و للدفاع عن جماهير مناطقهم، و خاصة من الأجيال الشابة الجديدة وريثة الأباء من " انصار الحزب الشيوعي "، الذين اثبتوا في نضالاتهم الدامية ضد الدكتاتورية، شجاعتهم و تحقيقهم النجاحات و وفائهم لشعبهم ووطنهم .  .  و تقديمهم اغلى التضحيات و الشهداء من اجل انتصار النضال العنيد في سبيل كردستان متحررة سعيدة و من اجل عراق ديمقراطي موحد !


28 / 8 / 2014 ، مهند البراك


13
الأيزيديون الأحبة يا جرحنا الجديد !!
        د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net
   
لم تهدأ جروح العراقيين المؤلمة و جرحاً يختلف عن جرح بمآسيه و عمقه و احزانه اللامحدودة، وهي ان لم تصب العرب بسنتهم و شيعتهم بمقتل كمكوّن و كوجود رغم عظم تضحياتهم، الاّ انها اصابت حدقات العيون من قوميات الشعب العراقي، الثانية الكردية و اقلياته الدينية و القومية من المسيحيين باطيافهم، الكرد الفيلية، اليهود، الصابئة المندائيين، التركمان، الشبك، و اخيراً الأيزيديين . . الذين بمجموعهم و عيشتهم معاً و تفاعلهم الحي ببعضهم شكلوا و يشكلون جوهر الروح العراقية .  .
بعد ان ساهموا جميعاً برجالهم و نسائهم في معارك الشعب و قدّموا آيات البطولات و التضحيات في الازمنة الحديثة من اجل التحرر و الكرامة و من اجل التآخي القومي و الديني و الحقوق القومية و الثقافية و مواجهة العنصرية  على طريق الرفاه و العدالة الإجتماعية، وقد اسهم الأيزيديون بقسط كبير في النضالات تلك . .
بل و اذا مابرز الروائي الكردي الايزيدي الشهير عرب شمّو (1) بكتابه " قلعة دمدم " مفخرة التأريخ الكردي . . فقد برز عدد من خيرة البيشمركة الأكراد و قادتهم الميدانيين من الأيزيديين الكرد في النضال ضد دكتاتورية صدام الدموية من اجل الديمقراطية و الحقوق القومية العادلة لكردستان العراق .  .  بشهادة معارك جبل كاره الشهير الاولى و وقوفهم بوقت مبكر بوجه السلطة، بعيد الأنهيار المؤسف للثورة الكوردية عام 1975 بسبب الاتفاقات الدولية .  .
و بلمحة تأريخية سريعة . . بعد فرهود اليهود عام 1951 و الإسقاط المؤلم لجنسيتهم العراقية كانت الضربة العنيفة التي وُجّهت الى الأقليات هي انقلاب شباط 1963 الذي اضافة الى انتقامه من طموح الشعب و ممثليه، انتقامه الهائل من افراد الأقليات الذين واجهوا الظلم المضاعف على يد بعثيي انقلاب شباط العفالقة .  .
ثم تصور الناس ان المآسي الكبيرة انتهت و بقيت المظالم، التي بدأت بالإفلات من عقالها بجريمة تهجير الكرد الفيليين عام 1969 بهجوم العسكريين على بيوتهم وسوقهم بملابسهم بشاحنات لرميهم خارج الحدود، فيما تواصلت الضغوط و مصادرة حقوق الأخوة المسيحيين . . و استمر ذلك متواصلاً و متراكماً . .
و كانت قمة الجرائم .  .  مأساة حلبجة التي دُكّت بالأسلحة الكيمياوية، و حملات الأنفال سيئة الصيت بعشرات آلاف الضحايا المدنيين، التي وجّهت الى الكرد و كردستان و التي وجّهت ضمن من وجّهت بقسوة اشدّ اليهم . . ما وجّهته الى الكرد الايزيديين، حيث قتلت عوائل قرى بكاملها بشيبها و شبابها و نسائها و اطفالها  . .   
   ان المظالم التي واجهتها القوميات و الأديان الثانية في العراق في الحقبة الأخيرة جرت، رغم ان تلك القوميات و الأديان عاشت و بنت و عمّرت طيلة قرون في ظل الخلافات ـ جمع خلافة ـ الإسلامية المتتالية التي لم تواجه فيها محناً غير مألوفة لزمانها، بدلالة انها واصلت الوجود و واصلت عباداتها الله بقناعاتها رغم انواع الإعتصام و الآلام و الكفاح من اجل الوجود، عند الشدائد . .
الاّ إنها تواجه اليوم عصابات داعش المجرمة التي تكفّرها و تلصق بها عبادة الشيطان وهي منه براء فهي تعبد الله الأحد .  . في مسيرة انتقامية مبنية على ديدن داعش في الكذب الذي وصل الى درجة اعلانهم بأن القرآن المتداول مُحرّف و بدأوا بتغيير القرآن ذاته .  .
و يرى متخصصون بأن المجرمين الأغبياء و منظّريهم قد لايفهمون ولا يستطيعون فهم الديانات الأخرى و لا آليات مفاهيمها في عباداتها كـ (آخر)، لأنهم لايستطيعون العيش مع (الآخر) فيكفّروه و يحاولوا ان يقتلوه و يمثّلوا به .  .  في عصرنا الذي تجاوز تلك الحروب و المسالخ البشرية التي دارت في العالم في عصور مضت .  .     
   حتى صار البعض يذهب الى ان الحق صار و كأنه لايمكن الحصول عليه إلا بحدوث كارثة حقيقية، او مأساةٍ مُرّوِعة تهزُ العالمَ هّزاً .  . و هو ما يجري الآن على يد داعش التي تسببت بسقوط آلاف القتلى الإيزيديين من فُقراء سنجار (شنكال) وقُراها، مئات السبايا من النساء والصبايا الإيزيديات ليجري بيعهن في سوق النخاسة، و مئات الأطفال الذين ماتوا عطشاً وجوعاً، اضافة الى مئات الآلاف من المُشردَين الإيزيديين في أصقاع الأرض . . في جريمة مروّعة من جرائم الإبادة الجماعية، فاقت الجرائم التي واجهتها منهم الأديان و المعتقدات الأخرى، على آلامها الشديدة  .
و يفكّر آخرون بالم كما لو ان عموم الأكراد احتاجوا عمليات قذرة كعمليات الأنفال التي تسببت بهجرةٍ مليونية ومئات آلاف الضحايا الكرد .  .  ليتحرّك الضمير و الرأي العام و القوى العظمى في العالم لنجدتهم، و يرى مثقفون و كتّابٌ اكراد و بأسف الى ان الأيزيديون الكرد الأصليون، على ذلك القياس، كأنما هم بحاجةٍ الى مأساةٍ مُرّوعة " كي نلتفتُ نحنُ بَني جلدتهم إليهم، وحتى تنتبه الدُنيا لهُم قليلاً " على حد تعبيرهم .  . في وقت لاتزال النقاشات فيه حامية في البنتاغون هل يرسلون نجدات انسانية عاجلة للأيزيديين ام لا ؟؟ .  .  و الوقت يمر و يهلك عشرات و مئات جدد منهم، من الجوع و العطش على جبال سنجار . .
من ناحية اخرى، و رغم محاولة مجاميع من رجال الأيزيدية ـ اثر انسحاب وحدة البيشمركة المكلفة بالحماية هناك ـ  محاولتهم مقاومة داعش في سنجار باسلحتهم البسيطة و عتادهم الضئيل برز منهم البطل " قاسم ششو" و رفاقه، بعد جهودهم المبكرة و طلبات للتسليح لم يستجاب لها كما يُتناقل .  .  تشكّلت مجاميع من البيشمركةالأيزيديين الآن بدعم حكومة الإقليم و الأحزاب الكردستانية و خاصة ب. ك. ك ، للنضال المسلح لتحرير سنجار و قراها من داعش المجرمة .  .
تطالب اعداد كبيرة من الأيزيديين اليوم كما تتناقل وكالات الأنباء و مواقع التواصل الإجتماعي،  اضافة الى المساعدات الإنسانية الملحّة، يطالبون  بحماية دولية، لإستحالة العودة الى مدنهم و قراهم بتقديرهم، بعد الآلام و الجروح الهائلة التي قد لاتعالج بسهولة، و بعد ان سادت انواع الروايات و الوشايات عن المسببين و المتواطئين مع المجرمين و الأسباب (2) .  . و ما تثيره من ثارات و محن قد لاتنتهي .  . 


18 / 8 / 2014 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   عرب شاميلوف (1897-1978) من كبار الروائيين الكرد العالميين له روايات عديدة اشتهرت منها  (قلاي دمدم) .
2.   اصدر السيد مسعود بارزاني امراً باعتقال المسؤولين عن منطقة سنجار للتحقيق معهم، و وعد بعقوبات قاسية بحق المذنبين و سيجري اعلانها . 


14
الحكومة الجديدة و اهمية دور الجماهير !
        د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net
   
بعد تأريخ حافل للجماهير العراقية باطيافها، التي لعبت اهم الأدوار في تحقيق و تثبيت الإنتصارات التي تحققت للبلاد في عقود سابقة .  . الاّ انها انقطعت بفعل ارهاب الدكتاتورية و بالعمليات الفوقية للتغيير و ادوار العوامل الخارجية في تحريك التغيير وصولاً الى تنفيذه كما تم باسقاط الدكتاتورية بحرب خارجية حققت ذلك، الاّ انها اعلنت الإحتلال و وقفت الحكومات اللاحقة بقوة بوجه اي تحرّك جماهيري معارض .  . ثم مالعبته الأدوار الخطيرة للإرهاب بشكل غير مسبوق لإسكات و تحطيم التجمعات الجماهيرية . .
في وقت يلعب فيه التحريك الجماهيري و كسب الجماهير دوراً مصيرياً في انجاح اية سلطة تستلم الحكم، لأنه يبرز حجم المؤيدين لإجراءات الحكومة القائمة و يشجّع على الأنتماء لهم من جهة، و يبرز حجم المطالبين بقضية ما و تقدير مدى جديّة تلك القضية و خطورتها من جهة اخرى، و هو مسألة هامة لمعرفة و قياس مدى صحة الخط او البرنامج الذي تنتهجه الحكومة .  . اضافة الى كونه المدرسة الأولى للجماهير لتلعب دورها في تقرير مصيرها و المساهمة في تحقيق مطاليبها بيدها . . 
ولابد من القول بأنه لايخفى الدور الخاطئ الذي لعبه رئيس الوزراء السابق المالكي في تحريك الجماهير لصالحه باستغلاله المناسبات الدينية ذات المدلول الطائفي فقط، و محاولته تجييرها لتأييده هو بشعارات مزايدة وصفته بكونه (مختار العصر) معمقة اساليب تعمية الجماهير و ضياعها في المقدّس و استغلال ذلك لمنافع انانية شخصية . . و قيامه بتحريك اوساط مدفوعة الأجر، لمواجهة تحركات جماهيرية حقيقية كما حدث في تجمعات نصب الحرية في بغداد و تجمعات مشابهة في ساحات البلاد على طول المحافظات العراقية و عرضها، التي تلاحمت مع المطالبات الكردستانية في تحقيق ضغط على الحكومة الأتحادية لتحقيق حكم فدرالي برلماني عادل .
و فيما ووجهت الحركات الجماهيرية المطالبة بالإصلاح و بالحريات، بالعنف و الضرب و وصلت فيها اجهزته الى مواجهتها بالرصاص الحي و سقوط العشرات شهداء و جرحى، و جرت اغتيالات و مطاردات و اعتقالات و حفلات تعذيب بأخسّ الأساليب لخيرة شابات و شباب البلاد .  . في مجرى مطالبات شعبية عادلة كان من شأن تطبيقها، تثبيت الحكم على اساس تحقيق خطوات على طريق الرفاه و العدالة الإجتماعية .  .
الضمانة الأساسية لكسب الجماهير لصالح العملية السياسية و من اجل تحقيق نجاحات حقيقية ضد العصابات الإرهابية .  . حتى صارت البلاد تعيش محناً جديدة متواصلة و متزايدة الخطورة تمثّلت في غياب الامن و سيطرة الإرهاب الذي فتح الباب عريضاً لـ داعش الاجرامية اللااخلاقية الناشطة بستار ادّعائها بحماية الدين بل و ادّعائها بتأسيس دين جديد !!! 
و على ذلك، لابد من القول ان تغيير المالكي بالرغم من كونه لم يخرج عن عملية تغيير اشخاص يعودون لقيادة حزب واحد، و ان المرشح الجديد قيادي معروف في ذات الحزب و لم يبدر منه بعد ضمان عملي للتغيير، ضمان الى انه لن يسير عمليّاً على نهج سلفه المالكي الذي يحتل موقع رئيسه في حزب الدعوة الى الآن .  .
الاّ ان ذلك التغيير بتقدير اوساط تتسع،  جاء تلبية لرغبات الشارع المكبوتة، رغبات غالبية مكونات الشعب العراقي بسنته و شيعته و اديانه بعربه و كرده و قومياته الأخرى، و يشكّل بداية واعدة لنجاح المطالب و الشعارات التي رفعتها معارضة المالكي و قدمت في سبيلها انواع التضحيات، و يشكّل بداية لتحرّك تلك الطاقات الشعبية بالإتجاه الصحيح ان أحسنت قيادتها و التعامل معها .  .  قياساً بما جرى من تبديدها المؤسف في المناطق السنيّة و ضياعها الى جانب داعش الإرهابية و الذي تسببت به اساساً حكومة المالكي، رغم بدء الأنتفاض ضدّ داعش الآن في تلك المناطق . . 
و يرى سياسيون و مجربون، ان التغيير اضافة لأهميته في الإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة، فإنه بداية لإنطلاق حركة شعبية واعية قائمة على الأسس المجربة للحكم الوطني و ليس حركة ضائعة تائهة في النواح و البكاءعلى ماجرى في قرون مضت، التي يتطلب احياء ذكراها مناقب من نوع اخر تصون ذكر و مكانة آل البيت . . حركة شعبية  لاميليشيات مسلّحة حتى الأسنان تتحرّك تلبية لأشارات مصالح خارجية اقليمية او دولية او تكون اداة لجهة واحدة للسيطرة الأنانية على الحكم  .  .
فوجود حركة شعبية منظمة يشكّل الأساس الضروري لكل حكم يبغي النجاح و الثبات على اسس التبادل السلمي للسلطة ، لدعم المسيرة السياسية و تحقيق اوسع دعم و تطوّع منظّم في القوات المسلحة الحكومية لمواجهة المنظمة الارهابية داعش .  . خاصة و ان احتجاجات متفرقة تظهر الآن و تتحوّل الى مشاجرات قد تتطوّر، بدأ بها من فقدوا امتيازاتهم غير المشروعة اثر تنحيّ المالكي .  .  بعد كبت تراكم للمتضررين لسنوات !

16 / 8 / 2014 ، مهند البراك 
   


15
     
الوحدات القذرة داعش (1)
        د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net

   كأنما كان احتلال الموصل و خروج داعش الى العلن، كشفاً لغطاء ثقيل عن اعمال سريّة كانت تجري على قدم و ساق، او بدءاً لمرحلة جديدة في نشاط منظمة ارهابية من التي تقوم على نفس اسس قاعدة بن لادن الارهابية .  . و لكنها لاتكتفي باهدافها بالوعود لمقاتليها بحوريات في السماء، و انما منظمة لها برنامج دنيوي يسعى لإقامة دولة او دول (اسلامية) وفق الظروف الدولية القائمة بنظرها، لتحقيق اهدافها و تثبيت دينها الجديد الفاعل بإسم الإسلام  كـ (اسلام جديد) مبني على احداث غابرة و على روايات الاولين .  .  .  في منطقة اقليمية تمثّل مركز الثقل الجديد في العالم من حيث اهميته الستراتيجية الدولية و خاصة في الأمن و الطاقة .  . 
   و يرى خبراء بأن داعش و ما شابهها و ان كانت مشروعاً ينشط بإسم الدين و المقدّس، الاّ انه يمكن ان يحقق اهدافاً ستراتيجية لعدد من بيوت المال و الإستثمارات العالمية و الإقليمية الكبرى .  . بل يمكن ان يغيّر حتى كيان و بنيان الدول القائمة في الشرق الاوسط وفق تقسيم و اعادة تحديد جديد لمصالح الدول و القوى العظمى و الإقليمية في المنطقة . .    
   و يشير متخصصون سياسيون و نفطيون ان داعش و اهدافها النفطية بتركيزها على ضرب و احتلال مناطق آبار النفط و تعيّشها على موارده، و سعيها لمحاولة الدخول كبلد نفطي في المنطقة، يجعل منها مشروعاً يصب في محاولة كبرى لإعادة تقسيم البلدان النفطية في المنطقة و تشديد استغلالها لصالح احتكارات بعينها، و للتاثير بذلك على تناسب حصص دول اوبك، و على تسعير النفط بالاسعار الملائمة لتلك الاحتكارات .  .
موظفة لذلك غياب الدولة و مؤسساتها في دولنا الناقصة المأزومة، حين تشكّلت و اعلنت عن نفسها فيها و في الدول التي تستهدفها لاحقاً  .  . موظفة لذلك معاناة الملايين من البطالة و الفقر و التخلف اثر عقود من حكم انظمة ديكتاتورية حكمت بالحديد و النار و بإشعال الحروب، التي لجأت فيها اوساط واسعة من يأسها الى مختلف الافكار الدينية كملاذ موجود او ما صنعته هي لها، سواء بمنطق الاديان السماوية المعروفة او بمنطق آخر، فظهر و كأنه دين جديد . .
و يرى محللون و مراقبون انها بقسوتها و وحشيتها التي لا تكفّ عن نشرها و تهويلها بما يمكن على مختلف مواقع التواصل الإجتماعي و الشخصي .  .  تحاول اضافة الى خلق مناخات الرعب التي تدفع معاديها الى الاستسلام لها دون مقاومة موظفة لذلك تعاليم جنكيزخان (2) في اسقاط المستهدف بإثارة رعبه من على بعد .  .  فإنها تسعى لجذب الاوساط الاشد فقراً و نقمة على الحياة ذاتها، التوّاقة الى ممارسة تلك الوحشية ثأراً لمعاناتها من واقع حياتها المزري. 
و الملفت ماكشفه " ادوارد سنودن " (3) الموظف المنشق عن وكالة الأمن القومي الأميركية و تناقلته وكالات الانباء الدولية و الإقليمية، بأن وكالته بالتعاون مع نظيرتها البريطانية M16   و الاسرائيلية الموساد، هي التي مهّدت لظهور داعش .  .  و ما اكّده من تعاون أجهزة الدول الثلاث لخلق تنظيم إرهابي قادر على استقطاب المتطرفين من جميع أنحاء العالم في مكان واحد في عملية يرمز لها بـ (عش الزنابير)(4)، وفق خطة بريطانية قديمة عرفت بذات الاسم لحماية إسرائيل .  . 
خطة تقضي بإنشاء دين شعاراته إسلامية، و يتكون من مجموعة من الأحكام المتطرفة التي ترفض أي فكر آخر أو منافس(5). و بحسب وثائق سنودن، فإن الحل الوحيد لحماية الدولة العبرية يكمن في خلق عدو قريب من حدودها، منهمك في مقارعة اعدائها الآخرين و في اشغالهم بمقارعته . الأمر الذي اكّده الشيخ نبيل نعيم القيادي السابق في الجهاد المصرية و القاعدة الارهابية في مقابلته في قناة الميادين في 2 تموز 2014 .  .  و تناولت جوانب هامة منه وزيرة الخارجية الاميركية السابقة هيلاري كلينتون في مذكراتها المنشورة مؤخراً التي تناولت تعاون الولايات المتحدة مع الاخوان المسلمين نحو اعلان دولة اسلامية في المنطقة.   
و فيما يرى محللون ان غياب الدولة قد ابرز دور العشيرة و القبيلة، و يصل قسم منهم بانها الاساس الاكثر نفوذا في مجتمعاتنا بعد تشكّل و حكم و مرور دول لم تُغيّر شيئاً من واقعنا المتخلف، لأنها بنيت على اسس ناقصة ابتداءً من جهة و قسرية من جهة اخرى .  . فإن تلك التنظيمات الارهابية ترى في نفسها بأنها الاجدر لقيادات مجتمعات المنطقة و دولها الجديدة .
على ذلك فان مواجهتها يتطلب الكثير من التروي لخبثها الخطير، و الاستعداد الحقيقي و الواقعي  لمواجهتها سياسياً و مادياً و لوجستياً و عسكرياً و ثقافياً و دولياً ، بعيدا عن الحماسيات الفارغة التي لدينا منها تأريخ حافل يشهد بعجزها و بتجميدها لطاقات هائلة كان يمكن ان تحسم قضايا و قضايا مصيرية كبرى .  . 
و يؤكّد خبراء مستقلون على ان الحلول تكمن في تحطيم الحواضن الاجتماعية المشجعة لوجود منظمات الإرهاب و نموها و خاصة مجتمعات الفقر و الجهل و العنف و المخدرات و التهتك الأخلاقي، و اهمال الدين الناصر للفقير و الضعيف و الرؤوف ببنات و ابناء الديانات و المذاهب الاخرى، الدين الداعي الى العدل و الحق و الإحسان، الداعي الى التسامح بين ابناء البلد الواحد الذين عاشوا قروناً بتآخي و واجهوا اشد الاخطار و المحن معاً يداً بيد و كتفاً لكتف .


9 / 8 / 2014 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   الوحدات القذرة هي الوحدات العسكرية غير النظامية، التي تتكون في العادة من جنود مرتزقة من الساقطين اخلاقياً ومهنياً، و تعود الى القوات النظامية و تتكلّف بالقيام باشد الاعمال خسّة و دناءة بلا رادع لاقانوني و لااخلاقي، كما كان في معارك فيتنام و حروب القارة الاميركية اللاتينية و نيكاراغوا و حرب العراق .  .
2.   تدرّس تعاليم جنكيز خان في دورات اعداد مقاتليهم .
3.   نشر كتسريبات عن سنودن في موقع انترسبت في تموز الماضي .
4.   باللهجة الشامية : عشّ الدبابير .
5.   حيث اعلنت داعش عن عزمها تغيير القرآن، لأن فيها ماكُتب لأهداف سياسية سابقة، لم تعد نافعة بتقدير مرشديه، و بالذات ما ورد فيه في سورة الكافرون و آيات التطهير.





16
المالكي لايريد (اعطائها) لغيره !
        د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net

منذ ان جلس على كرسي رئاسة مجلس الوزراء قبل اكثر من ثماني سنوات و في مقابلة معه عبّر المالكي عن موقفه من التبادل السلمي للسلطة بعبارة ـ احنا ما ننطيها(*)ـ ، و كان يقصد بأن تحالفه السياسي الطائفي الحاكم لايعطي السلطة لغيره و اثار بذلك سخطاً حوله، حتى وصل  باسلوبه على ذلك في سنوات حكمه الى جعل نفسه كـ (قائد عام) يحصر السلطات بيده، ثم وصل الى انه شخصياً لايريد اعطائها لغيره، سواء كان من تحالفه او من تحالفات غيره.
   حيث دأب السيد المالكي على الإنفراد بالقرارات، و على جعل الهيئات المستقلة خاصة ـ القضاء الأعلى، مفوضية الانتخابات، النزاهة، و غيرها ـ  طوع يده كـ ( قائد عام)، عليها ان تطيعه .  .  ضارباً عرض الحائط بأهميتها الدستورية و بكونها قد تشكّلت لأجل سلامة و نجاح العملية السياسية الدستورية، التي خُطط لها لتكون تعددية توافقية.
الإنفراد الذي يصفه من اتى به الى رئاسة مجلس الوزراء، من علي الخضيري الى خليل زاده و غيرهما من قادة و فاعلي القوات و المخابرات الاميركية، يصفوه بكونه بسبب طمعه الزائد  بالسلطة، و يصفوه بان له ملامح سلوك استبدادي دكتاتوري، قد يستطيع عبور مرحلة و لكن تحت رقابة صارمة (راجع الواشنطن بوست، نيويورك تايمز لشهر تموز الجاري )  .  .
و اثر تفاقم الإرهاب، تزايد المطالبات الشعبية بتوفير الخدمات و الحريات ، و تأزّم العلاقات بين الحكومة الإتحادية برئاسته و بين حكومة اقليم كردستان، و غيرها من المشاكل العقدية .  . طالبته الكتل الكبرى بالاستقالة دستورياً لعدم كفاءته بالحكم، في اجتماعات عليا لها عقدتها في اربيل و النجف منذ اكثر من سنتين، الاّ ان المالكي قابل ذلك ببرود، مستنداً على الدعم الإيراني و الأميركي، في ظل وضع اقليمي ساعد على ذلك الدعم آنذاك . . بانتظار الإنتخابات التشريعية التالية !!
الى ان اجريت الإنتخابات التشريعية، الاّ ان مشاكله تفاقمت اكثر، و كانت احدى ابرزها ما ادىّ الى سقوط الموصل، و صارت المطالبات تضم بعد اجراء الانتخابات المذكورة : كتل التحالف الوطني الشيعية الاخرى، الكتل الكردستانية، الكتل السنية، التحالف المدني الديمقراطي .  . التي ادّت ضغوطها ضد اصراره على دورة ثالثة له، في سابقة دستورية غير مألوفة و بأنواع الأحابيل .  . ادّت الى خروج كتل هامة من تحالفه الذي يقوده هو شخصياً ـ دولة القانون ـ ، عليه.
في وقت ابدت فيه المرجعية الشيعية العليا للسيد آية الله العظمى السيستاني في النجف، تأكيداتها على رفض مواصلته لدورة ثالثة، و اكّدت طلباتها من المسؤولين الحكوميين على عدم التشبث بكراسيهم، لأجل الإتيان السريع بحكومة جديدة اكثر كفاءة، قادرة على تخليص الشعب بكل اطيافه و مكوّناته من الويلات التي يعيشها و التي كأن لانهاية لها، فيما تزايدت تصريحات المسؤولين الأميركان بضرورة تنحيّه من منصبه، و اخيراً تصريحات دوائر ايرانية عليا بمفاجأتها من اصراره اللامعقول على مواصلته للحكم لدورة ثالثة . . . رغم جهوده و جهود مرسليه لتهدئة المواقف الكبرى المعارضة لأستمراره ذلك.
و يرى محللون و سياسيون ان دورتي حكم المالكي و رغم اجراءات ايجابية لها هنا و هناك، الاّ انّها ادّت الى احتقان المجتمع و انقسامه الحاد بمكوناته، تصاعد الارهاب و الصراع الطائفي و الديني، تزايد الفساد، و الهجرة و التهجير على الهوية الثانوية .  . بسبب انشغال كل سياسيي الكتل الحاكمة بتحقيق مصالحهم الشخصية و الضيّقة و زيادة تأمين بقائهم على كراسيهم بكل الوسائل اللادستورية، التي يتحمّل فيها المالكي المسؤولية الأولى بأعتباره رئيس الحكومة و المحصورة بيده و بيد مكتبه اعلى الصلاحيات التي تخص الداخلية و الدفاع، الأمن و الشرطة الاتحادية، ميزانية الدولة و غيرها، بعيداً عن السماح بأي دور للبرلمان و لرئاسة الجمهورية.
حتى وصل الحال الى سقوط الموصل ثاني اكبر مدينة عراقية اصيلة و مركز محافظة نينوى، و انسحاب الجيش النظامي منها بوحداته و اصنافه، خوفاً من عصابة قطّاع طرق و مجرمين عاديين مدعومين بفلول صدام المنوّعة .  . السقوط الذي كأنه فتح تأريخاً جديداً مريراً اكثر وحشية في العراق و المنطقة الاقليمية، بعد سنوات من سيطرة و عمل داعش السريّ فيها . . 
و فيما يتوسّل المالكي بكل الوسائل لمواصلة الحكم، التي وصلت الى حد تهديد (البيت الشيعي) بالتشظيّ و خاصة بسبب الخلاف الحاد بين التحالف الوطني الجامع للمكوّن الشيعي و بين ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي .  . تتزايد تساؤلات و تقديرات اوسع الاوساط الشعبية و النخبوية و السياسية، لماذا يحاول المالكي باصرار على الخروج عن الدستور و لماذا يتشبث بكرسيه رغم سعة القوى المعارضة له . . ؟؟
هل يخاف من حساب الشعب ان نزعت عنه حصانة كرسيه ؟؟ هل يخاف من التقييم و الحساب عن كيفية سقوط الموصل التي يبدو ان لديه يدٌ في تركها تسقط بذلك الشكل المأساوي؟ ام هو شعوره بالذنب الذي يجعله يطمح الى فرصة اخرى، عسى ان يرقّع ماتسبب به، عاجزاً عن ادراك لااهليته للمنصب الذي شغله لدورتين !! لا اهليته لقيادة و تنفيذ العمل من اجل تحقيق حكم وطني برلماني تعددي .  .  ناسياً ان الإنتخابات اسفرت بالنسبة لائتلاف دولة القانون عن حصول حزبه (الدعوة) على 13 مقعدًا فقط ضمن ذلك الإئتلاف.       
   الأمر الذي يطرح تساؤلاً كبيراً .  . على ماذا يعوّل المالكي في دعم اصراره ذلك و تحقيق هدفه في دورة ثالثة ؟؟ هل يستند على الحرس الثوري الايراني لتنفيذ مايريده بالقوة و بالتلويح بها ؟؟ ام هل سيتوجّه للتفاهم مع داعش كما فعل الدكتاتور السوري بشار الأسد للحفاظ على كرسيه و تنازل لداعش عن اكثر من ربع الارض السورية، وغضّ النظر عن استيلاء داعش على آبار النفط و اخذ يشتري منها النفط الخام و منتجاته ايضاً عبر وسطاء متنوعين ؟؟؟


31 / 7 / 2014 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لانسلّمها لغيرنا .  .


17
                   عن (داعش) و مواجهتها .  .
                   ـ 4 و الاخيرة ـ
   
        د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net

و يرى محللون بأنه رغم كل ماحدث ويحدث في سوريا والعراق، فإنه لم يدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في أولويات استراتيجيتها التي انتقلت من الشرق الاوسط الى المحيط الهادي وفق اعلان الرئيس باراك أوباما قبل أكثر من سنتين .  . الأمر الذي عزز و يعزز مواقع إيران التي لم تتأخر في ملء الفراغات التي خلّفها سقوط نظامي (طالبان) وصدام حسين، و الذي اخذ يعزز من إيقاظ طموحات الحركات الجهادية ، كالذي تحقق لـ (داعش) مؤخراً .  .  و اصاب الدبلوماسية الأميركية بضعف و ارتباك في الرد على التحديات، سواء في العراق أو في سوريا.
   و صارت المنطقة كأنما يتنازعها تيار (رفض) وتيار (القاعدة الجديدة) الذي لا يتقيّد بحدود واعتبارات سياسية. و يقدّرون بأنه لم يبقَ أمام واشنطن سوى خيار واحد هو التعامل مع إيران وأذرعها في المنطقة، بعد ان نجحت طهران ـ و لو مؤقتاً ـ في دعم حلفائها في دمشق وبغداد .  . و تحاول توظيف ذلك النجاح في المحادثات بشأن الملف النووي التي لم تنتهِ بعد .
في وقت لمست فيه الدوائر الإيرانية و منذ ايام الرئيس السابق احمدي نجاد .  . لمست حاجة أميركا الملحة إلى تفاهم يسهّل عليها مغادرة قواتها العراق ومن بعده أفغانستان، اي حاجتها إلى شرق أوسط يتمتع بالحد الأدنى من الاستقرار، ليتيح لها الانتقال الآمن نحو المحيط الهادئ. و لم تكن موافقة واشنطن عام 2010 على التمديد ولاية ثانية للمالكي الاّ نزولاً عند رغبة إيران .  .
و يرون ان ماتسبب بظهور داعش في المنطقة، هو الفراغ الذي احدثته انتقالة الثقل الاميركي كما مرّ، و الإحتلال و تبعاته و السياسة الطائفية الإقصائية للحكومة العراقية القائمة، السائرة على نهج المحاصصة الطائفية و العرقية .  . و ان ايران و خريطة مواقعها في العالم العربي لن تكون بمنأى عن خطر داعش، حيث سيتحتّم عليها تغيير تحديّها لغالبية شعوب المنطقة في ضغطها عليهم بخيارين لا ثالث لهما: إما حلفاؤها وإما (الدولة الإسلامية لداعش). في وقت هي جزء من الحرب الأهلية والمذهبية المفتوحة في العراق و سوريا .  . 
و فيما يرى فريق آخر ان السياسة الإيرانية في المنطقة بدأت تتغيّر نحو التسويات، للحؤول دون انهيار البلاد الإيرانية و لكن، السؤال القائم هو هل سينجح ذلك التغيّر بوجود اجنحة متنوعة في الحكم الإيراني ؟؟ فرأي تيار الصقور في إيران أن الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة يجدون أنفسهم في مأزق كبير حيال ما يجري في العراق، لذلك لن يكون أمامهم سوى تقديم تنازلات إلى طهران في الملف النووي للمساهمة في مواجهة توسّع (داعش)، و لكنهم لاينتبهون الى أن بلادهم ايران نفسها بدأت بالانخراط الميداني الحربي، تماماً كما يفعل الأميركيون، لوقف تقدم (داعش) .  .
وستجد طهران نفسها هي الأخرى أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التخلي عن المالكي والحفاظ على جزء كبير من نفوذها في بغداد، أو تهديد هذا النفوذ في العراق وسورية أيضاً، لأنها تستنزف مواردها المحدودة و بوجود حصار عليها .  . لدعم نظامين .
كما ان ايران لا يمكنها أن تدفع بقوات كبيرة وتتدخل مباشرة في خوض حرب واسعة ستنظر إليها الغالبية السنية في المنطقة بكونها حرباً مذهبية. ولن تتوانى هذه الغالبية عن المواجهة، ليس دفاعاً عن (داعش) بل تحت عنوان مقاومة (الاحتلال) الجديد!!
من جهة اخرى، يرى الكثيرون انه لم يعد التفاهم السياسي الاميركي ـ الإيراني كافياً للعودة بالعراق إلى ما كان، ففي مواجهة هذا الفزع و الإجراءات الكثيفة الإقليمية والدولية لمواجهة (الدولة الإسلامية داعش)، يرى خصوم طهران و المعترضون عليها والمعترضون على السياسة الأميركية، ان  ما حدث في المحافظات الشمالية والغربية في العراق هو هبّة ، وظّفتها داعش الإرهابية و مثيلاتها من فلول صدام و اجهزته العسكرية و الامنية السابقة و ترتيباته العشائرية، لمآربهم .
هبّة لا يمكن إخمادها دون اعمال سياسية حثيثة و عاجلة تهدف الى : حوار و تفاهمات أوسع تشمل أهل السنة في المحافظات الغربية و الشمالية، اعمال و حلول تشمل تلبية مطالب الفئات (السنيّة) و تساويهم في الحقوق و تساوي محافظاتهم مع الشيعيّة، و السعي بكل الطرق السياسية لعزل المنظمات و الفئات المتحالفة مع داعش بمحاولة كسبها، ضمن خطة واسعة عسكرية، قانونية مدنية، اعلامية، تربوية و تثقيفية لأشاعة الروح الوطنية و ضد الطائفية و العنصرية و العسكرة .  . تهدف الى اشاعة روح المصالحة الوطنية.
    فـ (داعش) لا تسيطر لوحدها على الأرض، و انما يسيطر عليها الآن تجمع واسع من المسلحين الذين ينبغي التحاور والتعاون معهم ـ عدا مجرمي اجهزة صدام ـ حيث أن تجاهل هذه القوى او الاستمرار في الصراع معها سيكون مسؤولية و خطأ تاريخيا كبيرا، ان اهملت دعوتهم للحوار و للتعامل معهم على اساس وطني و مصالح وطنية، ايقاف القتال والقبول بالآخر، و التعامل حتى مع من كان خصما بالأمس، و خاصة بعد التطورات الأخيرة التي ادّت الى انسلاخ فئات هامة عن داعش اثر رفضها الاذعان لإعلان البكري خليفة للمسلمين، واثر تنفيذ داعش عقوبة الموت بعدد من مسؤوليهم و ابتعادهم عن التقرّب من داعش .  . و ان يشمل ذلك حتى الدول العربية، التي يستفزّها التدخل الإيراني الميداني في العراق و الشام، حيث مالم تتم هذه التفاهمات سيكون من الصعب فعلاً القضاء عسكرياً على (داعش) .  .
ليس لأن (داعش) تملك جيشاً كبيراً وتمتلك من العتاد ومصادر التمويل ما يمكّنها من المقاومة فحسب، بل الأخطر لأنها تتحرك في بيئات حاضنة ورافضة للأوضاع القائمة في كل من بغداد ودمشق ، بيئات لن تتوانى عن الدفاع والمقاومة، و تهدد بنشوء دواعش اخرى ان هُزمت (داعش الحالية) و بقيت المشاكل دون حل. ولن تتخلى هي ومن يتعاطف معها في الخارج عن سلاح (الطائفة) في مواجهة أسلحة إيران وأذرعها الطائفية في المنطقة .  .
من جانب آخر، يرى خبراء سياسيون و عسكريون، ان ما يزيد الوضع تعقيداً هو أن التسوية السياسية لا يمكن أن ترى النور قبل دحر هذا التنظيم الممسك فعلياً بمقاليد السلطة والسيطرة. وما لم تتوافر وسائل دعم و ضمانات حقيقية من الحكومة الإتحادية لأهل السنة، لأنهم قد لن يجازفوا بسهولة بتكرار تجربة "الصحوات " لصالح الحكومة، بعد التعامل الفج المؤسف للمالكي معهم، رغم تضحياتهم و تقديمهم الكثير في محاربة القاعدة الارهابية التي تكللت بانتصارهم عليها و هزيمتها .  . 
و يؤكدون على ان شعبنا بوحدة قواه و مكوناته ان احسن تنظيمه، بوجود حكومة تجسّد الإرادة الوطنية على اساس احقاق الحقوق بالتساوي لكل المكونات العراقية لتترتب على اساسها الواجبات .  .  قادر على انزال الهزيمة بداعش و مثيلاتها، و ان التلكؤ و الانتظار سيف ذو حدين، فكلما تأخرت مواجهة (داعش) بعد تفاهمات سياسية تشرك جميع اللاعبين والمتورطين في العراق وسورية، وحتى لبنان .  . ستشمل الأخطار والتهديدات هذه الأطراف كافة. ولعل الضغوط التي يمارسها أهل كردستان تستعجل مثل هذه التفاهمات رغم ان الإستقلال الفعلي ليس بالأمر الممكن حالياً، و يتساءلون هل سيكون فشل الفدرالية كإحتمال، مدخلاً إلى طرح الكونفدرالية كحل وحيد؟
و فيما يؤكد الجميع على عدم اضاعة مزيد من الوقت، لأنه لا يخدم أحداً من المتورطين الذين دفعتهم (داعش) إلى لعبة دموية لا يعرف أحد منهم من سيكون ضحيتها الكبرى، وسط تساؤلات حول هل يعيد أوباما النظر في استراتيجيته ويعود إلى التلويح بسياسة القوة للحفاظ على ما بقي من صورة أميركا كقوة قائدة، ولإعادة التوازن في الشرق الأوسط؟ وهل سيستطيع روحاني اعتراض المعترضين ويقدم التنازلات المطلوبة في بغداد ثم في دمشق .  . وبيروت؟  حيث لا مجال الى العودة الى ما قبل (داعش) بعد ان تبلورت امور الصراع الطائفي بكيانات امارات (*) قائمة ان صحّ التعبير. اليس التوجه الى بناء الحكم على اساس مدني لاطائفي هو الأفضل ؟؟ 
(انتهى)

18 / 7 / 2014 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) جمع امارة .



18
عن (داعش) و مثيلاتها .  .
ـ 3 ـ
   
       
د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net

و يتابع خبراء، عمليات ومعارك أخرى يديرها داعش ربما اكثر أهمية من التي تدور على الأرض، حيث يستطيع من خلالها حسم معاركه وتوسيع نفوذه .  . و المقصود بها العمليات المتعلقة باستخدام واستغلال الوسائل الإعلامية كافة، التي يستطيع (داعش) من خلالها قلب الموازنات لصالحه في وضع سياسي مهترئ ومتهالك، حيث انهم تفاجأوا بقدرة (داعش) الاستثنائية على استغلال المواقع الاجتماعية في نشر آيديولوجيته وتجنيد أكبر عدد ممكن من الشبّان حول العالم، ومواكبة واستخدام أكثر الوسائل تطوراً وتقنية وتوظيفها لمصالحه الميدانية، التي تعبّر عن فهم لدور وسائل التواصل الاجتماعية في جعل تنظيمه عابراً للحدود وصناعة شعبية افتراضية تفوق الواقع، فهو ما إن يطأ أرضاً حتى يبادر بشكل منظم وسريع في تغذية المواقع بأخباره صوتاً وصورة .  .
و لم يكتف بنقل تفاصيل أخباره أولاً بأول عن طريق مواقع يوتيوب، فيسبوك، تويتر، و آنستغرام و تمبلر .  . التي تساهم بشكل كبير في صناعة بروبغاندا لها ـ لأخباره ـ وتضخيم حجم سيطرته ونفوذه، وبث الرعب في نفوس خصومه، وإنما قام أخيراً باقتحام عالم تطبيقات الهواتف الذكية، فأحد مشاريع (داعش) في هذا المجال هو تطبيق (فجر البشائر) باللغة العربية ـ المحمّل من غوغل ـ على موقع تويتر، الذي أطلق منذ أقل من شهرين ويتمّ تسويقه على أنّه منتوج (داعش) الرسمي، إذ يتيح لمستخدميه الاطلاع على آخر أخباره من خلال الاشتراك بالإنترنت أو على هواتف أندرويد .  .
وهذا التطبيق لا يشبه غيره من التطبيقات، حيث منذ لحظة تنزيله يبدأ بنشر تغريدات على صفحة المستخدم الشخصية بشكل آلي، وتتضمّن التغريدات روابط، هاشتاغات، صوراً وفيديوهات، ويتم نشر المضمون ذاته والتغريدات من حسابات جميع الذين نزّلوا التطبيق، لكن بفوارق زمنية محدّدة لتفادي الشبهات.
و يقدّر متابعون لهم شهرتهم في عالم المواقع الإجتماعية (*) ان نشاط التطبيق في نشر التغريدات بلغ حجماً قياسياً خلال احتلال (داعش) للموصل ليبلغ حدود 40 ألف تغريدة في اليوم الواحد، ولمّا بدأت وسائل الإعلام تتحدّث عن تهيؤ (داعش) للتقدم صوب العاصمة بغداد، بدأ مئات مستخدمي تطبيق (فجر البشائر) بإرسال آلاف التغريدات التي تضمَّنت صورة لأحد مقاتلي داعش ينظر إلى علم التنظيم يرفرف فوق المدينة .  .
وكان حجم هذه التغريدات كبيراً، الى درجة أنّ أية عملية بحث عن كلمة " بغداد" على موقع (تويتر) ينتج منها ظهور صورة مقاتل داعش هذا في المقام الأول، وهو ما استخدم بالتأكيد كواحدة من وسائل ترهيب سكان المدينة، و قد تمت لاحقاً إزالة التطبيق من موقع غوغل للتطبيقات لمخالفته الأنظمة .  . فيما يعدون مؤيديهم في حساباتهم على (تويتر) بالعودة من جديد !!
و يلاحظ متخصصون ان داعش يدير برامجه الوحشية و المرعبة بشكل مبرمج مستهدفاّ الاستقطاب وكسب الدعم من المؤيدين والمتعاطفين، و هي موجهة  للرأي العام بغرض تأكيد قوة وانتشار نفوذه وتحركه، و الى خصومه من الدول بهدف زعزعة أمن مؤسساتها .  . فهو يقدمها لأناس تفشت بينهم مشاعر خيبات الأمل و الخذلان واليأس، و (الغضب الشديد لهم) مما يجري ويمارس عليهم من سياسات طائفية، فيحاول أن يظهر وكأنه تمكن مما عجز عنه غيره تجاههم، وفي المقابل يقدمها لخصومه كافة بغرض بث الرعب والخوف والترويع وإضعاف معنوياتهم، وفي الوقت نفسه فأنه بدأ يسعى إلى ترويج صور تقديمه المساعدات والتفقد للأهالي في المناطق المسيطر عليها، بغرض إحداث خلخلة لدى المتعاطف تجاه ما يسمعه ويقرأه عن وحشية (داعش) .  .
و على صعيد مواقف الدول فإن عديد من الدول الإقليمية و الدولية تتعامل مع داعش محاولة الإستفادة منه و من الوضع الجديد الذي خلقه، لتحقيق اعلى الارباح من خلال صفقات اقتصاد الأزمات و الكوارث ـ ان لم تكن ساهمت في تقويته لأهدافها ـ .  . و في الوقت الذي اعفى فيه الخمسة الكبار : الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، روسيا والصين عن ايران من المحاسبة على انتهاكاتها قراراً لمجلس الأمن تم تبنيه بموجب الفصل السابع يُلزم كل الدول بتطبيقه. وهذا يعني ان الدول الخمس تنتهك قرار مجلس الأمن وهي تقفز عمداً على الانتهاكات الإيرانية ، لحماية المفاوضات النووية.
يرى محللون دوليون، ان هذه السابقة الخطيرة أدت بالدول الخمس الى أسوأ أداء لها عبر العقود الماضية، بل ربما في تاريخ الأمم المتحدة. وهذا يحدث فيما تنخرط الدول الخمس الكبرى في مهزلة مفاوضات بطيئة و بيانات تافهة، بينما عدد القتلى في سوريا مثلاً صار يفوق الـ 150 ألفاً والكارثة الإنسانية في المنطقة تتفاقم .  .  و ليس في وسع بان كي مون ألتدخل لمنع ذلك وفق آلية عمل الامم المتحدة القائمة .  . 
التي ترى ان التوصل الى حلول في سوريا والعراق يتطلب، الإقرار بالدور الإيراني والنفوذ الإيراني في هذين البلدين. و ترى أن لا فائدة من التفاوض مع ايران حول مصير سوريا والعراق معاً، الذي يعارضه الموقف السعودي باشكال متنوعة، لأنه يضفي شرعية على الطموحات الإيرانية الإقليمية التي تتعدى الحدود الإيرانية ويشرعن الدور والنفوذ الإيرانيين في هذين البلدين العربيين. الرياض تعارض إضفاء الأمم المتحدة الشرعية على التدخل الإيراني في العراق سياسياً، وفي سوريا عسكرياً عبر حزب الله الذي يقاتل في سوريا علناً تلبية لطلب إيران، وعبر تواجد (الحرس الثوري الإيراني) في سوريا والعراق .  . بانتهاك واضح لقرار مجلس الأمن الملزم.
من جهة اخرى، فإن استيلاء داعش على نفط سوري و بيعه  يطرح تساؤل كبير يبيعه لمن ؟؟ فالنفط الخام غير صالح للاستعمال المنزلي ولا للسيارات والمحركات. انه يبيعه لمصافي النفط في تركيا، التي هي إما ملك الحكومة التركية أو تقع تحت سلطتها.  و هذا السؤال غيض من فيض الكذب الذي يتدفق من بعض الحكومات والقوى السياسية والفضائيات .  . حيث يرى اصحاب خبر و سياسيون ان (داعش) مدعوم وله أولياء أمر وممولون، و قاعدة لوجستية وعمق عملاني. و ان هناك تعاون واضح بين (داعش) و فريق اميركي ـ تركي، بالمكر و انواع الخداع.
و يرون المواقف المراوغة للولايات المتحدة ودول (حلف الاطلسي) وحلفائها بما فيها تركيا. و السؤال هو لماذا يراوغون ؟؟ فقدت نشرت شبكة سي ان ان الاميركية انه قبل ساعة من وصول الخليفة ابو بكر البغدادي الى مسجد الموصل لإلقاء كلمته، تعطلت الاتصالات الخلوية والهاتفية في منطقة الجامع، فيما أثبتت وقائع المواجهات مع الجيش السوري ان هذا الاخير فشل في اعتراض اتصالات (داعش) والتشويش عليها لان أجهزة اتصالات (داعش)  بالغة التطور، الأمر الذي يعني ان دولة كبرى وفرت الاتصالات لداعش والاجهزة. و انها قطعا ليست من صنع (داعش).
و يرون ان البغدادي المطلوب عالميا والذي رصدت الولايات المتحدة 10 ملايين دولار للقبض عليه اتخذ إجراءات أمنية ووصل الى جامع الموصل وألقى خطبة الجمعة وجرى تصويرها وتسجيلها من قبل محترفين، وكل هذا لم تكشفه أجهزة الولايات المتحدة التي أعلنت ان الطائرات من دون طيار الاميركية تجوب سماء العراق للمراقبة.
و من يشاهد الآليات الجديدة مع (داعش) وهي تزيد عن الألف، يحتار كيف وصلت الى شمال سوريا. ومثلها المقاتلون الاجانب كيف وصلوا. كل هؤلاء لم يهبطوا من السماء .  . بل جاؤوا عن طريق المرافئ والمطارات التركية، الأمر الذي يعني اشتراك تركيا بدعم (داعش) . (يتبع)


16 / 7 / 2014 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (*) راجع مجلة " ذي أتلانتيك " الأميركية بتواريخ الشهرين المنصرمين .


19
عن (داعش) و مثيلاتها .  .
 ـ  1  ـ
        د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net   

اثر تطورات صراع القوى العالمية  و نمو القوى الإقليمية و اذرعها في المنطقة، و طموحها للهيمنة و تحقيق اعلى الارباح الانانية لها .  . تزايدت الصراعات تعقيداً و حدة بينها على ارض المنطقة، من اجل المزيد من الارباح الاسطورية  .  . تاركين شعوب المنطقة في غياهب الجهل و الإهمال و العنف الذي يطحن ولا ينتهي، لأنه الوسيلة الامضى بخططهم لتكبيل شعوب المنطقة بإراداتهم هم، و لتحقيق اعلى الارباح لترسانات و مصانع الأسلحة و خاصة المتراكمة في مخازنها منها و الجديدة التي لم يجاز استخدامها بعد في بلدانها الغربية سواء في التجارة او غيرها، لعدم التأكّد من صلاحيتها الكاملة، و لقوة فعل منظمات حقوق الإنسان و البيئة و حركات السلام التي تمنع وتقيّد استخدامها في البلدان الصناعية المتقدمة. 
لقد لعب تغيّر قطبية العالم و انفراد الادارة الأميركية و قطبها العسكري النفطي بها لعقود، اضافة الى القفزات التكنولوجية و الأعلامية و ظهور و تطور الإنترنت و تطبيقاتها المتنوعة في التواصل الإجتماعي و في الإتصالات الرسمية و الشخصية كما في تويتر، الفيسبوك، سكايب و غيرها، و اثر انهيار و فشل منظومات فكرية و سياسية هائلة، التي لعبت كلّها ادواراً ادّت الى ظهور فراغات فكرية و ايديولوجية وفي علوم المنطق .  .
و يرى متخصصون ان ذلك ادىّ الى ان جماهيراً ضاعت و اخرى اعتصمت بالصمت مراقبة .  . و منها من وجدت ضالّتها في الاديان و اخرى في المذاهب و الطرق الصوفية، و اخرى في مزاوجة الارهاب بالتحريم و اعتباره (ارهاباً مباركاً) ادىّ الى ظهور و توسّع الارهاب و الى العمليات الانتحارية و الى الانفلات الجنسي لتطمين النفوس و محاولة ايجاد حلول بائسة رخيصة لمعاناة الاوساط الغفيرة من الشباب و الشابات، على سبيل المثال بجهاد النكاح ( الثوري الجنسي ) المغازل و الحارف لأفكار و طموح الشباب .  .   
كلّها و غيرها لعبت ادواراً هامة في خلق و لمّ حركات من المجتمع و بالذات من طبقاته و فئاته المحرومة، من اجتماعية ذات برامج للاصلاح و التقدم و الرفاه بدأت بتحريك حتى الجماهير المترقبة و الصامتة .  .  الى دينية و طائفية تبحث عن (الثأر) الدموي للتنفيس عن المكنون .  . الثأر ممن كان السبب في حياة الذل و الفقر التي عاشوها بمنظور اتباعها، و بحلول يضعها من يسمعوه او يخافون منه لبطشه المخيف .  . 
حركات جديدة تضم اوساطاً واسعة من (الفاشلين و الخسرانين)(1) اجتماعياً، قابلة للانقياد اذا أُجزل لها العطاء او كسبت ما تصوّرت انه هو المراد .  . في وقت ظهر فيه على مسرح الاحداث من استطاع تحريف الدين و الشريعة و الكتب المقدّسة بدفع من مستفيدين .  . و اعتبروا كل ما يصرّحون و ما يقومون به هو العبادة الصالحة، وغيرها بدعة و ضلالة . . و كل ضلالة في النار . و غيرها من الحركات و ما اعتُبرت (اجتهادات) تحاول بعث الكتب القديمة و اساطير الاولين في المنطقة، باشكال وحشية دموية عملاً بتفسير مشوّه لمقتطع الآية القرآنية : ". . ترهبون به عدوّ الله و عدوّكم " فقاموا بانواع الجرائم اللاانسانية الوحشية و طيّروها بالفضائيات لإرعاب الأعداء ؟!       
و قد لعبت اقطاب دولية و اقليمية في صراعاتها ادواراً كبيرة في اثارة و توجيه مثل تلك الحركات ، من مواجهة الإحتلال الى تلك التي لعبت ادواراً هامة في تغيير زعماء صوانيين بدكتاتورياتهم و تغيير انظمة حكم انتهى زمانها و احكام عقودها و معاهداتها (2).  . في بلدان (الربيع العربي) و لعبت بالتالي ادواراً خطيرة في تغيير و هزّ ـ كالهزّات الارضية ـ توازناتها المجتمعية و حكّامها على سكّة افترض فيها ان تكون جديدة لصالح الولايات المتحدة و قطبها العسكري النفطي الغازي و الغرب و عمالقة آسيا، الاّ انها لم تتحدد بل و انجبت صراعات و حروب وحشية لانهاية لها في المنطقة .  .  حروباً هدّمت البلدان و احرقتها و شرّدت الملايين و قتلت و دمّرت و مسخت البشر برايات الاديان و الطوائف و الخٍلافات ـ من خليفة ـ و ولايات الفقيه و الأمير .  .
و يرى سياسيون و خبراء اجتماعيون ان الأهمية الستراتيجية الكبيرة لمنطقتنا في العالم .  . من جغرافيتها السياسية و ثرواتها الطبيعية و على رأسها النفط و الغاز و غيرها من جهة، و اهميتها و فاعليتها و تأثيراتها الثقافية و الروحية،  الدينية و الطائفية الستراتيجية الهائلة بالنسبة لكل شعوب العالم .  . التي عادت تشكّل اوليات الوعي و الحس و التفكير لدى اوساط واسعة، بعد ان ضاعت الأسس الحديثة للدولة و المجتمع .  . بسبب الحروب و الإنهاك و الوحشية و الخوف و الفقر.
حيث انها تركت في شعوب المنطقة، تأثيرات حواضر و عواصم العالم القديم و مراكزه الحضارية و الفلسفية، التي ظلّت على قدمها تفعل فعلها، بسبب غياب التحديث و العلم في بناء الدولة و بسبب انواع سياسات تكميم الافواه و قتل المعارضين و تحريم الحريّات   . . فتكوّن لجماهير واسعة منطقها  من ماهية اديانها و ايماناتها .
الأمر الذي ادىّ الى مواجهة الاحتكارات و الدول العظمى الإستعمارية لشعوب بلدان منطقتنا .  . ليس بالحروب الخارجية و الإحتلال و حسب، و انما مواجهتها بانواع المنظمات و النشاطات و الأعمال السريّة من اجل النفوذ فيها و فرض سيطرتها عليها لنهب خيراتها . . في وقت تزايدت فيه احتكاكات ابنائها المتعلمين بالحضارات الوافدة ذات الاهداف الانانية الضيّقة منها، التي بدأت تهدد حضارات المنطقة الآفلة التي اخذت تفقد روحها الحيّة بفعل الصراعات الطائفية و الدينية، و بفعل العنف و انتشار الوحشية .  .
و يصل باحثون الى ان اندماج الحكم الفردي بالعنف ، و دمج السياسة بالدين ، انتعاش الطرق الصوفية ، و لجوء الدول بل و حتى الدول و الأقطاب العالمية و الأقليمية الكبرى الى العشائر و الى العلاقات الخفية من اجل الإنقاذ، قد جعل بلداننا و بشكل مؤسف و كأنها هي موطن و مصدر الحروب و الفتن و الارهاب لدى العديد من الاوساط  .  .
   حتى يظهر و كأن الزمان تغيّر فيها بشكل اوضح .  .  و صارت حروب التحرير الشعبية و حروب العصابات التحررية .  . صارت حروباً ارهابية في سبيل القوة و السلطان و المال بعد ان انهارت مقوّمات الصراع في سبيل الاهداف النبيلة في ظل موازنات و تناقضات عصر مضى و كأنه انتهى، و انهارت حدود الدول امام حرية حركة رأس المال و صارت العصابات الإجرامية تشغّل اصحاب كفاءات و احزاب .  . برواتب مجزية !!
(يتبع)

11 / 7 / 2014 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   مصطلح اجتماعي يشمل عشرات الالاف ممن لم تساعدهم الظروف ليصلوا الى مبتغاهم و آمالهم .  . لقصور او ضيق ذات اليد فيهم او في اهاليهم او بسبب نظام الحكم الدموي و الحروب .  . ويضم المصطلح مدمني الكحول و المخدّرات من الذين ضاعوا في حياتهم .  .   
2.   في ظروف تحوّل صراعات كبرى من صراعات على النفط الى صراعات على الغاز .  . و على المياه . 



20
في معنى حكومة انقاذ !
                                               
د. مهندالبراك
                                 ahmedlada@gmx.net
   
فيما تتزايد خلافات الكتل المتنفذة الحاكمة من جهة، و تتزايد المطالبات الشعبية بمحاسبة من تسبب في استفحال منظمة داعش الإرهابية و احتلالها لغالبية الارض و المدن في محافظات الانبار و صلاح الدين و الموصل و اطراف من كركوك، فإنها اخذت تتمحور على مطلب اساسي و هو الانتصار على داعش و تحقيق الأمن بحكومة قوية بدون رئيس الوزراء المؤقت القائم .  .
لأنه هو السبب الأساسي الذي ادىّ الى بلوغ الأخطاء و التقصيرات باتّباعه السياسة الطائفية (التحاصصية) بشكلها الضيّق المتحيّز، التي تسببت بأضرار بليغة بالمكوّن السنيّ في وقت اساءت فيه للمكوّن الشيعي و دفعت المكوّن الكردي الى معارضته بشدة و الى سعيه لإعلان دولته بعيداً عن الفوضى و الارهاب، السياسة التي ادّت الى استفحال المخاطر و بلوغها هذه النتيجة و الى تهديد البلاد و بالتالي تهديد المنطقة باسرها بالإنقسام و التشظيّ و التقاتل الطائفي .   
   و فيما تتركز المطالب على تحقيق الملحّ و العاجل لمواجهة ما مرّ اعلاه، ترى اوسع الأوساط الأهمية القصوى لأصلاح العملية السياسية على اساس دستوري .  . و الغاء نظام المحاصصة الطائفي العرقي و اعتماد مبدأ تكافؤ الفرص و المساواة بين المواطنين على اساس الإنتماء المتساوي للوطن لكل ابناء اطيافه القومية و الدينية و الطائفية و الفكرية، و ان يكون الإختيار لمواقع الدولة على اساس الكفاءة و النزاهة .  .
و على اجراء التغييرات الدستورية الضرورية لذلك، التي تقوم على تقييم تجربة السنوات الاحدى عشرة التي مرّت على اسقاط الدكتاتورية  و على بدء العملية السياسية، و تحديد النجاحات و القصورات و الأخطاء و من المسؤول عنها لإتخاذ مايلزم  .  . و تقوم على تحديد ماهية التحديات الأساسية العاجلة التي تواجهها داخلياً و اقليمياً و دولياً، سواء ماتواجهها الآن او تواجهها في المرحلة اللاحقة .  .
ان البدء باقرار حقوق المحافظات الغربية و الشمالية، و البدء بإجراءات التشكيل العاجل لحكومة من كل القوى و الكتل النيابية دون المالكي هي حكومة الإنقاذ المنشودة، لإنقاذ البلد في مرحلة انتقالية تجري فيها تلك الإجراءات بصورة عاجلة لصيانة وحدة البلد و تحديث اسسها، و حمايته من الارهاب الذي تصاعد اخيراً على يد داعش و ما سميّ بـ (اخواتها) من ارهابيين و بعثيين و عسكريين صدامين سابقين، و كتعبير عن ان الحل هو سياسي اولاّ بكسب المكوّن السنيّ و الشعبي العام من كل الطوائف و الأديان و القوميات .  . و ليس عسكرياً فقط !!
و فيما يجري التحشيد و الإستعداد و تجييش القوات لمحاربة  داعش و الهجوم عليها بهدف انهائها في العراق، و القضاء على الارهاب و الجماعات الارهابية .  . بالتمهيد باعادة بناء القوات المسلحة و هياكلها لتضمّ كل العراقيين دون تمييز و توفير مستلزمات التدريب و التسليح الضروري .  .
و اتخاذ الإجراءات الرادعة لمعاقبة الفاسدين و صيانة الدولة من الفساد . .
   ليصار الى عقد اجتماع لكل القوى و الكتل الفاعلة، القوى التي ناضلت ضد الدكتاتورية، الكتل البرلمانية و التي داخل و خارج البرلمان، القوى و الاحزاب المحركة الايجابية نحو البناء و التقدم و الرخاء، ممثلي كل الأديان و الطوائف، ممثلي القضاء، ممثلي الشباب و النساء، ممثلي الصحافة و الإعلام، و لامكان فيه للارهابيين و فلول بعث صدام و مؤسساته .  .  لإصلاح و تقرير ماهية مسيرة العملية السياسية اللاحقة، ثم تشرف على انتخابات تشريعية لاحقة يُعمل بضوء نتائجها.
   في وقت تشكّل فيه مبادرة السيد الصدر الداعية للمشاركة في تشكيل الحكومة المقبلة سريعاً وحل الأزمة الراهنة، لإيقاف تدهور الوضع الأمني في العديد من المحافظات .  .  بالتركيز على الحوار مع السنة المعتدلين واستثناء الصداميين والتكفيريين، و على ان حلّ المشاكل الحالية يجب أن ينطلق من معالجة أزمة المحافظات التي تعاني و تشعر بالتهميش .
الأمر الذي ينسجم مع اهتمام المرجعية الدينية العليا لآية الله السيستاني بضرورة الاسراع بتشكيل الحكومة المقبلة بمشاركة الأطياف كافة .  . و قد تفاعلت مع المبادرة غالبية الكتل السياسية
و تناقلت الأخبار تلقيّ استجابات بشأنها من التحالف الكردستاني وائتلافي متحدون للإصلاح والوطنية، حيث تتواصل الاتصالات المشتركة لتفعيل المبادرة وتشكيل الحكومة المقبلة واختيار الرئاسات الثلاث في أقرب وقت ممكن، و بوجوه جديدة .  . حكومة ينبغي لها أن تسارع إلى تحقيق المطالب المشروعة لكثير من المكونات العراقية .  .

30 / 6 / 2014 ، مهند البراك


21
     
من اجل تفعيل (الصحوات) السنيّة !

                                               [
b]د. مهندالبراك[/b]
                                 ahmedlada@gmx.net
   
   يكاد لايختلف اثنان انه لم تتمكّن الحكومة العراقية و حتى بالتعاون مع القوات الأميركية حينها .  .  .  لم تتمكّن من انزال الهزيمة بالقاعدة الإرهابية و لم تحقق ضربات مميتة بالإرهاب في السنوات السابقة دون (قوات الصحوة) السنيّة التي تشكّلت بمشورة اميركية من العشائر العراقية التي سعت بكل امكاناتها لدحر القاعدة و الارهاب (الإسلامي) الوحشي الذي انزل بأهاليهم و قراهم و حواضرهم ابشع الأضرار و تسبب بترك المئات من الأطفال اللاشرعيين بلا آباء، بسبب (جهاد النكاح) سئ الصيت و تزوير وثائق شخصية لإتمامه.
   الاّ ان الإهمال المؤسف للسيد المالكي لهم و تفريطه بحقوقهم كعوائل الشهداء و معوّقي المعارك و اهمال مستحقاتهم المالية، و عدم تنظيمه ايّاهم في وحدات دائمة ضمن القوات المسلّحة الحكومية، ادىّ الى انفراط عقدهم و الى صعوبة دعوتهم .  .  فضاعوا بين دروب البطالة و الفقر و اللاأبالية و الضياع و انضمّت اعداد منهم بشكل مؤسف الى داعش الارهابية، سخطاً على واقع او اضطراراً للإحتماء من انتقامات شخصية في حالات .  .
   و يرى خبراء و متخصصون في تشكيل و بناء القوات الغير نظامية .  . ان التوجّه لبناء هذه القوات كسند لايمكن الإستغناء عنه للقوات الحكومية المسلحة، لايمكن ان يعاود البدء دون منح الإستحقاقات الأصولية للمكوّن السني في البلاد و تعويض المستحقين من ابنائه قانونياً، بمكافئات او بصرف مستحقّاتهم بأثر رجعي و اعادة منحهم حقوق المواطنة دون تفريق عن المكوّنات الأخرى من الشيعية و الكوردية و الى المكوّنات الأصغر من دينية الى قومية .  .   
   و يدعون الى الوقوف على، و اجراء اللازم لتحديد حالات الفساد الإداري و الرشوات التي تسبب بها اعضاء من الصحوات في فترات سابقة و ادّت في حينها الى الإساءة لسمعتهم كوحدات، او الإساءة الى مواقفهم المشرّفة و تضحياتهم التي لاتعوّض .  .  . التي تفرض على الحكومة من جهتها، مسؤولية حمايتهم من ملاحقات الإرهابيين الإنتقامية و من حملات التهديد و الوعيد من الإرهابيين ضدّهم و ضدّ عوائلهم.     
   و يضيفون، بان على الحكومة ان تلتفت الى ان المعركة ضد داعش ليست عسكرية مجرّدة كما لايزال يعبّر عنها السيد المالكي  .  .  و انما هي صراع سياسي اجتماعي مذهبي تجري اثارته و استغلاله من قوى الإسلام السياسي الأكثر تشدداً و وحشية، و محاولتها ركوب موجات غضب جماهير المكوّن السنيّ من اوضاعهم و معاناتهم، كما مرّ آنفاً.
   و فيما يحذّر كثيرون من مخاطر تزايد اعتماد الحكومة على الميليشيات الشيعية في مواجهة داعش، في وقت تدور فيه احاديث و شائعات متنوعة عن استعدادات تجري لحرس الثورة الاسلامية الايراني للمشاركة في مواجهته . . التي قد تؤدي الى انضمام عشائر سنيّة جديدة الى صف، او انضمامها الى تأييد داعش .  .
فإنهم يؤكدون على ان، على العشائر آنفة الذكر ان تثبت صحة عملها و مواقفها في معاداة داعش و استعدادها لإيقاف و مقاتلة مسلّحيه، و تثبت نظافة يدها من الحصول على سلاح من دول اخرى لغايات قد لايُفصَح عنها الآن، خاصة و ان قسم هام منها يطالب باستقالة المالكي اولاً و عدم استمراره لدورة ثالثة بسبب تحيّزه و سياساته الطائفية .  . او تثبت نظافة يدها من تمرير البعض للسلاح و الأموال التي يحصل عليها من الجهات الحكومية، الى داعش او الى البعث المحظور و المنظمات الإرهابية الأخرى سنيّة كانت او شيعية  .  .   

27 / 6 / 2014 ، مهند البراك

22
المنبر الحر / معاً بوجه داعش !
« في: 19:35 24/06/2014  »
معاً بوجه داعش !
                                            
د. مهندالبراك
                                 ahmedlada@gmx.net
   
بعد اعلان داعش عن احتلالها لمدينة الموصل قبل عشرة ايام ثم تمددها الى محافظات صلاح الدين و ديالى ، تتوضح معالم صور متعددة عن حقيقة ماجرى و يجري .  .  فداعش ليست لوحدها و انما هي رأس رمح لجماعات عراقية متنوعة و متصادمة المواقف، استغلت مطاليب الجماهير الفقيرة في مناطق السنّة و معاناتها من الفقر و الحرمان على يد رئيس مجلس الوزراء الطائفي المنتهية دورته و حكومته .  .
و ضمّت الجماعات رؤساء و ابناء عشائر من ارياف و بوادي الموصل، رافضين متنوعين للعملية السياسية، تجمعات البعثيين السابقين من عسكريين و مدنيين بخبراتهم الامنية و المخابراتية و العسكرية و بنسخ الملفات الامنية في زمن الدكتاتورية التي بحوزتهم التي بدأوا باستخدامها منذ شهور لتجنيد اعداد ليست قليلة ممن تركوهم، بقوة السلاح او قتلهم ان رفضوا الانصياع لأوامرهم  .  .  و عدد من منظماتهم الارهابية الرافعة لشعارات الاسلام و السنّة من جيش محمد و الجيش الاسلامي و الطائفة المنصورة الى حزب العودة و غيرها (1) .  .
اضافة الى جيش النقشبندية الذي يقوده السئ الصيت عزت الدوري نائب الرئيس العراقي السابق و مسؤول المكتب العسكري للبعث الحاكم آنذاك، المسؤول عن شؤون الطرق الصوفية و العلاقات معها، الذي اعلن في بداية تحركه الاخير عن شجبه لإساءة الرئيس السابق صدام لإستخدام سلطته و انفراده بالحكم، في محاولة لتقييم الأعمال الإجرامية التي قاموا بها وهم في الحكم و ادّعاء شجبها و توبتهم عنها .  .   
   و تشير مصادر مطّلعة الى ان تكوين هذه الجماعات الناشطة زوراً باسم الدين و الطائفة، بدأ منذ التسعينات في زمن الطاغية و باشارة و خطط منه، لأهداف اجرامية سياسية متنوعة للحفاظ على  حكم صدام و البعث و للعودة الى السلطة في حالة فقدانه ايّاها !! و ان تسليح هذه الجماعات قد بدأ منذ سنوات من مخابئ السلاح التي أُنشئت  و خُزّن فيها السلاح في زمان الدكتاتورية كإحتياطي للعودة للحكم في الحالات آنفة الذكر، السلاح الذي ازداد مؤخراً من غنائم المدن السورية و من الموصل و صلاح الدين و ديالى، اضافة الى جهات الدعم .  .
و يضيف متخصصون ان الخبَرْ القتالية التي بحوزتهم اكتسبوها من معاركهم في الشيشان و افغانستان و سوريا و مشاركتهم في الصراع الطائفي السني ـ الشيعي بين 2006 و 2008 ثم ضد القوات الاميركية المتبقية قبيل انسحابها الكامل من العراق .  .  .   
   و قد اشارت مصادر في الحكومة الكوردستانية عن تحذيرها للمالكي قبل 6 شهور من ذلك الخطر و ان على الجميع التأهب الجاد لمواجهته، الاّ ان السيد المالكي لم يكترث بها مهدداً باستخدامه القوة لإنهائها و انه قادر و لن يسمح و لن و لن .  . ؟؟ الامر الذي ترى فيه اوساط متزايدة بعدما حدث بكونه سبب كافي لتنحي المالكي عن رئاسة الوزراء و الكف عن جهوده للتشبث بدورة ثالثة للبقاء على كرسي رئاسة الوزراء . .   
   و ترى اوساط واسعة ان مايجري في المناطق الغربية ـ الشمالية من المحافظات ذات الغالبية السنيّة، و دخول داعش الارهابية هذا الدخول الهمجي على الاوضاع، صحبة منظمات مشابهة جرى المرور عليها آنفا .  . لم يكن الاّ نتيجة للحكم الطائفي الفردي الذي مارسه رئيس مجلس الوزراء طيلة اكثر من تسع سنوات متواصلة لدورتيه والفراغ بينهما . . اساء فيها استخدام نظام المحاصصة(2) الذي كان من المفروض ان يعمل على تطويره و تحسينة بداية كوسيلة، لتحقيق التوافق الوطني وصولاً الى استنفاذ العمل به ـ بنظام المحاصصة ـ .
   و نتيجة لعدم اهتمامه بالآراء المخلصة التي نبّهت و باوقات مبكرة الى خطورة مايجري في حكم و عملية سياسية و نتائجه، اضافة الى انشغاله و كتلته و الكتل الحاكمة الاخرى بحساب الغنائم التي يجنوها من مواقعهم الذي ادّى الى فقدان العدد الأكبر منهم لثقة حتى جماهيره، اضافة الى تصرف المالكي بالعديد من الملفات بالسكوت عن محاسبة المذنبين و باستخدامها للضغط  على افراد للسير وفق مشيئته هو، و تسلمه كل قيادات القوات المسلحة و الأمنية و الخاصة و حصرها بيده و التصرف بها منفرداً و اعتماده على عائلته و مقربيه في الحكم.
   فاضافة الى نجاحات تحققت، الاّ انه فشل فشلاً ذريعاً في : حماية الامن، مكافحة الفساد، بناء قوات مسلحة حديثة بعقيدة وطنية تحقق وحدة و سلامة البلاد بالدفاع عن انتمائها الى هوية الوطن بمكوناته، و مع الإنتخابات الأخيرة و الإعلان عن نتائجها و عن انتهاء دورة الحكومة و ضرورة اجتماع البرلمان لأختيار الرئيس الجديد و الحكومة الجديدة . . يستمر المالكي بمماطلاته و تجميده للامور على حالها السئ بدعوة اعلانه (حالة التأهب القصوى)، الذي لايتلائم مع كل الثغرات الخطيرة في اجهزة الحكم التي يُتطلب سدّها باسرع وقت .
   في وقت تتزايد فيه المطالبات بتنحي المالكي و حكومته و الدعوة لكل القوى الفاعلة العراقية داخل و خارج العملية السياسية لعقد مؤتمر لها لتقرير، رفع قدرة و تطوير مواجهة داعش الاجرامية و الإرهاب و اعادة بناء القوات المسلحة و الامنية .  .  بتشكيل حكومة انقاذ و الأخذ ايضاً بنتائج الإنتخابات الأخيرة و تطعيم نتائجها دستورياً للضرورات القائمة ، حكومة تحقق الوحدة الوطنية الحقّة في البلاد بكل مكوّناتها القومية و الدينية و الطائفية على اسس الدستور، و اسس المرونة و الحوار على اساس الانتماء لهوية الوطن الواحد .     
   و على ذلك تزايدت المطالبات للمالكي بالتنحي، و صارت مطالبات على لسان ممثلي المرجعية الشيعية العليا في النجف و مطالبات لأغلب الكتل الحاكمة، لتتسع الى تصريحات البيت الابيض الأميركي و شروط رئيسه اوباما لأجل المشاركة في حماية العراق من الارهاب، وسط تزايد تكهنات خسارته حتى للثقة الايرانية به . .
في وقت جدد فيه المكتب الخاص بملف العراق في   البرلمان الاوروبي تنديده بسياسة المالكي و اهمية اشاعة روح التعاون و الألفة بين مكونات الوطن الواحد، و ادانت فيه الحكومة الفرنسية سياسات المالكي الطائفية ضد المكون السني و حتى ضد العشائر التي ابدت استعدادها للتعاون معه، وعبّرت على لسان وزير خارجيتها عن استعدادها للمشاركة بدعم الحكومة العراقية عسكرياً ضد الإرهاب، بشروط تحقيق مصالحة وطنية داخلية حقّة، على ان تكون مشاركتها بطلب رسمي من الحكومة العراقية و بموافقة الامم المتحدة (عن وكالة فرانس برس في 21 /6 )
   اخيراً فإن اوساطاُ شعبية متزايدة تلتف حول القوات المسلحة الحارس الأمين للدولة و الشعب ، بعد تطهيرها من العناصر المتخاذلة و تطعيمها بأبنائها الأكثر كفاءة من سنة و شيعة و من مسلمين و مسيحيين و غيرهم ومن عرب و كورد و باقي القوميات .  . و تدعو الى المزيد من التطوع فيها على اساس تآخي مكوّنات البلد، و عدم السماح بتشكيل ميليشيات طائفية جديدة من المتطوّعين الجدد و ان يكون المتطوعون الجدد برعاية الجهات الحكومية بعد استلام الحكومة الجديدة لمهامها.
و تدعو الى اهمية المصالحة الحقيقية القومية و الدينية و المذهبية و الاشراك الفعال للمكون السنيّ في اطار الصحوات لأنه يلعب الدور الأهم في النجاح في دحر داعش الارهابية و (اخواتها)، و ابعاد المعركة عن فخّ الحرب الطائفية .  . الصحوات التي رغم انها هزمت القاعدة الإرهابية شرّ هزيمة، الاّ ان حكومة المالكي بسياستها الطائفية اهملتها بعدئذ و قطعت رواتبها و مستحقاتها  .  .
في وقت تتزايد فيه توقعات المحللين و المتتبعين الى قرب انفصام تحالف داعش مع حليفاتها  (راجع الهامش) و تصادمها بالسلاح معها لرفض الأخريات تطبيق قوانين الشريعة المتعصّبة الدموية التي تحاول داعش فرضها على الجميع و لإثارتها بسلوكياتها الفردية صراعاً طائفياً شيعياً ـ سنيّاً يتجنبه الجميع .  . سواءً بتهديداتها لأضرحة أئمة آل البيت او تهديدات و دخول القرى و المدن الشيعية .  . وفق مصادرهم .

22 / 6 / 2014 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   تفيد وكالات الانباء التي تغطيّ الأحداث، ان الوحدات العسكرية ضمّت : الجيش الإسلامي، وكتاب ثورة العشرين، وجيش النقشبندية، وكتائب سعد، ومتطوعون من العشائر، وحركة ضباط الجيش السابق، تحت ظل (المجلس العسكري)، و انضم اليها تنظيم "داعش" الذي يشكّل اقل من 30 % من القوى المسلّحة التي تواجه الجيش العراقي . .
2.   الذي اعتبرته قوى صحيحاً بالكامل في حينه ، فيما اعترضت عليه منذ البداية قوى وطنية ديمقراطية و تقدمية و يسارية كثيرة . .


23
المنبر الحر / في احداث الموصل
« في: 18:03 21/06/2014  »
  في احداث الموصل
                                          
د. مهندالبراك
                                 ahmedlada@gmx.net   
         
   لم يتصوّر احد وقوع مدينة كبيرة مترامية الأطراف، معروفة بكونها مركز ولاية الموصل التأريخية  و ثاني اكبر محافظة عراقية بعد العاصمة بغداد .  . لم يتصوّر أحد وقوعها بهذا الشكل السهل بأيدي عصابة ارهابية (تخاف منها القوات المسلّحة و تنسحب هاربة) كما اوردت مختلف البلاغات الرسمية و شبه الرسمية . .
   الأمر الذي يطرح تساؤلات متنوعة بداية عن مصداقية صياغة و صحّة الخبر بالشكل الآنف الذكر، و يطرح حقائق متنوعة عن ماهية الخلافات الحادة بين رجال السياسة و الكتل اليوم من اجل الحصول على افضل المغانم، و عن ادوار الجيران و دول المنطقة و صراعاتها للاستحواذ على ثروات البلاد بغطاءات طائفية . .
اضافة الى صراعات القوى العظمى، وهيمنة سياسات احتواء الأضداد، و غموض الكثير منها الآن، كما بقيت كثير من حقائق الصراعات التي ادّت الى عمليات 11 ايلول عام 2001 و تحطيم برجي التجارة العالميين غير معروفة او غير معلن عنها حتى الآن، تلك العمليات التي غيّرت السياسة الاميركية و ادّت الى اشعال حروب كبيرة باسلحة فتّاكة خطيرة . . 
 صراعات تجري في منطقة تعجّ اليوم بانواع النشاطات و المنظمات الإرهابية التي صارت هي بذاتها ساحات تتلاعب بها هيمنة القوى الخفيّة للاقطاب الكبرى العالمية و الإقليمية . . فالمنظمات الارهابية السنيّة لم تعد رهناً لإشارة دوائر دول الخليج و الدوائر التركية فقط، و الارهابية الشيعية لم تعد تابعة لإشارة الفقيه الأعلى فقط، و تداخلت حتى رايات الطوائف بتغييرات منطق القوة و النفوذ الإقليمي و الدولي . .
في وقت تتغيّر فيه سياسات و مواقف تلك الاقطاب الكبرى القائمة على احتواء الصراعات الوطنية و الإقليمية و اطرافها الداخلية، و توجيهها الوجهة الملائمة لمصالحها و اطماعها هي، في دروب الإرهاب و الوحشية .  .  دون النظر الى الخسائر الهائلة التي يتكبّدها الشعب العراقي بقومياته و اديانه و طوائفه، رجالاً و نساءً و اطفالاً . .     
   و يرى مراقبون بأن ماحدث في محافظات الموصل و صلاح الدين و غيرها، يشابه الى حد بعيد ستراتيجياً  تصور سيد البيت الابيض الأميركي السابق جورج دبليو بوش، حينما تصوّر ان كره الشعب العراقي للدكتاتور صدام، سيؤديّ الى تأييد الناس لهم اذا اسقطوه بالغزو العسكري و حتى اذا اعلنوا احتلالهم للبلاد . . فإنهم سيحيّوهم بالورود حينها ؟؟
و فيما يتساءل متخصصون كيف حصل ذلك ؟ و الوحدات العسكرية النظامية مدرّبة تدريباً عالياً و مزوّدة بأحدث الأسلحة ؟؟ هل بسبب اختراقات امنية للمنظومة الدفاعية، ام بسبب شراء و رشى ضبّاط كبار، دعوا افراد وحداتهم الى رمي السلاح و ملابسهم العسكرية و الذوبان بالناس؟ ام ان وحدات عسكرية متزايدة صارت لاتؤمن بالمعارك التي تساق لها بسبب تضحياتها و تزايد خسائرها في معارك تستمر منذ احد عشر عاماً، و لاتحقق الاّ منافع انانية لأفراد و تحافظ على كراسيهم ؟   
   و بالتالي فإنها تطرح تساؤلات كبيرة عن مدى كفاءة الحكومة القائمة و كفاءة رئيسها المالك لكل السلطات المسلحة العسكرية و الأمنية، وسط تساؤلات عن هل ان التذمّر من اهمالات الحكومة وصل حد اللابالية او حداً انتشر فيه حتى الى مفاصل حساسة في القوات المسلحة ؟؟
و يتساءل آخرون هل تُرك البغدادي من قبل اقطاب كبرى ليلعب على هواه . . حتى يحين موعد (قطافه)(*) لإنهائه كما أُنهي سيده الزرقاوي بعد ان ادىّ دوره الطائفي المشؤوم، او هل تصوّر داعش و البغدادي بانهم سينفذون بإشاعة الارهاب و الخوف و عدم الاستقرار، بعد ان يُجلسوا الطائفي المقابل (البديل) للحكومة الطائفية على كرسي حكم الدولة او الإقليم السنّي المفترض اقامته على سكة المحاصصة، في تجمّع واسع يضم اضافة لداعش : بعثيين سابقين في تجمعات متنوعة، متنفذي عشائر، نقشبندية الدوري . . في حركتهم التي لايعرف فيها منْ يستخدم منْ لأهدافه ؟ على حساب جماهير السنّة الفقيرة المطالبة بحقوقها المشروعة في غرب البلاد و شمالها .
حركتهم التي خدمت بأحداث الموصل اكثر من جهة كبرى و صغرى في الصراع في البلاد و المنطقة . . من سادة البيت الابيض الاميركي الباحثين بلا هوادة عن فرد يستطيع لمّ بلاد الأزمات، الذين  حصلت شركاتهم على مبيعات سلاح اعلى و اعلى . . الى إيران المرحّبه بهم بصمت، للسيطرة و النفوذ اكثر في الحكم في بغداد و دمشق، و لغرض ضمان سيطرة اعلى في (منطقة الهلال الشيعي) على حد تعبير دوائرها .
و تخدم المالكي على طريق فرض قدرة على الحكم بشكل جديد بتقديره، مستنداً على دعم اميركي اكبر، و تكوين جيش جديد يعمل هو و مستشاريه على بنائه ليكون تحت تصرفه هو . . اضافة الى خدمتها للطائفيين السنّة (و ليس ابناء الطائفة)، لتكوين كيان او اقليم سنيّ ، و تخدم الطائفيين الشيعة (وليس ابناء الطائفة) لزيادة الصراع الطائفي حدّة . . بل و يرون انها يمكن ان تخدم اقليم كوردستان الساعية حكومته الى حسم مسألة ـ الاراضي غير المتفق عليها ـ و حسم المادة 140 المقررة لواقع كركوك .
في وقت صار مفهوماً فيه لكل الكتل المتنفذة و القوى العراقية، ان اي كتلة تبغي الحصول على اهدافها، لابدّ لها من اجل التغيير، ان تحصل على تأييد من قطب اقليمي و دولي . . و ضمانات و على منفذ الى الخارج لتأمين تسويق المواد الاولية منها، و حاجاتها اليها . .
في وقت تؤكد فيه القوى التقدمية الساعية الى السلم و الرفاه و التقدم الإجتماعي، دعوتها الى جميع القوى و الكتل و المكونات العراقية الى الوحدة على اساس الحقوق و الواجبات و تحت رايات الإنتماء المتساوي للهوية الوطنية القائمة على الاسس الدستورية و التبادل السلمي للسلطة بانتخابات نزيهة لامكان فيها للاستحواذ على كرسي الحكم لفرد و عائلة فرد، و العمل على الغاء نظام المحاصصة الطائفية . .
و العمل السريع للإنهاء العملي للحكومة القائمة ـ و رئيسها ـ لواجباتها بسبب انتهاء دورتها، و استلام حكومة انقاذ وطني للسلطات، على اساس مقررات اجتماع يُعقد للقوى الأساسية التي ناضلت و اسقطت الدكتاتورية و وفاءً لشهيدات و شهداء الشعب بكل اطيافه القومية و الدينية و المذهبية . . لمواجهة الارهاب و اعادة بناء القوات المسلحة و انهاء الفساد و من اجل تحقيق الأمن و الرفاه !

19 / 6 / 2014 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) عن مقولة الحجاج بن يوسف الثقفي السئ الصيت : ( ارى رؤوساً اينعت و حان قطافها . . )


24
حكومة انقاذ بعد تغريب الدولة عن الشعب

                                   
د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net
   كان منظراّ مؤلماً لايُنسى .  .  المنظر الذي تناقلته حينها عدسات وكالات الأنباء العالمية عند الهجوم الاميركي التحالفي على الماكنة العسكرية للدكتاتور صدام، قوّات الدكتاتور تتقهقر و الوحدات المهاجمة تتقدم و المجاميع المؤلفة من الجماهير تشقّ طريقها بعيداً عن ساحة افترض فيها ان تكون ساحة معركة و لو لزمن قصير .  . و كان السؤال كبيراً، لماذا لم تلتف مواكب الجماهير العراقية حول القطعات المسلحة للدكتاتورية لكونها عراقية لتقويّها،  في مواجهة الوحدات الاجنبية المهاجمة، و لماذا لم تلتف حول القطعات الاجنبية التي جاءت (محررة لافاتحة) كما كانت تطبّلْ ؟؟
   و الآن و بعد ان ضعف الوعي، يكرّس ابو احمد المالكي بكل اعلى الصلاحيات المحصورة بيده ، يكرّس ذلك الضعف . . و بعدما ضعفت ارادة التغيير لدى الجماهير، اجهز على ما تبقى منها و على محاولات اعادة بنائها، و بالحديد و النار و الغاز، بالاختطافات و الاعتقالات العشوائية، بعد اطلاقه انواع الاشاعات المغرضة (لتبرير الردّ الوحشي على الجماهير و الانتقام منها)  .  .
إشاعات ابتدأت بادّعاء ان الاحتجاجات السلمية على سياساته و موظفيه  هي تدبيرٌ يستهدفه شخصياً، وفق ما كان يدلي به وهو يستنفر و يحشّد ضد المظاهرات السلمية في ساحة التحرير. ويحرض على القائمين عليها، باعتبارهم بعثيين وتكفيريين، ومن شذاذ الافاق .  . لتتطوّر في يومنا هذا الى الإدّعاء بانها تستهدف تحشيد معارضة ضد طمعه اللامحدود للحصول على الولاية الثالثة وسط اعلاناته التي تشجّع الحكم الفردي لأنه (هو المختار) لا غيره !!
   في وقت قرّب فيه و استمرّ يقرّب مجرمين و ارباب سوابق كبار و اعادهم الى مواقع قيادية في الجيش و صنوف القوات المسلحة، و انعش بهم الفساد و الرشاوي و العنف والارهاب وصولاً الى داعش سيئة الصيت .  . حتى صار جيشاً لايختلف كثيراً عن جيش و قوات قصي و عدي، بل وطابقتها حتى في نتائج مواجهاتها العسكرية، طابقتها باعلانها و كأنها تفخر .  .  بالهزيمة ! 
و عمّق ذلك بعد اعلانه نتائج الإنتخابات المطعون بنزاهتها، اعلانه ان العراقيين هم الذين لايريدون التغيير بل يريدون الحكم هكذا ؟؟؟ يريدوه فرديّاً بيد عائلة : هي الدستور و هي القائد برّاً و بحراً ؟؟ فعن عن اي قوّات عرمرم يتحدثون ؟؟ و يتساءل الكثيرون، اين القوات الفاعلة و الساندة و اجهزة الأمن و المخابرات و العشائر الساندة .  .  التي اضافة الى تكاليف كرسي القائد العام و ابنه احمد و انسبائه فقط  تلفط  جلّ موارد البلاد، من نفطها و من خيراتها الطبيعية و البشرية .
لقد جرح المالكي بحكمه الفردي لدورتين، جرح ارادة الشعب جرحاً بليغاً بالارهاب التكفيري، جرحاً امتد و يمتد الى قوّاته المسلحة و بسالتها و صمودها، و بافتعاله الازمات السياسية المتواصلة .  .  .  و كأنما الناس لاتعرف و لا تخبر، انه هو ـ و مشاوريه ـ بسياساته الرعناء تلك، اعاد مكوّنات الشعب العراقي الى هويّاتها الفرعية لائذة بها من الجور و الارهاب . . بل انه بتلك السياسات و بالإغراءات تسبب بتصدّع الكتل الحاكمة و حتىّ تصدّع كتلته (دولة القانون) و حزبه هو . 
   و تكاد تجمع اوسع الاوساط ان السيد ابو احمد  بكلّ اجراءاته التي شهدتها دورتي حكمه لم يخدم بالنتائج النهائية الاّ تعميق الفرقة الطائفية و الفساد و العنف و الإرهاب المتعدد المنابع و الأصول الذي عزز النزوع نحو الفردية  .  . و غطىّ على ما أُنجز بداية بل و نخره بالإستثناءات التي جعلت القوّات بتعدادها و اجهزتها الفلكيّان و كأنها نمر من ورق .  .
و يؤكّد كثيرون على مسؤولية السيد المالكي الهائلة لإنفراده بأعلى الصلاحيات العسكرية ـ وهو ليس عسكرياً ـ اضافة الى السياسية، المالية و العامة .  . هو ومن شاركه الحكم بدرجة ما، انهم لم يستمعوا بجد و منذ وقت مبكر الى  النداءات الشعبية المتنوعة الداعية الى الخيار السياسي الوطني، وتجنب المغامرات العسكرية الطائشة، بل بالعكس  اهملوها كليّاً، لأنها  لاتؤدّي الاّ الى تكريس الإرادة الوطنية و الالتزام بالدستور و بالعودة الى البرلمان، و الأهم لأنها تسد طريق محاولات التسلط الفردي و محاولات بناء قائد ضرورة، و تسدّ طريق تسلّط حزب واحد ما .  .
و ما يثير العجب ان التقارير الحكومية اشارت الى كل الذرائع التي يمكن سوقها لتفسير فشل القوات المسلحة في عملها في الموصل مثلاً .  .  لكنها لم تُشر الى اسباب عزوف المواطنين و عموم الجماهير عن مواجهة الإرهابيين ومقاتلتهم !! و لم تفتح بذلك اخطر ملف وهو مدى ثقة الجماهير بالحكم .  . فالجماهير الواثقة بمن يحكمها تدعمه و تطيعه و تقف الى صفّه الى النهاية.
الا يكفي عرض ما حصل و بعشرات الآلاف عندما رمى الافراد اسلحتهم مقابل استبدالها بملابس مدنية للهرب كدليل على مستوى الثقة الذي وصل اليه مختار الزمان المالكي ؟؟ الايكفي ذلك ؟؟ الا تشبه الحالة هذه، حالة الجماهير و موقفها من الطاغية الارعن حينها في مواجهته لأعدائه، حين تركت الطرفين و افرغت الميدان و هي تعرف فداحة ثمن ذلك، مادياً و عينياً .   
   من ناحية اخرى و فيما يزداد تأكيد كثيرين على أن مايحدث يرمي ضمن مايرميه الى الحاق العراق بالحرب الأهلية التي تشهدها سوريا، رغم بسالة القوات العسكرية وتضحياتها للدفاع عن العراق ومواجهة الجماعات الإرهابية، في وقت لم يعد فيه الصمت ممكناً عن الخلافات و الصراعات السياسية التي اذكتها فردية المالكي، و تقود البلاد الى الهاوية .  .
   فانهم ينادون بتشكيل حكومة انقاذ من كلّ القوى الفاعلة العراقية على اساس استقالة الحكومة القائمة و رئيسها الذي يجمع مقاليد البلاد بيده و بيد عائلته، لفشلهم في حكم البلاد، انهاء المحاصصة الطائفية و التحكم الفردي و النزعات الدكتاتورية، و عدم تجديد ولاية ثالثة للسيد المالكي و تقديمه الى المسائلة البرلمانية، وفق الاصول الدستورية .  .
حكومة انقاذ تعمل فعلاً و عاجلاً على توفير مستلزمات الوحدة الوطنية و القوة السياسية و العسكرية و على تفعيل الدستور، يهئ لها اجتماع عاجل للاحزاب و القوى و المكونات العراقية. حكومة انقاذ وطني لأيجاد حلول للخللات العسكرية والفنية والسياسية العاجلة في المؤسسة العسكرية وقياداتها ، و تعزيز رؤيتها الاستراتيجية لتقوم فعلاً على الانتماء للهوية الوطنية و الدفاع عن الوطن و عن مكوناته، و تعزيزها بكلّ ما يمكنها من ألحاق الهزيمة بداعش والقاعدة وكل الجماعات الإرهابية التي تهدد امن وسلامة العراق واستقراره .  .
التي يمكن لها ان تحقق نجاحات فعلية اثر فتوى اية الله العظمى السيد السيستاني بدعوته العراقيين باطيافهم الى توحيد كلمتهم و الدفاع عن البلد ضد الأرهاب و دعم قواته المسلحة  . . مع تحذير القوى الوطنية من التحاق المتطوعين والمدنيين بصورة عشوائية وبدون أعداد وتدريب استجابة لدعوات الحكومة . حكومة تدافع عن الحريات والديمقراطية والتنوع الثقافي والديني والقومي، و تقف على الفساد الإداري والمالي و على انفصال الحكومة عن جماهير الشعب، و السير على طريق اصلاح الخدمات و التعليم.
و في الختام لابد من التأكيد على ان تسلّط ابو احمد المالكي و استغلاله للفرص التي وفّرتها له ـ في موقعه ـ كل الظروف و الارهاب، هو الذي قاد البلاد الى هذه النتائج، التي تثبت الأحداث الجارية بانه حتى نتائج الانتخابات الاخيرة كما اعلنت لن تخرج البلد من أزمته بسبب بقاء مقاليد البلاد بيد رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، الذي تلوّح حتى الآن دوائر ايرانية و اميركية بأهمية وجوده ؟؟؟؟؟
 
15 / 6 / 2014 ، مهند البراك


25
من اجل ان لا ينقسم العراق


                                   
د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net

تزداد بين اوسع اوساط العراقيين رجالاً و نساءً، تساؤلات تعبّر عن الخوف و القلق لما يحصل في البلاد و عن ماهية الآفاق ؟؟ منذ فشل حكومة المالكي في حل مشكلات الانبار لإعتمادها الاصم على القوة و الاتهامات و التمييز الطائفي، في وقت اخذ العنف فيه يتصاعد مجددا و ينتشر في انحاء البلاد بانواع المنظمات الارهابية و بروز داعش الارهابية بينها .  .
و يتساءل العراقيون بحرقة هل سينقسم العراق بعد سنوات المرار و العذاب و الصبر ؟؟ من دكتاتورية صدام الحربية العسكرية الى دكتاتورية ابو احمد المالكي المحتمي بالمحاصصة الطائفية و بالسلوك الطائفي لحل (مظلومية الطائفة الشيعية) دون النظر الى ماهية المطالب الحقيقية للطائفة الشيعية في العراق .  . 
المطالب التي تعبّر عنها المرجعية الشيعية العليا للسيد السيستاني في النجف الاشرف، و القائمة على اساس تآخي الأديان و الطوائف و على اساس وحدة العراق و رفاه ابنائه نساءً و رجالاً، و الدفاع عن مكوّناته و عن اهله من كل اطياف التنوع الديني و القومي و الطائفي .   
لقد ازداد القلق و الخوف و الحرقة و الألم مع احداث الموصل الحدباء الأخيرة، بسبب جرائم داعش الأرهابية المتجلببة برداء الاسلام و الطائفة السنيّة زوراً ، و التي يأنّ منها السنّة العراقيون قبل الشيعة ، و التي تستغل ضعف حكومة المالكي الطائفية لتنشط بشكل محموم بأسم اقامة دولة سنيّة عراقية ـ سورية .  . و حيث تزداد مخاطر اتباع اوساط جاهلة لها بسبب معاناتها من حياتها، النابعة من الارهاب و الحكم الفردي الطائفي القائم على سكّة المحاصصة الطائفية  .  .
المعاناة التي تكشف فشل المشروع الطائفي في حل مشاكل البلاد و السعي لرفاهها، و فشله في الدفاع عن البلد و وحدته .  .  و تكشف عن اعتماده على العنف في حل المشاكل و الخلافات دون الألتفات الى ان حل المطالب اليومية للجماهير و اعتماد الحلول السياسية في حل الخلافات بين اطرافها و بالتالي فرز داعش الارهابية عن القوى و التجمعات و المنظمات الشعبية العراقية، لمواجهتها و ايقاف زحفها بالإجراءات العسكرية التي لاتأتي الاّ كمكملِ للحلول السياسية.
التي اضافت عليها و زادتها نتائج الإنتخابات الأخيرة التي تمت في اجواء الموتورية الطائفية التي استمرت الحكومة القائمة و المنتهية ولايتها على تصعيدها، و استمرت على العمل بها في التدخل في العملية الانتخابية، و في سلوك و تصريحات علنية بكون رئيس مجلسها المنتهية ولايته سائر على اساس انه هو الحاكم الفرد .  . ( لأن الحكم لابد له من مخلّص مختار !! ) في وقت لايطيع فيه هذا المخلّص المفترض حتى اكبر المراجع الشيعية في البلاد .  .  ثم لتعلن ( فوز كتلته ؟؟! ) في محاولة واضحة لتمديد ولايته الى دورة ثالثة و تمديدها لتكون ولاية دائمة بسبب احتمالات توظيفه حالة الطوارئ التي اعلنت في البلاد ، لتعليق العمل بالدستور . 
و يحذّر مراقبون من ان بقاء الحكومة الحالية قد لايؤدي الاّ الى مخاطر انفجار الصراعات بين المحافظات و الاقاليم التي جعلتها المحاصصة قائمة على الطائفية، ان لم تتوحد قوى العراقيين سنة و شيعة و اكراد و كل القوى و الاحزاب لمواجهة الارهاب المتصاعد  .  .  لان السيطرات القائمة بينها و علامات التحديد صارت الآن قائمة و كأنها حدود دولية بعد ان تحققت حقوق من ديست حقوق مكوّنه العائد له و حققت افراحاً و مكاسب في البداية .
و يرى كثيرون ان الساسة من كلّ المكونات و الكتل الحاكمة قد ذهبوا بعيدا في تحقيق مكاسب ضيقة لهم و لمن طاعهم بعيداً عن الشعور بمسؤوليتهم  امام العمل على توفير الحقوق الطبيعية للمواطن من جهة .  .  و من جهة اخرى يرون ان الحكومة القائمة لم تستطع  مواجهة قوى الارهاب للاسباب المتعددة المارة ، و على رأسها فردية رئيسها (القائد العام) و طمعه المدمّر .  .
الامر الذي ادىّ برئيس مجلس وزرائها آنف الذكر، الى الايعاز لوحدات القوات المسلحة و الشرطة الاتحادية بالانسحاب من الموصل و تركها فانسحب افرادها تاركين اسلحتهم و معداتهم و ملابسهم ليتسللوا  عبر المدنيين العزّل، بعد انسحاب قادتهم الاساسيين بالهيليكوبترات الى بغداد، وفق العديد من مصادر الأخبار .  . و تُرك اهالي المدينة عزلاً امام الارهابيين فهربت اعداد منهم تاركين بيوتهم و ممتلكاتهم،  من المدينة صوب كوردستان او صوب بغداد .
و يرى مراقبون محايدون ان مايجري في العراق و وصوله الى اخطر الازمات و على رأسها خطر تمزّق نسيج البلاد و تقسيمها الطائفي، يأتي بسبب سلوك الدوائر العسكرية الايرانية بموافقة اميركية ضمنية  سواء بضوء اخضر او سكوت منها .  .  لترتيب توازن جديد في المنطقة يتناسب مع تطورات توتر العلاقات و السياسة الاميركية ـ السعودية .
   و ينادي كلّ الخيّرين بأن الامور وصلت حدا صارت فيه وحدة القوى العراقية من احزاب و قوى و مكونات و منظمات مجتمع و توحّدها لمواجهة الارهابيين هي القضية الرئيسية .  .  و الاّ فانها ستتحطّم جميعها متفرقة في كوارث جديدة يجري الإعداد لكل منها !!! الحدّ الذي صار عليها فيه الوقوف موحدة بوجه داعش و كل الارهاب الذي يستهدف الجميع .  .
و ينادون بتشكيل حكومة انقاذ من كلّ القوى الفاعلة العراقية على اساس استقالة الحكومة القائمة و رئيسها الذي يجمع مقاليد البلاد بيده الفرد و بيد عائلته و انسبائه، بسبب فشلهم في حكم البلاد على سكة المحاصصة الطائفية و حكم الفرد، و عدم تجديد ولاية ثالثة للسيد المالكي و تقديمه الى المسائلة البرلمانية  .  .  تشكيل حكومة انقاذ تعمل فعلاً و عاجلاً على توفير مستلزمات الوحدة الوطنية و القوة السياسية و العسكرية و على تفعيل الدستور، يهئ لها اجتماع عاجل للاحزاب و القوى و المكونات العراقية.
إن المصلحة الوطنية تدعونا جميعا إلى مواجهة الطائفية و الإرهاب و إنقاذ الوطن من أزمته، و من خطر تهشّمه سواء بالارهاب المتصاعد او بسبب تسلّط حكومة ابو احمد المالكي التي قادت الى هذه النتائج و ادّت الى ان نتائج الإنتخابات الأخيرة ، تثبت الأحداث الجارية فشلها ـ النتائج ـ في إخراج البلد من أزمته بسبب بقاء مقاليد البلاد بيد رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته .  .
تحية لوحدات القوات المسلحة التي تقف بوجه الارهاب و تحية خاصة لقوات البيشمركة الكوردستانية التي تتحرّك سريعاً لمواجهة الارهابيين في الموصل و للدفاع عن البلاد !

10 / 6 / 2014 ، مهند البراك

26
هناك .  . عند الحدود (16) الاخيرة   

                             
د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net

استمرت المفرزة بمسيرتها صعوداً، و صارت تمرّ بمناطق يزداد فيها الثلج، وفي حوالي الرابعة صباحاً، حيث وصلوا الى المنطقة الحرجة التي ينتصب فيها الثلج جامداً في شواخص قائمة و كأنها هياكل لمخلوقات ضخمة، وسط الصخب العالي للمياه المتدفقة الجارية في اسفل قطع ثلجي عميق لايسهل  الإقتراب من حافة هاويته السحيقة لإحتمال انهيارها . . . مشكّلة بذلك جواً يبعث على الرهبة في ذلك الفجر الذي بدى يلوح في تلك القمم . .
و بينما بدأوا بالصعود التدريجي على الجسر الثلجي الطبيعي، بخطى فرضت سعتها مدرجات دكّتها اقدام مجاميع المارة بحيواناتهم، و كانت تحميهم من الإنزلاق على الثلج سواءً على الطريق ذاته او تحمي من الإنزلاق على جوانبه منه ، الذي كان لايعني الاّ الإنزلاق الى تلك الهاوية السحيقة . .   
   في ذلك المكان الأكثر حراجة امتنع الجندي علي عن مواصلة المسير صعوداً و هو يسمع هدير الماء الصاخب المخيف . . وصاح :
ـ لاتقتلوني  . . شفاعة للنبي !! انا لم اؤذي احداً . . كنت في الربيئة بواجب عسكري لااستطيع الهروب من الجيش والاّ كانوا سيعدموني . . انا و الله لم اقتل احداً . . لماذا تقتلوني ؟؟
فصاح عليه الجريح ابو داود و بسرعة اسكتته، رغم الآلام الشديدة لعينه المصابة . . باعتباره المسؤول السياسي الذي شارك في قيادة اقتحام الربيئة، وهو مدرك جيداً ان اي توقف على ذلك الجسر او اية حركة غير طبيعية عليه قد تؤدي الى انهياره، و صاح على العريف عودة :
ـ عريف عودة اهتم عزيزي بـ " أبو حسين " لأنه اقلّ خبرة منك . .
و فعلاً ادّت كلمات ابو داود الحازمة و عباراته المختارة بعناية و دقة نابعتين من قلب عامر و حنان و رأفة ابويتين، و بلهجته الكربلائية في تلك الظروف و في ذلك الموقع الخطير، لعب كل ذلك دوراً هاماً في اسراع العريف الأسير عودة الى اسناد الجندي الأسير علي الذي جثى على ركبتيه و هو يقبّل يد العريف عودة باعتباره من سلالة آل البيت . . الذي بدوره همس بأذنه كلمات مشجعة عن الصبر و عن صبر الإمام الحسين . . اعادته الى رشده و نهض بشاربيه الكثيفين المبللين بدموعه التي تجمّد قسم منها كراتٍ بسبب البرد، و هو يتمتم :
ـ الحمد لله الذي لايُشكر على مكروه سواه !! الحمد لله ! الحمد لله . .
و واصل السير  .   
   لم يستطيعوا ان يتوقفوا و انما استمرّوا بالسير صعوداً على الجسر الثلجي و لهاثهم يتزايد، و اجتازوا القطع العميق وسط ضباب مخيف منتظرين وقوف الدليل السائر في المقدمة كي يأخذوا قسطاً من الراحة . . الاّ ان الدليل استمر بسيره، مما جعل صاحب يصيح عليه بضرورة التوقف للتأكد من صحة الجرحى و خاصة الجريح يوسف . .
استدار الدليل اليهم وقال :
ـ نستطيع التوقف بعد مسافة قصيرة . . المهم ان نخرج من هذا الحوض الذي نسير فيه، قبل شروق الشمس لأننا لن نستطع بعدئذ السير على الثلج صعوداً، حيث ان ذوبان جزء من سطحه لايسبب الاّ إنزلاق السائر عليه صعوداً . . . هل يستطيع يوسف المواصلة ؟؟
اشار يوسف الذي يعرف المنطقة جيداً الى الطبيب بيده و هو يرفع رأسه لأول مرة و يقول بصوت مسموع ، " نعم استطيع ! " ، فواصلوا المسير . . 
   و انتبه صاحب الى انهم فعلا في حوض ثلجي هائل شبه مغلق من كلّ جهاته، و انهم يسيرون باتجاه مايشبه المنفذ الوحيد الضيّق للخروج من الحوض من خلال عنقه، الذي كان الثلج عليه لايزال جامدا بقوة . . و فيما هو يفكّر، شاهد غيوماً فقال لحمه هركي " و لكن حتى ان امطرت هذه الغيوم فسيذوب الثلج و سيصبح الصعود مستحيلاً، اليس كذلك ؟ "
ابتسم حمه و قال :
ـ هذه الغيوم لاتمطر . . لاحظ اتجاه حركتها !!
ـ  .   .   .  ؟!
   بعد ان خرجوا من الحوض، استمروا بالسير لمسافة طويلة هدّهم فيها التعب، و توقّف الدليل مشيراً الى امكانية قضاء استراحة قصيرة فتوقفوا جميعاً . . و القى صاحب نظرة سريعة على الجرحى الأكثر حراجة و تأكد من حال ابو داود المصاب بعينه و ابو آذار المصاب في كليته و تبادل الابتسام مع ابو فيروز و ابو نضال كدلالة على حسن صحتهما، و فحص بدقة يوسف هركي ؛ مظهره و حركة وجهه و عيونه ثم قياس ضغطه و نبضه و اطمأن على حاله بجرعة مقويات و منعشات جديدة . . و بعد ان رشفوا شاي من ترمسين حرص حمه هركي على حملهما و العناية بهما ، دخّنوا بما امكن ثم واصلوا السير خوفاً من سريان البرد في اجسامهم . .
   و فيما كانوا يراقبون قَطْعاً ثلجياً  ـ شبه حائط ـ  تكوّن بسبب انهيار ثلجي و اظهر طبقات متنوعة الألوان واضحة الحدود بين بعضها البعض من الثلج . . و التي منها تمكن العارفون حساب السنين و ما شهدت من حرّ و برد او ما شهدت من دمار و انهيار و تألّق ايضاً . . 
قال ماموستا هيرش و هو يدقق في القطع :
ـ منذ صغرنا و نحن نسمع من جدّاتنا و من الغجر . . روايات عمّن ركبوا العواصف و المخاطر، و صالوا و جالوا و قتل البعض و انتصر الآخر . . في اراضي و بوادي المجهول و الموت حيث تنتصب جبال الثلج العاصية متحدية الزمان . . جبال "كاني بفر " و " كاني بفران ". (1)
   و في مسيرتهم صعدوا مدرّجات صخرية شبه مرمرية مبنية او مثبتة على ارض صخرية نبتت على شقوقها اعشاب برية خضراء تقاوم الثلج، عندما حاول صاحب اقتلاع اعشاب منها لتفحصها، وجد انها قد تتمزّق ولكن لاتقتلع باليد مهما سحبت بقوة.
و وصلوا الى رابية في شبه منحنى هناك . . شاهدوا عندها لوحات صخرية و كأنما هي مسلاّت او  جداريات، اضافة الى صخور نقش عليها او كتب عليها بخطوط مسمارية او ماشابهها (2)، و كانت هناك مجاميع من مقابر حجرية كبيرة منحوت عليها الهلال الإسلامي، و حولها اشجار باسقة، اضافت اليها سكون و خشوع و كأنما اكملت لها اسرار و حرمة المقابر.
و على اغصان احدى الأشجار، عقدت انواع المناديل و الشرائط لطالبي الرحمة من الفاريّن و المطرودين والمطاردين و طالبي الأمل للمرضى و العواقر و ذوي الحوائج، للذين اعياهم الإنتظار. . و لم يعرف احد ماهية تلك الدعوات و الأماني و الرجاء و بتوصية من و ممن و الى مًنْ، لتوالي مرور انواع البشر بانواع معتقداتهم و دياناتهم و قومياتهم . . كما لم تُعرف قصة تلك الشجرة، هل تقوم على مدفن امام او مدفن ولي من الأولياء و القديسين، و ان كان لقربها من السماء فإن اشجار المقبرة كلها اقرب للسماء و كلها على نفس المرتفع . . ؟؟
قال حمه هيركي :
ـ المتعارف بين عشائر المنطقة هنا . . ان طريقنا هذا هو جزء من طريق الحرير التأريخي بين اهم امم الأرض في التاريخ . . الطريق الذي يربط سواحل اوروبا على البحر الأبيض بالهند و الصين ؟!
   و رأى صاحب ما يؤكد كلام حمه هركي . . فالمقابر الكبيرة الأخرى التي يشاهدها و عليها نقوش بين ملامح صور و بين كتابات غير مفهومة . . مقابر بُني في مقدمتها صليب كبير، في دلالة على انه لابد و ان تكون هناك او كانت هناك مدن و ابنية او محطّات تعود الى قلاع و حضارات قديمة . . . و تذكّر الرواية الملحمية " قلعة دمدم " . .
التي فيما عبّرت عن بطولات و نضال الكورد في سبيل الحياة و الحرية و الكرامة، و بقي صداها يتردد بين شعوب المنطقة كمثالٍ للحب و الثورة ضد الظلم القومي و الإجتماعي . . فإن احداثها دارت في المنطقة ذاتها التي يسيرون عليها . .
و استمروا صاعدين جبال الثلج حتى مرّوا بنصب الحدود الخرسانية الواضحة تماماً هناك . . و اطلّوا من علٍ على خط واضح للحدود، الذي كان عبارة عن سلسلة خرسانات عليها نُصُب معدنية، و كأنها شواخص ثابتة لسياج حقيقي يمكن في اي وقت اقامته بايصال مايربط باحكام بين الخرسانات المثبتة عميقاً في الأرض ـ كما تأكّد من ذلك بعدئذ ـ ، ليكون مانعاً برياً حقيقياً محكماً . . و بقي السؤال قائماً في ذهنه بلا جواب .  .  . لماذا خط الحدود هنا واضح تماماً ذلك الوضوح، و في اماكن اخرى ليس كذلك، بل و حتى لاتوجد لاشواخص و لا اي شئ دالٍّ ؟؟
   و تذكّر صاحب انه في خريف احدى السنوات مرّ بطريق مشابه لذلك الطريق و ضمن نفس العقدة الجبلية الكبيرة من سلاسل جبال سيدكان، عندما رافق قافلة للجرحى اجبرت على المرور في مناطق ليلكان متوجهة الى بيرانشهر ـ خانه ـ ، حين مرّت في مناطق مرتفعة شكّلت كما لو كان سقف المنطقة هناك . . 
و نزلت المفرزة في ذلك الخريف، على طريق كانت تتخلله مسافات ثلجية افقية كان سمك الثلج فيها كبيراً، كما كان يظهر في عدد من قطوعاتها. وقد ضمّت تلك المسافات الثلجية مساحات صغيرة و متوسطة من نبات يشبه الثيّل و هو ممتزجاً بسائل اسود و طين، و كانت تنبعث منها روائح نفطية متنوعة، و يتصاعد من بعضها البخار، مشكّلة منظراً لاينسى في تلك المناطق التي كانت تمتد بما يشبه الصحراء البيضاء الراقدةعلى قمم واسعة مفتوحة تلتقي نهاياتها بخط الأفق، حين وصلوا الى رابية كانت تشغلها قطعان من خيول مطلقة السراح، تركها اصحابها الرعيان لتبحث هي عن علفها في الشتاء، و ليسوقوها اليهم بعد انتهاء ذلك الفصل و عودة الربيع .  . رابية احتضنت مقابر متعددة في سقف المنطقة ذلك الذي كان يطلّ على سلاسل جبلية اخرى كساها الثلج .
   وكان من المعروف هناك، ان المقابر تعود لجيوش متعددة، حيث كانت القبور العديدة تلك، مرتبة بصفوف منتظمة اختلفت من حيث الطول و العرض باختلاف المقبرة، وكانت عليها الواح ونصب حجرية بدا عليها القدم والتآكل و صدأ الحديد، وتبين بعد محاولة البعض لفك مانقش عليها، انها قبور لمقاتلين اتراك وفرس وبريطانيين وروس، عكست النزاعات الضارية لدول المنطقة و لجيوش اجنبية للسيطرة على تلك الأراضي الغنية من كردستان العراق .
   و تذكّر صاحب حادثة وقعت له آنذاك اثناء سير تلك المفرزة، حين سقط مغشياً عليه بسبب الحمىّ العالية التي كان يعاني منها اثر اصابته بالتهاب قصبات حاد تطوّر سريعاً بسبب البرد، و كيف تركه رفاقه ليرتاح في ره شمال ـ بيت شعر ـ و تركوا معه رفيقين مسلّحين، على ان يلتقي الجميع بعد ان يتحسن .  .  في قرية سيلوه الحدودية الإيرانية . و تذكّر كيف نام هناك نوماً مضطرباً بسبب الحمى وترائى له و هو لايصدّق . . انه سمع صوت ربّة العائلة تنادي ابنتها وهي تصيح :
ـ اجلبي النفط من الكاني !! .  .  بهذا الدلو !! (3)
و انه استيقظ و وجد نفسه غارقاً بعرقه الذي كان يتصبب منه وهو مكسواً بدهن الطعام وملفوفاً بفروة سميكة عملت و اشارت بها ربة البيت .  .  كانت الصوبة (4) حمراء كالجمر، الاّ انه لم يرَ حطباً قربها كالعادة !! بل كان محيط الصوبة نظيفاً تفوح منه رائحة كالنفط، وضحك من فكرة انهم يستخدمون النفط للتدفئة هناك، فمن اين يجلبوه وكيف ؟ 
وقلّب فكره حينها في صياح المرأة " اجلبي النفط من النبع " ؟! .  .  هل يوجد النفط في مياهنا ايضاً؟! و اين ؟ هنا في سقف عالمنا، بين الثلج ؟!    
و عندما استيقظ عند الفجر نشيطاً معافى، وذهب متدثراً بالفروة لقضاء حاجة، فخرج من جهة الره شمال التي خصصها اهل البيت للضيوف  .  .  كانت الريح ثلجية باردة وكان رذاذ من مطر خفيف ينهمر وسط معمعة خافته وثغاء خراف، وشاهد انواراً بعيدة تتلألأ بمجاميع وسط ذلك الظلام الذي كان لايزال مخيّماً في السهول الواقعة في الاسفل و الذي زادته الغيوم المرابطة هناك عمقاً، و قال مع نفسه : هذه "اشنوية" (5)  وتلك "خانة" التي كانت ابعد .
   واثارت انتباهه هناك آثار اقدام شكّلت شبه ممر، فسار عليه الى نهايته حتى وجد نفسه امام بركة صغيرة لسائل داكن مسود  .  .  بركة تحيط بها حشائش خشنه كالثيّل ايضاً، وكان موضوعاً جنبها صفيحتين مرتبتين بهيئة دلوين، كانتا مملوئتين بسائل لزج القوام كما بدا، تنبعث منه رائحة النفط الممزوجة برائحة طين  .  .  وتأكد بعد ذلك من ان الذي كان يسيل من تلك العين والذي استعملته زوجة الراعي لاشعال الصوبة، هو النفط الذي يخرج ويسيل بشكل طبيعي من الأرض في بلادنا، في واحدة من اعاجيب بلاد النفط، و كرر في نفسه انه ينبع من تلقاء ذاته لايحتاج لا الى حفّارات و لا اجهزة و لا اخصائيين كبار، لايعرف مدى صدقهم من كذبهم .
   و بعد ان قرر صاحب و رفيقاه الإلتحاق بالمفرزة في قرية سيلوه كما اتفقوا . .   شكروا اهل الره شمال و تحركوا نزولاً ماريّن بقرية "زيوكه" سائرين بين مزارع الفراولا ، ثم بقرية صغيرة كانت تدعى "نَوْت" Naot  (6)، حيث اشتم رائحة نفط قوية كانت تفوح على طول مسافة ليست قصيرة حول القرية، ولاحظ انتشار ذلك الثيّل الاخضر الخشن المنظر الذي يظهر في بقع واسعة ضحلة من سائل يشبه الماء الآسن ، بقعاً انحسر منها الثلج الذي كان يغطيّ اطراف القرية والى مسافة طويلة منها، لدفئ الارض المحيطة بمكان تجمّع النفط الخام الدافئ.
و تأكد له ان ذلك السائل هو النفط الذي كُشف عن وجوده في منطقة المثلث العراقي ـ التركي ـ الأيراني "ميركه ور"، ونشره في الصحف البريطانية لأول مرة آنذاك المهندس البريطاني مكدريج، المهندس في شركة بريتش بتروليوم التي كانت تنقب عن النفط شمال غرب ايران في اربعينات القرن الماضي، ووصفه آنذاك، بأنه اكبر مخزون نفطي في الشرق الأوسط !
الأمر الذي ادىّ الى طرده من الشركة لأنه افشى سراًّ خطيراً لها، على حد وصف الشركة، و حكم عليه بالإعدام في ايران في وقتها بضغوط شركات النفط الغربية العاملة فيها على القضاء. ثم خفف الحكم الى السجن المؤبد، بعد تدخل عائلة السياسي البريطاني الشهير تشرشل، لكون زوجة المهندس تعود بقرابة اليها.
ويشير متخصصون و باحثون الى ان شركات النفط لاتقوم في العادة بالإعلان عن استخراج وتصنيع وتسويق النفط الاّ بعد دراسة انسجام ذلك الإعلان مع المصالح والخطط السياسية لبلدانها الصناعية و خطط تقسيمها للأسواق و البلدان و تعيينها و اقامتها الحدود .  .  لتحقيق اعلى الأرباح الانانية لها، دون حساب للمكوّنات البشرية القاطنة عليها و مصالحها و عواطفها و تمسّكها بأرضها، و آمالها بحياة افضل .
واشار مكدريج في كتابه "الجبال والسلاح" الصادر في اوائل سبعينات القرن الماضي بالعربية (7)، الى ان شركات النفط لم تباشر باستخراج النفط، في كوردستان هناك، لوقوعه في منطقة مقسمة الى دول ثلاث، الأمر الذي ان حصل فإنه قد يثير صراعاً اقليمياً و دولياً بينها . . الاّ ان الأهم من ذلك، ان شركات النفط كانت تتحسس من استخراج النفط هناك لكونه يقع في منطقة  كوردية صرفة !!
حيث ترى الشركات ان النفط في حال استخراجه وتصنيعه هناك، سيؤدي الى تطوير المنطقة وتصنيعها، و يؤدي بالتالي الى زيادة وعي ومعارف ابنائها الكورد وتطور ثقافتهم، وبالتالي سيشكّل اساساً مادياً هاماً لتصاعد مطالبتهم بكيان سياسي كوردي، الأمر الذي كانت تحذره وتقف ضده دوائر القرار في تلك الحقبة الزمنية .
لقد اجّلت الشركات النفطية استخراج وتصنيع النفط من منطقة "ميركه ور" و المناطق المحيطة بها، رغم جودته العاليه ورخص استخراجه وقربه من سطح الأرض كما مرّ، واحتكرت ذلك الحق لها ومنعت الآخرين من استخراجه وتصنيعه ايضاً، بل و ثبّتت حدود استثماراتها بإحكام بتثبيت حدود واضحة بين كل دولتين متجاورتين هناك و في كل مكان مثله يمرّ خط الحدود المرسوم بقلم على خريطة منضدية  .  .  حدود لايسهل تخطيّها صدفة او غفلة او في ظلمة، كما قد يحصل في اماكن اخرى من البلاد و المنطقة . . لكل الأسباب المارة و على رأسها النفط !!
.  .  .  .
.  .  .  .
   و فيما كان صاحب يفكّر بمفرزة سيلوه تلك و النفط و الحدود . . استمروا يصعدون جبلاً ثلجياً الى قمته ليصلوا الى سطح كبير ثلجي يلوح بقفره و سطوع الشمس عليه و انفتاحه على السماء و كأنه صحراء ملحية للوهلة الأولى . . الاّ ان برودة الريح تذكّر دوماً بانها ثلوج ناصعة البياض تهفهف عليها الرياح و كأنما لتعيد استوائها او بنائها و رونقها . . انها شئ يذكّر بالصحراء ايضاً لأن ماء ثلجها كأي ماء ثلج  لايروي العطش  . . 
   لم يمرّوا بقرية و لم يشاهدوا قرى او علامة حياة في الطريق و لم يصادفوا نبع ماء و لمسافات طويلة . . و بقي العديد من الأسئلة مفتوحاً، هل دُمّرت القرى هنا بفعل الطبيعة ام انها هُجّرت ؟؟ لأنهم شاهدوا دلائل لها من ابنية خربة شاخصة في منعطفات . . بل و في احد المواقع كان هناك نبع ماء مبني و مثبّت باحجار سميكة كبيرة كأنها الواح من المرمر، و يتصل بساحة حجرية واسعة تلتقي عندها طرقات حجرية ايضاً . . 
   و مرّوا بمناطق كانت الغيوم تلتف حولهم فيها كأنها ضباب يمنع الرؤيا . . غيوم تملأ الأخاديد التي ساروا فيها و هم يشعرون و كأنما لم تشرق الشمس بعد  . . و بعد ان خرجوا من مناطق الغيوم رأوا ان الشمس صارت تتجه نحو السمت في تلك المناطق الخالية ليس من البشر فحسب، و انما من الحيوان ايضاً في صمت مطبق و ثلج طاغيين . .
و فجأة شاهدوا على بعد طيوراً كبيرة كاسرة تشبه النسور ذوات الأعناق العارية، كانت متجمعة في مكان يطل على ساحة تجري على ارضها معركة ضارية بين طائرين منهما، تطاير فيها الريش و الثلج . . و لم يفهم صاحب لماذا لا تبالي الطيور بهما رغم انها تشاهدهم جيداً، و لكن لاحركة منها، و لاهروب او هجوم و انما كانت الطيور تلك تكتفي بالنظر اليهما و هي تتابع بكل انتباه و يقظة الصراع الجاري بين الطائرين، في معركة بدا و كأنها لا تنتهي بسهولة، خمّن البعض مايجري فيها بكونه صراعاً كالصراع بين حصانين على قيادة القطيع . . و قال آخرون انهم ينتظرون من سيُقتل منهما بضربات و تجريح و تدمير الآخر .  . ليأكلوا لحمه .   
   شعر البيشمركة بحرقة في الوجوه . . حيث بدأ الجلد و كأنه يحترق تحت ضربات البرد القاسي الذي يسبب تيبس البشرة، و تحت ضربات الشمس التي صارت تواجههم، حتى صار من الصعوبة تحريك الحواجب و خاصة عندما تهب رياح تتسبب بتشقق الجلد المؤلم و كأنه يتلقى مقذوفات صغيرة جارحة، اضافة الى تقرح جلد اليدين لمن لم يلبس كفوفاً. و ضحكوا و هم ينظرون بعضهم لبعض لأن وجوههم اسوَدّت، و شعروا بحاجتهم الى مراهم الجلد و الى نظارات داكنة، لأن قوة الشمس و انعكاسها القوي على الثلج و لمعانه الحاد، صارت لاتطيقها العيون  . . 
و بينما توقفوا ليتفقد صاحب الجرحى في احدى المرّات، صاح الدليل من فوق مرتفع :
ـ لاتقفوا !! اتبعوني بلا توقف . . بسرعة !! بسرعة !!
و صاح حمه هركي فوراً و بوجه قاسي عبوس :
ـ تحركوا تحركوا بسرعة !!
و اضاف لصاحب بصوت اجش :
ـ دكتور !!  هذه الغيمة الصغيرة هي اسوأ علامة !! ستهب عواصف ثلجية ممكن ان تدفننا جميعاً هنا في الثلج !! و اشار اليها و صاح :
ـ اسرع اسرع . . . !!!
و بينما التفت صاحب بسرعة ليشاهد الغيمة و يسرع صاعداً مع الآخرين، لمح غيمة صغيرة شبه ثابتة، لم يدرك ماهية خطورتها . . اسرع الجميع نحو المرتفع حيث يقف الدليل، الجرحى على حيواناتهم و الآخرون ركضاً رغم كلّ التعب، حتى وصلوا قمة المرتفع و اخذوا استراحة قصيرة تماماً للتنفس و واصلوا صعود مرتفع ثاني بهمة عالية و بهدوء و حتى طرف رابية ذات سطح جليدي قاسي هناك . . حيث قال الدليل :
ـ هنا تستطيعون الراحة . .     
و فيما كانوا يحاولون الجلوس على قطعة من النايلون يحملوها معهم، صاح الجريح ابو آذار :
ـ شوفوا شوفوا هناك . . !!
استدار الجميع الى حيث اشار . . و رأوا على البعد ما يشبه الإعصار محاطاً بهالة هائلة مضببة و كأن هناك مخاض عنيف لصيرورة جديدة في المنطقة ، اعصار يتحرك منحرفا من امامهم متجها شرقاً . . كان يفترس ما امامه من تشكيلات جليدية في اماكن و يترك خلفه قبباً و جبالاً ثلجية جديدة في اماكن اخرى جديدة . . و شاهدوا على البعد انهيارات ثلجية مستمرة تبعث على الرهبة . . اذ ما الذي يمنع من انهيار المنطقة التي يسيرون عليها ؟؟ السؤال الذي اجاب عليه ابو داود بسؤاله : " لماذا وجود دليل معنا اذن ؟ " !! 
و اضاف حمه هركي بادب :
ـ لأني من عشائر المنطقة . . تدربنا منذ صغرنا على هذا الطريق لأنه من طرق الكويستان (8) في اعالي جبال كيله شين التي ندوس عليها الآن، حيث تذهب عشائرنا في الصيف سنوياً نحو المراعي  هناك بعيداً عن الحر و الجفاف في السهول. و كنت منتبهاً الى حركة دليلنا الذي سبقنا الى تلك النقطة و الزاوية بالضبط لتقدير الوضع في منتصف النهار. حيث ان ظهور مثل تلك الغيمة شبه المستقرة مهما كانت صغيرة في المنطقة في هذا الوقت، يعني انها نذير بهبوب عاصفة لا تُذر و لاتُبقي، و لابد و انها ستكون مصحوبة بانهيارات ثلجية، الإنهيارات التي طمرت المئات و المئات تحتها منذ تأريخ قديم، لقد طمرت العام الفائت لوحده اكثر من مئة من الأهالي مع حيواناتهم اضافة لعدد من البيشمركة . .
   بعد ان استراحوا قليلاً بالجلوس على قطعة من النايلون على دكّة صخرية جفّت بتأثير حرارة الشمس، حيث  شربوا شاياً من ترمسي حمه هيركي الذي مازال دافئاً، و اكلوا قليلاً مما حملوا، و دخّنوا مسترخين قليلاً تحت الشمس . . و بعد ان اطمئن صاحب على حال الجرحى، عدلوا ملابسهم و احزمتهم و ابتدأوا بالسير . .
   كان الطريق يتّجه بانحدارات كبيرة نحو الأسفل، فبعد مسافة من بقعة متموجة . . بدأوا بالنزول نحو وديان عميقة و بدت المنطقة المحيطة رطبة بتأثير امطار سقطت حديثاً و اذابت اجزاءً من الجليد في ذلك الجانب من الجبال . . و بدأت تلوح اسفلهم مروجٌ خضراء اخذت تظهر فيها سجادات الربيع المزهرة المتنوعة الألوان . . 
حتى صار الطريق منحدراً بشكل كبير، الأمر الذي اقلق صاحب و اخذ يتلفت لمعاينة احوال الجرحى و خاصة يوسف هركي و ابو آذار، و اطمأن و هو يراهم ممسكين بقوة و تركيز بمقدمة سروجهم، فيما بدأ يلوح لهم في الأسفل شريطاً فضياً ملتوياً اخذ يزداد وضوحاً بكونه نهر .
 
تذكّر صاحب قافلة جرحى اقتتال الأخوة . . التي كان يقودها في فترة سابقة حين كانوا ينزلون من جبل سفيّن من جهته الشديدة الإنحدار لأنها كانت اكثر اماناً من حيث القوى العسكرية، و كانوا متجهين الى اطراف قرية نازنين، حين تأمل بقلق حالة الجرحى الخطرين الذين انقذ حياتهم في سهل اربيل آنذاك، و خاصة  فاخر المصاب بكسر في عظم الفخذ بسبب اطلاقة بندقية برنو، ومام بايز المصاب بشظية في صدره، استقرت على جدار القلب (9) . . حين كانوا ينزلون بسرعة كبيرة تحت وابل قصف مدفعية الربايا الحكومية، و هم يحسبون الف حساب لإحتمالات وجود كمائن معادية على جانبي الطريق . .
و تذكّر صاحب كيف انه كان حانقاً طوال الطريق ـ قبل نزولهم ذلك المنحدر الخطرـ على ملتحقين جدد آنذاك كانوا يتصورون الحال و كانهم في نزهة، و ليس بمهمة خطرة تتضمن نقل جرحى مخطرين في النهار امام مرمى الربايا الحكومية، و يتربص بهم مقاتلون من منظمة بيشمركة شقيقة ابتدأت حرباً ضدّهم . .
فقد كانوا يتحدثون عن افلام برجيت باردو و مارلين مونرو و عن اللقطات الأكثر جاذبية و اثارة لهما ، فيما كانوا يكرّزون حب الرقي المحمص و يبصقون قشوره على طول الطريق، محدثين ضجة كبيرة شوشت على اصغاء صاحب و مرافقيه لما حولهم، رغم محاولات الأقدم اسكاتهم لمرّات . . حتى نهرهم صاحب بشدة بأن ينتبهوا على الطريق لأن الجميع معرضون للقتل !! فصمتوا صمتاً مطبقاً اثر تجمّدهم من ذلك القول المفاجئ، لأنهم كانوا يسيرون فعلاً في تلك الطرق الخطرة و هم يرون ذكرياتهم المثيرة و كأنها ماثلة امامهم ؟!
.  .  .  .
.  .  .  .
كانوا ينزلون من جبال كيله شين ـ نحو وديان كأنها من عالم آخر، حيث كان الربيع في تلك الوديان مزدهراً . و مرّوا برعاة بقر ببنطلونات جينز و قبعات كاوبوي كما في الأفلام الأميركية . . و قد قيل انهم مسيحيون، و ان القرى المحيطة هناك هي قرى مسيحية .  .  .  و كرر صاحب السؤال الذي لم يلق له جواب " لماذا قراهم انظف من قرانا نحن المسلمين . . و قرآننا و احاديث الرسول الأكرم كلّها تشدد على النظافة " ؟! 
   بعد ان اجتازوا المروج الخضر التي كانت مجاميع كثيرة من البقر ترعى فيها، و الذي استغرق اكثر من ساعة . . عبروا قنطرة حجرية قيل انها جسر نهر " غادار" (10) الشهير في المنطقة بكونه اطول انهارها . . و استمروا داخلين مدينة اشنوية الخضراء الجميلة، و اجتازوا عدداً من الطرق الى ان وصلوا الى مقر بيشمركة الحزب الديمقراطي الكوردستاني ـ حدك في اشنوية.
   كانت الساعة الثانية بعد الظهر عندما وصلوا المقر و فات عليهم ان ذلك اليوم كان يوم جمعة، و ان المقر يكون في العادة مغلقاً . . الاّ ان الخفراء فتحوا الباب و ادخلوهم الى الغرف المفروشة كي يستريحوا في ذلك المكان الدافئ، و قد زادوا من تدفئته باشعالهم اكثر من صوبة فيه . و شعر الجميع كما لو انهم قدموا من عالم آخر . . و فيما كان افراد المفرزة يغتسلون و يرقدون على ظهورهم في ذلك المكان الدافئ، انشغل صاحب بفحص جميع الجرحى و تسكين من احتاج الى مسكّن، و قام بتعليق مغذي جديد للجريح يوسف مضافاً اليه المانيتول لتنظيم الضغط و النبض .   
   بعد ان نام قسم و رقد قسم آخر، جلسوا و شربوا الشاي الطازج الذي أُعدّ لهم، و اكل الجرحى طعاماً خفيفاً بناءً على توصية صاحب لأنهم يتهيأون للذهاب الى المستشفى حيث سيقوم الأطباء الاخصائيون هناك بفحصهم و اجراء الفحوص المختبرية و الشعاعية و غيرها لتقرير مايجب عمله معهم. و قد ارسلهم  مقر اشنوية بباصين صغيرين مع مرافق الى مستشفى رضائية حيث انتظرهم معتمد حدك هناك، كاك مجيد . . الذي قام بالإجراءات الأصولية لإدخالهم و بضمنهم يوسف هيركي الى المستشفى وفق قرارات الأطباء هناك، و حدد لبيشمركة المفرزة مكان للراحة في مقرات قيادة حدك في راجان ، ثم قام بترتيب سفر الجرحى المرسلين من سرية روستي الى طهران ، و ادخال الآخرين الى مستشفى رضائية . . 
استغرب طبيب الردهة الجراحية الإيراني من ان الفلاح الكوردي الواضح من ملابسه و الذي كان واقفاً في باب غرفته في المستشفى يتكلّم الإنكليزية، و صار استغرابه مفاجأة هائلة بعدما عرف ان ذلك الفلاح هو الذي قام بعملية استخراج الشظية الصاروخية من دماغ الجريح يوسف هركي !!
و قد خلّصه كاك مجيد من حالة المفاجأة تلك و هدّئه بتوضيحاته و بأثبات ان شظية الصاروخ التي اصابته هي تلك التي كانت في جيب صاحب، الذي من جانبه قدّمها لطبيب الردهة ليرى حجمها و مادتها و شكلها ليستطيع تكوين تصوّر اولي حول حجم الإصابة، تصوّر يساعد فحصه السريري لتقدير ماهية حجم الإصابة و بالتالي للتوصل الى تقرير ما اذا كانت مستشفى رضائية قادرة على القيام بالعلاج سريرياً او جراحياً ام لا ، ام كيف . 
بعد ان اتصل طبيب الردهة الجراحية برئيس قسمه و تفاهم معه تليفونياً عن كيفية التصرف مع الجريح يوسف هركي، حيّا طبيب الردهة صاحب و قاده الى جناح اقامة رئيس قسم الجراحة في المستشفى  ليرتاح فيه، و جلب له مناشف كي يأخذ حمّاماً، و سيت داخلي للنوم و اطلعه على تفاصيل الجناح الذي توفرت في مطبخه انواع الأطعمة و الألبان و المشروبات الغازية، طالباً منه ان يحاول الهدوء لأن من المحتمل ان يكون امامه شغل متعب .
بعد ان اخذ حماماً و ابدل ملابسه و اكل قليلاً مما موجود، ذهب صاحب في سبات نوم عميق، ايقظه منه طبيب الردهة في حدود السابعة مساءً طالباً منه برجاء، اعداد شئ لعقد سيمينار مع اطباء قسم الجراحة في المستشفى حول عملية الدماغ التي قام بها و ظروفها، و الأدوات و المواد الطبية المستعملة، و ان يعدّ تقريراً طبياً بالأنكليزية بذلك، لأرساله الى بروفيسور مستشفى الجراحة العصبية في طهران، بناءً على طلبه .     
و اعدّ صاحب الخطوط الرئيسية التي سيتحدّث عنها في السمينار، و ذهب صحبة طبيب الردهة  الى قاعة كان ينتظره فيها اكثر من خمسة عشر طبيباً و طبيبة، استوضحوا منه و ناقشوا بحماس  .  .  .  و بعد السمينار اعد صاحب التقرير الطبي للجريح يوسف بالإنكليزية و ارسله في نفس الوقت بفاكس المستشفى الى البروفيسور في طهران، الذي كلّم صاحب بعدئذ تلفونياً من هناك . . ثم عاد و اتصل بصاحب مرة اخرى و ثمّنه على ما قام به و اخبره بانه سيرسل تقريرا طبيا بذلك التثمين الى مستشفى رضائية وفق الطريق الحكومي الأصولي، على اسمه .
.  .  .  .
.  .  .  .
   استيقظ صاحب في الصباح الباكر في غرفة رئيس قسم الجراحة . . على صوت ضجة كبيرة في حدائق المستشفى الأمامية  . . و شاهد من الشباك المئات من الرجال و النساء و الأطفال من افراد العشائر امتلأت بهم حدائق المستشفى الأمامية الفسيحة، و لم يفهم مالذي يحدث هناك . و بعد قليل جاء اليه كاك مجيد و قال، انهم من عشيرة هركي جاءوا للسلام على يوسف هركي و عليك لإنقاذك حياته، و كان اربعة من الكهول خلفه سلّموا على الطبيب بحرارة عالية و قرأ احدهم عليه تعاويذاً ، فيما خرج هو الى البلكون ليحيي ابناء العشيرة، كما اقترح كاك مجيد .
و بعد اجراء الفحوصات المختبرية الضرورية بالأجهزة المتوفرة في المستشفى، و التي استغرقت يومين، نظّم كاك مجيد ارسال يوسف هيركي مع مرافقين من اقاربه الى مستشفى بروفسور الجراحة العصبية في طهران و فق توصيته . . و قد تأثر صاحب كثيراً بكلمات الامتنان و الوداع التي قالها له يوسف هيركي و هو يودّعه .
   ثم ذهب صاحب صحبة كاك مجيد بسيارة الباص الصغيرة العائدة لمقر البارت في اشنوية، الى رازان، حيث مقر قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني العراقي ـ حدك . . و قد استقبله هناك الفقيد فلك الدين كاكائي مسؤول المكتب الإعلامي للبارتي آنذاك، الذي رحّب به بحرارة و دعاه الى زيارة قسم الإعلام هناك للتعارف .
 و كان قسم الاعلام متطوراً فعلاً ، بما فيه من اجهزة اتصال، و اجهزة طباعية حديثة و ارشيفات متنوعة كتابية و صوتية، و جلسا هناك متناولين الشاي مع اكل خفيف، و دارت نقاشات متنوعة عن دور الإعلام و ماهيته، و التقى هناك بالشخصية الكوردية الفقيد عزيز عقراوي الذي كان مشغولاً باكمال و طبع اول معجم كوردي كان يقوم بتأليفه، ثم دلّه كاك فلك الدين على غرفة هناك ليرتاح فيها، و ليقرأ عدد من صحف و مطبوعات عربية حديثة متنوعة متوفرة هناك .
فقرأ هناك عدداً جديداً من مجلة " الهدف الفلسطينية" احتوى على ملف كامل مزوّد بصور هامة عن معركة "سي كاني " التي مرّ ذكرها، التي خاضتها قوة من الفوج الخامس اربيل مع قوات الدكتاتورية و جاشها في تلك القرية في ذلك العام، وقد سمّت المجلة تلك المعركة باسم " معركة سهل كويسنجاق " . كان يقرأ و هو يفكر بـ . . " فيما اخذت المعركة حيّزاً مهماً في صحافة المنطقة . . لاتزال عندنا قيد التقييم بين مهاجم و بين مثمن في ذلك الوقت . . في وقت لم يصدر فيه بلاغ وافي عنها او ملف عن المعركة من اعلامنا " ؟؟
و بعد و بحدود الساعة دعي من قبل المناضل علي عبد الله الذي كان سكرتير الحزب آنذاك . . فذهب الى غرفته صحبة مرافق حيث رحّب به و هنّئه بحرارة على نتيجة العملية . . ثم قدم له هدية باسم رئيس الحزب السيد مسعود بارزاني الذي كان غائباً عن المقر لإنشغاله، كانت عبارة عن قمصلة جبلية دافئة و سيت ادوات جراحية ميداني . . قابلها صاحب بالشكر و الإعتزاز .
و بعد استراحة ليومين هناك بناء على الحاح السيد علي عبد الله . . عاد صاحب مع العدد المتبقي من المفرزة الى طبابته في مقر الفوج الخامس اربيل، في بشت ئاشان عن طريق خانة ـ ميراوة ـ نوزنك، مواصلاً عمله في الفوج .
   و بعد اشهر وصل له خبر من مفرزة مارّة هناك، عن صدور تثمين بروفيسور طهران له و بأسمه بكتاب رسمي، على ان يكون تسليم ذلك التثمين اصولياً، و باليد في احتفالية في مستشفى الجراحة العصبية في طهران، و ان الجريح يوسف هركي بعد جلسات العلاج الكبيعي، بصحة جيدة ولايشكي من شئ سوى ضعف في حركة الاصبعين الصغيرين لليد اليسرى و هو يداوم على علاجهما في قسم العلاج الطبيعي هناك . .
الاّ ان صاحب لم يستطع السفر الى هناك، لأنه كان في طبابة الفوج الخامس عند قرية بناوي في سفح جبل كورك آنذاك . . حيث كان النشاط و الآمال كلّها منصبّة على عراقنا بكوردستانه .  . وفي وقتها كان الطريق بين نوزنك و ايران ـ اي بين العراق و ايران هناك ـ قد انقطع تماماً بفعل تطورات الحرب العراقية ـ الإيرانية .



خاتمة :
ما مرّ من احداث في السنوات التي وثّقت في هذا الكتاب . . كانت جزءاً من احداث الشهور و السنوات الاولى لنشوء حركة البيشمركةالانصار و شكّلت محطة جديدة لزيادة انطلاق من سبقتها، و اخذها ابعاداً جديدة اوسع، بسبب زيادة وحشية الدكتاتورية ثم بسبب الحرب الضارية بين الدولتين الجارتين التي لم تمرّ بمثلها البلاد قبلاً . 
و تليها السنوات الصعبة و التي تحققت فيها نجاحات بارتزانية متنوعة ادّت الى وقوع مدن عراقية صغيرة و متوسطة تحت نفوذ البيشمركة ثم مدن اكبر .  . الامر الذي ادىّ الى استخدام السلطة الدكتاتورية سياسات التهجير و حرق القرى و المدن الصغيرة بوتائر اوسع و اكثر وحشية . . ثم السنوات الاكثر صعوبة اللاحقة التي هاجمت فيها قوات البيشمركةالانصار مواقع الدكتاتورية الدموية، مقدمة آيات البطولة و الصبر و الفداء و عشرات الشهداء و انواع التضحيات .  .
و اصابت الدكتاتورية بجراح بليغة ادّت الى هياجها و استخدامها وتيرة اعلى من انواع الطرق العسكرية و الاسلحة و الحيل السياسية في مواجهة حركات البيشمركةالانصار، حتى وصلت الى استخدام الاسلحة الكيمياوية في باليسان و حلبجة و عمليات الانفال سيئة الصيت ، كما سيأتي و الذي نُشر موثقاً في جزئي كتاب المؤلف " اي رقيب " الاول و الثاني، الذي نشرته مشكورة مؤسسة "سردم" في السليمانية و تبني رئيسها الفقيد الشاعر المعروف " شيركو بيكه س" لنشره، و بتقديم البروفيسور د. " كاظم حبيب " .  .  و المساعدة المشكورة للعزيز الكاتب " شه مال عادل سليم " الذي بذل جهوده في تدقيق معلومات و التذكير بأسماء كان شاهدها، و بنقل و توزيع عدد كبير من نسخ الجزئين الى مدن كوردستان و الى بغداد و اوروبا . .
و يشير الكاتب الى ان الكتاب الحالي قد مرّ مروراً فقط او لم يتناول نشاطات متنوعة اخرى للبيشمركةالانصار لتلك الفترة الزمنية كنشاط النساء المتفاني في سبيل انشاء و تقوية و زيادة فاعلية المنظمة و الالتحاقات فيها، لأن سريّة نشاطاتهن كانت آنذاك هي الصفة الغالبة لها لتأمين نجاح تلك النشاطات الاساسية. و لم يمرّ الكتاب على فرق المدن الانصارية الفاعلة التي لم تظهر بعد في تلك الفترة، و لا على البيشمركة الداخليين لنفس الاسباب، كما لم يمر على النشاطات المتفانية للمخابرين و مراسلي المناطق الخطرة رجالاّ و نساء و غيرها من النشاطات الاساسية .  . التي ورد قسم منها في كتابَيْ " اي رقيب " بجزئيه و سيرد قسم آخر في اجزاء اخرى لم تُنشر بعد .
ولايسع الكاتب الاّ تقديم شكره العميق للذين تبرعوا و يتبرعون و يعملون لأجل طبع و نشر هذا الكتاب .

ملاحظة : هناك ارشيف صور عن المنطقة و الاحداث التي مرّت في هذا الكتاب، اضافة الى صور عدد من اشخاصه .
(انتهى)

نيسان  2011 ، كوردستان العراق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   كاني بفر . . اعتقاد قديم في تلك الأنحاء البعيدة المقطوعة، مفاده ان الثلوج " البفر " لاتسقط فقط من السماء، و انما تنبع ايضاً من باطن الأرض عند القمم العاصية، مدللين على ذلك بما موجود في كيله شين، فالثلج دائم ثابت هناك شتاءً و صيفاً، و هو متغلغل عميقاً في الشقوق الصخرية بضغط ثقله الدائم . .
2.   تتناقل مصادر متنوعة انه في تلك المناطق وجدت مسلة كيله شين المشيّدة في حدود الألف الأول قبل الميلاد، والمكتوبة بالمسمارية بلغة بلاد اورارتو و الآشوريين التي قيل انها تحمل اخبار من هلكوا بسبب الثلج و البرد هناك، و يقال انها كانت نقطة علاّم للمارين على ذلك الطريق، باعتباره الطريق الشمالي الرئيسي بين بلاد الرافدين و آذربيجان و بلاد فارس . .
3.    كاني . . تعني بالعربية، النبع، عين الماء . و تعني الجملة : " اجلبي النفط من النبع " ؟؟
4.    المدفئة المعدنية، المعدة اصلاً لحرق الخشب للتدفئة .
5.    و تسمى " شنو " ايضاً .
6.    التي تقابلها في العربية كلمة " نفط " .
7.   الذي نشرته صحيفة التآخي الغراء بحلقات آنذاك و طبعته مؤسسة كاوة للادباء الاكراد في بيروت .
8.    كويستان، جويستان . . هي مناطق المراعي الخضراء في اعالي الجبال التي تنتقل اليها عدة عشائر منها الهركية و حيواناتها صيفاً بعيداً عن حر و جفاف السهول. و المعروف عن عشائر الهركية في مناطق اربيل، انها تقيم في بيوت الشعر في سهل اربيل شتاءً، حيث يكون الجو هناك اشبه بالربيع، حيث تتوفر المراعي الخضر للحيوانات ، و يتنقلون اكثر من مرة في السنة مع اقتراب الصيف نحو المناطق الأكثر ارتفاعاً التي تعيش ربيعها، الى ان يصلوا ببيوتهم و حيواناتهم الى اعالي الجبال التي منها جبال كيله شين، في ذروة حر الصيف .
9.    فاخر، كان آمر مجموعة مقاتلة، و بعد اصابته البليغة صار اداري فصيل  .  .  بيشمركة شجاع من ارياف كويسنجق، مام بايز بيشمركة شجاع كهل من اهالي قرية بايز آغا في سهل كويسنجق، جرحا معاً في كمين برده سبي عندما عادت سريتهم بعد ان قامت بعملية كبيرة ناجحة ضد اجهزة الدكتاتورية في مدينة اربيل  .
10.    نهر غادار  Gader ، ينبع من اراضي كوردستان العراق و يدخل ايران عبر اشنوية و يمر بمدينة نقدة ليصب في بحيرة رضائية .



               الفهرست


1.   الفصل الأول      الى الجبال البعيدة
2.   الفصل الثاني      توزله
3.   الفصل الثالث      الى مهاباد
4.   الفصل الرابع      نوزنك
5.   الفصل الخامس      في غمار تكوين طبابة بيشمركة
6.   الفصل السادس      سردشت
7.   الفصل السابع      و اندلعت الحرب
8.   الفصل الثامن      طريق كيله شين


 .   



مواضيع سابقة

هناك .  . عند الحدود (15)
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=741234.0

هناك . . عند الحدود (14)
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=740839.msg6262780#msg6262780

هناك .  . عند الحدود (13)
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=740738.msg6262352#msg6262352

هناك .  . عند الحدود (11) (12)
www.ankawa.com/forum/index.php/topic,740493.0.html


هناك .  . عند الحدود (10)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,739826.0.html


هناك .  . عند الحدود (9)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,739426.0.html


هناك . . عند الحدود (8)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738795.0.html


هناك . . عند الحدود (7) الفصل الرابع نوزنك . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738574.0.html


هناك . . عند الحدود (6) الفصل الثالث الى مهاباد . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738147.0.html


هناك . . عند الحدود 4 ـ 5
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737948.0


هناك . . عند الحدود (2 - 3)
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737703.0


هناك . . عند الحدود 1
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737628.0



27
هناك .  . عند الحدود (15)
   
                                   
د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net

الفصل الثامن 
      طريق كيله شين ـ غادار

ادت الحرب و الأحداث المتسارعة التي رافقتها، سواء في عموم البلاد او في كوردستان، الى  تزايد نزول المفارز القتالية، التي صارت تحتاج الى نقاط ارتكاز في شريط الموت الحدودي الذيّ كان  قد هُجّر و اُحرق . . . لضمان امكانية التحرك نحو العمق. و نقاط الإرتكاز تلك كانت تعني سقف و كمية من المواد الغذائية الجافة و علب الأغذية المحفوظة، تحفظ في مكان يتوفر فيه حطب. اضافة الى خدمة و حماية العوائل التي بدأت تعود الى قراها المهجّرة، و تنشيط الإستطلاع و العناية بتكوين مفارز الإستطلاع . . و حاجات متنوّعة اضافية أخرى .
الأمر الذي تطلّب اعادة توزيع و تنظيم القوى الموجودة الى مقرات اخفّ حملاً، مقرات سهلة الإنتقال، و تشكيل مفارز للإستطلاع و جمع المعلومات . . التي تفرض تعاون اوثق مع التنظيم المدني السريّ، الذي يستطيع القيام بالكثير و فق ظروفه الصعبة . . 
و ضمن عدد من المفارز التي شكّلها المكتب العسكري لاستطلاع منطقة بشت ئاشان و لاسناد قوة الفوج الخامس اربيل التي كانت قد انسحبت اليها بفعل اقتتال الاخوة في ورتي قبيل ذاك (1) .  . قامت مفرزة قادها ملازم خضر ـ ابو عايد ـ ، ذهب ضمنها د. صاحب مسؤول الطبابة في نوزنك بناء على طلبه.  و قد قامت باستطلاع موقع بشت آشان الذي ضمّ قرى : بشت اشان، قورناقو، اشقولكا، كاسكان، بولي و مواقع اخرى ذات قيمة عسكرية فيه، و تعتبر المنطقة معروفة جيداً بتضاريسها لأجهزة الدكتاتورية بدلالة وجود آبار نفط مغلقة فيها . . و بدلالة هجوم القوات الحكومية عام 1977 على مواقع قوات اوك التي كانت فيها، و كبدتها بخسائر جسيمة آنذاك.   
و قد قدّم ملازم خضر تقريره الى المكتب العسكري و الذي عرضه قبلئذٍ على المفرزة، لتبيان صلاحية الموقع لمقرات خلفية للبيشمركةالأنصار بشرط ان لاتكون كبيرة ، و ان تكون خفيفة الحركة، في وقت كانت فيه بشت آشان نقطة اجبارية لمرور المفارز النازلة من نوزنك ـ نوكان الى سهل اربيل و سهل كويسنجاق . . و قد اقرّته المفرزة، عدا مام رسول معاون آمر سرية بشدر، الذي بقي يحذّر من خطورة اتخاذها كمقر كبير للبيشمركةالأنصار، وبقي يكرر ذلك بلا جدوى الى ان نام بعدئذ في جلسة المناقشة، و عند ايقاظه للمواصلة قال :
ـ  انا ابن المنطقة، هنا قضيّت صباي و شبابي و حياتي في البيشمركة و اعرف كل طرقها و مزاغلها، و من حقي ان انام الآن لأن لا احد يسمعني. المنطقة مخطورة و قد قدم الإتحاد الوطني الكوردستاني فيها اكثر من مائة شهيد اثر هجوم قوات السلطة على مقره الرئيسي فيها شتاء عام 1977 ، و اريد تثبيت رأيي ذلك في المحضر! و تثبّت رأيه . 
بعد تلك الإستطلاعات المتعددة التي لم تتفق على موقف واحد . . نزلت قوة تكميلية الى بشت ئاشان لإسناد قوة مقر الفوج الخامس هناك و صارت سرية مستقلة فيها و كانت كما بدا نواة للبدء بانشاء مقرات القيادة الخلفية وفق توجيهات المكتب العسكري. اضافة الى قوة الفوج الخامس اربيل المتواجدة هناك التي كانت قد انشأت مقراً للفوج، و ساعدت لإقامة مقرِ للسرية المستقلة هناك  و كانت مقرات خفيفة و سريعة الحركة . .  نجحت في نشاطها و واجباتها هناك لمدة اكثر من عام، فيما توجّه الفوج الخامس و وحداته بعدئذ الى العمق اكثر، ليقيم مقرّه في صيف 1982 في بناوي في بداية دولي باليسان مقابل جبل كورك من جهته الداخلية . 
 
   و تطلب واقع النشاط الجديد من صاحب عملاً دؤوباً ضمن خطط المكتب العسكري، لتخفيف عدد الجرحى و المرضى المزمنين و الراقدين في مقر نوزنك ـ نوكان . . فشارك في ايجاد حلول لهم، و رافق عدداً من قوافل الجرحى و المرضى الذين توفرت امكانية لمعالجة اوضاعهم و إيجاد حلول لها، منها مرافقته قافلة الجرحى و المرضى، الذين توفرت امكانية لأرسالهم الى مستشفى مدينة خانه عبر قرية ميراوة، في فترة كان فيها الطريق سالكاً . . و غيرها، و استطاع ان يكون فيها خارج مقر الطبابة لقدوم اطباء جدد الى نوكان (2) .
   فيما تزايدت اعداد الملتحقين الجدد المؤهلين عسكرياً تأهيلاً متفاوتاً، القادمين من الخارج بمساعدة فصائل كوردية في تركيا و سوريا الى منطقة بهدنان، ثم منها الى كوستا ليتجمعوا بعدئذ في الغالب في موقع القرية المهجرة روستي، الواقعة عند سفح حصار روست تحت قمة هلكورد اعلى قمة جبلية في العراق . .  حيث تشكّلت هناك سرية روستي التي ضمّت انصاراً متحمسين للقيام بأي نشاط عسكري، بعد ان تدرّبوا في صفوف المقاومة الفلسطينية في لبنان و في صفوف الحركة الوطنية اللبنانية . 

و بسبب ضغوط السلطة التي تصاعدت آنذاك ضد عوائل المعارضين و عوائل البيشمركة، لجأت عوائل عدد من المناضلين الى اماكن ذويهم البيشمركة الموجودين في نوكان في ذلك الوقت . . الأمر الذي اضاف اعباءً جديدة على القاعدة من الناحية العسكرية، اعباءً يمكن ان تكون ضارة و خطيرة فعلاً، في ظروف ازدادت فيها العمليات العسكرية النظامية للطرفين المتحاربين، في المنطقة .
حتى حذّر قسم من ان نوكان قدد تتحول بوجود عدد العوائل ذلك، الى شبه مجمّع سكني اهلي يتطلب ذاته الحماية . . و حذّر قسم آخر من مخاطر تجمع العوائل في مقرات المكتب العسكري، لأنه يغري بمهاجمتهم سواء كان لأهداف عسكرية، او بهدف السرقة و النهب. و ان ذلك التجمع ينبغي وضع حد سريع له، و الاّ فإنه سيستمر بالنمو . . ليسبب كوارث حقيقية .
   تقرر في ذلك الشتاء لتوفر الاطباء انتقال صاحب من نوزنك و نزوله الى مقر مكتب الفوج الخامس اربيل المخيّم آنذاك في بشت ئاشان وفق طلبه، و ان يكون عضو هيئته السياسية. و كان مقراً خفيفاً يتكون من ابنية متفرقة، و هي بقايا قرية بشت ئاشان المهجّرة و المحروقة، الواقعة في سفح من سفوح جبل قنديل العملاق، الممتد من كوردستان العراق الى مسافات بعيدة داخل ايران و تركيا.
امّا سرايا الفوج، فقد استقر مكتب سرية اربيل في عدد من بيوت الفلاحين المهدّمة بعد ان اصلحها بيشمركةانصار السرية، الذين اعدوا بنفس الطريقة طبابة الفوج و فرن الخبز. و استقر مكتب سرية كويسنجاق في موقع قرية بولي المهجّرة، بعد اصلاح عدد من بيوتها، اضافة الى سرية روستي التي استقرت في قرية روستي المهجّرة الواقعة بحذاء حصار جبل روستي.
و قد تميّز الفوج بتشكيلته العراقية المتنوّعة القوميات و الأطياف فكان يضم الى جانب البيشمركة الأنصار الكورد، عرباً من المحافظات الجنوبية و الوسطى و العاصمة، كلدانيين من عينكاوا و شقلاوة و هرموطه ، مندائيين و كورد فيليين . . و كانت ساحة عمله آنذاك سهل اربيل و سهل كويسنجاق و مناطق خوشناوتي و المناطق و الوديان المحيطة بجبل حصار روست و الى مناطق قرى رواندوز و بالكيان . .

و فيما كان المزاج العام للبيشمركةالأنصار جيداً و معنوياتهم تتصاعد، و هم يسمعون الإذاعات و هي تذيع انباء انكسارات الماكنة العسكرية للدكتاتورية امام ضربات احد ضحاياها الذي كان جيش البلد الجار و اراضيه التي احتلتها الماكنة تلك، في ضربات سلسلة عمليات " و الفجر " . . التي صارت حتى مارشاتها العسكرية تثير لوحدها حماس البيشمركة . .
في اوضاع صعبة و شائكة ضاع المنطق فيها و ضاعت مفردات الوطنية و حب الوطن، امام ما عملته القساوة الرهيبة اللامحدودة للدكتاتورية و ماخلقته بها من اجواء رعب وحشية في المجتمع اطارت صوابه و مُثُله الطبيعية، بعد ان حوّلت الدكتاتورية مسرح الإختلاف السياسي و الفكري، الى مسرح دموي وحشي لايعرف الرحمة، و اعتمد على ابادة حاملي الفكر المغاير. 
   و حوّل الدولة بذلك الى وحش منفلت لايعرف الرحمة و لايعترف بحدود سياسية او انسانية في تعامله . . وحش لم يستطع الوقوف امامه الاّ الذي تحدّاه و فقد حياته او اصيب بجرح غائر، لم يستطع جرّائه الإستمرار في تحديه تحديّاً مؤثراً، و احتاج ليعود الى ساحة المنازلة الى جهود مادية و معنوية و فكرية. الى ان بدات على ذلك الوحش، علامات خوف و انهيار بسبب الضربات المتلاحقة التي كيلت له في عمليات " و الفجر " .
   التي افرحت كل معارض للدكتاتورية التي تنكرت لأبسط مبادئ الوطنية حين حاربت القوى العراقية بالدم و الحديد و بدأت بإشعال الحروب في المنطقة . . أفرحت كلّ معارض للدكتاتورية، فيما كان يتألم للدماء المهدورة لعشرات آلاف الشباب المساقين لحروبها الرعناء بفرق الإعدامات .     
.  .  .  .
.  .  .  .
تزايد القلق و بخاصة لدى آمر الفوج الخامس اربيل علي كلاشنكوف، على مصير قوة الفوج الأساسية، وسط انباء متضاربة، افادت بوقوع معركة كبيرة بين بيشمركةانصار الفوج و وحدات النظام المتنوعة الشاّكة السلاح، و ان معنويات اهالي القرى تصاعدت الى اعنان السماء، فيما وردت اخبار افادت بخسارة القوة لعدد كبير من مقاتليها، في وقت اصرّت فيه قوة الأنصار تلك على عدم العودة الى بشت ئاشان ، حسب مفرزة البريد التي ارسلتها القوة الى مكتب الفوج  . . في مسعى منها للثأر السريع لدماء شهدائها لتعزيز انتصارها . . لقد كانت اول اكبر معركة خاضتها منظمة بيشمركةانصار قوات اربيل لحشع ضد الدكتاتورية . .
ففي فجر يوم بارد من اول شهور ذلك العام في قرية سي كاني  الواقعة في غرب مدينة كويسنجاق، اصطدمت قوة مشكّلة من وحدات الفوج الخامس اربيل بقيادة مام كاويس، بقوات كبيرة للدكتاتورية و دار صدام عنيف بينهما . . حدثت بنتيجته معركة كبيرة نادرة شاركت فيها مختلف وحدات قوات النظام البائد البرية و الجوية اضافة الى جحوشه ومرتزقته و استمرت اياماً . .
 و قد تكبدت فيها قوات الدكتاتورية خسائر جسيمة بالأفراد و المعدات، انسحبت بعدها تاركة جثث قتلاها و كميات كبيرة من المعدات و السلاح و العتاد، استفاد الأنصار من قسم منها و ظهر قسم آخر منها، بعد انحسار مياه جدول الشرغة القريب من القرية في الصيف، حيث استفاد منها الأهالي و عموم البيشمركة، و كانت تلك المعركة هي التي اعادت ثقة جماهير المنطقة بالحزب و بمنظمة انصاره المكافحة اثر خروج الحزب من الجبهة المريرة مع النظام الحاكم قبل ذاك.
في تلك الظروف، ظروف تحطم جبهة حرب قوات النظام كعامل موضوعي هام و نتائج معركة سي كاني الإيجابية الكبيرة على اهالي المنطقة هناك، ازدادت التحاقات اصدقاء الحزب و منهم بيشمركة معروفين سابقين، كالتحاق الهدّاف الماهر محمد اوسطه و اخوانه و كاروخ من رواندوز . . اضافة الى تزايد الهروب من التجنيد و السوق الى الحرب . . و عادة ما كان الملتحقون الجدد يرسلون الى مقرات المكتب العسكري في نوزنك ـ نوكان .
   في منتصف ليلة  30 / 31 آذار/ 1982 . . ، شاهد حراّس موقع بولي وميض انفجارات و تراشق قذائف ار بي جي 7  استمر طويلاً، ثم سمعوا اصوات المدفعية تطلق حممها بكثافة و تواصل ذلك الوضع و بشكل متفرّق حتى اقتراب الفجر، و بدأت منذ الصباح الباكر دوريات الهيليكوبتر و هي تجوب و تقصف مناطق حددها قسم بأنها مناطق سرية روستي . .
و في ظهر اليوم التالي وصلت مفرزة بريد من سرية روستي، حملت اخبار اقتحام انصار السرية بقيادة معاون آمرها خضر كاكيل (3) لربيئة " سري سرين " الستراتيجية العاصية، و انهم حصلوا على غنائم ثمينة من السلاح و كميات كبيرة من العتاد و اجهزة الإتصال . . و طلب البريد مجئ د. صاحب الى السرية على عجل لوجود عدد كبير من الجرحى لديها.
هيّأ صاحب اغراضه الطبية في حقيبتين للتحرّك صحبة مام خضر روسي (4) آمر سرية روستي الذي كان موجوداً آنذاك في مقر الفوج ، مع مفرزة بريد سرية روستي في طريق عودتها . . صوب مقر سرية روستي، مستصحبين معهم حيواناً لنقل الأغراض الطبية و الأغطية و طعام و شاي كانت قد طلبته السرية.
تحرّك الجميع بعد الظهر الى موقع " بولي " ، ثم انحرفوا شمالاً سائرين على طول وديان جبال ليوزه، في موازاة طريق دولي شهيدان الواصل الى قرية خانقا . . و وصلوا عند الغروب الى بناية تعود لأعمال صيانة الجسر الأصفر الذي يعبر جدول كلاله، حيث ذهب نصير الإستطلاع الجرئ " ملا عثمان " (5) الذي شارك بفاعلية في اقتحام الربيئة في الليلة الفائتة، ليتشمم امكانية عبور الجدول بالخوض بمياهه، و للتأكد من عدم وجود كمين هناك و ان الطريق صالح للسير .     
بعد التأكد من سلامة الطريق، عبروا الجدول خائضين بمياهه الباردة في نقطة ضيّقة حالكة الظلام في تلك الليلة المقمرة في اولها . . ليواصلوا السير صعودا نحو قرية " جيزان " الكبيرة الواقعة عند جبل " شاخي ره ش " ، و مرّوا على بعد بها، سائرين نحو " جيزان خواري " التي كان يصل قربها طريق ترابي ـ صخري يمكن للسيارات ان تسير عليه الى قرب القرية، في منطقة تشرف على قرية دار السلام و رباياها التي شكّلت خطراً حقيقياً على حركة البيشمركة، و كان افرادها يطلقون رشقات من اسلحتهم الأوتوماتيكية، بمختلف الإتجاهات للتدليل على يقضتهم و استعدادهم الدائم  .
في الصباح الباكر تحرّكوا من قرية " ماوليان" الواقعة على طريق روستي، التي قضّوا في جامعها الليل . . و بعد مسيرة قصيرة فقط الى خارج القرية، فاجأتهم طائرتا هليكوبتر و هما خارجتان من الوادي العميق المجاور و بدأتا بالرمي العشوائي على القرية و على الطرق المحيطة . . و تفرق الجميع منبطحين ارضاً، مستترين بما هو موجود من صخور و اخاديد صغيرة هناك . 
   فيما وجد صاحب نفسه مع مام خضر روسي الذي سحب الحيوان المحمّل اليه، و هما في مدخل فوهة كونكريتية كبيرة، اسست في سنوات سابقة للسيطرة على مياه السيول، فاحتمايا في داخلها الى ان انتهى قصف الهليكوبترات . و قال مام خضر، ان ذلك القصف الذي تركّز على القرية و على الطرق المتصلة بها، يجري لوجود مخبر للسلطة في قرية جيزان، وفق معلومات السرية، و انهم لذلك السبب لم يستريحوا في القرية لدى مرورهم بها، رغم تعبهم الشديد في الليلة الفائتة.
   و فيما لم يُصب احد بمكروه و واصلوا السير، كان صاحب يفكّر بكيفية خروج الهيليكوبترات المفاجئ من الوادي، و كيف انهم لم يسمعوا اية ضجة تنبئ بقدومها، رغم ضجيجها و هديرها العالي في العادة و هي تطير . . و بينما كانوا يستديرون استدارة حادة، شاهد صاحب طيرين كبيرين من نوع الكاير (6) ، كان كلاّ منهما بجسم ديك عملاق بأرجل طويلة، كانا يتناولان بنهم بقايا فطيسة بغل، غير منتبهين لمرور المفرزة قريباً منهما، يمكن لجوعهما الشديد.      
    و في تفسير للظهور المفاجئ للهليكوبترات التي لم يسمع احد من افراد المفرزة ضجيجها و هديرها، و لهدوء الطيور الذي لم يقلقه قصف الهيليكوبترات قبل دقائق . . صار واضحاً لصاحب من خلال كل النقاشات . . ان وعورة المنطقة و تعاريجها المعقدة المتداخلة، قد تحجب الصوت و الضجيج كلياً عن السماع حتى من مسافات قصيرة قد لاتصدّق ان وجد ساتر ما !
   بعد ان خرجوا من المنطقة الأكثر تعرضاً لمخاطر القصف الجوي و المدفعي و دخلوا الى حوض روستي الواقع بين جبال كلاله و جبل حصاروست العملاق، مرّ الطريق على قرية " جزلنكه " و بعد ان اجتازوها مرّوا على بيت كاك رسول، الذي حيّاه مام خضر و قال انه مسؤول حسك في المنطقة و على علاقات طيبة بالسرية . 
و فيما بان عليهم التعب و الجوع، دعاهم كاك رسول للغداء و لبّوا طلبه . و هنأهم على نجاح عملية اقتحام الربيئة الأم في المنطقة و واصلوا الحديث عن شؤون المنطقة . . فيما اعدت النساء الطعام المكون اساساً من "راشي الجوز" مع الخبز و الشاي الذي تناوله صاحب لأول مرة بشعور من الفرح للذة طعمه. و طلب كاك رسول من صاحب برجاء كبير، ان يفحص زوجته المطلقة السراح حديثاً من سجن الفضيلية في بغداد، حيث احتجزت السلطات المئات من عوائل البيشمركة، للضغط على الحركة الكوردية للإستسلام لشروط الدكتاتورية. و قامت باطلاق سراح عوائل من يأسوا من عودة ابنائهم، و من كانوا يعانون من حالات مرضية مستعصية.
و خلال معاينة صاحب لزوجة كاك رسول، تحدثت له عن اساليب التعذيب الرهيبة التي مرّت بها نساء البيشمركة الكورديات و النساء العربيات من الحزب الشيوعي العراقي، اللواتي كنّ موقوفات معهن في نفس الزنزانات، منهن المناضلة الشيوعية ام علي و رفيقاتها(7) اللواتي كنّ يتحدينهم و يستهزأن بهم، كما وصفت  . .
كانت زوجة كاك رسول تشكي من آلام لاتنتهي في البطن، بسبب ضرب رجال الأمن المستمر ايّاها على بطنها و هم يرون انها حامل، حتى تسبب لها ذلك الضرب الذي لاينتهي . . نزيفاً اشتدّ و تسبب باسقاط الطفل و فقدانها الوعي، و منذ ان استعادت وعيها و هي تعاني آلاماً شديدة لا تنقطع اضافة الى نزيف متقطع تفقد اثره الوعي . .
و بينما كان يقوم بفحصها بحضور ابنتها، اشتعل القصف الجويّ ثانية وسط الهدير المرعب لأربع طائرات هيليكوبتر، اثنتان ابتدأتا بتمشيط الوادي و الأثنتان الأخريتان بتسديد قذائف مدافعها و رشاشاتها على اهداف مختارة، استهدفت مقر الحزب الديمقراطي الكوردستاني و مقر سرية روستي، اللذين ردّا على القصف، كلاً بدوشكته . .
و بذلك اضطر صاحب الى اعطاء المريضة ما امكنه لإسعافها السريع، و كتب لها وصفة علاجية اعطاها لكاك رسول، بعد ابدائه استعداده لتوفيرها، و غادر الجميع مسرعين بيت كاك رسول الذي احتمى هو و عائلته في موضع اعدّ لتلك الظروف . . فيما واصلت المفرزة سيرها مستفيدة من الممر شبه المغطىّ بالأشجار و الشجيرات المزهرة مع بدء الربيع، وهم يرون اطلال قرية " كرتك " المهجّرة في الجهة المقابلة للوادي الفسيح، التي تواصل القصف عليها ايضاً، رغم انها مهجّرة و احرقت اكثر من مرة .
   بعيد الظهر، لاح لهم موقع سرية روستي حيث شغلت السرية بناية مدرسة القرية التي هُدّمت كما هدّمت القرية و أُحرقت، و قام البيشمركةالأنصار مستفيدين مما تبقى من البناء بتنظيفه و إكمال بنائه بالصخور و الطين، و عملوا السقوف من اخشاب الأشجار و غطّوها باغصانها، ثم بقطع الصخور الصغيرة و المفتتة مخلوطة بالطين . .
   و كانوا قد اختاروا بقايا بناية المدرسة، رغم اعتراض البعض بكون احداثياتها معلومة للمدفعية، لأن المجاميع الأولى التي وصلت الى الموقع، وصلت في الشتاء الثلجي الفائت و كان عليها ان تعدّ موقعها الجديد باسرع وقت للإحتماء به من المطر و الثلج، و كان ذلك عملاً شاقاً حقيقياً لمجاميع انهكها التعب و الجوع و البرد . . الاّ انها اكملت المهمة الأولى في تثبيت نفسها في المنطقة التي اخلتها السلطات من القرى . . باشادة سقف يقي من البرد و المطر، و يقي من الجوع بما يمكن ان يوفره من طعام للبيشمركةالأنصار . 
   و انتبه صاحب الى انهم بشروعهم الدخول الى ساحة موقع السرية، مرّوا ببيت ريفي ذي طابقين مشيّد من الحجر، بقي قائماً رغم التهجير و تهديم المنازل . . و شاهد رجلاً يخرج منه و يقفل بابه. اثار ذلك انتباهه، اذ كيف يبقى بيت كبير و واضح قائماً، رغم تهديم و حرق كل القرية ؟  و بينما هو مستغرق في تفكيره، لاح له شارع  مبلط يمتد الى مافوق القرية المهجّرة  . .
   و فيما دخلوا الى ساحة السرية، كان انصارها لايزالون في حالة استعداد منتظرين هجوماً جديداً بالهليكوبترات . . و لاحظ صاحب انه و برغم كلّ مايجري، كانت السرية تعيش فرحاً طاغياً ظاهراً على الجميع، بل و حتى على الجرحى الذين لم يحسوا بآلام جراحهم و بالخسائر امام ما حققوه. . ركضوا لأستقبال الطبيب و آمر السرية الذي لم يكن في سريته عند تنفيذ العملية، و بدى انه كان غير متحمس للقيام بها، لما يمكن ان تسبب من تأثيرات سلبية على عموم حالة المنطقة بتقديره.
   في وقت كان فيه معاون آمر السرية خضر كاكيل و مسؤولها السياسي ابو داود (8)، من اشد المتحمسين لها ، فبتقدير المعاون خضر كاكيل ان السرية لديها انصار اكفّاء قادرون على القيام بأعمال عسكرية ناجحة تقويّ من مكانة عموم المنظمة، و رأى المسؤول السياسي، ان السرية بحاجة الى القيام بعمل عسكري و النجاح به، لتقوية لحمتها و شدّها الى الهدف الذي من اجله جاءوا الى تلك المنطقة البعيدة المهجّرة الخالية من البشر، لإن استمرار جلوس البيشمركةالأنصار دون فعاليات عسكرية، لن يؤدي الاّ الى تمزّق و تفسّخ القوة بمشاكل يحملها الركود .
   في مهرجان الفرح ذلك و بوجود مام خضر كاكيل آمر العملية، و حيث كانت الغنائم كثيرة بالسلاح و العتاد مكدّسة . . افتقد صاحب ابو داود الذي كان غائباً عن الجمع. و لمّا علم بكونه لايستطيع الخروج من القاعة لشدة آلام عينه التي اصيبت في العملية. اسرع صاحب اليه في الغرفة للإطمئنان على صحته و وجد ابو داود جالساً بجمود و عينه المصابة معصوبة و انزل عليها الجمداني، و بعد السلام عليه و تهنئته على نجاح العملية، الأمر الذي انعشه، استطاع صاحب فهم ماجرى له و ما الضروري الممكن اجراؤه لأسعافه و رؤية مدى الإصابة . .     
   بعد ان جلب الحقيبة الطبية، بدأ بمعاينة منطقة الإصابة و وجد ان عينه اليمنى اصيبت اصابة مباشرة، حيث كان السائل الزجاجي للعين يُقطّر منها مع الدماء التي اخذ يقلّ نزيفها بفعل عمليات تخثر الدم في الأوعية الدموية الشعرية في محور العين .
و اكثر ما آلم صاحب كان جوابه الصريح الضروري لأبو داود الذي سأله عمّا اذا كان سيستطيع البصر بعينه المصابة لاحقاً، حين اجابه . . . و هو يشاهد السائل الزجاجي الجلاتيني للعين الذي لايُعوّض لا يزال يقطّر منها :
ـ ابو داود !! للأسف قد لن تستطع البصر بها و اتمنى ان اكون غلطان !!
فاجابه على الفور :
ـ فدوه للحزب و للقضية !! (9)
و بعد ان نظّف صاحب الجرح، استأذن ابو داود بضرورة ذهابه لمعاينة الجرحى الآخرين و كانوا :
ابو آذار المصاب في الجهة اليمنى من البطن و في الساعد، باطلاقتي كلاشنكوف اصابته من الأمام ونفذتا من الخلف و هناك شكوك قوية بأن كليته اليمنى قد اصيبت بدلالة تبوله الدموي، ابو فيروز المصاب باطلاقة في عضده و بارتجاج في دماغه بسبب سقوط حجر على رأسه و فقدانه للوعي حينها .
ابو نضال من الديوانية مصاب بإطلاقة في كفه سببت سقوط الكف (10) ، ملا عثمان المصاب بشظايا حارقة من قذيفة ار بي جي اصابت اعلى الفخذين و الساقين . . و قد طلب علاجاً فقط لأستعماله الشخصي دون حاجة للرقود في الفراش، فيما بقي صاحب متحيّراً كيف جاء اذن مع مفرزة البريد الى بشت ئاشان و كان دليلهم الأساسي في المفرزة مع خضر روسي الى روستي ؟؟
و النصير سعدون (11) الملتحق الجديد القادم من الخارج حديثاً المصاب بشظايا قذيفة ار بي جي ، اضافة الى خمسة انصار اصيبوا اصابات خفيفة في مناطق متفرقة من اجسامهم . .  و بعد العلاج المتوفر و الفحوص قرر صاحب ان الأنصار الذين يتطلب علاجهم ارسالهم الى مستشفى تخصصي هم : ابو داود، ابو آذار، ابو فيروز و ابو نضال .
.  .  .  .
.  .  .  .
بعد عشاء ذلك اليوم و قبيل الغروب، وصل الى مقر السرية، راعي يجرّ خلفه حصاناً محمّلاً ببيشمركة فاقدَ الوعي، كانت الدماء تنزّ من العصبة المعصوب بها رأسه بالجمداني تعصيباً ثابتاً، قام به الراعي الذي قال انه وجده متمدداً في اسفل الوادي لاحراك به الاّ ان قلبه كان يدق و نبضه و تنفسه محسوسين. حاول الراعي ايقاظه و اعطائه ماء ليشرب، الاّ انه لم يستجب. و في موقف وفاء من الراعي، ضمّد للجريح رأسه، وثبته على حيوانه و اتى به الى مقر السرية، لمعرفته بقدوم طبيب الى السرية التي ضمّت عدداً من المساعدين الطبيين اصلاً .   
و فيما كانوا يفكون وثاق تثبيته على الحيوان لنقله الى غرفة في المقر كي يجري فحصه و تطبيبه . . انتبه نصيران الى ان الجريح هو احد الكوادر العسكرية المعروفة لدى الحزب الديمقراطي الكوردستاني البارتي ـ حدك ـ في المنطقة، فطلب صاحب من السرية اخبار مقر البارت، بأن يأتوا الى الجريح و اليه شخصياً للتفاهم على ما يجب عمله مع الجريح، خاصة و ان اصابته خطيرة و قد يفقد حياته من الإصابة ذاتها او من التداخل الجراحي لعلاجه .   
بعد ان اتم صاحب فحص جريح الرأس و تبديل ضماده و تشخيص حالته و احتياجاته، وصلت مفرزة من مقر البارت ضمّت ابناء عم الجريح و اقاربه، الذين افتقدوه منذ قصف طائرات الهيليكوبتر الكثيف الذي استمر من الظهر الى غروب الشمس، و اضافوا بأن اسمه يوسف هركي و هو احد الكوادر العسكرية المعروفة للبارت .
بعد ابداء مفرزة البارتي كل الإستعداد لجلب اية ادوية و مواد ضرورية لعلاج كل الجرحى ـ التي اتوا بها بعدئذ ـ ، وافقوا على اجراء العملية الضرورية لإنقاذ حياته، اشترط عليهم صاحب بأنه لن يستطع البدء بأية عملية مالم يتأكد من وجود الضروريات التي يحتاجها لمعالجته علاجاً مؤقتا لانقاذ حياته، و خاصة مواد التعقيم، مواد التخدير الموضعي و محقناته، مضاد الكزاز، مغذي مانيتول اضافة الى مضادات الحيويات و المسكنات القوية .   
و على ذلك افرغ الأنصار قاعة مناسبة و افرغوها من الأغراض، و نظفوها من الغبارلإعدادها كـ "صالة عمليات " ، و فرشوا فيها فراش الجريح يوسف هركي، الذي بقي معه ثلاثة من البيشمركة من رفاقه للمساعدة في اعداد الجريح للعملية .
   بقي صاحب سهرانا طوال الليلة بجانب الجريح يوسف، لمراقبة حالته و للعناية بالمغذيات التي علّقها له . . و كان يمرّ على غرفة الجرحى لتفقدهم على فترات مناسبة لتلبية احتياجاتهم، معتمداً على قهوة النسكافة و على قراءة و اعادة مايمكن ان يكون ضرورياً للغد من كتاب لجراحة الإصابات، كان يحمله معه دوماً .
   مرّت الليلة بسلام عموماً، و في الصباح الباكر جاءت مفرزة من ثلاثة مقاتلين بارزانيين بان عليهم النشاط و الحيوية و قدّموا بأدب و ثقة كل ما احتاجه و كتبه صاحب فعلاً للجريح يوسف . . سرّ صاحب كثيراً لذلك و باشر فوراً بتعليق قنينة المانيتول لإعطائه بالوريد . فيما تعاون الجميع على اخراج الجريح يوسف الذي كان بين الوعي و اللاوعي الى الممر . .
و عملوا على تنظيف الغرفة و تعقيم النايلون المغلف لجوانبها و للأرضية، و بعد ان اخرج صاحب الجميع وضع القرص المعقم القوى لأعداد هواء الغرفة كصالة عمليات، بعد اغلاق الباب و الشبابيك ثم خرج هو ايضاً و اوصد الباب خلفه للفترة الضرورية للتعقيم . . فيما تكلف مساعد الطبيب ابو بافل بأمور تعقيم السرنجات و الأدوات . 
   و لما سار كل شئ على مايرام، و كان المريض بحالة جيدة اثر اعطائه المغذيات، بدأ صاحب بالعملية يساعده المساعدين الطبيين ابو بافل و علي، و استطاع الوصول تحت التخدير الموضعي الى شظية الصاروخ التي اصابته و كانت مستقرة في جزء الدماغ الخلفي  . . و لاحظ انه برفعه الشظية عاد الجريح الى وعيه مردداً كلمات لجمل مفهومة و معقولة و لكن غير مترابطة . . فاوقف نزف النقط النازفة و حافظ على سلامة المتخثر منها بعد تنظيفها بدقة و حذر .
بعد ان نجحت العملية في انقاذ حياة الجريح يوسف، وضعه صاحب على الأدوية و المغذيات و المقويات في الوريد، و كان جسمه يستجيب بشكل جيد للأدوية فكانت صحته العامة تتحسن بسرعة نسبية واضحة . . و سارت الأمور جيداً كذلك مع الجرحى الآخرين.
و فيما كان امر نقل الجرحى الى مستشفيات تخصصية برفقة مساعد طبيب،  يقلق صاحب لأن ذلك قد لايكفي للعناية بكل الجرحى لصعوبة حالاتهم و لصعوبات الطريق . . حسم امر نقل الجريح يوسف معهم، ضرورة ان يقوم صاحب بمرافقة مفرزة الجرحى  . . و كان عليه ان يواصل تحسين اوضاع الجرحى بالشكل السريع كي يتمكنوا من الإنتقال الى مستشفى، عبر طريق ذي صعوبات كبيرة حقاً . . طريق صعب لاتزال الثلوج تخيّم بقوة عليه، صعوبات تدبير وثائق عدم التعرض، و الى مدى سلامة و امن الطريق .
بعد ايام تحولت فيها السرية الى خلية نحل قسم منها يقوم باعمال الجرحى و القسم الثاني بالأعمال العسكرية و الإدارية النشيطة . . قرر مكتب السرية بالإتفاق مع مكتب الفوج و د. صاحب، كيفية تكوين المفرزة التي ستنقل الجرحى واي طريق ستسلك الى طبابة اشنوية ومن هناك الى رضائية ، في فصل من السنة، عليها ان تقطع فيه جبال و مرتفعات كان الشتاء و البرد القارس لايزالان مخيمان عليها، واضافة الى ان الطريق ثلجي الاّ انه في مواقع منه يمكن ان يكون هشاً في شهر نيسان، الأمر الذي قد يسبب انهيارات تحت اقدام المفارز ان لم تنتبه للتوقيت . . اضافة الى قضية توفير اوراق عدم التعرّض التي تسمح بالتحرك في الدولة الجارة . .
كان على المفرزة ان تنقل معها اسيرين عسكريين احدهما عريف و الثاني جندي اول، وقعا في اسر انصار سرية روستي في العملية، لأنهما قررا تسليم نفسيهما الى ايران . . و كان العريف عودة هادئاً و عرف بتمسكه بالصلاة و التسبيح التي يراها فرض لابد من ادائه لأنه سيّد موسوي عائد في نسبه الى الإمام موسى بن جعفر، على حد اقواله.  فكان مرجعاً للجندي المرعوب علي المستجير به ليتشفع له عند آل البيت و الأئمة الأطهار . . كما كان يردد على الدوام.
و تم الإتفاق على ان الطريق الى اشنوية سيكون عبر جبال كيله شين ، و ان الدليل هو احد اقارب يوسف هركي، و ان على الجميع اطاعة الدليل بلا مناقشة، لخطورة الطريق !!  . . و ان يجري اعداد حيوانات بعدد كافي لركوب الجرحى و لتحميل الطعام للطريق، لأن الطريق لن يمر على قرى ابداً، و لا يوجد شئ يؤكل في الطريق . 
و الجرحى كانوا : ابو داود، ابو آذار، ابو فيروز ، ابو نضال ، و اتفقوا على خصوصية وضع الجريح يوسف هركي، الذي سينقل و يثبت على الحيوان بهيئة جالس. الاّ ان حالته في الطريق قد تتطلب ان يكون راقداً كي يستطيع استلام المغذي، و سيكون تدبير ذلك من الطبيب و بمسؤولية اقاربه الذين يرافقوه، و كانوا بأمرة حمه هركي، فيما كانت مجموعة المرافقين من بيشمركة السرية  بإمرة الجريح ابو داود الذي كان من ذوي الخبرة بالطريق .
علماً ان المشكلة الأساسية التي يواجهها الجريح يوسف، كانت الحفاظ على حياته من خطرين : الأول هو ارتفاع ضغط الدماغ بسبب الإصابة، الذي لا يمكن الحفاظ عليه بمستوى طبيعي الاّ بالمانيتول عن طريق مغذي بالوريد يجب ان يستمر عند الحاجة . . والثاني خطر الإنجماد الذي يبقى قائماً مادامه لايتحرك و هو ينقل في درجات حرارية واطئة جداً، رغم تهيئته لمدة لابأس بها حيث بدأ يأكل بنفسه اطعمة مختارة تناسب حالته بعد عودته لوعيه، و بعد توقف التقيؤ الذي صاحبه بداية . .
   كان على المفرزة ان تتحرّك عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل . . لأن عليها ان تعبر قطعين من قطوع جبلية عميقة يمر عليهما الطريق، حيث لايمكن عبورهما بالسير في اسفل القطوع لأمتلائها بالثلج من جهة و لمخاطر الإنهيارات الثلجية التي تحدث مراراً هناك و تتسبب بموت المارّة طمراً بالثلج . . سواء كانوا اهالي او بيشمركة او لاجئين، و انما يتحتم السير هناك على جسر ثلجي !!! ـ من الثلج فقط !! ـ . . يجب الوصول اليه قبل الرابعة صباحا، و الاّ فإن مفرزة كبيرة كمفرزتهم، و تتكوّن من عدد كبير من البيشمركة باسلحتهم و حيواناتهم . . يمكن ان تهدم ذلك الجسر الثلجي، لأنه لايتحمل ثقلهم بسبب هشاشة الثلج بعد حدود تلك الساعة . .
   في الموعد المحدد بالساعة الثانية بعد منتصف الليل، و بعد تثبيت الجريح يوسف هركي جالساً على ظهر الحيوان و تغطيته باغطية و نايلون و تعصيب رأسه بعصّابة اضافية كذلك، طلب المسؤول السياسي للسرية الجريح ابو داود من العسكريين الأسيرين ان يحافظا على السير وسط المفرزة و ان يحافظا على الهدوء، و قال لهما ان ايديهما مطلقة و ليست مقيّدة، لثقتهم بهما لأنهما بريئان وان المجرم الوحيد في هذه المأساة هو الدكتاتور. و اضاف و هو يلاحظ ان الجندي علي كان خائفاً جداً !!  موجهاً كلامه اليه :
ـ اخي حافظ على هدوئك، و لاتقوم باعمال صبيانية قد تؤدي بها بحياتك لأننا نمر بطرق صعبة، و لاتخرج عن مسير المفرزة والاّ فان البيشمركة يطلقون النار عليك ! و صاح عليه قائلاً :
ـ اهدأ فانت اخونا !!   
    بدأت المفرزة بالسير، و انتبه صاحب الى ان البيشمركة المرافقين لـ يوسف هركي يحيطون به من كل الجهات، في نموذج مؤثر لقوة التماسك العشائري في مواجهة المحن، و ساعد على ترتيب جلوس ابو آذار على سرجه، رغم انه في وضع مسيطر على حيوانه و ثبات جلوسه عليه، فيما لاحظ ان جميع الجرحى الآخرين جالسين بشكل ثابت على حيواناتهم . .
   ساروا على طريق جبلي مطروق بين الثلج، يتسع و يضيق بشكل لايعيق تلك المسيرة في ليلة مقمرة ، و بعد حوالي الساعة بدأ الطريق بالصعود التدريجي عبر مدرجات كانت ترجّع وقع سنابك الخيل و البغال على إيقاع منتظم، كما لو انها كانت الواحاً صخرية متدرجة بنيت لمعبد كبير لحضارة قديمة هناك . . و كانت المدرجات تقود الى ساحات علوية شبه مستوية واسعة مغطاة جزئياً بالثلوج، التي بعد اجتيازها تأتي مدرجات صاعدة اخرى . .   
   سارت المفرزة بخطى ثابتة و بلا ارتباك، عكس مهارة الدليل الذي يكون في العادة من اهالي المنطقة، حيث لكل منطقة ادلاّؤها المختلفين بعضهم عن بعض في نوعيات السلوك و درجات المعارف . .  . في مناطق كتلك تترصد المارين بها في ذلك الزمان انواع المخاطر و المفاجآت، و لتفاديها يتطلب الأمر معرفة تفصيلية بارض المنطقة و بالقاطنين فيها ان وجدوا او المتواجدين على ارضها فصلياً، و معرفة بالجبال و الوديان و عيون الماء ( ينابيع الماء) او اية مصادر اخرى . .
و تذكّر صاحب، حين أجبروا يوماً على اجتياز قمم جبل حرير الممتدة على طوله البالغ عدة كيلومترات، حين هدّهم العطش و الجبل خالي من الماء على حد معرفتهم . . فيما سمع قبلاً ان جبل حرير الخالي من الماء يتوفر الماء فيه في قمّته !! حينها لم يصدّق ذلك و اعتبره لغواً اذ كيف بجبل خالي من الماء، يحتوي على ماء في قمته فقط ؟ انه لاينسى كيف ان دليلهم يومها قال نفس ذلك القول على جبل حرير، و اومأ الى كوم من الحجر قائلاً ان عيون الماء تقع هناك !! و توجه اليها وهم يتبعوه الى ان وصلوا الى حفرة تشبه البئر و لكن قاعها جاف، و على الباحث عن الماء ان ينزل في تلك الحفرة التي هي بعرض شخص واحد فقط الى عمق قامتين ليجد ثقب بسعة كفيّن يطلّ على مجرى داخلي صغير للماء . .

(يتبع)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   شارك فيها الفقيد ابوعامل ـ سليمان يوسف اسطيفان ـ عضو م.س و مسؤول المكتب العسكري، الفقيد ابو سرباز ـ احمد باني خيلاني ـ عضو ل.م عضو م. العسكري، ملاعلي آمر الفوج 11 مقر م.العسكري، ماموستا كمال ـ سهيل الزهاوي ـ مسؤول ادارة الفوج 11 ، مام رسول سور معاون آمر سرية بشدر .  .   
2.   بدأ دخول اطباء جدد من الخارج الى كوردستان، بشكل خاص و متواصل منذ ايلول /تشرين الاول عام 1979 بمجئ د. غسان عاكف ( د.عادل) من لبنان الى بهدنان، د. ناظم الجواهري (د. دلشاد) من الاتحاد السوفيتي الى السليمانية، د. ابو كوران  من يوغسلافيا الى بهدنان .  . اطباء الاسنان: ابو الياس من لبنان الى نوزنك، د. ابو بدر من سوريا الى بهدنان . . اضافة الى اعداد كبيرة من المساعدين و المساعدات الطبيات
3.   خضر كاكيل ؛ من اهالي رواندوز، احد قادة البيشمركة البارزين، خاض العديد من المعارك وتدرّج بالمسؤوليات، معاون آمر الفوج 21 / ليوزة . كان لألتحاقه الأخير بالبيشمركةالانصار دوراً كبيراً في رفع المعنويات والتحاق اعداد جديدة من ابناء المنطقة . مارس الصيد صيفاً وشتاءا للاستطلاع، و من خلاله كان يراقب الوحدات الحكومية و يخطط لتحقيق اهداف جديدة. كان الرائد الأول لعمليات اقتحام الربايا العسكرية التي اعتبرَ، ان نجاحها  كان سيدفع ربايا النظام ومرتزقته الى الأنسحاب، وسيفتح ابواباً كبيرة امام نجاحات اكبر للبيشمركة . مركّزاً على مهاجمة الربايا المطمئنة القائمة على اعلى القمم ، الأمر الذي كان يسهّل اقتحامها اذا أُحسنت المفاجأة، و لكونه سيرعب الربايا الأخرى، التي سترى انها قابلة للسقوط في كلّ وقت بعد ان سقطت الأكثر مَنَعَة . وكان يعلّق بان بعض الخسائر مقبولة لأجل تحقيق مثل تلك النجاحات الستراتيجية. قضى في بشت ئاشان 1983 في حرب اقتتال الاخوة.
4.   مام خضر روسي، كادر انصاري و سياسي معروف في اربيل، اشتهر بقدراته بشؤون العلاقات مع العشائر، و بنجاحه في عديد من المهام التي تكلّف بها، حتر صار آمر فوج 21 ليوزة عام 1982 . و قد لُقّب بالروسي لإكماله دراسة في العلوم الإجتماعية في روسيا .
5.   ملا عثمان . . (توفيق سيدا) ؛ كلداني من عنكاوة ـ اربيل، و لشجاعته و نشاطه الكبير صار آمر فصيل ثم معاون آمر سرية، و بعدئذ آمر سرية خوشناوتي . قضى في كمين في ايلول عام 1984 ، في اقتتال الأخوة .
6.   طيور كبيرة بحجم نسور الجبال، الاّ انها تأكل الحيوانات الميتة و الفطائس . . في سلوك يشبه سلوك الضباع على الأرض، باللاتينية Geier  .
7.   ام علي، عائدة ياسين معلمة من محافظة البصرة . . احدى القياديات في الحزب الشيوعي العراقي، و عضوة قيادة رابطة المرأة العراقية، اضطلعت باخطر المهمات حين كانت المسؤولة الرئيسية لتنظيم حشع حينما واجه اقسى هجمة عليه من قبل الدكتاتورية في عام 1978 ـ 1979 ، اعتقلت و عذبت بوحشية، حتى الموت . .
8.   ابو داود، كادر حزبي فلاحي من محافظة كربلاء، من اوائل الكوادر الذين التحقوا بقوات البيشمركةالأنصار بعد دورات تدريب و مساهمة في الأعمال العسكرية للمنظمات الفدائية الفلسطينية في لبنان، قاد عدة مفارز قتالية ناجحة للبيشمركة في مناطق بهدنان و بالك، و بعد اصابته في عينه في عملية اقتحام ربيئة سري سرين، ارسل للعلاج في اوروبا و عاد للحركة، وشغل عضوية مكتب فوج 31 اربيل، اثر الأنفال حاول الخروج مع مجموعة ذهبت عن طريق افغانستان، و توفي في حادث سيارة في كابول العاصمة مطلع التسعينات . 
9.   فداءً للحزب، كتعبير عن اعتزازه بما قام به في العملية رغم خسارته عينه، و عينه لا تعني له شيئاً امام القضية التي يفتديها بحياته . .
10.   سقوط الكف، تدليّ الكف على عظام الساعد، لإصابة اعصابها و عطلها . .
11.   سعدون، وضاح حسن عبد الامير، عربي من مواليد كربلاء . . ترك العراق بداية شبابه اثر حملة الدكتاتورية ضد القوى الديمقراطية والحزب الشيوعي العراقي، . . قطع دراسته في الخارج ـ الاتحاد السوفيتي ـ والتحق بصفوف منظمة الأنصار وتدرج في المواقع و وصل الى آمر سرية خوشناوتي . . ساهم وقاد العديد من النشاطات و المعارك العسكرية والجماهيرية الناجحة . . عضو المكتب السياسي لـ حشع عضواً في البرلمان حتى اغتياله على يد ارهابيين  اواخر عام 2004  .   



مواضيع سابقة

هناك . . عند الحدود (14)
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=740839.msg6262780#msg6262780

هناك .  . عند الحدود (11) (12)
www.ankawa.com/forum/index.php/topic,740493.0.html


هناك .  . عند الحدود (10)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,739826.0.html


هناك .  . عند الحدود (9)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,739426.0.html


هناك . . عند الحدود (8)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738795.0.html


هناك . . عند الحدود (7) الفصل الرابع نوزنك . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738574.0.html


هناك . . عند الحدود (6) الفصل الثالث الى مهاباد . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738147.0.html


هناك . . عند الحدود 4 ـ 5
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737948.0


هناك . . عند الحدود (2 - 3)
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737703.0


هناك . . عند الحدود 1
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737628.0

28
هناك .  . عند الحدود (14)   

                                    د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net

   لقد حاولت الدولتان الإستفادة من القضية الكوردية، كلاً لصالحها و اتبعتا لذلك وسائل غاية في الحذر و الصرامة، لجعل النضال القومي التحرري يدور لمواجهة الخصم المقابل و ليكون جزءاً من ادواتها في تلك المواجهة، فهي تساعد و تسهّل فعالية ما و تضرب بقسوة ان خرج النضال القومي الكوردي عمّا تحاول ان تقيّده ليكون في صالحها، و تعمل بكل جهدها لمنع النضال الكردي التحرري من ان يتحوّل ضدها او ضد مصالحها و خططها الحربية كدولة لاتعترف بالحقوق القومية العادلة للشعب الكوردي. 
   من ناحية اخرى كان لابد للقوى القومية الكوردية ان تتعامل مع ما يجري، لكونها مُكرهة لامخيّرة على التعامل معه، و هي ترى كيف يساق الشباب الكورد الى القوات المسلحة نحو جبهات القتال باحكام الإعدام، و بسياسة الحرق و النهب و التهجير و القتل . . . الأمر الذي تطلب منها مواجهة ذلك بدقة و موازنة الخسائر و الفوائد . .
و لمّا رأت الدكتاتورية ان (تنازلاتها) و سياسة الجزرة و العصا تجاه الحركة القومية الكوردية،  لم تأتِ بالنتيجة التي كانت تخطط لها، حيث ادى استمرار انشغال قواتها في الحرب، الى تقليل امكانيات الضغط الحكومي العسكري على كوردستان، الذي ادىّ من جهته الى تواصل نمو منظمات البيشمركة الأنصار بسبب تزايد الإلتحاقات في صفوفها، و تواصل تعاونها فيما بينها رغم احتكاكات تحصل هنا و هناك . .
فاعتمدت الأموال و السلاح و تنشيط التوترات و العمل على خلق نزاعات بطرق و اساليب خبيثة عالية الخبرة، لأشعال و تسعير حروب اقتتال الأخوة بينها  لأضعاف بعضها ببعضها، و اعاقة تكوّن حركة كوردية موحدة على اسس دائمة تجعل منها قوة مؤثرة تستطيع ان تصل الى اهدافها، فشجعت و دعمت استفراد طرف كوردي بكلّ الحركة، و قوّته لضرب و لمحاولة تحطيم الاطراف الكوردية به . . تمهيداً لمرحلة لاحقة (1) .
   مع تلك التطورات العاصفة في كوردستان و عموم المجتمع . . اخذت نسبة واضحة من جيل القيادات السابق في الأنصار تتأخر في استيعاب مايجري، بسبب التطوير السريع الذي اجرته الدكتاتورية على وحداتها و اصنافها، باذخة مليارات فلكية على تعليمها و تدريبها و تجهيزها و تسليحها، و على المستشارين متعددي الجنسيات الذي لازموا عملياتها . . و بدعم واضح من الإحتكارات العالمية المتعددة الجنسية .
   اضافة الى ما نُقل عن عدم اهتمام اعضاء القيادات السياسية و الحزبية العليا، بأمر العناية بهم و المساعدة على تطويرهم، لتخلفهم هم ـ اعضاء القيادات الحزبية العليا ـ اصلاً آنذاك . . اضافة الى ان الإهتمام الذي جرى لهم اسفر عن ان نوعية الإهتمام ذاتها كانت متخلفة. لقد تأخروا في فهم مايجري رغم الشجاعة الفائقة التي ابدوها و نشاطهم الكبير بالمقاييس السابقة، و حتى استشهادهم البطولي في صدامات مع وحدات الدكتاتورية المتطورة و المتنوعة التي أُغرقت بها كوردستان . .
   البعض تصوّر ان الدكتاتورية بدأت تنتهي فعلاً بسبب اشتعال الحرب، فنزلت مفرزة شوان الى مناطق كرميان و ذهبوا بعيداً الى العمق حتى اصطدموا بقوات كبيرة لم يتوقعّوها، فأبيدت المفرزة في قرية بولقاميش و خسرت المنظمة احد ابرز وجوهها بكر تالاني (2).
و حصل امر مشابه في قرية سي كاني لقوة اربيل الكبيرة التي نزلت بعيداً بتقدير خاطئ، عرّضها الى قوات كبيرة لم يتصورها آمر القوة مام كاويس فحصلت معركة كبيرة لقّنَ فيها الانصار قوات الدكتاتورية درساً كبيراً لايُنسى، الاّ انها قدّمت خسائر كبيرة بالأرواح، لاتتناسب مع قدرات عموم المنظمة . و ذلك ماحصل لمفرزة من سرية بتوين ايضاً .   
   من جهة اخرى شعر قسم من الكادر العسكري القديم بالاحباط، لأن القيادة لاتأخذ برأيهم و انصرف قسم منهم الى جلب عوائلهم و الأهتمام بها في مناطق الأنصار، و انشغل قسم آخر بالصيد و توفير لحوم الطرائد لعوائلهم لأعداد وجبات طعام شهي.
   كان منهم القائد الأنصاري ملا علاء الدين، الذي كان من الوجوه العسكرية البارزة في حركة البيشمركةالأنصار في الستينات  . . الذي جلب عائلته الى نوزنك ـ نوكان و اهتم بتقطير الكحول و شربه في غرفته مع عائلته بشكل مستور، فكان يجرح اشجار " حبة الخضرة " و يعمل تحت الجرح ساتراً صغيراً من الطين لجمع مايفرزه لحائها من مادة " المستكي "، التي كان يجمعها كل يومين او ثلاثة، و كان لاينسى مواد جمعها حتى و لو كان داخلاً في نقاش ما فيقطعه، او كان يتحدث مع احد البيشمركة فيستأذنه.

   فكان يستيقظ في الصباح نشيطاً و بمزاج مرح يبدأه بالنكات الشخصية، او التنكيت البرئ على احد الأنصار الجدد الساذجين. و من نكاته انه روى لأحد السذّج رواية عن الدب و حيله، و خاصة انثى الدب حين تشتاق الى ممارسة الجنس و لاتجد دبّاً فحلاً، فـ " أنها ستبحث عن رجل، و ان وجدته تختطفه . . و هي تستطيع ذلك بحكم قوتها العضلية المتفوقة. . انها تختطفه و تحمله الى مأواها، فتنزع عنه ملابسه و حذائه و جواريبه . . و تأخذ بلحس قدميه لتجعلها طرية رخوة، حتى لايهرب منها . . ثم  تستمر بممارسة الجنس معه الى ان تشبع . . و لكن المشكلة هي متى تشبع ؟ ؟ فخذ حذرك ياعزيزي اثناء الحراسة من الدب فقد تكون انثى !! "
   و قد اربك حديثه ذلك، النصير الملتحق حديثاً " باسل " ، الذي لايُعرف من اختار له ذلك الأسم الذي لايتطابق مع شخصيته الساذجة، و لايعرف احداً كيف طرق باب المنظمة و لا كيف التحق بها. حتى اخذ باسل في حراسته التي حُددت في اوقات المساء الأولى حيث الجميع يقظين . . اخذ يردد و هو واقف : " كل شئ ممكن . . بس لا دبّ ، بس لا دب" . الأمر الذي كان يجعل من يعرف بتلك القصّة يغص بالضحك و هو يمر قرب مكان حراسته.         
كان ملا علاء الدين يستحضر روح الدعابة و النكتة الشعبية التي عُرف بها ابناء مدينة السليمانية، اضافة الى النكات اللاذعة التي تنتشر عادة في الأحياء الشعبية للمدن العريقة القديمة كمدن السليمانية و بغداد و البصرة و الموصل و كركوك .
و من طرائفه، ان امرأة شابة اهتم نساء العائلة بتنشئتها و تنمية جسمها، و اجبروها منذ صباها على استعمال القباقيب الخشبية الضيقة و ليس الأحذية المريحة، رغم ماتسببه لها من آلام لأجل تصغير اقدامها، و اجبروها على عمل العجين و عجنه يومياً، و هي جالسة على مقعد واطئ ـ تختة ـ ، لتكبير مؤخرتها و جعلها قوية لدنة، لتكون أكثر اثارة للرجل، و كي تتمكن من اشاعة الدفء به ان بردت همّته . . في جهد لإعدادها للزواج من شاب غني، وذلك ما تمّ لهم .   
فسألت زوجها الشاب الذي انهكته بكثرة طلباتها الزوجية، ذات فجر قائلة :
ـ ملا عثمان . . حلمت ان في يدي بلوط، فماذا يعني ذلك ؟
اجابها بصوت واهن :
ـ هذه خصيتيّ يا متوحشة، لأنك طول الليل تمسديهما . . نامي احسن !!   
و حين كانت النقاشات تدور في مجالس العشائر، كان ملا علاء الدين يتحدث عن محاولات حاول القيام بها، لأنقاذ سمعة و مكانة الحزب الشيوعي بين الجماهير، حين كان في جبهة مع حزب البعث الحاكم الذي كان الأخير مستفيداً منها في تنفيذ سياسته و اجراءاته الشوفينية بحق الشعب الكوردي، فقال :  " طرحت على ابو فاروق (3)، فكرة ان ننشق لحماية مكانة و سمعة الحزب . . و قلت له، ان وجدتم ان ذلك ضار، تستطيعون مهاجمتنا . . الاّ انه لم يتفق و اعتبر ذلك عملاً طائشاً "
اضافة الى النقاشات التي كانت تدور حول شخصية القائد للحفاظ على القوة و مدى امكانه من استخدام الكذب ايضاً لتحقيق ذلك، و مناقشات " طاهر علي والي "(4) الذي كان يكرر، " صحيح للضرورة احكام . . و لكن عند الكورد " عيب الكذب فوق سن الثلاثين " .  . "
و غيرها من النقاشات التي كانت تشدّ انتباه البيشمركةالأنصار، وهم يستمعون الى امور كانوا يحسبوها في عداد المحرّمات و الأسرار و الممنوعات، و كانوا يتساءلون عن تفاصيل اكثر من كوادر قيادية تتبسط في الجلوس و الحديث الصريح معهم ! .  . فيما اعتبرت كوادر اخرى ان مثل تلك الأحاديث مضيعة للوقت، و ليست الاّ لغو فارغ في وقت تحتاج حركتهم فيه الى مناقشة كيفية التصدي للواقع الذي يتطور سريعاً.     
لم يصدّق البعض ان الذي يرونه، هو ملا علاء الدين الشهير الذي كانوا ينتظرون منه مواقف و عمليات عسكرية و تأثير . .  بل ان البيشمركة القديم حميد (5) الذي عايش ملا علاء الدين سنوات  اوج نشاطه، والذي اصيب بلوثة جرّاء الإعتقال القاسي و التعذيب الهمجي، تصوّر ان ملا علاء الدين لابد و ان يخطط بشكل سريّ لأمر ما، لأنه لم يكن مألوفاً لديه، ان يرى الملا جالساً في المقر مع عائلته
و منظمة البيشمركة الأنصار تبدأ بالنشاط، و النزول الى العمق العراقي جارٍ بنشاط .  .   
و في صباح احد الأيام و عند النهوض الصباحي، سمع البيشمركة جنرال حميد ـ كما يدعونه تحبباً ـ و هو يصيح :
ـ الم اقل لكم ان ملا علاء الدين يخطط بشكل سريّ لأمر ما ؟ هاهي بي بي سي تذيع ان " آلادي سارني" الذي اشتهر في حرب الأنصار قد تعيّن في موقع رفيع في قيادة حلف وارشو ! 
ـ لكنهم يقولون آلادي سارني ؟!
ـ نعم لو تنتبه جيداً رفيق . . آلادي يعني علاء الدين بالكوردي، و سارني يعني سوراني ! والله لقيتها، لأن من غير المعقول ان ملا علاء الدين يتلهىّ بأمور يومية عادية في هذه الظروف !!
و العجيب ان عدداً من البيشمركة كان لديهم نفس المنطق، لتفسير لماذا هذا و ذاك من الكادر القديم الذي جرّبوه و عرفوه، صار يتلهى بالضحك او بأمور يومية عادية " انهم لابد و ان يكونوا مشغولين بأمور لانعرفها ؟؟! " كما كانوا يفكرون .
   فيما فسّر من هم اكثر تجربة، ان ضحك ملا علاء الدين و اندماجه بالهزل، لم يكن الاّ تنفيساً عن آلام كانت تعتمل في داخله، منها عدم قناعته مما يجري، و من القياديين الذين استمروا في مواقعهم رغم المحن الكبيرة التي اصابت الحزب و الحركة تحت قيادتهم . . الى المهام التي كلّف بها و كونها لاتتفق مع تجاربه وخبرته الطويلة و تضحياته طيلة عمرٍ قضّاه في النضال . .
لكنه قد لم يفكر بمدى صلاحيته هو لتلك المهام التي تطورت كثيراً عمّا مضى، فيما بقي هو متواضع القدرة، او كان من المخجل له ان يقول انه لايعرف كيفية مواجهة الوضع، و قد استغل مشاعره و آلامه تلك احد القادة المخضرمين في محاولته لتثوير الحزب باحدى خلفيّاته  (6)

   في اواخر ربيع ذلك العام و في اطار جهود منظمة البيشمركةالأنصار و كل منظمات البيشمركة الموجودة هناك، للحفاظ على علاقات ايجابية مع الأحزاب و منظمات البيشمركة الكوردية الإيرانية، في ظروف صارت فيها قوى البيشمركة الكورد العراقيين المتواجدين في المنطقة الحدودية تقلّ . . بسبب تزايد نزول المفارز من مناطق الحدود الى مناطق العمق العراقي .
اخبر ابو سرباز دكتور صاحب بقرار المكتب العسكري بضرورة ذهابه مع مفرزة الى طبابة البيشمركة الكورد الإيرانيين، لحاجتهم الماسة الى طبيب فيها، لوجود عدد كبير من الجرحى هناك، و ان طبيبهم الوحيد المتواجد الآن في طبابتهم لايستطيع لوحده القيام بذلك، خاصة و انهم يتوقعون مجئ اعداد أخرى من الجرحى . . و ان وضع القاعدة في نوزنك ـ نوكان كان يتحمل غيابه، لوجود طبيبين جديدين قدما الى الطبابة من الخارج عن طريق بهدنان آنذاك .
   و فعلاً تحرّك صاحب في فجر اليوم التالي صحبة آمر الفصيل بختيار و معاون الطبيب عدنان متوجهين الى قرية مزره حيث كانت تنتظرهم مفرزة من الديمقراطي الإيراني حدكا لأصطحابهم . . و بعد مسيرة طويلة و صلوا ليلاً الى قرية " بيرم " الواقعة في الجبال المحيطة بمدينة مهاباد، حيث كانت طبابة الديمقراطي قد نزلت في "مدرسة القرية"، و علم هناك ان الطبيب الذي يشرف على الطبابة كان فرنسياً من الأوساط الديمقراطية الفرنسية المتعاطفة مع القضية الكوردية و انه كان يعمل بعقد مع الديمقراطي الإيراني، و ذهب لأنتهاء عقده، و لم يستطع بديله من الوصول بعد، اثر تأخره في تركيا، لأسباب لم تحدد بعد في ذلك الوقت . 
التقى بالدكتور خسرو الذي تعرّف عليه في مهاباد قبل عامين، و استقبله استقبالاً حاراً و ضيّفه و مرافقيه بكل حفاوة على مائدة طعام عامرة دعى لها وجوه البيشمركة هناك، و لما لم تكن هناك حالة مستعجلة ، قضوا ليلة جميلة على الحان و غناء الفنانة " مرضية " التي استمعوا اليها من جهاز تسجيل كان هناك، ثم  ناموا في مكان معدّ لضيوف الطبابة التي كانت لها تخصيصات و اماكن و ادارة تشبه ادارة مستشفى صغير، من حيث سجلات بجرد الجرحى و المرضى و حالاتهم و ماذا اجري لهم في الطبابة، اضافة الى المحاسبة و مذخر المواد الطبية و غيرها، التي كانت كلّها في بناية مستقلة، قدّر صاحب انها كانت لدائرة حكومية يوماً ما.
في صباح اليوم التالي استصحبه د. خسرو الى " بناية المدرسة " التي كانت فيها غرفة للعيادة الخارجية و ردهة للجراحية، و ردهة اخرى للباطنية، اضافة الى صالة معقمة للعمليات. و كانت اغلب حالات المرضى الراقدين الذين كانوا بحدود الثلاثين . . حالات لأستكمال العلاج و التداوي الجراحي، بعد ان انقذت حياتهم و اجري لهم ما امكن جراحياً.
و لاحظ صاحب ان خسرو بحكم الزيارات الكثيرة التي كانت تأتيه من مدينة مهاباد و المدن المحيطة بها، كان مشغولاً كثيراً لكونه ابن مدينة مهاباد ولكونه وجهاً سياسياً و اجتماعياً مؤثراً فيها و في المنطقة، في ظروف تصاعدت فيها اعمال القصف على المدن و " القرى " في تلك المناطق. فكان د. خسرو يترك القرية شبه الفارغة صباح كل يوم بعد الفطور و بعد اطعامه للذئب الصغير الذي اخذه و بدأ يعتني به، بعد مصرع امه برصاص القرويين . . على امل تدجينه !
و بعد ان بقي في طبابة بيرم حوالي العشرين يوماً عالج فيها جرحى القصف الجوي الذي لم ينقطع من الجانبين، اضافة الى معالجة عدد من القرويين المرضى الذين كانوا يأتون فرادى يومياً، و بعد ان نجح في معالجة بيشمركة و مدنيين يعانون من حالات جروح لم تندمل و كسور معقدة و حالات حروق صعبة . . جراحياً و تداوياً بمواد و ادوات طبية متوفرة .
استلم صاحب برقية بضرورة عودته الى نوزنك ـ نوكان باسرع مايمكن . . كان قد جلبها بسيارته الجيب احد قياديي البيشمركة هناك "سنّور" ، و اخبره بدعوة د. قاسملو له و لرفيقيه على العشاء مساء ذلك اليوم  قبل عودتهم الى نوزنك، لشكرهم و وداعهم . . و قال سنّور انه ينتظرهم كي ينقلهم معه لأنه ذاهب الى هناك .
سارت الجيب بهم في مناطق مفتوحة خالية لاحت ارضها و كأنها محروثة حديثاً، و لمّا لم يشاهد اية قرية مأهولة او ناس في مناطق تضمّ مزارعاً متروكة و اشجاراً مثمرة، فهم من " سنّور " ان المنطقة باراضيها الشاسعة قد هجّرت و هدّمت المنازل تهديماً فنياً بحيث لم تبقَ لها آثار تدلّ عليها، و ان قرية بيرم كان قد طرد اهلها فقط و بقيت بيوتها، فيما كانت بناية الطبابة هناك لم تكن بناية مدرسة و انما بناية لثكنة عسكرية و مخفر شرطة !!
و صار واضحاً عند صاحب ان معاداة الكورد، و الإجراءات العنيفة و اللاأنسانية بحقهم هي نفسها من كل انظمة دول المنطقة، مهما جرى من تجميل و تزيين لها . . !! و بينما هو في تأملاته تلك
سمع الجميع اصوات قصف جويّ على منطقة بيرم و منطقة اخرى قال سنور انها منطقة جلديان المجاورة لمهاباد، ثم بدأ قصف مدفعي متقطع . . 

وصلوا قبيل الغروب الى مقر د. قاسملو، بينما كان القصف المدفعي على المنطقة قد توقّف . .   
حيث كانت ابنة اخته ناز مسؤولة الإستعلامات هناك، التي رحّبت بهم بانكليزية طغت عليها الفرنسية و رافقتهم بين ابنية محفورة في الجبال الصخرية، فكانت مغارات صخرية حفرت بأجهزة حفر تشق الصخر و السمنت . . بنيت لها واجهة امامية من الصخر و السمنت، في منطقة شكّلت صحناً صخرياً محمياً بصواريخ هوك و ستنغر آنذاك . .
   جلسوا في احدى قاعات الإعلام، التي كانت قاعة انيقة نظيفة، تحتوي على مناضد متنوعة للعمل و على اجهزة اتصالات كثيرة التطور، و فيما كانت ناز تتناقش مع صاحب عن نظرته و تصوراته عن نضال الشعب الكوردي في سبيل حقوقه، و عن طبابة الأنصار، و هي تعد رسالة اكاديمية عن نضال الشعب الكوردي عليها تقديمها الى السوربون  . . زارهم د. قاسملو و سلّم عليهم و تحدث معهم  بحرارة و قال :
ـ انتم مدعوون الى جلسة سمر يقيمها اعلامنا لتحيتكم و خلالها نتعشى معاً كتعبير عن الشكر العميق لموقفكم الأخوي و النضالي معنا .
   وفيما ذهب د. قاسملو الى موقع آخر . . اقتادهم احد المرافقين الى حيث ناركبيرة تضئ ساحة من الساحات المشجّرة في ذلك الصحن الصخري الواسع. و كان صاحب ضيف د. قاسملو و ابنة اخته، اضافة الى وجود ضيوف اجانب من قوميات آسيوية حيث جلسوا متجاورين، ليتعشوا معاً من لحم ضأن تم شواؤه حديثاً، و كانت الأحاديث بلغات متعددة في مقدمتها الكوردية ثم الإنكليزية و الفرنسية و العربية ايضاً .
و قد قدم عدد من البيشمركة الأنصار اغاني كوردية مصاحبة بعزف موسيقي جميل، اضاف له المكان شاعرية اكبر . . و غنى آمر الفصيل بختيار بالكوردية و ادى المساعد الطبي عدنان مقامات غنائية بالعربية . . و قد اختتمت الأمسية ببدء د. قاسملوا بانشاد نشيد " السجن ليس لنا . . " باللغة العربية حيث انشد صاحب و بختيار و عدنان معهم منشدين :
السجن ليس لنا نحن الأباة    السجن للمجرمين الطغاة

   استيقظ الجميع عند الفجر على اصوات دوي المدفعية، و تناول الثلاثة فطورهم مع سنّور، الذي اقلّهم مع حقائبهم بالجيب بسبب المطر الذي بدأ يتساقط وسط سماء غائمة في ذلك اليوم الصيفي . . و اوصلهم الى مكان يقع قرب قرية " ميراوه " التي كانت قرية حدودية ايضاً و تشبه الى حد بعيد قرية نوزنك في طبيعة ناسها و اشغالهم و تنوعهم . 
كان الجو في بداية ذلك الصيف كثير التقلب، حيث كانت تهب بين آونة و اخرى رياح قوية تشبه العواصف، و تتسبب بهطول امطار خفيفة تزداد غزارة و تقل لتتزايد غزارة مرة أخرى . . و انتبه الجميع الى ان النهر الذي تقع عليه قرية ميراوه، كان فائضاً بشكل ملف للنظر و مياهه لوّنها الطين بلون غامق و حمل سطحه اخشاب و مواد بيتية و كأنه احدث فيضاناً في مكان ما من جريانه السريع جداً، رغم كونه لم يتخطىّ حافة حوضه الصخرية عند القرية تلك .
و بدأت صعوبات لم يفكّروا بها تلوح امام الثلاثة، حيث صارت اقسام من الطريق يصعب اجتيازها مشياً بسبب امتلائها بالماء و الطين،  و صار عمق الماء و الطين في بعض الأماكن كبيراً، لايستطيع تقديره الاّ سائقي التراكتورات من اهالي المنطقة كما قال بختيار، الذين قد يقررون اجتيازه او الإبتعاد عنه بالمرور باتجاهات اخرى تطيل الطريق، الاّ انها أمينة .
و تحت تلك الأمطار الغزيرة، قرروا ان يستقلّوا تراكتوراً،خاصة و انهم كانوا يحملون اضافة الى حقيبتي الطبابة حقيبة ثالثة ثقيلة احتوت ادوية هامة تبرع بها د. خسرو لطبابة نوزنك ـ نوكان . و بينما هم جالسين جلوساً قلقاً يصعب ضبطه في العربة العارية التي يتساقط عليها المطر و امتلأت بمائه، فيما كان التراكتور الذي يسحبها، يسير على طرق و مواقع شديدة الإنحدار و اخرى ضيّقة و في اماكن شاهقة مطلة على وديان عميقة .
شاهدوا وهم راكبون، الجدول القادم من قرية مزره التي يتجهون نحوها . . شاهدوا الجدول و قد تحوّل الى نهر كبير هائج . . لقد كان منظر النهر مريعاً و هو يجرف صخورا عملاقة اصغرها بحجم شاحنة دولية ضخمة، و تراكتورات و بيوت خشبية كأنها لعب اطفال تتقاذفها المياه، و بغال كبيرة القوة تنازع و تقاوم و كأنها فئران وقعت في الماء !!
انتبه صاحب الى ان القرويين الراكبين معهم كانوا هادئين و كأنهم يعيشون مواقفاً و امورأ يومية اعتادوا عليها . . بل كانت المرأة الجالسة جنبه على عربة التراكتور العارية، و التي ترضع بثديها رضيعها و هي تبتسم له لأن المطر قد انقطع قليلاً عن تبليلهما. و قال الراكبون ان الأمطار في القمم العالية مستمرة، و انها تهطل هناك منذ اسبوع بدون انقطاع .
و تأكّد صاحب من ذلك حيث كان ينصت متسمّعاً كلما توقف التراكتور الذي كان سائقه يطفئه بالكامل بين فترة و اخرى و يصيخ بسمعه جهة القمم، حيث ان المنصت المتسمّع بهدوء الى القمم . . كان يسمع زئيراً طويلاً متصلاً، كان هو الدلالة الهامة على تواصل سقوط الأمطار فوق، عند القمم وقت انقطاعها في السهول . . و يتكوّن ذلك الزئير المتّصل من اصوات مئات الجداول و الشلالات الصغيرة و السيول المتواصلة التي تكوّنها الأمطار بتساقطها المتواصل.
عند وصول التراكتور الى بيت حجري كبير، قال السائق انه لايتمكن من مواصلة السير بعد، لأنه وصل الى نهاية طريق التراكتور، و ان بإمكان الراكبين السير على الأقدام ان ارادوا المواصلة و تمنى للجميع مساءً طيباً. فنزل صاحب و رفيقاه من عربة التراكتور و وجدوا انفسهم واقفين على رابية عالية تطلّ على وادي تقع فيه قرية مزره و يلوح خلفها الجدول المارّ بقربها و الذي تحوّل الى نهر هائج مجنون .     
و قدّر الثلاثة انهم بوصولهم الى مزره سيكون النهار قد انتهى، فلابد اذن من المبيت فيها، بطرق ابواب بيوتها و طلب طعام و غطاء و الذهاب الى جامع القرية لتناول الطعام و المبيت فيه بعد تقسيم الحراسات على الثلاثة . و في طريق نزولهم نحو قرية مزره ، سمعوا اصوات انفجارات و قصف مدفعي من جهة مدينة سردشت، التي كانت تلوح لهم بارتفاعها بوضوح .
بسبب تجمع غيوم كثيفة فوق سماء المدينة، لاحت سردشت لهم و كأنها في بقعة شبه مظلمة
و شاهدوا عجلات يمكن انها كانت سيارات شحن صغيرة و تراكتورات و عربات، مضاءة الأنوار، اضافة الى حشود طويلة من الناس و هم يحملون اطفالهم على اكتافهم، و اغراضهم على حيوانات و على ظهورهم . .
   كانت وحدات عسكرية برية تهاجم المدينة و تحاول استعادتها من البيشمركة بعد ان قامت بتمهيد مدفعي عليها حين ايقظهم من النوم صباح نفس اليوم، و كان صرير المسرفات و زئير الدبابات و اصوات انفجارات قذائفها، و اصوات قذائف و صليات و رصاص البيشمركة المدافعين، بل و صراخ الأطفال و تعاويذ النساء و الشيوخ . . كانت تسمع الى مسافات بعيدة، لأن مدينة سردشت اعلى من المنطقة التي كان الثلاثة يمشون عليها. و مع تزايد اقتراب الغروب، لاحت النيران و السنة اللهب متصاعدة من المدينة رغم الأمطار التي لم تنقطع . .
   و فكّر صاحب بعائلة حاجي وحيدي في سردشت و ما يمكن ان يحصل لهم في ظروف ذلك الهجوم ، و تذكّر اهله و مايمكن ان يواجهوه من وحدات و اجهزة الدكتاتورية و تذكّر احداثاً و اشخاصاً اعزاء قطعته احداث الحياة القاسية عنهم و هل سيلتقيهم من جديد ؟ كيف و اين ؟
   وصلوا الى قرية مزره، و طرقوا ابواب بيوتها طالبين ما امكن من طعام و اغطية، و حملوا ما جمعوه منهم الى جامع القرية، حيث اشعلوا من الحطب المتوفر فيه، ما يكفي لإيقاد صوبة الجامع كي يتجففوا من البلل و يتدفأوا. و بعد ان تناولوا من طعامهم الذي حملوه معهم و فيما كانوا يتحدثون . . سمعوا جلبة في الخارج احدثها وصول اول مجاميع المدنيين الهاربين من معارك سردشت، كان بينهم مرضى و عدد من جرحى البيشمركة الكورد الإيرانيين . . استطاع صاحب و المساعد عدنان مساعدتهم بما توفر لديهما من ادوية و مواد طبية .
و في الصباح ارجعوا الأغطية لمن طلبوها منهم، حيث فطروا و شربوا الشاي، و غادروا القرية نحو جدول قاسم ره ش الذي فاضت مياهه و صار نهراً عميقاً، فساروا على الحواف العليا لوادي النهر متجهين على طوله نحو نوكان، فيما استمرت زخات المطر .
و و صلوا ظهر ذلك اليوم الى نوكان و انعطفوا نحو الوادي الضيّق للمكتب العسكري، الذي كان هادئاً هدوءاً غير اعتيادياً . . و لاحظوا وهم يسيرون صعوداً في ذلك الوادي الضيّق ان الوادي كان ممتلئاً بجزر طولية من الطين و من فتات الصخور. مرّوا على غرفة مكتب فوج  مقر المكتب العسكري و استمرّ بختيار و عدنان في طريقهما الى فصيلهما، فيما ابطأ صاحب و سلّم على السياسي ابو ناصر الذي كان مشغولاً بتنظيف مدخل غرفة مكتب الفوج، و تصافحا و بيّن لصاحب ان سيولاً اجتاحت وادي المكتب العسكري بسبب الأمطار الغزيرة التي حجبت حتى مدى الرؤيا للسائرين . .     
و ان السيول المدمّرة حدثت قبل ثلاثة ايام، و طمرت خيمة ام سرباز (7) و تسببت باستشهادها، اضافة الى غرق النصير رائد، الذي حاول التقاط حقيبته التي سقطت في جدول قاسم رش
، فسحبه التيار المتلاطم للمياه السريعة الجريان و الصخور العملاقة المتدحرجة التي جرفها معه. اضافة الى سقوط صخرة من ارتفاع شاهق، ضربت رأس مام رسول (8) من الخلف و قتلته على الفور، و سقوط اربعة بيشمركةانصار جرحى نجوا بارواحهم، بسبب انطمار الوادي العميق حيث مخيم الضيوف، بما جرفته تلك السيول . .
و ان المكتب العسكري قد توقع حدوث مزيد من الإصابات التي تتطلب تواجد صاحب بسبب قلة الاطباء في الموقع، اضافة الى ان تقدم الجيش الإيراني في المنطقة و في سردشت، قد اخذ يثير مخاطر انقطاع موقع المكتب العسكري في نوكان عن ريف سردشت، و بالتالي قد يتسبب مع مرور الوقت بوقوع صاحب و رفيقيه في منطقة التطويق العسكري، الذي يصعب العودة منه الى نوكان بعدئذ . . لذلك أرسل المكتب العسكري برقية عاجلة بضرورة عودة مفرزة صاحب الطبية . و من تلك الأخبار الحزينة، عرف صاحب ان مخبأ الأدوية النادرة و الهامة الإحتياطية قد انطمر ايضاً . . و كان ذلك خسارة طبية لاتعوّض بسهولة، بعد ان استغرق جمع تلك ألأدوية شهوراً و جهوداً كبيرة بُذلت ! 
   تأمل صاحب في قضية الصراع الصعب و العنيد مع الطبيعة في مناطق الحدود البعيدة . . ففي معركة واحدة مع الطبيعة في موقع واحد سقط 3 شهداء و اربعة جرحى . . اضافة الى خسارات ادارية كبيرة، منها تهدّم ابنية اساسية تطلّب الإسراع في بناء جديد منها .
اضافة الى انه، في شتاء 81 / 82 ، تم اختيار مكان لبناء مواقع جديدة في نوكان، بعد قياسات و حسابات لجنة مهندسين، لم تتبع آراء القرويين من ابناء المنطقة في اختيار مكان البناء . . انهارت تلك المواقع اثر سقوط المطر بسبب انهيار الأرض تحتها . و للمتتبع ان يسأل، كم من الضحايا قدمت القرى هناك، لتصل الى تقدير اي مكان اصلح للبناء، و لماذا توجد وديان و وديان عميقة و غابات متروكة لا قرى فيها . . رغم توفر الماء فيها . .

(يتبع)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   و لما رأت الدكتاتورية ان لا أمل لها في ضم الأحزاب الكوردية و البيشمركة الى صفّها دون قيد او شرط، و تصاعد رفض الشباب الكورد للحرب و تزايد التحاقاتهم بقوات البيشمركةالأنصار . . اتجهت نحو اعادة بناء و تحديث وحدات الجاش (الفرسان) و تسليحها و اعطاء قياداتها صلاحيات اكبر وصلت الى منحها صلاحية استدعاء الوحدات العسكرية و القوة الجوية في معاركها مع البيشمركة . .
و اتجهت نحو العشائر في مرحلة لاحقة لتشكيل ( سرايا الدفاع الوطني )، ثم ( الأفواج الخفيفة) عن طريق تعيين ضباط تعتمد عليهم كمستشارين عسكريين لها، و قد لعبوا ادواراً كبيرة في اجبار مسؤولي و آمري تلك الوحدات على الإنضباط و التقيد بأوامر الدكتاتورية، و بنفس الوقت شجّعوا و غضّوا نظرهم عن الإفساد و الرشاوي كي يستخدموها كاداة للتهديد بالفضائح و العقوبات بوجه الآمرين الذين يناقشون و يعصون الاوامر الموجهة لهم !!
و قد حققت الدكتاتورية بذلك اهدافها في " تكريد الحرب " على عدة محاور . . من اقتتال الأخوة باقتتال منظمات البيشمركة الكوردية فيما بينها، الى اقتتال قوات الجاش الكوردية بتشكيلاتها و اسلحتها الحديثة ضد البيشمركة الكورد. و عملت على ضبط ذلك بزيادة منظومات و ادوار و تجهيزات اجهزة مخابرات الدكتاتورية . .
اضافة الى صدور القانون الخاص بالخدمة العسكرية في كوردستان في مناطق السكن و عند رؤوساء الجاش، الذي وظّفته المعارضة الكوردية لمد نشاطها في داخل وحدات الجاش الجديد . .  . بل و عمل عدد من الأحزاب على تشجيع ذلك لأنه اخذ يحقق لها بناء منظمات مسلحة، سلاحها و طعامها و مصاريفها على حساب الدولة . .   
2.   بكر تالاني، كوردي القومية ، مناضل فلاحي معروف واحد وجوه الحركة الأنصارية في مناطق كرميان منذ الستينات، استشهد في معركة عنيفة و كان يقود سريته مع قوات الدكتاتورية في قرية بولقاميش عام 1981 ، الامر الذي تسبب بابادة المفرزة المستحكمة بالقرية لاضطرارها بكاملها .
3.   ابو فاروق، عمر علي الشيخ، سياسي كوردي عراقي معروف . . عضو م.س للحزب الشيوعي العراقي مسؤول التنظيم لسنوات طويلة فيه . . و تولى مسؤوليات كبيرة في الظروف الصعبة التي مرّ بها الحزب، المسؤول الحزبي الاقدم في كوردستان آنذاك .
4.   طاهر علي والي، سياسي كوردي معروف و احد الوجوه القيادية لمنظمات البيشمركة في السليمانية، عضو م. س للحزب الإشتراكي الكوردستاني آنذاك . . استشهد في حادث انهيار ثلجي مع علي كلاشنكوف آمر فوج سليمانية للحزب الشيوعي، الشيخ لطيف الحفيد سكرتير التجمع الكوردستاني المستقل .  .  حين تسبب ذلك الانهيار بأبادة مفرزة بكاملها .
5.   حميد، من اهالي السليمانية، احد العناصر الشجاعة التي عملت في حماية القيادة الحزبية لسنوات طويلة، اعتقل عام 1979 و عذب تعذيباً وحشياً و لم يستطيعوا النيل منه، الاّ انه اصيب بلوثة دماغية جعلته يطلق تصريحات بعضها صريحة و تكشف خبرة و معرفة و عديد منها من نسج خيال مصاب . . و قد حمته و احتضنته منظمة الأنصار، وقيل انه استشهد في عمليات الأنفال سيئة الصيت في ارياف السليمانية .
6.   خلفيّات، باللام المضخمة لفظياً .  . نسبة الى مبالغات " خلف بن امين " الذي كان يدّعي القدرة على اجتراح البطولات و الإمكانات و هو لايملك منها شيئاً . .
7.   ام سرباز، كوردية القومية من اهالي دربنديخان، زوجة المناضل الشيوعي القيادي الفقيد ابو سرباز، و هي احدى مناضلات العمل السريّ، و قد استشهد ابنها البكر سرباز في معركة عنيفة مع الجاش و القوات الخاصة . . النصير رائد ، عربي من اهالي كربلاء، طالب شاب، نصير متطوع قطع دراسته و قدم من روسيا الى الأنصار.
8.   مام رسول، خبّاز كوردي القومية من السليمانية، كادر حزبي لسنوات طويلة عضو محلية السليمانية.


29
هناك .  . عند الحدود (13)
   
                                   
د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net

الفصل السابع
و اندلعت الحرب . . 

في مساء يوم خريفي و عند جلوس بيشمركةالإدارة و الطبابة في باحة خيمة ابو جوزيف الذي انتقل الى بادينان آنذاك، و كانوا يتسمعون لنشرة الأخبار العراقية التي كانت تصعّد من هجومها الإعلامي على الحكم الإيراني الجديد بعد تواصل الأخبار عن احداث و عن اشتباكات مسلحة في مناطق متفرقة من الحدود . . 
اعلن العراق رسمياً الحرب على ايران في ايلول 1980 !! و كان ذلك مفاجأة من نوع جديد للجميع . . حيث فرح البعض لأن النظام الدكتاتوري سيسقط بسبب الحرب كما كان يقدّر، و نظر البعض الآخر الى ذلك بريبة و خوف و توقع هجوماً على البيشمركةالأنصار . . لأن ذلك الحدث كان اعلاناً بأشتعال اول حرب دولية تخوضها البلاد منذ اعلان الاستقلال !!
   و فيما ابتدأت قوات الدكتاتورية هجومها على الأراضي الإيرانية، و اخذ راديو بغداد يذيع المارشات العسكرية . . كان البيشمركةالأنصار يشاهدون الطائرات الإيرانية و هي تطير فوق مواقعهم متجهة للقيام باعمال قصفها الجوي و هي تعلن استهدافها مقار الدكتاتورية و منظماتها الأمنية، و كانت تطير بعلو منخفض على طول وديان كوردستان و بين جبالها للوصول الى اهدافها تفادياً لرادارات الدكتاتورية . . في وقت كان من الطبيعي فيه ان يثير تدمير مقار اجهزة قمع الدكتاتورية، الفرح بين البيشمركة، لأنه يقرّب من موعد تحقيق اهدافهم . . 
لقد ادىّ الهجوم الدكتاتوري الغادر و المفاجئ و احتلاله اراضٍ ايرانية، و احتفاظه بها وفق مخططه، الذي احتاج لتحقيق ذلك الى وحدات عسكرية جديدة . . ادىّ الى تخفيف عدد الربايا العسكرية المنتشرة في كوردستان، و وفّر فرصاً افضل للبيشمركةالانصار للحركة و المرور بين الربايا العسكرية الباقية و اجتيازها بأمان و كان عاملاً هاماً لنشاطهم و نزول مفارزهم من الجبال العاصية البعيدة الى السهول و القرى التي في عمق كوردستان، كاسرة بذلك طوق شريط الموت الحدودي المهجّر و المحروق الذي تم اثر اتفاقية الجزائر عام 1975 . 
الأمر الذي بدأ من ناحية أخرى يثمر عن مجئ التحاقات جديدة بسبب تواصل و تزايد القمع و اعلان حالات الطوارئ في المدن بسبب الحرب و سوق الرجال الى جبهاتها بالقوة، و يثمر عن التحاقات رافضي الحرب و الهاربين من السوق اليها . . و ادى الى بداية عودة ابناء  من عوائل عدد من القرى المهجرة الى قراهم التي هدّمت، مشكّلين بذلك بداية اقامة جسور و حلقات ضرورية كانت مفقودة امام حركة مفارز البيشمركةالأنصار قبل ذاك .
   الأمر الذي اطلق العنان للتفاؤل بتحرّك الأوضاع دون التعمق في ماهية مديات الحرب و آفاقها .  . . كانت هناك موجة فرح رغم مجهولية الآفاق، فرح بأن الدكتاتورية تسير في طريق مسدود، و فرح بأمكانية تشكيل و نزول مفارز البيشمركةالانصار الى ارياف كوردستان و مدنها، في وقت اراد فيه الجميع النزول . . حتى ان احد القياديين رأى في حلم مناضلة قديمة حلمت بسقوط الدكتاتورية، دليلاً هاماً على قرب سقوطها " لأن احلامها تحققت دائماً، من خلال تجربتي الطويلة مع ما ترويه من احلامها " كما قال .
كانت هناك حركة لإعادة تنظيم القوى، مع تزايد قدوم الإلتحاقات الجديدة و السلاح من الخارج، وسط حماس شيّعه متحمسون بأن " النظام آيل للسقوط " . .  و بدأ يتشكل مكتب عسكري مركزي يقود عمل الأنصار بعد ان تأمن الإرتباط بين الوحدات الأساسية بتوفر اجهزة الإتصال و تيسرّ الإتصال بها، و اخذ المكتب يتهيأ للأستقرار في منطقة نوزنك ـ نوكان، و ذهب انصار بهدنان الموجودون في توزله الى مواقعهم و قرب مدنهم في بهدنان، و جاء قسم من السليمانية و ذهب آخر من توزله باتجاه معاكس اليها  . . كان هناك تحركاً كبيراً للطبابة، بسبب الحاجة الى وجود طبابات جديدة في العمق، تحتاج الى كادر طبي و الى ادوية كثيرة .
   و اخذت تبرعات الأدوية و المواد و الأدوات الطبية التي كانت تصل من الخارج، من منظمات انسانية، كوردية و عربية و ايرانية و دولية صديقة، تتزايد. و بدأت التنظيمات السرية في المدن و المفارز تعمل حثيثاً على توفير الأدوية . . مثل ما كان يصل من مدينة اربيل باستمرار، وكما جلبت مفرزة بتوين بقيادة علي حاجي تجهيزات مستوصف من منطقة بالكايتي .
   في تلك الأثناء بدأت الطبابة تنتقل الى اطراف قرية زلي، التي تتواجد فيها مقرات سرايا بشدر، بتوين، شوان . . حيث فرغت هناك قاعة من قاعات سرية بتوين، بعد ان نزلت مفرزتان من تلك المقرات الى مناطقها في بتوين و شوان. و كان ذلك الموقع مناسباً لبعده عن مقر المكتب العسكري المركزي، حيث لم يحبَّذ مرور الأهلين قرب موقعه .
   و صار وضعاً جديداً للطبابة لكونها صارت ضمن مقر سريّة و بحمايتها و حراساتها، اضافة لقيام انصار السرية اساساً بتوفير الحطب للتدفئة و اعمال تنظيف الثلج و دكّ السقف، وقيامهم بكل ما من شأنه مساعدتها من مرافقة مرضى و جرحى، الى نقلهم و نقل ماتحتاجه من احمال .
   و لوقوع الموقع قرب طريق القوافل و المفارز، صارت القاعة الثانية التي فرغت اثر نزول مفرزة اخرى الى مناطق كرميان، مكاناً لأقامة البيشمركة الضيوف القادمين الى المكتب العسكري لمهام متنوعة، وسط اجواء من تفاؤل و أمل اشاعتها كل مفرزة جديدة تنزل الى العمق و هي مصممة على تلقين اجهزة الدكتاتورية دروساً لن تنساها . .

كان عدد من الضيوف الذين جاءوا للالتحاق بقوات البيشمركةالانصار، عرباً و كورداً فيليين من مناطق بغداد الشعبية في باب الشيخ و شارع الكفاح (شارع الملك غازي سابقاً) ـ عكد الأكراد، قد التقوا بصدفة جميلة هناك فتآلفوا بسرعة مع بعضهم .  .  مثيرين حالة من المرح و الضحك، وهم يتحدثون بالعربية ـ الفيلية الشعبية بينهم، التي كانوا يلتذّون بالحديث و التمنطق و السخرية بها، و بصوت عالٍ كما كان يجري في مناطقهم تلك.
   و كأي ابناء قومية او قوميات ما، في محيط جديد يتحدث الكوردية السورانية فقط، كانوا يجدون الفرح و السرور بالحديث بلغتهم الأم و بلهجات مناطقهم الشعبية، التي احتوت اضافة الى الكلمات العربية،كلمات تركية و كوردية و فارسية . . الأمر الذي كان يثير الحماس بينهم، و يبعث فيهم النشاط، لأداء كل المهام المطلوبة و بفرح، الى جانب دأبهم على تعلّم اللغة الكوردية السورانية، التي كان يدرّسهم ايّاها شيخ صالح، المسؤول السياسي لفصيل الضيوف .     
   و كانوا يساعدون بعضهم بعضاً في اعمال الخفارات اليومية، من اعداد الشاي و الفطور و حتى اعداد وجبات الطعام محيين احدهم الآخر بتحيات محلاتهم الشعبية و بالطبقة الصوتية المرتفعة هناك في مخاطبات يومية تتكرر :
ـ صباح الخير مولانا !!
ـ اهلاً بتاج الراس !!    
ـ عزيزي، صبّ لعمّك شاي، من راس القوري !!
ـ عزيزي فدوه الك راس القوري، اتفضّل !!
فيصبّ له الشاي و هم يتضاحكون .
   كان شيخ صالح يتسمّع لتلك المحادثة التي تتكرر بشكل يومي . . و هو يصفرّ و يحمرّ و يكاد يغلي من الغضب، الى ان قام بدعوة البيشمركةالأنصار الضيوف الى اجتماع عاجل في امسية احد الأيام و ذهب لدعوة د. صاحب يرجوه الحضور و المساعدة في حل مشكلة، لن يسمح لها ان تتفاقم لأنها "تهدد الأخوّة العربية الكوردية في الفصيل ؟! " ، كما قال . 
   وذهب صاحب الى قاعة الإجتماع ليرى عن اية مشكلة سيتحدث الشيخ صالح، و هو يعيش ضمن نفس الأبنية و يأكل مع الجميع و لايلمس الاّ روحاً جميلة و تعاون بين الجميع يخدم الجميع ايضاً، و يحقق نتائج طيبة للموقع و للطبابة .
   و بعد مقدمات شيخ صالح عن اهمية التضامن الأممي، و كونه الأداة الرئيسية لصمود و فعالية وحداتنا و كفاحها ضد الدكتاتورية، قال :
ـ الاّ انه من المؤسف ان بعض الأنصار العرب خاصة و آخرون، يمارسون ممارسات انانية، لايمكن لنا ان ندعها تمر بسلام .
و بينما نظر الحضور اليه باهتمام و هو يحمرّ من الإنفعال، قال :
ـ لا اعرف لماذا يصرّ عدد من البيشمركةالأنصار العرب على ان يأخذوا " راس القوري " و لايقدّموه الى رفاقهم البيشمركة الكورد ؟؟
فسرت همهمات و شئ من الضحك الخافت من جميع البيشمركة الحاضرين عربا و كوردا و كورداً فيليين و كلدانيين، الى ان قال :
ـ اننا حزب ثوري و لا نسمح بالعبودية. و اضاف بتهكم: هذا يقول " يامولانا " و الآخر يقول " تاج راسي " . . نحن كلّنا "مولانا" و كلنا " تاج راسي " . . و لافرق بيننا ولايوجد اسياد و عبيد، كلنا ثوريون مناضلون من اجل الحرية و الديمقراطية . . !!
و لما يأس الحاضرون من كبت انفسهم، انفجر الجميع بضحك مدويّ . . بينما بقي شيخ صالح ساكتاً و هو ينظر بعينين جاحظتين، الى ان سأل صاحب الجالس قربه و الذي نظر اليه نظرة عتاب :
ـ ياعزيزي الدكتور، ماذا يعني "راس القوري" و ماذا يعني " مولانا و تاج راسي " ؟؟ هل اخطأت انا بشئ . . ؟!
   و لمّا اوضح له صاحب ان " راس القوري " لايعني الاّ اول قسم يسكب من قوري الشاي المعد حديثاً، و يقدّم كدلالة على احترام و اعتزاز لا اكثر، و هو تعبير آخر لتقديم الشاي الذي يُقدّم في العادة اولاّ الى الضيف العزيز او اكبر الحاضرين سنّاً. اما مولانا و تاج راسي، فهي ليست الاّ تعبير عن حفاوة و احترام متبادل . .  و لكن لماذا لم تسألني قبل ان تدعو لأجتماع سريع، جعل البيشمركة يعتقدون ان هناك اخباراً هامة او اخبارا عن عمليات جديدة للبيشمركة ؟!
   سكت مام صالح و هو يبتسم و انسحب من القاعة، التي تواصل البيشمركةالأنصار جالسين فيها ينشدون الأناشيد و يستمعون و يطربون للغناء الجميل الذي كان يغنيه البيشمركة كاوه مقلدا اغاني المطرب الكوردي الشهير " مظهر خالقي " الجميلة المؤثرة بموسيقاها الرائعة ، و خاصة اغنية " اكريماوا بو ولاته كه م " (1) . .       
 
و في ليلة مقمرة جاء "سليم سور" (2) صحبة نصيرين الى غرفة الطبابة حيث يقيم صاحب الذي قفز من فراشه و هو يلمح سليم سور عند الباب، لكثرة ماعرف عن جديته في اعماله، و قدّر صاحب انه لابد و ان هناك امر هام بحيث يأتي هو شخصياً في ذلك الليل .
بعد ان سلّم سليم على صاحب، صافحه معانقاً ايّاه و همس في اذنه بأن يأتي معه حالاً مع لوازمه التي سيحملوها عنه، لأمر ضروري في مقر سرية بشدر، الذي لايبعد سوى مئتي متر عن موقع الطبابة. و بدون استفسارات قدّر صاحب جدية الأمر و لبس قمصلته السميكة و شدّ احزمة عتاد كلاشنكوفه و حمله و خرج معه، فيما كان سليم يبدي فرحه لفهم الطبيب الرسالة دون عناء في النقاش و التفكير  . .
و عند وصولهم طرف مقر سرية بشدر، نطق سليم بكلمة السر للحرس الذي حيّاه و مرّا جنبه الى المقر، حيث انتبه صاحب الى وجود حوالي عشرين مسلحاً، كانوا متوزعين على النقاط المظلمة و هم يحملون اسلحتهم الأوتوماتيكية بوضع استعداد لإطلاق النار . .
خرج اليهم المسؤول السياسي للسرية محمود فقي، و الفانوس النفطي بيده ليضئ الطريق للطبيب في ذلك الجانب المظلم من بناء الموقع، و ادخل الطبيب و رسول سور الى غرفة المكتب، وكان هناك رجل ذو طلعة بهية جالساً، و قام من فوره محيياً الطبيب و معتذراً منه عن المجئ و ازعاجه في ذلك الوقت المتأخر، و قال :
ـ انا حسن بيوراني المسؤول عن هذه المناطق لدى الحزب الديمقراطي الكوردستاني حدكا، اقدّم اليكم  آيات الشكر على ما تقدموه من خدمات جليلة لاتنسى لأهالي المنطقة، و كنا قد ارسلنا لكم ادوية كانت مخزونة في قرية احمد بريو قبل اشهر كتعبير صغير على شكرنا و عرفاننا لكم، و سنبقى نمدّكم كلما حصلنا على ادوية جديدة .
   و بعد ان بادله صاحب الكلمات المناسبة، جلس الأربعة ليتداولوا بشأن تلك المشكلة التي تتلخص بالشابة الجميلة "جنار" من قرية بيتوش العليا، التي كانت لجمالها و لطفها قبلة انظار شباب قرى المنطقة الذين طمعوا بالقرب منها زواجاً او اعتداءً، الأمر الذي جعل والدها يبذل جهوداً كبيرة لحمايتها حتى فكّر بارسالها الى طهران لتعيش مع عمّتها المقيمة هناك.
   الاَ ان شيخ عشيرتهم البشدري تعهد بحمايتها، في وقت صار فيه تزاحم شديد لطلب يدها، الاّ انها احبّت ابن عمتها كمال الذي باشر فوراً باختطافها كما تجري العادات عند عشيرتهم (3)، و عند قيامه باختطافها شرعاً ـ شرع المنطقة ـ و هروبه بها . . وقعا في كمين اعدّه لهما ابن عمها الكبير يحيى الذي كان يهيم  بها حد الجنون . .
   و اثر الكمين جرح كمال جرحاً بليغاً و حمله اهل قرية ابن عمه الى رضائية لعلاجه، و جرحت جنار جرحاً خفيفاً و لجأت الى مقر الحزب لحمايتها، حيث حمتها لجنة الحزب للمنطقة بعدد من المسلحين يحرسوها و هي في بيت ابيها.
   و بقي ابن عمها يحيى يلحّ على لجنة الحزب و يوسّط متنفذين كي يسمحوا له بأخذ ابنة عمّه ليتزوجها و لم تستجب له اللجنة، و لمّا رأى ان اللجنة لاتستجيب و لن تستجيب لطلبه الاّ ان وافقت جنار . . صار يهدد و هاجم مقر اللجنة بالسلاح هو وعدد من اعوانه، و رغم انه تمّ صدّه . . الاّ انه لايزال مستمراً على تهديده و يتوقع الجميع انه سيعاود الهجوم مجدداً .
   امّا جنار فزاد المها و وصل حداً انها لم تعد تتقبل الطعام ، و ان اكلت تقيّأت ، حتى صارت تتقيّأ دماً، امّا ابن عمتها كمال فأنه بعد ان تحسنت صحته خرج من المستشفى و عاد الى بيت اهله في مجمع بستستين عند اطراف قلعة دزة، و يدور الحديث عن انه يستعد لأختطافها مجدداً من مقر اللجنة التي قد تعطيه ايّاها ان وافقت جنار على الذهاب معه .
   المشكلة ان ذلك قد يتسبب بصدامات مسلحة بين اطراف نفس العشيرة التي تقف بقوة مع البيشمركة الكورد العراقيين و البيشمركة الكورد الإيرانيين . . الأمر الذي قد يؤدي الى صدامات
تضرّ كل اطراف البيشمركة في المنطقة و على جانبي الحدود . .
   و اكّد حسن بيوراني، ان القضية الأساسية الآن هي ان تتعافى جنار، ثم نعمل على ارسالها سراً الى بستستين بصحبة ابن عمتها كمال، على ان يكون ذلك من مقر سرية بشدر حيث يجلسون، لأنها تقع على الطريق المؤدي الى هناك مباشرة . . و تكون اللجنة في حلٍّ عن الصراع بعد ان اوفت جنار حقها و بموافقة اسطه رسول (4) لأنه احد اعيان عشيرتهم، حيث انه بموافقة خطية منه جلبها من سردشت، و هو الذي ارسله شخصياً الى المناضلين محمود فقي و رسول سور. و المهم الآن هو شفاؤها.
   و بينما كان صاحب يفكّر بأن اسطه رسول يدعم البيشمركة فعلاً و كما وعد . . و ان الحدود فعلاً شئ مصطنع املته ارادات لها مصالحها، و الاّ فكيف ابناء و بنات عمومة، يتزوجون و ينهون و يحللون، يعيشون معاً و ينفصلون و يتحركون عبر الحدود الدولية و كأنها جادات و طرق لمحلة واحدة تسكنها نفس العائلة او العشيرة . . كما هناك بين قلعة دزة و قراها و سردشت و قراها .
   طلب ان يفسحوا له مجالاً لفحصها، فوسّعوا له طريقاً ليذهب صحبة حسن بيوراني الى الغرفة التي خصصت لها، و عندما شاهدها صاحب انعقد لسانه . . كانت جالسة تنتظر الطبيب و تضغط بيديها على معدتها من الألم . .  كانت جميلة بحق . . جميلة كرائعة من روائع عمر الخيام بكل خيالاتها و سحرها و الوانها الحلوة.
شدّ نفسه شدّاً و اتخذ مأخذ الجد تماماً طالباً من حسن بيوراني عدم مغادرة الغرفة، في تطبيق صارم للأصول الطبية عندما يكون الطبيب رجلاً و المريض إمرأة، لايكونان لوحدهما او يتركان الباب مفتوحاً بموافقة المريضة. و بعد فحصه ايّاها و تدقيقه و رؤيته لتقيؤها، توصّل الى ان معاناتها تنحصر في المعدة و ان لديها قرحة نازفة، تتطلب اجراءات الإسعاف، سريعاً .
   علّق لها مغذي بعد ان زرق فيه انواع الأمبولات من ادوية المعدة و المسكنات، الى المهدئات و المقويات لتلك الحالة الخطيرة، و طلب من محمود فقي و سليم سور، اتخاذ اللازم لأنه لابد و ان يبقى كي يعاينها كل نصف ساعة . . الى ان يقرر شيئاً آخر وفق حالتها، كما انها يمكن ان تنام . .       
   و بقي صاحب يمرّضها بوجود الحراسات الى حدود الفجر، حيث تركها و هي تسترجع صحتها و تنام نوماً عميقاً. و بقيت جنار سرّاً في مقر سرية بشدر، برجال حراستها الأشداء و تحسنت صحتها ثم زارها ابن عمتها  .  . 
و عقد ملا قرية اتوا به من قلعة دزة قرانهما في السرية، و غادرا نحو بستستين و اهاليهما، كما غادر  حسن بيوراني الذي اتى ليكون شاهد زواجهما، مقدّما آيات الشكر للطبيب و لسرية بشدر . . وكان ذلك نجاحاً هاماً للسرية في المنطقة .   
.  .  .  .
.  .  .  .
   في مساء ذات يوم كان الثلج يتساقط فيه بغزارة . . وصلت الى المقرات في زلي، مفرزة كبيرة
بصحبتها ثلاثة حيوانات تحمل مرضى كما كان يلوح من الطبابة الواقعة في مكان اكثر ارتفاعاً من بقية المقرات . . و شاهد الأنصار ان المفرزة تتجه الى الطبابة مباشرة، حين وصل منها ثلاثة انصار كانوا يمشون مشياً سريعاً تحت الثلج المتساقط  .  .  الى الطبابة.
   استقبلهم صاحب بحرارة و كان بينهم القائد الأنصاري المعروف ملازم خضر (5) . . الذي بعد العناق الحار طلب الأهتمام الفائق بثلاثة مرضى كانت تسوء حالتهم سريعاً . . ولم يعرف احد منهم السبب و لكنهم يرجّحون ان ذلك حدث بسبب التعرض الشديد للثلج لأن الثلاثة واصلوا السير على الثلج و تحت تساقطه من بهدنان الى كوستا، ثم روستي و الى زلي دون استراحة !! اثناء عملية كبيرة لنقل السلاح و الملتحقين الجدد لقوات البيشمركةالانصار، الذي كان غالبيتهم قادمين من الخارج .  . و قد مرّت تلك المفرزة الكبيرة بين اعداد ليست قليلة من الربايا العسكرية.
   و تبيّن بعد جهود كبيرة بذلت و بعد صرف انواع الادوية الموجودة في الطبابة .  . ثم باجتماع و قرار كل الأطباء الموجودين في المنطقة آنذاك و من كل القوى، و الاستفسار الدقيق من المرافقين و ممن كانوا معهم في العمق .  . ان الانصار المرضى بشدة كانوا متسممين بـ (الثاليوم العراقي) الموضوع في عصير شربوه عند مرورهم بقرية ورتى . . و كانوا : الوجه الأنصاري المعروف خضر حسين، النصير حسين، دكتور نوزاد . . .(6) 
   و أعتُبر ما قام به ملازم خضر ـ ابو عايد ـ انجازاً كبيراً لمنظمة الأنصار آنذاك، لأنه استطاع و لأول مرة ان يشقّ طريقاً يصل منطقة بهدنان بسوران، عبر الأراضي العراقية دون الحاجة للمرور لمسافات طويلة في الأراضي التركية، فصار الملتحقون القادمون من سوريا يمرون عبر بهدنان الى روستي و من هناك الى مناطق و مدن اربيل. حيث صار الطريق اقصر من السابق و اقل خطورة لجلب السلاح لاحقاً ايضاً من بهدنان الى سوران و اربيل .
   و في تلك الفترة تكلّف احد القياديين بتدبير جلب اذاعة الى منظمة الأنصار و كان مسؤولاً عن نقلها سرّاً من الخارج الى كوردستان، و قد وصل في توقيت وصول احمالها (سرّاً) الى نوزنك ـ نوكان، و فيما كان يتحدث في ندوة للكادر عن آخر تطورات العراق و المنطقة، و فتح باب الأسئلة . . سأله احد الأنصار الحاضرين عن مكان و موعد بدء الإذاعة التي جاءت  بالبث ؟!!
فاحمرّ و اشتاط غضباً و هو يجيبه قائلاً :
ـ عن اية اذاعة تتحدث ؟؟ ليس لدينا اذاعة كما تعرفون .
و قال نصير ثاني :
ـ و لكن كل الناس في السوق يسألون عن اذاعتنا التي وصلت منذ ايام . . . مع مفرزة وصلت قبل مفرزتكم  !!
و اجاب :
ـ على حد علمي لاتوجد اذاعة . . و يجب ان تعرفوا ان الحديث في امور كهذه خاضع في العادة الى سريّة مطبقة لخطورة الموضوع . لأنه ليست الدكتاتورية فقط لن تسمح لها بالوجود و البث و انما كل دول المنطقة، الأمر الذي يعرّض مقراتنا كلها لقصف مدمّر متواصل حتى يسكتوها . . فتصوّروا ذلك !!
و بعد انتهاء الندوة خرج البيشمركةالأنصار و هم يهزوّن بأيديهم و رؤوسهم و لا يفهمون لماذا لايتحدث ذلك القيادي عن الإذاعة ، و الناس و المهربون و الكروانجية يتداولون خبر وصولها و يسألون عن مواعيد بثّها بشكل اعتيادي ؟!
   و بعد تحقيق و متابعة حذرة عن كيفية تسرّب تلك الأخبار، و اتهام القيادي لأعضاء المفرزة التي جلبتها، بأنهم هم وراء تسريب تلك الأخبار، كانت النتيجة ان الكروانجية الذين حمّلوا اجزاء الإذاعة التي كانت قديمة و ثقيلة كانوا يوصون احدهم الآخر، بضرورة شدّ الأجزاء بدقة و ثبات "لكونها  اذاعة !! ". . لأن من عادة اي كروانجي ان يعرف ماذا يحمل حيوانه، كي يستطيع اختيار الطريقة الصحيحة لتحميله و تسييسه على طول الطريق . .
   و على ذلك فإن كروانجية مناطق الحدود، هم الذين شخّصوا انها اذاعة لخبرتهم بالحمولات رغم انهم اميّون، و كان مع كل تبديل حيوان بحيوان جديد يخبّر الكروانجي السابق الكروانجي الجديد ، بأنها اذاعة كي يضبط تحميلها مقابل مبلغ مجزي . . و تبيّن ان كل المنطقة كانت تعرف بذلك و البيشمركة الأنصار لوحدهم لايعرفون. الأمر الذي يلقي اضواءً عن طبيعة اهالي مناطق الحدود و خاصة تلك التي يتواجد فيها البيشمركة، و عن مديات معارفهم و ماهية الأسرار التي هي اسرار بنظرهم، و ماذا يعني حفظ الأسرار .
.  .  .  .
.  .  .  .      
   و بينما كان الشتاء في نزيعه الأخير، وصل طبيب الأسنان د. ابو الياس الى الطبابة مع مجموعة قدمت من الخارج ـ من لبنان ـ ، و كان البيشمركةالأنصار بأمس الحاجة اليه.  . كان انساناً طيباً يحب مساعدة الآخرين و بذل كلّ جهوده على اعمال البيشمركةالأنصار اليومية تاركاً طبابة الأسنان . .  ولدى اطلاع صاحب ايّاه على كلاّبات الأسنان و انواع ابر و مواد تخدير الأسنان المتوفرة في الطبابة و لم يجد عنده ردّ فعل ايجابي لممارسة تطبيب الأسنان، سأله لماذا يترك ممارسة مهنته و الجميع بحاجة اليه كطبيب اسنان.
قال، ان ما موجود هو ليس طبابة اسنان لأن الموجود من ادوات، هو فقط لقلع الأسنان اي تحطيمها . . اما طبابة الأسنان التي تعني الحفاظ على الأسنان و تصليحها و انقاذها و حمايتها، فانها تحتاج الى اجهزة و ادوات و مواد كلها غير متوفرة، وقال انه يرى ان توفير ذلك قد يكون مستحيلاً في ظروف البيشمركةالأنصار التي كنا نعيشها، وان انصباب عمله على قلع الأسنان سيحطم حتى معلوماته في طب الأسنان. فطلب منه صاحب ان يدرّبه على قلع الأسنان، فدرّبه فعلاً و منذ ذاك اخذ صاحب يقوم بأمر طبابة الأسنان ايضاً في حدود القلع و تداوي اللثة لا اكثر .
   ابتدأ الربيع و تفجرت عيون ماء متنوعة في منطقة زلي في سفوح مامنده، كانت احداها مقابل باب الطبابة مكونة غديراً جميلاً ، و كانت العيون تنشر اصوات خرير يحوّل سكون الليل المظلم الى ليل ساحر جميل، فيما يعبق الهواء بعطر و شذى الزهور البرية الصغيرة التي تزهر قبل غيرها . . و اخذ البيشمركةالأنصار يتمشون على الممرات و الدروب المحيطة بالموقع في الليالي التي لم تعد حالكة السواد كليالي الشتاء . . و على اصوات اغاني و الحان الربيع التي كانت تبثها عديد من راديوات الترانزستور الصغيرة . .
   و بدا البيشمركةالأنصار اكثر مرحاً و نشاطاً، مبتكرين اساليب جديدة في الحركة و النكات و الغناء و الدبكات التي كانت تتصاعد مع قرب قدوم عيد النوروز، الذي ما ان شارف على البدء حتى ازدادت زيارات العوائل لذويهم البيشمركةالأنصار، رغم مخاطر الطرق و مخاطر الإبادة بالمروحيات . . و ازدادت حركة قوافل الكروانجية و صارت تمرّ ليلاً و نهاراً . .
في وقت ادى اشتعال الحرب العراقية ـ الأيرانية فيه، الى زيادة حركة التهريب بين البلدين و اخذ يشمل مواضيعاً جديدة ومتوسّعة بأستمرار، و بدأ يحقق ارباحاً متواصلة صارت تتضاعف بشكل هائل ، حين شكّلت خطوط المواجهة في جبهات الحرب بين الجيشين اهم مصادر مواد التهريب العسكرية من اسلحة و عتاد و تجهيزات، سواءً التي جمعوها من ساحات المعارك بعد انتهائها، او من مؤخرات ساحات المعارك وقت اشتعالها . . و حسب المناطق . .
فحول مسرح كلّ معركة كان يتجمّع المئات مع حيواناتهم منتظرين، كي يعملوا على تجميع الأسلحة و المعدات العسكرية التي تخلّفها الوحدات المتحاربة، لتنقلها بالسرعة الممكنة على حيواناتها . . حتى صارت الحيوانات و خاصة البغال عملة صعبة الوجود للطلب الكبير الماس عليها في المناطق المحيطة بساحات المعارك المشتعلة، لأهميتها في نقل ما يتم الحصول عليه من تلك الساحات، و لقدرتها على النقل عبر الطرق غير المعبّدة و الشاقة . . 
من ناحية اخرى، بدأت طغم متنوعة في الطرفين المتحاربين تتشكّل لتحقيق اعلى الأرباح و قد ضمّت : ضباطاً، رؤوساء جحوش، شبكات لمهربين عاديين، يبيعون لمن يدفع اكثر و مهما كان . . و تطوّر الفساد الى ان وصل الى جعل قسم من العمليات العسكرية ضد البيشمركة، مقاولات تدفع اثمانها، مقابل نتائج يراد لها ان تتحقق كتحقيق تقدّم و سيطرة على موقع او منطقة، او تحقيق ذلك كعرض يجري الإنسحاب منه بعدئذ وفق اتفاقات مدفوعة الثمن . . و غيرها من اساليب و وسائل تجارة الحروب السيئة الصيت . كما و وصلت تلك الطغم المتشابكة الى انشاء دور و مصالح ترفيه و شبكات دعارة في المدن و صلت حتى الحدود، ضمن اطار فساد عام يدعو لأمكانية بيع و شراء كلّ شئ . . مادامه يحقق ارباحاً .
و اخذ التهريب يشمل، تهريب الجواسيس وبناء شبكات المخابرات واعمال التخريب على اراضي الطرف المقابل، اضافة الى زرعها في مناطق الحدود، وخاصة من الجانب العراقي الذي كان ملاذ جنرالات الشاه المهزوم وكبار اخصائييهم المشهورين في اعمال المخابرات والتخريب .
ومن جهة أخرى ازدادت عمليات تهريب البشر المصممين على الهجرة من العراق بسبب الخوف من التدمير و الموت و هروباً من السوق الى الحرب التي اشعلتها الدكتاتورية و بسبب اعمال القمع المنقطعة النظير، اضافة الى تهريب مليونيرية بأموالهم مقابل عمولات مغرية، و تشكّلت لذلك ماسميّ بالمفارز الأهلية او مفارز القطاع الخاص المكونة من مسلحين لتأمين تهريب الأغنياء مع اموالهم المهرّبة، فيما ازدادت الهجرة بالأتجاه المعاكس ايضاً في مناطق اخرى .
لكل تلك الأسباب كانت الطائرات الحربية تغير بين فترة واخرى قاصفة  "نوزنك" و مخلّفة اعداداً كبيرة من القتلى و الجرحى، اضافة الى الحرائق التي كانت تستمرّ ايّاماً في كلّ مرة. اثر ذلك كوّن رجال السوق موقعاً صيفياً مجاوراً لقرية " نوكان" الحصينة الواقعة في الجانب الأيراني والتي تبعد مسيرة نصف ساعة من " نوزنك"، اضافة الى موقع شتوي كان يُبنى على مهل في وادي ضيّق في الجانب الأيراني يُدعى "قاسم ره ش" كما مرّ، و الذي يبعد مسيرة أكثر من ساعة من "نوزنك"و تحوّل اليه السوق بغالبيته فيما بعد، جرّاء استمرار القصف وسقوط العديد من القتلى والجرحى من رجال السوق . عدا "أحمد صاروخ" الذي بقي في مكانه، بعد ان قوىّ تحصينه السابق لمحله هناك بمغارات حفرها في الصخر.
   و كان يلاحظ تطور نوعية المهربين، و ظهور افراد يعرفون مصطلحات للغات عالمية، كانت ضرورية لإعانتهم على تمييز و نقل و ترويج و بيع بضائعهم الألكترونية الجديدة من ساعات و اجهزة تصوير و معدات عسكرية صغيرة لم يعرف في الغالب منشئُها كانواع من اجهزة الإتصال و الإستقبال و البث، اضافة الى تزايد حركة البضائع بشكل هائل عبر نوزنك، التي صارت في الليل ايضاً، حين كان يتم نقل مشروبات كحولية متنوعة الى ايران مثلاً، او نقل اسلحة صغيرة كالمسدسات، كما حصل عند الشك باحدى القوافل التي لم تتوقف عند نقطة الكمرك، و جرى ايقافها بعد تطويقها و اجبارها على فتح صناديق نقل بضائعها.   
و لوحظ بعد ملاحقة قضية هروب فريدون آنفة الذكر الذي هرب الى الحدود التركية، و كيفية محاولة هروب ابونادية . . ان هناك اكثر من شبكة لمخابرات الدكتاتورية في نوزنك حيث مقرات عدد كبير من قوى المعارضة المسلحة ضدها، وهي في تطور من حيث العدد و الأساليب و اجهزة الإتصال الخفيفة المتطورة في محاولة التأكيد مجدداً على ان مخابرات الدكتاتورية قادرة على الوصول لأي مكان و لأي كان . .
   من ناحية ثانية، بدأت الحرب تغيّر خرائط الحدود و مواقع و اسماء القرى، و ماهية ناسها تبعاً للتهجير و التدمير، و تبعاً لتغيّر خط جبهة الحروب . . حتى صار من السهولة ان تعمّر منطقة او تهجّر و تُدمّر، ليعاد بنائها . . كما تغيّرت الناس في مناطق الحدود و صارت كلها مسلحة لأسباب كثيرة التنوع و في مقدمتها الدفاع عن نفسها و عن حياتها، بعد ان امتلأ البلد بالأسلحة . .
و بدأت تزداد في مناطق الحدود، مساحات قاحلة خالية من القرى و البشربعد ان هجّرت و احرقت، اضافة الى غلق عيون المياه بتفجيرها . . لأسباب امنية و عسكرية مباشرة، او لتكوين محطات بشرية و الكترونية دفاعية واقية، لضمان سلامة المواقع الأكثر حساسية لها.
في وقت صارت فيه الحدود شبه مفتوحة في اماكن جبهات القتال، بعد نهاية المعارك الطاحنة فيها لفترة ما، حيث تصبح في عداد الجبهات الباردة . . تنشط عبرها و خلالها انواع المصالح و البيوتات التجارية الناشطة، اعتماداً على مواقع متفق عليها لتدبير اعمال و مقاولات حربية . . بعد ان اخذت الحرب تعمّق و تطوّر الفساد و آلياته بشكل شنيع في عموم البلدين. (7)

و فيما خططت الدكتاتورية لحرب خاطفة تستولي فيها على حقول النفط في محافظة الأهواز الإيرانية، في عبادان و المحمرة لتفرض شروطها على الحكم الإيراني الثوري الجديد، و فشلت خطتها تلك و استمرت الحرب بوتائر سريعة ازدادت فيها عنفاً و توالت خسائر الطرفين الهائلة بالأرواح و المعدات  .  .  توسع نطاق الحرب حتى اشتعلت كل الحدود الطويلة بآلاف الكيلومترات، بين البلدين بنيرانها المدمّرة .
و لم تدخل مناطق كوردستان العراق و كوردستان ايران جبهات الحرب في البداية، لأن تركيز الدكتاتورية كان على احتلال مناطق النفط في ايران و لأهدافها الستراتيجية في الخليج، و يري خبراء ان ذلك لم يكن بمعزل عن محاولة الطرفين تفادي جرّ كوردستان للحرب الجبهوية و اشعالها بما لاتحمد عقباه لهما . . فالدكتاتورية و من خبرتها الطويلة مع الحركة القومية التحررية الكوردية، كانت تتجنب القيام بضغوط لامحدودة على كوردستان العراق، لأنها كانت تخشى من ان ان يؤدي ذلك الى تزايد التحاق الشباب الكورد، بالثورة الكوردية و منظمات البيشمركة، و كذلك الحال في ايران. 
الاّ ان استمرار الحرب و اصرار الطرفين على مواصلة القتال، جعلهما يوسعان نطاقها ليشمل محاولة الطرفين توظيف معارضة الطرف المقابل لصالحه، كي يتمكن من ممارسة ضغط اكبر يساعد على حسم الحرب لصالحه، و شمل ذلك محاولة كل من الطرفين استخدام الورقة الكوردية لصالحه و هما يدركان تشابك القضية الكوردية في البلدين، و ان اي انتصار لأحداهما هو انتصار و دعم للأخرى، لأنهما تشكلان قضية واحدة . . 
فعملت الدكتاتورية و في اوقات مبكرة كما مرّ، على تنشيط قنوات اتصالها مع الأحزاب و القوى الكوردية و منظمات البيشمركة العراقية المتنوعة بهدف ضمها الى جبهتها او بهدف ابقائها في دائرة و حدود افلاكها او حتى تحييدها على الأقل، نجحت مع قسم و فشلت مع قسم آخر و حسب الفترة الزمنية و الظروف المتغيّرة . . 
و بذلك احدثت الحرب اصطفافاً جديداً في مواقع و مكونات الحركة التحررية الكوردية من جهة و في مواقع و سياسات و اساليب الحكومتين و حكومات دول المنطقة تجاهها من جهة اخرى. فبدأ كل من الطرفين بممارسة الضغط على الحركات التحررية الكوردية القائمة بوجه كلٍ في دولته، سواءً بالإغراءات او بالتهديدات، خاصة و ان لكل من الحركتين القوميتين الاف العوائل الكوردية الهاربة بسبب القمع الموجه على قسم الشعب الكوردي الموجود في بلاده، و اضطراره الى الهجرة الى الطرف المقابل، و تداخلت المصائر  . .   

(يتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   و تعني " انا عائد الى موطني كوردستان " . . كوردستان .
2.   سليم سور . . سليم الأحمر لأنه احمر الوجه، آمر سرية بشدر الوسيم الذي اشتهر بشجاعته في المعارك، و هو احد وجوه البيشمركةالأنصار المعروفين في بشدر.
3.   يجري الزواج بالإختطاف لدى عدد من عشائر تلك المنطقة، و يتم عادة باتفاق غير معلن بين المتقدم للزواج و بين عروس المستقبل، فيأتي الشاب الى بيت الشابة المقصودة في العادة ليلاً، ليهربا معاً الى مكان غير معروف ليتزوجا بعيداً عن اهل الطرفين، ثم يرسل الزوج والدته و والده او اخاه، لأخبار عائلة الشابة بما حصل على سنّة الله، و يجري التراضي بينهما لمباركة ذلك الزواج . . و بعد اتمام المباركة التي قد تواجهها صعوبات تتطلب وقتاً للحل، يتم الإعلان عن مكان الزوجين . .
4.   اسطه رسول،  احد وجوه بيشمركة بشدر المعروفين، كان آمر فصيل بشدر في بداية نشوء المنظمة و صارت له مشكلة مع مام هندرين، حول موضوع زواج كما مرّ .  . و الذي ترك منظمة الأنصار في توزلة بسبب تلك المشكلة، و استقر في سردشت. 
5.   و هو الفريق المتقاعد " نعمان علوان سهيل التميمي " ، الضابط و الشخصية الشيوعية المعروفة بنضالها الانصاري الطويل و مواقفها الجريئة التي كان منها دوره البارز في معركة هندرين الشهيرة عام 1966 . . رئيس رابطة الانصار الشيوعيين في اربيل. 
6.   فيما نجا دكتور نوزاد من اهالي هرموطه ـ كويسنجاق مستشار سياسي سرية شوان، حيث كانت نجاته  من الموت لشربه كمية قليلة من ذلك العصير، استشهد الوجه الأنصاري البارز خضر حسين الرواندوزي آمر قوة رواندوز، لشربه كمية اكثر، رغم انواع العلاجات و المحاولات لمعالجته و باجماع اطباء كل قوى المنطقة و بالاخير قيام الجميع بمساعدته على الوصول الى المدينة لينقل بالكوبتر الاسعاف الى طهران التي لم تنفع .  . و استشهد النصير حسين بشكل سريع لشربه كمية كبيرة من العصير .
7.   و كان القادمون من ايران يعكسون تطورات مشابهة في المجتمع الإيراني و ان بتسميات و عناوين اخرى تناسبت مع المد الثوري و التغييرات التي احدثها انتصار الثورة الإيرانية، اضافة الى ما عكسه الملتحقون الجدد القادمون من ايران و هم من ابناء عوائل عراقية هجّرتها الدكتاتورية ظلماً . .
بعد ان اقام عدد كبير منهم حينها في محلة " كوجه مروي " (كوجه عرب) الشعبية ، الواقعة في قلب العاصمة حيث الأحياء القديمة و آلاف المشاغل الحرفية و ما لاعد له من مصالح البيع و الشراء القائمة منذ القدم في مناطق " امير كبير" و " التوبخونة "، اضافة الى اقامتهم في عشرات الأحياء الشعبية القديمة المحيطة بـ " بازار طهران الكبير " عصب التجارة و المال في البلاد، التي حالها كحال المحلات القديمة و محلات المزارات الدينية في المدن القديمة في المعمورة . . حيث يتواجد الوف الزوار المقيمين و مئات الألوف من الفقراء و المعدمين، من مختلف بقاع الأرض تيمنناً و طلباً للرحمة و المغفرة . . و حيث يسمع المار من هناك انواع اللغات و التعاويذ و القرّاء، اضافة الى المدارس الدينية المتنوعة المستويات . 
فقد عاش العراقيون المهجرون في كوجه مروي بلا اوراق ثبوتية تثبت جنسيتهم و عائديتهم و مهنهم، لأنها سُرقت او أُحرقت على يد منتسبي اجهزة الدكتاتورية العراقية، و الأصعب من ذلك ايضاً انهم لايملكون تأشيرات او وثائق اقامة رسمية عدا تصاريح اذن بدخول البلاد، و صار كثير منهم باعة و تجار مفرد و مستخدمين لناشطي اعمال و مصالح غير مسجلة و غير قانونية، ممن يجري استغلالهم ابشع استغلال مقابل تأمين لقمة العيش .   
و كما في كل المدن و ألأحياء التجارية و الحرفية التي يستقر فيها الغرباء، لرخص الإقامة فيها و رخص اطعمتها و لإمكانية حصولهم على اعمال مهما كانت . . يرى المرء و يسمع بأمور قد لاتصدّق و لكنها كانت تجري لوجود من لهم علاقة بتهريب الناس مثلاً، هناك .
فيقول بعضهم، أنهم تعوّدوا على مشاهدة قادمين من العراق صحبة مهربين الى مقاهي كأنها بانسيونات تستقبل القادمين الجدد من العراق صحبة من جلبوهم، حيث كانوا يتحدثون بالعربية بمختلف اللهجات العراقية. اضافة الى حديثهم عن جماعات هاجرت من كوجه مروي الى باب خيبر و الى الصين . .
و كان من المعروف أن هناك خطوط اتصالات شبة ثابتة تأريخياً، بين تجار و اصحاب مصالح متنوعة في اسواق الشورجة في بغداد، مع مماثلين لهم في " بازار طهران"، و بالعكس . . و يقوم بها و عليها ابناء عوائل توارثوها اباً عن جد . الامر الذي لم يكن بمعزل عن مراقبة أجهزة مختصة ايرانية او عراقية . . كان يمكنهم التعامل معها دوماً .       



مواضيع سابقة

هناك .  . عند الحدود (11) (12)
www.ankawa.com/forum/index.php/topic,740493.0.html


هناك .  . عند الحدود (10)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,739826.0.html


هناك .  . عند الحدود (9)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,739426.0.html


هناك . . عند الحدود (8)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738795.0.html


هناك . . عند الحدود (7) الفصل الرابع نوزنك . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738574.0.html


هناك . . عند الحدود (6) الفصل الثالث الى مهاباد . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738147.0.html


هناك . . عند الحدود 4 ـ 5
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737948.0


هناك . . عند الحدود (2 - 3)
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737703.0


هناك . . عند الحدود 1
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737628.0

30
هناك .  . عند الحدود (11)
   
                               
د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net

الفصل السادس

سردشت *

   استقلّوا باصاً خشبياً صغيراً كان يقف امام مقر البيشمركة في بيوران . . وبعد انتظار قصير ليمتلئ بالمسافرين، سار الباص على الطريق المعبّد الصاعد نحو جبال سردشت الشاهقة، و قد كان ذلك الطريق كثير الألتواءات ، و قد اشرف في سيره على مجاميع من بيوت صغيرة بيضاء اللون، ظهرت بمظهر انيق و هي بين انواع من الورود الملونة الكبيرة رغم ان الفصل كان بداية شتاء . قال مام توفيق عنها، انها محطة استراحة كانت عائدة للشاه قبل سقوط حكمه، و يسكنها الآن فلاحوها و حرّاسها من ريفيي المنطقة . .
   و في تلك المناطق العالية ظهرت للعيان بناية سوداء على قمة تلة اكثر علواً بشكل حاد، كانت تنبعث منها اضواء تضئ من ابراج مثبّت عليها اضوية حمراء تحيط بما يشبه الرادار . . هي محطة اذاعة و تلفزيون سردشت التي تبث بالفارسي و بالكوردي، و في خضم شروحات مام توفيق لصاحب عمّا موجود، اضاف ان في سردشت فروع لمصارف دولية هامة، ثم قال بصوت خفيض، بأن سردشت تقع على طريق دولي نافذ للسوق السوداء .
   وفكّر صاحب في سرّه، كيف ان العراق الشهير بنفطه و ثرواته، يمتلك اذاعة واحدة، هي اذاعة بغداد فقط، اضافة الى اذاعة تجريبية لا اكثر في مدينة كركوك مدينة النفط العالمية، التي تبث اضافة الى البرامج العربية، اغاني بالكوردية و السريانية. و يوجد في اذاعة بغداد برنامج محدد الزمن يذيع بالكوردية .. ؟؟؟
   وصل الباص الى رأس جسر، بدا و كأنه جسر عسكري في منطقة شاهقة، كان مقاماً على نهر يسيل عميقاً و سريع الجريان كما بدا من صوت هدير مياهه الصاخب، حيث توقف الباص الخشبي عند نقطة سيطرة للجيش عند مدخل الجسر. اشار حراّس النقطة الى وجود قتال دموي بين اطراف البيشمركة، و انهم يستخدمون فيه كل الأسلحة بما فيها المدفعية !! و قالوا " تذهبون على مسؤوليتكم، لا احد يستطيع ضمان حياتكم ".
   نزل من الباص اثناء توقّفه اكثر من نصف ركابه و كانوا من قرويي تلك المناطق كما بدى عليهم، و بقى فيه د. صاحب و مرافقوه و شيخ كبير السن و أمرأة شابة و طفلها الرضيع ، اضافة الى السائق و مساعده الشاب . . و كانوا ممن يريدون المواصلة و كلّ يبغي هدفاً لابد ان يصله باسرع وقت وفق اعتبارات كل منهم  . .
   قرر الأربعة المواصلة رغم عدم حملهم اي سلاح ـ تقيّداً بما نصّ عليه عدم التعرض الذي يحملوه ـ، قرروا المواصلة لأن لامكان لديهم يمكن ان يلجأوا اليه ابداً . فان نزلوا من الباص، الى اين سيذهبون ؟ . . لذلك قرروا مواصلة الذهاب و ليكن ما يكون !! اما بقية الركاب فقد استمروا بجلوسهم بهدوء و كأن الحياة هناك تسير على تلك الصورة . و فيما واصل الباص سيره، كان الراكبون و السائق يرددون :
ـ الحمد لله . . الحمد لله . . لك الشكر و الحمد !!     
و بعد حوالي ربع ساعة من سير الباص، و بينما وصل الى مدخل المدينة الإداري الخارجي . .  سقطت امامه قذيفة مدفع !! فتوقّف و نزل منه الركاب مسرعين، فيما خرج من الأحراش المحيطة في الوقت نفسه مسلحون مدنيون، كان احدهم يحمل مسدساً، و حمل آخرون اسلحة متنوعة ؛ رمانة يدوية ، قذيفة ار بي جي ، بندقية صيد ، قامة (..) ، خنجر ...
قال احدهم و كان شاباً متين الجسم ذا شاربين كثيّن :
ـ اخواني . . اعزائي . الحالة خطيرة في المدينة ، ولاضمان لحياتكم !!
و تفاجأ صاحب بأن ذلك الشاب اقترب منه، و صافحه و عانقه بحرارة !! ، ثم انتبه انه ناصر، الذي التقى به مؤخرا في الطبابة في توزله و تحادثا بالأنكليزية، و هو ابن عائلة كوردية من مهاباد  عانت الكثير من هجمات و ملاحقات الأجهزة الأمنية الشاهنشاهية ، و اضطرت الى التنقل بسبب مواقفها السياسية بين مهاباد و طهران و بغداد . . فتحادثا بالأنكليزية و كان الآخرون يسمعون و يتابعون بانتباه . . وقال ناصر :
ـ الحالة فعلاً خطيرة و الرأي رأيكم ان تذهبون الى سردشت ام لا . .
و بينما انشغل الجميع بالحديث مع ناصر . . انتبهوا الى هوشنك الذي كان يعانق عناقا حارا احدى الشابات ممن كنّ مع المجموعة، و كانا يتحدثان بالفارسية مع بعض بحرارة قل نظيرها .  . و تبيّن ان هوشنك قد التقى بشقيقته " تارا "، و لكون عائلتهما من اهالي منطقة هورمان الكوردية التي يجيد كثير من اهاليها اللغة الفارسية، تحدثا مع بعض بالفارسية.
و بحكم الكثير من علاقات القربى و الصلات العشائرية، التجارية و الثقافية، مع اقاربهم الساكنين في اطراف هورمان الأخرى الواقعة في ايران، اضافة الى ان قسماً منهم يحملون بطاقات شخصية عراقية او ايرانية او كلتاهما، صار قسم من اهلها يتعاملون بالفارسية بشكل افضل.
   كانت شقيقته تارا التي التقاها تدرس في جامعة طهران و تعيش في بيت خالتها الساكنة في العاصمة الإيرانية، و عندما علم هوشنك بوجودها في مهاباد، قدّم اجازة للذهاب الى مهاباد ليلتقيها .  .  و هاهو يلتقيها في طريق سردشت و هي ساعية للبحث عنه في تلك الأوضاع العجيبة المتداخلة الكثيرة التعقيد . . كان فيها كل شئ ممكناً .

   بعد انتظار بحدود نصف ساعة، كان كل شئ هادئ، صاح سائق الباص بأنه سيواصل السفر الى كراج سردشت . . تفاهم هوشنك مع دكتور فارس على انه سيبقى مع شقيقته و اتفقا على كيفية لقائهما بعدئذ، و اتفق الثلاثة على مواصلة السفر الى المدينة " والاّ لا ادوية و لا هم يحزنون " كما عبّر صاحب . فصعدوا اليه ثانية و كان النقاش في الباص يدور حامياً، حيث كان يدور حول هل ان القذيفة كانت تستهدف الباص فعلاً ام انها سقطت امامه بالصدفة ؟؟ . . و سار الباص و توقّف عند بداية اول زقاق في المدينة، فيما كانت لعلعة الرصاص مستمرة وفي اتجاهات لايمكن تحديدها سواء كانت مصادر نيران ام اهداف لها .
   نزل الثلاثة من الباص الذي توقف و اغلق سائقه بابيه و قفلهما و اختفى في الطرقات الضيّقة المحيطة . . و ساروا واحدا خلف الآخر جنب الحائط الذي يحد الشارع . . شاهد صاحب فجأة " دبابة " في باحة امامية لمنزل !! كانت ملامحها واضحه للرائي من خلال سياج الباحة المشبّك ، و شاهد رجلين احدهما بملابس مدنية و الثاني بملابس النوم ، كانا يعملان على تفكيك شئ ما منها، وسط لعلعة الرصاص المستمرة  . .   
  قال مام توفيق :
ـ هذه هي غنيمتهم من الثورة !! حيث سيستفيدون من صامولاتها و براغيها و يبيعوها من خلال انواع الجماعات التي تعمل على التهريب و هي كثيرة في المنطقة و هذه فرصها كما يرى كثيرون ، ليعيشوا بمردودها لأكثر من عام . .. .
و فيما كانوا يتناقشون . . صادفوا اطفالاً ينادون لبيع بضائعهم الصغيرة التي يحملوها بأيديهم : " تشترون قنابل يدوية ؟؟ " ، و كان صبيان آخرون ينادون و يسألون عمّن يريد شراء مدافع او هاونات ليتبعهم . . و بقي صاحب ذاهلاً مما كان يجري، و هم بدون سلاح و هو لايحمل سوى عشرة دنانير، كانت مخصصاته لذلك الشهر . .
دخلوا المقهى الوحيد الذي كان مفتوحاً، وكان المكان عابقاً برائحة الشاي و الورد . . الاّ انهم لم يجدوا احداً فيه . كانت اقداح الشاي التي احتوت بقايا شاي او كانت فارغة . . موضوعة بشكل مهمل على الموائد، واخرى قد تساقطت على الأرض. و شاهدوا عددا من البيض المسلوق المقشّر و المقطّع مخلوطاً مع دهن جامد، متروكاً  . . لا احد هناك و لا حتى صاحب المقهى الذي يبدو انه قد ترك المكان اثر غارة من الغارات  . .
جاءت زخة رصاص صوبهم و هم في المقهى، و اجبرتهم على الإنبطاح ارضاً ، ولما لم تتكرر فسروها بانها كانت ضمن الرمي العشوائي الذي طال كل مكان و كان يستهدف كلّ زاوية من المدينة، متسبباً بخسائر بالأرواح و المعدات لايمكن حصرها . .
و فجأة ارتفع صوت من اكثر من مكبّر للصوت صائحاً :
ـ سلام . . هدنة !!  هدنة !! 
و اخذت اصوات الرصاص بالتناقص تدريجياً حتى بدا و كأنها انتهت . . فيما تحركت سيارات تجوب الطرقات و هي تحمل مسلحين بوجوه شرسة متحفزة و كأن اصابعهم كانت على زناد اسلحتهم و هم يصيحون باصوات جافة :
ـ هدنة !! هدنة !!
   استعدل الثلاثة بجلوسهم في المقهى، الذي تبيّن انه كان مدخل و باحة لأوتيل ، وظهر عديدون من الداخل لايعرف من اين هم بالضبط و من اين جاءوا ، بعضهم ريفيون مسلحون، آخرون بان عليهم انهم من المدينة و كان آخرون ببدلات انيقة، بدا على قسم منهم الخوف و الرعب و بعضهم كان يحمل صرراً معقودة باحكام . و انتبه صاحب الى ان عدداً منهم كان يتحدث بالأنكليزية و التركية و العربية، بأصوات خافتة، و انصت جيداً لهم و تبيّن له انهم يتحدثون عن شراء او بيع اسلحة و لوازم و معدات عسكرية . . و ما اثار عجبه فعلاً، هو منظر رجال انيقين بانت عليهم الثقافة و المدنية في انتظارهم لفلاحين قذري الملابس كانوا سيحملوا اليهم شيئاً بعد ان اتفقوا على السعر كما بدا . .
   طلب صاحب من رفيقيه ضرورة البحث عن صيدلية لشراء عدد من الأدوية الضرورية التي يحتاجها في طبابة البيشمركةالأنصار لعدد من الانصار المرضى و خاصة الذين كان قد وعدهم بها، و بعد سؤال و جواب ، قال دكتور فارس " ان هناك صيدلية كبيرة تعود الى " ماموستا ميرزا "، و هو (طبيب جراح و صيدلي) و سيّد من سلالة آل البيت ؟؟! كان رئيس المجلس البلدي لمدينة سردشت قبل سقوط الشاه " على حد وصف و تعبير دكتور فارس، الذي اكّد على ضرورة ذهابه هو مع د. صاحب الى الصيدلية لمساعدته باللغة و للترجمة له، و لعدم معرفة صاحب بالمدينة و مكامنها الخطرة في تلك الظروف، لأنه يأتي للمرة الاولى اليها . ثم سأل صاحب :
ـ دكتور، كم معك من النقود ؟؟
ـ عشرة دنانير !
تفاجأ مام توفيق بحكم خبرته الإدارية بالمشتريات و قال :
ـ هل تعتقد يعني انها ستكفي ؟ الأدوية غالية جداً هنا ، وهي بقيمة الذهب في المنطقة، و خاصة في هذه الظروف بالذات !!
ـ سأذهب الى الصيدلي و اشرح له الحالة، وانا على ثقة انه سيساعدني لكوني طبيب، وهذا العرف موجود في كل العالم، ولمسته هنا بوضوح منذ مجيئي للمنطقة .
ذهب صاحب مع دكتور فارس الى الصيدلية، فيما ذهب مام توفيق الى جهة اخرى لأنجاز مهمة ما، و اكد على انه سينتظرهما في نفس مكان افتراقهم ذلك، كما اكّد عدة مرات على ضرورة عدم التأخير و الاّ سيفقدون اثر بعضهم البعض !!
   في طريقهما الى الصيدلية، لاحظ صاحب ان الناس يلبسون ازياء متنوعة، من الملابس الكوردية الفولكلورية الزاهية كما في العراق و لكن بجمداني من اقمشة غالية الثمن زاهية الألوان، آخرون يلبسون البدلة الكوردية و لكن بدون جمداني و بشعر مسرّح، فيما لبس قسم آخر بدلات رجالية سموكن عادية . . وكان يرى النساء كعادة النساء الكورديات في العراق، نشيطات الحركة اضافة الى ان ملابسهن كانت اكثر اناقة و اكثر الواناً . .
   كانت حيطان البيوت المطلة على الشارع ملطّش عليها كثير من الألوان بسبب الشعارات التي كتبت عليها و مسحت بتلطيش الصبغ عليها باصباغ من الوان اخرى، سواء تلطيش كل منها او اجزاء منها . .  فكان يرى نجمة حمراء خماسية الرؤوس ، مطرقة و منجل و بينهما كلاشنكوف، كلاشنكوف خطّ تحته شعار " تحيا ايران " ـ درودبه ر ئيران ـ . . شعارات : الموت او الحرية ، يسقط الشاه ، درودبه ر خميني ( يعيش الخميني )  . . شعارات : منظمة طوفان ، فدائيي خلق ايران ، مجاهدي خلق ايران، مجاهدي دهقاني . .
   فيما واصلت المحلات عملها و عودتها الى حالتها الطبيعية، وكأن قتال لم يحصل للتو، و ان الأمر كان مجرد امراً عادياً و يومياً . . و كان عدد القتلى من الأطراف المتصارعة يتجاوز العشرين و العشرات من الجرحى كما تداول الماروّن . . فيما كان البقالون ينادون على بضائعهم الطازجة، مخفضين الأسعار لاتمام ما امكن من بيعها . .
   و كان صاحب يتساءل مع نفسه عن ماهية تلك الحياة . . و كيف تعوّد الناس عليها، رصاص و قنابل و انفجارات، لتسكت بعدئذ و كأن شيئاً لم يكن و لتقول الناس : حصل خير . . عدد من القتلى و عدد اكبر من الجرحى ، دفع الله ماكان اعظم . . فيما عادت الأغاني الجميلة لـ محمدي مام لي و محمد عارف جزراوي تصدح في المدينة عبر العشرات من اجهزة التسجيل بمكرفوناتها و الموضوعة على اعلى درجات اصواتها .  . 
   و تردد بين الناس ، ان الهدنة بين المتقاتلين ستستمر ساعتين لاأكثر، وهو زمن كافي تماماً كما يقولون لشراء المؤن و للم الشمل و عودة الضيوف و الأهل الذين انقطعوا عن بعض بفعل الأقتتال، و كافي لتدبير صيانة المساكن من الخراب و الدمار و الشتاء على الأبواب . .
سارا نحو الصيدلية . .  واقترب منهما رجل طويل القامة بلحية صغيرة بيضاء، هادئ الملامح ثابتها ، بدا في اواخر العقد السابع من العمر، و سأل بلهفة و هدوء :
ـ هل انت د. صاحب ؟
ـ نعم !! .  .  اجاب صاحب لا ارادياً .
ـ دكتور !! زوجتي تموت و لايستطيع احد انقاذها . . ستموت !!
وفيما كان الرجل يتكلّم بلغة عربية سليمة و ببطء يزيد من وضوحها، اخذ يبكي بهدوء و كانت دموعه تنهمر بغزارة مؤثرة، و اضاف :
ـ دكتور اتوسّل اليك ، تعال معي الى بيتي !
ـ   .  .  .  .
تردد صاحب في اجابته، لمعرفته بمكر القرويين و اهالي المدن الصغيرة، من خلال احداث متنوعة حصلت و راح ضحيّتها عدد من خيرة الشباب في تلك الظروف الكثيرة الخطورة ، وتذكّر نصائح ابو جوزيف له بضرورة اليقظة و الحذر من الذين يتظاهرون  بحاجتهم الى طبيب، في مدينة اوضاعها غير أمينة.
الاّ انه شاهد ان كل مظهر الرجل يدلّ على ان هناك فاجعة حقيقية يعيشها  . . و لكن . .  كيف عرف اسمه ؟ هل يجوز انه عرف ذلك من القرويين الذين كانوا يجلبون مرضاهم اليه في طبابة نوزنك ـ توزله، من مدينة سردشت ذاتها قاطعين كلّ تلك المسافات، كما قيل حينه ؟ و اخيراً من هو هذا الشخص الذي قطع عليهم طريقهم للذهاب الى شراء الأدوية ؟؟
و كما لو عرف الرجل بما كان يجول في خاطر صاحب، حيث قال بدون مقدمات و بصوت متهدج : 
ـ انا حاج وحيدي . . و معروف في المدينة كلها بأمانتي ! دكتور زوجتي امانة في عنقك !! صدقة لله !
قال دكتور فارس بلهجة قاطعة و هو يجيب صاحب على تردده، بسبب واجبه بشراء الأدوية و موعدهم مع مام توفيق . . حيث اكّد بأن عليهم الذهاب مع الرجل، و اضاف  :
ـ ثق ان كل شئ سيسير بشكل طبيعي . . المهم مساعدة الناس . و من يساعد الناس ، يساعدوه بدورهم . . ثق !!
سار الأثنان مع الحاج وحيدي الذي انشرح غاية الأنشراح، و استمر بتكرار شكره لهما ثم انطلق بالحديث بلغته العربية السليمة، فتحدّث كيف انه كان يعمل في الكاظمية في بغداد، حيث كان يعمل بالتجارة و على علاقة قوية باصحاب افران الخبز و الصمون، و تحدّث عن جمال بغداد و طيبة اهلها. كان يتحدث بانطلاق و حيوية لايسمحان بالمناقشة او الأستفسار . . و تحدّث عن ذهابه للحج بلا و ثائق و لاجواز سفر، عن طريق خط ثابت بعيد عن السيطرات الحكومية . . من سردشت و يستمر على طول الحدود العراقية الإيرانية جنوباً و حتى الكويت ثم الأراضي السعودية و حتى مكة المكرّمة ، وكيف انه عاد عبر نفس الطريق !
و تحدّث الحاج وحيدي كيف ان ذلك الطريق طريق تأريخي قديم، تعيش على مردوداته الوف العوائل من العشائر التي يمر بها ذلك الطريق، سواء كانوا كورداً ام عرباً ، فرساً ام كورداً فيليين. و قال ان ذلك الطريق استمر ثابتاً طيلة قرون رغم تغيّر الدول و الأنظمة، و كيف ان الحج ثبّت الطريق و صانه، لأنه يدرّ ربحاً وفيراً سواء من الحج او من التجارة في زيارات تجري للحج او للعمرة او للتجارة، سواء كغاية وحيدة منها ام لتحقيق كل الغايات معاً .
و دخل في موضوعه الملحّ . . زوجته ! فقال انها تعاني من ضيق التنفس منذ اعوام، و لم تعد تنفعها الأدوية حتى فقدت ثقتها بها، و لم تعد تتناول شيئاً منها منذ شهور، و اضاف بأنه منذ اسبوع فقط بدأ ضيق التنفس يشتد عندها و اخذ يتفاقم يوماً بعد آخر، الى ان وصل الى الحالة التي هي عليها الآن، حيث لاتستطيع الأستلقاء لأنه يضاعف ضيق التنفس عندها .
و فيما كان الثلاثة يمشون في شوارع سردشت متجهين الى بيت الحاج، و الناس ينجزون اعمالهم و اشغالهم و يتحركون مسرعين، و مسلحون متنوعون يطوفون الشوارع بترقب و حذر . . جاءت سيارة مسرعة و توقفت فجأة عند باب احد المنازل، الأمر الذي جعل الحاج وحيدي ينتبه بكل حواسه و يقلق و يميط لفافة رأسه على فمه، وقال ، ان هذه السيارة تعود لأحد افراد المخابرات العراقية !! الأمر الذي جعل دكتور فارس و صاحب ينظران بقلق الى الحاج والى السيارة منتظرين منه توضيحاً . .
قال الحاج وحيدي :
ـ ان رجال المخابرات العراقية لايزالون يتحركون بكل اطمئنان في سردشت رغم سقوط الشاه، لعدم استقرار النظام الجديد في المدينة بعد !
و لم يعُدْ الحاج الى هدوئه الاّ بعد ان حملت السيارة شخصاً خرج من البيت و تحركت مسرعة كما جاءت . في الوقت الذي استغرق فيه صاحب بالتفكير، و هو يردد لنفسه : بعد كل تلك الجهود ، لنتخلص من رجال المخابرات العراقية، هل هو حال مدن الحدود ايضاً ام ماذا ؟
.  .  .  .
.  .  .  .
و فيما كانوا مستمرين بسيرهم ، شاهدوا مام توفيق الذي جاءهم مسرعاً بعد ان لمحهم و التحق بهم ، الأمر الذي جعل دكتور فارس يستأذن منهم للذهاب لأنجاز ماقدم من اجله الى سردشت . و واصل صاحب و مام توفيق سيرهم مع الحاج وحيدي نحو طرف المدينة ، ماريّن بشوارع تتسع و تضيق، تنكسر و تستقيم بين بيوت قديمة آيله للسقوط و قديمة جميلة فولكلورية شاخصة بشموخ و اخرى حديثة، كبيوت افلام السينما الحديثة . . الى ان عرجوا على طريق جانبي ضيّق يخترق بساتين مسيجة باسيجة عالية، لينفتح على جادّة معمرة الجانبين ببيوت حديثة . .
و وقفوا امام باب خشبي ثقيل مرصّع بمسامير معدنية كبيرة، و فتح الحاج الباب المغلق بمفتاحه . . و دخل صاحب و مام توفيق خلف الحاج الذي كان يحمل كيساً احتوى على سماعة طبية و جهاز لقياس الضغط. و بعد ان اجتازوا الممر الخارجي ثم الباب الداخلي، اطلواّ على غرفة واسعة تزيّنها قطع أثاث ثمين موضوعة على سجاد فارسي زاهي الألوان . . و مروّا بين شابتين و شابين كانوا واقفين احتراماً و استعداداً لخدمة الطبيب و الضيف . .
كانت الزوجة الأم جالسة و متّكئة بظهرها على وسائد تسندها على الحائط من جهة و اخرى في حِجْرِها من الأمام لتسند انتصاب جسمها في جلستها، كي تستطيع التنفس . . كان وجهها قرمزياَ مزرق، كانت تحاول ان تتنفس و كان تنفسها بصوت مسموع شاهقة بقوة و تتالي علّها تستطيع استنشاق الهواء . . و انتشرت حولها اواني ماء فضية و اواني عطور .
بعد ان تسمّع صاحب الى تنفسها بالسماعة الطبية التي امررها تحت ملابسها، وتأكّد   لديه بأنها تشكو من ضيق شديد بالتنفس . . " ربو " كان في هجمة شديدة ( ازمة ربوية حادة) مع ازمات اشد كانت تهاجمها بين حين و آخر مهددة ايّاها بالموت في اية لحظة فعلاُ !!
فطلب الطبيب ابعاد كل العطور عنها لأنها تهيج ضيق التنفس، و اشار الى الحاج وحيدي بأن زوجته تحتاج الى امبولات امينوفللين و كورتيزون و اخرى و اخرى، اضافة الى سوائل مغذية بانواع متعددة و " اجهزة اعطاء " لأعطائها ايّاها بالوريد ، واكّد عليه :
ـ بدون ذلك كبداية لايمكن اجراء اي علاج لها !!
   اجابه الحاج بأن لامشكلة هناك . . و عليه فقط ان يكتب كل مايحتاجه بالأنكليزية ، و سيأتي به ابن اخيه الذي يعمل مضمداً متمرساً في المستشفى، واشار الى احد الشابين الذي تقدّم من د. صاحب مبدياً له احترامه و استعداده قائلاً له، بأن من الأفضل ان يأتي هو شخصياً معه الى المستشفى لينتقي الأدوية التي يحتاجها. وافق صاحب على الذهاب مع ابن الأخ الذي عرف منه ان اسمه احمد و انه خطيب ابنة الحاج الكبيرة المعلمة سعاد .
   و رغم الظروف الأستثنائية التي هددت بتواصل الصدامات المسلحة العشوائية التي كانت تسود مدينة سردشت، ذهب صاحب برفقة احمد بسيارة بيكاب مغلقة " بلوبيرد " كان يقودها. و فيما جلب انتباهه ان احمد يتكلم العربية بطلاقة، تحدث له احمد كيف انه من عائلة "فرحه " الكوردية الكبيرة المتوزعة في سكنها و اعمال افرادها على مدن في دول : العراق، سوريا، ايران و تركيا التي برز منها السياسي الكوردي السوري المعروف خالد بكداش، وكيف انه يعمل بالتجارة مع سوريا و تركيا، اضافة الى مهنته في التضميد.
   و لدى وصولهما الى مستشفى سردشت، جاء طبيب باكستاني كما قدّم نفسه لصاحب ، و و الذي استقبل د. صاحب ببشاشة كبيرة و فرح، وساعده مساعدة كبيرة بتوفير ما احتاجه من ادوية و مواد، و هو يشاهد زميلا طبيباً بملابس البيشمركة ، و كانا يتفاهمان بالأنكليزية . . و بذلك حصل صاحب على كل ما احتاجه من الأدوية الضرورية لزوجة الحاج عدا الكورتيزون الذي كان نافذاً تماماً من المستشفى. و قال احمد بأن ذلك ليس مشكلة و أنهم يستطيعون الذهاب الى ماموستا ميرزا الذي يمتلك مذخراً طبياً كبيراً جداً كما وصفه، واضاف بأن مستشفى سردشت ذاتها تشتري الأدوية الأساسية منه !!  فوافقه صاحب.
و فيما كانا يتهيئان للذهاب و يحييان الطبيب الباكستاني، قال الطبيب الباكستاني :
ـ شرّفونا غداً مساءاً . . انها مناسبة جميلة ان نقيم حفلة صغيرة بمناسبة ذكرى ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى، و ستكون جلسة جميلة يشارك فيها كورديّان و عربي و فارسيّان و انا الباكستاني . . سنغني كلّ باغانيه و بلغته القومية في هذه المناسبة الأممية ، خاصة و ان لدينا بعض العازفين من منتسبي المستشفى و من المرضى الراقدين و هم مستعدون للمشاركة . .
   تفاجأ صاحب بذلك . . و نظر اليه بودّ و قبل الدعوة، مع تأكيده على انشغاله بحالة المريضة المستعصية الآن، و ذهب مع احمد في سيارته الى صيدلية ماموستا ميرزا، الذي رحّب بهم بحرارة و ابدى استعداده للمساعدة بعد سماعه بحاجتهما، فترك الصيدلية لمساعده . . و ذهب معهما الى بيت كبير مرتفع مغلق النوافذ . . وبعد ان فتح الباب بمفتاح كان معه، نزل الجميع بعد مرورهم بالطابق الأرضي .  . الى طابق تحت الأرض .
   كان منزلاً شرقياً ذا ثلاثة طوابق تحيط كلّها بباحة الدار الوسطية التي اغلقت من فوق بجملون كبير من الألمنيوم الفضي اللون، و ظهرت الطوابق للرائي و هي مقسمة الى رفوف امتلئت بأنواع العلب المغلفة بالكرتون او السلوفان و النايلون . . و انتبه صاحب الى ان المواد التي ملئت الطابق الأرضي، كانت مرتّبة حسب الحاجات الطبية و حسب الحروف الأبجدية الأنكليزية . . و شاهد في الطابق تحت الأرضي المواد الطبية للجراحة و الكسور، من ادوية و ادوات جراحية و اجهزة اعطاء سوائل و دم . . الى انواع اللفافات و الروابط و الجبس و حتى الأطراف الصناعية . .
   و بينما فكّر صاحب . . بأنه مذخر هائل يكفي لتجهيز اكثر من مستشفى و اكثر من مدينة صغيرة كمدينة سردشت . فإنه اخذ ما احتاجه من الأدوية الضرورية ، وعاد بالسرعة الممكنة بصحبة احمد الى بيت الحاج بعد ان شكرا ماموستا ميرزا الذي ابدى استعداده لتجهيز الطبيب بكل ما يحتاجه ، على حد قوله . . و عادا الى البيت .  .
(يتبع)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* سردشت ، هي مركز القضاء الكوردي الإيراني العائد الى محافظة رضائية، المقابل لمركز قضاء قلعة دزة الكوردي العراقي العائد الى محافظة السليمانية، في الزاوية الشمالية الشرقية للحدود .




هناك .  . عند الحدود (12)
   

                                   
د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net

   بعد ان زرق الأم بجرع الأدوية بالوريد للأسراع بالعلاج، ورتّب لها اكثر من سائل مغذي بالوريد في كلتا اليدين . . اخذت حالتها تتحسّن تدريجياً بعد ايام العذاب التي قاستها، وبدأ لون بشرتها يعود الى لونه الطبيعي . . فيما استمر مع احمد ابن اخ الحاج جالسين على الوسائد الأرضية الموضوعة على السجاد ليس بعيداً عنها، ثم تناوبا الخفارات بينهما بحيث لاتبقى لوحدها دون رعاية طبية فورية الى جانبها بعد ان بيّن لأحمد كيفية التصرف. و دارت بينهما شتى الأحاديث بصوت خافت . .
في تلك الليلة التي ابتدأت بلعلعة الرصاص الذي لا يتوقف من جديد و حين كان صاحب و احمد مشغولين بمراقبة تطور وضع الوالدة السائر نحو التحسن بفضل سريان مفعول الأدوية الموضوعة في المغذيات، و هما يتحدثان بشتى المواضيع .  . قال احمد :
ـ تستطيع ان ترى في سردشت انواع الشخصيات و الجنسيات دائماً ، لأن المدينة تعتبر عقدة هامة على طرق دولية رسمية و غير رسمية، قادمة من اوروبا سواء عبر تركيا او عبر سوريا، ومن محطات كسردشت تتفرع تلك الطرق و تنقسم الى مجموعتين، احداهما تتجه على طول الحدود الإيرانية ـ العراقية نحو الخليج العربي الفارسي، والأخرى تتجه شرقاً في عمق ايران نحو افغانستان و الصين . .
انها وريثة طريق الحرير القديم الشهير. و ان الكثير من المشتغلين على هذا الطريق من تجار و مهربين صار لهم بتوالي السنين عوائل و اقارب سكنوا و يسكنون المدن التي يمرّ بها هذا الطريق العالمي المربح، الذي تلاحظ ان فيه عديداً من العوائل ممن لها اشكال القرابات بفعل المصاهرة بينهم . . عوائل خلّفت اجيالاً ممن صار لا يمكن الجزم بأصلهم القومي، بينما يحملون هوية القومية الرسمية القائمة في جزء الدولة المعنية من جانب الحدود حيث يسكنون ، لتدبير معاملات العيش و السكن، و هم يتحدثون انواع اللغات التي يحتاجونها لإدامة اعمالهم و ارزاقهم .  .
   و اضاف بأنه في مدينة حدودية كـ سردشت ، يلاحظ المرء بوضوح المصالح و التجار المتنوعين الذين يضاربون ببضائع متنوعة من التي يكثر عليها الطلب، و التي تتغيّر بتغيّر الظروف، و خاصة البضائع التي تحتاجها الحرب، من الأسلحة و العتاد، الى المواد الغذائية و الأستهلاكية و على رأسها الطحين و المعلبات و السيكاير، والى الأدوية و المواد العلاجية للجرحى. و مثل هؤلاء التجار مغامرون و كثيرو التجارب،يشتموّ ن الفرص لإقتناصها . . كماموستا ميرزا الذي برع بمهنته المتوارثة اباً عن جد .
   و فيما اخذ افراد العائلة يتجمعون حول والدتهم، فرحين بعودة الروح اليها و تحسّن حالتها،  حيث جاء الأبن الأكبر ماموستا بروا ببدلته الكوردية الأنيقة، تتبعه زوجته الجميلة، ثم الأبن الصغير طالب الصحافة الذي قدم من العاصمة طهران للأطمئنان على صحة والدته، و الأبنتان سعاد و سعادت . . الذين حيّوا الطبيب . .
ثم باشارة من صاحب بأن يتركوا الوالدة لتستريح . . انتقل الجميع و هم يتحدثون الى مائدة العشاء بعد ان بقي احمد جنب الوالدة . . و بينما هم يأكلون و يتحدثون بصوت خافت كي لايقلقوا راحة الأم، تحدث ماموستا بروا عن مدينتهم مؤكداً ماوصفه احمد، و افرحه اهتمام الطبيب بمعرفة المنطقة و انه يسمع تلك الحقائق لأول مرة ، شاعراً بالفخر و هو يتحدث للطبيب بما لايعرفه، فيما تعرفه كل الناس في المدينة، لأنها ببساطة تعيشه من زمان الأجداد و اجداد الأجداد و الى ذلك التأريخ .
و بعد ان استمر الطبيب بمراقبة حالة الأم و اعطائها اللازم بسرعة، الى ان ابتدأت بالأبتسام و صار وجهها مورداً فرحاً . . . وسط صيحات و تكبير النساء " يا محمد المصطفى يا الله !! " ، اكّد صاحب لمام توفيق انه لايمكنه ترك الأم و احتمالات الإنتكاس قائمة عندها، لأن الإنتكاس في حالتها أمر خطير جداً قد يتسبب بموتها، وانه بسبب بدئه بعلاجها، يجد نفسه مجبوراً على البقاء جنبها الى صباح اليوم التالي.
وذلك يعني انه من الضروري البقاء تلك الليلة عندهم، خاصة و ان الظلام قد ساد و تجددت الأشتباكات . .  و اتفقا على البقاء تلك الليلة في ذلك البيت، في حين لم يخفِ مام توفيق فرحه لأنهم استطاعوا كسب عائلة مهمة في سردشت ستساعدهم حتماً في جهوده كإداري لتوفير و تدبير الأرزاق للبيشمركة الأنصار في توزله، واكّد لصاحب انه في اليوم التالي سيذهب للبحث عن سيارة لاندروفر يذهبون بها الى قرية احمد بريو لجلب الأدوية  .
استقبل اهل المنزل قرارهما بالمبيت تلك الليلة عندهم بفرح غامر، بسبب خوفهم على والدتهم من الإنتكاس الذي سبق و ان حصل عندها في مرّات ماضية و كان خطيراً فعلاً . . فأعدوا لهما حمّاماً دافئاً و غسل النساء لهما ملابسهما و اعطاهم الأخ الكبير ماموستا بروا طاقمي ملابس نظيفة ليلبساها الى حين جفاف ملابسهما. و استمروا بالأحاديث المتنوعة معاً و هم يشربون الشاي، وسط اصوات الرصاص في الخارج التي لم تنقطع. و لمّا شاعت الثقة بينهم، اخبرهم مام توفيق بأنهما قادمان لجلب أدوية من قرية احمد بريو، وسألهم عن امكانية مساعدتهما في ايجاد سيارة لاندروفر لنقل الأدوية و المعدات الطبية .
ابدت العائلة كلها استعدادها للمساعدة، و اوضح لهما ماموستا بروا بان القرية تقع في اعالي الجبال المطلة على طريق سردشت ـ بوكان ، و ان السيارات في ذلك الموسم قد لاتستطيع الوصول اليها بسبب الثلوج التي تساقطت في اليومين الأخيرين في اعالى تلك الجبال . . و على ذلك فأنه سيأخذهما في صباح اليوم التالي بسيارته الى بيت خاله اوسطه عمر المقيم في قرية على ذلك الطريق، واقعة اسفل الجبل المعني، لتنظيم مسألة نقل الأدوية.
شعرا بالفرح لذلك لأنهما لايعرفان المنطقة في السابق و كانا قلقين فعلاً بشأن ضمان ايصال الأدوية، و الآن توفر من يعرف المنطقة جيداً ويريد مساعدتهما و يمتلك الأمكانية ليس لنقلها فقط و انما لحفظها فيما لو استجد طارئ و انقطعت الحركة بسبب الإشتباكات المستمرة و التغيّر المستمر في مواقع القوة و الهيمنة في المنطقة  . . كما اخبرهما ماموستا بروا .
بعد ان اطمأن صاحب على حالة المريضة، رافق ماموستا بروا الضيفين الى الغرفة التي اعدت لنومهما، و كانت في الطابق العلوي لبيت كبير نظيف، بدا عليه و على حركة و استعداد اهله، و كأنه استضاف و يستضيف الكثير من الضيوف . .
و قبل جلوسهما بملابس النوم النظيفة على الأريكة الموضوعة في الغرفة التي اغلق بابها عليهما ماموستا بروا بعد ان حيّاهما، طرقت الباب و اطلت منها الأخت الصغيرة سعادت و هي ببنطلون جينز اسود، و بثوب انيق فاتح الألوان، و بربطة شعرها و نظاراتها الطبية الرقيقة التي بانت تحتها عيناها الملونتان . . كانت بدون جادور !! (1) 
حيث حملت وعاء ماء للشرب و فوطتين عليهما قطعة صابون لوكس من النوع الفاخر،اخرجت من اغلفتها حديثاً كان عطرها المنعش فوّاحاً . و تحدثت بالأنكليزية متمنطقة بها موجهة كلامها الى صاحب، بوجه علته الحمرة ، و قالت :
ـ اسمي سعادت، انا من " فدائيي خلق " (2) . . طالبة في السنة الأخيرة في معهد المعلمات في جامعة طهران. اهلا و سهلا بك بين اهلك و رفاقك . .
اجابها صاحب بالأنكليزية ايضاً و شكرها، و عبّر عن تشرّفه بالتعرف عليها، فضحكت بفرح و اضافت بانهما ان احتاجا لشئ، يمكنهما طرق باب اشارت اليها في نهاية الممر العلوي ذاته، واغلقت الباب قائلة بابتسامة :
ـ شه و تان باش ! (3)
   بعد شعور دافق بجو العائلة و دفئه، نام نوماً عميقاً في ذلك الفراش الوثير الدافئ، وسط اصوات الإطلاقات التي لم تنقطع اثناء الليل . استيقظ صاحب في الصباح، فيما كان مام توفيق لايزال يغط بنومه، و كان الصباح قد هلّ . اطلّ من نافذة الغرفة الى الخارج، و شاهد منظراً جميلاً للوادي الفسيح الذي كان البيت يطلّ عليه، رغم بوادر قدوم الشتاء . .
و لم يدُر في خلده ان جمال الطبيعة الذي يراه و يحرّك فيه الحنين ، مبعثه شعوره العارم بالفرح لأنه يعيش دفء العائلة الذي عاشه في بيت ابيه و أمّه، و الذي افتقده منذ ان أُجبر على تركه لحياته الماضية الحافلة، التي كان يحنّ اليها، اضافة الى شعوره بالحزن  لما كان ينتظر اهله جرّاء تلك المحن و هو ليس جنبهم . .
بعد ان غسّل وجهه في الحمام القريب ليتهيأ لفحص الأم، طرق الباب الذي اشارت اليه  سعادت  طالبا بانكليزيته فحص الأم، و فتحت سعادت الباب بلطف و بأبتسامتها الجميلة و قادته في الرواق الطويل في الطابق العلوي الى السلّم، ثم الى الغرفة الأرضية التي رقدت فيها الأم . وبعد ان فحص الأم بدقة، قرر ان حالتها جيدة و انها تستطيع ان تفطر فطوراً طبيعياً ولكن ليس دفعة واحدة و انما على وجبتين، و ذلك يعني انها ولأول مرة بعد اسبوعين، تستطيع ان  تفطر مع العائلة . .
اثر قرار الطبيب ذلك، تهللت وجوه الجميع الذين ابتدأوا بتحضير سُفرة طعام الفطور في الصالة الكبيرة، و كانت غنية بأنواع الأجبان و الزبدة الطازجة، و اكثر من نوع من العسل الطبيعي (4)، البيض المقلي و المسلوق، الكاعوب المقلي بالبيض " كاعوب ماسي " (5) ، فيما كان شريط التسجيل يدور و يبث  اغاني محمدي مام لي الكوردية بألحانها الشرقية ذات الطابع الفارسي . .
و حين جلس الضيوف و رجال البيت الى مائدة الطعام المفروشة على السجادة يتناولون الطعام، اهتمت الشابتان باطعام الوالدة التي جلست على فراشها في زاوية ليست بعيدة عن المائدة، قام الحاج وحيدي مستأذناً، لتلبية نداء احد الأقارب الذي وقف خلف الباب، و الذي افاد بأن ميرزا آغا صاحب الصيدلية جاء للسؤال عن صحة المريضة . . و كان ذلك تشريفاً كبيراً للعائلة . .
   بعد اتمامهم الطعام، ذهبوا الى غرفة الضيوف حيث كان ميرزا آغا و اثنان من مساعديه جالسين يتجاذبون الحديث مع الحاج وحيدي. و بعد ترحيب ميرزا آغا بدكتور صاحب وتهنئته على نجاح علاجه، قال انه و بسبب اضطراره لمغادرة البيت لأنشغاله، مضطر لفتح حديث هام معه بشكل مباشر و دون مقدمات . و قال :
ـ باعتباري رئيس المجلس البلدي في المدينة، اتحدث اليك بأسم الأهالي " آغاي دكتر صاحب " ، نحن اهالي سردشت بحاجة اليك في المدينة، و نرجو ان تقبل و تلبّي حاجتنا، سواء في المستشفى الحكومي او في عيادة خاصة نقيمها لك، و نحن مستعدون لترتيب ذلك، براتب قدره الفي دولار شهريا من غير الطعام والسكن و التنقل . . الرجاء اجابتي كي نتحدّث بالتفاصيل بعدئذ .
اعتذر صاحب عن الموافقة و قبل اتمام جملته . . قاطعه ميرزا آغا بقوله :
ـ نستطيع زيادة الراتب الى ثلاثة آلاف دولار شهرياً . .
   و في الحقيقة كان ذلك عرضاً مغرياً . . و المدينة بأمس الحاجة الى اطباء لأفتقادها لهم بسبب الفوضى الجارية في المدينة اثر الثورة من جهة و بسبب الصراعات المسلحة التي لاتنتهي بين البيشمركة و الجيش و بين منظمات البيشمركة ذاتها . . التي تتسبب بهروب الأطباء من المدينة في وقت يتساقط  فيه العديد من الجرحى، فالأطباء المداومين في المستشفى آنذاك قد وفدوا بجهود شخصية لأعضاء المجلس البلدي في المدينة .
   فهم صاحب حاجتهم الماسة الى طبيب، و قدّر انهم قد لا يستطيعون فهمه و فهم وضعه و طموحه و لماذا هو هناك . فأكتفى بشكرهم عميق الشكر و اعتذر على عدم استطاعته، و بيّن لهم ان الموضوع ليس موضوع مقدار الراتب . . لأنه اساساً طبيب مع البيشمركةالأنصار العراقيين و عيادته في توزله مفتوحة لهم دائماً !!
.  .  .  .
.  .  .  .

   كان ماموستا بروا (6) ابن الحاج وحيدي مديراً للمدرسة الثانوية الوحيدة في المدينة، التي توقفت عن العمل بسبب حالة عدم الإستقرار  . . و يلمس المتحدث معه سعة ثقافته و معارفه، و وجد صاحب ان الأحاديث معه ممتعة و تحمل جديداً من المعلومات و الأفكار دوماً. و قبيل ضحى ذلك اليوم، اقلّ بروا الضيفين بسيارته كما وعدهما بالذهاب الى بيت خاله الواقع في اسفل قرية احمد بريو، فذهبوا الى مجمّع ربت (ربط) حيث تدرّس سعاد في مدرسة المجمع الإبتدائية . .  لتكون فرصة لصاحب لرؤية المجمع و للسلام على اخته المعلمة كما قال بروا، فيما ذهب بروا في طريقه حاملاً مام توفيق معه الى بيت خاله كما اتفقوا . . على ان يعود الى صاحب في طريق العودة منه .
نزل صاحب من السيارة قرب باب المدرسة، التي كانت ذات بناية كبيرة و حديثة و لكن مهجورة، و تطلّع حواليه حيث وجد نفسه في منبسط واسع مرتفع، يطلّ على اودية و قرى المنطقة المحيطة . . و رأى ابنية المجمع المتعددة ذات الطوابق، التي تقع ليس بعيداً عن المدرسة. و هو واحد من اكثر من عشرة مجمعات، اقيمت للاجئين الكورد الذين هاجروا و هُجّروا اثر انهيار ثورة ايلول 1975، و بسبب السياسة الشوفينية القاسية للدكتاتورية .
كانت المدرسة شبه فارغة، تحتوي على صف واحد تقوم عليه معلمة واحدة هي سعاد ابنة الحاج وحيدي، التي ما ان شاهدت صاحب حتى دعته الى دخول الصف، وبدخوله و هو بملابس البيشمركة، طلبت من الطلاب ان يقوموا بتحيته . . فوقفوا و انشدوا له نشيد " اي رقيب "، و انشد هو معهم ايضاً يحييهم . .
  و فيما كانت سعاد تكمل لطلابها معاني النشيد، اختتمت شرحها بقولها " ان اعداء الكورد هم ليسوا الشعوب و انما الحكومات المستبدة الظالمة التي تظلم كل القوميات، فالطبيب ضيفنا عربي و هو صديقنا و معنا " فصفق الطلاب له، وبذلك انهت الدوام لذلك اليوم، و خرج الطلاب الى بيوتهم بضحكهم و ضجيجهم و فرحهم . .
و فيما كان يجيل بصره على اثاث المدرسة المتهالك، قالت له سعاد و هما يخرجان " بتقديري وجود مدرسة فقيرة افضل من لاشئ . . هنا يتعلم الأطفال اللغة الكوردية و الحساب و الجغرافية و المعلومات الحياتية، حيث ادرّسهم كل المواد، و في احيان كثيرة دون راتب . . بسبب اضطراب التمويل . . و اشعر اني اقدّم شيئاً للقضية !!
و في الوقت الذي اضاف فيه صاحب كلمات يشجّعها فيها على عملها و اهميته، و صل ماموستا بروا مصطحباً مام توفيق معه بسيارته،ثم اقلّ الجميع معاً الى البيت . . و فهم صاحب من مام توفيق ان الأمور تسير بشكل ممتاز . . 
و ذهب مام توفيق عصراً الى المدينة لمتابعة قضايا الأرزاق الأدارية للقوة، و بقي صاحب في البيت حيث فحص و تابع صحة الأم التي كانت في تحسّن مستمر، و ابدل جهاز المغذيّ الوريدي بجهاز جديد اعده و زرق به امبولات جديدة. و استمر مع ابن حاجي وحيدي ماموستا بروا جالسين يتحدثان في غرفة الضيوف .
و في احاديثهما، اوضح ماموستا بروا حقائق جديدة عن مدينة سردشت الحدودية، و عن النشاط المتنوّع لأعداد من الوكلاء الغربيين و الشرقيين السريين في المدينة . . الذين يبحثون عن سلاح و قطع غيار و اجهزة ثمينة، اضافة الى الذهب و الماس و الوثائق المحفوظة في البنك و البريد الدوليين العائدين لـ سردشت، محاولين التستر بانهم يدعمون منظمات انسانية ما، التي لكثرتها لم تعد تُعرَف حقيقة اهدافها و نشاطاتها، مثل " طوفان "، " الشفق الأحمر " و غيرها، كما قال . . و اضاف انه من المريب ان يأتي قسم بأحدث السيارات الثمينة التي لم نشاهدها من قبل . .   

   و بعد ان فحص صاحب الأم و تأكد من صحتها، خرج مع مام توفيق في ضحى اليوم التالي صحبة ماموستا بروا الذي اقلهما بسيارته على طريق مدينة " بوكان " نحو قرية " احمد بريوْ " . .  و بعد ان سارت السيارة لمسافة بحدود الساعة، اوقف ماموستا بروا السيارة، و اخبرهم بأن عليهما ان يسيرا على طريق جبلي صاعد، للمارة و الدواب اشار لهما عليه، و اكّد بلا اي انعطاف لاشمالاً و لايميناً، و سيصلان الى القرية عصر ذلك اليوم، و اخبرهما بانه سيعود لينتظرهما في حدود الثانية عشر ظهراً في اليوم التالي، في نفس المكان .   
   سار صاحب و مام توفيق على الطريق الصاعد من شارع سردشت ـ بوكان، على متن جبل شاهق، لم يكن الطريق شاقاً او صعباً و لكنه كان طويلاً . . فبعد ذلك الصعود الطويل المرهق، وصلا عندما بدأت الشمس بالمغيب الى قرية خربة تقع عند بداية قمة فسيحة لذلك الجبل الشامخ، و شاهدا راعياً اشار لهم الى اتجاه قرية احمد بريو و قال لهما بانه يوجد هناك مقر للبيشمركة.
فصعدا مرتفعاً آخر و وصلا قرية احمد بريو، التي احتوت على مجموعات متجاورة من البيوت و كل مجموعة تضم عدداً قليلاً من البيوت لايتعدى عدد الأصابع، حيث لاح للرائي نور ينبض في الأفق و كأنه مجموعة انوار لنيران كبيرة بعيدة، قال مام توفيق : " انها نيران كركوك !! " . و لم يصدّق صاحب ما رآه و كيف ان كوردستان متداخلة و متفاعلة . . !!
فذهبا الى حيث مقر البيشمركة و وجداه مقفلاً . . و بينما كانا واقفين، اقبل عليهما الحرس المناوب راكضاً و سألهما عمّا يريدان،  فاخبراه بانهما يريدان مقابلة " مام حاجي " و ان لديهما رسالة اليه، فأجابهما بأنه في القرية، و طلب منهما الإنتظار ريثما ينادي عليه.
و فعلاً جاء مام حاجي بعد فترة قصيرة و التقى بهما في المقر، فسلماه الرسالة و بعد ان قرأها  رحّب بهما ترحيباً كبيراً و دعاهما لشرب الشاي في مجلسه، و بدوره شكر د. صاحب بإسم حسن بيوراني مسؤول المنطقة الذي يعتذر عن الحضور بسبب انشغاله بعيداً عن مكان القرية . . شكره على كل ماقام به سواء تجاه بيشمركة ايران و انقاذه لجرحاهم، او لعلاجه اهالي المنطقة الذين يذكروه بالخير. و قال ان حسن بيوراني ترك رسالة معنونة الى د. صاحب، و قدّمها له .
فتحها صاحب و وجد انها بعد التحيات، تؤكد على نقطتين هامتين بعبارة " تستطيعون نقل كل الأدوية التي تجدوها، اليكم . . آمل ان تكون ادوية فعالة و صالحة للإستعمال "، فطلب صاحب من مام حاجي رؤية الأدوية، الاّ انه قال " لانستطيع فتح المخزن في الظلام لأنكما لن تريا شئ بالمصباح اليدوي . . ستروها صباح الغد "، و طلب منهما الذهاب معه قائلاً " افضل مكان لكما للمبيت، هو بيت سيّد ريشه فتفضلوا معي اليه ". فقادهما مام حاجي و الحرس الى بيت جبلي ذي طارمة مسقوفة و حديقة امامية يمتد عبرها ممر من المرمر يوصل الى باب خارجي وقف عليه رجل مسلّح، و بعد السلام فتح لهم الباب و  رافقهم عبر الممر المرمري الى الباب الداخلي . . دخلوا، و رحب بهم شيخ جالس في قاعة متوسطة الحجم، و بعد التحيات قدمهما مام حاجي اليه كضيوف و استأذن بالذهاب .
 شاهدا شيخاً لابساً ملابس رجل دين، جالساً بمهابة و على كتفه رداء صوفي، يرحّب بهما  و يدعوهما للجلوس . و بعد ان تعشّوا و شربوا الشاي و ارتاحوا قليلاً . . دخلوا قي نقاشات عن حالة المنطقة و مشاكل القتال و خسائره و آلامه، وقد فاجأ الشيخ صاحب بعربية واضحة :
ـ هل انت من الجبور ؟
ـ نعم . . كيف عرفت ؟
ـ من سحنتكم مولانا الدكتور و من طريقة الكلام، لأننا جيران في الغربية (7) . . انا دليمي من السادة كنا نسكن في مدينة " راوه " عقد الأكراد . . و قد هربنا انا و صديق لي اسمه انطوان الذي كانت والدته ارمنية، هربت به من مذبحة الأرمن في" سميّل" الى راوه . . ساعدها والدي الذي كان عريفا في الجيش وقتها حيث تزوج امه الأرمنية و ستر عليها.
في حركات رشيد عالي عام 1941 ، رتّب والدي هروبنا انا و انطوان خوفاً من سوقنا الى الحرب، فهربنا، كما عبّر سيد ريشه . . انطوان كان عليه ان يذهب الى تبريز الى اخواله الأرمن هناك و انا معه كي يساعدني للوصول الى مكتب الهجرة الأميركي هناك . و قد وقعنا في كمين لرجال الحدود مع ايران، و استطاع هو الهرب و جرحت انا و سقطت فاقد الوعي . .
و انقذني دراويش شيخ سردشت و هم يسمعوني اردد الشهادتين و انا فاقد الوعي، و اعتبروا ذلك من الكرامات. و بعد ان استعدت وعيي . . سألني الشيخ عدداً من الأسئلة عن حسبي و نسبي و كنت بين الحياة و الموت و لمّا عرف اني من سلالة السادة الكرام، تبنّاني الشيخ كاحد مريديه . .
و عملت في تكية الشيخ الشافعي كمؤذن و ختمت القرآن اصولياً، و عملت كل جهدي لخدمة التكية و مريديها و اتباعها . . حتى تمكّن الشيخ بطرقه من تأكيد نسبي و اوعز لأحد مريديه بتزويجي ابنته للتقرّب اكثر الى النسب العربي المحمدي رغم ان ذلك المريد عربي الاصل، و هو من بني خليف الذين استقروا في مكان يدعى الآن " قرية بنو خليف " ، و وفقني الله عز وجل ببناء ملحق لتكية الشيخ هنا في قرية احمد بريو . . 
   وبينما نام مام توفيق . . استمر سيد ريشة بالحديث مع صاحب حتى الفجر، معبّراً بأنه لم يحس الفرق كبيراً بين عالم حدود الغربية حيث ولد و عاش طفولته و صباه، و عالم الحدود الشرقية حيث عاش مطلع شبابه و حتى الآن  . . وقال صاحب:
ـ كم تحوي هذه الجبال من اسرار .. ؟؟
و اجابه سيد ريشه :
ـ الأصح كم تحوي مناطق الحدود من اسرار . . ؟؟
و تشير مصادر متنوعة الى، ان مناطق الحدود العاصية على تثبيت سلطة الدولة فيها تحوي الكثير الكثير من الماضي و من المشاريع السياسية و الدينية او تشكّل مخزوناً كبيراً لأنواع المشاريع الآنية و المستقبلية لأحتوائها خمائر حية متنوعة . .
و السؤال هو، هل يكمن نشوء البلدان و الدول و الحضارات . . فقط بتقسيم المنطقة الى بلدان بحدود، حدود رسمها الأقوياء لضمان مصالحهم، وقطّعوا بها كيانات عاشت و تعيش في اجزاء، الاّ انها بقيت تحافظ على صل

31
هل عادت انتخابات الفوز بـ 99,9 %
                               
د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net
   
اعتادت الانظمة الدكتاتورية ان تجري عملية انتخابات لأختيار رئيس الدولة او الحاكم الدكتاتور ،  لتبرير جلوسه على كرسي الحكم اعلامياً و وفق شكل الشرائع المعمول بها في الدول المتحضّرة، اضافة الى عمليات جرى اعدادها لإنتخاب عدد من المؤسسات الحاكمة، وسط اجراءات (امنية مشددة ً) تستهدف تكميم افواه من يعترض و اثارة جو من الارهاب الداخلي في الظلام و بلا ضجيج، و باعتقال المعارضين للدكتاتور من قوى و شخصيات : سياسية، نقابية، اجتماعية و غيرها . . لـ (خطورتهم على الديمقراطية و المجتمع) .
   وسط سَوْق موجات بشرية من انواع الاميين و الضائعين و الفقراء المدفوعي الثمن . . موجات تهتف بالبيعة لـ (ابن الشعب البار) ، (حامي البلاد) . . (نصير الفقراء) الذي وصل الى اقامة وليمة كبيرة لتناول الطعام معهم (1)  .  . حتى وصل ذلك الى القاب (المختار)، (حامي الطائفة) و غيرها، وسط انواع من (المراقبين الدوليين) المدفوعي الثمن من اوساط متنوعة من مرتشين و لقّامين، ممن يشوشون فعلاً على اعمال و نتائج من مشهود لهم بالنزاهة و بالحفاظ على الديمقراطية و حقوق الانسان، حتى صار يوم (الانتخابات) يسمّى بيوم البيعة الذي اعلن ليس كيوم عطلة فقط و انما كـ " اسبوع البيعة " تعلّق الدوائر فيه اعمالها، (لأهميّته المصيرية للبلاد) . .
   الى ان سقط الزَيَفْ بسقوط الدكتاتورية و نادى الحكم الجديد باقامة دولة جديدة قائمة على مؤسسات منتخبة من الشعب و بوشر بذلك فعلاً و تحققت نجاحات على ذلك الطريق و خاصة بانبثاق هيئات قانونية جديدة اطلق عليها " الهيئات المستقلة" البعيدة عن تسلّط السلطة التنفيذية (الحكومة) كمفوضيّة الإنتخابات، البنك المركزي العراقي، ديوان الرقابة المالية، مجلس القضاء الأعلى و غيرها . . الخاضعة للبرلمان.
   و ترى اوساط متزايدة ان تدخّل السيد المالكي رئيس مجلس الوزراء الدوري الذي صار يحمل لقب (القائد العام) و الذي حكم من مقعده اكثر من دورتين كاملتين مضافاً اليها السنوات و الشهور المستقطعة التي اضيفت عليها لتشكيل الحكومات الجديدة بعد كل انتخابات . . ترى تدخّله الفظّ في عمل و مهام و قوام الهيئات المستقلة الضابطة الدستورية للديمقراطية و حكم القانون. 
و تدخله المباشر و تزعمه لكل اصناف القوات المسلحة بوزاراتها رغم عدم امتلاكه اي تأهيل عسكري، و تزايد تقريبه الغير منطقي دستورياً لإبنه احمد من كرسيه الرسمي و مهامه، و اعتماده عليه و على نسيبيه، اللذين حصلا على اعلى الاصوات في محافظة كربلاء المقدسة بشكل لم يستطع تفسيره حتى اهاليها . . و تجاوزا بذلك القيادي المعروف في حزب الدعوة السيد علي الاديب الذي يرى كثيرون بأنه بنظر المالكي المنافس الاشد خطورة على كرسيه من داخل حزبه و بيته . . في دورة يبدو انها تكرر نفسها لكيفية صعود و تكوّن دكتاتورية صدام المنهارة.
و ترى اوساط واسعة و وكالات انباء متزايدة ان الخطورة تأتي من محاولة المالكي المستميتة للحكم لدورة ثالثة و احتفاظه بمقعده كـ (قائد عام)، و من تهديده باحتلال حتى كرسي رئاسة الجمهورية بالاصوات المعلنة بكونها له ـ راجع الدستور/ رئاسة الجمهورية ـ الامر الذي يشكّل تثبيتاً لإتجاه الانفراد بالحكم لفرد امتطى و يمتطي المؤسسات التي عمل فيها و يعمل على توظيفها له شخصياً .  . من مجلس النواب الى مجلس الوزراء و الى حزب الدعوة الاسلامية و قائمة دولة القانون . .
ويرى سياسيون و قانونيون ان اتجاه تثبيت حكم الفرد الذي سار عليه المالكي عملياً وسط اطلاق شعارات الديمقراطية . . الاتجاه الذي صار علنياً الآن، هو الانقلاب على الحكم الدستوري الداعي الى الالتزام بالتبادل السلمي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع . . صحيح ان السيد المالكي لم يُعقْ الإنتخابات و انه ينطلق من (نتائجها المعلنة) و لكن اية انتخابات و ايّة نتائج ؟ الإنتخابات التي لايمكن تبيان زيفها من نزاهتها الاّ بالمشاركة بها، و التي لايمكن الوثوق بنتائجها المعلنة حتى الآن، الاّ بالحلول العاجلة و بالإجابات الواضحة و السريعة على الإعتراضات المقدّمة من الكتل الانتخابية و الشخصيات المشاركة . .
و التي تسببت لحد الآن بالغاء مئات الآلاف من اوراق الاقتراع و عشرات من مراكز الانتخابات ، اضافة الى تزايد تدهور سمعة الانتخابات بسبب تسرّب انباء موثقة عن اتباع اساليب التهديد، اعطاء الاوامر الى القوات المسلحة بالتصويت للمالكي بالاسم، استغلال المال العام، توزيع اراضي .  . بافلام فديو و سي دي و صور توثيقية لاتقبل اللبس. في وقت تعبّر فيه اوساط متنوعة متزايدة عن ان الحديث عن التغيير هو ليس اكثر من هواء في شبك، حيث انهم يلمسون و يعيشون ان المتنفذين القدامى في الدورات السابقة لايزالون هم هم في تسلّطهم على الآخرين.   
   الأمر الذي يتّفق مع الدعوات العديدة التي طالبت بوقت مبكّر بضرورة اسراع المفوضيّة بإعلان نتائج الإنتخابات خوفاً من تزوير النتائج، و التي كانت اقواها دعوة المرجعية الدينية الشيعية العليا في النجف الأشرف و على رأسها اية الله العظمى السيد علي السيستاني بصريح العبارة لذلك ، حين دعت الى اجراء تغيير حقيقي بعد اكثر من عشر سنوات صعبة عاشها الشعب العراقي بمرارة بقومياته و طوائفه و كل الوان طيفه . .
و زاد بالامر تحذير مسؤول الملف العراقي في الاتحاد الاوربي ستراون ستيفنسن بتقريره المعبّر عن ان " عمليات تزوير واسعة شابت الانتخابات وسط احتجاجات اوساط سياسية و اجتماعية و برلمانية عليها ودعوات لتشكيل حكومة شراكة رغم إصرار المالكي على تشكيل حكومة أغلبية ". و تصريحه بأن تأخير اعلان النتائج قد يستهدف الى التلاعب بالنتائج لترتيب حصول المالكي على دورة ثالثة، و اشارته إلى أن طهران (2) تمارس ضغوطا على الفصائل السياسية لدعم المالكي، وطالب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بإعلان موقفها والإقرار بأن الانتخابات لم تكن نزيهة، مشيرا إلى أن العراقيين عانوا بما فيه الكفاية، وأنهم بحاجة إلى حكومة قادرة على تحقيق الديمقراطية والعدالة والحرية وحماية حقوق الانسان والمرأة.
و ترى اوساط سياسية و خبيرة و استناداً الى الوضع اللادستوري القائم الذي اوصل السيد المالكي فيه البلاد : لتسلمه لسلطات لامحدودة و اجراءاته التي لم يتمكن و لايتمكن مجلس وزراء ولا برلمان من الزامه فيها بالعمل بالشروط الدستورية، و لعدم التزامه باتفاق اربيل عام 2012 و لإحتجاج ابرز الكتل المتنفذة في البرلمان على سلوكه اللادستوري المتواصل، بما فيها الكتل الشيعية الكبرى ـ الاحرار و المواطن ـ المنضوية مع كتلة المالكي في التحالف الوطني، و تصعيده اللامعقول لمشكلة الأنبار باعتماده القوة المفرطة فقط، و للشكوك الكبيرة بالنتائج المعلنة للانتخابات و ما سيتمخض عن اعلانها، في الظروف الاستثنائية التي تمر بها عموم البلاد و المنطقة و مخاطر تزايد اشتعالها طائفياً و اندلاع حروب اهلية فيها، التي لا تتطلب الاّ توحيد القوى العراقية، لاتمزيقها.
و فيما اعلنت كل الكتل العربية ـ عدا كتلة المالكي ـ تحفظاتها و اعتراضاتها على نتائج الإنتخابات، اعلنت الكتلة الكوردستانية التي اوصلت المالكي في نهاية جهود الى كرسيه في الدورة السابقة، اعلنت عن المها و اسفها للنتائج و هددت بعدم مشاركتها في الحكومة القادمة ان استمر المالكي على كرسي رئاسة مجلس الوزراء للمرة الثالثة، للاسباب المارة و لعدم ثقتها بوعوده مستندة الى ما حصل في المرة السابقة، حين وعد بالسير على طريق اقتسام السلطة و تسوية المناطق المتنازع عليها ، الوعد الذي انهار ما ان استلم السلطة بمساعدتها في 2010.
و اعلنت رئاسة الإقليم بأنها تبحث عن ضمانات اعلى من الورقية، التي قد تصل الى اجراء تصويت شعبي عام في الاقليم على استقلالية اقليم كوردستان العراق، فيما تراهن اوساط قريبة من المالكي على شق الوحدة الكوردستانية بكسب اطراف منها اليه، و اعتراض اخرى على ذلك بسبب التهديد الكبير الذي يواجه المالكي من (الإقليم السنيّ) في غرب البلاد. 
و تحذّر اوسع الاوساط الداخلية و الدولية من عواقب الإنقسام و من اصرار المالكي على استمراره على كرسيه لدورة ثالثة، التي لن تؤديّ الاّ الى انفضاض اوساط كبيرة جديدة عن الدولة القائمة و الى تضاعف الارهاب، و تزايد اقتراب شبح الحرب الاهلية، و العودة الى الحكم الدكتاتوري الفردي على اساس الطائفية و على نتائج انتخابات كهذه، الى الحكم المؤمن باشعال الحرب لتحقيق الكسب السياسي كما يحدث في الانبار. . و تنادي بأهمية توفير مستلزمات وحدة الصف العراقي و الاّ فقد تنتهي دولة العراق !!

22 / 5 / 2014 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   كالوليمة التي اقامها الدكتاتور صدام لعشرات من فقراء بغداد الذين البسوهم ملابس افضل مما يلبسوه ، وتناول معهم الطعام تحت حراسات مشددة عشية انتخابات الرئاسة في اوائل التسعينات، نقلت على القنوات التلفزيونية المسموح بها، لمحاولة اظهار اخلاصه لهم !! و لتبرير لماذا اختارته الجماهير العريضة للرئاسة ؟؟؟ بنسبة 87 %  .  . و ليس بنسبة 99,9 % التي صارت قديمة و مفضوحة .
2.   و يضيف اليها مراقبون آخرون " واشنطن "، ادارة الرئيس اوباما .


32
هناك .  . عند الحدود (10)

د. مهندالبراك
ahmedlada@gmx.net

        
حين تتوالى المفاجآت السارّة . .
   
بعد محاولات لم تنقطع لتكوين صلات تؤمن حاجات الطبابة، وكتابة العديد من القوائم عمّا تحتاجه و بعدة لغات لمن وعد بجلب ادوات و مواد طبية، و محاولات متنوعة اخرى للحصول على ادوية من المدن، و التي كانت محفوفة بمخاطر كبيرة، لتكوين طبابة حقيقية للأنصار . . .
وصلت في أمسية من خريف ذلك العام رسالة الى قيادة القوة سلمها آمر القوة " ابو جوزيف " الى صاحب. افادت الرسالة بوجود كمية كبيرة من الأدوية، حددتها بحدود الطن، وانها محفوظة في الثلوج المحيطة بـقرية تسمى "أحمد بريو". و اشارت الرسالة الى امكانية الأستفادة من تلك الادوية ان كان بالإمكان نقلها ! اضافة الى تكرار شكرها للطبيب الذي عالج " جرحانا "، وافادت بأن " مام حاجي ينتظركم في القرية" ، توقيع " حسن بيوراني" . .
قدّر صاحب بأن ذلك ما وعد به دكتور قاسملو، حين كان يعالج البيشمركة و الأهالي الجرحى بسبب  قصف المقاتلات الجوية للقرى بشكل متواصل، و حيث انقذ حياة احد كادر مهم عندهم كانت اصابته مميتة بسبب اصابته بشظية قذيفة استقرت على قلبه !!
بعد محاولته تقدير نوعية تلك الكمية الكبيرة هتف بصوت لم يستطع كتمانه : " أخيراً . . سنستطيع بناء مستشفانا !!
و نام تلك الليلة عميقاً على أصوات خرير المياه المحيطة بقرية توزله التي حملت الكثير من حكايات البطولة وتحديّ المجهول، وروايات الحب والكراهية ومغامرات المهربين  . . توزله التي تعيش على السفح الآخر لجبل "مامنده" العملاق الذي يحتضن مدينة " قلعة دزه" . .
و بعد انقضاء الليلة ذاتها و فيما بدأ يلوح ضوء الفجر، صاح الحرس الصباحي الرابض قرب الطبابة : " قف  !! "   وسحب اقسام سلاحه خالقاً ضجة عالية في سكون ذلك الفجر الذي بدأ يطلّ على الشق الصخري حيث كان موقع الأنصار آنذاك، الذي غمره بنفس الوقت ضجيج و وقع حوافر بغال محمّلة، لأنه كان بإيقاع بطئ .
استيقظ صاحب كالملدوغ متناولاً سلاحه وهو يسمع وكأنه في حلم :
ـ استطعنا الحصول على تجهيزات تعادل تجهيزات سيارة اسعاف ، ذات غرفة عمليات جراحية !
ـ انها مجهّزة بكل شيء لأنقاذ الجرحى !
ـ لاخوف من الأصابات بعد اليوم !!
ـ انها هدية "ملا جوانرويْ " لكم !! (1)
وسط تلك العاصفة من الحماسة و الأصوات العالية  . . تجمّع الأنصار في ذلك الفجر لتفريغ حمولة الأثني عشر بغلاً بالسرعة الممكنة ، ليرجع بها اصحابها الى قراهم سريعاً كي يبدأوا اعمالهم بها قبل شروق الشمس . وفي غمرة التفريغ كان د.صاحب يتمتم :
ـ ويلك ، ويلك . .عندنا الآن صالة عمليات تقريباً. كل المفاجئات الجميلة تأتي في يوم واحد !!
فيما صاح آمر القوة "ابو جوزيف" وكان قد خرج من خيمته :
ـ دكتور ، لاتنسى موعدكم في قرية "احمد بريو"، بالذهاب مع مام توفيق !
    كان نقل ادوية تزن بحدود طن على وصف الرسالة، من منطقة غير مستقرة امنياً،  تكللها الثلوج طيلة العام و من قرية جبلية نائية منقطعة فيها، أمراً صعباً حقّاً . فأضافة لمعارك أقتتال الأخوة الضارية التي كانت تدور في قرى وقصبات كردستان ايران الحدودية، واعمال القنص والكمائن التي قُتل جرّائها العشرات . . تطلّب الأمر ايجاد حيوانات نقل، وجرار زراعي اوسيارة ، الأمر الذي يتطلب ضرورة توفير البنزين الذي لايُحصَل عليه هناك الاّ بمعجزة !!
ولم يكن أختيار مام توفيق لتلك المهمة، الاّ لأنه استطاع بناء صداقات وعلاقات وثيقة مع عدد من أهالي القرى هناك، من المتعاطفين مع البيشمركه والمتحمسين لمساعدة الثورة الكردية وخدمتها . .  . من خلال جهوده في مجال توفير المواد الأدارية التي كان يكلّف بها آنذاك .
   بعد ان اكتمل تفريغ احمال الحيوانات، و بعد الفطور تحرّك د. صاحب رفقة مام توفيق الشخصية المعروفة في عشائر السورجي، نحو سردشت مشياً،  وكان يُشترط ان يكون ذهابهما دون أسلحة ـ وفق بطاقة عدم التعرّض الذي زوّدا بها من آمر القوة، لأحتمال الذهاب عبر سيطرة بيوران ـ سردشت العائدة للجيش الإيراني الذي يمنع مرور مسلحين وفق الهدنة بينه و بين البيشمركة وقتذاك . .  وبلا عدد كبير كيلا يثير الأمر أنظار و انتباه انواع المترصّدين في القرى . .
   سار الأثنان صعوداً من موقع البيشمركه في شقّ الجبل البركاني السفلي، نحو اطراف قرية "توزله". و كان الاثنان مرحين ، فكلّ حركة الى خارج الموقع كانت تثير الفرح والحبور، لأنها تُبعد الإنسان عن الروتين اليومي الطاغي على حياة المقرات الأولى للأنصار الذين كانوا في طور التجمع في الغالب هروباً من ملاحقات الدكتاتورية في المدن. كان صاحب متشوّقاً لرؤية مدينة سردشت التي كان قد مرّ بها مروراً سريعاً في السابق لقضاء اشغال كما مرّ . .
كان متشوّقاً لرؤية مدينة، اية مدينة ! بناسها، رجالها ونسائها وحركة وفوضى اطفالها، وأضوائها ، الى سماع اغاني و موسيقى اذاعية او من تسجيلات . . و رؤية واجهة محلاتها وسياراتها، الى قضاء وقت في لجّة ضجيج الحياة اليومية ونبضها في مدينة فيها . . كهرباء!!
   لفحتهما ريح الخريف الباردة ، وكانا قد لبسا ملابس سميكة استعداداً لمواجهة البرد الذي قد يخيّم فجأة من جديد ، فمراّ بموقع كان كمخيّم صغير لبعض عوائل البيشمركة، حيث شاهدا أمرأتين دلّت ملابسهما المرتّبة النظيفة على انهما من اهل مدينة و ليستا قرويتين . . كانتا تغسلان اواني عند نبع القرية، بين عدد من نساء القرية بملابسهن المهلهلة الخشنة القذرة . . لابد انهما كانتا من عوائل رجال البيشمركة في زيارة لأخوانهما او ازواجهما ، او كانتا من عوائل البيشمركة التي تعرضت الى المطاردة و هربت تخلصا من انتقام اجهزة الدكتاتور صدام . .  
   ثم . . و بمسيرة جاوزت الساعة شعر فيها صاحب و كأنه من اهل المكان و زال شعوره السابق بالغربة و بكونه لايتفاعل مع حياة الجبال . . شاهد في الأعالي وهما يسيران اثراً او خطّاً داكناً عالياً، يتواصل و كأنه اثر لطريق يلتوي التواءً افعوانياً لا ينقطع على امتداد سلاسل متصلة بكتف "مامنده" الشاهق، و فيما هو يقلّب الفكر بماذا يمكن ان يكون، هل هو شارع ؟
اوضح له مام توفيق بانه فعلاً شارع شُقّ حينه لمرور السيارات، كطريق عسكري يربط " قلعة دزه " بـ "سردشت" الذي كان خط تموين وحركة . . ثم خط انسحاب احدى جبهات مقاتلي الثورة الكردية ايام المرحوم الملا مصطفى البارزاني عام  1975 ، حيث يتوغّل الطريق غرباً نحو جهة العراق في منطقة هالشو التي صارت تضم معسكر هالشو المتكوّن من ستّ ربايا عسكرية كبيرة !
   و بعد ان سارا حتى الضحى في شبه هضبة مرتفعة، نزلا منحدراً صخرياً حاداً ، واستمراّ سيراً على الطريق الموصل الى قرية "بنو خليف" التي بانت لعينيه بعد ان نزع الخريف اوراقَ اشجارها، و كأنها قرية لم يمرّ بها قبلاً، حيث كانت تغطيّها اشجار وارفة الظلال حين مرّ بها اكثر من مرة في الصيف الفائت . . سارا على الدرب الذي يمرّ بها و الذي امتلئ هو والسواقي بأوراق الخريف ، فيما كانت الشمس ترسل اشعاعات ضحى يوم خريفي بدا مشمساً .
و فيما كان مام توفيق مستغرقاً في احاديثه مع صاحب هتف بهما صوت ينادي عليهما، فاستدارا نحو جهة الصوت فشاهدا وجه د. فارس رحيم يطلّ من شباك غرفة مرتفعة مبنية على زريبة حيوانات، لبيت بدت واجهته نظيفة . . و ظهر الى جانبه الصحفي هوشنك بقبعته الجيفارية و الربطة الثورية التي اعتاد على لفّها حول رقبته، تشبّهاً بما كان يرتديه الثوريون اللاتينيون ، فيما كانت أمرأة شابة نظيفة الملابس تنزل درجات سلّم المنزل قائلة بمودة و بصوت مسموع :
ـ دُختور ، به فرمو ! أوا مالي ايمه  ! ! (2)
قال مام توفيق بخبث مرح و هو يحدّق و يبتسم للمرأة محيياً :
ـ دكتور فارس يقوي العلاقات بالقرى !!
فيما استدار صاحب نحوها مبتسماً وقال لمام توفيق :
ـ انها "زُلفى" ، التي كانت تشتكي من آلام شديدة في المعدة بسبب الالتهابات البالغة في الفم و البلعوم . . و كان قد اتى بها زوجها الطيّب الى طبابتنا على ظهر حيوان حين سدّت ثلوج السنة الماضية الكثيفة كل الطرقات، لقد استطعنا معالجتها رغم ادويتنا الشحيحة ؟! و لم ينسيا جميلنا !
   كانت "زلفى" بشبابها ولطفها وابتسامتها، بملابسها الكردية الزاهية الألوان النظيفة ، و بزنّارها المذهّب الملفوف و المرتّب بعناية على وسطها ، في ظروف البيشمركة والقتال والكبت والحرمان تلك . . كانت تُخَيَل للرائي، وكأنها ممثلة سينمائية من هوليوود . . و فيما كان يبلعان ريقهما و هما يشاهدانها . . كانت تنزل من الطابق العلوي بدلالٍ، وبثقة العارف بالتزام انصار، تلك المنظمة التي ضمّت نصيرات نساءً كنّ قد ساعدنها عند مرضها و هي حامل في تلك الظروف القاسية التي اضطرتها للنوم قليلاً في الطبابة، عند قيام زوجها على خدمتها.
قالت بوجه مشرق :
ـ  تفضلوا ، اتفضلوا ! دكتور ، صحتي اصبحت جيدة جداً ! معدتي لم تعد تؤلمني عند البرد كما كان يحدث لي في السابق. و قد ولدت ولداً جميلاً اسميته "صاحب" وهو نائم الآن ، لولا المصطفى و لولاك لكان قد مات ! اهلا وسهلاً ! زوجي حسين يشتغل الآن، لقد ذهب بحمل بغل . . صار عندنا بغل ثاني بقدرة القادر القدير !
   صعد الأثنان بفرح وهما تعبين من المسير والبرد، و دخلا الى البيت الدافيء وحيث كان د. فارس جالساً عند منقلة (3) يتحدث لها عن قضايا تحرر المرأة ، كما اوضح لهما، بينما استمر هوشنك على انشغاله بالكتابة بعد ان حيّاهما صامتاً و حيث كان يكتب شيئاً بين حين و آخر في دفتر صغير، بعد تحليق في خيال عالمه. وكان الزوج "حسين" قد دعاهما ـ د. فارس و هوشنك ـ للطعام والمبيت ان بقيا في القرية، بعد ان صادفهما في مسجد القرية و كانا يحاولان ان يتدفئا قرب المدفئة، بعد ان علم انهما من فصيل البيشمركة الذين انقذوا حياة زوجته وابنه . . كما قال د. فارس رحيم .
   و فيما كان الحديث يدور حول شؤون متنوعة، استمر صاحب بتأمّل المكان و هو يجيل بنظره و يردد لنفسه . .  " يبدو ان ربّ البيت نشيط وقوي ومتمكّن فعلاً ، فذلك واضحاً من كمية الحطب الكبيرة المرصوفة في رفوف متناسقة حسب حجومها تحت سقيفة الدار. حطب من كل الأنواع ؛ للطهي ، للخبز وللتدفئة . البيت نظيف من الخارج والداخل، و كان فوق سقف الزريبة الذي يمكن مشاهدته من الشباك "باكردانان"  لامعان من النوع الجيد، كانا مشذبين بعناية . و اسفل طابق غرفة السكن حيث جلسوا، كانت سقيفة لمربط حيوانات واسع .  . كان تحتها بغل بادي القوة والنشاط يعلف بنهم، كما شاهد صاحب من خلال شباك جانبي، اضافة لقطيع من الوز الأبيض الذي كان يصيح عند صعودهم صياحاً لاينقطع، حيث لم يستطع تمييز الداخلين بعد ، هل هم اصدقاء أم اعداء . . كما قال د.فارس عند احاديثه عن الوزّ .
   فكّر صاحب و هو يتأمّل المكان " ماذا يحتاج الأنسان من أدوات في هذه الحياة الساحرة القاسية والصعبة، و ماهي مؤهلاته لمواجهتها؟ يبدو انها الأساسيات فقط ؛ الصحة ، الشجاعة ، القوة البدنية ، شيء من العقل . .  وتذكّر زوجها حسين الذي حملها على بغله الوحيد في العام الماضي وسط عواصف الثلج حين كان الثلج مستمراً بالسقوط لأيام طويلة، حتى وصل حد الحزام كما يقال . . بعد ان قطع مسافة لاتقل عن ستّ ساعات تحت وابل الثلج الكثيف المتساقط . . محافظاً على توازن زوجته الحامل التي امتطت ذلك البغل البني القوي العضل ، الذي يذكّر بقرقعته على الصخور المدفونة تحت الثلج، و بذيله الأسود الطويل، بكائن خرافي يصارع الكون ليحافظ على سيدته المترنّحة المتمسكة بمقوده و رقبته.

   قدّمت"زُلفى" الطعام لهم بعد ان فرشت نايلون السُفرة على الأرض ، وتكوّن الطعام من بيض وز مقلي بالدهن ، لبن ، عسل ابيض طازج ، زبده ، جوز مقشّر ، شاي . . اضافة الى طبق كبير من الخبز الرقيق . وبعد ان تبسمل الجميع بشهادة بسم الله . . ابتدأوا بتناول الطعام والحديث .
   و لاحظ صاحب مجدداً و هو يختلس النظر اليها غير شاعرة . . " كم اضافت ابّهة الملابس الجميلة ، الى جمالها مظهراُ اكثر جاذبية، و هي ترفل بثوب ازرق من الساتان اللماع الذي كان يلامس الأرض بطوله، وبزُنّار اسود نظيف كثير اللمعان، تتدلى منه ظفائر صغيرة مذهّبة شبه متراصفة احاطت بوسطها الجميل ، و بمنظر حركة ردائها الذي غطىّ ثدييها المنتصبين الرجراجين عند مشيتها، اضافة الى ابتسامتها العذبه الصافيه التي كان يلحظها للمرة الأولى . . اضاف كلّ ذلك عليها جاذبية امرأة رائعة عند غدوها ومجيئها، محاطة بمفاتنها التي تبرز من بين تلك الظفائر . .
   قالت زلفى لدى استفسار د. فارس لها، الا تخاف من البقاء لوحدها مع رضيعها في الدار عند غياب زوجها، والمنطقة تعجّ بأشكال العصابات :
قالت بحزم : "انا لا أخاف وسلاحي جاهز دائماً ". ورفعت احد الأغطية القريبة لتكشف عن كلاشنكوف مظليّ ثمين كان يبدو مزيّتاً بعناية . " جميع اهل القرية اقاربي ، وقد قٌدتهم في القتال عدة مرّات !! "
بلع د. فارس ريقه وقال :
ـ تقوديهم ؟ !
ـ نعم !!  انا البنت البكر لوالدي . . والدي رئيس العشيرة هنا !
اعتدل د.فارس بجلسته وخفف كثيراً من ضحكاته الواسعة التي تحوّلت الى ابتسامات احترام .
وتنهدت زُلفى بحزن و هي تقول :
ـ لا أدري الى اين يمكن ان اذهب فيما لو فقدت زوجي وأهلي ، لاضمان لنا في حياتنا سوى صحتنا وقوتنا وشرفنا، كل مالنا وحلالنا يمكن ان ينتهي بقذيفة مدفع او بقذيفة طائرة مقاتلة وبلحظة واحدة !!
واخذ صاحب يتأمل و يردد مع نفسه :
   "  ماهذا العالم ؟؟ هل الحياة فعلاً بهذه القساوة اينما تذهب ؟ هل الموت باطلاقة او بقذيفة مدفع امر قريب منّا الى هذا الحد و بهذه البساطة المأساوية، حتى في هذا الصقع الجليدي الواقع في اقصى انحاء كوردستان العراق وقرب اقصى الحدود الشمالية الشرقية لكل البلاد ؟ هل يمكن ان تعاني امرأة شابة جميلة لديها كل ذلك الموقع الأجتماعي وذلك الزوج القوي الذي يحبّها بجنون و وفاء، كل تلك المعاناة . . امرأة كـ " زُلفى " ذات العشرين عاماً ، التي تطرح الموت و كأنه أحتمال يومي بكل تلك البساطة "
وقال لها :
ـ لماذا تحملين كل هذا الحزن ؟    
ـ لأني لا أعرف لماذا يتقاتل الأخوة، الجميع كورد و الجميع يواجهون دولاً وحكومات وجيوشاً متوحشة ، الا يكفي ذلك العذاب لنتقاتل فيما بيننا ؟! و نتقاتل قتالاً لاينتهي . .
قال و كان يتصوّر ان مايحدث، هو ليس اكثر من احتكاكات يومية متفرقة :
ـ ايّ قتال ؟!
ـ دكتور انت لاتزال جديد في المنطقة ! واتمنى من كل قلبي ان تعود لأهلك سالماً بعيداً عن هذا القتل اليومي ؟!
   و فيما كانوا يتناولون الطعام اللذيذ بلهفة و يتحدثون بأصوات خافتة ، اكملت زلفى تهيئة قوارير الشاي !! و جهّزت قطع السكّر الدشلمة . . حيث تناولوا الشاي المنعش الذي استعادوا بشربه نشاطهم و دفئهم . . و جلبت لهم افرشة اضافيه، داعية ايّاهم الى ان يستريحوا ويستلقوا عليها بعد شرب الشاي، استعداداً لأكمال سيرهم، واستأذنتهم وخرجت لأتمام بعض الأعمال كما قالت .
و فيما كان هوشنك ذو القبعة الجيفارية الجالس بجانب د. فارس يبتسم و هو يحدّق الى الخارج من نافذة الغرفة، قال مام توفيق قاطعاً الصمت :
ـ يالها من امرأة باسلة  .   .  زوجتي وابنتي هكذا ايضاً .
وبعد ان تمدد الجميع على الأفرشة النظيفة، مادّين ارجلهم و اقدامهم الى قرب المدفئة ، تبادلوا الحديث و اشار د.فارس الى ان هوشنك لابد و ان اتمم قصيدة جديدة ! واضاف بعربيته و هو يستدير الى د. صاحب :
ـ دكتور عاش ايدك !! سيكون كسباً عظيماً لنا ان استطعنا الفوز بصداقتها لنا . . ستكون محطة وركيزة قوية لمساعدة البيشمركة !! و اضاف " علىّ ان اقوم بجولة للتعرّف و لتقوية العلاقة مع اهالي المنطقة وسأذهب في البداية معكم الى بيوران و نقضي وقت بشراء بعض الحاجات انا و هوشنك !! أتعرف دكتور ان هوشنك شاعر مبدع و معروف في مناطق هورمان ؟
قال مام توفيق :
ـ نعم و الله ماموستا هوشنك معروف و اشعاره مؤثرة فعلاً بين الشباب خاصة ! . .  و همس بأذن صاحب قائلاً : و لكنّ هوشنك لا يريد الإلتزام بحزب ما او بمنظمة ما. انه نشيط متعدد المواهب و القابليات، شجاع و لكن كثيرين لا يعرفون ماذا يريد ؟!! و اضاف بصوت عال :
ـ امّا بالنسبة لنا فسيكون طريقنا اطول فعلينا الذهاب الى سردشت اولاً، و بلا تضييع وقت في بيوران .
   بعد ان ارتاحوا بحدود النصف ساعة مسترخين في الدفء، بدأوا بالنهوض و تفحّصوا جواربهم السميكة والزنكالات (4) ان كانت قد جفّت، بعد ان علّقوها و هي رطبة، قرب المدفئة. و بعد ان اكملوا تجفيفها بنشرها قرب المدفأة المحمّرة باشتعال قطع الأخشاب التي وضعت فيها . .
عدّلوا ملابسهم واحكموا اربطتها وبدأوا يتهيّأون للمغادرة، وهم يتنحنحون و يضربون الأرضية باحذيتهم بلطف، لأشعار ربة البيت التي استضافتهم وغابت عنهم بانهم مغادرون  . . حتى بدأوا بالنزول الى باحة المنزل، الاّ انهم و قبل وصولهم الى الباب وفتحها، اقبل الوزّ راكضاً عليهم وقطع عليهم الطريق بصياحه و فحيحه و هو يستعد للمواجهة، فجاءت زلفى سريعاً و رضيعها مربوطاً  بظهرها، فابعدت الوزّ عنهم، و سلّمتهم اربعة لفائف في اكياس وهي تقول :
ـ هذا زاد الطريق . .
وسلّمتهم لفائف طعام للطريق وفيما شكروها بعمق وذهب د. فارس و مام توفيق و هوشنك، استبقت صاحب بنظراتها،  فلمّا تأخّر عنهم و بقي قربها، اضافت قائلة له :
ـ دكتور انت عربي لاتعرف الجبال، الشمس بدأت تختفي خلف الغيوم و ستهب عاصفة ثلجية !! وانت بدون قمصلة، جئتك بفروة زوجي . . البسها وارجعها متى تستطيع، سيفرحه ذلك كثيراً. البسها وليحرسكم الله ومحمد المصطفى !
سلّمته الفروة ، واضافت :
ـ بحق النبي لا أعرف الى اين تذهبون بدون سلاح !! هناك معارك دموية بين البيشمركة في سردشت !!
دكتور لانريد ان نخسرك في حياتنا الدموية هذه !!
استلم صاحب الفروة الدافئة و هو كثير الإمتنان لها، و كان لا يعرف ايضاً حقيقة ما يدور في المنطقة المتوجهين اليها . . ويمكن انه لم يكن يريد ان يعرف، بسبب شعور الفرح الذي كان طاغياً عليه، و لثقته بأنه مع رجال بيشمركة اكراد مجربين  . . و اضاف مكررا :
ـ زور سوباس، جزيل الشكر ! و اتمنى لك الصحة و العافية، سلامي الى كاك حسين !!
علت الحمره وجهها وقالت بابتسامتها الجميلة :   
ـ اشكرك . . الله يوفقكم و النبي المصطفى يحرسكم !!
بعد ان تبادلا السلام .. نزل من باحة المنزل المرتفعة قليلا و المطلة على طريق جبلي واضح المعالم . .  و وصل الى رفاقه الذين كانوا ينتظرونه عند مرتفع قريب  . . كان يصعب عليه او كان لا يستطيع تقدير موقف عسكري ما في المنطقة، فهو لايزال لايعرف بالكامل عن منطقة و ريف واسعين و جبال شاهقة، مرّ بها في السابق مروراً فقط . .  و لكنه لم يرها بتفاصيلها كما يراها الآن، بل و لم يقرأ او يسمع عنها شيئاً تفصيلياً في السابق . . كان الوضع بأكمله و بتفاصيله الجديدة . . لايزال خيالياً امامه، و لكنه بدأ يجد طريقاً اليه .
   لم يكن يفكّر بالموت الذي افلت باعجوبة منه بعد اختفاء وانقطاع تام عن حياة الناس العادية لمدة اكثر من سنة كاملة بلياليها و نهاراتها، و بعد سنوات حياة مريرة قاسية كان يعيش فيها حياتين، حياة طبيب اقدم يسكن المستشفى و ينام يومياً في سكن الأطباء العائد لها من جهة، و حياة سياسي بنشاطات لم تعرف الهوادة من جهة اخرى .  . اضافة الى قيامه بكثير من النشاطات السرية التي كانت في عداد المحرمات في زمان الدكتاتورية . . كان يشعر بفرح عارم، فرحاً لايهمه معه الموت، مادامه يعيش الحياة بنبضها مع اناس، الذين جمعته بهم نفس الأهداف في الحرية و السعي المنشود الى العدالة الإجتماعية .
   كانوا مرتاحين، شبعين، ومستعدين لمواصلة السير . . فيما استدار صاحب لاارادياً نحو نافذة البيت عندما وصلهم . . شاهد زلفى تلوّح لهم بيدها من خلف الستارة و هي تبكي . . ولم يفهم لمَ كانت تبكي ؟؟ يمكن لأنه لم يكن يعرف حجم الخطر الذي يواجهوه ابداً وهم بدون سلاح، وكان يقول لنفسه :
" عند رجوعنا سنمر ببيتها حتماً وسنسلّم عليها وعلى زوجها " حسين " و اعيد اليهما الفروة الدافئة التي اعارتني ايّاها زلفى . . وحتى ذلك الوقت ، الله كريم !! "
.  .  .  .
.  .  .  .
   بعد مسيرة ساعتين . . اخذ الطريق يتّجه تدريجياً نحو الأعلى، وسط جو امتلأ بروائح الرطوبة . . و روائح خشب اشجار " الجنار " و " القوغ " العملاقة المبلله و المستمرة بنفض اوراقها . . اضافة الى روائح أشجار البلوط الرطبة المختلطة بروائح ادخنة مدفئات الحطب المنزلية، الأدخنة التي كانت ترتفع من مداخن المنازل القروية الجبلية من جهات متعددة . .
   وسط ضجيج و طقطقات تكسير وتقطيع الحطب المتداخلة مع صيحات فلاح و هو يصيح على بغله الحارن، علّه يسمع صوت صاحبه فيقف او يعود اليه  . . اضافة الى صيحات الرعيان على قطعان ماعز كانت تديرها كلاب الرعاة وتنظّم سيرها معاً في قطيع كبير مكوّن من مجاميع اصغر، تفرّقت بفعل انقطاع الطريق الواسع و وصوله الى تشعب و تعدد ممرات الحيوانات، التي كانت تغذّ السير و هي تقطع سفوحاً تناثرت على سطوحها صخوركبيرة، اضطرت القطيع الى ان ينقسم الى طوابير اخرى و هو يجتازها . .
   بعد قطعهم ذلك الطريق تعبين لاهثين، وصل الأربعة الى قمة رابية كانت تطلّ على منطقة واسعة كساها الثيّل و حشائش خضراء، و بانت وكأنها سجاد متنوع الخضرة تخللته الوان مالت  الى الصفرة، كخطوط او بقع او باشكال كثيرة التنوع  . . بفعل الخريف.
و فيما استغرق هوشنك بالغناء . . وصاحب ينصت اليه بكل عواطفه التي اهاجتها طبقات صوته الجميلة المؤثرة، التي ذكّرته بلوعات الحب المحرّم التي عاشها، متذكراً قولها الحنين الحزين " و لكن . . ولكن . . انت مسلم و انا مسيحية . . " . . و لم يعرف لماذا مرّ عليه ايضاً طيف بنت الهوى التي كانت اول امرأة ضاجعها، و تعلّم منها كيف و كيف . . . و هي تخاطبه بلطف لم يألفه . .
 
قال د. فارس بصوت اجش :
ـ هذه الهضبة هي مفتاح المنطقة كلّها. والذي يستطيع السيطرة عليها . . يعني انه يستطيع السيطرة على : سردشت ، بانه ، ربط (5)، و حتى قلعة دزه . .
و قال مام توفيق :
ـ ما هذا الكلام دكتور ؟ كيف تتم السيطرة على سردشت وقلعة دزه من هنا ؟ !
ـ نعم !! ذلك اكّده الذين سيطروا على هذه الهضبة . . حيث التقيت بهم وحدثوني بذلك، وحدّثوني كيف انهم حققوا بذلك انتصارات هائلة !!
ـ من هم ؟ و مع من التقيت ؟
ـ الروس !! عدد من عسكرييهم استقروا في مناطقنا في السليمانية، في الحرب العالمية الأولى . . تزوجوا و انجبوا و تحدثوا لنا بروايات لا تصدّق بسهولة . .
ـ على حد معرفتي، انهم توقفوا هنا . . بسبب اندلاع ثورة اكتوبر عام 1917 حيث وصلتهم اوامر بايقاف التقدّم . . فلم يتقدّموا اكثر و انسحبوا .
ـ عزيزي ، انت غلطان !! لقد تقدّم الجيش الروسي بجبهات متعددة منها الى اطراف قلعة دزه . . واستمرت قطعات اخرى بالتقدّم عبر خنادق متنوعة، حتى وصلت " رواندوز " وخانقين ، الم تسمع بحكاية وادي الموت في رواندوز؟ (6) . . و حين حدثت ثورة اكتوبر و ثار الجنود ايضاً، هرب عدد منهم تاركين جبهة الحرب، وصار قسم منهم مع الجيش الأبيض لمحاربة الجيش الأحمر في مناطق القفقاس و شمال ايران . .
و بسبب المرض و الإصابات و التعب او . . الخوف من الحرب، استقر قسم منهم في المناطق التي هربوا اليها او اختفوا فيها. قسم منهم كانوا مسلمي الديانة، و الامر الذي ساعد على تعاطف الناس معهم لأنهم مسلمون و وافقوا على بقائهم في القرى التي آوتهم و عالجت جرحاهم، حيث عملوا معهم و ساعدوا من آواهم في اعمال الحقول، وهكذا استقروا في مناطق منها مناطقنا في شهرزور . . وفي مناطق اخرى استقرت عوائل بكاملها بعد هروبها من المذابح الرهيبة في روسيا و القفقاس، المذابح التي اقترفتها الأطراف المتقاتلة بالمدنيين العزّل، وكان من بين المدنيين اغنياء ايضاً و بعد هروبهم بأموالهم صاروا من الآغوات عندنا .  
   كان " صاحب " يسمع اشياءً جديدة غير معروفة لديه عن البلاد، حيث لم يسمع بها قبلاً ولم تتناولها الكتب المدرسية و هو القارئ النهم و المتطلع لمعرفة كلّ شئ عن العراق  . .  بينما يجري النقاش بها بشكل عادي و تروى كذكريات و قصص و روايات، في تلك الأصقاع التي كان مألوفاً فيها حتى رؤية و معرفة اشخاص عاشوا تلك الأحداث بأنفسهم . .
في حين انها لم تكن من الذكريات المألوفة بين الناس في بغداد والمنطقة العربية من العراق ولايجري فيها حديث او ذكريات لأهالي عاشوا احداثها، لأنها احداث لم تمرّ بهم و لم يتوارثوها ذكريات او قصصاً و حكايات .
كانت ذكرياتهم و رواياتهم تدور عن سلاطين و ولاة و عن القوات المتنوعة لآل عثمان و مدى قسوتهم و قسوة فرماناتهم ـ قوانينهم و أوامرهم ـ ، و عن الإنكليز المحتلين و بضائعهم العالية الجودة . . و بقي يتساءل، هل وصل الروس فعلاً الى هناك . . وهل ان بلدهم قريب الى هذا الحد من روسيا سيراً على الأقدام ؟ !
   تذكّر حكايات الجد كرّومي الذي اشتهر بمغامراته مع النساء عندما كان ضابطاً شاباً في الجيش العثماني، وعرف بعدئذ انه اقتيد للخدمة العسكرية في الجيش العثماني ضمن من اقتيدوا من مناطق الفرات، باشارة من ابن عمّه شيخ العشيرة، اثر غضبه عليه لمغامراته المجنونة مع صغرى زوجاته التي لُقّبت بـ " الشقرا " لبياض بشرتها، بعد ان انتبه ناطور الفجر الى تسلل حذر لرجل ملثم و هو يخرج من كوّة سريّة في الجدار لايعرفها الاّ اهل الدار، وامتطى حصانا اصهباً اذهلته سرعة عدوه فاطلق النار عليه فوراً كما امره سيدّه ان يفعل في حالة كتلك، عند غيابه عن الدار .
   و عندما علم شيخ العشيرة بما اخبره الناطور سراًّ ، ابقى الأمر سراًّ الاّ انه تابع القصة، و حَسَبَ و ربطَ و شمشَم و حلل . . و توصّل الى ان المتسلل هو ابن عمّه كرّومي وليس غيره. فابقى الأمر سراّ للحفاظ على وحدة العشيرة، الاّ انه قرر التخلص من كرّومي بارساله الى الجيش ضمن عداد العدد المطلوب منه توفيره للعثماني. فالحق كرّومي بالجيش كجندي، والذي لمعرفته بالقراءة الكتابه عيّنوه كضابط صف بداية، ولشجاعته في مواقف مهمة منها انقاذه حياة آمر وحدته، عُيّن ضابطاً في وحدة المشاة .
   و تذكّر صاحب كيف كان الجد كرّومي يجمعهم ليقص عليهم بطولات و مآثر العشيرة و رجالها الذين خاضوا حروباً و حروب و مما قاله :
ـ و بعد مسيرات طويلة على الأقدام مات فيها كثيرون من المرض، و من خوض معارك مع رجال عشائر لم تنضبط و معارك مع قاطعي طرق و " سلاّبة ". . استقريت في وحدة عسكرية عسكرت عند بحر الروم (7) لحماية الشاطئ من غارات الكفار المسقوف، و هناك تعرفت على الشابة الكورجية نينا اخت ضابط من فرقة الخيالة القوزاق، التي وقعت مع اهلها اسيرة بيده، و قد احبها و احبته، و صارت مسلمة على يده، فاسلمت و تزوجتها كمسلمة، و هي زوجتي الآن . . هل انتبهتم الى عيونها الخضراء الجميلة التي لاتوجد عندنا مثلها ؟!!
كما كان يروي تفاصيل عن المعارك التي دارت بين الجيش العثماني و الجيش القيصري الروسي . التي كانت توضح كم هي صغيرة دنيانا و كيف عاشت و تعيش الحضارات و الديانات القديمة التي قاومت مقاومة باسلة عبر التأريخ و .  .  دامت .  .  

وبينما كانوا يستريحون محتمين بكومات حجرية من الرياح الباردة التي اشتدت على تلك الرابية . . لاحظ صاحب انها كومات من الحجر العاري الخالي من الأتربة ، و بدت له انها قد نُضّدت بانتظام في زمان مضى، و تشكّل صفاً منتظماً يلتوي كالأفعى ليصل الى نهاية الرابية .  
واستكمل د. فارس :
ـ . . شفت مام توفيق ؟! هذه الكومات الحجرية هي مواقع بطاريات المدفعية الروسية
 فيما كان صاحب يردد مع نفسه :
ـ اذن لم يكن الأنكليز وحدهم من الأوربيين، الذين جاءوا الى بلادنا غازين !! كما هو منتشر بين الناس . . و تلك التفاصيل قد لا توجد على الأطلاق في اي كتاب تعليمي او مدرسي .  .
   كان دكتور فارس رحيم رجلاً في العقد السابع من العمر، مضمداً متمرساً و علّم اجيالاً من المضمدين الريفيين . . احب الفلاحين و شارك في انتفاضاتهم ضد الأقطاع و الأغوات، فاحبوه بدورهم و حقد عليه الاقطاعيون.  كان رجلاً فكهاً ومؤدباً في الوقت نفسه، و متواضعاً . . و رغم معاناته الكبيرة في حياته، فأنه عاش مهتماً بمظهره و حسن هندامه . .
   وفيما تجمّع الأربعة حول نار اشعلوها بصعوبة كبيرة بسبب الرطوبة التي غزت المكان اثر المطر الذي تساقط و توقف . . ابتدأ المطر بالتساقط مجدداً واشتد بسرعة، حتى صار امطاراً لاتعرف الرحمة، و هم بلا سقف و لا جدار و انما في عراء كامل . .
   فقرروا السير نحو قرية بيوران الكبيرة التي صاروا قريبين منها رغم الأمطار، لأنهم في كل الأحوال سيبتلّون . . فاستمروا في السير عبر الرابية حتى وصلوا الى حافتها الشرقية و اخذوا ينحدرون منها نحو اشجار الأسبندار العالية التي بدت و كأنها تنبع من جوف وادي عميق، خافية القرية وراءها،  التي احتاجوا ثلاث ساعات تقريباً للوصول اليها سيراً على الأقدام .
كان المطر قد توقّف عند وصولهم القرية . . فذهب د. فارس على عجل الى مقر البيشمركة الكورد الإيرانيين، الذين كانوا يشكّلون السلطة القائمة في القرية وقتذاك ، فعرّفهم بنفسه و بأن المهمة التي يأتون من اجلها هي " جلب ادوية " للدكتور الذي يرافقهم . و بعد اسئلة و اجوبة معقولة ، وافق المقر على منحهم تأشيرة مرور الى مدينة سردشت مع تحذير مفاده، ان في المدينة صراع دموي سياسي عشائري . .
و في الواقع فإن الوضع المعقّد الذي نشأ بعد انتصار الثورة الإيرانية، تمخّض عن تكوّن حالة معقّدة بين قوى الشاه التي انتهت سلطتها السياسية و من نشأ و احتمى بها، و بين قوى الثورة و الجماهير المنتفضة التي لم تستكمل مقومات سلطتها بعد. اضافة الى شيوع الفوضى بسبب غياب سلطة حكومية واضحة مستقرة . . الامر الذي ادىّ الى اندلاع ثارات و احقاد ارتدت طابعاً مسلحاً بسبب انهيار المعسكرات و دوائر الشرطة و المرافق المسلّحة، وانتشار اسلحتها بين خليط من الناس، من ثوريين و ذوي مصالح، الى سرّاق و مهرّبين . .  
.  .  .  .
.  .  .  .
كانوا في المقهى عندما شاهدوا عولا الذي اختفى من الطبابة كما مرّ . . الذي شاهدهم و ذهب اليهم محيياً و جلس عندهم، و من الحديث معه صار واضحاً لديهم انه ترك البيشمركة نهائياً و قرر الإستقرار في بيوران، بعد ان افتتح له عيادة كطبيب في بيوران !! و صار مستعداً للزواج، حيث سيتزوج قريباً، و انه يدعوهم للمبيت في بيت عمه ابو خطيبته حيث يسكن، حيث لا يتحرك باص الى سردشت بعد الظهر، بسبب القتال الناشب فيها.
و فيما قرر د. فارس الذهاب مع هوشنك للتأكد من ذلك و لإتمام عدد من الأشغال، بقي صاحب و مام توفيق جالسين مع عولا الذي دعاهما لمشاهدة عيادته ؟! و ذهب الجميع الى العيادة . كانت عبارة عن محل يشبه محلات الباعة بواجهة نظيفة، تغطي ستارة طويلة نصف واجهته، و النصف الآخر يحتوي على مقعدين و منضدة صغيرة و على جانبها دولاب مفتوح يحتوي على علب و قناني طبية حديثة و نظيفة، وكان يجلس هناك صبي هو اخو خطيبته، للعناية بالمكان في غيابه.  
و شاهدا لوحة معلقة على الجدار، مكتوب عليها " دكتور عبدالله البشدري " و كتب تحتها  "مساعد دكتور صاحب " و قال صاحب لنفسه " والله معقول . . هنا كل من يزرق ابرة يسمى دكتور، اما كونه مساعدي فذلك صحيح ايضاً، و الشطارة هنا ان مرضاه هم نفس المرضى الذي يراجعون طبابتنا طيلة السنتين الماضيتين . . يعرفوه و يعرفهم " . .
بعد ان هنّأه صاحب على عيادته، ذهب مع مام توفيق يتمشيان لإنشغال عولا بمريضً بعد ان وعداه بالعودة . و تحدثا عن العيادة و عن ان ماروي عنه كان صحيحاً، و التقيا بدكتور فارس و هوشنك اللذين اكدا انه فعلا لايوجد باص الاّ غدا صباحاً . . و عادوا بعد ان تمشّوا في القرية التي توسعت كثيراً عن الماضي الى عيادة عولا . . و بعد ان قضّوا الليلة عند عولا، ذهبوا صباحاً الى موقف الباص الاهلي الذاهب الى سردشت.
(يتبع)



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   وهو السيد ابراهيم صوفي احمد من اهالي حلبجة، و الذي اشتهر بأسم "أبوتارا" ؛ و كان من ابرز كوادر العمل العسكري الأنصاري، اصيب اصابة بليغة في ساقه التي انقذت من البتر في معارك الحركة الكردية التحررية آنذاك . عضو م. س لحزب حشك .
2.   وتعني بالعربية ( دكتور ! تفضّل ! هذا بيتنا ! ! ) .
3.   آنية معدنية يوضع فيها الجمر، لعمل الشاي و للتدفئة .
4.   المفرد زنكال، الربطة الصوفية الجبلية التي تدفئ الساق من اسفل الركبة الى حد الحذاء.
5.   ربط (ربت)، مدينة في اطراف سردشت، اشتهرت بمجمع اللاجئين الكورد العراقيين، الذين هاجروا اثر انتكاسة ثورة ايلول الكردية عام  1975 .
6.   وادي الموت في رواندوز، هو الوادي الصخري العميق الذي يقوم فوقه مركز قضاء رواندوز، و لأن الوادي عبارة عن شق طولي هائل في الأرض الصخرية المستوية التي تقوم عليها المدينة، فأنه لايظهر للعيان من بعد، و من ينظر الى المدينة يتصور انها قائمة على ارض مستوية متصلة. وذلك ماحدث لكتيبة من الخيالة القوزاق التي هجمت تسابق الريح على مدينة رواندوز و وجدت نفسها امام قطع صخري لوادي عميق، و لما لم يستطع الخيّالة التوقف، سقطوا جميعاً الى هاوية الوادي الصخري فقتلوا بعد ان تهشمت عظامهم، و سميّ منذ ذاك بـ " وادي الموت " .  
7.   لم يُعرف بالضبط اي بحر . . هل هو البحر الأسود ام بحيرة رضائية .




مواضيع سابقة


هناك .  . عند الحدود (9)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,739426.0.html


هناك . . عند الحدود (8)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738795.0.html


هناك . . عند الحدود (7) الفصل الرابع نوزنك . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738574.0.html


هناك . . عند الحدود (6) الفصل الثالث الى مهاباد . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738147.0.html


هناك . . عند الحدود 4 ـ 5
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737948.0


هناك . . عند الحدود (2 - 3)
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737703.0


هناك . . عند الحدود 1
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737628.0

33
هناك .  . عند الحدود (9)
                           
د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net


               الفصل الخامس
            في غمار تكوين طبابة بيشمركة
 
                     
   في ذلك الربيع كانت الأخبار القادمة من مهاباد تشير الى نجاح الحركة الكوردية في كوردستان ايران في التوصل الى طريق سلمي مع الحكومة المركزية لحل المشاكل العالقة بينهما، والى سيادة وضع شبه ليبرالي هناك، يعكس حالة من توازن او هدنة . . البيشمركة يحفظون الأمن والأستقرار في المدينة والجيش الحكومي مستقر في مواقعه وابنيته المحيطة بها، اضافة الى رباياه العسكرية المقامة على الجبال والمرتفعات المحيطة بمهاباد، والتي كان قسم منها مكوّن من دبابات حملتها سمتيات عملاقة الى تلك المرتفعات وكونت بها ربايا .
   اخبر ابوحكمت الذي كان ممثل هيئة هندرين القيادية التي بحماية قوة انصار توزلة، اخبر صاحب بأنه يستطيع الذهاب لعلاج اسنانه بشرط ان يكون على حسابه الخاص، بعد ان اشتد المها عليه الى رضائية، و للحصول على ادوية من الأطباء المتعاطفين مع البيشمركةالأنصار هناك، وترتيب امر ارسال من يحتاج من الأنصار الى علاج لايتوفر في الجبل. مع تاكيده على ان يكون العدد اقل ما يمكن والاّ سيفشل تنظيم ذلك، لأن الأمر  يحتاج الى اوراق عدم تعرض موقعة من جهات معترف برسميتها .  .  في ظروف كانت انظمة دول المنطقة كلّها تضع تحرّك الكورد تحت رقابة مشددة.
   و فعلاً سافر صاحب لعلاج اسنانه مع ابو نصير(1) و عدد من المرضى المرسلين الى رضائية ـ اورمية (2) ـ و نزلوا في فندق متواضع هناك لصديق يعرفه عدد من كوادر البيشمركةالأنصار المسيحيين . . كانت رضائية مدينة جميلة فرحة، تثير البهجة بخضرتها و اشجارها الجميلة . و هي المدينة التي تذكرها الكتب المقدسة، وتذكر خيراتها بأنها الجنة بنسائها الجميلات ذوات الحواجب المتعاقدة.     
   و دعاهم اصدقاء ابو نصير الى سفرة في المحيط الجميل للمدينة و حيث تنتصب " قلعة العاشق" لتناول الطعام، و كان الحاضرون مثقفين و اصحاب مهن و رجال اعمال شباب . . يقومون بسفرات و رحلات و يحيون امسيات للعوائل المسيحية هناك للتعارف و الصداقة و احياء الاعياد، بينهم مهندسين و اطباء، حيث تعرف صاحب على طبيب بينهم ابدى كل الإستعداد لدعم طبابة البيشمركة في نضالهم ضد دكتاتورية صدام في العراق، و على طبيب أسنان عالج اسنانه بعدئذ.
كانت الجاليات المسيحية في المدينة خائفة آنذاك، في اعقاب هجوم قامت به مجموعة متطرفة على عائلة مسيحية كانت تحتفل في بيتها في ليلة رأس السنة، وقذفتهم بقذيفة ار. بي . جي مضادة للدروع و تسببت بسقوط قتلى و جرحى من العوائل و الاطفال، بدعوى انهم يشربون مشروبات كحولية و يحتفلون بها علناً ؟!
كان القلق واضحاً على ابناء و بنات الطائفة، من ان يتعرضوا لهجوم مماثل بدعوى تطهير المجتمع، خاصة و انهم لايستطيعون التكهن بالأحداث و القوانين المقبلة  . . و في الواقع فإن التشدد حد القتل على تناول المشروبات الكحولية في البيوت، في عموم البلدان الإسلامية لا يمارس بتلك الحدة التي مورس بها آنذاك هناك، و انما يُمنع في العادة تناول المشروبات الكحولية فيها علناً في الأشهر الحُرُم . و المضحك المبكي ان تحريم تناول الخمور ذلك، ادىّ الى حصول ازمة سكّر و رز، بسبب قيام الكثير من المسلمين بعمل الكحول في البيوت من السكّر و الرز، رغم ان ذلك مضر بالصحة لأنه غير خاضع للتدقيق و للفحص الطبي .   
   بعد ان رتب امور المرضى و الأدوية مع الدكتور في رضائية التي يوجد فيها اطباء اخصائيون اكثر تنوعاً مما في مهاباد . . ذهب صاحب مع ابو نصير و ابو جنان (3) الى مهاباد الجميلة، التي زادتها زينة النوروز جمالاً مضاعفاً .  .  من الإشجار المضاءة بألوان متنوعة، الى اغاني النوروز التي تصدح في زواياها . .
حيث كانت السلطة المحلية فيها بيد البيشمركة، فيما كانت الدبابات متموضعة و تنقل بالهيليكوبترات الكبيرة على قمم الجبال في رابعة النهار كربايا سريعة الإقامة، في دلالة بارزة على ان العسكريين الذين يقودون العمليات ضد الكورد، هم انفسهم الذين عملوا لصالح الحكومة الشاهنشاهية التي اسقطتها الثورة، كما كان يتناقل الناس ؟!   
و كان الرائي يشاهد بوضوح حرية العمل التي تتمتع بها الأحزاب التقدمية و اليسارية المتنوعة، اضافة الى الأحزاب الإسلامية . . من خلال مكتبات و مراكز اعلام و تثقيف اضافة الى الصحافة العلنية، وسط حزازات و توتيرات متنوعة بدأت تطفو على السطح لعناصر اكثر تعصباً من غيرها بعضها تجاه البعض الآخر، التي كان تخفف منها ادارة المدينة التي كانت بيد بيشمركة الديمقراطي الكوردستاني الإيراني ـ حدكا. 
و قد اقام صاحب في بيت دكتور شاد الذي دعاه للإقامة لديه، حيث لقى عنده كل احترام و عناية منه ومن زوجته الشابة التي كانت مسؤولة عن ادارة و تنظيم مالية العيادة الطبية العائدة لزوجها، و تنسيق جداول الضمان الصحيّ في غرفة في بيته الجميل. و كانت فرصة هامة لدكتور صاحب للإطلاع و مناقشة المستجدات الطبية و خاصة من خلال المجلة الطبية البريطانية الشهرية المعروفة  (B.M.J) التي كان د. شاد مشتركاً بها .
   بعد يومين اخبر مام قادر صاحب بان ابو حكمت ينتظره في بيت يعود لأحدى العوائل الصديقة هناك وانه سيرافقه الى هناك، فذهب معه الى ابو حكمت .  .  الذي اخبره بانه ينتظر ابو جوزيف الذي سافر الى رضائية و سيعود ذلك اليوم ، و اضاف :
ـ نحن مدعوون مساء اليوم لدى د. قاسملو في بيت المطرب الكوردي الشهير " محمدي مام لي " بمناسبة اعياد النوروز.     
   عند الغروب وبعد اكثر من دست للشطرنج الذي كان يجيد لعبه ابو حكمت بشكل مذهل، جاء ابو جوزيف بادياً عليه التعب . بعد ان اغتسل وارتاح قليلاً، تحرك الجميع مشياً الى بيت المطرب " محمدي مام لي " الذي لم يكن بعيداً  .  .  كان البيت هادئاً من الخارج رغم الحراسة المشددة عليه من وحدة من بيشمركة حدكا بشكل لايثير ضجة.  . 
   دخلوا الى شبه قاعة واسعة برفقة المطرب الكبير وولديه، الذين استقبلوهم عند الباب، و كان د. قاسملو، غني بلوريان، وثلاثة رجال اخرين واقفين، سلّموا عليهم وصافحوهم وطلبوا منهم الجلوس الى ثلاثة مقاعد وثيرة من مجموعة مقاعد صفّت بعناية حول صفوف من مائدة عامرة بانواع متعددة من المأكولات والفواكه والشراب .  . 
وكان قاسملو جالساً على مقعد محاط  بعدد من الهواتف واجهزة اتصال وامامه راديو ترانزستور صغير حديث من نوع سوني، كان يفتحه على مواعيد الأخبار، و يجيب على الهاتف بلغات متعددة من الكوردية والفارسية الى الفرنسية والأنكليزية . . و يشارك في جو الفرح المقام ايضاً .   
   وبعد احاديث مملحة ونكات رطّبت الجو و اثارت جواً من المرح .  .  بدأ موسيقيان اثنان يدندنان بآلتيهما ويضبّطانها .  .  وانطلق صوت "محمدي مام لي" الساحر الذي يحلّق بالسامع بعيداً في اجواء مفرحة مضيفة ابعاداً خلاّبة على جو الربيع السائد وعطوره الفواّحة، اضافة الى غناء ولديه لللازمات  التي كانت تتكرر بعد فواصل توقفه  .  . 
   صوت ساحر صادح قوي كان يخرج ساكني الزقاق على طوله، نساءً ورجالاً الى شرفات منازلهم و هم يرددون معه باصوات متناسبة منسّقة وكأنها فرق انشاد عديدة قضت وقتاً طويلاً في التدريب على الأنشاد والفواصل والوقفات . كان صاحب يشاهدهم من الشباك الكبير المطل على الحديقة الأمامية المرتفعة عن الارض قليلاً ، بعد ان ازاح د. قاسملو الستارة عنه ودعاه للمشاهدة اثر تساؤلاته، هل هي فرق انشاد ام ماذا ؟
ثم تفاجأ بسؤال د. قاسملو له جاداً حين قال :
" نحن ممتنون كثيراً لما قدمته لجرحى البيشمركة، واقول ابق مع بيشمركتنا لمدة سنة واضمن لك دراسة دكتوراه تخصصية في الجراحة في فرنسا او بريطانيا ، ماذا تقول ؟ "
   بنظرة خاطفة الى وجوه رفاقه لأستطلاع طبيعة السؤال .  . شاهد صاحب ابو جوزيف جامداً شاحباً !!  فشكر د. قاسملو على تقديره وكرمه وعبّر له عن استعداده الدائم لمعالجة جرحى المدنيين العزّل و البيشمركة في سبيل قضيتهم العادلة ولكن " قضيتي كما تعرفون في العراق . . ! "
   و لاحظ صاحب عودة الحيوية الى وجه ابو جوزيف، فيما مرّ الوقت بشكل مرح لايوصف .  .  و بخروجهم الى الشارع و فيما صافحه ابو جوزيف بقوة و ابتسامة عريضة، قال ابو حكمت : ان كل حركات الأنصار تحتاج الى الطبيب حاجة ماسة دائماً، وارجو ان لاتتكدّر من السؤال فهو سؤال طبيعي ويدلّ على تقدير رفيع .
   كان التعب واضحاً على ابو جوزيف، بعد سفره المتعب ضمن جهود كانت تبذل للقضية الكوردية و قضايا الاقليات القومية و الدينية و للم الصفوف، من اجل تحقيق مطاليبهم العادلة، وكان من ثمار تلك السفرة، حصول منظمة البيشمركةالأنصار على دعم واستعدادات متنوعة من تبرعات ادوية ومعالجة مرضى الى غيرها الكثير . .


   و مع عودتهم من مهاباد الى مقراتهم . . كانت القوة تنتقل الى مواقعها الصيفية وفق خطة مكتب القوة . . فعادت الطبابة الى موقعها في توزلة، جنب خيمة مكتب القوة الذي بدأ بالبحث عن مكان صيفي جديد له . . لتحقيق انتشار افضل للمواقع، اثر برقية القيادة العامة للمنظمة التي تشكلت في الشام ثم انتقلت الى بهدنان و التي أكّدت على التحوّط من مخاطر عمليات القصف الجوي التي تتوقع تزايدها في ذلك الصيف . .
و فيما تحسّن وضع الطبابة و ادويتها قليلاً عن السابق، تواصل و تزايد عدد المرضى المراجعين من الرجال و العوائل، اضافة الى الجرحى من كل القوى . . و الجديد عن الصيف السابق، ان كثيرون صاروا يأتون الى الطبابة من قرى و اماكن ابعد مما سبق، حيث صاروا يأتون من القرى الكبيرة مثل : بيوران، بنوخليف ، كاني زرد، ميراوه . . اضافة الى المرضى القادمين من مركز قضاء سردشت ذاته .


 

اخبار عن اعتقال اهله . .

و بعد ايام و بينما كانوا ينتظرون توزيع الغداء . . تفاجأ بخبر نقلته جريدة الحزب السرية التي كان يقرأها ، افاد باعتقال كل اهله في دارهم . . والده و والدته و اختيه !!  دارت به الدنيا و حاول الذهاب بعيداً عن ساحة تجمع البيشمركة للطعام، و كان لايسمع نداءات البيشمركة عليه لتناول الطعام
حيث انه و رغم توقعه لمثل ذلك كما حصل لعدد من رفاقه . . الاّ انه كان صدمة كبيرة له لأنه لم يتصور ان يكون انتقام الدكتاتورية من العوائل الديمقراطية الى ذلك الحد، ماذا فعلوا ؟ صفقوا ؟ ارتادوا ندوة حضروا افلاما عن التحرر ؟ تكلموا عن الحرية بين اهلهم و اصدقائهم، هل هو حقد على الأهل لأن ابنائهم صاروا كوادر علمية يُفتخر بها و يحبون وطنهم.
لم يكونوا متامرين و كانوا دائماً مع السلام و ضد العنف و الحرب، و من والده تعلم ان العراق فيه مختلف القوميات و الأديان و لها حقوق متساوية لأن الجميع بشر و مواطني بلد واحد . . ومن والدته تعلم الصبر و المحبة و معنى العائلة . .
ماذا سيفعلون بهم هل سيقتادوهم كما تقتاد الحيوانات ؟؟ الله يستر فالدكتاتورية من الوحشية و الشر بما لايصدقه العقل، تذكر استشهاد ابن عمه زهرة العائلة عدنان و هو في ذروة شبابه، تذكر والدته الطيبة بامانيها المسالمة و بعواطفها الجياشة . .
و بقي يقلّب ذهنه و يبحث عن الأسباب المباشرة لذلك. و تلفّت و لفّته الحيرة . . لم يكن هناك من يستطيع ان يسأله،  حيث كان هناك الكثير من الأسباب التي قد لم تكن كلها سياسية . . و احتاج لمن يشكي و يبث له همومه و معاناته، و لم يجد افضل من ابو جوزيف و الجار ابو شاكر اللذان لعبا دورا كبيرا في تهدئته. 

 . . . في حزيران 1980 ، وفي حدود العاشرة صباحاً أغارت سبعُ طائرات حربية من نوع توبوليف على المنطقة ، وقد بدأت الغارة غير المنتظرة ابداً بسقوط صواريخ على مقرات بيشمركةانصار حشع ، حيث كان عدد من الأنصار يتمددون تحت شمس الصيف الدافئة ، وكان آخرون يغتسلون بعد ان سخّنوا الماء لذلك ولغسل الملابس ، فيما انشغل الأنصار الخفراء بأعداد طعام الغداء  .  .  وكان عموم الموقع بمقراته قد اتسع وصار لديه مع بقية القوى المتواجدة بما يمكن اعتباره بمظلة دوشكا ضد الجو .
لقد شملت الغارة تلك، مقراّت كل القوى المتواجدة في المنطقة، اضافة الى سوق "نوزنك" والقرى المحيطة بمنطقة المقرات، فاضافة الى قرى : "سوني" ، "سنه" في الجانب العراقي من الحدود . . شملت قرى "كونه مشكان" ، "بنوخليف" ، "قاسم ره ش" ، "ميراوه"، وحتى "بيوران" في العمق الأيراني . .
اضافة الى مواقع الرشمالات (4) المتناثرة المواقع في المنطقة، ودمّرت مواقع عيون الماء الكبيرة في تلك المنطقة، وحطّمت بعض اجزاء الممر الجبلي العالي الذي كان يربط بين " قلعة دزة " و" بيوران" والذي كان صالحاً لمرور السيارات في الستينات .
كَمَنَ الجميع على الأرض و في حُفًرها واطفئوا نيران الطبخ والأغتسال لأيقاف تصاعد الدخان ، وهرع اعداد الدوشكا الى سلاحهم وابتدأوا برشق الطائرات المغيرة التي اخذت تركّز نيرانها على رماة الدوشكا من كل القوى الذين ثبتوا في مواقعهم يرشقوها بقذائفهم ، وكان المنظر مريعاً فقد انفردت بعض الطائرات و هي تغير بشكل مستقيم ومباشر على رماة الدوشكا ، وكأن المعركة تدور بين المقاتلة ورامي الدوشكا فقط . . 
ثبت الرماة في مواقعهم المتعددة ، رغم ان احدهم ترك موقع دوشكته لأرتباكه، و استمروا يصلون الطائرات المغيرة التي كانت تقذف حمماً من الصواريخ والقنابل على مواقع الدوشكا بشكل مباشر ووحيد هذه المرة .

صاح رامي الدوشكا "حمه امين" من فصيل "بتوين" في " زلي" :
ـ اصبتها ، اصصصصببببتتتتهههها  ها ها ها    !!
فيما لاحظ عدد من الأنصار المجاورين له ، احدى الطائرات تطير مبتعدة مخلفة وراءها خيطاً اسوداً من الدخان . . و لم يكن من السهل تحديد الرامي الذي اصاب الطائرة ، في خضم انفجارات الصواريخ والقنابل والدوشكات الخمسة لكل القوى و المتوزّعة على رقعة المنطقة ، اضافة الى الرمي المستمر بمختلف البنادق سواء البرنو او الأوتوماتيكية وعدد من رماة الـ RBG فوق الجبال ، الذين كانوا يرمون لأبعاد الطائرات وبأمل اسقاطها ايضاً فيما لو انفعل الطيار وزاد اقترابه من الأرض، كما تفيد تجارب البيشمركةالأنصار، اضافة لمن كان يرمي كرد فعل لاأرادي على القصف .
   في خضم دوي الأنفجارات وآلاف الأطلاقات في كل لحظة الذي كان يصم الأذان ، والتحسّب لأنزال قد تقوم به طائرات أخرى ، بعد ان مهّدت الطائرات الأولى الأرض لذلك، سمع انصار توزله هدير متنوع يقترب ويبتعد ويدور، تبين فيما بعد ان عملية قصف وتدمير أخرى بنفس الوقت كانت تقوم بها اربع سمتيات مقاتلة ، كانت تحوم على منطقة "دولي تو" ،"سنه " و  "سوني" واطرافها ، وقد سُمع دويّ مكتوم يشبه رش سوائل ، ثم تصاعدت أدخنة من نوع غير مألوف ، تبيّن فيما بعد ، انهم رشوّا حوامض تسببت في حرق الأشجار دون اشتعال نار ، على موقع قرية "سنه" السفلى التي تحاذي الجدول الصغير مقابل "زلي" . 
بعد استمرار القصف ، لأكثر من الساعة ونصف الساعة، انسحبت الطائرات وتوقع البعض ان الغارة نتهت . الاّ ان خمسة طائرات "توبوليف" عادت تقصف المواقع مجدداً بعد حوالي النصف الساعة وبشكل اكثر وحشية من السابق ، واخذت ترمي صواريخها وقنابلها على طول طيرانها وهي تتجه نحو العمق الأيراني، ثم و هي عائدة من نفس ذلك الإتجاه  . .
الأمر الذي لم يكن مفهوماً ابداً، هل تطارد احداً بعينه ام ماذا ؟ أم هو استهتار بضعف السيطرة الأيرانية على الحدود آنذاك اثر انتصار الثورة الأيرانية ؟ الا يخافون من رد القوات الأيرانية عليهم ؟ الا يخافون من اشعال حرب مع ايران ؟ بل و سمعت اصوات انفجارات جديدة اخرى قادمة من جهة العمق الأيراني حيث حلّقت طائرات مقاتلة اخرى بعد ان حرثت المنطقة مجدداً بقنابلها و هي قادمة من جهة أخرى، قبل ان تتوجه الى هناك، وعُلم بعدئذ انها قصفت عدداً من القرى الواقعة في اطراف قضاء "سردشت " من الجهة الأخرى في العمق الإيراني،  وقصفت حاميته العسكرية بشدة ؟ !
كان القصف من الشدّة و تنوع القذائف و الصواريخ ومن جهات متنوعة مختلفة، ان حوّل المنطقة الى كتل من نيران و دخان و دمار . . ضاعت فيه الكثير من خطط تدابير الوقاية من مخاطر القصف الجويّ، حيث ان الأماكن المعروفة بكونها الأكثر امناً، اصابها القصف قبل غيرها !! و بقي الجميع حائرون .  .  الى اي الأماكن يمكن الإلتجاء و ايّها اكثر امناً، هل هي تلك الواقعة في عمق الوديان  وصخورها ؟ ام هي تلك الواقعة على اطرافها ام هي القمم ؟؟ في مواقع افتقرت الى مقاومة ارضية حقيقية ضد الجو . .
وفي الوقت الذي أثارالقصف الجويّ الوحشي، همة البيشمركةالأنصار وحماسهم لمحاولة اسقاط الطائرات والتصدي لها، فانه تسبب بتسلل و هروب بعض المسؤولين من قوى صغيرة الاّ انها كانت غنية جداً وتتحكم بقوى اكبر منها ، بتمويلها . .
اذ تسلل بعضهم صحبة حقائب دبلوماسية صغيرة الاّ انها كانت تبدو ثقيلة من طريقة حملها، وعندما عرض احدهم دفع نقودٍ لأحد البيشمركه مقابل شراء حصانه ، وفتح احدى الحقائب ، ظهر انها كانت مملوءة بكمية هائلة من النقود الورقية الثمينة بهيئة رزم . . الأمر الذي جرح مشاعر البيشمركةالأنصار الذين استرخصوا كلّ شيء في سبيل قضية الشعب وحلّقوا عالياً بمثلهم النبيلة واذا بهم يشاهدون انساناً مرعوباً بملابس البيشمركة المخاطة من اقمشة غالية الثمن غير معهودة، ويتكلّم بلهجة غريبة هي مزيج من الأمر والتوجع ، مبدياً استعداده للدفع مهما كان المبلغ مقابل انقاذ حياته بابعاده بسرعة مع امواله في حين كان مسدسه الثمين يتدلى الى جانبه .
اثار ذلك الحدث فوراً، مشاعر مختلطة لدى مجموعة من البيشمركه كانت قربه مصادفة في اطراف قرية "توزلة" ، عندما كان افرادها  يبحثون عن مواضع افضل مستغلّين انقطاع القصف ريثما تتم الطائرات دورتها لتنقض من جديد. بصق البعض على الأرض ، و بقي الآخر صامتاً بينما ساد هرج ومرج ، وصاح آخرون :
ـ ياربي هل كتب على الفقير، ان يبقى فقيراً والغني يشتري حتى هنا في هذا الجحيم حياته بالنقود !
ـ لااعتقد انه قائد .
ـ بل قائد !! الأغنياء خلقوا للقيادة والفقراء حطب نيران الحروب !
ـ اصمت ماهذا الكلام ، انه لايعرف الكوردية اصلاً ! نعتقله ونسلّمه لقيادتنا !
و قطعت النقاش مجموعة من حرس مقر احد الأحزاب، وتوجهت نحو اولئك (المنسولين) (5) وحملت حقائبهم وساعدتهم على الأنسلال بسرعة بعيداً عن المنطقة، وسط ذهول المتجمعين، واخذ بعضهم يرمي سلاحه على الأرض ويسبّ القسمة السيئة لحياته التي تتأرجح بين ظلم دكتاتور بغداد وانانية متنفذين .   
وبدا ان عددَاً من البيشمركة اخذ يرمي سلاحه ويهم بالأبتعاد عن منطقة البيشمركة و انضم اليه آخرون بشكل صار يتزايد، حين انطلق صاروخ جديد وضرب وانفجر محطماً الصخور المحيطة بالمكان واجبر الجميع على الأنبطاح .  .
انطلق فجأة صوت "باكيزة خان" وهي تحمل الكلاشنكوف . . كانت تصيح بذلك الصوت النسائي المحرّض المترجيّ بحنان وبحزم :
ـ بيشمركة !! . . . والله عيب عليكم تتركون الميدان ، ويلكم !! هذا الميدان ميدان الشرف والرجولة ، لاتكونوا عاراً على الكورد و على البيشمركة، الكورد اشرف من الجبناء ، اخواني أحملوا سلاحكم ! ! امهاتكم وزوجاتكم وخواتكم تفتخر بالبيشمركة !!
   و قد فعلت كلمات وصيحات "باكيزة خان" فعل السحر واستعاد اغلب المترددين اسلحتهم وشدواّ انطقتهم وعتادهم وثبتوا في المنطقة التي كان يتهددها الأنزال كما قدّر الأكثر خبرة حينها ، فيما انسحب البعض مصراً على ترك السلاح .
كانت "باكيزة خان " أمرأة جميلة في اواخر العقد الثالث من العمر، وكانت من نشيطات العمل السري في المدينة وزوجة أحد الكوادر المتقدمة للإتحاد، الذي واجه الموت في سجون الدكتاتورية ، وكانت قد اصيبت بصدمة كبيرة  للمقتل البشع لأخيها، في معارك اقتتال الأخوة التي دارت في مدينة سرد شت ذاتها في وقت سابق. وبعد نقاهة قصيرة عادت و هي اكثر قوة من السابق.
   استمر القصف المتواصل الذي شاركت فيه اعداد كبيرة من المقاتلات بشكل متناوب الى حدود الساعة الرابعة بعد الظهر، حيث انتهى وسكت زئير الطائرات ولعلعة الرشاشات واصوات الأنفجارات ، وخيّم سكون عميق اثار مشاعر مختلطة، هي مزيج من الطمأنينة والراحة والترقّب والحذر . . 
كان السكون سيد الموقف . . لاصوت لطير ولا خشخشة لسنجاب، لاشيء يمكن الإحساس به مما يمتّ بصلة للحياة في تلك البقاع الجبلية ولأشجارها الخضر . . الاّ ان الصمت كان يُقطع بين فينة وأخرى بصراخ رضيع او بنشيج او عويل ما ينبعث من القرى التي كانت اعمدة الدخان تتصاعد منها و التي تميّز من بينها عمود دخان كثيف هائل ينبعث من الفروشكاه "سوق نوزنك" حيث استمرت النيران والدخان الكثيف متصاعداً منه اياماً عدة .
    و قد تسبب القصف بمقتل ثمانية من اهالي قرية "سنه" واستشهاد اثنين من البيشمركة كانا متواجدَين في القرية ، وقٌتل ثلاثة من المدنيين في سوق "نوزنك" اضافة الى استشهاد اثنين آخرين من البيشمركة في دولي سارد القريب ، واصيب العشرات من البيشمركة والأهالي بجراح كانت غالبيتها غير خطيرة عدا ثلاثة بيشمركة كانت جروحهم خطيرة، استطاع د. صاحب و د. خضر من الإتحاد من ايقاف نزفهم وتضميدهم ، ونقلوا بعدئذ الى مستشفى سردشت على الحيوانات  .
وقد تدمّر واحترق سوق نوزنك وبضائعه الثمينة بالكامل، اضافة الى مقتل العديد من البغال والخيل واصابة اعداد اخرى منها بجراح متنوعة . و قُدّرت الخسائر بملايين الدولارات، وفق اخصائيي السوق في سردشت. و كان ذلك يعني نجاح الدكتاتورية في توجيه ضربة كبيرة غير متوقعة لكل منظمات البيشمركةالأنصار في المنطقة، اصابت مركز تمويلها الأساسي . . الكمارك. فالكمارك هي اهم موارد  الثورة الكوردية تأريخياً، لأنها تقيها من الإعتماد على الخارج . . و بالتالي  تقيها الى درجة كبيرة من الضغوط الخارجية.
    و بدأ البيشمركة والسياسيون يحاولون تفسير أسباب ذلك القصف وغاراته الطويلة غير المعهودة في ذلك الوقت المليء بالأحداث . هل هو بسبب فشل السلطة في التفاهم مع الحركة الكردية آنذاك ؟ بعد ان اعلنت عفواً، و فتحت باباً للحوار استجاب له احد الأطراف الكردية بل ونقل احد ابرز وجوهه بطائرة على عجل الى القصر الجمهوري في بغداد لغرض التباحث، حيث أُبلغ بأن (السلطة قائمة وقوية وتستعد لأحداث جسام (6) وهي مستعدة للصفح عن المتمردين ان اعلنوا ندمهم وعودتهم للصف الوطني، على ان يعودوا جميعاً !! )، وقد رفضت كلّ الأطراف ذلك .
ام هو بسبب تصاعد المعارضة وتزايد عمليات البيشمركةالأنصار في الريف المحيط بالمدن في كردستان العراق ؟ حيث كانت في العادة تقصف مقرات القيادة البعيدة ؟ ولكن لماذا استمر القصف طويلاً في ذلك اليوم وبدون انزال جويّ او انزالات ؟

   بعد بضعة ايام اذاعت اذاعة بي بي سي البريطانية ملفاً عن القصف بعنوان (محاولة انقلابية ضد نظام "آية الله خميني") ، تضمّن عدة تقارير لمراسلها الشهير "ديفيد هيرست" ، وكانت الأذاعة قد تناولت القصف في نشراتها الأخبارية منذ اليوم الأول لوقوعه. و قد افادت الإذاعة بالتالي :
"  .  .  .  كشفت السلطات الثورية في ايران محاولة لقلب نظام "آية الله خميني" شارك فيها عدد من كبار ضباط الجيش يساندهم آمرو  وضباط قاعدة "همدان" الجوية في شمال غرب البلاد . تضمّنت الخطة ، قيام طائرات حربية عراقية بقصف مواقع لمتمردين اكراد في شمال العراق ، يتخذون من الحدود الشمالية الغربية للبلاد، مواقعاً لأنطلاق عملياتهم المسلحة ضد نظام الرئيس العراقي صدام حسين، ويقود قسماً من الطائرات تلك، طيارون من ضباط القوة الجوية الشاهنشاهية ممن التجأوا للعراق .
       وكان من ضمن المخطط ان تقلع طائرات مقاتلة ايرانية من قاعدة "همدان" الجوية ، لصد هجمات الطائرات العراقية آنفة الذكر، الاّ انها بدلاً من ذلك تتوجه لضرب وتدمير المواقع العسكرية الأساسية التي تحمي نظام آية الله الخميني في طهران، خلال ذاك تتوجه وحدات من الدروع والمظليين للسيطرة على مواقع الرئاسة في طهران.
الاّ ان الخطة كُشفت وتم القاء القبض على قائد وضباط القاعدة وُمنعت الطائرات من الأقلاع . الأمر الذي ادىّ الى استمرار الطائرات الحربية العراقية بقصفها القاسي على مواقع المتمردين الأكراد طويلاً بقصد توفير فرصة اطول لطائرات قاعدة همدان الجوية كي تطير و لكن بلا جدوى . . فتوجهّت الى اختراق الأجواء الأيرانية وقصفت حامية "سردشت " . . ويفيد مراسلنا ان المقاومات الأرضية للمتمردين استطاعت اسقاط احدى الطائرات وكانت من نوع توبوليف " .       
صاح "حمه امين "بفرح :
ـ الم اقل لكم . . اني اسقطتها  !!
كان "حمه امين" الشاب الأشقر، ذو الندبة في عينه العسلية اليسرى بتأثير نقرة طير، طير نقر عينه وهو طفل صغير .  .  . كان " حمه امين " يكرر ويحلف اغلظ الأيمان ان المعركة كانت بينه وبين الطائرة بحيث انه كان يميّز حتى وجه الطيار من شدة تركيزه على الهدف . . و قال انه كان ناسيا نظرات امه الحزينة ودموعها وهي تودعه وتباركه بعد ان زارته للتأكد من سلامته، فكان يضحك قائلاً :
ـ لأول مرة اكتشف ان عاهتي مفيدة، لقد ساعدتني على اصابة الطائرة التي اخذت تدخّن بعد اصابتي ايّاها . . والله وبالله وتالله هي نفسها الطائرة التي اسقطت حسب اخبار لندن.
كان افراد فصيل "بتوين" الفلاحون الذين اشتهروا بالشجاعة والطيبة والسخرية يضحكون من الفرح لسقوط الطائرة، ويضحكون ويتغامزون على "حمه امين" قائلين :
ـ قال الراديو ان المقاومات الأرضية اسقطتها ونحن لانملك مقاومات ارضية ، لدينا دوشكا ضد الجو ، ليس الاّ  .
و كان "حمه امين " يصمت غير لاوي على شيء . في الوقت الذي اكّد فيه بيشمركة اوك ممن كانوا في اعالي جبل "ممنده" انهم شاهدوا الطائرة تغير عدة مراّت وبشكل مستقيم مستهدفة رامي الدوشكا في موقع " زلي" الذي كان يرمي بثبات نحوها حتى اصابها . ولم يكن رامي "زلي" سوى ّ "حمه امين "نفسه، الذي حيّوه بكل احترام وعانقوه عند نزولهم من الجبل، وسط صمت رفاقه الذي تحوّل بذلك الى صيحات فرح واعجاب وانهالوا على حمه امين بالقبل والعناق ، وقد احمّر وجهه من شدة التأثر .
في اليوم التالي للقصف وردت اخبار مع المهربين و الكروانجية القادمين من "مجمّع بستستين" ان احدى الطائرات المقاتلة التي قصفت، اصيبت و كانت تحترق حتى سقطت في مياه بحيرة "دوكان"، وقد تمكّن الطياّر من القفز بالمظلة في منطقة البحيرة، و قامت قوة من القوات الخاصة العراقية بعملية بحث عن الطيّار لأنقاذه، بمساعدة عدد من صيادي البحيرة حتى وجدوه . . وقد كان الطيار في الحقيقة أمرأة حيث كانت تتكلّم الفارسية !!
و قد انتشرت اخبار بعد القصف مصادرها عدد من الجاش المقربين للقيادة العسكرية الحكومية . . ( ان الطائرات قصفت ودمّرت مواقع للأسلحة والذخيرة كانت مخفية بعناية وبكل سريّة، و كان دليلها في ذلك "عبد الله آغا" الذي تعتبر منطقة المقرات من المناطق العائدة له و يسكن فيها . . ) .
و قد اكّد تلك الأخبار وغيرها، اخبارية مُخابر اوك الذي سمع اتصالا عبر مجسّ جويّ كان يجري اثناء القصف بين موقع  رشمالات "عبد الله آغا" والطائرات المغيرة ، حيث كان يزوّدها بمواقع الأهداف المهمة كي تقصفها الطائرات في المنطقة.
 فقامت مفرزة من بيشمركة الإتحاد بتجريد "عبد الله آغا" ونسيبيه من السلاح ومن ثم اجراء التحقيق معهم . . و أُبعد "عبد الله آغا" والنساء الى قرية "مزره" حيث اقاربه، بعيداً عن المقراّت فيما سيق نسيباه الى السجن .
   و فيما ارتفعت اصوات ضحك لامعقول في فصيل توزله المختلط لوجود عوائل فيه، حيث كان انصاره حائرون في تقرير اي جرو من جراء الكلبة جولي يحتفظون ؟ بعد ان ولدت الكلبة قبل شهر و حار الأنصار بكيفية توفير طعام جرائها ثم قرروا الإحتفاظ باشجعهم لحماية الفصيل . .  بعد ان توصّلوا الى ان حيلة فلاحية من فلاحي بتوين تكون اساساً لتقرير ذلك، و هي ان يتعرّض الجراء الى حالة خوف، كاطلاق نار قريباً منهم و رؤية ايهم لايستطيع ضبط نفسه فيبول على نفسه جرّاء الإطلاق و ايهم لا، و الذي لايبول على نفسه هو الأشجع!
   و اثر القصف، قرروا ان يسرعوا الى مغارة الكلبة جولي و جرائها ليروا نتيجة الرعب الذي حصل عليهم . . و تفاجئوا حين رأوا ان الجراء كلّها و بلا استثناء قد بالت على نفسها و تغوّطت كذلك، الأمر الذي ابقاهم حائرين لبرهة، ثم انفجروا بضحك و ضحك . . سمعت ضجته على مسافات ليست قصيرة . .
   ففيما اثارت حادثة كتلك، ذلك الضحك و اثارت اخرى و اخرى مثله . . الاّ ان الواقع انبأ بحدوث ارباكٍ واضحٍ في صفوف البيشمركةالأنصار العائدين لكل القوى المتواجدة هناك .  .  حيث ترك المقرات قسم من البيشمركة باجازات لأهاليهم في ايران، و بعد ايّام بدأ عدد يريد التسليم للسلطة اثر اعلانها عن (عفو عن النادمين) .  .
و على اثر القصف قرر مكتب القوة التقيّد اكثر من السابق بتوجيهات القيادة العامة للحركة بالحذر و الإنتشار، و تخفيف اعبائه من الكسالى و ممن لايريدون الاّ السفر الى الخارج، و قرر فسح المجال لهم للذهاب و مساعدتهم حسب الإمكانية، و قرر تخفيف المقرات من اعباء العوائل و ايجاد حلول لها، و الى غلق الباب امام تطوع و مشاركة النصيرات في وحداته في ظروف المحن العسكرية حيث يمكنهن القيام باشقّ الأعمال الاخرى الضرورية لدعم العمل المسلّح . . خاصة و ان انصار اربيل و السليمانية كانوا يؤكدون على ذلك . و استمرت الدورات العسكرية و السياسية، اضافة الى دورات التضميد التي قام بها د. صاحب و د. فارس، اضافة الى دورة تعليم اللغة الكوردية .  .  . و اهتم مكتب القوة بتحسين الطعام اكثر و تنويعه.       
   و من ناحية اخرى استمرت عملية اعادة تنظيم القوات و حركتها نحو الداخل العراقي، فتم تحويل انصار و فصائل الى مناطقها الأصلية (او قربها) . . بفعل تزايد الإلتحاقات نتيجة تزايد اعمال قمع الدكتاتورية و بفعل تحسّن وضع التسلّح عموماً، و تكونت قاعدة اخرى على جبل بيتوش الذي لايبعد كثيراً عن توزله، و ضمّت بيشمركةانصار من مناطق السليمانية . . 
و باتخاذ قرارات اوضح لمواجهة الدكتاتورية بالعمل على اسقاطها، قدم كثيرون من الخارج للإلتحاق بصفوف البيشمركةالأنصار . . و قد شجّع الجميع نزول الوجه الأنصاري البارز ملازم خضر  الى بهدنان، قادماً من الخارج كما مرّ . .  حيث بقيادته و عمله الدؤوب، تم تثبيت اول قاعدة هناك في كلي كوماته  . . ثم تمّ البدء بتكوين قواعد اخرى و عمليات استطلاع و اقامة صلات و تجديدها لتثبيت نقاط ارتكاز للوصول الى سوران . . . كما في كوستا و روستي.
و فيما قضىّ البيشمركةالأنصار لأكثر من عام يعانون من انعدام و شحة السلاح،  و ان توفّر، فإنه كان شخصياً او قديماً او ذا فعالية محدودة، او لايتم الحصول على عتاد له بسهولة، و ادىّ الأمر الى قيام وحدات البيشمركةالأنصار بتضحيات و اعمال كثيرة للحصول على السلاح كإعارة او كهدايا شكر على مواقف صعبة قاموا بها، حيث لايُنسى ما قام به مكتب القوة لأقناع انصاره بحمل و استخدام بنادق البرشوت القديمة التي حصل عليها كهدية و تثمين من منظمة صديقة، اثر رفضهم حملها لأنها اشتهرت بكونها من نوع بنادق الجحوش !
بدأت تتشكل و تنشط بقيادة ملازم خضر مفارز تنقل اسلحة جديدة من الخارج و بكميات و ان كانت قليلة فانها كانت واعدة في مراحل النشوء، ليستمر الأمر بعد انتقاله من بهدنان، الأمر الذي ادىّ الى تزايد الإلتحاقات الجديدة، و اخذت الفصائل تكبر عددياً و صارت تحمل اسم " سرايا " . .
(يتبع)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   ابو نصير؛ لازار ميخو حنا موكا كلداني من ناحية مانكيش التابعة الى محافظة دهوك،  شخصية معروفة في الموصل و دهوك وبغداد خاصة، خريح الاعدادية الفرع العلمي كادر حزبي متقدم في المجال العمالي للحزب الشيوعي، واحترف العمل السري لسنوات طويلة. وكان من الأوائل في تجمّع منظمة الأنصار في نوزنك عام 1979  .  آمر الفوج الأول / مراني العائد الى قاطع بهدنان، قضى عام 1993 في كمين اغتيال سياسي في مدينة دهوك كما تناقلت الصحف الرسمية حينها، و كان قد اتمّ خمس وثلاثين عاماً في حزبه.
2.   اورميه، هو الأسم الإنجيلي او الإسم الآرامي التاريخي لمركز محافظة آذربيجان الغربية، و اطلق عليها اسم رضائية في زمان الشاه، و بُدّل الأسم الى أرومية، الذي يراه المسيحيون انه ليس الأسم الأصلي الذي يعتزوّن به، والذي يعني " مدينة المياه المباركة "، حيث تقع هناك بحيرة رضائية و الأنهر المحيطة بها تأريخياً .
3.   ابو جنان . . كلداني من عينكاوا، كادر حزبي معروف في مناطق اربيل، عاش سنوات طويلة مع البيشمركةالأنصار، ثم في التنظيم المحلي المدني، وقد انتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوردستاني قبل سنوات  .
4.   جمع ره شمال ، ويعني بيت الشعر باللغة الكردية .
5.   منسولين باللهجة الأربيلية العامية تعني مسؤولين .
6.   لم يكن واضحاً آنذاك ماهي الأحداث الجسام ، ولكن حدة الخلافات مع الجارة ايران كانت تتصاعد ووصلت الى التراشق بالمدفعية واعدام اشخاص بتهم التجسس ، وكان قلق سلطة بغداد يزداد وضوحاً ، من تصاعد المعارضة التي تواجهها و التي شحنتها الثورة الأيرانية بطاقة جديدة .





مواضيع سابقة

هناك . . عند الحدود (8)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738795.0.html


هناك . . عند الحدود (7) الفصل الرابع نوزنك . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738574.0.html


هناك . . عند الحدود (6) الفصل الثالث الى مهاباد . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738147.0.html


هناك . . عند الحدود 4 ـ 5
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737948.0


هناك . . عند الحدود (2 - 3)
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737703.0


هناك . . عند الحدود 1
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737628.0

34
هناك . . عند الحدود (8)
                                
د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net

فيما توقع صاحب ان يكون سوق نوزنك اقّل نشاطاً في الشتاء عما هو في الصيف، الاّ ان نشاط  السوق في اوقات الشتاء و الثلوج كان هو عينه لما في الصيف، بل و كان اكثر حيث يستفيد المهربون من الثلوج و وعورة الطرق و شدة الظلام في ليالي الشتاء الطويلة في زيادة اعمالهم، و تلعب الأمور تلك دوراً معاكساً في معسكر رجال السلطة، الذين ان تصدوّا للبيشمركة و للمهربين شتاءً، فإنهم يحتاجون الى اعداد و تجهيزات اكبر، في ظروف تقل فيها عادة امكانيات استخدام الآليات العسكرية بسبب الثلج .
الاّ ان تزايد عدد الماريّن في السوق و القادمين من العراق، واتّخاذه وتيرة اكبر واكثر تنوّعاً، كان يحمل اكثر من دلالة منها تزايد الهروب من العراق بسبب تزايد اعمال القمع، و بسبب تزايد خطط و تفنن الدكتاتورية بدفع مجاميع من البشر للهروب من العراق عبر تلك المناطق ليشكلوا خير غطاء لها لأرسال مخبرين سريين، جواسيس، افراد شبكات تخريبية، و هم لابسين ملابس مدنية، كردية، واحيانا عربية، نساء محجبات او بدون حجاب . . للقيام بمهمات كثيرة التنوع، كما نقلت مصادر موثوقة للبيشمركةالأنصار عن خطط السلطة حينها، و ما كُشف بعدئذ في جميع المنظمات.  
و ضمّ ذلك العدد المتزايد من الماريّن القادمين من العراق عبر السوق نحو ايران، مهرّبين مع حيواناتهم المحمّلة بالبضائع، كروانجية ، سياسيين مطاردين من جحيم الدكتاتورية، ملتحقين جدد بالبيشمركة، هاربين بما غلى ثمنه،مجرمين ،عشّاق مطاردين من اهاليهم . . و كان المارّون يتحدثون لغات متنوعة :  عربي، كوردي، فارسي، آرامي ـ كلداني، حيث يسمع المار هناك ان الكلام يجري بها بحرية، و بشكل طبيعي، و يفخر العاملون هناك ان كانوا يستطيعون الحديث بأكثر من لغة لأنجاح عمليات البيع و الشراء و لإجراء المعاملات التجارية بشكل افضل . .  
و لاحظ صاحب تزايد انواع البضائع الموجودة في السوق و صارت تتضمّن . . ادوية مسكنة ومقويّات، صوبات حطب للمنازل الجبلية ، اضافة الى حاجات البيشمركه اليومية؛ معلبات ، احذية ، جواريب ، ملابس ، حبوب و بذور محمصة، شوكولاته ، انطقة و احزمة سلاح اضافة الى العتاد المنوّع والأسلحة والقنابل اليدوية ايضاً، اضافة الى مصلّحي اسلحة وبرّادين، ممن فتحوا دكاكين جديدة في السوق .
كانت روائح الكباب، اللحم و الدجاج المشويان على الفحم، و روائح الخبز الطازج، المخللات و الشاي طاغية في السوق . . اضافة الى روائح انواع التبوغ و التطاير المتواصل لدخان السيكاير، و روائح جلود و صوف و هي منشورة على سقف واسع . .  
فيما استمرت اصوات الأغاني الكوردية و الفارسية و موسيقاها العذبة مجلجلة، تنبعث من اجهزة التسجيل ذات البطاريات التي كان العديد من الكروانجية يحملونها معهم، التي عادة ما كانت مفتوحة على اعلى طبقات اصواتها و هي تبثّ الأنغام العالية، بينما اصحابها راكبين على ظهور حيواناتهم، و كأنهم كانوا على وقعها يتحركون.

مع ازدياد حركة التهريب لعدم استقرار السوق الداخلي واضطراب الكثير من الأعمال التجارية بُعَيد الثورة الأيرانية ، ثم اثر بدء الصدام بين الحركة الكردية في ايران والثورة الجديدة بسبب المطالب القومية ، اضافة الى تزايد ظلم و عنف دكتاتورية صدام وزيادة الألتحاقات بالبيشمركه، احزابا و مجاميعاً و افراداً . . اصبح يُطلق على "خري نوزنك" تسمية "وادي الأحزاب" .  .  
و ادّى كل ذلك الى توسّع قرية نوزنك وسوقها "الفروشكاه"(1) الذي اصبحت فيه اربع مقاهي تقدّم الشاي مع"الدشلمه"(2) و تقدّم الطعام المكوّن في الغالب من ؛ اللبن ، "هيلكه به روون" (3)  ثم انواع اللحم المشوي كما مرّ، وتطوّر الأمر ايضاً الى تقديمها "كباب طاوه" مقلي ودجاج مقلي،اضافة للخبز وبعدئذ الرز ، و"الماست ئاو"(4) . واصبحت احدى المقاهي، والتي كانت اكبر من الأخريات، مسافرخانة (5) تستطيع استيعاب منام عشرة اشخاص في وقت واحد، في الشتاء .
   و صار السوق والمقاهي مركزاً مهماً لتداول اخبار المدن وتحرّك القطعات الصدّامية واقامة الربايا الجديدة والغاء ماكان قائماً، ومدى سلامة ممرات وطرق البيشمركة التي يستخدموها في حركتهم وتنقلّهم ، ومواقع الكمائن الجديدة التي كانت تتحرّك سراًّ وفق مقتضيات مواقع السلطة و امنها ، والتي كانت تُنزل بمفارز البيشمركه ومجاميع الكروانجية ضربات عنيفة .
اضافة الى نشر التعليمات الرسمية للسلطة التي كانت ترسلها عبر مختاري القرى ومُلاليها و تبادل أخبار الأوضاع الأمنية في الريف القريب للمدن، الريف الذي أخذ ينحسر تحت وطأة عمليات التهجير وحرق القرى، التي لم تنقطع يوماً بل ازدادت .
وكانت السلطة من ناحيتها تبثّ العديد من الأشاعات عبر وكلائها عن طول يدها وامكانية وصولها الى مفارز وقواعد البيشمركه وعن (صدرها الرحيم) لأستقبال النادمين والتائبين ! اضافة لأشاعة اخبار عن بشاعة انتقامها من عوائل البيشمركه، و تواصل محاولاتها لمعرفة حقيقة أسماء رجال البيشمركة لأنزال الضربات بهم و الإنتقام من عوائلهم .
استمر السوق في التوسع و صار يضمّ مصرّفين كانوا يصرّفون العملات الثلاث ؛ الدولار ، الدينار العراقي ، التومان الأيراني ، وفق سعر تصريف بورصة طهران، الذي كان يُعَيّن في ناوزنك وقت الضحى من كلّ يوم، بعد وصول المجموعة الأولى من الكروانجية القادمين من قرية "بيوران" في اطراف قضاء "سردشت" . . حيث كانت تُعرف اسعار بورصة "طهران" بواسطة التلفون الدولي المتوفر في سردشت .
و استمرت عمليات التهريب و توسّعت و تنوّعت في تلك الفترة، من تهريب قطعان الحيوانات و دفع ضريبة الكمرك للبيشمركة . . الى تهريب مسافرين، و تزايد تكوّن شبكات للتهريب بين دول المنطقة، و ادىّ الى تطور انواع المهربين والكروانجية الذين يوافقون و يجمعون ما بين التديّن والرزق والسياسة وترمومترها ، و اعتمد كبارهم على استعمال الحاسبات الالكترونية في العمل. و تكوّن خليط عجيب من مهربين يستخدمون الدواب للنقل و الحاسبات الألكترونية للحسابات، او مهربون اميّون و لكنهم خبيرون في استعمال و فحص سلامة اجهزة الكترونية بعينها، و يتفاهمون بلغات عالمية مدعومة باشارات اليدين و الوجه . .  
   و فيما اشتهر اقبال البيشمركةالأنصار و الكروانجية و المهربون على شراء فيتامين سي، اقراصاً عادية او فوّارة او برتقال طازج، وقاية من نزلات البرد و لإعتقادهم الراسخ بكونه يعطي للجسم طاقات قوية يحتاجها كل بيشمركة في حياته و كفاحه، فكانت تلك البضائع تنفذ بسرعة من السوق
حال توفرها .
   امتلأ سوق نوزنك فجأة بكميات كبيرة من البرتقال الطازج الكبير الحجم الملئ بالعصير، الملصقة ماركته التجارية عليه بأسم " يافا " ، الذي كان يأتي من جهة العراق . . اقبل الجميع على الشراء منه لطعمه اللذيذ، عدا البيشمركةالأنصار الذين توصلوا الى ان ذلك البرتقال اسرائيلي من يافا، ولإبداء تضامنهم مع نضال الشعب الفلسطيني و منظماته الفدائية لم يشتروا منه حيث لم يتقبلوه لانفسياً و لا معنوياً، الاّ قلة منهم اشتروا منه و اكلوه في السوق .
   و في الفترة تلك ظهرت علامات مرضية على كروانجية يعملون على طريق نوزنك، فسرت بكونها انفلونزا شديدة بسبب البرد، الاّ انها عصيت على العلاج رغم انواع الأدوية التي جُلبت من سردشت لمعالجتهم، و معالجة قسم منهم كمرضى راقدين في مستشفاها . . الى ان توفي عدد منهم و اخذت حالات الوفيات بين المرضى تتزايد . . حتى اكتشفت مستشفى سردشت و بعد تحاليل مختبرية و باثولوجية، انهم كانوا متسممين و انهم توفوا بسبب التسمم بالثاليوم العراقي . . الذي كان موجّها بدقة شيطانية لإيقاع اكبر الخسائر في صفوف البيشمركةالانصار . .
   و بعد فترة توصلت مستشفيات العاصمة طهران ان الثاليوم آنف الذكر هو نفسه الذي تسبب بوفاة عدد كبير من الكورد الفيليين ممن اطلقت اجهزة الدكتاتورية سراحهم من سجونها و رمتهم على اراضي الحدود الإيرانية، و لجأوا الى ايران و توفي عدد كبير منهم جرّاء معاناتهم من حالات مرضية استحال علاجها . . و ان ذلك الثاليوم كان قد اعطي لهم مع عصير البرتقال او مع البرتقال الطازج بحقنه بابرة لزرق السم، على غرار ما حدث في نوزنك، الذي اعطى نفس الصورة المجهرية، بعد ارسال نماذجه الى مختبرات طهران .  
   بعد تلك الأخبار اخذ المهربون يتلفون البرتقال المتبقي في السوق، و منعوا تحميله الى المنطقة . . . و تأكد ذلك بعد التحقيقات التي تمّت من قبل منظمات البيشمركةالأنصار، التي سلّطت الضوء على وجود عمليات و شبكات تخريب اوسع في السوق و لها علاقات باشخاص من منظمات بيشمركة متعددة  . . . شملت القيام باعمال اغتيالات و تسميم، و ان هناك محطة اتصال لعملاء، يتصلون بأجهزة اتصال موزعة بين قرويين . . (6)

               احمد صاروخ

عُرف "أحمد صاروخ" في سوق نوزنك كواحد من رجال السوق البارزين ، وهو من أهالي قرية نوزنك المهجّرة . . و قيل انه كان عريفاً هارباً من الجيش العراقي، و انه قد هرب منه لكونه حكم بالإعدام، يوم كان الحكم بالإعدام يساق على اتفه الأمور .
كان في أواخر العقد الرابع من العمر، كردي القومية ويجيد العربية والفارسية و التركية. سكن في السوق مع زوجته واطفاله الثلاثة الذين لايتجاوز عمر اكبرهم الخمسة اعوام ، حيث بنى بيته في مدخل مغارة صخرية واطئة مكوّنة من صخور صلدة كبيرة كانت ملجأه الأساسي وعائلته وقت الغارات ، و قيل انه لم يترك القرية يوماً وكان علاّمها الثابت الذي لم يغادرها قط .
   اشتغل احمد صاروخ كاروانجي في مطلع شبابه ، ولقوته وضخامة بدنه ولقراباته و علاقاته التي تغطيّ قرى تلك المنطقة ، ربح بسرعة واشتهر حتى اصبح لديه قطيعاً من بغال النقل الممتازة و صار يشتغل له عليها كروانجيه مقابل اجور يدفعها لهم . كان متديّنا يصليّ ويصوم بانتظام ككل رجال المنطقة ، الاّ ان ذلك لايمنعه من التهريب ونقل ايّ شيءٍ ان كان يحقق ربحاً له، فهي كلّها رزق من الله تبارك وتعالى ، كما كان يردد رجال السوق . كان طاقة كبيرة من النشاط لايستنكف من القيام بكلّ الأعمال التي يتطلّبها السوق رغم ماله الذي صار وفيراً.
   تطوّر عمله وأخذ نشاط قوافله يمتد الى السوق التركي، وكان من اوائل من جلب أحذية "سمسون "التركية الرخيصة والقوية للأستخدام الجبلي في نوزنك، واخذ يناور بين الأسواق الثلاثة ؛ العراقي والأيراني والتركي ويجلب منها البضائع الجيدة المعروفة في السوق بأسعار أكثر رخصاً من اسعار الآخرين بشكل شبه دائم ، وازدادت قابليته التجارية اكثر بعد ان تعلّم القراءة والكتابة بشكل افضل ، على يد مساعد الطبابة "عولا" الذي كان يزوره خلسة لتعليمه مقابل اجور كان يدفعها له لتعليمه ايّاه . . الأمر الذي ساعده على قراءة الصحف واخبار السوق والبورصة، واقامة علاقات جديدة امّنت له الأستفسار عن البضائع والأسعار بواسطة الرسائل  .
   حتى صار "أحمد صاروخ" مستعداً لنقل البضائع بكميات كبيرة و وفق الطلب ، واصبح من الممكن طلب اية بضاعة منه مهما ندرت او صعب الحصول عليها حتى الأسلحة وقطع الغيار وابر المدفعية والنواظير الليلية ، الأدوية النادرة وخاصة مواد التخدير الضرورية لأجراء العمليات الجراحية ، الأمر الذي جعل عدداً من قادة البيشمركةالانصار يعقدون اتفاقات معه لجلب مواد ضرورية معيّنة، بل وصارت كفاءته جزءاً مهماً في تحديد التوجه اللاحق لحركة ومواقع مقراّت قيادات الأحزاب المستقرة في نوزنك .
و قد ضمّ السوق متخصصين بامور حيوانات النقل، ممن يبيعون حاجات الحيوانات من اربطة وكورتانات (7) ، ويعرفون معالجة جروحها والتهاباتها وتجبير كسورها ، وكانوا يطلبون بعض المراهم من طبابة الأنصار الواقعة بعيداً في منطقة المقرات، لذلك الغرض . . كان عولا يسرّبها لهم دون علم احد من الطبابة، بمقابل .
و بتسارع الأحداث اثر الثورة الإيرانية في ايران و العراق . . اخذت بضائع التهريب تشمل اضافة لما ذُكر ؛ اطارات السيارات والجرارات بما فيها الأطارات الخلفية الكبيرة للتراكتورات الزراعية والتي كان البغل يستطيع حمل واحد منها فقط لكل رحلة، اضافة الى انواع السيكاير والعرق والويسكي التي كانت تُنقل صناديق قنانيه بكميّات كبيرة ليلاً من العراق الى ايران بعد ان حُرّم هناك اثر الثورة الإسلامية، وكانت المشروبات تلك تُسرق او تُسَرّب و تباع الى القرى والى البيشمركه حيث كانت ممنوعة منعاً باتاً بين وحدات البيشمركه. . وهي في طريقها الى الحواضر الأيرانية .
و اخذ التهريب يشمل الحاسبات الكترونية و الساعات الحديثة الألكترونية والكامرات وافلامها التي تأتي رخيصة جداً من الجانب الأيراني  و التركي ايضاً، اضافة الى برتقال يافا الشهير الذي قيل انه كان يُسرّب من وحدات الجيش العراقي  .  .  كان كلّ شىء تقريباً يمكن ان يُنقل في تلك الممرات الجبلية و على ظهور الحيوانات، و خاصة ان كان عليه طلب ويدرّ ربحاً جيداً ، رغم عدم وجود ايّ طريق للسيارات او حتى للتراكتورات هناك، آنذاك .
مع تزايد حدة التوتر بين ايران و العراق ، ازدادت حركة التهريب الذي اخذ يشمل مواضيعاً جديدة ومتوسّعة بأستمرار، محققة ارباحاً تتضاعف بشكل هائل ، فاخذ التهريب يشمل ، تهريب الجواسيس وبناء شبكات المخابرات واعمال التخريب ، وخاصة من الجانب العراقي الذي كان ملاذ جنرالات الشاه المهزوم وكبار اخصائييهم المشهورين في اعمال المخابرات والتخريب . . و العكس بالعكس .

لكل تلك الأسباب كانت الطائرات الحربية تغير بين فترة واخرى قاصفة  "نوزنك" مخلّفة اعداداً كبيرة من القتلى و الجرحى ، و متسببة بحرائق كانت تستمرّ ايّاماً في كلّ مرة . . و اثر ذلك كوّن رجال السوق موقعاً صيفياً مجاوراً لقرية "نوكان" الحصينة الواقعة في الجانب الأيراني و تبعد مسيرة نصف ساعة من "نوزنك" ، اضافة الى موقع شتوي كان يُبنى على مهل في وادي ضيّق في الجانب الأيراني يُدعى "قاسم ره ش" ، يبعد مسيرة أكثر من ساعة من نوزنك، الموقع الذي تحوّل اليه السوق بغالبيته فيما بعد اثر استمرار القصف وسقوط عديد من القتلى والجرحى من رجال السوق . . عدا "أحمد صاروخ" الذي بقي في نوزنك محتمياً بمغارته الصخرية.
كان القصف يتزامن مع أحداث معيّنة او يمهّد لها في العادة، حيث قصفت الطائرات قرية"نوزنك" و سوقها والمناطق المحيطة بها قصفاً مريعاً ملقية بقنابل 10 طن و15 طن اضافة الى النابالم الحارق ، حيث شمل القصف ، اضافة الى  نوزنك ‘ قرى ؛ توزلة ، نوكان ، زلي ، دولي تو ، وقد دمّرت وقتلت وجرحت عدد من البيشمركه وابناء وعوائل القرى، واحالت المنطقة الى حرائق . كان ذلك في 2 أيار  1979 لقطع الطريق على خروج الحزب الشيوعي ـ حشع ـ من (الجبهة الوطنية الحكومية) و التحاقه بحركة البيشمركة آنذاك وتشكيله فصائل الأنصار.
ثم تواترت اخبار افادت ان الدكتاتورية عملت و انتظرت حصول اشتباكات بين قوى المعارضة اثر خروج حشع عن صف الحكومة . . و لمّا لم يحصل ذلك، باشر النظام بمحاولة ارعاب المنطقة كي ترفض التحاق حشع . . الذي يحمل التحاقه مدلولات و تأثيرات وطنية و دولية، تحرج النظام و هو يتهيأ لأعمال كبرى في المنطقة .
.  .  .  .
.  .  .  .
   في ضحى ذات يوم، جاءت الى الطبابة زوجة عبد الله آغا و ابنته تبكيان و تنحبان نحيباً مراً، وسألت الزوجة بانكسار و توسل و هي خجلة من سلوك زوجها و تهديده للطبابة و مقاطعتهم ايّاها . . سألت ان كان بامكان الطبيب ان يذهب معهما لمعاينة و علاج الطفل الرضيع حفيد عبد الله آغا و كانتا تصرخان بألم :
ـ انه سيموت بالتأكيد !! سيموت كما مات اخواه قبله !!  
و من هيئتيهما فهم صاحب ان هناك شيئاً غير طبيعياً ابداً، و بمناقشته ايّاهما توصّل الى انه الحفيد الثالث لعبدالله آغا، بعد ولدين توفي كل منهما بعمر ناهز عمر الحفيد الثالث آنئذ، اثر نوبة شديدة من الحمى ! فكّر صاحب بسرعة بحالة الرضيع، و بحال رفاقه الأنصار الذين صاروا يتألمون من مواقف عبد الله آغا المؤسفة الصبيانية بدعوى القومية، التي بدأ يعبّر بها عن حقد دفين ضد العرب، حتى و ان كانوا بيشمركةانصار، فقال صاحب للأم بحزم و أدب :  
ـ اميّ العزيزة . . انا حاضر و لكن احملوه الى هنا . . لأن هنا الأدوية و المساعدين و كل شئ و لاتقلقوا من برودة الثلج عليه و انتم ادرى . .
تأثّرت زوجة عبد الله آغا بكلامه و صدقه و لكزت يد ابنتها و ذهبتا ليأتيا به الى الطبابة و هي تسحب ابنتها سحباً و تشير اليها بالسكوت و الذهاب معها، لأن الإبنة اعتقدت ان الطبيب لا يرغب بمعالجة رضيعها . . . و ان الرضيع سيموت لامحالة بسبب ذلك.  
   فحص صاحب الرضيع الذي كان و كأنه قطعة من نار، لأحساسه بمجرّد التقرب منه ثم بلمس ساعده الصغير، بمدى ارتفاع حرارته الهائل، التي صارت تتسبب له بتشنجات و انبساطات متتالية بعضلاته الصغيرة تشابه حالات الصرع ataxia (8) وسط صراخه العالي، و بعد قياس حرارته وجد انها كانت بحدود الـ 42 درجة و هي درجة حرارة خطيرة و ممكن ان تكون قاتلة !
   و قرر فوراً تعليق مغذي للطفل زرق فيه نصف امبولة نوفالجين، و وضعه و هو عاري في اناء غسل اليدين المعدني و اخذ يدلّكه بالثلج الذي اتى به من خارج غرفة العلاج انصار الطبابة . . وسط تواصل صراخ الطفل و عويل الأم و بكائها و تهدئة امها لها، و تعاويذها و توسلاتها الى الله بان يحفظ حياة حفيدها . .
   و استمر بتدليك الطفل بالثلج و قياس حرارته . . و بعد حوالي الساعة بدأت حرارته بالإنخفاض ، و بدأ صراخه بالخفوت . . فنشّفه بمنشفته و اعطاه لأمه كي تهدّئه و ترقده في فراش صغير اعد له في الطبابة، و هيأ نصف امبول ثان من النوفالجين لزرقه في المغذي ايضاً ان احتاج لذلك . و بعد ان افرغ غرفة الإنتظار لوالدته و جدته طالباً من الجدة ان تبقى لوحدها او تبقى الجدّة مع امه معه، الى صباح اليوم التالي. و فيما زرقه ابرة بنسلين بقي صاحب يقضاناً طوال الليل و يعاود الطفل لقياس حرارته كل ساعة . . بقيت جدته ساهرة قرب الطفل . . حتى الصباح .    
   في صباح اليوم التالي توضحت علامات تحسّن الطفل و ارسله مع جدته الى بيتهم على ان يأتوا به مساءً الى الطبابة لزرقة ابرة بنسلين ثانية . . وفي المساء جاء عبدالله آغا و زوجته، و هما يحملان الطفل الى صاحب . . و اعتذر عبدالله آغا من صاحب على كلماته الخشنة معه في السابق و وعده بأنه سيكون رهن طلبه في كل مايحتاج  . . وفعلاً قام بذلك بعدئذ و خدم الطبابة و خاصة في تجهيزها بالحطب الضروري للصوبة . .
 
بعد ايام وصلت الى نوزنك مفرزة الوجه الأنصاري المعروف " ابو باز " قادمة من بهدنان، وكانت تتألف من سبعة بيشمركة يحملون قطعتي سلاح فقط بندقية برنو حملها نصير، و مسدس شخصي حمله ابو باز بسبب انعدام السلاح هناك . . و قد وصلوا بعد مسيرة ثلجية مغامرة من موقع اولي بناه اوائل البيشمركةالأنصار القادمون من الخارج . .  في كلي كوماته، الواقع في منطقة بهدنان الشمالية و الشمالية الغربية من كوردستان العراق .
   و رغم ذلك النقص في المفرزة، الاّ انها اثارت مشاعر الفرح و التفاؤل لدى انصار القوة، لشعورهم بأنهم ليسوا لوحدهم، بل هناك آخرون يكافحون مثلهم، و يعيشون حياة اقسى من حياتهم، و ان رفاقهم يعودون من الخارج، لدعم وجهتهم في النضال المسلّح لإسقاط الدكتاتورية.
و لدى حديث صاحب مع ابو باز و اسئلته له . . اجاب عن كيفية  مجيئهم عبر الحدود التركية الواهية آنذاك و على طولها من الشام، و كيف ان اهل القرى و من عرفوه و احبوه، لايزالون يذكروه رغم انه لم يلتقيهم منذ عشر سنوات، و كيف انهم ساعدوه و اقرضوه سلاحاً و مالاً ساعد به رفاقه و ساعدوه بادلاء للطريق الذي تغيّر كثيراً عن اواخر الستينات، بسبب عمليات التهجير و هدم القرى التي قامت بها اجهزة دكتاتورية صدام . .  صار واضحاً لدى صاحب ان عالم الحدود عالم له سماته و تقاليده الخاصة التي قد لايفهمها الاّ من عاش فيه و عرف ناسه .
و تتالت احداث و اخبار متنوعة، شدّت الجميع الى حياة البيشمركةألأنصار و عززت لديهم الأمل . . حيث تناقل الجميع اخبار نزول ملازم خضر(9) الى المنطقة على رأس مفرزة من البيشمركةالأنصار جاءوا من سوريا رغم ثلوج ذلك العام، و اسسوا موقعاً في بهدنان الذي صار اضافة الى مهامه في المنطقة ، محطة للمرور الى مناطق سوران في كوردستان الشرقية ايضاً.
و استطاع ملازم خضر عبر شبكة الأحزاب الصديقة و معارف و صلاته هو القديمة و صلات  ابو باز هناك، الحصول على ادلاء و النزول و تأسيس موقعاً جديداً في روستي في منطقة بالكيان الشهيرة . . و قد عزز ذلك الثقة بوجود و تطبيق وجهة عامة لزيادة و تطوير حركة البيشمركةالأنصار، و ان الذاهبين الى الخارج لم ينسوهم ابداً، بل صار الموجودون في نوزنك هم المثال و النموذج للقادمين في نضالهم . . بعد ان تصوّروا انهم من المنسسين الذي انحصروا في نوزنك . .  
و توالى نزول المفارز الى مناطق العمق، فنزلت مفرزة الى مناطق سهل اربيل بجاهزية سلاح اقل من المتوسط، بقيادة مام كاويس و ملا نفطه  . . مفرزة الى منطقة شاربازير في السليمانية، دخلت في معركة عنيفة ضد اعداد كبيرة من جحوش قاله فرج، في قرية قزلر، سقط فيها انصار شهداء و كشفت عن شكوك بالكادر ابو مهين النازل معها . . اضافة الى تواصل نزول مفارز بشدر، بتوين، شوان الى مناطق قراها و قصباتها . .
و تفاجأ صاحب يوماً بلقاء شابة كانت تبحث عن زوجها الشهيد و اكتشف انها صابري زوجة انور من السليمانية اللذين اختفا عندهما في السليمانية في طريقه الى البيشمركةالأنصار، و شعر بألم شديد على خسارة زوجها البطل في معركة قزلر التي استشهد فيها مع اسطه حسين آمر المفرزة، الرسام معتصم من بغداد و شاهو المدرس من السليمانية، التي كانت المعركة الثانية ذات الصدى الكبير في مناطق عمليات البيشمركة لمنظمة الانصار بعد معركة جوارقورنة . . فأكرم استقبال صابري بما تمكن عليه في ظروف البيشمركة تلك، و هو يشاهد حزنها و انطفاء حيويتها و شعاع فرحها . .

كانت الدلائل تتصاعد و تشير الى تشكّل و ولادة منظمة جديدة للبيشمركة الأنصار، و انها قد بدأت تحث المسير نحو تثبيت مكانتها و دورها في النضال ضد الدكتاتورية، في جبال و سهول و مدن كوردستان العراق .
و فيما وصلت مفرزة حملت بريد من التنظيم السري في الداخل . . و كان معها عشرة ملتحقين جدد و عائلتين استطاعتا الإفلات من بطش اجهزة الدكتاتورية، و حملت رسائل من عوائل الى ذويهم من البيشمركةالأنصار . . كان منها رسالة صغيرة ملفوفة و مغلفة مغلقة بشريط لاصق شفاف، كانت  مرسلة الى د. صاحب  . .
كانت الرسالة مكتوبة على ورق طباعي رقيق، و هي رسالة متأخرة من المناضلة في العمل السريّ شقيقته المناضلة شذى، التي لن يراها بعد ذلك ابداً، كانت قد ارسلتها قبل اعتقالها مع افراد العائلة . . و قد وصفت فيها حياتهم الصعبة، و انهم رغم كلّ شئ ماضون في تحديهم للدكتاتورية الوحشية، وحيّته لتجسيده بنشاطه بين صفوف البيشمركةالأنصار ماهية " الرفيق المتألق " واصفة احترامهم لهم و اعتزازهم بهم . .
   و قد اثارت تلك الرسالة و مااحتوته و ظروف ارسالها الكثير من المواجع و الآلام و الذكريات الحزينة، و اعادته الى عالمه الذي اجبر على مغادرته . . و عززت ثقته اكثر بأنهم يختارون بنشاطهم في صفوف البيشمركةالأنصار، موقف الشعب من الدكتاتورية، دون تصوّر و حساب كم سيطول و كم سيكلّف الجميع، الامر الذي لم يعرفه احد .  .
   و قد اتت المفرزة ايضاً بشخص قيل انه احد الكوادر السياسية من بغداد، يسمى ابو نادية (10) الذي كان مشكوكا بكونه مندساً في التنظيم السري هناك . . و قد ارسل الى نوزنك على اساس ان مؤتمراً سيعقد هناك و انه ممثل عن منظمة بغداد . . و بوجوده في نوزنك بقي محتفظاً بحرية حركته في نوزنك، الاّ انه ابقي تحت مراقبة دقيقة . .

 في ذلك الأثناء راجع طبابتهم الصحفي البريطاني الشهير ديفيد هيرست، الذي قدم الى نوزنك صحبة صحفية نمساوية و حلاّ ضيفين على اعلام الإتحاد الوطني . . كان يحس بالتهاب قصبات و بارتفاع بدرجة الحرارة . . و بعد ان فحصه و زوده بالأدوية اللازمة و خافض للحرارة، استلقى في الطبابة بعد استئذانه و السماح له، و نام اثر ذلك لدقائق، استيقظ بعدها شاعراً بالنشاط، و سجّل شيئاً عما شاهده  في طبابة الجبال الأنصارية ليكون جزءاً من مقال مطوّل عن كفاح الكورد ضد الدكتاتورية، كان يعده لصحيفة الغارديان البريطانية (11) . .
   و بعد ايام عادت مفرزة بتوين بقيادة علي حاجي نادر التي قامت بجولة في عدد من القرى المحيطة بمدينتي جوار قورنة و رانية عبر بحيرة دوكان، في القرى التي سلمت من حملة تهجير القرى الذي كان قد تمّ وفق خطط عسكرية ـ امنية حكومية مدروسة هدفت الى انهاء المرتكزات اللوجستية الأساسية التي تحتاجها كل ثورة قومية كوردية و كل حركة انصارية في بداية نشوئها، و تحتاجها كل حركة ثورية تنطلق من الريف . .
اضافة الى جولتها في مواقع القرى المهجرة التي لها مواقع ستراتيجية ضرورية لتأمين الوصول من المناطق الجبلية البعيدة الى المدن . . والتي واصل اهاليها زيارة مواقع قراهم تلك بعد تهجيرها، كلما سمحت لهم ظروف المنطقة، للتبرك بزيارة قبور اوليائهم الصالحين و آبائهم و اجدادهم، و لمواصلة طلب الغفران و الرحمة لتركهم ايّاها  . . و كانوا يقومون خلالها بأدامة اشجار الجوز و الفاكهة التي اجبروا على تركها، لأنهم كانوا على يقين بأنهم لابد و ان يعودوا يوماً الى قراهم .    
    و قد استطاعت المفرزة بجولتها تلك، من تقوية و تنشيط و زيارة الأقارب و الأصدقاء المخلصين للحركة و قاموا بتوضيح وجهتها و نشر ادبياتها، و عملت على ترتيب وسائل لإدامة اتصال الأصدقاء بالبيشمركة لأرسال الملتحقين الجدد و التبرعات المالية و العينية و الأدوية، و ما كان بالإمكان تدبيره من عتاد و سلاح و الإحتياجات الممكن تدبيرها للحركة، و زار عدد من افراد المفرزة عوائلهم و اطفالهم .
   و بينما قامت المفرزة بعمل سيطرة اوقفت فيها السيارات المارّة على الشارع الرئيسي الواصل الى مدينة رانية . . لتوضيح سياسة المعارضة و احزابها، قام سائق سيارة حكومية كانت تنقل بريد حكومي بإخبار آمر المفرزة، بأن البريد الحكومي في سيارته يضم ربع مليون دينار عراقي كاش نقداً
ـ بقيمته القديمة آنذاك ـ كرواتب للموظفين الحكوميين و اقترح عليه مصادرتها . .
   فرح علي حاجي بالخبر، واخبر المسؤول الحزبي للمفرزة "ماروف"(12) بذلك ليأخذ موافقته الأصولية . الاّ ان ماروف رفض ذلك قائلاً : " اننا لسنا لصوص . . اننا نناضل في سبيل قضية الشعب لإسقاط الدكتاتورية ومن اجل الديمقراطية ". ارتبك علي حاجي قائلاً و قال له بأنه بدون امكانيات مالية لايمكن الحياة و النضال لتحقيق تلك الأهداف . .
   كان من المعروف انه عند ختلاف العسكري و السياسي في منظمة الأنصار، يجتمع انصار الوحدة المعينة جميعاً و يطرحوا القضية المختلف عليها للنقاش، و يتم بعدئذ التصويت و الإتفاق على قرار ما، ثم ليعمل الجميع على تنفيذ ما تم الإتفاق عليه، حفاظاً على وحدة الكلمة و الإرادة و وحدة المنظمة . . الاّ ان الوقت كان حرجاً جداً، لأنهم لايستطيعون ايقاف كل السيارات ليقرروا، و ان تركوا قسماً منها يتحرك فإن ذلك يهدد امن و سلامة المفرزة ذاتها لأنهم لا يعرفون الراكبين ولا من منهم يعود للسلطة، و يمكن ان يخبّر دوائر الأمن و الجيش عنهم .  
   فكّر علي حاجي " و لكن القوة بامس الحاجة الى اموال الآن في وقت التأسيس، ولا يمكن الإعتماد على تبرعات الجماهير القليلة لوحدها فهي لاتكفي، اضافة الى ان قوى البيشمركة جميعها تعاني من نقص المال و لايمكن الإقتراض منها . . ليس من المعقول ان نكون طيبين سذّج الى هذا الحد امام خصم لايقيم وزنا لأية قوانين و اعراف و يسيطر على السلطة السياسية . . "
   اما ماروف السياسي الحزبي فكان يعتقد انهم عندما قرروا خوض العمل المسلح فلابد وان كل احزاب الطبقة العاملة ستؤيدهم و تساعدهم و على رأسهم الإتحاد السوفيتي، عملاً بمبدأ الأممية البروليتارية، و لكن من الجائز انهم لايعرفون بمدى ماتعانيه حركتهم ؟! و توصّل ان اهم شئ هو اعلامهم و ذلك ماسيطرحه باسرع وقت في الإجتماع القادم في منظمته الحزبية عندما يعودون الى نوزنك!!    
   و اخيراً اضطر علي حاجي الى الرضوخ على مضض الى رأي ماروف باعتباره المسؤول الحزبي، الذي بتقديره انه هو الحزب ولابد وانه يعرف افضل، و للحفاظ على وحدة المفرزة في مواجهة وحشية الدكتاتورية عليه الموافقة. الاّ انه بقي يفكّر و يتألم لأنهم يتركون فرصة كتلك وهم يعانون الأمريّن من الضنك المالي و المعيشي في الجبال .
   و بعد عودة المفرزة الى نوزنك طرح كل منهم فكرته على المكتب العسكري للقوة، و انتشرت اخبار ذلك بين كل البيشمركة . . قرر مكتب القوة   بأن المنظمة لاتعتمد النهب و السرقة لتوفير مصادرها المالية، و ان المنظمة هي منظمة ثورية سياسية تعتمد في سياستها على مدى تأييد الجماهير لها بقناعتها و باقناعنا لها بسلوكنا و احساسها بمدى فائدة حركتنا لها .
و لما كانت المنظمة تضم ثوريين معروفين بأخلاقهم الحسنة و نظافة ايديهم، فان الذين يتواجدون في ميدان الحدث هم الذين يستطيعون تقرير مدى صلاحية ذلك من عدمه، لتقوية المنظمة و تحسين سمعتها بين الجماهير، لتثق بها و تؤيدها. و ناقش كثيرون بأن الطريق الثوري الذي اتبعته حركات التحرر المشابهة اعتمد على المصادرة الثورية من اجهزة الدكتاتورية، و ليس من الشعب بكل فئاته .  .
   و فيما كان واضحاً قلة خبرة كوادر المنظمة الأنصارية و هي تبدأ نشاطها بالعمل المسلح في ظروف لاتشابه تجارب ظروف الماضي، توجب عليهم التركيز على استيعاب الظروف الجديدة التي يواجهوها بمفهوم و آليات النضال المسلح ضد الدكتاتورية في داخل البلاد، و ليس الإعتماد على الأحزاب الصديقة التي يمكن من جانبها ان تتضامن ان اقتنعت و حسبت مصالحها، لتعبئ الرأي العام العالمي سياسياً بعدالة الحركة ! و بالتأثير على الحكم من خلال فضحه لأجباره على تخفيف قمعه على الشعب. و لكن و في كل الأحوال، فأن الأساس لايمكن الاّ ان يتوقف على نشوء و نجاح البيشمركة الأنصار هم في بلادهم النفطية، التي تتراكض الإحتكارات لإقامة اوثق العلاقات مع انظمتها الحاكمة مهما كانت .  
   بعد ان فهم ذلك، تألم علي حاجي كثيراً لأنه لم يصرّ على موقفه شخصياً، و لأنهم اضاعوا فرصة قد لاتتكرر، وفّرها لهم سائق حكومي متحملاً كل المسؤولية، و بقي يتسائل مع نفسه " هل ان ماروف لايعرف ذلك و هو المثقف و المتعلّم، ولماذا يعرفها هو الفلاح الأمي الذي لايقرأ و لايكتب ؟ او يمكن انه يعرفها و لكنه خاف على اهالينا كلّنا من ضمنهم اهله هو، من انتقام الدكتاتورية ؟    
اخذ علي حاجي يشعر بالتعب، و تحوّل التعب الى رقود في الفراش، ثم سعال لاينقطع  يجعله ساهراً طول الليل . . فذهب الى الطبابة، حيث رحّب به الجميع مهنئيه على سلامة العودة، و نظر بما يشبه الإنكسار الى صاحب و سأله ان عرف شيئاً حول الموضوع، فأجابه بالإيجاب، واكّد له ان الحزن لاينفع و لن يصلح الأمور ان لم يعقّدها . .
فحصه صاحب بدقة، و شخص شكواه بأنها التهاب قصبات شديد . . و بقي صاحب حائراً حيث كان الأنتي بيوتك المناسب و المسكّن متوفران، و لكن المقشّع لعلاج السعال و تنظيف الصدر لايتوفر، و لم يكن متوفراً عند طبابة الإتحاد ايضاً. سأل صاحب علي حاجي عن زهور بريّة تدعى " بيبون " (13) ان كان يعرفها، او يستطيع ايجادها من الجبل . . ضحك علي حاجي و اجابه : " نعم انها تتوفر في جبل مامنده و موجودة بكثرة "، فوصف له صاحب كيفية تحضيرها مع الماء المغلي كالشاي و حدثه عن الجرعة المناسبة له منها، و طلب منه ارسال شئ منها للطبابة ان امكن ذلك، لأنعدام شراب السعال و لكثرة عدد مرضى التهاب القصبات آنذاك . .
بعد يومين وصل رسول من علي حاجي واخبر صاحب بتحسن صحته، وسلّمه كيس كبير من زهور البيبون الطرية كما طلب. و بعد ان اعجب بكبر الزهور وجد صاحب انها لاتزال طرية، و ان المعروف انها تُعد و هي جافة تماماً. و لمّا لم يهتدِ الى مكان ليجففها فيه، تركها في كيسها النايلون الكبير ضمن الأدوية التي تحت اليد . .
في ليلة ازداد فيها الطيران الليلي اكثر من اية ليلة، حيث كان الطيران الحربي يطير عالياً في السماء ليلياً . . بدأ من كان في الطبابة و هم صاحب و سامان و عولا مع ضيفهم لتلك الليلة د. نوزاد الذي ينام في الطبابة آنذاك، بسبب وعكة صحية المت به و هو قادم حديثاً من مهمة مع احدى المفارز، و بدأ يتشافى . .  اخذوا يعدّون على صوبة الطبابة شرابا من زهور البيبون التي توفّرت، كتعبير عن  البهجة على تشافي المساعد د. نوزاد . .
و بعد البدء بالشراب، شعر الجميع بنوع من اللذة الشبيهة بلذة شرب الكحول و اخذوا يدخنون معها و يتسامرون بالأحاديث المسلية و النكات . . و لم يجدوا انفسهم الاّ و هم يستأذنون و ينامون واحداً اثر آخر . .
وفي الصباح استيقظ صاحب من نوم عميق متأخراً، و كأنه كان في عالم آخر تماماً، و لم يعِ في البداية اين هم و ماذا يعمل هو هناك، حيث كان و كأنه مندمجاً في حلم . . انه في بغداد و انه يؤدي خفارة ليلية في مستشفى مدينة الطب . . احتاج لوقت كي يتعرّف و يعي اين هو ؟؟ و بعد ما قارب العشر دقائق، و هو يتأمل النائمين بملابس البيشمركة و لماذا يلبسون هكذا و ينامون كالقرويين ؟ عاد تدريجياً الى وعيه . .
كانت الساعة تناهز الثامنة صباحاً وهم يستيقظون في العادة في السادسة حين يوقظهم الحرس الصباحي.  و تطلّع من فتحة الشباك الى ساحة الفصيل الذي يقابل الطبابة حيث يتناولون فطورهم يومياً، ولم يشاهد اي تجمع للفطور و قد لاحظ بالحقيقة ان انصار الفصيل اكملوا فطورهم، لأن اواني الفطور و الملاعق التي تنتظر الغسل كانت مكوّمة عند الماء . .
و تعجّب لماذا لايزال يشعر بالنعاس، و انصار الطبابة لايزالون يغطوّن بنوم عميق ايضاً؟ و لايستجيبون لمحاولته ايقاظهم . . و بعد ايقاظه ايّاهم كانوا ينهضون بصعوبة. الى ان وصله عتب الفصيل من الجهة الثانية للجدول، حيث صاح ابو عادل الإداري حين رآه،  بان الحرس الصباحي حاول ايقاظهم و لكنهم لاينهضون . . و تسائل بنكتة، ان كانوا قد شربوا كحولا امس ؟
بتلك النكتة تذكر صاحب، انهم في الليلة الفائتة حضّروا شاي زهور البيبون، الذي ارسله اليهم آمر فصيل بتوين علي حاجي نادر . . و كيف شعروا عندما شربوه و كأنهم يشربون كحول . فاغلق باب الطبابة و تفحصهم واحد اثر آخر كانوا ينامون نوماً عميقاً طبيعياً . . بعد ان اشعل الصوبة اخذ يقرأ بانتظار نهوضهم من النوم .
بعد نهوضهم من النوم، تحدث لهم صاحب عما حصل و تعاون الجميع بعدئذ على تجفيف تلك الأزهار على الصوبة بعد ان علموا ان علي حاجي جففها بتلك الطريقة و قد كان شرابها وهي مجففة مفيداً فعلاً لأزالة القشع (البلغم) من الصدر . .    

   بدأ الربيع يطّل و انتشر العارفون للبحث عن الكاعوب ـ الكنكر ـ فيما تلونت الجبال بالوان متنوعة زاهية عكست الوان الزهور التي تفتحت عليها . . بدأ الجميع يشعر بالنشاط و الحيوية وسط انتشار انواع الروائح العطرية . . و بدأ مع الربيع القلق من مخاطر القصف الجويّ، فكان الجميع ينتشرون بعد الفطور . .
كانت ام سليم التي استقرت في نوزنك بعد ان ضاقت بها مهاباد اثر الصدامات التي حصلت فيها ، كانت تتجول يومياً مع ابنائها و اقربائها من الشباب، يبحثون عن الكاعوب ـ الكنكر ـ و معهم الأدوات البسيطة لأخراجه من التربة . .    و كان فريد الذي التحق ضمن مجموعة الملتحقين غير المعروفين جيداً، يتجول مع مجموعة ام سليم لكونه من اقربائها .
و لم يكن فريد محبوباً من البيشمركةألأنصار، لأنه لم يبد اهتماما بحياتهم و كفاحهم، فكانوا ينظرون اليه، بكونه لايعمل شيئاً سوى انتظار زمالته من الخارج، حيث كان مشغولاً بتقوية لغته الأنكليزية، كما كان هو يقول .
الأمر الذي اثار فضول احد الأنصار من الساكنين معه في الخيمة، الذي كان مدرساً للإنكليزية، حيث حاول بحكم عادته اختبار لغة فريد الإنكليزية، الاّ انه لم يستجب ابداً، و بمرور الوقت قدّر ان فريد لايعرف الإنكليزية . . و للمزاح و الفضول حيث اراد و حاول عدة مرّات ابعاده من الخيمة، ليرى ماذا يكتب و هو لايعرف الإنكليزية . .
ففي احد الأيام رمى المدرّس احد ثياب فريدون الى اسفل موقعهم، و صاح به حين كان الآخرون مشغولين :
ـ فريد الحق ملابسك لأنها سقطت في الجدول .. الحقها !!
و لمّا نزل فريد مسرعاً لألتقاط ملابسه خوفاً من تلفها، اخذ المدرّس يقلّب اوراق فريد و استغرب من ما فيها من معلومات و رسومات . .  و عندما عاد حاملاً ثوبه، ضحك المدرّس عليه و قال " كنت اعرف انك لاتجيد الإنكليزية و انك تتلهى بكتابة المذكرات و الرسوم التخطيطية" .
و فيما علت الصفرة وجه فريدون و لم يجبه بشئ بدعوى انه مستعجل لأن ام سليم تنتظره. لم يعتقد معلم الإنكليزية انه سيثير زوبعة بعدئذ بحديثه عن فريد عند الغداء، عندما تحدث مع رفيقيه في الطعام اللذين كان احدهما و هو سامي الذي كان مكلفاً بسريّة من آمر الفصيل بمراقبة فريد لسلوكه المريب، بهدوء.
حيث نهض سامي مسرعاً للبحث عنه و لم يجده، سأل عنه في الفصيل و في الفصيل المجاور و سأل ام سليم و فصيل حماية مكتب القوة . . لم يجد له اثراً وكأنه فص ملح وذاب و اختفى معه دفتر ملاحظاته . .
كان فريد يعرف منطقة المقرات تلك، فقد قضى وقته بالتعرف الجيد على المنطقة من خلال البحث عن الكاعوب، و هي منطقة كثيرة التعقيد و المزاغل و الأحجار و الصخور الكبيرة و الشقوق الضيقة . . .  لقد اختفى الى ان هبط الظلام، و ذهب وفي محاولة كي لايترك اثراً يشير اليه .  .  ذهب زحفاً على بطنه مع مجرى الجدول المنخفض الواصل الى الفروشكاه " سوق نوزنك " الذي كانت فيه محطة مخابرات سرية للطوارئ .
لقد اختفى فريد !!
و تواترت اخبار منوّعة عنه من مهربي و كروانجية و جحوش المنطقة . . بكونه ذهب الى الحدود التركية، الى ربيئة هناك، حيث نقلته طائرة سمتية الى مقر قيادة الجيش في المنطقة . . كان هذا واحداً من افراد المجموعة غير المعروفة و المشكوك بها . .  
في ذلك الوقت و اثر الضجة التي احدثها انكشاف و هروب فريد، ازداد قلق الخائن ابو نادية بسبب التأخر الذي لاينتهي لعقد المؤتمر كما اخبروه لدى ارساله، و لعدم ملاحظته وجود اية تهيئات لمؤتمر ما كما اُبلغ، فأخذ يكثر من الذهاب الى مقهى في السوق لمحاولة التعرف على مايجري و على المنطقة و طرقها، الاّ انه لم يفلت من المراقبة الدائمة له . . حتى احسّ بأنه شبه معتقل و انه لامؤتمر هناك ولا يحزنون .
و في فجر يوم ربيعي جاءت بشكل مفاجئ مفرزة من فصيل بشدر، كانت تقتاد ابو نادية و هو مكبّل اليدين معها، قال آمر المفرزة بأنهم القوا القبض عليه اثر مشاهدتهم ايّاه و هو يذهب الى ربيئة "هالشو" العسكرية، وكان يلبس ملابس مدنية و ليس ملابس البيشمركة. و بعد ان عوقب الحرس الصباحي على عدم مشاهدته ابو نادية و هو يترك الفصيل صباحاً لابساً ملابس المدينة بعد ان بدّل ملابس البيشمركة. . احيل ابو نادية الى التحقيق .
و بعد تشاور بين مكتب القوة و مكتب قوة الإتحاد في نوزنك، تبيّن ان هناك شبكة تخريب عائدة للسلطة في سوق نوزنك تستهدف كل منظمات البيشمركةالأنصار، و هي على صلة مباشرة بجهاز و ببريد يومي متواصل من خلال قوافل المهربين القادمة و الذاهبة، مع قيادة العمليات العسكرية الحكومية. و تبين انه فيما تم كشف قسم منهم و اعتقالهم و هرب آخرون في وقت سابق و لاحق، فان التحقيق يتواصل في قضية لاتنتهي بكشف افراد . . لأن دوائر السلطة الدكتاتورية تواصل تبديل عملائها المكلفين بمهام متنوعة . . من خلال عدة شبكات مستقلة بعضها عن بعض بالكامل و لاتوجد صلة او علم مطلقا بعضها ببعض .

في ضحى يوم ربيعي، التقى صاحب صدفة بـ محسن (14) الذي كان جانب من وجهه متورماً و محمراً بشكل غير معقول و كأنما رأسه كبر فجأة و استطال الى جهة التورّم . . و بعد الإستفسار منه عما حدث له، قال انها لدغة ابو اربعة و اربعين الجبلي الذي يعيش في المناطق التي تتكوّم فيها الصخور، و ان لدغته لا تؤلم و لكن تسبب حكّة و قد يتطور مكان الإصابة الى خُرّاج يتقيّح بعدئذ و يترك ندبة في مكان اللدغة، يكون حجمها حسب كمية السم . . و قال انه استطاع ان يمسك بالـ ابو اربعة و اربعين  و هو يحتفظ به في علبة زجاجية يريد ان يراها البيشمركةالأنصار.
فطلب منه صاحب ان يريه ايّاه لتقدير نوعه و نوعية سمّه و للمباشرة بالعلاج . . كان ذلك الـ ابو اربعة و اربعين . . حشرة قشرية طويلة بطول ثمانية انجات، اسود اللون يعطي الوان كـ " ذيل الديك " تحت اشعة الشمس، فيظهر السواد مائلاً الى الحمرة و الزرقة و الخضرة و غيرها من الوان الطيف الشمسي حسب زاوية ميلان شعاع الشمس، كاسباً ايّاه مظهراً مخيفاً فعلاً. كان لايمكن قتله بالدعس او الضرب و جربوا مدى تحمّل قوّة درعه بالضغط المتواصل عليه باخمص بندقية، الضغط المتواصل الذي ادىّ الى انقسامه الى نصفين كل نصف سار في طريق، كما وصف محسن الذي قال انها احدى طرق تكاثره !!    
   و بعد ان عاد للطبابة بصحبة محسن لأجراء العلاجات اللازمة، سأل عن عولا كي يساعده . . قال سامان ان عولا لم يأتِ للطبابة منذ عصر امس، وانتبه صاحب الى ان ذلك امر غير طبيعي، لأنه عندما ينام خارج الطبابة كان يقول في العادة و لم يمانع احد، الاّ انه في كل الأحوال كان يعود الي الطبابة في صباح اليوم التالي. فقرر الإنتظار.
   بعد فترة نبّه سامان الى ان عولا لم ياخذ سلاحه و انه موجود في الطبابة و كذلك عتاده كلّه، الأمر الذي يعد غريباً حقاً، لأنه من غير المعقول آنذاك ان يتجوّل النصير دون سلاح، و بعد حوالي الساعتين و لمّا لم يعد . . اخبر صاحب مكتب القوة عن غيابه، و كلف فصيل بشدر بمتابعة الموضوع، الى ان افادت الأخبار، بان عولا بعد ان تدرّب في الطبابة و صار معروفاً من خلالها، و جمع مالاً من معالجته للقرويين سرّاً، ترك حياة البيشمركة و افتتح له عيادة كطبيب في بيوران التي يريد ان يتزوج و يستقر فيها . . و ان عمه الجديد والد زوجته المستقبلية هو اقارب احمد صاروخ .

(يتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   فروشكاه ؛ تعني بالكردية "سوق" .
2.   دشلمة : قطع السكر المستخدمة للتحلية مع الشاي .
3.   هيلكه به روون ، تعني بيض مقلي بالدهن .
4.   ماست ئاو ؛ تعني اللبن الشنينة او اللبن المخفف .
5.   مسافرخانة : فندق صغير او شبه بانسيون جبلي فلاحي . .
6.   الثاليوم العراقي ((ITh، وهو مادة سامّة خطيرة، صُنعت لحساب المخابرات العراقية من مادة الثاليوم السامة الشهيرة Th ) ) بعد معاملتها كيمياوياً . امتاز هذا السم بكونه مادة سائلة عديمة اللون والطعم والرائحة !  فكانت تحقن بحقن طبية في الفواكه، خاصة البرتقال الذي كان يقبل على شراءه البيشمركة لقناعتهم بفيتاميناته الواقيه من الأصابة بالأنفلونزه والبرد، وكان يبيعه باعة متجوّلون في العادة.  وكان يضاف الى الحليب السائل او الى أنواع العصير .  .  واعتبرته السلطة سلاحاً فتّاكاً لها بعد فشل اساليب التسميم السابقة التي كانت تُكتشف بسهولة ، كادوية مكافحة الحشرات وسموم الفئران وغيرها من مركبات الزرنيخ، لقد سبب الثاليوم العراقي خسائر كبيرة بالبيشمركة، سواءاً بالأرواح اوبالمعنويّات .
7.   المفرد كورتان، و هو مايشبه السرج السميك، المخاط و المعمول لتثبيت الأحمال و لحماية ظهر حيوان النقل الجبلي .
8.   تقلصات عضلية متتالية تشبه تقلصات حالات الصرع، تصيب الأطفال بسبب ارتفاع درجة حرارتهم (الحمى العالية جداً) التي تؤدي الى اضطراب في سيطرة وظائف الدماغ . .
9.   ملازم خضر، عربي من بغداد، مناضل شيوعي و كادر حزبي و انصاري معروف، ضابط في صنف المدفعية من خريجي الكلية العسكرية العراقية، كان من الضباط الذين التحقوا بثورة ايلول اثر انقلاب شباط الفاشي عام 1963 ، و برز في معارك البيشمركة و لعب دوراً هاماً في انتصار قوات البيشمركة على القوات النظامية عام 1966 في معركة هندرين الشهيرة، الانتصار الذي ادى الى تراجع السلطة عن تعنتها و اعترافها للأكراد بحقهم في الح

35
هناك . . عند الحدود (7)
                                 د. مهندالبراك
                        ahmedlada@gmx.net  
الفصل الرابع
  
  نوزنك . .

انتقلت مقرات فصائل البيشمركةالأنصار الى وادي نوزنك الضيّق بالتدريج وصارت فصائل منظمة الأنصار و مكتب قوتها اكثر تقارباً من السابق . . و تقيم جميعاً بجوار المقرات القيادية للإتحاد الوطني الكوردستاني ـ أوك ـ الذي ساعد البناة الأوائل للمنظمة عند وصولهم للجبال ـ كجزء من التقليد التاريخي للثورة الكوردية في اكرام و دعم من يناصرون قضيّتها ـ . و كان ذلك التجاور هاماً من اجل تحقيق دفاع ناجح عن المنطقة، في ظروف ندرت فيها وسائل الدفاع الجوي، اضافة الى قلة عدد الأسلحة الخفيفة و المتوسطة لدى انصار المنظمة خاصة .
و قد لعب ذلك التجاور و وفّر امكانية افضل للدفاع عن المنطقة امام القوات النظامية المتنوعة . . و لعب دوراً هاماً في بقاء و توسع سوق نوزنك و تزايد بضائعه من جهة، و ادىّ الى تزايد عائدات الكمرك التي كان الإتحاد الوطني يجبيها من جهة اخرى . . في ظروف كان فيها كل الهاربين من السلطات الرسمية بمن فيهم المهجّرين يبحثون عن اي مكان يمكنه حماية حياتهم، الذي كان اهم قوانين حياة الحدود . .  
   و صارت الفصائل التي قسّمت حسب المناطق تسكن بالشكل التالي : فصيل بتوين بقي في البيوت التي اصلحت في توزلة ومعه موقع هندرين و الإعلام الذي احتوى على ادوات طباعية بسيطة، فصيل المدفعية الذي ضمّ باغلبيته : شباباً عرباً و كلدان اضافة للكورد ، و صار مع مدافعه الثلاثة في اعالي وادي خري نوزنك في شعاب جبل مامنده في مكان اعلى من مقر مكتب القوة و يتصل به، فصيل بغداد  يقع شمال فروشكاه ـ سوق ـ نوزنك و فصيل اربيل في جنوب السوق، فصيل بشدر و فصيل شوان في موقع زلي و هما الأقربان الى جهة قلعة دزة . . على طريق نزول المفارز الى العمق . .
   و صار موقع الطبابة الواقع بين صخور غرانيتية كبيرة . . يطل على خري ـ الجدول ذو الخريرـ نوزنك و يقابل فصيل بغداد المجاور للسوق، و تكوّنت الطبابة من قاعة حجرية تشكّل غرفتين، احداها للفحص و لرقود المرضى و الجرحى و لمنام افراد الطبابة ليلاً، و الثانية صيدلية للأدوية التي تحت اليد للإستعمال اليومي و مكان للأنتظار، و آخر لخلع الأحذية قرب الباب.
و تمّ تثبيت اطوال النايلون على طول و عرض الجدران الداخلية و السقف من الداخل لحفظ حرارة الغرفة و للحفاظ على نظافتها بغسلها بين حين و آخر، و للحفاظ على نظافتها مما يسقط في العادة من السقف من اتربة و غيرها، و فرشت الأرضية بنايلون سميك مخصص للأرضيات في المناطق الباردة لنفس الأغراض، و قبيل الإنتقال الى الطبابة و الأستقرار فيها، تمّ غسل و تعقيم  الغرف باقوى انواع المطهرات الطبية المتوفرة .
و جرت الإستفادة من حضيرة الحيوانات الصغيرة التي تعود للبيت بعد ان نُظّفت، بأستعمالها كمكان بارد لتخزين المواد الطبية المحفوظه في كرتونات و علب كبيرة مقفلة، كبعض كرتونات قناني انواع المغذيات و بعض العلب المعدنية الكبيرة المغلقة، الحاوية على حبوب المسكنات.
و قد تكوّن افراد الطبابة من د. صاحب، د. شوان، سامان كمساعد متدرب، اضافة الى بيشمركة متدرب من كل فصيل دورياً، حيث يساهم كمتدرب الى ان يقرر الطبيب ان بامكانه القيام بأعمال التضميد في فصيله، و الى ان ارسل فصيل بشدر البيشمركة "عولا"(1) ليكون ثابتاً في الطبابة لكونه لايصلح للقيام بمهام البيشمركة العسكرية بتقدير مكتب فصيل بشدر، راجياً  قبوله !
لم يكن اختيار مكان لبناء جديد كمقرات شتوية بالأمر الهيّن ابداً . . فقد كان في منطقة نوكان، وادي ضيّق كثير الأشجار، شكّلت ساتراً حقيقياً هاماً يموّه على القصف الجوي، و كان الخشب متوفراً بكثرة هناك، و لكن لم يعرف لماذا لايسكنه احد، وقال القرويون هناك ان لا احد يسكن هناك بسبب المخاطر، و لم تُفهم ماهية تلك المخاطر، فالبعض تصور انها حيوانات مفترسة و البعض الآخر تصورها صواعق . .  
الاّ ان انصار فصيل المدفعية و كانوا شباباً متحمسين، قرروا اختياره كمقر شتوي بعد ان دققوا كثيراً من الأمور و على رأسها الماء . . و كان كل شئ مناسباً كما توصّلوا . و لكن في الشتاء و بعد تساقط الثلوج نبعت في داخل البناء عين ماء متدفقة لايمكن غلقها ابداً، اضطرتهم الى بناء ساقية لها كي يخرج مائها، ثم نبعت عين اخرى عند الحائط، حاولوا بطرق متنوعة غلقها و لما لم يستطيعوا . . اضطروا الى بناء حائط داخلي جديد خوفاً من سقوط الحائط الأول بسبب الرطوبة و الماء . . و خرجوا بعدئذ بصعوبة سالمين من ذلك الشتاء . . (2)

   سكن في وادي نوزنك الضيّق و في مكان مرتفع يشرف على مقر فصيل بغداد و يقابل موقع الطبابة " عبد الله آغا " ، هو و عائلته المكونة من زوجته و ابنتيه و زوجيهما و اطفالهما، حيث يعمل زوجا البنتين في كمرك أوك عند مدخل نوزنك كما مرّ . و كان معروفاً ان عبد الله آغا و عائلته العائدين الى احدى عشائر بشدر، كان مهجّراً من قريته بعد ان دُمّرت، و كانت العائلة من العوائل الكوردية التي ابعدتها اجهزة الدكتاتورية الى الأهوار . .
   و كان عبدالله آغا يطرب لأغاني الأهوار العربية الجنوبية . . حيث كان المذياع او جهاز التسجيل لديهم مفتوحاً على اعلى صوته و هو يبث أغاني بنات الريف الغجريات غير مبالٍ بوجود مقرات البيشمركة و حاجتها الى هدوء معقول يفسح المجال للإنصات و التسمّع الى درجة الامان هناك من وجود طيران يمكن ان يقصف المنطقة في اي وقت . .
و كانت الأغاني العربية تصدح في الوادي الضيّق و كأنها تشارك في عرس او في فرح ختان، الأمر الذي كان يثير فرح الأنصار العرب عموماً و يلهي بعضهم عن اداء و اجباته اليومية حيث يُسمع صوت آمر الفصيل و هو يؤنب هذا و ذاك لتأخر انجاز اعمالهم بسبب انصاتهم للأغاني و هم مستسلمين لخيالهم و لقصص الحب التي انقطعت و حُرموا منها !     
   و قد تسبب ذلك بضجة مستمرة مع فصيل بغداد القريب على منزله . . مرة حول الحطب و انه يريد حصة له مما يقطّعه الأنصار، كبدل لموافقته على سكنهم و اقامة مقراتهم في املاكه كما يقول ؟! و مرة بسبب ضجيج ينبعث من الفصيل يقلق راحة العائلة على قوله ايضاً . . لأنبعاث موسيقى و ضحكات بصوت مرتفع و تصفيق احتفالي بالأكف في احدى الامسيات الاحتفالية، التي كانت بسبب استلام احد البيشمركة رسالة من اهله يطمئنوه فيها على حالهم و يسألون عنه . .
حين كان النصير رائد الطالب في كلية الهندسة يعزف على كيتاره و سط عاصفة من التصفيق على ايقاع جميل، بين فرح و استهزاء البيشمركة القرويين من مناطق بتوين على نموذج البيشمركة الجديد بكيتارة و هم يهوّسون بصوت عالي " مسقّفي سَوْرِي بربابه . . مسقفي سوري بربابه " (3) ، لأعتقادهم الفلاحي المطلق بان البيشمركة المقاتل لا يمكن الاّ ان يكون رجلاً بشارب كثيف و تكشيرة رجولية و سبع قملات !! .  . الأمر الذي تبيّن من جهة اخرى . . انه تسبب بانفعال عبد الله آغا، الذي قال : " انهم يتعمدون احداث ذلك الضجيج  استهزاءً بي . . " و انه لن و لا . . !!
و قد منع مرور البيشمركة على ممر جبلي كان لابدّ منه ، لأنه كما قال . . يشرف على حمام نسائه !! رغم ان الحمّام كان محصّناً بأغطية عالية ملونة رغم رجاء الجميع له بأن تلك الاغطية الملوّنة تعرّض المقرات لمخاطر الإنكشاف و القصف الجوي . . الى ان ساق عبد الله آغا يوماً احد الضيوف الذي كان ساذجاً و وديعاً و لم يعرف بعد أحد ماذا كان يريد تماماً من البيشمركة . . ساقه مهدداً ايّاه بسلاحه بسبب ضبطه ايّاه  متلبساً و هو يتلصلص على حمّام النساء !! كما قال و اوصله الى ابو جوزيف عارضاً شكواه عليه بكل انفعال . .
نظر اليه ابو جوزيف بحنق بعد ان ملّ من سلوكه المشاكس و بعد ان قاسه (4) جيداً قال له بهدوء و بصوت واطئ واضح المعاني :
ـ خذه معك ! .  .  .  تستطيع ان تعمل به ماتشاء !!
فخرج عبد الله آغا بصحبة الشاب و هو حائر بماذا سيعمل معه . . الى ان اوقفه و صاح به :
ـ اذهب اذهب . . يا ابن العاهرة !
و تركه و ذهب الى بيته فيما بقي الشاب واقفاً في مكانه يتلفّت، فذهب اليه النصيران اللذان كلفهما ابو جوزيف بملاحقة عبد الله آغا مع الشاب، لأنقاذه من احتمال اي تصرف ارعن قد يبدر من عبد الله آغا . . اضافة الى غيرها من المشاكل التي يسببها وجود عوائل بين البيشمركة، و وجود اشخاص كعبدالله آغا بينهم .  
   ذهب مام كاويس (5) يوماً الى المكتب العسكري لـ أوك لطرح مايثيره عبد الله آغا من مشاكل مع قوته باعتباره صديقهم، فاجابوه بقولهم " انه يتسبب بنفس المشاكل التي لاتنتهي معنا حيث اشتكى من ان مانقوم به من حفريات يمكن ان تهدم الجبل ؟؟ . . المهم تهدئته و اقناعه بأن المكان غير صالح لسكن عائلة، خاصة و انه يستطيع الذهاب و الإستقرار في قرية مزرة المجاورة حيث طلبه اهاليها للمجئ اليهم .  . ليذهب اليهم لأنهم من عشيرته . . "
   و في احد الأيام ارسل عبد الله آغا زوجته الى صاحب لأخباره بأن زوجها مريض، وأنه يريده ان يأتي الى بيته لمعاينته و اعطائه الدواء الضروري، فأخبرها صاحب انه لايزور المرضى الى بيوتهم، و كان قراره ذلك بالإتفاق مع مكتب القوة، لأن وجوده في الطبابة هو افضل في كل الأحوال من مغادرتها، كي يكون على استعداد دائم لأستقبال اي مريض او جريح، من جهة.
و من جهة اخرى، فإن ذهابه الى بيوت القرويين، اضافة الى تشكيله مخاطر غير محسوبة عليه، لأنه لايعرفهم و لايستطيع تقدير من منهم يمكن ان يكون مرتبطاً باجهزة الدكتاتورية السريّة التي تبيّن للجميع انها موجودة بنشاط في المنطقة، و ان هناك من هم مكلّفون بمعرفة ماهية حجم قوى البيشمركة و ماهية اسلحتهم و تسقّط اخبار تفصيلية عنهم، تُطلب وفق احتياجات و تتبّعْ الأجهزة الحكومية . . اضافة الى ان زيارة بيوت القرويين يعني الإحتكاك بعوائلهم و تناول طعامهم البيتي، و كان يثير الكثير من التقولات التي كان مصدرها طبيعة حياة البيشمركة الجافة هناك، بسبب انعزالهم في المناطق الجبلية البعيدة تلك .
حيث كان ذلك الأمر يشبه الأمنيات لعدد كبير من الأنصار، و خاصة ممن لايتقنون اللغة الكوردية كالعرب و الكلدان و الآثوريين و الصابئة من البيشمركةالانصار، الذين كان انعزالهم اصعب .  .  .  اضافة للأنطباعات التي يشيعها المعالجون الريفيون الذين يطببون المرضى مقابل اجور و هدايا، و كان اطباء البيشمركة يشكّلون منافساً قويّاً لهم، يقطع عليهم رزقهم كما كانوا انفسهم يقولون . .
و لما اعتذر صاحب لزوجة عبد الله آغا عن الذهاب، و اخبرها بأنه لايترك طبابته في العادة ليكون موجوداً فيها ان حدث اي طارئ، اجابته بأنها تفهم ذلك و تتمنى من الله ان يفهم زوجها ذلك ايضاً ، و لكن ظهر انه لم يفهم و ذهب عبد الله آغا مساءً الى الطبابة وطرق بابها بعنف و بقي واقفاً في الخارج و هو يهدد و يصيح :
ـ انا لااقبل الإهانة من احد !! انتم تحت رحمتنا . . انا غير راضي عنكم ! انا زعلان منكم و لن ازوركم و ستخسرون . . سترون !!
   بينما كانوا يأكلون في الطبابة طعام العشاء . . فتح صاحب الباب و شاهد عبد الله آغا الطويل القامة النحيف، بملابسه السوداء و بجمدانيه الأسود، ببشدينه (6) الكبير الملفوف بقوة على وسطه، و ثبّت تحته خنجر فضي ظاهر بشكل واضح للعيان من جانب، و تدلى على جانبه الآخر مسدس كبير ابو  14 (7)، و بعد ان استمع اليه صاحب بهدوء، دعاه لشرب الشاي في داخل الطبابة . . و كان جوابه بان خزره بعينيه و ذهب و هو يصيح :
ـ سأريكم من هو عبد الله آغا !! سأريكم !!  
دخل صاحب الى الطبابة و هو يفكّر " لماذا يتصرف عبد الله آغا في المنطقة و كأنه زعيم، لا اعتقد ان به مسّ ما، انه يتكلّم و هو بكامل وعيه، و السؤال هو كيف صار آغا و لماذا يعيش لوحده مع عائلته الآن، و لماذا يداري كثيرون غضبه او سلوكه . . يمكن انه صار عصبي عليّ بالأساس من منطلق كونه اغا كوردي ظُلم و هجّر من كوردستان التي ولد وعاش فيها اباً عن جد و ذاق مرارة الغربة و احتقار رجال السلطة (العربية) و ظلمهم، و عاد الى كوردستان غير مبالي ان كان في ارضه هو او في ارض غيره .  .  مادامه في كوردستان التي يشعر فيها بكيانه و بسطوته فيها .  . و سلطته على الأغراب فيها من غير الكورد ثأراً او ردود فعل على مالاقاه في تهجيره، و لكن ان كان الأمر كذلك كيف يحبّ الأغاني العربية خاصة و يطرب لها؟ و كيف و كيف ؟؟ و لماذا ؟ . . و بقيت كلّها اسئلة بلا جواب " ، الاّ انه توصّل الى انه قد يخفي امراً ما ؟؟
في ذلك الوقت جاءت مجموعة من خمسة عشر شاباً، قيل انهم ملتحقون جدد يريدون الإلتحاق بالبيشمركةالأنصار، و توضّح بعدئذ ان رغباتهم كانت متباينة، البعض كان يريد الإلتحاق فعلاً كالفنان الرسام معتصم (8)، و بعض آخر كان يبحث عن امكانية للحصول على زمالة دراسية لأحدى الدول الإشتراكية، و آخرين كانوا خليطاً ممن كانوا يريدون السفر الى اهلهم في ايران او الى اي مكان على نفقتهم، و ممن كان يريد الإلتجاء الى المنظمة كشغيل غير مسلّح في المقرات ؟! و كان المثير في الأمر انهم جاءوا  بطرق متنوعة من مدن مختلفة الى مدينة اربيل
و من هناك جاءوا عبر طرق مختلفة ايضاً و التقوا بمفرزة كانبي المتجولة في اربيل، احد تلك الطرق كان يمرّ في بيت الخائن نامو كمحطة للإختفاء، و كانت المشكلة ان اولئك الملتحقين تحدثوا عنه و كأنهم لايعرفون .  .  او يمكن فعلاً انهم لايعرفون بكونه خائن،  او لايعرفون ان خيانته لم تعد سريّة و انها اكتُشفت . . في خليط شائك معقد فعلاً .
قرر مكتب القوة بعد مداولات متنوعة ان يقبلهم على اساس انه لايريد ان يخاطر بحياة ابرياء غرباء في المنطقة قد يُقتلون فيها ان تُركوا، خاصة و ان المكتب لم يصل الى نتيجة حاسمة في تحقيقه بقضيّتهم، و على اساس ان هجوم الدكتاتورية على التنظيمات السرية و اثارتها للفزع اجبرت عديدين على التمسك بأية طريقة للنجاة . . و هي امور كانت اجهزة الدكتاتورية لاتغفلها بل كانت هدفها من اثارة جو الفزع و الرعب الجماعي . . !
   و بعد ان تم قبولهم و توزّعوا على الفصائل مع ضرورة استمرار التأكد من سلوكهم، نسّب احدهم و كان طالب جامعي مسائي و يعمل مضمد . . الى الطبابة، كان يحمل اسم " باسم سلام " الرومانتيكي، الذي كان بشوشاً مرحاً، الاّ انه كان يثير تحفظ عدد من البيشمركةالأنصار لكونه كثير الضحك، و هندامه و شعره المنفوش يثيران السخرية، و فيما كان صاحب يحاول ان يخفف من إستهزاءهم به، تفاجأ يوماً بحديث آمر فصيل بغداد الذي كان من الكوادر الانصارية المجرّبه، الذي اخبره بأن الأنصار الذين يقضون وقتهم بالأحاديث المكتومة معه، ينامون كثيراً و متعبون دائماً و لايؤدون واجباتهم، و يعتقد ان احاديث باسم سلام ليست سوى احاديث اباحية مكتومة معهم، و انها قد تسبب مشاكل اضافية للفصيل، و يرجوه بأن يحاول ايجاد وسيلة لحل ذلك الإشكال . .
   بعد ابتسامة من كلام آمر الفصيل، قال له صاحب بأن يكف عن مثل تلك الإتهامات التي تعتبر من القضايا الشخصية جداً و لاتسبب بأذى لأحد !! الاّ ان آمر الفصيل اكّد طلبه راجياً ايّاه بأن يساعد في حل مشكلة كتلك و الاّ فإنه سيفاتح مكتب القوة و ستتخذ اجراءات جديّة تناسب حياة و نشاط الأنصار الذين يجب ان يكونوا على اهبة الإستعداد دوماً.
   لم يأخذ صاحب ذلك الأمر على محمل الجد، الى ان فوجئ يوماً و هو يهمّ بالدخول الى الطبابة بعد غياب ليس قصير، باصوات ضحكات مكتومة و ضجيج لعدد من الأنصار متخذين من الطبابة كشبه مقهى، فيما كان صوت باسم سلام طاغياً و هو مستمراً بسرد واقعة قال انه مرّ بها فقال :
(( . . .    و في البيت الواقع عند الشارع الستيني تعلّقت بي ربة البيت، و لم استطع الفكاك منها لأنها هددتني ان لم استجب لها، فإنها ستخبر عنيّ، فوافقت على مضض . . ولمّا رأتني قد اكتفيت بعناقها وتقبيل ثدييها و بطنها وتكرار ذلك لها، كانت شهوتها ورغبتها تزداد شدة وعنفاً . . و قالت بلهجة بدت و كأنها عابرة :
ـ كان . . كان يسحبني اليه ويضع ساقيّ على كتفيه . .
سمعت ذلك منها واخذت اسحبها اليّ ببطء و هي مستلقية على ظهرها، و ارفع ساقيها ليستقرّا على كتفيّ ولأسحبها اكثر اليّ، حين كانت تردد بفرح :
ـ و الله سترى كم انا جميلة حين ترى وجهي و هو يزداد حمرة في هذا الضوء الخافت . . كان يقول لي ذلك دائماً و هو يزداد رغبة و تعطشاً لي . .
ولم اعرف كيف عليّ ان ابدأ و هي تردد تذكرها لزوجها و انا ازداد تهيّجاً و عضوي يزداد توتراً وانتصاباً . . و انا اضغط على نفسي خوفا من ان ايلاجه بقوة قد يؤذيها او يسبب لها جرحاً، كما شاهدت في المستشفيات . . حين كانوا يرتّقون جروح حدثت بسبب سرعة الإيلاج وهن غير متهيّجات بعد . . لغباء رجالهن او لتهورهم و تعطشهم لإطفاء رغباتهم باسرع وقت . . فقلت لها بلهجة بدت وكأنها آمرة بسبب عصبيتي، الاّ انها هدّأت قلقي بسكوتها المطيع  . . و قلت لها :
ـ ادخليه بيدك . . كما يريحك . .
و بعد تردد مدّت يدها ببطء الى عضوي المتصلّب تماما ، بعد ان ازداد انتصاباً بلمسها ايّاه ومداعبتها ايّاه بلطف ثم امساكها به . . ضحكت باثارة كاشفة عن اسنانها اللؤلوئية التي لم تزدني الاّ هيجاناً ،
ـ ساعمل كماتريد . .  و لكن ولكن . .
واخرجت آهةً طويلة  . . وتشبّثت بي حتى كادت تخنقني . . مخرجة آهة بعد اخرى . . ثم . . .  ))
   بعد استراقه السمع جيداً و هو يسمع اصوات ذلك الأداء و تنغيمه، تأكد له صحّة ما قاله آمر الفصيل . . . فدخل و هو يفتح الباب بعنف و اسكت باسم سلام، فيما خرج الضيوف فوراُ بعد ان اعادوا ترتيب الأفرشة . . و اختلى صاحب به موضحاً له خطأ مايفعله و هو المفروض به ان يكون قدوة في الطبابة باعتباره من العائلة الطبية، و ان ماقام به لا يناسب الطبابة التي يزورها انواع المرضى و المريضات و العوائل . . اعتذر باسم سلام طالباً من الطبيب السماح و معاهدا اياه بأن ذلك لن يتكرر !!
.  .  .  .
.  .  .  .
لم يكن د. شوان يهتم بواجبه في الطبابة، و كان كثير الغيّاب بدون اسباب مقنعة، وشاهده كثيرون بأنه يكثر من الذهاب الى فروشكاه نوزنك ـ السوق ـ و يجلس في مقهى هناك يتناقش مع مهربين و كروانجية، في وقت كان هناك تعميم مشدد من مكتب القوة بعدم الذهاب الى السوق، و حصر ذلك بافراد الإدارة و التموين . . و كان يجيب عندما يُسأل عن ذهابه، بأنه يذهب للترويح عن نفسه من الجلوس المغلق في مقرات الأنصار.
عرف صاحب ان  د. شوان المعروف بكونه طبيب كفؤ و مناضل ذو اخلاق عالية، قد مرّ بظروف قاسية فعلاً، فقد القي القبض عليه خلال زيارة مفاجئة قام بها (النائب صدام) لمستشفاهم، و بوصوله الى ردهة د. شوان ، حاول شوان بصفته الطبيب ان يشرح للنائب حالات المرضى الراقدين و اساليب العناية بهم و علاجهم. الاّ انه فوجئ بحرس النائب و هم يهجمون عليه كالكلاب المسعورة و يشبعوه ضرباً مبرحاً بتهمة اساءته للأدب باقترابه اكثر من اللزوم من النائب اثناء حديثه معه، و اعتقلوه فوراً و قدم الى محكمة الثورة التي حكمت عليه بالسجن المؤبد، لإساءته للأدب ؟!! و قد اقتيد الى السجن و هو في حالة ذهول حقيقي من شدة الصدمة . .
و بعد سجنه لمدة اكثر من سنتين انقطعت عنه اخبار زوجته و ابنته الوحيدة، الأمر الذي ضاعف من معاناته و آلامه و تواصلت حالة الذهول لديه، الى ان اطلق سراحه في العفو الأخير فخرج قاصداً البحث عن زوجته و ابنته، و علم انهما في اليمن بعد ان استطاعت زوجته الناشطة سياسياً ايضاً من التخلص من مطاردة رجال الأمن، في وقت الهجمة على القوى الديمقراطية في 78 / 1979 ، فلم يجد طريقاً للبحث عنهما الا عن طريق منظمة الأنصار، و ذلك ما دار حتى ذلك الوقت . .
فحاول صاحب احاطته بدفئ العلاقة و مرونتها، كي يستطيع ان يوضح له مايريده فعلاً بصراحة كي يساعدوه ان استطاعوا، الاّ ان د. شوان لم يفصح بأي شئ يمكن ان يُساء تفسيره بحقه، و كان رد فعله انفعالياً، و حركته و محاولته اقامة علاقات مع غرباء و غير مرغوب بهم في المنطقة من مهربين و كاروانجية كان يزيد من تقولات الأنصار عنه . .
   الى ان سأل د. كمال خوشناو ـ العضو القيادي في أوك ـ صاحب ذات يوم، عن رأيه و رأي مكتب القوة بطلب د. شوان الذي قدمه اليهم لمساعدته بالذهاب الى ايران ؟ وبعد ان فاتحه مكتب القوة عن صحة ذلك الطلب، اجاب بحزن و صراحة قائلاً، انه يريد السفر الى زوجته و اطفاله في اليمن، خاصة وانه افترق عنهم منذ اعتقاله قبل اكثر من سنتين . . و انه كان يخجل من طرح طلبه الى ان وصل الى حد انه لم يعد يستطيع السكوت فيه، و انه قد قدّم طلبه ذلك الى أوك، لأنه متأكد من ان مكتب القوة لن يوافق على طلبه ان طلب ! .  .  و قد وافقت الطبابة و مكتب القوة على طلبه المقدم الى أوك و ارسلت موافقتها الى د. كمال خوشناو لمساعدته .  
.  .  .  .
.  .  .  .
بدأ البرد يتزايد، و اخذ الثلج يتساقط بشكل ابكر من عادته في المنطقة . . . ليستمر تساقطه الكثيف لأيام زادت عن اسبوع كامل في النهار و الليل . . و فيما كان اكثر البيشمركةالأنصار قلقين لعدم معرفتهم ماذا ستعمل الثلوج الكثيفة في وادي نوزنك الضيّق، قال ملازم عمر مسؤول المكتب العسكري لـ أوك بفرح و عن تجربة بالمنطقة حيث يقيمون منذ سنوات فيها :
ـ  يحق لنا ان نفرح الآن  . . ان مجيئكم الى البيشمركة فأل جيد للجميع، فنحن الآن بأمان من احتمالات الإنزال الجوي لقوات الدكتاتورية، حيث جرت تدريبات للإنزال عدة مرات على جبل مامنده، و اعدوا في قمته ساحة لهبوط ناقلات الجنود المروحية.
و قال انه في اواخر خريف السنة الماضية قاموا بإنزال حيث نزلت قوات كثيرة العدد، على قمة الجبل التي غطتها الغيوم، و فوجئت بعاصفة هبّت بشكل غير منتظر، و هطل الثلج مدراراً على القوات التي كان نصفها على ارضية القمة و نصفها الثاني كان لايزال في المروحيات . .
و فيما حاولت القوات الإنسحاب تسلل الى القمة اهالي منطقة نوزنك و معهم عدد من بيشمركة القوى المتواجدة، لأنهم وجدوا فيها فرصة قد لاتتكرر لإنزال القصاص بالقوات الحكومية و للحصول على السلاح و الذخيرة . . و ذلك ماتم فعلاً، حيث ان الكلاشنكوفات اليوغسلافية التي يشاهد البعض ان اهل السوق و بعض البيشمركة يحملوها مع اعتدتها هي من تلك الغنائم .
في يوم من ايام ذلك الشتاء، استيقظ البيشمركةالأنصار الذين يتابعون الأخبار اليومية من راديوات الترانزستور التي معهم . . على صوت راديو مونت كارلو و هو ينقل خبراً غير مألوف ابداً، و هو  اعلان احتلال الحرم المكي، من قبل عشرات المسلحين من قوى سياسية متنوعة في المملكة السعودية، اطلق الراديو عليها، عملية " جهيمان العتيبي " الذي تحدث بالمايكوفونات عن مطالب المعتصمين التي ورد في مقدمتها المطالبة باطلاق سراح السجناء السياسيين، على حد تعبير الراديو، الذي اضاف ان هناك استعدادات عسكرية تبذل لتحرير الحرم . .
كان الخبر مفاجئاً لأغلب البيشمركةالأنصار و كانوا يتناقشون في كيفية القيام بذلك العمل و وصفه قسم بكونه عمل اخرق، و وصفه قسم آخر بكونه بطولي، و انه من تأثيرات انتصار الثورة الشعبية الإيرانية التي اسقطت الشاه. و حاول صاحب بفضوله معرفة تأثير ذلك في منطقة نوزنك و سوقها، بأعتبار ان الناس و العشائر هناك من المتمسكين بالدين و الصلاة و تلاوة القرآن . . الاّ انه لم يلحظ شيئاً غير اعتيادي في المنطقة التي كان اهلها يواصلون حياتهم و احمالهم و مشاكلهم ككل يوم في حياة قاسية و مواجهة للدكتاتوريات ذات المنطق الشوفيني المعادي للكورد . .
و بعد فترة قصيرة و في اواخر ديسمبر 1979 ، اعلنت اذاعة بي بي سي عن وقوع غزو عسكري سوفيتي لأفغانستان، و قد ترك الحدث انطباعات كبيرة عن قوة المعسكر الشرقي و ذهب البعض بعيداً باحلامه بانهم يمكن ان يساعدونا او لابد ان يساعدونا . .
   ومرّ رأس السنة الجديدة الذي تقيم له شعوب و دول العالم احتفالات صاخبة . . مرّ بنفس حال توالي الليالي العادية في نوزنك التي غطّت مرتفعاتها الثلوج التي انعكس عليها ضوء القمر محيلاً الظلام الدامس فيها الى ظلام رومانسي مضاء بضوء القمر، عدا قاعة الفصيل المقابل للطبابة التي تجمّع فيها الأنصار يحتفلون ببدء العام الجديد بشرب شاي الحامض المعمول من الليمون الجاف ـ نومي البصرة ـ ، بعد وجبة عشاء احتوت على لحم، حيث ذبحوا جَدْياً احتفالاً بتلك الليلة، و استمروا بالأغاني و بعزف النصير رائد على الكيتار، مصحوباً بتصفيق الأكف بما ناسب اللحن.
   و كانت تلوح اضواء اللمبات الكهربائية التي تسحب طاقتها من موتور يعمل على البنزين في مقرات أوك الواقعة في اعلى المرتفع . . فيما كان عدد من الأنصار مختلين بانفسهم خارج القاعة متذكرين اهاليهم و عوائلهم و وسط امانيهم بعام جديد سعيد، و احلام عريضة بحصول تغييرات هامة في المنطقة لصالح قضايا الشعوب و منها قضيتهم  .
   كان ذلك الشتاء هو الأول الذي مرّ على قوة البيشمركةالأنصار التي شكّلت بحدود الـ 300 نصير، و كانت فيه مشكلة تقطيع و توفير خشب الصوبات (9)، هي المشكلة الأولى و الصعبة لبيشمركةانصار اتت غالبيتهم الساحقة من المدن . . فأخذ القرويون منهم يدربون ابناء المدن الشباب كيفية تقطيع الحطب من جذوع و اغصان الأشجار البرية التي توجب ان تكون بعيدة عن مقرات الفصائل، للحفاظ على مواقع المقرات مغطاة بالشجر، كجانب من جوانب غش المكان و وقايته من قصف الطائرات .
   و صارت واجبات توفير الحطب للتدفئة و لإعداد الطعام من الواجبات اليومية الجدية، التي لم تكن سهلة، و تسببت بجرح عدد من البيشمركة لأيديهم او ارجلهم بسبب قلة الخبرة باعمال التحطيب، و تسببت بأنواع جديدة من الإصابات التي كانت تحدث بسبب السقوط من شجرة او مرتفع، و الآن بسبب  سقوط اثر تزحلق بسبب عمليات نقل الحطب.
   و تعلّم العديد من الأنصار ان الحطب انواع، و هو حسب فصيلة الأشجار، فما يصلح لفرن الخبز قد لايصلح للصوبة او للطبخ، اضافة الى اهمية تجميع كميات كبيرة من الأغصان المتوسطة و الصغيرة ، التي لابد منها و الضرورية للبدء بايقاد الصوبة، او لعمل الشاي في الفطور الصباحي مثلاً.
   و مع تزايد البرد و تزايد الثلج، ازدادت امراض القصبات و الأنفلونزا، الحمىّ، امراض حساسية الجلد بسبب القمل الذي كان يتكاثر بشكل سريع . . اضافة الى حالات الإصابات بسبب التزحلق على الثلج او على الصخور التي اخفاها الثلج تحته . . و تزايد مجئ القرويين عبر مشاق طرق صعبة بين الثلوج و الصخور حاملين مرضاهم على حيوانات نقل . . حيث لم يكن بالأمكان الأعتذار عن معالجتهم بسهولة، بسبب عدم كفاية العلاج لدى الطبابة لحالتهم .          
   و ذات يوم و بينما كان الثلج يهطل بكثافة و بشكل مستمر منذ ايام، وصل الى الطبابة قروي متين البنيان يسحب بغلاً قوياً، يحمل شخصاً شدّ على البغل شداً و هو بحالة جلوس و اسند ظهره الى مسند مثبت على كورتان الحيوان، و غطيّ بالنايلون . صاح القروي الذي ناداه قروي آخر خرج تواً من الطبابة بأسم "حسين" . . صاح مستعطفاً الطبيب :
ـ  دكتور !  زوجتي زلفى بخطر ! حرارتها عالية جداً ، راح تموت !  دكتور رحمتك !  انا مستعد لكل شيء لأنقاذ زوجتي ، دكتور تفضّل !
وقدّم لصاحب صرّة مليئة بالدنانير (10)  .   .    .
ـ  تفضّل هذه الف دينار ! انقذ لي حياة زوجتي وطفلي ! !
هدّئه صاحب ومساعداه ، عائداً اليه صرة النقود بلطف، وهو يقول له : سنعمل كلّ ما في وسعنا لعلاجها ! اننا في الثورة نعمل من اجل سعادة الفقير وليس لأرباح كنا نستطيع تحقيقها حين كنّا في المدينة  .
كانت الزوجة المسكينة تترنّح بسبب ارتفاع درجة حرارتها الى فوق الأربعين، اضافة الى شكواها من آلام بطنها لأنها حامل !! و بعد ان فكّ رباطها، انزلها زوجها والمساعدون، وادخلوها الى غرفة الطبابة الكائنة في شقّ الصخور الغرانيتية آنذاك، حيث فحصها صاحب بسرعة ودقّة ثمّ ابتسم لـ "حسين" قائلاً له :
ـ اطمأن ، زوجتك وطفلك سيعيشان !  
قال صاحب ذلك وهو يشاهد امامه أمرأة قوية البنيان وليس كما تصوّرها من نحيب الزوج العاشق و قلقه . كان السؤال الأساسي ، الذي يأتي دائماً بلا رتوش ولا أقنعة ،في تلك الأصقاع العارية القاسية، السؤال الذي يأتي مباشراً وسريعاً لدى كلّ مرض و مهما تنوعّت المستويات  : موت أم حياة ؟ . . هل سيعيش المريض ام لا . . . ؟!  كان تقرير ذلك القرار هناك، هو الذي يعطي الطبيب ومتعاطي الطب، تلك الهالة المقدّسة عند اهالي تلك العوالم المنسيّة، الذين يرون فيه و لياً مقدّساً من اقرب الأولياء لله .  
وبعد فحص متمهّل بحضور الزوج، تبيّن لصاحب ان زوجته "زلفى" تشكو من التهاب الفم و اللوزتين الحاد الشديد الذي انتشر الى المعدة، اضافة الى بداية التهاب قصبات حاد . . وهو السبب الأساسي للحمى و أوجاع البطن الشديدة التي تهدد المرأة الحامل بالإسقاط. واوضح للزوج بهدوء ان الخطوة الأولى للعلاج ستكون زرقة بالوريد لتخفيض الحرارة بسرعة ، وستحتاج الى زرقة أخرى في العضل عند الورك !
    و فيما تلعثم حسين فيما يريد قوله . . قاطعه صاحب قائلاً المهم الآن زرقة الوريد بأسرع وقت لتخفيض الحرارة و للحفاظ على الطفل وسنتحدّث بعد ذلك . وبين تراويح وبسملات حسين ، واعداد المحقنة والدواء والتعقيم ، زرق صاحب ابرة خافض الحرارة بالوريد ، التي تقبّلتها المريضة بهدوء و كأنها في عالم آخر .
.  .  .  .      
 قال حسين للطبيب : دكتور تقصد يعني انها يتوجب ان تتعرىّ لزرق الإبرة الثانية ؟ يعني و الله ، الله مايقبل !!
ـ عزيزي حسين، تعرف تزرق الأبر ؟
ـ لا أبداً !
ـ سأعلّمك عليها الآن وستكون مريضتك و انت تزرقها . موافق ؟
ـ لكني اخاف ان اصيبها بأذى لأني لا اعرف كيفية الزرق  .  .  و ان قمت انا الآن بذلك بحضورك من سيزرقها بعدئذٍ ؟ بيتنا بهذا الثلج بعيد دكتور . و بعد سكوت صاح : لكن شرفنا دكتور ، ستشاهد شرفنا بعينك وسترى اردافها الجميلة عارية دكتور !!!
انفجر المساعدون بالضحك ، وتمالك صاحب نفسه واسكتهم بسرعة احتراماً للمرأة الحامل و لزوجها الذي يعزّ عليه ان يرى زوجته و كأنها تتعرى امام رجل غريب و لو كان طبيباً. فيما استمر حسين بالكلام مواصلاً : دكتور احنا ناس اسلام ولدينا شرف و .  .  .
   
انفجر صاحب من جهته، بعد ان سمعه يكرر اقواله و هو صامت . . قائلاً :
ـ يكفي !!  انا ايضاً مسلم واعرف ماهو الشرف. عليك ان تفكّر بهدوء ، زوجتك مريضة وحالتها سيئة ،والطرق اغلقها الثلج ، واحنا ادويتنا شحيحة . اذا عندك حل آخر، قول !! وانا حاضر لكل ماتريد ان استطعت، واذا تريد اخذها للبيت وانت المسؤول عن حياتها وحياة الطفل امام الله و رسوله!
حسين : انا لا  .  .  انا لا  !
في ذلك الأثناء وبينما كانت زلفى راقدة على غطاء في الطبابة . . تجمّع عديد من المريضات والمرضى في الطبابة، من نساء واطفال وشيوخ ، قادمين من القرى التي كانت تجتاحها امراض البرد بسبب استمرار عواصف الثلج . وقام صاحب بفحصهم ، وقام المساعدان عولا و سامان بزرق الأبر للمرضى الذين كانت بينهم أمرأتان، وكان زرق الأبر للنساء يتم بحضور مرافقة لهن سواءَ كانت أماً أو أختاً . .  فيما كان حسين يراقب مايجري مفكّراً ، ومستفسراً عن مشكلته مع حسين، من أمرأة مسنّه كانت ترافق ابنتها المريضة، علّها تساعده بجواب . . ثم قال حسين بصوت خفيض :
ـ دكتور الله يحفظك ! علّمني زرق الأبر على زوجتي، ذلك ليس محرّماً في القرآن بحق محمد النبي المصطفى !  
ـ طيّب اتفضّل ! وطلب صاحب من الآخرين ترك غرفة الطبابة على ان يبقى حسين وزوجته فقط في الغرفة .
بعد ان ارتجفت يد حسين عند مسك المحقنة ، قال :
ـ دكتور ، انا لاأستطيع !!  ازرقها انت ، انا اتفرّج واتعلّم   .   .
   قام صاحب بحضور الزوج بزرق الأبرة و هو يشرح لحسين . . فيما كان الزوج يردد شكره وابتهالاته . . و مرّ وقت وفيما كانا يتهيآن للذهاب بعد تحسّن حالة زلفى بسبب الأبرة في الوريد، اعطاهما الطبيب بعض الأدوية الممكنة ـ رغم شحّتها ـ لأكمال العلاج . وتعبيراً عن غاية امتنانه عرض الزوج على الطبيب علناً ان يزوّجه اخته الجميلة دون مقابل لتخدمه طيلة حياته ! وأصّر على قبول الألف دينار مقابل العلاج، و هو فرح لتحسن صحة زوجته . .  
شكره صاحب بلطف و احترام على عرضه أخته للزواج متمنياً الشفاء لزوجته وله بالتوفيق . ولم يأخذ النقود موضحاً انهم بيشمركة يحملون السلاح ضد الدكتاتورية و في سبيل نصرة الناس و الفقير .  .  وامام الحاحه بأن يقدّم شيئاً كمقابل، طلب منه صاحب ان يساعد الأنصار عند مرورهم ببيته أو عند حاجتهم اليه وان استطاع توفير عدد من الأدوية الضرورية للطبابة من سردشت و كتب قائمة قصيرة باسماء الأدوية الضرورية على ورقة صغيرة اعطاها لـ حسين  .
   تقبّل حسين ذلك بفرح و ممنونية، واصرّ على دفع أجرة المعاينة على الأقل . . كما كان يردد بالحاح، الأمر الذي حسمه مام كاويس مسؤول حماية المقراّت انذاك ، حين كان مارّا بالطبابة مصادفة، حيث قال له :
ـ كاكه حسين ، الطبابة تحتاج حملين حطب للتدفئة الآن . تستطيع توفيرها في هذا الثلج ؟ !
ـ طبعا ً، بعيوني ! اشكركم واشكر الحبيب محمد المصطفى !
و فعلاً وصلت الطبابة بعد يومين، اربعة بغال محمّلة بالحطب  .  .  ثمّ وصلت الأدوية التي أوصى عليها د. صاحب و كتبها على الورقة التي سلّمها الى حسين .  
   وهكذا حٌلَتْ احدى المشاكل التي بدت بسيطة في الظاهر، الاّ انها كانت حساسة ومعقّدة في تلك الأنحاء البعيدة، و كانت تتطلّب الصبر والحزم واللطف لمواجهتها . . فعلى حلّها الذي ينتشر في العادة بسرعة البرق بين اهالي القرى، يتوقّف كسب صداقتهم ومحبّتهم ، التي تعني تقديمهم المساعدة لجرحى البيشمركةالأنصار من طعام ونقل وايواء وحماية، اضافة لأيواء الجميع وصيانة اسرار تواجدهم ، في اوقات المحن وفي اوقات القتال غير المتكافيء ، في حالة تقدم عسكري او أنزال مظلّي و محاولة احتلال المنطقة .
والاّ فأن تلك المشاكل قد تؤدي الى البغض والكراهية وحتى الى التصادم بالسلاح مع البيشمركه وافشاء اسرارهم و تدميرهم، كما حصل مرّات مع لم يحسن التصرّف مع الأهالي ، سواء كان ذلك مع  منظمات او افراد .  .  
(يتبع)




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   واسمه عبد الله، من اهالي قلعة دزة ، كان نصيراً في فصيل بشدر الذي ارسله للعمل في الطبابة ، و هو خريج ابتدائية، واشتغل بدأب كمساعد للدكتور صاحب في الطبابة وتعلّم المصطلحات الطبية اللاتينية وطرق التشخيص، و عمل على اعداد و جمع ملخصات الحالات الطبية و الأعراض و علاجاتها بالكوردية له .  . وفق شروحات د. صاحب له. حوسب بعد فترة لكونه كان يعالج مرضى و يزور آخرين الى بيوتهم و يصرف ادوية لهم من الطبابة مقابل عمولة بشكل خفي، لأن ذلك كان ممنوعاً في نشاط حشع . . وقد ترك البيشمركة بعدئذ.
2.   و المثال الآخر في فصل لاحق ، هو قرار هيئة ضمت مهندسين، اختارت بمواصفات و مقاييس هندسية على وصف اعضائها، مكاناً لبناء ثلاث قاعات كبيرة متجاورة للشتاء . . انهارت القاعات بعد الأمطار الأولى بسبب انهيار الأرضية التي لم تتحمل ذلك البناء، و لم يتسبب ذلك بقتلى او جرحى لأستطاعة الأنصار الخروج سريعاً بعد بدء الإنهيار الذي حصل نهاراً.  
3.   بمعنى مثقف ثوري يحمل ربابة بدل السلاح، لأن الرجولة في مقاييسهم هي حمل السلاح .
4.   قاسه بمعنى وصل الى تقييم لسلوكه و لشخصيته، من مظهره .
5.   مام كاويس . . مسؤول حماية المقراّت انذاك، خباز من اهالي مدينة كويسنجاق، كادر حزبي و انصاري معروف في مناطق اربيل، عضو مكتب الفوج الخامس اربيل، ثم آمر الفوج 31 العائد لقاطع اربيل، قضى في معارك اقتتال الأخوة عام 1984  .
6.   الجمداني، هو الكوفية الكوردية. البشدين، هو ما يثبّت الملابس كالحزام و يكون عادة من قماش .
7.   مسدس ابو 14 الشهير في المنطقة باسم جوار ده خور.
8.   معتصم عبد الكريم ، شهيد في معركة قزلر . . من اهالي بغداد، خريج الفنون الجميلة، رسّاماً مبدعاً ومصمماً معروفاً اثارت لوحاته اهتمام عموم البيشمه ركه في تصويرها معاناة الأنسان العراقي . وقد تطوّع في المفارز الأولى وذهب في مفرزة الى ريف السليمانية، اصطدمت مع قوات الجحوش في قرية "قزلر" وقاتلت بعناد، قضى اثرها وكان يقاتل ببندقية برنو . انتشرت صوره التي كان يرسمها بمختلف الوسائل  آنذاك (من فحم خشب الطبخ والخبز، الى عدد من الصخور المبراة، والواح الصخور وماكان متوفراً  من اوراق)، وفي اعلام العديد من منظمات البيشمه ركه، واحزاب المعارضة العراقية، اضافة الى اعلام المقاومة الفلسطينية .  
9.   صوبات، جمع صوبة بمعنى المدفئة، وهي عبارة عن آنية معدنية شبه مغلقة متصلة بانبوب يقوم بدور المدخنة، تعمل على الحطب . .
10.   كان الدينار آنذاك يعادل  3،3 دولار .


مواضيع سابقة

هناك . . عند الحدود (6) الفصل الثالث الى مهاباد . .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,738147.0.html


هناك . . عند الحدود 4 ـ 5
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737948.0


هناك . . عند الحدود (2 - 3)
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737703.0


هناك . . عند الحدود 1
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=737628.0

36
اين "الدولة الجديدة" بديل الدكتاتورية ؟
                                                                                   د. مهندالبراك
                                                                       ahmedlada@gmx.net
   
لم تنهار الدكتاتورية الا بنضالات و نضالات و تضحيات يعجز القلم عن وصفها في مقال، و راحت على طريقها دماء و ارواح انبل المناضلات و المناضلين، و دماء و ارواح مئات الآلاف من المدنيين العزّل في حروب الدكتاتور و في مقاومة الانتفاضات الشعبية . . لتنهار الدكتاتورية بعد حصار مرير و في شوطها الاخير باعلان الحرب على البلاد ثم الإحتلال . .
و كان كلّ ذلك من اجل الأتيان ببديل جديد و مؤسسات تجمع و تنظّم اراد الشعب بطبقاته و فئاته، بديل يحقق له حقوقاً على طريق التقدم الاجتماعي و الرفاه النسبي و خاصة لفئاته المحرومة  . . سقوط الدكتاتورية الذي لم يتحقق كهبة من احد لشعب خانع اميّ لايفرّق رأسه من قدميه، على حد تصوّر و ادّعاء البعض . . ناسين ان الشعوب الخائفة و المرعوبة ذاتها هي التي تحقق اكبر الانتفاضات ان توحّدت قواها و طلائعها و استقام وعيها، كما اثبتت و تثبت احداث التاريخ و الحاضر . .  
و لابد من القول انه قد تحققت خطوات و فعّاليات على ذلك الطريق، و راحت فيه دماءٌ و دماء جديدة على يد الارهاب المتنوّع الواجهات و الاصول الرافع زوراً لشعارات الدين و الطائفة ، لنصل الى ان الشعب يستطيع ان يقرر بانتخابات نزيهة من يحكمه، لدورة اربع سنوات و يجوز ان تكون لدورتين لا اكثر، ان صوّت الشعب لذلك في الانتخابات . . و ثُبّت ذلك دستورياً.
و يرى كثيرون انه فيما تتحرّك الدولة على شعارات ان اختيار سلطات الدولة الجديدة يتم عن طريق بطاقات الانتخاب النزيه، و ان الإنتخاب يشكّل اللولب الاساسي في بناء الدولة الجديدة، دولة المؤسسات. يستمر الاسلوب السابق في اختيار نوعية الحكومة القادمة، اسلوب تشاور كبار المتنفذين و محاولة اتفاقهم الذي وصل الى تشاور الدكتاتور مع مقرّبيه لتقرير الحكومة القادمة. . كي يتمكّن متنفذو اليوم من اعلان نتائج الإنتخابات وفق ما يسفر عنه ذلك التشاور !!!
في افراغ واضح و مع سبق الاصرار لمبدأ " ان نتائج الانتخابات هي التي تقرر" و ان يتم التشاور على التشكيلات الحاكمة بعد اعلان تلك النتائج . . و ليس اعتماد المفاوضات و المحادثات بين القوى المتنفذة قبل فرز النتائج و اعلانها ليجري ترتيب نتائج الإنتخابات وفق نتائج الاتفاقات الجديدة، و ليس العكس كما في العالم المتمدن . . لأن النتائج محسومة سلفاً لـ (مختار العصر) !!!
و ينبّه آخرون الى ان مايجري، يجري في وقت صار الفساد فيه علنياً و لسان حاله يقول : "لاحذر من الرقابة مادامت السلطة باليد !! " حتىّ بيّض القضاء صفحات و صفحات للحرامي، في زمان شيوع الفساد و الارهاب و حكم دولة الابناء و الانسباء و الاقارب، و صار الحرامي بأسم الطائفة ايّ كانت، يدخل العملية السياسية من اوسع ابوابها، و يقود و يملك قائمة انتخابية يصرف عليها من المال المسروق من الدولة، و استحق بذلك لقب (احترامي للحرامي صاحب المجد العصامي(*) ) ؟؟؟ ، بعد ان شُلّ القضاء . .
الامر الذي حدى بقاضي له مناصبه الهامة في الدولة و القضاء الآن، ان يعبّر عن ذلك علناً في شريط فديو غير مبالٍ، داعياً فلاحين فقراء لإنتخاب قائمة رئيس الوزراء المنتهية ولايته مقابل توزيع قطع اراضي عليهم، و ان لا . . فلا. الفديو الذي اثار اوسع القطاعات الشعبية حتى ادىّ بمكتب رئيس القائمة القائد العام، الى التصريح بأن ذلك القول لايمثل رأيه لا اكثر !!
و يكاد يجمع اصحاب الخبرة و الشأن بأن الحلول لمآسي مايجري تتوقف على انبثاق حركة جماهيرية تعبّر عن الارادة الوطنية عابرة للاديان و الطوائف و القوميات و من كل القوى الشعبية الموجودة في الساحة، كما بدأ تلمّس ذلك من تأييد اوساط شعبية متزايدة للطروحات و لسلوك الشخصيات المرشّحة عن قائمة التحالف المدني الديمقراطي . .
و ان انبثاق حركة كتلك لإنقاذ البلاد من المحاصصة الطائفية و السير على الطريق الحقيقي لمكافحة الارهاب و الفساد، سيتوقّف على رفض قادة الكتل المتنفذة المواجهة لكتلة المالكي . . رفضهم لإستمراره في منصبه لدورة ثالثة، كما عبّروا عن ذلك في مناسبات و فعاليات . . اعلنت اثرها الجهات الإيرانية المعنية الى التصريح بأنها لاتشترط استمرار المالكي على كرسيه . .
و يرون بأن تغيّر المالكي من موقعه كرئيس لمجلس الوزراء حتى بقاء الموقع لصالح حزبه ان فاز بما يؤهله كحزب للموقع . . سيكون بداية تغيير حقيقي يسير على طريق انهاء حكم المحاصصة الطائفية، و يواجه الارهاب و الفساد، بإجراءاته على طريق خدمة اوسع الفئات المحرومة، فينال بذلك تأييدها الشعبي الواسع شيعة و سنّة و اكراد، و ينال دفاعها عنه . .


8 / 5 / 2014 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الاغنية الساخرة للمطربة المصرية آمال ماهر، التي حرّكت مشاعر آلاف المصريين لإستنكار الفساد في مؤسسات الدولة و (سرقات الحراميه الكبار) و السكوت عنهم و التواطئ معهم. و لعبت دوراً ملموساً في تحريك الجماهير لإنهاء حكم الحرامية في مصر، رغم انهم وصلوا بالانتخابات، فسقط الدكتاتور مبارك بالجموع المليونية الغاضبة التي تصوّر كثيرون انها كانت نائمة او اميّة بلهاء.

37
هناك . . عند الحدود (6)
الفصل الثالث

الى مهاباد . .

   بعد الحاحه على الأدوية و بسبب الضغوط على مكتب القوة من تكاليف العلاج الباهضة اللازمة لأرسال المرضى الى مهاباد و رضائية، و التي كانت تتصاعد . . اخبره يوماً ابو جوزيف ، بأنه يستطيع الحصول على الأدوية الضرورية من مهاباد، وعليه ان يسافر الى هناك و يلتقي مع " ابو سرباز"(1) لترتيب ذلك معه هناك، في اطار تقليل ذهاب البيشمركةالأنصار الى مهاباد لأغراض العلاج . . وانه ـ اي صاحب ـ سيذهب مع ملا حسن (2) و مام خضر اللذين سيذهبان باجازة و لأتمام عدد من الأمور الضرورية للمنظمة هناك.
   فذهب الثلاثة مع بيشمركة من الإدارة و التموين عند الفجر مع ظهور اول خيوط النهار، باوراق عدم تعرّض متفق عليها بين بيشمركة العراق مع بيشمركة ايران و المعترف بها رسمياً في ايران آنذاك. و ساروا مشياً الى بيوران ومن هناك بسيارة باص ذاهبة الى كراج سردشت، ومن الكراج بباص آخر ذهب بهم الى مهاباد، التي وصلوها بعد الظهر . 
   كان صاحب في غاية السرور و هو يشاهد تلك المدينة المناضلة الشهيرة التي سمع بها و قرأ عنها الكثير، مدينة القاضي محمد رئيس الحكومة الكوردية التي اشتهرت باسم " جمهورية مهاباد الديمقراطية " ذات الحكم الذاتي التي اعلنت خلال واثر الحرب العالمية الثانية. ثم اسقطت بالقوة من قبل الجيش الشاهنشاهي الذي احتلها بعد معارك دموية قاد فيها قوات الحكومة الكوردية القائد الكردي الشهير الملا مصطفى البارزاني، و بسبب تفوق قوات الشاه عدة و عدداً و اطباقها الحصار على العاصمة الكوردية مهاباد، انتهت المعارك باعتقال و أعدام القاضي محمد و رفاقه و بلجوء الملا مصطفى الى حرب البيشمركةالأنصار لمواجهة الجيش، ثم مسيرته التأريخية بقواته المقاتلة الى الإتحاد السوفيتي، محققاً بذلك مآثرة حربية بتوجهه او بانسحابه بقواته و هو يقاتل و ملاحق من جيوش ايران، العراق، تركيا . . آنذاك .
كانت مهاباد رغم اهمال سلطات الشاه لها ادارياً وابقائها بدرجة " ناحية "، كانت مدينة كوردية صغيرة محدودة المساحة تفتقر الى الشوارع و الأبنية الحديثة، الاّ انها كانت جميلة باشجارها و بنهرها الوادع الجميل . . . مدينة غاصة بالحركة والنشاط والحيوية بنسائها الجميلات و رجالها، ترى في اكثر واجهاتها صور ابرز الشخصيات الكوردية العراقية و الإيرانية المناضلة، فاضافة الى صور قاضي محمد تشاهد صور الشيخ محمود الحفيد والملا مصطفى البارزاني .  .  و صور الزعيم عبد الكريم قاسم، المهداوي، سلام عادل والحيدري !! التي شاهدها صاحب بتعجب كبير .
   كانت المدينة تعيش افراح انتصار كبير بسقوط الشاه و انفتاح آفاق جديدة امام الشعب الكوردي في ايران لتحقيق حقوقه القومية العادلة . . كانت المسيرات والمظاهرات الحاشدة نساءً ورجالاً شيباً وشباناً تطوف الشوارع بشكل احتفالي وهي تنشد النشيد الحماسي الكوردي الأشهر " اي رقيب ".
ذهب الثلاثة الى فندق بارس قرب ساحة " جوار جرا " الساحة الرئيسية في المدينة التي شهدت احداثاّ و احداث . . و التقوا في مدخل الفندق بالبيشمركة الشجاع بختيار من فصيل شوان، الذي عرّفهم سريعاً على موظف استعلامات الفندق، حيث طلبوا منه تسجيل اسمائهم على ضوء اوراق عدم التعرض التي يحملوها . . ليضمنوا مكاناً لهم للأستراحة و المبيت .
كان الفندق رغم كبره و الزخرفة الحائطية فيه . . قديماً، و يترائ للقادم اليه رغم نظافته كما لو انه كان مغبرّاً ، و يبدو ان الموظف عرف هويّاتهم فحدد لهم احدى الغرف لأقامتهم و كانت في الطابق العلوي . . فذهبوا اليها و وجدوا فيها رفيقهم مام بكر تالاني (3) الذي اشتهر في البيشمركة في منطقة شوان في كرميان . و كان قد قدم لمعالجة آلام أسنانه الشديدة . . و قد رحّب بهم كثيراً رغم آلامه الشديدة من اسنانه و حمله الملح بيده ليضعه عليها لتخفيف آلامها. وقد احتوت الغرفة على خمسة اسرّة رتّبت دائرياً، و في الوسط منضدة كبيرة و مقاعد للجلوس عندها .
   بعد ان اغتسلوا بماء المغسلة الموجودة في الغرفة، تمددوا كلاًّ على سرير للأسترخاء حتى ناموا قليلاً، ثم استيقظوا نشيطين فرحين و هم يعيشون اجواء تعزز الأمل في الحياة و الكفاح بوجودهم في تلك المدينة. تبادلوا احاديث جميلة مع مام بكر، و رتّبوا ملابسهم متهيئين للخروج لتناول الطعام بعد ان اتفقوا على ان يتجوّلوا في المدينة اولاً ليختاروا مطعماً ما . 
و بخروجهم من الفندق التقوا بدكتور فارس رحيم (4) الذي كان قادماً توّاً من مقرات البيشمركةالانصار الأخرى في هيرتا في السليمانية . .  و بعد ان تبادلوا التحايا معه، تعرّف صاحب عليه و هو يشاهده لأول مرّة بعد ان سمع الكثير عنه، فانضمّ اليهم للسير معاً، و لضيق الرصيف و ازدحامه، سار د. فارس بصحبة صاحب، و استمر ملا حسن يسير مع مام خضر، و انتبه الجميع الى ان عدداً واضحاً من الشباب كانوا يحيّون د. فارس في الشوارع و الدروب التي قطعوها في جولتهم تلك .
   كان د. فارس لايكف عن الحديث لصاحب عن مخاطر الإنعزال في الجبال، لأن الإنعزال يمكن ان يؤديّ الى تخلف الفكر، و فيما استمر يحدّثه عن رؤيته في انه حتى مشاهدة واجهات المخازن و البضائع المعروضة في المدن بحد ذاتها امر هام لتلافي التخلف و لأجل مواكبة تطور العالم . . و حيّاه احد الشباب و استمر يتحدّث معه طويلاً . .
فتوقف ملاحسن و مام خضر ايضاً لأنتظارهم، و بعد اتفاق ما مع الشاب الذي حيّا د. فارس ذاهباً، استمر الدكتور بالحديث مع صاحب عن جهوده لتوعية خدم الفنادق الشباب، لأنهم كادحون و تفيدهم معرفة حقيقة الصراعات الإجتماعية و الطبقية، خاصة و انهم كشباب يحبون المعرفة و يطمحون لمعرفة العالم و العراق و لمعرفة مايدور في انحاء كوردستان خارج ايران و خاصة كوردستان العراق التي اشتهرت بكفاح البيشمركة فيها . .
بعد ان توقّفوا لتوديع د. فارس الذي قرر ان يذهب الى صديق له في المدينة . . و قال لملا حسن و هو يفارقهم، ان هناك شباب يريدون معرفة شئ عن كوردستان العراق، و لماذا فشلت تجربة الحكم الذاتي في زمن البعث في العراق، و هم يلحوّن على ذلك لأن الحديث في صحف مهاباد و في المقاهي و مقرات الأحزاب الكوردية المفتوحة حديثاً يدور حول قضية المطالبة بالحكم الذاتي للأكراد على خطى جمهورية قاضي محمد في الأربعينات، و هناك جهل وفوضى و قلق من ان يعني ذلك الأصطدام مع النظام الجديد، و هناك خوف من ان ذلك قد يؤدي الى معارك دموية . .
و لأنه يتوجّب على د. فارس الذهاب الى مكان آخر، فانه يرجوهم ان يهتموا باولئك الشباب و يوضحوا ذلك لهم و يجيبوا على اسئلتهم لأنهم لايعرفون شيئاً عن معنى الحقوق القومية و كيف يتم الحصول عليها . . و ذلك في جلسة في بيت يدعو صاحبه المتحدثين الى العشاء.
وافقوا على ذلك و ذهبوا و انتظروا معه عند مقهى، مجئ الشاب الذي سيقودهم الى مكان الجلسة، حيث تناولوا فطائر مسكّرة ـ بالسكّر ـ لأسكات جوعهم قبل الحديث الذي من الممكن ان يستمر الى ساعة متأخرة من الليل . وعند سؤال ملا حسن لدكتور فارس عن كيفية تعرّفه على مثل هؤلاء الشباب، قال بأنه قد قدم مبكّراً الى مهاباد هرباً من رجال الامن مع بدء هجوم سلطة البعث على الأحزاب، وانه كان يتردد عليها خلال الشهور الأخيرة من زمان الشاه و ساهم في التظاهرات و الإعتصامات التي جرت .
و بعد مجئ الشاب اليهم في المقهى، افترق عنهم د. فارس و ذهب الثلاثة برفقة الشاب، ماريّن بشوارع فرعية شبه مظلمة عند الغروب . . و انتبه صاحب الى انه لاتوجد مصابيح عامة للشوارع، وانما كانت تضاء بأضوية البيوت الساطعة المطلّة على الشوارع ذاتها .
و بينما كان صاحب يتأمل البيوت في المدينة و كيف كانت مرتفعة الارضية، لأنها تستند في العادة على طابق بارتفاع كامل كشبه سرداب مؤسس على مستوى اوطأ من مستوى الأرض لتثبيت البناء، و الذي يستعمل عادة كصالة لأستقبال الضيوف، و يحتوي غرفاً اخرى منها مخزن للمواد البيتية، كما فهم بعدئذ .
وصلوا الى بيت الشاب المضيّف الذي قادهم الى صالة كان يجلس فيها بحدود عشرة شبّان على افرشة مدّت على الأرض دائرياً، و قد دلّت هيئاتهم على انهم طلبة و كسبة ، وبعد التحايا و الجلوس، ابتدأ ملاحسن باعتباره اكبر الحضور سنّاً و رحّب بهم و طلب معرفة اسئلتهم كيّ يرد عليها معاً، لأنه كان يريد معرفة مستويات تفكير الشباب و الى ايّ مدى يستطيع الدخول معهم بتفاصيل القضية الكوردية لأنها تتعلّق بأكثر من دولة مؤثرة في حياة و مسيرة الشرق الأوسط . .
و بينما كانت اقداح الشاي و اللبن تدور على الجميع، كان عدد الحضور يتزايد بشكل متصّل،
اضافة الى حضور النساء و الشابات ثم حضور رجال من عموم المحلّة، و كانت التساؤلات تعكس فهماً مشوشاً لمفهوم الحقوق القومية، و استفسارات و نقاشات حريصة على تكوين تصوّر لماهية الآفاق المتوقعة للعهد الجديد، من مجاميع تابعت و تتابع بدقة تطورات الأحداث . . كما قدّروا .
   و بعد ان انتهت النقاشات، طلب عدد من الحاضرين، من الثلاثة تحديد مواعيد لأقامة جلسات اخرى، واهتم ملاحسن بذلك و سجّل عناوين و مواعيد و اماكن لقاء. ثم خرج الحاضرون و كانوا بحدود ستين شاباً و شابة، رجالاً و نساءً . . و استبقاهم ربّ البيت ليتناولوا طعام العشاء و كان عشاءً فخماً شارك في اعداده اكثر من بيت من المحلة . .
   و بعد الطعام كان شرب الشاي و تبادل احاديث وديّة معاً، خرج بعدها الثلاثة مع الشاب ابن ربّ البيت، ليدلّهم على الطريق الى فندق بارس، حتى لاح الفندق و توادعوا مع الشاب، فيما لاحقهم عدد من الشباب يدعوهم لتناول الطعام لدى عوائلهم في الأيام القادمة، اعتزازاً منهم بالكورد العراقيين وعموم العراقيين وكانوا يجيبون على تلك الدعوات بالإيجاب . .
   وصلوا الى الفندق و كانوا بمزاج طيب و فرحين لحيوية النقاشات التي دارت و الدفء الذي احيطوا به، و كانوا فرحين كذلك لتناولهم الطعام اللذيذ الذي لم يتناولوا مثله منذ وقت طويل وهم في الجبال ، وقال ملا حسن ضافيا جوا من المرح " عرف د. فارس مع من يتحدث و يكسب . . فالطعام لذيذ و مجاني و يمكن ان يكون المنام كذلك " .
و بينما هم في غرفتهم الفندقية مع مام بكر . . كانوا يسمعون تراشقاً بعيداً متقطعا بالنيران يتقطّع و يعود ثانية . . فالمدينة لم تكن مستقرة و لايمكن الجزم ان تلك الصدامات تدور بين من و من . . فاضافة الى الصدامات بين مراكز قوى عشائرية على الزعامة و السيطرة على مناطق ما . . كانت هناك صراعات بين بيشمركة كوردستان ايران و وحدات الجيش بضباطها الشاهنشاهيين، لحقدها على الشعب الكوردي و سعي ضباطها لإعاقة حصولهم على مطاليبهم القومية، اضافة الى صراعات مسلحة كانت تدور بين مجاميع تعود لقوى بيشمركة عراقية فيما بينها، اشتهر منها صراع مسلح مع جماعة سميت بـ جماعة " ملازم انور" الذي كانت تثار شكوك كثيرة حوله بكونه عائد لمخابرات صدام ..
ان تواصل الصراعات بين منظمات البيشمركة العراقية في مدن كوردستان ايران، كان يستهدف اعاقة بعضها البعض عن توفير عمق ساند لها هناك، العمق الضروري لأقامة العلاقات مع بيشمركة ايران، و لإتصالاتها مع جاليات لاجيئ كورد العراق الذين كانت اعدادهم في تزايد هناك بسبب حملات الدكتاتورية العراقية ضدّهم، واخافة بعضها البعض كي لايلتحقوا بالأخيرين  . . و كان لأجهزة صدام دور هام في اثارة تلك الصراعات باساليب و حيل متنوعة . 
.  .  .  .
.  .  .  .
   فجأة طرق باب الغرفة طرقاً شديداً و صاح صوت اجشّ طالباً فتح الباب، فتهيأ من في الغرفة في اماكنهم بعد ان كانوا راقدين نياماً و متأهبين للنوم، و فتح مام خضر الباب، فكانت هناك مجموعة مسلحة قسم بملابس الشرطيين و قسم آخر بملابس بيشمركة، طالبوا بتدقيق الهويات، حيث قالوا انهم اكتشفوا وجود قنبلة في الفندق، علماً ان لوائح الفنادق تطالب النزلاء بتسليم اسلحتهم لإدارة الفندق مقابل وصل، ثم تعاد اليهم وفق الوصل عند مغادرتهم الفندق . . و بعد اتمام مهمتهم، ذهبوا .
بقي صاحب مستيقظاً حيث لم يستطع النوم بعدئذ، فعدل ملابسه و خرج الى الشارع و صادف عند الباب د.فارس و برهان (5)، فذهبوا يتمشون معاً في ذلك الليل الذي بدت فيه المدينة نشيطة كعادتها، رغم الظلام و قلة الإضاءة.
و وجدوا انفسهم امام مظاهرة كبيرة من رجال و نساء تطوف في الشارع الرئيسي و ينشدون بكل حماس نشيد " اي رقيب " . و قد حمل عدد من المتظاهرين رجلاً ملتحياً يلبس نظارات سوداء كان بملابس رجل دين، و قد علق على صدره بشكل واضح نجمة ماوتسي تونغ الخماسية الحمراء . . قيل انه رجل الدين " اية الله الحسيني " الثوري الكوردي القومية، و ان المظاهرة تتجه الى مقر الحكومة المحلية الكوردية المؤقتة لتبيان اعتراضاتها على قراراتها الأخيرة الداعية الى التفاوض مع الحكومة الإيرانية الجديدة في طهران .  .
قال د. فارس و هو يجيب على اسئلة صاحب :
ـ تقول كيف ان رجل دين يضع نجمة ماوتسي تونغ الإشتراكية الحمراء ؟ دكتور سترى اعاجيب في ايران، والقضايا السياسية ليست نظريات فقط، انها عواطف و حماسيّات، فهناك الكثير من رجال الدين المصلحين لايرون بأساً بالإشتراكية مادامت تنصر الضعيف و تواجه الظالم . . وهناك ايضاً تجّار سياسة يتلوّنون مع مطالب الناس و مع المودة المنتصرة !!
   و بعد ان ساروا مع المظاهرة لمسافة، قرروا تركها كي لايبتعدوا عن مكان الفندق كثيراً ثم يضيّعون طريق العودة اليه في ذلك الليل و في تلك الظروف. وقال برهان انه حاليا يسكن كضيف لدى عائلة مام حمه امين لأنهم اقربائه، بعد ان توادعا مع برهان عاد صاحب مع د. فارس الى الفندق .
   و قد عرف صاحب ان هناك عدد غير قليل من العوائل الكوردية العراقية تسكن مهاباد، سواء كانت ممن لجأوا الى ايران بسبب الإضطهاد القومي في العراق في عقود سابقة، او ممن استقروا هناك بسبب اعمال تجارية و غيرها. وان الكورد العراقيين الذين لجأوا الى ايران اثر انتكاسة ثورة ايلول عام 1975 لم يسمح لهم بالسكن في المدن الكوردية الإيرانية و خاصة مهاباد، الاّ بقرارات فوق العادة او بعد سكن سنوات طويلة، لم يسجّل ضدّهم خلالها آنذاك اي اخلال بالقوانين الإيرانية التي تحدد بدورها حريّة الكورد القومية والإجتماعية و الفكرية . ً

   كان اليوم التالي مشمساً و بينما كان الثلاثة ملاحسن، مام خضر و دكتور صاحب يتمشون في سوق المدينة الملئ بانواع الخضر و الفواكه، حيث كان صاحب يشاهد لأول مرة انواعاً من الخضروات و الفواكه لم يشاهدها قبلاً كالكاعوب (6) و الفراولة الطازجة و الكرز و كان ملا حسن يشرح له ماهية الكاعوب ـ الكنكر ـ، و ان اطيب طبخة له تسمى " كنكر ماسي " و هو الكاعوب المقلي بالبيض . . وسط صياح الباعة و هم ينادون بنشاط لبيع خضرواتهم .
   التقوا بمجموعة من انصارهم، بينهم مام قادر (7) الذي اخبر صاحب، بأن ابو سرباز ينتظره في المقر و انه منذ اليوم عليه ان يترك الفندق و يأتي " معه الى مقر بيشمركتنا الانصار في مهاباد " . .  .  فافترق صاحب عن صاحبيه و ذهب مع مام قادر الى " فندق بارس " حيث جمع اغراضه و ذهبا الى المقر.
    كان مقر منظمة البيشمركةالأنصار، عبارة عن بيت كبير حديث البناء مقابل بستان كبير للتفاح يدعى بستان القاضي نسبة الى عائلة القاضي محمد التي كانت تملكه، حيث التقى هناك ابو سرباز الذي رحّب به كثيراً، و دلّه على قاعة اقامة البيشمركة لوضع اغراضه و اخبره انه سيذهب معه الى طبيب الحزب الديمقراطي ـ حزب الأغلبية الكوردية آنذاك في المدينة ـ بعد الإتفاق على موعد معه، لترتيب امور ادويتنا و ماذا و كم يستطيعون تزويدنا منها، و كيفية مراجعة مرضانا من توزله اليه، واشار الى انه قد سلّم نسخة بقائمة الأدوية التي كتبها صاحب في وقت سابق، اليه. و قد فهم صاحب ان المقر ممنوحاً لهم من الحزب الديمقراطي الايراني الصديق .
   انشغل صاحب بترتيب ادوية المقر المتناثرة الموجودة هناك و عزل التالف منها، و انشغل بالمعاينة الطبية لعدد من البيشمركةالأنصار الموجودين هناك، و قاده ابو سرباز الى الشخصية المعروفة في منطقة بشدر محمود فقي (8) لأخذ قياسه و خياطة بدلة بيشمركة جديدة له، فقام محمود فقي الذي هو خياط بالمهنة بأخذ قياسه، و قال له ان البدلة ستكون جاهزة في اليوم التالي   . .  و قد احتوى ذلك المقر على غرفة القيادة، قاعة البيشمركة، غرفة الخياطة، غرفة الإتصالات، مخزن و غرفة لمواد احتياطية لسيارات و اجهزة و غيرها .
التقى صاحب هناك بالبيشمركة الشجاع نوزاد السائق من السليمانية، الذي التقى به مراراً في السابق و تصادقا منذ سنوات طويلة. كان ضابط صف سابق عُرف بمهاراته المتعددة، خاصة مهاراته في التخلًص و الزوغان من المطاردات و اجادته لعدة لغات محلية. وكان يمارس هوايته في التأنق و الوقوف مع صديق او قريب لتداول النكات و الضحك . . و هذه المرة قرب مدخل حمام مهاباد للنساء المجاور لمدخل حمام الرجال عند الساحة الرئيسية " جوارجرا" ، حيث كان المقر لايبعد كثيراً عنها سوى بمسافة مشي لعشر دقائق .
ولم ينتبه صاحب لذلك، الاّ عندما استصحبه نوزاد ذات مساء لجولة في المدينة التي كان يعرف تفاصيلها بدقّة، و دعاه الى وجبة عشاء عند مطعم مشويات مقابل الحمام، وفيما كانا يجلسان، جلس نوزاد بمواجهة الساحة و كان مشغولاً بالنظر الى الخارج، و تصوّر حينها صاحب انه كان بانتظار شخص ما و سأله عن من ينتظر، فأجابه بتكتّم و بضحكة كتومة انه لاينتظر احداً و لكنه ينظر الى جمال النساء المهاباديات اللواتي يظهرن بمظهر باهر الجمال بعد الحمام و دعاه الى الجلوس الى جانبه ليلاحظ ذلك، ففعل . . و انتبه منذ ذلك الوقت الى جمال المهاباديات الرائع بحواجبهن شبه المعقودة و بقوامهن الجميل، الذي تبرزه اكثر ملابسهن الكوردية الجميلة المزركشة الألوان .
الاّ ان صاحب انتبه ايضاً الى ان احداهن رمقت نوزاد بنظرة ذات مغزى و هي تضحك مع من رافقتها و هما خارجتين من الحمام، بل و انها اشارت له بغمزة من عينها الى اتجاه ما. فانتبه صاحب الى نوزاد فوجده و كأنه يستجيب لها بل و يومئ لها بلغة العيون ايضاً. تحرّج نوزاد من وجود صاحب و تورّد وجهه و طلب منه اذنه بالذهاب، وقال له بان بامكانه العودة الى المقر ان اراد عبر هذا الطريق فقط و لمسافة قصيرة مشيراً له بيده اليه، وقد فهم صاحب سبب حراجته و هو الذي لايُحرج، فاذن له و اخبره بان له ان يطمئن الى سرّه. ابتسم نوزاد ابتسامة عريضة. 
كان صاحب لايتدخل في مثل تلك الأمور و لايثير شيئاً عنها بأعتبارها امور شخصية تماماً، ان لم تخرج عن الأصول العامة و مكانة و سلامة الجميع، بل و كان كطبيب يؤمن بأن الحب يخلق الشجاعة و المبادرة و يكسب الإنسان طاقات كبيرة في الإقدام، وان اساطير الحب و الشجاعة لم تكن بالصدفة متلازمتين، فكل بطولة و اقدام لابد و ان تخفي وراءها قصة حب . .
.  .  .  .
.  .  .  .
   و في ضحى يوم جميل زارهم في المقر، السياسي و الأديب الكوردي المعروف كريم حسامي الذي قدم من اوروبا اثر انتصار الثورة الإيرانية ضمن عدد كبير من الكوادر السياسية و الثقافية و الأدبية الكوردية و عموم الإيرانية التي قدمت قبيل و اثر سقوط الشاه . و بعد احاديث متنوعة معه و عندما اراد الذهاب، اخبر ابو سرباز صاحب بأنهم سيذهبون معاً مع الأديب كريم حسامي و بسيارته الى طبيب الديمقراطي دكتور " خسرو " .
   عند وصولهم الى عيادة دكتور خسرو، وفي غرفة المعاينة قدم ابو سرباز دكتور صاحب اليه، الذي رحّب به ترحيباً حاراً و تحدث معه بالأنكليزية، بأن ما يحتاجه من الأدوية سيجهّز مما هو ممكن منها و ستكون جاهزة بعد يومين و اخبره بانه سيخبر ابو سرباز بعنوان طبيب ثاني مستعد لمساعدتهم ايضاً هو دكتور " شاد " ، بعد ترتيب موعد معه .
   بعد ان غادروا عيادة دكتور خسرو، اخبر ابو سرباز صاحب، بأنه لابد و ان يبقى ثلاثة ايام اخرى على الأقل لأستكمال استلام الأدوية من د. شاد ثم تصنيفها كلها معاً، و ارسال قسم منها الى قاعدة هيرتا في السليمانية، و قسم آخر يبقى لترتيب صيدلية لمقر مهاباد . . وهي امور ضرورية تماماً كضرورة الأدوية في توزله، علماً ان دكتور فارس الذي سيذهب الى هيرتا، هو مساعد طبيب و لكن لديه خبرة طويلة في طبابة البيشمركة، كما قال ابو سرباز .
   و عند عودتهما الى المقر، شاهدا شاحنة عسكرية كبيرة عائدة للبيشمركة تقف عند المدخل، يفرّغ حمولتها عدد من البيشمركة الإيرانيين و العراقيين، حيث افرغوا عديد من المعدات العسكرية الخفيفة و اجهزة اتصال قديمة ثقيلة، قيل انها وجدت متروكة في معسكرات الشاه حينها و اخرى قيل انه تم شراؤها باسعار زهيدة من بائعين في السوق كانوا يبيعوها على الرصيف، ولايُعرف بعد ان كانت صالحة للإستعمال ام لا . . و فجأة سقطت حمولة ثقيلة على كتف احد البيشمركة عثمان . . عندما كان منحنياً يشدّ حمولة ثانية. فسقط ارضاً و كان لايستطيع تحريك ساعده.
   فحصه صاحب بسرعة و قرر انه ليس كسراً و لكن الآلام الشديدة التي يعانيها تجعل الشكوك تظهر بكونه كسر في احد عظام الكتف، و ان من الضروري اجراء فحص شعاعي للكتف. قال نوزاد السائق انه من الممكن اجراء ذلك في المستشفى الحكومي، كما تمّ حين نقل عديد من جرحى معارك جرت في اطراف مهاباد وفي مدينة " نقده " و اجروا لهم الفحص الشعاعي و ادخل قسم منهم المستشفى .   
   تحرّك نوزاد السائق بسرعة لافتة و اتى بسيارة الجيب المكشوفة التي كان مسؤولاً عنها، و كان قد ركنها في زاوية تقع خلف المنزل، و يتم الوصول اليها عبر ممر سيارات ترابي يمتد على جانب المقر، وكانت سيارة قديمة من مخلفات الجيش الشاهنشاهي، و مضى سريعاً نحو المصاب عثمان ساندا ايّاه بوضع ساعده السليم على كتفه هو ، و اجلسه في السيارة وحمل آخرون غطاء و غطوّه به لتدفئته، و قال نوزاد و هو جالس خلف المقود و بلهجة حاسمة، بأن طلب من د. صاحب ان يرافقه هو فقط  ليسند المصاب، وسط صمت الجميع،  و انطلق الثلاثة بالسيارة التي قادها نوزاد .
   مرّت السيارة عبر طريق مبلط على امتداد هضبة مطلة على نهر مهاباد الذي كان ينساب بهدوء، بعد ان اجبر مسلحون السيارات الواقفة بالإنتظار طويلاً على عدم المرور في الشارع الرئيسي للمدينة، بسبب مظاهرات كانت تطرح مطالب ملموسة يطالب المتظاهرون الأخذ بها عند تحشّدهم امام قاعة سينما تجري فيها اعمال اول مؤتمر للحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني بعد انتصار الثورة.
حيث رددت الجموع هتافات باصوات عالية كانت تنطلق معاً و تطالب بالمطالب الضرورية التي يجب ان تُطرح على الحكومة الإيرانية للتفاوض . .
فيما انطلقت فجأة مظاهرات حاشدة اخرى واجهت الأولى و هي تعلن رفضها للتفاوض مع الحكومة و تدعو الى الإستمرار بالثورة المسلحة حتى تحقيق الدولة الكوردية . . وسط الصوت الطاغي لنشيد " اي رقيب " على ايقاع الطبول . 
سارت السيارة بسرعة كبيرة في شوارع شبه خالية في طرف المدينة، حتى صارت تواجه النهر من زاوية اخرى و استدارت الى بناية المستشفى المركزي في المدينة، فاوقفوا السيارة و نزلوا يستند المصاب عثمان على صاحب فيما كان نوزاد يبيّن للإستعلامات حالة المصاب، و ابدى رجل الإستعلامات تفهماً كبيراً و تلطّف معهم مساعداً ايّاهم للذهاب الى غرفة الطوارئ التي كانت مجهزة بلوازم عيادة جراحية تستقبل مثل تلك الحالات، اضافة الى احتوائها على جهاز اشعة . .
بعد ان مددوا المريض، طلب منهم رجل الإستعلامات انتظار الطبيب في الممر و ذهب. و بعد ان اطمأن صاحب الى رقود المصاب في وضعية تقلل آلامه، ذهب الى الممر حيث مسطبة الجلوس، التي وجدها خالية و استغرب من اختفاء نوزاد، الذي قدّر انه يمكن ذهب الى الحمام لقضاء حاجة ما، لكونه كثير التأنق رغم كل الظروف .
و بعد دقائق عاد نوزاد مهلل الوجه، حاملاً بيده صندوق كرتون كان يبدو ثقيلاً نسبياً قياسا بحجمه الصغير، و قال لصاحب بأنه يعرف ممرضة في المستشفى و انه اخبرها بحاجتهم الماسة الى ادوية و ادوات للطوارئ و يبدو انها اعدتها له، فسلّمه الصندوق الذي فتحه صاحب بسرعة للهفته، و بدقة كيلا يخرب كرتونه و اربطته و نظر الى محتوياته نظرة سريعة ثم اغلقه بسرعة كما كان، بعد ان وجد فيه ادوية و ادوات جراحية كان يفتقد اليها فعلاً. الأمر الذي افرحه كثيراً، و افرح نوزاد الذي اخبره بأن لايذكر شيئاً عن مصدرها و ان يكتفي بالقول ان سُئل، بانها تبرعات حصل عليها عن طريق نوزاد السائق .
   بعد ان جاء الطبيب، ثم الممرضة المساعدة التي كانت تقود عدداً من الجرحى المصابين في اذرعتهم و رؤوسهم و وجوههم، و آخرين يمشون بمساعدة مرافقيهم، كانوا قد اصيبوا في المعارك المتصاعدة في نقده آنذاك . . دخل الجميع الى غرفة الفحص و اغلقوا الباب ورائهم . بعد قليل اطلّ وجه الممرضة من الباب و هي تسند البيشمركة المصاب عثمان و قالت بأن لاكسر لديه و لكن الطبيب يرى ضرورة بقائه لأربع ساعات على الأقل تحت النظارة للتأكد من صحته يعطى خلالها مغذي بالوريد، ومشيت معه تسنده و قفز اليها نوزاد لمساعدتها، حتى اوصلوه الى غرفة اخرى تحوي سريرين ليتمدد على سرير فيها .
   و خرجت و هي تبتسم ، فيما بقي صاحب يقلّب افكاره و يحاول ان يتذكّر اين رآها قبلاً، الى ان استقر على انها نفس الشابة ذات الخدود الحمراء التي ابتسمت لنوزاد و هي تخرج من حمام النساء في ذلك المساء في جوار جرا . . و خطر في باله ان ذلك يمكن هو الذي كان سبب حماسة نوزاد لنقل عثمان الى المستشفى، و من الممكن انها هي التي جمعت الأدوية التي سلّمها ايّاه كتبرعات. و فكّر و لماذا لا ؟ . . مازال الأمر يحقق منافع للبيشمركة . .
   و بعد ان توادعا مع عثمان على ان يعودا اليه بعد اربع ساعات . . قال نوزاد لصاحب، بأنه يستطيع الذهاب الى السيارة، فيما سيذهب هو اي نوزاد ليحاول الحصول على ادوية ممكنة اخرى. و بعد دقائق عاد نوزاد الى صاحب قائلاً بأن عليهما ان ينتظرا الممرضة نازنين، لأيصالها الى منزلها حيث انها ستزودهم ببعض الأدوية من هناك .
   جاءت نازنين و جلست على المقعد الخلفي للسيارة و هي تربط رأسها باحكام بغطاء شعر، و سارت السيارة في طرقات المدينة بعيداً عن محلات الزحام، فيما كانت الشمس تميل الى الغروب، و اخذت تصعب الرؤية بالتدريج لبدء الظلام بالهبوط في ذلك المساء الصيفي، فيما كان الراديو يبث اغنية " ليمو . . هه ي ليمو . . ليمو شيرازي . . " للمطرب الكوردي الشهير حسن زيرك (9). 
   وصلت السيارة الى حي شعبي و اجتازت زقاقاً فرعياً ضيقاً حتى توقفت عند البيت الذي اشارت اليه نازنين و الذي كانت نوافذه شبه المظلمة تطل على الشارع، فنزلت و استأذن نوزاد من صاحب للذهاب معها الى البيت و طلب منه برجاء ان ينتظر قليلاً في السيارة ريثما يأتي . .
   تفحّص صاحب الزقاق الذي كان اطفال الحي لايزالون يلعبون فيه كرة القدم، وكان منظره بناسه و اضويته الخافتة و محلات الباعة و المطعم الصغير الذي انهمك صنّاعه بتنظيف قدور الطبخ الكبيرة على جانب من الزقاق القيري، بواسطة خرطوم ماء، فيما كان المذياع يبث الحاناً فارسية كلاسيكية كان الصنّاع يرددون معها اغنية " اقبل النوروز . . نوروز آمت ".
وفجأة سمع ضحكة مكتومة تأتي من الشباك القليل الإضاءة . . ثم ضحكة نسائية مجلجلة شبه مكتومة انخفض وقعها فجأة ليتحوّل الى اصوات كأنها اصوات عراك تخللته آهات . . و انتبه الى الشارع و وجد ان الأمور كانت تسير فيه بكل طبيعية تماماً .
و بعد فترة وجيزة خرج نوزاد بخفة و مرح . . و استدار صاحب لاشعورياً نحو الشباك القليل الإضاءة فشاهد نازنين بقامتها الهيفاء و هي برداء احمر يكشف شيئا ما عن ثدييها و ذراعيها، تضحك ضحكاً خافتاً و تحييه بذراعيها . . فابتسم لها .     
اعطاه كيساً قماشياً صغيراً، وجد صاحب انه يحتوي على ادوية و امبولات هامة جداً تستخدم لقطع النزيف كان يحاول جاهداً الحصول عليها بلا جدوى. و لمّا انتبه نوزاد الى فرح صاحب بالأدوية . . انطلق يسرد قصة بطولته النسائية تلك، و كيف تعرّف عليها عند باب الحمام بعد ان تلاقت عينيهما مراراً، حتى حمل اليها يوماً قنينة عطر نسائي فاخر كهدية، و كيف استجابت للحديث معه و عرف منها بكونها مطلّقة، و انها ليست ممتهنة، و كيف انه كان يحذر و ينتظر كثيراً فرصة للقاء بها، وفق الصدف و الظروف . . و في ذلك اليوم كانت الفرصة مناسبة . .
و في طريق العودة الى المقر، مرّا بالسيارة على المستشفى و حملا البيشمركة عثمان الذي كان بصحة جيدة، و قد ربط ساعده و علّق برقبته. وقد تأخرّت السيارة عند منطقة السينما بسبب كثافة المظاهرات، حيث كان المؤتمر يواصل اعماله رغم هبوط الظلام . . و شاهدوا كيف تطورت النقاشات في غفلة الى . . . مشاحنات و اشتباكات بالأيدي، و بضرب العصي وصلت الى البدء باستخدام الأسلحة النارية، الأمر الذي ادىّ بالبيشمركة الواقفين لأعمال الحماية هناك، الى اطلاق نيران اسلحتهم بكثافة في الهواء و تقدّمت مجاميع منهم و ساقت قسماً من المتظاهرين مخفورين معها . .

كانت السلطة الفعلية في المدينة بيد البيشمركة الكورد، الذين ينتمون الى احزاب و تجمعات متعددة، كان اكبرها و اكثرها نفوذاً الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي تاسس و قاده القاضي محمد مطلع اربعينات القرن الماضي حين كان ساعده الأيمن القوي الملا مصطفى البارزاني رئيساً للجيش، و يرى كثيرون ان الكورد الأيرانيين كانوا بحاجة الى الخبرة و المعرفة في التعامل مع الواقع القائم و مع السلطة المركزية الجديدة في طهران آنذاك . .
فكانوا يستمعون باهتمام لآراء و مواقف السياسيين و البيشمركة الكورد العراقيين، الذين كانت تجربتهم مع السياسة و الحكم اغزر و اطول و اكثر حداثة ايضاً ، فساهمت المنظمات الكوردية العراقية باحزابها المتنوعة و بحرصها على نجاح اخوتهم الكورد الإيرانيين في مساعيهم، ساهمت مساهمة فاعلة تجلّت في نشاط افرادها معهم عشية انتصار الثورة الإيرانية، و استمروا معهم حتى صار لبعضهم مواقع هامة بينهم جسّدت تقاليد نضال الحركة القومية الكوردية التحررية، منذ بروزها زمان انتهاء الحرب العالمية الأولى . .
و كان يجسّد الفرق في عمق التجارب تلك، الفرق الملموس الذي يلاحظه المرء على الوجوه و الهيئات الخارجية لمظهر بيشمركة العراق و بيشمركة ايران، حيث يجلل الأولى الألم و طول المعاناة ، و الثانية الفرح اللامحدود الذي جسّده سقوط الشاه، و تصورهم ان الطريق صارت سهلة معبّدة لتحقيق الأهداف القومية العادلة .
و يرى مراقبون و خبراء ان فراغ السلطة في كوردستان اثر سقوط الشاه الإيراني في طهران ، هو الذي جعل السلطة بيد كل من استطاع تحقيق السبق للظفر بها، و استطاع حماية الناس و حماية الحياة اليومية لهم . حيث لم يتم اسقاط سلطة الدولة بشكل مباشر في كوردستان، الأمر الذي ترك تأثيرات كبيرة لاحقة . . 
ففيما كان الجيش لا يزال بنفس قوامه الشاهنشاهي السابق حيث لم يجرِ تغيير حقيقي عليه، و كان يعلن عن وجوده و سلطته بالدبابات الراسية على قمم الجبال المحيطة بالمدينة . . و كان رجال السافاك المخيف (10) مطلقي السراح بغالبيتهم السريّة، عدا من هرب منهم او عوقب بعد انكشافه. اي ان رجال الدوائر العاملة على معاداة و تخريب القضية الكوردية، كانوا لايزالون على نشاطهم السري السابق في المنطقة الكوردية، اضافة لرجال الدوائر المعادية سواء كانت دولية او اقليمية.
عبّر عن ذلك الواقع المعقّد، و ما كان يحدث من اشتباكات مسلّحة بين مجاميع من البيشمركة من الكورد الإيرانيين ذاتهم، و الإشتباكات التي كانت تثار بين حين و آخر بينهم و بين وحدات من الجيش الإيراني الرسمي الذي كان اغلب عناصره الفاعلة معادين للكورد، من جهة . . 
ومن جهة اخرى ما كان يدور من افعال تترك آثاراً اجتماعية ضارة، كقيام مجموعة ما بتخريب قبر قاضي محمد القائد الكوردي المهابادي ذي التأثير المعنوي و الروحي الكبير بين عموم الأوساط الكوردية، و كاعمال حرق لمكتبات و محلات تجارية و نشر الشائعات المخيفة التي تثير القلق العام في المدينة . .
كالشائعات عن تقدم الجيش الحكومي التي كانت تثير الرعب بين الناس، لتجاربهم المريرة مع قوات الجيش الحكومية، و تجعلهم يتهافتون على شراء و تجميع الأرزاق و الطعام، و تؤدي الى ان لايخرجوا من بيوتهم بعد هبوط الظلام . . و ادى ذلك الى قيام البيشمركة باقامة السيطرات و تشكيل المفارز الجوالة باسلحتها بشكل اكثف مما مضى .
في ظروف تتحرك فيها مخططات عالية المستوى اقليمية و دولية على دول المنطقة، وتسعى لتفتيت قوة الشعب الكوردي و اعاقة وحدة قواه و احزابه القومية او تقاربها، محاولة ايصالها الى الإختلاف الذي لاحلول له و الى الإقتتال فيما بينها، بأساليب مدروسة مبنية على دراسات تأريخية و سايكولوجية لمناطقها و شخصياتها و منابع فكرها القومي، الفكري، الديني و العشائري . .
اضافة الى اتباعها ستراتيجيات و طرق وفق الدول التي تشتمل على اقاليم كوردستانية . . فكانت تشدد في اقليم و ترخي في آخر .  .  ففي اقليم تشيع ان الكورد و القومية الكبرى اخوان من اصل عرقي واحد، و في الآخر تدّعي بان الكورد هم ابناء القومية الكبرى و عندما ذهبوا الى الجبال، تعلموا اللغة الكوردية !! ، وفي اقليم ثالث توجه عقوبات قاسية غير معقولة لمن يلبس الزي القومي الكوردي و اقسى لمن يتحدث بالكوردية علناً وغيرها . . حتى فهمت اغلب الأحزاب القومية الكوردية التحررية الدرس، فقابلت ذلك بسلاح المناورة . .
ففيما تستفيد احزاب و قوى كوردية مما تعرضه لها السلطات المهيمنة في اقليم ما من حقوق، لأسباب تتعلق بماهية تأثير نضالات الشعب الكوردي على الواقع العام هناك والواقع الذي تمر به دولة ذلك الإقليم . . لتدعم نضالات الشعب الكوردي و قواه في اقاليم اخرى بطرق متنوعة، تعمل احزاب و قوى كوردية على محاربة قوى كوردية اخرى للهيمنة او بسبب الدسائس تُثار . .
الاّ ان المحصلة العامة تتلخص في ان نجاح قوى كوردية في اقليم ما هو نجاح لكل القوى الكوردية في الأقاليم الأخرى، و يزيد من امكانات و فرص التعاون فيما بينها ما امكن في مواجهة الغطرسة القومية للقومية الكبرى ان انفلتت . . معتمدة في ذلك على السريّة و المناورة، حماية لكيانها القومي . . في منطقة يتغيّر فيها توازن القوى و المصالح بشكل لاينقطع . . و تتداخل و تؤثر فيها مصالح كبرى بفوضاها و صراعاتها .

في مساء ذات يوم بعد ان عاد من الزيارة للتعرّف على د. شاد بصحبة مام قادر، و التي كانت ذا وقع مبهج عليه لترحيب دكتور شاد الحار به، و بذله جهداً فورياً لتدبير ما ذكره له صاحب عن نوعية الأدوية التي يحتاج اليها ، فزوده بقسم منها من عيادته و وعده بارسال كمية مناسبة اخرى مما يحتاجه في اليوم التالي و انه سيرسلها بيد اخيه الى المقر، كما زوّده بجهاز لقياس ضغط الدم و كتاب هام في الجراحة العملية، و اعطاه نماذج روشتات للكتابة الطبية عليها و لتزويدها لمن يريد ارساله من المرضى اليه، ليشدد من اهتمامه به . . واختتم الزيارة بالشدّ على يديه، قائلاً بانهم بالتأكيد سيلتقون في الجبال في الفترة القادمة، فكل الدلائل تشير الى ذلك، كما قال .
و عند عودته الى المقر بذلك المزاج الفرح . . التقى هناك بالمناضلة المعروفة ام سليم زوجة القيادي الشيوعي ابو سليم، حيث سلّمت عليه بحرارة و قالت بانها كانت قادمة اليه، لمرافقته الى حيث تقيم الصحفية فاضلة لقلقهم على حالتها الصحية، وانها اخذت موافقة ابو سرباز بذلك . . فجهّز حقيبته بسرعة و خرج معها برفقة ابنها الشاب ناريمان الذي كان معها .     
   و بعد ان ساروا حوالي الربع ساعة وصلوا الى بيت مرتفع مكوّن من اربعة طوابق، و فتح رجل كهل اشيب الشعر الباب و رحّب بالقادمين و بالدكتور مقدما نفسه اليه بأنه " غالي " ، و اقتاد صاحب الى الغرفة التي رقدت على فراش فيها فاضلة و بجانبها كان يجلس زوجها حسن . .
   كانت فاضلة راقدة في السرير ترتجف رغم الدثار الذي غطّوها به، و استطاعت النهوض بمساعدة زوجها بصعوبة كي تتهيأ للفحص . بعد ان سألها عن حالتها و شكواها فحصها صاحب بدقة، و قرر بأنها مصابة بالتهاب شديد في اللوزتين، الأمر الذي تسبب بارتفاع درجة حرارتها كثيراً، و بعد ان زرقها ابرة نوفالجين في الوريد، سأل عن امكانية الحصول على ابر بنسلين و عمن يستطيع زرق الأبر لها، فأجاب زوجها بأنه يستطيع زرق الأبر، و اضاف غالي بان صاحب يمكنه كتابة اية وصفة طبية يحتاجها، حيث بأمكانه تدبيرها حالاً، لأنه يمتلك دفتر للتأمين الصحي و يستطيع بواسطته الحصول على الأبر، بشكل اصولي .
بعد ان كتب صاحب الوصفة الطبية، دعاه غالي الى الإستراحة في غرفة الضيوف، حيث جلس مع ام سليم و عائلتين اخريتين كانتا هناك . و تبيّن لصاحب ان ذلك البيت الكبير يعود الى غالي، الذي يسكنه مع زوجته و اطفاله حيث انه من المقيمين رسمياً في ايران، و انهم مسيحيين اضطروا للهجرة من العراق، لأنهم اضطهدوا بسبب ديانتهم من قبل الدكتاتورية الشوفينية العرقية الحاكمة .
و عرف بكون غالي كان من بيشمركة ثورة ايلول منذ اواخر الستينات . . و بعد الإنهيار المؤسف للثورة، اضطر لمغادرة بلدته عنكاوا و اهله مع زوجته و اطفاله بعد ان تشبّثوا بالوطن بكل السبل، و خرج مع عائلته واطفاله الى الجبال، وفق خرائط اعدها هو، بعد ان تعلّم اهمية الخرائط من مهنته كسائق شاحنة ثم كبيشمركة . الى ان استقرّوا في احدى قرى اشنوية مع الآلاف من العوائل الهاربة من جحيم الحرب .
   و كانت مشكلته جزءاً من مشكلة اكبر، هي مشكلة معاناة مسيحيي العراق في زمان الدكتاتورية و هروبهم المتواصل من البلاد الى مناطق الحدود، التي انتظروا فيها لمدد متفاوتة منتظرين اية فرصة تسنح للإتصال بمنظمات الصليب الأحمر الدولي او اية منظمة تهتم بشؤون اللاجئين من العسف و التمييز القومي و الديني، كعائلة غالي التي عاشت سنوات في مناطق الحدود الى ان اتيحت لها فرصة الإنتقال الى مدينة ايرانية قريبة، بعد ان عمل غالي كسائق شاحنة لفترة طويلة مقابل اجر زهيد، حتى اوصلته شاحنته التي عمل عليها الى طهران العاصمة و تمكن من الإتصال باقارب له هناك ساعدوه على ترتيب اقامته في البلاد . .
في اثبات جديد على ماهية عالم الحدود . . الملئ بالأحداث و القصص و الروايات و الأسرار، فكم حمت الحدود و احتضنت و كم طفل ولد عند الحدود، و كم انسان توفي عندها . .  الحدود التي بقدر ماتضجّ بالحياة و بمختلف البشر و مختلف اللغات و الأديان . . تحوي الكثير من المقابر المتناثرة لعشرات من الروّاد و القادة، و لمئات من حملة اديان و قوميات انكليزية، تركية، روسية . . ، كانت تعرّف نفسها من حجم المقابر و شاهدات قبورها، اهلّة و آيات قرآنية اسلامية، صلبان مسيحية . . طليقة او  صلبان بزوائد كصلبان الكنيسة الارثدوكسية،  و مقابر لعشرات الآلاف من البشر ممن ماتوا وهم في طريقهم الى مواصلة الحياة بعيداً عن الظلم . و كم شكّلت مناطق الحدود ملاذا دائماً لكل الهاربين و لكل الأسباب و شكّلت بذلك عالما عجيباً بما احتوى و ما يوعد . .
.  .  .  .
.  .  .  .
و ذهب صاحب لمعاودة فاضلة و وجدها افضل حالاً بفعل ابرة النوفالجين التي خفّضت حرارتها و اعادتها الى وضع اعتيادي شعرت معه بالجوع و بدأت بتناول الطعام بعد ان عافته ايّاماً . . و بين فرح الجميع بذلك دق جرس الباب و كان الزائر " ابو شاخو" الذي كان سياسياً و مسؤولاً عن المكائن و الأجهزة في المقر،وكان في زيارة لأقرباء له في ضيافة غالي، الذي كان بيته مفتوحاً لعوائل بيشمركة المقر و للمناضلات السياسيات الهاربات من ظلم الدكتاتورية .   
   ثم اخبرته ام سليم بأن لأحدى العوائل الصديقة، ابن يعمل كطبيب في رضائية و انه وعدها بأنه سيعمل ما باستطاعته لتوفير الأدوية المطلوبة للبيشمركة، الاّ انه بحاجة الى  قائمة باسماء الأدوية. و بعد ان عرف ان اختصاص ذلك الطبيب في مجال الصحة العامة . . كتب صاحب قائمة جديدة باسماء الأدوية التي من الممكن ان تتوفر لديه في عمله و سلّمها لأم سليم، التي وعدت بأنها ستأتي بها اليه في توزله او ترسلها مع احد ابنائها اليه . .
   اثر تزايد الصدامات المسلحة بين مختلف الأطراف في المواقع القريبة من مهاباد، و تزايد حدتها بشكل متواصل ليلاً، اتخذ قرار بتخفيف المقر و اخبر ابو سرباز صاحب بان عليه ان يتهيأ للسفر في اليوم التالي، و انهم سيرسلون الأدوية التي تجمّعت في المقر، اليه بعدئذ . .
   تزايدت الأنباء عن حدوث اشتباكات مسلحة بين الجيش الذي يتقدّم لأعادة السيطرة على المدينة و بين البيشمركة العائدة لعدة منظمات لاتنسّق فيما بينها . . بل و دارت الإشتباكات الدامية الأخيرة على جسر نهر مهاباد . . في الوقت الذي تزايدت فيه المعارك في نقدة و وصلت الى حد انها كانت كثيرة الدموية و تساقط الكثير من الضحايا جرّائها، فتزايدت النداءات لأيقاف القتال، لأخلاء الجرحى و جثث الضحايا على الأٌقل، على حد تعبير بيان الإذاعة المحلية في نقده  . .
   فيما كانت الأمور تزداد تعقيداً و عنفاً بشكل سريع . . اكمل صاحب مراسلاته مع الأطباء الإيرانيين بالأنكليزية، و اكمل استلام الأدوية في مقر مهاباد من الطبيبين، و الأدوية التي وصلته من  ام سليم و احتوت على سرنجات معقمة، حبوب مسكّنة و خاصة كمية كبيرة من الأسبرين، حبوب مضادة للملاريا . . و قسّمها بعزل كمية منها الى هيرتا سلّمها الى د.فارس. و غادر مهاباد مع المغادرين الى توزله . .
.  .  .  .
.  .  .  .
مع بدء الخريف الذي يبدأ باكراً في العادة في الجبال، حملت نشرات الأخبار التي يسحبها الترانزستور في توزلة من المحطات العالمية المهتمة باوضاع كوردستان ايران و خاصة اذاعة مونت كارلو آنذاك . . حملت اخباراً افادت عن فشل المفاوضات الكوردية مع الحكومة المركزية في طهران و انفجار الأوضاع في كوردستان ايران . .
وكانت الأخبار قد انتشرت في القرى القريبة من توزله التي تناقلت ايضاً اخباراً عن اعادة اصطفافات سياسية متنوعة بين القوى الكوردية ايضاً و عموم الإيرانية مما يجري، اختلط فيها الفكر و المصالح و عوامل متنوعة، عبّر عنها ظهور متنفذين جدد في القصبات و القرى، و اثار ذعراً بسبب تغيّر العلاقات بين القوى الكوردستانية الإيرانية و انعكاسات ذلك على قوى البيشمركة العراقية . . الذي يعني بدء فصل جديد من اقتتال الأخوة الكوردي في عموم المنطقة .
و اثر تلك التغييرات الحادة، اشتعل القصف الجوي الإيراني على مدن و ارياف كوردستان ايران، و شمل مدينة سردشت و عدد كبير من قراها بما فيها قرى ؛ كاني زرد، بنوخليف، مزره، قاسم رش ، المحيطة بـ توزله . . ثم بدأت الطائرات المروحية الإيرانية ترمي مطبوعات ورقية كبلاغات حكومية و انذارات للقرى تطالب اهلها باخلائها لأنها ستقصف من الجو اعتباراً من تواريخ و مُدَد جرى تحديدها و فقاً لخطط الحكومة في ملاحقة البيشمركة الكورد الإيرانيين . .
لم يغادر الأهلون قراهم بل كمنوا فيها و عززوا تسليحهم من البيشمركة الإيرانيين الخارجين حديثاً الى الجبال. حيث كانوا يعرفون ان تركهم المؤقت لقراهم  . . قد يعني تركها الى الأبد، كما حصل للكورد العراقيين عند انهيار ثورة ايلول، كما كانوا يتناقلون. بل كانوا واثقين بانفسهم و بعدالة قضيتهم القومية، كما ثبت حقّهم بسقوط الشاه و انتصار الثورة عليه . 
لقد مرت الأحداث سريعاً على صاحب الذي انشغل بين معالجة اعداد متزايدة من الجرحى القادمين و المحالين الى طبابته برسائل من منظمات بيشمركة ايرانية، حيث كان اغلب الأوقات لوحده فيها فيما كان د. شوان منشغلاً بالحديث مع مرافقي الجرحى و اهالي المنطقة، او غائباً عن الطبابة لا يعرف احد الى اين يذهب . و كان اغلب الجرحى من بيشمركة واهالي المنطقة بين سردشت ـ بيوران و قاسم ره ش، وكانت اصابات عدد منهم مميتة !!
و بسبب فقر الإمكانات، تطلّب منه انقاذ حياة المخطرين منهم ثم تسليمهم عند استقرار حالتهم الصحية بضماداتهم لرفاقهم من الديمقراطي الكوردستاني الأيراني (حدكا) لتدبير نقلهم الى مستشفى، في الوقت الذي كانت فيه طلعات السمتيات وناقلات الجنود السمتية العسكرية الأيرانية تتزايد في المنطقة قاصفة موقع توزله والقرى المحيطة بصواريخها المتنوعة .  . 
مرّ عليه ابو جوزيف عارضاً استعداد القوة لتلبية ايّة حاجة يبديها، مؤكدا ان مصير القوة يمر في اعقد حالاته، مؤكداً من جديد على اهمية الإهتمام بعلاج وتضميد جراح

38
                 الفصل الثاني
 
                       توزلة . . 


   في الصباح الباكر لليوم التالي وصلت قافلة الأعور الى طريق حيوانات ضيّق يمتد على حافة مرتفع من مرتفعات جبل شاهق واسع القاعدة هو جبل " مامندة " لينعطف بشكل حاد الى اليمين في طريق يمتد نزولاً . . .  و مرّت القافلة في بداية الإنعطاف بعدد من المسلحين على طرفي الطريق، كانوا من بيشمركة نقطة الكمرك القائمة قبيل دخول قرية نوزنك . . .  حيث نزل الأعور و سلّمهم كيساً مغلقاً استلموه منه بهدوء، ثم عاد الى حيوانه و واصلت القافلة المسير .
   وفي العادة لاتقوم نقاط الكمرك باستلام ضريبة الكمرك فقط، و انما تستلم رسائل مغلقة معنونة الى اشخاص معروفين في البيشمركة او الى جهات حزبية بعينها، اضافة الى رسائل و اغراض شخصية من اهالي الى ذويهم الموجودين في البيشمركةالأنصار، اضافة الى صحف و مطبوعات حكومية عادة ما تنظم ارسالها التنظيمات السرية الموجودة في المدن . و على ذلك فإن نقطة الكمرك تلك تتكون من افراد متعددين من قوات البيشمركة، و للنقطة غرفة مبنية من الحجر، تستخدم للخزن و لأستراحة افراد الكمرك .   
    و قرية نوزنك من القرى الحدودية التي هجّرت اثر اتفاقية الجزائر عام 1975 (1) ،  تمتد بيوتها على جانبي جدول ذي خرير مسموع يسمى (خري نوزنك ) الذي يتكون من ذوبان ثلوج جبل مامنده . . حيث تتوزع المقرات الشتوية لأحزاب معارضة الدكتاتورية الكوردية والعراقية ـ التي لم تكن على وئام دائماً ـ على جانبي الجدول المنحدر وفي قطوع واعطاف منحدرة لجبل "مامنده" ، اضافة الى انتقال قسم منها الى المناطق المقابلة عبر وادي عميق خلف الجبال في منطقة تسمى "دولي تو" ،
و تقع نوزنك ضمن الأرض الحرام للشريط الحدودي الذي حرّمت فيه الحياة و اعتبرت كل الأحياء المتحركة هناك من بشر و حيوان، اضافة للنبات اهدافاً عدوة يحق للجيش و للطيران الحربي تدميرها، و قد استطاع عدد من رجال البيشمركة الذين كوّنوا وحدات منهم بعدئذ التشبث بها، وترميم غرفها المدمرة و الأحتماء في اركانها الشديدة الوعورة  . . رغم قصف المدفعية والطيران الحربي والسمتي المستمرين والأنزالات وتقدمات وحدات جيش صدام من جهة ، وجيش الشاه من جهة ثانية ، لمحاولة (تطهيرها) والقضاء على البيشمركه فيها، الاّ ان بؤرة البيشمركه الثورية فيها استطاعت ان تثبّت نفسها و تحتمي بارضها و تتوسع رغم كل الصعوبات . .
اثر ثبات البيشمركه هناك وبنائهم مقراّت شتوية ضرورية لتأمين الارزاق و العمل الإداري والأذاعة ، والطبابة للعناية وايواء الجرحى الخطرين ، وتأمين الدفاع الضروري المضاد للجو (دوشكات)  .  .  . عاد بعض اهالي القرية المدمّرة محتمين بالبيشمركة، و رمموا بعض الدور واعادوا بناء عدد منها في مواقع اكثر اماناً . ولمّا كانت القرية واقعة  على احد خطوط التهريب  بين "قلعة دزة" و مجمّع " بست ستين " من جهة العراق، و "سرد شت " مروراً بقرى  "بيوران" ، "بنوخليف" و " كاني زرد " من جهة ايران ، فأن الحياة سرعان ماعادت اليها نشيطة ، اثر الثورة الشعبية الأيرانية حيث ضعفت و اختفت الرقابة الشاهنشاهية في ذلك الجزء الحدودي الكردستاني العراقي ـ الأيراني .
و اصبح "عبد الله اغا " الذي كان من اغوات المنطقة، وزوجا ابنتيه مسؤولي الكمرك في تلك القرية ، فكانوا يجبون الضريبة عن كلّ حيوان محمّل يمر، وقد اتّهموا من البيشمركة الآخرين مراراً بالأختلاس وعوقبوا بسبب ذلك و تمت تنحيتهم لفترة ثم أُعيدوا . . . و بسبب تعدد الأحزاب هناك فإن الحزب القوي هو الذي يسيطر على نقطة الكمرك تلك لجباية الأموال له او يُتفق على تقسيمها، كما في نقاط الكمرك المتعددة الأخرى، في وقت  بلغ فيه عدد الحيوانات المحمّلة المارة ، بضعة مئات يومياً . .
وكان ذلك الكمرك سبباً لكثير من المشاكل بين الإتحاد الوطني ـ اوك ـ و السوسياليست ـ حسك ـ الذي كان يجبي الضرائب من نقاط اخرى، و وصلت تلك المشاكل مراّت متعددة الى صدامات مسلّحة راح فيها قتلى و جرحى من الطرفين، حيث كانت واردات ضرائب الكمارك هي التمويل الداخلي الأساسي الذي تعتمد عليه الثورة في حياتها و استمراريتها
كان طريق الدواب الرئيسي يقطع سوق القرية ـ الفروشكاه ـ متجهاً الى الجانب الإيراني، و امتاز بعدد الماريّن الكبير من العراق عبر القرية، و ضمّ مهرّبين و حيواناتهم المحمّلة بالبضائع، صحبة كروانجية يحملون اشخاصاً من قوميات مختلفة . . عرب، كورد، فرس ، كلدانيين حيث يسمع المار من هناك عدة لغات يجري الكلام و التعامل بها في السوق بحرية. و يرى شباباً، نساء و عوائل ، اطفال، و هم يلبسون ملابس مدنية ، كوردية عموماً، واحيانا عربية، و يشاهد نساءً بعباءات ، و بدونها .  .
كان الكثير من الموجودين في السوق مسلحين باسلحة اميركية، روسية، ناتو، بنادق برنو، برشوت، او بمسدسات تتدلى ظاهرة على جوانبهم و من مختلف الماركات : مكاروف ، جوارده خور، ابو البكرة . .  وكان الكلاشنكوف سيد الأسلحة الظاهرة، بانواعه؛ اليوغسلافي ، العراقي ، الصيني ، وقليل من الروسي الأصلي.
و يُشاهد بعض الماريّن و هم يحملون اقفاص دجاج ، وقلة تحمل اقفاص "القبج" الذي ينطلق بتغريده احياناً لدى رؤية مثيله و هو محمولاً بقفص ايضاً، مثيراً انتباه وابتسامات الماريّن والمتمددين في زوايا القطوع غير بعيد عن حيواناتهم المتمددة ايضاً، التي تهرش جلودها بعد حُلّت امتعتها و احزمتها . . اثر سفر شاق، و بعد شعور بالإطمئنان اثر سلامتهم ونفاذهم من كمائن السلطة العراقية وجحوشها .  . 
كان عديد من الكروانجية في رواحهم و مجيئهم في السوق . . يحملون المسجلات ذات البطاريات، و عادة ما تكون مفتوحة على اعلى صوتها و هي تبث الأنغام العالية، فكانوا وهم راكبين على ظهور حيواناتهم ، يسمعون اغاني حسن زيره ك ، محمد عارف جزراوي ، محمد جزا ، ئايشة شان ، مهستي ، كوكوش ، اضافة الى اغاني ؛ بنات الريف و اغاني ريم و حضيري ابو عزيز بالعربية، التي تعشّقوها عندما كانوا مبعدين ومهجّرين الى مناطق اهوار الجنوب و عموم جنوب العراق و احتضنتهم العشائر العربية هناك، اثر الإنهيار المؤسف للثورة الكردية .  .  كما قال كثير منهم آنذاك . 
و يشاهد المرء " محلاّت " السوق تبيع من البضائع المهرّبة من الجهتين بأسعار لابأس بها كما قيل و انتشر آنذاك، حيث كانت تبيع الطحين ، السكر ، شاي "بغداد" الشهير ، الدهن والزيوت النباتية ، الالبان وحليب الاطفال المجفف، و غيرها .
   و لاحظ صاحب عند مرورهم بالسوق ان هناك حركة غير طبيعية في السوق، فإضافة الى تقاطر قوافل الحيوانات المحمّلة بالبضائع من الجهتين، و الإنشغال بتفريغها و بعمليات البيع و الشراء بالدينار العراقي و بالتومانات الإيرانية، و تعاملات كبيرة بالدولارات ايضاً . . كان كثيرون منشغلين بتنظيف غرف مهدّمة من السابق و تستخدم حالياً كمحلات للبيع، و آخرون منشغلين بترميم و بناء سقوف لغرف اخرى . . بينما كان قرويون يسحبون جثة بغل ميّت كانت في باحة السوق . .
و عرف بعدئذ ان قصف جويّ عنيف وقع نهار اليوم السابق على المنطقة و السوق، كما قال الأعور . . حيث كان ذلك القصف جزءاً من محاولات الدكتاتورية لقطع الطريق على الخارجين عن سلطتها، و منعهم من الإلتحاق بمنظمات البيشمركة في جبال كوردستان، و منع قيام اي تجمّع جديد لها . . بالكمائن العسكرية والقصف الجوي المركّز العنيف بالقنابل والصواريخ والمدفعية، الذي تفقد فيه دائماً اعداد من المدنيين الأبرياء حياتهم من جراّئه . . اضافة الى ارسالها المخربين والقتلة واجبارها من ضعفوا امام جلاديها ومن تم شرائهم وخانوا او اجبروا على الخيانة . . للقيام باعمال اغتيال و تخريب و تسميم في مناطق البيشمركةالأنصار .

عند السوق افترقوا عن الأعور . . و بقي معهم الرجلان المسلّحان السريّان اللذان اخبرهم مام بيرووت سراّ عنهما . حيث خرجوا من السوق من طرفه الآخر و استمروا صعوداً ماريّن بين مرتفعات جبلية تصل الى سمت يشبه حائط جبلي، عبروه و استمروا في مسيرتهم نازلين نحو وادي انفتح امامهم مغطىّ باشجار جوز كبيرة . .
ثم وصلوا الى خيمة كبيرة مشرّعة كما بدا على حائط واطئ مبني بالحجر و الطين بشكل مربع، بني لها . عند وصولهم نزلوا من الحيوانات كما فعل مرافقاهما المسلحان . . في وقت خرج فيه من الخيمة صدفة المناضل العمالي " ابو شاكر"(2) بملابسه الكوردية، و الذي  حملق بنظارته الطبية في وجه صاحب لبرهة، ثم عانقه عناقاً حاراً، وشعر صاحب و هو يعانقه بالفة كبيرة مع المكان، وشعر به كما لو انهما يلتقيان في احد احياء بغداد، كما كانا يلتقيان و هما جاران، صاحب مع اهله و " ابو شاكر " مع زوجته في بيت اهلها .
و تصافح ابو شاكر مع الصحفية (3) و زوجها حسن بحرارة و قال لمن كان واقفاً قرب مدخل الخيمة، ان يرافقهما الى فصيل بغداد ؟! ودعى صاحب للذهاب معه الى خيمته بعد ان يتركا خيمة المخزن الكبيرة . . حيث دعاه الى شرب الشاي . وكانت ضيافة دافئة حميمة في خيمة كانت تقابل خيمة منصوبة في مكان اعلى قليلاً ، سميت بخيمة القيادة .
و قد خصصت خيمة ابو شاكر للأدارة والمكتبة اضافة الى احتوائها على صناديق من المقوى رتبت بعضها فوق بعض و كأنها رفوف، وضعت فيها ادوية متنوعة كطبابة .  . حيث كان ذلك التجاور ضرورياً لأن من كان يأتي الى الموقع من مجاميع الأنصار التي انتشرت كفصائل في اخاديد الجبال المحيطة، كان يستطيع تسليم رسائل مكتوب فيها، حاجات الوحدات للمواد الإدارية و العسكرية المطلوبة و استلامها عينياً، وانجاز عدة مهام في وقت واحد، لأن اتمام ذلك يمكن ان يتم في مكان واحد . . مكاناً يضم مقر مكتب القوة .   
   و قال ابو شاكر بأنهم في المنظمة ينتظروه لحاجتهم الماسة الى طبيب في مقر الأنصار، و اخبره بأن آمر القوة هو المناضل توما توماس " ابو جوزيف " ، و ان الموقع يدعى " توزله " على اسم القرية المهجّرة التي يشغلون بيوتها بعد ان اصلحوها . . و قد التقى صاحب  للمرة الأولى بـ " ابو جوزيف " بعد ان سمع الكثير عن نضاله الأنصاري و مواقفه، وكان لقاءً حميماً وكانه يلتقي بصديق يعرفه من زمان بضحكته المشرقة و هو يرحّب به قائلاً :
ـ اهلا وسهلاً بك بين اهلك من جديد !    تحتاج شوية راحة في البداية .  .  .  سيكون مضيفك " ابوشاكر" .
و تحدث توما توماس لصاحب بأن تجمعهم ذلك يعني تجسيد لأرادة رفض ارهاب الدكتاتورية و السعي لمواجهتها بالدفاع عن النفس اولاً  بتشكيل ملجأ آمن للمناضلين المطاردين من جحيم الأرهاب، ممن ضاقت بهم السبل لمواصلة الحياة في بلادهم، والعمل على رص صفوفهم ثم معاودة مواجهة ظلم السلطة المنفلت، من موقع المساهمة في الثورة الكردية في جبال و ارياف كردستان العراق، و الأنطلاق من هناك نحو عموم العراق، بمختلف الطرق التي من الممكن ان تناسب تلك المرحلة الغاية بالصعوبة .
و قد ساعد في ذلك الهدف من امتلك خبر الكفاح المسلّح وساهم في فصائل الثورة الكوردية القومية التحررية، منذ الستينات ضد انظمة الحكم الفردي .  و الآن تتكون المنظمة من مناضلين و مناضلات سواءً من المدن الكوردستانية او العربية، اضافة الى من قدم من الخارج لأصراره على النضال من اجل اسقاط الدكتاتورية تدريجياً، وفق ظروف ومعطيات تلك الفترة وموازناتها وبتشجيع القوى الوطنية العراقية الكردية والعربية آنذاك.
شجعهم في ذلك، انتصار الثورة الأيرانية عام 1979 التي قبرت والى الأبد نظام الشاه الدموي، وتسببت بنهضة شعبية واسعة في عموم المنطقة، و ضربت المثال الكبير على نجاح المواجهة  الشعبية وامكان انتصارها مهما كانت السلطة الظالمة مدججة حتى الأسنان بالسلاح في مواجهتها للشعب .
و قد تشكلت قاعدة توزلة و ركائزها في الأرياف المهجرة لمحافظات منطقة سوران في قضائي قلعة دزة و جوارته، اضافة الى المفارز الجوالة في مناطق كرميان ودشت اربيل وكويسنجق. وسط ترحيب ودعم القوى القومية التقدمية الكردستانية التي بدأت في النضال المسلّح في كردستان قبل خروج الحزب الشيوعي الى المعارضة المسلحة .
وبعد عدد من الفعاليات العسكرية الأولية الناجحة التي استهدفت استقبال الجدد من الداخل (اضافة للقادمين رجالاً ونساءً من الخارج) واقامة العلاقات مع ابناء الريف والقرى الكوردستانية وتوضيح سياسة الحزب وموقفه لها، واقامة وتأمين الأتصالات بين القواعد، والتغلب على صعوبات متنوعة، استطاعت تلك النواتات ان تتصل وتنسّق ( وان تشكّل مكتب عسكري وادارة موحدة بعد ذلك).

   ساعد وجود صاحب بالقرب من ابو جوزيف على ان يلتقي به كثيراً، و كانا يتحدثان و يتناقشان في امور لاحدود لها وخاصة حول ما كان يدور من احداث آنذاك في موقع " توجلة " و حوله و كان كثير الأصغاء لآرائه وحكمته من تجربته في البيشمركة وتصوراته المتفائلة لآفاق الحركة، في تلك الظروف القاسية الدموية التي كانت فيها النظريات تتهاوى امام قساوة ودموية ماكان يجري  .
   كانت صورة انصار الجبال والغابات في مخيلة صاحب ككل طلبة اواخر الستينات، حين كانوا متأثرين وبشكل رومانسي بنضال حركات الأنصار التحررية في العالم التي شكّلت آنذاك   المثال الملهم لشباب تلك المرحلة، حين تصاعد فيها نضال الحركة التحررية في كوردستان العراق واستطاعت ان تحقق جزءاً هاماً من برنامجها، اضافة الى تصاعد نضال حركة المقاومة الفلسطينية في المنطقة آنذاك .  . حين كانوا متأثرين بشكل خاص بمآثر القائد الأنصاري الطبيب جيفارا، الذي حصل صاحب على مذكراته الأصلية للمرة الأولى من المناضل  حبيب المالح (4).
   لم يكن في الموقع آنذاك الاّ بضعة قطع سلاح لم يتجاوز عددها اصابع اليدين لأعداد من الملتحقين ناهزت المئتين . . وكان ابو جوزيف يقول " لاتقلقوا من ان لاسلاح عندنا الآن .  .  نحن في بدايات حركة انصار ككل بدايات حركات الأنصار، التي عندما تكون مع الحق سيأتيها السلاح " ، " املي ان ترون قطعان النظام وهي تفرّ فرار الجبناء، بل وبسرعة بحيث لانستطيع اللحاق بها !!  .  .  وسنتسلّح من الغنائم التي نحصل عليها منهم او سيتركوها عند فرارهم !!  " .
و فيما كان صاحب يرى في تلك الأحاديث احلاماً خيالية . . الاّ ان احاديث ابو جوزيف تلك، حين كان يتحدث بهدوء واحترام وجدّ، كان لايترك لديك الاّ الثقة بانك امام رجل عركته الحياة وعرك حياة الأنصار، و انه يعرف مايريد .  .  منطلقاً من الواقع الحقيقي للأمكانيات وكان يدلّ من حوله على طريق تطويرها بصبره في الحديث معهم، بعيداً عن المبالغة وعن الكذب (الأبيض) .
كانت الحياة اليومية في توزله بالنسبة للأغلبية من اهل المدن، تسير بشكل رتيب، فاضافة الى النهوض الصباحي فجراً كي يتسنى تناول الفطور الذي تكرر كجوز و خبز و شاي ثم تطور الى تعزيزه بيومين لبن بدل الجوز. . ثم الإنتشار للوقاية من مخاطر القصف الجوي، و كثيراً ماكان يذهب الأكثر انسجاماً معاً لتبادل الحديث، البعض مع كتاب او اي مطبوع ليقرأ، او لزيارة صديق في فصيل ما بعيداً عن مقر توزلة بعد اخذ الإذن من مسؤول الوحدة . .
و عادة مايبقى النصير الخفر للقيام بأعمال الخفارة ـ اعداد الطعام و الشاي ـ، حيث تبدأ الخفارة بالإستيقاظ قبل الجميع بنصف ساعة، كي يتسنى عمل نار الموقد من الحطب المُعد للخفارات، لإعداد الشاي و الفطور . . و يستمر في طبخ طعام الغداء الذي يتكوّن عادة من تمن احمر و تمر و شاي واحياناً  مرقة فاصوليا او اية بقوليات مجففة اخرى قد تتوفر، وعادة ما كان قسم ينام بعد الغداء و لاحظ صاحب ان النوم تحت اشجار الجوز يكون في العادة عميقاً، و بعد الإستيقاظ منه  يشعر المرء بأنه منحل الجسم قد لايقوى على الحركة، وكان ذلك امراً معروفاً للقرويين . . بسبب الزيوت المنوّمة التي تتقطّر قطرات دقيقة تنزل كخيوط لامرئية من اشجار الجوز، الخيوط التي يمكن رؤيتها فقط بزاوية نظر محددة في مواجهة الشمس.
ثم يأتي العشاء المتكون في العادة من جبن معلب و خبز و شاي، الى ان حلّ العدس فبدأ طبخ شوربة العدس لسد اي نقص في اي وجبة من وجبات الطعام . . و بعد العشاء يذهب الجميع لجمع الحطب الذي كان يتوفر في وادي قريب من المنطقة المهجرة من اهاليها منذ اربع سنوات . .
كان اداري القوة، الشخصية الموصلية المعروفة ابو احمد (5)، الذي كان اداريا ناجحاً و كان حريصاً على ان تكون هناك وجبة لحم او دجاج او علبة سمك اسبوعياً، و كان حريصاً على اطعام المرضى و الجرحى وفق الإرشادات الطبية .
و قد غطّت مصاريف القوة ما كانت تحصل عليه من دعم مالي من قوى البيشمركة المتواجدة الأخرى كقرض او ديون يجري تسديدها في العادة من الدعم الأممي من منظمات شقيقة و صديقة و من منظمات انسانية دولية تدعم اللاجئين . .
لم يكن وضع البيشمركةالأنصار في القاعدة وضعاً منسجماً، ويمكن ان حالة الجلوس في المقر دون حركة قد لعبت دوراً هاماً في ذلك، و يعود ذلك الى قلة عدد المدربين او من اصحاب الخبر و بسبب عدم وجود السلاح، و عدم توصّل قيادة الحزب الى قرار موحد بحمل السلاح كما عبّر اكثر من كادر و قيادي عن ذلك . . في الوقت الذي تتواصل فيه عودة عدد يزداد وضوحاً من المناضلين الشباب كمتطوعين لمنظمة الأنصار من الخارج، وهم مدرّبون و مستعدون  لممارسة العمل المسلّح، بعد ان تهيّأوا لذلك سياسياً ومعنوياً وتدربوا على انواع الأسلحة، بل و ان عدداً منهم مارس العمل المسلح فعلاً، سواء بالاشتراك في المقاومة الفلسطينية او اللبنانية و غيرها و قدّموا عدداً من الشهداء . . والأهم من كلّ ذلك انهم قرروا العودة والنضال بالسلاح .
في حين لم يكن المناضلون القادمون من الداخل، موحدي الوجهة، حيث كانوا خليطاً من مناضلين  مصممين على مواجهة عنف الدكتاتورية بالعنف للدفاع عن الشعب، ومن آخرين كانوا يريدون مكاناً آمناً بعيداً عن يد السلطة المجرمة ولكن بدون التزام بواجبات تتطلبها المنظمة لكي تعيش وتناضل، وكان آخرون يريدون الخروج من العراق والهروب من جحيمه لاأكثر، و قد نجح عدد بوقت مبكّر في الخروج من العراق الى الدول المجاورة ومن هناك الى بلدان اوروبا الشرقية التي استقبلت قسماً منهم و ليس جميعهم، لمن استطاع الوصول اليها بداية، و لم تعد تقبل المزيد بعدئذ . .
كان بعض الأنصار من النوعين الأخيرين قد وجدوا طريقهم الى قواعد الأنصار الأولى، بطرق فردية، بسبب تعاطف الجماهير مع المناضلين ضد الدكتاتورية من جهة، الاّ ان الأمور تعقّدت بعد ان التحقت اكثر من مجموعة عبر محطات ملغومة برجال المخابرات ، الأمر الذي اوقع قاعدة توزلة ـ نوزنك في صعوبات هائلة لفرز العناصر الأمينة عن المرسلة والمخرّبة، لأن عدد منهم كان قد اعتقلته السلطة و اطلق سراحه، ومن كان يزكيه قبل الأعتقال لم يستطع ان يزكيّه بعد اطلاق سراحه .
الأمر الذي تسبب بارتباك و اختلاف بين من كانوا يريدون مقاومة الدكتاتورية والتهيؤ لمواجهتها بالسلاح، ووجهة اخرى لاتريد ذلك بسبب عدم قدرتها و عدم قناعتها، او عدم الثقة بقيادة القوة الحديثة التشكّل . و اضافة الى ذلك الإرتباك، غلّف البعض طموحاتهم المتنوعة بالمزايدات السياسية والسخرية والأستهزاء بالأنصار الجاديّن، و بالتحريض ضد مسؤولي القاعدة  بل ووصلوا الى محاولة تشكيل قاعدة ومنظمة مستقلة لهم وطلبوا من احدى الجهات السياسية الكردستانية اسلحة و ما يمكن لبناء مخيّم لهم . . و استفسرت تلك الجهة من مسؤولي القاعدة عن فلان و فلان . .
وما زاد تلك التعقيدات حدة، ان عدداً من مسؤولي القاعدة و مسؤولين حزبيين آنذاك كانوا نموذجاً غير مقبولاً امام الأنصار و بعضهم لعب ادواراً انانية في توظيف الأختلافات بين الأنصار لصالحه ومناصبه بدلاً من المساهمة على حلّها واججوا الخلافات وافتعلوا الأخرى، مستفيدين بشكل غير مشروع من حصانة مواقعهم واسرارهم.
ورغم كل تلك الصعوبات والتعقيدات المذكورة، كان هناك عمل متفاني لعديد من اعضاء وكادر المنظمة لبناء منظمة بيشمركةانصار جديرة بما يكنّ الناس لها من حب واحترام ولأيقاع الضربات الموجعة بالدكتاتورية .فبعد ان كان سلاح المنظمة يتكون من الأسلحة الشخصية للبيشمركة الأوائل، استطاع عدد من البيشمركةالأنصار الحصول على السلاح بطرق شخصية و فردية متنوعة، اثر سقوط عدد من المعسكرات في كردستان ايران بيد الجماهير الثائرة هناك حينما اندلعت الثورة الشعبية في شباط 1979 ، و تركت العديد من قطع السلاح و العتاد بعضها نُهب من فقراء و بعضها الآخر من سماسرة و بيعت باسعار بخسة في شوارع المدن الكوردستانية الإيرانية آنذاك . .
حيث استطاع عدد من البيشمركةالانصار الحصول على اضافة لعدد من الأسلحة الخفيفة، اخرى ساندة وكميات كبيرة من العتاد اضافة لأجهزة اتصال لعبت دوراً هاماً في البدايات رغم موديلها القديم وثقل وزنها وصعوبات نقلها الى سلاسل الجبال الشاهقة و البعيدة، حيث نقلوها مواصلين الليل بالنهار وسط انواع الكمائن والنيران والقصف المدفعي والصاروخي العراقي والأيراني . .
ومن ناحية أخرى حصل عدد من الأنصار على اسلحة على سبيل الأعارة من بيشمركة الأحزاب الكردستانية المتواجدة هناك، وخاصة الأتحاد الوطني الكردستاني والسوسيالست ـ اضافة الى الحصول عليها اعارة من الحزب الديمقراطي الكردستاني في بهدنان ـ ، بواسطة اقاربهم واصدقائهم الناشطين فيها، واعادوها لهم بعد حصولهم على اسلحة واعتدة جديدة كغنائم في المعارك الأولى ضد مرتزقة السلطة الدكتاتورية.
لقد كانت شحة السلاح والعتاد احدى اكبر المشاكل في البداية وكان مكتب القوة المعينة يجمع الأسلحة اينما توفرت لدى انصاره لتسليح اية مفرزة انصارية كان يقرر نزولها، ثم تعاد الأسلحة لمالكيها، بعد عودة المفرزة من واجباتها.
ثم توفّر السلاح والعتاد بطرق متعددة بعدئذ منها المصادرة، الشراء باسعار رخيصة من الأهالي الذين كانوا يحيطون بميادين الصدامات و اماكن انهيار المعسكرات الشاهنشاهية اثر الثورة الإيرانية ـ و تبعها لاحقاً شراؤها من الأهالي و ممن كانوا يحيطون بميادين معارك الحرب العراقية الأيرانية، و جمعوا الأسلحة المتساقطة ليبيعوها بسرعة و احيانا بأي ثمن ـ ليكون المصدر الأساسي بعد ذلك ، الحصول عليها كغنائم من المعارك ضد وحدات الدكتاتورية المسلحة، اضافة الى طرق اخرى متعددة في بلد امتلأ بانواع الأسلحة ـ .
كلّ ذلك ادى الى ان يضع مكتب القوة برنامجاً لتدريب البيشمركةالأنصار و إشغالهم بأعمال تفيد المنظمة، فأقرّ القيام بدورات عسكرية على الأسلحة الخفيفة، و على المدفعية . . نظرية و عملية، التي اتخذ لها فصيل جمع الشباب و شغل موقعاً سانداً لموقع قيادة القوة، كمقرٍ للمدفعية . .
و اقيمت دورة لتعلّم اللغة الكوردية لمن لايجيدها من الأنصار العرب و لغيرهم. و نظّمت حملات واسعة يومية لجمع الحطب بما توفّر من المنطقة المحيطة . . اضافة الى حملات لتعلم تقطيع حطب الطبخ و المواقد في الأماكن البعيدة عن المقرات . .
و اقام صاحب دورة طبية لـ : تعليم زرق الأبر ، قطع النزيف، انقاذ الحياة، معالجة الحروق . . و كانت الدورة على درجتين، درجة للمعلومات العامة لعموم البيشمركة، و درجة اعلى لمن تشخصهم الفصائل ليكونوا مضمدين فيها، حيث تتضمن الأخيرة مواداً اوسع و تتطلب معرفة اولية باللغة الأنكليزية لمعرفة عدد من الأدوية و طرق استخدامها . . 
في تلك الفترة طلبت قوى بيشمركة كوردية ايرانية برسالة الى ابو جوزيف، امكانية دعمه لها في عملية عسكرية لمهاجمة معسكر شاهنشاهي ايراني استمر آمريه على سياستهم السابقة في محاربة و قمع الشعب الكوردي في ايران، في زمن كثير التشابك و التغيّر في مناطق كوردستان العراقية و الإيرانية . .
فاستجاب و بقرار من قيادة القوة لدعمها، وشكّل لذلك الغرض قوة بيشمركةانصار بحدود خمسين مقاتل، استكمل تسليحهم من تلك القوى . . و بسبب تحقيق النجاح بوجود قوة ابو جوزيف اساساً، اهدت تلك القوى منظمة الأنصار كمية غير قليلة من السلاح و العتاد و السلاح الساند . . الأمر الذي حسّن تسليح منظمة الأنصار بشكل ملحوظ . 

   كان صاحب يزور الفصائل كلما توفّر لديه الوقت، ليتفقد البيشمركة المرضى، سواء من كانوا لايستطيعون القدوم الى الطبابة بسبب ضعفهم البدني، او من كان يسمع باحوالهم من رفاقهم، حيث كانت مراجعات القرويين بنسائهم و اطفالهم اكثر بكثير من مراجعات البيشمركة، الأمر الذي افرح الجميع لأنه يعني التفاف الناس و القرويين هناك حولهم و استعدادهم لمساعدتهم في اوقات المحن، و ذلك ما كان يجري .
و مما كان يؤلمه ان الأدوية التي تحت يديه كانت محدودة و تنعدم في حالات ليست قليلة، فكان يكتب الوصفات الطبية بالإنكليزية لأهالي القرى الذين كانوا يرسلون لشرائها بيد اقاربهم و معارفهم ممن كانوا في القوافل الذاهبة الى سردشت و القادمة منها، و كانوا بدورهم يشترون الأدوية التي يحتاجها الأنصار بكميات قليلة . . و لكن بصورة متواصلة، و اغلبهم تبرع بها ولم يأخذ ثمن شرائها .
و لكنه كان يواجه حالات مرضية او اصابات يتطلب علاجها ارسال البيشمركة الى اختصاصيين او الى مستشفى في مدينة لإجراء تحليلات مختبرية و تشخيصات شعاعية و غيرها، الأمر الذي تطلّب امكانيات للصرف و للذهاب الآمن الى المدن الإيرانية و الرجوع منها . . كحالة بيشمركة اصيب بقذيفة فوسفورية متشظية في اطرافه السفلى، كانت شظاياها ماتزال تحرق الأنسجة المصابة بها مسببة حروقاً كيمياوية . .
و كان عدد من الجرحى و المرضى الخطرين من السوسيالست يأتي بهم مرافقوهم بشكل سرّي من حسك، بسبب العداوات و الصدامات الدموية بين الأطراف الكوردستانية آنذاك . . . في وقت كانت فيه طبابات قوى البيشمركة الكردستانية تتعاون حقاً بينها لصيانة و انقاذ ارواح عموم البيشمركة . . الأمر الذي لعب ادواراً هامة في التأثير على منظماتهم المتنوعة لسلوك السلوك نفسه تجاه حالات الخطر الذي يستهدف الجميع معاً . . في خضم صراعات لم تستفد منها الاّ الأنظمة المعادية لقضية الشعب الكوردي . .

 و لاحظ صاحب ان الغالبية الكبرى من الأمراض التي عانى منها البيشمركةالأنصار آنذاك، كانت لأسباب نفسية و عصبية كنتائج للأرهاب و المطاردات و الإعتقالات و التعذيب، ثم الإنتقال الى حياة في الجبال بعيداً عن الأهل و الأصحاب و عن الحياة المنزلية و العائلية الطبيعية . . خاصة و ان البيشمركةالأنصار كانوا من اصول و معاناة و انواع حياتية كثيرة الإختلاف، وهي امور كانت معروفة للبيشمركةالأنصار القدامى و ذوي التجارب الطويلة، الذين امتازوا بالصبر و طول النفس في مساعدة رفاقهم المصابين بتلك الحالات  . .
و كانت مشكلة المشاكل في ذلك المجال مشكلة البيشمركة الشجاع " خالد باديني " ، الذي انفجرت آلامه النفسية و العصبية و معاناته، و دخل في حالات صعبة من تداخل الوعي و الكآبة و الحب و الكراهية و الرغبة في الإنتقام من الأعداء، فيما امتاز بقوة عضلية و تصميم كبيرين . . اديا به الى الصعود الى الجبل و مهاجمة رفاقه الذين عسكروا في احد قطوعه الصخرية العميقة بالقاء الصخور عليهم بعد ان ترائى له انهم اعدائه، و هم لايستطيعون ايقافه وفي اوقات مفاجئة سواء في الليل او في النهار . . و تسبب بجرح عدد منهم بجروح و اصابات ليست بسيطة . . الأمر الذي ادىّ ببيشمركة فصيله ان يربطوه على سرير، و صراخه و عويله لاينقطعان . .
الى ان حصل صاحب على ادوية مهدّئة قوية و زرقها له في الوريد و بقي تحت تأثيراتها مستعيداً هدوئه و اخذ يعتذر لرفاقه مما عمله معهم . . ولكن تلك الحالات استمرت تعاوده بين حين و آخر . . الى ان تم تدبير طريق له للسفر الى الخارج، ليعود بعد عامين شاباً جريئاً قاد بنجاح عدة مفارز و دخلوا في معارك انتصروا فيها بأمرته  . . 
و لمواجهة تلك الحالات الطبية و معالجتها احتاج صاحب كتابه الثمين الذي جلبه معه كتاب الأمراض الداخلية بالأنكليزية، فكان يقرأ بشكل يومي متواصل فيه لمراجعة معلومات و متابعة ما هو مفيد فيما لايعرفه لمواجهة الحالات المعقدة التي تمرّ عليه ، و لمّا لم يكن لديه وقت في النهار لكثرة المراجعين من البيشمركة و الأهالي، كان يبقى ساهراً مغلقاً باب الخيمة منكباً على كتابه الطبي و الكتب الطبية الجراحية الاحدث حول جراحة الاصابات . . على ضوء الفانوس. و قد فوجئ يوماً بهدية من وحدة الإدارة حملها اليه الإداري النشيط سركوت (5) و كانت مصباحاً يعمل على البطاريات الجافة، وشعر بفرح كبير لأهتمامهم به و بما يقّدم من خدمات .   
و فيما ازداد حماساً و رغبة في القراءة على ضوء المصباح ذي البطارية الذي جلبه معه سركوت كهدية من الإدارة، وانحلت بذلك مشكلة ظلام الليل الطويل . بقيت مشكلة " ابو شاكر" الذي لم يستطع الكف عن الحديث بشؤون ماضٍ لم يعد ذا اهمية في ذلك الوقت، وهم يواجهون حياتهم الحالية ويتحدون نظاماً مدججاً حتى الأسنان باحدث تكنولوجيا الحروب و السلاح . . 
و ببقائه مستيقظاً في الليل، تعلّم اشياءً جديدة عن الليل في الجبال، فعرف من مواء القطط ان قططاً برية تعيش في الجبال، و شاهد احداها يوماً و هي تتسلل بجنب قطع صخري ظليل، كانت بنيّة اللون مرقطة بالأسود الفاقع المختلط بالبني، وشاهد يوماً بوماً متوسطة الحجم . .
وسمع صرير تصوره صرير افعى الاّ انه كان صرير فئران جبلية . . فيما كان يسمع  في ليالي متباعدة الحان و اغاني فيروز الذي عرف ان ابو جوزيف كان يسمعها من الراديو المخفّض صوته من خلال برنامج اسبوعي لأحدى المحطات العربية، حين كان يجلس في الظلام وحيداً متّكئاً بظهره على القطع الصخري، المقامة عنده خيمة مكتب القوة في الفسحة التي امامها.
و ذات ليلة خريفية ، حين كان نشاط السرطانات النهرية (ابو الجنيب) في اوجه في مقر توزلة العلوي الذي تخترقه قنوات متعددة سببت تجمعات مائية صغيرة متفرقة في ساحة المخيّم المقام بين الأشجار ، اضطر " ابو شاكر" لقتل احدها بعد ان احس به يدبي على صفحة وجهه وهو نائم فاستيقظ مذعوراً .  . 
و بسبب الضجة التي احدثها، استيقظ صاحب و انشغل معه في البحث عن قرينه (قرينته) في الخيمة، و اضطروا الى اخراج الأغطية والصناديق محاولين تثبيت حافة الخيمة على طولها بادخالها في الأرض . . بعد ان اصر " ابوشاكر " على ذلك على الفور، لأن  السرطانات تتحرك في العادة ازواجاً ازواجاً وليس فرادى كما قال .  .  و ذلك يعني انه عندما قتل واحداً فإن قرينه سيبقى طليقاً و سيأتي نحوه الى الخيمة ايضاً، الأمر الذي يستوجب البحث عنه و قتله . . الاّ انه ارجع السبب في تلك المشكلة الى وجود الضوء في الليل الساكن، لأنه هو الذي يجذب تلك السرطانات . .
كانت الكتب السياسية و الروايات الموجودة في المكتبة التي بعهدة ابو شاكر محدودة  . . رغم ان بعضها كان هاماً بمعلوماته و خرائطه عن المنطقة و الناس، بل و حتى الخرائط التي توضح مواقع الأشجار الكبيرة و عيون الماء ، قيل انها من خرائط الناتو التي وقعت بايدي الناس اثر انهيار المعسكرات الشاهنشاهية الحدودية، و كان بعضها بالأنكليزية و بعض آخر بالفارسية و العربية و التركية . .
لم يكن واجب الطبيب في ظروف البيشمركة تلك، بدون أدوية اساسية و بدون مساعدين فنيين، بالأمر الهيّن، خاصة و ان الطبيب صاحب كان يعيش مع الأداري والنصير القديم "ابوشاكر" في خيمة مشتركة للأدارة و المكتبة والطبابة ، خيمة احتوت فراشين كان من الضروري طويهما الى جانب من الخيمة لفسح المجال للأنصار الذين يراجعون لأمور اطعام الفصائل و المكتبة او . . لأمور الطبابة التي استمرت طويلآً بكونها ليست اكثر من صندوق كرتون متوسط الحجم يحتوي على عدد من اللفافات والقطن وانواع محدودة من الحبوب المسكّنة وبعض زجاجات البنسلين و المقويات و المراهم الموضوعة في علب الكرتون المرتّبة بهيئة رفوف اضافة الى السماعة الطبية التي جلبها معه صاحب وكتاب الأمراض الداخلية بطبعة حديثة كان قد اشتراه من بغداد، اضافة الى الكتب الجراحية التي وصلت من اطباء يساريين من ايران .
   رغم انه تم بتعاون الجميع وارشاد الطبيب، جمع ما امكن جمعه و وضعه في الطبابة بمرور الوقت ، من الأدوية واللفافات وادوات التضميد المتفرقة التي كانت في مقرات الفصائل السبعة المتباعدة، التي جمعها الأنصار بعدة اشكال وفق حاجاتهم وتقديراتهم و امكانات الحصول . .
بعد ان أُكملت و تُركت ادوية و مواد طبية ضرورية في الفصائل التي كان لديها مضمدين او ذوي خبرة ما في العلاج . و بدأ اهتمام الجميع بتحسين الطبابة يتزايد لسد حاجة الجميع الى معالجة ما يعانون منه،  بعد ان صار في القاعدة طبيب، و لكي تتمكن الطبابة فعلاً، من انقاذ الجرحى ومعالجة المرضى والحفاظ على لياقتهم الصحية للعمليات العسكرية القادمة، اضافة الى  تقديم الخدمات الطبية لأبناء القرى المحيطة، التي كانت مهمة اساسية لبناء وتمتين صداقة و تعاون، لا يمكن لأية حركة بيشمركة ان تقوم و تنجح في نضالها دونها .   
   و قد ابدت الطبابات العائدة للقوى المتعددة الموجودة هناك، التي كان بعضها اقدم واوسع كطبابة الإتحاد الوطني الكوردستاني . . ابدت استعداداً طيّبا لدعم د.صاحب بالأدوية، مقابل فحص وتشخيص مرضاها في حالة عدم وجود طبيب لديهم او لإنشغال طبيبهم بانشغالات تبعده عن موقع وحدته . . ثم بمرور الوقت و بتتالي الأحداث المختلفة ، تطوّرت العلاقة الطبية بين القوى لمنفعة الجميع .
و من ناحية اخرى و لكونه طبيب و عضو الهيئة السياسية في القاعدة، كان يشارك في اللقاءات مع ممثلي القوى الأخرى وخاصة تلك التي يدور فيها النقاش عن قضايا الطبابة و الادارة و التعاون و التكاليف .
فشارك باللقاء الذي تم عندما زار موقعهم مام جلال السكرتير العام للإتحاد الوطني  . . الذي كان يقود اقوى منظمة بيشمركة في منطقة نوزنك آنذاك، حين دعاه ابو جوزيف للمشاركة في المجلس معهم حيث كان ملازم عمر المسؤول العسكري و ملا بختيار عضو قيادة الأتحاد الوطني . . و كان من منظمة الأنصار المسؤول العسكري ابو جوزيف و السياسي ابو ئاسوس (7) . . حيث نوقش عدد من الأمور الهامة في ذلك المجال و تم الإتفاق على مراجعة مرضى و جرحى الأتحاد الوطني د. صاحب في طبابة توزلة مقابل تزويد طبابة الإتحاد له بما يحتاجه من ادوية و مواد طبية . . للمرضى و الجرحى لمن يراجعه حيث كانت طبابة الإتحاد تحوي على كثير من الأدوية . .
   و في اوقات فراغه . . كان صاحب ينظم الى مجلس ابو جوزيف و المسؤول السياسي ابو ئاسوس عند المساء، الذي كان يضمّ في العادة البيشمركةالأنصار الساكنين في الخيام المتجاورة، منهم ابو احلام، علي مالية . . المسؤولين في أمور الإدارة و الحسابات و غيرهم ، اضافة الى جوزيف الذي كان يهتم بضيوف والده ، حيث كانت تدور احاديث متنوعة تناولت ذكريات و نقاشات و رواية تجارب واقعية عن حروب البيشمركة و الأنصار في البلاد و في العالم، وكانت مفيدة فعلاً لإستيعاب الواقع بشكل افضل .
اضافة الى ذلك كانت تروى النكات لتعديل الأمزجة، و لعب الشطرنج الذي كان لديه وقع خاص لكونه لعبة تعرض تجربة لحرب، وفيها من الحِكَم و الأفكار الممتعة في تلك الأجواء . كان اللاعبون على العموم متقاربي المهارة في الربح و الخسارة، امتاز عنهم " ابو حكمت " (8) الذي كان الأقوى، والذي اتخذه صاحب كنموذج تعلّم منه الكثير من فنون اللعبة، و كان هو متهيأ بشكل شبه دائم للعب و لشرح ما يلعبه لصاحب .

كان ابو جوزيف في احاديثه لصاحب و للقريبين منه يؤكّد دائماً ويحذّر من مخاطر الأستهانة بالمدنيين لأن " قوتنا تتحقق بحب والتفاف الناس حولنا اينما كنا ومهما واجهنا من صعوبات " و كان يحذّر من التفكير بتحقيق (انتصارات) من دون مبالاة بارواح المدنيين العزّل، لأن ذلك " هو الإرهاب الذي ندينه !! " و تحدّث عن موقفه الثابت ذلك وكيف جسّده في رفضه توجيهات وجهت اليه من قيادي سابق في الخمسينات اشتهر بتصرفاته المتهورة ، حين وجّه بنسف منشآت لضخ النفط في انابيبه كجزء من اعلان الكفاح المسلّح ضد الحكومة في الخمسينات . ." لأن ذلك ضد مصلحة عموم البلاد من جهة، وسيخسر بها مدنيون ابرياء ارواحهم و يخسر مئات وظائفهم وتجوع مئات العوائل من جهة اخرى، ان كنا جاديّن حقاً علينا مهاجمة المؤسسات المعادية للشعب ولحريته ومن يدافع عنها " .
   و كان يؤكد بلا انقطاع على التحلي بالأخلاق السامية وعلى احترام العائلة والنساء واحترام تقاليد المجتمع .  .  و الأنتباه الى ان حمل السلاح يعرّض حامله الى مخاطر قد تفسد السلوك ان لم ينتبه المناضل . .  لم يكن عاشقاً للعنف بل لم يكن مع العنف !! وانما كعسكري كان مع التلويح بالعنف و" محاولة تحقيق نجاحات عسكرية دون اراقة دماء لاداع لخسارتها مهما كان المقابل " ولكنه كان يردد " كن حذراً ولاتدع الخصم يصيبك بالشلل او بالتردد فتكون ضربته مميتة لك ". . على اساس ان الهدف هو الأكثار من الأصدقاء وليس الأعداء . و قد قطع حديثه يوماً مع صاحب، قائلاً : " لنذهب بعيداً عن شجرة العرموط المثمرة هذه كي لايعتقد صاحبها الذي يطيل التحديق بنا . . اننا واقفون هنا لأننا نريد سرقة عرموط ؟! . . وبالمناسبة نستطيع ان نطلب منه ان شئنا وسيعطينا بكل سرور .  .  صدّقني ! " .
   كان محباً للحياة وللنكتة وجعل كثيراً من المواقف الجافة، مادة للفكاهة التي تجرّ الى الضحك، وكان ضحكه معدياً، حيث بقي صاحب يتذكر عبارته الفكاهية كلما التقيا ( أسمعت اغاني لولوش ؟ )، كما دعاها مرة ابو شاكر واصرّ ان اسمها كذلك، عند احاديث جمعتهم ذات مساء بعد العشاء في مجلس خيمة مكتب القوة عن جمال الألحان الفارسية وعن المنولوجست الأيرانية " كوكوش" .  . 
   ومن المواقف الفكاهية التي لم ينساها صاحب، و التي رطّبت اجواء العلاقات .  .  حين قدم ملازم عمر (9) الى مجلس ابو جوزيف وطلب بكل هدوء وجديه كعادته :
ـ ابو جوزيف .  .  اعيرونا الخبير الألماني الذي عندكم لبضعة ايام لنستفيد من خبرته.
قال ابو جوزيف مستغرباً وبكل ادب : 
ـ اي خبير تقصد ؟
ـ ياعزيزي يعني هو ليس سراً ، انه يتحرّك بشكل حرّ وجميعنا شاهدناه .  .  رجل ضخم احمر اللون واللحية .  .  هاهو قادم نحونا شوف !!
   نظر الجلسون و كان بينهم صاحب الى الجهة التي اشر اليها ملازم عمر ولم يكن الاّ البيشمركة " جوزيف " حين كان قادماً يحمل الشاي لملازم عمر .  . 
ـ اخ  ؟! انه ابني جوزيف !!! (10)
   انفجر الجميع بضحك لم ينقطع الاّ بعد فترة ليست قصيرة و بعد وضوح حسن النيات ، حيث ان ملازم عمر من جهته كان يجيد النكته اجادة اهل السليمانية الأصليين لها وكان ضحكه معدياً ايضاً للآخرين وبشكل لايقاوم .   

من جانب آخر لم ينقطع فصيل بشدر عن ارسال مفارزه الصغيرة بعد اكمال تجهيزها بالسلاح و العتاد للقيام باعمال و واجبات عسكرية، حيث ان اكثر من نصفهم كانوا يحملون اسلحتهم الشخصية، و كانت مفارز بشدر تقوم بمهام سياسية و استطلاعية للتدقيق بمتغيرات المنطقة لأنها منطقة نزول كل المفارز الى المناطق الكوردستانية الأعمق، و كانت تأخذ معها من اراد الإلتحاق بالبيشمركة في مناطق قلعة دزة و بست ستين و نواحيهما . 
و نشطت مفارز اربيل لتقوم بنشاطات اخرى متنوعة . . فكانت مفرزة الوجه الأنصاري المعروف منذ الستينات " كانبي حمه صالح "(11) في مناطق سهل اربيل تتجوّل هناك للأتصال بمن يبحث عنها . . للإتصال او للإلتحاق بها، فكان الجميع في توزله يفرحون لعودتها و يزداد املهم في تحقيق اهدافهم كلّما تحرّكت للنزول مجدداً الى مناطق سهل اربيل في تلك الظروف الخطيرة . . اضافة الى تجوّل مجاميع صغيرة من نصيرين الى ثلاثة ليفترقوا في مناطق العمق و يتفقوا على مواعيد للألتقاء، بعد و اثناء قيامهم بمهامهم التعبوية السياسية و التنظيمية اشتهر بينهم " سيد نظيف " . .
   و في ذلك الأثناء وردت اخبار افادت بمقتل كادر البيشمركة الشجاع " رستم " آمر المفرزة التي تشكلت حديثاً وتكونت من خمسة بيشمركة و نزلت الى مناطق سهل اربيل بعد اكتمال تسليحها و قد ضمت بيشمركة مصممين على العودة الى مناطقهم للقيام بنشاطات بارتيزانية، و " ليس الإنزواء عند الحدود " على حد تعبيرهم . . الاّ ان خطأ آمر المفرزة كان بذهابه لوحده الى حيث كانت زوجته متخفية، اثر ملاحقتها من قبل آمر مجموعة مرتزقة، الذي علم بذهابه ذلك و نصب له كميناً اعده بدقة لتصفيته، لشخصيته الإجتماعية المحبوبة و الشجاعة و النظيفة في المنطقة . .
وقيل ان ذهابه السريع للقاء زوجته الحسناء لم يكن الاّ لكونه كان عاشقاً متيماً بها، لايقوى على فراقها الطويل. و قيل ماقارب الحقيقة من انه عرف بمعاناتها بسبب نذالة آمر  مجموعة المرتزقة، فذهب لمحاولة تخليصها، و وقع بالكمين و قاتل قتال الأبطال حتى قُتل  . . لقد عادت المفرزة حزينة بدونه الاّ انها تضاعفت بالتحاق شباب جدد باسلحتهم بها، و كان ذلك يعني الكثير في حياة البيشمركة آنذاك .
الاّ ان الأيام في القاعدة كانت تمضي على نسق شبه متشابه و خاصة بالنسبة للأنصار العرب، و لمن لم تكن لديه مهمة واضحة و محددة، او من حمل مشاكله هو و يصرّح و يحرّض بها كما مرّ . . و غيرها من امور كانت تثير ملل البعض اكثر، او كما وصفها مناضلو السجون الطويلة . . بان واقع كذلك يشبه الى حد واقع حياة السجون و مشاكلها كـ " مشاكل سجنية " حيث يمكن ان يحصل نزاع على امور تافهة او شخصية بحتة . . و لكنها في ذلك الواقع على صعوباته كان للبيشمركة القرويين من قرى كوردستان، ايام حريّة و فرح .  .  . اياّماً ضاجّة بالحياة، تفوق حياتهم في قراهم التي عانت الذل و الحرمان و الظلم القومي بسبب الدكتاتورية الشوفينية و قطعانها العسكرية . .   
و لم تنقطع زيارات الأهل لأبنائهم البيشمركة، التي كانت تجري في موقع بعيد عن مقرات الفصائل عند مدخل المنطقة تحسباً لأعتبارات متعددة، منها ان يبقى القادمون بعيدين عن رؤية من كان موجوداً في المقرات صيانة للبيشمركة و للأهل القادمين على حد سواء، تحسباً لكل طارئ، بسبب تدقيق اجهزة السلطة  . . اضافة الى انه كان بينها زيارات لعوائل اجبرتها السلطة على الذهاب لأقناع ابنائها و ذويها بالأستسلام للسلطة . .
(يتبع)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   اتفاقية الجزائر عام 1975، و هي الإتفاقية التي عقدت بين شاه ايران و صدام عندما كان نائباً للرئيس العراقي في الجزائر العاصمة. و كانت موجهة اساساً لتحطيم ثورة ايلول الكوردية التحررية، التي كانت في اوج قوتها. و اثرها تم اغلاق الحدود بين البلدين بالمناطق الكوردستانية المحروقة المحرمة، و فيها تنازل نظام البعث عن حقوق العراق في مياه شط العرب .
2.   ابو شاكر، المناضل العمالي عادل سفر، كلداني من اهالي القوش ـ الموصل . . كادر حزبي متقدم، نشط في تلك الفترة في مجال الإدارة في قاعدة توزله .
3.   كانت الصحفية اليسارية المعروفة المناضلة " فاطمة المحسن " . . خريجة كلية الآداب ـ ج. بغداد و حازت على الدكتوراه من هنغاريا . . عرفت بنضالاتها السياسية و النسائية و الصحفية و الادبية النقدية و عملت في الصحف و المجلات الديمقراطية و اليسارية العراقية و العربية . . طوردت اثناء الحملة على القوى الديمقراطية و اليسارية اواخر السبعينات . . ثم القي القبض عليها و عُذّبت بوحشية و لم يستطيعوا كسر مواقفها، الى ان اطلق سراحها خوفاً من موتها في المعتقل. استطاعت الهروب الى كوردستان ثم الى انواع المنافي مع المبدعين العراقيين .
4.   حبيب المالح، طبيب كلداني من عينكاوا ، مناضل و وجه طلابي معروف في جامعة الموصل، اعتقل و سجن مرات عدة و كان من ابطال العمل السري في النضال لإسقاط دكتاتورية صدام، اختطف من الشارع و قضى تحت التعذيب الوحشي عام 1981 .
5.   ابو احمد، المناضل المعروف الفقيد عبد الرحمن القصاب، عربي من الموصل، وقد برز كقائد شعبي في مدينة الموصل، و كان احد وجوه المقاومة الشعبية اثر ثورة تموز عام 1958، طورد و لوحق و حكم بالأعدام، وعاش في المنفى سنوات طويلة، وعمل اداريا ناجحاً في الأنصار آنذاك، توفي في حي الشاغور الشعبي في دمشق عام 2001 و كان يعاني الفقر و الوحدة .
6.   المناضل الأربيلي المعروف جبار حسن، احد كوادر اربيل المعروفة، سكرتير اتحاد ال

39
هناك . . عند الحدود (2)
                              
د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net

 
الفصل الأول

الى الجبال البعيدة . .

بدأ الظلام و السكون يخيمان عندما كان صاحب يفكّر و يتأمل الواقع الذي يعيشه في ذلك الوقت و هو يقرأ على ضوء مصباح يدوي، كتاب لجنرال فرنسي متخصص في " حرب مقاومة القوات غير النظامية " . كان مستلقياً على سجادة سميكة ، خلف حاجز عُمل من أغطية و وسائد، عمله صاحب الدار انور و زوجته الشابة صابري، في غرفتهما التي كانت واحدة من غرف عديدة، تحيط بباحة واسعة لخان قديم مهترئ تهدمت بعض اجزائه، سكنته عدة عوائل في الغرف التي لم تزل قائمة فيه . . كانت الغرفة هي مسكن انور، حيث مكان الجلوس يتحوّل الى مكان النوم ليلاً، و في زاوية من الغرفة، كان هناك " المطبخ " .
كان يفكّر بما سيحدث . . بعد ليلة الأمس التي مضت ولم تعرف نفسه سكوناً  . . حيث اشعلت زخات الرصاص الكثيف المتبادل، و رصاص دوشكات الدبابات، اشعلت ذاكرته بأيام صباه حين وقع الإنقلاب العسكري الدموي عام 1963 ، الذي حاولت مقاومته جموع محلات بغداد الشعبية، منها مدينة الكاظمية حيث كان اهله يسكنون يوم كان صبياً، و لا يدري لماذا تذكّر المواقف التي واجهوا فيها قوات القمع بعد سنوات حينما كانت تحاول تفريق مظاهراتهم الطلابية، واشتبكوا مع رجالها بالأيدي غير عابئين بمخاطر حملهم السلاح . . و تذكّر وجه جارته  التركمانية الجميلة التي كانت جدّتها تصر على مرافقتها ايّاها عند ذهابها الى السوق في فترات غياب زوجها عن البيت بسبب عمله، خوفاً عليها . . هل هو الشوق الى مدينته و الى الحياة النابضة بالأحداث و بالحب و الأمل . .
   لقد حفلت الليلة الفائتة ليس باصوات تراشق الأسلحة النارية المتنوعة، العادية و الأوتوماتيكية فحسب، و انما تصاحبت بتراشق عنيف بالمدافع الرشاشة و بالمدفعية، وكان الضجيج المنبعث من صرير جنازير الدبابات . . يملأ الفضاء بزمجراته و هو يقترب و يحوم حول الخان القديم ذاته ذي الباحة الواسعة، الذي سكنت غرفه الكثيرة المحيطة بالباحة عوائل عديدة باطفالها و شيوخها و عجائزها، و كان لعدد منهم قطعان متنوعة من الأغنام و الماعز، التي يتصاعد ثغائها و ضجيجها و قرع ناقوس الجرس الصغير المعلّق برقبة كبيرها، عند كل غروب . .
   في الليلة تلك شاهد صاحب من خلال زجاج نافذة صغيرة قديمة بدا انها لم تفتح منذ زمن طويل، حيث تحجّرت الأتربة المتجمعة في شقوقها . . شاهد رغم الظلام صعود اشباح لأعداد كبيرة من العسكريين على السياج الحجري العريض و المتهرئ الذي كان يحيط بالباحة، حيث تمترسوا عليه شاهرين اسلحتهم المتنوعة باتجاه غرف الخان فيما كان عسكريان يديران مصباح كاشف قوي ، وجّهاه على باحته الواسعة و على الغرف المحيطة بها ، و سط تصاعد نباح الكلاب التي استفزّها تموضع العسكريين على سياج الدار، و اهاجها الضوء الكاشف القوي . .
   و ماهي الاّ دقائق حتى انهال الرصاص مدراراً على العسكريين من الجهة الشمالية من خارج المنزل، الأمر الذي ادىّ بهم الى الإنسحاب الى خارج الدار متسترين باطلاق صلياتهم الكثيفة على المهاجمين . . فيما تصاعدت صرخات احدهم الذي بدا و كأنه اصيب جرّاء التراشق. و استمر هدير الدبابات و هدير آخر لم يميّزه صاحب، اضافة الى تواصل اصوات صليات و انفجارات مدافع الدبابات الرشاشة و مدافعها الثقيلة . . اضافة الى اصوات تراشق النيران المتبادل الذي استمر و هو يبتعد عن المنزل .

منذ بدء الكلاب بالنباح كان انور قد طلب من صاحب و من زوجته صابري ان يجلسا في مكانيهما هادئين، فيما انزل فتيلة الفانوس الى ادنى حد حتى صارت الغرفة شبه معتمة، و خرج !! . . و فيما كانت صابري التي هي احدى مراسلات العمل السريّ الجريئات تتحدث عمّا يدور من تجربة حيّهم المريرة مع قوات الدكتاتورية طيلة السنتين الماضيتين، انقطع صوتها اثر زخة قذائف متوسطة اصابت سقف غرفتهم و تسببت بتساقط احجار و قطع من الحائط عليهما، فيما تصاعد صراخ الأطفال من الغرف الأخرى، و اصوات نسوة ينادين " يامحمد المصطفى،  يا الله !! " ثم . . " الحمد الله . . الحمد لله "، قالت صابري و هي تسمع الإبتهالات :
ـ لم يصب احد بسوء . . الحمد لله !
   بعدها تعالت اصوات هدير هائل، كان يقترب و هو يرجّ الأرض رجّاً عنيفاً مستمراً، و تصاعدت اصوات اخرى كأنها اصوات ضجة صاخبة لم يستطع تمييزها، و سأل صابري عمّا يحدث ان كانت تستطيع تفسير الأصوات . . فقالت صابري :
ـ انه صوت الشفل !! لقد بدأوا بهدّ البيوت و تهديمها على عادتهم القذرة، بعد كل اخبارية عن مفرزة بيشمركة.
   كان ذلك يحدث كلّما دخلت مفرزة بيشمركة للمدينة، حيث كانت مفارز البيشمركة تدخل المدينة من جهة ذلك الحي الفقير المعروف بتعاطفه مع البيشمركة الذين كان عدد غير قليل منهم من ابناء الحي ذاته. و للحي مزايا تشجع البيشمركةالأنصار على الدخول الى المدينة من خلاله، فاضافة لتعاطفه مع البيشمركة، فإنه يقع في طرف المدينة، و من جهتها الأكثر وعورة المتصلة بالجبال المحيطة عبر اخاديد و مسالك معقدة تؤمن الدخول و الإنسحاب بسلام .
   و صار معروفاً، انه في حالة دخول اية مفرزة للبيشمركة و قيامها بعملية عسكرية في المدينة، او في حالة احساس السلطات الأمنية بها . . بحدوث اخبارية ما عنها مثلاً، تتحرّك قوة الطوارئ او القوة الخاصة التي بأمرة ملازم محسن (1) الى مكان الحدث او المكان المعني، فتطوّق المنطقة و تقوم بتمشيطها بوحشية متناهية، متسببة بقتل و جرح من يقع بيدها .
   و كان من المعروف ايضاً بان مفرزة البيشمركة ان شعرت بالتطويق من قبل قوة ملازم محسن، فانها تضرب تلك القوة لإحداث ثغرة تمكّنها من الخروج من الطوق، لأن آمرها لايمكن التفاوض معه ابداً، كما يحدث مع عدد من رؤساء الجاش و مجاميع الفرسان. و ان نجحت المفرزة في احداث ثغرة و الهروب من الطوق، فإن محسن سيحاول " تأديب" اهل الحي بتهديم بيوتهم بالشفلات على اغراضها و ساكنيها ان بقوا او تخلّفوا فيها لأي سبب . . مهما تصاعدت احتجاجات و صراخ و عويل و مقاومة بالأيدي و الحجر لعمليات التهديم القذرة تلك، التي تحدث بكل ما يجري معها تلك الضجة الصاخبة التي لم يستطع صاحب تمييزها.
   و ما حصل في تلك الليلة، هو ان مفرزة بيشمركة كانت قد طوّقت فعلاً في الحيّ، في الشارع المجاور للخان حيث كان صاحب مختفياً، و فيما كانت المفرزة تتهيأ لمواجهة قوة الطوارئ في معركة حياة او موت رغم عدم تكافؤ القوتين، رفضاً للإستسلام . . وصل اليها انور متسللاً في منطقة يعرفها منذ ولادته، و دلّ البيشمركة الذين كانوا من رفاقه، الى ممر يمكنهم من الخروج من الطوق و ضرب القوة من الخلف . .
   و ذلك ماحدث . . فما ان بدأت القوة بتهديم البيوت بعد ان عرفوا بتحرر المفرزة من طوقهم،
هاجمتهم المفرزة نفسها من الخلف بعد ان هدّموا بيتاً و كانوا متوجهين لتهديم الثاني، و امطرهم البيشمركة برصاص اسلحتهم الأوتوماتيكية التي افزعتهم و تسببت بسقوط قتلى و جرحى في صفوفهم  فتفرقت القوة و هي تنسحب انسحاباً مضطرباً فيما دخلت قوة اسنادها باشتباك مع المفرزة، و لم يعرف احد اين ذهب ملازم محسن . .   
   و بقي السؤال ماثلاً في تفكير صاحب، كيف يمكن التفاوض مع نوع من المجرمين و لايمكن مع نوع آخر كملازم محسن . . و هل المجرمين انواع ؟؟ و لكن و فيما تتنوع الآراء تجيب وقائع و احداث كثيرة التنوع على ذلك استناداً الى انه لمّا كان الناس انواع، فيهم الطيب و فيهم السئ . . هناك بين المجرمين من اصبح مجرماً لأنه اجبر بفعل سلطة اجرامية، و المجرم هنا هو السلطة ذاتها.
   حيث يوجد عدد غير قليل من الطيبين، الذين لم يستطيعوا تحمّل الإرهاب الهائل و اللامحدود، و اضطروا الى ان يصبحوا في صف وحدات الدكتاتورية حماية لعوائلهم و اعراضهم، و بقيت قلوبهم الطيبة و شهامتهم الإنسانية تفعل فعلها، فهم يحبّون الشجعان و يحبون البيشمركةالأنصار و يحموهم و يساعدوهم سرّاً، و الويل ان عرفت بهم السلطة و ذلك ما حصل لمرّات و دمّرتهم تدميراً هائلاً ليكونوا عبرة لمن اعتبر . .

بعد عودة الهدوء الى باحة الخان ، سمع صاحب صوت انور الحازم الهادئ و هو يوجه قوله اليه من خلف حاجز الوسائد :
ـ اطمأن دكتور . . لقد انسحبوا ! و الآن نستطيع النوم . . امامي شغل كثير في الغد .
ـ تصبح على خير .
كان قد انقضى عشرون يوماً عليه، و هو في مخبئه ذلك ، في وقت كانت فيه مدينة السليمانية  تموج و تلتهب . . فبقدر هدوء نهارها الظاهري، تعيش المدينة في الليل حرباً لا تتوقف، حيث كانت لعلعة الرصاص تندلع كل ليلة فيها ضد القوات الخاصة للدكتاتورية الشوفينية المخادعة .. و هو امر لم يكن معروفا على الأقل في بغداد العاصمة، اي لم يكن معروفاً ان هناك ثمة صراع مسلح يخاض علناً في الشوارع ضد الدكتاتورية في جزء من البلاد، حيث كانت اجهزة الدكتاتورية تعتّم عليه باجراءات دموية قاسية، كي لاتنتشر اخباره و بالتالي تأثيره في عموم البلاد . .
   كان صاحب يحسّ بنسائم الحرية في ذلك المخبأ و هو ينتظر موعد الذهاب الى مناطق البيشمركةالأنصار بعد معاناة شهور طويلة من الإختفاء و مواصلة النشاط السري فيما كان القمع مستمراً و متصاعداً ، مثيراً الإحساس و كأن مصير الجميع يتقرر بين انياب وحش قاس لا يرحم بل و يزداد انفلاتاً في بغداد . حين كان الجميع يتطلعون الى اي جديد، قد يحمل معه حلولاً فيها شئ من التكافؤ، او مقاومة تحمل الأمل . . بعد ان تغيّرت الوجوه ، و غابت الى الأبد وجوه أحبة ، و اختفت اخرى الى اجل غير مسمى . . .
    كان يتذكر قبل نومه شريطاً من الأحداث الخطيرة و الحرجة، و وجوهاً لرجال و نساء و اطفال مرّ بهم عند اختفائه المتكرر، و اماكن اختفاء لم تخطر قط على باله في السابق . . تذكر وجه منى الجميل بعينيها العسليتين المستديرتين ، بنظراتها الحانية ، بظفائرها السوداء بصدريتها الطبية البيضاء و ردد بينه و بين نفسه :
ـ كم هي شجاعة، و كم هي مخلصة، و كيف انضمت اليهم و هي ابنة العائلة الأرستقراطية ؟ اثر ما عانته من زوج قاسي عاملها معاملة تنفر منها حتى الحيوانات . . عندما كانت تأتي بنظارة سوداء لتخفي الزرقة المحيطة بعينها بسبب لكماته، او ماكانت تعانيه من آلام ظهرها بسبب لسعات السوط الذي كان ينهال به على ظهرها . . و لم يجد تفسيراً لثبات صورتها في مخيلته و هي تبتسم ابتسامة العرفان لمن انقذتهم هي ؟! حيث كانت هي التي تشكرهم لأنهم وثقوا بها و امتنوّا لمساعدتها ايّاهم . . و سائل نفسه ، هل تعلّق هو الآخر بها ؟ هل احبّها ؟؟
   تسلل خلف الوسائد الى جهة باب الغرفة، و تفحص باحة الخان لعدة دقائق، و لما لم يجد احداً ، خرج بهدوء متستراً بالظلام لقضاء حاجته ككل ليلة، ثم عاد بذات الهدوء الى موضعه . . كان الليل هادئاً في المحلة، رغم اصوات الأطلاقات البعيدة التي لاتنقطع كما في كل ليلة . 
وفيما بدأ ينام . . سمع مثل كل ليلة الهمسات و الضحكات و الآهات المكتومة، التي كانت تتناهى الى سمعه من شق طولي في حائط الجيران المجاورين لغرفة انور، كان يلاصق وسادته في مكانه الضيّق خلف الوسائد . . و علّق مع نفسه :
ـ يعني الناس لاتنسى العاطفة و الحب حتى في زمن الحرب . . الجار و زوجته يمارسان الحب، مهما كان حجم الرصاص و القتال و كأن لم يكن الجميع معرّضين للموت في كل وقت من تلك الليلة، وتذكّر ان تلك الآهات تتصاعد من الشق بعد دقائق من انسحاب التصادم بالرصاص في تلك الليلة . .  و كرر لنفسه :
انه نداء الحياة، ما اجمل الحياة و ما احلى الحب  . . و ضحك في سرّه مما كان يسمعه و مما كان يحفّزه على الأنصات و التسمّع، رغم عدم فهمه للكوردية آنذاك . كان يحسّ بعودة مشاعره الطبيعية اليه ، الأمر الذي كان يزيد من احساسه بالحياة و بشعوره بأنه لازال حياً بعد ان شعر بتحجر عواطفه و هو يعيش الإختفاء في ظروف قمع قاهر لا يعرف الرحمة  . . الى ان اخذته سنّة النوم . .
في ضحى اليوم التالي، و بينما كان يقرأ رواية " تاراس بولبا " لغوغول (2)، التي حرص على اقتناء كتابها الصغير لتنوع معانيها الإنسانية في السلم و الحرب كما كان يردد . . نادت صابري عليه من خلف الوسائد بعربية جهدت ان تكون مفهومة :   
ـ دكتور ! ابن اختي الرضيع مريض جداً و حرارته مرتفعة . . و عنده اسهال لا يتوقف . . الا تستطيع فحصه و كتابة الدواء له ليشتروه من الصيدلية ؟
تفاجأ بالسؤال ، وبقي برهة يفكّر . . انه مختبئ هنا و غريب و لايعرف الكوردية . . كيف ؟ اي ان موضوع اختفائه سينكشف لكل الساكنين في غرف الخان العديدة . و تسائل مع نفسه . . الا يشكّل ذلك خطورة على انور و صابري ذاتهما ؟ انه كطبيب من واجبه ان يلبي طلب المريض المحتاج .. و لكن كيف ؟ كيف ؟
ـ دكتور . .
ـ نعم صابري انا حاضر، و لكن الا يشكّل ذلك خطورة عليكما ؟ حيث سيعرفون انكم تخفون شخصاً مطارداً و قد تصل الأخبار الى رجال الأمن . .
ـ دكتور . . انهم جميعاً اهلي و هم يعرفون ان لدينا طبيب عربي يريد الذهاب الى البيشمركةالأنصار، وهم ايضاً لديهم ناس مختفون، و الكل في المنزل يعرف . . و كلهم يحبون البيشمركة و لايخونون . . اطمأن !
و اضافت بتوسّل :
ـ المهم هل تستطيع مساعدتها ؟؟ افحص الصغير و اكتب له الدواء و سنشتريه . .
قال لها :
ـ جيد . . اخبريها ان تأتي به الينا و سأخرج من مكاني و اجلس في الغرفة بشكل طبيعي  . .
   بعد ان فحص الرضيع بسماعته الطبية التي كان يحملها معه و قاس حرارته وسط صراخه الذي لم يهدأ، و حملقة الأطفال الصغار الذين رافقوا امهم، الذين كانوا ينظرون بذكاء و فضول لمحاولة معرفة ماهية الطبيب الذي سينقذ اخاهم الرضيع، و الذي يسكن عندهم . .
كتب له الأدوية التي يحتاجها باللغة الطبية الأنكليزية على ورقة بيضاء نظيفة قصّها بعناية من دفتره الشخصي وسط نظرات الأم الجادة و صابري ، حملت الأم ابنها و الورقة بين اصابعها و هي تكرر شكرها و امتنانها و تمتماتها بالدعاء بالخير و التوفيق للطبيب . . و خرجت من الغرفة، يتبعها اطفالها الذين رافقوها .
   اقترب صاحب من خزان الماء الصغير ذي الحنفية ، ليغسل يديه كعادته بعد كلّ فحص، و كان منتعشاً بشعوره انه يستطيع ان يخدم الناس الذين يخفوه ، و زاد من ذلك ان النهار كان مشمساً في ذلك اليوم ، حيث كان يستطيع ان يجلس تحت اشعتها القادمة من الشباك و لو لبرهة من الزمن . . الأمر الذي افتقده منذ شهور طويلة . .   
فرحت صابري ، الشابة الكوردية الريفية المنشأ ، بقيام رفيقهم الطبيب المختفي لديهم ، بعنايته بأهلها و الذي جسّد لديها الأحساس باحترامه و حبه لهم، فعملت له سريعاً شاياً طازجاً، حرصت على تقديمه اليه مع علبة من البسكويت فتحتها توّاً، و حدّثته عن اهلها الساكنين في غرف المنزل الكبير القديم ذلك . . 
حدّثته عن ابنة خالتها المعلمة في كركوك ، و كيف اجبرها رجال الأمن على ترك مدرستها لأنها لم توافق ان تسجّل على ما طلبوه منها بمختلف اشكال الضغط و التهديد على كونها عربية، لأن مدرستها شملها نظام التعريب كما قال لها ضابط امن المنطقة . . فتركت مهنتها و مدرستها في كركوك، و عادت الى اهلها في السليمانية لأنها خافت من اعتداءاتهم عليها هناك لكونها كوردية لم ترضخ لضغوطهم .. و تسكن الآن ايضاً معهم في احدى غرف الخان . .
   فرح انور كثيراً بما قام به صاحب بفحص و معالجة الرضيع و كان مصدر فخر له، ان صديقه طبيب رسمي ـ كما كان يقول ـ يقدّم خدمة لعائلته الكبيرة الفقيرة ، و هو امر اثار تعجّب صاحب و جعله يفكّر و يعيد التفكير بنتيجة سر اختفائه اذا انفضح بسبب ذلك. لاحظ ذلك انور و شرح له بتفاصيل بأنهم كعائلة كبيرة من اخوان و اعمام و اخوال و اولادهم يفخرون بحماية الضيف الذي يحتمي بهم ، بل و يحموه حتى الموت . .
الأمر الذي لم يستوعبه صاحب جيداً في تلك الظروف التي شهدت مداهمات و قتل و اغتيالات، الاّ ان شروحات انور في الجلسات المسائية التي كانت تجمعهم يومياً بعد عودته من عمله و جلوسهم ثلاثتهم لتناول العشاء، اوضحت له الكثير الذي لم يعرفه جيداً عن خلق العشائر الكوردية التي تعتز باسمها و تفخر به، و تدافع عن تقاليدها .
   في ذلك المساء تعشّوا دجاج مشوي على رز ، طبخته اخت صابري و اصرّت على ارساله اليهم ، كتعبير عن شكر العائلة و فرحها بضيفها، خاصة و ان الصغير تحسن سريعاً على الدواء الذي اعطاه ايّاه وفق و صفته الطبية . . و حرصت اختها ان تأتي بالطعام لوحدها و ليس بمرافقة احد، لأن العائلة تقدّر وضعه و حرص افرادها على عدم احداث اية ضجة او حركة قد تثير شبهة ما .   
في تلك اللقاءات المسائية كان صاحب يحاول تعلّم اللغة الكوردية بدأب و صبر، و يسأل عن كل كلمة تثير انتباهه، و خاصة في الجمل التي تحمل كلمات تشبه العربية او عربية، وتحمل نفس معانيها كما كان يقدّر . . كان يلتقط الكلمات من موجة راديو بغداد الناطقة بالكوردية، ومن القناة الكوردية ، ومن اغاني التسجيلات الكوردية بالحانها الجميلة، التي كانت تصدح و تملأ باحة المنزل بحيوية و عذوبة كانت تثير لديه مشاعر شتى تتجمع في حنين الى الحريّة.
و كان يلتقط الكلمات من احاديث انور و صابري بالكوردية مع بعض حينما كانوا يجلسون معاً. و كذلك مما كان يسمعه من باحة الدار بين الساكنين، و من احاديث النساء، التي كانت تتناهى اليه في مخبئه عند جلوسهن شبه اليومي، على مكان يقع فوق مدخل غرفة انور و صابري، قدّر انه طارمة علوية (3)  . . حين كن يتحدثن بصوت مرتفع و يقهقهن في النهار، و يصحن بالأطفال كي ينضبطوا ، و حين كانت الكلمات تقفز منهن وهن يتحدثن همسا بمواضيع قدّر انها عائلية خاصة او اسرار ما، و كان همسهن عالي النبرات، مسموع  . .
و قد ظفر يوماً منهن كلمات تبين لاحقاً انها كانت عن الطبيب العربي المختفي عندهم، عكست  احساسهن بالزهو بطبيب عربي سيساعد و يعالج البيشمركةالأنصار في الجبال ان جُرحوا في المعارك، كما فهم ذلك من انور و صابري عند سؤاله اياهما عن معانيها، كما كان يفعل مساء كل يوم، بعد تسجيله ايّاها يومياً في دفتره الصغير ، و تبيّن بعدئذ انه سجّل بعضها خطأً، رغم نجاحه في تسجيلها بشكل صحيح على الأغلب كما كان يقول انور . .
في احدى الجلسات المسائية، اخبره انور، بأن سيارة فيات بيضاء اللون ستأتي في صباح اليوم التالي، لنقله الى مكان آخر و يرجوه التهيؤ لذلك و ان يلبس طقماً كوردياً كان قد اتى به اليه وقال له . . " انه على مقاسك " . . و اخبره بأنه قد يكون غائباً عن البيت بسبب عمله، و بأن السائق معروف جيداً له . فهم صاحب من ذلك ، انه سيذهب الآن الى الجبال حيث البيشمركةالأنصار و فرح لذلك . . و لم يستطع النوم بسهولة تلك الليلة، خاصة و ان اصوات لعلعة الرصاص و انفجارات قذائف المدفعية المتقطعة من مختلف الإتجاهات داخل و خارج المدينة لم تنقطع . .
كان يفكّر بأنه مقبل على عالم و حياة جديدتين، تكونتا في ذهنه مما قرأه عن بطولات الأنصار في مقاومة الوحش الفاشي المنفلت في الحرب العالمية الثانية، و ما لعبت من ادوار هامة في تحرير بلدانها من الأحتلال و الظلم، دون دخوله بتفاصيل ظروفها و كيف كانت، وانما كان ينظر الى القضية من زاوية البطولة في مواجهة التحدي و الظلم .
تذكر الفنان يحيى فائق الذي حماه في بيته . . تذكر المناضل ابو عدنان ـ الاستاذ عاكف العاني ـ والد صديقه الحميم د. حسان (4) و كيف آواه و رعاه و كان يؤكد ان القضايا لاتحل بالنظريات في بلداننا و ان عليه قراءة كتاب " تحت اعواد المشنقة " للمناضل الجيكي " يوليوس فوشيك " و يتهيأ لمواجهات كتلك، وقدّم له الكتاب الذي كان قد اقتناه خصيصاً له كي يقرأه ، تذكر زوجته الأم الباسلة ام عدنان التي كانت رغم قلقها على ابنائها المناضلين المطاردين، فإنها كانت ترعاه و تحنو عليه في بيتها المعرّض لأنواع المداهمات في اي وقت . . تذكر اخته المناضلة شذى (5)، ابوياسر . . أهله الذين استماتوا في مساعدته و حمايته .  .  فيما بقيت صورة ابتسامة منى في وجهها الذي كسته الحمرة ثابتة في مخيّلته . . 
وفي اليوم التالي ، و في الصباح الباكر في ساعة محددة، كان صاحب بملابسه الكوردية متهيئاً للذهاب بحقيبته حين اتت سيارة بيضاء اللون متوسطة الحجم و وقفت بمحاذاة مدخل الخان الكبير المفتوح . فتوادع مع انور الذي كان لايزال في الغرفة، و مع زوجته . . اللذين بقيا في غرفتهما وسط تمنياتهما له بالتوفيق و النجاح . و خرج يحمل حقيبته وسط هدوء من في المنزل الذين كان اكثرهم مايزال يغطّ بنوم عميق .
ادار سائق السيارة الأنيق الملابس وجهه الى صاحب و نظر اليه مبتسماً، و هو جالس خلف المقود ، عرفه صاحب في الحال كما اخبره انور، و توجّه مباشرة الى المقعد جنب السائق الذي قال له :
ـ دع الأمر يسير بشكل طبيعي . سنذهب الى بيت آخر لنحمل آخرين معنا .
   تحرّكت السيارة، و سارت بسرعة طبيعية . . واستطاع صاحب من رؤيته للمدينة من شباك السيارة ان يعرف انه كان في الطرف المهمل من المدينة و في حدودها الخارجية، و اشبع ذلك فضوله لأنه لم يكن يعرف مكانه في المدينة التي وصلها بسيارة صديق نقله من مقابل الجامع الكبير في المدينة وكان الظلام مخيّماً على المدينة التي كانت احياء كثيرة فيها مظلمة حيث كانت تقطع الكهرباء عن شوارعها لأسباب أمنية منذ اكثر من عام . .
   كان ذلك اليوم يوم عرفات، و الناس مشغولة بالتهيئة لحلول عيد الأضحى .  . كان يوماً ربيعياً مشمساً، وجد فيه صاحب نفسه بمزاج  يبعث على النشاط، فيما كان راديو السيارة يبث اغنية ام كلثوم " القلب يعشق كلّ جميل " التي كان يسمعها بشكل شبه مستمر طوال وجوده في الخان حيث كان مختفياً، سواء من الغرف التي سكنتها العوائل او من السيارات التي كانت تمر قرب المنزل و صوت مذياعها مرتفع . . لإقتراب عيد الاضحى .
   توجّهت السيارة الى منطقة سكنية تقع خارج المدينة، من جهتها الشمالية في شوارع شبه خالية . .  ثم توقفت عند باب منزل مبني حديثاً ذي طوابق ثلاثة، خرج منه حال وقوف السيارة رجل و امرأة محجّبة بعباءة و جلسا في الحوض الخلفي للسيارة . . و سرعان ما عرفها صاحب حيث كانت الصحفية اليسارية المعروفة فاضلة ، و انتبه ان الذي معها هو زوجها المدرّس حسن و كان الأثنان مطاردين من السلطة آنذاك بعد ان قضيا و خاصة الصحفية شهوراً مرعبة في سجون الدكتاتورية . . و كان كلاهما يلبس ملابس كوردية . 
سارت السيارة بسرعة عادية حتى خرجت من المدينة قاصدة قلعة دزة ، بعد مرورها بسيطرة المدينة التي لم يدقق افرادها بهويات الراكبين حيث لم يشكّ احد بسيارة تحمل عائلة في ليلة العيد، خاصة و ان الجميع كانوا ذوي سحنات كوردية . و لم ير صاحب طيلة مسير السيارة قرى او مدناً صغيرة كما درجت العادة على الطرق الخارجية ، و انما كانت تلوح بين اونة و اخرى بيوت متفرقة كأنها مهجورة، و نقاط و ثكنات عسكرية لا اكثر، فتبيّن له عمق مأساة التهجير الشوفيني الذي قامت به السلطات العسكرية و الذي شمل في تلك المنطقة كلّ النواحي و القرى المطلّة على الشارع الرئيسي . كان الجميع صامتين لأنهم عارفون دقّة سفرتهم و لكون وجهتها الى مناطق (العصاة) حسب الوصف الرسمي لها . . . و مرّت الساعات سريعاً .

   و اخيراً و بعد مسافة من اجتياز جسر عسكري . . وصلت السيارة بدون مشاكل بعد ظهر ذلك اليوم الى هضبة مرتفعة قليلاً تطل على خرائب على مدّ البصر، كانت خرائب مدينة قلعة دزة مركز القضاء التي دُمّرت و هُجّر سكانها الكورد بسبب تصديهم للدكتاتورية . امّا السيارة فانها اضافة الى وجود عائلة فيها، فإنها لم تواجه مشاكل لأن رقمها كان رقماً خصوصياً، اي لم تحمل رقم تاكسي وكانت تسير في النهار .
وصلت السيارة الى اطراف قلعة دزة، و مالت الى بيت مطل على الشارع العام، كان من ضمن بيوت مجمّع سكني كبير بني على عجل كما لاح من بناء بيوته الصغيرة المتلاصقة، سكنته العوائل المهجّرة من قلعة دزة و القرى المحيطة بها . . سمّي " مجمّع بست ستين " .
نزل الجميع من السيارة و تقدّم اليهم رجل مشدود الجسم قوي الطلعة، حيّا الجميع تحية حارة و دعاهم للجلوس في الغرفة الأمامية الصغيرة في المنزل، فجلسوا . وبعد التحيات الحارة و التمنيات بالتوفيق، استأذن السائق الأنيق لمفارقتهم بسبب قرب مجئ الظلام كي يستطيع العودة الى السليمانية بدون مشاكل. لقد نزلوا ضيوفا عند مام بيرووت ذي العينين الحمراوين، الذي كان يتحدث مع المدرّس حسن لمعرفته باللغة الكوردية لأنه كان من الكورد الفيليين، و حسن بدوره كان يترجم مايقول مام بيرووت الى الآخرين بالعربية .
و مما قاله مام بيرووت مشجّعاً ضيوفه :
ـ ان البيشمركةالأنصار يمتلكون مواقع حصينة و لديهم مدفعية ثقيلة تستطيع ان تقصف و تحطّم معسكر قلعة دزة .. انهم هناك في الجبل، دولة .. !!
ـ .  .  .  .
   و استمر مام بيرووت يتحدث بحماس عن كيفية سيطرة الجماهير الإيرانية و خاصة الكوردستانية منها، على معسكرات الجيش الشاهنشاهي خلال ايام الثورة الإسلامية في ايران التي كانت لاتزال حامية، و كيفية استيلائها على الأسلحة و تسلّحها بها، لأنه كان معهم كما قال. وبقي صاحب يسمع و يقلّب فكرة مام بيرووت .  . " ان البيشمركة الآن دولة " ! 
    و لم يستطع صاحب ان يعقل كل ذلك، و تسائل مع نفسه عن مفارقات فهم و تصوّر ماهية الدولة بين فلاح و بين مثقفين ثوريين منهم صحفية و طبيب و مدرّس، هل هم فعلاً دولة، و لكنه لم يسمع بذلك من قبل ؟ . . و ردد مع نفسه، ولكن كل شئ ممكن !! و هو يعيش و يشاهد اشياء جديدة في كوردستان لم يعرف بها قبلاً، السليمانية تشتعل يومياً بالرصاص، مدن مدمّرة ، تهجير قسري هائل على اساس قومي، " لأنهم كورد " !! ثم التغييرات الصاروخية التي تحدث في ايران و التي تسببت بسقوط الشاه . . و تستمر بلا حدود و لايُعرف الى اين !! كما كان يردد مع نفسه ؟! ..
و في الحقيقة كان حماس مام بيرووت ينطلق من مقارنته حركة البيشمركة في الستينات باسلحتهم البرنو و البرشوت القديمة و اسلحة الصيد . . . مع كميات السلاح التي تركت في المعسكرات الشاهنشاهية الموجودة بكثافة في ايران و خصوصاً في كوردستان الإيرانية، و التي كانت تُباع على الأرصفة بأسعار زهيدة غير معقولة و وصل قسم منها الى البيشمركة و جعل منهم " دولة " على حد وصف مام بيرووت، الذي عنى بذلك انهم ثبّتوا انفسهم في المنطقة الجبلية المحيطة  ...
   و فيما كانوا يأكلون من طاوة كبيرة احتوت على كمية كبيرة من البيض المقلي بالطماطة و الدهن، الذي طهي احتفاءً بهم لوجود طبيب و أمرأة سيلتحقان بالبيشمركةألأنصار .  .  .  كانوا يقطّعون الخبز من كومة كبيرة مبلله بالماء، من اقراصه الرقيقة الموضوعة في اناء واسع معمول من اغصان نحيفة مشدودة و مضفورة معاً  . . فيما استمر مام بيرووت باحاديثه الحماسية و المشجعة عن حياة الجبال و عن تعاطف الفلاحين و الرعيان مع الثورة !!
ثم اشار عليهم بأن يناموا بعد تناول الطعام، لأن الغروب يقترب و لأن القافلة التي سيخرجون معها الى الجبال البعيدة ستأتي بعد منتصف الليل و انها ستخترق الحدود ، و بعدما قال انهم سيذهبون راكبين على بغال . . تمتم صاحب في نفسه " في كل الأحوال البغال اقوى و افضل من الخيول في الجبال ، و اكثر اماناً لأنها لا تتزحلق على صخور الممرات الضيقة الشاهقة في الجبال الصخرية . . " كما كان يقول افراد النقليات الجبلية العسكرية التي تستخدم البغال عادة لأغراض التنقل، و عاشها اثناء خدمته العسكرية، حين كان لكل بغل كنيته و اضبارته العسكرية التي تتضمن حياته منذ تأريخ ولادته، وعادة ماتكون محفوظة عند البيطري العسكري المسؤول في الوحدة.
و رقدوا كلاّ في مكان ليتهيؤا لليلة القادمة . .
(يتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   ملازم محسن، بعثي من اصول فلسطينية خريج دورات البعث للقوات الخاصة، عمل في جبهة التحرير العربية البعثية و سحب منها الى دوائر الأمن العراقي، اشتهر بوحشيته السادية و حقده الشوفيني ضد الكورد و بقتله علناً و بيده عديد من الشباب المنتفض. و قد جرت عدة محاولات لأغتياله و جرح في احداها جروحاً بليغة، الاّ انها لم تنجح . رفّع في زمن الدكتاتورية الى رتبة عقيد، الاّ انه بقي مشتهراً كجلاد سادي، بأسم ملازم محسن .
2.   " تاراس بولبا " لغوغول، الرواية الإنسانية الشهيرة التي تتحدث عن القوزاق الروس في القرن السادس عشر، و عاداتهم و تقاليد الفروسية التي تمتعوا بها في السلم و الحرب، تتناول الإنسان و طموحه و الشجاعة و الجبن، الحب و الكراهية، الإخلاص و الخيانة . .
3.   لم تكن طارمة علوية، انما كانت المقدمة المفتوحة للطابق الأول العلوي للخان، حيث ان انور و صابري كانا يسكنان الطابق الأرضي، الذي يكون في العادة اوطأ من مستوى الأرض بنصف متر تقريباً، و يخصص للخزن و للحيوانات في العادة، الاّ ان العوائل الفقيرة كانت تنظف ذلك الطابق و تسكنه .
4.   دكتور حسان عاكف، طبيب و مناضل سياسي معروف، واكب الحياة الجماهيرية و السياسية و النضال السري بأعباء و مسؤوليات جسيمة، و واجه في سبيل قضية نضاله، السجن و التعذيب الهمجي القاسي و التشريد . . عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي .
5.   شذى البراك، صيدلانية . . مناضلة سياسية و اجتماعية في سبيل الحريات و حرية المرأة و حقوقها، خاضت في العمل السري من اجل اسقاط الدكتاتورية، القي القبض عليها و عذبت بوحشية و انقطعت اخبارها، و كشف عن اعدامها المدرج وفق وثائق الأمن العائدة للدكتاتورية بعد سقوطها . . 

هناك . . عند الحدود (3)
                              
د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net

   بعد منتصف الليل بقليل ايقظهم مام بيرووت، و طلب منهم ان يحضّروا انفسهم و ما يحملون جيداً، وان كلّ واحد منهم هو المسؤول عن سلامة اغراضه . . . فخرج الثلاثة مع مام بيرووت الى خارج المنزل ، و كان المجمّع مظلماً حيث قُطع عنه الكهرباء منذ شهرين . . لم تكن ليلة مقمرة و لكن السماء كانت فاتحة الزرقة ، و كان بأمكان كلّ من يسير على قدميه  رؤية المسافة المعقولة كي لا يضيّع اثر السائر امامه . و بعد ان قطعوا عدة طرقات سائرين باتجاه طرف المجمّع البعيد عن الطريق العام، الذي يطلّ على الجهة الجبلية . وقفوا في ظل مظلم لجدار اكثر ارتفاعاً من بقية جدران المساكن الواطئة، ينتظرون قدوم القافلة . . و كانوا منتبهين و على حذر من الدوريات و مفارز القوات الخاصة التي قد تمرّ، كما حذّرهم مام بيرووت اكثر من مرة . .   
   سمعوا جلبة مكتومة لراكبي حيوانات يتجمعون قرب موقعهم، و بدت الحيوانات محمّلة باحمال يجلس فوقها و بينها راكبيها . . لقد جاءت القافلة بعد منتصف الليل. بدت البغال للناظرين قوية و محمّلة احمالاً ثقيلة، ظهر منها صفائح ملصق عليها ماركات السمن النباتي " الراعي "، اعداد كبيرة من اطارات السيارات، اضافة الى احمال ثقيلة بدت تحت ضوء القمر ثابتة و ناتئة الى الأسفل من بين الحبال البلاستيكية المحكمة الشدّ .
كان على الثلاثة ان يركبوا الحيوانات التي حُمّلت باحمال مناسبة لتحمل راكبين، بل و جعلت الأحمال من ظهور الحيوانات اماكن صالحة للجلوس عليها بثبات، لأن الراكب عليها، و بسبب وعورة الطرق يمكن ان يتعرّض لخطر التزحلق من مكانه و السقوط من على ظهر الحيوان، كما شرح لهم مام بيرووت عن نوعية الطريق .
و عندما بدأوا بامتطاء الحيوانات، خافت فاضلة من ركوب الحيوان المعد لها، و بدا انه كان خوفاً داخلياً عندها، يمكن بسبب تجارب سابقة مرّت بها . و بعد محاولات فاشلة لركوب الحيوان، استطاعت امتطائه اخيراً بعد ان ضغطت على نفسها ضغطاً حقيقياً، ساعدها على الركوب مام بيرووت و عدد من سائسي الحيوانات ـ الكروانجية (1) ـ الذاهبين في القافلة، كلاً يمتطي حيوانه.
كانت فاضلة شابة جميلة رغم مسحة الحزن و الشرود التي بانت عليها آنذاك جراّء التعذيب . .  تذكّر صاحب كيف قابلها عدة مرات في سنوات سابقة ، في مقر جريدة " طريق الشعب " ، و كيف كانت ممتلئة بالحيوية و النشاط و رو ح النكتة التي كانت تزيدها جمالاً شرقياً متنوع المعاني، بتفاعله بحياتها النشيطة من اجل مستقبل افضل للجميع . و لاحظ بألم كيف بدا عليها الذبول و كيف خطّت القسوة و الآلام خطوطها على و جهها الذي تحوّل من وجه طفولي مرح يبعث على البهجة و التفاؤل . . الى وجه قاس جامد الملامح، بعد شهور من الرعب و التعذيب شهدت عليه ابنية دائرة الأمن العامة في بغداد . كما بيّن ذلك على ملامح زوجها حسن و ان يشكل اقلّ .
بعد ان ركب الثلاثة الحيوانات التي خصصت لهم، ودّعهم مام بيرووت قائلاً بصوت خافت:     " اطمأنوا . . معكم اثنين من البيشمركة السريين لحمايتكم " (2) . . بقي الجميع ينتظرون و هم يمتطون حيواناتهم . . وكان صاحب ينتظر معهم و هو ساكت، بعد  ان صار الصمت يلفه اكثر من الكلام، بعد السنوات و شهورها الطويلة الأخيرة، التي وجد نفسه فيها انه يحتاج الآخرين، وانه صار لايلوي على شئ دون مساعدتهم، بعد ان كان هو مقصد المحتاجين سواء كطبيب او كسياسي بين اقرانه. و بقي صاحب يردد مع نفسه :
ـ ماذا ينتظرون ؟
   فجأة ظهر رجل راكب على بغل ظاهر القوة محمّلاً و يسير على مهل و ثبات ، بدون ان يُحدث ضجيجاً  .  .  و بظهوره صمت الجميع فيما همس احدهم " انه الأعور " !
و بدون اية مقدمات و لامناقشات ، اخرج الأعور اثنين من القافلة و ضمّ آخر اتى خلفه، وسط صمت الجميع . .  و تبيّن انه هو الذي سيكون شيخ المجموعة او مسؤولها. كان الأعور رجلاً في الأربعين من العمر . . قويّ المحيا، يلف برقعاً على احدى عينيه، و كأنها مصابة او شوهاء . . و كان آمراً ناهياً بصياحه و لهجته القاطعة . .
ـ من لا يريد السير في هذا الطريق ، عليه ان يرجع و لا يلتحق بيّ !!
و كرر :
ـ هل سمعتم ؟ يأتي معي من يثق بي و يسمع كلامي فقط . . و البقية يرجعون ! . . اتبعوني !!
و فيما كان حسن يترجم ما يدور لصاحب ، ظهر واضحاً ان عدداً من المهربين مترددون و موقفهم لايمت بصلة لموقف الأعور القاطع الواضح . . كما لاحظ صاحب ان التردد بدأ يظهر على حسن ذاته الذي لا يعرف شيئاً عن طرق المنطقة ؟!
و فجأة . . !!
سطعت اضواء قوية لعدة بروجكتورات من جهة الشارع اضاءت المكان ، فيما اشار الأعور فوراً و بصوت طاغٍ مرتفع :
ـ لاتتحركوا . . ابقوا في اماكنكم !!
تحوّل الضوء عنهم الى جهة اخرى و تبيّن انه ضوء لسيارة جيب عسكرية كانت واقفة باتجاه مكانهم، ثم  مرّت باطراف المجمّع قاصدة نقطة سيطرة لاتبعد كثيراً عن مكان تجمعهم ، و توقفت هناك و كانوا يرون الإضاءة الحمراء للأنوار الخلفية للجيب الصغيرة و هي واقفة هناك .
   رتّب الأعور تسلسل الحيوانات بركّابها، واشار الى عدم التدخين نهائياً، و الى ان البدء سيكون بشكل حيوان خلف آخر و بهدوء حتى المرتفع القادم و وفق ما يعطيه من تعليمات بعد كل توقّف . . و فيما ابتدأت القافلة بالحركة ، لاحظ صاحب تردد حسن من تمتماته و من بقاء حيوانه ساكناً رغم ان الأعور صاح عليه بان يتحرك  . .
و فكّر صاحب سريعاً و قلبه يخفق بشدّة و هو يقترب من حسن بحيوانه " هذه هي لحظة القرار الحاسم . . اللحظة التي ستقرر بقائهم في جحيم الدكتاتورية و تحت نيرانها مختبئين لا يلوون على شئ، وبين الإنطلاق الى فضاء جديد للتصدي لها " . . فعاجل حيوان حسن بركلة من قدمه و هو يقترب منه من الخلف ،  كي يدفعه الى السير . . فبدأ بالسير فعلاً .   
   سارت القافلة . . مكوّنة من عشرة مهربين من اهالي المنطقة، و الثلاثة الغرباء الذاهبين الى مواقع البيشمركةالأنصار بحقائبهم الصغيرة التي حملت الضروريات من الملابس و ماتسنىّ من الأوراق الشخصية، الذين لم يكن احدا منهم يدري ـ او هكذا بدا عليهم ـ ماذا سيكون في استقبالهم، هل هناك حركة انصار فعلية ؟ ام تجمع لإنقاذ الملاحقين ؟ ام ماذا ؟؟ و لكنهم كانوا يشعرون بنسائم من الحريّة تفكّ قيودهم التي كبّلتهم بها الدكتاتورية . . و لو بقيادة الأعور حتى الآن ؟!!

   اشتهر الأعور بكونه من اكثر المهربين جرأة و مغامرة في المنطقة . . في بقعة واسعة ـ من بقاع حدودية متنوعة ـ شهدت معارك و حروب منذ عشرات السنين، و شهدت فقراً قاتلاً بسببها . . و اليها لجأ انواع المطاردون سواء من قبل الحكومة التي اصدرت عليهم احكاماً لأسباب متنوعة، او مطاردون من عشائر بعينها بسبب الثأر لقتيل او الثأر لقضايا شرف و نهب نساء .
   ولأن التهريب شكّل المصدر الأساسي ليس للثراء فحسب، و انما للعيش في تلك البقاع الجبلية التي عاشت على رعي الغنم و المواشي و انواع الدواب، وعاشت مذلة الحروب و التهجير و الحرق و التدمير بسبب انتمائها القومي . . حتى صار التهريب ليس مغامرة و تحدي فقط، و انما مهنة للعيش و مواجهة و مواصلة الحياة، رغم مخاطرها و مشاركة اطراف عديدة فيها ممن قست قلوبها، و اخرى تبحث عن الربح بأية و سيلة كانت . . 
من جهة أخرى فإن الحدود التي رُسمت بين بلدان المنطقة على طاولات المكاتب الأنيقة . . ادّت الى ان تمرّ في واقع الحياة و على الأرض بين العشائر، و ان تقسم عديداً من العشائر على الدول المتجاورة على طرفي حدودها، الاّ انها لم تستطع ابداً عزل اقسام تلك العشائر عن بعضها، و استمرت علاقات و روابط الدم و الزواج و الإرث و الثأر تربطها و تشدّها الى بعض مهما فرّقت حدود الدول بين اجزائها، بل و اخذت تلك الروابط تزداد قوة بسبب الشوق الذي اثاره انقسامها على دول متحاذية، و صارت الروابط تتصاعد بفعل السوق و الأرباح التي تتحقق من تبادل البضائع و البيع و الشراء، و معاملات السوق بين التعامل على طرفيها . .
و لجرأة الأعور و عمله الدؤوب الذي لايعرف الكلل، و رغم انه لم ينتم الى عشيرة من العشائر القوية في منطقة بشدر و انما لعائلة وضيعة لا اصول لها في عُرف العشائر، الاّ انه باستعداده الدائم لخدمة من يحتاجه مقابل عمولة او موقف يسنده . . استطاع ان يقوم بكثير من الخدمات لأكثر من عشيرة هناك على طرفي الحدود بعد ان كوّن صلات متشعبة مع اكثر من جهة، بعمولات دفعها الطرف المستفيد، سواء أكان الطرف المستفيد افراد عشائر او موظفي شرطة و كمارك، او ضباط عسكريين ممن يعملون هناك، اضافة الى مستشارين في قوات الفرسان الحكومية . . وبعد ان حقق ارباحاً كثيرة و ذاع صيته في المنطقة، اختطف امرأة جميلة من اغوات احدى عشائر المنطقة، عشقها و هامت به و تزوجا . . و بدأت مطاردات و مطاردات كلفته الكثير ..
حتى وجد نفسه ذات مساء مطوّقاً من مسلحين عائدين للأغا والد زوجته بقيادة اخيها وهم يصوبون بنادقهم صوبه، فسارع باطلاق النار على اخيها و تلقى من جهة اخرى شظايا صخرة اصابتها رصاصة اطلقها اخوها عليه . . فسقط اخوها مضرّجاً بدمائه قتيلاً في مكانه، بينما اصابت الشظايا عين الأعور اليمنى الذي رمى بنفسه الى الوادي متدحرجاً و وابل الرصاص منهمراً عليه . . و استطاع الإفلات بعينه المدماة التي فقد النظر بها، حتى وصل بصعوبة كبيرة الى حيث كانت زوجته مختبئة، ثم هربا معاً الى الجانب الإيراني ليحتمي دخيلاً عند عشيرة تعرفه فمنحته حمايتها و عاش في قرية من قراها وكوّن عائلة بعد ان رزق باطفال من زوجته
و واصل اعمال التهريب و صار مهرباً معروفاً غنياً للسلاح و العتاد . . الاّ انه لم يستطع التخلي عن مغامراته الشخصية في التهريب، التي اعتمد فيها في سعيه بالذهاب منفرداً لعقد صفقات او توثيق علاقات عمل او استطلاع . . فخوراً بلقب " الأعور" كلقب يدل على التحدي و مواجهة الصعاب .
.  .  .  .
.  .  .  .
كانت القافلة تسير بقيادة الأعور . . فكانت تسرع حيناً و تبطئ احياناً و تنتظر في عدد من الأماكن التي تسبق السير في سهول و وديان واسعة محاطة بربايا عسكرية او ربايا للجاش (3)، او كانت القافلة تقف حسب اوامر الأعور و وفق ما اظهرته نتائج اتصالات و محادثات سريعة كان يجريها مع رعيان مستقرين بقطعانهم في ذلك الليل، على مسافة من مكان توقّف القافلة، و قرب مواقع و نقاط عسكرية او ربايا محيطة من التي تسيطر على المنطقة بشكل محكم . . حيث بنيت كل ربيئة عسكرية في العادة، في مكان يجعلها تسيطر على مواقع مترامية الأطراف من السهول و الوديان الفسيحة باتجاهات متنوعة تحيط بموقعها . .
و كان للمرور او العبور في بعض المناطق مخاطره الكبيرة، لأن القافلة كانت تضطر بسبب وعورة الطرق و مشاقها الى المرور امام بعض الربايا العسكرية و في مواجهتها ، بل و تحت رحمتها، بعد انتظار كان يطول في العادة و احياناً بعد لقاءات مع رجال كانوا يأتون اليه بعد ان يصفر بفمه صفير طائر ليلي  .  . 
و لم يفهم صاحب لماذا لاتقصفهم الربايا و ترمي عليهم و هم يمروّن قربها . . هل هي صديقة ؟ أم لديها اوامر بذلك ؟ اوامر بان يغضّوا النظر مثلاً عن الهاربين من جحيم العراق آنذاك، ليخلصوا نهائياً منهم . .  حيث ان مرورهم البطئ و هم سائرين على طرق شديدة الوعورة، كان يمكن قطع تلك الطرق و قتلهم بسهولة كافية لو ارادوا كما فكّر صاحب، الذي تصوّر انهم وحدهم من يقطع تلك الطرق، الى ان انتهى تصوّره ذلك بعد ان سمع ضجة خابية و لمح وجود مجاميع اخرى ذاهبة او آتية مرّت قربهم . . 
و قد فهم بعد ذلك ان انتظارهم الطويل ذلك، كان بسبب ضرورة انتظار الأعور لظهور اشارات متفق عليها من السابق . . و كانت الإشارات المتفق عليها متنوعة وفق الحاجات، كنار بعيدة او رشقة رصاص او اكثر من اطلاقات كلاشنكوف خطاط تضئ في الهواء بلون متفق عليه !
اضافة الى ما فهمه من شروحات سابقة لانور، بان الربايا ليست مستعدة دائما للرمي و ان منتسبيها سواء كانوا عسكريين او جاش، يخافون من الخدع التي قد تحصل بسبب ضجيج مفتعل لإثارة انتباههم كي يخرجوا من مكمنهم، و يقعوا في كمائن مهاجمين من جهة اخرى، و يتعرضون بذلك لعمليات انتقام من قبل من يستهدفون الربايا و افرادها خاصة و انهم في منطقة معزولة . و ترمي بعض الربايا رشقات من رصاص مضئ خطاط (4) في الهواء بين حين و آخر، مشيرة بذلك الى استعدادها لأي طارئ، تنفيذاً لأوامر ما تأتيها من اعلى وفق  توقيتات لحالات طوارئ توضح عادة ببرقيات لاسلكية مرسلة الى آمرها المقيم فيها مع افراده . .
اضافة الى ان عدداً من الربايا تحمي نفسها ليس بزرع الألغام حولها فحسب، و انما بارسال افراد منها لعمل كمائن في محيطها الخارجي . . وفق واجبات معينة تأتيها كأوامر تتغيّر من وقت لآخر من جهاتها الأعلى وفق اخباريات سرية، لأغراض مباغتة  و ابادة من يتجرأ على المس بأمنها و سلامتها من الخارج . . خاصة الربايا القائمة في اماكن مأهولة اهلها معادون للحكومة، و مايثيره ذلك من قلق و خوف بين الجنود و المرتزقة العسكريين لئلا يُصطادوا عند الإجازات . . الخلاصة ان الخط العام للربايا العسكرية النظامية هو عدم اثارة مشاكل في غنى عنها مع العشائر الكوردية ، عدا مايجري في حالات الإنذار عند وردود انباء عن تحركات مريبة للبيشمركة . . التي عادة ما تتم بوجود و اسناد قطعات عسكرية كبيرة . .
و بمرور السنين و الأحداث تعقّد تركيب ربايا الجاش، و صارت مهنة الجاش لها مسوغات متنوعة، و تقسّم الجاش الى جاش اصلي و غير اصلي (5)، و كذلك رباياهم فهناك ربايا متشددة يصعب التعامل معها الاّ بالقتال و خاصة ممن كان منتسبوها قد استقدموا للقيام بعمليات تأديب و انتقام من عشائر بعينها . . و ربايا اخرى متنوعة يمكن التفاهم معها سواء سياسياً او عسكرياً او تجارياً . و هم في العادة مستعدون للقيام باعمال غير مشروعة متنوعة، كغض النظر عن قوافل التهريب، او القيام باعمال حماية المهربين ، مقابل حصص مجزية من الارباح . .
فكانت عمليات التهريب و المرور في المناطق الحرام (6) بأمان و سلامة، لاتتم الاّ من خلال علاقات خاصة مع افراد او اوساط عشائرية و موظفين حكوميين في المنطقة، يتقاضون حصصهم من ارباحها في العادة . . خاصة وان التهريب مهنة متوارثة لعوائل امتهنتها طوال حياتها و اورثتها لأبنائها، كمهنة امّنت لها حياتها. اضافة الى ما حققه المتنفذون فيها من ارباح هائلة، ترك قسم منهم بعدئذ مناطق الحدود . . و لم يستطع القسم الأكبر ترك المنطقة و لاترك مهنة المغامرة حتى بعد تهجيرهم و عوائلهم، و حرق و تدمير قراهم، بسبب سياسات الحكومات المعادية للكورد .  . 
لقد خلقت الحروب و السياسات العنصرية العرقية التي اعتمدت على حرق و تهجير القرى بعد نهبها . . خلقت في تلك المناطق الحدودية اجيالاً لم تعرف الإستقرار لأنها لم تعشه، اجيالاً عاشت على  المغامرة التي عا

40
المنبر الحر / هناك . . عند الحدود
« في: 21:08 04/05/2014  »
هناك . . عند الحدود
               
د. مهند البراك

ينشر الكاتب في سلسلته الروائية هذه على النت . . كتابه الروائي " هناك . . عند الحدود " ، و هو الكتاب الثالث عن حياة البيشمركةالانصار ( انصار الحزب الشيوعي العراقي ) في زمن النضال ضد الدكتاتورية . . من اجل اسقاطها و من اجل الديمقراطية للعراق و الفدرالية لكوردستان العراق . .
التي ستنشر في المواقع الألكترونية " الحوار المتمدن " ، " عنكاوا كوم " و " ينابيع العراق " موقع البيشمركةالأنصار متمنياً ان تضيف للقارئ جديداً في التعرف على بلده و نضالات شعبه بكل قومياته و اديانه، و يشكّل تواصلاً لإدامة و نشر صفحات من تأريخ الأنصار الشجعان . .



هناك .  .  عند الحـــدود 
 
ـ من يوميات طبيب مع البيشمه ركةالأنصار ـ
                                         

                
                                                                                                                       د. مهند البراك


                                    ( حقوق الطبع محفوظة للمؤلف )

   

                 


"  المقدمة  "

"  انه عالم الحدود . . فالحدود ليست خطوط و عوازل و علامات . . انها مناطق حكم و حياة كاملة، انها ملاذٌ و خلاص و موت ومخاطر وتهريب و . . نشوء لجديد "

   أدىّ تقسيم كوردستان وسياسة الحديد والنار التي استمرّت تمارسها سلطات الدول المتجاورة ضد الكورد ومطالبهم العادلة، منذ ان رُسِمت حدود دول المنطقة . . و ادّت بتلك السياسة و بنزاعاتها العسكرية و حروبها بينها، الى تعميق واقع صعب عاشته و تعيشه مناطق الحدود في كوردستان، ككل المناطق البعيدة والعاصية على سيطرة الدولة القائمة في أغلب دول العالم، و منذ اقدم العصور. . الى واقع حرب و دمار متواصلين .
و اضافة الى الأهالي الساكنين في قرى مناطق الحدود . . التجأ المُطارَدون و المطرودون سواءً من قبل العشائر المقيمة في تخوم جهات الحدود، الى تلك المناطق. او كانوا مُطاردين من قبل السلطة، بسبب رفض الخدمة العسكرية او الهروب منها، لكونها لا تنسجم مع الخلق العشائري تأريخياً(1) . . ثم تتالت اسباب المطاردات بتطور القضية الكوردية و وصولها الى الإنتفاضات و الثورات ضد الحكومات التي ناصبت العداء للشعب الكوردي، و صارت مطاردات لأسباب عنصرية شوفينية و سياسية بعد ان لعبت الإنتفاضات الكوردية دوراً هاماً في ايقاظ الوعي الوطني و الإنساني في عموم البلدان التي احتوت على اجزاء من كوردستان . . 
   و اضافة الى ذلك، هناك مطاردات بسبب خصومات ومشاجرات حسب الولاءات العشائرية و في الصراع من اجل الزعامة أو بسبب عداوات ناشئة من الثأر او بسبب خروج عن تقاليد اجتماعية و اصول عشائرية (2) . . وقد تكون المطاردة او الطرد من مكان المعيشة الأصلي قد قامتا بسبب نزاع حاد على مُلكية ما او استخدام ارض ومراعٍ او مياه، الذي كثيراً ما يصل الى حد استعمال السلاح متسبباً في قتلى وجرحى ، مؤديا الى  عداوات مستديمة وكرّ وفرّ ومطاردة، تؤدي الى انتقال المُطارَدين وعوائلهم من اماكنهم الأصلية الى مناطق الحدود العاصية .
من جانب آخر فأن خط الحدود الذي رُسِم، قطّع عديد من العشائر الى أجزاء، كما في عشائر بشدر، منكور، برادوست، و عشائر مناطق بنجوين وحلبجة . .  وبرغم ذلك التقطيع فأن علاقات القربى والزواج وزيارة الشيوخ وكتاتيبهم وقبور الأولياء الصالحين للعشيرة في المناسبات والأعياد المقدسة، اضافة الى زيارات الأفراح والأحزان . . أستمرّت عبر الحدود كتعبير عن استمرار وحدة العشائر وقوتها رغم اجراءات المنع والأعتقال والضرب الذي يمارسه الشرطيون وجنود الدولتين المتجاورتين، والذي ادى برجال العشائر الى مواجهته بالسلاح و الى سقوط قتلى وجرحى (3).
من ناحية أخرى فقد ادىّ تكرار الأنتفاضات والمواجهات الدموية واعلان الثورة في سبيل الحقوق القومية ـ اضافة لكل ما تقدم ـ وعلى مدى عشرات السنين، الى بناء مئات و آلاف البيوت المتناثرة في الزوايا والوهاد العاصية، و الى نشوء قرى صغيرة اخذت تكبر وتكبر بزيادة القمع و استمرار مطاردات الثائرين الذين استقرّ قسم منهم في مواقع عاصٍية عند الحدود، ليستمرّوا في تأييد و دعم الثورة بمساعدتها وايواء محتاجيها.
و التجأ الثوار الى هناك، حيث شكّلت قرى الحدود و مناطقها مأوى و عوناً لتضميد الجراح و لتنظيم وحدات الثورة الكوردية المسلحة . . وحدات البيشمركةالأنصار، و لينظموا حياتها و تموينها و تسليحها، لتكون قواعد ينطلقون منها مجدداً نحو موطن الآباء و الأجداد . . و لتكون بالتالي ملجأ للقوى الثائرة مهما كانت قوميتها و دينها و اعتقادها، التي احتضنتها الثورة الكوردية و تفاعلت معها للنضال معاً من اجل الحرية و الديمقراطية و الحقوق الإنسانية العادلة . و يمر الكتاب على تأثير الإنتفاضات و الثورات الكوردية . . على استنهاض و تضامن اجزاء كوردستان رغم الحدود، عبر الكثير من العوامل القومية و البشرية و الإجتماعية و الطبقية و عبر انواع التفاعلات و الوسائل و الإرتباطات الموجودة اصلا بين اجزاء كوردستان، رغم وجود اختلافات ايضاً .
و عبر احداث متنوعة يشير الكتاب الى ان الإستقرار في تلك الأماكن لم يكن سهلاً ابداً (4)، حيث يتوجب اولاّ التأكد من حصانة موقع ما، وان يكون قريباً من مصدر ماء، وان يُتأكد من سلامته بوجه اخطار السيول وانهيار الثلوج و عوامل الطبيعة المتنوعة، اضافة الى خلوه من الحيوانات المفترسة كالذئاب (5) ، الدببة السمراء،الأفاعي السامة، العقارب و الحشرات السامة كالجارور(6)،  اضافة الى الخنازير البرية الوحشية التي قد تجرح وتقتل من يصادفها .
و عادة ما يُبنى البيت هناك بالحجر و الطين . . حيث بعد حفر الأساس، يتم البناء بالصخر والطين وتكون صخور الأركان الأربعة في العادة مستوية كبيرة وتُختار او تقطّع لتكون ذات زوايا قائمة وتتداخل في صخور الحائطين المتعامدين لتحفظ الزاوية من الأنهيار وقد تٌسند بقطع من جذوع أشجار البلوط و غيرها المنتشرة بكثرة في مناطق الحدود، حيث تُقطّع بشكل طولي وتوضع افقياً لأسناد الصخور ، وكذلك الحال في تكوين الباب و كوّة الشباك . و يُبنى السقف في العادة من عدد محدود من جذوع البلوط الطويلة بعد ان تُنظُف من الفروع الناشزة ، وتُمد بينها و بالتعامد عليها سيقان الأسبندار الأقل ثقلاً وتُملأ المسافات بأغصان البلوط مع اوراقها والتي تُدعى بـ "الجلو"، وبعد ان تٌداس وتُساوى ، يُرَشّ فوقها الرمل ويُدك بـ "الباكردان"(7) بأمراره فوقها مراّت عدة .
و اضافة للبيت الشتوي تختار العائلة في العادة موقعاً ثانياً للصيف لأنشاء الكبر(الكبرات)، التي تُشيّد في العادة بالجذوع والأغصان المورقة للسكن . ونظراً لأهمية قرب الماء لمكان السكن ، يلاحظ ان تجمّع البيوت قد ينتقل معاً شتاءً وصيفاً. وقد ادّت ظروف القتال والحرق والقصف الجوي والمدفعي ، ثم استخدام السمتيات المقاتلة والمدفعية الصاروخية الى ان تنتقل العوائل بنسائها واطفالها وشيوخها من موقع لآخر وتكوّن بذلك أكثر من مكان واحد للسكن لكل مجموعة، وصار المرء يجد  بيوتاً متروكة، كاملة ونظيفة . . احياناً بعدّتها و ذخيرتها المنزلية من الأثمار والحبوب الجافة وفيها ما ثَقل حمله من ادوات الطبخ والحطب، و تكون مغلقة الأبواب عادة بالأغصان وقطع الصخور .
و بمرور السنين واستقرار عدد من العوائل معاً، سواءً كانوا من قرية واحدة اصلاً أو اكثر، او من عشيرة واحدة أو أكثر ، تكوّنت قرى في المناطق الأكثر خطورة من الحدود واخذت تنشأ قرى جديدة في  مواقع القُرى التي دُمّرت و هُجّرت، من التي شملها اقامة الحزام الأمني وأجراءات الأرض المحروقة سيئة الصيت ، التي سُميّت بـ "الأرض الحرام" ، و يبقى اهاليها على صلة بأبناء عشائرهم الساكنين سواءً في القرى المحيطة التي لم تُحظَر، او في المجمعات السكنية في اطراف المدن القريبة التي رُحّلوا اليها عنوة من قبل السلطات .
ان عالم الحدود الذي يصفه هذا الكتاب الروائي عبر احداث واقعية توالت بتوالي سنوات و احداث و شخصيات و تفاصيل حياة يومية للبيشمركةالأنصار من مختلف القوميات و تفاصيل علاقتهم بالناس هناك، تعكس موروثا حضاريا و فولكلوراً شعبياً كوردياً مرّ به المؤلف و تفاعل معه، اضافة الى وصفه  لأعمال و علاقات و محطات لحياة و مصالح و اعمال تجارية موجودة تأريخياً و تستمر في العطاء. .
    فالتهريب مثلاً، الذي صار الشكل الوحيد للحصول على المواد الأساسية للغذاء و على وسائل مواجهة الحياة القاسية هناك، بسبب منع كل وسائل الحياة وفق قوانين الحظر الإداري، التي صارت فيها كل وسائل العيش ممنوعة و تعرّض صاحبها للقتل فوراً و دون سابق انذار لأنها ضمن " مناطق حزام الموت الأمني و قوانينه " . . فيما صار التهريب في عالمنا المعاصر شكلاً من اشكال التبادل الحر و الأسواق الحرة التي صارت تنتشر عملياً في بقاع العالم .
ان تناول المؤلف لوضع مناطق الحدود في كوردستان التي تجزّأت بفعل اقامة الحدود، من خلال حركة البيشمركةالأنصار . . هو شكل من اشكال عالم الحدود الذي لايشمل كوردستان فقط، و انما يشمل كل مناطق الحدود و خاصة تلك التي اصطنعت بالقوة، لحماية استثمارات الثروات الطبيعية كالنفط و الماس و اليورانيوم . . التي تختلف حياتها عن حياة مجتمعات داخل البلاد . .
من جهة اخرى و فيما يثير تعبير الحدود مشاعر كثيرة التنوع و التداخل تتراوح بين الرهبة و المجهول و بين الأمل و الفضول، بما تحويه من اسرار شكّلت عالماً للخارجين عن مكوّنات المجتمع في السابق . . الاّ فانه اخذ يتبادل الأدوار، ليصبح عالم الحدود ايضاً مصدراً من مصادر الجديد و عاملاً نشيطاً من عوامل تسهيل دخوله، بعد ان اقيمت الحدود و فرضت لتكون مناطق اعاقة و تحريم لنشوء و تكوّن و دخول الجديد
لقد فرضت صعوبة الحياة وقسوة السلطات الوحشية وغدرها اضافة لأخطار وازمات الطبيعة في تلك الأنحاء العاصية ، نمطاً عسكرياً شاقاً على حياة العائلة والأطفال ومعيلها، فكان لايخلو بيت من سلاح. ففيما يقتني الأهالي السلاح دفاعا عن النفس ضد هجمات القوات الحكومية، و دفاعاً عن انفسهم من الحيوانات المتوحشة، و لأجل توفير الغذاء بالصيد . . صاروا يتعايشون مع السلاح، حتى دخل قسم منهم عالم بيع و شراء الأسلحة و تصليحها و تصنيع عتادها محلياً . .
و لمواجهة تلك الحياة القاسية، لابد و ان يكون رب العائلة في العادة قوي الجسم ويجيد القتال، و لابد ان تتعوّد الزوجة على ان تعيش مع المخاطر، و تهديْ اطفالها وتحميهم . . و تعلّم الأطفال على مواجهة الموت بالصمت وليس بالصراخ ، و صارت حاجات الأسرة محدودة وقليلة وبالأمكان تركها بلا خسارة، والثمين منها يُعلّق تحت الملابس او في لفائف الرضّع كالصيغة الذهبية، او يُخاط بالملابس ان كان نقداً، او في حالات محدودة يوضع في صناديق معدنية ذات اقفال صغيرة متطورة يسهل الحصول عليها هناك . . و يُدفن بعيداً .
ولمواجهة تكاليف الحياة من اكل وشرب وملابس وأحذية ولتلبية حاجات الأطفال ونفقات الشيوخ ، اشتغل الرجال في تلك المناطق بنقل الحاجات والبضائع عبر الحدود ،التي تفصل هناك بين ثلاثة عوالم على الأقل . . هي تركيا وايران والعراق، اضافة الى سوريا . و يتميز كلّ منها بمنتوجاته المرغوبة في السوق المجاور لتقارب الأذواق وتهاود الأسعار على التبادل . وهكذا ترسّخت مهنة "الكاروانجي" اي المحملجي السائس لحيوان، الشهيرة منذ فجر التأريخ ، فالحمّال هنا يحمل البضائع على حيوان، و عليه معرفة اسلوب سوقه والحفاظ على هدوءه ، وتحميله واطعامه والعناية به ، ان تعب او جرح او أُصيب بكسر أو مرض .
بممارسة هذه المهنة الخطرة والمجزية " التهريب " في مناطق الجبال ، اصبح عديد من الكاروانجية اصحاباً لحيوانات نقل، من حصان الى بغل وهو الأقوى والأصلح للحمل، اضافة الى الحمار الذي يستخدم للمسافات القريبة والأمينة ولتنقل الأهالي ذاتهم . هكذا اصبح البغل رأسمالاً جيداً لتحقيق ارباح ليست قليلة. اخذت المهنة تتزايد مع تزايد الطلب على الأرزاق في المناطق التي تتسع دائرة تضررها بسبب الحرب ضد الكورد، والثورة الكوردية . . . ثم الحرب !!
و قد أدّت الحاجة من ناحية، والتعطّش الى تحقيق أرباح أكبر من ناحية اخرى، الى بروز دور الرجال الأقوياء بدنياً، والذين يجيدون استخدام السلاح لمقاومة قطاع الطرق، اضافة الى تزايد الدور الهام للأدلاء الذين يعرفون المسالك الجبلية الوعرة والقصيرة والأمينة والتي كانت اسراراً لايُباح بها الاّ للعائلة وللأقربين، لضمان السلامة ولديمومة المتاجرة و الربح .
و فيما تتناول ذكريات أهالي وشيوخ قرى منطقة "بالك"(بالكيان) المحيطة بـ "رواندوز"، والغنية بأنواع الجوز الفاخر ، كقرى "دولي ملكان" ، "دره دار" ، "ورتي" ، "بشت ئاشان" ، "قرناقو"، كيف كانت اثمارهم تجهّز مصانع "صابون حلب" الشهيرة ، وكيف كان عدد من اصحاب تلك الأشجار و الكروانجية يقطعون تلك الممرات الجبلية ويختصروها بالمرور عبر المخاطر في سفرات تستغرق وقتا اقصر . . وكيف كان كروانجية المنطقة وادلاّء الطرق يلعبون دوراً هاما وخطيراً في نقل البضائع الى ايران وتركيا ايضاً غير عابئين لا بالدولة و لا بالحدود ، و كيف لعبوا ذات الدور لخدمة الأنتفاضات والثورات الكردية وتلبية حاجاتها الى السلاح والطعام والملابس ، و كيف انقطعت اخبار بعضهم وتبين بعد ذاك انهم استقروا في حلب او في ايران .
وتتناول أحاديث شيوخ وعجائز قرى الحدود الممتدة من المثلث الحدودي التركي ـ الأيراني ـ العراقي الى طول الحدود العراقية الأيرانية المستمرة جنوباً ، روايات مشوّقة عن سفرهم للحج ومشاق السفر وقصص السراّق وقطاع الطرق وكيف ان الباري قد وفّقهم بتأمين سلامتهم ذهاباً واياباً بعد ان دفعوا الخاوات . ولدى السؤال عن الجوازات ووثائق السفر، يبحلقون في وجه السائل وعلامات الأستفهام شاخصة في العيون، اية وثائق تعني ؟  كانت الوثائق لاتعني شيئاً ، ملكية كانت ام جمهورية ، لقد سافروا واستراحوا وقضوّا الليالي في قرى الشريط الحدودي على طوله ، وحجّوا وعادوا حجاّجا والسلام .
و فيما استمرّت رحلات الحج تلك حتى بعد ان تغيّرت الأتجاهات في المناطق التي شملتها الحرب العراقية ـ الأيرانية ، فهي تارة خلف خط الجبهة العراقية واخرى خلف خط الجبهة الأيرانية ، ولم تتوقّف ابداً ، الاّ ان الخاوات ازدادت . . بقي الكورد كما هم على طرفي الحدود . . بطيبتهم و ثوريتهم و افراحهم و مسراتهم و أحزانهم

                           د. مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   لإنتماء الفرد لعشيرته التي تأويه وتحافظ عليه، و التي اليها يعود ولائه القومي والديني والأجتماعي و الأخلاقي، فيصعب عليه طاعة الدولة والأمر العسكري
2.   كاختطاف أمرأة صعب الأقتران بها لسبب عائلي او عشائري أو ديني فاختطفت بغرض الزواج  ليعيش الزوجان بعد ان يعقدا قرانهما، في تلك الأماكن الى ان تعفي العائلة عنهما، فيعودا بعدئذ الى مرابعها (العشيرة) ، بعد ان يُعلَما بواسطة سعاة خير ان الأسرة منحتهما عفوها وعطفها لقاء واجبات الأحترام والمصاهرة . . وان لم تعف عنهما، فأنهما يستقراّن في موقعهما الجديد الحدودي البعيد . . فيما اعتبر عدد من العشائر الإختطاف ـ ان نضجت البنت وبانت كأمرأة ـ لأجل الزواج،  رمزاً للشجاعة والرجولة والحب، وللإستعداد للتضحية والأخلاص، كعشائر منكور و قسم من عشائر بشدر. 
3.   ان اصرار ابناء قسم العشيرة على زيارة القسم الآخر ، ادى بسلطات الجانبين الى ان تسمح بالعبور بوثيقة عدم تعرّض محلى ، الذيّ كان يُلغى بدوره أغلب السنين بدعوى حفظ وصيانة الحدود الى ان انتهى بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 .
4.   لقد اتبع البيشمه ركة (الأنصار) نفس القواعد في بناء مقراّتهم الأولى .
5.   تبتعد الذئاب في العادة من مواقع الكلاب ونباحها ، لذا يحرص كثيرون على اقتناء كلب الذي يصبح صديقاً مهماً لحماية العائلة، وكثيراً ما حصل شجار و تراشق بالسلاح بسبب مقتل كلب .
6.   يكثر بكثافة في منطقة "عربت"، تؤدي لسعته الى اسهال وتقيؤ شديدين وارتفاع درجة الحرارة مؤديَاً الى وفاة المصاب .
7.   الباكردان . . يكون في العادة عبارة عن صخرة اسطوانية مختارة بعناية، او صخرة جرى نحتها و تشذيبها لتكون اسطوانية، تُرتّب عليها خشبة تُمكّن من سحبها او دفعها كعجلة لدّك سقف البناء لجعله متراصاً لايسمح بخرير الماء منه عند المطر .




41
ما معنى الإنتخابات و الى اين ؟
                              د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net
   
تتفق الاوساط القانونية و السياسية و الإجتماعية الدولية و غيرها، على ان الإنتخابات تعني تجديد السلطة الحاكمة ـ الحكومة ـ بعد دورة انتخابية، لصالح المنفعة العامة لأوسع القطاعات الشعبية في البلاد و خاصة الأوساط الكادحة، بعد ان جُرّبت تلك الحكومة خلال سنوات حكمها التي يحدد الدستور مدّة دورتها. و على اساس التبادل السلمي للسلطة من خلال تنافس القوى و الأحزاب السياسية الناشطة في اطار دستور البلاد الذي جرى التصويت عليه .
و في وضع البلاد الذي لم يعد خافياً لا على الجماهير الشعبية و لا على الاحزاب السياسية، بسبب معاناة الجميع من الارهاب و الصراع الدموي الطائفي و من التهديد به و معاناتها من عدم الاستقرار، و بسبب تزايد معدلات البطالة و البطالة المقنّعة، و تزايد معدلات الفقر و وصولها الى اكثر من 6 ملايين نسمة يعيشون دون خط الفقر . . . رغم تزايد معدلات الدخل لأوساط ذات دور اجتماعي و ثقافي .    
اضافة الى الدور السئ لحكومات دول الجوار، الدور الذي لم يخرج عن اطار مصالحها و منافعها الضيّقة و الانانية، و لا عن اطار محاولة استغلال البلاد كسوق لتصريف منتجاتها، او محاولة تكبيلها و جعلها دولة تابعة لها، وفق ابرز وكالات الانباء العالمية . . و الاخطر من ذلك، محاولاتها التخلص من ارهابيي معارضاتها الداخلية، بدفعهم الى العراق و تسهيل وصولهم اليه، مستفيدين و مطوّرين تجاربهم السابقة بتخلّصهم منهم في اعوام الاحتلال السوفيتي لأفغانستان ، بواجهات العفو السياسي و الجنائي عنهم و بدعم النضال المنافق لحماية الدين ؟؟
الامر الذي جعل مصير البلاد متعلّق بمواقف قوى خارجية و صراعاتها، الذي لم يقدّر مخاطره حتى رجال بارزون في العمل السياسي اليوم، حيث تفاجأ عديد  منهم على حد قولهم بلقاء مبعوث الخارجية الاميركي بريت ماكورك و الجنرال الايراني قاسم سليماني الساعي لولاية ثالثة للمالكي، و الدور النشيط للسفير الاميركي في بغداد للقاء بالقوى الكبيرة خاصة .  .  لتقرير مصير البلاد و تضبيط سير الامور فيها بما لايخرج عن تحقيق مصالحهم، او توافق تلك المصالح في ثاني بلد في العالم في انتاجه النفطي، الذي يملأ متسوّلوه الشوارع و ينتظرون من القادر القدير و من "المنتظر"، الإنصاف و العدل، و هم لا يدركون الى الآن انهم هم الذين يستطيعون بصناديق الاقتراع ـ ان توفرت انتخابات نزيهة و وعي ـ . . تقرير مصير الحكومة القائمة ( حكومة الحرامية ) و الإتيان بحكومة نزيهة تعمل لصالح الشعب بالوان طيفه القومي و الديني و الطائفي، حيث تواصل الحكومة القائمة اهمال اشباعهم و امانهم و توعيتهم عملياً و فكرياً . .   
فيما ينشغل المتنفذون بالسرقات و اللغف المنقطع النظير و ترتيب صراعات و انشغالات ابناء البلاد بنهش بعضهم البعض و بالبكاء على دولة صاروا يعيشون في اطلالها، وغيرها من الاساليب التي يسعى اليها عدد غير قليل من متنفذين في الحكم لضمان كراسيهم . . في اجواء التهديدات المتنوعة لرئيس الحكومة، التي قد لا تعي مفرداتها الجماهير الفقيرة الواسعة، و لاتعي مخاطرها من رجل فرد صعد بغفلة الظروف و الاحتلال و اشعال الصراع الطائفي، و عمل بكل دأب بمساعدة العائلة و الاقارب على تجميع السلطات بيده لوحده، ضارباً الدستور و البرلمان و وعوده هو ـ حتى لحزبه و قائمته ـ عرض الحائط، و موظفاً الحالة العامة للطبقة السياسية الحاكمة لإدامة كرسيه . . الطبقة السياسية التي امتلئت بلاعبين على حبال الطائفية و على تخزين اكبر مايمكنهم من الاموال في فرصة حكمهم الذهبية، لهم و لعوائلهم و ذويهم . .
   و يتساءل كثيرون عن ما معنى الانتخابات و محاولات الاتفاق او فرضه او بإغراءاته، التي تجري على قدم و ساق لإدامة كرسي القائد العام، قبل الانتخابات لتوصيل فلان و قائمته و قطع الطريق على فلان و قائمته، او اخراج فلان و فلان من قائمته . . لصالح القائد العام اللاعب حتى على برنامجه الانتخابي هو، كما شهدت دورات حكمه حتى الآن . . حتى صارت شعارات (الديمقراطية)، ( التغيير ) مهازل تنشدها كل الاطراف الحاكمة، سواء الظالمة منها او المضغوط على طرفها.
بل و مزّق افراد من تلك الاطراف، باجراءاتهم و سلوكهم و هرّءوا شعارات " المنتظر " و " المظلومية التاريخية " بعد ان استخدموها كغطاء لممارسة حكمهم الظالم الذي صارت تأنّ منه اوسع الاوساط الشيعية باعتبارها الغالبية العربية في البلاد ـ فيما لم تكن مواقف الاطراف السنيّة الحاكمة او المتنفذة باشكال وسائلها بأحسن منها ـ . . الامر الذي ادىّ الى استنكار المراجع الشيعية العليا علناً لذلك (1) و تسبب بتمزّق "التحالف الشيعي" (2) بضغوط المصالح الانانية التي تعجّ بها القوى المتنفذة التي جعلت من سرقات الصغار نكات للظرافة و التهكّم المؤلم . .
   لقد وظّفت الاوساط الحاكمة النقص الواضح و خلو البلد من علمائه و اخصائييه، بسبب الصراع الدموي الطائفي و الاضطهاد الديني و السياسي، لجعل السلب و النهب هو الحل . . الأمر الذي اضاع حتى العقلانية بين اوساط كبيرة كما تتناقل وكالات انباء محايدة، و اوقع صفة ( حكومة الحرامية) على الاطراف المتنفذة الحاكمة و تسبب باستنتاجات و قناعات في الشارع لاتؤدي الاّ الى الضياع اكثر . . كاستنتاج اذا كان الحرامي " شحاذ وقح " فلا تتطلب الاّ القوة لازاحته من الطريق . . و السؤال هنا اية قوة ممكنة في ظروف البلاد غير قوّة القانون و القضاء المحايد النزيه ؟؟ الذي تحاربه حكومة القائد العام القائمة بكل قوّتها .
   من جانب آخر تظهر افكار تدعو الى : ان فشلت كل الطرق لماذا لا يعلن الكفاح المسلح و لكن لايُعرف من مَنْ و ضدّ منْ و من سيربح منه . . و هي وليدة ما يمارسه الطائفيون المتطرفون من كل الاتجاهات و المذاهب . . الذي صار يهدد به مسؤولون حكوميون بملئ افواههم و يصفوه بتهديداتهم بامكانيتهم على اشعال الحرب الاهلية ـ ان لمْ و لمْ ـ . . الحرب التي تحوم اشباحها على البلاد !!! على حد قولهم .
   و مما تقدّم تزداد المطالبة بانتخاب قوائم التحالف المدني الديمقراطي التي تضمّ وجوهاً عرفت بنزاهتها و بنضالها ضد الدكتاتورية و من اجل الديمقراطية الحقة و الحكم المدني الدستوري البرلماني، و السعي الى ان تلعب دوراً اكبر في حياة البلاد !

22 / 4 / 2014 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع مواقف آية الله العظمى علي السيستاني، و كبار مجتهدي الخط الصدري و المجلس الاعلى الإسلامي . .
2.   الامر الذي تكرر بنفس الشكل في الجانب الطائفي السنّي .



42
" ثمانون عاما من اجل قضيتنا الوطنية . . "

                              
د. مهند البراك

   تمرّ في 31 آذار الجاري الذكرى العطرة الثمانون لولادة الحزب الشيوعي العراقي مدرسة الوطنية و التضحية في سبيل الشعب و كادحيه.  لم يكن تأسيس الحزب في 31 آذار 1934 حدثاً طارئاً او عرضياً في مسيرة حياة و نضال شعبنا العراقي من اجل قضيته الوطنية، وانما حدثاً وُلد من واقع البلاد (1) و اسفر عن ظهور ركناً وطنياً ثابتاً قائماً على اساس الفكر والديالكتيك العلمي الساعي لتحشيد اوسع الطاقات والفئات الشعبية من كل الوان الطيف العراقي وخاصة الكادحة منها، و لتركيز قوة فعلها على مطالب مرحلية من حقوقها . . شكّلت و تشكّل تلبيتها ـ اضافة الى تحقيق عيش افضل ـ ، الأنتقال الى مرحلة اعلى على طريق حل واقعي عادل للقضية الوطنية العراقية، على اساس الدولة المدنية الدمقراطية للشعب العراقي بمكوناته، بطريق تحقيق عدالة اجتماعية.
   لقد سجّل الحزب في نشاطه العملي واستجاب للواقع العراقي في ارساء اساس رائد في صياغة معالم الهوية الوطنية على اساس التنوع والتفاعل والتناغم والألفة والحداثة، وصولاً الى العمل من اجل عراق برلماني فدرالي تعددي موحد، ضمّ ويضم في صفوفه وعقده وقياداته على طول مسيرته الشاقة، مناضلين من كلّ مكونات الطيف العراقي نساءً ورجالاً، سعياً الى ايجاد معالم طريق اجدى لحل ازمات ومعاناة الطبقات والفئات الكادحة والمسحوقة . . .
   وقدّم من اجل تحقيق تلك الأهداف الوطنية، جحافل الشهداء على مرّ السنين والى اليوم، من كل انواع الطيف العراقي الأثني والقومي والديني والطوائفي، وفي مقدمتهم قائده ومؤسسه يوسف سلمان يوسف " فهد " الذي لعب الدور الرائد في بناء الحزب و نشاطه و نبضه، القائد الذي كان له اوسع رصيد شعبي وطني و سياسي و حزبي، و الذي رصدته الدوائر العليا في الغرب آنذاك (2)، حتى اعتقلته سلطات العهد الملكي و أُعدمته و رفيقيه القائدين . . الشهيد البارز سلام عادل سكرتير عام الحزب، العربي الشيعي المذهب، و اعضاء قيادته البارزين منهم جمال الحيدري، الكردي القومية السّنيّ، ابو العيس، وهبي، العبلي، شريف و العشرات و المئات من قادته و كوادره و وجوهه على اختلاف اطياف مكوّناتهم، من شهداء انقلاب شباط الاسود .
   وفيما اضاف الحزب الى علمانيته، بعدها الشعبي وماهية ومدى تبني مفرداتها من قبل اوسع الأوساط .  .  مسجلاً في ذلك سبقاً واضحاً في دعم ابرز المطالب الوطنية لأوسع الجماهير الشعبية ومطالب المجتمع المدني، كما في السعي لأجل الحريات الديمقراطية ومن اجل حكم برلماني فدرالي وطني موحد على اساس الهوية الوطنية، كضمان ثابت للقضية الكردية و لحقوق الأقليات القومية والدينية، واعتبارها اساساً لقضية الديمقراطية في العراق، اضافة الى نضاله الرائد من اجل حقوق المرأة، الشباب وديمقراطية التعليم، ومن اجل مكافحة البطالة والقضاء على الأمية .
   فأنه و طيلة تأريخه احترم الأديان وصان المقدسات، وتعامل مع القضية الدينية و المذهبية من زاوية الرؤية التي دعى اليها روادها الأوائل واللاحقين ممن انتصروا للحق و لقضية الفقير والضعيف، بالفعل لابالقول و لا بالشعارات لوحدها .  .  مجسداً ربط الفكر العلمي والنظرية بحركة وتحشيد اوسع الجماهير ذات المصلحة بالتغيير لأنجاحه و من اجل غد افضل لجميع العراقيين  .  .
   ورغم انواع المحن والمشاق التي اثخنته بالجراح والتي تتواصل الى اليوم، في سعي محموم لمحاولة تحجيمه او اخراجه من ساحة النضال الوطني، و محاولة القضاء عليه وعلى مدرسته الفكرية وتأثيره،  يواصل الحزب نشاطاً ثابتاً من اجل اهدافه الوطنية، من اجل الخبز والحرية والأمان، و يسعى قادته و كوادره و مفكروه الى تطوير فكره على اساس الواقعية العملية و على اساس منهجه المادي الديالكتيكي الجدلي من اجل تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية و رفاهية الانسان مادياً و روحياً، على درب مجتمع ديمقراطي فدرالي دستوري موحد.
في ظروف تزداد مشقة وتعقيداً، بعد ان تكالبت على البلاد منذ مايقارب الأربعين عاماً، حكومات عسكرية و دكتاتورية دموية اوصلت البلاد الى طريق سدّ الباب امام ابسط تغيير سلمي، التي اوصلت الى الحروب والحصار والدمار وتشويه المجتمع و الإنسان، وبالتالي الى الأحتلال والأرهاب، ثم الى الفساد الأداري و السرقات و انواع فنون الدجل لتحقيق الارباح الانانية.
   و الى ظروف التصعيد و التصاعد الخطير غير المسبوق في تأريخ البلاد الحديث للفكر الطائفي، الذي اضافة الى مخاطره في شقّ وتمزيق المجتمع، مخاطر طابعه الداخلي المسلح العنيف المستهتر بكل القيم، وترابطه الأقليمي والدولي ولعبهما عليه وتشجيعهما ايّاه من اجل مصالح ستراتيجية ونفطية وعسكرية و اخرى، لامصلحة وطنية فيها.
   في ظروف دولية استمرّت و ادّت الى تزايد تباعد مجتمعاتنا العربية والشرق اوسطية وانظمتها، عن ركب الحضارة الانسانية و تسببت بانغلاقها على حالها .  .  و الى تزايد الميل نحو الجدب والجفاف في علاقات الغرب مع المنطقة وبالتالي تأثير ذلك على علاقات دول ومجتمعات المنطقة بعضها ببعض، الذي يهدد بتفاقم اخطر ـ ان لم يجري الأنتباه و وضع حلول له ـ تفاقم قد يصل الى طابع من الغطرسة والعنف والعسكرتاريا، بدل دور الأشعاع الحضاري السلمي والتلاقح الأنساني الذي ساد في عصور ومراحل سابقة .  .  الأمر الذي قد يفاقم من عزلة المنطقة بالمفهوم الواسع، ويصعّد الأرهاب والعنف فيها ويزيد من عوامل رفض التحديث والأنفتاح والتمدن فيها، وزيادة الصراع على تحقيق ارباح همجية وزيادة النهب ومخاطر تزايد ذهنية النهب والسطو والأنانية .
   و الذي ادخل القضية الوطنية العراقية ( كالقضايا الوطنية الداخلية للبلدان ذات الأهميات الستراتيجية ) في مرحلتنا التاريخية الأكثر تعقيداً مما مضى، و التي تتصف بتفاعل المكونات الوطنية الداخلية كل على حدة، مع اطراف ومكونات صراع القوى على المستويين الأقليمي والدولي .  .  الامر الذي جعل من القضية الوطنية العراقية، وعلى خلفية صراعات نصف القرن الأخير .  .  قضية اقليمية ودولية اخذت تفرض على المكونات الوطنية التعامل معها كل من جانبه، فيما يرى كثير من المراقبين الاهمية الاساسية هي التوصل الى توافق وطني موحد يعمل على التعامل مع العوامل الأقليمية والدولية ككيان عراقي واحد من اجل قضية وطنية واحدة تنشد الأستقلال والنمو وتقف ضد اخطار الحروب والعنف، لأجل انصاف الأنسان العراقي من مختلف الوان طيفه وحقه في الحياة والعيش الكريم، الذي نصّت عليه العهود والمواثيق الدولية المعمول بها.   
   وعلى تلك التعقيدات والمخاطر الجديدة، ينتظر كثيرون من الحزب وممن ينتمون اليه او الى فكره والى التيار الماركسي واليساري بالمفهوم الأعم، تحقيق درجة اعلى من التلاحم او التضامن لتفعيل دور التيار الديمقراطي المدني اكثر، بعد نجاح تجمّع تلك الاطراف بالنزول بقائمة مشتركة في الإنتخابات التشريعية القادمة، على طريق بذل الجهود لوضع حلول منصفة للقضية الوطنية العراقية. بالأتفاق و التوافق على الخطاب السياسي والتنسيق من موقع اليسار و الديمقراطية و الليبرالية و المدنية، من اجل عراق فدرالي برلماني تعددي موحد، على طريق رفض العنف و التبادل السلمي للسلطة على اساس الدستور، ومن اجل الأستقلال الوطني الناجز والتوصل الى جدولة المطالب، و الأستفادة واستخلاص تجربة السنوات العاصفة التي مضت، في مواجهة تهديدات تهدد بتصاعد، التي اذا انطلقت فانها ستزداد عصفاً و تدميراً. 
   ان الظروف الداخلية والأقليمية والدولية الكثيرة التشابك والتعقيد، والمسار الطائفي الدموي الذي يستمر تنادي حزب القضية الوطنية، وتنادي كل من تعز عليه القضية الوطنية وقضية الديمقراطية من موقع اليسار و المدنية، الى تحسين وتعزيز مواقع الحزب الموجود في الساحة الوطنية، الذي اثبت نزاهة افتقرت لها كثير من القوى والتجمعات في البلاد، والتفاعل او السير معه جنباً الى جنب والسعي لأيقاف التشظيّ والتمزّق و من اجل لمّ الصف .  . 
او السعي من اجل اشادة و تعزيز دور مرجعية مدنيّة اثبتت الاحداث الداخلية العنيفة ان البلاد بحاجة اليها  والى وجودها ونشاطها في الساحة الوطنية، تكون ذات بعد ونشاط شعبي اكثر تطوراً فيها ان صحّ التعبير .  .  بعد سنين قاسية اوضحت ماهية المجتمع والساحة السياسية في البلاد اليوم ، وماهية المكونات الفعلية لقوى اليسار فيها ومواطن القوة والضعف في خطابها ومدى وجودها الفعلي وفاعليتها رغم انواع التصريحات، واوضحت الفروق بين المكونات الفكرية وحلقات الأجتهاد الفكري ـ ان كان جاداً ـ وماهية درجات تأثيرها .  .  وبين المقومات الفعلية لتكوين حركة سياسية قادرة على الفعل تقتنع بها وتتبناها الجماهير وتعمل لتحقيق اهدافها في ساحات البلاد وفي واقعها القائم الآن و انطلاقاً منه .  . كما اثبتت وتثبت حركة الأحداث .
المجد للحزب الشيوعي العراقي في ذكرى تأسيسه الثمانين !

آذار / 2014 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)    اي انه لم يأتِ من الخارج، كما يحاول اتهامه و وصفه اعداؤه .
(2)    وقد وصفه وهو المسيحي الكلداني العراقي، وصفه ونستون تشرشل قائد الغرب في الحرب العالمية الثانية في مذكراته، بكونه "  .  .  السياسي الابرز في الشرق الأوسط، الذي كان قادراً على اتخاذ القرارات السياسية ذات التأثير الشعبي الأوسع في العراق، وكان صدى قرارات حزبه التي كان هو ورائها وفق معلوماتنا، تثير وتعبئ اوسع الأوساط الشعبية من مختلف التكوينات والطوائف العراقية في مواجهتنا . . "راجع (ونستون تشرشل ـ يوميات) الصادرة بجزئين عن مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر والترجمة ـ القاهرة ،  1966 / الجزء الثاني ـ فصل (الشرق الأوسط .  .  رجال السياسة في الحكم وفي المعارضة) .

43
الشعب بين حقوقه و بين تقاعد الرئاسات
د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net   
لم يعد ممكناً حجب حقائق الاحوال المتدهورة لغالبية ابناء الشعب العراقي، ولم تعد مجدية اجراءات اجهزة الرقابة الحكومية الرادعة بحق الصحفيين و الصحف و وسائل الإعلام، لم تعد مجدية في تغيير الحقائق، فاضافة الى التظاهرات الاحتجاجية و المطلبية اليومية التي تملأ الساحات العراقية من اقصاها الى اقصاها مطالبة بالحقوق في الخبز و الامان و الحرية، التي يكفلها الدستور و لوائح حقوق البشر في العالم اجمع . .
يتدهور الوضع الأمني سريعاً و بشكل مخيف رغم الإجراءات التي تعلن عنها الحكومة القائمة، التي صارت و كأنها في حكم العاجزة عن ايجاد حلول. و تتزايد تلك الحالة المأساوية تفاقماً مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في نهاية نيسان القادم، التي صارت تصعّد الخلافات الشخصية و الصراع المميت على الزعامة و المال و السلاح، موظفة لذلك الروح الطائفية المقيتة التي تتصاعد بشكل جنوني منذ اعتماد نظام المحاصصة كأساس للحكم.
من جهة اخرى، تتصاعد اخبار العراق المأساوية اليومية في الصحف و وكالات الأنباء العالمية و بشكل اخص في كبريات وسائل الإعلام العالمية. و تشير الى القلق الكبير مما يجري في العراق، الذي صار يتكرر و ينتشر و بشكل قد يكون اكثر ترويعاً في بلدان المنطقة و خاصة في سوريا، حيث تتصاعد الصراعات الطائفية الدموية و في مقدمتها صراعات القاعدة و داعش الارهابيتان . . التي تتوسع باضطراد و تهدد بالانتشار الى اوروبا من خلال مئات الشباب الاوربيين المتطوّعين فيها و المغرر بهم من بيوتات لم تعد مجهولة، وفق الصحف و وكالات الانباء.
و تتصاعد اخبار العراق المؤلمة و خاصة اخبار صراع الجماهير الشعبية مع مؤسسات حكومة السيد المالكي المنتهية ولايته، الذي يحاول التشبّث بكرسي رئاسة مجلس الوزراء لدورة ثالثة غير مبالٍ بالطرق المتبعة و بالحجج التي يسوقها و ما تسببه من ضحايا . . من الموقف من مظاهرات و اعتصامات غربي البلاد، الموقف المالي ـ السياسي المتشدد من حكومة اقليم كردستان العراق الذي ادىّ الى عدم صرف رواتب منتسبي الدولة هناك.
الى الموقف الأخير من اتهامه ذي الجانب الواحد و بدون ادلة ملموسة للمملكة السعودية بـ (اعلانها الحرب على العراق)، غير مقدّراً عواقب ذلك كرئيس لمجلس الوزراء القائم الآن في ظروف المنطقة الملتهبة التي لاتتحمّل تصعيدات من هذا النوع اكثر، غافلاً عن ذكر مواقف و ادوار كل دول المنطقة و متغيّراتها و تفاعلاتها مع المكوّنات العرقية و القومية الجيوسياسية العراقية و تفاعلات كلّ منها في الأخرى و تطوراتها ـ منها عدم اشارته مثلاً للنظام السوري الذي يتعاطف معه الآن رغم انه كان السبّاق في تجنيد اولى جحافل الارهابيين و ارسالهم الى العراق اثر انهيار الدكتاتورية، و رغم ايوائه لفلول حزب البعث الصدامي الدموي الى الآن ـ . 
و يتكشف صراع الجماهير الشعبية كصراع مباشر بينها و بين الرئاسات الثلاث في نقطة حسّاسة من جهة و لكنها تكشف حقيقة معادن رجال الحكم و ماهية فهمهم المشوّه لواجبات الحكومة القائمة تجاه شعبها، انها نقطة الصراع بين اقرار قانون التقاعد الجديد و تقاعد الرئاسات الثلاث، و الروتين الاداري و حججه الذي يثير سخط اوسع الجماهير الشعبية . .  . حيث تتبع فيه الحكومة منطقاً تصفه اوساط واسعة بالرخيص، لوضعها الأمر في مخاطبتها للجماهير بالشكل التالي : مرروا لنا قانون تقاعد الرئاسات الثلاث (1) و كفوّا عن التظاهر ضده و استنكاره، نمرر لكم قانون التقاعد الجديد !! في فضيحة جديدة للحكومة القائمة، نهاراً جهاراً .
ان مايجري و غيره ادىّ الى تزايد مطالبات وجوه سياسية و اجتماعية و برلمانية و حكومية بانهاء حكم رئيس مجلس الوزراء الحالي بالاسراع باجراء الإنتخابات التشريعية باشراف مباشر من هيئة الامم المتحدة، الجامعة العربية، منظمات حقوق الانسان الدولية، و المنظمات الدولية للمجتمع المدني، فيما يحاول القائد العام المالكي تجميد الطرق الدستورية القائمة و ليس انعاشها، بتخطيّه للبرلمان لإثبات عجز الحكم البرلماني الدستوري عن حلّ مشاكل البلاد، وبالتالي فلا داعٍ له و (اننا لاننطيها)(2)  . . من جهة .
و من جهة اخرى و فيما تتصاعد لغة استنكار مايجري في البلاد من المنظمات العائدة للامم المتحدة، وصلت مطالبات كتل برلمانية في الاتحاد الاوربي لدولها و للاحتكارات العالمية، الى حد المطالبات بعدم بيع الاسلحة للعراق لمواجهة الارهاب في ظل حكومة السيد المالكي، لقصوره في مواجهة الارهاب، و لأنه قد يستخدمها ضد المكوّنات العراقية الاخرى لإسكات اعتراضاتها على سياساته، ومن اجل تثبيت كرسي حكمه، على حد وصفها.


11 / 3 / 2014 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   و هي مقادير خيالية، ليس لها قواعد و لا اساس دستوري و لا منطقي .
2.   التعبير الشعبي الذي اشتهر به المالكي، بأنه لايسلّم الحكم لغير حزبه، في ظروف سقوط الدكتاتورية و انتصار الدستور لإرادة الشعب العراقي باطيافه في التبادل السلمي للسلطة .

44
8 آذار و مخاطر مصادرة حقوق المرأة . . 

د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net

   فيما يطلّ بعد ايام الثامن من آذار عيد المرأة العالمي الذي يُحتفل به في كل انحاء العالم . . يواصل المراقبون تتبع تواصل الحراكات و الفورات الاجتماعية في المنطقة التي حطّمت افكار خلود دكتاتوريين على كراسيهم و توريثها الى ابنائهم، و تحققت حراكات في تصعيد روح المواجهة و نجاحات في مجالات سياسية و مطلبية و فشل في اخرى . . بسبب شراسة القمع المستقوي بقوى دولية و بالتخلف و ممثليه، و المستقوي بمن كانوا يوماً مع التطلعات الشعبية، و تبيّن انهم كانوا مع تلك التطلعات من اجل تغيير ينسجم مع مصالحهم الانانية فقط . . القمع الذي لم ولا يؤدي الاّ الى حالات متنوعة من الفوضى التي تخدم القوى الظلامية . .
و قد برز دور المرأة في تلك الحراكات و الانفجارات الجماهيرية الشجاعة ـ التي اشتهرت و اصطلح عليها حماسياً بالربيع العربي لما بدّلت و غيّرت ـ . . برز دور المرأة بسبب تزايد مسؤولياتها و اعبائها، و تزايد الدور الحضاري و الاجتماعي لها سواء في العائلة او في المجتمع، بعد ان اخذت تتبوّأ مواقع اساسية و قيادية في عمليات الانتاج و الخدمات و النشاطات الاجتماعية، في مجتمعات و دول المنطقة، بعد ان برزت في العلوم والآداب و الثقافة، و وصلت الى فضاءات اكثر تطوراً مما مضى، و صارت جزءاً نشيطاً من نشاطات المجتمع سواء الاجتماعية او السياسية . . حيث قدّمت المرأة و تقدّم بجهودها هي جنباً الى جنب مع الرجل، ما يخدم مجتمعاتها الوطنية على طريق التقدم و التحرر الاجتماعي . .
      و اثبتت بجهودها و مبادراتها و صمودها . . ان احقاق حقوق المرأة ليس صدقة او رحمة من جهة ما، و انما هي قضية اساسية ـ و ليست مكمّلة او ديكور ـ . . قضية اساسية لتحرر و تمدّن المجتمع بأسره، و انها نتاج قرون طويلة من صراعات انسانية من اجل تحقيق عدالة اجتماعية و من اجل عائلة و طفولة سعيدة و ضمان رقي المجتمعات و خيرها و سلمها و رفاهها . . ان ضمنت دور و اسس تحرر المرأة و موقعها فيها. 
و فيما تراوح المؤسسات الدستورية في بلادنا في نشاطها، و في وقت لا يزال فيه البرلمان العراقي عاجزاً حتى عن إقرار الموازنة العامة للدولة التي تتوقف عليها رواتب واستحقاقات ملايين العراقيين من كل الاطياف القومية و الدينية و المذهبية، بعد ان بقي مشلولاً عن إقرار نحو 12 مشروع قانون ينتظر بعضها منذ سنوات إقراره، التي من أبرزها المتعلقة بـ : النفط والغاز ومجلس الاتحاد والأحزاب والمحكمة الدستورية . .
فقد صادق مجلس الوزراء على (قانون الأحوال الشخصية الجعفرية) المثير للجدل حتى داخل المرجعيات الدينية الشيعية وأحاله إلى البرلمان الذي لم يتبق من دورته سوى شهرين، للمصادقة عليه. الامر الذي لايعني الاّ اضافة مشروع قانون خلافي جديد آخر إلى مجموعة القوانين التي سوف تُرحّل للمرة الثانية إلى الدورة البرلمانية المقبلة بعد أن عجزت دورتان برلمانيتان (2006 - 2010) و(2010 - 2014) عن إقرارها والمصادقة عليها، الأمر الذي لايعني الاّ تجميد الموقف من تلك القضايا الخطيرة و ترك حالة فوضاها على حالها، ان حَسُنت النيّة .
و قد عبّرت اوساط عليمة و متخصصة واسعة نساءً و رجالاً، عن أسفها لما تراه تراجعاً في بناء منظومة الدولة المدنية القائمة على اساس المواطنة، و اكّدت على ان من وافقوا على إحالة مشروع القانون إلى البرلمان يعرفون جيدا أن المادة 41 من الدستور العراقي المعنية بالأحوال الشخصية مجمدة حاليا بانتظار التعديل وبالتالي فإن الإحالة بحد ذاتها مخالفة دستورية، رغم أن العراق يتمتع بأفضل قانون للأحوال الشخصية في المنطقة وهو ( القانون رقم 88 لسنة 1959).
و تشير اوساط اخرى الى أن ما يثير العجب أن ما نسبته 80 في المائة من مواد ذلك القانون مستمدة من المذهب الجعفري، وبالتالي لا توجد حاجة إلى تشريع قانون جديد من شأنه أن يعيد المجتمع إلى ما قبل دولة المواطنة . . و يرى موظفون حكوميون و ناشطون و ناشطات و وجوه اجتماعية بارزة، أن السبب الحقيقي بتقديرهم لإحالة مشروع "القانون الجعفري" الآن إلى البرلمان، رغم الادراك أن فرص إقراره مستحيلة الآن، إنما هي لأغراض الدعاية الانتخابية والكسب الحزبي وذلك بإيهام فقراء الشيعة بأن مسئولي الحكومة القائمة الآن حققوا شيئا مهما لهم.
و يشير متخصصون الى أن تفاصيل مشروع القانون مخيفة، لأنه يسحق المرأة تماما حيث يجيز تطليقها وهي دون سن الزواج كما يحوّل العلاقة الأسرية إلى مجرد علاقة جنسية، و أنه يسحق مبدأ المواطنة ويحوّل البلاد إلى دولة مكونات وكانتونات عرقية و دينية و طائفية .
   في وقت يشير فيه سياسيون و اجتماعيون الى ان بروز النساء في مجتمعات الدول الاسلامية، عبر انواع الصراعات و اخطرها و رغم انواع التقاليد التي قيّدت حريّتها، و تحقيقها كتفاً لكتف مع الرجل نجاحات لها و لشعوبها و لحركاتها التحررية التقدمية . . يعني بروز طاقة تحررية كبيرة تدفع نحو الحداثة و التطور و التمدّن و الى التفاعل مع تطورات عالم اليوم في جعل بلداننا اكثر تحرراً، و من اجل التقدم الاجتماعي لشعوب منطقتنا  . . و يضيف آخرون ان تعاظم نضال المرأة من اجل حقوقها و حصولها على مواقع فاعلة في المجتمع، مكسباً و تعزيزاً كبيراً للطاقات الثورية الخلاقة في المجتمع و دفعاً لعجلة تجديد حقيقي لعمومه . .
الأمر الذي صار يرعب احزاب الاسلام السياسي التي وصلت الى مراكز القرار في المنطقة بدفع من الاحتكارات الدولية لتقييد الحراكات و الانتفاضات الشعبية الشبابية و النسائية من اجل الخبز و الحرية، بشرط مائع و هو ان تطرح (إسلام ليبرالي جديد) يتناسب مع فكرة الدولة المدنية (؟) . . رغم تواصل سلوك و طغيان شعارات " الدولة الاسلامية الشمولية " و " حكم ولاية الفقيه " الملتقي حكّامهما في الموقف من حقوق المرأة باشكال متنوعة . . الامر الذي يرى كثيرون فيه، بأنه ان استطاع تحقيق شئ من الحد للطغيان السابق، فإنه بسلوكه العملي صار يدخل المنطقة في  متاهات حكم و طغيان و (طغيان ذكوري) جديد باسم " المقدس " .
وفيما قامت حكومات الاسلام السياسي بقضم و تغييب قوانين حماية حقوق المرأة، فانها انحازت انحيازاً اعمى الى (ذكورية المجتمع) و اعادت مجتمعاتنا الى العهود الحجرية و ازمنة الصيد . . فاضافة الى التدهور الاخلاقي الذي حصل و يحصل على يد ميليشيات الاسلام السياسي المسلحة السنيّة و الشيعية و عصاباتها، التي مارست و تمارس الاغتصاب الجنسي للمعارضين و خاصة النساء ـ وفق تقارير منظمات العفو الدولية ـ . .
فان عودة صيغ الرقيق الابيض. . و صيغ و عقود (زواج المتعة) و (المسيار) و (الخلع) و التبشير بها ـ و تقنين العلاقات الاجتماعية العامة بين الجنسين ـ ، اضافة الى الفتوى المقرفة "جهاد النكاح" علناً و بكثافة متواصلة و باموال فلكية، و بصيغ مثيرة لغرائز شباب الجنسين على وجه الخصوص . . لاتعني الاّ التبشير و الدعوة الى الضياع في الجنس باسم (الجنس الحلال)، من ارضاع الكبير الى زواجات القاصرات . . و غيرها، و كأن قضية المرأة و حقوقها الانسانية و القانونية كمواطن و بشر تتلخص بتلك القضايا الخطيرة ؟!!
ان مايجري هو سبب الازمات الاخلاقية المتصاعدة . . و ليس نضالات المرأة من اجل حقوقها و من اجل الخبز و الحرية، التي تواجهها حكومات الاسلام السياسي بعصابات التحرش الجنسي و الاغتصاب في الشارع نهاراً جهاراً (بإسم الاسلام) زوراً و نفاقاً . . و التي تنهى عنها الشرائع السياسية و القانونية و الدستورية، بل و الدينية و المذهبية الحقيقية ذاتها . .
ان تطور نضالات المرأة و تصاعدها بتضامن كل قوى الخير و التقدم معها، هو الذي يشد ازرها و يجعلها تواجه و تتحدى كل الاساليب الرخيصة لمحاولة كبحها و تحطيمها . . كما تتواصل نضالاتها و تتصاعد و تصبح المثال الهادي في ساحات دول المنطقة من مصر و العراق، و تونس التي انتصرت فيها المرأة مؤخراً في تثبيت حقوقها بجهودها و جهود كل الطيبين بقانون دستوري ملزم . . و يبقى الموقف و الانتصار لحقوق المرأة، موقفاً سياسياً قانونياً، وانسانياً حضارياً !!

المجد للمرأة في عيدها في الثامن من آذار !

آذار / 2014 ، مهند البراك


45
الى من يحاول تجميل جرائم 8 شباط الاسود
ـ 2 ـ
                                
د. مهند البراك

ان تتالي الأحداث التي يمكن مراجعتها فيما كتب ووثّق العديد من رجال السياسة والفكر والثقافة الأفاضل لتلك الفترة .  .  تجمع كلّها على ان الناس عشية ذلك الأنقلاب كانت تحسّ وتعي  ان نذر احداث مشؤومة كانت في سبيلها للوقوع، ومن مؤشرات متعددة ومتنوّعة، سواءً من ثكنات الجيش والمعامل، من الدوائر والكليات والمدارس اومن الأحياء، بل حتى المواخير وعلب الليل عرفت ماسيحصل من رواّدها ايّاهم وخافت وحذّرت  .  .  
وفي ظرف مضطرب عاشته بغداد بين (اضراب) ليس كالأضرابات لعدد من الكليات، وبين (الأحتجاج) الوحشي على زيادة سعر غالون البنزين فلسين فقط(!!)، الذي ادى الى تحطيم وحرق عدد من محطات تعبئة البنزين وعدد كبير من السيارات وقطع الشوارع، الذي تطوّر سريعاً الى محاولات فرض غلق محطات التعبئة ومنع سير السيارات مؤدياً الى اشتباكات بالهراوات والرصاص مع الأهالي.
وتصاعد (الأضراب) بالشقاوات وبالسلاح الذي لم يكن يعرف مصدره آنذاك، وبتجاهل متعمد من دوائر الشرطة والأمن وتنمّر عدد كبير من منتسبيها على السياسيين والنقابيين والمواطنين حيث بدأت الأعتقالات من قبل الشرطة التي كانت في عدد كبير من القطاعات تحت أمرة الأنقلابيين من السابق، اضافة الى تصاعد تهديداتهم العلنية والمبطّنة لكلّ من لايتفق معهم، بصيغ (يومكم قريب)، ( لك والله مايبقَ منكم احد، سترون ! )   .  .  
كانت كلّها وغيرها من المؤشرات التي تترقّب وقوع كارثة كان قادة البعث يسعون لها مستغلين سياسة (عفى الله عما سلف) من جهة، وسياسة ( ضبط النفس حفاظاً على الجمهورية) من جهة اخرى، وتفرّق القوى الوطنية، في ظرف وجدت فيه دوائر النفط والدوائر الكبرى، وجدت في البعث وسياسته حصانها الرابح آنذاك، الذي يذهب باحثون آخرون فيه، الى انها ربّته وشجّعته لذلك، منذ تصريحات ميشيل عفلق للصحافة، بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين اشار في خطاب ورسالة (ثم اقامة صِلات) الى عضو الأدارة الأميركية الأسبق مكارثي ، يعده فيها بان " البعث خير عون لكم في الشرق الأوسط "(1)، في مرحلة الحرب الباردة، التي كانت ساخنة في العراق والمنطقة (2) .
من ذلك ومن غيره ( من قوائم الأسماء المعدّة التي شملت عشرات الآلاف من الرجال والنساء والاف اخرى لأقاربهم واصدقائهم، التي اكدتها الوثائق الغربية التي كشف عنها وفق قانون الوثائق، وروايات وكتب منتسبيه ذاتهم  .  .   ) فان رواية حازم جواد من ان المذابح لم تتم الاّ بسبب مقاومة الحزب الشيوعي، هي رواية محرّفة بشكل صارخ، فاضافة الى العادة التي لم يستطع التخلّص منها كما يبدو، بوصم كل من لايتفق معهم بانه شيوعي، فانه يحاول بروايته للتاريخ تلك، انتزاع ابسط حق للأنسان في الدفاع عن نفسه امام من كان قد شرع  بقتله وتصفيته، في ظرف ديس فيه القانون وتهزّأت فيه الأعراف منذ الأطلاقات الأولى للأنقلاب، التي استشهد فيها قائد القوة الجوية الزعيم الطيار جلال الأوقاتي، و صدر فيها بيان رقم 13 سئ الصيت الصادر من رشيد مصلح (3) الداعي الى ابادة الشيوعيين (حيثما وجدتموهم) و الى ان المقصّر ينال اقسى العقوبات !
و كأنه لايزال  يعتبر نفسه، انه هو القانون والمحكمة التي قررت قتل جحافل الوطنيين، الأمر الذي فعله صدام ايضاً بعدئذ تاركاً بفراره المهين كوارث ومآسي لاتزال تفعل فعلها .  .  بل ويذهب ابعد في محاولة بائسة للنيل من سمعة الشهيد سلام عادل الذي لم يستطع احد من الأنقلابيين ان ينل ولو من خصلة ضئيلة من خصاله، فكرهوه وعذّبوه حتى الموت وضيّعوا جثمانه الطاهر كي لايكون مزاراً للوطنية وللتضحية بالنفس في سبيل قضية الشعب حتى الشهادة في العراق .  .   مخالفاً حتى الكبارمن رعيله ذاك في اعترافهم وندمهم على ماجنوه بحق الشعب باطيافه .
لقد كان حكم البعث العفلقي للفترة من شباط ـ تشرين  1963، معركةً بين حزب البعث وكلّ الشعب العراقي وحقوقه، عرباً وكرداُ واقليات، بدأت باعدام الشهيد عبد الكريم قاسم وتحطيم منظمات الحزب الشيوعي العراقي قتلاً وتعذيباً واخفاءً وتشريداً، ومرّت بمطاردة وملاحقة مناضلين قوميين عرب واعلان فصلاً مأساوياً اكثر تنكراً ووحشية مما سبق في الحرب ضد الشعب الكردي وكردستان، ثم مطاردة والتنكيل برجال الدين والمرجعيات من التي لم تنسقْ له ووقفت بوجهه .  .
 لتنتهي بهروب قادته الى الخارج والتسليم، والقاء السلاح والأعتكاف في المنازل بلا رقيب ولاحسيب، وكأنما كان على ذلك الحزب انجاز مهمة انتهت بعد تعديل قانون النفط وغيره وبعد ان توهّم انه كسر شوكة العراقيين، وبالذات الحزب الشيوعي العراقي ولو الى حين. الأمر الذي كرره في الجوهر وتوهّم به صدام بعدئذ .
واذ يهاجم حازم جواد جميع الأحزاب (رغم ذكره لحزبه معها) لأخطائها، و لكن بدون تفاصيل ولامسوّغات، ولاتحديد للأسباب ولااقتراح حلول، ولا ذكر للظروف التاريخية ـ الأجتماعية المتغيّرة، وبدون ولو محاولة لتحديد ماهية و حجم الأخطاء .  .  الأخطاء التي نسى انها لم تعد اخطاءً لدى حزب البعث العفلقي الصدامي، الحزب الوحيد من الأحزاب، الذي حكم في العراق ـ عدا الدعوة الحاكم الآن ـ بعد ان اغتصب السلطة بالقوة، وانما جرائم وطنية كبرى بعد ان وصلت بحجمها وبالأعداد الهائلة لضحاياها، حجم الجرائم ضد الجنس البشري، كضحايا حلبجة والأنفال في كردستان العراق، و ضحايا الاهوار.
انه لايتذكّر، ان حزبه الذي حصل على السلطة بالقوة، قد فقد الشعب آنذاك، ورغم ترضيات و ترضيات، عاد وفقده ثانية بعد ان انزل به وبقواه الوطنية كلّها تدميراً وتقتيلاً طيلة خمسة وثلاثين عاماً الأخيرة بكاملها ايضاً، خمسة وثلاثون عاماً من الرعب الشامل، الذي شكّل حكم ارهاب واجرام الدولة بحق ابنائها وبناتها، بحق المجتمع واحزابه وقوميّاته وسائر فئاته، خالقاً نموذجاً سيئاً لمفهوم الحزب السياسي في العراق، فاتحاً بذلك ابواب جهنم التي ادّت و تؤدي الى تشويه وتسميم الثقافة السياسية بمزجها بالأجرام، وربىّ اجيالاً على الأنتهازية السياسية والفكرية والأجتماعية . . التي لاتزال فاعلة اليوم بعد ان تضخّمت لدوام و توسّع الاسس ذاتها .
و ترى اوساط واسعة ان البعث لكونه الحزب الحاكم الوحيد الذي حكم ودمّر وسقط .  .  فان من حق المحكومين ان يعرّوا اساليبه ويفضحوا ويطالبوا بحقوقهم المهضومة، و يطالبوا بالأقتصاص ممن اجرم من قادته و اعضائه بحقهم، لأن الجميع طالته نيران حروقه العصية عن الوصف، في بلد جميل غني زهى بناسه الطيّبين، الذي حوّله (قائد العوجة زعيم الحزب) الى  محرقة ، يتراكض الجميع الى الآن لمعالجة نتائج آثامه وشروره التي لاتزال تفعل فعلها . .  في هذا العالم المترامي الذي يغنيّ من القلب للديمقراطية وحقوق البشر .  .  
ان مهاجمته للأحزاب كلّها بالتساوي، لايخرج عن اطار محاولته اليائسة للمساواة بين الحاكم والمحكوم، بين الحزب الحاكم الدموي الظالم ماسك السلطات، والأحزاب التي كانت ضحاياه وناضلت من اجل حقوق الشعب. وهي لاتخرج برأي العديدين عن محاولة لتسويق رجال البعث الصدامي مجدداً دون تمحيص، كما يحاول آخرون، بعيداً عن محاسبة ومعاقبة المجرمين منهم .  .  لأنهم بتقديره اخطأوا كما أخطأ الآخرون ؟!!  
انه يحاول ان يسدل الستار حتى عمّا عاناه عدد غير قليل من اعضاء البعث ذاته، لمعارضتهم قيادتهم سواءاً في انقلاب شباط، اوفيما تلاه في فترة البعث الثانية التي انتجت (القائد) المجرم صدام، بسبب آلية عمل الحزب وليس غيرها وحاجتها لشقاواته، والتي اخذت تصفيّ وبشكل مستمر معارضيه داخل الحزب ايضاً، الأمر الذي ادىّ الى اعتقالهم وتعذيبهم وتغييبهم، واعدام عدد منهم بتهم لم تعرف حقيقتها، عوقبوا عليها بالموت وفق ( القانون ) الذي لم يعرف احداً لحد الآن ماهو، حيث ان قوانين البعث العفلقي لم توفّر نأمة للاختلاف ، وفي ظرف كان السيد جواد حر الحركة والصلات مع كوادر حزبه في الداخل والخارج، على حد روايته في المقابلة، وهو القيادي المعروف في ذلك الحزب . . الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات  .
واذا كان حزب البعث العفلقي احد احزاب وفصائل النضال القومي العربي التحرري في فترات سابقة، الاّ انه وبسبب افكاره الأنتقائية واساليبه القسرية والعنفية الدموية والأنقلابية العسكرية، وروحه الشوفينية المدمّرة وتعاليه القومي، كما جرّبته الناس طيلة سني حكمه، قد خرج على الرسالة الأنسانية النبيلة للنضال العربي التحرري وتحوّل الى أداة بارزة للعسكرة والأرهاب في العراق والمنطقة العربية، منذ ان قام بانقلاب شباط 1963 وسخّر بكل الوسائل عدداً من الشباب العربي  للأنخراط في (الحرس القومي) ومهماته غير المشرّفة (4).
لقد اهان البعث العفلقي الشباب العربي وخدعهم، وجنّد الافاً منهم في وحداته القذرة التي ابادت واعدمت ونزلت بالعراقيين ذبحاً عندما اضربوا وثاروا وانتفضوا، مزيّنا لهم ان ذلك من اركان النضال (العربي) ضد اعداء الأمة ! كما استغل منظمة مجاهدي خلق الأرهابية بآلافها المؤلفة في قمع نضال العراقيين من اجل حقوقهم في وطن حر سعيد، مشجعاً بذلك وصانعاً مفاهيم جديدة في الأرتزاق حتى الموت.
وفي الوقت الذي لايوجد فيه نظام داخلي واضح معلن للحزب، للرجوع اليه في تسليط الضوء على تفاصيل آليات عمله ومناقشتها، عدا فقرات ومقولات كانت تعرض عند الحاجة، لم تكن سوى عبارات للدكتاتور البائد، فأنه في الواقع وطيلة عقود حكمه، اعتمد على اسلوب العنف والأكراه سياسةً في بناء منظماته . واعتمد على كلّ مامن شأنه تأمين سلطته وسلطة قائده فقط وكسر شوكة من اختلف معه ـ حتى داخله ـ دع عنّك من عارضه، مستعيراً الكثير من برامج واساليب الحزب النازي في تحقيق نظامه الشمولي، وعلى مقولات محرّفة من التراث العربي والأسلامي، لخلق دكتاتورية الفرد بالكذب والخديعة والديماغوجيا.
ويرى كثيرون ان مصلحة البلاد وظروفها، تتطلّب من السيد جواد ان يتذكّر ويتواضع ، ويحاول التوصل بشكل علمي الى تقييم موضوعي، الى وضع اليد على مكامن الأخطاء، ومكامن الجرائم، كما فعل عدد من ابرز رفاقه، من اجل خدمة الحقيقة والتأريخ من ناحية، ولأجل وضع حد لأمور مشابهة تجري الآن و ان بصيغ و اسماء اخرى . . وللوصول الى مصالحة بين من خُدع ومن اضطر ومن ندم مع كل قوى الشعب الطامحة الى البناء والتقدم، وتحديد وتقديم المجرمين والمتهمين الى القضاء، ومن اجل التوجه لأعادة البناء الثقافي، الخُلُقي، السايكولوجي والحضاري، ومعالجة مكامن التشوّه والخطر، والوقاية من الحلول العنفية والدموية . في ظرف تشكّل فيه المصالحة حاجة وطنية وليست امنية ضيّقة. (انتهى)

8 / شباط / 2014 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   من وثائق الخارجية البريطانية، التي كشف عنها مؤخراُ، عملاً بقانون الوثائق .
2.   لقد وصف الرئيس الأميركي جورج بوش، سياسة بلاده فيها آنذاك ، بانها كانت (اخطاءاً كبرى خلال الستين عاماً الأخيرة )، والتي تغطي مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن .
3.   رشيد مصلح، ضابط برتبة عميد شغل منصب الحاكم العسكري العام حينه، اعدم عام 73 بتهمة العمالة للغرب و لإسرائيل.
4.   ميليشيا البعث الارهابية آنذاك، وتنوعّت اسمائها بعدئذ من (القوات الخاصة)، (المهمات الخاصة)، (الحرس الخاص) راجع توثيق في كتاب "العراق" حنا بطاطو .



46
الى من يحاول تجميل جرائم 8 شباط الاسود
ـ 1 ـ
                                                                                                         د. مهند البراك

   في غمرة الأحداث العاصفة والمعقدة التي تمر بها البلاد، يحاول البعض تجميل الوجه القبيح لانقلاب 8 شباط الدموي عام 1963 ، منهم ما تحدّث به حازم جواد بعد سقوط الدكتاتورية،  وبعد غياب عن مسرح الأحداث وهو الذي كان احد ابرز اربعة اشخاص، كانوا مسؤولي ذلك الانقلاب ان لم يكن ابرزهم على صعيد البعث . وبعد مرور نصف قرن على الذكرى المؤلمة لاكبر مجزرة في الشرق الأوسط عهدذاك، و لم يزل فعلها مؤثراً الى الآن ، التي لم يفوقها سوى انقلاب اندونيسيا الذي تسبب بمقتل اكثر من مليون مواطن، بقيادة الدكتاتور سوهارتو، آنذاك .
   ان خطورة تلك الافكار تطلّبت و تتطلب الرد عليها و توضيح الحقائق التي جرت حينها . . حيث قال في مقابلة اجراها معه الصحافي الأخ غسان شربل في صحيفة الحياة اللندنية، ( اعداد 9 ـ 18 / 2 / 2004 )  باعتبار ان انقلاب 8 شباط، كان محاولة لـ ( تحقيق وحدة العرب ومن اجل سعادة الشعوب العربية والوقوف بقوة امام اعدائها . . ) ؟؟ و بذلك فانه يعود الى نكئ  الجرح العراقي الكبير، في محاولة يائسة ترمي الى تكذيب وتسفيه ما اعلنه عدد من قادة الأنقلاب واقرب رفاقه اليه، عن عمق وسعة الخطأ في ذلك الأنقلاب الذي جرّ الى ويلات ومذابح،  نقلت البلاد الى مشاكل وتعقيدات اكبر وعطّلت طاقاتها في التقدّم والرقي الحضاري (1).
   ان ماتحدّث به حازم جواد لايذكّر الاّ بدوام وجود اشخاص في مراكز القرار، لايفكّرون الاّ بأنفسهم ومشاريعهم، غير مبالين من انها قد تكون على حساب سعادة وحياة الملايين من ابناء شعبهم. ان حديثه ومحاولته القائه الذنب على الآخرين وعدم تورّعه عن المس بذكرى شخصيات ورموز مثّلوا ويمثّلون الضمير الشعبي، الذين خسرهم الشعب على ايديهم هم، من الزعيم عبد الكريم قاسم والشهيد سلام عادل الى الشهداء اللاحقين فؤاد الركابي والأمامين الصدر .  .  يؤكّد مجدداً ان على العراقيين لمّ الصفوف وتوحيد الكلمة والاّ فهاهم موجودون، انهم يشعرون انها فرصتهم وليست فرصة قوى الشعب العراقي في تحقيق شئ من الفرح والأستقرار،  بعد ان طغت الأحزان وسادت لعقود من السنين .
   هل فعلاً، لايتصوّر السيد جواد ماذا فعل انقلاب شباط 1963، الأنقلاب الذي اهان وعذّب الشعب العراقي كلّه، متحدياً قدسية شهر رمضان المبارك وكما عبّر شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري حين قال موجهاً كلامه الى قائد الأنقلاب :
" ياعبد حرب وعدو السلام   ياخزي من زكىّ وصلىّ وصام"
لقد شكّل الأنقلاب الصدمة الأجتماعية الكبرى الأولى للشعب، التي لم يكن عبثاً ان دعاها العديد من الباحثين، انها كانت العقوبة الموجّهة الى الشعب العراقي، على قيامه بثورة 14 تموز 1958 ومحاولته البدء بأخذ قضيّته بيده في ظلّ ظروف ذلك الزمان . وانه ـ أي الأنقلاب ـ كان مخططاً من دوائر عليا لتطبيق تلك العقوبة، بعد محاولات اسقاط الثورة والحد من توسّع تأثيرها فى المنطقة ومنذ البداية، مستغلة ما ساد المنطقة من طموحات للزعامة على عموم العالم العربي، ومن طموح وعمل بعض العراقيين للأستيلاء على السلطة وتحقيق زعامتهم الأنانية هم (2) .
لقد صعقت شراسة الأنقلاب ودمويّته اضافة الى البالغين، الأطفال والأجيال الجديدة، التي فتحت ذهنها واعينها على سهولة القتل في الشوارع نهاراً جهاراً، وعلى مئات من مراهقين كانوا يحملون غداّرات بورسعيد، يلبسون ملابس كاكية مفتوحة الصدر مصففين شعورهم على طريقة جيمس دين والفس برسلي، كانوا يشتمون ويهينون ويضربون ويسوقون ويصفّون نحو الجدران شخصيات البلد ووجهائه من محامين واطباء ومهندسين وفنانين وادباء وصحفيين وسياسيين وعسكريين من ضباط ومراتب، وطلاب وعمال ورجال دين، نساءً ورجالاً واطفالاً وشيوخاً، الذين جاوز عددهم عشرات الآلاف في العاصمة بغداد لوحدها.
ولم تتسع السجون للأعداد الهائلة من الموقوفين في بغداد لوحدها مثلاً، فحوّلوا عشرات الأبنية والملاعب والمؤسسات الى سجون جماعية لسجنهم وتعذيبهم وتوقيفهم؛ من قصر النهاية، توسيع سجن رقم واحد في معسكر الرشيد، مقر سرية الخيالة في الكسرة، اقسام من البلاط الملكي القديم، ملاعب الشرطة والشرطة السيارة خلف السدة، ملعب بني سعد، النوادي الرياضية (كالأولمبي في الأعظمية، نادي قريش في الكاظمية .  . وغيرها)، ملعب المنصور الرياضي، ملعب الكشافة و نادي سباق الخيل في المنصور .  .  اضافة الى فتح المئات من مقرات الحرس القومي والمواقع والثكنات العسكرية، الأمر الذي اثار وحدات الجيش عليهم بعدئذ.
لقد عاشت بغداد طيلة عهد البعث الأول حتى سقوطه، وكأنها بلدة محتلة من عدو غاصب .  .  .  الدبابات والمدرعات ـ التي لم يشاهدها الناس حقيقة قبلئذ الاّ في الأفلام ـ صاروا يشاهدوها في مفارق الشوارع، سيطرات التفتيش (تفتيش الأشخاص والأمتعة والسيارات ذاتها بعد انزال ركابها) وتدقيق الهويات، اضافة الى مفارز التفتيش المفاجئ التي غزت المناطق التي كانت قد قاومت والأخرى التي لم ترحّب علناً بالأنقلاب، التي شكّلت اكثر من ثلثي العاصمة. ولم تنم العاصمة عهدذاك الاّ نادراً بسبب اطلاق الرصاص المتنوع، وبسبب كثافة هدير الدبابات المنبعث من واقع خطير غير مستقر كان يدار ويحرّك القطعات في الظلام .
لقد عاش غالبية العراقيين والأطفال بشكل اخص توليفة مخيفة لايمحى اثرها ونتائجها بسهولة، من ضياع اخبار آباء وامهات، الى الوقوع جميعاً في قبضة كمائن الحرس القومي السئ الصيت تمهيداً لضرب واعتقال وسَوق الأب او الأم او كليهما بالركلات امام الأطفال، الى رمي البيوت بمدافع الدبابات ورشاشاتها على ساكنيها، الى مناظر الجثث والمشوهين والفواتح والفقر والبطالة. والطواف على المعتقلات بداية ومنتصف كلّ شهر، نساءً واطفالاً صحبة شئ من طعام ونقود مقترضة وامل ودعاء بالعثور ولو على خبر او اثر للعزيز الغائب، كانت تنتهي في الغالب بلا أمل، وبدموع وبقع زرقاء مؤلمة من ضرب اخامص اسلحة الحرس ( لترتيب) الجموع المتحرّكة لعشرات آلاف الزائرات والأطفال، عرباً وكرداً واقليات، مسلمين ومسيحيين ومن كلّ الوان الطيف العراقي .  .  وسط ضجيج مكبرات صوت كانت تصم الأذن بحماسيات " امجاد ياعرب امجاد . . " ، " جيش العروبة يابطل .  ." وغيرها من الحماسيات ( التي ما قتلت ذبابة ! )(2)، التي كانت تطغي حتى على صوت مدفع الأفطار والآذان وعلى انين المعَذّبين والمعذّبات .  
ان حازم جواد لايتذكّر جهود القوى الوطنية وعلى رأسها الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي ـ الجناح المعارض، والحزب الديمقراطي الكردستاني، ومحاولتها دعوة حزب البعث لتشكيل جبهة وطنية، للضغط من اجل وقاية البلاد من مخاطر الفردية والأستعداد للصفح عن الأخطاء التي اقترفها البعث بداية عهد الجمهورية، التي تجاهلها البعث واخذ ينشط في الظلام مبيحاً لنفسه عقد شتىّ الأتصالات والأتفاقات المخلّة، آنذاك، واعطاء شتى الوعود التي تنكّر لها لاحقاً، من اجل تحقيق زعامة عدد من افراده ليس الاّ (3)، الأمر الذي ـ اضافة لعوامل اخرى ـ ادى الى انفراط عقد القوى الوطنية واضعف دورها . (يتبع)


8 / شباط / 2014 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   راجع :  مذكرات طالب شبيب " عراق 8 شباط من حوار المفاهيم الى حوار الدم " .
" اوكار الهزيمة " لهاني الفكيكي . "المنحرفون"  الكتاب الأسود حول الحرس القومي، عن مطابع الحكومة العراقية في تشرين ثاني 1963 .
(2)   نزار قباني، " على هامش النكسة "، 1967 .
(3)   راجع :  حنا بطاطو، " كتاب العراق " ـ حول انقلاب شباط 1963 . مذكرات رتشارد هيلمز رئيس ادارة المخابرات الأميركية الأسبق، واخيه هيلمز السفير الأميركي في طهران آنذاك.  وثائق المعلومات الأميركية التي كشف عنها مؤخراً، عملاً بقوانين حفظ الوثائق والمعلومات، حول الأنقلاب العسكري في 8 شباط . " من هو صدام التكريتي؟ " عن وثائق السفارة الأيرانية في واشنطن التي سقطت بيد الطلبة عام 1979 ، اثر الثورة الأيرانية . مذكرات حردان التكريتي ـ الجزء الأول، فصل الكواليس .


47
اصلاحات الكنيسة الكاثوليكية و احزابنا الثورية
ـ 2 ـ
                                      
د. مهند البراك      
                                                    ahmedlada@gmx.net   
   و رغم صيحات الاستنكار التي انطلقت من عقالها للهجوم على البابا فرانسوا سواء من الاوساط المسيحية او الاسلامية الاكثر تطرفاً . . يعبّر البابا بأن التغييرات ضرورة ملزمة، املاها التطور الفكري و الحضاري البشري في عالم اليوم الذي يؤدي الى " فهم جديد للعقيدة " . و ان حبّ الحقيقة و الوصول اليها يكون عبر طرق متنوعة، و انه ـ اي البابا ـ يصل الى الحقيقة عن طريق المثالية بجانبيها : الفلسفي و الديني، و هو ليس خروج عن العقيدة التي تضغط و تتطلب ذلك، و ان الواقع الموضوعي القائم هو مصدر تغيير الافكار و المعتقدات التي تفعل فعلها في ادمغة و فكر البشر، و في دماغه و فكره هو ـ اي البابا ـ كفرد منهم .   
   و يرى متخصصون بأن هناك مشاكل كبرى تواجه الكنيسة الكاثوليكية، و على البابا واجب حلّها، حيث تتزايد اعداد المؤمنين الكاثوليك الذين تُرغمهم مصالحهم الدنيوية و متطلبات حياتهم، على العيش بما يتناقض كثيراً مع المعتقدات الراسخة في الديانة الكاثوليكية، فتضيق بهم كنيستهم و ديانتهم، الامر الذي يؤدي الى هجرهم ايّاها و ابتعادهم عنها . حتى صاروا منغمرين سواء عن قناعة ام عن اضطرار، منغمرين في نمط حياة يناقض المعتقدات الدينية الكاثوليكية بشكل شبه كامل.
و يرى مراقبون، انه بعد ان فشلت محاولات المؤسسة الدينية الكاثوليكية لإعادتهم الى "الطريق القويم" بأنواع الإصلاحات و التعديلات، استجابت الكنيسة الكاثوليكية لحقائق الواقع العنيد . . وقررت أنْ تتغيَّر هي فكرياً وعقائدياً بما يجعلها أكثر تصالحاً مع هذه الحقائق وجماهيرها؛ أمَّا الغاية فهي استعادة المؤسسة الدينية ما فقدته من "نفوذ شعبي روحي" !!
و يضيف معلقون كنسيون، بأن البابا يقول الآن لذوي الميول الجنسية الملعونة دينياً من قبل، وللمثليين جنسياً، ولمؤيِّدي الإجهاض، وللمحافظين والليبراليين والشيوعيين والملاحدة، ولغيرهم: أبواب الكنيسة مفتوحة لكم على مصاريعها : أنتم، وعلى الرغم مما تحملون و ما عليه من أحوال فكرية ومعيشية وسلوكية، ما زلتم مؤمنين مسيحيين؛ وإيَّاكم أنْ تظنُّوا أنَّكم قد غدوتم مارقين من الدين؛ فالمعتقدات الدينية الجديدة والصحيحة تَتَّسِع لكم، وبما أنتم عليه !
و يضيف بأننا اليوم (أي الفاتيكان) لم نعد قضاة، و انما نحن الأب المُحِب لأبنائه جميعاً؛ وهذا الأب لا يدين أبنائه، نحن اليوم قومٌ حداثيون، عقلانيون، منفتحون و ندين التعصُّب. و يصف مراقبون مايحصل، و كأنه دعوة إلى تحويل "الكنيسة" من (حزب حديدي ـ صخري في وحدته ـ) إلى (حزب ليبرالي) يتَّسِع لجمهور أوسع من المسيحيين، ليتّسع نفوذه الروحي الشعبي.
بل حتى الخوف من (جهنَّم)، ومن (كل عقاب قاسٍ في الآخرة)، نزعه البابا من القلوب، بعودته و تطويره لتعريف الكنيسة الكاثوليكية الحديث، بأن " الرّب محبة " . . حبّه لأبنائه، و للبشر جميعاً، لا يحده حد، و من ثم فإنَّ (جهنَّم) تُناقِض هذا الجوهر الإلهي، فالرَّب ليس قاضياً، ليس جلاَّدا، ليس مُعذِّباً لأبنائه ولو كانوا من القوم الكافرين، إنَّه يحنو عليهم، ويحتضنهم، جميعاً.
   و يرى البابا ان " الحقائق الدينية " ليست ثابتة مُطْلَقة، لا تتغيَّر، ولا تتطوَّر . . بل انّها تتغيَّر وتتطوَّر باستمرار. وبعد أنْ يصف الإنجيل بأنَّه "كتاب مقدَّس جميل"، يُعْلِن البابا، وفي جرأة غير معهودة بتقدير متابعين، أنَّ بعض أجزاء هذا "الكتاب المقدَّس الجميل" قد عفى عليها الزمن، و بما معناه انها شاخَت، وتقادم عهدها .
وأخيراً، يرى خبراء بأن ثورة البابا فرانسوا بلغت اوجها، بانتقاله من آينشتاين إلى هيجل، قائلاً إنَّ الرَّبَّ نفسه لا يشذّ عن ناموس التغيُّر والتطوُّر؛ فهو في تغيُّرٍ وتطوُّرٍ مستمرين.
وعلَّل البابا تطوُّر الرَّب قائلاً: إنَّ الرَّب يسكن فينا، وفي قلوبنا . . ونحن البشر في تطوُّر مستمر، ولا بدَّ للساكن فينا، وفي قلوبنا، من أنْ يتطوَّر بتطوُّرنا !
لقد استنفذت البشرية زمناً طويلاً للتسليم بفكرة التطوُّر التاريخي للإنسان؛ أمَّا البابا فرانسوا، أو هيجل الفاتيكان، فشرع يؤسِّس لفكرة التطوُّر التاريخي للرَّبِّ نفسه، لكنَّه لم يُجِبْ بما يكفي من الوضوح عن السؤال الفلسفي العظيم الآتي: هل تطوُّرنا نحن البشر (مع مجتمعاتنا) هو انعكاس لتطوُّر الرَّب الساكن فينا، وفي قلوبنا، أم هل تطوُّر الرَّب نفسه هو انعكاس لتطوُّرنا نحن البشر؟ البابا يكاد أنْ يقول: كما تكونوا، يكون الرَّب !
وفيما يرى علماء تأريخ و اجتماع، بأن هذه التطورات و الخطوات الجريئة للكنيسة الكاثوليكية، القلعة الصخرية التي تشكّل كتلة من اقوى كتل المحافظين في العالم، ستفرض تغييرات كبيرة ـ شئنا ام ابينا ـ في المذاهب الكنسية الاخرى و في الاديان الاخرى، لأنها تقوم جميعاً على ذات الاسس التي تغيّرت و تتغيّر، و انها يمكن ان تؤدي الى تقارب الاديان و تآخيها رغم صيحات استنكار بيوتات اكثر تطرفاً مسيحية و اسلامية سعودية . 
فإنها لاتشكّل الاّ نداءً قوياً لأحزابنا الثورية ذات التأريخ اللامع في النضالات الشعبية و التي قدّمت و تقدّم انواع التضحيات في سبيل خير و سعادة مجتمعاتها، للقيام باصلاحات اكثر راديكالية و جذرية فيها مما قامت به حتى الآن، بما يعزز قربها و تلاحمها مع تجمعات و حركات و مطالب و درجات وعي الشباب اليوم و بالذات الكادحين منهم، فان كسب الشباب هو البوصلة الصحيحة لنجاحها . . اصلاحات و تغييرات اعمق سواء في خطابها و اصول بناء و حياة تنظيماتها، او حركتها و اساليب عملها و التناغم الاكثر فعالية لنشاطها لكسب جماهير النساء، اللواتي يقع عليهن العبء الأكبر ممايجري في منطقتنا، رغم الاصلاحات التي قامت بها احزابنا، التي ان خدمت شيئاً، الاّ انها بتقدير حريصين لا تفي بما تتطلبه النضالات الشعبية في وقت يتسيّد فيه المال و السلاح و الخرافة المتلبسة لبوس الدين في مجتمعاتنا .
و يرى سياسيون و مجربون بأن التغييرات العميقة التي يقوم بها البابا ستزيد من الاعداد الهائلة للمناضلين من اجل الحرية و سعادة الانسان في مواجهة الواقع القائم على الارض و ليس في الخيال . . انها تغييرات تزيد كثيراً من فُسَحْ الامل بتوسيع قوى الجبهات المناضلة من اجل الحريات و الكرامة و المطالب الحياتية، لتصهر و تضم ملايين جديدة من جماهير الاديان الى القوى و الاحزاب الثورية العاملة من اجل التغيير، بتوسيعها فرص و تنوّع مجالات التوافق و الاتفاق على النضال من اجل الديمقراطية و العدالة الاجتماعية للجميع . . (انتهى)

27 / 1 / 2014 ، مهند البراك



48
اصلاحات الكنيسة الكاثوليكية و احزابنا الثورية
 1 ـ
د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net   

لابد من القول ان الاديان و المشاعر الدينية تركت آثاراً كبيرة في سلوك البشر و تطلعاتهم و اساليب تفكيرهم، و بمرور السنين صارت المؤسسات الدينية و خاصة التي تجمع ابنائها بكتاب مقدس ، و كانت ادوات فاعلة للتغيير و التقدم الحضاري . . . الاّ انها صارت بتعاليمها و الزاماتها على تابعيها و فروضها عليهم، قيداً على التقدّم الحضاري و الفكري، رغم استمرارها بتشكيل الأمل للضعفاء و المحرومين من بني البشر، و نداءً للعدل و الاحسان رغم استغلالها من اشرار و محاولتهم جعلها وسيلة للوصول الى سلطة الحكم و المال .
و قد شهدت الاديان حركات متنوعة للاصلاح و التطوير، من اجل ان تحافظ على موقعها القديم في المجتمع و من اجل الاحتفاظ بمكانتها بين الشباب خاصة، من الذكور و الاناث . . كاحدى مراكز الجذب و التوجيه، وكي لاتفقد دورها التأريخي في المجتمع، و اتخذت خطوات هامة على طريق الانفتاح بين الاديان و الاصلاح الانساني الذي اتخذ اشكالاً و طرقاً متنوعة بالتناسب مع المرحلة التأريخية و متطلباتها، و قوانين البلد المعني و توجهاته.
و كان منه ما تمّ في المرجعية اليهودية، التي قررت في نهاية القرن العشرين السماح للمرأة اليهودية ـ مرجع النسب اليهودي(1) ـ بالزواج من غير اليهودي، الامر الذي حدث مع عرب فلسطين المسلمين ومع المصريين و ضاعف منتسبي تلك الديانة مرّات كثيرة، و سبب استنكار المجاميع اليهودية المتطرفة، و سبب تعقيدات للبيوتات الدينية القديمة الاسلامية و خاصة للازهر لان المواليد الجديدة تعتبر يهوداً لمرجعيتهم الامومية اليهودية و مسلمين لمرجعيتهم الابوية الاسلامية في الوقت نفسه . . الاّ انه كسر كثيراً من حواجز التعصّب و التعنّت الديني بين الجماعات المتعصّبة من الديانتين . . على طريق السلام و التآخي و ضد الحروب .   
و فيما يجمع الخبراء على ان الكنيسة الكاثوليكية ـ قياساً بغيرها من الكنائس ـ تعتبر من اشد المؤسسات الدينية المتنوعة محافظة و تشدداً، حتى صارت المَثَلْ الذي يقاس به مدى الجمود العقائدي و الفكري و التنظيمي الذي صارت تعاني منه احزاب تقدمية و ثورية متعددة . . و منها عدد بارز من الاحزاب العمالية و الاشتراكية و الشيوعية، التي شكّلت المثل الاعلى للحركات الشعبية و للمناضلين من اجل الحرية و العدالة لمرحلة تأريخية كاملة بارزة، الاّ ان جمودها الفكري و العقائدي اضافة الى الضغوطات و الضربات القاسية التي تلقّتها من الحكومات الدكتاتورية، جعلها تبتعد عن نبض الشارع و عن واقع و آمال و طموحات شباب اليوم، كما في مجتمعاتنا الشرق اوسطية مثلاً .
فبعد سلسلة اصلاحات دينية و تحقيقات و عقوبات صارمة تجاه رجال الدين المرتشين و الفاسدين و تجاه مرتكبي جرائم الإغتصاب بحق الفتيان، و غيرها . . وجدت الكنيسة الكاثوليكية نفسها بأنها لاتزال بعيدة عن نبض الشارع و بعيدة عن طموحات و احلام الشباب رغم امتلاكها الثروات المالية الهائلة بين يديها، و رغم امتلاكها كفاءات ادارية نادرة، حيث تعتبر الكنيسة الكاثوليكية من اثرى المؤسسات و الاحتكارات الثرية في العالم. 
و يبدو ان اختيار البابا فرانسوا ـ الكاردينال الأرجنتيني خوري ماريا برغوليو ـ الذي اختاره المجلس الاعلى لكبار الكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية، يبشّر بعهد جديد قد يخلّص منظومة و حجر زاوية عريق من المنظمات المحافظة المتشددة في العالم . . و سيطلق نسيماً منعشاً من اجل التغيير و الحداثة التي يحتاجها عالمنا و شعوبنا اليوم، فعهده بدأ بتغيير جاد في منظومة كاملة من الاحكام و المعتقدات الراسخة في الديانة الكاثوليكية . . التي اجملها بقوله " إنَّ الأديان جميعاً صحيحة، وإنَّ ـ الحقيقة الدينية ـ تتغيَّر وتتطوَّر، بل وإنَّ الرَّبَّ نفسه يتغيَّر ويتطوَّر . . " على حد قوله . و افتى ، بإنَّ بعض أجزاء الإنجيل صارت قديمة و عفى عنها الزمان .
و يرى مراقبون و الذين يتابعون بدقة نشاط البابا فرانسوا و اقواله كزعيم لأكبر مؤسسة محافظة في العالم . . اقواله التي تعتبرها ملايين مؤلفة في العالم نصوصاً مقدسة، يرون بانها تدلّ على بدء  ثورة او حركة إصلاحية دينية جذرية شاملة قد لا تَقِل أهميةً عن ثورة مارتن لوثر (2) في زمانه، بل و يرى عدد كبير آخر منهم ان تأثيرها سيمتد إلى الأديان السماوية الاخرى، لأن الكثير من المعتقدات الجوهرية المشترَكَة بين هذه الأديان هو المستهدف بالهدم (وإعادة البناء) الذي يقوم به و يعمل بضوءه بابا الفاتيكان اليوم .
   و صرّح المكتب الاعلامي للفاتيكان بأن البابا قد اكتشف بـ البحث الروحي، التأمُّل و الصلاة، بـ " أن جهنَّم هي تعبير عن الروح المعزولة، التي ستتَّحِد في آخر المطاف، كالنفوس جميعاً، في محبَّة الله. فحتى اللاديني فاعل الخير يراه البابا مؤمناً بالله، فالملحد على ما اكتشف البابا، يكفي أنْ يعمل الخير حتى يكون مؤمناً بالله، وإنْ أنكر ذلك بقوله ولسانه ".
و يضيف " بأن كل الأديان صحيحة وعلى حق، لأنَّها كذلك في قلوب الذين يؤمنون بها". الذي يراه اعلاميون بأن ذلك يعني أنَّ الإسلام مثلاً في دعوة البابا الجديد ، دين صحيح و صحته تكمن في المعتقد الاسلامي نفسه، و في كَوْن المسلمين يعتبرونه صحيحاً؛ فـفي القلب يستوطن الرَّب، ومعه تستوطن الحقيقة، فإذا آمن قوم بما تعتقده قلوبهم و عملوا الصالح من الاعمال، فهذا الإيمان صحيح. و بذلك فإنَّ البابا يُوسِّع ـ نسبية الحقيقة ـ، بمفهومها المادي و الآينشتايني، ليجعلها تشمل أيضاً ـ الحقائق الدينية ـ فـالحقيقة بمفهومها البابوي الجديد، ليست ما يفكِّر فيه موسوليني (3) الآن مثلاً، وإنَّما ما تؤمن به، وتعتقده "القلوب". قَلْب اليهودي يقول له إنَّ اليهودية هي الدين القويم، وقَلْب المسيحي يقول له إنَّ المسيحية هي الدين القويم، وقَلْب المسلم يقول له إنَّ الإسلام هو الدين القويم؛ أمَّا البابا فرانسوا، وعملاً بمبدأ "نسبية الحقيقة"، فيقول: إنَّكم جميعاً على صواب، وإنَّ الأديان جميعاً صحيحة، وعلى حق . (يتبع)

26 / 1 / 2014 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   يعود نسب الطفل المولود حديثاً الى الام، بعكس الديانة الاسلامية و المسيحية التي يعود فيها نسب الوليد الى الاب، و كان لذلك مبرراته في التأريخ القديم .
2.   مؤسس الكنيسة البروتستانتية الايفانغيليكية .
3.   مثال موسوليني اتى لكون تاريخ الفاتيكان جزءاً من التأريخ الايطالي الذ لعب فيه موسوليني الدور الفاشي الكريه . 

49
د. حبيب المالح في الذاكرة ابداً !
1  من  2
                  د. مهند البراك
                  
ahmedlada@gmx.net

               

 د.حبيب المالح مع ابنه البكر ايفان *

   كان في صباه من اصغر السجناء السياسيين في سجن نقرة السلمان السئ الصيت . . حيث اعتقل و عُذّب بوحشية اثر انقلاب البعث الدموي الأسود في شباط عام 1963 ، و لصموده و بسالته و لكونه عراقي كلداني من عينكاوة .  .  حكم عليه بالسجن سنوات قضّاها في تلك القلعة النائية في الصحراء الجنوبية، امعاناً بالقسوة و بالتمييز العنصري العرقي، رغم صغر سنّه .
   بدأت صداقتنا الحميمة منذ ان التقينا في اجتماع اللجنة التنفيذية لأتحاد الطلبة العام في كوردستان تهيئة لمؤتمره اواخر عام 1971 ، حيث كان مسؤولاً عن فرع الموصل للإتحاد و كنت احضر الإجتماع كمشرف طلابي من سكرتارية الإتحاد في بغداد، حين كنت سكرتيره، وكنا حينها طالبين في كليتي الطب . . حبيب في جامعة الموصل وانا في جامعة بغداد، وتوثقت صداقتنا اكثر الى ان صارت لقاءاتنا تتكرر، كلما زار حبيب بغداد حيث كان ينزل في بيت اخيه في محلة الدورة في بغداد.
   كنا في مطلع السبعينات نتناقش حول ظروف واوضاع الطلبة الصعبة حين كان نشاط البعثيين الصداميين يتزايد في المؤسسات التعليمية، هادفاً تحطيم الحركة الطلابية الديمقراطية التي كان رأس رمحها آنذاك " اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية " . . وكيفية مواجهة ذلك النشاط و ترتيب طرق لإخفاء وحماية الطلبة المهدّدين. و كان حبيب وباعتباره المسؤول الطلابي في الموصل ينقل تجربة محافظتهم  وخططهم في مواجهة الأرهاب المسعور ضد الطلبة الديمقراطيين في الموصل . . التي كان مسؤولها آنذاك المناضل الفقيد " توما توماس " ، الذي لعب من جهته دوراً هاماً في رص صفوف طلبتنا من خلال اتباع السبل التي من شأنها تصليب عودهم في الدفاع عن النفس والمواجهة .  .
   كان طلبة الموصل الديمقراطيون بمعنويات عالية لثقتهم بانهم بقيادة قائد طلابي مجرَّب، فكانوا يثقون بما يتم توجيههم به من خلال التنسيق الطلابي والسياسي، ومن خلال الطلبة الأتحاديين و الناشطين حزبياً، و كنت و زملائي في السكرتارية نستفيد من متابعة الحديث معه عن نشاطات طلبة الموصل في تلك الظروف الصعبة، لتعميم دروس تجربتهم اضافة الى تجارب الفروع الأخرى في تقوية نشاطات منظمات الأتحاد عموماً .
   مرّت السنين سريعاً حين كنّا شباباً متحمسين ساعين لإثبات وجودنا و ساعين لتحقيق اهدافنا سريعاً حين لم نكن نجيد التفريق بينها و بين احلامنا النبيلة في بلادنا . . بلاد النهرين اللذين " استفاضا دماً و نقمة من عهد سام و حام " (1) . . فتواصلت لقاءاتنا في الموصل و بغداد ، و ساهمت بفاعلية مع كل الجهود في تقوية اعادة تشكيل فرع لأتحاد الطلبة في الموصل، الذي كان لولبه الفاعل الشهيد د. حبيب الذي تحمّل اعباءً كبيرة متنوعة آنذاك . . طلابياً، كعضو في سكرتارية الإتحاد في الإقليم و كمسؤول لفرع الموصل الكثير الصعوبة و التعقيد، اضافة الى مهامه الحزبية المتنوعة . .
وفي الوقت نفسه . . كان طالباً في كلية الطب التي تطلبت جهوداً دراسية صعبة من جهة، و   زوجاً شاباً احب زوجته و استقبل ابنهما البكر " ايفان " حديثاً من جهة اخرى ! حين لعبت زوجته الشابة دوراً هاماً في استقرار حياته كأنسان احبته، و دعمته ـ رغم تعقيدات متنوعة ـ في حياته و كفاحه و صانته بعملها كمعلمة، من العوز و الفقر حين كان طالباً، كما كان يردد بتأثّر . .
و بعد ان اسفرت جهود الجميع عن اعادة تشكيل فرع الإتحاد في الموصل . . و اسفرت النشاطات الطلابية المتنوعة عن تنظيمات و ركائز طلابية نشيطة سواء في الجامعة " جامعة الموصل " او في ثانويات و معاهد المدينة و عموم المحافظة ، بين الطلاب و الطالبات، صار من الضروري عقد كونفرنس طلابي لفرع الإتحاد . . و قرر مكتب سكرتارية الأتحاد تكليفنا د. لؤي الألوسي ( طالب طب آنذاك) وانا بالسفر الى الموصل لحضوره وفق لوائح الإتحاد و في الموعد المرسل من سكرتير الفرع الفعلي آنذاك الشهيد د. حبيب المالح .
و رغم كل الصعوبات و الإجراءات القمعية و التهديدات التي كانت تسود المدينة بمختلف الصور . . بالطائفية و التطرف الديني تارة، و باثارة الروح القومية الشوفينية تارة اخرى، وبالإدعاء بالدفاع عن الأخلاق و عن الحجاب من عناصر عرفت بلا اخلاقيتها، مدعومة من بيوتات مالية و عسكرية و تجارية  معروفة . . انعقد الكونفرنس الطلابي بحماس كبير في طابق علوي لعمارة لم يكتمل بناؤها، رغم البرد في مساء و ليلة من شتاء 1972 و بحراسة منظمة القصابين في المدينة . و قد حضره ما ناهز الأربعين زميلة و زميل اتحادي (2) آنذاك يمثلون الجامعة و معاهد و ثانويات المحافظة، اسفر عن تحديد المهام الطلابية و عن انتخاب لجنة تنفيذية انتخبت الشهيد حبيب سكرتيراً  . .
و تكررت الزيارات المتبادلة في بغداد ، و في الموصل رغم المخاطر و حضر اغلبها د.عصام الناصري ( طالب الطب ) عضو السكرتارية مسؤول بغداد آنذاك، وهو من الأخوة المندائيين . . و كنا نتخلص من مطاردات رجال الأمن بصعوبة و بالجهود و العلاقات الحميمة الواسعة التي استطاع الشهيد حبيب نسجها في المدينة. كان منها ما جرى عند خروجنا من البيت الذي كان حبيب و عدد من الزملاء يستأجرون غرفة فيه، في محلة الدواسة الشعبية آنذاك . . حين ذهبنا الى ركن الشارع العام حيث محلات " اسواق كرزات الموصل" التي كان الزميل "عبد " ينتظرنا وفق موعد معه عندها، الزميل الذي لم يشارك في اي نشاط او مناسبة طلابية، لتفرغه لمهام اخرى.
   جاء " عبد " الينا مسرعاً و بهيئة حاول فيها عدم جلب الأنظار الى انه كان يحاول الإفلات من مراقبة مشددة كادت تنطبق بوجهنا من جهات متعددة. و اخبرنا بهدوء بان هناك كمين لألقاء القبض علينا (3) و بعد همسات سريعة بين حبيب و عبد مشينا بحذر بالغ متلمسين منفذاً . . حتى انقطع مشينا ذلك بظهور عدد من سيارات المرسيدس (4) و بضجيج عالي من فرعين متقابلين خلفنا مباشرة. في اللحظة تلك تماماً دفعني حبيب بسرعة الى باب جانبي انفتح ، مشيراً بحزم :
ـ عزيزي هنا !!  لن يتمكّنوا منّا !!   
و مرّت دقائق بقينا فيها صامتين مصغين الى ما خلف الباب . . حتى تأكّد لنا اننا في أمان . و اوضح لي حبيب ان الفندق يعود لمطربة ريفية شهيرة ، يحميها شيوخ من " باب الحديد " يخاف منهم رجال الأمن في المدينة لتنفذهم في دوائر الأمن العليا، بعد ان لقنوهم دروساً لاينسوها، و وصلوا معهم بأن لايعتبوا شارع مجمّع المطربة المكون من فندق ، مطعم و بار و عمارة سكنية ! و ان الزميل الطالب عبد المتفرّغ لنشاطات متنوعة اخرى لديه ابن عم يعمل حارسا في الفندق، و يقوم عبد بعدد من خفارات الحراسة مكانه عند مرضه او انشغاله . . و ان حبيب يوظف تلك الإمكانية لأنجاز امور كثيرة السريّة متنوعة، بعيداً عن اجهزة الأمن الصدامية . (يتبع)

شباط / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* حقق ابنه  " د. ايفان المالح " (الظاهر في الصورة مع ابيه) حلم ابيه، بنيله شهادة الدكتوراه العليا قبل شهور في السويد .

1.   من مقطع لقصيدة الجواهري الخالد عن انقلاب شباط الدموي عام 1963 . . " أمين لاتغضب " .
2.   غادرت الزميلات الكونفرنس بالتدريج بعيد الغروب، صحبة مرافقين من اقاربهن، كانوا ينتظروهن في الشارع وفق مواعيد متفق عليها .
3.   من اساليب القاء القبض في ذلك الوقت، ان يتم القبض بطريق الإختطاف من الشارع .
4.   التي كانت من موديلات معروفة بعائديتها للأمن .


د. حبيب المالح في الذاكرة ابداً ! *
 2  من  2
      د. مهند البراك 
ahmedlada@gmx.net   
               

د.حبيب المالح مع ابنه البكر ايفان

   لقد لعب الشهيد حبيب في تلك الفترة مع مناضلين آخرين في الموصل (1) دوراً هاماً في دعم الأنصار في جبل القوش، و في تلبية احتياجاتهم الإدارية و الطبية و قضايا المراسلات و الأخبار، اضافة الى العناية بمرضاهم و جرحاهم بالأمكانيات الموجودة في مدينة الموصل. اضافة الى دوره مع الوجوه الإجتماعية الديمقراطية و التقدمية ، في النضال من اجل الديمقراطية .
   و لجهوده الكبيرة اختير لعضوية قيادة و فد اتحاد الطلبة العام في الوفد العراقي الكبير الى المهرجان العاشر للشبيبة و الطلبة ، الذي انعقد في صيف 1973 في برلين ، و كان عضواً فاعلاً اساسياً في تلك القيادة التي ضمّت اضافة اليه، الزملاء : رائد فهمي ( وزير العلوم و التكنولوجيا الحالي) ، نضال وصفي طاهر، ابراهيم المشهداني ، الفقيد سعد سعدي و انا بصفتي الطلابية التي جرى ذكرها .
   و اضافة الى النشاط الكبير الذي قامت به تلك القيادة الطلابية في برلين في مختلف الفعاليات و في اللقاءات الكثيفة مع العشرات من الوفود الطلابية العربية و الإقليمية و الدولية ، في توضيح نضالات طلبة و شبيبة العراق بالوان طيفه من اجل : الديمقراطية السياسية و ديمقراطية التعليم و الحاجة الى التضامن . . لعب الشهيد حبيب دوراً كبيراً في توضيح معالم القضية الكوردية و نضال الشعب الكوردي من اجل حقوقه المشروعة في الحياة و الحرية كشريك للشعب العربي في دولة العراق . معبّراً بذلك عن روحه الأممية العالية و حبه للعراق بكل الوان طيفه ، فاضافة الى اعتزازه بانتمائه الكلداني، كان في كل صفاته و حياته نموذجا للتآخي و للنضال العربي الكوردي الكلداني الآثوري اليزيدي و المتنوع الأطياف .  .  من اجل عراق حر سعيد .
   و مرّت السنين و تطورت الممارسات الوحشية للسلطة الى سياسة منظمة و آيديولوجيا، جُنّدت لها مؤسسات و (رجال علم و أدب) و اموال فلكية هائلة . . ثم صيغت بقوانين حكمت بالأعدام حتى على ابسط نشاط ديمقراطي طلابي لاحزبي (2) بوجود (جبهة احزاب) !! و اعتبر كل نشاط اتحادي طلابي خارج اتحاد السلطة البعثي، معادي لمسيرة (الحزب و الثورة) ، يحكم القائمون به عليه بالأعدام، ( من اجل بناء الأشتراكية العربية! ) حين كانت شعارات الأشتراكية موضة ذلك الزمان (3) . . بخطط خبيثة كثيرة الإحكام عملت لها و شجّعتها دوائر دولية غربية، و سكتت عنها الشرقية و ساهم قسم منها بها . . اضافة الى الدوائر الإقليمية . . التي دعمت ـ او أجبرت على دعم ـ البعث الحاكم آنذاك.
خططٌ هدفت الى غسل ادمغة الأجيال الجديدة و اعادة نحتها باهداف و شعارات " نكسب الشباب لنضمن المستقبل " و " خذوهم صغاراً " و " النبي بدأ بواحد "، ونفذت السلطة ذلك بالأرهاب المنظّم (ارهاب الدولة) وبـ (يد الثورة الطويلة) . . الذي اسس لمجتمع و ثقافة و عقلية الإرهاب ـ المستمرة بشكل خطير في البلاد حتى بعد سقوط الدكتاتورية ـ .
و خلق جمهورية الرعب، التي راح ضحاياها المئات والآلاف  . . و التي لم تستطع ايقافها القوى الوطنية التي سارت ـ او أُجبرت على السير بالبطش الدموي ـ كلاّ لهدفها هي من جهة، و لقصور وسائلها و ادواتها (لأسباب لايتسع لها المقال) في مواجهة نظام ارهابي حاكم مخطط له، استخدم و والف القمع الدموي بالديماغوجيا السياسية و الخداع من جهة أخرى . . و ادّت فيما ادّت الى تجميد أتحاد الطلبة العام لولب المنظمات الجماهيرية ـ عدا نقابات العمال ـ ، الذي افتقدته جماهير طلابية عريضة طلابا و طالبات و اوقع غيابه العمل الجماهيري العام في متاهات و متاهات . . في بلد نامي كبلدنا .
.  .  .  .
.  .  .  .
   و بعد سنوات تخرّج حبيب طبيباً، و احب مهنته و سعى للتخصص فيها(4)، وعمل في مستشفيات اربيل الحكومية حتى صار طبيباً اقدماً في مستشفى اربيل الجمهوري ـ قسم الطوارئ، شهد و يشهد له ابناء المدينة و عينكاوه رجالاً و نساء بكفائته المهنية و بروحه الإنسانية العالية و تواضعه . . في وقت كان منغمراً فيه، بالنشاطات السياسية و المهنية و الديمقراطية . . من اجل الديمقراطية للعراق و الحكم الذاتي الحقيقي لكوردستان، التي صارت شعارات تتبناها كل قوى المعارضة للدكتاتورية، و تعرّض بسببها الى ضغوط و ملاحقات و محاولات ايقاع متنوعة ، من قبل ازلام البعث الشوفيني.
   لقد كان الشهيد في طليعة من قاسوا و واجهوا حملة البعث الوحشية ضد الحزب الشيوعي و القوى و الشخصيات الوطنية و الديمقراطية في عامي 78 و 1979، و كان من قلائل الكوادر الذين تصدّوا لأعادة بناء المنظمات سريّاً في اربيل لكفاءاته النضالية المتنوعة و روح مبادرته و اخلاصه لقضيته . . لمواجهة هجوم البعث الهستيري المنفلت، فواصل الى جانب ممارسته مهنة الطب ، نضاله و عمله ضمن اطار الخطط التي وضعت لذلك في ذلك الوقت العصيب، حتى صار احد ابرز مسؤولي التنظيم الحزبي السريّ في اربيل في غمرة بواكير النضال من اجل اسقاط الحكم الدكتاتوري . .
و قام الشهيد و رفاق و رفيقات منظمته في تلك الظروف القاسية بواحدة من اكبر المآثر في لمّ المنقطعين و تغطية انسحاب المطاردين و حمايتهم و ارسال المتطوعين الجدد الى تشكيلات الأنصار الجديدة في الجبال، و بالنشاط الذي كانوا يؤججوه  في مدينة اربيل و خاصة بين الطلبة و الجنود رافضي الحرب بعد اشتعال الحرب العراقية ـ الإيرانية، الذي وصل قمته اثر افتتاح جامعة صلاح الدين فيها ـ بعد الغاء جامعة السليمانية ـ  . . اثر تزايد المواليد المدعوة للخدمة العسكرية و للأحتياط بقوة القانون العسكري بالأعدام . .  لسوقها الى الحرب التي اشعلها صدام .
و تعرّض بفعل تلك النشاطات و رغم كل اشكال التمويه التي اتبعها، الى انواع المضايقات و التهديدات و التوقيف العشوائي المؤقت لأغراض التخويف فقط، بسبب شعبيته الكبيرة و التفاف الناس الكبير حوله الذي ادىّ الى تعاملهم الحذر معه، كي لايتسبب اعتقاله الكيفي بدون وجود مستمسك ضده بيدهم، بردود افعال قد لا تحمد عقباها في مدينة كان يتزايد الحقد فيها على البعث الشوفيني الحاكم، و على أساليبه الوحشية التي لم تعرف حداً . الى ان اعتقل في ايلول 1980 في عينكاوه باختطافه من الشارع العام المؤدي اليها، ثم اطلق سراحه بعد معاملته بوحشية، بعد ثلاثة اسابيع . 
و مرّت الشهور و فيما كنا نستعد و نحن في الأنصار، لألتحاق د. حبيب بنا، لتعذّر بقائه في المدينة في غمار جهود بذلت لمحاولة نجدته، وصلت انباء مؤلمة متضاربة عن اعتقاله و عن اختفاء اثره تماماً ، حيث اعيد اعتقاله في ايار 1981 في عينكاوه في موجة عنيفة من موجات القمع الوحشي في المحافظات و المدن الكوردستانية التي شملت اربيل آنذاك . . اثر تزايد نشاطات السخط الشعبي على حكم البعث الدكتاتوري مشعل الحروب  . .
   انقطعت اخبار الشهيد حبيب، رغم الجهود المتنوعة التي بُذلت لتتبع اثره . . الى ان نقلت لنا مفرزة انصارية كانت في عينكاوة مطلع عام 1982 ، خبراً يتداوله اهاليها، بأن ازلام الأمن العام اجبروا عائلته الصغيرة للحضور باقصى السرية لأستلام رفاته من بغداد . و تبين انه في صباح يوم 9 من كانون الثاني، اتّصل مكتب امن عينكاوة بعائلته طالبا حضورهم اليه، فذهب والد د. حبيب و اخبروه باعدامه، و ان عليهم السفر الى بغداد لاستلام جثمانه على ان يصل الجثمان ليلا، و ان لايتم الحديث بذلك لأحد والاّ تعرضوا للموت. 
فسافر الأب و عدد من رجال العائلة الى بغداد، الى المكان الذي حدد لهم من دائرة الأمن العامة، لإستلام الجثمان الذي رفضوا تسليمه ايّاهم مالم يدفعوا 120 دينار كثمن للصندوق. و بعد ان نقل الجثمان من بغداد بمرافقة الأب و مرافقيه، سمحوا للسيارة بالدخول الى عينكاوة بعد الثانية عشر ليلا ، و منعوا النساء من الذهاب الى المقبرة . و قد دفن الشهيد في ليلة شديدة البرودة صادفت في 9 / 10 كانون الثاني عام 1982 ، بحضور الأب و الأقارب الأربعة من الرجال الذين رافقوا الجثمان بعد سمحوا لهم فقط بالحضور، وسط اجراءات امن مشددة . و لم يسمحوا بالقاء النظرة الأخيرة عليه و لا بأقامة اية شعائر على روحه الطاهرة !! 
   لقد استشهد د. حبيب المالح في اقبية التعذيب و هو في غمرة عطائه السياسي و الطبي . . و صان باستشهاده حزبه المناضل، و حمى ارواح و مصائر عشرات العوائل و مئات المناضلين و المناضلات،
و عاش و يعيش عميقاً في افئدة الطيبين نداء للخير و للمحبة ، رجالاً و نساءً، كلدانيين و آشوريين، عرباً و اكراداً ومن كل الأطياف العراقية، و تعددت الروايات و الحكايات التي تروي مناقبه و شجاعته و عميق حبه لشعبه العراق بإسلامه و مسيحييه و يزيدييه و صابئته . 
و تسبب استشهاده و استشهاد نخبة من مناضلي احزاب كوردستان، بتزايد السخط الصامت من اجراءات الدكتاتورية و حزبها الأرهابي الدموي . . السخط الذي تفجّر بعد اقل من شهر بأندلاع انتفاضة الربيع في كوردستان عام 1982 تحت شعار :
" نحن اخوان الجنود و اعداء الدكتاتورية " !!

المجد للشهيد " د. حبيب المالح " !
الخلود لشهيدات و شهداء الشعب العراقي بكل الوان طيفه !
و الف مبروك لأبنه الدكتور " ايفان حبيب المالح " على نيله الدكتوراه في جراحة الأورام !

(انتهى)

شباط / 2010 ، مهند البراك   
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تصويب : ورد خطأ في القسم الأول من المقال ان الشهيد كان مسجونا سياسياً في سجن نقرة السلمان اثر انقلاب شباط الدموي 1963 ، والصحيح انه كان مسجونا سياسياً اثر ذلك الإنقلاب في سجن العمارة ثم في سجن بعقوبة .

1.   سواء من اهاليها او ممن قدموا اليها للعمل او للدراسة، ومن كل الأطياف العراقية .
2.   لأن النشاط الجماهيري و الديمقراطي الواسع بين الشباب التقدميين المتنوعي الوجهات ـ اضافة الى تأثيراته المستقبلية اللاحقة ـ كان يخيفهم اكثر من النشاط الحزبي ذي الطابع المحدود، كما ورد في عدد من الوثائق الداخلية للبعث و التي كشف عنها بعد سقوط الدكتاتورية .
3.   حيث تنصح كبريات الإحتكارات النفطية و المالية و العسكرية رجالها و الحاكمين بأمرها في بلداننا بمسايرة الموضات و الموجات الفكرية . . و ان يكونوا (اشتراكيين) حين تطغي موجة الأشتراكية، (قوميين اقحاح) حين تطغي موجة القومية و (اسلاميين بل و طائفيين للنخاع) حين تطغي موجة الدين و الطائفة . . " لتلبية المصالح الدائمة بلا اصدقاء دائميين " كما ردد و. تشرشل و يرددون .
4.   كان د. حبيب مجتهداً في علمه و مهنته كطبيب و ساعياً الى بلوغ مراتب عليا من التخصص، الاّ ان ظروف البلد و ظروفه الصعبة حالت دون ذلك. و قد حقق ابنه  " د. ايفان المالح " (الظاهر في الصورة مع ابيه) حلم ابيه، بنيله شهادة الدكتوراه العليا قبل شهور في السويد .

50
المالكي يراهن على موقف المرجع الأعلى
                                                                                                             د. مهند البراك
                                                                                                            ahmedlada@gmx.net

رغم انواع التبجحات و تسويق الخرافات و الالقاب ذات الطنين المعروف، الاّ ان شعبية و مكانة رئيس الوزراء الذي قاربت دورته على الإنتهاء، في نزول متواصل ليس بغضاً او حبّاً ببديل كشخص او جهة ما، و انما بسبب تزايد الآلام و المحن و بسبب الليل البهيم الذي يطول و يطول بلانهاية و بلا ضوء في آخر نفق معتم من انفاقه في ظل الحكم الفردي للمختار القائد العام السيد ابو احمد المالكي،  خاصة منذ انفراده بالحكم و سيطرته على القوات المسلحة و على الهيئات المستقلة حتى صارت السلطة القضائية في قبضته الفرد.
فالإنقسامات الطائفية تتفاقم و القتل على الهوية الدينية و الطائفية يتصاعد حتى اعتبرت اوساط واسعة داخلياً و خارجياً بأن اعياد الميلاد المجيد و رأس السنة الجديدة التي تمرّ و كأنها نهاية لوجود المسيحيين في العراق، او كأنها عام الفرهود بحق بنات العراق و ابنائه من الأخوات و الاخوة المسيحيين على اختلاف مذاهبهم ـ آثوريين، كلدانيين، سريان ـ على غرار ماحصل لأبنائه من الطائفة اليهودية قبل عقود، لا لذنب اقترفوه و انما لديانة حملوها و تكوّنوا بها منذ آلاف السنين و قبل ظهور الإسلام . . و عاشوا و عمّروا البلاد و خدموها ادّوا ما بذممهم، و اقاموا و تفاعلوا مع الحضارات المتعددة لوادي الرافدين و ارووا و ارتووا بمياهه، و شاركوا بفاعلية في انتفاضاته و دفعوا غالياً اثمان النضال بارواح الاحبة و بالدموع و العمل من اجل خير البلاد و عزّتها و كرامتها.
و يتصاعد الفساد و السرقات الكبيرة و النهب و تحطيم العلوم و الآداب و الفنون، و تتفاقم المطاردات الكابحة للحريات و لإرادات و طموحات و احلام الشباب من الجنسين باوامر و اجراءات عنفية و بمشاركات فعّالة من اطراف نافذة في حكومة المالكي .
و يستمر تصاعد الإحتجاجات الدولية على مايجري ـ اضافة الى تصاعد الداخلية منها ـ ، تتصاعد شاجبة السلوك الفظ و اللاإنساني لحكومة المالكي و التطبيق الطائفي و المفرّق لمكونات الشعب العراقي و تفتيته على اساس الدين و الطائفة و العائلة و الانتماء الحزبي الضيّق ـ في ظل الحزب الحاكم " حزب الدعوة" الذي خلا من الدعاة و الذي يقوده المالكي الآن ـ و تزايد استخدام العنف وغيره الذي زاد من رقعة و حدّة الاعمال الارهابية، فاضافة الى احتجاجات منظمات حقوق الإنسان الدولية و منظمة هيومان رايت واتش الدولية، و العفو الدولية . .
اعرب مسؤولون و ممثلون بارزون في الإتحاد الاوربي عن شجبهم لسياسات حكومة المالكي التي تهدد البلاد و المنطقة، بالانقسام الديني و الطائفي و تعود بها الى قرون و عصور غابرة و وسيطة، الأمر الذي يصفه قسم منهم بكونه تنفيذاً لأوامر جهات ايرانية متشددة مقابل وعودها له بالترشيح لدورة جديدة ثالثة في الانتخابات و ضمانها فوزه فيها !!
و يضيف آخرون بأن تأجيج المالكي للصراع الطائفي و اشاعته للفوضى الآن يمكن ان يكونا محاولة لتأجيل الانتخابات التشريعية القادمة و محاولة للمزيد من خرق الدستور و بالتالي الانقلاب عليه، خاصة و انه بدأ حملته الانتخابية باعتقالات منافسين و خصوم بتهمة (الارهاب) متخطياً بذلك حصانات دستورية متنوعة صيغت لتحقيق تعددية . . تحوّطاً لمسار الأحداث التي يجمع كثيرون بانها في انتخابات 2014 ستشهد تغيّيرات يمكن ان تكون كبيرة في اصطفافات القوى و خاصة الشيعية الحاكمة منها . . . كي يضمن استمراره متربعاً على كرسيه، كما تتناقل وكالات الانباء و الصحف و اعضاء برلمانيون و شخصيات سياسية.   
و فيما ترى اوساط تزايد الاحتجاجات الداخلية التي وصلت الى مشاركة حلفاء المالكي بنشاط فيها، ترى اوساط واسعة بأن اكبر معارضة الآن لسياسة المالكي هي من بنات و ابناء الشيعة العراقيين الذين تدّعي حكومة المالكي انها تمثّلهم . . بل و تذكي و تواصل الاحتجاجات اطراف متنفذة شريكة له و بالذات ـ التيار الصدري الذي أُجبر من الحكومة الإيرانية حينها في الدورة المستمرة الحالية على الموافقة على المالكي ، و ـ المجلس الأعلى الإسلامي . . اللذان قد يتحالفان في مواجهة المالكي، الامر الذي يحسب له المالكي الف حساب .
و ذلك بعد ان اوصل البلاد بتطبيقاته التحاصصية الى ابواب لامنفذ لها، و بعد استخدامه للعنف الطائفي الى حدود خيالية لم تشهدها البلاد من قبل. اضافة الى تعامله القاسي المنحاز طائفياً مع المحتجين و المعتصمين من ابناء الطائفة السنيّة في محافظة الأنبار طيلة العام المنصرم، دون سعيه لوضع حلول لمشاكلهم المطلبية في عيش كريم، التي نالت تأييد و تضامن كثير من القوى الخيّرة سواء من الشعب او من داخل و خارج الدولة . .
حتى ادىّ الإهمال و يؤدي الى ردّهم العنف بالعنف و الى تطوره الى اشتباكات قد تتوسع اكثر مع القوات النظامية رغم نداءات المراجع السنيّة الكبرى، و ادىّ و يؤدي الى محاولات منظمات الارهاب المعروفة ـ القاعدة، داعش، جيش النقشبندية . . ـ الى استغلالها و توظيف قسم منها لها، لتقوم بانواع الاستعراضات الدموية في مواجهة ابناء قوّاتنا المسلحة الوطنية .
و من كل ماتقدّم و غيره يستخلص سياسيون و خبراء و مفكرون و مثقفون بارزون : " عدم آهلية المالكي لممارسة الحكم التعددي " الذي يعتمد التبادل السلمي للسلطة و اشاعة السلام و الحرية و احترام الاديان و الطوائف و القوميات . . بل على العكس فإنه لعب على تأجيج صراعات المكونات العراقية و خاصة الطائفية و العرقية، و على توظيف الصراعات الاقليمية و الدولية لنفسه و لإنفراده شخصيّاً بالحكم، و خاصة الصراع الإيراني ـ الأميركي في زمان ـ انتهى الآن ـ حين احتاجه فيه الطرفان و تصوّروا ان له آفاقاً ، الاّ انه في الحساب الاخير لم يبررها، وفق مراقبين .
و يرى متخصصون بأن الموقف الايراني الآن يعيد النظر في تقييم مؤهلات المالكي و تقرير مدى امكانية استمراره في رئاسة الوزراء لدورة جديدة، اثر ممارساته الخاطئة و تناقص شعبية كتلته و حزبه الحاكم ـ بعد ان غيّره ـ . . الأمر الذي عكسته نتائج انتخابات المجالس المحلية الاخيرة، فالموقف الإيراني قد ينتظر انجلاء نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة ليقرر، خاصة وان الجهات الإيرانية قوّت علاقتها مع كل الاطراف الشيعية المتنفذة و حاولت و تحاول فتح باب علاقاتها على مصراعيه في اقامة علاقات مع قوى عراقية اوسنيّة او مدنية او ليبرالية ، موظفة لذلك خبرتها في التعامل مع سوريا و لبنان و مع الاطراف الفلسطينية . . خاصة و انها تعاني الآن من نتائج حصار دولي متشدد .
و ترى اوسع الاوساط الداخلية و الدولية وفق وكالات انباء متخصصة و محايدة، ان رئيس مجلس الوزراء الحالي المالكي يعلم جيداً عدم رضى السيد آية الله السيستاني الزعيم الروحي الاعلى للشيعة، عدم رضاه عن ادائه السياسي و اداء حكومته (*) . . فإنه يسعى الى توظيف اعلان السيد السيستاني بعدم تدخل مرجعيته العليا بالسياسة، المؤدي الى الصمت، على اساس ان واجب المرجعية يقوم على النصح و الإرشاد و ليس التدخل المباشر الاّ في الظروف التي تهدد أمن البلاد و سلامة الناس كما حدث صريحاً في الموقف من الانتخابات و الدستور.
و يرون بأن حالة البلاد الراهنة جرّاء سياسات المالكي في مواجهة المخاطر التي تحيق بالبلاد و العباد، قد جرّتها الى متاهات و الى حمامات دماء تزداد و لاتنتهي على اساس الهويات الدينية و الطائفية و العرقية، التي قد تجرّ البلاد ـ و المنطقة ـ الى حرب أهلية اكثر تدميراً . . هي التي تشكّل اكبر الأخطار التي تواجهها البلاد الآن و التي تستدعي ضرورة تدخل المرجعية العليا و خروجها عن صمتها كما حدث في منعطفات حادة سابقة، و يناشدون السيد آية الله العظمى السيستاني بالتدخل لحقن دماء الشعب العراقي المنكوب بكل اديانه و طوائفه و اعراقه .
و ان ثقل المرجعية الشعبي في الظروف القائمة، و مواقفها المجرّبة التي لعبت ادواراً هامة منذ سقوط الدكتاتورية يؤهلها لذلك ـ رغم استغلال ممثلين و وكلاء انتهازيين لإسم المرجعية في الانتخابات التشريعية الاولى في ظروف تكالبت فيها انواع المخاطر، ثم تم التراجع عنها ـ . . في زمان بدأ يتكشّف فيه زيف قوى اسلامية تزعمت و فشلت لغرقها في الفساد و السرقات و القتل و نالت اكبرها " الاخوان المسلمون" حظراً و صارت عضويتها يطالها القانون في جمهورية مصر العربية، و حذت حذوها دول عربية كبرى، اضافة الى ان الارض بدأت تميد تحت اقدام حزب العدالة الاسلامي الحاكم في تركيا بزعامة اردوغان بسبب الفساد و السرقات الكبيرة . 
ان موقفاً لصالح الشعب العراقي من المرجعية العليا للسيد السيستاني سيعطي زخماً كبيراً لكل قوى الخير و السلام في البلاد من القوى الفاعلة في المجتمع سواء كانت : دينية اسلامية و مسيحية و غيرها و بمختلف مذاهبها، قومية : عربية و كردية و تركمانية و غيرها، او سياسية تحررية تريد تعمير البلاد و اشاعة الخير و الرّقي و فرص العمل و الثقافة و الفنون فيها و كل مايساعد على تجفيف منابع الارهاب فيها على طريق الرفاه . . التي من انشطها قوى " التحالف المدني الديمقراطي"  بكل مشاربه الساعية الى عودة البلاد الى ماضيها الجميل الذي تعايشت فيه كل مكوّنات الشعب العراقي بأطيافه الدينية و الطائفية و القومية و الفكرية و السياسية، برجاله و نسائه . .
و من اجل انتخاب المزيد من المرشحين النزيهين الى البرلمان القادم ليؤثروا في تشكيل الوزارة وفي تغيير وجهة المسيرة الراهنة لصالح الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق المواطنة وحقوق المرأة و الكادحين في الريف والمدينة ، لصالح الطلبة و الشباب والمعلمين والمثقفين، و لصالح بقية فئات البرجوازية الصغيرة والبرجوازية الوطنية الصناعية والزراعية والتجارية.  . من اجل رفع راية بلادنا خفّاقة عالية بين الامم، بلادنا التي تملك كل شروط التقدم و الازدهار . 

3/ 1 / 2014 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كماعبّر وكلائه و ممثليه الشرعيين و مقلديه دون ذكره بالاسم الصريح، وفق تسلسل الاحداث و القرارات الحكومية و القرارات الصادرة باسم المالكي . . طيلة سنوات الدورة الحالية التي تشارف على الإنتهاء .






51
اعلان تحالف "كوردستاني ـ مدني ديمقراطي"
                                                                                                               د. مهند البراك
                                                                                                      ahmedlada@gmx.net


   استقبلت بحرارة اوساط شعبية متزايدة توّجه القوى السياسية في كركوك لإعلان قيام  تحالف يضم التحالف الكوردستاني بقسم من احزابه و قواه، و التحالف المدني الديمقراطي باحزابه المتعددة من الحزب الشيوعي و الحزبين الديمقراطيين الى الحركة الاشتراكية العربية و شخصيات اجتماعية و سياسية مستقلة ، للنزول في الانتخابات التشريعية بقائمة موحدة و بشكل لم يحدد بعد . . . وقد استقبلته اوسع الاوساط بحماس كبير لأنه يوفّر ارضية اقوى لتنظيم حركة شعبية واسعة واعدة تستطيع الوقوف امام الاحزاب و القوى الطائفية المتطرفة التي تهدد بالسيطرة الشاملة على البلاد و بالتالي شللها و تخلّفها ، سواء في نوعية حكوماتها و سياستها و قوانينها، او بتحديد نوع قواتها المسلحة و ثقافتها و درجة تمدنها و كينونتها .
   و فيما يذكّر قيام هذا التحالف الواسع بفرح، بالنجاحات التي تحققت تحت شعارات " على صخرة الاتحاد العربي الكردي تتحطّم المؤامرات" ، " الديمقراطية للعراق و الحكم الذاتي الحقيقي لكردستان " التي ناضل تحت لوائها الحزب الشيوعي و انصاره مقدّمين انواع التضحيات في سبيل الديمقراطية و تحقيق الحقوق القومية العادلة للكرد و كردستان، سواء في الوسط و الجنوب او في فصائل الانصار الشيوعيين في حركة البيشمركة المناضلة . .
و الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ الذي خرجت من معطفه الاحزاب الكردستانية القومية التقدمية الاخرى ـ بزعامة قائده الكبير الملا مصطفى البارزاني الذي اكّد على الترابط الوثيق بين تحقيق الحقوق القومية في كردستان و بين الديمقراطية لعموم العراق، و لعب ادواراً لاتنسى من اجل الديمقراطية و نظام الحكم البرلماني بدستور في العراق .
   فإنه جعل اعداداً متزايدة تطالب بشمول ذلك التحالف الانتخابي عموم العراق من اجل تحقيق نجاحات على طريق الديمقراطية الحقيقية و التبادل السلمي للسلطة و التعددية، و للوقوف بقوة امام مخاطر عودة الدكتاتورية بأردية و اساليب (ديمقراطية) جديدة، و للوقوف امام مخاطر توطّن الفساد و الارهاب و الخراب في البلاد . . خاصة و ان ذلك التحالف امتد ليشمل اربع محافظات جنوبية، كما جاء في تصريحات قياديين في الحزب الشيوعي (*).
   ان هذه الخطوة في الوقت الذي تعزز فيه وحدة كركوك و تآخي قوميّاتها و اثنياتها                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  العربية الكردية التركمانية و الكلدوآشورية و لو بطرق كثيرة التعقيد لأسباب متنوعة، فإنها ـ اخذين بالاعتبار الاستفادة من دروس مماثلة من مستوى اقلّ جرت في الفترة الماضية ـ . . تشكّل نموذجاً مشجعاً على الإنتشار في انحاء البلاد ، و بالتالي تحقيق وحدتها الوطنية التي تؤهلها للوقوف امام مخاطر تهديدات و تدخلات الدول المحيطة به بشؤونه، و التي لم تؤدي الاّ الى انتشار الإرهاب و التخلف و الفقر .
   و يشير سياسيون الى ان اعتماد نظام المحاصصة الطائفية المقيت هو و (الديمقراطية) المشوهة التي اعتمدت سواء في استنادها الى الطوائف لتنفيذها او في التطبيق العملي لها  . . هي التي ادّت الى اهمال تلك الوجهة المجرّبة و الى اضعاف العراق القائم على اساس وحدة قوميتيه الرئيسيّتين و ليس المحاصصة الطائفية، و ادّت بالتالي الى الهاب الطائفية و اضعاف البلاد بتصدّعها على اساس الهويات الثانوية، و الى بعث الاحقاد القديمة و اعتماد الاساطير و الوعود الحالمة كخطط للحكم و للثقافة والاعلام، التي لاتخدم الاّ الارهاب الطائفي شئنا ام ابينا . .  و فوّت على الجميع الفرص لتحقيق السلم و الاستقرار الوطنيان الضروريان من اجل الوصول فعلياً و ليس وعوداً . . الى درجة اعلى من الرفاه و النمو الاقتصادي و الاجتماعي لعموم البلاد، بمكوّناتها و اطيافها الفكرية و السياسية و القومية، الدينية و المذهبية، و بشبابها . . نساء و رجالاً .  
و يرى خبراء و سياسيون مجربون ان خطوة اعلان التحالف اعلاه للنزول في الإنتخابات، اضافة الى نتائجه الواعدة في الإنتخابات . . فإنه سيحرّك اوساطاً شعبية و شبابية اوسع في البلاد، بكردستانها في شمال البلاد بتنوعها الاثني و الديني و بوسطها و جنوبها بكل طوائفها و اديانها و اثنياتها، و سيكسب للقضية الكوردية حلفاء جدد و انتصارات جديدة سواء في العراق او بين شعوب و دول المنطقة بما يحقق دعماً اكبر لها من زيادة رفع تضامن شعوبها و كادحيها و مثقفيها مع الشعب الكردي و قضاياه القومية العادلة . .  


10 / 12 / 2013 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) للتفاصيل راجع شفق نيوز، السومرية نيوز، و صفحة الطريق في 9/10. 11 . 2013 ـ تصريحات عضو م.س للشيوعي العراقي رائد فهمي، و عن كركوك تصريحات عدنان كركوكي عن الديمقراطي الكوردستاني ـ وكالات انباء .


52
هل هو تخوّف من نتائج الانتخابات ؟
                                                                                                             د. مهند البراك
                                                                                                   ahmedlada@gmx.net

يقترب موعد الإنتخابات التشريعية و تظهر انواع النشاطات غير القانونية سواء في الدعاية لمرشح ما او في الأعداد الهائلة من الصور و اللافتات ـ التي تتقدّمها صور رئيس مجلس الوزراء القائد العام ـ  . . او في تصاعد موجات الارهاب ذات الاهداف المتنوعة التي صار يصعب تحديد الجهات القائمة بها او المحرّضة عليها لكثرتها و تنوعها، بين جهات مخرّبة و اخرى منظّمة من جهات خارجية ، وصولاً الى جهات ليست بعيدة عن الاوساط الحكومية ذاتها بأدلة و اثباتات تشمل نوعية الأسلحة و الزي و السيارات و العجلات المستخدمة في عمليات منها، وفق وكالات انباء و صحف و شخصيات برلمانية عراقية و دولية و اقليمية . .
و تشير مصادر انباء متنوعة الى ان القائد العام السيد المالكي اضافة الى تصرفه بالمال العام في تغطية حملته الإنتخابية و في الدعاية لنفسه . . فإنه يقوم بعدة اجراءات تنفيذية لادستورية علنية و اخرى لايُعلن عنها وفق الاصول القانونية المعمول بها، اجراءات عزّزت و تًعزّز فرديته المطلقة و هيمنته على مفاصل الحكم الاساسية و خاصة القوات العسكرية و الامنية المتنوعة، اضافة الى تهديداته شبه العلنية لإفراد قياداتها باشد العقوبات الإنضباطية و الإحالة الى المحاكم المختصة بتهم " الإجتثاث لأنهم اخفوا حقيقة درجاتهم الحزبية التي انكشفت مؤخراً فقط . . ؟! " وغيرها من العقوبات الشديدة بتهم جاهزة، في حال فشل قائمته . . قائمة المختار المالكي !!
   و يرى خبراء، ان ذلك يجري في ظروف مرّت على (العملية السياسية) المعلنة فيها اكثر من عشر سنوات، اظهرت استمرار و تفاقم الازمات و المخاطر التي تواجه المواطن و على رأسها الإرهاب الذي يبدو و كأنّه استوطن في البلاد وفق انواع التقارير الدولية و الإنسانية . . ظروف اثبت فيها نظام المحاصصة المعمول به فشله رغم بعض نجاحات تحققت به بداية . . و اثبت انه أستُغلّ من قبل اشخاص للاستيلاء على الحكم في ظروف شاع فيها الفساد و النهب، و تبلورت فيها جماعات و فئات اشد فتكاً من (القطط السمان) و (ضباع الحروب)، مدعومة من قوى دولية و اقليمية مجاورة بدعوى الدفاع عن الطائفة المظلومة المتغيّرة، حتى ضاعت مقاييس المظلومية . .
من جانب آخر، فقد ادّت وحشية الإرهاب ولامبالاته بارواح آلاف المدنيين العزّل من كل الطوائف و الاديان ، اضافة الى تصديّ حكومة المالكي للإحتجاجات السلمية المطالبة بالخبز و الحرية بالرصاص الحي و بالحديد و النار و الملاحقات البوليسية . . . ادّت الى ظهور و تعمّق انواع المشاعر السلبية بين ابناء كل الطوائف، من الرغبة المريرة لهجران البلد الى اللامبالاة و الصمت للحفاظ على الارواح، رغم تزايد تبلور و تصاعد مشاعر الحقد و الغضب الواعد الذى لايزال لايعبّر عن نفسه بشكل فاعل على الصراع الطائفي و الطوائف، الاّ انه يمكن ان ينفجر . .
و خاصة بعد ان بدأت تفوح روائح تصدّع التحالف الشيعي (الحاكم) ذاته بشكله القائم، على صخور انانية الحاكمين المتنفذين من النفعيين و ارباحهم الفلكية السوداء باسم الطائفة و على حساب الوطن المستباح، في وقت يرى فيه مراقبون قريبون من الحدث، ان مايحصل من اعمال لاقانونية هائلة، يجري في الغالب بتغطية من اوساط حكومية عليا، و يدور الحديث عن ضلوع رئيس الوزراء المالكي وابنه احمد فيها . .
حيث تجري انواع الهِبات و غضّ النظر و التخادم في مسيرة يزداد فيها تبلور دكتاتورية من نمط جديد قائمة على فرد و فئات مستفيدة متخادمة بإسم الطائفة، و بدعم خارجي ـ سياسي عنفي مالي نفطي ـ تزداد معالمه وضوحاً . . مسخّرة هذه المرّة حزب الدعوة كاداة، بعد هيمنة القائد العام و معاونيه عليه ـ على حزب الدعوة ـ و بعد تفريغه من محتواه النضالي السابق و من دعاته الفاعلين حينها في النضال ضد الدكتاتورية المقبورة . .
ان السعي المتواصل للسيد المالكي للإستيلاء على السلطات التشريعية و القضائية و الهيئات المستقلة، اضافة الى حصره للسلطة التنفيذية الممثلة بحكومته بيده، و قيادته المباشرة للقوات المسلحة بأصنافها، التي ادّت الى نتائج كارثية في مواجهة الاحداث الجارية، و الخراب المتواصل في البلاد وفي العاصمة بغداد بالذات . . فإنه قد مسخ دولة المؤسسات و حوّلها الى " لادولة" و الغى (الديمقراطية) التي شكّلت اساس الحكم كما ورد في الدستور المصوّت عليه و نصوص فقراته. . الغاها سواء عملياً بإجراءاته او بتصريحاته المعبّرة عن قناعاته من . . (السلطة لن نعطيها) الى (ان الشعب متخلف لايفهم الديمقراطية)، (الشعب لايحب الحكومة) و (بالتعددية لايمكن اتخاذ قرار) و غيرها.
و اطلق رئيس مجلس الوزراء يده في التحكم فردياً بقيادات السلطات الدستورية و في التحكم في التعيينات و توزيع المناصب و المكافآت و التحكم بمسار الخلافات و الإختلافات بين الكتل، مقابل التهليل له كقائد عام . . اضافة الى التحكم الآن في مآل اشتراطات الكتل الشيعية الاخرى لشغل حقائب محددة، كهبات و كمقابل لإعلانها عن موقف ايجابي من ترشيح المالكي لدورة ثالثة، واعداً افرادها بزيادة تحصيلهم من الوضع الجديد كافراد، مزيداً بذلك الفساد و النهب على الفساد و النهب الجاريان، معمّقاً بذلك النفعية و الخداع و النفاق، لا ابالياً بايجاد حلول لمعاناة اوسع الجماهير بسبب الخوف و البطالة و تعمّق خراب الخدمات.  
و تتناقل وكالات الانباء منذ الآن و قبل اجراء الإنتخابات و اعلان نتائجها . . تتناقل انباء مفادها ان جدالات حادة لتثبيت الكتل و قادتها بالأسماء في اماكنهم الحاكمة لاجل ضمان استمرار رئيس الوزراء على مقعده منذ الآن !! . . التي يصفها مطلعون بكونها ضمن خطة لتثبيت الوضع القائم و جعل الانتخابات ستاراً لاستمرار هذا الوضع، وصولا الى انتخابات بنتائج مضمونة له على نمط انتخابات الدكتاتورية التي كانت تفوز بنسب 99,9% في السابق . . و الآن بنسب 65% فمافوق . . ليكون فوزاً معقولاً في الظروف القائمة . .
و فيما ترى اوساط في ان تشبّث المالكي بكرسيه يعود الى تخوّفه من الحساب الذي ينتظره ان تركه، ترى اوساط اخرى انه يتهيّأ لذلك بسفره العاجل الى طهران لمحاولة اقناع الولي الفقيه بولاية ثالثة، و الاقناع بخططه الجديدة المارة بعد انكشاف الانخفاض الواضح لشعبيته في نتائج انتخابات المجالس المحلية الاخيرة، و في وقت لم تعد تحتاجه فيه كالسابق لا الدوائر الإيرانية و لا الادارة الاميركية، كما احتاجته قبل الاتفاق الايراني ـ الاميركي الاخير . . رغم تهليل له بكونه صار صاحب خبرة في الحكم و انه المختار لحكم (شعب لايحب الحكومة) !

6 / 12 / 2013 ، مهند البراك

53
المالكي : الشعب لايحب الحكومة !
                                      
د. مهند البراك
                                                    ahmedlada@gmx.net

فيما تزداد الحياة مشقة و مخاطر و يعود نزيف الدم بشكل متسارع، القى رئيس مجلس الوزراء الحالي الساعي الى احتكار السلطة و الانفراد بها السيد ابو احمد المالكي، القى خطاباً في احتفاليته بـ "اسبوع النزاهة"، خطاباً لايمكن ان يثير الاّ عاصفة من تساؤلات و سخرية . . وفيما وصفه البعض بكونه شجاعاً و صريحاً . .
ويصفه كثيرون بكونه منافقاً للتقرّب من قوى قرار داخلية من كتل متنفذة و احزاب و قوى سياسية، و خارجية من دول جوار الى دول كبرى و احتكارات متنوعة . . في محاولته للحصول على موقعٍ انتخابي اقوى في الانتخابات التشريعية التي قرُب موعدها، و يصفه كثير آخرون بكونه لايمتّ الى الصراحة و الشجاعة، لأنه ليكون كذلك كان عليه ان يطرح ماهية الحلول التي يراها لما يجري، او يتّخذ اجراءات عملية لوضع الحلول بحكم السلطات الواسعة التي بيده الآن، في الظروف الخطيرة الجارية في البلاد و التي تتطلب الحلول العاجلة .
و يرى مراقبون محايدون ان ذلك الخطاب اضافة الى انه يتجاهل الواقع الدامي و الحياة المدمّرة للعراقيين برجالهم و نسائهم، فإنه و اخذاً بالاعتبار سياسته العملية و طروحات المالكي . . لايخرج عن كونه امتداداً لخطب و تصريحات سابقة له، قال و كرر فيها ان حكومة متنوعة الكتل لن تنجح !! و انها متناقضة و لن تستطيع الاتفاق على قرار او رؤية ما، رغم حلفانه اليمين الدستورية لدى استيزاره على السهر على تطبيق الدستور و التقيّد به و خاصة في التعددية ـ رغم نواقص في الدستور اتفق على تعديلها ـ .
ليأتي الخطاب مكمّلاً لإسلوبه الذي لا يسير على منهج و لايمتاز بمرونة سياسية لمنهج ما، و انما يسير على الركض وراء مايمكن ان يبقيه على مقعد السلطة لدورة ثالثة جديدة بشكل لادستوري، دورة كان ينتظرها من خلال كونه وسيط لخلق توازنات احتاجها متوسطيه الاميركان و الايرانيون و كانوا يوعزون له بتنفيذها . . و التي لاينتظراها الآن بعد توفر فرص افضل بدأ بها الرئيس الإيراني الجديد روحاني سياسته الجديدة في التفاهم، التي غيّرت توازنات في قوى المنطقة و في مواقف القوى ذات المصالح الكبيرة فيها من جهة . .
ومن جهة اخرى فإنها جعلت ابو احمد المالكي في مهب الريح، حتى صار يتهافت على ارضاء اية قوة مؤثرة يفرزها الواقع الجديد، اميركية كانت او ايرانية او خليجية و غيرها . . بعيداً عن رؤية الواقع المرّ الذي يعيشه الشعب باطيافه و تعيشه حتى الطائفة الشيعية التي يدّعي تمثيله لها، موظّفاً تصعيد نظام المحاصصة الطائفية للعاطفة الدينية و المذهبية، و كأن مصير السلطة و الشعب بأطيافه تحددها العواطف. 
الأمر الذي يرى فيه خبراء سياسيون و اجتماعيون، بكونه توجه لايخرج عن محاولات خطيرة  يسهر على تنفيذها، من اجل الوصول الى الإعلان عن قيام الحكم على اساس حكم الحزب الواحد، هو حزبه حزب الدعوة ـ الذي لم يعد حزب الدعاة الذي ناضل ضد دكتاتورية الحزب الحاكم السابق ـ، حيث تكمن مخاطر عودة الدكتاتورية و القائد الضرورة برداء جديد، يقوم على اساس المنافع الذاتية الانانية و دائرة العواطف في الحب و الكراهية و محاولة تأطيرها بعواطف المقدّس او الاختفاء خلفها . . بدل الاعتماد على الخطة الدستورية ـ على ثغراتها ـ .
   و يرى متخصصون لامنحازون، بأن تعبيره المتنوع الملخّص بـ (الشعب لايحب الحكومة)، مقصود منه (ان الحريات تشجّع على الفساد) على حد قوله، و ان الناس لاتفهم و لا تسلك الطرق التي وفّرتها لهم الديمقراطية، و هو تعبير عن ان مايصلح لحكمها، هو قيام حكم فردي عسكريتاري كحكم صدام، بدلالة الشعارات التي رفعتها مؤخراً مظاهرات جرت في كربلاء تنديداً بإجراءات الحكومة المحلية بازالة بسطيات الكسبة بالبلدوزرات . . التي يرى سياسيون ان الهدف من رفع المتظاهرين ايّاها، كان مخاطبة الحكومة بخطاب لايخرج عن منطِقِها هي و عن عقلية حكامها الذي لايزيد عن مستوى تلك العقلية الضحلة، و هو احد الامور الخطيرة في الوعي العام لكونه نتيجة سيئة من النتائج الناجمة عن حكم كحكم المالكي (الدستوري البرلماني)، بعد عشر سنوات على سقوط الدكتاتورية.
   و تحذّر اوساط واسعة من سلوكه اثر النتائج الباردة لزيارته للولايات المتحدة، و اثر تلويحات اوساط متنفذة في الادارة الاميركية له بعجز حكومته . . كونه قد يؤدي الى محاولته اخذ المبادرة لصالحه باجراءات غير مسبوقة، تمهيداً لإعلان حالة طوارئ و تعليق الدستور . . لفتح الطريق امام قيام دولة الحزب القائد !!   
   و تطالب القوى و الشخصيات السياسية و الاجتماعية و القانونية و الدينية من كل الطوائف، بالتشديد على العودة الى الشعب و على اجراء الانتخابات التشريعية في موعدها الذي يقترب، و الاستقواء بالداخل العراقي الغني، باتباع المرونة و السعي الى لمّ الشمل الوطني الضامن الوحيد لمواجهة الإرهاب . . خاصة بعد تغيّر ميزان صراع المصالح الايرانية ـ الاميركية الذي احتاج و دَعَمَ حينها وجود شخصية وسيطة في الحكم و غضّت النظر عن مثالبها . . شخصية تمثّلت بالمالكي الذي وظّف تلك الحاجة له و ركبها على اساس فردي غيّر به حزبه ذاته و تحالفاته، بعيداً عن الجهود الحقيقية لمكافحة الطائفية و تعميق الحكم المدني الدستوري و اشباع هيئاته بصلاحيّاتها، و بعيداً عن تعميق البديل العراقي الوطني الذي يتطلّب بالحاح شديد وحدة القوى المناضلة على اسس العمل من اجل قيام الدولة المدنية.

11 / 11 / 2013 ، مهند البراك


54
هل ستعود الإنقلابات العسكرية ؟
                                                                                                      د. مهند البراك
                                                                                                ahmedlada@gmx.net

من المعروف ان الإنقلابات العسكرية في الدول الهامة للإقصاد العالمي و ستراتيجيته، سواء كانت لأسباب داخلية لتصفية منافسين و باشارة خضراء من قوى كبرى دولية او اقليمية، او وسيلة لإعادة موازنة حسابات و مصالح تلك القوى مدعومة بالتلويح بقوى خارجية جاهزة و مستعدة ، في وقت تمرّ فيه السلطة القائمة في مرحلة حرجة من حياتها . . لتُرضي فيه مشاعر اوسع الاوساط الشعبية الناقمة، و لتلوّح و تعد بأنها ستجد حلولاً لإحتياجاتها و إحتجاجاتها على حياة لم تعد تطيقها، لكسب رضاها و تأييدها .
و خاصة في مجتمعات شبه اقطاعية شبه برجوازية طفيلية وعسكريتارية كمجتمعات منطقتنا و منها بلادنا التي صارت تعود فيها الناس بشكل مؤلم الى العشيرة لجوءاً و هروباً من الصراع الطائفي و الطائفية الدموية و من اثارة و تهديدات و ملاحقات صراع الهويات الثانوية الاخرى، من الطائفة الى الدين، و الى الاصول العرقية، و غيرها . . التي صارت و كأنها مصالح و وظائف ثابتة تلاحق و تدمّر و تقتل، و تقرّب و تبعد و تُسجن . .
و يرى متخصصون بأن ذلك يأتي في البلاد، بسبب تصاعد دور مراكز القوى العسكرية الداخلية سواء كانت قطعات عسكرية ام ميليشيات طائفية مدعومة اقليمياً من دول النزاع، التي ازدادت فعالياتها العسكرية و خبرتها و بالتالي دورها من خلال المواجهات المتواصلة . . سواء ضد الارهاب او في معمعان الصراعات الطائفية التي سيقت اليها، في ظل حكومة يقودها حزب طائفي الأساس و الممارسة، الذي اثبت قصوره و عدم قدرته على الحكم، و صار بدلاً من ان يكون جزءاً من الحل على الأقل، صار جزءاً اساسياً من المآسي القائمة رغم انواع المناورات و المساحيق التجميلية  . .
و يرى محللون ان مايزيد من مخاطر ذلك، تصاعد التذمر الشعبي و الإحتجاجات المتواصلة المتسعة على حكومة استمر رئيسها في الحكم طيلة اكثر من سبع سنوات من السنوات العشر التي مرّت على سقوط الدكتاتورية . . على ارضية من غياب ثبات اجتماعي اقتصادي و طبقي او غياب تطور و مسيرة معروفة له، بعد تحطيم الطبقات و الفئات الوسطى، النهب و الفساد في مؤسسات الدولة، و تفشي الفساد بين افراد القوات المسلحة و تزايد النزعة الفردية في الحكم .
   النزعة الفردية التي لم تًبالي بمدى المؤهلات و النزاهة، بل قرّبت مجاميع من ثقات لمسؤولين كبار و قرّبت اقاربهم الموثوقين، ممن عُرفوا لها بماضيهم، او ممن تدرّبوا على فنون النهب و السلب (القانوني)، سواء بإيكال اعمال و مناصب مالية و قانونية لهم بعد استلام السلطة، استناداً الى شهادات مزوّرة او اخرى صيغت في معاهد و بيوتات مدفوعة الثمن في الداخل و الخارج، من خلال و بغطاء دورات (تدريبية)، طيلة عشر سنوات مرّت . . او كما تدرّبت و عملت مجاميع مقرّبة اخرى على فنون الإرهاب الطائفي بغض النظر عن ماهية الطائفة، لإستخدامها وفق (الحاجة) و تغيّرها . .  
في وقت بدأت فيه مؤسسات الجيش و القوات المسلحة العائدة للدولة و الميليشيات المرخّصة بوثائق او بدونها، بدأت تلعب ادواراً هامة في الحياة السياسية التي تقودها حكومة المالكي، سواءً من قوى حاكمة فعلاً او قوى حليفة (معارضة) . . بسبب السعي لتثبيت ملاكها و كينونته، و (بقوانين الضبط غير المعلنة) و بسبب الحضور اليومي شبه المنتظم لمنتسبيها على مسرح الإرهاب كمواجهة او كتشجيع او كغض نظر . . بعد عشر سنوات لم تستطع فيها الدولة و خاصة دولة (المالكي ـ حزب الدعوة) التي حكمت سبع سنوات من العشر المارة، لم تستطع ان تلعب فيها دوراً فاعلاً حقيقياً في تأمين الإستقرار و الأمان و تأمين الخبز و العمل، و خاصة منذ بدء دورة الحكم الثانية لها، و تجيير انسحاب القوات الاميركية في موعده المحدد من السابق و الذي كان في دورتها، و محاولتها اعتباره و كأنه انتصار لها .  
   و يرى متابعون و مقرّبون لدوائر حاكمة و متنفذة، ان اعادة ضباط كبار و طغم عسكرية من عهد الدكتاتورية الى بُنى القوات المسلحة العليا من قبل السيد المالكي و حكومته، استناداً الى خبرتها! و الى توبتها المنافقة و الى تبديل انتمائها الطائفي و منحها ثقتها، هو الذي اوقع المالكي و المقربون اليه في مطب الهلع من مخاطر انقلاب عسكري قد تقوم به قطعات عسكرية بتقديرهم، و هو الذي ادىّ الى تأمينهم سلامة الحكم بـ (حرس الثورة الاسلامية الايرانية) !! . . وفق ماتتناقله وكالات انباء و صحف دولية و اقليمية .
   و يرون بأن مقابلة المالكي و تناوله بالمديح ابنه (المجاهد أحمد) لم يكن بالمصادفة، او بسبب زلّة لسان، و انما هو تعبير عن تخوّف حقيقي من احتمال ضياع السلطة من يده هو، و عن انه مستعد للقيام بكل الإجراءات اللادستورية بل و حتى الانقلاب على الدستور، مستقوياً بقوة اقليمية و التلويح ابتداءً بها، لعدم انفلات السلطة من يده و انه (ماينطيها) وفق تعبيره الذي اشتهر به . . و ان اعلان متنفذين في حكومة المالكي و كتلته البرلمانية عن الحذر من انقلاب عسكري، ثم استحداث قيادة عسكرية اضافية جديدة باسم " قيادة القوات المشتركة"(*) بأمر من مكتب رئيس الوزراء المالكي وفق الإعلان . . لتأمين الوقاية من تلك المخاطر و مواجهة ايّ تحرّك يُشك بكونه انقلابي لقطعات عسكرية، على حدّ الإعلان . . كلّها ادلّة واضحة على ذلك.
   ناسيا ان مايجري هو بسبب قصوره و عدم كفائته في مهمته الدستورية، و خروجه عن الدستور و سعيه لتكريس الحكم الفردي و مواجهته الإحتجاجات الجماهيرية بالرصاص الحي . . هي التي ادّت الى مراهنة قوى متنوعة على الوحدات العسكرية النظامية و غير النظامية. و في وقت يتصاعد فيه دور النموذج المصري للقوات المسلحة و تعاملها مع الحزب الاسلامي الذي كان يحكم و انزلته من سدة الحكم نزولاً عند مطالب الجاهير ـ مع الفوارق ـ ، و في وقت يزداد فيه دور الصراعات الدموية السورية في اشاعة و نشر الطائفية الدموية في المنطقة .
   فيما تحذّر اوساط من قوى مدنية و ليبرالية، من مخاطر ان يؤدي ذلك الى اعلان قوانين الطوارئ و الغاء اجراء الإنتخابات النيابية في موعدها، و تجيير استمرار حكم (المالكي ـ الدعوة) الى اشعار غير مسمىّ . . الامر الذي حذّرت منه قوى وطنية و ديمقراطية متنوعة، في حال اهمال مطالب الجماهير في الحرية و العمل و العدالة، حين دعت حكومة المالكي الى الاخذ بمطالب المحتجين و تجمعاتهم الجماهيرية المتواصلة، و حذّرت من ان اهمالها قد يؤدي الى مخاطر وقوعها بيد القاعدة الارهابية و جيش النقشبندية بزعامة الهارب من العدالة سئ الصيت عزت الدوري .
   و فيما تزداد المطالبة بالاسراع بوحدة القوى الوطنية الديمقراطية، الليبرالية، و العلمانية و الاسلامية الوطنية . . في بودقة القوى المدنية التي تطالب بقيام نظام حكم مدني دستوري يثبّت مسيرة تقدمية تهدف الى الامان و الرفاه و العدالة، من خلال تشكيل قائمة انتخابية واحدة في الانتخابات القادمة و الاصرار على اجرائها في موعدها و وفق الاصول الدستورية و تعميق مضامينها لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، و رفض القوانين القسرية الجديدة التي يجري العمل على اعدادها لصالح الحكم الفردي و الحزب الطائفي الحاكم .

21 / 10 / 2013 ، مهند البراك  
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الذي قد يبقى منصباً اعلامياً ان لم تتخذ حكومة المالكي الإجراءات الضرورية في تلبية المطالبات العادلة و تخليصها من ادران التدخل و المتاجرة بها سواء من القاعدة او من الدوري . .


55
هل هو حكم اوليغارشية طائفية ؟
   د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

   
مرت عشر سنوات على سقوط الدكتاتور، و يكاد اوسع المراقبين و المحللين يتفقون على ان حالة البلاد تتردّى و يتزايد الميل فيها الى الانفراد بالحكم من قبل فرد هو القائد العام الذي يجمع بيده مجلس الوزراء و مختلف الاجهزة العسكرية و القمعية و الإعلامية و السياسية الداخلية و الخارجية، من خلال حزب حاكم و كتلة برلمانية مؤتلفة بضغوط ايرانية ـ اميركية في حقل تتفق دوائر عليا من الطرفين عليه لحد الآن ، و بذلك ضمنتا بقائه على كرسيه . .
في وقت يتغيّر فيه حزب الدعوة الحاكم و مراكز القوى فيه بأستمرار ـ فهو لم يعدْ يشبه حزب الدعوة المناضل ضد الدكتاتورية وفق متخصصين عائدين له و محسوبين عليه (1) ـ ، و رغم تغيّر  مواقف كتل الائتلاف، الاّ انها لم تخرج عن صالحه رغم تصريحات ممثليها الناقدة و المهاجمة لسياسته ـ بسبب سكوت دوائره عن فساد اعضاء بارزين فيها، وفق مراقبين قريبين ـ  رغم المعاناة الشعبية المتّسعة بسبب تزايد انعدام الأمن و الصراع الطائفي و تقنين الحريات . . . التي تتسبب بتزايد الفعاليات الشعبية المطالبة و المنددة .
و يرى كثير من المراقبين ان البلاد شهدت تغييرات و حكم يختلف عن حكم الدكتاتورية السابقة التي وصلت الى طريق مسدود و صار لايمكن لها ان تواصل الحكم الاّ بالحديد و تسعير النيران و الحروب، بعد ان انفضحت اساليبها و راح مئات الالوف نساءً و رجالاً، ضحايا لجرائمها . و كان لابد من مجئ حكم جديد اثر اسقاطها بالحرب، حكم يفتح آفاقاً و آمالاً للشعب و يحقق له مكتسبات و درجة من رفاه تعوّضه عمّا فقده و ابتلى به، رغم انّه لايُعَوّض بسهولة  . .
و ذلك ما بدأ يتحقق و لكن باثمان غالية اخذت تزداد ارتفاعاً حتى فاقت مايحصل عليه الشعب، و صارت تهدد بعودة القمع و عودة كبار رجاله السابقين، و عودة الحكم الفردي، تحت واجهات دستورية . . .  واجهات صار يجرى التضييق حتى عليها بدلاً من اطلاق الحياة الدستورية اكثر و السعي لكسب الدولة للشعب بأنواع اطيافه الدينية و المذهبية و القومية، للدفاع عنها و لإعادة بنائها .
من ناحية اخرى، لابد من التذكير بمالعبته الحرب و اعلان الإحتلال و بناء الدولة على اساس المحاصصة الطائفية التي استفزت انواع القوى في البلاد و في المنطقة، و جرّت الى تدخلات منظمات القاعدة الإرهابية و قيامها بعملياتها الارهابية البشعة . . و قد لعبت كلّ تلك الصراعات ادواراً متنوعة في تحويل الصراع الاساسي، من صراع من اجل التحرر و التقدّم الى صراع ميليشيات طائفية اوقعت الخسائر بارواح و ممتلكات مئات آلاف العراقيين المدنيين رجالاً و نساءً اثر العمليات الإرهابية التي استهدفتهم و لم تستهدف قوات الإحتلال كما كانت تعلن بياناتهم المنافقة . . حتى صار الصراع : صراعاً ايرانياً بجلباب (شيعي)، و سعودي تركي قطري بجلباب (سنيّ)، للسيطرة على البلاد مباشرة او اقتصادياً سياسياً، بل حتى تقسيمها.
في تلك الأجواء التي سادها صراع الميليشيات الدموي الإيراني ـ الخليجي، و اثر غياب الطبقات و الفئات الوسطى و محاربة الثقافة و الفنون على ارضية من تواصل شيوع الأمية و اهمال التعليم و المهن التربوية، تواصل هروب و هجرة العقول و الكفاءات العلمية و اهمال اعادة الكفاءات من الخارج، الى تراجع العراق في اولويات السياسة الاميركية(2) . . و غيرها.
تواصلت فئات بالنمو و التكائر المُحدّد بالهوية الطائفية (سنيّ، شيعي، مصلحي بهوية منها . .) مدعومة او متزاوجة مع كيانات متنفذة او وسيطة لها لتأمين استقوائها مالياً و عسكرياً و سياسياً باحدى الدول الإقليمية ـ او باحدى الإحتكارات الدولية ـ، و هذه الفئات تكون في العادة بعيدة عن الضوء و ذات خبرة، تتجمّع و تتكوّن على اساس العائلة و الإيمان بشفيع دنيوي او ديني، و باتّباعها قساوة و شراسة ليلاً و (مرونة) و لاأبالية نهاراً. . حتى تمكّنت من امتلاك مواقع شبه مستقرة لها سواء في الدولة و مؤسساتها المالية و الإستثمارية او في القوات المسلحة و الاجهزة الخاصة و الميليشيات بأنواعها ـ في مواقع اوامرية ـ او في السوق السوداء المترابطة عالمياً . .
و بتقدير متخصصين فإن تلك الفئات تعود لعوائل محددة ترتبط بوحدة الدم و بمفاهيم الشرف العائلي كما تصوغها هي في بلد نامي يتصاعد فيه دور العائلة و العشيرة، بعد ان حُلّت الدولة و اجهزتها العارفة و المجرّبة، و حَلْ و ارتباك دور قوات الشرطة و مكافحة الإجرام . . حيث لجأت الناس الى العشيرة، لتعود العشيرة الى مراكز الحكم بأشكال و صيغ متنوعة، و يصير حكم العوائل (الاوليغارشية) (3) الذي يتجذّر عملياً في البلاد منذ عشر سنوات، بالنهب و الخداع و انواع التهديدات و الافعال الميليشياوية الطائفية .
و فيما تحافظ هذه الفئات على سلوك يحظى بدعم دوائر ايرانية و اميركية و غيرها في آن 
يرى متابعون، ان هذه الفئات و العوائل ـ العشائر ـ التي تحمي ذويها و اقاربها حتى و لو كانوا من المسيئين و الفاسدين و كبار السرّاق و المطاردين من الحكومة و من الاجهزة الأمنية العالمية ـ كالدوري، الجبوري، و غيرهم العشرات من رؤوس الارهاب السنيّ و الشيعي و المتقلبون عليهما ـ صارت بالأخير هي المسيطرة عملياً على العملية السياسية بمنطق المال، القوة، الدبلوماسية و تحقيق التفوّق و الطرائق الدينية المغلقة التي منها التصوّف، في اثبات على ان هجرة رؤوس الاموال و عبورها حدود الدول دون استئذان في زمان العولمة، ليس مقتصراً عليها لوحدها . .  وفق تقارير صحفية دولية محايدة متواصلة (4).
   و على ذلك فإن من يراهن على التفاهم الإيراني الأميركي بكونه يكفي لوحده في حل المشكلة العراقية واهم . . لأن العلّة الأساسية فيها هي نظام المحاصصة الطائفية و غياب حكم وطني اتحادي برلماني حقيقي قائم على برنامج وطني عراقي عابر للطوائف يحقق للعراق هويته العراقية على اساس  الانتماء للوطن بعيداً عن الهويات الثانية.
في وقت ينبّه فيه مراقبون حريصون من مخاطر اعادة بعثيين عرفوا بمواقفهم و ادوارهم المعادية للشعب و للحريات، الى وظائفهم في دوائر امنية و عسكرية حساسة و يحذّرون من مخاطر الانزلاق الى مصافحة البعثيين بحجة الحاجة الى كسب تأييدهم لتهدئة الاوضاع بسبب تزايد المطالبات الشعبية، بدلاً من السعي لإيجاد حلول لها من جهة، و من جهة اخرى لضمان تأييدهم لرئاسته سواء بخطوة لإلغاء تقاعد الزعيم عبد الكريم قاسم كشهيد من شهداء الحرية و البعث سئ الصيت، التي يمكن ان تجرّ الى الغاء التعويضات عن انقلاب شباط 1963 الدموي، و اعادة الاعتبار للانقلاب بحجة تحالف حزب الدعوة آنذاك مع البعث لاسقاط حكم 14 تموز بدعم اميركي ـ وفق تصريحات قادة و كوادر متقدمة سابقة فيه ـ .

7 / 10 / 2013 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   ( وانه لم يعد حزب دعاة و انما منتفعين في مكاتب و يتوضح ذلك في تقرير المؤتمر الإنتخابي الأخير الذي انتهى بتجديد الثقة بالمالكي اميناً عاماً للحزب، و نشر ذلك في بيان مقتضب لايشبه بيانات مؤتمرات الدعاة، اكتفى بذكر الطريقة التي فاز فيها المالكي . . ) ، راجع : "المالكي ضد الدعوة والدعوة مع المالكي" علي السراي / جريدة العالم / الخميس 3/10/2013 .
2.   بسبب خسائر الإحتكارات الأميركية في حرب العراق، ثبات استثمار الكميات الهائلة من الغاز الصخري و دخوله عالم الطاقة في الولايات المتحدة، الذي جعلها احدى اكبر الدول المصدّرة للغاز الصخري و الطاقة في العالم.
3.   الاوليغارشية . . حكم الاقلية، حكم عدد محدود من العوائل التي تمتلك القوة و السلاح، المال، النسب، و تشترك في مشروع مصيري واحد . . ديني، مذهبي، مالي، مُلكية بلد او مُلكيّة اهم اراضيه و مشاريعه. و في العادة تكون متزاوجة بينها.   
4.   كالتقارير المهتمة بـ (وَقْفْ القدس) المسجّل رسمياً باسم الاخ الشقيق للمرشد الأعلى السيد خامنئي، احتكارات عوائل : بوش و جيني و محامي العائلة بيكر، كندي، كيسنجر، نيكسون، عائلة ريغان و محاميها رامزي كلارك و غيرها . . و هي باللغات الإنكليزية و الألمانية .

56
الاحزاب الكبيرة و الصغيرة، الشباب
                                                                                                       د. مهند البراك
                                                                                                    ahmedlada@gmx.net

مع ظهور الانظمة البرلمانية، ظهرت مفاهيم الاحزاب الكبيرة و الصغيرة . . وقد استندت في ذلك القياس الى مدى امكانيّتها على الفوز بالانتخابات،  ثم في مدى تأثيرها في التقرير النهائي لأي الاحزاب سيؤول الفوز. و ظهرت مفاهيم "جبهات الاحزاب الصغيرة" التي تنشأ من اجل تحقيق امكانية في الفوز معاَ او في تقرير فائز يُتّفق عليه، حتى صارت تلك الجبهات كيانات يحسب حسابها بشكل كبير في الانتخابات، ادّت في دول حتى الى توحّد احزاب تلك الجبهات في حزب كبير واحد، او الى ظهور حركات او تيّارات موحّدة نابعة منها، مادامها جميعها تناضل من اجل  تحقيق اهداف مشتركة في واقع قائم قد يستمر لمرحلة تأريخية.
و اضافة الى ذلك ترى احزاب و كتل صغيرة الى ان مشاركتها في الانتخابات، وسيلة لتحقيق شرعية قانونية لها في الحصول على حقوق تتيح لها حرية التعبير العلني الشرعي عن آرائها، سواء بنشاط الحكومة او بالمؤسسات الدستورية، و على حق قانوني في مزاولة نشاطاتها العلنية . . حقٍ يحمي اعضائها من إجراءات قانونية معمول بها فعلاً، او من إجراءات تعسفية قمعية جارية .
و من الطبيعي ان الحصول على موقع دستوري رسمي لحزب ما، يتطلب من الحزب المعني، موقفاً داعماً للعملية السياسية المعمول بها وفق الدستور من جهة، و يتيح له التعبير عن وجهة نظره بإجراءات حكومية قد يرى انها ضارة او ليست مفيدة للصالح العام، و يطرح بدائله لذلك و يحشّد لها علناً . . في اطار توجّه يشجّع الناس على المساهمة في السياسة بدل الابتعاد عنها، و الانتظار حتى حدوث الانفجارات الشعبية بسبب المعاناة، ليشاركوا . .
و على مرّ قرون وُضعت العديد من البحوث و الدراسات  و النظريات عن الاحزاب : افكارها، اختلافاتها التي ادّت و تؤدي الى تعدد الاحزاب، اصولها في البلد المعني، و آفاقها و غيرها. و ساعدت على الإجابة على تساؤلات هامة . . مثل لماذا تبقى حركات و احزاب و تستمر رغم انواع القمع الحكومي الهادف الى الغائها و ازالتها ؟؟ و اظهرت حقائق واضحة على ان هناك ترابط  موضوعي و وثيق بين حالة و طبيعة التكوينات الاجتماعية و الثقافية و القومية و الطبقية و الدينية، المادية و الروحية في البلد المعني، و بين وجود الاحزاب الناشطة .  
من جانب آخر تبذل الاحزاب جهوداَ كبيرة على طريق كسب الشباب من الجنسين . . بتفهّم واقعهم و أمانيهم و طموحاتهم و احلامهم و عواطفهم، و تبنيّ مطاليبهم و العمل معاَ من اجل تحقيقها . . . و من تجارب بلادنا و منطقتنا، اثبتت الاحزاب اليسارية و الديمقراطية و العلمانية نجاحات عميقة في كسب الشباب، استمرت و تستمر بانواع مختلفة : علنية، و غير علنية في مواجهة التيارات المتشددة التي تجتاح المنطقة، سواء كانت تيارات عسكرية او عشائرية او دينية طائفية سادت و لاتزال . . . حيث تنتشر افكارها المطالبة بالعدالة، كما انتشرت كالنيران في الهشيم بين الشباب في معاقل الدكتاتوريات و في اوساط حتى افراد الحرس الهتلري و المنظمات الفاشية العسكرية حينها ـ راجع محاضر محاكمات النازيين في نورنبرغ ـ و كما عبّر القائد البلغاري العالمي المعروف ديمتروف، و القائد الالماني الكبير تيلمان الذي غُيّب في اقبية الموت النازية في المانيا.    
و يعود ذلك الى تبني قوى اليسار و الديمقراطية مستجدات العصر و تطوراته العلمية و التكنيكية و الاجتماعية التجديدية التي تلهب حماس الشباب الساعي اليها بطبيعته، و تتعامل مع الشباب على اساس الصراحة و النزاهة و الدفاع عن الحقوق و تبني المطالب الشعبية، و ليس كما تتبع الاحزاب و الميليشيات الطائفية و الدينية بشراء الذمم بالمال و السلاح، و الجنس الذي وصل الى حد الافتاء بـ (جهاد النكاح) سئ الصيت الذي يسئ للاديان و المذاهب و البشر .  .  الشراء الذي لايؤديّ الاّ الى تهاوي المواقف المشتراة تلك علناً عند انقطاع (الرزق) او مجئ ممول جديد يدفع اكثر، و لكن يبقى حتى بين افراد في الصفوف تلك، الانساني الذي يتكوّن و ينمو في الذهن و في الروح الحيّة.
ان تفاصيل تعامل قوى اليسار و الديمقراطية آنف الذكر، هي التي تركت و تترك آثاراَ لاتنمحي و انشأت و تنشأ سلوكاَ تربوياً انسانياً ـ كالدفاع عن الحق في الحرية و الخبز و الكرامة، تساوي البشر . . ـ اثبت قوّته و نجاحه لأنه يبحث مع انواع الباحثين عن العدالة، رغم انواع المنعطفات و القمع و حالات النكوص . .
و فيما تبحث العديد من نظريات و بحوث بناء الاحزاب و سياساتها، في اهمية كسب الشباب للحزب المعني، افردت قوى اليسار ـ اضافة الى ماتقدّم ـ و انطلاقاً من نظرياتها العلمية، مرونة عالية و جهوداً و فعاليات كبيرة لكسب الشباب من الجنسين، بإعتبارهم اكبر طاقة في المجتمعات، طاقة حققت و تحقق النفوذ الاكبر فيها بوعيها و تطلّعاتها كالطلبة و بقلّة اعبائها العائلية ـ بشكل عام ـ .
ان ما حققه نضال الشباب على مرّ عقود، و تفانيهم و تضحياتهم في سبيل الدفاع عن حقوق الشعب المهضومة بأطيافه، هو الذي حقّق و يحقق لقوى اليسار و الديمقراطية و الليبرالية و افكارها في بلداننا ـ كاحزاب كبيرة او صغيرة ـ نفوذها و تأثيرها و بالتالي قوّتها المادية التي حطّمت و تحطّم عروشاً و دكتاتوريات متنوعة، حتى صارت حكومات و احزاب كبيرة تتعامل مع طروحاتها بجدية كبيرة، و اخرى بحذر و دقّة . .
من ناحية اخرى يشدد كثير من المجربين و العلماء الاجتماعيين و التاريخيين، على اهمية و دور الشخصيات و الاحزاب ـ صغيرة او كبيرة ـ ذات المصداقية طيلة مراحل تأريخية بأكملها . . و المقصود الاحزاب و الشخصيات التي تتحدّث بالحقيقة او الصمت و لكن لاتخدع او تكذّب ان صحّ التعبير، التي تظهر قيمة مواقفها و تصوراتها للحلول في المنعطفات الحادة و الأزمات بشكل اخصّ .  .
الامر الذي يؤديّ بالاحزاب الكبيرة الى الاخذ بآرائها من جهة، و يؤديّ الى ان وجودها يحقق نجاحات للفئات و الطبقات التي تمثّلها، مهما كان ذلك الوجود صغيراً في البرلمان .  
ان قوى اليسار و الديمقراطية المذكورة تحمل الجديد و التجدد لكونها تؤمن و تعمل على قاعدة " ان الجديد تحمله في البداية اقليّة "(*) . . و من هنا تدعو الى اهمية سماع آراء الاقلية و فهم مواقفها و مطاليبها لتطبيقها، والاّ فإن احزاباً كبيرةً قد تصغر و اخرى تصبح في عداد التأريخ فقط، دع عنّك الآفاق المماثلة للاحزاب التي تضخّمت بفعل توليّها السلطة بدعم قوى اقليمية و دولية . .


19 / 9 / 2013 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) القاعدة الذهبية التي اخطأت الانظمة الاشتراكية الحاكمة بعدم اعتمادها، وتسبب ذلك مع عوامل اخرى بانهيارها المؤسف .



57
الحكومة و الارهاب و الاحتجاجات السلمية !!
                                                                                                         د. مهند البراك
                                                                                                   ahmedlada@gmx.net
   
لم يعد خافياً بأن الحكومة و رئيسها ذا الصلاحيات الاستثنائية، غير قادرة على مواجهة الارهاب و تحقيق نجاحات ضده، و بالتالي غير قادرة على توفير الامن و الاستقرار الضروريين لحياة المجتمع، دع عنك مسألة ازدهاره و رفاهه . . كما وعد الحاكمون و كما نص عليه دستور البلاد الذي يدعو الى انهاء دورة حكومة كهذه، بوسائل دستورية.
ان تواصل الارهاب بل و تطوره و وصوله الى القيام بعمليات لم يجرأ على القيام بمثلها في السابق كعملية هروب كبار قادة و مجرمي الارهاب من السجن المركزي في ابو غريب، يعكس ضعفاً حقيقياً سواء في كفاءة اجهزتها في مواجهته، او في تحوّل عدد من اجهزتها الامنية ذاتها الى حاضنات خطيرة لعصابات الارهاب، على حد وصف اعضاء برلمانيين و تصريحات وجوه سياسية من الكتل المتنفذة ذاتها .
حتى ان ذلك الضعف الخطير في الحكومة الذي لم يعد التستّر عليه ممكنا، ادىّ برئيسها المالكي الى وصف حكومته بلا خجل بكونها غير قادرة على مواجهة الارهاب لضعف امكاناتها التسليحية !! و كأنه وجد مخرجاً للحالة الرثّة لحكومته، و كأن الناس لاترى و تعاني من وجود الآلاف المؤلفة من مختلف صنوف قواتها المسلحة و هي مزودة باحدث الاسلحة و اوسع الصلاحيات، من جهة . . و ايضاً كأن الناس نسيت الفضائح الامنية للحكومة القائمة ذاتها من فضائح السرقات و الفساد كفضيحة ابر رصد المتفجرات غير الصالحة، التي لاتزال تستخدم ؟!! بعد ان غطّت عليها العمليات الارهابية التي عادت للتصاعد .
   و اضافة الى الحالة الخطيرة اللاطبيعية تلك، تفاجأت الجماهير بمواجهة الحكومة للاحتجاجات السلمية بخطط شيطانية شملت مناطق جسور و طرق عامة و حتى ازقّة ضيّقة . . تغطيّ مساحة واسعة غير معقولة، و كأنها مواجهة بين جيشين عدويّن، تمنىّ كثيرون ان تكون جزءاً من استعدادات جادة للحكومة لإنهاء المجاميع الارهابية المسلحة . . او ان تكون جزءاً من استعداداتها لمواجهة تظاهرات المنظمات الارهابية ذاتها ـ و خاصة القاعدة الارهابية ـ و استعراضاتها المسلحة التي جرت و تجري في مدن العراق حتى بدون استئذان حكومي اصولي !!!
الاّ ان حكومة المالكي تواجه الاحتجاجات السلمية المعلن عنها، للطلبة و الشباب من الجنسين بقساوة كبيرة مباشرة ـ و لاحقة بالاعتقال ـ و خاصة بحق الشابات !! رغم سلميّتها، مجندة لذلك المئات من العسكريين، و المدنيين الذين تتناقل اخبار متنوعة عن كون قسم كبير منهم من اعضاء (حزب الدعوة الاسلامية)(1) ممن صارت تزجّ بهم القيادة العامة للمالكي، الامين العام للحزب الآن في مهام امنية ، ناكثاً العهود و الوعود بتحقيق (ديمقراطية)، التي وقّع عليها باسم حزبه و قَسَم بالقرآن عليها.  خارجاً بذلك عن النهج الداعي اليه آية الله العظمي السيد السيستاني . .
و فيما يرى متخصصون بالارهاب و مكافحكته، ان مواجهة الارهاب تتطلب من الحكومة سماع و دراسة مطالب الاحتجاجات الشعبية السلمية المنطلقة في انحاء البلاد، و العمل السريع على تنفيذ مستحقاتها، لتجسّد بذلك ايمانها الحقيقي في خدمة الشعب، و دورها بحكم مسؤولياتها، في توحيد الارادة الشعبية و كسبها الى صف الدولة .
ترى شخصيات قريبة من قمة الحكم، ان الحكم القائم الآن هو حكم فردي ـ رغم انواع مساحيق و ادوات التجميل الديمقراطية !! و ان مشغوليات الحاكم السيد المالكي الآن، تتلخص في كيفية اعادة ترشيحه مجدداً الى دورة ثالثة و كيفية ترتيب ذلك دستورياً، او تمديد دورة حكمه موظفا لتقوية موقعه . . الحالة التي تزداد حراجة في سوريا، و سعيه للتواصل في موقعه من خلال الحفاظ على تأييد الفقيه الايراني خامنئي و تأييد سيّد البيت الابيض اوباما . .      
   معتمداً حتى التهاون و السكوت عن الارهاب رغم التواصل اليومي لسقوط انواع الضحايا، و اتهامه آخرين بالسكوت عن الارهاب لاضعافهم ـ في وقت تستفيد فيه الكتل المتنفذة الاخرى ايضاً بسكوتها عنه، بتواصل حصولها على المغانم الفردية لاشخاصها ـ . . . في سبيل تحقيق توازن يضمن استمراره هو على كرسي القيادة، متستراً بميل ادارة اوباما دولياً الى التفاوض و التفاهم مع منظمات ارهابية ـ كما يجري مع طالبان افغانستان و باكستان الآن ـ (2).
و فيما يرى مجرّبون ان المواقف الشعبية تتطوّر رغم الحياة القاسية و الخوف و تواصل الضحايا، حيث عَبرَت ـ من عابرة ـ التظاهرات التي تجتاح العراق المواقف الطائفية  و دعت الى تآخي المحرومين بسنّتهم و شيعتهم و بالوان طيفهم . . الامر الذي يعكس تطوراً هاماً في تحوّل الصراع الطائفي الى صراع سياسي مطلبي على طريق الحرية و حقوق الانسان و العدالة الاجتماعية . . الذي يبدو و كأنه امر يخيف المالكي و كبار متنفذي الكتل الكبيرة  . .
فانهم يحذّرون من مخاطر استخدام العنف الدائم ضد الاحتجاجات السلمية، لأنه قد يجرّ الى الاحتجاجات بالعنف دفاعاً عن النفس و الحق و الوجود في وقت يتواصل فيه فقدان كتلة المالكي و الكتل المتنفذة الاخرى لمصداقيّتها امام من تدّعي تمثيلهم من الطوائف . . خاصة و ان اصابع الاتهام باستخدام العنف و الدوس على الدستور و على المؤسسات الدستورية صارت تُوجّه الى رئيس الحكومة شخصياً، الذي توصل قسمٌ الى انه هو من يحمي مجرمي البعث و الفاسدين، و توصّل كثيرون الى انه لايهتم لابشعبه و لابطائفته، قدر اهتمامه بالحفاظ على عرشه هو . .

4 / 9 / 2013 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)    بعد ان كان من الاحزاب التي ناضلت بضراوة ضد الدكتاتورية، و قدّم مناضلوه انواع التضحيات.
(2)    تسعى الادارة الاميركية الى التفاهم معها، لتقوية جبهتها في مواجهة الارهاب الذي يشكّل خطراً مباشراً على امنها و سلامة مصالحها المباشرة في بقاع العالم . . بعد ان اصبح الارهابيون و القتلة المأجورون و المجرمون العاديون بتقدير دوائرها قطباً قويّاً في القوى المحركة للسلطة في البلدان النامية التي تتزايد فيها ثقافة البلطجة، و يحملون اسماء متنوعة فيها : بلطجية، شبيحة، قتلة مأجورون، مجرمو الاعمال القذرة . . الخ

58
اسطنبول ! هل بدأ خريف (الاسلاميين) ؟
 ـ 3 ـ  
                                                                                                                 د. مهند البراك
                                                                                                          ahmedlada@gmx.net

و يرى مراقبون ان الإحتجاجات السلمية الأخيرة على حكومة اردوغان ليست عفوية او طارئة، بل هي صعود لإحتجاجات متواصلة متفرقة، نتيجة معاناة تتراكم و مخاض حراك سياسي تشارك به الآن احزاب معارضة اردوغان من جهة و الاحزاب و القوى الناشطة و جماهير واسعة تعارض نهجه في التضييق على الحريات الذي يبدو و كأنه يسير في طريق فرض الاسلام السياسي . . و يصفها آخرون بكونها انفجار غضب شعبي للاسباب آنفة الذكر، و تعبير عن ضرورة ايجاد حلول و تثبيت بان للشعب دور اساسي في صياغة سياسة الدولة داخلياً و خارجياً و ان الامر ليس اتفاقات فوقية بين كتل متنفذة مترابطة وثيقاً سواء مع الغرب الصناعي او مع الخليج المالي . .
و اضافة الى طابع الحركة واتساعها واستمرارها، فانها لايمكن حصرها في احتجاجات على ازالة حديقة عامة فقط، كما تحاول جهات حكومية ابرازه، و يرى سياسيون ان اردوغان و حزبه استطاعا الحفاظ على الاكثرية البرلمانية من خلال : توفير فرص عمل جديدة للجنسين ـ دُفع ثمنها كما مرّ ـ، اطلاق وعود لحل القضية الكردية حلاً سلميا، التصعيد في مواجهة الجنرالات الداعين للعسكرة و العنف، اضافة الى اعمال التضامن مع ضحايا العسكرية الإسرائيلية من الفلسطينيين . .
الاّ ان تلك السياسة تغيّرت وخاصة بعد الاستفتاء على الدستور الجديد عام 2010 (1)، الذي يسير على خطى انهاء مبدأ الفصل بين السلطات و محاولته احتواء السلطة القضائية و وسائل الاعلام، و التضييق التدريجي على الحريات الشخصية وملامح الدولة المدنية، لضمان تعزيز و تواصل سلطته الفردية على طريق اسلمة الدولة و مركزتها و اتباع سياسة خارجية اقليمية مبنية على دعم الجماعات الاسلامية المتطرفة، والتدخل في الشؤون الداخلية لبلدان الجوار، ومحاولة تحويل تركيا الى شرطي جديد في المنطقة .
الى جانب اسلمة نظام التعليم، الاعتقالات و غض النظر عن متهمين ضالعين باغتيال صحفيين و مفكرين من اديان و مكوّنات متنوعة، محاكمة العشرات و المئات من ممثلي الشعب المنتخبين و من المبدعين باتهامات باطلة، و تكرار حملات المداهمة والاعتقال ضد النقابيين، و ضد الشباب من الناشطين الديمقراطيين و الطلابيين من الجنسين . . حتى صار و كأنه وجه قمعي لهيمنة اسلاميي المحافظين الجدد، وفق سياسيين و مثقفين اتراك .
و صار وجهاً مخيفاً امام المنظمات النسائية التي ترى ان القانون المدني التركي صار عرضة للانتهاك و التحطيم على يد اردوغان . . القانون الذي أنصف المرأة و ساواها قانونياً مع الرجل،  بشهادتها المساوية للرجل، تحديد الزواج بسيدة واحدة، جعل الدراسة من المراحل المبكرة و طيلة مراحل التأهيل و الحياة . . مختلطة من الجنسين، و بالتالي فالتعامل مع النساء في العمل لايتم كما لو انه تعامل مع مخلوقات غريبة، الأمر الذي يضمن الاستقرار الاجتماعي. القانون الذي ساهم بفاعلية باندماج المرأة في المجتمع منذ عام 1920 حين اعتمدت الدولة التركية الحديثة على القانون المدني السويسري، ودخلت المرأة البرلمان منتخبة غير مُعيّنة منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
و فيما بدأت اوساط تتسع من المجتمع التركي ترفض سياسات اردوغان الجديدة، الامر الذي يصفه عديد من المراقبين الاتراك بكونه بدء خريف اردوغان و حزبه بعد ان استطاع ان يكون املاً لها في بداية ظهوره كما مرّ  . . يؤكد سياسيون اتراك معتدلون و يساريون بأن مايجري في ميدان تقسيم  هو انفجار شعبي لايمكن تقدير مداه و انه يحدث في وقت لا الحكومة مستعدة له فيه و لا المعارضة السياسية، و يشارك فيه اكثر من 10 أحزاب تركية من اقصى اليسار الى اقصى اليمين ـ بينها الجمهوري المحافظ، و الكردستاني . . البرلمانييّن، و الحزب الشيوعي التركي من خارج البرلمان (2) ـ  و مجاميع حماية البيئة و معاداة الامبريالية و مئات الآلاف من المحتجين على نهج اردوغان.
و تشارك منظمات نقابات العمال و اتحاد عمال القطاع العام اكبر اتحاد عمّالي في البلاد، و قد طغى الطابع الشبابي و الشباب من الجنسين على الاحتجاجات(3) الذين رفعوا الاعلام الحمراء التي تحمل صور : علم تركيا، جيفارا، قبضة التضامن العالمي، شعارات اكبر ثلاث اتحادات لكرة القدم حشّدت الآلاف من مشجّعيها فيها . .
   من جهة اخرى، و لوجود الكثير من انواع التشكيلات التي تتحرك بغطاءات يصعب حصرها . . لايستبعد قسم محاولات بيوتات صناعية و مالية تركية و عالمية كبرى، توظيف هذا الحراك الشعبي للضغط على اردوغان لتغيير سياسته من اجل الابتعاد عن التدخل في شؤون دول المنطقة باكثر من المطلوب لضمان استقرارها، و الابتعاد عن اذكاء فكرة الدولة العثمانية التي يغذيّها الجناح الديني القومي في حزبه ذاته، و التي تسببت بتفجيرات ريحانلي الأرهابية مؤخراً و سقوط العشرات ضحايا لها . . اضافة الى نشاط جهات ارعبها تقارب اردوغان مع حكومة اقليم كوردستان العراق، و تصاعد الجهود لإيجاد حلول سلمية لحل القضية الكوردية في تركيا  . .
و على ذلك فإن مسيرة اردوغان في سعيه لتحقيق اهداف متناقضة ليحقق بها السلطة المطلقة لنفسه، تجعل من مطالب الحراك الشعبي الكبير تتقاطع باقسام كبيرة منها مع توجهاته السياسية الداخلية و الخارجية، اضافة الى زيادة وضوح توجهات اردوغان الفكرية امام اوساط شعبية متزايدة التي اخذت ترفضها، و تدفع العديد من المحتجين إلى استحضار قيم الليبرالية ومؤسس الجمهورية التركية العلمانية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.
و يرى مراقبون انه فيما أصبحت تركيا في السنوات الأخيرة لاعبًا دبلوماسيًا واقتصاديًا قويًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن كثير من شباب انتفاضات الربيع العربي كان ينظر الى تركيا اردوغان بكونها نصيرة للديمقراطية و التمدن، و وصل الامر الى ان تجمعات شبابية هناك اعتقدت بأن حزب العدالة والتنمية التركي مصدر إلهام لها كما عبّر عدد من نشطائهم . الاّ انهم تفاجأوا بالرد على الاحتجاجات السلمية للشباب التركي، بالرصاص و خراطيم المياه و الغازات، و بالضرب القاسي الذي شارك فيه اعضاء من حزبه واسقطوا آلافاً من الشباب و الشابات جرحى جروحاً بليغة، ثم بحملات ملاحقات بوليسية، وبغطرسة و ازدراء رئيس الحزب للجماهير المحتجة و وصفه ايّاها بأنهم "حفنة مخرّبين " و انهم " رعاع ان جمعوا مئة الف فسأجمع مليوناً " ، و يرون بأن الاشتباكات في "ميدان تقسيم"  نالت كثيراً من شعبية إردوغان بين شعوب المنطقة .
و فيما تتواصل حركة تضامن واسعة في العديد من بلدان العالم و برلماناتها للتضامن مع شباب و شعب تركيا، بمشاركة نشيطة للمواطنين الأتراك المقيمين في هذه البلدان بتكويناتهم القومية والدينية . وأصدرت العديد من شخصيات وقوى التقدم و اليسار في العالم تصريحات ونداءات تضامن مع المدافعين عن قيم السلام والتقدم والحياة المدنية في اكثر من 67 مدينة تركية . . احدى ابرزها دعوة برلمان الاتحاد الاوروبي امس الى مقاضاة اردوغان قانونياً !!
حدث انخفاض حاد في إقبال السيّاح على حجوزات الفنادق التركية داخل و خارج اسطنبول و انقرة . . و تتناقل الصحف العالمية و وكالات الانباء، انباءً عن بدء الوضع الاقتصادي التركي يتأثر سلبًا بما تشهده تركيا من حالة عدم استقرار سياسي على خلفية الاحتجاجات الأخيرة، حيث تشير إلى انخفاض الليرة التركية إلى أدنى مستوى لها منذ بدء التظاهرات الأخيرة في البلاد وانخفاض سوق أسهم اسطنبول بنسبة وصلت إلى 11 %.، وسط تكهنات اوساط مالية دولية بأن ذلك قد يقوّض اكثر من شعبية رئيس الوزراء أردوغان، الذي ارتبطت جماهيريته بالنمو الاقتصادي في عهده، و ان عجزه عن ايجاد حلول سلمية لتلك التظاهرات، سيكون له تأثير سلبي بعيد المدى على الاقتصاد، و تستدرك الى ان بدء تعرض الاقتصاد لضربات قد يجبره على تنازلات امام معارضيه المحتشدين في تقسيم.
   و اخيراً تواصل شرطة مكافحة الشغب في تركيا استخدام الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه بلا انقطاع، لطرد المعتصمين ضد الحكومة من ميدان تقسيم، فيما اعلن عن لقاء اردوغان بـ (ممثلين) للمحتجين في حديقة "غازي بارك" التي أطلقت شرارة الأزمة قبل 13 يوماً. لكن "تنسيقية تقسيم"، المنظمة الرئيسة للاحتجاج، وصفت الاجتماع بأنه زائف و لم يُدعَ ايّ ممثل عنها، واصفة الاجتماع بانه لن يعطي نتيجة مع استمرار الشرطة في استخدام العنف، علماً أن ضباطها أنهوا بالقوة حركة اعتصام بارك كوغولو بالعاصمة أنقرة . .
   و فيما يعبّر وزيرا خارجية المانيا و فرنسا عن قلقهما من اعمال العنف في "ميدان تقسيم" و يحذران اردوغان من خطورة و مضاعفات اتباعه سياسة احكام الطوارئ في التعامل مع احتجاجات سلمية و نسيانه "لغة الحوار" . . يخضع "ميدان تقسيم" منذ فجر امس لسيطرة أعداد كبيرة من رجال الأمن تحصنوا خلف مدافع مياه على مدخل كل الشوارع المتفرعة. وأزيلت الأعلام واللافتات والحواجز والسيارات المحروقة وعبوات الغاز المسيل للدموع المستخدمة، و يستمر التحشّد الجماهيري فيه . . و يتظاهر أكثر من ألفي محامٍ أمام قصر العدل في إسطنبول، للاحتجاج على احتجاز اكثر من 60 من زملائهم كانوا تظاهروا أول من امس ضد اقتحام الشرطة "ساحة تقسيم". ورددوا هتافات : " تقسيم" في كل مكان !!
و مع حلول بداية خريف الاسلام السياسي بقي تقسيم ـ اسطنبول على بركان مهدد بالانفجار و الاتّساع . . في وقت تحذّر فيه و كالات انباء متنوعة محايدة من احتمال اندلاع مزيد من أعمال العنف، و تتسرّب  اخبار الى وكالات الانباء العالمية، عن تصاعد خلافات بين اجنحة حزب اردوغان: المحافظة و الليبرالية و القومية، التي قد تؤدي الى تنازلات متقابلة بينها في سعيها لبقاء حزب العدالة و التنمية في الحكم، وسط انباء تؤكّد على خسارة اردوغان امله في مواصلة الحكم كرئيس للبلاد في دورة قادمة. (انتهى)


13 / 6 / 2013 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   العملية التي تحاول جعل المحكمة العليا و القضاء بيد الحزب الحاكم و ليس الدولة، و قد سارت تحت غطاء تعديل دستور 1982 في زمن حكم الجنرال كنعان افرين، و حددت من صلاحيات الجيش، الاّ انها لم تحقق شيئاً للمواطن في حرية التعبير و حرية المعتقد الديني .
2.   وقد رمت الشرطة الغاز المسيل للدموع على منْ داخل مقره و مقر مركز ناظم حكمت الثقافي .
3.   رغم التصور السائد عن ابتعاد الشباب عن السياسة . .

59
اسطنبول ! هل بدأ خريف (الاسلاميين) ؟
 ـ 1 ـ  
                                                                                                       د. مهند البراك
                                                                                                  ahmedlada@gmx.net
   
تتناقل وكالات الانباء العالمية و تتابع ساعة بساعة الاعتصامات و التظاهرات الحاشدة التي تشتبك بضراوة مع العنف القاسي لقوى الامن و الشرطة التركية، و التي تجتاح ابرز المدن التركية، من اسطنبول و ازمير الى قارص و بورصة . . بعد ان ضاق الكيل بالجماهير التركية المتعددة القوميات و الاديان و المذاهب، بسبب المعاناة المتواصلة و المتزايدة ، نتيجة لتزايد الفقر و البطالة رغم انتعاش الاقتصاد التركي المعتمد الى حد كبير على استثمار الموقع الجغرافي للبلاد  . .
و كنتيجة لتواصل العنف ضد الصحافة و الاعلام الحر، و الحروب ضد القوميات و الاديان الثانية في البلاد و في مقدمتها الكرد و الارمن و غير المسلمين، و بسبب سعي حكومة اردوغان الى اسلمة الدولة و المجتمع بشكل تدريجي ينحى منحى مستمراً و متزايداً منذ عام 2002 حين فاز حزب العدالة و التنمية الاسلامي بالحكم.
يحدث ذلك الآن في دولة تركيا الاسلامية ـ دين الاغلبية فيها ـ ، الدولة التي تأسست اثر الحرب العالمية الاولى كدولة حديثة دستورية علمانية، استجابة للتطورات الكبيرة الحاصلة في داخلها وقتذاك و للحركة الناشطة الداعية الى حكم الدستور و انهاء الحكم الفردي المتوارث لسلاطين آل عثمان و انهاء حكم الخلافة التي كان من ابرز نشطائها الصدر الاعظم ـ رئيس الوزراء ـ مدحت باشا الذي نحيّ بعدئذ . . في وقت كانت فيه اسطنبول العاصمة، قلب الحركة الدستورية المدنية.
و اثر القيادة العسكرية للضابط مصطفى كمال اتاتورك، التي حققت حينها نجاحات عسكرية ضد الاحتلال الاوربي الغربي من اجل استقلال دولة تركيا الجديدة، و بسبب السعي الهائل للغرب لقطع الطريق على شعوب تركيا و قواها التحررية من الالتحاق بثورة اكتوبر الاشتراكية الروسية 1917 بداية، ثم قطع الطريق على اتاتورك ـ الذي اختير بعيدئذ كرئيس للدولة التركية ـ من الالتحاق باتحاد الجمهوريات السوفيتية الذي كان اتاتورك يضمن تأييد الغرب له بتهديده ايّاه بالعمل به ـ راجع مؤلفات كورونالس و مس بيل المتعلقة بتأسيس الدولة العراقية ـ .      
   و منذ ذلك الحين، شكّل و يشكّل "ميدان تقسيم" ـ "ميدان الشهداء" شعبياً ـ (*) الذي ينتصب فيه نصب الاستقلال المقام عام 1928 و الذي يرمز لشهداء الحرية و الاستقلال . . و " شارع الاستقلال" الشهير الذي يبدأ به، يوم كان ذلك الشارع الشريان الرئيسي للعاصمة اسطنبول في سنوات صراعات الاستقلال . . حيث شكّلا معاً كتؤامين، الموقع الرئيسي للتظاهرات و الاعتصامات لإعلان المطالبات الجماهيرية في الحريات و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و التآخي القومي و الديني.
و كان شارع الاستقلال و لايزال بملتقياته الشبابية و الطلابية المختلطة و مكتباته، دور الفن، السينما و المسرح و انواع الفنون التشكيلية فيه . . اضافة الى الفنادق و المراقص و محلات بيع ملابس المودة، مقاهيه و بوفياته الاكثر تطوراً مع انواع الامزجة الشرقية و الاوربية الغربية، التي يتلمسها المرء سواءً في موسيقى او اغنية جماعية او وجبة طعام، او اماكن تتهادى منها الحان خافتة في الليالي المتأخرة خلال الاسبوع، فيما يكتظ الشارع بالمارّة حتى لاترى الارض فيه في نهايات الاسبوع، و يقطع الترامواي التاريخي الجميل للمدينة شارع الاستقلال على طوله، موصلاً الى حواريه المتنوعة ليعود الى نقطة انطلاقه في ميدان تقسيم . .
و اضافة الى وجود مسجد و كنيسة فيه، يضم الشارع العديد من السفارات والقنصليات الغربية كالقنصلية الأميركية والفرنسية واليونانية والبريطانية، المعهد الثقافي الفرنسي، و " جامعة غالَطَة سراي " التي تدرّس باللغة الفرنسية و تخرج منها عدد بارز من رجال الأدب والفن والسياسة من أنصار التحديث و العلمانية في تركيا.
و فيما كان الشارع نقطة الانطلاق لمشروع التحديث و التلاقي الحضاري العثماني ـ الاوروبي الذي بدأ في عهد السلطان عبد المجيد في منتصف القرن التاسع عشر ـ في حدود سنوات الـ 1850 ـ ، فإن المعايشة و التواجد المستمرين فيه لأبناء و بنات انواع القوميات التركية، المختلطة بقوميات و حضارات من بقاع متنوعة من العالم، التي تضمّ اعداداً كبيرةً متجددة و متواصلة التواجد لمجاميع السوّاح و اصحاب و نشطاء مشاريع ثقافية و سياسية يغلب عليها طابع ثقافي يدعو للمساواة و للتآخي الانساني، و لكون الميدان على صلة يومية و مباشرة باوروبا و العالم . .
صار "ميدان تقسيم" مركزاً للتلاقي العالمي و محرّضاً و شاهداً اساسياً على مايدور في تركيا، و على دور الجماهير الشعبية و الصحافة الحرة، و دور المثقفين و المبدعين من فنانين و ادباء و غيرهم رجالاً و نساءً، في صياغة و تحقيق المطالب الشعبية، و صار كل نجاح يتكلل فيه او صدامات مع قوى الامن و الشرطة فيه، يلقى صداه السريع الذي يؤثر و يستنهض عموم البلاد و يدعو العالم للتضامن معه . . و على ذلك كان الميدان و لايزال تحت المراقبة المشددة للسلطات المتعاقبة، لأنه شكّل على امتداد تاريخ تركيا الحديث و لايزال، متنفسا لنضاﻻت الشعب التركي بقومياته و اديانه في مواجهة الحكومات القمعية المتعاقبة. .
و منذ شباط 1969 حين جرح فيه ماﻻيقل عن 150 مناضلا عمالياً و يسارياً و شيوعيا في هجوم مباغت لجماعات تركية يمينية فاشية على المتظاهرين، و الذي تكرر في يوم العمال العالمي في الأول من ايار 1977 حين سقط فيه 36 متظاهرا من العمال الديمقراطيين و الشيوعيين من مختلف القوميات و الاديان في تركيا مضرجين بدمائهم . .
تكرر المشهد بسقوط اعداد مضاعفة من المتظاهرين من الرجال و النساء شهداءً من اجل حرية الشعوب التركية برصاص قوى الامن التركي و (منظمة الذئاب الرمادية) الفاشية في احتفالات يوم المرأة العالمي و مظاهرات يوم العمال العالمي عام 1980 التي شارك فيها ماقارب المليون متظاهر و متظاهرة، تحشّدوا في شارع الاستقلال، ميدان تقسيم و "بارك غازي" المقابل له، و في الاحياء العمالية المحيطة .  .  في وقت وصلت فيه النشاطات و الفعاليات الشعبية اوجاً اخاف السلطات الحاكمة و ارعبها، فقام الجيش (حامي الدستور) وفق الاتفاقات مع السلطات المدنية بضمانة الناتو و الغرب . . قام الجيش وقتها بانقلاب عسكري دموي استلم السلطة فيه الجنرال كنعان ايفريم، الذي اعلن الاحكام العرفية و احكام الطوارئ، و زجّ بها اعداداً هائلة من الناشطين نساءً و رجالاً في سجونه السيئة الصيت، و اغلقت الصحف التقدمية و اغتيل العديد من رجال الفكر و السياسة و الصحافة . .
حتى صار " ميدان تقسيم " يمثل الرمز البارز لنضال الشعب التركي ضد الرأسمالية و اﻻستغلال وضد الاضطهاد القومي و الديني و الفكري و منع الحريات السياسية . . و اخذ يلعب بمشاركة القوى التحررية و الديمقراطية و اليسارية و الليبرالية ادواراً كبيرة في انتزاع العديد من الحقوق و المطالب الشعبية على مرّ السنين و الاحداث اللاحقة . .  
وفي الأول من ايار لهذا العام منعت حكومة اردوغان . . الجماهير العمالية والنقابات من التظاهر في " ميدان تقسيم" وفق خطة اشمل تهدف هذه المرة الى تصفية الميدان نهائياً، عبر بناء منشآت تجارية مكانه و تحديداً في "بارك غازي" في محاولة ﻻزالته من خريطة اسطنبول، وفق وكالات انباء تركية و عالمية محايدة متنوعة . . الاّ ان ذلك لم يفت على يقظة القوى التقدمية و الثورية التركية على اختلافها بتقدير الكثير من المحللين، فوقفت هي وجماهير الشعب التركي برجاله و نسائه، بشبابه و طلابه و عماله من كل القوميات و التكوينات لايقاف هذا الهجوم الجديد على الديمقراطية و التمدن. فمنذ 26  ايار المنصرم والجماهير تتظاهر ضد هذا المشروع، لتتطور الامور بسرعة بعد أن تدخلت قوى القمع بأمر من حكومة اردوغان و حزب العدالة و التنمية الاسلامي و بشكل وحشي في انتهاك حق المتظاهرين، مما دفع بمئات الآلاف من اﻻتراك الى الشوارع.
(يتبع)

7 / 6 / 2013 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) سمي الميدان بـ " تقسيم " بسبب اقامة مشروع تقسيم مياه الينابيع و عيون الماء النقية على انحاء العاصمة اسطنبول، الذي تتفرع و تتقسّم انابيبه المبنية بالآجر مركزياً تحت ارضه. و المعروف ان المشروع قد بني في العقود العثمانية الاخيرة .  




60
اوقفوا الحقد . . اوقفوا حروب الاخوة !
ـ 2 ـ
                                                                                                               د. مهند البراك
                                                                                                       ahmedlada@gmx.net

من جهة اخرى، و فيما تشير اصابع الاتهام على قطر و تركيا و غيرها في تأجيج العنف و تسليح و تحريض الميليشيات السنيّة سواء في غطاء مواجهة دكتاتور سوريا او في تصاعد اعمال الارهاب و تساقط مئات المدنيين العراقيين قتلى و جرحى . . مهددة بعودة الصراع الطائفي المسلح مجدداً بعد ان انتهى الكثير من مظاهره عام 2008 بوجود فاعل لضمانات دولية سواء بوجود القوات الاميركية او بالدور النشيط للاتحاد الاوروبي و الامم المتحدة آنذاك، اضافة الى حالة الهدوء العسكري في سوريا في ذلك الوقت رغم تصاعد المعارضة السياسية لحكم الاسد فيها . . . وفق العديد من وكالات الانباء.  
يشير مراقبون الى تزايد دور ولاية الفقيه الايراني وضوحاً . . سواءً في تصعيد العنف الطائفي
او في تشكيل (جيوش طائفية شيعية جديدة)، و تصعيد عملياتها في الدفاع عن دكتاتورية الاسد . . جيوش طائفية تعلن عن تشكيلها باستعراضات مسلحة في شوارع بغداد، او بقيام مجاميع من افراد ملثمين منها بايقاف سيارات المدنيين و الاعتداء على راكبيها وفق صيغة الهوية التي يحملوها و صيغة اسم حاملها . . و تدعو الى التطوّع للدفاع عن الاسد، و قد نشرت العديد من الصحف الدولية و الاقليمية انباءً متواصلة عن نقل  المئات منهم جوّاً بعد التطوع و الإعداد العسكري، من ايران الى لبنان و التسلل من هناك الى سوريا وفق خطط النظام السوري، و غيرها العديد من الفعاليات المسلحة المتصاعدة، بالتناغم و التنسيق مع التدخل الكبير لحزب الله الشيعي اللبناني في صنع الصدامات المسلحة .
   و يشير آخرون الى ان دور الفقيه الايراني السيد علي خامنئي صار اكثر وضوحاً بشكل مؤسف في مايجري، باعلانه استعداد الدولة الايرانية و قواتها المسلحة للدفاع بالكامل عن حكم الاسد، في وقت تزداد فيه اعداد مجاميع (الحرس الثوري الايراني) في الدفاع عن الاسد، و اعلان كون نصرالله زعيم حزب الله اللبناني مساعداً اعلى للسيد خامنئي و عائداً لمرجعيته، و اعلان عدد من (الجيوش الشيعية) في العراق عائديّتها لخامنئي كالاعلان الاخير للبطاط امين عام جيش المختار الشيعي في مقابلاته لوسائل الاعلام العراقية . .    
   و فيما تصف صحف دولية و محللون مستقلون، ان السيد الخامنئي مصرٌّ على تحقيق نصر عسكري في سوريا دفاعاً عن الاسد، لضمان تحقيق قوة هيمنته بما موجود و ممكن(*) على دول الهلال الخصيب ـ الهلال الشيعي وفق وكالات ـ و هي اضافة الى ايران : سوريا، العراق و لبنان . . من اجل تحقيق هيمنة في منطقة ستراتيجية عالمياً، تمكّنه من سحب تنازلات دولية في قضية المفاعل النووي الايراني . .
تصف اخرى، اصرار روسيا الداعمة لخامنئي على الدفاع عن كرسي الاسد، بكونه من اجل فرض تنازلات على الغرب في قضية الدرع الصاروخي في اوروبا و ايجاد حلول لماخسرته من الاتفاقيات الستراتيجية مع النظام العراقي و الليبي السابقين، اضافة الى محاولتها استعادة مواقع ستراتيجية لها في البحر المتوسط، الأمر الذي يزيد من جعل المنطقة و الصراع في سوريا الآن تحت رحمة صراع اكثر عالمية .  . في وقت لايجري فيه اي ذكر لمواقف و مصائر و اوضاع الجماهير الشعبية و خاصة الفقيرة منها.
   و مما سبق يستنتج كثيرون ان الصراعات الطائفية و تصعيدها لاعلاقة لها بالدين او بالمذهب بقدر ماهي وسيلة تتكشّف لتحقيق اهداف و مصالح حكومات و متحكّمين و قوى اقليمية و دولية ـ بشهادات كبار المراجع الشيعية و السنيّة و دعواتهم الى الاتحاد و نبذ العنف ـ ، و يرون بأن الميليشيات و العنف لن يُحلاّ تغييراً في مذاهب الافراد و الجماعات و المجتمعات التي يتوزّع انتماؤها المذهبي على فسيفساء و جزر متشابكة منذ مئات السنين . . بقدر ما سيعيق عمليات التنمية و العيش الكريم لشعوب المنطقة الثريّة القادرة على تحقيقه . .
   وان مايحدث في المنطقة من صراع طائفي سيجعل من اهداف امارة قطر بمد انبوب غازها الى المتوسط او الى شبكة الانابيب التركية لايصال الغاز الى اوروبا مجرد خيال، و سيجهض الخطط العراقية في مدّ انبوب البصرة ـ العقبة، و مدّ الكابل الضوئي، و سيجهض مشاريع المنطقة الرامية الى اقامة شبكات جديدة لأنابيب النفط و الغاز العراقيين، و شبكات الطرق السريعة للسيارات و الشاحنات و شبكات سكك الحديد الحديثة ، التي تربط البصرة و بغداد و الموصل و الفلوجة و اربيل بجاراتها في المنطقة و العالم . . و سيجعل من المستحيل اكمال خط حديد بكين ـ اللاذقية العالي التكلفة، الذي ان تحقق فإنه سيرفع اقتصادات الصين و الدول الآسيوية و منطقتنا الى مستويات كبيرة واضحة ستغيّر موازين جديدة في عالم التجارة و الصناعة اليوم . .
ان مايحدث يعطّل و يشلّ العديد من المشاريع الستراتيجية التي لايتّسع لها المقال، التي من شأنها تحقيق الرفاه و التقدم للبلاد و للمنطقة، و التي يتطلّب انشاؤها التعايش معاّ بسلام و التوافق على اساس الانتماء المتساوي للهوية الوطنية و تحقيق المنافع المتبادلة للمكونات . . المشاريع التي ستشغّل اعداداً هائلة من شباب العراق و الشرق الاوسط نساءً و رجالاً، ضحايا البطالة و الفقر و العوز، بدل سوقهم الى الخنادق و المقابر الجماعية الطائفية . . في وقت يعتبر فيه التشغيل بنظر الغالبية الساحقة من المتخصصين، ابرز الوسائل لتجفيف منابع الارهاب، ان كانت الحكومة القائمة و عدد من حكومات المنطقة جادة فعلاً في محاربة الارهاب .        
   ان التعويل على تصعيد الحقد الطائفي و تجييش الجيوش الطائفية سنيّة كانت او شيعية، لفرض امور غير معقولة مبنيّة على الجهل و تزيين الخرافة و اللعب المؤسف بالدين و المذهب . . الذي تريده اوساط عسكرية طائفية متقابلة تراهن على فكرة القائد الضرورة المقبور (ازمة اشتديّ . . تنفرجي) لن تؤديّ الاّ الى جعل الصراعات الطائفية اكثر خطورة مما مضى، لأنها ليست في سبيل سلطة و خط سياسي ما و انما من اجل الارض بشكل مباشر، و ان الحلول السريعة للازمة بعد وصولها الى ذروة خطيرة لاتكمن في تقوية البيوتات الطائفية لتحقيق الحقوق، و انما في الاستجابة السريعة للحكومة القائمة مالكة السلطة او استقالتها اساساً، اضافة الى استجابة الكتل المتنفذة . . للمطالبات الجماهيرية الواسعة من كل الاطراف الشعبية .
   الاستجابة التي تبدأ بتهدئة الاوضاع ووقف مسلسل العنف والقتل اليومي، بالتفاوض السريع او اتخاذ اجراءات قانونية عملية رادعة سريعة بحق مثيري العنف الطائفي . . فيما تطالب تجمعات شبابية متزايدة و منظمات مجتمع مدني، بالتوجه الى الاحتجاج الجماهيري و عدم الاكتفاء بالصمت السلبي على مايجري و المطالبة بمحاسبة المذنبين و المقصرين فيما آلت اليه الاوضاع، محاسبتهم علناً مهما كانت مواقعهم، بعد ان طغى الزيف و النفاق و ضاعت المصداقية .    
   و يطالب سياسيون و خبيرون بضرورة اجراء مراجعة و تقييم شامل للعملية السياسية الجارية من اجل اعادة صياغتها على اساس مبدأ المواطنة و الكف عن العمل بالمحاصصة و اعتماد الكفاءة المهنية و النزاهة . . تبدأ باحترام القضاء و حمايته من التأثيرات السياسية و اعادة الوضع الدستوري للهيئات المستقلة ـ البنك المركزي، المحكمة العليا، الاعلام . . . ـ ، و اتخاذ الاجراءات السريعة لتوفير الخدمات الاساسية .
   و يؤكدون على تحقيق و صيانة السيادة الوطنية العراقية، باعادة بناء الدولة على اساس اتحاد المكونات التاريخية الواقعي الذي يقضي على الفتن الطائفية و الدينية، و ضمان حقوقها المتساوية التي تضمن الوحدة السياسية . . على اساس الدولة البرلمانية العربية الكردية الاتحادية و اشباع مجالس المحافظات بصلاحياتها كحكومات محلية . . و التصديّ بحزم لمثيري الحقد الطائفي و حروب الاخوة !
(انتهى)

31 / 5 / 2013 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (*) سواء كحكومات او وزارات متنفذة منها، او مجالس نواب باجنحة متنفذة فيها، او باحزاب تعمل علناً . . وبالتالي كميليشيات مسلّحة طائفية تفرض ماتريد بالعنف .



61
اوقفوا الحقد . . اوقفوا حروب الاخوة !
ـ 1 ـ
                                                                                                                د. مهند البراك
                                                                                                      ahmedlada@gmx.net
   
تشهد منطقتنا بدولها و شعوبها و مكوّناتها صراعات عنيفة وحشية لم تشهدها قبلاً ، فبعد انقضاء مرحلة حروب الدول الجارة و الشقيقة التي تجمع بين شعوبها انواع الروابط، التي يشهد لها تأريخ شعوب و دول المنطقة . . الحروب التي تسببت بخسارة الملايين من شبابها و مدنيّها رجالاً و نساءً، و خسارات مليارات فلكية من العملة الصعبة، و تسببت بدمار المنطقة فكرياً و روحياً و ماديّاً و حضارياً، و ارجعتها الى منطق الغاب و العنف و الثارات و الاحقاد . . فيما يتقدّم المجتمع البشري الى آفاق الديجيتال و السايبر ـ Cyber ـ و  الاتصالات العابرة للقارات، التي كانت تترائى في الخيال و الاحلام .  
   صراعات وحشية تعكس . . ماهيّة نتائج و تجليات نهاية الحرب الباردة فيها، من مراحل الذهول و الضياع و مراوحة الصراعات الطبقية الاجتماعية في كل بلد بذاته في مجاهيل ظلام يتكشف ببطء عمّا يحمل. بعد ان اعدّت الآلاف من معاهد البحوث و الساينس فيكشن، التي رُصدت لها مليارات طائلة . . اعدّت اساليب تجريبية متنوعة لقيادة و للتعامل مع المراحل التي نعيشها الآن، التي تطغي عليها حروب من نوع جديد تحاول اعاقة الصراعات الاجتماعية الجارية في سبيل التقدم و العدالة الاجتماعية    
حروب تجري بضوء التغييرات الستراتيجية في موازين قوى المنطقة ذاتها و الاكتشافات الجديدة لثرواتها من جهة، و بضوء اعادة اصطفاف القوى المتعددة الجنسيات وفق التغييرات العولمية التي تتخطى حدود الدول، بسبب حرية تنقل رأس المال في ظل عدم فاعلية القوانين الدولية السابقة . . التي اخذت توجّه الفكر نحو تصاعد المخاوف من سقوط التعايش التأريخي لمكوّنات منطقتنا، و من تفكك دولنا ومجتمعاتنا وجيوشنا. و تحذّر اوساط كبيرة من الخبراء من مخاطر سقوط حصانة الحدود الدولية و من الحروب الأهلية إلإقليمية التي تجري بفعل التدفق السريع للمشاريع العابرة للحدود، التي يحذّر خبراء من الخشية من كونها طريق مؤدي إلى زمن مليء بالدويلات والميليشيات والمقابر والأقاليم (الطاهرة النقية).
فيما تتواصل بالنمو جُزُر التمدن الذي يجتاح مناطقاً بوراً قاحلة ـ وفق مفاهيم الحضارة ـ فيها . . و تتواصل تأثيرات الثورة التكنولوجية المعلوماتية الهائلة المستمرة التي تسود العالم، التي لايمكن عزل منطقتنا عنها  . . و التي تشير و تشجّع على الضرورة الملحّة لتطوير مفاهيم التعايش مع الآخر، و مفاهيم المنافع المتبادلة على اساس تزايد معرفة الكينونة الذاتية للفرد و الجماعة و الامكانيات الجديدة للذات التي كانت غير واضحة ككينونة فاعلة بعيون الآخرين، و خاصة ادوار المكوّنات الثانية (قوميات او اديان و ملل) التي تنمو و تزداد نضجاً و فعْلاً في عالم اليوم و تغييراته العاصفة . .
يجري ذلك و غيره في منطقتنا . . التي بنوها لتكون منطقة للعواصف المتضاربة . . بثرواتها المتنوعة المتزايدة، و ثقافاتها و اديانها و مذاهبها، بالاعداد الكبيرة لشاباتها و شبابها في مجتمعاتها، و بعواطفها الجيّاشة في الحب و في الكراهية، على حد وصف اقطاب القوى الكبرى التأريخية التي شكّلت دول المنطقة على ضوء دراسة تلك الاسس، لأجل إدامة منافعها الانانية منها و ادامة سيطرتها عليها . . الاقطاب ـ و خاصة اقطاب النفط و السلاح و المال و السوق السوداء (*)ـ التي بعد سقطت من ايديها امكانية توظيف (حروب الدول) في المنطقة لمشاريعها اثر غياب ثنائية القطبية القائمة عليها . . وظّفت الفراغ السياسي و الفكري و وظفت الموجة الدينية الصاعدة التي نشأت اثر انتهاء الحرب الباردة . . و التي ابتدأت في العراق للحفاظ على السلطة الاستبدادية منذ الحملات الايمانية في زمن الدكتاتور المقبور و مروراً بالمحاصصة الطائفية . .
المحاصصة الطائفية التي رغم نجاحات قياسا بالدكتاتورية المنهارة، الاّ انها ادّت و تؤدي الى نشوء الميليشيات الطائفية المتحاربة التي تتعامل بعنف لاتحدّه حدود و لايبالي بأمن و سلامة المدنيين . . . و ادّت الى استمرارها في التفريخ حيث يعلن بلا انقطاع عن قيام ميليشيات جديدة بلا رادع قانوني عملي فعلي، بل وبضوء اخضر من كتل حاكمة، برغم تحذير مراجع عليا شيعية و سنيّة من المخاطر الهائلة لذلك الحقد و التطرف الذي تغذيّه، و الذي تسببت نزاعاته الطويلة بظهور عشرات الآلاف من ممتهني مهن العنف و السلاح، بل و الارهاب، زاد منه الصراع الدموي الجاري في الشقيقة سوريا . . حتى صار يخشى من ان يتحوّل الى مرض يستعصي على الحل .
و في الوقت الذي كشفت فيه احداث العقد الاخير في المنطقة، ان القوى الكبرى ـ و الاقليمية السائرة في افلاكها و في تناقضاتها ـ تشجّع و تفسح المجال لتحقيق نجاحات طائفية محلية بالعنف . . نجاحات تريدها هي مهما كانت شعاراتها، طائفية او وطنية و قومية تقدمية، ان اتفقت في الاخير مع وجهتها، و لكنها لاتسمح بتحقيق نجاحات كبرى قد تهدد امنها و سلامة مشاريعها . . كما حدث في انتفاضة ربيع 1991 العراقية، انتفاضة الحجارة الفلسطينية اواخر الثمانينات، اضافة الى نتائج ثورات الربيع العربي في مصر و تونس و ليبيا مطلع العقد الجاري . .  
فإن اوساطاً كبيرة من الشيعة و السنة ترى في تقسيم البلاد اضراراً خطيرة هائلة . . و يرى متنفذون حاكمون سواء من (شيعة السيد المالكي) ان صحّ التعبير، او من متنفذين من ولاية الفقيه الايراني (انّ عاماً او عامين من القتال يحقق اعادة رسم الحدود الفاصلة بينهم وبين السنة والكرد، ومن ثم سيحصل سلام وتفاهم اقليمي برعاية المجتمع الدولي، المحتاج للنفط الذي يملأ ارض (الجنوب الشيعي). و ان ذلك سيجنبهم العقوبات والعزلة، و بالتالي يجنّبهم المثول امام المحاكم المختصة بجرائم الحرب . . )، فقد فاتهم ان هذا التصور خاطئ تماماً و يعكس عدم تقدير واقع النفط والطاقة في عالم اليوم. لأن رأس المال النفطي قد ينسحب من جنوب العراق، ويتوجه الى المصادر الجديدة للطاقة التي اطلقتها التقنيات الحديثة، و ان نفط الجنوب الغزير يمكن ان يوضع “على الرّف” حتى لاكثر من عقدين وفق خبراء . . اخذا بالاعتبار توفر مصادر عراقية بديلة اخرى . .  
و فيما سحبت الدول المتاخمة يدها من اعلان كيان سنّي (او دويلة سنيّة) في غرب العراق . . فإن السلام و التفاهم الاقليمي بعد سنتي حرب كما مرّ ذكره قد لن يحصل برأي اغلب المراقبين لأن الكيان (او الدويلة الشيعية) في جنوب العراق ستُعدّ سابقة لإعلان (كيانات شيعية على اساس طائفي) اخرى في الخليج، الامر الذي سيؤدي الى ان توظّف انظمة دوله كافة مواردها لإحباط المشروع وافشاله، مهما تطلب الامر و مهما اهرقت من دماء، ولن يجد (شيعة العراق) في ذلك حليفاً سوى ايران الفقيه المستنزفة بسبب الحظر الدولي عليها بقرار اممي . . كما يرون. (يتبع)


29 / 5 / 2013 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (*) الاقطاب التي ازدادت باقطاب اسواق السلع الاستهلاكية . . و بظهور اقطاب اقليمية مماثلة و متفاعلة معها في دول المنطقة و مكوّناتها .


62
الثارات القديمة و التعايش . .
                                                                                                           د. مهند البراك
                                                                                                      ahmedlada@gmx.net

فيما تعيش منطقتنا تغييرات عاصفة، لتقرير ماهية دورها العالمي الجديد سواء في مجال الطاقة و النفط و الغاز، و في مجال الامن العالمي . . او كاسواق مربحة لتصريف بضائع الاقطاب الصناعية المعروفة و الاخرى الجديدة الصاعدة في المنطقة ـ كايران و تركيا ـ ، و التي تتكدّس و يهددها الكساد، بسبب معدلات الانتاج الهائلة او لاسباب اخرى ـ الحصار على ايران مثلا ـ . . بعد ان بدد الدكتاتور صدام ثروات العراق على مشاريعه العسكرية و حروبه المجنونة . .
فبعد ان كانت منطقتنا تشكّل اكبر الاسواق لتصريف البضائع العالية الربحية و في مقدمتها "السلاح" : انواع الاسلحة و المعدات و الآليات العسكرية التي يقلّ الطلب الاستهلاكي عليها في دول الغرب . . صارت المنطقة اضافة الى كونها اكبر اسواق سلاح، من اكبر الاسواق لتصريف السيارات و الاجهزة الكهربائية و الالكترونية و اجهزة الاتصالات الحديثة التي تتطلب زيادة المعرفة لأجل استخدامها ـ معرفةٌ توفرها الاحتكارات ذات العلاقة ـ . .
اضافة الى تزايد تصريف الاطعمة المحفوظة و انواع الشاي و القهوة و السيكاير و الادوية و الاجهزة الطبية و الاسعافية و انواع الملابس العسكرية الميدانية الغالية الاثمان و غيرها التي يتزايد الطلب عليها بسبب تزايد الصراعات العنيفة و عدم الاستقرار فيها و تسيّد الخطاب الثأري، و بسبب جعل الدين الحنيف و بالتالي اعتماد الطائفية السياسية، اداة لتحقيق السطوة و الارباح .
و فيما تتغيّر الاهميات الستراتيجية لدول المنطقة بسبب الاكتشافات الجديدة لثروات بواطن اراضيها، او بسبب التغييرات الستراتيجية التي طرأت و تطرأ على موازين دول المنطقة و مكوّناتها و مواقعها . . التي جعلت التنافس حادا و عنيفاً عليها بضغوط و صراعات الاقطاب العالمية العملاقة و الاقطاب الاقليمية و القارّية الباحثة عن تحقيق ارباح فلكية بضوء تلك التغييرات .
تشتد اثارة الصراعات الطائفية و الدينية بشكل و كأنه مخطط من قوى عظمى و اقليمية ذات سطوة، تتشارك في عمليات تستهدف جعل تلك الصراعات ستاراً كثيفاً لسرقات لصوصية كبرى، و من اجل السيطرة و توجيه الازمات الناتجة عن الاستغلال و الاستبداد و القمع، سواء على صعيد دولي او اقليمي موظفة لذلك، انقطاع المنطقة او ضعف مواكبتها لركب الحضارة العالمي طيلة ما يقارب نصف قرن . . بسبب اجراءات و قوانين الدكتاتوريات العسكرية و الحكومات الاوليغارشية (حكومات العوائل) التي حكمتها، و التي يستمر تأثيرها رغم تغييرات كبيرة جرت و تجري، في وضع اقليمي يرى فيه خبراء بكونه يشبه الى حد بعيد ظروف المنطقة في الحرب العالمية الاولى، قياساً بركب التطور المتسارع الجاري في عالم اليوم .
و بسبب تسيّد الجهل و التخلف في المنطقة و شيوع اليأس و اللابالية و الايمان بالاقدار، بعد ان اهتز ايمان اقسام كبرى حتى بالقادر القدير ( الذي لم يستطع ان يحمي مقام الامام الهادي في سامراء حيث غاب المهدي في السرداب . . من الارهاب)  . . تحرّك تلك الإثارات ملايين الجماهير الامية و العاطلة و اخرى من المدمنة على المخدرات و غيرهم الكثير من المظلومين في حياتهم و العائشين على امل ظهور المخلّص، ليخلّص الارض من الظلم و من الحكّام الفاسدين . . الملايين التي يسهل توظيف عواطفها ـ بسبب آلاف العذابات ـ لمن يمتلك محرّكيها بماله و سطوته من خارج الحدود(1) .
و فيما يرى محللون ان مايجري يشعل صراعات نائمة و اخرى تصوّر عديدون انها انتهت بسبب تقادم الزمان و مافعله التمدّن و التطورات الاجتماعية و الثقافية و السياسية، و بسبب ثراء المنطقة و ماتدرّه ثروات النفط و الغاز على بلدانها، ثم بسبب الاهتمام عالميا ببلدانها و باستقرارها، لأن الاستقرار فيها يلبّي تطمين الحاجات العالمية اليها . . فقد فات عليهم ان استقرار المنطقة بنظر بيوت المال العالمية قد لايزال يقوم على حاصل (محصّلة) صدامات دول المنطقة فيما بينها، و ادامة تلك الصدامات ـ في نطاق سيطرتها ـ بكل الوسائل و الحجج . . سواء بنبش مفردات ماضٍ قاسي او بالمقدّس الديني و الطائفي و صراعاته الدموية . . التي تتجاوزه الدول السائرة على طريق التقدم الحضاري و الرقيّ في العالم، بعد ان تجاوزته مكوّنات دول الغرب التي تحرّمه دساتيرها و تتحرك حكوماتها بالسرعة اللازمة لتطويقه و انهائه ان ظهر شرر بسيط منه .
يرى آخرون ان دول المنطقة عاشت و تعيش منذ تأسيسها ـ بضوء نتائج الحرب العالمية الاولى ـ عاشت كدول بمكوّنات متنوعة طيلة قرن تقريباً (2). لأن بناء الدولة و نشاطها آنذاك حقق رخاءً و امناً لأبنائها قياساً بما مضى، و حقق قضية وطنية سياسية و مصالح وحدّت الاطياف القومية و الدينية و المذهبية و الفكرية على اساس الهوية الوطنية . . هوية جمعت القوى و المكوّنات الداخلية و وحّدَتها من اجل خير الجميع فيها، فكونت قوة ملموسة لدولة وطنية رغم كلّ الفتن و الثارات القديمة . . كافحت من اجل تحقيق مكاسب في العمل و التعليم و التأهيل المهني لتأمين العيش بكرامة، و شجّعت الكينونة البشرية الطامحة الى الافضل، لأجل ابنائها جميعاً . . رغم انواع المصاعب و التجاوزات التي اوقفتها جماهير الشعب حينها بمكوناته و باحزابه السياسية و مؤسساته المدنية .
   و هو الامر الذي يُطرح بقوة الآن من اجل تحقيق دولة عراقية اتحادية قوية تقوم على اساس برلمان منتخب فاعل . . دولة تلبيّ حاجات الشعب بمكوّناته و خاصة في الامن و الخبز و العمل لأوسع مكوناته الفقيرة، دولة تحارب الفساد و المفسدين و سارقي اموال الشعب . و تؤكّد العديد من الهيئات الدولية و وكالات الانباء، اضافة الى العديد من اصحاب الخبرات المتنوعة على الضرورة القصوى لتفاهم رجال الحكم و كتلهم المتنفذة فيما بينهم على اساس مايجمع و يوحّد، و ضرورة تفاهمهم مع تلك القوى العظمى، و التعامل التفضيلي و التفاهم مع اطراف نافذة منها لمواجهة اخرى فيما يخدم البلاد الغنية و آفاق مسيرتها و سيادتها، على اساس حساب المصالح و المنافع المتبادلة انطلاقاً من الواقع القائم و آفاق الخروج منه .  

23 /5 / 2013 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   لن تبقى هذه الملايين على حالها هذا الى الابد و خاصة في بلاد كالعراق، كما يشهد تأريخه القريب و ماحدث في انتفاضته الشعبية في ربيع 1991 ضد الدكتاتورية و الحرب .
2.   بعد ان عاشوا معاً على اراضيهم. . طيلة قرون حكم آل عثمان، رغم الفوارق .



63
مخاطر انفلات العدوانية الإسرائيلية

                                                                                                                 د. مهند البراك
                                                                                                           ahmedlada@gmx.net

فيما تشتد الصراعات الطائفية و الدينية التي اثيرت و تثار بشكل مدروس من قوى عظمى قادرة، في عمليات كبرى للسيطرة و لتوجيه الازمات الناتجة عن الاستغلال و الاستبداد و القمع على صعيد دولي من جهة، و من جهة اخرى بسبب ظروف المنطقة التي تعيش الآن تغييرات عاصفة، لتقرير ماهية دورها العالمي الجديد في مجال الطاقة و النفط و الغاز، او في مجال الامن العالمي . . و كاسواق عالية الربحية يجري التنافس حادا و عنيفاً عليها بضغوط و صراعات الاقطاب العالمية العملاقة و الاقطاب الاقليمية و القارّية الباحثة عن اسواق لتصريف بضائعها التي تتكدّس و تبور، بسبب معدلات الانتاج الهائلة التي احدثتها الثورة التكنيكية و العلمية التي عمّت الدول الصناعية، و عمّت نتائجها على دول الانتاج الصناعي التكميلي و غيره، الصاعدة في المنطقة .
تتكرر الاعتداءات العسكرية الاسرائيلية على ارض الدولة السورية ذات السيادة، و العضوة في الامم المتحدة و في المنظمات العربية و الاسلامية ابتداء من الجامعة العربية، الاعتداءات التي تمّت بهجمات لطائرات حربية او بصواريخ بعيدة مدى آخرها قبل ايام استهدف مركز ابحاث جمرايا في قاسيّون المحيط بالعاصمة دمشق راح ضحاياه عشرات من العسكريين و المدنيين، وسط صمت دولي يثير القلق من حقيقة مايجري في الشرق الاوسط . . في وقت تزداد فيه اعمال العنف المأساوية في سوريا الشقيقة بعد ان تحوّلت من نضال ضد دكتاتورية الاسد البعثية، الى صراعات طائفية عنيفة صارت تهدد فعلاً بالانتشار الى العراق و لبنان، وفق وكالات انباء متعددة . .
وفي الوقت الذي كشّفت فيه الاعتداءات الإسرائيلية هشاشة النظام العربي، و بؤس الآليات الدولية لردع الاعتداءات و التجاوزات بين الدول، وفق الاصول القانونية التي تقوم عليها هيئة الامم المتحدة . . فإن تلك الاعتداءات كشفت حقائق ان الطغم العسكرية الاكثر تشدداً و عدوانية في اسرائيل قد حققت بها، ضربة عسكرية سياسية و سايكولوجية كبيرة لدول المنطقة، في زمان تطغي فيه الصراعات الطائفية فيها مهددة بتحويل دولها الى كانتونات طائفية دينية.
الامر الذي تسعى اليه الطغمة العسكرية الاسرائيلية الحاكمة الاكثر عنصرية و تطرفاً سواء لتضييع القضية الفلسطنية التي يعبّر عنها رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي نيتانياهو حرفياً: " أصل الخلاف مع الفلسطينيين ليس على الأراضي بل على وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية (1)" ـ الحياة اللندنية، ايار 2013 ـ، او لتحقيق سيطرتها و فرض مصالحها على دول المنطقة . . بدلاً من السعي للتعايش السلمي معها، على اساس المنافع المتبادلة وفقاً لقرارات الامم المتحدة، و مطالبات الاوساط الديمقراطية و الشبابية الواسعة من كل الاديان و الملل في اسرائيل ذاتها و دعوتها لقيام الدولة الديمقراطية فيها . . المطالبات التي سقط دفاعاً عنها من الجانب الاسرائيلي رئيس الوزراء الاسبق اسحق رابين مضرجاً بدمائه على يد ارهابي اسرائيلي ـ يهودي من طائفة متشددةً و على اساس فتوى من رابيها ـ عام 1995 .
و يصف مراقبون ان اعمال تلك الطغم العسكرية تلتقي بالشعارات و الادوات بسياسات و اعمال الفقيه الايراني الاكبر و فيلق القدس، ثم بادوات و استثمارات قطر و اوساط من دول الخليج و تركيا. . لمدّ النفوذ بكل الطرق الممكنة، من اجل تحقيق ثروات فلكية من الاسواق و الطاقة و المواقع الستراتيجية . . بأسم الدين و الطائفة المظلومة .
و يشير ستراتيجيون عسكريون و سياسيون، الى الاهمية الكبيرة لإلتزام اسرائيل بالعهود و المواثيق الدولية و خاصة المتعلقة بالحرب و السلام، و خاصة بعد مباشرتها اواخر آذار هذا العام، باستخراج الغاز الطبيعي من حقل " تامار" في المتوسط(2)، رغم الاعتراض اللبناني و شكواه للامم المتحدة . . و الذي يجري بحماية سلاح البحرية الإسرائيلي المرابط بسفنه وطائراته المقاتلة، و دورياتها و مناوراتها (لتحذير أية قوة تفكر في الاعتداء عليها). الحدث الذي عبّر عنه وزير الطاقة والمياه الإسرائيلي، سلفان شالوم، بكونه يعتبر عيدا قوميا لإسرائيل (لأنه ينقلنا من دولة فقيرة بالنفط إلى إحدى الدول النفطية الكبيرة في المنطقة . . و ان إسرائيل بعد هذا اليوم ستكون مختلفة تماما عن إسرائيل قبله. وسيشعر كل مواطن إسرائيلي بهذا التغيير في حياته الاقتصادية اليومية. وعندما يبدأ ضخ الغاز من البئر الثانية (ليفتان)، في الشهور المقبلة، ستصبح إسرائيل مصدرا للغاز في العالم) !! و تاكّد ذلك ببيان التهنئة الصادر عن رئيس الوزراء نتانياهو .
و رغم حقوقٍ للبنان بهذين الحقلين بنسبٍ وفق قوانين المياه المقرّة دولياً، الاّ ان ذلك لم يمنع الحكومة الاسرائيلية القائمة من مواصلة العمل على استخراج الغاز الطبيعي لحسابها وحدها . . مدعية أنها مستعدة للدخول في مفاوضات مع لبنان حول (السلام على حدود البلدين)، ومن ثم البحث في مطالبه والتوجه إلى تعاون اقتصادي يبدأ من هذه الآبار ؟!
و تفيد وكالات انباء دولية متنوعة وفقا لمصادر سياسية عليمة في إسرائيل، أن هذه الآبار كانت سببا رئيسا لتحقيق المصالحة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، و نظيره التركي أردوغان، قبل اكثر من شهر، بوساطة الرئيس الأميركي أوباما، و إن تركيا ستكون شريكة في توزيع الغاز الإسرائيلي في أوروبا، إذ سيتم تحويل غاز البئر الثاني (ليفتان) بالأنابيب إلى الأراضي التركية ومن هناك يتم نقله إلى دول العالم. في وقت يكون فيه غاز بئر (تامار)، للاستهلاك الإسرائيلي الداخلي فقط . وقد قدرت الشركات العاملة في إنتاج الغاز في الحقل ـ التي ابرزها نوبل اينرجي الاميركية و إسرامكو نيجيف الإسرائيلية ـ في بيان، أن إمدادات الغاز الجديدة ستوفر للاقتصاد الإسرائيلي المعتمد بشدة على الاستيرادات النفطية 13 مليار شيقل (3.6 مليار دولار) سنويا .
   و يحذّر الستراتيجيون آنفي الذكر، من المخاطر المضاعفة على المنطقة التي من الممكن ان تتأتىّ من ظهور دولة نفطية جديدة فيها، تتوفر لديها انواع الطاقات العسكرية و العلمية و التكنيكية الاحدث، و يحكمها صقور حروب يتّبعون سياسات عنصرية، لم يتسببوا حتى الآن الاّ باشعال الحروب و ازهاق ارواح المدنيين . . الامر الذي يتطلب تدخلاً استثنائياً من القوى الكبرى الداعية الى الديمقراطية و السلام و احترام القانون، و الاّ فان انفلات الروح العسكرية العدوانية فيها قد لايمكن كبحه .
في ظروف تعيش فيها المنطقة على التصعيدات الخطيرة للرئيس الايراني احمدي نجاد و فيلق القدس و انواع الميليشيات الطائفية من جهة، وتصعيدات قطر و عدد من دول الخليج بذات الادوات من جهة اخرى . . سواء شكّلت خطراً فعلياً على اسرائيل، او تشكّل غطاءً مناسباً للانفلات . .
في ظروف تُهمّش فيها الجماهير و منظماتها و قواها في المنطقة و يُداس على مطالبها، و يُوظّف جهلها و معاناتها في انتخابات الاّ انها تُحكَم بالمقدّس الذي لايُناقش . . لمحاولات محمومة لإبعادها عن لعب دورها الحقيقي، و لتحقيق اكبر الصفقات المالية الانانية بالفساد الاداري و السرقات الكبيرة، من قبل اوسع الاوساط الحاكمة فيها . .  

9 / 5 / 2013 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   اي دولة دينية قائمة على اساس الدين، كما في دولة ولاية الفقيه الاسلامية في ايران و دولة طالبان الاسلامية . . على سبيل المثال لا الحصر .
2.   حقل (تامار) و حقل (ليفتان)، حقلان محفوران في أعماق البحر الأبيض المتوسط .

64
الحويجة . . و المخاطر 
د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net


لاتُخفى على اي مطّلع و منصف صعوبات الوضع العراقي النابعة من اسباب عديدة لايتسع لها المقال (1) . . ويرى مراقبون انه، اذا لعبت المحاصصة الطائفية دورا شبه مقبول بعد سقوط الصنم بداية رغم مفاجأة الجميع بها، الا انها استُنفذت الآن و صارت عائقا حقيقياً امام مسيرة البلاد و وحدتها و سيادتها.
و يؤكد كثيرون بأنه لايمكن وضع اللوم على جهة مذهبية عراقية واحدة في التوترات و الصراعات الطائفية المستمرة، التي هي جزء لايتجزأ من الصراع الديني الطائفي الاقليمي الذي صار لايهدأ، بسبب ظروف المنطقة التي تعيش الآن تغييرات عاصفة، سواء في ماهية دورها العالمي الجديد في مجال الطاقة و النفط و الغاز، او في مجال الامن العالمي . . و في المجال الاقتصادي كاسواق يجري التنافس حادا و عنيفاً عليها بضغوط الاقطاب العالمية العملاقة و صراعاتها، و ضغوط الاقطاب الاقليمية و القارّية الباحثة عن اسواق لتصريف بضائعها الهائلة المكدّسة، بسبب معدلات الانتاج الهائلة نتيجة للثورة التكنيكية و العلمية التي عمّت الدول الصناعية .
من جهة اخرى، فإن تلك الصراعات هي جزء من الصراع العنيف المرئي و غير المرئي . . بين الادارات الاميركية و الاسرائلية و حلفائهما من جهة، و بين حكم ولاية الفقية الايراني و حلفائه من الروس و الصينيين و غيرهم من جهة اخرى(2)، و الذي يتمحور الآن على الملف النووي المهدد بخطر اندلاع حرب مخيفة، او بخطر بيئوي كبير بسبب تزايد احتمالات التسرب النووي من المفاعلات الايرانية اثر الهزات الارضية في جنوب شرق منطقة مفاعل بوشهر و الحدود الايرانية الباكستانية ـ راجع اجتماعات الطوارئ لحكومات دول الخليج ـ . .   
وفي خضمّ تلك التعقيدات الكبيرة ذات المخاطر المتزايدة، و نجاح عملية انتخابات المجالس المحلية للاختيار السلمي للحكومات المحلية، رغم اعتراضات . . جاءت المفاجأة الاليمة بتدخل الجيش المباشر ـ قوات السوات ـ بالرصاص الحي و بآلياته و باوامر عليا، لتفريق اعتصام جماهيري سلمي في مركز قضاء الحويجة جنوبي كركوك، تسبب في سقوط اعداد من القتلى و الجرحى . .
في وقت تراكمت فيه  المشاكل الباقية دون حلول من الحكومة، و تزايدت فيه العديد من عمليات الشحن الطائفي و المشاكل الطائفية، التي شجّعت افراداً مشبوهين حاولوا الاساءة للاعتصامات بالتسلل اليها ـ من عناصر جيش النقشبندية و البعث الصدامي ـ تحت ستار الطائفة المظلومة، رغم احتجاجات المعتصمين السلميين على تواجدهم . . الامر الذي تكرر بشكل مؤسف بعدئذ في مدينة الرمادي من قبل حاملي هويات ـ استخبارات الجيش ـ وفق نتائج تحقيق، مخلفا اعداداً اخرى من الضحايا .
و المثير للقلق ان تدخل الوحدات العسكرية ذلك يجرى في مناطق يغلب عليها الطابع العشائري الاكثر انغلاقاً و تماسكاً و تسكنها عشائر عراقية كبرى كالجبور و العُبًيدْ و النعيم و غيرها ـ التي تضم فيما تضم سنّة و شيعة ـ اضافة الى عشائر الدليم . . الامر الذي قد يؤدي الى حصول ردود افعال لاتقاس بما حصل في مطلع عام 2011 عند مجابهة حكومة المالكي الاحتجاجات السلمية بالرصاص الحي الذي تسبب بعشرات الضحايا، في ساحات : التحرير في بغداد، و في مراكز المحافظات الكبرى . . اضافة الى ماتفعله كل الظروف الحادة المحيطة التي مرّ ذكرها . .
و فيما ينبّه حريصون الى انه لم يجرِ الى الآن الاتفاق على مفهوم قانوني دستوري لـ ( الارهاب و الارهابي)، بعد ان شاخ المفهوم السابق له في البلاد اثر سير الارهاب على كل المحاور السياسية و الدينية و الطائفية . . و استمرّ التعامل مع هذا الملف على اساس سياسي فقط، الامر الذي ادىّ الى معاقبة (ارهابيين) باقصى العقوبات، و تعويض (ارهابيين) آخرين . . و اعتبار آخرين شهداء ؟؟ و صارت عديد من ملفات الارهاب بيد مكتب القائد العام وفق تصريحاته، و التي صار يلوّح بها بوجه من يعترض على قراراته ـ بدلاً من التحلي بالتريّث و التعقّل لحلها و وضع حد لها ـ ، الامر الذي تسبب بمظالم متنوعة و يتسبب بتزايد مشاعر غضب و احتجاج من ظُلِم بسبب التمييز ذلك و غيره .
ينبّه عديد من المراقبين الى ان تلويحات رئيس مجلس الوزراء بتلك الملفات و تعابيره في مواجهة معترضية كوصفه المعتصمين السلميين بكونهم (ليسوا اكثر من فقاعة) . . يعني عدم القدرة على الخروج من دائرة تفكير (الحاكم الفرد) الذي يفترض انه انتهى، و انه قد لايعني الاّ مخاطر العودة الى العنف و بالتالي الى القوات المسلحة في حل المشاكل الداخلية ـ منذ انسحاب القوات الاميركية ـ . .  الامر الذي صار يهدد به علناً التصرف الارعن المار الذكر في الحويجة بعد التراكمات، في وقت سجّلت فيه انتخابات المجالس المحلية انخفاضاً ملحوظاً في اعداد المشاركين ممن يحق لهم التصويت . .
من جهة اخرى، يرى مراقبون ان موقف الادارة الاميركية و كأنه مراقب و منتظر لمآل الاحداث المستمرة في التطور مأساويّاً . . و انه مرتبط بسير و بما ستسفر عنه الصراعات السورية و مصير الاسد و حزب الله اللبناني من جهة، و نتائج الانتخابات الايرانية على ضوء الواقع الشعبي الايراني المتأزّم بسبب الاستبداد و الحصار، و محاولة الجانب الايراني الاحتفاظ بالساحة العراقية مفتوحة امامه، كساحة هامة للمناورة في الصراع مع الادارة الاميركية و اسرائيل . . و كمفتاح ضروري لها في ادامة علاقاتها مع الانظمة العربية و مصالحها في عموم المنطقة .
و فيما ترى اوساط متزايدة ان سلوك غالبية المسؤولين العراقيين الحاليين، تطغي عليه الانانية و المنافع الفردية، و ضعف و انعدام التفكير الجاد بحلول سلمية بنّاءة للواقع العراقي و للافاق و انتظارهم و اعتمادهم على مآل الموقفين : الاميركي و الايراني، و مواقف الدول و القوى السائرة في فلكهما، دون محاولة التوصل الى حلول وطنية تمكّن البلاد من التعايش السلمي مع المحيط على اساس السيادة و المنافع المتبادلة . . اي ان القوى العراقية المتنفذة التي افرزتها المحاصصة لاتلعب دوراً وطنياً الاّ نادراً، بقدر ما يطغي عليها الجانب النفعي و المصلحي الضيّق .
فإن مواقف و اساليب الاطراف الماسكة للسلطة و القوات المسلحة ـ اي حكومة المالكي اليوم ـ . . هي التي تنعكس على سلوك و تصرّف القوى الاخرى و الا فانها ـ اي القوى الاخرى ـ تفقد القدرة و لاتستطيع الحصول على حقوقها في ظرف كهذا بتقديرها. و يرى متخصصون ان لعب السيد المالكي بالصراعات مع الآخرين و اثارة اطراف على بعضها بفتن لتقوية كرسيه، الذي اسفر و يسفر عن تشكيل (جيوش طائفية) جديدة، من عصائب الحق و كتائب حزب الله الشيعية، الى آخرها جيش النقشبندية و جيش عشائر العزة و الكرامة السنيّة . . السلوك الذي لاينسف الاّ المبدأ الأساسي الذي تحقق بسقوط الصنم . . " مبدأ التداول السلمي للسلطة " المعتمد على صناديق الاقتراع .
و في الوقت الذي تتزايد فيه نداءات القوى و الاحزاب و الشخصيات الوطنية العراقية و المرجعيات الدينية السنيّة و الشيعية، داعية الى درء الفتن الطائفية و التمسك بوحدة البلاد و سلامتها بمكوناتها مجتمعة . . تتزايد المطالبات بتغيير المالكي و مفهومه للـ (القائد العام) بعد سبع سنوات حكم فيها بصلاحيات كاملة و بحصانة محددة دستورياً، كانت هذه نتائجها. تغييره بضمانات دستورية و قانونية داخلية و دولية تحفظ حقوقه كمواطن تكلّف بمهمة رئيس مجلس الوزراء لمدة محددة اثر انتخابات و اتفاق كتل متنفذة . . ليعود الحق الى نصابه الدستوري على ان لاتضيع الحقائق، ولإنصاف المتضررين، و لدراسة و تقييم مسيرة عشر سنوات حكم في اغلب سنواتها كـ (قائد عام) . .
تغيير يهدف الى اعادة رسم العملية السياسية و اسسها بعيدا عن المحاصصة، و يهدف الى النهوض بالواقع العراقي على اساس مؤتمر وطني موسع لكل القوى و الاحزاب الفاعلة من داخل و خارج العملية السياسية على اسس الاصلاح و الحكم الاتحادي البرلماني القائم على الهوية الوطنية الواحدة، و على التبادل السلمي للسلطة .

28 . 4 . 2013 ، مهند البراك   

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   و ليس كما عبّر المدان طارق عزيز في مقابلته مع علي الدباغ (لأن العراق لملوم) على حد تعبيره المغرض المعيب.
2.   في تحالفات ليست ثابتة و سريعة التغيّر و الحركة من جانب لآخر، بلا مبادئ معلنة او متفق عليها، و انما بمنطق الارباح السريعة و وفق المصالح الآنية .

65
نعم للانتخابات، لا لحكومة المالكي !
د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net
 
لايختلف اثنان اليوم على ان الانتخابات هي جزء من الديمقراطية و من المجتمع الديمقراطي، الاّ انها لايمكنها لذاتها وحدها ان تختزل الديمقراطية، فالديمقراطية مفهوم اجتماعي قِيَمي سياسي . . يحتاج الى عمليات تنمية و تحديث و تمدّن في المجالات المتنوعة للمجتمع و تشترط اشتراطات تبدأ بتحقيق الامن و السلامة الاجتماعية، بعيداً عن العنف و الارهاب، و الترهيب بالتلويح بهما .
و تعتبر انتخابات المجالس المحلية التي صارت تطرق الباب الآن، هي الاولى بعد انتخابات مطلع عام 2010 لقياس مدى شعبية رئيس مجلس الوزراء الحالي الذي جاء باتفاقات رغم انتخابات تشريعية جرت و نالت من طعون كبيرة صادقت عليها المحكمة العليا، وفق الاصول الدستورية . . و تعتبر الاولى لقياس حقيقة الاستقرار في البلاد بعد رحيل القوات الاميركية عام 2011 .
و لكل ذلك يتوقع اكثر المراقبين بانها ستكون باجراءاتها و المشاركة فيها . . مخاضاً هاماً يكشف الكثير من بواطن حقائق نظام الحكم القائم الآن، سواء بأعين العراقيين بالوان طيفهم و اديانهم و مذاهبهم، او بأعين العالم و بالتالي سيحدد مواقف دول العالم بشكل اكثر وضوحاً مما يجري في العملية السياسية في البلاد .
و يلاحظ كثيرون ان رئيس الوزراء المالكي، المالك بيده الفرد اجهزة الدولة المالية و الاعلامية و العنفية بانواعها، قد استهل الانتخابات بعدة اجراءات و قرارات لا يراد منها الاّ الاستقواء بما موجود من قوى مؤثّرة (1) في لوحة الاحداث الجارية الآن، و ليس الاستقواء بشعبه المضيّع و المهمّش الذي يواجه انواع المحن، و ليس بالانشغال بما يداوي جروحه و يطلق طاقاته الخلاّقة . .
الاستقواء بقوى مهما كانت، بشرط ان تدعم كرسيه، مستنداً في ذلك الى راية رفعتها دكتاتوريات هَوَت، راية (عفا الله عمّا سلف) بعيداً عن حكمتها الحقيقية . . وصولاً الى عدم ممانعته من الاستقواء بمجرمي البعث (2) ـ علماً بان ليس كل البعثيين السابقين مجرمين ـ عاكساً في ذلك فهم المالكي للديمقراطية بكونها اداة لحكم فرد يرى بنفسه الآهلية و بانها اداة لديمومته على كرسيه، بتقدير اوساط محايدة من تتبع سلوكه السياسي في سنين حكمه كـ (قائد عام).
و في خضم عودة مجرمي البعث التدريجية المتواصلة بكل الاردية و العلامات المنافقة الجديدة منذ انهيار الصنم، عودتهم الى دوائر الدولة و الى مسارح الاحداث و دوائر السلطة و الجيش و قوى الامن، بمفاتيح الاجرام و المال التي لم يدقق بها . . التي ازدادت بشكل مفاجئ عشية الانتخابات، بقرارات حكومة المالكي بتعويضات فدائيي صدام و كوادر البعث ـ عدا الانسانية منها ـ و بتعديلات قانون المساءلة و العدالة التي افقدته جوهره . . ادّت الى استنكارات شعبية متصاعدة حتى ادّت الى مخاطبة جماهير الناصرية للمالكي بـ " بعثي نوري المالكي "، و هو يلقي كلمته في الملعب الرياضي هناك . . كما تناقلتها وكالات الانباء و الفيسبوك و اليوتيوب و غيرها.
في اجراءات تثير انواع الاتهامات و التساؤلات التي منها، هل ان تلك القرارات تأتي ضمن صفقة للتفاعل و دعم نظام الاسد البعثي الحاكم ؟. . و تثير حذر و انتباه الاطراف الكردستانية العراقية، لخبرتها الطويلة و المؤلمة مع عسكريي دوائر صدام و جيشه و عملائه الذين لايتورعون عن القيام بانواع الجرائم الجماعية ضد الكرد و كردستان التي وصلت حد الابادة كما في الانفال و حلبجة و عشائر بارزان، من جهة . و يثير غضب كل القوى الديمقراطية العراقية و كل القوى التي عارضت الدكتاتورية و قدّمت مئات آلاف الشهداء على طريق النضال لاسقاطها، من جهة اخرى .
    و فيما يصف السيد المالكي الجماهير المحتجة و المطالبة بالمساواة في المحافظات الغربية ـ ذات الغالبية السنيّة وفق توصيفات اليوم ـ ، يصفهم بالمتمردين و الغرباء . . يأتيه الرد من جماهير الغالبية الشيعية في كربلاء و العمارة ـ و الناصرية كما مرّ ـ باعلانها التذمر من كلماته في التحشيدات الانتخابية التي دعى لها و تحدث فيها داعياً لانتخاب قائمته التي صار اعلام الحكومة الرسمي و فضائياته المتعددة تروّج لها، خروجاً على الدستور . .
في وقت يعلن فيه انه لايلبي دعوة البرلمان للمساءلة الدستورية، لانّه سيفتح ملفات تدين عدداً كبيراً من البرلمانيين بالارهاب؟!! و سيؤدي الامر الى التراشق بالبوكسات، على حد تعبيره . . ناسياً او غير مبالي بما يمليه عليه واجبه اليومي كرئيس وزراء عند حصوله على اي دليل في حماية ارواح المدنيين العزّل الذين يتعرّضون يومياً للموت على ايدي الارهابيين . . وسط صراخ الجماهير و غالبية الاطراف بضرورة الوقوف امام اختراقات الاجهزة الامنية .
و فيما تدعو القوى التقدمية المدنية و المرجعيات بكل اطرافها الى ضرورة الاشتراك بالانتخابات لمحاولة قطع الطريق امام عودة الفاسدين و السرّاق، و انتخاب الشخصيات النزيهة . . ترى جهات خبيرة ان المشاركة الفعالة في الانتخابات هي الطريق الافضل لزيادة دور الجماهير الشعبية في التصدي للظلم و الفساد و التزييف، و هي الطريق الافضل لتعرية اساليب الحكومات غير الكفوئة و المدانة بالفساد و السرقات الفلكية . . و التي يمكن ان تكون اقوى الاوراق لإجبار حكومة المالكي القائمة الآن، على الاستقالة و الاتيان بحكومة تكنوقراط انتقالية، كضمان لنتائج نزيهة و لتحقيق مؤتمر عام لكل القوى العراقية الفاعلة للاتفاق، و للتهيؤ للانتخابات التشريعة القادمة .

18 / 4 / 2013 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   مدعومة من خارج البلاد . .
(2)   بواجهة الحاجة للكفاءات . . دون العناية و الاهتمام بعشرات الاف الكفاءات العلمية و الثقافية العالية التي تسببت دكتاتورية صدام و ارهابها السياسي و العنصري و الشوفيني ثم سياسة المحاصصة الدينية الطائفية بتشريدها من البلاد، عدا من تسببت بقتلها و ضياع اثرها و مؤلفاتها و آثارها . و دون تأهيل كفاءات جديدة طيلة عشر سنوات مرّت على سقوط الدكتاتورية .

66
ماذا يعني تعويض (فدائيو صدام) و كوادر البعث ؟
          د. مهند البراك
             ahmedlada@gmx.net

في خضم الوضع الذي يزداد تشابكاً و تعقيداً في البلاد، تفاجأت اوساط واسعة بقرار مجلس الوزراء  في 7 نيسان الجاري و عشية الذكرى العاشرة لسقوط الصنم . . تفاجأت بقرار تعويض (الفدائيين) و كوادر البعث برواتب تقاعدية بأثر رجعي، اضافة الى تعديلات كبيرة افقدت قانون المساءلة و العدالة ـ الاجتثاث سابقاً ـ من جوهره . .
   مذكّرين بقوانين تحريم حزب البعث الصدامي الارهابي العرقي الشوفيني، الذي تسبب بفتح المآسي و بتكبيد الشعب العراقي خسائر هائلة يستمر على دفعها، و يستمر في معاناته  بسبب تواصل السير على نهجه و مضاعفاته، رغم انواع التضحيات بالغالي و النفيس لكل اطياف الشعب العراقي بعربه و كرده، بمسلميه و مسيحييه و اديانه و كل طوائفه، بكل الوسائل بوجه الدكتاتورية.
   و يذكّر كثيرون من وجوه و احزاب معارضة دكتاتورية صدام، بما صرّحوا و كتبوا و اقترحوا حول ماشُرّع و سُمي بـ (قانون اجتثاث البعث) في زمن السفير الاميركي بريمر . . و بما وصفوه بكونه   نصاً و تطبيقاً يمكن ان يعني التعامل باساليب صدام ذاته مع خصومه و مواطنيه . . حين لا يميّز بين من كانوا من كبار مجرمي البعث و بين من أُغروا او أُجبروا او خُدعوا بالانتماء الى البعث الصدامي السئ الصيت، و ذلك ما حصل بتشابك الحابل بالنابل في التطبيق .  
و فيما يُنظر بألم الى تلك التعويضات بأثر رجعي و كأن شيئاً لم يكن، يُنظر اليها بألم بسبب اعمال الارهاب التي لاتنتهي و التي ذهب ضحيتها عشرات آلاف المدنيين نساءً و رجالاً و اطفالاً . . لنشاط افراد (فدائيو صدام) و افراد انواع قواته الخاصة المدربين تدريباً خاصاً على قمع المدنيين، و لتكوينهم اشكال المنظمات الارهابية بتحالفهم مع منظمات القاعدة الارهابية و غيرها . .
   يرى قسم ان معاقبة البعثيين بخلط الجميع في خانة واحدة و بلا فترة زمنية محددة، أمراً ظالماً كما مرّ . . و ترى اوسع الاوساط إن الخطأ الاكبر هو في ان يُعَوّضوا جميعاً بأثر رجعي و بخانة واحدة يختلط فيها المجرمون، بالابرياء من الاجرام منهم . .
ليكون الخطأ في مصاف الكارثة حينما يُتّخذ في وقت يواجه فيه الذين ضحّوا بكل شئ و ناضلوا ضد الدكتاتورية رجالاً و نساءً و عوائل . . يواجهون انواع المشاكل و النَصُبْ و الاحتيال و الابتزاز للحصول على حقوقهم المنصوص عليها بقوانين بعد سقوط الصنم، بسبب انعدام مراعاة دوائر المراجعات عدم توفر ما تطالب به من وثائق حرّمتها ـ او اتلفتها ـ الدكتاتورية عليهم حينها، بأنواع الطرق (القانونية) و غيرها ؟؟ فيما يحصل التوّابون الجدد على مكافئاتهم في الحال !!
   و يتساءل كثيرون عمّا دفع رئيس مجلس الوزراء السيد المالكي بكل حماس لذلك القرار . . هل جاء بعد ان قيّم حزب البعث تجربة صدام و ادان حكمه و لم يعد يعتبره قائد الامة و قائد القادة ؟؟ هل هي بداية لتغيير معادلة الحكم على اساس احزاب جديدة و مجالس عشائر يكون فيها حزب المالكي الجديد ـ و ليس حزب الدعوة الحالي ـ في المقدمة ؟ هل هي خطوة لإنهاء اعتصامات المحافظات الغربية المطالبة بالمساواة، بالقوة ـ رغم انها لم ترفع شعارات صدام ـ ؟ ام هي محاولة لكسب اصوات (البعثيين) في الانتخابات لصالح رئيس الوزراء الحالي، باعتبارهم جاهزون دائماً للتلوّن، وفق تجربته و حاشيته معهم ؟ او هي محاولة من محاولات حكومته لدعم نظام الاسد وفق العائدية ؟ . . .  ام هي كلّها معاً وفق معايير و تقدير القائد العام ؟؟
11 /4 / 2013 ، مهند البراك

67
تحطيم السلطة الرابعة بالهراوات !
                                                                                                د. مهند البراك
                                                                                             ahmedlada@gmx.net
   
اثار ماحدث قبل يومين في ظهيرة نهار من نهارات بغداد، الحافلة بانواع مفاجآت الانفجارات، بل و في وسط العاصمة المكتظة بانواع السيارات الحديثة ـ في المجتمع الجديد !! ـ و التي تسير ببطء غير معقول بسبب انواع السيطرات الامنية التي لايزال رجالها يستخدمون ابراً و كاشفات عبوات، رغم انكشاف عدم جدواها و عدم آهليتها في مكافحة الارهاب . . اثار ذلك ردود افعال كبيرة داخلياً و خارجياً صعّدت من وتيرة احتجاجات الهيئات الدولية و الامم المتحدة على الوضع العراقي . .
فبعيداً عن كل مايساق من اخبار عن اسباب و عن ماهية الصحف المقصودة و العاملين فيها . . هاجمت مجاميع مسلّحة من افراد مدنيين و صل عددهم الى مافاق الخمسين وفق انواع التقارير و البيانات الصحفية و الشفهية، و هم يحملون هراوات و قامات و سكاكين و بوكسات حديد . . هاجموا نهاراً جهاراً و في وقت متقارب، مكاتب اربع صحف في منطقة الكرادة المزدحمة بمقار انواع القوى الامنية المسلّحة العائدة لقوات عمليات بغداد !!
و اعتدوا و هم بهيئات و وجوه مكشوفة، على العاملات و العاملين فيها بالضرب المفضي الى جروح و دماء، اضافة الى محاولات الإرعاب بالإهانات السيئة المتنوعة . . و دمّروا ابواباً و اثاثاً و اجهزة فيها، و حرقوا عددا من السيارات العائدة لها، وسط انعدام اية ردود فعل من قبل قوات عمليات بغداد المتواجدة بكثافة في منطقة الاحداث هناك . .
و مما يتّضح حتى الآن، من خلال مانشر و ما ترشّح من صياح و نقاشات حادة من افراد تلك الجماعات على العاملين في تلك الصحف على مقالات و احاديث ثأر و فصل . . ان اولئك الافراد يعودون الى رجل دين واضح الهوية و الطائفة مدعوم مؤخراً من مكتب رئيس الوزراء في مواجهة تيار شيعي معروف يعارض سياسات رئيس الوزراء الفردية . . بعد انشقاقه عن ذلك التيار، وفق عديد من وكالات الانباء و الصحف .
و بعيداً عن تفاصيل كثيرة منها حضور قوات للشرطة اثر الاتصال بها و لكن بعد انتهاء الاحداث ؟! . . يثير سكوت قوى الامن و قوى عمليات بغداد الموضوعة تحت القيادة المباشرة لرئيس مجلس الوزراء الحالي عمّا جرى، مذكراً بسكوتها عن احداث سابقة شبيهة و سكوتها عما يجري باستمرار من تضييقات متنوعة على الصحافة بشكل خاص و على الاعلاميين عموماً . . يثير تساؤلات و اتهامات كبيرة على حقيقة نظام الحكم الجاري في البلاد و على حقيقة ادعائه بكونه يحكم وفق نظام ديمقراطي دستوري من جهة ؟؟
و من جهة اخرى، يثير تساؤلات في هل ان ماجرى هو ضمن التحضيرات الحكومية لإنتخابات المجالس المحلية لضمان ( نصر مضمون) بتعبير عائدين لقائمة دولة القانون الحاكمة ؟ ام انه خطوة اكثر (تقدمّاً) على طريق انهاء الصحافة المستقلة و غير الحاكمة، بدلاً من تعزيزها و تطوير حريّتها و جعل دورها فاعلاً خدمة للمجتمع في ظل حكم يفترض انه دستوري . .
و فيما ترى اوساط متزايدة في ان ماجرى و يجري ليس اكثر من اساليب اتّبعتها حكومات بائدة ، بغضّها النظر ـ على الاقل ـ عن اعمال جماعات من البلطجية، او جماعات ارهابية لاقانونية . . لتنفيذ اهداف تعيق الحكومة عن تنفيذها، القوانين المعمول بها او تعيقها ادّعاءاتها بالتمدن و التحديث و الديمقراطية، التي تشكّل الصحافة الحرة مصدر ازعاج، و بالتالي مصدر مخاطر جديّة على محاولاتها للانفراد بالحكم .
فإنها تعبّر عن صدمتها في تفسير عودة السيد مشعان الجبوري علناً الى العاصمة و عقده مؤتمراً صحفياً ـ قبل ايام ايضاً ـ اعلن هو فيه اسقاط التهم عنه، وسط سكوت حكومة المالكي و القضاء، ثم ترؤوسه قائمة انتخابية الآن في محافظة صلاح الدين . . و الجبوري عضو مجلس النواب السابق و الشخصية المثيرة للجدل بعد ان اتخذت اجراءات قضائية بحقه بسبب الاختلاس، و دعم الارهاب و فلول الدكتاتور صدام من خلال فضائيّتيه: الزوراء و الرأي من سوريا . .
و قد نحيّ بسببها من مجلس النواب و صار مطلوباً للانتربول الدولي الذي لايزال ينشر في صفحته الالكترونية مواصفاته و طلب الابلاغ عن مكانه لالقاء القبض عليه، فيما يصرّح مقربون من رئيس مجلس الوزراء بتفاصيل عنه، يفهم منها ان الجبوري غيّر من سياسته و انه صار مؤيداً لرئيس مجلس الوزراء ذاته الذي صدرت الاحكام عليه في دورته الرئاسية الاولى . . وفق صحف و وكالات انباء متنوعة.  
و يرى مراقبون فيما مرّ من وقائع، بكونها اذا كانت تلقي اضواءً على ماهية السلطة القضائية المعمول بها و درجة تسييسها من جهة، فإنها تشير الى اي افق تسير (ديمقراطيتنا)، في وقت يعتبر فيه النظام الديمقراطي بدرجاته و اشكاله في كل بلدان العالم المتحضّر، يعتبر الصحافة و الاعلام الحر سلطة رابعة (*)، و ركن اساس من اركان دولة المؤسسات . . . و واهم من يعتقد ان بإمكانه اسكات الاصوات الحرّة و حجب الحقائق في عالم اليوم و وسائل اتصالاته السريعة المتنوعة .

4 / 4 / 2013 ، مهند البراك  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) بضوابط دستورية تحميها و تحمي الحق العام و حق المواطن .


68
   
  الحزب الشيوعي ملتقى القوميات و الاديان و الطوائف!

                           د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net

تمر هذه الأيام الذكرى التاسعة و السبعون على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي المناضل . . و تتوالى الصور و الذكريات والآمال بحزب ناضل و يناضل و قدّم و يقدّم الكثير و الكثير من اجل حرية الشعب العراقي باطيافه و من اجل حياة اسعد للعراقيين رجالاً و نساء، ومن اجل واقع و مستقبل افضل للشباب بشكل اخص . . ليس بشهادة القوى الوطنية العراقية فحسب، بل و بنظر كل القوى المهتمة و العاملة على قضية العراق.
و يتزايد بدوره الامل، لأنه شكّل و يشكّل ارثاً غنياً و واقعاً حيّاً يتردد في الفكر و في المحاولات الجادة للتجديد و التقدم الإجتماعي لشعبنا، في نضال ضارٍ لم يعرف الكلل رغم انواع التضحيات و الصعوبات من اجل خير و عزّ العراق بكل الوان طيفه، ولأنه الناطق و الدليل بجهود اعضائه و مؤازريه، لصياغة طرق نضال الطبقات و الفئات الفقيرة، الذي لم تستطع اعتى المخططات على تركيعه و اخراجه من الساحة سواء بالقهر او بالاغراء كما تصوّر منطقها السقيم، فعاد و يعود متجدداً بعد المحن المعروفة التي استهدفت تحطيمه . . بعد ان تركت تضحياته و تطلعاته اثاراً لا تمحى في اعماق الروح الحية للبلاد .
و لأنه يشكّل تعبيراً ليس سياسياً فقط، بل انسانياً عراقياً اصيلاً عابراً للاديان و الطوائف و للروح القومية الضيّقة و تعاليها في بلادنا، و فيه تلتقي حكمة الاديان و الطوائف و الروح القومية التحررية الوثابة من اجل وطن حر و شعب سعيد متنوع الاطياف . . الامر الذي تدعو له و تحتاجه اوسع اوساط الشباب و خاصة الاكثر علماً و وعياً و حباً لوطنهم.
و يزداد وجوده و نضاله و بنظافة ايادي اعضائه و مؤازريه، و بالتالي دعمه المتنوع . . يزداد اهمية في الظروف الحالية التي تشهد فيها البلاد عودة الى ماضٍ اليم بانواع الفتن الدينية و الطائفية و القومية، و بانواع الفساد و السرقات و الخراب، بل و يتزايد وجود و دور الشيوعيين و اصدقائهم و حملة الافكار الوطنية و العلمية في البلاد اليوم، امام تزايد الافكار العدمية و الخيالية و افكار قراءة الفنجان و الحظ . 
و فيما لعب الحزب دوراً رائداً و بارزاً كتفاً لكتف مع كل القوى و الاحزاب الوطنية، في كل الإنتفاضات الفلاحية و الإضرابات العمالية و الطلابية و الوثبات الشعبية في مواجهة الإستعمار، و الرجعية و ما اورثت من حكومات عسكرية دكتاتورية متغطرسة و شوفينية، من اجل الديمقراطية و من اجل حق الشعب الكردي و كردستان العراق في الحياة و الحرية  . . صاهراً في مواقفه ابناء كل الاديان و المذاهب و القوميات رجالاً و نساءً من مسلمين سنّة و شيعة، مسيحيين، صابئة مندائيين و ايزيديين، صاهراً ايّاهم في بوتقة النضال من اجل حرية و كرامة الانسان في البلاد، و حقه بحياة افضل . . حتى صار وجوده و نضاله لقاء الاطياف العراقية الذي عركته السنين و ثبت في العراق . .
و صار لولباً اساسياً لايمكن الاستغناء عنه للحركة الديمقراطية و اليسارية و الليبرالية العراقية ، بعد ان تزايد النظر اليه و يُعايَن موقفه كبوصلة للحراكات الإجتماعية الإقتصادية و الفكرية و آفاقها، من قبل اوساط تقدمية واسعة كثيرة التنوّع . . من اجل صياغة حلول واقعية تكرّس الإخاء و الوحدة الوطنية في كل منعطف صعب مرّت و تمرّ به البلاد.
   و يرى محللون و مراقبون ان ذلك الموقع لم يأت بسبب النظرية و المنهج الماركسي الذي اعتمده الحزب في صياغة سياساته و رؤاه فقط، و انما بتجارب اعضائه و مؤازريه الوطنية الغنية و تضحياتهم الجسام، بعد خوضه انواع النضالات السرية و العلنية، السلمية اضافة الى المسلحة كما في نضاله الدامي في قوات الانصار كتفاً لكتف مع قوات بيشمركة الاحزاب الكردستانية من اجل الديمقراطية للعراق و من اجل الحقوق القومية العادلة للكرد و كردستان . . التي شارك فيها مشاركة نشيطة رغم نواقص و اخطاء مرّت باشد منها القوى و الاحزاب العراقية الاخرى .
و قد اعتمد الحزب في نضالاته دوماً اضافة الى شغيلة اليد و الاوساط الكادحة . . اعتمد تبني مطالب الحركات و الفئات الصاعدة في المجتمع، الرامية الى تقدم و تمدّن البلاد، في العلوم و الثقافة و الادب و كان دوماً مع المجددين ـ متمنين المزيد الآن ـ ، حتى صار يندر ان ترى في البلاد من لم يمر بمدرسته من سياسيين و ادباء و فنانين، و من رجال العلم و المعرفة و الصحافة الحرة الداعية الى حرية الكلمة و الرأي . .
و التفّ الشباب حوله و ايّدوه و انخرطوا في صفوفه . . بسبب رعايته للشباب و دفاعه المتواصل عن حقوقهم في حياة افضل سواء كانوا طلبة او شباباً يزالون مختلف المهن . . و شجّع الطاقات الشبابية من الجنسين و ساعد على الاسراع في تفتّحها على اسس فاضلة، فساعد بالتالي ممارستها لدورها الهام في مجتمعنا الذي يشكّل الشباب غالبيته، سواء في تأسيس اتحاداتهم و روابطهم و جمعياتهم او النشاط لإنجاح فعالياتهم و مطالبهم، و تفاعله و تبنيّه لحركات الشباب و مطالبيها العادلة . . التي كانت الاكثر دوياً منها مشاركته الفاعلة في احتجاجات ربيع عام 2011 من اجل اصلاح الاوضاع القائمة و من اجل الخبز و الحرية، التي  ووجهت بالرصاص الحي .
تحية للشيوعيين و للحزب الشيوعي العراقي في يوم ميلاده التاسع و السبعين، و تحية لرفيقاته و رفاقه و مؤازريه و اصدقائه الاوفياء . . والمجد لشهيداته و شهدائه الابطال !

31 / آذار / 2013 ، مهند البراك

   


69
من اجل الوقوف امام كارثة التمزّق . .
                           د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net

بعد مرور عشر سنوات على سقوط الدكتاتورية و رغم نجاحات على اصعدة عمّا مضى، تتوضح النتائج الكارثية لما اريد بنائه ليكون حكماً اتحادياً بديلاً و لكن قائماً على اساس نظام محاصصة طائفي اثني . . النتائج التي تكوّنت بسبب الخطأ في اعتماد ذلك النظام و بسبب التطبيقات الخاطئة التي قامت و تقوم بها الكتل السياسية المتنفذه سواءً في رسم السياسة اليومية و تطبيقها او في كيفية تعاملها مع، وفي داخل مؤسسات الحكم التي تشكّلت على اساس انتخابات و توافق بداية، رغم انواع الملاحظات . . . في وقت يرى كثيرون في الكتل المتنفذة بكونها تكوّنت من نظام المحاصصة الطائفي الاثني، الذي ادىّ الى تقسيم البلاد عملياً الى كانتونات طائفية عرقية، رغم الرغبة العارمة للمكونات الشعبية العراقية في الوحدة الوطنية و تطويرها على اساس الفدرالية.
   في واقع يكاد يجمع فيه كثيرون على ان سلوك صدام لم ينته لأسباب متنوعة تتأتى من : كونها تجربة ـ تجربة صدام ـ نجحت فيها الـ (أنا) ـ بنظر متنفذين ـ حتى دون ملاحظتهم دعم قوى عظمى له في ظروف دولية سابقة . . تلك الـ (انا) التي صارت مهيمنة على عقلية و سلوك المتنفذين و خاصة عقلية و سلوك الحكومة المركزية للحكم الاتحادي المتمثلة بالسيد رئيس مجلس الوزراء العراقي الحالي، وفق اكثر البيانات و تقارير وكالات الأنباء الداخلية و الاقليمية و الدولية . . السلوك الذي لايؤديّ الاّ الى سلوك مماثل من الكتل الاخرى لتثبيت حقوق مكوّناتها في مواجهته .
و يبدو ان مراقبين يرون ان سلوك صدام قد لاينتهي بسهولة دون رقابة مشددة من قوى خبيرة توازن بين الحزم و المرونة كخبراء ذوي سلطة فعلية(*)، مستندين في ذلك الى تتالي انفجار الازمات اثر الانسحاب الاميركي غير المدروس، و حتى الآن  . . فالشعب العراقي باطيافه ـ و بمن يحكمون اليوم ممن لم يقدّموا نموذجاً افضل ـ عاش سلوكاً ناتجاً عن سلوك دكتاتورية دموية فردية حاكمة تجاه شعب محكوم اعزل حتى من حقه في التعبير ، استمر اكثر من خمس و ثلاثين عاماً في ظروف هيمنة الآيديولوجية و النهج القومي العروبي في سلوك حكام المنطقة من جهة . . فيما تستمر الحكومة القائمة اليوم في التضييق على الحركة الشعبية الجماهيرية بدل الاستناد اليها، بل و تضربها بالرصاص الحي كما حدث عندما ابتدأت تطالب بالإصلاح مطلع عام 2011، من جهة اخرى .
و فيما استقبلت اوسع الاوساط الشعبية العراقية باطيافها بفرح، قيام الدولة الجديدة على اساس اتحادي فدرالي يكفل لكردستان العراق حقوقها القومية و السياسية و الاقتصادية بعد عقود طويلة من نضالها الدموي الشاق الذي لم يعرف الكلل ضد انواع العسكرتاريا الشوفينية الجاثمة على حكم العراق، فانهم كانوا ينظرون بقلق الى ما بدأ يُشرّع طائفياً لفصل العراقيين العرب السنة عن العراقيين العرب الشيعة بسلوك و قوانين خرجت عن حدود تعويض اتباع المذهب الشيعي عما لحق بهم من ظلم على يد الدكتاتور الدموي صدام، ليتزايد ذلك الفصل الطائفي بسلوك فلول صدام مع القاعدة الارهابية، و قيامهم باعمال طائفية لايمكن السكوت عنها ضد الطائفة الشيعية، باسم الطائفة السنيّة . .       
   و فيما تواصل ذلك الصراع الطائفي المؤسف الذي اضرّ بالبلاد و بشعبها بمكوناته و لم يخدم الاّ مخططات اقليمية و دولية . . وصل منذ اكثر من سبعة اعوام الى سدة رئاسة الوزراء اثر اتفاقات تحاصصية، السيد المالكي و سار بكل ما نفع فيه و ما اضرّ، على طريق تكريس زعامته الفردية و ليس تكريس حكم المؤسسات الدستورية ـ وفق اوسع الاوساط الداخلية و الاقليمية و الدولية ـ، موظفاً لذلك تأجيج الصراع الطائفي شاء ام ابى . . الامر الذي صار يؤدي الى تزايد الابتعاد المهدد للطائفتين المسلمتين العربيتين عن بعضهما، رغم جهود وجوه و زعامات بارزة و مرجعيات من الطرفين و من الطرف الكردستاني لرأب ذلك الصدع الذي صار يتزايد خطورة مع تزايد حدة المواجهات الشعبية المسلحة لنظام بشار الاسد في سوريا الشقيقة، و الذي قد يؤدي الى تدخل عسكري اميركي مباشر بارادة دولية، لمنع مرور الامدادات الايرانية الى نظام الاسد عبر حكومة المالكي، وفق ابرز و احدث المصادر و الصحف و بيانات الكونغرس الاميركي .
   و يستمر ذلك على ارضية نزاعات لاتنتهي بين حكومة المالكي الاتحادية و حكومة اقليم كردستان العراق، بسبب السلوكيات اللادستورية المتواصلة للحكومة الاتحادية ابتداء من التسويف بتنفيذ المادة 140  من الدستور، و مروراً بقوانين النفط التي لم تصدر لحد الآن، الميزانية الاتحادية و ميزانية الاقليم، الوضع القانوني و العسكري و المالي لقوات البيشمركة في كردستان العراق . . الى ان سحبت الكتلة الكردستانية وزرائها و ممثليها في البرلمان العراقي . . لتسير البلاد الى وضع لايعرف كنهه مهدداً بتمزقها الفعلي بالسلاح !! . . او اعادة لحمتها على اسس جديدة.
   و يشير خبراء و سياسيون مجربون الى ان افكار ـ و مشاريع ـ الفدرالية و الكونفدرالية، لم تظهر كافكار من مفكرين سبقوا زمانهم كما يقال، او مفكرين سياسيين لذاتهم، بعيدا عن مشاركتهم و تتبعهم مسيرة الحياة الواقعية لبلدانهم و شعوبهم عند وصولها الى حلقات ضيّقة و مراحل يصعب تخطيّها دون التوصل الى آليات ـ سياسية، اجتماعية، ثقافية، اقتصادية ـ جديدة، تساعد على حل المعضلات القائمة التي ان أُهملت قد تؤدي الى كوارث . . و من اجل فتح الطريق نحو اوضاع افضل و لتحقيق رفاه لكل الاطراف المعنية . .
و في عراقنا كانت القضية الكردية و لاتزال، المسألة الابرز على ذلك الصعيد لأسباب متعددة كتب عنها و قيل فيها الكثير، و يصعب ايجازها في هذا المقال . . و قد برزت قضية الفدرالية بشكل اكبر منذ اسقاط  دكتاتورية صدام، و ثُبّتت دستورياً و اعتُرف بها دولياً، و لتشمل كل العراق في اطار السعي لبناء عراق اتحادي فدرالي برلماني لامكان فيه لحكم فردي دكتاتوري شوفيني يحكم بالعنف، على اساس التبادل السلمي و تقاسم السلطة بين مكوّناته الاساسية . . لتحقيق وضع افضل للشعب العراقي باطيافه، عما كان عليه حاله في زمان الدكتاتورية المقبورة .
ولابد من التذكير هنا، بانه لاتوجد وصفة جاهزة لتحقيق الفدرالية او الكونفدرالية سلمياً و هي لاتتطابق بين كل البلدان، و انما يعتمد قيامهما لمرحلة تأريخية ما، على اساس ماهية الواقع القائم ؛ الذاتي الموجود و ماهية آفاق الدولة و المجتمع و رفاهه او الدول المعنية و مجتمعاتها و رفاهها بذلك، اضافة الى ماهية الواقع الموضوعي المحيط بها اقليمياً و دولياً، كما اكّد عليه العديد من السياسيين و المفكرين الاجتماعيين و ما بُحث و نُشر من نتائج زيارات و دراسات لتجارب قام بها المعنيون العراقيون و الدوليون، من سياسيين و قانونيين و رجال علم و ثقافة و تخصص .
و يرى مراقبون، استناداً الى كون الفدراليات و الكونفدراليات هي ابنة ظروفها التأريخية، و ليست زواجاً كاثوليكياً مسطراً بنقاط محددة ـ او نقاط ذات تفاسير حمّالة اوجه كما يجري في بلادنا الآن ـ كما اثبتت و تثبت متغيرات المرحلة العالمية منذ العقد الاخير للقرن الماضي . . و كما اثبتت مسيرة البلاد ذاتها، حيث بدأت مسيرة المحاصصة تفشل بوضوح، بعد ان حققت ظروفاً توقفت عندها و صارت هي المشكلة. اضافة الى المخاطر الكبيرة على العراق من أحداث سوريا ـ التي صارت تتصاعد فيها النزعات الانفصالية و مخاطر التدخل العسكري الدولي ـ كما مرّ . .
وعلى كل ذلك، تنادي اوساط تتسع الى ضرورة العودة لحوار الكتل و الاتفاق على عقد جديد على الاسس الفكرية للدستور للانطلاق من الواقع القائم الآن و ايجاد حلول و آفاق ايجابية له، بعد مرور عشر سنوات على سقوط الدكتاتورية، في اطار مؤتمر وطني عام لقوى معارضة دكتاتورية صدام و يضم كل القوى المؤيدة للاصلاح و قوى الشباب رجالاً و نساءً داخل و خارج المؤسسات الدستورية . . فيما تنادي اوساط كبيرة اخرى بضرورة استقالة حكومة المالكي اولاً و الاتفاق على رئيس جديد لحكومة انتقالية تضم التكنوقراط من المشهود لهم بالنزاهة، لإجراء انتخابات تشريعية جديدة ابكر وفق قوانين تضمن نجاحها استناداً الى تجارب الانتخابات في البلاد منذ سقوط الدكتاتورية و الى قرارات المحكمة العليا، و باشراف دولي .

28 / 3 / 2013 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) و هو امر تعمل به دول كثيرة لسد حاجتها عند الازمات، بتوظيف من له خبرة و كفاءة و نزاهة معترف بها عالمياً . . الأمر الذي لاتخلو منه كفاءات العراق .         


70
تحرر المرأة . . تحرر المجتمع
                                                                                                          د. مهند البراك
                                                                                                   ahmedlada@gmx.net

   فيما تتواصل الحراكات و الفورات الاجتماعية في المنطقة التي حطّمت افكار خلود دكتاتوريات على كراسيها و توريثها الى ورثتها، و حققت نجاحات في تصعيد روح المواجهة و نجاحات في مجالات و عجزت عن اخرى . . بسبب شراسة القمع المستقوي بالتخلف و ممثليه و بمن كانوا يوماً مع التطلعات الشعبية من اجل التغيير، القمع الذي لايؤدي الاّ الى حالات متنوعة من الفوضى التي لاتفيد الاّ القوى الظلامية . .
برز دور المرأة في تلك النشاطات الجماهيرية الشجاعة ـ التي اشتهرت و اصطلح عليها بالربيع العربي ـ . . بسبب تزايد مسؤولياتها و اعبائها و تزايد الدور الحضاري و الاجتماعي للمرأة سواء في العائلة او في المجتمع، بعد ان اخذت تتبوّأ مواقع اساسية و قيادية في عمليات الانتاج و الخدمات و النشاطات الاجتماعية، في مجتمعات و دول المنطقة حيث برزت في العلوم والآداب و الثقافة، و وصلت الى فضاءات اكثر تطوراً مما مضى، و صارت جزءاً نشيطاً من نشاطات المجتمع سواء الاجتماعية او السياسية . . حيث قدّمت المرأة و تقدّم بجهودها هي جنباً الى جنب مع الرجل، ما يخدم مجتمعاتها الوطنية على طريق التقدم و التحرر الاجتماعي . .
      و اثبتت ان احقاق حقوق المرأة ليست صدقة او رحمة من جهة ما، و انما هي قضية اساسية ـ و ليست مكمّلة او ديكور ـ لتحرر و تمدّن المجتمع بأسره، و انها لاتعود الى ايديولوجيا او احزابٍ  بعينها فقط . . و انما هي نتاج قرون طويلة من صراعات انسانية من اجل تحقيق عدالة اجتماعية و من اجل عائلة و طفولة سعيدة تضمن رقي المجتمعات و خيرها و سلمها و رفاهها . . ان ضمنت دور و اسس تحرر المرأة و موقعها فيها.  
و فيما يشير سياسيون و اجتماعيون الى ان بروز النساء في مجتمعات الدول الاسلامية، عبر انواع الصراعات و اخطرها و رغم انواع التقاليد التي قيّدت حريّتها، و تحقيقها كتفاً لكتف مع الرجل نجاحات لها و لشعوبها و لحركاتها التحررية التقدمية . . يعني بروز طاقة تحررية كبيرة تدفع نحو الحداثة و التطور و التمدّن و الى التفاعل مع تطورات عالم اليوم في جعل بلداننا اكثر تحرراً و من اجل التقدم الاجتماعي لشعوب منطقتنا  . . و يضيف آخرون ان تعاظم نضال المرأة من اجل حقوقها و حصولها على مواقع فاعلة في المجتمع، مكسباً و تعزيزاً كبيراً للطاقات الثورية الخلاقة في المجتمع و دفعاً لعجلة تجديد حقيقي لعمومه . .
الأمر الذي صار يرعب احزاب الاسلام السياسي التي وصلت الى الحكم في المنطقة بدفع من الاحتكارات الدولية لتقييد الحراكات و الانتفاضات الشعبية الشبابية و النسائية من اجل الخبز و الحرية . . . بشرط ان تطرح (إسلام ليبرالي جديد) يتناسب مع فكرة الدولة المدنية (؟) . . رغم تواصل سلوك و طغيان شعارات " الدولة الاسلامية الشمولية " و " حكم ولاية الفقيه " الملتقيين . . الذي يرى كثيرون بأنه ان استطاع تحقيق شئ من الحد للطغيان السابق، فإنه بسلوكه العملي صار يدخل المنطقة في  متاهات حكم و طغيان جديدين باسم " المقدس " .  
وفيما قامت حكومات الاسلام السياسي بقضم و تغييب قوانين حماية حقوق المرأة، كما جرى في تغييب قانون الاحوال الشخصية التقدمي العراقي الذي ضمن حقوق المرأة الاجتماعية و السياسية و القانونية و الاقتصادية . . انحازت تلك الحكومات انحيازاً اعمى الى (ذكورية المجتمع) و اعادت مجتمعاتنا الى العهود الحجرية و ازمنة الصيد . .
فاضافة الى التدهور الاخلاقي الذي حصل و يحصل على يد ميليشيات الاسلام السياسي المسلحة السنيّة و الشيعية و عصاباتها، التي مارست و تمارس الاغتصاب الجنسي للمعارضين و خاصة النساء ـ وفق تقارير منظمات العفو الدولية ـ . . فان صيغ و عقود (زواج المتعة) و (المسيار) و (الخلع) و التبشير بها ـ و بحدود علاقات الجنسين ـ علناً بكثافة متواصلة رصدت لها اموال فلكية، و بصيغ مثيرة لغرائز شباب الجنسين على وجه الخصوص . . لاتعني الاّ التبشير و الدعوة الى  (الجنس الحلال) من ارضاع الكبير الى زواجات القاصرات . . و غيرها، و كأن قضية المرأة و حقوقها الانسانية و القانونية كمواطن و بشر تتلخص بتلك القضايا الخطيرة !!
القضايا الخطيرة . . التي لم تؤدّ الاّ الى تزايد ( التحرش الجنسي) من جهة، و من جهة اخرى و هي الاخطر . . الى تزايد وجود و اعداد الاطفال اللاشرعيين الذي بلغ حدوداً لا يمكن ان تليق بمن يحكم باسم الإعتقاد الديني او المذهبي، و انما تسئ اليهما . . حيث تشير وكالات و وسائل اعلام متنوعة الى المعاناة المؤلمة لعشرات و مئات الالاف من النساء الارامل و اطفالهن بسبب البطالة و الفقر و غياب المعيل، و معاناة آلاف الامهات الشابات من اللواتي اغتصبن او جرى تزويجهن بالتهديد و بقوة السلاح من رجال لم يعرفن حتى جنسية قسم كبير منهم ناهيك عن اسمائهم الحقيقية . .
و ناهيك عن تفسير صيغ و عقود الزواج آنفة الذكر المتنكرة للمرأة . . في بلدان يستمر فيها تشكيل النساء غالبية السكان، بسبب الحروب و الارهاب و صدامات الميليشيات الطائفية و غيرها من الميليشيات المسلحة التي كان ضحاياها من الرجال بشكل عام . . و بسبب الفقر و البطالة التي تسبب عزوف اعداد متزايدة عن الزواج، و تسبب تزايد العنوسة في مجتمعاتنا . . لتكون النتائج الآنفة اسباباً لمضاعفات اجتماعية اخطر من شكل آخر . .    
ان مايجري هو سبب الازمات الاخلاقية المتصاعدة . . و ليس نضالات المرأة من اجل حقوقها و من اجل الخبز و الحرية، التي تواجهها حكومات الاسلام السياسي بعصابات التحرش الجنسي و الاغتصاب في الشارع نهاراً جهاراً (بإسم الاسلام) زوراً و نفاقاً . . و التي تنهى عنها الشرائع السياسية و القانونية و الدستورية، بل و الدينية و المذهبية الحقيقية ذاتها . .
ان تطور نضالات المرأة و تصاعدها بتضامن كل قوى الخير و التقدم معها، هو الذي يشد ازرها و يجعلها تواجه و تتحدى كل الاساليب الرخيصة لمحاولة كبحها و تحطيمها . . كما تتواصل نضالاتها و تتصاعد و تصبح المثال الهادي في ساحات دول المنطقة من مصر و العراق و تونس و الى ايران . . و يبقى الموقف من حقوق المرأة، موقفاً سياسياً قانونياً، وانسانياً حضارياً !!

الانتصار للمرأة صانعة المجد في عيدها في الثامن من آذار !

8 / 3 / 2013 ، مهند البراك  






71
القائد الأنصاري " خدر كاكيل "




          
                                                                                                        د. مهند البراك
                                                                                             ahmedlada@gmx.net
في يوم الشهيد الشيوعي 14 شباط . .

   ليس من السهل الكتابة عن شخصية من ابرز شخصيات و مناضلي منظمة الانصار في نضالهم الشاق ضد الدكتاتورية في الثمانينات، تحذراً من خطأ او نقص في وصف او تقدير  . .شخصيّة تأثر بها رفاقه و كثير من البيشمركةالانصار من عرب و كرد و كلدانيين و ايزيديين و صابئة و اصدقائهم . . رغم انه لم يحصل على تأهيل علمي او اكاديمي و لم يحمل رتباً او نياشيناً . .  
كان ابن عائلة فلاحية متوسطة، من مواليد 1929 من اهالي مدينة رواندوز الكردية الجبلية العريقة بتأريخها الحضاري و العسكري في المنطقة، و الغنية بموقعها الجبلي الحصين و بأهلها الاشداء الرحماء، المدينة التي اشتهرت بمواقفها الثورية التي دفع ابناؤها نساءً و رجالاً اثماناً كبيرة لمواقفهم التحررية و الاممية . . بعد ان دكّتها طائرات و مدفعيات الحكومات الشوفينية المتعاقبة، و هدّمت احيائها و بيوتها و منشآتها و هجّرت اهاليها برجالهم و نسائهم و اطفالهم لمرّات و مرّات . . و لم تستطع ان تلين او تكسر ارادتهم !  
سكنت عائلته في اطراف المدينة، و درس في مدرسة ابتدائية و اضطرته ظروف الحياة كابن وحيد لشقيقات . . للعمل مبكراً في الزراعة، ثم في البناء اضافة الى ممارسة انواع المهن من اجل توفير لقمة العيش لعائلته، من صاحب مقهى الى خبّاز . . نشط في العمل النقابي في نقابة عمال البناء و نقابة الخبازين و تعلّم من الحياة معاركتها و الصدق و الكرم و التعاطف مع ابناء منطقته و شعبه، الذين من اجلهم انخرط في النشاط النقابي ثم في وحدات الانصار العائدة للحزب الشيوعي و التي تشكّلت اثر انقلاب شباط  1963 الدموي، منحازة بذلك الى ثورة ايلول القومية التحررية، اسوة بعديد من رفاقه، و شارك في العديد من المعارك خلالها . .
و كان مام خدر كاكيل ممن لمعوا في معركة هندرين الشهيرة عام 1966 بجرأته و بسالته، التي استشهد فيها اعز اصدقائه و ابن خاله البيشمركة حاجي جرجس، الذي شكّل استشهاده نقطة تحوّل كبير في حياته بعد ان اقسم على الرّد لدمائه . . و شاركه في المعركة بنشاط ابن بلدته و صديقه الفقيد مام الياس الشهير ـ الذي استشهد له فيها ابنه صالح، و جرح ابنه الثاني انور جروحاً بليغة لايزال يعاني من آثارها، فيها (1) ـ ، تلك المعركة التي شكّلت نصراً كبيراً للثورة الكردية و اضطرت السلطة بخسارتها فيها الى تبني نهج اللامركزية.      
لم يكن كادراً حزبياً متقدماً، و انما صار من القادة العسكريين الميدانيين في منظمة انصار الحزب الشيوعي العراقي . . لخبراته المتنوعة بما شارك و ما قدّم في المعارك و في المواقف الحاسمة فيها من جهة، و بتواضعه و حبه لرفاقه مهما كانت قومياتهم و بايمانه العميق بعدالة قضية الفقراء من جهة اخرى، في وقت تمتع فيه بالبساطة و روح النكتة . . حتى صار اسماً ذائع الصيت في الثمانينات خلال سنتين من نشاطه و هو في خريف العمر في صفوف قوات الانصار المشكلة حديثاً آنذاك عام 1979 . . حتى استشهاده.
و قد لعب الانتصار الذي حققه بيشمركةانصار سرية روستي بنجاحهم باقتحام ربيئة " سري سرين " بقيادته لهم في ليلة 30 / 31 / 1982 آذار ذكرى تأسيس الحزب من ذلك العام، الذي كان اول انتصار من هذا النوع للمنظمة آنذاك، خطط له و قام باستطلاعه ثم قاده الشهيد كاكيل، فاتحاً بذلك الباب عريضاً لعمليات اقتحام الربايا العسكرية، و صار يلقّب بـ " ذئب الربايا العسكرية " في المناطق الجبلية العاصية هناك، التي صار منتسبوها يخافون البيشمركة ان ورد اسمه في المنطقة  . .
كان الرائد في عمليات اقتحام الربايا العسكرية، التي كانت هي مصادر الخطر في الجبال . . الرائد في خلق روحية اقتحام العدو في قلعته ـ و ليس الهروب منه ـ في تلك الظروف الصعبة آنذاك، و كان صاحب فكرة ( التسلل الحذر . . ثم الهجوم على الربيئة المقامة على اعلى قمة في المكان، التي ان تم اقتحامها تسقط الربايا التي تحتها فتفر او تُلغى بعدئذ (2) . . و ان الاستطلاع هو الاساس).
فكان يقضيّ اوقاته كصيّاد بسلاح و ناظور حاملاً قفص طائر القبج، متجولاً في اعالي الجبال ليصيد ماتوفر، برفقة احد الانصار من الشباب الكتومين او لوحده . . و لم يمنعه الليل و الظلام من جهوده المتواصلة تلك كما شهدتها حين كان يتجوّل في اعالي جبال: روستي، كلالة، كوشينه و وادي دار السلام . .  نهاراً و ليلاً .
   و قد تفاجأت بعد ظهر ذات يوم بدعوته لنا ـ حيث كنا نصيرين نتجول عند الحصار في روستي ـ . . لتناول لحم مشوي لم يقل ماهو، حين كان اللحم شحيحاً آنذاك . . لم نشاهد دخاناً و ذهبنا الى مكانه الشبيه بمغارة، و تفاجأت باستخدامه للسماق بكثرة على قطعة لحم تشبه لحم الدجاج او الارانب . قال دعوتك للتذوق فقط، و بعد ان تذوقت و كان لذيذاً قال انه ثعلب !! فتركته، و قد ضحك كثيراً و قال :
ـ لم استطع اصطياد سوى ثعلب اليوم . . ولابد ان اعود بصيد للمقر لاني وعدت، و همس باذني موجهاً نظري بالناظور الى اطراف كوشينة : هل تشاهد تلك الربيئة ؟ انها مقامة منذ الامس فقط . .
ـ انها قريبة جداً منّا !!
ـ طبعاً و مغشّاة جيداً . . لاتخبّر احداً، انها هدفنا القادم !!  
و بعد اعتذار منه . . خفض رأسي و اداره بيده الى جهة اخرى، كي يختفي رأسي خلف ساتر من احجار كان قد اعده، و قال " لاحظ تشكيل الربايا و كيف انهم يحملون الماء على ظهر بغل من نبع في الاسفل" . . حتى فهمت من كلامه و توضيحه، اماكن منابع الخطر التي تهدد موقعنا و كيف انها تتغيّر يومياً وسط هدوء كان يسود المنطقة آنذاك . .
عرفت لاحقاً انه كان يستصحب كل مرة نصيراً ممن توسّم فيهم الاهلية، لتدريبهم على الاستطلاع في جولات الصيد، كما علمت من الشهداء ملاعثمان عنكاوي، ابو فيروز ـ جمال عاكف ـ و ابو سحر . . حتى خلق بتجاربه و حزمه و تواضعه اعداداً صارت بعدئذ من خيرة كوادر الانصار، منهم الشهيد سعدون الذي صار بعد ذلك عضو م. س للحزب الشيوعي العراقي .
   و يرى العديد من البيشمركةالانصار ممن عايشوه و جمعهم النضال معه انه كان ينطلق في افكاره و خططه من واقع منطقته و من اسس التقاليد التأريخية و الملاحم البطولية التي حققها ابطال وحدات البيشمركة على مرّ عقود في كردستان العراق، على اساس ان النصر العسكري هو الذي يخلق النصر السياسي و ان الاساس هو جمع كل ما من شأنه ان يحقق ذلك، سواء بنوعية المقاتلين و ايمانهم بعدالة قضيتهم او بمعرفتهم لتضاريس و تكوينات مناطقهم، و ان ذلك هو الذي يجلب السلاح و المال للحركة، و اختلف بذلك مع وجهة كانت تتزايد بتغليب حساب موازين القوى المحيطة . .
   و قد دخل الشهيد كاكيل بصراعات داخل التنظيم حول ضرورة اختيار يحقق انسجام اعضاء الهيئات العسكرية فيما بينهم لأجل تحقيق النجاحات الميدانية، و قد نجح في قسم منها، و لم ينجح في آخر كان يعتمد على التقييمات التنظيمية الحزبية المجردة . . الاّ ان التطورات اللاحقة اثبتت صحة رؤياه، حين استطاعت مجاميع بارتزانية صغيرة ان تلف الجماهير حولها بجرأتها و نجاحاتها انتصاراً لمطالبها!! حين ساد الانسجام بين اعضائها، و بينهم و بين آمرهم، التي حققت وحدة الارادة و العمل، و حققت استعدادهم للتضحية احدهم في سبيل الآخر، في وقت تصاعد تحديّ الجماهير للظلم و للعسف القومي الشوفيني.
   من ناحية اخرى، كان يضيق ذرعاً باعلام البيشمركة بنبرته المهددة في اوقات الانحسار . . و يصفه بالمكابر و المُبالِغْ، لأن الجماهير تعرف الواقع و تدفع ثمنه، في وقت تحتاج فيه الى عمليات تنتصر لها و تقويّ ارادتها، كما يصف.
و لايسعني الاّ ان اذكر تقديرات ملازم هشام و الفقيد ملازم فائز اللذين اكملا الدراسة العسكرية و توليا مراتب امراء افواج بعدئذ حول افكار و رؤى كاكيل، حيث وصفاها بكونها اسس حياة و كفاح الانصار. و قد بقيت مآثره و افكاره مرشدة لنشاط عدد بارز من وجوه و كوادر البيشمركةالانصار لاحقاً . . منهم على حد معرفتي، آمر السرية المعروف هزار روستي آنذاك ـ الذي كان احد ابطال صدّ الجيش الصدامي في كلي علي بك عام 1975 ـ، الشهداء : ملا عثمان عنكاوة، ابو داود كربلاء، ابوفيروز بغداد، ابو سحر ديوانية، ابو ميلاد الثورة ـ بغداد و غيرهم . . في وقت صار فيه اسم الشهيد خدر كاكيل اسماً مؤثراً بين اوسع اوساط البيشمركة .
استشهد القائد الانصاري في مأساة اقتتال الأخوة في بشت ئاشان في ايار / 1983 و كان نائب آمر الفوج 21 / ليوزه، مقره عند شاخي ره ش قرب قرية جيزان  . . حين وقع مع عدد من الانصار بكمين متفوق، و حاول القتال الى النهاية ببندقية برنو ـ بعد نفاذ عتاد الكلاشن ـ مدافعاً عن رفاقه، حين اصابته اطلاقة في صدره احسّ بانها القاتلة و سلّم مامعه من اوراق طالباً تسليمها للرفاق، و ساعته و نقود طالباً ايصالها الى اهله . . سلّمها الى نصير كان معه امره بالانسحاب .
وكان في اوراقه الاخيرة ملاحظات و خطة لإقتحام ربيئة اساسية من ربايا سري حسن بك . . ردّاً على العملية التي لم تنجح لأول محاولة جريئة لإقتحام ربيئة عسكرية على احدى قمم كورك، قادها معاون آمر سرية رواندوز الشهيد ابو فيروز، و استشهد معه فيها الشهيد شه مال ـ يوسف محمد امين وسطه ـ . . في ظرف مؤاتي حيث كان الجيش الصدامي يلعق جراحه جرّاء هزائمه الكبيرة في الحرب المجنونة ضد الجارة ايران، و كانت وحداته تقلل من كثافتها في المنطقة، فيما كانت الدكتاتورية تعدّ مخططاً خبيثاً . . انتج مأساة بشت ئاشان بُعيد ذاك .  
في الختام و بعد الوقوف اجلالاً لبطولة الشهيد خدر كاكيل و رفاقه الانصار . . لابد من القول ان كتابتي المتواضعة هذه اضافة الى اعتزازي الكبير بذكرى الشهيد البطل خدر كاكيل، تأتي بعد الحاح كثيرين بالكتابة عنه . . و كمساهمة مع الجهود المبذولة للتعريف بتأريخ حركة الانصار و فكرها و شهدائها الخالدين، و خاصة الكتابة عن من ندر او من لم يكتب عنهم لأسباب متنوعة . . في مقدمتها مرور الزمن على احداث لم تدوّن و تناقص شهودها .

22 / 2 / 2013 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   لابد من التذكير هنا، باستشهاد ابن الشهيد كاكيل آمر الفصيل عثمان خدر كاكيل ـ الشهيد سركه وت ـ في معركة هيلوة الشهيرة في دشت اربيل عام 1986 .
2.   مستنداً في ذلك على " ان الربايا العسكرية، هي وحدات عسكرية نظامية تترابط بينها و تعود لوحدة عسكرية اكبر، كترابط وحدات المشاة . . و عادة ما تشغل قيادتها اعلى قمة و ان لم تشغلها، فإن سقوط اعلى القمم بيد البيشمركة يخيف ربايا القمم الاوطأ و يصيب منتسبيها بالذعر و يسهّل استسلامهم"  


72
من اجل ايقاف تطورات مخيفة تهدد . .
                                                                                                             د. مهند البراك
                                                                                                       ahmedlada@gmx.net

يزداد قلق العراقيين باطيافهم من التطورات المخيفة التي تتوالى في البلاد، و بشكل يستمر بالتصاعد منذ نهاية العام الماضي، حين بدأت الاحتجاجات الشعبية على اجراءات و سياسة السيد المالكي التي تزيد تأزم و تعمّق التوترات الطائفية، بدلاً من السير على طريق التساوي بالهوية الوطنية و العدالة و توازن الدولة، و محاربة الفساد و الفقر و البطالة . .
و فيما تربط اوساط مايجري بكونه، احتمال للإنسحاب غير المدروس للقوات الاميركية، تربط اوساط اوسع ذلك بكونه تراكمات نتائج سياسة المالكي الفردية التي لم يعد يسترها حتى الادعاء بكونها لصالح مكوّن واحد، عشية موعد الانتخابات المحلية . . حيث صارت الاحتجاجات و التجمعات السلمية تأخذ بالتصاعد و التوسع لتشمل كل الاطياف العراقية المذهبية و القومية، بعد ان حصلت على تفهم و دعم المرجعيات الدينية العليا شيعيّة و سنيّة و دعم الكتلة الكردستانية و كتل برلمانية شيعيّة و سنيّة، للمطالب الداعية الى العدالة في تعامل الدولة مع ابنائها، التي ادّت فيما ادّت الى اقالة رئيس المحكمة الإتحادية العليا القاضي مدحت المحمود، الذي تدعوه اطراف عديدة بالسند الهام للماكي . .
و بدلاً من تلبية حكومة السيد المالكي ما اقرت به من احقية عدد من المطالب، لجأت الى تشكيل لجان مكتبية للنظر بمطالب المتظاهرين و الى اتخاذ اجراءات باطلاق سراح بضعة آلاف من معتقلين اتموا محكومياتهم و لم يطلق سراحهم و معتقلين لم يثبت عليهم ما اعتقلوا بسببه، اضافة الى معتقلين و معتقلات اعتقلوا بجريرة ذويهم . . كاشفة بذلك عن انتهاكات صارخة للقوانين المعمول بها و المقرّة دستورياً، فيما تتواصل الاعتقالات بسبب الاحتجاجات .
اضافة الى تسويفها في اتخاذ اجراءات سريعة لتعديل و ترشيد مادة 4 ارهاب لصالح معاقبة المجرمين الحقيقيين . . و قيامها بدلاً من سعيها العملي لتعديل و ترشيد قانون المساءلة و العدالة (اجتثاث البعث سابقاً) الذي طبّق تطبيقاً انتقائياً انتقامياً طائفياً، خرج عن الدستور و معانيه، التي استهدفت معاقبة مجرمي البعث و اجتثاث الاستبداد و الفكر الدكتاتوري الشوفيني . .
قيامها باعادة الآلاف من منتسبي المؤسسة العسكرية للدكتاتورية المنهارة ـ بضمنهم كبار من المعروفين بارتكاب انواع الجرائم بحق الشعب و الوطن ـ، و اصدرت قرارات اجزلت فيها العطاء لكبار رجال حزب البعث الصدامي من اعضاء الفروع و الشعب و الفرق سيئة الصيت بإسم  (حقوق تقاعدية) . . في وقت تتفاقم فيه معاناة اصحاب الحقوق التقاعدية الحقيقية من ضحايا الدكتاتورية و موظفي الدولة و عوائل الشهداء . . الامر الذي صار يؤدي الى عدم الثقة بوعود الحكومة و الى عدم التجاوب حتى مع جهود الكتل السياسية المتنفذة بسبب تفسير تدخلها بكونه محاولة لجعله دعايات انتخابية لها لدورتين ازف موعدهما في هذه السنة و السنة التي تليها . .
   ان التسويف و التباطؤ غير المبرر لحكومة السيد المالكي و اجراءاته القسرية في مواجهة الاعتصامات و التظاهرات و تسييره مظاهرات مضادة لها، و اجراءاته العشوائية في استعطاف بقايا الدكتاتورية المنهارة، لم يؤدِّ الاّ الى تزايد التظاهرات و شمولها مدن المحافظات الغربية و ليس مراكزها فقط من جهة، و الى تصاعد المطالبات حدة و تطرفاً حتى صارت تطالب باسقاط السلطة و بالغاء العملية السياسية و العودة الى الوراء . . زادت منها خطب الدوري نائب الدكتاتور السابق و رئيس (جيش النقشبندية) الارهابي(*)، الثأرية الطائفية التي كهربت الأجواء و اخذت تدعو الى كسر تهدئات المرجعيات الدينية للروح الطائفية بتأجيل الصلاة في مرقد الامام النعمان في الاعظميةً  . . ثم دعوة البطاط رئيس حزب الله الشيعي الى تشكيل (جيش المختار) للثأر الطائفي بالمقابل، الذي لم تُتخذ اجراءات جديّة للحد منه في وقت يصف مراقبون فيه بان تشكيل الجيوش صار في احوال البلاد اسلوباً مؤسفاً يؤجج الإختلافات بدل حلّها  . .
فيما بقي استخدام العنف من قبل الحكومة فاعلا، بوجه المعترضين المدنيين على اجراءاتها، منذ مواجهة المالكي مظاهرات الشباب و المطالبات السلمية اوائل عام 2011 في ساحة التحرير و ساحات البلاد بالرصاص الحي، و سقوط عشرات المحتجين و المحتجات قتلى و جرحى . . فيما طورد المئات من عضوات و اعضاء منظمات المجتمع المدني و هُدّدوا و اعتُقلوا و عوملوا بوحشية .  
   الامر الذي صار يهدد بطغيان الخطاب الطائفي و صعود الادوار العشائرية على حساب المواقف السياسية و البناء السياسي الاجتماعي و الاحزاب و منظمات المجتمع المدني و بالتالي الدولة المدنية الفدرالية القائمة على الدستور، و يهدد باندلاع صراع طائفي اهلي لايتمناه احد.
   و لإيقاف مايهدد و بعد مرور عشر سنوات على العملية السياسية، ترى اوساط تتسع . . ضرورة اعادة بناء العملية السياسية على اساس احزاب سياسية، فيما يحذّرون من مخاطر استمرار الصراعات الطائفية مازال هناك حزب طائفي حاكم او يدّعي بكونه الممثل الوحيد لمكوّن واحد من المكونات، و مازالت العقلية الحاكمة للدكتاتورية و الاستبداد و العنف مستمرة في تحكّمها . الامر الذي يتطلب: تنحي السيد المالكي، قيام حكومة انتقالية من ذوي الكفاءات المتخصصة تهئ لإنتخابات، اقرار قانون احزاب على اساس يحدد هويتها و اهدافها و مواردها، وتقبّلها للآخر، و على اساس استقلال القضاء و حرية الصحافة . .
و يرى مراقبون ان اتخاذ تلك الاجراءات، مدعومة بحركة جماهيرية سنية شيعية كردية عراقية بمكوناتها المتعددة التي تتصاعد و تنتظم، يمكن ان تكون منطلقاً لكسر الحواجز الطائفية بتوحيد المطالب و الجهود من اجل إصلاح سياسي جذري بالوسائل الدستورية السلمية، لانهاء المعاناة المشتركة لجميع المكونات من البطالة، انعدام الكهرباء والماء الصالح للشرب، الى نقص الخدمات الاساسية للعيش الإنساني الكريم، و تكون سنداً قوياً لدولة قانون حقيقية. .  هو الذي يمكن ان يحقق مصالحة اجتماعية ثابتة، تمهّد لانتقال تدريجي من الدولة الطائفية التحاصصية إلى دولة اللا طوائف في الظروف الاقليمية الجارية، الدولة المدنية الاتحادية . . دولة المواطنة.

17 / 2 / 2013 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الذي يرى مراقبون انه يتحرّك مغطيّاً نشاطاته مالياً بحصة كولبنكيان البالغة 5% من عائدات النفط
العراقي، التي اممتها الدكتاتورية المنهارة و سجلتها باسم حزب البعث الصدامي . التي يصف قيمتها
جواد هاشم وزير التخطيط  الاسبق بـ ( إن العوائد المتراكمة من هذه النسبة بلغت في نهاية عام
1989  حوالي عشرة مليارات دولار أميركي. وعلى افتراض استثمار تلك المبالغ في ودائع مصرفية
ثابتة، وبعائد سنوي بنسبة تتراوح بين 8 و18%، فإن المبلغ المتراكم في نهاية عام 1990 يصل إلى
31 مليار دولار).
   

73
في الذكرى الحزينة لإنقلاب شباط الدموي
 
                                                                                                              د. مهند البراك
                                                                                                          ahmedlada@gmx.net

تمر هذه الأيام الذكرى المؤلمة الخمسين لإنقلاب  8 شباط الدموي في العراق ، الذي شكّل اكبر مجزرة في الشرق الأوسط آنذاك، بشعارات ( تحقيق وحدة العرب ومن اجل سعادة الشعوب العربية والوقوف بقوة امام اعدائها ؟! ) المخادعة . . كما عبّر عدد من قادة الأنقلاب و بيّنوا عمق وسعة (الخطأ) في ذلك الأنقلاب الذي جرّ الى ويلات ومذابح نقلت البلاد الى مشاكل وتعقيدات اكبر وعطّلت طاقاتها في التقدّم والرقي الحضاري (1).
ان دفاع البعض عما حصل و محاولة تبريره الى الان بالقاء الذنب على الآخرين وعدم تورّعه عن المس بذكرى شخصيات ورموز مثّلوا ويمثّلون الضمير الشعبي، الذين لم يخسرهم الشعب الاّ على ايديهم هم، من الزعيم عبد الكريم قاسم والشهيد سلام عادل و رفاقه و في عهود لاحقة فؤاد الركابي والأمامين الصدر. . يذكّر بدوام وجود اشخاص على مسرح الاحداث حتى الآن، لايفكّرون الاّ بأنفسهم ومشاريعهم الانانية، غير مبالين بمعاناة و تطلعات الملايين من بنات و ابناء شعبهم، و يؤكّد مجدداً ان على العراقيين بأطيافهم لمّ الصفوف وتوحيد الكلمة والاّ فهاهم موجودون . . بعد ان طغت الأحزان وسادت لعقود من السنين .
   لقد اهان الأنقلاب وعذّب الشعب العراقي كلّه و فتح ملفات الشوفينية و العرقية و التفرقة الدينية و الطائفية، متحدياً قدسية شهر رمضان المبارك آنذاك وكما عبّر شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري حين قال موجهاً كلامه الى قائد الأنقلاب :
" ياعبد حرب وعدو السلام   ياخزي من زكىّ وصلىّ وصام"
لقد شكّل الأنقلاب بتقدير العديد من الاختصاصيين السياسيين و الاجتماعيين، الصدمة الأجتماعية الكبرى الأولى للشعب العراقي، التي لم يكن عبثاً ان دعاها عديد من الباحثين، انها كانت العقوبة الموجّهة الى الشعب، على قيامه بثورة 14 تموز 1958 ومحاولته البدء بأخذ قضيّته بيده في ظلّ ظروف ذلك الزمان . وان الانقلاب كان مخططاً له من دوائر عليا لتطبيق تلك العقوبة، بعد محاولات متنوعة لحرف و اسقاط الثورة، والحد من توسّع تأثيرها فى المنطقة ومنذ البداية، مستغلة ما ساد المنطقة حينها من طموحات للزعامة، ومن نشاط بعض العراقيين للأستيلاء على السلطة وتحقيق زعامتهم الأنانية هم (2) .
لقد صعقت شراسة الأنقلاب ودمويّته اضافة الى البالغين. . الأطفال والأجيال الجديدة، التي فتحت ذهنها واعينها على سهولة القتل في الشوارع نهاراً جهاراً، وعلى رؤية المئات من المراهقين و هم يحملون غداّرات بورسعيد، بملابسهم الكاكية المفتوحة الصدر و بشعورهم المصففة على طريقة رعاة البقر الاميركيين، الذين كانوا يشتمون ويهينون ويضربون ويسوقون ويصفّون الى الجدران شخصيات البلد و وجهائه من محامين و رجال علم وفنانين وادباء وصحفيين وسياسيين وعسكريين من ضباط ومراتب، وطلاب وعمال و كسبة ورجال دين، رجالاً و نساءً واطفالاً وشيوخاً، بعشرات الآلاف في العاصمة بغداد لوحدها.
ولم تتسع السجون للأعداد الهائلة من الموقوفين في بغداد لوحدها كمثال، فحوّلوا عشرات الأبنية والملاعب والمؤسسات الى سجون جماعية لتوقيفهم وتعذيبهم؛ من قصر النهاية، توسيع سجن رقم واحد في معسكر الرشيد، مقر سرية الخيالة في الكسرة، اقسام من البلاط الملكي القديم، ملاعب الشرطة والشرطة السيارة خلف السدة، ملعب بني سعد، النوادي الرياضية (كالأولمبي في الأعظمية، قريش في الكاظمية وغيرها)، ملعب المنصور الرياضي، ملعب الكشافة و نادي سباق الخيل في المنصور، و المئات من مقرات الحرس القومي والمواقع والثكنات العسكرية، الأمر الذي اثار وحدات الجيش عليهم بعدئذ.
لقد عاشت بغداد طيلة عهد البعث الأول و من سار تحت رايته حتى سقوطه، وكأنها بلدة محتلة من عدو غاصب . . الدبابات والمدرعات ـ التي لم يشاهدها الناس قبلاً الاّ في الأفلام ـ في مفارق الشوارع، سيطرات التفتيش الدقيق وتدقيق الهويات، اضافة الى مفارز التفتيش المفاجئ التي غزت المناطق التي قاومت الانقلاب ـ كالكاظمية و عقد الاكراد و الشاكرية . . ـ والأخرى التي لم ترحّب به، التي شكّلت اكثر من ثلثي العاصمة. ولم تنم العاصمة عهدذاك الاّ نادراً بسبب كثافة اطلاق الرصاص و القذائف المتنوعة، وبسبب استمرار هدير الدبابات المنبعث من واقع خطير غير مستقر كان يدار ويحرّك القطعات في الظلام .
لقد عاش غالبية العراقيين والأطفال بشكل اخص مآسي لايمحى اثرها بسهولة، من انقطاع اخبار آباء وامهات، الى الوقوع جميعاً في قبضة كمائن الحرس القومي السئ الصيت تمهيداً لضرب واعتقال وسَوق الأب او الأم او كليهما بالركلات امام الأطفال . .
الى هدم البيوت بمدافع الدبابات ورشاشاتها على ساكنيها، مناظر الجثث والمشوهين والفواتح والفقر والبطالة، والطواف على المعتقلات بداية ومنتصف كلّ شهر، نساءً واطفالاً صحبة شئ من طعام ونقود مقترضة وامل ودعاء بالعثور ولو على خبر او اثر للعزيز الغائب . . . كانت تنتهي في الغالب بلا أمل، وبدموع وبقع زرقاء مؤلمة من ضرب اخامص اسلحة الحرس القومي (لترتيب) الجموع المتحرّكة لعشرات الآلاف من الشيوخ والزائرات والأطفال خاصة، عرباً وكرداً و تركماناً واقليات، مسلمين سنّة و شيعة، مسيحيين، صابئة و ايزيدية ومن كلّ الوان الطيف العراقي، وسط ضجيج مكبرات صمّت الآذان بحماسيات " امجاد ياعرب امجاد " ، " جيش العروبة يابطل " وغيرها من الحماسيات (التي ما قتلت ذبابة!)(2) . . التي كانت تطغي على صوت مدفع الأفطار والآذان وعلى انين المعَذّبين والمعذّبات .  
ان البعض لايتذكّر جهود القوى الوطنية وعلى رأسها الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي ـ بجناحيه،  والحزب الديمقراطي الكردستاني . . ومحاولتها دعوة حزب البعث آنذاك لتشكيل جبهة وطنية، للضغط من اجل وقاية البلاد من مخاطر الفردية والأستعداد للصفح عن الأخطاء التي اقترفها البعث بداية عهد الجمهورية . . التي تجاهلها البعث واخذ ينشط في الظلام مبيحاً لنفسه عقد شتىّ الأتصالات والأتفاقات المخلّة آنذاك، واعطى شتى الوعود التي تنكّر لها لاحقاً، من اجل تحقيق زعامة عدد من افراده و اتباعه ليس الاّ (3)، الأمر الذي ادى ـ اضافة لعوامل اخرى ـ الى انفراط عقد القوى الوطنية واضعف دورها .
ان تتالي الأحداث التي يمكن مراجعتها فيما كتبه ووثّقه العديد من رجال السياسة والفكر والثقافة الأفاضل لتلك الفترة .  .  تجمع كلّها على ان الناس عشية ذلك الأنقلاب كانت تحسّ بنذر لأحداث مشؤومة كانت في سبيلها للوقوع، ومن مؤشرات و احاديث متعددة ومتنوّعة، سواءً من ثكنات الجيش والمعامل، من الدوائر والكليات والمدارس اومن الأحياء، بل حتى حانات وعلب الليل عرفت ماسيحصل من رواّدها ايّاهم، وخافت وحذّرت  .  .  
وفي ظرف مضطرب عاشته بغداد بين (اضراب) ليس كالأضرابات لعدد من الكليات، وبين (الأحتجاج الوحشي) على زيادة سعر غالون البنزين فلسين فقط !!، الذي ادى الى تحطيم وحرق عدد من محطات تعبئة البنزين وعدد كبير من السيارات و الى قطع الشوارع، و تطوّر سريعاً الى فرض غلق محطات التعبئة ومنع سير السيارات مؤدياً الى اشتباكات بالهراوات والرصاص مع الأهالي.
وتصاعد (الأضراب) بالشقاوات وبالسلاح الذي تساءل الناس عن مصادره آنذاك، وبتجاهل متعمد من دوائر شرطة و أمن وتنمّر عدد كبير من منتسبيها على السياسيين والنقابيين والمواطنين حيث بدأت اعتقالات معتدى عليهم لا المعتدين !! من قبل دوائر كانت تحت أمرة الأنقلابيين من السابق، اضافة الى تصاعد التهديدات العلنية والمبطّنة لكلّ من لايتفق معهم، بصيغ (يومكم قريب)، ( ويلكم ياكلاب !! والله مانبقيّ احداً منكم !! ) . .  
كانت كلّها وغيرها من المؤشرات اليومية التي كانت تدلل على اقتراب الكارثة التي كان قادة البعث يسعون لها مستغلين سياسة (عفى الله عما سلف) بتطبيقاتها الساذجة من جهة، وسياسة ( ضبط النفس حفاظاً على الجمهورية) من جهة اخرى، وتفرّق القوى الوطنية، في ظرف وجدت فيه دوائر النفط والدوائر الكبرى في البعث وسياسته حصانها الرابح آنذاك للف كل الجماعات الساعية و المتضررة من ثورة 14 حوله، لإنهائها و انهاء مكتسباتها . . خاصة و انه اثار اهتمامها به، منذ تصريحات مؤسسه ميشيل عفلق للصحافة، بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين اشار بخطاب ورسالة (ثم بصِلات) الى عضو مجلس الشيوخ الأميركي آنذاك مكارثي سئ الذكر، يعده فيها بان " البعث خير عون لكم في الشرق الأوسط "(4) . .  في مرحلة الحرب الباردة، و في ظروف اصطفاف العالم و ظروف المجتمع و قواه السياسية و مفاهيمه المحرّكة آنذاك .
من ذلك ومن غيره ( من قوائم الأسماء المعدّة للمئات من الرجال والنساء و لمئات اخرى لأقاربهم واصدقائهم، التي اكدتها الوثائق الغربية التي كشف عنها وفق قانون الوثائق، وروايات وكتب قادة سابقين للبعث ذاتهم . . ) فان رواية البعض بان المذابح لم تتم الاّ بسبب مقاومة الحزب الشيوعي، هي تزييف فظّ للحقائق بشكل صارخ، فاضافة الى عادة من لم يستطع التخلّص من وصم كل من لايتفق معه بانه شيوعي، فانه يحاول بتزييف التاريخ، انتزاع ابسط حق للأنسان في الدفاع عن نفسه امام من كان قد شرع  بقتله وتصفيته، في ظرف ديس فيه القانون علناً للمرة الاولى في البلاد وتهزّأت فيه الأعراف منذ الأطلاقات الأولى للأنقلاب، التي اغتيل فيها قائد القوة الجوية الزعيم جلال الأوقاتي .
بل ويذهب ذلك البعض ابعد في محاولة بائسة للنيل من سمعة القائد سلام عادل الذي لم يستطع احد من الأنقلابيين ان ينل ولو من خصلة ضئيلة من خصاله، فكرهوه وعذّبوه و رفاقه و رفيقاته حتى الموت وضيّعوا جثامينهم الطاهرة كي لاتكون مزاراً للوطنية وللتضحية بالنفس في سبيل قضية الشعب حتى الشهادة في العراق .  
لقد كان حكم البعث العفلقي للفترة من شباط الى تشرين 1963، معركةً بين حزب البعث وكلّ الشعب العراقي وحقوقه، عرباً وكرداُ واقليات، بدأت باعدام الزعيم عبد الكريم قاسم وتحطيم منظمات الحزب الشيوعي العراقي قتلاً وتعذيباً واخفاءً وتشريداً، و قتل و مطاردة الديمقراطيين ومرّت بمطاردة وملاحقة مناضلين قوميين عرب تقدميين واعلان فصلاً مأساوياً اكثر شوفينية و وحشية مما سبق في الحرب ضد الشعب الكردي وكردستان، ثم مطاردة والتنكيل برجال الدين والمرجعيات من التي لم تنسقْ له ووقفت بوجهه .  .
لتنتهي بهرب قادته الى الخارج و استلامهم . . والقاء افراد الحرس القومي السلاح في الشوارع و اعتكافهم في منازلهم بلا رقيب ولاحسيب، وكأنما كان عليهم انجاز مهمة انتهت بعد تعديل قانون النفط وغيره وبعد ان توهّموا انهم كسروا شوكة العراقيين و القوى الديمقراطية و اليسارية ولو الى حين. الأمر الذي كرر جوهره وتوهّم فيه الدكتاتور صدام بعدئذ .
و يرى كثيرون، ان من يعتبر ماحصل اخطاءً يمكن تحدث لكل الاحزاب .  .  ينسى انها لم تعد اخطاءً لدى حزب البعث العفلقي، الحزب الاول الذي حكم العراق بعد ان اغتصب السلطة بالقوة بقطار اميركي في الحرب الباردة . . وانما جرائم وطنية كبرى بعد ان وصلت بحجمها وبالأعداد الهائلة لضحاياها التي لم يستطع تحديدها احصاء، حجم الجرائم ضد الجنس البشري، كضحايا حلبجة والأنفال في كردستان العراق و الاهوار في جنوبه.
و ان من يحاول تسويق (حزب البعث) مجدداً، عليه ان يتذكّر انه الحزب الذي حصل على السلطة بالقوة، و فقد الشعب مرّتين بعد ان انزل به و بالمجتمع وبقواه الوطنية كلّها تدميراً وتقتيلاً طيلة خمسة وثلاثين عاماً حتى السقوط ايضاً . . شكّلت حكم ارهاب واجرام الدولة بحق ابنائها وبناتها، خالقاً بذلك نموذجاً سيئاً لمفهوم الحزب السياسي في العراق، الذي ادى الى تشويه وتسميم الثقافة السياسية بمزجها بالأجرام، وربىّ اجيالاً على الأنتهازية السياسية والفكرية والأجتماعية .
ولكونه الحزب الحاكم الوحيد ـ حتى وقتذاك ـ الذي حكم ودمّر وسقط .  .  فان من حق المحكومين ان يعرّوا اساليبه ويفضحوا ويطالبوا بالأقتصاص ممن اجرم، لأن الجميع طالته نيران حروقه العصية عن الوصف، في بلد جميل غني وبناسه الطيّبين، الذي حوّله (القائد الضرورة) بسياساته الرعناء الى محرقة، يتراكض الجميع الى الآن لمعالجة نتائج آثامه وشروره، في العالم المترامي الذي يغنيّ من القلب للديمقراطية وحقوق البشر .  .  
و لابد من التذكير اليوم ايضاً بما عاناه عدد غير قليل من اعضاء البعث، لمعارضتهم قيادته سواءً في انقلاب شباط، اوفيما تلاه في فترة البعث الثانية التي انتجت (القائد صدام)، بسبب آلية عمل الحزب وليس غيرها وحاجتها لشقاواته، التي اخذت تصفيّ وبشكل مستمر معارضيه داخل الحزب ايضاً، الأمر الذي ادىّ الى اعتقالهم وتعذيبهم وتغييبهم، واعدام عدد منهم بتهم لم تعرف حقيقتها، عوقبوا عليها بالموت وفق ( القانون ) الذي لم يعرف احداً لحد الآن ماهو، حيث ان قوانين البعث العفلقي لم توفّر حتى نأمة للاختلاف.
و يرون، انه وبسبب افكاره الأنتقائية واساليبه القسرية والعنفية الدموية والأنقلابية العسكرية، وروحه الشوفينية المدمّرة وتعاليه القومي، كما جرّبته الناس طيلة سني حكمه، قد خرج على الرسالة الأنسانية النبيلة للنضال العربي التحرري وتحوّل الى الأداة الرئيسية للعسكرة والأرهاب في العراق والمنطقة العربية، منذ ان قام بانقلاب شباط 1963 وسخّر بكل الوسائل اعدداً من الشباب العربي للأنخراط في الحرس القومي سئ الصيت، و في مهماته غير المشرّفة (5).
و يرى باحثون بأن البعث العفلقي استمر باهانة الشباب العربي وخداعه، بتجنيده الالاف منهم في وحداته القذرة التي ابادت واعدمت ونزلت بالعراقيين ذبحاً عندما اضربوا وثاروا وانتفضوا على حكمه، مزيّنا لهم ذلك بالاموال الفلكية و الخدع العسكرية و القسر . . بكونه من اركان النضال (العربي) ضد اعداء الأمة ! صانعاً بذلك مفاهيم جديدة في الأرتزاق حتى الموت، مستعيراً الكثير من برامج واساليب الحزب النازي في تحقيق نظامه الشمولي، و مسوّغاً لذلك مقولات محرّفة من التراث العربي والأسلامي، لخلق دكتاتورية الفرد بالكذب والخديعة والديماغوجيا و العنف . . . و انفضّ عنه كثيرون بشتى السبل و سلكوا سلوكاً وطنياً، من الذين تشهد لهم فيه السنوات التي اعقبت سقوط الدكتاتورية . .  

8 / 2 / 2013 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع مذكرات طالب شبيب " عراق 8 شباط من حوار المفاهيم الى حوار الدم " . " اوكار الهزيمة " لهاني الفكيكي . "المنحرفون"  الكتاب الأسود حول الحرس القومي، عن مطابع الحكومة العراقية في تشرين ثاني 1963 .
2.   المقصود ما قتلت ذبابة من الاعداء، نزار قباني، " على هامش النكسة "، 1967 .
3.   راجع حنا بطاطو، " كتاب العراق " ـ حول انقلاب شباط 1963 . مذكرات ريتشارد هيلمز رئيس ادارة المخابرات الأميركية الأسبق، واخيه هيلمز السفير الأميركي في طهران آنذاك.  وثائق المعلومات الأميركية التي كشف عنها مؤخراً، حول الأنقلاب العسكري في 8 شباط .
4.   من وثائق الخارجية البريطانية، التي كشف عنها مؤخراُ، عملاً بقانون الوثائق .
5.   راجع التوثيق في " كتاب العراق"، حنا بطاطو .


74
هل الدكتاتورية افضل من الفوضى ؟
                                                                                                                      د. مهند البراك
                                                                                                             ahmedlada@gmx.net

منذ ولايته الاولى و بسبب صعوبة تطبيق المحاصصة الطائفية و اشتعال الصراع الطائفي . . استمر رئيس مجلس الوزراء بالتلميح، الى ان الحكم غير ممكن بعدة اطراف تختلف في توجهاتها، فيما استمر بلا ضجيج كبير في اجراءات جعل مؤسسات الحكم الاساسية بيد مكوّن واحد معتبراً ذاته ممثله الوحيد كـ (مختار العصر) . . معززاً ذلك باعتراضه علناً على قرار البرلمان بتحديد ولاية الرئاسات الثلاث و تهديده ايّاه بالمحكمة الاتحادية العليا، و كأنها ملك شخصي له غير قابلة للحساب و التغيير ان لم تطع احكام الدستور و اسسه . .
الامر الذي فيما يرى فيه مراقبون، بكونه قصوراً في فهم حكم (الشراكة الوطنية و المشاركة في الحكم) . . يرى فيه آخرون بكونه يعكس تعطشاً و رغبة في الاستئثار بالحكم ليس لمكوّن واحد فحسب و انما لشخصه هو، الامر الذي يتبيّن من مواقف الاطراف الهامة المشاركة في تحالف قوى المكوّن الذي اوصله للرئاسة، التي تعلن عن مخالفتها ايّاه في سلوكه هذا . .
السلوك الذي تنعكس مخاطره ليس في مؤسسات الحكم و اجراءاتها فحسب، و انما على صعيد الحياة اليومية الصعبة بسبب التسعير الطائفي و ضعف و انعدام الخدمات . . الذي وصل بالسيد المالكي الى التعبير عن أن الدكتاتورية هي افضل من الفوضى ـ في كلمته في احتفالية حزب الدعوة الحاكم بالمولد النبوي الشريف في الاسبوع المنصرم ـ . .
و يرى محللون ان تعبير السيد المالكي ذلك قد جاء لإرضاء الجماهير المحتشدة المطالبة ايّاه بالاصلاح السلمي للعملية السياسية و بتطبيق الدستور، بمحاولة التعبير عن كونه ليس هو المسؤول عمّا تعاني منه اوسع الفئات و خاصة الطبقات الكادحة العراقية بكل اطيافها الدينية و المذهبية، رغم كونه رئيس مجلس الوزراء و القائد العام الذي يجمع أهم السلطات في البلاد بيديه.
و يرى آخرون بأن تعبيره ذلك يجسد ما صرّح و عمل به منذ بدء ولايته الاولى حين دعى الى ان (الحكم بعدة احزاب متنافرة لايستقيم)، موظفاً لذلك تعنّت عدد كبير من قادة و ممثلي الكتل المتنفذة الاخرى من الطبقة السياسية الحاكمة، لتطمين مصالح ضيّقة لهم . . في وقت يرى فيه فريق آخر بكونه تراجعاً او غضّ نظر عن تجريم نهج دكتاتورية صدام، و محاولته التماهي مع ماتنفخ به اجهزة حكومية صار يعشعش فيها العديد من ازلام العهد المباد، لتجميع قوى له . . و التماهي مع مايتردد بمرارة في الشارع مما يجري من فوضى قياساً بزمان دكتاتورية ظالمة، أُسقطت باسقاط الدولة العراقية و اقيم بدلها حكم قائم على الإنتماءات الفرعية، رغم وجود دستور جامع للقوى العراقية باطيافها جرى التصويت عليه . . في خضم جهوده لمحاولة كسب الشارع لصالحه !!
   من جهة اخرى و فيما يرى عدد من المتخصصين النظريين ان الفوضى القائمة هي من صنيع الإحتكارات العالمية صاحبة فكرة (الفوضى الخلاقة)(*) . . التي ولدت في اجواء ملبّدة بمشاحنات افكار و بدائل متنوعة لدكتاتورية صدّام منذ مايقارب العقدين، من فكرة (الدكتاتور العادل) . . الى فكرة الإبقاء على الدكتاتورية على اساس (دكتاتور معروف لدينا افضل من دكتاتور مجهول) . .
يرى العدد الاكبر من المجربين و الخبراء، ان الفوضى القائمة هي وريثة الدكتاتورية و فكرها و اعمالها الشائنة . . . منذ ان كان القانون ليس اكثر من ورقة يوقعها صدام، رغم ان صدام لم يكن لوحده و انما كان عائداً لحزب ـ محظور دستورياً الآن ـ و عمل ضمن ضوابطه و اطره حتى وصل الى قيادته، و اسس و حكم بدكتاتورية رهيبة، لم تنفع لردعه عن ذلك حتى الضوابط الحزبية الداخلية لحزبه الذي اوصله للسلطة . . و تكوّنت بذلك دولة اللاقانون و الفوضى التي خدمت طغمة حاكمة و مخططاتها المجنونة، وفق إجراءات و قرارات سريّة لم تنشر و لم يعرف بها الاّ المعنيين بها، تعاقب من يفشي اسرارها بأشد العقوبات وحشية بتهم الخيانة العظمى . .
الأمر الذي فيما ادىّ الى نكوص الدولة الدكتاتورية في خدماتها للشعب بذريعة حروبها، من خدمات كان يُفاخر بها بين دول المنطقة، الى خدمات صارت تتردىّ و فوضى تتصاعد لم يكن يسمح بالكشف و الحديث عنها بالعنف وقتها، لأنه (يخدم اعداء الثورة) . . فإنه ادىّ الى ان الدكتاتورية و فوضاها لم تُنجب الاّ المآسي و الجروح الهائلة . . و انجبت بديلاً من سياسيين غلب عليهم طابع الوصولية و انتهاز الفرص كنتاج اجتماعي لها . . الفرص التي صنعها غيرهم و استشهد من اجل تحقيقها الالوف من المناضلات و المناضلين و مئات الالاف من الشعب بكل الوان طيفه . . كما يتردد في الشارع و تعكسه وسائل الاعلام الداخلية و الدولية .
حتى صار الكثير من متنفذي اليوم هم الذين يصعّدون الخلافات الطائفية و الانتماءات المكوناتية و يسعّروها . . لاجهاض اي حراك شعبي يسعى لتطبيق حقيقي للدستور، و لوصم كل اختلاف او معارضة بالارهاب، وصولاً الى محاولة اسقاط تلك الحراكات و ادانتها . . لتزكية شخوصهم بذاتها و لتعزيز مواقعهم و فوائدهم الضيقة منها، معمقين بذلك حالة الفوضى التي تستغلها القوى الارهابية الفعلية و فلول الدكتاتورية، لتصعيد اعمالها الدموية . .
   ان التشدد في تعامل الكتل المتنفذة فيما بينها و في مقدمتهم السيد المالكي باعتباره الماسك الفعلي للسلطة الآن . . هو الذي يؤديّ الى تصاعد تحذيرات قوى صديقة و قوى استثمار عالمية مما يجري، ولا ادلّ من ذلك ماصرّحت به ممثلة الاتحاد الاوروبي في العراق قائلة " . . ليست في العراق مشاكل سنّة و شيعة بقدر ما هي مشاكل نابعة من غياب القانون " .
   و فيما تحذّر اوساط متزايدة من مخاطر مايجري الذي قد يجرّ الى تشظيّ البلاد و انفراط عقدها انفراطاً دموياً لايعرف مداه و لا يمكن تحديد مدّته الزمنية، او يجرّ الى مخاطر قيام دكتاتورية جديدة. . فإنها تدعو الى اعتماد الحوار بالاستناد الى الدستور، و الى اجراءات عاجلة لعقد مؤتمر عام للقوى المشاركة و الفاعلة في العملية السياسية داخل و خارج مؤسسات الحكم التشريعية و التنفيذية و القضائية، اضافة الى ممثلي الشباب و المرأة و ممثلي منظمات المجتمع المدني و ممثلين عن الاحتجاجات السلمية المطالبة بالشرعية الدستورية و المتحركة وفق ضوابطها . . للوصول الى سبل اصلاح العملية السياسية استناداً الى الدستور . .

5 / 2 / 2013 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كنظرية اجتماعية تعتمد على احدى نظريات تطور الفن في الغرب . . بإعتبار الفن مرآة عاكسة لحركة و تطوّر المجتمع، و بالتالي يعكس الفن حركة تطور فكره و قيَمِهِ.

75
طريق لولاية ثالثة، بزجّ الجيش ؟   
                                  
                                                                                                               د.مهند البراك
                                                                                                         ahmedlada@gmx.net

فيما تستمر التظاهرات و الاعتصامات رغم وعود لم تؤديّ الى حلول ما للمطالب التي تتركز على المساواة في مبدأ المواطنة تعزيزاً للتعايش الوطني، بل و حتى تلك التي وصفتها اطراف حكومية بكونها مشروعة مما ينادي بها المتظاهرون . . وصلت حكومة السيد المالكي الى زج الجيش لمواجهة الحشود السلمية للمطالبات بالرصاص الحي، وسقط عدد من المدنيين في الفلوجة قتلى و عشرات منهم جرحى . . في خضم اخبار يجري تناقلها من قبل اوساط حكومية بكون تلك المواجهة كان قد خطط لها من جهات امنية . .  
يتساءل مراقبون هل ان اتّباع المالكي لسياسة السكوت و التسويف في الحلول، ليتصاعد غضب المحتجين و يؤدي الى رفعهم شعارات اعلى متطرفة قد تصل الى حد الصدام المسلح . . الامر الذي يراهن عليه هو من جهة ، و ينتظره (البعث الصدامي) و القاعدة و اوساط اسلامية سنيّة متطرفة من جهة اخرى . . كي تقفز الاخيرة على الاحتجاجات و تحاول تزعمها ـ رغم تحذيرات وجوه بارزة من المحتجين من ذلك ـ و بالتالي و من خلال اختلاط الحابل بالنابل، يُتّهم المحتجون بكونهم (بعثيين و طائفين ارهابيين) ليسهل عليه ـ المالكي ـ ابادتهم بالوحدات العسكرية المسلحة، في وقت ترى فيه اوسع الاوساط الشعبية ان البعث الصدامي قد سقط من نظرها.
و يؤكد ذلك التساؤل مايردده محسوبون على السيد المالكي، بكونه ( استطاع ان يبني زعامته خلال سنوات ولايتيه و جعل العراق الطائفي زاهياً، و لم يبق امامه الا فلول صدام و القاعدة الذين يتمردون الآن، و سينهيهم بالقوة المسلحة لانهم مرفوضون) على حد تعبيرهم . . دون النظر الى المخاطر الطائفية الشيعية ـ السنّية الاخطر التي تنشأ من ذلك، اضافة لما هو قائم الآن .  
من جانب آخر يرى محللون ان السيد المالكي يبدو و انه يصرّ فعلاً على حصوله شخصياً على ولاية ثالثة، بتصريحاته و مقرّبيه اثر تصويت البرلمان العراقي ايجاباً على تحديد ولاية الرئاسات الثلاث  . . و يتساءلون هل هناك تخوّف من الحساب ان تنحىّ عن منصبه و انكشفت اسرار و اسرار! ام انه نسى كما يبدو ان هناك مؤسسات دستورية اصولية عراقية ـ كما يعبّر هو ـ يمكن ان تحميه و تعامله كرئيس وزراء واجه ظروفاً ليست سهلة، نجح في قسم منها و اخطأ في قسم آخر، كحال اي رئيس وزراء يترك منصبه وفق الاصول الدستورية و لديه من الضمانات الداخلية و الاقليمية و الدولية . . و الاّ لماذا ذلك الاصرار و اين يكمن و حال البلاد يزداد تدهوراً ؟ هل هو في الملفات المحصورة بيده ام في قضايا و امور مالية و امنية اكبر قد تدينه ؟؟!    
   في وقت يرى فيه كثيرون ان العراق صار يسير على سكة لن ينفع معها مجئ البعث الصدامي، الا اذا حاول من بيده الامر من اطراف الصراع الطائفي، تازيم الاوضاع اكثر و محاولة سوقها بذلك الاتجاه . . و هو امر صار يصطدم بمعوقات كبيرة سواء كانت شعبية او اقليمية او دولية، و يصطدم حتى بقسم كبير ممن كانوا في وقت ما منتمين لذلك الحزب السئ الصيت . . بعد سقوط دكتاتورية البعث و انفضاح حقائقها لمن لم يعرف، و بعد ظهور اكثر من جيل جديد من الشباب و الشابات، و بعد مرور المنطقة بمراحل جديدة قد لا يستطيع النشاط فيها سوى مجرمي و ارهابيي ذلك الحزب بعد ان صار ذكرى مؤلمة . . في الظروف التي تتسبب بها الحكومة القائمة.    
   و يحذّرون من ان اتباع (سياسة حافة الهاوية) و الاحراج، بالتهديد و القوة و الدفع نحو اذكاء التطرف المقابل، تنتظره جهات و تنفخ به . . بعد ان صار للاسف سياسة شبه ثابتة للحكومة القائمة، حتى تصاعد الاحتجاج على سلوكها من اطراف كتلة التحالف الوطني ذاتها، بل و من كتلتها هي و من اطراف من الحزب الحاكم ذاته . . كما تتناقل وكالات انباء متنوعة يركن اليها .
   و يحذّر خبراء من ان اللجوء الى استخدام الجيش لقمع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالخبز و الحريّة لا يؤسس الاّ عداءً بين الشعب و الجيش، و ان اللجوء اليه في حل الخلافات السياسية بين الكتل المتصارعة لن يؤدي الاّ الى عودة للاستبداد بـ ( انقلاب عسكري ـ دستوري) من شكل جديد . .  بدل العودة الى الدستور و الحوار و ترسيخ مبدأ التبادل السلمي للسلطة . .
و بدلاً من العناية بالجيش العراقي و تطويره و تفريغه لحماية البلاد بحدودها الرخوة، و لتحقيق وحدتها و لحمتها من خلال قوانين الخدمة و التعاقد للعمل فيه المفتوحة لكل ابناء البلاد على اختلاف قومياتهم و اديانهم و مذاهبهم دستورياً . . و الوقوف بحزم امام عودة كبار ضباط الدكتاتورية المنهارة و خاصة ممن شجّعوا و دعموا حروبها المجنونة و شوفينيتها المقيتة . . حين جعلت من الجيش ثكنة عسكرية كبرى لأعمال (التأديب السياسي) و لخنق المشاعر الوطنية المطالبة بحياة افضل للشعب بكل الوان طيفه . .
و يؤكدون بأن على اية حكومة اتحادية ان تدرك، بأن التظاهر السلمي حق مشروع دستورياً . . و ان غالبية المطالب المرفوعة قابلة للتحقق الفوري، والقسم الآخر قابل للمناقشة في البرلمان.  الامر الذي يتطلّب تفهّم الحكومة و حكمتها، بدلاً من جعله بعبعاً بسبب هواجسها المحصورة في امن سلطتها و بقائها فقط .
و ان تدرك بأن تفهمها ليس هزيمة، و انما موقف حتمي يسجل لها ايمانها بعدالة ماتطرح في خطب و شعارات لم يلمس منها تطبيقاً جاداً. . في وقت عليها فيه ان تجعل مظاهر الاحتجاج انطلاقة كبرى لمصالحة وطنية شاملة تعزز وحدة العراق الاتحادي البرلماني، و وحدة القوى الحية العراقية بشبابها و شابّاتها و بكل قومياتها و اديانها و طوائفها، كأساس هام لاستقرار البلاد و المنطقة . . في الظروف السورية القائمة و ظروف صيف الاحتجاجات في ايران الذي يقترب . . بدلاً من ترك الاحتجاجات و تفاقمها عرضة لإستغلال القوى المتربصة كما مرّ .

29 / 1 / 2013 ، مهند البراك




76
عن معادلة جديدة للحكم . .
                                                                                                         د. مهند البراك
                                                                                                       ahmedlada@gmx.net

لم تأت فكرة نظام المحاصصة الطائفية كبديل لدكتاتورية صدام، من قوى معارضة الدكتاتورية، و انما من المطابخ السياسية للاحتكارات و للادارة الاميركية التي كانت تتهيأ لإسقاط الدكتاتورية لتحقيق اهدافها بالحرب، بعد تجربتها في حرب تحرير الكويت من الطاغية عام 1991 . . التي يطول الحديث عن تفاصيلها.
و اذا كانت المحاصصة حلاًّ مرحلياً للحفاظ على وحدة العراق و لقطع الطريق على قيام بديل اسلامي متطرف كان نظام ولاية الفقيه الايراني يعدّ له وفق تصريحات المرشد الاعلى، و انعكس على موقف القوى الاسلامية الشيعية المدعومة و المضغوط عليها منه، في اجتماع الناصرية في 2003 حين كان الجنرال غارنر ممثل الادارة الاميركية يبحث مع قوى معارضة الدكتاتورية عن تشكيل بديل الدكتاتورية بالملموس .
   و كانت نتيجة توالي الاحداث ان اعلنت المحاصصة كأساس للحكم، و تداخلت بالفدرالية و صارت عاملاً زاد من تطبيق الفدرالية عرقلة بتقدير فريق من المراقبين . .  فيما حقق النفوذ الايراني المشابه للاحتلال تقدماً هادئاً تدريجياً موظفاً لذلك ضجيج الحرب و اعلان الاحتلال الاميركي، ثم مقاومته في حينه . . حتى صار ملفاً يبدو و كأنه اتفق عليه بين الاميركان و الايرانيين . . كبداية لحل مشكلة المفاعل النووي الايراني، في زحمة ملفات المصالح الاميركية ـ الايرانية.
   الاّ ان نظام حكم المحاصصة بالطريقة المعمول بها لم يسفر الاّ عن تكوّن كتل متنفذة تعمل على تكريس سلطتها و هيمنتها الانانية، مكوّنة طبقة سياسية حاكمة، الامر الذي يهدد ببقائها و ديمومتها في ابراجها، بعيداً عن الشعب . . في خضمّ ازدياد التفرقة و تصاعد الديماغوجيا السياسية الطائفية، حيث صار المتنفذون في الحكم يدعون لوأد الطائفية و هم يعمّقوها، و ادّى ذلك فيما ادّى الى انفراد الحكومة القائمة بسلطة القرار مدعيّة انفرادها بتمثيل الشيعة، خارقة بذلك الدستور و مؤدية الى تدهور الوضع الامني و المعيشي و الثقافي و الحضاري للبلاد . . حيث تضاعفت نسبة خط الفقر لعموم العراقيين من 23% الى اكثر من 35 % وفق آخر أحصائية لوزارة التخطيط !!
بعد ان وظّف مبدأ التوافق للتهدئة و الى ابعاد تفجر المواقف، و وظّف لادارة الصراعات و ليس الى حلّها . . بدلاً من كونه اساساً لضمان تحقيق مصالح البلاد و لإعادة دورة العملية الانتاجية التي توقفت فيها، بهدف تحقيق النمو الاقتصادي و السير على طريق مكافحة البطالة و تشجيع الاستثمار الذي يخدم قضية الرفاه الاجتماعي لمكونات و تكوينات البلاد . .
الامر الذي صار يهدد خطيراً بتفتت البلاد . . و اخذ يؤدي الى تصاعد احتجاجات و تظاهرات متواصلة من جميع المذاهب و التكوينات العراقية تطالب بالاصلاح، و الى ظهور اجيال شابة جديدة رجالاً و نساءً، سواء كانت مشاركة او محرّكة لتلك الاحتجاجات، التي ان قابلتها الحكومة بالرصاص الحي في ربيع 2011 . . فإنها تقابلها الآن بعدم الاستجابة الفعلية ـ عدا تشكيلها لجان للبحث تسويفاً، بوصف العديد ـ في وقت يرى فيه كثيرون ان استمرارها دون ايجاد حلول، يجعلها تتعرض الى اندساسات تحاول حرفها عن مطالبها بالاصلاح، من جهات متعددة سواء كانت حكومية او خارجية او ارهابية . . كما يفيد ناطقون باسمها ممن يحاولون الحفاظ عليها و تعميق عراقيتها و روحها الوطنية الرافضة للطائفية . .
   ان دوام و توسع تلك الاحتجاجات التي تباركها مرجعية النجف و تأيّدها قوى التحالف الكردستاني و التيار الصدري و المجلس الاعلى الاسلامي . . صار يطرح بالحاح قضية انتشال و تقويم العملية السياسية في البلاد، و صار يتركّز على ضرورة اجراء انتخابات مبكرة بعد تعديل قانون الانتخابات . . انتخابات مبكرة وفق المادة 64 من الدستور، سعياً الى سلامة تطبيقه و روحه، على اساس الدولة الاتحادية القائمة على : الهوية العراقية الجامعة، تكافؤ الفرص و على اساس الكفاء و النزاهة، و التداول السلمي للسلطة و الحوار في حل المشاكل السياسية و ليس التلويح بالعنف او باستخدامه، بابعاد الجيش عن حل المشاكل السياسية  . .
   الامر الذي يتطلب الاسراع باقرار قانون احزاب يحدد هويتها و اهدافها و مواردها، على اساس تقبّل الآخر، و على اساس استقلال القضاء و حرية الصحافة . . فيما تضيف قوى سياسية هامة الى ذلك ، ضرورة البدء باجراء الاحصاء السكاني و الديموغرافي باشراف الامم المتحدة و الهيئات الدولية و العالمية لحقوق الانسان، لفض النزاعات على المناطق المتنازع عليها . .   
و يرى مراقبون ان اتخاذ تلك الاجراءات، مدعومة بحركة جماهيرية سنية شيعية كردية عراقية بمكوناتها المتعددة التي تتصاعد و تنتظم، و التي يمكن ان تكون منطلقاً لكسر الحواجز الطائفية بتوحيد المطالب و الجهود في العمل من اجل إجراء إصلاح سياسي جذري بالوسائل الدستورية السلمية ، اصلاح من شأنه إنهاء المعاناة المشتركة لجميع المكونات من انعدام الكهرباء والماء الصالح للشرب ونقص الخدمات الاساسية للعيش الإنساني الكريم، و سنداً قوياً لدولة قانون حقيقية.
و ترى اوساط تتسع ان تحقيق ماسبق هو الذي يمكن ان يحقق مصالحة اجتماعية وطنية ثابتة، تمهّد لانتقال تدريجي من الدولة الطائفية التحاصصية إلى دولة اللا طوائف في الظروف الاقليمية الجارية، الدولة المدنية الاتحادية الديمقراطية . . دولة المواطنة.

22 / 1 / 2013 ، مهند البراك




77
انفجار الغضب الشعبي و الدستور
                                                                                                       د. مهند البراك
                                                                                                   ahmedlada@gmx.net
   
رغم انواع التفسيرات و التقديرات . . تكاد تجمع اوسع الاوساط ان ما يحصل في الانبار و الغربية، هو انفجار غضب شعبي عراقي سلمي، يعبّر عن الاستياء و الألم و الخوف من الآتي، و يضمّ و بدرجات و اشكالٍ متنوعة : تظاهر و اعتصام، فوضى و تأييد او صمت بدأ ينهار . . اوساطاً شعبية و شبابية واسعة من مختلف الاطياف الدينية و المذهبية و القومية و الاجتماعية العراقية . .
انفجار آلام لاحصر لها و صار لايمكن التقدير و التنبؤ مما سيأتي سوى المخاطر . . بعد ان ضاعت مقاييس الحكم بلا حدود، و بعد ان انغلقت الطبقة السياسية الحاكمة على منافعها، و نكثت و تنكث بوعودها لشعبها و مكوناتها، بل و حتى باتفاقاتها بين كتلها المتنفذة . . و صارت الاداة الحاكمة الاساسية، السلطة التنفيذية : الحكومة . . تعيش على الازمات و تعمل على اثارتها لتطيل بقائها في دست الحكم بقيادة فرد جمع السلطات الاساسية عسكرية و مدنية بيده، باشكال و طرق متنوعة، و يسعى لحكم مطلق لزمن لايعرف حدود، و بدأ باخراج مسيرات المدارس لتأييده . . كما يتابع مراقبون و خبراء و وكالات انباء متنوعة.
فرغم الميزانية العملاقة، تزداد حياة المواطن صعوبات و مشاق و صار لايمكن حصرها، و يكتب و ينشر و يذاع عنها الكثير المتواصل . . فيما تعود اعمال الارهاب على ارضيات بطالة و ضياع و مخدرات لاوساط شبابية تتسع، و ينشغل للاسف رئيس مجلس الوزراء و من معه بغلق و فتح ملفات و تهديد خصوم مرحليين بها . . دون حساب الضوابط الدستورية بل و خروجاً حتى على المحاصصة لمحاولة تجيير الحكم لحزب واحد يدّعي بكونه الممثل الوحيد للمكوّن، و بالتالي بكونه الوحيد القادر على حكم العراق بمكوناته .
وسط اعمال فوضى تسود و تشارك بها اوساط من كتل متنفذة، بعد ان صار لكل كتلة متنفذة اعداد صارت تفوق المئات من المسلحين باحدث تسليح باطار (قانوني) كحمايات . . التي صار المواطنون لايفرّقوها عن الميليشيات العائدة لاشخاص بعينهم، تعيش و تتمول من المال العام و من مصادر لم يُبذل جهد لحصرها و تحديدها، و تحريمها او اجازتها قانوناً .
و يتضح للمراقبين ان الانفجار الشعبي بدأ يعتمل، منذ حالة القلق التي انتشرت اثر التوتر الكبير بين حكومة المالكي و تشكيله (عمليات دجلة) و بين حكومة اقليم كردستان، التي اثارت الخوف بين اوساط شعبية كردية و عربية واسعة، من احتمالات تجدد القتال و آفاقه المخيفة . . فضيحة التعامل اللاانساني و اللااخلاقي مع السجينات، ثم الاعتقال المفاجئ لحماية وزير المالية الاتحادي، الذي اجج مشاعر عشائر الانبار بحكم الانتماءات العشائرية المذهبية، في منطقة عاشت الويلات و تسلط الارهاب و الاهمال الحكومي منذ سقوط دكتاتورية صدام سيئة الصيت . . لتصل النقطة الحرجة بفيضان بغداد بسبب غزارة امطار هذا العام التي فضحت الاهمال الحكومي الهائل في اعمال خدمات المواطنين، و التي ادّت الى تلوّث مياه الشرب بمياه الصرف الصحي و القاذورات . .
و يرى العديد من المتتبعين من ذوي الخبرة، ان ذلك الانفجار السلمي غير المنظم عكسته الشعارات المتناقضة التي رفعها الشباب المتظاهرون في الانبار بداية، و التي عكست الطبيعة الفكرية العاطفية الحماسية، و التخلف و ما انتجته اعمال ارهاب منظمات القاعدة و فلول صدام و غيرها هناك طيلة سنوات، المنظمات التي طردتها عشائر المنطقة ذاتها بالسلاح بعدئذ . . و كرد فعل على الاهمال الحكومي المتواصل لمناطقهم التي تعاني الفقر و البطالة، الذي تسبب بطرد و اهمال ممثلي الحكومة كنائب رئيس مجلس الوزراء، و وزير الدفاع وكالة رغم انهما من عشائر تلك المنطقة، والمعروفة اصولهما السابقة، و بابعادهم لممثلي الحزب الاسلامي الذي يحاول ان يستفيد من ذلك لقائمته الانتخابية، و صرّح عديدون منهم بعدم ثقتهم بـ (السياسيين)، و امتعاضهم من خطاب المطلوب للعدالة الدوري .
و يرون ان الشعارات المتناقضة تلك التي رفعها المتظاهرون جاءت في اطار محاولات قدّروا انها يمكن ان تلمّ اوسع الاوساط المتضررة معهم، بدلالة سحبهم لما ذكر منها الدكتاتور المنهار، و استجابتهم لنداءات الشخصيات المعروفة بمواقفها الوطنية و في مقدمتهم العلامة السعدي، حتى تزايد طابعها الوطني الداعي الى التلاحم المذهبي(1) و الديني و المكوّناتي القومي العراقي و الى الاصلاح و الالتزام بالدستور، و حصلت على تأييد التحالف الكوردستاني و تأييد التيار الصدري، و تضامن كتل اصغر و شخصيات برلمانية اخرى .
و فيما يرى عديد من البرلمانيين و من الوجوه الاجتماعية صحة عدد من المطالب التي تتطلب من الحكومة الاسراع في تنفيذها و حضور ممثلين من تلك التجمعات لجلسة برلمانية، و صولاً حتى الى الاعتراف بمعارضة برلمانية ان تطلّب الامر، و الاسراع في ترشيد قانوني (المساءلة و العدالة) و (مادة 4 ارهاب) لصالح معاقبة المجرمين الحقيقيين، و انصاف ضحاياهما بسبب التطبيق الانحيازي الثأري لهما كما يؤكدون، بعد ان تكشّفت الكثير من الانتهاكات التي قامت و تقوم بها اجهزة حكومية.
والاّ فأن الاهمال المتعمّد لها من الحكومة القائمة و تلويحها باستخدام العنف و زج الجيش به، في محاولة لتركها نهباً للطائفيين المتطرفين من القاعدة الارهابية، و من جيش النقشبندية الارهابي الذي يقوده نائب صدام الدوري الذي يحاول ايجاد موطئ قدم له هناك، من خلال كلمته من قطر التي يُحيّي  فيها منافقاً الجيش العراقي الذي كان واحداً من غلاة من حطّموا ابنائه في حروبهم المجنونة، ثم اهانوه و اهملوه لعدم استجابته لشحنه بافكارهم العنصرية الشوفينية (2) . .
   ان الاهمال المتعمّد لها لمحاولة ايقاعها في فخّ الطائفية في ظروف سوريا الشقيقة المجاورة . . لوصمها بعدئذ بها لضربها عسكرياً، في ظل حكم حزب طائفي يسعى للانفراد بحكم طائفته و للاستحواذ على كل شئ خروجاً عن الدستور، قد لن يزيدها الاّ اشتعالاً و توسعاً بسبب البطالة و الفقر و المطالب الحياتية اليومية، و بسبب التطبيق السئ للقانونين الماريّ الذكر، بعد عشر سنوات من سقوط الدكتاتورية . . الأمر الذي يتطلّب بالحاح الاحتكام الى الدستور، و الاّ فان شبح حرب طائفية اهلية اكثر قساوة من السابق بدأ يحوم، بتقدير مراقبين محايدين .

9 / 1 / 2013 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   و ارتفعت فيها شعارات المشاركة باربعينية و مأثرة الامام الحسين و نداء "من الانبار الى الحسين" .
2.   بدليل ان ابناء الجيش العراقي هم الذين اشعلوا انتفاضة آذار 1991 حين اطلق ضابط صف غيور النار على جدارية الدكتاتور في البصرة وسط حشود العسكريين، لتسري نيران الانتفاضة الشعبية في العراق من اقصاه الى اقصاه، و بكلّ اطيافه . .          

78
   الاخوة العربية الكوردية اساس التحرر و التقدم ـ 3
                                                                                                       د. مهند البراك
                                                                                                       ahmedlada@gmx.net

   و في خضم التناقض الحاصل بين صراع لتحديد مفهوم الحكم المركزي و الحكم الفدرالي و الحقوق و الواجبات، و تأثير ذلك عملياً في تزايد حدة مايجري . . و بين رغبة و تعطّش مناطق العراق العربية الى الامن و الاستقرار بعد المسلسل الدامي الذي لاينتهي، و رغبة شعب و حكومة الاقليم في الاسراع في تطوير اوضاع الاقليم بعد ان صار لها مايقارب الربع قرن و هي تحكم الاقليم فدرالياً في ظروف اتسمت بالصعوبة و التعقيد، ابتدأت بالخراب و بفراغ الادارة الحكومية ثم بالصراع الكوردي الكوردي، في زمان الحصار و دكتاتورية صدام . . مروراً باسقاط الدكتاتورية و الحرب و اعلان الاحتلال، الى تحقق الفدرالية دستوريا وتطبيقاتها العرجاء، من جهة .
   و بين الصعوبات التي تعجز عن مواجهتها حكومة المالكي السائرة على سكّة المحاصصة و  محاولتها الانفراد بها، التي صارت الاوضاع تتجاوزها . . و محاولتها ترحيل ازماتها و تعليقها على الكتل المتنفذة الاخرى، كي تستمر في الحكم باي ثمن بدعم من دوائر ايرانية و تزايد ضغوطها في سعي سواء لهيمنة ـ مؤقتة ام دائمة ـ لتأمين مرور اغاثاتها اللوجستية الى النظام السوري الذي قد يمرّ في آخر ايّامه، عبر العراق بكل الطرق الممكنة براً و جواً، و محاولات حكومة ايران لفك العزلة النفطية (1) و النقدية الضاغطة عليها بسبب الحصار . . و محاولتها المستميتة لتطويع و استخدام فئات تحكم في العراق لتحقيق ذلك ، من جهة اخرى .
   تصاعدت الخلافات بين حكومة المالكي و الحكومة الفدرالية في اربيل على عقود النفط ـ لأعمال التنقيب و لغيرها من عمليات صناعة النفط ـ التي عقدتها اربيل مع الشركات النفطية العالمية و شركات اقليمية في كوردستان، التي ابرزها اكسون موبيل ـ و اعلان توجه احتكاري شيفرون و توتال الفرنسية لذلك ـ . . و وصلت حد التنصل و اتهامات بالخروج عن الدستور، في ظل عدم وجود قانون عراقي للنفط و الغاز و المعادن رغم مرور عشر سنوات .
وسط تساؤلات كبيرة عن حقيقة مايدور في كواليس قادة الكتل المتنفذة وخاصة كتلة رئيس الوزراء و حكومته عمّا جرى و يجري من اتفاقات غير معلنة مع الاحتكارات منذ البداية في مجال الثروة النفطية و الغاز و المعادن النادرة . . اضافة الى تساؤلات عن شكوى الاوبك الاخيرة عن ماهية و كيفية زيادة انتاج النفط العراقي الرسمي الذي بلغ ارتفاعاً اكثر من حصة العراق المقررة فيها، الامر الذي قد لايُسمح للحكومة العراقية بالاستمرار به ـ وفق بيانات اجتماع الاوبك الاخير في الاسبوع الماضي ـ ، و يتركز السؤال هنا على، كيف يزداد تصدير النفط العراقي بهذا الحجم و لا تلمس له مردودات على واقع و حياة الشعب العراقي الصعبة؟ و هل يرتبط ذلك بما ماتلعبه حكومة السيد المالكي بسبب الضغوط (!!)، في تصريف النفط الايراني دون حساب الخسائر الفلكية الناجمة عن ذلك للعراق و شعبه باطيافه ؟  
في تزايد متواصل للخسائر الفلكية من عائدات النفط الخيالية المترابط بتزايد فقر الشعب العراقي الذي يتواصل منذ سنوات الدكتاتورية و انفاقاتها الهائلة على التسلّح، و الخسائر الفلكية بعائدات النفط في زمان الحصار ثم الخسائر وقت السقوط و الفوضى، اي منذ اكثر من ثلاثين عاماً و المتواصلة الى الآن (2) و رغم بقاء الكثير منها طي الكتمان . . الا ان ماكُشف منها يشير بشكل كافي الى ماهية شروط الاتفاقيات النفطية التي كبّلت العراق بأنواع الشروط و على رأسها ان يكون التسلّح من دولها و احتكاراتها ثم من احتكارات فوق دولية متعددة الجنسيات . . التي جرت طوال عقود طويلة، عندما كان الجيش يستخدم لحل المشاكل السياسية !! الأمر الذي بدأ شبحه يحوم اليوم حول مسار العملية السياسية  .
و على ذلك يرى اقتصاديون محايدون ان الاعتراض الجامد و رفض عقود المشاركة مع الاحتكارات النفطية العالمية في عدد !! من الاماكن في ظروف العراق التي تتفجّر طوال عشر سنوات . . دون مناقشتها و تحديد اماكن الاستثمار و دون السعي للتخفيف ما امكن من قيودها، مع عدم نسيان اسباب اعلان الحرب و ان العراق كدولة يعتبر وفق كل ماجرى منذ بدء الحرب و اعلان الإحتلال، و وفق كل صعوبات ما يجري دولياً و اقليمياً و داخلياً . . يعتبر دولة قد خسرت الحرب بالمفهوم القانوني (3) و هي في وقت تحتاج فيه الى الاستقرار و توفير المال اللازم للبناء، بعد الدمار و الخراب و نزيف الدماء المتواصل، و الى توظيف الزمن و لو بخسارات مقبولة و لكن منظورة و محسوبة في العقود النفطية، و على اساس التصدي بحزم للفساد و لتهريب النفط . .
و يرون ان ابرام العقود النفطية اضافة الى محتواها . . يلعب توقيتها دوراً هاماً بالنسبة الى الدول المنتجة ـ راجع تصريحات غورباجوف عام 2010 حول " كيف حطموا الاتحاد السوفيتي في وقت حرج، باغراق السوق بالنفط لتخفيض اسعاره و خسرنا بذلك المليارات ؟! " ـ ، علماً بأن العالم يشهد تغيّراً و تبدلاً في الاقطاب العالمية و اصطفافاتها و في القوانين التجارية و الاستثمارية، تتمكن دول العالم فيه ـ ان صارت بموقع اقوى لظروف جديدة ـ من تغيير عقود ابرمتها في زمن مضى او اعادة جدولتها، بدعم اقطاب مواجهة .
و هنا لابد من التذكير بالتأخير المتعمّد لأول عمليات استخراج و تسويق النفط العراقي التي استمرت المماطلة فيها الى اواسط الثلاثينات، حين كان البلد غارقاً بالجهل و المرض و النزاعات المحلية . . بسبب تشدد الجانب العراقي الزائد، مقابل نجاح جهود الاحتكارات التي احتاجت وقتاً لتحقيق التساهل الهائل لأبن سعود الذي ابرمت الاحتكارات اتفاقاتها النفطية معه بإسم عائلته في ذلك الزمن . . و حققت بعدها تنازلات من الجانب العراقي الذي اضطر لذلك .
ثم كيف تباطئ استخراج و تصدير النفط العراقي بحجج اعمال الصيانة، و تخفّضت بذلك عائداته في زمان الزعيم قاسم و مواقف حكومته التي دعمتها اوسع الاوساط الشعبية بالوان طيفها، و خسر العراق بذلك اموالاً فلكية قيّدت من نشاطه و مهّدت للاطاحة بحكمه في انقلاب شباط 1963، رغم ان ظروف قطبية العالم كانت افضل للدولة العراقية مما يجري الآن ـ راجع مذكرات محمد حديد، برجينسكي عن نفط الشرق الاوسط، حنا بطاطو عن دور النفط السياسي ـ .  
    الأمر الذي يتطلّب الآن، ان تتم العقود النفطية بالاتفاق على قانون نفطي توافقي عراقي بكردستانه ، يسمح بالتنوع بين عقود الخدمات و عقود المشاركة المعلنة ـ و ليست السريّة ـ وفق مبدأ الشفافية . . بشروط ان تدعم الاحتكارات الدولية ذات العلاقة ـ بدل دورها السريّ في اثارة الفتن ـ و لا تعرقل الجهد العراقي لتثبيت دولة قانون و مؤسسات فدرالية اتحادية تستند على التعددية و التبادل السلمي للسلطة وفق دستور يتقيّد بنصوصه و يُقدّم الى المسائلة و الى المحكمة الاتحادية العليا من يخلّ به، حكومة تستند على ابعاد الجيش عن حل المشاكل السياسية . .
بدل . . تثبيت توالي حكومات عسكرية اوليغارشية عائلية يجري تنصيبها بتمليكها المتنوع للمال و السلاح، و بالقفز على احكام الدستور، و تواصل العنف الذي تلعب به دول نفطية اقليمية دوراً رئيسياً، و بدل عمليات تهريب النفط الخام و مشتقاته، الذي يجري بانواع الطرق و الحيل القانونية في ظل هيمنة و انعدام الشفافية .
ففي الاتحاد قوة لكل الاطراف و المكوّنات العراقية، كي لا تُبتَزْ ان انفردت . . في تعاملها مع القوى العظمى التي تجد منافذ لها لإثارة انواع الصراعات على اساس التعامل المنافق و التحريض و الوعود بالزعامة و التمويل بالمال و السلاح، لتحقيق غاياتها بتحقيق اعلى الارباح لها فقط، دون حساب حقوق و آمال شعبنا بمكونات طيفه، عربية كانت او كوردية او اخرى . .
   و الاّ . . ففيما انسحبت القوات الاميركية، صار تطور و تشابك احداث النفط مع البرامج النووية، يهدد بأن يؤدي الى وقوع العراق تحت احتلالين، سواء بآليات حماية او بعقود تجارية نفطية و غيرها و شركات حماية لحمايتها . . تركي بدعم الناتو وحلفائه الاقليميين، و ايراني بدعم حلفائه الروس و الصينيين . . الذي لايعني الاّ استمرار مسلسل الارهاب و الحروب الداخلية و تشابكاتها الاقليمية، و وصولها الى مديات اخطر تشكّل سوريا الآن احدى حلقات بداياتها، بتقدير خبراء ستراتيجيين .
في وقت يؤكد فيه خبراء آخرون على ضرورة التحرك الصبور من الجانبين للحفاظ على اخوتهما العربية ـ الكوردية كأساسٍ صلبٍ لقوة الموقف العراقي الموحد المستقل . . و يتسائل آخرون ماذا سيحصل ـ و خاصة للقوى التي ترتبط بالقرار الإيراني ـ ان اتفقت ايران و الادارة الاميركية على ملف برنامجها الدولي . . ؟؟ كما جرت العادة في العلاقات الايرانية ـ الاميركية . . في وقت صارت فيه الادارة الاميركية تطالب باثمان اعلى لتدخلها في حل المشاكل المتفجّرة . .
   و فيما اثبت عملياً ان العراق باجمعه جزيرة تعوم على النفط الخام و المعادن الثمينة و الاملاح الفوق ارضية، و صارت الاكتشافات الجديدة تثبت ان مخزونات النفط و الهيدروكربونات و الغاز و المعادن الثمينة النادرة بكميات هائلة، موجودة ليس في المناطق المعروفة في كوردستان و العمارة و البصرة و انما في غرب العراق ايضاً ـ راجع مشكلة الناقلات البرية لليورانيوم و الزئبق الاحمر و الذهب في محافظة الانبار في ايلول 2012 التي تناقلتها وكالات انباء متنوعة كشفت ذلك ـ . . في وقت تطورت فيه معرفة ان مخزونات العمارة النفطية المكتشفة و المعلن عنها حديثا، صارت ترشحها لتكون اغنى محافظة عراقية بثرواتها الطبيعية .    
يذكّر متخصصون مثال الكونغو السئ الصيت . . التي بعد ان تقسّمت بسبب النفط و الماس و خرجت منها كونغو كينشاسا و كونغو برازافيل على اساس عرقي . . خرجت منها رواندا و بوروندي بعد المذابح الفلكية بسبب الماس و اليورانيوم على اساس قبائلي . .
ثم تمّ تشكيل كيانات محلية اصغر مسلّحة انسلخت من المكوّنات الاكبر اثر، اكتشاف معادن الكولتان و التينتيوم الثمينة النادرة(4)، حتى صارت المذابح هناك كمذابح رواندا، و نشطت على ارضها  قوات المرتزقة المتعددة الجنسيات و قوات من الناتو و اخرى اوربية و افريقية ـ و قوات الامم المتحدة التي تسعى للفصل بينها ـ اضافة الى تشكيل جيوش الاطفال، و اضافة الى الفقر المريع و المخدرات و الدعارة و الايدز، الذي لايمكن ان يضاهيه مامرّ به العراق بكورده و عربه . . بل هو اشنع و اشنع و باستخدام انواع اسلحة القتل و الدمار الجماعي المتطورة التي لم يكشف بعد رسمياً عنها في اسواق السلاح . .
و على ذلك يحذّر مجربون من مخاطر تقسيم العراق الى دولتين، لأن الثروات الثمينة لديه قد تؤديّ الى تقسيم كوردستانه ذاتها و منطقته العربية اكثر و الى شرذمته أكثر . . ويستندون في ذلك الى قوة ارادة وحدته، في تلاحمه عرباً و كورداً و بكل تكويناته بانتفاضته الشعبية في ربيع 1991 في مواجهة دكتاتورية صدام المخيفة التي عاشت على التفرقة . . في زمن كانت فيه بغداد العاصمة اكبر مدينة كوردية من حيث عدد السكان الاكراد القاطنين فيها، فيما شكّل الكورد و منذ تأسيس الدولة العراقية اعمدة من اهم اعمدتها . .
   و يدعون الى العودة الى تلاحم القوى الكوردستانية مع القوى الديمقراطية و الليبرالية العربية و القوى الشبابية الجديدة العربية ـ الكوردية و من كل التكوينات في العراق، التلاحم الذي يمكن ان يحقق حاضراً افضل في تعديل المسيرة نحو تلاحم العراق بمسلميه و مسيحييه و اديانه، بشيعته و سنّته و بقوميتيه الاساسييتين العربية و الكوردية و القوميات الثانية الاخرى، و بقواه السياسية و الفكرية التقدمية الحيّة . . (انتهى)

27 / 12 / 2012 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   حيث ان (فائض) النفط و (كساده) الحالي ـ او نزيف موارده بالسرقات ـ كسلعة ثمينة عليها طلب متزايد، يتم عملياً الآن في ايران و العراق ، في الاولى كحصار . . و في الثانية كعدم استقرار و صراعات تعيق انتاجه !!    
2.   سلّطت وكالات الانباء العالمية و الخارجون من معطف الدكتاتورية المقبورة، من وزراء و مسؤولين سابقين على الحجم الهائل للخسائر المالية من عوائد النفط بالارقام منذ استلام الدكتاتور صدام للسلطة رسمياً عام 1980 و حتى سقوطه . . ثم حجم الديون الخارجية و التعويضات و الاموال العراقية الهائلة التي لاتزال مُتَحفّظٌ عليها الى الآن و غيرها .
3.   و يقارنون ذلك بما ماكبّد به هتلر و حزبه الدولة الالمانية اثر سقوط الحكم النازي و ماتكبّد به حلفائها اثر خسارتهم الحرب، و قبلهم الدولة العثمانية . .
4.   من سلسلة المعادن الجديدة الاساسية الداخلة في احدث تكنولوجيا الانترنت و التصوير من بعد آلاف الكيلومترات، وفي التكنولوجيا الاساسية للصناعات الحربية الدقيقة في ادارة المعارك الحديثة من الفضاء و غيرها . و حسب بي بي سي ان مخزون الكولتان العالمي لايتجاوز الـ 24 طناً منها 18 طناً في الكونغو . . و تثبت احدث التقارير وجود هذه المعادن الثمينة جداً في غرب العراق و يجري تهريبها من اراضي عشائر في الانبار وفق عقود مع جهلة من هناك، راجع تقارير مجلس الانبار في ايلول 2012 .


79
الاخوة العربية الكوردية اساس التحرر و التقدم . .
ـ  1  ـ
                                                                                                                د. مهند البراك
                                                                                                         ahmedlada@gmx.net

   لايختلف اي منصف اليوم على حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه بالشكل الذي يناسب تقدمه و من اجل حياة افضل في سلم و حرية و تقدم اجتماعي . . و قد قيل و كتب الكثير عن ذلك باتجاه تأييد ذلك الحق و بالشكل الذي يراه الشعب المعني و طلائعه الممثلة المُعتَرف بها و المُؤيَّدَة من قبل ذلك الشعب . .
   و يرى مؤرخون محايدون بأن الوضع القومي الخاص لكوردستان و كورد العراق لم يأتِ كصدقة من احد منذ تشكيل الدولة العراقية بحدودها القائمة، بل بسبب وقوعها في اطار تشكيل دولة حديثة آنذاك، ضمّت قوميات و اديان و مذاهب متعددة خرجت جميعها من نير الحكم العثماني و شكّل فيها الشعب الكوردي في العراق ثاني اكبر شعب فيها، و لوقوع عدد من اكبر حقول النفط العالمية فيها آنذاك، من جهة . .
و من جهة اخرى، كنتيجة للمواقف و الانتفاضات القومية التحررية الداعية الى عدم الرضوخ للاحتلال الاجنبي و بالتالي الى الحق في اقامة الدولة القومية او المنصفة للحقوق القومية، فبعد ان حققت الانتفاضة التحررية الكوردية بقيادة الشيخ محمود الحفيد، قيام دولة كوردية لم تستطع البقاء طويلاً، الاّ انها عززت الاعتراف بالوضع القومي الخاص لكوردستان العراق في اطار الدولة، في وقت وقفت فيه مع ثورة العشرين العراقية التي عاضدتها . . و كانت بمجموعها من العوامل الاساسية لولادة اول دستور للدولة الناشئة يقوم على اساس الانتماء للهوية الوطنية و تساوي المواطنين في الحقوق و الواجبات بغض النظر عن انتمائهم القومي و الديني و المذهبي . .          
   و فيما تواصل نضال الشعب العراقي بكل قومياته و اديانه و مذاهبه و احزابه و قواه الحية من اجل التحرر و الحقوق الديمقراطية و القومية العادلة و بكل الاساليب، مجسداً ارادة قوميتيه الرئيسيّتين العربية و الكوردية، التي تواصلت في كل العهود . . فإن ذلك بمجموعه دقّ اضافة الى اسس التعايش الاجتماعي و الاقتصادي، اسساً للثقة و الالفة سواء في الذاكرة وفي الحياة و الاعمال او كاساس فكري عميق بين اوسع الجماهير العراقية باطيافها و خاصة الكادحة منها، تمحور و يتمحور على وحدة النضال من اجل الديمقراطية لعموم العراق و النضال من اجل الحقوق القومية العادلة لكوردستان العراق . . الوحدة التي اتخذ منها القائد الكوردي البارزاني الاب طريقاً ثابتاً لإيجاد حلول للقضية الكوردية في العراق في ذلك الزمن ـ و الذي يتطوّر الآن كما سيأتي ـ .    
   و رغم السياسات الشوفينية للدكتاتوريات العسكرية العراقية المتعاقبة التي اعتمدت في حكمها على اثارة الفتن و الخلافات و داست على ابسط الحقوق الانسانية و سامت العراقيين مرّ العذاب و اتبعت سياسات التهجير القسري و الرمي الجماعي الى خارج الحدود و اتلاف الوثائق الثبوتية، و ادّت الى تضحيات غالية لايمكن نسيانها لكل العراقيين بكل اطيافهم، في مقاومتها . . استمرت الاخوة العربية الكوردية حجر الزاوية الصلب في النضال من اجل الديمقراطية و التقدم الاجتماعي .
   و اليوم و بعد انهيار دكتاتورية الحروب الشوفينية التي تركت ارثاً لايوصف من الاحقاد التي اثارتها بحروبها و باجراءاتها القمعية و اللاأنسانية طيلة ماقارب الاربعين عاماً . . الذي فيما يرى فيه متخصصون بأنه يتطلب زمناً ضرورياً لبناء دولة قانون في بلاد الحروب و اللاقانون، وسط هيجان انواع المطامع الاقليمية و الدولية التي انفلتت في فوضى الرأسمالية التي تسود العالم، و وسط انفجار انواع الكبت من القهر المتنوّع، يرى كثيرون ان متنفذين في الحزب الحاكم الجديد يتصرّفون، بمختلف الآليات سواء من خلال محاولة تسيّد الإئتلاف الطائفي، و من خلال الادّعاء بكونهم الممثلين الوحيدين الاكثر اخلاصاً للمذهب، او من خلال الادّعاه بالعروبة و الاخلاص لها . . باسلوب يصفوه بكونه قد لايختلف للاسف عن اسلوب صدام في التفريق و التقريب للكرسي . .
و كأنهم يوظفون ارث الدكتاتورية المقبورة لصالح تجيير قيادة فرد للشعب بقومياته و للدولة، طيلة مايقارب العشر سنوات الاخيرة، التي ان تحققت فيها انجازات شارك بها الشعب لرسم خط بناء مؤسسات الدولة البرلمانية الفدرالية . . الاّ ان رئيس مجلس الوزراء الحالي يعتمد تهميشها و السيطرة عليها، و لم يجنِ الشعب منها شيئاً بل زادت حياته خوفاً و بؤساً و تشريداً عن السابق . .  
    و يرى متابعون بانه يبدو ان المتنفذين في الحكومة الاتحادية نسوا ماهية القوى المعارضة لصدام على الارض العراقية، و نسوا دور كوردستان العراق التي برزت كقاعدة اساسية لكل قوى المعارضة العراقية باطيافها لإسقاط الدكتاتورية، منذ انتفاضة آذار 1991 التي عمّت العراق و كسرت فيها كوردستان الجيش الصدامي الذي انسحب منها و سحب معه ادارات الدولة في محاولة لتركها نهباً للفوضى و العنف . . الاّ ان شعب كوردستان باطيافه بادر الى تكوين ادارته اثر انتخابات و شكّل اثرها برلمان كوردستان العراق و حكومتها الاقليمية وسط انواع التعقيدات و الفتن و الصراعات، مستفيداً من مظلة الحظر الجويّ عليها التي فرضتها الإدارة الأميركية آنذاك .  
   و نسوا الدور الذي قامت به وحدات البيشمركة الكوردية التي كانت اكثر القوى العراقية تنظيماً في السيطرة على المواقف و في تهدئة النزاعات التي اندلعت اثر سقوط الدكتاتورية و شيوع الفوضى، و كيف راعت حساسية الجانب العربي المشحون بالفكر الشوفيني الذي اشاعته الدكتاتورية المقبورة و زادته الحرب، و لم تقم بما قامت به ميليشيات احزاب من اعمال غير مشروعة في المنطقة العربية (*). . رغم معاناتها من مشاعر جراح الموت الجماعي الذي مارسته الدكتاتورية باسلحتها الكيمياوية بحق مئات آلاف المدنيين العزّل في كوردستان العراق، باعتراف الدكتاتورية . .
   الذي كان عين السبب، اضافة الى الخوف على مصير الشعب الكوردي و حركته، اثر تجاربها المرّة مع السلطات الحاكمة و اتفاقاتها، او من تجاربها مع القوى الدولية التي دعمتها و تركتها في منتصف الطريق، و يرون انه من الطبيعي ان تسرع قوات البيشمركة الى تسليح نفسها من الترسانة العملاقة لسلاح الدكتاتورية آنذاك، في وقت صارت فيه البلاد ساحة فوضى شاركت فيها كل الدول الاقليمية و انواع المهربين، و سرقت فيه و بيعت دبابات الدكتاتورية و صواريخها و اسلحتها الثقيلة في سوق خردوات الجوار العربي و غير العربي، بعد ان نُقلت و بسرعة في ظلام ليل بهيم بانواع الهيليكوبترات العملاقة اليها .
   كل ذلك جرى و يجري . . في وقت شهد و يشهد ظهور و اعادة تنظيم الاحتكارات العالمية متعددة الجنسيات و تنوع اصطفافها و آلياتها الجديدة . . و تغيّر لغات و ادوات الضغط و التغيير و نشوء و نمو ادوات اخرى خطيرة تعتمد الارهاب و ايصال القوى الاكثر تطرفاً و تزمتاً الى الحكم . فان تأثير تلك الاحتكارات على حكومات بلدانها الصناعية، صار يتحكّم اكثر مما مضى بقرارات تلك الحكومات، بل و صار لايتقيّد بسياساتها، ان لم يصطدم بها عند (الضرورة) . . الامر الذي تعززه تصريحات اوباما بشأن عقود اكسون موبيل قبل شهور . .
و يأتي ذلك متزامناً مع التغييرات العالمية للثورة التكنيكية العاصفة المتواصلة . . التي تكشف يومياً  حقائق مذهلة عمّا يحتويه باطن الارض العراقية، و التي توصّلت الى حقيقة ان البلاد بطولها و عرضها ـ و ليس كوردستان و العمارة و البصرة فقط بل و غرب البلاد، كما سيأتي ـ تعيش على كنوز من النفط الخام و معادن نادرة اثمن كالزئبق الاحمر و اليورانيوم و الذهب . . التي لم تعرفها البلاد في السابق، و لم تدخل حتى الى حيّز الترشيح للإستثمار بل تُسرق بتواطؤ بعمولات من اطراف و ادوات عراقية . . حيث تعمل الاحتكارات على التعتيم على المعلومات، و على التحرّك بكل الوسائل للإستئثار بها لها لوحدها، و خاصة بعد سقوط الدكتاتورية و انحلال الدولة . .
في ظل ضعف و انعدام مرجعية قانونية دولية مؤثرة معترف بها كالسابق، كالأمم المتحدة و دوائرها . . و لتعدد مرجعيات قانونية دولية، قاريّة و اقليمية جديدة، تستند على قوى فاعلة مدفوعة الثمن، سواء كانت عسكرية و جيوسياسية، مالية فلكية و خامات ثمينة، علمية ـ النوهاو ـ او معلوماتية ، اضافة الى القدرات التحريضية و الاعلامية . . و في ظل تواصل صراع الإحتكارات الدولية بكل الطرق المشروعة و غير المشروعة، جارّاً اليه دولاً و مكوّنات دينية و مذهبية و قومية اثنية، و دافعاً بها كرأس حربة لتلك الصراعات . . صراع احتكارات لايعرف قانوناً و لااعرافاً لتحقيق غاياتها الانانية بالسرعة الضرورية لقطع الطريق على منافسيها، سواء كانت احتكارات متعددة جنسية غربية او آسيوية او اسلامية لاتحدها حدود الأخوة الدينية الاسلامية او المذهبية شيعية كانت ام سنيّة، مهما تروّج و تحرّض في بياناتها . .  
حتى صار ذلك يترك تأثيرات واضحة كبيرة على بنية دول اليوم و على عمليات اعادة بناء الدول المنتجة للخامات و ازماتها . . و خاصة على الدول الداخلة بشكل مباشر في المعادلات العالمية للامن و الطاقة و الثقافة و الاديان، التي منها العراق بلادنا و كوردستانها، التي فرضت السوق السوداء العالمية نفسها في معاملاتها و كانت السبب المباشر للتزايد الجنوني للفساد الاداري و اعمال النهب . . التي ان بدأت في سنوات الحصار فانها تزايدت منذ سيادة الفوضى، و حتى البدء باعلان دولة تقوم على مؤسسات دستورية و انتخابات ـ مهما حملت من ثغرات ـ حين صار على الإحتكارات ان تتحرّك علناً و وفق صيغ قانونية (يمكن) الاستناد عليها . .
في بلاد تمزقها محاصصة جامدة، لم تتفق كتلها المتنفذة بعد حتى على قانون لإستثمار النفط و الغاز، بل و لم تتفق بعد على نظام يدير مؤسساتها الحاكمة و تعمل به، و خاصة سلطتها التنفيذية مجلس الوزراء، وسط تزايد مخاطر الانحراف نحو الفردية، وفق اكثر وكالات الانباء استقلالية و انتشاراً . (يتبع)

20 / 12 / 2012 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) رغم حصول اخطاء هنا و هناك لا تسلم منها اية قوة مسلحة، و رغم شكاوي جرى التحقيق فيها و حكم فيها لصالحها . . وفق نشرات وكالات الانباء في حينها .


80
من اجل عدم الانزلاق الى الدكتاتورية مجدداً !!

                                                                                 د. مهند البراك
                                                                           ahmedlada@gmx.net

يتابع المراقبون بقلق تدهور الاوضاع سريعاً في العراق نحو الفردية و الحلول العسكرية، و خروج رئيس الوزراء الحالي و القائد العام للقوات المسلحة و الامن . . خروجه ليس عن الدستور و لا عن المحاصصة الطائفية التي اوصلته الى كرسيه بتوافقات و اتفاقات بين رؤساء الكتل المتنفذة ـ بعد عدم وصوله بالانتخابات ـ لإستعصاء تشكيل وزارته . .
و بخروجه عن نهج كتلته البرلمانية " كتلة التحالف الوطني " التي تعلن اطراف متزايدة منها على لسان ممثليها و قادتها استيائها و عدم اتفاقها مع اجراءاته و خاصة العسكرية المتصاعدة سريعاً دون الرجوع ـ حتى الاستشاري ـ الى رؤساءها و الى البرلمان، في وقت صار فيه هو وحده الذي يدير من مكتبه الخاص الوحدات العسكرية و الامنية في عموم البلاد، التي اوكل هو قيادتها الى من يوالي شخصه بغض النظر عن انتمائه الديني و المذهبي و القومي و الفكري، دون اتباع الاصول الدستورية باخذ موافقة البرلمان . . . ليس كل ذلك فحسب .
بل و خرج بقراراته و اعماله حتى عن خط المرجعية الشيعية العليا لآية الله السيد السيستاني، و عن المرجعيات الشيعية العراقية، التي تشكّل الى حد الآن الغطاء الذي يدّعي تمثيله . . مستهزئاً بمطالبتهم ـ و مطالبة الكتل و القوى العراقية ـ ايّاه بابعاد الجيش عن حل المشاكل السياسية في البلاد، و بالسلام و بايجاد حلول للحياة المعيشية الصعبة التي تمر بها غالبية الطبقات و الفئات الفقيرة الواسعة في البلاد . .
و فيما يذكّر متابعون، بالموقف الإيراني المتشدد حينها و على لسان رئيس الجمهورية احمدي نجاد، في اعلانه فوز السيد المالكي بالانتخابات حتى قبل الإعلان عن نتائج التصويت !! و بضغوطات الحكومة الإيرانية لإختياره كرئيس وزراء في دورته الحالية، و الذي تمّ بعد انواع الضغوط و التهديدات بفتح ملفات و ملاحقات، التي مورست على كلّ الكتل المتنفذة سواءً لتشكيل " كتلة التحالف الوطني " الشيعية، او لفرضه كرئيساً عليها، في وقت سكتت فيه الإدارة الاميركية و هي تتهيأ لسحب قواتها في موعدها من العراق، بعد سقوط دكتاتورية صدام .
فإنهم يرون ان مايجري في البلاد، اضافة الى تزايد انعزال الحكومة القائمة . . يجري بسبب الانهيار شبه المؤكد القريب لنظام الاسد في سوريا، الحليف العربي الوحيد للحكومة الإيرانية، في وقت يزيد فيه الحصار الدولي على النظام الإيراني من اعبائه الداخلية و يزيد من السخط الشعبي للشعوب الايرانية عليه، الامر الذي جعل دولة ولاية الفقيه تسابق الزمن، لجعل العراق خطاً دفاعٍياً لها ـ كما يعبّر عن ذلك مسؤولون ايرانيون الآن ـ بوجه التحديات المتصاعدة التي تواجهها داخلياً و اقليمياً و دولياً . . وفق ماتتناقله وكالات انباء محايدة .
و يرون بأن اسرع طريق لذلك بتقديرها ـ الحكومة الايرانية ـ ، هو الطريق العسكري في العراق لترتيب خط الدفاع ذلك،الذي جاء متفقاً مع توجه رئيس الوزراء العراقي لترحيل ازمة وزارته، خاصة و ان الهيئات الدستورية العراقية قد جرت الهيمنة عليها من قبله ـ ومن قبل من يعتمد عليهم سواء من حزبه او آخرين ـ او جرى اسكاتها، و تجاهل او تخطيّ قراراتها من قبل فرد صار يتحكّم عملياً بالقوات المسلحة باصنافها، دون اعلان اصولي لحالة طوارئ و مسوّغاته . .
و يرون ان ذلك سيجرّ الى احتجاجات شعبية واسعة من كلّ الاطياف العراقية القومية والدينية و المذهبية ـ شيعيّة و سنيّة ـ ، رجالاً و نساءً . . تطالب بحل الحكومة القائمة و تشكيل حكومة انتقالية من شخصيات تكنوقراطية مستقلة مشهود لها بالنزاهة، تمهيداً لإجراء انتخابات تشريعية جديدة، تحت اشراف الامم المتحدة. و قد تتصاعد دعوات شعبية الى مجئ قوات دولية للفصل بين الاطراف التي تزداد تحشيداتها ـ خاصة من جانب حكومة المالكي الاتحادية ذات السلطات الشاملة المجموعة بيده شخصياً ـ، رغم الحوارات الجارية . . و من اجل منع تزايد احتمالات نشوب صدامات و انهار دماء جديدة . . عملاً بالبند السابع الخاضع له العراق و المقرّ دولياً، لضمان عدم عودة العراق الى حكم دكتاتوري عسكري شوفيني جديد، لإنعدام وجود آلية عراقية رادعة، لها القدرة على الزام الاطراف المعنية بالاتفاق و التوافق . . لحد الآن .

11 / 12 / 2012 ، مهند البراك




81
الاستبداد و الانترنت
ـ 1 ـ
                     
                                                                                  د. مهند البراك
                                                                           ahmedlada@gmx.net
   
لم يعد خافياً ان الثورة المعلوماتية و الانفوميديا ـ الانترنت ـ هي جزء اساسي لايمكن الغائه او فصله عن الثورة العلمية التكنولوجية التي تجتاح العالم و التي غيّرت و تغيّر عالم اليوم و اتفاقاته و صراعاته، حتى صارت الانترنت جزءاً اساسياً من الحياة المدنية الحديثة، و جزءاً اساسياً من النشاط اليومي للدول و للمؤسسات الحكومية و غير الحكومية و لمعاملاتها و شؤون اتصالاتها، بعد ان احدثت و تحدث منطِقاً و تفكيراً حيّاً جديداً يطوّر الاعمال و المشاريع المتنوعة من جهة، و يطوّر المفاهيم التي تدعو الى التغيير الانساني التقدمي في العالم، و الى التواصل السريع و التفاعل مع التغييرات الجارية و عدم الانعزال عنها . .
من جانب آخر تتطور الانترنت ـ بأنواعها المتعددة العلنية منها و غير العلنية ـ و تزداد تنوعاً و ظهوراً و تحكماً بعوالم الراديو و الفضائيات و التلفزيون و التلفون و الموبايل (المحمول) و غيرها . . سواء كانت مشاريع حكومية او غير حكومية، ثورية و تقدمية او محافظة . . و تكوّنت و تطورت على اساسها مؤسسات و معاهد متنوعة لنقل الخبر و الفكر و المعلومة بانواعها من جهة، و صارت تخترق حدود البلدان دون استئذان سواءً في نشاطات سلمية او عسكرية و غيرها . .
كاشفة و خالقة بذلك انماطاً جديدة من التفكير و التحليل الاسرع،  تقوم على كشف المستور او مايراد له ان يكون مستوراً، على اسس زيادة المعارف و الكفاءات و القدرات العلمية و الإجتماعية الحديثة و الإعتماد على المنهج العلمي في تحليل و معرفة و صياغة الأهداف المرحلية و في تحديد الحلفاء و الأصدقاء، و تحديد اعداء الشعوب و طبقاتها و فئاتها الكادحة، من جهة . . او بيد قوى تعمل على التشويش على ذلك بمحاولة السيطرة على الفكر و بنشر الاضاليل و محاولة تضييع او تسيير الجموع فكرياً او الهبوط بها نحو مسارات مُخطّطٍ لها، لخدمة مشاريع قوى متنفذة . . 
و فيما تعمل مؤسسات و برامج انترنيت على كسب اوساط اوسع و اوسع من الشباب نساءً و رجالاً منطلقة من وعيهم القائم، و من تساؤلاتهم عن الحياة و مايجري في العالم و عن ماهية حقوقهم المشروعة في عيش كريم، في زمان صار يتكشف فيه الخداع، من الوقائع الجارية الحية و من استمرار و تزايد ضحاياها، التي تتسبب بتصاعد موجات من الغضب و الرغبة الحارة في كشف المستور لأجل التغيير . . الذي صار يجرّ اوساطاً متزايدة و يمدّها بالعزم لمعرفة حقائق مايجري، و يجرّها بالتالي الى التغيير على اسس و نحو غايات تقدمية تمدنية ممكنة التحقيق . . 
حتى صارت التطبيقات المتنوعة للانترنيت مجالاً حيوياً هاماً و ساحة للصراع بين قوى التحرر و التقدم من جهة، و بين قوى المحافظة و الاستثمار و الاستغلال من جهة اخرى . . في وقت صارت فيه الانترنت و انواع تطبيقاتها و تجلياتها فضاءً لايمكن الإستغناء عنه لأنواع الاقطاب الكبرى من جهة، و لأوسع الفئات الناشطة من اجل حياة و مستقبل افضل من جهة اخرى . . حيث صارت كالكهرباء و الراديو و التلفزيون و التلفون . . في زمان يسير فيه العالم نحو عالم متعدد الأقطاب يقوم على اسس تستدعي ظهور مفاهيم و منظومات قانونية جديدة، بعد ان بدأت منظومة القوانين الدولية العتيقة تعجز عن السريان . . الامر الذي يجتاح و يشمل شئنا ام ابينا منطقتنا بشعوبها و دولنا الشرق اوسطية .
و فيما برهن موقع " ويكيليكس" مثلاً، على انعدام امكانية حجب حقائق عن الجماهير طوال الوقت، و اثبتت محاولات غلقه، بكونها تهدد بظهور مواقع و مواقع جديدة و اخرى لايمكن بسهولة تحديدها في زمان الأنترنت . . في برهان منظور على بعضٍ ـ و ليس كلّ ـ من المديات التي وصلت اليها الثورة العلمية التكنيكية المعلوماتية، و دورها في الصراعات القائمة اليوم  . . .
و صار يشكّل مؤشراً لأزمة من الأزمات المتواصلة للرأسمالية ـ وفق قانونها لتحقيق اعلى الأرباح ـ في زمن العولمة و الإتصالات السريعة، و شكّل احد الحوافز لتكوين آليات اعلى جديدة لنشر الحقائق، عندما استطاعت قوى مضادة اسكاته لبرهة زمنية فقط . . حيث تتكون آليات اخرى تواجه آليات الإٍسكات و باسماء جديدة، او يتطوّر موقع ما من طراز " ويكيليكس " بآليات أعلى تقاوم الإسكات ليتمكن من التواصل . . استمراراً لـ "نقض النقيض" (1) و للتطور الذي لايتوقف و الجاري ابداً " حلزونياً نحو الاعلى " . .  (2)
مادامت هناك قوى متنوعة و خاصة من الشباب و الشابات، تدرك و تنشط لكشف زيف (الشفافية ) و لكشف استمرار العمل بـ " نظرية المؤامرة "، و لكشف كثير من المستور لأجل فهم ماهية المرحلة التاريخية في عالم اليوم و تحديد موقفهم و موقعهم فيها . . و بالتالي ماهية المرحلة التي تعيشها بلداننا و شعوبنا على اختلاف قومياتها و اديانها و مذاهبها . . فالتاريخ مستمر و لم ينتهِ، و على اساس نضال الطبقات المسحوقة ضد استغلال قوة عملها العضلي و الفكري. و حيث تبقى الجماهير تصنع التأريخ بآليات اكثر تنوعاً، رغم التغييب و تلاعب الأقطاب و الإحتكارات الكبرى باستخدامها آليات متطورة، التي يمكن ان تكون ايضاً بيد القوى التحررية ذاتها . . او بيد من ينشد الحقيقة او مايخدمها على طريق العدالة الإجتماعية . . كما يحصل في النشر المستمر لوثائق ويكيليكس على سبيل المثال، و نشر مواقع تقدمية في المنطقة تنشد المعرفة و التمدن و تواجه انواع الضغوط، كما سيأتي . (يتبع)

7 / 12 / 2012 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   النقيض هنا، مااصطلح متخصصو الانترنت على تسميته بانواعه العديدة في عالم الانترنت، كانواع من الفيروسات، الديدان warms ، الترويا، انواع من قراصنة الانترنت، مجاميع قرصنة و غيرها . . التي يضمّ قسم منها نشاطات انترنيتية منظمة لايتوقف تنوّعها، سواء كانت قانونية مسيطر عليها، او لاقانونية ان صح التعبير، لايمكن السيطرة عليها . .   
2.   راجع وثائق الاحتفال العالمي بافتتاحية الالفية الجديدة التي اطلق فيها اسم كارل ماركس على الالفية الثانية، و كيف ان الاحتكارات الدولية و المتعددة الجنسية الكبرى، تتبع المنهج الماركسي العلمي الديالكتيكي في تقرير ستراتيجيتها سواء في التصنيع و في تقرير ماهية بضائعها، من النفطية و العسكرية . . و الى الفكرية و الجماهيرية. ولاحظ لماذا يتزايد طبع و ترجمة و نشر المؤلفات الماركسية الآن، و لماذا يزداد الطلب عليها في الاسواق في انحاء العالم، حتى صارت احتكارات كبرى تتنافس تنافسا محموماً لاحتكار طبعها و نشرها . . كما تتناقل دوما وكالات انباء عالمية ذات وزن . .


82
الاخوة العربية الكوردية و (دجلة القائد العام)
ـ 2 ـ
                                                                                                       د. مهند البراك
                                                                                                ahmedlada@gmx.net

    و فيما يصف قسم مايجري بكونه سعي السيد المالكي للتشبث اللادستوري بالسطة (1) من خلال تمتعه بمنصب القائد العام للقوات المسلحة الذي ادىّ فيما ادىّ الى تشكيله قوات دجلة، يرى قسم آخر في ذلك السعي، ترحيل لأزمة حكومته، و طاعةً لضغوط و سياسات دوائر ايرانية و عدم وقوفه امامها الموقف المطلوب كرئيس وزراء بموقف عراقي فدرالي موحد . .
ضغوط (تفرض) على الحكومة القائمة سلوكاً من شأنه عدم ترك نظام الاسد يتحطّم امام الارادة الشعبية السورية بقواها و اديانها و مذاهبها ـ كما تتناقل وسائل اعلام دولية و اقليمية محايدة ـ من جهة، او (تفرض) سلوكاً تسترضي به الطاقة (السنية) المتفجرة في سوريا بمنطقها . . للتخفيف عن التحالف الإيراني ـ السوري، ناسية شعبها العراقي باطيافه . .
و لو ادىّ ذلك الى رفع (الراية القومية العربية) لمحاولة احتواء مايجري في سوريا و بالتالي احتواء نتائجه على البلاد . . موظفة لذلك حالة المناطق المتنازع عليها، المسمّاة في الدستور، و التي لاتزال تنتظر تطبيق المادة 140 من الدستور و تنتظر الاستفتاء.
   في وقت يزداد فيه سير السياسة الايرانية على طريق التعامل مع كل ماهو ممكن من الواقع القائم في دول المنطقة، لتحقيق القوة لنظام ولاية الفقيه كما جرى و يجري من دعم للنظام الشمولي العسكري للاسد رغم تزايد الضحايا، رغم كونه قائم على اساس حزب قائد يتاجر بكونه (قومي عربي)، بل و من نفس طينة حزب الدكتاتورية التي انهارت في البلاد . . في وقت قد ينسى فيه السيد المالكي شروط التوافق الاميركي ـ الإيراني و شروط توقيعه على المعاهدة العراقية ـ الأميركية التي وقّعها عن الجانب العراقي بنفسه . .   
   و يتساءل كثيرون، هل ينوي السيد المالكي من موقعه الحالي تشكيل حزب او تجمع جديد بقيادته، من مقربيه على اختلاف هوياتهم المذهبية و العرقية بإسم قومي، تحت واجهة (توسيع تحالفات الحكم) كما يراه، بعيداً عن سياسة كتلة التحالف الوطني التي يمثلها . . موظفاً لذلك محاولة مواجهة القضية القومية الكوردية شوفينياً، لتحقيق اعادة اصطفاف يبقيه على الكرسي، حتى و لو بضم عناصر من بقايا الدكتاتورية بـ (كفاءاتهم) و خاصة العسكرية و الامنية الاجرامية منها،برفع شعار لـ (عدو مشترك) يمكن ان يلفّ و يوحّد جهود انظمة (عراق المالكي) و ايران و سوريا . . رغم تباين مواقف قوى كتلة التحالف الوطني التي لاتعارض او تحاول ايقاف نهجه بالمستوى المطلوب الى الآن، و يعرّضها ذلك لفقدان مصداقيتها امام ناخبيها.
   في وقت لايمكن فيه تجاهل قوة الاخوة العربية الكوردية التأريخية التي امتحنت منذ زمان مواجهة الاحتلال البريطاني و تأسيس الدولة العراقية، الاخوّة التي عبّرت و تعبّر عن التآخي القومي من جهة و التآخي المذهبي الشيعي السني و كل التكوينات العراقية. الأمر الذي يتطلب من جانب حكومة الاقليم اليوم الانفتاح اكثر سواء في كوردستان العراق او على القوى الديمقراطية و الليبرالية في المنطقة العربية من البلاد، و تعميق السعي لحلول مشاكل اوسع الفئات الكوردستانية الكادحة . .
   و يحذّر خبراء من خطورة تفجّر صراع خطير، بسبب المواجهات في سوريا . . التي جمّعت جبهة احتكارات نفطية غازية عسكرية استثمارية آسيوية و ايرانية واسلامية و اخرى صاعدة حديثاً في مواجهة احتكارات غربية خليجية تركية اسلامية منافسة . . فيما يتلاحق و يتكشّف فساد مكاتب القائد العام ـ رئيس الوزراء ـ و تتلاحق فضائحها التي وصلت فيها الشبهات حتى الى عائلته في صفقة السلاح الروسي . . كما تتناقل وكالات انباء داخلية و اقليمية و دولية.
   و من جانب آخر، يرى مراقبون من ان اتّباع (سياسة حافة الهاوية)، و محاولة اشعال حرب قومية محلية، يمكن ان تتحول الى حرب اقليمية (2)، لإحراج الكتل و القوى العراقية للحصول على مبايعتها، باسلوب يذكّر كثيرين باسف، باسلوب صدام في اعتماد (حوشية) مقرّبة للحكم، و ليس بالاعتماد حتى على كتلة و حزب لهما اهدافهما الوطنية الواضحة . .
(حوشية) تغتني . . و تزداد على افرادها تُهم الفساد و التلاعب باموال الشعب، تحت واجهة (التآخي الطائفي) . . و تتصوّر انها قادرة على فرض سياستها و مشيئتها على كوردستان العراق باعتبار ان الحول و القول و الفصل هو في مقرات الحكومة المركزية في بغداد، و تصوّرت او صوّروا لها بانه يمكن ان يكون رئيسها هو القائد الاوحد القادر . .
و لكن فات عليه و عليهم بان القضية الكوردية (3) بعد ان مرّت مياهاً كثيرة تحت الجسر طيلة قرابة ربع قرن . . . قد دخلت مرحلة جديدة بعد نضالات مريرة لكل القوميات العراقية و خاصة الشعب الكوردي ضد الدكتاتورية، التي ان عاقبت الشعب العراقي بحروب ايران و الكويت فانها عاقبت الشعب الكوردي عقابا قاسيا لايرحم بالانفالات، و بالسلاح الكيمياوي (4). 
مرحلة ابتدات منذ خيمة صفوان و توقيع الدكتاتورية على شروط الاستسلام اثر اخراج التحالف الدولي ـ العربي للقوات الصدامية التي غزت الكويت الشقيق، و منذ اغراق انتفاضة الشعب العراقي بعربه و كورده و كل تكويناته بالدم  . . واستطاعت كوردستان العراق رغم انواع المحن و الصراعات ان تكوّن لها كياناً أعتُرِفَ به، حين عاقبتها الدكتاتورية المنحلة بسحب دوائر الدولة لتحطيم البنى الاساسية لدوائر الدولة هناك في محاولة لإشاعة الفوضى و اعمال النهب . . اثر اعلان منطقة كوردستان منطقة حظر جوي بوجه الالة العسكرية للدكتاتورية . . مرحلة اعلنت فيها منطقة كوردستان كونها منطقة فدرالية و تثبت في الدستور ان الدولة العراقية دولة فدرالية اتحادية . .
و فيما يُثار جدلٌ عن ان القيادة الكوردستانية لاتريد عراقاً كفوءاً عسكرياً، يرى كثير من المطّلعين، ان سياسة الحكومة الكوردستانية لاتتفق مع ذلك الرأي، و لكنها تريد ان تكون طرفاً فيه كحال الدول الفدرالية الاتحادية، و ان ما يثير مخاوفها فعلاً، هو التسلّح المفرط لمركز الحكومة الإتحادية دون حساب الاقليم و دون التوصّل الى آلية متفق عليها على هذا الصعيد، و بسبب مايترشح من خطط و مواقف لاتعلن و اجراءات غير وديّة للمركز تجاه الاقليم .
و بسبب تواصل تسيّد عقلية حل المشاكل بالقوة، و تزايد تركّز قيادة الجيش العراقي  كقيادة فردية و من مكوّن واحد . في وقت تستغرب فيه اطراف دولية عديدة من عدم قدرة الكتل المتنفذة على التفاهم الى الان في بلد غني جدا كالعراق . . و يشكّل جزءاً من تخوّف عديد من دول المنطقة من تزايد التسلّح في البلاد على حساب مستوى حياة الناس، اثر السمعة التي جرّت على البلاد حروب و جرائم صدام الدولية، و باستخدامه الاسلحة المحرمة دوليا . . التي تتطلب اجراءات و صبراً من الطرفين و خاصة من المركز باتجاه اثبات ان الوضع الجديد لم يعد كالسابق . .
   و فيما ينادي كثيرون بأن الحلول و حفظ السلام و تجنيب البلاد خراب اكبر، يتركّز بالعودة الى المحادثات السلمية و الى اللحمة العراقية، على اساس الدستور . . واسناد ذلك باتفاقات احتكارات النفط و الغاز و المعادن فيما بينها على اساس العرض و الطلب من جهة . . و الاتفاق على موقف عراقي ـ كوردستاني موحد او يكمّل احدهم الآخر، كموقف متكامل موحد متفق على التنوّع فيه، بعيداً عن المزايدات التي تحاول اطراف اقليمية و داخلية توظيفها لمصالحها الانانية . . من اجل تلبية حاجات الشعب العراقي باطيافه القومية و الدينية و المذهبية في السلام و الاستقرار و حقن الدماء .
تنادي اوساط ليست قليلة و بسبب تزايد الحشود العسكرية من اطراف النزاع، و التي بدأت بها الحكومة الاتحادية، و بسبب اهمال الاحتكام الحقيقي الى الدستور و اهدافه و مراميه، والتمسك بجمل شكلية فيه بعد ان صارت تُفرّغْ من محتواها الحقيقي . . تنادي و تطالب بحل الحكومة القائمة و تشكيل حكومة انتقالية . . و تنادي اوساط اخرى بانتخابات تشريعية جديدة، تحت اشراف الامم المتحدة . . فيما تتصاعد دعوات الى مجئ قوات دولية للفصل بين الاطراف و لمنع تزايد احتمالات نشوب صدامات و انهار دماء جديدة . . (انتهى)

3 / 12 / 2012 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   بعد بذله جهود بكل الوسائل لتمديد ولايته لدورة جديدة و التلويح بوقوف الحكومة بحزم بوجه تحديد ولاية الرئاسات الثلاث .
2.   تدفع اليها احتكارات و دوائر قرار عليا دولية و اقليمية و سماسرة حروب . . و خاصة اوساط عسكرية اسرائيلية متشددة، لتوظيفها كغطاء يساعدها على تدمير المفاعل النووي الإيراني، كما فعلت في تدمير المفاعل النووي العراقي " تموز" عام 1981 اثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية .     
3.   بعد اكتساب القضية الكوردية ابعاداً دولية و اقليمية و داخلية منذ تأسيس الدولة العراقية اثر انكسار جيوش الدولة العثمانية و اعادة تقسيم المنطقة و ظهور دولها القائمة اليوم على اساس اتفاقات القوى المنتصرة و ارادات الشعوب . .
4.   لابد من ذكر ان الدكتاتورية استخدمت السلاح الكيمياوي في الاهوار و انْ بنطاق اضيق .   


83
الاخوة العربية الكوردية و (دجلة القائد العام)
ـ 1 ـ
                                                                                                                        د. مهند البراك
                                                                                                              ahmedlada@gmx.net
 
الآن و بعد مرور عام على انسحاب القوات الاميركية . . يلاحظ مراقبون محايدون ان المشاكل و الازمات بين الكتل المتنفذة التي تصل اليوم اعلى مستوياتها، بكونها قد ابتدات واضحة و علنية منذ انسحاب القوات الاميركية . . الانسحاب الذي كان من المفترض ان يكون مفرحا للبلاد الا انه حصل بمشاعر عراقية تنوعّت بين فرح عاطفي بان (البلاد تحررت من وصاية اجنبي) بعد صدمة الحرب و الاحتلال . . وكأن الاحتلال يتمثّل بوجود افراد نظاميين مسلحين ببزات عسكرية اجنبية فقط، الأمر الذي تجنّبته دول اقليمية تتدخّل و تحتل مناطق لمدد و تنسحب، او تتواجد لحد الآن و تمارس سلطات بافراد ببزات مدنية .      
و قد تناقلت حينها صحف و وكالات انباء عالمية و متخصصة، بأن الانسحاب الآنف الذكر قد تمّ بمشاعر قلق و ترقّب و حذر بسبب ضعف الدولة المشكّلة حديثاً بعد حل الدولة السابقة، حين كان ما يجري في الشارع لايتناسب مع الإعلان عن الإستعداد الكافي للقوى المتنفذة للعمل معاً بدلالة الواقع القلق الجاري آنذاك . . و لابد من التذكير بأن الكتلة الكوردستانية قد حذّرت من ذلك الانسحاب الذي وصفته بالمبكر و بيّنت مخاطر ذلك من كونه ينبع من احتمالات انتكاس الوضع الجديد المفترض ان يبنى على اساس دستور و دولة اتحادية و برلمان . .
    و يرى متابعون بانه اثر الانسحاب، بدأت الحكومة القائمة برئاسة السيد المالكي و التي تشكّلت اثر اتفاق اربيل بين الكتل المتنفذة ببنود لم يعلن عنها حينها، بعد استعصاء زاد عن عام كامل . . بدأت باعلان قوانين و القيام بممارسات لاتتناسب لامع بنود الدستور و لا مع روحيّته التي استهدفت قيام نظام تعددي على اساس التبادل السلمي للسلطة معللة ذلك السلوك بكونه لخدمة (الصالح العام)، و بأن الدستور قد كتب في ظرف طارئ انتهى و قد انتفت متطلباته، و كأنما لم يكن السيد المالكي احد ابرز كتّاب الدستور . .  
و في الواقع فان اوساط واسعة ترى بأن حكومة المالكي بدأت بالإجهاز على الحقوق التي نصّ عليها الدستور للمواطن و لخدمة الصالح العام، و بعملها على تركيز السلطة بحزب واحد يقوده رئيسها، الذي يعلل ذلك بـ (استحالة الحكم بعدة احزاب، و كلّ حزب يحاول ان يقرر وفق مصالحه و رؤيته) ناسياً او قد لايعرف بان من واجبات الحكومة الصعبة هو دورها التوجيهي و التوافقي و الجامع لصفوف و طاقات البلاد من اجل النجاح في تحقيق مشاريعها و خططها للصالح العام . .    
و بسبب موجات الغضب و الاحتجاجات السلمية التي عمّت البلاد باطيافها مطالبة الحكومة بالحريات و الخدمات الاساسية التي تسبب بها الحكم بأسم المحاصصة الطائفية، التي جابهتها الحكومة بالرصاص الحي و ادّت الى سقوط عشرات القتلى و الجرحى . . و التي لم تتوقف و باشكال متعددة، و بسبب مشاكل تتراكم بفعل سريان المحاصصة الطائفية ـ المغذّاة من الخارج ـ ، سريانها بعيداً في كل دوائر و هيئات الحكم الاتحادي و المحلي و الى هيئات و مؤسسات البلاد و دوائرها . .
تصرّف رئيس الحكومة حتى بالمحاصصة الطائفية التي جاءت به، بتثبيتها ارضاءً لدوائر كبرى، و لكن ليس للانطلاق منها نحو حكم وطني ائتلافي متوافق، من جهة . . و انما باستخدامها بما يعزز موقع (قائد ضرورة) و حزب طائفي قائد ـ بتقدير اوساط واسعة بما فيها اوساط حكم آخذة بالاتساع ـ  . . سواء كان ذلك بعمد او بدون عمد. و ادىّ به الى تقريب من يؤيده كقائد، سواء من حزبه او كتلته او من كتل اخرى بغض النظر عن هوياتهم المذهبية و حتى الدينية و العرقية. . بما فيهم عناصر من كبار القادة و الضباط المكروهين ممن عرفوا بمواقفهم الطائفية و الشوفينية في سنوات حكم الطاغية المقبور ـ باسلوب لايذكّر للاسف الاّ باسلوب الدكتاتور السابق ـ . .  
و امام ما تقدّم، يرى كثيرون بانه من الطبيعي ان تنشط شخصيات و كتل متنفذة و غيرها لإنتقاد ذلك . . و لمّا لايؤخذ بالمواقف الجادة المخلصة البنّاءة، فإن الامور تتفاقم و تؤدي الى تحرّك دستوري لكتل متنفذة للحد من تلك التوجهات، لأنها مسؤولة امام ناخبيها و مكوّناتها . . تحركاً دستورياً يطالب بتنحي السيد المالكي و استقالة حكومته و فسح المجال لشخصيات و كتل اخرى سواء في المشاركة بحكومة جديدة او بتكليف شخصية اخرى قد تكون من نفس كتلة السيد المالكي لتشكيل حكومة جديدة، عملاً بالدستور.
الاّ ان تلك النشاطات الدستورية، وصفت من دوائر المالكي بكونها نشاطات تستهدف شخص السيد المالكي و تستهدف عزله، و ليس لتعديل المسيرة السياسية للجميع بسبب وصول الامور الى حدود خطيرة لتجاهل ايجاد حلول، حتى وصل الى تفاقم الامور . . التفاقم الذي ادىّ برئيس الحكومة المعروف بارجاء المشاكل و ليس نفيها، الى اعتبار ذلك محاولة لعزله ليس الاّ !! و صار يستعد لمواجهة محاولة عزله بالتلويح باستخدام العنف . . !!
و صار يؤدي بتقدير خبراء، الى محاولة تحرّك المالكي رئيس الحزب الطائفي الحاكم للتقرب  من السنّة ليس وفق اسلوب الكتل المتحاصصة و انما بترضية و شراء و غض نظر عن ماضٍ غير نظيف لأشخاص و وجوه عشائر كما مرّ، و تلويح بكشف ملفات، لفرض قيادته . . من خلال محاولة اشعال حرب (قومية عربية) ضد الاكراد مهدداً حكومة اقليم كوردستان في مؤتمره الصحفي اليوم بـ (ربيع عربي . . و ان الصراع في العراق سيكون صراعاً قومياً) ، مبتدءاً ذلك بتهديد للكتل باجراءات غير مسبوقة، و بتشكيله ـ كقائد عام للقوات المسلحة ـ قوات (عمليات دجلة)، على نسق اعلان حالة طوارئ بضم كل الصنوف المسلحة و الساندة في مناطق تواجدها اليها، كما تتابع جهات عراقية من جهة، و جهات اقليمية و دولية ذات مصالح من جهة اخرى .
و اوكل تلك القوات لوجوه عسكرية كريهة في مناطق النزاع، من جهة . . كبداية لايمكن السكوت عنها لمحاولة العودة الى زج الجيش بحل المشاكل السياسية بدل تفرغه للدفاع عن البلاد، و محاولته تصعيد التسلّح على حساب البناء للدفاع عن ثباته على كرسي الحكم . . في مخالفات صريحة و انتهاكات كبيرة للدستور، بلا مبالاة باندلاع حرب او حروب جديدة، ناسياً ان العراق لايزال تحت طائلة البند السابع . . الذي يضع العراق في قائمة الدول التي تشكّل اوضاعها غير المستقرة تهديداً للامن و السلام في العالم، الامر الذي يبيح للمجتمع الدولي التدخل العسكري فيه لإحلال السلام . . وفق معاني نصوصه. (يتبع)


1 / 12 / 2012 ، مهند البراك


84
لماذا تنعدم الثقة ؟

                                                                                                               د. مهند البراك
                                                                                                          ahmedlada@gmx.net

لم يعد خافياً، بانه بعد ان سقطت الدكتاتورية بحرب خارجية، اجتمعت قوى معارضة صدام باطيافها و حاولت اغلب قواها ان تطرح البديل بشكل جبهة سياسية تقدمية تضم كل القوى التي ناضلت و ضحّت على درب اسقاط الدكتاتورية، الاّ ان اصرار قسم منها منذاك على ان يكون هو البديل لاغيره . . . تم التوصل الى صيغة محاصصة انثروبولوجية كانت قوى عالمية و اقليمية تهيئ لها . .
في وقت ضاعت فيه الجماهير المُضيّعة . . بين كره الدكتاتورية و الفرح لسقوطها، بين كره الحرب و الاحتلال، و بين ان ماكان يحصل قد يكون لعبة جديدة بعد ان تكررت الانتفاضات و الحروب و حسمتها مواقف القوى الكبرى و ابقت على الحكم الدكتاتوري الشمولي . . حتى صار الشعب متغرباً عن دولته و عن بلاده و صار يلعن النفط الثمين لكونه سبب الدمار و الضياع، بدل ان يكون سبباً للرخاء و لعيش كريم اسوة بأمم و شعوب العالم . .
في وقت لايمكن فيه اغفال دور القوى العراقية و المواقف الشعبية و جهودها من اجل ان تتمكن من الاتيان ببديل عراقي للاحتلال الأميركي للبلاد، في طريق وعر زاد من وعورته نشاط القاعدة الارهابية و التحالفات الارهابية لفلول الدكتاتورية المنهارة، التي سارت على طريق (تحرير البلاد من الاميركان)، بالارهاب و بتصعيد الروح الطائفية، موظفة المحاصصة الطائفية التي جاءت كبديل للدكتاتورية الظالمة التي انهارت . . و تسبب ذلك بضحايا هائلة من كل قوميات و اديان و مذاهب و ملل البلاد، ومن كل حَمَلة الفكر التقدمي التحرري بألوانهم و طالت كوادر البلاد العلمية و الادبية و كفاءاتها المتنوعة، و خسرت بذلك البلاد الكثير من طاقاتها البشرية المؤهلة . .  
و يرى محللون ان اختيار بدائل الهويات الانثروبولوجية و خاصة الطائفية و العرقية منها، كبدائل عن الانظمة الشمولية التي سادت المنطقة . . اختيار اشتغلت عليه دوائر القرار العليا لملئ الفراغات التي نشأت عقب انهيار القطبية العالمية الثنائية و محاولة تسيّد قطب واحد، لحرف النضال الشعبي و بالتالي احزابه و قواه، عن وجهته الاصلية في التحرر و التقدم الاجتماعي و التمدن على طريق حياة افضل . .
و كان من نتائج ذلك ـ و بالملموس من نتائج المحاصصة في البلاد ـ صعود فئات و افراد لم يناضلوا يوماً من اجل مصالح شعوبهم و تكويناتهم . . بل و صعود فئات و اشخاص لم يحلموا يوماً ان يكونوا حتى (رجل كرسي)  من كراسي الحكم، و لكن لنسبهم و (علو) انتمائهم العائلي وفق (البديل الجديد) و لسد شواغر بقيت فارغة بسبب الهوية الانثروبولوجية، و ليس بسبب الكفاءة و تراكم الخبر من التجارب المريرة في مواجهة الدكتاتورية الكريهة، و بالتالي القدرة على اتخاذ قرار وطني يخدم الصالح العام . .
في زمان تراكضت فيه الاحتكارات المتعددة الجنسيات تحت شعارات (الفوضى الخلاقة) و (عفى الله عما سلف)  المفيدة لها لإعادة ترتيب و تصنيف اوراقها لتحقيق اعلى الارباح . . الامر الذي تبنته فئات داخلية انفتح امامها طريق كرسي الحكم فاستبدلت اثوابها باثواب المرحلة و مودتها، بهوياتها (الجديدة) . . لتحقيق اعلى الارباح لها و لعوائلها على حساب الشعب بكل اطيافه . .
   من جانب آخر ورغم حل الجيش و الدولة من الحاكم الاميركي آنذاك بريمر . . و لأهمية انشاء وضع قانوني معترف به دولياً في بلاد النفط و المعادن . . تراكض الجميع و بتشجيع من فئات و افراد و قوى مخلصة للبلاد، لتشكيل دولة مؤسسات و اجريت اول انتخابات في العهد الجمهوري و تم وضع اول دستور دائم جرى التصويت عليه رغم الارهاب . . و رغم مآخذ و نواقص وثّقتها المحكمة العليا و حكمت لصالحها . . و صار للبلاد برلماناً و حكماً فدرالياً مثبّت دستورياً .     
   و الآن و بعد مايقارب العشرة سنوات . . تنمو و تتفاقم النواقص المذكورة آنفاً و صارت الصحف و وكالات الانباء المحلية و الدولية تعجّ بكثرة ماكتب و يكتب عنها، و استمرت الاختلافات و الخلافات و المشاكل القائمة . . بل و نمت رغم القليل الذي انجز، و رغم الحلول المؤقتة التي اجّلت الحلول الدائمة و ساعدت بالتالي على نمو تلك الخلافات و المشاكل . . بتشويه استخدام حكمة " كل شئ في وقته حلو " . .
   حتى صارت الطبقة الحاكمة تبتعد عن شعبها بمكوّناته المذهبية و العرقية . . بالاتفاقات التي لايعلن عنها بين قادة كتلها المتنفذة، و بالاتفاقات الثنائية التي لايعلن عنها بين قادة كتلتين فقط من بين تيارات متعددة تتغيّر تحالفاتها، اضافة الى استكتاب قادة كتل لإفراد متنفذين من كتلهم بان يطيعوا قائدهم او يفقدوا مواقعهم، وفق تصريحات ناطقين باسم تلك الكتل  . . التي يصفها مطّلعون بكونها استهانة حتى بقيادات و افراد الكتل ذاتها.
   و صار الدستور برأي اوساط تتسع و كأنه صيغ لتأمين وجود قادة بعينهم لايتغيرون، و يبقون  في مناصبهم الحكومية بعيداً عن تنفيذ مبادئ التعددية و سلمية تداول السلطة التي اقرّها الدستور . . ليس بين الكتل فيما بينها فحسب، بل و بين افراد الكتلة الواحدة لتأمين التداول السلمي الاصولي لقيادة كتلة ما بين افرادها هي، كأساس لابد منه لتأمين تداول السلطة بين الكتل . .
   و يرى خبيرون ان ذلك (الضبط الفولاذي) لعدم شطط افراد كتلة ما عن قائدها و الذي يدار من خارج البلاد كما تتناول الصحف و المواقع . . لن يضمن الثقة بين الكتل المتنفذة و بين افرادها ذاتهم . . بل سيزيدهم جهلاً و بالتالي تعنتاً لا يُفرّغ الاّ بنمو الروح العدوانية و الانتقامية و الاستبدادية، و زيادة روح الانانية و يشجّع على الفساد الاداري و الاختلاس  . . بدل بناء التجربة على اساس التعددية و احترام الآخر و التبادل السلمي للسلطة و ابعاد الجيش عن حل المشاكل السياسية للبلاد و ابقاء تفرّغه للدفاع عنها و ضمان سلامة حدودها من استباحة الطامعين .  

26 / 11 / 2012 ، مهند البراك



 

85
من اجل السلم و عدم عودة القوات الاجنبية !    
                                                                                                                         د. مهند البراك
                                                                                                           ahmedlada@gmx.net   
   لابد من التذكير بأنه رغم الكفاح العنيد و انواع التضحيات لكل قوى معارضة دكتاتورية صدام و تضحيات الشعب العراقي بنسائه و رجاله، باطيافه القومية و الدينية و المذهبية و السياسية . . سقطت الدكتاتورية على يد القوات الاميركية، الأمر الذي لايعطي لأي طرف داخلي الحق بالانفراد بالسلطة، على اساس الادعاء بانه هو الذي اسقط الدكتاتورية لوحده . . الإدعاء الذي درجت عليه الدكتاتوريات العسكرية و به تكوّنت، للإعلان عن (شرعية) حكمها على البلاد، منذ عقود .
   و يرى مراقبون انه بسبب عدم اتفاق اهداف و برامج الاحزاب و القوى المعارضة على البديل لصدام حينها، و الذي كان سبباً هاماً من اسباب عدم قدرتها على توحيد جهودها بالقدر المطلوب، و بالتالي عدم قدرتها على اسقاط الدكتاتورية بنفسها . . و بسبب ماحصل و يحصل من نتائج اثر سقوط الدكتاتورية بذلك الشكل، و ماهية البديل الذي جاء، يستمر عدم الاتفاق على تفاصيل البديل، و صار يتطوّر على سكّة المحاصصة الطائفية الاثنية التي كوّنته، بشكل اختلافات متصاعدة بين الكتل المتنفذة و هي في دست الحكم و التي تتمحور على عقدة العودة الى ما مضى، من هو القائد ؟!
حيث بعد مرور مايقارب العشر سنوات و رغم اجراء انتخابات و قيام برلمان و تصويت على دستور، و تشكيل مؤسسات الحكم بضوئه . . لم تستطع تلك الكتل و للاسف ان تتوصل الى تعددية تحقق الوحدة الوطنية، و الى احترام حقوق و واجبات الآخر و صارت البلاد و كأنها " بلاد قدّمها الاميركيون على طبق من ذهب للايرانيين" كما تردد اوسع الاوساط الشعبية، و خاصة بعد انسحاب القوات الاميركية من البلاد . .
و يرى خبراء بأنه الآن و بعد انتهاء الانتخابات الاميركية التي تسببت بتجميد الموقف العسكري الاميركي الخارجي . . بسبب الخسائر المادية و المعنوية للقوات الاميركية من جهة، و بسبب اعادة تنظيم القوات على اسس استخدام المنظومات العسكرية الجديدة التي ادّت الى الاستغناء عن 17 % من قوات المارينز . . تزداد الادارة الاميركية قدرة على تحشيد قواتها او قوات حليفة لها في النقطة المحددة، لتحقيق اهدافها في منطقتنا، بتقديرهم  . .
في وقت ثبت فيه . . ان المطالبات باخراج الاميركيين ليست عواطف و تمنيات فقط مهما كانت صادقة، و انما بكونها تتوقف على قدرة القوى العراقية الحاكمة و خاصة الكتل المتنفذة و بالذات الحكومة المركزية ـ حكومة المالكي الآن ـ ، و قدرة الكتل النافذة على التفاهم لتحقيق السيادة الوطنية على اساس حكم برلماني فدرالي دستوري موحد، بعيداً عن الحاجة الى قوات اجنبية لإيقاف احتمالات صدامات داخلية جديدة، تزداد فيها احتمالات اشتعال الحرب بين الحكومة المركزية و حكومة كوردستان العراق، في المناطق المتنازع عليها ابتداءً .  
و يرى محللون انه و رغم الظروف الكثيرة التعقيد التي تسود المنطقة التي اخذت تزداد التهاباً. . حققت حكومة اقليم كوردستان رغم ثغرات تحاول تجاوزها، حققت مالم تستطع تحقيقه اي من الادارات المحلية ان صحّ التعبير في مناطقها، بل و مالم تستطع تحقيقه الحكومة الفدرالية المركزية ذاتها حتى لبغداد العاصمة التي تفيض الآن بمياه بداية موسم المطر !! . . سواء في مكافحة الارهاب و تثبيت الأمن او في عيش افضل، او في تقبّل المعارضة رغم صعوبات، حيث صار البرلمان الكوردستاني يتكوّن الآن على اساس حكم و معارضة، رغم اجراءات و اخطاء تُنتقد عليها، التي منها التقصير في دعم نضالات القوى الديمقراطية العربية في الوسط و الجنوب، السند التأريخي و الحليف المجرّب للقضية الكوردية في العراق، كموقف نواب الكتلة الكوردستانية الذين صوّتوا على مقترح التعديل الثاني لإنتخابات المجالس المحلية، الداعي للاستحواذ على اصوات الناخبين دون وجه حق . .
فان حكومة المالكي باعتبارها الحكومة المركزية ذات الصلاحيات، تتحمل المسؤولية الاكبر في التوترات المتصاعدة التي تحصل و تهدد بصدامات دامية . . منذ  تصديها بالرصاص الحي للمظاهرات السلمية المطالبة بالحريات و الخبز و الكرامة، الى فضائح الفساد و السرقات الكبيرة و اللامبالاة بالمعاناة اليومية، التي آخرها . . صفقة التسليح الروسية، محاولة الغاء البطاقة التموينية، و الى فضائح اللامبالاة بالدستور و بالهيئات المستقلة التي كان آخرها فضيحة البنك المركزي العراقي، اضافة الى تأخيرها تطبيق المادة 140 الخاصة بكركوك و ابقاء المشكلة تهدد الامن و الاستقرار عند كل منعطف، عدم سعيها الجاد للتوصل الى قوانين النفط، الاحزاب، الصحافة . . وفق الدستور و روحه، اضافة لمشاكل الحريات، الكهرباء، حقوق المرأة، البطالة و غيرها، التي تملأ الصحف و بيانات وكالات الانباء الداخلية و العالمية . .
وسط مشاعر تسود اوسع الاوساط بأن الحكومة الحالية تسير نحو تثبيت حكم فردي يصفه قسم بكونه على غرار الحكم في ايران سواء بولاية فقيه او دونها ـ بعد ان تعذّر عليها ذلك ـ . . و بأن مايجري يعبّر عن حذرها من تصاعد المطالبات الشعبية في مواكب العزاء الحسينية الشيعية الجارية، التي تهدد بانعزال الحكومة عن حاضنتها الشيعية المتسترة بها . . و حذرها من التحضيرات الجارية لعقد ائتلافات ـ قد لاتروق لها ـ لتحقيق المطالب الشعبية في عملية انتخابات المجالس المحلية . .
فيما يحذّر حريصون من خطأ تقدير اعتماد اسلوب "صولة الفرسان" و الصحوات التي نجحت في حينها و اكسبت رئيس الوزراء الحالي تأييداً . . خطأ اعتماد ذلك الاسلوب و عقمه في التجربة التاريخية العراقية لحل القضية الكوردية . . و سواء كان ذلك لكسب فئات كوردية عرفت بمواقفها الانتهازية او فئات شوفينية عربية معروفة مواقفها من القضية الكوردية، الذي قد لايذكّر الاّ بمحاولات الدكتاتوريات لاشغال الجنوب العربي و الضغط عليه بالتلويح بعُقد كوردستان، و الهاء كوردستان و الضغط عليها بعُقد صعوبات السيطرة على الجنوب الشيعي ـ السني و نشاط القوى الديمقراطية و اليسارية . . و خاصة في ازمان مواكب العزاء الحسينية التي تلف الجميع تحت راية مأثرة الامام الحسين من اجل تثبيت الحق و العدل، التي تنبض عميقاً في الروح العراقية باطيافها . .  
تحذّر اوساط عسكرية خبيرة من ان اسلوب تشكيل وحدة (عمليات دجلة) التي تتشكّل على اسلوب الانساق العسكرية الحربية في سنوات حروب الدكتاتورية، بجمع كل القوات الحكومية ـ جيش، شرطة، أمن، مرتزقة، جيش شعبي، جاش، قوات محلية . . ـ (*) و حصر قيادتها بقائد اوحد، بكونها تشكّل خطراً ستراتيجياً يشجّع على العودة الى الروح العسكرية و معالجة المشكلات بالعنف، بعيداً عن الروح و الاهداف التي تحاول بنائها العملية السياسية اثر سقوط الدكتاتورية، على اساس تطبيق الدستور و المفاوضات و الحوارات السلمية . . الأمر الذي يتسبب بعصيان ضباط على الاوامر التي تدعوهم الى التوجه و التحشّد في طوز، و رفض مجالس محلية الزج بمحافظاتهم في (عمليات دجلة)، وفق ما تتناقله وكالات انباء و صحف محلية . . .      
   و فيما تلاقي الجهود المبذولة لتطويق حادث طوزخورماتو؛ الدعوة لأدارة مشتركة للامن في المناطق المتنازع عليها، الدعوة للوقوف امام الفتن الطائفية و القومية، بذل الجهود السلمية . . دعماً شعبياً واسعاً، فان التأكيدات تتزايد لحل المشاكل آنفة الذكر بين الاطراف العراقية، من اجل ردم الثغرات التي تتسع و التي قد تهدد بعودة قوات اجنبية مهما كانت مسمياتها لـ (حل الخلافات)، التي لن تضيف الاّ مشاكل و معاناة جديدة من نوع آخر للشعب العراقي بأطيافه .  

21 / 11 / 2012 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  
(*) و الذي يذكّر البيشمركةالانصار و اهالي كوردستان بتشكيلات (قوات الطوارئ) سيئة الصيت لمواجهة البيشمركة في المدن في سنين الدكتاتورية البغيضة .


86
هل انتهى الاساس المذهبي للمحاصصة ؟
                                                                                                                                  د. مهند البراك
                                                                                                                ahmedlada@gmx.net

لابد من التذكير بداية، بأنه بالرغم من نشاط احزاب و قوى معارضة الدكتاتورية و تضحياتها الكبيرة و التضحيات الشعبية الجسيمة لإسقاطها . . سقطت الدكتاتورية بإرادة دولية عظمى و ليس بسواعد ابناء و بنات البلاد، حين شنت الادارة الاميركية الحرب و اعلنت الاحتلال و عيّنت السفير بول بريمر حاكماً و اصدر قرارات اثبتت السنوات اللاحقة ان تطبيقها عاد باضرارٍ بليغة لكيان الدولة العراقية و كيان مكوّناتها المتنوعة الاطياف . .
و قد أُعلن عن اعادة تشكيل الدولة على اساس تحاصصي مذهبي اثني (*) افترض فيه ان يعكس المكوّن الانثروبولوجي للبلاد. و تشكّلت السلطة الحاكمة على اساس دستور جرى التصويت عليه، و انتخابات تشريعية جرت للمرة الاولى منذ اعلان الجمهورية . . رغم انواع الاعتراضات على نزاهة عمليات الانتخابات و التصويت، التي حكمت لصالحها المحكمة الدستورية العليا .
و لابد من القول بانه في خضم سيادة انواع الفوضى و عمليات الارهاب و ردود الافعال المتنوعة الداخلية و الاقليمية . . لعبت المرجعيات الاسلامية المذهبية الشيعية اضافة الى السنيّة، دوراً كبيراً في ايصال الاحزاب الدينية الى سدة الحكم، حيث ادّعت الاحزاب الدينية بانها تمثّل المرجعيات من جهة، و بسبب توجيه رجال دين و مرجعيات بذلك ايضاً من جهة اخرى، على ارضية التخلف الفكري و السياسي الموروث من حكم الدكتاتورية البغيض لاوساط واسعة . .
الاّ ان مراقبون مطّلعون يرون ان تبدلاً قد بدأ يحصل على ذلك التوافق منذ  ان بدأت المرجعية الشيعية العليا تطالب الحكومة بايلاء الاهتمام الضروري للاستجابة للمطالب المعيشية للشعب و ايجاد حلول لمشاكل البطالة و الفقر و الكهرباء، التي لم تستجاب . . حتى وصلت الى نداء آية الله العظمى السيستاني في خضم التحضير للانتخابات التشريعية الاخيرة، حين نادى رجال الدين الى عدم الترشيح في الإنتخابات و الى عدم الانشغال بامور الحكم التنفيذية، و ترك السياسة لرجالها، حفاظاً على الدين و على الدولة، و دعاهم  الى الانصراف اكثر الى الواجبات الدينية و الى النصح و الارشاد . .
و يرى متابعون ان تواصل عدم اهتمام حكومة المالكي و رجالها بنداءات المرجعية الشيعية العليا، ادّت الى امتناع اية الله السيستاني عن تلبية طلبات السيد المالكي بمقابلته و امتناعه عن مقابلة  ممثلي الحكومة القائمة . . الذي يبدو انه ادىّ بدوره الى تصريحات اوساط مقرّبة من قيادة المالكي لحزب الدعوة الحاكم، افادت بنشاط الحزب المذكور لاتخاذ آية الله الشاهرودي مرجعاً اعلى له، تعبيراً عن الإبتعاد عن المرجعية العليا للسيد السيستاني ـ باختصار شديد ـ .  
   و ترى مراجع في الحوزة الدينية في النجف الاشرف، ان الاحزاب الدينية وظّفت دعم المرجعيات للوصول الى الحكم و لتشديد الطائفية، ثم انجاز المحاصصة الطائفية، و ان الاحزاب الدينية لم تعد احزاباً دينية كالسابق . . لعدم اخذها بآراء المرجعيات الداعية لحل المشاكل المعيشية للناس و احترام الدستور و تنفيذ بنوده الاساسية كمواد ؛ الحكم الفدرالي الاتحادي، الحريات، الصحافة و غيرها، و لعدم التزام الحكومة بحرمة استقلالية الهيئات الدستورية المعترف بها دولياً كهيئات : مفوضية الانتخابات، المحكمة الدستورية العليا، البنك المركزي و غيرها . . وفق انباء نشرتها الصحف المحلية، و افادت بتوجه جهات حكومية لتحذير خطباء المنابر الحسينية من انتقاد الحكومة و من تناولهم للمطالب الشعبية، على حد تعبيرها .
و مما سبقت الاشارة اليه و غيره، يرى محللون ان الوضع يسير نحو زيادة الفردية، التي  تتوضّح مؤخراً بمحاولة الحكومة تمييع قضية تحديد ولاية الرئاسات الثلاث عملا بروح الدستور، و محاولتها تجميع انصاراً و مؤيدين من كل الاطياف المذهبية خلفها بشخص رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، مؤدية ـ وسط تساؤلات واسعة ـ الى احتمالات ان تكون المحاصصة بقيادة فرد ضرورة او حزب قائد، بعد مرور عشر سنوات على مسيرة سياسية يفترض فيها انها اسست و طوّرت مفهوم التعددية و المشاركة و تقبّل الآخر، و يفترض انها استطاعت خلالها من تأسيس واضح لدولة فدرالية قائمة على الانتماء لهوية الوطن الواحد و على الالتزام بالدستور.    
و يحذّر محللون و وكالات انباء دولية من زيادة مفاهيم و تعابير القوة و العنف في الخطاب السياسي للحكومة و للكتل المتنفذة، اضافة الى تزايد استخدام الحكومة للتهديد بالعنف و الى تجميعها القوة اللازمة لتنفيذ ذلك . . و تزايد صرف اموال هائلة لاداعٍ لها الآن على التسليح كمّاً و نوعاً ـ بتقدير متخصصين ـ . .
   و ان ذلك، بالاضافة الى مايجري بين الاحزاب الدينية و المرجعيات . . قد يؤدي بمجموعه الى افتراق حقيقي عن المرجعية الشيعية العليا للسيد السيستاني و المرجعيات ذات المواقف الوطنية من جهة، و الى مسلسل خلافات و صدامات و دماء جديدة و اغراءات بمناصب و اموال هائلة، من جهة اخرى . . ليعود الحكم شئنا ام ابينا الى سكة الحاكم السابق، سكّة حكم حزب حاكم ـ او فرد ضرورة حاكم ـ (يراعي) تناسب التكوينات . . التي (راعتها) حتى الدكتاتورية المنهارة حين حسبت ذلك في تكوين قيادة الدولة حينها بقيادة حزبها الحاكم المقيت . .  

14 / 11 / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يشير متخصصون ستراتيجيون الى ان الادارة الاميركية قد خططت لذلك ـ لأسباب متنوعة ـ منذ مؤتمر بيروت للمعارضة العراقية الذي عقد اثر اندلاع الانتفاضة الشعبية ضد دكتاتورية صدام في ربيع عام  1991 . . في وقت دفعت و حاولت فيه اطراف ايرانية نافذة آنذاك الهيمنة على الانتفاضة و تجييرها لولاية الفقيه الايراني، ان صحّ التعبير .  


87
مصادرة حرية المرأة، مصادرة للحريات العامة

                                                                                                          د. مهند البراك
                                                                                                  ahmedlada@gmx.net

لم يأتِ حق المرأة بالمساوات من فراغ، و هو لايعود الى ايديولوجيا او احزابٍ  بعينها فقط . . و انما هو نتاج قرون طويلة من صراعات انسانية من اجل تحقيق عدالة اجتماعية و من اجل عائلة و طفولة سعيدة تضمن رقي المجتمعات و خيرها و رفاهها . . بتطوّر المرأة و موقعها.  
   و يرى متخصصون ان الصراع من اجل احقاق الحقوق الانسانية و المساوات، اسفر عن استجابة الحكام العادلين لذلك، و اسفر عن نجاح الثورات التي انتصرت للانسان، اضافة الى بروز المصلحين الدينيين و نجاح الاصلاحات التقدمية التي عالجتها وفق رؤيتها و زمانها، ادّت بالتالي الى لوائح حقوق الانسان التي تبنتها هيئة الامم المتحدة التي تضم عضويتها دول العالم.
   و يشدد آخرون ان الحقوق التي حصلت عليها المرأة لم تأتِ نتيجة صدقة او رحمة من جهة ما، و انما بسبب تزايد الدور الحضاري و الاجتماعي للمرأة سواء في العائلة او في المجتمع، حيث تبؤأت المرأة مواقع قيادية في مجتمعات و دول و حركات سياسية و برزت في علوم و آداب، و صلت الى الفضاء و الذرّة . . حيث قدّمت المرأة و تقدّم بجهودها مجتمعاتها الوطنية و عموم المجتمع البشري . .
و قد برزت النساء في مجتمعات الدول الاسلامية، عبر انواع الصراعات و اخطرها و رغم انواع التقاليد التي قيّدت حريّتها . . فبرزت منهن وجوه و قائدات سياسيات مهما كانت احزابهن و حركاتهن التي عبّرت عن تطلعات و آمال قطاعات شعبية واسعة في بلدانهن . . كالمعاصرات المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، الفلسطينية ليلى خالد، الكوردية ليلى زانا، العراقية هناء ادور، السودانية فاطمة ابراهيم، المصرية د. نوال السعداوي، الايرانيتان فائزة رافسنجاني و مريم رجوي . . و غيرهن العشرات من مسلمات و غير مسلمات في تلك الدول من ابرز المناضلات في سبيل حريات شعوبهن و قضاياها العادلة من وجهات و زوايا متنوعة، و برزت منهن رئيسات دول اسلامية كـ السيدات ؛ سوكارنو في اندونيسيا، بوتو في الباكستان، شيلر في تركيا . . و لم يسجّل لبلدانهن خروجاً عن الدين او المذهب . . بل بالعكس.    
و في بلادنا حققت المرأة على مرّ عهود . . نجاحات خدمت المجتمع و عملت على تطويره من خلال دورهن في العائلة، و من مواقعهن الوظيفية من معلمات و مدرّسات، مهندسات و طبيبات، اديبات و مفكرات، اكاديميّات و فنانات . . الى سياسيات، مناضلات بارزات و شهيدات تخلّدن من اجل حرية و ديمقراطية البلاد في نضالهن الباسل ضد الدكتاتورية و نضالهن كتفا لكتف مع الرجل من اجل بديل للدكتاتورية، بديل ديمقراطي تقدمي اجتماعي، و من مختلف القوميات و الاديان و الطوائف و مختلف الاتجاهات الفكرية . .
من جهة اخرى، و في مناسبة و غير مناسبة و فيما يعتمد المتنفذون في الاسلام السياسي في العراق باطلاً "الاخلاق" لمهاجمة المرأة و انصار حريتها و كرامتها، ناسين او متناسين مقومات صيانة الاخلاق . . يرى العديد من المراقبين السياسيين المحايدين و الكتاب و الصحفيين و وجوه من المجتمع، ان التدهور الاخلاقي على يد الميليشيات المسلحة السنيّة و الشيعية و عصاباتها قد بلغ حداً في البلاد لم يصله في السابق . . بدلالة تزايد وجود الاطفال اللاشرعيين الذي بلغ حدوداً لا يمكن ان تليق بمن يحكم باسم الإعتقاد الديني او المذهبي، و انما تسئ اليهما . .
حيث تشير وكالات و وسائل اعلام متنوعة الى المعاناة المؤلمة لعشرات الالاف من النساء الارامل و اطفالهن بسبب الفقر، و معانات آلاف الامهات الشابات اللواتي اغتصبن او جرى تزويجهن بالتهديد و بقوة السلاح من رجال لم يعرفن حتى جنسية قسم كبير منهم ناهيك عن اسمائهم الحقيقية
في بلاد صار يشكّل فيها النساء غالبية السكان، بسبب الحروب و الارهاب و صدامات الميليشيات الطائفية و غيرها من الميليشيات المسلحة التي كان ضحاياها من الرجال بشكل عام . .
و يصف ناشطون متنوعون كثيرون الى ان محاولة فرض الحجاب على النساء أو السعي الى تقييد الحريات العامة والخاصة، بكونها مخالفة صريحة للدستور الذي كفل الحريات العامة والخاصة، و ان رجال دين وأحزاباً إسلامية وزعامات عشائرية قبلية تمنع دخول السافرات الى مناطق، و تمنع اقامة الحفلات الغنائية والموسيقى فيها . . وفي تناقض يحمل انواع التفسيرات يُمنع بيع المشروبات الكحولية فيما يُشجّع او يُغضّ النظر عن تزايد تداول و تعاطي المخدرات . . في مناطق تزداد اتساعاً من البلاد رغم مرور 10 سنوات تقريباً على التحول المفترض نحو الديموقراطية .
فدون مناسبة او حدث ما، و في الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد . . تأتي دعوة الشيخ الاعرجي امام جمعة الكاظمية، للحكومة الى ( منع النساء السافرات من دخول مدينة الكاظمية واحترام قدسيتها و . . طالبنا مراراً وتكراراً الحكومة العراقية والجهات المسؤولة بأن تصدر قراراً يقر اللاءات الأربع في الكاظمية وهي لا للتبرج ولا للغناء ولا للخمر ولا للقمار حتى نحافظ على قدسية المدينة لأنها تحتضن الإمامين المعصومين الكاظم والجواد) و قال مهدداً بـ ( اللجوء إلى الضغط الشعبي الإسلامي على الحكومة التي تدعي الإسلام والتشيع ) . .
و يتساءل كثيرون عمّا يعنيه الشيخ و عمّاذا يريد، فالحضرة الكاظمية و مراقدها المقدّسة مصانة و محترمة قدسيتها من كل فئات الناس من البلاد و منذ زمان طويل، و الزائرون اليها تمنعهم ذواتهم و احترامهم للائمة من كل ما يعكّر صفو ذلك . . و يتساءل آخرون هل من وراء ذلك دعوة لإشاعة المزيد من الطائفية او انها ارضاء لجهة اقليمية ما . . لأن من عاش و يعيش في قضاء الكاظمية الفسيح يعرف و منذ زمان و عهود ان لا نادي فيها للخمر او القمار، او للرقص و الموسيقى بل و حتى لاسينما و لا مسرح فيها، و يصلون الى ان الغاية من ذلك ليس الاّ محاولة لفرض الحجاب على النساء و السعي الى تقييد الحريات العامة والخاصة في اطار توسيع ذلك التوجه الشمولي في العاصمة بغداد، و كما سبق ذكره .
و بسبب ما احدثت تلك التصريحات من ضجة و مطالبات لحكومة المالكي للوقوف بوجهها، من وجوه اجتماعية و سياسيين و برلمانيين و منظمات مجتمع مدني رجالا و نساء . . استناداً الى الدستور الذي ينصّ على مواد يفترض أنها تحمي الحريات الشخصية والعامة، إذ تنص المادة الثانية منه على أنه " لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديموقراطية "، كالمادة الخامسة عشرة " لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية". و المادة 17 " لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية "، و ألزمت المادة 37 الدولة بـ " حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني ".
و يحذّر مراقبون من ان تلك الدعوات، تثير مخاطر عملية، بسبب وجود احزاب منظّمة تقود و تشارك في قيادة الدولة و الحكومة، و لها اعضاء ينشطون و يتدربون على جعل الانحياز الطائفي و الديني سياسة و نظاماً شمولياً . . دخلت و تدخل عليه اساليب احزاب و منظمات ارهابية كالقاعدة و العصائب و غيرها من قوى اقليمية .  
   و تزداد التساؤلات عن . . هل ان تلك الدعوات و امثالها كالفتوى التي اطلقها شيخ معمم آخر، و افادت بـ ( انتقام الامام الغائب من الاكراد ان ظهر) . . هل تهدف تلك الدعوات و الفتاوى الى اعاقة جهود ناشطين في محاولتهم لإخراج احزابهم الاسلامية الشيعية و السنية من فخ و محن الطائفية، اثر ازدياد السخط الشعبي عليها ؟ بعد ان لم تؤدِّ محاصصاتها الاّ الى خراب البلاد و العباد، رغم جهود مخلصة تبذل في اطارها بلا جدوى ملموس حتى الآن . . و امام مايحصل يتساءل باحثون، هل لايزال البعض يعتقد ان الموقف من حقوق المرأة، هو موقف ديني مذهبي اخلاقي، ام هو موقف سياسي ؟؟

6 / 11 / 2012 ، مهند البراك    


88
عندما يصرفْ الشعب على الحكومة !!
                                                                                                   د. مهند البراك
                                                                                                    ahmedlada@gmx.net

و المقصود هنا بـ ـ يصرف ـ ، ان يعطي الشعب للحكومة مصروفاً . . بعد ان شاعت في الاوساط الشعبية جملة تساؤل " شايفين شعب يصرف على الحكومة ؟ ". و قد يبدو السؤال لأول وهلة ساذجاً
لأنه من الطبيعي ان يصرف الشعب على الحكومة و الاّ من اين للحكومة اموال ؟! لتدافع بها عن البلاد و عن امن و سلامة المواطن و خدمته، و لتصرف رواتب ملايين الموظفين و المستخدمين و العمال مدنيين و عسكريين، و عشرات الآف لايمكن تصنيفهم . . و مصروفات كثيرة غيرها !!  
   و من ذلك لابد من التذكير بأن الحكومة و منذ نشوء الدول، و بعيداً عن تفاصيل كيف وصلت الى دست الحكم، و خاصة تلك التي جاءت عن طريق انتخابات عامة . . هي مؤسسة تعود للدولة و تقوم بادارة شؤونها لمدة يحددها دستور البلاد، واجبها حماية سلامة الدولة و حقوق مواطنيها نساءً و رجالاً، و تسهر على خدمتهم و رعايتهم و على صحتهم و امانهم و غيرها من الخدمات الواجب عليها القيام بها . .  و تستمد نفقاتها لذلك من موارد البلاد الطبيعية التي هي ملك الشعب، و من انواع الضرائب المفروضة على كل المواطنين . . سواء على املاكهم و اعمالهم و معاملاتهم و على رواتبهم الحكومية، او مدخولات اعمالهم، و على السلع الغذائية و الاستهلاكية . . الخ
   و في دول تأسست منذ عقود طويلة، يفترض ان تكون حكوماتها قد استقرت على آليات صارت شبه ثابتة على صعيد مواردها المالية و كيفية التصرّف المسؤول عنها ـ او كيفية اصلاح النواقص و التعثّر و المعوقات في ذلك ـ و كيفية دواوينيته و اسلوبه الاداري على الأقل، كما في بلادنا العراق . . حيث يتساءل الكثيرون عن ما يُفعل بما يدفعونه شهرياً للحكومة، و ماهو مصير مايدفعونه من ضرائب شهرية و خاصة و ان ماتدفعه الفئات الواسعة من الموظفين و المستخدمين و العمال و غيرهم من ذوي الدخل المحدود، يشكّل مورداً كبيراً للحكومة ؟
   و يتحدث الكثيرون بألم بسبب العَوز . . عن اسبابه، و عن ان ما يدفعونه شهرياً للحكومة صار يستنفذ دخولهم . . فاضافة الى الضرائب المستقطعة من قبل الحكومة من مرتباتهم الشهرية، فهم يدفعون نقداً لمن يقومون بحراسة البيوت من الحرامية و اللصوص، و نقداً لمن يقومون باعمال النظافة الاساسية و رفع الازبال اليومية، في ظروف ازدادت فيها الانقاض المتروكة و الجديدة، و ازدادت فيها عواصف الغبار حتى تسيّد الغبار فيها على الجو في غالبية ايام السنة، و صارت طبقات الاتربة تغطيّ مايتراكم من النفايات . .
   و اضافة الى التكاليف العالية و المعاناة الحقيقية للحصول على فرص التطبيب الناجح و العلاج المناسب، بعد هروب النسبة الاكبر من الاطباء و الاخصائيين بسبب اعمال الإغتيالات و الاتاوات و الفصل العشائري في حالة نقص العلاج . . التي طالت الكثير منهم، و امتلاء السوق بالادوية المغشوشة رغم الاجراءات الحكومية لملاحقة ذلك . .     
تعاني اوسع الاوساط من مشاكل الكهرباء و تقطّع تياراته و ضرورات التحويل بين التيارات الكهربائية . . بين كهرباء المؤسسة " الوطنية " الحكومية، و كهرباء المحلّة و متعهديه الاهليين المدفوعي الثمن من اهالي المحلّة، الى ماطورات توليد الكهرباء المنزلية التي تصمّ الاذان بضجيجها العالي، و ماسبب و يسبب حالات وفيات بسبب التيار الكهربائي لقلة و عدم معرفة كثيرين بشؤون التعامل مع الكهرباء، في ظروف تستوجب القيام بذلك و خاصة عند وجود اطفال او كبار سن او مرضى و مرضى راقدين، في صيف لاهب  . . . ان مأساة غياب الكهرباء ادّت الى تحوّل مفردات الكهرباء من " الامبير" الى " المحوّل" و "العاكس" الى مفردات يتعامل بها الاميون، و يرددها حتى الاطفال في نقاشاتهم الطفولية البريئة و العقيمة التي لاتقدّم و لاتؤخر، و لكنها تهدد باخطار قد تتسبب بكوارث للعوائل و خاصة الفقيرة الواسعة منها .
و بسبب حالات الكهرباء تلك يزداد تلف الاجهزة الكهربائية المنزلية المتنوعة، بسبب التتابع غير المتوازن للتيار الكهربائي المار بها للاسباب المذكورة، و يسبب تلف اجهزة اخرى بسبب تقطّع التيارات و مايستنزف ذلك من دخل المواطن، الدخل الذي مهما ازداد بسبب الاجراءات الحكومية الساعية لحل المشكلات بزيادة الدخل، فانه يواجه تزايد تكاليف توفير الكهرباء و الزيادة غير المقيّدة للقائمين على توفير كهرباء المحلات و على بيع اجهزة توليد و توفير الكهرباء . . في ظروف تزداد فيها حالات الوفيات المبكرة بسبب حرّ الصيف اللاهب و عواصفه الترابية المتزايدة بلا انقطاع . .
من جانب آخر تستنزف اعمال اصلاح الابنية، و الممتلكات التالفة من قطع الاثاث الاساسية التي تتدمّر بسبب اعمال الارهاب التي اخذت تتصاعد مؤخراً، لأسباب لايعرفها الاّ متنفذي الكتل الحاكمة كما يتداول الناس . . تستنزف بشدة دخول المواطنين، رغم الاعلان عن دفع الحكومة تعويضات لهم، و لكنهم لم و لا يقبضون منها شيئاً، رغم دفع عمولات و وساطات و غيرها من اجل ذلك، و لايعرف اين تحلّ تلك التعويضات و في جيب منْ، ان صُرفت فعلاً . .        
   و من الطامات الكبرى لتزايد صرف قطاعات الشعب على المشاريع الحكومية الاصولية منذ تشكيل الدولة العراقية . . هو الصرف على المدارس و خاصة الابتدائية التي يفترض ان تهيأ الطفل ليقرأ و يكتب و يكتسب المعارف الاساسية التي تمكنه من التعامل مع العائلة و المجتمع، في احسن التقديرات . . فبعد سنوات طويلة انهارت ابنية مدارس ابتدائية كثيرة جزئياً او كلياً بسبب الحروب المجنونة و الحصار و الارهارب اضافة الى تقادم الابنية تلك التي بقيت دون اعمال صيانة و التي ازداد استهلاك ابنيتها و مرافقها بدرجة اشدّ من الماضي بسبب ازدحام الصفوف الدراسية و دوام وجبات متعددة فيها في اليوم الواحد . . حتى صارت مهددة بالانهيار من جهة، و لقلة و انعدام الكادر التعليمي فيها للاسباب المذكورة و لاسباب اخرى يضيق بها المقال . . كما تتناقل الصحف العراقية و وسائل الاعلام الحكومية ذاتها.
فيتحدث اهالي مدينة الصدر ـ الثورة سابقاً ـ مثلاً، بألم عن ارهاق عوائلهم الساكنة فيها بسبب تكاليف المدارس الابتدائية الاهلية، التي صار متعهدون اهليون ينشؤها . . بعد ان صارت الدراسة الابتدائية في مدينة الصدر التي تضم اكثر من ثلث نفوس مدينة بغداد العاصمة . . صارت دراسة مدفوعة الاجر من الاهلين، و الاّ يُترك الاطفال في الشوارع فريسة سهلة لانواع الحيتان الخطيرة ، من حيتان الجريمة المنظمة و السرقات، حيتان المخدرات . . الى حيتان بيع الاعضاء البشرية و تجارة البشر . .
كل ذلك يجري . . في زمان يكشف فيه يومياً عن سرقات و نهب و رشاوي و فساد اداري و اختلاسات بعشرات المليارات من الدولارات، و تحوم فيها الدلائل التي تتوفر و القرائن و الشكوك . . عن ضلوع موظفين حكوميين كبار فيها، و نفاذهم من التحقيق و من الاجراءات القانونية الطبيعية التي قد يعلن عنها . . و في وقت تنشغل فيه الكتل البرلمانية و الحكومية الكبيرة بنزاعاتها على الهيمنة و على كرسي الحكم الاوحد، و لو ديس على الدستور الذي اقرّته هي . . لأنه صار قديماً !!

25 / 10 / 2012 ، مهند البراك  

89
جديد في صراعات المنطقة !
 ـ 2 ـ
                                                                                                         د. مهند البراك
                                                                                                      ahmedlada@gmx.net

و يرى خبراء ان الصين بعد تحقيقها السيطرة على اكثر من 60 % من الاسواق الداخلية للولايات المتحدة ـ راجع مواضيع دور الصين في حل ازمة البنوك الأميركية ـ، فإنها تحقق نجاحات اقتصادية متسارعة في الاسواق الاوربية، ببضائعها المتطورة الرخيصة الثمن التي يزداد شراء الاوربيين لها . . و بزيادة استثماراتها و عقود شركاتها في بلدان اوروبا الغربية، التي وصلت الى العقد
المبرم بين الحكومة البريطانية و شركة صينية لإدامة شبكة المياه الداخلية للعاصمة البريطانية لندن ـ راجع تقارير بي بي سي بهذا الصدد ـ .  
و وفق الخطط الصينية المعلن عنها . . ان الصين نجحت في مد خط سكة حديد بكيّن ـ المتوسط الذي كلّفها مئات ملايين العملات الصعبة، قد استفادت من تجديد خط حديد افغانستان ـ ايران و الشبكة الحديدية الإيرانية ليصل بعد عشرات آلاف الكيلومترات، الى الشبكة الحديدية العراقية وبقي له مامجموعه 170 كم فقط في العراق و سوريا لإكماله، ليصل الى ساحل المتوسط عبر مدّ خط قصير غرب العراق، و تجديد الشبكة الحديدية لقطار الشرق السريع الشهير فرع خط برلين ـ اسطنبول ـ حلب . . الذي اذا استكمل ستستطيع الصين زيادة مجموع ارباحها من بضائعها المصدّرة الى اوروبا عبر المتوسط، بمعدل 17% وفق وكالة الانباء الصينية الرسمية، و هو رقم فلكي .  
و من جانب آخر يرى مراقبون ان الدولة التركية تنشط بالتنسيق مع دول الخليج، باتجاه زيادة نفوذها في المنطقة و فتح اسواق جديدة لتصريف بضائعها، فيما تنشط دوائر فيها لتصعيد دورها في المنطقة و العودة الى احياء مفهوم الامبراطورية العثمانية . . في وقت يذكّر فيه قسم بمفاهيم العسكرة التركية لتحقيق الاهداف، خاصة و انها عضو اصيل في حلف الناتو، تلجأ قيادات سورية معارضة لحكم الاسد اليها حيث تجد ملجأ لها فيها، بسبب الضغوط العنيفة عليها من حكم الاسد . .
و فيما اخذت تركيا تشعر بأعباء كبيرة متشعبة وبالخصوص بما يتعلق بتدفق آلاف النازحين اليها من سوريا. تراقب دوائرها العسكرية و تنشط لمواجهة تزايد نشاط الحركات الكردية المعارضة في جنوب و شرق تركيا، حيث اخذت عملياتهم العسكرية تزداد على طول مايزيد على 800 كم من حدودها المشتركة مع سوريا، التي تشهد تزايد الصراع المسلح العنيف بين سلطة الاسد و المعارضة، في وقت داست فيه السلطة السورية على الحقوق المدنية و القومية المشروعة للشعب الكوردي في سوريا، من جهة، و في الوقت نفسه لم تضع المعارضة السورية برنامجاً او هدفاً لإيجاد حلول واضحة للقضية الكوردية في سوريا، من جهة اخرى.
لتزداد بذلك الاعباء المطروحة على حكومة اقليم كوردستان العراق الفدرالية، في سياستها التي نجحت في ابعاد كوردستان عن الارهاب، والتي تتطلب بتقدير كثيرين بذل المزيد من الجهود لتلبية حاجات ابناء كوردستان العراق باختلاف انتماءاتهم، و خاصة الاوساط الكادحة الواسعة فيها . . لكسب تأييد جماهيري اوسع لها لإنجاح جهودها في الوصول الى مستوى افضل في تحقيق النزاهة و تكافؤ الفرص، على اساس الكفاءة و من اجل السير على طريق الرفاه و التقدم، الذي يؤكد على الترابط الوثيق بين تحقيق الحقوق العادلة للقضية القومية الكوردية و قضية الديمقراطية في عموم البلاد . . الترابط الذي اكّده و سار عليه الزعيم الكوردي التاريخي الملا مصطفى البارزاني .
في وقت تعتمد فيه حكومة الاقليم، الحلول السلمية و طرق الحوار و المفاوضات في حل المشاكل مع الحكومة العراقية الاتحادية في بغداد ـ القائمة على اساس المحاصصة الطائفية و العرقية ـ سواء في حل المشاكل الدستورية او قوانين النفط و الانتخابات و النظام الداخلي للحكومة الاتحادية . . في وقت تدعو فيه حكومة الاقليم، الحكومات و المنظمات الكوردستانية في تركيا و ايران و سوريا الى اتباع الطرق السلمية و الابتعاد عن العنف في حل المشاكل القومية الكوردية . .  
و فيما تتحالف الحكومة العراقية الاتحادية مع حليفين متعاديين، الولايات المتحدة و ايران التي تذهب اجهزتها بعيداً في التدخل بالشؤون العراقية . . الامر الذي يرى فيه قسم بكونه يشكّل سببا  رئيسياً لمواقفها المتناقضة، لتناقض الضغوط عليها في امور المنطقة الملتهبة، و يرى قسم آخر ان ذينك التحالفين المتناقضين يوظفهما المالكي رئيس الحكومة العراقية، لضمان تواصله في موقعه و حل المشكلات مع الاطراف البرلمانية المعارضة له . . في وقت تخشى فيه حكومة المالكي من الالتهاب المتفاقم في سوريا، بسبب خشيتها ـ وفق منظورها ـ من مجئ حكومة طائفية سنية الى دست الحكم في سوريا، يمكنها ان تتفق بتقديرها مع الطائفة السنية في العراق بما فيهم الكورد ايضا .
و يرى متخصصون بشؤون المنطقة أن ايران تشعر بخطورة كبيرة من احتمالات عزلها في المنطقة اذا ما سقط نظام الاسد ـ الأمر الذي ان حدث فإنه سيضعف موقع الحكومة العراقية القائمة ايضاً ـ ، فعن طريق حكم الاسد تزوّد ايران حليفها حزب الله في لبنان بالسلاح اللازم و تحافظ بذلك على موقعها المتقدم في الصراع مع اسرائيل على اساس صراع الاديان الذي يزداد النفخ به . .
و ليس على اساس حل القضية الفلسطينية لصالح اقامة سلم عادل دائم، يحقق عودة اللاجئين و من اجل الديمقراطية و رفاه الشعوب و الاديان داخل اسرائيل و في عموم المنطقة. و يرون بأن حكومة احمدي نجاد الحالية تتجه الى تطوير برنامجها النووي اكثر، كلما شعرت بقرب خسارة أهم حليف لها في المنطقة .
    من جانب آخر تحذّر حكومات المنطقة نظام الاسد من مخاطر استعماله الاسلحة الكيميائية في مواجهة معارضيه، اثر تهديده في تموز الماضي باستخدامها في حالة حدوث تدخّل عسكري غربي خارجي . . وصل الى حد تحذير وزير الخارجية الإيراني علي اكبر صالحي في حوار لمجلس العلاقات الخارجية الاميركي للدراسات، تحذيره للحكومة السورية من استخدام تلك الاسلحة ضد المدنيين العزّل لكونها من اسلحة الدمار الشامل المحرّمة دولياَ، و لكون ان استخدامها سيفقد الحكومة السورية شرعيّتها بالكامل دولياً، على حد تعبيره و وفق عديد من وكالات الانباء .
   في وقت تعبّر فيه دوائر اسرائيلية، عن تعايشها لاكثر من اربعة عقود دون مشاكل مع النظام السوري، لأنه ضمن استقراراً على الحدود السورية ـ الاسرائيلية على حد وصفها. و تعبّر عن ان ما يقلق اسرائيل بشكل كبير، هو احتمال وقوع ترسانة الاسلحة الكيماوية بأيدي متطرفين اسلاميين، و الى انها قد تضطر الى نسف مستودعات تلك الأسلحة، كضربة استباقية ! الاسلحة التي لايمكن تقدير مدى اضرارها على دول المنطقة في حالة اساءة استخدامها او اساءة تدميرها، بتقديرات علمية.
و فيما تتواصل حالات اللااستقرار و التشرّد و الهجرات الجماعية للمدنيين العزّل من كل الهويات، من بلد عربي او اسلامي الى آخر في المنطقة، بسبب تزايد العنف على الهويات السياسية و الدينية و الطائفية، متسبباً بمآسي انسانية اكبر . . و رغم الرساميل المالية العالية التي تحققها دول منها بسبب هجرة اغنياء بثرواتهم اليها و تشغيلهم و استثمارهم لثرواتهم فيها . . تعبّر اوساط اردنية مثلاً، عن سعي الحكومة الاردنية لأن لا تكون بلادها عنصراً فعّالاً في هذه الأزمات و الحروب، و ان ما يقلق الاردن بشكل كبير الآن، هو النصف مليون لاجئ فلسطيني الموجودون حاليا في سوريا، الذين ان ابعدهم نظام الاسد عن سوريا فأنهم سيخلقون مشاكل قد لاتتحملها الاردن . . لأن الفلسطينيين سيكونون هم الاغلبية في المملكة والأردنيون سيكونون الاقلية.
و على ماتقدّم من اوضاع و مواقف سريعة التغيّر و الاصطفاف التي تسبب انواع الضياع، تنادي القوى التقدمية في دول المنطقة الى ضرورة السعي لإشاعة الوعي الشعبي، و اطلاق الحريات المدنية و السعي الجاد لحل المطالب الآنية الداعية الى حل مشاكل البطالة و الامية و حل مشكلات توفير الخدمات الاساسية و الى السلام . . و تدعو الى اهمية تصعيد النشاط من اجل تعاون القوى الديمقراطية و اليسارية و الليبرالية و الدينية المتنورة المنحازة فعلياً لقضية الكادحين . . من اجل تجنيب المنطقة مخاطر اكبر امام صراع الضواري الذي لايبالي بمصائر الشعوب من اجل تحقيق اهدافه الأنانية. (انتهى)    



4/ 10 / 2012 ، مهند البراك

90
جديد في صراعات المنطقة !
 ـ 1 ـ  
                                                                                                        د. مهند البراك
                                                                                                ahmedlada@gmx.net
   
قيل و كتُب و دار الكثير و يدور . . ليوضح ماهية عالم اليوم، و يبيّن الأهمية المتزايدة للشرق الاوسط بثرواته و دوله، و شعوبه بقومياتها و اديانها و مذاهبها، للعالم اجمع . . شعوبه التي تزداد وعياً بحاجتها الى حريتها و تعطشها لحقوقها. الأمر الذي يجعل من الشرق الاوسط اليوم مسرحاً  لصراعات الدول العظمى و القوى الدولية الصاعدة في مجالاتها المتعددة . . في العالم المترابط المتناحر وفق محاور صراع و توازنات و توافقات مرحلية او مؤقتة، لإدامة و اقتسام جديدين لمصالح، قسم منها معروفة و اخرى جديدة و ثالثة  تبرز حديثاً . .  
و يرى محللون ان تلك التطورات تؤديّ الى اوضاع جديدة، سواء في دول او مكوّنات الشرق الاوسط الديموغرافية او في اعادة اصطفافها وفق تلك التطورات . . في ظروف تعدد القطبية، استمرار و تواصل الثورة التكنولوجية . . و هيمنة الاحتكارات الكبرى و انفلاتها من القرارات السياسية لحكومات و ادارات و قوانين دولها الكبرى ذاتها .
اضافة الى ظهور احتكارات من نوع جديد تشكّل قوى عسكرية ضاربة مستعدة لشن حروب، و تحمل أسماء متنوعة من ( شركات الحماية الخاصة)، (وكالات عسكرية خبيرة) يقودها عسكريون كبار (متقاعدون) بصفة خبراء، الى ميليشيات محلية تدار من خارج، وغيرها . . من التي تتحرك الى الان بمظلة قوات نظامية لبلد او بلدان او بمظلّة مُكوّن من مكوّنات في بلد من تلك البلدان، في عملياتها . .  وافراد تلك القوى غير خاضعون لدساتير دول او لقرارات المنظمات الدولية المعروفة كمنظمة الامم المتحدة مثلاً، باعتبارها مشاريع خاصة (غير حكومية) .  
   و فيما يصف محللون ان مايجري هو صراعات بين دول الخليج النفطية و ايران، على محاور النفط و الطائفة، و صراعات اديان يجري تسعيرها . . و يرى آخرون بكونها جزءاً من صراعات الشرق و الغرب (الثقافية) التي يجري تغذيتها بأنواع المؤسسات و المفاهيم . . الاّ انها تخفي صراعات احتكارات متعددة الجنسيات شرقية ـ غربية، تحاول بصراعاتها تلك ان تطغي على الصراع من اجل الحرية و العدالة الاجتماعية و التحرر القومي و التقدم الذي تنشده شعوب المنطقة، بشعارات الدين و الطائفة . . لتجييش الحشود لإمرار مشاريعها .  
يرى مراقبون ان الإدارة الاميركية . . بعد تجربتها من تواجدها السابق في السعودية و ما احدث من ردود افعال شعبية، و بعد تجربتها الدموية و المريرة في احتلال العراق . . التي وظّفت نتائجها لخلق مناخ دولي و اقليمي اكثر توتراً و تفجراً . . يسير حتى الآن على نهج الإبقاء على حدود دول المنطقة بمكوّنات تتنازع . . و اوكلت مهام ذلك الى دوائر خارجيتها و مخابراتها اضافة الى استعداداتها العسكرية، وفق بياناتها .
 فيما تحاول الإحتكارات (التغيير) و الاحتفاظ بعلاقات مع كل اطراف النزاعات الحادة . . عن طريق المعلومات و الخِبَرْ و تحريك الغير او السكوت المتغيّر عنه . . فالادارة الاميركية لا تسعى ولا تريد انحلال وتحطّم الدولة السورية مثلاً، و لذا كان ولا يزال التدخل الاميركي محدود والمخابرات المركزية ( سي اي اي ) تحتفظ بعلاقات مع الثوار كـ ( الجيش الحر ) وتزوده بمعلومات دقيقة عن انتشار وتحرك قوات الجيش النظامي السوري، لكنها لا تزوده بالأسلحة . و هي تدعم المساعدات المقدمة للمعارضة المنتفضة، من الدول الخليجية، مثل السعودية و قطر، و تتقاسم الرغبة معهم في انهاء التحالف السوري ـ الايراني .
من جهة اخرى تعتبر روسيا ان سوريا اخر معاقلها في منطقة شرق المتوسط ـ بعد ان خسرت تواجدها في ليبيا ـ فتعتبر دوائر روسية ان سوريا هامة جداً لها، لديمومة بقائها في المنطقة، سواء بما لديها من قواعد عسكرية فيها من جهة، و لكونها تعتبر نفسها حامية الكنيسة الارثدوكسية الشرقية في المنطقة (*)، في ظروف تصعيد و تسعير الصراع الديني في المنطقة، الذي طال الصراع الديني داخل اسرائيل .
و يشير اقتصاديون الى اهمية العامل الاقتصادي الكبير المتمثل بالبروز الحاد لقضية الغاز الذي يزداد الطلب عليه في الغرب لأنه اقل تلويثاً للبيئة من النفط . . حيث برز الصراع حوله في سوريا مؤخراً كعامل شديد الخطورة على اقتصاد روسيا بتقدير دوائرها، تمثّل بالخطة القطرية لإمداد انبوب الغاز من منابعه العملاقة فيها الى البحر المتوسط عبر سوريا، الأمر الذي سيسهّل وصوله الى اوروبا، بتأييد بيوتات دولية كبرى و خاصة في الغرب . .
لأنه سيسبب ضربة اقتصادية كبيرة لروسيا المصدّر الرئيس للغاز الى اوروبا الآن . . ضربة يقارنها فريق من الاقتصاديين بانها ان تحققت فانها ستكون بمستوى الضربة التي قام بها الغرب حين خفّضت الاحتكارات الدولية اسعار النفط تخفيضاً حاداً في اواخر ثمانينات القرن الماضي، و اجبرت بذلك الاتحاد السوفيتي عشية تفككه على الرضوخ لشروط قروض الغرب، و كانت الضربة التي عجّلت بالتفكك المؤسف للاتحاد السوفيتي .
و فيما تشعر روسيا بمحاولات الغرب عزلها و التضييق عليها سياسياً و اقتصادياً و عسكرياً، التي ازدادت وضوحاً بسبب موقف الناتو وتدخله العسكري في ليبيا الذي كان خديعة لها بتقدير دوائرها . . اضافة الى ان قيام الناتو ببناء خط الدفاع الصاروخي وأجهزة الرادار في القسم الشرقي من تركيا، الذي تعتبره روسيا تهديدا جديّاً ا لأمنها القومي .
و على ذلك و غيره، ترى دوائر روسية بتقدير متابعين . . ان اعداء نظام الاسد هم اماّ عملاء لدول الخليج او يعملون لصالحها، الأمر الذي يؤدي الى تزايد تقارب روسيا من الموقف الإيراني في صراعه مع الادارة الاميركية. و يصل الى اصرارها على موقفها الرافض للتدخل العسكري الدولي لعدم ثقتها به، و لتهديده لمصالحها المباشرة كما مرّ . .
من جهة اخرى فإن الصين ورغم محاولتها الحفاظ على مبدأها في " عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول " من اجل ان تستمر معدلات نموها الإقتصادي و غيرها من المصالح المتعلقة بالمنطقة التي تجعل منها قريبة لأطراف الصراعات بمجموعها حتى الآن !! و ترفض الموافقة على قرارات مجلس الأمن الداعية الى التدخل العسكري في المنطقة كما حدث في ليبيا و كما يدور الآن في سوريا . .  يرى اقتصاديون و سياسيون ان الأهم في سياسة الصين الآن في المنطقة، هو اكمالها لمشروع الخط الحديدي " خط بكيّن ـ المتوسط " الذي لابد ان يمرّ في سوريا الى البحر . (يتبع)

1 / 10 / 2012 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الذي يذكّر بمحاولتها لدعم ميلوسوفيج و الجيش الصربي عسكرياً، بواجهة انتماء الصرب للكنيسة الارثدوكسية في الاحداث الدموية في البلقان، التي اخذت رداءً دينياً طائفياً . .

91
الحكومة و الدولة المدنية، الى اين ؟
                                                                                     د. مهند البراك
                                                                             ahmedlada@gmx.net

لايزال شائعاً ان انتقال السلطة من العسكر الى المدنيين، يعني ان الحكم و الدولة صارا مدنيين ، و تغذيّ ذلك اوساط تحاول تبسيط المفاهيم و توظف الجهل الشائع، لنشرها . . حتى اعتبر قسم ان الحكم في مصر مثلاً، صار حكماً مدنياً بعد ان قطع الرئيس المصري المدني الجديد مرسي، الطريق على عودة العسكريين للحكم بـ (قطعه) الطريق امام المجلس العسكري . . !
   فيما يتفق القانونيون و السياسيون في بلدان العالم المتحضر، بأن نظام الحكم و الحكومة المدنية هي حكومة تأتي عن طريق انتخابات بنزاهة يعترف بها، وفق دستور و قوانين انتخابات و احزاب و محكمة عليا . . و ان تتبارى الاحزاب لكسب الناس بمطالب و صيغ مفهومة و مقبولة، تأخذ طريقها الى التطبيق الفعلي ان فاز الحزب او التجمع المعني و تشعر الجماهير بفائدتها و تحقق لها حرية و رفاهاً افضل .
و في البلدان التي قامت على الاسس المدنية . . تركّز الاحزاب فيها و تتبارى في الانتخابات على المطالب الحياتية الآنية و بلغة الجماهير الشعبية، اكثر من مباراتها على تنظيراتها و اهدافها الستراتيجية البعيدة او عقائدها المقدسة . . على اساس دستور و قوانين تقدمية صالحة للتطبيق من وجهة مدى استفادة الغالبية الساحقة من الشعب منها، قوانين يمكن الالزام بتنفيذها بتوافق القوى الفاعلة في المجتمع و ليس المتنفذة منها فقط . . او الساعية لإن تتنفذ و بالتالي لإن تحكم لوحدها، الامر الذي لايمكن الاّ ان يؤديّ في النتيجة  الى قيام دكتاتورية تحكم بالعنف (*)، و خاصة في بلد متنوّع التكوينات القومية و الدينية و المذهبية و الفكرية و الثقافية، كعراقنا . . 
و اذا كان هناك من يرى ان العسكريين يحكمون باساليب عسكرية و ينفردون بالحكم، لانهم يحملون عقلية و ثقافة عسكرية، و لأنهم خاطروا بانفسهم ـ مهما كانت القوى الساندة لهم ـ لإنجاح انقلاباتهم العسكرية . . فان المدنيين الذين يأتون عن طريق انتخابات تشريعية عامة لايمكن بأي حال تبرير لجوئهم الى العنف و الى القوانين العسكرية و قوانين الطوارئ، التي يبقى خطر الرجوع اليها قائماً لأن البلاد حُكمت و لعقود طويلة بالاحكام العسكرية و تكوّنت في البلاد (ثقافة و عقلية العنف) و استمرت، و لأن الرئيس المدني ـ عندنا رئيس الوزراء ـ هو القائد العام للقوات المسلحة . .     
   فالدكتاتور صدام لبس بدلة الجنرالية دون تأهيل عسكري و بتوقيت اعدّ له، و البس اعضاء (مجلس الثورة) البزّات النظامية لذلك بتوقيت تلاه، و حكم حكما عسكريا ارهابياً، الأمر الذي يزداد خطر تكراره مجدداً في بلادنا اثر اعادة العديد من ضباط المؤسسة العسكرية الصدامية، بما فيهم كبار الضباط و القادة، الى القوات المسلحة، اضافة الى تزايد نفوذ كبار الفرسان (الجاش) في مناطق كوردستانية . .
و يرى محللون بأنه يمكن لأي مدني يحمل صفة قائد عام لقوات مسلحة ان يفعل مافعله صدام، في بلد من بلدان العالم النامي، من التي حكمها عسكريون او دكتاتوريون، و خاصة البلدان التي لم تتبلور فيها الطبقات و الفئات الوسطى، او اعيق نضوجها او حوربت، و حوربت فيها الثقافة و الرأي الآخر . . او بنيت على اساس الدولة الريعية التي لاتعمل فيها الدورة الانتاجية الطبيعية، لأسباب متنوعة . .
   و يرون ان الدولة المدنية لاتتأسس او تشاد بالعنف، و انما على اساس دستور مصوّت عليه  و معمول به، و حكومة تأتي عن طريق انتخابات، قوانينها و آلياتها تكرّس الحقوق و الواجبات المنصوص عليها دستورياً . . و تحمي تساوي المكونات الاصغر مع الاكبر، المكونات الاصغر التي لايمكن ان تنال حقوقها المشروعة الاّ بالديمقراطية لعموم البلاد . . دولة تحمي حقوق الكتل الصغيرة، فالجديد يأتي في العادة بداية من الأقلية لأسباب كثيرة لايتسع لها المقال ـ و خاصة في البلدان النامية ـ . . و قد شهدت بلداننا كيف حمل الجديد اقلية في بادئ الامر لتكبر و تطغي ان نالت تأييد الفئات الواسعة المسحوقة برجالها و نسائها، لتبنيّها مطالبها و النضال من اجلها .
و فيما يؤكد متخصصون على اهمية ابعاد الجيش عن فض النزاعات الداخلية و تفرغه لحماية البلاد و حدودها، فانهم يحذرون من مخاطر الاجهزة الخاصة التي قد تتكون عفويّاً ـ ان لم يكن مخططاً لها ـ ، بفعل التسرع في تلبية الحاجات او انعدام الثقة بالمؤسسات الدستورية و بالقوى الاخرى، لتقع تلك (الحكومة المدنية) في فخّ التطرف و لتولّد بذلك تطرفاً مضادّاً . . لايؤدي الصراع بينهما الاّ الى العودة الى الحكم العسكري و الى العودة الى دكتاتورية من نوع جديد .
   و يتفق الباحثون على ان الدولة المدنية تصون و تدافع عن الحقوق و الحريات المدنية العامة التي تشمل حرية الرأي و المعتقد الديني و المذهبي، حرية النشر و التأليف و التعبير عن الافكار و حرية الكتاب و المطبوع و بيعه و اقتنائه اضافة الى حرية النشر في الانترنت بقوانين تثبّت و تنظّم كل ذلك وفق دستور البلاد المصوّت عليه . . لا كما جرى من هجوم على " شارع المتنبي " ملتقى الكتاب و الثقافة في بغداد طيلة اجيال بحجة ( النظافة ) و كأن العاصمة تزهو بنظافتها !! او بمهاجمة منظمات المجتمع المدني و النوادي الاجتماعية و الاعتداء على حضورها بمجاميع منظّمة يدور الحديث عن ارتباطها بمكتب رئيس الوزراء !!
من ناحية اخرى، تكتسب في الدولة المدنية حرية ابداء الرأي و الصحافة و الاحتجاج و التظاهر السلمي اهمية كبرى يفترض بالحكومة المدنية ان تشجّعها، لإنها تخدمها من خلال توفير وجهات نظر و الإشارة الى مطالب قد فاتت عليها، لايوفرها نفعيون و انتهازيون و فاسدون يتراكضون لخدمة اية حكومة ليحتلوا بسرعة مناصب هامة فيها  . . لتعمل على التعرف على وجهات النظر تلك من جهة، و لتأخذ الجاد و الهام منها، و تعمل على تطبيقه من جهة اخرى، كي تواصل بنجاح مهماتها التي انتخبت من اجلها . . و من اجل تحقيق الحاجات الملحة و المساوات و حق العمل بغض النظر عن الانتماء الديني و المذهبي و القومي و الفكري و الجنسي، على اساس الاخوّة الانسانية و الانتماء للوطن، كما في الدول المتمدنة . .

22 / 9 / 2012 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) و يقصد هنا بالعنف ليس القوات المسلحة النظامية فقط، و انما بمفهومه الواسع باستخدام اجهزة الامن السرية و الميليشيات و الاجهزة المدنية الخاصة، و انواع التهديدات . . من التهديد بالقتل الى تهديد جهات رسمية بفتح ملفات . .

92
حين يُصادَرْ القانون بإسم (القانون)
                                                                                                              د. مهند البراك
                                                                                                           ahmedlada@gmx.net
    
ناضلت و تناضل الشعوب من اجل قيام " دولة قانون " و دستور، بعيداً عن استخدام العنف كوسيلة للوصول الى الحكم  او كوسيلة للحكم، وعلى اساس قوانين و اعراف حقوق الانسان المعمول بها في العالم المتحضّر، و من اجل الحرية و العدل و السلام و تآخي الشعوب كبيرها و صغيرها.
و فيما فرح العراقيون رجالاً و نساءً بسقوط الطاغية صدام رغم انشداههم بكيفية سقوطه و  قلقهم البالغ عمّا سيكون عليه البديل، و رغم كل التعقيدات و انواع الارهاب المتعدد المصادر و الجماعات . . بدأت الحيرة و القلق في طريقهما الى الهبوط و هم يتابعون تشكّل هيئات حكم اتحادي دستوري و محكمة عليا تحاكم طغاة الأمس علنا وفق القانون . .
بل و رغم انواع الآلام و الضحايا هلّلت حتى النساء رغم الدوس على حقوقهن المدنية، و زغردت اخريات بـ " هذا اليوم الجنّه نريده "(*) و هن يذهبن في اطار ذهاب كل العراقيين و تحديّهم للاعمال الارهابية التي استهدفت منعهم من التصويت و تسببت بسقوط اعداد من الضحايا . . للتصويت على مسودة الدستور الداعي الى قيام دولة مؤسسات على اساس القانون .
الاّ ان الحياة في البلاد و بأسف اخذت تزداد صعوبة و بشكل غريب منذ ان بدأ العمل بالدستور قانون القوانين، على اساس المحاصصة . . فمن تزايد الجوع، المرض، غياب الأمن، الكهرباء و الماء الصالح . . الى تدخلات و اعتداءات الاشقاء و الجيران التي شملت كلّ شئ بل شملت حتى المياه التي تتغنى بها البلاد و التي عاشت و تعيش على امجادها و ضفافها حضارات قامت و افلت و اخرى تحطّمت . . و لكنها بقيت شعاع الحياة و التطور لعالم اليوم الذي يزداد بحثاً عن سرّ بلاد مابين النهرين منذ القدم . . كما تتناقل بيانات وكالات العلوم و الانباء العالمية الغربية و الشرقية و غيرها .
و يرى محللون في ذلك، ان الوضع القانوني القائم الآن، قد يكون اخطر مما كان عليه في زمن دكتاتورية مفضوحة حين كان (قائد ضرورة) يصرّح علنا بان القانون هو (ورقة يوقعها صدام) . . بسبب وجود دستور و برلمان على اساس انتخابات الآن . . تستشهد ببنودهما و مقرّراتهما الاطراف المتنفذة الحاكمة في اتفاقاتها التحاصصية و خلافاتها و صراعاتها، و بسبب عدم وجود كتل متنفذة تصفق علنا لـ (قائد ضرورة) حتى الان !! فيما تغض النظر و تسكت اخرى عنه، و تعارض ثالثة بحدود الخوف على ضياع امتيازات  . .
و يرى آخرون ان (قائد ضرورة) ـ او اكثر ـ في الحقيقة موجود (وفق قانون) و انه يحكم من خلال تغيير القانون و الخروج على الدستور بـ (قوانين طوارئ) و بسبب (حاجات ثورية ملحّة) رغم عدم اعلان حالة طوارئ، و رغم طبيعية ان تتغير القوانين بتغيّر المجتمع و الدولة و مسيرتهما و لكن على اسس الحداثة و وفق روح الدستور المصوّت عليه، كأيّة ظاهرة و مرفق من مرافق المجتمع و الدولة، من اجل تواصل الحفاظ على جوهر الحقوق الاساسية للمواطنين رجالاً و نساءً . .  و على تاخذ الدولة بيد الشعب لا بأن تدوس عليه باسم القانون من اجل بقاء و تجبّر فئات مستفيدة . .    
و من فيض الموجود، ماجرى من المحاسبة و الحكم على رئيس مفوضية الانتخابات، بسبب صرفه 100 دولار، ثبت انها صرفت كمكافأة و اعيدت الى الخزينة . . في زمن ضاعت و تضيع فيه مليارات فلكية من خزائن العراق . . في سابقة لاتذكّر الاّ بسابقة الحكم على المواطن الفرنسي"جان فالجان" بحكم ثقيل بسبب سرقته رغيف خبز في زمن الثورة الفرنسية و كيف تحورت الى قضية سرقة شمعدان من كنيسة، فيما كان النهب و السرقات الكبيرة للنبلاء الجدد (حماة السلطة الجديدة) جارية بلا رقيب او حسيب و على قدم و ساق آنذاك . . التي جعل منها الكاتب الانساني الكبير " فكتور هيغو" لولب موسوعته الخالدة " البؤساء " . .
فيما يرى في ذلك متابعون بكونها (جرّة اذن) و تهديد لمفوّضية الانتخابات، ( وفق القانون) بعد ان فشلت مساعي الحكومة القائمة حتى الآن، من اخراج المفوضية من الموقع المستقل لـ " الهيئات المستقلة "، التي يتواصل الدوس عليها و الحاقها بمكتب رئاسة الوزراء الحالية ( باسم القانون)، رغم تنافي ذلك مع البنود الاساسية للدستور المتعلقة بها .  
و من ذلك الفيض، قرار الحكومة المحلية لمحافظة بغداد بمنع السافرات و لابسي الملابس (المخلّة بالحشمة) من دخول مدينة  الكاظمية المقدسة (وفق القانون) . . و اصرارها عليه رغم توضيح ناطق بإسم وزارة الداخلية الإتحادية الرافض لذلك (وفق القانون) ايضاً . .
و فيما يتساءل كثيرون، هل ان ذوي القرارات و القوانين المتصارعة تلك، هم من اصحاب الشهادات المزوّرة الذين اعفي عنهم (بقانون) ام هم من بقايا كفاءات الدكتاتورية الذين اعتاشوا على الالتفاف على القانون . . و فيما تستمر هذه الصراعات (القانونية) التي تشترك فيها المكاتب القانونية للوزارات الاتحادية المركزية و الكوردستانية، و للحكومات المحلية التي صار يضيع فيها القانون الأساسي "الدستور " و اهميته و مغزاه  . .
يرى سياسيون ان البلاد تعيش حالة اللاقانون، و يرى آخرون انها تسير وفق (اتفاقات قوانين) معمول بها محصورة بيد متنفذين لايعلنون عنها، التي ان لم يجرِ الغائها فإن البلاد تسير وفقها فعلاً نحو تثبيت كانتونات دينية طائفية و عرقية . . بين ولاية فقيه شيعية و امارة  سنية في مواجهتها و غيرها (وفق القانون) . . باسناد قوات مسلحة اهلية (ميليشيات) مجهّزة بأحدث الوسائل العسكرية السهلة الحمل من جهة، و بمحاولات زج الجيش في حل الخلافات السياسية الداخلية بدل قيامه بواجبه الاساسي في حماية البلاد و حدودها، من جهة اخرى . .
   و على ذلك يرون ان الصراع الذي ابتدأ في مواجهة الدكتاتورية المنهارة من اجل حق الشعب بحياة حرة كريمة، مستمر و انه لم ينته بنهايتها ـ الدكتاتورية ـ . . فرغم مرور مايقارب العشر سنوات على سقوطها، لاتزال البلاد تفتقر الى قانون النفط و الغاز، اقرار قوانين الانتخابات التشريعية و المحلية، قانون المحكمة الاتحادية العليا، قانون الاحزاب و غيرها من القوانين التي تشكّل اساس دولة المؤسسات . .
رغم وجود و تواصل العديد من صمامات الامان و التنفيس كما يظنّ القائمون على الحكم، من جرائد و مجلات، قنوات اعلامية، مؤتمرات و قرارات تدعو و تدعو . . بل و تتوالى الفتاوى التي تشجّع روح الانقسام و التمزق و الشوفينية القومية و الدينية و الطائفية، ليتراجع عن قسم منها بعد ان ادّت غايتها، حتى ضاعت في خضمّها بيانات و فتاوى المرجعية الشيعية العليا للسيد السيستاني . . بل و حتى فقدت الفتاوى قيمتها الانسانية التي طاعها الناس حين حملت الامل و التاخي و مواجهة الذل و الاستغلال . . فيما يعود الارهاب و تستمر مشاكل الكهرباء و الماء و البطالة و الصرف الصحيّ، و يزداد المنتفعون و المتنفذون غنىً و الفقراء و المحرومون بؤساً . .

3 / 9 / 2012 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) و تعني بالفصحى : هذا اليوم الذي كنّا نريده .


93
فيتو الفقيه و مخاطر (القاعدة)


د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net
   
منذ تأسيس الدولة العراقية و بنائها على اساس دستور و مجلس نواب، و الإعلان عن ان الدولة تقوم على السلطات التنفيذية و التشريعية و القضائية كما في العالم المتحضّر، لم يعش العراقيون رجالا و نساء في الواقع و لسنوات طويلة الاّ تحت سلطة القوة السياسية المهيمنة المعلن عنها و سلطة قوانين الاحكام العرفية و احكام الطوارئ . . ثم عاشت البلاد في ظل احكام عسكرية متواصلة منذ استئثار العسكريين بالحكم و تبادلهم دكتاتورياتهم بالعنف، الى انهيار آخر الدكتاتوريات التي حكمت بارهاب وعنف لم تشهدهما البلاد من قبل، باسم حزب حاكم فصّل الحكم و الدولة و القانون على مقاسه و وفق مشاريعه الغامضة . .
حتى صار القانون (ورقة يوقعها صدام)، و انه لايتطلب الى اكثر من (مسدس بالحزام و شهادة قانون في الجيب) على حد تعبير الدكتاتور البائد، و قام على تلك الاسس  بإعادة تشريع القانون مستنداً على (خبراء و حَمَلة شهادات بالقانون) لقوننة اعماله التعسفية في عمليات سُميّت بـ (اصلاح القوانين و اصلاح وزارة العدل)، وشيّد بذلك دكتاتورية على اساس (القانون) . .
ليقول اثر تزايد الاحتجاجات الدولية على كثرة المظالم، و على كثرة احكام الاعدام التي كانت تصدر في الظلام و تنفذ سريعاً، ليقول ( أننا دولة قانون . . و ان قوانيننا هي هكذا و لابد ان نحترمها)، في سعي يرى فيه محللون، ان دولة نفطية غنية بالفكر و الثقافة و تفعل فعلها في السياسة و الاقتصاد العالميين، لابد ان تقوم على قانون ـ ايّ قانون ـ شرط ان يكون معترفاً به من قوى متنفذة دولياً سواء كانت احتكارات او دول كبرى، كي يُعترف باتفاقيات حكمه لها و تعهداته في المحافل الدولية . .
و يرى متخصصون ان الإحتكارات الدولية الغربية و الشرقية التي دعمت الدكتاتور و تعاملت معه، رأت و ترى ان صياغة القانون في البلاد لابد ان تنطلق من زاوية مصالحها هي و وسطائها الداخليين و الدوليين، كي تؤمن لها تلك المصالح و كي تستطيع تغطية نفقات الحاكم المطيع لها و تغطية نفقات دعمه، مهما سبّب ذلك من مخاطر بالصالح العام .
و على ذلك بقيت القوانين التي تتحكم بالمفاصل الأساسية و الحساسة في البلاد غير معلن عنها و بقيت مبهمة . . كقوانين النفط، الميزانية السنوية الحقيقية، النفقات الخاصة التي فاقت و لاتزال حتى الآن تفوق الميزانية المعلنة، قوانين الحريات، قوانين  و واجبات و حقوق مواطن الشعب مالك الثروات . . رغم الدعوات الى اعادة صياغة القانون العراقي اثر سقوط صدام، و الى خلق سلطة قضائية تناسب الدستور الذي جرى التصويت عليه ـ على ثغراته ـ، في مرحلة دولية و اقليمية جديدة تدعو الى انهاء الدكتاتوريات و اقامة حكومات مدنية دستورية على اساس تبادل سلمي للسلطة بانتخابات، في زمان العولمة و تزايد العلنية و خروج الاحتكارات الكبرى المتعددة الجنسية عن بنيتها الكلاسيكية ـ من صناعية و علمية، مالية و نقدية، جيوسياسية، اعلامية و ثقافية الى غيرها ـ و خروجها حتى على سياسات حكوماتها ان تحددت (*) . .
و فيما تثار نقاشات حامية حول محاولة حكومة المالكي اعادة بناء المحكمة الاتحادية العليا التي اقرّ تشكيلها على اساس الدستور . . محاولتها لتكون على اساس المحاصصة الطائفية و العرقية و على اساس تمتع الفقيه المذهبي ـ الطائفي ـ بحق الفيتو على قراراتها و ليس تمتعه بحق الاستشارة. الأمر الذي يرى فيه كثير من المتخصصين القانونيين و السياسيين بكونه انقلاب خطير على مواد الدستور و روحه الداعية الى قيام حكم مدني يسعى للم شمل العراقيين رجالاً و نساءً، على اختلاف اطيافهم الدينية و المذهبية و القومية في اطار دولة اتحادية دستورية برلمانية، و ان ذلك يؤسس لقيام دولة ولاية فقيه طائفية تنسجم مع نهج و سياسة ولاية الفقيه في ايران التي صارت تهدد و تضغط على تابعيها، و تمدّ يدها لكل من يمكن ان يساعدها في الوقوف امام ضغوطات شعوبها من جهة و ضغوطات المقاطعة الاقتصادية الدولية لها.
وتحاول بدعم من احتكارات كبرى منافسة احتواء الصراعات السياسية و الاقتصادية و صراعات المكوّنات الديموغرافية ـ خاصة الطائفية شيعيّة و سنيّه ـ في المنطقة، بتوظيف ثروات شعوبها النفطية و الغازية، اثر تخوّفها من تزايد احتمالات سقوط عائلة الاسد في سوريا، التي ترى فيها حكومة نجاد القلعة الاساسية لها في سعيها للهيمنة على شؤون المنطقة في تنافس حاد مع دول الخليج . . الامر الذي يزيد مخاوف حكومة المالكي من السقوط في اوحال مستنقع طائفي جديد، و تحاول من خلال حزمة من القوانين المخلّة بالدستور ايجاد طريق لتفاديه من اجل بقائها . . غير مدركة او لامبالية بأنه قد يسرّع من سقوطها فيه، وفق عديد من المحللين و وكالات الانباء .  
و يرى آخرون تزايد احتمالات تصدّع تحالفات طائفية و قيام اخرى جديدة في دول المنطقة، بتركيز شعارات تدعو الى الوقوف امام (العدو الديني)، المجسد في الدولة العبرية . الذي يذكيه نهج الالة العسكرية الصهيونية المتغطرس. و يحذّرون من ان منظمة القاعدة الارهابية قد تطوّرت اعمالها من اعمال العصابات، الى محاولة اقامة دولة مستقلة لها كما يجري في اليمن  ـ و محاولاتها لإقامة دولة داخل دولة في دول اخرى كالعراق حيث تتزايد عملياتها الارهابية و تعاونها مع فلول صدام مؤخراً ـ  . . بعد مقتل بن لادن و ضعف القاعدة في افغانستان و باكستان، و اثر تزايد مواردها بشكل هائل من عملياتها و من تزايد نشاطاتها السياسية ـ و ليست الارهابية فقط ـ و سعيها و عقدها انواع الاتفاقات ـ المؤقتة و الدائمة ـ اقليمياً و دولياً و مع مكوّنات داخلية مذهبية و عشائرية او عرقية في المجتمعات العربية و الاسلامية، وفق بيانات رسمية و وكالات انباء متنوعة.
   موظفة لذلك، تزايد الضغوط الداخلية و الإقليمية و الدولية على القوى و المعارضات الديمقراطية المدنية في بلداننا في زمان النهب و الاغراءات و شيوع الإرهاب فيها رغم انواع البيانات الرسمية، و اثر تزايد التمييز و ممارسة سياسات طائفية و عشائرية و عرقية تستفز الآخر كما يجري في البلاد و تكريس ذلك في المحاولات الاخيرة للحكومة للخروج على مواد الدستور سواءً في محاولتها منح الفقيه حق النقض في المحكمة الاتحادية العليا بخلطها للمفاهيم الدستورية و تفسيرها . . او في التلاعب على قوانين الانتخابات التشريعية و المحلية، و على الهيئات المستقلة ( المحكمة الاتحادية العليا، مفوضية الانتخابات و قوانينها، البنك المركزي . . ) .
و تتساءل اوساط واسعة . . هل ستستغل احتكارات كبرى (القاعدة) لمواجهة ايران ، ام انها ستحاول دفعها للعمل مع حكومة ولاية الفقيه الإيراني نحو اقامة (دولة اسلامية على اساس حكم الشريعة في مواجهة اسرائيل) لإدامة حكم او اثر سقوط الاسد ـ بسبب تصاعد صراعاتهما المباشرة اي اسرائيل و ايران ـ ، و ما سيستتبع ذلك من صراعات طائفية اقسى مما مضى تحقق فيها تلك الاحتكارات الدافعة ارباحاً اعلى، موظفة محاولة الدفع الايرانية لمنح الفقيه حق الفيتو آنف الذكر الذي سيكرّس حكم الكانتونات الطائفية الحاكمة في البلاد . . مع التطورات المتلاحقة في سوريا و لبنان و حزب الله فيه، و تطورات سيناء . . التي تدفع احداثها المتسارعة المؤسفة بمجموعها، (القاعدة) الى التواجد و النشاط على اراضيها لمواجهة (العدو الديني الاكبر) !!
و موظفة لذلك جهود و وضع الادارة الاميركية التي تنتظر انتخابات الرئاسة القادمة، و سياسة (دع الامور تتطور بسلاسة ) في ظل جهل و فقر يزدادان بشكل مخيف و خاصة بين الشباب، و في ظل تدهور الخدمات الاساسية كالماء و الكهرباء و محاربة الصحافة و الصحفيين بلا هوادة، و اعادة مناصب و غض نظر عن مجرمين محترفين . .
وفق سياسات الاحتكارات في التلائم و دخول الصراعات القائمة و اذكائها اكثر بواسطة انواع المؤسسات و الشركات و التجمعات، لتحقيق ارباحا فلكية اعلى . . فيما تسعى احتكارات اخرى الى اذكاء الصراع العربي ـ الكوردي لتعطيل العراق من جبهة عنيفة اخرى، عن التقدم و الاستقرار على طريق قيام الدولة المدنية الاتحادية، التي تتطلب توحيد جهود كلّ المكونات على اساس الدستور و اصلاحه بوجهة الهوية الوطنية الجامعة و على اساس الكفاءة و خدمة الحاجات الملحّة للصالح العام، التي تشكّل اساس وقاية و حماية البلاد من المخاطر الكبيرة الشاخصة . .

17 / 8 / 2012 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ان التطور الهائل في تركيبة و مواضيع نشاط الاحتكارات متعددة الجنسيات، جعل من الصعب تحديد جنسية قسم كبير منها كي تجري مقاضاتها ان اخلّت بعقود مثلاً، ولكن قد يمكن مقاضاة احدى شركاتها . . وتشير تقارير دولية لهيئات الامم المتحدة الى عدم خضوع اعداد كبيرة من الشركات متعددة الجنسيات ـ بما فيها اسلامية و عربية ـ لأي قانون . . وما حدث في فضيحة محاسبة شركة (بلاك ووتر) ـ تغيّر اسمها ـ الامنية القى اضواء ساطعة على نشاط خبراء و مؤسسات قانونية دولية مدفوعة الاجر لسد ثغرات قانونية كبرى في نشاط احتكارات عملاقة او شركات عائدة لها .  


94
" قوة ايّ مكوّن، من قوة و تعاون كلّ المكوّنات "
                        
د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net

     بعيداً عن تفاصيل كثيرة . . لابد من القول ان اعادة تنظيم الاحتكارات العالمية المتعددة الجنسية و اعادة بنائها و ظهور جديدة و اصطفافها و آلياتها، بسبب تغيّر ثنائية توازن العالم من جهة. . اضافة الى تغيّر لغات و ادوات التغيير الاكثر تاثيراً، و نشوء اخرى خطيرة تعتمد الارهاب وسيلةً، و غير ذلك . فان نشاط و تأثير تلك الاحتكارات على حكومات بلدانها الصناعية، صار يتحكّم بقرارات تلك الحكومات اكثر، بل و صار لايتقيّد بسياساتها ان لم يصطدم بها عند (الضرورة) . .   
و يأتي ذلك متزامناً مع التغييرات العالمية للثورة التكنيكية العاصفة المتواصلة، التي صارت تسخّر الفضاء و الأثير و مكوّنات الذرة و جزيئاتها، في العمليات الانتاجية و تحقيق الاهداف . . في ظل ضعف و انعدام مرجعية قانونية دولية مؤثرة معترف بها عملياً كالسابق، كالأمم المتحدة و دوائرها بآلياتها، حين كان التوازن العالمي قائماً اساساً على القطبين الأعظمين في العالم . . لأنها صارت لاتغطيّ المتطلبات الاساسية كالسابق . بل نشأت و تعددت مرجعيات قانونية شبه دولية، قاريّة و اقليمية جديدة، تستند على قوى فاعلة، سواء كانت عسكرية و جيوسياسية، مالية فلكية و ذات خامات ثمينة، علمية ـ النوهاو ـ او معلوماتية، اضافة الى القدرات التحريضية و الاعلامية . .
وفيما يجتهد علماء و اتحادات دولية فاعلة في محاولة لإعادة تكوين و بناء مرجعية قانونية دولية موحدة قادرة على مواكبة تطورات العصر و الحدّ من العدوان و في سبيل السلم و حياة افضل للشعوب، يتواصل صراع و تنافس الإحتكارات الدولية بكل الطرق المشروعة و غير المشروعة . . جارّاً اليه دولاً و مكوّنات دينية و مذهبية و اثنية . .
  و صار ذلك يترك تأثيرات واضحة كبيرة على بنية دول و على عمليات اعادة بناء الدول المنتجة للخامات ودول الصناعات التكميلية و دول الصناعات الضارة بالبيئة بشكل عام . . و خاصة التأثيرات على الدول الداخلة بشكل مباشر في المعادلات العالمية للامن و الطاقة و الثقافة و الاديان، التي منها العراق بلادنا.
من جهة اخرى انتبهت الاحتكارات العاملة على خامات البلاد، من غربية و آسيوية، و بعد جهود متواصلة . . انتبهت في اواسط الثمانينات اثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية، عن طريق المسح الفضائي المتطوّر الى حقائق مذهلة عمّا يحتويه باطن الارض العراقية، و توصّلت الى حقيقة ان البلاد تعيش على كنوز من النفط الخام ـ و معادن نادرة الثمن ـ لم تعرفها في السابق و لم تدخل حتى الى حيّز الترشيح للإستثمار . . فعملت بكل الطرق على التعتيم على المعلومات، و على التحرّك بكل الوسائل للإستئثار بها لوحدها، و خاصة بعد سقوط الدكتاتورية و انحلال الدولة . .
و اخذت تلك العمليات تجري ـ كما اشارت وسائل الاعلام الدولية و الغربية طوال سنوات: من بي.بي. سي و سي. ان. ان . . الى ويكيليكس ـ سواء عن طريق السرقات الكبيرة المتواصلة مستفيدة من شبكة السوق السوداء التي نشأت باحضان الدكتاتورية السابقة، من عملاء داخليين و طرق تهريب و اسواق خارجية قائمة عليها، التي انتعشت و تفرّعت و تزايدت منذ سيادة الفوضى في العالم ثم في البلاد . . حتى البدء باعلان دولة تقوم على مؤسسات دستورية و انتخابات ـ مهما حملت من ثغرات ـ  حين صار على الإحتكارات ان تتحرّك علناً و وفق صيغ قانونية . .
و بعيداً عن تفاصيل كثيرة اخرى، تسعى احتكارات متنوعة كبرى لتحقيق غاياتها الانانية بالسرعة الضرورية لقطع الطريق على منافسيها، سواء كانت احتكارات متعددة جنسية غربية او آسيوية او . . اسلامية ـ تعمل بنفس الآليات التي لاتحدّ منها حدود الأخوة الاسلامية او المذهبية : شيعية كانت ام سنيّة، كما تروّج و تحرّض في بياناتها ـ فانها تتراكض لعقد الصفقات بكل الطرق، في بلاد تمزقها محاصصة جامدة، لم تتفق بعد على قانونها الموحد لإستثمار النفط و الغاز، بل و لم تتفق بعد على نظام يدير مؤسساتها الحاكمة و خاصة سلطتها التنفيذية مجلس الوزراء، وسط تزايد مخاطر الانحراف نحو الفردية، وفق اكثر وكالات الانباء استقلالية و انتشاراً .   
   و فيما يشير القاصي و الداني الى ان اقليم كوردستان العراق، هو المنطقة الاكثر استقراراً قياساً بعموم العراق، فان الإحتكارات النفطية تسرع لعقد الإتفاقيات الإستثمارية مع حكومة كوردستان مستندة الى حقيقة ان رأس المال يذهب الى حيث الأمان . .
   و من جهة اخرى، فيما تشير اوساط واسعة الى ضرورة استفادة الحكومة الاتحادية في بغداد من تجربة الإقليم على ثغراتها ليست الخافية . . و يستمر نهج السيد رئيس الوزراء الاتحادي و للاسف على تكريس النهج الفردي، الذي يصفه سياسيون بكونه الاسهل لضمان البقاء في الحكم و مواجهة التحديات . .
   استقبلت اوساط شعبية واسعة تصريح السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كوردستان الذي تناقلته وكالات انباء عراقية، والذي اعلن فيه استعداده لتلبية دعوة البرلمان الاتحادي للحضور و للاجابة و توضيح الكثير من المستور حتى الآن، و هي سابقة هامّة تسجّل للسيد البارزاني من جهة، و من جهة اخرى تعبّر عن سعي القيادة الكوردستانية الجاد لبناء دولة اتحادية فدرالية برلمانية، الذي لابدّ له ان يكتمل بدعم الكتل الكوردستانية  للقوى الديمقراطية العراقية الحليف التأريخي المجرّب للقضية الكوردية، على طريق السعي لقيام دولة يلعب فيها البرلمان المنتخب من الشعب دوره الضروري .
   في وقت تلعب فيه احتكارات دولية كبرى ادواراً خطيرة متنوعة في تأليب مكوّن عراقي على آخر، لإدامة حالة اللااستقرار، مسخرة الفساد و الجشع الاناني و الحب الجنوني للسلطة و المال بين اوساط متنفذة في الطبقة السياسية الحاكمة . . لتحقيق استثمارات رخيصة تحقق لها ـ للاحتكارات ـ اعلى الارباح.
   و يحذّرخبراء دوليون الى انه فيما تقف حكومات دول كبرى مرتعبة امام هذه الإحتكارات الجبارة و تحاول بكل الوسائل الممكنة البحث عن تحالفات مع دول و مكوّنات عرقية و مذهبية و كيانات نفطية او غازيّة و غيرها لتقوية مواقعها . . فإن اية كتلة متنفذة تمثّل مكوّناً عراقياً سواء كان مذهبياً او عرقياً لن تستطيع مواجهة اولئك العمالقة و دسائسهم لوحدها، بل تستطيع ذلك بخدمة و منفعة ابناء مكوّنها، و تظافر جهود الجميع لخدمة كلّ مكونات الطيف العراقي على اساس الانتماء للهوية الوطنية، من اجل سلام و رفاه اوسع اوساطه الكادحة، و كسب تأييدهم لأجل عراق فدرالي افضل، يستطيع التعامل مع تلك التحديات الخطيرة  . . 
و فيما يؤكّد علماء اجتماع و تأريخ، ان الحقوق الثابتة لأيّ مكوّن لاتأتي من مصالح سياسية آنية ابداً، بقدر من انها لابد ان تنطلق من اخذ كل الابعاد ـ و ليس بُعد واحد ـ لكينونة و وجود المكوّن ذاته ـ اجتماعية اقتصادية، بشرية حضارية جيوسياسية . . آنية و مستقبلية ـ و الاّ فإن ذلك المكوّن سيواجه محناً اقسى مما مضى . . و يؤكدون على ان دولة المؤسسات لن تتوقف على حزب او شخص بعينه من ايّ مكوّن، كما اثبتت التجربة المريرة لدكتاتورية صدام .  في زمن تحاول فيه دوائر احتكارية و سلوك حكّام، دفع العراق الى هاوية الصراع العربي ـ الكوردي الذي اعتمدته الدكتاتوريات العسكرية طيلة زمانها لتثبيت حكمها عليه بلا طائل، و الى عودة نزيف دم مرعب . . ليعود نضال الشعبين من اجل " الديمقراطية للعراق و حق تقرير المصير لكوردستان العراق " . .

3 / 8 / 2012 ، مهند البراك


95
ماذا سينتظر الحكومة ؟

                                                                                                           د. مهند البراك
                                                                                                       ahmedlada@gmx.net
   
تتزايد المشاكل التي يواجهها العراقيون برجالهم و نساءهم و اطفالهم و شيوخهم منذ تشكيل الحكومة القائمة ـ رغم نجاحات في دورتها السابقة ـ، وسط تزايد النهب و السرقات الفلكية و الفساد الاداري الذي شمل حتى مسؤولي و منتسبي " هيئات النزاهة "  . . و قيل الكثير و كُتب و نُشر اكثر حتى صارت اخبار البلاد تغطيّ مساحات كبيرة في بيانات العديد من المنظمات الدولية الانسانية و الحقوقية، الأمر الذي لم يعد يجدي معه اتهام جهة او جماعة بعينها بكونها هي التي تدبّر ذلك لـ (تتصيّد في ماء عكر).
بل يشير مجرّبون و عارفون الى ان خطورة ما تصل اليه الاحوال، قد لا تعد تجدي معها محاولات الكتل المتنفذة لسحب الثقة من الحكومة ثم تخفيف ذلك الى (استضافة السيد رئيس الوزراء الى البرلمان للمناقشة)، في وقت ترتفع فيه الخطوط الحمراء لحدود مماحكات الكتل المتنفذة مهددة وجود الكتل المتنفذة ذاته، الكتل التي تكوّنت على اساس السكّة التي رسمها الحاكم الاميركي السابق بريمر و على اساس مواقف الناخبين حينها رغم انواع التلاعبات في عمليات الانتخابات.
   ان الارتفاع الكبير في درجات حرارة صيف تموز اللاهب و تواصل و تزايد انقطاع الكهرباء اساساً، و تواصل تعثّر توفر الماء الصالح للشرب، و ديمومة خراب مشاريع الصرف الصحي و النتائج الوخيمة لذلك في بلاد يعرف اهلها بانها بلاد المليارات البترودولارية و الامن و المعادن النادرة من الذهب و الزئبق الاحمر والى عوائل معادن الكولتان الفوق الارضية و الانواع المتقدمة من اليورانيوم وغيرها، رغم التعتيم الجاري على قيمها الهائلة، و التي ابتدأت العمليات المتنوعة لسرقتها بانواع فرق الكوماندوز مع اشتعال الحرب الخارجية التي اسقطت الدكتاتورية و اسقطت الشعب في فخ المحاصصة . . . المعادن التي تتراكض عليها شتى الاحتكارات الدولية دافعة اموالاً لايحدها حدود الاّ حدود الفساد و الكومّشن الذي اصاب و يصيب اعداداً متزايدة من افراد الطبقة الحاكمة بكتلها المتنفذة . .
   و يشير خبراء الى ان الشعور المتزايد للمواطن العراقي بكونه رقم لاقيمة له و رقم يزداد انسحاقاً، في حرب لصوصية من نوع جديد تشارك فيها اقطاب دولية و اقليمية و داخلية بالشعارات الطائفية و العرقية . . وفي منطقة بدأت تلتهب اكثر بتصاعد الصراع الدامي لاسقاط بشار الاسد و اضطرار عراقيي المهجر السوري الى العودة بكل الطرق الى بلادهم بعد ضياعهم الطويل في الغربة و فقدانهم من جديد حتى للحد الادنى الذي اضطروا لقبوله مرغمين و انسداد جدوى الهروب من الواقع، و بروز دور الجماهير اكثر من اجل تحقيق الحد الادنى لمقومات العيش بعد ان جرى تغييب ذلك الدور و تشويهه . . كل ذلك و غيره سيشكل من جديد ان لم ينظّم و يستجاب له، سيشكّل مرتعاً خطيراً لمنظمات ارهابية جديدة و في مقدمتها (القاعدة) التي صارت تعلن عن خططها الاجرامية بصوت عالي، بتحالفاتها الجديدة . .
   و يشيرون الى ان تواصل اهمال الحكومة لشعبها و تزايد معاناته . . قد تصل الى حدود قد لايخفف منها تصاريح او هبات مادية او توافقات على برامج و اعادة رجال من الزمن البائد على خطورتها، و لامشاريع مكتوبة و مدبجة على ورق، و لااحتفالات لنجوم ترفيه . . . بعد ان ابتعدت الطبقة الحاكمة عن الشعب الذي يزداد تغرّباً عنها حتى بما يردد في مواكبه المذهبية، الأمر الذي صار يتطلب من الطبقة الحاكمة اجراءات عملية فورية بمستوى سرعة التطورات الجنونية الجارية، التي تعود الى درجة كبيرة الى نتائج اعمالها هي . .  
   والاّ فان التظاهرات التي اندلعت في البصرة و في انحاء اخرى في البلاد ان اندلعت ليلاً و صارت تتواصل نهاراً غير عابئة بالرصاص الذي ينتظرها كما اخمدت به في السابق . .  بل صارت تهدد بقطع انابيب النفط الذي تشعر بكونه لم يجلب لها الاّ التعاسة و الخوف، بعد ان بدأت الجماهير لاتسمع حتى اراء الاحزاب الداعية لإتباع الاصول القانونية، لأنها رأت بتجربتها انها لاتجدي . . رغم النصوص الدستورية الواضحة في ذلك.
و يرون ان الطبقة الحاكمة بكتلها النافذة ان لم تحقق شيئاً ملموساً للمواطن يبدأ بالتخفيف الفعلي من مآسيه اليومية، ليتواصل على منحه حقوقه الانسانية الاساسية، قد لاتوقفه اية حجة بعد ان ذاق و يذوق المرارات كلّها و بعد كبر عليها و صارت قدرته على التحديّ و المواجهة اعلى من السابق وفق المبادئ الاولية لعلم النفس الاجتماعي، الامر الذي قد يهدد بانفجار شعبي مدويّ او بانتفاضة لاتبقي و لاتذر بعد ان استمر على محصلة الفقدان و الضياع طيلة تسع سنوات . . و الماكنة العسكرية الايرانية مشغولة في سوريا وباحداثها الداخلية وبالحصار المفروض عليها .    

26 / 7 / 2012 ، مهند البراك
             
  


96
في رحيل المناضلة " حليمة علي "
   
                                                                                                  د. مهند البراك
                                                                                                  ahmedlada@gmx.net

رحلت المناضلة " حليمة علي " زوجة القائد الانصاري الشهيد " خضر كاكيل " الى مثواها الاخير بعد حياة مليئة بالمشاق و الحرمانات اثبتت فيها آيات من الصبر و الشجاعة شدّت فيها من ازر زوجها الشهيد خضر كاكيل في حياته كاحد ابرز قادة البيشمركة الانصار في نضالهم الشاق ضد الدكتاتورية في الثمانينات . .
في ربيع عام 1982 وفي لقاء جمعني بالشهيد خضر كاكيل في مقر سرية روستي اثر الانتصار الذي حققه بيشمركةانصار السرية بنجاحهم باقتحام ربيئة " سري سرين " بقيادته لهم في ليلة 30 / 31 آذار من ذلك العام، و كان اول انتصار من هذا النوع خطط له و قام باستطلاعة الشهيد كاكيل، و فتح بذلك الباب عريضاً لعمليات اقتحام الربايا العسكرية . .
حدّثني الشهيد عن كيفية التحاقه بقوات الانصار، بعد ان ازدادت الضغوط عليه من قبل رجال الامن الصدامي و جلاوزة الحكم الشوفيني و تزايد استدعاءاتهم له و لابنائه للضغط عليهم للتعاون معهم و تهديداتهم لهم بالقتل وسط رفضهم المطلق . . فقال :
" بعد ان اطمأنيت لوضع البيت و موافقة زوجتي و استعدادها للمواجهة و بعد ان كبر ابني البكر عمر الذي يمكنني الآن الاعتماد عليه لصبره و شجاعته و عنايته بالعائلة . . قررت الخروج الى الجبال، الى حيث رفاقي الانصار يقاتلون الدكتاتورية . . انه لمن حسن حظيّ اني حظيت بزوجة و ام شجاعة تفهّمتني و هي كأنها الملاك الحارس لما اقرر القيام به، و منذ معركة " هندرين " . . "
   تلك هي شخصية المناضلة الجسورة " حليمة علي " التي التقيت بها عام  1987 في دولي سماقولي في النقطة التي كان يتجمع و يلتقي فيها اعضاء مكتب الفوج 31 بضيافة مكتب سرية كويسنجق آنذاك، و التي تقع في قرية صغيرة مهجّرة اعتقد ان اسمها كان " كروش " و كانت الاقرب الى مدينة كويسنجق من جهة حماموك . .
   التقيت بها حين جاءت مع مرافقَين مكوّنين من امرأة، و رجل كان يسوق الشاحنة الكبيرة التي رفع عنها حوضها الخلفي (خاور باللهجة المحلية) . . بعد ان اوصل استطلاعيونا من شباب المنطقة خبر مفاده ان زوجة الشهيد كاكيل تبحث عن مقر انصار الحزب الشيوعي في دولي سماقولي. و بعد تدقيقات سيطرة و حماية بيشمركتنا، التقيت بها كاقدم من كان موجودا في المقر وقتذاك.
   كانت تكفل و تطلب اطلاق سراح احد افراد الافواج الخفيفة الذي كان محتجزاً عندنا و كان آمر مجموعة، حيث جاءت لاطلاق سراحه لانه كان من موقعه ذلك يحمي عدد من عوائل البيشمركة في رواندوز و اربيل . . وانها جاءت مع المرافقين معها كوفد من تلك العوائل لاطلاق سراحه . .
   و للثقة العالية بالمناضلة " حليمة علي " تقرر اطلاق سراحه و ان يأخذوه معهم . . تلك الثقة التي انبنت على كل حبها و رعايتها لعائلتها الرعاية الصالحة و على مواقفها الجريئة سواء من نشاط زوجها الانصاري البارز و تحملها انواع التوقيف و الملاحقات و العوز طيلة سنين بسبب ذلك و مواصلتها اعمال المراسلة رغم كل المشاق
او من موقفها حين اقسم ابنها الثاني عثمان عند استشهاد ابيه على ان يلبس ملابسه و يحمل ذات سلاحه لمواصلة نضال ابيه و هو لم يكمل السادسة عشرة بعد، وسط فخرها و بين دموعها التي ازدادت حين فقدت ابنها الشاب الجميل الشهيد عثمان ـ سركه وت ـ ذاته . .
تحية اجلال و احترام على قبر الفقيدة الام المناضلة حليمة علي و الذكر الطيب الدائم لها و لروحها الطاهرة
و الصبر و السلوان لابنائها و لكل عوائل و نساء و ابناء البيشمركةالانصار !


8 / 6 / 2012 ، مهند البراك            

97
اين كانت " دولة القانون" عند خطف البرلمان ؟
                                                                                                           د. مهند البراك
                                                                                                     ahmedlada@gmx.net

يبدو للبعيد و كأن قول رئيس الوزراء بأن " لا استجواب، ولا سحب ثقة إلا عندما نصحح وضع المؤسسة التشريعية. . بعد اختطاف البرلمان " يبدو و كأنه قول لمصلح او سياسي يبذل الجهود في سبيل تصحيح مؤسسات الحكم لصالح الشعب، او أنها هي السبب في ماتعيشه البلاد . . و ليس بسبب سياسة و اجراءات حكومته، و هيمنة كتلته البرلمانية على البرلمان ذاته من خلال " التحالف الوطني " الكتلة الاكبر فيه . .  
و كأن المواطن العادي بمعاناته اليومية لا يعرف ان المؤسسة التشريعية المقصودة هي ذاتها التي اوصلت المالكي بقراراتها الى رئاسة الوزراء، وسط اجراءاته الفردية ـ كرئيس وزراء الدورة السابقة لإنتخابات الدورة الثانية ـ و تهديداته حينها سواء بقطع الانتخابات و باتهامه مفوضية الانتخابات المستقلة بالتحيّز و الرشوة عند ميلان الكفة لصالح منافسيه، وسط تأكيدات و تهديدات رئيس الجمهورية الإيرانية نجاد علناً، بضرورة فوزه هو . . ليدافع المالكي بعد ان ضمن موقعه بتوافق الكتل، عن قرارات المفوضية رغم اعتراضات كتل هامة على عملية الانتخابات و اتفاق المحكمة الدستورية معها بعد ذلك، بقرارات . . ثم بممارسة اعضاء من حزبه و رجاله تهديدات واغراءات متواصلة، سواء خلال عملية الانتخابات التشريعية ذاتها او في تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر بعدئذ.
   و فيما يرى كثيرون في ذلك القول خروجاً عن الدستور الذي بقي يدعو الى الالتزام به الى قبل ايّام، فانهم يتساءلون امن المعقول انه لم يلاحظ الاّ الآن، ابتعاد مسيرة الحكم عن الحياة اليومية الصعبة للمواطن، التي يتحمّل هو مسؤوليتها الاولى كرئيس للحكومة ـ و حزبه الذي تمارس قيادته دور الحزب الحاكم ـ ؟ الا يلاحظ نتائج ما قامت و تقوم به التهديدات و العطاءات من خزينة الدولة لتجميع المؤيدين التي تثار عليها انواع التساؤلات بسبب السرقات الفلكية و غض النظر ؟ و قرارات صادمة لتقريب المؤيدين وصلت الى الاعتراف بالشهادات المزورة كأمر واقع . . فيما يواجه المطالبين بحقوقهم الطبيعية في الخدمات و الاصلاح بالرصاص الحي . .
بعد تصاعد سياسة حكومته في اتباع سياسة "حافة الهاوية" ـ عليّ و على اعدائي ـ بتهديد الكتل المتنفذة الاخرى بكشف ملفات غسيلها، حتى صارت التهديدات متقابلة، و صارت لا تهدد الاّ بسقوط معادلة الحكم بالمحاصصة. فيما يرى مراقبون انه يستند في سياسته تلك على النجاحات التي حققها في دورته الاولى في تحسين الامن و كسب بها ود الأمريكيين و الساسة الايرانيين حينها، و وظّفها ـ باتفاقات عليا لم تعلن ـ لضمان فوزه في الدورة الحالية مدعوماً بشكل ثابت من ساسة ايرانيين، مادام نهجه كرئيس الحكومة و القائد العام للقوات المسلحة يفيد السياسة الايرانية . .
فيما تصعّد حكومته، بمناصبها اللادستورية التي غلب على وزراءها العسكريين و الامنيين و مدرائها طابع الـ "الوكيل" . . تصعّد ممارساتها في كتم الافواه، و تهمل التنبيهات المخلصة و مشاريع الاصلاح بل و تلاحق المطالبين و المعترضين دستورياً على اجراءات، بالسجون و التعذيب ـ وفق بيانات تتواصل للمنظمات و المؤسسات القانونية و الانسانية، الداخلية و العالمية ـ ، فيما يطلق سراح و يقرّب مجرمون و ارهابيون معروفون . .
و يرى خبراء انه و مقرّبيه، بمراهناتهم الصمّاء على قرارات حكومة نجاد الايرانية و قرارات دوائر الغرب فقط و محاولتهم توظيفها له، دون الانتباه للدور الاساسي للمصالح النفطية و الامنية المتغيّرة في رسم السياسات . . و دون الاهتمام حقاً بحقوق شعبه بالحياة و الحرية، و تدنيّ درجة مقبوليته بين اوسع الاوساط الشعبية، و تغيّر التوافق الذي اوصله . . يعكس فهما قاصراً حتى لمحاولة تقليد قبول الادارة الاميركية فوز زعيم الاخوان المسلمين السيد مرسي بالرئاسة المصرية، المرتبطة بظروف مصر و حركاتها و قواها الشعبية و مؤسستها العسكرية . .  
   و لابد من التذكير هنا، ان حب السلطة و الانفراد بها هو الذي دفع الدكتاتور صدّام الى تحطيم حتى قيادات حزبه و الى مسخه ليسبّح بحمده، لضمان وصوله الى الرئاسة و الاحتفاظ بها عائلياً، فكبّد شعبه و المنطقة خسائر فادحة. و هو ذات الحب الكريه الذي اوصل هتلر الذي جاء بانتخابات برلمانية، الى فكرة الرايخ الثالث و "جئنا لنبقى"(1) لمحاولة السيطرة على النظام الاقتصادي العالمي ـ بدفع من رؤوس الاموال الباحثة عن اسواق (2) ـ و كبّد بذلك العالم و البشرية خسائر هائلة، بعد ان دمج السلطتين التشريعية و التنفيذية بيده بالعنف و الاموال، بتوظيف التناقضات المحتدمة الجارية آنذاك ليكون هو اعلى الجميع " الفوهرر" (وفق القانون؟).  
   و فيما يرى متخصصون، ان قيام حكم اسلامي في البلاد على غرار ايران 1979، لن يكون ممكناً، لجملة من الظروف العالمية و الاقليمية التي جعلت من نظام ولاية الفقيه الايراني ذاته، سبباً في حدوث أنواع الازمات و الآلام للشعوب الإيرانية و المنطقة من جهة . . و بسبب فشل نظام المحاصصة الطائفية و العرقية القائم الذي صار يدور في حلقة لايتمكن من الخروج منها حتى ان توفرّت النية في اصلاح اوضاع الشعب، في غياب ضامن للتوازن المدني . . كالمؤسسة العسكرية المصرية في ظل فوز الاخوان المسلمين بالرئاسة هناك، بمنظور الستراتيجيين الاميركان، مثلاً.
   يرى آخرون بانه رغم القليل الذي تحقق، فان السيد المالكي قد ذهب بعيداً في فرديته و اجراءاته المنافية للدستور . . من ضرب المتظاهرين بالرصاص، اضطهاد الصحافة و الصحفيين، استخدام ملفات الأمن و النزاهة كسلاح لمواجهة المنافسين و كسب الأتباع داخل و خارج كتل البرلمان، الى السيطرة على الهيئات المستقلة و القضاء و غيرها . .
حتى صارت دعواته للحوار مع مخالفيه لايمكن الركون اليها بسهولة، لسرعة انسحابه مما يتفق عليه ان وجد ما يحقق له هو مكسباً اضافياً للاستئثار بالحكم، بل ان سلوكه آنف الذكر ابعد المرجعية الشيعية العليا عن تأييد حكومته، بعد ان صار سلوكه السياسي معروفاً طيلة تجربة 6 سنوات على حكمه كرئيس وزراء . . و يتساءل آخرون بانه قد يرى ان سلوكه هو الصحيح (!) في اطار فكره و ايديولوجيته الداعية لقيام حكم و دولة اسلاميتين، والاّ لماذا يدعو الى حل البرلمان و الى اجراء انتخابات جديدة؟ كجواب على و هروب من المساءلة الدستورية الأصولية كما يجري في البلدان الدستورية، و وفق بنود الدستور العراقي، الذي اقسم على حمايته؟ اليس ذلك اكثر ايلاماً من رفض الهاشمي نائب رئيس الجمهورية ؟؟  

29 / 6 / 2012 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   لاحظ تعبير (ماننطيها) للمالكي باللهجة العراقية، بانه لن يسلّم السلطة لأحد غيره .
(2)    لاحظ الصراع العنيف لرؤوس الاموال الاقليمية الباحثة عن اسواق في جعل العراق اسواقها، لتصريف بضائعها المتخلفة و الكاسدة : الايرانية المحاصرة، التركية، الخليجية و العربية، اضافة الى صراعات النفط بين الكواسر الدوليين الكبار من غربيين و شرقيين . . التي تبحث عمّن يحقق لها اهدافها من الكتل العراقية المتنفذة، مهما كانت خسائر الشعب .  


98
عن اي تبادل سلمي للسلطة يتحدثون ؟
            
                                                                                                              د. مهند البراك
                                                                                                     ahmedlada@gmx.net

اضافة الى المحاصصة الطائفية و العرقية التي فُرضت فرضاً كبديل للدكتاتورية، لأسباب متنوعة لايتسع لها المقال، على رأسها تخوّف الدوائر الكبرى من انفجار الاوضاع في العراق بوجه الدكتاتورية البائدة و قيام بديل شعبي راديكالي غير مسيطر عليه منها، يهزّ منطقة النفط هزّاً عنيفاً و يهدد توازن و تفاهم احتكاراتها النفطية الدولية السابق، بمجئ توازنات و حسابات جديدة لصالح شعوب المنطقة، او يؤديّ الى مجئ احتكارات جديدة الى معادلات المنطقة، غربية كانت او آسيوية . . تؤديّ بارباحها او تصيبها باضرار لاتحسد عليها . .  
عملت دوائر القرار المتصارعة : الدولية من جهة، و الدوائر الإقليمية التي فرضت مشيئتها على اطراف معارضة صدام في سنوات كفاحها الدامي ضد دكتاتوريته، حين اضطرّت الى اللجوء الى دول الجوار، بعد ان ضاقت بها الارض و ضاقت بها القوى الدولية المشغولة دوماً بتحقيق ارباحها الفلكية سواءً من النفط او مايحققه لإحتكارات سلاحها نهج الدكتاتور الارعن من ارباح فلكية اضافية بسياساته الحربية، التي اعادت نتائجها العراق  الى عهد ما قبل الصناعة، على يد تلك القوى ذاتها . .  
   و تستمر تلك الصراعات بوجوه و آليات كثيرة التعقيد يغلب عليها العنف الوحشي و التهديد به، رغم الاعلان عن تبني مبدأ " التبادل السلمي للسلطة " . . آليات تؤثر و تتفاعل و تركب اطراف معارضة صدام ذاتها، التي أُوصِلَت للحكم اثر الحرب الخارجية التي اسقطت الدكتاتورية، بالعمل على ادامة مشاعر المظلومية الطائفية ـ بعد مراحل المظلومية القومية الصدامية و الدينية، التي قد تعود اليهما ـ . . موظفة حال الحكومة و الحكم الطائفي القائم لذلك . .  
و يتساءل كثيرون، لماذا انحصرت الخلافات في نخب و اشخاص و في دوائر مغلقة، دون مصارحة الشعب، و الاّ لماذا يخاف رئيس الحكومة الاتحادية ـ و رؤساء كتل متنفذة اخرى ـ من المساءلة البرلمانية الاصولية المفتوحة امام الشعب ؟ و لماذا يحذّر ناطقيه من احتمالات تقديمه الى المحاكمة الدستورية ؟ و تساؤلات عن ماهية القواعد المعتمدة في صفقات الحكم العليا ؟ و هل تعبّر المحاصصة الطائفية و العرقية عن تقسيم العراق سرّاً الى مناطق نفوذ دولية و اقليمية كما تقسّمت برلين و المانيا بعد الحرب ؟ و ان صحّ ذلك لماذا لا يُصرّح بذلك علناً ؟؟ و انما يعيش الشعب باطيافه ذلك و يقرأه بين سطور فترات الهدوء و يجتهد به و يراه علناً عند الازمات، لتزايد اسرار صفقات الحكم و معادلاته، بعيداً عن الدستور المعلن ؟؟
بل لماذا يُرحّل كل ذلك الى جهل و تخلّف الشعب باطيافه ؟ بل لماذا تجري البحوث و الندوات التي تبحث في اسباب وحشية الشعب و طائفيته و روحه القومية و الدينية المنغلقة و جهله (كذا) . . دون الاعلان عن حقائق ما يكرّس من اموال هائلة تعدّت مئات مليارات الدولارات ـ وصلت الى تريليونات ـ، و ما يكرّس من ميليشيات داخلية ـ من فلول صدام، الى الجديدة و المستحدثة، شيعية و سنيّة و مختلطة ـ اضافة الى فرق متخصصة دولية و اقليمية، كما تتناقل وكالات الأنباء و المنظمات الانسانية . . لإطلاق تلك الارواح الشريرة من مقابرها.
و اذا ما قارن البعض مايحدث قياساً على ما كان يجري على صعيد السلطة في زمان الدكتاتوريات العسكرية و دكتاتورية صدام . . يرى متخصصون بأن الواقع الجاري بنظر المواطن لم يعد يختلف كثيراً عمّا كان يجري في البلاد، الاّ في حدود الاستجابة المحدودة، لمطالب شعبية حين غلبت عليها العواطف المتأججة الجريحة، لتبرير عملية اسقاط الدكتاتورية . . و انه يوظف ما اوصلت الدكتاتورية به البلاد من دمار و تخلّف للحفاظ على كرسي الحكم، و انه ـ الواقع الحالي ـ اختلف عنها في تزايد انكشاف ما كان يجري سرّاً في السابق، عن حقيقة رجال السلطة و ماهيّاتهم و صراعاتهم على مغانم السلطة، بسبب تزايد العلنية في العالم بفعل العولمة و الانترنت.      
   و ان السلطة لاتزال تسير و ان بألوان جديدة، على نفس معادلات الحكم السابقة القائمة على ابعاد الجماهير عن السياسة و على محاولات منع تكوّن رأي عام حول قضايا الساعة . . بحصر دور الجماهير  في تحشيدات لتأييد الحكم من جهة او تحشيدات لإحياء المناسبات الدينية و المذهبية و احياء مناسبات جلوس الحاكم على مقعد الحكم و مايتّصل بذلك، وصولاً الى العطاءات و الهبات . .
     و اذا ما يتابع الناس حرب الملفات و التهديد بفتحها، سواءً من قبل رئيس الحكومة او من قبل قادة الكتل المتنفذة . . فانهم ـ الناس ـ يخافون من تحوّل التهديدات الى عودة احياء الميليشيات الارهابية(*)، و هم يعيشون قبول اعداد جديدة منها في العملية السياسية و تأهيل اخرى لمواجهة المنافسين و المعارضين . . في وقت يعبّر فيه قادة الكتل المتنفذة و في مقدمتهم رئيس الحكومة القائمة في مقابلته الاخيرة على قناة شابير الفضائية الجديدة قبل ايّام حين قال " في الحقيقة لايجري تبادل سلمي للسلطة في العراق " . .
   و ترى اوساط تتسع ان مايجري في البلاد ان لم يجرِ ايقافه من قبل كل الاطراف الداخلية و الاقليمية و الدولية ذات العلاقة، و حلّه على اساس القضية الوطنية و الحكم المدني الاجتماعي التعددي بعيدا عن المحاصصة التي تتوضّح اكثر نتائجها المدمّرة  . . فان ذلك سيؤديّ الى تحطّم السكة الجديدة التي وضعت عليها البلاد على اساس قيام دولة مؤسسات برلمانية خاضعة لدستور صُوّت عليه، و سيعني بانه حتى القليل الذي تحقق سيذهب هباء . .
و يرون في مسيرة الحكم القائم، بكونها تسير نحو بناء دكتاتورية انكوت بها البلاد في السابق، و جرّبت بدماء ابنائها طرقها و فنونها الشيطانية و ماهية ادواتها . . دكتاتورية عن طريق تهديد و نهش الكتل السياسية الاخرى، و الاصرار على الهيمنة الفردية و على مايحدث و اتباع سياسة ثابتة في كتم الافواه و الصحافة . . بدلا من الاستناد الى الطرق و الاليات الدستورية و الى الطرق المدنية المعمول بها في العالم المتمدن اليوم .
فيما يرى مراقبون ان استمرار تلك الصراعات، سيخل باستقلال البلاد و بموقفها الوطني المحايد في الصراع الاقليمي، اكثر . . و سيجرها الى اتون حرب تستعر اوارها بتفاقم الوضع السوري المهدد بتوسع الصراع المسلح في المنطقة جاراً اليه، اضافة الى ايران و خلافاتها الداخلية و صراعها حول المفاعل النووي، دول الخليج و تركيا، اسرائيل اضافة الى القوى الكبرى من الولايات المتحدة و الاتحاد الاوروبي، الى روسيا و الصين . .  
ففي مقابل التعزيز المتواصل للقاعدة العسكرية الروسية في سوريا، اعلن قبل ايام عن نجاح المناورات العسكرية الكبيرة لفرق القوات الخاصة لدول الناتو و الغرب، في الاردن . . و يجري تعزيز القاعدة العسكرية الاميركية في الكويت بمزيد من الجنود و المخطط لأن تضم اكثر من اربعين الفاً من قوات المارينز الاميركية، وفق صحيفة ساينس مونيتور الاميركية في عدد 21 حزيران الجاري . .


23 / 6 / 2012 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) اضافة الى محاولات اقحام الجيش في السياسة . . بسعي الحكومة القائمة لدفعه الى حل الخلافات
     السياسية، كما تتناقل وكالات انباء مستقلة .


99
مخاطر حكومة (اغلبية)
            
                                                                                                                 د. مهند البراك
                                                                                                  ahmedlada@gmx.net

في خضم الصراع المحتدم بين القوائم المتنفذة، المطالب بتغيير السيد المالكي كرئيس للوزراء
و اقتراح استبداله بشخصية اخرى من نفس الكتلة البرلمانية التي ينتمي اليها، بسبب ما آلت اليه اوضاع البلاد، كتغيير ضمن اطار المحاصصة الطائفية الاثنية المعمول بها  . . ظهرت تصريحات بدأ بها السيد المالكي عن السعي لتشكيل (حكومة اغلبية سياسية) بدل الحكومة التوافقية ـ او حكومة الشراكة ـ ، في حالة استمرار ازمة الحكم و الحكومة . .
   و يرى مراقبون و خبراء بانه، على الرغم من ان فكرة " حكومة اغلبية " تبدو سليمة لكونها (تمثّل الاغلبية) في الظاهر . . الاّ ان مثل هكذا اغلبية ضمن نظام تحاصصي طائفي عرقي يقوم على اساس المكوّنات الديموغرافية و على اساس كتل متنفذة تنطق باسمها، لايعني ان تحققت الاّ العودة الى حكم عرقي او حكم طائفة بعينها و تسيّدها على بقية الطوائف و الاعراق، و لايعني الاّ العودة الى النظام الشوفيني العرقي العائلي الذي ابتدأت به دكتاتورية صدام . . و يصفه قسم بكونه اخطر مما مضى لكونه يقوم على تشريعات اصولية من دستور و انتخابات و برلمان.
حيث ان مفهومي الاغلبية و الاقلية ضمن نظام المحاصصة المعمول به، هما مفهومان ليسا مطلقين، و انما مفهومان نسبيّان مرتبطان بالنظام المذكور الذي اوجد (مفهوم الصفقات السياسية)، المفهوم الذي لايعني الاّ ان تحقق الصفقة المعينة لابد ان يناسب الحصص الطائفية و العرقية . .
و يرى نشطاء ممن ايّدوا  نظام المحاصصة يوم كان مفيداً بهدف تحقيق اجماع وطني، يرون ان نظام المحاصصة صار معيقاً و خانقاً، بتطور اوضاع البلاد و تغيّر العديد من التوازنات و الموجبات القانونية و الدستورية من جهة، اضافة الى المتغيرات الشعبية و السياسية من جهة اخرى، سواءً في الوضع الداخلي او الاقليمي و الدولي . . طيلة العقد الاخير.
و انه يحتاج الى تعديلات تتطلبها التطورات العاصفة الجارية، تعديلات تحافظ على روحه في تحقيق الوحدة الوطنية على اساس الحقوق و الواجبات. و يرون في ذلك امراً طبيعياً كما يجري في الدول الدستورية المتقدمة التي تغيّر مواداً من دساتيرها خدمة للصالح العام الضاغط من اجل ذلك و عملاً بروح الدستور ذاته .
فيما يرى سياسيون و اوساط متزايدة، ان بقاء نظام المحاصصة الاصم بذاته، لا يعني الاّ البقاء في نفس الحلقة المفرغة، رغم تصاعد صراعات الكتل المتنفذة استناداً اليه. لأن البديل القادم سيأتي وفق نفس النظام و بنفس مسيرته المؤسساتية، و بالتالي فإنه ـ البديل ـ قد لن يخرج عن روحية الاستحواذ على الحكم و احتكاره له او لحزبه او طائفته كما يجري الى الآن، و انه لن يستطيع لوحده ان يحل الازمة العامة للحكم ـ ان استطاع تشذيبها الآن ـ . .
و ان الحل يكمن في اعادة النظر كلياً بنظام المحاصصة الطائفي العرقي المُكرّس للطائفية و العرقية بدلاً من سعيه لتلبية الحقوق من اجل تفاعل المكوّنات لصياغة الموقف الوطني . . و اعتماد الكفاءة و النزاهة بغض النظر عن الهوية المكوناتية الديموغرافية ـ و بضرورة مراعاة ان لا تطغي هوية واحدة منها ـ ، و على اساس الانتماء للهوية الوطنية الواحدة، بلا تمييز او تفريق بين دين و مذهب و قومية، و بلا تمييز بين امرأة و رجل .  
و يرون ان الحل صار يتطلب بالحاح قانون احزاب، يضمن قيام احزاب سياسية ذات مشاريع واضحة توظّف كفاءات البلاد لتلبية حاجات المجتمع الامنية و الاجتماعية و الاقتصادية و الحياتية و السير به نحو افق مشرق و رفاه لشعب يستحقه . . احزاباً لاتتعكّز على اللطميات و البكائيات على ماضٍ مجيد، يتطلب التذكير و التربية الجادّان به قيام مؤسسات على درجة من العلمية و المصداقية، لتحافظ عليه و تستخلص دروسه و عبره الغنية على اساس الحداثة، لمواجهة تحديات اليوم . .
و ليس الإساءة الى ذلك الماضي بتسخيره لأمور دنيوية فئوية او شخصية تسئ اليه، او لمواجهة منافسات حكم انانية و لجمع ثروات بفساد اداري و بسرقات فلكية، وسط توظيف تحشيد مئات الآف المسحوقين المنتظرين للخلاص على يد ائمة اطهار، بسبب غياب عدالة الارض .

12 / 6 / 2012 ، مهند البراك



100
عن تحريم الحائري لإنتخاب علماني . .

                                                                                                                 د. مهند البراك
                                                                                                      ahmedlada@gmx.net

بعيدا عن حق الفرد بالايمان و العبادة و المذهب كجزء من خصوصياته و حُرُماته . .  يتفق كثيرون الى ان تزايد اقبال جماهير واسعة الى الاديان و المذاهب، للتوصّل الى أمل لتحقيق عدالة مفقودة و كطريق للخلاص من الظلم المعاش ، يعود الى زمان ارهاب دكتاتورية صدام و حروبها و سياستها التدميرية، و بسبب ظروف و صراعات المنطقة . . حتى صارت الدكتاتورية ذاتها في ذلك الحين تتملق الدين و المذهب بحملاتها الايمانية . . تقربا من الناس و كي لاتقطع الجسور مع آمالهم، لأن تغرّب الشعب عن حاكميه يهدد بانهيار كراسيهم، و ذلك ماحدث . .
و ان لعبت آمال الجماهير بعدالة السماء بعد ان فقدت ثقتها بعدالة الارض دورا كبيراً في صياغة مفاهيم البدائل العادلة للدكتاتورية عند الناس، فانها لعبت ذات الدور في تخطيط و فعل الدوائر الكبرى الدولية و الاقليمية لمحاولة صياغة بديلها للدكتاتورية لتحقيق ما يمكنه ادامة مصالحها، التي التقت مع مصالح متطلعين جدد يسعون للامساك بالحكم باسم المقدّس .  
   و يرى سياسيون و اجتماعيون انه، فيما لعبت فتاوى اية الله العظمى السيد السيستاني ادواراً هامة في التوجيه الشعبي نحو تأسيس حكم وطني على اساس دستور و قانون و برلمان، تصاعدت بعدئذ تاثيرات الفتاوى الدينية بين الناس كوسيلة للخلاص من المعاناة و الآلام التي استمرّت و تفاقمت و لم تنتهِ . . و وظّفت ذلك فئات تسعى الى تحقيق اهدافها  الدنيوية في الحكم بصياغات طائفية. و ازداد ذلك التأثير اكثر بفعل تصاعد نشاط منظمة القاعدة الارهابية الطائفي المعاكس (*) الذي صار يلعب ادوارا دموية مخيفة مع فلول دكتاتورية صدام المنهارة، اضافة الى الدخول المباشر الواسع للدول الاقليمية على ذلك الطريق . .
و قد ادىّ ذلك بنظر متخصصين و مراقبين الى تزايد اعداد المراجع، الذين اتخذوا من الفتاوى في الواقع، مهناً للكسب و الحكم من خلال محاولات متنوعة لكسب المزيد من الاتباع و المقلدين و بالتالي المزيد و المزيد من ارباح "الخُمُس" و الارباح المتحققة من النفوذ في الحكم و في رجاله و مؤسساته . . التي لا يحدّها اي قانون لحد الآن، سواء كان دينياً او حكومياً .
الامر الذي نبّهت اليه المرجعية الشيعية العليا للسيد السيستاني حين طالبت رجال الدين بالابتعاد عن الترشيح في الانتخابات السياسية و الى الانصراف الى شؤون الدين و حقوق الافراد فيه و وفقه و الى الإرشاد ، و الى ترك السياسة لرجالها صوناً للدين و للحكم . . ثم حين اعربت عن عدم رضاها عن سير العملية السياسية التحاصصية الطائفية و صراعات اطرافها المتنفذة . .
   من جهة اخرى، فإن وصول الارهاب و الفساد و تزايد معاناة الجماهير الشعبية من مآسي رداءة الخدمات التي صارت تطول كل مفاصل الحياة لإنسان اليوم، من العمل و الكهرباء و الماء الصالح و مشاريع الصرف الصحي، و الى الخدمات الطبية . . جعل من اوساط متزايدة من المتدينين تنادي بابعاد الدولة عن الدين . . و صارت مواقف المرجعيات الدينية اكثر وضوحاً بين من تتبنىّ الوطنية و البحث عن الصالح العام و بين من لها مآرب و اهداف دنيوية انانية، كما تلمس اوساط تتسع من خلال معاناتها اليومية . . المعاناة التي جعلت الناس الفقيرة ترى في المخلّص ـ المرجع ـ الذي تراكضت اليه يوماً املاً، لايلبي حاجاتها، او ترى فيمن يتكّلم بأسمه منافقاً، و اخذت تبحث عن مخلّص جديد . .  
في هذا الخضمّ تأتي فتاوي رجل الدين المقيم في طهران السيد الحائري في تحريم انتخاب شخصية علمانية للحكم، رجل الدين الذي ان لعبت فتاويه ادوارا ملحوظة في زمان مضى فانها قد لم تعد تلعب نفس الدور في الظروف الحالية، بعد مرور اكثر من تسع سنوات على عملية سياسية اختلط فيها السياسي بالطائفي و العلماني بالديني كما هو ملموس في تكوين الكتل المتنفذة المتحاصصة . .
في حكم محاصصة طائفية لم يحقق الاّ القليل القليل مما كانت تعوّل عليه و تنتظره اوسع الجماهير الكادحة التي تفاقم بؤس حياتها، فيما ظهر بأسم الطائفة ضباع و قطط سمان لاترتوي حتى بالمليارات التي تجنيها  . . و لوحق و أُهمل اهل العلم و المعرفة و الادب و الفن في شتى ميادين حياة البلاد . .
   ان فتوى السيد الحائري قد لاترى او لاتريد رؤية التغييرات و الاصطفافات المتغيّرة في الاحزاب الاسلامية، كخروج قسم منها على مرشديها ـ كخروج من اتّبع الحائري يوماً عليه ـ و خروج مرشدين عن احزاب و اختلافهم معها، اضافة الى التأثير الذي يزداد وضوحاً لمرجعية السيد خامنئي الايرانية بالمال و السلاح على تلك الاحزاب، سنّية كانت او شيعية عراقية.خلافات و صراعات بين قيادات و كوادر و ناشطين في الاحزاب الاسلامية تعجّ بها وسائل الإعلام، و بالتالي فإن هذه الفتوى قد لاتدخل الاّ في زيادة الإنقسام انقساماً .
فيما يرى سياسيون و علماء اجتماع في التغييرات الجارية في الاحزاب الاسلامية و مواقفها، بكونها تتمحور ـ رغم الإدعاءات ـ على السلطة كغنيمة و على الموقف من قضية الفقراء و المحرومين . . الاول يزداد ارتباطاً بالدعم و الارادة الخارجية و الرفاه الطفيلي و يرى فيمن يختلف معه من ابناء شعبه خصوماً، وصولاً الى محاولات اطراف حكومية لإعادة تشكيل حتى الميليشيات التي حاربتها يوما لحماية كرسيها، كما تتناقل وكالات انباء محايدة . .
و الثاني يسعى الى الدفاع عن كيان العراق الوطني بالعمل لقضية الشعب باطيافه، كتواصل للمبادئ التي ناضل تحت لوائها ضد الدكتاتورية، و يسعى للتقارب و الاتفاق مع الاحزاب السياسية
ـ دينية كانت او علمانية ـ، و للخروج من دائرة المحاصصة، وجعل قضية توفير الخدمات الاساسية في العمل و الكهرباء و الصحة و السكن و احترام حرية و حق و واجبات الفرد، اساساً للمنافسة السياسية وفق الدستور الذي صوّت له الشعب بقواه و احزابه و مرجعياته . . كمرجعية للحكم و كاساس للتنافس، رغم ثغرات فيه اتفق على تعديلها .  
   في وقت صارت فيه اوسع الجماهير الفقيرة تحتاج و تريد مَنْ يحل لها مآسيها و مشاكلها . . سواء كان علماني او غيره، المهم ان تتوفر فيه الكفاءة و الروح الوطنية و النزاهة . . بعد ان اثبت الحكم الديني عجزه حتى ولو كان تحاصصياً اصمّاً في بلاد كالعراق، حيث صار فيها نهج و آليات الحكم بالمحاصصة ذاتها تتطلب تغيير . . و ليس التصادم و اللعب ضمن دائرة المحاصصة الطائفية نفسها لتقوية مواقع فيها، او لتحقيق منافع و اهداف انانية ضيّقة من ورائها.

8 / 6 / 2012 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لابد من الاشارة الى ان المنظمات الارهابية (السنية او الشيعية) و الدول الاقليمية و العالمية التي تقف ورائها، دخلت و تدخل في صفقات و اتفاقات بعيداً عن اي التزام مذهبي، و انما لتحقيق اهداف سياسية لانظمة و افراد بالعنف، كما تواصل وسائل الاعلام الداخلية و الاقليمية و الدولية النشر عن ذلك.  

101
"المدى" و ديمقراطية تكميم الافواه !
                                                                                                                د. مهند البراك
                                                                                                    ahmedlada@gmx.net


تشير احداث متنوعة الى تعرض صحيفة "المدى" البغدادية الى الضغوط و التقييد المتواصلين منذ اكثر من عام . . و يتعرّض موقع صحيفة المدى الألكتروني في الفترة الاخيرة الى هجمات تستهدف اسكات الموقع و محاولات لحجبه اثر بدء الصحيفة بنشر مقابلة رئيس تحريرها السيد فخري كريم على قناة الحرّة عراق الفضائية، التي طالب فيها رئيس الحكومة علنا بـ" الوضوح و التمسك بالدستور، او الاستقالة " ، و بالابتعاد عن " تصوّر ان مصير البلاد متوقف على ارادة شخص بعينه ".
و بعيدا عن انواع التقييمات و الاجتهادات في عراق العجائب، يرى عديد من المثقفين و اصحاب الرأي، ان صحيفة " المدى" تشكّل صوتاً واضحاً من اصوات الحقيقة في البلاد، و بالاخص منذ ان بدأت بالوقوف مع المطالب و الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت قبل اكثر من عام، التي برزت منها احتجاجات ساحة التحرير الاسبوعية في بغداد، و التي لاتزال تندلع بين حين و آخر مطالبة بالخدمات و بحرية الرأي . .    
و فيما عملت "المدى" ذات الفكر الديمقراطي الليبرالي . . على تقريب الديمقراطيين و اليساريين و الاسلاميين الداعين الى الاصلاح الاجتماعي، بانواع الفعاليات و نادت بالاخوة العربية الكردية و بحقوق الاقليات القومية و الدينية، و عرّفت و تعرّف بالتاريخ السياسي و الاجتماعي القريب للبلاد في محاولة للتنوير و للحفاظ على تراثها و ذاكرتها . .
في مهام قد لاتستطيع ان تؤديّها صحف و مؤسسات تقدمية و يسارية لاسباب متنوعة سواء كانت سياسية او حزبية او غيرها، في زمن التقلبات الفكرية و السياسية العجيبة و الطغيان الهمجي للمصالح الانانية لافراد او لمنافع غير مسبوقة في البلاد . . و في مناخ خانق من الصراعات الدينية و الطائفية التي توصم كل اختلاف بالكفر و باللاأخلاقية
مشكّلة بذلك منبراً ديمقراطياً ضرورياً لناشطي و حَمَلةْ الافكار التقدمية بتقدير مثقفين و مفكرين و متابعين . . لمساهمتها و قربها من صنّاع القرار اليوم، و لكونها تنطق بحقائق هامة و حقيقية ـ كما تثبت الاحداث ـ و من قلب الصراع الجاري بين الكتل المتنفذة، في وقت يجري فيه التعتيم على كثير من القرارات المصيرية و الاتفاقات الثنائية و الجانبية بين الاطراف المتنفذة، التي صارت تصريحاتها لاتكتسب المصداقية بسهولة في وقت يختلط فيه الحابل بالنابل.  
و يشير سياسيون الى ان تعرّض "المدى" الى تلك الضغوط . . و هي الداعي النشيط و المحرّض الى العملية السياسية و ديمقراطيتها التوافقية منذ بدايتها . . من موقع حاولت فيه ان يكون موقعاً ديمقراطياً ليبرالياً يسارياً حديثاً واجه الكثير من الجدل . . يدلل على درجة خطورة ازمة العملية السياسية الجارية في البلاد، و اختلال موازينها المُعبّر عنها في الدستور. و بدلالة تصاعد هجوم الفئات الاسلامية المتطرفة عليها لكشفها المتواصل للمستور، اضافة الى تواصل هجوم و حقد ورثة الدكتاتورية عليها منذ كشفها كوبونات النفط و مواصلتها على نهجها .  
و يرى كثيرون ان الضغوط على "المدى" ماهي الاّ جزء من سياسة تكميم الافواه التي تتبعها حكومة المالكي، التي بدأت بالانكشاف علناً و على نطاق واسع . . منذ مواجهة اجهزتها الخاصة بالرصاص للمتظاهرين المطالبين بحقوقهم الدستورية في الخدمات و الحريات، و ادّت الى سقوط عشرات الشهداء منهم . . جزء من سياسة منظمة لإسكات و ضرب القوى الديمقراطية و اليسارية و الليبرالية. السياسة التي يتطلب من القوى المستهدفة بها التضامن و الاصطفاف معاً لإدانتها، و الاعلان عن ان حل الأزمة السياسية لايتم بالاسكات و تكميم الافواه، و لا بالحلول الفوقية . . كما عملت الدكتاتورية و انهارت بها، رغم محاولاتها للبقاء باساليب الايهام و الخديعة و اللعب على تناقضات القوى السياسية و تأليبها بعضاً على بعض باثارة الفتن و الشعارات المنافقة . .


1 / 6 / 2012 ، مهند البراك


102
السلاح و . . ثقافة التعددية و الحلول السلمية


د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net

من المعروف ان احتكارات تصنيع السلاح و تجارته و خاصة الاسلحة الستراتيجية تخضع لسياسة و مواقف حكومات الدول المصنّعة، و من المعروف ايضاً ان بيع الاسلحة بما فيها الاسلحة الستراتيجية صار ممكنا ان يجري عبر السوق السوداء و عبر وسطاء مستعدين لخرق القوانين الدولية مقابل عمولات تصل الى مستويات فلكية . . و كل ذلك يخضع للمنافسة الحرّة التي لم تعد تنظّمها قوانين كالسابق في زمان توازن القطبين العالميين . .
   و لمّا كانت تجارة السلاح كسلعة تحقق اعلى الارباح في العالم . . تتراكض شركات و احتكارات السلاح لايجاد اي موطئ قدم لها في مناطق الازمات و التوترات و المناطق المرشحة للانفجار، و تركّز ابرزها على منطقة الشرق الاوسط و الخليج لثرائها النفطي و الستراتيجي من جهة و لتواصل الصراعات الدموية فيها سواء كانت قومية، دينية، طائفية او تجارية مالية توسعية . .
و على ذلك تعمل في منطقتنا انواع الشركات و الاحتكارات سواء كانت من جنسية واحدة او متعددة الجنسيات و انواع الوسطاء و الجهات التي تحاول اشعال بؤر التوتر لصالح احتكارات السلاح و تحقيقها اعلى الارباح  . . الأمر الذي يحتّم على حكومات و قوى المنطقة الترويّ و ضرورة اللجوء الى الحلول السلمية في حل الخلافات سواء بين الدول، او حل الاختلافات بين الكيانات الداخلية داخل الدول، سواء كانت كيانات دستورية او موجودة موضوعياً .       
و فيما تقلق اوسع الاوساط العراقية من تزايد ميول الحكم الى الفردية في مجتمع لا تزال تسود فيه اركان قوة تشجّع تلك الميول، في وقت لاتزال فيه ثقافة العنف سائدة كموروث ـ و ممارسة ـ لنتائج حكم دكتاتوريات عسكرية وصلت ذروة الفردية فيها في زمان دكتاتورية صدام المنهارة . . ذروة استخدام الرعب و الخوف و العنف وصولاً الى الإبادة الجماعية على اساس قومي كما مارسه ضد الاكراد في مأساة حلبجة و الانفال باستخدام الاسلحة الكيمياوية، و تغييب عشرات الالاف من الكورد البارزانيين و الفيليين و غيرهم، و مارس انواع القتل الجماعي بحق المذاهب و بحق حملة الفكر المعارض من المطالبين بالديمقراطية من ديمقراطيين و شيوعيين و ليبراليين . .
يزداد القلق من تزايد حدة الخلاف بين اغلب الكتل الحاكمة و كتلة رئيس الوزراء الذي تزداد اجراءاته فردية بتقدير تلك الكتل و وفق وكالات الانباء الوطنية و الاقليمية و الدولية . . و يتركز الخوف من اندلاع صراع عنيف بين الحكومة المركزية في العاصمة و بين حكومة كوردستان العراق الفدرالية، الذي يلاحظ كثيرون بألم ملامحه من حدة الخطابات المتبادلة، اثر تسرب اخبار افادت بطرح شخصيات عسكرية قريبة من رئيس الوزراء المالكي، بمواجهة القضية الكوردية بالقوة المسلحة . . في وقت تتوجه فيه الحكومة المركزية الى شراء طائرات اف 16 من الولايات المتحدة .
و فيما يرى كثير من المراقبين ان القادة الاكراد على حق في حذرهم مما يجري، يرى آخرون ان الحكومة المركزية على حق ايضاً في تعزيز تسليح جيشها للدفاع عن البلاد بعد تزايد اعداد المتدخلين بشؤون البلاد و الطامعين بثرواتها . . و يطرح الفريقان انواعاً من الحلول العسكرية لتهدئة الأوضاع : 
من ضرورة تزويد حكومة كردستان العراق بمنظومة مقاومات ارضية ضد الجو للموازنة . . . الى بيع الاسلحة الثقيلة و الستراتيجية للحكومة العراقية بشروط ان تستخدم ضد عدو خارجي باعتبار ان الجيش العراقي و القوة الجوية هما لحماية حدود و امن البلاد و ليس لمواجهة ابنائها. و يطرح فريق آخر اهمية دراسة مسألة العودة الى اقامة منطقة حظر جوي على كوردستان العراق، كما جرى في السابق، حين تمّت بموافقة دكتاتورية صدام التي خسرت الحرب و بموافقة دول الجوار، باعتبارها سابقة مقبولة حتى من الدكتاتورية حينها . . في ظروف الصراع الدولي الحاد مع ايران بسبب مفاعلها النووي و تصاعد العنف في المنطقة.
و يشجّع تلك الطروحات اضافة الى العسكريين الممتهنين، انواع الاحتكارات و شركات صناعات و تسويق السلاح اضافة الى وسطائها و المستشارين المتعددين، في محاولة لجعل المشكلة و كأنها مشكلة عسكرية فقط او تكنيكية صرفة ؟! لتحقيق اعلى مبيعات الاسلحة .
   فيما ترى اكثر الاوساط الديمقراطية و الشعبية اضافة الى الاوساط السياسية الاكثر خبرة، ان الازمة القائمة هي ازمة سياسية حقيقية و من الضروري حلها عن طريق الحوار، و عدم ترك الحوار المباشر الواضح بين الاطراف الحاكمة المعنية حفاظاً على ماتحقق الى الان منذ سقوط الدكتاتورية و خاصة في قضية التبادل السلمي للسلطة، و ضمان الحق في ابداء الرأي و العمل على التغيير السلمي وفق الدستور و عملاً بروحه . .
   و يرون ان القادة الاكراد محقون في حذرهم مما تسرب كما مذكور في اعلاه، آخذين بالاعتبار حجم السياسات الشوفينية التي اتبعت بحق الشعب الكردي و التي تسببت بسيول من الدماء طيلة اكثر من ستين عام، و تأثيرات ذلك اضافة الى الخسائر بالارواح و المال، التأثيرات النفسية و الفكرية و الاجتماعية لذلك، الامر الذي يتطلب مكاشفة مباشرة لايجاد حلول لعدم تكرار ماجرى و يجري من جهة . . و من جهة اخرى اهمية التشديد الحقيقي على التوعية الرسمية الحكومية الالزامية ذات العقوبات، بقضية التعددية و تقبّل الآخر و احترام حقوقه، و بصورة اخص في القوات المسلحة، و إشاعة الثقافة و العقيدة العسكرية للجيش بكون مهمته تتركز في الدفاع عن البلاد و حدودها و ليس في ضرب الشعب و مكوّناته وفقاً للدستور .

8 / 5 / 2012 ، مهند البراك 

103
مخاطر فكرة وحدة فورية مع ايران !

د. مهند البراك
  ahmedlada@gmx.net

اثارت تصريحات السيد رحيمي النائب الاول للرئيس الايراني بدعوته الى الاتحاد الاندماجي بين العراق و ايران (الذي سيجعل من البلدين قوة عالمية كبرى)، اثارت اوساطاً سياسية و اجتماعية واسعة في البلاد، لأنها تأتي في وقت تلعب فيه الدوائر الإيرانية ادواراً مقررة في دوائر الدولة و السياسة العراقية و في الواقع اليومي العراقي الذي يشمل تشكيل الحكومة الحالية منذ ان اعلنت حكومة نجاد عن فوز مرشحها هي في العراق قبل الاعلان عن نتائج الإنتخابات . . و يشمل الواقع المعيشي و السوق العراقية و العنف و الارهاب الجاري ـ وفق تقارير و تحليلات ابرز وكالات الانباء العالمية الاكثر استقلالاً ـ . .
و لأن ذلك يتردد باستمرار في ابرز المناسبات التي تجمع مسؤولين من البلدين، التي كان ابرزها تصريحات الجنرال سليماني حول نفوذ فيلق القدس الايراني و امكاناته بتحريك دول المنطقة وفق السياسة الايرانية و خاصة دول : العراق و سوريا و لبنان اضافة الى مصر بعد انهيار حكم مبارك، على حد وصفه . . و التي تسببت بعاصفة من الاستنكار و الاحتجاج من قبل مسؤولين و شعوب و حكومات تلك الدول.
و يرى محللون بأن ذلك لايعكس الاّ روح هيمنة و غطرسة الحكّام . . و لايساعد على تقارب و تفاعل شعوب و مكوّنات الدول العربية مع شعوب و مكوّنات الجمهورية الإيرانية . . المكوّنات التي هي مادة و هدف التغييّر و مشاريع الحكم. في وقت ترحّب فيه الشعوب و القوميات المعنية، بكل تطوّر للتعاون و الصداقة بين بلدين جارين مسلمين على اساس الإحترام المتبادل للإستقلال و السيادة و على اساس المنافع المتبادلة.
   من ناحية اخرى، فقد مرّت على العراق في عقود مضت دعوات للمشاركة في تجارب الوحدة بين الدول العربية، و دعت الدكتاتورية المنهارة الى وحدات فورية و الى اتحادات اقليمية . . الاّ انها فشلت لأنها انطلقت من نزعة ارادوية فردية او من حزب انفرد بالسلطة و يسعى للهيمنة سواء على شعبه او على شعوب المنطقة . . او لأنها كانت دعوات للخلاص من ازمات داخلية مستعصية و محاولات لترحيل تلك الازمات و دفعها الى خارج البلاد، و محاولة لدفع الآخرين الى المكاره و الاحتماء بهم .
و ترى اوساط عراقية واسعة بأنه، اضافة الى المصالح التجارية و الدينية و المذهبية التي تربط بين الشعبين و البلدين الجارين . . فان الحكومات الايرانية المتتالية في ظل حكم ولاية الفقيه السيد خامنئي لم تثبت و للاسف حسن نيتها تجاه الشعب و الدولة العراقية الاّ بالقدر الذي حقق لها مصالحها هي، دون امعان النظر بمآسي الشعب العراقي بقومياته و اطيافه الدينية و المذهبية . .
   فمنذ قيام الجمهورية الاسلامية الايرانية لم تجرِ اية مراجعة لإتفاقية الجزائر عام 1975 ، التي كانت الذريعة التي تسببت باشعال الحرب العراقية الايرانية المدمرة من قبل الدكتاتور الارعن البائد، و التي دامت ثماني سنوات افنت فيها ارواحاً و احرقت الاخضر و اليابس للشعبين الصديقين . . الاتفاقية التي لم تزل نافذة المفعول ببنودها حتى بعد سقوط الدكتاتورية تلك، رغم مطالبات الاطراف الوطنية باعادة النظر بها وفق المتغيرات التي طرأت على المناطق الحدودية و شط العرب منذ تأريخ توقيعها، و خاصة مطالبات التحالف الكوردستاني المستمرة الى الآن لكونها صيغت اصلاً لإنهاء ثورة ايلول الكوردستانية بقيادة البارزاني الأب. 
و لم تبال الحكومة الايرانية بماساة العراقيين حيث كانت ممن ساعدوا دكتاتورية صدام على البقاء في دست الحكم في سنوات الحصار الدولي القاسي الذي سخّره الدكتاتور لتدمير العراقيين اكثر . . حين استغلت اطراف نافذة فيها رخص اثمان نفط العراق الذي كان ينقل و يباع بالأسود و بابخس الاسعار لحسابها، و من دون شروط كان يمكن لو اتخذت ان تقلل من مآسي العراقيين، بتقدير متخصصين .
   و يرى محللون ان الدوائر الإيرانية بعد سقوط الدكتاتورية لم تساعد على استقرار البلاد بقدر ما وظّفتها كساحة حرب لمواجهة خصومها الدوليين و الاقليميين و المذهبيين الطائفيين، بل و توافقت على ارضها في نشاطات مسلحة قامت و تقوم بها مجاميع ارهابية معروفة و اخرى تمارس الارهاب من خلال مجاميع مسلحة تدعمها، اضافة الى سعيها الحثيث الى جعل المرجعية الشيعية العليا تحت وصايتها . . الأمور التي لم تعد من الأسرار، و تتناولها اجهزة الدولة ذاتها في بياناتها .       
   و يتساءل كثيرون عن اي مقدّس يتحدثون و هم يواصلون استخدام بلادنا كساحة من ساحات برامجهم و خططهم، غير مبالين بما يجري من جراء ذلك من تواصل نزيف البلاد و احزانها و فقرها و هي من اغنى بقاع العالم . . و كيف يقبل الضمير و المقدّس ان تقوم وحدة فورية بين حكام بلاد مفروض عليها عقوبات اقتصادية و حصار دولي بسبب برامجها النووية، و اتهامها بالإرهاب دولياً  . . و بين بلاد تحاول النهوض بعد عقود من الحروب و الحصار و الدمار و الارهاب ، على اساس تعددية و دستور و تبادل سلمي للسلطة و قيام سلطة قضاء . . تعوّض للعراقيين بكل اطيافهم ماعانوه من خوف و حرمان و عذاب .
   و يرى متخصصون ان فكرة الوحدة الفورية الاندماجية التي طرحها السيد رحيمي و سكت عنها السيد المالكي في ظروف المنطقة الحالية و صراعاتها المحتدمة الدينية و الطائفية و القومية و الفكرية تحمل مخاطراً تهدد بنزاعات دموية اعنف مما جرى و يجري و تهدد فعلاً باعادة تقسيم المنطقة الذي تحلم به احتكارات دولية متنفذة قد يكون فيه نظام ولاية الفقيه في ايران اول الخاسرين ان لم يتعض من محاولات مشابهة قام بها الدكتاتور صدام بشعاراته (الايمانية) و ادّت الى نهايته و نهاية احلامه و اطماعه، و كبّد فيها شعبه مالايوصف .   

3 / 5 / 2012 ، مهند البراك

104
31 آذار، "طريق الشعب" و العولمة !
                                                                                                د. مهند البراك
                                                                                          ahmedlada@gmx.net

تمر في 31 آذار الجاري الذكرى الثامنة و السبعون لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي المناضل، و تتوالى الصور و الذكريات والآمال بحزب عُرف بمواقفه الوطنية المخلصة و تضحياته الجسيمة لإنحيازه لقضية  الكادحين و من اجل التحرر و التقدم على درب العدالة الإجتماعية، و من اجل حياة اسعد للعراقيين رجالاً و نساء و شباباً . . و بشهادة القوى السياسية العراقية، و كل القوى و المشاريع العاملة على قضية العراق.
لأنه لايشكّل مشروعاً لنخبة او حزباً تجريبياً ارادوياً . . بقدر ما شكّل و يشكّل وجوداً يتردد في الفكر و في محاولات التجديد الإجتماعي، لنضال ضارٍ لايعرف الكلل من اجل خير و عزّ العراق بكل الوان اطيافه القومية و الدينية و المذهبية و الفكرية، و لم تستطع اعتى المخططات على تركيعه و اخراجه من الساحة كما صوّر لها منطقها المحدود السقيم، فعاد و يعود متجدداً بعد تلك المحن . . بعد ان تركت تضحيات عضواته و اعضائه و مؤيديه اثاراً لا تمحى في اعماق روح البلاد الحية.
و لأنه شكّل تعبيراً و موقفاً ليس سياسياً فقط، بل انسانياً عراقياً اصيلاً طامحاً للحداثة لا يمكن اقتلاعه او الغائه بقرار، مادام هناك عنصرية و شوفينية و ظلم و استغلال من انسان لأخيه الإنسان في بلاد النهرين . . و شكّل امتداداً حيّاً واعداً، للنضالات الإنسانية الأولى التي دارت في وديانه و جباله . . منذ ثورة الزنج ضد العبودية، ومروراً بالثورات الوطنية و القومية التحررية و بكل الإنتفاضات الفلاحية و الإضرابات العمالية و الطلابية و الوثبات الشعبية في مواجهة الإستعمار، و الرجعية و الدكتاتوريات و ما اورثت . .
حتى يصفه العديد من وجوه البلاد و كفاءاتها بكونه لولباً اساسياً للحركة الديمقراطية و اليسارية العراقية، لسعة انصاره و مؤيديه و بعد ان صار يُنظر اليه و يُعاين موقفه كبوصلة لماهية الحراكات الإجتماعية الإقتصادية و الفكرية و آفاقها، من قبل اوساط عراقية واسعة كثيرة التنوّع، في كل منعطف صعب مرّت و تمرّ به البلاد.
   و يأتي ذلك لأسباب متنوعة افرزتها حياة البلاد من جهة، و مسيرته الطويلة المتواصلة طيلة ثمانية و سبعين عاماً . . فيما يرى متابعون، انه يأتي لكونه شكّل حافزاً قريباً للذهن و الروح العراقية الطامحة لعمل مثمر قابل للتحقيق، وفق منهج علمي يحمل رسالة انسانية، خالية من المنافع الضيّقة و الكسب غير المشروع، جسّد و يجسّد خبرة عقود حتى لمن لاحلم لديه، و لمن يعاني و يكتوي بنيران المظالم المتوالية ليصل الى انها لاتتجزّأ عن قضية الشعب، التي يناضل الحزب و جريدته المركزية "طريق الشعب " من اجلها .
   الأمر الذي جعله في قمة هواجس الحكام المستبدين و النفعيين الأنانيين في عقود سابقة و الى عقود الدكتاتور صدام الذي بدأ قمة هجومه الوحشي المنظّم عليه لمحاولة انهاء وجوده اثر تزايد هواجسه المريضة من احتمال قيام الحزب بانقلاب عسكري ضده . . ثم الى حكومة المالكي التي لاتكف عن اعتبار حركة الاحتجاج السلمي التي انطلق بها شباب البلاد في شباط 2011 بكونها من تدبيره ـ رغم مشاركته الطبيعية و وفق الاصول الدستورية فيها ـ . .
الحركة المطالبة بمحاربة الفساد وشجب الإرهاب وإصلاح العملية السياسية التي يرى كثيرون بانها لاتشكّل بوضعها هذا، البديل الديمقراطي المنشود للدكتاتورية، حيث تزداد المطالبة باعادة بنائها على مبادئ الكفاءة و المواطنة المتساوية للجميع رجالاً و نساءً . . لا على المحاصصة التي حمت الفاسدين، و التي يعاد تأهيل ارهابيين معروفين للمشاركة فيها على اساسها.
   و منذ ذاك و اجهزة تابعة لحكومة المالكي لاتكف عن الضغط على الحزب الشيوعي و جريدته المركزية، كان آخرها مداهمة قوة كبيرة من الشرطة لمقر جريدته " طريق الشعب " قبل ايام، و سوق افراد حمايتها الليليين الى جهة مجهولة و مصادرة قطع اسلحة مجازة اصولياً، في محاولة لإرهاب اعضائه و عضواته و مؤازريه في خضم استعدادهم للاحتفال بيوم تأسيسه . . متّبعة ذات الأساليب المدانة التي ابتدعتها مؤسسة القمع البعثية، في ملاحقة المعترضين عليها، بإعتمادها اساليب التعهدات سيئة الصيت، في زمان لم يبق فيه مسؤولون كبار في الحكومة باجراءاتهم هذه و غيرها، من معنى للتعهدات و حلفان اليمين الديني و الدستوري، حين كانوا سباقين في حنثها . .  
   ان من يحاول تصوير او يتصور ما نشر قبل اسبوعين عن تعميمات جهاز المخابرات وقيادة قوات بغداد، التي تقضي بـ ـ متابعة تحركات أعضاء الحزب الشيوعي العراقي وحفظ أسمائهم، ( لأنهم ينوون تنظيم تظاهرة تطالب بفرص عمل للعاطلين و انهاء الخلافات السياسية) !! ، و التي لاقت و تلاقي استياءً واضحاً من اوساط متزايدة . . ان من يحاول تصوير ذلك بكونه أمر مفبرك او من عنديات اشخاص، فان ما يحدث لهو ابلغ دليل على صحة ما نُشر . .
   و يرى كثيرون، ان من يتصور ان شرعية وجود الحزب الشيوعي علناً في المرحلة القائمة، و كأنه هبة من شخص او اشخاص . . فآن لهم ان يدركوا إن تلك الشرعية اتت اضافة الى تأريخه و مكانته الشعبية الحيّة و دوره آنف الذكر، فانها تأتي لنضالاته الصعبة ضد الدكتاتورية الشوفينية و عظم تضحياته بالغالي و النفيس من اجل قضية الشعب و بسبب نظافة ايادي منتسبيه في خضم فساد لاينقطع و لمواقفه من المطالب الشعبية القائمة . .
و ان من يقارن (الابواب المفتوحة الآن) للنضال العلني كصدقة من احد . . فإنه لايدرك حقيقة و معانى العولمة و ما تلعبه الانترنت و اليوتيوب و الفيسبوك في هذا الزمن، التي صارت تفرض شروطاً اكثر شفافية و اعلى من السابق لمن يفكّر باعتلاء مسؤولية "حكم تعددي ديمقراطي" في بلاد كالعراق، الذي يشكّل احد ابرز عقد عالم اليوم في صراعاته في ميادين الأمن و الطاقة و القومية و المعتقد و الفكر و غيرها من ستراتيجيات عالم اليوم، التي تفرض سقفاً مقبولاً لابد منه لقيام واستمرار الحكم فيها . . امام الشعب من جهة و امام كل مؤسسات القوى الكبرى التي لايغيب العراق و استقراره عن نظرها .    
تحية للحزب الشيوعي العراقي في يوم ميلاده الثامن و السبعين !

31 / 3 / 2012 ، مهند البراك




105
  نوروز . . و ازمة الحكومة العراقية
                                                                                           د. مهند البراك
                                                                             ahmedlada@gmx.net

بينما يحتفل الشعب الكوردي بعيد النوروز و تشاركه فرحته كل الشعوب المحبة للحرية و السلام، و فيما يستعد العراق لاستضافة القمة العربية في بغداد العاصمة التي يرى فيها مراقبون بكونها خطوة هامة من اجل استقرار البلاد . . تزداد ازمة الحكومة العراقية بشكل ملفت للنظر بعد احتجاجات متنوعة و بعد ان قوبل تظاهر الالاف من اجل الخبز و الكرامة بارهاب الحكومة، في اوقات نبّه فيها و قال و كتب كثيرون عن مخاطر تحول الحكم العراقي الى دكتاتورية جديدة ـ بقصد او بدون قصد ـ من خلال تواصل و تزايد تجميع السلطات الاساسية بيد شخصية واحدة لكتلة شيعية متواضعة قياساً بالكتل الشيعية الاخرى، بلغة المحاصصة ذاتها .
و كشفت تصريحات رئيس اقليم كوردستان السيد البارزاني و خطابه في عيد النوروز عن الحجم الخطير للازمة . . حين نبّه علناً الى مايلعبه الاستئثار المتزايد بالسلطات العسكرية و الامنية و المالية و غيرها من قبل شخص واحد و مقربين، في وقت لا يتوقف فيه تمزّق قوى البلاد و معاناتها بسبب التمييز الديني و الطائفي، الفساد الإداري، الضائقة المعاشية و البطالة، و استغلال الارهاب لما يجري و تمكّنه من اختراق القوى العسكرية و الأمنية العراقية الذي يبدو و كأنه لاينتهي، بدلالة التفجيرات المتواصلة المؤلمة الاخيرة . .  
و في وقت تشكّل فيه كوردستان بنظر اوسع الاوساط، حجر الزاوية الهام في المسيرة السياسية بعد سقوط الدكتاتورية، بعد ان لعبت جماهيرها و فصائل البيشمركةالانصارالدور المتواصل الابرز و الأكثر تنظيماً و ممارستها تحدياً معلناً في معارضة و مواجهة الدكتاتورية و قدّمت اثمانها غالياً بالارواح و بحق الوجود و الحياة، ابادت الدكتاتورية اثرها مناطق كوردستانية بكاملها.
و استطاعت المسيرة الكوردستانية بما يواجهها من موروث و ثغرات و تحديات متنوعة داخلية و اقليمية و دولية، ان تحقق نجاحات لم تستطع الحكومة الاتحادية المركزية بالقائمين عليها الآن تحقيقها . . . حتى عادت القضية الكوردية تشكل ملاذاً لأوساط عراقية متسعة، في وقت تلعب فيه دور صمام امان كبير لمدى صواب المسيرة السياسية على طريق تقاسم السلطة و تبادلها سلمياً و جعلها شراكة وطنية بين كل الاطياف العراقية وفق الدستور، كمانع متين امام تكوّن دكتاتورية فردية من نوع جديد، اخذت تزداد ملامحها وضوحاً بتوظيف الإدعاء بتمثيل مذهب بعينه، مذهب صار بتياراته و قواه السياسية ممن يعانون من طغيان تلك النزعة الفردية ذاتها، على حد بياناتها و مواقفها.
و فيما يتهم البعض مواقف حكومة اقليم كوردستان، بكونها انعزالية و ساعية للانفصال بالاقليم عن العراق، فانهم لا يلاحظون حجم التحديات اليومية التي تواجهها و التي من اهمها اهمال الحكومة العراقية لحقوق كوردستان الدستورية في المادة 140، و ينسون ان نجاح السيد المالكي في تشكيل حكومته الحالية و جلوسه في رئاستها يعود الى اتفاقية اربيل في ايلول 2010 برعاية السيد البارزاني بعد ان طال تعذّر تشكيل الحكومة العراقية لمدة اكثر من عام على اعلان نتائج الانتخابات التشريعية الاخيرة . .
و يشير متخصصون الى انهم ينسون صراحة التحالف الكوردستاني في مطالبته حينها بعدم الاستعجال بسحب القوات الامريكية دون ضمانات واضحة تحفظ وحدة العراق الفدرالي وفق الدستور ـ رغم انواع المواقف المزايدة و المنافقة لعدد من الاطراف حينها ـ . . حيث تفجرت الخلافات سريعاً بين كتلة المالكي " دولة القانون " الحاكمة الفعلية و " الكتلة العراقية " اثر الاعلان عن انسحاب القوات الاميركية نهاية العام الماضي، و تفجّر العديد مما تعرفه و ترصده حكومة السيد المالكي منذ سنوات على حد بياناتها بحق الكتل الاخرى، دفعة واحدة . . دون سعي الاطراف المتصارعة لتوفير المستلزمات الاساسية لتعميق المسيرة لصالح اوسع الفئات العراقية الكادحة بعربها و كوردها و سائر اقلياتها الدينية و المذهبية و القومية، برجالها و نسائها و شبابها .
و يرى مراقبون ان تصريحات السيد البارزاني الاخيرة و توافق و تأييد كتل سياسية عراقية متزايدة لها ، من عربية و كوردية، سنية و شيعية، قد تجعل السيد المالكي و كتلته الحاكمة في زاوية ضيّقة لاينفعها فيها حتى رضوخها للإملاءات الخارجية، في وقت لم تعد فيه الوعود ذات جدوى، و صار عقد مؤتمر عاجل لكل القوى السياسية المشاركة في المسيرة السياسية، للتوصل الى حلول عملية و اجراءات تنفيذية وفق الدستور . . مهمة لاتقبل التأجيل  .

22 / 3 / 2012 ، مهند البراك                  
 

106
عودة الى (القائد الضرورة) ام ماذا ؟
                        د. مهند البراك
                                                                             ahmedlada@gmx.net

تتناقل مواقع و وكالات انباء عراقية و عالمية عديدة نشر تعميمات جهاز المخابرات وقيادة قوات بغداد، التي تقضي بـ ـ متابعة تحركات أعضاء الحزب الشيوعي العراقي وحفظ أسمائهم، ( لأنهم ينوون تنظيم تظاهرة تطالب بفرص عمل للعاطلين و انهاء الخلافات السياسية) !! ـ .
و فيما ينبه حريصون الى ان ذلك يمكن ان يكشف عن ممارسات لا يتمناها احد لكونها لا تختلف عن ممارسات جهاز مخابرات صدام حين وصوله راكباً حزب البعث إلى السلطة عام 1968 وسياساته اللاحقة ضد كل القوى السياسية العراقية . . و الى ان حق التظاهر حق كفله الدستور، خاصة و ان التظاهرة تطالب بما يعود الى ابسط مقومات النفع العام . . في توفير فرص عمل بسبب وجود اعداد هائلة من العاطلين ، و في انهاء الخلافات السياسية التي تكرر حكومة السيد المالكي بكونها سياستها التي تتبناها .
و فيما يبرر قسم ذلك بكونه من متطلبات التهيئة للقمة العربية المزمع عقدها في بغداد، و كأن الانظمة العربية لاتعرف ماهو العراق و ماذا يجري فيه الآن ـ ان لم تشارك في صنعه ـ و كأنما لاتعرف اين هي عقدة المنشار امام حكومته.
يرى آخرون ان تجمعات الشباب و الشابات التي طالبت و تطالب بواقع معيشي افضل و التي قوبلت انطلاقتها في ربيع 2011 بالرصاص و بانواع البطش طيلة نشاطاتها التي استمرت، و كأنها اصابت الاجهزة الامنية العائدة الى رئاسة الوزراء بالهلع ـ ليس من اختراقها من مخربين كما يعلن ـ و انما من مشاركة اوساط شبابية سلمية واسعة و كونها تتسع رغم الضغوط لتضم اوساطاً شبابية من القوى الاسلامية الحاكمة و المشاركة و غيرها . . بسبب تزايد معاناة عموم شباب البلاد، و الضياع و المخدرات . . و التي صارت تتفوق كثيراً على الدعوات السياسية و الايديولوجية، حيث تتزايد مشاركة شباب يعزّ عليهم ضنك حالهم و حياتهم و هم يرون بلادهم الثرية تئن ولا تستريح . . 
مطالبات حلّها ممكن و ليس مستحيل في بلاد ثرية تتناقل ندوات مسؤوليها و احاديثهم الاعلامية ارقاماً مالية مذهلة لا تقل عن مليارات الدولارات و مئات المليارات و كأن الشباب لايرون و لايسمعون . . في زمان لم تعد فيه حتى تصريحات المسؤولين عن تزايد عائدات النفط ذات معنى وسط تزايد الفقر و شيوع انواع السرقات و الاختلاسات بلا حسيب . . و يرون ان مشاركة الشيوعيين فيها لاتختلف عن مشاركة كل الاطراف الاخرى المؤيدة لتلك المطالب من حكومة قائمة . .
و يرى كثيرون ان العودة الى شعار "مكافحة الشيوعية" السئ الصيت الذي تربى عليه افراد الامن دائماً في العهود المبادة بانواعها . . وصولاً الى وصم كل انتقاد و ممارسة دستورية تجاه اية حكومة قائمة الآن ، بها . . وبعد كل التغييرات العالمية و الداخلية، بكونه لايعني الاّ افلاس سياسي، و لايعني الاّ فشل وصم الاحتجاجات بكونها من تدبير فلول صدام و القاعدة الارهابية، و انّ المقدس و الطائفة لوحدهما لم يعودا مجديين بعد مرور تسع سنوات على سقوط الدكتاتورية . .
و الاّ فماذا يعني مراقبة و رصد و ملاحقة و اغتيال نشطاء شباب متنوعي الاتجاهات من جهة . . . ثم الضغط على مقرات الحزب الشيوعي اثرها و بالتالي صدور هذه التعميمات . . و هو قوة معروفة بكونها لم ترفع سلاحاً ضد العملية السياسية و لم تمارس ارهاباً ضد مدنيين عزّل يوما ما ـ في وقت تتسع فيه الاحضان الان لاستقبال ارهابيي الامس وفق البيانات الحكومية ـ، و انما هو قوة مشاركة في العملية السياسية و يعمل لاهدافه من خلالها ملتزماً بدستورها الذي جرى التصويت عليه .
كحزب مشهود له بالاخلاص و التضحيات الهائلة ضد الدكتاتورية و بالنزاهة التي يفتقر اليها العراق افتقارا وفق انواع التقارير الداخلية و الدولية، اضافة الى اتباعه سياسة لمّ الشمل الوطني على اسس منطقية لإعادة بناء البلاد، بعيداً عن الشوفينية و الانعزال القومي و الديني و الطائفي و الحزبي الضيّق و من اجل حقوق النساء . .  باجماع ناطقي و وجوه كل الكتل السياسية، و القوى الاقليمية و الدولية .
و يرى مجربون، ان القوى السياسية ان لم تقف لإدانة هذه الممارسة فانها تقترف خطأً كبيراً ليس بحق الشعب باطيافه فحسب و انما بحق نفسها ذاتها . . لأنها ستكون هي المُستَهدفة اللاحقة في ديدن صار معروفا للشعب بقومياته و اديانه و طوائفه و مذاهبه و دفع اثمانه الجميع دماءً غطّت العراق بجباله و سهوله و اهواره و كل ساحاته . . 
و يأتي في وقت تتصاعد فيه خلافات كتلة دولة القانون . . سواء مع كتلة التحالف الكوردستاني او التيار الصدري او العراقية و المجلس الاعلى الاسلامي، في واقع لاينسجم ابداً مع سياسة تجنيب البلاد و المنطقة الحرب بسبب اشتداد الصراع الايراني ـ الاميركي، التي تتطلب من الحكومة القائمة التفاهم مع القوى السياسية الوطنية و ليس ملاحقتها و التربص بها لايقاع ضربة بها في الوقت المناسب لها . . 


11 / 3 / 2012 ، مهند البراك

107
8 آذار . . عيد المرأة و " الربيع "
                                                                                                           د. مهند البراك
                                                                                                           ahmedlada@gmx.net

فيما تتضح تدريجياً معالم (حدود مرونة) مواقف الإحتكارات العالمية الغربية من التغيير في ربيع المنطقة و مخاوفها على مصالحها من وصوله الى نتائج اكثر راديكالية يمكن ان تهدد مصالحها و مصالح حلفائها الستراتيجيين الاقليميين . .
وصلت حدود مرونتها الى التفاهم مع الأحزاب الإسلامية السياسية للوصول الى الحكم، الاحزاب التي تدّعي بطرحها (إسلام ليبرالي جديد) يتناسب مع فكرة الدولة المدنية (؟) . . رغم تواصل سلوك و طغيان شعارات " الدولة الاسلامية الشمولية " و " حكم ولاية الفقيه ". . الذي يرى كثيرون بأنه ان استطاع تحقيق شئ من الحد للطغيان السابق، فإنه بسلوكه العملي يهدد بدخول المنطقة الى متاهات حكم جديدة باسم " المقدس " .    
و فيما لايمكن لأحد ان يشكك بتصاعد دور المرأة في منطقتنا تصاعداً لافتاً في العقود الأخيرة، سواء في ادوار وجوهها العلمية والاجتماعية و الفكرية، و تصاعد ادوارها الباسلة أماً و اختاً و زوجة و ابنة و رفيقة كفاح . . في مواجهة الظلم و الاستبداد و تقديمها آيات التضحيات و الفداء في سبيل قضية حرية و كرامة و حقوق شعوبها في حياة افضل . .
فإن دوائر محافظة تترصد نشاط النساء و لاتريد له ان يقوم و ينمو،  مستندة في ذلك الى وصف خبراء بمجتمعات الشرق يفيد بأن " الحكومات و القوى المستبدة تخاف النساء ان ثرن . . لأنهن بثورتهن يهيّجن كل المجتمع برجاله و نسائه، و يجرّنّه اليهن " . . فيما يرى كثيرون في تعاظم نضال المرأة من اجل حقوقها و حصولها على مواقع فاعلة، مكسباً و تعزيزاً كبيراً للطاقات الثورية الخلاقة في المجتمع و دفعاً لعجلة تجديد حقيقي لعمومه . .
ففيما يرون ما قوبلت به المتظاهرات السلميات من اجل الخبز و الكرامة في ربيع 2011 في ساحة التحرير ببغداد بالهراوات . . و كيف احدث ذلك صدمة و شرخاً كبيراً في مدى مصداقية حكومة السيد المالكي كبديل للدكتاتورية، و تسبب بقلق كبير اجتاح اوساطاً واسعة من مجريات واقع و آفاق الأوضاع في البلاد . .
فإن سقوط الشابة الإيرانية " ندا آغا سلطان " شهيدة برصاص الشرطة لمشاركتها في الاحتجاجات التي اجتاحت شوارع طهران لفضح تزييف الانتخابات الايرانية عام 2009 حين سقطت مطرّزة بدمائها الطاهرة حجابها، و سقوط الشابة المصرية المشاركة في احتجاجات ميدان التحرير في القاهرة ربيع 2011 على اسفلت الشارع، بعد ان تمزقّت عباءتها و ظهرت بطنها عارية و حمّالة صدرها امام الملأ، بسبب الضربات الوحشية التي تلقّتها من جزمات عسكر (حماة الشرف) . . اللتان احدثتا هزة عنيفة في عموم مجتمعاتنا و تسببت بهيجان شعبي و تضامن كبيرين . .
و المواقف العلنية الشجاعة للناشطة النسوية و الحقوقية المحامية هناء ادور في الدفاع عن منظمات المجتمع المدني في العراق، و مواقف السيدة سهير الاتاسي في   قضية الدفاع عن الحريات المدنية امام جلاوزة الاجهزة الخاصة في سوريا، التي شكّلت شرارة بارزة من الشرارات التي اطلقت الربيع السوري الذي يتواصل بضراوة . .
قد احدثت كلها صدى و تحريكاً كبيراً في مجتمعات المنطقة و مواقف دول العالم من تلك الحكومات  اثر تناقل وكالات الانباء الاقليمية و الدولية المرئية و المقروءة لتلك الاحداث على الفور . . لتدلل مجدداً على تزايد اهمية دور المراة في المجتمع و من اجل تغييره الى الافضل . .
و على ذلك، يرى متخصصون اجتماعيون، ان الإحتكارات التي ضاقت ذرعاً بربيع المنطقة و التي تنسّق لتحجيمه، قد وجدت في الدوائر المحافظة آنفة الذكر وسيلة يمكنها تشجيعها و توظيفها في كبت و اسكات الحركات النسائية . . في اطار محاولاتها في كبت و التضييق على نشاط نصف المجتمع من خلال اسكات عمود الأسرة و دفئها . . المرأة، و الهائها بسفاسف تكبّلها، في سياسة توصف بـ (السيطرة على المجتمع من خلال البيت)  . .
حيث وجدت في (الاسلام الليبرالي الجديد) و اطره وسيلة لتحديد و شلّ الحركة النسوية، لتحقيق اهدافها اعلاه، من خلال مايمكن ان تقوم به منظمات (الاسلام الجديد) النسائية بعد تزويدها بصلاحيات و مواقع تمكنها من مواجهة المرأة في عالم اليوم بأسم الشرع و المقدّس، على اساس نظرية اجتماعية للحكم تدّعي تطبيق الاسلام، و هو منها براء . .
موظفة لذلك الجهل و الخوف و التخلف الذي اصاب قطاعات نسائية واسعة بسبب الدكتاتورية و الحروب و الحصار و الارهاب . . بدلالة اشغال مقعد وزيرة شؤون المرأة في بلد كالعراق، بموظفة لاتعي انها كُلّفت بمقعدها لتطبيق بنود الدستور و ليس لنقل تجربتها البيتية هي، التابعة للرجل . . الى عموم المجتمع. و يرى آخرون بان ذلك ذنب من عيّنها لمقعدها الوزاري . .
و اليوم حيث تحتفل شعوب العالم في 8 آذار من كل عام، بعيد المرأة . . عيداً للربيع والخصب والعطاء، تتطلع المرأة العراقية الى ان ينصفها المجتمع وقواه السياسية و الدولة بعد تضحياتها الجسام، في زمن لم يعد الحديث فيه عن حقوق المرأة ذا قيمة ان لم يقترن بتشريع قانون جديد للأحوال الشخصية يثبّت حقوق المرأة ويعاقب على الأخلال بها بقوانين فاعلة . حيث لايمكن الحديث عن امكانية السير نحو بناء مجتمع جديد، دون تلبية حقوق المرأة في المجالات السياسية، الثقافية، الأقتصادية، الأجتماعية، الصحية، لضمان مشاركتها الفاعلة في حياة المجتمع، و لضمان حقوق الطفولة.
و يرى كثيرون في مطالب المرأة بكونها مطالب يمكن ان تجمع عليها اوسع النساء بعد ان قدّمن و لازلن اقوى البراهين على جدارتهن واهمية وخطورة دورهن في التحولات الأجتماعية، الأقتصادية والسياسية . . و ان تلك المطالب لايمكن لها ان تتحقق في الواقع الفعلي الاّ بالنضالات الشعبية للمرأة من مختلف اوساطها، سواء كانت مثقفة و خريجة، عاملة، فلاحة، ربة بيت، كادحة وغنية . . كنضالات لابد منها لتوحيد كلمتها على اهدافها النسائية الإنسانية و الديمقراطية، و ليس الحزبية الضيّقة . .
الأمر الذي يساعد على جرّ اوسع الأوساط النسائية التي اجبرتها المآسي وفقدان الأحبة و الضياع، على المحافظة والأبتعاد عن المجتمع والى شيوع البُدَع والخرافات وانواع الأفكار الشائهة بين صفوفها، و تزايد تسلّط الأتجاهات النسائية المحافظة التي ازدادت تحجراً بفعل توالي الإستبداد الديني و الطائفي و الانفراد الذكوري في الهيمنة بلا حدود . . ويساعد على فهم ان شقاء المرأة ليس سببه رفيق دربها الرجل بذاته، وانما سببه النظام الأجتماعي السائد الذي جعل الرجل ايضا من ضحاياه لكونه ليس الاّ ابن المرأة العراقية المضطَهَدة ذاتها . . أمّه !!

8  آذار / 2012 ، مهند البراك

108
الربيع العربي و (الفوضى الخلاقة) !
د.  مهندالبراك
ahmedlada@gmx.net

منذ اندلاع " الربيع العربي " بسبب وصول التناقضات الى اقصاها بين الحكم و الشعب، و  صارت تهدد بانفجارات تخيف الإحتكارات الغربية و حلفائها الستراتيجيين في المنطقة من نشوء حركات اكثر راديكالية مما هو موجود على مسرح الاحداث، قد ترفض التعايش و التشارك مع الغرب بشروطه المفروضة . . بعد دكتاتوريات استئصلت و حاولت استئصال اية شخصية او قوة يمكن ان تتبلور حولها معارضات جادة، بالحديد و النار و بشعارات (الحزب الحاكم الاوحد) و (القائد الضرورة) . . . و فيما تثار انواع الاجتهادات و التساؤلات عن حركات الربيع العربي الشعبية السلمية و كيفية و اسباب اندلاعها و مآلها، و تتضح تدريجياً معالم حدود مرونة مواقف الإحتكارات العالمية الغربية من التغيير و مخاوفها على مصالحها . .
تدلل الأزمات الشعبية المهددة التي يواجهها نظام ولاية الفقيه في ايران ، و التصاعد المتسارع للحركة الشعبية السورية في مواجهة الحليف الستراتيجي لولاية الفقيه في المنطقة، من جهة . و تواصل اسناد النظامين من التحالف الدولي العسكري النفطي الصيني ـ الروسي . . . الذي بدأ بتقدير مراقبين بفتح مرحلة جديدة في التطور العالمي، اثر لجوئه الى استخدام الفيتو في مجلس الامن لإيقاف قراره بحق نظام الاسد، الذي يصفه قسم بكونه و كأنه بداية لحرب باردة بين صقور عالم اليوم . . فيما يتوقع سياسيون و خبراء ذوو وزن دولي، اندلاع حرب عالمية ثالثة لإعادة اقتسام العالم (1)، من جهة اخرى .
في وقت يتصاعد فيه حذر الاحتكارات الغربية من صعود الصين الاقتصادي الطاغي الذي لايمكن ترويضه بحصار او بستار مقاطعة حديدي، فالصين اليوم صارت هي التي تحلّ الأزمات المالية للولايات المتحدة و للاتحاد الاوروبي، و صارت قدرتها الاقتصادية و المالية تؤمن حاجاتها الهائلة للنفط، اضافة الى ما تؤمنه لها الإحتياطات النفطية الروسية ـ و ما يؤمنه لها النفط الايراني بمواقفها الأخيرة من ازمة التحالف الإيراني السوري ـ . . يسند ذلك المجمّع العسكري التكنيكي الروسي الذي يحاول الحفاظ على مواقعه في المنطقة و وجوده في البحر المتوسط . .
   و على ماتقدّم يرى محللون، ان ستراتيجية الاحتكارات الغربية في (الفوضى الخلاقة) في المنطقة باتخاذها مواقف مرنة بحدود، تجاه الحركات الشعبية الواسعة في دول المنطقة بسبب الفقر و القهر، و التي تفتقد الى بديل منظّم ناضج لإزاحة الدكتاتوريات التي تواجه من جانبها طريقاً مسدوداً قد يؤدي بها الى التعاون و التنسيق مع اكثر المنظمات الارهابية (الاسلامية) المواجهة للغرب في المنطقة(2) و التي ابتدأت تهدد الغرب في داره منذ احداث 11 ايلول 2001 .
   حيث يرى مراقبون ستراتيجيون ان (الفوضى الخلاقة) المصحوبة باعلام نشيط في زمان تتوفر فيه السرعة غير المسبوقة لانتشار الخبر . . توفر مرحلة ضرورية للاحتكارات الغربية لاعادة تنظيم صفوفها و تنظيم القوى في المنطقة، عوضاً عن دكتاتوريات دموية مكروهة من شعوبها مستعدة للتعاون مع الشيطان لمواصلة حكمها، في ظروف صراع و اعادة اصطفاف القوى المذكور آنفاً . . و بذلك يرى خبراء بان الاحتكارات الغربية امّنت لها ـ او فتحت الباب لتأمين ـ مواردها المهددة في النفط و الطاقة و الأمن، مع البدائل الجديدة . .  
   فيما يرى آخرون ان الغرب رغم تحقيقه شئ على ذلك الطريق، الاّ ان حساباته واجهت و تواجه الكثير من القضايا التي تجبره على تغيير سلوكه في المنطقة . . حيث وظّفت ذلك القوى الارهابية في المنطقة كمنظمة القاعدة و فلول صدام و الدكتاتوريات المنهارة . . و وظّفت ذلك الاقطاب الاقليمية الصاعدة الباحثة عن اسواق و استثمارات كايران و تركيا و دول الخليج، من جهة . و من جهة اخرى، وظفت ذلك القوى الشعبية بانطلاقتها الجديدة لتوفير بدائل دمقراطية في شعوب غلب عليها الجهل و اللجوء الى الاديان و المقدّس كمنقذ من ظلم الدكتاتوريات التي دعمها الغرب ـ و الشرق في عقوده الاخيرة ـ .
   و كانت نتيجة (الفوضى الخلاقة) احتضان الغرب للقوى الاسلامية ـ غير العنفية او التي اعلنت ابتعادها عن العنف ـ التي يمكنه التفاهم معها بعد تجاربه الطويلة من العلاقات بينهما في مواجهة اليسار بفصائله و القوى الديمقراطية في عقود ماضية، و بدعم من دول الخليج و تركيا. و يشبّه قسم ذلك التحوّل السريع للغرب، بموقفه من الثورة الايرانية عام 1979 حين تبدّل من الدفاع عن الشاه الى مصافحة الامام الخميني، في نوفيل لاشاتو الفرنسية التي اعدها لاستقباله كقائد لثورة اسلامية تحافظ على حدود جديدة للمصالح، و واصلت  الاحتكارات الغربية نشاطاتها في الجمهورية الاسلامية من مقراتها الجديدة و باسماء جديدة في جزيرة كيش الايرانية، رغم شعارات (الموت لاميركا) . . في سابقة يمكنها ان تتكرر في ايران.
   و يرى حريصون، انه برغم التطورات المتناقضة و مخاطر استبداد جديد، فقد تحققت نجاحات للحركات الشعبية بعد تغييبها و فتحت امامها ابواب كانت موصدة باحكام، الأمر الذي يدعو القوى الوطنية الشعبية و خاصة الديمقراطية و الليبرالية، الى توحيد صفوفها من اجل الدولة المدنية القائمة على مؤسسات دستورية، في مسيرة تدعو الى تعميق ماتحقق و الدفاع عنه في صراع طويل ابتدأ مع ذات الأجهزة و الأنظمة الحاكمة التي سقط رؤسائها(3) . . و الى الإنتباه الى ان ثورة الاتصالات و المعلومات تستفيد منها القوى المحافظة و الارهابية ايضاً، فيما تواصل الإحتكارات العالمية الغربية و الآسيوية اعتمادها على الاجيال الجديدة غير المكشوف عنها من اجيال الانترنيتات الأحدث و التي تتطوّر انواعها و آلياتها بلا توقّف!!

19 / 2 / 2012 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع حديث هنري كيسينجر لصحيفة الدايلي سكايب اواخر نوفمبر 2011، تصريحات وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ قبل ايام لصحيفة الدايلي تيلغراف البريطانية .
2.   راجع انباء تقارب و تفاهم ايران مع القاعدة الارهابية، التي تتناقلها وكالات الأنباء .
3.   حيث تتواصل الأخبار عن عودة افراد تلك الأجهزة الى مواقعهم السابقة في دول، فيما لم يمسّ التغيير اجهزة دول اخرى.

109
قضية شعب و ليس مُكوّن !
                                                                                                         د. مهند البراك
                                                                                                ahmedlada@gmx.net

يرى كثيرون، ان هناك ملامح لضوابط سكة عمل سياسية تطورية جرى شقّها، رغم ثغراتها . . كتبادل الحكم سلميا عن طريق الانتخابات، وجود دستور و مؤسسات دستورية يمكن اصلاحها، رغم ظروف الإحتلال و العنف و الارهاب الذي شاع و ادى الى شلّ الناس و جرى توظيفه من فئات حاكمة لمصالح انانية وفق بيانات حكومية . و تسبب بتزايد البطالة و الفقر، الجوع و المرض و التسوّل، ضياع المثل، الارتزاق للميليشيات، المخدرات. ثم تزايد طلب مجالس محافظات على تشكيل فدراليات وفق الدستور بسبب معاناتها من الإهمال ـ رغم استغلال و توظيف بعض الجهات له لمآربها ـ .
و فيما يرى محللون ان كثرة من الاعمال غير القانونية بالعرف الدولي و الانساني ابتدأها بريمر لنحت واقع عراقي تعددي على اساس المكونات الديموغرافية المذهبية و العرقية لغرض (التوازن) . . يرى فيها كثيرون بكونها وسيلة لتحريك الاوضاع وفق متطلبات الإحتكارات الأكثر نفوذاً و بيوتاتها الإقليمية و غيرها، و توازنها ! و خاصة احتكارات الطاقة، السلاح، المصارف  . .
حيث اخذ ذلك (الواقع التعددي) المصنّع في ظل الظروف الدولية و الاقليمية المشجعة له، يؤدي اضافة الى الخسائر الهائلة و التي قد لاتعوّض في ارواح و مصائر و ممتلكات العراقيين باطيافهم . . الى صراعات تحتمي بمظلة الدولة التحاصصية، وفق تصريحات ابرز المسؤولين . .
ادّت بالتالي الى اجراءات و قرارات لمسؤولين من اغلب الجهات المتنفذة، حملت خروقات . . ان كان يمكن تبرير قسم منها حينها بكونها بسبب الإحتلال و ارهاب القاعدة و فلول الدكتاتورية، فإن قسماً آخر منها حدث مستغلا الواقع القائم و تراكم قسم ثالث و كأنه منسياً . . ليؤدي كل ذلك الى سد طريق تطوير العملية السياسية التعددية التوافقية، بل و حرف مسيرتها الى صراع طائفي موظفاً المحاصصة سيئة الصيت التي صارت اغلب الاطراف تدينها كعلة العلل التي تركها بريمر . .
و ليطرح بصورة قد لاتقبل الجدل . . اهمية اقرار برامج يلتزم بها الجميع وفق قوانين ملموسة لها حصانة الرقابة و قوة التنفيذ بضوء احكام الدستور، على ان يُحاسب خارقو تنفيذ خطط العمل تلك و المشاريع العاملة من اجل انماء البلاد من المتنفذين، قضائياً . . بعيداً عن الإنحياز الضيّق لمكوّن ديموغرافي طائفي او عرقي تحت ستار الدفاع و صيانة تلك التعددية، و بالتالي عن تسييس كل الخروقات الفادحة . .
   فإضافة الى قضية نائب رئيس الجمهورية الهاشمي ذاتها ـ التي يحاول قسم جعلها و كأنها قضية مذهب ـ ، فإنها اثارت مطالبات تتسع لفتح الملفات المركونة المقيّدة ضد "مجهول" ، التي تثير سخط الناس تجاه الكتل الطائفية المتنفذة بلا استثناء . .  
بعد ان اثبتت مسيرة تسع سنوات، ان المحاصصة الطائفية الجامدة تلك ليست الاّ اداة مُحافِظة لتكريس تمزق البلاد على اساس المكوّنات الديموغرافية، و ليست حتى لإدارة ذلك التمزق على طريق ايجاد حلول سلمية قانونية لقضية الشعب بكل مكوّناته  . . و بعد ان اخذ العنف يولد عنفا اكبر و اوسع وصل الى  ان الميليشيات الطائفية خلقت ميليشيات لكل رئاسة من الرئاسات الثلاث، وفق البيانات الحكومية الاخيرة . .
و اثبتت إن حلول الكتل المتنفذة المعتمدة على آليات : نزاعات، مقاطعة، مصالحة و تبويس لحى ، لم تؤدي الى تحسين و تطوير الواقع لصالح الجماهير الواسعة بكل اطيافها القومية و الدينية و المذهبية، رجالاً و نساء . . و انما الى اعادة تقسيم المنافع بين المتنفذين، و كانها قضايا شخصية . . بدلالة تواصل الارهاب و عدم الاستقرار و التدخلات الدولية و الاقليمية، و تواصل اجراءات تقييد النشاط الجماهيري المطلبي منذ قمع انطلاقته في 25 شباط 2011 في ساحات التحرير في البلاد من اقصاها الى اقصاها . الأمر الذي قد يهدد بالانفجار بسبب استمرار المعاناة و الكبت . .
و على ماتقدّم، ينتظر مراقبون من المؤتمر الوطني الذي دعى له السيد رئيس الجمهورية جلال طالباني ، وضع اسس جديدة للعملية السياسية على اساس الكفاءة و النزاهة، الإنتماء للهوية الوطنية الجامعة للمكوّنات بدلاً من المحاصصة الطائفية، على اسس دستورية و قضاء مستقل و حرية صحافة و قوانين عادلة للمرأة ، في دولة فدرالية اتحادية برلمانية . . بعد ان اثبتت السنوات الماضية بكل عواصفها ان الدولة العراقية بحدودها و مكوناتها باقية . .

6 /2 / 2012 ، مهند البراك



110
بلادنا و الصراع العنيف بين مشروعين !
                                                                                                           د. مهند البراك
                                                                                                    ahmedlada@gmx.net
   
بعيداً عن تفاصيل تأريخية و تنظيرات، يرى متخصصون متنوعون ان الإحتكارات الغربية في الظروف السابقة، اضافة الى انظمة المنطقة . . شجّعت و هيّأت السبل لحكم فردي في العراق لضبط تأمين مصالحها، و كان ذلك لصدام حينها بعد الإتفاق عليه بطريق متعرج، لتشييد دكتاتورية فردية في اطار نظام جمهوري، يأتي على ظهر ثورة بيضاء فريدة اتفق على اخراجها لقطع الطريق عن بديل شعبي تقدمي متآلف كان موجوداً . . و سار الدكتاتور المرتقب منذ بدء فرصته، على طريق تصفية منافسيه و معارضيه و تقريب من ايّده منهم في المنعطفات المهددة لموقعه، مهما كان انتمائهم الفكري و القومي و الديني و المذهبي .
و بمسيرة حكمه ذلك، بطش صدام بلا رحمة بكل شخصية وطنية عراقية ـ باختلاف طيف انتمائها ـ كان يمكنها ان تشكّل عاملا يجمع و يحرّض على معارضة او يبدي آراءً منطقية لتغيير مسار حكمه . . موظفاً لذلك تجارب البلاد و المنطقة الغنية بالنفط عبر مستشارين، حتى وصل تزايد استقطاب الدكتاتورية طريقا سدّ مشاريع الاصلاح للصالح الوطني و لتلبية المتطلبات الدولية الضرورية و مزّق الوحدة الوطنية، فعملت الإحتكارات على ازالة صدام و على الحفاظ على آلية بناء الدولة الدكتاتورية، بمراهنتها الطويلة على انقلاب قصر يطيح به و بالمحيطين به فقط . .
و يرى محللون بانه اثر عمليات الحصار و الرقابة ثم بعد اسقاط الدكتاتورية بحرب خارجية . . واجهت الإحتكارات بشكل مباشر درجة عمق الفساد الذي وصله حكم الدولة الدكتاتورية و اوصل به المجتمع من جهة، و واجهت الرفض السياسي و الشعبي للاحتلال الأميركي من جهة اخرى . . الأمر الذي ادى بها الى ان تعيد النظر باسلوب بناء الدولة الجديدة بما يؤمن مصالحها، بشعارات تناسب العهد الدولي الجديد و المحيط الإقليمي .
فابرزت مشروع الدولة البرلمانية الإتحادية الذي اجمعت قوى معارضة الدكتاتورية عليه قبل الإحتلال كبديل. و لكن بشرط ان يكون على اسس ديموغرافية طائفية و عرقية فرضتها، و كأن تلك الأسس هي الإسلوب الوحيد لقيام الدولة الإتحادية تلك، في اطار خطط رمت ضمن ما رمت . . الى الهاب المنطقة بـ (الفوضى الخلاقة) لمواجهة تحدياتها، دون حساب المتطلبات الحقيقية للمصالح الوطنية العراقية او بالدوس عليها لتحقيق اهداف ستراتيجية لم تعلن كلها، سواء في العراق او في المنطقة . . رغم انواع الشعارات و الوعود. و عقّد ذلك اكثر ظهور لاعبين اقليميين متصارعين لم تحسب الإدارة الأميركية بمحاصصتها حسابهما بحجمهما المطلوب : ايران الشيعية و المحيط العربي ـ التركي السني، اللذين التهب صراعهما متسبباً اضافة الى ما سببه الإحتلال ...
تصاعد الارهاب و انعدام الأمن في البلاد، تزايد الضائقة المعاشية للغالبية العظمى من الجماهير الشعبية، و تصاعد الصراع : الديني الطائفي و الإقليمي، الإيراني الأميركي . . اضافة الى التهاب القضية الكوردية، وتأثيرات الربيع العربي . . حتى وصلت الصراعات و تأثيراتها درجات لم يتوقعها اصحاب القرار في القضية العراقية . .  
و لعب كل ذلك دوره في ظهور طبقة سياسية جديدة تستقوي مكوناتها بالدعم الدولي او الإقليمي او كلاهما، و في تزايد امتلاك قسم من تلك المكونات السياسية صنع القرار، رغم مجيئها بانتخابات طعن بنزاهتها اكثر الأطراف . . و لعب ذلك دوره في (الإنشغال) عن العمل الجاد لتعبئة اوسع الجماهير و لتحطيم اسس الدكتاتورية و مفاهيمها التي استمرت بالتواصل لعدم وجود قوانين ملموسة قابلة للتطبيق تتصدى لها . .
   ليطغي الصراع الإيراني ـ الأميركي و الشيعي ـ السنّي، على صورة التطورات و الصراعات و ليصل الى تزاحم منظومات الانذار و المنظومات الصاروخية في دول الخليج العربية ـ دفعت اثمانها بمليارات فلكية من العملة الصعبة ـ و الى تزاحم قطع البحرية الأميركية في الخليج . . في مواجهة الترسانة العسكرية الإيرانية المتصاعدة ذات التصريحات النارية المهددة بقطع مضيق هرمز . .
التي اعقبتها تصريحات الجنرال سليماني (قائد فيلق القدس) بتحكم ايران بدول المنطقة و قراراتها، التي نالت استنكاراً جماهيرياً واسعاً رغم توضيحات قيادة الحرس الإيراني (السباه باسداران) و تراجعها عنها . . في وقت يرى محللون في تصريحات سليماني بكونها اشارة الى تزايد احتمال تشكيل حكم عسكري ايراني بديل لحكومة نجاد المدنية لخلافاتها مع خط ولاية السيد "علي خامنئي" . .  
و يرى خبراء انه بينما تمارس ايران سياسة حافة الهاوية و التهديد . . تسير الإدار الأميركية بلا ضجيج على خطى مشروع بيكر ـ كارلتون الداعي الى التعايش مع دول المنطقة على اساس التنازلات المتبادلة بما يؤمن المصالح الأميركية بالأمن و الطاقة . . معتمدة في ذلك ليس على قوات المارينز، التي قلّصت اعدادها بوضوح و انما على اجهزة معلوماتها و على تفوقها التكنولوجي ـ الألكتروني العسكري الذي يحقق لها اهدافاً منتخبة فقط، بعد " انتهاء عقد الحروب . . اثر انتهاء خطر القاعدة على الولايات المتحدة و انتهاء بن لادن " و اعلان الرئيس الأميركي اوباما عن استعداده للتعاون مع اية قوة و جهة يمكنها ان تحقق نفعاً للأمن القومي الأميركي و تطور اقتصاده ـ راجع خطاب اوباما عن حال الإتحاد في 24 / 1 / 2012 ـ .
و يرون ان الإدارة الأميركية تعلن بذلك عن استعدادها لعقد صفقات و تنازلات متقابلة للتعويض عن خسائرها في خوض و تمويل الحروب، و هي تستعد للإنتخابات القادمة . . و انها قد تبدي استعداداً لتنازلات متقابلة مع ايران في القضية العراقية . . و يتسائلون هل تتنازل ايران في اطار سياستها بالإحتواء . . لقيام حكم تعددي اتحادي عراقي حقيقي يعتمد التبادل السلمي للسلطة و يؤمن مصالحها ـ ايران ـ بما لايضر بالمصالح الأميركية المذكورة ؟؟ ام ان هناك اصرار على حكم فردي يحقق ذلك . . في ظروف تتصارع فيها الإحتكارات الغربية ذاتها على شكل الدولة العراقية المزمع قيامها ـ اتحادية برلمانية ام دكتاتورية ـ في ظل غياب حركة جماهيرية شعبية مؤثرة و تعليق الدستور.  
فيما يحذّر اصدقاء للشعب الكوردي من ان التعامل مع الدولة الايرانية و الإدارة الأميركية قد يحمل مخاطر من تكرار مآسي اتفاقية الجزائر عام 1975 التي عقدت في غرف موصدة الابواب، حين سحبت ادارة نيكسون ـ كيسنجر نفسها من القضية الكوردية و من حقوق العراق في شط العرب، بعد ان تحققت مصالح الأمن القومي الأميركي منها .

26 / 1 / 2012 ، مهند البراك

111
من اجل مواجهة الصراع الخطير المهدد !
                                                                                                د. مهند البراك
                                                                                              ahmedlada@gmx.net
   
بعد اعلان رئيس الوزراء عن الملاحقة القضائية لنائب رئيس الجمهورية الهاشمي و ذهاب الأخير الى اقليم كوردستان، و اعلانه عن تنحيته لنائبه المطلك، و الإثنان من قادة كتلة " العراقية ". و فيما تجري الأعمال التحضيرية لعقد المؤتمر الوطني للتفاهم ـ خاصة بين العراقية و دولة القانون ـ بجهود السيد الطالباني رئيس الجمهورية، يتوسع الشق و يزداد تباعد الكتل الثلاث المتنفذة . . .
و افادت تقارير بان رئاسة الوزراء اخذت تجري تغييرات كبرى في هيكلة و ابعاد و تعيين و ترقيات في مناصب كبرى و خاصة في القوات المسلحة ـ الجيش و الأمن ـ كان ابرزها تغيير رئيس اركان الجيش الفريق الزيباري من كتلة التحالف الكوردستاني . .  لصالح كتلة رئيس الوزراء و اقارب لأعضاء فيها، بدون مسوغات معمول بها، وسط تحفظات لجنة الأمن و الدفاع النيابية و استغراب ابرز حلفاء كتلة السيد المالكي من كتل الإئتلاف الوطني، وفق تصريحات لناطقين باسمها  . .
في وقت تتواصل فيه تصريحات و تلميحات و تهديدات يُتراجع عن بعضها من قبل اعضاء بارزين في كتلة دولة القانون . . تجاه التحالف الكوردستاني سواء تجاه قادته او تجاه حقوق اقليم كوردستان، آخرها التلويح بقطع الميزانية عن الإقليم و كأنما هي هبة من الحكومة الإتحادية في بغداد او من رئاسة الوزراء في بغداد . .    
ليترك كل ذلك بتقدير اوسع الأوساط، آثاراً ضارة بالوحدة الوطنية، و يزيد من مخاطر مشاعر الفرقة و من التفكير بالإنفصال عن آلية عدم الإهتمام بايجاد حلول توافقية تتسم بالإعتدال لخدمة كل الأطراف من اجل ان تسير البلاد نحو الإستقرار و الأمان و السير على طريق ايجاد حلول للبطالة و الفقر و الخراب، على طريق التحرر و التقدم لصالح عموم الشعب بكل اطيافه القومية و الدينية و المذهبية و الفكرية . .        
و يرى مراقبون ان تزايد حدة الصراع الأميركي الإيراني مؤخراً، الذي زاد منه اقامة تركيا الدروع الصاروخية وفق خطط الناتو في مواجهة النشاط النووي الايراني المتصاعد، و علاقة ذلك بتطورات القضية الكوردية في العراق و ايران و تركيا و سوريا . . يدفع بالبلاد الى السير بطرق متناقضة تهدد بتصاعد العنف مجدداً على سكة المحاصصة الديموغرافية . . ابرزها طريقين : طريق ولاية الفقيه الإيراني و حكم طائفة الأغلبية الديموغرافية المهددة بالعودة الى الدكتاتورية العنيفة، و طريق التوافق و التمدن الإجتماعي و السياسي السلمي .
حيث يتزايد تمحور صراع القوى الدولية و الإقليمية على هذين الطريقين المتصارعين . . الصراع الذي يهدد باستغلال فرقة القوى العراقية على اسس طائفية و عرقية، بعد تزايد حدة المواجهات في سوريا الحليف الأساسي لحكم ولاية الفقيه في المنطقة، و مؤشرات تزايد حراجة النظام الإيراني بالحصار وفق وكالات الأنباء العالمية و الإقليمية الأوسع انتشاراً . . الحراجة التي قد تزداد حدة ان نجح التحالف الغربي بكسب الصين الى الحصار او الى موقف مستقل في الهيئات الدولية، بعد نجاحه بكسب اليابان التي اعلنت انضمامها الى مقاطعة النفط الإيراني  . .
و فيما تؤكد الأطراف العراقية باطيافها على اهمية وحدة الصف الوطني على اساس الدستور لمواجهة الحرائق المهددة . . تتساءل اوساط واسعة لماذا لا تستفيد الحكومة الإتحادية من التجربة الكوردستانية التي استطاعت ابعاد الإرهاب عن اقليم كوردستان و ابعاد شبحه كلما يلوح مجدداً، حيث استطاعت ان تضيّق عديد من الخلافات و ان تتوصل الى حلول متواصلة ـ بعضها مؤقتاً ـ ، كلما التهب الواقع المتربص المحيط بها سواء كان من جهات و شخصيات حكم عراقية في بغداد و تلكؤها في حل المادة 140 و ايجاد حلول لقانون النفط و الغاز، او بسبب مواقف الأنظمة الحاكمة المحيطة الأخرى.
و استطاع برلمانها ان يتقبل وجود معارضة برلمانية كوردستانية، على اساس وحدة الموقف من القضية المشتركة على صعيد الإقليم و التمسك بقيام الدولة العراقية المدنية الفدرالية الإتحادية . . رغم مواقف متنوعة الدرجات من ذلك، سواء داخل او خارج الإقليم . .
و على الصعيد الشعبي فانها تنجح ـ رغم نواقص و اخطاء تسعى لحلّها ـ . . في مواجهة تركات ماضٍ قاسٍ احاط و يحيط بها منذ عقود طويلة، حتى اليوم . . و استطاعت الحفاظ على كيانها بتنوعه، باتباع المرونة و الوسطية رغم تجاوزات حدثت و تبودلت من الأطراف المعنية من جهة، و بسبب نشاطات وصولية و انتهازية تسعى لتحقيق اعلى الأرباح على حساب الصالح العام، مدعومة في ذلك من بيوتات اقليمية و دولية من جهة اخرى . .
الاّ انها استطاعت ان تبقى ملاذاً للتقدميين و التحرريين و المضطهدين بسبب الدين و المذهب و الفكر في العراق . . في الظروف المتشابكة التي يمر بها الإقليم و البلاد و المنطقة. حتى اصبح اقليم كوردستان احسن حالاً من بقية اجزاء البلاد . . باعتراف الغالبية الساحقة من السياسيين و وجوه المجتمع العراقي باطيافه، و بتوجه اللاجئين من الظلم اليه . .
و الاّ فإن تواصل القلق من عدم الإستقرار، و الخوف من العودة الى الإرهاب قد لا يدفع الى الفدراليات وفق الدستور فحسب . . و انما قد يدفع الى تمزق البلاد الى كيانات تتأرجح على تغيّرات ميزان القوى الإقليمي و الدولي، الذي لا يؤدي الاّ الى نزيف و محن اكبر . . بوجود تشجيع و حواضن للتمزيق اقليمية و دولية . . سواء بالإغراء او بالإرهاب .


13 / 1 / 2012 ، مهند البراك





112
عن مفهوم الأكثرية . . و التوافق
                                                                                                             د. مهند البراك
                                                                                                           ahmedlada@gmx.net

منذ سقوط دكتاتورية صدام، ظهرت العديد من المفاهيم و المسميات للعملية السياسية و آلياتها، و يزداد تبادل تلك المصطلحات في وصف مايجري بكونه (ديمقراطياً) رغم الظروف الشائكة التي تمر بها البلاد و تناحر قواها المتنفذة، في وقت تنتظر فيه اوسع الجماهير اجراءات عملية تخفف من معاناتها الأمنية على الأقل . . و ليس اجراءات لغوية انشائية يحار في معانيها و المقصود منها، آخرها مصطلحات "حكم المشاركة" الى "حكومة الشراكة" ثم "حكومة اكثرية" . .  
   و من المعلوم ان مبدأ "الأكثرية و الأقلية"، هو مبدأ (1) ظهر و عُمل به منذ عهود تأريخية قديمة قبل ظهور الأديان، و تواصل العمل به منذاك بمسميات ناسبت و تناسب ثقافة و مُثُل تلك المراحل في اطار السعي لتحقيق عدالة اجتماعية . . خاصة بعد ان تحققت به انتصارات كبرى اثبتت جدواه و فائدته سواء للشعوب المحكومة او لدول الحضارات الصاعدة التي عزّزت العمل به من جهة، و وضعت له اسساً و قواعداً تصونه من الإستغلال و من التلاعب به وفق الأهواء . .  
   فاخذ المبدأ يُطرح على اساس البرامج المدعو لها، سواء كانت برامج مرحلية او برامج لوضع حلول لقضايا مصيرية و لقضايا ملتهبة كبرى لصالح الشعب . . بتحكيم تشريعات حكم او كتاب مقدس تأريخياً، او بتحكيم نظريات حكم، ثم تحكيم دستور يصاغ من قانونيين و سياسيين و رجال دين و عيون مجتمع، من المشهود لهم بالكفاءة و الحكمة و نظافة اليد و الإخلاص لقضايا الشعب و قضية الضعيف . . دستور يحصل على موافقة الشعب . لتظهر مفاهيم جديدة في سياق تطبيقه اثبتت و تثبت ان مبدأ "الأكثرية و الأقلية" هو مبدأ نسبي مرتبط بأداة تحكيم متفق عليها ـ اظهرت ايضاً مفهوم " الأقلية الصائبة" المستندة الى تلك الأداة ـ . . الدستور.
   و الدستور الذي صيغ من أطراف العملية السياسية و اقرّوا الإحتكام اليه بإتفاقهم و ما اجمعوا و توافقوا عليه و قاموا به، فإن الخروج عنه بلا اجماع و لا مسوّغات قانونية معتمدة في التوافق هو خروج عن الإجماع التوافقي على الدستور، و نتائجه صراع مع الأطراف الأخرى . . و على ذلك يرى متخصصون بأن اطلاقية العودة لمبدأ " الأغلبية و الأقلية " آنف الذكر و تحديداً تعبير (حكومة الأكثرية) لاتكون صحيحة ان لم تستند الى ما يحكّم ذلك في الدستور، و الاّ فان اطلاقه قد لايعني الاّ تظاهرة سياسية لتمرير قضية ما . . او لما يحذّر آخرون من ان ذلك يؤدي الى انفراد بالحكم و عودة الى حكم الدكتاتورية بمسمى جديد، خاصة و ان الأسس الإجتماعية و الفكرية للدكتاتورية و تشويهاتها لاتزال قائمة و قوية . .  
   و مايزيد من مخاطر ذلك الصراع هو قيام العملية السياسية على اساس المكوّنات الديموغرافية (الهويات العرقية و المذهبية و الدينية)(2) و ليس على اساس الفكر و البرامج السياسية الإقتصادية الإجتماعية . . علماً بان الدكتاتورية لم تسقط على يد مكوّن بعينه ليكون له حق اعلى من غيره، رغم النضال الشاق لكل المكونات في اطار احزاب معارضة الدكتاتورية و تقديمها اغلى التضحيات من اجل حقوق جميع المكونات العراقية في الحياة و الحرية، الذي ادىّ الى تكاتفها في بداية العملية السياسية، و سبّب التعدد الحزبي و المصلحي في كل مكوّن بعدئذ (سواء كفكر و وجهة سياسية او مصالح بما فيها الضيّقة . .) .
الأمر الذي يجعل المكوّن الديموغرافي ـ العرقي، الإثني، الديني، المذهبي . . ـ ستاراً لمرور العديد من الصفقات بلا رقيب حقيقي و بلا اجهزة تدقيق دستورية فاعلة تحاسب على درجة التزام كلّ مكوّن من مكونات العملية السياسية و ماحققه من وعود لناخبيه . . و على ذلك فان المطالبة بالاكثرية على اساس القوى المكوناتية الديموغرافية التي اقامتها المحاصصة و شوّهت بها المواطنة المتساوية و عطّلت انواع الكفاءات الوطنية، هي ليست اكثر من ميل لدكتاتورية مكوناتية ديموغرافية من نوع جديد، رغم نضال جميع المكوّنات الشاق ضد دكتاتورية صدام . . و محاولة للإستقواء بغطاء المكوّن الأكبر بمحاولة جرّه لتأييدها . . و كأنما هو عودة الى زمان قبائل الجاهلية الأولى . .


6 / 1 / 2012 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   كمبدأ اجتماعي سياسي قانوني .
2.   يرى استراتيجيون عسكريون، اثنيون، اجتماعيون و علماء نفس ان نظام المحاصصة الطائفية الذي اقامه الحاكم الأميركي بريمر في العراق اثر سقوط دكتاتورية صدام، كنظام (تعايش مذهبي) في حساب الصراعات و التوازنات الاقليمية . . اريد منه عملياً ابعاد العراق عن الصراعات الإقليمية باستنزاف طاقاته الفنية و العلمية و الثقافية و البشرية و العسكرية داخله، في صراعاته الطائفية الداخلية، و هو محاولة لجرّ القضية القومية الكوردية العادلة الى الصراع الطائفي .


113
الانسحاب الاميركي و قضيتنا الوطنية !
                                                                                                         د. مهند البراك
                                                                                                      ahmedlada@gmx.net

فيما تستقبل الشعوب في العادة انسحاب القوات الأجنبية من اراضيها بالفرح و التفاؤل في استقبال مرحلة جديدة في تقرير حياتها و سيادتها، ادى الإعلان عن انسحاب القوات الأميركية من البلاد الى تمزّق سريع لسلطاتها الحاكمة و الى تصادم معلن لكتلها المتنفذة، صاحبه تصاعد الأعمال الإرهابية التي راح و يروح فيها عشرات جدد من ابناء البلاد المدنيين . . وكانما كان وجود القوات الاميركية هو الذي ضبط و حقق استقراراً نسبياً افضل مما كان في سنوات دموية اكثر مرارة سبقت .  
   و يرى مراقبون ان ذلك ان دل على شئ، فإنه لايدلّ الاّ على ان الحرب التي اعلنها بوش الإبن على العراق منذ ثماني سنوات، قد اسقطت صدام و لم تسقط نظامه كآليات و فكر و عنف و عنجهية ـ بعيداً عن التسميات الجديدة ـ ، و يذهب قسم الى تفسير ذلك بكون ان الإدارة الأميركية كانت تريد تغيير الدكتاتور و شخصيات الكوتشينة الشهيرة فقط لحكمه مع الإبقاء على النظام اصلاً . .
و قسم آخر يذهب الى ان الخطة الأميركية لغزو العراق قد قامت عسكرياً لتحقيق عدة اهداف ستراتيجية عسكرية اهم ـ اضافة الى اسقاط صدام ـ في مقدمتها جعل العراق لكل مميزاته ساحة الصراع الأساسية بين الإدارة الأميركية و بين القاعدة لتمزيق الإرادة الشعبية العراقية باطيافها التاريخية، ولإبعاد نشاط القاعدة عن الغرب بإغرائها لمهاجمة قواتها في العراق من جهة، و لأجل تحقيق اختراق لها للقاعدة من جهة اخرى ـ كما اثبتت الأحداث لاحقاً ـ .
   و عززت ذلك باقامتها بشخص بريمر البديل التحاصصي الطائفي العرقي . . الذي مزّق الإرادة الشعبية الموحدة (قانوناً اصماً) من اعلى و اساء لمفهوم " المكوّن " الذي ادّعت تمثيله ذاته، من جهة. . . اضافة الى تمزيقها بـ : الإغراءات . . و الإرهاب، النهب، البطالة و الفقر و دمار الخدمات و الفساد الإداري، سواءً بتشجيعها لذلك او بتسريبها لفاعلين و غض النظر عنها، خالقة بذلك طبقة سياسية حاكمة جديدة غلب عليها انانيون و جهلة سياسيون مستقوون بدول ذات مصالح في البلاد . . و ضباع اقتناص الفرص لإثراء (عبقري) باجادة السرقات الفلكية و اللطم زوراً في عزاءات الأمة على مآسي ماضيها و مذاهبها . .
   و فيما ادّت المسيرة الى تواصل حكم الدكتاتورية باشكال و مسميات اخرى ـ بقياس ما يعانيه و يجنيه المواطن العادي ـ، فانها ادّت الى سكّة تواصل فيها ارتهان العراق للقرارات الدولية بمسميات و بنود و متعلقات جديدة، بعد ان استطاعت الإدارة الأميركية اثر تنفيذها اهدافها، سحب قواتها العسكرية الرسمية، و القائها اعباء و مصاريف متطلبات ديمومة سير العراق على سكة ذلك التواصل ـ ارتهان العراق ـ (*). . على دول الجوار في صراع يزداد استقطاباً : بين السعودية و دول الخليج و تركيا كظهيرة (القائمة العراقية)، و بين ايران و سوريا و ميليشيات حزب الله و حماس كظهيرة (قائمة دولة القانون)، من جهة.
   و من جهة اخرى، هناك سعي لمراوحة و اعاقة التطوّر الذي يشهده اقليم كوردستان العراق (التحالف الكوردستاني)، بخلق انواع الصعوبات و الفتن امامه و من داخله . . من القصف العشوائي و ضحاياه المدنيين و التهديد بالإجتياح من ايران و تركيا . . الى محاولات اشعال الفتن المتواصلة بين الكورد والعرب، و الكورد و المسيحيين و الأيزيديين بحجج التحريم . . و محاولات لعزل اقليم كوردستان العراق عن الواقع العراقي باطيافه الأخرى التي تشكّل باستقرارها و نجاحاتها دعماً للإقليم ذاته . . بمحاولات جعله ـ الإقليم ـ و كأنه اساس (الفتن) في كوردستانات تركيا و ايران و سوريا التي تشهد نهوضاً .    
   و بينما يمر عام على انتفاضات ربيع المنطقة التي كانت تأمل ان يلعب العراق الجديد عاملاً داعماً لشعوبها التواقة الى التحرر . . لايزال الصراع يدور في العراق من اجل السلطة و كأن الدكتاتورية لم تسقط، رغم الأعداد الهائلة للضحايا و لنزيف المال الفلكي و للدمار المتواصل، و رغم اقوال الرئيس اوباما و مسؤولين عراقيين عن قيام بديل متحضّر في البلاد، يستند على التداول السلمي للسلطة و على التعددية و احترام الآخر . . الذي بقي املاً حتى اسقاط رئيس الوزراء المالكي (مبدأ التوافق) و ( مبدا الشراكة الطائفية و العرقية ) في مؤتمره الأخير، في مواجهة المواقف المتعنتة لقائمة علاوي برأيه . . في صراع بدا و كأنه صراع اشخاص و مصالح ذاتية انانية و ليس صراعاً من اجل تثبيت مبادئ ما لأجل الشعب . .
   و فيما يرى عديدون ان القوى و مسار الأمور يجريان ليس كما يتمنى المرء . . يكاد يجمع كثيرون على ان المواجهة الوطنية لأنواع المخططات تتطلب اجتماع القوى و الشخصيات التي ناضلت ضد دكتاتورية صدام، سواء كانت داخل او خارج المؤسسات الحكومية و الدستورية القائمة من كل اطياف الطيف العراقي، رجالاً و نساء . . اجتماع يمكن توسيعة ليضم القوى و الشخصيات التي ناضلت بأساليب متنوعة مشروعة ضد الإحتلال و من اجل الاستقلال الوطني بعيدا عن المدانين بجرائم من بعثيي صدام و القاعدة، و عن المدانين بجرائم السرقات و الفساد الإداري  . .
لتقييم المسيرة و اعادة النظر باسسها، و بالتالي تقييم عمل البرلمان و تقرير بقاءه من حلّه للإعلان عن انتخابات جديدة كما تطالب كتل متعددة آخرها مطالبة رئيس كتلة التيار الصدري . . من اجل قيام حكومة على اساس الكفاءة  و السيادة الوطنية و السلام في المنطقة، اجتماع   يسلط  الأضواء على مدى استقلالية القضاء عن السياسة و الاتفاقات السياسية . . ولابد من القول بأن الحزب الشيوعي كان اول من بادر للدعوة لعقد ذلك الإجتماع و بوقت مبكّر .
من ناحية اخرى، و وسط مطالبات باستقالة حكومة المالكي، يتساءل مراقبون متعددو الإختصاصات اليس من الافضل للمالكي القيام بمبادرة (شيعية) لتحقيق وحدة الصف الوطني باطيافه لمواجهة القاعدة و تصاعد المد (السني) في المنطقة، ان اراد البقاء على كرسيه ؟ و يذكّرون بأهمية المرونة السياسية و احترام القضاء في ظروف العراق الدموية الحالية و ظروف المنطقة، و يذكّرون بان الشعب العراقي يدرك انه لايخلو مسؤول من اخطاء و نواقص و يدرك كلما كبرت المسؤولية زاد تاثير تلك النواقص و الاخطاء لتصبح دماءً و دماراً . . الاّ انه لا ينتظر بصبرٍ رغم انواع التضحيات التي قدمها و يقدمها، الاّ اعمالا يلمس منها جهوداً مخلصة لحكاّمه من اجله و يرى فيهم تضحياتهم من اجل خير المجموع . .

26 /12 / 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) و مايزيد تلك التقديرات ان القوات الأميركية تترك البلاد و لم تضمن الوضع الأمني قبل انسحابها كما وعد الجانب الأميركي . . رغم اعلان الصحف الأميركية و البريطانية ان الإنسحاب يجري بسرعة في محاولة لايجاد حلول للازمات الإقتصادية و السياسية الداخلية، و للتخفيف من روح العداء التي تصاعدت ضدها ـ ضد الولايات المتحدة ـ في المنطقة منذ اعلانها احتلال العراق . .


114
" الربيع" و الشباب . . اليسار و التمدن
ـ 3 ـ
                        
د. مهند البراك
                                                                             ahmedlada@gmx.net
و من الطبيعي ان تجد القوى اليسارية و الديمقراطية بظروفها المارة الذكر، في "الربيع" فرصة لتفعيل دورها في التحركات الجماهيرية السلمية الواسعة التي تنادي باهدافها ذاتها من اجل تحقيق مطالب اوسع الفئات الشعبية بكل اطيافها، فشاركت و تفاعلت كما مرّ، و عززت مبادراتها و نشاطها و تفاعلها، و حدّث قسم منها خطابه و رؤيته و تنسيقه مع الآخرين المتواجدين معاً، و انفتح على مطالبات الجماهير و الشارع . .
و اخذت تنضم اليها اوساط شابّة جديدة من شباب و شابات برز كثير منهم من نضالات الشارع و صاروا يقودون تلك الإنتفاضات و اثبتوا جدارتهم و قدراتهم، رغم المواجهات العنيفة التي تلقّوها من قبل الحكومات وفق اوضاع البلد المعني . . في ظروف تغيّرت و تتغيّر فيها المُثُلْ و تصبح خليطاً معقداً من اقطاعية و تجارية و شبه راسمالية طفيلية، الى متعطّشة للحرية و منادية للحداثة و لتقدم البلاد الحضاري اسوة بما يجري في العالم . . 
   من جهة اخرى يرى متابعون ان انتفاضات الربيع قد دفعت قوى اليسار والديمقراطية اكثر الى ادراك اهمية توحيد صفوفها في بيت يساري ديمقراطي يُتّفق على مواصفاته، و صار هناك تحركاً اكثر نشاطاً نحو توحيد قوى اليسار الناشطة، التي تشتت بفعل عوامل و ضغوطات و اغراءات، غالبها موضوعية الآن، اضافة الى الذاتية التي لم تعد خافية . . بعد ان ادركت اوساط اوسع، ان تشتت قوى اليسار و انشغالها بصراعات فيما بينها، لا يضعفها ويهمش دورها وعلاقتها بالمجتمع وأهدافه فحسب، بل ويفوت عليها حتى فرصة المشاركة في الدفاع عن المجتمع و آفاقه، و في التأثير على الأحداث الجارية والمشاركة الفاعلة فيها . .
ففيما وصل قسم منها الى الفوز في الإنتخابات سواء في قوائم متفرقة او كشخصيات . . رغم الإعلام الكثيف الذي غطى تغطية مقصودة و بتهيئة قوى دولية و اقليمية كبيرة، و اوصل الى اعتقاد البعض بانه فوز ساحق للقوى الإسلامية لوحدها(1). . في وقت لعب فيه التشتت و انعدام الوحدة و التنسيق بين القوى و الاحزاب و الشخصيات اليسارية و الديمقراطية بسبب عدم الإتفاق على كيفية الجديد و بسبب ادوار المال و اغراءات السلطة في ذلك . .
دفع الشعور باهمية وحدة اليسار الحزب الشيوعي اللبناني لعقد مؤتمر ناجح لقوى اليسار الديمقراطي اللبنانية في العام الماضي، و بنفس النبض و بتأثير ضرورات النشاط في ربيع المنطقة اعلنت وحدة " جبهة القوى الإشتراكية في مصر" (2)، و استطاعت القوى اليسارية و الديمقراطية و المستقلة التقدمية في العراق تشكيل التيار الديمقراطي العراقي، بمشاركة الحزب الشيوعي العراقي  . . التيار الذي عقد مؤتمرا تاسيسيا علنيا ناجحاً . .
و في وقت يرى فيه مجربون ان مفهوم الحزب الصغير ذو الجماهيرية التي تؤمن موقعا و نجاحاً في الانتخابات هو الأهم في هذه المرحلة تحديداً . . يرى آخرون ان قيام وحدة عمل اليسار الديمقراطي وفق الظروف الملموسة تتمم ذلك، سواء في هيئات تنسيق ميدانية مؤقتة او ثابتة، هيئات تنسيق عليا، جبهة و ميثاق منظّم للعمل، مجلس او قيادة كونفدرالية للجميع مع احتفاظ كلّ مكوّن بكيانه . . سواء كان ذلك ستراتيجياً او بتحديد هدف مرحلي مثلا لقيامها، للإنطلاق الى وحدة نضال القوى اليسارية و الديمقراطية و العلمانية و الليبرالية السلمي من اجل " الحكم المدني " . . وفق الواقع الملموس في كل بلد  . .
من جهة اخرى و فيما يتساءل قسم هل ان " الربيع " هو ربيع الإسلام السياسي، الذي بدا و كأنه يهيمن على ساحات المنطقة ؟ يجيب آخرون بكأنه " اسلام جديد "، ابرز ملامحه هو الابتعاد عن التطرف و عن ايديولوجيات جماعات الاسلام السياسي التي تؤمن بالعنف كتنظيم القاعدة، او الإسلام الحاكم في ايران . . بعد ان وجدت القوى الاسلامية انها لاتستطيع الفوز دون الحصول على دعم الغرب بتطمين مصالحه، و ان ذلك قد يوقعها ان استلمت الحكم حتى كمناورة في مطبّات و ازمات لاتحسد عليها ـ راجع بي بي سي ـ صحف في 5 كانون اول الجاري ـ .
و يتساءلون الى اي حد تطور الإسلام السياسي الجديد عن مسيرته في توظيف مشاركة القوى التقدمية لتعزيز حكمه وقت حاجته . . كم سيستفيد الاسلاميون من تلك المشاركة ليتثبّتوا و يعملوا على قولبة المجتمع المتخلف برؤيتهم، لينهالوا خصماً بعدئذ ؟؟ كيف سيواجهون ضغوط التمدن و الانفتاح على العالم بشباب يزداد تعلماً و ادراكاً لشعوب منطقة لايزال يغمرها الربيع ؟؟ هل بالقوة و اساليب الأمن و الكواتم و التضييع كما جرى و يجري تحت حكم الإسلام السياسي الى الآن ؟   
و يجيب كثيرون و اضافة الى ماتقدم حول حقائق نتائج الإنتخابات التي تجري اثر سقوط الدكتاتوريات، ان المهم هو ليس الفوز الآن رغم كل تعقيدات ذلك . . و ان الأهم هو بروز دور الجماهير و زخمها بعد ان غيّبت و جرى تنويمها طويلاً اثر قمع الدكتاتوريات الدموي القاسي، لأن الجماهير بتلك الروح، بتطور تنظيماتها، و بمواصلتها على لعب دورها ذلك سلمياً هو جوهر التغييرات الداخلية التي حصلت و حققت سقوط الدكتاتوريات . .
و انها ان تسلحت بالوعي و الإستمرارية و اليقضة لقادرة على مواجهة البدائل المصطنعة و التزييف و القوانين الناقصة التي تسن و انواع الخدع و الفساد الذي سيستمر ان لم يجرِ تحطيم النظام القديم و اقامة نظام برلماني  مؤسساتي قضائي حقيقي قابل للتطور ديمقراطياً بدله، تلعب فيه منظمات المجتمع المدني و النقابات و الصحافة و غيرها من المؤسسات المهنية و الإبداعية، دورها الحقيقي كمعبّر عن اماني و ارادة الشعب من اجل تقدم و رفاهية لأوسع الأوساط الشعبية و للشباب و المرأة . . فالشباب ومن يساندهم من فئات الشعب، يدركون أن مستقبلهم و نجاح ثورتهم مرهون بمواصلة العمل لإرساء اسس معمول بها للحياة الجديدة . . التي منها فكر تنويري يتسامح مع الآخر و يجعل المواطنة اساس التعامل . .
 حيث تلعب الأحزاب اليسارية و الديمقراطية بوحدتها دورها الفاعل في المؤسسات انفة الذكر، في العملية السياسية التي تلي سقوط الأنظمة الإستبدادية سواء بالمشاركة فيها او من خارجها، وفق واقع كلّ بلد و على اساس مايمكن ان يتحقق للشعب في تلك العملية السياسية . .
    فهي ان شاركت من خارجها، فإن تحرّكها الشعبي من اجل الإصلاح و من اجل حكم مدني يقوم على اساس التساوي بالانتماء الوطني لكل المواطنين و المواطنات، و من اجل مواجهة البدائل الناقصة التي قد تحاول ادامة التدهور و الفوضى و التدخلات الخارجية، لكسب الوقت لإدامة حكمها . . فإن ذلك سيقوّي دورها الذي سيزداد جماهيرية في المشاركة اللاحقة في البديل او في السعي لتنظيم معارضات برلمانية قانونية . . على اساس العمل على تكوين و توسيع حركة جماهيرية منظّمة تضم احزابا و قوى و تجمعات و شخصيات و منظمات مجتمع مدني تقدمية . .
من ناحية اخرى، يرى سياسيون مجربون ان التيارات اليسارية و الديمقراطية كتيارات سياسية تدعو الى التحرر و التقدم الإجتماعي و حقوق المرأة كنصف مجتمعات المنطقة . . يعنيها مواجهة السياسات الإستبدادية و التي تتخذ من الدين و المرجعية المذهبية وسيلة و ستاراً منافقاً لتحقيق مصالح سياسية و اقتصادية لأفراد و لفئات محددة تدفع الى عودة ديكتاتورية من نمط جديد . . و هي ليست معنية بمجادلات لا طائل من ورائها لإثبات ان " البيضة هي الأصل ام الدجاجة؟ " ، خاصة و انها قضية تتعلق بالحقوق الشخصية التي ينبغي ان تحترم . .
   فالماركسية لم تقف موقفاً عدائياً من الأديان و المذاهب . . و انما وقفت بحزم ضد الإساءة للمجتمع باستخدام الأديان و اتخاذها ذريعة و وسيلة منافقة للايهام و لشل نصف المجتمع بالدوس على حقوق النساء، بتوظيف الجهل التي اورثته الدكتاتوريات بعد سقوطها، للإستمرار في تحقيق اعلى الأرباح السياسية و الإجتماعية و اتخاذها ذريعة لإشعال الحروب . . و محاولتها شراء المواقف و الذمم بالإغراءات المالية الخيالية !!
الأمر الذي يتطلب تحديث و واقعية اكثر لتفعيل الفكر اليساري و الديمقراطي المنتج للمنظمات بما ينسجم مع مستوى و واقع و وجهات الشباب بطاقاتهم اليوم . . كي يقبلوا على تبنيه لفائدته لهم في السعي نحو تحقيق طموحاتهم و آمالهم و روحهم الوثّابة التي تريد التغيير بطموحات و عين ناظر الى الأمام و ليس بعين حنين الى ماضي . . و يؤكد كثيرون اليوم على ان التطوير وفق الواقع للنهوض به بكل الصعوبات و التعقيدات، هو الامانة الحقيقية للشهداء . . للحفاظ على شعلة التغيير الثورية التي ضحّوا من اجلها نساء و رجالاً، متّقدة !!
و هي الفرصة لإعادة تنظيم الصفوف على اسس جديدة تناسب المرحلة كي يلعب الشباب و النساء ادوارهم في كل المستويات . . صفوف حَمَلة فكر يتطور دائما و ابداً وفق منهجيته العلمية ، و يستطيع النهوض بسرعة في زمن السرعة هذا، لحضاريته و للحاجة اليه في زمن الصراع بين الحقوق الاجتماعية للشعب و الشباب و المرأة، و بين اعادة تقسيم المنطقة للاحتكارات
   و اخيراً و بعد المرور على اهمية دور التقنيات الحديثة في " ربيع المنطقة "، لابد من القول ان الكثيرين يرون، ان موقع مؤسسة " الحوار المتمدن " قد لعب دوراً رائداً في عروض و مناقشات و افكار و وجهات و تواصلات " ربيع المنطقة " منذ بواكير انطلاقته في تونس و بين الجاليات التونسية في اوروبا حينها، مروراً بكل العواصم التي مرّ " الربيع " بها، و خاصة دور " يوتيوب التمدن " لسرعة تداوله للأحداث المتسارعة . . وفي ايام ذكرى تأسيسه العاشرة، اتقدم باجمل تحية للموقع و لكل القائمين عليه و في مقدمتهم المناضل اليساري رزكار عقراوي، ولكل الكاتبات و الكتاب و القراء و المشاركين نساء و رجالاً، متمنياً للموقع المزيد من التقدم و التطوّر المتواصل كعهدنا به . (انتهى)



15 / 12 / 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   و قد عكست ذلك و سائل اعلام متنوعة، منها ما وصفه مقال للسياسي وليد العوض عضو م. س لحزب الشعب الفلسطيني .. الذي تناقلته الصحافة و وكالات الإعلام و المواقع في اوائل ك1 الجاري بعنوان " نتائج الانتخابات في تونس والمغرب ليست انتصارًا كاسحاً للإسلام السياسي " . . وصف فيه بالأسماء و التفاصيل كيف ان القوى و الشخصيات اليسارية و الديمقراطية و العلمانية بمجموعها و على تفرّقها حققت فوزاً كبيراً قارب فوز القوى الإسلامية في تونس و المغرب، رغم انواع الضغوط و الإنتهاكات التي احاطت بالإنتخابات، الأمر الذي يجعل القوى الإسلامية قد لاتتمكن من تأليف حكومة دون اتفاقها مع اليساريين و الديمقراطيين الأمر الذي يلاحظ استمراره ذلك الى الآن في المغرب .   
2.   اعلنت خمس أحزاب في بداية الصيف الماضي عن تشكيل "جبهة القوى الاشتراكية" ، لتوحيد جهودها بشكل جبهوي موحد، وتهدف الجبهة إلى الدفاع عن حقوق الطبقات الشعبية والمصالح الوطنية، في مواجهة محاولات القوى المضادة للثورة، والاتجاهات المتطرفة والرجعية والطائفية، التي تهدد الثورة ووحدة الوطن ومستقبله، كما ورد في ميثاقها. و قد ضمت : التحالف الشعبى الديمقراطى، الحزب الاشتراكى المصرى، الحزب الشيوعى المصرى،  الاشتراكيون الثوريون، و حزب العمال الديمقراطى، و قد أعلنت "الجبهة" سعيها الدائم للعمل المشترك مع كل القوى التقدمية والديمقراطية، من أجل تحقيق الأهداف الوطنية المشتركة.


115
" الربيع" و الشباب . . اليسار و التمدن
ـ 2 ـ

                                                                                                                  د. مهند البراك
                                                                                                              ahmedlada@gmx.net
لقد وجدت حكومات المنطقة المستبدة التي غلب عليها الطابع القومي المحافظ طيلة عقود . . وجدت بالقوى السياسية المتأسلمة خير معين لها في محاربة اليسار و الديمقراطية و الليبرالية . . حيث بقيت تحظى بالرعاية و التقريب و غض النظر و خاصة الإسلامية المعتدلة اللاعنفية منها ـ رغم مواجهات عنيفة جرت و تجري بينهما بين حين و آخر ـ ، الأمر الذي يساعد القوى الإسلامية اليوم على ملئ الفراغ الحاصل اثر سقوط حكومات الإستبداد السياسي الحاكم، بشرط عدم المس بجوهر تلك الأنظمة التي سقطت حكوماتها .  
و فيما انتقدت وكالات انباء غربية دولية  الرئيس اوباما بسبب خطابه في القاهرة في حزيران عام 2009 بدعوى أنه يهادن الإسلام السياسي في مصر، فان تلك الإنتقادات خفتت لأنه " بتخلصه من العجرفة الأمريكية المكروهه من شعوب المنطقة، استطاع تغيير الموقف الشعبي في مصر تجاه الولايات المتحدة، وسهّل على الحركات الإسلامية المارة الذكر إمكانية ان تظهر كحركات تعبّر عن الاعتزاز الوطني و القومي، وليس كحركات مناهضة للغرب. " وفق تعبير محللين غربيين . . ـ عن الإندبندنت البريطانية / ايلول 2011 ـ .
و اعتبروا خطاب الرئيس اوباما ذلك بكونه بداية لمنعطف كبير في سياسة الغرب في محاولة لسحب البساط من تحت اقدام منظمة القاعدة الإرهابية و المنظمات الإسلامية المتطرفة . . حتى انه صار يقترب من ان يكون نهجاً لسياسة الغرب تجاه عموم المنطقة ـ وفق ملموسيات دولها ـ في المرحلة الحالية على الأقل، ان وافقت الحركات الإسلامية تلك على تحقيق ضمانات لأستثماراته و تحقيق عقود جديدة مع احتكاراته (1). . رغم تواصل شعاراته ـ الغرب ـ بالتلويح بالديمقراطية من جهة، و غضه النظر و تشجيعه لجماعات تسعى لأفشال البدائل الديمقراطية حديثة العهد او لجعلها تراوح بجمود في مكانها، من جهة اخرى . . مادام نفط المنطقة مستمراً على الجريان بأمان  لصالحها كماً و نوعاً و اسعاراً و ارباحاً !!    
و يرى خبراء و ستراتيجيون ان التطرف الإسلامي الطائفي الشيعي الإيراني يلعب دوراً كبيراً في عودة الولايات المتحدة للتعاون مع القوى الإسلامية السنيّة كالأخوان المسلمين بضمانات (2) بعد حساب حجم خسائرها في حربي العراق و افغانستان . . خاصة وانهم يشكّلون بتلك الضمانات، بديلاً (يمكن ان يكون مقبولاً) مدني ـ لاعسكري ـ (3) في الظرف القائم بتقديرهم، لمواجهة التوسع الإسلامي الإيراني الشيعي من جهة، و لقطع الطريق على تطور و نهوض التيار الثوري الديمقراطي و اليساري و الليبرالي النهضوي و منظماتها الاجتماعية المطالبة بالتغيير الجذري بفعل ربيع المنطقة الذي يتصاعد، من جهة اخرى . . و لدعم اهداف دوائر متنفذة لديها ـ الولايات المتحدة ـ في محاولتها اقصار الديمقراطية على الانتخابات و تغيير الرئيس دوريا، بدلاً من تحطيم النظام القديم و اقامة نظام برلماني  مؤسساتي حقيقي قابل للتطور ديمقراطياً بدله . .
في وقت يرى فيه مجربون و كثير من الأوساط التقدمية في المنطقة بكون منظمة الاخوان المسلمين، عرفت بصفقاتها مع الانظمة المتوالية على الحكم ـ رغم انها لم تكن مجازة قانوناً قبل سقوط مبارك ـ، و عرفت بكونها جزء فاعل في النظام المصري السابق . . و بأن قادة المجلس العسكري لديهم نفس السلوك المحافظ المناوئ للتغيير، و يميلون الى الحكم خلف ستار، و يرى قسم آخر ان صداما قد يقع بين الإسلاميين و المجلس العسكري الذي لايقبل تسليمهم كل المقاليد . .
و فيما تحاول القوى الإسلامية من خلال مشاركتها المتأخرة في الإحتجاجات المدنية التي غلب عليها الشباب . . الوصول الى السلطة موظفة لذلك تشكيلها احزاب ذات طابع (مدني) كحزب "الحرية و العدالة" المصري، محاولة تقليد " حزب العدالة و التنمية" التركي  ناسية ان الأخير يعيش على ارث المسيرة التركية الطويلة العنفية المعقدة و يواصلها، بانواع التجاوزات على الحريات الفردية و الحقوق القومية و الدينية التي لم يستطع ايجاد حلول لها، والتي لم تستطع تركيا بسببها ان تكون عضوة في الإتحاد الأوروبي رغم الحاحها المتواصل لحد الآن . . في وقت يحاول فيه رئيس الحكومة اردوغان تهدئة المشاعر الشعبية التركية باظهاره نشاطاً و تضامناً مع ربيع المنطقة ـ في اطار بحثه عن اسواق جديدة للبضائع التركية ارضاءً لبيوت المال فيها ـ . . خوفاً من انتشار عدوى الربيع الى الشعب التركي بقومياته و احزابه، خاصة بعد انتشار مثاله الى شباب الغرب (4).
و يرى العديد من المراقبين، ان النهوض الشعبي المتواصل في المنطقة الذي يشارك فيه بفاعلية شباب اليوم رجالاً و نساءً و الذي تغلب عليه مطالبات حياة اليوم في التمدّن و التقدم الإجتماعي ، رغم مواجهته لأنواع المخططات الإقليمية و الدولية للحد منه او لأبقائه في منتصف الطريق بانواع البدائل، كالبديل الإسلامي آنف الذكر . . قد قطع اشواطاً و دقّ اسساً قوية للمواصلة . .  
فاذا كان سقوط مبارك مثلاً، قد لا يعني دخول مصر عهد ينهي النظام القديم و يبني الديمقراطية الآن، فإن الديناميكية و النهوض الشعبي المنتصر و دور الشباب و مشاركة المرأة الفاعلة و بروز قوى و تجمعات تقدمية و يسارية جديدة من نضالات الشارع، التي احدثت ذلك السقوط و تجذّر بها مفهوم الديمقراطية من الأسفل . . هو الذي يتمخض عنه تواصل المطالبات الجماهيرية في ميدان التحرير في قلب القاهرة، و يتسبب بتواصل و تزايد موجة احتجاجات شعوب المنطقة على الأنظمة المستبدة لذات الاسباب . .
من جانب آخر، فقد اثبت ربيع المنطقة ان بديل سلطة الإستبداد أن عجزت او انهارت بتأثير احتجاجات و اعتصامات الشارع ، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن السلطة ستسقط في يد من يستحقها . .
الأمر الذي يطرح بالحاح تحويل الشعارات و المطالب إلى برامج ملموسة تؤطرها و تتبناها أحزاب عصرية، فالإنترنت و تقنياته تحمل و توصل الوعي و تنشره، الاّ انها لايمكن ان تكون بديلاً لأحزاب و قوى ناشطة و تتعامل على الأرض (5).  
و فيما يلمس كثيرون، تزايد انسحاب اوساط متنوعة من احزاب الإسلام السياسي، بسبب طروحاتها المتطرفة اللاواقعية في البديل المنشود للإستبداد، و بسبب فشل من بيده الحكم منها في تقديم بديل افضل من انظمة الدكتاتورية و الفقر و الخوف، و فشلها في بناء الدولة الحديثة التي تحقق لمواطنها تقدّم و امان و درجة من رخاء .
يرى آخرون ان وصول احزاب اسلامية للحكم تسعى لبناء دولة الخلافة الإسلامية او دولة ولاية الفقيه، مهما شجّعت على ذلك اقطاب متنفذة في المنطقة و العالم، فانها قد لاتتمكن من ذلك بسبب كل ظروف عالم اليوم و شبابه التي مرّ ذكرها، و بسبب النهوض الشعبي المتواصل في المنطقة  . . حيث ستكون دهاليز حكمها معروضة على شاشات و اعلام كل دول و شعوب و منظمات العالم اليوم حيث لايدع الإنترنت و الموبايل و الفيسبوك و اليوتيوب اسراراً كاسرار السابق . . وهي حالة لاتحدث تلقائياً و انما في حالة تواصل اليقضة و الضغط و الفعاليات و الوحدة الشعبية من اجل التقدم.    
و ان محاولات احزاب الإسلام السياسي الحاكمة في مراعاة اوضاع عالم اليوم، لن تؤدي الاّ الى تصدّع صفوفها هي في مواجهة التمدّن، اضافة الى تصدّعها المتواصل بسبب صراعات رجالها على المكاسب الفردية و اغراءات ماتقدمه كراسي الحكم لفئات دون اخرى، اضافة الى الصراع بين الفقراء و الأغنياء رغم مظلة الإسلام الجامعة لهم . . بسبب شيوع الفساد (يتبع)
 
9/ 12 / 2011 ، مهند البراك


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   وقد وافقت على ذلك، وفق التصريحات الأخيرة لناطقين باسم منظمة الأخوان المسلمين " حزب الحرية و العدالة " في مصر و حزب النهضة الإسلامي المعتدل التونسي، اللذين حصلا اصوات عالية في إنتخابات البلدين .
2.   تتناقل وكالات أنباء دولية ان الضمانات التي يشترطها الغرب على القوى الإسلامية و يلقى منها استجابات هي: نبذ العنف كطريق للسلطة، امن اسرائيل، الإنفتاح الإستثماري على الغرب، و توجد ضغوط اوروبية تؤكد على ضرورة احترام الحريات ؟!  
3.   حيث يعتبر الجيش المصري نفسه مثلاً، العمود الفقري للبلاد منذ اطاحة العسكريين بحكم الملك فاروق عام 1952 و استلامهم للسلطة و استمرارهم عليها .
4.   جرت المسيرة التركية على نهج مؤسس تركيا الحديثة المارشال اتاتورك الذي اسس لدولة علمانية اثر اعلانه انتهاء دولة الخلافة العثمانية، في ظروف وظّف فيها الصراع الدموي المرير بين الدولة السوفيتية الناشئة و دول الغرب الرأسمالية الإمبريالية آنذاك اثر شنّها " حروب التدخل" ضد الدولة الإشتراكية الناشئة . . حيث وظّف تسهيلاته التكتيكية للجانب السوفيتي لتهديد الغرب بها و تلويحه بالإنضمام الى السوفيات ان لم يزد الغرب من دعمه له، في غمار ثورات و انتفاضات القوميات و خاصة الأرمن و الكورد ضد النير الشوفيني التركي و انتفاضات و اضرابات الشغيلة التركية المتنوعة المطالبة بالإشتراكية . . مسيرة ادّت بمآسيها و محصلاتها الى قيام دستور علماني يحميه المجلس العسكري التركي الأعلى بتواجد قوات و ضمانات غربية متنوعة اهمها عضوية المجلس المذكور في حلف الناتو كاساس لحماية الدستور العلماني ـ راجع مذكرات مس بيل " صفحات من تأريخ العراق القريب"، " الأرشيف البريطاني عن تأسيس الدولة التركية" ـ .
5.   و يشبّه مجربون و خبراء عسكريون ذلك بالجيوش المتحاربة التي مهما كانت اسلحتها بعيدة المدى و تقنياتها عالية التطور . . الاّ ان الحسم النهائي للصراع هو بيد قوّات المشاة الميكانيكية المتواجدة على ساحة الصراع .  


116
" الربيع" و الشباب . . اليسار و التمدن
ـ 1 ـ
         د. مهند البراك
  ahmedlada@gmx.net
   لابد من القول بداية، ان ربيع المنطقة بادر و تحرّك به الشباب و الشابات بانواع طموحاتهم و آمالهم، ثقافاتهم، قومياتهم و اديانهم، منتدياتهم و ملتقياتهم . . بسبب البطالة و الدخول المتدنية و الفساد و قمع الحريات، و السأم من حياة فارغة يهيمن عليها و يحدّ منها الفقر، رغم المهارات و التأهيل المهني و العلمي و الثقافي الذي حققوه، الأمر الذي سبب انواع المعاناة و الآلام و تسبب بمواجهات و اهانات و اعتقالات و تعذيب و قتل . . قامت بها الاجهزة الحكومية و كانت سبباً هاماً من اسباب الرفض، و الهجرة و الهروب المرير من الوطن لمن استطاع . .
و يرى باحثون متنوعون ان اجيال شباب المنطقة اليوم امتازت بجديد متنوع . . حيث شهدت تحولات عالمية عظمى لم تشهدها الاجيال السابقة . . كانهيار احد القطبين العالميين الهائلين، تغيّر منطق الاحداث العالمية السابق، و توالي انهيار انظمة و دول و ظهور جديدة على اسس اخرى، و شاهدوا بأعينهم احداث 11 ايلول الارهابية الدامية و هي تنقل مباشرة على الهواء لكل العالم  . . و عاشوا الإرهاب وانواع الفتن و المؤامرات و الدسّ و التلوّن و الوقيعة، و اعادة نظر بالحدود الجغرافية . . التي اتخذت وتائر من نوع جديد غير مسبوق في المنطقة منذ نتائج الحرب العالمية الأولى و قيام و تشكّل دولها . .
لقد نمت و شهدت تلك الأجيال تأخر و مراوحة (احتكار) مؤسسات تأريخية للمعرفة و البحث، قياساً بسرعة تطورات و احداث المنطقة، سواء كانت مؤسسات معرفية و اعلامية او احزاب و ايديولوجيات متنوعة . . شكّلت لأزمان طويلة ملاذاً وحيداً لمن اعتقد اعتقاداً ايمانياً بكونها  لوحدها و لو كانت جامدةً بلا تحديث، تمتلك كلّ الحقيقة ـ رغم تقديمها براهين صادقة لأجيال مضت و تحققت تحت لواءها نجاحات و انتصارات ـ . . بسبب ظهور جديد لم يكن موجوداً او ملموساً في زمانها . .
اجيال شهدت اشتعال حروب من نوع جديد للقوى العظمى في المنطقة، و شهدت سَوْق حكام دكتاتوريين كانوا فزّاعات المنطقة المخيفة، و محاكمتهم و تنفيذ احكام بهم علناً . . و شهدت كوارث طبيعية هائلة و انتقاماً للطبيعة ككارثة تسونامي و تأكد لها عملياً و ليس نظرياً فقط، حقيقة و اهمية العلوم الإيكولوجية و مخاطر البيئة و بكونها ليست خيالاً . .
اجيال تعيش الانترنت الذي حطّم المسافات و الحواجز، كموصل . . كمعلّم و مرشد و محرّض، اضافة الى بروز اقطاب اقليمية في المنطقة نمت و صارت تنافس الاقطاب الدولية التقليدية بالتفاعل و الصراع معها، و تشهد تغيّر مفهوم القوة و النفوذ في عالم اليوم، اضافة الى تضاعف اعداد سكّان منطقتنا الشرق اوسطية و تزايد نسب الشباب المتعلّم فيها . . فتكوّن بون شاسع بينها و بين الأجيال السابقة على اصعدة كثيرة التنوّع، عدا ثبات الحكمة البشرية في الحياة و الموت، قوى الخير و الشر، الصراع من اجل العدالة و تساوي حقوق البشر . .
من جهة اخرى، فإن و صول و مباشرة التغييرات العالمية التكنيكية و العلمية و الادارية الى المنطقة لأهميتها التكتيكية و الستراتيجية، و صراع و اعادة اصطفاف الاحتكارات الدولية و الإقليمية، الذي اضيف اليهما ظهور احتكارات بضائع جديدة صاعدة بلا انقطاع . . التي تحاول توظيف تناقضات و صراعات المنطقة الى صالحها، اضافة الى مراهنتها على اجنحة حاكمة ممن ترى ان لامفرّ من التغيير، و على اخرى تعمل هي على تأهيلها، و ثالثة تعمل على ترويضها او التعامل معها . .  
كل ذلك و غيره الذي جعل من شباب المنطقة اليوم بطموحهم و احلامهم باجتراح المآثر في سبيل حياة افضل، الذي جعلهم يفكّرون و ينشطون بآليات و منطق جديد يناسب سرعة تكوّن و توالي الأحداث . . فإنه جعل انواع المشاريع و القوى و الأحزاب الداعية للتغيير و التقدم في المنطقة، تنظر الى شباب اليوم كطاقة هائلة جديدة تهدد الأنظمة المستبدة الجامدة من جهة، و من جهة اخرى فانها قد تهدد حتى طليعية الاحزاب التي ناضلت و تناضل من اجل سعادة مجتمعاتها و قدّمت جحافل الشهداء على ذلك السبيل منذ عقود، ان لم تتجدد الى مستوى حاجات و آفاق الواقع المعاش الفعلي، وتكسر آليات صارت تعيق النشاط . .  
التجديد الذي يرى فيه مجربون بكونه ليس شعاراً فحسب، بل عملية معقدة فعلاً تتطلب ليس علوماً فقط، بل تتطلّب روحا اكثر شباباً قادرة على التفاعل و المبادرة، لأن المجتمع و شبابه صارا يتطلبان حاجات و امورا في خضم تشويهات اجتماعية لايمكن القفز عليها في المنطقة، و لأن النشاط بين الشباب صار يحتاج آليات و مَنْطقاً جديدين للتحفيز و التحريك، رغم مواجهة قوى التغيير عين التحديات المحافظة في المنطقة التي طوّرت آلياتها بفعل اموالها المتراكمة سواء من النفط في السلم و الحرب، او من خلال تحالفاتها و تأريخها الحافل بانواع المساومات مع الحكام و المتنفذين الإقليميين و الدوليين.
 على تلك المقدمات . . انفجرت طاقات الشباب في المنطقة بشرر صغير و لكنه مروّع . . هو احتجاج الشاب الكادح محمد البوعزيزي حارقاً نفسه امام دار الحكومة المحلية في مدينة تونسية . . ليتكرر ذلك و يتسبب بخروج مظاهرات تتسع و صدامات مع رجال الشرطة حتى انطلقت البلاد عن بكرة ابيها في مواجهة الرصاص و هي تهاجم المقار الحكومية بالحجارة ، و بعد محن و مواقفٍ تضامن الجيش معها و هرب رئيس البلاد . . و لتتكرر المشاهد سريعاً في قلب المنطقة مصر، و تتكرر درامياً في ليبيا و تستمر متصاعدة في دول اخرى و في مقدمتها سوريا الآن . .
و رغم طابع العفوية التي بدا عليها الشباب في البداية، كما يرى عديدون . . الاّ ان تكرار هبّاتهم و اصرارهم و شيوع اخبارهم السريع في العالم كلّه بفضل التقنيات الحديثة و تضامن اوسع جماهير البلد و العالم و شباب المنطقة معهم الذي اكسب انتفاضتهم ابعاداً هائلة، اخرجتها من طابع العفوية و الإحتجاج الفوضوي احياناً . . لأنها لم تتنظم و تصطف بما يمكّنها من تقديم بدائل عملية واقعية، رغم انها تمكّنت عزلاء من ازاحة الانظمة الخانقة الجاثمة على صدرها، بعد ان غيبت الجماهير عن صنع الأحداث بسبب ظلم الأنظمة الاوتوقراطية الحاكمة الوحشي و اساليب الإبادة التي استهدفت استئصال لولبها الفاعل : قوى اليسار و التقدّم تحديداً على توالي العقود . .
و يكاد يجمع المراقبون و المحللون . . على ان ربيع المنطقة و ادوار الجماهير الهائلة فيه، لم يأتَ من فراغ، بقدر ما جاء على ارضية تأريخ كفاحي حافل من اجل الحرية . . و من الفكر و الوعي الذي تشكّل و دعت اليه المعارضات الوطنية، و خاصة افكار و تحريض و تعبئة و اهداف اليسار و القوى الديمقراطية القريبة اليه بالوانها، رغم انين اليسار من جراح القمع الذي مورس ضده و حدّد من مشاركته المنظّمة ككيان منظّم سرّي محظور في بداية " الربيع "، و انما شارك بفعالية من خلال ما مسموح به قانوناً من نقابات و اتحادات جماهيرية و مهنية . و تعززت مساهمته و كينونته ذاتها بفعل الآليات التكنيكية ـ الألكترونية (تقنية المعلومات و الإنترنت) الحديثة و انتشر نشطاؤه و صار بسرعة ـ قياساً بسنوات القمع الماضية ـ طاقة فاعلة ضمن قوى التغيير اليوم . .ً
و فيما يرى مفكرون بأن اليسار و المادية و العلمانية هي فكر قبل كل شئ، و ان التنظيم و الأحزاب ما هي الاّ تطبيق واعي و منفذ لذلك الفكر . . يرى ناشطون مجربون ان مطالبات فعاليات ربيع المنطقة السائدة في : الحرية، الديمقراطية، حقوق الكادحين، حقوق المرأة، التاخي القومي و الديني و المذهبي، استنهاض الشعور الوطني بدل الغرور القومي و الشوفينية و الطائفية، حرية الصحافة . . اضافة الى حق تشكيل النقابات و ضمان حقوق العمال و مكافحة البطالة، ديمقراطية التعليم و العلم . . ماهي الاّ جوهر مطالبات القوى اليسارية و الديمقراطية طيلة عقود، و ان ذلك ان دلّ على شئ فانه يدلّ على ان فكرها الحي  المتجدد يلعب ذات الدور التحريضي الداعي الى رص صفوف اطياف الشعب من اجل تحقيق الأهداف و الحقوق.
و يرى كثيرون في الافكار الثورية و اليسارية بكونها ليست حكراً على ناس او فئة معينة، ان ضحّى قسم منهم بحياته دفاعا عنها، و مرض او توفي او عجز قسم آخر . . تنتهي . و انما هي افكار حيّة تكوّنت و عاشت و تطورت و تتطور . . تلفظ البعض و يلفظها بعض، الاّ انها تبقى و تستقطب جدداً و تبني جحافل كفاحية جديدة من الشباب الاكثر جدية في السعي من اجل التغيير نحو بدائل اكثر عدلاً . . انه الفكر الذي راحت دونه دماء و تضحيات الملايين رجالاً و نساء على توالي العصور، و حققوا به اكبر الإنتصارات في سبيل اخوّة البشر و تساويهم في حق الحياة و الحرية . (يتبع)


4 / 12 / 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ملاحظة : ورد خطأ في حاشية مقال سابق للكاتب بعنوان " ازمة الحكومة . . سوق بيع الأطفال"
بتاريخ 27 / 11 / 2011، ان السويد فتحت باب اللجوء للأطفال العراقيين ممن يتعرضون لسوء المعاملة، و الصحيح ان اللجوء مغلق للدولة المذكورة، لذا اقتضى التوضيح و الإعتذار .





117
عندما ينبح الفساد مستهتراً بالقيَمْ !

                  د. مهند البراك   
   ahmedlada@gmx.net         
   لاشك ان الفساد مستشري في مفاصل البلاد التي منها اقليم كوردستان . . و يرى كثيرون ان الفساد و الإفساد ليس وليد مرحلة مابعد سقوط الدكتاتورية، و انما ظهر بقوة و تنظّم بظهور مفهوم (الحزب القائد) و (القائد الضرورة) و الفئات المستفيدة الملتفة حوله في زمان الدكتاتورية البائدة، حين صارت اعداد كبيرة من كبار موظفي الدولة و الحزب، ترى في نفسها و كلّ من موقعه بكونه هو القائد الذي لاينازع و المطلق اليدين فوق مرؤسيه . .  
و تأصلت تلك النزعة  في المجتمع بتأثير سموم و ويلات حروب الدكتاتورية التي وجد فيها الفساد  فرصته الذهبية، و تكوّنت على اساسها انواع الجماعات التي قد تتعايش و تتخادم لفترة او تصطدم بلا رحمة في فترة اخرى بسبب المنافسة او بسبب خسارة مصلحة ما . . و تسخّر في ذلك كل الوسائل بلا قيود او ضمير او قِيمْ، بما فيها من تحاول خفية جعله وسيلة (ضحية) او امثولة لإستهداف الآخر الذي قد لاتستطيع مواجهته علناً.
   و يرى متخصصون اجتماعيون، بانه بالرغم من امتياز اقليم كوردستان بالإستقرار قياساً ببقية مناطق العراق، و رغم تواصل القصف الجوي و المدفعي من دول الجوار على حدوده كاقليم ضمن دولة ذات سيادة . . فان الإقليم يعاني من ظاهرة الفساد و اخطارها على السلامة و الأمن الإجتماعيين فيه، و تسعى الحكومة الكوردستانية للحد منها و محاربتها، باعتبارها اكبر القيود التي تقف بوجه التطور و التقدم الإجتماعي و تعميق المسيرة الكوردستانية و التصدي لمعوقاتها.
   و يرى مسؤولون سياسيون و اداريون كوردستانيون الى ان الفساد ـ مع الثغرات القائمة ـ قد يجرّ الى تحويل كوردستان العراق الى كانتونات سياسية ـ عائلية ـ اقتصادية، و دوائر اجتماعية ـ اقتصادية مصلحية تدور في افلاكها مستقوية بها ـ سواء بعلم تلك الكانتونات او بغفلة منها ـ محاولة استغلالها لتحقيق اعلى الأرباح . .
كانتونات و مصالح تزيد من التشوهات الإجتماعية التي يعاني منها الإقليم، كنتائج لعقود من سياسات الدكتاتورية الشوفينية و حروبها و حصاراتها، و ضغوط دوائر من الجوار لايروق لها ثبات التجربة الكوردستانية، اضافة الى المخلّفات و المصالح و التعقيدات الإجتماعية لحروب اقتتال الأخوة، التي تطلّ برأسها بين فينة و اخرى . .
   و على تلك الأسس و غيرها، تتستر عديد من المصالح و المنافع الأنانية الضيّقة و تحرّض و تسيئ، محاولة اقصاء الوجوه النزيهة و المخلصة لقضية الشعب الكوردي العادلة من جهة، و لعموم القضية الوطنية العراقية التي صارت للاسف و رغم جهود المخلصين نموذجاً مؤلماً لشعوب المنطقة، حتى صارت مظاهرات ربيع المنطقة تحذّر من بديل (على الطريقة العراقية) . .
   على تلك الأرضية، و في تلك الأجواء المتشابكة التي تلعب فيها الحرب النفسية و الإعلامية السايكولوجية ادواراً خطيرة في بث انواع الإشاعات و السموم بتشجيع من جهات و دوائر شتى . . في التحريض ضد الوجوه و القادة السياسيين المعروفين بنزاهتهم، لتحقيق اهداف متنوعة : من محاولات اساءة السمعة الى محاولات ضغوط بقصد الإحتواء بتصورها . . منها مانشر مؤخراً بحق احد القادة السياسيين في اقليم كوردستان، المناضل المعروف "حيدر الشيخ علي " الذي عرف اضافة الى تضحياته في سبيل قضية الشعب الكوردي و عموم الشعب العراقي . . عرف بشعبيته و تواضعه و استجابته للمطالب، بشهادة اوسع الأوساط الشعبية الكوردستانية (*).
   و يتساءل كثيرون و رغم التهجم القاصر الذي لايعرّف باسمه و لابمصادره، و لايمتلك حججاً تسوّغ تلك الإتهامات الباطلة بالفساد . . كحجج و ارقام و وثائق و اسماء موثقة بادلة مادية، يمكن الإقناع بها لمن يمتلك حد ادنى من المعرفة القانونية و الحقوقية او الثقافة العامة. . يتساءلون هل الغاية منها شخص المناضل حيدر الشيخ ام حزبه المعروف بتأريخه و ادواره المشرّفة و نزاهته . . رغم وجود نواقص سياسية و اخطاء عامة ام فردية يمكن حلّها بحوارات علنية و نشاط بنّاء يخدم قضية الشعب، او موسعات او مؤتمر، و ليس باتهامات تهدف نهش السمعة و خدشها للمس بمصداقيتها، فهو اسلوب معروف خبرته كل الاحزاب و الحركات المناضلة التي احتمت بالسرية في مواجهة القمع في تأريخها . .  
و يرى آخرون، ان كان ذلك (نقداً) على نشاط  الحزب او ملاحظات و مؤاخذات عن دوره في عموم المسيرة، او عن نقص في توجه الحزب الى الجماهير . . فانه يستهدف حركة بكاملها تجهد بكل قواها للم شملها و تاتي ببراهين جديدة على ذلك. و يرى قسم آخر ان نواقصها و اخطائها هي جزء من نواقص و اخطاء المسيرة الكوردستانية من جهة، و عموم العراقية من جهة اخرى، في ظروف مجتمع تغيّرت و تتغيّر قيّمْه .  
من جهة اخرى، يرى مطلعون ان تلك الإتهامات الباطلة التي استهدفت عدد غير قليل من مسؤولي الصف الاول في الاقليم بالأسماء . . قد يراد منها ليس السيد حيدر الشيخ وزير المواصلات في اقليم كوردستان لدورتين و قام بدوره بنجاح بشهادة اوسع الاوساط السياسية الكوردستانية و خاصة في مجال الهاتف و الموبايل و الانترنت وفق خطط الحكومة الكوردستانية . . و الأهم بالشهادة في مجال النزاهة و نظافة اليد . .
و انما يراد منها وضع العقبات امام اتفاق الحزبين الكبيرين القاضي باستلام الحزب الديمقراطي الكوردستاني رئاسة وزراء الإقليم مع بداية العام الجديد، من خلال استهداف عائلة البارزاني بالأسم في ذلك التهجم . . و محاولة الإساءة للمناضل حيدر الشيخ و حزبه الشيوعي الكوردستاني و هو يتهيأ للمشاركة في انتخابات المجالس المحلية، و يتهيأ لعقد مؤتمره العام . . في وقت اشتهر فيه حزبه الكوردستاني كما اشتهر فيه الحزب الشيوعي العراقي بالنزاهة و نظافة اليد .            


29 / 11 / 2011، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) و للمزيد عن المناضل حيدر الشيخ علي، راجع السجل الروائي للكاتب الكبير الفقيد عبد الرحمن منيف في " الآن هنا . . او شرق المتوسط من جديد" الصادرة في عام 1988 .




118
ازمة الحكومة . . سوق بيع الأطفال !
                     د. مهند البراك
          ahmedlada@gmx.net
   
يكاد يتفق كل السياسيين في البلاد سواء من الكتل الكبيرة او الصغيرة، ان الوضع العراقي في حالة ازمة تزداد استعصاءً و خطورة، مع تزايد اقتراب موعد انسحاب القوات الاميركية . . الأمر الذي يهدد بطغيان تحالف البعث الصدامي ـ القاعدة و طغيان دوائر فيلق القدس الإيراني، في ظروف اقليمية تزداد تفاقما و تهدد بالإنفجار وفي مقدمتها وصول النظام السوري الى حافة الهاوية امام الجماهير الغاضبة و ابعاد ذلك على المنطقة، و تزايد مخاطر اندلاع صدام اقليمي مسلح بسبب اصرار مرجعية خامنئي على المضي بالتسلح النووي .
   و يرى كثيرون في اجراءات رئيس الوزراء المالكي، بكونها صارت اجراءات ارتجالية تزداد تفاقماً و لاتبالي بمصائر الشعب و لا بمصارحته بقدر ماتبالي بكيفية ادامة مقعده الحاكم ـ يشاركه في ذلك عدد كبير من المتنفذين في الكتل الحاكمة ـ . . بعد ان ازداد اعتمادها على تهدئة الأزمات بازمات جديدة، لم و لا تؤدي الاّ الى استمرار سقوط مزيد من الضحايا المدنيين من كل الوان الطيف العراقي بنسائه و رجاله . .
حيث يتبين الآن ان السبب الذي ادى الى التسرع بالاعلان ـ رغم وجود اسباب ـ عن موضوعة (فيدرالية صلاح الدين) و بالتالي التازم الحاصل بسببها، هو اعلان توجه المالكي الى اعلان محافظة جديدة تتكون من سامراء و الدجيل و بلد و الكاظمية على اساس طائفي منذ شهرين . . الأمر الذي اثار مجلس محافظة صلاح الدين ـ راجع تفاصيل عن ذلك في صحيفة "العالم" البغدادية عدد امس و امس الاول ـ . . تلك الأزمة التي تفاقمت و صارت تفسيراتها و تعميماتها تهدد بتفاقمات اكبر و بخروج صارخ عن دستور البلاد القائم، و وضعه على الرف تماما . .
و تتزايد الأخبار المتسربة من المنطقة الخضراء بان (محاولة عسكريين للقيام بانقلاب بعثي صدامي؟) بكونها رغم تهويلها الاّ انه كان هناك تحرّكاً فعلاً ، و لكن لم يكشف عن ان القائمين به هم من العسكريين الشيعة ـ التوابين ـ (1) في وقت تصاعدت فيه الاتهامات الطائفية ضد ابناء السنة و شنّت حملة اعتقالات يصفها كثيرون بالعشوائية و تسببت بكثير من الفوضى و بتصعيد الطائفية المقيتة . .
في وقت ترتفع اصوات مرجعيات دينية شيعية مؤثرة بضرورة استقالة الحكومة اثر الفساد و اهمال حياة و مصائر العراقيين و اثر تدهور الوضع المعاشي العام تدهورا مريعا وصل الى بيانات منظمات انسانية دولية متنوعة و الى تناقل الصحافة السويدية قبل اسابيع و بالصوت و الصورة الأنباء المهولة عن سوق بيع الأطفال الكبير في بغداد (2) . .
وفي اجواء فاقمت فيها اجراءات حكومة المالكي اجواء عدم الثقة بين الأطراف السياسية العراقية و صارت تلجأ للعشائر، تنادي القوى الديمقراطية و الحزب الشيوعي و تنال تأييداً متزايداً . . الى اهمية الاسراع بعقد قمة سياسية لكل الأطراف الفاعلة سواء داخل او خارج مؤسسات الحكم، لمحاولة ايجاد مخرج من الأزمة المتفاقمة المهددة عشية مغادرة القوات الأميركية . . ترى اوساط واسعة ان حل الأزمة يتطلب ضرورة الإسراع بعقد انتخابات مبكرة، كخيار دستوري على اساس قانون للأحزاب و قانون جديد للإنتخابات . . باشراف حكومة انقاذ وطني .
   في وقت تتزايد فيه مطالبات من الكتل المتنوعة، بتمديد بقاء القوات الأميركية او التعاقد مع وحدات للتدريب على الاجهزة و الاسلحة و الآليات الجديدة، لعدم قدرة العراق بعد على حماية حدوده الجوية و البرية و البحرية ـ راجع مقابلة قناة "العراقية" الرسمية مع رئيس الجمهورية الطالباني امس الأول . راجع تصريحات امراء الصنوف في وزارة الدفاع للسومرية نيوز هذا اليوم ـ ، في وقت تتزايد فيه مطالبات الجماهير الثائرة في ربيع المنطقة بالتدخل الخارجي . . كما حصل في ليبيا ثم في اليمن و يحدث في سوريا مؤخراً . .

27 / 11 / 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   الضباط البعثيون الشيعة الذين اعلنوا التوبة على الطريقة الشيعية بداية، و احتفظوا بذلك بمراكزهم السابقة و رتبهم العسكرية. الأمر الذي حرم منه الضباط السنّة، لكونهم سنّة .
2.   اثار الصحفي الذي نشر تحقيقه بالصور على 6 صفحات قبل ااسابيع، في اوسع واكبر الصحف السويدية انتشارا اضافة الى وكالة الاخبار العالميه اكسبريس، و الذي ترجم الى اكثر من 12 لغه عالميه خلال 24 ساعه من نشره . . اثار ضجة كبيرة في السويد. 
فقد تجولت الصحفيه السويديه (تيريس كرستينسون) وزميلها (توربيورن انديرسون) خفية  بسيارة فولكس واكن برازيلي ليتابعا عن كثب سوق بيع الاطفال الكبير في وسط بغداد بالصورة والصوت، حين كان يعرض لبيع الاطفال الرضع والمراهقين . . الامر الذي ابكى القراء والمشاهدين لحظة نشره و بثه على التلفاز السويدي! و خاصة حين عرض البث فتاة عراقية اسمها (زهراء) ذات اربعة اعوام تباع بمبلغ 500 دولار فقط .
و يسترسل الصحفي في مقاله يقول " أطفال العراق يباعون في سوق النخاسه ونسائهم بغايا بالاكراه، والأرقام مخفيه عن عدد القتلى اليومي، واحزاب تنهب مافوق الارض وتحتها وتقدم لشعب العراق رصاصة الموت تحت رغيف الديمقراطيه . . جوع، وباء، سوء تغذية، تلوث بيئي و فوضى سياسيه . . يقتل الانسان بثمن قسيمة ملء الهاتف النقال. " 
و قد اعلنت السويد اثر ذلك عن فتح استقبال الاطفال العراقيين ممن يتعرضون لسوء المعاملة ومنحهم اللجوء مباشرة، ويحق للطفل بعد الاقامه لم شمل ولي امره انقاذا لاطفال ونساء العراق . . في وقت تتشدد دوائر الهجرة فيه باعادة طالبي اللجوء الى العراق .


119
ربيع المنطقة و روحها الحيّة
ـ 3 ـ

                                                                                                        د. مهند البراك
                                                                                                  ahmedlada@gmx.net

و يرى مجربون أن الأحزاب و التجمعات التقليدية في عموم بلدان المنطقة، سواء كانت رسمية او معارضة ـ في البلدان التي اعترف فيها بالمعارضة بمنطق لم يعد فاعلاً ـ لم تخرج عن كونها و كأنها نسخ متطابقة . . نتيجة لسياسات حكومية منهجية، هدفت و تهدف الى تفريغ العمل السياسي من أي بديل جدي لإستبدادها، موقوتاً بقمع دموي لأي طرح لبديل جدي سواء كان منطقياً عقلانياً ام يسارياً او ليبرالياً ديمقراطياً . .
الأمر الذي جعل المعارضات السياسية فيها، تتكون من أصوات و نشاطات متناثرة ملاحقة ومضطهدة، أو منطلقة من مواقف أيديولوجية يمكن القول بانها جمدت، وليس من حركات شعبية صاحبة نفوذ فعلي وبرامج تعكس مصالح فعلية لأوسع الجماهير او لقطاعات صاعدة . . الأمر الذي ادىّ بتراكمه الى اندلاع انفجارات شعبية افتقر عدد منها الى التنظيم، التأمت على مطالب لتحقيق حاجات بشرية اساسية ملتهبة بعينها، او في مواسم محرّكة او يمكنها ان تقرر كمواسم الإنتخابات الرئاسية كما حصل في انتخابات الرئاسة الإيرانية عام 2009 و في مصر التي اسقطت الرئيس المنتخب اثر انتخابات مزورة في كانون اول 2010 . . و شكّلت في بلدان اخرى احتجاجات سلمية استطاعت ان تتواصل بفعل التفاف الجماهير حولها، و اخذت بالإتساع بفعل المناخات الدولية و الإقليمية . . حيث انفجرت الجماهير و سبقت الأحزاب . .
من جهة اخرى، يرى مراقبون أن الإسلام السياسي الذي يشكّل قوة واضحة في المعارضات العربية و الشرق اوسطية . .  بكونه لم يصبح كذلك الاّ لكون غالبيته قد تشكّل و سُمح له او تمت رعايته لدوافع محلية او دولية متنوعة، و استثمرته سلطات المنطقة في معاركها الداخلية، و وظفته انظمة رأسمالية المحيط الشائهة  في معاركها الخارجية لأغراض تجارية و امنية او تسلطية . .
كما ان الإسلام السياسي المنخرط في حركات احتجاج ربيع المنطقة أظهر عجزه حتى الآن عن بلورة صيغة بديلة له وحده، ذات صدقية لعموم البلد المعني (1)، و صار يتخذ مواقف متناقضة اسفرت عن تيارات متنوعة منها معتدل، في سعي إلى احتلال موقع سياسي يمكنها من الحصول على دعم الغرب، في وقت يتعثر فيه من وصل الى الحكم منها، في الإستجابة لمطالب الجماهير الكادحة الواسعة التي تزداد فيها نسب الفئات الشابة المتعلمة و الفنية و المؤهلة . . . بل و تلجأ اقسام من تلك التيارات ـ و من فاز منها ـ الى التعامل بالعنف مع جماهير لا تقبل العودة الى الماضي .
حيث تواجه غالبية هذه الأحزاب اليوم، سواء كانت جزءاً من تركيبة السلطة الجديدة، أو في الحركات الاحتجاجية . . تواجه تعقيدات مجتمعية وسياسية وقوى شبابية وديموقراطية متفتحة، لم يعد شعار ( الإسلام هو الحل ) او شعارات المظلومية المذهبية كافية للتعامل معها، ما يجعلها اكثر انشغالاً بترتيب أوضاعها الداخلية على أمل الخروج من مأزقها الأيديولوجي الشمولي، و انشغال عدد منها مع بقية القوى الاحتجاجية في بلورة البديل السلمي لمواجهات الشارع.
حيث يعتقد قسم منها، ان بامكانها بناء نظام شمولي على غرار نظام ولاية الفقية الإيراني ـ الذي يقاسي ما يقاسي حكمه ـ ، و فات عليها ان كل ظروف العالم و المنطقة اليوم، تختلف كلياً عن ظروف ماقبل ثلاثة عقود من الزمن، لكل التغييرات الحضارية و الإتصالات الألكترونية، اضافة الى الإحتكارية اليوم، فيما تتصاعد فيه روح المنطقة الحية في النضال من اجل الحرية و التقدم . .
و يرى عارفون، ان الفراغ السياسي الناشئ يشجّع قوى الإسلام السياسي على التحرك في معطيات الواقع الجديد، و تسعى الى تشكيل احزاب مدنية ذات برامج اجتماعية على غرار حزب العدالة و التنمية التركي كحال الإخوان المسلمين في مصر، و حزب النهضة التونسي المتنوع . . كنموذج لإسلام معتدل تدعو اليه و تدعمه كبديل، دوائر غربية متعددة للوقوف بوجه الإسلام المتطرف . . بعد ان صار عليها ان تقيم دولة مدنية ـ و ليست دولة اسلامية كولاية الفقيه او طالبان ـ كي تتمكن في الحكم من تلبية مطالب جماهير ثارت و اسقطت دكتاتورياتها و تستمر بزخمها، في وقت تنتبه فيه تيارات اسلامية معتدلة من مخاطر انفرادها بالحكم، لأنها صارت ترى مخاطر ذلك و عواقبه . . في وقت يتساءل فيه كثيرون، هل ستقبل القوى الاسلامية بنظام مدني على غرار تركيا ؟!  
من جهة اخرى . . فإن السلطات ـ الجديدة منها، أو القديمة ـ العاجزة عن الخروج من ازمتها الاّ بالدفع بآلاتها الأمنية إلى الشوارع، تقود بعملها ذلك إلى استمرار الأزمة بدلاً من السعي لحلّها . . فيما تمضي الشهور على اندلاع الاحتجاجات العربية، دون وضوح المآل النهائي لها، وإن كانت تطالب و تواجه القمع بشعارات الحرية والديموقراطية والتعددية والشفافية والوحدة الوطنية، التي لاتزال عامة رغم ازدياد ملموسياتها، و تبدو و بشكل عام لاتزال غير قادرة حتى اللحظة الراهنة على فرض المسار الإنقاذي الداعية له .
وبذلك يرون ان المواجهات قد تستمر وقتاً طويلاً تتغير فيه وجوه و اصطفافات لقوى و نشوء قوى جديدة ، و تنضج فيه طروحات و تحركات تسندها اوسع الجماهير، حتى الوصول إلى ميزان قوى جديد يفرض حداً جديدا من استقرار على السير في برامج لطريق تقدمي نحو حرية و رفاه اجتماعي اعلى، بما يشكل المرحلة التالية من هذا الصراع، خاصة و ان الحركات الاحتجاجية لم تظهر وهناً في اندفاعتها و روحيتها بل انها تزداد نضجاً، رغم الضحايا الكثيرة التي تكبدتها.  
الاّ ان الإحتكارات الدولية الصاعدة و الجديدة، التي تحتاج الى انظمة من طراز جديد، كما مرّ، تحاول ان تزن تغييرات المنظومات الإجتماعية القيَميّة في المنطقة التي ترى انها لابد لها من استيعابها و توظيفها و الاّ انفجرت ارادات شعوب المنطقة بعيداً عن حساباتها، في وقت تتشدد فيه احتكارات محافظة في الإبقاء على ما موجود لضمان تواصل مصالحها بتوظيف الأزمات الناشئة و ادامتها لتحقيق ارباح اعلى في النفط و توريدات السلاح و الأجهزة الأمنية.
و فيما تتوالى و تعم الإنفجارات الشعبية السلمية في مناخ دولي مساعد و مشجّع، و كانعكاس لروح القيم الثورية الإجتماعية في المنطقة، من اجل تحقيق تقدم حضاري انساني لها في العالم الجديد، و هي تضم خليطاً اجتماعياً تحررياً يزداد تنوعاً فكرياً و قومياً و دينياً و مذهبياً . . تنوعاً صار يتخطى الأحزاب التي ان لم تتجدد في حضورها و دورها في الإنتصار لمطالب الجماهير الحياتية . . فان الإنفجارات الشعبية تلك كما يرى مراقبون يمكنها ان تنشئ بدائل ملموسة ـ رغم فوضوية او افتعال بعضها ـ لتلبية الطموحات الصاعدة، بعد ان بلغت درجات المواجهة مع السلطات و التضحيات ذروات خطيرة، صارت فيها الجماهير تطالب الدول الكبرى علناً بالتدخل رغم اعلانها الحذر من مخاطر بديل على غرار التجربة العراقية (2)، كما في ليبيا و سوريا . . غير واعية لأثمان ذلك التدخل .
في وقت تستمر فيه السلطات المحافظة على مواجهة الجماهير العزلاء بالسلاح، و على ملاحقة و اغتيال المثقفين و العلماء و الأدباء و اصحاب الكفاءات و الخبَر و المهن و الأكاديميين و الفنانين و المحرضين . . في سعي منها لمحاولة انهاء الكفاءات القابلة للتطور و المؤهلة اكثر للتصدي لمهام المرحلة، و قطعت الطريق امام عودة الكفاءات المهاجرة رغم التطبيل بذلك .
و يرى سياسيون ان حدة الأوضاع قد اوصلت الأمور الى تزايد ميول العنف للدفاع عن النفس، رغم ملاحظة خبراء دوليون الى أن معرفة الكيفية السلمية التي يمكن من خلالها التخلص من الحكام و المسؤولين المستبدين، آخذة بالانتشار في أصقاع الدنيا باستخدام التقنيات السلمية في أفريقيا والشرق الأوسط وحتى في ميانمار ـ بورما ـ (3) ذات النظام العسكري الصارم، بل و امتدت مؤخراً الى وول ستريت في الولايات المتحدة، موضحين أن النضال السلمي ليس أمرا بديهيا أو عفويا، ولكنه يتطلب تعلم كيفية فهم مشكلة الأنظمة القمعية وما يجب فعله إزاءها، و انها لا تتطلب مجرد هاتف نقال ـ موبايل ـ ذكي، بل تتطلب الشجاعة والتنظيم والانضباط والتنسيق وحسن التواصل . . ،
و فيما اثبت ربيع المنطقة مجددا بعد تونس و مصر و ليبيا، ثم اليمن و سوريا، و تحرّك القضية الفلسطينية ربيعياً و كسبها تاييدا دوليا غير مسبوق . . اثبت اهمية الجماهير و نشاطاتها السلمية في التغيير بعد ان ضاع دورها و جرى تغييبه، من اجل بديل مدني تعددي يحترم الآخر، دولة مؤسسات منتخبة، واثبت للأحزاب الديمقراطية و اليسارية اليوم، ان قوة الحزب ليس بكبر منظماته و انما بكبر شعبيته و تعبيره عن المطالب و الامال الحقيقية لاوسع الجماهير، و ان ذلك مايوصله الى البرلمان و الحكومة، كما اثبت و يثبت كيف تنضج المواقف بسرعة معتمدة على سرعة انتشار الوعي اليوم . .  و اثبت ان الصراع يدور عنيفاً بين " اعادة تقسيم المنطقة على الإحتكارات المتنوعة باي ثمن" و بين " النضال من اجل حقوق الشعب في الحياة الحرة الكريمة ". .
يتساءل كثيرون هل ستلجأ حكومات و نظم المنطقة و هي تواجه تلك الطاقات الى سوق شبابها الى حروب جديدة تمتص و تحطّم تلك الطاقات ضد عدو يجري تصنيعه، بعد محاولات لم تنجح لإبعاد الشباب عن السياسة، باشعال الإقتتال في صراعات (تاريخية) وحقوق وثارات الأجداد، على اسس طائفية و دينية و قومية اثنية . . في السباق المحموم الجاري للقوة و النفوذ الذي يذكّر بالحرب الأولى بين الدول الأمبريالية في المنطقة بسبب بروز اقطاب جديدة، لإعادة اقتسام منابع الخامات و الأسواق خوفا من خسارة كل شئ . .
و اخيراً فان مايجري هو جزء هام من تحولات كبيرة تجتاح العالم، يزيدها حدة في المنطقة الأزمة العالمية الإقتصادية الجديدة، التي تشتد فيها الصراعات و اعادة اصطفافات كبيرة سواء في صفوف القوى الدينية او العلمانية، التقدمية و المحافظة . . و يؤكد مفكرون و سياسيون يساريون و ديمقراطيون على ضرورة انتباه اليسار لذلك و قبول الآخر و ألإنفتاح على كل القوى صاحبة المصلحة في قضية العدالة و الديمقراطية الإجتماعية سواء كانت احزاب، حركات، تجمعات . . حيث تتضاءل آليات احتكار الحقيقة او حجبها لكل الوقت . . (انتهى)

27 / 10 / 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   عدا تلبية بعض المتطلبات و المصالح لفئات فقيرة محلية في مجال الصحة و التشغيل بمقابل قليل، كما في عدد من الأحياء الشعبية في مصر. اضافة الى نشاط الصناديق الخليجية في تلك المجالات في عدد من دول المنطقة و في كوردستان العراق .
2.   فيما يتساءل كثيرون، عن مدى مالعب غزو العراق من دور في تفجير تلك الدمامل، و هل كان بداية لشرق اوسط جديد كما اريد له ام شرق اوسط جديد فعلاً ؟  
3.   بورما النفط و الذهب و اليورانيوم التي شهدت عام 2007 انتفاضة لاتصدّق حرّكت كل اوساط المجتمع و اصابت البلاد بشلل هدد المصالح العالمية، سميّت " انتفاضة الرهبان "، و فضحت ان بلاد الفقر هي من اغنى اغنياء دول العالم التي اتفقت على نظامها العسكري الصارم احتكارات : الصين، الولايات المتحدة، الإتحاد الأوروبي، " منظمة دول آسيان " التي تضم الهند، تايلاند، ماليزيا . . .

120
ربيع المنطقة و روحها الحيّة
ـ 2 ـ  
                                                                                                د. مهند البراك
                                                                                          ahmedlada@gmx.net

و يرى خبراء، بأن ما يحصل في المنطقة على تنوّع اوضاع دولها، هو جزء و نتيجة من نتائج انتهاء مرحلة عالمية و انتقال الى مرحلة جديدة . . فانظمة و كيانات المنطقة العربية و الإسلامية في محصلتها النهائية لم تخرج عن كونها تابعة للأقطاب الكبرى بدرجات و اشكال كثيرة التنوع و التفاعل و التغيّر . . و نتيجة للتغيّر الهائل في مفهوم التبعية، التي صارت و كأنها تبعية متبادلة، كتبعية الأسواق والمستهلكين، للبلدان المتقدمة صناعياً، و بالمقابل تبعية الدول الصناعية للمواد الأولية ـ كالنفط ـ و للإحتكارات المالية و المصرفية . . حيث ماذا ينفع التكنيك بدون المواد الأولية و بدون رأس المال الضروري للإستثمار . . حتى صارت المنطقة جزءاً مقرراً و واضحاً من قلب العالم الذي يزداد ترابطاً، مما يصعب حصره بمقال . .
   و بذلك فان الإحتكارات في سعيها للحفاظ على كياناتها و تزايد ربحيتها ضمن تطوّر قوانين تركّز الإحتكار، اضافة الى تشابك المصالح و تعدد الإقطاب الإحتكارية المتنافسة و تزايدها بظهور الجديدة منها، و اعادة اصطفافها  المتكرر سواء بالتهادن او الحسم بمواجهة بعضها بالعنف، و في الأوضاع المتنوعة و ازمانها . . فإنها تتسبب باحداث فوضى (1) تعمل على توظيفها لصالحها من جهة و توظفها اطراف مواجهة لها سواء كانت عالميةً . . او اقليمية ممن يصطلح عليها قسم من الباحثين برأسمالية المحيط، او الرأسمالية الناشئة و الشائهة، بقوة النفط و المال و المضاربات التجارية، و توريد الأسلحة و المخدرات و تجارة الرقيق الأبيض . .
   و تستمر الفوضى في ذلك حتى التوصل الى تركيع او عقد اتفاقات او توافقات فيما بينها . . في حالة تذكّر بنتائج الحرب العالمية الأولى و تقسيم المنطقة وفق اوضاعها آنذاك، بين احتكارات بريطانيا و فرنسا و الولايات المتحدة و عدد من احتكارات اوروبا الغربية و حرمان الألمانية و الروسية . . حيث تكشف تصريحات اخيرة لكبار وكلاء احتكارات فرنسية و روسية و صينية كبرى مدى محاولات الإحتكارات الأميركية للإستفراد بالمواد و المشاريع الستراتيجية في بلدان المنطقة لها لوحدها و حرمان الأخرى او السماح لها فقط مقابل شروط و عمولات تدفع لها . .
   و من جهة اخرى تتصف رأسمالية المحيط الإقليمية، ببيوتاتها البترودولارية الفلكية ذات النزعة العسكرية و التوسعية لتحقيق اهدافها كانشاء ايران المتواصل و دعمها الميليشيات الدينية و الطائفية الواضح علناً في سوريا و لبنان و القسم العربي من العراق على سبيل المثال، لتحقيق ارباح فلكية لرأسمالها " وَقْفْ القدس " (2) . . باتباعها ستراتيج متواصل للحروب و تكتيك صدامات المجاميع الصغيرة المتواصل بهدف الإستنزاف للتوسع و لمزيد من الأسواق، الذي يتّبعه فيلق القدس في المنطقة ـ راجع مقابلة قناة الجزيرة التفصيلية مع محسن رضائي عن معاني تصنيع الصواريخ المحمولة على الأفراد، صيف 1998 . . اضافة الى خطب الرئيس الإيراني احمدي نجاد، فيما تتواصل فضائحها في التسليح و عقود النفط  في مكاتب جزيرة كيش الذي وصل الى ابرام عقود طويلة الأمد مع ناقلات شركات إسرائيلية، فيما تدق طبول الحرب المقدسة ضدها.
اضافة الى صفقات السلاح الفلكية للسعودية و دول الخليج مع الغرب . . كما توضح في اعقاب تحقيق مكتب الجرائم المالية الكبرى، الذي قدّم للمدعي العام البريطاني تفاصيل عن تحويل مبالغ بملايين الجنيهات الاسترالينية الى حساب في سويسرا في اطار عقد بين السعودية ووزارة الدفاع البريطانية التي الزمت العقد لاحدى الشركات التابعة لمجموعة EADS التي تنتج مقاتلات اليوروفايتر لتحديث لنظام الاتصالات للحرس الوطني السعودي و القصور الملكية في السعودية، و ان اثباتات لفتت الأنظار الى ان الدفعات التي تمت مابين عامي 2007 و2010 مخالفة للقانون، و الى دعوة لإلتزام الصمت لكي لا تخسر الشركة امكانية الفوز بمناقصة لتقديم 179 طائرة امداد الطائرات المقاتلة في الجو بالوقود لصالح وزارة الدفاع الامريكية البنتاغون. ـ عن بي بي سي 9 / 10 /2011 .
و فيما تلعب الإدارة التركية في المنطقة دوراً سلمياً يكسب تأييداً بين شعوب المنطقة في اشادتها بالعلمانية كطريق ناجح للحكم في الدول الإسلامية حماية للدين و الدولة، و موقفها التضامني مع الشعب الفلسطيني ضد التجاوزات العسكرية الإسرائيلية، يرى قسم فيه دور هام لموازنة و تقليل خطر انفلات ايران عسكرياً من جهة، و انفلات اسرائيل و احتكاراتها المتمددة بلا ضجيج في المنطقة ـ منذ معاهدة كامب ديفيد ـ كما كشفت و تكشف فعاليات ربيع المنطقة . . فان الإدارة التركية لاتتورع عن قصف لاينتهي للكورد المدنيين بالطائرات و المدفعية في كوردستان العراق .
   يجري ذلك في وقت تظهر في عالم اليوم السياسة الجديدة لأنظمة دول المنطقة ، سياسة الملفات و الأجندة المتناقضة ( فدولة ما تعقد اتفاقيات ستراتيجية في  اجندة ما، مع دولة اخرى و هي تتنازع معها حد العنف في اجندة اخرى . . ) كنتيجة الى زيادة التغيّر السريع في مواقف الإحتكارات الناشطة في المنطقة من تنافس و خلاف و مشاركة، اضافة الى تزايد اجندة انتاج الإحتكار الواحد (3) ، الى ان ترسي رساميل الإحتكارات على حل ما لفترة مسماة . . في وقت يعلن فيه عن سعي لتحقيق نوع من الإستقرار الإقليمي في المناطق الملتهبة، كالإعداد الجاري الآن مثلاً، للقاء السعودي التركي العراقي الإيراني . .
و فيما يجري كل ذلك في غرف مظلمة و بعيداً عن الإعلام و الإعلان . . فان تدهور اوضاع الجماهير الكادحة الواسعة، مالكة الثروات قانوناً و ذات المصلحة الأساسية في التقدم و الرفاه و العيش الإنساني في المنطقة، و اطلاعها اليومي في عالم اليوم على حقائق و تفاصيل فضائح مايجري سواء على : شاشات القنوات الفضائية، اليوتيوب، الفيسبوك، و وسائل الإنترنت الأخرى . . فان ذلك يضاعف سخطها و هي ترى كيف من انتخبتهم و يحكمون، لاهين في مصالحهم و ملذاتهم و ارباحهم . . مهما زايدوا بشعارات و بمقدسات رغم انها تنهي عن ذلك !!
فيما يرى مراقبون ان صراعات حادة على مستويات متنوعة ـ كما سيأتي ـ تدور بين نزعة شعوب المنطقة بروحها الحيّة و تطلعّها الطبيعي للحرية و التقدم و قدراتها على التحدي و على الإتيان ببدائل تسعى بالبلاد للعيش بامان و رفاه و سلام في عالم اليوم . . و بين بدائل متنوعة للقوى الإقليمية و القوى الكبرى، يمكن ان يسفر عن تحقيق عدد من الحقوق، تفتح ابواباً لتحقيق المزيد، الاّ انها معرّضة للإنتكاس و التراجع، ان لم تتحوّل الى قوانين يعمل بها فعلاً، تذود عنها دولة قادرة و شعب تمثله احزاب تعي مسؤوليتها، من الجماهير و تنشط لها . . و منظمات مجتمع مدني تنشط بحرية وفق ضوابطها المصرّح بها .
   و يرى مراقبون محايدون ان قدسية الحاكم الفرد الساعي لأظهار نفسه و كأنه مالك البلاد قد تحطمت الى حدود كبيرة . . فمنذ سقوط الطاغية صدام الذي صوّر نفسه و كأنه خالد و مقدّس، و عرضه على الشاشات مُساقاً الى القضاء و محاكمته و حكمه علناً و اعدامه، رغم ما احدث من صدمات لفئات من شعوب المنطقة و لظروف ذلك . . الاّ انها لعبت دوراً هاماً في توضيح ان الشعوب باطيافها ابقى من حكّامها مهما طغوا و تجبّروا و ان الشعوب و مطالبها تمثّل قوّة تلعب ادواراً هامة في تقرير مصائرها، كما يساق مبارك، و يلاحق القذافي و يتهدد بلاهوادة صالح و الأسد . .
و فيما يمكن ان توفّر تلك التغييرات فرصاً لتحقيق بديل اصلح كما مرّ ، الاّ ان ذلك و للأسباب المار ذكرها و غيرها، يفتح الباب ايضاً لصراعات كثيرة التعقيد بسبب ما انبنى في زمن الدكتاتوريات تلك سواء داخل البلدان او في آلية و ادوات تعاملها مع العالم و المنطقة في تلك الحقبة، اضافة الى ما يسببه غياب او ضعف المعارضة المنظّمة للدكتاتوريات تلك، بفعل القمع الدموي الذي مارسته عليها، باعتمادها اجهزة الأمن و القمع في حكمها حتى بوجود مؤسسات (دستورية منتخبة) الاّ انها صورية لكونها طوع بنان (الحاكم الدستوري) ، الأمر الذي مزّق تلك المعارضات و فرقّها، و اضعف تأثيرها على الجماهير التي ضاعت ثم لاذت بالمقدسات علّها تحميها . . و وظفت الدكتاتوريات ذلك بموقفها المداهن للإسلام السياسي .
اضافة الى ضعف بدائل الدكتاتوريات المنهارة، التي شملت من استغلّوا الفرص و من تسلّقوا بسرعة الى كراسي الحكم و الكراسي المقررة فيه . . و اخذوا يكررون ماقامت به الأنظمة التي تهاوت،
بواجهات ديمقراطية جداً و واجهات عفيفة عفاف الكتب المقدسة ؟! . . بسبب الفرص الذهبية للإثراء الطفيلي من جهة، و بسبب ضعف القدرة و الكفاءة على الحكم، او بسبب تماهيها مع ادوار حدّدت لها من قوى اكبر و الاّ خسرت ؟! (يتبع)


19 / 10 / 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   التي سمتها رسميا ادارة بوش الإبن بـ " الفوضى الخلاقة " ،و تشمل الفوضى ضياع و اختلال القانون، انهيار و غياب الدولة كما في العراق . . اعمال النهب و السلب و الإنتقام و الثأر، ضياع السجلات الحكومية، الفوضى الفكرية و السياسية . .
2.   وقُف القدس ـ Quds Stiftung ، اكبر رأسمال ايراني مسجل رسمياً بأسم الأخ الشقيق للفقيه الأعلى علي خامنئي، تدخل فيه واردات الأماكن المقدسة و اليه تعود قوات الحرس الثوري " سباه باسداران " و قوات المتطوعة " الباسيج " و قوات فيلق القدس، و تعقد معه اكبر الصفقات التجارية النفطية، العسكرية، المالية . . وفق وكالات الأنباء العالمية و خاصة الفرنسية و الألمانية .
3.   كاحتكار تشيني النفطي العملاق مثلا .. الذي اضافة الى منشآت النفط و المعادن، يصنّع السيارات العسكرية و المدنية و المواد الغذائية و التجهيزات الجلدية و الكتانية العسكرية، كالأحذية العسكرية الكثيرة الأنواع و الحقائب و اللوازم العسكرية. . و الموصلات و الكابلات الكهربائية . .


121
ربيع المنطقة و روحها الحيّة
ـ 1 ـ  
                                                                                                                      د. مهند البراك
                                                                                                            ahmedlada@gmx.net

منذ ان طرقت العولمة ابواب منطقتنا، بعد التطورات العاصفة، التي غيّرت انظمة و سياسات اغلب دول العالم . . تواكب انظمة المنطقة العواصف بتغييرات لاتمس جوهر ما، بقدر ما مسّت و تمس واجهات للحكم في سعي لتجميلها، و محاولة الظهور بمظهر محاكاة العالم . . الاّ ان ثورة المعلومات و الإتصالات العالمية، استمرت بالطَّرق . . و بتواصل كشف و تداول حقائق هامة مخفية، و تزايدت اعداد متداوليها من شباب و شابات المنطقة على الأخص . .
لتنكشف بذلك اسرار و اسرار و بلا مقابل، بعد عقود طويلة من تضحيات و نضالات كان فيها مجرد الحديث شفاهاً او الإشارة ، الى عيب او نقص في الحاكم او في نظامه، عقوبته الأرواح و الأنفس و التعذيب الذي لايرحم ولا يفرّق بين رجل او أمرأة او طفل او شيخ . رغم تقديرات اخصائيين بأن عالم الأسرار يتغيّر ايضاً، حيث تكفّ كثير من الأسرار الماضية عن اهميتها و دورها. رغم تقديرات آخرين بأنها تبقى هامة لكونها اسرار عن ماضي لاتزال تعيشه شعوب المنطقة، بسبب إحكام انظمتهاعزلها عن سياق التطورات الجارية في عالم اليوم، فيما يبقى كشف الأسرار الآنية هو الذي يفجّر الغضب و الفعل بسبب تراكم الكبت . .
و يرى كثيرون بأن انطلاق ثورات الشباب و احتجاجاتهم لم يأتِ من فراغ، بل شكّل امتداداً  لأشكال النضالات الشعبية و العمالية و الطلابية و الثقافية و السياسية من اجل الحقوق، و تواصلاً لتلك الروح التي اسس لها و نظّمها ماضي شعبي تحدى انواع المحن . .
و على ارضية الفقر و الكبت و قمع الحكم الفردي الذي طال ، بدأت جدران الصمت بالتساقط . . لتتحشّد الجموع السلمية باطيافها الفكرية و القومية والدينية و المذهبية رجالاً و نساء، و لتواجه بالحديد و النار، و يتلقف العالم انباء مايجري ساعة بساعة . . ليثير كل ذلك، تعاطف و غضب شعوب العالم و منظماتها الشعبية و الدستورية، و ليقف رجال انظمة الدول الكبرى موقف المتفرج، او المتضامن الصامت . . ثم لتتواصل و تتسع حلقات الدعم و الإشادة الشعبية في تلك الدول، بسبب تواصل حشود الإحتجاجات السلمية و تواصل التضحيات . .  حتى وصلت الى التدخل بدفع من احتكاراتها المالية و النفطية و الصناعية و هي ترى مصالحها تتأرجح على احتمالات لاتريدها .
و بعد ان حققت تلك الإحتجاجات اهدافها الملتهبة في دولها و تغيّر رؤساء دكتاتوريون لثلاثة دول في تونس و مصر و ليبيا بتأثيرها ـ رغم نتائج متنوعة كما سيأتي ـ و تتواصل مهددة في اليمن و سوريا . . اصبح ربيع المنطقة رغم انواع الإجتهادات . . مثالاً رائداً لجدوى الإحتجاجات السلمية في انحاء العالم، فوصل اضافة الى دول آسيوية و افريقية، وصل الى اوروبا ثم الى الولايات المتحدة بتجمعات الشباب الإسبوعية الداعية هناك الى مكافحة البطالة و فساد اجهزة الدولة، وفق تقارير غالبية  امهات الصحف و وكالات الأنباء العالمية . .  
و يرى محللون ما يجري بكونه ثمرة من ثمار المد الإعلامي وتكنولوجيا المعلومات التي أتاحت انتقال الخبر والرأي بسهولة وزخم لم يُعهدا من قبل . . الذي يجعل من التغيير و تنظيم الصفوف شأنا داخليا ينبع من الشعب، بفعل دفق المعلومات الحديث و السريع سواء من الإنترنت او الفيسبوك و إلى الهاتف المحمول . . الذي صار يتم في ثوان فقط، متفوقاً بذلك و على خطى التوضيحات المبكرة لـ كارل ماركس قبل قرن و نيّف (*) .
و يرى آخرون ان ذلك يحدث بعد غياب مرحلة توازن القطبين بآلياتها آنذاك، حين سعى القطبان لمواجهة احدهما الآخر في المنطقة و من خلال انظمتها التي تحتكر كل شئ في دولها . . ثم اثر تخفيف دعم الغرب لأنظمة اسس لها في الماضي و جمدت حتى صارت لاتساير التطور الجاري في عالم اليوم. و هو تخفيف متنوع الدرجات مُجْبَر عليه الغرب في خضم أعادة بناء ذاته المتواصلة، بعد ان لم يعد البناء السابق المواجه للمنظومة الإشتراكية ذا نفع، و في وقت صار يواجه فيه استقطابات جديدة داخله من جهة، و يواجه الأقطاب الدولية الجديدة و خاصة الآسيوية، اضافة الى الإقليمية النفطية و المالية الإيرانية و الخليجية . . من جهة اخرى .  
تخفيف يسعى لضمان تواصل تأمين  أهداف و مصالح تزداد تنوعاً . . في منطقة غنية بثرواتها و بنسب شبابها العالية و بتزايد اعداد و انواع كفاءات ابنائها رجالاً و نساءً، منطقة عرفت بروحها الحيّة الوثّابة و بدورها الفاعل في الحضارة الإنسانية منذ فجر التأريخ، و فسيفساء مكوناتها الآن احد دلالات ذلك . . و تشكّل اليوم احد ابرز شرايين حياة و اقتصاديات و ثقافات عالم اليوم .
فبعد ان دعمت الإحتكارات الغربية حكم القطب الواحد و الطغمة الحاكمة الواحدة في دول المنطقة طيلة اكثر من قرن، سواء كانت ملكية او جمهورية . . ودعمت تصوير ذلك الحكم و التعامل معه كما لو كان حقاً مقدّساً ليناسب التخلف بتقديرها، و عملت على ترسيخه للحفاظ على المنطقة سوقاً لبضائعها و حروبها ، بل و حافظت على حكم الطغم الشمولية بالعنف و الإنقلابات العسكرية و الحروب المحلية . . داعمة بلا هوادة العنف و استغلال الجهل و الأمية، بل ساعية الى التجهيل باشكال منظمة، كاشغال الناس بالمشاكل اليومية المحبطة لدرجات الوعي، كما سيأتي، رغم كل الإدعاءات .
فانها توصلت الى أن زمن دعم الطغاة حرصا على استقرار جامد و ليس على استقرار ديناميكي قد ولىّ، لكونه صار لا يناسب البضائع الجديدة و احتكاراتها الصاعدة، و لا آليات الأقتصاد و الإدارة و تقاسم الأسواق، و توفير الحد الأدنى من حقوق البشر و البيئة في عالم اليوم، وفق القوانين المعلنة للدول الكبرى. و ان الزمن صار يتطلب انظمة و لغة و آليات جديدة يمكنها تخطي الوعي العام السابق المحلي بتلبية متطلباته من بضائعها الكاسدة السابقة . . او بالقفز عليه، لتقليل حجم الخسائر التي يمكن ان تصيبها، فيما اذا انفجرت ارادات شعوب المنطقة و هي بمواصفاتها الفاعلة آنفة الذكر . . .
فاخذت تسعى و تدعم النشاط الهادف الى الإتيان بانظمة قادرة على ادارة و تلبية مطالب شعوبها بما يناسب الزمن بتقديرها، و قادرة على تمثيل دولها بشكل مقبول دولياً ليضمن لها الشرعية، و بالتالي شرعية عقودها و معاهداتها . . من جهة، اضافة الى ان تكون لها قدرة لوجستية على السير وفق مقتضيات الأسرار الجديدة للعقود و الإتفاقات و صيانتها بنظرها، من جهة اخرى.
و توصلت احتكارات كبرى ـ وفق بيانات مراكز بحوثها ـ الى ان عليها ان تتعايش في عالم تغيّر و اخذت تجتاح شعوبه الحرية، و يجتاحها سعي اعلى من السابق لتتحكم هي بمواردها بما يحقق لها رخاء افضل ، الأمر الذي قد يصل بتلك الإحتكارات بتقديرات مراقبين الى ان تقبل بجعل انظمة المنطقة شريكة لا تابعة كالسابق، في اطار منافسات حامية في مواجهة احتكارات اقليمية و دولية جديدة سواء كانت آسيوية او احتكارات جديدة لتكنولوجيا و اختراعات من نوع جديد للألكترون و الرابوت و برامج الفضاء و الأرض و اعماق البحار و غيرها في اخطر المجالات . .
مع ما يترتب عن ذلك من متاعب و صعوبات للإحتكارات، منها عدم استعدادها لدعم من دعمته يوماً و لم يعد صالحاً بنظر شعبه في لحظة حرجة ما، لأنها تريد التعامل مع من يمكنه تمثيله كما مرّ، كي يكون قادراً على عقد الصفقات و العقود الجديدة، و على ضمان ديمومة العقود و عدم خسرانها و تضررها جرّاء ذلك . . الأمر الذي ان حصل فانه سيؤدي الى افلاسها و خروجها من دائرة تنافس و صراعات الإحتكارات !  (يتبع)


13 / 10 / 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) راجع " البيان الشيوعي " الفصل الأول. . الذي يفيد وفق تعابيره في زمنه : " بان النتيجة الحقة للنضالات هي في اتّحاد العمل المتعاظم باستمرار، الذي يعززه نمو وسائل المواصلات التي تبتدعها الصناعة الكبرى . . فالإتحاد الذي اقتضى سكان بلدان القرون الوسطى قرونا لتحقيقه، نظرا إلى طُرقاتهم البدائية، تحقّـقه البروليتاريا العصرية في سنوات قليلة بفضل السكك الحديدية . . الملاحة البخارية، و سكك الحديد، و التلغراف الكهربائي . . "




122
متى تقوم الحكومة بدورها لأجل الشعب ؟
                        
د. مهند البراك
                                                                             ahmedlada@gmx.net

فيما لاتخفى تعقيدات و صعوبات الوضع العراقي التي تعددت اسبابها و لكن، يتفق الجميع على حقيقة ان  القوات الأميركية هي التي اسقطت الدكتاتورية و ليس قوة من قوى معارضة صدام، لتنفرد تلك القوة لوحدها بالحكم . . رغم كل التضحيات و النضال الصعب الذي خاضته كل قوى المعارضة تلك و قدم الشعب فيه جحافل الشهداء و المفقودين و المعوقين و الأرامل و الأيتام . .
و رغم ان القوات الأميركية اسقطت صدام و صاغت بديلاً معقداً يلائم مصالحها و اهدافها، الاّ ان ذلك وفّر للعراقيين فرصة لإقامة حكومتهم و دولتهم الجديدة على انقاض الدكتاتورية، رغم انواع المؤاخذات و التحفظات . . و لكن ما يجري، صار ينحو منحى خطيراً بتقدير العديد من المراقبين، بسبب اداء الحكومة العراقية برئاسة السيد المالكي الذي يحاول عدم الإخلال بالتوافق الإيراني ـ الأميركي في تجديد رئاسته، بلا مبالاة بحقوق العراقيين باطيافهم القومية و الدينية و المذهبية و الفكرية، رجالاً و نساءً . . و خاصة اوسع الفئات الفقيرة، حتى صارت محاولته تلك تميل بشكل متسارع الى اهداف حكومة احمدي نجاد الإيرانية، التوسعية الطائفية و الشوفينية . . .
و يزداد الأمر خطورة ماتتناقله وكالات الأنباء الإقليمية و الدولية عن التخادم و التعاون الجديد بين الميليشيات الطائفية المطوّعة و العائدة لفيلق القدس الإيراني، و منظمات القاعدة الإرهابية التي تحاول اعادة تشكيل تنظيماتها و تصعيد عملياتها الإرهابية في العراق . . اضافة الى تعاونهما لمحاولة خنق و مواجهة الإنتفاضة الشعبية السورية و تأمين الوسائل اللوجستية لتحقيق تلك الأهداف .
من جهة اخرى و بينما تتهيأ الإدارة الأميركية لسحب قواتها من العراق . . تتخذ حكومة المالكي اجراءات متصاعدة، لا تساعد على توفير مسلزمات ذلك الإنسحاب، بقدر ما تؤدي الى وقوع البلاد تحت رحمة فيلق القدس، وفق العديد من وكالات الأنباء المستقلة . . في وقت يرى فيه مراقبون ان الحكومة العراقية بـ (مؤسساتها الدستورية) بعد ثماني سنوات، لم تعمل و للأسف على توفير مستلزمات قيام دولة قوية تلتف حولها اوسع الجماهير العراقية لحاجتها اليها لتأمين حقوقها الطبيعية، دولة تستطيع السير على طريق تلبية آمالها في أمن و حياة كريمة و رفاه، و تدافع عن حدودها و ثرواتها، و تقتص من الفاسدين من كبار السرّاق و النهّابين، و تضع حداً للكواتم و العنف . . .
بل تطوّر الأمر بعد استهانتها بـ (الشراكة الوطنية) رغم رفعها ايّاها شعاراً، بعد ان عملت و تعمل على التضييق ليس على الشركاء فحسب و انما على الحريات الفردية . . في سياسة هي سياسة الحكم الشمولي الفردي شاء المرء ام ابى، التي فشلت بعد ان ذاق الشعب العراقي الأمريّن بسببها . . بعد ان وصلت الأمور بالحكومة القائمة الى استخدام اساليب الدكتاتورية البائدة من جهة . . و وصلت الأوضاع الى انشغال اغلب افراد الكتل البرلمانية المتنفذة، بمصالحهم الأنانية .
   و تشير ابرز الصحف الأميركية الى ان " هشاشة الوضع العراقي " و تصريحات المسؤولين العراقيين علناً بضرورة الإنسحاب الأميركي و طلبهم سراً بضرورة بقاء القوات الأميركية وفق رسالة اعضاء مجلس الشيوخ الأميركي الثلاثة مؤخراً : جون ماكين وجوزيف ليبرمان وليندسي جراهام، اثر لقاءاتهم بابرز المسؤولين عن الحكومة العراقية و الكتل البرلمانية . . الى ان ذلك لن يؤدي الى ترك الإدارات الأميركية للعراق بسهولة، بعد كل تلك الحروب و الخسارات بالأرواح و الأموال، لأهميته الستراتيجية النفطية و الأمنية ليس للولايات المتحدة فحسب و انما لكل دول الغرب . .
و الى ان الإنسحاب النظامي للقوات الأميركية، ان لم تطلب الحكومة العراقية بنفسها التمديد علناً له للضرورات المتنوعة، فإنه لن ينهي سعي الولايات المتحدة لتحقيق اهدافها في العراق بكل الطرق التي ستكون اشد قساوة مما مضى، وبادوات ليست بالضرورة اميركية او نظامية و انما بواجهات كثيرة التنوع اقليمية او من نوع آخر  . . بل و ان تطلّب الأمر، القيام بغزو عسكري جديد مستقبلاً (*) ان اضطرت الى مغادرة البلاد و هي تعيش وضعاً هشّاً، بملفاته القابلة للإنفجار في كل وقت . . رغم مرور ثماني سنوات .   
و على ذلك و غيره تتساءل اوساط تتسع، الى ماذا ستؤدي سياسة المالكي و نهجه الفردي و صراع الكتل المتنفذة على مغانمها دون الإلتفات الى معاناة الشعب المتنوعة في بلاد من اغنى اغنياء دول العالم ، و دون اتخاذها الإجراءات العملية، في الإلتزام بالعمل المشترك و تداول السلطة، لبناء دولة قانون اتحادية و مؤسسات منتخبة وفق قانون و تطبيقات نزيهة، دولة تستطيع الدفاع عن حدودها و عن شعبها باطيافه من الطامعين الخارجيين  . . ام هل ستؤدي تلك السياسة الى حرب خليج جديدة و تدمير جديد اكثر قساوة مما مضى!! ام ماذا ؟! بعد ان تكشّف اكثر ان الحماسيات و النخوات و اللطميات لاتكفي لوحدها لبناء بلد و دولة . . في عالمنا المعاصر.

21 / 9 / 2011 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يحذّر مطلعون مستقلون الى اخذ تلك المخاطر بجدية كبيرة و ان الإستهانة بتلك التهديدات يشبه استهانة صدام بتهديد وزير الخارجية الأميركي بيكر في لقائه مع وزير خارجيته طارق عزيز عام 1991. . عندما هدد بأن على الدكتاتورية الإلتزام بمطالب المجتمع الدولي و الاّ سيعود العراق الى عصر ماقبل الكهرباء . . و ذلك ماحصل فعلاً .

123
"التحرير"، الإغتيالات . . و تصاعد صراع الكتل !

د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net


اثار اغتيال الإعلامي النشيط و الفنان " هادي المهدي "  موجة كبيرة من الإحتجاجات و الإتهامات الموجهة الى دوائر حكومية و الى رئيس الحكومة، خاصة وانه قد اغتيل في اليوم السابق لموعد انطلاق احتجاج 9 ايلول، حيث كان احد ابرز منظمي ذلك الإحتجاج، اثر سلسلة من تهديدات له بالقتل استهدفت منعه من المشاركة في تنظيم الإحتجاج . . بعد تعرضه للإعتقال و لتعذيب همجي في مرات سابقة بسبب الإحتجاجات، و كأحد المختطفين الأربعة الذين اثار اختطافهم موجة كبيرة من الإحتجاجات الداخلية و الدولية قبل شهور.
و يرى مراقبون ان ذلك الإغتيال لم يأت منفرداً او صدفة او بسبب عداء شخصي، بقدر ماهو جزء من نهج اتّبع منذ سقوط الدكتاتورية، و طال العديد من المثقفين و اهل الكفاءات، من اطباء و محامين و صحفيين و اعلاميين، اضافة الى عسكريين سابقين . . و فيما كانت الإتهامات بالقيام بتلك الجرائم، قد وجّهت الى ميليشيات طائفية داخلية و الى منظمات القاعدة الإرهابية و فلول الدكتاتورية المنهارة، اضافة الى جهات و دوائر اقليمية، فانها قد جوبهت و اغلق التحقيق في اغلبها او ضيّع، بعد ان تسبب بخسائر فادحة بفئات اجتماعية هامة، و تسبب بهجرة و هروب عشرات الآلاف ممن تحتاجهم البلاد . . 
فان الإغتيالات بعد مسار احداث متنوعة و انهيار مجاميع هامة من القاعدة و من فلول الدكتاتورية . . قد بدأت تأخذ مسارات معقدة من نوع آخر باستخدام الكواتم غالباً، تزامنت مع هروب بتواطئ او مع تهريب اعداد كبيرة من ارهابيين و قتلة محترفين، تتناقل انباء تنتشر من وجوه حكومية و نيابية و رسمية متعددة . . عن مساومتهم للقيام باعمال لا يفهم منها الاّ بكونها تدعم النهج الفردي الذي تسير عليه دوائر رئاسة وزراء المالكي، مقابل هروبهم او تهريبهم، لأن تلك الملفات و الإجراءات محصورة بيدها . . 
و يتساءل خبراء عن ماذا يعني تواصل اعمال العنف و الإغتيالات بالكواتم . . رغم تحذيرات عديدة مخلصة لأطراف حريصة من مخاطر (الإهمال) و من مخاطر انفجار الأوضاع بوجه الحكومة القائمة التي صارت تتحمّل المسؤولية الأولى بسبب الطبيعة المتناقضة للمسيرة السياسية التي تقودها هي عملياً، و التي تؤدي الى فردية و استبداد متزايدين يوماً بعد آخر، رغم امتلاكها أموالاً فلكية بلا حساب او تدقيق، حتى صار يتآكلها الفساد، وفق مصادر حكومية و رسمية . .
الأمر الذي يصفه محللون بكونه مخططاً له، لتمرير صفقات و اتفاقات اقليمية و دولية كالسعي لتمرير قانون النفط و الغاز مؤخراً، على سبيل المثال . . و لأبعاد الجماهير عن المساهمة في تعديل مسار الحكم بشكل عام بتواصل ترويعها و ارهابها، و باستهداف و اسكات العناصر الأكثر تحريكاً و جماهيرية من جهة . . و للتماهي مع مخططات اقليمية تعمل على تنفيذ اجندتها عسكرياً بالقصف المدفعي و الجوي كما في كوردستان العراق، او تنفيذها بضغوط من نوع آخر كقطع المياه كما في نهر الوند، او كإنشاء ميناء مبارك و غيرها . .
من جهة اخرى فإن السلوك الإرهابي القمعي المتبع في مواجهة الإحتجاجات الشبابية السلمية المتواصلة في ساحة التحرير و ساحات المدن الكبيرة في ايام الجمعة . . كشف و يكشف بأن عناصر امنية هامة ممن تمارس ذلك الآن، هي ذات العناصر الأمنية المدرّبة في زمان الدكتاتورية، التي صارت لاتذكّر الاّ بها حين سارت على اساليبها و على طريقتها في (الأهداف المختارة) للقمع بداية، و لتعميم نشر الخوف امام اجيال الشباب الجديدة . . التي لايمكن لها الاّ ان تصل الى ماوصلت اليه دكتاتورية صدام المنهارة بمواجهة الشعب، بحلة من نوع آخر . .
و يفسر آخرون ذلك بكونه ردّة عن مواثيق العمل المشترك، و بكونه نهج يتصاعد بصورة مقلقة منذ انتخابات آذار 2010 ، حين ضمن الرئيس الإيراني احمدي نجاد فوز المالكي بتصريحاته بذلك علناً، و بروز دور فيلق القدس الإيراني في تقرير مسار و مصير الحكم في العراق بغض نظر من الدوائر الأميركية، كما تتناقل وكالات الأنباء و المصادر الداخلية و الدولية . . في نهج يتعارض مع ما عرف عن الحزب الحاكم اليوم، حزب الدعوة ابّان نضاله الشاق ضد الدكتاتورية، و كما يعبّر النائب المستقل الشجاع صباح الساعدي مؤخراً، تعبيراً يقترب فيه من تعبير كوادر قيادية معروفة من الحزب ذاته في وصفها لنهج المالكي . .
النهج، الذي صار يثير احتجاجات من غالبية الكتل البرلمانية، فاضافة الى صراعه منذ اعلان نتائج الإنتخابات المذكورة انفاً مع كتلة "العراقية" التي حصلت فيها على اعلى الأصوات ـ اضافة الى سعيه لركوب و تحجيم التيار الصدري ـ فإنه بدأ يدخل صراعاً اكبر من السابق مع كتلة التحالف الكوردستاني بسبب محاولته تمرير مسودة قانون النفط و الغاز المتحفظة عليها، بعد تراكم كم كبير من اللاحلول و التسويف و المشاكل بين حكومة المالكي و حكومة اقليم كوردستان العراق . .
اضافة الى ضغوطه على الهيئات المستقلة، التي فيما فشلت مع هيئة الإنتخابات، فإنها ادّت الى  استقالة رئيس هيئة النزاهة القاضي العكيلي وفق تصريحه مؤخراً، في مسار ظروف ملتبسة ادّت فيما ادّت الى اغتيال المسؤول التنفيذي لهيئة المساءلة و العدالة الفقيد علي اللامي في رابعة النهار، قبل شهور .
و يحذّر سياسيون من ان هجومه على المحاصصة الآن يأتي من منطلق الإستفراد، بعد ان تقوىّ هو بها . . الأمر الذي اخذ يؤدي الى تصدّع كتلته ذاتها ـ و تصدّع كتل اخرى ـ . و يشيرون ـ و بعيداً عن التربص بمقعده ـ الى ان تعامله برئاسته و كأنها رئاسة دائمة و ليست تداولية وفق مستجدات المسيرة السياسية الطبيعية، بأنها قد تهدد حزب الدعوة ذاته بالتفتت بابعاده عن تقاليده النضالية التي عرف بها في الصراع ضد الدكتاتورية .
فيما يؤكد آخرون ان لاحل للمأزق القائم بحكومة لم تكتمل منذ مايقرب السنتين، و الذي يهدد بتدمير اكبر للبلاد و تدمير ماتحقق، بسبب  غياب الأمن و القانون و القضاء العادل، و شيوع الفساد و كبت الحريات و الفقر . . الاّ بالعودة الى العمل المشترك بين القوى العراقية لأصلاح العملية السياسية على اساس اجراء انتخابات جديدة وفق قانونين جديدين للإنتخابات و للأحزاب . . على اساس الهوية الوطنية و الكفاءة و النزاهة و الإخلاص للوطن و لسيادته، بقومياته و اديانه و مذاهبه و طاقاته الفكرية، بعيداً عن المحاصصة الطائفية الصمّاء . 

13 / 9 / 2011 ، مهند البراك

124
الصراع الطائفي الأقليمي و آفاق تلوح !   
      
                              
د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net
   
تتناقل و كالات الأنباء اخباراً متواصلة عن الأحداث المتسارعة لمنطقتنا و انفجاراتها الشعبية السلمية و احتجاجاتها من اجل الأمن و الخبز و الحرية، و فيما يصف ابرز المحللين مايجري بكونه تعبير عن سقوط جدار الخوف . . الذي لايزال مفتوحاً على احتمالات و بدائل متنوعة للإستبداد، رغم ان عدداً مما يجري ادّى و يؤديّ الى سقوط دكتاتوريات و الى تغييرات في وجوه رؤساء و مسؤولين في الصف الأول لأجهزة حكم، و تتواصل و تتجذر اكثر لصالح الفئات الفقيرة و المحرومة . .  
و في خضم تحليلات و اوصاف لاتنقطع لتلك التغييرات، يرى مراقبون خبيرون و سياسيون، ان سقوط الطاغية صدام لعب دوراً هاماً في تلك التغييرات رغم كل التعقيدات التي رافقته . . حيث مثّل سقوطه، سقوطاً لـ (هيبة) الحاكم العربي الفردي المستبد الذي صوّر نفسه و كأنه خالد و مقدّس، حين لعبت مشاهد اخراجه مقبوضاً عليه من حفرة اختبأ بها بلحية و ملابس قذرة، و عرضه على الشاشات مُساقاً الى القضاء و محاكمته و حكمه علناً و اعدامه . . لعبت دوراً هاماً في توضيح ان الشعوب ابقى من حكّامها مهما طغوا و تجبّروا و ان الشعوب و مطالبها تمثّل قوّة تلعب في الحساب النهائي ادواراً هامة في تقرير مصائرها . .
من جهة اخرى يرى و يرصد كثيرون محاولات اقليمية مكثّفة لدوائر ايرانية نافذة و دوائر خليجية تقابلها، للحد من تلك التغييرات بحرفها الى مسارات طائفية، رغم الحذر الشديد الذي يسود المنتفضين ذاتهم من ذلك . . بسبب النموذج المؤلم الماثل امامهم مما تكوّن في العراق اثر سقوط الدكتاتورية و الصراع الذي كأنه لاينتهي بين الميليشيات الطائفية فيه . . فيسعون و يحذرون من مخاطر السقوط في فخاخه و يرفعون في نشاطاتهم الجريئة شعارات الإنتماء المتساوي للوطن ضد الطغيان ومن اجل الخبز و الحرية للشعب بكل مكوناته .  
و تصف وكالات أنباء دولية و اقليمية ان انتفاضة الجماهير الشعبية السورية المستمرة و المتصاعدة، التي تعبّر عن تآخي اطياف المجتمع السوري بوجه الطغيان، بكونها بدأت تؤثر فعلاً على مسار احداث المنطقة . . و تشير بتفاصيل الى ان التحرك التوسعي الإيراني الذي جرى و يجري تحت شعارات الطائفة، يبدو و انه قد بدأ يتغيّر الى تصعيد شعارات " رفض التدخل الخارجي " كما يعبّر الولي الفقيه علي خامنئي مؤخراً . . التي اخذت تُترجم الى نشاطات و اجراءات عملية يرصدها سياسيون و كتّاب و مفكرون مما يجري من تغييرات في سلوك و تسميات قوى اسلامية شيعية في العراق، اضافة الى تصريحات لوجوه و قادة كتل برلمانية منها، بضرورة اعادة اصطفاف الكتل العراقية لصالح تلبية المطالب الشعبية في الإصلاح و مكافحة الفساد و السرقات الكبرى لمسؤولين حكوميين، كما تكشف و تعلن الدوائر الرسمية المعنية . .    
و يرى كثير من المراقبين ان العلاقات الإيرانية ـ السورية قد اخذت ابعاداً عميقة اثر انتصار الثورة الإيرانية في عام 1979 ، و بدقة اكبر منذ اعتبار الإمام الخميني الطائفة العلوية جزءاً من المذهب الشيعي . . فاخذت الدوائر الإيرانية النافذة تسعى جاهدة للحفاظ على النظام السوري كنظام حليف اساسي للدخول الى المنطقة العربية و قواها في الصراع العربي ـ الإسرائيلي كآيديولوجيا مستندة الى طائفة (1)، رغم كون النظام السوري ذا طبيعة (علمانية) كـ (علمانية صدام) الدكتاتورية . . كاشفة بذلك عن ماهية سياسة مدّ النفوذ بالإحتواء، التي تتبعها دوائر ايرانية نافذة حيال انظمة المنطقة، سواء كانت انظمة دينية ام علمانية او دكتاتورية، و اعتبار ان الأقرب هو ان تكون موالية لها .
و يرى محللون ان تواصل الإحتجاجات الشعبية السورية رغم القمع الذي وصل حد قصف المدن بالطائرات الحربية و بالمدفعية من البر و البحر و بالإحتلال العسكري المدرّع لحارات و مدن، و التي اخذت تهدد بقرب  نهاية حكم آل الأسد في سوريا سواء من داخل او خارج اجهزة الحكم . . قد جعل تلك الدوائر الإيرانية تفكّر بان انتصار الإحتجاجات و سقوط الأسد سيشكّل انتصاراً للسنّة في المنطقة بمنظورها، الأمر الذي ترى فيه تهديداً خطيراً لحكم المحاصصة الطائفية في العراق، الذي نفذت اليه و الذي تتدخل في تطويع و مآل مسيرته علناً بدعوى مواجهة الأميركيين و الخليجيين . . كما يلمسه و يحتج عليه الشارع العراقي بمكوناته و مجالسه، فيما يواصل الإحتجاج ضد كلّ هيمنة و تدخل خارجي بشؤونه الداخلية  . .
 و يرون بأن تلك الدوائر و من خبرتهم بمسيرتها لعقود، و انسجاما مع الظروف المتغيرة المتواصلة في المنطقة التي تكبّد نظام ولاية الفقيه اموالا فلكية فوق طاقته، قد توافق على قيام حكم مدني في العراق، للحفاظ على العلاقة الضرورية للدولة الإيرانية مع جارتها العراق، في ظروف يزداد فيها عزوف الشباب العراقي عن استخدام احزاب حاكمة و متنفذة للدين و الطائفة الذي اساء لهما، بالسرقات و الإحتيال و التزوير . . كما وافق السيد خامنئي بفتواه الشهيرة عام 1997، على تعاون الحركة الإسلامية العراقية مع الأميركيين (لإسقاط نظام الطاغوت صدام)، و كما اعطى ضوءاً اخضراً لأسقاط صدام بحرب خارجية، ومواقف كثيرة من ذلك، لتأمين مصالح دولته . . الأمر الذي يشكّل مناخاً مناسباً لحل ازمة و عجز حكومة السيد المالكي، على اساس مدني بعيدا عن المحاصصة، و لتحقيق انسحاب ناجح للقوات الأميركية.
و يرى مطّلعون في ذلك فرصة هامة امام القوى الوطنية العراقية و احزابها و منظماتها و نقاباتها و تكويناتها، باطيافها القومية و الدينية و المذهبية و الفكرية، رجالاً و نساءً، داخل و خارج المؤسسات الدستورية . . لتصعيد النشاط من اجل اعتماد البديل المدني بدلاً من المحاصصة الطائفية المعيقة، كطريق للإصلاح و لمكافحة الفساد، من اجل الأمن و الخبز و الحرية و من اجل السيادة الوطنية و " بناء دولة مستقرة مستقلة عن الصراعات الإقليمية"(2) .  

4 / 9 / 2011 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   اضافة الى المصالح الإقتصادية .
2.   على حد تعبير المالكي رئيس الوزراء الحالي، في كلمته في الإحتفال بذكرى تأسيس"منظمة بدر" مؤخراً .



125
الدكتاتور و جرذان " ربيع المنطقة " !
                              
د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net
   
تتناقل وكالات الأنباء العالمية و الإقليمية و المحلية، انباء التداعي السريع لمعقل الدكتاتور القذافي في باب العزيزية، بالإنتفاضة الشعبية لطرابلس العاصمة، بعد شهور من الصراع الدامي بين الشعب الليبي بفئاته و عشائره من عرب و بربر، بشبابه رجالاً و نساءً، و بين اجهزة القذافي، الصراع الذي وصفه الأخير بكونه حملات ضد جرذان و كلاب سائبة .
فبعد ان اشتط العقيد بعيداً عن الشعب، مستعيضاً عنه بـ (الجماهير) و (الجماهيريات) وفق كتابه (الأخضر) و خيمته و مجالسه و حارساته العذراوات بلا خجل، بلا حسيب و لا رقيب لأنه (من حبّه الثوري للشعب لايحتاج لمؤسسات تجميلية) . . اعلن عن نفسه ملك ملوك افريقيا، مبدداً اموال نفط البلاد لشراء ذمم رجال حكم و احزاب و اعلام و فضائيات عربية و دولية كبرى اضافة الى انواع الأجهزة لإدامة كرسيه .
و فيما يصف محللون العقيد بكونه تحرّك سريعاً لإرضاء الغرب . . فدمّر مشاريعه النووية و عوّض اسر ضحايا عملية لوكربي الإرهابية، وفتح الباب عريضاً لكبار ممثلي الإحتكارات و الأحزاب و البيوتات المالية الغربية بدءاً بزيارة توني بلير اليه و زيارة العقيد الإستعراضية الى باريس. . و غيرها من مشاريع مذهلة كلّفت خزينة بلاده مليارات فلكية من العملات الصعبة ذهبت لأدامة كرسيه. 
الا انه نسى شعبه و واجباته تجاهه، و نسى حاجاته المعيشية و الروحية و طموحه كباقي شعوب الأرض الى الحرية التي حرمه منها بانواع الأجهزة المخابراتية القاسية التي لم تعرف حدوداً للوحشية و لإمتهان الأخلاق و الأعراف، حتى  وصلت في وصفها منظمات حقوق الإنسان بكونها تستخدم الإغتصاب الجنسي للجنسين كسياسة و ممارسات يومية لإسكات معارضاتها . .
و فيما يرى محللون انه نسى ان شعبه في كل الحسابات هو الذي اجلسه على كرسيه حين صفّق له يوم عبّر عن طموح الشعب و ارادته في الفاتح من سبتمبر . . يرى آخرون انه لم ينس و لكن جنون كرسي الحكم اخلّ بتفكيره و جعله يعتقد بأنه (المنتظر)، بدلالة استخدامه ابنه سيف الإسلام كواجهة للتحديث كي يتقرّب للشارع، و استخدامه ابنائه الآخرين للعنف و القسوة و (القانون) و لهوايات الشباب !! في محاولات لركوب و تشذيب و تجيير كل جديد لصالح دوام كرسيه لامعاً .
لقد نسى العقيد ان انظمة و سياسات دول العالم قد تغيّرت، و ان التغييرات التي يعيشها العالم تضغط على  منطقتنا للتغيير، في وقت تحاول فيه انظمة المنطقة مواكبة العواصف بتغييرات لم تمس الى الآن جوهر المعاناة الشعبية بقدر ما مسّت واجهات للحكم رغم سقوط حكّام و سقوط اقنعة، واجهات  لاتزال تسعى لتجميلها بمساحيق من سوق الخردوات العتيقة. . حتى صار حكّام جدد يرون انفسهم بانهم هم ربيع المنطقة و انهم هم الذين اطلقوه، كما ادعى صدام في ظروف مشابهة سابقة . . كاشفين اما عن عدم فهم او عن محاولات للضحك على ذقون ابناء الشعب لأنهم بنظرهم ليسوا اكثر من (جرذان) كما ردد القذافي.
   و رغم كل التعقيدات فان احداث و انفجارات ربيع المنطقة الشعبية تثبت من جديد ان الشعوب ان غضبت و تراكم غضبها و معاناتها فانها تسقط حكّامها من الشارع، في وقت قد لا تبالي فيه بما تقدمه من تضحيات . . و هي امور ان لم تعرفها او تدركها حكومات محلية،  فإن دوائر صنع القرار في الدول الكبرى تعرف من تجاربها انها ليست من صنع (جرذان)، بل و صارت تعرف من مرارة خسائرها كيف تتدخل و متى، و تعرف بانها محكومة برقابة شعوبها ذاتها و منافسيها لها(*)، في حياة اليوم. و ليس كما قد يعتقد البعض باستحالة التدخل العنفي الخارجي . . كما يشير محللون . 
و يرى كثيرون ان بن علي و مبارك و القذافي ـ و الأسد و صالح على الطريق ـ لم يسقطوا من فراغ، بل ان ذلك السقوط يشكّل تواصلاً لأشكال النضالات الشعبية و العمالية و الطلابية و الإنتفاضات، التي ان اندلعت و حُطمّت بالدم و التعتيم، الاّ انها بقيت مثالاً و نداءً حيّاً ينادي لإنتفاض جديد . . في زمان صار يتيح انتقال الخبر والرأي بسهولة وزخم لم يُعهدا من قبل، و قرّب من جعل التغيير شأنا داخليا ينبع من الشعب، و ليس مفروضاً و متسللا اليه من الخارج، كما ادعى من سقط . . و كما يدّعي اخرون، ممن لم يستطيعوا بسلوكهم حتى تعليم شعوبهم التي اوصلتهم الى مراكز القرار، كيفية قبول الآخر و كيفية التعايش معه، و بقوا بعقلية القائد الضرورة و الحزب القائد !
في زمان تعيد فيه الإحتكارات العالمية و دوائرها المتعددة القارات حساباتها، بعد ان توصلت الى أن زمن دعم نماذج دول المنطقة السابقة و دعم من دعمته يوماً و لم يعد صالحاً بنظر شعبه، حرصا على استقرار جامد و ليس ديناميكي . . قد ولى . و ان عليها ان تتعايش في منطقة تجتاح شعوبها موجة الحرية، و تسعى سلمياً بنسب شبابها العالية و المؤهلة الى حياة افضل بعيدا عن الفقر و البطالة و الفساد و كم الأفواه . . حياة تراها على الشاشات الاعلامية فقط و لاتعيشها، و هي ترى انها مؤهلة للمشاركة في التحكم بمواردها بما يحقق رخاء لها . . مع ما يترتب عن ذلك من متاعب و صعوبات و مسارات شديدة الوعورة . 
من ناحية اخرى، يشير مراقبون الى ان تجذّر مفهوم الديمقراطية و المشاركة الشعبية من الأسفل، وليس عبر فوهة البنادق، سيسرّع وتيرة جهود السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين للوصول إلى اتفاق بشأن حل قيام دولتين كتسوية لا رجعة عنها . . في وقت صار فيه مجتمع اسرائيل ذاته يعيش عين المخاض، كما يتناقل سيل الأخبار الذي لاينقطع عمّا يجري فيها ـ في اسرائيل ـ بتأثير الربيع العربي . . و ليس كما يدّعي البعض بأن ربيع المنطقة صناعة اميركية ـ اسرائيلية.

25 / 8/ 2011 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) راجع ما سببته و تسببه حرب العراق في تغيير في مواقع شخصيات الدول الكبرى و ميزانياتها و مواقف شعوبها و منظماتها الشعبية و السياسية و خاصة في الولايات المتحدة و بريطانيا . 


126
ائتلاف " دولة القانون " . . الى اين ؟
                  
د. مهند البراك
               ahmedlada@gmx.net

   في الوقت الذي يتفق فيه اغلب المحللين على ان بناء نظام ديمقراطي تعددي فدرالي على اساس الإنتماء للهوية الوطنية، امراً ليس سهلاً، لكل ظروف العراق الداخلية و الإقليمية و الدولية . . فانهم يتفقون ايضاً على ان جميع الأطراف العراقية وافقت على اسس بناء ذلك النظام كبديل للدكتاتورية وكرادع لمن يحاول العودة اليها ـ الى الدكتاتورية ـ كنظام للحكم مهما كانت مسمياته. .
الاّ ان مراقبين محايدين يرون في احتكار قيادة حزب الدعوة بآليات متنوعة (1) لوزارات و شؤون الدفاع و الداخلية و الأمن و الإعلام و التعليم، اضافة الى النفط و الاقتصاد و المالية، بعد تعيينات لادستورية لرئيس الوزراء، سواء بصفة وكلاء او بشكل غير معلن لقادة الفرق العسكرية و اجهزة الأمن، الدرجات الخاصة،الهيئات المستقلة ـ كهيئة النزاهة والبنك المركزي و غيرها، اضافة الى مفوضية الإنتخابات التي كشف تصويت البرلمان معارضته لمحاولات السيد المالكي سحب الثقة منها، و خروج كتل حليفة له لم تتفق على سياسته و خروج اخرى من كتلة دولة القانون ذاتها . .)  . . .
و يرون في كتم افواه الصحافة و ملاحقة الصحفيين و المثقفين وفق قوانين الدكتاتورية المنهارة، اتباع اساليب الأغراء بمناصب الدولة و التهديد بفتح ملفات، و البدء بتطهير جديد في اجهزة التعليم و قوانين الطلبة الجديدة كقانون البرلمانات الطلابية، اضافة الى اعفاء الضباط و العسكريين الشيعة الكبار على اساس التوبة، و حرمان الضباط السنّة من اي عفو قانوني، و الهيمنة الهادئة المتواصلة على جوهر مقدرات البلاد، و تكريس فردية رئيس الوزراء باعادة تنظيمه الوزارات لصالحه و كأنه رئيس دائم . .  بكونه نهج قد لايؤديّ الاَ الى مخاطر قيام نظام شمولي جديد !!
و فيما تتراكم الأحداث بتسارع، و تجري صراعات الكتل المتنفذة على الحصص و تقسيمها و كأنها في وادي آخر بعيد عن حقيقة مايجري . . بعد ان صار الدستور و كأنه دستور للكتل المتنفذة، يعزي قسم ما يجري الى بروز مشاعر تكونت لدى رئيس الوزراء او لدى قيادته، بانهم قادرون على المضي الى " الأهداف المشتركة " بقيادتهم لوحدهم ـ او الى اهدافهم لوحدها ـ . .
تعزز ذلك دوائر ايرانية، بابدائها المرونة الكبيرة لقيادته، و محاولتها احتوائها  بالدعم السياسي و الضغوط، و بالدعم العسكري الميليشياتي و اللوجستي و المالي، الذي لم يعد خافياً. في محاولة لجعل ائتلاف " دولة القانون". . . و كأنه مركز القوى (الشيعية) السياسية بقيادته، سواء كان انتماءً او تنسيقاً او تماهياً. الأمر الذي يتسبب بانواع التوترات مع قيادات القوى (الشيعية) السياسية الأخرى، لسعيه للهيمنة عليها بدعم مباشر من فيلق القدس الإيراني بضغوطه بذات الطريقة على قوى و ميليشيات ـ شيعية و سنيّة ـ  على حد وصف وجوه سياسية منها .   
في وقت تزداد فيه سياسة الولي الفقيه الإيراني التوسعية وضوحاً، من دورها فيما يجري في المنطقة و خاصة في دعمها لنظام الأسد في سوريا في مواجهته الدموية لجماهير الإحتجاجات الشعبية السلمية من اجل الخبز و الحرية . . و في وقت يرى مراقبون في اختيار قيادة حزب الدعوة فيه المرجع الشاهرودي مرشداً(2) ، انحيازاً للسياسة الإيرانية الحالية، و ابتعاداً عن مرجعية آية الله العظمى السيد السيستاني، الذي يكتسب شعبية كبيرة بين اوسع الأوساط العراقية، بسبب مواقفه الداعية الى وحدة العراقيين بعيداً عن نزيف الدم بسبب الطائفية، و الى محاربة الفساد و ابتعاد رجال الدين عن المناصب الحكومية.     
الأمر الذي قد يؤدي بمجموعه الى مخاطر تصعيد الصراع الطائفي مجدداً، رغم تزايد الوعي الشعبي بمخاطره و بكونه نتاج مصالح تستفيد منه . . في وقت يرى متابعون فيه ان دوائر و احتكارات اميركية متنوعة تتحرك على الجميع و تبدي انتظاراً (3) ، لما سيؤدي اليه ذلك المسار . . و هي في خضم سحب قواتها و تقليل نفقاتها و الحفاظ على تمتع احتكاراتها في مجالات السلاح و النفط و الطاقة و الأمن بالمواقع الأكثر تقدماً .
و فيما تتسرب انباء عن توجه رئيس الوزراء (عملاً بنصيحة السيد خامنئي) الى دعم نظام الأسد بما قيمته 10 عشرة  مليارات دولار (4) بشكل اسعار متهاودة للنفط الخام، مشاريع استثمارية،  اعتبار سوريا بديلاً اقتصادياً عن تركيا ـ بعد دعم الأسد لرئاسة المالكي رغم علاقة حادة بينهما قبلاً ـ  و غيرها . . اضافة الى عقد صفقة مد انبوب الغاز الإيراني عبر العراق و سوريا الى اوروبا رغم الحصار(5) التي يرى فيها مراقبون بكونها خروجاً عن سياسة " التعايش مع الجوار على اساس المنافع المشتركة " .
فانه و الكتل المتنفذة يغفلون عن مطالبات الشعب باطيافه بالأمن و الخبز و الحرية و عن مواجهتها بالعنف و الإرهاب . . اضافة الى مآسي الكهرباء في صيف لاهب. حيث لا يزال المالكي يعتمد على سياسة الترضية و الإحتواء و التأجيل، و تهدئة الأوضاع بتوزيع الهبات . . و ليس بسن قوانين على اسس ثابتة و السهر على تطبيقها . .     
في وقت تزداد فيه تدخلات و ضغوط الجيران على ارض العراق و تهديد مياهه . . من مشروع ميناء مبارك  الكويتي، الى قصف مدفعية ايران على اراضي كوردستان العراق التي تتسع بحجج واهية، حتى  وصل الى اتباعها قطع المياه عن اراضي كوردستانية كقطع نهر الوند في خانقين، و جدول هوشياري في بنجوين و التهديد بتعريض مناطق شاسعة الى خطر الموت عطشاً . . 
و فيما تؤكد اوسع الأوساط على اهمية وحدة العراقيين باطيافهم الدينية و المذهبية و القومية الفكرية على اساس التعددية الفعلية و الكفاءة و النزاهة و محاربة الفساد و السرقات الهائلة . . فإنها تؤكد على اهمية اصلاح العملية السياسية التي تواجه الفشل في حل المشكلات التي تزداد استعصاءً و تعقيداً و تؤدي الى المزيد من اعمال الإحتجاج . . التي قد لا تؤديّ مواجهتها بالعنف و الإرهاب الاّ الى انفجارات شعبية لايعرف مداها في زمن شهد محاكمة صدام و معاقبته، و يشهد محاكمة فرعون مصر الكبير مبارك .

7 / 8 / 2011 ، مهند البراك   
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   سواء كانوا اعضاء في حزب الدعوة او موالون لقيادته من احزاب و كتل اخرى، او موالون شخصياً للسيد المالكي، او لمصالحهم الخاصة و غيرها، ليكونوا تحت مظلة الحزب القائد  . .
2.   المرجع الشيعي الشاهرودي، رئيس مجلس القضاء الأعلى الإيراني العائد للسيد خامنئي .
3.   يصفه قسم بكونه توافقاً اميركياً ـ ايرانياً بعد ان صار العراق غنيمة حرب اميركية ايرانية، وسط غياب القرار الوطني العراقي و ضياعه .
4.   راجع تفاصيل عن ذلك في الشرق الآوسط، دار الحياة، الجيران و غيرها ... في 6 آب الجاري .
5.   في وقت تتناقل الأنباء فيه عن تواصل المشروع الصيني العملاق لإستكمال مد سكة حديد بكين ـ البحر المتوسط .

127
" التيار الديمقراطي" و التغيير المدني و الآفاق !
الرابع والأخير
                              
د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net

و الآن و بعد مرور ثماني سنوات على المسيرة السياسية التي اعتمدت المحاصصة الطائفية العرقية و لم تستطع تحقيق الإستقرار كما مرّ . . تتحرك اوساط ديمقراطية مدنية، ليبرالية و علمانية و مستقلة واسعة بعد ان لاذ قسم منها بالصمت و ابتعدت اخرى عن النشاط و الإهتمام في مجتمع طغى فيه شعار " كن ذئباً و الاّ اكلتك الذئاب " . . اثر تفاقم المشكلات و اندلاع المظاهرات المطلبية و الإحتجاجية في ساحات البلاد، التي اخذت تثير سكونها و تدفعها للتحرك . . 
في زمن يسرع الخطى من جهة، بينما احوال اوسع الأوساط الكادحة في قلق بين ترضيات مؤقتة و تراجعات تهدد حتى القليل الذي تحقق، الأمر الذي اخذ يوضح اكثر ماهية الهدف القريب و الملتهب، و ماهية القوى الفعلية الموجودة على الساحة، التي صار توحيد جهودها لابدّ منه للبدء بتحقيق خطوات ملموسة على طريق الإصلاح السلمي . .
و يرى كثيرون في قيام تحالف " التيار الديمقراطي " خطوة عملية مهمة في المرحلة الراهنة من اجل الإسراع ببناء كيان ديمقراطي مدني عصري فاعل في العراق نحو الدولة المدنية الفدرالية القائمة على اساس التعددية و حكم القانون  . . بما يقويّ اطراف التيار و نشاطهم معاً، و يحسّن فرصهم امام التحديات القائمة . .
حيث ان توطّد التيار، سيساعد على لمّ جمهرة واسعة من ذوي التوجهات الديمقراطية المتنوعة الرافضة للطائفية السياسية . . المتفرقة الموزّعة على كتل او قوائم انتخابية و غيرها، في وقت صار المجتمع فيه بحاجة ماسّة الى تيار سياسي مدني يضم و يعمل على توحيد الكلمة و رص صفوف القوى التقدمية المتنوعة بيسارها و ليبرالييها و مستقلييها و علمانييها، و كل الداعين الى الديمقراطية المدنية . .  تيار يعمل على تنمية قدرات الأطراف على التعبئة الجماهيرية وحشد القوى التصويتية على اساس برنامج عملي يساهم مساهمة فعالة في ايجاد حلول جادة للمشاكل والتحديات الأمنية، الاجتماعية الاقتصادية التي تواجه البلاد وفي بناء الدولة المدنية القائمة على المواطنة واحترام حقوق الانسان . . و تحويله إلى كينونة و وجود حقيقيين قادرين على تحقيق المهام الوطنية وبناء وتوطيد النظام الديمقراطي الاتحادي الدستوري، على طريق العدالة الاجتماعية . .
و يرى مراقبون، ان ذلك يتطلب من القوى الديمقراطية بمكوناتها اعلاه، اضافة الى الأكثر راديكالية منها سواء كانت ليبرالية او يسارية . . ان تعي اهمية دورها وأن تتوجه للقيام بكل مايساعد على تجميع قواها ورص صفوفها لإستنهاض التيار الديمقراطي المدني ليكون طرفاً اساسياً في الصراع الدائر اليوم حول مستقبل البلاد الآني و اللاحق، بتشكيله قوة ضغط فاعلة لتعديل العملية السياسية، ديمقراطياً و مدنيا و انهاء المحاصصة المكوناتية التي صارت تعيق عملية التطور المستقل للبلاد و صياغة قراراتها، و يكسبها دعم المجتمع الدولي و خاصة كتله البرلمانية الديمقراطية و الإجتماعية و منظمات المجتمع المدني العملاقة في العالم المتمدن اليوم، الذي سيجعلها فاعلة اكثر . . (*)
الأمر الذي يشير الى اهمية اعلان " التيار الديمقراطي " عن كونه مفتوحاً لإنضمام كل القوى والشخصيات التي تتفق على اهداف المرحلة و لديها الفهم و الرغبة في العمل المشترك على اساس التكافؤ و التوافق . . او التفاعل معه و السعي لتطويره، او التنسيق معه. 
كإقامة علاقة متوازنة مع القوى الكوردستانية، بما يحافظ و يعمّق المكتسبات الفدرالية و يدعمها، و بما يساعد على تطوير العملية الديمقراطية فيها، و تقوية جبهتها الداخلية بوجه الإعتداءات الخارجية المتكررة على كوردستان العراق، سواء مع " التحالف الكوردستاني" او مع اطراف ديمقراطية في المعارضة الدستورية فيها، وفق المتغيرات الدستورية في كوردستان . . نحو تعزيز قيام الدولة المدنية الفدرالية . .
الأمر الذي يتطلب بتقدير حريصين و مهتمين من جهة اخرى . . يتطلب من المؤسسات و القوى الكوردستانية بامكاناتها الكبيرة الآن، ايلاء مزيد من الإهتمام و بمستوى سير الأحداث . . بقوى التيار الديمقراطي في المنطقة العربية من العراق، المؤيدة و المناضلة طويلاً من اجل ضمان الحقوق القومية العادلة لكوردستان العراق، و تأكيداً للخطاب الكوردي التحرري التأريخي الداعي الى ترابط المطالب و الحقوق القومية الكوردستانية بالديمقراطية للعراق . .
و يشير آخرون الى انه في الوقت الذي يعلن فيه التيار الديمقراطي عن الطبيعة المتنوعة لمكوناته، التي تشمل احزاباً واتحادات ومنظمات مجتمع مدني، اضافة الى الشخصيات المستقلة. فإن ذلك يشكّل نقلة نوعية في آليات العمل المشترك، تتطلب عالياً: المرونة، نبذ اي شكل من اشكال الهيمنة والاقصاء، الاحترام المتبادل بين مكوناته، والابتعاد عن التحسس المفرط في الطروحات و البحث عن المشترك، القناعة بان التفريط باي طرف او مكوَّن هو اضعاف للجميع و إن القبول ببرامج مرحلية مشتركة لا يعني تخلي كل طرف عن برنامجه البعيد، ولا يعني تغييب وجود اختلافات ـ و حتى خلافات ـ برنامجية بعيدة يتوجّب تأجيلها الآن . .
من جانب آخر، فان سعة تنوع القوى التي تشارك وفق الضوابط المعلنة و المرونة في تطبيقها و تطويرها، تكسب قوى التيار الديمقراطي قدرة ايجابية و امكانية اكبر على المساومة و التوافق لصالح القضايا المشتركة الكثيرة في المرحلة الراهنة. و يرى مجربون بان العمل المشترك ان سادته تلك الروحية فعلاً، يمكن ان يلعب دوراً هاماً في ازالة حساسيات و ترسبات من جهة، و في تطوير آليات قيادته و هيكله، و فهم و استيعاب مواضيع المصالح الفردية وتحديد حدودها، لدورها الملاحظ حتى بين وجوه ديمقراطية و يسارية في مجتمع اليوم، رغم استمرار المعادلة بالتغيّر . .
و فيما يرى حريصون بأن تكوين ذلك الكيان المدني على اسس ثابتة ـ كوصفة محددة جاهزة ـ يمكن ان يطول خاصة و ان السنوات الثماني أفرزت كثيراً من المشاريع الفكرية و التنظيمات الجديدة سواء كانت يسارية او ليبرالية و علمانية، اضافة الى كثير من القوى و التجمعات المستقلة وشخصيات وطنية واجتماعية و اكاديمية و تكنوقراطية بارزة، لابد ان يكون لها دورها في إطار قوى التيار الديمقراطي . . و شهدت محاولات متنوعة لم تنجح للم الشمل كلياً او جزئياً، تتطلب تفادي اسباب عدم نجاحها، او توضيح التباسات ذلك لتجنبه.   
فإن استيعاب ذلك جماهيريا و تعبوياً، و تكوين هيئات متنوعة متحركة للتعاون و التنسيق من اجل هدف ستراتيجي محدد في قضايا : الإستقلال و السيادة الوطنية، اتفاقيات النفط و الغاز و المعادن و آليات ريعها . . او هدف محدد في مكان الأحداث و زمانها، بتحرك الظروف و المراحل . . نحو قيام الدولة المدنية الإتحادية،  ضمن الإطار الدستوري المدني . .
سيجعل ذلك اكثر فاعلية، دون تصور ان ذلك يمكن ان يكون و كأنه تنظيم حزبي موحد، لتحقيق الإستفادة من الخبرات الطويلة لقسم، ومن معارف الشبيبة ومنظماتها الجديدة الصاعدة وحيويتها وحداثة فكرها وأساليب العمل التي وفرتها تقنيات الإتصالات و المعلومات الحديثة . . و دعم او التوافق و التفاهم المتكافئ مع تجمعات الإحتجاجات و مطالبات الشباب، و النضال من اجل الأمن و الحريات و الخبز في ساحات العراق ، في الظروف الداخلية و الإقليمية و الدولية الكثيرة التغيّر. .
و بالأخص الظروف القائمة اليوم التي يرى مراقبون بكونها اكثر ملائمة الآن تحديداً، لإنشغال القوى الإقليمية المتنفذة بأحداث المنطقة الملتهبة ـ من مصر و ليبيا و سوريا، الى اليمن و البحرين . . ـ للتوصل الى حسم قضايا دستورية و برلمانية مصيرية لاتزال عالقة او في حالة شد و جذب . . من اجل قيام حكومة قادرة على الإيفاء بالتزاماتها وفق الأصول الدستورية . .
في وقت صارت فيه وجوه من احزاب متنفذة (سنية و شيعية) او من كتلها ذاتها، تطالب بآليات و ان مجتزأة من آليات الحكم المدني الإتحادي و بضرورتها، و لو بتعابير اخرى قد لاتغطي معناه المقصود . . بل و تطرح ذلك شخصيات و كتل خرجت من كتل كبيرة و انضمت الى كتل اخرى ـ دون اغفال حساب المصالح من ذلك ـ . . 
و اخيراً يرى كثير من التقدميين و المثقفين في قوى وشخصيات التيار الديمقراطي، بكونه تجمع بادرت إليه أحزاب سياسية معروفة وشخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني، من الممكن ان يكون نواة لكل قوى اليسار والعلمانية والديمقراطية و الليبرالية في العراق  . . و يدعون الى دعمه و المشاركة في إثرائه و منحه الثقة و تناسي الماضي البعيد و الى الإعتراف بأن هذه القوى أدركت بأنها لا تمثل شيئا فاعلاً في هذه المرحلة إلا بهذا التحالف الواسع  . . (انتهى)


21 / 7 / 2011 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يشير مراقبون و متخصصون الى اهمية الدعوة الى " الديمقراطية المدنية " و " الدولة المدنية و آلياتها و مؤسساتها " في عالم اليوم و في ربيع المنطقة ـ اخذا بنظر الإعتبار ظروف كل بلد منها ـ سواءً في تحشيد اوسع القطاعات الشعبية في البلد المعني، و في الحصول على دعم مؤسسات و برلمانات و احزاب و خاصة الديمقراطية و الإجتماعية في دول العالم المتحضّر . . التي ساعدت في تجارب متعددة على : تثبيت الحريات الشخصية، اصلاحات، تعديل آليات او آليات جديدة، حلول لمشاكل البطالة و الفقر افضل من السابق . . و يشيرون الى ان ذلك ساعد على تكوين حركات معارضة ديمقراطية مؤثرة في ايران المتشددة، التي ضمّت حتى مراجع اسلامية متقدمة و رجالات دولة و حكم ، تنادي بالإصلاح المدني في مواجهة سياسة احمدي نجاد و اجهزة قمع حكومية هناك . .   


128
" التيار الديمقراطي" و اليسار و الديمقراطية المدنية   
 ـ 3 ـ
                              
د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net
   
و في الوقت الذي اخذت تزداد فيه نزعة " لنعمل معاً " ، القائمة على ادراك اهمية ذلك، كما يجسدها " التيار الديمقراطي " بقيامه على اساس تحالف سياسي يضم : الحزب الشيوعي العراقي، الحزبين الوطنيين الديمقراطيين، الحركة الاشتراكية العربية، اضافة الى شخصيات ديمقراطية مستقلة، لمواجهة مهام اليوم الصعبة . .
تنتظر اوساط ان يبادر اليسار الماركسي الديمقراطي الى توحيد نفسه، ليس كبديل للتيار و انما في هدي تلك الروحية، و استكمالاً له كتحالف (1) . . في ظروف يرون فيها، كيف تتسارع قوى متنوعة من مستفيدين و نفعيين لتوحيد صفوفها في جبهات مؤثرة تحت راية القومية الضيقة و الطائفية، رغم حجم الاختلاف الكبير بينها الذي وصل مرارا حد الاقتتال الدموي. لأخذ نصيب من السلطة السياسية و لترسيخ مكانة في المجتمع، بتوظيفها المحاصصة الطائفية و العرقية لذلك . . و بدعم و اسناد من النظام الإقليمي و الدولي، الذيّ دعم و عزل و ضغط و يواصل الضغط في محاولات لتحديد طريق محدد للمسار بعد سقوط الدكتاتورية، بما  يخدم مصالحه . . 
ففي الوقت الذي خاض فيه عضو تحالف " التيار الديمقراطي " الحزب الشيوعي العراقي ـ اكبر قوى اليسار و اكثرها تنظيماً ـ و مؤازريه و القوى الديمقراطية، منظمات و شخصيات . . نضالاً صعباً لم يعرف المهادنة ضد الدكتاتورية، سياسياً و مسلحاً كما مرّ  . . و ادى الى خسارته اعداد كبيرة من كوادره و ناشطيه شهداءً، لا يمكن تعويضهم بسهولة، و الى تحطيم و تشريد و شلّ الآلاف من عوائل مناضليه . . بعشرات الأجهزة المتخصصة تخصصاً شيطانياً بتحطيم المعارضة اليسارية الديمقراطية فكرياً و جسدياً طيلة ربع قرن . .
التي ادّت من جهة اخرى و بسبب ظروف العمل السري الشاقة، الى تجاوز الديمقراطية الداخلية في الحزب و اعاقة نموها و تطورها و غلبة الطابع الستاليني على منظماته في تلك الحقبة، بسبب مخاطر الإندساس و التدمير و الحذر من الوقوع في قبضة الأعداء . . وادّت مقاومة الحزب لحماية نفسه اضافة الى عوامل اخرى، الى تكريس نواقص تنظيمية عشعشت فيه و اخطاء . .
و بذلك قامت الدكتاتورية و اساليب بطشها بمعارضتها ـ و خاصة اليسارية ـ التي لم تلق دعماً دولياً و اقليمياً بمستوى ما واجهته طيلة عقود، وسط شعب يزداد تكبيلاً و مذلّة و مهانة . . قامت بكل ما ادىّ الى تدمير و شلّ اجيال، فكرياً و سياسياً ، و الى هبوط الوعي المجتمعي هبوطاً مريعاً . . حيث أزهقت الكثير من الأرواح البريئة و المكافحة لأجيال، وتعطلت عقول متنورة كان بالإمكان أن يكون لها شأناً عظيماً في البلاد اليوم . . التي لو سايرت الدكتاتورية لكانت في مواقع علمية و اجتماعية لاتقاس بما تعيش عليه الآن، الاّ انها رفضت و قاومت و ضحّت بالكثير الكثير .
منها اعداد كبيرة اضطرت لترك الوطن و هامت على وجهها و ضاعت، و اخرى تاهت بعد محاولات لمواجهات و لتصحيح مسارات و آليات، بعضها اعتقدت على نبلها انها بنشاطها لوحده قادرة التغيير في وقت انعدم فيه ايّ  ضوء في نهاية نفق تلك العقود . . اضافة الى تواصل الترديّ حتى بعد سقوط الدكتاتورية رغم انجازات، الأمر الذي لم يؤديّ بالتالي الاّ الى عزوفها عن السياسة و عن الوطن الذي احبّته و قدّمت له اغلى ماتملك  . .
على ذلك يرى قسم كبير بانه قد لم يعد من العملي الآن سياسياً و جماهيرياً (2)، ألمطالبة بألإنطلاق من الماضي ونبشه و محاولة معرفة (أسبابه الحقيقية) في تنظيمات اليسار، لمحاولة تشخيص  كيف و من، لمعاقبته و لتنتهي (المأساة )؟! (3) و كأن المسؤول عن ذلك هو شخص او بضعة اشخاص بعينهم، عن احداث جسام جرت خلال اربعة عقود، تغيّر خلالها العالم و المنطقة الإقليمية و البلاد و شعبها و منطقها السياسي و وعيها، تغييراً هائلاً حتى صار يبدو الماضي و كأنه منقطعاً عن متطلبات آليات تفكير و نشاط اليوم . .
و يرون باختصار، المطلوب تقييم الماضي باتجاه بناء حركة تواجه الواقع القائم للسير نحو آفاق افضل و أن تؤخذ الأخطاء بسياقاتها التأريخية ـ و يرى البعض بأن يعهد تقييم ذلك الى لجنة يتفق عليها من ذوي الكفاءة في سياق نشاط يساري مشترك و ليس كشرط قبله ـ . 
و يرى آخرون بكونه غير مجدي، لأن البقاء بالدوران في فلكه و في دائرة ( كنّا و كانوا ) فقط، و الأحداث و التغييرات و اعادة التكوّن و الإصطفاف تسير بسرع عالية لاتنتظر، و لأن ذلك لايمكن ان يؤديّ الى نشاط فعلي من مستوى جديد منتظر لابد منه لخدمة قضية الشعب و كادحيه اليوم . . فالأمور لاتسير بالتمنيات الطيبة و الرغبات الفردية كما يبيّن توالي الأحداث، و انما بكيفية مواجهة الواقع القائم موضوعياً الآن، رغم صعوبة ذلك لمن عاش المرارات و تكوىّ بها . . فيما شباب اليوم بطبعه ينظر و ينشط الى الأمام و لاينتظر، و لايريد ان يعيش مآسي السابقين و تعقيداتهم التي تربكه، و يرى قسم منهم بأن صيغة و كينونة احزاب الأمس لا تلبي مطالبه و آماله  . . 
 و من جهة اخرى، لأن الأسباب الأساسية بالنتيجة النهائية (عدا التفاصيل) تكمن في نفس اسباب محنة شعبنا الموروثة من الدكتاتورية و تواصل المحن بعد سقوطها، و تكمن في محن الحركة الشيوعية العالمية و في ان عملية التجديد الحزبي قد بدأت متأخرة ترابطاً بالأحداث، و انها تسير ببطء مؤسف قياسا بسرعة تتالي الأحداث . .
في وقت يلاحظ كثيرون فيه بانه حتى التكتلات التي خرج قسم منها من الحزب الشيوعي(4) بالتوالي طيلة عقدين و استمرت بحمل اسمه (5) ، بقيت اسيرة الماضي و اسيرة اشخاصها و لم تقدّم بديلاً واقعياً غير اساليب اطلاق فضائح رنّانة و تسقيط و تهجم على الحزب، سياسة و ناشطين  و وجوهاً معروفة، رغم جهود تبذل مع بعضها . . بدلاً من توجهها الى الجماهير بوجهة افضل و تبني مطاليبها و الدفاع عنها، لتكوين تنظيم افضل و حزب افضل ـ برأيها و كما تروّج ـ ، افضل من الحزب المتواصل الحضور على الساحة مع الجماهير . . حيث فيما انضم بعضها بعدئذ بشكل مؤسف تحت خيمة الدكتاتورية مختاراً، انضم بعض آخر الى (المقاومة) الطائفية و الشوفينية و استمر آخر بالإنشطار  او بانتظار تكوّن تجمّع جديد . . (باختصار لابد منه في مقال)
و يرى كثيرون ان تحرك القوى اليسارية و الديمقراطية اثر سقوط الدكتاتورية لم يكن بطيئا الاّ لأفتقارها للدعم الإقليمي و الدولي اسوة بالقوى الأخرى التي صارت به متنفذة، في الظروف التي عاشتها و لا تزال تعيشها البلاد منذ اكثر من عقدين . .
اذ رغم سقوط الدكتاتورية بحرب خارجية اعلنت جهاراً الأهمية الستراتيجية للعراق في سير المصالح و الموازنات الدولية و الإقليمية، في زمان العولمة الرأسمالية . .  جاء نظام المحاصصة الطائفية و العرقية و كأنه مسعى لابعاد القوى اليسارية الديمقراطية عن المساهمة في اختيار و رسم مسار البديل المدني الفدرالي . . و جاءت معه مشاريع معدة سلفاً و بالتعامل مع افراد منها و باغرائهم و تشجيعهم على الإنضمام الى احدى الكتل الكبيرة لكفاءاتهم و خبرهم او تكوين تجمّع ضمن اطار تلك الكتل، كاشفة عن دور المال السياسي و الدور الإعلامي الفائق الأهمية في عالم و مجتمع اليوم . .  الذي غطّى حتى على التحالفات التي ناضلت بكل الوسائل لإسقاط الدكتاتورية و قدمت آيات التضحيات من اجل البديل الديمقراطي الفدرالي المدني . .
الأمر الذي ادىّ الى تبعثر تجمعات ديمقراطية و يسارية كانت موجودة اصلاً، و اعلان و نشوء جديدة متنوعة ليست سياسية و انما عدد كبير منها مهنية، شبابية، اصلاحية، خيرية و منظمات مجتمع مدني متنورة و متفتحة عديدة   . . فيما توزعت اخرى على كتل برلمانية داخلية و خارجية للحصول على مقعد او دعم مالي ، سواء لإنشاء مشاريع اعلامية و سياسية و اجتماعية ناشطه او لغير ذلك، و نشطت وجوه اكاديمية و اجتماعية قام و يقوم  عدد واضح منها بخدمات و بجهود جليلة داعية و داعمة لليسار و الديمقراطية، و من اجل الدولة المدنية الفدرالية . . (يتبع)


14 تموز / 2011 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   و يرى البعض بانها أهم من التيار الديمقراطي .
2.   رغم تواصل اهميته الستراتيجية سياسياً و حزبياً و تأريخياً، و الإستفادة من دروسه في النشاط الحالي و توضيحها للأجيال اللاحقة .
3.   على حد تعبير اوساط يسارية غير قليلة .
4.   اضافة الى تشكّل منظمات و مجاميع حملت اسمه معدّلاً، منها من يعلن و يناضل من اجل اهداف اكثر راديكالية في عدد من المدن، و اخرى في الخارج بدعم من الأممية الرابعة و غيرها  . . و تعاني اكثرها من انشطارات متتالية، لأسباب يغلب عليها الطابع الشخصي و المنافع، بتقدير مطلعين و مراقبين  . .
5.   لاحظ مغزى اهمية الإسم .


129
" التيار الديمقراطي" نحو الدولة المدنية الإتحادية !
ـ 2 ـ
                              
د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net

   و فيما انعش " الربيع العربي " النزوع الى الحرية و الديمقراطية و الأنظمة المدنية و الدستورية و التمدن في المنطقة، و انعش الفكر القومي التحرري فيها ، و اخذت تتوضح اكثر مواقف عدد من الحكومات و القوى المتأسلمة و الشوفينية المعيقة و المقيّدة للتطورات التقدمية الداعية الى الحرية و الكرامة و العدالة الإجتماعية، كحكومة احمدي نجاد في ايران، قوات درع الجزيرة . . و عدد يتزايد من الأجهزة الحكومية العراقية و طريقة تصديها العنيف و المخادع للمتظاهرين الشباب السلميين، و التنكيل بهم، الذي وصل الى سن قوانين لايفهم منها الاّ استعداد لمواجهة الطلبة .
   حتى صارت كل تلك الظروف المعقدة و المتشابكة، تفرض تلاقي قوى التحرر و اليسار و الديمقراطية في عموم بلدان المنطقة التي منها بلادنا، لتلاقي الأهداف وفق ظروف كل بلد  . . حيث صارت الحاجة تزداد للعمل معاً على اساس درجة و حجم وجودها و تقبّلها في الساحة، و درجة تقبّل الآخر من جهة، و على اساس الإلتزام بالإتفاقات التي تبرم للعمل المقبل ـ سواء على صعيد البلاد او المحافظة و المدينة ـ من جهة اخرى . . لمواجهة المخاطر المتفاقمة، التي تهدد بارجاع البلاد و كيانها الإجتماعي الإقتصادي اكثر فاكثر، بعد ان تغيّر المنطق والذهنية الشعبية، وتغيّر بناء مجتمعنا تغيّراً متنافراً لكل الأسباب التي مرّ ذكرها، منذ زمان الدكتاتورية و الحروب .
   و يرى كثيرون في وثائق و اطر عمل " التيار الديمقراطي " مجالاً مفتوحاً لأنضمام التنظيمات و الشخصيات الناشطة المتفقة على الخطوط الأساسية الداعي لها . . على اسس التنسيق و العمل المشترك المنطلق من الشارع، من تظاهرات المطالبات و الإحتجاجات السلمية، و التبني و الدفاع عن المطالبات الشعبية، بعد ان اثبتت تلك الفعاليات الشبابية قدرتها في تبيان المطالب و مواجهة الظلم، اضافة الى وعيها العالي بعزلها للجماعات المغرضة، التي تحاول الإيقاع بها . .
و يرى حريصون و مؤيدون للحزب الشيوعي من جانب آخر . . انه اضافة الى مواقف الحزب، و تمسكه بالموقف الوطني القائم على اساس الإنتماء للهوية الوطنية و دفاعه المتواصل عن حقوق المرأة، و نزاهة كوادره و وجوهه في هذا الخضم السياسي الإجتماعي المعقد، التي اكسبته موقعاً افضل بين الناس، رغم افتقاره للكثير من الإمكانيات المالية و الأعلامية المتوفرة للمتنفذين . . فإن ذلك الموقع قد ازداد رغم الصعوبات، بدفاعه عن فعاليات الإحتجاجات السلمية و مطالبات الأمن و الكرامة و الخبز التي وُجهت بالنار و بسقوط عدد كبير من الشهداء، و التي لاتزال تواجه بأنواع العنف و التضييق و الهراوات ضد شباب و شابات عزّل  . . 
و إن نجاحه في استيعاب تلك الروح الشبابية لمنظماته و عضويته، سيزيد و يصوّب التغييرات التي اجراها في بنائه و في خطابه السياسي منذ مؤتمره الخامس مطلع التسعينات ثم في مؤتمراته اللاحقة، حيث عدّل قسم من الذي تراكم و خفي بسبب العمل السري و ظروف مواجهة الدكتاتورية و قساوتها الفائقة في محاولاتها المتواصلة لتحطيمه . . سواء في آليات نشاطه، او في نوعية كادره و قيادته، التي لاقت استحساناً و ترحيباً، رغم بطئها في التحوّل الى واقع عملي اكثر ملموسية، برغم الجهود المبذولة . .
الأمر الذي يصفه قسم بكونه ان عاد الى ارث ثقيل لنضال قاسٍ مفعم بالتضحيات الغالية استمر بلا هوادة طيلة ثمانية عقود، و دلل على حاجة المجتمع اليه كحزب و على اصالة وجوده و عمقه فيه، فإنه يدلل على ان ذلك يشكّل مرشداً ـ و ليس نقلاً ميكانيكاً ـ للنضال في سبيل قضية الشعب في الظروف الوطنية و الإقليمية الجارية في عالم اليوم . . .
و يرى قسم آخر ان تطبيق قسم كبير من الآليات السابقة ذاتها في مجتمع تغيّر تكوينه و منطقه و وعيه بالحديد و الدم و الحروب و الإرهاب و الديماغوجيا و الى الآن . . صار يعيق اموراً ليست قليلة . . و خاصة في مجالات التمييز بين السياسة و الآيديولوجيا ـ التي تغيّر الكثير من مفرداتها ـ و تطبيقاتها التنظيمية (*)، الإنشداد الى الطريقة السابقة المتبعة في تحليل الماضي و سبل معالجاته اكثر من سبر اغوار الواقع المتحرّك سريعاً و النظر الى المستقبل القريب لأجل تحقيق نجاحات ملموسة، قضية استيعاب واقع و لغة و طموح شباب اليوم، في مجتمع مستمر في تشوهاته التي لا تدفع الاّ الى تحقيق مكاسب ذاتية، و الى تغييب المُثُل الفاضلة، رغم صحوات ضمير لأخيار تظهر هنا و هناك . .
و لكل ماتقدّم يرى كثيرون ان الإعلان عن قيام تحالف " التيار الديمقراطي " الذي يمكن ان يتوسع و ان تتطور آلياته . . بكونه بداية لتجسيد عملي واعي للدعوات المتصاعدة الى " العمل معاً " ـ كتعاون و تنسيق، جبهة انتخابات، فعاليات مطالبة شعبية في محلات السكن و العمل و الدراسة، فعاليات مطالبة سياسية . . لعدم قدرة طرف لوحده من الأطراف المطالبة بالديمقراطية المدنية نحو الدولة المدنية الفدرالية، و عدم قدرته على تحقيق نجاح على طريق طموحه دون العمل و التعاون مع من يشاركه الهدف في هذه المرحلة . . الذي لايعني نكران تاريخ و حاضر مهما كان ناصعاً . . (يتبع)


11 / 6 / 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) غيّرت عديد من الأحزاب الشيوعية و العمالية آليات عملها و تنظيمها، متمسكة بهدف " العدالة الإجتماعية" و بكل الأساليب التي تقرّبها من الجماهير الكادحة بالدفاع عن مطالبها على طريق ذلك الهدف، مسترشدة في ذلك بالمنهج الماركسي العلمي و بروحه .
و للتدليل على التبدلات العاصفة الجارية في عالم اليوم لابد من ذكر بانه حتى الفاتيكان الكاثوليكي المتشدد و عدد من المرجعيات الإسلامية ـ كما في تركيا، اندونيسيا، ماليزيا، السودان . . ـ غيّرت و تغيّر و تبدل في آليات اعتمدتها طيلة قرون و قدّمت بها آيات من التضحيات و حققت انتصارات كبرى لملايين البشر كالغاء الرق و العبودية، التساوي بين البشر، السلام، المحبّة، و آليات لمواجهة الفقر و الأيدز و غيرها . بل و حتى المرجعية اليهودية التي افتت قبل سنوات بحق زواج اليهودية من المسلم و المسيحي . . . و لاتزال آليات و مواقف تتغيّر و تتبدل على اصعدة الموقف من البحوث الطبية و الإنجاب و غيرها، رغم ارتباطها ارتباطاً مقدّساً بكتبها المقدّسة . .
و ذلك، لأجل التمكن من مخاطبة الأجيال الجديدة و محاولة كسبها و للتعويض عن خسائر كبيرة لحقت بها بسبب تخلفها عن مواكبة مجتمعاتها التي تتغيّر و تتطوّر تطوّراً معقداً في عصرنا الذي يشهد تحولات و تحولات عالمية في العلوم و المعرفة و الفكر و الوعي و المجتمع . . التي تفرض من جهة اخرى تغيير آليات و نوعيات الخطاب السياسي و الفكري و آليات النشاط، في مجتمعات اليوم، لمن يسير و يناضل على طريق " العدالة الإجتماعية " . .


130
" التيار الديمقراطي" نحو الدولة المدنية الإتحادية !
ـ 1 ـ
د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net
   
تم الإعلان عن تأسيس " التيار الديمقراطي "، كتحالف سياسي يضم : الحزب الشيوعي العراقي، الحزبين الوطنيين الديمقراطيين، الحركة الاشتراكية العربية، اضافة الى عدد من الشخصيات الديمقراطية المستقلة، و ابقي الباب مفتوحا أمام انضمام قوى وشخصيات ديمقراطية و مستقلة أخرى اليه  ممن تلتقي مع التيار على القواسم المشتركة و على البرنامج الذي أعلنه، في اجتماعات و موسعات داخل و خارج البلاد .
   و فيما يرى متابعون اهمية تلك الخطوة، كونها احدى الثمار الملموسة للفعاليات الإحتجاجية السلمية الدستورية المتواصلة في ساحات البلاد من جنوبها الى شمالها . . مطالبة بالأمن و الخبز و الحريات، و كتعبير عن بداية واعدة لتنسيق و توحيد حركة الشارع المطلبية، في اطار تنظيمي لتحالف سياسي لعدد من الأحزاب والشخصيات المستقلة ذات الاتجاه الديمقراطي المدني، المتمسكة بمبدأ العدالة الاجتماعية، سعيا لتوحيد الحركة الديمقراطية، باتجاه تحقيق الأهداف في ضوء المبادئ المعتمدة ، الواردة في برنامجه.
و ترى اوساط واسعة ان تلك الخطوة لتوحيد القوى الديمقراطية واليسارية و العلمانية و المستقلة الساعية الى الدولة المدنية الفدرالية في العراق، بكونها لم تعد  ضرورة يمليها هدف الوصول الى مؤسسات الدولة عن طريق الإنتخابات فحسب، و انما تجاوز الأمر ذلك بكثير، حيث أصبح مهمة وطنية و اخلاقية لمن يدعو الى التمسك بالديمقراطية كنهج عابر للطائفية و العرقية و الفئوية، قدّم من اجله العراقيون باطيافهم ألاف الشهداء والضحايا من أجل عراق جديد يعيش فيه الجميع رجالاً و نساءً، متساوين بالحقوق المدنية، يفخرون بوطنهم وكرامتهم وحريتهم .
و انها جاءت بعد تبلور وعي سياسي شعبي يزداد اتساعاً، أنضجته تجربة سنوات مريرة بكل سلبياتها وإيجابياتها، لتحدد ضرورة الخيار الوطني المدني الديمقراطي المعتدل، و ضرورة الابتعاد عن المشاريع الطائفية والعنصرية وعن العنف والتطرف، وحسم قضية الفصل بين الدين والسياسة، احتراما لحرمة الدين من تسييسه واستخدامه كأداة للسلطة من جهة، وصيانة للسياسة من خلطها بالدين وإقحام الدين في شؤونها من جهة اخرى، حيث ان ذلك الإقحام مضرا لقضايا الدين وقضايا الوطن على حد سواء.
اضافة الى كونها جاءت استجابة لتطلع جماهيري واسع إلى ضرورة اختيار من لم يتلوث بالفساد الإداري والمالي لقيادة العملية السياسية ، و من لم يتورط بالعنف ومن لايتبنى المشروع الطائفي بدلا من المشروع الوطني، والطائفية السياسية بدلا من التعددية السياسية المتجاوزة للأطر المذهبية والدينية والعرقية.
في وقت تمر البلاد فيها بأزمة حقيقية لم تمر بها في تاريخها الحديث، بعد ان صار يتهدد حتى كيانها الجغرافي و حدودها بشكل متواصل و بانواع الصيغ و في اوقات مختارة للضغط على العملية السياسية و محاولة اجبارها على السير في طريق يريده المتجاوز على حدودها . . و تتهدد ثرواتها التي هي ملك لكل ابنائها على اطيافهم و مكوناتهم القومية و الدينية و غيرها . . في وقت صارت فيه العوامل الإقليمية و الدولية و كأنها لوحدها هي التي تقرر مصير البلاد، كما اثبتت تجربة السنوات الثماني المنصرمة . بلا مبالاة باتساع و تزايد تحطّم تركيبته الاجتماعية و تهديد ما تبقى من القيم الإنسانية لدى العراقيين بالإنهيار !
و فيما يرى مراقبون محايدون، انه فيما تقوم الأوساط المستفيدة و البيروقراطية و النفعية و بكل ارتباطاتها الإقليمية والدولية ومصالحها الذاتية الأنانية التي تجد في الوضع القائم فرصة ذهبية لها لنهش ما تستطيع و للحصول على مزيد من الثروات والامتيازات، بتوظيف دوام انتشار الجهل و الأوهام و تسعير الطائفية المقيتة . . .
تتحرك الأوساط التي فقدت سلطتها اثر سقوط الدكتاتورية، و تخطط مستغلة كل الفرص التي يوفرها لها الوضع الإستثنائي القائم، لمحاولة استعادة تسلطها بعد خلق الإحباط و اليأس من عملية الإصلاح والبناء . . من خلال تسلل جماعاتها إلى المراكز المهمة في الدولة من جهة، و من خلال مضاعفة الممارسات الإرهابية بقتل العراقيين الأبرياء والعبث بأمنهم و مصائرهم .
بهدف محاولة اشعار المواطن العراقي بأن الديمقراطية لا تعني إلا المزيد من العنف و القتل، التهجير، الطائفية، السلب والنهب والتزوير . وان امن المواطن لا يتحقق إلا بوجود دولة قوية مخيفة لمواطنيها يسودها الرأي الواحد والقائد الواحد الرمز والحزب الواحد او ( دكتاتور عادل) . . وان حرية الرأي وحقوق الإنسان ومبادئ العدالة الاجتماعية والرقابة الشعبية ما هي إلا عوامل للفرقة والنهب و الفوضى و الدمار .
يرى آخرون ان الأطراف النفعية و المستفيدة من عمليات الفساد و النهب و الإرهاب و العنف . . . و من مجموعتي كل تلك الأوساط كليهما، قد تلتقي في اهدافها و مراميها الأنانية، رغم الشعارات الطائفية المتصارعة التي ترفعها . . من خلال تصديها للطائفية بالطائفية !! 
فبينما تتزايد الأزمات في البلاد، رغم ما تحقق منذ سقوط الدكتاتورية . . تتزايد المخاوف الآن من الدعوة لتكوين ( اقليم سنّي )، التي اثارت كثيرين، و يتساءل مطلعون هل ان تلك الدعوة (السنّية) هي ردّة فعل على اعلان قيادة " حزب الدعوة "(الشيعي) الذي يقود السلطة السياسية عملياً في البلاد، باتخاذ اية الله بروجردي مرشداً له (1) ؟؟
حيث يعتبرون ان ذلك القرار يعني في احسن الأحوال، ابتعاد " حزب الدعوة" عن مرجعية اية الله العظمى السيد السيستاني، الذي يحظى بتأييد شعبي واسع في العراق، لمواقفه التي دعت و تدعو الى : وحدة العراقيين على اساس الهوية الوطنية، و الى تحسين الخدمات لكل العراقيين بلا تمييز، و الى ابتعاد رجال الدين عن المناصب السياسية و الحكومية. .
و يعني تأييد الحزب المذكور لـ (نظام ولاية الفقيه) المعمول به في الجارة ايران (2)، بشكل اكثر مما تحتاجه جهود ترمي لتحقيق تعاون وثيق لمنفعة البلدين الجارين بعد ان عانيا سنوات حرب دامية اشعلتها الدكتاتورية و اكتوى بنارها شعبا البلدين . . الذي قد يحمل مخاطر جدية على سير العملية السياسية الجارية في البلاد، و يجعلها اسيرة لسياسة ولاية الفقيه و آلياتها، و الإلتزامات المترتبة على ذلك . (يتبع)

7 / 7 / 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   يحتل اية الله السيد بروجردي منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى في ايران، و تفيد انباء بأنه سيقيم في النجف الأشرف، و في حوزتها، بدلالة توزيع اموال على مجتهدين و طلاب في الحوزة باسمه .
2.   الذي اختلف به " حزب الدعوة " مع نظام الحكم الإسلامي الإيراني في العقود الماضية و قدّم بسبب ذلك تضحيات كبيرة، اثر ضغوط و ملاحقات نظام ولاية الفقيه الإيراني عليه و على نشطائه، في غمرة النضال ضد الدكتاتورية في العراق . 


131
ربيع المنطقة و شبابنا و الطموح بنظام مستقل !
 2  من  2
                        
د. مهند البراك
               ahmedlada@gmx.net
   
و يصف مطّلعون و محللون بان شباب المطالبات السلمية و الإحتجاجات في الساحات العامة، لايعرفون اللغة الحزبية و السياسية و آلياتها المعروفة التي حققت نجاحات في عقود سابقة، او انها جديدة على معارفهم . . انهم يشددون في طروحاتهم و شعاراتهم الصريحة عن حق مفقود . . و على التعجيل بايجاد حلول لمشاكلهم المباشرة في الفقر و البطالة و الكف عن سرقات اموال الشعب، و مطالبات بتنفيذ الوعود التي طرحها متنفذو اليوم، و فازوا بها بمقاعدهم الحاكمة . . اثر التزايد غير المعقول في معاناتهم المتنوعة .
انهم الجيل الذي شهد سقوط (الدكتاتور الإسطورة) و محاكمته و زبانيته علناً، و شهد كيف هرب اتباعه المخيفون بملابسهم الداخلية بعد ان رموا اسلحتهم و نزعوا ملابسهم العسكرية . . الجيل الذي خُدع و جرى تضييعه، ثم عرف الحقيقة عارية عن ماهية شخصيات الإستبداد و ماهية نفسياتهم الضعيفة المريضة . .
انهم من تفتحت عيونهم على حياة الخوف و الحذر الدائم من الكلام و من عيون مخبري الدكتاتورية، و تجاوزوا ذلك . . بعد ان عاشوا طفولتهم على حرمانات حروبها المجنونة و على حياة التقتير و العوز بسبب الحصار، و على المبالغ التعجيزية للوساطات و الرشاوي و على سوق ذويهم بالهراوات للحروب . . انهم من الأجيال التي هرب ذووها الى الجوار بحثا عن تكسّب و عمل مهما كان مذلاَ، لإعالة العائلة، او هربوا  من واقع مرير، و عادوا يتحدثون  و يروون ما شاهدوا و كيف تعيش بلاد الجوار العربي و الإسلامي بعيداً عن العنف و الحروب، و كيف تعمّر و تستفيد من ثروات بلادهم، التي اجبروا على تركها   . .
هم ابناء اجيال تتعطّش للكلمة الصادقة و للمثل التي تدعو لها الكتب السماوية و الكتب الثورية السرية و عرفوا من تجارب و احاديث ذويهم و عقلائهم مهازل لعب الحكم و الكذب و النفاق و كيفية تسويقها، و فهموا دروس منافقة القوي . . حتى طفح الكيل بهم و صاروا يحذَرون من السقوط في حياة الرعب و الخوف التي عاشها آباؤهم و هم يتحدثون عن حقيقة فلان و كيف؟ و من صيّر فلان و علاّن قادة، و ماهي قصة النفط و احتكاراته و ماهي اموال العراق الفلكية . . 
و هم الذين بعد ان عاشوا ضياع الفكر، و ضياع الوقوع في متاهات الروح اللانهائية . . سقطت الدكتاتورية بقرار و بحرب دولية و ليس بمطارق ابناء البلد، لتدخل البلاد دوّامة الإحتلال و التخريب و المتفجرات و الإرهاب بتشجيع كل دول الجوار . . حتى صار و كأن استقرار الحكم لا يقوم الاّ على اتفاقات الإحتكارات الدولية و الجيران، بلا مبالاة بما يعتمل و ما يتراكم في صدور الشعب و خاصة الشباب، بعد ان تقمّص البعض المقدس محاولاً اظهاره محاكاته ايّاه، و بانت حقيقته . .
و الآن و بعد ثماني سنوات و بعد ان حلّ التعب و الأرهاق بماكنات عسكرية اقليمية، شدّها اكثر ربيع المنطقة الى مكامنها . . بدأت استار دخان و غبار تتقشّع، و بانت حقيقة ان التنفيس عن الكوامن متزايد في الفيسبوك الذي صار يحمل الأفكار و يبث الجديد و يدعو و ينادي الى الإحتجاج الذي زاد تصاعده اثر تزايد انتشار ربيع المنطقة . . الربيع الذي اثبت ان قطع الإنترنت محلياً لايجدي، حيث حمل المحمول ـ الموبايل ـ سيل الفيسبوك مُحدثاً ثورة هائلة بتبادل المعلومات، فاقت بما لايقاس دور الترانزستور في زمانه (*)       . .
في وقت يزداد فيه شعور الشباب الى الحاجة الى شئ منظّم يجمّع و يحشّد و يدعو لحقوقهم و آمالهم . . لنقل النبأ على طريق محاولة تحقيق المطلوب و للتوصل الى معرفة ما يحول دونه . . و يرى مراقبون و مجربون ان شعور الشباب بتلك الحاجة هو نتيجة ايجابية تخدم عموم المجتمع و ترتقي به، بالآليات السلمية الداعي اليها و ليس بالعنف و الإرهاب . . لأنه الوعي الشعبي الضروري لتثبيت و استقرار ديناميكية الحكم و استقلاله، انه الوعي بأهمية الأحزاب و برامجها لبرمجة و تنظيم مطالبات الشارع سلمياً، مشكّلة بذلك جبهة قويّة تواجه و تكافح الإرهاب بتثبيتها شرعية دور الشعب باطيافه، كما تدلل احداث و نتائج ربيع المنطقة المستمر . .
بعد ان غُسل الدماغ العام لأجيال الشباب و جرت خديعته بأن (لاحزب غير حزب البعث)، الذي لم يعبّر طيلة عقود حكم الدكتاتورية عن العمل السياسي، الاّ بكونه مهنة و ارتزاقاً و ان يكون رهن اشارة القائد الضرورة  . . و هنا و بتقدير اوساط واسعة بدأ فهم الأوساط الشابة شباباً و شابات، و شعورها الواعي باهمية العمل السياسي  و كيفية ارتباطه بقضية بناء الحكم، وفهم ان السياسة لاتعني النفاق و السرقات و الوظائف البراقة التي تؤمن اعلى السرقات . . 
في وقت  لم يعد فيه النكران و التبرير مجديين، فيما تتواصل الحقائق الصارخة و المريعة عبر تكنولوجيا المعلومات التي صارت تتناقل حتى احاديث مجالس اعدادٍ من كبار المسؤولين و تنقل صوراً و افلاماً عن اساليب تفكيرهم و منطقهم و ماهية شهاداتهم الأكاديمية . . التي صارت احاديث الناس في البيت و الشارع و في اماكن العمل . .
و فيما تشترك الأوساط التي وحّدتها المعاناة للمطالبات بالحقوق و تحديّ القمع سلمياً . . يهتز الأمن و تتجدد اعمال العنف و التفجيرات و يتواصل سقوط القتلى و الجرحى، في وقت يتولى فيه حقائب الدفاع و الداخلية و الأمن الوطني حزب واحد بشخص رئيسه . . الذي تتناقل وكالات الأنباء تصريحات نسبتها الى رئاسة الوزراء بانه سيسن قوانينا عوضا عن مجلس النواب، و يحذّر خبيرون بالشأن العراقي  . . من ان الطريق المعروف لعودة مفاهيم (الحزب القائد) و (القائد الضرورة) . . يزداد تعبيداً مؤسفاً و وضوحاً . . 
و يحذّرون من ان تواصل هيمنة فرد ـ مهما كانت شخصيته ـ على آمرية القوات المسلحة لسنوات ممتدة، و شروعه هو و ايغاله بازالة صلاحيات الهيئات المستقلة لمجلس النواب، و صلاحيات المجلس ذاتها . . يحذرون من انه قد لا يتحمل وجود، ليس نظام برلماني فدرالي يضم احزاب حكم و معارضة تتفق و تختلف وفق دستور فحسب ، و انما قد يصل به الأمر الى ان لايتحمل وجود احزاب اخرى في البلاد، حتى من التي تشارك و تؤيد العملية السياسية، لأنها تناقشه . . دع عنك مخاطر ذلك المدمّرة على حزبه ذاته، و ان اساليب الترضية للأحتواء ليست جديدة . .  و تأريخ البلاد القريب شاهد بقوة على كل تلك المخاطر . 
و بينما تغيّر مؤسسات عالمية اقتصادية و سياسية و فكرية خططها تجاه المنطقة لمحاولة استيعاب و تنفيذ مطالبات الشباب و حركاتهم التي تستقطب عقول و افئدة اوسع شباب المنطقة و تسحب البساط من تحت اقدام المنظمات الإرهابية، و تزيد من فرص الإستقرار و الإستثمار فيها . . و تزداد اهتمامات مؤسسات و معاهد البحوث العالمية بالمنطقة التي تسجّل اعلى معدّل لبطالة الشباب في العالم !! في منطقة يشكّل فيها الشباب الغالبية الكبرى من سكّانها . .
ترى اوساط واسعة في البلاد . . ان اقامة نظام حكم مستقل مستقر ديناميكياً، لايمكن ان يتم الاّ بان يزداد انبثاقاً من الشعب و يعمل من اجله ومن اجل شبابه . . لإنهاء الإحتلال المركّب و المتنوع، و للإستفادة من الإمكانات المتاحة للبلاد اولاً ،و للأطراف الدولية و الإقليمية المتصارعة كذلك على اساس المنافع المتبادلة . . التي لايمكن ان يحققها الاّ نظام يزداد استقلالاً بقراره الوطني، مبني على تعميق دمقرطة مؤسساته . . و ليس بالقفز عليها، باساليب و مفاهيم (الحزب القائد) الذي صار عبئاً مدمراً على جميع الأحزاب و على الشعب  . . (انتهى)

30 / 6 / 2011 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لعب ظهور الترانزستور دوراً فاصلاً في تقرير مصير و نتائج الحرب العالمية الثانية التي سحقت الفاشية .


132
ربيع المنطقة و شبابنا و الطموح بنظام مستقل !
1  من  2
                  
د. مهند البراك
               ahmedlada@gmx.net
   
تمور دول المنطقة منذ شهور بإحتجاجات و تظاهرات و حراكات سياسية لم تنقطع، تطالب بالإصلاح السلمي و الخدمات و مكافحة البطالة وآفاتها. و كانت و لاتزال حراكات اتسمت بالتنوع بسبب تنوّع انظمتها و تنوع الشباب المشارك بنشاط بها، الأمر الذي تسبب بتنوّع المطالب و بالتالي ما آلت و تؤول اليه نتائجها .
و منذ ان اختطفت المنطقة الأضواء و الإهتمامات العالمية، يجمع اوسع المراقبين و المحللين على انها و منذ احراق الشاب التونسي الكادح محمد البوعزيزي نفسه احتجاجاً حتى الموت، و تسببها بنهاية حكم رئيسين عربيين طاغيين و بزعزعة عدد من الأنظمة الحاكمة في المنطقة . . و سببت و تسبب ببدء عمليات اصلاح و تحديث في دول المنطقة من جهة، و بمسارات فاجعة بسبب تعنّت حكاّم دكتاتوريين و تشبثهم بكراسي الحكم و كأنها صيغت لهم و لورثتهم، دون سماعهم لرأي الجماهير صاحبة البلاد، من جهة اخرى .
فإنها كشفت دور انظمة و دوائر اقليمية و دولية ـ و دور صراعاتها فيما بينها ـ و تسببها بإعاقة عمليات الإصلاح في المنطقة، كان ابرزها علناً بتقدير كثيرين دور قوات درع الجزيرة في البحرين، و محاولات نظام القذافي في تونس لإخماد الحركة الإصلاحية الشعبية فيها . . ثم دور اجهزة عسكرية ايرانية في دعم وحدات النظام السوري في التصدي الدموي للمتظاهرين السلميين هناك، التي تسببت باستنكار دول الإتحاد الأوروبي و اعلانها عن تشديد مقاطعتها لنظام الحكم السوري و اعلانها عن معاقبة ثلاثة من كبار ضباط الحرس الثوري الإيراني، بعد ادانتهم بوصفهم مسؤولين كبار عن مواجهة الجماهير السورية على الأرض السورية بالعنف الدموي الذي سقطت اثره اعداد متزايدة من القتلى و الجرحى، كما تتناقل وكالات ألأنباء و الصحف العالمية .
و من هنا يرى خبراء و متابعون بإن الإعلان الصائب لعدد من كبار المسؤولين العراقيين و في مقدمتهم رئيس الجمهورية السيد الطالباني . . عن السعي لجعل العراق مستقلاً و غير منحاز لطرف اقليمي ضد آخر، و اعلانهم عن سعيهم لأجل ان لا يكون العراق قاعدة لمهاجمة دولة اقليمية ما او التدخل بشؤونها و بشؤون شعبها، على اساس التزام تلك الدول بالمقابل بعدم التدخل بشؤون العراق و الكف عن ذلك . .
يرون بأن ذلك قد يكون مستحيلاً، ان لم ينطلق من الشروع باجراءات عملية يحسّ العراقيون باطيافهم القومية و الدينية و الفكرية رجالاً و نساءً، يحسّون بفاعليتها و جدواها رغم الصعاب، لتأمين قوة وفاعلية للقرار الوطني العراقي . . سواء كان ذلك على صعيد توفير الأمن و الخدمات و تحسين الدخل، واقامة مشاريع بأموال البلاد الفلكية لتشغيل العاطلين و خاصة الشباب. . حيث بلغت اعداد العاطلين ارقاماً غير مسبوقة، وفق الإحصاءات الدولية و الداخلية الأخيرة المعتمدة  . .
بدلاً من تطيّر الأجهزة الحكومية من المطالبات السلمية بالإصلاح، و سعيها لتحطيمها بشتى الوسائل . . من الرصاص الحي، الى الصاق تهم بها بكونها بعثية؟ تارة و ارهابية معادية؟ تارة اخرى، او مستوردة، او بمحاولة وصفها ديماغوجياً و تسفيهاً بكونها من تحريك ( فئات فشلت في الإنتخابات ) (*) . . الى سعي و عمل عدد من الأجهزة الحكومية لإعتماد سياسة الجزرة و العصا و الإغراء، ثم محاولات الهجوم على تظاهرات الإحتجاج و المطالبة، بمظاهرات حكومية مواجهة مزوّدة بالهراوات، يحاسب من لايشارك بها . .
و بعمد او بدون الإنتباه . . بسبب قصور و مصالح ضيّقة او بسبب عدم القدرة و الكفاءة على فهم و ملاحظة المخاطر المصيرية الحقيقية المتفاقمة رغم ما تحقق، منذ سقوط الدكتاتورية . . الأمر الذي يؤدي الى القصور في التوصّل الى مايتطلبه السعي الملموس لوضع حلول للمشاكل المتزايدة التهاباً، التي تدفع الشباب للإحتجاج . .
خاصة و كما معروف بان غالبيتهم من اللامنتمين لأحزاب، و انما هم من الطلاب و الشباب الكادح الجاد المتطلع الى وضع افضل . . ممن يعزّ عليهم رؤية بلادهم الهائلة الثراء، و كيف تتناهب ثرواتها الفلكية بالعنف و الخداع و الفساد. . وهم ابناؤها يعيشون الفاقة و الذلّ و العوز و الحرمان و لهيب الصيف و ظلام الليل . . حتى صار استعراض الشعارات و الجمل البرّاقة لمنتسبي الكتل المتنفذة لامعنى له لديهم .
و يرى مجربون ان امر الشعور بالظلم و بالغبن و بالتالي الإحتجاج " المقر دستورياً " لوضع الأمور في نصابها، لم يكن بحاجة الى من يحرّضه و يبث النار فيه، كما يتصوّر مسؤولون  . . لأنه ملموس و تعيشه اوسع الجماهير الكادحة و المعدمة، و هي تعيش و ترى كيف ان اقرانها في البؤس و الشقاء بالأمس، صاروا بليلة و ضحاها من اصحاب الملايين و الهمرات.
و يؤكدون على انه قد يخطئ من يظن ان مجالس العزاءات و المواكب الحسينية تخفف من غلواء العراقيين، فهي ان لعبت دوراً اولياً في ذلك اثر منعها من قبل الطاغية صدام بمرسوم قرقوشي . . . الاّ انها تعود لتلعب دورها التأريخي في دعوتها للإقتداء بمأثرة الإمام الحسين . . بوقفته التأريخية البطولية انتصاراً للفقراء و المحرومين، التي صارت نداءً الى الإحتجاج و النهوض، و كما دعى و يدعو موكب عزاء العباسية في كربلاء. (يتبع)

27 / 6 / 2011 ، مهند البراك 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) غافلين او متناسين حجم اعتراضات كتل و احزاب و شخصيات حينها على قوانين الإنتخابات و آلياتها و التجاوزات فيها و على نتائجها . . التي اتفقت المحكمة الدستورية العليا مع اغلبها.


133
القمة السياسية و مشاركة ممثلي الإحتجاج السلمي !
                                                                   د. مهند البراك
                                                                     ahmedlada@gmx.net

فيما تنتظر اوساط واسعة ما ستسفر عنه " القمة السياسية " التي دعى اليها رئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني لمعالجة الأزمة السياسية المتفاقمة التي تعمّ البلاد، حيث دعى رؤساء الكتل البرلمانية و الجهات السياسية لمناقشة : اتفاقية أربيل والوزارات الأمنية، الترشيق الوزاري، والتقريب بين القائمة العراقية ودولة القانون بعد ان تفاقمت الأزمة بينهما الى حدود كثيرة الخطورة صارت تهدد باثارة الصراع الطائفي مجدداً، اضافة الى مناقشة سبل التوصل الى الشراكة الحقيقية في إدارة البلاد.      
   و تشير مصادر متنوعة الى انه بالنظر الى مخاطر الوضع و دقته، يتوقع مشاركة السيد البارزاني رئيس اقليم كوردستان، و السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري في اجتماع القمة الذي سينعقد غداً الإثنين في مقر السيد رئيس الجمهورية، اضافة الى حضور رئاسة الوزراء و البرلمان . . في محاولة يصفها مراقبون سياسيون بأنها قد تكون الأخيرة في محاولة لإنتشال العملية السياسية من المخاطر المحدقة بها .
   ترى اوساط محايدة متسعة، اهمية مشاركة ممثلين عن تجمعات " ساحة التحرير" ذات الإحتجاج السلمي، و التي وصفت بكون " جميع مطالبها كانت ضمن الإطار الدستوري وسلمية وغير محرضة على العنف أو الطائفية "، على حد تعبير احدث تقرير صدر قبل يومين لوزارة حقوق الإنسان في العراق . .
الذي ورد فيه، ان  المتظاهرين يرفعون شعارات تطالب بالإصلاحات الحكومية ومكافحة الفساد وتوفير الخدمات وهي مدعومة من مجلس السلم والحزب الشيوعي العراقي وجريدة المدى و عدد من منظمات المجتمع المدني غير الحكومية، اضافة الى شخصيات سياسية و اجتماعية معروفة.
فيما تصف جهات هامة و شخصيات برلمانية، أن التظاهرات التي تداوم على الخروج منذ شباط الماضي، بكونها  شعبية ومطلبية تنادي بالخدمات. و تؤكد على أن الشخصيات و الوجوه السياسية و الإجتماعية التي تظهر في تلك التظاهرات، معروفة بحياديتها وعدم تمثيلها لأي تيار معين، يسعى لتوظيفها لمصالح ذاتية ضيقة تمسّ بالصالح العام.
وفيما يرى كثيرون ان ضرورة اشراك ممثلين عن الحزب الشيوعي في اجتماع القمة ذلك، تكمن في فعاليته و في دعمه النشيط للمسيرة السياسية، و لنزاهته و سياسته الداعية الى وحدة العراقيين باطيافهم القومية و الدينية و المذهبية، و الى اهمية احقاق حقوق المرأة.
يرى مراقبون مطّلعون، ان اهمية دعوة وجوه عن تلك التجمعات، تكمن في محاولة تحقيق تفاعل ايجابي لصالح العملية السياسية، بالتعرف عن قرب على المطالب اليومية للشارع العراقي باطيافه، و من جهة اخرى التعريف بالظروف و بإمكانات الحكومة بأجهزتها، على البدء بالإصلاح و بكيفية محاولة جدولة ذلك بعد انتهاء فترة المئة يوم التي وعد بها . . بدلاً من لجوء الأجهزة الأمنية و العسكرية، الى تفريق المتظاهرين بطرق غير مشروعة وصلت الى حد سقوط اعداد من الشهداء، و تركت انطباعات اقليمية و دولية ليست في صالح البلاد، سياسياً و اقتصادياً و استثمارياً . . في ظروف " الربيع العربي " الذي تعيشه المنطقة .  

19 / 6 / 2011 ، مهند البراك


134
هل تتحطم المحاصصة على صخرة الإستبداد ؟
                     
د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net
   
توجس و عبّر و نظر كثيرون و منذ البداية الى اعتماد نظام المحاصصة و خاصة الطائفية منه نظرة تشاؤمية منذ اعلانه، رغم فائدته المؤقتة اثر سقوط الدكتاتورية و الظروف التي تم بها . . و اخذ التذمر منه يزداد و يشمل حتى اوساط كانت مؤيدة له ابتداءً، بسبب نتائجه الكارثية التي صارت تتزايد اثر اعتماده نهجاً اصمّاً يحاول إعتماد المكونات و ليس البرامج طريقاً لتكرار الفردية و الإستبداد، سواءً في حل ازمة الحكم او في محاولة اصابها فشل مؤسف لتحقيق حياة افضل للعراقيين على اختلاف طيفهم القومي و الديني و المذهبي، رغم جهود اخذت تضيع تحت وطئة دائرة تزداد انغلاقاً من الصراع الطائفي الذي يتسبب به صراع المتنفذين المتخذين منه راية.
   و يرى خبراء و مثقفون و سياسيون ، ان احد الأسباب الهامة لذلك ان الأحزاب التي اعتمدت الطائفة في تحشيدها للنضال ضد الدكتاتورية، كآلية استفزها و استدعاها حينها نهج و سلوك الدكتاتورية الدموي الفئوي الشوفيني . . بكونها استمرت على نهجها ذلك حتى بعد سقوط الدكتاتورية و الإتيان بها للحكم  . .
حتى اثبتت تجربة ثماني سنوات من اعتماد المحاصصة، اثبتت على كونها نهجاً قاصراً سواءً في عملية بناء النظام الجديد او في تحقيق الإستقرار الضروري له . . في توازنات و صراعات منطقة تلعب فيها الفتن الطائفية في الظروف القائمة ادواراً خطيرة، بوجود صراع مصالح اقليمي حاد: ايراني شيعي، عربي تركي سني، و مصالح اميركية و غربية و آسيوية دولية تفعل فعلها فيه لتحقيق ما يؤمن لها مصالحها في العراق و المنطقة .
و فيما يرون في ان اعتماد المحاصصة على الطائفية الضيقة لم ينتظر منه تقدم و تطور للبلاد ولا لأمنها و رفاهها . . فإن الإنتخابات التشريعية، اثبتت ان القوائم الإنتخابية المتنفذة ابنة المحاصصة الطائفية ذاتها اخذت تخرق المحاصصة، كي تؤمن حصولها على اصوات اعلى، وظّفتها لتسويغ فوزها و فوز فرد بالقيادة،  في اثبات متجدد على عدم جدوى اعتماد المحاصصة الطائفية و على كونها ان لم يجرِ الإنتباه، جسراً لايؤدي الاّ الى استبداد حزب فرد، بدل وجهتها الأولى التي اعلن عن كونها آلية لتحقيق مشاركة المكوّنات العراقية بأطيافها . 
ففيما وصلت المحاصصة الى محاولة طرف متنفذ لتحطيم طرف متنفذ مواجه . . ازداد شبه اجماع على انها لم تؤمّن الاّ السيطرة الفعلية لحزب الدعوة على غالبية الوزارات و المؤسسات الحكومية العليا و على المرافق الأساسية الحساسة في البلاد، عسكرياً و امنياً و ادارياً من خلال وكلاء الوزارات و وكلاء المديريات العامة، و وكلاء و آمري الوحدات العسكرية و الأمنية، التي لم تناقشها الجلسات العلنية لمجلس الوزراء لحد الآن . . و التي يرى فيها متخصصون بكونها لاتخرج عن اطار هيمنة فكر المجتمع الشمولي، التي تفرش الطريق للإستبداد مجدداً . .
في وقت يشترك فيه ابرز طرفين متنفذين في صراعات لاترحم و لاتستمع لأحد في صراع على الزعامة، لايؤدي الاّ الى تأجيج الأزمة . . و ينشغلان فيه بترتيب بيتيهما، بمبادرات و اعلان عن تحمل مسؤولية قرارات و مساومات و تغطيات الى حدود اللعنة، لاتكشف الاّ عن روح الإستئثار بالحكم، على قاعدة كل شئ او لاشئ . .
في ظروف اهمال المتنفذين لتعبئة و حشد الجماهير بالعناية بتحقيق مطاليبها الأساسية، لكونها لحمة العملية السياسية و سداها و هدفها، في الوقت الذي تضيّع فيه اموالها و تسرق، بفضائح عمولات و  فساد و سرقات فلكية معروفة و علنية، آخرها ضياع 6,6 مليار دولار نقداً !! كان من المفترض انها نقلت بطائرة هرقل سي . .
ان المتنفذين لايلاحظون، و يرى قسم انهم بالحقيقة لا يبالون، بالتطورات و التغييرات التي تطرأ على الجماهير الشعبية . . بسبب تراكم نتائج الإرهاب و المعاناة اليومية التي صارت تطول سنوات ثمان، و بسبب البطالة و ارتفاع الأسعار، و سوء الخدمات و انعدام الكهرباء، في ظروف يتصاعد فيها دور الجماهير في تقرير مصائر الحكّام في ظروف تواصل ربيع المنطقة العربية . .
بل انهم يحاولون الوقوف بالمرصاد لكل تحرّك لشباب البلاد يطالب بإنهاء الفساد و الكذب و السرقات، منذ شباط هذا العام و حتى الجمعة الماضية ـ جمعة القرار ـ في ساحة التحرير في بغداد التي كشّفت عن تواصل الأساليب الخبيثة لأجهزة الحكم الموروثة من الدكتاتورية المقبورة، و بمشاركة و مباركة موظفين كبار من اجهزة الحكم العليا . و كشّفت تواصل التحديّ الشعبي بل و تصاعده الذي لاينتهي، الى ان تتحقق المطالب العادلة لأوسع الجماهير الكادحة !


14 / 6 / 2011 ، مهند البراك
   

135
لماذا أُخرجت المناضلة " ادور" من المؤتمر ؟
                     
د. مهند البراك
                  ahmedlada@gmx.net

   تتناقل و كالات الأنباء العراقية و الإقليمية و الدولية خبر اخراج المناضلة النسائية و الديمقراطية المعروفة " هناء ادور " رئيسة " جمعية أمل العراقية" الخيرية . . من مؤتمر حقوق الإنسان الذي انعقد امس في بناية مجلس النواب العراقي في بغداد لإعداد و اقرار خطة وطنية لحقوق الإنسان في العراق . . و قد حضره اضافة الى رئيس الوزراء المالكي، السيد " اد مليكرت " ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، و عدد من الوزراء و رئيس اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان في مجلس النواب العراقي .
و يتسبب ذلك الحدث بصدى عراقي داخلي و خارجي واسع، لأن السيدة هناء ادور مناضلة و وجهاً ديمقراطياً جماهيرياً معروفاً منذ مشاركتها في قيادة الحركة الطلابية العراقية في الستينات، اضافة لكونها وجهاً معروفاً و مؤثراً في هيئات و قيادات الحركة النسائية العراقية في نضالها من اجل الحقوق العادلة للمرأة العراقية، و ساهمت مساهمة فعّالة في النضال ضد الدكتاتورية المقبورة سياسياً، و في حركة الأنصار في نضالها الشاق المسلح ضد الدكتاتورية من اجل حياة افضل للعراق و لنسائه باطيافهن .
و اضافة لكونها وجهاً ديمقراطياً معروفاً من وجوه المجتمع الكلدوآشوري السرياني العراقي العريق، فإنها لعبت ادواراً جماهيرية و نسائية متنوعة، و اجتماعية خدمية هامة في دعم عملية اعادة بناء اقليم كوردستان بعد انسحاب قوات الدكتاتورية منها اثر انتفاضة ربيع كوردستان عام 1991 . . من خلال " جمعية أمل" التي تترأسها، نالت عليها ارفع الأوسمة و معاني التقدير. . سواء من الحكومة الكوردستانية او من المنظمات النسائية و الإنسانية العراقية و الأوروبية و الدولية .         
لقد أُخرجت المناضلة ادور من المؤتمر، اثر مطالبتها بتبيان مصير و اطلاق سراح اربعة من نشطاء الطلبة و الشباب جرى اختطافهم من الشارع اثر مطالبتهم السلمية للحكومة بالإصلاح و مكافحة الفساد و هم : جهاد جليل ، احمد الغدادي، علي الجاف، مؤيد الطيب ، من تجمّع " شباب شباط " في ساحة التحرير في بغداد العاصمة، الذين تطالب تجمعات شبابية عراقية و منظمات عالمية متسعة بإطلاق سراحهم . .
لأنهم عبّروا عن رأيهم وفق الأصول الدستورية، التي تكفلها لوائح حقوق الإنسان الدولية و الوطنية و التي عبّر عنها السيد ميلكرت في المؤتمر بكونها " الممارسة الضرورية لإحقاق الديمقراطية في البلاد بعد ممارسة حق الإنتخاب . . و ان عدم سماعها سيزيد الشعب اصراراً على تحقيق مطالبه المشروعة " . . و قد قدّمت وثيقة رسمية صادرة عن وزارة حقوق الإنسان العراقية، تعبّر فيها عن قلقها على الشبان الأربعة المعتقلين و مصائرهم . 
حيث بعد ان انهى السيد المالكي كلمته و اثر اعلان عريف الحفل الغاء كلمة منظمات المجتمع المدني . . طالبت السيدة ادور المالكي بالإعتذار عما وصفه في كلمته منظمات المجتمع المدني بكونها " تخفي ارهابيين و مجرمين " (*) ، مطالبة ايّاه بان يمارس دوره كرئيس للوزراء في تقديم وزراء و نواب الى القضاء بعد حصول ادلّة قوية على فسادهم و تزويرهم و تلاعبهم بالمال العام لصالحهم و عوائلهم، وفق مصادر انباء حكومية و معترف بها . . وسط عاصفة من تصفيق الحضور و تضامنهم، و هم يشهدون اخراج حماية المالكي ايّاها من قاعة المؤتمر، فيما كانت تواصل القاء كلمتها .
يحدث ذلك فيما تهتز البلاد من اقصاها الى اقصاها بمظاهرات الطلبة و الشباب و اوساط اجتماعية متسعة، رجالاً و نساءً و من كل الأطياف الدينية و المذهبية و القومية و الفكرية، و تلعب فيها منظمات المجتمع المدني اللاحكومية دورا واضحاً فيها . . مطالبين بتحقيق المطالب المعيشية الأساسية و على رأسها حلول لمعضلات الأمن، انسحاب القوات الأميركية، البطالة و الكهرباء مع بدء موسم الحرّ . . بعد مرور ثماني سنوات على سقوط الدكتاتورية.
   حيث يتوقع مراقبون محايدون زيادة فعاليات الإحتجاج الجماهيري السلمية، اثر انتهاء مدة الـ " مئة يوم " التي وعد رئيس الوزراء بها لأصلاح الأوضاع، في وقت تعود فيه الأعمال الإرهابية بشكل مؤسف و تتزايد الإغتيالات بالكواتم، فيما تتناقل وكالات الأنباء الداخلية و الدولية انباء تزايد عمليات هروب ارهابيين و قتلة من السجون بسبب الإختراق الأمني كما وصفت . . و تلجأ اجهزة حكومية الى اتباع اساليب الأمن المعروفة، و تتواصل سياسة تكميم الصحافة و كمّ افواه المحتجين السلميين، اضافة الى محاولات لإشاعة اجواء من الرعب و الخوف، تصفها اوساط واسعة بكونها لم تعد مجدية . . فقد انكسر جدار الصمت و تصدّع حاجز الخوف . .   

6 / 6/ 2011 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) اثر الإعلان الحكومي عن الكشف عن مجرمي عملية " عروس التاجي " الإرهابية التي وقعت عام 2006 و ادّعاء احد الإرهابيين بكونه عضواً في احدى جمعيات "حقوق الإنسان لمتابعة السجناء" كما نقل الراديو و المحطات الحكومية . . تحذّر اوساط واسعة من خلط الحكومة الحالية الأوراق و اتخاذها ذلك ذريعة للتضييق و انهاء منظمات المجتمع المدني . . حيث يتساءل نافذون كثيرون في الدولة و البرلمان، عن مدى صحة الخبر و عن لماذا يجري توقيت بثه في الظروف الحرجة الحالية الآن ؟         

136
محاصصة طائفية ام إستبداد ؟ !
         
                                                                                                     د. مهند البراك
                                                                                          ahmedlada@gmx.net

   
يكاد يجمع الكثيرون على ان اعتماد المحاصصة على اساس المكوّنات العراقية كان ابن ظروفه الإقليمية و الدولية التي تكوّنت قبل اكثر من عقدين، في وقت يجمع فيه قادة الرأي و الفكر و السياسة على ان الدكتاتورية المقبورة كانت قد وزّعت ظلمها على المكوّنات العراقية بالتساوي، و على انها هي التي ابتدأت بالفتنة الطائفية، و ان كلّ المكونات العراقية شاركت في مقاومة الدكتاتورية بالأساليب التي أُجبرت عليها او قدرت عليها   .
   و على ذلك كان يمكن تبرير مسألة قيام بديل الدكتاتورية اثر سقوطها، على اساس المحاصصة كحل مرحلي مؤقت يساعد على تأمين وحدة البلاد التي كانت تئنّ من سياسة القمع و الحروب و الحصار و من انواع الأطماع الإقليمية . . للبدء بقيام دولة على اسس جديدة فدرالية برلمانية، تعتمد مبدأ التداول السلمي للسلطة.
   و اليوم و بعد مسيرة ثماني سنوات تحقق فيها ماتحقق و تدمّر فيها ماتدمّر . . تراوح البلاد مراوحة مؤسفة مهددة، لا ادلّ عليها من سير الدولة معتمدة على تشكيل حكومي، يحاول رئيسه رأب صدوعه بوعود متناقضة من جهة، و بالتنازلات التي تسير على طرق صارت تخرج حتى عن برنامج كتلته المعلن و عن الدستور، و بالإيغال في اعتماد المحاصصة الطائفية . . الأمر الذي لايمكن تفسيره الاّ بسعيه لتأمين و تفرّد سلطته لوحده . . . التي صارت تعزز الفردية بالمقابل في كتل متنفذة منافسة، وفق اوسع الآراء .
   حتى صار تأمين السلطة يعتمد على الأساليب الأمنية الكريهة، و اساليب العقوبات القاسية و التعذيب و الإختطاف و الخداع و التهديد و الوعيد، بدل حرية الرأي و الكلمة التي كفلها دستور البلاد الذي صوّتت له الجماهير العراقية . . و صار التنديد بها يأخذ بُعداً عالمياً اثر التصدي لمتظاهرين سلميين بالرصاص و سقوط اعداد كبيرة من الشهداء و الجرحى و اختطاف آخرين و لصق تهم بهم، و اثر تكميم الصحافة و البدء بـ (الإجراءات الإحترازية) ببث الفتن و التآمر و خلق اجواء لا يستفيد منها الاّ انواع الطامعين، و يوظفها الإرهاب الذي يتصاعد مجدداً .
   و فيما تتوسل الحكومة و المتنفذون فيها، انواع الوسائل اللادستورية التي صارت تدينها حتى المرجعية الشيعية العليا لآية الله السيد السيستاني التي وظّفت كتل اسمها لصالح ضمان صعودها في الإنتخابات للحكم و صارت حاكمة . . حيث انها لاتهتم بسماع و معرفة مطالب اوسع الجماهير و خاصة الكادحة منها و تسعى لحلّها، و في المقدمة منها الأمن و البطالة و الكهرباء .  
ترى اوساط واسعة ان المحاصصة جمّدت ديناميكية استقرار الحكم، رغم ان الإنتخابات ـ على ثغراتها ـ قد تخطّتها . . حتى صارت المحاصصة الطائفية في الواقع هي نظام الحكم، و ليس الدستور الذي يثبّت ان الدولة تقوم على اساس ديمقراطي يعتمد النزاهة و الإخلاص للشعب و للوطن و المواطن . . و على ضوئه جرى القسم علناً بالله و بالقرآن .
بل ادىّ الجمود على المحاصصة الى تخوّف الحكومة ذاتها من اعلان قراراتها بأسمها، و صارت قرارات هامة تصدر بأسم مصادر مقرّبة من الحكومة بدلاً من صدورها رسمياً عنها، و كأنه سعي متواصل خطير لمحاولة احتكار تمثيل الطائفة، الذي يهدد من جانبه بتفتت البلاد شئنا ام ابينا، بدل السعي لتعزيز وحدتها  . .  و بدلاً من اعتماد الكفاءة و النزاهة على اساس الهوية الوطنية، والبلاد و جالياتها بكل اطيافها الدينية و المذهبية و القومية و الفكرية في بقاع الأرض، تعجّ بالكفاءات و الطموح و الإخلاص للبلاد  . .

5 / 6 / 2011 ، مهند البراك


137
   دولة المؤسسات و التهديد و الإسكات !!
                                                                                د. مهند البراك
                                                                          ahmedlada@gmx.net

تعمّ اوساط اجتماعية متزايدة موجة كبيرة من القلق، مع اقتراب موعد نهاية المئة يوم التي وعد فيها السيد المالكي لتغيير و اصلاح حكومته السريع على حد تعبير الوعد، اثر المطالبات الجماهيرية السلمية في ساحة التحرير ببغداد و التي عمّت ساحات و ميادين انحاء البلاد، التي جوبهت بالعنف وتسببت بسقوط شهداء حينها رغم شرعيتها الدستورية، و استمرت تتواصل سلمية رغم انواع المضايقات، كما اجمعت وسائل الإعلام .  
ففيما تشعر اوساط واسعة استمرار الكواتم و الثغرات الأمنية و المطلبية الجدية التي تعيشها البلاد . . فإنها تنظر بعين القلق الى تصاعد صراعات و احداث لن تزيد الأوضاع الاّ التهاباً و تنذر بما قد لاتحمد عقباه . . من الإستعراض (السلمي) شبه العسكري لـ " جيش المهدي" في مدينة الصدر في بغداد بحماية الأجهزة الحكومية رغم تنديده بالحكومة القائمة . . الدعوة المقامة على "صحيفة  المدى" المعروفة بمواقفها الداعية الى التحرر و التقدم الإجتماعي و التمدن، التي اثارت و تثير اوساطاً واسعة تقدمية و مدنية تدعو لإصلاح العملية السياسية على اسس دستورية ديمقراطية . .
ثم اختطاف و انقطاع اخبار اربعة من ناشطي الفعاليات الإحتجاجية السلمية في ساحة التحرير من الطلاب و الشباب الوطنيين من تجمع " شباب شباط " الذين سيقوا بطريقة ماكرة اثارت حتى اوساطاً دولية معتمدة، و بالقوة و الضرب و بالتهديد المباشر بالسلاح . . و توالي قيام الأجهزة الحكومية بمزيد من الإعتقالات التي تطول اعداداً لاتنقطع من ناشطي الطلبة و الشباب، وسط حملة متصاعدة من التخويف و  التهديد من عواقب التظاهر، رغم كونها فعاليات يكفلها الدستور. الأمر الذي صار يثير استنكار اوساط شعبية و مدنية واسعة شملت برلمانيين و سياسيين معروفين رجالاً و نساءً و من كتل برلمانية متعددة . .  
الى اغتيال المسؤول التنفيذي لهيئة المساءلة و العدالة الفقيد علي اللامي، بالكواتم و في رابعة النهار، الذي يثير تفسيرات و اجتهادات عن ثغرات و نواقص شابت عمل الهيئة لم يكن وحده مسؤولاً عنها . . اضافة الى اثارته استفسارات عديدة و علامات استفهام كبيرة عمّن يقف وراءه و لماذا جرى الآن ؟!  و عن آفاق مسيرة العملية السياسية . .  
   و يرى سياسيون . . انه فيما لم تعد تخفى الصعوبات التي تواجهها الدولة و الحكومة و مؤسساتها التي يُنتظر منها دورا مشجعاً و مربياً و خاصة لأوساط الشباب بدلاً عن الكذب و اساليب كم الأفواه، و ان تناقش الإنتقادات و الآراء و المطالبات و الإحتجاجات و تستفيد منها . .
يرى متتبعون للأحداث وبأسف، ان مايجري في الواقع ليس صراعاً على برامج و خطط و انما صراع لايعرف الرحمة على الزعامة بين افراد يسعون لضم اطراف لهم في صراعهم مهما كانت تلك الأطراف متناقضة مادامت من الطائفة  المنصورة، و مادامت تقف الى جانبهم في اللحظة القائمة او المحددة و بغض النظر عن برامج كتلهم و وعودها لناخبيها . . بعيداً عن الإهتمام بحياة و مصائر الأوساط الشعبية و الشبابية من كل الوان الطيف القومي و الديني و المذهبي، التي لاتكف عن المطالبة بحقها العادل بالعيش بسلام و أمان  . .  
و تحذّر اوساط من مخاطر محاولات انقلاب عنفي قد لايحتاج الى وحدات عسكرية نظامية، في ظروف توفّر السلاح و المتدربين و اصحاب المواقع و الدعم و بكثافة . . انقلاب يوظف المحاصصة الطائفية الصمّاء، و اساليب " عفى الله عما سلف " مادامها تحقق للفرد القوة اللازمة للجلوس او المواصلة على كرسي الحكم . . في ظروف اقليمية حبلى بربيع الشرق الأوسط و بجهود متنوعة لإحتوائه و اخرى لمواجهته . . فيما تحاكي و تتصارع و تنتظر احتكارات دولية و اقليمية كبرى، بروز منتصر يحقق سيراً على ايقاعها .  
و يرى مراقبون محايدون . . ان بقاء كثير من الملفات الهامة المستجدة سرية و يلفها الغموض . . يشكّل سبباً اساسياً في جعل اوساط كثيرة فاعلة لاتعرف حقائق مايجري و بالتالي فمن الممكن ان تنساق بسبب الآلام و الغضب مما جرى و يجري طيلة ثماني سنوات رغم وجود انجازات تتحقق بدلالة الفارق عن زمان الدكتاتورية، لكونها لاتلبي متطلبات مواجهة الحياة في الظروف الجديدة، و تجعل اوساطاً متزايدة تتساءل . . هل هي عودة الى زمان تكميم الأفواه و القتل ؟ هل هي عودة باصرار الى زمان الدكتاتورية ؟ !

30 / 5 / 2011 ، مهند البراك


138
الجماهير بين الآمال و بين المتنفذين !
                              د. مهند البراك
                               ahmedlada@gmx.net

من المعروف ان كل حزب يعتمد الجماهير في تحقيق مشروعه، او يسعى لكسبها و الحصول على دعمها، لابدّ و ان يسعى ليكون طليعة و قدوة  لها في تمثيل طموحها و تحقيق مصالحها، الأمر الذي يجعل الجماهير و خاصة اوسعها الكادحة . . يجعلها مؤيدة له و حامية و مطيعة لقراراته و مادّة ايّاه  بخيرة ابنائها و بناتها . .
و ذلك ما عاشه شعبنا و هو يقدّم الكثير من التضحيات التي لاتعد و لاتحصى في النضال ضد الدكتاتورية، و عاشته كل الشعوب التي نجحت في تحقيق طموحاتها في ازمان مختلفة، مبرهنة المرة تلو الأخرى على ان . . تحقيق " المعجزات " تمّ و يتم حين تتطابق مصالح اوسع الجماهير الكادحة مع نضال و طموحات الأحزاب التي قادت و تقود الثورات و التغييرات الكبيرة في بلدانها و مواطنها، و وصلت بها الى نجاح.
و فيما فشلت احزاب في تحقيق مشاريعها، لفشلها في تمثيل تلك المصالح و القِيَمْ ، فإن احزاباً ثورية مجربة فشلت ايضاً حين استلمت السلطة و انغمست وجوهها و ممثليها في الكسب الشخصي و المغانم الفردية . . و باشكال من الطرق سواء كانت محوّرة ضمن دستور، او ضمن دستور و على ادّعاء (المصلحة العامة) او (المصلحة الوطنية)، او بالتراضي مع من يحكم معها و بغضها النظر بعضها عن بعض . . على اساس تفسير مصلحي ارادوي ضيّق لـ (انما المؤمنون اخوة)، او بتطبيق مشوّه للتوافق و على اساس المحاصصة الضيّقة الطائفية .  
و بتراكم ذلك و على مراحل، و حين لا يعد يكفي حتى وجود و سعي فئات و شخصيات مخلصة لقضية الشعب في صفها . . تفترق طرق السلطة عن طرق الشعب بداية، ثم تتقاطع حين تتواجه المصالح متعارضة في الشارع و مواقع العمل . . ليهون كل شئ امام الجماهير في سبيل تحقيق آمالها و حياتها و مصالحها . . حين لم يعد من مثّلها يوماً يمثّلها، و حين تبحث عن آخر يمثّلها، او تخلق ممثلاً جديداً لها يدافع عن مصالحها و يسير على طريق آمالها . . كما خلقت في السابق .
و يشدد الباحثون على ان تمثيل مصالح و آمال اوسع الفئات و الطبقات الكادحة ليس خالداً او وقفاً و حكراً لحزب ما . . بقدر خلود مصالح اوسع فئات الشعب الكادحة و قيَمْها و آمالها في حياة افضل ، و مدى تعبير ذلك التمثيل السياسي لها و مواصلته الدفاع عنها وصولاً الى البدء و الإستمرار بتحقيقها  . .    
   ذلك هو الذي يجري اليوم في " ربيع الشرق الأوسط " بتقدير اوساط واسعة . . حين واجهت الجماهير و تواجه و بشتى مكوناتها العرقية و القومية و الدينية و المذهبية و الفكرية، حكومات و احزاباً عبّرت عن ارادتها يوماً ـ او استطاعت تصوير ذلك لها في لحظة و لفترة ما ـ  ثم سارت في طرق ادّت بها لأن تصبح دكتاتورية فردية بعد ان صفّت حتى رفاقها القريبين . . . في تعبير لايخفى عن التناقض الدائم بين المحكومين و الحكّام حين يباتون يفكّرون و يعملون في وديان اخرى غير وديان الشعب الكادح بكل مكوّناته . .  
   و فيما يؤكّد متخصصون على ان تلك العلة كانت هي السبب الرئيسي للإنهيار المؤسف للحزب الحاكم و دولته في الإتحاد السوفيتي السابق، رغم تحقيقه ثورة عظمى غيّرت التأريخ  . . يؤكّد مراقبون بأنه في محاولة للوقاية من تلك العلة، تشكّل " تجمع المحافظين الجدد " الحاكم في الولايات المتحدة من رجالات الديمقراطيين و الجمهوريين لتخفيف الأزمات الداخلية و لمواجهة العالم الجديد اثر انهيار عالم ثنائية القطبية . .
و كانت السبب في تشكيل " الجبهات الليبرالية ـ الإشتراكية ـ المحافظة " و تجمعات " الوسط و يسار الوسط " في انتخابات دول اوروبا . . التي فازت بعد ان حققت الكثير من مطالب الأوساط العمالية و الكادحة في عقد التسعينات الماضي . و حيث يدور ذات الجوهر في صالوناتها و بين جماهيرها و هي تتهيأ لأنتخاباتها القادمة .

23 / 5 / 2011 ، مهند البراك        



139
مخاطر استمرار تجاهل مطالب الشعب ؟
                                                                                                   د. مهند البراك

رغم سقوط الدكتاتورية بحرب خارجية، و انواع التحفظات و التعقيدات، و رغم الأرهاب و صراعات الميليشيات الطائفية و سقوط اعداد كبيرة من الضحايا رجالاً و نساءً . . اثبت شعبنا بألوان طيفه و طلائعه السياسية الداعية الى وحدة قوى الشعب الفاعلة و بدعم من مرجعية آية الله علي السيستاني، اثبت على قدرة لايستهان بها في التأثير على العملية السياسية.
و رغم انواع الضغوطات الإقليمية و العربية، فإنه تحدىّ الإرهاب و الرصاص و الإنفجارات . . مشاركاً بكل اطيافه القومية و الدينية و المذهبية و الفكرية في الإنتخابات التشريعية و في التصويت على الدستور، في اثبات لايقبل الشك على روحه الحية و على قدرته على بناء الأمل مجدداً و النشاط بضوئه، رغم الثغرات و السلوكيات التي انكشفت من الدوائر و الكتل المتنفذة .    
   الاّ ان الخروج عن الدستور و روحه بدل السعي لإصلاحه و تطويره . . الخروج عنه في قضايا جوهرية متعددة . . من طبيعة الدولة و مؤسساتها و آلياتها، سواء في هيمنة المحاصصة الطائفية عليها من اعلى درجة حكومية الى ادناها دون مراعاة الكفاءة و دون اعتماد الهوية الوطنية كأساس للإنتماء الوطني بغض النظر عن الدين و المذهب و القومية، الى الموقف من مؤسسات المجتمع المدني و حرية التفكير و التعبير، قانون الإنتخابات و وضع قانون للأحزاب، الموقف الأصم من قضية المرأة و حقوقها، صيانة استقلال الهيئات المستقلة كهيئة النزاهة و الإنتخابات و غيرها، الى الموقف من مفهوم الفدرالية و علاقة المركز بالحكومة الكردستانية . .  
   الأمر الذي ادىّ الى الفساد والإنغماس فيه و الوصولية و الإنتهاز المصلحي الأناني و خلق البطانات، و وفق تصريحات مسؤولين و وجوه هامة من مختلف الكتل البرلمانية و من الناشطين في المسيرة السياسية . . بسبب التسويف و عدم الإلتزام بالضوابط الدستورية و بالتالي بالقوانين الموضوعة وفقها، و بسبب عدم ايفاء الكتل النافذة بالإلتزامات التي قطعتها لناخبيها، الذين صاروا يعضّون اصابع الندم لإنتخابهم ايّاها.
   و ادىّ بالتالي و بمسيرة السنوات الثماني الى بروز فئات و صعود اخرى في عالم المال و السمسرة صعوداً صاروخياً، مستفيدة من وجود و تفعيل المجاميع اللصوصية الموروثة من زمان الدكتاتورية المنهارة، التي صارت تتدثر بدثار المحاصصة الطائفية، حيث وجدت فيها حماية و وسيلة لم تحلم بها  . . من جهة .  
    و حوّل صمت اوسع الأوساط الشعبية و الشبابية التي تعاني شظف العيش، الى مناشدات و اعتراضات، ثم الى تظاهرات سلمية تطالب بالحقوق الدستورية المهظومة، جابت و تجوب ساحات البلاد من اقصاها الى اقصاها، و تتواصل . . رغم انها جوبهت في بدايتها بالتهديدات، ثم بالعنف و الرصاص و بسقوط الشهداء، من جهة اخرى.  
و فيما وصمت اوساط حكم نافذة، تلك التظاهرات بكونها مخططاً لها من الخارج، و بكون محركيّها ينفذون مخططاً سياسياً ما . . لم يجهدوا انفسهم رغم كل الإمكانيات التي بحوزتهم، لمعرفة معاناة الشارع اليومية و معاناة اوسع اوساط الشباب، فلم يفرّقوا بين حجم المعاناة الحقيقية المتزايد و بين مشاريع سياسية تحاول توظيف ذلك لأهداف انانية ضيقة من نوع مقابل . . و بالتالي لم تقم  باجراءات عملية تحسّها و تعيشها الأوساط الشبابية و الكادحة .
غير مدركين ان مايجري قد يمزّق الميليشيات المحتمين بها ذاتها على صخرة الصراع بين المستفيدين و جمهرة المهمّشين فيها ذاتها، و الذي يجري بسبب الفساد و التعفن، و لا ادلّ على ذلك من الفضيحة الأمنية الخطيرة الأخيرة بهروب سجناء القاعدة الأرهابية من سجني بغداد و البصرة . .
   و فيما ينبّه خبراء الى ان طريق اعتماد الهبات المالية بين فترة و اخرى لتخفيف الغلواء غير مجدي . . فإنهم يحذّرون من ان استمرار تجاهل المطالب الشعبية و الشبابية، يحمل مخاطر قد تؤدي الى سقوط طريق التعددية و التبادل السلمي للسلطة، الضروريان للحفاظ على العراق غير منحاز و على طريق البناء . . في لجّة الصراعات العاصفة في المنطقة، التي يظهر ابرزها فيها في المرحلة الراهنة : الصراع الإيراني ـ العربي ـ الإسرائيلي، و الصراع العربي ـ الإيراني المغطى بالصراع الطائفي . .

17 / 5 / 2011 ، مهند البراك

140
الإنتخابات المبكرة هي الحل !
               
د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net


   ازدادت الصراعات السياسية حدة بين اكبر كتلتين برلمانيتين تتحاصصان اهم المواقع في اجهزة الدولة ؛ " العراقية " التي حصلت على اعلى الأصوات في انتخابات آذار 2010 برئاسة علاوي و " التحالف الوطني " التي تحالفت بعد اعلان نتائج الإنتخابات و صاحبة الكتلة البرلمانية الأكبر برئاسة المالكي رئيس الوزراء و القائد العام للقوات المسلحة . . بعد انتخابات شابتها تشويهات و تزييف و تغيير لا دستوري لقانون الإنتخابات، و جرّت الى تعقيدات و محاكم و عدم اتفاق بين الأطراف المتنفذة الرئيسية، انتهت بإتفاق اربيل الذي تشير دلائل كثيرة الى عدم الأخذ به و بروحه . 
   و تقلق اوساط واسعة من وصول حدة الخلافات الى تهديدات تهدد المسيرة السياسية في البلاد
بالعودة الى العنف الواسع في حل النزاعات، و هي ترى التحشيدات المتنوعة لإستخدامه وسط دخول العنف مرحلة استخدام الكواتم لتصفية انواع الكفاءات العلمية و الأدبية و الأكاديمية، التي تصفها اوساط بأنها تمهيد ؟! لإستخدامها لأهداف سياسية مباشرة .
   و ترى اوساط حسنة الإطلاع، ان ذلك التصاعد يأتي لقطع الطريق امام اختيار وزراء لوزارات الدفاع و الداخلية و الأمن الوطني، التي تعني ضمن ماتعنيه تجريد السيد المالكي من قيادته المباشرة لها و تحديداً لصلاحياته كقائد عام للقوات المسلحة، علما ان السيد المالكي مدني و ليس عسكري، خاصة و ان المالكي و حزب الدعوة يقودان بشكل مباشر الآن القوات المسلحة و بآليات متنوعة . . على حد تعبيرها.
و قد وصلت التهديدات الى التهديد بالإنسحاب من البرلمان، قابله تهديد بحل البرلمان و الحكومة . . فيما تتساءل اوساط الا يحق لرئيس الجمهورية دستورياً سحب تسميته للمالكي كرئيس للحكومة و تسمية آخر من كتلته ذاتها او من تسميّه لذلك الغرض . . لأنه لم يتمكن من تشكيل الوزارة حتى وفق المحاصصة التي ادّت الى تسميته هو كمكلف بتشكيل الوزارة . . بعد عام و نصف العام من اجراء الإنتخابات العامة .   
و فيما تعيش اوسع الأوساط و اكثرها فقراً المعاناة المتنوعة بسبب البطالة و الفقر مقابل الإثراء الخيالي و الفساد الإداري، وتعاني الكثرة الكبيرة من مشاكل البطاقة التموينية و انقطاع الكهرباء و الماء، و وسائل الصرف الصحي وغيرها . .
يرى مراقبون سياسيون ان مايجري ناتج عن نهج المحاصصة الطائفية و عن تواصل عقلية الفكر الشمولي المستبد الموروث من الدكتاتورية البائدة في بلاد عاشها لأربعة عقود مضت . . و تشهد صراعاً مستميتاً على مقاعد الحكم و عائداته المالية الهائلة، دون الإهتمام الجاد بمعالجة مشاكل اوسع الأوساط الشعبية . .
خاصة و ان احتلال رئيس الوزراء مقعده، قد تم بعد اصرار لامعقول عليه في مباحثات تكوين الحكومة . . و بعد ان جعل الهيئات المستقلة، اساس مشروعية دولة المؤسسات : هيئة النزاهة، المفوضية العليا للإنتخابات، هيئة الإعلام والإتصالات ، اضافة الى محافظ البنك المركزي، عائدة لسلطته. في تكريس يهدد بقيام حكم فردي يحمل مخاطر قيام دكتاتورية شمولية شوفينية على اساس طائفي، تشكّل اضافة لمخاطرها المجَرّبة في البلاد، خطراً حقيقياً على النظام الفدرالي المقرر في الدستور . . الأمر الذي تحذّر منه المرجعية الشيعية العليا لآية الله السيد السيستاني، وفق مصادر و وكالات انباء متعددة.
ولأن كل ذلك يأتي في سياق قرارات و اجراءات تقيّد الحريات الفردية و تدوس على حقوق المرأة . . و تضغط على الجامعات، و تعيق تمويل منظمات المجتمع المدني . . و اخيراً تضغط على انتخابات نقابات العمال لتزيف نتائجها، التي تتسبب بحملة عالمية و عربية للتضامن مع عمال العراق بوجه الممارسات الجائرة التي تحاول فرضها عليها .
و فيما يرى عدد من المراقبين الدوليين، الى ان ذلك التأزم الحاد يأتي مع استعداد الإدارة الأميركية لسحب قواتها اواخر العام الجاري، الأمر الذي قد يؤدي بها الى ممارسة ضغط حقيقي على الأطراف العراقية المتنازعة لتوحيد كلمتها . . الضغط الذي قد يتسبب بتأخير سحب بل و بتعزيز قواتها بدل سحبها . . خاصة و ان ادارة الرئيس اوباما تعيش انتصاراً شعبياً و عسكرياً كبيراً بالقضاء على زعيم الإرهابيين اسامة بن لادن، من جهة، و تعيش ولاية الفقيه الإيرانية ظروفاً صعبة قد تجعلها تغض النظر او توافق على ذلك . . بسبب الموجة الشعبية و الشبابية الهائلة في مواجهة حليفها السوري الذي يرد عليها بالعنف الدموي، اضافة الى حذر السلطات الإيرانية من انتقال (الفتنة) الى بيتها، كما حصل حين كفّت عن التدخل في البحرين .
ترى اوساط عراقية معتدلة، انه لوقف ذلك التدهور السياسي، الذي سينعكس وخيماً على مجمل الأوضاع السياسية و الأمنية والإجتماعية و الإقتصادية، مع موجة النهوض الشعبي و الشبابي التي تجتاح المنطقة، و لوضع البلاد على طريق الاستقرار، و يساعد على انسحاب سريع للقوات الأميركية  . . . ان تجري إعادة نظر حقيقية بمسيرة العملية السياسية كما يتزايد تعبير شخصيات هامة فيها، وتخليصها من المحاصصة الطائفية، وإعادة الاعتبار الحقيقي لمبدأ المواطنة و تكافؤ الفرص . .
عبر الوسائل الديمقراطية المشروعة والسبل القانونية والدستورية المتوفرة، بعيداً عن المشاحنات و التلويح بالعنف، من اجل أجراء انتخابات برلمانية مبكرة، تؤمن إشراك جماهير الشعب، صاحبة الشرعية الأساسية . . و تأمين مستلزمات ذلك بالشروع الفوري بتعديل قانون الانتخابات، وإقرار قانون الأحزاب، وانتخاب مفوضية انتخابات جديدة مستقلة وحيادية !

11 / 5 / 2011 ، مهند البراك

141
تسونامي اليابان و مشاريعنا النووية !

د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net
فيما يعيش العالم قلقاَ كبيراَ بسبب تسونامي اليابان المأساوي الذي راح الآلاف ضحايا له وفق ما وجد و أعلن عنه حتى الآن، اضافة الى الخسائر المادية الجسيمة . . تطور الأمر اكثر بسبب ما احدثه التسونامي من خللات في مفاصل التبريد في محطة " فوكوشيما النووية " شرق العاصمة طوكيو. حيث لا تزال تتواصل مجمعات المحطة النووية السلمية بالتفجّر، في سلسلة مؤسفة من فقدان السيطرة عليها، و الذي ادىّ الى اخلائها من فنييها بسبب التصاعد الخطير لنسبة التلوث النووي في داخلها . ليصبح موضوع الساعة الذي يتسبب بظهور صراعات حادة في البلدان الصناعية، و بمظاهرات و مسيرات احتجاج عاصفة متصاعدة فيها . .
و في الوقت الذي يعيد ذلك الى الأذهان ما تسببت به حوادث التسرب النووي من اضرار و خسائر صحية و تشوهات بشرية لأجيال عديدة اضافة الى الخسائر المادية الجسيمة لبلدان صناعية متطورة في الغرب و الشرق، و خاصة في الولايات المتحدة، الإتحاد السوفيتي السابق، بريطانيا و غيرها، رغم التعمية عليها . . التي في مقدمتها التسرب النووي الخطير في هاريسبورغ في ولاية بنسلفانيا الأميركية عام 1979 ، و التسرب النووي في كارثة تشيرنوبيل عام 1986 . .
   يؤكد خبراء و مراقبون دوليون محايدون ان القوة النووية اليوم لم تعد عامل استقرار للأنظمة و الدول، كما عبر القادة الإسرائيليون في اربعينات القرن الماضي، و زادوا بان القوة النووية تشكل صيانة تؤمن سلامة دولتهم، و كما يعبر اليوم الرئيس الإيراني احمدي نجاد في ان امتلاكه للقوة النووية، سيضمن استقرار نظامه . . فالقوة النووية الباكستانية مثلاَ لم تصن استقرار البلاد، حيث لاتزال تعيش صراعاتها العنيفة الداخلية، كما لم تصن القوة النووية الهائلة التي امتلكها الإتحاد السوفيتي، من تفككه المؤسف و انهيار نظامه . .
   في وقت اشارت و تشير فيه احداث و بحوث علمية حديثة الى ان منطقتنا الشرق اوسطية، هي منطقة بركانية، لعبت فيها الهزات الأرضية العنيفة و البراكين ادواراً هامة تسببت في تحطيم و اندثار حضارات و حضارات على توالي آلاف السنين و الى اليوم . . و شواهدها ماثلة في بترا، ارم ذات العماد بين دولتي عُمان و السعودية، عاد و ثمود و مضارب سليم في الأخيرة، و قمران و البحر الميت في فلسطين ـ اسرائيل . . اضافة الى الهزات الأرضية المتتالية في ايران و الباكستان و الهند . .
من ناحية اخرى، يرى خبراء جيوفيزياويون و جيولوجيون، ان التجارب النووية تأتي في مقدمة اسباب الهزات الأرضية و ايقاظ البراكين الخاملة . . كما اجمعت نتائج البحوث التي اجريت في الباكستان عن اسباب توالي الهزات الأرضية المؤسفة فيها مؤخرا.     
   و فيما تتسبب هزة ارضية عنيفة في تسونامي اليابان في تحطّم محطة نووية سلمية لا تُعرف حدود كوارثها اللاحقة بعد، في بلد متقدم و شعب متحضّر اشتهر بتفوقه التكنيكي و العلمي . . يتساءل كثيرون عن ماذا سيحصل في بلدان منطقتنا النفطية البركانية، ان امتلكت مفاعلات نووية للأغراض السلمية ـ دع عنك ما للأغراض العسكرية ـ في حالة حدوث هزة ارضية عنيفة تتسبب بحريق كما يصاحبها دائماً . . و مجتمعاتنا لاتزال تئن من الصراعات الدينية و الطائفية ؟ و من تفرّق الصف و الفساد صراع الكراسي و بعثرة عوائد النفط الخام ؟؟!
   فالتغطية على عيوب الأنظمة بالإدعاء الفارغ برغبة عدد من انظمة منطقتنا النفطية، بتحقيق قفزات تطورية سريعة و استقرار يخيف الأعداء، بالهروب نحو المفاعلات النووية، ليس فقط لم يعد ذا نفع لها، وانما صار مصدر مخاطر جسيمة لم يصل العلم الى تحديدها او تحديد عدد اجيالها المصابة بعد. في وقت صارت فيه دول نووية كبرى تهرب من المصادر النووية الى مصادر اخرى للطاقة، لايزال يتربع على عرشها النفط الخام و مشتقاته.       
و في وقت تستطيع فيه انظمتنا تحقيق الإستقرار لها بتوظيف ثروات بلدانها الهائلة التي تؤكد دساتير حكم كل دولنا ـ من التي فيها دساتير ـ  بأنها ملك شعوبها . . توظيفها بما يلبيّ مطالب شعوبها و شبابها، و لحل الإحتقانات الإجتماعية فيها، و اعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة و المشاريع النووية !   

16 / 3 / 2011 ، مهند البراك

142
  ديمقراطية الهراوات و ضرب النساء علناً !

                                                                                                       د. مهند البراك
   رغم ما شهدته البلاد طيلة الأسبوعين الماضيين و حتى الآن من تظاهرات سلمية متنوعة، جابت و تجوب أنحاء البلاد مطالبة بالإصلاح والتغيير والقضاء على الفساد المستشري في مفاصل الدولة . . التي ينظمها شباب من طلبة و اعلاميين و مثقفين مستقلين و تقدميين رجالاً و نساءً عبر مواقع التواصل الاجتماعي . . و تعكس باسلوب مدني حقيقة معاناة اوسع الأوساط الشعبية الكادحة و مطالبها العادلة المنصوص عليها دستورياً، والتي لم تحققها برامج حكومة رئيس الوزراء المالكي ، طيلة رئاسته الأولى (*) و استمرار مواصلته لرئاسته طيلة عام بعد انتهائها، ثم استمرار مواصلته الثانية التي ستستمر اربع سنوات . .
   و رغم كون التظاهرات سلمية و لم تستخدم عنفاً ما و لم تطالبه بالإستقالة، ولا باسقاط الحكومة، و رغم وصف العديد من الهيئات و الشخصيات العالمية، و عديد من الشخصيات السياسية العراقية لها، من داخل و خارج العملية السياسية، بكونها برهان على بدء نجاح الإسلوب الديمقراطي في حكم البلاد، من خلال النقد و احترام الرأي و تنفيذ مطالب الجماهير بعد دراستها، لتعديل و تصويب مسيرة الحكم .
   فإن التهيؤ للوقوف ضدها و مواجهته ايّاها من موقعه كرئيس وزراء بصلاحياته و اجهزته، التي بدأت بوصمها بكونها (من القاعدة و البعثيين) و تحذّر المواطنين من المشاركة فيها، مروراً بانواع الإعاقة و قطع الشوارع، ثم الهجوم على المتظاهرين بالضرب و الرصاص الحي و سقوط شهداء و جرحى، و البدء باعتقال و اختطاف و تعذيب بشع للمنظمين و البارزين فيها. . و وصلت في "جمعة الإصرار" الى ضرب النساء المشاركات علناً، بالهراوات . .  
   اضافة الى حزم غير متوقعة من اجراءات قمع و كمّ الأفواه الجماعي، وصلت حد غلق مقرات الحزب الشيوعي العراقي و حزب الأمة و صحيفة " طريق الشعب "، بالقوة المسلحة . . رغم انها من المشاركين الفعالين في العملية السياسية و العاملين على دعم الأصول الديمقراطية الليبرالية في الحياة السياسية و نبذ العنف . . مثيرة بذلك احتجاجات داخلية و لقوى ديمقراطية اقليمية و دولية، اضافة الى منظمة العفو الدولية، النقابات العمالية البريطانية . . و غيرها، وفق وكالات الأنباء .
و لم يترك ذلك الاّ انطباعات عند جماهير متزايدة، قد لم يدركها او يحسبها مالك السلطة الحالي، رغم وضوح ماهيّة اعمال و سلوك و الى اين تسير بالبلاد . . انطباعات توضّح بأنه يتّبع سياسة ترضية و مماطلة و وعود، و كونه  سائر على نهج اصرار على الزعامة بما فيها محاولة احتكارها و التطير من الإستهداف. اما القائه العهدة على القوانين، فهو رغم معقوليته الجزئية فيما يجري الآن، الاّ ان ذلك لا يمكن ان يعفيه من انه هو من ابرز قياديي العملية السياسية منذ بدايتها، و رئيس الوزراء و قائد العسكريتاريا منذ عام 2006 و الى الآن . . وانه لم يقدّم ارضية عملية من خلال تطبيقات تُقتدى لتفرض تعديل القوانين لصالح الشعب، الاّ بما يؤمن موقعه .
بل بالعكس فإنه واصل عملياً العمل بقوانين الدكتاتورية التي استندت الى " حالات الإستثناء " ، و امنت له شخصياً، سيطرة مكتبه على كل شئ في طريق معبّد بتلك القوانين ـ بعد تعديلاتها لتناسب المرحلة كما يرى ـ ، الأمر الذي يجعل العديد يفسرون طلبه بتفاعل الحكومة و البرلمان، بكونه محاولة لسيطرة الحكومة على البرلمان، بدل تقويته و اصلاح دوره على اساس توافق يتطوّر و ليس جامد، لتأمين  مسيرة تنجح للحكم . .
ناسيا ان الوقوف مع الشعب و اسناد الشعب للحكومة، هو الضمانة الأساسية لتقويته امام التدخلات الخارجية بانواعها . . و ان من بيده سلطة الدولة لا يُنتظر منه كلمات التشجيع و تطييب الخواطر فحسب، بل مطلوب منه الجلوس مع اصحاب المطالب و النقاش المباشر معهم و البدء بالعمل لأحقاق حقوقهم لأنه يمتلك سلطة الدولة في الفترة . . عملاً بروح الدستور الذي ساهم هو نفسه مساهمة فعّالة في صياغته .  
في وقت تزداد فيه تقديرات مسؤولين عسكريين أميركيين، بان القوات الأميركية ستظل في العراق حتى بعد انقضاء عام  2011 ، حيث يطرح عدد من كبار المسؤولين الأميركيين بينهم السفير الأميركي في العراق جيمس جيفري، في شهاداتهم عن الوضع في العراق في " كابيتول هيل" هذا الشهر، أن العراق لن يصبح في طي نسيان القوات الأميركية، و يطرحون للمرة الأولى إشارات تدل على أن الجيش الأميركي قد يمكث في العراق سنوات اخرى لضمان استقرار الأوضاع فيه بما يؤمّن مطالب شعبه و يرضيه للوقوف بوجه الإرهاب !
في وقت تؤثر فيه احتجاجات الشباب و انتفاضاتهم السلمية الشعبية في اوضاع دول المنطقة و انظمتها بما يؤمن لشعوبها حياة و معيشة افضل بعيداً عن لغة القمع و قعقعة السلاح . . الأمر الذي صار يغيّر من مواقف و سياسات القوى العظمى تجاه دولنا على تنوّع اوضاعها .

12 / 3 / 2011 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) رغم تحقيقها نجاح عسكري بالتعاون مع الصحوات و بدعم مباشر من القوات الأميركية، ادّت الى فترة من الأمان المؤقت آنذاك .   

143
تلاحم شبابنا الكفاحي رغم الطائفية و الفتن !
                              

د. مهند البراك
                        
ahmedlada@gmx.net

رغم انواع التطويق و اجراءات التخويف و منع سير الحافلات، و منع التجوّل في اماكن و سد الطرقات في اماكن اخرى، واجراءات متنوعة اخرى كدوريات مكبرات الصوت التي تحظر المشاركة و تهدد، و وصلت الى سحب هويات المارّة و غيرها . . لمنع و اعاقة المرور باتجاه ساحة التحرير في بغداد، لأفشال التجمع المعلن عنه فيها، و الذي تسبب بأعاقة اعداد هائلة من الوصول، و تسبب بتشظي التجمع حتى صار مظاهرات و تجمعات متفرقة في احياء عديدة من بغداد ـ دع عنك اعاقة و منع مساهمة شباب المحافظات من الوصول الى العاصمة بغداد ـ  .  . 
و رغم انواع القوات الخاصة بأصنافها، بخوذها الفولاذية و دروعها الآلية و الفردية التي احتشدت في سوح التجمع . . و رغم تهديدات رئيس الوزراء في كلمته التي القاها عشية انطلاق " يوم الغضب العراقي " و رغم فتاوي و تحذيرات اطلقها رجال دين . . بهدف الغاء او تأجيل الفعالية الجماهيرية التي تم الإعلان عنها و عن مكانها بوقت مبكر . .
   انطلق الشباب العراقي كطليعة و معه ابناء شعبنا بفئاته و اطيافه رجالاً و نساءً . . شيعة و سنّة، عرباً و كورداً و اقليات، مسلمين و مسيحيين و صابئة  و من كل من يكتوي بنيران البطالة و الجوع و مآسي الخدمات و الفساد الإداري، و من يكتوي بنتائج سياسة المحاصصة الجامدة . . في بلادنا الفائقة الثراء التي تتنازع على الإستثمار فيها كبريات الإحتكارات الدولية . 
و فيما كشف ذلك عن الفهم القاصر لمسؤولين كبار، لمفهوم الديمقراطية الذي يقوم اساساً على حق الشعب و الأفراد بالتعبير عن الرأي بكل حرية و هو حق مكفول دستورياً . . وفهمهم لها ـ في احسن الأوصاف ـ بكونها تبدأ و تنتهي بانتخاب الزعماء ـ و بعدها الله كريم و ما ننطيها ـ .
خرجت الجماهير العزلاء رغم الحصار و التخويف، مطالبة بالخبز و حرية الرأي و بشلّ الفساد و تقديم كبار الفاسدين و اللصوص الى القضاء، عاكسة انضباطاً سياسياً واعياً و يقظة عالية، عاملة  على شلّ و اخراج المجاميع التي حاولت الإندساس اليها لحرفها عن مطالبها، و المجاميع التي حاولت التستر بها لتخريب ابنية و مرافق الدولة (*) . في اثبات جديد على ان الجماهير المطالبة بالإصلاح . . قادرة على تشخيص الجهات التي تسعى لوأد مطاليبها المشروعة بدعوى كونها " سياسة " ؟! من جهة، و قادرة على تشخيص الجهات الساعية لتجيير احتجاجاتها لها في نشاطها ـ نشاط تلك الجهات ـ الذي يهدف الى استحواذها بمفردها على السلطة السياسية، من جهة اخرى . .   
و يرى سياسيون ان احتجاجات " يوم الغضب العراقي " السلمية جاءت امتدادا لتظاهرات سابقة في سنوات ماضية، حظت فيها بحماية اجهزة الدولة و كانت مقبولة منها . . فما الذي يجرى الآن ؟ هل لأنها كانت بأعداد قليلة في السابق ؟ هل لأنها كانت قد ضمّت شيوخا و كهولاً و قليلا من الشباب ؟ ام لأنّ الأمور الآن ازدادت سوءاً وانفضح الكثير الكثير الذي لم يعد يمكن اخفاؤه، و صار يمسّ قطّاعات اوسع و اوسع ممن صمتت طويلاً ولم يعد صمتها ممكناً، و قطاعات صارت تشعر بالذنب لأنها انتخبت و صوّتت، لحكومة هذا هو اداؤها، وفق محاصصة جامدة مقيتة  .
اداؤها الذي يؤدي بها الى مواجهة المحتجين بالعنف و القسر الحكوميين، و محاصرة المتظاهرين وأعتقال الصحفيين ومنع تغطية المظاهرات أعلاميا وأطلاق النار على المتظاهرين و التسبب بقتل وجرح المئات منهم . و القيام بحملة اعتقالات في بغداد وبعض المحافظات شملت عشرات الأشخاص ممن شاركوا بالمظاهرات بعد ان قامت وحدات استخبارية برصدهم .
من جانب آخر، و فيما دعى مسؤولون وسائل الإعلام إلى توعية الناس بخطورة التظاهر، مبدين استعداد الأجهزة الأمنية لحماية المتظاهرين. الاّ ان شيئاً من ذلك لم يحصل، حيث خرجت       المظاهرات ولم يحدث شيئاً مما نبّهوا منه، و لكن الذي حصل هو ان العشرات من المتظاهرين سقطوا بين قتيل وجريح برصاص الحكومة  ذاتها، بسبب تظاهرات الجمعة التي واجهتها الحكومة . . حيث اطلق الرصاص وخراطيم المياه وقنابل الغاز ثم اخليت الساحات باستخدام القوة مساء الجمعة . . من قبل افراد حكوميين .
إن الجماهير المغيّبة ان صارت تدرك بتجربتها المريرة و بمعاناتها المستمرة و رغم التركة الثقيلة للدكتاتورية الكريهة، و ما عمله ارهاب القاعدة و الميليشيات الطائفية، ان صارت تدرك من يحرّك الفتن الدينية و الطائفية و كيف يتم توقيتها . .   
فانها تدرك من هو المسؤول بالنتيجة النهائية عمّا يجري، بحكومة لم يستكمل تشكيلها لحد الآن، رغم مرور مايقارب عام كامل على اعلان نتائج انتخابات آذار من العام الماضي، يجمع رئيسها جميع السلطات العسكرية و الآمنية في البلاد، فاضافة لرئاسته للوزراء، فهو القائد العام للقوات المسلحة و وزير الدفاع و الداخلية و الأمن الوطني، رئيس الإستخبارات العسكرية وكالة، رئيس اجهزة امنية أخرى و يرأس حزب الدعوة الحاكم عملياً اليوم، اضافة لأرتباط الهيئات المستقلة برهن قيادته ـ النزاهة، الإنتخابات، الإتصالات و الإعلام و غيرها ـ .   
   واذا ما استهدفت الإحتجاجات السلمية اليوم المحافظين ـ الذين استقال عدد منهم اثرها ـ و استهدفت مجالس المحافظات و المجالس المحلية لألتصاقها بقضية الخدمات، و حرّكت البرلمان ـ المشغول بمخصصاته ـ لأعادة النظر بتلك المجالس و قانون انتخاباتها، و بآليات اعمالها التي يصرّ كثيرون بكونها نتيجة للفساد و للسرقات الكبيرة، افشلت واجبات ملفات الخدمات . . 
     فإنها وفي الأجواء المنعشة للإرادة الشعبية في التغيير التي تعم المنطقة . . و تسببت لحد الآن برحيل بن علي و مبارك و القذافي عن السلطة، و تستمر في ايران و البحرين و اليمن و الأردن، وفي حالة استمرار الأوضاع بسيرها المؤلم هذا في البلاد . . فانها قد تستهدف الحكومة سلمياً لاحقاً و تدعو لأستقالتها حفاظاً على البلاد من مخاطر تركّز السلطة و عودة حكم الدكتاتور الفرد بلبوس جديدة ! في وقت تنتزع فيه الإرادة الشعبية في منطقتنا اعتراف العالم !
فقد بدأ جدار الصمت يتحطّم !

27 / 2 / 2011 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) عدا ما قامت به مجموعة ارهابية في قضاء الحويجة .   

144
لماذا تسكت الدول الكبرى عن دكتاتورياتنا !
                     د. مهند البراك
                  ahmedlada@gmx.net

   تثير موجات الغضب و الهيجان الشعبي في دول منطقتنا التي ادّت الى ازاحة دكتاتوري تونس و مصر و عوائلهما عن الحكم و الى الكشف عن الأموال الفلكية التي بحوزتهما كعمولات و غيرها، و الى قيام انظمة عربية و اقليمية بالبدء باصلاحات جادة على طريق التقدم السياسي و الإجتماعي وفق ظروف و ملموسيات بلداننا . . ويعزو قسم تتالي ذلك، الى النموذج الملهم لأنتفاضة الشعب التونسي و نجاحها، حين واجه الشباب و الجماهير العزلاء اجهزة القمع المدججة السلاح، بقوة الكلمة و بالتضامن، اثر الشرارة التي اطلقها البو عزيزي فداءً لبديل افضل و لكرامة الإنسان . .
   على ارضية معاناة متزايدة و مهددة في بلداننا التي يشكّل الشباب الفاعل فيها اكثر من نصف سكّانها، تعاني غالبيتهم الكبرى الفقر و البطالة و الإهانة، رغم تشكيل المؤهلين ـ شابات و شبان ـ لنسب عالية منهم تختلف عمّا مضى، في زمان صارت الأنترنت فيه تلعب دور المثقّف و المعبئ السريع الفعّال، حتى صارت تتفوق على دور الأحزاب في سرعة نشر الوعي . . بعد ان عاشت شعوبنا و شبابنا جهلاً مطلقاً بحقائق ما كان يجري، و ما لايزال يجري . .
   و تنتشر اخبار المأساة الليبية اليوم لشعب ينتفض بمدنه و قبائله، على حكم طغى استبداده و عنفه و وصل الى حد قصف المظاهرات الشعبية المنادية بسقوطه، بالطائرات الحربية، غير مبالي باعداد القتلى و الجرحى و بكونهم مدنيين عزّل، و لاباماكن سكناهم و محال اعمالهم . . بل هدد بها منذ بداية احداث بنغازي و قدّرها علناً بانها ستتسبب بسقوط مئات الآلاف من الضحايا ان لم تتوقف !
   و فيما تتابع وكالات الأنباء العالمية و الإقليمية و الداخلية اخبار تلك المأساة، و تتساءل عن معنى تباطئ الدول الكبرى في لعب دورها المنتظر وفق سياساتها المعلنة في حقوق الإنسان و الديمقراطية ـ عدا ادوارها الخجولة مؤخراً ـ. تتكشف اسباب هامة عن دور نوعية عقود الشركات النفطية المتعددة الجنسيات لإستثمار النفط الليبي العالي الجودة الذي لايبعد سوى بضع عشرات من الكيلومترات عن اوروبا الصناعية، كونها عقود عقدت مباشرة مع القذافي شخصياً و مع ابنائه و افراد عائلته، و وفق تسميات رسمية لوظائف مسجلة بكونهم يشغلوها في اجهزة و دوائر الدولة الليبية القذافية.
ان خوف الشركات تلك من خساراتها جرّاء فقدان استثماراتها التي صارت تبلغ المليارات يجعل بعضها يسكت و ينتظر، و بعضها الأكبر استثماراً يمدّ العقيد الحاكم بالدعم المتنوع غير المعلن للحفاظ على استثماراتها الى انتهاء فترة تلك العقود (1) . فيما تشجع احتكارات متعددة الجنسية نفطية اخرى تسعى للنفط الليبي، تغيير نظام القذافي لإبرام عقود بشروط احدث (2) . 
   و فيما تلعب تلك الإحتكارات و مصالحها دوراً مهيمناً في صنع القرار في الدول الصناعية حيال ما يجري في ليبيا، فإن الصراعات بين منابر ممثلي تلك الإحتكارات في بلدانها ذاتها، التي تظهر للعلن كمواقف سياسية في برلماناتها المنتخبة . .
   تكشّف ان ثلث صادرات النفط الليبي تذهب الى ايطاليا، و تجهّز احتكارات متعددة الجنسية قائمة على ارضها، و ان احتكارات صنع اسلحة و وسائل قمع (الشغب) البريطانية ابرمت عقوداً بمليارات الدولارات مع دول الخليج ـ في مقدمتها البحرين ـ ، مصر مبارك، تونس بن علي، ليبيا القذافي، وبدأت حكومات تلك البلدان استلامها منذ ثلاثة شهور . .
و ان المبالغ الهائلة لتلك العقود، تجلب انتباه المراقبين الدوليين، لتناقضها الشديد مع السياسة المعلنة للحكومة البريطانية الداعية الى التمدن و الى بناء دول المؤسسات الديمقراطية في منطقتنا، و الى الحق في ابداء الرأي المعارض ـ راجع نشرة بي بي سي العربية ليوم امس ـ (3).     
   و يشير خبراء في الرأسمال و الأعمال و بناء الدولة الحديثة، الى مخاطر العقود العائلية تلك في الزمن الحاضر، كالتي كانت تتبعها الشركات الصناعية في مراحل تأريخية سابقة بنجاح لضمان ارباحها، لأنها  صارت تشكّل خطراً اكبر على المجتمعات النامية لتسويغها و تشجيعها قيام الدكتاتوريات الفردية فيها من جهة، و من جهة اخرى خطراً على الأطراف المتعاقدة ذاتها في زمان تجري الأحداث سريعاً فيه حيث ينمو الرأسمال و يعاد تشكيله و ينتقل بصورة اسرع، غير عابئ بالحدود . . زمان العولمة و الإنترنت و الموبايل ! 
واخيراً و لقرب الحدث . .
تحية ليوم الغضب العراقي السلمي في 25 شباط القادم . . . من اجل الخبز و العمل و الكرامة، من اجل حق الشابات و الشباب العراقي باطيافه القومية و الدينية و المذهبية بحياة افضل يستحقونها، و من اجل مكافحة الفساد و الكف عن المحاصصة المعيقة للديمقراطية !

23 / 2 / 2011 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   الذي هو سبب ارتفاع اسعار النفط الكبير الحالي .
2.   مذكّراً بمواقف الإحتكارات المتعددة الجنسيات من نظام صدام التي استمرت حتى بعد احتلال الكويت و تحريرها .
3.   علماً ان هذه الفضائح و مثيلاتها، رغم كشفها لسنوات متتالية و لمرّات عديدة، فإن تلك العقود تتواصل و لم تنقطع حتى الآن .     

145
ماذا احدثت ثورة الشباب في المنطقة ؟
                                                                      د. مهند البراك
                                                          ahmedlada@gmx.net

منذ بدء العولمة، حصلت تطورات عاصفة، غيّرت انظمة و سياسات اغلب دول العالم، عدا منطقتنا، التي واكبت انظمتها العواصف بتغييرات لم تمس جوهر ما، بقدر ما مسّت واجهات للحكم في سعي لتجميلها بمساحيق من سوق الخردوات . وعدا الحروب التي اجتاحت افغانستان و العراق و غيّرت انظمتها من الخارج، الاّ انها ادخلتها في عمليات مخاض، جلب لها جديداً و لكن باثمان باهضة هائلة ، فرغم ماتحقق في العراق باسقاط دكتاتوريته الرهيبة، الاّ ان قِيَمْ الدكتاتورية و شراهتها و استبدادها لاتزال تتحكم بشكل مؤسف، بعد اقتراب نهاية العام الثامن على سقوطها.
   و فيما بقيت انظمة منطقتنا صمّاء في مواجهة رياح التغيير، تصوّر البعض بأن تلك الرياح لم تصل بعد الى المنطقة، وصوّر حكّام أن " التغيير انطلق اساساً منَّا نحن العرب و الشرق اوسطيون ؟" فحكم مبارك في مصر مثلاً ظهر كما لو انه كان عتلة التغيير الديمقراطي و التمدني في المنطقة ! فأهم الإتفاقات و لقاءات القمة و التغيير عقدت برعايته و دوره، مع التعتيم على اخبار معاناة شعب مصر الكادح بشبيبته و نسائه و مثقفيه، رغم كفاحهم الصعب الذي يخوضونه . .
   حيث لم يأتَ انطلاق ثورة الشباب المصري في 25 يناير من فراغ، بل شكّل امتداداً وتواصلاً لأشكال النضالات الشعبية و العمالية و الطلابية، و لكن بلغة الفيسبوك هذه المرة التي كانت شرارة  التغيير في الشقيقة الكبرى مصر بعد ان كانت البداية في تونس . .      
و يرى فيها محللون بكونها ثمرة المد الإعلامي وتكنولوجيا المعلومات التي أتاحت انتقال الخبر والرأي بسهولة وزخم لم يُعهدا من قبل، و جعلت من التغيير شأنا داخليا ينبع من الشعب، و ليس مفروضاً عليه من فوق كما حدث في العراق حيث الديمقراطية لا تزال " محدودة جداً "(1) في أحسن الأوصاف في وقت بدأت فيه عروش وكراسي الحكم ليس في المنطقة فحسب، و انما في العالم أجمع . . بدأت تهتز بفعل تدفق المعلومات الحديث من الفيسبوك إلى الهاتف المحمول.
ومن جهة اخرى، فإذا كان سقوط مبارك قد لا يعني دخول مصر عهد الديمقراطية بالكامل، فإن الحراك و الدينامية التي جاءت اثره، تمخضت عن موجة احتجاجات لشعوب المنطقة على انظمتها بسبب الفقر و الفساد و من اجل حرية الرأي . . يبدو انها لا رجعة عنها، للأسباب المذكورة آنفاً و لتداعي نماذج الدول التي لم تعد تصلح للتعاطي و التفاعل مع حياة اليوم المتسارعة و قوانينها التي تصاغ مجدداً .  
و اثبت مسار الأحداث في مصر على ان دول الغرب قد توصلت الى أن زمن دعم الطغاة حرصا على استقرار جامد و ليس ديناميكي . . قد ولى . و ان عليها ان تتعايش في عالم اخذت تجتاح شعوبه الحرية ، و السعي لتتحكم بمواردها بما يحقق رخاء لها، الأمر الذي قد يصل بتلك الدول من جانبها ان تقبل بجعلها شريكة لا تابعة . . مع ما يترتب عن ذلك من متاعب و صعوبات، منها عدم استعدادها لدعم من دعمته يوماً و لم يعد صالحاً بنظر شعبه في لحظة حرجة ما !
و يرى خبراء بأنه فيما تسير الأمور في مصر في اخراج يعكس تضامن الجيش مع الشعب ، وفيما يناشدون بعدم خذلان الشعب بالضغط على المؤسسة العسكرية حتى تفي بما تعهدت به من تسليم الحكم إلى المدنيين. فانهم يذكّرون المحتجين بضرورة التفكير في تحويل شعاراتهم ومطالبهم إلى برامج ملموسة تؤطرها أحزاب، خاصة وان السلطة القائمة أن عجزت او انهارت بتأثير الشارع ، لا يعني بالضرورة أنها ستسقط في يد من يستحقها .
من جهة اخرى، يجمع الكثيرون على ان أهم دروس ثورة الشباب في يناير، ان التغيير الذي حصل و الجدير بالإقتداء، بكونه لم يتم بقوة السلاح . . في اثبات يعكس ان الرئيس اوباما تخطى اساليب بوش الإبن ـ بلير، اللذين حملا الديمقراطية إلى العراق على متن الدبابات، فيما تغاضيا في الوقت نفسه عن انتهاك حقوق الإنسان في مصرِ صديقهما المقرّب مبارك (!) .
من ناحية اخرى تشير وكالات انباء الى ان انتقاد توني بلير للرئيس اوباما بسبب الخطاب الذي ألقاه في القاهرة في حزيران عام 2009   بدعوى أنه يهادن الإسلام السياسي في مصر، لم يعد في محلّه لأنه " بتخلصه من العجرفة الأمريكية، استطاع تغيير الموقف الشعبي في مصر تجاه الولايات المتحدة، وسهّل على حركة المواطنين إمكانية ان تظهر بصفتها تعبيرا عن الاعتزاز الوطني و القومي، وليس تظاهرة مناهضة للغرب. " (2)
و تشير الى ان تجذّر مفهوم الديمقراطية من الأسفل في المنطقة، وليس عبر فوهة البنادق كما حدث في حرب العراق، سيسرّع وتيرة جهود السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين للوصول إلى اتفاق بشأن حل قيام دولتين كتسوية لا رجعة عنها . .

17 / 2 / 2011 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   بالقياس الى الواقع و الى حاجات تنفيذ البرامج الرسمية المطروحة من قبل مسؤولي الدولة و الكتل المتنفذة .
2.   راجع صحيفة الإندبندنت البريطانية ، افتتاحية عدد 13 شباط 2011 .

146
مصر يناير: من الفتنة الدينية الى التلاحم الكفاحي !

                                                                                       د. مهند البراك
                                                                                  ahmedlada@gmx.net

   فيما تتابع الجماهير العريضة أنباء سقوط الدكتاتور مبارك بعد اعتصامات و تجمعات الشبيبة المصرية طلاباً و طالبات، عمالاً و كسبة، وبمشاركة وجوه المجتمع الفكرية و الثقافية والسياسية و النقابية رجالاً و نساءً، اسلاماً و مسيحيين قبطيين ومن كل الوان الطيف المصري . . و تعيش و تشاهد التلاحم الذي لم يعد يقتصر على الشعارات الهاتفة عالياً : عاش تلاحم الهلال مع الصليب . . و انما التلاحم المصيري بين المسيحيين الأقباط و المسلمين، في ساحة الكفاح و مواجهة ألإستبداد . .
   نسيت اوساط و اندهشت اخرى و هي تلاحظ تآخي الشعب المصري بكادحيه ومثقفيه، بعسكرييه  و مدنييه من اجل الخبز و الكرامة، الديمقراطية و حرية الرأي ، وفي مواجهة قوى مباحث امن الدولة المخيفة و عناصر الأمن الخاص و المخبرين، الذين تسببوا بقتل المئات و جرح الآلاف . .
و مواجهة : عناصر مكافحة الشغب ـ الذين أرغموا حينها على الاختفاء من شوارع القاهرة ـ ، عصابات المخدرات المأجورة و جيش النهّابين و القتلة و المجرمين المحترفين، و "البلطجية" المأتمرين بشكل مباشر بأوامر وزارة الداخلية، الذين كانوا يهاجمون ليلا المعتصمين في ميدان التحرير، وشكّلوا جزءا من اسلحة الدكتاتور وهيكل دولته . .
   ففيما تنسى و تندهش أوساط من ذلك التلاحم بعد ان ساد مناخ الفتن الدينية الخطير في البلاد، و ترددت اصداؤه في العالم ـ كما في مذبحة كنيسة " سيدة النجاة " في بغداد ـ . . ترى اوساط خبيرة، ان الشعب المصري الكادح ككل الشعوب العربية و شعوب المنطقة، لاتزال على تلاحمها المعروفة به اثناء سنوات الكفاح الوطني ضد الإستعمار و في معارك الحريات المستمرة الى الآن، حيث في تلك المعارك يجري تقرير مصير و حياة الجميع، الذين لابد ان يتوحّدوا لأجل انتصار قضيتهم المشتركة . . بل ان الشعب المصري قفز على (الأحزاب الأنيقة) و (احزاب الصالونات) التي ليس لها اسس شعبية . . و تخطى اختلافات سياسيي المكاتب البعيدين بتنظيراتهم و غنائمهم عن حقيقة مآسي الشارع و حاجاته و آمانيه، البعيدين عن مكامن آلامه و افراحه و احلامه المشروعة، برجاله و نسائه.
   و ترى في ذلك اثبات جديد على ان الفتن الدينية و الطائفية يُخطّطٌ لها للتنفيذ، من جهات مستفيدة متنفذة عليا داخلية و خارجية . . لتفتيت الشعب و حرف صراعه عن مجراه الطبيعي السائر على درب مواجهة المُستغَلّين للمستغِليّن، كما يجري في كل العالم . . حرفه الى صراعات في متاهات و مجارٍ بعيدة عن حقوقه، لا تفتت الاّ المعارضة ولا يستفيد منها الاّ تلك الجهات .
و تتناقل مصادر متنوعة اخباراً تفيد بان الهجمات المتتابعة التي تعرض لها المسيحيون الأقباط وكنائسهم في الشهور التي سبقت اندلاع احتجاجات يناير، و خلقت مناخات خطيرة للفتنة الدينية. . بكونها شابهت الى حد كبير اساليب، توقيتات و آليات الهجوم على الجماهير في الإحتجاجات و المظاهرات و المواجهات التي اتسعت و انتهت بسقوط طاغية مصر. الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة تفيد، هل أن مرتكبي جرائم تلك الفتن الدينية الذين اختفوا من مسرح الأحداث حينها، انشغلوا بسبب تنفيذهم مهمات عنفية لمواجهة ثورة يناير السلمية ؟!
و هل هي ياترى من صنع اجهزة الرئيس السابق مبارك (1)، الذي اتّبع نهج غض النظر و كأن تلك الأمور لاتعنيه، بقدر ما كان يعنيه تطبيق بنود ( الديمقراطية و بنود الدستور )، لإجراء تغيّر (دستوري قانوني هادئ) يبعده عن طائلة التحقيق في جرائم الإختلاس و الفساد الإداري و تكوين اوليغارشية عائلية حاكمة عاشت و تعيش على قوت الشعب الجائع، التي لابد و ان يُكشف النقاب عن حقائقها الرهيبة، بعد ان رحل مبارك عن السلطة . .
   في ظروف تشهد فيها مصر صراعات حادة بين احتكارات دولية متعددة الجنسية : تكنولوجية صناعية، واحتكارات نفطية مالية اسلامية و اخرى اسرائيلية غربية و غيرها . . تركت و تترك اثارها الواضحة على تذبذب مواقف الإدارة الأميركية و تباين مواقف دول الغرب الليبرالي و عدد من دول المنطقة من ثورة الشباب السلمية . .
التي واصلت تصاعدها و توسعها ولم تقتصر على اعتصام و تظاهرات ميدان التحرير في القاهرة، بل انها توسعت بتواصل الى اهم المدن و المراكز المصرية وخاصة الإسماعيلية و بور سعيد و السويس و قنا و اخيراً حلوان و المحلة الكبرى الصناعيتين، و وصلت حد تهديد عمال و منتسبي قناة السويس بالإضراب الكامل الذي كان سيشلّها بالكامل . . و تطورت الى صدامات عنيفة متواصلة مع قوى الأمن التي حاولت ان تبقى بعيداً عن الكاميرات . .
و فيما داست ثورة الشباب السلمية على الفتن الدينية، لايزال السؤال قائماً حول هل سيكون هذا التلاحم اساساً لبدء وحدة معارضة مبارك الشبابية و الديمقراطية المصرية باطرافها الأكثر اخلاصاً وثباتاً لقضية الحريات و العدالة الإجتماعية بعد تنحي الدكتاتور . . لتكون قادرة على تواصل تعبئة الشارع المصري بشكل موحّد، للإتيان ببديل ملموس للدكتاتورية يستطيع تغيير الهياكل الأساسية الداخلية القائمة رغم انهيار بعضها، في ظل وجود صراع الإحتكارات العالية التأثير المارة الذكر . . بعيداً عن احتمالات تمسك  المجلس العسكري بالسلطة التي تنازل عنها مبارك له، و عن احتمالات تواصل سريان أحكام الطوارئ و تواصل العمل ؟!

11 / 2 / 2011 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   تشير وكالات انباء اقليمية و دولية نقلاً عن مصادر بريطانية، الى مسؤولية وزير الداخلية المقال حبيب العادلي، عن تشكيل جهاز خاص سري يديره 22 ضابطاً، وفي عداده افراد من جماعات اسلامية متطرفة، تجار مخدرات، فرق امنية، مجرمين خطرين عاديين . . للقيام باعمال تخريبية عند حاجة السلطة اليها، وان الجهاز هو المسؤول عن تفجير " كنيسة القديسين " ليلة رأس السنة في الإسكندرية .    


147
دولة المؤسسات كطريق للدكتاتورية ايضاً !!

د. مهند البراك                        
ahmedlada@gmx.net

فيما ناضلت و تناضل شعوبنا العربية و شعوب المنطقة بنسائها و رجالها وبكل اطيافها القومية و ومكوّناتها، من اجل الديمقراطية و الرفاه الإجتماعي و حقوق أوسع الأوساط الكادحة، وقدّمت لذلك مالايعد و لايحصى من التضحيات. ظهر مصطلح " دولة المؤسسات " كهدف سياسي و آليات ملموسة لتحقيق دولة تمثّل مصالح و تطلعات اوسع اوساط الشعب، تقوم على اساس التبادل السلمي للسلطة عن طريق الإنتخابات و البرلمان . . كبديل للدكتاتورية . 
   سقط نظامي رئيسي دولتين عربييتين كانتا تعتبران الى وقت قصير نسبياً بكونهما في طليعة "دول المؤسسات" العربية . . من خلال اعمال احتجاج و تجمعات سلمية لم تتجاوز اسابيع واجهت فيها الجماهير العزلاء بشجاعة، محاولات الترويع و الأعمال المسلّحة لأزلام و مجاميع الدكتاتور الحاكم . . بعد ان تحوّل الرئيس السابق في تونس، بن علي الى دكتاتور ينتخب دورياً و يفوز بـ 99.9 % بمختلف وسائل القمع و التغييب و التزييف، وبعد ان صار و زوجته ليلى بن علي وعائلتيهما و متنفذي حزبه اكبر اثرياء تونس الخضراء، بسرقاتهم الهائلة لقوت الشعب بأنواع الطرق و الحيل القانونية و غيرها . .  فيما يعاني الشعب من تزايد الفقر و البطالة و تزايد سياسة كمّ الأفواه و الإعتقال الكيفي .
   و بعد ان صارت مؤسسات الدولة البرلمانية ستاراً لأمرار تلك العمليات اللصوصية من جهة، و صارت الوسيلة الأساسية لقيام نظام دكتاتوري مخيف، بالقفز على مواد في الدستور و تعليق مواد أخرى بانتظار التعديل ! حتى فقدت الغاية الأساسية من قيام دولة المؤسسات و انتخاباتها التي اصبحت و كأنها وسيلة لتثبيت الدكتاتورية مدى الحياة على اساس (الإنتخابات) . .
   ليمتد الشرر الى شباب و شعب مصر الذي عرف بمحاولاته المتكررة لمنع افراغ المؤسسات الدستورية من مضامينها الحقيقية و تحويلها الى مؤسسات للدكتاتورية مقدماً انواع القرابين و التضحيات . . واذا ما ناضلت الأحزاب و النقابات المصرية المعارضة نضالاً لم يعرف الكلل و تلّقت جرّاء ذلك انواع الضربات المؤلمة و الغلق و التغريم ثم الإغتيالات و الإعتقالات العشوائية، اضافة الى التخيير بين انواع الإمتيازات و التهديد لتقفل فمها . . تتواصل اجيال شبابية جديدة بنضالات ادهشت و تدهش العالم، لأنها لاتنتمي لأحزاب بعينها لوحدها ولالبنائها و اساليبها حصراً . . وانما تنتمي لمطاليبها العادلة من اجل الخبز و حرية التعبير و الكرامة، بثقافتها و معارفها و من الإنترنت و الفيسبوك (1) .
   وفيما سقط نظامي رئيسين دكتاتوريين لدولتين عربيتين مؤسساتيّين (برلمانيتين) حتى الآن . . . لاتزال الأسئلة مفتوحة فيهما عن الآفاق و عن امكانية و كيفية تحقيق الإصلاحات اللاحقة، وعن طبيعة و مديات الإتفاقيات السرية بين الدكتاتورين المنهارين و بين شركات و كيانات متعددة الجنسية لها تأثيرها الكبير في حياة البلاد، والتي من جهتها مكنتهما و عائلاتهما عن طريق عمولات ـ الكومشن ـ و الإختلاس و الفساد الإداري . . من اكتناز مليارات العملات الصعبة من الأموال المنقولة و غير المنقولة (2)، و مقابل ماذا ؟
   اما في عراقنا السائر على طريق بناء دولته الجديدة على اساس المؤسسات القائمة على انتخابات وفق دستور! فاضافة الى ضحايا الإرهاب و صراع الميليشيات الطائفية السنيّة و الشيعية، و التمييز الديني و الضغوط المتنوعة الضحايا التي وصلت حد القتل الجماعي على الهوية الدينية و الإنتماء الى القوميات الصغيرة، ـ كالمسيحيين و الصابئة ـ الناتج عن نهج المحاصصة الطائفية و عن التواصل المؤسف لعقلية الفكر الشمولي المستبد الموروث من الدكتاتورية البائدة، في بلد عاشها و اكتوى بها لأربعة عقود مضت . .
تعيش اوسع الأوساط و اكثرها فقراً، المعاناة المتنوعة بسبب البطالة و الفقر، مقابل الإثراء الخيالي لمتنفذين  . . وتعاني الكثرة الكبيرة من مشاكل البطاقة التموينية و انقطاع الكهرباء و الماء، و وسائل الصرف الصحي وغيرها . .
   واضافة الى الخللات الجدية في قانون الإنتخابات ثم نتائجها و الصراع المستميت للأطراف المتنفذة، على مقاعد الحكم و عائداته المالية الهائلة، دون الإهتمام الجاد بمعالجة مشاكل اوسع الأوساط الشعبية . . فإن الوزارة الجديدة و خاصة حقائب الداخلية، الأمن والدفاع، لاتزال شاغرة و بيد رئيس الوزراء بأعتباره القائد العام للقوات المسلحة، رغم ان البدء بتكوين الحكومة الجديدة على اساس نتائج انتخابات آذار العام الماضي مستمر و لم يكتمل تشكيلها حتى الآن . . اضافة الى سعي رئيس الوزراء الحثيث لجعل الهيئات المستقلة، اساس  مشروعية دولة المؤسسات الديمقراطية : هيئة النزاهة، المفوضية العليا للإنتخابات، هيئة الإعلام والإتصالات ، اضافة الى محافظ البنك المركزي . . . سعيه لجعلها عائدة لسلطته.
في تكريس يصعب تبريره، ولا يؤدي الاّ الى قيام الحكم الفردي مجدداً، الذي يحمل مخاطر الدكتاتورية الشمولية الشوفينية على اساس الطائفية، التي تشكّل اضافة لمخاطرها المجَرّبة في البلاد، خطراً حقيقياً على النظام الفدرالي المقرًّر في الدستور . . حيث اضافة الى تزعم حزب الدعوة الحكم في الواقع العملي، فان نتائج عمله بانواع الوسائل ـ منها تزعمه للكتلة البرلمانية الشيعية عملياً ـ يجعل منه و كأنه القائد و الناطق الوحيد للأحزاب و القوى (الشيعية) وبالتالي و كأنه القائد الوحيد للمذهب الشيعي في تجسيد حيّ للإسلام السياسي الطائفي، وفق مصادر وكالات انباء متعددة. . . الأمر الذي تحذّر منه المرجعية الشيعية العليا لآية الله السيستاني و وكلائها و ناطقيها .
ولأن كل ذلك يأتي في سياق قرارات و اجراءات تقيّد الحريات الفردية و تدوس على حقوق المرأة . . كالتشديد على الحجاب في دوائر و مؤسسات الدولة و فصل تلاميذ المدارس عن التلميذات و اجبارهن بسنهن الصغيرة على غطاء الرأس، و الضغوط اللامعقولة في فصل الطلاب عن الطالبات في الجامعات و خاصة في معاهد و مؤسسات الفنون، و التضييق و الغاء فروع فيها كالموسيقى و الغناء، وازالة التمائيل الجميلة في مؤسساتها الفنية بدعوى منافاتها للدين، و الضغوط و منع النوادي العائلية الإجتماعية، و منع الخمور المهدد بطغيان المخدرات، بدعوى الحفاظ على الأخلاق . . بقرارات مجالس الحكم المحلية .
   الاّ ان ما اخذ يعزز تلك المخاطر، هو التصدي بالتهديد و القوة للمظاهرات المطالبة بالكهرباء في الناصرية و البصرة في الصيف الفائت و في الأن الحاضر، الذي استمر و وصل الى حد اطلاق الشرطة و الميليشيات الطائفية النار على مظاهرات الحمزة و الديوانية و ادىّ الى سقوط عدد من القتلى و الجرحى . . في خرق كبير للدستور الذي اكّد في مواده على ضمان الحريات الفردية و حقوق الإنسان . . الأمر الذي اخذ يتسبب بخروج مظاهرات احتجاجية متزايدة للآلاف في بغداد، منها مظاهرة المثقفين و الطلبة و الكسبة المنطلقة من شارع المتنبي الى مقر الحكومة في المنطقة الخضراء، اضافة الى تظاهرات الكريعات و الأعظمية .


6 . 2 . 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   انها من نوع الحركات الشعبية التي تشكلت من وفود و جماعات شباب و شابات من دول متعددة فاجأت العالم حين اطلقت اولى الفعاليات الغاضبة لشبيبة العالم باعداد ناهزت المئة الف لإعاقة عقد مؤتمر التجارة العالمي في سياتل في الولايات المتحدة الأميركية عام 1999 و ادّت الى ان يعقد بحمايات عسكرية برية ـ مشاة وآليات و دروع ـ و جوية كبيرة . . و يصف خبراء تلك الحركات الشعبية بكونها نتاج شعبي حتمي لسياسات العولمة الرأسمالية و الحروب و الفساد، وتضم شرائح شبابية متعلمة واعضاء اتحادات عمالية و طلابية و نسائية ومهنية، نشطاء منظمات حقوق الإنسان، و جماعات دينية متنورة . . تحتج على السلطات الواسعة الممنوحة لمؤتمر التجارة العالمي لتغيير العالم على اساس " العولمة على حساب الديمقراطية ". يقول المحتجون فيها، إن اتفاقات المنظمة تلغي القوانين التي تحمي الصحة وحقوق الإنسان والبيئة في الدول الأعضاء فيها، ويثيرون استفسارات و قلقاً مشروعاً من أن الخلافات تعالج في الخفاء بعيداً عن النشر، حيث تقول جماعات مقاومي الحرب إن النفقات العسكرية لا تطبق عليها قواعد منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي يزيد من الأسلحة في الدول النامية، في الوقت الذي لاتساعد مقررات المنظمة الدول النامية على إنتاج الأدوية التي تكافح مرض الإيدز . .
2.   تقدّر ثروة الرئيس مبارك وفق : صحيفة الغارديان البريطانية، اذاعة أي بي سي ، منظمة الشفافية الدولية، مؤسسة دويتشة فيله الألمانية بحدود 40 ـ 70 مليار دولار، اضافة الى عقارات ثمينة وفيلات كبيرة و غير ذلك في اغلب العواصم الأوربية.



148
" التفكير الجديد " . . و وثائق ويكيليكس
ـ 3 ـ  
 
د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

و بعد ان اختلطت اسباب و نتائج تغيّر القطبية الثنائية العالمية، بما حققته و تحققه الثورة التكنولوجية المعلوماتية في العالم . . و تسبب كل ذلك بفوضى و تراكض على المغانم اليومية دون النظر الى الآفاق، و تسبب بتخبّط بين اوساط واسعة . . منها تقدمية و انسانية، يسارية و عمّالية و ديمقراطية متنوعة  . .
اخذ يظهر تدريجياً و جلياً و لأوساط لم تصدّق ابتداءً . . ان الذي يسود العالم الجديد هو منطق القوة، برايات (الديمقراطية) التي تلائم الحاجات المستجدة . . و الذي يمارس العنف بلا حياء حين يتطلّب الأمر، و ابتدأ بالإنقلاب العسكري الذي نفذته السي.آي. أي في بنما مطلع عام 1990 واقتادت الرئيس المخلوع مكبّلاً الى الولايات المتحدة لمحاكمته، بعد قيامها بإنزال جويّ على قصره . .
و بدا يظهر ان التغيير في العالم تقوم به اقطاب متوحّشة (1) توظف شعاراتها البراّقة لتحقيق اطماعها في الظروف الجديدة المتسمة بالتخبطّ، و تسعى الى ادامة ذلك التخبّط الفكري و تعمل على تعميقه بالسير على وقع سكّته، في محاولة منها للعودة بالوعي الى وضع يشبّهه قسم و كأنه عودة الى حالة الوعي في عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى، اي قبل ظهور و قيام نظام اقتصادي ـ سياسي قام على آليات مناقضة للرأسمالية، اثر انتصار ثورة اكتوبر في روسيا عام 1917 .  
في عملية كبيرة معقدة تراهن على الإعلام و على العنف المستتر به، و تعمل على انشاء مناخ تقوم فيه منظمات و احزاب تناسب الواقع و المصالح الجديدة لتسويغها كبديل للمنظمات و الأحزاب التحررية و العمالية و الإشتراكية المجربة الساعية للتجديد ـ على اساس : الضخ الإعلامي بانتفاء الحاجة اليها، و صرف الملايين ـ  مستغلة تلكؤ الأخيرة كما مرّ، فالزمان لايرحم.
و قد اوجز ذلك توضيح كوندوليزا رايس اواسط  2002 حول فضائية الجزيرة و غضّ الإدارة الأميركية النظر عن نشرها لبيانات القاعدة الإرهابية، عبّرت فيه بانهم لاينفعلون من المقابل و لكنها فرصة لمتابعته ؟! و ( لتأكيد ديمقراطيتنا التي تتطلب الحاجة لمعرفة رأي المقابل و تطورات فكره) على حد تعبيرها. بعد ان عرفوا ـ او خططوا بنظر قسم ـ ان منعها يضرّهم اكثر مما ينفعهم في المناخ الساعين لبنائه . . من خلال اعلام يستفز اعلام مقابل على اساس (الرأي و الرأي الآخر)، و رصدت له ملايين فلكية من الدولارات.  
و يرى متخصصون بأن الإحتكارات تسعى لأستقراء الذهنية الجديدة التي تنشأ اثر التحولات العالمية الكبرى، مستندة في كثير من سعيها ذلك، على منهج كارل ماركس على حد وصف السناتور زبينغو بيرجينسكي (2) . . في مختبرات و نوادي الخيال العلمي التي تطورت الى معاهد و مؤسسات بحث و دور ثقافة و نشر، كتب و روايات و افلام . . . منها و على سبيل المثال ما تعبّر عنها روايات و افلام الخيال العلمي "الساينس ـ فكشن " science  – fiction  . . !! و غيرها .
فالمعاهد و المختبرات الستراتيجية لم تتكون عبثاً . . و لم يأت كلام السناتور جيمس بيكر(3) الى طارق عزيز في تشرين 1990 من فراغ او رجماً بالغيب، حين هدد بعودة العراق الى ما قبل عصر الصناعة ان لم تعيد الدكتاتورية النظر بسياستها الحربية الإقليمية . . و لا تصريحات وزيرة خارجية الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون، مادلين اولبرايت عام 1997 ، التي عبّرت فيها عن مجئ فترة دموية و اكثر وحشية على العراق من حالة الحصار، ان لم تكف الدكتاتورية عن مشاريعها العسكرية. . و ذلك ماحصل و يحصل . .
و من هنا تدرك الإحتكارات العالمية الدور الهائل للإعلام في حرف و تعمية الوعي بما يخدم مخططاتها، و للهبوط بقدرة الجماهير على استيعاب مايجري لشلّها عن لعب دورها . . ومن هنا حاجتها الى جيوش الكتاب و الصحفيين و آلاف القنوات الفضائية، و الى الأنترنت بعد ان ازدادت الحاجة اليها كما مرّ ـ و فتحت كمّاً كبيراً من الأسرار ـ و سط نشرها و انتشار كمّ هائل من الإعلام الهابط و افلام البورنو الجنسية الرخيصة . . لتساهم مع درجات الوعي المتأخر في توسيع هوة الضياع، و ليتلقف ذلك الوعي المتأخر، استمرار التنظيرات و التحشيدات الفكرية القائمة على نبش الماضي و على البحث عن ثغرات و عثرات و خسائر و ثارات من قرون سحيقة، ليعاد بنائها في بثّ و تصعيد الفتن الدينية و الطائفية و العرقية الداخلية بمنطق ( استعادة الحقوق في ظل الديمقراطية الجديدة ).
   من جانب آخر، وفيما يرى كثير من المراقبين بأن فضائح الفساد الإداري و استغلال النفوذ و مواقع السلطة في واقع اليوم، صار و كأنها لاقيمة لها، فالجميع باقون على كراسيهم رغم الفضائح، الاّ من حانت ساعته لتبييض الواجهة مجدداً . . قد جعل من تلك الفضائح لأن تكون ذات قيمة اقل بكثير مما لو انكشفت في ما وصف بـ (مرحلة الحرب الباردة) . كدليل على ان سلطة القرار في البلدان الستراتيجية يحددها سير و نتائج صراع القوى المتحكمة (دولية، اقليمية، و دولية ـ اقليمية متشاركة) التي تتقبل من جهتها تسرب الفضائح كامر واقع لابد منه، لأن اسكاته يثير ضجة اكبر ولاينهي التسرب من جهة ، ولأن القوى المتحكمة لايهمها ذلك، مادام مايجري يحقق لها مصالحها، كاعتراف الرئيس السابق جورج بوش الأبن بحق الشعب بمقاومة الإحتلال؟! و هو يقود الأحتلال !!
و فيما برهنت محاولات غلق موقع ويكيليكس، بكونها تهدد بظهور مواقع و مواقع جديدة و اخرى لايمكن بسهولة تحديدها في زمان الأنترنت، في برهان منظور على بعضٍ من المديات التي وصلت اليها الثورة العلمية التكنيكية المعلوماتية . . . و صار يشكّل مؤشراً لأزمة من الأزمات المتواصلة للرأسمالية ـ وفق قانونها لتحقيق اعلى الأرباح ـ في زمن العولمة و الإتصالات، و حافزاً لتكوين آليات اعلى جديدة تسعى لأسكاته لبرهة زمنية فقط . . حيث ستتكون آليات اخرى مواجهة للجديدة من طراز " ويكيليكس " و بآليات أعلى ايضاً و بأسماء جديدة (4).
و رغم كل مايقال عن " وثائق ويكيليكس" . . الاّ انها كشفت زيف ( الشفافية ) و كشفت استمرار العمل بـ " نظرية المؤامرة "، و يرى سياسيون أنه بالرغم من ان الوثائق تضمّنت معلومات هامة كشفت كثير من المستور في فهم ماهية المرحلة التأريخية التي نعيشها، الاّ انها بنفس الوقت جاءت متأخرة عن زمان التهاب الحدث و امكان التأثير فيه . . اضافة الى ان الإعلان عن نشرها الكترونياً ثم اعلامياً، قبل فترة زمنية ليست قصيرة  لأهداف تخص القائمين على الموقع، و لما تطلبته الصحف العالمية (5) لتقدير صحة نشرها و استعدادها لتحمّل مسؤولية النشر . . قد فسح المجال لأن توظفها اهداف و عمليات متنوعة تقوم بها احتكارات و مؤسسات و هيئات حكومية عليا لتسويغ مراميها من خلال الشطب الفني لفقرات منها . . و لسرعة تتالي الأحداث في عالم العولمة و الإنترنت الجديد .
   في وقت جرّت فيه وثائق ويكيليكس العالم الى نقاشات جادة حول حقوق الملكية الفكرية، و ضرورة اعادة النظر بالقوانين المنظّمة لها ـ التي لاتزال غائبة في عالمنا الشرق اوسطي ـ ، و ادّت الى اطلاق وزير العدل الأميركي ايريك هولدر الملاحقات القانونية الأميركية بما يخص الملكية الفكرية على كل العالم بغض النظر عن الجنسية و البلد، كما نشر موقع وزارة العدل الأميركية .  
   و تشير اوساط سياسية و فكرية وشعبية واسعة، الى ان عالمنا الجديد، يشهد تزايد الصراع بين الفقراء و المحرومين من جهة و بين الإحتكارات الكبرى و حلفائها من الأغنياء و المافيات و الميليشيات، وان الصراعات صار مداها اوسع من حصرها و تحديدها بتعبير " الصراع الطبقي بالمفهوم الكلاسيكي السابق" كما تقدّم، بعد ان صار الصراع الطبقي يأخذ ابعاداً و تجليات اكبر مما مضى، بتوسع ضحاياه و توسع طابعه الإجتماعي . . و بجرّه اوساطٍ عديدة متزايدة اليه، من كفاءات و ثقافات و معتقدات شخصية متنوعة، و من شتى القوميات والأديان و المذاهب و الطوائف. .  
الذي يتطلب اعادة بناء آلية حديثة لـ " تفكير جديد " على اساس منهج المفهوم المادي و الإنساني و الحاجات الإنسانية، و كمحصلة لكل العوامل الفاعلة التي صارت تمسّ ما كان يعتبر اسساً لاتقبل الجدل، في عالم اليوم و مخفياته التي صارت تتكشف اكثر لأوساط اوسع يوما بعد آخر. فالتاريخ مستمر و لم ينتهِ . . على اساس نضال الطبقات المسحوقة ضد استغلال قوة عملها العضلي و الفكري. و تبقى الجماهير تصنع التأريخ بآليات اكثر تنوعاً، رغم التغييب و تلاعب الأقطاب و الإحتكارات الكبرى باستخدامها آليات متطورة، التي يمكن ان تكون بيد القوى التحررية ذاتها . . او بيد من ينشد الحقيقة على طريق العدالة الإجتماعية، كما يحصل في نشر وثائق ويكيليكس .
" تفكير جديد " يقوم على اساس زيادة المعارف و الكفاءات و القدرات العلمية و الإجتماعية الحديثة و الإعتماد على المنهج العلمي في التحليل، في حساب المتغيرات و صياغة الأهداف المرحلية و طرق التنظيم و في تحديد الحلفاء و الأصدقاء من جهة، و تحديد اعداء الشعوب و طبقاتها و فئاتها الكادحة، و يعمل على كسب اوساط الشباب و النساء، انطلاقاً من وعيها القائم و من تساؤلاتها عن حقوقها المشروعة في عيش كريم، في زمان صار يتكشف فيه الخداع، من الوقائع الجارية الحية و من استمرار و تزايد ضحاياها، التي تتسبب بتصاعد موجات من الغضب و الرغبة الحارة في كشف المستور .
   تفكير يتفاعل مع التغييرات الجارية و لاينعزل عنها . . من موقعه الذي ان يتصوره البعض متواضعاً . . تتواصل معه و تتابعه و تستمد منه العزم، اوساط تتزايد . في عالم صار فيه الإنترنت فضاءً لايمكن الإستغناء عنه، كالكهرباء و الراديو و التلفزيون، و في زمان يسير كما توقع به كثير من العلماء و المتعقلين، في ان التغييرات السريعة الجارية تشمل شئنا ام ابينا الغرب الرأسمالي الكلاسيكي نفسه، بعد انهيار نظام عالمي كامل بشرقه و غربه . . و تغيّره من عالم توازن القطبين الى عالم القطب الواحد الذي يتحوّل الى عالم متعدد الأقطاب يقوم على اسس جديدة تستدعي ظهور منظومات قانونية جديدة، بعد ان بدأت منظومة القوانين الدولية العتيقة تعجز عن السريان .
الأمر الذي يتطلّب ضرورة فهم طبيعة موقع بلداننا مما يجري ـ و بالتالي حركاتنا التحررية و احزابها العمالية و منظماتها و اتحاداتها الشبابية و الطلابية و النسائية و الإبداعية ـ التي قد لم تعد في مكان المتلقي و ميداناً للصراعات بين الكبار فقط  كالسابق . . في زمان يشهد هجوم الأنظمة الرأسمالية الغربية على المكتسبات التي حققتها شغيلتها و شعوبها ذاتها بنضالها طيلة قرون . . (انتهى)


  9 / 1 / 2011 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   اي ما اصطلح عليه بـ " الرأسمالية المتوحشة " .
2.   بيرجينسكي، رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي للرئيس الأسبق جيمي كارتر، ابرز مفكري و منظري تجمّع " المحافظين الجدد " الحاكم، عن الحزب الديمقراطي .
3.   جيمس بيكر، وزير خارجية الرئيس الأميركي الأسبق بوش الأب، و هو القطب الجمهوري البارز في تجمع " المحافظين الجدد" الحاكم، والشريك في " خطة بيكر ـ هاملتون " .
4.   فالأمر يسير كما تسير عليه اجيال الفيروسات الكومبيوترية التي لاتكفّ عن التطور في مواجهة مايسكتها، و كأجيال الديدان الكومبيوترية ـ warms  ـ و غيرها الكثير، في عملية متطوّرة و متصاعدة لاتنتهي بمنظور علوم اليوم .
5.   المقصود صحف : نيويورك تايمز الأميركية، ديرشبيغل الألمانية، لوموند الفرنسية، الغارديان البريطانية .  


149
" التفكير الجديد " . . و وثائق ويكيليكس
 ـ 2 ـ    
                                                                                                        د. مهند البراك
                                                                                                     ahmedlada@gmx.net                

و سخّرت الإحتكارات موضوعة و اهمية " التفكير الجديد " المنطلق موضوعياً من الواقع الذي استجد، للتبشير بديمقراطيتها الجديدة، القائمة على استثمارها لتداعي الإشتراكية القائمة، لتحقيق المزيد و المزيد من الأرباح لأقطابها و لشركائها الجدد، و ليس استثماره للأنتصار لقضايا الشعوب و الديمقراطية كما سخّرت اعلامها للتبشير بها. . و برز رأس رمحها في تشكيلة و آليات عمل "المحافظين الجدد "، المبشرين بـ (الديمقراطية الجديدة) في الفراغ الذي تشكّل مادياً و فكرياً و روحياً، بسبب تأخر و عدم مواكبة تطبيقات نظريات العدالة الإجتماعية و دعواتها للتقدم و الإصلاح الإجتماعي لصالح اوسع اوساط شغيلة اليد و الفكر، الذي ادىّ بالتالي الى عدم مواكبتها لتغيرات الواقع و الحاجات في عالم اليوم .  
و سخّرت ذلك الفراغ للهيمنة و لفتح الأسواق الجديدة لبضائعها التي اخذت تقطع الطريق امام عمليات الإنتاج في الدول النامية و الدول الأضعف، التي تدور من جهتها لصالح التطور الإقتصادي ـ الإجتماعي الطبيعي لشعوبها . . محاولة جعلها تدور بشكل اوثق في افلاكها او بالشكل الذي ترسمه هي لها، لتلبية مصالحها . . مستغلة لذلك الفراغ القانوني الذي نشأ اثر انهيار النظام القانوني الدولي الذي كان معمولاً به وفق توازنات فرضها واقع القطبية الثنائية الذي انتهى .
مؤدية بذلك الى المزيد من تمركز الإحتكارات عابرة الجنسيات و الثقافات، و الى صعود رأس المال المالي المصرفي الإحتكاري العسكري النفطي، لتأمين الخامات و الطاقة و الحماية لعجلاتها، دون الإهتمام بقضايا الشعوب و امنها و حقها في العيش و الرفاه و تقرير المصير (1) كما تدّعي، محاولة تعزيز قبضة احتكاراتها على اقتصاديات العالم، في صراعات لاتعرف الرحمة بين اقطابها ذاتها ـ و بين تلك الأقطاب و الأقطاب العملاقة الناشئة حديثاً في المناطق الإقليمية، التي تداخل بعضها في مصالح معها، و تكتّل قسم آخر منها في مواجهتها بدرجات ؟ و متّبعاً نفس آلياتها بدرجات متفاوتة كما في ايران و السعودية و تركيا و غيرها ـ .
في زمان يتغيّر فيه مفهوم القوة التقليدي الذي كان العنف المتطور فقط، و تحوّل الى: تكنيك، علوم و نوهاو ـ know how ـ ، خامات، اموال و اعتمادات مصرفية، اسواق سوداء و جريمة منظمة دولية و اقليمية . . حتى صارت القوة المسلحة النظامية المتطورة على اهميتها في الحسم، صارت لوحدها لاتكفي لتحقيق النجاح و استثماره .
   لقد بشّرت الإحتكارات الكبرى و جنّدت و اغدقت اموالاً اسطورية . . لتسويق اهدافها و الدعاية لها، بآلاف الصحف و القنوات الفضائية و جيوش " الديمقراطية الجديدة "، وعملت على التبشير بالشفافية و بانهيار نظرية المؤامرة ؟! لأن كل شئ سيكون مكشوفاً ببناء مؤسسات الديمقراطية الداعية لها ؟! حتى صارت الأمم و مسير مصائر الشعوب و كأنها لعبة او مسرحية لابد منها لأمتصاص النقمة، و لوصم كل اعتراض عليها بكونه (جهل بأصول اللعبة) او بكونه (ارهاب)(2)، فعملت بنشاط متنوع ـ مباشر و غير مباشر ـ على تعميق الفوضى الناشئة اصلاً بسبب الخلل في القطبية العالمية الجديدة معتبرة ايّاها  "فوضى خلاقة " ، حيث شجعت العنف و حروب التدخل بما اصطلحت عليه بـ (الضربة الإستباقية)، للبدء بتاريخ جديد بعد ان انتهى التاريخ ـ وفق نظرية نهاية التاريخ ؟ ـ . . امام ذهول و عدم استيعاب ما جرى و يجري في اللحظة المعينة . .
فقام القطب العسكري الدولي الأساسي الذي تمثله الإدارة الأميركية و من يتحالف معها في الهدف المعيّن، بتعميق الفتن و التمزيق بدل السعي لوضع حلول اكثر ثباتاً لها، سواء كان ذلك علناً او سرّاً بغطاء (انتهاء نظرية المؤامرة ) . . . يشهد على ذلك مصير و واقع جمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق ـ التي اعاد قسم منها تشكيل اتحاده على اسس اقتصادية في GUS ، يوغوسلافيا و صراعات البلقان التي ازدادت و يجري تجميدها بقوات الأمم المتحدة، القضية الفلسطينية و الصراع الإسرائيلي ـ العربي، السودان، الصومال، اليمن، افغانستان و باكستان، اضافة الى الصراعات الدينية و الطائفية و العرقية في العالم العربي الستراتيجي و غيرها الكثير .
حيث ان (الديمقراطية الجديدة) لم تحقق النتائج التي تم التبشير بها منذ اكثر من عقدين، بل انها ادّت الى ازدياد البؤس بؤساً . . و كشفت الأحداث الكبرى ان تشجيع الإنقسامات و الفتن الدينية و العرقية التي لم تكن دوائر الإحتكارات هي البادئة باشعالها دائماً. . بل هي من قام باعطاءها ضوءاً اخضراً او عمل على تشجيعها بدعمها اللامحدود سراً او عن طريق وسطاء، لتحقيق اهدافها التي متى ما بدأت بالتحقق تعمد الى تغيير سياستها و التفاهم مع ماهو قائم . . وذلك ماتم و يتم بين دوائر اميركية و اخرى عائدة للناتو في تعاملها مع منظمات كانت قد وضعت على قوائم الإرهاب و الممنوعات، ثم صارت طرفاً في مفاوضات مع جهات اميركية او وسيطة،  كما حدث و يحدث مع طالبان و عدد من منظمات القاعدة و منظمات للجريمة المنظمة في العراق اضافة الى منظمات كحماس و غيرها  
   و ادّت الى تداخل السياسة بالإقتصاد بشكل صارخ فظ قائم ليس على الكفاءة بقدر ماهو قائم على التحكّم المباشر لرجال السوق و الإحتكارات بالدولة، يشهد على ذلك ذهاب شخصيات دولة الى السوق من اعلى ابوابه و بالعكس، كمديري احتكارات قزوين ديك جيني ، كونداليزا رايس، زالماي و غيرهم، في تجسيد علني لتجيير اي نجاح تجاري سياسياً و بالعكس، كما صار تجار خردوات حكّاماً في بلداننا.
حتى صار رجال الحكم هم رجال السوق في ابتذال رخيص للعلوم السياسية و لمفهوم الدولة و للكفاءة . . في عمل تنتجه فوضى السوق و الركض وراء الأرباح اليومية دون النظر الى الستراتيج، و في سعي لتحقيق  ضربات الأرباح في الحروب و المضاربات و البورصات و تشجيع تواصل الأزمات و المغامرة بحياة الشعوب على مذبح الأرباح في " اقتصاد الأزمات " الذي انجب قططاً سماناً عملاقة و غيلان وحشية بعيدا عن ضجيج اعلامها الهائل عن . . مصالح و حقوق الشعوب ؟!
من ناحية اخرى و فيما قفز تكنيك عدد من الدول قفزات عملاقة عن طريق سرقة المعلومات و الإستنساخ الذي حققت به الصين مثلاً قفزات تكنولوجية هائلة، بآليات ما انكشف منها لاتطاله القوانين الدولية لأنها غير منصوص عليها (3)، حيث ان القوانين السارية رسمت وفق المصالح الأوربية الغربية و الأميركية الشمالية في توازنات فترات زمنية سابقة، و بدأ يعاد النظر بها اثر عمليات 11 ايلول ضد بنك التجارة العالمية و بضغط قوانين الطوارئ التي اطلقتها و صارت تشمل الحياة الأميركية ذاتها !  
ومن جانب آخر، فإن سعي الإحتكارات لتوظيف عامل الوقت (الزمن) للتسابق على المعلومات و للدعاية و لعقد اربح الصفقات التي احتاجت السرعة، في الأسواق الهائلة التي انفتحت دفعة واحدة كما مرّ . . دفع اوساط تجارية متنوعة كثيرة لفتح شبكة ثم شبكات الأنترنت لتحقيق تلك الأهداف. حيث ان توسع الأنترنت بالبرامج و التكنيك المعلن المعمول به، دفعت اليه حاجة السوق الرأسمالية، بعد ان كان الأنترنت بتكنيكه الأولي محصورا بحاجات و اتصالات و سائل دفاع القوات المسلحة الأميركية، ثم انفتح جزئياً لتلبية حاجة مؤسسات الأبحاث (4).
حتى صارت وسيلة سريعة بل و فورية شبه مجانية لتبادل المعلومات و للإتصالات، و لزيادة النشر و الدعاية، و كوسيلة سريعة لأبرام العقود و للتفاعل و احكام السيطرة على البورصات العالمية المالية و النفطية و الدخول عليها بشيفرات من اي مكان بالعالم، واتمام التحويلات المصرفية و الودائع و رؤوس الأموال المصرفية من خارج البلد المعيّن. و صارت بتكنيك اكثر تطوراً وسيلة ميدانية هائلة للمشاركة و للإدارة المباشرة للعمليات العسكرية و شبه العسكرية و لعمليات التدخل العسكري، بالترابط مع شبكات الأقمار الصناعية و مشاريع الفضاء، التي صارت تجتاز حدود الدول بدون أذن او سماح من حكومة ما او حتى دون شعورها بها، كما صار يظهر مؤخراً !
اضافة الى استخدام الصواريخ بعيدة المدى السابحة في اعلى طبقات الجو التي تصيب اهدافها بدقة عالية، التي لاتقف امامها اية حدود دولية . . كما حدث في العراق سواء في سنوات الحصار او خلال الحرب، اضافة الى ما حدث في افغانستان
بعد ان صار اكتشاف مكنونات باطن الأرض و حجم مخزوناتها من المواد الأولية، يعتمد على ابحاث الفضاء و الرصد الفضائي بواسطة اقمار و محطات و مختبرات الفضاء، بدون اذن من الدول عدا الدول المتقدمة الكبرى و الأكثر تقدماً في صناعات الفضاء و الرصد . . حيث تولدت من تلك التكنولوجيا المتطورة برامج حرب النجوم للسيطرة على المناطق الستراتيجية في العالم من الفضاء بوسائل الكتروتكنيكية ـ مغناطيسية . . التي عكست صراعات و تناقضات انكشف منها شيئ من المخفي و بقي الغالب منها في نطاق السرية المطلقة لأقوى الإحتكارات العالمية المتعددة الجنسيات .
و اضافة لما تقدّم، فإن تعزز سيادة الدولار على التبادل التجاري الدولي ـ بآليات ترابط اسعاره المعروفة ـ في مناطق شاسعة جديدة من العالم . . عملت كلها على اسقاط الحدود بين الدول عملياً امام حركة رأس المال، و ادّت الى تخلف منظومة القوانين الدولية و الوطنية المعمول بها عن واقع التطورات العالمية و تأثيراتها الهائلة على الواقع الداخلي للبلدان . . لعدم وجود نصوص تغطيّ ما صار يجري، و بالتالي صارت القوانين تنتج عما تفرضه القوة و المنتصر، بمفاهيمهما الجديدة . . الذي اخذ يوظّف ذلك النقص لمصالحه. و من جهة اخرى صار كل ذلك يفرض نشوء " تفكير جديد " لابد للأحزاب و القوى المناضلة من اجل العدالة الإجتماعية ان تأخذ به، في سعيها لأنجاح برامجها، كما سياتي . .  
   و يرى متخصصون و علماء نفس و باحثون، ان كل ما تقوم به الدوائر العليا للإحتكارات من محاولات للتعتيم و الكتمان على المعلومات، لابد و ان يواجه الإنكشاف يوماً كما تقوم به " ويكيليكس " و مصادرها و غيرها، لأن وجود ارقى انواع التكنيك هو في النهاية بيد بشر، و البشر لايمكن ان يكونوا كلهم اشرار مثلاً، اضافة الى ابدية صراعات المبادئ الإنسانية و التقدمية التنويرية مع قوى الظلام التي يعيشها الإنسان، ففضائح ماجرى في معارك الفلوجة و سجن ابو غريب وغيرها انكشفت عن طريق كاميرات و موبايلات و رسائل شخصية بحوزة جنود اميركيين عاشوا الكذب و الخداع، او غرر بهم، وآخرين ارتكبوا الفضائع و صارت تؤرقهم . اضافة الى ماينكشف بسبب الخللات التكنولوجية، عوامل البيئة، و غيرها .
الأمر الذي يدفع الدولة الصينية، الدولة الروسية ـ التي اعلنت ذلك ـ و غيرها الى تأسيس شبكات انترنيتية خاصة بها، من لغتها و رموزها الكومبيوترية، وبالتالي برامجها و آلياتها، في محاولة لحصر المعلومات و الإتصالات على اراضيها لمدد قد تطول او تقصر، عوضاً عن استخدام الفلترات . . في عالم الكتروتكنيكي لاتزال ابعاده مفتوحة في مجال البحوث، يصفه باحثون بكونه عالماً مجهولاً لا زلنا في اول طريقه. (يتبع)

3/ 1 / 2011 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   كانت الولايات المتحدة قد رفعت شعار حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة وفق مبادئ الرئيس ولسون في الحرب العالمية الأولى، الاّ انها كانت اكثر الدول انتهاكاً له .
2.   حيث لم يحدد مفهوم الإرهاب الى الآن .
3.   و هي ذات الآليات التي اتبعتها الصناعة الأميركية في بداية قفزاتها.
4.   في وقت استمرت الأنترنت بتكنيكها الأرقى محصورة في الحلقات الحكومية و العسكرية العليا للولايات المتحدة .



150
" التفكير الجديد " . . و وثائق ويكيليكس
 ـ 1 ـ 
 
د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

شهد العالم بشرقه و غربه في العقود الأخيرة من القرن العشرين، تطورات مذهلة كثيرة التناقض كان مبعثها النزوع الإنساني الى الحرية و الى انظمة اكثر عدلاً توفر حياة افضل للشعوب في الواقع اليومي المعاش، و ليس في صياغات الأمل و الأهداف النبيلة المستقبلية فقط . و كان للتطورات العاصفة التي حدثت في الدول ذات التأثير العالمي، تأثيرات اكثر وضوحاً في المناخ الدولي، ادّت الى تغييرات اكبر . . وصلت الى الإنهيار المؤسف للإتحاد السوفيتي ثم لأنظمة اوروبا الشرقية، و ادّت الى  اضطراب و تخلخل مواقع الفكر الإشتراكي و احزابه و حركاته  .
في وقت كانت قد رضخت فيه حكومات اوروبا الغربية للمطالب العمالية لإيجاد حلول للبطالة و الأجور و تحديد ساعات العمل، و حلول للضمان الصحي و الإجتماعي، و رضخت الى السعي لحل المشاكل بطرق الحوار بدل العنف، اثر تواصل و تصاعد النشاطات العمالية و الثورية التي اجتاحت اوروبا الغربية و خاصة المانيا و فرنسا و الدول الأسكندنافية، اضافة الى النشاطات العنيفة و خاصة في ايرلندا الشمالية، الباسك في اسبانيا . .  في اجواء طغت عليها شعارات اليسار و الإشتراكية.
من جانب آخر ظهرت البطالة التي بدأ شبحها يخيّم بشكل مفزع على الأوساط العمالية و الشبابية . . كنتيجة من نتائج الثورة التكنولوجية الصناعية، التي بدأت تجتاح اوروبا الغربية و اميركا الشمالية و وصلت الى بناء انظمة الروبوتات ذات الإنتاجية السريعة و الهائلة . . التي اخذت تلقي ملايين العمال الى الأرصفة و الطرق، و اخذت تحوّل اوساطاً واسعة من العلماء و المتخصصين و ذوي التأهيل العالي الى عمال متدني الأجور او عمّال بالقطعة، فيما اخذت البطالة المقنّعة تتزايد(1) . . في ظروف صارت تتزايد فيها طبقات و فئات المعارضين لقبضة الرأسمال المتزايد تركُّزاً . . 
وفيما كانت الإحتكارات الصناعية الغربية تقيم احتفالات الفرح لتزايد انتاجها بواسطة منظومات الروبوتات الكومبيوترية المبرمجة، بكُلَفٍ اقلّ بما لايقاس بالكُلفِ السابقة و التي صارت توعد بأرباح فلكية . . فإنها كانت تخاف من شبح كساد صناعاتها و بضائعها، للزيادة السريعة الهائلة في الإنتاج. الأمر الذي تطلّب منها بذل جهود كبيرة كثيرة التنوّع للبحث عن سبل لتصريف بضائعها و مبيعاتها في اسواق جديدة تطلّب ان تكون اكبر مما مضى، كي تحقق تأمين تلك الأرباح و لتتفادى مخاطر الكساد و الخسارة، فأخذت تبحث عن مسوغات فكرية ايديولوجية، عسكرية او قانونية جديدة تحقق لها تلك الأسواق !! و صار الصراع لتحقيق ذلك، يأخذ مستويات اعلى من السابق، شكلاً و مضموناً.
حيث تطلّب الأمر منها، ان تبحث و ان تباشر تنفيذ آليات اخرى لتحقيق مصالحها الإستغلالية ، بآليات غير آليات الكولونيالية و الأمبريالية التقليدية التي لم تعد تحقق لها تلك الأهداف، في سياق التطور العام للمجتمعات البشرية، وتطوّر الإتصالات و تزايد سرعتها و سرعة انتشار الخبر و الوعي . . وقد بدأتها بتصعيد راية (الديمقراطية الجديدة) في الأعلام الهائل الجديد، و تصويرها ايّاها و كأنها مكسب ( جبّار ) لـ "حقوق الإنسان " ، موظفة ظروف العولمة التي انطلقت لكل الحاجات آنفة الذكر و صارت تتخطىّ حدود البلدان، و اخذت تدعو الى ( التحضّر)، في محاولة حثيثة تسعى فيها ـ من جانبها ـ للتعتيم على الصراعات الإجتماعية و الطبقية الحقيقية المستمرة في جريانها الموضوعي، و تعمل جاهدة لمحاولة تحويلها الى صراعات بين الأديان و الطوائف و الحضارات . .
و عاملة على تشجيعها و اثارتها و ايقادها بلاهوادة بـ (تنظيمها؟!) و موالفتها لصالحها، مع سعيها المتواصل لحرف الوعي العام بالسيول المالية الهائلة، و لمحاولة ابعاده عن استفزاز و ايقاظ الفكر الإشتراكي الجدلي و تطبيقاته في الظروف الجديدة. . بعد غياب قلعته المحرّكة الأساسية التي دام عطاؤها ثمانية عقود و عاشتها أجيال و أجيال . . 
و يرى باحثون ان الإحتكارات الدولية وظّفت ما كان يعتمل في الإتحاد السوفيتي و عملت على الإسراع به لصالحها، بعد تهيئات و تدخلات متواصلة عملاقة . . في وقت انبأ لها بأمكانية تشكّل فراغ دولي هائل، يسببه غياب القطب العالمي المواجه و الموازن لها ( العالم الإشتراكي)، بخسارة طليعته الإتحاد السوفيتي، التي ستتسبب بخسارة و ضعف دول و انظمة حكم، احلاف و معاهدات مواجهة، حركات و كيانات تحرر و احزاب و نقابات و اتحادات . . . 
و في الوقت الذي فشلت فيه عملية اعادة البناء " البريسترويكا " لأسباب متنوعة داخلية و خارجية لايتسع لها المقال، و كانت محاولة متأخرة لم تنجح، و وصفها قسم بأنها اضرّت اكثر مما نفعت، بعد ان حاولت ان تقوم بالتجديد لمواجهة تحديات الحياة المتجددة و تحديات الرأسمالية و تدخلاتها التي لاتكف، ولا تتوقف عن التطور، حيث واجهت حقيقة ان ادوات التغيير التي كانت تعوّل عليها، قد تجمّدت على نظام اداري مركزي اخفى مصالح انانية ضيّقة في مواجهة تحديات لاتكفّ عن التدخل . .
بعد ان جرى اهمال آراء العلماء و المبدعين و مضايقتهم من قبل الأنظمة الحاكمة في الدول الإشتراكية، كما كشفت الأرشيفات الداخلية لها، و التي اعلن عنها تدريجياً. رغم ان اعادة البناء بدأت بتفتيح الأذهان الى قضايا ملحّة كانت غائبة عن اوساط يسارية و شيوعية واسعة بسبب النظام الإداري الذي عمّ عموم الحركة العالمية . . و لكن بعد فوات الأوان  . .
فيما عملت اوساط رأسمالية متنوعة ـ متعددة الجنسيات، صهيونية عالمية، مؤسسات و كيانات سريّة عسكرية، اعلامية، اقتصادية، ثقافية و فكرية، دينية باختلافها و غيرها و بأموال اسطورية ـ عملت على توظيف عملية اعادة البناء تلك لصالحها، سواء من داخل او خارج عملية البريسترويكا، مستفيدة من الفوضى التي اشاعتها، حيث لم يلاحظ القائمون عليها او اهملوا و لم يتصوّروا حجم الوسائل الخارجية الفائقة التأثير . .
بل و عمل قسم من نشطاء البريسترويكا لصالح المصالح الرأسمالية الغربية و في اطار جهودها ذاتها للبحث عن اسواق باي ثمن من جهة . . و لسعيها لتحطيم رمز " الإشتراكية " العدو التأريخي لها، لعدم احتمالها وجوده المحرّض حتى و ان كان مثخناً بالفجوات و النواقص، من جهة أخرى .
و فيما فتحت البريسترويكا بفوضاها الباب لـ " تفكير جديد " نبّه و وجه الأنظار الى دخول عوامل جديدة على قضية الصراع الطبقي، ينبغي الأخذ بها لرسم سياسات تخدم قضايا الشغيلة . . من الخطر النووي و البيئي، قضية الأنسان و الدين و دور العقائد الفكرية و الدينية، حقوق الإنسان، حقوق المرأة و الطفل . . الى الثورة العلمية التكنولوجية المعلوماتية (الأنفوميديا). فإن الأحداث اللاحقة حتى اليوم، اثبتت للقوى و لأحزاب الشغيلة صحّة الأخذ بحساب تلك العوامل، للتفاعل مع تطورات الوقائع القائمة المتغيّرة، على اساس المنهج العلمي.   
   لقد وظّفت الإحتكارات مفهوم " التفكير الجديد " و الدعوة للإنفتاح . . للأسراع بتقويض الإشتراكية القائمة، ثم لمحاولتها اعادة بناء العالم على اسس العولمة رأسمالياً، غير مبالية بمصائر الشعوب بما فيها شعوبها هي سواء في الولايات المتحدة او في اغلب دول اوروبا الغربية. عاملة على ترويج النظرية المهلهلة لـ " نهاية التأريخ " ، التي عبّر واضعوها ذاتهم بعدئذ على عدم صحتها بعد ان شهدوا و شهد العالم على بؤسها و افلاسها، و على ما تسببت به من حروب وحشية مدمّرة و مآسي و دموع لاتنقطع  . . (يتبع)

27/ 12 / 2010 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   و تسببت بتزايد الإجتهاد في معنى بروليتاريا ماركس في القرن التاسع عشر و نقاشات لاتنتهي عن مفهوم دورها التأريخي .


151
" سيدة النجاة " . . انهم يقتلون روحنا الحيّة !
 ـ 3 ـ


د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

و لابد من القول ان بين الأجنحة الدولية الأكثر اعتدالاً و ميلاً لتغليب الحلول السياسية في حل المشكلات، و تدعو الى التقليل من العنف في البلاد و المنطقة، و الى حقوق و حرية الإنتماء الديني و المعتقد، المكفولين بدستور و قوانين ملزمة، و تدعو الى حوار الثقافات و الأديان، و الى التعايش معاً . . . العديد من الأحزاب الديمقراطية و الأشتراكية و العمالية و اليسارية و الليبرالية في اوروبا و اميركا الشمالية وفي العالم، اضافة الى حركات السلام و الحركات المناهضة للعنصرية و الداعية الى حقوق الإنسان . . .
و كما يعبّر عنه البابا بنديكتوس السادس عشر في حاضرة الفاتيكان بخصوص الأحداث ـ كما سيأتي ـ، المرجعية القبطية العليا في مصر، و تدعو اليه مراجع اسلامية بارزة كدعوات المرجع الشيعي الأعلى آية الله السيستاني، و مرجعية الأزهر الشريف . . اضافة الى مكتب العلامة الشيعي الراحل آية الله منتظري، مكتب رئيس الجمهورية الإيرانية الأسبق خاتمي وغيرها
و هو الإتجاه الذي تعبّر عنه القوى التقدمية الديمقراطية و العلمانية المتنوعة اضافة الى القوى اليسارية الداعية الى برامج وطنية ديمقراطية و دستور قائم على اسس مدنية تكفل حق الإنتماء الديني و المعتقد و تدافع عنها ليس بفقرات دستورية و قوانين فقط، وانما بإجراءات جادة تكفل تطبيقها، اضافة الى دعواتها للكف عن استخدام العنف . . سواء كانت في العراق، او في دول عموم المنطقة، بضمنها نضال القوى الدمقراطية من مسلمين و مسيحيين و يهود داخل اسرائيل، من اجل تلك الأهداف . .
   و يرى مراقبون ان الإعتداء الدموي على كنيسة " سيدة النجاة "، يأتي في توقيت و ظروف لا يمكن تجاهلها، و قد لايمكن اعتبارها مصادفة ـ وبدلالة ردود الأفعال المتنوعة الواسعة التي اثارها ـ ، فاضافة الى الأوضاع المعقدة الداخلية و الإقليمية . . جاء في وقت وجد الجمهوريون الأميركيون فيه، و خاصة بعد فوزهم في الإنتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، و بالذات المجاميع الأكثر تطرفاً من المحافظين الجدد المرتدية رداء الأديان و الداعية الى صراع الأديان و الحضارات . .
وجدت في الإعتداء الصارخ بعد توالي الإعتداءات على المسيحيين(1) في العراق و المنطقة
. . فرصة كبيرة على سكّة تخطط لها، للعودة بشكل اقوى في صناعة القرار الامريكي الخاص بالعراق و المنطقة، وبالتالي في صنع فرص اكبر في ديمومة و مواصلة تنفيذ خطط قد تكون اوسع مما يجري، من خلال مواصلة التواجد العسكري في العراق و المنطقة . . مقابل ماخسرته اوساط الحزب الديمقراطي ، التي تتبع سياسة اكثر مرونة، في الإنتخابات تلك. (راجع التصريحات الأخيرة لنائب الرئيس الأميركي بايدن و تصريحات وزير الخارجية الأميركي غيتس، بشأن استعداد الإدارة الأميركية لأطالة امد وجود القوات الأميركية في العراق الى ما بعد 2011 ) .
في وقت توظفه دوائر غربية، لتشديد انواع الضغوط على حقوق ملايين الأجانب من المهاجرين المسلمي الديانه من الشرق الأوسط، سواء العاملين منهم و دافعي الضرائب، او الدارسين و الباحثين . . اضافة الى توقع صدور قوانين تحدد الهجرة و تمنع المسلمين منها، مفضلة عليهم المسيحيين ـ سواء كان ذلك حقيقة ام نفاقاً و حججاً من دوائر القرار ـ ، الأمر الذي قد يتسبب بمشاكل كبيرة بين مهاجري المنطقة  في الغرب على اساس التمييز الديني، الذي لاتحمد عقباه على جهات متعددة . . منها ما قد يتهدد دول الغرب ذاتها، لأسباب لايتسع لها المقال .
و يرى آخرون في الإعتداء، وكأنه ردا من قوى ( الإسلام السياسي ) المتطرفة على قرارات
"سنودس اساقفة الشرق " (2) الذي انعقد قبيل الإعتداء في اوائل اكتوبر تشرين اول . . في الفاتيكان و الذي افتتحه البابا واصفاً الديانة الإسلامية في عظته الإفتتاحية بكونها " معززة القيم الروحية والثقافية التي توحد البشر وتستبعد كل تعبير عن العنف " و مؤكدا أن " هذه المناسبة هي أيضا ملائمة لمواصلة الحوار بطريقة بناءة مع اليهود كما مع المسلمين " . . (3). حيث دعى السنودس مسيحيي الشرق الأوسط الى الإنفتاح على الجميع و الى التعايش مع الأديان الأخرى، و تغليب حوار الأديان، و دعى الى معارضته لهجرة المسيحيين من ديارهم الشرق اوسطية رغم معاناتهم، و التي تزايدت بشكل ملحوظ في العراق مؤخراً . .
حيث يرون في اعمال السنودس تأكيداً جديداً على دعم الدعوات المعارضة لنزوح المسيحيين من البلدان العربية و الشرق الأوسط . . و نداء من الكنيسة الكاثولوكية في روما، الى الدول المعنية لأتخاذ اجراءات عملية لوقف تفريغ البلدان العربية و بلدان المنطقة من اهلها المسيحيين، و محاولة منها لوقف هذا التهجير المبرمج الضار بتفاعل الأديان و تعايشها . . التفاعل الهام لشعب العراق و لتآخيه على حد وصف الكاردينال عمانوئيل دلي رئيس الطائفة الكلدانية في العراق، اثر الإعتداء .
و اخيرا ترى اوساط غير قليلة بان مايجري الان بحق المسيحيين في العراق، يذكّر بآليات ما جرى لليهود في العراق في اربعينات و خمسينات القرن الماضي و بأحداث " الفرهود " . . عندما عملت الدوائر الصهيونية بالتعاون مع دوائر بريطانية على تخويف اليهود العرب، لدفعهم الى الهجرة الى دولة أسرائيل عند البدء بأنشائها . . وتحذّر من مغبة التساهل فيها، وتدعو الى ضرورة الوقوف بحزم لإيقافها، لأنها ليست جزءاً من واقع العراق الدموي فحسب، وانما جزءاً من واقع مقلق متزايد في عموم الشرق الأوسط من الدول العربية الى ايران و تركيا.
و اضافة الى مايُذكر و يُنشر عن مخاطر (الإرهاب الإسلامي) . . يؤشّر ما جرت الإشارة اليه في عموم المقال، الى ان هناك جهات و مخططات متنوعة توظف ذلك الإرهاب لتحقيق اهداف أخرى لها، فمن المستفيد من اطلاق العنان اكثر للتطرف الإسلامي في زمن و مكان ما ؟. . و من يستفيد من اكمال صورة (تهديد العالم الإسلامي للمسيحيين) . . و من لعلعة الصراع و كأنه صراع اديان و طوائف و مذاهب ؟؟ و كيف تجري مفاوضات و اتفاقات سرية و معلنة بين دوائر اميركية و منظمات عائدة للقاعدة الإرهابية ؟؟ . .
بدلالة حصول لقاءات و اتفاقات دوائر اميركية مع طالبان الأفغانية في باكستان، و حصول اتفاقات بين جهات عسكرية ايرانية شيعية مع القاعدة السّنية للتواجد و لتسهيل المرور عبر اراضيها الى العراق و الى افغانستان، اضافة الى تنظيم جهات اميركية لـ (مؤتمر اسطنبول للقوى العراقية) قبل اكثر من عام، الذي شاركت فيه قوى اسلامية ارهابية معروفة سنيّة و شيعيّة برعاية اميركية . . كما تناقلته و تتناقله وكالات الأنباء الدولية . . في وقت يشير فيه متخصصون في مكافحة الإرهاب، ان آلية عمل منظمة القاعدة الإرهابية كمركز و اطراف . . اخذت تستخدمها جهات متنوعة لتحقيق اهداف لها (منتحلة اسمها او صفتها) ـ راجع برلينرتسايتونغ اعداد اكتوبر/ 2010 ـ .
و ترى اوساط عراقية واسعة، ان من رسم المحاصصة الطائفية ومن تأمّل من انها يمكن ان تقوم على التوافق في اطار بديل ديمقراطي قائم على انقاض الدكتاتورية المقبورة، فإن المحاصصة الطائفية ذاتها من جهة و بفعل عوامل متعددة، على رأسها الإحتلال و الإرهاب الوافد و نشاط فلول الدكتاتورية . . من جهة اخرى . . لم تؤدِّ الاّ الى زيادة معاناة ابناء العراق و بقائه و تواصله ممزّقاً، و الى القتل و الإرهاب الدموي على الهويات الدينية و الطائفية . . التي كانت جريمة " سيدة النجاة " الحادثة الأكثر دوياً مما يجري للأسباب التي مرّ ذكرها . . 
الأمر الذي ادىّ الى ابتعاد " المصالحة الوطنية كأساس للبناء و التقدم" عن سير الأحداث بسبب زيادة تمزّق الوحدة الوطنية، و خروج الأمر عن جادة التسويات و الوعود . . حيث يستمر العراق كساحة حرب و تهديد لميليشيات دينية و طائفية غير نظامية، بين ايران و الولايات المتحدة والدول العربية . . الذي صار معلناً سواءً في التهيئة لأنتخابات آذار الماضي او في سيرها و اعلان نتائجها . . ثم في جهود  تشكيل الحكومة الجديدة اثرها، كما تجمع عليه غالبية وكالات الأنباء والصحف الدولية و الإقليمية و قسم من المحلية. 
 ان استمرار العراق دون امتلاكه دولة مستقرة موحدة الإرادة، و دون جيش قادر على حماية البلاد . . قد يجعل القوى المتنفذة و الحاكمة اليوم في الحكومة الجديدة، غير قادرة فعلاً على تأدية مهامها الحكومية، الأمر الذي صار يهدد عميقاً كيان الروح العراقية الحية ذاتها، القائم على تنوعها الخصيب المعطاء . . 
و يرى كثيرون، ان البدء باعادة الحياة للروح العراقية لايمكن ان يتم الاّ بتطبيق بنود الدستور فيما يخص حرية الأديان و المعتقد، بنصوص اجرائية و اجراءات تنفيذية رادعة يلمس الناس تأثيرها و حمايتها لهم . . و الاّ بانهاء نظام المحاصصة الطائفي الأصم المتناقض مع طموح بناء دولة المواطنة الحقة على أسس ديمقراطية تكفل المساواة على أساس الولاء للوطن أولا، و على إحترام الهويات العراقية كلها، و المتناقض مع تشكيل الدولة على اساس النزاهة و الكفاءة و الروح الوطنية . .
من اجل ضمان الحد الأدنى من الكرامة للغالبية الساحقة للعراقيين باطيافهم . . من شغيلة يد وفكر وكسبة، الاكثر تضررا من الحروب ومن الدكتاتورية المقبورة ومن الصراع الطائفي و الديني . . و من اجل اعادة الاعتبار للثقافة الوطنية التقدمية وبناء التعليم بقدر يناسب التطورات التكنولوجية والعلمية الحديثة ،بعد ان تحوّل الاختلاف في الرؤى والسياسات الى صراع عقيم لطوائف و اديان،  يطرح بعض المتنفذين في خضمه البديل العشائري كحلول ؟؟! بعد مرور ثماني سنوات على سقوط الدكتاتورية . (انتهى)

27 / 11 / 2010 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   اضافة الى الإستهداف المتواصل للأقليات و الطوائف غير المسلمة (من صابئة، يزيديين و شبك وغيرهم) ، علماً ان المنتمين الى الديانة المسيحية باختلاف اتجاهاتها و انتماءاتها، يشكلون ثاني اكبر ديانة في منطقة الشرق الأوسط و يشكلون احد الأركان الهامة في ثقافة و كينونة المنطقة .
2.   مجلس اساقفة الشرق العائد الى حاضرة الفاتيكان، الذي انعقد على اساس توافقي بين كنائس الشرق الكاثوليكية ـ اخذا بالإعتبار الفوارق بين الكنائس الشرقية و الغربية/ الكاتب ـ. و قد دعى الأمم المتحدة و حكومات دول الغرب الى بذل المزيد من الجهود من اجل تآخي الأديان نحو السلام و رفض العنف، وادان السياسة الإسرائيلية في مواصلة الإستيطان بالقوة، و دعى الى الإنسحاب من الأراضي المحتلة اثر عدوان حزيران 1967 و الى تعايش دولة اسرائيل و الدولة الفلسطينية بسلام، والى كف الحكومة الإسرائيلية عن المماطلة المعرقلة لإستكمال قيام الدولة الفلسطينية. ونبّه الى مخاطر صعود (الأسلام السياسي) و خاصة العنفي منه في الدول العربية والإيرانية والتركية . . الموجه اولاً الى المجتمعات الإسلامية، ومخاطره على الديانات الإسلامية و المسيحية و اليهودية، و الذي من نتائجه المخاطر على الحضور المسيحي في المنطقة . وندد فيه الاساقفة بالنص " نندد بالعنف والارهاب من اي جهة اتى، وبكل تطرف ديني. نشجب كل اشكال العنصرية، اللاسامية واللامسيحية والاسلاموفوبيا. وندعو الاديان الى الاضطلاع بمسؤولياتها لتعزيز حوار الثقافات والحضارات في منطقتنا وفي العالم اجمع". و " انه لا يمكن لاسرائيل ان تستغل فكرة الارض الموعودة في الكتاب المقدس ولا فكرة الشعب المختار لتبرر الاستيطان في القدس او احتلال الاراضي . . وقال بيان عن السينودس: "ان اللجوء الى المواقف اللاهوتية والمقدسة التي تستخدم كلمة الرب لتبرير الظلم امر غير مقبول". (عن بي بي سي)
3.   راجع اعداد صحيفة " الشرق الأوسط" اللندنية، المواضيع الخاصة بالحدث، اوائل اكتوبر 2010.
 


152
" سيدة النجاة " . . انهم يقتلون روحنا الحيّة !
ـ 2 ـ


د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net


وفيما لاتخفى المخاطر و التعقيدات الكبرى للوضع في البلاد سياسياً و امنياً، جغرافياً واقتصادياً و انثروبولوجياً . . فإن الخللات الأمنية تشكّل عاملا هاماً مناسباً لتحرّك القوى الظلامية والإستغلالية، الداخلية و الخارجية وتخادمهما وتناغمهما . . اضافة الى تحرّك القوى الساعية لبسط نفوذها على  العراق و المنطقة بالتعاون مع اطراف داخلية متنوعة الإتجاهات و المصالح  . . و مناسباً بالتالي لإحياء مشاريع ستراتيجية موضوعة سابقاً، لم يتسنى لها تنفيذها بحكم قوة تنافس و صراع القطبين العالميين . . في المرحلة السابقة.
و اخذ يناسبها مجدداً في وضع خطط احدث لتنفيذ ما تريد بمخططات متنوعة معلنة و سريّة لدوائر اوروبية ـ اميركية، آسيوية واسرائيلية و اقليمية متنوعة في بلد هائل الثروات . . و وجدت فرصتها للتغلغل في المنظمات المتطرفة واستغلالها احسن استغلال لتنفيذ ما تريده من خلال اثارة الفوضى الدينية و الطائفية و الاثنية، موظفة لذلك سهولة الإيقاع بافراد و مجموعات من اوساط جاهلة متطرفة يعجّ بها المجتمع العراقي و المنطقة، كالأوساط المسيسة بخرافة (ان المجاهدين الأفغان هم الذين اسقطوا دولة السوفيت و سيسقطون الولايات المتحدة ايضاً)، دون وعي بما ستقود اليه اعمالهم من نتائج وخيمة عليهم هم ايضا في القريب.
   و يرى خبراء ان نفوذ و قوة الدوائر العاملة على تلك الخطط و المشاريع الكبرى، كمؤتمرات ممثلي كبريات الإحتكارات الصناعية و احتكارات السلاح و الطاقة، مؤتمرات الحركة الصهيونية العالمية و كبريات بيوت المال الدولية . . المتعددة الجنسيات، التي يشارك فيها ايضاً ممثلون لمشاريع و معاهد و بيوت مال عربية و اسلامية و شرق اوسطية، ومن كل الديانات اسلامية كانت ام مسيحية او يهودية و غيرها، الناشطة في عقد انواع المؤتمرات الدولية و الإقليمية، سياسية، اقتصادية، ثقافية و آيديولوجية و اجتماعية و دينية و اعلامية . . و تحت تصرفها ملايين فلكية من العملات الصعبة، و اعداد هائلة من الفرق المسلحة متنوعة الصنوف، اضافة الى الجيوش النظامية .
   لرسم و تنفيذ الخطط الجديدة للإستثمار و الهيمنة على الطريقة الإمبريالية المتوحشة، وفق رؤى و طروحات المحافظين الجدد، في عالم شبه الأحادي القطبية . . لأبراز و تصعيد النزاعات الإقليمية و تصعيد الدفع بالفكر و بالآيديولوجيات الدينية و الطائفية، للتغطية على تصاعد عمليات الإستغلال الذي يزداد تنوعاً في ظروف العولمة . . ساعية الى تحويل الديانات و المذاهب الى وسائل تدرّ ملايين الدولارات والعملات الصعبة للبيوتات الكبيرة .
اضافة الى ما يفعله دخول صراع تلك الدوائر الكبرى بينها، على ارض البلاد و المنطقة، كصراع بين اجنحة معتدلة واجنحة أكثر تطرفاً و اكثر عسكرية و عنفاً، من العاملة على تأجيج الصراع الديني باعتبارها ان الصراع في العالم يتمحور على صراع الأديان و الحضارات . . و تعمل على تفريغ بلدان منطقة الشرق الأوسط   من اهلها من المسيحيين بأنواعهم ـ ضمنهم الأرمن ـ و من اهل الأديان التأريخية و القديمة، كالصابئة المندائيين و اليزيدية . . بخلق و تصعيد فتن و اعمال ضدّهم تضطرهم الى الهجرة في برنامج تهجير مبرمج له بعناية فائقة من قبل منظمات مُعَدة له، مرحلياً و ستراتيجاً بما يخدم امنها القومي و اهدافها في الهيمنة . . الذي يبدو اكثر وضوحاً في البلدان العربية  ذات التنوع الديني و ذات الثقافة و التأثير . . كالعراق ولبنان ومصر لجعلها  خالية من ذلك التنوع المتفاعل، الذي يشكّل روحها الحية و فعّالية تأثيرها . . 
و تسعى بالتالي فيما تسعى . . الى جعل هذه البلدان مصدرا للتخلف و للفكر الرجعي و ابقاءها كدول معادية للحضارة الغربية و مصدرا للارهاب المتناغم مع مصالحها، وبالتالي لابد من ( ابقاءها تحت الهيمنة بعد ضمان مصالحها فيها) بكافة اشكالها المباشرة وغير المباشرة لمنع اي تهديد او ارهاب منها للدول  الغربية من ناحية، و للفصل بين الأديان من ناحية اخرى . . كل دين في منطقة جغرافية، لتسهيل تأجيج صراعات اكثر بينها ، و تحقيق وضمان ارباح جديدة من الوسائل و الآليات الجديدة ان حصلت، بمنظورها . و ترى اجنحة متطرفة اخرى ان بقائهم في موطنهم افضل لها من خروجهم منه، لتكون معاناتهم حجة دائمة بيدها للتدخل بمواطنهم . . كلّما حرّكوا بتوقيت يناسبهم اعمال العنف ضدّ المسيحيين من متطرفين هناك .
و يصنّف تقدميون عراقيون و عرب و شرق اوسطيون ان من بين تلك المشروعات . . ما اعلن كـ " الشرق الأوسط الكبير " . . ثم " مشروع الأندلس المقلوب " (1) الذي اخذت تتناقله وكالات انباء عربية و دولية اثر مجزرة كنيسة " سيدة النجاة " و الذي يطرحه بتفاصيل كتاب شيمون بيريز " الشرق الأوسط الجديد " الصادر بالإنكليزية عام 1993 ، و يرى فيه متابعون بكونه احد (الصيغ الإقتصادية)، لقيام شرق اوسط جديد بمنظور دوائر تروّج له و تسعى للهيمنة الإسرائيلية في الشرق الأوسط . . ولكن ليس لتعايشها فيه مع دول المنطقة العربية والإسلامية.
وقد اطلق عليه عدد من السياسيين البريطانيين اسم (الكومنولث اليهودي)، لكونه يقوم على اساس قيام نواة لـ (شراكة اسلامية ـ يهودية) على حد بيانه، وليس عربية ـ اسرائيلية. و الذي اضافة الى مخاطره المتنوعة كرؤية لحكم المنطقة، سيتضرر من تطبيقه ابناؤها المسيحيون باختلاف انتماءاتهم بتقدير اوساط ستراتيجية ـ رغم انهم لعبوا و يلعبون ادواراً حيّة في بناء ثقافة و علوم و آداب و شخصية و كينونة ابناء الشرق الأوسط ـ ، مستندة في ذلك الى : ان تناقص عدد مسيحيي العراق الى النصف منذ الغزو الأميركي و سقوط الدكتاتورية عام 2003 و الى الآن، يشكّل جوّاً مناسباً للمضي بذلك المشروع (2) . .
من جهة أخرى يحذّر مراقبون علميون، من ان هناك نشاط لدوائر و (محافل) متطرفة مؤثرة في صنع القرار الأميركي تعمل على مدى ستراتيجي متوسط الى بعيد . . لجعل الولايات المتحدة (مركز اشعاع الحضارة العالمية الجديدة)، ساعية في ذلك الى الإستحواذ و الى احتكار علوم و معارف الحضارات القديمة و خاصة حضارات الشرق الأوسط، كمنبع للفكر و الأديان الأكثر انتشاراً في العالم و منبع القوانين و اسسها، و تبويب الحقوق و الواجبات الإنسانية السارية الى اليوم . . التي تشكّل الروح الحيّة للحداثة و النداء الأقوى للحياة الجديدة و للحرية و التمدن . .
عاملة على سلب المنطقة من تلك الروح الوثّابة الساعية الى التجديد و الى الإبتكار. . باجبار اهل الثقافة و المعرفة و الفنون و الأداب و العلوم فيها، الى تركها و الهجرة باتجاهها، ولإدامة و زيادة الفارق الحضاري بين الشرق الأوسط و العالم الصناعي و المتمدن، وادامته كسوق لمنتجاتها المتنوعة، التي يخيّم حولها شبح الكساد . حيث يشاهد المرء في الولايات المتحدة اليوم احدث و اكبر مراكز و معاهد البحوث الآثارية و التراثية و الحضارية و الدينية، و المعاهد التي تعني بآليات الإستفادة منها و توظيفها في حياة اليوم، بعد ان صارت المعاهد الأوربية المماثلة، شبه تابعة لها.   
فيما ترى اوساط اخرى ان تضرر مسيحيي المنطقة بفعل اعمال المتطرفين الإسلاميين و اندفاع اوساط متدنية الوعي فيها . . سيساعد دوائر اميركية على زيادة زج دول اوروبا في مشاريع الإحتكارات الأميركية ـ او التي لها فيها حصة الأسد ـ من خلال إثارة و كسب تعاطف الشارع الأوروبي لتبرير ضرائب جديدة يتطلبها ذلك الزّج، كجزء هام من المساعي الرامية الى تخفيف الضغط الإقتصادي و العسكري على الولايات المتحدة الأميركية، من خلال زيادة تمويل الإحتكارات الأوروبية للمشاريع العسكرية و الإقتصادية في المنطقة ، التي يدفع بها صقور المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية ـ والتي يستفيد منها ايضاً مشروع بيرز آنف الذكر ـ . . من جهة.
ومن جهة اخرى يرى مراقبون متخصصون ان كل ذلك قد يزيد من تكبيل دول المنطقة، من خلال ماسيُفرض عليها من مساهمات كبرى في تمويل المشروعات تلك ـ او اية مشروعات انمائية جادة ـ . . . مقابل مساعدة الدوائر الكبرى تلك على مكافحة ارهاب (الإسلام السياسي) الذي تستدعي مواجهته تحقيق توازن توظفه تلك الدوائر لمجيئ و ابقاء قوى حاكمة او متنفذة، يعمل بقاؤها و تدويره في انظمة الحكم في اطار العمل لتحقيق تلك المهام، مستفيدة من تواصل ذلك الإرهاب، و بالتالي من تواصل حالات الطوارئ و القوانين الأستثنائية، وافراغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي .
و كما يجري في العراق حتى الآن و رغم جهود مخلصة . . بتأثير الصراع الدموي الجاري بين ارادات متنوعة اكبر لاتبالي بمصير و حق شعبه باطيافه القومية والدينية و المذهبية، في عيش آمن كريم بعد سقوط الدكتاتورية . . العراق الذي يدفع تضحيات جسيمة لأهميته القصوى لإستقرار و ازدهار عموم المنطقة . . بعد ان صار في ظروف الزمان و المكان، مركز التغيير في الشرق الأوسط، كما كان قد دعى اليه و وصفه السياسي البريطاني المعروف هارولد ماكميلان (3) في مذكراته الصادرة في مطلع الثمانينات، من اجل تحقيق استقرار للمصالح الغربية في المنطقة على حد تعبيره  . . الاّ انه صار في الظروف الحالية، ساحة تتصادم فيها كل القوى الفاعلة في المنطقة، دولياً واقليمياً . (يتبع)

24 / 11 / 2010 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   و هو من ضمن المشاريع المتنوعة التي ناقشتها مؤتمرات " الشرق أوسطية " و المؤتمرات و الفعاليات المتنوعة العائدة لها ـ اقتصادية، ثقافية، سياسية وغيرها ـ و التي ابتدأها مؤتمر مدريد عام 1991 برعاية الملك خوان كارلوس اثر التبشير بهبوب رياح (الديمقراطية الجديدة) على العالم، و لوضع رؤى جديدة لما ستكون عليه منطقة الشرق الأوسط، وعقدت مؤتمرات لاحقة لها في الدار البيضاء، عمّان، الدوحة وغيرها، وشاركت فيها دول عربية و اوربية و آسيوية متعددة و اسرائيل و تركيا . . 
2.   لكونه مشروعاً قائماً على اساس ديني طائفي ابتداءً، يفتت طاقات المنطقة و يسلبها روحها ويحيلها الى ساحة صراعات دموية لاتنتهي، قد تدفع الى نشوء كيانات طائفية اسلامية، و كيانات مسيحية او دولة مسيحية، كما خططت دوائر اسرائيلية لدولة لبنان في الثمانينات و فشلت، فعملت على انشاء كيان انطوان لحد بميليشيات جيش لبنان الجنوبي في جنوب لبنان، الذي انتهى ايضاً بانسحاب اسرائيل من جنوب لبنان .. حيث لم تؤديّ تلك المشاريع الاّ الى زيادة الفرقة و التعصب و العنف الذي لاينقطع . .
3.   رئيس وزراء بريطانيا للفترة يناير كانون 1957 ـ اكتوبر 1963 ، الذي عاصر ثورة 14 تموز 1958 و انقلاب شباط الدموي عام 1963 ضدها في العراق ، حين لعبت الحكومة البريطانية برئاسته ادواراً هامة في مواجهة ثورة 14 تموز و التخطيط وتنفيذ الأنقلاب المذكور عليها. 


153
" سيدة النجاة " . . انهم يقتلون روحنا الحيّة !
          ـ 1 ـ
                              د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net


رغم كل آلام العراق و تواليها . . اثارت مجزرة كنيسة " سيدة النجاة " مشاعر الألم والإستنكار و السخط، كفعل ارهابي للأسلام السياسي من جهة، و كعملية قاصرة لـ (انقاذ رهائن) من جهة اخرى . .  راح ضحاياهما العشرات قتلى و جرحى، رجالاً و نساءً و اطفالاً، اضافة الى رجال الدين العاملين في الكنيسة . . و هم يؤدون مراسيم العبادة الكنسية في دور العبادة التي عاشت قروناً طويلة دوراً للأمان و السلام، في العراق و المنطقة .
واضافة الى ما اشاعه ذلك الفعل الشنيع من مشاعر الحزن و السخط والغضب عبّرت عنه و لاتزال وسائل الإعلام في العراق و المنطقة و العالم، وعبّرت عنه نشاطات و فعاليات استنكار و تضامن جماهيرية في العراق و العالم، فإنه ترك شعوراً خطيراً بتنامي فتنة اجتماعية و دينية مباشرة في العراق و في عموم الشرق الأوسط . . و ترك قلقاً و تقديرات و تساؤلات كبيرة .
و فيما ترى اوساط كبيرة ان ذلك العمل الذي جاء بعد سلسلة من اعمال التمييز و التدمير و التهجير على اساس الهوية الدينية، بكونه صار يشكّل انذاراً بحجم المخاطر التي تهدد اسس و هياكل ثقافة و وعي و كينونة البلاد و المنطقة . . فإنهم يذكّرون من يحاول استعارة التأريخ، بأن تأريخ الشرق و الغرب حافل بتقديره للقيمة الإنسانية الكبيرة لدور العبادة، التي حمتها و عاملتها حتى جيوش الدول المتحاربة ـ وليس ابناء البلد الواحد فحسب ـ . .
عاملتها برأفة و احترام و سعت الى منحها الحماية و الى ان لاتمس حرمتها و حرمة حدودها و شعائرها و لا يُمس اللاجئين اليها . . عدا ماجرى من جرائم في الحروب و العمليات القذرة و كما في التأريخ القريب، التي ادانتها اللوائح الدولية وعاقبت مرتكبيها (1) و جددت اعلانها عن اعتبارها بيوت امن و رحمة، حتى اعطاها عدد بارز من دول العالم المتحضر الحق في منح حق اللجوء لبلدانها و منحها حق حماية من يلتجئ اليها  .   
و اضافة الى ما نادى به القرآن و النبي العربي من احترام الإسلام لأهل الكتب السماوية، ولأهل التوحيد، يحدّث التاريخ عن امثلة لاتنسى، عن انسانية الأديان و انحيازها لقضية الإنسان المعذب و المظلوم في مشارق الأرض و مغاربها . . ومن المواقف التاريخية للخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب، في حماية دير سانت كاترين في سيناء و منحه الأمان، وتعويض عامليه في مصر للأقباط مما لحق بهم من امبراطورية الروم . . و تأييد الرهط المسيحي للأمام الحسين في دعوته للحق و استشهاده معه . . في عهود العنف و القسوة التي دارت تحت رايات المعتقدات و الأديان في العصور الوسيطة، عندما كانت الأديان رايات الفقراء للتحرر و الإنعتاق وخير البشر، في مواجهة الرقّ و مالكي العبيد و الذهب، من حكّام تلك المراحل التأريخية .
الى وقائع الكفاح المشترك ضد المعتدين و الإستعمار و الإستغلال التي واجهوها و استطاعوا تحقيق الإنتصار و الحد من ظلمها، بوحدتهم بأختلاف اديانهم و مذاهبهم و تحت رايات اوطانهم و هم كتفاً لكتف في انتفاضات و اضرابات و سجون و معتقلات و ميادين كفاح سياسية و مسلّحة برز منهم قادة نشطوا و قادوا و واجهوا الموت في سبيل قضية الشعب . . من القائد الشيوعي الكلداني العراقي يوسف سلمان فهد و رفاقه، كوريل المصري القبطي، جورج حاوي المسيحي الآرثودوكسي، سليمان يوسف ابو عامل و توما توماس الكلدانيين . . الى القادة القوميين التحررين من جورج حبش و حداد المسيحيين وغيرهم و عشرات و مئات من شخصيات و مناضلي و مفكري و وجوه المنطقة باديانها و مذاهبها و اجتهاداتها، و بشعارات تآخي " الهلال مع الصليب " .
و حتى انقاذ الكنائس ارواح العشرات من المسلمين، وانقاذ الجوامع ارواح عشرات المسيحيين  . .  الملاحقين في مواجهات مع الآلة العسكرية الإسرائيلية . . التي كان اكثرها طراوة في الذاكرة ما حدث في سنوات هجوم شارون و مباشرته بالتدمير و اعلانه الحصار على ماتحقق للفلسطينيين ـ مسلمين و مسيحيين ـ من حقوق اكتسبوها بوحدة الدم و المصير .
   اضافة الى ما يعيش عميقاً في الوجدان من الملاحم و قصص الهيام و الحب النبيل التي اصطدمت بالقيود الدينية ـ الإجتماعية و صارت الأجيال تتناقلها مآثراً . . مآثر ادّت بمراجع دينية كبرى مسلمة و مسيحية و يهودية و غيرها . . الى ان تكون اكثر تسامحاً و رفقاً، نزولاً عند المشاعر الإنسانية السامية و حقوق و عواطف البشر، و الكثير الكثير الذي لايحده حدّ فيما تناقل و كُتب، و يربيّ اجيالاً و اجيال . . و يشكّل الروح الحيّة في العراق و في عموم منطقتنا .
و الى ملاحم و اعمال بطولية عاشوها جميعاً و معاً من اجل حق الإنسان في بلادنا و المنطقة في عيش كريم و في سلام، في مواجهة مخططات كبرى تستمر و تحاك . . و تطلق اليوم بأسم صراع الحضارات و الأديان، و نشر دعوات التطرف و الإنحياز للهويات الضيّقة و للأعراق الأصولية المدمّرة بتطرفها و انغلاقها، بأسم (الحقوق) و الحقوق من صورتها المطروحة براء . . في محاولات محمومة متنوعة الهياكل و المسميات . . لحرف الصراعات الإجتماعية المطلبية و الطبقية عن خطها الأساسي، في النضال من اجل الحرية و التقدم و العدالة الإجتماعية . (يتبع)

19 / 11 / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   كالفاعلين من المسؤولين النازيين، الصهاينة، غلاة المتطرفين من الصرب في كوسوفو و بوزنيا، و الروس في الشيشان و غيرهم .


154
    
نحو انقلاب، أم كيف . . ؟ !
       ـ  1 ـ
                                                                                              د. مهند البراك
                                                                                         ahmedlada@gmx.net

رغم تغيّر العالم . . يتداول العراقيون و يتذكرون و يقارنون . . الجمهورية الأولى بقيادة الزعيم قاسم التي لم تستمر سوى 4 سنوات، لكنها حققت الكثير لأوسع الأوساط الشعبية بكل الوان طيفها القومي و الديني و المذهبي على طريق التحرر و التقدم و تحت لافتة " الجمهورية العراقية الخالدة "، و يتذكرون بمرارة حكم انقلاب شباط الأسود عام 1963 الذي لم يدم سوى 8 شهور، اجهز خلالها حزب البعث العراقي على تلك المكتسبات، و ابرم اتفاقيات النفط الجديدة لصالح الإحتكارات الأميركية ـ الغربية التي عملت بكل جهدها لإسقاط الجمهورية الأولى، من اجل ذلك .
   تعيش البلاد رغم انواع الوعود بالبشائر . . تعيش حالة تتصف بتعليق الدستور و وضعه على الرّف من الأطراف المتحكمة، جمود البرلمان، تمسك اصمّ بالمحاصصة الطائفية و بالنتائج المؤسفة العرجاء لأنتخابات آذار، وفق وصف الناطقين الرسميين لأكثرية الأطراف المهيمنة ذاتها في جدالاتهم، من جهة . . و بدلالة عدم اتفاق الفائزين فيها، رغم اتفاقهم المسبق على شروطها  و على اهداف مسيرتها، من جهة ثانية .
و تشهد البلاد نشاطاً محموماً و اعادة تنظيم و اصطفاف للميليشيات الطائفية المسلحة التي تشحذ اسلحتها مجددا (و هي اكثر تنظيماً من الحرس القومي سئ الصيت عام 63، و جهاز حنين الصدامي عام 68)، اضافة الى تصاعد نشاطاتها الإرهابية المتنوعة مؤخراً. . التي تبدو للكثيرين بكونها سائرة في تناغم و اتّصال بالخط البياني المتعرّج المتسارع للعلاقات الأميركية ـ الإيرانية ـ (العربية / التركية)، وسط تزايد اخبار عن تحركات و عمليات انذار لوحدات قوات عسكرية بعينها في بغداد .
في وقت يرى فيه كثيرون تزايد الهمّ و النقمة الشعبية على ما آلت اليه الأوضاع و على حالات الضياع التي لا تتوقف، لأسباب متنوعة منها : عودة الإرهاب، الضائقة المعاشية و مضاربي السوق السوداء، التضييق المتواصل على البطاقة التموينية، تواصل التشرد و التشريد و التهديد على الهوية . . . و من جانب آخر ملاحقة الصحافة و الصحفيين و التضييق على الصحف التي تتبنى عرض المطالب اليومية، سواء بطرق قانونية او بغيرها، تصاعد اغتيالات الناشطين بالكواتم . . فيما قطعت المخصصات عن النقابات و جرى حل اللجان النقابية غير المطيعة، كما في اتحاد نقابات عمال النفط . .
ليتشكّل واقع كثير التناقض، اساسه ابتعاد الواقع الشعبي عن واقع و ادوات تشكيل الدولة و مكوّناتها التي انعزلت في مشاكلها فيما بينها و في الأطماع الفردية و الأنانية، بعيداً عن تلبية المطالب اليومية للأوساط الواسعة . واقعٌ . . صار فيه الصمت و الخوف و الهروب اسياد اللحظة، بعد ان صارت شروط الإستحواذ المناطقية و المحلية على ثروات البلاد، تحت غطاء المحاصصة الطائفية العرقية هي المتحكمة بيد الأطراف المتنفذة، و بالإحتكام للقوة و العنف وليس لصناديق الإقتراع . . الأمر الذي جعل اوساطاً ليست قليلة تترحم و للأسف على عهد الدكتاتورية المقيت !!
في وقت . . تشهد البلاد فيه، ان القوى الدولية والأقليمية المتصارعة فيما بينها حد اللعنة، نافذة في حكم البلاد و العباد و لاتحتاج الى تنظيمات تتحرك في الظلام و لا الى مفاجآت، لأن البلاد موضوعة في مزاد علني . . في مرحلة يصفها مراقبون و كأنها مرحلة استلام و تسليم عسكري (جزئي او بالتوافق ) بين القوات الأميركية النظامية(1) التي تريد الإنسحاب من جهة . . و بين القوات الإيرانية سواء المجسدة منها بالميليشيات العائدة الى فيلق القدس مباشرة، او بالميليشيات الدائرة في فلك قراراتها، سواء كانت (شيعية) ام (سنية) . . و بين قوات الجوار الأخرى المشابهة و ان بدرجة اقل، من جهة اخرى .    
   و تشهد . . تمرير عديد من القوانين والأحكام و الإتفاقات العسكرية و السياسية و النفطية . . بغياب سلطة شرعية تحكم، لأن الحكومة القائمة منتهية ولايتها، وفق الدستور المعتمد. . وكأن ما يجري يحمل رسالة تفيد ان حكم العراق سيستمر حكماً استثنائياً كما كان، تشهد عليه وثائق ويكيليكس (2) . . التي تعلن فيما تعلن، ان جهات كثيرة التنوع تتابع و تكشف ما دار و يدور في العراق منذ سقوط الدكتاتورية، وتسلم مجلس الحكم البريمري للسلطة و الحكومات الدورية المتعاقبة التي حكمت باسم المحاصصة الطائفية  و عملت على تكريسها في البلاد . .  
وفيما يرى قسم ان البلاد بأوضاعها آنفة الذكر، قد تشهد انقلاباً عسكرياً لتثبيت " متنفذين " في الحكم، خاصة و ان عدد الوحدات المسلحة النظامية العراقية صار كبيراً جداً من جهة، اضافة الى الأعداد الكبيرة للميليشيات المسلحة، كمّاً و نوعاً و تجهيزاً و مالاً . . انقلاباً قد ينجح بتقديرها ان تم له ضمان تأييد قسم من الميليشيات، و تحييد القسم الآخر . .
ترى جهات خبيرة صعوبة تحقيق ذلك لصعوبة و انعدام توفر خطاب و راية لـ "طرف متنفذ حالياً " ، تستطيعان لفّ العراقيين باطيافهم رجالاً و نساء حولهما . . لتحول البلاد عملياً الآن و بعد مسيرة اكثر من سبعة اعوام منذ سقوط الدكتاتورية  . . تحوّلها الى شبه كانتونات طائفية ـ عرقية مسلحة، لها زعامات يمكن القول انها ثبتت نفسها في مناطقها طيلة المسيرة، منطلقة من تمثيلها للأكثرية العرقية المذهبية في المنطقة المعنية، وفق نظام المحاصصة و بالقوة و التهديد، رغم التنوع و التفاعل القومي الإثني، الديني المذهي فيها ، طيلة عقود طويلة.
و لكل من زعامات الكانتونات ظهير من دولة اقليمية مجاورة مقتدرة او اكثر ، من الدول التي تتعامل معها الإدارة الأميركية بدقة كبيرة و تسعى لضمان تأييدها لها او حيادها في ملف العراق على الأقل. لذا فإن اندلاع تمرد مسلح ما في منطقة ما ـ بضمنها العاصمة ـ ، لا يمكن ان يسرى بسهولة ليشمل كل البلاد، كما كان يحدث في عقود سابقة. و ان حدث فإنه لن يتسبب الاّ بمزيد مؤسف من نزيف الدم و يصيب من يقوم به بأشد الأضرار (3) . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   لأن القوات الأميركية (المدنية) غير النظامية، والمؤتمرة بأمرها مستمرة في الوجود و التزايد .
2.   رغم التعتيم على اجزاء هامة منها، ورغم مصالح متصادمة لأطراف متنوعة تحاول الإستفادة منها، كل على طريقته.
3.   في خضم حالة من جمود واقع ما و استعصاء تنفيذ حلول ما، ان استمر السير على سكة المحاصصة الطائفية . . كما حدث في حالة الجمود على الدكتاتورية رغم قرار اسقاطها دولياً منذ غزوها للكويت عام 1990 ، الذي استمر الى ان تم اسقاطها بالغزو العسكري بعد دورات و محاولات و حصارات. . و في العالم، كما حدث في ازمة بورما " ميانمار " الغنية بالذهب و النفط و الماس عام 2007 التي حلت ازمتها حلاً مؤقتاً الى تأريخ مسمىّ، بتوافق القوى الدولية الآسيوية و الغربية. وكما يحدث في زيمبابوي الماس و المعادن الثمينة، و الكونغو الغنية بالنفط وبالتينتيوم و باثمن المعادن في التكنولوجيا المتقدمة، التي تقسمت و تحولت الى اجزاء و اجزاء لاتزال تتحارب  منذ مقتل الزعيم الوطني لومومبا عام 1961 .

ـ 2 ـ
                           
من ناحية أخرى . . يرى متخصصون انه فيما برزت مخاطر انقسام ـ او تقسيم ـ البلاد في كل ظرف صعب مرّت به البلاد و دولتها، منذ قيام دولة العراق الحديث، و بتحريك و ارتباط بسياسات و اطماع دول المنطقة، من ايران و تركيا و الى عدد من الدول العربية ـ اضافة الى الدوائر العسكرية الإسرائيلية ـ ، حيث تم طرح مشروعات علنية وغير علنية و اخرى تستمر و تُعدّل . . من السابق و حتى الآن لدوائر ستراتيجية غربية تبحث في شؤون المنطقة (1) . . يستمر عدد منها بعد ان انتهى عدد آخر  في اوقاتها بأن لجمتها مصالح الدول العظمى، التي ادّت حتى الى اعادة احتلاله . . مثلما قامت به القوات البريطانية، اثر الفشل المؤسف لحركة مايس 1941 و اعدام العقداء الأربعة . .
فإن مخاطر الإنقسام و التقسيم قائمة الآن في عالم المتغيرات . . قد يردعها الوجود العسكري الأميركي ـ النظامي و غير النظامي ـ من جهة. ومن جهة أخرى الإتفاقية الأمنية الستراتيجية الأميركية ـ العراقية، اضافة الى حاجة اكثر الأطراف المتنفذة الداخلية الآن، للدعم الأميركي لأهداف و اغراض كثيرة التنوع تخصّها هي، رغم اعلان عدد منها بغير ذلك . . و تعويل قسم منها على الدعم الإيراني وقسم آخر على دعم اوساط سعودية ـ عربية . . الذي يأتي بالحالتين بصفة دعم مالي فلكي او ارهاب ميليشياتي ديني طائفي، كما حصل مؤخراً في المجزرة المؤلمة التي راح ضحيتها الأخوات و الأخوة المسيحيين المتعبّدين في كنيسة " سيدة النجاة " في بغداد، و التي تلاها سقوط مئات المدنيين رجالاً و نساءً ضحايا العمليات الإرهابية التي شهدتها احياء العاصمة بغداد قبل يومين . .
التي دللت على تصاعد الأرهاب، و دللت آلياتها على الضعف المؤسف لسيطرة الحكومة الأمني، وعلى تأثيرات امتداد حالة اللاإستقرار و عدم توصل الفرقاء الى تشكيل الحكومة الجديدة بعد الإعلان عن نتائج انتخابات آذار المنصرم، و اوصلت كثير من الأوساط في الظروف شديدة الحراجة المتواصلة طيلة سنوات، الى تقبّل وجود القوات الأميركية و استمرار فاعليتها بتقديرها. . لضمان امنها و حياتها ، اللذين لايتحققان حتى الآن .    
واضافة الى ان الطرف الكوردي هو الوحيد الذي يعلن بوضوح قلقه من احتمالات تجدد النزاع العربي ـ الكوردي في العراق (2) في حالة انسحاب القوات الأميركية، استناداً الى واقع سهولة التهاب " المناطق المتنازع عليها " . . فإن النجاحات التي يحققها الحزب الجمهوري على منافسه الديمقراطي بقيادة أوباما في الإنتخابات النصفية للكونغرس و لمجلس الشيوخ الأميركيين، و ما سيتبعها .
صارت كلّها بتقديرهم، تشكّل سبباً هاماً الآن لدى الإدارة الأميركية لتواصل وجود قواتها في البلاد الذي ترغب به اطراف متنفذة في الإدارة الأميركية لضمان اهدافها و مصالحها في العراق و المنطقة رغم شروعها بسحب قسم من قواتها من جهة، و ترغب به اطراف اقليمية ايضاً بعكس ادّعاءاتها من جهة أخرى . . سبباً يتلخص بـ  ـ حاجة الأطراف العراقية لأستمرار وجودها العسكري ، لتحقيق " الإستقرار" في بلادها ـ، و الذي يشكّل نجاحاً لما يطرحه فريق عمل نائب الرئيس الأميركي اوباما " جوزيف بايدن" .
الذي شكّل وصوله الى منصب نائب الرئيس اوباما، عدم ارتياح بالنسبة لعديد من الاوساط العراقية الرافضة لفكرة التعاطي مع فكرة تقسيم العراق, و التي ترفض حتى الفيدرالية، رغم انه قد يشكّل حلاً فيه واقعية في الظروف المتغيّرة و المتقلبة لعالم اليوم و للمنطقة بنظر الأوساط التي ترى أن خطة بايدن لاتذهب بعيدا في تقسيم العراق، بقدر ماتقترح حلا لتجاوز الصراعات المدمّرة العرقية بين العرب والأكراد والطائفية بين السنة والشيعة ـ راجع خطة بايدن في (1) ادناه ـ .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   في التالي نبذة سريعة عن تلك المشروعات :
ـ عام 1943 . . مشروع المستشرق البريطاني المعتمد " هاملتون كاب "،الذي  دعا فيه إلى تقسيم العراق، وإقامة دويلات للعرب والأكراد فيه، اثر حركة مايس 1941 و تصاعد المد القومي العربي التحرري في العراق .
ـ عام  1982 . . خطة الباحث الستراتيجي الإسرائيلي " اوديد ينون "، المتضمنة  تقسيم العراق إلى دولة عربية في الوسط ودولة كردية في الشمال ودولة شيعية في الجنوب. راجع (مجلة كيفونيم) الإسرائيلية عدد شباط 1982
ـ حزيران 1982 . . مشروع صحيفة (هاأرتس) الإسرائيلية، الذي نص على " أن تقسيم العراق إلى ثلاث دول أحداها شيعية، والثانية سنية ،والثالثة كردية، هو من صميم المصلحة الإسرائيلية، و ان دخول العراق الكويت وابتداء حرب الخليج الثانية، يمهّد لتقسيم العراق.
ـ في الثمانينات (خريطة أوزال للعراق) في جريدة " حريت " التركية، حيث كان رئيس الوزراء التركي توركوت اوزال من أبرز الداعين إلى تقسيم العراق على أساس عرقي، كـ (شعوب عراقية)، ثم جمعه في كونفدرالية عربية كردية تركمانية ـ راجع أ . العلاف " وحدة العراق في عالم متغيّر" ـ  . . فيما نشرت وكالات الأنباء العالمية حينها خطط الجيش التركي لأجتياح شمال العراق ـ كوردستان العراق ـ لإحتلال كركوك و آبارها النفطية براً مستفيدة من المعاهدة العسكرية الأمنية العراقية ـ التركية آنذاك، فيما تقدّم الجيش التركي داخل الأراضي العراقية متوغلاً بعمق 20 كيلومتراً ضاغطاً بذلك على حركة المعارضة الكوردستانية ـ الوطنية ضد الدكتاتورية .  
 ـ عام 2006 . . الوثيقة العلنية الرسمية الأميركية رقم 16 لتقسيم العراق، نشرتها " مجلة القوات المسلحة الأميركية " مع خريطتها للمنطقة / عدد تموز 2006 ، المسماة بـ "وثيقة الكولونيل رالف بيتر " والتي ترسم تقسيماً جديداً للمنطقة يتضمن تقسيم العراق إلى دويلات طائفية متنازعة، عبّرت عن رؤية المحافظين الجدد لشرق اوسط جديد، بنظر متخصصين  . .
ـ 2007 . . دعوة السناتور "جوزيف بايدن" ، نائب الرئيس الأمريكي اوباما حالياً، الى تقسيم العراق الى ثلاث مناطق كردية وسنية وشيعية، تتمتع كل منها بحكم ذاتي ـ فدرالي، في اطار دولة فدرالية موحدة ، مستفيداً على حد دعوته من نموذج البوسنة عام 1995 ، كجزء من خطة للانسحاب العسكري و اعادة تنظيم القوى، وعقد حلف عدم اعتداء على مستوى المنطقة . و قد رفض الإقتراح . . لأن فكرة التقسيم يعارضها العراقيون، اضافة الى غالبية الدول العربية و تركيا، يضاف اليها تقديرات المحللين السياسيين التي تفيد و توصف ، " أن تقسيم العراق قابل لأن يجر إلى سفك هائل جديد للدماء في العراق و في الدول و المناطق المجاورة؛ فرغم تواجد السنة العرب كأغلبية في غرب العراق و كذلك الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب، تظل مدن العراق متميزة بتمازج كياناتها الطائفية والقومية . . و لا تمتلك خطوطا واضحة تفصل كل فئة أساسية عن غيرها. بل أن المدن العراقية في الفترة الأخيرة أصبحت أكثر تجانسا من السابق من حيث الاثنيات وعانت المناطق المحيطة ببغداد الكثير من التطهير الاثني " .
2.   اضافة الى مايجر الى نزاعات و صدامات اقليمية ـ كوردية ، و صراعات بين دول التواجد الكوردي " كوردستان ".



ـ 3 ـ

و على ما تقدّم يرى متخصصون . . ان الحلول للوضع الإستثنائي المستعصي القائم، قد ترتكز على " تقسيم السلطة الفعلي " و ليس مركزتها بيد مكوّن واحد و بالتالي حزب واحد يؤدي الى سلطة حاكم فرد . . و ترتكز على اساس دولة اتحادية فدرالية كما في فقرات و جوهر الدستور ـ تقوم على فدرالية الوحدات الإدارية العربية وفدرالية كوردستان ـ و على الغاء نظام المحاصصة الطائفي، الذي انتفت الحاجة اليه و صار عائقاً مدمّراً يقسّم البلاد و مكوّناتها و يؤدي الى تصادمها بدلاً من هدف : احقاق حقوقها و تساوي تلك الحقوق على اساس المواطنة . .
الاّ ان " تقسيم السلطة و ليس مركزتها " يصطدم بما تدفع اليه الأنظمة المتحكمة من دول المنطقة الشديدة المركزية، التي جعلت من الحكم الذي بيدها كما لو كان حقّاً مقدّساً للحاكمين و لعوائلهم، بأشكال و طرق و آليات متنوعة بتنوع تلك الأنظمة ـ سواء كانت جمهورية شمولية، مدنية او دينية، فردية معلنة او خبيئة وراء دستور من كرتون . . او ملكية .
الأنظمة التي تؤدي التدخلات العنفية لدوائر تعود لها و التي لاتتوقف منذ اكثر من سبع سنوات، للضغط نحو مركزة السلطة في العراق و نحو عودة نظام (القائد الضرورة) على غرار نظام الدكتاتورية السابق، في سعيها للحفاظ على نظامها الإقليمي . . و اتّقاءً من عدوى التغيير و التحديث الذي تخوض غماره البلاد، او سعيها لإفراغه من محتواه، مخافة احتمالات تسربه الى داخلها هي، وهي تواجه معارضاتها الداخلية التي تطالبها بالتحديث و التمدن . .
مسخّرة و مشجعة لذلك . . العنف و القتل الجماعي على الهوية، بالنفخ بالفتن و إشاعة صراع الأديان و الطوائف و الأعراق في البلاد (1)، متخذة من حالة العراق القائمة اليوم . . " صورة عدو " تعمل على ادامتها ـ إدامة حالته المؤلمة الراهنة ـ ، و تعمل على تحشيد نشاطات معارضاتها الداخلية للمشاركة بها بتوجيهها ضدّ ـ صورة ذلك العدو ـ  و تسهيل تجنيدها و التسلل لتخريب ـ ذلك العدو الخارجي (الشبحي) ـ الذي يهدد (الأيمان و الشرف)(2)، لأمتصاص النقمة الداخلية عليها من ناحية، و تحويلاً لنشاطات تلك المعارضات الداخلية من مواجهتها لها في دارها، الى النشاط خارجها لتحقيق شعاراتها بـ (الحرية و العدل) في الخارج و ليس في دارها ؟!(3).
من جهة أخرى . . و بعد تجارب مريرة لأكثر من سبع سنوات . . ترى اوساط واسعة ان تشكيل الحكومة الجديدة بشكل ناجح لابد وان يشرك كل قوى التغيير الساعية لعراق قوي موحد ذي سيادة، من داخل و خارج العملية السياسية، يأخذ بالأعتبار نتائج الإنتخابات ولا يلتزم بها حرفياً ! على الأقل الآن  . .
مقابل الإتفاق على برنامج وطني يعمل على تحجيم و ابعاد مخاطر الأطماع و الهيمنة الإقليمية و الدولية اللامحدودة من جهة، و على ابعاد مخاطر الإرهاب و شبح اندلاع حرب جديدة . . و تحقيق انسحاب ناجح للقوات الأميركية، من جهة اخرى .  
تشكيل حكومي يقوم على اساس الوطنية و الكفاءة المهنية و النزاهة، من كل الهويات الوطنية و الأجناس، يتبنى و ينفّذ المطالب المعيشية الأساسية للعراقيين بكل مكوناتهم و يعمل على اعادة بناء الإنسان العراقي و البلاد المخرّبة بالحروب و الفساد و النهب، و يرفع قدرتها على مواجهة و انهاء الإرهاب، ويجسّد تساوي الحقوق لأوسع الجماهير الكادحة بالوان طيفها على هوية الإنتماء للوطن، على اساس احترام الأديان و المذاهب و السعي لتعايشها بأمن و سلام . . تشكيل يخرج بالبلاد من اطار المحاصصة الطائفية الخانقة المدمّرة، التي ادّت الى نتائج تعيشها البلاد نكبات . . طيلة اكثر من سبعة اعوام و صارت مطالباً تعكسها نشاطات شعبية متصاعدة . .
و ترى اقسام أخرى ان ذلك يمكن ان يتحقق عبر اتفاق سياسي بين كل القوى السياسية الناشطة، وعبر مؤشرات نتائج الإنتخابات الأخيرة . . اتفاق على تشكيل حكومة جديدة قائمة على ضمان وجود معارضة دستورية تشارك في الحكم و تعمل من موقعها كمراقب مسؤول  . . على اساس كتلة حكم (من كل المكونات القومية والدينية و المذهبية . .) و كتلة معارضة ( من كل المكونات عينها) تحت قبة البرلمان (4)، على اساس نبذ العنف و الثارات التي لاتنتهي .
و على حقيقة ان الدكتاتورية لم تسقط من قبل طرف عراقي بذاته و لوحده ليستأثر وحده بالحكم، مهما قدّم من تضحيات في زمن معارضة الدكتاتورية الظالمة، وان الدكتاتورية تكونت في حينها من فئات من كل المكونات، فئات ارتضت و ائتمرت بأوامر الدكتاتورية لتحقيق مصالح انانية لها على ابناء جلدتها، و توزّع ظلمها بالتساوي على كل المكونات . . الأمر الذي يتطلب فرز مجرمي الدكتاتورية من كلّ المكونات العراقية و سوقهم للقضاء، عن المغرر بهم و الضحايا .
حيث رغم اختلاف حجم التضحيات، و جريان تعويضها المتفاوت و اعاقة قسم منها منذ سقوط الدكتاتورية و حتى الآن، وفق معاني الدستور و بفقرات واضحة بشأنها . . الاّ ان التعويضات اخرجها متنفذون كبار عن حدودها القانونية بأسم المكوّن المظلوم، و استأثروا بها بأنانية خطيرة صارت تهدد بمخاطر اكبر مما جرى و يجري .
الأمر الذي قد يشهد اعادة تنظيم حقيقي لقوى البناء الموجودة، و اعادة لقاءها و اجتماعها على اسسٍ و علوم و معارف للحكم وليس لتحقيق مكاسب فردية و فئوية . . الذي سيحتّم الكف عن الأستمرار بالنشاط على ذات الأسس التي ناضلت و عبّئت بها لأسقاط الدكتاتورية، من جهة . . و يؤدي الى تفتيت و عزل الفئات و الشخصيات الأنانية و المصلحية التي تتضرر من وجود و تطوّر نظام قانوني و قضاء مستقل .
و ترى اوساط واسعة بان على القوى المتنفذة القائمة على اساس تمثيل طائفة بعينها، عليها ان تستجيب لمطالب كادرها لتجديد بنائها ، على اساس احزاب ذات برامج سياسية تتنافس على اهداف و مشاريع سياسية و ليست طائفية ـ راجع ماتنشره وسائل الإعلام الداخلية و الإقليمية و غيرها ـ . . كي تستطيع تحقيق ما ترفعه من اهداف، و تجنباً للمخاطر التي تنجم من التناقض بين سياستها المعلنة و بين اسس بنائها الطائفية، الأسس التي ان نجحت في التحشيد لتحدي الدكتاتورية فإنها قد لاتنجح في بناء بلد يشهد تكالباً دولياً و اقليمياً هائلاً . .  الأسس التي قد تجرّ الى نكبات جديدة للبلاد . .  
وعلى ما مرّ فإن تشكيل الحكومة الجديدة لابد وان يأخذ بنظر الإعتبار اهمية التعايش مع دول الجوار و تطوير الروابط و المنافع المتبادلة معها على اساس التوافق، و مع الدول العربية و مظلة الجامعة العربية . . على اساس احترام السيادة الوطنية العراقية، و اعادة تقييم و توثيق المعاهدات معها بإشراف هيئة الأمم المتحدة و جامعة الدول العربية، على طريق تطوير النظام الإقليمي  و المساهمة في النظام الدولي وفق المبادئ و المواثيق المعمول بها دولياً، على اساس السلم و ابعاد خطر الحرب و الأسلحة النووية و اسلحة الدمار الشامل، من اجل رفاه و ازدهار للجميع . . و اسهاما في اقامة نظام دولي  اكثر عدلاً .

 7/ 11 / 2010 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   سائرة ومشجعة ـ شاءت ام ابت ـ مخططات و سياسات الدوائر العسكرية الأكثر عدوانية الغربية و الصهيونية . . و خططها الستراتيجية في تحويل الصراعات الإجتماعية و الطبقية الى صراع الحضارات و الأديان و المذاهب و الطوائف و تطبيقاتها في المنطقة، مستغلة عواطف و موظفة نتائج سياسات تجهيل اوساط فقيرة واسعة من الأكثر تعصباً و حاجة .  
2.   لأن العدو الحقيقي لأبناء تلك الدول هو في داخلها و يكمن في اجهزة انظمتها و قوانينها المتنوعة التعصب، اللابسة رداء الدين و الدين منها براء . . ولأن عدوها الحقيقي هو الإستغلال و الجشع و قمع حرية الفكر و التجهيل، وقمع التنوير و الإطباق على الدين الداعي الى التسامح و التعارف و الإجتهاد و العلم و المعرفة .
3.   كما حصل و يحصل من آليات حاولت و تحاول بها توظيف القضية الفلسطينية لتلك الأهداف، و آليات توظيفها للقضية الأفغانية و تجنيد " المجاهدين الأفغان "، وآلياتها في قضايا البلقان و الشيشان، والإسلام السياسي في المنطقة و الغرب . . كطرف في لعبة دولية كبرى .
4.   و هي ليست تجربة جديدة او فريدة في البلاد . . فقد عاشت البلاد في الزمان الملكي برلماناً تشكّل ـ على نواقصه ـ من كتل تحكم و كتل تعارض.  



155
وثائق " ويكيليكس " و تشكيل الحكومة الجديدة

د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

   فيما يرى كثيرون ان وثائق " ويكيليكس " لم تأتِ بجديد فالأمور معروفة وليست غائبة عن معرفة و اذهان العراقيين برجالهم و نسائهم، و هم يعيشون رعبها اليومي و يعانون الضياع، عدا فئات و اصحاب مصالح مستفيدة، رغم القليل الذي تحقق مقارنة بحجم التضحيات و الخسائر بالأرواح و بالنفوس والممتلكات  . . في وقت لاتبالي فيه جهات متحكمة داخلية واقليمية و دولية بمرارة ما يدور ما دامه يحقق لها طموحاتها الأنانية، عدا حذرها و خوفها من الفضائح التي قد تأتي في ظرف و وقت لايناسبها، حيث انها قد تتقاضى و تخسر فيه .
   ترى جهات سياسية و ذوو خبرات متنوعة، ان نشر تلك الوثائق في موعدها الذي اعلنه احد ابرز نشطاء الموقع " جوليان اسانج " (1) و بعد ان أُرسلت المواد الى الجهات ذات العلاقة ليتسنى لها ابداء الرأي قبل النشر في مهلة اسبوع، المهلة التي استفاد منها طقم خبراء البنتاغون و الـ سي آي ايه الذي سُميّ و خُصص لذلك حيث قام بتدقيق ـ و حذف و تعديل ـ . . ترى ان النشر لم يأتِ صدفة او اجتهاداً فحسب ، وانما كنتيجة لكثرة الإستفسارات و المطالبات التي صارت تملأ وسائل الإعلام المتنوعة في العالم و اذهان الشعوب و خاصة الشباب، حول حقيقة مايدور في العراق ـ و في افغانستان ـ . .
وانه يشكّل خطوة اعلامية كبيرة لكشف المستور عن نشاط الجهات ذات العلاقة . . سواء كانت اميركية ام عراقية، ايرانية او إقليمية أخرى . . و انه جاء في وقت جعله ان يكون ذا مرامي انسانية، سياسية و عسكرية بمديات متنوعة ،في مسار جهود تعمل على محاولة تعديل العمليات السياسية و العسكرية و الإقتصادية الجارية في العراق، الذي وصلت معاناته من التدخلات الخارجية بشؤونه، و من صراعاتها بينها سواء كانت ذاتها او صراعات من ينوب عنها في الداخل، و معاناة البلد من النهب و الفساد الإداري و الإرهاب، التي وصلت حدوداً ادّت الى جمود الوضع و استعصائه . . 
حيث ادّت الأوضاع الجارية الى ان تتحوّل المشاكل الداخلية من قضية سعي الى توافق داخلي بين القوى العراقية، الى قضية  صراع و توافق اقليمي ـ دولي معلن . . يصفه عدد من السياسيين بكونه ـ صراع من اجل نظام اقليمي جديد ـ . . بعد مرور اكثر من سبع سنوات على سقوط الدكتاتورية بالغزو الخارجي، تحت رايات الديمقراطية ! و بعد ان أُعلن ان البديل سيكون طريقاً للتحرر و التمدن ، قائماً على مؤسسات دستورية منتخبة ذات كلمة و فاعلية .
و ادّت الى ان تكون (متطلبات) تشكيل الحكومة الجديدة، تعليق البرلمان و الدستور عملياً بغطاء نظام المحاصصة الأصمّ الذي لم يثبت جدوى للبلاد . . بل جعل منها اسيرة للصراع الطائفي الإقليمي الذي صار ستاراً لإمرار الصراعات الحقيقية الجارية في المنطقة و في مقدمتها الصراعات التي يذكيها نظام ولاية الفقيه في ايران. فبعد ان وظّفت حكومة احمدي نزاد الغزو و اعلان الإحتلال الأميركي للعراق . . للتمدد فيه موظفة لذلك اذكاء و تسعير صراع الميليشيات الطائفي وفق مصالحها، بعد ان دخلت عليه و تفاعلت معه لتثبيت حكمها التوسعي داخلياً و قليمياً . . 
   ليصير العراق مسرحاً للصراع الأميركي ـ الإيراني بشكل اوضح من السابق، بعد ان دأب الطرفان على استخدام المناورات و الحيل السياسية المبنية على نتائج العنف و التلويح به، تحت غطاء صراع الميليشيات الأسلامية المسلحة ـ الشيعية، السنية ـ سواء بعضها ضد البعض الآخر على اساس طائفي اوبين ميليشيات تتسمى بطائفة بعينها على اساس احقيتها لوحدها بتمثيل تلك الطائفة . 
    اضافة الى توظيفهما الفرق الخاصة، الكواتم، الإغتيالات . . بعضهما تجاه البعض الآخر لأهداف آنية او ستراتيجية، على ساحة البلاد التي صارت ابرز ساحات الصدام المسلح بينهما، وقودها الأساسي ابناء العراق. في وقت يتواجد فيه اكثر من 50 الف من رجال القوات الأميركية المسلحة من اعلى الصنوف، اضافة الى اضعاف ذلك العدد من فرق الأمن الخاصة و الحماية المزودة باحدث الأسلحة و المعدات و الآليات الحربية البرية و الجوية، لتثبيت مصالحها بعد انسحابها العسكري، بضمان المعاهدة العراقية ـ الأميركية، التي ابرمها عن الجانب العراقي السيد المالكي .
و في وقت، صارت فيه حكومة نزاد تشعر بوطأة الحصار الدولي عليها، و صارت تركّز بشدة على دورها في المنطقة اعتمادا على ثبات وجودها و دورها في العراق من خلال تشديد الصراع الداخلي على تشكيل الحكومة العراقية الجديدة و من خلال الضغط على الأطراف (الشيعية) بميليشياتها للقبول بالسيد المالكي المصرّ على ترشيحه لوحده لرئاسة الحكومة الجديدة . . بما يضمن لها اهدافها الآنية و مصالحها من خلال نظام المحاصصة الطائفي العرقي، الذي صار قيداً جديداً تكبّلت به البلاد، بعد ان استنفذ اساس اعتماده ، لمن شرّعه بداية.   
فيما بدى لدوائر صنع القرار الأميركية، ان التقارب و شبه التهدئة للإتفاق على ترشيح السيد المالكي (2)، قد بدأ بالخروج عن الحدود المقبولة للأدارة الأميركية ـ سواء في ملف العراق او في اتصاله  بملفات خطيرة عالقة اخرى في المنطقة ـ . . اضافة الى خروجه عن الدستور سواء على صعيد ادارة الإنتخابات اصلاً، او على صعيد التوافق للم شمل البرلمان الجديد و تسمية الحكومة الجديدة بعد مرور اكثر من سبعة شهور على اعلان نتائج الإنتخابات، واستمرار حكومة منتهية ولايتها ادىّ الى انتعاش الأرهاب مجدداً . . فيما تنتظر جهات عراقية جديداً مفيداً من قرار المحكمة الإتحادية بخصوص الخروج عن الدستور و عن نصوصه .     
   من ناحية اخرى يرى مراقبون سياسيون، ان دوائر اميركية نافذة الآن، تشجع انتشار الإعلان عن وثائق ويكيليكس، وتدعو للتحقيق بمضامينها، لتحقيق نجاحات لحزب الرئيس الأميركي اوباما، الحزب الديمقراطي على منافسه الجمهوري الذي اشعل الحرب، في الإنتخابات النصفية الدائرة للكونغرس الأميركي . . من اجل دعم سياسة اوباما الداخلية و من اجل كونغرس يسمح بصرف التخصيصات التي تحتاجها ادارته للقوات الأميركية، و لسياساته . .


26 / 10 / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.   احد ابرز الجماعات المناهضة للحروب التي بدأت بالتجمع و النشوء منذ الحرب الفيتنامية، و فضيحة " وثائق البنتاغون " التي سرّبت عنها آنذاك وسط التظاهرات العارمة التي ادانت اشعال الحرب في فيتنام. وتقول بي بي سي عن "آسانج"  و هو يبحث عن ملاذ آمن الآن بعد هروبه من بلده استراليا بسبب الملاحقات و بعد احتجاز رفيقه في نشر " وثائق افغانستان" قيد التحقيق، بأنه " اعتبر بطلاً بعد نشره فضائح الحكام في بلدان كالصين وكينيا و غيرها، ولكنه الآن يُنعت بالخائن لانه فضح اسرار الغرب". علما انه كان سبّاقاً في نشر اسباب الأزمة المصرفية التي عصفت في الولايات المتحدة، ومن يقف وراءها، في حينها . 
2.   في اطار اقامة علاقة حسن جوار وفق قرارات لجنة بيكر ـ هاملتون . .  و ليس الإنبطاح امام الحكومة الإيرانية .

156
مخاطر العودة الى نظام " القائد الضرورة "
                                                                                                              د. مهند البراك
منذ اعلان نتائج انتخابات آذار و حتى الآن . . تستمر البلاد التي تعيش مآسيها رغم التصريحات المتضاربة للمسؤولين الكبار و للمتحكمين الدوليين والإقليميين بالقضية العراقية، التي تتحدث و تسوّف بالآمال و الآفاق . . لكسب الوقت الضروري لها لتحقيق اهدافها الآنية و المرحلية . وفيما اعتقدت الغالبية الواعية و الحريصة على سلامة البلاد ان الحكومة الجديدة ستتشكّل على اساس تآلف القوائم الأربعة الكبيرة التي تم الإعلان عن فوزها اثر الإنتخابات . التآلف الذي يمكن ان يصون وحدة البلاد و يعزز مؤسسات الدولة الناشئة . .   
   تستمر الخلافات و السجالات مستعرة بين القوائم المتنفذة، و تتواصل بشكل فاق المعقول على اساس تسمية اشخاص محددين و ليس على اساس خلافات على برامج . . و تسود فيها مناورات و تصريحات علنية في صياغتها، خفيّة و غامضة في معانيها و مراميها و بالتالي ارتباطاتها . . من جهة، اضافة الى تزايد ابتعادها عن واقع الحياة اليومية الصعبة التي ابتلى بها العراقيون نساءً و رجالاً، من جهة اخرى . .
   فبعد مرور اكثر من سبع سنوات مريرة، توضحت فيها حقائق مذهلة عن واقع و تطورات الواقع العراقي من جهة وعن ماهية المتحكمين في تكوينه و السير به، و ماهية المصالح الأنانية و الضيقة داخلياً واقليمياً و دولياً، اضافة الى تزايد الفساد و تواصل لغة العنف و القسر عملياً او تلويحاً.     
يزداد اتّباع اسلوب " سياسة حافة الهاوية "(1) بروزاً في التعامل بين القوائم المتحكمة . . من تعنّت و تشبث بالمقعد و تهديدات علنية و مبطّنة، الى الإحراج، الإغراء و التهديد بكشف مستور، و تواصل محاولات اسلوب " تفليش " بيت الآخر ببناء بيت جديد تحت خيمته و لو اسمياً . . في مسيرة تتطلب و بالحاح تكاتف قوى و ابناء البلاد بكل اطيافها رجالاً و نساءً، للوقوف معاً في مواجهة التحديات، و لمحاولة النجاح في اعادة بناء البلاد الثرية . . اسوة بدول المنطقة على الأقل  .
ولايذكّر اتباع اسلوب "سياسة حافة الهاوية " مع الأطراف العراقية الاّ باسلوب تكوّن و صعود
الدكتاتور، الذي في سبيل تحقيق زعامته هو، اوقع الأحزاب العراقية بأنواع الحيل و المؤامرات مستعيناً باحدها للإيقاع بالآخر و التي شملت حتى ممن كان قد ساعد على وصوله هو للسلطة ابتداءً . . فيما كان في عين الوقت يرتب عرشه داخل حزبه، باتباع ذات الأسلوب الذي جعل من حزبه " الحزب القائد " و صار به " القائد الضرورة " لبلاد مسالمة اوقعها بغروره و مغامراته في حروب و حروب، هشّمت البلاد وشعبها و فتحت ابوابها لكل الطامعين كي يبقى هو " الضرورة " .
   ان مسيرة الآلام التي دامت ماقارب النصف قرن علّمت البلاد، رغم جراحها و رغم عمليات متواصلة لغسل الدماغ التي مرّت بها طيلة عقود ضارية، بسبب الحروب والإرهاب و الوحشية، التي كللها الدكتاتور لا غيره بـ " الحملة الإيمانية " و اسس لها جامعة و مجمعات دينية ـ مخابراتية . . تقرّبا من الشارع ومن وعيه المنهك الضائع و لمحاولته (اعادة بناء ذلك الوعي) و تجييره على سكّته هو لأدامة حكمه (الضرورة). . . والتي لاتزال تتواصل للأسف ـ شئنا ام ابينا ـ بعناوين جديدة تناسب المرحلة، ومن اطراف متنفذة و حاكمة متنوعة .   
   ان ماجرى علّم البلاد . . ان مايجري اليوم من اساليب و نزعات من تلك الأطراف، يحمل معه ذات المخاطر التي كوّنت نظام " القائد الضرورة " وفتحت به نيران جهنم على العراق الجميل الثري . و ترى اوساط واسعة الى ان مقولة " منو ينطيها حتى يأخذوها ؟ " المستمدة من آيديولوجية الحزب الحاكم الآن و التي يعمل بها ، قد لاتختلف ابداً ان لم تتساوى وفي واقع طائفي اكثر مرارة من السابق، مع مقولة الدكتاتور " جئنا لنبقى " المستمدة من ايديولوجية حزبه هو . . و التي شكّلت و تشكّل اساس قيام دكتاتورية الأحزاب الشمولية .
   و يزداد الأمر خطورة لكون ذلك التوجه تدعمه حكومة احمدي نزاد الإيرانية سواء في اطار تثبيت نفسها في مواجهة معارضتها الداخلية المتسعة، او في اطار سياسة و واقع الهيمنة التي تتبعها في العراق و المنطقة. كما تدعم ذلك التوجه او تسكت عنه لتوظيفه لها ان تكوّن، اوساط نافذة في الإدارة الأميركية، لأمور تتعلق باتفاقات جرت في زمن ادارة الرئيس الأميركي السابق بوش الأبن، لتحقيق المصالح و الأرباح التي من اجلها شنت الحرب و اعلنت الإحتلال، من جهة. و تدعمه اوساط متنوعة اخرى تسعى للتعامل مع جهة عراقية واحدة وبالتالي قائد واحد مستعد لتسهيل تقديم ماتعمل له مقابل دعمها لكرسي حكمه  . . غير عابئة بما يجري على صعيد حل القضايا الداخلية المستعصية القائمة، الاّ بالقدر الذي يساعدها على انجاح تنفيذ مشاريعها في البلاد . . بعيداً عن دعمها للسعي لتحقيق حقوق و مطالب ملحّة قائمة لتحسين واقع و حياة اوسع الطبقات و الفئات الوسطى و الشعبية الكادحة .
و فيما ادىّ عدم الإستقرار و عدم التئام البرلمان الجديد و بقاء جلسته مفتوحة لا دستورياً و تواصل عمل حكومة السيد المالكي المنتهية دورتها، الى ظهور مطالبات داخلية متزايدة تدعو الى ضرورة اعادة الإنتخابات. فإن عودة العنف و عودة ظهور عديد من الميليشيات بعد ان اعلنت الإدارة الأميركية ان الأمن هو مسؤولية الحكومة العراقية . . ادىّ الى هبوط سمعة قدرة الحكومة العراقية على تحقيق الإستقرار في بلادها دولياً ـ رغم تحقيقها نجاحات لايمكن التقليل منها في سنتي 2008 ـ 2009 ـ ، وادىّ الى تلكؤ و تراجع مجمعات استثمار كبرى عن خططها في الأستثمار في العراق، و الى شروع عدد من المجمعات و الإحتكارات النفطية بوضع و تنفيذ خطط لحماية استثماراتها في البلاد، الأمر الذي يؤدي الى وضع و كأنه عودة الى المربع الأول في مسيرة العملية السياسية، وفق وكالات الأنباء الدولية و الوكالات المحايدة (2).
و يجمع خبراء و سياسيون و مراقبون على ان طريق الحل و رغم ما قد تعترضه من مشاق لابد ان يكون من خلال : الإسراع باقامة حكومة وحدة وطنية حقيقية، بعيدا عن المحاصصات الطائفية والاثنية، توسيع دائرة اتخاذ القرارات الكبرى وتفعيل دور المؤسسات والوزارات ومجلس الوزراء بما يحول دون تركز السلطات و دون تكريس الفردية في ادارة شؤون البلاد، اعتماد  الكفاءة و النزاهة والاخلاص والوطنية . . لأجل تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات قادرة على اخراج البلاد مما هي  فيه، نحو آفاق السعي الى اقامة الدولة المدنية البرلمانية الإتحادية، القائمة على اساس التداول السلمي للسلطة، وعلى اساس  المواطنة و ضمان الحريات العامة لجميع مواطنيها. .


5/ 10 / 2010 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   و بالعامية العراقية " العب او اخرّب الملعب "
2.   راجع تقارير رويترز، بي بي سي، وكالة الأنباء الفرنسية وغيرها طيلة الأسبوع المنصرم . .


157
مخاطر اللاإستقرار و قضيتنا الوطنية !
2  من  2
                              
د. مهند البراك

و فيما يهمل نظام المحاصصة الطائفية الصحافة و يطارد الصحفيين، ويسدّ الآذان عن النقد النزيه . .  ترفع اطرافه المتخاصمة ذات الشعارات و تتصارع بأسمها و تحت ظلها ( ضد الطائفية، ضد الفساد، من اجل الديمقراطية . . ) مدركة او غير مدركة بان رفعها لها صار لايُصدّق، و ان الحلول لاتتم بالشعارات فقط او بالأمنيات الطيبة لوحدها . . بقدر ما تتخذه الأطراف المهيمنة من مواقف فعلية تلمس الأوساط الشعبية تاثيرها و فعلها . . لأن دفة الحكم بيدها هي .
و يستعد الأميركيون للمغادرة (مع ابقاء قوات من خمسين الف)، و تستعد دوائر ايرانية و منظمات عائدة لها سواء لمحاولة ضرب الأميركيين خلال عمليات الإنسحاب . . او لملئ الفراغ الذي سيتركوه، و الذي تواجهها فيه عقبات تكاليف ذلك الهائلة، خاصة وان ايران تواجه حصاراً دولياً متصاعداً في غمرة صراعها الذي لايتوقف على المفاعل النووي، من جهة، و تعمل من جهة اخرى على الضغط  على الأطراف التي تعلن عن كونها تتحدّث باسم المذهب الشيعي او السني ، وعلى الأطراف الكوردية ـ بدلالة القصف الذي لايتوقف على منطقة كوردستان ـ للقبول بحكم طائفي " عراقي التكاليف "، موالي لها يدّعي تمثيله لوحده للمذهب الشيعي في العراق .
و يرى مجربون ان سياسة اطفاء الحرائق المتّبعة، و ادّعاء اطراف متنفذة بأن قوة النفوذ الإيراني في العراق سياسيا و اقتصادياً وفق مصالح السياسة و بيوت المال الإيرانية. . هي التي تحمي العراق من المخاطر العسكرية الإيرانية، وادّعاء اطراف متنفذة اخرى باهمية نفوذ جهات اقليمية و دولية مقابلة لكونها تستقوي بها . . دون الأعتماد على الإمكانات و الروح الوطنية العراقية و اعادة بنائها على اساس برلماني فدرالي، و دون السعي لتقوية الكيان الوطني العراقي للوقوف بوجه التحديات . .
فإنه سيؤدي الى جعل الدولة كياناً هشّاً عائشاً على اساس ترضية الأطراف الدولية و الإقليمية المتصارعة على ثرواته . . كيان اللاقانون بعد ان جُعل قانونها الأساسي ـ دستورها المفتوح للتعديل ـ  موضوعاً على الرف لكثرة خروقاته، و صار يفتقد بالتالي الى الجوهر الأساسي من تشريعه، و الى جدوى اجراء الإنتخابات على اساسه .
الأمر الذي يسدّ الطريق امام قيام حكومة وحدة وطنية حقيقية مسؤولة امام الشعب و البرلمان الذي من حقه تعديل سياستها و اقالتها ان دعت الضرورة ، بعيدة عن منطق المحاصصة الطائفية والقومية، و تحت رقابة شعبية فاعلة . . حكومة قادرة على تحقيق مشاركة فعلية في صنع القرار، وفق معايير الوطنية والكفاءة والنزاهة، و بالتالي قادرة على السير بقضيتنا الوطنية على طريق الخروج  من دائرة التردي والتخلف والخراب في سائر الميادين، مستندة على تحقيق تضافر جهود القوى السياسية وتكامل قدراتها لمواجهة التحديات و المهمات السياسية الصعبة والمعقدة ـ الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها ـ .
حيث يصطدم بتقدير خبراء سياسيين، بمواقف وسلوك القوائم الفائزة والقوى المتنفذة، التي وضعت البلاد بسلوكها أمام احتمالات تطورات محفوفة بمخاطر من نوع جديد، تنشأ من جعلها العراق كياناً محكوماً باتفاق اصمّ بين مصالح دول المنطقة و القوى العظمى . و من جعل السلطة فيه كياناً تشاركيا (*) بين اقطاب حاكمة مدعوم كلّ منها من قوى و دول من خارج البلاد، وليس كيانا مسؤولا امام الشعب و ممثليه في برلمان منتخب . . كما يجري العمل في الواقع الفعلي حتى الآن وفق مفهوم " حكومة الشراكة الوطنية " التي تسعى لها قوى و دول و شركات نفطية اقليمية و دولية . . سعياً منها لتقليل نفقات مصالحها كلاعب اقليمي و دولي، مستفيدة من دروس الدور الأميركي و خزانة ادارته و درجة عجزها و الأزمة البنكية، و نفقات ذلك الدور الهائلة طيلة سبع سنوات، و كيفية تغطية نفقات من العراق طيلة تلك السنوات : نفطاً خاماً، منتجات نفطية، ارصدة بترودولارية، حسابات لا رقابة عليها، اموال فلكية ضائعة ؟؟  ـ راجع تفاصيل فضيحة تهريب النفط العراقي الأخيرة في اكثر من منطقة " تشاركية" التي يجري التحقيق فيها ـ . . حتى وصف متخصصون (حكومة الشراكة الوطنية) وفق مايجري، بكونها خروج او التفاف على " مفهوم الديمقراطية " الموصوفة في روحية الدستور، على الأقل . .
حيث تنظر الدول والقوى الدولية و الإقليمية العربية و غير العربية الى العراق، من زاوية جدواه لمنافعها الإقتصادية و ارباحها و تحدياتها و غيرها . . مستثمرة ضعف كيانه الوطني و فرقة اطرافه المتنفذة و صراعاتها التي لاتمتثل لحدود سقف القضية الوطنية العراقية . . متّبعة في ذلك سياسة تعدد الأجندة و الملفات التي تتعامل بها في ذلك المشروع الهائل الجدوى لها، سواء بينها و بين اطرافه الحاكمة او فيما بينها حيالها، على اساس القوانين الدولية المعمول بها، الكثيرة التفاسير و الإلتباس، الخاضعة في الحسم الأخير لمبدأ العنف و الضغط الإقتصادي حد التدمير، عملاً او تهديداً . . مهما رُفع و يُرفع من شعارات سياسية و مهما يجري اعلانه من اهداف نبيلة . في وقت صارت فيه الدبلوماسية ( كابحة، مهددة، احتوائية . . ) تلعب ادواراً حاسمة حتى الآن، في محاولة للإبتعاد عن انفجار شامل عنيف، يتضرر منه الجميع .
و يرى متخصصون ان الإدارة الأميركية بسحب قواتها العسكرية الضخمة من البلاد، لتكاليفها الهائلة، تعمل بلا كلل على تحقيق المتطلبات العسكرية في البلاد لحماية مصالحها فيها، بوسائل اقل كلفة لها لتحقيق متطلبات بيوتاتها المالية، النفطية و الصناعية العسكرية، المتزاوجة مع الإدارة الأميركية بشكل فعّال، والداخلة و المسيطرة على انواع الإحتكارات النفطية و غيرها مهما حملت من اسماء اوربية، عربية، آسيوية وعشرات غيرها ـ لايتسع المقال للتفصيل في ذلك ـ ، فيما يغلّف ستار كثيف عقود النفط و و حساب ارباحها و ريعها . .
في وقت لايزال فيه العراق ناقص السيادة دولياً لكونه محكوماً بالبند السابع الذي يبيح لمجلس الأمن الدولي التدخل في حالات منصوص عليها كـ : حرب اهلية، عدم تشكّل الحكومة، ازمة دستورية . . الخ . و تثار فيه عديد من التساؤلات المفتوحة، في مقدمتها هل سيكون الحل القادم عسكريا و كيف ؟ هل ستعوّل الإدارة الأميركية على حلف الناتو و عضوه في المنطقة تركيا، في محاولتها الجادة لإبعاد السياسة التركية عن محور دولة ايران، خاصة و ان السياسة التركية تمتثل للناتو و تلتقي مع السياسة الأميركية في التشديد على وحدة الأراضي العراقية، اضافة الى دعوة وزير الدفاع الأميركي " غيتس " الغرب الى مزيد من العناية بالدور التركي في الشرق الأوسط " كي لا تتكتل تركيا مع السياسة الإيرانية " . . اثر الأزمة التركية ـ الإسرائيلية، ثم الإتفاق النووي التركي ـ الإيراني ـ البرازيلي . في وقت تحذّر فيه اوساط من صراع تركي ـ ايراني على الملف العراقي ، الذي قد يتخذ طابع صراع : علماني ـ طائفي او سنيّ ـ شيعي . . و فق تطورات المصالح الإقتصادية و تطورات الموقف الدولي . .
وفيما يتابع مراقبون بقلق تصريحات مسؤولين اميركيين يبدون فيها عدم اهتمام الإدارة الأمبركية الكافي بما سيؤول اليه الحال في العراق، و يصفون ما يجري بكونه صراع عراقي ـ عراقي ؟! . . و يرى آخرون ان الأحزاب الطائفية لا تزال هي القابضة على دست الحكم، رغم انها قد جُرّبت فيه طيلة سبع سنوات و اثبتت عجزها بنظام المحاصصة على ايجاد حلول للقضايا العراقية المصيرية . . تحذر اوساط و وفق ماتقدّم اعلاه، من انتظار جهات عسكرية اميركية اندلاع صراع علني ايراني ـ عراقي يؤدي الى تدخل قوات بأسم الأمم المتحدة و دول الغرب و عموم القوى الدولية و بشرعية المعاهدة العراقية ـ الأميركية ، لترتيب اصطفافٍ جديدٍ للعراق و لدول المنطقة في مواجهة التوسع العسكري و الآيديولوجي الطائفي الإيراني  . . (انتهى)

21 / 7 / 2010 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) اي كيان مشارك في " حكومة الشراكة الوطنية ".


158
مخاطر اللاإستقرار و قضيتنا الوطنية !
1 من 2
                              
د. مهند البراك

تتواصل حالة اللااستقرار، التي تتحرك على محاور كثيرة التنوع :  من الإرهاب، نشاط الميليشيات الطائفية، الفساد، و النهب  . . الى المعاناة اليومية للمواطنين بسبب الكهرباء و الماء و الحر . . على ارضية الإحتلال و تزايد النفوذ الخارجي في داخل البلاد علناً. حتى وصلت الحالة الى عدم توصّل الأطراف الفائزة و المتنفذة الى تشكيل الحكومة الجديدة، رغم اعلان نتائج انتخابات آذار و مباشرة مجلس النواب الجديد بالإجتماع الأول الذي لاتزال جلسته مفتوحة حتى الآن، في حالة تتناقض مع الدستور و تشكّل سابقة لم تشهدها حياة دستورية .   
     في ظروف صارت فيها دول الجوار ليس عاملاً مؤثراً فقط، و انما مقرراً للخروج من الأزمة الحادة الحالية و تقرير مآل مسيرة الحكم و الدولة، من خلال دعمها العلني للقوائم الملائمة لمصالحها، و التي تتنافس بينها بشكل حاد على كعكة الحكم . . في وقت تزداد فيها الحياة اليومية صعوبة، و تؤدي الى تواصل تفجّر الغضب الشعبي من فئات المجتمع المتنوعة و خاصة الكادحة منها باطيافها، لمعاناتها معاً ذات المعاناة، في اجواء صارت فيها الأطراف الحاكمة المستفيدة تعيش في وادي آخر بعيد، لايحمل تلك المعاناة و الهموم .
   و فيما يذكّر مراقبون مطّلعون، بالتغيير الذي جرى على سياسة الإدارة الأميركية و موقفها من آليات حكم النظام الدكتاتوري السابق، حين سعت الى اسقاط الدكتاتورية بانقلاب عسكري داخلي يهدف الى اسقاط الدكتاتور و الى الإبقاء على آليات حكمه . . وإنها بعد ان فشلت في ذلك، سعت وفق التطورات السريعة في المنطقة، الى تحقيق هدفين معاً بالغزو العسكري للبلاد و هما : اسقاط الدكتاتورية، و الأحتواء الأميركي لسياسة ايران التوسعية في العراق و المنطقة. الأمر الذي ادىّ بالتالي الى عملها بنظام المحاصصة . . كي تؤمن لها الهدفين، بتقديرها ـ في دلالة لاتزال قائمة في مستجدات الأحداث تفيد ان هدفها هو مصالحها هي في الأمن و الطاقة في البلاد، و ليس واقع و مصير شعب العراق باطيافه ـ . 
   الاّ ان اسقاط الدكتاتورية بالغزو العسكري الذي تم بموقف ايراني مساير على ارض الواقع بداية، ادىّ الى بروز الإرهاب الواسع الذي بدأت به و اشاعته فلول الدكتاتورية المنهارة و منظمة القاعدة الإرهابية بشعارات ( مقاومة الإحتلال) التي غلب عليها الطابع الطائفي،  و ادّت اعمالها الى ردود افعال طائفية مقابلة اكبر مما كان يجري، تبنّتها و دعمتها دوائر ايرانية بلا ضجيج من جهة، و من جهة اخرى فإنها عملت على انشاء ميليشيات طائفية مسلحة اكثر تطرفاً عائدة لها ( كمنظمات : يد الله، ثأر الله، حزب الله . . وغيرها )، لتنفيذ اهدافها مباشرة .
و تستمر تلك الدوائر في نشاطها العنفي بل و تصعّده الآن ، رغم ادّعائها الحرص على سلامة و امن العراقيين و اعلانها عن تسليم ملف تشكيل الحكومة العراقية من الجنرال سليماني الى رئيس الشورى الإيراني المدني علي لاريجاني، في اطار سياسة تسعى الى رعاية و احتواء و محاولة انشاء (قطب شيعي عراقي) موالي و تابع لها بالكامل، بأطر متنوعة تنسجم مع الواقع العراقي . .
بعد ان صار الحكم حكماً تعددياً، و لكن طائفياً استبدادي النزعة، و بعد سعي عنيف لمحاولة تغيير الواقع العراقي على مقاسه، بممارسة و غض النظر عن انواع الظلم العنيف و المتنوع الذي جرى و يجري على اساس الهوية الطائفية و الدينية، سواء كانت افعالاً او ردود افعال، و سواء كانت مخططة او غير مخططة، مقصودة او دفاعية . . اوصلت الحال الى ان تكون حلول الأزمات الحادة باقامة الجدران العازلة التي قسّمت العاصمة . .
و اوصلته الى حالة صار فيها العنف ـ عملاً او تهديداً ـ هو المتحكم بديمقراطية نظام المحاصصة الحاكم، القائم على اساس طائفي ـ عرقي ، تدعم دول المنطقة مكوناته الحاكمة الساعية الى الأستفراد او الهيمنة على الحكم، كلاً على مكوّن و بقوة، مستخدمة كل اساليب الضغط، من العنف و الضغوط البشرية و الإقتصادية، الى ضغوط ـ و تهديدات ـ قطع الماء و الى تسويق النفط و تهريبه، بعد ان صار كلّ مكوّن منها مستقوياً بقطب اقليمي و دولي لا يستطيع لوحده الحسم لصالح مصالحه ...
   بعد مرور سنوات سبع تصارعت و نمت و تعايشت على السيطرة على مقدّرات البلاد : اقطاب اميركية و ايرانية، عربية و تركية و دولية اخرى . . فيما اخذ فيها واقع معيشة اوسع الجماهير الكادحة، يبتعد عن الواقع الذي تعيشه و تنشغل به الأطراف المتحكمة، من اتفاقات و محاولات رأب صدوع تؤمّن لها مصالحها و ثرواتها التي غنمتها و تغنمها . . الأمر الذي يثبت مجدداُ ان حلول مشاكل اوسع الأوساط الشعبية لاتتم وفق نظام المحاصصة الطائفي مهما تعدد و تنوّع، الذي ينشغل رجاله بالمكاسب الشخصية و الإثراء الفاحش، و يحكمون باحكام و نظريات قروسطية لم يجرِ تحديث عليها، ويعتمدون على الهاب عواطف العامة و استعدائهم للثأر من كل جديد . . كما تتناقل اوسع التحليلات و التعليقات الدولية و الإقليمية و الداخلية .
   ان نظام المحاصصة في الوقت الذي اخضع اصحاب الكفاءات العلمية و الإدارية و المهنية الذين تزخر بهم البلاد، الى المحاصصة الطائفية في احلال المراكز الوظيفية، وافقد البلاد طاقاتها، فإنه اعتمد على العائلة و الأقارب، وبالتالي على توريث مواقع الحكم و المواقع الفاعلة فيه خلال السنوات السبع المنصرمة، في ممارسة اعتمدتها الدكتاتورية المنهارة من قبل و ناضلت ضدها القوى الوطنية العراقية التي عارضتها . . و بالتالي فإن نظام المحاصصة لم يعتمد على خطة فاعلة للحكم، بعد ان اعتمد بداية على " مبدأ التوافق " ، الذي اخذ يتركه تدريجياً مستنداً الى تطورات الموقف الأميركي و الدولي و الإقليمي، و تطورات مصالح الفاعلين فيه . . مسجلاً بذلك ابتعاداً عن واقع و آمال اوسع الجماهير بكل طوائفها و مذاهبها، تشهد عليه انواع الفعاليات الشعبية المتصاعدة في الشارع العراقي . . (يتبع)
 

18 / 7 / 2010 ، مهند البراك


159
مظاهرات الكهرباء و عجز المحاصصة الطائفية !
                                                                                 
  د. مهند البراك

اندلعت التظاهرات صاخبة و مدويّة في صيف العراق الأكثر التهاباً، و هي تطالب بالكهرباء الذي يعني الكثير في زماننا الراهن . . من التبريد و الثلج و دوران عجلة المصالح الإقتصادية المتنوعة في المدن، الى الزراعة و تحقيق الأمن اضافة الى الإتصالات التلفونية و خدمات الأنترنت لمن يملكها، و الذي يعني انقطاعه، استمرار الإنعزال المظلم السابق عن العالم و مجرياته و تنويره . . بعد ان تواصل و تزايد انقطاع الكهرباء، رغم الخطط المعلنة و رغم سيلان فلكي لمليارات و ملايين الدولارات بلا حسيب او رقيب، و التي لايعرف كيف و اين استقرّت و لمن .  
و رغم ماقيل و يقال عن كونها استغلال سياسي من جهة ضد اخرى، وعن وجود نواقص في اعداد و تهيئة المظاهرات التي انطلقت بشكلها الواسع و لاتزال في ثغر العراق " البصرة " ، و عن وجود خروج عن مألوف في مدينة الناصرية الباسلة، الاّ انها عنت و تعني الكثير الذي قيل و مايزال يعتمل و يقال، في محافظتين شهدتا معاناة و انفجارات عاصفة سواء في مواجهة الدكتاتورية و حروبها او في مواجهة موجات طائفية متنوعة، وتسبب ذلك بفواجع شهدتها المدينتان سواءً في الحرب او في انتفاضة الربيع ضد الدكتاتورية التي وصفتها بـ (الشجرة الخبيثة) . .
فرغم اعلان نتائج انتخابات آذار منذ شهور، لم تتشكّل الى اليوم الحكومة الجديدة وفق الأصول الدستورية المعلنة، في صراع كشف عن كونه لايتعدى عن كونه صراعاً فوقياً و صراع دوائر وافراد، معزولاً عن حقيقة مجريات الواقع العراقي المؤلم الذي تفجره الآن ازمة الكهرباء في صيف لاهب، في واقع تتواصل معاناته، من مشاكل توفر الماء الصالح، البطالة التي تتزايد بلا حدود، التدهور الصحي المستمر، التخريب، السرقات الأسطورية و الفساد و المليارات المفقودة، والأخرى التي لايعرف كيف صرفت و امور لاحد لها لم تستطع ايقافها جهود لكونها غير مؤهله لذلك بتقدير اوساط متزايدة . . صارت احاديث و اجتهادات الساعة لوكالات الأنباء العالمية . .
و فيما يتواصل استمرارها و توسع نطاقها الى محافظات و مدن اخرى، رغم ضرب المظاهرات الأولى بالنار، و رغم تأديتها الى استقالة وزير الكهرباء في الحكومة المستمرة حالياً الى حين تشكيل الحكومة الجديدة، التي كشف السعي لتشكيلها عن سلوك تعنّت و استبداد عبّرت عنه تصريحات و استعدادات لأعمال عسكرية لقادة في المسيرة تناقلتها وكالات انباء متنوعة، و صارت تثير خشية اكثر من جهة داخلية و اقليمية لأسباب كثيرة التنوع تتعلق بملفات و خطط دوائر لايتسع لها المقال، تهدد بمحاولات عودة الى المربع الأول . .
   فان تلك التظاهرات و برأي محللين و خبراء تشكّل التحدي الشعبي الذي اخذ ينتظم على اساس وطني شامل و ليس طائفي، لأن المعاناة تعيشها اوسع الأوساط الكادحة العراقية سواء كانت سنية ام شيعية، مسلمة و غير مسلمة، عربية و غير عربية، حتى صارت تجتمع و نتشط معاً من اجل تحقيق مطالب من شأنها التصدي لواقع مرير، على طريق ايجاد حل يتناسب مع حقوق و هول التضحيات و الصبر و الصمود، الذي يواجهه العراقيون رجالاً و نساءً ، و خاصة الأوساط الكادحة، التي كانت و لاتزال وقود المعاناة و بالتالي المواجهات المنظّمة و الظافرة في بلد النفط و المليارات التي تتقاتل عليها انواع الإحتكارات و الدوائر، بشتى الواجهات . .  
و يرى آخرون انها ستوسع النشاط المطلبي الوطني الذي يوحد الأطياف العراقية في بودقة السعي لتحقيق المطالب المشروعة، النشاط الذي شكّل جوهر الحياة العراقية و الذي حققت به نجاحات قدّمت العراق و الحياة فيه على اسس انضج و اجدى ، والذي ابتدأت بتشويهه المنظّم الدكتاتورية السابقة و ارهابها، فيما يستمر التشويه اليوم تحت تشريع حكم المحاصصة الطائفي . . النشاط الوطني الذي يشكّل عاملاً جماهيرياً اساسياً يضغط من الشارع العراقي لشق الطريق نحو تشكيل حكومة مدنية حديثة تتحرر من المحاصصة الطائفية، تأخذ بعين الأعتبار نتائج الإنتخابات رغم ثغراتها و غلبة الطابع الطائفي عليها برغم التحسينات التي اجريت على واجهتها ..  
   في غمار عملية ديمقراطية صارت تتسم بالبلادة وفق تعبير اوساط نافذة متنوعة الأطياف فيها، بعد ان شهدت الحياة العراقية صعود ضباع حروب و قطط سمان من الوان و مواصفات جديدة افرزها ميراث الدكتاتورية و الحروب و الإحتلال و الإرهاب و المحاصصة الصمّاء، و دور كل ذلك و غيره في رسم المسيرة الجارية، فيما تتواصل معاناة اوسع الأوساط الشعبية رغم سقوط الدكتاتورية . .
   النشاط المطلبي الجماهيري الوطني المنظّم الذي من شأنه الضغط لأجل ان تلعب الكفاءات العلمية و الإدارية العراقية دورها على اساس الشعور بالأنتماء الوطني و الكفاءة و النزاهة، وعلى اساس الهوية العراقية الوطنية و ليس الهويات الطائفية و العرقية و الدينية، و ليس على اساس المحاصصة الطائفية التي ان صلحت لتمشية حال يوماً ما، فانها لم تعد تصلح كآلية للحكم، بشهادة السنوات السبع الماضية التي اثبتت عدم صلاحيتها لمواجهة التحديات القائمة .  
   المحاصصة التي جرى اعتمادها و تشريعها، رغم تحذيرات متواصلة لأوساط ديمقراطية و يسارية و علمانية واسعة متنوعة الأطياف، اضافة الى تحذيرات مرجعية السيد السيستاني وتاكيداتها على اهمية وحدة العراقيين باطيافهم و اعلانها عن وقوفها على مسافة واحدة من جميع الكتل . . من اجل النجاح في مواجهة المحن و السير نحو عراق ديمقراطي فدرالي موحد، عملاً بروح الدستور .

27 / 6 / 2010 ، مهند البراك
 

160
صراع الكتل و مخاطر الإستبداد !
                                                                                         د. مهند البراك

   يتزايد الخوف و القلق من آفاق الأوضاع ، بسبب تأخر الشروع بتأليف الحكومة الجديدة، رغم اعلان نتائج الإنتخابات منذ شهور، و بسبب تصاعد انواع التهديدات المتبادلة بين القوائم الكبيرة بالعودة الى اللجوء للعنف، بدلاً مما اتفقت عليه و صاغته دستورياً في التبادل السلمي للسلطة عن طريق الإنتخابات .  
   و فيما تظهر الخلافات و كأنها تتمحور على منصب رئيس الوزراء، بعد ان تمّ شبه اجماع تداولي على تسمية السيد الطالباني رئيساً للجمهورية للدورة المقبلة . . يرى مراقبون ان الخلافات في الواقع لا تتمحور على برنامج رئيس الوزراء المقبل، وانما على تسمية القائد العام للقوات المسلحة التي اوكلت قيادتها شبه دستورياً و بالتداول ثم عملياً حتى الآن، الى من يحتل منصب رئيس الوزراء. الأمر الذي جرى تحت ضغوط الحاجات اليومية و ثقل توحيد المسؤولية العسكرية في مواجهة التحديات .
في وقت اخذ الإصرار فيه على ذلك المنصب من قبل قائمتي السيدين علاوي و المالكي ، يحمل دلالات خطيرة لأنه صار يذكّر بحكم الدكتاتوريات العسكرية السابقة و العودة اليه، رغم الفارق. و تشير مصادر متنوعة، الى ان مصدر الخطر يأتي من ان الدكتاتوريات التي توالت على حكم البلاد طيلة اكثر من نصف قرن، و تسببت بنشوء دكتاتورية صدام العسكرية، المدني الذي لبس بزّة الجنرالية بلا تأهيل عسكري اصولي، و اعلن نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة بدعم حراب و اجهزة حزبه . . اضافة لما سببه من سابقة يمكن ان تتكرر.
فإن توالي الدكتاتوريات ذلك تسبب بنشوء مجتمع العسكرتاريا الأوامري الإداري، الذي قوّى نزعة دعت و لا تزال تدعو بشكل مؤسف الى ( ان مجتمع كمجتمعنا، لايمكن حكمه الاّ بالقوة من قبل فرد على غرار صدام ليستطيع ترويضه !! لتحقيق الغايات النبيلة) و بالتالي فإنها تدعو الى تسويغ الحكم لفرد لتقويّ قدراته، و ليس لجماعة (لأن حكم الجماعة يربك) ، خاصة ان كانت الجماعة متنوعة الأطياف وان توافقت !! النزعة التي ان تلقّت ضربة عنيفة بانهيار الدكتاتورية،  الاّ ان فعلها يبدو و كأنه اخذ يتزايد في تفكير عدد من زعماء الصف الأول الآن، بدلالة اعمالهم و اجهزتهم، اقاربهم و مواقفهم .
و يعزز تلك النزعة لدى مجاميع حاكمة، المناخ العسكري المتواصل الذي تعيشه البلاد بسبب  : مواجهة الإرهاب و الإرهاب المتبادل بكل مصادره، تأثيرات وجود احتلال عسكري، او بسبب تفاقم تنافس عسكري اقليمي و دولي ـ مباشر و غير مباشر ـ على ارض البلاد و من خلال اطراف فيها، يحمل مخاطر اشتعال مواجهات حربية نظامية، اضافة الى النزيف المستمر في البلاد . . يدعم ذلك، الإثراء السريع و الفساد و السرقات المليونية، التي (اهّلت) و كوّنت . .
في جوار و منطقة اقليمية ثرية تحكمها : عوائل حاكمة متخادمة، آليات الحزب الحاكم الواحد سواء كانت شبه علمانية، او اسلامية جاءت للحكم بالقوة المسلحة بأسم حكم الطائفة، اضافة الى نظام الجمهورية التركية القائم على اساس دستور علماني، يحميه مجلس عسكري اعلى، لاسلطة لرئيس الجمهورية عليه الاّ بالتشاور معه وفق عقد معلن، بضمانات كثيرة التنوع سواء من الناتو، او من انواع المعاهدات و العقود العسكرية و الإقتصادية و السياسية للدول الكبرى . . الذي يشق طريقه للنفوذ في عموم المنطقة، يؤهله لذلك وضع المنطقة و وضع البلاد المتمزقة .
و فيما يحاول الجانب الأميركي تقليل تدخله المباشر تمهيداً لأنسحابه عسكرياً، تستند زعامات داخلية على حراب ميليشيات طائفية تصعّد تهديدات و اجراءات بحرب اهلية، و دار و يدور اكثر من حديث عن مخاطر انقلاب او حركة عسكرية نظامية تفرض السير باتجاه معين ، و الاّ !!  يعزز مخاطر ذلك اتباع الكبار ذات الأساليب العنفية في تقوية مواقعهم سواء في تشكيل ميليشيات علنا او سراً !! او في التعامل معها لإستمالتها بدلاً من انهاء دورها ـ رغم جهود لم تنجح بذلت لإنهائها ـ . مستندين على مؤسسات سيادية، جرى العمل حثيثاً على جعلها مغلقة لجهة ما لوحدها و لصالح صراعاتها لسنوات، و طيلة الدورة السابقة دون حساب للكفاءة، متّبعين ذات الأساليب التي اتبعها البعث الصدامي بأشكال و مسميات جديدة، و بأسم ( الإجتثاث ) .
و فيما يرى مراقبون و خبراء بان ذلك قد يعود الى الطبيعة الفكرية لعدد من احزاب الكبار، للأنفراد بالسلطة، او الى الطموح الأناني لأفراد فيها لتحقيق زعامتهم لتلبية الكثير من طموحات ذاتية في الإثراء و السلطة الفردية و العائلية، التي لن تؤدي الاّ الى قيام دكتاتورية من طراز جديد . .
يرى آخرون ان التشبث المستميت بالمواقع السابقة دون الإلتزام بنتائج الإنتخابات او اللجوء الى محاولة افراغها من جدواها، قد يكون بسبب الخوف من المحاسبة ان فُقد الموقع . . عمّا ارتُكِب من اخطاء في فترة ولايته، الأمر الذي يمكن حلّه لصالح المحاسبة الدستورية القانونية التي تأخذ الحصانة الممنوحة قانوناً في فترة ولايته، و الظروف الموجبة لما جرى بنظر الإعتبار .
و تجمع اوسع الأوساط على ضرورة توافق القوى العراقية الفائزة وكل القوى الفاعلة في البلاد من اجل انهاء الإرهاب و المحاصصة الطائفية، و رحيل القوات الأجنبية و من اجل انجاح السعي لعراق مستقل متعافي لايمكن الإستغناء عنه كعامل استقرار في المنطقة . . و الذي يتطلب اعادة النظر الضرورية في برامج الأحزاب الداعية الى وحدانية الحزب الحاكم و الى احقيتها به ؟! نحو " رفض الدكتاتورية الفردية " و نحو " التوافق و العمل كتفاً لكتف معاً " في ظروف المرحلة التي تمر بها البلاد و المنطقة .  
و يتطلب، وقوف القوى و المؤسسات المدنية و العسكرية، ضد مخاطر نزعة الإستئثار بالمنصب المؤدية لامحالة الى الإستبداد و الغطرسة و الدكتاتورية . وايلاء اهتمام فوق العادة الى تحديد منصب "القائد العام للقوات المسلحة" وتحديد مسؤوليات و واجبات و حقوق ذلك المنصب، و تحديد قيوده الدستورية و العملية علناً، بما يضمن استقلال القوات المسلحة و تفرغها للدفاع عن الوطن، كلّ الوطن  بعيداً عن الصراعات الطائفية، العشائرية و الجهوية الضيّقة .

25 / 5 / 20 ، مهند البراك


161
العراق و المنطقة . . بين الآمال و الواقع !
ـ 3 ـ

                                                                                  د. مهند البراك

   و فيما تواصلت تلك العلاقات و المصالح الوثيقة بين دول المنطقة، و الدكتاتورية الطائشة، برعاية ما اصطلح عليه بـ " نادي الملوك و الرؤساء العرب "، الذي كان ينظّم و يوالف سياسات حكومات البلدان العربية و مواقفها، ويعمل على موازنة كيفية تلبية المصالح الدولية للأحتكارات العالمية، بكيفية مواجهة حاجات و مطالب شعوب و قوى و احزاب حركة التحرر الوطني العربية، و على كيفية مواجهة القوى (الناشزة) عن (سياسات الحكام العرب)، الدائرة في فلك الإحتكارات الكبرى المترابطة وثيقاً بالسياسات الدولية الغربية، و المتعاملة بخطوط حمراء لا يسمح بتجاوزها مع دول المعسكر الشرقي، آنذاك.
فإنها وظّفت حالة الحروب و عدم الإستقرار و العنف في العراق، و جعلتها وسيلة لتحقيق ارباحاً انانية جديدة لها و سدّت عجزها امام شعوبها، في حالة لم تخرج عن ان " ادامة الأزمة و العنف في العراق تزيد من فرص ارباحها "، و ادّت الى ان تجعل العراق بحروب و سياسات الدكتاتور المشجّع عليها، دولة تابعة لأقطاب المنطقة المتنامية . . لحاجة دكتاتوريته لها في تنفيذ سياساتها العقيمة، مقابل هبات نفطية و مالية خيالية متواصلة، بدلاً من ان يكون العراق بكل ما لديه . . قطباً نفطياً غنياً من اقطاب المنطقة و العالم .
   فبمباركتها لسياسات الدكتاتورية بالتنسيق مع اقطاب دولية وتأييدها لها . . تعطّلت طاقات العراق و كفاءاته و قدراته و خبراته، و تبعثرت امواله و ذهبت الى مصانع و احتكارات السلاح و النفط و المال الدولية، و الى جيوب القطط السمان في العراق و المنطقة من جهة، ومن جهة اخرى الى خزائن و مشاريع الدول الإقليمية و كل الجهات التي شجعت الدكتاتور و كانت تصفّ بمأمن الى جانبه، رغم نزواته  و عنجهيّاته حتى معها، و رغم الخسائر التي لحقت بشعوب العراق والمنطقة جرّاءها.
و يرى خبراء ان ذلك يتأتى من طبيعة سياسات دول المنطقة المرسومة بعناية و المفروضة عليها من الأقطاب الدولية بشكل معادلات لتناقضات تواجه احداها الأخرى و تعادلها ( كصراعات محسوبة، مفاتيح حلها بيد تلك الأقطاب الدولية . . لضمان تأمين السيطرة على البلدان )، و يضيف آخرون بكونه يعود الى طبيعة بناء دول المنطقة الذي اشادته تلك الأقطاب و لم تواصل تجديده، لأنه كان سيكلفها و يكّلف انظمة المنطقة و يسبب لها خسائر كبيرة هي في غنى عنها . .
من جهة اخرى، وبعد ان تصاعد الرفض الداخلي للدكتاتورية الدموية، عملت دوائر حاكمة في دول الجوار و الدول الإقليمية على مساعدة المعارضة العراقية للدكتاتورية بشروط ان تنفذ سياساتها و ان لاتتعارض نشاطاتها مع مصالح تلك الدوائر مع الدكتاتورية، و بالقدر الذي يؤمن لها مصالح جديدة اكبر في العراق بعد سقوط الدكتاتورية، و مارست لذلك ضغوطاً قاسية على اطراف المعارضة العراقية المتواجدة قياداتها على اراضيها، مشجعة تزايد الطموح للزعامة بينها، الذي موّلته و عززته باتفاق قسم منها مع اطراف نافذة في الإدارات الأميركية. الأمر الذي يلقي ضوءاً على تأثير تلك المصالح في تقرير نوعية معارضة الدكتاتورية التي من الممكن ان تأتي كبديل للدكتاتورية بعد سقوطها  . .
من جهة اخرى، ادّت شدة قساوة الدكتاتورية مع كل ما عارضها داخلياً، و تسخيرها لذلك امكانات العراق الفلكية، الى تشديد التعتيم و الجهل الفكري و الثقافي الذي زادته تردياً قوانينها العسكرية و حروبها، وعملها طيلة سنوات لاحقة على اعادة صياغة الوعي العام بـ " الحملة الأيمانية " الدينية الطائفية، على ارضية من انتعاش الروح العشائرية التي صارت ملجأ يحمي الفرد من الذل و الموت . . فتوّزع الرفض الشعبي للدكتاتورية، على روابط القربى و الإنتماءات العشائرية و الدينية و المذهبية، التي طفت الى السطح لكونها الملاذ الوحيد لمواجهة الظلم الهائل . .
التي فيما شكّلت ستراً للنفس و العرض، واداة للمواجهة، و شكّلت للقائمين عليها مصدراً للقوة و الإثراء داخل و خارج البلاد، لأمتداد فعل تلك الروابط و الهويات الى عموم دول المنطقة . . وظفتها دوائر حاكمة في المنطقة و اشتغلت وفقها طيلة عقود، لتحقيق عديد من الأهداف السياسية و غيرها من المصالح المربحة . .
على تلك الأرضية بدأ الغزو الأميركي الذي هدف ضمن ماهدف اليه، ضمان العراق لصالح  الولايات المتحدة في مجالي الأمن و الطاقة خاصة . . في مواجهة الصين و الإتحاد الأوروبي، و اعادة بنائه وفق المصالح و الآليات الإقتصادية و القانونية الجديدة، لتأمين للنجاح في مواجهة القوى الدولية و الإقليمية المنافسة، اعادة بناء " نادي الملوك و الرؤساء العرب " على اسس احدث لضمان صياغة ناجحة لمصالحها في التطورات العالمية الجديدة بسبب الثورة التكنولوجية و تغيّر قطبية العالم و مابدأت تحدث(1) ، مواجهة نشاط القاعدة السنيّة المتطرفة بعد غزو افغانستان، احتواء النفوذ الإيراني الشيعي في زمن الرئيس الأصلاحي محمد خاتمي ؟! . .
و فيما لم ترحّب الأقطاب العربية بالغزو العسكري الأميركي بعد ان حذّرت من الإقدام عليه، فإنها شعرت بوقوعه، بكونه يشكّل وسيلة عسكرية مباشرة للضغط على انظمتها و تقييدها في تعاملها مع افلاك احتكارات اخرى كالآسيوية مثلا(2) من جهة، و للضغط اكثر ومن قرب عليها لتجديد آلياتها في التعامل الإقتصادي النفطي و المالي للتناسب مع الآليات الجديدة المعمول بها في الولايات المتحدة، التي صارت تتطلب مجتمعات تقوم على اسس قانونية جديدة لتحقيق مساهمة فاعلة في عملية التبادل الإقتصادي العالمي، وفق المصالح الأميركية في العالم الجديد .
و اثار ذلك حذر بيوت المال و التجارة و الأسر الحاكمة و الموالية لها، من انهيار الكيانات القديمة التي بنيت عليها منذ ما يقارب القرن، وفق منطق التراث القديم الذي لم تسمح من جهتها بمسّه او تجديده رغم دعوات التجديد و الأصلاح من داخلها . . فعملت على مواجهة ذلك بذات النهج العسكري السياسي الكثير التعقيد، بشكل مباشر و غير مباشر، لضمان امن مصالحها سواء في السلطة او في النفط و التجارة، و تخادمت مع جهات كثيرة التناقض، لتوظيف الصدمة الناشئة في المنطقة جرّاء وقوع احتلال اجنبي في المنطقة لأحدى اهم دولها .
و نشطت انواع الدوائر لتحقيق اهداف متنوعة، من التراكض على النهب . . الى دعم فلول النظام السابق و تحويل انظار معارضاتها الداخلية للمشاركة في النشاط ( ضد احتلال الأرض العربية) و تطور ذلك بمرور الأحداث الى آلية يشبهها خبراء و عارفون، بآلية دعم المجاهدين الأفغان ضد الغزو الروسي لأرضهم مطلع الثمانينات، الذي انجب القاعدة . . فنشأت منظمة القاعدة الإرهابية في العراق، وعملت على تأجيج الطائفية بالعنف و بالقتل الجماعي، لتحقيق اهدافها .
من جانب آخر، عملت دوائر حاكمة في ايران للأستفادة من ذلك الغزو، خاصة بعد الإعلان عن كونه ( انتصاراً للطائفة الشيعية)، وعملت بنشاط كبير متنوع ؛ مسلّح، سياسي فكري، اقتصادي و تكنوقراطي وظيفي(3)، للهيمنة على مواقع السلطة في العراق بمحاولة توظيفها الأحزاب و الشخصيات الشيعية التي دعمتها و غيرها التي جاءت الى مراكز الحكم، متجنبة الإحتكاك بقوات الإحتلال رغم شعاراتها في رفضه. و تصاعد دورها حتى صار علنياً في المنعطفات الحادة العراقية و كلما تصاعدت ازمة مفاعلها النووي مع الأميركان ، ممارسة دورها في التوسع تحت ستار (الإنتصار لشيعة العراق) . . خوفاً من نشوء عراق حديث قادر على ان يكون قطباً جديداً قوياً ينافسها في المنطقة، ليس نفطياً و اقتصادياً و كسوق فحسب، وانما ينافسها على قيادة العالم الإسلامي الشيعي، في سعيها الذي تلتقي فيه مع الآخرين لإبقائه بلداً تابعا في المنطقة، كما كان في زمن حروب الدكتاتور.
الأمر الذي من جانبه اخذ يثير كيانات دول المنطقة العربية و خاصة النفطية الخليجية منها ـ حماية للخليج ـ لتصعيد التنافس على السيطرة على العراق تحت واجهات النضال (القومي العربي و السني)، ضد (الفرس المجوس و ضد الشيعة)، في سياق مصالح معقد يرى فيه متخصصون، ان اطرافاً و كيانات من المذكورة اعلاه تريد و تعمل على ان يعود العراق الى آليات الدكتاتورية السابقة بدون صدام، لتسخيره اداة لقوى المنطقة و لمصالحها الضيقة . .
و تريد اخرى، استمرار حالة الأحتلال لتسويق سياساتها التي تؤمّن لها ارباحاً اسطورية من جهة، و كي تستطيع مواصلة التحشيد ضد اي انجاز عراقي بدعوى كونه بدعة استعمارية، لستر حقيقتها و ابعاد شبح مطالبة شعوبها باجراءات شبيهة لتحسين اوضاعها . . بتأثير الإجراءات التي صار لابد من اجرائها لمعالجة الوضع العراقي و انسحاب القوات الأميركية، باستكمال مراحل الفدرالية و اقامة برلمانية دستورية حقيقية تثبّتها اجراءات داخلية ملموسة ( الأمن، معالجة البطالة، قانون الأحزاب، حقوق المرأة، الصحافة وغيرها ) بضمانة الأمم المتحدة و قواها الدولية . .
   من جانب آخر، لابد من القول ان النظام الذي اعتمدته و ثبتته ادارة بوش و ممثلها بريمر، بالحكم عن طريق المحاصصة الطائفية و العرقية، ومهما كانت المسوغات . . فإنه ادّى و بكل احداث السنوات السبع الدموية الطائفية الماضية، و البلاد تحت الأحتلال و الرقابة الأميركية . . ورغم جهود ايجابية بذلت، ادّى و بأسف الى تباعد المكونات و الى صراعها الذي صار بمرور السنوات تلك صراعاً (مؤسساتياً شبه دستوري ) مدعوم اقليمياً و دولياً على محاور المحاصصة الطائفية ذاتها.
الأمر الذي اثبت فشل ستراتيجية " لامحدودية الفعل العسكري الأميركي" التي حملتها دوائر عسكرية اميركية. و بدلالة ما عبّرت به عن ذلك لاحقاً خطة بيكر ـ هاملتون الأميركية الجمهورية ـ الديمقراطية، التي دعت قبل سنوات الى اهمية التعايش مع دول المنطقة و السعي لإيجاد حلول سياسية اقتصادية متبادلة . . حيث تبلور الصراع الى صراع : اميركي ـ عربي ـ ايراني مترابط و فاعل على محاور الصراع الداخلي التحاصصي داخل و خارج العملية السياسية . .
ففيما اصبح الدور الإيراني اكثر وضوحاً بعد اعلان نتائج انتخابات 7 آذار الماضي، بتكوين كتلة شيعية، امام فوز القائمة السنية ـ المختلطة الداعية الى مجتمع اكثر مدنية بدعم الأقطاب العربية على حد الوكالات، والبلاد تحت الرقابة الأميركية المباشرة . . و فيما تتحرك تركيا الناتو العلمانية ـ السنيّة بنشاط و حذر على عدة اطراف و محاور، محققة تمدد استثماراتها الكثيرة التنوع بلا انقطاع في العراق، حتى صار اهم اسواقها . .
   صار العراق ملتقى صراع حامي للأقطاب الدولية، الإقليمية، الداخلية، و صار لابد من الأتفاق على كيفية ادارة و رعاية المصالح المتبادلة التي تجمع العراق بالمنطقة، التي لايمكن الغائها بقرار او بزمن سريع ، وانما تتطلب السرعة في تقوية مقومات استقلال القرار العراقي و المرونة المتبادلة . . والاّ سيتمزق العراق !! او يبقى تابعاً كمسرحٍ لصراعات دول المنطقة، بشهادة السنوات السبع الماضية ! بعد ان فقد اسس بناء دولته و عمادها البشري (علمائه، اطبائه، مهندسيه . . ادبائه و مفكريه . . كفاءاته العسكرية و الإدارية ) ولم يستطع بعد استكمال بناء دولته الجديدة . .  
   و على ذلك و من اجل استقلال و قوة القرار العراقي، لابد من التوافق الوطني الداخلي واتباع الوسائل الكفيلة بضمان تعايش اطياف العراق بالتساوي معاً على اساس الإنتماء الوطني العراقي الموحد، القائم على اسس فاعلة قادرة معترف بها، ليس دولياً فحسب بل اقليمياً، مهما كانت تسمية تلك الأسس الموحدة المنصفة، بضمانة مشاركة كل القوى السياسية العاملة على انهاء الأحتلال و انسحاب القوات الأميركية، و تطوير العملية السياسية لضمان اعادة بناء البلاد على اسس حديثة، لتكون عامل استقرار في المنطقة، التي تتجمع فيها الصراعات الحادة للأضداد !
(انتهى)  

18 / 5 / 2010 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   اثر خسارة البنوك الأميركية بسبب سحب ماعادل 50% من الأرصدة السعودية فيها، لقلق الأوساط المالية السعودية من احتمالات استحواذ جهات اميركية عليها، اثر الإجراءات الأميركية الداخلية التي طالت المصالح السعودية فيها، بسبب احداث برجي التجارة العالميين عام 2001 و ما كشفت عنه التحقيقات التي اجريت بذلك و تسببت بتدهور العلاقة بين البلدين .
2.   حيث قطع التعاون النفطي الخليجي مع الصين في تلك الفترة، مراحل متقدمة لايمكن مقارنتها ابداً بحالها السابق، كالإتفاق الصيني ـ السعودي في بناء خزانات النفط العملاقة في الصين، الخليجي ـ الصيني في اقامة بورصة دبي النفطية العالمية .
3.   تشير مصادر حكومية عراقية و اقليمية متواصلة، الى الحجم الكبير لحَمَلة انواع ( المؤهلات الوظيفية الإيرانية) في الوظائف الحالية، فيما تشير تقارير كثيرة الى انه اضافة الى هجرة عشرات الآلاف من الكوادر العلمية و الأدبية و الوظيفية بسبب الأرهاب . . فإن مجاميع مسلحة تتلقى الدعم من دوائر ايرانية ـ اضافة الى دوائر عربية و غيرها ـ قامت و تقوم بعدد كبير من عمليات اغتيال الكوادر العلمية و الإدارية و العسكرية العراقية، التي تحقق الأهداف الإقليمية المذكورة في المقال .  
    


162
العراق و المنطقة . . بين الآمال و الواقع !
ـ 1 ـ  
                                                                          د. مهند البراك

فيما شهدت منطقتنا تغييراتها الستراتيجية الكبرى و ظهور دولها و ادوارها، بتغيّر الستراتيجيات الفاعلة في العالم في اطار بحثها و تزاحمها و صراعاتها على الخامات و على اسواق لتصريف بضائعها و حمايتها من المنافسين . . التي اخذت تشكّل المقومات الأساسية لأمنها القومي .
و اضافة الى ما كان يطرأ على المنطقة من تغييرات من داخلها و ان كانت بطيئة ـ رغم تسارعها طيلة القرن المنصرم ـ فقد كانت تلك التغييرات تتحرك و لا تزال، و تُرسم من جديد على ضوء ما طرأ و يطرأ من تطورات على ثوابت المصالح القومية الدولية الكبرى لمرحلة ما، و على سياق تطورات الصراع الوطني، القومي الداخلي التحرري من جهة، و صراعات المنطقة بدولها و كياناتها فيما بينها ذاتها . . في تشكيلة متفاعلة متناقضة كثيرة التعقيد .
و على ذلك الأساس و في مرحلة العولمة الرأسمالية التي حررت رأس المال الكبير من قيود الحدود الدولية ، ظهرت و تظهر تطورات عاصفة جديدة تجتاح العالم . . اخذت تطرح مقومات و متطلبات جديدة لمواجهة التحديات من جهة، و لتحقيق المنافع الوطنية المحلية من جهة اخرى في ساحة صراع صار يشمل العالم . . لم تعد فيه القوة العسكرية لقطب ما لوحدها هي المقررة للنتائج النهائية او للحفاظ عليها . .
في ذلك المجرى الإقليمي الكثير التعقيد . . تكونت و تطورت مقومات جديدة في المنطقة على طريق ما وصف بتطوّر رأسمالية المحيط من جهة، و بسبب تزايد تشابك العالم و تفاعل المصالح المتنوعة المتناقضة المترابطة من جهة اخرى . . الذي جعل من العوامل و الآليات المحرّكة في المنطقة، لا تشبه الآليات التي كانت تحرّكها قبل نصف قرن او اقلّ . . و ان حافظت على جوهر الصراع و التفاعل بين الشرق و الغرب .
فالدول العربية لم تعد كالسابق دولا تابعة تبعية مطلقة او شبه مطلقة لقوى دولية بعينها، بل صارت لها شروطها، و كذلك حال ايران و تركيا و غيرها . . للأسباب اعلاه و لتراكم مردودات نمو تقسيم المصالح في انحاء العالم في المرحلة السابقة من جهة، و بسبب تراكم اموال النفط ـ خاصة لدى الدول العربية النفطية و ايران ـ و تطور استثماراتها و بيوتاتها المالية و التجارية و غيرها الفاعلة في عالم اليوم، من جهة اخرى  . .
و بسبب تطور الفكر و العلوم والثقافة و تراكم الخبر لتزايد تفاعل العالم قياساً بما مضى، وتزايد حاجة الدول الصناعية الكبرى الى الأيدي العاملة الأرخص و عملها على تأهيلها سواء في بلدانها الوطنية ذاتها، او بأستقدامها ايّاها سواء بالإغراءات او بتوظيف الهجرات المتواصلة لشعوب شرق و جنوب المتوسط اليها باجور رخيصة . . او بنقل منشآتها الى تلك الدول او افتتاح منشآتها الأحدث فيها، كما في اكبر مجمّع عالمي اميركي ـ الماني لتقنية الكومبيوتر المقام في الهند، مجمّع صناعات مرسيدس بنز المقام في تركيا . .
من ناحية أخرى، لم تعد الإحتكارات النفطية الغربية الكبرى على وحدتها و احتكارها و فرضها السابق الأصم لشروطها بعد ان اهترأ النظام الإقتصادي العالمي السابق . . و برزت اتحادات و مساهمات و احتكارات اسيوية كثيرة القوة، قد تفوق تلك الإحتكارات قوة من نواحي متنوعة كالصينية و الروسية و الهندية و الكورية وغيرها، اضافة الى العربية و الإيرانية و التركية الكثيرة النفوذ و التاثير، ليس مالياً او ادارياً او تجارياً فقط . . و انما بادوارها العنفية (نظامية و غير نظامية) و بفعلها الموظّف للدين و المذهب و الطائفة، في ظروف المدّ الديني . . في المناطق الأكثر ستراتيجية للنفط الخام و الغاز و الطاقة، وللذهب و اليورانيوم و الماس . .  
   في وقت اخذت فيه سياسات تعامل الدول فيما بينها تأخذ شكل اجندة . . فهي تتفق مع بعض في عدد منها و تختلف و تتصارع في عدد آخر منها، تحت مظلة علاقات دبلوماسية طبيعية مستمرة. الأمر الذي يسري في منطقتنا ايضاً . . فدول المنطقة تتعاون و تتخادم بينها في اجندة و تتقاتل بينها في اجندة اخرى سواء بادوات لايكشف عنها او بادوات مستعدة لتلبية الطلبات عند الحاجة مهما كانت، او بأزمات تتسبب بصدامات علنية تتوقف او تستمر وفق درجة تلبية المصالح المعيّنة . .
و صارت تنشأ لذلك تحالفات و اصطفافات لتلبية اهداف لقضية او مرحلة ما و تنتهي، لتبدأ اصطفافات جديدة على اهداف مستجدة، في تتالي يستمر . . في زمان يتزعم فيه مبدأ الربح على السياسات و المبادئ و العقائد و المواقف الأخلاقية . . و لايفسد كل ذلك للود قضية بينها !!
   و فيما تتعدد اسباب عملية الإدارة الأميركية على انهاء دكتاتورية صدام بالغزو العسكري، يرى عدد كبير من المتخصصين ان الأميركان دخلوا العراق على امل احتكاره بثرواته لهم وحدهم من جهة، وكي لايقع بثرواته و تأثيراته الكبيرة المتنوعة اقليمياً و دولياً، بقبضة منظمة القاعدة الأرهابية بعد ان لجأ الدكتاتور الى اعتماد ما اسماه بـ " الحملة الإيمانية " لإدامة حكمه، اثر تصاعد اعتماد الدين كوسيلة لمعارضة حكمه الدموي .
و لمواجهة الأخطار التوسعية الإيرانية المتنوعة في المنطقة، التي بدا وكأن دوائر فيها تسعى لأستعادة دور اكبر و اوسع من دور شرطي الخليج السابق الذي اوكل لشاه ايران المنهار، بدون حساب ضوابط المصالح الإقليمية و مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، في احسن تقدير .
و يرى كثيرون ان فعل السفير بريمر، الحاكم المطلق الصلاحيات من قبل ادارة الرئيس السابق بوش الإبن في العراق . . فعله المدمّر او غير المحسوب بدقة بتعبير اوساط، على حلّ القوات المسلحة العراقية و الدولة، واعلانه حالة الإحتلال ـ التي لها ضوابط قانونية دولية في الحقوق و الواجبات ـ و التي وظّفها في اطلاق يده بالتصرّف بحياة البلاد كلها بارضها و شعبها و ثرواتها، دون رقيب قانوني معترف به و معترف بسلطته . .  
قد تسبب بنشوء حالة فوضى غير مسبوقة ـ رغم تسميتها بالفوضى الخلاقة ـ جعلت كل اصحاب المصالح و المرتكزات الآلية و البشرية المستخدمة سابقاً او التي نشأت اثر او بسبب الغزو من دول الجوار . . جعلتهم ينشطون نشاطاً سريعاً لأغتنام الفرصة الذهبية سواء اقتصاديا وفي جانب كبير منه بالنهب، من نهب اموال نقدية و ممتلكات الدولة الغالية الثمن و بالسيطرة على مواقع و آليات تهريب النفط الخام . .
آليات التهريب ـ او الآليات شبه القانونية او المغضوض النظر عنها ـ التي كانت قد نظّمتها الدولة العراقية في زمن الدكتاتورية قبل انهيارها، لتسويق النفط الخام العراقي و استيراد السلع بسبب الحصار، والتي نشأت بسببها مئات المشاريع و الشركات الكبيرة و الصغيرة و حققت للقائمين عليها ملايين فلكية . . و التي عاشت و تعيش عليها عشرات آلاف عوائل عاطلين عن العمل منذ اواخر الثمانينات . . سواء في سوريا، الأردن، ايران و تركيا او في كل دول الخليج . . اضافة الى العوائل التي تعيش في الجانب العراقي من اقصاه الى اقصاه، حين كان النفط الخام العراقي يسوّق بكميات هائلة الى شركات وسيطة محمية و مترابطة مع الإحتكارات النفطية الدولية الغربية و الآسيوية . . لتحقيق ارباح خيالية خارج البورصات النفطية العالمية الرسمية .
و تسببت تلك الفوضى بدخول اعداد و مجاميع لاتحصى من كل دول الجوار بالتفاهم مع اوساط عراقية ذات نفس المصلحة في النهب . . مجاميع تسلّحت من ترسانة الدولة المنهارة التي تبعثرت اسلحتها و آلياتها في كل مناطق البلاد، تسلّحت لحماية رجالها القائمين على عمليات النهب و لحماية المنهوبات، وصارت جسوراً لأنواع النشاطات لمن يدفع اكثر .    
و جسوراً لكل المجاميع التي نشطت لمواجهة " احتلال عسكري اميركي لأحدى ابرز قلاع المنطقة العربية ـ الإسلامية " على اساس ان ذلك رد فعل طبيعي اقرّته و تقرّه كل الشرائع البشرية عموماً و الإقليمية خصوصاً . . بل و اتفق به حتى الرئيس الأميركي السابق بوش الإبن . التي شجّعتها دوائر و حكومات المنطقة التي وجدت فيها فرصة ذهبية لتوجيه انظار معارضاتها الداخلية عنها ذاتها .
و ساندتها بكل الطرق المباشرة و غير المباشرة و بمختلف واجهات و امكانات اجهزة دولها التي لاتقلّ محلياً عن امكانات الولايات المتحدة و الجيوش المتحالفة الغريبة المتواجدة في البلاد . . ضاربة عرض الحائط بأن حق مقاومة المحتل مكفول لأبناء البلد المحتل و ليس لمن ليس من ابنائه .
و تمهدت سريعاً بذلك طرق و قواعد لأنواع منظمات الإرهاب الإقليمي و العربي و الدولي، التي تفاعلت و تخادمت مع كل ما امكن لتحقيق انواع الأهداف السياسية و العنفية و الإقتصادية، بشعارات التمييز الديني و الطائفي و العرقي التي خدمت و تخدم اغراض دولية و اقليمية و بالتالي داخلية . . داخل و خارج العملية السياسية التي تم الشروع بها منذ سقوط الدكتاتورية . . وسقطت بسببها و لاتزال ارواح مئات الآلاف من المدنيين العراقيين رجالاً و نساءاً و اطفالاً و شيوخاً . . (يتبع)

11 / 5 / 2010 ، مهند البراك


163
مَنْ ينتصر على مَنْ ؟
                                                                                  د. مهند البراك
فيما لاقت الإنتخابات التشريعية في 7 آذار اقبالاً شعبياً واضحاً، بشهادة القوى المشاركة في العملية الإنتخابية ، فإن المفاجآت المتواصلة و اجوائها لم تنقطع، منذ التعديلات المجحفة على قانون الإنتخابات، و النواقص و الخللات التي رافقت سير العملية الإنتخابية، ثم كيفية سير اعلان النتائج  . . و الى مسألة تعريف ماهية الكتلة الفائزة و الكتلة الأكبر، وكأنها قضية مستقلة عن نتائج الإنتخابات بتقدير قسم . . لتتواصل المفاجآت بشكل يثير انواع التفسيرات و الإجتهادات، بعيداً عن الحقائق الفاعلة .  
و من جهة اخرى، وبعد اعلان النجاح الكبير على منظمة القاعدة الإرهابية . . و فيما انتظرت اوساط واسعة اعلان اتفاق الأربعة الكبار الفائزين و الإعلان عن تفعيل مشاركة كل القوى السياسية و الأحزاب الفاعلة في المجتمع من اجل عراق مستقر افضل، على اساس الشراكة الوطنية .
استمر و يستمر التباطؤ الخطر في اعلان الحكومة الجديدة ، و اخذت الإتهامات و الفضائح المسكوت عنها ؟ تتصاعد . . ليأتي الإعلان المفاجئ لإتفاق قائمتي " دولة القانون " مع " الإئتلاف الوطني " ، الذي كان من المفروض ان يُفرح الناس للقاء قوتين عراقيتين بدل تواصل التمزق و النزيف العراقي، كما افرحهم حينها تلاقي قوى عراقية اخرى في اطار " القائمة العراقية " ـ رغم اعتراضات اصولية و اخرى مؤججة للفتن ـ .
و كما اثار تجمّع تلك القوى العراقية المتنوعة في اطار " القائمة العراقية ". . محاذير و مواقف على سلوك و نواقص و افعال مدانة في زمان الدكتاتورية المنهارة او في ما تلى انهيارها . . يثير الإعلان المفاجئ آنف الذكر اليوم، ردود افعال من نفس الوزن و ان من شكل آخر على شخصيات و سلوك و اعمال مدانة جرت منذ سقوط الدكتاتورية و الى الآن .
خاصة وان ذلك يترافق مع سلوك و غض نظر و " عفى الله عما سلف " . . عن اطراف اعتمدت و تعتمد السلوك الطائفي العنفي المدمر، و مع تواصل اطلاق تصريحات غير مسؤولة و تكذيبات ، في اجواء غلبت عليها الشكوك و فقدان الثقة . . اضافة الى تصريحات و تهديدات بمواصلة العنف الطائفي و الديني مجدداً، و بدء بعضها  . .    
و فيما يجمع كثيرون على ان الأعلان المفاجئ آنف الذكر ـ اعلان اتفاق قائمتي دولة القانون مع  الإئتلاف الوطني ـ ، يشكّل انتصاراً ايرانياً على السياسة الأميركية في البلاد، و يؤكّد من جديد على حجم النفوذ الإيراني في البلاد التي تعيش وطئة الإحتلال الأميركي . . و يرى فيه آخرون انتصاراً يدعو الإدارة الأميركية الى مراجعة حساباتها و جداولها .  
   تتساءل اعداد اكبر، هل انتصرت حقاً الإرادة الشعبية في الإنتخابات ؟ ام هل جرت الإنتخابات كعملية لجس النبض لا اكثر ؟ جس نبض سير الأحداث و الإصطفافات . . لأجل تعديل و اعادة رسم خطط مُقامُ عليها ؟ ام ان نتائجها و تعديلها يخضع للنتائج المرحلية لسير صراع القوى الكبرى و الإقليمية و حلفائها . . بلا مبالاة بارادة و مصير شعب العراق باطيافه القومية و الدينية و المذهبية، الذي جعلوه
( ينتظر المنتظر) .
بعد مرور سبع سنوات . . لم يجر فيها تغيّر ملموس في البنية الإقتصادية ـ الإجتماعية، و لا في الثقافة و الوعي و دور و معاهد العلم و الجامعات و المدارس، التي تشكّل بمجموعها الضمانة الحقيقية لأي فعل يريد تقدّم البلاد  . . بل و تشير احدث الإستطلاعات المحلية و العالمية و بألم، الى نسب الأمية المرتفعة و الى تزايد البطالة، المرض، الفساد الإداري وغيرها، تزايد نزعة العسكرتاريا و الميليشيات ـ بعد تحسينات عليها ـ رغم انواع القوانين التي صدرت و حددت و منعت ؟!
و لاتزال الغلبة مستمرة للطرف الأقوى عسكرياً او المدعوم عسكرياً من خارج البلاد، في زمان تمددت فيه كل دول الجوار في العراق . . سياسياً وفكرياً، عسكرياً، اقتصادياً ، نفطياً و مائياً و حياتياً . . موظفة حالة الإحتلال و الفُرقة، لصالح اجندتها الأنانية هي و لمن يعمل لها !  

7 / 5 / 2010 ، مهند البراك


164
هل تحقق الإنتخابات ما عجز عنه العنف ؟
2  من  2
                                                                                    د. مهند البراك

مسيرة آلام طيلة السنوات السبع . . و مخاضات، تترك تأثيراً واضحاً على محاولات و صراعات تشكيل الحكومة الجديدة، و التي قد لن تنتهي بالسرعة المرجوة، رغم اعلان نتائج الإنتخابات. و رغم تقديم اعتراضات و طعون على ثغراتها و آليات اجرائها، الاّ ان مقدّميها لم يقللوا من اهمية الإنتخابات و جدواها، على حد تعبير كل الأطراف المشاركة . .
حيث ترى اطراف انه في ظروف العراق المؤسفة و الإحتلال و التهديدات المتنوعة التي لاتنقطع  ان الإنتخابات هي احدى الآليات لبناء دولة المؤسسات، وليس كلها . . رغم الثغرات في قانون الأنتخابات و آليات اجرائها اصلا . . لأنها لاتزال تشكّل بداية لآلية التبادل السلمي للسلطة بعد عقود الدكتاتورية، على حد وصفهم، و ترى اطراف أخرى انها ان كانت آلية بداية، فإنها لن تسير على الطريق الصحيح ان لم تفتح ابواب النقد و تأخذ بها ! لتتطوّر و تسير على خُطى تحقيق التقدم الإجتماعي، و الاّ فإنها لن تكون اكثر من تمثيلية . .    
   لقد اثبتت المسيرة الماضية، ان العنف لايمكنه ازالة او الغاء دور مكوّن ما، وخاصة من المكوّنات الثلاث الأساسية ـ على حد وصف المحاصصة ـ  رغم انه تسبب بخسائر كبيرة في وجود و دور المكوّنات الأصغر، اثر عمليات الإغتيال و التهجير و التهديد التي طالت تلك المكونات .. من مسيحيين، صابئة و ايزيدية و غيرها من التي لم تنل حقوقها المشروعة كاملة كمكوّن كالكورد الفيلية. و قد اثبتت نتائجه المؤلمة من جديد ان جذور الوطنية العراقية لمكونات العراق ليس من السهولة اقتلاعها . . رغم العنف و الإرهاب و الزيف .  
     بل ادّت نتائج العنف الى . . تزايد صرخات و مناشدات و دعوات الى اعادة الإعتبار للروح و للشخصية الوطنية العراقية، و ناشدت العالم الوقوف معها ضد استرخاصها و تحطيمها . . حتى وجدت اوسع الأوساط العراقية، انه بدون العودة اليها في اية اعادة بناء ، لن تتحسن الأوضاع . .
و صارت الحاجة اليها تدفع الناس و باصوات عالية الى قبول اي كيان او شخصية عراقية سواء كانت عربية، كوردية، تركمانية، مسلمة او مسيحية، مدنية او علمانية . . تستطيع تحقيق الأمن و الحياة الطبيعية و بالتالي الرفاه، اسوة بكل دول العالم، بشرط العمل بالأنتماء الوطني لإعادة الروح للتآخي وللأخوة الكفاحية، ضد الظلم و الفساد و النهب  . . في ظل عراق برلماني فدرالي موحد.
   وتتصاعد الدعوة لرفض المحاصصة، او للتقيّد بروحها كمرشد و عند الحاجة لا اكثر، و الى اعتماد الكفاءة و النزاهة كبديل لحلول العنف. حيث ان لعبت المحاصصة دورا اولياً مفيدا بنظر البعض، الاّ ان الغرق فيها حرفياً طول المسيرة الماضية، صار عائقا حقيقياً يشهد عليه واقع البلاد الجاري اليوم.
و صار الأمل بالخروج من طوقها، هو " الأمل " الذي تدفع له حاجات الجماهير الشعبية و عموم البلاد الآن وتنتظر الحل، و ليس البحث عن وجوه جديدة "كمرشحي تسوية" بين القوى الكبيرة، لتقوية الأمل ؟! كما تدور احاديث الآن عن ضرورته، مع التقدير للجهود .  
   و ترى اوساط مطّلعة، ان التوافق لن يكون توافقاً حقيقياً ما لم يتحوّل الى واقع يومي معاش، يحل المعضلات اليومية لمواطني كل المكوّنات . . و ان يرتكز على الروح الوطنية و الدعوة للتعايش معاً و على تحقيق انجازات ملموسة بهما للمكونات العراقية بلا تمييز، و يحقق بذلك مناخاً للثقة و التفاهم، و ان يكون قائماُ على اساس  الكفاءة والنزاهة بالدرجة الأولى وليس الانتماء إلى هذه الكتلة و الطائفة أو تلك . . و على اساس الالتزام بمبدأ "لا إكراه في الدين"، و على خطى التقارب الأخير بين الحوزة العلمية في النجف و الأزهر .
و فيما اسفرت الإنتخابات عن فوز اربع قوائم كبيرة، و عجز اية قائمة واحدة منها على الإنفراد بتشكيل الحكومة القادمة، و عن زيارات متبادلة لممثلي تلك القوائم في محاولاتهم للإتفاق على توزيع السلطات . . يرى قسم ان ذلك ان لم يجرِ لإرضاء ناخبيهم، فإنه يجري لأنهم مجبورون عليه بحكم القوانين المعمول بها الآن و بحكم المعاهدات الدولية، حتى لو صارت السياسة لدى البعض تجارة ؟! . . ويرى قسم آخر انه لكل ذلك، و لكن الأهم انه يجري لتحقيق امن و استقرار، يريده و يحتاجه الشعب بالوان طيفه من جهة، و تنشده كل القوى المخلصة للبلاد و سيادتها، وكل المصالح التي تريد الإستثمار في البلاد، و التي تحتاجها البلاد الآن . . من جهة اخرى .
في وقت يرى فيه كثيرون، ان " التوافق " لايزال يُعمل به كاداة لتعايش تطرّفِ طَرَفٍ مع او مقابل تطرف طرف ثانٍ، و تعايش عنف مع عنف . . تحت مظلة احتلال و قلق من احتمالات احتلال جديد، و امام شبح متزايد لصدام اميركي ـ ايراني، او اسرائيلي ـ ايراني . . على ارض العراق.
ويرون الآن و مجدداً . . ضرورة ان يكون " التوافق " الآتي توافقاً و اتفاقاً جماعياً وطنياً من مستوى اعلى من السابق، لا يعتمد العنف لحل المشاكل بين اطرافه، وانما يعتمده للرد و لمواجهة عنف عدو يستهدف اطرافه جميعاً . . توافقاً من شأنه أن يؤمن دعماً شعبياً له في مواجهة المخاطر، على طريق تأسيس دولة مدنية عصرية بعيدة عن نزعات العنف والإرهاب، او مسرحاً لهما.
توافقاً يستدعي دور العلم و العلمانية و الثقافة و الأدب و الفن . . في المسيرة التي طغت عليها المحاصصة الدينية الطائفية فقط . . توافقاً  يناضل ضد اخطار الفردية و بروز دكتاتورية من نوع جديد، و يتطلب صدور قانون الأحزاب ـ اضافة الى قوانين حرية الصحافة و حقوق المرأة ـ . . لتحديد دور الأحزاب الفاعلة ايجاباً في حياة البلاد سواء داخل او خارج البرلمان .. على اساس دورها في معارضة و اسقاط الدكتاتورية، و السائرة على نهجها المنحاز لقضية الشعب . . و الاّ فإن مخاطر دوران الأرهاب و الفوضى من دوائر تريد تحقيق اهدافها الأنانية، قد لايمكن كبحهما  . (انتهى)


25 / 4 / 2010 ، مهند البراك


165
هل تحقق الإنتخابات ما عجز عنه العنف ؟
1  من  2
                                                                                      د. مهند البراك

لابد من التذكير بداية بان سقوط الدكتاتورية الذي تمّ بفعل الحرب و اعلان الإحتلال ، و ليس بانتفاضة قامت بها قوى معارضة الدكتاتورية و ايدتها الجماهير الشعبية، رغم نضالها الطويل و الشاق و تضحياتها الهائلة . . ثم اعلان قيام الحكومة الجديدة على اساس المحاصصة الطائفية و العرقية ، ثم نشاطات قوى الأرهاب الدولية و الإقليمية و ردود الأفعال و المواقف العربية و الإقليمية، وغيرها . . قد تسببت كلّها بحالة فوضى لم تشهدها البلاد من قبل. تؤكد ذلك تصريحات لم تنقطع لأطراف و رجال نافذين في الحكم الجديد . . رغم ما يتحقق .
   و قد ظهر مصطلح " الديمقراطية التوافقية " او " التوافق" . . الداعي الى التعايش معاً، و طغى على الساحة السياسية العراقية و حقق نجاحات، بعد الغاء الدولة السابقة و انهيار جيشها و معسكراتها وسقوط انواع الأسلحة و المعدات العسكرية بيد الساعين  لها.
و فيما بذلت جهود كبيرة لتعريف ماهية " التوافق " و تطبيقه في الواقع العنيف الذي تشكّل، واوجد ـ اي التوافق ـ حلولاً سياسية للتفاهم . . الاّ انه سار على سكة المحاصصة الطائفية و العرقية التي بولغ بها بشكل خاطئ، حيث زادت تطبيقات المحاصصة من تثبيت النعرات العرقية و الطائفية و الجهوية الموجودة و التي حُكِم بها اصلاً في الواقع السابق . .
و انتجت المحاصصة بالتالي مشاكل مستعصية من نوع جديد . . فبينما استطاع الكورد بسياسة التسامح و فتح صفحات جديدة بينهم، ان يطوّروا تجربتهم في الحكم و في الإنتخابات ويحققوا نجاحات يشهد لها واقع اقليم كوردستان اليوم، رغم ثغرات و صعوبات لأسباب متنوعة عديدة . .
   اعتمدت اغلب الكتل الشيعية الحاكمة بأسم الطائفة، اسلوب التوبة و التوّابين في قبول و استيعاب كلّ شيعي او متشيّع ، و بالتالي قبل قسم منها كلّ من والاها مهما كان ماضيه ؟! اضافة الى اعتماد الإنتقام الذي ان نشأ كرد فعل على جرائم الدكتاتورية بحق الطائفة الشيعية (1) بداية، الاّ انه لم يُهذّب بالأصول القانونية المناسبة . . بل ازداد لهيباً بدعم و تشجيع و ضغوط اوساط ايرانية حاكمة . .
الأمر الذي ادىّ من جهة اخرى، الى تكتّل انواع التشكيلات المتنفذة بأسم الطائفة السنيّة ـ او الناشطة بأسمها و الأخرى التي تتنفذ فيها مجاميع من بقايا النظام السابق ـ في مقابلها، بدعم اوساط اقليمية عربية و اسلامية انطلاقاً من مصالحها كثيرة التنوع . .  للمواجهة و لتقوية موقف تلك التشكيلات وفق اطار المحاصصة الطائفية التي صارت و كأنما هي المقياس الوحيد الأصم للموقف من العملية السياسية الهادفة الى انهاء الإحتلال و اقامة دولة عصرية.      
   و فيما اوجد التوافق حلولاً للأطراف الحاكمة ـ رغم ثغرات متنوعة ـ ، الاّ انه لم يستطع او انه ترك الواقع المحلي المناطقي يسير وفق واقعه المحلي الذي تحكمت فيه القوة الموجودة فيه او المدعومة من خارجه، مستظلة براية المحاصصة . . و نشأت بذلك محلاّت، مواقع و مناطق و مدن متنازع عليها . . تسببت التهديدات و النزاعات العنيفة فيها و عليها، بهجرة مئات الآلاف خوفا من العنف .
و تسبب ذلك في مسيرة السنوات السبع، بحالة من التصادم بالقوة التي يملكها و يستطيع تحشيدها او يهدد بها كل طرف، بما حمل و يحمل من آلام و مخاوف (2) تسببت بها الدكتاتورية او الحرب الخارجية و الإرهاب من جهة . . او بسبب الواقع المعيشي الصعب في العاصمة او في الوسط و الجنوب من جهة اخرى. و التي زادتها حدة ، المحاصصة التي تحمل معها آمالاً بامكانية تحقيق تلك (الحقوق) المصادرة في السابق او التي تمت مصادرتها في الواقع الجديد، بدون التدقيق لا بأحقية تلك الحقوق ولا بالوسيلة المناسبة لتلك الأمكانية، عدا العنف . . على ارضية مؤسفة من تفكير و تقدير لم يختلفا كثيراً عن منظومة فكر الدكتاتورية السابقة من جهة، ولا عن منظور الإحتلال من جهة اخرى .
   و اليوم و اثر اعلان نتائج انتخابات 7 آذار الماضي، و فوز "القائمة العراقية" بأعلى الأصوات
ـ بتفوقها الضئيل على قائمة دولة القانون ـ . . ترى اعداد متزايدة من المراقبين و الخبراء، ان فوز القائمة تلك رغم تحفظات اطراف متعددة على شخصيات فيها ، لم يأتِ حبّاً لشخص او اشخاص محددين فيها، مع التقدير للجميع . . وانما يأتي تأييداً لطروحاتها الداعية الى قيام دولة مدنية و ليس دولة دينية طائفية عرقية ، بعد مسيرة آلام و مخاضات طائفية و دينية و عرقية مسلّحة خطيرة، دخلت و تدخل عليها انواع الأقطاب الدولية و الإقليمية المتصارعة . (يتبع)


22 / 4 / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   علما بأن الدكتاتورية وزّعت اضطهادها على كل الطوائف و الملل و التكوينات القومية و الإجتماعية و الدينية، في محاولاتها لقمع كل نأمة معارضة لسياستها الظالمة، مهما كانت .
2.   التي تطورت ايضاً الى اطماع و بالتالي الى نهم و استحواذ و محاولات تركيع و اذلال و استبداد.


166
 
 باقة ورد عطرة للبروفيسور كاظم حبيب
                                                                                   د.مهند البراك
بمناسبة حفل التكريم المقام للشخصية الوطنية و الماركسية المعروفة، الدكتور " كاظم حبيب " في عيد ميلاده الخامس والسبعين، حيث يحتفل اصدقاؤه و محبوه بالمناسبة في 17 نيسان الجاري . . و فيما اتقدم بأجمل التحيات و الأماني للدكتور حبيب بالصحة و بالمزيد من العطاء الذي علّمنا عليه، فإن الأحتفال بميلاده يحرّك الكثير من الذكريات العزيزة و الجميلة، اضافة الى ذكريات السنوات الصعبة . . و الحديث عن شخصه الكريم طويل و متنوع، متمنياً ان يكون حديثي عنه منصفاً . .
كان اسمه يتداول بكثرة و ببهجة بين اوساط الطلبة منذ اواخر الستينات، و خاصة بين طلبة الجامعة المستنصرية المسائية التي كان يدرّس فيها، حيث لم يكن هناك قسم صباحي بعد . . وكانوا اضافة الى اتخاذه كمرجع هام في العلوم الإقتصادية، اتخذه كثير من الطلبة و الشباب كقدوة في النشاط الإجتماعي ثم الديمقراطي و الجماهيري . . سواء بالجديد الفكري الذي كان يطرحه، او بتدريسه للمواد الجافة بأسلوبه الشيّق، و بالتالي بمظهره الأنيق . .  
اضافة الى تأثير مقالاته الصادرة في " الثقافة الجديدة " ، المجلة الفكرية و الثقافية الدورية الصادرة عن الحزب الشيوعي العراقي و المستمرة بالصدور الى يومنا هذا .  .  المقالات التي اتسمت بالروح الجديدة و العملية و جمعت الإقتصاد بالسياسة بالمجتمع اضافة الى تحديدها الآفاق الممكنة والمتوقعة، و عكست اسلوباً منهجياً في التناول، اضافة الى خلاصات كانت تنير الكثير من المجاهيل . .
وكان يتداول اسمه بين اوساط الكوادر الطلابية اليسارية، باعتباره احد المشرفين على منظمات اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية، و على عدة خطوط طلابية للحزب الشيوعي العراقي، في تلك السنوات، تاركاً تأثيراً محاكياً لتأثير شخصية الأستاذ الجامعي الديمقراطي اليساري في فلم زد (Z) (1)، الذي دار الفلم حول نضاله .  
   التقيت بالدكتور حبيب اواخر عام 1971 ، عند حضوري للمرة الأولى اجتماع لجنة توجيه النشاط الديمقراطي المركزية (لتندم) كعضو فيها عن الطلبة، التي كانت باشراف المكتب السياسي، و كان مكتبها آنذاك يتكون من د. كاظم حبيب و المرحوم ماجد عبد الرضا، و عضوية المناضلة بشرى برتو ، د. عبد العزيز وطبان ، الفقيد ابراهيم اليتيم . . اضافة الى ضيوف من هيئات مركزية متنوعة وفق النشاطات و طبيعة الظروف .
حيث كانت اللجنة تدير العمل الجماهيري في مجالات الطلاب و الشباب و النساء، المعلمين ، العاملين و النشطاء الديمقراطيين في النقابات المهنية و مجلس السلم، المعلمين الديمقراطيين، و تميزت اللجنة بحيوية و شمولية  اجتماعاتها، و كان ذكر عضوها الشهيد احمد الخضري يتردد في كل تناول لنشاطات المعلمين الديمقراطيين، الذي اغتيل في آذار 1970  .
   و بعكس ما اظهره لي حينها مظهر " ابو سامر "(2) الأنيق، و تركني احسبه للوهلة الأولى من (الأفندية او مناضلي الصالونات) وفق الوعي و تقييمات و تعابير ثوريينا في تلك المرحلة، خاصة وانه متزوج من اوروبية المانية .  .  الاّ انه كان و مايزال مناضلاً ميدانياً، يحاول سبر الحقيقة في مسار الأحداث الواقعية، ساعياً للمبادرة في تكوين رأيه، و للمبادر حقوق أعلى من غيره اذا ما ارتكب بعض الهفوات او  الأخطاء، قياساً بالمتلقيّ و بالمُنتظِرْ . .  
   و بعد ان ازدادت النشاطات الجماهيرية و توسعت و تنوعت .  .  تفرقنا كل في مجال.  حتى سمعنا بخبر اعتقاله و تضييع اخباره من قبل اجهزة الدكتاتورية اثر التقرير الإقتصادي و خلاصاته الذي ادان سياسة الدكتاتوية و زيفها الذي كان مسؤولاً عن اعداده، و الذي نشر ضمن تقرير اجتماع ل . م للحزب الشيوعي في ربيع 1978 في ظروف تهيؤ و مباشرة الدكتاتورية باشرس هجمة على كل القوى الديمقراطية و الفاعلة في المجتمع، في وقت لم يكن زيفها و حقيقتها واضحين بعد لكثيرين في تلك الظروف.  
   لتمر الأحداث و تتوالى السنوات سريعاً ، ونلتقي في ظروف البيشمركةالأنصار في كوردستان، في النضال من اجل اسقاط الدكتاتورية، حيث جمعتنا مناقشات متنوعة في مواقع متعددة . . من مدرسة الكادر المركزية في بشت آشان (3) التي كان مديرها آنذاك، حيث القيتُ فيها محاضرات عن كيفية اسعاف و انقاذ الجرحى ـ تلبية لدعوته لي حينما كنت ماراً بها، في طريقي للنزول بمفرزة الى منطقة سهل اربيل عام 1982 ـ  . . الى الإجتماعات الموسعة، ثم الى محاضراته الفكرية في موقع خواكورك التي كان يطرح فيها ملامح التفكير الجديد و ملامح التغييرات العاصفة التي بدأ يشهدها العالم، و ذلك اثر قدومه الأخير من الخارج، صيف 1988 . . حين اثارت طروحاته الكثير من النقاشات، في ظرف بدى فيه طرحه بنظر قسم مخلاً باعراف حزبية لكونه كان عضو مكتب سياسي للحزب، وقتذاك .
.  .  .  .
و تمرّ الأحداث بعدئذ بشكل عاصف لايمكن وصفه بسطور  . .  
.  .  .  .
   ففيما كان سقوط جدار برلين مدوياً .  . فإن الإنتهاء المؤسف لدولة الإتحاد السوفيتي و تمزّقها بدل اعادة بنائها، الذي وجّه ضربة هائلة لحملة و مناضلي الفكر الإشتراكي، و للداعين للتنوير في عالمنا الشرق اوسطي، من جهة . . ومن جهة اخرى فإن الضربات المتلاحقة للدكتاتورية التي تزامنت معها في حينها على الشعب العراقي و احزابه و قواه المعارضة، من حلبجة و الأنفال و غيرها و تتالي الحروب ثم الحصار الجائر . .
التي تسببت بمجموعها و تفاعلها بتمزيق معارضة الدكتاتورية المنظمة، و اضطراب الأحزاب الوطنية العراقية و تبعثر قادتها و كوادرها و اعضائها، وادت الى حالة ضياع و اعادة اصطفاف واسعة، شهدتها كل الساحات التي عاشت على ارضها المعارضة العراقية آنذاك . .
في ظروف التمزّق و الضياع تلك، استطاع " ابو سامر " و بعد صعقة المفاجئات الأولى . . ان يواصل النشاط و العمل في مجالات لم يطرقها اليسار العراقي في السابق، رغم اجواء الشماته التي كان يواجهها الفكر الإشتراكي و اليساري و وجوهه، و استطاع و بالتعاون مع ديمقراطيين و يساريين و مستقلين عراقيين و عرب ان ينشئ المعهد العربي ـ الألماني، ثم منظمة حقوق الإنسان في الدول العربية في المانيا و منظمة حقوق الإنسان العراقية، التي لم يكن النشاط فيها سهلاً لتثبيت اسس ديمقراطية فاعلة . . و التي عرّفت بواقع الإنسان العراقي و معاناته و حقوقه المهضومة بانواع طيفه ، في زمان الدكتاتورية الماضية . . محرّكاً بذلك وسط يساري ديمقراطي عراقي كبير، ليس في المانيا و حسب و انما في عدة دول اوربية، سواء بالتفاعل او بالتنسيق .  
و فيما يواصل نشاطه في منظمات نصرة القضية الكوردية، و الدفاع عن الديانات و المذاهب في العراق، و نشاطه البارز في نادي الرافدين الثقافي العراقي . . فإنه يواصل البحث و الكتابة في الشؤون العراقية و العربية و الشرق اوسطية في الصحف و المواقع و دور النشر العراقية و العربية التقدمية، ككتب و مقالات . . من منطلق تنويري تقدمي علمي داعي الى التحرر و التقدم، و الى التحرر من الأفكار الطائفية و الغيبية، و الى الحقوق القومية العادلة للقوميات (الثانية عددياً) و للطوائف و الأقليات الدينية و العرقية، ومن اجل حقوق المرأة . .  
   لقد عاش و يعيش المفكّر و المناضل اليساري العراقي المعروف د. كاظم حبيب مسيرة حافلة بالأحداث و بالنضال من اجل مستقبل اسعد للعراق بالوان طيفه، مسيرة عاني فيها ماعانى، و رفض ما رفض من اغراءات متنوعة و حقق فيها ما حقق و يحقق، وفق قناعاته و اجتهاده اللذين عاش منسجماً معهما، في زمان انتهى فيه دور المقياس الواحد للتقييم، و تخلخلت اطر و استمرت اخرى على اساس التجديد و التجديد، ايضاً و ايضاً . . الذي فيما فهمه قسم من اليسار و الديمقراطيين و يفهمه قسم آخر، الاّ ان البعض قد لايفهمه، او يستوعبه على مقياس محدد، قد يكون مؤسفاً .  .  
مسيرة نادى و ينادي فيها بحرية الفكر و بحمايتها، و بحقوق الطبقات و الفئات الفقيرة و المحرومة ، و تكوّنت في معمعانها شخصيته و اسمه و بعد عقود من جهود في تأهيل نفسه وزيادة علمه وتعطشه للمزيد، جعلته يحمل التسامح شعاراً ، في مجتمعنا الذي تزايدت فيه العلاقات الإجتماعية تعقيداً و حدّة  . .
التسامح الذي ينسجم مع ارادة انسان، يمتلك ذلك القدر من الصبر والتضحية وقوة الأمل والدعوة لها، انطلاقاً من معطيات واقع صعب كثير التعقيد، و في صراع مرير بين العاطفة المشبوبة و المبادئ والظروف المحيطة، و طموحه المشروع كأنسان مثقف و كمفكّر عراقي عربي و اممي في آن .
و لابد من الإشارة الى اننا بتواصل نقاشاتنا المفيدة التي نتفق فيها و نختلف، الاّ انني المس انها تزيد من المعارف و من انارة الطريق  . . و وجدت فيه مرونة من يحمل المبادئ في الخضم الشائك، و معيناً باحثاً للأحداث المستجدة و ما ترافقها من افكار و رؤى جديدة في مسيرة الواقع العراقي الكثير التعقيد، يطرح مايفكّر به مخلصاً و بصوتٍ عالٍ و يتفاعل مع النقد و يستعد للمناقشة بما يحمل من قناعات متجددة . .
محافظاً على دفئه و حيويته و مبادرته بالتفقد و التشجيع و بالأستعداد للعطاء، و بخاصة لمن يجده جاداً و واعداً في مسعاه ، ناجحاً في الموالفة و فهم و ادامة التواصل بين النشاط الجماعي و الفردي، التي جعلت منه عامل تحريك و تشجيع و مواصلة دائم الحضور لكثير من الديمقراطيين و اليساريين . .  
عرف د. حبيب الحياة و احبها، و ناضل و يناضل من اجل ان تكون اسعد . . و عاش و يعيش زوجاً رقيقاً و اباً طيباً مع عائلته الصغيرة . . و كنت ممن شهدوا مرافقة زوجته السيدة "ارمتراود حبيب" ايّاه للحياة في العراق في ظروف كانت حافلة بأنواع المفاجآت القاسية حين كانت أمّاً لطفلين، و حين كانت دؤوبة على تعلم العربية . . المرأة التي يشعر المرء انها و لابد بطيبتها و دفئها و اخلاصها لرفيق عمرها، شكّلت و تشكّل دعماً كبيراً ، شدّ و يشدّ من ازره في مسيرته و نضاله و صحّته و هو يبلغ عامه الخامس و السبعين .
   و فيما يُشكر القائمون على دعوتهم و مبادرتهم الرائدة في اقامة الإحتفالية . . تكشف الإحتفالية باننا قد لانعرف قيمة مناضلي حرية الفكر، المناضلين ضد الظلامية و التخلف و من اجل غد اسعد للعراق باطيافه و بنسائه و رجاله . . الاّ بعد غيابهم او خسارتهم . ويطرح السؤال بقوة . . لماذا لانهتم بمفكرينا و رواد حداثتنا في غمرة نشاطهم و في عزّ حياتهم . . و الى متى يبقى الحَكَمُ بيننا . .  الأبيض  او الأسود ..

باقة ورد عطرة للمفكر العراقي الدكتور كاظم حبيب في ميلاده الخامس و السبعين
و اجمل الأماني بالصحة و بالمزيد من العطاء

15 / نيسان 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   اشتهر ذلك الفلم في العراق في اواخر الستينات، لتناوله سلسلة حكم العسكريين المطلق و انقلاباتهم العسكرية في مواجهة الحركة الشعبية الديمقراطية في اليونان، و تسبب بخروج تظاهرات من كل دار سينما عرض فيها، حتى عمدت السلطة العراقية حينه الى منع عرضه. والفلم من بطولة ايف مونتان و ايرين باباس . .
2.   الكنية التي عرف بها، على اسم ابنه البكر المهندس الآن . . " سامر " .
3.   التي استفدنا من برنامجها و موادها بعد سنين،  لمدرسة الكادر في قاطع اربيل، التي كنت مديرها عام 1984 .





167
  باقة ورد عطرة للبروفيسور كاظم حبيب
                                                                                     د.مهند البراك
بمناسبة حفل التكريم المقام للشخصية الوطنية و الماركسية المعروفة، الدكتور " كاظم حبيب " في عيد ميلاده الخامس والسبعين، حيث يحتفل اصدقاؤه و محبوه بالمناسبة في 17 نيسان الجاري . . و فيما اتقدم بأجمل التحيات و الأماني للدكتور حبيب بالصحة و بالمزيد من العطاء الذي علّمنا عليه، فإن الأحتفال بميلاده يحرّك الكثير من الذكريات العزيزة و الجميلة، اضافة الى ذكريات السنوات الصعبة . . و الحديث عن شخصه الكريم طويل و متنوع، متمنياً ان يكون حديثي عنه منصفاً . .
كان اسمه يتداول بكثرة و ببهجة بين اوساط الطلبة منذ اواخر الستينات، و خاصة بين طلبة الجامعة المستنصرية المسائية التي كان يدرّس فيها، حيث لم يكن هناك قسم صباحي بعد . . وكانوا اضافة الى اتخاذه كمرجع هام في العلوم الإقتصادية، اتخذه كثير من الطلبة و الشباب كقدوة في النشاط الإجتماعي ثم الديمقراطي و الجماهيري . . سواء بالجديد الفكري الذي كان يطرحه، او بتدريسه للمواد الجافة بأسلوبه الشيّق، و بالتالي بمظهره الأنيق . .  
اضافة الى تأثير مقالاته الصادرة في " الثقافة الجديدة " ، المجلة الفكرية و الثقافية الدورية الصادرة عن الحزب الشيوعي العراقي و المستمرة بالصدور الى يومنا هذا .  .  المقالات التي اتسمت بالروح الجديدة و العملية و جمعت الإقتصاد بالسياسة بالمجتمع اضافة الى تحديدها الآفاق الممكنة والمتوقعة، و عكست اسلوباً منهجياً في التناول، اضافة الى خلاصات كانت تنير الكثير من المجاهيل . .
وكان يتداول اسمه بين اوساط الكوادر الطلابية اليسارية، باعتباره احد المشرفين على منظمات اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية، و على عدة خطوط طلابية للحزب الشيوعي العراقي، في تلك السنوات، تاركاً تأثيراً محاكياً لتأثير شخصية الأستاذ الجامعي الديمقراطي اليساري في فلم زد (Z) (1)، الذي دار الفلم حول نضاله .  
   التقيت بالدكتور حبيب اواخر عام 1971 ، عند حضوري للمرة الأولى اجتماع لجنة توجيه النشاط الديمقراطي المركزية (لتندم) كعضو فيها عن الطلبة، التي كانت باشراف المكتب السياسي، و كان مكتبها آنذاك يتكون من د. كاظم حبيب و المرحوم ماجد عبد الرضا، و عضوية المناضلة بشرى برتو ، د. عبد العزيز وطبان ، الفقيد ابراهيم اليتيم . . اضافة الى ضيوف من هيئات مركزية متنوعة وفق النشاطات و طبيعة الظروف .
حيث كانت اللجنة تدير العمل الجماهيري في مجالات الطلاب و الشباب و النساء، المعلمين ، العاملين و النشطاء الديمقراطيين في النقابات المهنية و مجلس السلم، المعلمين الديمقراطيين، و تميزت اللجنة بحيوية و شمولية  اجتماعاتها، و كان ذكر عضوها الشهيد احمد الخضري يتردد في كل تناول لنشاطات المعلمين الديمقراطيين، الذي اغتيل في آذار 1970  .
   و بعكس ما اظهره لي حينها مظهر " ابو سامر "(2) الأنيق، و تركني احسبه للوهلة الأولى من (الأفندية او مناضلي الصالونات) وفق الوعي و تقييمات و تعابير ثوريينا في تلك المرحلة، خاصة وانه متزوج من اوروبية المانية .  .  الاّ انه كان و مايزال مناضلاً ميدانياً، يحاول سبر الحقيقة في مسار الأحداث الواقعية، ساعياً للمبادرة في تكوين رأيه، و للمبادر حقوق أعلى من غيره اذا ما ارتكب بعض الهفوات او  الأخطاء، قياساً بالمتلقيّ و بالمُنتظِرْ . .  
   و بعد ان ازدادت النشاطات الجماهيرية و توسعت و تنوعت .  .  تفرقنا كل في مجال.  حتى سمعنا بخبر اعتقاله و تضييع اخباره من قبل اجهزة الدكتاتورية اثر التقرير الإقتصادي و خلاصاته الذي ادان سياسة الدكتاتوية و زيفها الذي كان مسؤولاً عن اعداده، و الذي نشر ضمن تقرير اجتماع ل . م للحزب الشيوعي في ربيع 1978 في ظروف تهيؤ و مباشرة الدكتاتورية باشرس هجمة على كل القوى الديمقراطية و الفاعلة في المجتمع، في وقت لم يكن زيفها و حقيقتها واضحين بعد لكثيرين في تلك الظروف.  
   لتمر الأحداث و تتوالى السنوات سريعاً ، ونلتقي في ظروف البيشمركةالأنصار في كوردستان، في النضال من اجل اسقاط الدكتاتورية، حيث جمعتنا مناقشات متنوعة في مواقع متعددة . . من مدرسة الكادر المركزية في بشت آشان (3) التي كان مديرها آنذاك، حيث القيتُ فيها محاضرات عن كيفية اسعاف و انقاذ الجرحى ـ تلبية لدعوته لي حينما كنت ماراً بها، في طريقي للنزول بمفرزة الى منطقة سهل اربيل عام 1982 ـ  . . الى الإجتماعات الموسعة، ثم الى محاضراته الفكرية في موقع خواكورك التي كان يطرح فيها ملامح التفكير الجديد و ملامح التغييرات العاصفة التي بدأ يشهدها العالم، و ذلك اثر قدومه الأخير من الخارج، صيف 1988 . . حين اثارت طروحاته الكثير من النقاشات، في ظرف بدى فيه طرحه بنظر قسم مخلاً باعراف حزبية لكونه كان عضو مكتب سياسي للحزب، وقتذاك .
.  .  .  .
و تمرّ الأحداث بعدئذ بشكل عاصف لايمكن وصفه بسطور  . .  
.  .  .  .
   ففيما كان سقوط جدار برلين مدوياً .  . فإن الإنتهاء المؤسف لدولة الإتحاد السوفيتي و تمزّقها بدل اعادة بنائها، الذي وجّه ضربة هائلة لحملة و مناضلي الفكر الإشتراكي، و للداعين للتنوير في عالمنا الشرق اوسطي، من جهة . . ومن جهة اخرى فإن الضربات المتلاحقة للدكتاتورية التي تزامنت معها في حينها على الشعب العراقي و احزابه و قواه المعارضة، من حلبجة و الأنفال و غيرها و تتالي الحروب ثم الحصار الجائر . .
التي تسببت بمجموعها و تفاعلها بتمزيق معارضة الدكتاتورية المنظمة، و اضطراب الأحزاب الوطنية العراقية و تبعثر قادتها و كوادرها و اعضائها، وادت الى حالة ضياع و اعادة اصطفاف واسعة، شهدتها كل الساحات التي عاشت على ارضها المعارضة العراقية آنذاك . .
في ظروف التمزّق و الضياع تلك، استطاع " ابو سامر " و بعد صعقة المفاجئات الأولى . . ان يواصل النشاط و العمل في مجالات لم يطرقها اليسار العراقي في السابق، رغم اجواء الشماته التي كان يواجهها الفكر الإشتراكي و اليساري و وجوهه، و استطاع و بالتعاون مع ديمقراطيين و يساريين و مستقلين عراقيين و عرب ان ينشئ المعهد العربي ـ الألماني، ثم منظمة حقوق الإنسان في الدول العربية في المانيا و منظمة حقوق الإنسان العراقية، التي لم يكن النشاط فيها سهلاً لتثبيت اسس ديمقراطية فاعلة . . و التي عرّفت بواقع الإنسان العراقي و معاناته و حقوقه المهضومة بانواع طيفه ، في زمان الدكتاتورية الماضية . . محرّكاً بذلك وسط يساري ديمقراطي عراقي كبير، ليس في المانيا و حسب و انما في عدة دول اوربية، سواء بالتفاعل او بالتنسيق .  
و فيما يواصل نشاطه في منظمات نصرة القضية الكوردية، و الدفاع عن الديانات و المذاهب في العراق، و نشاطه البارز في نادي الرافدين الثقافي العراقي . . فإنه يواصل البحث و الكتابة في الشؤون العراقية و العربية و الشرق اوسطية في الصحف و المواقع و دور النشر العراقية و العربية التقدمية، ككتب و مقالات . . من منطلق تنويري تقدمي علمي داعي الى التحرر و التقدم، و الى التحرر من الأفكار الطائفية و الغيبية، و الى الحقوق القومية العادلة للقوميات (الثانية عددياً) و للطوائف و الأقليات الدينية و العرقية، ومن اجل حقوق المرأة . .  
   لقد عاش و يعيش المفكّر و المناضل اليساري العراقي المعروف د. كاظم حبيب مسيرة حافلة بالأحداث و بالنضال من اجل مستقبل اسعد للعراق بالوان طيفه، مسيرة عاني فيها ماعانى، و رفض ما رفض من اغراءات متنوعة و حقق فيها ما حقق و يحقق، وفق قناعاته و اجتهاده اللذين عاش منسجماً معهما، في زمان انتهى فيه دور المقياس الواحد للتقييم، و تخلخلت اطر و استمرت اخرى على اساس التجديد و التجديد، ايضاً و ايضاً . . الذي فيما فهمه قسم من اليسار و الديمقراطيين و يفهمه قسم آخر، الاّ ان البعض قد لايفهمه، او يستوعبه على مقياس محدد، قد يكون مؤسفاً .  .  
مسيرة نادى و ينادي فيها بحرية الفكر و بحمايتها، و بحقوق الطبقات و الفئات الفقيرة و المحرومة ، و تكوّنت في معمعانها شخصيته و اسمه و بعد عقود من جهود في تأهيل نفسه وزيادة علمه وتعطشه للمزيد، جعلته يحمل التسامح شعاراً ، في مجتمعنا الذي تزايدت فيه العلاقات الإجتماعية تعقيداً و حدّة  . .
التسامح الذي ينسجم مع ارادة انسان، يمتلك ذلك القدر من الصبر والتضحية وقوة الأمل والدعوة لها، انطلاقاً من معطيات واقع صعب كثير التعقيد، و في صراع مرير بين العاطفة المشبوبة و المبادئ والظروف المحيطة، و طموحه المشروع كأنسان مثقف و كمفكّر عراقي عربي و اممي في آن .
و لابد من الإشارة الى اننا بتواصل نقاشاتنا المفيدة التي نتفق فيها و نختلف، الاّ انني المس انها تزيد من المعارف و من انارة الطريق  . . و وجدت فيه مرونة من يحمل المبادئ في الخضم الشائك، و معيناً باحثاً للأحداث المستجدة و ما ترافقها من افكار و رؤى جديدة في مسيرة الواقع العراقي الكثير التعقيد، يطرح مايفكّر به مخلصاً و بصوتٍ عالٍ و يتفاعل مع النقد و يستعد للمناقشة بما يحمل من قناعات متجددة . .
محافظاً على دفئه و حيويته و مبادرته بالتفقد و التشجيع و بالأستعداد للعطاء، و بخاصة لمن يجده جاداً و واعداً في مسعاه ، ناجحاً في الموالفة و فهم و ادامة التواصل بين النشاط الجماعي و الفردي، التي جعلت منه عامل تحريك و تشجيع و مواصلة دائم الحضور لكثير من الديمقراطيين و اليساريين . .  
عرف د. حبيب الحياة و احبها، و ناضل و يناضل من اجل ان تكون اسعد . . و عاش و يعيش زوجاً رقيقاً و اباً طيباً مع عائلته الصغيرة . . و كنت ممن شهدوا مرافقة زوجته السيدة "ارمتراود حبيب" ايّاه للحياة في العراق في ظروف كانت حافلة بأنواع المفاجآت القاسية حين كانت أمّاً لطفلين، و حين كانت دؤوبة على تعلم العربية . . المرأة التي يشعر المرء انها و لابد بطيبتها و دفئها و اخلاصها لرفيق عمرها، شكّلت و تشكّل دعماً كبيراً ، شدّ و يشدّ من ازره في مسيرته و نضاله و صحّته و هو يبلغ عامه الخامس و السبعين .
   و فيما يُشكر القائمون على دعوتهم و مبادرتهم الرائدة في اقامة الإحتفالية . . تكشف الإحتفالية باننا قد لانعرف قيمة مناضلي حرية الفكر، المناضلين ضد الظلامية و التخلف و من اجل غد اسعد للعراق باطيافه و بنسائه و رجاله . . الاّ بعد غيابهم او خسارتهم . ويطرح السؤال بقوة . . لماذا لانهتم بمفكرينا و رواد حداثتنا في غمرة نشاطهم و في عزّ حياتهم . . و الى متى يبقى الحَكَمُ بيننا . .  الأبيض  او الأسود ..

باقة ورد عطرة للمفكر العراقي الدكتور كاظم حبيب في ميلاده الخامس و السبعين
و اجمل الأماني بالصحة و بالمزيد من العطاء

15 / نيسان 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   اشتهر ذلك الفلم في العراق في اواخر الستينات، لتناوله سلسلة حكم العسكريين المطلق و انقلاباتهم العسكرية في مواجهة الحركة الشعبية الديمقراطية في اليونان، و تسبب بخروج تظاهرات من كل دار سينما عرض فيها، حتى عمدت السلطة العراقية حينه الى منع عرضه. والفلم من بطولة ايف مونتان و ايرين باباس . .
2.   الكنية التي عرف بها، على اسم ابنه البكر المهندس الآن . . " سامر " .
3.   التي استفدنا من برنامجها و موادها بعد سنين،  لمدرسة الكادر في قاطع اربيل، التي كنت مديرها عام 1984 .





168
نعم . . لايمكن تصور مستقبل مشرق للعراق دونه !
                                                                 د. مهند البراك
تمر هذه الأيام الذكرى السادسة و السبعون على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي المناضل، و تتوالى الصور و الذكريات والآمال بحزب ناضل و يناضل و قدّم و يقدّم الكثير و الكثير من اجل الحرية و من اجل حياة اسعد للعراقيين رجالاً و نساء . . ليس بشهادة كل القوى الوطنية العراقية فحسب، بل و بنظر كل القوى و المشاريع و البرامج العاملة على قضية العراق.
لأنه لم يعد مشروعاً لنخبة او حزباً تجريبياً ارادوياً . . بقدر ما شكّل و يشكّل ارثاً غنياً يتردد في الفكر و في محاولات التجديد الإجتماعي، لنضال ضارٍ لم يعرف الكلل من اجل خير و عزّ العراق بكل الوان طيفه،  لم تستطع اعتى المخططات على تركيعه و اخراجه من الساحة كما تصوّر منطقها السقيم، فعاد و يعود متجدداً بعد المحن المعروفة التي استهدفت تحطيمه . . بعد ان تركت تضحياته اثاراً لا تمحى في اعماق الروح الحية للبلاد .
و لأنه شكّل تعبيراً و موقفاً ليس سياسياً فقط، بل انسانياً عراقياً اصيلاً لا يمكن اقتلاعه او الغائه بقرار، مادام هناك عنصرية و ظلم و استغلال من انسان لأخيه الإنسان في بلاد النهرين . . و لأنه شكّل امتداداً حيّاً واعداً ، للنضالات الإنسانية الأولى التي دارت في وديانه و جباله .  . منذ ثورة الزنج ضد العبودية، ومروراً بكل الإنتفاضات الفلاحية و الإضرابات العمالية و الطلابية و الوثبات الشعبية في مواجهة الإستعمار، و الرجعية و ما اورثت . .
حتى صار لولب الحركة الديمقراطية و اليسارية العراقية في العراق، في ظروف تأريخية دولية و اقليمية لايمكن نسيانها او الغائها، و صار يُنظر اليه و يُعاين موقفه كبوصلة للحراك الإجتماعي الإقتصادي و الفكري و آفاقها، من قبل اوساط تقدمية واسعة كثيرة التنوّع، في كل منعطف صعب مرّت و تمرّ به البلاد.
و اضافة الى النقد الحريص النزيه الذي يطرح في تقييم مواقفه لأهميتها في حياة البلاد و آفاقها . .
الاّ انه صار يُحمّل باكثر من طاقته برأيي كثيرين، بعد ان صار قسم يكثر من طرّه ايّاه كما تُطرّ الشجرة المثمرة دوماً بلا حدود معقولة، و بلا بدائل و بلا نشاطات . . فإن تحالفْ ، حُسبَ عليه انحرافاً و خروجاً عن المبدأ، و ان لم يتحالف . . حُسب عليه انغلاقاً و غروراً . .
و يأتي ذلك لأسباب كثيرة التنوع افرزتها مسيرته الطويلة المتواصلة و نجاحاته و اخطائه طيلة ستة و سبعين عاماً . . فيما يرى متابعون، انه يأتي لكونه شكّل حلماً مجسداً لعقود حتى لمن لاحلم لديه، و بالتالي و لكل الظروف، ممن ضاع حلمه او لم يستطع اعادة بنائه في زحمةٍ، من جهة . . و ممن يسعى لتغليب حلمه هو، من جهة اخرى  . . او بسبب الآلام التي عاناها و يعانيها من اكتوى بنيران المظالم المتوالية التي ابتلى بها اعضاؤه و مناصروه في ربيع العمر حين واجهوا تحت رايته انظمة القمع الدموية شبه الأسطورية . . من اجل قضية الشعب .  
و فيما يتّفق المفكرون بأن الجديد الواقعي يأتي من اليسار، و في بلادنا من حزبه و مريديه و المتأثرين به . .  يطالبه كثيرون علناً بما يقدر عليه و حتى بأكثر مما يقدر عليه، في وقائع ليست خافية و يطول شرحها، مستندين في ذلك على خطابه و آليات نشاطه . . التي صار قادته يعبّرون اليوم علناً عن انها لا تزال تحتاج الى مزيد من الجهد، اثر اعلان نتائج انتخابات 7 آذار الماضي التي شابها الكثير و الكثير من النواقص و الثغرات رغم مشاركة الملايين . .
و تعبيرهم الصائب بأن " من غير الممكن تصوّر مستقبل للعراق مفتوحاً على آفاق رحبة من دون وجود يسار ديمقراطي قوي يشكّل الحزب الشيوعي ركناً اساسياً في بنائه " . . الأمر الذي يفرح من جهة، و من جهة اخرى يتطلب بتقدير مجربين، اعمال الذهن و الجهد اكثر و تقدير الوقت و العناية بموقوتية المواقف و الأهتمام اكثر بآراء المخلصين لقضيته . . و التدقيق بمعاني الحكمة العميقة " العبرة ليست بالجهود المضنية و انما بمدى سيرها في الإتجاه الصحيح " . . في الظروف العصيبة الكثيرة التقلّب و الأخطار التي لايمكن الاّ ان يحسب دورها وتأثيرها المتنوّع .
تحية للحزب الشيوعي العراقي في يوم ميلاده السادس و السبعين !

4/ 4 / 2010 ، مهند البراك    

169
مصطفى البارزاني : الزعيم الكردي و الوطني
2  من  2

د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net

واذا استطاع بجهود مفعمة بالوعي من الخروج عن الأطر القومية الضيقة، و بسعيه لشمول الثورة الكوردية القطاعات الأوسع من التنظيمات و التجمعات و الأحزاب الكوردستانية، فإنه استطاع بتفعيل الثورة الكوردية في الأطار الوطني العراقي الأوسع و جعلها ركنا فاعلا فيه، و بفتحه صفوفها لكل من اراد الإنضمام اليها من اقصى اليمين الى اقصى اليسار . . ان يحقق مكاسب للقضية الكوردية من جهة و للقضية العراقية عموماً من جهة اخرى بعد ان صار احد اركانها، و كما لعب دوره في ادامة الثورة و ادامة حضور الشخصية الكوردية في كل المنعطفات التي شهدتها مسيرة عموم البلاد.
ان شخصية و دور الملا مصطفى لابد و ان تؤخذ في زمانه، وفي اطار الصراعات الفعلية التي كانت جارية سواء في العراق او في المنطقة، الوعي السائد و المرحلة التاريخية التي كان يمر بها الشعب الكوردي و شعوب و دول و انظمة المنطقة، اضافة الى ماهية و مكونات حركة التحرر الوطني الكوردية و العربية، و ظروف الحرب الباردة . . و التي لايمكن عزله عنها، و انما رؤية كيفية تعامله مع الأحداث و مع القوى المتصارعة صراعاً جنونياً للسيطرة على كوردستان من جهة، و على عموم المنطقة و تقسيم مواردها، وانواع المخططات الدولية السائدة، و طبيعة السياسات و الروح الشوفينية التي اتبعتها دول المنطقة تجاه الشعب الكوردي و حقوقه العادلة، و مواقفها المتشددة تجاه شعوبها ..
فان حالة الإبادة ـ ابادة قرى، مناطق بكاملها، السعي لأبادة شعب الذي مارسه صدام لاحقاً سواء في 1975 اثر النكسة، او في ابادة حلبجة 1988 ـ . . التي عاشها منذ طفولته و التي قضى شطراً منها في السجون مع والدته و اشقائه، ثم في شبابه منذ ثورة الشيخ محمود الحفيد مروراً بثورات و انتفاضات بارزان، و في جمهورية مهاباد التي كان قائد جيشها . . جعلته ينظر بشكل واقعي الى الأمكانات المتوفرة و كيفية تفعيلها و تطويرها، اضافة الى رؤيته الى امكانات الخصم .
الأمر الذي اكسبه و بالتالي اكسب حزبه الذي ترأسه ، مرونة و طول نفس و صبر، بل و جعله يسعى للتفاوض مع الحكومة حفاظاً على الأرواح و الحواضر و القرى الكوردستانية، وعلى ذلك الحضور الكوردي الفاعل في الحياة السياسية . . و جعله يسعى للتفاوض و وقف القتال استجابة لطلب الحكومات المتعاقبة التي كانت تلجا الى التفاوض حين تفشل عسكريا و ماليا ـ رغم علمه بانها ستعاود الهجوم على كوردستان ـ  ، اضافة الى سعي الملا مصطفى ذاته للتفاوض عندما كان يشعر بتعب رجاله و تعب وحداته، او في مواسم الحصاد، كي لاتموت القرى   . . بعيداً عن التطرف و الأرهاب. و كانت تلك الفترات تلبي حاجة الثورة الى اخذ النفس و اعادة تجميع و تنظيم القوى و انعاش الوضع الإقتصادي في مناطق الثورة .
و يذكر قريبون منه كيف انه كان يسعى للتفاوض عندما كان يرى ضروراته، بموافقته على التفاوض مع مدير شرطة السليمانية الذي كلّف بذلك بشكل مقصود في الستينات، رغم ان الحكومات كانت ترسل في العادة من هو بدرجة و زير للتفاوض معه، وكيف تفاجأ من كان معه على موافقته على التفاوض معه ، و اجابهم :  
ـ والله حتى لو يرسلوا لي شرطي الآن ... اتفاوض معه ! (1)
لقد كان الملا مصطفى حذرا في انطلاقته في الستينات، و تصرّف كقائد سياسي عسكري عرف كيف يدير القضية، بحكمته و معرفته و استعداده الدائم لتعلم الجديد و تقبّله الرأي من ذوي العلوم و المعارف من اجل تحقيق ما امكن تحقيقه من الحقوق العادلة لشعبه الكوردي، ضمن اطار الحدود الدولية التي ازدادت قسوة و منعة امام الشعب الكوردي. حيث زادته المعارف قدرة على معرفة القوى المحيطة بالثورة و توازناتها الداخلية و الإقليمية و الدولية، فكان حذراً من المواجهة المباشرة سواء مع تركيا الناتو او ايران الشاه، و حرص على اتباع سياسة الحياد بين الشرق و الغرب . . لفترات طويلة .
ففيما كان يحاول الأبتعاد عن الخطوط الحمراء للناتو، فإنه رحّب بالأتفاقية العسكرية العراقية ـ السوفيتية لتوريد السلاح، حينما صرّح علناً " لسنا ضد الأتفاقية العسكرية مع السوفيات " التي فاجئت من كانوا يعدوّن لرفض تلك الإتفاقية . . و كان له في ذلك اكثر من حساب عسكري و سياسي، زاد من قربه للدول العربية و على رأسها مصر، التي كانت تسعى لتعويض خسائرها اثر عدوان حزيران 1967 بالإعتماد على الشرق ، و ترك ذلك الموقف ، اضافة الى موقفه بايقافه القتال مع الجيش العراقي اثناء العدوان الإسرائيلي على الدول العربية . . ترك لديها اثراً طيباً جديداً ساعد على تفهم افضل لوجود و حقوق الشعب الكوردي (2) .
الاّ ان موقف الحياد و الموازنة الذي اتبعه القائد الملا مصطفى بين الشرق و الغرب، لم يستطع ان يحافظ عليه لهول المخططات الدولية و الإقليمية وحدّة صراعاتها و تسارعها، التي لم تستطع ان تتحملها الثورة الكردية فانحازت للموقف الأميركي . . الأمر الذي حصر الثورة في زاوية محددة في قيود الجغرافية السياسية و ادى الى انتكاستها عام 1975 اثر اتفاقية الجزائر المشؤومة بين صدام و شاه ايران . . الأمر الذي ادىّ بالقائد الى تقييمه لذلك بتعبيره عن الندم الكبير باعتماده على قطب او طرف واحد من الأقطاب الدولية آنذاك، رغم ان مواقفه و مسيرته الحافلة لم تنطلق الاّ من اجل تحقيق المطالب العادلة للشعب الكوردي (3)
و فيما يرى خبراء و سياسيون ان اندلاع الحركة الكردية بقائد كالملا مصطفى ضمن اطار بلد عربي . . كان عاملاً مشجعاً و دافعاً للعرب و للأكراد للنضال من اجل التحرر و التقدم الإجتماعي، لأن العرب هم الأقرب للأكراد امام تسلط النير العثماني . . و العثماني ـ الفارسي . . الذي كان العراق مسرحاً لحروبهما و صراعاتهما، و كان الأثنان ينوءان من نيرهما، الأمر الذي تواصل في نضالاتهما في فترة الإنتداب و الوصاية البريطانية و الأستقلال بنفوذ بريطاني . . بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى .
اضافة الى ان النضالات العربية ـ الكوردية التي تواصلت في عموم العراق . . كانت عاملاً هاماً في توصّل الزعيم الكوردي الى انه لايمكن تحقيق الحقوق القومية العادلة للكورد العراقيين دون الديمقراطية لعموم العراق، فخاض النضال على ذلك السبيل، وكان عاملاً هاماً في تلاقي القوى الكوردية التحررية بالقوى الديمقراطية العربية، حيث كان من اوائل من شجّعوا فصائل الأنصار التي كان وزن المتطوعين العرب من العراقيين فيها واضحاً، اضافة الى تشجيعه و دعمه لحركة المقاومة الفلسطينية، الذي بلغ الى حد الدعم المتبادل في ميادين متعددة . . و اثار حفيظة العديد من الدوائر التي سعت بنشاط محموم لدق اسفين التفرقة بينهما، بشتى الوسائل و الحيل .  
ان دوره الوطني البارز في المنعطفات كان يبرز، رغم كلّ التعقيدات وتفرّق المواقع بل وتواجهها المؤسف احيانا، التي لم تنجم الاّ من جسامة وهول المشاريع والمخططات التي واجهت الحركة الديمقراطية العراقية بعمومها من جهة، و واجهت عمودها الهام " الحركة القومية التحررية الكردية " من جهة اخرى . . حيث بقى المجربون والأكثر وعياً يتابعون ويحاولون معرفة مواقف وتقديرات الملا مصطفى و مواقفه في تلك المنعطفات  . .  
   من جهة اخرى، فإن نضاله العنيد من اجل الحقوق الطبيعية للكورد، و تجاوبه بلا قيود نظرية او آيديولوجيه ـ عدا المحظورات المخلة بنضالات شعوب المنطقة ـ مع كل ما اضاف قوة للقضية الكوردية و عدالتها و انسانيتها، و تفاعله مع الممكنات لأنجاز انطلاق و مسيرة الثورة بنجاح، و من اجل تثبيت و جود كينونة و حضور كوردي في مواجهة مخاطر القمع و الإبادة . . جعل الجماهير الكوردية في الدول التي الحقت بها اجزاء كوردستان الأخرى، تعتبره قائدها التأريخي.
   فلم تكن مصادفة حين شاهدتُ صور القائد الملا مصطفى تزيّن الشوارع و المحلات في مدينة مهاباد الكوردية الإيرانية، اثناء تجوالنا بها بعيد انتصار الثورة الإيرانية و سقوط الشاه عام 1979 . . و صوره المزينة العديدة و هو الى جانب القاضي محمد، و الى جانب الزعيم عبد الكريم قاسم .
   و لم تكن مصادفة ان يقول الشهيد د. عبد الرحمن قاسملو (4) في لقائي معه مطلع الثمانينات في نوكان في كوردستان العراق لأعيد له كتابه الشهير " الكورد شعب بلا وطن ـ people without country   " الذي اعارني ايّاه مشكوراً و استفساراتي له عن وثائق مؤتمرات حزبه " الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني " و تناولها ـ اضافة الى تناول كتابه ـ الدور الرائد للقائد البارز الملا مصطفى البارزاني قائد الجيش (وزير الدفاع) في حكومة جمهورية مهاباد ذات الحكم الذاتي في ايران، حين قال  :
ـ الملا مصطفى البارزاني . . نعم انه ابرز زعيم للحركة الكردية  .  .  كان زعيماً تمتع بكل مواصفات الزعيم،  من الحكمة و الشجاعة الى المرونة و الصفح عند المقدرة ، كان يعرف الواقع وموازناته واين هي الحلقة الأساسية،  وقد جرح مراراً من الغدر  .  .  الأكاديمي شئ والزعيم السياسي شئ اخر، القضية تعود الى البناء والتكوين الشخصي !
تحية الى القائد الملا مصطفى البارزاني في يوم ميلاده !  

16 / 3 / 2010 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   من ذكريات الفقيد الوزير في حكومة كوردستان الفدرالية يوسف حنا القس و احاديثه للكاتب .
2.   راجع كتاب مذكرات الفقيد " عزيز شريف "، الرئيس الأسبق لمنظمة السلم و التضامن في العراق، وزير عراقي سابق للعدل .
3.   راجع اعداد صحيفة الحزب الديمقراطي الكوردستاني " خه بات " المخصصة للموضوع .  
4.   سكرتير عام الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني " حدكا " ، و قد اغتيل عام 1989 في فيينا .



170
مصطفى البارزاني : الزعيم الكردي و الوطني !
1  من  2
                                                                                     د. مهند البراك
                                                     

تمرّ هذه الأيام الذكرى السنوية لميلاد القائد الكوردي الكبير، الملا مصطفى البارزاني . . الذي عاش ليس كقائداً كوردياً فقط و انما كاحد القادة العراقيين الكبار الذين قاسوا و ضحّوا بالنفس و الأهل و الأحبة، في سبيل قضية شعبه، و لعبوا ادواراً كبيرة و رائدة من اجل الديمقراطية في العراق، وسط انواع المكائد و الدسائس و المخططات التي حيكت من دوائر متنفذة دولية و اقليمية و داخلية، و وسط انواع الأقاويل و التقديرات الخاطئة و كيفية تقييمها للأخطاء التي حصلت، او الملفقة الشوفينية الأهداف و المرامي  . .  
رغبت كثيراً وترددت بالكتابة عن القائد الكردي، عن زعيم لشعب مكافح مضيّع مكبّل . . احبّه والتفّ حوله ومنحه الثقة، التي لم ينلها الاّ بصبره و اصراره على النضال من اجل الشعب واخلاصه لقيم الأنسان مهما كان فقيراً ومعدماً، اضافة الى ادراكه الى انه حين دعى الشعب الكردي للعمل والنضال من اجل نيل حقوقه المشروعة كحقوق كل البشر، انما كان يخوض في دوّامة صراع معقّد دموي عنيف مخيف غير متكافئ، استطاع رغمه ان يحدد معالم الطريق، وان يشقّه محاولاً استثمار ما توفّر لشعبه في تلك المرحلة، و ان يسعى لطرقِ وفتح ابواب جديدة وارحب للسير بسفينة القضية الكردية و بالتالي العراقية نحو آفاق افضل من العدل والخير والمحبة .
باستثمار الفرص المتاحة باليد، و بالنشاط و البذل من اجل انضاج فرص جديدة . . و باعطاء القضية الكوردية ابعاداً ليست قومية كوردية فقط وانما ابعاداً وطنية عراقية، كاسراً بذلك الطوق المفروض على كوردستان من الأنظمة المحيطة بها و من امتداداتها الدولية المتنفذة المتصارعة صراعاً لا رحمة فيه، خالقاً بذلك بعداً انسانياً متعدد الأطياف للنضال الوطني العراقي .
اقول ترددت .  .  لما تثيره الكتابة من رهبة تقصير او هفوة، حين تتناول زعيم شعبي التقت عنده في مسيرة ثورة ايلول اماني الراعي و الفلاح الكوردي في الجبال البعيدة، الفلاح الفقير و الميسور في الريف . . رب العمل، الطالب و المثقف،العامل والكادح في انحاء مدن كردستان .  .  و التقت عنده آمال وطموحات وحاجات كل المناضلين في سبيل الديمقراطية في العراق، فكان الأب والأخ وكان صديق المحن و المنعطفات العسيرة التي عاشتها بلادنا و عموم المنطقة بشهادة الأحداث الحلوة و المريرة التي مرّت و بشهادة معاصريه عرباً و كورداً و كلدوآشوريين وايزيديين .. خاصة و ان طيفه يعيش فاعلاً و ان رفاقه السائرين على خطاه . . ماضون على نهجه، الذي شكّل ظاهرة فريدة في واقع المنطقة . ظاهرة تستحق التقييم و التدقيق العلمي لدور بحث متخصصة .
.  .  .
.  .  .
منذ ان بدأنا نعي الحياة، في طفولتنا في الأعظمية التي سكنها عرب و كورد، باكستانيون و هنود و افغان . . تيمناً بمرقد الإمام الأعظم ابو حنيفة النعمان، حين واظبنا عند رحلات الدرس اطفالاً ، و كنا نغادرها لنشهد تفجّر المظاهرات و الصدامات مع الشرطة من اجل الحياة و الحرية للسجناء السياسيين عرباً و كورداً و مسيحيين و صابئة .  . ومن اجل التضامن لإنقاذ بورسعيد من العدوان الثلاثي و النضال ضد الأحلاف العسكرية و من اجل السلام . .
وحين كنا صحبة اهالينا، في زيارات لأحبائنا في سجن نقرة السلمان وسجن بعقوبة، وفرحنا الطاغي بلقائهم، الذين كانوا كالقديّسين نحلف برؤوسهم وبسلامتهم لإنهاء اختلافاتنا ونزاعاتنا على امور يومية فكانت المشاحنات تتوقف عند رهبة ذلك الحلف الصادق . . رغم الصوندات التي ذقناها واهالينا ونحن نزورهم او نحييهم ولو من على بعد . كنا نسمع الذكر المتداول باحترام عن الكورد المعتقلين و عن عوائل عشائر بارزان المبعدة الى اعماق البلاد او الرازخة تحت نير السجون و الإبعاد، و كان يثير الرغبة فينا لمعرفة المزيد و المزيد عنهم .  
   لتمر الأعوام ونكبر . .   و تنفجر ثورة الشعب  في 14 تموز 1958 . . حين امتلئت الساحات والشوارع بالجماهير رجالاً و نساءاً من كلّ الأطياف ، تحيي و تهتف و تزغرد للعرس الوطني الكبير ، في جموع اطلقها فجر صباح ذلك اليوم الصيفي . . الذي جعل البيوت والمصالح تفتح ابوابها لإطعام المحتفلين والمتظاهرين، لتتزايد الأفراح بلقاء السجناء المحررين و بعودة المبعدين و المنفيين .
   و في ذلك الخضم المتلاطم الذي كان يتواصل . . كانت الناس تتدافع لمشاهدة لقطات بثها تلفزيون بغداد لمراسيم وصول واستقبال القائد الكردي الملا مصطفى البارزاني حين قدم على ظهر باخرة سوفيتية الى ميناء البصرة التي خرج اهاليها ونقاباتها واتحاداتها تحييه وهي تهتف . . " على صخرة الأتحاد العربي الكردي تتحطم مؤامرات الإستعمار "
كنا نتابع ونحن مبهوري الأنفاس صورة قائد الأكراد وهو بملابسه القومية، وباليشماغ الكوردي " الجمداني " الملفوف على رأسه ، وبابتسامته العريضة الواثقة و هو يحيي الجموع العراقية بكل الوان طيفها . . الصورة التي كانت تتكرر و تتجسّد في الأذهان كلما غنىّ المطرب العراقي احمد الخليل بمصاحبة عوده :  
هر بزي . . كورد و عرب ، رمز النضال
.  .  .  
هاي خوّتنا و تأريخ انكتب
النا حافل بالمجد و التضحيات
ايد ايد و كَلُب مشدود لكلب
حلوه مره .. اثنينّا نعيش الحياة
قلوبنا تخفق سوا جنوب و شمال ..
.  .  .  
.  .  .
   لتراوح المسيرة بعدئذ . . و تتداخل و تتحوّل الى مشاحنات ارادتها مجاميع لم يرُق لها ما كان يموج، رافعة زوراً شعارات قومية نبيلة محوّرة ايّاها الى شعارات قومية ضيّقة دعت الى الثأر ! و كان لها للأسف ما ارادت في افعال و ردود افعال . . حين غازلت التعصّب و التعالي القومي، لتحدث عواقب تحمّل مسؤولية تبعاتها وقتذاك اكثر من طرف و اكثر من جهاز حكومي، في متوالية كثيرة التعقيد . .  
فبدأت الصفوف تتصدّع ، و اخذ العنف يظهر . . من حوادث فردية الى صدامات محلية هددت بالتوسع و الشمول، حتى وصلت اوجها باندلاع القتال في كوردستان خريف 1961 . . حين اشتبك رتل عسكري مع فصيل بيشمركة في دربندي خان ، و كأنما كان الشرارة التي اشعلت صداماً عنيفاً لاحقاً في مضيق بازيان ، ليعم اللهيب في انحاء كردستان . .  
و بدأت مسيرات و مظاهرات كبيرة و فعاليات لم تنقطع في شوارع العاصمة بغداد نظّمها الحزب الشيوعي العراقي طالبت بـ " السلم في كوردستان " . . وحتى تنظيمه المظاهرة المركزية الكبرى التي قدّر عدد مشاركيها باكثر من نصف مليون آنذاك رجالاً و نساءً ، والتي انطلقت من ساحة النهضة وتصدّت لها وحدات الأمن . . و " الأنضباط العسكري " الذي انضم قسم من افراده الى المتظاهرين . . وتسببت بجرحى و معتقلين اثر صدامات بين رجال الأمن والمتظاهرين . . في وقت بدأت فيه البلاد كلها تعاني من مآسي القتال و من طوابير قتلى المتحاربين من ابنائها، ثمناً لتلك الفتن . .
 لتصل الى الأنقلاب الدموي في شباط عام 1963 الذي اجهز على مكاسب الجمهورية الأولى
التي كان من اهمها اقرارها بأن البلاد شراكة بين العرب و الكرد . . والذي تسبب بمقتل واعتقال عشرات الآلاف من الديمقراطيين و اليساريين و الشيوعيين . . لتشمل طاحونته الأكراد و ليتجدد القتال بشكل اعنف مما مضى في كوردستان، رغم مراهنة اوساط في الثورة الكوردية عليه، لتثبيت الحقوق القومية التي اعترفت بها حكومة الزعيم عبد الكريم و لم تأخذ طريقها للتنفيذ ؟! بمنظارهم .
   و كانت الناس تتناقل اخبار ما لعبه الملا مصطفى البارزاني قائد الثورة الكوردية من دور هام في احتضان الذين تشرّدوا جرّاء العنف الدموي و اوامر التصفيات الجسدية التي كان يذيعها راديو الأنقلابيين، التي تسببت بلجوء العشرات الى كردستان . . الأمر الذي رفع من تزايد مشاعر الأخوّة و الرفقة الكفاحية بين عوائل الديمقراطيين في بغداد والعوائل الكردية الساكنة فيها، والتي اخذت نيران الأنقلاب الدموي تطالها .  . حتى صار الملا مصطفى و الثورة الكوردية، رمزاً فاعلاً لرفض الدكتاتورية العسكرية الدموية الجديدة، و جبهة للنضال الجماهيري و المسلّح من اجل الديمقراطية للعراق و الحكم الذاتي لكوردستان، آنذاك .
   جبهة اسس لها تأريخ الأخوة العربية ـ الكوردية الطويل و المعبّد بآيات التضحيات في النضال من اجل الحرية و العدالة الإجتماعية . . و اسست لها الفعاليات الحاشدة و الصدامات اللاحقة التي راح العديد ضحايا لها في سوح العاصمة و الوسط و الجنوب، و التي طالبت بـ " السلم في كوردستان " و بالأخوة العربية الكوردية على اساس الأنتماء للوطن، قبيل الأنقلاب . . و بدأتها المقاومة العنيدة لأنقلاب شباط في بغداد التي لعب فيها عقد الأكراد دوراً بطولياً بارزاً اضافة الى المقاومة في الكاظمية والشاكرية و غيرها . . حين وجد الديمقراطيون و الشيوعيون انفسهم في خندق واحد بمواجهة العداء للديمقراطية و التكبّر القومي و العرقي . . ثم حين توالت الأعتداءات واعتقالات الأكراد و المسيحيين و غير المسلمين على الهوية ! بشتى الحيل .
   و فيما يصف قسم موقف البارزاني الخالد باحتضانه ضحايا الأنقلاب آنف الذكر، بكونه موقف لاينسى لأنسان شهم نبيل قادر . . يرى كثير من السياسيين و المحللين بأنه بالإضافة الى ذلك، فأنه نبع من ادراك و معرفة القائد البارزاني بأن الحقوق القومية للشعب الكوردي لايمكن بلوغها دون تحقيق الديمقراطية الحقّة في عموم البلاد، و دون دعم الأحزاب و القوى المناضلة بحزم من اجل الديمقراطية للعراق، التي يضمها معها خندق واحد في النضال من اجل التقدم و العدالة الإجتماعية و في النضال ضد الحرب و الشوفينية و الأنعزال القومي  . (يتبع)

14 / 3 / 2010 ، مهند البراك


171
الإنتخابات النزيهة انقاذ لوحدة العراق !
2  من  2  
                                                                                      د. مهند البراك

   وفيما يتزايد الوعي الشعبي باطيافه، بأهمية وحدة الصف الوطني و وحدة البلاد على اساس الدستور، لأجل العيش بسلام و بعيداً عن العنف والأرهاب ومن اجل الخبز و الرفاه . . تستمر القوائم الإنتخابية الرئيسية المتنفذة في التحشيد لشعاراتها هي ـ دون النظر الى متطلبات عموم الواقع العراقي ـ مسخرة لذلك اموالاً فلكية من مصادر متنوعة لا رقيب عليها، في وقت  يشير كثيرون فيه الى دور المال السياسي الإيراني و العربي و الدولي في ذلك . .
الذي باتت فاعليته و شروطه تتسبب بمخاطر تشدد تلك القوائم و تصلبها على مطالبها الطائفية و الفئوية المتقولبة في نظام المحاصصة الطائفية البالي رغم ان الوعي العام و المنطق اخذ يتجاوزه بسبب المعاناة من التجربة السابقة و قياساً بانتخابات عام 2005 . . الأمر الذي يمكن ان يؤدي من جهة اخرى لا الى تواصل اللحمة الوطنية و تقريبها، بل الى استمرار تمزّق البلاد تحت راية " الطائفة المنتصرة " . .
و الى تهديد البلاد بالعودة الى المربع الأول و بعودة الحكومة الى اللجوء للعنف لتطبيق نظام المحاصصة على مقاس " الطائفة المنتصرة " ـ كما يصفها مراقبون ـ بعد ان تصاعدت جدران الطائفية و ثُبتت في قوانين و صارت تقف خلفها دول و دوائر اقليمية متنفذة و على المكشوف، رغم تواصل و تزايد معاناة اوسع الجماهير منها طيلة الدورة السابقة  . .
دولٌ و دوائر تغيضها تجربة العراق الجديدة، وآفاق سيره ان تثبّتت و نجحت، على طريق التداول السلمي للسلطة عن طريق الإنتخابات و ليس العنف، اضافة الى بدئه كبلد نفطي عملاق تجربته المؤثرة في عموم المنطقة ، القائمة على تأسيس علاقات دولية على اسس قانونية علنية في خطوطها الرئيسية من جهة، او طمعا بكعكة العراق بتقسيمها و قضمها لها من جهة اخرى ، و بالتالي عملها على دوام و زيادة تعثّره في التوصل الى قرار وطني موحد قوي التأثير، و المؤدي بالتالي الى مخاطر انقسامه الى اجزاء او كانتونات خاضعة لنفوذ اصحاب المال و السلاح فيها، بدعم اقليمي و دولي . . رغم تواصل تقديم شعبه خسارات فادحة بالأرواح و المنشآت و المعدات والأموال .
لأنه بتقديرها، اذا تعافى و وقف على قدميه على اسس دستورية و قانونية فاعلة تناسب التطورات العالمية في السوق الدولي للنفط، و اذا استطاع ان يحقق خطوات على طريق الرفاه الإجتماعي، فأنه سيهدد الأنظمة و الآليات النفطية القائمة في المنطقة و اساليب حساباتها و موازينها النفطية و مصاريفها، وقضايا خضوعها الى دستور و رقابة برلمانية وطنية، التي تخلو منها المنطقة. و سيؤدي الى ان تشعر انظمة المنطقة بالقلق من ضغوط شعوبها عليها، لأجل اتخاذ اجراءات مشابهة  لهذا النموذج الجديد في العراق ، الذي يمكن ان يقيّد ايدي حكامها بدستور و قانون .    
من جانب آخر . . فان تواصل التمزق و تزايد حجم المخاطر الشاخصة، والتهديدات المتنوعة باستخدام العنف، و تواصل تصريحات و كالات انباء دولية و اقليمية عن ان الأدارة الأميركية باتت عاجزة الآن عن التأثير على المشهد العراقي بعد تفوق النفوذ الايراني في صياغة هذا المشهد مستندة الى اعتراف مسؤولين امريكيين و تأكيد سياسيين عراقيين.
و عن ان هذا العجز أصاب الأمم المتحدة ايضاً، مستندين الى تصريحات ممثلها في بغداد أ د ميلكرت في نيويورك وواشنطن، الذي افاد بانه " يفشل في اداء مهمته لجمع الأطراف العراقية،  مشيرا الى تدخّل احدى الدول الأقليمية و ادارتها حملات تدخل كبيرة في الوضع، معربا عن قلقه من ان آلية الاجتثاث تخلو من الشفافية والالتزام بمعايير محددة. الأمر الذي يواجه بتدخلات اقليمية اخرى مؤسفة " .
في وقت سمى فيه السفير هيل وقائد القوات الأميركية في العراق الجنرال اوديرنو ايران بالأسم و وصفاها بانها تقود المشهد الانتخابي وان رئيسي لجنة الاجتثاث ينسقان معها ويجتمعان مع مسؤوليين ايرانيين رفيعي المستوى. وان مقترحاتهما لأصلاح الوضع جوبهت بتشدد من قبل الحكومة العراقية.
   و تشير وكالات اخرى الى ان ذلك يتوضّح في بيانات صدرت من مسؤولين حكوميين عراقيين و من ابرز شخصيات الائتلاف الحاكم، والتي اتّسمت بالحدة في سوق الاتهامات لأميركا و للأمم المتحدة بانهما تحاولان التأثير على الناخببين، و غيرها من اتهامات لم تكن هذه الشخصيات توجهها سابقا الى " صديقهم الأميركي" ، وان تلك البيانات تقترب كثيرا من الخطاب الاعلامي الايراني.
   فيما ترى وجوه من قوائم منافسة، ان الادارة الأميركية لا تريد ترتيب الأوضاع العراقية الآن وفق أفكارها التي جاءت بها حين غزت العراق عام 2003 وباتت تتجنب الاهتمام بنوعية النخبة الحاكمة فيه وسياساتها، بقدر اهتمامها بمن يستطيع فرض استتباب الأمن فعلاً في البلاد، بعد نجاح الشركات الأميركية في عقود النفط كما مرّ، و الى ان الأدارة الأميركية صارت محكومة الآن بحربها في افغانستان التي تدفعها الى محاولة التوصل الى حلول وسط مع قوائم الرفض ، كي تحافظ على الحد الأدنى المطلوب على الأقل من العلاقة مع واشنطن وفق المعاهدة الأمنية الموقعة بينهما .
من جانب آخر، فان الوضع كثير التعقيد الآنف الذكر يؤدي الى تلويح قائد القوات الأمريكية في العراق أوديرنو بإعادة النظر في جدول انسحاب قواته من البلاد، مشيرا إلى أنه وضع خططا بديلة يمكن ان يطبّقها إذا ما طرأ تدهور مفاجئ ، بحيث يمكن الإبقاء على أعداد أكبر من القوات إذا دعت الضرورة، معرباً عن  أمله بدور عربي كبير في العراق. وقد حدد مفهوم التدهور المفاجئ بـ : تدخل مباشر لدولة ما في الأنتخابات، انتشار حالة من التوتر الشديد بين الجماعات المختلفة، حالة أن يجد بعضها أنه غير قادر على المشاركة، أو أن الحكومة غير قادرة على إحراز تقدم أو أن تفقد بعض الجماعات الثقة بالآليات الدستورية ، على حد وصفه . الأمر الذي يتطابق مع ما عرضه وزير الدفاع الأميركي ر. غيتس المؤكد على ان التوصية بتباطئ انسحاب القوات لن يحصل، الاّ اذا شهد الوضع في العراق تدهوراً حقيقياً، وهو ليس كذلك حتى الآن، على حد تعبيره .
وفيما يصف خبراءٌ دوليون، عملية الإنتخابات و فترة العام الذي يليها، بكونها فترة صراع حاد بين الجانب الإيراني الساعي الى تحويل الإنتخابات الى معركة طائفية مريرة ينفذ من خلالها ليضمن ان الحكومة العراقية المقبلة سيقودها حلفاء ايران من الشيعة المتشددين و من معهم (*)، وبين الجانب الأميركي الساعي الى ان يكون العام القادم، عام استقرار اكثر للبلد بوصفه دولة دستورية صديقة للولايات المتحدة حسب تعبيرهم، و ليست دولة تابعة لايران يهيمن عليها رجال الدين، او ساحة صراع طائفي تلعب ايران فيه دوراً اساسياً، كي يحقق الرئيس الأميركي اوباما الانسحاب المسؤول كما وعد. و خاصة ان توصلت الولايات المتحدة الى استثمار 700 مليار دولار في عقود النفط التي يمكن ان تستكمل، بعد ان خسرت ارواح أكثر من 4300 جندي، عدا الجرحى و المعوقين خلال السنوات السبع الماضية .
وسط تصريحات قادة اميركان مدنيين و عسكريين بان انتخابات آذار القادم وما سيعقبها هي التي ستحدد مستقبل العراق و علاقة اميركا بالعراق... لتطوير "عراق دستوري بشراكة طويلة الاجل مع الولايات المتحدة "، و وفقاً للسفير هيل " اذا مضت العقود التي وقع عليها العراق مؤخرا مع شركات النفط الدولية بشكل جيد، فان العراق سيصبح منتجا للنفط على قدم المساواة مع المملكة العربية السعودية. الأمر الذي يمكن ان يكون له اثر كبير على انظمة الحكم في انحاء الشرق الاوسط ".
   يرى آخرون، بأن العراقيين ان لم يتفقوا على انتخابات نزيهة حقا ... فان الوضع يهدد بتحول البلاد الى بؤرة حرب و عنف و نزيف دم دائم  !! وسيبقيها ساحة لتحقيق مكاسب سياسية لدول المنطقة على حساب العراق و شعبه، بتصدير مشاكل دول المنطقة الداخلية اليه، و تصدير مشاكلها مع المجتمع الدولي و تحويلها الى مواجهات عنيفة معه على ارض العراق بلا مبالاة بارواح ابنائه رجالاً و نساءً و عوائل، لكسب نقاط و جولات تقوي مفاوضات دول المنطقة مع المجتمع الدولي ... كالملف النووي الإيراني، ملف الجولان و ملفات تخلّف الأنظمة و تجارتها بالدين الحنيف و بالطائفية لأغراضها السياسية و غيرها اضافة الى ايوائها مجاميع متنوعة من الأرهابيين يذهبون لتحقيق ذلك على ارض العراق .
و ترى اوساط عراقية واسعة، ان الصراعَ الآن محتدم بين القوى التي تعمل على توحيد الصف العراقي تجاه المؤامرات و الأطماع الخارجية، و بين القوى التي تسعى إلى تشتيت شمل الدولةِ العراقية والمسيرة التقدمية رغم نواقصها الحالية التي يمكن السير على طريق تجاوزها بالإنتخابات النزيهة لتقديم الكفوئين والنزيهين و ممن جرّبوا باخلاصهم لأجل القضية الوطنية، والساعين الى التخفيف من الصراعات على  الزعامة و الجاه و المكاسب الشخصية، دون النظر الى مصير البلاد، عروس الشرق الأوسط و عنوانه منذ القدم  .
و من اجل بديل عراقي وطني متعدد الأطياف موحد على اساس الأنتماء للهوية الوطنية وليس على اساس المحاصصة، قائم على الشرعية الدستورية الفدرالية وعلى برلمان فاعل، قادر على التعامل مع التحديات القائمة، و دفع خطر الحروب و تحقيق مصالح البلاد في الأستقلال و السير على طريق استقرار الأمن و الرفاه و تأمين حقوق النساء والأطفال و اليتامى و القضاء على البطالة في البلاد .. المستند الى الإرادة الشعبية بعيداً عن الخرافة التي تمزّقه و التي تعبّد سبيل الطامعين بنفطه و مياهه وبأصالة ثقافته و عقائده . الإرادة الشعبية التي تشكّل ضمانة دائمة  لعدم انجرار البلاد الى ان تكون بؤرة عنف و حروب ، فالأنتخابات باتت وكأنها انتخابات لعموم المنطقة !!
(انتهى)

28 / 2 / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لايقصد القوائم الشيعية كلها،لأنها في مواقفها متباينة عموما من التدخل الإيراني المباشر،حتى الآن .


172
الإنتخابات النزيهة انقاذ لوحدة العراق !
1  من  2  
                                                                                        د. مهند البراك

فيما يقترب موعد الإنتخابات و تتهيأ القوائم المتنافسة لخوض غمارها، و ويستعد الناخبون للمشاركة  فيها لأختيار الأكثر آهلية و جدارة لتحمّل المسؤولية في الحكم، في مسعى لحل العديد من العقد الكبيرة و الأوضاع غير المعقولة التي تعيشها البلاد و شعبها بكل اطيافه رغم ما يُنجز و يتحقق .  . من عنف و فساد و سرقات وغيرها مما صار معروفاً ، و التي تنعكس سلباً على حياة و مصائر العراقيين و خاصة الكادحين منهم .
وفيما تحاول اوساط كبيرة ان ترسم لها الأمل بأمكانية التوصل الى واقع افضل و الى تعزيز للوحدة الوطنية، والى تعميق و تطوير التبادل السلمي للسلطة عن طريق الإنتخابات. تزايدت تصريحات رئيس الحكومة الإيرانية احمدي نجاد، و شعاراته المنافقة بتخليص المنطقة من الإحتلال، ناسياً بأن الحكومة الإيرانية هي التي نسّقت مع الأميركان في الحرب على افغانستان، و متناسياً من اصدر الفتوى للقوى الإسلامية العراقية (الشيعية) بالتعاون مع الإدارة الأميركية لإسقاط نظام الطاغوت على حد تعبير الفتوى، اثر صدور (قانون تحرير العراق) في زمن ادارة الرئيس الأميركي كلنتون، و من سهّل بالتالي احتلال القوات الأميركية للعراق.  
لقد اخذت تلك التصريحات تخرج عن اطار موقف دولة جارة تريد دعم جارتها دولة العراق . . بدعوتها علناً الى ان الحكومة الإيرانية هي التي تقرر نتائج الإنتخابات، و انها هي التي تضمنها لصالح قوائم انتخابية بذاتها، و بتصريحاتها علناً بانها تعمل على طرد و اقصاء قوائم أخرى بأسم ( الإجتثاث ) (*) رغم كونه قانون عراقي . . فيما تعمل بدأب ملموس لمحاولة تقرير و حسم نتائج الإنتخابات لصالحها ، ناسية ما جرى و يجري في بلادها ذاتها، بفعل نتائج انتخاباتها الرئاسية الأخيرة و ماسببته و تسببه من عنف ومن سخط اوسع الجماهير الإيرانية عليها.
و يعتبر خبراء و مراقبون محايدون، ان تلك التصريحات العلنية بفرض استخدامها لحق عراقي لم يخولها به أحد . . اعلاناً  غير مسبوق لتدخل سافر اعلى مما مضى في شؤون البلاد التي تحاول انهاء الإحتلال و جلاء القوات الأجنبية و العيش بسلام . . واعلاناً عن كونها هي (البديل المحتل الجديد) للقوات الأميركية اذا انسحبت الأخيرة من العراق .
   الأمر الذي يترك ردوداً معاكسة و مشابهة لها في حدتها و في تطرفها، لجهات عراقية و لعدد فاعل من دول المنطقة . . و ليثير كل ذلك مخاوف العراقيين باطيافهم، رجالاً و نساءً من تواصل العنف ـ الذي اخذ يظهر مجدداً بشكل مؤسف فعلاً ـ ، و مخاوفهم من التمزق ومن اعداد جديد لصراع ايراني ـ عراقي، مذكراً بزمان (حراّس البوابة الشرقية )، و بشكل معاكس و اعنف هذه المرّة .  .  يدور حول سعي ايران النووي، و حول المحاولات الجارية لجعل العراق، ساحة لحسم الصراع الأميركي ـ الإيراني على ارضه.  
و فيما تحاول الإدارة الأميركية سحب قواتها، للصعوبات المعروفة التي تمر بها، و قد بدأت فعلا بتقليصها ، وسط تصريحات لأبرز قادتها تشير الى استمرار ذلك، و خاصة بعد ان حققت الكثير لتحقيق مصالحها سواءً في العراق في دورة رئيس الوزراء المالكي، او في المنطقة . . كـ " توقيع الاتفاقيات مع شركات النفط الأجنبية التي استفادت منها الشركات الأميركية فائدة كبرى، بعد ان انعقدت آمالها على 300 مليار دولار خلال العقدين القادمين "، على حد تعبير السفير الأميركي في العراق هيل أمام الكونغرس، الذي اعتبر ذلك من دواعي المحافظة على علاقات ايجابية مع العراق رغم قلقه ومخاوفه من الدور الايراني المتزايد .  
في وقت تعبّر فيه الإدارة الأميركية ، ان قوات بلادها لايمكنها الإنسحاب بعد خسائرها الفادحة ان لم تستطع تأمين استقرار لمصالحها في العراق و في المنطقة. المنطقة التي تشهد تزايد الهيمنة الإيرانية عليها، بتوظيفها  لأستمرار حالة الإحتلال الأميركي و لتزايد عنف الدوائر العسكرية الإسرائيلية، لصالح مشاريعها التوسعية، التي بدأت تلوح عليها بوادر تصدّع مؤخراً، بسبب الحراك السوري الأخير للتفاهم و التنسيق مع ادارة اوباما الأميركية، ومع المملكة السعودية . . والذي يتسبب في تزايد الموقف الإيراني تدخلاً و تشدداً من التطورات التي يشهدها العراق بفعل الإنتخابات، و فق خبراء و متخصصين.
   و قد ادّت نتائج التحرك الإيراني الآنف الذكر و انعكاساته تظهر . . بتهديد عدد من القوائم بالإنسحاب و مقاطعة الإنتخابات، وتهديد اخرى باللجوء الى العنف لتثبيت وجودها و دورها، الأمر الذي  ادىّ الى ان تلعب جهود عراقية وعربية و دولية دوراً ملموساً في تقليل ذلك وفي التهدئة ، و في الإتفاق على ادانة تجربة حكم البعث الصدامي. و ادىّ بالتالي الى عودة تلك القوائم الى الإنتخابات و تطبيقها لقرارات الإجتثاث . . فيما يستمر تصاعد دعوات الى العنف و الى التحذير من مخاطر انقلاب عسكري " لسعة حجم القوات المسلحة العراقية المتواجدة في الساحة " لكل الأسباب المعروفة، حسب تعبيرها . (يتبع)
  

24 / 2 / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) راجع خطاب احمدي نجاد في ذكرى الثورة الإيرانية .


173
لماذا يحذّر العراقيون من عودة (حزب البعث) ؟!
            2  من  2

                                   د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net

ان التلكؤ الذي جرى في الحزم مع مجرميه ـ بعد تمييزهم عن غير المجرمين و المغرر بهم من اعضائه ـ لم يوحّد الشعب العراقي و لن يوحده ابداً اذا استمر السير عى نفس المنوال، بل سيزيد الخلافات حدّة وتشدداً وستدخل البلاد في طاحونة عنف قد يكون مستمراً و أكبر، لأن انصار الدكتاتور المقرّبين لازالوا لايعقلون ان معادلة الدكتاتورية القلقة التي جلس عليها الدكتاتور البائد ، والتي قامت على اشاعة الخوف والأجهزة الخاصة ونظام العبيد، قد انتهت . . و لأن مجرميه جُرّبوا وتدرّبوا على التلوّن والتعايش مع مختلف الظروف وعلى اساليب ممارسة القهر و الحيلة في النفوذ في الأوساط الأجتماعية، كما عكستها وثائق مؤسساتهم التي سقطت.
و فيما تحذّر الغالبية الساحقة من تحريف الأرادة الشعبية بـ (مصالحة وطنية) غير واضحة، لا تعني الاّ " مصالحة الضحية والجلاد " ، فإنها تطالب بتحديد الجلاد كنظام اجتماعي سياسي اقتصادي، وتحديد الضحية التي تضمّ ضحايا ذلك النظام من اقسام وفئات الشعب السياسية، الأقتصادية، الأجتماعية والقومية والدينية، و ضحايا الفوضى التي اعقبت سقوطه . .
ليتمّ بضوئه معاقبة المجرمين بعد احالتهم الى القضاء، في ظرف تنوّع فيه الجلادون و اختلطوا بضحاياهم، و انقلبت مواقع و مواقع بسبب ذلك التحريف الذي يهدد بضياع التمييز بين الجلادين قبل سقوط الدكتاتورية و جلادي ما بعدها من الذباحين و الإرهابيين . . الذي يتسبب بالعودة الى آليات النظام الدكتاتوري المنهار للحكم، و إن بأسم آخر .
في ظرف لايزال الأمن فيه مخترقاً بدلالة تواصل و استمرار تلك الجرائم الوحشية، و لو بوتائر متنوعة. ويتسائل العديد فيه عما اسفره التحقيق مع من اعتقلوا بتهمة القيام بتلك الجرائم المروّعة او اعتقلوا متلبّسين بها، هل ثبتت عليهم التهم ؟ وان ثبتت . . كيف عوقبوا؟ ولماذا لا يجري ذلك علناً ؟ و ان اعلن فبالنزر اليسير تماماً ؟
ان الدعوة الى التسامح، لايمكن ان تعني المصالحة بـ (تبويس اللحى) والسماح لخليط يتنفذ فيه مجرمون دمويون متلوّنون على اساس ( فتح صفحة جديدة بانهاء الأرهاب مقابل المشاركة في الحكم ؟! ) و على اساس (وحدة الشعب العراقي وحقن دماء ابنائه) وكأن المجرمين هم  اصحاب البلد، و انما تعني ان يكون التسامح وفق الأصول والأعراف القانونية الوطنية والدولية، بعيداً عن روح التعصب وبضبط مشاعرالآلام والأحزان وبعيداً عن الثأر الذي يطمس الحقائق ويخلطها  .  .  و بالتالي معاقبة مرتكبي الجرائم منهم وفق الأصول القضائية بعد التوصّل الى تجريمهم، بمحاكمات اصولية تبدأ معهم كمتهمين مصانين .
   و يرى كثير من الباحثين و السياسيين ان المصالحة الوطنية تعني، المصالحة الأجتماعية بأحقاق الحق للوقوف امام خطر يهدد سلامة المجموع، و يرى قسم آخر بانها مصالحة ضرورية للتعايش معاً وتقبّل الآخر، وتذليل وحل التناقضات بعيداً عن العنف و منطق الهيمنة، من اجل مكتسبات للجميع بضوء بوصلة مستقبل افضل ، يحقق نوعاً من الرفاهية ويحسّن من اوضاع الكادحين .
   ومثلما لاتزول آلام من اضطهدوا بقرار، فأن الألتفاف على القرارات الجديدة التقدمية وافراغها من محتواها ـ كالعودة الى حلول المنطق و القرارات السياسية بدل القضاء، كما حدث مؤخراً ـ فانه لايرتدع بقرار ايضاً مهما اتفق عليه . . بسبب سيادة النفاق الأجتماعي السائد الذي عمّقه بلا حدود حكم صدام الرهيب، طيلة خمسة وثلاثين عاماً ، حين صار النفاق وسيلة أساسية للبقاء على قيد الحياة في زمنه، و الذي تبقى آثاره ـ ان لم تتفاقم ـ تتحكّم بالواقع القائم  .  . ان لم يجرِ وضع حلول له والتصديّ له بقوة قانون قوي تسنده الحكومة القائمة بأحزابها و بزيادة توعية الناس، لمواجهته في المجالات التي جرى ذكرها، و للعمل على تجفيف منابعه ان صح التعبير، للوقاية من مخاطره فيما لو نكأت الجراح بفعل أي حدث طارئ . .
لأن العودة الى الوضع الشخصي المشوّه السابق سلوكاً وممارسة امر سهل، بحكم التربية الأولى التي استمرّت طويلاً نسبيّاً اضافة الى العادة والتعوّد، ثمّ بسبب الفوضى والأرهاب والبطالة . ويذكّر عديدون بحجم الجهود التي بذلت في المانيا بعد الحرب، لأطفاء النزعات العدوانية التي بعثها وشوّهها وزرعها النظام النازي الذي سقط . . من معاقبة المجرمين وحل مشاكل الأمن والبطالة، و تحقيق جديدٍ من حياة مقبولة و رفاهية دون الحاجة لو جود الفوهرر . . الى معسكرات التثقيف الأجبارية و زيارات العالم والتعرّف على حياة البشر، مع العلم ان العنف والنزاعات الداخلية في المانيا آنذاك لم يأخذا شكل و عمق و مساحة ما جرى و يجري في العراق .
ان تحقيق وضمان سلامة الوحدة الوطنية، لابدّ ان يمرّ في طريق تحقيق مصالحة وطنية على اسس من تحديد ومعاقبة كبار المجرمين، وتوفير آليات تجعل المواطن يتوصّل بحياته اليومية و تجربته الى القناعة بأنه  بأمكانه الحصول على حقوقه المهدورة عبر قانون ومؤسسات الدولة ـ بعد تعويض المتضررين وتفعيل سياسة من اين لك هذا ؟ واشاعة الفهم بان النزاعات التي حصلت لم تكن بفعل افراد بعينهم فقط، وانما لأنهم كانوا جزءاً من نتاج آلية نظام اقتصادي اجتماعي ايديولوجي قومي شوفيني قسري مثّله حزب البعث الذي كان اداة الدكتاتورية الأساسية، الذي عاش على الأرهاب والمقابر الجماعية ، وسقط لأنه اضرّ بالبلاد واهلها وخرّبها وفشل في الحكم .
من اجل وضع حدٍ لدوامة الأرهاب والفوضى، التي قد تبعد التفكير عن منابع الخطر الأصلي(1) و لمعالجة التشوّهات الأجتماعية والقومية والدينية، والأقتصادية والسياسية والقانونية ومن اجل التوصّل الى  تطبيق الجديد القائم على رفض العنف والحرب، واجتثاث الأرهاب والشوفينية والأستعلاء القومي والديني و الطائفي، واعتماد الحوار والتعددية واحترام حقوق الأنسان والمرأة، واحترام العلم والأدب والثقافة . . ضمن اطار الجهود المبذولة لأنهاء الأحتلال وبناء دولة القانون الفدرالية الديمقراطية الموحدة ومؤسساتها و ضمان نزاهة و فاعلية انتخاباتها، بعيداً عن انفراد شخص او جماعة اوحزب لوحده بالحكم . (انتهى)

14 / 2 / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   الذي يتلخص بالتركيز على ذلك الجيش الذي ذاب اثر سقوط الدكتاتورية، من افراد الوحدات الخاصة المتنوعة ، وحدات التحقيق والأعمال القذرة، رجال الوحدات التي تدرّبت و تخصصت في معاداة الشعب وفصائله الوطنية، ومارست اقذر الأدوار في كل الحروب ليس ضد العدو الخارجي ـ كما في اي حرب ـ بل ضد ابناء العراق، من افراد فرق الأعدام و الفرق الخاصة التي تدرّبت على تمزيق العراقيين، و اتصفت بالحقد على الشعب الذي ازداد، بعد ان فقد افرادها الشئ الذي بنيت حياتهم عليه ولايعرفون غيره وهو خدمة الدكتاتور ـ واي دكتاتور محله ـ الذي قاموا باخسّ الأعمال في سبيله، اذا أُخذ بالأعتبار نوعيّتهم التي جرى اختيارهم لتلك الأعمال على اساسها : جهلة، قتلة، محدودي أفق، رهن اشارة القائد، الذين يتعطّشون لأطفاء ضغوطهم النفسية بممارسة اعمالهم القذرة التي تربّوا عليها (ووجدوا شخصيّتهم) بها ، وفق آخر أوامر الدكتاتور، ابيهم الحنون !! الأمر لايعني ضرورة ابادتهم، وانما توضيح خطرهم وملاحقتهم وفق الأصول القانونية، واحالة المحتاجين منهم للمعالجة الطبية .




174
لماذا يحذّر العراقيون من عودة (حزب البعث) ؟!
            1  من  2
                                   د. مهند البراك
                           ahmedlada@gmx.net

   رغم التحسن الأمني العام نسبياً تزداد الحالة السياسية تعقيداً لجملة من العوامل الداخلية و الإقليمية و الدولية الفاعلة في العراق، ففيما تراوح العملية السياسية في البلاد رغم الجهود المبذولة، بسبب ما آلت اليه الأوضاع تحت حكم القوى الإسلامية المتصارعة المتبدلة التحالف، التي تعود في امورها المصيرية   بدرجات متنوعة الى القرار الإيراني، مستندة في ذلك على الميليشيات المسلحة . . و التي اخذت تؤدي الى تطلّع الناس بشكل اوضح من السابق الى القوى الديمقراطية و العلمانية .
   فإن تزايد حدة التوتر بين الحكم الإيراني النافذ بأساليب متنوعة في القرار السياسي العراقي، و بين  الإدارة الأميركية التي تهيمن قواتها العسكرية على البلاد، اضافة الى تزايد التذمر من الدور الإيراني المتزايد في العراق و المنطقة و سط تدهور الأوضاع الأيرانية الداخلية ذاتها، التي قد تهدد بتزايد عنت حكومة نجاد المحافظة  . . صارت كلها تؤدي بتقدير كثيرين الى احتمالات تصادم اميركي ـ ايراني لحسم ملفات عالقة او غير محلولة بعد، تصادم يسعى لجرّ العراق اليه .
   و فيما يحاول الجانب الأميركي الأستعجال بخروج قواته المسلحة بسبب نفقاتها الفلكية، بانسحاب مشرّف يضمن مصالحه في العراق و المنطقة . . يصل الجميع الى مفترق طرق اوصلت اليه العملية السياسية بسيرها على آلية  نظام المحاصصة الطائفي البالي، و الذي وصل بنتائجه و تطبيقاته الى ضرورة موالفته الطائفية بالأهداف الوطنية العامة ، الأمر الذي اذا اعاد اصطفاف القوى المتنفذة في صورته الظاهرة، فإنه في الواقع الجاري قد لايغيّر من واقع معادلة الصراع الطائفي الدموي كثيراً، و بوجود و دور الأميركان في البلاد .
   و تحذّر اوساط واسعة من مغبة عودة الأدارة الأميركية  الى الإعتماد (1) على حزب البعث الصدامي المنحل قانوناً ـ و الموجود في تجمعات متفرقة تحمل اسماء متعددة تستهدف العودة الى الحكم ـ . . للوقوف امام الخطر الإيراني. موظفة لذلك واجهات ( التسامح و ضرورة الوحدة الوطنية ) ، واعادة الأصطفاف الجارية تمهيداً للأنتخابات التشريعية في آذار المقبل ، و اثر اللقاءات المتنوعة المتزايدة حجماً و نوعاً لأطراف اميركية متنفذة، مع تجمعات البعث المنحل. خاصة بعد عودة قسم من كبار الضباط العسكريين و الأمنيين للنظام السابق و من موظفيه الكبار، الى وظائفهم و ادوارهم السابقة . .
سواءً كتوّابين في صف القوى (الشيعية) الحاكمة، او كموظفين بحماية الأجهزة الأميركية، بعد الفشل الكبير في تسمية و تنفيذ هيئة " اجتثاث البعث " ، الذي ادىّ ـ اضافة الى الخوف ـ الى اسراع عديد منهم (2) الى الأنضمام والتمترس باحدى التجمعات والأحزاب الجديدة التي نشأت على عجل عقب سقوط الدكتاتورية ، التي و جد قسم منها فيهم فرصته، لأنهم متسلحون بما جمعوا من اموال في العهد السابق. و ادى ذلك الى رفعهم راية الخلاف و تشديد الصراع العنيف من مواقع جديدة وبلغة جديدة، مواصلين حالة الفرقة على الأرضية الجديدة، للحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم في الواقع المستجد . 
ان تصاعد الدور الإيراني في البلاد، و تزايد مخاطره و تزايد النهج المتعنت لحكومة احمدي نجاد هو الذي قد يدفع بالإدارة الأميركية الى العودة للأعتماد على البعث، و العودة الى نهج سابق لدوائر اميركية كانت تسعى لتغيير صدام بـ ( انقلاب قصر عسكري يطيح به و يبقي على مؤسساته، بعد ادخال بعض التحسينات عليها ) . . النهج الذي تجدد ليكون وفق ما انتجته مسيرة المحاصصة الطائفية ؛ تسويق حزب البعث مجدداً كممثل للـ (سنّه) هذه المرّة، و على اساس انه ( الحزب القوي مالك البلاد الذي لم يكسره احد من العراقيين ، وانما انكسر على يد الأحتلال و الذي بانكساره تسبب بقيام الفوضى التي تعيشها البلاد) على حد دعايات مجاميعه .
لقد سقط الدكتاتور و لم يدافع احد عن عرشه الكريه و صار ذلك حقيقة واقعة. وبسقوطه سقط هرم الدكتاتورية الشمولي الذي كبّل كلّ الشعب بدرجات متفاوتة وبشكل اخص الفئات الفقيرة بقيود و قيود، وتسبب بخسائر هائلة متنوعة بعد ان قهر وفرض ارادته على كل الفئات والمصالح وشوّه آلية اعمالها لتصب بمصلحته هو فقط، وادامة دكتاتوريته .
   ان قلق الأوساط الواسعة و حذرها ذلك، يأتي مما لعبه ذلك الحزب في تخريب مصائر البلاد و شعبها باطيافه القومية و الدينية و المذهبية، واحزابه وقواه وشخصياته، التي عمل على اشعال الفتن بينها و على ضربها احداها بالأخرى . . والتي اجمعت مراراً على اسقاطه ومقاضاته، وقدّمت افواج الشهيدات والشهداء في ذلك السبيل، وراح مئات الآلاف قتلى ومعوقين بسبب حروبه المجنونة العدوانية والشوفينية وانتقامه من الشعب العراقي الذي لم يطيعه كما اراد .
   و القائمة تطول و تطول ولاتنتهي، بعد ان ملئت الاف المجلدات و البحوث، و خاصة بعد بنائه مجتمع الخوف القائم على نظرته العنصرية للمجتمع، بأسم نظريته (القومية الأشتراكية) المبنية على تسخيره العنصري للدين و القومية، بعيدا عن الأصول الدينية السمحة و عن التآخي القومي.    لتثبت السنين انه حزب مجهول اللوائح الداخلية ( كالنظام الداخلي، اهداف ثابتة ملموسة . . ) بل ان اهدافه اضافة الى التعكّز على الأيمانيات و الأماني المعروفة . .
تنبع من توظيفه اوضاع محلية لخدمة قوى اقليمية و دولية، وان قياداته مستعدة لكل الصفقات و للأنتقال سريعاً من قطب الى قطب معاكس له، مادام ذلك يوصلها للسلطة  و يحقق لها منافع و مصالح، وهي اسوء من طبقّ قاعدة (الغاية تبرر الوسيلة) بخبث مدمّر لا محدود، و اعتمدت على موالفة الديماغوجيا السياسية بالأرهاب و التخويف . و نفّذت حاجات الإحتكارات النفطية الكبرى سواء في 8 شباط 1963  (راجع تصريحات علي صالح السعدي حينها ) او في تموز 1968 ( راجع مذكرات : عبد الرحمن عارف، طالب شبيب). الأمر الذي يلقي الضوء على علاقاته الطويلة و المجرّبة معها، القائمة على المنافع المتبادلة، التي شكّلت خِبَراً و تجارب اسست لأشعال الحرب العراقية ـ الإيرانية التي اشعلها صدام، و تسببت بخسائر هائلة في الأرواح و المعدات لدى الطرفين المتحاربين. الأمر الذي جعل من حزب البعث الصدامي اداة مجرّبة في الصراع مع النظام الإسلامي في ايران .
انها تحذر منه لأن دكتاتورية صدام الوحشية كانت ثمرته المرّة، كحزب وحيد حكم العراق منذ تأسيس الدولة العراقية، بعد  ان استأثر بالسلطة وضرب القوى السياسية العراقية كلها من القومية العربية التقدمية والقومية الكردية بكل فصائلها، الى الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية واليسارية الى القوى الأسلامية ، وبأبشع الطرق واكثرها وحشية. وقام بخيانة القضايا العربية التي نادى بها ذاته : من القضية الفلسطينية وتمزيق حركة المقاومة وحقوق العرب الى حقوق العراقيين، باساليب ديماغوجية و بالصخب الأعلامي المدفوع . . مؤدياً الى تشويه القضايا العربية العادلة و النبيلة .    
   انها تحذر منه لأنه لحد الآن لم يقيّم ما قام به بحق الشعب العراقي بكل اطيافه و لم يعاقب من قام من اعضائه و قيادييه بجرائم كبرى لاتغتفر بحق العراقيين و شعوب المنطقة، بل و لم يستنكر كحزب ماقام به صدام تجاه اطقم من قيادات ذلك الحزب ذاته و كوادره بعد ان ابادهم . انه لم يستنكر دوره العربي و الإقليمي السابق الذي تسبب بضياع العراق بشعبه و بارضه و مياهه، بل ان تجمعاته ترفع رايات صدام المقبور، وتستخدم ذات الخطاب، الذي تدّعي فيه بأنها القيادة الشرعية للبلاد و انها تعمل من اجل عودة (الشرعية) ؟!!  (يتبع)

12 / 2 / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   بعد ان اعتمدت عليه مراراً في عقود ماضية، و كان ابرزها : انقلاب 8 شباط الدموي عام 1963 ، انقلاب 17 تموز 1968 ، تدمير الحركة الكوردية في آذار عام 1975 ، اشعال الحرب العراقية ـ الإيرانية في ايلول 1980 . و يفسّر مراقبون ان العودة تلك تجري على غرار عودة الإدارة الأميركية مؤخراً الى التفاهم مع طالبان افغانستان . .
2.   حيث تسبب ذلك بخلط المجرمين الكبار بأعضاء الحزب الصغار و المغرر بهم و الذين أُجبروا على الإنتماء اليه . .
 


175
د. حبيب المالح في الذاكرة ابداً ! *
 2  من  2
     د. مهند البراك  
ahmedlada@gmx.net    
                

د.حبيب المالح مع ابنه البكر ايفان

   لقد لعب الشهيد حبيب في تلك الفترة مع مناضلين آخرين في الموصل (1) دوراً هاماً في دعم الأنصار في جبل القوش، و في تلبية احتياجاتهم الإدارية و الطبية و قضايا المراسلات و الأخبار، اضافة الى العناية بمرضاهم و جرحاهم بالأمكانيات الموجودة في مدينة الموصل. اضافة الى دوره مع الوجوه الإجتماعية الديمقراطية و التقدمية ، في النضال من اجل الديمقراطية .
   و لجهوده الكبيرة اختير لعضوية قيادة و فد اتحاد الطلبة العام في الوفد العراقي الكبير الى المهرجان العاشر للشبيبة و الطلبة ، الذي انعقد في صيف 1973 في برلين ، و كان عضواً فاعلاً اساسياً في تلك القيادة التي ضمّت اضافة اليه، الزملاء : رائد فهمي ( وزير العلوم و التكنولوجيا الحالي) ، نضال وصفي طاهر، ابراهيم المشهداني ، الفقيد سعد سعدي و انا بصفتي الطلابية التي جرى ذكرها .
   و اضافة الى النشاط الكبير الذي قامت به تلك القيادة الطلابية في برلين في مختلف الفعاليات و في اللقاءات الكثيفة مع العشرات من الوفود الطلابية العربية و الإقليمية و الدولية ، في توضيح نضالات طلبة و شبيبة العراق بالوان طيفه من اجل : الديمقراطية السياسية و ديمقراطية التعليم و الحاجة الى التضامن . . لعب الشهيد حبيب دوراً كبيراً في توضيح معالم القضية الكوردية و نضال الشعب الكوردي من اجل حقوقه المشروعة في الحياة و الحرية كشريك للشعب العربي في دولة العراق . معبّراً بذلك عن روحه الأممية العالية و حبه للعراق بكل الوان طيفه ، فاضافة الى اعتزازه بانتمائه الكلداني، كان في كل صفاته و حياته نموذجا للتآخي و للنضال العربي الكوردي الكلداني الآثوري اليزيدي و المتنوع الأطياف .  .  من اجل عراق حر سعيد .
   و مرّت السنين و تطورت الممارسات الوحشية للسلطة الى سياسة منظمة و آيديولوجيا، جُنّدت لها مؤسسات و (رجال علم و أدب) و اموال فلكية هائلة . . ثم صيغت بقوانين حكمت بالأعدام حتى على ابسط نشاط ديمقراطي طلابي لاحزبي (2) بوجود (جبهة احزاب) !! و اعتبر كل نشاط اتحادي طلابي خارج اتحاد السلطة البعثي، معادي لمسيرة (الحزب و الثورة) ، يحكم القائمون به عليه بالأعدام، ( من اجل بناء الأشتراكية العربية! ) حين كانت شعارات الأشتراكية موضة ذلك الزمان (3) . . بخطط خبيثة كثيرة الإحكام عملت لها و شجّعتها دوائر دولية غربية، و سكتت عنها الشرقية و ساهم قسم منها بها . . اضافة الى الدوائر الإقليمية . . التي دعمت ـ او أجبرت على دعم ـ البعث الحاكم آنذاك.
خططٌ هدفت الى غسل ادمغة الأجيال الجديدة و اعادة نحتها باهداف و شعارات " نكسب الشباب لنضمن المستقبل " و " خذوهم صغاراً " و " النبي بدأ بواحد "، ونفذت السلطة ذلك بالأرهاب المنظّم (ارهاب الدولة) وبـ (يد الثورة الطويلة) . . الذي اسس لمجتمع و ثقافة و عقلية الإرهاب ـ المستمرة بشكل خطير في البلاد حتى بعد سقوط الدكتاتورية ـ .
و خلق جمهورية الرعب، التي راح ضحاياها المئات والآلاف  . . و التي لم تستطع ايقافها القوى الوطنية التي سارت ـ او أُجبرت على السير بالبطش الدموي ـ كلاّ لهدفها هي من جهة، و لقصور وسائلها و ادواتها (لأسباب لايتسع لها المقال) في مواجهة نظام ارهابي حاكم مخطط له، استخدم و والف القمع الدموي بالديماغوجيا السياسية و الخداع من جهة أخرى . . و ادّت فيما ادّت الى تجميد أتحاد الطلبة العام لولب المنظمات الجماهيرية ـ عدا نقابات العمال ـ ، الذي افتقدته جماهير طلابية عريضة طلابا و طالبات و اوقع غيابه العمل الجماهيري العام في متاهات و متاهات . . في بلد نامي كبلدنا .
.  .  .  .
.  .  .  .
   و بعد سنوات تخرّج حبيب طبيباً، و احب مهنته و سعى للتخصص فيها(4)، وعمل في مستشفيات اربيل الحكومية حتى صار طبيباً اقدماً في مستشفى اربيل الجمهوري ـ قسم الطوارئ، شهد و يشهد له ابناء المدينة و عينكاوه رجالاً و نساء بكفائته المهنية و بروحه الإنسانية العالية و تواضعه . . في وقت كان منغمراً فيه، بالنشاطات السياسية و المهنية و الديمقراطية . . من اجل الديمقراطية للعراق و الحكم الذاتي الحقيقي لكوردستان، التي صارت شعارات تتبناها كل قوى المعارضة للدكتاتورية، و تعرّض بسببها الى ضغوط و ملاحقات و محاولات ايقاع متنوعة ، من قبل ازلام البعث الشوفيني.
   لقد كان الشهيد في طليعة من قاسوا و واجهوا حملة البعث الوحشية ضد الحزب الشيوعي و القوى و الشخصيات الوطنية و الديمقراطية في عامي 78 و 1979، و كان من قلائل الكوادر الذين تصدّوا لأعادة بناء المنظمات سريّاً في اربيل لكفاءاته النضالية المتنوعة و روح مبادرته و اخلاصه لقضيته . . لمواجهة هجوم البعث الهستيري المنفلت، فواصل الى جانب ممارسته مهنة الطب ، نضاله و عمله ضمن اطار الخطط التي وضعت لذلك في ذلك الوقت العصيب، حتى صار احد ابرز مسؤولي التنظيم الحزبي السريّ في اربيل في غمرة بواكير النضال من اجل اسقاط الحكم الدكتاتوري . .
و قام الشهيد و رفاق و رفيقات منظمته في تلك الظروف القاسية بواحدة من اكبر المآثر في لمّ المنقطعين و تغطية انسحاب المطاردين و حمايتهم و ارسال المتطوعين الجدد الى تشكيلات الأنصار الجديدة في الجبال، و بالنشاط الذي كانوا يؤججوه  في مدينة اربيل و خاصة بين الطلبة و الجنود رافضي الحرب بعد اشتعال الحرب العراقية ـ الإيرانية، الذي وصل قمته اثر افتتاح جامعة صلاح الدين فيها ـ بعد الغاء جامعة السليمانية ـ  . . اثر تزايد المواليد المدعوة للخدمة العسكرية و للأحتياط بقوة القانون العسكري بالأعدام . .  لسوقها الى الحرب التي اشعلها صدام .
و تعرّض بفعل تلك النشاطات و رغم كل اشكال التمويه التي اتبعها، الى انواع المضايقات و التهديدات و التوقيف العشوائي المؤقت لأغراض التخويف فقط، بسبب شعبيته الكبيرة و التفاف الناس الكبير حوله الذي ادىّ الى تعاملهم الحذر معه، كي لايتسبب اعتقاله الكيفي بدون وجود مستمسك ضده بيدهم، بردود افعال قد لا تحمد عقباها في مدينة كان يتزايد الحقد فيها على البعث الشوفيني الحاكم، و على أساليبه الوحشية التي لم تعرف حداً . الى ان اعتقل في ايلول 1980 في عينكاوه باختطافه من الشارع العام المؤدي اليها، ثم اطلق سراحه بعد معاملته بوحشية، بعد ثلاثة اسابيع .  
و مرّت الشهور و فيما كنا نستعد و نحن في الأنصار، لألتحاق د. حبيب بنا، لتعذّر بقائه في المدينة في غمار جهود بذلت لمحاولة نجدته، وصلت انباء مؤلمة متضاربة عن اعتقاله و عن اختفاء اثره تماماً ، حيث اعيد اعتقاله في ايار 1981 في عينكاوه في موجة عنيفة من موجات القمع الوحشي في المحافظات و المدن الكوردستانية التي شملت اربيل آنذاك . . اثر تزايد نشاطات السخط الشعبي على حكم البعث الدكتاتوري مشعل الحروب  . .
   انقطعت اخبار الشهيد حبيب، رغم الجهود المتنوعة التي بُذلت لتتبع اثره . . الى ان نقلت لنا مفرزة انصارية كانت في عينكاوة مطلع عام 1982 ، خبراً يتداوله اهاليها، بأن ازلام الأمن العام اجبروا عائلته الصغيرة للحضور باقصى السرية لأستلام رفاته من بغداد . و تبين انه في صباح يوم 9 من كانون الثاني، اتّصل مكتب امن عينكاوة بعائلته طالبا حضورهم اليه، فذهب والد د. حبيب و اخبروه باعدامه، و ان عليهم السفر الى بغداد لاستلام جثمانه على ان يصل الجثمان ليلا، و ان لايتم الحديث بذلك لأحد والاّ تعرضوا للموت.  
فسافر الأب و عدد من رجال العائلة الى بغداد، الى المكان الذي حدد لهم من دائرة الأمن العامة، لإستلام الجثمان الذي رفضوا تسليمه ايّاهم مالم يدفعوا 120 دينار كثمن للصندوق. و بعد ان نقل الجثمان من بغداد بمرافقة الأب و مرافقيه، سمحوا للسيارة بالدخول الى عينكاوة بعد الثانية عشر ليلا ، و منعوا النساء من الذهاب الى المقبرة . و قد دفن الشهيد في ليلة شديدة البرودة صادفت في 9 / 10 كانون الثاني عام 1982 ، بحضور الأب و الأقارب الأربعة من الرجال الذين رافقوا الجثمان بعد سمحوا لهم فقط بالحضور، وسط اجراءات امن مشددة . و لم يسمحوا بالقاء النظرة الأخيرة عليه و لا بأقامة اية شعائر على روحه الطاهرة !!  
   لقد استشهد د. حبيب المالح في اقبية التعذيب و هو في غمرة عطائه السياسي و الطبي . . و صان باستشهاده حزبه المناضل، و حمى ارواح و مصائر عشرات العوائل و مئات المناضلين و المناضلات،
و عاش و يعيش عميقاً في افئدة الطيبين نداء للخير و للمحبة ، رجالاً و نساءً، كلدانيين و آشوريين، عرباً و اكراداً ومن كل الأطياف العراقية، و تعددت الروايات و الحكايات التي تروي مناقبه و شجاعته و عميق حبه لشعبه العراق بإسلامه و مسيحييه و يزيدييه و صابئته .  
و تسبب استشهاده و استشهاد نخبة من مناضلي احزاب كوردستان، بتزايد السخط الصامت من اجراءات الدكتاتورية و حزبها الأرهابي الدموي . . السخط الذي تفجّر بعد اقل من شهر بأندلاع انتفاضة الربيع في كوردستان عام 1982 تحت شعار :
" نحن اخوان الجنود و اعداء الدكتاتورية " !!

المجد للشهيد " د. حبيب المالح " !
الخلود لشهيدات و شهداء الشعب العراقي بكل الوان طيفه !
و الف مبروك لأبنه الدكتور " ايفان حبيب المالح " على نيله الدكتوراه في جراحة الأورام !

(انتهى)

شباط / 2010 ، مهند البراك  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تصويب : ورد خطأ في القسم الأول من المقال ان الشهيد كان مسجونا سياسياً في سجن نقرة السلمان اثر انقلاب شباط الدموي 1963 ، والصحيح انه كان مسجونا سياسياً اثر ذلك الإنقلاب في سجن العمارة ثم في سجن بعقوبة .

1.   سواء من اهاليها او ممن قدموا اليها للعمل او للدراسة، ومن كل الأطياف العراقية .
2.   لأن النشاط الجماهيري و الديمقراطي الواسع بين الشباب التقدميين المتنوعي الوجهات ـ اضافة الى تأثيراته المستقبلية اللاحقة ـ كان يخيفهم اكثر من النشاط الحزبي ذي الطابع المحدود، كما ورد في عدد من الوثائق الداخلية للبعث و التي كشف عنها بعد سقوط الدكتاتورية .
3.   حيث تنصح كبريات الإحتكارات النفطية و المالية و العسكرية رجالها و الحاكمين بأمرها في بلداننا بمسايرة الموضات و الموجات الفكرية . . و ان يكونوا (اشتراكيين) حين تطغي موجة الأشتراكية، (قوميين اقحاح) حين تطغي موجة القومية و (اسلاميين بل و طائفيين للنخاع) حين تطغي موجة الدين و الطائفة . . " لتلبية المصالح الدائمة بلا اصدقاء دائميين " كما ردد و. تشرشل و يرددون .
4.   كان د. حبيب مجتهداً في علمه و مهنته كطبيب و ساعياً الى بلوغ مراتب عليا من التخصص، الاّ ان ظروف البلد و ظروفه الصعبة حالت دون ذلك. و قد حقق ابنه  " د. ايفان المالح " (الظاهر في الصورة مع ابيه) حلم ابيه، بنيله شهادة الدكتوراه العليا قبل شهور في السويد .

176
د. حبيب المالح في الذاكرة ابداً !
1  من  2
                  د. مهند البراك
                  
ahmedlada@gmx.net

               

 د.حبيب المالح مع ابنه البكر ايفان *

   كان في صباه من اصغر السجناء السياسيين في سجن نقرة السلمان السئ الصيت . . حيث اعتقل و عُذّب بوحشية اثر انقلاب البعث الدموي الأسود في شباط عام 1963 ، و لصموده و بسالته و لكونه عراقي كلداني من عينكاوة .  .  حكم عليه بالسجن سنوات قضّاها في تلك القلعة النائية في الصحراء الجنوبية، امعاناً بالقسوة و بالتمييز العنصري العرقي، رغم صغر سنّه .
   بدأت صداقتنا الحميمة منذ ان التقينا في اجتماع اللجنة التنفيذية لأتحاد الطلبة العام في كوردستان تهيئة لمؤتمره اواخر عام 1971 ، حيث كان مسؤولاً عن فرع الموصل للإتحاد و كنت احضر الإجتماع كمشرف طلابي من سكرتارية الإتحاد في بغداد، حين كنت سكرتيره، وكنا حينها طالبين في كليتي الطب . . حبيب في جامعة الموصل وانا في جامعة بغداد، وتوثقت صداقتنا اكثر الى ان صارت لقاءاتنا تتكرر، كلما زار حبيب بغداد حيث كان ينزل في بيت اخيه في محلة الدورة في بغداد.
   كنا في مطلع السبعينات نتناقش حول ظروف واوضاع الطلبة الصعبة حين كان نشاط البعثيين الصداميين يتزايد في المؤسسات التعليمية، هادفاً تحطيم الحركة الطلابية الديمقراطية التي كان رأس رمحها آنذاك " اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية " . . وكيفية مواجهة ذلك النشاط و ترتيب طرق لإخفاء وحماية الطلبة المهدّدين. و كان حبيب وباعتباره المسؤول الطلابي في الموصل ينقل تجربة محافظتهم  وخططهم في مواجهة الأرهاب المسعور ضد الطلبة الديمقراطيين في الموصل . . التي كان مسؤولها آنذاك المناضل الفقيد " توما توماس " ، الذي لعب من جهته دوراً هاماً في رص صفوف طلبتنا من خلال اتباع السبل التي من شأنها تصليب عودهم في الدفاع عن النفس والمواجهة .  .
   كان طلبة الموصل الديمقراطيون بمعنويات عالية لثقتهم بانهم بقيادة قائد طلابي مجرَّب، فكانوا يثقون بما يتم توجيههم به من خلال التنسيق الطلابي والسياسي، ومن خلال الطلبة الأتحاديين و الناشطين حزبياً، و كنت و زملائي في السكرتارية نستفيد من متابعة الحديث معه عن نشاطات طلبة الموصل في تلك الظروف الصعبة، لتعميم دروس تجربتهم اضافة الى تجارب الفروع الأخرى في تقوية نشاطات منظمات الأتحاد عموماً .
   مرّت السنين سريعاً حين كنّا شباباً متحمسين ساعين لإثبات وجودنا و ساعين لتحقيق اهدافنا سريعاً حين لم نكن نجيد التفريق بينها و بين احلامنا النبيلة في بلادنا . . بلاد النهرين اللذين " استفاضا دماً و نقمة من عهد سام و حام " (1) . . فتواصلت لقاءاتنا في الموصل و بغداد ، و ساهمت بفاعلية مع كل الجهود في تقوية اعادة تشكيل فرع لأتحاد الطلبة في الموصل، الذي كان لولبه الفاعل الشهيد د. حبيب الذي تحمّل اعباءً كبيرة متنوعة آنذاك . . طلابياً، كعضو في سكرتارية الإتحاد في الإقليم و كمسؤول لفرع الموصل الكثير الصعوبة و التعقيد، اضافة الى مهامه الحزبية المتنوعة . .
وفي الوقت نفسه . . كان طالباً في كلية الطب التي تطلبت جهوداً دراسية صعبة من جهة، و   زوجاً شاباً احب زوجته و استقبل ابنهما البكر " ايفان " حديثاً من جهة اخرى ! حين لعبت زوجته الشابة دوراً هاماً في استقرار حياته كأنسان احبته، و دعمته ـ رغم تعقيدات متنوعة ـ في حياته و كفاحه و صانته بعملها كمعلمة، من العوز و الفقر حين كان طالباً، كما كان يردد بتأثّر . .
و بعد ان اسفرت جهود الجميع عن اعادة تشكيل فرع الإتحاد في الموصل . . و اسفرت النشاطات الطلابية المتنوعة عن تنظيمات و ركائز طلابية نشيطة سواء في الجامعة " جامعة الموصل " او في ثانويات و معاهد المدينة و عموم المحافظة ، بين الطلاب و الطالبات، صار من الضروري عقد كونفرنس طلابي لفرع الإتحاد . . و قرر مكتب سكرتارية الأتحاد تكليفنا د. لؤي الألوسي ( طالب طب آنذاك) وانا بالسفر الى الموصل لحضوره وفق لوائح الإتحاد و في الموعد المرسل من سكرتير الفرع الفعلي آنذاك الشهيد د. حبيب المالح .
و رغم كل الصعوبات و الإجراءات القمعية و التهديدات التي كانت تسود المدينة بمختلف الصور . . بالطائفية و التطرف الديني تارة، و باثارة الروح القومية الشوفينية تارة اخرى، وبالإدعاء بالدفاع عن الأخلاق و عن الحجاب من عناصر عرفت بلا اخلاقيتها، مدعومة من بيوتات مالية و عسكرية و تجارية  معروفة . . انعقد الكونفرنس الطلابي بحماس كبير في طابق علوي لعمارة لم يكتمل بناؤها، رغم البرد في مساء و ليلة من شتاء 1972 و بحراسة منظمة القصابين في المدينة . و قد حضره ما ناهز الأربعين زميلة و زميل اتحادي (2) آنذاك يمثلون الجامعة و معاهد و ثانويات المحافظة، اسفر عن تحديد المهام الطلابية و عن انتخاب لجنة تنفيذية انتخبت الشهيد حبيب سكرتيراً  . .
و تكررت الزيارات المتبادلة في بغداد ، و في الموصل رغم المخاطر و حضر اغلبها د.عصام الناصري ( طالب الطب ) عضو السكرتارية مسؤول بغداد آنذاك، وهو من الأخوة المندائيين . . و كنا نتخلص من مطاردات رجال الأمن بصعوبة و بالجهود و العلاقات الحميمة الواسعة التي استطاع الشهيد حبيب نسجها في المدينة. كان منها ما جرى عند خروجنا من البيت الذي كان حبيب و عدد من الزملاء يستأجرون غرفة فيه، في محلة الدواسة الشعبية آنذاك . . حين ذهبنا الى ركن الشارع العام حيث محلات " اسواق كرزات الموصل" التي كان الزميل "عبد " ينتظرنا وفق موعد معه عندها، الزميل الذي لم يشارك في اي نشاط او مناسبة طلابية، لتفرغه لمهام اخرى.
   جاء " عبد " الينا مسرعاً و بهيئة حاول فيها عدم جلب الأنظار الى انه كان يحاول الإفلات من مراقبة مشددة كادت تنطبق بوجهنا من جهات متعددة. و اخبرنا بهدوء بان هناك كمين لألقاء القبض علينا (3) و بعد همسات سريعة بين حبيب و عبد مشينا بحذر بالغ متلمسين منفذاً . . حتى انقطع مشينا ذلك بظهور عدد من سيارات المرسيدس (4) و بضجيج عالي من فرعين متقابلين خلفنا مباشرة. في اللحظة تلك تماماً دفعني حبيب بسرعة الى باب جانبي انفتح ، مشيراً بحزم :
ـ عزيزي هنا !!  لن يتمكّنوا منّا !!   
و مرّت دقائق بقينا فيها صامتين مصغين الى ما خلف الباب . . حتى تأكّد لنا اننا في أمان . و اوضح لي حبيب ان الفندق يعود لمطربة ريفية شهيرة ، يحميها شيوخ من " باب الحديد " يخاف منهم رجال الأمن في المدينة لتنفذهم في دوائر الأمن العليا، بعد ان لقنوهم دروساً لاينسوها، و وصلوا معهم بأن لايعتبوا شارع مجمّع المطربة المكون من فندق ، مطعم و بار و عمارة سكنية ! و ان الزميل الطالب عبد المتفرّغ لنشاطات متنوعة اخرى لديه ابن عم يعمل حارسا في الفندق، و يقوم عبد بعدد من خفارات الحراسة مكانه عند مرضه او انشغاله . . و ان حبيب يوظف تلك الإمكانية لأنجاز امور كثيرة السريّة متنوعة، بعيداً عن اجهزة الأمن الصدامية . (يتبع)

شباط / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* حقق ابنه  " د. ايفان المالح " (الظاهر في الصورة مع ابيه) حلم ابيه، بنيله شهادة الدكتوراه العليا قبل شهور في السويد .

1.   من مقطع لقصيدة الجواهري الخالد عن انقلاب شباط الدموي عام 1963 . . " أمين لاتغضب " .
2.   غادرت الزميلات الكونفرنس بالتدريج بعيد الغروب، صحبة مرافقين من اقاربهن، كانوا ينتظروهن في الشارع وفق مواعيد متفق عليها .
3.   من اساليب القاء القبض في ذلك الوقت، ان يتم القبض بطريق الإختطاف من الشارع .
4.   التي كانت من موديلات معروفة بعائديتها للأمن .


177
       دولنا العربية و (حزب الأغلبية الحاكم)
2 من 2

                              
د. مهند البراك

فان اتباع القمع بحق الأحزاب الأخرى والرأي الآخر، ادىّ الى مضاعفات صعّدت روحية و ميول استئثار الحزب الحاكم بالسلطة، و ادىّ الى بروز قبضة الفردَ الحاكم في تلك المعمعة . . . فبعد ان واجه الحزب الحاكم الأحزابَ التي خارج السلطة بالعنف والخديعة وبسرقة مشاريعها  و محاولته افراغها من محتواها ، لمنافقة الشارع . .  واجه الطقم الحاكم في الحزب معارضيه داخل منظماته ذاتها ثم المنافسين من كبار القادة بنفس اساليب القمع تلك التي صار لا يعرف غيرها في التعامل، و التي صارت (مقبولة) لايجرؤ احد حتى على مناقشتها . .  ليتعبّد الطريق لدكتاتور اوحد، حكم البلاد وحكم حزبه ذاته . . بالحديد و النار و بطريقة ( حزب الجميع و ابو الجميع الشرعي ) (1).
الذي عبّر عنه الدكتاتور بقوله الذي صار بقوة القانون : " كل العراقيين بعثيون، كلّ على طريقته الخاصة " ، و سارت منظمات الحزب الحاكم عليه لتطبيق ( خطط تأطير المجتمع ) (2) التي رمت الى تغيير المجتمع وفق ارادة الحزب الحاكم لجعله و ادامته كـ ( حزب الأكثرية ) والتي طبّقت بالديماغوجيا و الخداع و الترهيب ثم بالقتل الفردي و القتل الجماعي و التعذيب و التهجير . .
التي شكّلت ابرز آليات الحكم الشمولي ، الآليات المسؤولة عن ظهور مجتمع العنف واللاقانون باسم ( قانون الحزب) والأستبداد بتشويه المجتمع المعني. و يرى العديد من السياسيين و المحللين و علماء الإجتماع ؛ ان الحكم الشمولي و آلياته، هي وليدة الحزب الحاكم الواحد الذي اطلق على نفسه حزب الأغلبية، وشوّه المجتمع بكل الوسائل لتكوين اغلبية اجتماعية على مقاسه، ليكون بها (حزب الأغلبية) و يسوّغ بها شرعيته بالأنفراد و الأستمرار بالحكم و توريثه . . و بالأنتخابات !!
و الذي اضافة الى انه شكّل سابقة لامثيل لها قبلاً في البلاد، فأنّه شوّه بنائه ذاته وعسكر منظماته و دجّنها لتنفيذ اوامر القائد دون مناقشة والاّ . . ! وتحوّل الحزب ـ مقراّت ومنظمات وسلوك ـ الى جهاز قمعي ديماغوجي، ادىّ بممارساته المتصاعدة في كبح احزاب وفعّاليات المعارضة على مرّ السنين، الى تشويه المجتمع، لـ ( كونه ) الحزب الحاكم الفرد المالك لكل مقدرات البلاد الضرورية في تشكيل الوعي و الأنسان الضروري له .  . ؟!
و مع هبوب رياح (الديمقراطية) . . و ضع الحزب الحاكم دستوراً ، الاّ ان قوانينه كانت تتعدّل مراراً لضرورات ارتآها القائد الفرد، وفق (حقّه ) الذي عبّر عنه علناً بكون ( القانون عبارة عن ورقة يوقعها صدام حسين)، وسط صخب اعلامي هائل .  . الأمر الذي لم يبق معنى لدستوره، او لأنتخاباته الرئاسية التي كان يفوز فيها بنسبة 99,9% ، ولا لبرلمانه الذي كان يخوّل القائد الفرد اتخاذ القرار لوحده ( لأنه الجبار الوحيد القادر على مواجهة المحن)، و جعل الناس بالنتيجة النهائية تتجنب قول اي شئ بحق تلك المشاهد، لرعبها وخوفها، بعد ان جعل ( المؤسسات الديمقراطية ) واجهة ومصيدة للأيقاع بابسط اختلاف ولملاحقة اية معارضة جديدة قد تتبلور و تنتظم بوجهه .  .  .
جاعلاً بذلك الأنتخابات و المؤسسات الدستورية (الديمقراطية ) اطارا قانونياً للتزييف ، و لخلق حالة علنية من النفاق المنقطع النظير، من الكذب وتشويه الوعي الأجتماعي والسياسي بل والدعوة اليه من اعلى منابر الحكم، فنفس الرئيس القومي صار اشتراكياً ثم رجع قومياً ثم صار متديّناً مؤمناً بل و صار مقدّساً لأنه سليل الأسرة النبوية الشريفة ! (3) محاكياً رأي و وعي  الشارع اللذين هبطا . . بحكمه الذي ادىّ الى تشويه الوعي الإجتماعي وتسطيحه وفرضه بالقوة، بل وتشويهه اكثر بمحاولة السيطرة على كلّ عوامله المحرّكة وفق مشيئته !! بخطط (تأطير المجتمع) لفرض (مجتمع الأمن) لضبط السيطرة وتحطيم أي تغيّر وتطوّر لم تحسبه (قيادة الحزب والثورة). وبذلك تكوّن الحكم الشمولي الذي سيطر على آليات تطور المجتمع الطبيعية وسعى لتحريكها وفق مصالح بقاء حكمه،  و كوّن ما اصطلح عليه بـ " المجتمع الشمولي " .
وفيما ادّت سياسة قمع الأحزاب المعارضة الى اشاعة الرعب وفقدان الطمأنينه في المجتمع، والى لجوء الأحزاب الى السرّية، فانها ادّت الى خلق حالة من التطرّف للفكر السياسي المعيّن، وادّت الى ان يتحوّل الفكر السياسي بنتيجة ظلم تلك السياسة الى شبه ( دين) وكيان اخلاقي يبحث عن عدالة ما، في مجتمعنا العربي الشرقي الأسلامي الطابع و السلوك .
وادّت الى انغلاق تلك الأحزاب على اهدافها الأساسية وعلى ادامة تنظيماتها والتعويض عن اعضائها الذين يواجهون الموت يومياً في خطواتهم السلمية المعارضة، الأمر الذي ادىّ من جهة اخرى الى تعمّق الجمود الفكري فيها، بعد ان تمحور فكرها على ( الحزب او الموت) وعلى قدسية الشهادة. فازداد مراسها في ان تعارض، وغلّب عليها طابع الرفض، بعد ان اغلقت سلطة  الحزب الحاكم بكلّ ما تمتلك سبيل الأجتهاد، بسدّها محاولات التفاهم مع المعارضين لأيجاد حلول للمشاكل الوطنية حتى بعد ابداء الأحزاب المعارضة المرونة الضرورية للبدء بذلك.   
وقد ادىّ اعلام سلطة حزب الأكثرية الحاكم المرافق للأستبداد  بتصويره الأحزاب المعارضة له ، وكأنها عدو مقدّس ينال من المقدّسات الدينية والأجتماعية، الى صعود فكرة قدسية السلطة مجدداً لأنها تدافع عن المقدسات، وان المسّ بها يعني المس بمقدسات. فيما ادى صمود المناضلين امام الموت، الى قدسية الشهيد وقدسية القضية والحزب الذي وهبه حياته .  .  لتثبّتْ السلطة من جديد و عود على ما مضى كـ "حق مقدّس" ، وليعود الصراع معها او في سبيلها الى قضية مقدسات، الأمر الذي ادىّ الى ظهور الروحية الدينية و(التصوّفيه) في مبادئ البناء والتعامل في داخل عدد من الأحزاب، خاصة تلك التي قدمت تضحيات وشهداء اكثر . . في مواجهة السلطة التي تحصّنت بقدسيتها التي لاتقبل المناقشة واطلقت يدها تماماً . . خاصة و ان زعيمها يعود الى تلك الشجرة المقدسة !  كما مرّ .   
الأمر الذي ترك على توالي السنين، مثالاً مسخاً عن ماهية الحزب بين اوساط غير قليلة من الأجيال اللاحقة، حيث اخذت تتصوّر أن كلّ الأحزاب هي كحزب السلطة الدموي ذاك (4)، وان الأحزاب ليست الاّ وسيلة لعدد من الأشخاص الأشرار للوصول الى السلطة و الى الثروة لاغير، او ان الأحزاب لم تأتِ الاّ لخدمة قوى خارجية طامعة بثروات البلاد، الأمر الذي ابعد تلك الأجيال عن عموم الأحزاب وساهم في تغرّب عدد فاعل هام من الأحزاب عن مسيرة المجتمع، الذي بدوره خسر خسارة كبيرة بغيابها عن لعب دورها المجرّب في تقدّم المجتمع و تحضّره .
بل و صار ميراثه الشمولي بعد انتهاء حكمه ،عبئا ثقيلاً على المجتمع، الذي تشوّه بتأثير ذلك السلوك الذي استمر طيلة 35 خمسة و ثلاثين عاماً ، فانتشرت عدوى سلوكه في المجتمع و كانت سبباً هاماً من اسباب نشوء الأحزاب الطائفية التي اخذت من جانبها ترفع ايضاً شعار (حزب الأغلبية) بعد وصولها للحكم  . . كشعار صار يحمل طابع نزعة عنصرية تفرّق بين ابناء البلد الواحد على اساس الهوية الدينية و الطائفية ، بدل التلاحم الوطني الذي تحتاجه البلاد لإنهاء الأحتلال واعادة بناء البلاد . .
في ظروف تزايدت فيها الأستقطابات الداخلية و الإقليمية حدة، و تفاقم فيها حجم المخاطرالتي اخذت تهدد كيانات دول المنطقة، على ارضية الفراغ السياسي الذي اجتاح العالم والمنطقة اثر اعادة تشكّل قطبية العالم، و تزايد الدور الستراتيجي للمنطقة في العالم من جهة اخرى . واثر الإحتلال و الإرهاب و تفاقم منطق العنف، في بلد يعاني من نتائج سياسة حكم ( حزب الأغلبية ) الذي تسبب بسلوكه : بالحروب و الحصار و الرعب والهجرة و الهروب و الفقر، و بالتخلف الثقافي و الفكري . . و تسبب بتداعي البلاد الغنية ، امام انواع المتدخلين في شأنه الداخلي، وبتفاقم الفساد الإداري . . و تفاقم الإرتزاق السياسي الذي ظهر بسببه في زمنه، ثم شاع بعد انتهائه ، تحت طائلة الأرهاب و الرعب و الأحتلال . . بل و صار يهدد بتفاقم آلياته ذاتها رغم تغيّر مسميات الحزب الحاكم . . !!
   ورغم كل التعقيدات التي تسببت بها الحرب و الأحتلال و الإرهاب ، الاّ ان الموروث الفكري و الثقافي لحكم ( حزب الأكثرية ) ، يستمر فاعلاً بعد انتهاء ذلك الحكم . . رغم المؤسسات و الأُطر القانونية الجديدة التي أُنشئت بعد زوال الدكتاتورية، فاضافة الى الفساد الإداري و السرقات التي ازدادت، و ازداد دور اكثر من جهة خارجية في تقرير شؤونه و شؤون دوائره .  .  صار كل طرف داخلي يسعى للحكم لوحده ، او للأستئثار باكبر قطعة من كيكة الحكم ، حتى ولو ادى ذلك الى (اقتطاعه) جزءاً من البلاد له ، الأمر الذي مزّق الإرادة الوطنية، و زاد من التدخل المباشر للدوائر الدولية و الأقليمية في شؤونه .
   وفيما صنعت فكرة (حزب الأكثرية)، فكرة ان رئيسه هو الحاكم الفرد، (لأنه زعيم الأكثرية ؟ ) ، فإنها اورثت فكرة الدكتاتورية التي يقودها دكتاتور، يتجسّد في شخصه حلم الأمة و قدرها ؟ ثم الحلم المقدس للطائفة المحرومة . . الأمر الذي جعل اطرافاً حاكمة تستمر بآلية الإدعاء بتمثيل الأغلبية و تسلك عين السلوك الجاهز الذي قاد الى الدكتاتوريات و الحكم العسكري في السابق، ولكن بالميليشيات المسلحة، لتكوين اكثرية مؤيدة لها بالعنف الذي تفاقم اكثر من السابق، ممارساً المزيد !   
و يرى كثيرون ان مسألة التمثيل الحقيقي للأكثرية هو ليس مفهوم ستاتيكي جامد، بل ديناميكي متحرك، بالترابط بمدى حاجة غالبية المجتمع و سعيها لتحسين امنها و واقعها المعيشي، الذي يمثل واقع و سعي الغالبية الفقيرة المتنوعة في تركيبها و المتوزعة على الريف و المدينة و على القبيلة و الدين و الأجتهاد و على الملل القومية و الدينية، الكبيرة  و الأصغر . . من خلال تطبيق تناوب حزب او حركة متعددة المنابر او تطبيق احزاب مجتمعة لبرامجها الوطنية، بالتناسب و التفاعل و الآهلية للتفاعل مع المحيط الإقليمي و مع العالم، و بتقرير صناديق الإنتخاب .
   و بذلك يرى كثير من المحللين ان فكرة و حكم ما اصطلح عليه بـ (حكم حزب الأغلبية) ، قد تركا آثاراً ليست سلبية فقط، بل اضرت كثيراً بالنمو الطبيعي للمجتمع، وباعاقة عملية الأصلاح و التطور الديمقراطي الطبيعي لبلداننا، ويضيف عدد آخر من المفكرين الى ذلك ، بأن ذلك الحكم كرّس من تبعية بلداننا للقوى العظمى الدولية ـ و الإقليمية ـ التي تسير تطوراتها بسرعة تناسب تفوقها الحضاري و العلمي و التكنيكي، لتسحب بلداننا ذات التطور البطئ معها.
ولما كانت بلداننا لاتستطيع مواكبة سرعة تغييرات تلك القوى ، فانها تشهد ركضا و تسارعا و قفزات اماما و خلفا ، في تذبذب غير طبيعي يتسبب بخسائر متنوعة لها، لتعود كما لو كان الى نقطة البدء مرات و مرّات ، مكرّسة بذلك ما وصفت به منطقة الشرق الأوسط ، بكونها " منطقة العواصف و التغييرات الفجائية " بسبب تكرار انقطاع التطور الطبيعي في مجتمعاتنا . . للأهمال الأداري الكبير لتطوير مجتمعاتنا، بتحديث اقتصادنا و علومنا و آدابنا و انفتاح ثقافتنا . . 
وتثبت تجارب متنوعة، ان سعي منطقتنا الى تغيير كبير، يعيد اليها الحماس والأمل والتجدد في الحياة، ويشدّها لمواجهة التعصّب والأرهاب الغريب على حضارتها ونضالها من جهة، ويقويّ الموقف الوطني امام التحديات الأقتصادية والسياسية الخارجية من جهة اخرى . . لا يمكن ان يتم الاّ بدور فاعل من مستوى اعلى جديد، للأحزاب و القوى والشخصيات الفاعلة التي حققت شيئاً ملموسا للمجتمع .
دور يقوم على اسس الحرية والديمقراطية والاستقرار والأمن، و الأنتماء الى الهوية الوطنية الجامعة و ليس بالتعصب الى حكم الهويات الطائفية او الدينية او القومية بالمفاهيم، و يثبّت الأعتراف بالتعددية الفكرية، القومية والدينية، كواقع قائم، على اساس ان كل مكوّن من مكونات المجتمع تخدمه، كلاًّ وفق اجتهاده، الذي يعني  الأعتراف بالآخر واعطائه دوره .
و يرسّخ رفض العنف ويؤكّد مبادئ التداول السلمي للسلطة، وفق العقود والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الأنسان ، و يعمل على ضمان حرية الأديان وفصل الدين عن السياسة ـ كفصله الجاري عن الأقتصاد ـ حماية وصيانة للدين ذاته من التشويه، و على جعل الدولة محايدة تحترم الديانات واتباعها والمذاهب والمعتقدات دون تمييز وفقا للقانون. و على اساس ان الديمقراطية تعني، امان و توفير عمل وخبز وتعليم ودواء، وضمان لمستقبل منظور وتساوي بالحقوق والواجبات .  .
و يدعم التعددية الحزبية ان وجدت، للإستفادة من الدورٍ الهام لها في تنظيم الرأي العام وفي خلق نخب جديدة، في وقت يعتبر الأختلاف فيه، أمر لا بد منه للتوصل الى افضل الحلول لبناء وترصين المجتمع نحو الديمقراطية . . و التأكيد على ان اكبر الأخطاء والنواقص التي  حدثت في نشاط الأحزاب  لم يكن يكمن في اختلاف برامجها، وانما بما كمن في سيادة مفاهيم التعصب و احتكار الحقيقة من الحاكم اساساً ثم من المحكوم، و التي تولد العنف و الهيمنة والإستبداد .
في الوقت الذي تثبت فيه العديد من التجارب الدولية و الإقليمية على، ان صيانة مسيرة المجتمع من مخاطر الأستبداد والحكم الشمولي، و السعي الجاد للحصول على ثقة الأكثرية في مرحلة و زمن ما، لايتحدد بالشعارات المدويّة فقط، وانما بمدى تلبية حاجات الغالبية الأكثر فقرا في مجتمعاتنا . . اقتصادياً و ثقافياً وصحياً و تعليمياً .
الأمر الذي يحتّم على الأحزاب والفعاليات و القوى الوطنية الساعية حقاً الى تلبية حاجات الغالبية الأكثر فقراً . . ان تتفق على برنامج حد ادنى مرحلي على الأقل ، للخروج من حالة التمزّق والأستقطاب التي تسد الطريق امام ايّ تحوّل ديمقراطي حقيقي . .  بتغليبها للصالح الوطني الواقعي وتغليب التناقض الوطني الرئيسي على الثانوي بآليات تحتاجها المرحلة، كالتوافق على حلول و على جدولة المطالب، واعادة الجدولة من اجل العمل كتفاً لكتف معاً، تحت سقف مصلحة البلاد العليا، الذي يتمحور على ابعاد البلاد عن شبح الحرب، سواء كانت اقليمية ام اهلية، وعن العدوان و عن المزيد من خسارة ثروات البلاد، والتخفيف و تجنيب البلاد فتن كبرى طائفية كانت او قومية، دينية او سياسية وغيرها . . بعد ان خسرت الكثير و الكثير . 
و من اجل تفاعل البلاد مع الدول الأقليمية والدولية على اساس المنافع المتبادلة، و المساهمة في خلق منطقة سلام اقليمي يقوم على حل النزاعات الإقليمية سلمياً . . لتحقيق تقدم اجتماعي حضاري في منطقة التنوع والحضارات الأولى، ومن اجل المشاركة بفاعلية بالنضال وبالجهود العالمية الناشطة من اجل الديمقراطية و السلم والتقدم الأجتماعي في العالم. ( انتهى )

30 / 12 / 2009 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)   من وصف الرئيس السابق صدام لحزبه الحاكم ، في اجتماعات الكادر الحزبي، وفق وسائل الأعلام الرسمية آنذاك.
2)   خطط اعلنت في وسائل الإعلام الحكومي وعممت تفاصيل سريّه لها على منظمات الحزب ، هدفت الى جعل المجتمع مؤطراً و اميناً ، وهدفت الى خلق مجتمع المخابرات و الأمن؛ المجتمع الذي يخبّر افراده السلطات حتى عن اقارب الدرجة الأولى لهم، ان بدر ايّ شئ (غريب) منهم ، على حد وصفها : راجع كتاب " جيوش الظلام" / الجنرال هربرت هوبسون ـ المترجم عن الأنكليزية حكومياً، لذلك الغرض عام 1978.
3)   صرف الرئيس العراقي السابق صدام، اموالاً فلكية لتدبير شجرة لعائلته و لترتيبها ، كي تُظهر انه  من نسل الأسرة الهاشمية ، عائداً الى الإمام موسى الكاظم . وقد علقت ووزعت ملايين النسخ من صور الشجرة تلك ، آنذاك .
4)   لكونه الحزب الأول الذي حكم البلاد كحزب ، بعد ان توالى على الحكم ، ملوك و رؤساء من مجاميع الضباط الذين صاروا رؤساءً لأنهم تزعموا انقلابات عسكرية جاءت بهم للحكم .

178
       دولنا العربية و (حزب الأغلبية الحاكم)
1 من 2
                              
د. مهند البراك

لم تأت نشاطات و مفاهيم قيام الأحزاب في الدول الصناعية المتقدمة من فراغ وانما كثمرة لدروس و نجاحات الثورات و الأنتفاضات الشعبية و الثورات الصناعية و التكنيكية، من اجل التعريف بحقوق المواطنين و بالتالي واجباتهم في مرحلة ما، و من اجل التوصل الى آليات سليمة لتنافس الفرقاء و اصطفاء الحائزين على ثقتهم، على اساس مدى سعيهم لصالح عموم الشعب او لصالح اغلبيته الفاعلة ، من اجل الرفاه العام .
وقد استمرت محاولات وعمليات التجديد في بناء الأحزاب و آليات عملها وفق المراحل والظروف والحاجات المتغيرة و المتجددة ، لضمان قيام و تواصل مؤسسات صالحة اكثر للحكم ، في غمار السعي لأقامة الدولة القادرة على تحقيق الأمن والرفاه والسلام للمجتمع بمكوناته، باطلاق طاقاته الأقتصادية والأجتماعية والفكرية والثقافية والروحية الى آفاق اعلى وارحب على طريق المزيد من العدل والرفاه الإجتماعي، على اساس دستور  و قوانين يجري التصويت عليها و على تعديلاتها المناسبة للتطور الذي لايتوقف ، لتصبح ملزمة للجميع . 
و لم يحدث ذلك بسبب اجتهاد مجموعة مفكرين و سياسيين فقط ، و انما بسبب و جود و وقوف قوى اقتصادية واجتماعية فاعلة صاعدة تسعى لحصول دعم اوسع الأرادات الشعبية و المصالح . . خلف ذلك . . بعد ان شهدت المراحل التاريخية ظهور وتطور قوى و طبقات برجوازية و اخرى فاعلة، حاربت الأقطاع و قواه المحافظة وسعت الى زيادة الأنتاج والتعليم، شق الطرق و تطوير المواصلات، بناء الموانئ والسفن، فتح الأسواق، والنشاط والسعي لتحقيق ارباح جديدة . . ادت الى تحسين الدخل وزيادة الإنفاق على العلوم والأبحاث، واوجدت فرصا واسعة جديدة للعمل و للضمان الإجتماعي و الصحي لأوساط واسعة من مواطنيها، محققة لهم درجات اعلى من الرفاه والسعادة ، وفق توالي المراحل و تغيّر و تطوّر مطالب اغلبية الشعب العاملة .
بعد ان اعتبرت الدستور هو التعبير القانوني عن شكل نظام الحكم وتوجهاته و عن شكل تبادل الأحزاب السلمي للسلطة السياسية عبر الإنتخابات، و قضية التحالفات السياسية سواء خلال الأنتخابات او في تشكيل الحكم بناء على نتائجها . . التي منها تستمد السلطة الحاكمة شرعيتها و قوتها، و التي نجحت بمخاضات متنوعة باستجابتها لحاجات غالبية المجتمع المعني في تجديد النظام السياسي عبر احزاب عبّرت في سياساتها المعلنة و سلوكها العملي عن المصالح الملموسة المتنافسة و المتصارعة. وعلى اساس ان المبادئ النظرية تخدم تلبية تلك الحاجات و المطالب ، و التوصل الى ان لا يجري فرضها بالقسر، الأمر الذي ادىّ بتكوّنها وتراكمها الى ترسيخ وتطوير مبادئ الديمقراطية فيها عبر الممارسة .
و فيما شهدت بلداننا القمع في اغلب مراحل حياتها ، النابع من الإحتلال و من توالي انظمة الحكم الفردي المطلق المبني سواء على اساس حق الهي مقدّس موروث. او على اساس احقيّة مبنية على هوية انتماء موروث او على نجاح فرد او مجموعة في زمن ما بالقفز بالقوة على السلطة . . . الأمر الذي ادىّ في الحالتين ، الى قمع  نزعات التطور و التحرر والأستقلال، و ادىّ الى قمع حتى الإعلان عن المطالب، وصولاً الى قمع الأنتفاضات الشعبية بالحديد والنار بلا رحمة. 
من ناحية اخرى، و بعد اشكال من التنظيمات السياسية و الجمعيات والحلقات ، السرية و العلنية . . ظهرت الأحزاب السياسية في منطقتنا قبيل و بعد افول الدولة العثمانية، و بظهور مراحل و ظروف جديدة تدرّجت من احتلال واستعمار مباشر وانتداب، الى بناء دول ارتبطت بمعاهدات فرضتها دول عظمى، ثم مراحل الأنتفاضات والثورات من اجل التحرر، في مناخ الحرب الباردة التي سادت العالم آنذاك، و التي شكّلت فيها منطقتنا احدى ساحاتها الأكثراحتداماً. ادّت كلّها الى نشوء وضع متقلّب، تحوّل الصراع فيه من كفاح وصراع مباشر مع المستعمر ، الى صراع مع " ابن البلد " في مرحلة كثيرة التشابك، في المصالح و المفاهيم .
وعلى ذلك، لايمكن النظر الى اوضاع المنطقة والى احزابها وصراعاتها بمعزل عن موروث اجواء الحرب الباردة و تغيّر و طبيعة صراع القوى الخارجية المهيمنة في العالم ، التي سادت سيادة متنوعة الأشكال فيها طيلة ما يقارب قرناً من الزمان ، و هي ( سيادة ) انفرضت ولم يجرِ اختيارها من جهة، كما اججت نزعات تحرر واستقلال وانجازات من جانب آخر ، اضافة لبروز احزاب وظّفت الصراع العنيف لتلك القوى العظمى في المنطقة والشرق الأوسط ، لتحقيق برامجها هي، وبالعكس .  .  على ارضية واقع شبه اقطاعي ابوي، شبه رأسمالي، تجاري، ساد المنطقة، لم يتغيّر جوهرياً بل استمر تكريسه رغم مظاهر التحديث الجاري ، حيث لم يُشجّع التطوّر الأقتصادي و الإجتماعي الضروريان للتحديث بل أُعيقا، ووضعت العصي في عجلة تطوّر البرجوازية الوطنية و الثقافة ، اللتين كانتا ولاتزالان تشقّان طريقهما بمشقة كبيرة متزايدة، في زمن العولمة.
و فيما لم يستطع الدستور والنظام البرلماني الناشئ في فترات سابقة، ان يعبّر عن صحة التمثيل الشعبي من جهة، و لا ان يضع حلولاً لمشاكل الفقر والبطالة والجهل والمرض و للمعضلات الكبيرة التي واجهتها بلدان وشعوب المنطقة، من جهة اخرى. صارت دساتير الحكم الملكي ثم الجمهوري الذي تلاه ، وثائق لايدرك معناها و لا تأثيرها وفعلها، لأنها لم تكن شيئاً يمكن من خلاله تغيير شئ  .  . ولم تستطع الدولة من خلالها التقرّب من المواطن وتقديم العون له، بل استمرت بلعب دور المتسلط عليه، ممارسة (ثقافة القهر)، مستسهلة التلاعب بالقوانين باستمرار،  تاركة انطباعات لم تتغيّر عن كونها تلعب دور الخصم في نظر المواطن . . . الذي تم توارثه من الدولة العثمانية والأحتلال.
و رغم ان المرحلة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية والأنتصار على الفاشية، قد تميّزت  بانتصار قوى التحرر الوطني في المنطقة، الاّ انها كانت مرحلة تطور قلق كثير التذبذب، عكس خط سير توازن القوى الدولي والحرب الباردة آنذاك ، الذي اتّسم بتغذية  صراعات القوى الوطنية الداخلية فيما بينها وتصعيدها .  . وادّى الى ظهور وضع لم يسمح المجال فيه للتطور الطبيعي و لتشكّل الشخصية الوطنية المستقلة الحديثة، اقتصاديا وفكريا وثقافيا ونفسيا، بعد ان بقيت المنطقة في الجوهر ، تتقاذفها القوى الرهيبة العظمى لرأس المال الدولي والنفط والعسكرتاريا و صراعاتها، مؤدية الى حصول القوى المحافظة التي نشطت تحت واجهات القومية المحافظة والدين والطائفية و حرّكت بها اوسع الأوساط التي غلّفتها الأمية و الجهل و حرّكتها بالخداع و الحيل . . الى حصولها على دعم خارجي سخي من مؤسسات دولية كثيرة التنوع، مقابل التفاهم و تقسيم المصالح معها .
الأمر الذي ادّى الى زيادة بروز مفاهيم العنف والتعصب وتحقيق الأهداف بالقوة، اضافة الى سيادة احكام الطوارئ تحت واجهات (ثورية) متنوعة، منها مفهوم (حزب الأغلبية) الذي استغله الحزب الحاكم ديماغوجياً ، ليعطي لنفسه مطلق الحق في اتخاذ القرارات المصيرية التي تدعم بقائه في دست الحكم ، و تروّج له بكونه يمثّل مصالح الأغلبية ؟! و الاّ " كيف استطاع ان يظفر بالسلطة دون غيره ؟! " . . الأمر الذي اشاع في المجتمع باقترانه بالخوف من (زوار الفجر) و من قسوة الجزمات العسكرية التي قامت بالأنقلابات العسكرية ، ومن بناء اقسى السجون . . اشاع رعباً للناشطين السياسيين ولدعاة التقدم والتحضّر والحداثة ، و رعباً عاماً من النشاط السياسي، و من البحث العلمي.
وعلى ذلك يرى عديد من الباحثين ، ان مفهوم ( حزب الأغلبية الحاكم ) في منطقتنا ، هو نتاج فكري و عملي للحزب الذي صُنّع للأستيلاء على الحكم ، او واتته الظروف و استطاع توظيفها للأستيلاء على الحكم . . و عمل على تسويغ شرعيته و ادامتها باظهار نفسه، بكونه الحاصل على تأييد اغلبية المجتمع، بعمل الأحتفالات الصاخبة والتحشيدات الكبيرة له او لفكره و غيبيّاته ـ سواء كانت مفروضة ام مدفوعة الأجر ـ ، في مرحلة تاريخية تصاعدت فيها الدعوات الى " حق الأغلبية بالحكم "، وسادت فيها المسيرات و الحشود الجماهيرية و اعتبرت مقياس اساسي في كسب الشرعية . 
و استمر بكل الوسائل متمسكاً بالحكم، مهما كانت المسافة بينه و بين الأغلبية الشعبية الحقيقية تزداد و تتغيّر، و رغم اهماله لتطوير ذاته لصالح تلبية مطالب اغلبية الشعب، التي تتجدد مصالحها و حاجاتها . . بل و صار يعمل على جعل ( الأغلبية الشعبية ) على مقاسه و مفهومه هو و على مقاس استمراره هو بالحكم، لأنه ( قَدَرْ الأمة )  . . سواء بالعنف او بالتزييف و الخديعة، او بكلاهما . مؤدياً الى تزايد نزعة استئثار الأحزاب الحاكمة بالسلطة، و الى الأرهاب الداخلي والى دولة المخابرات الساعية لتجميل نفسها بالشعارات استرضاءً للشارع، دون الأعتماد على برنامج واقعي يلبي الحاجات الملموسة و يعمل للتقدم الأجتماعي والأقتصادي .  . 
و فيما انتج بذلك ، المراوحة والتزييف والخديعة، و زيادة التبعية ـ التي منها بروز " الدولة الريعية " العائشة على الخامات في بلدان النفط خاصة ـ لعدم المبالاة بتحفيز الأقتصاد الداخلي و بتحسين الدخل القومي بتنشيط الدورة الأقتصادية، و تزايد الأزمة الإقتصادية ـ الإجتماعية و الفقر، بسبب اللامبالاة بقضية الرفاه الأجتماعي ، و التي ازدادت حدّة بتزايد الإهتمام بالتسلّح وتزايد الأنفاق العسكري الذي صار يرهق الميزانية الحكومية  .  .
ليعيد تشجيع فكرة الأنقلابات العسكرية التي كانت تتم بحركة سريعة لعدد محدود من العسكريين، ليتمكنوا بعدئذ من السيطرة على مقدرات ومفاصل البلاد وتسييرها اللاحق . . لتحقيق منافع ذاتية لهم و لعوائلهم ، و لأفراد و عدد من الأُسر ، وبالتالي تشكيل فئات شبيهة بالأوليغارشية الحاكمة .
الأمر الذي ادى بمجموعه الى تكريس الآليات القديمة الموروثة، للحكم بالقوة ، بمظاهر جديدة (تواكب التطور)، و الى استحداث كل ما يؤدي الى الأحتفاظ  بكرسي الحكم والى زيادة الأرهاب ومؤسساته .  .  وبالتالي الى الخوف والرعب الإجتماعي منها ومن رجالها ومن جدوى الشكوى، فازداد التغرّب عن مؤسسات الحكم عمقاً، في ظروف ازداد فيها استشراء الفساد الإداري الموروث اصلاً  .  . و تزايدت محن الأوساط الفقيرة الواسعة، كنتاج للصراعات الداخلية العنيفة ـ التي تطورت الى حروب اقليمية و اهلية و طائفية ـ و لزيادة البطالة، وانتشار السوق السوداء وبروز القطط السمان وضباع الحروب ومافيات المخدرات والجنس والدعارة والجريمة المنظمة.
وفيما ادىّ ذلك الى انفجارات بدت كما لو انها كانت عفوية ، او لأسباب بدت صغيرة للبعض قياساً بحجم تلك الأنفجارات الشعبية، فانه ادىّ الى مناداة المعارضة ـ السريّة في الغالب لكل الظروف المارة ـ  مناداتها الى قيام دولة القانون ، بعد ان غاب القانون ( ايّ قانون مكتوب و مشرّع ) عن حياة المجتمع رغم اشكال الشعارات . . الاّ انه و بعد ان ظهر القانون بعد صراعات صعبة و دامية، و بعد ان امتص ظهوره السخط و الغضب الشعبي . . وضع القانون على الرف او أُجّل التعامل به، و صارت المطالبات تنادي بـ " تطبيق القانون "، الذي ظهر و لم يلتزم به احد . 
ان استشراء تعامل الحزب الحاكم بالعنف، مسوّغاً التعامل به لكونه ( حزب الأغلبية ) الذي يحمي الأغلبية ؟! ادى الى ظهور و تزايد العنف المضاد، على ارضية من تفاقم رهيب للهبوط الأجتماعي، وللتخلف الفكري والسياسي  .  . و ادىّ الى ان تكون الأحزاب في تفكير كثيرين في المنطقة وسيلة يمكن تصنيعها للأستيلاء على السلطة و لوضع افكار وقناعات موضع تنفيذ، او لتنفيذ مشاريع انفردوا هم بالتفكير بها لحل مشاكل المجتمع، بتقديرهم. فيما رأى آخرون فيها وسيلة للزعامة و لتحقيق جاه وثروات طائلة منها كمشروع عالي الربحية ، و كأن السلطة غنيمة ثمينة ، بعد ان فقدت السلطة معناها الحقيقي كوسيلة و آليّة من آليات الحكم، لخدمة المجتمع.
وفيما تتزايد احتقانات المجتمع حدة وتطرفاً، و يتزايد شعور عدد من الأحزاب بكونها  احق من غيرها بالسلطة لـ (تنفيذ شعاراتها) .  , فإن الإرادات الخارجية دولية كانت او اقليمية ، بامكاناتها المالية والتكنيكية و الدعائية الهائلة ، غذّت و تغذيّ ذلك . حتى بلغ اعتماد عدد من الأحزاب على تلك الإرادات حداً ، ادىّ الى اضعاف قدرتها ذاتها على اتخاذ القرارات لوحدها. وازداد الأمر تعقيداً بنتائج ما عملته عدد من الأحزاب بعد استلامها السلطة بالعنف( بدعم متنوع الصيغ من الخارج )، و بنتائج عدم تطبيقها (او تشويهها) لما كانت قد وعدت به حتى جماهيرها هي قبل  استلامها للسلطة . و التي لم تعد تنسجم مع ادّعائها تمثيل الأرادة الوطنية، و انما قامت بما ناسب مخططات القوى العظمى او الإقليمية فقط دون الألتفات الى تلبية الحقوق الوطنية ولو جزئياً.
من جانب آخر ، فأن ما مارسه الحزب الذي استولى على السلطة ( كحزب البعث الصدامي و غيره في العراق على سبيل المثال) من خديعة وقمع وحشي على الأحزاب الوطنية الأخرى  تحت لافتة الحزب الواحد، ( الخيمة التي يجب ان تضم الجميع لتكون حزب الأغلبية ) (1)، ناسياً ان الأحزاب ان ظهرت، فأنها تظهر كحاجة موضوعية ولايمكن الغائها بقرار او باعتقال، بل ان اجراء مثل ذاك ان كان سيؤذيها ، فانه سيؤدي الى مواصلتها النشاط سراً لاعلناً . (يتبع)

27 / 12 / 2009 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)   من وصف الرئيس السابق صدام لحزبه الحاكم ، في اجتماعات الكادر الحزبي، وفق وسائل الأعلام الرسمية آنذاك . و هي آلية لاتزال يستخدمه قسم  بخطاب يماشي التطورات اللاحقة لسقوط الدكتاتورية .


*راجع بحث الكاتب " قراءة لظاهرة حزب الأغلبية " ـ ملف حزب الأغلبية في عالمنا العربي، مجلة
" الديمقراطية " المصرية ، تشرين اول / 2009 .

179
في ذكرى ثورة اكتوبر العظمى  !
3  من  3
                  د. مهند البراك

و يرى العديد من الباحثين ان ثورة عظمى كثورة اكتوبر، اثارت و تثير جدالات حامية لاتستقر ، لأنها احدثت تغييراً هائلاً في العالم باعادة تشكيل قطبيته السابقة، و تشكيلها قطباً بآليات مناقضة لآليات الأقطاب الدولية الكبرى حتى ذلك الوقت . . دعَم نضال شعوب العالم من اجل التحرر و التقدم بشكل حيوي كثير التنوع، و اعتُمد رسمياً في العلاقات الدولية و في بناء و صياغة مواثيق هيئة الأمم المتحدة و القوانين الدولية منذ ما يقارب القرن ، حتى احدث غيابه بعدئذ تغييراً هائلاً لم يستقر لحد الآن، في الأقتصاد و السياسة و القانون و الفكر في العالم .   
   و ان الحكم بكونها ـ اي الثورة ـ كانت خطأ ام صواباً ، هو كالحكم على اي حدث هائل هزّ العالم و بقيت تأثيراته واشعاعاته فاعلة، كالثورة الفرنسية مثلا، التي الى الآن وبعد مرور قرنين عليها، يستشهد فريق بها كبناء صلب لتطور الدولة و الفكر و علوم القانون و الأجتماع، و يدينها فريق و يعتبرها حكم رعاع، لأنها اعدمت العائلة المالكة و كانت عنيفة دموية .  .  فيما تسير احكامها و تتجدد و تُدرّس افكارها كثوابت تتطوّر، في معاهد و مؤسسات العالم .
   ومن جهة اخرى، وفيما يرى حقوقيون انه لا توجد وصفة محددة لثورة هائلة طاهرة خالية من الأخطاء الاّ في الخيال، فأن قسم يتساءلون هل تعود اخطاء ثورة اكتوبر الى عدم اعطاء كارل ماركس تصورات ملموسة عن السلطة الأشتراكية و عن دولتها و كيفية بنائها . و يتساءل آخرون الا يكفي انها غيّرت موازين العالم طيلة قرن و استقلت بدعمها و وفقها شعوب و دول فاعلة، و علوم و فكر، و ادّت الى تغيّر هائل في وجهة سكة تطور العالم و سكّة تطور الرأسمال الدولي ذاته، للتدليل على اهميتها ؟!
   و يشير نظريون الى ان زماننا الذي يشهد تطوراً عاصفاً في العلوم و التكنولوجيا ، الأقتصاد و السياسة، الفكر و الرؤى ، يشير الى خطأ الركون الى مفاهيم الحتميات التاريخية كأنها مسلّمات استاتيكية جامدة، بملاحظة التغيّر الجذري الحاصل في ادوات و قوى الأنتاج، و نظم الإدارة و الإتصالات، و ما يلعب ذلك و غيره من تأثيرات هامة على دور و كينونة الأنسان، ذلك الكائن الفاعل في مختلف نواحي الحياة، من الطبيعة الى المجتمع، الذي تدخّل حتى بقوانين الطبيعة، مطوعاً بعضها لفائدته و متسبباً بكوارث في تأثير اعماله على بعضها الآخر، كما في مجال تلويثه البيئة على سبيل المثال . 
فرغم الفوائد النظرية الكبيرة لما طرحه سياسيون و نظريون كبار حينه : غرامشي، بليخانوف ، روزا لوكسمبورغ و كاوتسكي و غيرهم، الاّ ان قيمة ما طرحوه كانت تفيد بدراسته بظروف ذلك الزمان للتعرّف  لماذا لم يؤخذ به حينها، هل فقط لأن لينين رفضها ؟ ام لأن أنفجار ملايين البشر في روسيا القيصرية ومن كل القوميات، كان وشيكا ! بسبب المجاعة و الموت و الرعب ، دوي المدافع و قعقعات السلاح، و الخوف من المعاهدات السرية و من المجهول القادم، بعد ان حصدت الحرب العالمية الأولى في ذلك الزمان و بمقاييسه عشرات الملايين سواء في ساحات القتال ام بسبب الجوع و البرد ، و بسبب التيفوس و الطاعون وغيرها . . اي بسبب ان الشعب لم يعد يحتمل حكّامه، لمجمل الظروف الذاتية و الموضوعية الفاعلة آنذاك.
في وقت كانت فيه جيوش متنوعة متأهبة تطرق ابواب روسيا رجل اوروبا المريض، لتعمل فيه ما عملت بالأمبراطورية العثمانية الآيلة للسقوط، التي بعد ان استسلمت، معروف ما اورثت و كيف مزّقت و نهبت .  .  و يصلون الى ان القضية لم و لا تتوقف على قرار فرد مهما كانت اهميته، والاّ لكان سبب اندحار نابليون بجيوشه الجرّاره ذات الآلاف المؤلفة في معركة واترلو عام 1813 ، يعود فعلاً الى اصابته هو بنزلةِ برد ليلة المعركة، كما كان انصاره يرددون . . وكأنه لايعود لإشعاله اوروبا بالحرب و تسببه بضياع ارواح مئات الآلاف و تحطيمه مئات الحواضرو تشريده اعداد مضاعفة من المدنيين في ذلك الزمان بلا طائل، و لايعود الى فعل كل العوامل التاريخية في قوانين الحرب وقتذاك .
و لابد هنا من الإشارة الى ان حكومة كيرنسكي البرجوازية الأنتقالية (المؤقتة) التي مثلت مصالح صناعيي روسيا و اثريائها و تجارها و ملاكيها و رجال دينها الكبار ، لم تستطع ان تقدّم حلولاً عاجلة للمعضلات التي كانت تعانيها الملايين و الى انها هي التي اوصلت البلاد بسلوكها العاجز عن الحصول على تأييد الشعب الى التمرّد عليه ابتداءً و ليس البلاشفة .  .  التمرد الذي كان يسري كالنار في هشيم البلاد، التي وجدت ان الحكومة ستسلّمها للطامعين الأجانب (1) لعجز خزينتها حتى عن دفع رواتب اجراء الدولة، فيما كانت وسائل التدفئة غائبة و الشتاء الروسي على الأبواب . .
و تسلّمها للطامعين للتخلص من مخاطر ما يسببه جوع الملايين عليها و للتخلص من المذابح التي كان يمكن ان تطالها، حين كانت تمارس اشد الممارسات فتكاً و قسوة بحق المعارضين و كانت تبيد التظاهرات السلمية بالرصاص، بعد ابقائها على قوانين الإعدامات الظالمة. فيما كانت تمردات و انتفاضات القوميات و الأديان على اشدّها، و انتشار عصابات السرقة و القتل في اوجه، على طول البلاد و عرضها . . بسبب ضعفها و شللها .     
   فيما كانت البلاد تحتاج الى حكم يمثّلها و يحميها و يبدأ بتحقيق شئ من مطالب اوسع الجماهير، الأمر الذي عجزت عنه حكومة كيرنسكي البرجوازية طيلة عشرة شهور، في زمان ومكان كانت التغييرات عاصفة فيهما و كان موقف اوسع الجماهير هو الحاسم في تقرير من يستلم الحكم . . حيث ان صدور اول مرسوم لسلطة البلاشفة حين لم تكن مكتملة بعد : ( السلام ، الخبز ، الأرض) و الشروع الفوري بتنفيذه، هو الذي لف اوسع الأوساط الشعبية حولهم لأنهم بدأوا بتحقيق اهم و اعزّ مطالبهم . . فيما كانت موازين القوى تتغيّر سريعا لصالح سياسة و اعمال البلاشفة، لأنها كانت تحقق فعلاً المطالب العاجلة لأوسع الشغيلة .  . (2)
و من هنا ينبع الفرق بين النظرية المكتوبة الجاهزة، و بين الواقع الجاري على الأرض في الزمن المعني، والذي يلخصه كارل ماركس في تأييده لكومونة باريس عند اندلاعها(3)، رغم استشرافه و تقديره لما كان سيحصل . ان الأستناد  على المنظرين المعارضين لقيام ثورة اكتوبر في ذلك الزمن فقط، رغم احتفاظه بقيمته النظرية ، الاّ انه يمكن ان يكون قد فقد قيمته في الواقع الجاري الآن ، لأن الجماهير العريضة قد قررت آنذاك وقامت بالثورة و نجحت، و بنت دولة صارت احد قطبي العالم المقررين عملياً ثم رسمياً . . طيلة اكثر من سبعين عاما ، و خلّفت واقعاً آخر تماماً .
ويذهب آخرون الى ان الخطأ لم يكن في ثورة اكتوبر في روسيا، وانما في التطبيقات اللاحقة، و في محاولة التقليد المتسرع لها في بلدان عديدة، ثم في ما فُرض على الأحزاب الشيوعية و العمالية بعد انتصارها و ثبات دولتها بمرور العقود، و الذي تسبب بمشاكل متنوعة منها، تباطؤ نمو عدد من البلدان الصناعية المتطورة اصلا كالمانيا الشرقية و جيكوسلوفاكيا تحت حكم الأحزاب الأشتراكية، رغم الدمار الهائل الذي اصابهما بفعل الحرب الثانية . .
فيما يرى قسم آخر، بانه لو قللت الدولة السوفيتية من اعباء دورها في كل انحاء العالم كما عملت الصين الأشتراكية مثلاً ، التي سارت على نهج " السياسة الإقتصادية الجديدة ـ النيب " اللينيني . . لسارت اوضاعها بشكل افضل. فيما يرى متخصصون ان الصين سارت على سياسة داخلية اعتمدت على طريقها الخاص في موالفة الكونفوشيوسية مع الأشتراكية، وعلى مراحل تغييرية عاصفة لأعادة البنى و الأهداف، من " القفزة الكبرى" و " دع مئة زهرة تتفتح "، الى " الثورة الثقافية " . . حتى صارت تمتلك الآن اكثر من 60 % من اسهم الأسواق الداخلية للولايات المتحدة الأميركية (4).
و يرى الكثير من المفكرين ان ثورة اكتوبر، ثورة سعت الى تحقيق نظام عدالة اجتماعية اشتراكي الوجهة، بعد ان انشأت بلداً صناعياً عملاقاً معتمداً في ذلك على آلياته الوطنية الداخلية، و ليس على موارد مستعمرات. ثورة حققت الكثير من المهام الوطنية الديمقراطية التحررية لبلد شبه رأسمالي شبه اقطاعي، بآليات الملكية الجماعية لوسائل و ادوات الأنتاج. وان قيام الأتحاد السوفيتي اثر انتصارها، حقق تحرير الشعوب و القوميات المضطهدة المستعمرة استعمارا استرقاقياً من قبل النظام الروسي القيصري السابق، ومنحها حقها في تقرير المصير، التي لم يختر قسم منها الإتحاد بل الأنفصال، كما حدث مع فنلندة التي صارت دولة مستقلة.
و فيما كشفت دولتها معاهدات النهب السرية، و تصدت للفاشية و اسقطتها. و كوّنت قطبا تحرريا في مواجهة قطب الأحتكارات الغربية اللصوصية حدّ من اطلاق يده، و كان سبباً هاماً ان لم يكن اساسياً من اسباب لجوء رأسمالية القرن التاسع عشر و العشرين المعروفة بنهمها الجشع، الى القيام بالعديد من الأصلاحات و التنازلات لصالح عمال و شغيلة بلدانها. ....
   يرى نظريون، ان نجاح ثورة اكتوبر، اثبت عملياً و لأول مرة ان هناك آليات اخرى غير الآليات الإستغلالية الربحية الرأسمالية، و آليات للوقوف بوجه الأحتكارات، وان الأستغلال ليس قدراً محتوماً لاردّ عليه، واثبت عدم كفاية و خطأ الأعتماد على النظريات الدينية و على الخزعبلات اللاهوتية، في بناء مجتمع انساني جديد خالي من استغلال الأنسان لأخيه الأنسان، او يسعى اليه . واعطى تجربة غنية للنظريين عمرها 70 عام عن ماهية و كيفية قيام دولة للعدالة الإجتماعية، بتقييم النجاحات و الإخفاقات ، و بالبحث عن الأسباب الحقيقية لأنتهاء التجربة الأولى . 
و انها تجربة تشير الى اهمية تدقيق الفروق بين نظام عدالة اجتماعية و نظام اشتراكي، و انها  اثبتت ، و رغم ما تحقق للشغيلة، و ماتحقق من انظمة تعليم احدث و اوسع و من حقوق مهنية لاتقاس بالعهد القيصري السابق، اضافة الى حقوق للمرأة و للطفل، اضافة الى آليات الإنتاج و الى الثقافة و العلوم . . الاّ انها اخذت بالمراوحة ثم الجمود و صولاً الى التراجع، قياساً بما عمل و سعى له المواطن السوفيتي ، حتى وصل الى الخطأ القاتل عندما ظهر و تنامى شعور الفرد بكونه كالآلة . . بعد ان اهملت مشاعره و عواطفه و طموحاته، و اهملت تلبية الحاجات المتزايدة لأنسان دولتها الذي كان كثير الكدح و الصبر و تسببت بتغربه عنها، و بطموحه الى اعادة بنائها الذي انتهى نهاية من شكل آخر تظافرت فيها عوامل و ادوار كثيرة التنوع .  . 
انها تجربة رغم كل الظروف والمشاق و التضحيات .  . شابها خلل حقيقي تراكم، في كيفية بناء اسلوب ديمقراطي اكثر انفتاحا و قابل للتطور، قاد الى فشل تجربة غيّرت مجرى التاريخ طيلة قرن مضى . و إنها اكّدت خطأ تحطيم القطاع الخاص، و على ان الأشتراكية العلمية متنوعة في التطبيق ولايمكن ان تتحقق بثبات الاّ بالأعتماد على اقتصاد و آليات صناعية متطورة، في مجتمع يستطيع تلبية حاجة الفرد المادية و الروحية تسوده العدالة الإجتماعية . 
و يرى محللون معاصرون ان الدعوة الى الأشتراكية و الى الفكر العلمي الديالكتيكي ليست خرافة، و لم تسر الملايين التي صنعت ثورة اكتوبر خلف خرافة والاّ لسارت خلف البابا الكبير للكنيسة الآرثدوكسية الذي سعى جاهداً للمّ الجموع وراءه آنذاك، وكانت قمّة جهوده في يوم " الأحد الدامي" حين تساقط الآلاف برصاص الشرطة القيصرية وهم ينظّمون مسيرة كانت في طريقها لتقديم طلباتهم العاجلة الى العرش القيصري بارشاد البابا، الذي انفضّت عنه بعدها و لم تعد تصدّق بوعوده .  .  و انما سارت وراء حقوق كانت تتلمسها بيدها سريعا منذ مرسوم الأرض . .
   و من يعتقد انها خرافة عليه مراجعة الكلمة التي القاها زبغنيو برجينسكي (5) احد ابرز منظري الرأسمالية اليوم ، في الأحتفال الكبير الذي اقيم ليلة 31 ـ 1/ 1 / 2000 ، الذي نظّمته اكبر معاهد العلوم الإجتماعية في العالم لتكريم " كارل ماركس " حين كرّمته باطلاق اسمه على الألفية الجديدة " الفية  ماركس " ، التي تناقلتها الصحف و وكالات الأنباء المتنوعة، و التي قال فيها :
" لقد درسنا و فهمنا ماركس افضل مما عمل الأشتراكيين، الذين لم يدرسوه جيداً ليحددوا موقعهم و دورهم في العملية التأريخية . لقد بذلنا جهوداً كبيرة بدراسة ماركس لتحديد موقعنا في العملية التاريخية .  .  حتى عرفنا اننا نحن العوامل المعرقلة !! و اننا ان تمكّنا من العرقلة 100 سنة هل هذا قليل ؟! .  .  تأملوا القول جيداً !!  "
ان ماتحقق في ثورة اكتوبر في التفكير المعاصر هو تحقيق شكل من اشكال العدالة الإجتماعية نحو الأشتراكية . . او تحقيق شكل من الأشتراكية في القرن العشرين الذي مضى. و بينما فشل النمط الذي بني في الأتحاد السوفيتي السابق فانه يستمر في الصين الإشتراكية و في بلدان اخرى تسير عليه .
وكما تتطوّر البرجوازية و تسقط و تتقدّم الى رأسمالية و الى امبريالية، ثم الى رأسمالية متوحشة و رأسمالية متمدنة و التي استغرقت قروناً . .  فان نقيضها و فكره يتطوران ايضاً بتطوّر العالم و وصوله الى مراحل العولمة .  .  التي ستجد فيها قوى العدالة الأجتماعية و الأشتراكية امكانات و حلفاء جدد على طريق تحقيق الأهداف العادلة . . على منهج كارل ماركس و تحديد الموقع في العملية التاريخية الجارية. (انتهى)

15 / 11 / 2009 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــ
1.   كان هناك شعور طاغي بين الملايين يتسم بالحذر الفائق من الاعيب القوى الحربية الأجنبية، التي يمكن ان تحتل البلاد الأم، و انها ستسحقهم و تستغلّهم . و هو شعور قوي ساد روسيا طيلة قرون بسبب تأريخها و حروبها .  .   
2.   و لاتكتفي بطرح الشعارات فقط .
3.   راجع كتاب " 18  برومير لويس بونابرت " ، كارل ماركس ، حول كومونة باريس .
4.   نشرات بي بي سي العربية، آذار 2009 ، تقارير حول الأزمة المصرفية في الولايات المتحدة الأميركية .
5.   مستشار الأمن القومي للرئبس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، عضو مجلس الشيوخ .


180
في ذكرى ثورة اكتوبر العظمى  !
 2  من  3
                  د. مهند البراك

وفيما يذكر كثيرون و يكتبون عن " ربيع براغ " في 1968 وعن نضال " اتحاد النقابات الحرة البولونية " ـ ليش فالينسا في الثمانينات و عن الدعوة الى الديمقراطية في اوروبا الشرقية حينها ، الاّ انهم لايذكرون شيئاً ـ لأسباب متعددة لا يتسع لها المقال ـ عن التحولات الجدية التي كانت تموج بها الحركات العمالية و النقابات و احزاب و انظمة اوروبا الغربية الصناعية ، بسبب تزايد النفوذ الفكري و الأنساني للأشتراكية بمدارسها المتنوعة، لحاجة الأوساط العمالية و الكادحة لها لرسم طريق نضالها من اجل الحصول على حقوقها المهضومة .
حتى صار الأمر يهدد بانفصال ايطاليا الرأسمالية عن الناتو ، بعد ان شرعت مؤسسات ايطالية هامة بالتقارب و بالدعوة الى تأسيس عقود عمل مع الدولة السوفيتية في مطلع سبعينات القرن الماضي كطريق لحل الأزمة الأقتصادية التي تسببت ببطالة الملايين فيها، بسبب الصراع المرير للأحتكارات . . وكان ذلك التحوّل هو السبب المباشر في حادث اختطاف و اغتيال رئيس الوزراء الإيطالي المعتدل " الدو مورو " آنذاك (1) .
اضافة الى ماكانت تسببه دولتا السويد و المانيا الغربية من قلق في اوروبا الغربية الرأسمالية، بسبب تحقيق احزابهما الحاكمة منجزات و حقوق للشغيلة بسبب تزايد شعبية و ضغوط النقابات والحركات العمالية و اليسارية، التي لعب وجود كتلة شرقية قائمة فعلاً على الأرض دوراً هاماً في تزايد نفوذ القوى اليسارية و افكار الأشتراكية و العدالة الإجتماعية فيهما مطلع الثمانينات . .  بعيداً عن ادراك ما كان يموج داخل الكتلة الشرقية فعلاً .
و قد ينسى قسم لماذا ؟ و مَنْ ؟ كان وراء الأنقلابات العسكرية الدموية التي اجتاحت العالم و الشرق الأوسط و اميركا اللاتينية تحديداً طيلة نصف القرن الماضي و ازهقت آلافاً مؤلفة من الأرواح .  . التي عبّر بشأنها الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش عن اعتذاره (!!) في خطابه السنوي عن حال الإتحاد عام 2003 . و اليوم و بعد افول الأتحاد السوفيتي الذي كان يُتّهم بكونه منبع العنف ، ازداد العالم جموحاً و تزايد العنف و برزت مخاطر رهيبة يشيعها النهب و العنف و الأرهاب المتنوع، و تعود الصراعات الى اساليب الوحشية القروسطية .
   و يرى مؤرخون محايدون، بان الأنظمة الرأسمالية المتنوعة القائمة اليوم لم تأت بوصفة سحرية او نظرية لرجل علم او فيلسوف محدد معيّن ، بقدر ما انها تكوّنت عبر صراعات مريرة و تغييرات عاصفة و ثورات و ازمات حادة استهلكت ارواح و مصائر، و نظريات صعدت و افلت، طيلة قرون  . . حتى صارت تسعى الى تشجيع الإبداع و التجديد و العلوم، التي تحقق ارباحاً افضل لرأس المال، و الذي ينبع من مبادئها الربحية التنافسية ذاتها، دون تقييد ديني او اخلاقي في واقع الحال و دون الأهتمام الحقيقي بمصائر البشر ـ  و بالذات خارج بلدانها ـ عدا تخصيص معونات خيرية لأدامة مكانة و سمعة انظمتها وفق قوانين ضريبية و ائتمانية معمول بها ، رغم البهرجة الأعلامية المنادية بالمبادئ السامية . . التي ترى فيها مؤسساتها بكونها ضرورة قصوى لتسويق بضائعها و بالتالي سياساتها . وهي في مواقفها كثيرة التنوع و تسير بوتيرة كثيرة التعاريج و الصعود و النزول تتمحور على ضمان ارباحها ، الأمر الذي يهدد حتى بتصادمها العنيف فيما بينها ايضاً .
اضافة الى انها اعتمدت اساليب استعمار الشعوب الأخرى و سرقتها و قامت بسوق ابناء تلك الشعوب الى حروبها هي . . و ادامت تلك السرقات التي امّنت و تؤمن لها مصادر مالية وتقنية و بشرية اسطورية ، دعمت تمويلها و تمويل الفتن و الحروب التي اشعلتها، و التي بالمقابل واجهها الإتحاد السوفيتي السابق سياسيا باستخدامه المتكرر لحق النقض الفيتو في الأمم المتحدة . .
و واجهها ماليا و عسكرياً من خزينة دولته التي أُرهقت بالهبات و المعونات بلا مقابل لشعوب العالم النامي و للدول المستقلة حديثاً ، وفي محاربة الفاشية و الحروب العدوانية  .  . كتمويله السد العالي في مصر بلا مقابل ، و اعادته تسليح الدول العربية التي تضررت بسبب خساراتها في حروبها مع اسرائيل، الهائلة التكاليف بلا مقابل ايضاً ، اضافة الى تمويله حركات التحرر في كل انحاء العالم كما حصل في فيتنام و كوريا و المنظمات الفلسطينية غيرها و بلا مقابل . وكان آخرها تنازله دون مقابل عام 1989عن كل ديونه لجزيرة الحرية " كوبا " و التي بلغت بحدود 20 عشرين مليار دولار بسبب ضائقتها المالية التي تسبب بها الحصار. و غيرها من الأموال الفلكية من ميزانيتها . . ـ تجنبت الصين الأشتراكية مثلاً القيام بذلك الدعم و بتلك الضخامة و وفرت تلك الأموال داخلياً لها ـ . 
و يرى مراقبون ، ان سعي الأنظمة الرأسمالية الى نظام الإصلاحات الإقتصادية و الى تحقيق شروط افضل لشغيلتها لم يكن بمعزل عن سعيها المتنوع الأشكال لصد تأثير وجود قوة المثل الذي كان يلهم عقول و افئدة عمالها و شغيلتها . . في الوقت الذي كانت تسعى فيه لتحطيم ذلك المثل من اجل تحقيق ارباح اكبر على انقاضه على مستويات متنوعة وعلى رأسها فتح اسواق مربحة هائلة .
حيث بغياب ذلك المثل، انفتحت امام تلك الأنظمة  اسواقاً لم تكن تحلم بها ، بل و اكثر مما خططت له ، و صار عليها ان تعيد بناء بيتها الذي لم يستقر الى الآن لا على قطب و لا على عدة اقطاب، بسبب شكل بنائه السابق المعد لمواجهة ذلك المثل، و بسبب جشعها و تكالبها على الأرباح . . بعد غياب القطب المنافس السوفيتي السابق، وترتّب العالم على اساس ثنائية القطبين.
   و فيما يتساءل خبراءٌ اليوم ، لماذا الآن و بعد غياب الأتحاد السوفيتي .  . لماذا صار شغيلة الدول الرأسمالية العريقة يعانون اليوم من مسلسل تقليص الكثير من الحقوق و المكتسبات التي حققوها بنضالهم المطلبي طيلة عقود ؟  فانهم يجيبون ان ارباب العمل الكبار يحصدون فوائدهم من انهيار و غياب المثل الملهم الذي كان قائماً على الأرض، على ثغراته ؟
   من جهة اخرى ، وفيما نبّه لينين عام 1921 في خطته المعنونة بـ " السياسة الإقتصادية الجديدة ـ النيب " ، من مخاطر حرق المراحل، مخاطر البيروقراطية الطفيلية السريعة النمو . . و من مخاطر القضاء على القطاع الخاص ، فإنه دعى الى انعاشه و الى اقامة قطّاع مختلط و الى توسيع التعاونيات الزراعية، و شدد على اهمية التعاون مع دول العالم بانظمتها البرجوازية المتنوعة و تقديم تنازلات ممكنة ، لغرض تقوية الأقتصاد الداخلي الذي لابد منه لتوطيد بناء الدولة الجديدة و السير نحو التطوير (2)، و لم يؤخذ بها و جرى اعتبارها ( تنازلات غير مشروعة امام الخصم الطبقي ) . .     
ازدادت حروب التدخل وحشية و شدّة عليه من كل الأقطاب الرأسمالية ، وادىّ انتصار الدولة الفتية في تلك الحروب رغم اعبائها الباهضة، الى زيادة التشدد في مواجهة (الخصم الطبقي) ، والى عدم المبالاة بما كان يعتمل في كيان البلاد الداخلي وفي كيان انسانها ـ رغم زهوه بانتصاره ـ  طيلة عقود .  .  مادامت الخطط الخمسية تنفّذ بنجاح ؟!   
وبالتالي فقد سقطت الدولة السوفيتية في فخاخ كانت تُطبخ و تُعد بمهارة لتقويضها ، فيما كانت السلطة نائمة مرتكنة الى الأيمان بـ ( الحتميات التاريخية ) و كأنها تتحقق اوتوماتيكياً، و الى ان انتصارها باقٍ لأنه حتمي وفق تفسير سطحي خاطئ مبالغ به للمنهج الماركسي العلمي .  .  حتى ادت البيروقراطية الحاكمة فيها الى نشوء فئات طفيلية عالية الثراء من كبار موظفي الحزب و الدولة ، و لعب تفاقمها دوراً هاماً في اهمال مطالب مواطنها السوفيتي المتعدد القوميات و الأديان، الذي لم يعد بمرور العقود نفس المواطن، الذي كان يجترح المآثر في سبيل الأهداف الوطنية و الطبقية و الأممية . .   
حيث ( نسيت ) الدولة ـ كدولة و مؤسسات و مناهج و ثقافة ـ مواطنها ـ انسانها ـ الذي تطوّر في المجتمع الجديد و تطوّرت حاجاته و متطلباته الحياتية اليومية و طموحاته التي لم تعد تبالي بتوفيرها له . . . حيث بقي في نظرها " هو الفلاح ايفان في مطلع الثلاثينات " ، فيما انغمرت هي (الدولة) انغماراً فلاحياً و بكل قوتها في دعم الحركات التحررية في العالم، و لتطويق قلاع الرأسمالية عسكرياً ، الى حد انغمارها بالكامل بالتسلح حتى صارت تمتلك من القوة ما كان يكفي لتحطيم المرافق الأساسية للقوة العسكرية للولايات المتحدة 400 اربعمائة مرّة !! التي استنزفت تريليونات من العملات الصعبة من خزينة الدولة . . على حد تعبير وزير الدفاع السوفيتي ديمتري يازوف عام 1990، الذي علّق عليه نائب رئيس الـ سي آي اي بـ " ان الخدعة و الحرب النفسية انطلت عليكم "  (3).
و يذهب محللون الى انه مع ذكر الأموال الفلكية الهائلة للتسلح و نفقات أعادة بناء ماتخرّب بسبب حروب التدخل والحرب ضد الفاشية، ونفقات حلف وارشو و دعم الدول الأشتراكية الأخرى و لدعم حركات التحرر الوطني والدول الفتية المتحررة حديثاً و غيرها و غيرها . .  من الضروري ملاحظة ان زعيمة الرأسمالية العالمية الولايات المتحدة ، لم تخض حربا على اراضيها هي و لم يقع دمار فيها، و لم يقع على اراضيها اي عدوان خارجي او احتلال او اجتياح خارجي بريّ ، سوى الهجوم الجوي الياباني على بيرل هابر في جزر هاواي الواقعة في وسط المحيط الهادي والتي تبعد عشرات آلاف الكيلومترات عن ساحل الولايات المتحدة الغربي في عام 1941 ، و الذي ردّت عليه بعئذ بقساوة بالقائها قنبلتها النووية على هيروشيما .
كما لم يقع اي عدوان بريّ  او دمار على اراضي بريطانيا سواء في الحرب العالمية الأولى او الثانية، لكونها جزيرة ـ عدا القصف الجوي الألماني في الحرب العالمية الثانية ـ . و ان الدول الأمبريالية كلها كانت تسوق ابناء المستعمرات لحروبها و تقاتل بهم تحت امرة قياداتها العسكرية . الأمر الذي لابدّ من حسابه في تقييم و مقارنة تكلفة و نتائج تجارب دولية كبرى، كثورة اكتوبر .
من ناحية اخرى، و فيما نسيت الدولة السوفيتية انسانها ، كانت الثورة التكنيكية العلمية والمعلوماتية تاخذ طابعاً عاصفاً، اخذ يتجسّد بظهور تشكيلات اقتصادية اجتماعية فكرية، تختلف اختلافاً هائلاً عماّ في  السابق .  . في الشكل والمحتوى والكم، واصبح لها شأناً اخذ يؤثر بشكل عميق على حياة ومصير الشعوب وتفاصيل بنيتها الأجتماعية الأقتصادية، وعلى حالة العلاقات الدولية سواءاً بين الدول العظمى، او بين الدول الغنية والفقيرة والنامية والبطيئة التطوّر . . و بدأت اوساط تتزايد من الماركسيين والماديين، تدعو الى ضرورة اتخاذ موقفٍ جديدٍ ازاء الفلسفات الإنسانية و الأشتراكية غير الماركسية ، لأجل التطوير الخلاّق للمنهج المادي الديالكتيكي .
و الى مواكبة و التفاعل مع التطورات العاصفة للعلوم التكنيكية و الحيوية و البيئية والإجتماعية، والأخذ بها و تمثّلها في " المنهج " لتحديثه للتمكن من مواجهة قضايا  واقعية ملتهبة معاصرة تتراكم وتؤدي بتراكمها الى تغييرات نوعية، بعد سنوات الركود والجمود العقائدي الذي اصاب الحزب الحاكم وادى الى تفكك و انهيار انظمته، والى تغرّب مواطنيه و معاناتهم منه، والى تزايد الدعوات للأصلاح ولحل القضايا المعيشية اليومية للمواطن، والى تجديد النقد كسلاح فكري لمواجهة البيروقراطية والتحجر والجهل و الخرافة و اللاادرية . (يتبع)

12 / 11 / 2009 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع كتاب " اندريوتي : بين السياسة ، المخابرات السرية و المافيا " ـ شهادات و وثائق محاكمة الرئيس الإيطالي الأسبق اندريوتي ـ وثائق الأحزاب و وثائق المنظمات السريّة السياسية ، الدينية و المافيوية ـ ريجينا ايغيل / دار هيربيغ ، عام 2001 . بالأنكليزية و الألمانية .
2.   راجع كتاب " وصية لينين السياسية " ، فصل السياسة الإقتصادية الجديدة .
3.   ندوة الحوار العسكري السوفيتي ـ الأميركي ، بحضور وزير الدفاع السوفيتي، نائب رئيس المخابرات المركزية الأميركية و نائب رئيس المخابرات السوفياتية ، في معهد العلوم الأجتماعية في موسكو ، ربيع 1990 .
     


181
في ذكرى ثورة اكتوبر العظمى  !
1  من  2
                                                                                                   د. مهند البراك

تمر هذه الأيام الذكرى الـ 92 لإنتصار ثورة اكتوبر الروسية العظمى التي حوّلت الأمبراطورية القيصرية المترامية الأطراف، التي عاشت مئات ملايينها عصر القنانة والإقطاع والعبودية القيصرية الآرثذوكسية . . الى دولة عصرية شغلت العالم طيلة القرن الماضي وصارت محط انظار دوله الفتية و احزابه التحررية و مناضليه الساعين الى تحرر وانعتاق شعوبهم بالتضامن مع كل القوى الساعية الى تقدم و رفاه البشر، من جهة . . و صارت محط مراقبة و نشاط مخططات انواع كيانات و اقطاب الرأسمال العالمي التي سعت الى وأدها و اجهاضها و تحطيمها منذ نجاحها ، من جهة اخرى . .
بعد ان حققت و لأول مرة في التاريخ دولة قائمة على اساس تحقيق السعادة و الرفاه للكادحين، و على اساس نشر روح التآخي القومي والديني و المذهبي و حرية المرأة، و كشف و الغاء المعاهدات السرية لأقتسام العالم بين الأقطاب العظمى . . فتسابقت مئات الحركات التحررية في العالم لخطب ودّها و للحصول على دعمها النزية الداعي الى التكاتف في وجه المخططات الشريرة الساعية الى الأحتلال و الى التمييز العرقي و القومي و الديني .
و يرى كثير من المحللين ان اهميتها ـ وبالتالي تقييمها كما يسعى البعض ـ لايمكن ان تعرف او تقاس الاّ اذا دُرست و حُسبت ابعادها في زمانها و ظروفها الوطنية الداخلية و ظروفها العالمية آنذاك و ما احدثت . و يصنّفها مؤرخون بانها لا يمكن ان تقلّ اهمية عن الثورة الفرنسية العظمى 1789 و الثورة الصناعية في بريطانيا عام 1848 . . . سواء في دورها الوطني الداخلي في بلد شغل سُدس الكرة الأرضية ، او في تأثيرها الفكري و دورها الإقتصادي والإنساني العالمي . . رغم المآل الطويل كثير التعقيد الذي ادى الى تفكك الأتحاد السوفيتي في الأولى ، و ادى الى نشوء دكتاتورية نابليون الثالث في الثانية، و نشوء النظريات و التطبيقات الصناعية الأستغلالية الشيطانية في الثالثة، الا انها جميعاً تركت اثار لاتمحى في سير التطور الفكري، الإجتماعي والأقتصادي العالمي .
و يرى كثير من علماء التاريخ و المجتمع المعاصرين ان نجاح ثورة اكتوبر اثبت بأن النظريات الداعية الى  دولة العدالة الإجتماعية، ليست رجماً بالغيب و ليست رمادية ممكنة على الورق فقط و لا خيالية كـ " جمهورية افلاطون " و انما انها ممكنة التطبيق ، حيث نجحت و انجبت دولة " اتحاد الجمهوريات السوفياتية " التي غيّرت مسار التاريخ العالمي طيلة القرن المنصرم ...  
وانها رغم الأخطاء التي اقترفتها (1) والتي لايخلو منها اي تغيير هائل كالذي احدثته في روسيا المترامية و في العالم، الاّ انها كانت التطبيق الخلاّق الأول للفكر الماركسي في زمان انتصارها مطلع القرن العشرين بانشاءها دولة كبرى !!  كانت السبب الأساسي للبدء بالتحشيد الرأسمالي العالمي ضدها و لأشعال حروب التدخل الطويلة لخنقها ولإيقاعها في شتى الفخاخ العملية و الفكرية، التي وصلت الذروة في  الهجوم الهتلري النازي عليها في محاولة لتحطيمها و فرض نظام احتكاري جديد عليها ..
والذي انتهى بدورها الباسل في تحطيمه منذ معركة ستالينغراد التي كانت الصخرة التي غيّرت مجرى الحرب بالأتجاه المعاكس لينتقل الجيش الأحمر الى تحرير بلاده و تحرير الدول الأوربية الشرقية منه ، ثم دخوله برلين عاصمة الرايخ الثالث بقيادة الماريشال جوكوف، منتصراً معلناً انهائه الخطر الفاشي في 9 ايار 1945 رغم مماطلات الحلفاء و تأخرهم المقصود في فتح الجبهة الثانية في الغرب ـ في مسعى لتكبيد الأتحاد السوفيتي مزيداً من الخسائر ـ في تلك المعارك الدموية الضارية التي فقدت البلاد فيها الكثير (2) .
و وصولاً الى جهود الإحتكارات الغربية و الصهيونية لتوريطه في حرب افغانستان ، التي يكشف عنها النقاب تدريجياً، بعد تم كشف العديد من ملفات المخابرات المركزية الأميركية و البريطانية، عملاً بقوانين الأرشيف ، والتي اعلنت في مواقعها على الأنترنت، اضافة الى تصريحات عدد هام من القادة و الموظفين الكبار فيهما .
و يرى خبراء سياسيون و تنظيميون، ان ذلك الأنتصار الأول للفكر الأشتراكي قد تم بواسطة و على يد الحزب البولشفي الروسي، الذي لم يكن لينجح في اقامة دولة من نمط جديد (3) على اساس تحالف العمال و الفلاحين و المثقفين و العسكريين الثوريين لولا اسلوب بنائه و آلياته . . وان ذلك هو الذي ادىّ الى تبنّي غالبية الأحزاب العمالية و الشيوعية منذ ذلك الوقت، نمط بنائه و قواعده الحديدية في محاولتها تأمين الأنتصار على غراره ، وقد سميّ بـ " حزب من طراز جديد ". و ادىّ من جهة اخرى الى بلورة ستالين اسس بناء الحزب على ذلك النمط في كتابه " اسس اللينينية " التي فرضها بشكل اكثر صرامة على احزاب الأممية الثالثة . . التي لم تتفق كلها معه، كالحزب الشيوعي الفرنسي، الإيطالي ثم الصيني و الإسباني و غيرها ، رغم احتفاظ الجميع بوحدتهم في الموقف من الصراع بين المعسكرين .
و يرجع آخرون تلك الصرامة الى تزايد حدة الصراع مع القوى الخارجية التي استشرست في صراع طويل ضد الإتحاد السوفيتي و انجبت عشرات المنظمات الأرهابية السرية على غرار جماعات المئة السود الأولى وغيرها للقيام بانواع التخريب على اراضيه . الأمر الذي ادىّ بتواصلها و تراكمها اضافة الى تراكم اخطاء و عوامل اخرى في بنائه و نشاطه . . الى نشوء التطرف و التعالي و شيوع روح العصمة من الأخطاء و بالتالي الى البيروقراطية الحزبية و الأوامرية الإدارية، و الخروج عن المنهج العلمي الديالكتيكي الماركسي، في مواجهة التطورات العالمية الفكرية و العلمية ، التكنيكية و المعلوماتية ، في العقود اللاحقة .    
و لايمكن باي حال اغفال ان ثورة اكتوبر بقيادة ف . أ . لينين استطاعت ان تحل مشاكل القوميات على اسس الأممية البروليتارية، التي اقيمت على الآليات التي وحّدت شعوب روسيا القيصرية في مواجهة الكولاك و سلطة رأس المال و القيصر ـ رغم ثغرات و نواقص ـ وحققت الكثير من المكتسبات للشغيلة، وحوّلت البلاد من دولة غلب عليها الطابع الإقطاعي الى دولة تسعى للكهربة و التكنيك والتقدم الصناعي، حتى وصلت و سابقت في الفضاء . . و صارت قطبا من القطبين الأعظمين اللذين توقف على مباراتهما و نتائجها مصير المئات من الدول و الحركات التحررية و الإنسانية .
حتى صارت سمة التحول من الرأسمالية الى الأشتراكية سمة معترفا بها في العالم ، وصارت الأشتراكية هي الأمل و حلم خلاص ملايين المحرومين من الظلم و الطغيان و الإستغلال الأقتصادي و الروحي و الديني في العالم في تلك الحقبة التاريخية. ففي منطقتنا العربية الشرق اوسطية صارت دور النشر العربية ومنذ ستينات القرن الماضي تتسابق على نشر المطبوعات الأشتراكية، بل وصارت كثير من الحركات القومية التحررية في الشرق الأوسط تتزيّن و تتمنطق بالأشتراكية (4) للوصول الى عقل و قلب الكادحين بصياغتها مصطلحات جديدة لم تعرف سابقاً : كـ " الإشتراكية العربية " و " الإشتراكية الرشيدة " ، اضافة الى حركات اسلامية كبيرة غدت تتحدث و تفسّر " اشتراكية النبي محمد " ، " اشتراكية امام المتقين علي " ، " اليمين واليسار في الأسلام " و وصل الأمر الى الإعلان عن نشوء المنظمات " الإسلامية الإشتراكية " التي كادت احداها ان تصل الى الحكم في ايران في انتخابات مطلع الثمانينات من القرن الماضي (5) .
الأمر الذي لم يكن بمعزل عن مواقف الإتحاد السوفيتي من قضايا نضال الشعوب و الدول العربية و عموم البلدان النامية ، و دعمه ايّاها من اجل تحقيق حقوقها العادلة و نجاحها في صراعاتها ضد السياسات الأمبريالية و الأحتلال و النهب و التمييز و اشعال الفتن القومية و العرقية و الطائفية . ( يتبع )

7 / 11 / 2009 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع سياسة الأصلاح المقترحة من لينين لحل الأخطاء ، المعنونة بـ " السياسة الإقتصادية الجديدة ـ النيب " .
2.   اشارت الإحصاءات الرسمية السوفيتية في نهاية الحرب العالمية الثانية الى خسارة الأتحاد السوفيتي اكثر من 10 ملايين انسان جلّهم من الشباب، فيما كشفت معلومات احدث في عام 1990  عن خسارة اكثر من 20 مليون انسان، اضافة الى عشرات المدن الكبرى المخرّبة وآلاف المدن الصغيرة و القرى، اضافة الى الخسائر اللوجستية الهائلة في كل نواحي الحياة .  
3.   بعد ان جرت محاولات في بلدان اخرى و فشلت . .  
4.   رغم التحوّل الحقيقي ايضاً ، الذي جرى في عدد منها .
5.   منظمة مجاهدي خلق في عام 1981 التي وثّقت حتى وقتذاك نضالها على منهج المادية التاريخية واختلافها مع المادية الديالكتيكية، لأنها تمس الدين، وفق تعبير وثائقها .


182
من اجل قانون احزاب وطني يصون البلاد !
 2 من 2
                                                                                          د. مهند البراك
 
و اضافة الى تصريحات " قائمة التغيير " الكوردستانية بأعلانها عن رغبتها في المشاركة في الإنتخابات النيابية العامة ضمن اطار قائمة انتخابية عراقية، و رغم تنوع تصريحاتها لاحقاً ، و التقديرات المتنوعة حول " قائمة التغيير" ، و التي تتراوح من .  .  كونها مشروع يأتي في محاولة لأمتصاص و تجيير مطالب و تذمّر اوساط شعبية كردستانية، و الى كونها مدعومة من اطراف نافذة في الإدارة الأميركية، تؤكد على ان دعم الإدارة الأميركية للمشروع الكوردستاني في العراق هو ليس غير محدود و ليس بلا مقابل، و انما محدد بتحقيق الحقوق القومية المشروعة ضمن اطار عراق اتحادي موحد يحقق " استقراراً" لمصالحها و رضاءً للشعب عن حكّامه في الإقليم، في المرحلة الحالية على الأقل، ليساعد على تعجيل انسحاب قواتها من عموم البلاد و على تقليل نفقاتها على قواتها  . . كما هو موقف الإدارة الأميركية من عموم مؤسسات الحكم في العراق اليوم .
في ظرف يرى مراقبون فيه، ان الوضع الذي وصل تمزّق البلاد اليه ، هو الذي جعل مواقف القوى العربية العراقية و مكوناتها الطائفية المتنفذة اليوم ، تتأثر بحركة و مواقف دول المحيط الإقليمي النابعة من مصالحها و ستراتيجياتها .  .  و هو نفسه الذي يجعل مواقف القوى الكوردستانية في العراق تتأثر بذلك . . لغياب او ضعف تأثير فاعلية و قوة الكيان العراقي الإتحادي الموحد  . . اضافة الى التأثيرات الخطيرة لسمة الصراع الضاري على الزعامة و النفوذ و المكاسب الفردية، السمة التي تبرز عموماً في البلدان النامية من جهة، و التي لا تزال تزداد في العراق و كوردستان من جهة اخرى، لأسباب لايتسع المقال لشرحها .
و رغم كلّ ذلك .  .  الاّ ان التشجيع الذي يتركه الإعلان عن وجود رغبات متنوعة في المشاركة في الإنتخابات بقوائم عراقية ، عربية ـ كوردية ، بين اوساط شعبية غير قليلة عربية و كوردية و من انواع الطيف العراقي و خاصة بين الأكثر ثقافة و تجربة منها ، رغم الظروف القائمة التي تتصاعد فيها الشوفينية و الأنعزال القومي و الحذر من شبح الشوفينية الصدامية . . يثبت مجدداً عمق الترابط الوطني العراقي ، العربي الكوردي . . الترابط المجرّب الذي به تحققت انتصارات كبيرة للقضية الكوردية و لعموم الشعب العراقي بكل مكوناته، في مواجهة التحديات على مرّ عقود القرن الماضي من تاريخ العراق القريب، وفي مناخات دولية واقليمية لم تكن تتسم بالثبات ايضاً في دورها و تأثيرها على البلاد .
ان قانون الأحزاب المزمع اقراره مطالب بالعمل على اجازة و تشجيع الأحزاب التي تناضل من اجل حق البلاد بالأستقلال و بالعيش بسلام بدولتها الإتحادية الموحدة، ومن اجل توحيد صفوفها بكل الوانها و توحيد كلمتها في المرحلة المعيّنة و تقوم على اساس التآخي و روح الهوية الوطنية العراقية الجامعة، مهما كان الأنتماء القومي و الديني و الطائفي ، بعيداً عن الشوفينية و العرقية و روح الأستعلاء القومي و الطائفي ، بالأستناد الى تراث البلاد الحضاري و تأريخها القريب الزاخر بالحياة السياسية و بنشاط و ادوار الأحزاب العراقية القائمة على اساس الأنتماء و الهوية الوطنية العراقية بمكوناتها . . لتصحيح مااورثته الدكتاتورية و ماتركه الإحتلال و نظام المحاصصة .
بعيدا عن تفاصيل التعجيز التي تطرح رسمياً، كشرط البطاقة التموينية ـ الذي تستطيع ترتيبه جهات طائفية متنفذة بجرّة قلم لمواليها ـ و قضية سن الترشيح التي تعيق تفعيل دور الشباب، اضافة الى وجود جهود محمومة تسعى لمنع صدوره اصلاً ، بتأجيله المتكرر !! . . في ظروف يصفها مراقبون ببداية تحسّن مناخ اميركي ـ ايراني يوظّف لإعادة تقسيم النفوذ في المنطقة و البلاد، و تتصاعد فيها دعوات لأقامة حكومة طوارئ لتحقيق او فرض مصالحة من نوع جديد ، كما تتناقل الأنباء عن اسطنبول  .  . وفق كثير من مصادر الأنباء . 
و يرى سياسيون و مراقبون عديدون، ضرورة صياغة القانون ليحدد مفهوم الوطنية و مفهوم الأنتماء الوطني بمكوّناته، و كيفية توظيفه الإنتماء القومي و الديني و المذهبي بعيداً عن التفرّد الضيّق لها، وان الهوية الوطنية العراقية هي محصلة تفاعل هوياته التي لم تأت من فراغ و انما من عراقة حضاراته و مكوّناته الحيّة، على مدى قرون و منذ القدم كما في الصين و الهند، ايران و تركيا و غيرها  .  . و من اجل تعددية بنّاءة ، تطلق طاقات الشبية الحيوية التي لايمكن الأستغناء عنها من جهة . . و طاقات المرأة نصف المجتمع، الضرورية لأي مشروع متحضّر في عالم اليوم، من جهة اخرى .
و ان تشريع القانون و السهر على تطبيقه مع اجراءات اخرى على ذلك الإتجاه، تشكّل الضمانة الأساسية لوحدة البلاد و قوتها و عزّها ، و الأساس المتين لأستعادة حقوقها في ثرواتها الطبيعية من نفط خام و معادن و ماء . . و يشكّل اساساً صلباً للسير معاً لإنهاء انواع الأحتلال و النفوذ . . و لتقدم البلاد بمكوناتها باعتماد النزاهة و كفاءات العراقيين بغض النظر عن انتمائهم القومي، الديني و المذهبي . . (انتهى)

10 / 10 / 2009 ، مهند البراك


183
من اجل قانون احزاب وطني يصون البلاد !
1 من 2
                                                                                       د. مهند البراك

تتهيأ البلاد للأنتخابات العامة وهي في حالة تكشّف فيها الكثير و الكثير، فبعد مرور سبع سنوات على سقوط الدكتاتورية اثبتت المحاصصة الطائفية و القومية بما لم يعد يقبل مجالاً للشك  فشلها، وكونها لم تشكّل بديلاً لما طمح و ناضل الشعب العراقي بكل اطيافه من اجله في الخلاص من الدكتاتورية، و من اجل الحرية و الديمقراطية .
بل و تصاعدت الى المقدمة، اضافة الى الإحتلال و الهيمنة المتنوعة لأكثر من طرف اقليمي . . قضية وحدة البلاد و سلامتها و الحفاظ على الكيان العراقي الذي صار يعاني تمزقاً لاينقطع، بعد ان تحوّلت البلاد الى شبه اقطاعيات طائفية و عرقية مسلّحة، و بعد ان صار ارثها الحضاري و مقومات كينونتها و دولتها في مهب الرياح . . رغم نجاحات متقطعة بذلت فيها جهود غير قليلة، الاّ انها لاتقاس بحجم النزيف المستمر طيلة السنوات السبع .
لقد اثبت اسلوب المحاصصة بكونه علاج فاشل باهض التكاليف، حذّرت منه مبكراً قوى ديمقراطية و علمانية متنوعة . . رغم غموضه و جاذبيته الخارجية في البداية، لبعض من الأوساط السياسية ، و رغم تصوّر البعض الأخر له بكونه حلّ لمواجهة روح الهيمنة لطرف او مكوّن عراقي على مكوّن آخر، الروح التي عزّزتها و اورثتها الدكتاتورية البائدة، التي تسببت بانعزال البلاد و وعيها عن التطورات المتسارعة و المحتدمة في العالم .
 حتى صارت المحاصصة هي التي تعيق انهاء الإحتلال، بعد ان صارت جسراً لأنواع التدخلات الخارجية الدولية و الإقليمية، و صار الأحتلال و كأنه هو الذي يحافظ على وحدة البلاد، بعد ان تسبب الإحتلال و الصراع الدولي الإقليمي بفرض سيرها على سكة المحاصصة التي ابتناها، و بدور فعّال و بحماية شركاته العلنية و السرية وفي مقدمتها " بلاك ووتر " سيئة الصيت .     
و فيما اثبتت السنوات السبع الماضية فشل نظام المحاصصة الطائفية و العرقية و مكوناته و مؤسساته . . يتزايد الطلب على المشروع الوطني ، القائم على اساس الإنتماء الوطني و الهوية الوطنية العراقية بفسيفسائها المكوّن، الذي شكّل و يشكّل البديل الواقعي المجرّب لوحدة البلاد و لحماية حقوق و تفعيل دور مكوّناتها في الحياة السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية . .
و من اجل حلّ المطالب الحياتية لأوسع الفئات الشعبية العراقية، و لمواجهة الفقر و التشريد و الضياع الأقتصادي، الإجتماعي، الثقافي و الفكري ، بإعادة البناء الفعلي للدولة العراقية و للكيان العراقي، القادر على التعامل مع مشاريع الهيمنة الدولية و الإقليمية ، التي تتفاقم مخاطرها و وصلت حدودا خطيرة في تهديدها للأسس الأولية للحياة البشرية في عالم اليوم . . الأمن ، الطعام ، الماء ، العلاج ، دع عنك الكهرباء و الوقود و العلم و الثقافة . . اضافة الى شريان الحياة الإقتصادية الأساسي و الدائم لحد الآن للبلاد ، النفط !!   
   و يرى العديد من المحللين و المراقبين ، ان حياة المواطن العراقي الصعبة رجلاً كان او أمرأة ، عربياً او كوردياً او من قومية اخرى، مسلماً او مسيحياً ، ومهما كان مذهبه .  .  هو الذي يدفع الى الحراك السياسي الذي تشهده البلاد، و هو الذي يدفع الأوساط الطائفية و العرقية المتنفذة الى محاولتها تحسين خطابها السياسي، بتطعيمه بالمشروع الوطني، بعد ان فقدت و تفقد الكثير من مصداقيتها امام حتى جماهيرها هي، بعد ان طال الفساد الإداري والسرقات الكثير اللامحدود و بعد ان خلقت الصفقات غير المعلنة فئات وصولية و طفيلية تتلاعب بملايين و مليارات الدولارات فيما تتهالك سفينة البلاد، و بالعاملين على ادامة سيرها . 
   وينبّه خبراء الى ما كشفته نتائج الأنتخابات الكردستانية الأخيرة، فانها اضافة الى تحسّن آليتها رغم استمرار ثغرات بعينها، فإنها كشفت ان الأحزاب و المطالب القومية المشروعة لايمكنها ان تجمد على وضع ساكن، بل ان تلك الأحزاب و المطالب تتطوّر و تتغيّر بمدى تحقيق تلك الأحزاب بعد وصولها للحكم(*) لتقدم ملموس في حياة المواطن الفرد كوردياً او كلدوآشورياً ، تركمانياً او عربياً او يزيدياً في منطقتها القومية، رغم نجاحها بتحقيق درجة من الأمان و الإنفتاح افضل مما في مناطق البلاد الأخرى . و قد دلل على ذلك  ظهور واضح لقائمتي " التغيير " و " الخدمات و الإصلاح " اللتين تعلنان عن تبنيهما وان باشكال و بتقبّل و ردود افعال متنوعة  . . لمطالب كوردستانية شعبية موجودة و متزايدة . .  (يتبع)

7 / 10 / 2009 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) وصولها للحكم في عموم البلاد وفي منطقتها القومية .


184
الأربعاء الدامي . . و الديمقراطية ؟

                                                                                        د. مهند البراك
اسفرت الأحداث المؤلمة في عراق اليوم عن اربعاء دموي مؤلم جديد في العاصمة بغداد ، بعد مرحلة تراجعت فيها حوادث العنف الى درجة محسوسة. و تتصاعد الإتهامات المتبادلة من جهات الى اخرى حتى قبل وصول التحقيق الى نتيجة ملموسة ما، وفي مرحلة و حالة كثيرة الإلتباس و الغموض و التداخل، يلقى فيها كلّ شئ على " الإرهاب " دون تعريفه و تحديده بدقة و دون الإنتباه الى ان مكوناته و اتجاهاته لا تبقى على حالها ، وانما تغيّرت و تتغيّر طيلة سبع سنوات مرّت منذ سقوط الصنم ، في بلد صارت فيه سلوكيات الأرهابيين تتلبس عديدين  من اطراف عراقية ، عدد منها مقرر في الأحداث و في مسيرة البلاد  .  .  سواءاً خارج او داخل ( العملية السياسية ) و مؤسساتها، وفق تتالي الأحداث المفجعة ، و وفق العديد من وسائل الإعلام العراقية والإقليمية و الدولية . .
حتى فقدت شعارات " الديمقراطية " و " التحرير من المحتلين " معانيها، وصار المال و التمويل و الفساد الإداري سلاطيناً ، و المتحذلقون و الطبّالون و المرتزقة المسلحون الجاهزون عند اي طلب ، عبيداً مطيعين، لمن يدفع اكثر . . بعد ان تراجع تأثير المبادئ السامية الداعية الى سلامة و رفاه البلاد و الشعب على حملة السلاح، و بعد ان صار الإرتزاق يسير متسيّداً ، في مرحلة عزّ فيها الماء و الكهرباء، و تزايد فيها الفقر .  .  وسادت فيها القوارض على اكوام المزابل .
   و يرى عديد من المراقبين في ذلك الخضم المتلاطم ان هناك تغييرات و تطورات تسير على طريق الحسم بأي ثمن لمن يريدها كما يبدو ، لأسباب  .  .  تزايد عزلة نظام المحاصصة الطائفية و العرقية و تزايد عزوف الناس عن الطائفية و هم يعيشون نتائجها المدمّرة و نتائج احتضانها لمجرمي الأمس المتلونين .  .  تصدّع (الائتلاف الشيعي) الحاكم حتى الآن ، لصالح الإبتعاد عن السياسة و الأهداف الإيرانية ، حيث تنخفض شعبية المجلس الأعلى الإسلامي بشكل متواصل ، و نتائج انتخابات المجالس المحلية الأخير مثال ساطع على ذلك .  .
تغيّر الخارطة السياسية في كوردستان العراق كما دللت نتائج الإنتخابات الكوردستانية الأخيرة ، و تصاعد و تصعيد الأفكار الشوفينية و القومية الإنعزالية التي ادّت الى ارسال القوات الأميركية ، قواتٍ اضافية منها الى مناطق التماس مؤخراً، في محاولة لمنع تصاعد العنف و التهديد من ان يتحوّل الى قتال قومي جبهوي . . تسعى اطراف اقليمية و داخلية له .  .  .
   تصاعد الأصوات الداخلية و الإقليمية المشجعة لمشاركة الأطراف (السنّية العربية) ـ وفق تعبير المحاصصة الطائفية ـ ، بعد ان حققت عشائر غرب العراق انتصارات كبيرة على القاعدة و هزمتها، و اثر تزايد افتقادها في العملية السياسية ، ثم اثر اللقاء الأميركي مع  اطراف هامة منها في مؤتمر انقرة  . . الأمر الذي اثار و يثير ليس الأطراف الإيرانية المتشددة فحسب ، و انما اخذ يثير اطرافاً من داخل العملية السياسية ذاتها ، سواء كانت شيعية ذات توجه ايراني ، او اخرى تسعى لبناء جسور مع سلطة القرار في ايران ، في خضم صراع زعامة داخلي على امتيازات و حصص اكبر .
   من ناحية اخرى يشير محللون الى إن سياسة ادارة اوباما في سعيها للتفاهم مع حكومة احمدي نجاد ، على اساس اعترافها بدور ايراني اقليمي اكبر في المرحلة الراهنة، مقابل تنازلات في البرنامج النووي الإيراني . . و تحركها السياسي الأنفتاحي في المنطقة و الذي يلاقي ترحيباً سورياً قد يؤدي ـ بنظر سلطة الفقيه ـ الى تزايد استقلالية القرار السوري عن القيادة الإيرانية ، في ظروف انفتاح سوري جديد  على الحكومة العراقية ، في وضع عراقي يميل للأبتعاد عن فلك ولاية الفقيه في ايران . .
كل ذلك و غيره اخذ يزيد قلقاً و مخاوفاً لدى قيادة ولاية الفقيه التي تشعر انها قد تفقد ملفات داعمة لها لدى الحليف السوري ، و تفقد مواقع هامة من مواقعها القوية في العراق في وقت واحد ، في ظروف محنة داخلية تعصف بحكم ولاية الفقيه ، اثر نتائج انتخابات الرئاسة الإيرانية التي تحدّتها و ادانتها اوسع الأوساط الجماهيرية الإيرانية .
   و على ذلك ، يرى خبراء ان الدوائر الإيرانية المتشددة ـ و في مقدمتها فيلق القدس الفاعل في اجهزة الدولة العراقية ـ  و التي عرفت باستعدادها للتلون و للدفع بسخاء لمن يساعدها على تحقيق اهدافها سواء التاكتيكية منها و الموقتة ، او الستراتيجية ، مهما كان . . هي التي تقف وراء مذبحة الجادرية، بشكل مباشر او غير مباشر .
من جهة اخرى فإن مايجعل الصورة غاية في التعقيد ، هو ان الأطراف المتصارعة المعنية في المنطقة ، تتفق مع بعضها في اجندة و تختلف و تتصارع في اخرى ، و لكل اجندة دوائر .  . فان الدول المعنية بملف القضية الكوردية مباشرة مثلاً، كايران و تركيا و سوريا اضافة الى العراق ، تلتقي بدوائرها المخصصة لذلك و تسعى لتقاسم الأدوار حيالها، الاّ ان ذات الدول اضافة الى الدول العربية الجارة الأخرى تختلف بينها على اجندة المحاصصة الطائفية و العرقية ، و كذا على اجندة النفط و المياه و تحقيق الأرباح من السوق العراقية .
و تختلف و تتفق على اجندة اخرى، في قضية حجم و شكل و تزامن وجود القوات الأميركية ، ذات التأثير الفاعل المتنوع في المنطقة ، مقابل التأثير الإيراني لسلطة ولاية الفقيه فيها، الساعية الى جعل العراق ساحة للمقايضة مع الأميركان على مفاعلها النووي، سياسياً بسعيها لتوثيق علاقاتها مع دول المنطقة و تلبية مطالبها باللين و المساومة، و عسكرياً بسعيها للتعامل مع كل الكتل المسلحة و الأرهابية  ـ من فلول الدكتاتورية الى القاعدة و غيرها .  . و غيرها من المشاركة في العملية السياسية  ـ في مواجهة القوات و الإدارة الأميركية .
و ينبّه اخرون الى وجود اهداف ستراتيجية اكبر ترمي الى ابقاء الأميركان الساعين الى (انسحاب مشرّف)، لأسباب لايتسع لها المقال .  .  و تشترك فيها اطراف متنوعة ، عدد منها اقليمية ترفع شعار الموت لأميركا ، لأهداف تخص سياستها و تسويقها داخلياً ، اضافة الى  اطراف من العملية السياسية ذاتها عربا و كورداً .  .  في معادلة كثيرة التعقيد تقوم على محاولة الأستئثار بكرسي الزعامة و الوجاهة ، تحقيق و زيادة و حماية مصالح ضيّقة ، و لو على مراحل  .
و توظف الأطراف تلك حالة الإرتزاق التي صارت تعمّ الساحة ، بسبب استمرار ضعف الكيان الوطني الداخلي ، منذ فقدان الحريات في زمن الدكتاتورية ، الحروب و الحصار ، و الى الغزو الأميركي والأحتلال واستمرار الحكم العسكري و التقسيم الطائفي للبلاد على اساس المحاصصة الطائفية و العرقية و النشاط الأرهابي المتنوع الدولي و الداخلي . . ان الظروف الصعبة التي يعيشها العراقيون و تفجيرات يوم الأربعاء الدامي و ضحاياها الأبرياء، و التي حصلت باسلوب تظاهرة دموية ارهابية عنيفة غطّت رقعة واسعة متنوعة المذاهب و الأديان من احياء بغداد على ابواب الإنتخابات الرئاسية المقبلة .  . تحمل دلالات فاجعة تقول :  عن اية ديمقراطية يتحدثون ؟ !


22 / 8 / 2009 ، مهند البراك


185
" اي رقيب "
ـ من يوميات طبيب مع البيشمركةالأنصار ـ

الجزء الثاني




   صدر عن دار " سردم " للطباعة والنشر ـ القسم العربي ، للشاعر الكوردي المعروف الأستاذ شيركو بيكه س . . الجزء الثاني من كتاب " اي رقيب " ـ من يوميات طبيب مع البيشمركةالأنصار ـ " للباحث د. مهند البراك . بعد ان صدر الجزء الأول و نفذ من الأسواق .
   وهي دراسة مسجلة بشكل يوميات وباسلوب الرواية التسجيلية . . التي يعبّر عنها الكاتب بكونها وفاءاً لنضال الأنصار الشاق والبطولي عرباً، كورداً، كلدوآشوريين، تركماناً، من سنة وشيعة ومن مسلمين ومسيحيين، ايزيديين وصابئة في كردستان الـعراق .  .  وكذكرى لمن ضحوا في سبيل الحريّة والديمقراطية وكرامة الأنسان في العراق وكردستان، في محاولة لتصوير الحقائق كما جرت بحلوها ومرّها، املا ان تضيف جديدا للتعريف بقضية نضال الشعب الكوردي وعموم الشعب العراقي في سبيل الحرية و العدالة الإجتماعية في عيش كريم .
   ويعبّر الكاتب عن تسجيله ماهو متأكد منه مساهمة ومواكبة طيلة ماقارب العشر سنوات، و من أطلاعه ومعرفته بالعديد من الوثائق والمقابلات والأحاديث الشـخصية مع أطراف القضية من مختلف المواقع والأتجاهات، لأعطاء صورة جهد  ان تكون منصفة، عن حياة البيشمركةالأنصار الصعبة . . معاركهم ودفاعهم عن الجماهير، فعالياتهم، معاناتهم وهمومهم واحلامهم، اضافة الى جهود الأسرة الطبية فيها من اطباء ومعاوني اطباء ومضمدين رجالاً ونساءاً وتقديمهم خدمات لاتعوّض ولاتقدّر بثمن في اخطر الظروف والمواقع . . 
        وتعبّر اليوميات عن الأوضاع الأجتماعية التي سادت آنذاك، وعن مآسي الحرب، وكيف حاولت الدكتاتورية مسخ المجتمع والأنسان والتقاليد الأ نسانية النبيلة، وعن وصفها الجانب الذي عاشه الباحث وعرفه من حياة ومعاناة الشـعب والأنسان الكوردي ؛ عاداته وتقاليده، وحكاياته، كشعب من شعوب المنطقه، ديست حقوقه، ويحاول بكل الجهود تثبيتها . . كجزء من حق شعوب المنطقة في الحياة .
   ولكونها محاولة لتسجيل وتوثيق ما جرى .... للأستفادة من دروسه، يسجّل هذا الجزء من الكتاب الأحداث التي جرت في كوردستان العراق للسنوات 1986 ـ 1988 والأنتصارات التي حققتها حركة المعارضة الكوردستانية وبالتالي عموم المعارضة العراقية للدكتاتورية بكل فصائلها . . حينما نجحت بتوحيد بنادقها وجهودها في ارادة لم تقهر. اضافة الى طرح ومناقشة العديد من وجهات النظر والأفكار والتقديرات في تلك الفترة.
   و بعد صدور الجزء الثاني من الكتاب . . يعبّر الكاتب عن ان الكتاب بجزئيه هو جزء من عمل اوسع يعمل على تحقيقه بذات الأسلوب لتوثيق مراحل ابكر من تاريخ المجتمع و الحركة الوطنية ولعديد من جوانب الحياة في العراق للسنوات العاصفة التي عاشها، منذ مطلع الستينات .
   تضمّن الكتاب اسماء العشرات من الشهداء و الشخصيات لأكثر من قوة سياسية مع نبذ عن حياتهم، وتضمّن ارشيفاً لصور وحدات الأنصار ووجوهها ولعدد من الفعاليات الهامة .

ويرجو الباحث مراسلته في سعيه للحصول على صور ووثائق اكثر وملاحظات وافكار اخرى و جديدة تغطي هذه الفترة وعموم التجربة . . مراسلته على العنوان الألكتروني التالي :

dr-m-ahmed@maktoob.com

يطلب من مؤسسة سردم ـ القسم العربي
السليمانية ـ العراق
تلفون 0096 440421 36654

186
هل تكمن العلّة حقاً في الشعب ؟!
2  من  2
                                                                                                 د. مهند البراك

و يجري تغيير الواقع الديموغرافي بالقوة المشفوعة بالإعتذار، و كان الأمر ( يحدث سهواً عن  قانون و اصول و ان هناك بعض الخروقات من بعض الجهلة الذين لاتخلو منهم اية عملية اعادة بناء ! ) ، لأن اضطهاد و مطاردة المسيحيين و الصابئة و اليزيديين بمختلف الأساليب، من التهديد و حرق المحلات الى الأغتيال، و بالتالي ارغامهم على ترك البلاد (اضافة الى التهجير الداخلي الديني و الطائفي المتنوع)، لا يزال يجري مستمراً لاينقطع منذ اكثر من خمس سنوات ، و يجري بحالات شبه فردية و لكن متواصلة و تغطيّ مناطق واسعة، حيث تجري في اماكن الأزمات المتحركة التي تتنقل ، و ان هدأت فإنها تعاود الألتهاب .
   و قد لايُخفى على القائمين و غاضيّ النظر و المشغولين بمشغوليات قد لا تنتهي ، تاثيرات ذلك على دول الجوار ، وكونه ادخل و يدخل العراق في الصراع الإقليمي الديموغرافي البشري الجاري في المنطقة بشكل خاص، و اخذ يلعب دوراً كبيراً في دور و مواقف دول الجوار من العراق شعباً و دولة باشكال متنوعة . . بسبب الأعداد الهائلة للاجئين العراقيين . . وفق تقارير مكاتب الهجرة العائدة للأمم المتحدة ، و وفق تقارير وكالات الأنباء الدولية و الأقليمية و العراقية .
   و يحذّر كثيرون من ان اوساطاً اقليمية ـ دولية تسعى لـ ( إعادة تكوين العراق ) وفق تشكيلة اثنية قومية دينية مذهبية جديدة (قديمة حديثة مناسبة ) تناسب خططها و امن مصالحها المتنوعة في المنطقة ، و تعلن ( اعذاراً !) تحقق عمولات لذلك . . الأمر الذي قد يهدد بتكوين هوية عراقية جديدة (1) وفق الفسيفساء الجديدة المنوي بنائها و اعادة صياغة تناسباتها . . و يهدد بتضييع التراث العراقي و بُعْده المتنوع الذي قامت عليه الهوية العراقية الغنية التي شكّلت دوره الهام في المنطقة ( رغم ما عاناه من انكفاء في سنين الدكتاتورية و الحصار )  . 
ان السعي لتغيير ماهية الهوية الوطنية ، في ظروف تطرح فيها اوساط متنوعة متنفذة ، بأن تفكيرها يدور حول تكوين ديموغرافي اثني ديني مذهبي عراقي جديد يتأثّر و يؤثّر في المنطقة، بما يشبه في حركته اعادة تكوين لما جرى في زمان الحرب العالمية الأولى و بعد انهيار الدولة العثمانية، بل و  ثأراً لما جرى آنذاك !! كما يطرح البعض . اضافة الى اعمال العنف المتنوعة المناشئ و الغايات كردود افعال لها ، و تنتهج نهجها عينه  باسم الدين و المذهب و العرق ، و المواقف المتنوعة للوجود الأجنبي المتعدد المشارك بما يجري، كلٌّ من زاوية مصالحه و غاياته ، غير مبالٍ لما يقاسيه اهل البلاد بالوان طيفهم كلّه . .
اضافة الى معاناة الناس وبالذات اوسع الأوساط الكادحة التي يصعب حصرها ، و هي تسعى لتفادي مخاطر العنف الذي استمر و عاد ينفلت مجدداً ( بعد تحسّنه النسبي )، و معاناتها من الفقر و الفساد و الرشوة و الأنانية و السرقات التي تملأ اخبارها و تفاصيلها و سائل الإعلام الداخلية و الخارجية بعد ان لم يعد من الممكن اخفاؤها . . و تسعى للعيش في ظروف البطالة و الغلاء و تزايد العمالة الأجنبية، و تواصل انقطاع الماء و الكهرباء و تفشي الأمراض و تدهور الخدمات الصحية، اضافة الى تزايد القوارض و الحشرات الضارة الناجم من استمرار خراب البنية التحتية و وسائل الصرف الصحي للمياه القذرة ، تزايد الجفاف و ظهور نتائج مدمّرة لخراب البيئة كالغبار الذي يصيب البلاد بكثافة لم تشهدها منذ اكثر من قرن من الزمان، الذي يجمع فريق كبير من علماء البيئة بانه اضافة الى عوامل الجفاف، فإنه نتيجة حتمية لعوامل دمار الماء و الشجر و الأهوار، ونتيجة حتمية لأنواع الأسلحة المحرّمة التي استخدمت في الحروب . . اضافة الى الخسائر الكبيرة في  معاهد و رجال العلم و الطب و المعرفة و الثقافة لأسباب لا يمكن حصرها . . و غيرها و غيرها .
هي التي تشكّل اسباباً هامة لنشوء و تفاقم حالات اللاأبالية التي يصل قسم في وصفه ايّاها ( بأن العلّة في شعبنا )، و يدعوها قسم بـ ( الشعب المدجّن ) الذي لايعترض !! و لا يطالب !! و هي و غيرها التي تؤدي الى انكفاء اوساط واسعة من النساء و الرجال و الشباب، و اعتصامها بالصمت لعجزها عن لعب دور ما ، و هي تتابع ما يجري في ( برلمانها المنتخب ) و ما يقدّمه نظام المحاصصة الطائفية العرقية .
ان حرف النضال السياسي و المطلبي و الإجتماعي عن اهدافة التقدمية، الى حالة لاتنتهي من العنف و الفوضى و اثارة الفتن و الخوف الذي صار لا يذكّر الأقليات بشكل خاص الاّ بمذابح الأرمن و الآثوريين و ماهية الأوراق و التلويحات و الأدوات التي لُعب بها حينها والتي أُسدل و يُسدل الستار عنها . . في ظروف تعاني فيها البلاد فيها من اختفاء دور الأحزاب الوطنية ـ القائمة على اسس و غايات وطنية ـ او ضعفه و اضعافه المتنوّع، مقارنة بالأحزاب التي تأخذ الطائفة و الدين والقومية (بالمفهوم الضيّق) ، دستوراً و مرشد عمل اصمّ لها ، (رغم تساقط اوراقها المستمر و تراكضها مؤخراً الى ترميم نفسها ترميماً و طنياً على حد وصفها) . . هو الذي يشكّل سبباً هاماً آخر لحالة الضياع المؤلم التي تعيشها اوسع الأوساط و يشلّها عن لعب دور ما ( رغم التحسّن الطفيف للأسف ).
و رغم مايجري من انجاز هنا و هناك . . الاّ ان المخاطر المدمّرة باعلاء هوية المذهب او القومية على الهوية الوطنية العراقية الجامعة والمؤلفة لكل الحقوق و المصالح ، تهدد حتى القليل الذي تحقق (2)، في وقت لم يعد خافياً فيه مايمر به من حملوا و يحملون الهوية المذهبية او القومية بمعانيها الضيّقة في الحكم، من تصدّع و صعوبات لاتهدأ امام تصاعد المطالبة بالسير تحت الهوية الوطنية و الإستجابة لحاجاتها، فمهما واجه عديدون وانحنى كثيرون للعواصف او اضطروا للهروب منها ، فهي لاتشكّل الاّ مظهراً خادعاً كاذباً للحقيقة الصامتة، حيث لايمكن تغيير المعدن الحقيقي للأنسان و قناعاته، لابالأرهاب و العنف، ولا بالمال  . . و لنا في التأريخ عبر كثيرة لاحد لتنوعها . . 
   لتبقى هوية العراق الوطنية خفّاقة، بعربه و كرده و تركمانه، باسلامه و مسيحييه، بسنّته و شيعته و سائر هوياته المكوّنة الأخرى من اجل السير بسفينة البلاد الى مرافئ تحقق الطمأنينة و الأستقرار و درجة من السعادة في اعادة اعمار و بناء البلاد . . كلّ البلاد، يشارك الجميع بها من كل الهويات العراقية رجالاً و نساءً و على اساس التساوي بالحقوق الإنسانية ، لتعطّش الجميع الى الأستقرار و السلم و الحياة الطبيعية بعد عقود الحرب و الحصار و الأقتتال و الإحتلال . . و لنا في دروس و عبر ثورة 14 تموز 1958 التي مرّت ذكراها هذه الأيام عبَر. (انتهى)

20 / 7 / 2009 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   او اكثر .
2.   القليل بالقياس الى الأرواح التي هُدرت، الملايين التي اجبرت على الهجرة و التي هُجّرت ومنذ زمان الدكتاتورية و الى الآن، المليارات التي انفقت و ضاعت و سرقت، و الى مصير البلد الذي وضع بكف عفريت ، و الى المليارديرية الجدد المتنوعين من الوان الطيف العراقي .




187
هل تكمن العلّة حقاً في الشعب ؟!
     1  من  2

د. مهند البراك

بدأت منذ فترة مشاريع للبحث في اسباب المشاكل المستعصية في بلادنا . . و توصّل فرقاء متنوعون من سياسيين، باحثين، مسؤولين و غيرهم الى ان السبب الأساس (كذا) يكمن في الشعب !! الشعب بكل الوان طيفه القومية، الدينية، المذهبية و طوائفه . و توصّلوا الى ان الشعب متخلف، همجي، قاسي، عنيف، وتوصّل بعضهم الى ان العنف متأصّل به !   
و بعيدا عن النبش و البحث عن عوامل الفرقة و العنف و منشأها و من ينفخ بها و يغذيّها و يؤججها عند الطلب و كيف، و بعيداً عن كيفية قيام دولة العراق الحديث مطلع القرن العشرين ، التي ضمت شعبا بألوانه سكن وادي الرافدين بعد ان عاش قرونا متفاعلا و متواصلا بمن فيه ، و بما احاطه و  أُجبر عليه ، و سعت كياناته الى التحرر من نير الطغيان و التجبر الخارجي و الداخلي ، و من نير ابناء غير شرعيين منه و آخرين تقووا عليه بحراب و اموال القوى الكبرى و الإقليمية .
و بعيدا عن تنظيرات الوحشية و العنف التي تكيل للشعب العراقي و لمكوناته كلّ على انفراد شتى التهم . . بكونه هو منبع القسوة و العنف و الوحشية او التنظيرات التي توصّلت الى نفس النتيجة في خضم الدعوة الى الهدوء و التآخي ، و لكن بقصور او باغفال علة العلل . . 
يرى العديد من المعنيين ، ان امراضه على صعوباتها ليست ابدية و لامستعصية ولا لاامل لها .  . وانها وليدة عنف و قسوة حكّامه و من وليّ عليه ، و انها وليدة صراع القوى الكبرى التي عملت و تعمل على طحنه و طحن مكوناته ، باشكال غاية في التنوع و في مسالك متعددة الأفلاك . . حريّة هنا بثمن يدفع هناك ، حرية هنا بجزمة هناك، انتعاش هنا و تحطيم و اعتذار هناك ، حتى فقد الإعتذار معانيه السامية و فقد مصداقيته امام قسوة و تجبّر و جفاف الواقع المؤلم . .
فمنذ حكم البطش لآل عثمان الذي دام قرونا ناهزت الخمسة ، مروراً بالأحتلال الأول ، ثم بحكم الجمهوريات الذي لم يدم ربيعه الاّ بضع سنوات عمر الجمهورية الأولى التي انجزت و نحتت الطريق للحقوق بالأنتماء للوطن ، ليصل الحال الى حكم الجمهورية الدكتاتورية الدموية بعقودها الأربعة التي اخّرت البلاد عن ركب المنطقة و العالم ، و التي لم تؤدِّ الاّ الى الإحتلال الثاني و الى المزيد من التمزّق، و الى اتخاذ رايات العِرْق و الدين و المذهب و القومية . . رايات مؤلمة في مسرحيات دماء و خوف و حرائق و اقتلاع اصول و ( تطهير عرقي ) . . طغت على حق المواطن العراقي اي كان لون طيفه و جنسه، و طغت على حقوقه بالعيش الكريم بل و صارت تطارد حقه في الحياة في بلاده و على ارضه كباقي الخلق في كل العالم . 
و على مرّ السنين ورغم شيوع و اشاعة السلاح و الأموال و الجريمة و الفتن و اعمال الظلام و طغيان الإعلام التابع . . و السعي لخلق حالة دائمة من الظلم العرقي و القومي و الديني و المذهبي و الأنتقام ، في سعيّ متواصل لخلق دوّامة قد لاتنتهي تنسي الجميع ان الكل عراقيون و هذه ارضهم و بلادهم . . لإبعادهم عن المكامن الحقيقية للمشاكل التي تتمحور في النفط و الأمن و الأطماع الخارجية و قضية المشاكل الطاحنة التي تعيشها اوسع الأوساط العراقية الكادحة بملايينها ، بعربها و كوردها واقلياتها الدينية و القومية، بسنّتها و شيعتها ، بمسلميها و مسيحييها و صابئتها و يزيدييها . . 
لقد سار شعبنا العراقي بكل هوياته القومية و الدينية و المذهبية والفكرية ، باحزابه الوطنية التي صاغت مواقفه و مطالبه الوطنية و القومية و المذهبية وفق حاجاته اليومية و تطلعاته الى حياة افضل . . وتحت الهوية الوطنية الموحدة للهويات القومية و الدينية و المذهبية ، التي اتخذتها هوية للحرية و الكرامة و الواجبات بالحقوق للجميع مطالباً، و حققت بها نجاحات حقيقية على طريق الحرية و العدالة الإجتماعية و التآخي ، و من اجل حكم وطني عراقي تقدمي . . الاّ ان التلاعب و تقافز شتى المصالح على هوياته الذي لا يصعّد الاّ الظلم لمجموع الشعب المنتمي الى الهوية الوطنية العراقية العربية الإسلامية المتآخية مع الهويات الوطنية الأثنية و الدينية الأخرى، وفق دستور و طني مدني .
و يرى متخصصون ان المأساة تأتي من المحاولات التي تتواصل و لا تنقطع لعارفين و في قمة القرار، لتغيير الواقع الديموغرافي البشري للبلاد التي مارستها الدكتاتورية السابقة، والتي اخذت تتواصل لا لإيجاد حلول لما قامت به الدكتاتورية و لإنصاف ضحاياها، و انما تتواصل كنهج ( ناجح ) بتقديرهم ، لحل مشاكل القائمين عليه و لتطبيق خطط بالتهجير و التوطين تعمل لها دوائر كبرى اقليمية و دولية ، مستغلة بعضهم و مستغفلة آخرين . (يتبع)


18 / 7 / 2009 ، مهند البراك

188
عيدك للشعب . . افراح وآمال !
 ـ  5 ـ 
            
                                                                                د. مهند البراك
                                                                          ahmedlada@gmx.net

   عندما وصلت سيارة الأجرة التي استقليّناها الى بغداد، الى سيطرة " الدورة " عصر ذلك اليوم ، كان من الواضح ان الأستعدادات و المظاهر العسكرية في بغداد ، قد ازدادت كثافة بالمقارنة مع وقت مغادرتنا ايّاها، و كانت التفتيشات اكثر دقة ، عند السيطرات التي ازداد عددها عن السابق .  .
   و فيما كُنّا نغادر السيارة قرب ساحة المتحف مقابل " المحطة العالمية " قبيل الغروب ، شاهدنا رتلاً طويلاً من محتجزين وسجناء ، كانوا يسيرون اثنين اثنين بجامعات يد جمعت كل اثنين معاً .  .  كانوا حليقي الشعر و بملابس صيفية غلب عليها اللون الخاكي و الأبيض المترب، و كلّ يحمل مايشبه الكيس الذي ضم حوائجه .  .
   و كان عدد من المعتقلين المساقين ، يلوّحون باليدين المكبلتين معاً الى عدد من العوائل التي تجمعت لرؤية و وداع ابنائها، فيما بدى على قسم من العوائل الإجهاد والتعب من طول الإنتظار .  . وفجأة لاحت لنا السيدة الموصلية " زكية ـ ام نزار " التي جاءت مع ابنتها و خطيبة ابنها البكر الملازم اول " نزار " ، لرؤية ابنها الذي فقدت كل اثر عنه منذ يوم الأنقلاب !!
   و فيما كانت الوالدتان الجارتان لسنين طويلة مضت  .  .  تتعانقان ، و كانت ست " زكية " التي بانت على وجهها غضون حادة عميقة بشكل مبكر تقول بلهجتها الموصلية بانكسار :
ـ عسى ان يسعفنا الحظ هذه المرّة و ارى ابني الحبيب " نزار "  .  .
صاحت ابنتها مقاطعة ايّاها :
ـ  امّاه ها هو .  .  ها هو .  .  ها هو نزار !! 
و نادت على صفّ المعتقلين بصوت اعلى :  نــــــــــــــــــــــــــزار !! نــــــــــــــــــــزار !!   
التفت الملازم نزار الى مصدر الصوت المنادي عليه و كأنه كان ينتظره ، و ردد و هو يُجبر على الإسراع بالسير فيضطر ان يدير رأسه الى الجانب ثم الى الخلف :
ـ امّاه . . بخير ! بخير !! سلّموا ع الوالد !! ـ و بنظرة خاطفة الى خطيبته التي كانت عيناها تلتمعان بشدة و كأنهما كانتا تصيحان  .  .
صاح مخاطباً ايّاها :  سنلتقي  .  . سنلتقي !!!
وصاح رفيقه بالجامعة :
ـ خبّروا اهلي  بـ " الدوّاسه " (1) .  . كوركيس حنا بخير !!!!
.    .    .    .
لم يكن واضحاً الى اين يُساقون ؟ هل كانوا يساقون الى نفس درب " قطار الموت " ام هل كانوا تكملة له ، لم يعرف احد سوى انهم كانوا يساقون الى قطار متّجه للجنوب و كان القطار ينتظر على سكّة خارجية لا تنتهي كما تنتهي السكك عادة عند ارصفة محطة الركاب ، حيث كان المعتقلون يساقون تحت حراسة عشرات المسلحين من الحرس القومي، ومن الجنود و المراتب الذين كانوا يبدو عليهم التعاطف مع العسكريين المعتقلين و المساقين ، و كان ذلك واضحاً من تسلّط افراد الحرس القومي و سلاطة لسانهم و شتائمهم البذيئة في تعاملهم مع الجنود المسلحين المكلّفين باعمال الحراسة و المرافقة معهم .
.    .    . 
.    .    .
و رغم عدم نجاح انتفاضة معسكر الرشيد .  .  فإنها تسببت بتصاعد معنويات العسكريين المعتقلين و اكّدت لهم  .  . ان هناك من ينتظرهم و يعمل لهم ، و من جهة اخرى فإنها تسببت بتزايد آمال الناس بان زمن الخلاص من الإرهاب قريب !! و كانت تتناقل بلهفة اخبار الحزب سواءً بياناته التي اخذت تقّل بسبب احتراز منظماته  .   . او الأخبار التي كانت لاتنقطع عن نضال وحداته و رفاقه البيشمركةالأنصار في جبال كردستان ، وفي ارياف الفرات و الجنوب .   .    .  من ناحية اخرى تصاعد القمع الوحشي و تواصلت الإعتقالات على وتيرتها و باساليبها الوحشية الأولى ، رغم اطلاق سراح بضعة آلاف من الذين اعتقلوا في الشهور الأولى . 
.    .    .
.    .    .
في حوالي اواخر آب  1963 اعلنت اذاعة (صوت القوات المسلحة من بغداد) عن ( اعدام  المجرمين جمال الحيدري و محمد صالح العبلي و عبد الجبار وهبي ، بتهمة الإخلال بأمن و سلامة المواطنين ، وفق المواد .  .  من قانون العقوبات البغدادي) .   .  و تسبب ذلك الأعلان بحالة حزن و الم جديدين، كانا واضحين في الأحياء الشعبية  .  .  لقد كانت الناس تعرف ان الشهداء الثلاثة ، كانوا هم المركز القيادي في بغداد حتى ذلك الوقت!! المركز الذي واصل العمل بجسارة و سريّة كبيرتين و بوجود و حضور كانا يحملان الف معنى و معنى  .  . للشعب من جهة ، و للأنقلابيين المتنمرين من جهة اخرى !
.    .    .
.    .    .
   لقد اتّسعت فضيحة حكم البعث عالمياً .  .  بنشاط منظمات الحزب و اصدقائه و مؤازريه الذين كانوا يوصلون اخبار و احوال الشعب العراقي و انينه و تحدياته ، و لعبت اذاعة " بكيّ ايران " العائدة لحزب " توده ايران " دوراً هاماً في حملة التضامن و في نشر الأخبار اليومية التي كانت اوساط واسعة تتناقل اخبارها، التي لعبت دور المشجّع و المساعد على لمّ الصفوف .  .  رغم سريّتها و بثّها الذي لم يكن يتجاوز العشرين دقيقة بعد ظهر كل يوم ، و رغم التشويش الذي كان يطغي عليها  .  . الاّ ان الناس كانت تسمعها و باقصى درجات التكتم !! 
   في وقت اخذ فيه الأستياء مما قام به بعث 14 رمضان من مذابح و جرائم شنيعة ، اخذ يعمّ الأنظمة العربية التحررية و غيرها .  .  لأن ما قام به في تصديّه للحزب الشيوعي و محاولته الغبية لإنهائه . . ادى به الى الدخول في معركة اخذت تتسع لتشمل اوسع فئات و طبقات المجتمع و قواه ، الأمر الذي اثار انواع المشاكل و الأزمات بين فئات الشعب وصولاً الى افراد العائلة الواحدة بسبب الأستنكار و الرفض لأعماله . .
.    .   .
.   .   .
   لقد ادّت سياسته الإجرامية تلك اضافة الى فشل مشروع الوحدة الثلاثية الذي اريد له ان يكون
( ثورياً ) ، الى انه لم ينتج الاّ علماً واحداً ثلاثي النجمات ، و انهار مشروع البعث في ( الوحدة الفورية) الذي كان يزايد به .  .  تحت طائلة جرائمه ، و وصل الأمر الى ان دولتين عربيتين منه غيّرت اعلامه ـ اعلام المشروع ـ  (2) ، عدا الحكومة العراقية حتى اللاحقة منها ، لأنها لم ترَ فيه الاّ علماً لمعاداة القوى الديمقراطية و الحركة التحررية الكردية ، لأنه مثّل سياستها .  .
   و استمر الصراع على كعكة الغنائم الدامية ، وعلى الزعامة  .  . فيما تزايدت لقاءات الأقطاب و وصلت الى ان تكون زيارات مكوكية و لقاءات  .   .  في بغداد و دمشق و القاهرة  .  .  عفلق ، زعيّن ، حازم جواد ، علي صالح السعدي ، ممثلين عبد الناصر . . عارف . . وسط حماسيات و تهاليل اذاعة بغداد
آنذاك بـ  : " وطن تشيّده الجماجم و الدم     تتحطّم الدنيا و لا يتحطّم " و اغاني .  .  " امجاد .  . يا عرب امجاد !! " ، " جيش العروبة يابطل الله معك !! .  .  "
.    .    .
.    .    .
بدء احتكاكات اخذت تتصاعد و وصلت الى الإصطدام المسلّح ، بين القوات المسلحة الحكومية و في مقدمتها " الجيش العراقي "  .  . وبين قوات الحرس القومي التي صارت تتسلح بالسيارات المدرّعة و الدبابات و فرضت قراراً بان يكون عدد من طائرات القوة الجوية تحت امرتها . لقد عبّرت وحدات الجيش عن تذمرها من قيادة شباب طائش متهوّر يسوقوها بقوة القرار الحزبي لضرب الشعب و للأنتقام من ضباطه و مراتبه الوطنيين ، و بدأت حلقات الضباط تعبّر عن تزايد المخاوف من انفجار الوضع بسبب الظلم الذي لا ينتهي  .  .
   الأمر الذي ادىّ الى تجاهل اعداد من الضباط للأوامر المعطاة لهم ، مستفيدين من اهتزاز السيطرة الحزبية ، الذي سببه  التطاحن بين قيادتي سوريا و العراق للبعث و محاولة اطراف لتزعّم البلدين (الموحدين) و اصرار اخرى على ( النهج القطري) الذي زاد من انعزالهما عن قيادة " عبد الناصر " و عن الجامعة العربية . .

   لقد مرّ الأسبوع الأول من تشرين الثاني 1963 قلقاً، و قد حمل مخاطر حقيقية اضافية على كل الناس لأن اجنحة بعث 14 رمضان كانت لاتبالي بارواح المدنيين ولا بالنساء و الأطفال و الشيوخ في صراعاتها المسلحة في الشوارع  .  .  اجتماعات قيادة قطرية تحت فوهات الرشاشات التي حمت جناحاً اراد فرض رأيه بالسلاح على المجتمعين .  .  تطويق المجتمعين كلهم بقوات مسلحة اكبر بالرشاشات و الدروع  .  .  مناورات بطائرات حربية بالذخيرة الحية بقيادة قائد قوات الحرس القومي لأثبات الوجود و للقيام بعرض عسكري جويّ اريد به الإعلان عن الأستعداد لعمل عسكري قد يصل الى قصف المجتمعين جميعاً ان لم ينصاعوا !!
.    .    .
.    .    .
   لقد تكّسر التحالف غير المقدس الذي ساروا عليه بشعار " يا اعداء الشيوعية اتحدوا " الذي اعتبر كلّ عمل تقدمي و انساني و نقابي منظّم بكونه من ( صنع الشيوعيين)  ، و كان عاقبة كبيرة لكل البلد من جهة، و لمن خرج عن الإجماع الوطني، الذي حطّم الحركة الشعبية المنظمة و النقابات و الإتحادات و الروابط الطلابية و النسائية . . و تسبب بتشريد وقتل المفكرين و العلماء و الأدباء و سياسيي البلد و وجوهه الإجتماعية . حيث ولأول مرة في تأريخ البلاد السياسي تمت تصفية النقابات والمؤسسات الشعبية
و الجماهيرية ، على يد حزب عراقي كان الحزب الحاكم الأول الذي حكم باسم سلطة حزب .  . حين جعل البلد عارياً من دور الجماهير المنظمة ، فاتحاً بذلك الباب على مصراعيه لشركات النفط التي موّلت الإنقلاب ، كما ورد على لسان قادته ذاتهم !! 
.    .    .
بعد عدة دورات و قصف لمقاتلات من الطرفين ، كان اوضحها قصف طائرات القوة الجويّة العراقية للمقر العام لقوات الحرس القومي الواقع قرب ساحة عنتر .  . حين اعلن راديو بغداد في 18 تشرين 1963  .  .  . نجاح الأنقلاب العسكري الذي قام به ( .  .  جيشكم العراقي الباسل ضد فئة ضالة عاثت بالبلاد و الجيش فساداً  .   .  ان تنصروا الله ينصركم و يسدد خطاكم  .   .  التوقيع رئيس الجمهورية و القائد العام للقوات المسلحة المشير عبد السلام عارف )
   لقد استسلمت قيادة بعث 14 رمضان . . بترتيب اوضاع و تسفيرات بالطائرات سرّاً ، باستلام و تسليم ، بلا مسائلة و لامحاسبة و لاتحقيق .  .  في تأكيد جديد على ان هدف " شركات النفط " كان الإجهاز على حكم الجمهورية الأولى الوطني، بالقضاء على زعيمها ، و انها توقفت عن الأجهاز الكامل على الحزب الشيوعي العراقي ـ كما خططت ـ لأستحالته ، ووافقت على تحجيمه بعد ان ضربت قيادته و انزلت خسائر جسيمة بمنظماته و وجوهه و عضواته و اعضائه ، و بوجوه البلاد الوطنية و الديمقراطية ، و اعتقلت و عذّبت عشرات الآلاف رجالاً و نساءاً ، سقط اثرها آلاف الشهداء .  . و كان البعث بسلوكه ذلك لم يكن اكثر من اداة حققت لها اهدافها ، التي بتحقيقها انتفت الحاجة اليه  . . 
.   .   .   .
   و قد صدر امر رئاسي بحل قوات الحرس القومي و ( .  .  على افراده تسليم اسلحتهم الى اقرب مركز للشرطة، لمدة لا تتجاوز اليومين خلال ساعات منع التجوّل، والاّ فان المخالفين سيواجهون اقسى العقوبات !! )  .   .  ترامت رشاشات البورسعيد و البسة الحرس القومي في الشوارع خلال ساعات منع التجوّل، لخوف غالبيتهم من تسليمها حضورياً ، لخوفهم و خوف حتى ذويهم من تكليفهم بتسليمها الى مراكز الشرطة، و اخذت دوريات الشرطة والجيش تجمعها ، و وصفت تلك العملية بكونها جزءً من جوهر عملية " استلام و تسليم السلطة " ، بواجهة " انقلاب عسكري " .
   و كانت نهاية حكمه بعد ان انتهت مهمته التي رسمت من جهات اعلى ، رتّبتها على اساس و مقاس (عقائدي) .   .  لتحقق اهدافاً عدة اضافة الى ماذكر ، فانها بدأت صفحة دموية في صراع القوى الوطنية . . على اساس ان يكون الحاكم " حزب " ، بما يتناسب مع ظروف المنطقة و القوى العظمى آنذاك، و يحافظ على العراق كـ " مغرّد خارج السرب " . 
.    .   .
.    .   .
السلطة العسكرية الجديدة سرّبت اخباراً عن فضائع الحرس القومي، لكنها لم تقم بتحقيق و تدقيق اصولي لتقييم ماجرى بحق الشعب، لكنّها دقّقت و حققت و عاقبت من نهب او استولى على ( اموال العسكريين و الموظفين الكبار و كبار التجار في الإدارة الحاكمة الجديدة ) .  .  الاّ انها اطلقت سراح عدد ملموس من المعتقلين فيما احيل عدد آخر الى محاكم حكمتهم حكماً بالسجن، في دورة معقدة جديدة .  .       
   و بعد ان كشف مصير اعداد من المناضلين تبيّن ان نخبة كبيرة من مناضلي الحزب الذين قضوّا جل حياتهم في السجون اعلن عنهم رسمياً (امواتاً او مففقودين ) و كان بينهم ابن عمي الشهيد الصحفي " عدنان البراك " الذي تواترت اخبار العوائل المناضلة عنه بأنه نقل مع مجموعة من المناضلين وهم بين الحياة والموت منهم الشهداء عبد الرحيم شريف، نافع يونس ، ابراهيم الحكاك  و غيرهم  ـ وفق جوهر ماتواتر حينه ـ  و انهم دفنوا في منطقة الحصوة .  .  .  اضافة الى ( الإشارات التأكيدية) لمركز شرطة الحارثية الذي صار هو مركز الشرطة المحالة اليه قضايا مسلخ قصر النهاية ( الرحاب سابقاً ) !!  بعد اغلاقه بعدئذ ، بعد ان وردت الأخبار عن وفاة اخيه المناضل " يعرب البراك " في ظروف غامضة في الخارج، توصّل الى انها كانت من تدبير عصابات البعث ، وفق تأكيدات الأقربين (3).
.  .  بخسارة عدنان .  . اهتزّت العائلة !!
   لم يكن عدنان لنا ابن العم فقط  .   .   .  و كنا نتساءل هل كان عدنان عمّنا اخا والدنا الشقيق ، لتقاربهما بالسنّ ؟ لماذا احببناه و تعلّقنا به بذلك الشكل ؟ . . من هو ؟ ومن كان لنا ؟ لماذا كنّا نتسمّر في اماكننا عندما كان يمرّ ذكره ، و هو في سجون العهد الملكي ؟ !! ثم عندما كنّا نتحدث معاه و هو خارجه ، سواء في بيت ابيه او بيته او في حياة اختفائه اللاحق .  .
   هل لأنه كان ملجأنا الموثوق الوحيد عند اختلافنا مع ابينا، وعند غضبه لحرصه علينا ؟ هل لأنه عندما كان مطلق السراح، كان السبّاق لمساعدتنا في كل محنة مرّت بها عائلتنا حينها .  .  من محاولة قتل ابينا، الى تشريدنا .  . بعد ان بدأوا بحرق دارنا بغياب والدنا ، حين وقفت المحلة كلّها معنا نساءً و رجالاً و هم يحملون جرادل المياه لأطفاء النيران الهائجة، التي هيّأوا لإشعالها منذ ان بدأوا بسكب النفط الأسود على الباب الخشبي للبيت و على طول القار الممتد على عرض البيت الشرقي البناء، و لأكثر من مرة .  .  في الأيام التي سبقت ذلك  الحريق !! لماذا صار و كأنه ملاك رحمة في النوائب ، لنا  .  . ؟! 
   كان " عدنان " كلّ ذلك و اكثر .  .  كان المثال الذي جعل لحياتنا معنى .  . المثال الحي لقضية عادلة خالدة قضية الخير و حبّ الناس ، قضية الوقوف مع الحق و من اجل انتصاره  .   .  كان و بمثاله النبيل و كأنه العلامة الدالة في العائلة على الحياة الإنسانية .  .  من اجل الخير و الحب و الأستعداد للعيش من اجل الجميع و معهم .   .  من اجل حياة يسودها العدل و المحبة و تقدّر فيها حرية الشعب و مُثُله، من اجل تلبية مطالب الأحاسيس الإنسانية البعيدة عن اللمس و الرؤية و الأرتقاء بها ، المطالب التي حساب ربحها و خسارتها لا يمكن ان يقارن بالصفقات .  .  و لا بالمنافع الفردية كغاية .   
   لقد انتقموا منه لأنه لم يكن سياسياً و صحفيا لامعاً فقط و انما لأنه كان مناضلاً باسلاً ممن نالوا لقب " السجين الثوري " بجدارة  .   .  ففي سبيل مبادئه اضطر الى ترك دراسته في كلية الطب ليقضي حكماً بالسجن الثقيل عام 1948 والذي لم يتحرر منه الاّ في ثورة 14 تموز 1958  .  .  ليضطرّ الى حياة الإختفاء و  الى قطع دراسته القانون عام  1961  .  .
   انتقموا منه ، لأنه كان في طليعة من نظّموا مقاومة انقلاب 8 شباط التي دعت لها جماهير المنطقة و بدفع منها اثر ردود الفعل الشعبية على الأنقلاب  .  . بمحاولة الهجوم على الإذاعة و تحريرها من يد الإنقلابيين ، حين تصادموا مع الأنقلابيين الذين اضطرّتهم دباباتهم و مدرعاتهم الى الإنسحاب و التحصّن و تواصل الأشتباكات معهم في طرقات و ازقة كرادة مريم و حي " الشاكرية " الشعبي الذي هُجّر و سويّت بيوته بالأرض ، بعد المقاومة التي ابدتها جماهير الحيّ . .
   انتقموا منه .   .  لأنه استطاع ان يحافظ و يخفي اجهزة و مواد طباعية ثمينة .   .  كنتُ ممن ساهموا بنقلها و تسليمها للربع  .   .  من مرآب سيارات مهمل في احد الشوارع الفرعية في " كرادة مريم"، بعد شهرين من الأنقلاب !!   
.    .    .    .
.    .    .    .
لتعود بي ذاكرتي الى ليلة  20 شباط  1963 حين كنت في بيت عمّي " ابو عدنان " لمساعدته، بعد ان خلا الدار من كلّ ابنائه و بقى وحيداً مع بناته العديدات و زوجته " ام عدنان " .  .
ففي الساعة الثالثة بعد منتصف تلك الليلة ، طرقت الباب طرقات متواصلة بقوة !!
استيقظ الجميع، و خاطبني عميّ بصوت جاد و حنون :
ـ ابني  .  .  تعال معي .  .  تعال لأريك كيف تكون الرجال !!
ذهبت معه وكان و هو بجلبابه البيتي يصيح و نحن في طريقنا لفتح الباب :
ـ يكفي طرق !!  .  . يكفي !!!
و بعد ان فتح الباب  .  . شاهدنا مجموعة من الحرس القومي ، كان عددهم اكثر من عشرة افراد مسلحين . قال مسؤول المجموعة مخاطباً عمي :
ـ  تنحىّ من الباب  .  .  عندنا امر بالتفتيش !
ـ لا احد يمر .  .  لقد فتّشوا البيت الأسبوع الماضي !
ـ عندنا اوامر !!
ـ لآ احد يمر .  .  لايوجد في البيت سوى النساء !!
ـ اقول عندنا اوامر ! اسمع !!
.   .   .   .
تصاعد صوت عميّ جهورياً قاطعاً  .  .  فيما كان اهل المحلّة يلاحظون و يسمعون من خلف ستائر شبابيكهم ، حين كانت اطيافهم تتبيّن في ذلك الظلام الدامس من شباط ، حين كانت الكهرباء مقطوعة عن مصابيح الزقاق  .  .   
ـ اسمع انت !!  لا احد يدخل بيتي الاّ على جثتي  .  . !!
.   .    .   .
ـ " ابو عدنان !! شوف اقول لك للمرّة الأخيرة !! " احنا مأمورين !!
و بعد صمت للحظات اجاب عميّ بصوت متهدّج عالي النبرات :
ـ شوف ابن حافظ  .  .  قول لوالدك ، اذا يريد يصلّح شرفه براسي، فتصليح الشرف لايتم بهذه الصورة !!     
لا يوجد من اهل البيت الاّ النساء معي و هذا الصبي ابن اخي !!
وفيما كنت قلقاً على عميّ " ابو عدنان " لئلاّ ينالوه بسوء برشاشاتهم المصوّبه تجاهنا !!   مرّت لحظات صمت قاسية  .  .
.   .   .   .
.   .  انسحبوا !!!
لقد انسحبوا ، اثر اشارة بمصباح يدوي من طرف الزقاق المظلم  .   .  و عدنا الى داخل البيت .  . و كان الجميع صامتين بمشاعر غلب عليها الترقّب مما سيحصل في ذلك الظرف الخطير!!
.    .   .
قال عميّ و هو يرتّب لي غطائي و يقبّلني فيما انسابت دمعة على خدّه المتغضّن :
ـ ابني هالشكل تعلّم !! و الاّ يدوسوك بالرجلين .  .  ابني !!
.    .    . 
لقد استشهد عدنان  .   .
.    .    .
.    .    .
و اضافة الى والدته  .   .   بحثت عنه زوجته الشابة بشجاعة قلّ نظيرها في تلك الظروف، وكانت تحاول بكل الممكنات .  .  . ان تصل الى خيط يمكن ان يوصل اليه لأنقاذه ؟!! حين كانت لاتصدّق انها لن ترَهْ ابداً  .   .  و كان لها جولات و جولات من الأصرار و التحدي في تلك الظروف الخطيرة .  .  مملؤة بالأمل بانها حتماً ستلاقيه ، رغم انواع التهديدات بسجنها و محو آثارها  .   .
فبعد ان حاول احد قادة الحرس القومي السخرية منها قائلاً :
ـ اين يلقي الشيوعيون نساءً كالذئاب بهذا الشكل  .  .
اجابته و باسلوبه الساخر عينه و بتحديّ اربك من كان معها محاولاً التوسط لمعرفة مصير زوجها :
ـ هؤلاء هن النساء العراقيات اللاتي  .  .  مثلك وامثالك لايعرفون ماهيّتهن  !
فجنّ جنونه و حاول اعتقالها الاّ ان ازمة صحية لازمته و انشغل الموجودون به ، ممن كانوا يعرفون مصير زوجها الذي شاركوا به ، اضافة الى نوع الوساطة التي ذهبت بها و قراباتهم ، و الظرف الملموس  حينها .  . ساعدت باعجوبة على افلاتها من الوقوع بقبضتهم من جديد  !
و فيما تثير ابيات شاعر العرب الأكبر الجواهري المشاعر التي جسّدها الشهيد عدنان في حياته و نضاله و تضحياته النبيلة ، حين قال :
يوم الشهيد طريق كل مناضل      وعرٌ ، ولا نصبٌ ولا أعلامُ
في كل منعطف تلـــــوح بليّة       وبكل مفترق ٍ يدبّ حـِــــمامُ

فقد ابّنه الشاعر العراقي المعروف " سعدي يوسف " اواسط الستينات في رائعته " تحت جدارية فائق حسن " التي جسّد فيها اهم خصال الشهيد " عدنان البراك " كمناضل بارز من المناضلين الذين لم يعرفوا الكلل و لم يهابوا التضحيات .   .  و جسّد فيها خصاله كانسان . واضافة الى العشرات الذين كتبوا عنه من رفاقه المناضلين  في احياء ذكراه في فترات لاحقة ، فإن ما كتبه السياسي المعروف المحامي "عبد الرزاق الصافي "، يكتسب اهمية خاصة لما عرض من تفاصيل لم تنشر و لم نعرفها سابقاً عن حياة الشهيدين " عدنان و اخيه يعرب البراك "  .  .
            *         *        *   

   لقد تواصل عمل الحزب بدأب على بناء الحركة الشعبية، و على البحث عن سبل لتقويتها بنكران ذات كبير ورغم خسائره الجسيمة ، تقويتها سواء كانت احزاباً او تجمعات تقدمية ، و نقابات و اتحادات و جمعيات مهنية و جماهيرية ، و بدفع و تشجيع و احتضان فئات الشعب له و لمناضليه بأعتبارهم املاً واعداً لها .   .  من المطالبة باطلاق سراح معتقليه الى دعم اضرابات السجناء و احتضانها لهم و حمايتهم في عمليات هروبهم من السجون .   .   
   واضافة الى نضال منظماته الصعب في المدن على مدى السنين ، تواصل نضاله في الريف و في مساهماته الجسورة في عمليات البيشمركةالأنصار منذ الستينات، ووصل تأثيرها الى اهوار العراق ، و تجسّدت في تصعيده من هناك ايضاً . لقد ساهمت نضالاته و  نضالات رفيقاته و رفاقه ممن وضعوا و يضعون انفسهم و آمالهم فيه و في قضيته العادلة وليس من اجل مصالح آنية ضيقة ، كالمناضلين المار ذكرهم و الآلاف غيرهم .   .  بالتفاف اوسع الأوساط الشعبية حوله و حول فكره ، في نشاطه النقابي و الجماهيري و النسائي .  .  و التي لعبت من جهة اخرى ادواراً فعّالة في حملات التعريف و التضامن الدولية و الإقليمية مع الشعب العراقي و مع حقّه المشروع في الحياة و الحرية . 
   و يرى كثير من المعنيين ان حزباً شعبياً كهذا ، في منطقة العواصف و التقلبات الحادة، " الشرق الأوسط " ! والذي استطاع المواصلة و لمّ صفوفه اثر الخسائر التي تسببت بها التطورات الحادة الجارية و التي تجري،  التي تسببت اضافة الى الخسائر بالأرواح و الأموال ، فإنها تسببت باجتهادات متنوعة فيه، و تجمعات و افراد لم يلبثوا ان توحدوا بغالبيتهم تحت الراية ذاتها ، التي رُسمت و تخضبّت بالتضحيات و الأمال ، بعد ان ادرك الكثيرون ان الأنقسام لا يؤديّ الاّ الى اضعاف الجميع .  .  فكراً و عملاً و آمالاً لا يقوم بدونها نشاط هادف.
   فلم يكن مستغرباً ان يصل بدوره و تأثيره ، الى التأثير على و في اختيار نوع الحكم ، رغم جهود القوى العظمى و قوى المنطقة الأقليمية المحافظة التي انعكست في داخل البلاد ضدّه ، كي لايفلت العراق من قبضتها . . في بلد ومنطقة رُسم وخطط لها لتكون تابعة، وبُذلت جهود هائلة لتكريس تلك التبعية و بما يتناسب مع توازن القوى الدولي و الأقليمي و تقلّباته .  .
   و يرى معنيون و متتبعون ، ان تواصل نضال الحزب بنجاح ، نابع من سعيه و تمسّكه الدائب  بالعمل من اجل التقدّم و التحضّر، و بالتعبير عن حاجات و طموحات وآمال الشعب و اوسع اوساطه الكادحة من شغيلة اليد و الفكر، من الصراع في مراحل الـ لا  و الـ  نعم القاطعة ! الى مراحل الصراع اللاحقة الأكثر تعقيداً في السياسة و في تطور المجتمع و البلد في دوره و ماخطط و يخطط له من القوى الدولية المهيمنة .  .
   مراحل لاحقة تشعبت فيها المواقع و ظروف العالم والمنطقة ، حملت الرفض لجوانب من جهة والموافقة على جوانب ايجابية تتخذها السلطات تحت ضغوط حاجات الشعب و تناقضها مع خطط  التطوير المرسوم الذي لعب و يلعب ادوارا حاسمة فيه ، صراع مصالح القوى العظمى عليه ، سواءً من خارجه او بدخولها على اطرافه الداخلية و العمل على تشديد صراعاتها، للسيطرة عليها و عليه.
   ان تفاعله مع مختلف الطبقات و الفئات والملل الأجتماعية و القومية و الدينية الساعية الى حياة افضل ، وخاصة الكادحة و الشابة منها ، وقدرته على استيعابها و تحويلها الى مطالب سياسية تبنّاها و نضاله المفعم بالتضحية ـ منظمات و مؤيدين ـ في سبيل تحقيقها .  . جعلته مع الجماهير و في مقدمتها من جهة ، و مع عواطفها و آمالها التي وجدت فيه املا دائماً و ثابتاً . . بنجاحاته ، و رغم نواقصه و اخطائه التي لم يخفيها بل سعى و يسعى الى كشفها و معالجتها .  . املاً دائماً مادامه يسعى لتلبية تلك المطالب و الآمال .
   لقد خلق الحزب بعمره هذا في تاريخ العراق السياسي الحديث و القريب .... خلق اجيالاً و تفاعل عميقا في المجتمع و في نبض مكوناته التقدمية التي صارت كثيرة التنوع ، حتى صار جزءاً لايتجزأ من الحياة العراقية و ومن التراث و التاريخ العراقيين، و جزءاً هاماً في حركة التقدّم و التغيير و الحداثة في البلاد  .  .  التي حضر و ساهم بنشاط في صنع احداثها على مر خمس و سبعين عاماً ، و استطاع بنشاطه ان يساعد على تحقيق و عي و حقوق مغيّبة ، للعمال و عملهم النقابي و على توعية الفلاحين ، وفي تثبيت حقوق قانونية انصفت المراة ، اضافة الى دوره البارز اذا ما قورن بقوى البلد ، في مجالات الطلبة و الشباب والمثقفين والفنانين والأدباء والصحفيين ، اضافة الى مواقفه التاريخية من قضية مكونات البلد القومية و الدينية و و حدتها معاً على اساس تلبية حقوقها في سياق تطورات البلاد . . رغم تنكر الحكومات لها و سعيها الى تحطيمه و الى اقصائه بقمعها الوحشي الدموي .  .  و خاصة في العقود الأخيرة للقرن المنصرم .
   ليسجّل بكل كيانه و وجوده وبكل اطرافه ومؤازريه ، و ممن فيه وقربه و من سائراً على هدي فكره  .  .  .  تاريخا حافلا دائماً سائراً بمسيرة الشعب به ومعه ، منتزعاً وجودا قانونياً شرعيا له سواء بمشاركته بالوزيرة الفقيدة نزيهة الدليمي اثر ثورة 14 تموز عام 1958 ، ثم بوزيرين ، و كبقية القوى العراقية القومية العربية والكوردية والإسلامية بعد انقلاب  1968 .  .  في مسيرة شائكة في بلد عربي اسلامي من اغنى البلدان النفطية في العالم  .  .   
   ولو حسبت نواقصه و اخطائه التي اقرها و عمل و يعمل على تصحيحها . . قياسا بمسيرته الطويلة الشاقة، و بوضع وتاريخ عموم الحركة الوطنية العراقية ، وتاريخ و نواقص و اخطاء القوى الأخرى ، لكان في مقدمتها بذلا و عطاءا وتضحية و دون مقابل .  . لم تكن تلك التضحيات بسبب قصر نظر او تطرّف او فكر منغلق ، و انما عبّرت عن امكانات و طموحات زخرت و تزخر بها البلاد و دفعت بها و ارادتها اوسع الجماهير  .   .  في ظروف و موازنات عالمية و اقليمية كثيرة و حادة التّقلّب، نابعة من تكالب القوى العظمى للسيطرة عليه و لإحتكاره لها .     
   و في عيده الماسي ، يرى مراقبون و حريصون بارتياح الى .  .  سعي الحزب الى زيادة نضاله من اجل انهاء الأحتلال و التهديد بالأحتلال ، و الى تصعيد تبنيه المطالب اليومية للجماهير الكادحة خاصة، و الى تصعيد دفاعه عن الحقوق النقابية للعمال و عن الحقوق المهنية و ضد الفساد ، وسط انواع الألغام و التحديات و الإغراءات ! في الظروف الصعبة القائمة ، التي تكشف ان التوافقات السياسية على اهميتها، فانها لاتكفي ، دون الأستناد الى تلبية المطالب الشعبية ، و دون حركة شعبية منظّمة .

المجد لحزب الكادحين في ذكراه الماسية الخامسة و السبعين !
والخلود لشهيداته وشهدائه الأماجد !
(انتهى)


2 / 5 / 2009 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   " الدوّاسة " ، محلة من محلات مدينة الموصل .
2.   احداها غيّرته بعد شهر واحد من الأتفاق و التوقيع عليه .
3.   استشهد الأخ الثالث المناضل النقابي المعروف " عصام البراك " في نقابة عمال النفط ، بعملية دهس بسيارة في منطقة " الداودي " في بغداد ، على يد مخابرات صدام عام  1979 .



189
عيدك للشعب . . افراح وآمال !
 ـ  4 ـ
 
د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

ابو محمد وبصوت خافت حاد و كالفحيح :
ـ كيف عرفت ؟!  .   .   .   ويلكْ " طريق الشعب " في هذا الظرف عليها اعدام " امّوري " !!  يمعودين شوية هدوء و بصوت واطئ !!
وبعد ان عبر السياج من فتحة رُصّ عليها فراش خفيف ، و بعد عناق حار .  .  قال " امّوري " و بصوت خافت :
ـ " ابو محمد " انا اعتذر فعلاً ! و لكن و كما تعرف ، " طريق الشعب " تعني الأمل و الفرحة و التواصل مع الدنيا و معناها الربع بخير ! بعدين .  .  الوضع ليس غريب عليك .   .  يعني احنا ، " ابو جواد " و آني و بيننا فقط ، نعرف ! ثم نحن نتحدّث الآن في مكان منقطع ، احنا في السطوح العالية المنقطعة  .   .
ونظر كلاهما الى " حسين " الذي انشغل باطعام الطيور و تبديل مائها وكنتُ اساعده  .   . 
قال " امّوري " :
ـ تصدّق " ابو محمد "  .   .  هذه الطيور انقذت ارواح عدد من الضباط ، انقذت في وقتها العقيد الوطني "   عبود" (1) الذي اعلنت اذاعة بغداد الحكم عليه بالأعدام و اعلنت عن مكافأة مالية كبيرة جداً لمن يدل عليه حيّاً او ميّتاً ، بعد ان وزّع السلاح الذي تمكن من توزيعه من وحدته على مجاميع من العسكريين و المدنيين الذين قرروا مقاومة الأنقلاب  .   .   
   فمذ ان بدأ الوضع يتدهور ، وبدأت تصل اخبار مقلقة متزايدة ، عن تدبير انقلاب عسكري و واخبار حملت حتى اسماء عددٍ من شخوصه  .  .  وضعتُ زوجاً من الطيور العائدة لي ، عنده في بغداد، و اخذت زوجاً من طيوره الى هنا عندنا في الحلّه . و هي طبيعي من الطيور التي درّبناها على حمل الرسائل . و عن طريقها رتّبنا مجيئه هو و عدد من جماعته بأمان الى ريف الفرات حيث بقوا اشهر  .  .  الى ان سمعنا خبر استشهادهم في صدام مسلّح من الراديو (2) كما تعرف .  .  كانت آخر رسالة وصلتني منه عن طريق اقارب " شيخ شعلان " الذي اعتقد انه من معارفكم !!
شعر " ابو محمد " بارتياح كبير من كلام " امّوري " ، و قال لنفسه :
ـ رائع !! " امّوري " لا يعرف عن مجيئي الى " شيخ شعلان " .  . 
   كان امّوري مختفياً في المحلّة ، في بيت عمّه ابو زوجته ، و كان يأتي الى سطوح جيران العم
"سعوّدي " ليلتقي هناك بمن كان يرتّب موعداً معه .  . من جهة اخرى فانه و بسبب تلاحق المحن و الصعوبات و بُعدَه الطويل عن المنطقة ، كان لا يعرف تفاصيلاً عن " شيخ شعلان " سوى كونه كان انسانا تقدمياً و انسانياً في تعامله مع اقاربه و خاصة الفلاحين منهم  .   .   .
و فيما كانا يتبادلان الأخبار ، كنت اسمع نتف مما كانا يتحدثان به :
ـ فلان اعدم  .  .  فلان انقطعت اخباره  .  .  فلان و فلان استطاعا الوصول عن طريق نسبانهما الكرد الى كردستان و صارا انصاراً شيوعيين هناك  .  .  فلان وفلان و فلان خرجوا و تاهوا في الصحراء حيث انقطعت اخبارهم نهائياً  .  .  فلان و زوجته افلتا من الأعتقال و لاذا في بيوت اصدقائهم الكلدانيين في الموصل و " القوش " في وقت هرب فيه مناضلون من تلك المناطق الى بغداد ليضيّعوا انفسهم فيها بعيداً عن المطاردين .  . سيد حيدر و العلوية زوجته و اهلها حموا اكثر من عائلة هربت من بغداد  .   . اولاد فلان شردوا الى سوريا و آخرين الى الكويت ، عن طريق زملاء لهم من الطلاب  .  .  ناس هربت الى اقاربها في ايران  .  . 
ـ كيف وضع " عباس " ، كيف سلوكه تجاه ربعنا . . يعني رغم كونه بعثي، الاّ ان تربيته و عائلته و مواقفها الوطنية لابدّ وان تترك شيئاً ايجابياً على سلوكه و موقفه مما يجري . 
ـ بصراحة " ابو محمد " !! مواقفه فعلاً طيبة و تنذكر بكل خير من ربعنا ، الاّ ان السفلة اعتقلوه بتهمة كونه (خط مائل) يعمل لصالحنا تصوّر ؟! .  .  و اكثر الناس يتناقلون ان سبب اعتقالهم له رغم كونه رفيقهم، هو لكونه عمل ما استطاعه لمساعدة عدد من رفاقنا، و يتناقل اخرون ان السبب هو قضية صراع على الزعامة بينه وبين " هوبي الـ . . " ، الذي يكرهه بسبب مساعدته للموقوفين اليساريين و الديمقراطيين !
.    .    .    .
.    .    .    .
   سافر " ابو محمد " صحبة " ابو جواد " و عائلتيهما بعد ظهر اليوم التالي بسيارة " شيخ شعلان " ، و بعد ان سارت السيارة عدة ساعات بين المزارع و ارياف المنطقة  .   .  وصل الجميع ليلاً الى بيت كبير يقع فوق تلّه واسعة .  . 
   توقفت السيارة عند باب البيت الكبيرة التي كانت مغلقة ، طرق السائق الباب طرقات مسموعة . .  فيما كان نباح الكلاب يتصاعد و يتكاثر  .  . قام احدهم ، كما لو كان حارساً متواجداً خلف الباب ، قام بفتح مزلاج الباب محدثاً ضجة و صوتاً اعلى من صوت طرقات الباب ، فيما صفّر بفمه صفيراً متقطعاً ، هدأت الكلاب اثره .  .  و انبعثت ضجة فتح ابواب داخلية كانت اصوات فتحها ترسل ازيزاً و صريراً واضحينً . 
   و بعد السلام و التحية على من استقبلهم قرب الباب الرئيسي ، دخل الجميع الى ساحة واسعة كان يضيئها ضوء القمر في سماء صيفية فاتحة ، في منتصفها تحت سقيفة ، كانت ترى مجموعة حِبابْ (3) حيث كان فانوس يتدلى من تلك السقيفة ، و يضئ خزاناً معدنياً كبيراً، موضوعاً على الأرض . و كانت الغرف المبنيّة باللّبِنْ (4) تحيط بتلك الساحة، حيث كانت تنبعث من اللِبنْ رائحة اثارت حنيناً من طعم خاص ، والتي كانت تنبعث اثر رشّ اللّبِنْ بالماء وتبخّره منه ، في حرارة شهر تموز ذاك  . .   
   ولاح ضوء " لوكس " (5) قوي من غرفة كبيرة بدت وكأنها المضيف  .  .  حمل اللوكس رجل لم تتبيّن ملامحه ، بدا من هيئته و كأنه " شيخ شعلان " و وقف جنبه عدد من الرجال ، حمل احدهم لوكساً ثانياً  . .
صاح صوت مرحّب من الواقفين من على بعد ، قال عنه " ابو جواد " :
ـ انه " شيخ شعلان " ! 
ـ يا هلا .  .  ياهلا . . ياميت اهلاً و مرحباً . . الف الحمد الله على السلامة !!
ثم صاح ملتفتاً الى ناحية جانبية :
ـ " ام مجبل "  .  .  ضيوفنا من بغداد وصلوا  .  . !!
.   .   .   .
وجّه " ابو جواد " زوجته لتقود النساء الى حيث وقفت امرأة لم تتبين ملامحها في الظلمة ، كانت تردد كلمات الترحيب و السلام و التحيّة .  . وقال :
ـ العفو اختي " ام محمد ". . هنا ، النسوان .  . يجتمعون عند النسوان !!
.    .    .
كانت " ام جواد " تردد بصوت مسموع :
ـ بس احنا لانترك رجالنا هناك وحدهم ، " ام محمد " لاتقلقي .  . انا امرّ عليهم بين فترة واخرى ؟!
ـ ايش القضية " ام جواد " ؟
ـ عزيزتي اسأليني آني . . هذا ريف !! واني اخاف على " ابو جواد " من عمايل الرجال !! بحجة الرجال يجلسون لوحدهم ، الله يدري ايش مرتّبين ؟!  عزيزتي الرجال لايمكن تركهم لوحدهم !! يمكن .  . كاولية و غجريات  .  . ؟؟
قاطعتها " ام محمد " بصوت حازم :   
ـ هوّني عليكِ " ام جواد " ! احنا باي حال ، و انتِ ذهبت بفكرك الى اين ؟ !
ـ " ام محمد " . . انتِ على راحتكِ  . . الاّ اني لن اترك " ابو جواد " بين الملاكين و السراكيل لوحده . . هذي ديرتنه و نعرفها من المعيشه و سوالف عجائزنا و شيوخنا . .
ـ عزيزتي ، " ابو جواد " ليس وحده ! على الأقل ابو محمد و كل الولد معاه  .  .  بعدين ذول اهلنا و عشائرنا، و ناس معروفة بشيمْها وكرمها وأخلاقها العالية ، و معروفة و مجرّبة بالمحن !! 
ـ  يعني .  .  .  . آني صحيح غريبة عنكن (6)، بس قدّري " ام محمد " هذه اوّل مرة ادخل بيوت ملاكين، بعدين آني اخاف على " ابو جواد " و اولادي من سوالف الكاولية (7) اللي يدورن في القرى .  . و هم رجال و وحدهم ويجوز .  .  شرُبْ و كيفْ  .  . وتدرين الظرف غير امين . . لا قانون و لاحكومة !!
ـ وسفة عليج " ام جواد " .  .  انتِ خايفة على " ابو جواد " من الكاولية و ماخايفة عليه من الحكومة ؟!!. . خليّكِ على رزانتكِ ياامرأة ! احنا بأي حال الآن  !!   
.    .    .
.    .    .
   طال حديث " شيخ شعلان " الذي اجلسنا جواره على سفرة العشاء الطويلة  .  . وكيف استدعوه الى الحضور للجلوس معه في مضيفه !! و كيف وافق على تقسيم ارضه التي كان قد قسّمها اصلاً ايام المرحوم قاسم ، على ابناء عشيرته .  .  و كيف حوّل ملكية سيارتين و خمسة بيوت في المدينة ، الى ملكية اقاربه .  . 
   ثم بالأشارات و الألغاز .  . كيف حماه ابناء اخيه الذين ارسلهم ليلبسوا ملابس (الحرس القومي ) السئ الصيت ، على ان يأتوه باخبارهم ، و تحدث عن حذره من ( زركات الليل ) التي تشنّها وحدات الحكومة  .  .  .  الى ان بدأ المجلس ينفضّ بعد توزيع و شرب القهوة لعدة دورات .  . والى ما بعد منتصف الليل بقليل . .  فارسل اولاده ليحملوا الطعام الى السياسيين المختفين في القرى المحددة سراً . .
.    .    .    .
.    .    .    .
بدأت الكلاب تنبح  .  .  و سكتت فجأة . .
قال شعلان :
ـ " محيسن " و صل !!
و دارت الهمسات بين الحاضرين القلائل بان القادم هو رئيس " الجمعيات الفلاحية " في المنطقة !!
دخل المضيف رجل متوسط العمر رزين المحيا ، بعقاله و كوفيته .  . كان يحمل بندقية " برنو " انسجمت
مع صفوف الرصاص المزنّرة على وسطه و صدره .  .  كانت كل هيئته تدلّ على كونه متخفياً ، او يعيش حياة اختفاء !!
.    .    .   .
قال " محيسن " : 
ـ الأخبار الواصلة تقول ان خطة البطل " حسن سريع " خطة مرتّبة و قام بها رجال شجعان ، الاّ ان عدم التنسيق المحكم بين مجاميعهم ، اضافة الى القضية الأكبر التي هي انهم لم ينسّقوا مع مركز الحزب ، الذي يجمع كثيرون انه موجود في بغداد .
و قال :
ـ وصل عدد من اعضاء منظمتهم ، بعد ان تمكنوا من الأفلات من حملة الأعتقالات الوحشية الجديدة اثر فشل المحاولة ، و يظهر ان عدة مجاميع تعمل باقصى السريّة ، و تريد ان تقدّم شيئاً للحزب بالأقتصاص من القتلة المجرمين . و تتزايد الأخبار عن نشاط  عدد من المراجع الدينية للأفراج عن الشيوعيين و عوائلهم ، بعد شعورهم بالذنب تجاه مايجري بسبب فتاوي ( تحريم الشيوعية ) .  . 
.   .    .   .
.   .    .   .
وبعد ان حان موعد النوم  و ذهب الشيخ الى فراشه بعد اتفاقه مع الوالد ان يتحدثا في اليوم التالي .  .
دارت الأحاديث بيننا . .
ـ كيف يمكن ان يكون شيخ و ملاك ، و مع الحزب الشيوعي .  . ؟؟
ـ الموضوع ليس جافاً كالكتب ، هذي دنيا و الحياة خضراء واسعة متنوعة . . كثير من ناسنا تريد الخير للبلد و تريد الكهرباء والماء والمدارس و الجامعات ، و تريد حياة افضل لها و لأهاليها ، و لكنها لا تستطيع فعل شئ  . . و قد وجدت هذا الحزب ، النزيه باعضائه و باخلاقهم العالية ووطنيتهم و اخلاصهم و تفانيهم حتى الموت في سبيل البلد . . الذين يسعون للعلم و المعرفة و لنشرهما بعيداً عن الخرافات و الدجل .  .  فيسعون اليه و يحموه و يعملون على ادامته بما يستطيعون عليه ، لأنه يشكّل الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك ، و فق معرفتهم و تجاربهم .
ـ بعدين هو ليس ذلك الأقطاعي الكبير الخائف على املاكه الهائلة ( الموروثة ) والمأخوذة عنوة من الناس .   .   .  لقد وافق على قانون " الأصلاح الزراعي " و على تقسيم الأرض لأنها ستكون لأقاربه وابناء عشيرته الذين يحبهم ويحبوّه .  .  وفي بلدنا كثير من امثال هؤلاء الملاكين المتوسطين و الصغار!
ـ ثم انه ليس حزبياً ، لكنه يتعاطف مع الحزب و مع مواقفه و يأيّدها . و هو لا يوافق على الأعتداء عليه و حمى عدد من السياسيين من ربعنا منذ ايام الملكية ، ولذلك اعتُقل و حُكم عليه بالسجن .
وفي جوابه على تساؤلات " ابو جواد " قال " ابو محمد " :
ـ وفي مظالم كالتي يعيشها البلد اليوم  .   .   .  لم يشف غليله الحزب الوطني الديمقراطي الذي ضم كثيراً من الملاكين و اغنياء الفلاحين ، انه يراه غير كافياً لتحقيق الأهداف الوطنية بالصورة التي يفهمها بها . لقد احبّ الرئيس عبد الناصر و كان ممن اعتقلوا بتهمة ( الترويج للناصرية و الشيوعية ) حين شارك بنشاط في انتفاضة 1956 للتضامن مع مصر الشقيقة ايام العدوان الثلاثي الذي استهدف حكم " ناصر " .  . و احبه " القوميون العرب " ،  الاّ انه ومنذ ان تربّص " ناصر " بالحكم الوطني للزعيم عبد الكريم ، ابتعد عنهم بعد ان رأى ان النقاش لاينفع مع قسم غير قليل منهم، رغم احتفاظه بعلاقات صداقية و عائلية طيبة بهم  .   .
   و فجأة سمعنا صوت حركة و وقع اقدام مترددة ، ثم ضجّة احاديث و اصوات نسائية ، و طُرقت باب الغرفة طرقاً ثابتاً ، مع تصاعد صوت " أم جواد " :
ـ " ابو جواد " ؟ !!
ـ نعم !! 
و فيما تعدّل الجميع في مجلسهم ، فتحت " ام جواد " الباب و اطلّت من فتحتها قائلة :
ـ و الله حبيت اطمأن عليكم ، يجوز محتاجين شئ !!
و في الوقت الذي كانت تجيل النظر في الغرفة جيداً .  . صاح " ابو جواد " صيحة مكتومة :
ـ " ام جواد " كيف خرجتِ من غرفة النساء ، الدنيا منتصف الليل و احنا ضيوف هنا  .  . ؟!!   
ـ " ام محمد " و " أمل " معي ، و . .
ثم بلطف و بنظرة قاسية على " ام جواد " :
ـ يخليّكن الله  .  .  اذا انتن بخير ، احنا بخير .  .  اوصّلكن ؟
اجابت النسوة :
ـ لا ، لا  .  .  تصبحون على خير .
ـ مثله و خير !
.    .    . 
.    .    .
شيخ شعلان :
ـ " ابو محمد "  .   .  يظهر ان (الحرس القومي) في حلمه المجنون بالقضاء على الحزب ، طالت جرائمه اوسع الأوساط العراقية ، حيث صارت نيرانهم تلوح اوسع حلقات البشر بالبلد ، هم لايفرّقون بقساوتهم بين رجل و امرأة و لا بين بالغ و طفل ولا بين شاب و عجوز .  .  اهانوا و آذوا الكثيرين ، حتى وصلت سمعة حكمهم للحضيض .  .  و صارت اذاعات العالم تتكلم عن جرائمهم بلا حدود ، و ادىّ ذلك الى انعزال حكمهم بشكل مشين  .   . و صارت قوى عربية كثيرة تتحدث عنهم بسوء ، حتىّ القوى الدولية و العربية التي حرّضتهم و موّلت انقلابهم الأسود ، صارت تقول ان جرائمهم لايمكن السكوت عنها، وان حكمهم من غير المعقول ان يستمر .
   من جانب آخر ، فان صراعاتهم هم على النهب و السلب و السلطة، وصلت الى مراحل خطيرة لا احد يعرف الى اين ستؤدي بالبلاد و الى اية مخاطر، خاصة بعد ان ضربوا حلفائهم القوميين ضربات قاسية و زجّوا بقسم منهم في السجون ، و بعد ان اشعلوا القتال مجدداً في كردستان .
يقول احد الضباط من اقاربنا : ان " عبد الناصر " غاضب عليهم و يقول ، انهم باجرامهم و بتصرفاتهم الهوجاء هذه يسيئون الى سمعتنا و الى سياستنا بين الدول  .   .  وان مجئ عفلق الى بغداد مؤخراً ، هو لمحاولة للحفاظ على حزبهم من التصدع بسبب صراعاتهم الوحشية بينهم !! و يقول ان جهوداً قومية تُبذَلْ لأزاحتهم !! و هم يسألون ماهو رأي الحزب الشيوعي ؟؟؟!!
ـ " شيخ شعلان " . . الا ترى و تعيش حال الحزب ؟؟
ـ و الله كل الأخبار تجمع ان الحزب موجود و يواصل نشاطه بقوة ، والناس تحبّه ، وتشهد الأخبار الواصلة ان الحرس القومي مرتبك بسبب ان منظماته مستمرة بالنشاط و جريدته مستمرة بالصدور من بغداد .  .  الم تكن له محاولة لقلب السلطة قبل يومين ؟!! 
ـ المحاولة لم تنجح .  .  الم تسمع انها لم تكن بالتنسيق مع مركز الحزب ؟ باعتقادي ان الضغط على الحزب الشيوعي سيزداد شراسة ، و ان المحاولة الأخيرة رغم بطولة القائمين بها ، فانها و بسبب عدم نجاحها ستؤدي الى ان يلملموا صفوفهم لمواجهة الحزب بشكل اعنف ، اتمنى ان اكون مخطئ ، ولكن قراءة الواقع تشير الى ذلك .  .
و تواصل الحديث و تشعّب و انتهى بوعد " ابو محمد " بأنه سيعمل جهده لأيصال ذلك ، للحزب !!               
.    .    .
.    .    .
ـ " ابو جواد " ماذا تسميّ ذلك ؟ خطأ ؟ صواب حسابات ؟ حب او كراهية ام رعب ام ماذا ؟ حزب عملوا و يعملون على تمزيقه بانواع الحراب و الوسائل المنظورة و غير المنظورة ، و يريدون رأيه ؟! 
ـ الناس من حبها له و احترامها لشبابه و تضحياتهم التي استعدوا لتقديمها و قدّموها بلا انتظار ثمن ، و مواقفه التي شكّلت آمالها و مطالبها  .  . وحتى احلامها . و رسمت حياتها المستقبلية على سكة كل ما هو تقدمي و علمي و اصيل ، لأنها تنسجم مع منطق الحياة .  .  ثم الم ترَ الناس صورة الزعيم عبد الكريم على القمر ؟!
ـ نعم الناس الكادحة و المحرومة التي احبّته رأت صورته على القمر !! الاّ ان وضع و دور الحزب هنا يختلف .  .  فالذين يحبوه و الذين يكرهوه يتابعوه و يحسبون حسابه و دوره ، الذين يحبوه يرونه مرشداً .  .  يرونه حبّاً و املاً ، والكارهين له يرون فيه شبحاً مخيفاً ، حتى و هو مثخن بالجراح و كأنهم جميعاً يرددون ما صاغه شاعر العرب الأكبر " محمد مهدي الجواهري " :
سلام على جاعلين الحتوف               جسراً الى الموكب العابر

(يتبع)

17 / 4 /  2009 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   ربطت العقيد "      عبود " بـ " امّوري " علاقة عائلية عشائرية .
2.   اذاع راديو بغداد نبأ (القضاء) على العقيد "   عبود " و عدد من رجاله اثر اصطدامهم بقوة مسلحة في الريف القريب من مدينة الهندية ( طويريج ) ، ثم تواصلت اخبار القرى التي افادت ان المجموعة ابيدت بعد ان قاتل افرادها بقيادة العقيد "  عبود " ، قوات كبيرة من الحرس القومي والجيش قتالاً ضارياً حتى النفس الأخير .
3.   مفردها حِبْ ، و يعني آنية فخارية كبيرة لخزن ماء الشرب ، الذي كان يُغرَف منها عادة بمغرفة خشبية مطلية بالقار، لتعبئة الصفائح الصغيرة المعدة لحمل الماء، او لملىء الأواني و الأقداح الزجاجية للشرب .
4.   اللّبِنْ ، هو الطين الممزوج بالتبن و فق طريقة مزج و تخميرة معروفة لأهالي الريف بشكل عام .
5.   لوكس ، مصباح نفطي اكبر و اقوى من الفانوس، و يعمل بآلية الضغط الذيّ يتولد بفعل الضغط بمضغاط شبيه بآلية " البريمز " او " الوابور النفطي " .
6.   غريبة بمعنى من عشيرة اخرى  .
7.   الكاولية ، الغجر و النَوَرْ .


190
عيدك للشعب . . افراح وآمال !
ـ  3 ـ
 
د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net
.   .   .
بوصولنا بسيارة شيخ " شعلان " الى منطقة " الشيخ معروف " ـ الرحمانية .  . ازداد ت زحمة الشوارع بالسيارات والمارّة ، الذين كانوا بسيرهم السريع و كأنهم يتراكضون باتجاهات كثيرة التنوّع  .  .  كانت السيارة تسير ببطء كبير حتى وصولنا الى " ساحة المتحف " ، وفجأة  .  .
انقطع بث راديو السيارة معلنا الأنتقال الى اذاعة خارجية .   .
محكمة !!
توقّف المارّة عن السير و توقّفت السيارات .  . فيما تسائل البعض عمّن امر بالتوقف ؟
ـ عميّ الناس تريد تعرف !!
ـ يعني يبيّن .  .
ـ اويلي .  .  يبيّن الأنتفاضة .  .  يعني
ـ  .   .
بل و نزل عدد من السائقين تاركين سياراتهم في الشوارع المكتضّة التي توقّف السير فيها . . نزلوا متراكضين الى الأرصفة القريبة ، الى حيث وجدت راديوات .  .  تجمهر الناس حولها يتسمّعون !
.   .   .   .
.   .   .   .
ـ بيّن للمحكمة انتو بأي حق لبستم ملابس ضبّاط و انتم عرفاء ؟ !!
ـ النائب العريف " حسن سريع " ! اجب !! 
ـ بنفس الحق الذي استخدمه العقيد عبد السلام عارف و صار يحمل رتبة مشير !!
انقطع البث  .  .
.    .    .    .  وعاد
ـ لماذا حاولتم السيطرة بالقوة المسلحة على معسكر الرشيد ؟
" حسن سريع " وبكل وضوح و دقّة :
ـ هدفنا اطلاق سراح المئات من الضباط و العسكريين الشرفاء المسجونين في سجن رقم واحد، ليعودوا الى حياتهم و اماكنهم الطبيعية في الجيش العراقي الباسل .
انقطع البث  .  .
.   .   .
.   .   .  ثم عاد
ـ شايفين رئيس دولة يحمل رتبة عريف ؟؟ يعني . . شتريدون تصيرون بمحاولتكم المسلحة هذه و اعتقالكم مسؤولين في الحكومة و في الحرس القومي ؟
ـ هدفنا .  . تخليص شعبنا الذي ابتلى بحكم ظالم قاسي لا يستحقه، هدفنا اسقاط الحكم القائم و تسليم السلطة الى الحزب الشيوعي الذي يستطيع بسياسييه و شخصياته ان يقرر بالتعاون مع كل الأحزاب الوطنية شكل الحكم الجديد !!
صفّق اثنان من هناك .  .  و آخرين من مكان آخر !
انقطع البث .  .
وعاد الراديو الى بث المارشات العسكرية
تفرّقت الناس بصمت .  .  فيما كانت الدموع تنساب من وجوه واجمة صامتة و اخرى غاضبة ، و كانت الهمسات تسمع ، رغم كل مظاهر التسلّح التي كانت تكبّل الشوارع هناك، و بين الدبابات و المدرّعات المرابطة في تقاطعات الشوارع عند ساحة المتحف، وعند السكّة القديمة و مفرق المطار المدني .  . وعلى مداخل " المحطة العالمية " للسكك الحديدية . .
ـ لكْ  .  .  و الله العظيم .  . بطولة !
ـ زلم كدهه (1) .
ـ و الله لو تنطبق السماء على الأرض ما يكدرون ينهون الحزب الشـ .  .
ـ ششـ ش .  .  صوتك .  .  صوتك !!
ـ بس لويش .  . ليش ؟
ـ يكولون سلاحهم قليل  .  .
ـ لا .  . يكولون كانوا ينتظرون ربعهم يتحركون بمعسكر الوشاش و لكن . .
ـ اخي . . يكلّك (2)، ربعهم موجودين بالأذاعة . .
ـ  .   .   .     
.   .   .
و بعد المرور بسيطرات و تدقيق هويات و سيطرات و تفتيشات ، سيطرات و انزال الجميع من السيارة لتفتيشهم و تفتيش السيارة  .  . وصلنا الى بيت الخال " ابو جواد " في مدينة الحلة ، في محلة القاسم .  .   كان العناق الحار و الفرح و الدموع اسياد الموقف .  .  واجتمع الأهل والأقارب و الكل لهفة لمعرفة اخبار انتفاضة معسكر الرشيد .  .  و اخبار الأقارب والمعارف و الناس في بغداد !!  و الرفاق . .  وبهمس ، بل وظهرت هناك نسخة من "طريق الشعب" المكثّرة بالكاربون .  . تبيّن ان الوالد كان مخبيها بسيارة شيخ "شعلان " .
و بعد ذبح الحيوان ايفاءً بالنذر على السلامة ، و توزيع اللحم
وبانتظار طعام العشاء عند الغروب في مجلس لم ينقطع عن القادمين و الذاهبين .  .  سمع الحاضرون صوت الخال " ابو جواد " قائلاً بحزم :
ـ و ايش يريد ؟
ـ الأثول الجبان .  . متونّس شايل رشاشة بورسعيد و واقف عند ثانوية البنات . .
ـ طاح ذاك الحظ !
.   .   .
و تصاعدت اصوات عدد من الحضور محاولين التخفيف على " ابو جواد " :
ـ على كيفك يا معوّد ، الوضع ما يتحمّل !!
ـ هو مو تركهم ؟؟
ـ اي غير ييجي يزوركم ، انتم مو مربيّنه ؟؟ (3)
" ابو جواد " :
ـ نعم ساعدناه ، لأنه كان صغير و يتيم ، ابوه تزوّج و تركه .  . و " ام جواد " عطفت عليه لأنه من الطرَفْ (4) و المرحومة امه كانت انسانة طيبة .  .  بس مو يروح يكسر النا بوط (5) و يصير حرس قومي .  .  من يومها منعته من المجئ عندنا، و بعد التوضيحات و الكلام الذي لم ينفع معاه  .  .  قلت له بوضوح :
ـ شوف اقول لك ، وين ماتروح تروح .  .  مو آخرتها جاي تخوّفنا بالسلاح !! السلاح مو كل شئ !! ويلك ! الأساس ان تصير رجّال آدمي ، الناس تحبّه و تحترمه . و لاتنسى تره السلاح مايسوّي اوادم ، الأوادم تسويّ السلاح !! هسه اكيد جاي يتشمشم  .  .  منو جاي و شكو ما كو ؟  .  .  و الستّار الله !!
وقال له الوالد بصوت خفيض :
ـ تتكلم عن الولد كريّم ؟؟
ـ اي نعم ، و وسفه اسمه كريم !!
ـ والله اذا حبيّت تاخذ رأيي ؟ دعه يأتي  .  .  لأنه يعرفنا و نعرفه ، بعدين ليش لأ ، احسن مما تكبر القضية و تصير قضية احقاد و عداوات و و .  .   و احنا ننتبه !   
ـ يا اخي كل مرة ابدأ معاه من جديد بعد التوضيحات و النصائح ، لكنه يرد يرجع على سفاهاته . . و تابع بهمس : اتصور هو و عدد من الطيّاح (6) من ربعه قبل شهر وقّفوا " امّوري " من الشارع ، بعد خروجه من بيتنا بعد منتصف احدى الليالي لأنهم شكّوا به .  . كانت ليلة خميس على جمعة ، واقتادوه الى مقر احدىّ المحلات للحرس القومي ، لأنهم لم يتعرّفوا عليه فعلاً، بسبب تغييره هيئته و تدبيره هوية مزوّرة .  . و ربّك حميد كانت الأوضاع لابأس بيها هادئة !!
ـ امّوري ؟ !!
واستمر هامساً :
ـ  .  .  واحد من اهل المحلّة من ربعه ، و كان يراقب له الوضع . . بسرعة خبّرنا ، و تالي و بسرعة بالواسطات و التلفونات . .  تعرف ام امّوري ملاّية .  . وعن طريق الملاّّّيات و بالفلوس باليد اطلقوا سراحه . . قبل ما يستطيعوا ان يستفسروا عنه بدقة من بغداد .  .  اتصوّر نقدر نلتقي و ايّاه اذا حبيت .  .
ـ نشوف الأمور و الوقت ، لأن تعرف " ابو مجبل " ينتظر .  .
واضاف " ابو جواد " بصوت عالي :
ـ .  .  و بعد ما رمى سلاح الحرس القومي عباله الناس نسيت .  .  صار لايستطيع يزور المحلة من الشتايم ومن بصقات الأمهات ، اللي صارت تخجّله . الأثول زين بعد عنده شعور بالخجل !
ـ يا " ابو جواد " من رأيي، موزين يتحاصر بهالشكل .  .  يعني عايش و متربيّ بينكم ، اكيد خلقه، طبعه شوية يعني .  .  ماخذ منكم  .  . 
ـ ابداً ابداً و الله و بعد تجارب . . كالوا ذيل الجلب خلوّا بالكصبة عشرين يوم ما عدل .  .  يستحيل هذا الكلب يدخل !! 
.    .    .   .
.    .    .   .
بعد تناول العشاء استأذن قريب شيخ " شعلان " الذي كان يقود سيارته  .  .  بالذهاب لأستلام حاجات زراعية  دفع الشيخ اثمانها و مطلوب نقلها من اطرف المدينة و قال انه سيأتي لأخذنا عصر اليوم التالي . اغتنمت النساء الفرصة لزيارة الخالات و السلام عليهن .  . و استمر مجلس الرجال عامراً بالأقارب و الضيوف الذين كانوا بعد السلام و الترحيب و انواع الكلام  .  .  يقدّمون دعواتهم لزيارتهم ، حتى بدأوا يغادرون البيت .  .
بعد ان انفضّ المجلس و بقينا مع عائلة الخال " ابو جواد " ، قال الخال للوالد :
ـ والله " امّوري " دائما يسأل عنكم استاذ، و لو ماخذ على خاطره من ذيج السالفه في عام  1961 !!
ـ يعني بعده امّوري على رأيه .  .  رغم كل نقاشاتنا .
ـ طبعاً ابو محمد  .  .  الأحداث و المآسي اكدت صحة موقفه . بعدين موصدفة ان امّوري صار من قادة الأتحاد العام لنقابات العمال، و الهيئات العمالية و العمال انتخبوه بانتخابات نزيهة اجمعت عليها الصحف و مختلف الجهات السياسية و الحكومية و الأجتماعية في حينها .  . و لمواقف نقابات العمال الصلبة من قضايا الثورة التقدمية و استعداداتها للمواجهة ، مو صدفة ان القوى الرجعية و اجنحتها في حكومة عبد الكريم قاسم و دوائرها ارادت و بكل الوسائل ان تقضي على فكرة التنظيم النقابي، ولمّا فشلت ركّزت على تمزيق وحدة النقابات و نشر الشائعات و الدعايات و عملت على ترصّد و اغتيال نشطائها و قادتها ، و على تزييف انتخاباتها ، وبقيت الى الأخير تحاول افراغها من دورها  .   .
.    .    .   . 
.   .    .    .
و تذكّرت ما حصل في عام 1961  .   .   .
   ففي ذلك العام و اثر محاولات عصابات " الجبهة القومية " و " حزب البعث " اغتيال و تشريد المناضلين الشيوعيين و الديمقراطيين و عموم الوجوه و الشخصيات الوطنية و الديمقراطية المعروفة .  . قامت احدى العصابات بمحاولة اغتيال والدي طعناً بالسكاكين .  .  حيث هوجم ظهر ذات يوم من قبل ملثمين في مدخل سوق الأعظمية القديم، و تركوه حين سقط مغشيّاً عليه و تصوّروا انه توفيّ  .  . و لم يعد الوالد للبيت !!
   سمع " امّوري " بالحادثة بعد ساعات من وقوعها ، واتصل تلفونياً بوالدتي التي اجهشت بالبكاء لتطمينها، ثم زار بيتنا ليلة ذلك اليوم مع اصدقاء طلب منهم الأنتظار في سيارة خارج البيت كما قال .  .  و طمأن والدتي التي هي ابنة عمّه عشائريّاً قائلاً لها :
ـ سعاد ! ابو محمد بخير و سيعود اليكم  .  . ولا تقلقي يا بنت عمي، بيتكم بأمان !! سازوركم عندما يعود ابو محمد اليكم  .  .  و اذا اي امر، خدمة ، كلمتين بس لجارتكم " ام حميد " بنت الجلبي .
.    .    .    . 
.   .    .    .   
   وبعد فترة ، استطاع الوالد ان يعود الى البيت ثانية ، بعد تتالي احداث متنوعة و علاجات و مراجعات طبية ، و كان يخفف من وقع الحادث علينا و يكرر ، بانه حصل بسبب مجموعة اشقياء متخلفين لا علاقة لهم و لا يعرفون بالسياسة .  . ؟؟ و كان زوّاره الذين زاروه متسترين بظلام الليالي يخففون عليه ، و كان اكثرهم يتفق مع رأيه .
   في ليلة من تلك الليالي وفي ساعة متأخرة ، جاء " امّوري " صحبة اخيه " مزهر " و " ابو جواد" و دخلوا البيت بعد ان تركوا احد المرافقين ينتظر في سيارتهم الجيب المدنية، التي ركنوها قرب باب البيت .  .
دخلوا وكان يبدو عليهم انهم كانوا جميعاً مسلّحين  .   .
وبعد السلام و التحيات و السؤال عن الصحة و الحال و بعد شرب الشاي ، وضع " امّوري " مظروفاً تحت وسادة الوالد قائلاً :
ـ هدية صغيرة من الأهل .  .
و قال :
ـ اريد فقط تخبّرني من كان الفاعلين اذا شفتهم ؟ واذا لم ترهم ، فبمن تشكّ .  . لأنك بالتأكيد شفت هيئاتهم و الوقت كان وقت ظهيرة ؟ هسه انجيبهم الك يعتذرون و اذا ما قبلوا .  . والله و الله .  . نجيبهم بالقوة و البادي اظلم !
ـ  عزيزي " امّوري "، يحفظ لك " ابتسام ".  .  مثل ما اخبرتك هذول مجموعة شقاوات من التافهين و ناس سائبة ، لا علاقة لها بالسياسة و مثل هؤلاء موجودون في كل محلات بغداد .  .
ـ لا يا ابو محمد .  .  هذه سياسة !! هذه سياسة يتبعوها بشكل منظّم ضد الحزب و ضد القوى الديمقراطية لشلّه و ارباكه و لمحاولة ضربه والقضاء عليه ، كما يخططون .  . انهم يسعون باساليبهم هذه و عن طريق قتلة و اشقياء مأجورين و آخرين مدرّبين، لأسكات كل صوت وطني نزيه، بتهديده و محاولة قتله او باجباره على ترك معتقداته او تقويله اخرى .  .
ـ " ابو ابتسام " اذا رديّنا عليهم بالعنف ستتعقّد المشكلة اكثر و لا تنحل ، بل سيتسبب ذلك بمشاكل اكبر للحزب و للمحسوبين عليه !
ـ صدّقني لا يسبب ذلك مشاكل للحزب ابداً .  .  بالعكس، بالعكس تماماً نحن في مجتمع يفهم التسامح     
والعفو فقط عند المقدرة ، فالعفو عند المقدرة  .  .  والاّ فلن يُفهم التسامح الاّ بكونه ضعفاً . . الأمر الذي سيزيدهم استكلاباً و سترى !
صدّقني !! احنا في المعامل و المؤسسات التي ردّينا فيها عليهم باسلوبهم وحسب الظرف و الوقت طبعاً
صار الوضع هادئ لأنهم صاروا يحسبون لنا حساب جديّ ، بل اخذوا يخافون من ممارسة مثل هذه الأعمال !
ـ " امّوري " تريد اتسويّ الحزب . . جماعات تتعارك و تكون مستعدّة للتعامل العنيف فقط ؟؟
ـ لم اقل هكذا ابداً ، الحزب السياسي يتبارى بالسياسة الصائبة التي تحتاجها و تريدها الناس و بنضاله من اجلها، واذا كان حزب كادحين فعليه ان ينظر لمصالح و حاجات و ظروف الكادحين ، وان يعلّم رفاقه ان معركتهم صعبة و ان المتربصين به كثيرون  .  .  بس اللي يتعدىّ عليه و يغتال رفاقه، لازم عليه ان يردّ ، اذا لم ينصفه القانون ومن يقوم عليه من الحكومة .  .
زين انا اريد اتفق معاك برأيك .  .  واسألك، هل تستطيع ان تشتكي عند الشرطة ؟ انا متأكّد انك لاتستطيع لأن الشرطة ذاتها ستعتقلك بتهمة الشيوعية .  .  مو صحيح لو لأ ؟
ـ يمكن صحيح  .  .  لكني لا اريد ان اورّط الحزب بمشكلة بسببي !! الا ترى انهم باتباع تلك الأساليب يحاولون جرّ الحزب الى معركة، هم راسميها و مخططين لها . . 
ـ عزيزي دع عنك الحزب الآن .  .  انت مواطن جرى اعتداء عليه و كاد يتسبب بقتله بدون سبب واضح، في ظروف لايتطبّق فيها القانون . حيث لايكفي ان يصدر القانون، الشئ الأساسي هو تطبيقه . . صحيح ذلك من وجهة نظر المثقفين يو لأ  ؟
ـ صحيح .  .  بس اكمل لأني لم افهم ماذا تريد ان تصل !
ـ اقول حصل الأعتداء واهل المعتدى عليه يريدون يجاوبون على الأعتداء .  . لأن اذا ما جاوبوا هيبتهم تروح  .  . وذلك الكلب راح يستكلب اكثر .  . (7)
ـ لسنا في غابة !
ـ هم بسلوكهم هذا سوّوها غابة  .  . و الناس ما تتحمّل مثل هالوضع ، انهم لايتحملون ان يجري اعتداء عليهم بسبب انحيازهم للحزب ، بدون رد من الحزب ، والاّ تنذب برأس الحزب .  .  وتأخذ الناس تتحدث بان المذنب هو الحزب، لأنه ورّطهم ؟! .  . شنو مثلاً ذنب " خليل ابو الهُوب " ... ؟! قائد نقابي و انسان شجاع تشهد له كل محلات بغداد . . مو راح بشربة مَايْ ! (8) قتلوه الجبناء بغدر .  .  وصار عدد من ربعنا الصِداميين (9) يقولون : خنّثنا الحزب ، بهاي ممنوع و ذيج غير مقبولة ، و ينراد صبر .  .  والماي يسري والأمور تترتب بليل !
ـ " ابو ابتسام " ! لايمكن لحزب سياسي يدعو للحرية والديمقراطية ان يتصرّف كشقي . . وانما مهمته الأساسية بتقديري ، انه يعمل على ربط الصراعات الأجتماعية الفردية والمحلية المحدودة بقضية اكبر . . .  هي قضية كل البلد وقضية اوساطه الكادحة و حقوقهم و حقهم بالحياة الكريمة مثل غيرهم . اعتقد احنا نناقش القضية من زوايا مختلفة  .  .  في المدينة نضال شكل و بالريف شكل ، وبين العمال و بين الطلاب شكل .  .  وبين اهل المحلة الواحدة شكل آخر .  .
ـ جا شنهي ، هو مو حزب واحد لو كيف ؟
ـ شوف ابو ابتسام ! نعم حزب واحد ! الحزب يضع السياسة و الخطوط العريضة لتنفيذها و منظماته كل واحدة تطبّق تلك السياسة الواحدة بالملموس حسب ظروفها و موقعها و دورها في المجتمع !! و بصراحة اسولف لك . . احنا في بلد غني بثرواته الطبيعية و مكان لمطامع اعتى القوى الكبرى في العالم، ولأسباب تأريخية كثيرة و لانزال نعيشها يعاني مجتمعنا من تخلف حضاري . . التخلف يترك اثاره على كل اهل البلد ، وعلى تفكيرنا و سلوكنا . . والآن وبعد ثورة جبّارة ، يسعى ابنائه الى استحصال حقوقهم من الأجنبي الذي طيلة سطوته احكم تكبيل البلد باشكال متطورة من القيود . . اضافة الى القيود التي هو مكبّل بها اصلاً بسبب التخلف .
وهذه الصراعات التي يشهدها البلد هي بنت تلك الأسباب مجتمعة . واقول لك ، انا لم اتفاجأ بمحاولتهم ايذائي، بعد ان بدأوا بايذاء ابناء محلّتهم الأصليين من اهاليهم هم ، لأنهم يدعون مثلي للتحرر و الديمقراطية .  . فبعد ان هددوا استاذ " كرامة المحسوب " اضطروه الى ترك عائلته وصار يسكن خارج المحلة ، ضربوا " حاجي نعمان الأعظمي " الشخصية الوطنية المحبوبة في وضح النهار، على كبر سنّه و امام داره واضطروه الى الأنتقال من المحلة و هو احد ابرز وجوهها، ضربوا ابنه " الدكتور عبد الصمد " وهددوا بحرق عيادته وهو الذي كان يعالج مرضى المحلة مجاناً، فانتقل .  . اضطروا " شيخ رشيد " العلامة الديني المعروف، وابناء الضامن الذين حتى الأستاذ " عبد الرحمن الضامن " وهو منهم و غيرهم و غيرهم . . و اضطرّوهم الى ترك المحلّة ، علماً ان اهاليهم و اقاربهم الساكنين فيها لم يحرّكوا ساكن !
والآن و انا طريح الفراش ، لم يزرنا احد من اهالينا و اقاربنا الساكنين في المحلة، عدا النساء و هن يتحدّثن بالم عن خوفهن و خوف رجالهن على عوائلهم و اطفالهم . انا اشكرك من كل قلبي على عنايتك و على موقفك الجسور، ولكن الرّد بهذا الشكل على كل شهامتكم ، سيعقّد المشكلة اكثر .  . عندما اتشافى سأترك الدار و اعود اليها عندما تهدأ الأمور، و كما قلت انت ، انها هجمة منظّمة ، و لكنها تزداد و تقلّ وفق الوضع السياسي، الذي لا بدّ وان ينحسم .  .  ثم لكل حادث حديث !
.   .   .   . 
التفت " امّوري " الى " ابو جواد " قائلاً :
ـ " ابو جواد " ، احنا لازم نخبّر "محسن " حتى يعود لأهله ، لأننا ما نحتاجه بعد، لا هو و لا اخوته و ولد عمّه .  . . اتّصل به بالتلفون من بيت الجلبي على مكتب الدلال، حيث ينتظر  . . 
ثم التفت الى الوالد و هو يقول :
ـ قلنا لهم ينتظرون كاسناد النا في مكان قريب، لأن يجوز نحتاجهم !! 
قال " ابو جواد " بعد سكوته الطويل :
ـ انا دائماً افكّر ، كيف استطاع مؤسس الحزب فهد ان يشكّل حزب واحد يضم كل العراقيين و بالأحرى فقراء العراقيين والداعين الى انصافهم و انصاف كل ضحايا القمع و القسوة . . بالدعوة الى التقدم و الديمقراطية و بالعلوم والمعرفة ، عمال و فلاحين ، طلاب و مثقفين ، رجال و نساء . . اهل الريف و اهل المدينة، اهل البراري و الجبال .  .  عرب ، كورد ، تركمان ، يزيدية و آثوريين و كلدان و صابئة ، سنة وشيعة ، اسلام و مسيحيين ، حزب تنظر له اوسع الناس بأمل و تنخرط وتكافح من خلاله وتتبع اخباره و مواقفه  .  .  و كيف اختاره رفاقه كقائد اتفقوا على ان يقودهم ، و متى ؟ في الثلاثينات .  . و هو مسيحي كلداني !!           
.   .   .   .
.   .   .   .
.   .   .   .
قال " ابو جواد " :
ـ عزيزي " ابو محمد " آني من رأيي اذا اردت ان تزور امّوري . .  تروحون وايّا العائلة الى بيت عميّ " سعّودي " تسلّمون عليه كعادتكم ، و لكن بدوني لأسباب تفهمها، و انا من جهتي اوصّله خبر حتى يأتيكم اذا استطاع ؟ .   .  المحروس ابنك يعرف اين يقع بيت عميّ .  . 
و للتأكيد استدار اليّ سائلاً :
ـ تعرف البيت مو ؟؟
ـ نعم خالي .  .  اعرفه طبعاً .  .
.   .   .
.   .   .
في ضحى اليوم التالي ، وفيما كنا مع " حسين " ابن الخال الكبير " سعّودي " . . على سطح دارهم للتفرّج على انواع الطيور التي كانوا يقتنوها، في ابراجها . ظهر رجل من خلف سياج سطح الجيران ، بعقال و كوفيّه ، ذو لحيّة كثة شيباء مصففة و قال بصوت واضح مسموع و مألوف :
ـ يا اهلا وسهلا يا ابو محمد !! ياميت مرحبا !!
ـ يا اهلاً يا ابو ابتسام ! عاش من شافك !!
ـ والله احسن مفاجأة استاذ !!
ثم بهمس من خلف السياج بعد ان صارا متقاربين :
ـ يكلّك " طريق الشعب " العدد الجديد جايبه واياك .  . ؟!!

(يتبع)

8 / 4 /  2009 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1   اي ، رجال على قدر تلك المسؤولية .
2   يكولون، يكلّك . . تعني باللهجة العراقية الشعبية ، يقولون و يقولون لك . .
3   بمعنى ، اليس من الطبيعي ان يزوركم ؟
4   الطَرَفْ ، يعني المحلّه .
5   بمعنى ، يعمل عمله شنيعه .  .
6   الطيّاح هنا بمعنى .  . الضائعين ، التائهين .
7   راح يستكلب ، بمعنى سيستكلب .
8   بشربة ماي ، تعني بشربة ماء . .  يعني ببساطة . .
9   الصِداميين من صِدام . . اي من المتهيئين للأصطدام بالعنف ان تطلب الأمر، في زمان كان للأشقياء مُثُلْ و دور في حماية محلات السكن و بنات و ابناء المحلة .  . ثم في حماية المظاهرات والفعاليات الوطنية . . ويختلفون جذرياً عن الأشقياء المأجورين، سواءً للسلطة الحاكمة او لمن يدفع اكثر .

191
عيدك للشعب . . افراح وآمال !
  ـ 2 ـ 

 د. مهند البراك
 ahmedlada@gmx.net
.  .  .
.  .  .

بقيتُ واقفاً بين الأسلاك الشائكة . . انتظر الرسالة الجوابية التي طلبت من " فانوس" ان يأتينا بها من الوالد للتاكد من انه موجود في المعتقل وانه استلم الخمسة دنانير التي بعثناها له ؟! ام لا !!
طال الأنتظار و طال . .
   وبينما كنت اجول بنظري حول المكان . . شاهدت العسكري خلف دوشكا الدبابة القريبة ينظر اليّ بنظرات جادة .  .  بعينين كانتا تتلامعان لمعان نصل الحربة الصقيل تحت ضياء الشمس . . فجمدت في مكاني انظر اليه لأتبين لماذا نظراته تلك ؟ ولماذا تتلامع عيناه بذلك الشكل المخيف .  . ؟
ولمّا لم اصل الى نتيجة افهمها . . ادرتُ بصري و نظرتُ الى الثكنات وبقيت انتظر . .
.   .   .   .
فجأة .  .  لاح " فانوس" و كان يمشي باقصى سرعة محدودب الظهر، وكأنه خيال ( ظلّ) في ذلك الغروب الذي بدأ يهيمن و وسط الضجيج الهادئ لآلاف العوائل التي لاتزال تنتظر  . .
وصل قريباً من الأسلاك و جلس يرتّب قيطان حذائه و رمى باتجاهي بشئ صغير مكوّر ابيض سقط بين الأسلاك قربي . . ووقف وقفل عائداً بنفس تلك السرعة !
   مددت يدي بسرعة نحو ذلك الأبيض المكوّر لألتقطه واحسست به كونه ورقة مدعوكة مكوّرة . . ازدادت دقّات قلبي عنفاً وانا اسحب يدي القابضة عليه، فعلق كمّ قمصلتي باحد الأشواك المعدنية الناتئة من الأسلاك الشائكة . . فهدّأت نفسي لأحرر كميّ منها فيما كان الوقت يمرّ سريعاً . .
وفجأة !!
انطلقت صليّة قصيرة مرعبة من دوشكا الدبابة القريبة . . احسست بها و كأن الأرض كانت تهتزّ بي . . وحررت كميّ ، و بعد ان دسست الورقة في جيب بنطلوني ، تراجعت بسرعة لأعبر الصفّ الخارجي من الأسلاك وسط هدوء كأنه هدوء اموات .  .  هدوء ساد الساحة التي كانت تغلي قبل دقائق بذلك الضجيج الهادئ  . .
فوجدت نفسي امام ضابط احمرّ وجهه و احتقن من الغضب . . كان الشرر يتطاير من عينية المبحلقة في وجهي ، و صاح على الجنديين المرافقين له باسلحتهما الأوتوماتيكية :
ـ استمرّوا بسرعة لتفتيش السياج الى  .  .   الى نقطة حجي ابراهيم !!  بسرعة !!
ثم استدار الى بسرعة و دون اية كلمة ، تلقّيت لطمة على وجهي من يده الثقيلة ، رمتني ارضاً وانا اشاهد بين الومضات التي كانت تومض و تنطفئ والتي ارتسمت امام ناظري . . عسكري الدوشكا القريب ينظر الى جهة اخرى و يداه على مقبض الدوشكا بذلك الإتجاه  . .
صرَخَتْ ستّ جوزفين التي كانت الأقرب الىّ وكنت في مدى رؤيتها .  .  .  صرخت صرخة رعب ، فيما كانت والدتي تقترب بعبائتها منها لترى ماذا كان يحصل ، لأنها علاّمها عن سلامة ابنها . .
صاح الملازم وكأنما ليُسمعْ كلّ من كان قريبا ، فيما كان يقترب من المرأتين و يوجه كلامه لوالدتي :
ـ حجيّة ليش ماضبطتِّ ابنك ؟ !! ما تعرفين قانون رقم  13 الساري بحق كل من قادر على حمل السلاح ؟!! آني اكدر اعدمكم هنا حسب الأوامر التي عندي !!
حتى صار قريباً منهما وواصل بصوت يشبه الهمس وهو يحدّث والدتي :
ـ ليش تسوّنْ هالشكل ؟ مو آني دا اشوف وغاظّ النظر . . اني اللي اكدر عليه اسوّي . . حجيّة والله هذا كفر . . تره والله يعدموني وايّاكم كلكم . . قبل يومين هرب عدد من المعتقلين من موقف وزارة الدفاع وعندنا هنا  معتقلين اثنين لم نجدهما بعد التعداد .  . حجيّة لازم اضرب الصبي لأن آني منكم آني " ... ابو العيس " ... نص عوائلنا معتقلة افتهمتيني حجيّه ! ويجوز اضربه بعد .  . !!!
ـ ابني نشكرك وماعليك عتب !!
انسحب الضابط بسرعة و هو يصيح على عدد الدبابة القريبة :
ـ هذا صبي وكيح ماكدرت امّه تسيطر عليه !! ماكو شي، كل واحد على مهمته  !!
واستدار اليّ :
ـ قوم .  . ولكْ !! .  .  قوم روح الى امّك !!!
استطعت ان اجرجر نفسي و الدماء تنزف من فمي و انفي ، و من رأسي الذي جرح اثر ارتطامه ارضاً بحجر . . وتجمّعنا بلا اي صوت و ودّعت والدتي ستّ جوزفين بكلمات قليلة وبسكون . . بعد ان اتفقتا على ان تتخابرا تليفونياً . . وعدنا بربل مع " ام مفيد " و ولدها والتي كانت شاحبة معتصمة بالصمت و كانت تكرر :
ـ الحمد لله والشكر .  . الحمد لله والشكر . .
بقي الصمت مخيّماً علينا جميعاً ونحن نعود بالربل الى " شارع النضال " الذي كان لايزال مكتظاً بالعوائل العائدة من موقع المعتقل . . وهي محاطة بمراقبة اعداد تزايدت من المسلحين، وتحت انوار كاشفة قوية . . بعد ان هبط الظلام فعلاً .
   وذهبت مسرعاً للجلوس في مقدمة الطابق الثاني للباص العائد كي اكون منعزلاً عن عيون من قد يراقب . . وتحسست بيدي الورقة المدعوكة في جيبي واطمأنيت على وجودها، ثم اخرجتها وفتحتها وكانت عبارة عن ورق سلوفان علبة سيكاير، كتب على ظهرها رسالة بخط والدي الواضح فعلاً ، رغم سرعته في الكتابة و حدوث تداخل وتقطّع بعض الكلمات :
" ولدي الحبيب
انا و محمد عـ   لي و ابومفيد بخير. لا تقـ لقو  ا
اقبلكـ  م واهتمـ  وا  ب امكم
ابوكم  "     
وذهبت بسرعة الى والدتي و ام مفيد الجالستين لطمأنتهما . . فتهلل وجهاهما .
و سألتُ والدتي :
ـ هل كان ذلك الضابط شيوعي ؟
ـ ابني . . انه انسان طيب . . لاتزعل من ضربته !!
ورأيت الدموع تترقرق في عينيها وقبّلت عينيّ . .
.  .  .
كانت الدبابات لم تزل واقفة في مفارق الطرق الرئيسية في الكاظمية .  .  .
وكانت الناس تتناقل اخبار تهديم و تسوية احياء كاملة بالأرض في مناطق تقع بين شارع الكفاح وشارع الجمهورية ، في بغداد
   تهديم وتسوية وتشريد .  . ساكني الصرائف في مناطق : الشاكرية و العاصمة والمجزرة ، (لأسباب امنية !!) بعد حصول الأشتباكات المسلحة فيها مع الأنقلابيين، ولعدم السيطرة عليها وهي تواجه رجال الأنقلاب بالأستهزاء، الذي كانت قمته حين (عفط ) (1) احد الحضور واجابه ثاني تعليقاً على رئيس وزراء الأنقلاب في كلمة له في منطقة الشاكرية . . بعد قوله ( ثورة 14 رمضان العظيمة !! ) .  . كما تناقل الشهود و الناس في ذلك الزمن .   
.  .  .
.  .  .
رغم كلّ المحن .  .  استمر الحزب الشيوعي العراقي بالنشاط ملبياً آمال الأوساط الشعبية الواسعة التي كانت توزّع جريدته المركزية " اتحاد الشعب " ثم " طريق الشعب " المطبوعة والمكثّرة بالرونيو والمستنسخة بالكربون ، اضافة الى النشرات الحزبية والأخبار التي كانت الناس تتلهف لمعرفتها ولمعرفة التفاصيل، ومحاولة تقدير ماسيحصل  . .
   لم تنكسر ارادة مقاومة الوضع الأنقلابي الجديد الذي حاول دفن مكتسبات جمهورية 14 تموز
و كانت الأحاديث تتكاثر عن .  .  . " حركة الأنتفاضة " ، " الجناح الثوري " ، " العمل الحاسم " ، " خط حسين"  وكلّها كانت تنطق باسم الحزب الشيوعي واستمرار و تصاعد تحديّ منظماته ورفاقه . . فيما كانت الأنذارات العسكرية ، وفي قواطع (الحرس القومي) تتواصل بفزع . .   
حتى ان صاحب " مقهى البرلمان " فزع ذات مساء من نقاش علني في مقهاه وصل . . الى :
ـ الروح المعنوية للجماهير المقاومة عالية  .   .  تعني انها تحتفظ بالأمل !!
واجابه نائب ضابط بملابسه العسكرية :
ـ ما يتقلىّ البيض بالضراط ؟ .  .  المطلوب سلاح !!
.   .   .   .
.   .   .   .
في 7 نيسان 1963 اصرّ الحرس القومي في النجف على الأحتفال في ساحة المقام الشريف رغم اعتراضات السادة المراجع ورجاءات وجوه المدينة و توسلاتهم و وفودها اليهم طالبة بعدم اقحام الدين والمذهب بالسياسة . .
   وفي الحفل الذي اقامته آمرية الحرس القومي في النجف و قيادة العفالقة واثناء كلمة احدهم . . انطلق صوت صفير . . اشتدّ واشتدّ بسرعة هائلة لينتهي بصوت و كأنه صوت انفجار كبير ثم اصوات متقطّعة ارعبت المحتفلين الذين تدافعوا على بعضهم وعلى الكراسي للهروب من الساحة  . .
بوووووووو م م م  !!
بو .  . بوم .  . بو .  . بو بو .  .
.   .   .   .
.   .   .   .
و بدقائق خلت ساحة (الأحتفال) بالكامل
ولم تبق الاّ اكوام الأحذية و غدارات بورسعيد المرمية هي وشواجيرها هنا و هناك ، اضافة الى المسدسات . . واغطية رأس و بدلات الحرس القومي المرمية الممزقة المنزوعة على عجل و المرمية على مدى الرؤية في المنطقة .  . اضافة الى عمائم وبقع دماء هنا وهناك، قيل انها من الجروح التي حصلت بسبب التدافع .  .
   فيما تحرّكت ارتال السيارات المدرعة و الدبابات للتصدي للمتآمرين من ( الشيوعيين والشعوبيين والعملاء )، على حدّ مكبرات الصوت .  .  انذار وانذار . . واعلان منع تجوّل .  . 
انقلاب في النجف !!
في النجف ؟ !!
.   .   .  .
ليتبيّن ان سبب كلّ ذلك كان خللاً في تركيب و توصيل اسلاك مكبّرات الصوت و البروجكترات المعدّة لأحتفال 7 نيسان .  . فيما تزايد الهرج و النكات : 
ـ بالهزيمة كالأرانب المذعورة . .
ـ وسفة البلد بيد هيج طيّاح حظ !!
ـ شفتو فلان ؟ حتى ما عرف يرتّب سرواله الداخلي . . ؟
ـ ولكم هذه قضية سلطة وشعب . . مو شيل زرور !
ليثبت من جديد كم كان يخيفهم ما ارتكبت اياديهم من جهة وكم هو مخيف حزب الكادحين العراقيين الحزب الشيوعي لحثالات كتلك . . مخيف حتى و هو جريح بجروح كانت قاتلة فعلاً !! فيما اعتقد قسم ان الشيوعيين و اعضاء الجمعيات الفلاحية هجموا من ارياف الفرات التي كانت قراها تحميهم !! بل واّتصل البعض من الفرات يدعون الهاربين من الأعتقالات ومن كان يبحث عن ملجأ في بغداد . . يدعوهم الى المجئ الى قراهم في ريف الفرات . .
.   .   .
.   .   .
و ما ان حلّ ايّار 1963 .  .  حتى بدأ هجوم الحرس القومي على وجوه عدد من خطوط ومنظمات  القوميين العرب التي تعاونت معهم في الأنقلاب المشؤوم .  .  وانتشرت اخبار بدء تحطم تحالفهم ، وبعده بأسابيع بدأ هجوم القوى العسكرية بقياداته العفلقية على كردستان العراق، ضارباً عرض الحائط الخط الكوردستاني الذي حيّا الأنقلاب و دعى الى .  .  " تلاحمت ثورتان " ، واخذ القتال اطواراً وحشية غير مألوفة في السابق ، بقوات ( فرسان صلاح الدين ) و ( فرسان الوليد ) . . بل وبدأ الدعم من الجيران يأتي حتى بقوات الهجّانة و الجمال المرسلة من الجيران .  .  اضافة الى الدروع و القوات الخاصة التي كانت تعد لـ (تحرير فلسطين ) هناك . . وتاهت الجمال ونفق قسم منها في الجبال !!
   فيما قاتل رجال البيشمركة الشجعان دفاعاً عن قراهم  .  .  بدعم و بمشاركة فعّالة من الضباط و العسكريين الشيوعيين و الديمقراطيين و عديد من المناضلين الديمقراطيين من العرب و الكرد ومن القوميات والتكوينات الأخرى ، الذين لجأوا الى الثورة الكردية للتصدي للحكم العسكري الدموي في بغداد ، حيث ساهمت وحدات البيشمركةالأنصار الشيوعيين و التزمت بالتحصين والدفاع عن اخطر المواقع في كوردستان العراق آنذاك وعلى خطوط التماس مع قطعان الدكتاتورية العفلقية . . كما روى و تحدّث به ابناء تلك المناطق بعد عقود . . حين تحدّثوا عمّا عاشوه وعرفوه عن المقدم سعيد مطر ، رئيس كمال . . وعن ملازم خضر والمرحوم ملازم احمد الجبوري وغيرهم و غيرهم . 
   لقد بدأ تصدّع الحلف اللامقدّس الذي قام من اجل تحطيم التجربة الديمقراطية الوليدة التي دعت اليها ثورة 14 تموز ، التي واجهوها بانواع الكمائن والمخططات،  التي عمل لها ذلك الحلف الذي ضمّ : العفالقة والطغم العسكرية المتغطرسة، المنظمات القومية الشوفينية العربية، القومية الضيقة الأفق الكردية ، المنظمات الطائفية الأسلامية الداعية والعاملة على تفتيت البيت الأسلامي على اساس بعث الطائفية ـ من سنيّة و شيعية ـ  . . بدعم الشاه الإيراني و دوائر النفط و السنتو و الناتو .
   ليسري ذلك التصدّع سريعاً الى حزب البعث ذاته ، التصدّع الذي كان يتعمق و يهدد بانواع الصراعات الداخلية العنيفة ، فبعد صراع القادة على المناصب و الغنائم ، والصراع بين حاملي المبادئ وبين المتعطشين الى السلطة بأي ثمن .  .  شعر قسم من اعضائه و منظماته بانهم لا يسعون لتحطيم الحزب الشيوعي بل انهم يسعون بذلك الهدف الى تحطيم شعبهم ، لتزايد سعة من طالته ايديهم بدعوى انتمائه للحزب الشيوعي .
   اضافة الى تعبير قسم منهم ، بان قضيّتهم ذاتها التي عملوا من اجلها، صاروا يحطّموها بايديهم بطاعتهم لعدد من قادتهم الذين ساقوهم . . من اجل احلام زعامة و مغريات اغرتهم، و انسياق قسم منهم الى مخططات شركات النفط و قطاراتها . . التي كانوا يسهرون على تنفيذها دون حساب مصالح و حقوق البلد . .
   بالأضافة الى تفاقم الصراع الذي لاينتهي بين اغنيائهم واللاعبين من اجل تحقيق اكبر قدر اناني من النهب لأشخاصهم . . وبين فقرائهم و حاملي مبادئهم التي كانوا قد اقتنعوا بها فعلاً .  . من اجل حقوق العرب و آمالهم النبيلة في التقدم و الخير و السعادة . .
.   .   .   .
.   .   .   .
لم تمضِ ايام على اطلاق سراح والدي، الذي حدّثنا بشكل متقطّع وتحت الحاحنا ، بالمعتقلات التي مرّ بها .  . ابتداءاً من النادي الأولمبي في الأعظمية ، مروراً بوزارة الدفاع شبه المتهدمة كما وصفها . . و وصف باختصار ما مرّ به و ما شاهد من ويلات في ذينك المعتَقَلّيْن ، حتى نُقل مع عدد ممن كانوا معتقلين معه قبيل فجر ذات يوم . . حين اجلسوهم كلاً بين عسكريين اثنين في لوري عسكري، و روى كيف بادره احد العسكريين بتقديمه سيكاره له بقوله :
ـ اتفضل استاذ . . انتو امل الشعب و روحه ! ستلتقي مع الآلاف . .
ـ .  .  .
ـ استاذ آني ما اعرف قضيتك بالضبط و لاانتظر منك رد لأن المسألة واضحة . . واقول لك : بصمودكم تصمد الناس ويقوى املها بالحياة !
وقال والدي :
ـ توقف اللوري العسكري وكان الظلام لا يزال مخيّماً .  .  توقّف في ساحة كبيرة وقف فيها فعلاً آلاف المعتقلين بملابسهم التي اقتيدوا بها فقط . . وودعني العسكري وسلمني علبة سكائره، مع فتحه الكلبجة (2) وقال بهمس :
ـ هذا المعتقل يسموّه . . رقم واحد ! استاذ لا تتصوّر انتو وحدكم، الله يوفقكم !
واضاف الوالد  :
ـ وتبادلنا الأبتسام بصمت !
.   .   .   .
.   .   .   .
لم تمضِ ايام على اطلاق سراحه .  .  حتى سمعنا في صباح 3 تموز 1963 ، اصوات تحليق طيران غير طبيعي ، اعقبته اصوات انفجارات بعيدة .  .  وانقطع البث التلفزيوني ، فيما كان الراديو يبثّ اغاني النصر الحماسية من " امجاد ياعرب امجاد " الى .  .  " جيش العروبة يابطل .  .  "
حين جاء ابن الجيران قائلاً :
ـ يتّصلون بيكم من الحلة ، و يريدون الحديث مع الوالد ! !
وكان واضحاً ان التلفون من اهلنا القريبين الذين اعطيناهم رقم تلفون جيراننا ليتصلوا بنا عند الضرورة فقط . .  حيث ان تلفوننا بقي مقطوعاً !
.   .   .
ـ شيخ شعلان . . ؟ ! يا الف اهلاً و سهلاً ، يامرحبا !! اشلونكم ؟ ؟ شلون صحتك ابو مجبل ان شاء الله بخير ؟؟
ـ استاذ الله يخليّك ما اطوّل عليك .  .  تفضلوا وايا الأهل عندنا !! ام مجبل و الأهل ، كلنا ننتظركم !! ارسلت الكم سيّارة تجيبكم  .  .  توصلكم  بعد ساعة ، من كلّ و بد هالمرة !! ها !! ابوي ابوي عجّل تره نحنا ذابحين الكم هــــ ا !!! اودعناكم وننتظركم !!  اليوم ابوي !! (3)
واغلق السماعة .  .
وتمتم والدي ونحن عائدين للبيت :
ـ هاي يظهر اكو شيئ جديّ صاير .  .  و من صدك !! ولدي اسرعوا !!
.   .   .   .
وبينما كنّا نرتّب الحاجات ، وصلت سيارة ابو مجبل .  .  وسط تساؤلاتنا هل شيخ شعلان و اهله سنّه لو شيعة ؟؟
وكان الوالد يجيبنا :
ـ ولدي ، شيخ شعلان محسوب على " الملاكين الديمقراطيين " (4) ، انسان الله موفقه بالحلال ، وهو من الوجوه الديمقراطية في الفرات .  .  بعدين ولدي انتو ، ياسنّة ياشيعة ، هذا العراق و لدي . . من زمان العشاير تبدّل مذاهبها لمقتضيات و ضرورات . . عشاير تسننت و عشاير استشيْعَت . القضية قضية سبل تحكمها اصول و تقاليد وعادات .  . و قضايا ورث و زواج و عداوات و مُصالحات، قضايا ماء و اراضي و معتقدات و غيرها الكثير .  .  والاّ اشلون عمامي واحد شيعي و واحد سنيّ .  . 
   ولدي هذي طائفية كريهة ما يشجّعها الاّ الأستعمار و مصالح الدول . .  والاّ اشلون ايران شيعية وكانت بالسابق من اكثر الدول الأسلامية تمسكاً بالمذهب الحنفي السّنيّ . .  واللي يعجّب اكثر ان قيادة حزب البعث الذي قام بانقلاب شباط غالبيتها من الشيعة !!! 
.   .   .   .
.   .   .   .
كانت اصوات الجيران و المحلة تتصاعد :
ـ انتفاضة في معسكر الرشيد !!
ـ ثورة يقوم بها ضباط الصف !
.   .   .   .
.   .   .   .
كانت انتفاضة البطل حسن سريع و رفاقه !!
(يتبع)

2 / 4 / 2009 ،  مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   عفطَ ، بمعنى صوّت اصواتٍ مستنكره ، بالنفخ بقوة والكف تطبق على الفم و تتحكم بالصوت .
2.   جامعة اليدين المعدنية .
3.   ذابحين لكم ، بمعنى ذابحين حيوان . . و بمعنى الأصرار على ان تأتوا، وعدم الذهاب يعتبر عيب كبير و عدم احترام .
4.   جمعيات ريفية ضمّت الملاكين المتوسطين والصغار، وكانت نصيراً للجمعيات الفلاحية في عهد ثورة 14 تموز ، و صدور قوانين الأصلاح الزراعي .



192
عيدك . . للشعب ، افراح وآمال !
 ـ  1 ـ 
               
                                                                              د. مهند البراك
                                                                   ahmedlada@gmx.net                 

   تثير الذكرى الخامسة و السبعون لولادة الحزب الشيوعي العراقي المناضل احساسا مترابطاً بالأمل والألم و الفرح .  .  والشعور بالخشوع امام ذكرى وواقع جحافل الثائرين على تعاقب العقود . . وبالرهبة والشعور بالعرفان والحنين الى الذين ضحّوا بالغالي والثمين في سبيل سعادة العراق والعراقيين نساءا ورجالاً ، شبابا و شيبا واطفالاً . .
   وفيما تثير الذكرى الأحاسيس بحقيقة مسيرة حياة الشعب العراقي على مرّ العقود ، فإنها تبعث شعوراً تأملياً بالدور البارز الذي لعبه .  . حزباً و فكراً ، اعضاءاً ومؤازرين وسائرين على هديه و معه . . في تاريخ العراق القريب والمعاصر، من اجل الخبز والحرية والديمقراطية .  . التي لا تتوفر الاّ في وطن حرّ و شعب سعيد .

   منذ زياراتنا ونحن اطفالاً صحبة اهالينا، لأحبائنا في سجن نقرة السلمان وسجن بعقوبة، وفرحنا الطاغي بلقاء احبة كانوا كالقديّسين نحلف برؤوسهم وبسلامتهم لإنهاء اختلافاتنا ونزاعاتنا على امور يومية فيتوقف الحديث والمشاحنة عند رهبة ذلك الحلف الصادق . . رغم الصوندات التي ذقناها واهالينا ونحن نزورهم او نحييهم ولو من على بعد .
   لتمر الأعوام ونكبر . . وتنفجر المظاهرات في الأعظمية عند منطقة كلية الملك فيصل واعدادية الأعظمية للبنين ضد العدوان الثلاثي على مصر، ومن اجل الحياة لأهالي بور سعيد ، حين تصاعد هتاف " ياشباب تعالوا نجدد الوثبة " وكانت القنابل المسيلة للدموع تجعلنا نختنق ونتساقط ارضا في " شارع الشباب " مقابل ثانوية الأعظمية للبنات . . حين كنّا صغاراً نريد ان نعبّر عن غضبنا وحبنا لأهلنا و لشعبنا، ومن اجل اطلاق سراح السجناء السياسيين وعودة المفصولين و المبعدين . .
   وحتى انفجار ثورة الشعب  في 14 تموز 1958 . . حين امتلئت الساحات والشوارع بالجماهير رجالاً و نساءاً من كلّ الأطياف ، وبقينا نطوف ونطوف مع الجموع منذ فجر صباح ذلك اليوم الصيفي والى ليله ، حيث فتحت  البيوت والمصالح ابوابها لإطعام المحتفلين والمتظاهرين . . بعد ان امطرونا بالملبّس والحلويات بل وبالنقود . .
   لتستمر الفرحة ونسافر الى سجن بعقوبة لأنهم كانوا يطلقون سراح السجناء الأبطال ، حين انتظرنا وانتظرنا وقالوا . . " انهم يكسّرون حديدهم !! " (1) و " قد لايستطيعون المشي بسهولة بعد تكسير الحديد !! "
   وتذكّرنا انّنا سألنا السجناء الشيوعيين عند مواعيد المقابلات عن سلاسل الحديد الرابطة بين ترابط حديد اليدين وحديد القدمين، واجابونا بلطفهم و بضحكاتهم الرنانة " انهم يشدوّنه عند المقابلة فقط . . لأنهم يخافون !! "
حين قالت الجدّة في ذلك الحين  : وِلْدي يخافون من مَنْ ؟
ـ مننا ومنّكم !!
ـ ولكنكم في السجن ! ونحن مطوقون بالحرس . .  !
وقال صوت جاد متألم وبخفوت :
ـ انهم مقيّدون طوال الوقت، وحسب نوع العقوبة !   
.   .   .
فجأة سمعنا صوتا كالرعد يهتف بحياة ثورة الشعب ! " عاشت ثورة الشعب "
قالوا : كسروا حديده ! انه يخرج  . . انه المناضل زكي خيري !! 
لم نستطع ان نراه حين التفت الجموع حوله وتصاعدت الأكف بالتصفيق والحناجر بالهتاف بحياة الحزب ومناضليه . . 
كنا ننتظر خروج ابن عميّ عدنان البراك !! الذي رأيناه لأول مرة في السجن عند موعد المقابلة .  .  حين كانت صورته في بيتنا مؤطرة باطار ثمين ومعلقة على سجادة حائطية صغيرة نظيفة على الدوام ، كانت تثير فينا مشاعر وكأننا نقف امام احد الأتقياء الورعين، على وسامته وشبابه . . حين كانت تنساب الدموع من عيني امي عندما تلحظها ونحن جنبها .  . 
.  .  .  .   
عدنان خرج .  .  خرج !!
خرج الأبطال !! خرجوا !!       
.   .   .
كانت اعراس و افراح واصوات اهازيج من بيوت كل الجيران . . ثم محاكمات علنية انتظرتها الناس بفارغ الصبر، حتى كانت الشوارع تخلو من المارة عند بدءها . .   
وكانت انتخابات و نقابات و مسيرات حتى الصباح . . تجتاز الشوارع الرئيسية التي كانت تكللها انواع الأطواق (2) المزينة .  .  و الجواهري الكبير يصدح في عيد العمال في الأول من ايار :
بكم نبتدي واليكم نعودُ   ومن سيب افضالكم نستزيدُ
.   .   .
زيادات في الرواتب و جمعيات تعاونية و استهلاكية واخرى واخرى .  .
كنّا نرى وكأن باصات مصلحة نقل الركاب ازدادت بشكل كبير . .
اهالي المحلات يتطاعمون . . اطباق الزردة والحليب واطباق الهريسة و توزيع لحوم ذبائح النذور
.   .   .
   كانت الناس تتدافع لمشاهدة لقطات بثها تلفزيون بغداد لمراسيم وصول واستقبال القائد الكردي الملا مصطفى البارزاني حين قدم على ظهر باخرة سوفيتية الى ميناء البصرة التي خرج اهاليها ونقاباتها واتحاداتها تحييه وهي تهتف . . " على صخرة الأتحاد العربي الكوردي تتحطم مؤامرات الإستعمار " ، وكنا نتابع ونحن مبهوري الأنفاس صورة قائد الأكراد وهو بملابسه القومية
.   .   .
افراح وتفاؤل وآمال عريضة رغم ان الحكومة ضمّت في تشكيلها كل الأحزاب العراقية عدا الحزب الشيوعي العراقي لولب نضالات الشعب من اجل الحرية الديمقراطية ومن اجل " الوطن الحر والشعب السعيد " ، الذي قدّم قادته والعشرات من اعضائه ومؤيديه شهداءاً .  .  وكان صاحب اكبر عدد من السجناء السياسيين . .
نقاشات و نقاشات .  .  . في الدوائر و المدارس و الكليات و البيوت والمجالس و المقاهي
نقاشات تدعو للتفاهم و التقارب بين كل القوى الوطنية العراقية . . وكان هناك دوماً من يصعّد التباعد . . وكأن كل طرف من الأطراف يشعر بأنه الأحق وانه الأقوى . . لم تتحقق قضية وحدة القوى الوطنية وبقيت الناس تتسائل : لماذا لماذا ؟
حين كانت اطرافاً من خارج الحدود تحرّك وتغدق الأموال وتجهّز . . اطرافا كانت ترى العراق مخيفاً لها ان توحدت فصائله و ان استطاع الوقوف على قدميه . . والى الآن !!   
.  .  .   
لتتغيّر الصور اكثر . .
اكتشاف قنبلة موقوتة تحت جسر الجمهورية !
حريق في شارع الكفاح (الملك غازي سابقاً ) قرب خزان الماء استمر اسابيع .  .   
محاولة انقلاب وصدامات في الموصل . . ثم في كركوك !!
اغتيالات . . واغتيالات لاتنقطع 
اغتيال المربي " ممدوح الألوسي " مرشح " القائمة المهنية " في انتخابات المعلمين ، الذي اغتيل بضربه بغطاء صندوق سيارته حين كان يفرغه ، و بمرأى من زوجته التي فقدت الوعي . .
اغتيال القائد النقابي البارز " خليل ابو الهُوب " في منطقة ساحة النصر ، الذي اثار عمال العراق ونقاباتهم التي استطاع الإتحاد العام ان يخفف منها بدعوته الى تشييع القائد النقابي بصمت في شارع الرشيد . . فسارت الجموع العمالية التي ملئت شارع الرشيد على طوله من باب المعظم الى الباب الشرقي . . تتقدمها الموسيقى الجنائزية التي اصر رفاقه على الدبكة معها دبكة الخناجر والسيوف الداعية الى ان دمه لن يضيع . . ! 
لتصل الذروة في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم واستشهاد سائق سيارته العسكرية الجندي الأول " حرز ". . كحل اوحد (3)
محاكمات ، توتر ، استعدادات ، بكاء !! بكاء على من اغتيل و بكاء على من عوقب . . فكلهم ابناء البلد الواحد .  .  اغلاق صحيفة " اتحاد الشعب " وانطلاق صحف " 14 تموز " ، " الشبيبة الديمقراطية " 
خطاب الزعيم في كنيسة مار يوسف .  .  و " عفى الله عما سلف " ، " الجيش فوق الميول والإتجاهات " و الشرطة " بس الله يدري " .  .  تقييمات وتهجمات ، التزامات حزبية و صمت، ثم التزامات وعدم رضى .  . !!
.   .   .
اندلاع القتال في كوردستان . . باشتباك رتل عسكري مع بيشمركة في دربندي خان ، لاقى استجابة سريعة في مضيق بازيان حيث حصل اشتباك اكبر .  .
مظاهرات كبيرة لم تنقطع في شوارع العاصمة بغداد نظّمها الحزب الشيوعي العراقي طالبت بـ " السلم في كوردستان " . . وحتى تنظيمه المظاهرة المركزية الكبرى التي قدّر عدد مشاركيها باكثر من نصف مليون آنذاك رجالاً و نساءً ، والتي انطلقت من ساحة النهضة وتصدّت لها وحدات الأمن . . و " الأنضباط العسكري " الذي انضم قسم من افراده الى المتظاهرين . . وتسببت بجرحى و معتقلين اثر صدامات بين رجال الأمن والمتظاهرين . .
وفيما كان الحزب ينادي بـ :
" وحدة القوى الوطنية هي الكفيلة بشل مؤامرات الشركات النفطية " .  .  صدرت فتاوي تنادي بتحريم الشيوعية . . سخرت منها الناس في العاصمة واضطربت بها اوساط ريفية غير قليلة . . ليحترق بها من اصدروها حين استدارت نيران من راهنوا عليه . . عليهم وكوتهم ! 
.  .  .
   تحذيرات متواصلة من اوساط متنوعة ملتفّة حول الحزب، تحذّر من تنقلات بين العسكريين ، لقاءات في الظلام . . و تحذّر من مخاطر اعادة الأعتبار لضباط كبار معروفين بمعاداتهم للديمقراطية وبتزمتهم العسكري وسلوكياتهم الشوفينية . .
   الحزب يحذّر السلطة ويغرق منظماته و مؤازريه بالإنذارات المتواصلة ، حتى اخذت تفقد قيمتها . . رغم وصول تحذير له من اوساط محبة له ، افاد بتحديد موعد محدد لقيام انقلاب وشيك ، اثر ثرثرة احد مشاركيه من ضباط القوة الجوية .  .  لصديقته !! 
.  .  .  . 
و كان ضحى يوم جمعة من ايام رمضان ، وبعد ان سمعت اصوات انفجارات وتحليق طائرات قاصفة ، اعلن راديو بغداد عن قيام انقلاب اسود في 8 شباط  1963 !!
   كانت مفاجأة و ذهول . . استقرّا على المقاومة . . مقاومة للدفاع عن الجمهورية الأولى ومكاسبها . . وانطلقت مقاومة شعبية تقاوم الأنقلاب اخذت تسري من التجمعات المحتشدة في باب وزارة الدفاع مقر الزعيم والتي طالبت بالسلاح ولم يستجب لها . . الى عقد الأكراد وشارع الكفاح ، الكاظمية ، الشاكرية و حول الإذاعة .  . ثم في معسكر سعد .  .
لتبرز اسماء عشرات المناضلين في صدامات الشوارع من القادة الحزبيين كالشهيد " محمد صالح العبلي" . . الى المقاومين الشعبيين كالشهيد " سعيد متروك "و " المناضلة ليلى الرومي " وعشرات و مئات الكوادر والأعضاء والمؤازرين رجالاً و نساءاً .  .  رغم صدور بيان 13 سئ الصيت من الحاكم العسكري العام آنذاك !
   لتتوالى الأعتقالات و القتل وفق قوائم معدّة بدقة ومن زمان لكل ذي علم او عي ومعرفة .  .  . ولتتضاعف اعداد آلاف المعتقلات و المعتقلين في الملاعب الرياضية كالنادي الأولمبي، ملعب نادي المنصور و نادي المهداوي بعد تحطيمه . . وليفتتح الف " قصر نهاية " (4) في العراق من اقصاه الى اقصاه ولتستشهد قيادة فاعلة ميدانية للحزب على راسها امينه العام الشهيد سلام عادل . .
.   .   .
لتهتف قصيدة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري :
امين لاتغضب فيوم الطــغاة آت      وانف شـــــامت للرغام
امين لاتغضب وان هتك الســــتر      وديســـت حرمات الأنام
ياعبد حرب وعدوّ الســـــــــــلام      ياخزي من صلى وصام
   القصيدة التي كنا نحفظها و نستنسخها سراًّ ونوزعها على البيوت والمدارس وكنا نقرأها في حلقات العوائل المنكوبة فتمدهم بالعزم والصبر و القوة  للتغلب على الدمع والأحزان .  .  ولصياغة الأمل بأنهم اصحاب قضية عادلة . . و بأن النضال في سبيل حق مستباح . . مستمر !
ويبدأ بحث آلاف العوائل عن ذويهم الذين اعتقلوا في ليالي لا قمر فيها و .  .  ضاعوا !!
عوائل المعتقلين تتصل ببعضها عسى ان تجد خيطاً تبحث من خلاله عن ذويها و عن مصيرهم والكل يعتقد انهم موجودون ولم يموتوا ؟!
بحث وبحث و توسلات و رجاءات ووساطات و رشاوي مستدانه لايُعرف كيف ستُدفع  . . وصدود وتحرّشات لااخلاقية وتهديدات ورمي بالقوة خارج البنايات .  .  ورسائل بين المعارف والجيران : فلان مستعد لأطلاق سراح !! فلان ان وافق اهله على تزويجه ابنته او اخته !!!
وكيف و الخيار .  .  . ؟!
بحث وبحث وفق ما قيل وتسرّب من عناوين المواقف و مقرات " الحرس القومي " .  .  امهات يحملن اطعمة كنّ يعدّدنها كل يوم ! كل يوم !! يدرن بها على المواقف . .  لإطعام الغالي !!
و تتسرّب الأخبار . . و يفضح القتلة بعضهم بعضاً
.   .   .   .
تتسرب الأخبار بأنهم معتقلون " خلف السدة " ؟!
وتذهب النساء الى الخال الأكبر يستفسرن . .
ـ ماهو " خلف السدة " . .  هل هو " الشطَيْطْ " (5) . . ؟
وبين النحيب :
ـ هل رموهم جثثاً هناك ؟؟؟
.   .   . 
جاء الخال مهلل الوجه بابتسامته الهازئة باوضاع البلد و بكل ما كان يحدث ، و قال بصوت دافئ حنين  :
ـ خواتي . . هوّنّ عليكن ! الموجود خلف السدة يعني انه من الأحياء العائشين . . هو سجن من عشرات السجون ، وسأذهب الى صديق ابن اوادم عرفت انه لايزال يعمل في " الشرطة السيارة " الواقعة خلف السدة ولابد ان يعرف شيئاً . . لأن المنطقة تعود ادارياً لهم .
   وكانت النتيجة انهن حصلن من صديق الخال على عنوان الموقع وانه يمكن الذهاب اليه بـ " ربل " (6) حيث لاطريق لباصات مصلحة نقل الركاب اليه اضافة الى منع مرور السيارات الخاصة و التاكسي اليه . . مع تأريخ مثبت هو : 1 و 2 نيسان 1963 . . مكتوب بخط يمكن قرائته ، على قطعة من المقوى منزوعة من علبة سيكاير " غازي " .  .
.   .   .
عند فجر الثاني من نيسان ذهبنا . .
اكبر الأبناء مع النساء، استقلينا الباص الذاهب الى " القصر الأبيض " كما كان موصوفاً و نزلنا من الباص عند موقفه هناك . . وكان علينا ان نسير في " شارع النضال " باتجاه ساحة الأندلس . . وقد جلب انتباهنا ان الباص المكتظ بالركاب جلوساً و وقوفاً حتى موقف الباص ذلك  . . فرغ بكامله عند ذلك الموقف . . !!
سرنا و سرنا . .
وكانت عشرات العوائل تسير معنا ، ممن خرجت من نفس الباص و ممن قدمت من الشوارع الفرعية للبتاوين . . لنلتقي بعشرات بل ومئات عوائل اخرى كانت قادمة بمقابلنا من الجهة الأخرى لشارع النضال ذاته والتي سدّت الشارع وكانت السيارات والباصات القادمة عليه تتحرك ببطء كبير كي تتمكن من اختراق تلك الحشود بدون حوادث . .
   حتى وصلنا الى الشارع الفرعي الواسع ذي الممرين بداية ، و المؤدي الى " معتقل خلف السدة " و الذي كان يقع الى جهة اليسار من تحرّكنا  . .
   ازدحم الحشد الكبير للمرور من خلال سيطرة عسكرية كبيرة مكونة من عشرات من رجال الشرطة والحرس القومي ، اضافة الى مدنيين مسلحين كانوا يدققون الهويات ويسمحون و يمنعون ويصيحون و يهددون . . بل واعتقلوا اثنين تحت انظارنا . .
   كان الجميع صامتين ينظرون الى الأسلاك الشائكة المكومة على امتداد جانبي الشارع الواسع . . وسمعت صوتا خافتاً كالفحيح لرجل كهل قال مشيراً بعينيه الى بناية كبيرة على يسار مدخل الشارع الفرعي :
ـ .  .  مديرية الأمن !
سار الجميع على الطين اللزج لزوجة عجيبة وعلى برك الماء ، وبين فوهات انواع الرشاشات المعدة للأطلاق باستعداد حامليها و افراد اطقمها الواضعين اصابعهم على الزناد ، والتي كانت محمولة باليد او منصوبة على اكياس رمل . . . لمدة قاربت النصف ساعة ، للوصول الى موقف الربلات (عربات الخيول) .  .  حيث كانت عشرات العربات تقف بصف تحت سيطرة مسلحين متنوعين . .
   بعد انتظار طويل حملتنا عربة الخيل لمسافة اكثر من نصف ساعة اخرى سيراً في شارع طيني ـ مبلّط اكتظّ بالعربات الذاهبة و العائدة وسط تعليقات اخي الأصغر :
ـ كأننا في تكساس في فيلم " روبرت ميتشام " .  .  " العربة الأخيرة "  !
ـ .  .  .
قالت الوالدة التي ندر وان علّقت ، و بوجه متجهم لاينسى :
ـ شنو القضية ؟؟ قاتلين ناهبين ؟!  كل هذا القتل و المعتقلين المقطوعة اخبارهم . . و هاي الناس التي تبحث مثلنا عن اهلها . . واللي يبين هم من احسن الناس !! . . كلها بسبب مناقشات و تبيان وجهات نظر و رأي بالسياسة . .  والله ما دا افهم . . اول ما تعلّمنا ، تعلّمنا حكمة : " العلم نور " . . شلون واحد يتعلم ، غير بالنقاشات . . اذا كانت النقاشات و تبيان وجهات النظر هاي عقوباتها . . راح يبقى البلد على حاله بل و يرجع للوراء . . و الله يدري من يستفيد من ذلك . . ليش ليش . . هذا العراق كل العرب يحلفون برأسه ! 
.  .  .
صاح الحوذي :
ـ حجيّه وصلنا !
وبعد ان اعطته الأجرة، اضاف :
ـ حجيّه طوّلي بالج ، هسة تشوفين ابوهم .  .  . انتو مو وحدكم  . . حجيّه هاي ملايين الناس !!
ـ الله يخليك اخويه . .
.   .   .   .
صاحت الوالدة بفرح وهي ترى المشهد . .  و الدموع تنساب على خديها :
ـ  الحمد الله . . آني واثقة ابوكم ما مسويّ غلط . . هسة تأكّدت . . يعني مامعقولة كل المعتقليهم مسويّن جرائم !!
وصاحت ام مفيد وهي ترى موقع المعتقل و الناس و العسكريين و الدبابات .  . :
ـ شنو يقولون معتقلين شيوعيين ؟ لكْ (7) هذوله معتقلين كل الناس !!
كان موقع وقوف العربة و نزولنا منها اكثر ارتفاعاً بقليل من موقع المعتقل . . فبدى منظر المعتقل و ما يجري . . كان المعتقل مكوناً من ثكنات عسكرية مبنية على شكل مجاميع من صفوف متوازية ، بدت بيضاء اللون رغم اتساخها بسبب الغبار الذي تثبت عليها بالمطر باشكال رسمتها المياه المنسابة . . كانت قد بنيت لتدريب منتسبي مدارس و قوات الشرطة السيّارة . .
   كان المنظر لاينسى باثارته للرهبة في ذلك اليوم الغائم الممطر . . صفوف الثكنات النظامية المقسّمة الساحات بينها بالأسلاك الشائكه، الواقف عند كل زاوية من تلك الزوايا العديدة مسلّح بملابس نظامية وبخوذة وواقفا وقفة استعداد، يفهم منها انه مستعد للأطلاق في كلّ وقت . . لم يُرَ اثراً لموقوفين فيها او بينها  .  .  كان الصمت يلّفها و يخيّم عليها . .
   وكانت المساحة العامة لكل موقع المعتقل ـ بكلّ ثكناته ـ محاطة باكثر من صفيّن من الأسلاك الشائكة الكثيفة والمرتفعة بقدر قامة انسان . . وكانت هناك اكثر من ثلاثين دبابة و ناقلة مدرّعة مزودة بالدوشكات لحماية الموقع، وفوهات اسلحتها الى كل الجهات الخارجية وقسم منها موجهة للداخل ايضاً . . كانت تحيط بالمعتقل و كل منها في موقع محاط باكياس رمل و مغطىّ بالنايلون ـ حيث كان العسكريون يقضون الأيام بطولها ليلا و نهارا في تلك المواقع كما عرفت لاحقاً ـ  .
   وكان عشرات آلاف الناس بالوان ملابسهم المتنوعة، متجمعين مقابل القسم الأمامي للمعتقل، بشكل ثلاثة تجمعات رئيسية ، كل منها يقابل عسكري جالس وراء منضدة عليها اوراق، كان الناس بشكل طوابير عريضة يقف بينها مسلحون . . يسألون كل واحد من الثلاثة عن وجود او عدم وجود اسم من يراجعون عليه . . فيبحث بالأسماء ويجيبهم مقابل رسم يدفع بمقدار دينارين ان وجد . . وكان الناس يسلّموه اكثر لأيصالها الى ذويهم ان وجدت اسماؤهم مقابل وصل يكتب فيه المبلغ بدون توقيع (حماية لأسرار الثورة !! ) . 
.   .   .
قالت الوالدة من مكاننا :
ـ يا عالَمْ . .  لكْ هاي كل بغداد هنا !! شوفي ام مفيد، هذه ست جوزفين زميلتي في التدريس . . تصدقين ان حوالي نصف معلمات بغداد واقفات هنا ؟
ـ سعاد ! انتِ متأكدة انها جوزفين ؟ الا ترين انها تقف مع رجل معمم ؟ اليست جوزفين مسيحية ؟ . . يعني شلون انجمعوا ؟
ـ ام مفيد ! بلا فلسفة، ما اعرف اشلون . . الناس تريد بس نشده عن اهلها وهاي ام مفيد حايره . . هو هذا العراق !! شوفي ذوله كراد مبين من لبس قسم منهم وتجمّعهم على بعضهم، الله يدري مساكين منين جايين ! هذوله بيض حمر ونساء سافرات يعني في الغالب مسيحيين . . شوفي هذوله عشرات المعممين . . هذوله يزيدية من ملابسهم . . واحنا عرب حتى بينّا السني والشيعي واضحين من شكل العمايم . . شوفي ذوله خطيّة (8) يبيّن جايين من الجنوب من النجف والناصرية و البصرة . . قسم منهم ديصلّون !!
ـ لعد شنو يكولون الشيوعيين ماعندهم دين ؟!
ـ صدقتِ بهذا الخريط (9). . ؟ اكُلّج منو الماعنده دين ابو الولِدْ وابو مفيد . . لو هذا اعوص العين آمر قطاع الحرس القومي بالمحلة الذي اعتدى على بنت الجيران وكل الناس تعرف . . منو الكافر و الماعنده دين ؟ ام مفيد اصحي . . هذه سياسة و مصالح و ملايين ونفط !!!
.   .   .   .
بعد السلام والعناق و الدموع والأحاديث السريعة . . قالت ست جوزفين :
ـ ست سعاد . . آني هذي المرة الثالثة اجي الى هنا . . لاتدفعين رسم ولاهم يحزنون، ترة الفلوس ماتوصل
تكدرين تعرفين ان كان زوجك هنا ام لا عن طريق الشرطي " فانوس " .  . هذا يبين من الربع وتعرفّنا عليه احنا عدد من العوائل، واحنا ننتظره للحديث معاه بس يبيّن . . واذا تريدين خليّ المحفوظ ابنك يقترب من الأسلاك و يصيح عليه من خلف الأسلاك هنا مقابل صف البنايات الثالث ؟ وهو مكان ساقية قديمة منخفضة لايثير الوقوف فيها انتباه احد . . لأنها شوية مستورة .
ـ عيني جوزه ! الله يخليج آني اخاف على ابني . . هذوله لادين و لاناموس !
ـ لعد ننتظر .  . اكيد سيخرج " فانوس " بس ينراد شوية صبر !!
.   .   .
بعد ان سمعت حديث ست جوزفين، وبعد الحاحي المتواصل على والدتي حتى اقتنعت . . اتفقنا ان اخذ ظرفين مغلقين مكتوب عليهما اسماء المرسل اليهم، واحد من ست جوزفين الى زوجها والآخر من السيد علوان المعمم بعمامة سوداء الى ابنه الذي عرف من جوزفين بوجوده مع زوجها . . اضافة الى ورقة نقدية ذات خمسة دنانير كتبنا عليها اسم والدي . . . الى والدي . . على ان يعيدها " فانوس " ان لم يجد احد بذلك الأسم ، مع هدية نصف دينار الى "فانوس " على جهده ولتغطية نفقات سكائره كما قالت ست جوزفين .
.   .   .   .
.   .   .   .               
وباعلى صوت قدرت عليه :
ـ فانوس !! فانوس .. !! فا نـ نـ نــــــــــــــــــــوس !!!
وبعد انتظار :
ـ عموّ فانوس . . !!
وانتظار و انتظار . . حتى لمحت العسكري المستعد خلف دوشكا الدبابة الأقرب اليّ . . كان ينظر اليّ ويبتسم !! انه يبتسم ! يبتسم !!
كانت ابتسامة تشجيع . . فتشجعت ان اقترب اكثر من الأسلاك الشائكة المكونة من صفيّن هناك ، و عبرت الصف الخارجي منها وصرت وسطها ، وصحت باعلى صوتي :
ـ عمّو فانوس !!
.   .   .
خرج رجل من العنبر المقابل ومشى طويلاً باتجاه الأسلاك الشائكة ورمى ازبالاً من تنكه (10) ببطء و هو ينظر نحوي بهدوء الشاردين ، ثم وضع التنكه على الأرض وسار بنفس الهدوء نحوي .  . حتى صار جنبي . وقال بهدوء بارد وعين شاردة :
ـ ها ، ابني ! آني فانوس !!
ـ هاي رسالة من ست جوزفين . .
قاطعني بسرعة و اخذ الرسالتين واوضحت له بحثنا عن والدي و ورقة الخمسة دنانير والنصف دينار، ووصل بي الأمر ان اطلب منه ان يأتينا برسالة من الوالد للتأكد ؟!!
رجع فانوس بنفس ذلك الهدوء وبلا صوت الى الثكنة وكان الوقت عصراً وبدأ ضوء الشمس يقلّ وهي تنسحب خلف الغيوم . .
وبقيت انتظر و اراقب الثكنة القريبة التي اختفى فيها " فانوس " . . 
.   .   .   .
وفيما بدأ الغروب يخيّم .  . شاهدت رجلاً خارجاً من الثكنة ووقف تحت ممرها الخارجي المسقوف ، بشكل واجهني على بعد . . انه يلبس نفس الروب الذي كان يلبسه والدي عندما اعتقلوه من المنزل . . انه ابي !  ابي !!
وبدون اي تفكير . . صحت باعلى صوتي وانا اشاهد ابي الذي اعتقدنا انهم قتلوه من عنف اعتقاله ومما شاهدنا وعشنا وسمعنا في ذينك الشهرين :
ـ يابه . . بابا !! ياب  !!
بنفس ذلك الهدوء الجديد عليّ منه . . ودون اي صوت حيّاني بيده طويلاً وهو يدخل الى داخل الثكنة . .

(يتبع )

28 / 3 / 2009 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   الحديد يعني القيود .
2.   اطواق والمفرد طاق .
3.   راجع كتيب " الحل الأوحد " للمرحوم فؤاد الركابي .
4.   قصر النهاية . . هو بناية " قصر الرحاب " في الزمن الملكي ، وكان المركز الرئيسي للتحقيق ولأبشع انواع التعذيب، احيل اليه وسجن فيه حتى الموت ، ومر به الوف المعتقلين والمعقلات من مناضلي الحزب و مؤازريه .  . 
5.   تجمعات المياه النّازة (الناضحة) في اماكن شبه ثابته خلف سدة ناظم باشا التي شيّدت لحماية بغداد منها في مواسم الفيضان و النزيز . .
6.   عربة ركاب تجرها الخيول . 
7.   لكْ ، باللهجة العامية كناية عن : ويلك ! .
8.   بمعنى خطيئة التعدي عليهم . . وتستخدم للتضامن و التعبير عن روح الصداقة و الود معهم .
9.   الكلام الفارغ .
10.   وعاء معدني قياسي يستعمل عادة للنفط، البنزين ، الدهون النباتية .


193
التصويت لـ " مدنيون " . . تصويتاً للتقدم !
2 من 2
                                                                                                          د. مهند البراك

   وبعيداً عن التقوقع والحزن على ما مضى . . و بعيداً عن اليأس والدوران في " كُنّا و كان " دون السعي لأستلهام دروسهما، و بعيداً عن الدوران في فلك حركة حدّ منها منطق هيمنة ساد و افل ، وساد ويأفل . . فأن الحياة كي تتواصل ، لا تكفّ عن التطلّع الى الحركة في افلاك اوسع تدعو الى  التفاعل مع الواقع والتجدد من خلاله، فالتفاعل الذي توفّره الفرص على ثغراتها يصلّب الجديد ويقوّيه ويزيد قدراته . . ويزيد آهليته لمواجهة واقعه و يزيد من حماسه على العمل الدؤوب لسد نواقصه وتجاوز قصوره ، ليكون المنشود القادر على التواصل في الظروف القائمة الأكثر تعقيداً . . 
   ويرى مجربون ان الحركة لابدّ منها للحياة و التواصل، ويذكّرون بما قالت به الأمثال فـ " الحركة بركة " و " الثعلب الجوّال احسن من الأسد النائم " و " الباب المغلق يفتح دونه الف باب ". . واخيرا فلابد من التواصل مع الحركة التي تجري ولاتنتظر، بل انها تُغيّر وتُبدّل و تُطوي، لتُطلّ على أفق جديد  . . . فكما الأمس ليس اليوم ، فالغد ليس اليوم ايضاً، ولكن . . تبقى الدروس و العبر . 
   وفيما تسعى حكومات الأستبداد الى الأبتعاد عن الأنتخابات و الى منعها . . لخوفها من انكشاف ثغراتها و انكشاف عورات رجالاتها، ولخوفها من انفلات الأوضاع بوجه استبدادها وظلمها بسبب تحريكها، و لخوفها من انهيار جدران دولتها . . و تسعى الى التزييف والأرهاب والتخويف بل والى الصدام ان فُرضت عليها، بل و لتصل حدّ تعليق نتائجها و عدم العمل بها، كما حدث في دولة عربية كبرى بالأمس القريب . .
   فان القوى التقدمية تنشدها و تنتظرها للتعريف ببرامجها و مناهجها، ولتحسينها باللقاء باوسع الأوساط الشعبية و بمناقشتها الحيّة بلا رتوش و قيود . . و لتتعرّف وتتبنىّ المطالب المستجدة و الأكثر الحاحا بحركة تفاصيلها المحلية . . انها تنشد الأنتخابات لتجدد شبابها و لتدلل من جديد و لمن فاته و لمن لايعرف . . على استمرار وجود قطب المطالبة بالديمقراطية والدولة البرلمانية المدنية . . حيّاً واعداً ، و انه لاينتهي مادام هناك ظلم و استغلال و استهتار، وانه باقياً ليس كنداء فقط، بل مجسداً في مواقع وفي حركة تتسع نحو السيادة و التحرر، نحو النور .
   و لتدلل ان الساحة ليست خالية ولن تخلى . . لقوى بعينها تستغل الدين والمذهب و تعمل على تكريس الطائفية المقيتة وعلى الدوس على حقوق المرأة العراقية الباسلة بلا حسيب ولا رقيب . فيَنْشَدُّ ازرُ السائرين وتتشجّع الأوساط الشعبية اكثر و اكثر على السير نحو السائرين  . . ثم على السير معهم و معاً و كتفاً لكتف . . نحو آفاق افضل للجميع، شيباً و شباباً ، نساءاً و رجالاً ومن كل الأطياف، في مسيرة شاقة كثيرة التعاريج ، تعجّ بالجهل والخرافات المتنوعة التي تُضَخّ من قوى متجبّرة في العالم والمنطقة لتضاف الى . . اوهام و احلام (التحليق) التي يحاول التلويح بها بعض ممن كانوا يوماً ، وصاروا بعيدين عن شعب يطمح بالعيش بسلام و لو بمراحل و خطوات .
   و يرى كثيرون ان استهانة البعض بالقوى الوطنية و الديمقراطية العراقية دون النظر الى آفاقها لايشكّل الاّ خسارة له . . لأن الواقع و الظروف الدولية والأقليمية اضافة الى الداخلية و ما افرزته تجربة الدورة السابقة صارت جميعاً تدفع اكثر الى دعم قوائم اليسار والتمدن والديمقراطية الإجتماعية و الفكر القومي التحرري . . وفق مصادر و جهات مهتمة محايدة متنوعة .
   انها تحفّز وتدفع اوساط تلك القوائم والمحيطين بها ، الى العمل اكثر على تحقيق نجاحات لها، للبدء بكسر انواع الحواجز المقامة بوجهها، كمنابر وكتيار يُنتظر منه الكثير لتعديل المسيرة ولشق الطريق من اجل السيادة الكاملة و من اجل حق شعبنا بالحياة والحرية كشعوب العالم . . ومن اجل انهاء نظام المحاصصة المعرقل والمفتت للصفوف ، و من اجل حقوق كادحي اليد والفكر من كل الوان الطيف العراقي القومي والديني و المذهبي و الفكري . . و للنجاح في التصدي للأفساد والفساد والتزوير، و التصدي للخرافة والجهل والفقر و المرض ومخاطر المخدرات . .
   ان اوساطاً واسعة تنظر بامل الى ما يمكن ان تحققه قوى " مدنيون " والقوائم الوطنية الديمقراطية المعروفة و السائرة على هدي " المشروع الوطني الديمقراطي " ، بوجوهها رجالاً ونساءاً ، وتتفاعل اوساط متسعة ممن تنشد التجديد مع الأنتخابات . . . انتظاراً لبديل افضل من جهة و من اجل تلاحم و رصّ حركة جماهيرية اوسع تناضل من اجل الدولة المدنية الحديثة، دولة المواطنة التي تضع قضية تقديم الخدمات في المرتبة الأولى  . . على اساس ان التقوقع و عدم استثمار الفرص المتاحة ـ مهما كانت ـ لن يجلبا الاّ الأختناق !!   (انتهى)


18 / 1 /  2009 ، مهند البراك

194
التصويت لـ " مدنيون " . . تصويتاً للتقدم !
1 من 2
                                                                                                                     د. مهند البراك
   
   بدأت اصوات قرع اجراس انتخابات المجالس المحلية تقترب ، وتزداد الأعمال التحضيرية لها كثافة ، وتزداد حركة التحضير للتوجه الى الإنتخابات ، لتضم وتجرّ اوساطاً جديدة وجديدة، فالأنتخابات اية انتخابات واسعة تشكّل حراكاً وتحريكاً لأوضاع المجتمع، و للفرز واعادة اصطفاف قواه المحرّكة وتحريكاً للفكر وتطويراً وانضاجاً للحركات والقوى الإجتماعية . . سواءأً اريد له ذلك او لم يُرَد، و رغم عنجهيات و مخالب تلوّح  .
   وفي خضم صراعات حول المشاركة او المقاطعة . . تعيد قوى عراقية متنوعة رؤيتها ومواقفها و تتحرّك اخرى لمحاولة رأب تصدّعاتها التي افرزها محكّ التجربة و مواقف الجماهير منها، وتحاول اخرى ان تكون في الصورة التي تلبي هموم و مطالب جماهيرها هي على الأقل ، فتشارك و تتحرّك لذلك لأعادة اصطفافاتها و للبحث عن اصطفافات انتخابية على الأقل جديدة . . وسط  صراعات ليست داخلية وحسب بل واقليمية وعربية و دولية متّصلة بها . .
   صراعات جرت تغذيتها بالسلاح من جهة، و بالأموال الطائلة التي لاينتظر منها الاّ الضغط و التأثير السئ على الأعمال التحضيرية و العملية الأنتخابية و نتائجها بتقدير كثيرين، من جهة اخرى  . . في ظلّ عدم وجود قانون للأحزاب ولا قانون لتنظيم الحملات الأنتخابية و شروط اجرائها ولا قانون للمسائلة عن الشفافية و كشف مصادر التمويل .
   الصراعات . . التي تسببت بركود اوساط كبيرة وتزايد شعورها باليأس ثم باللاأبالية لأسباب متعددة في مقدمتها العنف و الفساد و بعد انكشاف خللات في سلوك و تصرّف ممثلين جرى انتخابهم في الدورة السابقة التي رافقتها الكثير من الممارسات الضّارة والأخطار . . وبعد عدم تلبية قوائم و ممثلين آخرين للوعود التي قطعوها امام ناخبيهم على الأقل  . .
   وفيما يرى قسم ضعف دور القوى المدنية و الديمقراطية واليسارية، ويفرح بتشفيّ لذلك آخرون،
ترى اوساط متزايدة ورغم تعقّد الأوضاع ، ان الجهود و دوران الزمن الذي كشف كثير من المستور، وتزايد الحاجات الحاحاً، رغم الخسارة الفادحة لمن استشهدوا رجالاً ونساءاً ، ورغم مفارقة من فارق و شيخوخة من شاخ، وانسحاب من انسحب، واعتذار من اعتذر  . .
   فان الحياة لاتكفّ عن النبض وعن بثّ نداءاتها التي تحمل الجديد . . الجديد، الذي ان تجسّده المواليد الجديدة . . فإنه يتجسّد بالأجيال الشابة الجديدة التي تتطلّع الى حياة افضل توفّر لها حقوقها الطبيعية في العيش بسلام و الى حرية تسعى لها، وتبني احلامها و امانيها المصاغة من واقعها المعاش . . وتناضل لتحقيقها، فالحياة مثلما لاتتوقف فانها لاتنتظر . . كما يخبر المجرّبون .
   وان سار العراق من محنة الى أخرى وباشكال لم تتوقف عن التفنن و التغيّر، داخلياً و خارجياً . . طيلة اكثر من نصف قرن مضى بسبب التدافع والتكالب على ثرواته وطاقاته، بالعنف والقسر . . فإن ابنائه رجالاً ونساءاً ومن كل الأطياف ـ القومية و الدينية و المذهبية و الفكرية وغيرها ـ لم يكفّوا عن انجاب التصدي و رفض الذلّ والخنوع، باشكال متنوعة و على اساس المعرفة والعلم اللذين تسعى قوى غاية في التنوّع الى تغييبهما وتحطيمهما بالخرافة والجهل واللاأدرية، بالفال والمقدّس، بالقسمة والنصيب . . وبضرب الودع . . و ترصد لذلك مشاريع و اموال فلكية .     
   وفيما تضطر و تهاجر و تهرب اقسام من الشباب وتنسد ابواب الهجرة والهروب . . يبقى المتشبثون بالبلاد ، في ظروف ومنطق لايفسح لهم مجالاً للأختيار الاّ بالتفاعل والتوافق . . لمواجهة و صراع من يسعى الى الإفساد و التحطيم و الإقصاء و الأستبداد  .  .  بترصين البناء  والأفكار وتلاقحهما بالواقع المعاش من اجل النهوض ، و بفاعلية الخميرة الحيّة والخبرة والتجربة المتراكمة التي لاتحتكر، وبصور الحياة الأجمل والأجدى بآفاقها . .
   وينظر كثيرون الى الكادحين و الطلبة و عموم الشباب المتطلّع والمبادر على عادته . . لينشئوا وينسّقوا ويتفاعلوا مع من يتفاعل مذللاً العقبات . . بوجودهم معهم وبينهم، و مع من يستطيع ان يكسب ثقتهم ويستجيب ويلبي حاجاتهم و طموحاتهم من بينهم و في الساحة ذاتها معهم . . كما مرّت بذات الظرف وان بالوان و كلمات أُخَرْ، اجيال شابّة مثلهم . . في زمان مضى قبلهم . (يتبع)

16 / 1 / 2009 ، مهند البراك

195
الإتفاقية . . واحتمالات التلاقي الأميركي ـ الإيراني !
   2  من  2
                                                                                                  د. مهند البراك

   من ناحية اخرى وعلى الصعيد ذاته، تواجه ادارة الرئيس بوش ـ حتى يناير القادم ـ مشكلة مواجهة نتائج الحرب التي اعلنتها وتخوضها في العراق وافغانستان، حيث وصلت الحالة في افغانستان الى حد سعي حكومة كارزاي الى التفاهم مع طالبان لتحقيق الأستقرار وفق وكالات الأنباء الدولية و الأميركية ذاتها، و تواجه في الوقت نفسه مشكلة استحقاقات توقيتات القضية العراقية، وبالأخص : تحكّم البند السابع بالقضية العراقية ، تقرير شكل، حجم و الفترة الزمنية لتواجد القوات الأميركية و انسحابها وترابط ذلك بقرارات دولية ، و الحاجة للأتفاق مع الحكومة العراقية لتنظيم تلك الإستحقاقات باتفاقية، في ظروف لايحسد عليها الجانبان .
   في وقت يعيش فيه الإقتصاد الأميركي خاصة والعالمي عامة، مشاكل الإنهيار المالي ـ المصرفي والمساعي المبذولة لتقليل اضراره و مخاطره، و في وقت تتزايد فيه التهديدات الإعلامية الأميركية ـ الإيرانية المتبادلة حدّة . وتبرز امام الجانب الأميركي مشكلة مواصلة السعي لأضعاف تنسيق و محاولات تكتّل مجاميع الأسلام السياسي والأرهاب الإسلامي مع بعضها وخاصة الكبيرة منها كما هو الحال بين القاعدة و الأقطاب الإيرانية الأكثر تطرفاً كفيلق القدس، بعد الضربات الموجعة التي تلقتها القاعدة في العراق .   
   وفي خضم محاولات حامية لجعل فوز الرئيس الجديد باراك اوباما كحد فاصل كبير يؤسس لتطلعات الولايات المتحدة الأميركية  الجديدة للقرن الواحد و العشرين . . تطرح المشكلة العراقية في قلب ذلك الحد الذي يتطلب برأي اوساط واسعة تعمل له : صياغة موقف واضح من القضية العراقية، و ايجاد حل لموقع الحكومة العراقية الذي يعتبره قسم منهم بكونه ( جزء من المشكلة و ليس الحل ) بتقديرهم !
   في وقت يعلن الجميع فيه انهم يريدون " خروج الأميركان من العراق " ، ابتداءً من الحكومة العراقية و البرلمان العراقي ... و انتهاءً بالرئيس الأميركي بوش الذي اشعل الحرب ذاته، على اساس تحقيق انسحاب يوقف الخسائر الأميركية المتنوعة من جهة، و يستند الى الأخذ الجاد برأي الحكومة العراقية والجوار معاً ، كي لا يتمزق العراق الذي ان حصل فانه سيهدد الولايات المتحدة بخسائر اكبر من جهة اخرى ، وفق التقديرات تلك ذاتها .
   الأمر الذي يوضحه زبينغيو بيرجنسكي (1) اقرب المستشارين السياسيين للرئيس الجديد اوباما بتشجيعه في بداية ولايته على الحديث مباشرة مع الرئيس الإيراني نجاد ، حتى بدون تعقيدات التمهيد للقاء ورغم تهجّم الرئيس الإيراني نجاد المتكرر على الولايات المتحدة ، لأن القضية تخص ايران و اهميتها كدولة و ان نجاد لايشكّل سوى منصب المسؤول الثالث المتغيّر فيها بعد المرجع الأعلى علي خامنئي، الأمر الذي لايمكن فيه اعتبار مواقفه، بكونها مواقف ثابتة للدولة الإيرانية، على حد تقديره .
   بل ويذهب بيرجنسكي ابعد في موقفه داعياً الى اتخاذ خطوة على غرار الخطوة الأميركية التي اتخِذت تجاه الصين الشعبية في مطلع سبعينات القرن الماضي  . . حين زار الرئيس الأميركي نيكسون ومستشار امنه القومي كيسينجر، الرئيس الصيني ماو تسي تونغ " رغم اصرار ماو على حقه باستخدام السلاح النووي الذي ان استخدم، فانه يمكن ان يتسبب بموت 300 مليون انسان فقط . . والذي لا يعني الكثير امام تحقيق الأهداف !! ومع ذلك فانه لم يؤدي بالرئيس نيكسون حينها الا ان يذهب بنفسه الى الصين . . " وفق حديث بيرجينسكي (2) . 
   على اساس السعي لأحتواء صراعات المنطقة بعيدا عن الفعاليات الأميركية العسكرية المباشرة ، ولقطع الطريق على تلاقي قوى الأسلام السياسي و التفرغ لمواجهة القاعدة . . في مسعى مشابه للجهود التي بذلتها الولايات المتحدة في عزل الصين عن الإتحاد السوفيتي كما مرّ، ولأجل عدم الأنعزال عن التكتل الآسيوي الصاعد المتلاقي مع روسيا و اليابان من جهة اخرى ، ولفسح المجال لدوائر المال و السياسة في الولايات المتحدة و الغرب لإعادة بنائها على غرار آليات ماتم في مواجهة الأزمة الأميركية في فيتنام . 
   فيما يرى قسم آخر . . ان التعويل على انتهاء ولاية بوش وانتظار مباشرة ولاية اوباما الجديدة للبيت الأبيض قد لايحد من اصرار الجانب الأميركي على المضي في سياسته في المنطقة . . لأن الأسباب التي جعلت الإحتكارات الأميركية الكبرى تعلن الحرب على العراق من اجل النفط لاتزال قائمة ، بل وتشكّل المفصل الأكثر تشبثا لمواجهة الأزمة المالية ولأنجاح المساعي المبذولة لمواجهة نتائجها الإقتصادية ، ولتوفير المال اللازم لمواجهة المخاطر السياسية الأقتصادية والإجتماعية الداخلية " مصالح الأمن القومي " التي صارت تهدد النظام الأميركي ذاته الآن تحديداً . . ان تم التراجع بالكامل عن نهج عسكري كلّفه الكثير الكثير بالرجال والأموال في العراق والمنطقة .
   من جهة اخرى . . فان تزايد دور ايران في المنطقة و الموقف الأيجابي الداعي للتعايش معها من دول المنطقة، كسعي دول التعاون الخليجي للتعاون مع ايران ، والتي تجسّدت بدعوة " عبد الرحمن العطية " الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، الى ضرورة التوصل الى حل دبلوماسي لأزمة الملف النووي الإيراني . . فيما تواصل لجان مشتركة جهودها لتشكيل منظمة امنية ايرانية ـ خليجية .
   في وقت تبذل دول الخليج فيه جهوداً متزايدة لتحرير عملتها من الدولار الأميركي رغم كونه في امس الحاجة لها الآن ، و يشهد دعوة رئيس الوزراء البريطاني براون لدول الخليج لدعم احتياطي صندوق النقد الدولي و دعوته الملحة لمشاركتها في مؤتمر الأصلاح المالي الدولي لمواجهة الأزمة . . كل ذلك يؤشر الى ان الجهود الخليجية تلك تصب لصالح اقامة علاقات طبيعية مستقرة مع ايران و تشكل ضغطا على اجندة الموقف الأميركي الأكثر تشدداً تجاه ايران . .
   ايران التي يرى متخصصون بانها تعتبر نفسها انها شاركت فعلياً في اسقاط الدكتاتورية، وان دورها لم يكن منحصراً بالسماح فقط للأميركيين باسقاط النظام بالحرب . . و كان موقفها ذلك واضحاً منذ اول اجتماع لقوى المعارضة العراقية مع الجنرال غارنر كاول مسؤول اميركي، والذي عقد في الناصرية اثر سقوط النظام، حين اصرّت القوى الإسلامية الشيعية المدعومة من قبلها على انفرادها بالسلطة البديلة لسلطة صدام . . و عملت منذ ذلك الحين على تحقيق (احتلال هادئ) لأهم مرافق الدولة العراقية وخاصة العسكرية والأمنية و المالية وبشكل غير نظامي ( غير موثق وغير مقيّد بقوانين دولية ) . 
   وفي السياق ذاته فانهم يحذّرون من مغبّة افتراض تخلي ايران عن التعاون مع الدول العربية ـ التي لا تعارض الإتفاقية من منطلقات متنوعة ـ  ومن افتراض عدم امكانية التوصل الى اتفاقية، و انسحاب القوات الأميركية من العراق . . التي ان حصلت في ظروف العراق و المنطقة الآن !! فانهم يرون ان  ايران ستسعى إلى نزع فتيل الخلافات الشيعية ـ الشيعية و تضغط لتوحيد صفوفهم في مواجهة : العرب السنة، العلمانيين السنة و الشيعة، والأكراد . . وبالتالي محاولة جديدة من مستوى اعلى لإشعال الحرب الداخلية التي قد تؤدي الى تقسيم العراق فعلا، خاصة وأن السناتور جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي الجديد اوباما قد عبر عن هذه الفكرة مراراً في وسائل الاعلام، و حصلت على "عدم ممانعة " مجلس الشيوخ الأميركي .
   من ناحية اخرى ، يرى فريق من المراقبين، ان تشبث الطرفين ـ الإيراني و الأميركي ـ بمصالحهما في العراق و المنطقة، المواقف المتشددة للسلطة الأسرائيلية الحالية من الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني ، و تشبث ايران ببرنامجها النووي مقابل البرنامج النووي الأسرائيلي وتضاؤل فرص نزع السلاح النووي في المنطقة، اضافة الى صراع القوى الدولية الكبرى عليها . .
   قد يؤدي الى مخاطر اتفاق اميركي ايراني بمعاهدات ذات بنود سرية لا يعلن عنها، في زمن كثير التعقيد يلوّح بالعودة الى عهد الأتفاقات السرية و الأتفاقات العسكرية في تحديد مناطق الفعل و ممارسة النفوذ في المنطقة الأكثر حساسية في عالم اليوم ، رغم تصريحات سياق الأحداث اليومية التي تصاعدت مؤخراً اثر حادثة دير الزور السورية من جهة، و تعزيز ايران لهيمنتها العسكرية في مضيق هرمز بانشاء القاعدة البحرية العسكرية الجديدة فيها، من ناحية اخرى . 
   والذي منه اتفاق اميركي ـ ايراني في ملف العراق ، على اساس كونهما دولتي احتلال على اراضيه : احتلال نظامي تمارسه الأولى ، واحتلال غير نظامي تمارسه الثانية . . يضمن لهما مصالحهما بلا حساب لحقوق الدولة العراقية و الشعب العراقي باطيافه كلّها، الأمر الذي حدث و تكرر مع دول الجوار منذ تاسيس الدولة العراقية واستمر في العهود اللاحقة . . موظفين حالة الضعف التي يمر بها العراق الآن بسبب تركة النظام السابق و حروبه، وبسبب الحرب الأخيرة و الإحتلال المركّب الأميركي ـ الإيراني الحاصل في البلاد . في منطقة تعيش لأسباب متشابكة متنوعة ـ رغم كل التطورات العالمية ـ استمرار  الصراعات العنيفة و روح التوسع و ممارسة الهيمنة، التي تؤججها اكثر الإحتكارات النفطية و المصالح الدولية و الصراعات الطائفية . .   
   الأمر الذي يطرح و بشدّة ومن اجل ايقاف النزيف المتواصل ، ضرورة التوافق على الممكن الآن بين الأطراف العراقية و خاصة الرسمية و المقررة منها، من اجل التراص حول الموقف العراقي الموحد . . موقف موحد يعكس صحوة الروح الوطنية و  التوافق الوطني بعد ست سنوات من تجربة انواع المشاريع الوافدة التي لم تؤدِّ في المحصلة النهائية الاّ الى مزيد من الدمار و الضياع، والى التهديد بعودتهما بعد كل استقرار.   
   موقف عراقي موحد . . بعيدا عن النفاق السياسي و عن تغليب المنافع الذاتية الضيّقة و محاولات فرضها على الآخرين بدعوى الإدعاء بكونها هي الموقف الوطني و غيرها خيانة، من اجل خلق مستلزمات الدفاع عن المطالب و الحقوق الوطنية لكل المكونات العراقية مسلمة و مسيحية، سنية و شيعية، عربية و كردية و تركمانية و ايزيدية و اخرى . . على اساس انتماء الجميع المتساوي للوطن الأم و من اجل التطوير اللاحق لتلك الحقوق .
   موقف عراقي مستقل ينسجم مع تعطش الشعب العراقي الى السلم و الحرية ضمن سياق حركة تطور المنطقة . . باعتماد الشفافية في الموقف من الإتفاقية وفي محادثاتها  و اعتماد تفعيل مشاركة شعبية واسعة من اجل الحقوق ! واذا كان هناك اجماع عراقي على جدولة انسحاب القوات الأميركية و الأجنبية ، فان الأمر يتطلب من الحكومة العراقية في الوقت نفسه السعي لحل المشاكل العالقة مع ايران مباشرة و على اساس كونهما دولتين مستقلتين جارتين من دول العالم النامي !! (انتهى)



7 / 11 / 2008 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر .
2.   راجع مقابلة زيغنيو بيرجينسكي في برنامج " هارد توك " من بي بي سي بالإنكليزية في 14 / 10 / 2008 .


196
الإتفاقية واحتمالات التلاقي الأميركي ـ الإيراني !
 1  من  2
                                                                                                                  د. مهند البراك
   في الوقت الذي تنشغل اوسع الأوساط العراقية فيه، بقضية الإتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق، التي اخذت انباؤها تحتل ابرز عناوين الصحف ووكالات الأنباء العالمية و الإقليمية . . حيث تستعر سجالات متنوعة حول قضية ابرامها، سواءً تلك التي تتناولها كمبدأ او التي تتناول آليات عقدها . . او تتناولها من الزاوية الأهم وهي زاوية السيادة الوطنية وحقوق الشعب و البلاد من جهة و قضية تقرير مصيرها حاضراً و مستقبلاً ، من جهة اخرى . 
   و تنشغل ابرز الجهات و الأطراف الأميركية بتلك القضية الهامة، التي تترابط وثيقاً بقضية الأنتخابات الأميركية الجارية وبتقرير نتائجها و بتطلعات المواطن الأميركي، وبقضية القوات الأميركية الباهضة التكاليف سواءً بالجنود او بالأموال، و المتعلقة بقضية مواجهة " الإرهاب " و تطوراته ومفاهيمه. . و التي تترابط جميعاً بقضية الإعصار المالي والمساعي المبذولة للتقليل من اخطاره وتأثيراته في العالم وخاصة في الدول الفقيرة و الدول التي تعاني الحرب و عدم الإستقرار .
   تبرز قضية العلاقات الأميركية ـ الإيرانية باعتبارها تشكّل حجر الزاوية الهام في القضية العراقية من جهة و في عموم ازمة الشرق الأوسط من جهة اخرى . . ويتناول ابرز المحللين و المتخصصين تلك القضية من زاوية " ايران الدولة " وليس من زاوية نظام الحكم القائم فيها الآن و شخوصه فقط . .
   على اساس وجود تاريخ طويل للعلاقات الإيرانية ـ الأميركية وتواصله منذ اواخر القرن التاسع عشر، و وجود تقاليد لها تأريخ بين الدولتين، رغم موجات وفترات المد والجزر التي شهدها . و على اساس ان الحديث عن العلاقات المتشعبة بين الولايات المتحدة و ايران لايشبه الحديث عن طبيعة و محاور العلاقات بين العراق و الولايات المتحدة . . لأسباب كثيرة التنوع التداخل و التزامن.
   ورغم تدهور العلاقات السياسية و انقطاع العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين اثر انتصار الثورة الايرانية عام 1979 ، مروراً بقضية الرهائن الاميركيين في طهران و غيرها ، فقد جرت عدة محاولات لإعادة العلاقات الرسمية بينهما منذ ماعرف بفضيحة "ايران غيت " اواسط الثمانينات. ومع تولي محمد خاتمي الرئاسة عام 1997 جرت محاولات من الجانبين الايراني والأميركي لرأب الصدع السياسي بينهما تضمنت اعلان وزيرة الخارجية الأميركية حينذاك مادلين البرايت عن الأسف على تدخل بلادها ودورها الذي لعبته للاطاحة بحكومة الدكتور مصدق عام 1953، و اعلان الجانب الايراني أسفه على قضية احتجاز الدبلوماسيين الاميركيين كرهائن في طهران.
   وفي السياق ذاته وفي الفترة ذاتها، لابد من القول بأنه لم يكن بمعزل عن تلك الجهود، صدور فتوى المرجع الإيراني الشيعي الأعلى خامنئي، التي دعى فيها الحركة الإسلامية الشيعية العراقية الى التعاون مع الإدارة الأميركية لـ ( الإطاحة بالطاغوت صدام ) على حد تعبيرها . . اضافة الى تعاون طهران مع واشنطن في افغانستان سواءً خلال اشتعال الحرب او بانجاح تعيين حكومة جديدة في كابول تتفق مع السياسة الأميركية، منذ " مؤتمر بون "  . واضافة الى موقفها المساند فعلياً للجانب الأميركي في الحرب العراقية في نيسان 2003 ، فإنها كانت أول دولة من دول الجوار تعترف بالوضع الجديد الذي نشأ بعد الاحتلال، وأرسلت سفيرها إلى بغداد .
   ورغم اتخاذ العلاقة السياسية بين البلدين طابعا آخر مع انتخاب أحمدي نجاد رئيسا للبلاد عام 2005، فقد شهدت العلاقة بين البلدين محادثات بخصوص القضية العراقية، ووافقت طهران على طلب تقدمت به أميركا عبر السفارة السويسرية في طهران للتفاوض مع ايران بشأن مشروعها النووي. اضافة الى الأخبار التي تحملها وسائل الاعلام مؤخرا والتي تفيد أن الولايات المتحدة تبحث اقامة قسم لرعاية المصالح الأميركية في طهران واستخدامه كمركز ثقافي بعد انقطاع العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين منذ ثلاثين عاما. والى تصريح رئيس بلدية طهران والمرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة الايرانية المقبلة الذي عبّر فيه عن ان بلاده ترحب باجراء محادثات مع الولايات المتحدة التي من جهتها اعرب المرشح الديموقراطي للرئاسة الاميركية باراك اوباما عن استعداده للتحاور مع طهران.
   وبرغم تلك المصاعب السياسية لابد من القول، ان المصالح الإقتصادية بين البلدين لم تتأثر في جوهرها، بل وانها ازدهرت في فترة ولاية الرئيس الإيراني خاتمي بشكل خاص . . عبر انواع الوساطات الإقتصادية و تنوع آليات السوق و المناطق الحرة، في وقت يرى محللون سياسيون فيه ان التقارب الايراني الأميركي يمكنه أن يساهم في استقرار الشرق الأوسط وفي خلق توازن جديد،  ليس من منطلق التوازن عبر المواجهة وانما من خلال الاتفاق الاقليمي.
   على تلك الأرضية من العلاقات بين البلدين، تأتي حملة الإنتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة و هي تحمل انواع التصريحات والبالونات . . يلاحظ مراقبون بروز تفاصيل صارت تتكرر فيها حول تصريح باراك اوباما مرشّح الرئاسة الأكثر حظاً بالفوز،  حول استعداده للمحادثات مع الرئيس الإيراني احمدي نجاد، وصل بعضها الى حد القول باستعداده حتى لزيارة ايران و البدء بعلاقات ايجابية بنّاءة مفيدة للطرفين ، على حد تعبير تلك التعليقات . .
   في وقت تعلن فيه الحكومة الإيرانية عن موقفها الرافض للأتفاقية الأمنية المزمع عقدها بين الولايات المتحدة و العراق، لتكون البلد الوحيد الرافض للأتفاقية و الذي لايطرح بديلاً معقولاً و مقبولاً
لها !! بعد ان كانت ايران اول دولة اعترفت بالواقع الحاصل فيها بعد نيسان 2003 ، بل و اخذت تمارس دور" المحتل غير النظامي " في البلاد (1) و الذي يهدد باندلاع فتنة قومية في عموم المنطقة .
   من ناحية اخرى، ترى اوساط عراقية ليست قليلة في الإتفاقية كمبدأ . . بكونها خطوة لابد منها للخروج من الوضع القائم الحالي كثير الخطورة و التعقيد . . للتحرّك نحو وضع افضل، لعدم وجود بديل آخر واقعي لمواجهة جدولة الأستحقاقات . . غير تصاعد الفوضى والدمار. ومن اجل الوقوف امام الأكثر مرارة وهو الأطماع الإيرانية في ظروف احتلالها غير النظامي للعراق، وسعيها المحموم لجرّه الى دائرة حكم ولاية الفقيه ( فقيهها) . . ومن اجل توفير مستلزمات  حل التركة الثقيلة للنظام السابق و حروبه الخارجية العدوانية التي تسببت بوضع العراق تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة بموجب قرار مجلس الامن 661 في اب 1990، بعد ان اعتبرالوضع فيه انذاك مهددا للسلام والامن الدوليين . .  ولتوفير مسلزمات انهاء تركة الحرب و الأحتلال .
   على اسس : رفض القيود التي تخل بسيادة العراق ظاهرة كانت او مخفية (او سرية ) ، انهاء وجود القوات الاجنبية والامريكية وتحديد افق زمني له، عدم جعل ارضه منطلقا للهجوم او التدخل بشؤون دول الجوار، رفض الحصانة التي يطالب بها الجانب الامريكي لقواته او لشركات امنية او لغيرها و جعل ذلك تحت رقابة واشراف الجانب العراقي ذي السيادة وعبر التنسيق معه، الالتزام بتخليص العراق من الفصل السابع وضمان عودته الطبيعية كعضو كامل الحقوق في الاسرة الدولية و العمل على مساعدته في معالجة اثار الاحتلال والعمليات العسكرية ، ودعمه في اعادة اعمار اقتصادة ومؤسساته وتحسين الخدمات فيه .
   و فيما تسعى حكومة نجاد و الأوساط العسكرية الأكثر تطرفاً في الإدارة الإيرانية الى جعل دولة العراق مجرّد ورقة من اوراق صراعها مع الولايات المتحدة في المنطقة، غير مبالية بما واجه و يواجه شعب العراق بكل اطيافه القومية و الدينية و المذهبية  . . من اجل مصالحها التوسعية هي ، التي لايتوانى مسؤولون ايرانيون من التلويح بها مستندين في ذلك الى خطط و برامج تغطيّ مراحل زمنية ليست قصيرة وقوى متنوعة من طائفية الى علمانية . . رصدت لها مليارات التومانات و انواع الخبرات الفنية، العسكرية، السياسية، الطائفية و الدينية ، متخذين من ارث الشاه اسماعيل نموذجاً، في محيط دولي و اقليمي مشجّع بتقديرهم .
   تسعى الدولة الإيرانية بعموم مؤسساتها الى تخفيف و فك الضغوطات عليها والناتجة من عقوبات الحصار . . لمواجهة تزايد البطالة و الفقر و الفساد و المخدرات فيها ، وللتخفيف من ضغوط الشارع الإيراني على حكومته بسبب النتائج الوخيمة لسياسة ولاية الفقيه ، و محاولتها اتباع سياسة اكثر مرونة وليبرالية تستطيع احتواء الضغوط الشعبية الداخلية الداعية الى رفض سياسة التوتير والأستعدادات للحرب التي تتبعها حكومة نجاد، ومن اجل التفاهم مع الولايات المتحدة سلميا. ابتداءً من محاولة ايجاد حل سلمي لقضية المفاعل النووي الإيراني ، كما تعكس استفتاءات الرأي هناك اضافة الى وسائل الأعلام الإقليمية و الدولية .
   وفيما يفرح الشعب العراقي للجهود التي تبذل من اجل ابعاد شبح الحرب بين الولايات المتحدة و ايران كي لا يكون العراق فيها ساحة ووقوداً لها ولأطرافها .  .  تحذّر اوساط عراقية واسعة من مخاطر تقاسم البلدين للنفوذ و المصالح في العراق على حساب كيانه ووجوده و حقوق شعبه بالوان طيفه بثرواته . .  على حساب حقه بالحياة و الحرية كباقي شعوب العالم . (يتبع)



27 / 10 / 2008 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1   حيث تمارس الحكومة الإيرانية دور المحتل غير النظامي . . عسكرياً بواسطة انواع الميليشيات الطائفية المسلحة ( شيعية و سنيّة ) سواءً المرتبطة بها او المدعومة من قبلها او التي تنسّق معها بشكل متحرّك ضمن متطلبات الوضع العسكري و السياسي . وتمارس ذلك الدور سياسياً و اقتصادياً و نفطياً بدلالة السيل الذي لاينقطع من الأدلة المتنوعة . مقارنة بالأحتلال النظامي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية، المعلن و الموثّق رسمياً داخلياً و عالمياً، الذي تشكّل الإتفاقية الأمنية المزمع عقدها خطوة هامة على طريق انهائه، وفق مقررات الأمم المتحدة .


197
الإعصار المالي وقضيتنا الوطنية !
2 من 2
                                                                                                     د. مهند البراك

   و يرى اولئك المتابعون والباحثون ، ان الإحتكارات المالية الأميركية المتعددة الجنسية وخاصة العائدة او المترابطة باشكال متنوعة مع تلك التي تمثلها الإدارة الأميركية الحاكمة الراحلة قريباً، اضافة الى المصالح المترابطة وثيقاً تحت مظلة " الليبرالية الجديدة " . . ستزداد ضراوة و اصراراً في سلوكها بأسم (سد العجز) ،  للحصول على مزيد من ثروات و عائدات البلدان التابعة و شبه المستعمرة و الواقعة تحت الإحتلال . . وانها ستزداد تعنتاً في مواقفها، سواءً بمحاولتها فرض ارباحها بالنسب التي تصرّ عليها سواءً في عقود النفط ، اوفي قضية عقد الأتفاقية الأمنية الأميركية ـ العراقية، و في قضية الودائع العراقية المصرفية .
   وفيما يرون ان الوقت و الظرف القائم ملائم للمفاوض العراقي من جهة، فأنهم يحذّرون في الوقت نفسه من دقّة موقفه على تلك الأصعدة، حيث يمكن ان تظهر الصعوبات و المعوقات بشكل فتن داخلية يجرى تحريكها و الهابها، او بشكل صعوبات فنية وتكنيكية و عسكرية سواءً في الداخل العراقي ذاته و منه ، او من دول الجوار و المحيط الإقليمي  وتأثيره و فعله في الداخل العراقي، وغيرها . . لأهداف و اطماع مماثلة !!
   فاضافة الى محاولاتها المتكررة للأيقاع بين الحكومة الإتحادية و الأقليم باستغلال الصعوبات التي تنشأ، وبالعمل على تعميقها و الهابها و تزيين ممارسة القوة والعنف فيها لأشعالها و بالتالي لإلهاب كل البلاد بنيرانها ، فانها تسعى لتوسيع الفتنة بحق اخواننا المسيحيين لتحقيق اهداف عنصرية شريرة تحيل العراق الى بؤرة لاتنتهي للعنف و الدمار . .
   ضمن محاولات كثيرة التنوع تسعى بشكل محموم للأبقاء على العراق ضعيفاً شبه تابع، موظفة لذلك الكثير من الثغرات القائمة حالياً بسبب : مديونية العراق عن حروب الدكتاتورية، قوانين بريمر، غزو السوق العراقية و فوضاها، التضخم الدولي، و الخط البياني لتدهور سعر الدولار الذي يشكّل الغطاء الرئيسي للدينار العراقي اليوم، ويشكّل العملة الرسمية لتسعير نفطه وغازه وموارده الطبيعية . . اضافة الى واقع الأحتلال العسكري، و واقع مواقف الجوار ، رغم ما بدأ يشهده موقف المحيط الإقليمي من تطور ايجابي عموماً تجاه القضية العراقية .
   و ترى اوسع الأوساط العراقية بان الصمود امام الأعصار المالي الأميركي و انقاذ البلاد من المخاطر الهائلة التي يحملها ، يتوقّف على وحدة القوى العراقية وخاصة الكتل الكبرى الحاكمة منها، التي تعيش اوضاعاً (1) ليست في صالح بناء موقف عراقي قوي يتيح للمفاوض العراقي انتزاع مكاسب لابد منها لتمكين العراقيين في مواجهة الواقع و الوصول به الى افق افضل . . يمكّنه فعلياً و ليس عاطفياً من تحديد أفق زمني واضح لرحيل القوات الأجنبية من بلادنا واستعادة السيادة كاملة، على اساس قدرة البلاد على الوقوف بوجه المحن المتنوعة المحيطة بها، والتي تهدد بغزو اقليمي .
   فالبلاد تواجه وضعاً سَوْقيّاً يشبه ما عاشته بعيد الحرب العالمية الأولى ـ مع فوارق الزمان وماهية اسماء كيانات الأطراف المهددة ـ ، وشبيه بحدود لايستهان بها بظروف المانيا في اعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية واندحار النازية . . حيث تواجه البلاد ـ اضافة الى الإحتلال ـ انواع التدخلات من دول الجوار ، سواءً بشكل هيمنة متنوعة قائمة و محسوسة لاتحتاج الى برهان، او بشكل استعدادات للتدخل السافر . . . و التي قد تؤدي الى اخطار حدوث اجتياحات ترمي الى اقتلاع اجزاء من البلاد او فرض بدائل تنسجم مع ارادة تلك الدول ووجهتها و مصالحها فيها، الأمر الذي يؤدي بكثيرين الى التوصل الى . . ان انسحاب القوات الأميركية قد لن يعني نهاية الإحتلال و انما استبدال احتلال باحتلال او اكثر و من نوع جديد، كأمر لايمكن حجبه بغربال .
   ان القوى العراقية الحاكمة مطالبة في هذه الظروف الحرجة بتوحيد وجهتها العراقية الأساسية و الأحتكام الى الحوار و التفاهم بين اطرافها، بعيداً عن قعقعة السلاح و انشطة انواع الميليشيات، بعيداً عن الأنسياق و الوقوع في مطبات الفتن العرقية و الدينية  . . انها مطالبة بالخروج من ضيق الأفق المناطقي والديني والطائفي و القومي الضيّق والأحتكام الى طريق يؤمن سلامة كلّ البلاد من شمالها الكوردستاني الى وسطها و جنوبها العربيين . . حيث تجمع اوسع الأوساط على استحالة امكانية اية جهة لوحدها  على تحقيق اهدافها الذاتية او الجزئية الخاصة بها لوحدها، دون تحقيق تقدّم على طريق الأهداف الوطنية العامة للجميع في عراق يسير نحو التحرر، يتّسع للجميع و يمكّن كلاًّ منهم من السير نحو التقدم والأزدهار  . . على اساس دولة برلمانية موحدة، تعتمد طرق الحوار في حل مشاكل اطرافها .
   انها مطالبة بالضرب بيد من حديد على المجرمين : من الإرهابيين .  .  .  الى تجار الأزمات والمضاربين في قضايا الفساد الإداري والمالي والسرقات، مضاربي تحويلات العملة، و وكلاء هوس المستثمرين . . وتكديس الأموال منها و التي ادّت و تؤدي الى نشوء و تصاعد انواع القطط السمان، اضافة الى نشوء فئات طفيلية من الأنواع الجديدة . . من مليارديرية العولمة ومن كل القوميات و المذاهب و باشكال متنوعة متفاوتة .
   انها مدعوة الى انهاء ظاهرة الميليشيات والعنف اللتين تأخذان الواناً و مسميات متجددة . . والى مواجهة و انهاء عمليات الإغتيالات الفردية الموجهة ضد المثقفين من رجال الصحافة والفكر والعلم والأدب و حاملي انواع الكفاءات الوطنية . . والى تحقيق المطالب المهنية للطلبة و الشباب ، و احقاق النساء العراقيات اللواتي لايمكن الحديث عن تقدم دون انصاف حقوقهن التي تقرها كل الشرائع المعمول بها في عالم اليوم .
   مدعوة الى حل المشاكل المعيشية للجماهير الكادحة وفي مقدمتها الماء و الكهرباء، البطالة، الأجور وغيرها، و التي صار لايمكن تبريرها و خاصة في المناطق الأكثر استقرارا سواءً في الجنوب والوسط للأسباب المار ذكرها . .  او في كوردستان العراق درءاً لمحاولات و مخاطر الأرتداد عمّا تحقق فيها حتى الآن . .
   و الذي يشكّل اسساً لتفعيل حركة شعبية واسعة تضم اوسع الأوساط ذات المصلحة بغض النظر عن الدين والمذهب و القومية، رجالاً و نساءً . . تكون الضمان الأساسي لإحقاق حقوق البلاد في السيادة وفي عقد الأتفاقات و المعاهدات ، بدل اعتماد المحاصصة الطائفية والعرقية التي صارت اطراف عراقية واسعة تصفها بكونها كـ " القنبلة الموقوتة " التي يمكن تفجيرها عند الطلب . . اضافة الى اعتماد الكفاءة و العلم والخبرة العراقية على اساس الأنتماء الوطني، من اجل مواجهة ضغوط قوى الإحتكارات المالية الدولية الكبرى التي تعتمد افتعال و ادامة الأزمات لإجبار البلاد على القبول بعيش الكفاف الدائم في ظل (سيادة اقتصاد الأزمات) في احد اغنى بلدان العالم، في اطار خططها الرامية الى تكريس البلدان النامية كمصادر للخامات فقط . . . اضافة الى تكريسها كبلدان استهلاكية واسواق لتصريف منتجاتها لحمايتها هي من مخاطر الكساد (2) .
   ويرى الكثيرون وهم يلاحظون الأختلافات في مواقف القوى العراقية الكبيرة و الصغيرة من الأتفاقية الأمنية المزمع ابرامها . . بأن تلك المواقف ان تفاعلت و توافقت على طريق الثوابت و السيادة الوطنية وما جرى الأشارة اليه، فانها ستصل الى افضل النتائج في الموقف من الإتفاقية ومن اطماع الجوار . . وفي المواقف اللاحقة التي لابد منها، للتعامل مع التحالفات الدولية الجديدة (3) التي يشكّل الإعصار المالي الناقوس الأكبر للشروع بها .
   من جهة اخرى، لابد من القول ان متخصصين يشيرون الى ان اطرافاً متشددة من الإحتكارات المالية اضافة الى دوائر في المنطقة و اخرى، تسعى الى تحريك الأوضاع في البلاد لصالحها باتباع اساليب تتغيّر كاسلوب " تحريك المحاصصة " و توظيفها في تكوين اطر يمكن ان تثبت بتقديرهم . . على اساس تاطير توزيع القوة على اقطاب المحاصصة (4): ( طائفة لقيادة الجيش، طائفة لقيادة الشارع، طائفة لقيادة المؤسسات . . اضافة الى سعيها للأبقاء على الميليشيات و تخصيصها كلٍّ لمنطقة، بما يحقق تشتيت (منظّم) للقوى العراقية يحقق لها ـ لتلك الأحتكارات ـ انشغال العراقيين فيما بينهم بعيداً عنها ؟! لتحقيق استقرار لمصالحها . . ) الأمر الذي يؤدي بقسم الى الحديث عن توقع قيام انقلاب عسكري .. والذي قد لا يعد خيالاً ، بتقديرهم !  (انتهى)

21 / 10 / 2008 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   سواءً داخلها او فيما بينها، وبينها وبين اوسع جماهير مناطقها .
2.   وهي عين الخطط التي اخذت تتبعها دول جوار و دول اقليمية، في تعاملها مع العراق .
3.   سواء داخل او خارج الأمم المتحدة و قوانينها .  . وفق تصريحات ممثلي ادارة بوش وممثلي عدد من دول الأتحاد الأوربي، في اطار جهود تبذل لمواجهة الإعصار المالي .
4.   بالأستناد الى تجارب الحكم الآسيوية . . التركية ، الإيرانية ، الباكستانية، اللبنانية . . و المماثلة لها . 


198
الإعصار المالي وقضيتنا الوطنية !
1 من 2
                                                                                                                     د. مهند البراك
   
   يتسبب الإعصار المالي الأميركي بموجة هائلة تجتاح العالم، وهي اضافة الى محتواها المالي فانها تثير مشاعر صاخبة يختلط فيها الفرح بالترقب . . فرح من ظهور علامة هامة على فشل ستراتيجية وتاكتيك القطب العالمي الأوحد وفشل مفهوم اقتصاد السوق الحر ( الليبرالي الجديد )، الداعي الى حرية السوق بلا حدود ولا ضوابط دولتية . .  وترقّب وخوف نابعان من التساؤلات المشروعة عن الآفاق سواء كانت عالمية او اقليمية .  .  وماسيجري على الصعيد المحلي اليومي المعاش في البلدان النامية التي منها بلادنا المبتلاة .   
   ويرى اكثر المحللين والمتابعين لتطورات قضيتنا الوطنية و لعموم الشأن العراقي، ان الإعصار المالي الحاصل ليس مفاجئة  . . وانما بدأت اعراضه تُلمس في القضية العراقية منذ اكثر من سنتين حين تصاعدت اصوات اعضاء كبار في  ادارة الرئيس الأميركي بوش، طالبت بلا انقطاع بتحميل الجانب العراقي قسماً هاماً من نفقات قوات الأحتلال لـ ( تكاليفها اليومية الباهضة التي ترهق الخزانة الأميركية) آنذاك وبايجاز شديد، واسفرت عن تشكيل مجلس الشيوخ الأميركي لجنة بيكر ـ هاملتون (الديمقراطية /الجمهورية)  التي زارت العراق و توصلت الى مشروعها في ايلول 2006 ، الذي جرى التركيز فيه اساساً على سبل  تقليل نفقات الإدارة الأميركية على قواتها في العراق و على السعي للأستقرار بـ (التفاهم) مع دول المنطقة، لتخفيف موجود القوات الأميركية و بالتالي لتقليل الإنفاق الحكومي الأميركي الباهض عليها، على حد وصف المشروع .
   و قد استمرت الضغوط المتنوعة للقطب النفطي الصناعي العسكري الأميركي الأكبر، لتحقيق مردودات مالية هائلة من العراق بدعوى سد ذلك العجز ابتداءً ـ رغم اجواء التعتيم ـ . . وفي مقدمة تلك الضغوط ، الضغوط في قضية عقود النفط على اساس (عقود المشاركة) بشكل مطلق، اضافة الى محاولات الأستحواذ على اموال العراق الكبيرة المودعة في البنوك الأميركية بعشرات المليارات بشتى الحجج و الدعوات، ثم في قضية الأتفاقية الأمنية الأميركية ـ العراقية المزمع عقدها ، وسط ردود افعال سياسية شعبية عراقية صاخبة طالبت وتطالب بالأعلان عن المسودات الأخيرة لها على الأقل للأطلاع العام عليها بدل حصرها في مناقشات غرف مغلقة . . . لمناقشتها و التهيؤ للتصويت عليها، ووفق الدستور و روحية العمل به . 
   من جانب آخر، وفيما ينشغل عديد من الباحثين والإقتصاديين و السياسيين والمحللين الدوليين و الوطنيين ـ نسبة الى الأوطان ـ بأسباب الإعصار و تفاصيله و مخاطر سريانه ومداه، وسبل مواجهته،  لتقليل خساراته وتأثيرها العالمي على المراكز الإقتصادية، المالية، النفطية، الصناعية و العسكرية وغيرها . . وتثار جدالات و مناظرات جادة لا يتوقع لها ان تنتهي بسهولة . . تتراوح بين تقديرات كون ذلك الإعصار المالي هو سمة ثابتة من سمات الرأسمالية، و بين تساؤلات ان كان ذلك الإعصار يشكّل حتفاً للرأسمالية ؟! و بين كونه حداً صار يفرض بقوة مسألة أعادة بناء نظام مالي رأسمالي دولي جديد على اساس تعدد الأقطاب و وضع حدود وقيود و رقابة مالية من نوع جديد .
   يرى عديد آخر بان ذلك الإعصار، يشكّل ضربة هائلة لمفهوم ( حرية السوق ) الذي نادى وينادي به الليبراليون الجدد من جهة و ضربة هائلة لمفاهيم : ( نهاية التأريخ)، ( الفوضى الخلاّقة )، ( الضربة العسكرية الوقائية ) و محاولات اعتمادها كنهج ثابت وغيرها، اضافة الى تشكيله ضربة كبيرة لمحاولات تسيّد و هيمنة صندوق النقد الدولي و البنك الدولي اداتي القطب الصناعي العسكري النفطي الأميركي . . من جهة اخرى .
   و يرون انه يشكّل ازمة رأسمالية عالمية من نوع جديد بسبب العولمة و تشابك المصالح المتنوعة و بسبب الحركة غير المقيّدة لرؤوس الأموال و  التداخل المذهل للشركات المتعددة الجنسية وللإحتكارات المتنوعة، سواءً فيما بينها او تداخلها و تسلطها و تفاعلها المتنوع مع الهياكل الإقتصادية القائمة للدول النامية . .
   ازمة تسعى فيها الإحتكارات المالية و الإتحادات البنكية الرابحة فيها التي تضم اكثر المستثمرين نهماً والصاعدين الجدد بينهم، اضافة الى مضاربين ماليين وقانونيين و اداريين، مضاربين في سوق تحويل العملات وفي اسواق الأسهم و البورصات . . الساعين و بشكل محموم الى ترحيل اضرارها واعباء تكاليفها و سد عجزها ـ بتأميم دولها للبنوك الخاسرة والتي اشهرت خسارتها ـ  . . الى كاهل مواطنيها من دافعي الضرائب، حيث سيقع العبء الأكبر على الفئات والطبقات الفقيرة و المتوسطة في دولها هي، من جهة . و يسعون من جهة اخرى الى ترحيلها الى البلدان النامية التي بدأ عدد منها يزداد انيناً مؤخراً بسبب التصاعد السريع و المريع لأسعار المواد الغذائية الأساسية و اسعار المحروقات .
   في اطار يشكّل نهجاً دأبت عليه وجرى و يجري تجديده ليتلائم مع العصر . . نهج تصدير الأزمة المالية الى الدول النامية وتشديد الأستغلال هناك ( لجملة اسباب و مقارنات لايتسع لها المقال) لتحقيق ارباح اكبر . . خاصة وان الحديث يدور عن ان اوساطاً خبيرة بالمضاربات المالية في الشركات والإحتكارات المالية الأميركية المتعددة الجنسية . . وظفت خبرتها و علومها و اجهزة معلوماتها المتتابعة  للنفوذ في الثغرات القانونية، و تحرّكت من مواقعها المصرفية والإدارية في استثمار و تعميق تلك الأزمة التي دارت و تدور و تتراكم منذ سنوات، لزج اوسع الأوساط المالية في الغرب الى نهجها المالي القانوني العسكري و لفرض و تحميلها ايّاها اعباء نهجها . . و الى تحقيق اعلى الأرباح بتصدير الأزمة الى الدول النامية تحت غطاء السعي لأيجاد حلول لتغطية عملاتها الهابطة . . بالذهب والنفط والماس و غيرها من البلدان النامية بالأخص، اضافة الى العملات الصعبة الفاعلة الآن كاليورو . .   (يتبع)

17 / 10 / 2008 ، مهند البراك



199
في اربعينية المفكّر المعروف كامل شياع

                                                                                                                             مهند البراك
   
   اربعون يوماً مضت على اغتيال المفكّر و مستشار الثقافة، المثقف اليساري العراقي المعروف كامل شياع، الأغتيال الذي تسبب بردود افعال شعبية عراقية لا تنفك عن التزايد . . لأنه اضافة الى كونه فعل ارهابي مشين في التعامل مع الرأي الآخر، فإنه جرى بحق شخصية عراقية واضحة المواقف بفعلها و تفاعلها مع حال و مصير البلاد و عملها النشيط بتوظيف خبرتها ومعارفها من اجل غد افضل لها . . وفي المواقع الأمامية للعطاء  .
   اربعون يوماً مضت على غياب المفكر العراقي المجدد . . الذي تسبب بخسارة كبيرة لأهل المعرفة و الثقافة و بخسارة للبلاد . . بضربة لم تكن من ضربات القدر، وانما يتأكّد يوما بعد آخر ان الإغتيال جرى ضمن تخطيط اكبر . . تسبب باستنكار رئيس الجمهورية و رئيس الوزراء و بمسيرة تشييع رسمي و شعبي شارك فيها عدد كبير من وجوه البلاد السياسية و الثقافية والعلمية . .   
   اربعون يوما مضت ولم يُعلن حتى الآن، لا عن مسار التحقيق و لا عن كونه يجرى ام لا ولا عماذا توصّل . . الذي يشير ضمن ما يشير . . الى كونه مؤشراً لمدى قساوة مسيرة الصراع العنيف بين : الجهل والتخلف والظلامية من جهة، والثقافة العراقية التقدمية والحداثة المدافعة عن الشخصية العراقية المستقلة و مُثُلها الأنسانية النبيلة، وسبل تقويمها والنهوض بها و تخليصها من التشويهات ومن مضار تأثيرات العنف، على اسس تواكب التقدم ومن اجل الأستقلال والسيادة الوطنية ومن اجل الخلاص و الوقاية من انواع الإحتلالات . .
   و مؤشراً الى استمرار الصراع الذي لايهدأ بين انسان البلاد و حقوقه وكينونته و رقيّه وتفتحه على العالم و آفاقه من جهة . . وبين الظلامية والهمجية وسياسات الإحتلال والقمع المتنوع المتعدد الأطراف و الوجهات من جهة اخرى، ويكشف عن مآسي تزايد تباعد المثقف عن السلطة و صراعه مع ادواتها . . وفي ظرف يعبّر الكثيرون فيه عن قلقهم من اشتداد الضغوط على الثقافة الديمقراطية و التقدمية بعد تهدئة ملف الطائفية و لو مؤقتاً . . وعن قلقهم من ان مسلسل الإغتيالات الفردية سيلعب دوراً واضحاً في ذلك المنعطف الذي تعيشه البلاد و هي تواجه مرحلة جديدة في قضايا : المعاهدة، النفط، الأحتلال المركّب . .
   مرحلة تلعب فيها المعرفة العلمية والفكر التقدمي والحداثة دوراً اساسياً لايمكن تجاهله و القفز عليه . . جاء فيها ذلك الأغتيال كانذار وتوعّد من جهات حاكمة متنفذه و من ميليشيات طائفية ظلامية و ادوات ذهبت بعيداً ـ رغم صراعاتها بينها ـ في محاربة و في محاولات اسكات المثقفين و المفكرين ووجوه البلاد الثقافية والأدبية والعلمية و السياسية . .
   جهات تسعى لتنفيذ سياسة اصرّت وتصرّ عليها، و واجهت و تواجه رفضاً مواجهاً شكّلت ردود الفعل الكبيرة ازاء الأغتيال سواءً في الداخل او في الشتات، دلالة ساطعة من دلالاته . . رفضاً ينادي بوقف العنف والإرهاب المنفلت بلا رادع ـ ان لم يكن بتوجيه من اقطاب متنوعة ـ مستهدفا القتل و التشريد والتضييع و التحطيم، و بانواع الحجج والإدعاءات  .  . للصحفيين والكتّاب، اساتذة الجامعات، المحامين، الأطباء وغيرهم وغيرهم الآلاف من الطلبة و الطالبات الذين يواجهون حياة قاسية اليوم ، اضافة الى استهدافه اصحاب انواع الكفاءات و الأختصاصات . . التي شكّلت وتشكّل فكر و علوم و اداب و طموحات و تطلّعات البلاد بكل اطيافها القومية والدينية والمذهبية . .
   و التي تدلّ على حجم التآمر المتنوع المصادر و الوجهات الذي يستهدف طاقات البلاد و ثرواتها البشرية و الثقافية و العلمية . . و كونه ووفق منظور مخططات كبرى له، يسهّل لها الطريق لإمرار مخطط " حافة الهاوية " القلق المنشغل بادامة جراحات موروثة و وبالتسبب باخرى مستجدة و تتجدد دوماً، في مواصلة لإستهداف ومحاولة اسكات وتكميم عقول و افواه المبدعين العراقيين رجالا ونساءا . . كاستمرار محموم لمخطط استهدف الثقافة العراقية منذ عقود، باستهداف و قمع حَمَلة و دعاة الفكر التقدمي العلمي الحرّ، من شيوعيين و ديمقراطيين ويساريين متنوعين و قوميين تقدميين و اسلاميين متنورين و الكثير غيرهم ممن احبوا العراق واستعدوا ويستعدون لخدمته . .
   و تسبب بسقوط العشرات والمئات من الشهداء وهم يدافعون عن الكلمة الحرّة وعن حقوق البلاد وابنائها . . فخسرت البلاد طلائع من ابنائها المخلصين و خسرت طاقاتهم و ابداعاتهم و تعريفهم و ارشادهم علناً لماهية حقوق البلاد في الظرف الملموس . .
   المخطط الذي يستمر اليوم مستهدفاً كل من يتحدى الظلامية و الدجل و الجهل، بالكلمة والإبداع الثقافي و المعرفي وبالإشارة الى الحقيقة . . تغذيه كل القوى التي يغيضها عراق واعي متحرر ذو سيادة . . يعيش فيه ابناؤه رجالاً و نساءاً ومن كلّ الأطياف . . حياة انسانية كحياة باقي شعوب الأرض .

المجد للشهيد كامل شياع شهيد الثقافة العراقية !
والعار لقتلته المجرمين ولمن يتستر عليهم !


ايلول / 2008 ، مهند البراك

(*) القاها نيابة الوجه المعروف ابو فادي في المهرجان التأبيني الذي اقيم بمناسبة اربعينية الشهيد في استراليا ، في 21 ايلول الجاري .

200
المجد للمفكر الشجاع كامل شياع !
                                                                                              د. مهند البراك
   
   برصاصات معدودات انتهت حياة المفكر العراقي اليساري المعروف كامل شياع وتسببت بخسارة كبيرة لرجال الثقافة و للبلاد . . في ضربة ليست من ضربات القدر او الصدفة، وانما ترى اوساط تتسع ان الإغتيال جرى ضمن تخطيط اكبر . . في ظروف تدخل فيها البلاد في منعطف خطير جديد، بشواهد متعددة تزخر بها وسائل الإعلام الداخلية و العربية والعالمية . . .  التي تنبئ اخبارها و مصادرها المتنوعة، ان مسلسل الإغتيالات الفردية سيلعب دوراً هاماً في ذلك المنعطف .
   وتلوح المخاطر الجديدة كجزء مما ستشهده البلاد اثر قضية المعاهدة العراقية ـ الأميركية و ردود الأفعال الشعبية ازاءها، وتزايد قرب موعد الأنتخابات الأميركية التي ستحسم ماهية الإدارة الأميركية الجديدة وماهية توجهاتها وبالتالي المجريات و الآفاق القريبة . . بملموسيات اكبر .
   وتأتي في ظروف داخلية بالغة الدقة لقرب موعد انتخابات المجالس المحلية التي يُنتظر منها الكثير، في عملية يُتوقّع ان تُحدث تغييراً ليس قليلاً في اصطفاف مكونات المجالس المحلية . . بعد ان وُضعت المجالس والقوائم السابقة على محك الواقع العملي . . بعيداً عن وعودها .
   وفيما استُهدفت الثقافة العراقية ووجوهها المعروفة استهدافاً احبط باشكال متنوعة الكثير من الآمال التي عقدتها اوساط واسعة على سقوط الدكتاتورية . . . سواءاً كان ذلك من (قوات التحرير) او من الميليشيات الطائفية المتصارعة، التي ذهبت بعيداً في محاولاتها المتنوعة في محاربة و اسكات المثقفين و المفكرين ووجوه البلاد الثقافية والأدبية والعلمية .
       وانطلقت بلا رادع، ان لم يكن بتوجيه من اقطاب متنوعة، مستهدفة القتل و التشريد والتضييع و التحطيم  . . للصحفيين والكتّاب، اساتذة الجامعات، المحامين، الأطباء . . وغيرهم وغيرهم الآلاف من من الطلبة و الطالبات ومن اصحاب انواع الكفاءات . . التي شكّلت وتشكّل فكر و علوم و اداب واحلام و طموحات و تطلّعات بلاد لعبت طيلة عقود مضت ادواراً بارزة في حياة و كينونة المنطقة و تطلعاتها . . رغم الظلم والطغيان الذي كانت تعانيه  .
   بل و رأى و يرى الكثير من الخبراء الدوليين المشهود لهم ومنذ جرائم سرقة المتاحف العراقية و  مكتبات البلاد و دوائرها و مخازنها، ثم مسلسل الإغتيالات الذي لايتوقّف . . ان هناك تآمر متنوع المصادر و الوجهات يستهدف كينونة البلاد و ماهيّتها و شخصيّتها . . تهلل له عدد من الدوائر المتنفذة داخليا و خارجياً . . . باعتباره ووفق منظور مخططات كبرى لها، يسهّل لها الطريق لـ (بناء) شخصية عراقية جديدة مطواعة لتكون طوع بنانها، بدلاً عن اعتماد الشخصية العراقية المعروفة بتطلعاتها الإنسانية و عن تخليصها مما علق بها من ادران الخوف و العنف و التشويه . . بسبب دموية الدكتاتورية و بسبب الحرب و الإحتلال و الإرهاب  .   
   ان مسلسل الإغتيالات الذي استهدف المفكر المبدع كامل شياع ، هو ذاته الذي استهدف شهداء الثقافة العراقية منذ عقود و ادىّ الى سقوط العشرات والمئات من حملة و دعاة الفكر التقدمي العلمي الحرّ، من شيوعيين و ديمقراطيين ويساريين متنوعين و قوميين تقدميين وغيرهم . . الذين استشهدوا رجالاً و نساءً دفاعاً عن الكلمة الصادقة و النبيلة . .
   ويتصاعد ذلك المسلسل الآن مستهدفاً كواكب الصمود . . كواكب تحديّ الظلامية و الدجل و الجهل التي تعمل على تغذيتها كل القوى التي يغيضها عراق واعي متحرر ذو سيادة . . يعيش فيه ابنائه رجالاً و نساءاً ومن كلّ الأطياف . . حياة انسانية تليق بهم و بما قاسوه و عانوه على مدى عقود . . حياة كحياة باقي شعوب الأرض .

المجد للشهيد كامل شياع وتحية مؤاساة لأهله و رفاقه و اصدقائه وكل محبيه ! 

25 / 8 / 2008 ، مهند البراك


201
       
هل هناك تغيّر في الستراتيجية الأميركية في العراق والمنطقة ؟
      ـ 3 ـ
                              د. مهند البراك

   من جهة اخرى وفيما يتصاعد خطر الهيمنة الإيرانية في العراق والمنطقة، بشتى الحجج و تحت انواع  الشعارات القديمة الجديدة، التي تعبّر عن اهداف تصدير ( الثورة الإسلامية ) و على اساس مواجهة الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة الأميركية )، يتعزز نهج الأنفتاح الرأسمالي الحر فيها بشكل مذهل كما يشهد عليه النشاط المتنوع في " جزيرة كيش " الإيرانية (1) كجزيرة حرة امام كل الرساميل الغربية : اميركية واوروبية، رغم كل الحروب الكلامية و انواع الخطب .
   " كيش " التي وصفتها " معصومة ابتكاري " نائبة رئيس الجمهورية الإيراني السابق، بانها " هي التي تجعل من ايران جزيرة الإستقرار في الشرق الأوسط بمنظور رجال الأعمال الأمريكيين " في خطابها الشهير الذي دعت فيه المستثمرين الأجانب و الغربيين بالذات للأستثمار في ايران . حيث تقع في الجزيرة مقرات الأدارات والممثليات الغربية رغم انواع العلاقات الدبلوماسية المقطوعة رسمياً . .  وتمتاز بسهولة شروط الأقامة والفيزا ، وحيث توجد ادارات 72  اثنان وسبعون شركة استثمارية غربية عالمية والنفطية منها بشكل خاص ، مثل :  PGP  ، توتال الفرنسية، هاليبرتون/ تشيني ، شل، عجيب .  .  وغيرها، من شركات النفط النرويجية و الأخرى التي تحمل اسماءاً اوروبية و تعمل برأسمال اميركي ؟ . . . اضافة الى شركات اللوتري (اليانصيب) !! واسواق الجملة و المفرق بالأسعار الحرة التي تجهز وحدها الأقتصاد الإيراني  بـ 4 مليارات دولار فصليا (2) .
   ويضيف متخصصون، ان اعلان منطقة سرخس (ساراخس) في اقصى شمال شرق ايران كمنطقة حرة من قبل " احتكار  القدس " للنفط والغاز (3) ، المملوك والمسجّل باسم الأخ الشقيق للمرجع الإيراني الأعلى خامنئي، والذي ينشط فيه احتكار توتال النفطي الفرنسي ـ المتعدد الجنسية اضافة الى الشركات الكازاخية، التركمانية، الأوزبكية، الآذربيجانية و التركية . . جعل من المقاطعة النفطية المعلن عنها ضد إيران لامعنى اقتصادي لها، بوجود المناطق الحرة تلك و بسياسة التوسع بها . في معادلة معقدة تلقي اضواءاً على طبيعة ملفات العلاقات الأميركية ـ الإيرانية المتنوعة و المتبادلة المصالح والأرباح، تحت شعارات .  . " الموت لأميركا " و التهديد بالخطر النووي !! 
   وفيما يتواصل النشاط العسكري الأميركي المكلف في العراق، وتواصل القاعدة الأرهابية نشاطاتها فيه رغم الضربات الموجعة التي تلقّتها و تتلقاها الآن، وفق البيانات الرسمية. اضافة الى تواصل نشاط عدد من الدوائر الإيرانية التي تعمل على اثارة و تغذية الصراعات الطائفية و القومية فيه، بالسلاح و المال و باللعب على اطرافه المتنوعة لصالح اجندتها الخاصة المنسجمة مع اثارة قضية السلاح النووي المستمر التلويح بها، مؤدية الى مزيد من الخسائر البشرية والمادية للأطراف العراقية خاصة، اضافة الى الأميركية .
   و فيما يتواصل استمرار سياسة الغطرسة لحكومة اولمرت في الصراع العربي الإسرائيلي، تزايد الخسائر الأميركية في افغانستان، و بعد تأثيرات سحب السعودية لودائعها احتجاجا على مضايقات الإدارة الأميركية للجاليات و المصالح السعودية في الولايات المتحدة منذ 11 ايلول 2001 . . اضافة الى طول انتظار و (ترقّّب) الأشقاء العرب للحالة في العراق (4) . .
   والتي دللت على استنفاذ خطط " الغرب " و عجز نوع تحالفاته، عن "احتلال" المنطقة وإعادة هيكلتها برؤيته الحالية، اضافة الى عجزه عن الاستثمار في فوضى المنطقة، و على تزايد دور الأقطاب الإقليمية، وتزايد حالة العداء ذي الطبيعة الراديكالية، و على اهتزاز و تهريّ  الأدوات والقوى التي استند عليها و افترض فيها النجاح بداية، اضافة الى تواصل غياب المبادرة والمشاركة الشعبية !!
   اخذت كلها و غيرها تترك تاثيراتها السياسية و المعنوية و المالية السلبية على واقع الحياة اليومية الداخلية الأميركية، في وقت يتميّز بتزايد تباعد مصالح الأحتكارات الصناعية العسكرية الأميركية الداعمة لإدارة الرئيس بوش، عن ما انتظره الشعب الأميركي ذاته منها كما مرّ ، والذي اخذ يفرض الحاجة الى مرحلة جرّ النفس و التهوين على الناخب الأميركي، و اعادة التحالفات  . . بعد ان حققت تلك الإحتكارات اهدافا هامة لها على صعيد ستراتيجيتها في العالم و المنطقة .
   من هنا بدأت اطراف ادارة الرئيس بوش تطرح اهمية الحل السياسي وتحاول اتباع وسائل ( الأقناع والمصالحة) و محاولة احتواء سياسات العداء لحربها في المنطقة على اساس "محاربة الأرهاب" . . وفي بيانات اكثر وضوحاً من مشروع بيكر هاملتون توضح وزيرة الخارجية الأميركية رايس :
"  أن النجاح الأميركي في القضاء على تلك الجماعات (المقصود الأصولية المتطرفة / م . ب) يحتاج إلي مساعدة الحلفاء والأصدقاء بالمنطقة . . وأن المصلحة الأميركية التي تجمع بين دفع الديمقراطية ومحاربة الإرهاب والتطرف بالمنطقة خيار صعب ومعقد؛ حيث تحتاج الولايات المتحدة الأميركية إلي تعاون الأنظمة غير الديمقراطية بالمنطقة . . و أنه لا يمكن إنكار دور الدول غير الديمقراطية في محاربة الإرهاب " !!
   اضافة الى قولها " أن حل مسألة مشاركة الجماعات المسلحة في الانتخابات . . . يقع على عاتق قيادات المنطقة ومؤسساتها؛ لإيجاد حل لها بالطرق السلمية بعيدا عن الكبح والقمع والاستثناء "!! و الذي يعني انه يفتح الباب لأشراك الجماعات المسلحة في الحكم، على النقيض من : مطالباتها و تاكيداتها على انهاء التشكيلات المسلحة غير الحكومية " الميليشيات " وعلى التبادل السلمي للسلطة الذي يؤكده الدستور العراقي الجديد، كشرط للمشاركة في الحكم ؟!!  و الذي يوضحه و يؤكده هنري كيسنجر ( راجع : مراجع و مقارنات ) .
   و يرى محللون و مراقبون دوليون، ان تركيز المسؤولين في ادارة الرئيس بوش على تصاعد اهمية الدور السياسي الآن بل و ابدائهم ( مرونة ) اكبر مع انواع الجماعات المسلحة الذي يجد تعبيره في   "  . . ان الظروف الحالية تؤدي إلي صعود قوى غير حكومية خلال الممارسة الديمقراطية، ولاسيما أن الجماعات المسلحة التي لم تعلن تخليها عن العنف هي أقوي الجماعات السياسية تنظيما في العالم العربي " (5) ويوضّح ان ما جرى و يجري لحد الآن رغم الشعارات التي لخّصتها ادارة الرئيس بوش في الديمقراطية و في انهاء العنف كاسلوب للحكم و التعامل، لابدّ وان يعكس صفقة سياسية جديدة في طور العمل و التطبيق مع الجماعات المسلحة، تبدأ بها ادارة اوباما المنتظرة عملها .
   وعلى ذلك يرى عديد من الخبراء ان الستراتيجية الأميركية في المنطقة الآن تزداد وضوحاً في ان المهم لها ليس الديمقراطية و انما " محاربة الأرهاب " دون تعريفه و تحديده، ودون السعي لتجفيف منابعه و دون وضع حلول لأسباب العنف النابعة من : الفقر و الجهل و الجريمة و المخدرات من جهة، تصعيد التعصب القومي و الديني و الطائفي، اضافة الى الحرب و الإحتلال و غيرها من جهة اخرى والتي تسببت بها سياساتها الحربية ذاتها.
   و ان تغيّر ستراتيجيتها في المنطقة يتلخص في دوام " مساومتها التاريخية القائمة على الدعم الأميركي للنظم السلطوية ديمقراطية و لا ديمقراطية مقابل عمل هذه الأنظمة على تحقيق الاستقرار الذي تسعي إليه الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها " على حد تعبير موضوعات وزيرة الخارجية الأميركية رايس، المستندة الى مشروع " بيكر ـ هاملتون " الستراتيجي الديمقراطي ـ الجمهوري  . . وهو الأمر الملموس و المعاش في حركة الواقع العراقي المأساوي حتى الآن وحركة اتفاق و اختلاف و تنازع قواه المحرّكة، و الى قضية كركوك الملتهبة الآن، رغم جهود مخلصة تبذل .
   و يرى سياسيون ان دول الغرب بعد ان نظّمت الشرق الأوسط بتكريسه تابعاً ... وعلى اسس القومية و القومية ـ الأقليمية و المحلية وعلى اساس قوميات اصغر و اقليات قومية و فئات اجتماعية و دينية حاكمة و اخرى محكومة . .  تسعى اليوم الى التاقلم و التعايش المتبادل المصلحة مع اطراف الموجة الأسلامية في المنطقة . . بعد تزايد الشعور انها تستنفذ الآن حتى برنامجها في ( دعم ) تكوينات الأقليات و نضالها من اجل حقوقها العادلة !! 
   و ان المتغيرات الحاصلة فعلا لكل الأسباب المارة الذكر قد تدفع بالغرب للتعامل مع الجديد النوعي على قواعد أخرى بقصد احتواء المنطقة وإعادة هيكلتها وهيكلة قواها على قواعد وبنى جديدة يفترضها مجدية، وبينها القبول والمساعدة على تشكل محاور قوة ما فوق قطرية بطابع عربي في محاولة لتصعيد التعارض مع القوميات والأمم المجاورة بوجهة موازنتها و تحقيق استقرارها المنشود . . باسلوب  سعي الغرب الدائم لإقامة نظم امن إقليميه موالية أو متعايشة. و التي منها تنطلق دعوات الإدارة الأميركية الآن الى " العراق العربي " و "عروبة العراق " بعد ان اهملتها ولم تهتم بتحديث مفهوم الإنتماء العربي على اساس احترام حقوق وواجبات الأقليات غير العربية . . لا قولاً و لا فعلاً و لا جهوداً .
   و يشير فريق آخر الى ان الستراتيجية الأميركية اليوم تعبّر عن حاجتها الى برامج سياسية وفكرية وبالتالي احزاب جديدة تعبئ نحو السعي على تحقيق تقارب و (وحدة ) دول المنطقة او عملها على اساس من محاولة تكتيل الشعور العربي للوقوف امام الخطر الإيراني الساعية الى احتوائه، حيث حققت و تحقق نجاحات في اجندة معه . . 
   في وقت تعمل فيه على احتواء إيران بدل مواجهتها عسكرياً عبر: قبولها بدور إقليمي عملي لها، وإفساح المجال لها في آسيا الوسطى، وقبولها شريكا ثانويا في العراق، وبعض مناطق الخليج، لتخفيف اندفاعتها باشراكها في النظام الإقليمي و بتحمّلها اعباء توفير مستلزماته . . عبر ستراتيجية التفاوض، والتعاون الاقتصادي والأمني مع تصعيد الحملة الإعلامية والأمنية والسعي للتعامل و التأثير على بنيتها  بالرهان على ” الليبرالية ” والقوى الاقتصادية الموالية فيها، المجسدة في تيارات في المؤسسة الدينية، وفي البازار . .  على اساس تزايد وجهة الدوائر الأميركية الحاكمة في قبول القوى الإقليمية الصاعدة، والتعايش معها، وقبول صعود قوى جديدة، والسعي لاحتوائها، والرهان عليها
   وفيما تسعى الستراتيجية الأميركية الآن الى احتواء الأزمات و الى التطبيع و التعايش مع الميليشيات  بعد توصلها الى استحالة ايقاف العنف، و دعوتها ايّاها الى تشكيل اجنحة سياسية لها ( كما يجري مع حماس في غزة ) . . يتساءل فريق ثالث عن ماهية حدود مصالح الأمن القومي الأميركي في المنطقة ؟؟ فلا يعقل ان تكون بلا حدود قانونية فاعلة و معمول بها تضمن مصالح دول و شعوب المنطقة و حقوقها هي بالأستقرار و السلام و الرخاء . . و خاصة في مجالات النفط و الطاقة والثروات الطبيعية، و في تحقيق الأمن . .
   و تعبّر اوساط متزايدة عن قلقها من اشارات واعمال واضحة للأحتكارات الأميركية المهيمنة تعبّر عن قبولها لأية سلطة في مناطق النفط ؟! تستطيع ان تنظم لها النفط والأمن و مواجهة ( الأرهاب ) في وقت لاتبالي فيه الأحتكارات ذاتها من اخطار اعمال الأرهاب و الموت و الدمار على شعوب المنطقة بقدر خوفها من تدميره لمصالحها . .
   وفيما يشكّل العراق نموذجاً مصغّراً لدول المنطقة المتشابكة المتداخلة التكوينات، اضافة الى اهميته الستراتيجية الفائقة لها . . فان وضعه الآني يلعب دورا حاسما في تقرير واقع و آفاق الستراتيجية الأميركية في المنطقة و العالم بتقدير مخططيها، خاصة وان عليه الآن اكبر قوة عسكرية اميركية خارج الولايات المتحدة، وترى الإدارة الأميركية في العلاقات الستراتيجية معه و مع أفغانستان وبعض دول أسيا الوسطي والعلاقات الستراتيجية طويلة المدى مع الدول الخليجية، الأساس في ستراتيجيتها في عموم المنطقة، اضافة الى ستراتيجها في تصعيد التعارضات الاثنية و القومية . . و اعتمادها كقاعدة دائمة للتأثير و الفعل في المنطقة . في وقت تتزايد فيه التكهنات بتهيؤ البنتاغون للأستعداد على استبدال الوجود العسكري الأمريكي المباشر الكبير في العراق . . بوجود محوري في المنطقة الكردية، الكويت، الأردن، وفي دول الخليج وبحر العرب . .
   من ناحية اخرى، ورغم ماحققته الأدارة الأميركية من اسقاط الدكتاتورية الذي افرح ملايين العراقيين، الا انها بقرارات دوائرها وتراكم اخطائها، اضافة الى كل الواقع الوطني والأقليمي والدولي،  ورغم صبر ابنائه وتماسكهم امام الأخطار الرهيبة المتزايدة . . فإن العراق انتقل الى مواقع لاتزال مجهولة بعد ان لم يحصل ابنائه من كل التغييرات الاّ الدمار، رغم الجهود المخلصة التي تبذل و النجاحات التي تتحقق في نجاحات  وقوف عشائر العراق العربية ضد القاعدة والتي تسببت بانبعاث الروح الوطنية العراقية وبالتالي بانكسارات القاعدة، و التي تواجه بمحاولات اثارة نزاعات عرقية و قومية بين ابناء البلد الواحد . 
   وسط قلق اوسع الأوساط العراقية الذي لا يتأتىّ من آليات و كيفية تحقيق تنازلات متبادلة مع الجيران فحسب، بقدر قلقها النابع من استمرار ترك العراق ساحة للصدام و لتغلغل الجوار بشؤونه، وبعبارة ادق جعل العراق كما لو انه بؤرة دائمة للحروب في المنطقة ؟؟ التي حتى لو انسحبت القوات الأميركية منها . . فانها لاتذكّر الاّ بما ترك الأنسحاب الأميركي من فيتنام في منطقة جنوب شرقي آسيا، حيث استمرت الصدامات والفتن بين اطراف المنطقة ودولها، مكبدة شعوبها خسائر لم تنته الى الآن، على اساس مصالح وخطط الأدارة الأميركية العسكرية الستراتيجية اللاحقة .
   اضافة الى القلق النابع من مساعي محمومة دولية و اقليمية تجري لعدم السماح للعراق بان يبرز كقطب نفطي مالي تجاري في المنطقة، و مساعي محمومة متنوعة في دول المنطقة تسعى لتحطيم كيانه امام المستثمرين بابقائه في حالة عدم استقرار، ليس بتسهيل ارسال معارضيها الداخليين اليه فحسب .  . بل بالأمعان في تحطيم كينونته الإجتماعية الثقافية الحضارية . في زمان صار فيه مآل و مصير النقاط الأكثر التهابا في العالم لايتقرر في الواقع بالأرادة الوطنية لوحدها و لا بالأرادة الدولية لوحدها و انما بكلاهما و بصراع و تفاعل الأقطاب الأقليمية الجديدة معهما و مع الأقطاب العظمى الأخرى .
   والذي قد لن يكون في ظروف تصاعد النزاعات العرقية والطائفية و القومية التي يجري الدفع بها ، و تهدد باندلاع نزاعات اكبر سواءاً في العراق او في عموم المنطقة . . الاّ محاولة لنشر الفوضى بين شعوب المنطقة  لتأمين انسحابها منتصرة من جهة، ولترك الصراعات الأقليمية تشتعل لتشغل دول المنطقة بمشاكلها وتشلها فيما بينها، فاسحة المجال لتدوير دواليب ماكنة المجمع الصناعي العسكري النفطي الذي تقوده الأحتكارات الأميركية المتعدية الجنسية المنتصرة، في وقت تدعو فيه الى الأستقرار و محاربة الأرهاب .
   واخيراً فأن الوضع الحرج القائم، لابد وان يشحذ همم القوى العراقية الفاعلة، الى اهمية وحدة القرار العراقي ووحدة خطابه، واهمية تلاحم مكوناته باختلافها الفكري السياسي، القومي، والديني المذهبي، الذي لايمكن بدونه الحصول على حقوق لأي مكوّن عراقي لوحده . . والى اهمية المبادرة للتوجه لمكونات المنطقة وللقوى العالمية العظمى الأخرى ايضاً، من الصين والى الأتحاد الأوربي وروسيا . . في ظروف يتزايد فيها احتدام الصراعات الرهيبة على المناطق الأكثر ثراءاً بالمواد الخام في العالم . (انتهى)

14 / 8 / 2008  ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   تقع جزيرة كيش الإيرانية في الخليج العربي قرب مضيق هرمز .
2.   راجع وثائق " ايران ، القنبلة الموقوتة " ، الملفات و الأفلام الوثائقية في ارتي ، زد دي اف  في  3 / 7 / 2006 .
3.   الذي يسمى داخلياً بـ  " وَقْفْ  القدس " .
4.   التي اخذت تتحرك مؤخراً ، بدءاً باعفاءات الديون الإماراتية، زيارة العاهل الأردني ، الجهود المصرية لأفتتاح سفارتها في العراق . .
5.   كوندليزا رايس في " التحديات الرئيسية للولايات المتحدة . .  " .

مراجع و مقارنات :
ـ " الحقيقة المحرّمة "، جين ـ شارلز بريزارد/ غيلاومي داسكوي، زيورخ 2002 .
ـ " أمراء الظلام " لورينت مورافيك ، نشر ناشيونال بوك ـ نيويورك ، 2008 .
ـ " النفط كسلاح للسيطرة على العالم " ف. وليام انغدال ، شتاينهيرست ـ فيسبادن ـ المانيا ، 2003 .
ـ " القطب العالمي الأعظم " زبيغنيو بيرجنسكي، منشورات فيشر، فرانكفورت ـ ماين ، 2003 .
ـ " مشروع بيكر ـ هاملتون " ،  ايلول 2006  .
ـ  " التحديات الرئيسية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط " كوندوليزا رايس ، تموز 2008 . 
ـ " خطتي بشأن العراق " المرشح الدمقراطي باراك اوباما، تموز 2008 .
ـ " الحقيقة الجديدة في العراق يواجهها الصراع القديم ، هنري كيسنجر ، اوائل آب 2008 .




202
هل هناك تغيّر في الستراتيجية الأميركية في المنطقة ؟
 ـ  2 ـ
   
                                                                                             د. مهند البراك

   ان نمو الصراع الذي لم يحسم للأقطاب الدولية المتعددة، كشف عن منطق اكثر تنوعاً من منطق الصراع في " الحرب الباردة " . بعد ان صارت القوة العسكرية لوحدها لاتؤشر على التفوق الثابت او الدائم، اثر دخول عوامل جديدة في عداد التحكّم بالتفوق، كالأقتصاد وآلياته المتجددة، العلوم والتكنولوجيا، المؤسسات المالية، الثقافات والأديان، العوامل الجيوسياسية المتنوعة، البيئة، النفط والطاقة والخامات والمياه . . اضافة الى نشوء كيانات دولية تحمل طابع السوق السوداء، سواء كانت مالية، عسكرية، شركات حماية ومرتزقة مدفوعي الثمن، وغيرها من التي لاسيطرة نظامية حقيقية عليها، جاهزة لمن يدفع اكثر ، و تزايد دور و تفاعل عوامل ذات الطابع الدولي والمتعدي الجنسية ايضاً، كفرق الأرهاب، المخدرات وغيرها.
   اضافة الى النمو المخيف لأقتصاد الأزمات و المضاربات و الفساد الأداري والرشوات، والسرقات والأختلاسات . . الذي زاد من نمو الجريمة المنظمة ذات الأذرع الدولية، و من تحكّم المافيات المتسترة بستائر الأديان والطوائف و غيرها . . بعد ان تزايد غياب التخطيط و سريّته وسيطرت الفوضى والعنف والنهم الذي اخذ يؤدي الى صعود فئات هامشية متنوعة تعتمد العنف والأرهاب ... بسبب تزايد مناطق اللااستقرار وغياب و ضياع القانون لأسباب غاية بالتنوع .
   في ظروف يتزايد فيها الضياع الإنساني بسبب تزايد الفقر و الجهل و يتصاعد فيها العنف و نزعات : الحقد والكراهية، حساسية الأديان والطوائف وتزايد الصراعات الدموية لأطرافها الأكثر تطرفاً، التي ان تسببت بها القوى الأكثر تطرفا للأسلام السياسي  . . تسببت بها الحروب و سياسات العنف و الغطرسة التي تحرّكها الأوساط الأكثر تطرفا و عنفاً في المجمع الصناعي العسكري النفطي، بدوسها على التاريخ باسم " نهاية التاريخ " و بان " التاريخ يبدأ من حيث انفردت الإدارة الأميركية (1) كقطب وحيد يسيطر على العالم " ، و بدعوة الدين ليلعب دوره، مسخرة لذلك انواع اللوجات السرية و المنظمات الكنائسية والكنسية الأصولية المتطرفة المقابلة، بعد ان ازداد زخم نشاطاتها في تقويض المعسكر الشرقي منذ بدء انهياره .   
   من ناحية اخرى، و فيما اعادت البلدان و التكوينات و الأتحادات الصناعية، المالية المنافسة للمجمع الصناعي العسكري النفطي الأميركي، اضافة الى بلدان الخامات المتنوعة الكبرى . .  ترتيب بيتها بذات الآليات، و تصعيد وتائر تطورها بشكل منافس مذهل في آسيا كما مرّ . اضافة الى نمو و صمود الأتحاد الأوروبي، تزايد التقارب الآسيوي ـ الأميركي اللاتيني والآسيوي ـ الخليجي.   
   فانها حققت زيادة تقارب وتفاعل و اعادة اصطفاف رؤوس الأموال وهجرتها بشكل مغاير لما ارادته الإحتكارات الأميركية الأكثلر نفوذاً . . في وقت يرى فيه متخصصون، ان تزايد نشاط رؤوس الأموال الأميركية المتعدية الجنسية الأكبر انما يجري في مجالات العسكرتاريا و آليات احكام السيطرة على موارد الطاقة والنفط الخام والغاز، باعتبارها الشريان الرئيسي الذي يحقق لها انفرادها كقطب اعظم عسكري صناعي نفطي وسياسي وحيد، بسيادة العالم، الذي لم ولا تساوم عليه حتى الآن . .
   وفيما سعت الرساميل و الإحتكارات الغربية و في مقدمتها الأميركية الكبرى . . الى توظيف الفوضى الناشئة من انهيار المعسكر الشرقي و نشطت باتجاهات سمتها " الفوضى الخلاّقة "، محاولة بذلك اعادة ترتيب العالم وفق مصالحها و من اجل تحقيقها اعلى الأرباح بأسم " الديمقراطية " . . فإنها باتباعها نهج " الضربات الوقائية "، بعد انفراط عقودها مع حلفاء الأمس حين اجتمعوا معاً على مواجهة العدو المقدّس الأخطر . . ( الخطر الشيوعي ) ! على اساس مواجهة المقدّس بالمقدّس !!
   تسببت بزيادة وتيرة العنف في العالم و بتزايد النشاطات الأرهابية المتنوعة و على رأسها منظمة القاعدة الإرهابية، و تزايد نشاطات الدوائر الأكثر عنفا في ايران وفي مقدمتها " فيلق القدس " و " حرس الثورة الأسلامية " . . مؤدية بذلك الى تزايد الفوضى بشكل رهيب، اوقعها بكثير من المشاكل والخسائر من جهة ، و الى تزايد طغيان و انفراد الإحتكارات النفطية العسكرية الصناعية الأميركية التي استغلت وتستغل الفوضى باسم " قوننة الفوضى " !
   وفيما يرى مراقبون ان خطأ الأدارة الأميركية الحالية يتجلى في اعتمادها على النهج العسكري، واصرارها على السير بمفاهيم المرحلة الماضية وقصور تحديثها لدوائرها، اضافة الى النظرة المتعالية المقتصرة على النظر الى اهمية المنطقة الستراتيجية الأقتصادية الحالية، دون التعمق بتأريخ المنطقة و شعوبها و اقوامها و بالتالي دون التعمق بكينونة انسانها .
   ويتساءل آخرون : متى سيعرفون المنطقة ؟ متى سيعرفون تكويناتها التي ان بنت حضارات سادت وافلت، فان اقوامها هم ورثة ذلك التأريخ الغني الذي لايزال يفعل فعله على كل تناقضاته في كيان و احلام و طموحات وتكوين ابنائها و انشدادهم الى ارضها، بل هم وبكل التناقضات و الشوائب و النواقص ورثة تلك الأقطاب البشرية التي تفاعلت مع الأقطاب الأخرى في تكوين الأرث و الحضارات الإنسانية، وانهم ليسوا اداة طيّعة كما عبّر الجنرال زيني (2) في التسعينات بقوله : " ان التأريخ يبدأ من وجودنا في المنطقة " على غرار تقديرات و تفكير و سلوك المستوطنين الأول في القارة الأميركية و مواجهاتهم اللاأنسانية للهنود الحمر (3). 
   في ظروف ترى اوساط خبيرة فيها، ان دولاً صناعية كبرى لاتريد واخرى انسحبت من الخطط والوصاية الأميركية بطرق متنوعة . . اضافة الى دولٍ كبرى اخرى يبدو انها تلعب دور المنتظر و المراقب ـ الدور الذي لعبته الولايات المتحدة ذاتها عندما ماطلت بفتح الجبهة الثانية في الحرب العالمية الثانية، حين انتظرت انهيار دول اوروبا لتفرض شروطها عليها وهي خربة ومفلسة ـ وخاصة بعد ان ابتدأت الأدارة الأميركية بفرض انفرادها بتقرير مصير العراق وثرواته وفي مقدمتها النفط الخام وموقعه الستراتيجي المتنوع، وحرمتهم من حصصهم من كعكته.
   وفيما تزايدت في المنطقة . . رقعة الخلافات السعودية ـ الأميركية وتزايد اقبال السعودية على الصين الذي ترجم بالحجم العملاق للأتفاقات الأقتصادية النفطية الصينية ـ السعودية،  اضافة الى تزايد اقبال دول الخليج على اليابان و الهند والأتحاد الأوربي، اضافة الى الصين و روسيا، لعروضها الأكثر اغراءاً ومرونة، مقابل النفط والغاز القابلين للنضوب.
   و تزايد الدور العسكري الأيراني المتوع فيها، من التهديد النووي، الى التدخل المتنوع السافر بشؤون العراق وخاصة من خلال الوحدات المقاتلة و الساندة العلنية و السرية لـ " حرس الثورة " و " فيلق القدس " الذي اخذ يستفزّ قوى واوساطاً عراقية و عربية متنوعة، وخاصة بعد ثبوت ضلوعهما بالتنسيق و التعاون المتنوع مع القاعدة في اكثر من منطقة في العراق .
   تشير مصادر اعلامية اوروبية واميركية متواصلة الى حصول تغييرات نوعية في توازن القوى الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية، كنتائج لسياسة ادارة بوش والأحتكارات الساندة لها ، من انفجار فقاعة الأسهم وتراجع حضور ول ستريت، وانفجار الفقاعة العقارية وإفلاس عدد من كبريات المصارف، وصناديق التمويل، والرهونات العقارية، الى تدهور غير محسوب في موقع وسلطة : قطاع المال والمصارف و التأمين بشكل خاص . اضافة الى بروز نتائج السياسات الاجتماعية التي كشفها إعصار كاترينا، والاعفاءات الضريبية للشركات وكبار المتمولين والمضاربين، وتصفية عدد كبير من شبكات التأمين و الضمان الاجتماعي و تزايد تخلف التعليم، والصحة، والبنى التحتية، والحجم الفلكي الجديد للمديونية . .
   كل ذلك وغيره اخذ يترك ضغوطاً على الستراتيجية و السياسة الأميركية . . ففيما يرى مراقبون و خبراء دوليون ان ستراتيجية الإحتكارات الأميركية الهادفة الى ادامة سيطرتها لوحدها (4) على منطقة الشرق الأوسط و الخليج و الحفاظ عليها كمصدر متحكّم للطاقة، والى السعي الى حرمان الآخرين منها دون اذنها . . اضافة الى الأهمية البالغة للأحتفاظ بالمنطقة لأهميتها السياسية، الدينية و الفكرية، في صراعات عالم اليوم  . .
   والحفاظ عليها لها كسوق لتصريف منتجاتها الصناعية والعالية التصنيع وخاصة السلاح المتطوّر باقيامه الخيالية .. بادامة و احتواء العنف فيها واستمراره في صراع من نوع آخر كثير الغموض، متبادل وفق التوقيتات (5) ، يحاول التأقلم و الأنسجام  تحت رايات ( الديمقراطية) التي تطالب بها في الواقع شعوب المنطقة التي تصطلي بنيران صراعاتها التي تُغذىّ من دوائر ستراتيجية عليا .
   فانهم يرون ان تلك الستراتيجية الأميركية لم تتغيّر في الجوهر بل تعززت اكثر، رغم التغيّر العالمي الهائل و هبوب رياح الحرية  في العقد الأخير من القرن الماضي، الذي ارغمها على السير على طريق منسجم معها، فانها تواصل السير المتنوع الذي تفرضه طبيعة صراعات المنطقة و تطورها و العوامل الأخرى الفاعلة بها، و نشاطات الأقطاب الإقليمية و الدولية الأخرى و حاجاتها ووسائلها و اساليب مناوراتها . . واخيراً و رغم اعتذار الرئيس بوش على الأخطاء الجسيمة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط طوال اكثر من نصف قرن مضى على حد قوله ( راجع خطاب جورج دبليو بوش حول حال الإتحاد اوائل 2002 )
   تثبّت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، وبوضوح اكثر مما طرحه مشروع بيكر ـ هاملتون آنف الذكر ، حين توضّح انه :
((     مع ان السياسة الأميركية ( الديمقراطية و الجمهورية) في الشرق الأوسط  طيلة العقود الستة الماضية ركّزت على المزاوجة بين حقوق الإنسان و تعزيز التطور الديمقراطي ، الاّ انها كانت دوماً تركّز بشكل استثنائي على الإستقرار . .
   و انها كانت قائمة على مساومة تقوم على الدعم الأميركي للنظم السلطوية وفي المقابل تعمل هذه الأنظمة على تحقيق الاستقرار الذي تسعي إليه الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها. ولكن بعد 11 سبتمبر اتضح أن تلك المعادلة لا تُساعد على تحقيق الاستقرار، وإن كانت تحققه فإنه استقرار لا يفيد المصالح الأميركية؛ حيث شهدت المنطقة زيادة نفوذ المنظمات الأصولية لاسيما تنظيم القاعدة الذي أصبح يتبني مفهوم استهداف " العدو البعيد "  ـ في محاولة لتبرير اهمية تواصل وجود القوات الأميركية في المنطقة / م. ب  ))
   و لتثبّت بتفاصيل كثيرة وواضحة ان هدف السياسة الأميركية في المنطقة في الزمن الراهن هو ليس تحقيق الديمقراطية فيها !! لأسباب تصفها بالموضوعية . . وانما هدفها الأساس هو تحقيق الأستقرار الذي يضمن مصالح الولايات المتحدة الأميركية !! . . ولتضع بذلك النقاط على الحروف لتفسير مجاهيل سير الأحداث وآفاقها في المنطقة وفي العراق بالذات، من وجهة نظر السياسة الستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة و التي تترك ثقلها في تطورات العراق اليوم ، وكما سيأتي . ( راجع  " التحديات الرئيسية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط " كوندوليزا رايس ، تموز 2008 ) .  (يتبع)


7 / 8 / 2008 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   وبالأصح الجهات الأكثر تطرفاً في الإدارة .
2.   قائد القوات الأميركية الوسطى آنذاك .
3.   مع الأعتذار لقضية الهنود الحمر الأنسانية. و رغم اعتذار ادارة الرئيس كلنتون على لسان احد مبعوثيه فقط شفهياً عنها بعد ان مضى اكثر من قرن و نصف على حصولها .
4.   بعد غياب القطب الشرقي المنافس .
5.   وعلى سبيل المثال الخبر الهام التالي الذي تناقلته وكالات الأنباء العالمية مؤخراً :
   واشنطن ـ وكالات ـ قالت  وزارة الدفاع الأميركية أنها بصدد بيع معدات عسكرية للعراق بقيمة    تزيد على 9 مليارات دولار . ويشمل المشروع بيع 392 عربة مصفحة خفيفة وأجهزة إرسال    وأسلحة مضادة    للدروع تصل قيمتها إلى ثلاثة مليارات دولار، وفق وكالة التعاون في مجال    الدفاع والأمن. كما يشمل المشروع بيع عربات أخرى مصفحة بينها 140 دبابة من نوع    "أبرامز" وسيارات    إسعاف مصفحة بقيمة مليارين و 160 مليون دولار. وتقترح وزارة    الدفاع كذلك بيع مروحيات بقيمة مليارين و 400 مليون دولار وقذائف صاروخية وقذائف هاون    وأسلحة رشاشة وقاذفات صواريخ. كما يمكن للبنتاغون أن يقدم للعراق مساعدة تقنية لبناء ثكنات    أو معسكرات تدريب للقوات العراقية بقيمة مليار و 600 مليون دولار، وذلك    وفق وكالة    التعاون في مجال الدفاع والامن. وكانت الوكالة الاميركية قد اعلنت عن احتمال توقيع عقد مع    العراق قريبا لبيع ست طائرات سي-130جي بقيمة مليار ونصف مليار دولار.

مراجع و مقارنات :
ـ " الحقيقة المحرّمة "، جين ـ شارلز بريزارد/ غيلاومي داسكوي، زيورخ 2002 .
ـ " أمراء الظلام " لورينت مورافيك ، نشر ناشيونال بوك ـ نيويورك ، 2008 .
ـ " النفط كسلاح للسيطرة على العالم " ف. وليام انغدال ، شتاينهيرست ـ فيسبادن ـ المانيا ، 2003 .
ـ " القطب العالمي الأعظم " زبيغنيو بيرجنسكي، منشورات فيشر، فرانكفورت ـ ماين ، 2003 .
ـ " مشروع بيكر ـ هاملتون " ،  ايلول 2006  .
ـ  " التحديات الرئيسية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط " كوندوليزا رايس ، تموز 2008 . 
ـ " خطتي بشأن العراق " المرشح الدمقراطي باراك اوباما، تموز 2008 .



203
هل هناك تغيّر في الستراتيجية الأميركية في المنطقة ؟
 ـ 1 ـ
                              د. مهند البراك

   منذ ان تفكك الإتحاد السوفيتي و انتهى دوره على المسرح الدولي كاتحاد وكنظام اشتراكي قائم على اسس و آليات مناقضة . . فان غيابه ادىّ الى غياب القطب الموازن لزعيمة العالم الرأسمالي في مرحلة الحرب الباردة، الولايات المتحدة الأميركية، واحدث بذلك خللاً هائلاً في قضية الأستقرار العالمي، بسبب عدم نضج مرحلة توافق الأقطاب العالمية بتقدير البعض من جهة، وبسبب اسراع الزعامة الأميركية المتمثلة بـ " الليبرالية الجديدة " المؤلفة من اقطاب الحزبين الجمهوري و الديمقراطي، اسراعها الى ملئ الفراغ الناشئ بادوات و آليات منطقها ذاته الذي اتّبعته في مرحلة الحرب الباردة،  بعد اعتبارها ايّاها ادوات " انتصارها العظيم " وسر تفوقها، دون الألتفات الى الخللات والمخاطر الشاملة التي اخذت تواجه العالم و تواجهها هي ذاتها بسبب اختلال ذلك التوازن و بسبب الحاجة الى توازن جديد، بتقدير اعداد تتزايد من المحللين والخبراء الستراتيجيين و الدوليين .
   ويرون انه فيما ادت سياسة الليبراليين الجدد الى محاولاتهم و تشجيعهم دفع العالم الى طريق صراع الحضارات والأديان و الطوائف باساليب معلنة و غير معلنة، ومحاولاتهم للسيطرة على العديد من المنظمات والهيئات الدولية التي لعبت ادواراً هامة في الحفاظ على السلام في العالم في الحرب الباردة وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها التابعة . .
   فإن ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش التي تشارف مدتها على الإنتهاء بنهاية عامها الثامن، قد تمادت باعتمادها القوة والحرب وتجييش الجيوش الجرارة لمواجهة التحديات التي واجهتها و تواجهها هي مباشرة او تواجه امنها القومي ستراتيجاً . .  و بمواجهتها دول وشعوب العالم، و بسعيها الى فرض ارادتها وتحقيق مصالحها لوحدها، وليس سعياً منها لتحقيق سلام عادل ومنصف لشعوبها ذاتها و لدول وشعوب العالم من جهة، او لتحقيق توازن لأقطابه المتعددة كدول و ككيانات، بما يضمن تحقيق الأمن و السلام الدوليين .
   وسعت وتسعى في محاولتها للأستفراد بالعالم على اساس وحدانية القطبية . . الى تقييد وحرمان الأقطاب الصناعية العظمى الأخرى، من موارد الطاقة وفي مقدمتها النفط والغاز و غيرها، بالقوة . . في مسعى للحد من سرعة نموها و احتمالات تفوقها، مسخّرة كل شئ للأستفراد بمناطق الخامات الستراتيجية لها و للأحتكارات التي تمثلها، مهما حملت من اسماء وجنسيات، فاتحة بذلك مرحلة ملتهبة من صراعات محتدمة باشكال ووسائل عولمية جديدة فاقت اشكال ووسائل مرحلة الحرب الباردة شكلاً و مضموناً . .
   فبعد الحرب التي شنتها الإدارة الأميركية على افغانستان و اسقطت بها حكم طاليبان القروسطي . . . جيّشت جيوشها في الخليج و اعلنت و قامت بغزوها للعراق لـ ( انهاء اسلحة الدمار الشامل واقامة الدمقراطية ) وسط قلق قوى البلد و قوى المنطقة وتحفّز دولها، لإسباب و غايات كثيرة التنوع وجدت تعبيراتها بالرفض و التحذير من جهة، و بعمليات و محاولات ابتزاز و توظيف متنوع متقابل، طغى على ظاهره الصراع الطائفي و الديني، في جو اتسم بالترقب المتواصل و بالتصفيات و الضياع و الخوف رغم انهيار الدكتاتورية، دفع و يدفع اثمانه العراقيون رجالاً و نساءاً من كل الأطياف العراقية ضحايا للأرهاب المتنوع .   
   اضافة الى ان اعلان الإحتلال و الأخطاء المدمرة التي قامت بها الوحدات الأميركية والسلوك المتشدد لأبرز احتكاراتها، و السرقات والفساد الإداري و غيرها و التي اعلنت في وسائل الإعلام الدولية والأميركية و على لسان ابرز المسؤولين في الإدارة ذاتها . . لعبت ادواراً زادت من تردد و ابتعاد الأوساط الواسعة في العراق والمنطقة عنها باشكال متنوعة من جهة، و ابعد الإدارة الأميركية عن اقرب حلفائها وخاصة اوروبا، من جهة اخرى ( راجع تقييمات وزيرتا الخارجية الأميركية الحالية رايس و السابقة مادلين اولبرايت، ثم  تصريحات مرشح الرئاسة الديمقراطي اوباما ) .
   وفيما يرى قسم ان الإدارة نجحت في حربها ضد الأرهاب، يرى قسم آخر انها قد تكون نجحت الى حين، في ابعاده وردّه عنها بتصديره الى منابعه دون المساعدة على تجفيف منابعه بالتصديّ للفقر و الجهل و الجريمة . . و يرى فريق ثالث ان اقطاباً اميركية متطرفة تسعى لتوظيف الأرهاب بما يخدم مصالحها بطرق كثيرة التنوع، عسكرية و شبه عسكرية، مباشرة وغير مباشرة، معلنة و غير معلنة كشف عنها بعدئذ، في غمار مواجهة التحديات الكثيرة الكلفة التي تواجهها ( بعد ان تم الكشف عن لقاءات لا تنقطع . . مباشرة وغير مباشرة بين الطرفين ) .
   ويرى ستراتيجيون بأن ادارة بوش رغم اتخاذها للعديد من الإجراءات والتغييرات التحديثية في صفوفها  و التي طالت عدداً كبيراً من رجالها وهيئاتها على طريق سعيها لتثبيت مفهومها وقدرتها كقطب أعظم مهيمن وحيد في العالم، الاّ ان ذلك واجه و يواجه عقبات صلدة تزداد قوة، تنبع من تزايد وتيرة التوتر في مناخ صنعه العنف و الغطرسة، اضافة الى تواصل نمو الأقطاب الدولية العظمى الأخرى و تزايد قدرات الأقطاب الأقليمية ( دولاً واتحادات صناعية، مالية، نفطية . . ) وتزايد تنوعها وتفاعلاتها ببعضها، النابعة من تسارع عمليات العولمة الرأسمالية فوق القومية ذاتها، التي صارت تمارسها كل الأقطاب العالمية والتي اخذت تدخل بشكل متزايد فيها مؤسسات الأديان، الأسلامية والمسيحية وغيرها باشكال و صيغ متنوعة (1) .
   ويدللون على ذلك بتواصل دور و تفوق الأقطاب الآسيوية، خاصة . . اليابان، الصين والهند، و روسيا، اضافة الى تواصل نجاحات منظمة شانغهاي العالمية، و تواصل نمو ودور بلدان الخليج العربي النفطية المالية، المتنوع الإتجاهات الساعي الى تثبيت الدور الذي يطمح له كقطب في صراع الأقطاب الدولي ـ الإقليمي، الذي يواجه اقليميا الدور الإيراني الذي تغذيّه اجنحة حاكمة فيها اضافة الى الأقطاب الدولية المتفاعلة معها . . فيما يتواصل انهيار و افلاس مؤسسات اقتصادية و مالية اميركية عملاقة بشكل خارج عن المألوف في عمليات صراع وتنافس المؤسسات الرأسمالية العولمية الأميركية في العالم و في الولايات المتحدة الأميركية . . والذي صار محسوساً في الحياة الأميركية الداخلية . 
   على تلك الأرضية جاء مشروع بيكر ـ هاملتون في اواخر 2006 ، كمشروع شامل للقضية العراقية و للمنطقة لصياغة موقف رأى فيه خبراء بكونه اكثر واقعية ! منذ سعي ادارة بوش للأنفراد بوحدانية القطبية، و الذي جرى التوصّل اليه بعد دراسة و صياغة لجنة مكوّنة من قبل الحزبين الأميركيين الكبيرين في اطار محاولة تقويم و اصلاح السياسة الأميركية الدولية، وسلوك القوات المسلحة الأميركية، كجزء من جهود سعت و تسعى الى محاولة تحقيق تماسك داخلي في الولايات المتحدة، والحفاظ على المكانة الدولية القائدة للأدارة الأميركية، وفق وجهة المشروع.
   و يرون ان المشروع جاء تتويجاً وتثبيتاً لما قامت به الأدارة الأميركية منذ غزوها العراق، بعد ان استطاعت ان تثبّت نفسها في البلاد لمرحلة لاحقة، في بلاد ومنطقة عرفت بعدم ودّها وعدم تقبلها للأميركيين . . بعد ان قطعت طريق انفجار الوضع الذي كان يمكن ان يهدد الدكتاتورية، وكان يصعب عليها التكهن به وبمداه في احدى اغنى بقاع العالم . . بتغيير كل معادلات البلاد، بالحرب واعلان الأحتلال . 
   وطرح المشروع ان الهدف الأساسي هو تحقيق الأمن والأستقرار وليس الديمقراطية، التي يصفها بكونها قد لاتصلح لظروف البلاد !! و على اساس العمل بالممكن الذي يستطيع تحقيق "الأستقرار" من جهة، و يساعد على انسحاب القوات الأميركية لتكاليفها الباهضة من جهة اخرى . . فيما افادت تصريحات روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي لدى زيارته الى بغداد حينها، بأن بقاء القوات الأميركية ( سيكون طويلاً في منطقة الخليج . . وعلى جيران العراق ان يفهموا هذا الواقع) (2)     
   وفيما ركّز المشروع على تقليص النفقات العسكرية التي اخذت تلقي بكاهلها على الخزانة الأميركية (3) على حد وصفه، باتخاذ الأجراءات اللازمة للأستعداد للأنسحاب على اساس (المحافظة على النصر الذي تحقق)، لتقليل النفقات . . علّقت الأوساط القريبة من الرئيس الأميركي بوش و لاتزال، امر تحقيق الأهداف وتقليص النفقات على اساس ( ان اية زيادة بالألتزامات الأميركية، عسكرية كانت او مالية اوغيرها، يجب ان تقابلها زيادة بالتزامات الجانب العراقي مادياً وبشرياً !! ) (4)  .
   في خطة رمت الى السحب التدريجي للقوات الأميركية  وايلاء الدفاع على ماتحقق للقوات العراقية باسرع مايمكن وعلى اساس " التفاهم المتنوّع المعاني" مع دول الجوار!! تحت الأشراف الأميركي، لأجل توفير امكانية أستخدام وحدات المارينز في الأماكن الملتهبة الأخرى في العالم وفي مقدمتها الوضع الذي يزداد تدهوراً في افغانستان وفي مناطق شرق آسيا، ولفتح اسواق جديدة على مذهب الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت في استخدام القوات العسكرية لمواجهة فترة الركود في الثلاثينات، على حد وصفه وحيثيّاته . (يتبع)

29 / 7 / 2008 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   الأمر الذي يلقي ضوءاً على تزايد اهتمام الرئيس بوش بالكنيسة الكاثوليكية واستقباله الفائق للعادة للبابا بنديكت اثناء زيارته للولايات المتحدة واستقبال البابا المماثل له في الفاتيكان، اللتان اثارتا انواع التفسيرات والتأويلات في وسائل الأعلام والصحافة في اوروبا و القارة الأميركية. اضافة الى اعلان رئيس الوزراء البريطاني الأنكليكاني السابق توني بلير انتقاله وعائلته الى الكنيسة الكاثوليكية، في مراسم تناقلتها وكالات الأنباء الغربية  . راجع البحوث حول وقُف " القدس" الإيراني وآل المرجع خامنئي .
2.   راجع، جريدة " الشرق الأوسط " اللندنية في 22 / 12 / 2006 .
3.   المقصود خزانة الحكومة الأميركية وليست خزانات الإحتكارات الأميركية و مؤسساتها.
4.   راجع، جريدة " نيويورك تايمز " ، في 24 / 12 / 2006 .

مراجع و مقارنات :
ـ " الحقيقة المحرّمة "، جين ـ شارلز بريزارد/ غيلاومي داسكوي، زيورخ 2002 .
ـ " فخ العولمة " ، هانس بيترمارتن / هارالد شومان 1996 ، دار روفولت ـ المانيا ..
ـ " النفط كسلاح للسيطرة على العالم " ف. وليام انغدال ، شتاينهيرست ـ فيسبادن ـ المانيا ، 2003 .
ـ " القطب العالمي الأعظم " زبيغنيو بيرجنسكي، منشورات فيشر، فرانكفورت ـ ماين ، 2003 .
ـ " مشروع بيكر ـ هاملتون " ،  ايلول 2006  .
ـ  " التحديات الرئيسية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط " كوندوليزا رايس ، تموز 2008 . 
ـ " خطتي بشأن العراق " المرشح الدمقراطي باراك اوباما، تموز 2008 .


204
14 تموز . . الثورة التي انحازت للفقراء !

                              
د. مهند البراك

   يكاد يجمع المتخصصون والباحثون في شؤون العراق على انه لم يحظ حدث بذلك التأثير والعمق في قلوب واذهان العراقيين كثورة الرابع عشر من تموز عام 1958  . . التي لاتزال تُدرك بصماتها في عديد من المحاور الفكرية والسياسية والأقتصادية والأجتماعية في الفعل العراقي حتى يومنا هذا .
   الثورة التي فجّرها الجيش العراقي الباسل واثبت بها وبجهود وتضحيات ابنائه المخلصين آنذاك . . ولائه لإرادة الشعب العراقي بعربه وكورده وكل قومياته واديانه وطوائفه المتنوعة التي محضته من جانبها التاييد والدعم سواءً في المشاركة في التهيئة لها بنضالات الشوارع الشعبية التي تكللت بتشكيل "جبهة الإتحاد الوطني السياسية" ، او في احتضانها واستعدادها للدفاع عنها بعد قيامها . . . بمطالباتها باطلاق الحريات الديمقراطية و من اجل الرفاه الإجتماعي و دستور يصون ثروات البلاد ويسخرها لتطورها وازدهارها .
   وكانت الثورة تجسيداً للدعوات الشعبية الواسعة التي دعت الى التخلي عن صيغ الفرض، و الى تفهم مطالب المكوّنات العراقية، ومن اجل الأستقلال الوطني الناجز وانهاء التبعية التي ادّت الى جمود مؤسسات الحكم القائمة آنذاك والى افراغها من محتواها. . و تجسيداً لإعتماد صيغة الدولة العراقية بكونها لكل المكونات العراقية بالتساوي، وتثبيت ذلك بقوانين واضحة، على اساس النظام الجمهوري . . و اثباتاً لبطلان فكرة (الحكم كحق مقدّس) مقصورعلى نخبة مصطفاة.
   و كانت ردّاً على محاولات انواع الدوائر الدولية والأقليمية لضمان مصالحها الأنانية لوحدها، دون الأهتمام بمصير وتطلعات وحقوق وحاجات العراقيين برجالهم ونسائهم بكل اطيافهم . . موظفة لذلك فكرة وصف الشعب العراقي بـ " الحصان الجامح " وتسويقها، لتعميق ازماته ولشق وحدة صفه، ولضرب  جهود ابنائه في سعيهم الصبور لتنظيم وتوحيد صفوفه .
   دون النظر الى ما تسببه اهمال الأنظمة المتلاحقة له ودوسها عليه، ودوام حكمها له بالحديد والنار، وبانواع الديماغوجيات وتشجيعها المتنوع للتطرف بهوياته واشعال وتغذية الصدامات بين ابنائه  قوميا ومذهبياً والسير على تجهيل الشعب باطيافه . . لتحطيم حيويته وتنوعه الثمين ومحاولة تسييره وفق مصالحها، وإعاقة تلاحمه الذي لابد منه لنيل الحقوق .
   وفيما تحققت الثورة بتلاحم الإرادة العراقية، ودون ترتيب او ايحاء من الخارج، في الظروف التي عاشتها البلاد والمنطقة يومذاك، وانجبت حكماً جديداً منسجماً مع نبض ابناء البلاد ومنهم ولم يُفرض من خارجها، والذي كان هاما في تعزيز الثقة بالنفس في مجتمع عُمِل على تكريس تخلّفه وتقييد طاقاته وشلّ ثقته بنفسه  . .
   فانها فاجأت وارعبت الدوائر العالمية وخاصة الأكثر عنفاً وعسكرية منها في المنطقة، واثبتت لها خطأ لانهائية حساباتها، بعد ان استنفذ اسلوب بناء دولة بصيغة مملكة دوره في الواقع القائم يومذاك حين تحوّل الى عامل تقييد واحباط واستبداد، رغم ما ادّاه من ادوار تقدمية في العقود الأولى .
   وباعلان الدستور المؤقت الجديد قيام الجمهورية، واقراره لأول مرة شراكة العرب والأكراد في بلادهم، فانه ثبّت الموقف ضد الأحلاف العسكرية و الأقتصادية التي كانت تبخس حقوقه، فخرج العراق من حلف بغداد (السنتو) والغى القواعد العسكرية الأجنبية، ودخل مع الشركات النفطية في مفاوضات لزيادة حق العراق العادل من عائدات نفطه وفق واقع المرحلة آنذاك .  واعلنت التشكيلة الوزارية التي ضمّت ممثلي احزاب و مستقلين وتكنوقراط، على اساس الروح الوطنية والنزاهة .
   وصدر قانون الأصلاح الزراعي، واعلنت تشريعات عمالية تقدمية، وقانون جديد للأحوال المدنية انصف المرأة العراقية، اضافة الى افتتاح مرحلة جديدة لإشاعة التعليم والتعليم العالي وتاسيس اول جامعة عراقية حديثة " جامعة بغداد " التي ترأسها العلامة العراقي عبد الجبار عبد الله (1) ، وصدر العديد من المراسيم والقرارات انتصاراً للفقير، من تمليك الأرض للفلاحين، وتمليك فقراء المدن المسحوقين مساكن ،  اضافة الى  زيادة الرواتب والعلاوات وتخفيض ايجارات السكن والحوانيت، وتأسيس الجمعيات الأسكانية والأستهلاكية وكان مقرّ قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم، مفتوحاً الى ساعات متأخرة لمقابلة الوفود الشعبيه من كلّ الأطياف العراقية، التي منحته لقب " ابن الشعب البار " .
   وفيما اعلن عن اطلاق حرية الفكر والمعتقد، وافتتحت الأحزاب مقرات لها، واصدرت صحفها للمرة الأولى ، مارس لأول مرة اتحاد نقابات العمال، اتحاد الجمعيات الفلاحية واتحادات الطلبة والشبيبة ورابطة المرأة، واتحاد الأدباء العمل علناً، ودبّ الوعي النقابي لأصحاب المهن وشكلوا نقاباتهم واتحاداتهم وفي مقدمتها نقابة المعلمين . .
   ولابد من القول ان انسجام اهداف المنظمات والأتحادات الشعبية التي تمتع الحزب الشيوعي العراقي بنفوذ واسع بينها اثر نضاله الشاق من اجل غد افضل  . . مع حاجات الثورة واهدافها، واخلاصها في تبني مطالب منتسبيها ودفاعها عن المكتسبات التي حققها الحكم الجديد للبلاد، اضافة الى ادوار الشخصيات الوطنية الديمقراطية مدنية وعسكرية القريبة منه، كانت وراء النفوذ الواسع له الذي وحّد اوسع الجماهير وشكّل بها سدّاً منيعاً بوجه المؤامرات التي لم تتوقف للنيل من العهد الجديد . 
   واخيراً فان لم تحقق الثورة اهدافها العريضة، لأخطاء في مسيرتها ومكوناتها، طبيعة احزاب المرحلة وطبيعة المناخ الدولي آنذاك، اضافة الى التآمر الذي لم ينقطع ضدها عالمياً واقليمياً وعربياً  وبالأخص من الأحتكارات النفطية، ولأخطاء وقع فيها قائدها الذي مثّل اطياف الشعب العراقي تكويناً (2)، رغم انحيازه لفقراء العراق باطيافهم، حين لم يستجب لرجاءاتها ولنداءاتها ايّاه . . بالسير اكثر في الأنحياز لها ولمطالب الأحزاب التي مثّلتها .

14 تموز / 2008، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   من طائفة الصابئة المندائيين . 
2.   من اب عربي سني وام كوردية فيلية شيعية . .



205
الاحتكارات الدولية و بعض قضايا المعاهدات !
1 من 2 
                   
                              
د. مهند البراك
   
   فيما لعبت البرجوازية في نشوئها دوراً رائداً في اكتشاف العالم وتأسيس وسائل صلاته ومصالح اجزائه،  و عملت بالتالي وساعدت على انشاء انظمة حكم احدث مما مضى و على رسم الحدود وفرض رسوم و ضرائب وتحديد انواعها و حجومها و مناطقها، واسست منظومات قانونية تناسبت مع ظروف تلك المراحل  . .
   نشطت وتنشط كبرياتها و وريثتها : الإحتكارات الرأسمالية ( الصناعية، العسكرية، النفطية والمالية . . ) في سعيها لتحقيق اعلى الأرباح . . في تقسيم مناطق نفوذها في العالم فيما بينها وبالتالي في تحديدها و فرضها المتعدد الصيغ، الأنظمة والكيانات السياسية ـ الأقتصادية ـ المالية بطرق واشكال اتخذت سيماء ومصطلحات قانونية جديدة ومسميات كثيرة التنوع . . تحت رايات تناغمت وتتناغم مع تطلعات واماني الأوساط المؤثرة في المرحلة المعينة في البلدان الجديدة ، ثم في المراحل المتنوعة المتتالية . .
   وعلى اساس نتائج اعمال و توصيات مراكز ابحاث اجتماعية فكرية، سايكولوجية ثقافية وبشرية، ابتدأت بدراسة مجتمعاتنا بالتعايش معها، منذ زمان  البعثات التبشيرية والطبية والخدمية والآثارية والأستشراقية المتنوعة الأولى ، التي اسست بدايات للعلاقات و للأعمال التجارية و ابرام عقودها التي احتاجت فيها الى تأمين سلامة وصول بضائعها الى هناك وتأمين سلامة استيراد المواد الخام الأكسير الضروري لديمومة صناعتها و الوقود الذي لابد لها ان توفره لديمومة تشغيل عجلات مصانعها .
   المواد الخام التي صارت احدى دعائم الأمن القومي لبلدانها على حد بياناتها الرسمية، وخاصة بعد ان اخذت  الأحتكارات تزداد تمركزاً وتداخلاً فيما بينها وبعد ان استطاعت تخطيّ الحدود السياسية للدول وتشكيل الإتحادات والكتل الرأسمالية متعددة الجنسية ( فوق الجنسية ) بوسائل لاحدود لها تراوحت وتتراوح بين تشجيعها استخدام العنف اللامحدود و التلويح به، والخداع و الأستغفال. . وبين الأتفاق والتوافق وتحقيق منافع متبادلة، على اساس حساب مدى ربحية المشاريع والخطط لها  . .
   لقد لعب : تنوع  وماهية الثروات الطبيعية وقيمتها الأقتصادية والسوقية ومواقعها في المرحلة المعيّنة، تنوع و تفاوت الواقع البشري، الإقتصادي، والحضاري العلمي والمعرفي لـ  " الأسواق الجديدة " التي ضمنت و تضمن تصريف بضائعها وصيانتها من الركود والتلف و بالتالي الخسارة . . لعبت ادواراً كبيرة في تحديد ماهية الوسائل والطرق التي اتبعتها الإحتكارات للوصول الى تحقيقها اهدافها، وخاصة مع الدول الفقيرة والأقل تطوراً او النامية . .
   وفي سعيها لتوفير حراّس لبضائعها وارصفتها، وعمال خدمات وعتّالين وبنّائين وادلاّء . . دخلت على صراعات المنطقة العشائرية الدينية الطائفية، ووقفت الى جانب من استطاعت ضمانه لنجاح اعمالها  فادامت القوي بالمال والسلاح وقوّت الضعيف منهم وعلّمت ابنائهم و ادخلتهم مدارسها وشغّلتهم وضمنت لهم اعمالاً فنية وخدمية وعسكرية ضمن اطار مشاريعها التي ضمّنتها في عقود شكّلت رؤوس جسور اولى لها في الخليج، عقدتها مع سلطة الباب العالي للسلطان العثماني " المريض"، والتي وفرت له ولإدارته مبالغ لم يحلم بها، من اراض ومقاطعات كان قد اهملها السلطان لـ (كثرة مشغولياته) لصد رياح التحضّر التي كانت تهب على دولته من اوروبا . 
   وتطورت تلك العقود بتزايد الأرباح وتزايد مواقع الأستثمار، ووصلت الى تأجير مقاطعات و عقد معاهدات ذات طابع محليّ " موقعي " من جهة، وطابع عسكري من جهة اخرى بعد ان عملت على تعيين موظف او مندوب سامي يمثّل ملكها، مخوّل بتحريك القطعات العسكرية وعقد الأتفاقات والأحلاف السياسية بالأنسجام مع حاجات واهداف الشركات الصناعية التجارية و النفطية وخاصة بعد اكتشاف النفط بغزارة هناك، في ظروف الصراعات المحلية التي كانت تشهدها المنطقة .
   ليتواصل نشاطها لتتمكن من تشكيل ادارات سياسية عسكرية مختلطة، كانت احدث مما مضى . . من رجالها وممن اخذت مصالحه ومصيره يرتبطان بها من ابناء وفئات المنطقة التي كانت تعاني الفقر والأهمال والصراع على النفوذ والسلطة والمال . . حتى وصلت بعدئذ الى ممارسة انواع الضغوط على انظمة الحكم الموجودة في المنطقة و التي عملت هي على التأسيس لها، للوصول الى نتائج تناسب مشاريعها التي تزايدت وتنوعت اكثر، و تناسب بالتالي قضية اعلان الحرب والسلام في المنطقة، من خلف ستار او علناً، وفقاً للموقف المعيّن، ووفق ظروف اجزاء المنطقة التي كانت تأنّ من حكم آل عثمان وتسعى لأخذ قضيتها بيدها .
   من جهة اخرى، وبتوالي مراحل التطور المتعدد الجبهات في العالم ازدادت الإحتكارات قوة ونفوذاً واخذت مصالحها تحدد طبيعة وشكل واداء ووجهات انظمة الحكم في بلدانها الصناعية هي، و اخذت تصوغ مشاريعها بمشاريع سياسية حددت وتحدد مسيرة انظمة حكم بلدانها في اتباع سياسات التوافق والأتفاق والأختلاف مع احتكارات البلدان الرأسمالية المماثلة الأخرى . . واخذت تواصل سيرها وباشكال اكثر حدة مع البلدان النامية والقليلة التطور والضعيفة عسكرياً والمغلوبة، ساعية الى تعويض مافاتها جراّء الحرب الباردة، بعد انهيار القطب الموازن، و من اجل ضمان هيمنتها و نفوذها كقطب اعظم اوحد، وخاصة بعد انبعاث الصراعات والحروب الأقليمية اثر انهيار ذلك القطب  . . (يتبع)


20 / 6 / 2008  ، مهند البراك



206
المعاهدة والتغييرات القانونية العاصفة !

                              
د. مهند البراك

   يتزايد القلق كلما اقترب موعد ابرام المعاهدة العراقية ـ الأميركية " الطويلة الأمد " وفق تعبير مسؤولين عراقيين و اميركيين . . وتزداد وتتنوع التصريحات بصيغ لاحدود لها عن وجود نقاط اتفاق ونقاط خلاف او رفض اضافة الى تصريحات رفض مطلق او موافقة مطلقة . . في ظروف لم يتم الأعلان فيها عن مسوداتٍ حتى اولية لها، وجرى الأكتفاء ببنود التوجهات العامة التي تم الأتفاق عليها واعلانها، بين رئيس الوزراء العراقي المالكي والرئيس الأميركي بوش الذي تشارف ادارته . . المسؤولة عن ابرام تلك المعاهدة على الأنتهاء .
   بعد ان وصف عدد من ابرز المسؤولين الأميركيين المباشرين، تلك المعاهدة، بكونها ( معاهدة تنفيذية قابلة للإلغاء في اي وقت ( ؟! ) و ان الإدارة الأميركية ابرمت العشرات من مثيلاتها مع عدد كبير من دول العالم ) مناقضين بذلك وصفهم ايّاها بكونها (طويلة الأمد) و ( ستراتيجية ) ، في اطار مساعي كبيرة للتخفيف والتجميل بتقدير البعض، الاّ انها كثيرة المعاني والتشتت، بل وخطيرة قانونياً بمفهوم المتخصصين . 
   وفيما يرى كثير من السياسيين و الخبراء اهمية وضرورة المصارحة . .  في ظروف لم تعد خافية على احد، وأن المعاهدة تأتي بين بلد صناعي عسكري مالي عملاق ان لم يكن اقوى العمالقة الدوليين  عسكرياً على الأقل الآن، وبين بلد ثري رغم جهود مخلصية يتعثّر وهو يعاني، من الأحتلال ومخاطر التلويح بالأحتلال من جيران، من الفساد الإداري ومن طمع ضواري متنوعي البنى و الوجهات، اقليميين ودوليين . . . من (القاعدة) الأرهابية الى عرب وايرانيين واتراك . . لايردعهم جميعاً لا قانون ولا معاهدات و لا اتفاقيات سواء كانت دولية او دولتية ( بين الدول)، ولا اعراف .
   فإنهم يحذّرون من تصريحات عدد كبير من المسؤولين الأميركيين في معرض ردودهم على ماهيات الرفض وعدم الأتفاق، لأنها بلغت حداً غير معقولاً من التناقض والتضارب، الذي يمكن وصفه بالكذب بتقديرهم . . ويذكّرون بان الوجهة الستراتيجية للتعامل الأميركي مع القضية العراقية واعتبارها  علناً قضية مصيرية من قضايا الأمن القومي الأميركي، كانت منذ اعلان الكونغرس الأميركي ( قانون تحرير العراق ) عام 1998 في زمن ادارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون عن الحزب الديمقراطي، لتتخذ العديد من القرارات والإجراءات ذات الطابع الستراتيجي الدائم وليس العملي كما مرّ، التي وصلت الى اعلان الحرب على العراق وقيادتها (الإدارة الأميركية) للتحالف فيها، والتي اسقطت الدكتاتورية واعلنت الأحتلال . .
   ليتواصل ذلك الستراتيج باعلان مجلس الشيوخ الأميركي خطة بيكر ـ هاملتون ( الجمهورية ـ الديمقراطية) . . ذات البنود الداعية الى : تقليص النفقات على اساس ( ان اية زيادة بالألتزامات الأميركية، عسكرية كانت او مالية اوغيرها، يجب ان تقابلها زيادة بالتزامات الجانب العراقي مادياً وبشرياً !) ،  والى : الأنسجام في المنطقة وتحقيق الأمن والأستقرار فيها والى عدم ممانعة مجلس الشيوخ من التعامل مع العراق ككيان واحد او عدة كيانات . .
   واستناداً الى المسيرة الكثيرة التعاريج والألتواءات والعنف وضعف المصارحة وانعدامها، واستناداً الى انواع انعدام الوضوح و المضاربات القانونية وخاصة الدولية والأميركية منها، والتخبط القانوني الدولي المستمر تحت طائلة ( انتهاء منظومة قوانين مرحلة الحرب الباردة) وعدم الوضوح القانوني او انعدامه بدعوى ( اعادة تشريع القوانين الدولية ) . . التي تسببت بضياع عشرات مليارات الدولارات من الأموال العراقية ـ من النفط ومن المدخرات المالية والعينية ـ ، ومن الأموال والمستندات المسجلة باسم رجال الدكتاتورية السابقة . . وعدم متابعة او وضع اليد على مختلسيها اميركاناً كانوا ام عراقيين ام عرب او غيرهم . . اضافة الى استمرار النزيف المالي الهائل بنفس الحجج المذكورة .
   تنادي اوساط واسعة الى ضرورة الدقة في استخدام ومعرفة وتوضيح وتحديد المقصود والمعنى الفعلي للتعابير القانونية النافذة في عالم اليوم، للمفاهيم الأساسية . . . من : المفهوم القانوني والمالي المعمول به فعلاً لـ " السيادة الوطنية " ، " التعاون " و " الأستثمار " . . .  الى المفاهيم والمعاني والفروق القانونية لـ " معاهدة "  ،   " ميثاق او وثيقة تفاهم " ، " اتفاقية " . . و توضيح استناده الى اي اجماع دولي او سوقي او تجاري،  والاّ سيضيع الكثير والكثير باسم ، " المصلحة الوطنية " او " الشرعية " او على مذبح " كلمة الثقة " الشفاهية، وعلى نصوص لم تعد فاعلة او تغيّر المراد بها قانونياً ، دولياً او تجارياً في عالم اليوم . . لكل الأسباب الغنية عن التعريف .



14 / 6 / 2008 ، مهند البراك             




207
احزاب الطوائف* والبرامج الطموحة !

1 من 2
                              د. مهند البراك

   لابد من القول بداية، ان شدة قساوة الدكتاتورية البائدة وانفرادها بكل الطرق و بلا حدود، بحكم الحزب الواحد الذي عمل على اقصاء و تحطيم الأحزاب الأخرى دون رادع و دون مبالاة بالنتائج، و الذي اساء الى مفهوم الحزبية و التحزب كوسيلة لرقي وتطور المجتمع، اضافة الى التخلّف الصارخ لرجالها و ظلمهم الكبير الذي ادىّ بهم الى محاربة الآخرين في صراع وجود او لاوجود في محاولاتهم  لألغاء الآخر سواء كان فكرياً وسياسياً ، عرقياً ودينياً و طائفياً . . وباستخدامهم العقوبات والموت والتحطيم الجماعي  بلا حرمة لعمر ولا لجنس بشري . 
   و ان كلّ ذلك وغيره، ادى الى اصطفاف وتشكيل واعتماد آليات للمقاومة والمواجهة سواءً للدفاع عن النفس او لمواصلة الحياة والكفاح من اجل اسقاط الدكتاتورية ومن اجل بديل سياسي ديمقراطي الأتجاه نحو حياة افضل للبلاد، و ادىّ ضمن ما ادىّ، الى ظهور ملموس لأحزاب وحركات الطوائف التي قدّم قسم منها تضحيات كبيرة، جنباً الى جنب مع كل الأحزاب العراقية التي ناضلت ضد الدكتاتورية . 
   و لابد من القول ايضاً، ان الوضع لم يعد كالسابق بل تغيّر تماماً منذ الغزو الخارجي الذي اسقط الدكتاتورية وادىّ الى الأحتلال والى انواع التدخلات التي تسببت بظهور واقع متناقض، كثير التباين و المخاطر . ويرى عديد من المراقبين ان الموضوع الآن لم يعد موضوع تحريض و تجميع معارضة ضد دكتاتورية . . وانما موضوع التصدي لبناء بديل عن الدكتاتورية من موقع السلطة، يتلخص بقيام دولة المؤسسات والنظام ذات السيادة، الأمر الذي يحتّم على احزاب الطوائف لكونها في موقع السلطة . . يحتّم عليها لتحقيق ذلك، تقديم بديل قادر على مواجهة التمزق الطائفي وقادر على السير على طريق القضاء عليه . .
   ويرون ان البديل لابد ان يكون بديلاً ارقى من قضية انتصار طائفة على طائفة او انتصار طائفة على الجميع، الذي بدونه لايمكن الوقوف امام القوى المتشددة المتنوعة و الساعية الى تحويل القضية العراقية من قضية وطنية لشعب متعدد الهويات، الى قضية صراع طائفي واثني الهب المنطقة التي بدورها زادته لهيباً على لهيب  . 
   ولمّا كانت الحكومة تؤكد ولا زالت على ان القضية سياسية وليست عسكرية، وان مطامحها واهدافها ، تتلخص في قيام عراق برلماني اتحادي في دولة موحدة  تستند على دستور يضمن تبادلاً سلمياً للسلطة، وانها تسعى الى الغاء الميليشيات الطائفية المسلحة المتصارعة والى ان تكون الدولة هي المالكة الوحيدة للسلاح . . في ظروف لاتزال تزداد فيها حاجات الناس وخاصة الفقيرة منها الى تلبية المتطلبات الأساسية للعيش كبشر اولاً والتي في مقدمتها : الأمن، العمل، الطعام، الكهرباء والماء . .
   و في وقت مرّت فيه السنة الخامسة على سقوط الدكتاتورية … ولا تزال اوسع الأوساط تلاحظ ان الوقت لم و لا يزكيّ صواب سياسة المحاصصة الطائفية لاداخليا ولا اقليمياً ولادوليا، بعد ان اخذت اطراف المحاصصة ذاتها، تشهد تصدعات ومواقف متضاربة، وبعد ان عجزت اية مؤسسة طائفية منها من ان توحد نفسها على الأقل.
   في تأكيد يزداد وضوحاً على أن المصالح السياسية حتى بين القوى المؤتلفة ومكوّناتها ذاتها، والتي تطرح نفسها كحامية لطائفة معينة شيعية كانت ام سنيّة او اخرى . . هي مصالح متباينة تصل حدود التضارب والاقتتال، الأمر الذي يتجلىّ في عجز الائتلافات التي اتخذت شكل من اشكال المحاصصة الطائفية في دخول العملية الانتخابية، والذي اخذ يؤدي الى انبثاق تحالفات جديدة وفق الفرز المستمر بسبب حراك المجتمع الذي لايزال " الصراع على السلطة والمال بايّ ثمن " ، هو المتحكم فيه.
   من جانب آخر فان سعي حكومة رئيس الوزراء المالكي لمد الجسور مع اية تجمعات تؤيدها، وتمهيدها الطريق لها للأصطفاف معها بغض النظر عن طائفتها . . يعزز القناعات في ان ابناء الطائفتين السنية والشيعية يتوزّعون على تكوينات وفعاليات ذات مطالب حياتية سياسية اساساً وليست طائفية، مطالب فشلت سياسة المحاصصة في تفسيرها وبالتالي في حلّها على اسس وخلفيات طائفية، و لم تتمكن من اللحاق بالمشاريع السياسية الجادة والقادرة على الخروج من الواقع العراقي المأساوي الدموي . . في الواقع الجاري الملموس .
   الأمر الذي يتسبب في حالة من لفّ ودوران ان صحّ التعبير في ذات المواقع . . و بالتالي في المزيد من تهميش ما تكّون من مؤسسات وخطط وآليات جرى التصويت عليها واقرّت وعُمل بها، على ثغراتها كالأنتخابات والدستور، شاء المرء ام ابى ورغم الجهود المبذولة  . . بسبب دوام نزيف الدم بدوام العنف كوسيلة لاتزال هي الأهم . . ابتداءً من واقع الأحتلال الذي صار متنوعا لقوى ودول وكيانات متصارعة على ارضه، تضغط بلا رحمة  لترتيب مسيرة البلاد وفق ذلك الصراع القلق المتعدد الأجندة وباسم الطوائف . . !!
   ان الوقت يبرهن على ان ماحذّر منه كثير من السياسيين والمفكرين ومن الوجوه العراقية بكل اطيافها، من خطورة اعتماد نظام المحاصصة الطائفية، وانه ان تواصل وترسّخ سيؤدي ـ اضافة الى  عوامل اخرى فاعلة ـ الى نتائج عكسية، حيث انه صار في الواقع هو المعيار في اختيار رجال الحكم والدولة، لاالكفاءة والنزاهة والشعور بالمسؤولية تجاه البلاد . . وعلى حد تعبير المسؤولين الحكوميين الرسميين والسياسيين ذاتهم اليوم . ( يتبع )

7 / 5 / 2008 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*  المقصود الأحزاب التي تنشط تحت راية المذاهب، سنية و شيعية و غيرها .


208
   لا لتكبيل العراق بنفقات القوات الأميركية !




 د. مهند البراك

   فيما تدخل البلاد السنة السادسة على الغزو الأميركي التحالفي، وهي في حالة غنية عن التعريف و بتقدير ووصف عدد كبير من المسؤولين والسياسيين في البلاد، اضافة الى مطالعات قائد القوات العسكرية الأميركية الجنرال باتريوس والسفير الأميركي كروكر في العراق امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي في 8 نيسان الجاري  . .
   تتصاعد دعوات اعضاء كبار في الكونغرس الأميركي بضرورة تحميل الجانب العراقي اعباء تمويل القوات العسكرية الأميركية العاملة فيه .  . التي تعدّ اخطرها مطالبة السناتور كارل ليفن رئيس لجنة القوات المسلحة آنفة الذكر، و المعدّة بتفاصيل تخص تمويل الوقود وتمويل فعاليات عسكرية للقوات، التي تكتسب خطورة استثنائية لكونها تشكّل دفعاً كبيراً لأتجاه يسعى الى استصدار تشريع يلزم الحكومة الأميركية باستقطاع ذلك التمويل من ارصدة العراق الحكومية و الأهلية في البنك الأحتياطي الفدرالي الأميركي، التي تشكّل غطاءاً للدينار العراقي .   
   وفي الوقت الذي يؤكد فيه الكثير من الخبراء على ضرورة التمييز بين اموال الدولة الأميركية التي يتحمل جزءاً هاما في ادامتها دافع الضريبة الأميركي، و بين اموال الأحتكارات الأميركية الكبرى في الصناعة، النفط، المؤسسات المالية واموال الأعداد الفلكية من المشاريع والأستثمارات الأميركية في شتى انحاء العالم . .
   يتساءل عديدون عن مصير اموال العراق سواءً تلك التي تكدست لحساب رجال الدكتاتورية الكريهة السابقة، بكل انواعهم وتلاوينهم وغطاءاتهم والتي لم يكشف سوى عن النزر القليل الذي تم استعادته منها، وعن مصير الأموال الفلكية التي لايذكر عنها شيئاً، و التي فقدتها البلاد جراّء اعمال النهب والسلب الهائلة وخاصة في السنة الأولى والتي طالت المتاحف، البنوك، المنشآت النفطية، المنشآت الحكومية والعسكرية اضافة الى الأهلية وغيرها . . والتي تداولت الصحافة ووكالات الأنباء الدولية او بيانات عن البرلمان و عن القضاء اسماء الجهات والأشخاص الذين قاموا بها . .  سواء كانوا اميركيين او عراقيين او ايرانيين وغيرهم . .
   اضافة الى غلق او اسدال الستار عن ملفات فساد اداري هائل و اعمال نهب كبرى قام بها مسؤولون كبار في الدولة والحكومة (*)، وحوادث حرائق طالت بنوك و مؤسسات مالية وادارية عراقية اتلفت وثائق ومستندات هامة . . اضافة الى مسلسلات الصراعات الميليشياوية المدمّرة التي تلعب على اوتارها الوحشية دوائر داخلية واقليمية ودولية لم تستثنى منها دوائر وشركات ووحدات عسكرية اميركية . . اضافة الى الايرانية .
   من جهة اخرى واضافة الى العهود والمواثيق الدولية التي استندت عليها الأدارة الأميركية في اعلان السفير بريمر حالة الأحتلال . . والتي تلزم دولة الأحتلال بدفع تعويضات للبلد المحتل عن الخسائر التي تلحق به بسبب حالة الأحتلال . . والتي لم تحصل منها البلاد على شيئ يذكر سوى ارتهانها بسياسة البنك الدولي المعروفة، مع الأخذ بنظر الأعتبار ان عملية الغاء و تخفيض ديون البلاد بسبب تقادمها . . لايشكّل دعماً حقيقياً في حساب صفقات العمليات الأقتصادية الجارية لبلد من اكبر عمالقة النفط في العالم وصاحب اكبر احتياطي نفطي فيه . . و في زمن الأنحفاض الهائل لسعر الدولار .
   ان مخاطر تلك المحاولات التي قد لاتلتفت اليها اوساط عراقية واسعة، بسبب قعقعة سلاح الميليشيات ودوي الأنفجارات وتطاير الأشلاء المريع، تنبع بتقدير الكثيرين من المرحلة المأساوية التي وصلتها البلاد وهي تواجه الضغوطات المتنوعة عشية ابرام المعاهدة الأميركية ـ العراقية ومحاولات فرضها (المعاهدة) شروط مالية قاسية اضافة الى الشروط القاسية الأخرى . . وتنبع تلك المحاولات بتقدير آخرين، من جهود الأحتكارات النفطية الكبرى في فرض عقود المشاركة النفطية السيئة الصيت، بلا قيد او شرط في الظروف التي تعيشها البلاد .
   في وقت يحذّر فيه خبراء عسكريون، من ان تلك الضغوط المالية تسعى الى تغطية تمويل لعمليات مواجهة اميركية ـ ايرانية اوسع يجري الأعداد لها . . سواء من ناحية ماهية الأدوات او الصيغ السياسية و العسكرية و النفطية في زمان لاتكف فيه اسعار النفط عن الأرتفاع ولايكف سعر الدولار فيه عن الهبوط !!     
   و فيما يزداد الوضع المعاشي والصحي تردياً وتزداد البطالة ومنطق العنف والدم وتحطيم النساء . . ترى اوساط عراقية واسعة ان السعي لمواجهة مجدية وقادرة على تحقيق وضع افضل للبلاد يتوقف اضافة الى عوامل اخرى، على الجهود المبذولة من اجل تسريع رأب الصدع وتحقيق وحدة الصف الوطني والغاء الميليشيات الطائفية لأيقاف هدر الدم العراقي، والتخلي عن نهج احتكار العمل الذي يسود قطاعات حاكمة ليست قليلة من جهة، و لواقع الأحتلال من جهة اخرى . 



22 / 4 / 2008 ، مهند البراك   
   
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) تنحى قسم منهم ولايزال قسم آخر عاملاً . 

209
هل هي حرب ( شيعية ) ام نفطية ام ماذا ؟
                              د. مهند البراك

   بينما تشهد البلاد مرور خمس سنوات على الحرب الأميركية التي اطاحت بالدكتاتورية، التي اورثتنا الأحتلال ونتائجه وتبعاته . . اثارت الأنتباه الزيارة الخاطفة لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، و اثارت ردود افعال متباينة، خاصة وانها جاءت بعد فترة قصيرة من زيارة الرئيس الإيراني لبغداد، واثر الأجتياح العسكري التركي لأقليم كوردستان العراق، بعيد انسحابه .
   وفيما توقع الكثيرون ان تكون الزيارة تلك في توقيتاتها العراقية آنفة الذكر وغيرها، وتوقيتاتها الأميركية المتمحورة على معركة انتخابات الرئاسة الأميركية و تواجد القوات العسكرية الأميركية في العراق . . توقعوا لها حسم اعلان عدد من القضايا المصيرية في البلاد، كقضية المعاهدة الأميركية ـ العراقية المزمع عقدها، قوانين النفط . . وغيرها. اعلنت الرئاسة العراقية عن الموافقة على قانون المحافظات . . الذي رغم جهود متنوعة بذلت، تراه جهات (شيعية سياسية) تعويماً لمشروع ( فدرالية الجنوب الشيعية )، وبكونه يطرح توازن قوى جديد لم ترتح له، اضافة الى عدم ارتياح جهات مرتزقة دينية طائفية / نفطية ـ سوداء في الغالب ـ .
   لقد اندلعت الصدامات المريعة مجدداً على ارضية مجتمع حروب وطوائف ونهب وفساد، لن  تؤدي الاّ الى تزايد نيرانها بتوقع مراقبين . . وحيث تختلط وتتنقّل فيها الموازين بلا رادع مضيّعة القيَم اكثر، اضافة الى تكسيرها المصداقيات والعهود والأحلام التي رسمتها وقادت بها جموع باشكال مختلفة، بتكسيرها على مليارات النفط . . من جانب آخر يتساءل عدد كبير، هل هي معركة لتثبيت كيان دولة حديثة ؟ ام هي معركة تهدف الى حسم قضية تزعّم وقيادة (جهة شيعية) واحدة بعينها على آخرين ؟!
   في ظروف تشهد فيها البلاد تصاعد القلق والخوف من تهديدات الهيمنة والأحتلال الإيراني من جهة، و القلق من ماهية صيغة واقع و مستقبل وجود القوات العسكرية الأميركية في البلاد المتراوح بين التلويح بالأنسحاب وبين اخراج البلاد من البند السابع للأمم المتحدة بصيغة هلامية كثيرة الألغاز . . وسط ضجيج الوعود الطاغي للأنتخابات الأميركية، من جهة .
   ووسط هوس مسيرة الواقع الدموي العراقي المفتوح على شتى الإحتمالات بلا مبالاة بحياة ومصائر ملايين العراقيين . . التي يلعب فيها النفوذ الأيراني ـ والخليجي ـ ودوره العملي الواضح الذي لم يعد مستوراً، باشعالها وادامتها، من جهة اخرى  . . في ظروف تعلن وتتناقل فيها اخبار وموازين تتراوح بين درجات من تفاهم ايراني ـ اميركي، وبين تزايد الأستعدادات العسكرية لمواجهة ايرانية ـ اميركية ـ اسرائيلية (1) على ارض العراق !!
   وفيما تطالب اوساط واسعة مرجعية السيد السيستاني، بأن تلعب دورها المنتظر باعتبارها المرجعية الشيعية العليا لجميع اطراف الصراع المدمّر، الذي يطرح دورها على المحك الفعلي في قيادة وتوحيد كلمة المسلمين الشيعة، ويتساءل آخرون عن مدى قدرتها على ذلك .
   يؤكد كثيرون على المخاطر الكبيرة للصدامات الأخيرة وعلى عدم تبسيطها من البعض الذي يرى فيها وكأنها حالة شبيهة بحالة صدامات الأخوة التي دارت في اوقات سابقة في كوردستان والتي لايتمنى احد ان تعود . . حيث انها تختلف عنها من جوانب لاحصر لها، ناشئة اساساً من اختلاف طبيعة القضيّتين تأريخاً ومنطقاً وتوقيتاً وآفاقاً وامتداداً وحقوقاً . .
   ويتساءلون بقلق هل سيكون الوسط والجنوب العراقيين ساحة للصدام الأميركي ـ الإيراني تحت اعلام الطائفة ؟ الا يمكن اللجوء للعقل وحل الخلافات على مراحل بعيداً عن نزيف الدم الذي لاينزف الاّ دماً عراقياً . . ام ان هناك ارادات اقوى من ارادة العراقيين بكل الوان اطيافهم، تفرض وتحرّك وتصمت وتناور ببراميل النفط . . رغم ارادة العراقيين بكل قواهم، ارادات قوى تشغلهم بعضهم ببعض بخناجر خفية في الظلام، لأبعادهم عن طريقها او لشلّهم بعيداً عن مشاريعها على اراضيهم ؟!

26 / 3 / 2008 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كجزء لايتجزأ من الصراع الأسرائيلي ـ الأيراني . . الذي يحاصر اسرائيل من : غزة، جنوب لبنان والضفة الغربية وغيرها.

210
              
شعبنا والأحتكارات النفطية والأسعار !
                                 د. مهند البراك

   لم تعد آلية تحديد اسعار النفط حساباً بسيطاً كما قد يتصور البعض، او انها كالآلية الروتينية لتحديد اسعار البضائع، خاضعة بشكل ميكانيكي لقانون العرض والطلب . . وانما و بعد ان صارت احد علوم اقتصاديات النفط، برزت للقيمة الستراتيجية للنفط، كآلية ووسيلة سياسية كثيرة التعقيد والأجندة، حين صار تحديد الأسعار النفطية آلية من الآليات الهامة والحاسمة في تقرير قضايا السلم والحرب .
   وكما يتناقص سعر الدولار نزولاً عند رغبات وخطط اكبر البيوتات المالية الدولية العسكرية النفطية الصناعية، غير مبالية بالفوضى التي تتسبب بها . . من اجل تحقيق زيادة في الطلب على منتجاتها لرخص ثمنها وفق القيمة الحقيقية للسعر المعلن الجديد، الذي يؤدي الى زيادة وتيرة تصديرها وتصريفها لتلك المنتجات في دول العالم المستهلكة، لتحصد بذلك ارباحاً هائلة غير منظورة(1)، او قد لاتجلب انتباه اوساط اجتماعية واسعة لها .
   محققة بذلك وسيلة فاعلة هائلة سواءً في مواجهة منافسيها او في اقصاء الصاعدين الجدد، و محققة تعويضاً مضاعفاً لها لعملية خفضها لسعر الدولار . . بالنفط !! ليصبح سعره تبعا لذلك مرتفعاً كمعادل بلا منافس لقيمة الدولار، مؤدياً الى تزايد اسعار النفط في الأسواق العالمية والذي وصل الى حد مذهل في الآونة الأخيرة . . محققاً بذلك ارباحاً فلكية من جانب آخر، لها !!
   وعلى صعيد متصّل، اذا كان هناك من يراهن على تازيم الأوضاع في بلادنا النفطية الغنية لقبول مايجري كأمر واقع . . فان تازّم البلاد وبالتالي نزيفها تسبب ويتسبب بتزايد حذر اوساط متزايدة من الوعود ومن ( الأعتراف بالأخطاء ) وبرؤيتها الى انها تجري لتمهيد التربة للأستمرار عليها وتثبيتها، بسبب الأستمرار اللامعقول للآلام، رغم الجهود المبذولة من الجهات المخلصة لقضية الشعب . 
   ويتساءل كثيرون وبعيدا عن اية نظرة حزبية او سياسية او ايديولوجية ضيّقة . . اين هي حصة العراق من التزايد الفلكي لأسعار النفط باعتباره (العراق) احد ابرز البلدان المنتجة للنفط رغم انواع المعوقات ؟؟(2)  واين هو تعويض الشعب العراقي عمّا لحق به جراّء دكتاتورية دموية حربية دعمها الغرب والشرق في حينه (3) . . خاصة وان الأستقطاعات المفروضة على عائداته والمصروفة للدول المتضررة من حروب الدكتاتورية، تستقطع بلا هوادة منها ؟؟!
   فاضافة الى انواع المعاناة، فان استمرار وتزايد معاناة العراقيين وخاصة الأكثر فقراً وكدحاً منهم باطيافهم . . من ضائقاتهم المعاشية المدمّرة التي لاتوصف بكلمات في هذا العصر، وبالذات من تلك التي تاتي بسبب تقليص فعالية البطاقة التموينية والسعي لألغائها، ومن مآسي انقطاع الكهرباء وتزايد اسعار المحروقات اليومية وفي مقدمتها النفط الأبيض وبنزين السيارات ومحروقات المخابز والأفران وبالتالي الخبز . . في بلدهم النفطي الذي يزداد غنى بثرواته، لأنحسارها وتزايد مخاطر نضوبها لدى الدول الإقليمية المنتجة الأخرى !! وفي زمن تتزايد فيه الأسعار العالمية للنفط الخام .
   ان محاولة البعض ترحيل تلك المشاكل الى اتهام شعبنا باطيافه القومية والدينية والمذهبية بالوحشية ؟! والى اغماض العين عن تركة الدكتاتورية الثقيلة، الفساد الإداري و عن ادوار القوى العظمى العالمية والأقليمية . . و بالتالي اغماضها عن الخطط الستراتيجية الضخمة التي تقاد اليها البلاد بمحاولاتها شراء المواقف سواء كان بالتهديد او بالمنح، في وقت تستعر على ارضها صراعات اقليمية ودولية حادة غير معلنة لايُعرف مآلها، يصفها عدد من المحللين الدوليين بكونها حرباً باردة تجرى في منطقة تتنازعها اقطاب لايستطيع احد منها فرض ارادته لوحده فيها !!
   ان تلك المحاولات، فيما لايمكنها تجميل او اخفاء هذا الواقع المرير وبعد مرور خمس سنوات على قيامه بسبب الأحتلال . . فان الحلول لايمكن لها الاّ ان تواجه هذا الواقع بالمصارحة والشفافية سواءً بين الأحزاب الحاكمة، وبينها وبين المُشارِكة بالعملية السياسية وبالبرلمان من جهة، وبينها وبين القوى العراقية الأخرى من جهة اخرى . . وبالتالي مصارحة الشعب بكل اطيافه بقضية " الإتفاقية العراقية ـ الأميركية " التي تحاول جهات اميركية ودولية واقليمية امرارها باي ثمن وفي واقع تسببت هي بقيامه !!

18 / 3 / 2008 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   اضافة الى الأرباح الكبيرة التي تتحقق من بيع بضائع مشابهة كاسدة .
2.   حيث تؤكد كل المؤسسات والهيئات والمعاهد الدولية والعراقية الرسمية اضافة الى الأميركية ذات العلاقة . . على التزايد الحالي للعائدات النفطية العراقية .
3.   باعتراف رؤساء تلك الدول والمسؤولين الكبار فيها، عن ذلك بانفسهم .

211
   المرأة . . تلك الكلمة الطيّبة !
 2 من 2
                        د. مهند البراك

وبدا انها كانت تلاحظ ان اهتمامي كان منصبّاً على الكتب الفكرية والكلاسيكية النظرية فقط، فسألت :
ـ الا تقرأ روايات ؟ . . ففي المكتبة عديد من الروايات الأنسانية التي لاغنى لمناضل او مناضلة عنها، لأنها تهندس النفس والعواطف اللامرئية، التي قد تكون سبباً مباشؤاً او تحسم وتحلّ كثيراً من المواقف . .
ـ وهل للعواطف محل في النضال او في السياسة ؟
وهنا تحوّل النقاش الى مناقشة احداث واقعية جرت كنت طرفاً فيها وذكرتها بتفاصيلها لها :
"     . .  حينما كنت صبياً . . كانت المقاومة المسلّحة التي واجهت انقلابيي شباط  1963 على اشدها في الكاظمية، حيث كنت احد المراسلين فيها . .
كان الوقت يمرّ بسرعة وكانت الأحداث تتالى بشكل مخيف فيه اثر صدور بيان رقم 13 من راديو الأنقلاب (1) . . وبعد ان وصلت قطعات عسكرية محمّلة بالدبابات وبالناقلات العسكرية التي دخلت المدينة من شمالها، من جهة معسكر التاجي . . بعد ان شقّت طريقها وسط حشود الناس بخدعتها الشهيرة حين حملت صور الزعيم عبد الكريم قاسم  . .
لتبدأ معارك عنيفة داخل المدينة نفسها بعد ان كانت تدور في اطرافها سواء كانت تلك الأطراف عند جسر الأئمة او عند مركز شرطة " الباغات " الذي كان يقع في منطقة العطيفية قرب جسر الصرافية، الذي توجّه اليه المقاومون بعد استيلائهم على المركز الكبير لشرطة النجدة في الكاظمية، الأقرب في موقعه الى ساحة الشوصة . .
وكانت احدى المناضلات قد قالت لي حين كانت الدموع تترقرق في عينيها بعد ان سلّمتني رسالة صغيرة مغلقة . . " ارجوك . . لاتنسى ان تخبّره باني سانتظره مهما يحصل !! "
وهكذا تجمّع البريد الذي كان هذه المرّة مكوّناً من بضعة رسائل صغيرة مغلقة فقط .  .  . بعد ان كان يتكوّن من قطع سلاح او عتاد مما كان يمكن لصبي ان يحملها بيده او بكيس جنفاص على ظهره، اضافة الى الرسائل !
.    .    .    .
.    .    .    .
وفجأة ظهرت لعيني سيطرة للحرس القومي انشأتها مفرزة كبيرة في الطريق، و كانت تفتش الجميع بدقة سواء كانوا رجالا ام نساءاً ام اطفالاً . . فاختبأت خلف جذع نخلة ذات فسائل عالية في مزرعة كانت تقع على جانب " شارع  الفجر" وقرأت الرسائل القصيرة بسرعة لأحفظها وانقل محتواها شفاهاً، لأتلفها فيما بعد (2) . . وقرأت من بينها رسالة كانت من احدى النساء المقاومات الى خطيبها المنخرط بنشاط كما كان يبدو في المعركة الكبيرة التي جرت طوال ليلة 8 / 9 شباط عند خزان الماء قرب وفي اعدادية الكاظمية للبنين . .
حيث كانت توعده فيها باستمرارها هي في المقاومة وتناديه بالصمود وبانها ستنتظره مهما حصل . . وبقيت تلك الرسالة التي مزقتها كالأخريات منطبعة في بالي  .  . بعد ان سببت لي شعوراً صبيانياً بالقرف والشعور بأني كما لو كنت اخدم مشاعر غرامية صبيانية وليس مقاومة مسلحة بطولية ؟!
وبعد ان نقلت محتويات الرسائل اعتذرت عن نقل الرسائل ان كانت بذلك الشكل . . !!       "
صفقت " ام رائد " كفيّها كالملدوغة وصاحت :
ـ لماذا ؟؟!  ابني هذا هو البشر . . انه من دم ولحم ونفس . . فالمناضل رجلاً كان او امرأة يحتاج الى الأمل . . الأمل الشخصي، الأمل بالسعادة والحب والهناء . . فاضافة الى السعي لتحقيق الأهداف الكبيرة
لابد وان يصوغ الأنسان في ذلك هدفاً شخصياً نبيلاً يسمو به ومن اجله ويحقق له اكسيراً في تصعيد نشاطه ونفسه للتحقيق المبدع لتلك الأهداف السامية . .  انه يبني بذلك امله الشخصي المتفاعل مع تلك الأهداف الكبيرة في حياته . . الأمر الذي يخلق منه اروع المناضلين . . صدّقني لا نضال و لا حياة كفاح دون عاطفة حارة بعدالة الهدف وبموقفٍ لمحبٍ يعينه على زرع الحب وينظر بتفاؤل الى الحياة والى اهدافه فيها . .
   وكانت تستمر في احاديثها حول بناء الأمل من خلال تجربتها هي التي كان لولبها زوجها الشهيد الذي ضرب اروع الأمثلة بالتضحية بالنفس في سبيل سعادة المجتمع .  .
   وتمر الأحداث و شهدت وتشهد آلاف الصور و الوقائع . . وكما قال مجرّبون وحكماء ويشهد لها التأريخ بأنه بدون المرأة لاينجح كفاح ولايتكوّن امل، أملٌ قد لايفصح عن نفسه بسهولة وانما يعيش عميقاً في الضمير و الوجدان  . .
   بل وحتى الكتب السماوية ـ وان بدرجات ـ تشير وتكبر بالمرأة و يصل عدد لايستهان من تعاليمها وسير روّادها وقادتها وثقافاتها وآثارها في المجتمعات . . الى جعلها نموذجاً اعلى  . . من " السيدة العذراء الأم " الى " الجنة تحت اقدام الأمهات " الى " سيدة نساء العالم " . . الى :
         " الأم مدرسة ان اعددتها    اعددت شعباً طيب الأعراق "
   وغيرها وغيرها التي تشير بقوة الى . . منهن نتعلم الصبر والسهر ومواجهة انواع الحرمانات والتضحيات التي تبدأ ولا تنتهي بكونهن الخصب و الولاّدات وواهبات الحياة والنذور . . بل وان تفاعل المرأة والرجل الذي ان وصل الى " وراء كل مناضل مبدع  امرأة " ، فان وراء كل مناضلة مبدعة رجل، في ثنائية متلازمة خالدة  . .
   ومن ذلك وعليه، فإن احقاق حقوق المرأة الأساسية لا تعني الاّ احقاق حقوق نصفٍ ليس حسابي اصم، وانما نصف متفاعل من المجتمع الذي يعادل لابعدده وانما بتأثيره الكثير التنوع كما جرى المرور على بعضه، احقاق حقوق المجتمع !!  لأنه يشكّل بقوة ذلك التأثير احقاق غالبية طاقات المجتمع المعطّلة وشبه المعطّلة . . من الرجال والنساء .
   من تلك العواطف وحرارتها . . تحية للمرأة العراقية الباسلة وبكل مواقعها في نضالها المؤلم الشاق والدؤوب من اجل حقوقها العادلة في تشريعات ملموسة . . ووقفة خشوع امام من ضحيّن بحياتهن في سبيل مواصلة الركب ومن اجل خلق الأمل بامكانية قيام حياة اسعد وافضل لعراقنا الحبيب باحقاقه حقوق نسائه !! ( انتهى )

8 / آذار / 2008 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   البيان سيء الصيت الذي اذاعته اذاعة بغداد بعد ان سيطر الأقلابيون عليها . . والذي دعى علناً الى ابادة الشيوعيين والى اطلاق النار عليهم لدى رؤيتهم . . اوعند وجود مجرد شكّ بانتمائهم ذلك !!
2.   كانت التعليمات تؤكد على ان تتلف الرسائل كي لا تسقط رسالة بيد عدو . . وعلى محاولة قرائتها وايصال محتواها قبل اتلافها اضطراراً . .

212
   المرأة . . تلك الكلمة الطيّبة !
  1 من 2
                        د. مهند البراك

يمرّ هذه الأيام 8 آذار عيد المرأة العالمي الذي تحتفل فيه نساء العالم من كل القوميات والأجناس والأديان والمذاهب، ومن شتى المواقع الأجتماعية والطبقية . . يحتفلن فيه بيوم تضامنهن في نضالهن فيما بينهن افراداً ومنظمات و كيوم للتضامن العالمي معهنّ، في نضالاتهن الصعبة من اجل حقوقهن الأنسانية العادلة، التي اقرّتها العهود والمواثيق الدولية .
   ولابد ان تمرّ في الذهن في هذا اليوم شرائط ذكريات متنوعة عن المرأة وكفاحها ودورها في حياتنا نحن الرجال . . اماً واختاً ورفيقة نضال وسلاح، خطيبة وزوجة وابنة . . معلمة وخريجة وموظفة و صاحبة مهنة، عاملة وفلاحة وربة بيت . . لتتواصل مع الحاضر ومع الآفاق القادمة.
   فاضافة الى اهمية التشريعات والقوانين التي من شأنها صيانة حقوقهن التي تستمر النساء العراقيات في نضالهن من اجلها، وبمواجهة معاناتهن جرّاء انواع المماطلات في اصدارها، في وقت يستمر فيه نزيف خساراتهن الذي اخذ يتفاقم وباشكال خطيرة . . على يد انواع الميليشيات الطائفية والأرهابية التي اتخذت من المرأة عدواً كما لو كان مقدساً لها، لتمرير مشاريعها المنافقة الرامية الى بسط هيمنتها على المجتمع . . فكنّ و لا يزَلْن الضحية الأولى في كل منعطف من المنعطفات المدمّرة التي تمر بها البلاد . .
   وبهذه المناسبة لابدّ من التذكير بان اهمية المرأة في المجتمع وفي كل مجتمع لاتأتي من خلال دورها الأجتماعي والبيولوجي فقط وانما من خلال دورها الهام في ضبط سلامة وعي المجتمع ومنطقه وتربية ابنائه ونشطائه ومناضليه . . ويحضرني هنا ذكر المربية الفاضلة والوجه النسائي العراقي البارز الفقيدة السيدة " منيرة عبد الرزاق " ام رائد (1) . .
   كانت الضربة القاسية التي وجهتها اجهزة السلطة القمعية للقوى الديمقراطية والطلابية منها في 1970 / 1971 عنيفة فعلاً، وكنت وبعد انواع الصعوبات والأجراءات التي مررنا بها آنذاك كلنا كطلبة ديمقراطيين ويساريين وقوميين تقدميين . . قد استلمت رسالة قصيرة افادت، بأن عليّ ان اترك بغداد !! لم اعرف حينها الى اين ولا كيف ؟ وكان السؤال الأهم كيف سيتواصل العمل ؟!
   وبعد محاولات استُنفذت واخرى لم تنفع، قررت ان اواصل الأختفاء في بغداد، وحاولت ذلك بمفاتحة عدد من العوائل المناضلة التي كانت منهن المناضلة " ام رائد " التي كان لم يتهددها شيء بعد . . وتفاجأت بانها رحّبت بذلك على الفور لمعرفتها الوثيقة و لثقتها بعوائلنا، بشرط ان لا يعرف احداً بذلك، لكل الأسباب المارة الذكر .
   كانت " ام رائد " معاونة مديرة اعدادية الوثبة للبنات، اكبر سناً من والدتي . . وكانت مناضلة عركتها الحياة، وان كانت قد اصابتها المحن بجروح لاتندمل، الاّ انها ورغم كلّ تلك الآلام خلقت منها انسانة اجادت التعامل مع الأحداث ومع ابنائها وعائلتها . . رغم كل همومها ومرضها وصعوبات وظيفتها، ونشاطها الأجتماعي البارز اضافة الى مشاغلها من اجل قضية الشعب والكادحين، التي منها قضيتها المباشرة " قضية المرأة " . .
   افردت العائلة لي غرفة في الطابق الثاني للبيت، بعيدة عن الصالة وعن غرف المنزل الأساسية بعد ان اوضحت لي " ام رائد " ضرورة ذلك وكأنها كانت تستأذنني فيه ؟! . . كي تتواصل الحياة في البيت الذي لم ينقطع مجيء الضيوف عنه . . نساءاً ورجالاً كانوا، او عوائل بصحبة اطفال، سواءً من بغداد اومن خارجها.
   لقد كان البيت ملتقى لوجوه نسائية متنوعة سواءً من حيث اتجاهاتها الفكرية والسياسية والدينية او من حيث منشأها الأجتماعي ومشاكلها وتطلعاتها . . من العاملات والموظفات الصغيرات والمعلمات من العوائل الفقيرة  . . الى المحاميات والطبيبات والوجوه النسائية الأكاديمية والعلمية ومن الفئات الغنية البغدادية المعروفة، اضافة الى شابات ونساء من اصول و التزامات عشائرية . . كانت تدعوني للقائهن معها وفق الظرف و وفق الملموس .      
   لقد وجدت في الغرفة مكتبة عامرة بانواع الكتب الفكرية والسياسية، التي اضافت اليها آنذاك كتباً اخرى كانت قد اخفتها في مكان آخر، لندرتها او لكونها كانت ممنوعة، بمساعدة شابة من اقاربها، اضافة الى العديد من الروايات والسيَر و القصص الأدبية والأجتماعية باقلام كتّاب مرموقين من عرب او مترجمة عن غيرهم الى العربية . . وقد كانت فرصة كبيرة لي لقراءة ودراسة الكتب الفكرية والنظرية التي كانت بغالبها الأعم ممنوعة . . في وقت ازداد فيه الفراغ بسبب الأختفاء، وبعد تضييع الكثير من الوقت في مختلف مناطق وحواري بغداد، ومناطق الكسبة الشعبية، البعيدة عن تواجد الطلاب وعن تواجد المكلفين بمراقبة الطلبة ومهاجمتهم .
   وفيما كنت من الشباب الجاد كما كان يقال . . الجدية التي كان يعبّر عنها البعض بكونها جديّة اكثر من اللزوم  . . كنت اقرأ الكتب الفكرية والنظرية والسياسية، التي كانت تطرح افكاراً ومصطلحات كنت اشعر بكوني بحاجة لمن يوضحها لي آنذاك، فكنت اسألها وكانت تجيب بكل تواضع، او كانت تُرشد الى قراءة ما يساعد على توضيحها . . او كانت تُهيأ بكل جدية اجابات اكثر دقة عليها، من آخرين او من مراجع ما. 
   حتى تفاجأتُ يوماً، وعند سلامي و لقائي لأول مرة في بيتها بشخصية السلم العالمية والعراقية الفقيد " عزيز شريف " (2)، باهتمامه بتوضيح جوانب من تأريخ الثورة الفرنسية وجوانب من الأسباب التاريخية لفشل انتفاضة العبيد بقيادة سبارتاكوس، لي . . والتي كنت قد سألت " ام رائد " عنها قبلاً ولم اكن مقتنعاً بجوابها، كما لمست هي .
   وكانت المرة الأولى التي المس فيها دقّة وعلمية وخبرة الفقيد " عزيز شريف " بمجتمعنا وكيفية ووسائل المقارنة و المناقلة العلمية بين ماكان يجري في البلاد ومع ما كانت قد افرزته التجارب العالمية الماضية او التي كانت تفرزه حينذاك، بتقديره . . التي كانت تكشف عن عدم تعمّق وقلة خبرتنا كشباب بما كان يجري وكيفية فهمنا له في ذلك الوقت . . رغم حماسنا واستعدادنا اللامحدود للتضحية في سبيل قضية الشعب . (يتبع)       

7 / آذار /  2008 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   " منيرة عبد الرزاق " ، خريجة كلية الآداب من جامعة القاهرة، كانت خطيبة المناضل المحامي والصحفي اللامع والقائد الشيوعي " عبد الرحيم شريف " . . التي انتظرته خلال سنوات حكمه الثقيل مع الأشغال الشاقة حتى ثورة 14 تموز 1958 حين اطلق سراحه وتزوجا ورزقت منه بولد وبنت . . وعاشا معاً حتى استشهاده اثر انقلاب شباط الأسود عام 1963 . كانت احدى العضوات البارزات في قيادة " رابطة المرأة العراقية " ، امتازت بنشاطاتها الديمقراطية والأجتماعية المتنوعة. غادرت العراق اثر الحملة الوحشية ضد القوى الديمقراطية وبسبب مرض خبيث صارعته طويلاً عام 1978 . . وعاشت في موسكو، وانتقلت مع عائلتها لتستمر في معيشة الغربة في احد البلدان العربية،  لتتوفى فيه اواخر التسعينات، لينتهي املها في رؤية العراق الذي ضحّت وقدمت الكثير من اجله وعشقته من اعماقها . . ولو لآخر مرة .
2.   كان الفقيد عزيز شريف، رئيس منظمة انصار السلام في العراق، ثم رئيس مجلس السلم والتضامن في العراق حتى عام 1978 / 1979 . . محامياً، صاحب جريدة، تزعم كتلة ماركسية في الخمسينات، صار عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بعد توحيد كتله الثلاث بقيادة الشهيد سلام عادل . .  تبّوأ مناصب قضائية وحكومية واستوزر اكثر من مرة .
   وحيث ان الفقيد كان يزور زوجة الشهيد لكونه حماها ـ اخا زوجها الشهيد ـ فان ام رائد كانت    تحاول اقناع الكاتب باللقاء به وسماع رأيه على الأقل، لأنه ـ اي الكاتب ـ كان يحمل عنه افكار    الكثير من شباب يسار تلك المرحلة التي كانت تصفه بكونه " انتهازي يميني " ، " توفيقي " . .    دون التدقيق جيداً وفي ظروف تلك المرحلة بين الواقع والأمكانية من جهة، والأحلام والطموح    من جهة اخرى . . في ظل واقع عراقي اتسم بالقسوة والوحشية تجاه اي فكر معارض للسلطة    القائمة .

213
         
احمدي نجاد والأجتياح التركي والأشقاء العرب !

                                 د. مهند البراك

   منذ ان عاد منطق القوة العسكرية الى تقرير العلاقات الدولية . . اضافة الى عودة منطق افتعال الأزمات وخلق الفوضى (1) للضغط . . سعت وتسعى الدول والكيانات وقوى الشعوب التي وقعت وتقع ضحايا لتلك السياسات، الى محاولات متنوعة لرأب الصدع الناجم عنها في صفوفها، اعتماداً على سلوكها سياسات تسعى الى اطفاء بؤر الحرب والأزمات على اراضيها، من اجل عودة الحياة الطبيعية فيها، التي بدونها لايمكن بناء الحركة الشعبية التي دمّرتها الحروب والفتن والنزاعات الطائفية والعرقية.
   ففيما تفرح الأوساط الشعبية العراقية و مثلها الأيرانية لأية بادرة تقارب وتفاهم على الصعيد الرسمي بين البلدين الجارين، آملين منها تخفيف حدّة التوتر ومشاعر الحساسية والخوف التي تسببت بها الحرب الطاحنة التي اشعلتها الدكتاتورية واكتوى بها الشعبين المترابطين بما لايعدّ ولايحصى من روابط الأخوّة والمصير .  . خاصة وانها اول زيارة لرئيس دولة جارة للعراق منذ سقوط الدكتاتورية، وفي وقت لم يزرها فيه الى الآن اي رئيس عربي. 
   تشهد البلاد فشل سياسة المحاصصة الطائفية، التي من نتائجها ترى اقسامٌ في زيارة الرئيس الأيراني نجاد وكأنها تأتي رداً طائفياً على الأجتياح التركي لبعض مناطق اقليم كوردستان العراق التي تصفها بكونها ذات مدلول طائفي مقابل . . رغم ادّعاء الأجتياح المتكرر باستهدافه ب ك ك (2) ورغم توجيهه ضغطاً واضحاً على الجهود الكوردستانية العراقية الساعية الى قيام دولة فدرالية في اطار عراق موحد، ورغم كونه محاولة لأظهار قدرة اوساط حاكمة تركية في تقرير او تحديد شكل الفدرالية .
   ترى اوساط عراقية غير قليلة بأن سياسة احمدي نجاد تجاه الواقع العراقي . .  لم تعكس لحد الآن موقفا يمكن وصفه بكونه بنّاءاً للواقع العراقي، بقدر ما عكست استمرار السعي لتصعيد المواجهة مع الأميركان على الأرض العراقية لصالح حكمها هي ، الأمر الذي يؤدي الى ان تقابل زيارته بقلق وخاصة بعد ان رُكنت كثير من الملفات الحساسة الى الأدراج السرية والى الأتفاقات الأقليمية والدولية .
   وتنتشر تقديرات متنوعة ان اوساطاً عسكرية ـ احتكارية اميركية وفي اطار سعيها لمواجهة ساخنة مع ايران لشلّ مفاعلها النووي . . تسعى لضمان العراق لصالح اجندتها النفطية والأقتصادية، بواسطة نفوذ ورقابة تركيّة تلوّح بورقة ب ك ك، في كوردستان (3) وبتلويح طائفي يسعى للموازنة، من جهة . . و بتعزيز تواجد القوات الأميركية في الوسط والجنوب، من جهة اخرى. في وقت يزداد فيه التمدد الأيراني في البلاد بلا هوادة سواء كان بفيلق القدس او بمنظمات ثأر الله وحزب الله وغيرها . .   
   وترى اوساط مطّلعة بان اطرافاً اميركية متنفذة تحاول بناء الموقف الأميركي وفق اجندة يراد منها التوصّل الى نتائج ملموسة مع الأنتخابات الأميركية القادمة، وبدء اعمال ادارة اميركية جديدة . . باتجاه الأنسجام مع الواقع و مع حركة التوازن الأقليمي، على اساس خطة بيكر ـ هاملتون الداعية الى الأنسجام مع المنطقة . . في ظل موقف غلب عليه الجمود والمراوحة للأتحاد الأوروبي .
   يرون في الأستعداد الأميركي لتقبل زيارة الرئيس الأيراني، بكونه جزءاً من اللقاءات الأميركية ـ الأيرانية، وبكونه على طريق الأقرار لأيران بنفوذ فيه بعد ان شكّلت زيارة احمدي نجاد نقلة في الموقف الرسمي لأيران من العراق، من بلد محتل الى بلد يزور رئيسُها رئيسَه وبدعوة منه . . بعد ان ادىّ السلوك الأميركي في العراق الى ( تقديمه ايّاه لأيران على طبق من ذهب ) وفق وصف محللين بسبب اخطائهم التي يقروّنها هم من جهة، و بسبب سلوك دوائر ايرانية متنوعة ـ اضافة الى اقليمية اخرى ـ وعملها على زيادة العنف وزيادة التناحر الطائفي . . من جهة اخرى .
   الأمر الذي ادى بالبلاد الثرية الى ان تكون ساحة حرب لأطراف دولية واقليمية متنوعة ساعية لتحقيق مصالح لها او لأقتطاع اجزاء منها لها، باساليب متنوعة سواءً بالأحتلال والتواجد او بالأجتياحات المتقطّعة او بتمويل وتسليح الميليشيات الطائفية وتشجيع تصادمها وتناحرها . . وبالتالي وقوع ملايين العراقيين بكل اطيافهم ضحايا لها، موتاً وتهجيراً وهجرة . . بعد ان غابت الدولة والجيش لسنوات .
   ومن بين عشرات الملفات الساخنة بين العراق وايران، تنتظر اوساط واسعة التوصل الى اتفاق على : انهاء حكومة السيد نجاد تسليح المليشيات الطائفية المتنوعة، ترسيم الحدود والحفاظ على الثروات النفطية الوطنية والوقوف بحزم امام عمليات نهب النفط، الأتفاق على مياه شط العرب والملاحة فيه، ايقاف القصف الحدودي على قرى كوردستان العراق، الأتفاق على اتفاقية بديلة لأتفاقية الجزائر عام 1975 ، مشكلة المهجّرين وفي مقدمتهم مشكلة الكورد الفيليين . . التأكيد على عدم التدخل بالشان الداخلي للبلدين . . فيما يتساءل عديدون عن دور الأشقاء العرب ؟!

2 / 3 / 2008 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   التي صارت دمويّتها وحجمها لاحدود يمكن تلمّسها لها .
2.   حزب العمال الكوردستاني في تركيا .
3.   راجع بيان رئاسة الأركان التركية يوم السبت 1 /3 / 2008 ، بخصوص عملية الدخول العسكري والأنسحاب واهدافهما وتأكيده على احتمالات تكرارها .   

214
              الديمقراطية السياسية والمحاصصة الطائفية !
                      2 من 2
                              د. مهند البراك

   وبعد ان اساءت الدكتاتورية لمفهوم الأحزاب السياسية بممارستها صيغة (الحزب الحاكم الأوحد) الشمولية، التي حرّمت بالحديد والنار اي نشاط سياسي آخر، وادّت بوحشيتها تجاه القوى والأحزاب الأخرى، وبحروبها وظلمها الى الأساءة الهائلة الى مفهوم الأحزاب ودورها في المجتمع والى التخوّف منها وعزوف اوساط ليست قليلة عنها، بعد ان تسببت بتشوّه الفهم لدورها في المجتمع المدني .
   وبعيداً عن تكرار ذكر احداث زمان الدكتاتورية ومواقف الجوار والقوى العظمى من قوى معارضة الدكتاتورية آنذاك، وتسبيبها نتائج طائفية مؤسفة متنوعة، قامت دوائر كثيرة بتوظيفها في محاولتها لأمتصاص وتوجيه الأحتقان الهائل الذي كان يتزايد ضد الدكتاتورية و يهدد بانفجار قد لايمكنها التحكم به بتقديرها . .
   وحتى سقوط الدكتاتورية الشمولية بالحرب، واعلان السفير بريمر الأحتلال وتشكيل مجلس حكم على اساس المحاصصة الطائفية لـ ( انعدام وجود مكونات يمكن الأعتماد عليها ) ؟! الذي ادى الى ان تأخذ الطائفية ابعاداً مؤسساتية قانونية ودولتية خطيرة، اخذت تزداد خطورة في ظل استمرار هيمنة المنطق الموروث عن حكم الدكتاتورية، المتلخص باتباع سياسة وتكتيك " حافة الهاوية " واحراج المقابل لأبتزازه الذي اخذ يسود تعامل اوسع المكونات العراقية التي ارتَدَت والأخرى التي اخذت ترتدي المسوح الطائفي . .
   واخذت تزداد حدة بسبب : ردود افعال واصداء واقع الأحتلال وعصابات الأرهاب ومواقف دول الجوار، بسبب المعاناة الهائلة الناتجة عن انعدام الأمن، شيوع الفساد الأداري واللصوصية، وتزايد منطق المليشيات والأبتزاز والسوق السوداء .
   واذ تمرّ السنة الخامسة على سقوط الدكتاتورية … تلاحظ اوسع الأوساط ان الوقت لم يزكيّ صواب سياسة المحاصصة الطائفية لاداخليا ولا اقليمياً ولادوليا،   حيث اخذت اطراف المحاصصة ذاتها، تشهد تصدعات ومواقف متضاربة، بعد ان لم تستطع اية مؤسسة طائفية منها ان توحد نفسها على الأقل. واخذ يزداد وضوحاً أن المصالح السياسية حتى بين القوى المؤتلفة والتي تطرح نفسها كحامية لطائفة معينة، هي مصالح متباينة تصل حدود التضارب والاقتتال. في تأكيد على عجز الائتلافات التي اتخذت شكل من اشكال المحاصصة الطائفية في دخول العملية الانتخابية، الأمر الذي يؤديّ الى انبثاق تحالفات جديدة وفق الفرز بسبب الحراك السياسي في المجتمع.
   ان سعي حكومة السيد المالكي لمد الجسور مع اي تجمعات تؤيدها، وتمهيدها الطريق لها للأصطفاف معها بغض النظر عن طائفتها . . يعزز القناعات في ان ابناء الطائفتين السنية والشيعية يتوزّعون على تكوينات وفعاليات ذات مطالب سياسية اساساً وليست طائفية، مطالب فشلت سياسة المحاصصة في تفسيرها وبالتالي في حلّها على اسس وخلفيات طائفية، والتي لم تتمكن من اللحاق بالمشاريع السياسية الجادة والقادرة على الخروج من الواقع العراقي المأساوي الدموي . .
   في الوقت الذي تتزايد فيه المعاناة الشعبية على اصعدة كثيرة التنوّع، فاضافة الى مشكلة الأمن، ادى انسحاب الدولة عملياً من تأمين الكهرباء في اهم المحافظات، الى تصاعد اسعار المحروقات وبنزين السيارات تصاعداً خيالياً، وادىّ موقفها المتشدد من ادوار منظمات المجتمع المدني و نقابات العمال وخاصة عمال النفط، الى شلل وتذمّر اوساط تتسع، بعد ان وصلت المحاصصة الطائفية الى انشاء  الجدران العازلة، والى حمل الهويات الطائفية التي تفاقمت مؤخراً الى ضرورة الحصول على تأشيرات
" فيزة " !! بعد تقديم طلبات، تجيز الزيارة من منطقة (طائفية) الى اخرى …!!
   حتى اخذ الرفض الشعبي لسياسة المحاصصة الطائفية يتجسّد بالتفجّر الواعي والعفوي الواسع للدعوة الى أحياء الأنتماء الوطني للعراق بكل اطيافه والى التضامن الواسع من اجله في كلّ فرصة سنحت او تطلبت ذلك مهما كانت، فما حصل مثلاً من ردود افعال جماهيرية عراقية واسعة في الداخل والخارج وفي كلّ اجزاء البلاد، لتحية منتخب العراق المتنوع الأطياف الذي حقق الفوز بكأس آسيا لكرة القدم، وتحديّها لأستهدافها بالمفخخات التي راحت اعداد جديدة ضحايا لها . .  لم يكن الاّ احد التعابير الحيّة الواعية، العفوية اللاارادية لها .
   ويتساءل كثيرون بانه اذا كان كلّ مايجري لايخلق ادراكاً لدى سياسيي الطوائف بخطورة مناهجهم، الا يشعرون بأن الدعوة الى رفض الطائفية واعتماد الهوية الوطنية تزداد طردياً مع تزايد مآسي الانقسامات الطائفية المدمرة ؟ التي لاتعزز الاّ الأدراك بان علة المآسي صارت تكمن في اعتماد الاصطفافات الطائفية والعرقية ذاتها وتكريسها، فضلا عن دخولها على الصراعات الجارية . . على السلطة والنفوذ و للاستحواذ على اكبر قدر من اموال الشعب العراقي بكل اطيافه . 
   يعزز ذلك نتائج استفتاءات تجريها جهات متنوعة ذات طابع محايد، تفيد بأن هناك تحول جدي عن الأحزاب الدينية الطائفية بشكل خاص، اضافة الى تصريحات متنوعة بنفس المعاني لعدد يتزايد من الوجوه الدينية والسياسية والأجتماعية الفاعلة في مؤسسات الحكم من المنتمين للطائفتين السنية والشيعية، التي تذكّر بأن الدكتاتور كان يعتمد على من طاعه وامن به شخصاً . . عربيا كان او كوردياً، سنياً اوشيعياً، مسلماً او غير مسلم، وانه سلّم مفاتيح السلطة الأساسية لأبنائه وابناء عشيرته ….
   ويرى محللون، ان تزايد الظروف الداخلية والأقليمية والدولية الضاغطة لوضع حد للفوضى الدموية في البلاد، والذي وجد تعبيره في النجاح في توجيه ضربات موجعة للقاعدة وخاصة في محافظتي الرمادي وديالى، والذي يفسره البعض بكونه صراع سني ـ سني، كما في تفسير الشيعي ـ الشيعي المشابه وان كان يجري بادوات واهداف اخرى مواجهة .
   اللذين فيما يشكلان تعبيرين صارخين، على ان السعي الجاد لوضع حد للفوضى الدموية لابد وان يصطدم بالصراع الطائفي غير المجدي، الذي يتسبب باستمرار تساقط آلاف الضحايا من المدنيين، فانهما من ناحية اخرى لايدللان الاّ على ان العودة الى العمل البنّاء والتنافس السياسي من اجل تحقيق مستوى ضروري من الأستقرار والديمقراطية ، لايمكن ان تتم الاّ على اساس حل الميليشيات الطائفية وحصر السلاح بيد الدولة، ضمن كل الجهود الضرورية والساعية لأنهاء الأحتلال  . .
   فيما يؤكد كثير من المراقبين، على ان السعي لأنهاء المرحلة الأستثنائية يتطلّب . . احزاباً سياسية تناضل على اساس برامج واضحة من اجل انهاء الأحتلال ومن اجل الديمقراطية، وليس الى نظام محاصصة لتكتلات طائفية . .  في بلاد كالعراق الذي ضمّت احزابه السياسية ناشطين من ابناء كل الطوائف .... على امتداد تاريخه المعاصر . 
   وبالتالي فان معادلة حكم العراق بظروفه كلها، الداخلية والأٌقليمية والدولية والنفطية . . لاتستقيم مع سياسة المحاصصة الطائفية الصماء، وان الوضع المأساوي المهدد اكثر، لايمكن البدء بمعالجته الاّ باعادة تشكيل الحكومة اولاً لتكون حكومة تكنوقراط على اسس الكفاءة والنزاهة، وعلى اساس الأنتماء الوطني للعراق، تراعي التنوع العراقي . . وليس نظام المحاصصة الطائفية.
   على اساس برنامج سياسي محدد يستهدف : توفير الأمن، تحقيق المصالحة الوطنية بتنازلات متقابلة مؤلمة لابدّ منها، ايجاد حل مناسب للبدء بالتنفيذ الفعلي للمادة (140) من الدستور، اعادة البناء اللوجستي للبلاد، حل الضائقة المعاشية لأوسع الفئات الكادحة . . من اجل انقاذ البلاد ولوضع الأسس الناجحة لبناء دولة عراقية فدرالية برلمانية موحدة، قادرة على مواجهة التحديات . ( انتهى)    

23 / 2 / 2008 ، مهند البراك



215
الديمقراطية السياسية والمحاصصة الطائفية !


                     1 من 2
                              د. مهند البراك

   تدور في عالم اليوم نقاشات مستفيضة ومستعرة عن ماهية الديمقراطية وعن ماهية ركائزها وآلياتها وشروطها، وعن كيفية تجليّها وهل يمكن قياسها وكيف ؟ وهل هي مفهوم اوروبي او اميركي، وهل مايصلح للغرب العلماني يمكن ان يصلح للشرق باديانه وطوائفه ومُثله واساطيره و سحر سهوله الخضر و جباله الشاهقة وصحاريه الشاسعة وبواديه و . .  ، وكيف ؟
   ويرى العديد من المفكرين وعلماء الأجتماع والأقتصاد والسياسة، بأن الديمقراطية اضافة الى كونها ثقافة وخلق وتربية وفلسفة تهدف الأصلاح، فأنها آلية للحكم، وليس للعبادة والمعتقد باعتبارهما امران يعودان للذات وللنفس البشرية . . آلية مهّدت لها تجارب حضارات ودول سادت وافلت لنواقص في تكوينها ذاتها او بسبب عدو خارجي تمكّن منها لذلك  او بسبب كوارث طبيعية، و حضارات ودول اخرى عاشت وتعيش بآليات وتلاقح وتغيّر وتفاعل يزداد تنوعاً.
   ويرون بأنه اذا ما اريد التعرف على ظروف نشوء الديمقراطية وتطورها الحديث في الغرب وكيف صارت عاملاً رئيسياً في نهوضه ثم اشعاعه ثم تفوّقه، فلا بد من التأكيد على ان الديمقراطية انبثقت كحلول توافقية في الواقع لمؤسسات مجتمعية لتلبية متطلبات حاجات وضرورات انجاح التحولات الأجتماعية، بعد ان لم يكن هناك مفراًّ ـ او اريد لها ان تجري كذلك ـ تحت حدود سقف جرى تحديده من اجل تحقيق رفاه وازدهار اكبر لعموم المجتمع من خلال تحفيز قواه المنتجة لحياة افضل ولمواجهة التحديات، بعيدا عن الأستحواذ على السلطة لصالح فئة مجتمعية عمودية ( نقية الدم، طاهرة . . ؟؟ ) واحدة بعينها، عليها . . بعد مرارات عقود طويلة من حروب وغزوات سادت اوروبا، تحت رايات القومية والدين والطائفة .
   وقد نشأت بعد سلسلة من اتفاقات وتوافقات، ثم قيام اتحادات محلية واقليمية بين القوى الأجتماعية الأقتصادية المنتجة للخيرات والرفاه، على اساس الأعتدال الذي كان ممكناً بعد ان تم قطع اشواط حضارية في الثقافة والمعرفة والتجربة. الأمر الذي ادىّ الى تكوينها بالتالي كتلاً في مجالس لدول، جمعت تلك الدول ووحدت مكوناتها نحو اهداف اعلى واوسع، من اجل زيادة رفاه المجموع ... كتلاً تمتعت كل منها بقدرات وامكانات ذاتية شكّلت سنداً قوياً لكل منها للدفاع عن مطالبها ولضمان تحقيقها . . قدرات وامكانات لم تأت هبة من احد وانما حققتها بنشاطها وبتاييد جماهيرها لها، والتي بواسطتها  عملت على صياغة القوانين الجديدة.
   وحيث ان الدولة تكونت لتنظيم حياة المواطنين وحماية حقوقهم فان واجباتها في ظل محيطها الداخلي والأقليمي والدولي استندت وتستند اساساً على تلبية المتطلبات : الأقتصادية بفروعها، السياسية والدبلوماسية، المالية والدخل ، العسكرية لتنظيم الدفاع عنها، وسائل حماية المواطن من الكوارث الطبيعية كالأمراض والأوبئة والفيضانات ونتائج البيئة وغيرها من ثوابت الحياة اليومية المتطورة ابداً ....
   وبعبارة  مختصرة كان عليها ان تقوم بضمان وتوفير وتحشيد طاقات البلاد لتنظيم حياتها ولمواجهة التحديات الشاخصة امامها والتي تتطلب كفاءات وعلوماً كان لابد لها ان تستقل عن دائرة المراجع الدينية والطوائفية، التي عليها الأنشغال والتفرّغ الى مجالات انسانية اخرى، حماية للدين وللطائفة والمعتقد .
   وعلى ذلك ابتعدت انظمة الحكم عن اعتماد الطوائف بذاتها ولذاتها . . من اجل تحقيق السلم الأهلي الضروري للبناء، و دفعت الى الواجهة قضية ان جوهر اتباع المنهج والآليات الديمقراطية، يتلخص في السعي لتحقيق قناعات وثقة والفة بين فئات ومكونات المجتمع، من خلال ضمان حرية اختيار المكوّنات لممثليها في مجالس الأحياء والمدن، وفي البرلمان الذي عليه ان يعتمد الدستور الذي صوّت الشعب عليه وبالتالي على سير تعديلاته وعلى مؤسساته الرقابية .
   فالديمقراطية وتنوّعها تقوم على اساس توافق برامج سياسية اقتصادية اجتماعية لقوى المجتمع الفاعلة، التوافق الذي يمكن التوصّل من خلاله الى صياغة برنامج حكومي يرمي الى رفاه المجتمع وتقدمه، ومن اجل خير المواطن بلاتمييز على اساس القومية او الدين او لون البشرة او الجنس البشري . . بل على اساس المواطنة، والأنتماء للوطن .
   وبذلك فإن التاكيد على انه، لايمكن حكم البلاد الاّ بتعاون مكوناتها الطائفية والعرقية . . تعبير استثنائي لمعالجة ازمة وصراع مكونات عمودية، ازدادت استقطاباً بسبب الظلم الأجتماعي الذي تسببت به آلية الحكم الدكتاتوري المنهار واستمرا آلية لم تتغيّر كثيراً عنها، التي تسببت وتتسبب بانواع الحرمانات والخسارات البشرية والمادية والروحية لفئات مجتمعية واسعة عانت وتعاني من وطأتها . . و تعبير ضروري من اجل السير في التنفيذ العملي لبرنامج حكومي يُطمح له ويُعلن عنه .
   في نفس الوقت يرى ويحذّر كثيرون من ان اعتماد نظام المحاصصة الطائفية ان كان ضرورياً في بداية بناء بديل للدكتاتورية المنهارة لتحقيق التلاقي والتفاعل وتكوين كيان لمواجهة الفتن . .  فأن ذلك  ان تواصل وترسّخ فانه قد يؤدي الى نتائج عكسية شاء المرء او ابى، حيث سيكون ان لم تكن اليقضة عالية، خاصة وان المسار كثير التذبذب . . سيكون هو المعيار وبالتالي المعيار الوحيد في اختيار رجال الحكم والدولة، لاالكفاءة والنزاهة والشعور بالمسؤولية .
   من ناحية اخرى يرون، ان الأزمة الأساسية التي خلقتها الدكتاتورية كانت في جوهرها ازمة سياسية لسلطة دكتاتورية فردية اعتمدت الشوفينية والتعصب الديني والطائفي والعشائري العائلي، واعتمدت القمع والموت الجماعي اسلوباً للحكم. وبالتالي فان المراد هو حل نتائج ازمة سياسية على اساس توافق التيارات الفكرية السياسية الأقتصادية البديلة كما جرى ويجري في كل العالم، والا فان البلاد تتهدد بالمراوحة على حال في جوهره كحالها في زمان الدكتاتورية الذي قد يشبه العودة الى اعتماد منطق طلفاح في ( ثلاثة كان على الله ان لايخلقهم ... اليهود والفرس والذباب) العرقي الشوفيني ومنطق الفتن الذي اتبعه الدكتاتور في حكمه البغيض، بل ويمكن ان يكون اخطر لدخوله في التشريع . . و لضعف اليقظة في  استخدام الأنتماء المذهبي وعدم وضعه في اطاره المناسب في مواجهة التحديات.
   وفيما يحذّر قسم من ان الكتب السماوية قد يساء اليها ان الصقت بها امور الدنيا كحقوق وواجبات المواطن في حياته اليومية مثلاً، يرى قسم آخر بأن الهوية الطائفية لايمكن بحال ان تكون موَحّدة للمكونات لأنها تدعو لطائفتها شئنا ام ابينا، وهي في المفهوم الحديث لاتعالج الكهرباء والطاقة ولاتعالج البطالة والفقر والدعارة والأدمان، الا من منطق الكلمة الصالحة . . التي صار المتطرفون الطائفيون  يستعيضون عنها بالمفخخات والتدمير الجماعي للمدنيين العزّل من كلّ الطوائف .
   ومن ناحية اخرى، وبينما لاتشكّل الفروق بين هويات تكوين الأفراد وعقائدهم وموقفهم من الخلق برنامجاً سياسياً اقتصادياً، وانما تدعو الى ارشاد الناس والى توازنهم الشخصي والأجتماعي من الزوايا الأخلاقية والروحية وفق اجتهاداتها . . . فأن تكريس الطائفية بنظام المحاصصة الطائفية في الحكم قد يؤدي الى ان تكون الطائفية كما لو كانت انتماءاً اثنياً ثقافياً وفكرياً متكاملاً، قد يعيق بل سيعيق تطبيق مبدأ تداول السلطة و يؤدي بالتالي الى اقتصارها على حكم طائفة واحدة لأنها تملك الغالبية، حتى و لو كانت النسبية منها .
   لقد طُرحت القضية الطائفية بعيد سنوات الحرب العالمية الأولى قبل حدود قرن من الزمان في بلاد كانت تعتمد الزراعة، وكانت تنوء من تخلفها وتشتتها ونزاعاتها المحلية من اجل الغلبة والسطوة والزعامة . . ولعبت دوراً كان لابدّ منه في تلك الظروف، لبلورة مواقف السكان المحليين بكل طوائفهم من مشروع تأسيس الدولة، واستمرت كوسيلة لمخاطبة وتحشيد اوسع القطاعات الشعبية في تلك العملية، التي تبلورت وانتجت دستور مدني يستند على مبدأ المواطنة في الحقوق والواجبات .
   وعلى تلك الأسس تعايشت مكوّنات البلاد وتفاعلت، رغم اشتعال ازمات بين فترة واخرى بسبب مظالم واجحافات تسبب بها الحكم، او الأحداث العالمية والأقليمية، كما في المشاريع التي اعقبت نهاية الحرب العالمية الأولى بعقود، وبسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية وهبوب رياح التحرر واليقظة الوطنية والقومية، التي جوبهت من اوساط الحكم بالحديد والنار وبمحاولات تسعير الصراع بين الطوائف، التي من جانبها لم تستطع ان تكوّن مشاريع ومؤسسات اقتصادية اجتماعية طوائفية في البلاد كما حصل في عدد من البلدان، بسبب انتشار الوعي الوطني والقومي التحرري والطبقي، وبالتالي لغلبة المشروع السياسي في البلاد، الذي هو شأن من شؤونها الداخلية.
   وعلى ذلك يتزايد القلق من ان المحاصصة الطائفية الآن، ووفق مجرى الأحداث لا تزيد الاّّ  تكريس استغلال الهويات الطائفية وتأثيراتها التي سبق وان استُغلت استغلالاً بشعاً ومؤلماً من مراكز القوى الحاكمة علناً او الحاكمة سراًّ، للرد على التلاحم المديد لطوائف البلاد في معارك الخبز والحرية الذي حقق الكثير للطبقات والفئات المسحوقة . . للحفاظ على كرسيها !! ( يتبع )


22 / 2 / 2008 ، مهند البراك

216
دولنا والأصلاح والتجربة اللاتينية . .
 2 من 2
                           د. مهند البراك

   من ناحية اخرى ورغم سعي عدد من الأنظمة العربية في فترات لم تتواصل، الى تعاون بلدانها وتكاملها بينها في سبيل التنمية والأصلاح والتقدم، ورغم نجاح عدد من مشاريعها، الاّ انها بقت في الطابع الأعم كمشاريع ناقصة او لم تكتمل او جوبهت وتجابه بمعوقات كبيرة سواء كان بسبب ضعف خبرات من تكلّفوا بها، او بسبب من دوائر خارجية متنفذه تخشى على مصالحها من تفاهم وتقارب وتعاون دولنا، التي ان تعاونت على اسس حديثة متفاعلة مع عالم اليوم، ستكون قادرة على تشكيل كتلة اقتصادية دولية هائلة تقارن قدراتها في السوق بالكتل الدولية الحديثة . . كالأتحاد الأوربي على سبيل المثال .
   ورغم مشروع الجامعة العربية وغيره من مشاريع تكامل وتعاون من اجل التنمية التي لم تلاقي تشجيعاً حقيقياً لا من دول المال ولا من الدول المانحة بل ولا حتى من قبل الأمم المتحدة . . فبقيت رغم جهود الجاديّن كمشاريع تلعب دوراً اشبه ما يكون بديكور مجمّل بشكل عام. ولعجزها في تغطية النفقات ولعدم التجاوب الفعلي معها، انحصرت جامعة الدول العربية اساساً بلعب ادوارها في حل الخلافات والأزمات السياسية بين الأنظمة العربية ذاتها من ناحية، وبينها وبين اسرائيل من ناحية ثانية، اضافة الى قضايا اللاجئين بسبب الأحتلال والحروب، بتقدير كثيرين .
   وفي موضوع البحث، لابد من الأشارة الى ان بروز الفكر الأصولي المستند على الدين بتقدير كثيرين، جاء بسبب خنق " الدولة " للحريات الفكرية والسياسية والأقتصادية، وبعد ان اضعفت واجبرت القوى السياسية الديمقراطية والعلمانية المعارضة على السرّية، بضرباتها الوحشية التي استهدفت اقتلاعها وليس (تهذيبها) ان صحّ التعبير . .  في وقت امّنت فيه اموراً ومصالح يومية لفئات من رجال الدين واغرتهم واشغلتهم بها، لضمان تهدئة وكسب الأوساط الواسعة الفقيرة دخلاً وثقافة، وحاربت بقسوة النزعات التحررية للأجتهاد الديني ورجاله ومناضليه ومفكريه، بعيداً عن بذل الجهود ومساعدة ودعم تأسيس احزاب ومنظمات دينية اصلاحية الطابع تساهم مع الجميع في الجهود الرامية الى تطوير واعادة بناء المجتمع، بدل رفضه الأصم ووصمه بمجتمع القبور وبان الحياة الحقيقية هناك في الأعالي ؟! .  .  على اساس المساهمة في المباراة السياسية وفق القواعد الحديثة.
   وفيما تدور تساؤلات متنوعة عن اسباب تعثّر عمليات الأصلاح في بلداننا العربية ؟ هل بسبب كونها مسلمة ؟ نجحت دول اسلامية اخرى واستطاعت ان تصل الى درجات واضحة من التقدم والأصلاح، الذي تمّ اضافة الى عوامل التأريخ والجغرافية . . على اساس فصل الدين عن السياسة والأقتصاد، كما في ماليزيا، تركيا، اندونيسيا، وكما يجري في كازاخستان و اوزبكستان وغيرها . . التي حققت درجات من الرقي الحضاري على اساس التعاون بين المؤسسة الدينية والدولة وفق برنامج تحدد حدوده من اجل صالح المواطن، من خلال اهتمام كل منها بواجباتها ومن زاويتها في خدمة المجتمع وتقدمه وازدهاره . 
   وفيما يرى متخصصون في الدين مكوّناً لايمكن اهمال دوره في عمليات الأصلاح ، لأنه يشكّل لدى الغالبية الواسعة التعبير عن معتقدات الفرد الذاتية المتوارثة التي صارت مكوّناً اجتماعياً و ذاتياً في النفس وتوازنها، ودافعاً على العمل والعطاء من اجل مثل الخير والعدالة . . يرى آخرون ان الأساءة الى  الحقيقية للدين هي باستخدامه من اقطاب متطرفة متنفذة متنوعة في بلداننا لتبرير اعمالها الهمجية الوحشية واللصوصية وللحفاظ على كراسيها ومنافعها، التي ادّت الى سيادة اوهام وتحريمات، لم ينادي بها الأسلام الذي دعى الى خير البشر والى تعارفهم وتعاونهم، والى الغاء العبودية واكرام المرأة.
   ويشير فريق آخر الى ان عدم وضوح مفهوم العلمانية، يسببه بالدرجة الأولى الجهل وفعل اجهزة دولة متنفذة محافظة متنوعة في الأساءة الى مفاهيم العدالة الأجتماعية والى مفهوم العلمانية بشكل خاص، بحيث جرى ويجري التعتيم على معانيها والأساءة اليها وتصويرها تصويراً كاذباً ومنافقاً وكأنها بعبعاً معادياً للدين وللأخلاق !!
   من جهة اخرى، يرى عديد من الخبراء ان منطقتنا العربية التي تزداد تفاعلاً وتنافساً مع الغرب اضافة الى الأسباب المارة في اختلافها عن غيرها من مناطق العالم النامي، فأن واقعها الأجتماعي الأقتصادي وتأثيرها الفكري والروحي لكونها موطن الأنبياء والرسل ومهد الحضارات والقيم الحية المستمرة في الفعل والتحريض في الظروف العولمية الجديدة، جعلها تستمر في تشكيل الجزء الحاد من الصراع والتنافس التاريخي بين الشرق والغرب، بدورها النفطي والمالي العالمي ومؤسساته . .
   وانها بعد ان زُجّت في الصراعات الحادة لكل القوى العظمى التي خدمت ستراتيجياتها ومصالحها ، ولم تخدم قضية اصلاح ذاتها وبنائها ونموها، بل ضُغط على فعالياتها في معارك غير متكافئة من اجل تحقيق تلك المصالح . . تطوّر دورها في السوق العالمية وصار يتحكّم باسعار الدولار والعمولات ويؤثر في الأنتخابات ومصائر الأحزاب السياسية في دول الغرب، واخذ ينعكس على طبيعة انظمتها واشكال ومحتوى " دولتها " و يؤدي الى تفاقم منطق العنف فيها ! الأمر الذي صار يهدد بتحوّلها الى بؤرة عنف دائم بعد 11 ايلول 2001 وتزايد نشاط القاعدة الأرهابية فيها ـ رغم تلقيّها ضربات عنيفة مؤخراً في العراق ـ من جهة، وبسبب الغزو الأميركي للعراق وتأثيراته المتناقضة في المنطقة، من جهة اخرى .
   ولعل من المفيد هنا ملاحظة، ان القارة اللاتينية المكتشفة قبل ستمائة عام ونيّف، والتي تجتذب الأهتمام اليوم، انها لم تتكبّل بما تكبلت به مجتمعاتنا الأقدم وفي وقت ابكر بكثير بحكم شبه اقطاعي تجاري ثم اوتوقراطي حكم باسم (الدين المقدس) اكثر من اربعة قرون ... ودخل بصراعات طويلة لم تنته مع  الغرب فاتحاً ومفتوحاً، تحت الرايات المقدسة للطرفين، اوقعت شعوبنا في مطبات هائلة من صراعات الدين والمذهب والقومية، جرى ويجري توظيفها لأهداف وغايات متعارضة كثيرة التنوع . 
   وفي وضع تاريخي مختلف لم يشهد صراعات وتنافس وروابط بذلك القدم كما في عالمنا العربي مع الغرب . . عرفت القارة الأميركية اللاتينية التي لم تنقطع الهجرات الكبيرة وخاصة الأوربية الغربية اليها منذ اكتشافها، عرفت الصراعات من اجل الأصلاح والتنمية والعدالة الأجتماعية، في صراعاتها ضد انظمة الرق والعبودية والهيمنة الأسبانية البرتغالية عليها . . التي تكللت بانتصار الثورة البوليفارية، من اجل التحرر والأستقلال ومحاربة الأستغلال والجشع والفساد وتحسين قوانين العمل . .
   لتواجه مبدأ الرئيس الأميركي " مونرو " الذي اعتبر القارة اللاتينية، " حديقة خلفية للولايات المتحدة " . . وتمثل باسناد القبضات الحديدية والجزم العسكرية للأوليغارشية المحلية التي اخذت وتأخذ اشكال العوائل المتنفذه، مقابل الصفقات المالية والتجارية العملاقة . . بوجود برلمانات وآليات برلمانية، لم تقاطعها الحركة الشعبية بشكل اصمّ، بل استفادت منها ومن مشاركتها في انتخاباتها . . للدعوة لبرامجها وتوضيحها ونشرها والتعبئة لها، ثم في تحقيقها نجاحات من خلالها للمشاركة او لتشكيل حكومات وانجاب زعماء وطنيين .  .
   الذين ما ان بدأوا باصلاحات اجتماعية اقتصادية ذات طابع جذري . . عملت الطبقات الغنية المدعومة من الخارج على تحريك، القوات المسلحة وبالتالي اطاحت بهم كما في غوايتيمالا، شيلي، الأرجنتين وغيرها، لتحدث رغم الخسائر، وعياً اكبر بحقيقة اللعبة البرلمانية وبحقيقة الأوضاع المأساوية في بلدانها، وباهمية فرض اصلاح البرلمانات ومؤسسات الحكم واعادة تأهيلها.
   علما ان النظام البرلماني هناك كان قد نشأ بوقت مبكر، ولاقى تشجيعاً من المؤسسات الستراتيجية للأدارات الأميركية، مع انصباب اهتمام دوائر متنفذة فيها على بناء القوات المسلحة وضمانتها لها، كقوة تصون مصالح شركاتها العملاقة . . التي لم يعد بعدئذ السكوت عنها ممكنا بعد ظهور طبقة المليارديرية والبارونات من ابناء فئات وعوائل الأوليغارشية المالية العسكرية، امام التزايد المريع لأعداد الملايين الجائعة.
   لقد شقّت الحركات والقوى التقدمية المتأثرة والمتلاقحة مع قوى الحرية والتقدم في اوربا الغربية في اميركا اللاتينية، طريقاً متعرجاً وليس جاهزاً، وظّف السبل المتاحة نحو الأصلاح وتحقيق الرفاه، بانطلاقها من الواقع اللاتيني وتقاليده، وحكمة شعوبه القديمة من الهنود القدماء والإنكا، ومن تقاليد الحركة البوليفارية المستقاة من المبادئ التحررية الأوربية الغربية قبل حدود القرنين، الداعية الى الأستقلال السياسي والتكامل القاري، ومن الحركة السوداء في هاييتي . . التي اخذت شعبيتها تزداد بين شعوبها، في قارة امتازت بثرواتها : المعدنية والنفطية، الطبيعية، اضافة لكونها سوقاً ومصدراً كبيراً للأيدي العاملة الرخيصة . 
   من ناحية اخرى، تؤدي السياسات النابعة من العولمة الرأسمالية الى تأثيرات مأساوية في تزايد البطالة والى افقار اوساط واسعة جديدة من شعوبها، دافعة ايّاها الى تحقيق اوسع تحركات شعبية ادّت وتؤدي الى صعود احزاب وشخصيات تقدمية ويسارية، استلهمت وتستلهم تراث القارة التحرري النابع من افكار البوليفارية المتوالفة مع التراث الأنساني الغربي، في تحقيق درجة من الأصلاح الأجتماعي في القارة اللاتينية، في مواجهة الأوليغارشية المحلية . . موظفة انشغال اغلب دوائر الأدارة الأميركية وانصراف ابرز بيوت المال والصناعة الغربية الى الحرب في العراق والشرق الأوسط  وافغانستان  . . بعد احداث 11 ايلول 2001 الأرهابية .
   كما يتواصل دور فنزويلا النفطية الغنية ورئيسها شافير، مع حكومات : البرازيل، بوليفيا، شيلي . . اضافة الى كوبا كاسترو، في سعيها الى التكامل اللاتيني لتحقيق تنمية واصلاح داخلي من جهة وتحقيق قطبية لاتينية من جهة اخرى، و انفتاح على العالم وعلى الأقطاب الصناعية والمالية الدولية الصاعدة الأخرى وخاصة الآسيوية، كالصين وروسيا واليابان، اضافة الى الأتحاد الأوربي، في مباراة جديدة تحقق نجاحات متناقضة حتى الآن، في ظروف الفوضى الأقتصادية العسكرية في عالم اليوم .
   ولابد من القول ايضاً، بأن عوامل واسباب التفوّق الذي حققته النمور والدول الآسيوية : سنغافورة، ماليزيا، تايوان، كوريا الجنوبية واندونيسيا اضافة الى الهند والصين وتايلاند في الصناعة والتنمية، يرى ابرز المحللين انه بالأضافة الى دور التأريخ والجغرافية والبيئة فيها، اضافة الى ماهية آليات النمو العالمي وتغيّرها، فان الحضارات القديمة التي نشأت وفعلت فعلها فيها، لاتموت وانما تفعل فعلها لأستمرارها حية في : الضمير والمنطق والتربية، الأوتوبيا والحكايات والذكريات، والفن . . وانها تجد طريقها للأنبعاث والفعل بالتلاقح مع الجديد الداخلي والعالمي .
   ويعتبر كثيرون ان قضية فصل الدين عن الدولة تعتبر من العوامل الهامة في تحقيق ذلك التفوّق . . بآليات تتفق مع الواقع الأجتماعي الداخلي الذي يؤخذ بالأعتبار في الصياغات والتسميات والأحكام، وبوجود محكمة تمييز دستورية عليا تبت في القضايا التي تختلف عليها المحاكم والمؤسسات المتخصصة . . في اطار اجراءات تحمي الدين من تدخلات الدولة وتحمي الدولة من تدخلات الدين، والتي تتسبب بارباك كليهما وتكون سبباً من الأسباب الهامة لنشوء الأزمات.
   ان حاجة منطقتنا الى تغيير كبير، يعيد اليها الحماس والأمل والتجدد في الحياة، ويشدّ ويحفّز طاقاتها لمواجهة التعصّب والأرهاب الغريب عليها من اجل حياة افضل، تتطلب تقوية الموقف الوطني امام التحديات الأقتصادية والسياسية الخارجية، الذي لايمكن ان يتم الاّ بدور فاعل من مستوى اعلى جديد، للقوى والشخصيات والتجمعات السياسية والقومية والدينية المتفتحة والأجتماعية والفكرية.  .  يلحّ على الحاجة الى دستور ومؤسسات دستورية فاعلة، تؤشر وجهة الأصلاح . . تتناول تحديد آلياتها التي تنبع من واقعها القائم، بالترابط مع سمة العالم ووجهة تطوره وجوهر الآليات السائدة فيه، على تنوعها وشدة تناقضاتها ووحدتها، وبالتالي فعلها في منطقتنا الغنية المتفاعلة، بشعوبها واديانها وفكرها، نفطها وثرواتها وموقعها بتأريخه وجغرافيته ولتحريك طاقات مجتمعاتها المعطّلة.
   يتطلّب الشروع باعمال واجراءات ملموسة تحس الناس فوائدها في حياتها القائمة الآن،  لتوفير قناعات لأوسع الأوساط بدورها وجدواها .  . على اساس ان التنمية والأصلاح تعني الديمقراطية السياسية ، امان وعمل وخبز وتعليم ودواء، وضمان لمستقبل منظور وتساوي بالحقوق والواجبات على اساس الهوية الوطنية : 
   اطلاق الحريات السياسية بما يسمح للاحزاب بممارسة نشاطها العلني ويحميها، ودعم التعددية الحزبية والأحزاب الجديدة، بضمان حق جميع ممثلي الطبقات والقوميات والفئات الأجتماعية في تكوين احزابها  والعمل من اجل حقوق منتسبيها، لما تلعبه الأحزاب من دورٍ هام في تعبئة وتنظيم الرأي العام وخلق نخب جديدة، ومن اجل ابعاد البلاد عن مخاطر الحروب والعنف، وتجنيبها مخاطر الفتن الطائفية او القومية، الدينية وغيرها .  .  على ان لاتتجاوزاختلافاتها سقف الدستور، وفي وقت تعتبر المعارضة فيه اليوم، أمراً لا بد منه للتوصل الى تحقيق آليات فاعلة لمناخ سليم لتحقيق المجتمع الصالح .
   البدء بأجراءات عملية لمكافحة الفقر وايجاد حلول لـ : البطالة والبطالة المقنّعة، الجهل ومستوى التعليم المنخفض والقيام بانواع التأهيل للأستخدام في فرص عمل جديدة. مواجهة الجريمة المنظمة وتحريم المخدرات والتجارة بالرقيق الأبيض وايجاد حلول لمشاكل الدعارة والعمل على مكافحتها، حملات للقضاء على تهريب الأسلحة واسواقها السوداء. العناية بالخدمات الصحية والتوسع بانشاء المستوصفات والمستشفيات .
   اعادة برمجة وتطوير العملية التعليمية وتطوير المناهج الدراسية لتنسجم مع حاجات التنمية ومع مستوى مناهج التدريس في العالم. زيادة عدد الكليات والجامعات والدراسات التطبيقية وتعزيز الحرية الأكاديمية والسعي لتأمين الكوادر العلمية المحلية والأجنبية لتلك الأغراض، وارسال المزيد من البعثات الدراسية إلى الخارج على نفقة الدولة وبشكل ينسجم مع الحاجات الوطنية وربط الطلبة بعقود تساعد على  عودتهم والعمل في بلدانهم . العمل الجاد على تطوير وإدخال اللغات الأجنبية في مراحل التعليم المختلفة، دعم حركة الترجمة، اضافة الى إصدار القوانين الضرورية لتطوير الرواتب والمخصصات التي تدفع للقوى العاملة في مجال التعليم والبحث العلمي والثقافة بشكل عام. 
   وضع برامج لحملات وطنية للتوعية بحقوق المرأة : القانونية، الأقتصادية، الأجتماعية، الثقافية والعلمية، والقضائية، والتوعية في وسائل الأعلام المسموعة والمنظورة والمقروءة : بأن تعطيل دورها أو تقليصه في حياة المجتمع، سيقلص فرص النمو والتطور وجهود زيادة الدخل والحداثة في المجتمع.
   معالجة التخلف الاقتصادي الذي يتوضح في بنية الدخل القومي وضعف وغياب التصنيع عموماً والحديث بشكل خاص، اضافة الى ضعف وبدائية الإنتاج الزراعي عموماً وتخلف البنية التحتية واعتمادها على موارد النفط المالية او القروض، السعي لمعالجة الأقتصادات الريعية الأستهلاكية غير المنتجة، المعتمدة على موارد النفط الخام اساساً في تكوين القسم الأعظم من الدخل القومي. معالجة الهدر الواضح في استخدام الكفاءات والطاقات البشرية المحلية والمهاجرة. واعتماد تطوير إنتاج الطاقة والصناعات التحويلية وخاصة الصناعات الإلكترونية والآلات الدقيقة ومشتقات النفط والصناعات البتروكيماوية, إضافة إلى الصناعات الزراعية واعتماد الآليات الكفيلة بتطوير الأمن الغذائي.
   تحفيز وتشجيع الأستثمار، دعم وحماية القطاع الخاص الوطني بقوانين في المجالات الإنتاجية والخدمية لتوفير وزيادة فرص العمل والتدريب والخبر العملية للشباب والشابات ولمكافحة البطالة . . دعم نمو الفئات الوسطى ومبادراتها في إقامة المشاريع الاقتصادية بـ (تحديدها) قانونياً وسياسياً ومالياً، بالقروض والدعم المالي والفني على اسس قانونية، تشجيع استثمار وعقلنة استثمار موارد الدولة ونحو دورة اقتصادية وطنية تحقق نوعاً من الرخاء المادي والرفاه لعموم المجتمع، كأساس لابدّ منه من اجل التقدم الأجتماعي والحضاري .
   اصلاح اجهزة الدولة والشرطة وتطهيراجهزة الأمن من العناصر الفاسدة وفقاً للقانون، لتكون في خدمة المجتمع واصلاحه، والمباشرة بفصل جهاز الدولة عن اجهزة الأحزاب الحاكمة. والدعوة الى دعم النقابات والأتحادات المهنية والأبداعية، والمؤسسات المدنية التي تعني بحاجات المواطنين ورغباتهم وتطلعاتهم الأجتماعية والفكرية والتعاونية بالتوازي مع نشاط الدولة، ويدعم تطويرها ويفتح آفاقاً للتعاون معها، ويعالج تغرّب المواطنين عنها ويسهم في تطويرآليات المجتمع . الأمر الذي يساعد على تطوير الوعي الأجتماعي وتفعيله في عملية النهضة المنشودة، واعتماد برنامج للإصلاح الإداري ومكافحة الفساد الإداري والمحسوبية والمنسوبية والجهوية(*) .   
   دعم الأعلام وتأهيلة كسلطة رابعة كما في العالم المتحضر، بصيانة وحماية  أجهزة الإعلام ونشاطها في مختلف المجالات، الخاص، المستقل والحكومي وتحديثها والمساعدة على تحسين دورها في العملية الثقافية والتنويرية الدينية والاجتماعية والسياسية ومن اجل مكافحة افكار العنف والعسكرة والتطرف. و تطوير مراكز البحث العلمي والتكنولوجي بتعزيز العلاقات مع معاهد ومؤسسات ومشاريع العلم والتقنيات الحديثة في العالم المتقدم . . اضافة الى المشاريع الثقافية المتنوعة لرفع المستوى الحضاري العام .

18 / 2 / 2008 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) راجع التقارير السنوية والدورية للتنمية الأنسانية العربية . 

217
            
الضربة الكيمياوية الأولى في باليسان ! 

د. مهند البراك

في ربيع 1987، وكانت الثلوج تذوب مشكّلة غدراناً، والخضرة قد بدأت تكسو الروابي،  استلم مكتب الفوج 31 برقية معممة الى وحدات البيشمه ركةالأنصار افادت استعداد عشائر بشدر و عشائر منطقة رانية، جوارقورنة، بتوين لأعلان انتفاضة عارمة ضد الدكتاتورية الشوفينية ومعاقبة رجالها على حملة التهجير الدموية التي كانت تقوم بها وحداتها بحق قصبات وقرى كردستان العراق، متسببة بقتل وتشريد عشرات الآلاف من سكانها المدنيين العزّل رجالاً ونساءاً، شيوخاً واطفالاً .
   ولابد من الأشارة هنا، الى ان منظمات البيشمركة والأنصار بكل فصائلها ومنظماتها كانت ملتزمة بعدم ضرب الجيش الذاهب او القادم من الجبهة، وسارت في عملياتها واعمالها السياسية والعسكرية بوجهة تحييد ومحاولة كسب الجيش وودّه . . لقد كانت امينة للشعار الذي رفعته الجماهير منذ انتفاضة ربيع 1982 " نحن اخوان الجنود واعداء الدكتاتورية الفاشية " .
   الاّ ان الدكتاتورية كانت تحاول وبكل الطرق تدمير تلك الوجهة، فكانت تقوم بخطط مرسومة تزج فيها بالوحدات العسكرية النظامية للقيام باخس الأعمال العسكرية ضد الجماهير من حرق وتدمير وتهجير ونسف الأحياء السكنية، اضافة الى زجها بكل اصناف القوة الجوية وكل اصناف اسلحة الجيش، لتحقيق تلك الأهداف الشوفينية .
   خالقة بذلك معادلة متوحشة لأمرار سياساتها باشعال الحروب، ولأمرار محاولاتها لكسر الحركة الشعبية الكوردستانية وعموم الحركة الشعبية العراقية بكل الوسائل، ولأظهارها بكونها كما لو كانت حركات تخريبية هدفها تحطيم الجيش العراقي واعاقته عن (اداء دوره في الدفاع عن الوطن) على حدّ تعبيرها، لصرف الأنظار عنها وعن خيانتها العظمى للوطن باشعالها الحرب وزجّ البلاد بلا مبالاة بمخاطر التدمير الهائل الذي كانت تواجهه، حفاظاً على كرسي حكمها بكل الوسائل .   
   لقد كانت السلطة تتخبّط في اجراءاتها الوحشية لمواجهة تصاعد حركة البيشمه ركة بكل منظماتها في كردستان ولمواجهة تهديدها ايّاها بالنفوذ الى مدن وحواضر كبيرة، بعد ان أمّنت الدخول والتواجد في عدد متزايد من القصبات الكردستانية وسط حماس وترحيب ودعم اهاليها. وكان تخبّط السلطة ذاك جزءاً من تخلخل وانهيار قبضتها في العديد من مناطق العراق وليس في كوردستان فقط، كما في قرى وقصبات مناطق الأهوار اثر انهيارات قواتها في جبهات القتال وخاصة في الجنوب، وانكسارها في الفاو  .
   فتم اعداد مفرزة صغيرة لمرافقتي وعلى عجل لأبلاغ س ملا عثمان/ خوشناوتي المنتشرة في مناطق حرير وشقلاوة وخوشناوتي تلك الأنباء ولمناقشة مدى امكانياتهم للمساهمة وكيف . . لعدم وجود اتصال لاسلكي معهم، بعد ان قررت قيادات بيشمه ركة الأحزاب المتواجدة هناك (1)، اسناد الأنتفاضة والتفاعل معها وتطويرها الى نجاحات اكبر، ووضع خطط جديدة للحركة بتلك الوجهة .
   وصلت المفرزة الى قرية " كاني جيز" حيث شجرة جوز القرية العملاقة المتفردة قائمة على نبع الماء الذي كان مستمراً بالتدفّق رغم محاولات الوحدات الخاصة سدّه اثناء تهجير القرية وتهديم بيوتها ومسجدها !
   وبعد ان انتهينا من تناول شئ من طعام محفوظ كان كلّ منّا يحمل حصّته منه، اخذنا نستعد لقضاء الليلة هناك ونحن مبللين نرتعد من البرد ولانستطيع ان نشعل ناراً كي نتدفأ بها، في منطقة مكشوفة تشرف عليها ربايا عسكرية عدة . . فبعد ان نظّمنا الحراسة وتمددنا منهكين، كلٌّ في مكان اعدّه لنفسه من الأعشاب الأقل رطوبة . . مرّت بنا مجموعة من سرية خوشناوتي، كانت متوجهة الى قوتها المنتشرة في مدينة شقلاوة في ذلك الوقت، فاخبرناهم بالمستجدات لأخبار انصار سريتهم والتهيؤ وفق ظرفهم.
   وبينما كان الظلام يرخي سدوله وفي حدود الثامنة مساءاً . . . شقّ السكون هديرسمتيات كان يتصاعد بشكل سريع متواصل، فاسرع كلّ منّا الى سلاحه متخذاً وضع القتال، الاّ ان السمتيات الأربعة التي كانت احداها تكشف مسافة طويلة من الفضاء الذي امامها بضوئها الكاشف القوي، واصلت طيرانها السريع واجتازتنا بسرعة لتليها اربع سمتيات أخرى ثم أخرى ، قادمة من جهة شقلاوة نحو ماوراء جبل " هه وري " . . . الى " دولي باليسان " .
   ولمّا كانت قواعد الأنصار تشدد بعدم اطلاق النار وعدم كشف موقع القوة الصغيرة وخاصة التي ليس بحوزتها مضاد  للدروع ولامضاد للجو، والأكتفاء بالأختفاء والسكون لتتوقى التدمير والفناء ان كشفتها اعداد السمتيات تلك او قامت بانزال جويّ عليها . . احكمنا ا استعدادنا على الأرض واخذنا مواقع القتال خشية تقدم بريّ، قد يترافق معها ويستتر بالظلام، في تلك المنطقة المهجورة الواسعة التي أُخليت من القرى والبشر.
   وقد حاول أحد الأنصار التنصت على احاديث طياري السمتيات، بالترانزستور الجيد الذي كان بحيازته بعد ان حوّل الموجة التي كان يتسمّع عليها اغاني " طاهر توفيق " ، الى موجة FM ، ولكن بلا جدوى . . لاصوت ! فيما لفّ الصمت كل ما احاط بنا ، عدا هدير السمتيات المتنوّع الشدة ! !
   وبينما كان الوقت يمرّ ، لم يظهر ايّ تقدّم او هجوم ارضي . . فيما كان عدد السمتيات التي كانت تطير ليلاً، بارتفاع منخفض وبسرعة غير اعتيادية، يتزايد ! لم يمرّ احد منّا حتى ذلك الزمان بمثل ذاك
الموقف،وتوالت تصوراتهم : 
ـ قد تكون مهمة سريّة ؟ ! . .
قال مام رستم، الذي كان عريفاً سابقاً في الجيش وعاش ظروفاً قتالية متنوعة كبيشمركة .
ـ ولكن ماهي ؟ ! !
ـ اسمع ! ! هل هي قنابل ام ماذا ؟ !
   كانت اصوات انفجارات مكتومة لم يسمع مثلها أحد منّا سابقاً، وكانت تتوالى ببطء، آتية من ماوراء جبل " هه وري " !! وبعد حوالي الساعة رجعت السمتيات مسرعة الى الجهة التي اتت منها، التي قيل بعدئذ انها كانت " معسكر كومسبان " (2) .
   بقينا يقضين حتى مطلع اول خيوط الفجر الذي يساعد على الرؤية، حيث لم يكن معنا من يعرف ممرات جبل " هه وري " من تلك الجهة الكثيرة الوعورة، و بدأت المفرزة الصغيرة سيرها الحذر، الذي قررنا ان يكون اتجاهه نحو باليسان لأبداء المساعدة وتفقّد ماجرى، بعد وقت لم نسمع فيه ايّ صوت لقتال او لمقاومة ارضية في الليلة الفائتة، وقدّرنا انه قد لاوجود لوحدات بيشمه ركة في ذلك الوقت هناك لأنشغالها في مواقع اخرى او لأي سبب لم يكن معروفاً لنا على الأقل . .
   لأن التهجير كان جارياً على قدم وساق، كوحش منفلت، وكان البيشمه ركةالأنصار يحاولون الدفاع عن القرى، ويحاولون ايقاف ذلك الوحش باذلين غاية مااستطاعوا لذلك سبيلا . . فيما كانت وحدات أخرى منشغلة بتأمين طرق للذوبان في المدينة، للأحتماء بها او للقيام بعمليات فيها . . ثم الأنطلاق اوالتحرك منها، حيث ان تهديم القرى كان جارياً بشكل فضيع محوّلاً ذلك الريف العريق المترامي، الى ارض محروقة خالية من الحياة !
   وبينما كنّا في طريق النزول المتعرّج ( صعوداً، نزولاً نحو السفح) نحو وادي باليسان، ظهر امامنا فجأة عدد من مدنيين عزّلً من السلاح . . كانوا يصعدون سويّة بشكل هرولة سريعة كمّن مسّه تيار كهربائي صاعق، كانوا يصرخون صراخاً حاداً متصلاً بشكل وحشي. وكانت عيونهم شاخصة الى الأمام ( او الأعلى ) مبحلقة جامدة شبه ميّتة، كأنهم أتوا من كوكب آخر، او لاصلة لهم بالعالم المحيط . .    واجتازونا  كمّن يجتاز صخوراً، غير مبالين بنا رغم تحيّاتنا  ورجاءنا لهم بالتوقف، لأن معنا  " طبيب " !  ولكن لم يتوّقف احد منهم ، وواصلوا صعودهم ذلك وكأنهم اشبه بـ (قطيع ) افزعه رعب لايوصف.
    قال احد البيشمركة : " يظهر انهم مصابون بغازات سامة ! ! " وقال بانه عندما كان في وحدات بيشمركةانصار قاطع بهدنان للحزب الشيوعي، وحين واجهَت كل قوى البيشمه ركة هناك، وحدات القوات الخاصة التي كانت تهجّر قصبة " كاني ماسي" وتحاول الغاء الريف المحيط بها، استخدمت غازات الأعصاب المرعبة وتركت مجاميعاً من البشر ممن اصيبوا، كانوا قد فقدوا احساسهم بالوجود . . كان بعضهم يضحك بوحشية بصوت عالٍ غير معقول ويبحلقون بنظرات عيون قاسية، كانوا يهومون بتلك الصورة ويتساقطون بالتدريج بعضاً اثر بعض فاقدي الحياة ؟ !
   بدأنا بالوصول الى وادي باليسان . . كانت الأرض موحلة، وكان السكون مطبقاً، لاأصوات بل لاضجيج حتى لطيور، لا رائحة بيتية ما . . كان الصمت مطبقاً في الوادي معلناً وحشية وهيمنة الموت . . وتعثرنا بسيرنا باوراق الشجر الخضراء التي كانت تكسو الأرض بعد ان تعرّت منها الأشجار الواقفة، تعثّرنا بالعصافير والطيور الميتة وببيضها المكسور، وبانواع الزواحف والضفادع الميّتة وكانت حتى اوراق الحشيش الطويلة متوسدة الأرض الطينية وكأن هناك من اقتلعها وهي خضراء، بقرة ميتة هنا واخرى هناك منفوخة البطون، جثث كلاب منتشرة . .
   صار يقيناً لنا ان الوحدات الخاصة القذرة قد استخدمت الغازات الكيمياوية ولكن اين المصابون واين جثث الأموات ؟ !! وتفرّقنا نبحث عن مصابين او عمن يحتاج لمساعدة، في قسم الوادي الواقع بين قرية " ده راش" و "جيوه وجيوه"، مستمريّن في توجهنا نزولاً نحو الطريق العام الذي يربط " خليفان" بـ " رانية " . .
   رأينا بيوتاً متفرّقة، كان يتصاعد منها النحيب والبكاء . . وصلنا الى اقربها وكان قد رُبط جنب بابه حصان اسود شد حول فمه كيس العلف . . كان في داخل البيت الصغير المبني على عجل، شاب شاحب الوجه كان يحاول ربط المغذي في وريد امرأة كانت تأنّ ، تبين بعد حين انها أمه وانه قدم على عجل راكباً ذلك الحصان القوي حاملاً ما علّمته الحياة المدمّرة، من وسائل انقاذ الحياة من الأنحاء القريبة، لأنقاذ امه التي تركها وحيدة لمحاولته تدبير ارزاق، لأن وادي باليسان كان تحت الحظر الأداري الذي يمنع وصول الأرزاق اليه! ! حين وقع ذلك الهجوم الوحشي الذي لم يكن مألوفاً ؟ !
   قمت بمساعدته على ربط المغذيّ لوالدته بعد ان عرفني وتذكّرني حين كانت الطبيب في قرية " شيخ وسّان " في اعوام  82 ـ 1983، واضفت الى المغذي شيئاً من الـ "اتروبين" من امبولات قليلة كانت في الحقيبة الطبية التي كنت احملها، وقد استطعت انقاذ حياة مصابين بحالات معقدة اخرى بالكورتيزون والأتروبين والأمينوفللين وشئ من المهدئات، لمواجهة قروح الأغشية وضيق التنفس والأضطرابات العصبية لمن فقد البصر بتأثير سموم الغازات . .
امّا مارواه الأهالي آنذاك فقد مرعباً رهيباً : 
   القت السمتيات قنابل كانت تنفجر باصوات مكتومة لاكاصوات انفجار القنابل التي الف صوتها حتى الأطفال، وانما القت براميل، تكسّرت وفاحت منها روائح كروائح التفاح والثوم، فيما كانت السمتيات الأخرى تمشّط الجبال والمرتفعات المحيطة بقذائفها، مانعة الناس من الألتجاء اليها ولحصرهم في منطقة التأثير الأقوى لتلك الغازات السامة (3) .
   في الوقت ذاته تدفّقت اعداد من شاحنات كبيرة متنوعة، مكشوفة ومغطات من جهتي الطريق العام وبشكل اخص من جهة رانية، كانت تحمل الآلاف من افراد القوات الخاصة والجاش الذين كانوا يلبسون ملابس وعباءات الوقاية من الغازات الكيمياوية، بنظاراتهم المخيفة . . هاجموا تلك القرى الجميلة العزلاء المرتعبة التي قاوم ابناؤها مع من كان موجوداً من البيشمه ركة، الاّ انهم كانوا يتساقطون واحداً اثر آخر بتأثير الغازات السامة . .
   حمّلوا الشاحنات بالأهالي المصابين احياءاً وامواتاً، شيباً وشباناً، رجالاً ونساءاً واطفالاً، ولم يعرف احد الى اين نقلوا ؟ ! . . كانوا كالمجرم الذي اراد تدمير كلّ مايدل على جريمته، على مجزرته المروّعة بحق البشر . . التي نجى منها القليل حاملاً تأثيراتها المروّعة بجسمه، وناقلاً ايّاها الى ابنائه وبناته مذكّراً البشر . . بوجود اعداء للبشر، اعداء ينبغي ان لايمرّوا وان يعاقبوا علناً وان يكونوا عبرة لمن اعتبر.  .   .   .   .
   اشّرت مجاميع البيشمركة من كلّ القوى هناك، لبعضها ومن بُعد بضرورة مساعدة من يمكن مساعدته على عجل، وترك المنطقة بسرعة ذلك اليوم، لمخاطر السموم الفاعلة التي نسى الجميع ان تأثيرها كان يتواصل، خاصة وانهم كانوا في اسفل الوادي امام تلك المأساة البشرية، وتفرّقوا بعد ان وضعوا خطة للأنقاذ والأسعاف وفق ما كانوا يستطيعون عليه .
   لقد كانت تلك مأساة قصف قرى دولي باليسان بالأسلحة الكيمياوية . . . جيوة وجيوة، شيخ وسان، باليسان، ده راج، خه تي، آلانه . . التي احتضنت البيشمه ركة والأنصار، كرداً، عرباً، فيليين، كلدوآشوريين، صابئة وتركماناً، وايزيدية وآوتهم واطعمتهم، وساعدت وحمت جرحاهم . .   

23 / 1 / 2008 ، د. مهند البراك / طبيب
   
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   كانت الفصائل المتواجدة في المنطقة تابعة للأحزاب ؛ الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الأتحاد الوطني الكوردستاني، الحزب الشيوعي العراقي، الحزب الأشتراكي الكوردستاني .
2.   معسكر يقع في سفح جبل صلاح الدين من جهة مدينة اربيل، عرف عنه آنذاك    انه كان معسكراً للقوات الخاصة، ثم اقيم فيه مخزناً للأسلحة الكيمياوية .
3.   الغازات السامة اثقل من الهواء، لذا فانها تستقر في الوديان .

218
" اي رقيب " ـ من يوميات طبيب مع البيشمركةالأنصار ـ "


   صدر عن دار " سردم " للطباعة والنشر ـ القسم العربي ، للشاعر الكوردي المعروف الأستاذ شيركو بيكه س . . الجزء الأول من كتاب " اي رقيب " ـ من يوميات طبيب مع البيشمركةالأنصار ـ " للباحث د. مهند البراك .
   وهي دراسة مسجلة بشكل يوميات وباسلوب الرواية التسجيلية . . التي يعبّر عنها الكاتب بكونها وفاءاً لنضال الأنصار الشاق والبطولي كورداً، عرباً، كلدوآشوريين، تركماناً وايزيديين، من سنة وشيعة ومن مسلمين ومسيحيين، ايزيديين وصابئة في كردستان الـعراق .  .  وكذكرى لمن ضحوا في سبيل الحريّة والديمقراطية وكرامة الأنسان في العراق وكردستان، في محاولة لتصوير الحقائق كما جرت بحلوها ومرّها، املا ان تضيف جديدا للتعريف بقضية نضال الشعب الكوردي وعموم الشعب العراقي في سبيل الحرية والعيش الكريم .
   ويعبّر الكاتب عن حرصه على تسجيل ماهو متأكد منه مساهمة ومواكبة طيلة ماقارب العشر سنوات، و من أطلاعه ومعرفته بالعديد من الوثائق والمقابلات والأحاديث الشـخصية مع أطراف القضية من مختلف المواقع والأتجاهات، لأعطاء صورة جهد  ان تكون منصفة، عن حياة البيشمركةالأنصار الصعبة . . معاركهم ودفاعهم عن الجماهير، فعالياتهم، معاناتهم وهمومهم واحلامهم، اضافة الى جهود الأسرة الطبية فيها من اطباء ومعاوني اطباء ومضمدين رجالاً ونساءاً وتقديمهم خدمات لاتعوّض ولاتقدّر بثمن في اخطر الظروف والمواقع ـ والتي لايلتفت لها ولا لأعضائها ولا لتكريمهم ـ .
        وتعبّر اليوميات عن الأوضاع الأجتماعية التي سادت آنذاك، وعن مآسي الحرب، وكيف حاولت الدكتاتورية مسخ المجتمع والأنسان والتقاليد الأ نسانية النبيلة، وعن وصفها الجانب الذي عاشه الباحث وعرفه من حياة ومعاناة الشـعب والأنسان الكوردي ؛ عاداته وتقاليده، وحكاياته، كشعب من شعوب المنطقه، ديست حقوقه، ويحاول بكل الجهود تثبيتها . . كجزء من حق شعوب المنطقة في الحياة الحرة الكريمة.
   ولكونها محاولة لتسجيل وتوثيق ما جرى .... للأستفادة من دروسه، يسجّل هذا الكتاب الأحداث التي جرت في كوردستان العراق للسنوات 1985 ـ 1988 والأنتصارات التي حققتها حركة المعارضة الكوردستانية وبالتالي عموم العراقية بكل فصائلها في نضالها الشاق ضد الدكتاتورية . . حينما نجحت بتوحيد بنادقها وجهودها في ارادة لم تقهر. اضافة الى طرح ومناقشة عدد من وجهات النظر المتنوعة والأفكار والتقديرات في تلك الفترة.
   وفيما تعمل دار " سردم " على اصدار الجزء الثاني من الكتاب . . يعبّر الكاتب عن ان الكتاب بجزئيه هو جزء من عمل اوسع يسعى لتحقيقه بذات الأسلوب لتوثيق مراحل ابكر من تاريخ الحركة . . ولعديد من جوانب الحياة في العراق للسنوات العاصفة التي عاشها، منذ مطلع الستينات .
   تضمّن الكتاب اسماء العشرات من الشهداء لأكثر من قوة سياسية مع ما امكن من صورهم ونبذ عن حياتهم، وتضمّن صوراً لوحدات البيشمركةالأنصار ووجوهها ولعدد من الفعاليات الهامة .

ويرجو الباحث مراسلته في سعيه للحصول على صور ووثائق وملاحظات وافكار تغطي هذه الفترة وعموم التجربة . . مراسلته على العنوان الألكتروني التالي :

dr.ahmed@maktoob.com

يطلب من مؤسسة سردم ـ القسم العربي
السليمانية ـ العراق
تلفون 0096 440421 36654



219
 
     دولنا العربية ومعوقات الأصلاح . .
1 من 2
                              د. مهند البراك

   لم تكن المنطقة العربية منطقة مجهولة للعالم الوسيط او غير معروفة لبعثات الأستكشاف الأوربية، في زمن النهضة وتطوّر الرأسمال في الغرب ثم توسعه وبحثه عن اسواق وخامات وعن ايدي عاملة ارخص الذي تمّ في اغلب الحالات بالعنف بعد ان فشل في تحقيق الطموح الى المزيد من الأرباح عن طريق السلم، ثم دور تأثيرات ومصاعب الحروب والأحتلال التي فيما تحكّمت بمصائر المنطقة، فأنها افتتحت عهوداً جديدة لعبت ادواراً كبيرة في اشكال تطوّر مجتمعات الغرب ذاتها . .
   لقد اصطدمت دول وكيانات الغرب في القرون الوسيطة بكيانات حضارية اسلامية الطابع منذ مناداة النبي العربي بالأسلام ديناً ، حضارة كوّنت جذوراً وشقّت اسساً واشادت اقطاباً ثقافية علمية ادبية، انسانية دينية وروحية في مقاييس ذلك الزمان، استمرت ولم تضمحل وانما اعترتها ثغرات تخلّف وجمود اصابت جوهرها . . بعد ان كانت قد تكونت قبل اكتشاف الأمريكتين وجزائر الهند الشرقية ـ الفلبين، استراليا، نيوزيلندا . . وغيرها. 
   وكوّنت كيانات وجدت تعبيرها في دول وحضارات . . ان حكمت اسبانيا (الأندلس) في ماضي بعيد ، فانها اخذت تدكّ اسوار فيينا في عصور متأخرة، واستمرت ـ بثغراتها ـ في تهديد مراكز حضارات اوروبا الأحدث التي ارتبطت بها براً . . الأرتباط الذي شكّل جسوراً للسلم والصداقة والمنافع المتبادلة و شكّل ايضاً عاملاً هاماً للتنافس والحروب والصراعات المباشرة التي صارت بين امبراطورية اقطاعية تجارية الطابع، شرقية الحماسة والعاطفة، وبين غرب  كسرت الثورة الصناعية والنهضة قيوده وخرافاته وانهت حروب ممالكه واماراته وتناحرها، ووضعتها على سكة احدث سواءاً في حلول تناقضاتها، اوبينها وبين امم الأرض المتنوعة .
   ولابد من ذكر مؤثر لايزال يلعب ادواراً في مفاصل عالم اليوم، بأنه حتى اشتعال الحرب العالمية الأولى في الربع الأول من القرن الماضي، شكّلت  منطقتنا العربية والشرق اوسطية الأسلامية الكيان الوحيد الذي استطاع تحطيم الحملات الصليبية في معركة " حطيّن " بقيادة القائد الأسلامي " صلاح الدين الأيوبي " حين اعلنت الكنيسة الكاثوليكية حروبها الصليبية المقدسة ضد الكنائس المنافسة وضد اليهود والمسلمين (1) دون ان تقوى الكيانات الأخرى على ذلك .
   اذن فالصراع والتفاعل بين شرقنا والغرب يأخذ طابع عمليات متعددة الأبعاد : تاريخية، دينية وروحية، حضارية، اقتصادية وسياسية وعسكرية، لايمكن انهائها بخطابات وبحوث نظرية فقط ، ولا بضربات حربية صاعقة، وانما هي عمليات تاريخية تستغرق زمنا ليس بالقصير، لبناء علاقات على اسس المنافع المتبادلة والرفاه الأجتماعي والتطور الحضاري والسلام، بعد ان ازداد الصراع والتنافس ضراوة بسبب تزايد الفقر والظلم والقهر السياسي والأجتماعي في شرقنا الذي سعت الأقطاب المتنفذه الدوليه على تكريسه للنفوذ فيه . . والذي زاده تطرفاً والتصاقاً بواقعه.
   حيث لم يكن السلطان العثماني الذي حكم المنطقة، في مراحل هبوط الحضارة العربية الأسلامية ذا طموح في وضع اسس لبناء دولة حديثة، خوفاً من انفراط حكمه المطلق عليها، الذي كان قد جعل منه كما لو كان ملكاً اقطاعياً له وفق حق مقدّس، اجاز له ولحاشيته حكمها بيد من حديد وادىّ الى قمعه وحاشيته نزعات التحرر والأنتفاضات التي اندلعت فيها بحد السيف، والى اغراقهم ايّاها بالدموع والدماء بلارحمة .
   في الوقت الذي كانت فيه الانظمة السياسية في اوروبا المجاورة وغيرها، تستند على دستور ومؤسسات تتطوّر، كتعبير قانوني عن مكوّنات  نظام الحكم وتوجهاته، الذي منه تستمد السلطة قوتها وشرعيتها، والتي حققت نجاحاً بعدما استجابت لحاجات المجتمع في تجديد النظام السياسي، وتقبلت التعديل ضمن شروط جرى الأتفاق عليها، بناء على محصلة وآفاق توازن القوى المتواجدة على الساحة السياسية، بما عاد بالنفع لعموم المجتمع. وعلى اساس ان المبادئ النظرية تخدم تلك الحاجات لا العكس، وانها لا يجري فرضها، والاّ ادىّ ذلك الى تزوير حاجات المجتمع وقمع تطلعاته . . الآليات التي بتراكم تجاربها ادّت الى ترسيخ وتطوير مبادئ الديمقراطية عبر الممارسة .
   وحتى اليوم، لايمكن النظر الى اوضاع المنطقة وصراعاتها ونموها بمعزل عن موروث حكم سلاطين آل عثمان الأوتوقراطي و روتينية دواوينه واساليب تأهيل موظفيه، الذي تلاه مايقارب قرناً من السيطرة الغربية المتنوعة الأشكال التي انفرضت ولم يجرِ اختيارها، والتي رغم ما انجزت جوبهت بنزعات تحرر واستقلال التي عنت الرفض الاّ انها لم تقدم بديلاً . . ولابمعزل عن الصراع العنيف للقوى العظمى في المنطقة والشرق الأوسط .  .  اضافة الى الواقع الشبه الأقطاعي الأبوي، الشبه الرأسمالي، التجاري، الذي استمر تكريسه، حيث لم يُشجّع التطوّر الأقتصادي، بل أُعيق ووضعت العصي في طريق تطوّر البرجوازية الوطنية، التي كانت ولاتزال تشقّ طريقها بمشقة كبيرة متزايدة.
   واضافة الى تأثيرات النزعة التي دعت الى تكريس ومحاكات مفاهيم تدعو الى قيام دولة عربية اسلامية عظمى وتحديد ورثة لها . . الذي شجّعته وكرّسته الدوائر الغربية في حينه في مواجهتها للدوائر الشرقية، والذي فيما ترك آثارا ضارة على القوميات والطوائف غير العربية وغير الأسلامية، على الصعيد المحليّ، فانه اخذ يشكّل عقبات متزايدة امام تفاعل الشرق والغرب . 
   في وقت استفحل فيه تأثير وموروث النشاطات الضّارة التي اتّبعتها اغلب انظمة حكمها ذات الطابع الفردي الأوتوقراطي شبه الشمولي ـ المدعوم من قوى عظمى ـ الذي زاد من تفريق الصف الوطني، ونفخ في الروح القومية الضيّقة والطائفية المريرة، بعد ان اعتمدت على فئة او طائفة ما، في مواجهة اخرى، اضافة الى زيادة تكريسها لمفاهيم (البلاد التابعة والتفكير التابع) بعد ان قمعت ايّ نزوع  مهما كان مصدره فيها للسعي الى التعامل المتكافئ على اساس الفوائد المتبادلة . . الأمر الذي ترك ويترك آثاره على دولنا وبنائها، وعلى عموم الوعي الأجتماعي ـ السياسي  بدرجات متنوعة . 
   من ناحية اخرى فأن منطقتنا اضافة الى موقعها الستراتيجي البشري والجغرافي، الأستهلاكي والعسكري، فقد لعب كونها اكبر مواطن النفط،، وتشكيلها القطب العربي الأسلامي، ودوره الفعّال في تكوّن رأس المال المالي العالمي، اضافة الى دورها العالمي الفائق الأهمية بالبترودولار في تكوّن البنوك والأحتكارات الكبرى التي تتحكم في تمويل اكبر المشاريع المتنوعة العالمية . . جعلها تلعب دوراً هاماً في تقرير اتجاهات السياسة الدولية، باشكال متنوعة.
   كل ذلك وغيره الذي فيما شجّع مشاريع اوربية وغيرها للأستثمار والى التحديث في المنطقة، فانه تسبب في سعي دوائر اخرى الى محاولات تقنين المعلومات عنها لأبنائها ذاتهم ! ومحاولاتها تكريس درجة من التخلف بوسائل متنوعة كاشعال الفتن فيها، ثم السعي لجعلها بؤرة دائمة للعنف والحروب لتبديد اموالها في السباق لشراء الأسلحة، محققة لنفسها اعلى الأرباح بشكل دائم، فيما تحاول دوائر اخرى بشكل محموم لجعلها مركزاً لتعاطي وتجارة المخدرات والسوق السوداء وانواع الممنوعات . .
   فمنذ فشل مشروع القضية العربية ابّان الحرب العالمية الأولى، الذي رمى الى تحقيق حلمها باستعادة دولتها وشخصيّتها بمفاهيم ذلك العصر، تقسّمت اوطان العرب على دول الحلفاء المنتصرين عسكرياً في الحرب، الذين سعوا الى تحقيق ارباح اكبر لهم باشعال الحرب، كتأمين الخامات والمواقع الستراتيجية والركائز الخدمية، بايدي عاملة رخيصة من شعوب المستعمرات واشباهها، جنوداً وفلاحين، وعمالاً بمهارات ابتدائية في : سكك الحديد، الموانئ وعموم المواصلات، وغيرها من الخدمات .
   وشجعت تطوراً بطيئاً يضمن خدمة مشاريعها اساساً . . الذي لم يفِ بتطلعات واماني اوسع الأوساط الوطنية في تشجيع التصنيع مثلاً، لأنها كانت تسعى لضمان تصريف منتجاتها هي المهددة بالكساد، كما لم تشجّع او تهتم بتطوير الزراعة والري وادخال الأنظمة والوسائل الكفيلة بتحسينها لضمان وتحديث وصيانة الدورة الأقتصادية الوطنية الكفيلة بتحقيق وضمان رفاهية وتقدم اجتماعي في بلداننا.
   وقد نافقت اكثر دوائرها و سعت الى التقرب من الدين ومؤسساته، والى محاولة اثارة تلك المؤسسات لمواجهة انتشار الأفكار الوطنية والراديكالية، ثم القومية التحررية والأشتراكية . . التي كانت تنتشر انتشار النار في الهشيم بفعل عوامل متعددة آنذاك، وشجعت الأتجاه القومي ذا الطابع المحافظ وليس التحرري، وفسحت له مجالات لمواجهة مالم تستطع المؤسسة الدينية مواجهته، وفق طبيعة المرحلة الدولية، وهيمنة وصراع القطبين الدوليين .
   وكان تعبيراً عن تحكمها بمنطق انتصارها العسكري وتفوقها المتكبّرعليها، الذي ادىّ الى استخدامها وتشجيعها للعنف الموجود وجعله وسيلة للحكم !! في مجتمعاتنا وبناء الدول فيها ومسيرتها، بصيغ واشكال متنوعة . . الأمر الذي اوقع مجتمعاتنا بعلاقاتها ودرجات ثقافتها، صراعاتها وخلافاتها وقيمها شبه الأقطاعية، في حالة جديدة اعقد من التمزّق والفوضى .
   فرغم جلب المحتل والمهيمن معه مفاهيم جديدة وحديثة للأدارة ولتنظيم الحكم والدولة، التي حرّكت المجتمع وايقضته من سبات وليل طويل واوجدت حياة برلمانية ولو شكلية في النصف الأول من القرن الماضي .  .  ورغم انها ساعدت على تكوين اجهزة ودوائر حكم على طرازاحدث من السابق، استمر في عدد من دول المنطقة الى اليوم، الاّ انها ابقت على مضمون لم يلبِّ  تطلعات وحاجات اكثرية شعوب ودول المنطقة ومكوناتها الاساسية، في الخبز والعمل، والديمقراطية على اساس مؤسسات وتشريعات دستورية فاعلة حيّة يقرها الشعب كي تلبيّ حاجات اوسع الفئات والشرائح الكادحة المتزايدة، وتبعاً لتنامي الوعي الوطني، القومي التحرري، الأجتماعي والطبقي.
   وفيما يعزي باحثون فشل مجتمعاتنا في تحقيق مشروعها اثر الحرب العالمية الأولى، الى اسباب عدم نضج امكاناتها و الى ظرفها الأقتصادي الأجتماعي الحضاري الذي لم يستطع الوقوف (بالحساب النهائي) امام ضغوط القوى العظمى وخداعها . . يرى آخرون بانها كانت تحتاج الى تحديث يفتح لها آفاق الحياة ويطلق طاقاتها من اسر الأنغلاق، وكانت بحاجة الى قوى ورؤى تحديث . . تؤديّ الى انشاء انظمة حكم احدث تتفاعل مع العالم ومع الحياة المتطوّرة، وتعمل على تحشيد شبابها وعلى تفعيل وزيادة تركيز الروح الحية فيها، التي كانت بوادرها ملموسة في مصر مثلاً عهدذاك لأسباب متعددة .
   لقد اصطدمت مصالح القوى العظمى بطموح النخب الأجتماعية في مجتمعاتنا وابقت سلطتها في حدود تلبية تلك المصالح، وشاركت بشكل مباشر او غير مباشر في قمع محاولات مفكريها وسعي واجتهاد متنوريها الى الأستقلال والواقعية في الرؤيا .  . حيث حورب العمل والسعي الجاد لمعرفة ذاتنا، وصياغة السبل المجدية الواقعية للسير على طريق نهضتنا وسبل معارفنا وامكاناتنا على تَمَثّل اجتهاد الآخرين، بعيداً عن الأكراه وعن ثقافة العنف وعقوبات القهر والموت المتنوّعة، الأمر الذي ادىّ الى تسرّب طاقات مؤهلة باعداد متواصلة هائلة ومواصلتها خارج بلداننا او ضياعها في بقاع العالم المتنوعة. 
   لقد تواصل ذلك الواقع وآثاره واستمرا بالتراكم وبتكوين تغييرات نوعية تشدّها الى الماضي والتغنيّ به، رغم احداث تغييرات متنوعة لم تمسّ الجوهر، بعد ان استمر الحاكم بل وحتى اقسام كبيرة من المعارضة، بتغليب الخطاب السياسي الحماسي دون الأهتمام الضروري بالتنوير . . .  الأمر الذي لم يكن بسبب النقص او العجز عن استشراف الجديد الواقعي لوحده، وانما بسبب انانية ومصالح وضيق أفق القائمين على الدولة، وبسبب المصالح والضغوطات الخارجية التي ولّدت وتولّد ازمات متتالية لم تنقطع لها، وممارسة القهر والقمع بحق محاولات نشر المعرفة والتنوير والدعوة الى الأصلاح، الذي تلحّ عليه طلائع مجتمعاتنا برجالها ونسائها، من اجل التفاعل مع العالم ومن اجل حياة لائقة لمجتمعاتنا . . قادرة على مواجهة التحديات.
   الأمر الذي ادىّ الى استمرار عدم التفاهم والصدام بين مجتمعاتنا و دولنا !! دولنا ذات النظم والآليات التي بنتها القوى العظمى وسارت عليها وعملت على تحديثها من زاوية تلبية مصالحها هي اساساً، رغم عدم تلبيتها حاجات وطموحات مجتمعاتنا التي تعاني الفقر والجهل والمرض، ولم تساعد على تشذيبها وتقريبها الى معرفة حقيقة واقعها، لتحديد مواقع البدء بمسيرة فاعلة للتقدم في الزمان والموقع المعيّن . .
   وفيما يرى قسم من المتخصصين انها كانت سياسة رسمت باساليب عالية التنظيم نحو ستراتيجية مخطط لها. يرى قسم آخر ان ذلك اضافة الى عوامل تخلفنا . . شكّل نتاجاً سلبياً لخطط تقسيم ونحت بلداننا وفق قرارات القوى العظمى وتوازن الأحتكارات والمؤسسات الأقتصادية المالية العسكرية النفطية العالمية واتجاهات حركة ضمانها اعلى الأرباح في استثمار ثروات المنطقة . . لم يبالِِ باضرار ذلك على مجتمعاتنا واوقعها في فوضى ضيّعت عليها تمييز الضار من المفيد لها .
   الأمر الذي ادىّ ويؤدي الى احتقان الطاقات وتوتر المجتمعات وتصاعد مشاعر الظلم والمرارة التي سعى قسم من حكّامنا الى امتصاصها، وبدفع لم يكن عفوياً . . الى توجيهها نحو تأجيج الروح العدوانية ضد الأصغر  قومياً او الأضعف عدداً، سواء كان قوماً او ديناً وطائفة، او جنساً او فكراً ورأياً مجدداً، وبالتالي الى الضغط عليهم واضطهادهم، الأمر الذي ادىّ الى اشتعال نزاعات وصراعات داخلية متنوعة لعبت على اطرافها قوى كثيرة التنوع داخلية وخارجية ادّت الى اهدار هائل في الطاقات القادرة على العطاء، حجب الرؤية عن الآفاق الواعدة التي تستطيع تحقيقها طاقات البلاد المتنوعة ان وحّدت صفوفها وحددت وجهة نشاطها . . واضاف قيداً جديداً الى قيود اعاقة الأصلاح والتنمية .
   من ناحية اخرى، وفيما تُصنّف بلداننا وفق مقاييس تطور عالم اليوم بكونها نامية او متوسطة وضعيفة التطوّر، تلعب فيها " الدولة " الدور الأهم والأكبر في عمليات التنمية والأصلاح . . لابد من القول ان " الدولة " عندنا وللأسف لم تستطع التقرّب من المواطن ومن همومه وبالتالي مساعدته وتقديم العون له، بل استمرت بلعب دور المتسلط عليه بممارستها ثقافة القهر، باستسهالها التلاعب بالقوانين، تاركة انطباعات مستمرة عن كونها تلعب دور الخصم !!
   لقد لعبت المرحلة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية والأنتصار على الفاشية، التي رغم ما اصطلح عليها بمرحلة انتصارات قوى التحرر الوطني في المنطقة، ورغم تحقيقها تغييرات هامة في بداياتها الواعدة، فان تلك التغييرات انقطعت او لم تستمر في زخمها الطبيعي على صعيد الأصلاح والتنمية. وشكّلت مرحلة تطور قلق كثير التذبذب عكس شدة الصراعات وصعوباتها التي احتاجت من قوى التغيير شروطاً لم توفرها او لم تستطع توفيرها، وادّت الى ان تكون في النتيجة استمراراً مضطرباً لما مرّ في عهود الأحتلال والأنتداب، عاكسة عدم خروجها او عدم قدرتها على الخروج من دائرة توازن القوى الدولي آنذاك والحرب الباردة التي صارت تغذيّ صراعات القوى الوطنية الداخلية وتصعّدها الى درجة الخلاف، رغم الخطب الرنّانة في الداخل والوعود والوعيد من الخارج  .  .
   وادّت الى ظهور اوضاع متسارعة الوتيرة استمرّت في عدم السماح للتطور الطبيعي للفرد والمجتمع، اقتصاديا وفكريا وثقافيا ونفسيا، اللذين استمرّا في وضع تتقاذفه القوى الرهيبة العظمى لرأس المال والنفط والعسكرتاريا، وازداد تعرّضهما لأشباح الحروب والضربات العسكرية الخارجية، وللخدمة العسكرية وقوانين الطوارئ . . التي أُعلنت ومُدّدت مرّات ومرّات، اضافة الى التأثيرات الضارة لضرائب  الدفاع الوطني، التي استنزفت اجيالاً متواصلة، عمراً وتأهيلاً وسلامة صحية ونفسية، في ظروف لم يولَ الشباب بطاقاته الأبداعية الهائلة فيها، الأهتمام الضروري . 
   اضافة الى تزايد حصول القوى المحافظة التي نشطت تحت واجهات القومية المحافظة والدين والطائفية على دعم خارجي، و زيادة بروز مفاهيم العنف والتعصب وتحقيق الأهداف بالقوة، اضافة الى وضع الكثير من خطط التنمية والأصلاح، ومشاريع القوانين الجديدة على الرفّ كي (لاتثير مشاكل تفرّق الصف) .  . وتزايد الخوف من زيارات (زوار الفجر) وقسوة الجزمات العسكرية التي قامت بسلسلة الأنقلابات العسكرية وشبه العسكرية (الثورية) وبنت اقسى السجون واكثرها رعباً للناشطين السياسيين ودعاة التقدم والتحضّر والحداثة .
   في وقت رفع فيه عدد من الثورات ان صح التعبير،  شعارات ( التنمية الأنفجارية ) التي دعت الى حرق المراحل، لبناء ( الفرد الأعجوبة) الجديد . . بعد ان تصوّرت ان الحلول تكمن في امتلاكها اموال البترودولار سائلة باليد، ولم تدري ؟ انها لاتملك الأحصاء والمعلومات الواقعية عن فردها ومجتمعاتها وحقيقة حاجاتها ووارداتها وكيفية التصرّف بها وغيرها، ولا تمتلك احصائيات عن كادرها العلمي والفني ومجالات تخصصه، بل انها لم تطِق آراء خبراء البلاد في خبرهم وعلومهم، لأنها لم تنسجم مع رغبة وتمنيات الحاكم، الأمر الذي ادىّ الى تعرّضهم الى انواع العقوبات والتهميش والتضييع، وادىّ الى هروب عديدين تفادياً من البطش، تلاحقهم اشباح الأنتقام . 
   لقد كشف الزمان وتقلّب الموازين . . ان كثيراً مما سمي بخطط التنمية الأنفجارية لم تكن الاّ سراباً خادعاً وجزءاً من الديكور الضروري لتقبّل الأنقلابيين الجدد في حينه، الأمر الذي كبّد تلك البلدان خسائر فلكية فادحة ادّت بها الى فقر جديد . . الخطط التي شهدت وتشهد عليها الأعداد الهائلة من بقايا المشاريع والأجهزة المتروكة تحت الشمس المحرقة، لتباع باسعار زهيدة في اسواق الخردة. ولتكشف انه اضافة الى ماتسببته من اهدار اموال وبطالة عشرات الآلاف، ان هناك انواعاً متجددة من مجاميع الفساد الأداري وانواع السرقات الهائلة التي تمت وتتم في ليل بهيم .
   ولتكشف انها انتجت مُراوحة مستمرة وتزييفاً وخداعاً، في ظروف ادّى فيها تزايد بروز الدولة الريعية العائشة على الخامات (في بلدان النفط خاصة) او العائشة على القروض بمقابل . . التي لاتبالي بتحفيز الأقتصاد وتنشيط الدورة الأقتصادية والرفاه الأجتماعي، بقدر اهتمامها بالتسلّح وبزيادة الأنفاق عليه الذي فيما اخذ يرهق الميزانية الحكومية، ويساهم بشكل خطير في زيادة الفقر . . فانه اخذ يشجّع فكرة الأنقلابات العسكرية وعسكرة المجتمع، مكرّساً الآليات القديمة الموروثة في الحكم بالقوة، وآليات الأحتفاظ  بكرسي الحكم !! . . الأمر الذي لم يؤدِّ الاّ الى زيادة الأرهاب ومؤسساته كفعل وردّ فعل، وتزايد الضائقة الأقتصادية حدة لدى الأوساط الواسعة وتزايد البطالة، السوق السوداء وبروز القطط السمان وضباع الحروب ومافيات المخدرات والجنس والدعارة والجريمة المنظمة، واستشراء العنف والعنف المضاد، على ارضية من تفاقم رهيب للهبوط الأجتماعي، وللتخلف الفكري والسياسي  .  .
   وفيما ادىّ ذلك الى انفجار السخط  عفوياً رداًّ على مجتمع العنف والأستبداد وتطبيق آليات الحكم الشمولي. فأنه ادى الى تزايد الأستقطابات حدة، وتفاقم حجم المخاطر النابعة من قصور " الدولة " في حل مشاكل المجتمع، في ظروف نشوء فراغات سياسية تجتاح العالم والمنطقة اثر فوضى محاولة اعادة تشكيل العالم على اساس القطب الواحد من جهة، واثر تزايد الدور الستراتيجي للمنطقة في العالم من جهة اخرى .
   والى تزايد نزعة تشكّل فئات اجتماعية حصرت او تحاول حصر الحكم بها وحدها، والى بروز مفهوم " دولة المخابرات " الساعية لتجميل نفسها بالشعارات استرضاءاً للشارع، دون الأعتماد على برنامج واقعي للتنمية والأصلاح الأجتماعي والأقتصادي، بعد ان صار التغيير يبدأ من اوساط المخابرات وادراجها، وليس من المؤسسات التمثيلية والدستورية ان وجد دستور معمول به .  .  وليتواصل العنف كأداة دائمة للحكم !! (2) ( يتبع )

13 / 1 / 2008 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   في دلالة من دلالات كثيرة على انه لايوجد (زواج كاثوليكي) بين المسيحية واليهودية ضد الأسلام والمسلمين كما تروّج القاعدة الأرهابية، وانما هناك مصالح وبحث عن سلطة وثروات ومشاريع ارباح .
2.   راجع وقارن " امراء الظلام "  ـ  لورانت مورافيك / بالأنكليزية عن دار راومان و ليتلفيلد للنشر ـ  الولايات المتحدة الأميركية،  2005 .

220
                  مخاطر مدمّرة للعدوان التركي  !
                  2 من 2
                              د. مهند البراك

   ويتساءل عديدون الا يثير موقف الجهات العسكرية الأميركية التي ساعدت او غضّّت النظر او لم تتصدى او تمنع العدوان التركي الأخير ... الا يثير ذلك تساؤلات عن مدى وحدود الثقة بوعود الأدارة الأميركية وبتعهداتها في اتفاقية المبادئ التي وقّّعتها مؤخراً مع حكومة السيد المالكي ؟ الا يعيد ذلك الى الأذهان  شعار الدول الكبرى في تعاملها الذي ينص على ان " لدينا مصالح دائمة وليس اصدقاء دائمون " والذي عبّرت عنه وزيرة الخارجية الأميركية ك. رايس الجمعة الفائتة بـ " ليس لنا اعداء دائمون " ، في المؤتمر الصحفي الذي عقدته في وزارة الخارجية الأميركية لمناسبة نهاية العام .
   من جهة اخرى، فان استمرار العنف وعدم استقرار الوضع الداخلي في العراق الغني بثرواته . . يشجّع الدول الأقليمية ودوائرها العسكرية والتجارية على تصعيد تدخلها، وعلى زيادة وتيرة الصراعات فيما بينها هي على ارض البلاد خوفاً او طمعاً بجزء اكبر من (كعكة العراق الكبيرة) . . في مسلسل متفاعل متصل بالوضع الداخلي من جهة، وكسبب ونتيجة من جهة اخرى .
   وبالتالي فانهم يرون ان العراق في ظل عدم استقرار اوضاعه الداخلية وبظل المواقف الأقليمية والمواقف المتغيّرة والمتضاربة للأقطاب المتعددة والمتغيّرة للسياسة الأميركية . . قد يؤدي الى خسارة المشاريع التي تنادي بها اطرافه بكل اطيافها القومية والدينية والمذهبية . . في حالة من حدوث انتقال من احتلال الى احتلال اومن هيمنة الى هيمنة، ان لم تغذّ السير لتلاقيها على مبادئ " التنازلات المؤلمة " التي صار لامفر منها لجميع المكونات العراقية . . لتكوين الموقف العراقي الموحد.
   موقف عراقي موحّد من اجل غد افضل ليس مستحيل، يقوم على اساس الأعتدال، والذي فيما يشكّل رداً على الطامعين. فانه سيكون سنداً اساسياً لأيقاف العدوان التركي الحالي، ولأعتماد الحلول السلمية لحل الإشكالات القائمة . . والذي يتطلّب من ناحية اخرى تأمين حلول سريعة لمعالجة الثغرات والمطالب الآنية التي تعاني منها اوساط كادحة ليست قليلة من كل اطياف العراق وكوردستان، التي تشكّل القاعدة الصلبة لحماية المكتسبات، وللسعي لتحقيق اوسع التفاف شعبي فاعل حول الحكومة العراقية و الأقليمية الكوردستانية ، وللأسراع بشل نشاط العناصر والجماعات المستعدة للتلون السريع من اجل مكاسبها الضيّقة، من جهة اخرى .
   الأمر الذي يتطلب وضوحاً اكبر في الموقف الأميركي، من اجل وقف لجوء الحكومة التركية الحالية الى القوة في تعاملها وللضغط اكثر على ب ك ك لتقدير الواقع الكوردستاني العراقي و لترك الأراضي العراقية والذهاب الى ساحة نضاله وكما يقرر. ان السعي الجاد لايقاف التدخّل العسكري التركي يتطلّب الكف عن استخدام لغة السلاح لتحقيق ستراتيجية تركية في تحقيق زيادة لدورها وفي تثبيت مصالح اقتصادية وغيرها لها سواءاً في العراق اونحو الخليج، في وقت يمكنها القيام بذلك بممارسة اساليب اكثر تحضّراً وبالتالي اكثر فائدة لها وللعراق ولعموم المنطقة .
   من ناحية اخرى فان تقبل هذا الأعتداء الذي لايتوقّف والسكوت عليه . . يهدد بتكراره وبالتالي بتوسعه واعتماده كأسلوب اساسي في تحقيق مصالح البيوتات المالية التركية والآسيوية الكبرى والأخرى . . على حساب مصالح المشاريع المتوسطة والصغيرة ونموها العائدة لدول وقوميات وشعوب المنطقة، والتي تلبي مصالح الأسواق المحلية والأقليمية ومصالح النمو والأزدهار لعموم المنطقة الأقليمية .   
   ويرى معنيون، ان السكوت عن الأعتداء العسكري التركي، يعني اضافة الى الخسائر البشرية والتشريد وزيادة اشعال الصراعات والحقد القومي والعرقي الذي يتسبب به، فانه بدأ بتهديد عشرات آلاف المصالح التجارية ومشاريع الوسطاء والشركات المتوسطة والصغيرة التي يعيش منها مئات الآلاف من ابناء كل شعوب وقوميات المنطقة من الدولتين العراقية والتركية، في اكبر شرايين التجارة والأعمال الحرة في المنطقة منذ 2003 ، حيث بدأت تهدد حتى التسهيلات التركية المشكورة عليها، المقدمة  للعراقيين بكل اطيافهم سواءا في الأقامة او في التجارة والأعمال .
   ويرى دبلوماسيون وخبراء في الشؤون الدولية، ان الأحتكام الى السلاح في حل الخلافات والنظر اليها من زوايا عسكرية فقط، او قومية فقط (على عدالتها) . . يضيّق مديات وامكانيات وضع الحلول ويقصّر النظر الى مصالح وفوائد اكبر يمكن ان يحققها الجميع بتوافقهم . . ففي عالم اليوم وفي زمن العولمة يتساءل كثيرون بانه، اذا كانت المواقف الأميركية متضاربة او غير مستقرة او لايعلن عنها، واذا كانت دول الجوار تنظر لمصالحها فقط . . الأمر الذي يؤدي الى افشال او الى الحكم بعدم آهلية كل محاولات رأب صدع وحدة الشعب العراقي بشتى المسوّغات . . اضافة الى تشتت كتلة الدول العربية كلّ منها على مصالحها هي، وفق اقوال وتصريحات القادة والمسؤولين العرب ذاتهم . . في هذا الزمن العاصف .
   لماذا لايقدّم العراق طلباً للأنضمام الى الأتحاد الأوربي، للمساهمة في حل معضلته، على اساس المنافع المتبادلة، بعد ان تغيّرت قوانين الأتحاد وشروطه عن السابق بفعل كل الظروف العالمية الجديدة التي لم تعد تتقيّد بالمفاهيم الجغرافية التقليدية، اضافة الى تنوّع مفاهيم ودرجات العضوية ؟ ؟  حيث صارت تونس مثلاً عضوة في لجنته الأقتصادية منذ اعوام، مصر تشغل عضوية اكثر من لجنة فيه، بل وصارت وكالات الأنباء تتحدث الآن عن قرب مساهمة ليبيا فيه عبر البوابة الفرنسية، وخاصة بعد زيارة الرئيس الليبي الأخيرة الى فرنسا .
   اضافة الى التساؤلات التي تتزايد حول اهمية مشاريع مشاركة الدول الكبرى الأخرى كالصين وفرنسا وروسيا للأسراع في تحقيق الأستقرار في بلادنا النازفة بلا انقطاع، كما فعلت وتفعل كلّ دول الخليج وباشكال كثيرة التنوع، لتحقيق امن وضمان استقرارها ورفاهها ؟! . . خاصة وان زيارات المسؤولين العراقيين اليها مستمرة ولم تنقطع، وجرى التعبير عن " تحقيقها نتائج ايجابية " الاّ انها بقيت طي الأدراج . . على ما يبدو .
   ان السعي لتنويع مصادر الدعم صار امراً واقعاً وينسجم حتى مع وجهة و تطبيق خطة الأدارة الأميركية B – H ـ المعتمدة على نتائج لجنة بيكر/ هاملتون ـ الداعية الى جعل مهمة الأنسجام مع انظمة المنطقة كمهمة اولى . . في عالم العولمة وتنوع ملفات اهتمام ومصالح الدول وتداخلها اليوم، وكما تفعل دول صناعية اوروبية وآسيوية وعربية وغيرها . . كاليابان والمانيا، تركيا وكوريا الجنوبية و كوبا، الكويت وقطر وغيرها رغم التواجد العسكري الأميركي المتنوع على اراضيها .
   في وقت صارت فيه السياسات الخارجية للدول تقوم على اجندة متنوعة، فالأختلاف في موقف من قضية ما لم يعد سبباً لأشعال فتيل نزاع مسلّح، بعد ان صارت العلاقات بين الدول تتوقف على حاصل مواقف او قاسم مشترك لها . . كما يحصل في جهود اقطاب اميركية مثلاً للتوصل الى حلول سلمية مع ايران بشأن المفاعل النووي رغم الأختلاف ورغم وجود اختلافات في اجندة اخرى لم تُحَلْ، وكذلك الحال في دعوة العاهل السعودي الملك عبد الله للرئيس الأيراني احمدي نجاد لأداء فريضة الحج واستجابة الأخير اليها وادائها وفق التقويم السعودي، الأمر الذي  قد يثير جدلاً من اوساط بعينها، لفتح صفحة جديدة في قواسم العلاقات . . رغم الأختلافات على قضايا متعددة بينهما .
   ان الأسراع في تحقيق المرونة الضرورية من اجل ايقاف العدوان والأتفاق على عدم تكراره بسبب نقطة او نقاط اختلاف، وجعلها جزءاً من عملية بذل الجهود للتوصّل الى قواسم مشتركة . . اضافة الى الأهم وهو اسراع المكونات العراقية على اختلاف اطيافها القومية والدينية والمذهبية للأرتفاع على خلافاتها التي صارت من عداد الماضي، واسراعها في لمّ شملها على اساس تعويض المتضررين، الأتفاق على اسلوب معاقبة اقطابها والأتفاق علناً على عدم تكرار ماحصل . . في زمان لم يعد ينتظر ولايرحم المتلكئ والمتأخر حيث لاتكف مشاكل اليوم ان بقيت دون حلول الى التحوّل الى معضلات ادهى وامر في الغد . (انتهى)

23/ 12 / 2007 ، مهند البراك

221
مخاطر مدمّرة للعدوان التركي  !
  1 من 2
                        د. مهند البراك

فيما يلاحظ المراقبون السياسيون والعسكريون بالم وقلق شديدين، الضحايا المدنيين من الكورد العراقيين بسبب العدوان العسكري التركي على حدودنا الشمالية، والذي استهدف ويستهدف بشكل مباشر منطقة اقليم كوردستان العراق . . التي يرون في حلقاتها واطرافها الخارجية اضافة الى اطراف داخلية عراقية وكوردستانية، يرون فيها وكأنها خطة جديدة بدأت تُنفّذ في كوردستان العراق(1)  . . التي لايمكن ان تكون صدفة، او بسبب حزب العمال الكوردي ب ك ك ، في الظروف القائمة الآن في العراق وفي عموم دول المنطقة .
   يرى قسم من المحللين ان العدوان التركي يحمل مخاطر اكبر مما قد يبدو في الظاهر، تنبع من ان اوساطاً عسكرية ايرانية نافذة تأمل بدخول القوات التركية الى كوردستان العراق اكثر اجزاء البلاد استقراراً الآن، لمحاولة ضرب الأمن فيها وبالتالي لزيادة الفوضى في عموم البلاد التي ترى فيها تشتيتاً واشغالاً وانهاكاً للقوات الأميركية الموجودة في البلاد، يؤدي الى تقوية مواقعها في الصراع حول المفاعل النووي، او في انتزاع شرعية لدورمباشر في حكم العراق او في اجزاء هامة منه.
   ويرى آخرون، ان الأوساط العسكرية التركية تتبع نفس الآلية المذكورة، سواءاً بدخولها المباشر في الصراع حول كركوك، محاولة توظيف واستغلال النواقص والثغرات المتنوعة، في جهود كبيرة تسعى لأحتواء القضايا المشروعة لتركمان العراق بشتى الوسائل، او بدخولها المباشر في الصراع الطائفي الأقليمي لمواجهة ( مشروع الهلال الشيعي) ؟!
   ان تاخر نمو الرأسمالية التركية ونموها المتناقض النهم، الذي ادى ويؤدي الى مزيد من افقار الفئات والطبقات التركية الكادحة والى مزيد من سياسات القهر والأستغلال القومي الشوفيني بحق شعوب الأناضول من القوميات غير التركية . . المترابط مع تاريخ حكامّها والظروف العالمية وموقعها الجيوسياسي، ومع عضويتها في الناتو، اضافة الى سياسات حكوماتها الخارجية التي لم تتخلَّ عن الروح العدوانية رغم الأصلاحات التي طرأت عليها، سواءاً في مواجهة مشاكلها مع بلغاريا، قبرص وغزوها، تهديدها بغزو سوريا ان لم تنفذ طلبها بتسليم السياسي الكوردي المعروف اوجلان.
   اضافة الى سياساتها الداخلية التي لم تعد خافية بحق الشعب الكوردي في تركيا، التي يصفها متخصصون بانها اضافة الى ماتقدم . . تعبّر عن خشية اوساط متنفذة من الفئات الحاكمة التركية، من النهوض القومي الكوردي وتحقيقه نجاحات على طريق الحقوق القومية العادلة في تركيا، لأنه سيعني بنظرها اضافة الى خسارتها لمشروع استغلالي قومي يدرّ عليها ارباحاً هائلة، فأنه قد يؤدي الى تحرّك شعوب الأناضول غير التركية، التي هي اضافة الى الشعب الكوردي . . اللاز، اليونانيين، البلغار،  اقوام شمال وشرق تركيا من ارمن وآثوريين وايزيدية اضافة الى العلويين والأقليات العربية، والقومية والدينية والمذهبية المتنوعة الأخرى  ...
   ويرى متخصصون بانه اضافة الى ان عضوية تركيا في الناتو لم ولا يمنع من ممارستها لسياسات انانية تنبع من مصالح فئاتها الحاكمة ومؤسساتها العسكرية ـ المالية وتعزيز واستمرارحكمها، كما ظهر في غزوها لقبرص ثم محاولاتها لتوظيف عضوية الجزء اليوناني من الجزيرة في الأتحاد الأوربي، لمصالحها هي . . العقارية، التجارية والعسكرية .
   تلك السياسات الأنانية التي اخذت تتصاعد بسبب العوائد المالية الهائلة التي بدأت تدرّ عليها بافتتاح انابيب وخطوط النفط العملاقة من دول بحر قزوين عبرها الى البحر الأسود، بعد قرار المجمع النفطي الصناعي العسكري الأميركي بحرمان روسيا من تلك الأنابيب ـ اضافة الى ارباحها الهائلة من مرور النفط الخام العراقي بها سواءاً الى ميناء جهان، او بواسطة الناقلات البرية ـ ، وبسبب تزايد دورها التجاري والسياسي الثقافي والديني في آسيا اثر انفراط عقد دول الأتحاد السوفيتي، اضافة الى الفرصة الذهبية لها التي تجدها في العراق والتي تحاول بشتى الوسائل مزاحمة المنافسين لها ، فيه .     
   ويرى متخصصون، ان الأستثمارات التركية الكبيرة في اقليم كوردستان العراق يمكن ان لا تقي الأقليم ولا عموم العراق من مخاطر العدوان العسكري التركي النابع من شراهة البيوتات المالية والتجارية التركية الكبيرة المترابطة مع وفي احتكارات دولية اميركية وغيرها .  .  ويرون في العدوان التركي بداية تحمل نذراً خطيرة تزيد من احتمالات غزو عسكري تركي يهدف احتلال كلّ الأقليم جزئياً او كلياً، بتدخلها المتزايد في شؤون الأقليم، ودعمها لعدد متزايد من الحركات الأسلامية الكوردستانية العراقية بما فيها الأكثر تطرفاً، التي تأمل من ورائها تشكيل قاعدة اجتماعية ـ اقتصادية اوسع لها في كوردستان العراق باطيافها القومية والدينية . . وبالتالي في عموم العراق .
   لأهداف ستراتيجية ليست موجهة ضد كوردستان العراق وتجربتها السياسية الجديدة فحسب، وانما تهدف الى احتلال دائم لأبار كركوك النفطية، او الى فرض اعادة جدولة استثمارات وتشغيل تلك الآبار لصالح رؤوس اموال وشركات تركية وآسيوية واقليمية متوافقة معها او لصالح احتكارات نفطية اميركية باسهم تركية وبمردودات اكبر . . بحجج اخرى . .
   ضمن ظروف تشهد تزايد نشاط المحاور الأقليمية الطامعة بالعراق، التي تحاول ابتزازه وقد تحاول (احتلاله) على اجزاء او على فترات زمنية سواء كان عن طريق ميليشيات طائفية او عن طريق ضربات جوية باثارة حجج لتسويغها . .  ضمن اطار مساعي (لعبة احتواءات الصراعات الأقليمية) التي تحاول اقطاب اميركية نافذة ممارستها في سعيها لأيجاد حلول لمشاكل النفقات الكبيرة التي ترهق الميزانية الأميركية في المرحلة القائمة المنظورة على الأقل . . كما ورد في تفسيرات لتصريحات متضاربة نسّبت للبيت الأبيض وللكونغرس وللحزبين الجمهوري والديمقراطي مؤخراً، تناولت محاولات ايجاد حلول للنفقات التي ترهق الميزانية الأتحادية الأميركية . (2)
   أن كثير من المعنيين يرون في العدوان التركي، عدواناً يمكن ان يتطوّر سريعاً ان لم يجر تصديّ فعال لأيقافه . . بسبب ظروف العراق والمنطقة الخطيرة من جهة، وبسبب تراخي . . وتباطؤ الموقف الأميركي في صدّ الخطر التركي منذ ان بدأ يلوح بوضوح عشية الأعداد لأنتخابات الرئاسة التركية الأخيرة الى ان وقع، والذي فيما يصفه قسم بكونه تعبير عن الدرجة التي وصلها استنزاف الخزينة الأميركية المعلن ! . . ترى اوساط أخرى بأنه يعبّر عن موقف الأدارة الأميركية الجديد بعد الأستنزاف الذي تتعرض له قواتها ، وحساب امكاناتها في تطبيق خطة B – H الداعية الى جعل مهمة الأنسجام مع انظمة المنطقة كمهمة اولى، لتأمين ظروف تساعدها على تخفيف مهمات وحجم قواتها. (يتبع)

21 / 12 / 2007 ، مهند البراك      
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع مقال الكاتب " حول تصاعد الخطر التركي " ، 11 / 7 / 2007 والمنشور في الصحافة
   والمواقع الألكترونية العراقية .
2.   وتربط اعلان حساب فاتورة العمليات العسكرية التركية مع كل عملية عسكرية تقوم بها، بذلك الواقع. 

222
            مخاطر التقسيم على نار (هادئة) !
                              د. مهند البراك
   
   يزداد قلق العراقيين باطيافهم مما يجري في البلاد، رغم ما يتحقق من نجاحات على تنظيمات القاعدة الأرهابية وخاصة في المناطق الغربية من البلاد . . حيث تتفتّق صراعات جديدة وجديدة في صفوف من يحملون نفس الراية الطائفية، بعد ان اخذ مسار التقسيم الطائفي ابعاداً تتسم بالديمومة طيلة السنوات التي اعقبت سقوط الدكتاتورية وحتى الآن . .
   وفيما يرى مراقبون ان الأعمال التي لاتكّف عن التصاعد ـ رغم مراوحات جرّ النفس التي تتخللها ـ  سواء كانت ضد النساء العراقيات بمختلف الحجج التي تتساقط لتكشف عن موقف ظلامي رهيب ثابت ضد ابسط الحقوق الأنسانية للمرأة او ضد الأخوة المسيحيين والصابئة، وانها تجري ضمن اطار مسار التقسيم الطائفي .
   يرى متخصصون، ان الأوساط الأميركية الأكثر تشدداً وعسكرية سواءاً في اوساط القوات الأميركية النظامية او في اوساط شركات الحماية الخاصة، اخذت كما يبدو تزيد من وتائر نشاطاتها علناً ام في الظلام . . في توظيف الصراع الطائفي لتحقيق الأهداف الأقتصادية النفطية الساعية لها، التي تتطلب بتقديرها زيادة احكام قبضتها على البلاد .
   لمواجهة تغييرات اخذت تنضج اسرع مما قدّرت، بفعل استمرار حالة الأحتلال واستمرار وتصاعد الصراع الدموي الطائفي الذي تغذيّه دول الجوار لأسباب تكتيكية وستراتيجية نفطية ايضاً، وبالتالي استثمارية وسوقية تجارية في المنطقة . . وخاصة اثر تصاعد قضية السوق الخليجية المشتركة وقضية العملة الخليجية الموحدة واستقلالها عن الدولار في تسعير النفط . . الذي لايعني الاّ التهديد بخسارة المجمع الصناعي النفطي العسكري بمليارات فلكية جديدة من الدولارات بتقدير اوساطه الأكثر تطرفاً، ان لم تسرع لمواجهة ذلك .
   الأمر الذي سيعني عودتها الى الشعار القديم في التعامل مع بلادنا ... اي الى سعيها الى اضعاف المقابل بتكوين وبالتالي مواجهة خصوم مشتتين ضعفاء وليس كتلة نفطية نقدية واحدة، كي تتمكن من  فرض شروطها عليهم . . وسيعني المزيد من التشدد في السعي لتكوين عراق ( موحّد ـ مقسّم ) كي لايفلت من قبضتها : موحد سياسيا وعسكريا وخارجيا، مقسّم اقتصادياً ـ واساساً نفطياً ـ كتطبيق وتجليّ لفعل قوانين العولمة الرأسمالية بتخطيّ "الحدود السياسية للدول" على طريق تحقيق اعلى الأرباح . . على وتائر التقسيم الطائفي ليس السني ـ الشيعي فقط بل والشيعي ـ الشيعي والسني ـ السني !! (1)
   الذي ان دلل على تزايد احتمالات تغيّر الوجهة الأميركية (التي تشاركها فيها دول اقليمية) في التعامل مع العراق كدولة موحدة الكيان والذي يهدد حتى مفهوم الفدرالية المقر دستورياً، فانه ينسجم مع قرار مجلس الشيوخ الأميركي الموافق على تقسيم العراق (غير الملزم) على اسس عرقية و طائفية . . و يؤكد اعتباره بكونه ليس قضية مباراة حزبية في انتخابات اميركية وانما قضية المصلحة الستراتيجية للأمن القومي الأميركي  .
   وبعبارة اخرى السير على تقسيم البلاد بالقوة باحتواء وتوظيف الصراع الطائفي الديني الدموي الذي لايكف عن التصاعد وتوظيف (الخشب) الذي يرميه الجيران لآدامة النيران المدمّرة وكأنها طبخة على نار مستقرة الاّ انها ليست هادئة بل مدمّرة . . . ثم اعادة وحدة البلاد بالشكل الآنف الذكراعلاه(2) بعد ان يصير الأنقسام واقعاً فعلياً معززاً بجدران وهويات وسيطرات وقوات مسلحة نظامية وغيرها بعد ان قاربت السنة الخامسة على مايجري، على الأنتهاء .
   والسؤال هنا، الا تشكّل المواقف الضيّقة لأطراف من المكونات العراقية عقبات حقيقية امام اصرار الشعب العراقي بكل اطيافه على وحدة البلاد وعلى اعادة بنائها على اساس الهوية الوطنية التي تكفل الحقوق القومية والدينية والمذهبية المتساوية ؟  الوحدة التي يمكن ان تكون بتفاصيل جديدة، تضمن صيانة مكوناتها ذاتها من الخسارة الأقتصادية التي ان حصلت لن تعني الاّ اضعافها السياسي و اضعاف قدرتها على تجاوز الأزمات وعلى المواصلة لوحدها.
   الم يحن الوقت للكف عن تفسير الواقع الجاري بالماضي ؟ في وقت صار فيه الواقع الجاري الكثير التغيّر يفرض مستوى افضل ويفرض الكفّ عن النظرة الضيّقة في التعامل معه لصالح الجميع، بعد ان اخذت المكونات العراقية تقترب بعضها من بعض في حجم خسائرها بسبب الدكتاتورية وارثها، وبسبب الحروب والأحتلال والصراع الطائفي الدموي والنهب والفساد الأداري ؟؟

15 / 12 / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   اذا نظر الى البلد من منظور طائفي فقط ، بعيداً عن الأنتماء القومي والسياسي والفكري .
(2)   كنسخة مشوهة لحالة وحدة الأمارات العربية اواخر الستينات وتشكّل دولة الأمارات العربية المتحدة وظروفها، ونسخة اكثر تشوها عن حالة تكوّن الدولة الألمانية الأتحادية وظروفها العالمية والداخلية وقتذاك.




223

            " الحوار المتمدن " والفكر المتجدد !
                              د. مهند البراك

   فيما كان عديد من الأوساط اليسارية والديمقراطية، من نساء ورجال ومن غالبية الأطياف القومية والدينية والمذهبية، يتداول في ضرورة وجود وسيلة تقدمية اعلامية اودعمها . . وسيلة تلتزم وتبحث في موقف اليسار الواقعي و كيفية تجليه ولعبه دوره على صعيد الفكر، في الواقع الشائك الذي تكوّن، وليس في الأماني والأحلام النبيلة فقط. وان تسلّط الأضواء من خلال النقاش الجاد، وتبلور ماهية الديمقراطية التي يُدعى لها وماهية التفتح والمرونة التي ضاق بها التحزّب لعوامل موضوعية وذاتية . . في سبيل المساهمة الفاعلة في الجهود الرامية الى التطوير الخلاّق والمبدع لما حملته وناضلت به وخبرته اجيال واجيال . . من اجل خير الجموع في تحقيق غد العدالة الأجتماعية وفق قناعات مجاميع طلائعها وتجمعاتها افراداً وجماعات، وما قُدّم في سبيله من غالي ونفيس و اجمل عقود الحياة  .
   ظهر موقع " الحوار المتمدن " الألكتروني قبل ست سنوات، وكان يحمل في صدره عنوانه ووجهته كـ " صحيفة يومية مستقلة يسارية، علمانية، ديمقراطية . . سياسية فكرية عامة . . " اول صحيفة يسارية - علمانية الكترونية يومية مستقلة في العالم العربي " . . بصياغة دخلت ايجاباً في نفوس الكثيرين، حيث رغم كونها صياغة تفصيلية الاّ انها عكست وفي الخطوة الأولى . . الرغبة في لمّ الصفوف في مواجهة التمزقات التي كانت تتزايد . .
   وكانت تعكس فهماً لواقع وتعقيدات الحركات والأحزاب العمالية والشيوعية واليسارية الجادة، في استقبالها لظهور موقع جديد بينها، ان صحّ التعبير . .  وتعكس خبرة او معرفة ورغبة صادقة بتقدير كثيرمن القراّء بعدم الرغبة في الدخول في صراعات جانبية تفصيلية لاداع لها، وتعبيراً عن كونه لم يتكوّن للنيل او كرد فعل على سياسة حزب او حركة ما، او على كليهما، ولالطرح نفسه بديلاً عن حزب او منظمة  . . او للنيل من اشخاص. واخذ المتتبع لكتاباته يلاحظ انها كانت ولازالت تثير وتعالج مشاكل متجددة قائمة فعلاً وتحاول بكل جد ايجاد السبل العلمية والواقعية لوضع الحلول لها، رغم الشطط الذي حصل احياناً والذي قد لايمكن تفاديه لمن تطوّع ويتطوّع لخوض تجربة كانت ولاتزال جديدة في عالم الثورة المعلوماتية التكنيكية  . . تجربة نجحت وتنجح من خلال متابعة تزايد الفائدة منه والتي يمكن تلمسها من خلال وسائل اعلام المنطقة . . كموضوعات او كافكار و غيرها، ومن خلال تزايد مساهمة اسماء لها حضورها واخرى تبني حضورها الجديد المنتظر بحماس وحرص.
   لقد استطاع " الحوار المتمدن " وبجهود منسّقه العام الصديق " رزكار عقراوي " والأعزاء اعضاء هيئة تحريره، ورغم شتى التقديرات والأحكام عن عائديته الفكرية في البداية والتي توضحت بعدئذ . . استطاع ان يكسب اهتمام ومتابعة، ثم تقدير واعتزاز، ثم حاجة اوساط متزايدة من القوى الديمقراطية واليسارية العربية والكوردية والكلدوآشورية وغيرها في المنطقة خاصة، من التي تناضل من اجل حقوق الأنسان والمرأة وحقوق القوميات الأصغر والأقليات القومية والدينية، ومن اجل السلم والحرية والعدالة الأجتماعية، ومن اجل قيم المنهج الأشتراكي العلمي . . حتى اخذت تنشر اوتكثّر ماينشر فيه، في الحارات والمناطق الشعبية، واخذت اخرى تراسله للحصول على دعمه الأعلامي .
   فاضافة الى انحيازه للعلمانية من موقعه كموقع ديمقراطي انساني تقدمي، عالج ويعالج كتّابه وكاتباته مختلف شؤون تلك المحاور، فأنه يهتم بنشر كلاسيكيات الماركسية وومنشورات وآداب اعلام الفكر الأشتراكي واليساري العالمي ومختلف تجاربه بنجاحاتها واخفاقاتها، وبمحاولاته استخلاص الدروس والعبر منها.
   واستطاع بنجاح ان يحقق انفتاح الباحثين الجادين والمفكرين بالشأن الأسلامي، على طريق محاولات وضع الدين ودوره في اطاره الواقعي في عملية تمدّن وتطور المجتمع ومن اجل التحرر والسلم . . والتصدي لمحاولات استغلاله وجعله وسيلة لتحقيق التسلّط والثراء، وجعله وسيلة لأشاعة العنف والأستغلال والتمييز العنصري والديني والطائفي، في وقت صار فيه شأناً من اكثر الشؤون التهاباً واثارة ليس في المنطقة وحسب بل وفي العالم، في هذه المرحلة.
   واستطاع باثارته لمواضيع وملفات هامة وبحرية الكتابة فيه بعيداً عن مقص الرقيب . . استطاع خلق اجواء شجّعت وتشجّع على الحوار، الذي جرّ ويجرّ اعداداً تتزايد من الكتاب والكاتبات والقرّاء، ومن عموم المثقفين والمثقفات . . اليه باشكال متنوعة. واضافة الى حيوية مناقشاته في الأمور المستجدة، فقد انعش الرغبة في قراءة الكثير من الموضوعات من زوايا كثيرة التنوع والأجتهاد . . باتجاهات الفكر اليساري والعلمي وتصوراته عن العلمانية والمجتمع المدني والديمقراطية والحرية، وساعد على تنشيط وتطوير صداقات وعلاقات ودية بين كتّابه وزوّاره رجالاً ونساءاً، اضافة الى مساعدته على خلق وتطوير كاتبات و كتّاب اكثر شباباً رغم ظروف القحط المتنوع الأسباب . .
   وفيما يشكّل مساهمة جادة اكثر اضاءة في  اطلاق المبادرة في محاولات رسم وتوضيح معالم ومنعطفات الطريق في الظروف العالمية والأقليمية والمحلية المتفاقمة اليوم، تأتي من مرونتها وتنوعها، من اجل اعادة بناء ذلك الطريق لصالح الجماهير الكادحة، وفي اعادة رسم الحلم والأمل المتجدد وفي انتشال واعانة الكثيرين في مواجهة مخاطر التشتت والضياع بفعل التطورات العالمية العاصفة، وتزايد التهاب منطقتنا وعراقنا بشكل اخصّ . .
   فانه يشكّل مساهمة هامة لمواجهة مخاطر السعي لتحويل المنطقة الى ساحة لصراع المذاهب والأديان والثقافات في محاولاتها توظيف انواع المصائب والمحن والقتل الجماعي واليومي، لأثارة الفتن والتعصب العرقي والديني والطائفي، لحرف الصراع الأساسي عن محتواه الطبقي والفكري . .
   لقد لعبت حملات دفاعه المتواصل عن ضحايا وسجناء حرية الرأي، وعن ضحايا الأرهاب والتمييز العنصري والقومي والديني، والتمييز على اساس الأنتماء الجنسي، وعن حقوق الأنسان ومن اجل الغاء عقوبة الأعدام ادواراً كبيرة في التعريف بكنه تلك الحقوق اولاًً ، وبالتالي بنشر الفكر الداعي الى التحشيد لأجلها .
   وكموقع الكتروني، فانه بقدر تحقيقه تفاعلٍ وتحفيزٍ وتحريض اسرع واكبر من مطبوع، حين يدخل البيوت والمقاهي والأماكن العامة دون استئذان ودون مقص رقيب يومي في كل مكان. وبقدر ما استطاع ان يحافظ على خطه المستقل، وما نال من تشجيع وتفاعل وتواصل من الفئات والقوى الأكثر تفتحاً وخاصة من الشباب . . بقدر مانال مخاصمة انظمة وقوى متحكمة في مجالات كثيرة التنوع حاولت وتحاول اخماد صوته . . بعد ان منع في عدد من البلدان العربية، التي اعتبرعدد من اجهزتها حتى مراسلته والكتابة فيه تهمة يحاسب عليها (القانون) .
   من جهة اخرى، وفي مجال تقويم نشاط الموقع الفكري والأعلامي الذي يطلبه الموقع، واضافة الى ما تقدّم . . يلاحظ كثير من المتابعين ان النجاح الذي حققه ويحققه الموقع الى الآن، يشير الى اهمية استمرار " الحوار المتمدن " بطريقته التي تعتمد العلم والمنطق والأمانة في التعامل مع المتغيرات، وباستمرار جهده الدائب في تقليص الطروحات الأنفعالية المخلّة وما يمس مباشرة بكرامة وحقوق الآخرين ـ افراداً واحزاباً ومنظمات ـ التي لاتنسجم ولم تعد تنسجم مع وجهة الموقع وما يحققه، بل تضعف سعيه الى ان يكون موقعاً اعلاميا  من المواقع الطليعية لتيارات اليسار والديمقراطية والتمدن في العالم العربي والمنطقة في زمن مرحلة الثورة التكنيكية المعلوماتية . .
   كموقع مستقل ـ وليس منظمة سياسية ـ تراجعه وتساهم به وتخطب ودّه شخصيات علم وادب وفن وتيارات اليسار والعلمانية والحداثة (*) من جهة، والجميع لحاجتهم له لأنه يعكس بصدق المطالب المعاشة العادلة القابلة للتطبيق ويشير الى سبل تحقيقها، نحو التمدن والعدالة الأجتماعية في الظروف القائمة، من جهة اخرى , . وبمحافظته على موقعه غير التابع ذاك الذي سار عليه منذ البداية والذي شكّل جوهر نجاحه، في التعامل مع المتغيرات التي لاتنقطع .
   واخيراً وبمناسبة مرور الذكرى السادسة على بدء تأسيس الموقع، وهو يحقق تطورا فنيا كبيرا في آلية نشاطه، كحقل الأخبار، الترجمة الفورية للأنكليزية، الملحق الأدبي وموسوعاته وغيرها، اضافة الى اللوحات المعبّرة للفنانة المبدعة السيدة " نسرين حنا "، لايسعني الاّ تقديم اصدق مشاعر الودّ واطيب التمنيات لكاتباته وكتابه الأفاضل والى الأخوات والأخوة الأعزاء في هيئة التحريربشخص الصديق
" رزكار عقراوي " . . لجهودهم التي لاتفيها الكلمات حقها، متمنياً للجميع موفور الصحة والتوفيق من اجل الأهداف النبيلة . . من اجل قضية الأنسان في منطقتنا.

9 / 12 / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) التي يترتب عليها وعلى المتمكنة منها خاصة . . دعمه مالياً على الأقل، بتقدير اوسع المهتمين .



224
معاقبة مجرمي الأنفال وقضية مسيرة البلاد !
                        د. مهند البراك

فيما تتواصل الأختلافات بين اطراف الحكم على تنفيذ العقوبات التي اصدرتها محكمة الجنايات العليا، رغم كونها قرارات المحكمة التي شكّلتها هي من جهة، ورغم تصديقها من قبل محكمة التمييز العليا من جهة اخرى . . .  فانها تعكس ان الصراع بين القوى الحاكمة الأساسية مستمر وكونه لم يستقر بعد .
في وقت يرى كثيرون فيه، ان الحالة القائمة والوصفة التي اريد لها ان تحكم العراق على اساس المحاصصة الطائفية والعرقية، لم ولاتثبت جدواها بقدر ما تؤدي الى نشوء وتصاعد حالة رفض متنوّع للتدخل الأجنبي ورفض لتعمّق نفاذه في مفاصل البلاد، وبالتالي محاولته الأنفراد في تقرير مصيرها، سواء كان ذلك اميركياً او ايرانياً او تركياً . . اوعربياً. اضافة الى انها تعكس ان الأدارة الأميركية الحالية ـ باعتبارها اكبر القوى ـ لاتريد للبلاد ان تستقر الاّ وفق شروطها هي ... بعد ان اوصلت الحال الى ان كل مكونات العراق لاتريد لقواتها ان تغادر الآن، رغم تواصل طروحات مغايرة لعدد من القيادات .
   ورغم ان مفهوم العدالة مفهوم نسبي بحساب المكان والزمان، ورغم تزايد الميل العالمي الى رفض واستهجان عقوبة الأعدام . . فان واقع عالم اليوم لم يسقطها بعد، حيث انها لاتزال تطبق في عدد من بلدان اوروبا وعدد واضح من الولايات الأميركية اضافة الى دول عديدة اخرى في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية .   
   على اساس ان الهدف من الحكم هو الأقتصاص من مجرمين تسببوا بقتل وتعذيب وتشريد مئات آلاف من البشر المدنيين رجالاً ونساءاً واطفالاً وبأسلحة محرّمة دولياً . . خاصة بعد ان تم تجريمهم في محكمة اصولية علنية . وعلى اساس ان الهدف هو احقاق العدل مادياً ومعنوياً بعد فقدان وخسارة المجني عليهم حيواتهم وما مالكوا، وتثبيت واعطاء حقوق تعويضية للمجني عليهم وورثتهم وعائدياتهم بدل الأرواح والحقوق المضاعة. اضافة الى ان العقوبة تستهدف المنع والردع لمن يفكّر بأن يقوم بتلك الجرائم الشنيعة مستقبلاً ومن اي مكوّن عراقي، بحقّ ايّ مكوّن عراقي اخر او بحق اي شعب في المنطقة . 
   من ناحية اخرى، يتساءل كثيرون عن معنى تشكيل المحكمة ان كان لايمكن تنفيذ احكامها عملاً بمبدأ استقلال القضاء الذي يستكمله متخصصون مستشهدين بالنصوص الدستورية التي ترفض التدخل في احكام القضاء وتحديداً في : جرائم الحرب . . والعقوبات والإبادة الجماعيّتان .
   ويرون ان التفكير بمحاولة انقاذ حياة وزير الدفاع السابق لأسباب انسانية شئ، والتفكير بمحاولة انقاذ حياته كمحاولة لإعادة الأعتبار للجيش العراقي شيئاً آخر، حيث ان النظام السابق منذ بدايته وحتى انهياره عمل على تحطيم الجيش العراقي الباسل وتحطيم خيرة ضباطه واركانه اضافة الى ضباط صفه والجنود، من كل الأطياف . . وعمل على تشويه فكره وعقيدته، باحكام الأعدام وبالأغتيالات وبالقوانين العسكرية القاسية . . لصالح الفئات العسكرية التي حابت الدكتاتورية ونافقتها، ولصالح الأخرى المتنوعة التي تحكّمت بمصير الجيش ومنتسبيه .
   التي عملت بوتائر جديدة على تحطيم الجيش اثر بدء وحداته بالتمرّد على الدكتاتور ابتداءاً من العسكري الذي وجّه نيران سلاحه الى جدارية الدكتاتور في البصرة واثار النيران، حين اشتعلت انتفاضة ربيع 1991 وشاركت فيها وحدات من الجيش بآمريها . . . حتى تحوّلت وحدات الجيش العراقي الرسمي الى وحدات ممزقة عانت الأهمال تسليحاً وعُدداً وعانى الآلاف من منتسبيها وجنودها الأجباريين من التسليح الردئ ومن الجوع والفاقة والعوز . . لصالح الوية الحرس الجمهوري والحرس الخاص وقوات ( فدائيو صدام ) وقوات الطوارئ المتنوعة، ذات الدخول العالية والمسلحة بأحدث الأسلحة والتجهيزات الخفيفة والثقيلة، والصاروخية والراجمات والسمتيات، اضافة الى تسليح وحدات منها بالأسلحة المحرّمة دولياً .
   وبينما شهدت ساحات النضال ضد الدكتاتورية عشرات ومئات الضباط بمن كان فيهم من صنف القادة . . لمعت اسماء قسم منهم بعد ان قضوا ببطولة في ساحات النضال، فيما واصل آخرون ويواصلون، وتفرّق قسم آخر بين مسرّح او مهاجر اثر حلّ الجيش العراقي الرسمي منذ اربعة سنوات على يد السفير بريمر . . فان الكثير من العسكريين لايرون في وزير الدفاع السابق رمزاً للجيش العراقي ولا لصفحات نضال منتسبيه الوطني والتقدمي من اجل خير البلاد ورفعتها.
   وفيما تحذّر اوساط واسعة من الخلط الخطير بين الضباط العراقيين المهنيين الكفوئين وبين المجرمين الذي تسلموا مراكز حساسة بأوامر الدكتاتورية ، لدى البحث عن وسائل اعادة البناء والفاعلية للجيش العراقي وتأهيله بتوظيف كفاءاته لأستلام دوره . . يزداد القلق من ان احتمالات عودة اولئك القادة العسكريين لممارسة وشغر وظائف مؤثرة في اعلى السّلم الوظيفي بمراسيم او بقرارات استثنائية، كخبراء ومستشارين بداية، سواء من جرّم منهم في محاكم علنية او من مرّ دون تدقيق ضروري، تحت لافتة ضغط حاجة البلاد لمواجهة الأطماع  . . قد لن تؤدي الاّ الى اوضاع لاتختلف عما جرى ان لم تزيد عنها خطراً، والى احتمالات نشوء دكتاتورية عسكرية من نوع جديد  . .
   ان التوسط اللافت لعدد من كبار المسؤولين العراقيين الحكوميين من اجل عدم تنفيذ الحكم بوزير دفاع صدام! سلطان هاشم . . يثير تساؤلات كبيرة عمّا سيؤدي، هل سيحقق ذلك محواً لذلك الجرم الشنيع او مساهمة جادة في محوه، كتأديته مثلاً الى استقرار فعلي للعراق من اعمال العنف والأرهاب، ام سيزيد الطين بلّه ؟ خاصة وان الحديث يدور عن ضابط كبير من اقرب المقرّبين لصدام ووزير دفاعه لسنوات طويلة، لعب فيها ادواراً بارزة في تنفيذ سياسته بمسخ الجيش العراقي وتحويله الى مخلب للعدوان والشوفينية . . خاصة وانه حوكم في محكمة اصولية علناً، لم يقم فيها بادانة تلك العمليات الأجرامية بل سعى والى الأخير للدفاع عنها باعتبارها دفاعاً عن الوطن !!   
   ان الجرائم التي اقترفها قادة صدام، كوزير دفاعه، لايمكن النظر في التكفير عنها الاّ بالبدء بـ :
ادانتهم لتلك الأعمال الأجرامية، طلبهم  العفو من الشعب العراقي والشعب الكوردي خاصة عنها وانتظار نتائج تصويته على ذلك الطلب (*)، بدء الجماعات التي تتحرّك باسم السنّة بالقاء السلاح وتعهدها بالسعي لتحقيق اهدافها بالطرق السياسية الذي لابد وان يرتبط بحل الميليشيات الشيعية، بضمانة دول المنطقة . . والاّ فان ذلك شاء المرء ام ابى سيشكّل بداية لتعليق القضاء والعودة الى ( مكارم الرئيس القائد) التي لايخفى الى مَ اوصلت .
   وفيما تتواصل اعمال الأحتجاج على محاولات العفو، ويتواصل الحديث عن احتمالات (ظهور حقائق جديدة او توفّر حاجات جديدة)، وعن اتفاق مسؤول عسكري اميركي مع ممثلي عشيرته مقابل تسليم نفسه حينها، وعن لماذا لايقدّم كبار رجال الأفواج الخفيفة الكوردستانية التي شكّلتها الدكتاتورية الى المحاكمة، من الذين قاموا بادوار لاتقلّ خطورة ان لم تزيد ضد شعبهم هم . . في وقت يدفع البعض فيه باتجاه الأسراع بتنفيذ الحكم على سلطان هاشم لقطع الطريق امام امكانية تفاهم قد يكون في طريقه الى ان ينشأ الآن وخاصة مع العشائر ؟ !! . . .
   تعتصم الحكومة بالصمت عن ذكر الحقائق الواقعية، باعتبارها اسرار الحكومة !! رغم الشحيح المتضارب الذي يتسرب عن مدى وحجم حركة صلات الحكومة بالعشائر العربية وباطراف تحمل السلاح بوجهها، ومدى استعدادها  لألقائه بمقابل ما . . لايُعلن عن كُنهه ؟؟
   ان عدم مصارحة الشعب في هذه الظروف القاهرة، واللجوء الى سياسات الأسرار في القضايا الأكثر حساسية كهذه، في دولة يراد لها ان تكون دولة مؤسسات، سيجعل  الحكومة في صراعات يومية متواصلة بين مكوناتها، تدمّر بها كياناتها ذاتها بدل تشذيبها وسد ثغراتها وتقويتها، في سعيها لإيجاد حلول للمشاكل والمعضلات التي تحيكها او تتسبب بها او تحرّكها القوى المتنفذة غير العراقية اقليمية كانت او دولية، اعتماداً على مسيرة تشديد دعمها ورفضها، لهذا المكوّن او ذاك على التبادل . . في سعيها لتحقيق غاياتها هي، على حساب الشعب العراقي باطيافه القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية، في ادامة التصدّع العراقي والسير على اساسه في اطار (عراق موحد) على طريقتها . .   

29 / 11 / 2007 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لأن الحكم كان قد صدر عن المحكمة العليا وتم التأكيد عليه في قرار محكمة التمييز، وفق الأصول
     القانونية .

225
               
حول دور الأحتكارات النفطية في العراق !
                           2 من 2
                        
د. مهند البراك

وفيما يرى متخصصون في الشؤون العسكرية واللوجستية، ان مكونات السوق السوداء تلك، كانت السبب المباشر لقدرة انواع العصابات ومجاميع الأرهاب والأسلحة على التسرب الى البلاد، ولأمكاناتها في الحركة غير المقيّدة داخلها. . اضافة الى كون انها السبب الأساسي للقدرة على تسريب النفط الخام من البلاد بكميات فلكية بحماية انواع الميليشيات الطائفية هذه المرة اضافة الى انواع عصابات الأجرام التي تطعمت بالعناصر الفاسدة من عناصر المرتزقة وشركات الحماية الخاصة المتعددة الجنسية، وممن محسوبين على العملية السياسية وفي داخلها، الذين تعج بنشر نشاطاتهم وافعالهم الصحافة ووكالات الأعلام المحلية الأقليمية والعالمية  . 
   مؤمنة بذلك سيلان النفط رخيصاً الى اطراف من مكوّنات عين تلك الأحتكارات النفطية المتعدية الجنسية بعد ان ازدادت تنوعاً عن السابق (1) ـ بما فيها من مساهمين عرب وغير عرب من الجوار، كحكومات اواشخاص متنفذين اوشركات (2) .  .
   التي تحاول من جانبها وبكل قواها وبكل ثمن وفريق . . اطالة الأزمة العراقية والأبقاء على حالة عدم الأستقرار في البلاد ، للحفاظ على ارباحها تلك وزيادتها سواء كانت وفق عقود اصولية او في السوق السوداء . . والبلاد تتدمر ـ كشكل من اشكال تطبيق مبدأ ايزنهاور بتحطيم منابع النفط ان لم يُتمكن من حمايتها، بتقدير خبراء ـ  ولتزيد من الفوضى والعنف، اضافة الى زيادة خسائر الدولة المالية واعاقة تطبيق برامجها للبناء، من جهة.
   ولأجل انجاح محاولاتها هي في فرض وجهتها واهدافها على الصعيد الأقتصادي الأجتماعي الداخلي ، وبالتالي العسكري والسياسي، من جهة اخرى، في ظروف مشجعة لها بسبب مواقف عدد من الدول الأاقليمية التي تخشى نهوض العراق مجدداً، خوفاً من تاثيره على انتاج واسعار نفطها خاصة والنفط عموماً، والذي ستتضرر من ورائه بتقديرها !!
   الأمر الذي يؤكد صحة اقوال اكثر من خبير نفطي عراقي، سواءاً تلك التي تناقلتها صحف عراقية معروفة ووكالات انباء دولية وخاصة في مطلع شهر تموز الماضي، والتي افادت بـ : " ان اكثر من نصف النفط العراقي الخام يذهب الى جهات مجهولة نتيجة عمليات سرقة منظمة تشترك فيها بعض الدول وشركات دولية كبرى . . " . مشيرة بالأسم الى دول اقليمية خليجية وكيانات ومؤسسات نفطية عراقية ضالعة في تلك العمليات، الأمر الذي اكدته مصادر نفطية اقليمية اخرى من مصادرها هي، اضافة الى اعراب مسؤولين كبار في هيئة النزاهة الوطنية حينه عن عقبات كبيرة تواجهها الهيئة في مجال تعقّب ملفات الفساد الأداري الضخمة في وزارة النفط .
   ان نظرة سريعة الى دور النفط العراقي الغزير والعالي الجودة والسهل الأستخراج والتصدير للعالم عبر البحر الأبيض المتوسط، والعائد الى بلد متنوع الخيرات والثقافات والقوميات والأديان والفكر والتكوينات والطاقات والكفاءات في منطقة خليج النفط . . ان تلك النظرة الى دوره في المنطقة والعالم، يمكن ان تلقي ضوءاً هاماً على اسباب استعصاء الأزمة العراقية :
   لقد دخل النفط العراقي وبالذات نفط بابا كركر المعروف آنذاك، كسبب هام من اسباب اشتعال الحرب العالمية الأولى لتكالب الدول الصناعية عليه وخاصة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الحديثة التواجد في المنطقة آنذاك، ودخل كسبب اساسي في تحديد خارطة المنطقة الأقليمية الجديدة في ضوء نتائج تلك الحرب العالمية وبالتالي في رسم حدود دولة العراق الوليدة . . اثر رفض مكونات شعوب وادي الرافدين باطيافها ـ بالتالي شعب تلك الدولة ـ  وبشكل عام . . الأحتلال وصيغة الأنتداب (3) .
   وقد ادىّ رفض الجانب العراقي بعد ذلك لتصديق مسودات عقود النفط الأولى التي عرضتها الأحتكارات النفطية الغربية عليه بصيغ " بلا قيد ولاشرط " ، الى اسراع الأحتكارات اكثر في تكثيف التنقيب عن النفط في السعودية والكويت والبحرين اضافة الى الغاز في قطر (4)، التي كان ممثلوها يستعجلون ممثلي التنقيب التوقيع على الأتفاقيات المماثلة لما طرحت على العراق، اضافة الى استعجالهم للتوقيع على الأتفاقيات التي تطلق يد الأحتكارات اكثر مقابل دعم من كان يؤهّل من اولئك المُمثلين او يُدعَم لتولي الحكم . .  بعد ان عثر على النفط والغاز فعلاً هناك في ذلك الوقت .   
   الأمر الذي ادى الى المباشرة في انتاج وتصدير النفط من دول وامارات وتكوينات الخليج آنذاك، والى تواصل التنقيب الكثيف عن النفط وتحديد اماكن آباره في العراق، واعتماد الأنتاج والتصدير غير الكامل من نفط كركوك بشكل اساسي، وتأجيل الأنتاج والتصدير في الحقول التي تم تحديدها في اراضي العراق، وخاصة في زمن الملك غازي .
   من جانب آخر، فان نجاح ثورة 14 تموز عام 1958 التي كانت مفاجأة كبيرة للأحتكارات النفطية، ثم صدور قانون 80 لعام  1961 القاضي بتأميم اكثر من 98 % من الأراضي الخاضعة لأستثمارات الأحتكارات النفطية . . ادىّ بالأحتكارات الى تقليل انتاج النفط وتصديره من العراق بشكل ملحوظ في تلك الفترة، وحتى ايقاف انتاجه بدعوى عمليات الصيانة . . لأعاقة الجمهورية الفتية من الحصول على العملات الصعبة، وبالتالي لأعاقة تمويل مشاريعها في الأصلاح .
   وبعد ان عملت حثيثاً لخلق وتوسيع الفتن ولشق وحدة كلمة مكونات الطيف العراقي الأساسية، استطاعت اسقاط حكم الجمهورية الأولى، الذي تم في انقلاب عسكري دموي في شباط / 1963 كان الأول من نوعه في تأريخ العراق الحديث، من حيث سعة أعمال القتل والتعذيب والتصفيات الجسدية، بحق القوى الوطنية والديمقراطية والقومية التحررية عربية وكوردية ومن كل الأطياف العراقية. . الذي فتح الباب عريضاً لنشاط الأحتكارات النفطية الغربية التي بدأت بالضغط على منافسة المؤسسات النفطية العائدة للدول الأشتراكية العاملة في العراق آنذاك ساعية لألغاء عقودها، اضافة الى تجميد والغاء الأعمال التي كان يقوم بها قطاع وطني ناشئ . . (5).
   لتبدأ بعدئذ بسلسلة نشاطات ونتائج، وصلت الى مرحلة جديدة في تنظيم عملياتها ابتدأت بـ (ثورة بيضاء) في تموز 1968 قطعت الطريق على تزايد احتمالات مجئ بديل وطني تقدمي . . حيث دعمت واتت بحزب البعث جناح البكر ـ صدام، وبالتالي بالدكتاتور صدام للحكم، في ظروف دولية واقليمية كانت تشهد تصاعداً في نشاط الحركات والأحزاب الراديكالية والأشتراكية والقومية التحررية، عربية وغير عربية، ابتدأت بردود الفعل الشعبية على نكسة 5 حزيران، وظهور حركة المقاومة الفلسطينية، وتصاعد الثورة الكوردية القومية التحررية . . وحتى انتصار الثورة الأيرانية .
   ليبدأ الواقع الذي تحوّل اليه المجتمع العراقي باطيافه، والذي لم يعرف من النفط الاّ بكونه آلية لم تجلب له سوى الدمار والمرارات والأحزان، وترى قطاعات ليست قليلة بانه قد لن يسمح للعراق بامتلاك امواله من عائدات النفط، لأن ( الأحتكارات جرّبت ماذا سيعمل العراق اذا امتلك امواله )، رغم ان اطرافاً نافذة منها هي التي سهّلت وصول حزب البعث للسلطة وسهّلت مجئ الرئيس السابق الذي اسقطته بعد ان لم يعد ينفعها، والتفاصيل لايتسع لها المقال . ان المرارة التي تسببها النفط في تاريخ البلاد، جعل اوساطاً منها تدعو لأنواع المقايضات من اجل انقاذ البلاد وتحقيق حياة افضل الآن وليس في خيال المستقبل . . بعد ان لم تثمر الوعود .
   ان السؤال في مراحل اليوم يدور عن اهمية الأصطفاف الى اقطاب دولية ومراكز قوى قادرة على ضمان الأمن في البلاد وعودتها الى حياة طبيعية بحماية قانون فاعل على اساس الفدرالية والتساوي بالمواطنة، مقابل تسهيلات مقبولة في عقود النفط الجديدة، بعد ان غرقت بديون فلكية لايمكن تصفيتها وجدولتها الا بدعم دولي، في ظروف لاتكف فيها اوساط ايرانية بمطالبتها بتعويضات هائلة، اضافة الى تشدد دولة الكويت في ديونها . . مضافاً اليها تكاليف اعادة البناء والتسلح ونفقات القوات المتعددة الجنسيات، في ظروف اعمال عنف داخلية هائلة تلعب فيها دول الجوار ادواراً صارت واضحة .
   ويدورعن ضرورة الأعتدال واستيعاب ظروف ومنطق اليوم . . والكف عن النفخ بـ (التاريخ العريق)، والهروب بالأحلام الى الماضي الغابر الذي نريد تجديده بـ (الفورات العاطفية) دون معرفة حقيقية للأسس ولامن اين المنطلق، والكف عن استصغار تجارب الآخرين، وعن نزعة تزعم الآخرين ! فأن استثمار النفط في اغناء الحياة الوطنية لايتم بالتمنيات والشعارات فقطً ؟ وانما بالتوافق الوطني وبالقدرة والمرونة المتعددة الأسس والمعارف، على انتاج وتسويق النفط واستثمار عوائده.
   والاّ فان البلاد ستغرق اكثر في الطائفية وفي سياسات الحروب والمطامع الأقليمية، التي تسعى اطراف هامة من الأحتكارات النفطية لأبقائها واحتوائها واللعب على اطرافها من جهة، في وقت تسعى فيه احتكارات السلاح من جانبها الى زيادة حدتها وتسعيرها لأهدافها العسكرية ولـ ( تحقيق صفقاتها الواعدة ) من اسلحة ووسائل دفاع وصيانة الى تحريك وهجوم في بقاع اوسع . . في اغنى مناطق عالم اليوم، وفي زمان التناقضات العاصفة العولمية الهائلة . .
   في ظروف تتغيّر فيها وجهة وتكتيك القوات الأميركية في الواقع العملي سواءاً في مواجهة القاعدة و في كيفية تحقيق وضع امني ضروري لبناء البلاد، اوفي ماهية (الديمقراطية) الممكنة والضرورية المتفاعلة مع الواقع الأقليمي . .  اثر المعوقات وحركة تطور واقع  البلاد، رغم  عدم تكامل وضوح خططها وتكتيكاتها بالكامل، وبعد مالعبته القاعدة وبقايا النظام المنهار في اثارة النعرة الطائفية، ومالعبه اعلان الأحتلال ونظام المحاصصة الطائفية (المقر دستورياً) ، وما يتسبب به الأرهاب الديني الطائفي والسياسي  المتواصل .
   وفي الوقت الذي حرّضت فيه الأحتكارات النفطية الغربية على الحرب، التي حققت فيها هدفاً هاماً من اهداف ستراتيجها في اخضاع حاجات المجمعات الصناعية الآسيوية من النفط الى قرارها، والتي زادت من فرص اطلاق يدها في البلد النفطي العملاق، العراق. يصعب القول ان كل الذي صار في البلاد الى الآن هو نتاج لخططها فقط ومنذ البداية، فاضافة الى خطورة دورها، لعب تطور الأحداث وافعالها وردود الأفعال المتنوعة في البلاد والمنطقة والعالم وخاصة ارهاب القاعدة وادوار الجوار، وتغيّر سياسة الأدارة الأميركية وحجم نفقاتها، ادوارا اوصلت البلاد بالتكامل الى حالتها الراهنة  . .
   في بلاد نفطية غاية بالثراء، لعبت الأحتكارات النفطية الغربية دوراً اساسياً في تقرير نوع الحكومات التي حكمتها منذ تأسيس الدولة العراقية وفي فترات تاريخية متنوعة . . الحكومات التي عطّلت وحطمت بانفرادها ووحشيتها طاقات البلاد العلمية والثقافية والسياسية، ووضعت باستبدادها حركاتها السياسية، واحزابها في مآزق وضغوطات " موت او حياة " اشغلتها وتفرغت اساساً لمواجهتها، اضافة لما تركته طبيعة مراحل الصراعات العالمية والسلوك تجاهها، واوضاع المنطقة وتفاعلاتها وتأثيرها . . على تكوينها وتجارب ارثها.
   في ظروف العولمة واعادة تشكل الشركات المتعدية الجنسيات وتزايد تركّز الأحتكارات الأضخم التي صارت هي ذاتها تضمّ اجنحة تتصارع باشكال متعددة العنف بادوات محلية او اقليمية، يتداخل قسم منها بقسم من اطراف الموجة الدينية والأرهاب الديني والطائفي، وفي ظروف انعدام التضامن العربي على اساس الرفاه والتقدم الأجتماعي، وقصور تضامن الدول المصدرة للنفط اوبك . . فيما تجري ضجة حول تسابق للأستعاضة عن النفط الخام في مجالات توفير الطاقة والمحروقات !! (انتهى)

24 / 11 / 2007 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   وغيرها من اوساط تجارية متنفذه في السوق السوداء .
(2)   راجع وقارن كتاب " الأرتباطات السعودية " ، روبرت باير، دار بيرتلسمان 2003. بالألمانية.
(3)   راجع غريترود بيل، الأوراق الشخصية  1914 ـ  1926 ، اليزابيث بيرغوين . المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ  بيروت، 2005 .
(4)    والى توسيع استثماراتها واستخراجها النفط في المحمرة واهواز. . راجع مذكرات محمد حديد ، دار الساقي ، لندن 2006 .
(5)   راجع وقارن : مذكرات هاني الفكيكي ، مذكرات طالب شبيب " عراق 8 شباط من حوار المفاهيم الى حوار الدم " ، " كتاب العراق " ـ حنا بطاطو . . حول انقلاب شباط 1963 .

226
               
حول دور الأحتكارات النفطية في العراق !
               1 من 2
                        
د. مهند البراك      
اعتمدت الشركات ثم الأحتكارات الدولية في التنقيب عن الخامات الثمينة كالذهب والماس واخيراً النفط الذي تربع على عرش الصناعة والنقد والعملات . .  اعتمدت وسائل وآليات غاية في التنوع لتأمين تلك الخامات الثمينة لها وحدها، وخاضت صراعات كان في غالبها عنفياً سواءاً مع اهل البلاد الأصليين او مع الشركات المحلية ومع الأحتكارات المنافسة لها .
وقد اقامت الأحتكارات النفطية في بلدانها الصناعية الأكثر تطوراً علاقات كثيرة التشابك والتداخل، سواءا مع الطبقات والفئات الحاكمة واحزابها او مع الفاعلة منها من خلال افراد او فئات، ومع القوات المسلحة، المصارف، مؤسسات البحث العلمي والأستكشافي وغيرها، من جهة .
ثم اقامت علاقات مع المؤسسات المماثلة لها في دول صناعية اخرى، اضافة الى اقامتها الأتحادات والأحلاف النفطية الصناعية المالية، التي تجمع في مكوناتها مصالح تتنوع من تشابه الأهداف والطموحات، الى التعاون لمواجهة الصعوبات والعقبات، في البلدان المنتجة للمواد الخام ـ المتأخرة منها و التي تطوّرت ـ  مهما كانت سبل الأنتاج والتصدير، سواء كانت سلمية باتفاقات وفق القوانين المعمول بها اصولياً، او وفق اتفاقات غير معلنة . . او بالتدخل العسكري .
   لقد تطوّر نفوذ الأحتكارات النفطية عن السابق، حتى صارت تلعب ادواراً واضحة في رسم وتحديد سياسات دولها ذاتها في مواقفها السياسية تجاه الدول المنتجة للنفط، ووصلت الى حدود قصوى في دورها الهام في قضية اعلان الحرب والسلام، في مقابل تحقيق ارباح كبيرة بل وفلكية لها بشكل مباشر او غير مباشر بتحقيقها تلك الأرباح للدخل القومي لبلدانها، سواء كان في التنقيب وتصدير النفط الخام ام في اسواق بيع وتصريف المنتجات النفطية بعد تصنيعها .
   وكانت هي التي تسببت في اشتعال الحرب العالمية الأولى والثانية، من خلال اهدافها باعادة تقسيم مناطق الخامات وبالتالي الأسواق،  وبسبب التنافس الشديد لتحقيق اعلى الأرباح، ولعبت ادواراً كبيرة في تغيير خرائط العالم من جهة، وفي تصاعد وبروز المجمع الصناعي ـ العسكري الأميركي، الذي استطاع ـ بمكوناته المتعددة ـ اثر نتائج الحرب العالمية الثانية والى حدود كبيرة، تحقيق تفوقه العسكري على خصومه ومنافسيه في العالم الرأسمالي وحقق هدفين اساسيين فيما يخص قضية النفط في العالم .
   الهدف الأول، فرضه تسعير النفط الخام بالدولار الأميركي، والهدف الثاني فرضه تقنين التسلّح وتحديده على الدول الصناعية الكبرى في مستوياته المتنوعة، وجعله الدول النفطية تعتمد عليه وحده ـ بشكل مباشر او غير مباشر ـ سواء كان بالتدخل العسكري المباشر، او بانفراده بتسليحها وفرضه نوعية التسليح وفاعليته . . وجعلها بالتالي تابعة له في شؤون الدفاع عن نفسها وعن حقولها النفطية . . الأمر الذي تعزز اكثر بانهيار القطب المعادل السابق . 
    لقد اظهر انهيار جدار برلين وسرّع من احداث تغييرات كبيرة في اسواق النفط العالمية، فاضافة الى ظهور البلدان النفطية الغنية المستقلة حديثاً حول بحرقزوين وغيرها، برزت روسيا كعملاق مصدّر للنفط والغاز والمستعد لتلبية حاجات دول اوروبا الصناعية بالغاز . . وبرز قطب نفطي عملاق اكبر يتزايد في الكبر والنفوذ، ويتحرّك بعيداً عن تسعيرات السوق والبورصات والضوابط القانونية والأحصائيات العالمية، هو قطب السوق السوداء الدولي لتجارة النفط، الذي لم تتردد الأحتكارات النفطية الدولية في التعامل معه وتوسيعه، لتحقيق اعلى الأرباح لها، متسببة بذلك في زيادة الفوضى العالمية في عالم النفط، ومتسببة بتكوين ضغوطات فائقة على المواقف الأقتصادية والسياسية والقانونية لدولها ذاتها. بل واخذ الأمر يتوسع مؤدياً الى  ضياع الحدود وضياع الخطوط الحمراء التي كان قد جرى الأتفاق عليها واعلانها في سياسات الدول الصناعية الكبرى ومواقفها تجاه الأنظمة السياسية والحكومية في البلدان النفطية النامية . . مادام النفط يسيل رخيصاً ومادامت ارباح اعلى تتحقق .   
   من ناحية ثانية فان السياسة التي اعتمدتها الأحتكارات النفطية من خلال حكوماتها، في عقد الأتفاقيات النفطية بفرض احتفاظها بعائدات البلدان المنتجة للنفط لديها، بصيغ ودائع مصرفية قادرة هي وحدها على استثمارها. و بفرضها على البلدان المنتجة النامية شراء السلع المصنّعة في الدول الصناعية تلك وخاصة الأسلحة ( كسلع  تحقق اعلى الأرباح لأستهلاكها السريع في النزاعات المسلحة ) ، وفرضها عقد المعاهدات العسكرية العلنية منها والسرية . . التي وظّفتها لأشاعة الخوف والقلق بين دول المنطقة النفطية، لأبعاد شبح قيام اي اتفاق او تعاون فيما بينها من دون موافقتها، احتراساً من ان يؤدي ذلك الى تقوية بأسها بمواجهتها ويؤدي الى مطالباتها باعادة النظر بالأتفاقات النفطية المبرمة معها.
   وعلى ذلك يرى خبراء نفطيون بأنه لم يحصل ولايمكن حصول اتفاق حضاري اخلاقي في ميادين النفط ، الذي هو وليد نتائج صراع قوى علني اونتائج حروب ظلام . . تقرر ويتقرر فيها القوي الذي يفرض شروطه والضعيف الذي لابد له من مداراة حقوقه وفق حقيقة اوضاعه وقدراته، ومن اعتماده الحكمة والمعرفة والسعي لدى جهات واحتكارات اخرى للحصول على عروض افضل وللتقليل من خسائره، وللأنطلاق من واقعه الى واقع وميادين افضل . . والاّ فأن الأحتكارات النفطية باخطبوطها العالمي الهائل المترابط باسواق السلاح وصناعة الحروب وتشريع القوانين، قادرة على ادخال البلدان المنتجة للنفط في معضلات لاانفكاك سهل منها حتى الآن .
   وعلى ذلك فان الأحتكارات النفطية لاتقبل الخسارة بسهولة، وانما تقوم بانواع الفتن والحيل والدسائس لتغيير نظام الحكم في بلد ما لتحقيق مصالحها، كما حصل في انقلاب شباط 1963 العسكري الدموي، وفي الأنقلاب على حكومة د.مصدق في ايران عام 1952 . . او للأيقاع بالبلد المعني، سواءاً في فخ حرب اقليمية تؤدي الى تدمير البلد او تؤدي الى حصاره ومقاطعته، او في فخ حروب ونزاعات اهلية داخلية . . تضعف سيطرة الدولة ورقابتها على مرافقها وفي طليعتها مرافق النفط، الأمر الذي يدفع بالبلد الى ذهاب اقسام من نفطه الى السوق السوداء لتحقيق موارد مالية سريعة .
   ومن جهة اخرى فأن الأحتكارات النفطية بعدم سماحها بتحويل عوائد النفط نقداً الى البلدان النفطية الغنية المتوسطة التطوّر او ذات التوجهات والأيدي الفنية القادرة على الأنتاج المستقل . . ودفعها ايّاها لها بشكل صفقات اسلحة اومشتقات نفطية مصنعة لديها . . فانها اضافة الى ضمان تحكّمها بها بذلك، فانها تعيق عمليات التطور الأقتصادي الأجتماعي الحضاري لتلك الدول، كما فعلت حين لم ترضَ عن اجراءات حكومة عبد الكريم قاسم في قانون رقم 80 للعام 1961، واسقطت حكمه.
   وكما فعلت لمواجهة القفزة الهائلة في عوائد العراق النفطية مطلع السبعينات بسبب فورة اسعار النفط في العالم . . فتحرّكت لدفع الدولة العراقية  الى تبذير تلك الأموال الفلكية، في مشاريع (التنمية الأنفجارية) الفاشلة، ثم في تشجيع الدكتاتورية الغبية بمختلف السبل على تبذيرها في التسلح الهائل المنسجم مع تطلعاتها العنجهية في السيطرة والتوسع وبالتالي في اعلان الحرب على ايران، التي تسببت بنزيف شديد في مالية الدولة . . فخرجت الدولة العراقية الثرية من الحرب وهي محمّلة بالديون، لتقوم بحماقة اخرى في احتلالها للكويت الشقيق . . الأمر الذي ادىّ ـ اضافة الى الخسائر الكبيرة التي مني بها البلد الشقيق ـ الى تصاعد ديونها الفلكية هذه المرة، و الى اعلان الحصار عليها .
   الاّ ان الدكتاتورية استمرت في سلوكها داخلياً واقليمياً ودولياً ـ ليس دون دعم اقطاب نفطية ـ رغم الحصار ورغم المعاناة المتفاقمة للشعب العراقي جرّاء ظلمها وجراّء استخدامها للحصار للتضييق اكثر عليه بكل اطيافه. . وسعت الى تقوية نفسها بتسويقها النفط بكل طرق السوق السوداء، اضافة الى رشوتها وشرائها شخصيات ورجال دول وحكومات، و(شرائها) مواقف دول اقليمية عربية وغير عربية وغيرها، بهبات النفط المجانية او بالنفط الرخيص بشكل لامسؤول  . .
   وانشأت محطات وصهاريج برية مخفية في طول البلاد وعرضها، بعد ان قام رجالها باحداث انواع الثغرات المتحكّم بها في انابيب نقل النفط الخام . . وانشأت اساطيل برية وبحرية ونهرية ومراسي لنقل النفط وبيعه في السوق السوداء بتسهيلات مدفوعة من اوساط متنفذه في غالبية دول المنطقة  . . اضافة الى خلقها جيوش من المهربين الذين كانوا يحققون ارباحاً اسطورية بحماية الدكتاتورية وتخطيطها وبامكاناتها الفنية، لتحقيق الموارد التي امّنت لها استمرار حكمها الدامي، على حساب شعبها المتضوّر جوعاً ومرضاً وحرماناً .
   من ناحية اخرى فقد تعاملت اطراف هامة من الأحتكارات النفطية الدولية مع النفط المهرّب واشترته وتشتريه بابخس الأثمان، وقامت بتشجيع وانشاء عشرات الشركات الوسيطة للحصول على ذلك النفط الرخيص . . الأمر الذي ادى الى ان تلعب اطراف الأحتكارات الغربية تلك اضافة الى المنافسة الآسيوية لها، ادواراً هامة في اطالة امد بقاء الدكتاتورية، كما كشفت عنه وعبّرت مختلف وكالات الأنباء والصحافة العالمية والأقليمية والداخلية.
   واخيراً فان استمرارتلك النشاطات الغير قانونية، واستمرارهياكلها والقائمين عليها والعاملين فيها، طيلة اكثر من خمسة عشر عاماً مضت . . موظفة ومطوّرة الأرضيات والتغيرات الأقليمية التي طرأت على المنطقة طيلة سنوات الحرب العراقية ـ الأيرانية التي سبقتها . . جعل من المنطقة والعراق بالذات قطباً اقليمياً ودولياً هاماً للسوق السوداء ولأشكال النشاطات غير القانونية الأخرى، التي تفاقمت بشكل اكبر مجدداً اثر الحرب واعلان الأحتلال وقيام حالة الفوضي ونشاط انواع الجماعات المسلحة.

(يتبع)

22 / 11 / 2007 ، مهند البراك

227
         
اللاجئون العراقيون وشرط ( الخدمة العسكرية) !!
                        د. مهند البراك

برز العراق بكونه احد ابرز دول العالم ثراءاً، وبمواصفاته الجيوبوليتيكية والتاريخية المعروفة  . . . كأحد اشهر البلدان التي يهرب منها ابنائها رجالاً ونساءاً واطفالاً، من مختلف الأطياف وعلى طيلة مراحل لم تنفك عن الأزدياد والشمولية . . حيث يهرب ابنائه ويغادروه وهم ممتلئين الماً وحسرة على وطنهم الذي تعلّقوا واعتزّوا به وخسروه وأُجبروا على مفارقته، وهم يقدمون على آفاق المجهول .
وفيما كانت الأسباب تتمحور على الأضطهاد السياسي والقومي والديني بداية . . اخذت الأسباب تتزايد وتتسع شمولية وصارت لاتتعلق بموقف او بصراع مع حزب ما او بموقف من نظام بعينه . . بقدر ماصارت هرباً مبكياً من حياة جميلة تشبثوا بها وعملوا ويعملون مابوسعهم على احيائها في بلادهم هم، في ظروف تزداد وحشية وشراسة بسبب الأحتلال، الأرهاب المنفلت المتفاقم الذي فاق كلّ التصورات والذي اخذ يؤدي باوساط واسعة الى ان ترتعب حتى من فكرة انسحاب القوات الأميركية .
   في معادلات متداخلة غير واضحة المعالم ولم يعلن عن حقيقتها، اخذت تلعب فيها دول الجوار بمباركات اعلى او بدونها، ادواراً هائلة منظورة وغير منظورة، لاتهدد الاّ باحتمالات اندلاع حروب وحروب جديدة يستمر فيها شعب العراق وقوداً لأدامتها وسط جدران معتمة تحول دون النظر الى كيفية استمرار تدفق النفط سبب الأسباب . . الى الغرب، رغم كل المصائب.
   حروب صارت مخاطرها النووية شبحاً وحشياً قائماً يثير الرعب والخوف، في وقت  تعاني البلاد فيه وتئنّ من نتائج تأثيرات الأسلحة الكيمياوية واسلحة اليورانيوم والمواد المشعة المتنوعة وغيرها التي استعملت في فترات ماضية متنوعة ومن اطراف متنوعة، لم تعرف في صراعها والى الآن حقوق العراقيين ابناء البلاد ولم تبالِ بمصائرهم كبشر . .
   ورغم انهيار الدكتاتورية والبدء بانشاء دولة المؤسسات على اساس نتائج انتخابات جرى اجراؤها، وعلى اساس القيام بعمليات لأكتساب الخِبَر، باعتبار ان (العملية الديمقراطية) لاتتم بضربة واحدة، ورغم معوقات عودة القسم الأكبر وعودة قسم آخر ورغم الفساد الأداري والسرقات الخيالية ورغم ورغم . . يتواصل النزيف مرعباً مدمراً مهما تهادى احياناً حتى صار يشمل كل المكونات والأطياف العراقية لأسباب كثيرة التنوع والمصادر لاتدفع باهله والشباب منهم على الأخص الاّ الى ترك البلاد باي ثمن . . والى حيث القت !!
      ان الضغوط والوجوه العابسة ـ دع عنك السجون والصوندات والجزمات ـ والرفض (القانوني) الذي تواجهه عشرات آلاف العوائل العراقية الهاربة من (جحيم الوطن) في دول العالم، الذي اخذ يزداد تعقيداً بسبب انتمائها العربي والأسلامي . . يطرح عشرات الأسئلة عن مسؤولية الأدارة الأميركية، باعتبارها هي التي اشعلت الحرب من جهة وباعتبارها المسؤولة الأولى عن الحالة العراقية سواء بواجباتها التي نصّت وتنص عليها اللوائح والأتفاقات والعقود الدولية كـ " دولة تمارس الأحتلال" من جهة ولكونها صاحبة القوة الأولى عسكرياً وسياسياً في عالم اليوم .
   وفيما تسدّ الأبواب امام العراقيين في كل انحاء العالم وتُجَمّد قوانين اللجوء المعمول بها تأريخياً بوجههم، محوّلة ايّاهم الى تجمعات بلا وثائق معمول بها وبلا هوية وبلا سماح بممارسة عمل، كي يعملوا وفق مشيئة ربّ ايّ عمل من الأعمال التي يأنف منها المجتمع المعني . . كتجمعات تتركّز في دول الجوار بشكل اخصّ بحكم سهولة الوصول اليها حتى على القدمين . . وفيما تنتظر الوف العوائل العراقية فيها قرارات دوائر الهجرة  بلا طائل،  متحوّلة بذلك الى حالة اضخم بما لايقاس من حالة اللاجئين الفلسطينيين الذين اجبروا على ترك مرابعهم عام 1948 وبنفس آلية الخطى التي رمتهم متناثرين في بلدان جوارهم في الأردن، سوريا، مصر وجنوب لبنان (*) . .
   بدأت دوائر الهجرة تشترط على العراقيين المتقدمين للهجرة الى الولايات المتحدة ( بعد ان فرضت عليهم الهجرة اليها) ، التوقيع على تعهد يوافقون فيه على ان يخدم ابنائهم في الجيش الأميركي !! كي تتم الموافقة على هجرتهم الى هناك ! حيث تتم الأجابة على طلباتهم ايجاباً بعد ثلاثة شهور من تأريخ تقديم الطلب، والاّ فأن انتظارهم سيكون لانهائياً .
   رغم انه من المعروف ان الخدمة بالجيش الأميركي تطوعية وعلى اساس عقود عمل يجري تحديدها اوتجديدها . . الأمر الذي ان كان يذكّر بموافقة الأدارة الأميركية على منح ملايين المكسيكيين والبورتوريكيين واللاتينيين العائشين في الولايات المتحدة الأميركية، الذين جرى التغاضي عنهم بعد ان أُجبروا على العمل في مجالات التنظيفات واعمال العضلات ومهن الليل وبأية اجور يفرضها ربّ العمل . . . حين وافقت ادارة الرئيس بوش على منحهم الكارت الأميركي الأخضر بشرط التطوّع في الجيش الأميركي الذاهب الى حرب العراق .
   فأنه يلقي اضواءاً ساطعة على ماهية حقيقة توجهات ادارة الرئيس بوش ووجهتها في اشعال الحرب من جهة، وعلى ما ستكون عليه حالة الشرق الأوسط القادمة ان استمر السير على هذا المنوال المتلاطم، الذي قد تكون ملامحه بدأت بالظهور . . بمخاطر تعشعش وانتشار الأرهاب، تصاعد العنف والصدام في عموم المنطقة ومشاكل الضفة والقطاع، اضافة الى وجود اعداد العراقيين الهائلة الهائمة بهذا الشكل في دول الجوار التي اخذت تلعب دورا لايمكن اخفاؤه وبشكل خاص رؤوس الأموال الفلكية والكبيرة التي حملتها وتحملها اوساط منها، اضافة الى تكوينها الواسع للأيدي العاملة الماهرة رخيصة تاتي وتجبر على المغادرة عند الطلب، او دورها في تصريف المنتجات المحلية واستهلاكها، واستصلاح المناطق النائية باجبار اللاجئين على السكن فيها، وغيرها، اضافة الى حرف الصراعات الأجتماعية والطبقية الجارية في المنطقة . . الى صراعات عرقية وطائفية، جهوية ودولتية، ثقافية ودينية وسايكولوجية اجتماعية. . اخذت تتصدّرها اقطاب اقليمية ومن الجوار.
   في وقت تزداد فيه نداءات العلماء والمفكرين وتتزايد فيه الفعاليات الشعبية في دول العالم، التي تدعو الى تخفيف سياسات الحروب والمواجهة وتصعيد وافتعال الصراعات العرقية والدينية والطائفية، ومن اجل السلم والصداقة بين شعوب العالم لمواجهة التحديات الخطيرة التي يواجهها عالم اليوم ابتداءاً من كارثة سونامي .

15 / 11 / 2007، مهند البراك     

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) تقدّر دوائر الأمم المتحدة ودوائر الهجرة بان هجرة العراقيين اليوم، هي اضخم هجرة في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الأولى .

228
              
الى المجد د. نزيهة الدليمي !
                                 
د. مهند البراك

كنا صغاراً عندما صارت د. نزيهة الدليمي اول وزيرة في العراق وفي العالم العربي، حين كانت احاديث وذكريات الكبار الحميمة عنها وعن وجوه معروفة اخرى، كالدكتور عبد الأمير السكافي ود. حسين الوردي وأخريات وآخرين . . عندما كانوا يلتقون في بيتنا، وكانوا يحملون لنا معهم الحلوى ويعودونا عندما كان احدنا يمرض لسبب او لآخر.
   حين كانت الأحاديث النسائية تتناول اسماءاً وشخصيات نسائية لها حضورها في الحياة البغدادية آنذاك، اضافة الى د. نزيهة الدليمي، الطبيبة النسائية المعروفة خالدة القيسي، بثينة البستاني، بنات شيخ رشيد، وبنات السلام (1) وغيرهن ممن شكّلن بنات ونساء من العائلات الأكثر تحرراً في الرصافة والأعظمية، وممن عرفن بانحيازهن لقضايا الفقراء . . في تلك المنطقة .
   وفيما اثار ذلك الأستيزار الفرح بين اوسع العوائل لأن الوزيرة منها ومنهن ويعرفنها ويعرفن نزاهتها وعمق اخلاصها لقضية المرأة بترابطها الوثيق بقضية كل المحرومين رجالاً ونساءاً . . فأنه اثار موجة غضب وحقد عاصفة من نشاطات جماعات عرفت بتزمتها ومعاداتها لكل مايمت للتحرر بصلة، التي كانت معززة بفرق مسلحة لشقاوات وقتلة محترفين كانوا مسلّحين بكل مايميت . . اشاعت الموت والرعب لكل من ايّد او اتُهم بتأييده للدور الذي لعبته الوزيرة الرئيسة (السكرتيرة) الأولى ومؤسسة " رابطة المرأة العراقية " بسن اول قانون للأحوال الشخصية في العراق .
   وفيما كانت جماهير واسعة تتابع بفرح ولهفة الشاشة الصغيرة وهي تنقل مراسيم استقبال المناضلة الجزائرية المعروفة " جميلة بوحيرد ". . فان ظهور بوحيرد على الشاشة الفضية وهي تحيي د. نزيهة التي كانت تقف الى جوار العقيد المهداوي، اشاع موجة من هجوم مسلحين ملثمين قاموا بتحطيم كل تلفزيون امكن رؤية شاشتة او امكن سماعه وهو يغطي تلك الفعالية، ضاربين من طالته ايديهم بالهراوات التي ادمت وحطّمت . .  صائحين مولولين بأن ( الوزيرة والمهداوي يتعاونان ضد سلامة الجمهورية ) وانهما كافران . . !! لتغطي صحف معروفة في اليوم التالي ذلك بمانشيتات وصور مصحوبة بتعليقات من قبيل ( عبّرت جماهير شعبنا الأمين  عن حرصها على سلامة الوطن وعلى الأخلاق من المخربين والكفّار) !
   استمرت تلك التجاذبات الدموية وازدادت خطورة واسفرت عن انقلاب دموي كان الأول في وحشيته ودمويته في 8 شباط 1963 . . لنسمع نحن الصبيان آنذاك صوت الدكتورة نزيهة متهدجاً عبر الأثير من منبر مؤتمر النساء السوفيتيّات في آذار 1963 وهو يدعو الى التضامن مع الشعب العراقي ونسائه وشبابه في محنتهم والى السعي للخروج من تلك المحنة التي لاتخدم الاّ اعدائه . . حين التزمت اكبر العواصم واقربها الصمت عما كان يجري .
   ومرت السنين وتقلبت حكومات واوضاع . . وفيما كان الأرهاب مستمراً اواخر الستينات، كنت في هيئة طلابية قادت قطاعاً طلابياً واسعاً اضافة الى قيادتها للسياسيين من قيادة وكوادر " اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية " آنذاك . . وكنا متهيئين في بيت في " مدينة الحرية " في شمال بغداد لحضور مشرف للتثقيف ولمناقشة قضية " حقوق المرأة " . . ولم يكن المشرف الاّ الدكتورة نزيهة الدليمي القائدة النسائية العراقية المعروفة، التي اوضحت بدقة وصبر وبقابلية على شدّ الأهتمام مفهوم " قضية المرأة " التي كان يفهمها كل منّا على طريقته ورؤيته وانطلاقاً من بيئته ومعرفته .
   كنّا مشدودين الى ان القضية ليست قضية حجاب او لاحجاب، ولاقضية تدخين وجينز، ولا قضية تبرّج وتزيّن ولا لمن وكيف . . وانما وبعيداً عن التشوّش والضياع في التفاصيل والصغائر والتشويه . . تتلخّص بـ : تساويها مع الرجل كأنسان . . في الحقوق الأقتصادية، السياسية، الثقافية، الأجتماعية وامام القانون . . وان الصراع حولها، بمداها وحجم تأثيرها وشموليتها الأجتماعية، يجعلها قضية سياسية مصيرية ووطنية كبرى لابد ان تكون في صلب نشاطات قوى التحرر والديمقراطية لأنها ليست قضية اجتماعية عامة، اوقضية اسيرة برغبة او هوى . . الأمر الذي فتّح عيوننا واذهاننا وكانت محطة هامة من محطات الدخول في حقيقة اوضاع مجتمعاتنا وفي الحقائق المرّة المغلّفة التي تعيشها.
   بعد انتهاء الأجتماع، دعتني الى مرافقتها . . سرنا في ذلك الظلام الحالك في جادة طويلة عابرين خلالها برك الماء الآسن، خائضين في الأوحال، داخلين في نقاشات طويلة عن الوسط الطلابي الذي كان ملتهباً، وكانت مفاجئتي انها كانت تقف على عديد من الأمور الطلابية التي كانت الأحدث، والتي حملت معاني اوسع كانعكاس وكفعل فيما كان يجري، مؤكدة على اهمية اليقضة وتقليب امور كثيرة كانت تجري في قطاع الثانويات لأسباب عشائرية وشخصية، كانت محاولات تجري لتجييرها وكأنها صراعات سياسية، داخلة في تفاصيل اهمية ومعاني المنظمات الجماهيرية في تحقيق المطالب وللسير على طريق التقدم الأجتماعي والحضاري، بصياغات سلسة متفهمة ومتفاعلة مع حرارة وتسرّع وشعور الشباب بقدرته . . مع تبصير وتوجيه ودعوة لعدم التحليق عن الواقع .
   وفي الأخير لم تنسَ ان تسألني عن صحة واحوال والدتي وابي وجدّتي . . معبّرة عن اعتزازها بتلك العائلة الجميلة رغم الضنك، حين كانت تضيّف لقاءاتهم وكانوا وكنّ يحملن  قطع الحلوى لصغارها في تلك السنة عشية ثورة 14 تموز 1958 ، وبعد ان حمّلتني تحياتها الحارة لهما واتفقنا على مواعيد تنظيم اعمالنا . . افترقنا .
   لنلتقي مراّت ومراّت في لجة توجيه العمل الديمقراطي والجماهيري الذي كان مرصوداً ومُتَربّصاً به، حين كان العمل جارياً من الدكتاتورية لتقطيع اركانه وتحطيمه على مراحل، لنفترق . . ثم لنلتقي بعد قرارات تجميد المنظمات الديمقراطية . . في الأجتماع الموسع الطارئ لنشطاء العمل الديمقراطي في قاعة قرب " ساحة عقبة بن نافع " اواخر 1977 الذي كان مطلوباً منه بلورة موقف امام تزايد اجراءات السلطة الدكتاتورية لمحاولة فرض الأعتراف بمنظمات البعث الجماهيرية !! . . حين تمت الموافقة على طلبي بان لااكون في هيئة الرئاسة كي استطيع طرح آرائي في التنبيه الى مخاطر ما كان يجري . . كانت الدكتورة بكل انفعالاتها وبوجهها المحمّر من الأنفعال تتصدى من موقعها في هيئة الرئاسة للأفكار التي حملها البعض في التهوين . . من الأمور الخطيرة التي كانت تجري، وتتصدى لتقبّلها .
   كانت اممية بكل المعاني، ولم تستسهل تنسيب الأفكار الى انتماء اصحابها القومي او الديني او الطوائفي، بقدر ماكانت تناقش تلك الأفكار للتتفق معها او تحاول مناقشتها وتفنيدها ان اختلفت معها بما امتلكت من معارف. وفيما اعتنت بصداقاتها الواسعة المتنوعة التي ضمّت العديد من وجوه المجتمع ومثقفيه ومثقفاته، وكانت تشجّع على التفاعل مع المجتمع وعلى تجنب الأنعزال عنه، حيث لايمكن ان يتحقق سعياً لتطويره، دون العيش فيه . . فكان لها حضورها الواضح في الأوساط السياسية والأجتماعية والمهنية الطبية في البلاد كداعية بارزة لحقوق المرأة ورعاية الطفولة وحمايتها، ومن اجل السلم والديمقراطية.
   ويرى الكثيرون ممن عرفوها واحتكّوا بها وناظروها، بأن حكمتها واحترامها للتقاليد وللعادات الأجتماعية بصدق والتحرك ضمنها وابراز جوانبها المشرقة في مواجهة اساليب التعمية... لم تكن الا دلالة عميقة عن عمق ارتباطها بالعراق الذي تغنّت به " وطنا اشتق اسمه من " العَراقَة " المعبرة عن حقيقة كينونته " كما كانت تعبّر .
   وفيما تجسّدت فيها القدرة على القيادة وعلى الربط وانتاج الأفكار الجديدة، ببحثها المتواصل وانكبابها على انواع الكتب والمصادر وعيون الآداب العالمية، للبحث عن معارف وقدرات ساعية  لأيجاد ومناقشة واقتراح حلول لمآسي البلاد، فانها كانت من طراز طاقم المفكرين الباحثين في انماط حدّدوها لأنفسهم !
   كانت تطوّر طروحاتها النسائية والديمقراطية والجماهيرية بتتالي انواع الأنظمة والظروف، في وقت عرف عنها انها لم تكن تحب الأضواء بأي ثمن، ولم تكن تطرح آرائها بصراحة لكل من طرق باب الأستشارة او النقاش . . وكان تأكيدها الأكبر على الأهمية الدائمة للأقتراب من حقائق الواقع العراقي والأنطلاق منه والكف عن التحليق بدون ان تسميّه .
   ولابد من القول انها وفيما اصيبت بصدمة كبيرة بسبب النتائج التي افرزتها (الأشتراكية القائمة)، وبسبب (انتصارات . . ثورات الشموع و الأخضر)، وتداعي الحركة العالمية باصطفافاتها القديمة ... وفيما يلمس المرء على ملامحها الحذر والمرارات كتعبير لم ولا يتجزأ عن حالات المرارات التي ارتسمت على وجوه العراقيين رجالاً ونساءاً من كل الأطياف وتركت تاثيرات متنوعة عليهم، فإنها حافظت على رباطة جأشها وعلى جرأتها وعلى بحثها الدؤوب من جديد في محاولات جديدة لأعادة رسم الواقع بواقعه الجاري . .
   وعلى تواصل لقاءاتنا ومناقشتنا وتقطعاتها ومواصلتها . . كان لقاؤنا الأخير عام  2002 . . حيث بدأ الشلل بعده يتسرب اليها، وصارت حتى الأتصالات التلفونية لاتؤدي بشئ ، وحيث عاشت برعاية عائلة اخيها الفقيد المناضل " واثق الدليمي " وبالأهتمام الدائم لأبنة اخيها التي كانت ترى فيها صورتها في شبابها وفق تعبيرها . . " د. زحل الدليمي " .
   كان اللقاء كثير التعبير والدلالة حيث عدنا فيه لمناقشة الخطوط العريضة لما كان يصل متزايداً من اخبار البلاد، ولمناقشة مابيدنا من مؤشرات لأوضاع اهلنا وناسنا . . كانت تمتزج رأيي في ما رامت  الأعداد اليه لمؤتمر رابطة المرأة الذي كانت التحضيرات جارية لعقده . . بروح من المسؤولية النادرة والحرص و الألم بتعبيرها بـ  " انها لاتريد ان تفارق الحياة دون ان تساهم مع الجموع في صياغة جديد للحركة النسائية العراقية " !!
   فالى الخلود والمجد يامعلمة الأجيال، نامي قريرة العين ونساء العراق ماضيات في طريقهن الشاق بدعم كل الخيّرين . . وبمنظماتهن كلها وفي القلب منها " رابطة المرأة العراقية " بقياداتها الأكثر شباباً وبالدماء الشابة الجديدة الواعدة !

10 / 10 / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   تعبير " بنات فلان " هو التعبير الشعبي الدارج في تلك السنوات .

229
            
تشي جيفارا . . الأسطورة الحية !
                        د. مهند البراك
تمر هذه الأيام الذكرى السنوية االأربعون لأستشهاد المناضل الأرجنتيني والقائد الأممي البارز
" ارنستو تشي جيفارا " ، اثناء قيادته مفرزة للأنصار في جبال بوليفيا، بعد ان تصدّت للمفرزة كتيبتان من القوات الخاصة العائدة للحكم العسكري الدكتاتوري البوليفي الحاكم آنذاك، وفرضت على المفرزة الصغيرة معركة غير متكافئة قاومت فيها حتى الرمق الأخير . . حيث نفّذ حكم الأعدام بالقائد الأنصاري بعد ان اسر جريحاً، بعد صمود اسطوري هزّ القارة اللاتينية والعالم آنذاك .
   ويرى مؤرخون سياسيون واجتماعيون ان " الجيفارية " ( كفكرة لحرب الأنصار وللبؤر الثورية ) كانت سبباً ونتيجة هامة لـ . . حركة التجديد الستينية التي اجتاحت حركات التغيير والتحرر والثورة والأصلاح في عالم عقد الستينات من القرن الماضي، والتي كانت صرخة هائلة لتحسين بُنى وسائل التغيير . . عبّرعنها صعود الحركات الطلابية وفعاليات المثقفين وشرائح تقدمية من البرجوازية . . التي عبّرت باضراباتها واحتجاجاتها ونشاطاتها التي عمّت اوروبا الغربية وخاصة في فرنسا والمانيا الغربية، لتؤكّد دورها الهام كتفاً لكتف مع احزاب الطبقة العاملة وحركاتها المطلبية، في الثورة الأجتماعية.
                                 
                               

   وشكّلت النذير الأول الذي حذّر من عواقب الجمود والأنغلاق الذي بدأت ملامحه تظهر في العالم الأشتراكي القائم مذذاك، والذي ظهر في حركة الأصلاحات التي عبّرت عنها فعاليات ربيع براغ عام 1968 ، اضافة الى ابرازها لمخاطر الروح العدمية واللاأبالية كما في حركات الهيبيز . . وابرزت الأهمية الكبرى لأستيعاب تنوع الفكر الأشتراكي واليساري، وللسير على طريق يحقق قدرته الهائلة ان اتحد وتكاتف على تحقيق اهداف ملموسة كبرى على طريق الرفاه والسلم والتقدم الأجتماعي والحضاري، اضافة الى ظهور تيارات فكرية انتصرت لقضية الأنسان ولقضية الفرد في المجموع، كتيار الوجودية ورائداهما " روجيه غارودي" و" فرانسواز ساغان"، اضافة الى تيار " اللامنتمي " وبروز ادوار فاعلة مؤثرة لشخصيات مستقلة كـ " برتراند راسل "، اضافة الى تيارات كثيرة التنوع والتعقيد لليسار، ومفاهيم غاية التنوع عن يسار جديد، دُعي اليها لأسباب متعددة لم تكن كلّها بسبب اجتهادات فكرية، بعد ان تداخلت في عدد منها ارادات كثيرة لم تخلُ من تضاد او منافسة او محاولات الغاء .
   في ظروف اتسمت بتزايد ضحايا رأس المال وتزايد تمركز الأحتكارات، وشمولها لأوساط تزايدت اتساعاً، لم تقتصر على العمال وانما شملت اوساطاً كادحة وفقيرة اوسع واخرى ازدادت فقرا من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة في المدينة والريف، وشملت اوساطاً واسعة من رجال الدين . . واتسمت بتزايد ضحايا سياسة اشعال الحروب الأمبريالية، كالحرب الكورية والصراع العربي ـ الأسرائيلي وقضية الشعب الفلسطيني العادلة وحروب القارة الأفريقية . . الى تصاعد الضحايا وتصاعد السخط على الحرب الفيتنامية، وتزايد منظمات داعمي رافضي الحرب والفاريّن العسكريين منها في عموم اوروبا بشكل خاص .
   وفي ظروف ادّت الى تزايد دور حركات التحرر الوطني في العملية الثورية العالمية من جهة، وظهور و بروز دور كتلة " دول عدم الأنحياز " في النضال ضد الأحتكارات والحروب وضد سياسات الغزو الأمبريالي،  بزعمائها ناصر، تيتو، نهرو، سوكارنو اضافة الى هوشي منه وكاسترو، والى انخراط اوساط اوسع من الشبيبة في النضال ضد الأمبريالية والحروب اللصوصية، شملت اوساط الشبيبة من ابناء الطبقات الغنية اضافة الى المتدينة وخاصة المسيحية في اميركا اللاتينية، والمسلمة والبوذية في شرق آسيا وجنوبها وفي المنطقة العربية . .
   بعد ان اثبتت الحركات النضالية التقدمية المتنوعة التي منها حركات التحرير الشعبية والكفاح المسلح في العالم النامي، قدرتها على تحقيق مطالب الطبقات والفئات الفقيرة في صراعها مع قوى الثروة والمال والرأسمال والحرب والقهر الأجتماعي، وفق طريقها الوطني الخاص بها، بالأهتداء بالفكر التقدمي العلمي المتفتح وليس بالأنغلاق والجمود عليه .   
   لقد عرفت القارة الأميركية اللاتينية الصراعات من اجل الأصلاح والتنمية والعدالة الأجتماعية، في خضم صراعاتها ضد انظمة الرق والعبودية والهيمنة الأسبانية البرتغالية عليها، التي تكللت بانتصار " الثورة البوليفارية " (1) قبل اكثر من قرن والتي دعت الى التحرر والأستقلال ومحاربة الأستغلال والجشع والفساد وتحسين قوانين العمل . .
   لتواجه مبدأ الرئيس الأميركي " مونرو " الذي اعتبر القارة اللاتينية، " حديقة خلفية للولايات المتحدة " وقام باسناد القبضات الحديدية والجزم العسكرية للأوليغارشية المحلية، مقابل الصفقات المالية والتجارية العملاقة، بوجود برلمانات وآليات برلمانية، لم تقاطعها الحركة الشعبية بل استفادت منها ومن مشاركتها في الأنتخابات للدعوة لبرامجها والتعبئة لها، ولتحقيقها نجاحات من خلالها . . للمشاركة او لتشكيل حكومات وانجاب زعماء وطنيين، في طريق محفوف بانواع المخاطر، الذي احدث رغم  كل الخسائر، وعياً اكبر بحقيقة اللعبة البرلمانية وحقيقة الأوضاع المأساوية التي تعيشها اوسع الأوساط . . في زمن ساده التعتيم على ابسط الحقائق، واضطرها الى  فرض اصلاح البرلمانات ومؤسسات الحكم واعادة تأهيلها، امام مخاطر انكشاف حقيقة ادوارها.
   في وقت نشأ النظام البرلماني فيه بوقت مبكر، ولاقى تشجيعاً من المؤسسات الستراتيجية للأدارات الأميركية  التي انصب اهتمام دوائرها المتنفذة على بناء القوات المسلحة المضمونة الولاء لها، كقوة تصون مصالح شركاتها العملاقة بعد ان لم يعد السكوت عنها ممكنا اثر ظهور طبقة المليارديرية والبارونات من ابناء فئات وعوائل الأوليغارشية المالية العسكرية، امام التزايد المريع لأعداد الملايين الجائعة.
   وفيما شقّّت الحركات والقوى التقدمية اللاتينية طريقاً متعرجاً وليس جاهزاً، وظّف فيه السبل المتاحة نحو الأصلاح وتحقيق الرفاه، بانطلاقها من الواقع اللاتيني وتقاليده، وحكمة شعوبه القديمة من الهنود القدماء والإنكا، ومن تقاليد الحركة البوليفارية المستقاة من المبادئ التحررية الأوربية الناشئة قبل حدود القرنين، الداعية الى الأستقلال السياسي والتكامل القاري، ومن الحركة السوداء في هاييتي . . التي اخذت شعبيتها تزداد بين شعوبها، في قارة امتازت بثرواتها : المعدنية والنفطية، الطبيعية، اضافة لكونها سوقاً ومصدراً كبيراً للأيدي العاملة الرخيصة . 
   حققت الثورة الكوبية المعتمدة على ذات التراث اللاتيني بنهج حركات الأنصار بين الفلاحين في جبال " السيرامايسترا " نجاحاً هائلاً بتلاحمها مع نضالات المدن، واسقطت حكم الدكتاتور باتيستا، معلنة قيام اول دولة اشتراكية في نصف الكرة الغربي، بقيادة الرئيس " فيدل كاسترو" بدعم ساعده الأيمن " ارنستو تشي جيفارا"، الذي تسلّم مناصب وزير التخطيط وامانة البنك الوطني، والذي لعب بكاريزميته الدور الأكبر في الدعوة الى دعم حكومة الثورة الكوبية، والى توسيع النضال ضد الأمبريالية و ضد انواع القهر الأجتماعي بشعار " النصر الحتمي لنا "، بزياراته التي قوبلت باستقبالات حاشدة في العديد من دول العالم المتحررة حديثاً، ضمنها بلداننا العربية، حين التقى بالرؤساء ناصر وبن بيلا، اضافة الى لقاءاته بالقادة الوطنيين عبد الفتاح اسماعيل، ابو جهاد، جورج حاوي وغيرهم .
   ولابد من الأشارة هنا الى الدور الكبير الذي لعبه تشي جيفارا في تهيئة وانجاح المؤتمر الأول للقارات الثلاث آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية الذي عقد في الجزائر بحضور ابرز قادة الدول المتحررة حديثاً وابرز الزعماء الوطنيين فيها، الذي نجح رغم محاولات الدول الأمبريالية الكبرى لأعاقة عقده وتخريبه التي تسببت باختطاف وتضييع الزعيم الوطني المغربي الكبير " المهدي بن بركة " زعيم اتحاد القوات الشعبية المغربي، عضو هيئة رئاسة المؤتمر ممثل القارة الأفريقية .   
   لقد قرر ارنستو تشي جيفارا ان يترك مكتبه الوزاري المريح، لأسباب متنوعة وصفها قسم لشعوره بان مهمته في كوبا انتهت بانتصار ثورتها وعليه مواصلة الدعوة والعمل لخلق بؤر ثورية جديدة في دول اخرى ـ كما سيأتي ـ ، ووصفها آخر لشعوره بان المسيرة الصائبة للحكم في كوبا لاتسمح بمواصلة زعيمين لها ، فيما وصفها قسم ثالث بأن خلقه الثوري وشعوره العالي بالمسؤولية والحنين لمواصلة الثورة في كل مكان هو الذي دفعه الى تلبية نداء الواجب، الذي بدأه في الكونغو اثر انقلاب العسكري تشومي الذي نفذ حكم الأعدام بالقائد الكونغولي الوطني " بياتريس لومومبا " عام 1961 والذي ادىّ الى اشتعال الحرب الأهلية هناك وظهور فصائل الأنصار اليسارية الكونغولية . .
   لقد كان دور تشي في الكونغو دوراً اساسياً، شكّل البداية التي فتحت الباب على مصراعيه للدور الكوبي الرائد في تشكيل وتثبيت جمهورية الكونغو برازافيل وجمهوريات افريقية اخرى تحررت حديثاً، ثم في انتصار حركة الأنصار في غينيا بيساو بقيادة المناضل المهندس " اميركال كابرال " . . وفق التكتيك بعيد النظر الذي وضعه " تشي، فانون، كابرال " الداعي الى تركيز حركة الأنصار هناك على " ايقاع اكبر الخسائر بالجيش الأستعماري البرتغالي دون الأسراع باعلان الأستقلال " وعلى " كسب العسكريين البرتغاليين وتشجيعهم على النضال ضد الحكم الدكتاتوري في البرتغال ذاتها " . . لأجبار البرتغاليين على الأنسحاب بتأثير خساراتهم الفادحة مرة واحدة من كل مستعمراتهم، غينيا بيساو، انغولا، موزانبيق .
   الأمر الذي تحقق فعلاً باتباع ذلك التكتيك وانتشاره، حين اعلن الجيش البرتغالي العصيان على دكتاتورية سالازار واسقط بالتحالف مع نقابات العمال والطلبة والنساء خليفته كايتانو في ثورة القرنفل في نيسان 1974 ، التي ادّت الى انسحاب القوات البرتغالية من القارة الأفريقية والى اعلان استقلال المستعمرات البرتغالية آنفة الذكر كدول متحررة، والتي اكدت من جديد على الدور الهام لنضالات شعوب المحيط على في تغيير تركيب دول المراكز الأحتكارية ذاتها، بعد الدور الكبير الذي لعبه انتصار الثورة الجزائرية وانسحاب قوات الأحتلال الفرنسي منها، الذي شكّل احد الأسباب الهامة في صعود موجة اليسار الستينية فيها كما مرّ. 
   في ظروف متنوعة متتالية ادى فيها الدور الكوبي بقيادة فيدل كاسترو في افريقيا، الى انسحاب الجيوش الكولونيالية من عموم القارة اثر معاهدة القاهرة عام 1988، والى اطلاق سراح القائد الأفريقي
" نيلسون مانديلا " وانهاء الحكم العنصري وسياسة الأبارتيد في جمهورية جنوب افريقيا . . في مسيرة شاقة عرقلت مطامع الدول الأمبريالية من جهة وثبتت نهجاً احرج القيادة السوفيتية التي لم تكن مستعدة لأستمرار دعمها للدور الكوبي في افريقيا في عقد الثمانينات . . في اصرار على المواصلة حتى النهاية الظافرة لأنهاء الأنظمة الكولونيالية في القارة ، من جهة اخرى .           
   ولما كانت المقالة لاتتسع لتفاصيل اكثر عن مآثر ذلك القائد الأممي البارز، لابد من ذكر الأهمية الكبرى التي كشفت عنها وثائق قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي ووثائق القسم الأممي فيها للفترة قبل انحلال الأتحاد السوفيتي ، التي ذكرت القائد جيفارا بكونه احد قادة الحركة الشيوعية العالمية المكلف بمهام وصفتها بكونها من نوع خاص، وانه كان متصلاً مباشرة بقيادة الحزب الشيوعي السوفيتي، اضافة الى مانصت عليه من ذكر الجهود التي بذلها القادة السوفيت آنذاك، لتذليل الصعوبات التي كان يواجهها تشي بالتعامل مع قيادتي الحزب الشيوعي الأرجنتيني والشيوعي البوليفي اللتين كانتا ترفضان التعاون معه آنذاك، لأسباب وصفت باعتبارها نشاطه  يهدد بكشف منظماتهما وبالتالي يعرضها الى مخاطر ضربات الدكتاتوريات العسكرية في ظروف غير صالحة لنشاطات انصارية مسلحة، على حد تعبيرهما . اضافة الى جهودهم الى حل مشاكله مع الحزب الشيوعي الأسباني، الذي اعتبرت قائدته " ايباروري" ان نشاط جيفارا يثير الليبرالية والفوضى، رغم اعتزاز الشيوعيين الأسبان وخاصة الشبيبة منهم بالقائد الأممي جيفارا لدوره الأممي الكبير خاصة وانه من الناطقين بالأسبانية (2).
   وفيما يعبّر كثيرون عن الرفض والأسف تجاه محاولات التشبيه بين الثائر الأنساني الأممي جيفارا وبين زعيم منظمة القاعدة الأرهابية من اوساط تقول انها يسارية، فأن اوسع الأوساط تعبّر عن احترامها ووفائها للذكر الخالد للثائر الأرجنتيني الأممي الباسل، القائد الطلابي، الطبيب والنصير، العسكري والأقتصادي البارع  ارنستو تشي جيفارا . . الأبن البار لكل الفقراء والمحرومين، الذي يعيش عميقاً في افئدة وتطلعات الشباب رمزاً حيّاً خالداً داعياً الى رفض الظلم والأستغلال في كل مكان !
       
9 / 10 / 2007 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
1.   نسبة الى الزعيم الثوري " سيمون بوليفار " .
2.   راجع الوثائق المنشورة في ملف الذكرى الثلاثين لأستشهاد تشي جيفارا عام 1997 وبمناسبة نقل
    رفاته الى مثواه الأخير في كوبا، نقلاً عن نوفوستي، المنشورة في صحيفة " برلينر تسايتونغ "
    الألمانية، في وثائق قنوات :  أي أر تي إي بالفرنسية والألمانية ، فوينكس بالألمانية لنفس المناسبة .  وفي وثائق والصفحات الألكترونية للقناتين الأخيرتين في مناسبة الذكرى الأربعين لأستشهاده،
     الجارية . 

230
                          
لا . . لا لتقسيم العراق !!
                     
د. مهند البراك

اثار قرار الكونغرس الأميركي الموافق على تقسيم العراق على اسس عرقية و طائفية . . عاصفة من الرفض والشجب والأستنكار، رغم ما يبدو من جهود بذلت لمحاولة توقيته واعلانه بشكل يمكن فيه ان يُقبل ؟ . . في ظروف كثيرة التعقيد، تهدد بتزايد التفجرّ ان استمر الوضع المتشظي الذي تعاني منه البلاد ومكوناتها، اضافة الى تواصل مواقف وصراعات الجوار و تنافر القوى الدولية وصراعها بينها رغم بياناتها المشذّبة.   
   ورغم ان هذا الطرح ليس جديداً تماماً، بل هو تعبير عن استمرار لمحاولات لم تنقطع قديماً . . وتعبير عمّا وصل اليه طرح متواصل حمل ويحمل محاولات لتنضيجه لصالح دوائر دولية ومنطقية واقليمية من جهة، وحمل ويحمل عواملَ تهديدٍ جادٍ لمكونات البلاد من اجل تحقيق المصالحة الوطنية بتقدير قسم من جهة اخرى. 
   فان قرار التقسيم (غير الملزم) هذا اذا ما اضيف الى المشاكل الناتجة عن شحة ما يترشح عن حقائق ما يدور في دوائر القرار . . يحمل مخاطر تنبع من اعلانه رسميا اولاً كقرار من الكونغرس الأميركي وليس من الأدارة الأميركية، باعتبار ان الكونغرس اكثر ثباتا في تكوينه وزمن فعله من الأدارات الأميركية، وباعتباره حصيلة تفاعل وصراع واتفاق واختلاف القوى السياسية والأقطاب المتنفذة في الدولة الأميركية الأتحادية وفي المجتمع هناك.
   في ظروف قد تؤديّ فعلاً الى مخاطر وقوع التقسيم، سواءاً جاءت من سلوك رفع سقف المطالب الذي يتّبعه عدد من القوى العراقية المتنفذه لضمان تحقيق مطالبها بتقديرها في مسيرة كثيرة التعقيد . .  او من اخرى تسير عملياً في طريق تحقيق (استقلالها ؟) بعيداً عن او للأبتعاد عن مخاطر شظايا الوضع العراقي المستمر على التفجر، واخرى تتصارع  بـ (استقلالها) دمويا بينها رغم كونها من مكوّن طوائفي واحد، على حصص اعلى من العوائد المالية الهائلة سواء كانت من عائد تهريب النفط او من عائدات السياحة الدينية ومن تراكم ثروات مرجعية الطائفة المعيّنة ... في ظروف تتزايد فيها صراعات الشارع ان صحّ التعبير على اساس طائفي، اضافة الى تزايد اعتماد المحاصصة الطائفية نهجاً، مهما تجددت مسميات مشاريع التحسين . .
   رغم جهود مخلصة، ورغم النجاحات التي تحققت في الشهور الأخيرة، التي نتجت عن تحقيق ضربات قاسية لمنظمة القاعدة الأرهابية ادّت الى اضطرار اقسام منها الى الهروب من البلاد، في وقت تتكشف فيه درجات متزايدة من دعم دوائر ايرانية للقاعدة واصطفافها معها، رغم تزايد تعاون (اعدائها) من بقايا البعث الصدامي المنحل معها ـ مع القاعدة ـ . . على حد بيانات مسؤولي تلك الأطراف في وسائل الأعلام الأقليمية والدولية وعلى حد وكالات الأنباء العالمية المتنوعة الأتجاهات .
   واذا ما اعتقد البعض انه مناورة تهديدية اميركية مشابهة للتي نجحت حينها في الضغط واوقفت حرب اقتتال الأخوة في كوردستان العراق وادّت الى تحقيق مصالحة كوردستانية جاءت ببديل افضل مما كان، وانه يمارس الآن كضغط لتحقيق مصالحة وطنية عراقية . . فان خطورته تنبع من ان عدم وحدة القوى العراقية وتلكؤها المتنوّع في التوصل الى موقف عراقي موحد للتعامل مع جملة مشاريع في مقدمتها مشاريع " قوانين المشاركة في أنتاج النفط والغاز" التي يُحاول التعتيم على خطورة دورها فيما يجري، قد يؤدي بمكونات منها الى الأسراع على الموافقة على قرار الكونغرس، لحسم تطبيق تلك القوانين عملياً في مناطقها بالموافقة عليها كما هي، سواء كان اعلاناً او واقعاً . . لتحقيق تدفق النفط على مراحل وفقها ، في سعي لـ (تحقيق) وضع عراقي واقليمي مناسب اكثر استقراراً، بتقديرها . .
   بالرغم من كون قرار الكونغرس الأميركي هذا، لاينسجم مع مشروع الدولة الفدرالية الموحدة الوارد في الدستور الذي اتفق على تعديله . . ورغم كونه لايمثّل الاّ تثبيتاً وتعميقاً خطيراً للصراع والمحاصصة الطائفية والعرقية، التي لن تنجب الاّ اقسام او ولايات متصارعة دموياً وليس اتحاداً طوعياً اختيارياً كما في دولة اتحاد الأمارات العربية مثلاً، بل ولاحتى ولايات متعايشة كما كانت عليه البلاد ايام الخلافة حين كان لها مركزاً فاعلاً . . كما يتصوّر ويطرح قسم . وبالتالي لن يكون في نتائجه ومرارات التاريخ والواقع الجاري خير شاهدين، الاّ تدميراً لطموحات وآمال المكونات العراقية ذاتها في سعيها لنيل حقوقها العادلة على اساس حق المواطنة المتساوي للجميع في دولة برلمانية فدرالية موحدة .
   ان الظروف الداخلية والأقليمية والدولية . . والعلاقات الأميركية ـ الأيرانية ـ السعودية منها بالذات، صارت تحتّم على العراقيين بكل مكوناتهم واطيافهم القومية، الدينية، الطوائفية والفكرية وغيرها . . تحتم عليهم العودة الى بعضهم البعض وتقبّل بعضهم البعض على اساس تنازلات متقابلة مهما كانت مؤلمة، لتحقيق حكم الوحدة الوطنية بعيداً عن المحاصصة الطائفية والعرقية، كحكم قادر على تمثيل وانتزاع المصالح الحقيقية للبلاد باطيافها ولكادحيها، وفق حقائق وفعل توازن القوى الدولي والأقليمي والحاجات الملحة للبلاد (1) . . والاّ فان البلاد ستدخل مرحلة صراعات اعنف واكثر حدّة وتعصباً لمكوناتها ذاتها مدعومة من القوى الأقليمية والدولية، وستجر المنطقة اليها كنتيجة لجناياتها عليها .
   صراعات قد تشبه الى حد كبير ما حصل في افغانستان بعد الأنسحاب الروسي (السوفيتي آنذاك) منها (2)، حين ازدادت واندلعت الصراعات الداخلية بين الأطراف الأفغانية ذاتها على اسس : عرقية، قومية، طائفية وعشائرية اكثر حدة، انجبت ضمن ما انجبت طاليبان والقاعدة وغيرها من منظمات الأرهاب الطائفي الدموي الذي انتشر وتضاعف في جوارها بداية، سواءاً في باكستان، اوزبكستان، طاجكستان او في كشمير والشيشان وغيرها، ليجتاح الشرق الأوسط وشمال افريقيا .
   انه صراع المكونات والأنتماءات والهويات الذي يرى فيه ابرز محللي السياسة والأقتصاد والنفط بكونه يجري عاصفاً في العُقد الستراتيجية الأساسية من البلدان النامية لتغيير البنى والمكونات وللحصول على اعلى الأرباح من مواقع الزعامة والنفوذ في زمان فوضى العولمة الأقتصادية الرأسمالية الجامح . . ولأكمال واصطفاء و توظيف وتواصل نشوء بارونات الثروات والنفط والمال والحماية والسلاح وانواع الخدمات البيضاء والسوداء، ومحاولة تثبيت ادوار قوى المشهد الجديد رغم ارادة المكونات الوطنية ورغم المصالح الحقيقية لشعوب المنطقة في السلم والرفاه، لضمان تحقيق مصالح الأحتكارات المتنوعة المعولمة في واقع التمزّق القائم ومساعي قوى المال والسلاح والسمسرة المستعدة على ادامته، حتى بالتوصل الى تفاهم مع التيارات و العقائد المناوئة لها مهما بدت متنافرة او متعارضة، بالأتفاق على تقسيم مناطق النفوذ وعلى تقاسم وتبادل الأرباح الناتجة عن انواع العمليات والنشاطات بما فيها تحديد (مقبول) متحرّك للمناطق الساخنة المستمرة في غليان لايتوقف لأسباب تناحرية متنوعة . . لفترات زمنية ما.

29 / 9 / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   راجع مقال الكاتب " العراق وجيشه وورثة الدكتاتورية " في 18 / 19 . 9 . 2007 في صفحته الألكترونية في مواقع " الحوار المتمدن "، " الناس " ، " البيت العراقي " وغيرها .   
(2)   مع فارق ان الجانب الأميركي في الحالة العراقية اعلن مؤخراً عن بقاء قواته في البلاد الى زمن لم يحدد . . اضافة الى عدم تحديد مهامها بالكامل .

231
            
العراق وجيشه و ورثة الدكتاتورية !

                        د. مهند البراك

منذ فترة وفي خضم الوضع العراقي المؤلم ومواقف دول الجوار، بدأ الحديث عن ( تأهيل ) حزب الدكتاتورية الحاكم، واخذ يثير احزاناً وقلقاً جديداً لدى اوسع الأوساط الشعبية رغم معاناتها من الواقع الدموي القائم . . خاصة وانه يتم وكأنه شيئاً طبيعياً، وكأن حكم ذلك الحزب الذي حكم وظلم ودمّر، لم يكن هو الذي اسس للخراب، بارهابه الوحشي وحروبه واعماله اللصوصية، وتسبب بالتالي بالتمكن  اللاحق للمآسي المستمرة في البلاد، رغم كل الجهود . .
   وفيما يرى كثيرون ان تزايد حراجة الوضع العراقي وحراجة الموقف الأميركي والعلاقة مع ايران التي اخذت تزيد احتمالات انفجار اقليمي ما، اضافة الى عوامل متنوعة تدفع الى تزايد الحاجة الى جيش مؤهل، والى تزايد المطالبات بالمصالحة الوطنية.
   يرون ان دفع جهات تسعى الى عودة البعث العراقي بنفس رموزه ونفس اشخاصه وخطابه، وبحلّة (المناضل ضد الأمبريالية) الذي لايذكّر الاّ بتأهيله واعادته كما حصل في تموز 1968 حين دّقّت الدفوف لعودته بحلة جديدة (1)، رغم ما عرفه ويعرفه القاصي والداني عن تشابك علاقاته سابقاً ولاحقاً بدوائر غربية متنوعة قد تتناقض احياناً، وعن عمله لصالح الغرب طوال سنين الحرب الباردة، حين كان يلعب على القطبين . . نفاقاً وتقرّباً للجماهير في البداية، ثم لتحطيمها وبناء دكتاتورية وحشية شوفينية، في بلد ثري تسابقت وتتسابق دول العالم الصناعي لخطب ودّه، او للسيطرة عليه.
   ان ما حدث والمحن القائمة الآن لكل الأسباب غير الخافية، لايمكنها اضفاء الشرعية على حكم دكتاتورية البعث المنهارة التي كانت قد وصلت بانواع الصفقات المشبوهة الى دست الحكم بظروف وموازنات الماضي، والذي صار مسؤولوه يبررون علنا الآن تعاونهم مع القاعدة الأرهابية، رغم كل اعمالها الأجرامية بحق الشعب العراقي !!
   لقد طرح العديد من السياسيين اثر انهيار الدكتاتورية وفي وقت مبكر، اهمية اجراء حزب البعث الذي حكم وفقد الحكم .. اهمية اجراءه تقييماً لعمله وممارساته حين كان هو حزب السلطة الذي احتكرها، وتقييما لكيفية هيمنة الدكتاتور عليه وتحويله ايّاه الى جهاز قمعي من اجهزة الحكم الدكتاتوري، ان اراد المواصلة كحزب سياسي . . ولكن، لاعين رأت ولا اذن سمعت !
   ان لقاء مسؤولين في الحكم الآن بالبعث الصدامي او التفكير بعودته الى المسرح السياسي القانوني سواءاً كحزب او كأفراد كانوا اولازالوا متنفذين فيه . . دون ادانته لمواقفه ولسلوكه الدكتاتوري الدموي كما فعلت اكثر من كتلة خرجت عنه، ودون احالة مجرميه الى القضاء وابعاد غلاة الظالمين عن اية مراكز فيها مسؤولية .. كخطوة اولى .. لن يعني الاّ زيادة الوضع المعقد تعقيداً جديداً، بعد التعقيدات التي نشأت بسبب اخطاء وتجاوزات وتسمية " هيئة اجتثاث البعث " ذات المعاني التي بررت أخطاءاً وسلوكاً، على حد مسوغات قانون " المسائلة والعدالة ". 
   في المسعى الرامي الى عدم الشطب على وجود واستمرارالتيار القومي العربي التحرري(2)، الذي لم ينل الاّ الملاحقات والتصفية والتشويه من الطاغية البائد، كبقية قوى معارضته . . ضمن جهود المصالحة الوطنية. وفي وقت تثار فيه انواع الشكوك والتساؤلات المنطقية حول هل ان تلك اللقاءات التي تتم وراء ابواب موصدة بجو ( عفى الله عمّا سلف ) . . هل هي تمهيد لصفقة عودة البعث السئ الصيت مجدداً للحكم مقابل بقاء القوات الأميركية لزمن لايحدد كما أُعلن مؤخراً ؟؟
   لقد اجرم البعث الصدامي العفلقي بحق الشعب العراقي جسدياً ونفسياً وتسبب بتسميم المجتمع بافكاره وسلوكه المشين وبما تسبب به فرضه المخطط لسلوكه وفكره على قطاعات واسعة بالتعذيب والأعدامات والتهديد والخوف والفزع  لمدة خمسة وثلاثين عاماً، والتي اخذت تنال حتى من منتسبيه . . الفكر والسلوك الذي اخذ يتفاقم في التعامل وفي توفير ذات الأرضية وذات الأسباب التي تستمر، رغم حملها اسماء وشعارات اخرى . 
   ان الأزمة التي تعيشها البلاد بعد اسقاط الدكتاتورية بالغزو الخارجي، وبسبب الأرهاب وتهديدات دول الجوار . . لاتبرر باي حال غض النظر عن جرائم الدكتاتورية الغنية عن التعريف والتي من بداياتها والى انهيارها عملت على تحطيم الجيش العراقي الباسل وتحطيم خيرة ضباطه واركانه عرباً وكورداً، سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين ومن كل الأطياف اضافة الى الآلاف من ضباط الصف والجنود، وتشويه فكره وعقيدته في الدفاع عن الوطن باقوامه ومُثُله وفي مفهوم الأنتماء والدفاع عن الحقوق السليبة، باحكام الأعدام والأغتيالات وبالقوانين العسكرية القاسية . . لصالح فئات عسكرية حابت الدكتاتورية ونافقتها واخرى لم ولاتحمل كفاءة عسكرية ما حتى الآن، تحكّمت بمصير الجيش وضباطه وضباط صفه وجنوده وجرى تحميلها اعلى الرتب والنياشين التي كان معمولاً بها، كالدوري و الكيمياوي وغيرهم .
   حتى تحوّلت وحدات الجيش العراقي الرسمي الى وحدات ممزقة عانت الأهمال تسليحاً وعُدداً وعانى الآلاف من منتسبيها وجنودها الأجباريين من التسليح الردئ ومن الجوع والفاقة ومن الملابس الممزقة والأحذية التي لم تعوّض . .
   لصالح الوحدات العسكرية الضاربة للدكتاتورية من الوية الحرس الجمهوري والحرس الخاص وقوات ( فدائيي صدام ) وقوات الطوارئ المتنوعة . . ذات الدخول العالية والتغذية الممتازة، المسلحة حتى الأسنان بأحدث الأسلحة والتجهيزات من الخفيفة الى المتوسطة والصاروخية والراجمات والسمتيات، اضافة الى تسليح وحدات منها بالأسلحة المحرّمة . . وغيرها من الأسلحة التي تركها امريها ومتنفذيها الفاشلين وفرّوا نازعين عنهم بدلاتهم العسكرية، او اوعزوا ببيعها للمهربين او في السوق السوداء لجيوبهم ولتجارتهم الوسخة بلعبة (المقاومة الشريفة)، التي لم تسئ الاّ للشعب ولأعمال المقاومة الطبيعية.
   حيث تحذّر اوساط واسعة من الخلط الخطير بين الضباط العراقيين الكفوئين وبين المجرمين الذي تسلموا مراكز حساسة بأوامر دوائر الدكتاتورية، الذين يسارع عدد منهم الآن للظهور بالفضائيات مبدين انواع العنتريات التي قتلت الشعب ولم تقتل ذبابة لعدو . . . لدى البحث عن وسائل اعادة الفاعلية للجيش العراقي وتأهيله لأستلام دوره وعودة واعادة تأهيل كفاءاته العسكرية . .
   ان استسهال اعادة الضباط البعثيين دون تدقيق كما مرّ ، تحت ضغط حاجة البلاد الى جيش قوي لمواجهة الأطماع، لن يؤدي الاّ الى اوضاع لاتختلف عما جرى ويجري، بعد ان خبرت البلاد ماجرى للجيش العراقي وابنائه في زمان الدكتاتورية . . اضافة الى انه سيزيد من مخاطر واحتمالات نشوء دكتاتورية عسكرية جديدة، وليس خلق جيش كفوء يكون سوراً للوطن يحميه ايام المحن !

18 / 9 / 2007 ، مهند البراك   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   بعد المذابح التي ارتكبها ذات الحزب " البعث " قبلها بخمسة اعوام في انقلاب 8 شباط 1963 العسكري الدموي .
(2)   التيار الذي ادّعى ويدّعي حزب البعث الصدامي كذباً وصلفاً تمثيله الوحيد له، فيما يحاول الآن الأدعاء بكونه الممثل الوحيد للطائفة السّنية في البلاد . 

232
         الطائفية السياسية : عليّ وعلى الجميع . . !
                     
د. مهند البراك
   
ليست الطوائف الدينية في العراق ابنة اليوم، بل انها موجودة منذ اعماق بعيدة في تاريخه، واذا مافسّرها قسم بكونها كانت ثمرة لأجتهادات من اجل الأفضل في ماضي عميق، فأن استغلال هوياتها وتأثيراتها استغلالاً بشعاً ومؤلماً من مراكز القوى الحاكمة علناً او الحاكمة سراًّ، للرد على التلاحم المديد لطوائف البلاد في معارك الخبز والحرية وتحقيقه الكثير من حقوق الطبقات والفئات المسحوقة . . مؤدياً الى سقوط جحافل من شباب العراق وشيبه ونسائه واطفاله ضحايا له.
   وبسبب كل الظروف المعقّدة التي عاشتها وتعيشها منطقة خليج دول النفط، التي تزداد ترابطاً بمصالح دول العالم الصناعي العملاقة .. والتي بنتشجيعها ودفعها، ظهر الدكتاتور صدام .. مستنداً على صيغة " الحزب الحاكم الأوحد " الشمولية، محرّماً بالحديد والنار اي نشاط سياسي آخر. الصيغة التي ادّت بوحشيتها تجاه القوى والأحزاب الأخرى من جهة، وبحروبها وظلمها الذي اساء الى مفهوم الأحزاب السياسية من جهة اخرى . . الى التخوّف منها والى عزوف اوساط ليست قليلة عنها .
    لتتفجّر انواع الأحتجاجات والعصيانات على قوانين الدكتاتورية وقمعها، مستندة الى اسم العشيرة والقومية والطائفة، حذراً من وصمها بـ (نشاط سياسي) حُرّم حتى الموت، وسعيا لكسب تعاطف شعبي معها، وتعاطف افراد من منتسبي قوات القمع املاً بتخفيف الأنتقام الحكومي، من جهة . . وحفاظاً على العناصر المحرّكة الأساسية الناشطة سراً التي اجبرت على انواع المناورات لضمان بقائها وتواصلها مع اهلها وناسها، رغم معاناتها من انقطاعات او صلات متباعدة مع الأطراف السياسية لحركة معارضة الدكتاتورية فرضها ليل الطغيان الطويل الرهيب، من جهة اخرى.
   وفيما لم يكن ذلك الأسلوب جديداً على اهل العراق باطيافهم وباحزابهم السياسية التحررية اوقات المحن ... الاّ ان الدكتاتورية سعت سعياً محموماً وبكل الوسائل لمنع انتشار المغزى الوطني والتحرري لأشكال نشاط معارضتها، باساليب سعت الى تحطيمها، واختراقها وتشكيل وتشجيع فصائل طائفية مناوئة للناشطة منها. اضافة الى تأثير الثورة الأيرانية وبديلها وتوظيفه وتوظيف دوائر وانظمة المنطقة ذلك للدخول عليه وتشجيعه اغراءاً اوفرضاً وتهديداً لأهداف كثيرة التنوع ... ابتدأت بكونها (وقاية) من مخاطر الدكتاتورية على انظمتها، مروراً بكونها لـ (موازنة ) الفتن وانتهاءاً باستخدامها للتصدي للواقع العراقي بعد انهيار الدكتاتورية وتطلعه الى غد افضل .     
   وصولاً الى تحرّك القوى العالمية بصراعاتها وخلافاتها، عليها ... ملوحة بدعم مالي واسناد كثير السخاء، بشروط ان تكون شعارات النضال تتركز على حق الأنسان بالحياة وضد خطر فناء طوائفه واثنياته ومن منطلق التعاطف الأنساني بالمفهوم العام وليس التعاطف من اجل بدائل سياسية للدكتاتورية . . ضاغطة بذلك للسير وفق وجهة عالم وحيد القطبية .
   وعلى ذلك يرى كثير من الخبراء ان انظمة المنطقة والعالم ـ اضافة الى الدكتاتورية ـ هي التي بدأت بتحويل النضال، من نضال سياسي ذي اهداف ذات محتوى اجتماعي يتمثل بالمطالبة ببديل وطني برلماني، الى نضال مذهبي عرقي لحرف خطره على الدكتاتورية. الذي استمر بالتواصل بعد سقوطها لتحقيق اهداف ومطامع بعيدة المدى تخص مصالحها هي تحت واجهة امنها القومي و(رسالتها التاريخية ) ، غير مبالية بحقوق الشعب العراقي باطيافه بارضه وبشكل بناء دولته .
   التحويل الذي اذاق الشعب بطوائفه مرارات هائلة، كنتائج انتفاضته الباسلة في ربيع 1991ضد الدكتاتورية التي لعب فيها نداء بوش الأب دوراً تحريضياً في دعوته للـ (طائفة والعِرق) للأنتفاض، الأنتفاضة التي حدث تسرّب كثيف مسلّح مفاجئ فيها اعدته دوائر ايرانية، رفع شعارات طائفية متطرفة طغت على مااراده العراقيون وحققوه بشيعتهم وسنّتهم وعموم اطيافهم ...
   الأمر الذي ادىّ الى استنفار دوائر سعودية وبالتالي الى ردود فعل وتحرّك اميركي ادىّ ضمن ما ادىّ . . الى اطلاق يد الدكتاتورية في ملاحقة وتحطيم المنتفضين العراقيين باطيافهم رجالاً ونساءاً في وقت اغلقت فيه الحدود الأيرانية بوجوههم، ليهيم عشرات الألوف على وجوههم مواجهين مصائرهم في الصحاري العراقية والسعودية وغيرها، ولتُحطم الأنتفاضة بالحديد والنار مخلفة عشرات الاف اخرى في مقابر جماعية ( قارن مذكرات الجنرال شوارتسكوف ) .
   ورغم كل المرارات النابعة من الضغوط لتبني الطائفية كوسيلة للتغيير . . اُسقط النظام بالغزو الذي جعل نظام المحاصصة الطائفية اساساً للحكم، ثم لتدخل القاعدة الوهابية مأزّمة بعملياتها الوحشية الصراع الطائفي في البلاد الى ذرى خطيرة اخذت تكرّس الطائفية اكثر بظهور انواع التنظيمات الطائفية السنيّة والشيعية.
   ان الجحيم الذي يعيشه العراقيون والذي لاينتهي رغم جهود عراقية متنوعة، وبعد مرور اكثر من اربعة سنوات . . اخذ يضع الأحزاب الطائفية على محكات خطيرة   ، فبعد ان نجحت كأداة من ادوات مواجهة الدكتاتورية، فانها بنهجها وخطابها وهي في السلطة، عجزت عن ايجاد حلول تنقذ البلاد وتقودها الى شاطئ الأمان، بل انها بتكوينها وباقتصارها على التحشيد لدعواها الروحية . . اخذت تتسبب باحداث ازمات نابعة من اختلافها الحاد بينها، ومن صراعها الدموي مع الآخرين على تفسير الآخرة.
   اضافة الى ان عجز برامجها في (الدنيا) اخذ يقودها شاءت ام ابت الى افلاك الحياة اليومية والى الصراع السياسي الوطني والأقليمي وبالتالي الدولي، في اثبات ساطع جديد على ان واقع الصراع في البلاد على الأقل، هو صراع سياسي اساساً. . بعد ان صارت القاعدة الوهابية تلقي الدعم من دوائر ايرانية شيعية، وجيش المهدي الشيعي يتلقى الدعم من مراجع سعودية وهابية . . تحقيقاً لأهداف سياسية، وفق ما تتناقله وتتساءله وكالات انباء محايدة كثيرة التنوع .
   ويرى محللون، ان تزايد الظروف الداخلية والأقليمية والدولية الضاغطة لوضع حد للفوضى الدموية في البلاد، والذي وجد تعبيره في النجاح في توجيه ضربات موجعة للقاعدة في محافظتي الرمادي وديالى، هو الذي يفسره البعض بكونه صراع سني ـ سني، كما في الشيعي ـ الشيعي المشابه وان بادوات واهداف اخرى مواجهة .
   اللذين فيما يشكلان تعبيرين صارخين، على ان السعي الجاد لوضع حد للفوضى الدموية لابد وان يصطدم بالصراع الطائفي غير المجدي، الذي يتسبب باستمرار سقوط آلاف الضحايا من المدنيين، فانهما من ناحية اخرى لايدللان الاّ على ان العودة الى العمل البنّاء والتنافس السياسي، لايمكن ان تتم الاّ
على اساس حل الميليشيات الطائفية وحصر السلاح بيد الدولة، ضمن الجهود الضرورية لأنهاء الأحتلال  . . فيما يتساءل كثير من المراقبين، الا يتطلّب السعي لأنهاء المرحلة الأستثنائية . . احزاباً سياسية وليست طائفية في بلاد كالعراق الذي ضمّت احزابه السياسية ناشطين من ابناء كل الطوائف .... على امتداد تاريخه المعاصر ؟!

1 / 9 / 2007 ، مهند البراك

233
   
مذبحة الأيزيدية ... هل يريدون انهاء اطياف العراق ؟!

                              
د. مهند البراك
   
فيما تعيش البلاد وقائع لاتنتهي من العنف والأرهاب الذي تتسبب به الميليشيات الطائفية والقاعدة الأرهابية وبقايا الدكتاتورية المقبورة، على واقع تركة الأحتلال  . . وفيما تعيش المكونات الأساسية للحكم والأدارة في البلاد ظروفاً غاية بالدقة والحساسية، وقعت مذبحة سنجار الدموية التي راح ضحاياها المئات من المدنيين العزّل رجالاً ونساءاً واطفالاً من ابناء الطائفة الأيزيدية الكوردية، لتلقي اضواءاً ساطعة على المخططات التدميرية المستمرة التي تشارك فيها اطراف كثيرة التنوع والأهداف والمصالح، ومن مواقع متعددة .
فمنذ فترة ليست بالقصيرة، تتصاعد وبشكل مخطط حملة تتضح معالمها ضد اخواننا الأيزيديين ، اخواننا في الوطن والمحن وفي مختلف ميادين النضال والعمل الفاعل من اجل الديمقراطية وحقوق الأنسان في العراق، الذين قدّموا الغالي والثمين من شهداء وشهيدات من اجل حياة وحرية البلاد ومن اجل الحقوق القومية العادلة للكورد وكوردستان .
   وترى اوسع الأوساط ان تلك الحملة تستهدف وجود الكورد الأيزيدية في بلادهم العراق، فاضافة الى معاناتهم من المخاطر والآلام والفقدان ككل العراقيين باطيافهم، فانهم اخذوا يواجهون أرعاب متواصل يرتبط بمخطط التصدي لكل بادرة ايجابية يمكن ان تلوح في حياة البلاد . . والذي اخذ يتصاعد في مدينة الموصل وكركوك وعديد من القصبات والمناطق السكنية بحملات تدّعي الأسلام، وتهددهم بالقتل والتدمير ان لم يتخلوا عن ديانتهم .
   وادى الى حرق وتدمير عدد من معابدهم ونواديهم واماكن تجمعهم . . والى ملاحقات عوائلهم، ليستهدف العمال الأيزيديين في الموصل ويؤدي الى مقتلهم، ووصل ذروة مخيفة باقتياد مواطنين ايزيديين ليعدما رجماً بالحجارة في رابعة النهار وفي ساحة عامة . . لالذنب اقترفاه، سوى لأنتمائهما لطائفتهما الكوردية الأيزيدية، ودائماً تحت الشعارات (الأسلامية) الأرهابية التي تكفّر الأيزيدية، الأمر الذي تصاعد بشكل خاص بعد الأعلان عما سمي بقيام (دولة العراق الأسلامية في الموصل) .
   في ظروف اخذ فيها الأقتتال الطائفي باسم (الصراع السني ـ الشيعي) الشنيع، اخذ مديات صارت تغطيّ على حملات وصراعات مستمرة بلا هوادة ذات طابع ديني . . استهدفت وجود الصابئة المندائيين وعموم المسيحيين والأيزيديين الكورد، صار قصر النظر فيها الذي يدعو الى تحقيق (انتصارات) مخجلة محلية الطابع، لايرى المنحى الخطير لها، في تكريس الأحقاد والثارات وزيادة تمزّق البلاد في ظروف تتصاعد فيها التدخلات المتنوعة من دول الجوار، كلاً لغايته.
   وفيما يحذر مراقبون من مخاطر لهيب القتل والموت الذي لاينتهي، ويرى اخرون ان عموم المنطقة تمر في ساحة العراق، بمرحلة اخطر مما مرّت به في سنوات الحرب العالمية الأولى التي تسببت بمذابح واقصاء الأرمن بالتطهير العرقي الذي لم تسلم شعوب وقوميات واثنيات اصيلة اخرى منه، وان امواج العراقيين البشرية الهائلة باطيافهم التي تهيم على وجهها في الدول المحيطة صارت تفوق تلك الموجات التي هامت في المنطقة في تلك السنوات من القرن الماضي
   يرون انه اضافة الى الجرائم الهائلة ومئات آلاف الضحايا التي تسببت بها المخططات الرامية الى تحطيم وتخريب الدعائم الأساسية لبلاد الرافدين العراق، فأن هناك دوائر هالها وارعبها تمسك العراقيين بعضهم ببعض وبوحدة بلادهم الحامية المجربة لهم رغم كل المحن، بعد ان بائت محاولاتها بالفشل، وان هناك مخططات شريرة من مستوى آخر تسعى لقتل الروح العراقية الحيّة ابنة التعايش والمحبة والصداقة بين اقوام العراق، التي انجبها تعايش اطياف العراق وتفاعلها وتماسكها بوجه الخصوم، والتي يشهد لها التاريخ القريب قبل البعيد . . مخططات لاتتورّع عن استخدام اساليب التطهير العرقي المحرّم دولياً في تحقيق مخططاتها الشيطانية تلك .
   ويرى محللون عسكريون ان مجاميع الأرهاب (الأسلامي) اقترفت تلك الجريمة الدموية، كانتقام ورد على خسائرها في (اماراتها) التي بدأت بالتساقط في محافظتي الأنبار وديالى، التي ادت بها الى الأبتعاد الى مناطق اقرب الى شريان تجهيزها اللوجستي، ولتنفذ عمليات ارهابية بحق المناطق الأكثر معاناة والتي تفتقر الى القوات الضرورية لحماية الأمن والحياة، ويرى آخرون في بشاعتها، كونها محاولة لتأمين استمرارية وجودهم في منطقة جغرافية ستراتيجية قد يخسروها بالبدء بتنفيذ المادة 140 من الدستور، مع اقتراب شهر ايلول واحتمالات تغيّر الخطط الأميركية .
   ورغم مآسي البلاد، فان الصوت يرتفع لكثرة الضحايا في هذه الجريمة قياسا بحجم الطائفة من جهة، ولصمودها بوجه عاديات زمان طويل امتد مئات السنين، الذي افقر اهلها ولم يثنهم عن مواصلة الكد والعمل الشريف مهما صغر، ولكون ابنائها لاينافسون احداً بسلطة او جاه بقدر ما يسعون لتحقيق ارادتهم على البقاء والحياة بعز وكرامة في بلادهم كأي بشر. وان الألم يزداد، بسبب ماعاناه الأيزيديون الكورد من سياسات التعريب وتهجيرالقرى، وكثرة ضحاياهم بفعل حملات القتل الجماعي والأنفال السيئة الصيت، وبسبب دورهم الفاعل سواءاً في نضال البيشمه ركةالأنصار او في الساحات الأخرى، من اجل اسقاط الدكتاتورية.
   وفيما تعبّر اوسع الأوساط عن تضامنها مع الأخوة الأيزيدية في محنتهم، وتحذّر من تزايد عمليات التطهير العرقي الديني المحرّم دولياً، ومن كونه صار يشمل كل القوميات والطوائف الأصغر، فانها تطالب الحكومة المركزية وحكومة اقليم كوردستان بالمزيد من الحزم تجاه اعداء البشر واساليبهم الدنيئة في القرن الواحد والعشرين، وتدعو الأخوة الأيزيدية الى التكاتف والتلاحم . . وتتساءل الا يمكن تنظيم وتسليح ابناء الطائفة للدفاع عن حياتهم وعرضهم واعمالهم وقراهم، ضمن خطط الدفاع الذاتي التي صارت تتبع في عموم البلاد، واسوة بعشائر الرمادي وديالى وغيرها ؟   

17 / 8 / 2007 ، مهند البراك

234
         
لا حل الاّ بانهاء نظام المحاصصة الطائفية !
                     
د. مهند البراك
   
بعيداً عن اعادة وتكرار ماحذّر منه وناقشه عديد من السياسيين والمراقبين والمحللين، حول المخاطر المميتة لنهج المحاصصة الطائفية، وبعيداً عن تكرار ذكر احداث زمان الدكتاتورية ومواقف الجوار والقوى العظمى من قوى معارضتها آنذاك، التي ادّت الى نتائج طائفية متنوعة، قامت دوائر كثيرة بتوظيفها في محاولة لأمتصاص وتوجيه الأحتقان الهائل الذي كان يتزايد ضد الدكتاتورية و يهدد بانفجار قد لايمكنها التحكم به بتقديرها ....
   وحتى سقوط الدكتاتورية الشمولية بالحرب، واعلان السفير بريمر الأحتلال وتشكيل مجلس حكم على اساس المحاصصة الطائفية لـ ( انعدام وجود مكونات يمكن الأعتماد عليها ) ؟! الذي ادى الى ان تأخذ الطائفية ابعاداً مؤسساتية قانونية ودولتية خطيرة، تزداد خطورة في ظل استمرار هيمنة المنطق الموروث عن حكم الدكتاتورية، المتلخص باتباع سياسة وتكتيك " حافة الهاوية " واحراج المقابل لأبتزازه الذي اخذ يسود تعامل اوسع المكونات العراقية التي ارتدت والتي اخذت ترتدي المسوح الطائفي . .
   واخذت تزداد حدة بسبب ردود افعال واصداء واقع الأحتلال وعصابات الأرهاب ومواقف دول الجوار، وبسبب المعاناة الهائلة الناتجة عن انعدام الأمن، وشيوع الفساد الأداري واللصوصية، تزايد منطق المليشيات والأبتزاز والسوق السوداء .
   واذ تمرّ السنة الخامسة على سقوط الدكتاتورية … تلاحظ اوسع الأوساط ان الوقت لم يزكيّ صواب سياسة المحاصصة الطائفية لاداخليا ولا اقليمياً ولادوليا، فيما تنتظر الأدارة الأميركية ايلول 2007 لتقرير مدى ونوعية بقاء قواتها في البلاد، وتتهيأ ادارات وحكومات ايران وتركيا والسعودية لأدوار يبدو انها ستكون اكثر تشدداً من السابق، بتقدير خبراء ومحللين دوليين متخصصين.
   حيث اخذت اطراف المحاصصة ذاتها، تشهد تصدعات ومواقف متضاربة، من تفتت قائمة الأئتلاف المهيمنة، التي تعاني من انشقاقات لاتنتهي، فيها وفي كل مكون منها، الى ماتشهده حكومة السيد المالكي من انسحاب : وزراء كتلة الصدر، وزراء " التوافق"، اضافة الى تعليق " العراقية " لوزرائها . . الأمر الذي يهدد بسحب الثقة عنها اصولياً .
   واذا ما سعت حكومة السيد المالكي لمد الجسور مع اي تجمعات تؤيدها، او لتمهيد الطريق لها للأصطفاف معها بغض النظر عن طائفتها . . فان ذلك يعزز القناعات في ان ابناء الطائفتين السنية والشيعية يتوزّعون على تكوينات وفعاليات ذات مطالب سياسية وليست طائفية، مطالب فشلت سياسة المحاصصة في تفسيرها وبالتالي في حلّها على اسس وخلفيات طائفية، وبالتالي لم تتمكن من اللحاق بالمشاريع السياسية الجادة والقادرة على الخروج من الواقع العراقي المأساوي الدموي . . 
   فيما تتزايد المعاناة الشعبية على اصعدة كثيرة التنوّع، فاضافة الى الأمن، ادى انسحاب الدولة عملياً من تأمين الكهرباء في اهم المحافظات، في وقت تتصاعد فيه اسعار المحروقات وبنزين السيارات تصاعداً خيالياً، ثم موقفها المتشدد من ادوار منظمات المجتمع المدني و نقابات العمال وخاصة عمال النفط، الى شلل وتذمّر اوساط تتسع، بعد ان وصلت المحاصصة الطائفية الى انشاء  الجدران العازلة، والى حمل الهويات الطائفية التي تفاقمت مؤخراً الى ضرورة الحصول على تأشيرات " فيزة " !! بعد تقديم طلبات، تجيز الزيارة من منطقة (طائفية) الى اخرى …!!
   حتى اخذ الرفض الشعبي لسياسة المحاصصة الطائفية يتجسّد بالتفجّر الواعي والعفوي الواسع للدعوة الى أحياء الأنتماء الوطني للعراق بكل اطيافه والى التضامن الواسع من اجله، كما حصل في ردود الأفعال الجماهيرية العراقية الواسعة في الداخل والخارج، لتحية منتخب العراق المتنوع الأطياف الذي حقق الفوز بكأس آسيا، متحدية استهدافها بالمفخخات التي راحت اعداد جديدة ضحايا لها . . وشكّلت تصاعداً هائلاً لما جرى اثناء دورة كأس الخليج، ثم اثر فوز العراقية شذى حسون في مسابقة ستار اكاديمي .
   ويتساءل كثيرون بان اذا كان كلّ مايجري لايخلق ادراكاً لدى سياسيي الطوائف بخطورة مناهجهم، الا يشعرون بأن الدعوة الى رفض الطائفية واعتماد الهوية الوطنية تزداد طردياً مع تزايد مآسي الانقسامات الطائفية المدمرة ؟ التي لاتعزز الاّ الأدراك بان علة المآسي تكمن في اعتماد الاصطفافات الطائفية والعرقية وتكريسها، فضلا عن الصراعات على السلطة والنفوذ و للاستحواذ على اكبر قدر من اموال الشعب العراقي بكل اطيافه . 
   يعزز ذلك نتائج استفتاءات تجريها جهات متنوعة ذات طابع محايد، تفيد بأن هناك تحول جدي عن الأحزاب الدينية الطائفية بشكل خاص، اضافة الى تصريحات متنوعة بنفس المعاني لعدد يتزايد من الوجوه الدينية والسياسية والأجتماعية الفاعلة في مؤسسات الحكم من المنتمين للطائفتين السنية والشيعية، التي تذكّر بأن الدكتاتور كان يعتمد على من طاعه وامن به شخصاً . . عربيا كان او كوردياً، سنياً اوشيعياً، مسلماً او غير مسلم، وانه سلّم مفاتيح السلطة الأساسية لأبنائه وابناء عشيرته ….
   التي تعبّر عن ان معادلة حكم العراق بظروفه كلها، الداخلية والأٌقليمية والدولية والنفطية . . لاتستقيم مع سياسة المحاصصة الطائفية الصماء، وان الوضع المأساوي المهدد اكثر، لايمكن البدء بمعالجته الاّ باعادة تشكيل الحكومة اولاً لتكون حكومة تكنوقراط على اسس الكفاءة والنزاهة، وعلى اساس الأنتماء الوطني للعراق، تراعي التنوع العراقي . . وليس المحاصصة الطائفية.
   ووفق برنامج محدد يستهدف : توفير الأمن، المصالحة الوطنية على اساس تنازلات متبادلة مؤلمة لابدّ منها، ايجاد حل مناسب للبدء بالتنفيذ الفعلي للمادة (140) من الدستور الخاصة بكركوك، اعادة البناء اللوجستي للبلاد، حل الضائقة المعاشية لأوسع الفئات الكادحة . . من اجل انقاذ البلاد ولوضع الأسس الناجحة لبناء دولة عراقية فدرالية برلمانية موحدة، قادرة على مواجهة التحديات . . من اجل انقاذ البلاد من تدهور اكثر هولاً ودماراً ! 

7 / 8 / 2007 ، مهند البراك

235
   كأس آسيا . . والآمال المقبلات !
                              د. مهند البراك

   حقق المنتخب الوطني العراقي لكرة القدم، اروع فوز له ولشعبنا في المباراة النهائية لكأس امم آسيا . واذ تعيش شبيبة واهالي العراق بكل اطيافهم، لحظة فرح يستبشرون بها بمستقبل افضل، يذكّر الكثيرون بقيمة المباريات الجماعية وقيمة الأنتصار فيها كتعبير عن انتصار العزم والتصميم الذي يعزز الروح المعنوية والأمل وارادة النجاح، كما اثبتت ساحات معارك الحرب العالمية الثانية وساحات معارك التحرير الكبرى في اسبانيا وروسيا وشيلي وغيرها .
   ان انتصار منتخبنا الوطني والفرح الذي اطلقه رغم كل الجراح والدماء والسنة النيران والدخان وتهويم الكواسر والضواري ونعيب البوم . . لايعني الاّ ان هناك ارادة عراقية تتمثل بشبيبته الصامدة الصاعدة التي تسعى لأستثمار كل سانحة لتحقيق نجاح وانجاز ينثر الفرح والحب ويوجه الأنظار الى وجودها والى قدراتها الفائقة على تجاوز الصعاب، ان اطلقت طاقاتها وشجعت اتحاداتها ومنظماتها وتم الأهتمام بها والأصغاء اليها والى آمالها ورؤاها .
   وفيما تذكّر النجاحات بطريق الدم الذي تعمدت به كرة القدم العراقية وتذكّر بشهدائها طارق نافع الأسود، بشار رشيد، عمار جابر ولعيبي فرحان ورفاقهم والعشرات من كل القوى الوطنية وكل المناضلين على طريقهم، من المناضلين الأخوين  كوركيس والأخوين كمال وقيس شاكر، واسد . . وحتى نجوم الملاعب الذين استطاعوا اكمال المشوار؛ جمولي ، عموبابا، حامد فوزي، حسن بله، صاحب خزعل ولطيف شندل والعشرات من خيرة اللاعبين العراقيين والدوليين.
   اضافة الى المعلقين والأداريين والمتخصصين سواءاً الذين قضوا كضحايا لظلم واغتيالات النظام الدكتاتوري كالمعلق الدولي ابراهيم اسماعيل " برهوم " ومحرري صحيفة " الملعب " وغيرهم اومما عاناه العشرات من عاملي ومحرري الصحافة الرياضية، بسبب سياسات التبعيث سيئة الصيت .
   اضافة الى المعاناة المتنوعة من التعذيب والسجون والتشريد للمئات من ابطال الملاعب وفرق واتحادات وملاعب المحلات الشعبية ... في بلاد عشقت كرة القدم، كما عشقتها وتعشقها شعوب وشبيبة العالم النامي بخلاياه التي تنبض بها محلاته واحياءه الشعبية مجسدة ارادة الحياة والصمود والفرح . .  التي جمعت وتجمع اوسع الأوساط الشبابية واكبر الطاقات، والتي مرّ وتدرب في مدرستها المئات والآلاف من رجال السياسة والحكم ورجال الثقافة والعلوم والأبداع .
   الرياضة الشعبية التي لم تشكّل اعباءاً مالية ولا هدفت الى تربية ذل ومهانة، وانما علّمت على انتزاع النصر والفرح للناس . . وجسّدت ارادة وآمال ابناء الفئات والطبقات الفقيرة الذين لمعوا بها بدرجة ما اتقنوا فيها فن التحلي بالمُثل العليا في السلوك والعمل الجماعي، وبالتالي في النضال كتف لكتف ومن مناولة الى مناولة . . ومن طيف الى طيف لتحقيق النصر لكل اطياف العراق . 
   ان النصر العراقي الكبير في جاكارتا الذي اشغل ويشغل وسائل الأعلام العالمية، والذي هزجت ودبكت له ملايين العراقيين رجالاً ونساءاً متحدين الموت، والذي صفّقت ورقصت له الملايين من شبيبة وشعوب العالم تحية وتضامناً مع الشعب العراقي باطيافه للخلاص من محنته التي تهزّ الضمير في العالم . . ومن اجل حق العراقيين باطيافهم رجالا ونساءاً واطفالاً بالحياة والفرح .
   لم يكن الاّ رداً هائلاً على فتاوي تحريم لعبة كرة القدم وتحريم لبس الملابس الرياضية ( التي تكشف العورات)، وعلى كل الأعمال السوداء الرامية الى انتهاك الحُرُمات باسم الحُرُمات، وعلى عمليات اختطاف واغتيال الرياضة والرياضيين ومتخصصيها، ورداً على المحاولات المحمومة التي سعت وتسعى الى تحطيم الفرحة والتعاطف معها، خوفاً من تحوّلها الى اعمال منظّمة للشباب تثبّت مبدأ المواطنة على اساس ترابط الحقوق والواجبات بالهوية الوطنية.
   وخوفاً من تنامي وتبلور وصحوة نبل وعزم الشباب وارادته في الحياة والفرح والحب والتآخي، الذي لايهدد الاّ مخططاتها الرامية الى اشاعة الأحتقار للرياضة ولكرة القدم تحديداً . . التي  لاتشكّل الاّ استمراراً دموياً لما اتبعته الدكتاتورية، حين حاولت السيطرة عليها وتسخيرها لها بسياسة الجزرة والعصا ، وحين حرّمت معاهد الرياضة والفن والمعلمين على غير منتسبيها، في سياستها الرعناء في تحطيم مؤسسات الفعل والتحشد والتنظيم الجماعي، لفرض سيطرتها وتوجيهها للمجتمع وجهتها التي فشلت، بعد ان كبّدت العراق شعباً وشباباً خسائر هائلة لايزال يأنّ من نتائجها المريعة . 
   بل هي في صراعها المحموم ذلك تنسى ان المراجع الدينية والأنظمة التي شرّعت تلك الممنوعات، تراجعت عنها ورضخت لأرادة وآمال شبيبتها التي تشكّل النسبة العظمى الفاعلة من شعوبها، وتشكّل عماد حياة بلدانها . . ولتثبت بما لايقبل الجدل ان وجهتها تلك لاتمت للدين بصلة وانما لاتهدف الاّ الى محاولة كسر شوكة العراق كشعب وشبيبة متنوعة الأطياف، التي منها وفيها تتكوّن وتتعمد مواقفه واراداته . . ومنها وبها تنبع دولته البرلمانية الفدرالية الموحدة .

30 / 7 / 2007 ، مهند البراك

236
      
على هامش اللقاء الأميركي الأيراني !

                              د. مهند البراك

   فيما يطرح قسم ان اي نجاح لأحد الطرفين هو فشل للآخر، لابدّ في البدء من التاكيد على صواب الرأي الرافض لـ " لامحدودية طاقة الأدارة الأميركية " في اجراء تغييرات سريعة في الشرق الأوسط . . وعلى كونه ينطبق بنفس القوة واكثر على القدرة الأيرانية ايضاً، وعلى دور المعيار الهام الذي قد ينساه اغلب رجال الحكم، ليتفجّر باشكال كثيرة التنوّع، الذي هو موقف الشعب المعني من حكومته ودرجة تأثير ذلك، في ظروف تتزايد فيها البطالة والأزمات الأقتصادية في ايران وفق وسائل الأعلام الأيرانية ذاتها، التي تصفها بـ " قصور نظام ولاية الفقيه " في مواجهة التحديات، رغم محاولات المرونة التي يتبعها في دورات حكوماته كوسيلة للتجديد بتقديره، ورغم وجود تنوع في وجهات دوائره .
   في وقت ادّت فيه العولمة وتشابك وتفاعل المشكلات، الى ان تتحرّك كلّ من الدول الكبرى والأقليمية ذات التأثير في المنطقة، بشكل اقطاب ودوائر واجندة متنوعة الأساليب وحتى مختلفتها ومتصارعتها، تؤدي الى تضارب البيانات وتضارب مايعلن . . لتصل كل منها الى نقطة التلاقي في تحقيق هدف من اهداف ( مصالح امنها القومي ) . .
   لذلك يرى كثيرون بانه لايمكن القول باطلاقية، ان كل نجاح لأميركا هو خطوة ضد مصالح وتطلعات ايران، لأن مكونات كل منهما لايمكنها الأستغناء عن حاجتها للمكونات المعنية للمقابل ، شاء المرء ام ابى، في موضوعات ومصالح واسواق دولية واقليمية وغيرها. فالنفط الذي يشكّل عصب الأقتصاد الأيراني مثلاً، لايمكنه تحقيق مردود دون استخراج ونقل وتسويق وبورصات وارقى انواع التكنيك وغيرها التي لاتستطيع الأستغناء فيها عن الولايات المتحدة وافلاكها، التي من جانبها تحتاج النفط بشكل ماسّ فيما تسعى بكل امكاناتها للعب الدور المحوري في صناعته وتجارته في العالم .
   اضافة الى حاجة احدهما للآخر لضمان امن الخليج النفطي، درّة الصناعة والتكنيك في العالم، والى حاجات مجمعات صناعية نفطية تجارية اميركية ـ غربية عملاقة لأيران كسوق وكوسيط نحو آسيا . . . المجمعات التي لاتزال مكاتبها تتكاثر سواءاً في جزيرة " كيش " الأيرانية في الخليج او في منطقة " سرخس " شمال شرقي ايران . . الأمر الذي يدلل على وجود مصالح عملاقة بمئات مليارات الدولارات لايمكن ان تستغني عنها لا ايران كدولة وكمؤسسات، ولا الغرب، ويدلل على وجود ملفات حيوية لايعلن عنها، بين الطرفين . في زمان لايزال الميل العالمي فيه يدفع الى التوافق والتعايش وابداء تنازلات متبادلة، تفادياً لأشتعال حرب " لايمكن حصر نطاقها " . .  .
   ويرون بانه رغم كل الخلافات بينهما فانهما يتفقان كما اتفقا في افغانستان ضد القاعدة وطاليبان، واتفقا بالضوء الأخضر الأيراني على الغزو العسكري الأميركي لبلادنا . . الذي ابتدأ بفتوة المرشد الأعلى للجمهورية الأسلامية السيد خامنئي حين افتى بجواز تعاون معارضة صدام، مع الولايات المتحدة لـ ( اسقاط نظام الطاغوت صدام )، اواخر تسعينات القرن الماضي. ليثبت ان لذلك الصراع محطات للأتفاق، رغم الأعلان عن كونه صراعاً مقدّساً !! وكما وافق الأمام الخميني الراحل على ايقاف الحرب الظالمة التي اشعلها " الدكتاتور الكافر" على بلاده، ورغم وصفه موافقته بكونها كانت كمّن يتجرّع السم ؟!
   وفيما يرى مراقبون ومتخصصون في عروض عدد من الدول العظمى . . بكونها تشكّل خطوة هامة ضرورية لتخفيف حدة التوتر الناشئة بسبب المفاعل النووي، على طريق انهاء الأسلحة النووية في عموم المنطقة بضمنها اسرائيل، اثر تصاعد مطالبات شعوب وحكومات المنطقة بذلك . يزداد الضغط الداخلي على حكومة السيد نجاد للتفاوض مع الولايات المتحدة على حد وسائل الأعلام الأيرانية ذاتها ومايتسرب من داخلها، لأجل وضع حد للطوق الأميركي والغربي على السوق الأيراني بسبب (المفاعل النووي)، ولمكافحة الفقر والبطالة . . في فرصة هامة للجانب العراقي للمطالبة بالكف من جعل العراق ساحة للصدام الأميركي ـ الأيراني الذي يتوسع ليضم العربي ـ الأقليمي اليه .
   ويرون أن تحقيق اتفاق اميركي ـ ايراني بخصوص دعم امن واستقرار العراق ليس بالأمر الجديد بينهما تاريخيا وليس بالأمر المستحيل، ويذكّرون بما جرى في عدة محطات في ماض ليس بعيد . . باجراء تنازلات متبادلة تحقق وقف النشاطات المعادية المباشرة بينهما، تشمل انهاء النشاطات المسلحة لمجاهدي خلق الحاصلة على اللجوء السياسي لدى القوات الأميركية وغيرها، مقابل ان تكف ايران عن دعم المجاميع المسلحة التي تتحرك في العراق تحت اغطيتها المتنوعة . . واحترام الطرفين للسيادة الوطنية العراقية وقراراتها في كيفية الحفاظ على الأمن في البلاد وعلى سلامة حدودها من تسرب المسلحين غير العراقيين، ومن اجل وضع اسس جديدة للمنافع المتبادلة تقوم على احترام ارادة الشعب العراقي باطيافه بالأرض والثروات باعتبارها المالكة الأصلية والقانونية لها .

25 / 7/ 2007 ، مهند البراك

237
ثورة 14 تموز . . تأكيداً للروح وللقرار العراقي !

                                   د. مهند البراك

   تمر اليوم الذكرى التاسعة والخمسون لثورة 14 تموز عام 1958 التي فجّرها الجيش العراقي الباسل الذي اثبت بها وبجهود وتضحيات مخلصيه . . ولائه لأرادة الشعب العراقي بعربه وكورده وكل قومياته واديانه وطوائفه المتنوعة التي شكّلت طيفه العراقي، والتي محظته المشاركة في التهيئة لها ثم في احتضانها واستعدادها للدفاع عنها .
   بعد التحوّل الميداني الكبير الذي اعلنته قطعاته المسلحة بعدم استعدادها للوقوف ضد الأرادة الوطنية والقومية التحررية للشعب، حين رفضت اطلاق الرصاص على المظاهرات الشعبية التي ابتدأ بها طلبة الكليات من طلاب وطالبات في تشرين 1952 حين طالبوا باطلاق الحريات الديمقراطية ومن اجل دستور ديمقراطي . . . وانخرطت القطعات للسير مع المظاهرات في شوارع العاصمة بغداد.
   وبقدر ما فاجئت ثورة 14 تموز وارعبت الدوائر الغربية وبالأخص الدوائر الأكثر عنفاً وعسكرية منها في المنطقة، والممثلة في دول حلف المعاهدة المركزية السنتو (حلف بغداد)، الذي كان مقره في العاصمة بغداد، واثبتت لها خطأ لانهائية حساباتها، بعد ان استنفذ اسلوب بناء دولة حديثة بصيغة مملكة برئاسة امير عربي من الحجاز دوره، وبعد ان ادىّ ادواراً تقدمية وتحديثية في الثلث الأول من القرن الماضي . . ليتحوّل الى عامل تقييد واحباط في العقود اللاحقة .
   وفيما يعتبر مؤرخون ثورة 14 تموز 1958 ، امتداداً للثورة العراقية الكبرى في حزيران 1920 التي فرضت على الدوائر البريطانية والغربية، التخلي عن صيغ الفرض والأوامرية، والأستماع وتفهم مطالب المكوّنات العراقية، والتخلي عن اعتماد صيغ : الأحتلال، والأنتداب . . واعتماد صيغة الدولة العراقية لكل المكونات العراقية على اساس انتمائها بالتساوي للدولة الناشئة، وتثبيت ذلك بقوانين خدمت بناء الدولة على اسس حديثة آنذاك، الاّ انها اثبتت ايضاً خطأ وخطورة الجمود عليها وافراغها من محتواها، كما جرى لاحقاً على يد الحكومات المتعاقبة على حكم الدولة بنمطها ذلك .
   فأنهم يحذّرون من مخاطر اجتهادات انواع الدوائر الأميركية والغربية العليا اضافة لعدد من الأقليمية، لمصالح تريد تأمينها لها وحدها دون الأهتمام ودون النظر الى ارواح وتطلعات ومصالح وحاجات العراقيين برجالهم ونسائهم بكل اطيافهم . . موظفين فكرة وصف الشعب العراقي بـ " الحصان الجامح " لتعميق ازماته ولشق وحدة صفه، بدل المساعدة في سعيه لتنظيم صفوفه .
   ودون النظر والبحث عن اسباب جموحه ؟ ودون تسليط الضوء على اهمال الأنظمة المتلاحقة ايّاه ودوسها عليه، ودوام حكمه بالحديد والنار، وتشديد الخناق عليه بتصدير ازمات الحكم الى اهداف خارج البلاد، تارة باسم فلسطين وهم منها براء، وتارة بحرب صدام الطويلة ضد الجارة ايران بحجة (الخطر الصفوي). . لتشديد القبضة عليه وحكمه بالتعذيب والقتل الجماعي وبالأسلحة الكيمياوية.
   ثم عقوداً باسم (المصالح القومية العليا)، واخرى باسم تطهير العرق العراقي من (الشوائب غير العربية ومن ماعز الجبال !) في تطبيق شيطاني لسياسة افقار وتجويع وتجهيل الشعب باطيافه ثم سوقه نحو فخ ( التطهير الطائفي والديني ) . . لتحطيم حيويته وتنوعه الثمين ولتبديد ثرواته، ولجعلة متسكعاً على الأبواب الأقليمية والدولية كي لايعود الى التلاحم والى الوقوف صفاً واحداً ويداً بيد كما صار في ثورة14 وكما تحقق في المنعطفات الهامة في حياة البلاد .
   واخيراً فان لم تحقق الثورة اهدافها العريضة، لأخطاء في مسيرتها ومكوناتها ولطبيعة احزاب المرحلة وطبيعة المناخ الدولي آنذاك . . اضافة الى التآمر الذي تصاعد ولم ينقطع ضدها عالمياً ـ وبالأخص من الأحتكارات النفطية ـ واقليمياً وعربياً ... ولأخطاء وقع فيها قائدها الزعيم الركن عبد الكريم قاسم الذي مثّل اطياف الشعب العراقي تكويناً (*) رغم انحيازه لفقراء العراق باطيافهم، التي لم يستجيب لرجاءاتها ولنداءاتها ايّاه . . بالتعميق اكثر في انحيازه لها .

14 تموز / 2007 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) من اب عربي سني وام كوردية فيلية شيعية . . 

238
حول تصاعد الخطر التركي !
                        د. مهند البراك

يلاحظ المراقبون السياسيون والعسكريون بقلق شديد، تصاعد الأستعدادات العسكرية التركية على حدود البلاد الشمالية، التي تهدد بشكل مباشر منطقة اقليم كوردستان العراق، والتي ان يتصورها البعض كونها مناورة تهدف الى : زيادة شعبية حزب " العدالة والتنمية " وزيادة اظهار بأس المؤسسة العسكرية التركية بكونها الحاكم الفصل هناك، مع قرب حلول موعد الأنتخابات العامة  . .
   فأن اعداداً متزايدة من الخبراء والمعنيين، ترى فيها مناورة يمكن ان تتطوّر سريعاً بسبب ظروف عموم العراق الخطيرة من جهة، وبسبب تراخي . . وتباطؤ الموقف الأميركي في صدّ الخطر التركي، الذي فيما ترى فيه اوساط بكونه يعبّر عن تخبّط الأدارة الأميركية وعما وصلته من استنزاف، ترى اوساط اخرى بأنه يعبّر عن موقف الأدارة الأميركية الجديد في تطبيق خطة B – H  الداعية الى جعل مهمة الأنسجام مع انظمة المنطقة كمهمة اولى، لتأمين انسحاب قواتها.
   الذي يذكّر بالتباطئ الذي اجهض ماانتظرته الجماهير العراقية باطيافها من سقوط الدكتاتورية وادىّ الى تهاوي الحدود وتحلل الدولة وتسرّب انواع المجاميع والفرق المسلحة التي عاثت وتعيث بالبلاد قتلاً وتعذيباً وتدميراً ونهباً، والذي يهدد اليوم ماحققه الشعب الكوردي وكوردستان العراق، بنضالها المرير ضد الدكتاتورية ومن اجل " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكوردستان " ودفعت في سبيله دماء عشرات الآلاف من بناتها وابنائها .
   وترى جهات خبيرة، بأن ما يجري يبدو وكأنه خطة جديدة بدأت تُنفّذ في كوردستان العراق، ابتداءاً من تأهيل وزير الأفواج الخفيفة السابق بلا مساءلة ولا محاكمة، ووضعه في مسرح الحدث السياسي والأجتماعي والعشائري الذي قد يحيي احلاف عشائرية كوردية سابقة، ممن وقفت ضد ثورات الكورد وكوردستان . . الذي لايمكن ان يكون صدفة في هذه الظروف.
   وترى بالتهديد التركي مخاطر اكبر مما يبدو في الظاهر، تنبع من ان اوساطاً عسكرية ايرانية نافذة تأمل بدخول القوات التركية الى كوردستان العراق اكثر اجزاء البلاد استقراراً الآن، لمحاولة ضرب الأمن فيها وبالتالي لزيادة الفوضى في عموم البلاد التي ترى فيها تشتيتاً واشغالاً للقوات الأميركية الموجودة في البلاد، يؤدي الى تقوية مواقعها في الصراع حول المفاعل النووي، او في انتزاع شرعية لدورمباشر في حكم العراق او اجزاء هامة منه.   
   وفيما ترى اوساط ستراتيجية في التهديد التركي بكونه ليس موجه ضد كوردستان العراق وتجربتها السياسية الجديدة فحسب، وانما يهدف الى احتلال دائم لأبار كركوك النفطية بحجج اخرى . . ضمن ظروف تشهد تزايد نشاط المحاور الأقليمية الطامعة بالعراق، التي قد تحتّله على اجزاء . . اذا انسحبت القوات الأميركية الآن، كما ورد في تصريحات متضاربة نسّبت للبيت الأبيض وللكونغرس وللحزبين الجمهوري والدمقراطي مؤخراً، حول النفقات. 
   فانها ترى ان العراق في ظل اوضاعه الداخلية والأقليمية والمواقف المتغيّرة والمتضاربة للأقطاب المتعددة والمتغيّرة للسياسة الأميركية . . قد يخسره ابناؤه بكل اطيافهم القومية والدينية والطوائفية في حالة من حدوث انتقال من احتلال الى احتلال، ان لم يسيروا على مبادئ " التنازلات المؤلمة " بين كل اطرافهم السياسية والقومية والدينية والطوائفيه لتكوين الموقف العراقي الموحد، ومن اجل غد افضل ليس مستحيلاً، على اساس الأعتدال، والذي فيما يشكّل رداً على الطامعين.
   فانه سيكون سنداً اساسياً للرد على الخطرالتركي، ولأعتماد الحلول السلمية لحل الأشكالات القائمة . . والذي يتطلّب من ناحية اخرى تأمين حلول سريعة لمعالجة الثغرات والمطالب الآنية التي تعاني منها اوساط كادحة ليست قليلة من كل اطياف كوردستان، التي تشكّل القاعدة الصلبة لحماية المكتسبات، وللسعي لتحقيق اوسع التفاف شعبي فاعل حول الحكومة الكوردستانية الأقليمية، وللأسراع بشل نشاط العناصر والجماعات المستعدة للتلون السريع، وفي مقدمتها كبار رؤساء الجاش السابقين الذين جرّمتهم محاكمات الأنفال، والذين بدأت الأجراءات الأصولية تتخذ بحقهم . . من جهة اخرى .

11 / 7 / 2007 ، مهند البراك

239
   
من اجل انجاح جبهة المعتدلين !
                                             د. مهند البراك
   
   بعد ان وصلت الحالة العراقية درجة من المأساوية عجزت الدوائر المتخصصة والمنظمات والقوى العراقية والأقليمية والدولية عن تحديدها بوصف من عهودها ومواثيقها، بل وصارت تقارب حد الكفر وفق كل الكتب المقدسة، في صيف العراق اللاهب اليوم . وبعد ان صارت الوزارة تهتز يومياً بفضيحة اقوى من سابقتها، سواء كانت فساداً ادارياً، اختلاساً، تزويراً او ارهاباً بعد ان استمر البرلمان بالأهتزاز لنفس الأسباب . . 
   وفي حالة تسجّل استمرار ابتعاد الناس عن السياسة، بانغمارهم في حماية ارواحهم واعراضهم وممتلكاتهم، واستمرار محاولات اوساط واسعة للهروب من البلاد، في مواجهة اوساط هاجرت وتعود مضطرة لنفاذ آخر امكانات استمرار بقائها خارج البلاد وخاصة في دول الجوار .
   وتسجّل محاولة ابتعاد الناس عن صراعات دموية تسعى لحل قضايا عفى عنها الزمان لاتجد لها دوراً او مكاناً فيها . . صراعات تلعب فيها القاعدة والوهابيون من جهة وجيش المهدي والجيش الأسلامي ادوار من نوع، وتلعب فيها القوات غير العراقية المتنوعة، والمتنوعة الأهداف والمرامي في صراعاتها على ارض العراق، ادواراً من نوع آخر .
   تشكّل الدعوة والسير في تحقيق جبهة المعتدلين، افقاً معقولاً قابلاً للتحقيق وللسير على سكة تحاول تحقيق درجة هامة من امن واستقرار، رغم وعورة طريقها . . على ان لاتقتصر على التحالف الكوردستاني، وعلى قائمة الأئتلاف التي تبحث عن طريق لأيقاف التصدّع المستمر فيها.
   وفي ظروف تحاول فيها جهات عسكرية ايرانية وعدد من الأميركية . . اقصار ـ او تركها اقصار ـ تلك الجبهة على الطرفين آنفي الذكر لتحقيق نوع من تثبيت مظلة جديدة لأهدافها اللاحقة هي بتقدير خبراء ومراقبين دوليين . . سواء في محاولة الأولى لأنتزاع اعتراف بشرعية دورها في البلاد، او في محاولة الثانية لتحقيق نوع من استقرار متفاعل مع الجوار، يؤمن لها تحقيق مكاسب ويؤمن لها انسحاباً يحفظ ماء الوجه . . بتقديرها .     
   وتؤكد اوسع الأوساط على ضرورة ان لاتكون " جبهة المعتدلين " باقتصارها ذلك محوراً لن يؤدي الاّ الى مزيد من التمزّق والأقتتال الطائفي والمعقّد الأشكال . . بل ان تكون مفتوحة لتضم جميع القوى الفاعلة في البلاد وفق الأصول البرلمانية وبعد اقرار التعديلات الدستورية . . لتشكّل كتل حكم وكتل معارضة لاتخرج عن الأسس الدستورية الأساسية، برفض الأحتكام الى العنف في حل المعضلات .
    " جبهة معتدلين " تعتمد الموقف السياسي والبرامج وحلول المشاكل والمعضلات القائمة، بعيداً عن الأنتماء الطائفي والعرقي والديني. وان كان البعض متحمساً لها لأنقاذ اوضاعه لوحده، في وقت يشير العديد فيه الى مشروعية المبادرة، فانهم يؤكدون على لامشروعية لأحتكارها . . والى لامشروعية الى استمرارها بالدعوة الى المحاصصة الطائفية التي تتخلف عن المسيرة وتشكل مقتلها ودمارها شاء المرء ام ابى، وما وصله العراق بها، شاهداً قاسياً مؤلماً ضدها .
   ان الآفاق واسعة امام جبهة المعتدلين المفتوحة على كل القوى وخاصة تلك الموجودة في البرلمان منها وكل التي يعزّ عليها العراق وشعبه بكل اطيافه، وخاصة القوى الديمقراطية والعلمانية والمدنية المتنوعة والتكنوقراطية . . التي تدعو الى انهاء واقصاء العنف !
   من اجل اعادة تشكيل الوزارة على اساس الكفاءة والنزاهة من الخبر التكنوقراطية ورفض المحاصصة الطائفية، واعتماد رجال ونساء العلم والمعرفة والثقافة من كل الأطياف العراقية، من اجل السير معاً لتحقيق الأمن اولاً، ولتوفير الفرص من اجل الأستقلال الناجز ووحدة البلاد الفدرالية ووقوفها بصلابة امام انواع التحديات الداخلية والأقليمية والدولية !

8 / 7 / 2007 ، مهند البراك

240
النفط وصناعة الفوضى والقطيع . . ![/color
]
                              د. مهند البراك

   تتزايد الدلالات لمن لايصدق حتى الآن، وبكل الواقع المؤلم الذي يهدد بمآسي اكبر، على ان هدف الأدارة الأميركية من الحرب لم يكن الاّ النفط . وحيث لايمكن السيطرة بسهولة على بلد نفطي ثري في عالم اليوم . . فانها ولتأمين امنها من النفط، وظّفت وجود نظام دكتاتوري مكروه من شعبه، مفضوح حد اللعنة في العالم . . لتعلن الحرب وتغزو البلاد بشعارات  انسجمت مع المزاج الدولي .
   وفيما اعتمدت الأوساط العسكرية الأكثر تطرفاً مفهوم " الضربة الصاعقة المفاجئة " و" ضربات
الرعب والتدمير الشامل " لسحق الديكتاتورية الكريهة، التي لم تبالي بتأثيرات الرعب والدمار على الشعب رجالاً ونساءاً واطفالاً من كل الأطياف، بعد ان فاق حدود الحاجة والتصور . .   
   نشطت طلائع معارضة الدكتاتورية الموجودة في البلاد اثر سقوطها لممارسة دورها الذي وعدت الشعب به و ارتبكت من الخطوط الحمراء التي وضعت امامها منذ الأيام الأول، وامام فرحتها بسقوط الدكتاتورية التي طغت، لم تجد اطرافا هامة منها تفسيرا للكثير مما جرى ـ وعبرت عنه في حينه ـ الاّ انه  استمر وازداد تعقيداً، وزادته القاعدة الأرهابية و(المعارضات الاجرامية) والجوار تعقيداً ودماراً، حتى صار الحال وكأنه حال معارك ذئاب تتصارع بينها وهي في صراعها الدامي مع خصمها، التي لايوقفها فيه الا الذئب البني الاكبر القادر على تحطيمها .
   ففيما حلت الدولة والجيش، برزت حركة نهب هائلة كما حصلت وتحصل في كل العالم اذا غابت الدولة والقانون ـ وليس لأن شعبنا فاسد! ـ  . . لتتضخم هي والفساد والتزوير وكل الاعيب السوق السوداء وكل وفق مهاراته وخبراته، لتسري حتى على اقسام من البدائل الجديدة التي اطلق الفلتان اياديها ايضاً للنهب والسلب، حيث لاقانون وان وجد فلاتوجد قوة تحميه .
   وفيما اطلقت فكرة وتفسيرات " الفوضى الخلاقة " لصناعة الأحدث (*) بغياب القانون والمحاسبة . . كل الجشع وروح السيطرة والقتل والتعذيب التي عاشها المجتمع، التي كانت طلائعها عشرات آلاف المجرمين العاديين الذين اطلق سراحهم الدكتاتور وعشرات آلاف اخرى من اجهزته التي تدرّبت على التلوّن . . لتبرز تيارات متشابهة الجوهر كالحواسم، ولتبرز شخصيات كابو درع وابو شامة وابو دكة . . اخذت تلعب ادواراً تتزايد في الصراع الجاري في اطار قوى (سياسية، اجتماعية وحكومية) في مقدمتها " جيش المهدي " و " الجيش الأسلامي " ؟! 
   فانها اطلقت كل الجشع والروح العدوانية التي سببها الضياع بسبب الدكتاتورية ، لتعويض (ما فات) لدى اقسام من البدائل وخاصة من التي خبرت السرقات الكبيرة والأختلاسات والتزوير .. لتظهر بهيئة وزراء ومسؤولين كبار واعضاء برلمان سراّق وقتلة وفاسدين، متأنقين يجيدون اولايجيدون حيل الكلام . حتى صار الصراع لايدور على مصير البلاد وانما على حجم الكومشن وفرق العملة وفنون النصب وزيادة الأرصدة وشراء القصور والمشاريع، ليس في البلاد وانما في اماكن امينة خارجه؟! وصارت القوى والأحزاب والشخصيات الأكثر نزاهة يُنظر اليها وكأنها بلهاء، بلا حول فيضعف موقعها . . وان كان كشف الفاسدين في وسائل الأعلام مكسباً، يقف الكل مذهولاً لماذا لايساقون اذن للمحاكم ولماذا يتم التستّر عليهم من اجهزة القطبين المتصارعين في البلاد : ادارة بوش وحكومة نجاد ؟؟
   ويرى محللون وخبراء اجتماعيون فيما يجري، بكونه تطبيق لمفهوم " صناعة القطيع الداخلي " الغير قادر على ايجاد حلول للبلاد، بقدر قدرته على الأنشغال ببعضه وبنهمه واسراعه للموافقة على اي مشروع يطرح وخاصة في النفط مادامه يحقق له وجاهة وزعامة ما اكبر . .  والذي تعتمده الأحتكارات النفطية، حتى في مناورتها الأخيرة في مشروع قانون النفط والغاز لتزليق المعنيين في مطب زيادة الفرقة بين العرب والكورد، حجري الزاوية العراقيين الأهم  . .
   " القطيع " الذي لايبالي بتدمير كل شئ مادامه محط رعاية وتستّر او حماية. . وفق الخطط الستراتيجية الشمولية الأعلى التي لاتتصل بوضوح بالصراع الضاري اليومي في البلاد المؤدي الى الشلل الأجتماعي، والى التشريد المليوني . .  الجاري جعله بكل السبل، وكأنه بايدي الأطراف الداخلية وارادتها ومن جيوبها !! في تيار صاخب قد لن يبقي حتى على قيادات القوى والأحزاب القائمة اليوم اذا لم تسارع لتدارك مايمكن تداركه، والاّ فأن الأحتكارات تهئ الأطقم الجديدة الأكثر حيوية وفائدة لوجهتها ؟!
   كجزء من تكتيك وستراتيج طبّقته الأوساط الأكثر عسكرية وتطرفاً في مواجهة الشعوب الأكثر وعياً، لتحقيق قوانينها، حين لايستطيع احداً ان يقف امامها لأن لااحداً يعرف ماذا تريد . . وبالمصطلحات الجديدة التي ان عُرف بعضها غابت معاني اكثرها، ليس فقط عن وعي الناس بل وحتى عن وعي اوساط في الحكم يستهزأ بعضها بها، مازال مقعده الوثير مضموناً .... فيما يزداد التحشيد في الشارع بأنتظار ظهور المخلّص !! في خضم محاولات لاتنقطع لتضييع الحدود بين الحق والباطل، في زحمة : الأحتلال، القتال الطائفي، القطعان المدمرة، الجوار المهدد والمنتظر لحصص اكبر . . بعد اكثر من اربع سنوات على سقوط الدكتاتورية !

6 / 7 / 2007 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) وكأن القضية، قضية اعادة برمجة رابوتات .

241
         في رحيل المناضل المعروف سعود الناصري !
                     
د. مهند البراك

كان الخبر مفاجئاً وانا اقلب جرائد الصباح . . رحل ابو عمّار الى الخلود بهدوء وعلى بعد من بلاده التي عشقها والتي تعيش ضجيجاً دموياً يومياً، وعلى بعد من حياته الصاخبة المليئة بالعمل والنشاط والتعريف بقضية شعبنا العراقي بعربه وكورده وكل اطيافه .
كان ابوعمار احد الوجوه الطلابية الوطنية المعروفة اواخر الخمسينات . . وانتخب في المؤتمر الثالث لأتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية عام 1960 عضواً في سكرتارية الأتحاد مسؤولاً عن الأعلام والنشر، وبرز كمفاوضاً للزعيم عبد الكريم قاسم لأطلاق سراح طلبة الأتحاد المعتقلين وعموم الطلبة الذين تم توقيفهم بسبب المظاهرات العارمة التي دعى اليها الأتحاد والحزب آنذاك من اجل " السلم في كوردستان العراق " . . وصار من المثقفين العراقيين المعروفين ومن الأعلاميين البارزين ومن الساعين لأستخدام ثقافتهم ومعارفهم للبحث عن الجديد .
   وكان شخصية مرموقة من شخصيات الصحافة العراقية التي عاش محنها ومطالبها ونجاحاتها، عرفته مطابع الحرية والبلاد . . وصولاً الى دوره المعروف في هيئة تحرير " رسالة العراق " وآخرها صحيفته وزوجته ود. سلام خياط، الألكترونية " الأبيض " . .  كما وعرفته اوساط الرياضيين حيث كان احد المشجعين البارزين لكرة القدم التي تبرهن على " ان الأنسان يستطيع ان يقوم باعمال مجزية منتجة بقدميه ايضاً وليس فقط بيديه " والتي جمعته مع روادها ومعلقيها " ايام مزبّن وايام لف " كما كان يعبّر . . وفي مقدمتهم المعلق والمحرر الرياضي المعروف المرحوم ابراهيم اسماعيل والدكتور مؤيد البدري والعديد من الشخصيات الرياضية . .
   عاش في محلة السفينة في الأعظمية، وكان نموذجا للشخصية البغدادية المعروفة بالكرم والنكته والسخرية، وبالبحث عن الجديد  . . حيث كان احد الأصحاب المعروفين لأفكار التجديد والحداثة والأبداع بعيداً عن الذات . . . والتي عانى الكثير من جرّائها، سواءاً من قلق المجددين في ولادة وكيفية صياغة الأفكار الجديدة والتطلعات الجديدة بحيث تستقيم مع عدالة القضية التي وهبها حياته، او من عنت وسخرية السائرين مع التيار مازاله سائراً . .
   وكان الى جانب امميته وحبه واحترامه لكل القوميات والأثنيات العراقية، كان يحمل وضوح رؤيا ،في قضية النضال العربي التحرري العادل من اجل الحرية والديمقراطية والعدالة الأجتماعية. وكأي انسان ومناضل . . حالفته نجاحات وابتسم له الحظ وواجهته محن، وان رأى البعض فيه اخطائه فقط، فقد نسى او تناسى ان لاانسان بدون خطأ من جهة، ومن جهة اخرى بانها لم تكن الاّ في اطار غليان السعي للأقناع بآرائه المتجددة ولتثبيت ماوجده صحيحاً من اجل ازدهار الحركة من اجل عدم الأنغلاق، والتي لم تكن بسبب انانية او حب ظهور او تطلّع لزعامة او لموقع .
   لقد خسر المثقفون وخسرت الحركة الديمقراطية واليسارية برحيل ابو عمّار، طاقة نشاط وحيوية لاتكّل، وداعية بارزاً وثابتاً لقيم الحق والعدالة والأشتراكية، الذي لم يكن الاّ عاملاً دائباً للم الشّمل وساعياً دؤوبا من اجل وحدة قوى اليسار والديمقراطية . . بتشجيعه ومبادرته ودعمه للقابليات الجديدة وبدفاعه عن آرائها وبجهده في محاولاته دلالتها ايّاها على الطريق . . وبنزاهته وطيبة سريرته واستعداده الدائم للمساعدة.
   لقد احبّ الحياة وخضرتها وحيويتها، ولم يعرف عنه شخصياً الاّ بانه كان اباً حنيناً وزوجاً وصديقاً مخلصاً لرفيقة دربه السيدة ليلى البياتي، ولولديه عمّار وزيد . . . واخيراً وفي الوقت الذي لايسع المرء فيه الاّ مشاركة عائلته ورفاقه واصدقائه بالألم والحزن، لابد من القول ان المناضل الأنسان سعود الناصري ترك برحيله بصمات لاتمحى في المجالات التي ناضل وعمل بها  . . وفي ضمير ووجدان الأجيال اللاحقه من رفيقات ورفاق دربه واصدقائه ومحبيه .

27 / 6 / 2007 ، مهند البراك

242
      
العراق والدرع الصاروخي الأوروبي و القواعد العسكرية !

                        د . مهند البراك

   فيما اثار  هجوم الرئيس الروسي بوتين على سياسة الأدارة الأميركية في قضية الدرع الصاروخي ومحطات المراقبة والأنذار المبكر التي تزعم اقامتها في جيكيا او بولندا . . اثار اهتمام الرأي العام الأوربي وممثلي الشعوب والفعاليات المناضلة ضد الحروب ومن اجل السلام، اقتراحه بنصب الدرع الصاروخي آنف الذكر في العراق !
   وفيما تلاحظ  اوساط باستغراب كبير مثل تلك المقترحات لحماية اوروبا (كذا) . . تلاحظ اوساط عراقية واسعة بسخط والم وقلق مثل تلك المقترحات التي تصفها بكونها لاتخرج عن اطار التحكّم بمصائر الشعوب من بعد . . ولاتخرج عن استهتار اقطاب الصراعات الدولية بارادات ومشاعر وآراء شعوبنا ودول منطقتنا الشرق اوسطية، من جهة.
   ويعكس من جهة اخرى، المخاطر الحقيقية المضاعفة التي يجرّ اليها الوضع الأمني والحالة المأساوية الدموية المستمرة بتغذية اطراف متنوعة لها في العراق، فاضافة الى شبح المخاطر النووية الذي يخيّم على المنطقة بسبب سياسة الرئيس الأيراني نجاد وبسبب تعنّت حكومة اولمرت الأسرائيلية وسياسات الأدارة الأميركية الحالية . . تدفع اطراف الصراعات العسكرية النفطية ـ الغازية، الأقتصادية العراق، ليكون ساحة لصراعاتها المنفلتة المخيفة ان استعصى عليها الحل . . والذي بدلاً من ان تساعد على اخماد حرائقه وايقاف سيول الدم فيه، تدفع الى استثمار وتوظيف مآسيه، لحل مشاكلها الأنانية هي وحدها .
   وفي الوقت الذي قد لاتنتبه فيه اطراف عراقية، الى ما يؤديه تواصل الصراعات والخلافات من تصاعد مخاطر ادخال القضية العراقية في الصراعات الدولية بشكل مباشر اكثر، بمحاولة جعلها مسرحاً للصراع الدولي الأقليمي الدائم من مستوى اعلى، التي قد لاتساعد حتى على تحقيق اهداف محدودة للطرف العراقي المعني . يأتي تصريح يمكن ان ينسب لأحد اهم اطراف الصراع العراقي ـ العراقي، يعبّر عن استعداده لأقامة قواعد عسكرية اميركية الآن في منطقته الأكثر اماناً، كضمان لمطالبه.
   وفيما يرى فيه قسم بكونه مناورة سياسية في ظروف لم تعد تشفع فيها مطالب الغالبية الشعبية العراقية باطيافها العربية الكوردية، ويرى قسم آخر فيه محاولة لتأكيد الحق العراقي ومكوناته امام مايتسرّب من ( عدم اعتراض) حكومة السيد نجاد الأيرانية على اقامة قواعد اميركية في العراق بمقابل ! . . يرى القسم الأكبر بان ذلك الأمر الحسّاس ان لم يأخذ تراضي كلّ المكونات العراقية وتآلفها بنظر اعتبار، فأنه سيكون بداية لطريق خطير لم يتأسس اليوم ؟ وانما تأسس من سعي الحكام لتحويل ازماتهم الى ازمات اقليمية او دولية، كي يضمنوا البقاء .
   وفيما يتساءل البعض الا يشكّل التواجد الأميركي والمتعدد الأشكال الذي صار يبلغ بحدود الـ 200 الف منتسب، ضماناً آنياً لما يريده اصحاب ذلك الرأي، يرى كثيرون ان الجانب الأميركي لم يطرح ذلك وحسب وانما باشر ببناء قواعد صارت عاملة فعلاً، وان شروط ذلك لاتزال غير محددة علناً ودون صدور بيانات عن ماهية سيره . .
   ويرى متخصصون ان مفهوم القواعد العسكرية اليوم لم يعد يشبه مفهومه الأسبق في حصن يقام في مناطق الهنود الحمر، ولا في مفهومه السابق بوجود قوات ارضية وجوية  تعزز بقوات مجوقلة، بعد ان صارت حاملات الطائرات الأكثر تطوراً هي التي تشكّل القواعد الأساسية من جهة وصار الحديث يدور عن تكوين مطارات حديثة لأستقبال قوات معززة او للتزود بالوقود عند الحاجة او بناء اجهزة انذار مبكر برية، جوية، فضائية . . او اقامة قواعد صاروخية وغيرها وغيرها.
   وان اقامة القواعد العسكرية مرتهن بعديد من العوامل ليس الداخلية وردود الأفعال فحسب وانما الأقليمية والدولية اضافة الى الآفاق . . ان الغرب لاينسى خساراته المتنوعة والنفقات الهائلة التي تكبّدها لأضطراره لأغلاق قواعده العسكرية في ليلة ظلماء ـ حسب اخصائييه ـ في العراق اثر ثورة تموز 1958 ، ولاينسى جهوده الهائلة التي لم تنجح لأنقاذ المحطة الرادارية الأميركية الضخمة في شمال ايران اثر انتصار الثورة الأيرانية عام 1979 ولا اضطراره مجبراً على اغلاق القواعد العسكرية الأميركية في السعودية بسبب الضغوط الداخلية، في ظروف كثيرة الحرج له في نهاية التسعينات .
   واخيراً تؤكد اوسع الأوساط على ان رغبة اي طرف في تحقيق نجاحات وطنية لمطالبه الداخلية، لايمكن ان تتحقق الاّ عبر التراضي بين الأطراف العراقية، الذي لايزال بل واكثر من السابق يشكّل حجر الزاوية الصلب لتحقيق النجاح في سبيل البرنامج الوطني الفدرالي العراقي . . وتؤكد ان السير خلافه لاينتج الاّ مايجري في الواقع العراقي القائم اليوم نتيجة الغزو العسكري ثم قرار القوى الخارجية باعلان الأحتلال والذي رغم اسقاطه الدكتاتورية الا انه فتح الأبواب على انواع المشاكل التي صارت حتى القوى الخارجية ذاتها تسعى جاهدة للخلاص منها  .       

26 / 6 / 2007 ، مهند البراك

243
            
حين تتدمّر القِيَمْ باسم القِيَمْ !
                        د. مهند البراك

بعد ان عاش الشعب العراقي متعايشاً بمكوناته واطيافه رغم نواقص وتفجّر تناقضات وصدامات في فترات متباعدة لم تخلُ من تأثير وتحريك طالبي حكم لشق طريقهم الى السلطة، ولم تخلُ من حلول مهدئة . . الاّ ان كلّ مآسي الماضي القريب وما حدث، لم يصل الى مايدور في عراقنا اليوم وفي ما يجري او يُهَيئ  له في عموم المنطقة، وفق انواع البحوث التي تتناقلها وسائل الأعلام المقروءة والمنظورة والمسموعة.
وبعيداً عن كل التعليلات النظرية والعلمية المخلصة لتفسير اسباب ما حدث ويحدث، تبقى الأسئلة الأكثر الحاحاً والتي تحدد مصير ملايين العراقيين رجالاً ونساءاً واطفالاًً . . ما السبيل والى اين ؟؟ حيث لم يعد احداً يصدّق ان مايجري هو بناء ديمقراطية، وماتزال السلطة الأعلى المعلنة في البلاد هي القوات الأميركية، تشاركها فيها ستراتيجياً وعملياً وباشكال غير معلنة متنوعة : ايران وحلفائها ، دول الخليج كبيرها وصغيرها وتركيا . .
اضافة الى سلطات الميليشيات ووحدات المرتزقة بموافقات اميركية، الى انواع العصابات الأرهابية الدولية والأقليمية والأخرى المحظور منها عالمياً والمسموح لها في العراق !! كمجاهدي خلق، ب ك ك و فتح الأسلام في مخيم نهر البارد التي يدور الحديث عن محاولة ارسالها الى العراق، والقائمة مفتوحة تنتظر . .
في ظروف كثرت فيها الفواتح وصار فيها حتى المتديّن لايأمن من دخوله جامع كي لايُستهدف من عصابات (شيعية او سنية) مناوئة، ولايأمن من دخوله حسينية كي لايُستهدف من عصابات (سنية او شيعية) مناوئة . . والجماعات الوهابية والقاعدة والجماعات المجهولة الهوية او التي لايتم الكشف عنها  تستهدف الجميع باشكال اكثر تنظيماً وتوقيتاً ؟! وبعد ان صارت الأماكن المقدّسة الأساسية تتطاير اشلاءاً معجونة باشلاء البشر . . من مرقد الأمامين العسكريين في سامراء الى مرقد الشيخ الكيلاني في بغداد . . واللهيب يزداد ولا يتوقّف    
وفيما استقرّت سيول اللاجئين العراقيين السابقة حيثما وصلت . .  تتدفق بتزايد سيولهم الجديدة الى بلدان الجوار إن توفرمال، اوالى مجمعات البراري والصحاري ان لم يتوفّر، والتي يبنوها بايديهم، كما في صحراء النجف (وفق رويترز)، عوائل تتحطّم وفق القوانين السورية الجديدة بعدم قبول من يتراوح سنه بين 20 ـ 40 عاماً حيث يُعادون ويُقبل الباقون من نفس العائلة، وتتناقل وكالات الأنباء اخبارا مؤلمة متزايدة عن تزايد المخدرات والدعارة وعن اسواق الرقيق بين اللاجئين العراقيين التي وصلت اعدادهم ملايين جديدة ومن كل الأطياف العراقية .    
لقد صار التشيّع والتسنن واعتناق الوهابية امراً عاصفاً يومياً . . لأيجاد ايّ منفذ لخلاص ملايين اخرى، ولم يعد التحوّل الى الأسلام او الى المسيحية امراً صعباً كالسابق، مادامه ينقذ عائلة من موت او ابتزاز، او شابا او رب عائلة من دمار، او يحفظ كرامة امرأة او قاصر. 
وفيما يذهب البعض الى تجريم الشعب ؟! وتتسائل الغالبية ما الهدف من حملات اغتيالات المثقفين والكتّاب والمفكرين، الأدباء والصحفيين والفنانين، اساتذة وملاكات الجامعات والمعلمين، المحامين والأقتصاديين، العلماء واصحاب المعارف . . بل واغتيال الأطباء وفي هذه المحن، بعد الأعلان عن حل الجيش الذي كان مُدمّراً اصلاً وبعد انهيار الحدود؟ وبعد الأعلان عن الأحتلال ؟؟ وبعد ملفات الفساد التي جمعت بحق من كانوا مسؤولين جدداً وهربوا اوهُرّبوا وبعد ان سرى الفساد في كل مفاصل كيانات الدولة وفق البيانات الرسمية . . ووصل الى الكشف الأكثر ايلاماً في مؤسسة اليتامى والمعاقين وتحت شعارات التكبير !!
ترى اوساط واسعة بان كل ماجرى وحتى الآن بعيداً عن الأماني المخلصة ورغم جهود الخيّرين، بكونه لا يخدم الاّ كسر شوكة العراق شعباً ودولة ذات سيادة، وكي لايستطيع ان يقف الاّ تابعاً لقوى عظمى دولية كانت ام اقليمية . . وكلمّا استمرت حالة الفوضى والعنف والتمزق اكثر كلما ازدادت التبعية عمقاً وقساوة . 
ويرى مراقبون وذوو خبر، واستناداً الى ماتكشّف من حقائق عن توازن القوى الفعلي في مسيرة اربع سنوات مؤلمة، وما حدث من تطورات وتغيّرات داخلياً واقليمياً ودولياً خلالها، شملت حتى آليات اتخاذ القرارفي الأدارة الأميركية ذاتها. واستناداً الى تطورات تكشف ان القوى العظمى والأقليمية يمكن ان تجعل من العراق ساحة دائمة لحروبها ولتصفية حساباتها، مستفيدة من اعداد الطاغية لها بسياساته الحربية ودوسه على شعبه بكل اطيافه القومية والدينية والطوائفيه والفكرية، التي لن تجد تلك القوى ارخص من ارضها وبالأخص الأدارة الأميركية الحالية وحكومة احمدي نجاة . . ثراءاً وستراتيجاً وانسانا ممزقاً .
ويؤكدون ان لا طريق الى الوقوف امام تلك المخاطر، الاّ بتلاقي العراقيين وقواهم كلّها على اسس من " التنازلات المؤلمة للجميع "ً الضرورية لفتح مرحلة جديدة، وبالأخص القوى الأكثر حسماً لأمتلاكها السلطة في الداخل وفي المنطقة : القوى الأسلامية الشيعية، القوى الكوردية والقوى الأسلامية السنية . . وجلوسهم معاً ووجهاً لوجه للتوافق على : الأمن، المصالحة، التعامل مع قوانين النفط والغاز، التعديلات الدستورية والنزاهة .

21 / 6 / 2007 ، مهند البراك

244
            
هل الحديث عن انقلاب مجرد لغو ؟
                        د. مهند البراك
بعد مرور اربعة سنوات على سقوط الطاغية وبعد سلسلة جهود و فعاليات استهدفت انشاء دولة مؤسساتية، حصلت على تأييد جماهير واسعة تحدت الموت فيها، رغم اهمال قوات الأحتلال لها، ورغم محاولات تحجيم دورها منذ البداية، بعد قرارت تأطير المجتمع وفق المحاصصة الطائفية والعرقية، التي شرّعت بقوانين لم تؤدّ الاّ الى تحكّم الطائفية البغيضة والى نشوء ميليشياتها وتسخيرها دوائر الدولة المسلحة لتحقيق مآربها  . . في ظل وضع داخلي كثير التعقيد وتدخلات اقليمية متنوعة عربية ـ تركية وايرانية عمّقت المأساة العراقية بدل ان تساعد على التوصل الى حلول تنصف الشعب العراقي وتساعد على وضع اسس دائمة لتحقيق منافع متبادلة وازدهار في اغنى مناطق العالم .
   ورغم ان السنوات تلك حمت الولايات المتحدة من الأعمال التخريبية الخطيرة و( نقلت المعركة الى عقر دار الأرهاب !! ) على حد تعبير الرئيس الأميركي بوش، الاّ انها حوّلت البلاد الى ساحة حرب للأدارة الأميركية مع قوى الأرهاب والقوى الأخرى المناوئة لها الموجودة في المنطقة والتي اجتذبت اليها، والتي لم يدفع دمائها واثمانها الباهضة الاّ ابناء وبنات البلاد باختلاف اطيافهم.
   لقد صار واضحاً ان الأدارة الأميركية لم تحقق شعاراتها المعلنة بنشر الديمقراطية بالحرب ! الاّ انها حققت ماهدفت اليه دوائرها العسكرية والأحتكارات النفطية الأكثر تشدداً، بعد ان غيّرت المنطقة وجعلتها في صراعات عسكرية دموية طائفية، وامدت القوى الأرهابية وعلى رأسها القاعدة بمبررات واغطية لم تكن تحلم بها، بعد ان صار النضال ضد (المحتلين والجيوش الأجنبية) غطاءاً ماسياً لأعمالها الدموية البربرية .
   وفيما تشهد السياسة الأميركية تناقضات واختلافات بين اقطابها هي، بعد خسائرها وتصاعد الأصوات الداعية للسلام وضد اشعال الحروب والتي ادت الى خسارة الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس الأميركي . . و اسفرت عن تشكيل لجنة بيكر ـ هاملتون وتوصياتها الداعية الى تركيز الجهود على تحقيق " الأستقرار " بدل " بناء الديمقراطية " تمهيداً لتخفيف القوات الأميركية للتقليل من التكاليف الباهظة، والتي اخذت تدعى بخطة . . . ( H – B ) .  .
    يرى مراقبون ان الدول الأقليمية آنفة الذكر تتحرّك للأستفادة من ذلك ايضاً لغايات ضيّقة، تاركة بذلك تأثيراتها المباشرة على القوى الداخلية المستقوية بها، مصطفة على انقسامات الأقطاب الأميركية ذاتها على وجهات لم يعد يمكن اخفاء تضارب مصالحها . . الأمر الذي يهدد بمفاجئات غير محسوبة او غير معلن عنها . في ظروف داخلية تزداد سوءاً رغم كل الجهود، اضافة الى عدم تحقيق مشاريع المصالحة خطوة على الطريق رغم كل التصريحات، وتفاقم البطالة والفراغ والهجرة والهروب من البلاد والضياع لأنعدام الحد الأدني من حاجات الأنسان . . ظروف جعلت حتى النجاحات المتحققة لمواقف العشائر الغربية في تصديها للقاعدة، والنجاحات المحلية في التقارب الشيعي ـ السني وغيرها، جعلتها تسير في مسارات قد لاتصب في تقوية الحكومة القائمة .
   وتطرح اوساط خبيرة، ان الوضع الداخلي الأقليمي الأميركي المتأزم فيما بينه وداخل كلّ طرف بذاته . . يطرح احتمالات متنوعة في ظروف يسود فيها تعتيم اعلامي، منها تغيير في مسيرة الحكم الذي  تتفاقم بمواجهته العقد التي لم يتوصل الى حلّ عملي لها، وصارت تلعب عليها اطراف التناقض آنفة الذكر كلّها . ففيما يمكن ان تنشط اطراف لتغيير المسيرة بتغيير سريع (انقلاب) في المسيرة السياسية اعتماداً على القوى الميليشياتية وامتداداتها في القوات النظامية لتحقيق برنامج يمكن ان يفتح باباً للتغيير بتقديرها، اعتماداً على دعم اقطاب اقليمية، وعلى ضوء اخضر من اقطاب اميركية ترحّب بكل تغيير يستطيع تحقيق (استقرار) وفق خطة H – B   للتخفيف من الأزمات التي تواجهها ادارة الرئيس بوش .
   يتساءل كثيرون الا تستطيع القوى العراقية بكل اطيافها سواءاً المشاركة في المسيرة السياسية او التي هي خارجها الآن . . الا تستطيع تذليل خلافاتها وهي تشاهد البلاد تتدمر ارضاً وشعباً وصارت مسرحاً لأنواع الذئاب . . الا تستطيع ايقاف التدهور والدمار والتحرك السريع للتوافق بينها ان كان هاجسها الوطن فعلاً، لاالمصالح الأنانية، للأنطلاق للتفاوض كجهة عراقية واحدة مع الدول الأقليمية والأطراف الأميركية .. وتحديد الحقوق و التنازلات المرحلية المطلوبة لكسب السلام والأستقرار وبمبادلة النفط بالأمان.
   وتحذّر اوساط اخرى، من  ان عدم الأصغاء للغة العقل في ظروف المحن القاتلة القائمة لن يؤدي الاّ الى تحوّل البلاد الى مستعمرة او محمية بلا قوات مسلحة وطنية . . (تحميها) قوات اجنبية بقرارات (الهيئات الدولية) في محاولة للـ ( الأستقرار ) ولتطويق نيران الأزمات والحروب التي بدأت ملامحها تظهر في عموم المنطقة، في احسن الأحتمالات . .  ان لم (تحميها) قوات اجنبية بالعنف وبالقوة العسكرية . . والناتو فيها وعلى تخومها الشمالية وحيث تحشّد القوات التركية على كوردستان العراق. 

5 / 6 / 2007 ، مهند البراك

245
         
اللقاء الأميركي ـ الأيراني والأشقاء العرب !
                     
د. مهند البراك

عقد اللقاء الأميركي ـ الأيراني بدعوة وحضور الحكومة العراقية، بعد ان انقطعت العلاقات بين الدولتين منذ انتصار الثورة الأيرانية عام 1979، وبعد مداولات ونكوص وتعقيدات وعودة لبدء، لينعقد في بغداد لمناقشة القضية العراقية ولمحاولة التوافق على مواقف يمكن ان تساعد الدولة العراقية في مواجهة انواع الصراعات والصدامات الدموية.
وفيما يسجّل اللقاء خطوة على طريق الميل نحو الحلول السلمية والدبلوماسية بدل اشعال الحروب في حل المشكلات، فانه يؤشر الى مناقشة القضية الملتهبة الأولى في الواقع، في العلاقات بين الطرفين الا وهي القضية العراقية، بعد ان صار العراق لأسباب كثيرة التنوع والتداخل، مسرح مواجهتهما وصراعهما الدامي بمختلف الأدوات والآليات .
وفيما يدور الحديث صاخباً عن ان ادارة الولايات المتحدة بحربها و(اخطائها) وبسياسة انصاف الحلول التي اتّبعتها في البلاد منذ اعلانها حالة الأحتلال وفق قرار  1483 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، قد قدّمت العراق على طبق من ذهب لأيران . .
لايدور اي حديث ـ وان دار فبتحفظ شديد او بهمس ـ عن دور عموم انظمة الدول العربية بسياساتها المعلنة وغير المعلنة، وبادوارها الخطيرة المتناسبة مع حجوم امكانياتها وقدراتها، التي عبّرت رغم اصدارها انواع البيانات، عن اهمالها الخطير في الواقع لأستقرار العراق، ولمصير بناته وابنائه ولدمائهم التي تسيل انهاراً لاتجف، ولالتشرّدهم بسبب انواع الفتن التي تمتلك هي جزءاً كبيراً من مفاتيح تحريكها واخمادها . 
وتتساءل اوساط واسعة، هل ان انظمة الدول العربية لاتشعر بحجم المأساة الأنسانية في العراق . . العراق الذي عاش قروناً رمز حضارتها وهويتها ومنعتها وكبريائها ؟ ! وعمادها وخطها الأمامي في معاركها وازماتها ومناقبها ؟ فيما تتساءل اخرى . . هل تريد الدول العربية النفطية تحطيم نفط العراق من خلال تحطيم العراق شعباً وتكويناً لأخراجه من ساحة تنافسها ؟ في اعمال تلتقي بها مع الأطراف الأميركية المتشددة الداعية الى تحطيم منابع النفط فيه كبديل لأحتمالات سقوطها بيد ( الأعداء ) الآن او في حالة انسحابها!
في وقت تغذّ هي السير فيه مستغلة كل الواقع الدامي، بعيداً عن الأحتكارات النفطية الأميركية لتحقيق ارباح اسطورية اكبر لها وحدها . . بسيرها على التوثيق والتوسيع السريع لعرى المصالح النفطية والأقتصادية مع الصين واليابان وعموم الدول الآسيوية الصناعية، التي كان آخرها اتفاقية انابيب " ملقا " النفطية بين الشركات السعودية والماليزية والأندونيسية لنقل حوالي 30 % من نفط الشرق الأوسط الى بحر الصين الجنوبي (1) . 
ام انها غافلة عن ان تصعيد الأزمة العراقية وايصالها الى مصاف الفتن العرقية والدينية والطائفية سيرتد الى نحرها هي ايضاً بل واليها بالذات كما بدأت المنطقة باكملها تشهد بداياتها، ام انها نسيت دروس الثورة العربية ونتائجها والتي تكوّنت بها حدود دولها بالأتفاق مع الأطراف المنتصرة آنذاك ؟
وفيما يقدّر مراقبون ان ذلك اللقاء بداية طريق لااكثر، يرى آخرون انه ( نوع من تنبيه اداري اميركي للأنظمة العربية بضرورة ايلاء اهتمام جاد لأمن واستقرار العراق بدل موقفها الذي تطغي عليه السلبية، والاّ فانها قادرة على التفاهم مع الأيرانيين بدونها) . ويرون ان استمرار اهمال الأنظمة العربية لمصير الشعب العراقي وعدم التفاعل مع جهود قواه بل واعاقتها، هو الذي اخلّ بسير المعادلة العراقية وسبب فراغاً وظّفته ايران طيلة الوقت، حتى صارت القوة المهيمنة الثانية في الساحة بعد الولايات المتحدة، وباشكال كثيرة التنوع، سياسية وعسكرية وطائفية .
ويرى خبراء ومراقبون دوليون ان استمرار الأشقاء العرب بالموقف السلبي بناءاً على تصورات واحكام قد لاتتماشى مع تطورات العصر ولامع قراءة حركة واقع المصالح الحقيقية بشكلها الشامل، بعيداً عن الأنانية . . وبعيداً عن تحمّل المسؤولية في واقع عراقي موجود بل ومحاولتها الهروب منه، الواقع  الذي يشكّل الثقل الأكبر في كل معادلات المنطقة، ويشكّل ثقلاً عالمياً لايمكن الهروب منه مهما كثرت التعميات . . لقدرته على تغيير موازنات دولية بامتلاكه ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم وفي الفوضى القائمة فيه .
ان استقرار العراق بقدراته على اساس دولة برلمانية اتحادية، هو الضمان الحقيقي القادر على تحقيق الأستقرار والسلم والرخاء في المنطقة. وان استقراره هو الضمانة لتحرره ولأجل ان لايتحول الى مستعمرة اميركية او ايرانية او تابعة، ولأجل ضمان المصالح العادلة للدول العربية الشقيقة  . 
ويعبّر كثيرون عن القلق لتزامن ذلك اللقاء وردود افعاله، مع تطورات داخلية تحوّلت بظله الى قضايا عقدية، فمع عودة ذات اكثر من مغزى لمقتدى الصدر من ايران على صعيد الشارع والبرلمان والحكومة ... تحت شعارات التحرير والعودة، بغياب الممثّلَيْن  المنتخبين (او صاحبي قرار) اقوى المنافسين من القائمتين البرلمانيتين المتحالفتين الحاكمتين . ولتزامنه مع تصريحات برلمانيين يطالبون باسقاط حكومة المالكي، اضافة الى استمرار الصراع الطائفي بابعاده الوحشية الجديدة، وانقطاع الماء والكهرباء في هذا الحرّ اللاهب، وتزايد مخاطر فتن قومية ودينية جديدة في محافظة نينوى . 
   
31 / 5 / 2007 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  راجع نشرة بي بي سي الأقتصادية في 28 / 5 / 2007 ، حيث ابرم العقد بقيمة قاربت عشرة مليارات دولار في حفل توقيع أقيم في كوالالمبور، على هامش المنتدى الاسلامي، وورد في الخبر " .  .  . نجحت الشركة الماليزية أيضا في الفوز بتوقيع مجموعة البندر انترناشونال السعودية ومجموعة بي.تي.بكري آند براذرز الاندونيسية لإنتاج أنابيب الصلب " .

246
الأحتكارات النفطية والعراق والمنطقة !
               2 من 2
                              د. مهند البراك
   
   على تلك الأرضية، جاءت الحرب التي اسقطت الدكتاتورية، والتي ادّت الى اعلان الأحتلال في العراق ثم الى انفلات الأوضاع الأمنية فيه وتزايد الأوضاع الدموية والقتل اليومي فيه، وتزايد التوتر مع جيرانه وبالأخص مع الدولة النفطية ايران صاحبة ثالث اكبر احتياطي نفطي دولي . .  وجاءت في ظروف تزايد سيادة منطق السوق الفوضوي والعنف ومحاولة سيادة واحتكار المجمع الصناعي العسكري النفطي المالي الأميركي . . ودخوله على رؤوس اموال العديد من الشركات المتعدية الجنسية العملاقة مهما حملت من اسماء، من جهة .
   وجاءت في ظروف تغييرات متزايدة شهدتها وتشهدها منطقة الخليج، منذ مطلع الألفية الجديدة واثر احداث  11 ايلول وانعكاساتها وبعد البدء والسير على نهج عقد اتفاقات النفط والغاز الجديدة بين السعودية، الأمارات، قطر من جهة مع الصين وروسيا وغيرها من جهة اخرى .... اضافة الى ابرام عقود بورصة النفط العالمية الجديدة التي ستقام في الخليج، واتفاقات الأسلحة الستراتيجية بين دول الخليج من جهة وبين روسيا والصين والأتحاد الأوربي من جهة اخرى. التي اخذت تدفع نحو اعادة النظر بالعقود النفطية القديمة، ونحو ابرام عقود جديدة تتطلبها تلك الدول لأيجاد حلول للضغوط الداخلية فيها، ولتوفير مستلزمات نهضة ورفاه داخلي، وتدفع لها العولمة والثورة المعلوماتية وتصاعد المفاهيم الجديدة للمصالح، وتكوّن مفاهيم جديدة للحدود تخطت مفهومها الجغرافي الصرف . 
   الأمر الذي اخذ يعزز تقديرات العديد من المراقبين الى ان الحرب التي اسقطت الدكتاتورية في العراق، تشكّل مخرجاً اساسياً لتغيير الستراتيجية الأميركية ـ او تغيير نوعها ـ كقوة مهيمنة على الخليج، بعد ادراك ضرورة ذلك . وحيث سيكون في مركز تلك التغييرات، اعادة تقييم قد تكون جذرية للعلاقة مع المملكة السعودية، لمواقفها التي يبدو وكأنها تأخذ منحى لاينسجم مع سياسة الولايات المتحدة الأميركية الخارجية على الأسس السابقة في المنطقة وبالتالي لاينسجم مع مصالح الأحتكارات الأميركية على الأسس السابقة ذاتها، من جهة. ولتعارض مصالح وسياسات دول المنطقة، مع مصالح الأحتكارات النفطية الغربية وبالذات الأنكلواميركية باقسامها وفروعها وجنسياتها، اضافة الى اختلال التوازن السابق لمصالح الدول الصناعية الكبرى والأقليمية وبالتالي سياساتها في المنطقة. 
   لقد ادت الحرب ثم اعلان الأحتلال في العراق، ثم مسيرته الدموية الغاية في التعقيد، ادّت بالصراع الى ان يستمر على اساس حالة سير توازن قلق للقوى وحركتها، والى تحرّك موازينها على متغيّرات اخذت تستمر بضوء :  مسارات ؛ الحالة العراقية، الصراع الفلسطيني ـ الأسرائيلي، الصراعات في لبنان، الدور الأيراني ـ السوري في المنطقة  . . اضافة الى الدور الفاعل لترابط مصالح احتكارات النفط باحتكارات السلاح والحرب في المنطقة وتشابك صلاتها فيما بينها من جهة، وصلاتها مع ببيوت المال وتشابكاتها، من جهة اخرى.
   والى سيرها و محاولة دفع  دول المنطقة وكياناتها ومصالحها على السير على اسس اثنية، طائفية ودينية  يجري التحرّك عليها وتأجيجها وتحريكها بالوجهة التي تخدم مصالح الأحتكارات المعينة وعلى رأسها مصالح المجمع الصناعي النفطي العسكري المالي الأميركي، لأعادة موازينها . . في التفاعل والتوافق مع  شعوب وكيانات ودول المنطقة، وفي مواجهة أخرى . .
   الأمر الذي ترك ويترك آثاراً كبيرة متفاقمة على كيانات دول المنطقة وحوّلها ويحوّلها الى دوائر و مراكز قوى متنوعة متفرقة المواقف، وفي حركة متواصلة من اختلاف واتفاق وتصادم سواءاً بينها كدول او فيما بين كيانات في دولها، على اساس رؤيتها ومواقفها ومصالحها من سير وتطوّر الحالة في العراق من جهة، وعلى اساس ما ستطرحه نتائجها عليها، وفق الترابط والتشابك الذي تمّ استعراضه فيما تقدّم.
   والتي عززها اكثر اعلان الأحتكارات النفطية الغربية وعلى رأسها الأنكلوالأميركية، عن مشاريع  (عقود المشاركة في الأنتاج)(1)، التي  فيما تصفها اوساط دولية واقليمية ومحلية حسنة الأطلاع بكونها اعدت من قبل شركة العقود الأمريكية " بيرينغ بوينت " بتكليف وحيد الجانب من قبل الأحتكارات النفطية الأميركية والغربية، وبكونها تطرح على الحكومة العراقية في الظروف العراقية المدمّرة الراهنة للموافقة عليها، وتسميها  بـ " سرقات القرن الجارية في العراق " !! 
   حيث تقدّر " غلوبال بولس فورم " فيها ان العراق سيخسر 74 ـ 197 مليار دولار سنوياً ولمدة تصل الى اربعين عاماً (2) . وتحذّر اوساط نفطية من ان موافقة الحكومة العراقية بنتيجة الضغوط الكثيرة عليها، ستكون سابقة تستند عليها الأحتكارات الأميركية والغربية وتضغط بها على موازين وعقود النفط في منطقة الخليج النفطية كلّها، تحت طائلة امكانات قوة ضغوطها الدولية المتنوعة كما مرّ .
   الأمر الذي عزز من جعل دوائر اقليمية تدعو الى ترك ما يجري في العراق للقرار السياسي العسكري الأميركي ـ العراقي الناشئ واخرى تدعم المسيرة وفق امكاناتها، فيما عزز مخاوف دوائر اقليمية اخرى ترى في نشوء دولة عراقية حديثة متوافقة مع السياسة الأميركية . . بكونه يشكّل خطراً مباشراً عليها، لأنه سيكون بتقديرها مرتكزاً هاماً للأحتكارات الأميركية للحد ولمواجهة مطالباتها باعادة النظر بالأتفاقات النفطية السابقة لدول الخليج معها لصالح تلك الدول اكثر، وان كان بدرجات متفاوتة و متنوعة، من جهة . .
   والذي من جهة اخرى، تعارضه قوى شعبيه من منطلق الوقوف ضد محاولته تثبيت نموذج
"الدولة الريعية " التجارية الأصم في عموم دول المنطقة اعتماداً على استخراج وتصدير النفط والخامات وفرض ارتباط ذلك باستيراد السلاح . . ومن منطلق عدم تعلّقه وعدم توظيفه بشكل جاد في اعادة الدورة الأنتاجية الطبيعية في الصناعة وتطوير الزراعة . . لخـلق رفاه اقتصادي وتقدم اجتماعي جديد، ودرجة من الأستقرار لصالح اوسع الفئات فيها وخاصة الفقيرة منها . 
   وهكذا تحاول دوائر متنفذه في المنطقة تسندها احتكارات نفطية وكارتيلات دولية اخرى وكيانات كثيرة التنوع، تحاول التدخّل بكل الوسائل المتاحة والممكنة لها، سواء كانت عبر ابواب واضحة المعالم او عبر شبابيك تبدو لأول وهلة وكأن لاعلاقة لها بقضايا النفط . . والتي ترى اقسام منها انها بنشاطها ذلك يمكن ان تؤدي الى اضطرار الولايات المتحدة الى الأنسحاب غير المنظّم من الخليج العربي بتقديرها! من جهة.
   ومن جهة اخرى، لأجل محاولتها فرض البديل الذي تراه مناسباً لها والذي يصطدم بنشاط قوى اقليمية اخرى تسعى لأقامة بديلها هي على حساب الجار . . بعيداً عن القضية العادلة لمالك الثروات؛ الشعب العراقي بكل اطيافه، ودون محاولتها دعم مكوناته في جهودها الشاقة الرامية لتحقيق  بديلها الوطني البرلماني الفدرالي العراقي الموحد، القادر على ضمان حقوقها في معارك النفط، والبدء بخطوات قابلة للتطوير حتى على مراحل مع توفير ضمانات واقعية نحو احقاق تلك الحقوق .
   الأمر الذي يؤدي الى اطالة للصراع الرهيب الجاري في البلاد الى نهاية تتناسب مع اهدافها ومصالحها المتنوعة المتنافرة، وسط تدمير وخراب مستمر ترى فيه اوساط عليمة انه يشكّل للأحتكارات النفطية، حالة ووجه من وجوه ( تدمير منابع النفط) كلّما لايجري انتاجه لصالحها وكلّما كان مُهَدداً بالسقوط بيد الأعداء، من خلال دوره (دور النفط) في العملية السياسية المعقدة في العراق او من خلال دور النفط العراقي في اعادة ترتيب خططها في المنطقة.
   الذي يعني وفق خبراء نفطيين انه فرض لتغيير واقع المنطقة وفق ( تحقيق وجهتها والاّ !!) وتلويحاً للدول المنتجة الأخرى بان العراق كان البداية فقط ! من جهة. ومن جهة اخرى، وفيما لاوجود لسقف زمني واضح او يلوح في الأفق لنهاية القلق والدمار، يرون انه بحد ذاته يحقق ارباحاً هائلة للأحتكارات الغربية والأميركية والمتحالفة معها او للعاملين معاً بطرق متنوعة أخرى، سواءاً بواجهة اسماء ليست اميركية لشركات، او عن طريق جهات وشركات غير مسجّلة ووسطاء في السوق السوداء يعملون لها . . في وقت تنشغل فيه اوساط متنفذة في البلاد بسرقات وفساد اداري وعمليات تهريب النفط (3) لتحقيق صفقات عمر لها انتظرتها طويلا !! الأمر الذي يشكّل عامل ضغط اضافي هائل على خزينة الدولة الناشئة . . لأجبارها على قبول تلك الشروط، ثم السير على ان تقبل دول المنطقة الأخرى لما تريد فرضه من مشاريع ( المشاركة بالأستثمارات والاّ ) وفق شروطها .
   ويؤكد خبراء دوليون ووطنيون على ضرورة اخذ موازين الواقع وآفاقه على طريق توفير امكانات اصلاحه وتقويمه لصالح تواصل مسيرة البلاد ولصالح تقوية جانبها في تعاملها مع مشاريع
"المشاركة بالأستثمار" ، وتجنب سياسة اللاءات المطلقة دون توفير البدائل والحلول الممكنة على اساس العلم والمنطق المعرفي، بعيدا عن التطرف والنظر باسود او ابيض . .
   في صراعات تتطلب ايجاد حل سريع لأيقاف الواقع الدموي المستمر بالتدهور والمهدد بركوع اكبر، واعتماد المصالح الوطنية من زاوية تعريف الحق بمفهومه القانوني وبكيفية تفاعله مع العالم الصناعي من جهة ومع نتائجه في ايجاد حلول لمشاكل البلاد صاحبة الثروات الخام، التي تحتاج للسوق ولآليات تحويل الخامات .
   وعلى اساس السعي لتخفيف الواقع الأكثر حدة القائم، وعن طريق زيادة الوعي العام بتطورات صراعات النفط واعتماد المؤسسات والفعاليات الشعبية والنقابية والدستورية، منظمات المجتمع المدني، الصحافة ووسائل الأعلام وغيرها، وصولاً الى الشفافية . . لأجل التعديلات المعقولة والممكنة نحو التوصّل الى حلول سلمية للصراعات الدائرة على اساس احترام السيادة الوطنية للبلاد ، واجراء التعديلات الضرورية على مشاريع اعادة الأستثمار ثم اقرارها وفق الآليات المذكورة وتقوية فرص اعادة النظر بشكل قانوني واعادة الجدولة، فيما ترى اوساط واسعة اهمية اعتماد عقود الخدمة وعقود الشراء بدلاً عنها .
   وعلى ذلك تؤكد اوسع الأوساط المعنية بأن النفط هو قضية سياسية فائقة الخطورة، وان النفط قضية مصيرية تتمحور عليها وترتهن بها وبحركتها ونبضها وباشكال مباشرة او غير مباشرة، كل الصراعات والفتن الأخرى . . طائفية كانت او اثنية مهما جرى تستيرها او اخفائها، من جهة. وان قضية النفط هي علة علل وسبب الأسباب في الصراعات الأقليمية وتداخلاتها وتحدياتها، وفي الصراعات الدولية وتشابكاتها مهما تغلفت وتجمّلت . . من جهة اخرى .
   وبالتالي فأنها قضية وطنية داخلية واقليمية ودولية تزداد ترابطاً، وتجد اسبابها وبصماتها وادوارها وتحريضاتها . . في كلّ الصراعات الدموية المأساوية الجارية في البلاد بلا استثناء ومهما تبرقعت للتمويه عليها ولجعلها بعيدة عن اللمس والرؤية ! (انتهى)   

ايار / 2007 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   وتدعى بـ " عقود تقاسم الأنتاج " . لصالح احتكارات بريتش بتروليوم وشل النفطية البريطانية، و اكسون وشيفرون النفطية الأميركية .
2.   راجع غورينغ موتيت /  فوروم  تشرين الثاني  2005 . راجع صحيفة البيان الأماراتية، عدد 2 / حزيران / 2006
3.   راجع تقرير " المفتش العام لشؤون النفط  العراقي " ، في  20 / 5 / 2006





247
         الأحتكارات النفطية والعراق والمنطقة !
               1 من 2
                              د. مهند البراك

   بعد ان اصبح النفط الخام الى جانب الذهب معادلاً اساسياً للدولار، في نهاية الحرب العالمية الثانية، تشعّب الأمر وتنوّع حتى صار البترودولار يتسيّد اسواق العملة في المؤسسات المالية والمصرفية الدولية والأقليمية ... حيث يتربع النفط الخام اليوم على عرش سوق العملات والصناعة وصار يشكّل عماد الصناعة والتكنولوجيا مدنية كانت اوعسكرية، وصار يشكّل اساس الأسس في صراعات القوى الكبرى والأقليمية اضافة الى الوطنية الداخلية، وبذلك صار تأمين الحصول على النفط الخام يشكّل اساساً لضمان الأمن القومي للبلدان الصناعية الكبرى، بمنطق الأحتكارات الصناعية العظمى.
   الأمر الذي يتخذ اشكالاً تزداد تنوعاً وتفاقماً في زمان العولمة وتداخل رأس المال، بعيداً عن حدود الجغرافيا . . في السياسات النقدية للبيوت المالية الدولية وآليات تحديد سعر الدولار، وتزايد ترابط  احتكارات النفط باحتكارات السلاح  وغيرها، اضافة الى الحالة التي احدثها دخول عمالقة انتاج وتصدير النفط الخام والغاز الجدد؛  كروسيا ودول بحر قزوين، والدور غير المكشف عنه لسوق النفط السوداء .  . في مسرح النفط الخام والغاز .
   بعد ان تكوّنت اقسام السوق النفطي العالمي في المنطقة، اثر صراعات واتفاقيات واعادة تقاسم نفوذ ومصالح اقتصادية سياسية وعسكرية للحلفاء الغربيين، وبعد اتفاق قسم من الأحتكارات الغربية على كيفية تقاسم الثروات وطرق صياغة العقود مع السلطات المحلية التي تكوّنت من جهتها بطرق متنوعة، وفق نتائج الحرب العالمية وتحديد المنتصر والمغلوب، التي لم تنفصل عن نتائج اعمال التنقيب عن النفط ـ او نتائج توسعها ـ في العراق وايران والجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية . . بعد ان لعبت نتائج تقديرات درجة غزارة الحقول النفطية ومواقعها، الماهية السياسية للعائدية البشرية لمناطق تلك الحقول، الدور الأساسي في شكل  تقسيم تركة الدولة العثمانية الآفلة.
   ثم صياغة المنطقة على اساس رسم حدود دولها وتثبيتها بمعاهدات معلنة وغير معلنة، واعلان ذلك رسمياً في عصبة الأمم لتثبيت حدود صلاحيات و مسؤوليات الدول العظمى والأحتكارات، ودول المنطقة . . في تبادل ادوار ومواقع وتنظيم استثمار الأحتكارات لدول المنطقة، كما لو كان الأمر يعود الى دائرة واحدة تدير استثمار وشؤون المنطقة بشُعَبٍ متعددة لاتخلو من تنافس وصراع. (1)   
   لقد قررت ادارة الولايات المتحدة الأميركية بعد الأزمة الدولية واندلاع الحرب العالمية الثانية،  ان تلعب دور قوة حفظ النظام في منطقة الخليج لضمان مصالحها واعلنت عن ذلك، واعتمدت في ستراتيجيتها تلك اسلوب السيطرة غير المباشرة على الخليج عبر الأنظمة الموالية ـ كما حصل بانقلاب  1952 في ايران وانقلاب 1963 في العراق بتدبير الـ سي . آي . أي ، على سبيل المثال لاالحصر ـ  ثم عبر الموالية والمتفقة او المتوافقة (2) .
   وكان اوضح تعبير لسيطرة الولايات المتحدة على الخليج وتثبيته كحق لها، مادُعي بـ " مبدأ كارتر"، على اسم الرئيس الأميركي الأسبق " جيمي كارتر ". الذي اعلن بعد الثورة الأيرانية عام 1979 وانهيار احدى القوتين المعتمدتين في المنطقة ، في 23 كانون الثاني 1980 :
   " ان اية محاولة من اية قوة خارجية للأستحواذ والسيطرة على الخليج ، تُعتبر هجوماً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية، وستُرَد بكل الوسائل الضرورية بما فيها الوسائل العســـكرية " (3) .
       والذي جاء بعد ان رسمت الولايات المتحدة الأميركية سياستها في حماية مصادر الطاقة ، كخدمات عسكرية تقدّمها لدول العالم ، لمواجهة احتمالات ظهور وتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وبين ايٍّ من البلدان المنافسة (الصناعية وغيرها . . . ) ، ولعرقلة زج استخدام سلاح النفط  بشكل فعّال اثناء الأزمات واحتدام المواجهات . الأمر الذي يشكّل جوهر ما يدفعها للسيطرة واحكامها على الخليج، والذي جعل ويجعل الدول الصناعية الآسيوية مثلاً تمارس سياسة حذرة ومتحفّظة او غير معلنة بالكامل في المنطقة، لأحتياجاتها العالية للطاقة .
   وفي مجال ما اصطلحت عليه دوائر اميركية بـ " تحريم سيطرة الأعداء " ، جاءت قضية الطاقة الى جانب الأهداف الأقتصادية ، لتلعب دوراً استراتيجيّاً هاماً . فالدولة التي تسيطر على موارد طاقة دولة ثانية ، تستطيع ان تتحكم وتضغط عليها بوسائل نادراً ماتكون منظورة، الأمر الذي يفترض في الأحوال الأعتيادية وبتقدير تلك الدوائر " ان تعتمد الستراتيجية الأميركية بكل حزم على تأمين سيلان النفط الى الغرب بأسعار مناسبة  .  .  .   ولكن ومنذ اكثر من نصف قرن تلعب عوامل مركزية اساسية دورها في رسم وتطبيق الستراتيجية العسكرية الأميركية في المنطقة الغنية بالنفط ـ احداها التي لايدركها اغلب المحللين  بشكل كامل ـ  هي :  تحريم سيطرة الأعداء الأقوياء ، في المنطقة ، والاّ فانهم سيستطيعون ان يكونوا اقوى واخطر " (4)،(5).
   وذلك ماتحاول الأحتكارات الصناعية النفطية العسكرية المالية ان تضغط به، لتجعل الولايات المتحدة ، في جهد دائم لمحاولة اعاقته بشكل مطلق والاّ فأنها ستواجه ازمات صعبة لايمكنها ان تسيطر عليها، وفق وجهة نظرها . ويصف" فالتر روسيل ميد" (6)، اهداف الستراتيجية الأميركية بالتالي : " بما اننا لانستهلك جزءاً كبيراً من نفط الشرق الأوسط ، قياساً باليابان التي تستهلك منه اكثر منّا بكثير  .  .  .  فأن ما يشكّل احد اسس تقبّلنا للعب دور المراقب المُتّفق عليه، يتعلق بخلق شعور لليابان وللدول المماثلة الأخرى وتطمينها على استفادتها من انسياب النفط اليها بأمان ودون ازمات من جهة . ومن جهة أخرى نجعلها لاتجد نفسها مضطرة لأن تكوّن قوة عسكرية ضاربة كبرى ولاتحتاج لبناء منظومات للأمن . . . الأمر الذي يجعلنا لانضطر من ناحية أخرى لأستخدام قوات عسكرية كبرى متعددة وارسالها الى كل انحاء العالم لمواجهتها، لدى تغيّر المصالح ولدى طلبات اعادة النظر بالأتفاقات " (7) .   
   وفيما ترى دوائر ان وجود اكثر من 65% من احتياطي نفط العالم في بلدان الخليج، حتّم ويحتّم على الولايات المتحدة ان تؤمن وصولاً غير مقيّداً الى امكانات المنطقة، بعد ان صارت حماية النفط جزءاً اساسياً في ستراتيجية السياسة الخارجية الأميركية، واجازت استخدام الوسائل المسلّحة عند الضرورة، لتحقيق تلك الغاية . فانها ترى ان الأفتراق الحالي بين الحاجات الى الطاقة والمسؤوليات الستراتيجية سوف لن يُقبَل كامر واقع . وانه يؤدي الى سعي الدول الآسيوية المستهلكة للطاقة وللنفط الخام لأن تلعب دورها الذي يحقق لها مصالحها، وتعيد بذلك ترتيب وتناسب نظام حماية منطقة الخليج (8)، (9) . 
     الأمر الذي يأتي في ظروف تعزز " مبدأ ايزنهاور " (10) الصادر عام 1945 الذي نصّ على انه " في حالة حدوث خلاف واستعدادات عسكرية لمواجهة خصم في مناطق الطاقة ، فأن تدمير منابع الطاقة نفسها سيكتسب الأولوية وفق الستراتيجية الأميركية ، بل هو اهم اطلاقاً من الحفاظ على المنابع والتنافس على الحصص " . الأمر الذي اكدته الوثائق الحكومية التي تم الكشف عنها حديثاً ، التي توضّح ماهية ردّ فعل واشنطن الحازم في الأزمات التي يمكن استخدام سلاح النفط فيها، كالتي كان يمكن ان تتم في حالة حصول اجتياح سوفيتي لمنطقة الخليج، آنذاك . حيث اكّدت أنّ الهدف المركزي للقوات العسكرية الأميركية في الحالة تلك، التي ان حصلت فانها تطرح مخاطر جدية، المطلوب فيها هو ليس استعادة السيطرة على المنطقة ، وانّما ـ قبل اضطرار القوات للأنسحاب ـ عليها ان تحطّم حقول النفط في الخليج بالكامل !! (11) .
   وفيما تدور نقاشات حامية عن مفهوم ذلك " التحطيم " وكيفيته، يرى خبراء عسكريون مخاطره  منذ 11 ايلول  2001 حين اوضحت اكثر الأوساط تنفذاً في الحكومة الأميركية، كم هي جادة في هدفها ذلك او في سيرها على طريق تحقيقه، والذي دعته بستراتيج او " مبدأ بوش " الذي يعطي الولايات المتحدة الحق في تنفيذ " الضربات الوقائية " ـ أو " التداخّل الدفاعي " كما سمّاه وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد ـ ضد الدول التي من الممكن ان تهدد .  .  والذي لم يتغيّر بل يزداد احتمالاً، بتقديرهم .
   ومن ناحية اخرى وفي سياق متّصل، وبعد ان ادىّ تزايد الوجود والسيطرة المتنامية الأميركية في المملكة السعودية ، الى توترات اخذت تتصاعد بينهما، حتى بلغت حد تهديد الرياض للقائمين على المشاريع العسكرية، تهديداً لا تراجع عنه بأغلاق القواعد العسكرية الأميركية، وادىّ الى اغلاقها وانشاء قواعد عسكرية بديلة في قطر و في دول أخرى (12). فقد ادّت نتائج التحقيق في مسألة  تقديم المساعدات  للمجموعات الأرهابية في 11 ايلول 2001 ، الى اشارة الأفادات الأهم الى كونها قد قدّمت من فئات من البيت السعودي الحاكم . . ادّت بالأحتكارات النفطية الأميركية الكبرى الى اعتبار، كونها مؤشراً هاماً على ان "أوبك" ـ التي تلعب فيها المملكة السعودية الدور الأهم ـ يمكن ان تلعب دور سلاح النفط ضد السياسة الأميركية ، الأمر الذي جعلها تدعو اوساطاً كبيرة في الولايات المتحدة الى الشك في قيمة الترابط المديد بين الدولتين (13) .
         واخذت تدعو الى، ان احكام القبضة على خامات العراق ، ستوئد كلَّ محاولات الرغبة في استخدام الأوبك ضد الولايات المتحدة، على اساس : " ان احتياطي العراق النفطي الهائل يستطيع معادلة تفوّق الأنتاج النفطي السعودي ودوره المُعادِل في الأوبك ، وسيساعد الولايات المتحدة اقتصادياً في أوقات المحن ، من خلال زيادة الأنتاج وبالتالي خفض اسعار النفط  (14)" . 
   واخذت مذاكرات دوائر الأحتكارات تصف المملكة " كعدو للولايات المتحدة وتنصح المسؤولين الحكوميين  للولايات المتحدة بتقديم انذار : أيقاف دعم الأرهاب ، والاّ فسـيشهدون احتلال حقولهم النفطية بالمقابل " ، و اخذت توعد بأن الحرب ضدّ العراق ستكون وسيلة لتحسين هائل لموقعهم في الخليج والعربية السعودية . و يأمّلون بأن " استخدام القوة للأتيان بحكم صديق في العراق سيلعب الدور الأهم  في تصدير النفط للغرب، حيث ان تدفق نفطه سيقلل من التعلّق الأميركي بتصدير الطاقة السعودي، وسيؤديّ ـ  بتقديرهم ـ الى اجبار البيت الملكي السعودي على مواجهة قضية دعم الأرهاب وحسمها " ، ليتوصّل أحد أعضاء الحكومة المحسوب على المحافظين الجدد المتشددين ، على ذلك الأسـاس الى تقرير " ان الطريق الى كامل الشرق الأوسط يكون عبر بغداد" (15) .
         وليعبّر تعليق الـ " وول ستريت جورنال" القريبة الى الرئيس بوش بشكل اكثر وضوحاً عن ذلك بطرحه " يتوجّب على الولايات المتحدة ان تكون مع السعوديين اكثر وضوحاً . . لأنهم بعيدون عن أعتبار أمن الغرب مسألة لاجدال فيها، بل على العكس انهم يشكّلون أكبر خطرٍ عليه، بل واكبر من خطرالصين . على ذلك الأساس يتوجّب على واشنطن ان تتجه لأحتلال آبار النفط " (16) . 
   وفيما تعبّر الحرب اي حرب، على تلاقي مصالح واهداف ووجهات دوائر متنوعة . . وبتلك الوجهة ولتحقيق تلك المصالح التي جرى المرور عليها، حرّضت الأحتكارات النفطية على الحرب، وسط تشجيع دوائر الحرب واحتكارات السلاح . . واشتعلت الحرب التي اسقطت الدكتاتورية ! (يتبع)

ايار / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــ   
1.   راجع وقارن " مذكراتي ـ الصراع من اجل الديمقراطية في العراق " ، للأقتصادي والسياسي العراقي المعروف المرحوم محمد حديد، الطبعة الأولى، دار الساقي ـ لندن ، 2006    / فصول قضايا النفط  .
2.   نحو الستراتيجية الأميركية في الخليج ، انظر كلاري ، حروب الخامات ص 51 / شميدت ، فريد ، شوللير ، كونراد : حرب من اجل النفط ، طبعة خاصة رقم 15 ، ديسمبر 2001 ، ص 25 .
3.   مقتطع من كلاري ، ميشيل، السؤال " لماذا " ، FPIF تعليقات في الشؤون العالمية ، ايلول 2001 ، ص 1 .
4.   انظر : اوليكر ، اولغا اوكرايينا و القوقاز : فرصة للولايات المتحدة ، RAND موضوعات ص198 / 2000 .  كووان ، بيتر : سيطرة الولايات المتحدة والفوضى العالمية ، ملحق مجلة "نحو الأشتراكية"، 5/2002 ، ص 19 .
5.   التلحمي ، شبلي " الخليج الفارسي : فهم استراتيجية النفط الأميركية"، "بروكنك ريفيو"، ربيع 2002 ، المجلد  20 العدد 2 ، ص 30 ـ 35 .
6.   من "مجلس العلاقات الخارجية الأميركي " الغني عن التعريف .
7.   مقتطع من شوارتز، بنيامين/لاينه ، كرستوفر " ستراتيجية عليا جديدة" ، "اتلانتك مونثلي" ، كانون الثاني 2002 .
8.   مقتطع من تصريحات انتوني زيني القائد الأعلى السابق للقوات الأميركية الأقليمية المتخصصة "سينتكوم " . كلاري ، ميشيل ، حروب الخامات ، الأسس الدولية الجديدة للأزمات الشمولية ، نيويورك 2002 ، ص 58 .
9.   بهجت ، جواد ، النفط في منطقة الخليج ، نحو المعاني الجغرافية السياسية في الأحداث الجديدة ، السياسة العالمية 1/ 2001 ، ص 49 ـ 54 ، ص 54 .
10.   على اسم مشرّعه الرئيس الأميركي " دوايت ايزنهاور" ، القائد العسكري لقوات الولايات المتحدة الأميركية في الحرب العالمية الثانية الذي تولى منصب الرئاسة بعدئذ .
11.   انظر تلحمي ، "الخليج الفارسي" .
12.   انظر ، غاهام ، برادلي/رِكس ، توماس أي. " بديل لقاعدة العربية السعودية "، IHT ، 8/4/2002 ، داو ، جيمس " تخوّف الولايات المتحدة من الوقود السعودي ، احاديث عن الأعتدال"، IHT ، 17/1/ 2002 .
13.   انظر ، كنولتون ، بريان "السعوديون يخبرون الولايات المتحدة ان النفط ليس سلاحاً"، IHT ، 26/4/2002
14.   كراوتهامر ، تشارلس " لا ، ابقوا الرقابة على صدام" ، IHT  ، 22/4/2002 .
15.   مذاكرات مجلس الدفاع السياسي، هيئة البنتاغون الأستشارية ( حيث يلعب المحافظون دورهم المؤثّر، مثل ؛ ريتشارد بيرلي، هنري كيسينجر، جيمس شليسينغر ، دان كوايلي و شخصيّات نيوت غينغرتش ) ، يمكن ان تقدّم تصوّراً للأتجاه السائر، راجع رِكس ، توماس ُأي "مستشارو الولايات المتحدة يرون في السعوديين  خصوماً " IHT  7/8/2002 .
16.   رالف بيترز ، مقتطع من فوللاث ، ايريش/فيندفور ، فولكهاردت/تساند ، بيرنهاردت "اوكار الأرهاب" ، " ديرشبيغل 10/ 2002  ص 132 ـ 148 ، ص 135 .

" رؤية "




248
الى يوم الأنتصار على الفاشية !
                           د. مهند البراك

تحتفل البشرية التقدمية في اليوم التاسع من ايار من كل عام بمناسبة يوم الأنتصار على الفاشية، يوم دكّت طلائع القوات السوفيتية عرش الدكتاتورية النازية في الرايشستاغ في برلين، التي انتهت والى الأبد كعاصمة للرايخ الثاث . . ورفعت عليه رايتها الحمراء .
وتقوم في هذا اليوم مختلف الفعاليات والأحزاب والقوى والحركات المعادية للفاشية والحرب والعنصرية والشوفينية ومن اجل السلام، بشتى الفعاليات والمسيرات وزيارة قبور الشهداء والنصب التذكارية المقامة على ارواح شهداء النضال ضد الفاشية من شغيلة اليد والفكر والثقافة والأدب والعلم، ومن مناضلين سياسيين وعسكريين و مقاتلي انصار رجالاً ونساءاً وفي كل انحاء العالم .
وان دلل ذلك الأنتصار العالمي وبسطوع على قدرة الشعوب وبكل قومياتها وفئاتها واديانها وطوائفها على تقويض سياسات الحرب والعدوان ونزعات الأستعلاء القومي لصالح اوسع الجماهير، فأنها دلّت على ان الحركات والأحزاب العمالية والأشتراكية والديمقراطية والشيوعية ونقابات العمال ومنظمات الشباب وكل فعاليات ومنظمات الفئات الكادحة، بأنها الأكثر اخلاصاً في صراعها ضد جشع الرأسمالية وطغيانها وحروبها وكذبها وسرقاتها وزيفها.
وانها الأكثر قدرة على الصمود بوجه المظالم، على اساس برامجها الحية والداعية الى حقوق الأنسان رجالاً ونساءاً، في الحياة والحرية والخبز، وحقه وحق اطفاله بوطن مستقل آمن، وانها الأكثر قدرة على لم صفوف الشغيلة والكادحين على اختلاف قومياتهم واديانهم على طريق العدالة الأجتماعية ومن اجل انهاء استغلال الأنسان لأخيه الأنسان . . 
وان سنوات الركود والجمود العقائدي الذي اصاب الأحزاب الحاكمة منها وادى الى انهيار انظمتها، كان خروجاً على مبادئها ونهجها الذي دعى ويدعو الى حيوية المنهج والى تجديد النقد كسلاح فكري لمواجهة البيروقراطية والتحجر والجهل واللاادرية .
لقد اطلق ذلك اليوم كل الطاقات التي عطّلتها الحروب والوحشية وقعقعات السلاح ودويّ القنابل وظلام السجون ومعسكرات العمل والموت، وثبّت قدرة الفكر الديمقراطي والأنساني المادي والأشتراكي على خلق بديل قادر على صياغة حياة افضل بما لايقاس، بالحياة التي اشادتها الفئات الرأسمالية الحربية التي دعت الى الحروب منهجاً والى سياسات " التمدن بالحديد والنار وباغتصاب النساء " . .  بل وسارت الأكثر وعياً منها مع الفئات البرجوازية الأكثر تحرراً وانسانية في بناء حضارة اكثر تفتحاً على انقاض ما صنعه دعاة الحروب ووليدهم المسخ الحزب النازي . 
لقد فتح ذلك اليوم الباب على مصراعيه للفكر والأدب الأنسانيين، وبدأ بسد الباب امام الأفكار الخيالية اللاواقعية والطوباوية والأفكار التي اججتها دوائر ارباب الأعمال والتي حاولت توظيف الأديان بل وصاغت انواع الخرافات والأكاذيب والبدع وافتعلت واججت الصراعات الأثنية والدينية والطائفية، لحرف النضالات الجادة للطبقات والفئات المسحوقة من اجل حقوقها، وفي محاولة لتوظيفها لصالح شلّ اوسع الأوساط الفقيرة وتضييعها في متاهات لاتنتهي . . لتحقيق اكبر السرقات والصفقات، متسترة بستار التحريم والعنف والأرهاب الديني والطائفي والعرقي والقومي الضيّق .
لقد اطلق سقوط الفاشية (التي لاتقهر) . . المارد الشعبي من قمقمه، صائغاً الأمل على اساس الواقع الذي تحقق بسقوطه، الذي قبيله ـ قبيل السقوط ـ اخذ المسار يدلل من جديد وبشكل اشمل على اهمية تضامن قوى الخير لأنهاء مايتهدد البشرية من مآسي وكوارث.
بل واخذ ذلك المسار يهدد بتحولات شعبية هائلة، الأمر الذي ادىّ الى الأسراع بفتح الجبهة الثانية لحفظ ماء الوجه وللحفاظ على العروش من تغيّرات عمالية عاصفة كانت ستهدد بالأندلاع على انقاض الفاشية التي تسببت بتدمير مدن وحضارات شكّلت عصب الحياة العالمية آنذاك، وبعد ان تسببت بسقوط عشرات الملايين ضحايا لها وللوحشية التي اطلقتها والتي تسببت باخطاء وفوادح في المعسكر المواجه لها ايضاً، دُفعت اثمانها غالياً بعد عقود . 

9 / 5 / 2007 ، مهند البراك

249
   عراقنا و مخاطر التحوّل الى بؤرة عنف دائم !         
                              د. مهند البراك

يرى كثير من المراقبين ان الوضع الخطير المتعدد الثغرات اخذ يستقطب كواسر دولية واقليمية متنوعة اكثر، سواء كانت دولاً ام كيانات متعددة الجنسية وفوق القومية : سواء كانت اقتصادية ونفطية ومالية، مصانع واحتكارات اسلحة، او باحثة عن زعامة ونفوذ، او دينية وطائفية . وخاصة لأساطينها الذين يجدون فيه فرصة ذهبية بعد ان لم تعد تحدّهم حدود دولهم ولاحدود مناطق نفوذهم السابقة، خائضين صراعاً وسباقاً محموماً لتحقيق اعلى الأرباح بعيداً عن الضجيج وعن قعقعة السلاح، في اغنى منطقة نفطية في عالم اليوم . 
حيث ترى اوساط منها في الوضع القائم، وكأنه هدفاً سعت لتكوينه في الظروف الدولية والأقليمية الحالية، ووجدت اخرى فيه خط نار يستمر بالألتهاب والأشتعال، مانحاً ايّاها ان استمر بالأشتعال وان استطاعت ان تتحكم باشتعاله زيادة او نقصاناً او مساحة .  . فرصاً سانحة في جعل العراق منطلقاً في امكانية ضمانها تحقيق موارد هائلة لها من خلال تغييرات قد لارجعة فيها في المنطقة، وان كان شعب العراق بكل مكوناته كبش الفداء الأكبر لذلك . الأمر الذي يجعل من التطوّر الهائل لترسانات الأسلحة كماّ ونوعاً في عموم المنطقة ـ اضافة الى التي يجري تجريبها في العراق ـ، ثم وصولها حواف خطرة في الصراع النووي الأيراني ـ الأميركي، الأمر الذي يستمر باشاعة مزيداً من الرعب والقلق، رغم الغعاليات الدولية التي تدعو الى وضع حد لنزيف الدم في العراق من اقصاه الى اقصاه .
وفيما يرى عديد من الخبراء السياسيين والأجتماعيين، ان مخاطر توطّن الحرب في العراق  وتكوينها بؤرة دائمة لها تنبع من : السيادة المؤلمة لمنطق العنف في التعامل بين مكوناته ذاته، كضحايا له بداية ثم كمتعايشين معه، وصولاً الى استخدامه المتزايد للأنتقام به، تزايد مشاعر القهر التي تسعى لأثبات الوجود، تواصل وتزايد عدم الأستقرار الذي ان لم يؤدّ الى الهروب والهجرة، فانه يجعل من الأستقرار لدى اوساط غير قليلة وكأنه حالة غير طبيعية او مجهولة لاتعرف كيف يجري التعامل به ومعه بسبب الريبة والخوف والقلق، اضافة الى انتشار المرارة النابعة من الفقدان والخسارة التي تدفع الى روحية النهم في استغلال الفرص ؟ . .  بعد خسرانات لاتزال غير معوَّضة من جهة وخسرانات جديدة تتعرّض لها من جهة اخرى، وبعد ان فُقدت عوائل وكيانات بكاملها، بل وبعد ان فَقَدت اقسام غير قليلة معاني الشرف بالمعنى الأجتماعي السائد.
ولقد خذت تلك المخاطر تستمر بالتزايد والتعقّد، باستمرار تعقّد وتصاعد الصراع الطائفي، الذي اخذ يزداد دموية ووحشية وارعاباً من جهة. اضافة الى تواصله لفترة زمنية بدأت تطول، وبعد ان دخل الى مؤسسات الدولة التي اعيد بناء القسم الأكبر الفاعل منها على اساس المحاصصة الطائفية ووفق بنود صارت دستورية (او يمكن تفسيرها والتبرقع بها)، بل وصار عدد من الميليشيات يمثّل الجناح المسلّح لأحزاب حاكمة او مشاركة في الحكم، وللمؤسسات الحكومية التي ائتمنت عليها .  . 
وصار يهدد بالتحوّل من كونه واجهة للصراع السياسي .  .  الى صراع طائفي حقيقي مرير وصل الى حد الآن الى بناء الجدران بدون ان تكون جزءاً من برنامج شامل، الأمر الذي يمكن تفسيره بوجود رغبة في تأطيره وادامته، بدل السعي الجاد لوضع حلول حقيقية لتلك المآسي !! 
ولابد من القول ان من اسباب تزايد تلك المخاطر، يأتي من اختلاط وتقاطع وتنافر اهداف وجدولة واولويات اطراف القوة الحاكمة ان صحّ التعبير؛ قوات المارينز، الحكومة والحرس الوطني والشرطة، ميليشيات القوى الطائفية الحاكمة، ذاتها من جهة. وبين اطراف القوة الرافضة للمسيرة السياسية ؛ التي رفضت اسقاط الدكتاتورية التي تضم عصاباتها وقوى ( بعث) ها، الرافضة للأحتلال او تدّعي بذلك، الأصوليين والتكفيريين، مشاركين في المسيرة السياسية من موقع المعارضة، ومن مواقع كثيرة التداخل والتنسيق مع اقطاب مقررة في الحكم .  .  مع الميليشيات المسلحة الطائفية المواجهة للأولى، وبينها ذاتها من جهة اخرى . 
ويرى باحثون ان استمرار العنف اضافة لتسرب مجاميع الأرهاب الأصولية من خارج البلاد، جاء بسبب ان التوترات الأجتماعية التي تراكمت في زمان الدكتاتورية، التي لم تهدأ باسقاط الدكتاتورية كما جرى ولم تحقق بديلها المنشود .  . وانما استمرت في الفعل وتضاعفت بعد ان سقطت الدكتاتورية بفعل خارجي اعلن احتلال البلاد، واصاب البلاد بحالة من حالات الذهول، وجد فيه ضحايا الدكتاتورية ورافضيها انفسهم وكأنهم في صف وتحت اوامر (اجنبي محتل) في بلد متماسك الكيان ويشكّل احد الأعمدة الصلبة لأستقرار المنطقة، الشرقية الطابع والسلوك والعاطفة .
الأمر الذي اضاف توترات واحتقانات جديدة عبّرت عن نفسها بداية باعمال انتقام وشغب ونهب ثم انفلات للعنف، لم يكن بدون تشجيع وغض نظر، لأمرار وللبدء بعديد من المشاريع المارة الذكر التي غلب عليها العنف في المحصلة، فاضاف للعنف المنفلت عنفاً جديداً تسبب في زيادة حدة انفلاته وفي جعله متحكماً، في وقت شهدت وتشهد موازين القوى فيه تبدلات سريعة، فرضت تغيّر الأصطفافات بشكل سريع . . الأمر الذي ادى الى ضياع الناس اكثر في شعارات لم يلمسوا منها تحسناً في واقعهم، وانما صعوداً لمتحيني الفرص وللوصوليين والنهّابه .  .
وادىّ الى تحويلها الى جماهير ضائعة تحرّكها العاطفة والتطرف والأصطفاف معه الذي يمكن ان ( يضمن لها السلامة)، وصارت مسيّرة نحو اهداف وحتوف غير واضحة المعالم والتوقيت. الأمر الذي يجعل من البلاد منطقة جذب اكبر لنشوء ونشاط التيارات الدينية والطوائفيه والأثنية المتطرفة المتنوّعة، التي يجري تمويلها بشكل خيالي من الجهات المستفيدة المستعدة للصرف المتنوع.
ان توفر الأموال الفلكية في منطقة غنية وتكدّس الأسلحة واستمرار تدفقها، في ساحة تشهد حالة رهيبة متفاقمة من تصفية الحسابات بالقتل والترويع والتعذيب وكما مرّ، يجعل من البلاد مرتعاً (خصباً ) لتوطن الأرهاب والجريمة ، وبالتالي موقعاً لتوطّن وتفاقم نشاط السوق السوداء الأقليمية والدولية، التي بدأت تتخذ اشكالاً تزاوجت فيها مع اقطاب في السلطة وفي مؤسسات الدولة بشكل علني، منذ سنوات الحصار، حين كانت تشجّع وتموّل من الدكتاتورية ذاتها.
ان احتمالات مخاطر تحوّل البلاد الى بؤرة دائمة للحرب والعنف تزداد بوجود اقطاب ادارية اميركية فاعلة ترى ان طريق مكافحة الأرهاب في المناطق الحيوية من العالم، كمناطق النفط والماس والخامات والمخدرات . . يتم بالأعتراف اوبخلق (امراء) لمناطق النفط على اساس امكانياتهم ـ وتمكينهم ـ على ضبط السيطرة والأمن في تلك المناطق، وفق واقع تلك البلدان مهما كان متخلفاً(1)، على غرار امراء وبارونات المخدرات في افغانستان، المستمرين على العنف في نزاعاتهم على مناطق النفوذ، وعلى اعادة تقسيم تلك المناطق وتقسيم وارداتها .
والسماح ( بدرجات وبعقوبات مقبولة) لأقطاب السوق السوداء التي (لاتستوعبها القوانين المعمول بها او التي يراد العمل بها  . .  بحدود قد يمكن السيطرة عليها او التعايش معها لكونها لايمكن القضاء عليها ولأنها تدرّ ارباحاً لايمكن مقارنتها بالدخول المتحققة من الزراعة والحرف والوظائف الحكومية )!! (2) ، فيما يقدّر متخصصون ان لاجدية حقيقية يمكن تلمسها للقضاء عليها . . لكونها تدر ارباحاً اسطورية لكل الأطراف ذات العلاقة، بعيداً عن قوانين الشفافية والنزاهة !
وعلى ذلك وبما تقدّم يلاحظ تفاقم افتقاد الشعور العراقي الوطني، لروح التآخي والحنين الذي كان سائداً بين مكونات المجتمع، الشعور الذي عبرت عنه وحدة الشعب بكل اطيافه، سواء في وثباته وانتفاضاته التي تلاحم فيها متضامناً مع القضايا القومية والدينية والطوائفية الداخلية، ومع قضايا المنطقة عربية، كوردية،اسلامية وغيرها .  . حين اجتاحت تظاهراته مدن العراق من اقصاه الى اقصاه في الستينات، سواءاً في بغداد اوفي عموم مدن وسط وجنوب البلاد وهي تطالب بـ " السلم في كوردستان " ، اوفي المظاهرات التي اجتاحت مدن كوردستان العراق وهي تندد بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 .
ان السعي لأنقاذ العراق بكل اجزائه من مخاطر التحوّل الى بؤرة دائمة للحرب والعنف، لايمكن ان يتم الاّ بسعي قواه العراقية الفاعلة، لتحقيق مرونة متقابلة وتقديم وتعديل جداول الأولويات والمهام على اساس ان الأهم الآن هو انجاح لمّ الشمل العراقي بكل اطيافه على اسس؛ الدولة البرلمانية العراقية القائمة على اساس الحقوق القومية العادلة لكوردستان، التبادل السلمي للسلطة، تساوي العراقيين على اساس الهوية الوطنية، تكافؤ الفرص امام المواطنين رجالاً ونساءاً واعتماد الكفاءة والنزاهة.
ويرى عديد من اصحاب الخبر المتنوعة، ان قطع الطريق على العنف والدمار والصراع الطائفي الوحشي المرير، يتطلب الأبتعاد عن حل المشاكل يتكريسها بستار الـ (فهم الجديد للحقوق وللتحديث) وبـ ( الواقعية) المخلّة . . بل اعتماد مبدأ التنازلات المتقابلة على اساس الحوار لأنقاذ الشعب بكل اطيافه من الوحشية القائمة والمهددة، في زمان لن تؤدي فيه (فدرالية الطوائف) الاّ الى مسلسل اكثر عنفاً ووحشية مما جرى ويجري حتى الآن . .  من اجل الحصول على اكبر المكاسب الضيقة لأفراد بعينهم، في مرحلة تأريخية يعيش فيها ابناء طوائف العراق الأسلامية وابناء دياناته المتنوعة معاً في مناطق ومحلات السكن والعمل . . ولامناطق محددة فيه لطائفة دون اخرى على مدى تأريخه .
والذي سيزيد الخراب خراباً والنار اشتعالاً وسيعني المزيد من القتل والتهجير على اساس الهوية الطائفية، ودخول البلاد في دوامة حروب جديدة لايتمناها الاّ اعدائها والطامعون بها .  . لتحديد حقوق الخلفاء الراشدين (رض)، ومن سرقها ومن تسبب بمذبحة الأمام الحسين (رض) قبل مئات السنين، لمعاقبتهم الآن ؟!.  .  بعد ان دار العالم والمنطقة وشهد هجرات ومذابح وكذب ونفاق ورياء وحرق كتب ووثائق، وزوّرت اخرى، وبعد ان عملت سيوف ومدافع وبوارج حربية وطائرات وصواريخ في تبادل مواقع وانتهاز فرص وفي كتابة التاريخ .  .
في زمان تحترق البلاد فيه وتتمزق وتتطاير اشلائها ودمائها، واشقائها ساكتون وآخرون يدفعون بتحميله وحده لعنات التاريخ ولعنات صراع الفرق الأسلامية الممتدة من الصين الى المحيط الهادي، طيلة قرون .  .  فيما ينتظر المتنفذون على أحرّ من الجمر حصصاً اكبراً من نفطه الرخيص !! 
وفيما تتحمل قوى المجتمع الفاعلة مسؤولية كبيرة كثيرة الصعوبة والتعقيد للم الشمل وتحديد تفاصيله الواقعية، في زمن تضيّع فيه المبادرات الشعبية وتحجّم فيه القدرة على سلوك واتباع وسائل العودة الى التلاحم .  . 
يرى عديد من المراقبين الدوليين، ان الدول العربية والأقطاب الأقليمية، التي توضحّ الأحداث المريرة ان لاحسماً لشكل وكيان دولة العراق دون دورها واحترامها لحدوده وحدود مكوناته، لضمان موقفاً مماثلاً من العراقيين تجاهها .  . ويرون انها تلعب دوراً اكثر خطورة في الظروف الراهنة، من اجل منع تحوّل العراق الى بؤرة حرب دائمة، تنتشر نيرانها وفتنها ان ازدادت اشتعالاً اليها ذاتها.
بتأمينها الحدود ودعم خطوات المسيرة السياسية العراقية امنياً واقتصادياً واحترام سيادته الوطنية، ومن اجل توفير الأمكانية لأنسحاب القوات الأجنبية من البلاد،  ولمواصلة الجهود على طريق تكوين كيان اقتصادي اقليمي فاعل لدول المنطقة ـ اسوة بعديد من اقاليم العالم ـ على اساس المنافع المتبادلة من اجل رفاه شعوبها ومن اجل الأستقرار والسلم في المنطقة والعالم .


3 / 5 /  2007 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" القناة الرابعة تفضح فرق الموت في العراق" ، تقرير برنامج القناة الرابعة البريطانية التلفزيوني بالأنكليزية، في 7 / 11 / 2006 .
من نص " مقابلة مع السفير الأميركي في كابول، السيد رولاند نويمان " ، مجلة " دير شبيغل " الألمانية الواسعة الأنتشار، العدد 39 ، ايلول/ 2006 .

250
   
دولنا العربية و رياح التغيير .  . 1 من 2
                               د. مهند البراك

لابدّ من القول بداية، ان منطقتنا العربية تمتاز عن غيرها من مناطق العالم النامي ـ الآسيوي، الأميركي اللاتيني . . ـ بكونها الأقرب موقعاً من الغرب وبالتالي الأكثر تفاعلاً وتنافساً وتصادما معه منذ مراحل تأريخية طويلة. وشكّلت جزءاً هاماً من الصراع والتنافس التاريخي بين الشرق والغرب، لقربها وصلاتها البرية مع ابرز مراكز العالم المتمدن الحضاري والفكري والقيمي والصناعي والتجاري من جهة، ولكونها موطن الأنبياء والرسل بتأثيره الفكري والنفسي والروحي، ومهد الحضارات والقيم الحية المستمرة في الفعل والتأثير والتحريض في الظروف العولمية الجديدة، ولكونها اكبر مواطن النفط  .  . القلب النابض للصناعة والتكنولوجيا المتنوعة في عالم اليوم، من جهة اخرى .
اضافة الى الدور الفاعل للقطب العربي والأسلامي في تكوّن " رأس المال المالي العالمي " والدور الفائق الأهمية للبترودولار في العالم في تكوّن ونمو وتشابك البنوك والأحتكارات الكبرى، وفي نشاط اكبر مؤسسات رؤوس الأموال التي تتحكم في تمويل اكبر المشاريع الصناعية والعلمية والبيئية العالمية .  .  موقعها الستراتيجي البشري والجغرافي، الأستهلاكي والعسكري، وبالتالي دورها الهام في تقرير اتجاهات السياسة الدولية .   
من ناحية اخرى وللدخول في موضوع ماهية دولنا،لابد من مناقشة طبيعة ذاتنا وتكويننا وماهية مجتمعاتنا، باعتيار ان الدولة مؤسسة اجتماعية، تنشأ من المجتمع وتتفاعل معه وتقوده لمرحلة تأريخية ما، وبالتالي فهي جزء لايتجزأ من المجتمع، وتتغيّر وتخضع باشكال متنوعة الى حركة تطوره .  .  لتلبية حاجاته وآماله الحية المتجددة، او التي لامفرّ لها من حسابها ومراعاتها، كي تستطيع ان تستمر وان تمارس دورها .
وعلى ذلك، يرى كثير من المؤرخين والباحثين، ان حكم الدولة العثمانية الأقطاعية، شكّل ضربة قوية للشخصية العربية، وبالتالي لذاتنا وكينونتنا، وفرض علينا اضافة الى قيوده الثقيلة التي عرقلت درجات معرفة مجتمعاتنا وتطورها، فأنه فرض محاصرة الثقافة والمعارف العربية بسياسة التتريك، تحت ظلال الراية الأسلامية، بعد ان كانت الشخصية العربية قد وجدت نفسها، سيدة بارزة من سيدات العالم الوسيط، التي تمثّلت بالدولة والكيانات العربية ـ الأسلامية، والتي شكّلت تلازماً يصعب فصله للحضارة العربية ـ الأسلامية .  . الحضارة التي لايمكن الغاء حضورها سواءاً في التاريخ الماضي او في مسيرة الحاضر المتفاعل  لعالم اليوم.
ورغم ما قامت به الأنتفاضات العربية القومية التحررية ضد النير العثماني التي اغرقت بالدم، من ايقاظ للشخصية العربية، الاّ ان امكانات " الثورة العربية " ثم قيامها بالتحالف مع الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) في الحرب العالمية الأولى، التي فيما اسفرت عن سقوط امبراطورية السلطان التركي المسلم وتخلّص اقوام العرب من ظلمه وجوره، واسفرت عن تنكر الحلفاء لوعودهم  .  .  فأن كل ذلك ادىّ الى فشل مشروع " القضية العربية " الذي كان يرمي الى تحقيق حلمها باستعادة دولتها وشخصيّتها بمفاهيم ذلك العصر، وادىّ الى تقسيم اوطان العرب على دول الحلفاء، التي عملت من جهتها اضافة الى تأمين مصالحها، فأنها بدأت تحكمها بمنطقها وبمنظارها، وادى ذلك وغيره الى استخدامها العنف ولجوئها الى حكم المجتمع (المجتمعات)، وبالتالي بناء الدول العربية بمنطق انتصارها العسكري عليها . .  رغم حداثة البناء (1) ورغم تنوع الصيغ .
الأمر الذي اوقع مجتمعاتنا بعلاقاتها وثقافتها، صراعاتها وخلافاتها (2) وقيمها شبه الأقطاعية، في حالة جديدة من التمزّق والأرتباك ان صحّ التعبير، الذي ووجه بالقسر والعنف . فبعد ان كانت قد فقدت عنصرها المكوّن (القومي العربي)، عادت لتفقد عنصرها المكوّن الثاني، بالوصاية (الغربية المسيحية) اصطلاحاً ـ وفق منطق تلك المرحلة ـ . . التي اعلنت نفسها وصيّة عليها باشكال متنوعة، رغم عدم خلو الأمر من منافع وتحضّر وتفاعل مع الدنيا ومع العالم المتحضّر . .
وفيما يرى باحثون بان مجتمعاتنا فشلت في تحقيق مشروعها، لأسباب تعلّقت بعدم نضج امكاناتها و بظرفها الأقتصادي الأجتماعي الحضاري الذي لم يستطع الوقوف امام ضغوط القوى العظمى وحضارتها وخداعها ، يرى آخرون بانها لو كانت مؤهلة وقادرة (بالحساب النهائي) لوقفت بوجه تلك الضغوط ولما انساقت الى الخداع، في الوقت الذي يعتقد فيه فريق آخر انها كانت قد تخلّفت وكانت تحتاج الى تحديث يفتح لها آفاق الحياة ويطلق طاقاتها من اسر الأنغلاق، وكانت بحاجة الى قوى انتاج ورؤى تحديث تؤديّ الى طاقات وخطاب جديد، وبالتالي الى دولة حديثة تتفاعل مع العالم ومع الحياة المتطوّرة . . دولة تطرح وتعمل على تحشيد شبابها وعلى تفعيل وزيادة تركيز الروح الحية فيها .
ورغم ما جلبت الدول العظمى من علوم وحضارة ومعارف، الاّ انها اصطدمت بمجتمعاتنا العربية التي غلبت عليها الروح البدوية ـ شبه الأقطاعية الحالمة (ان صحّ التعبير)، المستعدة للدفاع عن رؤاها واحلامها حتى النخاع، وفق تربيتها وما نَمَت وعاشت وتعلّمت عليه في مدارسها ومناهجها، من تاريخ مجيد وعاطفة مشبوبة عن وحدتنا وعن دولتنا المعظّمة التي سادت وافَلَت (3)، وعن محاولة اعادة بناء امجادها .  . الذي كانت قد تمسكت به لمواصلة الوجود امام جور آل عثمان وكذخيرة من اجل النهوض، الأمر الذي لم ولاينفي من جهة اخرى استعدادها على تقبّل الجديد وتمثّله بعد مرور الزمان، ولكن على طريقتها ووفق وتائر تطوّر شخصيتها وآفاق امكاناتها ودورها في العالم المتغيّر المتجدد .
وقد اصطدمت بمجتمعاتنا بعد ان افقدتها سلطتها، وبعد تشجيعها ومشاركتها ـ غير المباشرة والمباشرة ـ في قمع محاولات مفكريها وسعي واجتهاد متنوريها الى الأستقلال والواقعية في الرؤيا .  .  بعد ان حورب العمل والسعي لمعرفة ذاتنا، ولصياغة السبل المجدية الواقعية للشروع والسير على طريق عوامل نهضتنا وسبل معرفة وامكانات تمثّل اجتهاد الآخرين .  .  لصياغة حداثتنا نحن، حداثتنا التي لنا، كالآخرين، بعيداً عن القهر والأكراه، بعيداً عن ثقافة العنف وعقوبات الموت المتنوّعة  .  .  وليدة تخلفنا والعسف المسلّط علينا  .
هي او التي انسجمت وفقها، والتي لم تستطع تلبية حاجات وطموحات مجتمعاتنا بالقضاء على الفقر والجهل والمرض، ولم تساعد على تشذيبها وتقريبها الى معرفة حقيقة واقعها، لتحديد مواقع اقدامها للبدء بمسيرة جديدة للتقدم في الزمان والموقع المعيّن . .
الأمر الذي ظهر جلياً بتراكمه لاحقاً، بعد ان استمر الحاكم بل وحتى اقسام كبيرة من المعارضة، بالنفخ في قربة شرف اصل مجتمعاتنا  ونبل محتدها، وبعد ان غُلّب الخطاب السياسي الحماسي دون الأهتمام الضروري بتنويرها، الأمر الذي لم يكن بسبب النقص او العجز عن استشراف الجديد الواقعي لوحده، وانما بسبب انانية ومصالح وضيق أفق القائمين على الدولة، وبسبب المصالح والضغوطات الخارجية، وممارسة القهر والقمع، بحق محاولات نشر المعرفة والتنوير الذي يحتاجه وتلحّ عليه طلائع المجتمع برجاله ونسائه، من اجل التفاعل مع العالم ومن اجل حياة لائقة لمجتمعاتنا نحن كي تستطيع مواجهة التحديات.
وكان ان طرق الأتحاد السوفيتي ابواب دولنا ومجتمعاتنا من الشرق، وكان قد انعش طرقه قوى وطنية وقومية، وقوميات واقليات غير عربية ناشطة ليست قليلة، ورأى قسم في اهدافه وآلياته عاملاً مساعداً قد يكون اقرب لآمالنا ولكينونتنا، عاملاً مساعداً لأعادة بناء مجتمعاتنا، بعد ان دعى الى تساوي بني البشر والى حق الفقير بضوء عمله وجهده اينما كان وحقه بالسلطة ايضاً، وبعد ان بنى املا استطاع ان يحققه لنفسه بملايينه البشرية المتنوعة، وصار يُضرب به مثلاً آنذاك . . ً. الاّ انه اصطدم بانغلاقنا وبكياناتنا  حين (قيل لنا) انه اعتبر ان الخيال والحلم والنفس خرافة. في وقت نافقتنا دوائر الغرب فيها وزايدتنا عليها، فدعمت اوهامنا وجمودنا وقوانا (المحافظة)، لمواجهة عملاق الشرق ذلك . . لأجل طموحاتها ومصالحها هي (اي دوائر الغرب) . . وليس من اجل فهم حاجاتنا اوالتفاعل معنا ومساعدتنا على اعادة بنائنا، من اجل خير ورفاه الجميع، ومن اجل المنافع المتبادلة، له ولنا .
ورغم ميراث الفوضى والتخلّف والصراعات والفتن، تكوّنت دولنا بعد الحرب العالمية الأولى، على اساس مصالح الكبار وبيدهم وعلى اساس وجود اقاليم ذات كيانات اجتماعية متجانسة او متقاربة او بامكانها التعايش معاً او رغبت فيه .  .  على اساس الأنتماء الأثني، العشائري، الثقافي والديني، التاريخ المشترك الأقتصادي الحضاري وانماط الحياة في ظل التكوينات الطبيعية المؤثرة التي تفرض نوعها، من صحاري وجبال وسهول، وعلى اساس تقارب او تفاعل لهجات اللغة والعادات والتقاليد والمصالح والرغبة بالعيش معاً .  . التي جمعت (مجتمعات) مناطق ومقاطعات شاسعة تعايشت وتصارعت وتصالحت .  . في قرون مضت .
وقد الحقت بها او فصلت عنها، او جرى ابقاء مناطق متنازع عليها بينها وبين جيرانها، يرى فيها قسم من المتخصصين انها كانت بذاتها سياسة مرسومة بوعي وباساليب رمت الى ابقاء بؤر ومشاكل غير متفق عليها بين الدول الجارة، بحيث بقت وتبقى خيوط حلها بيد القوى العظمى وتكون اساساً للتدخّل المباشر( كالمشاريع التي اشتهرت بها الأدارة البريطانية بشكل خاص آنذاك) .  .
ويرى قسم آخر ان ذلك كان جزءاً من خطط تعامل القوى العظى مع المنطقة وفي تقسيمها وفق حدود واقتسام وآفاق تعود للشركات والأتحادات الأقتصادية العظمى وحسابات ربحها وخسارتها، بلا مبالاة باضرار ذلك على مجتمعات ودول المنطقة، اي ان دولنا بالنتيجة اضافة الى عوامل اخرى كانت قد نُحتت بما تناسب مع حاجات ومطالب القوى العظمى وتوازنها والأحتكارات والمؤسسات الأقتصادية المالية العسكرية النفطية العالمية واتجاهات حركة تحقيق وضمان اعلى الأرباح لها في استثمار ثروات المنطقة.   
وعلى ذلك، ظلّت تعيش على جانبي الحدود علاقات قربى وزواجات، روابط عائلية ووراثات، ثارات وعرفانات،  طالب ومطلوب، وانتماءات، اضافة الى تواجد اجزاء تكوينات عشائرية وعائلية اخذت تمتد بل وتؤثر على مواقف مراكز دولنا مدار البحث. فعشائر الجبور على سبيل المثال كانت ولاتزال تمتد من اليمن وعلى طول الساحل الغربي للجزيرة العربية الى العقبة شمالاً من جهة، وتمتد شمالاً ايضاً على طول العراق الى منطقة جزيرة ابن عمرو في الشمال العراقي وبين الموصل وحلب. وعشائر شمّرالممتدة في اكثر من اربعة دول عربية كبيرة جارة .  .  الأمر الذي ارتبط وتداخل واثّر مع ترابط اجزاء دولة عربية ما بمراكزها.
من جهة اخرى، لابد من القول ان مرور بحدود قرن من الزمان على قيام وتحديد دولنا، قد حقق تعايشاً وترابطاً جديداً او حقق ترابطاً امتن مما مضى لمكونات داخل مجتمعاتها وحدود دولتها الوطنية، بعد ان تحقق داخلها عيش مشترك ومواجهات مشتركة في السرّاء والضرّاء وفي نيران المعارك الوطنية ومن اجل الحياة اللائقة والحرية من جهة، اضافة الى تزايد ترابط اجزاء المجتمع الوطني مع مركزه، لتلبية الحاجة الى تحقيق انواع المصالح الحياتية الضرورية، من جهة اخرى.
الأمر الذي انعكس ايضاً في نمط حياة ونشاط، آمال ورغبات ابناء القوميات غير العربية الأصغر والأقليات القومية والعرقية والدينية بروابطها، التي ان لم تتطور في اطار حدود الدولة على اساس الصناعة والرفاه والتحضر، فانها تطورت على اساس الحاجة الى مواجهة واقع قائم (او مفروض) والى ضرورة التفاعل فيه (4) لمواصلة الحياة ولعقود طويلة من السنين، وادىّ الى قيام مصالح مشتركة وتزايد ثبات أخرى، والى تحقيق ثقة واستقرار حياتي ان صحّ التعبير.
ومن جانب آخر، اضافة الى انه صار من المصلحة ان يكون لفرد ما، شخص من اقربائه يعيش في دولة مجاورة، ليكون طرفاً في مصلحة ما كبيع او شراء مثلاً ، لأنه سيكون الأفضل لضمان نجاح تلك المصلحة. فان المثل اخذ يتكرر كل لحظة في مصالح اخذت تزداد تنوعاً وصار قسم منها مصيرياً، كما في حالات التشرد من حرب او دمار، اللذين استمرا متحركين في مجتمعاتنا ودولنا منذ مايقارب نصف قرن  .  . الأمر الذي يلقي اضواءاً على واحد من عشرات الجوانب لمن لايستطيع تصوّر ماهية الترابط والتأثير والتأثر المتبادل بين مجتمعات ودول منطقتنا وماهية روابط المصير المشترك بينها على تفاوته وعلى ايجابياته وسلبياته، وبالتالي لتصوّر  تأثير تلك الروابط المستمرة والمتزايدة على تفكير وثقافة وتفكير مجتمعاتنا وبالتالي ضغط ذلك على نهج وسياسات دولنا . (يتبع)

آذار / 2007 ،  مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قياساً بما مضى .
لم تكن الأوساط العربية متجانسة او موحدة وانما كانت تعيش اختلافات كانت تصل الى حد الصراعات المتنوعة الحدة والدرجات، في تشكيلة اجتماعية ضمّت : البداوة ـ الرعي ـ الزراعة ـ الحرف .  .  الخ ، وكانت الأختلافات متعددة : بين الحكام والشعوب، بين حكومتي ( الأتراك والفرس ) في ذلك الحين، بين العشائر، بين السنة والشيعة، بين علماء الدين والحكومة .  . التي كانت مؤسسة السلطان العثماني تغذيها وتثيرها وتعيش عليها، لتأمين استمرار سلطتها .
حيث يعيش في وعي مجتمعاتنا ودولنا، كون دولتنا هي وريثة الدولة والكيان الأسلامي الذي شكّل احدى القوى العظمى في العالم، الممتدة في والمتفاعلة مع اوروبا . . لحد افول الدولة العثمانية قبل اكثر من ثمانين عاما، اثر الحرب العالمية الأولى .
الأمر الذي لايعني ذوبانها ولا يعني التنكر لحقوقها القومية والدينية والثقافية .



مراجع :
" ونستون تشرشل ـ يوميات " صادرة بجزئين عن مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر والترجمة ـ القاهرة ، 1966  .
" اربعة قرون من تاريخ العراق " / هيمسلي لونكريك.
" صفحات من تاريخ العراق القريب" / المس غيرترود بيل .
" تأريخ حركة القوميين العرب" / محمد جمال باروت.



(*) راجع بحث الكاتب " الخارج ومحطات التغيير في الدول العربية " ، مجلة " الديمقراطية " المصرية العدد 24 / ملف " هل فشلت الدولة الوطنية في العالم العربي ؟ "  .

251
شذى حسون . . وتعطّش العراقيين للفرح والحرية !

                              د. مهند البراك

اثارت مسابقة " ستار اكاديمي " وفوز الشابة العراقية " شذى حسون " باغانيها التي حيّت العراق وبغداد والشعب العراقي بكل اطيافه، وبتعابيرها وقلقها وحزنها وفرحها الصاخب . . اثارت حماس العراقيين رجالاً ونساءاً في البلاد وفي بلدان الشتات، بعد ان عبّرت عن العواطف الجياشة التي يكنها العراقيون رجالاً ونساءاً وعن شوقهم الى الحياة بحرية وبفرح وسلام.
وكانت تصويتاً جاء في وقته، وحيث يحتاج اهلنا وناسنا الى التعبير عما في دواخلهم، الذي ان لم تستطع الدكتاتورية اخماده رغم ارهابها وتشويهاتها، ولن تستطع اخماده لابساطيل الأميركان ولا عمائم ادعياء الأسلام بكل اصولهم وتلاوينهم وارهابهم وقعقعة اسلحتهم .
ان فوز الشابة " شذى حسون " في تغنيّها بالعراق، في ظروف المحن والقسوة والأرهاب وانواع اللصوصيات، والذي تحقق بتصويت ابناء وبنات ليس العراق فحسب وانما بتصويت ابناء وبنات عموم المنطقة . .  ليس الاّ دلالة جديدة على حقيقة ما تعتمل به انفس شابات وشباب العراق، في تطلعهم الى السعادة والحب والفرح والأمل، وعلى حقيقة التعاطف الذي تكنه شعوب المنطقة للشعب العراقي المبتلى بآلام لاترحم .
ولايدلل الاّ على خيبة من يحاول تصوير العراقيين وكأنهم عشقوا او ورثوا الحزن والنواح وانهم لايعرفون الفرح . . في محاولات يائسة لحجب الحقائق بغربال، وكأن الحزن والنواح لم يكن ولم يأتِ الاّ بسبب تحكّم العنف والقهر والقتل، وبسبب المحاولات التي ترمي الى الحط من شأن ومن طموح وقدرة الشباب العراقي على بناء وطنه بانواع طيفه الفكري، السياسي، القومي، الديني، الطوائفي .
ان ما حققته الشابة شذى، لايذكّر الاّ بما حققته وتستطيع تحقيقه الشابة العراقية الى جانب اخيها الرجل من اجل قضية الشعب والوطن . . من فتاة جسرالشهداء العربية في بغداد، الفتاة الكوردية، الآشورية الكلدانية ، التركمانية، والصابئية . . الى السنية والشيعية . . في طول البلاد وعرضها وساحاتها. وشكّل تصويتا ميدانياً لم يكن مخططاً على ما يجول في خاطر العراقيين، وعلى يطمحون اليه بكل الوان طيفهم رجالاً ونساءاً، رغم الأوامرية والأصطفافات التي تحاول الدفع بها القوى المتطاحنة ووحشيتها، وفي محاولتها جعل سقوط الدكتاتورية وكأنه حدث عابر في حياة البلاد .   
الأمر الذي جسدته الشابة " شذى" بكل حماسها ومظهرها وانفعالاتها العراقية التي الهبت الحماس في كل العراق، من كوردستان والجنوب الى بغداد . . في اغانيها التي غنّت فيها للحرية والفرح والتمدن وحب الوطن والتقدم والخير، بعيداً عن قيود القرون المظلمة وعن الدكتاتوريات والفساد والأحتلال. واستطاعت ان تنبّه  الى ان شباب الوطن متعطشون للحرية والهواء والحياة . . بعيداً عن الأغلال والأختناق، والذي يأتي استمراراً لأفراحهم بما حققه ويستطيع الشباب العراقي تحقيقة في الرياضة وكرة القدم سواءاً في دورة كأس الخليج او غيرها، رغم المحن ورغم فتاوي كرة القدم سيئة الصيت .
ورغم محاولات فرض الحجاب، منع اختلاط الجنسين، الضغوط على طلبة وطالبات الجامعات وعموم الطلبة، جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، مطاردة الصحفيات والصحفيين والكتّاب، مطاردة الحلاقين والحلاقات ومحاولات منع شفرات الحلاقة، منع الغناء وموسيقى الفرح والأمل، منع الماء المثلج والمخللات . . بفتاوي القتل وبالأرهاب والرصاص والمفخخات .

3 / 4 / 2007 ، مهند البراك

252
31 آذار وقضية " التجديد "
                              د. مهند البراك

   تمر في هذه الأيام الذكرى الـثالثة والسبعون لميلاد الحزب الشيوعي العراقي، الذي شكّل ويشكّل احد اقدم الأحزاب الوطنية العراقية ونال بحق لقب مدرسة الوطنية العراقية والتآخي القومي والديني والطوائفي، التي تتساوى فيها عضواته واعضائه بالحقوق والواجبات ... الذي رغم الصعوبات المريرة وتعقيدات الوضع السياسي يواصل العمل بدأب، ويدفع باتجاه الصالح الوطني الواسع، صالح الكادحين والمحرومين على اسس تقدمية حديثة، من اجل غد افضل .
وفيما يواصل الحزب جهوده في التجديد والتحديث التي بدأها منذ مؤتمره الخامس عام 1993 ، اخذت الدعوة اليها تتصاعد مؤخراً متخذة صراحة اكبر بعد التطورات العاصفة في البلاد والتجارب والحاجات التي تتكون وعلى طريق التهيئة للمؤتمر الثامن. تلك الصراحة التي نجح اعلامه على صعوباته في عكسها وتركت انطباعا اكثر من السابق على جدية هيئاته للمواصلة على تلك الجهود وتعميقها، بتقدير كثيرين . . وخاصة صراحة اعضاء قيادته اكثر بنداءاتهم علنا بأن " لامكان للجمود والبيروقراطية في الحزب " و ان " العادات السابقة في العمل تعيق الكثير. . و اهمية مقاومة قوة العادة ... " و " لم نعد حزباً كلاسيكياً " ، الأمر الذي يحرّض على المزيد من المساهمة، راجيا ان تكون هذه المقالة، مساهمة متواضعة مفيدة ضمن كل الجهود المبذولة .  .   
لقد شكّل الحزب بتأسيسه الذي جاء استجابة لحاجات وطنية وشعبية وطبقية، وبنضال اعضائه وعضواته وهيئاته كلّها والمحيطين به والسائرين بضوئه ومعه، وبالدور الهام لمؤسسه يوسف سلمان فهد ومواقفه التي ميزت بين السياسة في الواقع المعاش، وبين الآيديولوجيا كمنهج . . وشكّل بمرور العقود تياراً هاماً، تفاعل مع الحياة العراقية وفعّلها وصار جزءاً من ايقاعها الذي اصبح لايمكن فهمه بدونه، بعد ان لعب منذ تأسيسه دور المدرسة الوطنية العراقية في كفاح لم يعرف الملل والتعب، رغم جسامة التضحيات . . وقي سبيل تحقيق وحدة ارادة قوى الشعب الفاعلة، التي لايمكن بدونها في ظروفنا تحقيق اي نجاح لأحلام وطموح وأماني الشعب، وخاصة الأوساط الواسعة من كادحيه وفقرائه ومعدميه، بعد ان  ضمّ ويضم ابناء وبنات كل القوميات والطوائف والأديان والتكوينات .
ومثلما عبّرت مسيرة معاركه الصعبة التي فرضت عليه، عن تمسكه وتمسك اعضائه وعضواته بعدالة مواقفه ومطالبه، وقدّم فيها مئات الشهداء وآلاف الضحايا الذين قضوا باسمه، جنبا الى جنب مع شهداء كل القوى الوطنية والقومية والدينية التحررية . . الذين تفخر بمواقفهم ودفاعاتهم البلاد.فانها افرزت ايضا ـ كما في احزاب عراقية اخرى ـ تيارات وشخصيات لم تنس استفادتها ذاتياً  منه واخرى سعت لمصالحها الأنانية مستغلة اسمه و عدالة قضيته ومكانته ـ كجزء من مظاهر اجتماعية تعيش في المجتمع وفي تناقضاته الآخذة بالتفاقم ـ بسبب تفشي وتزايد النزعات والأخلاقيات المصاحبة لنمو الفئات الطفيلية وتشوه المجتمع(1)، و افرزت اخرى اعتقدت وتعتقد ان النضال هو هكذا ! واخرى التي رغم قصورها هي وضعف آهليتها الاّ انها اكتسبت مواقعا وادواراً مؤثرة بسبب ضوابط الحياة السرية التي تكوّنت لمواجهة القهر المنفلت الذي فُرض عليه.
الضوابط  التي لعبت دوراً هاماً اضافياً لهيمنة " المركزية " وحولتها الى مركزية خانقة، لعبت ـ اضافة الى عوامل اخرى ـ دوراً خطيراً في ظهور حالة من " عبادة المسؤول الفرد " (2) التي اصابت ابتداءاً من اعضاء الهيئات العليا (القادة) انفسهم بشهادة كثير منهم، والى مادونهم . . مع الأحترام لكل الجهود والتضحيات  .
اضافة الى، ان العنف الوحشي المتنوع الذي واجهه بسبب السلطات الظالمة المتتالية الذي كبّده خسارة الكثير من انشط عضواته واعضائه ومن الأكثر خبرة، ومن طاقاته الفكرية والأبداعية بشكل محسوس، وفرض عليه بذل الكثير والكثير للدفاع عن استمراره ووجوده، قد اوقعه في مطبات حصرته في احيان ليست قليلة في حالة الدفاع عن النفس وعن حقه في الوجود . . والتي لم تنقطع، بل وتسببت رغم مواجهته اياها بصموده، بظهور مواقف تراوحت بين البيروقراطية لأنها الأسهل ، وبين اخرى ذات طابع مغامر، امام جهود سعت للتوصّل الى مراحل توفّر " جرّ النفس " الضروري للمواصلة، في زمان لم يكن الخصم يوفّر اية وسيلة، لحرمانه من اية امكانية لجرّ النفس .
واضافة الى . . دور مفاهيم وآليات ومراتبية الحركة الأشتراكية العالمية السابق، عداء القوى الأستعمارية والرجعية وشركات النفط والقوى الدولية والأقليمية له الذي لم يعرف الرحمة ـ الموثق في وثائق ومحاضر ـ (3) . .  وعوامل اخرى، لعبت كلّها ادواراً كثيرة التنوع والتناقض على كينونته وخطابه وسياسته .
الاّ ان تمسكه بالقضية الوطنية واحترامه لتراث البلاد الحضاري الثقافي القيمي، ولوجوهها ومناضليها في كل المجالات واعتبار ذلك بوصلته الأساسية  . . وبنشاطه العملي الدؤوب، وبسعيه الدائم لمعرفة وجهتها والتتلمذ على مطالبها ومعاناتها وابداعاتها، وبالتالي تعبيره عن مصالح ومشاعر اوسع الفئات الشعبية بوجوده بينها وتفاعله بها ومعها . . مكّنه من ان يلعب ادواراً هامة رائدة لبّت المطالب الوطنية اساساً وساعدت على حل قسم منها، التي بالتالي صاغت موقعه الهام في المجتمع . .
الموقع الذي بسبب حاجة المكونات العراقية وقواها الأكثر تقدمية وتفتحاً له ـ وان بدرجات متفاوتة وبشكل متحرك ـ لتمثيله لها ولقربه الدائم من ضميرها وتعبيره عنه . . محضته تأييدها  وبلسمت ولمّت جراحه رغم  ما وقع به من اخطاء وشطط في تقدير امكانات دوره كـ " قوة من قوى المجتمع العراقي" (4) وطبيعة تطوره في المرحلة الزمنية، وماهية الممكن والقابل للتحقيق من الأحلام والأهداف البعيدة، التي اختطها له، وكما قيّم ابرزها في مؤتمراته . .
الأمر الذي يتزايد تعقيداً وصعوبة في مراحل اليوم . . بسبب تشوه المجتمع والحروب والأحتلال وتداخل المواقف الدولية والأقليمية واستقواء قوى داخلية اساسية بها . . الذي فيما تقف ازائه مكونات التيار الديمقراطي اليساري ممزقة لأسباب متنوعة يتحملها بدرجات اكثر من طرف ( تتراوح من تأثيرات القمع الوحشي، الجمود والمركزية المفرطة، الأخطاء . . مروراً بضيق الأفق والأنانية والتشتت بين السياسة والآيديولوجيا . .  ووصولاً الى انعكاسات تشوّه المجتمع، وغيرها )، ترى اوساط واسعة أن استمرار التأخر في تلاقيها وتوافقها الذي هو مسؤوليتها جميعها، قد يؤدي الى ضياع حتى ماهو موجود فعلا في الساحة وخسرانه الذي هو خسارة للتيار باجمعه، وبكل اشكاله وتلاوينه ان صحّ التعبير . . الأمر الذي تراهن عليه اوساط لاتريد الخير للبلاد .
في وقت يتذكّر فيه كثيرون اهمية تلك الوحدة ويتذكرون دوره التأريخي، الذي استطاع به جمع او موالفة وتكتيل اهل اليسار من مختلف الطبقات والفئات باختلاف طيفها رجالاً ونساءاً، ونجاحه في صهرهم في خط النضال الوطني المتقدم . . حين استطاع ـ بامكاناته وظروف تلك المراحل ـ ان يوالف تياراتهم المتنوعة، وان يكون لولب وحدتها وتراصها في وجهة واحدة بمختلف الآليات والسبل التي حققت نجاحات للجميع، سواءاً في الواقع اوبعيون مريديها وافئدتهم على الأقل.
من جهة اخرى، ورغم تاريخه الوطني الناصع بفضل نضال وتفاني عضواته واعضائه في مختلف المستويات، اضافة الى مؤازريه ومناصريه، ولأسباب تتعلق بالواقع العراقي وآفاقه الممكنة،  ورغم الجهود التي بذلت وتبذل، لاتزال عدة اسئلة نظرية مفتوحة وفي مقدمتها، قضية تفسير المجتمع وصراعاته وتناقضاته بالأعتماد على اشكال وآليات كانت قد استخدمت بنجاح في ربط القضية الطبقية بالوطنية، في اوروبا الصناعية في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين ؟ . . التي رغم تحجّر قسم وشططه بها، الاّ ان الحزب لم يضِعْ (من ضاع، يضيع) فيها، لأنه كان يطبّق في الواقع العملي سياسة اقرب الى الواقع الوطني . . بمدلولات طبقية عامة !!
فالسؤال الذي ينتظر الجواب ـ بعد مرور اربعة عشر عاماً على الأعلان عن البدء بالتجديدـ هو كيفية الأهتداء بالنظرية الماركسية لتفسير واقعنا ( شبه الأقطاعي شبه الرأسمالي، التجاري الشرق اوسطي، وليس الصناعي الأوروبي ) . .  وعدم الضياع في تفسير غيره والأستناد عليه . . للمساهمة في تغييره. او كيفية الأستفادة منها، واين شاخت فيما يخصنا مثلاً وكيف ؟ البدائل ؟ الا نستطيع نحن صياغة بديلنا مع توفّر كل الخِبَر التي جرى المرور عليها اعلاه ؟ (5) في بلاد شكّل ويشكّل الفلاحون وومؤثرات تقاليدهم (6)، والعشائر غالبيتها ـ والتي تتوضح معالمها الآن اكثر، للأسباب المذكورة اعلاه ولهجرة الفلاحين الهائلة في العقود الأخيرة واستقرارهم في المدن ـ . . في منطقة تعتبر من اكثر مناطق العالم سخونة في صراعاتها، سواءاً مع القوى العظمى ـ اوكواقعة  تحت رحمة صراعاتها ـ للفوز بها بشتى الطرق والرايات، في ظروف تزايد دور القوى الطفيلية الداخلية و عوامل التشوه . .
وفيما يحذّر عدد من ان الماضي المزدهر للحزب قد يتحوّل الى تأثير معاكس، ان لم يواصل حاضر الحزب جوهر معاني خطى ماضيه  (وليس الخطى ذاتها) ليكون جديرا بذلك الماضي، يتساءلون
عما جرى في واقع العمل من التجديد النظري لحد الآن وفائدته؟ هل لايزال اسير النظرة الأيمانية للمادية الديالكتيكية والتاريخية كمقولات ـ وليس كمنهج ـ، وهل تجري مراجعة فعلية لتراث وقيم اقوام وادي الرافدين لتتم الإستفادة منها، بعد ان ثبّتها كمراجع فكرية له في وثائقه ؟ ما هي تلك القيم، وماهو الجديد الذي يطبّقه الآن منها ؟ ويرون ضرورة توضيح الحزب ماهية الجانب النظري القديم غير المفيد ـ او الضارـ في سياسته ليتم الإنتقال الى الجديد غير الواضح؟
وفيما يرى قسم صحّة تبني الحزب لمبادئ البناء التي اعتمدها في ازمنة ومراحل التأسيس، بدليل انها اكسبته في الواقع موقعا شعبيا كان الموقع الأكثر اهمية في المجتمع لأربعة عقود متتالية ماضية (7) ، يرى آخرون بأنه ورغم كل الصعوبات والتعقيدات لايزال حزب القضية الوطنية العراقية الأساسي الذي تتفتح امامه آفاق جديدة الآن بعد ان فشل اسلوب المحاصصة الطائفي القائم . .
آفاق صارت تحتّم عليه عدم المراوحة في التجديد على اسس علمية، بعد ان صار امراً حتمياً للتواصل مع حاجات مسيرة المجتمع التي اخذت تكوّن من جانبها قوى اجتماعية تملأ الفراغ، من الواقع الجاري بالذهنية المشوّهة القائمة وغيرها، واخذت ترفع قسماً من اهدافه ومهامه كشعارات لها، كمودة لتخدع بها وتحاول بضوئها الأنفراد بالسلطة وتحقيق مكاسب انانية ضيّقة لها، مهما تسبب ذلك من اضرار للمجتمع، ومن اطالة لمرحلته الطفيلية المشوهه، بدعم من اطراف خارجية واقليمية . . !! .
وحيث يتوضّح ان الواقع الحقيقي الموجود في البلاد ـ وبالتالي تغييره ـ لم يعد كما كان، او كما كان في قناعات وتمنيات اقسام منّا، على الأقل . . وان التضحيات مهما كانت عزيزة ومؤثرة، فانها وللأسف ليست كلّ شئ، لأن الهدف في الواقع القائم القاسي هو ليس التضحيات على قداستها . . بقدر ماهو تحقيق شوط او اشواط من مطالب الأنسان العراقي العادلة التي قدّم ويقدّم من اجلها آيات التضحيات والتي يبلورها الحزب في شعار " من اجل وطن حر وشعب سعيد ".
وعلى ذلك تزداد القناعات بأن التجديد لابد ان يسير ليس على اساس خبرة التاريخ فحسب، بل على اساس خبرة معطيات الواقع العراقي القائم الآن والآفاق الممكنة التحقيق فيه، لصالح أوسع الفئات والطبقات الكادحة في العراق . . التي فيما يرى فيها قسم بانها هي التي عمل لها مؤسس الحزب، القائد فهد ذاته، يرى قسم آخر بانها كان من الممكن ان تكون اكثر وضوحا في وثائق بنائه الأولى لولا ضغوطات الحركة العالمية بشخص الكومنترن وضوابطه لتلك المرحلة التاريخية (8).
في ظروف تأريخية تتزايد فيها الأثباتات، بان معطيات الواقع الوطني المعني ومكوناته وليست الأماني لوحدها، هي التي تقرر في النتيجة، مدى نجاح او تعثّر او فشل الحركات والأحزاب التي تنادي بالحرية والتقدم والأشتراكية والأنسان . . سواءا ماحصل منها من نتائج مؤسفة في الأتحاد السوفيتي السابق وبلدان اوروبا الشرقية ـ رغم ما تحقق من نجاحات لشعوبها خلالها ـ، او باستمرار نجاحات التجربة الصينية ووصولها ذرى  تنافس او تخيف القطب الأوحد، او باستمرار كوبا ونجاحات القارة اللاتينية وغيرها.   
وحيث تبذل جهود اشق على كيفية صياغة السياسة، التي صارت في عالم اليوم تمسّ الآيديولوجيا ذاتها وتدعو الى تجديدها، ليس كأماني او عاطفة انسانية راقية فقط . . وانما على اساس حقائق قائمة، لصياغة معالم الطريق المفضي الى تحقيق سيادة وطنية واخوة على طريق العدالة الأجتماعية، بعد نهاية مفهوم " الدفاع عن نقاوة النظرية " لأسباب متعددة منها، ان " النقاوة " مفهوم جامد في نظرية تعتمد على : الحركة والديالكتيك والنقد كمنهج اساساً ؟! وبعد ان لم يعد هناك مركز تقييم موحد للحركة الأشتراكية كالسابق، كالكومنترن مثلاً . .
وبذلك وفيما يطرح واقعنا فشل المحاصصة الطائفية التي لم تؤدِّ الاّ الى النفخ بالطائفية وتحويلها الى حرب طائفية لا تبقي ولاتذر . . تزداد آفاق طموحات مكونات البلاد تمحوراً على " قضيتنا الوطنية " وقضية تساوي العراقيين نساءاً ورجالاً بكل اطيافهم على اساس الهوية الوطنية، لتبرز الحاجة ماسة الى الأحزاب والفعاليات الوطنية الهمّ والطابع، الأمر الذي فيما يرى البعض انه سيستغرق مراحل زمنية طويلة . . تتوجه انظار واهتمامات اوساط واسعة وتساؤلاتها عن الدور المهم للحزب الشيوعي العراقي الذي يمكن ان يلعبه في هذه المرحلة، ويوقّت اعداء متنوعون الآن بالذات هجومهم عليه وعلى مدرسته الوطنية . . باعتباره ومنذ نشوئه مثّل ويمثل ـ فكراً و بناءاً، عضويةً وسياسةً ومثالاً ـ حزب القضية الوطنية المجرَّب . . القضية التي لم يتغيّر جوهر محاورها الأساسية في البلاد منذ تأسيسه عام 1934 وحتى الآن !! 
ان اوساطاً عراقية متنوعة آخذة بالأتساع وفي مساعي بحثها عن وسيلة تساعدها على الخروج من العذاب الذي ابتليت به وفي سبيل انقاذ البلاد على اسس الوطنية الصادقة بعيداً عن الغيب والمغيبات والتنظير والنظريات الرمادية التي لاحياة فيها . . في وقت يدور الحديث فيه عن ان نفوذ حركة او حزب ما، صار يقاس بقدرته على التأثير في الحدث السياسي في البلاد اليوم، بعد ان صارت البلاد بأمس الحاجة الى استنهاض ولمّ قواها المشتتة . .
ترى ان الأمر يستلزم توفير الجواب بالقول والعمل على اسئلة اليوم الصعبة : " هل ينزل الحزب الشعبي(9)  للجماهير (الى مستواها) ام ينتظر ان تصعد الجماهير اليه ؟؟ " و " هل هو حزب للحاضر ام للمستقبل . . ام هو حزب للحاضر على اساس ان يكون مع الجماهير في مقدمتها سياسياً (10)  نحو مستقبل قابل للتحقيق ـ كلّه او باجزاء منه ـ في الواقع الفعلي المنظور؟ " جواب ليس بشكل نصوص مقولات وانما بشكل عملي وفق كل المعاني السياسية والأجتماعية والتنظيمية والعملية لذلك.
في زمان صارت فيه القوى الديمقراطية واليسارية، تبحث في اوطانها عن سبل لتحقيق وحدة قواها الذاتية اولاً، على طريق جهودها من اجل وحدة قواها الوطنية، التي لابد منها لمواجهة طغيان واجرام رأس المال الدولي المعولم واحتكاراته وشركاته المتعدية الجنسية العملاقة . .  على اساس صياغة القدرة على التأثير بالحدث السياسي لبلادها، لأجل الأصلاح الأقتصادي الأجتماعي ومن اجل تحقيق درجات على طريق بل وتطرح ـ وتطبّق ـ قوى يسارية متنوعة في عالم اليوم . . مبدأ " الوحدة في التنوع "، على اساس ان التنظيم هو اداة لتحقيق الغاية السياسية وليس العكس، وبالتالي ان التنظيم ليس غاية بحد ذاته بل هو اداة ليست صنمية، وانما يجري تحسينها وتطويرها تبعا للغاية، بالتوافق مع حركة وواقع المجتمع وتطوّر خبرات الحزب ذاته في التحرك، وخاصة نحو الشباب . . المبدأ الذي مارسته احزاب عمالية ويسارية في فترات متنوعة من تاريخها ودَعَم قضية تجديدها وتطويرها . . بعد ان شكّلت الصنمية التنظيمية الأساس غير المنظور في دعم قوة العادة وتأثيراتها السيئة . .
   وعلى ذلك يتوضّح الترابط الوثيق بين التجديد في الفكر والتنظيم . . وبين السياسة التي تمارس، والتي تلعب ادواراً هائلة في كل عملية التجديد ومشاريعها . . فسياسة الحزب الشيوعي العراقي التي دافعت عن الحقوق الوطنية ورفضت اسقاط الدكتاتورية بالحرب الخارجية رغم كل الصعوبات والمخاطر، شكّلت بداية صائبة للتحرّك اللاحق على طريق كسب الجماهير للموقف الوطني، رغم ما ادّاه  حرصه على عدم الأنعزال عن بقية القوى العراقية المتنوعة التي ناضلت بحق من اجل اسقاط الدكتاتورية وعوّلت على فرصة اسقاطها.
الاّ ان استصدار قرار مجلس الأمن 1483 ومجئ بول بريمر كحاكم مدني للعراق واعلانه عن : حالة الأحتلال، تحطيم الدولة العراقية، نشوء (مجلس الحكم)، المراوحة والتباطؤ. ثم مواقف الجوار واندلاع الأرهاب، الفساد الأداري، فضائح القوات الأجنبية في السجون والأحياء وغيرها، السوق السوداء وتهريب النفط . . وجملة من الجرائم والأخطاء الكبيرة التي تتحمّل مسؤوليتها ادارة الرئيس بوش باعتبارها الأدارة المسؤولة عن الأحتلال ـ وفق لوائح الأمم المتحدة ـ ، التي ادّت الى غياب وجود ملموس للدولة والى هيمنة حالة خطيرة من الفوضى والعنف نشأت وتتصاعد في البلاد منذ اربع سنوات وحتى الآن، جعلت من البلاد نقطة الصدام العنيف الأكثر وحشية بين انواع الجيوش والأحتكارات وقوات المرتزقة وانواع القوى الأجرامية والأرهابية، سواء كانت دولية او اقليمية وداخلية . 
ان استمرار الأحتلال بمظاهر كثيرة التنوع والعنف، واستمرار الشعب العراقي في التمزّق والموت وتزايد احتمالات تصاعد الدمار اكثر . . بدلالة استمرار وتفاقم سيول هروب وهجرة العراقيين، الذين صارت تضيق بهم دول المنطقة ( خوفاً مما يتهددها من دمار اقتصادي واجتماعي وغيره بسبب تلك السيول، وفق بياناتها! )، بعد ان بلغت ملايين جديدة في الخارج وملايين اخرى في الداخل، وفق تحذيرات مقلقة من احتمالات أن يترك ثلث الشعب العراقي البلاد.
يطرح . . ان اي تجديد لحزب وطني تراه الناس مشاركاً في المسيرة السياسية، لابدّ وان ينصب وقبل كل شئ على سبل ووسائل إنهاء المأساة العراقية بكل جوانبها الصعبة والغاية في التعقيد، بعد ان ضاعت الفرصة الثمينة بسقوط الدكتاتورية، وبعد مرور اربع سنوات دموية مرعبة، خسرت فيها  المكونات العراقية بغالبيتها خسارات لاتعوّض بسهولة، مادية ومعنوية . . ادّت باوسع اوساطها الى الأبتعاد عن السياسة وعن الأحزاب واشاعت بينها روح اللاأبالية، بعد تواصل انخفاض قيمة الأنسان وحياته وحقوقه بشكل مخيف.
ان الحاجات والضرورة القائمة النابعة من فشل نظام المحاصصة الطائفي وكما مرّ، تدفع الى بذل كل الجهود لتواصل تجمّع وتجميع ووحدة تحرّك القوى الديمقراطية اليسارية، داخل وخارج المؤسسات، اضافة الى المعارضة منها في عملية اعادة بناء وتوافق قوى التيار الديمقراطي اليساري . . على اساس مشروع وطني يدعو الى : انهاء حكم المحاصصة الطائفي، انجاح مشروع المصالحة على اسس وطنية علمية قانونية، تأمين حل الميليشيات المسلحة وجدولة مراحل ضمان الأمن، للشروع بعملية جدولة انسحاب القوات الأميركية والحليفة .
وفيما يرى مجربون ومراقبون حريصون على انجاح الجهود المبذولة في عمليات وآليات التجديد ورغم كل الصعوبات . . اهمية ايلاء عناية واهمية قصوى للشباب (11) فيه، فانهم يؤكدون على ضرورة تشجيع نشوء اشكال متنوعة للنشاط بين الشباب، ومحاولة وصل الأشكال المتكونة لحل مطالب ومشاكل معينة وخاصة تلك التي تتواصل، ببعض . . ومحاولة دعمها وتشجيعها لأنجاح تحقيق مطاليبها وتقوية ثقتها بنفسها وتشجيعها على تحمّل مسؤولياتها، في سعي لتنظيم اشكال متنوعة للتحرّك  بين الشباب من اجل تحقيق اهداف وطنية اوسع ـ كتحقيق قاعدة انتخابية اوسع وغير ذلك . . وصولاً الى اهداف أوسع وأكثر . . على اساس " لنناضل معاً " مثلاً .
   اضافة الى ايلاء اهمية بالغة للتعاون والتفاعل مع تجمعات الشباب المتكونة على اساس تطلعات انسانية، تقدمية(12)، علمانية، يسارية متنوعة شابة من التي تتمتع بالروح الوطنية وبالأخلاص لقضية الشعب وفئاته الكادحة والعطف والتعاطف مع الفقير والضعيف . . رغم معاناتها من عدم الوضوح او التشوش او الخلط الفكري بما فيه خلط الفكر اليساري بالدين، او خلط المفاهيم الأنسانية بالدين، القابلة للأنصقال ... والتي تظهر طبيعياً بسبب تأثير استمرار تدفق تيار المنطق المعرفي العلمي في البلاد رغم القهر . . التيّار النابع من تراكم نضالات وجهود اجيال طيلة العصور الماضية  . .  والذي يغذّي اضافة الى الحزب المنظّم القائم، يغذي غيره اضافة الى انواع  التجمعات الشبابية الجديدة الموجودة . . ويغذي نشوء جديدة اخرى مهما حملت من اختلافات متنوعة جديدة . ( تتوفرمواد بهذا الصدد ـ م.ب) .
   وفي الأخير فان كل الجهود ينبغي ان تتوجه الى لحمة وتقارب ابناء هذه المدرسة الوطنية . . ممن  هم في صفوفها المنظمة ومن في قربها وحولها والى جانبها، او على نهجها الرائد واهدافها . . فاللحمة والتقارب والتفاعل بينها هو قوة لجميعها في صراعها من اجل قضيتها العادلة، في مواجهة الطاعون المتنوع الذي يعتصر البلاد ويحاول العودة بها قرونا الى الوراء . 

28 / 3 / 2007 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التي عبّر عنها قادة متنوعون في مجال تبريرها او العجز عن الوقوف امامها، كشطارة وفهلوة لايمتلكها آخرون، وعبّر عنها آخرون بـ " ان مجتمعنا هكذا وان (المناضلون) هم من مجتمعنا ذاته ولايُستوردون من الخارج . . " والتي لاتتفق بل تدحض مصطلحات سادت فيه ركّزت على ان مناضليه (من طينة خاصة) . الأمر الذي لايؤكد الاّ ان الحزب هو من قوى المجتمع بواقعه وتعقيداته، وليس فوقها، وان اعضائه هم ممن يفترض انهم جرى " اختيارهم من الأفضل" وانهم يتربون فيه الى مدى  متفاوت، كما توضح حياة التجربة.
يرى كثير من المعنيين ان الحزب ليس هو المسؤول الوحيد عن تكوّن مفهوم "عبادة الفرد"، وان  مجتمعاتنا الفلاحية شبه الأقطاعية الرأسمالية هي التي انجبته اساساً، لتلبية حاجات في اللاوعي لنسج مفهوم الأمل وبالتالي، فانها مثّلته ـ اعادت صياغته ـ بدرجة وعيها . . ويشيرون بالتالي الى مالعبه ـ ويلعبه ـ هذا المفهوم في مجتمعاتنا الباحثة في خيالها الشرقي وبالتالي في عواطفها وسلوكها عن منقذ يمثل قوة الخير، دفعت وتدفع له و(تنفخ به) . . منقذ يعمل المستحيل لها ويضحي بنفسه من اجلها، و" ان شخصاً بتلك المواصفات لابد وانه محشوم او مصان من الخطأ ومن العمل القبيح " الأمر الذي اخذ يترسّخ اكثر باستشهاد ذلك المنقذ في سبيلها في متوالية متفاعلة في الذهن بين استشهاد الأمام الحسين وبين استشهاد القائدين فهد ثم سلام عادل، في سبيل المبدأ . . وغيرها التي رسّخت ذلك واضافت الى الخيال العاطفي وقيم العضو، أن القائد الحقيقي لايموت في فراشه وانما في سوح النضال .... في تأكيد اكبر على قوة الترابط كثير التعقيد بين وعي وقيم عضو الحزب ووعي وقيم المجتمع، لأن المناضل هو عضو اصيل في المجتمع المعني وابن بار له، ولذلك وعليه تراه يعمل ويضحي بكل شئ في سبيل اسعاده  .
راجع كتاب " العراق " ، مجلد " الشيوعيون " . . حنا بطاطو .
كقوة من قوى المجتمع وليس بديلها او اعلى منها، او قوة ناشئة من منابع خاصة اطهر . . كما يطرح قسم، بسبب شدة الظلم او التجاهل . . او لغايات ادبية وانسانية .
المقصود هو بديلنا الوطني العراقي . . كما نشأ ويتكون البديل الصيني، الكوبي والأميركي اللاتيني، الفيتنامي ....
الذين من عداد " الفلاحين الآسيويين" بعلاقاتهم الأبوية العائلية العشائرية الأكثر تزمتاً.
من اربعينات والى سبعينات القرن المنصرم .
راجع حنا بطاطو في (3) .
حزب الثورة الأجتماعية، حزب التغيير الأجتماعي .
اي ليس خلف الجماهير وليس امامها، بل معها في مقدمتها، راجع " ماالعمل" لينين .
ممن تتراوح اعمارهم  17 ـ 30 عاماً .
باعتبار ان تطلعات فعل الخير والتفتّح والرغبة في خدمة الآخرين، تعتبر من الصفات الملازمة للشباب . . رغم كل التعقيدات والصعوبات والعنف والمحن .

253
                                         قانون النفط وعقود "المشاركة في الأنتاج"
                     
د. مهند البراك

في ظروف مفتوحة على كل الأحتمالات، تأتي قضية تنظيم الثروة النفطية التي تشكّل العمود الفقري لأقتصاد البلاد بلا منازع، بطرح " مسودة قانون النفط والغاز" التي يرى فيها مراقبون واقتصاديون محايدون انها تجعل العراق  يخوض صراع مفاوضات في ظروف غير مناسبة، نابعة من: عدم الأستقرار، ضعف القدرات المالية للدولة، ومحاولة كيانات نفطية كبرى حصد حقوق اكبر من المعقول ومن المعمول به، بدعوى انعدام الضمانات الأمنية . في وقت تقدر فيه الأحتكارات النفطية على توفير الأمن لتوظيفاتها الرأسمالية،  كما حصل ويحصل في الكونغو، رواندا، نايجيريا وغيرها من الدول التي يسير حصد ثرواتها على قدم وساق . . رغم الحروب والنزاعات الدموية المستمرة على الأشتعال فيها .   
وتأتي مسودة القانون بعد ان تناقلت وكالات الأنباء، الأعلان عن مشاريع عقود نفطية مع الحكومة العراقية بأسم " مشاريع عقود المشاركة في الأنتاج " (سميت في المسودة الجديدة بـ " عقود التطوير والأنتاج " ) التي اعدتها الأحتكارات النفطية الأميركية والغربية بتكليف شركة العقود الأميركية " بيرينغ بوينت "، والتي حذّرت اكثر من جهة من ان موافقة الحكومة العراقية بنتيجة الضغوط عليها، ستكون اضافة الى الأجحاف بحق العراق، ستكون سابقة تستند عليها الأحتكارات الأميركية والغربية وتضغط بها على موازين وعقود النفط في منطقة الخليج النفطية كلّها .
ويرى عديدون، ومن زاوية اعمار البلاد ونموها، ان الأحتكارات النفطية والشركات المتعدية الجنسية وفق مشاريع تلك العقود ان اعتمدت او اطلقت دون تخطيط وملموسيات مناسبة ، فأنها قد تهيمن بشكل غير معقول على الثروة النفطية ومشاريعها واقتصادياتها، لفترة تناهز النصف قرن، الأمر الذي يهدد بفقدان البلاد للكثير من حقوقها وسيادتها. خاصة وان تلك المشاريع لاتأخذ اي اعتبار للتغييرات المستمرة في قطاع النفط، القطاع الأكثر حيوية واهمية لأقتصاد البلاد من جهة، وللتبادل الأقتصادي الدولي وبالتالي لأمن واستقرار المنطقة والعالم، باعتبار ان العراق صاحب ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم ان لم يكن اوله !!
بل ان ماستستقطعه الأحتكارات النفطية وفق مشاريع تلك العقود ان أُقرّت، وفق نصّها، سيقلل بشكل خطير من ايرادات العراق ودخله الوطني، الأمر الذي ان يسدّ حاجة آنية ماسة، فأنه على المدى القريب والمتوسط سيجبر العراق على اللجوء الى القروض من مؤسسات مالية ودولية بعينها، التي ستفرض  نسباً عالية لايستطيع الأيفاء بها، في ظروفه الراهنة المعرضة الى ان تطول، او سيجبر العراق بسببها على الأذعان لشروط قاسية، على رأسها شروط توريد السلاح والتكنيك العسكري، او ان تُدفع  اثمانها اسلحة، تحرم العراق من حقه في العملات الصعبة مقابلها من جهة، ولاتشجّع الاّ سياسات الحروب من جهة اخرى . .   
وفيما يؤكد كثيرون على إن من حق الشركات النفطية الأجنبية أن تحقق ارباحاً مناسبة، من عقود  يهدف فيها الجانب العراقي من جهته تحقيق : نهاية الأحتلال وتواجد القوات الأجنبية على اراضيه، امنه وسلامه ونمو مجتمعه، الاّ ان مشاريع مثل تلك العقود ستحمّل العراق خسائر تتراوح  74 ـ 197 مليار دولار لمدة تصل الى نصف قرن كسنوات الأتفاق وفق تقدير " غلوبال بولس فورم " . بعبارة اخرى فأن المستفيد من مشاريع تلك العقود هو الشركات البترولية المتعدية الجنسية والشركات المرتبطة بها، اضافة الى الأفراد والجهات التي لعبت وتلعب دور اللوبي النشيط والفعال لهذه الشركات في العراق، فقط ! على حساب اوسع الفئات الكادحة من كل المكونات العراقية . .
لذلك ولغيره وخاصة لما يتعلّق بوجود ترابط وثيق بين " مسودة قانون النفط والغاز " وبين التعديلات المرتقبة على الدستور التي لم تحسم بعد، وبالذات فقراته المتعلقة بالثروة النفطية وبناء البلاد الأتحادي . .  فأن الأمر يتطلب اعادة صياغة مواد مسودة القانون المتعلقة بإدارة الحقول والمسؤولية عن تشغيلها، التي تعتمد على وجود وعمل تلك التشكيلات الإدارية في الواقع المعاش الذي لن يتم الاّ بعد ان يجري اقرارها والعمل بها .
وبالتالي فأن تشريع الصلاحيات التي تتوزع بين الحكومة الاتحادية ومكوناتها، ستحتاج هي الأخرى إلى إعادة صياغة بما يضمن تحقيق كفاءة الأداء و المردود ، وتحقيق المصالح الواضحة للمكونات العراقية، على اساس مشروع وطني عراقي بعيداً عن المحاصصة الطائفية، وعلى اساس ان الثروة النفطية وكل ثروات البلاد، شأن وطني ستراتيجي يتعلق بوجود وكينونة البلاد وكل مكونات شعبها وتساويها على اساس المواطنة . . وليس شأناً حزبياً او طائفياً او عرقياً انانياً ضيقاً .
من جانب آخر يرى متخصصون وخبراء، ضرورة التريث بالبت بمسودة القانون، والعمل على تنضيجه على اساس التخصص والمهنية، وتفعيل الشفافية فيه بدرجات اعلى، بما يضمن اعادة مراجعته وصياغته، فنياً وقانونياً ولغوياً ليكون صالحاً للتطبيقً بعيداً عن الغموض واللبس والتوهان من جهة، ولتحقيق اشراك وبالتالي تفعيل الخبرة الفنية الوطنية في وقت تُفتقد فيه كثير من الخبرات العراقية لأسباب متنوعة من جهة اخرى . . في سبيل ايجاد حلول تحقق الصالح الوطني على اساس الواقعية وفي السعي الناجح لجذب الأستثمار الأجنبي، للمساهمة في تحسين الوضع الأقتصادي العراقي . .
وتحذّر اوساط أخرى من ضبابية ومخاطر اطلاقية فقرات من مسودة القانون، وعلى سبيل المثال لا الحصر المادة (40) من مسودة القانون التي يترتب عليها ان جميع الاتفاقيات والعقود النفطية السابقة في اقليم كوردستان والمحافظات قبل نفاد هذا القانون، صارت موضع مراجعة لـ " تكون منسجمة مع الأهداف و الأحكام العامة لهذا القانون " ، الذي ان لم يجر تحديد ووضوح اكثر فيه، فانه قد يعني او يهدد بالغاء ومصادرة قوانين كانت قد سُنّت لصالح الأقتصاد العراقي وعملية التنمية الوطنية، في فترات وعقود سابقة  .
ان وجود إشارة واضحة بخصوص العقود في مسودة قانون النفط تشير إلى " ان وزارة النفط ستعد نماذج لعقود الاستكشاف والإنتاج يقرها المجلس الاتحادي للنفط و الغاز تلحق بهذا القانون "، يجعل من الضروري التأكيد على عرض نماذج العقود مع مسودة القانون لتقترن بمصادقة مجلس النواب، اضافة الى ضرورة مصادقة مجلس النواب على عقود الاستثمار الأجنبي . في وقت تؤكد اوساط خبيرة فيه على انه برغم ضرورة التخلص من العقود البالية، فأن العراق يستطيع تطوير حقوله النفطية وبمعونة عالمية أيضا،  ليس من خلال عقود المشاركة بل من خلال عقود الخدمة فقط  !!

15 / 3 / 2007 ، مهند البراك

254
            
8 آذار ولغز حقوق المرأة !
                     
د. مهند البراك

فيما يجري الصراع مريراً وتذهب دونه ارواح ومصائر، يتساءل كثيرون، ماذا تعني حقوق المرأة ؟ ولماذا تؤدي الى كل هذه الصراعات الحادة، ولماذا تجيش فيها جيوش معلنة واخرى سرية، وطوابير لايمكن حصرها ولاتعرف حدوداً، وفي خضم صراع شائك مستمر وجهود محمومة لحرف وجعل الأسئلة تتركّز على : اي جنس افضل وايهما اقوى ؟ ومن يعود لمن ؟ في زمان اثبت ويثبت ان لا الرجل لوحده قادر على مواجهة الحياة والمجتمع والطبيعة، ديمومة البشر، والفكر والعاطفة . . ولا المرأة لوحدها قادرة على مواجهة تلك المهام والتحديات . انهما طرفان في كيان واحد، كلٌّ منهما يحمل جوانب من القوة وجوانب من الضعف، وكلٌّ منهما يجد ضالّته ومكمله في الآخر .
   في وقت اثبتت فيه عصور طويلة من الصراع الأبدي بين الخير والشر وبين الأستبداد والحرية، ان لاحرية ولاتقدماً ولا ثورة اجتماعية تحققت، دون ان تكون المرأة احد ابرز طلائعها، ودون ان تكون قضية تحررها وحقوقها احدى اهم جبهاتها . من ثورة عبيد روما وظهور الأنبياء والرسل . . الى الثورة الفرنسية وكومونة باريس والثورة الصناعية وثورة اكتوبر وحتى اليوم .
   وفيما يصف علماء التأريخ الرسالة المحمدية بكونها كانت ثورة ضد الرق والعبودية ( او استطاعت ان تحقق جزءاً منها )، وانها اعادت بناء مجتمع الجزيرة العربية العبودي البدوي، فأنهم يصفوها بسعيها الى محاولة تحرير المرأة هناك ككائن مستعبد وكجزء من نظام الرق العبودي البدوي الذي اعتبرها حاجة من حاجات الرجل تباع وتشترى وتورث. الأمر الذي ادى الى مشاركة النساء بحماس في تلك الدعوة من جهة . .
   ومن جهة اخرى ادىّ ذلك الى اهتزاز المجتمع بعنف هناك حين شعر القسم الأغنى من المسلمين الأوائل ومن ذوي النفوذ بينهم بانهم خسروا امتيازات هامة لهم . فبعد ان خسروا امتيازاتهم على النساء التي كانت (اي الأمتيازات) تعني خسارة اموالٍ من الأموال الموروثة لهم، التي خسروا منها اكثر حين صارت النساء هناك شريكات لهم ايضاً بما تبقى من الأموال الموروثة، ثم خسروا مرة ثالثة حين وضع الدين الجديد مفاهيم وقيماً جديدة اعتبرت فيها المرأة متحررة (معتوقة) من الرق والأسر . . بعد ان كان العتق غير ممكن بدون دفع اموال لمالكي الرقيق ـ الذين صار قسم منهم مسلمين ذوي نفوذ ـ .   
   وفيما اغاظ ذلك الكثير من اغنياء مكة ومحافظي الرجال رغم اسلامهم، واضاف قلقاً جديداً لهم وخوفاً من ان يمتد ذلك الى مطالبتهن بالأشتراك في الغزوات الذي سيمكنهن من اكتساب حقوق مشروعة في الغنائم، الأمر الذي ان حصل لن يسهل الألتفاف عليه وفق اعراف ذلك الزمان. فأنه اسس لصراعات اخذت تستمر وتتسع حدة ومساحة وتعقيداً الى يومنا . . ظاهرها ديني (اخلاقي) حماسي، وباطنها سلطوي ، مالي، مصلحي، إثني، عرقي وقومي . .
   وبما ان قضية المرأة ـ أماً، اختاً، زوجة، ابنة . . ـ تمس (تعني) جميع الرجال وبالتالي تمس الخلية الأساسية في المجتمع اي العائلة، فقد حيكت لها صياغات وممتنعات في العالم الأسلامي، من مرجعيات متنوعة دينية ولادينية، تدرجت من تفاسير متنوعة لمفاهيم (الطهارة) ولـ (السفيه والسفاهة) وغيرها واخذت تبتعد بها عن المبادئ الأساسية الأولى للأسلام بصفته فلسفة انسانية ورؤية حضارية متفتحة . . وتسعى سعياً لايعرف الرحمة الى تحويلها الى مؤسسة مغلقة صماء لاتذكّر الاّ بمحاكم التفتيش المسيحية المستبدة في اسبانيا في القرون الوسيطة . 
   وفيما تدور نقاشات حامية ونشاطات واعمال واعمال مضادة، وريادات تواجه بالعنف والبتر والطغيان والتحريم، حول حرية المرأة ومفاهيم ومحتوى وماهية مساواة الجنسين، وجد غلاة المستغلين والمحافظين والتكفيريين وقوى الأسلام السياسي والطائفي ومؤسساتهم الأقتصادية، القانونية، العسكرية والعنفية الميليشياتية، المدرسية والثقافية . . وجدوا في قضية المرأة التي تهم كل خلية من خلايا المجتمع وكل رجل فيه وبالتالي كلّ المجتمع، وجدوا فيها ضالّة فريدة لتحريك السيوف والحقد والفتن واشعال الأرهاب وبالتالي سكّ الطريق الى الصراعات والحروب بمفاهيم وقيم ورايات ماضية تتباهى بعظمة الماضي وتردده شعراً واغاني ومقامات، قتلاً وفتكاً وانتهاك اعراض . . في محاولة يائسة للعودة بالمجتمع الى ماضٍ لن يعود.
   محاولة تدمّر باسم القداسة و(الشرف) ما تحقق ومايوعد بالتحقق، وتدمّر كل جهد لتحرر وتقدم المجتمع وكل جهد للتنوير سواء كان حركة، حزباً، فعالية، اجتماعاً، اشخاصاً، جريدة، كتاباً، فناً، موقعاً الكترونياًً واذاعة . . وتصرف الأنظار وتحشّد وتشوش باسم المقدّس لتمنع تفتّح حياتنا وتفاعلها مع مسيرة البشر الحية وتوسع وتعمق مفاهيمها الأنسانية، من اجل تحقيق ذاتنا وكياننا الحديث، بمفاهيمنا وتراثنا الحضاري الثري، محاولة منع مواكبتنا لتطورات العصر الضرورية لتحقيق مواجهة فاعلة لتحدياته ولمواجهة آليات القهر والأستغلال الأجتماعي الجديدة .
    من ناحية اخرى، وفيما ينطلق القسم في قضية حقوق المرأة من منطلق العطف من فوق والأحسان، او من منطلق ابوي او عاطفي وجمالي . . تنبه اعداد متزايدة من المفكرين، السياسيين، العلماء والأقتصاديين وعموم المبدعين رجالاً ونساءاً اضافة الى عديد من الهيئات والمنظمات الدولية والأقليمية والوطنية الى . .
   اننا ومع مطلع الألفية الثالثة وتزايد تعقّد الحياة ومفاهيمها وحاجاتها وتعاظم دور النساء في المجتمعات، وفي ظروف نسب كبيرة للأمية والتخلف ـ بمقاييس هيئات الأمم المتحدة ـ في مناطق العالم النامي والفقير ومناطق الأزمات والحروب، التي تؤدي الى تزايد محافظة اوساط نسائية واسعة بسبب الأنتهاك، الخوف الأجتماعي، الأرهاب والقمع والسجون والأختطاف والتعذيب، الفقر والعوز المؤديان الى الدعارة والتحلل، ومخاطر عصابات ومافيات الرقيق الأبيض والجنس * والمخدرات . . علينا التأكيد  على ان حقوق المرأة وبعيدا عن الضياع والتشوش تتلخص بـ : التساوي مع الرجل كأنسان، في الحقوق الأقتصادية، السياسية، الثقافية، الأجتماعية وامام القانون .
   وتنبه الى ان اللغز يتلخص في ان " حقوق المرأة " والصراع حولها، بمداها وحجم تأثيرها وشموليتها الأجتماعية، جعلها قضية سياسية مصيرية ووطنية كبرى لابد وان تكون في صلب نشاطات قوى التحرر والديمقراطية، حيث لم تعد قضية اجتماعية عامة او اسيرة رغبة او هوى . . بعد ان صارت الحصن المقدّس و(المعصوم) لأنطلاق انواع الفضاعات التي تستهدف قوى التمدن والتحضّر والديمقراطية والتقدم، تفاعلت فيه وحدة وصراعات قوى الرأسمال العالمي، في ظروف العولمة وتساقط العديد من الحدود القانونية، وصارت وسيلة للقوى المحافظة المتنوعة التي تعمل على منع التقدم او تشويهه، سواءاً بمواجهته او بالمراوحة امامه من جهة، حاملة مواقفها المتحجرة فيها، راية لمنطلق خطير لتجميع قوى الردة في عالمنا وفي منطقتنا بالذات لتكريس تخلفها، من جهة اخرى .   


9 / 3 / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تشير تقارير الأمم المتحدة والصحة العالمية والدوريات الأقتصادية ودوريات الجريمة . . ان حجم  مردودات اسواق الجنس والرقيق الأبيض ينافس حجم وادوار اسواق النفط في النشاط الأقتصادي الدولي الأسود والأبيض .[/b][/font][/size]

255
قانون النفط وفوضى العنف . . والديمقراطية !
                        د. مهند البراك

عبّر كثير من العراقيين رجالاً ونساءاً، في وقت مبكّر من اعلان ادارة الرئيس بوش الحرب، عن مخاوفهم من ان اشعال الحرب بأسم الديمقراطية، كان بسبب مصالح الأمن القومي الأميركي وفي مقدمتها النفط، وليس لتخليص العراقيين من معاناتهم التي كانت الأدارة ساكتة عنها وعن ما كان يجري في البلاد طيلة عقود رهيبة مرّت بها البلاد . . وانقسم العراقيون بين مرحّب ورافض، الى قلق ومنتظر " عسى ولعل " . . وكان ان اندلعت الحرب باسم بناء الديمقراطية لتعلن احتلال البلاد !
وبين مواقف واضحة من مدى منطقية ماجرى ويجري، وتساؤلات لم تنقطع حول، هل يمكن بناء ديمقراطية ومؤسسات ديمقراطية دون اساس اقتصادي ـ اجتماعي يؤسس لها (للديمقراطية) ويحتاجها ويحميها، فالمؤسسات الدستورية في نموذجي اليابان والمانيا الأتحادية اللذين كانا يلوّح بهما، بل وفي الولايات المتحدة الأميركية ذاتها واوروبا الغربية، وقفت وتقف خلفها مصالح اقتصادية وفئات وطبقات ومؤسسات تتفق وتتعارض وتتوافق ولاتتوافق، على اساس مصالحها ودوائرها المعلنة . . في عمليات معقدة فشلت ونجحت ونحتت وتوافقت . . استغرقت عقوداً طويلة من الزمان .
من جهة اخرى ولأسباب كثيرة التنوع تمحورت على الرغبة الحارقة للعراقيين شيباً وشباناً، رجالاً ونساءاً بالعيش الكريم وبسلام، ومن اجل حقهم كسائر البشر بالحياة وبقدر معقول من الحرية بعيداً عن شبح الفقر والجوع والموت . . شارك الشعب في الأنتخابات رغم الثغرات متحديا الموت والأرهاب، بعد ان تصورت قطاعات واسعة وصُوّر لها بانها نهاية حكم المعاصي والآلام، لأن الدكتاتورية سقطت، فماذا بعد ؟؟
والآن وبعد مرور اربع سنوات على سقوط الدكتاتورية والمباشرة بـ (بناء الديمقراطية) . . تستمر البلاد بالغرق في العنف رغم محاولات لمخلصين لبناء الأمل ومحاولة واعادة محاولة رسمه بجهود متنوعة . . . في مواجهة دوائر متنوعة خبيرة : دولية نفطية، عسكرية، ستراتيجية، اميركية واقليمية ايرانية وعربية وغيرها وامتداداتها الداخلية بسبب (الفراغ)، لتؤدي الى تحول راية الأدارة الأميركية في العراق من راية " الديمقراطية " الى راية " الأستقرار " .
وفيما يرى قسم في ذلك التحوّل براءةً، لأن الأستقرار هو الأمل وهو حلم العراقيين الذين توالت وتصاعدت المصائب عليهم بلا رادع وبلا حدود، واستمر ويستمر الهروب والهجرات المليونية منه للخارج وصار للداخل ايضاً بـ (تهم)* تعود لآباء الآباء والأجداد . . بسقف او بخيمة او بدونهما، بعدم تعرّض او بدونه، بلا جنسية او جواز ولاوثيقة سفر !
يرى كثيرون ان ذلك التحوّل يعكس عنواناً لعمل او لتراكمات يمكن ان تسدد ضربة كبيرة للمؤسسات الدستورية التي جاءت حصيلة الأنتخابات، لأنها لاتزال مؤسسات هشة ان صحّ التعبيرلحد الآن، حيث لاتسندها مؤسسات ومصالح اقتصادية ـ اجتماعية ثابتة او تسير نحو الثبات، بقدر ماتسند مفاصلها الهامة بالحساب النهائي الى الآن وبشكل مباشر وغير مباشر، على بنادق ومتفجرات ميليشيات متنوعة، محلية الطابع اواقليمية ودولية، ومردودات النهب والأستحواذ والسوق السوداء والجوار، معززة منطق العنف والتهديد او مساهمة بفاعلية فيه كما تكشّف ويتكشّف .  . 
اضافة الى ضعف تأثيرها في الواقع وبالتالي ضعف جدواها على الصعيد الشعبي، وعلى لسان مسؤولين بارزين فيها ان لم يكونوا ابرزهم في عدد من القوائم البرلمانية، في تعبير عن واقع تؤكده الوف الأحداث المكررة، والنابع ليس من ضعف وقلة خبرة الممارسة الديمقراطية، او من (وحشية وبدائية شعبنا) كما يعتقد البعض او بسبب ضعف الوعي والثقافة ليعوّل بعض آخر على ان الحلول تكمن بالتثقيف فقط ـ على اهميته ـ ، وبتمدين اهلنا وناسنا ؟!
ان شعبنا ومنذ عقود، ضحية لقوى متنفذة دوليا واقليمياً، رسمت ومهّدت ودعمت حكّاماً حكموه جسماً وعقلاً ووعياً ومصيراً . . حكّاماً خدموا مصالحها على حساب قضية الشعب العراقي بكل اطيافه السياسية والقومية والدينية وطوائفه، وعلى حساب وحدته وطموحه ككل الشعوب الى حياة افضل . . بالقمع والتهريج وبالخطط الأنفجارية والأحلام الوردية والوعود، وباعاقة جهوده ودون دعم او مساعدة جادة للجهود العراقية المخلصة الرامية الى وضع اسس  لارجعة عنها نحو تحقيق خطوات ثابتة على طريق الرفاه وشئ من السعادة للبلاد . .
فابتلت البلاد بمشاريع ناقصة (على النصف)، وبمشاريع اللحظة الأخيرة، وكانت تنقصها الأسس الصحيحة او جزء منها بتقدير خبرائها ذاتهم، او كاملة على الورق ولكن تنقصها الخبرة الضرورية للتنفيذ ولوضعها موضع التنفيذ الناجح . . وان توفركل ماسبق ذكره، يبرز النقص في غياب التشريعات القانونية او الجهاز الذي لديه الصلاحية للتنفيذ ! او كونها تطرح في ظروف مرّت وتمر بها البلاد، لاتساعد التنفيذ الناجح لها . . وان تحقق ذلك داخليا فانه يتعرض الى معوقات اقليمية او دولية قد (تقلب الطاولة كلها) بوجه المشاركين !!
ان النتائج المخيّبة للمشاريع العظمى كثيرة الثغرات آنفة الذكر، تسببت بتوهانات وضياعات وبمشاعر تنوعت بين السخط والقلق وضعف الثقة بالنفس، وبين اشاعة الروح العدمية والتوجه الى الخالق الجبار والى من يركب تلك الموجات . . لاتزال تلك النتائج وللأسف تلقي بظلالها على تقديرات ومواقف ومعنويات العديد من القادرين على المساهمة وعلى النجاح فيها .
ففيما يرى قسم، ان التوقف على قضية الثروة النفطية العراقية الآن وطرح مشروع قانون النفط امراً صحيّاً لأنه يأتي في موعده كاستحقاق دستوري . . يرى قسم اكبر انه ياتي مع العمليات العسكرية لـ " تحقيق امن بغداد العاصمة " التي تُحقق من جانبها نتائج متفاوتة، في مقدمتها آليات ذوبان " جيش المهدي " الذي يذكّر بآليات ذوبان الحرس القومي سئ الذكر اثر انقلاب تشرين 1963، اضافة الى القاء القبض على مجاميع من " الجيش الأسلامي " . . ويرون من جهة اخرى انه رغم النجاح الهام الذي تحقق بالأتفاق على كيفية توزيع عوائد النفط داخلياً . .
الا انه ياتي في ظروف عدم استقرار خطير تعيشه البلاد، والمنطقة التي تشهد تزايد الأستعدادات المتنوعة التي تزيد من احتمالات مواجهة عسكرية اميركية ـ ايرانية، مهما كان نوعها او حجمها يدلالة  تصاعد مخاوف الأوساط الدينية الأكثر تطرفاً التي تحكم الجمهورية الأسلامية منها، والتي يتصاعد السخط والغضب على حكمها . . اضافة الى تتالي الكثير من النشاطات السياسية والعسكرية الأقليمية والدولية المتعلقة بالوضع المصيري للعراق والمنطقة، التي لايمكن تفسيرها او التكهن بوضوح بنتائجها في ظل التعتيم المفروض عليها .     
وفي ظروف يكثر الحديث في البلاد، عن احتمالات ( انقلاب عسكري ) او اجراء عسكري مصيري كبير او بمستواه، يتناسب مع التهيؤ او مع زجها في حرب مع ايران، التي تتزايد الطعون بمواقف وسلوك وعمل مؤسسات حساسة في نظامها تجاه بلادنا وحقها في تقرير مصيرها ونظامها السياسي، الأمر الذي قد يقود بالتالي الى اعلان حالة طوارئ وحل كل المؤسسات التي تعاني من الثغرات  المارة الذكر، وفي حالة من استمرار الأنفلات الأمني، و ظروف شعب دمّرته وتدمره محن الحروب والأرهاب والأحتلال والهجرة والتهجير والهروب، وتمزقه مصالح القوى العظمى وامنها القومي .
ان طرح مشروع قانون النفط والغاز لأقراره الآن، ببنود عقود مصيرية تتحكم بمصير العراق لمدد طويلة تقارب النصف قرن، والتي لاتستفيد مما كدّسته وتكدّسه الدروس والخبر والأمكانات العالمية المتنوعة في الأستثمار النفطي ، مع كل المخاطر المذكورة آنفاً، اضافة الى التمزق الذي انتجه نهج المحاصصة الطائفية الذي يهدد بالسيطرة على قانون النفط ايضاً، والى ضغوط البنك الدولي مالياً وجدولة وتوقيتاً . . قد لايعني الاّ بكون ان مشروع القانون يطرح متزامناً مع ضغوطات تمارس للموافقة عليه والتلويح باستخدامه بآلية (النفط مقابل الأستقرار) او (النفط مقابل السلام)، وبالتالي الأستمرار على تبذيره من وجهة مصالح البلاد الوطنية . . بعد ان استخدمه وبذّره الدكتاتور باسلوب ( النفط مقابل استمرارعرشه)، بعيداً عن توظيفه واستخدامه في حلول مشاكل الموت والجوع والبطالة والمرض والخراب، التي تعانيها البلاد .   

7 / 3 / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* بعد ان صار الأنتماء الديني والطائفي تهمة في واقع البلاد الحالي .[/b][/font][/size]

256
حول المخاطر الشاملة والنووية في الصراعات الأقليمية !
                       2 من 2
                        د. مهند البراك

وعلى ذلك يرى قسم كبير من العلماء والمراقبين الدوليين، أن الأسلحة النووية والمواد النووية من دول الأتحاد السوفيتي السابق، باوضاعها المعقّدة والمتشابكة التي تعيشها الآن، تشكّل مصدراً لأكبر امكانات مخاطر تزويد الأرهاب النووي بالمواد والتكنيك النووي الأساسي  .  .  .  بعد ان توضّح بنهاية الحرب الباردة، ان 14 من 15 دولة من الدول التي استقلّت من الأتحاد السوفيتي قد خزّنت 22,000 سلاحاً نووياً تكتيكياً، كانت قد شكّلت ـ كأسلحة صغيرة سهلة النقل نسبياً ـ دوراً هاماً في الدفاع الستراتيجي للقوات العسكرية التي رابطت في دول الأتحاد آنذاك .
ويرى متخصصون في ان بيان وزير الدفاع الأميركي الأسبق " ديك تشيني " عام 1991 الذي اعتبر فيه " ان تأمين وضمان سلامة 99 %  من تلك الأسلحة يشكّل انتصاراً عظيماً "، انه قد لم ينتبه الى ان فقدان 1 %  المتبقي منها او عدم تأمين سلامته، يعني فقدان و ضياع  220 سلاحاً نووياً (من الـ  22,000 المذكورة آنفاً) .  .  وانها هي التي تشكّل منبع التهديد بالخطر النووي الأرهابي (1).
الأمر الذي اصبح اكثر وضوحاً في تقرير قُدّم الى الكونغرس الأميركي في شباط  2002، الذي افاد بأنه في الفترة بين 1992 و 1999 وفي اربع حالات .  . " سرقت من المختبرات النووية الروسية، مواد تستخدم في الصناعات العسكرية النووية او مواد قابلة للتحويل الى مواد تصلح للأستخدام لها "(2)، مع التأكيد الأساسي على " وجود عمليات تهريب لم ترصد ولم تكشف اطرافها بعد " (3).
وفيما تُلاحظ مخاطر جدية من احتمالات تسرّب المواد النووية (اضافة الى معارف التكنولوجيا النووية) من روسيا وتشابك ذلك مع نشاطات مجاميع ارهابية، تأكد ذلك المحذور من تفاصيل الهجمات الأرهابية التي حدثت في روسيا وبشكل خاص الحادثة المروّعة لأخذ مئات اطفال مدرسة ابتدائية في " بيسلان " كرهائن في ايلول 2004، التي ادّت بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى اعلان اقصى حالات الطوارئ في البلاد، والى تشكيل قوات حراسة خاصة للمخزونات النووية في عموم البلاد، وصولاً الى تشكيل وتخصيص اعداد كبيرة من قوى وزارة الداخلية الروسية الأتحادية لتأمين سلامة كل المنشآت النووية وما يتعلّق بها (4).
من ناحية اخرى، وفيما كشف العالم النووي الباكستاني " عبد القادر خان " عن دوره في المساعدة على تطوير البرامج النووية في كوريا الشمالية، ايران وليبيا، وعن المساعدة التي تلقّاها من اثنين من كبار القادة العسكريين في مجال الطاقة في بلاده، سواءاً في الحصول على المواد النووية وتوفير امكانات المختبرات واجهزة السنترفيوج (اجهزة الطرد اللامركزي) الضرورية للتخصيب والمعلومات التكنيكية.
تفاجأ مراقبون وخبراء اميركيون بالعفو الذي صادق عليه الرئيس الباكستاني " برويزمشرّف "
بحق " عبد القادر خان " بعد ان صار الأخير بطلاً وطنياً ومؤسسا وصانعاً للقنبلة النووية الباكستانية (الأسلامية) ، واوقفت نشاطات الملاحقة والتحقيق سواءاً بحقّه او بحق من ساعده سواء كانوا افراداً اوشبكات، على ارضية تقول ان تطور العلوم اليوم صار يتداخل وثيقاً مع العلوم النووية.
فيما يصرّ خبراء امنيون على ضرورة ملاحقة تلك المعلومات والشبكات رغم اعلان الرئيس مشرّف عن ضمانه لعدم اندلاع مخاطر نووية بعد ان اعتبر ان ماجرى قبل استلامه للرئاسة، من الأمور الماضية التي انتهت .  .  .  في وقت توصّلت فيه الباكستان الى صنع 52 رأساً نووياً قابلاً للأنفجار اضافة للـ 48 رأساً التي صنّعتها في السابق، بعد ان اكّدت على انها لم توقع الأتفاقية الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية، وانها غير خاضعة لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة النووية (5) !
ومن موقع آخر، وفيما يضع خبراء دوليون ومراقبون من الشرق الأقصى سلوك كوريا الشمالية السياسي وامكاناتها النووية، في موضع شكوك لم تستطع الدوائر الدولية ان تبت ببطلانها، خاصة في فترة  تصاعد التوتر بينها وبين الولايات المتحدة، ورفض كوريا الشمالية الأنصياع للقرارات الدولية، وفي وقت يستمر الكوريون الشماليون فيه ببرامجهم النووية ويستمرون في تخصيب اليورانيوم، في برامج يُرى فيها انها تؤدي الى انتاج جماعي للقنابل النووية (6).
يضع آخرون كوريا الشمالية على رأس قائمة الأتهام بتجهيزوتوسيع ما يُدعى بجماعات الجرائم المنظمة، على اساس قيامها واستعدادها لبيع التكنولوجيا الصاروخية لمن يريدها بشرط استعداده على الدفع، في وقت تزداد فيه لهجتها عداءاً للولايات المتحدة، وفق منظورهم. وعلى سبيل مشابه او قريب يحذّر فيه آخرون من مخاطر البرامج النووية الأيرانية، بناءاً على تقييمهم لدورها في امداد ودعم مجاميع مسلّحة متنوعة وعدم رفضها للعنف في التعامل الدولي والأقليمي، رغم تزايد احتمالات عدم قدرتها على بناء وامتلاك قدرة تحتية للصناعات العسكرية النووية بعد.
وفيما تحدد الأدارة الأميركية الأرهاب وبالتالي الأرهاب النووي، كاكبر الأخطار التي تواجهها بلادها، فأنها اضافة الى صياغتها ستراتيجية الحرب الوقائية ضد الأخطار الأكثر احتمالاً امامها الرامية الى عدم تمكين العدو من استخدام الأسلحة النووية والشاملة ضدّها، فأن ذلك اضافة الى منطقيته .  . الاّ انه قد يحمّل الولايات المتحدة وحلفائها والعالم باحمال قد لاطاقة لهم وله (للعالم) لمواجهتها سواء اكانت عسكرية، بشرية او سياسية، مالية اوضريبية في العصر الراهن، بتقدير اعداد تتسع من الخبراء والمراقبين والسياسيين .
   اضافة الى ان برامج المؤسسات الأميركية(7) التي تقوم بمهام تقليص المخاطر النووية والمخاطر الشاملة (بيولوجية، كيمياوية، مشعة .  .  وغيرها)، وتحطيم معدات نووية ما وحصرها في مجال ضيّق، واعادة تأهيل آلاف من الأختصاصيين النوويين وحمايتهم لكي لايقعوا تحت رحمة المجاميع المسلحة، وصيانة المعلومات والتكنولوجيا وغيرها، سواء كانت في جمهوريات الأتحاد السوفيتي السابق او في غيرها، فانها تواجه صعوبات كالتي تواجهها ادارة الولايات المتحدة في اراضيها ذاتها ؛ من المشاكل الناجمة عن تداخل العلوم الحديثة مع البحوث النووية، الى تعثّر برامج بسبب غطرسة وبيروقراطية وفساد دوائر موظفين، ومن تراشق اتهامات وانفراد بقرارات، الى ثغرات في برامج الصيانة النووية في الولايات المتحدة ذاتها.
   ويتداخل ذلك مع مشاكل ادارية وبنيوية معيقة موروثة من العلاقات الدولية السابقة (علاقات الحرب الباردة)، ومن العلاقات الداخلية لبنية الأدارات الداخلية للولايات الأميركية .  .  وما يتطلّبه تنفيذ وانجاز تلك المشاريع من تمويل هائل، قد لايمكن توفيره بسهولة.  كما حدث لدى اضطرار الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الى تقليص نفقات مشروع N- Lugar )   ) من ( 451 )  مليون دولار التي لم يكن قد مضى على وضعها سوى ساعات في حينه ، الى 409 (  مليون دولار )  .  .  . امام ضغط متطلبات الميزانية الأتحادية (8)
   من جانب آخر، وفيما يضيف فريق من الخبراء، وبسبب تزايد معلومات حديثة تفيد، ان الأسلحة النووية غير المحمولة صاروخياً تشكّل مخاطر اضافية لأنها ارخص تكلفة، اسهل حملاً ونقلاً وبالتالي اكثر فعالية، وانها اكثر دقة في اصابة اهدافها، الأمر الذي يؤكد على ضرورة ايلاء المزيد من الجهود والخبر والمال للوقاية من ولأجهاض محاولات الجماعات المسلحة من استخدام الضربات النووية الأرهابية.
   ويرى آخرون ان مخاطر اسلحة الدمار الشامل الحقيقية قد تأتي من امكان استخدام الجماعات المسلّحة للأسلحة المشعّة " القنبلة القذرة " (9) كقنبلة السيزيوم Cäsium ، التي يمكن ان تُبنى بعيداً عن الصعوبات التكنيكية والمختبرية والمعلوماتية، والتي دلل عليها ما حصل في تشرين الثاني عام 1995 عندما هددت مجموعة شيشانية مسلحة بتفجير علبة احتوت على مادة الـ (سيزيوم ـ 137) في حديقة عامة في موسكو. رغم ان القنبلة القذرة لاتؤدي الى تدمير وتخريبات واسعة، الاّ انها تؤدي الى الضربات النفسية والعصبية، اضافة الى عوارض مرضية كثيرة التنّوع  مزمنة .  . 
   تؤكّد اوسع الجهات على، ان مواجهة تلك الأخطار النووية والشاملة تتطلّب اولاً ادراك ان تلك المخاطر هي مخاطر واقعية وليست خيالية ، الأبتعاد عن التطيّر والحفاظ على الهدوء بالمعرفة، لتفعيل الأجراءات التي تمّ عرضها وغيرها من جهة، ومن جهة اخرى ضرورة ممارسة انواع الضغط والجهود لتوفير وتخصيص تغطية فاعلة للمصاريف العالية للمشاريع المطلوبة ولتوسيعها ولضمان الصرف المرتفع الضروري لمختلف اخصّائيي علوم الفيزياء والرياضيات والعلوم النووية ذات العلاقة، لضمان انجاح تلك المشاريع في تحقيق اهدافها في الوقاية من المخاطر النووية والشاملة.
   وترى ان الحدّ من، والوقوف امام تلك المخاطر يطرح مجدداً وبقوة على اطراف النزاعات الحادة الأقليمية والداخلية ذات الأبعاد الأقليمية، ضرورة التحلي بالصبر والحكمة والمرونة سواءاً في طرح المطالب من جهة، او في دراستها وايجاد السبل لتحقيق حلول عادلة وفق المواثيق والأصول الدولية والأنسانية. الأمر الذي يطرح مجدداً اهمية الجهود السياسية والدبلوماسية في نزع فتيل الأزمات الحادة، الذي لاينفي بل يتطلب الوقوف بحزم امام الأوساط الأجرامية والأصولية المتطرّفة، بالترافق مع تطبيق كل ما من شأنه حل الضائقة الأقتصادية والبطالة التي تعاني منها اوساط شعبية واسعة في مواقع الأزمات في عالم اليوم .
   ولابّد من تشجيع الجهود المحلية والأقليمية الرامية الى القضاء على فروع وامتدادات الأسواق النووية السوداء اضافة الى التأكيد على ضرورة دعم المطالبة و الجهود الرامية الى اصلاح منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بالأتجاه الرامي الى تقليص الأحتقانات السياسية في بقاع العالم، والى اصلاح وتمتين الوكالة الدولية للطاقة ودعمها، في وقت بقيت فيه التساؤلات عن صدقية عدد من بياناتها بلا جواب، كالتساؤلات عن البيانات التي خففت من مخاطر درجات التلوّث التي نجمت عن كارثة تشيرنوبل في حينها على سبيل المثال.
   ويرى عدد واسع من علماء الأجتماع والسياسة ان التأكيدات والقواعد التي طرحتها العلوم العسكرية في العقد السابع من القرن الماضي حول الأهمية الفائقة لأختيار ماهية المسؤول الأول الذي بيده قرار تنفيذ استخدام الأسلحة النووية وماهية ثقافته وروحه الأنسانية (10)، تعززت صحتها واضيف اليها ضرورة تمتين مؤسسات وآليات التقييد والرقابة السياسية والعسكرية على من بيدهم تلك القرارات الخطيرة، في زمان لم يعد الأخلاص لوحده فيه كافياً على اهميته الكبيرة، بل لابدّ وان يضاف اليه المستوى العلمي والمعرفي الضروري لذلك المسؤول.
   وفيما يجري التأكيد على اهمية اصلاح البنية الأدارية والوظيفية على اساس ان مرحلة جديدة بموازنات جديدة قد تكوّنت في عالم اليوم، وعلى اساس اشراك كل المتضررين او المعَرّضين للتضرر من المخاطر النووية، يجري التأكيد على الأهمية القصوى لتكوين مرونة عالية تحقق توافقات تستطيع منع وقوع الأسلحة النووية واسلحة الدمار الشامل بيد الأجرام .  .  تمهيداً لأيجاد حلول ترمي الى تحريمها وتدميرها وخاصة في البقاع الأكثر التهاباً وحسّاسية من العالم، والغاء سياسة الكيل بمكيالين.
الأمر الذي لابدّ وان تلعب فيه الدول والأتحادات والتحالفات الغنية دوراً اساسياً، لضرورة كلّ ذلك ليس فقط للدول المعَرّضة او المصابة بشكل مباشر، بل لضرورته لحماية الجنس البشري من مخاطر تلك الأسلحة ومن آثارها وبقاياها ونفاياتها ومن سباق التسلح الذي لايزال يجري محموماً علناً او سراًّ في مجالها، ومن تأثيراتها وتلوثاتها التي تصيب كلّ العالم بما فيه شعوب تلك الدول والأتحادات الغنية وبشتى الطرق، التي وان كانت بدرجات متفاوتة، الاّ انها كلها مريعة ومدمّرة !
ويطرح وبقوة على المكونات الوطنية الداخلية للدول المعرّضة او المرشحة لأحتمالات التعرض لتلك المخاطر، ضرورة سعيها الدؤوب للتفاهم والتوصّل الى اتفاقات وتوافقات فيما بينها، والى ضرورة اليقضة من مخاطر زيادة التوترات الداخلية ومخاطر اصرارها على الأستقواء بدول اقليمية . . الذي يعقّد الأوضاع اكثر والذي قد يجرّ المنطقة كلها الى مخاطر شاملة ونووية التي ان حدثت فانها ستكون مريعة على عموم بلادنا وعلى شعوب منطقتها الأقليمية والذي سيؤثر على كل العالم، في ظروف تحمل المنطقة فيها مفاتيح موازنات دولية من مستوى متقدم . . اقتصادياً، ثقافيا، روحياً وفكرياً، عسكرياً و بشرياً !  (انتهى)

 مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
راجع موقع  www.nti.org   . راجع ديك تشيني : مقابلة مع " لقاء الصحافة " ، 15 ديسمبر 1991 .
تقرير INC للتقديرات الأمنية المقدم الى الكونغرس الأميركي في شباط 2002 .
راجع المصادر المذكورة في (1) .
" روسيا ترسل قوات لحماية المواقع النووية "، رويترز من موسكو، ايلول 2004 .
" ’خان، ابو القنبلة النووية الأسلامية " ، بين : اسلام آباد/ امستردام / جنوب افريقيا / الصحراء الأفريقية/ كوريا الشمالية، ليبيا وايران .  .  سلسلة وثائق عن / اي آر تي يي باللغتين الفرنسية والألمانية / ايلول 2005 .
غاري ساموري، " البرامج التسليحية لكوريا الشمالية : محصلة تقييم " / المعهد الدولي للدراسات الستراتيجية، 21 كانون الثاني 2001 .
كالبرامج العملاقة : CTR, Nun -Lugar- Programm  على سبيل المثال لا الحصر.
" تصورات بوش النووية " ، بوستون غلوب، 16 شباط 2004 .
القنبلة المشعّة، المبنية من المواد المشعّة .
دوريات حركة الخضر في مواجهة المخاطر النووية/ " من اجل الوقوف امام الأخطار النووية" رسائل برتراند راسل / الماركسية وقضايا الحرب والجيش، نخبة من القادة والخبراء العسكريين / فصل مخاطر اسلحة التدمير الشامل، دار التقدم  1977 .[/b][/font][/size]

257
      
   حول المخاطر الشاملة والنووية في الصراعات الأقليمية !
                       1 من 2
                     د. مهند البراك

فيما يؤكد علماء الأجتماع والسياسة والثقافة والعلماء العسكريون، على الأهمية الكبيرة لتزايد دور الثقافة والوعي العام في عالمنا المعاصر، الذي يفترض ان تقوم به الحكومات والأجهزة المسؤولة في المقام الأول، في رعاية مواطنيها وتسليحهم بالمعارف من اجل رفاه المجتمعات وسلامتها وامنها، في زمن تتزايد وتسهل فيه سبل اكتساب ونشر المعارف، يتزايد الوعي العام والثقافة تدهوراً في بقاع العالم، وتتزايد مخاطر العنف ومخاطر اشتعال الحروب (1)، اضافة الى مخاطر المخدرات والأيدز والفقر.
ويكاد يجمع الأخصائيون المعنيون على، ان مفهوم القوة صار من التعقيد في عالم اليوم، بحيث لم يعد محصوراً بالقوة العسكرية الصرفة لوحدها، وانما تعدّاه الى تفاعل القدرة العسكرية وتداخلها بقضايا صار لايمكن الاّ حسابها للتوصل الى ماهيّة مفهوم تفوّق القوة .  . وفي مقدمتها ؛ الطاقة والنفط، القدرات المالية، العلوم والتكنولوجيا، العقائد الفكرية والسياسية والمعتقدات، القوة البشرية، الجغرافية السياسية، عوامل البيئة . . وغيرها .
من ناحية اخرى، وبعد ان حققت الأتفاقات الدولية منع وتحريم وتقييد صناعة واستخدام اسلحة التدمير الشامل، منذ تحريم استخدام الأسلحة الكيمياوية في الحروب . . اثر استخدامها في الحرب العالمية الأولى، وتسببت في تساقط مئات آلاف القتلى من الأطراف المتحاربة والمدنيين جراّء استخدامها، واثر اضرارها البيئية الهائلة وخاصة على الأرض والزرع والحيوان .  .
الاّ ان الأسلحة الكيمياوية استخدمت من جديد في الحرب العالمية الثانية ولو بنطاق محدود، ليعاد استخدامها بعدئذ، سواءاً في الحرب الفيتنامية او في الحرب العراقية الأيرانية، ثم استخدامها من قبل نظام صدام الدكتاتوري ضد اطراف معارضته الداخلية سواءاً في كوردستان العراق او في مناطق الأهوار .  . اضافة الى استخدامها من قبل النظام البورمي ضد اطراف المعارضة المسلحة التي تناضل ضده، واستخدامها في حروب القارة الأفريقية، من جهة.
ومن جهة اخرى، جرى ويجري استخدام اسلحة المواد المشعة والأسلحة النووية المحدودة التاثير (المطوّرة) من قبل دول كبرى في حروبها الجارية منذ عقود وحتى اليوم، وفق تقارير المنظمات الدولية سواءا العائدة للأمم المتحدة او للصليب الأحمر الدولي ومنظمة العفو الدولية ومنظمات مراقبة حقوق الأنسان وغيرها.
وفيما يسعى متخصصون ويتساءل عديدون عن كيفية ومدى فاعلية آليات التحديد والتحريم وصلاحيّتها لعالم اليوم، الذي ترى اوساط واسعة فيه .  . تخلّف آليات منظمة الأمم المتحدة وقصورها في تحقيق السلامة البشرية في بقاع متنوعة في العالم، فيما يتساءل آخرون عن مدى قدرة وبالتالي الضرورة البالغة لتوصّل الأقطاب والأتحادات الدولية والأقليمية الكبرى الى توافقات وتفاهم للحيلولة دون مخاطر الأنتشار المضطرد للأسلحة النووية ولأسلحة الدمار الشامل، والاّ فأن الشعوب ستدفع اثماناً بشرية باهضة، جراّء سباق القوة والتسلّح وسياسات الهيمنة والأستبداد .  .  ومنها شعوب منطقتنا .
ويرى عدد من اصحاب القرار ومن المسؤولين، ان تلك المخاطر غير جدية او مبالغ بها او انها تخريف، دون متابعة او قصور في متابعة حقائق جرت وتجري على الأرض، سواء ما يجري تناولها في المحافل العلمية العالمية او من ما يجري حصرها في دوائر تعتقد انها صاحبة الحق لوحدها في تقرير حقيقتها ؟! في زمان تزداد فيه مخاطر استخدام الأسلحة النووية والشاملة في العالم وفي بقاعه الأكثر التهاباً تحديداً، بعد ان اخذت السيطرة (سيطرة الدول ذات العلاقة) تضعف او تتخلخل او تُعلّق . . سواءاً على تقييد انتاجها اواستخدامها وحصر نطاقها، وبعد انفلات قسم من تلك الأسلحة من سيطرة حتى تلك الدول لتنفلت عليها ذاتها، الى يد مجاميع كثيرة التنوع في اهدافها.
وتتراوح اهداف تلك الجماعات بين اهداف الزعامة والهيمنة، السيطرة من خلال الأستحواذ على الأسواق السوداء (او انشاء اسواق جديدة لها) لتحقيق اعلى الأرباح .  .  تلك الأسواق التي تتفاعل وتتداخل فيما بينها لتشكّل العالم السفلي (الغير المرئي، الغير قانوني وشبه القانوني) القائم على انواع المتاجرات الممنوعة ؛ من السلاح الخفيف والمتوسط والثقيل الى مكونات اسلحة الدمار الشامل ـ مواد مشعة، اجزاء قنبلة نووية وغيرها ـ ، الى المخدرات، الرقيق الأبيض، الخامات وعلى رأسها النفط واليورانيوم والماس، الى الفساد الأداري ومجاميع جيوش المرتزقة ( او المتحولة الى مرتزقة) . . الجاهزة لتلبية وتحقيق اهداف من يدفع اكثر !!
والى اهداف جماعات تحاول فرض معتقداتها وبناء انظمتها ذاتها بالقوة، وفي مقدمتها المنظمات التكفيرية والأصولية، اضافة الى المنظمات العرقية والشوفينية والنازية الجديدة، التي تغذيّها بيوتات مالية كبرى لأهداف ومشاريع ـ منها غير مرئي منهجياً ـ لتجني منها ارباحاً هائلة وفلكية، كفتح اسواق دول واقاليم عاصية امامها، على سبيل المثال لا الحصر .  .  غير مبالية بارواح الملايين، ولا بجهود البشر الهائلة والمضنية على طريق حياة وانسان افضل، في عودة خطيرة متوحشة الى منطق مجتمع الغاب. 
وتشير الوقائع والمستمسكات الى ان هناك سعي حثيث للجماعات الأرهابية للحصول على، او في محاولة بناء وتصنيع اسلحة نووية او في سعيها لصنع الأسلحة الكيمياوية، كما اشارت وتشير المستمسكات التي ضبطت في مقراتها سواء كانت في الشيشان، او في افغانستان، وفي مقرات انصار الأسلام في كوردستان العراق، الأمر الذي يشير الى ان التهديدات ليس خيالية.
وفي الوقت الذي اكّد فيه رئيس الـ سي آي أي السابق جورج تينيت، بناءاً على ادلة ملموسة قدّمها، وافادت ان " القاعدة " حاولت (وتحاول) مراراً الحصول على مواد نووية، في وقت سابق. فانه شرح في مطلع عام 2004 في افادته امام اللجنة الأمنية للكونغرس الأميركي اثر استدعائها له، كيف ان الهجوم على الولايات المتحدة الأميركية بالسلاح النووي يشكّل " واجباً دينياً " بالنسبة لأسامة بن لادن، وفق عديد من الأُثباتات التي اقتنعت بها اللجنة (2).
وقد ازدادت قناعات الجهات ذات العلاقة بان هناك تهديد جدي، بعد ان تأكّد بحث " القاعدة " وسعيها المتواصل للحصول على الأسلحة النووية من خلال المستمسكات التي تم الحصول عليها ونشرتها الواشنطن بوست، التي وثّقت احداها تفاصيل لقاء " القاعدة " مع الخبيرين النوويين الباكستانيين، الذي استمر ثلاثة ايام في آب 2001 بحضور اسامة بن لادن والظواهري من جهة واثنين من كبار الخبراء اللذين عملا في مواقع قيادية في البرنامج النووي الباكستاني في السابق، حين وثّقت سؤال بن لادن ومساعده وبتفاصيل،  سؤالهما السيدين " سلطان بشيرالدين " و " عبد المجيد " عن كيفية الحصول على الأسلحة النووية، الكيمياوية والبيولوجية(3). 
 وقد اشار الخبيران النوويان السابقان اثر التحقيق معهما، الى ان قياديي القاعدة عبّرا عن ان القاعدة تستطيع الحصول على مواد نووية من الحركة الأسلامية في اوزبكستان، وان الخبيرين اجابا بعد نقاشات مستفيضة مع مسؤولي القاعدة، بان تلك المواد تصلح لصنع قنبلة مشعة (قنبلة قذرة). واضاف الخبيران ان الظواهري  طلب منهما (من الخبيرين) تجنيد خبراء بعدد ومهارات كافية تستطيع القاعدة ان توفر لهما المواد الضرورية لصنع قنبلة نووية (4)، (5)، (6) . ومما تقدّم، اضافة الى قرائن وادلة متنوعة، توصل الخبراء العسكريون والمعنيون ان القاعدة قطعت شوطاً في ذلك السبيل.
ويرى خبراء الناتو اضافة الى خبراء متنوعين، ان هناك ثلاثة مصادر اساسية تستطيع منها القاعدة وغيرها ومنظمات الأرهاب المتنوعة، ان تحصل على الأسلحة النووية منها، وهي :
اولاً : مخزونات جمهوريات الأتحاد السوفيتي السابق التي شكّلت وتشكّل اهم المصادر المحتملة للأجسام النووية وللمواد الأولية القابلة للأنشطار، بعد ان سجّل فقدان مواد نووية ومشعة من جمهوريات الأتحاد السوفيتي السابق لسبع مراّت منذ نهاية الحرب الباردة وانحلال الأتحاد السوفيتي .  .  بسبب ضعف الحراسات، غارات لأجل السرقة، اضافة الى التهريب والفساد الأداري (7).
ثانيا : السوق النووية السوداء، التي عبّر " ابو القنبلة النووية الأسلامية " ، العالم النووي " عبد القادر خان " بكونه احد المسؤولين عن انشائها (السوق) للحصول على المواد والأجهزة الضرورية لتخصيب اليورانيوم لبناء مشروعه النووي وتغطية نفقاته وللحصول على ثروات فلكية من الدول والجهات الراغبة فيها على حد اقواله، ذاكراً في ذلك دول ؛ كوريا الشمالية، ايران وليبيا، ولأجل كسر احتكاربيوتات بعينها لتلك المواد (8).
ثالثا : دول تدعم منظمات ارهابية .  .  حيث نبّهت قوات المنظمة الدولية لمنع الأرهاب النووي منذ عام 1987 الى ضرورة حساب تزايد احتمالات الضربات الأرهابية النووية من خلال سلوك وعلاقات عدد من الدول التي تدعم منظمات موضوعة او محسوبة في قائمة الأرهاب الدولي العائدة لها، التي ورد ذكرها آنفاً، وغيرها (9).  (يتبع)

د. مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
راجع دوريات المكاتب المتخصصة للأمم المتحدة لسنوات العقد الماضي، سلسلة الكتاب السنوي لمنظمة الأمم المتحدة للسنوات 1996 ـ 2005 . باللغات العربية والأنكليزية.
دانا بريست " تحذيرات تينيت من تهديدات القاعدة " ، الواشنطن بوست، 25 /2 / 2004 .
كامران خان ومولي موري / " الباكستانيون يقولون ؛ بن لادن يدعو خبيرين نوويين " ، الواشنطن بوست، 12 ديسمبر 2001 .
اسار احمد / حول مواجهة الأرهاب (الأسلامي) . 
كامران خان، " الباكستان تطلق خبراء نوويين بمناسبة نهاية رمضان" / الواشنطن بوست، 26 ديسمبر 2001 .
ريتشارد كلارك، كتاب " ضد حرب الجهاد " ، هوفمان و كامبه  2005 .
كراهام اليسون ؛ الأرهاب النووي : " تصورات لكارثة يمكن تجنبها " ، نيويورك 2004 .
" ’خان، ابو القنبلة النووية الأسلامية " ، بين : اسلام آباد/ امستردام / جنوب افريقيا / الصحراء الأفريقية/ كوريا الشمالية، ليبيا وايران .  .  سلسلة وثائق عن / اي آر تي يي باللغتين الفرنسية والألمانية / ايلول 2005 .
راجع كراهام اليسون في نقطة 7 السابقة .


(*) راجع مقال الكاتب    " هل يتهددنا الخطر النووي والشامل .  .  ؟  " في صحيفة " رؤية " العراقية . [/b] [/font] [/size]

258
وحدة القرار العراقي، لمواجهة الأحتكارات النفطية !!

د. مهند البراك

تزداد صراعات الأحتكارات النفطية الكبرى وعلى رأسها الغربية منها ضراوة . . الصراعات التي لاتعرف رحمة ولاتعرف حدوداً لاجغرافية ولا اخلاقية او وعوداً. الأمر الذي تزايد خطورة  بعد ان التفت الأحتكارات على دوائر الحكم في دولها الصناعية الكبرى وصارت تمارس ضغوطات واضحة على صنع القرار السياسي فيها، للسير في سُبُل تحقيق اقصى الأرباح الأنانية لها من جهة، او الذي تزايد بعد ان صارت هي بذاتها جزءاً هاماً من دوائر الحكم وصنع القرار كما في المجمع الصناعي العسكري النفطي المالي في الولايات المتحدة الأميركية، من جهة اخرى . 
   وفي بلادنا التي لعب النفط فيها ويلعب الدور المقرر الأساسي، منذ تحديد حدودها ونوع دولتها و تحديد سياسة الدولة ومكوناتها وعلاقاتها ودورها في المنطقة (1)، ثم في مسارها اللاحق بنجاحاته و اخفاقاته، سواءاً بانتصار ثورة 14 تموز عام 1958 ، اوفي انقلاب الردة  في 14 رمضان  1963 الذي جاء رداً على صدور قانون رقم 80 الذي ثبّت لأول مرة حقوق البلاد النفطية في الأتفاقيات، حين عملت الأحتكارات على الغائه مستغلة فرقة وتناحر القوى العراقية  . . الى صراعات الأحتكارات النفطية المخفية والعلنية في زمان حكم الأخوين عارف، التي كانت تسعى الى مواجهة تنامي وتقارب نشاط القوى الوطنية السياسية المعارضة لها بالوان طيفها السياسي، القومي، الديني، الطوائفي وخاصة بعد تزايد تقاربها، وحصولها على مكاسب فرضتها ارادتها آنذاك(2) . . التي كانت تتبلور في المطالبة بحقوق نفطية عادلة وفي ترشيد صرف عوائد النفط في البلاد .
   الأمر الذي اثار الأحتكارات النفطية وخاصة الأنكلواميركية، وغملت على ايجاد نظام حكم سياسي جديد يضمن مصالحها ويستطيع الوقوف امام تلك (التحديات)، في زمان وموازنات سياسية عالمية ومنطقية لم تكن لصالحها من جهة، وبسبب تزايد دور منظمة اوبك لصالح دولها وتحقيق نموها ورفاهها . . فكان المجئ الثاني لحزب البعث الصدامي بـ (ثورة بيضاء) عام 1968 بعد اضعاف واسكات وسكوت والضغط على قسم من القوى العراقية، وقبول البعض الأناني عروضها . . المجئ الشؤم الذي انتهى بالكوارث الهائلة التي كبّد بها البلاد والمنطقة . 
   وفيما يكشف ما معروف، الحجم الكبير لمساحة مناورة الأحتكارات النفطية التي صار ملعبها كل المنطقة والعالم اجمع بطرق غاية بالتنوع علنية وسريّة ـ مباشرة وغير مباشرة ـ من جهة، وصار تحقيق اعلى الأرباح لها لايتحدد فقط بعمليات الأستخراج في بلداننا النفطية، وانما بها وبـ : حجم ومساحة الأستثمارات، نقل وتوصيل النفط الخام الى المراكز الصناعية، بورصات النفط، احتكارات تكرير وتصفية النفط وتصنيع مشتقاته، احتكارات اسواق بيع النفط وتسعيره وغيرها من جهة أخرى . .
   وقد ازدادت مساحة مناورتها بسيادة منطق السوق الفوضوي والعنف وتفاقم محاولات المجمع الصناعي العسكري النفطي المالي الأميركي في الأحتكار والسيادة، وبدخوله على رؤوس اموال عديد من الشركات المتعدية الجنسية التي تحمل اسماء جنسيات أخرى كعدد كبير من شركات النفط الدانيماركية والفرنسية على سبيل المثال لاالحصر، اضافة الى غالبية الشركات التي تحمل اسماء استثمارات اهلية او خاصة او مشتركة .
   الأمر الذي يطرح الأهمية البالغة لضرورات ابتعاد الموقف الوطني عن سياسة اللاءات المطلقة دون توفير البدائل والحلول الممكنة، على اساس علمي وذي جدوى اقتصادية واقعية، رفض التطرف والنظر والتعامل بمنطق اسود او ابيض، ورفض منطق كل شئ او لاشئ . . في صراعات تتطلب الركون الى التمسك بالمبادئ على اسس : المرونة، العلم والتخصص، الأمكانيات الواقعية لتحقيق نجاحات تحتاجها البلاد في ظروف توازن وتنوّع وتعدد اقطاب السوق. اضافة الى التمسك بالحقوق الوطنية بمفهومها القانوني وتطوّره، وامكانات وكيفية تفاعلها مع العالم الصناعي، ومع نتائج احقاق الحقوق ـ او السير عليه ـ  في ايجاد حلول لمشاكل البلاد صاحبة الثروات الخام، وكونها خامات (3) .
   واليوم . . وفيما تصف اوساط دولية واقليمية حسنة الأطلاع مشاريع اتفاقات النفط (المشاركة في الأنتاج) والتي اعدتها الأحتكارات النفطية الأميركية والغربية (4) وتطرحها على الحكومة العراقية للموافقة عليها بـ " سرقات القرن الجارية في العراق " !!  وحيث تقدّر " غلوبال بولس فورم " فيها ان العراق سيخسر 74 ـ 197 مليار دولار سنوياً ولمدة تصل الى (40 ) عاماً (5) . وفيما تحذّر من ان موافقة الحكومة العراقية بنتيجة الضغط عليها، ستكون سابقة تستند عليها الأحتكارات الأميركية والغربية وتضغط بها على موازين وعقود النفط في منطقة الخليج النفطية كلّها، تحت طائلة امكانات قوة ضغوطها الدولية المتنوعة كما مرّ .
   فأن الأحتكارات النفطية تستغل الواقع العراقي المأساوي الصعب، وتستغل انصراف اوسع الأوساط العراقية الى تدبير امورها وحياتها بسبب العنف المنفلت، وانجرارهم وانشغالهم بالنزاعات الطائفية وبمحاولات تفسير الماضي السحيق لتثبيت احقية من ومظلومية من، وانصراف اوساط الحكم لحل مشاكلهم بينهم، وانشغال اقسام مخلصة منها ببذل الجهود لمكافحة العنف والأرهاب، ولأستقرار البلاد على اساس عراق برلماني فدرالي موحد وعلى اساس تساوي الأنتماء للهوية الوطنية .       
   وتحذّر اوساط واسعة بضرورة الأتعاظ بتجارب 1958 ، 1963 ، 1968 آنفة الذكر وكيف وظّفت الأحتكارات تصدّع الصف الوطني لأمرار وتنفيذ مخططاتها . . التي تحاول بضراوة تنفيذها الآن من خلال الأختلاف في قضية الفدرالية من جهة، الموقف في تفسير الفدرالية وغيرها، وفي قضية توزيع العائدات النفطية الوطنية داخلياً وترابط قضية الفدرالية فيها. . وباللعب على طرف ضد آخر، وفق متطلبات مصالحها.
   اضافة الى محاولاتها المحمومة للأستفراد بالعراق الضعيف حالياً ومحاولاتها فرض تلك العقود
بـ (تمريرها الآن)، وبشروطها المجحفة التي ترهن ثروات البلاد وتعرّضَها الى كوارث قادمة كعادتها فيها(6) من جهة اخرى، (متناسية) ان الصراعات الطائفية المسلحة والوضع الصعب القائم في البلاد، لم يتكوّن دون نشاط دوائرها وليس دونه يستمر في التعقّد .  . من خلال الضغوطات الدولية والأقليمية التي تعمل على تباعد اطيافها بعضها عن بعض، وعلى محاور ليست غير مدروسة. وبعد ان أُشغلت واختفت كفاءات عراقية هامة من مسرح الأحداث، وحيث تنشغل اوساط متنفذة بسرقات وفساد اداري وبتهريب النفط (7)، لتحقيق صفقات عمر قد تحققها الأحتكارات لها بعمولات كانت قد انتظرتها اوساط، ولاتزال اخرى تنتظرها !!
   في وقت (نسيت) اوساط مسؤولة، تحميل ادارة الرئيس بوش نفقات الحفاظ على الأمن والأستقرار التي بلغت عشرات المليارات، باعتبارها ادارة الدولة المحتلة التي تتحمّل نفقات اعادة بناء وتعويض الأضرار التي تكبدتها البلاد ومواطنوها بسبب الأحتلال ومن جراّئه، وفق قرارات معاهدة جنيف المعمول بها من قبل منظمة الأمم المتحدة، اضافة الى حق الدولة العراقية بالمطالبة بالزام الدول المشاركة في استمرار الأعمال العسكرية وفي استمرار وتعمّق الأوضاع اللاأنسانية القائمة في البلاد، على تغطية نفقات البناء المقبل، وحقها في البحث عن دول ومحاور اقليمية ودولية تساعدها على استعادة حقوقها آنفة الذكر.
   وفيما تضع اوساط، القادة ومؤسسات الحكم من حكومة ومجلس نواب والقوى المشاركة في العملية السياسية، على المحك من اجل وحدة القرار الوطني العراقي . . تدعو اوسع الأوساط وبالحاح جميع الكتل النيابية والقوى والشخصيات الوطنية والعلمية والمتخصصة والقادرة، المراجع الشيعية والسنية والمراجع المتنوعة الأخرى داخل وخارج مجلس النواب الى الدفاع عن القضية الوطنية الكبرى في مواجهة الأحتكارات النفطية الغربية بـ :
   التحذير من إقرارها بصيغتها الحالية كصيغة للتعاقد مع الشركات النفط الأجنبية، في ظروف البلاد القائمة، اعطاء فترة زمنية ضرورية لأعلان وتوضيح ومناقشة بنود مشاريع التعاقد النفطية تلك من جوانبها المتنوعة، اشراك الدول المصدرة للنفط وخاصة، الشقيقة العربية والأسلامية ودول اوبك لتكوين موقف منها لأنها في النتيجة ستمس مصائر ومصالح الجميع، من اجل ان تكون الحقوق الوطنية منصوص عليها بوضوح لايقبل اللبس، وعلى ان تكون العقود على اساس المنافع المتبادلة وليس اللصوصية، في زمان العقد الأول من الألفية الثالثة من عمر البشر. 

2 / 2 / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ ان شكّل بناء وشق سكة حديد قطار الشرق السريع نحو بغداد، احد ابرز اسباب نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، والذي جرى العمل فيه بعد ان تأكدت المديات الهائلة لخزين البلاد النفطي.
سواءاً بتحقيق قانون الحكم اللامركزي عام 1966 لحل القضية القومية الكوردية، الذي شكّل بداية هامة للسير نحو تحقيق حكم برلماني مؤسساتي . او بتحقيق انفراجة هامة في العمل النقابي العمالي والطلابي والجماهيري المطلبي من اجل تلبية المطالب الشعبية المعيشية ومواجهة غلاء الأسعار وغيرها آنذاك .
باعتبار ان المواد الخام لاتحقق بذاتها فوائد للمجتمع، لأنها لاتؤكل ولاتشرب، ولايستعملها المواطن في رفاهيته دون عمليات تحويلها، تصفيتها، تصنيعها وغيرها، التي تتوفر في الكيانات والمجمعات والبلدان الصناعية . . التي لايمكن للجانب الوطني الأنقطاع عن التعامل معها . 
التي اعدتها الأحتكارات النفطية الغربية، بتكليف شركة العقود الأمريكية " بيرينغ بوينت " . 
راجع غورينغ موتيت /     فوروم  تشرين الثاني  2005 . راجع صحيفة البيان الأماراتية، عدد 2 / حزيران / 2006
كربط دفع عوائد البلاد النفطية بعقود توريد السلاح التي تحددها هي منها .
راجع تقرير " المفتش العام لشؤون النفط  العراقي " ، في  20 / 5 / 2006 . [/b] [/font] [/size]

259
      
من اجل انهاء نظام المحاصصة الطائفية !
[/color]
                         د. مهند البراك

بعد ان بدأ الطاغية صدام باستفزاز الطائفية ثم باعتمادها للحفاظ على عرشه الدموي، عزّزت بالنتيجة النهائية ادارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الطائفية وثبّتتها كنظام حكم قائم على اساس المحاصصة الطائفية والعرقية، والتي تتكشف باستمرار ان الأدارة الأميركية آنفة الذكر، اعتمدتها منذ البداية كخطّة متعددة الأهداف، منها ما اخذت تتناقله الصحافة ووكالات الأنباء الأميركية والبريطانية والدولية القريبة من مراكز صنع القرار مؤخراً، من ان الطائفية اعتُمدت من قبل التحالف (كسلاح فعّال لأجتثاث حزب البعث) على حد وصفها .
   وفيما ادّت الحرب الى انهاء نظام حكم الطاغية، الذي افرح العراقيين باطيافهم، الاّ انها ادّت الى الأحتلال المستمر للبلاد، وادّت الى نتائج رهيبة من صراع دموي طائفي متفاقم ادىّ ويؤدي الى مزيد من الدماء والدموع والدمار، المهددة بزيادة تراكم صعوبات الأصلاح اكثر، و المؤدية الى مخاطر تزايد احتمالات تجذّرها في البلاد وفيما بين القوى الوطنية العراقية بكل اطيافها السياسية والقومية والدينية والطوائفية . .
   لتصبح الطائفية وكأنما هي مشكلة العراق الأساسية وليست الدكتاتورية الشوفينية العرقية ونظام الحكم الشمولي وقضية النضال من اجل الحريات السياسية ودولة القانون، و حقوق البلاد العادلة بنفطها وثرواتها، ومن اجل الديمقراطية وحق تقرير المصير وقضية السيادة الوطنية.  حتى وصل الأمر باطراف خيّرة ان تقترح ان يتحالف الشيعة مع السنة، والحال نحن العراقيون كشيعة وسنة ليست عندنا  المشكلة بهذا الحجم والدموية، بقدر كونها مسألة استحدثت من قبل النظام الدكتاتوري السابق، ويستمر عليها  للأسف النظام الحالي ان صح التعبير، بينما لم يعرف عن المجتمع العراقي ايمانه بهذا التقسيم.
   وترى اوساط واسعة، بان العراقيين لايحتاجون الى وحدة مذاهب وأعراق بل يحتاجون استعادة روحهم الوطنية، ووحدتهم  الوطنية التي تنأى بنفسها عن هذه التسميات الطائفية والعرقية ووفق فتاوي كبار المراجع والعلماء شيعة وسنّة، ومع كل الأحترام لخصوصيات الأديان والطوائف والقوميات الموجودة في العراق، وترى ان بدون ذلك التوجه، قد لايمكن الحديث عن خطط جديدة الآن. 
   لقد ادّت (سياسة الأخطاء) التي اتبعتها ادارة الرئيس بوش، الى غياب الدولة والى حكم الميليشيات المسلحة سنية وشيعية، ارهابية وسلفية، اجرامية ولصوصية . . في ظل حكومة صارت كمحصلة عاجزة حتى عن حماية حياة المواطن العراقي، اضافة الى عجزها كمحصلة عن تطبيق قراراتها التي تتخذها هي، بتقدير اوسع الأوساط العراقية والأقليمية والدولية .
   وفي زمان تستمر فيه ملامح (جمهورية الرعب) ان صحّ التعبير بل وتتفاقم، برايات ومسميات جديدة سواء كانت مخططة او غير مخططة او افرازاً لتركة ثقيلة، في زمن التسميم الفكري الذي لاينقطع لأسباب كثيرة التنوع . . تأتي الخطط العسكرية الأميركية الجديدة كمحاولة الورقة الأخيرة لأصلاح الوضع على حد تعبير الأوساط الحاكمة الأميركية ذاتها، تأتي في زمان اقتراب ذكرى انقلاب شباط الدموي الذي صادف في 14 رمضان عام 1963 الذي لم يراعِ مجرميه و(ابطاله) حرمة شهر رمضان المبارك (1)، واقتراب يوم عاشوراء  . . وتداعيات المناسبتين وكيف ستوظف ولصالح من ؟؟
   تتيه اوسع الأوساط الشعبية العراقية بين واقعها الدموي الرهيب وبين شعارات (المستقبل الزاهر) التي لم تثمر بعد، وهي ترى القوى التي تملك مصيرها . . بين الأكثر حركة والأكثر سرية، حملة فتاوي سرية وفتاوي معلنة، مضغوط عليها ومتفقة على مضض، وبين الحائرة والصامتة التي تنتظر . . في مسرح تقوده القوى الخبيرة والشركات الدولية ذاتها التي قادته في السابق بسلسلة انقلابات . . لتكوين (حياة جديدة) بانقلاب او حركة او تعديل مسار لاحق (ابيض) على انقاضها . ويأتي فيه قرار ادارة الرئيس الأميركي بوش بتعميق النهج العسكري بارسال قوات اضافية، مترافقاً بالأعلان الأولي عن مسودة " قانون النفط " وفق " نظام تقاسم الأنتاج" لأقراره !
   بدلا من اعتماد الحل السياسي الذي طرحه في وقت مبكّر . . القادة العراقيون الفاعلون كورداً وعرباً والذي استطاع مؤخراً فقط  وبعد جهد كبير ان يسير عليه السيد الطالباني رئيس الجمهورية في زيارتيه الى جمهورية ايران الأسلامية والى الجمهورية العربية السورية، فيما سار ويسير عليه السيد مسعود البارزاني رئيس اقليم كوردستان واستطاع تحقيق خطوات هامة عليه، رغم التهديد التركي الذي لاينقطع. فيما يقف السيد المالكي رئيس الوزراء وبتقدير اوساط واسعة في مفترق طريق ليس سهل في مدى نجاح دعوته للمصالحة الوطنية والغاء الميليشيات في الأشهر الأخيرة . . بعد ما يقارب اربع سنوات مدمّرة لاتزال تستمر بالأشتعال والألتهاب والتدمير .. اثخنت الناس تضحيات وجروح واتعبتهم وارهقتهم ، حتى صاروا يتعطشون لحياة آمنة سلمية . . بأي ثمن !!
   وفيما اثبتت السنوات الأربع الماضية، خطأ منطق ادارة الرئيس بوش العسكري المترافق مع نظام المحاصصة الطائفية، سواءاً كان في العراق في واقعه المدمّر، او في المنطقة او في داخل الولايات المتحدة الأميركية والذي تسبب بخسارة الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس الأميركي . . تتساءل اوسع الأوساط العراقية، الى اي مدى ستغيّر الأدارة الأميركية سياستها . . والى اي مدى سيستطيع العراق بناء دولته البديلة والسير على طريق عراق فدرالي برلماني موحد. 
   وترى ان الأساس في ستراتيجية الأدارة الأميركية الجديدة باعتبارها صاحبة اكبرقوة عسكرية في البلاد . . يتطلب منها، ان يدعم تحرّكها العسكري الجديد، عملية سياسية عراقية كثيرة التعقيد والمخاطر لتكوين كيان دولة عراقية هدفها نبذ الطائفية والعرقية والجهوية وبناء عراق مستقل، مؤسساتي يعمل لأحترام القانون، ويعمل على انهاء التمزق الدموي والفوضى. على اساس عملية سياسية لها ظهير عسكري، باعلان البدء بقيام مرحلة انتقالية، لأنهاء نظام المحاصصة الطائفية الذي لم يثبت قدرته على الأستمرار، وصار لايحقق الهدف منه كما مرّ  . .
   يكون فيها المجلس السياسي للأمن الوطني برئاسة السيد رئيس رئيس الجمهورية(2)، بعد تعديلات ضرورية واجراءات دستورية . . اعلى سلطة سياسية عسكرية عراقية لها قرارها المستقل في هذه المرحلة، تضم ممثلي ابرز الكتل النيابية والشخصيات والقوى الأساسية للتغيير( من داخل وخارج مجلس النواب) ومن القوات المسلحة، لأجل :
ـ التحرّك على مفاوضة القوى المستعدة للأنضمام للعملية السياسية لضم ممثليها اليه، حل الميليشيات باعتماد التفاوض والعفو ـ وتشجيع الأنقسام في جبهة الخصوم واستثماره ايجاباً ـ ثم اعتماد الحزم في جعل الدولة، هي الجهة الوحيدة التي تحمل وتجيز حمل السلاح وتحاكم وتحكم وفق اصول قانونية وقضاء مستقل.
ـ  حل حكومة المحاصصة الطائفية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية على اساس الكفاءة والنزاهة وعلى اساس تكافؤ الفرص وتساوي العراقيين بغض النظر عن القومية والدين والطائفة والجنس . 
ـ التنسيق مع القوات الأميركية على اساس الحاجة اليها  في الظروف العصيبة الحالية وعند الحاجة اليها .  .  . تمهيداً لجدولة رحيلها .
ـ اتباع العمل العسكري كجزء من عملية سياسية امنية اقتصادية معيشية متكاملة لأنهاء الحالة المأساوية التي لاتوصف باعتماد التحرّك السريع والحازم وتوفير التمويل الجيد وفق قوائم تدقيق، على اساس توفير ليس السلاح الضروري فقط، وانما الدعم المالي وتوفير فرص عمل سريعة . . وتوفير المستلزمات اللوجستية الأساسية من كهرباء وماء وتأمين وسائل اعلام وفضائيات سريعة . . واسكات وسائل الأعلام والفضائيات التي اثبتت مسيرة اربع سنوات ضررها وخطرها البالغ الى اشعار آخر . في ظروف تحتّم مواجهة مجتمع الأرهاب والميليشيات المنوّعة وتحكّم الجماعات المسلحة بالجموع، الحاجة الى اموال  وسلاح وتكنيك لوجستي من كهرباء واجهزة انذار، لمواجهة الأجرام والسوق السوداء والمافيات التي صارت تكدّس اموالا خيالية من اموال ابناء وبنات العراق.
ـ التمييز بين القضايا الداخلية والأقليمية، بعد التغير الجيوبوليتيكي الذي حصل في المنطقة بسبب الحرب واعلان الأحتلال وحل الدولة والجيش، وادى الى تدافع القوى المحيطة عليه، حتى صارت التدخلات الاقليمية السلبية في الشأن العراقي، تتزايد مؤدية الى مزيد من الانحدار نحو كارثة ادهى وامر.

24 / 1 / 2007 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين تولى الطاغية المعدوم اخطر مهمة واكثرها دموية فيه بحق ابناء وبنات العراق، وهي مسؤوليته عن الجــــهاز " الأكثر تخصصاً وسرية "  ، المسؤول عن قصر النهاية، راجع كتاب " اعداد دكتاتور ـ بيوغرافيا صدام حسين "  ، بالألمانية عن الأنكليزية بقلم نخبة من      المتخصصين والباحثين ـ كون كوغلين ـ دار ليست ، الطبعة الثانية 2002 .
(2) لكونه ثمرة الأنتخابات السابقة ويكتسب شرعيته منها . [/b] [/font] [/size]

260
هل يريدون انهاء العراق بنهاية الطاغية ؟!
[/color]
                           
د. مهند البراك

تسود اوساط واسعة من الرأي العام الدولي والأقليمي والوطني مخاوف وافكار تفيد باننا نعيش في ظروف حرب عالمية ثالثة باساليب مدمّرة من نوع جديد واشمل . . بعد ان استغربت اوساط وصعقت اخرى بالتغييرات العالمية الصاعقة التي حدثت وادّت الى انهيار احد القطبين الأعظمين بعد ان بقيت عواملها المنظورة وغير المنظورة تتراكم طيلة عقدين من السنين سبقتها.
   وفوجئت اخرى بنتائج تلك التغييرات، التي ادّت وتؤدي الى تغيّر العالم وموازناته وخطاباته وآلياته ورسائله في ظرف العشرين سنة الماضية، على محاور كثيرة التنوع تلتقي وتصطدم وتتفاعل حول . . الطاقة والنفط، العلوم والتكنولوجيا، الأنسان، العولمة ومفاهيم سقوط الحدود، الفوضى السائدة في العالم التي يدفع لها قسم على اساس (الفوضى البنّاءة)، ويواجهها آخر ويتأقلم فيها قسم ثالث .
   في وقت لاتزال لم تحسم فيه بعد ماهية شكل ومحتوى القطبية الدولية الجديدة ، ويتطوّر فيه الدور الأقليمي في قضية ملئ الفراغات السياسية والأقتصادية . . حيث ان اوساطاً أقليمية متنوعة ترى فيها فرص العمر لها ـ كما استغلتها وتستغلها غيرها ـ لتلعب ادواراً جديدة اقوى ولتكون لها حصصاً اكبر، على غرار ما جرى في تقسيم العالم في حقبات ماضية، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً .
   وفيما يؤكد فريق على ان كل تلك التغييرات لم تبدأ بالأنسان من الصفر، بل بكونها درجة اعلى على طريق الأنسنة والتمدن والسلم  . . يرى فريق آخر وخاصة الأقطاب الصناعية العسكرية النفطية انها حالة حرب عالمية جديدة يتصاعد فيها منطق القوة والعنف العسكري المتنوع، النظامي وغير النظامي ومهما كانت الرايات، سياسية ام قومية وتأريخية، او دينية وطائفية . . مادامت تسير نحو تحقيق اهدافها هي، بعيداً عن مصائر الشعوب وخاصة فئاتها الفقيرة والكادحة.
    وتؤكّد تلك الأقطاب بل وتشجّع على تصعيد العنف والدمار لتبشّر بمختلف الطرق والأساليب، بقرب ظهور مخلّص منتظر، سواء كان مسيحاً جديداً او (اماماً) . . باللعب على كلّ اطراف العنف  وبالدوس على قوى الفكر والتعقّل والسلم. خالقة بذلك توهانات شعبية واوهاماً وخيالاً واحلاماً اكثر وحشية وتدميراً، ليكون الحسم لقوى العنف الداخلية التي تستطيع السيطرة على الساحة ـ وتمسكها مهما كانت طريقتها!! ـ ، لتكون سيدة الحواسم التي تستطيع الأقطاب التعامل معها. . على منطق حرب الأفيون (1) قبل قرنين من الزمان .
   وضمن ذلك الأطار وانطلاقاً من ان القوى الأكثر تدميراً في ساحة الحرب، هي التي تتحمل الأساليب المتبعة في الحرب وتتحمّل مسؤولية حالة النزيف الهائل الذي لاينقطع في البلاد، يرى اغلب المراقبون والمعنيون ان الأدارة الأميركية الحالية، القاعدة الأرهابية، والأوساط الأكثر تطرفاً في جمهورية ايران الأسلامية، هم المسؤولون الأساسيون عن الواقع العراقي المدمّر، وعن محاولات تغييب القرار العراقي بكل الوسائل والسبل،  وسواء كان ذلك في التوقيتات او بانواع الحيل و(الأخطاء).   
   حيث تُطرح مشاريع وتُتخذ اجراءات مصيرية وكأنما لايوجد هناك كيان عراقي سواء كان كيان دولة او شعباً و قوى سياسية، اومكونات شكّلت وتشكّل معاً الطيف العراقي المتفاعل الذي تناغم معاً منذ عصور ما قبل الميلاد مرورا بكل التغييرات والنكبات والأنتصارات والعزّ والجروح والظلم ومقاوماته والثورة  . .
   الكيان الذي بعد ان ساد وطغى وتراجع، قُطّع واعيد بنائه وصار دولة العراق بالتزامن مع تحديد دول المنطقة العربية وغير العربية بعد ان قُسّمت تركة الرجل المريض، بتحديدات بحبر ازرق واحمر واخضر وبخليط (2) يصلح لتسكين المنطقة واثارتها او اثارة اجزاء منها عند الطلب او عند العصيانات والأنفجارات الشعبية، لتملقها او لمواجهتها . 
   ان حركة الأستقطابات والدفع بتصعيدها بالمواجهات المتواصلة في بلادنا، ادّت وتؤديّ الى تزايد استقطابات المنطقة والى اصطفافها على اسس طائفية سنية شيعية لطمس حقائق طموحات وحلول ازمات الأقطاب الصناعية العسكرية الدولية والأقليمية . . باثارة واستحضار نعرات تاريخية كانت نائمة او في طي النسيان، بعد ان صار لاحاجة لها ولا فائدة منها، في زمان تطمح فيه شعوب المنطقة كغيرها من شعوب الدنيا الى العيش بسلام وامان وبالحد القانوني والمقر والمعمول به من حقوق البشر ...
   وفيما يعلّق العراقيون باطيافهم الآمال على الأتجاهات المعتدلة لدى فرقاء الصراعات الداخلية، للتوصل الى تنازلات متقابلة من اجل التوافق والسير معاً، يرى القسم الأكبر من المتخصصين والمراقبين الدوليين، ان العراق لن ينتهي ككيان موحد، بل سيثبت ويبقى على اساس كل الأسس التاريخية والجغرافية والأثنية والدينية والطوائفية والمنطقية، وعلى اسس مصالح القوى العظمى الطويلة الأمد، والمصالح الأقليمية ومصالح دول المنطقة ودرجات توازنها، واثبته واقع اربع سنوات دموية وحشية عسكرية حتى الأسنان ومن مختلف الجنسيات على ارضية عقود طويلة مظلمة لطاغية دموي .
   وان الصراع العنيف الجاري ورغم كل الشعارات والمزايدات التي تتبرقع بها قوى العنف، ورغم درجات من صراحة علنية واخرى هامسة . . كونه يدور على مصالح القوى العظمى والأقليمية وقضية من يقود وكيف وبأية آلية وشطر من تتحقق الأرباح . . المتداخلة والمتشابكة على قضية ترتيب البيت العراقي وقواه.
   ترتيب البيت الذي لايمكن ان يكون بعد نهاية الطاغية، الاّ بانهاء النزيف والدمار الذي لانهاية لتنوعه، على اساس انهاء الميليشيات، المصالحة الوطنية وتقديم المجرمين للعدالة، انهاء حالة الأحتلال المركّب والتلويح به سواء كان اميركياً او ايرانياً، تركياً او غيره. وعلى اساس احترام السيادة الوطنية ودعم كيان الدولة العراقية وقواها المسلحة، وسد الطريق على المحاولات المحمومة لجعلها ساحة لصراع الآخرين او موقعاً لمهاجمة الآخرين، وبتوافق المكونات العراقية على تعديلات دستورية تتفق مع تطلعاتها وحقوقها للمرحلة التاريخية القائمة، بعد اربع سنوات دموية وحشية اثبتت استحالة تحكّم مكوّن عراقي واحد ببقية المكونات، وطرحت التسامح طريقاً اوحداً لعراق برلماني دستوري موحد، يستطيع مواجهة التحديات في ظروف منطقة وعالم متلاطم.

19 / 1 / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حرب الأفيون التي شنتها الجيوش الأمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر، على امبراطور الصين للسيطرة ولأحتكار تجارة المخدرات . . والتي يعتبرها المؤرخون بداية حقبة الرأسمالية الأمبريالية .
راجع ارشيف خرائط مكتبة المتحف البريطاني .[/b][/font][/size]

261
ماذا يعني اعدام الطاغية صدام ؟
[/color]                        
د. مهند البراك

اعدم قطب الجريمة الأول ومؤسس دولة عصابات الأجرام، الذي ربط البلاد بالعالم من ابوابه الخلفية، حين ربطه باقطاب الجريمة والسوق السوداء والعسكرتاريا والحروب، وانشأ حكم الجريمة المنظمة في العراق . . بعد ان زاوج الجريمة بالسياسة وبالقانون والدولة،  وادى بدولة العراق الى ان تكون دولة الجريمة التي سممت المجتمع ومسخته، باشاعة الرعب المنظّم اليومي وبتحطيم الضمير والأخلاق طيلة 35 عاما .  .
ورغم ملابسات مرفوضة جرت، واعتراضات على تنفيذ الحكم نبعت اساساً من رفض الوجود والمنطق الأميركي في المنطقة، ومن الخوف مما يحمله مستقبل غير واضح ينبئ بمخاطر مستمرة اخذة بالتزايد، بعد ان نال الدكتاتور محاكمة علنية لم يحلم بها، استمرت اكثر من عام وغطّت جزءاً قليلاً من اجرامه الهائل الذي كبّد به البلاد والمنطقة، وشكّلت ـ مع ظروف الأحتلال وعدم الأستقرار ـ كما لو كانت عملية اعادت تأهيله وادت الى رجوعه الى مسرح الأحداث، بشكل اثار القلق والخوف على مصير البلاد واهلها.
   فأن اعدامه يعني اعدام قائد جبهة الجريمة التي يتوزع رجالها على قوى المسرح السياسي القائم، ويتوزع نفوذها الأجرامي فيها بصورة تدرجت من التاقلم والتعايش فيها، الى التأثير عليها، بما لديها من ذوي علوم ومعارف اجرامية وتخريبية درّبوا عليها، ولأمتلاكها لأرشيف معلومات دولة مخابراتية عن البلاد والمنطقة والأشخاص، والذي تستطيع من خلاله التاثير وتهديد اي ذي شأن او وظيفة او دور يسعى لتحقيق تقدم او انفراجة في البلاد على انقاض الدكتاتورية .
   وفيما يرى كثيرون ان اعدامه يشكّل بدء عودة الى الواقعية بعد ان صار كما لو كان اسطورة مخيفة، من اساطير الأرواح الشريرة التي عشعشت وسممت الحياة والفكر في العراق، بالقمع والأرهاب والعذاب اليومي والحروب والموت الجماعي الذي لم يكن يعرف حدوداً. وانه وجّه ضربة كبيرة الى عصاباته والى اصابتها بنكبة كبيرة، ان احسن الأستفادة من نتائجها الهائلة .
   يرى آخرون، ان عملية اعدام الطاغية التي نقلت على الشاشات، قد كشفت حقائق جديدة عن ماهية جوهر آليات ومنطق الحلقات السرية التي حكمت والتي يبدو انها لاتزال تحكم العراق، بعيداً عن كلّ الديكورات  . .  بل كشف عن استمرار ـ ان لم يكن تصاعد ـ دور الأقبية السرية التي قررت وتقرر مصير البلاد وطبيعة حسم صراعاتها الأساسية . .  من حيث السرعة والتهريج والفرض والأوامر والأسكات والكاميرات العلنية والخفية، والسكوت وسرعة التلون . .
   في قاعات شكّل ويشكّل المسيطر بالقوة عليها وعلى اثاثها ومكوناتها وشكل بنائها وماهية حبالها .  . الجواب على ان كيفية سريان وحسم الأمور في البلاد لايزال يجري في موازنات قوة في ليل بهيم، رغم كل الدعوات للديمقراطية ولبناء عراق جديد، ورغم كل التضحيات السابقة واللاحقة، كما لو ان حقوق المواطن محصورة في " مواصلة الحياة " التي لاتزال تستمر بكونها هي لاغيرها ماكُتب على العراقيين ولايزال، حتى الآن .   
   وهنا لابد من التذكير بأن، بعد انتصار قوى الخير في العالم بتحريم عقوبة الأعدام، انتصاراً وانحيازاً لمفهوم وحكمة الحياة والتمدن وانتظاراً لحقائق جديدة قد لم تتوفر، وعلى ان لايعالج الخطأ بخطأ والجريمة بجريمة . . الاّ ان الطاغية استمر بقمع معارضاته بالموت بلا هوادة وبمنطق ازداد وحشية وديماغوجية عما مضى، فتحت رايات ( الديمقراطية والثورة والأبعاد الأنسانية في مفهوم القائد)، استغنى عن عقوبة الأعدام بالتخلص من معارضيه الشعبيين ومنافسيه بالأغتيالات والخطف والتضييع بداية، والتي طالت كل القوى والأحزاب وكل اطياف البلاد، واكتفى باعلان تلك الأحكام ان خدمت اهدافه في التقرّب للناس، بل وارعب الناس بعرض ضحاياها في ساحة التحرير. 
   لتصبح بعدئذ عقوبة الموت في زمانه الكريه، عقوبة رسمية بل واكثر العقوبات واسرعها تنفيذاً، لتزداد افقياً وعمودياً بالحروب وبخطط تأطير المجتمع، ثم لتصبح سياسة يومية (عادية) اجهزت على ارواح ونفوس الملايين وطالت حتى النساء، وسط تشجيع او تفرّج القوى العظمى و(القوى الأنسانية العالمية والأقليمية والعربية).
   لقد فرحت اوسع الأوساط العراقية ومن كل اطياف البلاد السياسية والفكرية والقومية والدينية ، بموت الجلاد الكبير رغم القلق الذي تم ذكره اعلاه، بعد ان جعل الموت جزءاً لايتجزأ من حياة المواطن اليومية ومن قبل (الدولة وقوانينها) وبكل الوسائل وبلا رادع من ضمير او مصالح . .  ليضمن استمراره الأناني الحقود جالساً على كرسي حكمه، مستمراً بضحكاته الأستهزائية المجنونة، الذي استمر جالساً عليه رغم اغراقه معارضات وانتفاضات الشعب بالدم ورغم غزوه بلدان الجوار بل ورغم حصار الدول العظمى وجيوشها (عليه) !! في مشاركة ومساهمة دولية واقليمية فاعلة مخططة وغير مخططه، لجعله اسطورة وشيئاً خيالياً، اوهم الناس واثار تساؤلاتها المدمّرة، هل هو قدر العراقيين ام عقوبة الخالق لهم ؟ ام ماذا ؟ ومن هو ليسكت اشقاء الدين والقومية والعالم عنه ؟؟ 
   لقد مات طاغية العراق بعد تنفيذ قرار الحكم عليه وفق الأصول القانونية وبعد محاكمة اصولية علنية لم تشهدها البلاد منذ اكثر من نصف قرن. وبعيداً عن كل الأعتراضات ووجهات النظر . . التي تكبّل بها العراق لايمكن القول، الاّ بانه استحق الحكم بالموت عليه، الحكم الذي اعتبره هو ارحم الأحكام بعد ان افجع العراقيين رجالا ونساءاً شيوخا واطفالاً يوم اسس وفتح ابواب جهنم عليهم بتأسيسه لـ (حكم القانون) الذي لم يكن في عهده الاّ (ورقة يوقعها صدام حسين)، كما عبّر هو بذلك علنا .
   لقد مات ميتة اصولية كان يتمناها كل عراقي لنفسه في زمانه الشرير. . بعد ان جفف مآقي دموع العراقيين واذاقهم دماء وعذابات وذلّ، وبعد ان قتل البشر والزرع والضرع والطير، وجفف وسمم اراضي العراق وحوّله الى خربة صار كلّ يدّعي بحق له فيها، ويرسم لها الخطط  لتقرير مصيرها دون استئذان اهلها !!
   مات ببرود الموت رغم الضجيج المفتعل . . بعد ان امات كلّ شئ في البلاد بما فيه حزبه الذي اساء ومسخ اعضائه ووجد نفسه في الموت الذي صنعته يداه لاغيرها كأي قاتل محترف احترف القتل والموت والكذب والخديعة  .  . ولم يمت ميتة رجال سعوا لعز ورفعة العراق واهله باطيافهم من موقع الحكم وفق ما اعتقدوه صحيحاً للبلاد . .  وبعد ان عاشت وتعيش ارواح قادة الشعب المضيّع والمكبّل واغلبهم بلا قبر او ضريح يزار او بقبور بنيت لهم بعد سنين من جهود ومخاطرات لأبقاء شئ من بقاياهم ليكون مزاراً وتيمّناً .
      والآن وبعد ان وظّف الدكتاتور ثروات العراق الخيالية في تسميم الفكر والروح باسطورة القائد الدكتاتور الذي لايموت، التي ادخلت الناس عالم الأساطير والخيال والجن وقراءة الفنجان، التي لم تزدها  كل التغييرات الصاعقة شبه الخيالية شبه الأسطورية التي تتالت وتكالبت على البلاد، الاّ استفحالاً .     
   يشكّل الأسراع باعدامه اثر استلامه من الأميركيين في ظروف البلاد واحتقاناتها الأمنية والفكرية والنفسية، خطوة عملية هامة للبدء بحسم حالة الضياع والخوف والتردد واخطاء الحسابات، وصفعة قوية لمن يسعى لأستغلال الواقع المؤلم القائم سواء كانوا اميركيين او اقليميين او عراقيين .  . لتهريبه وانقاذه
وتجييره كما لو كان ممثلاً وناطقاً باسم طائفة السنة التي لاتتشرف به .
   وهي مناسبة هامة لفتح صفحة جديدة بين القوى العراقية الفاعلة عرباً وكورداً وتركماناً، اسلاماً ومسيحيين، سنة وشيعة وكل طوائف البلاد الأخرى ، لتأسيس وحدتها الوطنية على اساس السيادة الوطنية لعراق موحد والحكم الذاتي على اسس فدرالية لكوردستان، وفق اسس النظام البرلماني الدستوري وعلى اساس الهوية العراقية المتساوية لأبنائه رجالاً ونساءاً .
   ومن اجل تكوين المستلزمات الضرورية لمواجهة عدم وضوح السياسة الأميركية التي تحاول ان تجعل القوى العراقية في حالة قلق تسلبها الأرادة الضرورية لمواجهة التحديات، وتؤدي برجالها الى التهرب من تحمّل المسؤوليات، الذي لن يقود الاّ الى ضياع ودمار ادهى وامر .

3 / 1 / 2007 ، مهند البراك [/b] [/font] [/size]

262
المشروع السياسي الوطني كبديل للطائفية والمحاصصة !
                     1 من 2
   [/color]   
د. مهند البراك

   في الوقت الذي ادى الأحتلال وسلوك الأدارة الأميركية وواقع حال القوى العراقية الى اضعاف الدولة العراقية .  . فان المحيط الأقليمي سعى ويسعى الى ان تكون الدولة العراقية ضعيفة ليسهل ابتزازها وتوظيف ثرواتها لها، مهما تنوعت الدعوات. الأمر الذي ادى بمجموعه الى ان يكون كل طرف من اطراف المحاصصة دولة داخل الدولة باشكال متنوعة، له موارده وجهات دعمه، اضافة الى اذرعه المسلحة سواء كانت تحت غطاء مؤسسات حكومية او كميليشيات. الأمر الذي ادى الى غياب وضعف المشروع الوطني رغم جهود متنوعة مخلصة، والى استمرار التدهور رغم انتهاء الدكتاتورية .  . 
   ليصل الى ان خطراً كبيراً يأتي من تدهور الشعور بالأنتماء للأمة العراقية وللوطن العراقي الواحد، تحت سياط القتل والتدمير اليومي واستمرار شلل الحياة الأعتيادية في البلاد، وليصل الى ان استمرار تدهور الأمن اخذ يؤدي الى ان مكونات البلاد كلها صارت تحس وكأنها مهددة بوجودها وصارت اقسام منها تستعد للمواجهة واقسام اخرى تبحث عن ملاذ آمن لها .  . او تخشى على ملاذها الآمن النسبي ان تحقق، مؤديا الى تكوين حالة من الخوف والقلق والأستفزاز، التي لايمكن ان تكون الاّ تهيؤاً لاارادياً يمكن ان يؤدي الى انفجارات عاصفة ادهى وامر ....
   وفيما تتصاعد وتيرة المطالبة بالسيادة الوطنية على اساس المواطنة، ومن اجل توفير مستلزمات  جلاء الأحتلال، وتبذل جهود كبيرة لتقارب الطاقات العراقية ولبث النشاط في مكوناتها وتفعيل تأثيرها ان توحدت على اساس وحدة الخطاب العراقي بداية .  .  اصطدمت غالبية العراقيين بمشروع بيكرـ هاملتون الذي صعّد حدّة التوترات والتطرّف وغطىّ على النتائج الكارثية، وعلى خطورة نهج نظام المحاصصة الطائفية الأثنية . . لأنها شمّت فيه رائحة بدء مرحلة جديدة قد تكون اخطر.
   لقد اشبع نهج المحاصصة الطائفية البلاد من جنوبها الى شمالها بالمحاصصات التي صارت كما لو انها هي الهدف الأساسي من اسقاط الدكتاتورية الدموية، النهج الذي فيما تسبب في اندلاع حرائق جديدة في البلاد، اخذ يلعب دوراً اكثر خطورة في تزايدها واتساع دائرة تأثيرها المدمّر حتى صار شئنا ام ابينا جزءاً لايقل خطورة عن دور العصابات الطائفية والأجرامية والقاعدة، وعن دور الفساد والسرقات والسوق السوداء . . السائرة جميعاً في تناغم بشع لاينتج الاّ المزيد من الدمار عراقيا واقليمياً .
   وفي خضمّ الواقع البشع الطاغي الذي تكوّن بفعل ذلك النهج، تنسى وتتناسى اوساط تتسع، ان ما يجرى لايمكن ان يكون الاّ استمراراً لنهج ومنطق الدكتاتور البائد، وانه قد لن يؤدي الاّ الى فرش الأرض امام خلق دكتاتور جديد، مهما حوّرت اطرافه المتنفذه واساءت للأديان والطوائف وحرّفتها وجعلت منها ومن الطائفية شعارات منافقة عن حقوق ابناء وبنات الطوائف زوراً، وهم الأشد انبطاحاً امام المال وعروشه .
   وترى اوساط واسعة ان البلاد وكينونتها وماهيتها وشعورها بانتمائها لوطنها وبالتالي حقوقها وواجباتها تجاهه تضيع على مذبح صراعات الزعامات المحلية، التي من جهتها لايمكن ان تدوم ان لم تنسجم وتلبي على الأقل حاجات واماني ابنائها رجالاً ونساءاً بعيش آمن يصون العائلة والكرامة والشرف .  .  التي لايدمّرها  ويتسبب بنتائجها المأساوية الاّ ذلك التناغم البشع الذي ساهمت به العوامل اعلاه وفي مقدمتها نظام المحاصصة الطائفي العرقي . .
   نظام المحاصصة الذي جمّد الصراعات الضرورية الأيجابية، ودمّر واضاع وشرّد الكفاءات العراقية التي زهت بها البلاد والتي قضّت مضاجع اعدائها، من فكر وعلم وثقافة مهما كان مكونها العراقي .  . الكفاءات التي جعلت حلم العراقيين باسقاط الدكتاتورية واقامة بديل عادل، امراً واقعياً قابلا للتحقيق وليس خيالاً واماني فقط، اسوة بشعوب العالم المتحضر .
   لم يكن تاريخ العراق السياسي بحلوه ومرّه . . الا تاريخ نشاط احزاب وتيارات سياسية وفكرية وثقافية مثّلت فئات الشعب العراقي وطبقاته ومصالحها وكانت حصيلة ثقافات وفكر وعقائد البلاد وتاريخها ونشاطها وافراحها واحزانها وتجاربها واحلامها وطموحها. وكان الأجتهاد موجوداً ومتنوعاً في الدين الواحد وفي القومية الواحدة و المذهب الواحد، رغم نواقص وثغرات هنا وهناك .  . 
   لقد توزّع ابناء كل المكونات على الحكام والمحكومين، ولم يكن الأنتماء الى مكوّن يعني النطق باسمه باجمعه باغنيائه وفقرائه، باشرافه ومناضليه ومبدعيه ووضيعيه والمدعين باسمه، وكانت الناس تسخر من الشعارات الأطلاقية وتراها مريبة، حيث عُرف عن العراقيين باطيافهم طوال تاريخهم الحديث باعمال الفكر وببحثهم عما يختفي وراء الدعوات الى الأقليمية والطائفية واعتبرها ابناء المدن دعوات لاتليق بهم، واعتبروا ان الوصول الى حلول لمشاكل قد تقوم لايتم بالتخندق العرقي وانما بتلاقي عقلاء الأطراف المعنية . . الى زمان دكتاتورية صدام التي اشاعت العرقية، الشوفينية، الطائفية وكل الدعوات الشريرة، فكراً وممارسة وحشية للأبقاء على حكمها المرير  .
   واليوم وبعد سقوط الدكتاتورية، اثبتت مسيرة قاربت الأربع سنوات، اعتمدت على ممثلي المكونات العراقية كنهج مطلق بغض النظر عن اسس ذلك الأعتماد . . اثبتت انها سياسة تعاملت مع ارث الدكتاتورية كواقع اعترفت به، وعملت مع العوامل الأخرى على تكريسه بصورة لاتنسجم مع حقيقة الواقع العراقي وآماله وطموحه نحو التطور والتقدم . واثبتت ان نهجها بالأعتماد على المحاصصة لايصلح لأعادة بناء الدولة العراقية في عالم اليوم، بل لايصلح حتى لدورها الأقليمي والدولي ولا يطلق طاقاتها نحو آفاق السلم والرفاه.
   بل اثبت انه يقيّد طاقاتها ويحطّمها بتصادم اطرافها، في نهج لم يسعى لمواجهة ومعالجة موروث صدام وحكم الحزب القائد الواحد بلا منافس، فكرياً وعملياً بل شكل كما لو كان استمرارا خطيراً له  .  .  بعد ان جعلها الأحتلال سياسة رسمية، وبعد ان قوّتها ردود الأفعال الدولية والأقليمية والوطنية على الأحتلال، اضافة الى تسرب الأرهاب الأصولي الطائفي من الجوار الأقليمي الى البلاد .  .  التي افرزت كل تلك الأنفجارات كسبب وكنتيجة . (يتبع)

15 / 12 / 2006 ، مهند البراك[/b][/font][/size]

263
ثقافة الحوار والأختلاف و " الحوار المتمدن " !
  [/color]       
                               
د. مهند البراك

   اعلن موقع " الحوار المتمدن " منذ انطلاقتة، عن عزمه على مساهمة فاعلة في السعي لتحقيق ثقافة حوار جاد وبنّاء لقوى التقدم واليسار والعلمانية والتحضر في عالمنا العربي والمنطقة، وعن سعيه الى الأحاطة بمعرفة اوسع واوثق عن الجوانب المتنوعة والمتداخلة الكثيرة التعقيد للمواضيع قيد الصراع والأختلاف .  .  للوصول الى نتائج افضل، نتائج قابلة للتطبيق للوصول الى مستوى جديد اعلى، من اجل  فتح الباب عريضاً على طريق الديمقراطية والتحرر وثقافة الأنسان .
   لقد استطاع " الحوار المتمدن " رغم عمره القصير وبتقدير اوساط تقدمية متنوعة، ان يحقق نجاحات واضحة لم تستطع تحقيقها مواقع ووسائل اعلام عُرفت طيلة عقود بتقدميتها وانحيازها الى مسيرة التقدم الأجتماعي من موقع اليسار، نجاحات يرى فيها قسم بكونها تعود الى عصر الأنترنيت وسرعة التعبير ونشر الأفكار في عالم اليوم. فيما ترى اوساط اوسع، الى ان ذلك يعود الى رغبة كاتباته وكتابه والقائمين عليه اضافة الى قارئاته وقراّئه، الى رغبتهم المخلصة في محاولة تلمّس وتكوين جديدنا، والدعوة له بخطاب يستطيع تلبية تطلع الأجيال الباحثة عن تحديد موقع لها في صراعات المنطقة التي لاتوفّر احداً، وعن الدور والزاوية التي على قوى التقدم واليساروالديمقراطية ان تنطلق منها وتتفاعل وتؤثّر بها في رسم وبالتالي  في المساهمة الفاعلة في تطبيق المشروع الحضاري التقدمي الأنساني في منطقتنا .
   في زمن تتداخل فيه النواقص بالأخطاء والتشويهات بالحقائق، وفي زمان يعتقد البعض فيه بان ساحة اليسار خالية او غير فاعلة، بدون النظر الى تعدد منابرها وخطابها والى تراكم الأحداث والخبر وتفاعلها، وبالتالي الى ان اليسار وفكره القائم على اساس المنهج العلمي الديالكتيكي يسير بخطى واضحة قاطعاً مراحل جديدة اعلى في طريق تكوين حداثته هو وانحيازه الى قضية الشعب الكادح وتحريكه للفكر الذي تبحث عنه اوساط اخذت تتسع رغم الجراح، او بسببها .     
   واستطاع الموقع في مسيرة سنواته الخمس ان ينشر ويشجّع اعمال الذهن والبحث، وبالأساس عن ماهية وهيئة ديمقراطيتنا ان صحّ التعبيرمن جهة، ومن جهة اخرى باشر في الشروع بها وبآليات موقعه الحديثة .  .  بطرحه العديد من البحوث والآراء الجادة، التي فيما تستلهم الماضي والدور المشرق لقوى اليسار والتقدم في منطقتنا وعِبَره، تحاول بصبر السير والتفاعل والمساهمة في صياغة مشروعنا الحضاري مما يجري في واقع اليوم من ناحية. وتحاول المبادرة في تبيان الآراء وفي الأطلاع عليها وصراعها وتفاعلها، وبالتالي التعبير عن مدى صحتها بضوء مايمكن ان تحقق من نتائج مفيدة وبنّاءة من ناحية اخرى.
    وبالتالي يمكن القول بثقة ان موقع " الحوار المتمدن " كمؤسسة اعلامية مستقلة وبامكاناته المادية المتواضعة استطاع ان يكون منبراً هاماً لأشاعة ثقافة الحوار وأحترام وجهات النظر المختلفة بين المكونات السياسية والفكرية والثقافية التقدمية في العالم العربي والمنطقة، واستطاع ان ينجح بعرض وجهات النظر المختلفة وبعرض صراعها الهادف، وان يقلل في حدود ليست قليلة من تقوقع وحِدّة قسم منها، وان يدفعها الى التحاور و الاعتراف المتبادل فيما بينها او الى العمل مع بعضها البعض، سواءاً بشكل مباشر ام غير مباشر، ورغم الأخطاء التي تحصل والتي يحاول الموقع تطويق تأثيرها غير المفيد .  .  في مسعى يهدف الى تعزيز مفاهيم المساواة والعدالة الاجتماعية وترسيخ قيم حقوق الانسان والمرأة والمجتمع المدني، الذي لايمكن ان يتحقق دون اخطاء ايضاً  .  .
   الأمر الذي جعله من المواقع التي اخذت تتناولها صحف ووسائل اعلام معروفة، وتستشهد بمقالاته ومعالجاته لفوائدها وللحاجة اليها .  . لغنى مواضيعه في ملفات تزداد تنوعاً، ولتشكيله مرجعا وارشيفاً جاداً هاما لمعالجات العديد  من مشكلات المنطقة، و لتعدد وتنوّع كاتباته وكتابه الذين يشكّلون باقة كبيرة تضم عدداً غير قليل من خيرة الكاتبات والكتّاب الجاديّن المعروفين في منطقتنا بل واستطاع خلال العام المنصرم ان يجتذب مساهمة وجوه مناضلة مجربة معروفة في المنطقة، وان يجتذب كاتبات وكتابا، مواقع ومساهمين لهم حضورهم  وادوارهم في بلدانهم وحركاتهم التقدمية واليسارية والديمقراطية، واستطاع ان يحقق نجاحاً ملموساً في التعريف وتكوين اقلام وشخصيات جديدة وخاصة نسائية وشبابية، واقلام شابة جديدة من القوميات المضطهدة والأقليات القومية والدينية، التي صار لها حضوراً تقدمياً في مواقع اعلامية اخرى، اضافة الى حملات نداءاته الداعية الى الديمقراطية  وحقوق الأنسان، الأمر الذي ادى ويؤدي الى تزايد الضغط عليه ومحاولات محاصرته، والى تزايد وضوح دلالات ذلك .   
   وفيما تتنوع لغة الحوار والوسائل وخطاب التعبير عنها وردود افعالها، وتتفاوت وتتنوع وفق ثقافات شعوبنا وكياناتنا وماهيّاتنا، فأن ثقل الأستبداد وانفلات العسكرتاريا وتزايد الضحايا وتعمّق الآلام وتزايد مساحتها في منطقتنا، اخذت تترك تأثيرها في عدد من صياغات ومقالات فيه غلب فيها خطاب التحدي، التي ان دلّت فلاتدلّ الاّ على حيوية الموقع وترابطه الفعلي بحقيقة مايجري في منطقتنا وتصاعده في العام المنصرم وحتى الآن، تلك الحقيقة القاسية الأكثر مرارة، التي قد يصبح من السخف التوقف فيها على مدى (حشمة) عدد من مقالات كتّابه وكاتباته دون الأنتباه الى جوهر محتواها .
   وفيما تسعى اوساط من الفئات الحاكمة في منطقتنا لمعرفة آراء معارضاتها، وتحاول تنفيذ بعض مطالبها لأسباب تعود الى تنوّع مكوناتها، فأنها بشكل عام لاتريد نشرها بل وتسعى لقمعها، في استمرار لمسير تناقض تأريخي ساد ويسود المنطقة، وادى ويؤدي الى (السماح) للتنوير وللأصلاحات الأجتماعية بحدود مرسومة تحدد مصالح الفئات الحاكمة وفق ثقافتها ودرجات حساسيتها، الحدود التي تحاول ان لاتجعل من حرية الفكر قوة قد تهدد التخلف والتحجّرالمقابلين والحديثي النوعية (1).
   وترى اوساط واسعة الأطلاع، ان ثقافة الأختلاف والحوار العلني، تقررها طبيعة مجتمعاتنا المتنوعة ونوعية ثقافتها وكيفية تعاملها مع الأختلاف والحوار والأتفاق واللااتفاق، التي ان كانت تختلف في مجتمعاتنا عن مجتمعات الغرب، لجملة من العوامل الأجتماعية ـ الأقتصادية، القيمية، مفاهيم الخير والشر، مفاهيم القوة والضعف، درجات التحضّر وسياقاته واتجاهاته وغيرها وغيرها، فأنها تختلف في مجتمعاتنا الشرق اوسطية من مجتمع الى آخر .  .  الأمر الذي يفرض تنوّع تناول المشكلات وطرح الحلول ليس من اجل التحديّ فقط، وانما من اجل المساعدة على الأستجابة لها وبالتالي على وضع حلول
لها، الأمر الذي يفرض اختيار عبارات الطرح ونوع التحشيد لها،  بشرط عدم التوهان فيها ايضاً وتضييع جوهر اهدافها !
   لقد سوّق اصحاب القرار في اغلب بلداننا ويسوّقون ثقافة الأختلاف، كمودة وكوسيلة تقرّب وتزلّف ومن اجل صفقات ومضاربات مالية، وقاموا ويقومون بمشاريع عملاقة رصدت لها ملايين ومليارات من العملة الصعبة .  . اتبعت وتتبع الأثارة (الحديثة)،  (أثارة الحوار والرأي والرأي الآخر) التي لم ولاتعزز الاّ التطرّف والتطرف الديني خصوصاً وروح العداء بين الآراء المتصارعة باسم (ثقافة الحوار) وبـ (الرأي والرأي الآخر ) لتصل الى ( اننا لانصلح للحوار لأننا متخلفون ).. ضمن مشاريع واسعة عززت التحجر اكثر مما حققت من نجاحات فعلية على طريق التقدم الأجتماعي والحضاري .  . بل ان الأحتكارات النفطية ـ العسكرية الصناعية في الدول والشركات متعددة الجنسية وغيرها ـ اضافة الى تمويلها لتلك المشاريع ـ تعمل بسياساتها العسكرية وحروبها وتسويقها على اجهاض المشاريع التقدمية والعلمانية والديمقراطية، رغم رفعها لشعارات (الديمقراطية والتمدن)، وتعمل بذلك على تكريس ثقافة التخلف او الأتيان بمسخ ثقافي متناقض غير فاعل .
   في زمان يشكّل فيه التناقض الواقع بين الدعوة للتحديث والحداثة واحترام الآخر، وبين عدم توفير  ـ والتضييق على ـ مستلزماتها الأساسية من تطوير اقتصادي اجتماعي ثقافي، حرية تعبير، صحافة حرة تلتزم القواعد العلمية واصول اللياقة بعيداً عن التسقيط من جانبها ايضا، التناقض الذي لم يعزز ولا يعزز الاّ افكار التمرد والمؤامرة، التي يدّعون انهم بعيدون عنها، او انهم يسعون لتجاوزها، لأبقائنا بالتالي متأخرين او غير فاعلين ولامؤثرين، او بعيدين عما يحصل وما يُخطط ويجري .
   وترى اوساط مجربة، ان تحقيق نجاحات على هذا الصعيد، في ظروفنا القائمة، يتطلب روحا واقعية تبتعد عن " الجملة الثورية " وتعبّر عن آلام ومعانات اوسع الأوساط الكادحة، لتفتح امامها الطريق الممكن لها لمواجهة مسببيها  ولحلّ مشاكلها التي تعيشها، الأمر الذي يتطلّب كشف سياسات وتعرية سلوكيات وتقديم بدائل، ويتطلب الأبتعاد عن الأساءات الشخصية والقدح الشخصي واطلاق الأتهامات التي لم تخدم ولاخدمت احداً لحد الآن رغم كلّ الصراخ، والتي قد لاتعبّر الاّ عن ضعف الحجة وضيق الأفق ان صحّ التعبير وغيرها، التي قد تخدم مشاريع بعينها، في زمان ان لم يعد فيه الصمت ممكناً فقط، فأن اطلاق الشتائم والرفض المطلق وحده لم يعد فيه فعلاً، لفقرمردوده .
   في زمان تسعى فيه انظمة وقوى وميليشيات حاكمة مستبدة، بكل السبل التي لم تعد تتراوح بين العصا والجزرة فحسب، بل صارت تتراوح بين الذبح والرفاهية، للأيقاع بين قوى التغيير والمعارضات  السياسية والاجتماعية والفكرية التقدمية وخاصة اليسارية والديمقرطية التي تطرح خطابا معاصرا واقعيا يدعو الى توفير مستلزمات السير مع ركب العالم المتمدن، وتطرح آفاق ممكنة من اجل حياة افضل  .  .  التي رغم تصديّها لها، تجد نفسها مضطرة لأن تلبي الواقعي و(الممكن لها) من مطالبها كيلا ينفجر الشارع بوجهها ويسقطها .  .
   وفيما يكاد التقدميون واليساريون والديمقراطيون يجمعون على تصاعد الرياح الدينية المتصارعة في المنطقة في الفترة الراهنة لأسباب ليست خالدة .  . وعلى ان نوعية الخطاب السياسي والديني ثم الطائفي السائد او الذي يحاول التسيّد في عالمنا العربي ـ اضافة الى العوامل الأساسية الأخرى ـ لايمكنه أن يؤسس لوجود مجتمعات متحضرة قائمة على التسامح الاجتماعي وأحترام الآراء المغايرة وحقوق الانسان والمرأة والاقليات الدينية والقومية، بل قد يؤدي الى ظهور انظمة شمولية جديدة، وأن يكون عاملا في ايجاد مجتمعات اكثر استبداد وتشوّه وتناحر وعزلة .
   فأن اوساطاً ليست قليلة منهم قد يفوتها او قد لا تلاحظ، ان ذلك الأمر ادىّ ايضاً و يؤدي الى تناقضات  كبيرة والى صراعات تناحرية بينها اضافة الى الجارية منها، حيث انها قد تكون اعنف مع اوساط غير قليلة من الأجيال الشابة الجديدة، لأن الشبيبة المتدينة ايضا وخاصة المثقفة منها من الطلبة، تبحث بحكم موقعها الأجتماعي والطبيعي كشباب، تبحث عن الجديد وعن حرية الفكر وعن العدالة الأجتماعية الأنسانية من منطلقات لم تشوهها روح السلطة والخضوع والتخضّع والجشع بعد، وعلى اساس ان نبل الشباب ومواقع الطلبة في المجتمعات تجعلهم في موقع معادي للظلم الأجتماعي والطبقي، موقع معاداة الأستبداد (2).
   ولما كان الصراع الديني والطائفي في المنطقة، لاينفصل عن الصراعات السياسية وبالعكس، فأن التذكير بما جرى في منطقتنا في مراحل السبعينات والثمانينات ضرورياً (3). . فحين كانت افكار اليسار والأشتراكية هي التي تحرّك الشارع وتصيغ له الآمال بمستقبل افضل، انتشرت فيها افكار وكتب ووسائل اعلام رسمية وشعبية ومناظرات استهدفت التعريف بـ " اشتراكية الدين الأسلامي "، حين شاعت كتب " اشتراكية الرسول (ص) " ، " الأشتراكية في القرآن " ، " الأشتراكية في الأسلام " ، " اشتراكية امام المتقين علي (رض) " ، " اليمين واليسار في الأسلام ".  .  وغيرها وغيرها الكثير، التي فيما تعجّب لها الكهول اقبل عليها الشباب بلهفة، وهي ان دلّت فلاتدلل الاّ على الترابط الوثيق بين الصراعات الأجتماعية السياسية والدعوات الدينية للأصلاح (4).
   ان وسائل اعلام ومواقع الحوار التقدمية والديمقراطية مدعوة، الى البحث والتعريف والى نشر اجتهادات الوجوه الأسلامية التحررية الأكثر تنوراً ، والى فتح حوارات متمدنة قائمة على اساس المنطق وقوة الحجة .  .  فالحوار الجاد يسعى الى الحقيقة، وحوار طرفين في ظروف محننا القائمة من اجل وضع حلول لها، قد لايؤدي بالضرورة الى (انتصار) فكرة طرف على الطرف المقابل، بل قد يؤدي الى نشوء فكرة ثالثة او نشوء افكار تتفق او تتوافق على وسائل مواجهة وايقاف الصراع المدمّر القائم في المنطقة والذي يهدد بمضاعفات جديدة .  . 
   ان المبادرات التي تقوم بها صحف ووسائل اعلام تقدمية ويسارية واسلامية بنشر نتاجات ومقابلات وبحوث لرجال دين متنورين، تفتح ابواباً مهمة للتعرف على جزء مهم من منطقنا وثقافة شعوبنا، ويساعد مساعدة فعالة في رسم طريق التمدن والتحضر والديمقراطية الخاصة بنا، كشعوب ومجتمعات شرقية اسلامية في الغالب، ومن اجل مواجهة المد الأصولي السلفي الدموي .  .  .  وبالتالي من اجل حداثتنا .       

9 / 12 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسعى القوى الدينية الأكثر محافظة، سعياً دؤوباً لتطوير مشاريعها المحافظة ولترسيخ التحجر والتخلف، بالتفاعل وبمسايرة مشاريع التنوير والحداثة لطعنها من جهة، وتعمل على تطوير برامجها المحافظة بما يقوي سلطتها ويصونها من مخاطر مشاريع التقدم والديمقراطية والحداثة، وتخصص الملايين لرجالها ومفكريها ولمعاهدها ووسائل اعلامها ولأغراض تطويرها  .     
الأمر الذي كانت تتابعه وتناقشه مؤتمرات الشباب العالمية في السبعينات والثمانينات، حين كانت قوى رأس المال العالمي تدعم الحركات الدينية المسيحية والأسلامية في العالم، في (صراعها المقدس ضد الشيوعية) وتوصلت الى نشر شعارات ونداءات " كل الشبيبة ضد الأمبريالية " والى التعبئة بها، لأن الشباب يصطدمون بطموحهم ورغبتهم في الحرية بقوى الأستبداد وبجشع رأس المال .
دعك عن العقود الأسبق كلّها .  .
اضافة الى صراعهما مع الدعوات الدينية المحافظة المتطرفة التي راح عديد من خيرة المفكرين الأسلاميين، والمفكرين التقدميين والديمقراطيين العرب ضحايا لها ، من الذين ناضلوا من اجل الحرية والتقدم الأجتماعي وبالتعريف بالدعوات والشعارات الأسلامية الداعية الى الحرية وحقوق البشر كالشهيدين المفكر المعروف " حسين مروة " صاحب " النزعات المادية في الأسلام "، والباحث المعروف " مهدي عامل " وغيرهم وغيرهم.[/b][/font][/size]

264
      
المأساة العراقية تدعو الى ضرورة النظام [/color] المدني العلماني !

د. مهند البراك

   ان النشاط الكثيف والمكوكي حول القضية المأساوية العراقية، لقادة الصف الأول دولياً و اقليمياً، واستمرار تصاعد الوضع الدموي في البلاد الذي صار يهدد ليس بتدمير العراق فحسب وانما باشعال كلّ المنطقة، بعد ان اخذت تتزايد وتتسارع مؤشرات تزايد تعمّق وتوسّع العنف ـ النظامي وغير النظامي ـ في العراق والمنطقة من جهة ، ومن جهة اخرى سواء كان ذلك بالبيانات السياسية او بتسارع الأحداث على ارض الواقع . 
   وبعيداً عن مناقشة تفاصيل كثيرة عن الأسباب والنتائج والجرائم والأخطاء الدولية والأقليمية والداخلية ومضاعفاتها .  .  لايمكن القول الاّ ان العراق بعد مايقارب اربعة سنوات على سقوط دكتاتورية صدام، قد تحوّل الى حالة فوضى دموية عنفية ارهابية، لاتحمل افقاً عراقياً قادراً على الحل لوحده الآن، بعد ان جُرّت البلاد جراً بالعنف والأرهاب، بالدم وبالحديد والنار الى ان تكون بؤرة حرائق المنطقة، بعيداً عن محاولات التنظير والأختلاف الفارغ حول هل ان مايجري هو حرب اهلية ام ماذا ؟ ومن هو السبب؟ في وقت يجري البحث فيه عن كبش فداء لألقاء التبعة عليه مرحلياً، والسبب واضح .
   حيث بقدر ما فرح العراقيون لسقوط الدكتاتورية، تزداد معاناتهم وتفنى ارواحهم رجالاً ونساءاً واطفالاً بلا ذنب، وبوتائر تزداد ترويعاً ورهبة ولا تهدد الاّ بانفجار المزيد . . الأمر الذي ابتدأ بغزو البلاد واعلان الأحتلال واعتماده الطائفية اسلوباً عملياً للحكم، اضافة الى القيام بآلاف (الأخطاء) والجرائم كماً ونوعاً، قام بها سواء من كانوا في اجهزة الدكتاتورية او من قدموا دون استئذان من خارج البلاد، او ممن يشغلون مواقع في الحكم البديل، الحكم الذي لم يستطع ان يغيّر من وتائر واساليب حكم الدكتاتورية، بل زادها عمقاً ومساحة، رغم جهود ونداءات ورجاءات وتحذيرات اوسع الأوساط العراقية .
   وفيما جرى ايصال البلاد ـ دولياً واقليمياً وداخلياً ـ الى حالة لا تستطيع فيها تحقيق لحمتها لوحدها الآن، وبعد ان صارت ساحة فقط لتصفية حسابات قوى ليست عراقية، ثم تكونت فيها حالة صارت تشكّل خطراً جديداً على صراعات عموم المنطقة ـ المتنازعة اصلاً ـ ضمن مخططات سعت وتسعى الى تحويل صراعات المنطقة الى سكّة الصراعات الطائفية المدمّرة.
   اخذت اوساط غير قليلة ترى وجود تعارض او نشاط متعارض بخصوص المصير العراقي لمركزي طهران وعمّان، في وقت رأت فيه كيفية شعور ادارة الرئيس بوش بان مبادرة المعلم السورية بزيارة بغداد .  .  قد تفقدها المبادرة في المنطقة، وان عليها التحرك سريعاً  .
   وبدأت الأحداث وفق مصادر موثوقة دولية واقليمية، تسفر عن تتالي نشاطات محمومة لأيجاد (حلول للأستقرار)، بتكوين تحالف اقليمي عسكري اسلامي سني بقيادة الجمهورية التركية والمملكة العربية السعودية (1) لمواجهة التحالف العسكري الأسلامي الشيعي المنبعث من جمهورية ايران الأسلامية، وكخطوة لوضع حد لنشاط التحالف الأيراني ـ السوري، ودوره المركّب في تأجيج الصراع الطائفي العراقي، بتقدير تلك المصادر .
   الأمر الذي كان قد بدأ التعبير عنه منذ زمان مقترحات ايفاد قوات عربية الى العراق، التي دفعت جانباً بعدئذ، لتحل محلها خطط ترمي الى انسحاب قطعات من القوات الأميركية من العراق لتحلّ محلها، قوات تركية او غيرها من دول الناتو، وفق ترجمة مقررات قمة الناتو الأخيرة في استونيا . والاّ فقوات باكستانية او هندية تساهم باشكال متنوعة ومن مواقع متنوعة .   
   الذي لايعني الاً اكمال مخطط دفع الصراع الطائفي في المنطقة الى المقدمة، او الأنجرار اليه وتعميقه وجعل العراق ساحة المواجهة فيه التي قد تتحوّل فيه الى خط لجبهة حرب اقليمية طائفية يمر على طول نهر دجلة مقسماً العاصمة التأريخية العراقية بغداد، الى بغداد الغربية السنية وبغداد الشرقية الشيعية وخلفهما تحتشد الحشود البرية ـ النظامية وغير النظامية وغيرها ـ للطرفين .   
   في وقت تطالب فيه اوسع الأوساط العراقية وتناشد فيه لأيجاد مخرج لأيقاف شلالات الدم العراقية التي تتواصل بلا انقطاع وتهدد بتزايد مجنون . . بأعلان حياد العراق في الصراع الأيراني ـ الأميركي،
والكف عن جعله ساحة لتصفية حسابات الآخرين ومربض لحمايتهم على حساب ارواح العراقيين بكل طوائفهم وعلى حساب شرفهم وممتلكاتهم .
   وفي ضوء كل التغييرات العالمية ومارافقها من موازين جديدة (2) تطالب بالعمل من اجل : وحدته ارضا وشعباً على اساس، الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان على اسس فدرالية ، رفض نظام ولاية الفقيه ونظام الولاية الطاليبانية باشكالهما، حل الميليشيات الطائفية المسلحة ـ السنية والشيعية ـ بخطط متدرّجة حفظاً لأرواح الناس، واعتماد دعم القوات المسلحة العراقية والسعي لتحويلها الى وسيلة مسلحة وحيدة لحفظ ارواح المواطنين وحقوقهم. 
   ومن اجل نظام برلماني تعددي يحترم التعددية الدينية والقومية والطوائفية وتساوي المواطنين رجالاً ونساءاً على اساس الأنتماء لهوية العراق وتكافؤ الفرص، الذي صار وبالتجربة الدموية الملموسة وبالأنفراد بحقوق واهدار دماء وحقوق الآخرين، لايحققه الاّ  قيام نظام مدني علماني حقيقي يتضمّن استثناءات (3)، يلمس منه بتطبيقه في ارض الواقع الجاري انصافاً واقراراً وصيانة لحقوق جميع الطوائف بلا تمييز ـ مهما كان ـ  .  .  الحقوق التي على اساسها تتحدد واجباتها.

30 / 11 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبّرت عنه الدولتان باشكال وصيغ متنوعة وعبر ناطقين رسميين فيهما، خلال العام المنصرم وازدادت وضوحاً في الشهرين الأخيرين .
بعد ان تطلعت المنطقة الى آفاق انسانية واجتماعية افضل اثر نهاية الحرب الباردة، اسفرت احداث 11 ايلول سمبتمبر 2001 عن تزايد العنف وسياسة الحرب في العالم، التي اخذت تتطور من مواجهة الأرهاب، الى تزايد والهاب منطق العنف وتزايد النزعات العنصرية الدينية والقومية والطائفية  .  .  التي جعلت من منطقتنا خط مواجهة ملتهب للعنف وللعنف المضاد والأرهاب،  الأمر الذي اخذ يضيّع الصراعات الأجتماعية ويغلفّها باغلفة عتيقة التي فيما راح زمانها، اخذت  تنفخ فيها دوائر المال والسلاح والنفط المتنوعة، في محاولاتها للسيطرة او لأدامة قواها ومضاعفة ارباحها مهما عانت وابيدت شعوب بكاملها .
المقصود تعديل الدستور نصاً وروحاً بضوء الخطوط الأساسية لروحية دستور 1925 الذي جرى اقراره في ظروف تلك المرحلة، وبحساب المستجدات المذكورة عموماً في المقال اعلاه .[/b][/font][/size]

265
اي تعديل وزاري ننتظر ؟ ! *
د . مهند البراك

   يدور الحديث عاليا الآن عن ضرورة اجراء تعديل حكومي .  .  في ظروف تجمّعت المآسي بها ووصل الأقتتال الطائفي فيها الى حد اقتتال المناطق ومحلاّت السكن، ووصلت الوحشية فيها الى لجوء اوساط تتسع من العراقيين نساءاً ورجالاً الى خط (حفر) اسمائهم وارقام تليفونات اهاليهم على اجسامهم خوفا من ان يمثّل بجثثهم ان ذُبحوا !!
   وبعيداً عن تسمية احزاب واشخاص ومؤسسات بعينها، فان ذلك الواقع المريع لايمكن وصفه
وبأسف الاّ بعدم استطاعة الحكومة من كسب الشعب باطيافه .  .  ولا باثبات ان اولوياتها و اهدافها وجدولة نشاطها، هي ليست جدولة واولويات الأدارة الأميركية التي تنطلق من مصالحها، سواء في الوجود في البلاد او في جدولة وشكل تواجدها وانسحابها .
   في ظروف ترى اوسع الفئات فيها، ان الجدولة التي تحتاجها البلاد تقوم على اسس : أمن البلاد، التزام البلاد بالسلم في المنطقة ، حياد العراق في الصراع الأميركي ـ الأيراني، وعلى اساس ان استقراره وبالتالي رفاهه لابد ان ينطلق من واقعه الموجود هو، بالتعاون والتناسب والأنطلاق من واقع المنطقة ـ الذي يثبت ان لاجدوى من القفز عليه ـ والتعاون معها على اساس احترام سيادة العراق وعلى اساس المنافع المتبادلة .
   الأمر الذي يثبت مجدداً وجود خللٍ هائل في وحدة ارادة وعمل الحكومة (الطبقة السياسية الحاكمة)، وخللات واضحة بين وجهة ممثلي القوى الفاعلة في المجتمع وواقع حال ومعيشة ابناء تلك القوى ذاتها بكل اطيافها وقومياتها، الذي يستوجب وبالحاح انهاء نهج (المحاصصة الطائفية والعرقية) الذي اسس له السفير بريمر، النهج الذي لايمكن بدون حلّه، التوصّل الى حكومة عراقية موحدة قادرة على اساس كفاءة ممثلي مكوناتها، على الدخول في صراعات من اجل قضيّتها العراقية، قضية حياة ومصير الأطياف العراقية التي تمثلها  .  . 
   ان على التعديل الوزاري، ان يقرّ بالواقع الفعلي لقدرات الحكومة القائمة واسبابه (1)، لتوضيح ماهية اولوياتها وجدولتها واسبابها لأختيار التعديل من جهة، ومن جهة اخرى لتثبيت حاجتها وحاجة العراق الأستثنائية (2) الى الدعم الدولي والأقليمي الآن ومداه . . على طريق تحقيق الأنتصار على التكفيريين والصداميين والقوى الأجرامية المتنوعة، وكضمان للألغاء الفعلي للميليشيات الطائفية السنيّة والشيعية، ومن اجل تنفيذ حكم المحكمة الصادر بحق الدكتاتور صدام وكبار مجرميه وضمان فاعلية ونجاح اعلان العفو العام والمصالحة، ومن اجل نجاح مسيرته .
   تعديل، يضع الأدارة الأميركية الحالية على محك التغييرات الجارية ـ المعلنة وغيرها ـ في سياستها سواء كانت تكتيكية ام ستراتيجية ام فنية وعسكرية، التي بدأت بحسمها علناً نتائج الأنتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، وعلى اساس التحالف الستراتيجي الجمهوري ـ الديمقراطي الأميركي الغني عن التعريف. النتائج التي لعب فيها واقع الحرب في العراق والخسائر الأميركية فيه دوراً واضحاً كما تناقلت مختلف وسائل الأعلام الدولية والأميركية والأوربية . .
   من اجل الأنطلاق لأشراك الأتحاد الأوربي والصين وروسيا واليابان في حل المعضلات والسير على طريق بناء البلاد .  .  . وعلى اساس الدعم الأقليمي المالي والأمني والأداري من اقطاب المنطقة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وجمهورية ايران الأسلامية، الدعم الضروري لها ايضاً وفق سياساتها المعلنة .
   تعديل، لايسمح بخلط الأوراق ويستمر في اقرار حق الشعب الكوردي في تقرير المصير، وعلى اساس ان التعامل بقضية الفدرالية الكوردستانية لاينفصل عن مسيرة وحالة الديمقراطية والأستقرار في عموم البلاد (3)،(4) وبضوء وروحية تطبيق شعار" الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكوردستان " الذي قد يحمل مرونة في امكانية العودة اليه، الشعار الذي ناضل الشعب العراقي بمكوناته من اجل تحقيقه عقود طويلة، نال خلالها اعتراف حكومات عراقية متتابعة، اضافة الى تفهّم وتأييد ابرز اقطاب المنطقة، في ظروف صاراتباع المرونة فيها امر حتمي على جميع المكونات، لتكوين موقف وحكومة عراقية قوية فاعلة، والاّ فان وقائع مؤسفة متنوعة تشير الى ان ما حققه الشعب الكوردي في العراق حتى الآن، يبدو هو الآخر مهَدداً بالألتفاف عليه، لأنه مهدد بحالة وواقع الكل العراقي الذي هو جزء منه، في وقت يشهد الكلّ العراقي فيه تحركات جهات اميركية ومنطقية تدفع بجهات عراقية معروفة بمواقفها المتصلبة من القضية الكوردية، بدعوى الموازنة ؟! (5)
   تعديل يتطلّب، الأعلان والبدء ببذل جهود عراقية ميدانية عاجلة للتحقق مما وصله الحال العراقي اليه، للقيام بأجراءات عاجلة من جهة، ومن جهة اخرى لتحديد نقطة بدء عملي جديد في تطبيق واعادة صياغة ماهية وسمات، وبالتالي ادوات الديمقراطية التي تحتاجها البلاد وصولاً الى تحسين خطاب قابل للتطبيق للسير على طريق " عراق ديمقراطي برلماني موحد " على اساس حكومة مسؤولة في المركز وتوسيع اللامركزية في الحكم .   
   تعديل وزاري، يتطلّب وبكل احترام، ان توضّح المرجعية الشيعية العليا الممثلة بمكتب آية الله العظمى السيد علي السيستاني موقفها من التصريحات التي تُعلَن من قبل مراجع وآيات في امور مصيرية، التي يفهم منها كما لو انها صادرة عن مكتب سماحته، والتي ادّت وتؤدي الى الخروج عن الدورالأساسي للمرجعية الذي عبّر عنه مكتب سماحته،  الذي اشار الى مظلومية الشيعة والسنه، والذي يمكن ان يُفهم منه ان الدكتاتور صدام لم يكن طائفيا بقدر ما انه عاقب واساء لكل مكونات الشعب العراقي وطوائفه التي لم تتفق معه، والتي بفعل عوامل متعددة ـ لايتسع لها المجال هنا ـ تسببت بآلام أشدّ بين ابناء الطائفة الشيعية .  .  وتحذير مكتب سماحته من عدم الأنجرارللمخططات والفتن الطائفية المتصاعدة في المنطقة (6).

15 / 11 /  2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* لمزيد من التفاصيل راجع مقالَيْ الكاتب " عراقنا بين الفدرالية، النظام الشمولي والتقسيم " 1 و 2  ، في 23، 25 / 10 / 2006 .  .  .  اللذين نشرا في الصحافة العراقية والعربية وكثير من المواقع الألكترونية ، والموثقين في الصفحه الألكترونية للكاتب في موقعي : " الحوار المتمدن"  www.rezgar.com ، " الناس" www.al-nnas.com   .

1.   رغم اقرار عدد من اعضاء الحكومة بالثغرات وبنتائجها الخطيرة، الاّ ان اوساطاً نافذة عراقية ومنها حكومية واخرى اميركية اعتبرته .  .  تقديرات شخصية ؟!
2.   حاجة العراق الأستثنائية، بمعنى بعيداً عن قيود وشروط الدول المانحة والبنك الدولي، وبشكل مؤقت باعتبار ان حالة العراق حالة فائقة الأستثنائية، تستدعي الدعم الأنساني الى حين تحقق حالة استقرار انساني واقعي، وفق الشروط الأنسانية المنصوص عليها في لوائح الأمم المتحدة .
3.   لابد من التذكير ان قوى معارضة صداّم كلّها كانت قد اتفقت قبل سقوطه على حق الكورد في بناء فدراليتهم ضمن عراق برلماني موحد .
4.   بمعنى ترابط الواقعين، كمؤثرَين ومُتَأثرَين احدهما بالآخر. راجع استخلاص التجربة والعبر من احاديث وخطب القائد الكوردي  الفقيد ملا مصطفى البارزاني في مؤلف " البارزاني والحركة التحررية الكوردية " ، تأليف الرئيس الكوردستاني الأستاذ مسعود البارزاني، بالعربية . 
5.   للتأكد من ان تحرّك الأدارات الأميركية تمليها مصالحها الداخلية وليس وعودها  ،   راجع كتاب " سنوات في البيت الأبيض" ، هنري كيسينجر، الفقرات التي تتعلق بالأنهيار المؤلم للحركة الكوردية عام 1975 ، خطب الرئيس الأميركي الموجهة للشعب الأميركي طيلة العام الماضي، مانشر من تقرير لجنة جيمس بيكر حتى الآن .
6.   تزداد قيمة المطالبة بالتوضيحات .  .  اثر صدور كتاب السفير بريمر " عام قضيته في العراق " ، دار الكتاب العربي ـ بيروت . ووصفه شبه الموثق لدورها منذ سقوط الدكتاتورية.[/b][/size][/font]


266
من اجل نهاية للعبة (فارس الأمة) المأساوية !
      
د. مهند البراك

   لاقى قرار محكمة الجنايات العراقية العليا برئاسة القاضي السيد " رؤوف رشيد عبد الرحمن "، بحق الدكتاتور صدام بعد جلسات مطوّلة دامت اكثر من عام .  . لاقى تأييداً كبيراً، اوضح مجدداً التفاف غالبية العراقيين حول قرار الحكم وتأييده في المحصلة النهائية لصوابه، وسط سكوت اوساط لأسباب متنوعة تراوحت بين الخوف من المجهول الى تأثير القتل والذبح اليومي وانواع التهديدات على اساس الهوية الطائفية، اضافة الى معارضة اوساط اخرى للقرار، التي لايمكن ان يقال عنها باي حال من الأحوال انها تمثّل رأي غالبية العراقيين .  .
   في تأكيد جديد على ان احدى الدعامات الأساسية للسير في طريق استقرار البلاد ومن اجل مجتمع افضل، لابدّ ان يبداً بتخليص البلاد من اكبر كابوس رعب عاشه ولايزال يعيشه العراقيون، الكابوس الذي ادى ويؤديّ باوساط واسعة ويدفعها الى الضياع والى الأيمان بالخرافات والتنقل بينها. وفيما يؤكد الكثيرون على ان لاقرار مصيري في عراق اليوم الكثير التعقيد يمكن ان يكون بدون نواقص، يرون ان الأسراع في تنفيذه سيوضح حتى لمن لايريد التصديق، ان للطغيان مهما طال الزمان حدود، يصل عندها طغاة الشعوب وخانقي انفاسها مهما تجبّروا ومهما احاطوا انفسهم بانواع الهالات، الى نهاياتهم المحتومة التي يجب عليهم فيها الأنحناء لشعبهم، ان لم ينهيهم الشعب ذاته في الشوارع .   
   وبعيداً عن المناظرات القانونية والعدلية والتبريرات والتحويرات ولوي اعناق الحقائق باشكال (اصولية وقانونية) على طريقة العرّاب (1) وغيرها من طرق رامزي كلارك .  .  فان الحكم على صدام بالموت يشكّل العقوبة الرحيمة بمنظوره هو حين كان يبحث عن (عقوبة اقوى من الموت، بحيث يعيش المعارض وهو ميّت. حيث ان الموت للمعارض لايشكّل عقوبة فاعلة لأنه حسبها واستعد لها مسبقاً ؟! ) (2) العقوبة التي طبّقها بحق مئات آلاف العراقيين رجالاً ونساءا، لامن المعارضين لحكمه الأسود فحسب بل لمن عارض الحروب والتجويع والأرهاب والتعذيب ولمن انتمى لقومية او ملة او طائفة اهدر دمها لأمر في نفسه او تنفيذاً لخطط  تبقيه على عرشه الدموي .
   وبعيداً عن خطط واهداف الأدارة الأميركية التي استسلم هو طوعاً اليها بلا مقاومة، التي من جانبها انقذت حياته و(حفظت له ماء وجهه) حين اعتبرته " اسير حرب " الأمر الذي اثار اوساطاً شعبية واسعة ضدها، الحرب التي تحكم قوانينها العسكرية الوحشية، العسكري الهارب من الحرب بالأعدام، كالأعدامات التي نفذتها فرق اعدامه هو بحق مئات الجنود العراقيين وبلا محاكمة، لشكّها وشكّها فقط بكونهم مترددين .  .  فكيف بقائد عام لقوات مسلحة يستسلم للطرف المقابل ؟!   
   ورغم كلّ ما اذاق الشعب، استمر بعد استسلامه وبعد اعلان الأحتلال .  .  استمر بذات الأنانية المفرطة وبلعبه دور (الرئيس حفظه الله المنصّب على رعاع)، غير مبالي بكل مآسي الشعب، بل وحتى لم يعتذر عما اقترفه، ولم يدع عصاباته للتوقف عن قتل وتدمير العراق والعراقيين، بل حاول ويحاول جاهداً ان يكون طرفاً فيها ان لم يكن زعيمها، بثرواته المالية الخيالية .  . في وقت فاته فيه انه لايمكنه ان يكون  رمزاً لمقاومة احتلال، او رمزاً لمقاومة تريد ارجاع (الشرعية ) للبلاد بعد ان بال على ابسط مفهوم للشرعية .  .
   ومما يبعث على الأسى البيانات التي يصدرها حزبه، من تلك التي تهدد الشعب . . الى التي تطالبه  بالأعتذار من القائد !! ثم البيان الذي اصدره حزبه مؤخراً يهدد فيه بالويل والثبور ان لم يطلق سراح (فارس الأمة) في اطار سعيه المستميت لـ (بعث الرسالة الخالدة) على اساس ( بعث الطائفية) والأنضواء تحت رايتها عسى ان يخدمه (الحظ)، ليتزعم الطائفة المنصورة . . بعد ان اعتاشوا على التخويف وعلى اعمال الرعب وتطبيل الدعاية ونسج الأشاعات بضوئها، لشل الناس وتخويفها ليمروّا .
   في وقت نسى او تناسى فيه ان حمّاماته الدموية واعمال الأغتيال التي نفذها وامر بها، كانت قد شملت كل مكونات وطوائف البلاد، ومنها طائفة السنة التي لايمكن ان يكون ممثلا عنها او ناطقا باسمها كما تحاول عصاباته تصوير ذلك وتجييره .  . بعد ان صفى عديد من شخصياتها الدينية وعلى رأسهم العلامة البدري والعلامة الأعظمي مطلع السبعينات اضافة الى تصفية عدد كبير من وجوهها الأجتماعية والسياسية والعسكرية سواءاً كان بتهم متنوعة او في انتفاضتي الرمادي (3) وتكريت المدينة، مطلع واواسط التسعينات .
   او باعمال الأغتيال التي شملت قوميين عرب من الطائفة السنيّة عُرفوا في حركة معارضة الدكتاتورية العسكرية في الستينات او في معارضته، كـ عبد الخالق السامرائي، عبد الرحمن البزاز، الفريق حردان التكريتي، محمد عايش، العميد وليد سيرت، اللواء الطبيب راجي التكريتي، د. رياض ابراهيم وزير الصحة . . وغيرهم عشرات ومئات من ابناء الطائفة السنية بعد ان استمرت ملاحقة اتباعهم والمحسوبين عليهم وملاحقة واغتيال من عارضه منهم ونشط ضده من ابناءها .  . 
   بعد ان سار على سياسة القتل والتمييز والأنتقام الشنيع لكل من عارضه، وتقريب كل من ايّده على اساس الولاء الشخصي له، وعلى اساس اثارته المستمرة للأحقاد القومية والطائفية والدينية باعمال او بتصريحات شنيعة اوبكليهما، وحتى سقوطه، اضافة الى سجله الغني عن التعريف بالخوض بدماء ابناء الطائفة الشيعية بشهادة المقابر الجماعية، والحركة القومية الكوردية بشهادة حلبجة والأنفال وانتفاضات المدن الكوردستانية .
   واستمراره الى الآن باتباع اسلوب وسياسة حافة الهاوية، باحراج الآخرين وترحيل ودفع آثامه وجرائمه عليهم ودفعهم الى حالة (شعور بالذنب)، ولظهوره هو بمظهر الورع التقي قولاً كـ (سليل للأسرة الشريفة)(4) ، لـ (تخويفهم وشلّهم ثم سوقهم الى غاياته الدنيئة) بعقليته الأجرامية، بعد ان وظّف حتى النخوة والشهامة العربية النبيلة لغاياته مشوّهاً اياها ومعانيها .  .  بعد ان (ضحك على) واهمل وهدد من حمل اليه عشية الحرب نداءات اكثر من رئيس وحاكم عربي بالتنازل عن السلطة مقابل تعهد له بضمان حياته واهله وامواله .  . التي كان ابرزها نداء الفقيد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الأمارات العربية المتحدة. 
   فعن اي رمز يتباكى عليه من يتباكى .  .  عن اي رمز يتحدثون لـ (وحدة العراقيين والعرب)، عن (تضحيته)؟ بعد ان ضحىّ بشعبه الطيب المسالم بكل اطيافه وساقه بالسياط الى حروبه المجنونة، ام عن (نزاهته) ؟ بعد سرقاته الخرافية التي جنّد لها شبكات وشبكات، ام عن (زهده وكرمه وشجاعته) ؟ بعد ان كان ولايزال قاتلاً مجرماً غادراً، طبع حزبه بطابع شخصيته وسلوكه الأجرامي وغدره، بعد ان غادره من عمل من اجل قضية عربية نبيلة عادلة .  .  قتلاً وتعذيباً وتصفية، مسخاً وتحقيراً، وهرباً .  .
   عن اي رمز يتحدثون في هذا الزمن الردئ الذي كان هو لاغيره احد اهم صنّاعه في البلاد والمنطقة، بعد ان شقّ النضال العربي التقدمي وغاياته الأنسانية وشقّ حركة المقاومة الفلسطينية الباسلة، تآمراً واغتيالاً وتحقيراً، شراءاً ورشوات وكواتم، وتباكي بدموع التماسيح مدفوع الثمن على ( اطفال العراق وحرائره) الذين مزّقهم بعد ان حطّم البلاد وسبى العباد وهتك الستر وداس الحُرُمات . .  بشعارات (بالروح بالدم . . )، وبشخصيته (الكارزمية)، شخصية ربيب الكراجات، عصابة كنيّ وكريم لعّابة ومقابر الشيخ معروف، سينما قدري في الأرضروملي (5)وملهى البرج وبيوت وعلب الليل .  .  شخصية فاقدي الضمير والغيرة والدين الذي لم يسجّل له تأريخ الاّ بوقوفه مع كاسري اضرابات الجياع والطلبة .  .  ثمّ رئيسهم .
   والآن وبعد مرور اكثر من خمسة وثلاثين عاماً قضاها حاكماً دموياً ارعناً حكم العراق بمنطق وشخصية كريم لعاّبة وابو طبر وفتوات ملهى البرج، وبعد ان تساقطت اقنعته وتكشّفت اوراقه وفضحته مقابر حتى اقرب رفاقه واهله، وانقطعت به سبل الحيلة والأجرام . . وبعد ان فشل في الدفاع عنه وتسويغ جرائمه حتى الحقوقي الأميركي رامزي كلارك الملاحق من جهته باكثر من فضيحة منذ زمن الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون، الذي احسن صنعاً بطرده من قاعة المحاكمة القاضي السيد رؤوف لتواصل اخلاله بسير المحاكمة . .    
   يقف صاحب ومؤسس اخطر مدرسة لخيانة وحرف استخدام القضية الوطنية والعربية والأسلامية، بعد ان فشلت محاولته مناطحة الآلهة والجبّارين والأنبياء والقديسين، وبعد ان تكشّفت حيله وتمثيلياته و(ضحكه على عقول الناس وسوقهم سوق البهائم)، ليواجه اكثر الأحكام رحمة في زمانه الشنيع . .  بعد ان لم يخلّف للبلاد غير احد اكبر واخطر اقطاب " المافيات الجديدة " التي تداخلت وترابطت بـ " الدين، الطائفية، وصراع الأديان " وفق تقييم وتوثيق عدد كبير من خبراء الجريمة (6)، حيث يشكّل الحكم على الدكتاتوروالأسراع بتنفيذه ضربة فاعلة ضرورية ، للحد من المخاطر المتنامية بسرعة جنونية لذلك القطب الأجرامي الذي تداخلت فيه ومعه اقطاب اقليمية مشابهة، بسبب الأحتلال ولتوفر المال والسلاح، بتقديرهم .  الأمر الذي يطرح الأهمية القصوى السريعة لتجفيف منابعهم المالية، كحصة كولبنكيان المؤممه مثلاً، التي تشكّل 5 %  من مجمل واردات العراق النفطية السنوية التي قرر الطاغية جعلها وقفاً  لـ حزب البعث الصدامي، والتي تقدّر بمليارات الدولارات سنوياً (7) !!

7 / 11 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   المقصود شخصية رئيس عصابات مافيا نيويورك في اربعينات القرن الماضي العراّب " دون كورليون " . نشرت كرواية باسم " العراّب " بقلم الكاتب الشهير ماريو بوزو، وعرضت كفيلم بنفس الأسم واستمر عرضها سنوات طويلة في دور السينما العراقية .
(2)   نقلاً من نص قوله في اجتماع اللجنة العليا لما سمي بـ (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ) في ربيع  1975 ، عن حاضرين فيه. حين هدد ممثلي الأحزاب الحاضرين في ذلك الأجتماع، اثر اعتراضهم على عمليات قتل بالفؤوس لمعتقلين معارضين من الحركة القومية الكوردية ومن الحركة اليسارية في العراق  .
(3)   عصيان وبدء انتفاضة عسكرية اواسط التسعينات بقيادة العميد محمد مظلوم الدليمي الذي اعدم .
(4)   راجع (شجرة عائلة صدام) التي امر الطاغية برسمها ـ لقاء عمولات اشتهرت حينها ـ ، وتعليقها في المحلات والأماكن العامة. . واستمر بنهجه ذلك الى تدنيسه المصحف الشريف بدمه، كما دنّس راية العراق نفاقاً وزوراً وبهتاناً .
(5)   سميّت بعدئذ سينما بغداد، في منطقة علاوي الحلة ـ الرحمانية، بغداد / الكرخ  .
(6)   راجع كتاب " المحافل السرية ـ إلوميناتي " ، دان براون / عن الأنكليزية  ، 2006 . .  .  كتاب " بنوك، خبز وقنابل "، 2006 عن دار اماديوس الألمانية . . عن المافيات الجديدة المترابطة بالطوائف بعد ان عرف عن المافيات الكلاسيكية ترابطها وتداخلها بأجهزة الدولة .
(7)   راجع " مذكراتي " للفقيد السيد محمد حديد ، الصادرة عن دار الساقي في لندن، 2006/ " فصل قضايا النفط "، التي يقدّر فيه حساب حصة الوسيط النفطي الأرمني كولبنكيان ـ الذي كان من سكنة تركيا ـ والتي كانت تتصاعد مع تصاعد عائدات النفط العراقي، التي فاقت حصة الحكومة العراقية ذاتها في عقود ماقبل ثورة 14 تموز 1958 . [/b] [/size] [/font]


267
الأحتكارات وحياد العراق في الصراع الأيراني ـ الأميركي !   
[/color]

      د. مهند البراك
   
   لايخفى ان " المجمع الصناعي ـ العسكري ـ النفطي " (1)، دفع للحرب واشعلها لتحقيق اهداف متعددة، نفطية، عسكرية، اعلامية .  .  وغيرها، وعلى اساس خطط لتحقيق اهداف على اساس جدولة واعادة جدولة لستراتيج وتكتيك يحقق الخط الأول من الأهداف، الذي ان لاقى صعوبات وفشل فيها، فأنه يراوح ويعدّل لتحقيق خط ثاني وهكذا نحو الثالث .  .  وفق تفاعل وتناغم مكونات واحتكارات المجمع آنف الذكر، الذي تصب ارباح كلّ مكوّن فيه، في صندوقه الموحد بآليات متنوعة.
   لقد دفع المجمّع للحرب .  . في وقت تصاعدت فيه مخاطر اخذت تهدد امنه بشكل مباشر، سواء كانت عسكرية ارهابية، مدنية، اقتصادية ـ نفطية، موقعه المالي في اسواق التجارة والمال والصناعة .  .  وفي وقت (عانت وتعاني) فيه ادارة الرئيس بوش الأبن من مواقف دول وشعوب المنطقة غير الودي تجاهها بشكل عام، ومن ( عدم رؤيتها للدور الحضاري الذي  تقوم به ادارة الرئيس بوش)، لأسباب كثيرة التنوع التي لايتسع لها المقال .
   ومن الواضح للرؤية، ان ادارة الرئيس بوش قد خسرت في المنطقة والعالم سمعة وصورة زاهية رُسمت اوكانت في أحلام قسم، او كانت (وتكون) حلاً لامفر منه لدى قسم آخر.  .  بعد تزايد نزيف الدم والأرهاب والعنف والدمار في العراق (2) من جهة، وخسارتها بالمعدات وبأرواح الجنود الأميركيين المساقين بقوة القوانين العسكرية، وبالتالي تزايد اضرار عوائلهم .  .  اضافة الى تصاعد في حركات  معارضة ورفض الحرب في المجتمع الأميركي لأسباب متنوعة، في مقدمتها تزايد الضغوط على دافعي الضريبة، وبين الشباب والطلبة هناك، بسبب الخوف من السوق الى الخدمة العسكرية والحرب، بعد ان بدأت فعاليات اخذت تشمل مراكز صنع القرارفي الولايات المتحدة الأميركية، لجعل الخدمة العسكرية الزامية وغيرها وغيرها، التي اخذت تهدد ادارة الرئيس بوش الأبن بازمة خانقة وتهدد مراكز القرار باعادة جدية لخططها وسلوكها الذي اخذ يطغي عليه بوضوح طابع اشعال الحروب، وفق وكالات الأنباء الدولية والأميركية اضافة الى عدد متزايد من شخصيات الأدارة ومن المراكز الأعلامية الرسمية الأميركية ذاتها .
   وفيما يرى متخصصون ان المجمّع الصناعي ـ العسكري المتعدد(المتعدي) الجنسية حقق ارباحاً فلكية من بيع وتصريف منتجات معامل السلاح البائرة التي كانت تعاني ركوداً قاتلاً قبل الحرب العراقية، بعد ان بيعت وتباع ملايين قطع السلاح ـ خفيف، متوسط وساند ـ وبعد ان استُأجرت وبيعت اعداد هائلة من المرتزقة والمنظومات والمعدات من دبابات وناقلات وطائرات وسمتيات بمبالغ خيالية .  .  التي دفعت اثمانها من اموال العراق المجمدة ومن نفطه الخام، والأخرى التي سددت من ارصدة دول المنطقة النفطية (لأنها تدافع عنها) من جهة، اضافة الى الأموال التي دفعتها وتدفعها دول المنطقة لفروع المجمع للدفاع عن نفسها تقليدياً، من جهة اخرى .
   وترى الأوساط العسكرية في المجمّع، انها قد دخلت بشكل قد يكون ثابتاً ودائماً في المنطقة .  .  لأن اكثر من دولة في المنطقة (صارت تحتاج) الى وجود قوات عسكرية ـ سواء كانت وطنية : جيوشاً او ميليشيات مسلحة، او دولية او تحت جناح دولية بل وحتى اقليمية ـ وبالتالي الى سيول من معدات وقطع غيار كثيرة التنوع، استعداداً وخوضاً وخوفا من دمار الفتن الطائفية التي يستمر دفعها الى التوالد حتى الآن ـ  فيما تدفع وتحاول الدخول بصراعها هي مع ايران الى مرحلة جديدة اكثر خطورة في تثبيت العراق مسرحاً لصراعها العسكري معها، لأدارة الخليج بشكل مباشرة وبقوة السوط .  . بعد ان أُجبرت الجيوش الأميركية على اخلاء قواعدها التي انشأتها منذ حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت) . . عشية اعلان الحرب .
   ترى اوساط صناعية ـ نفطية في المجمّع، ان ذلك قد يكفي للمباشرة في تحقيق استثمارات نفطية وصناعية مربحة، تتطلب من الأدارة الأميركية اللجوء الى ممارسة اساليب سياسية ودبلوماسية وحتى بتنازلات متقابلة في صراعها مع ايران، بعد تزايد وضوح ان ذلك الصراع لايمكن ان يحلّ بالطرق العسكرية، وفي وقت عبّر فيه حتى وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد بـ (أن حلول الواقع العراقي سياسية، امنية، اقتصادية وليست عسكرية)(3) . . فيما تتساءل اوساط عراقية متزايدة، الا يكفي كل ذلك لأعلان الأدارة الأميركية ـ قولاً وعملاً ـ عن حياد العراق في صراعها هي مع ايران .
   ويرى كثيرون ان الظروف المأساوية للعراق احد ابرز البلدان الأسلامية، تضع شعارات ومبادئ " جمهورية ايران الأسلامية " المعلنة، على المحك .  .  في موقف يتطلب منها الأستجابة لموقف القادة العراقيين، والأعلان عن حياد العراق قولاً وفعلاً، في صراعها هي مع الأدارة الأميركية الحالية، والوقوف بحزم امام تسرّب المسلحين والسلاح منها الى البلاد . 
   حياد العراق .  . الذي يفرض من جانب آخر على دول المنطقة العربية اجراءات عملية في مكافحة الأرهاب الأصولي وضبط الحدود، ومنع تسرّب المسلّحين والسلاح للفئات المقابلة .  .  اضافة الى القيام باجراءات عملية من جانب ايران والدول العربية الغنية، التي تتمتع بامكانات للعب دور اكبرعلى ذلك الطريق، تؤهلها له ودائعها وارصدتها الهائلة في رؤوس اموال المجمع الصناعي العسكري ذاته، الموجودة والفاعلة باشكال وصور كثيرة التعقيد سواء كانت مباشرة وغير مباشرة، كالبترودولار مثلاً لا حصراً .
   والاّ، فان المنطقة باستمرار عدم استقرار العراق واستمرار صراعه الطائفي ونزيفه المتزايد، ستزداد اشتعالاً كاشتعال النار في الهشيم، وسيدفع دولها الى التوزّع على اقطاب عسكرية دولية اخرى كمشتري او كحليف او داعم وضامن، ويجرّ الى صدامات اقليمية لايستطيع الاّ الشيطان تقدير مخاطرها .  .  . بدل تكاتفها وتلاحمها وتوافقها لتحقيق مكاسب افضل لشعوبها على طريق السلم والرفاه. 
   وترتفع التساؤلات مفتوحة، هل ياترى ستتخلى احتكارات السلاح والحرب في المجمّع الصناعي العسكري عن تزايد نزعاتها العدوانية وعن وجهتها في تحقيقها الأناني لأعلى الأرباح لرجالها ونساءها غير مبالية بدماء الأبرياء وبتحطيم حضارات ودول المنطقة؟ وهل ستلعب نتائج الأنتخابات النصفية للكونغرس الأميركي حقاً دوراً في الحد من سياسات العسكرة والحروب، في زمان تشكّل مصالح الليبرالية الجديدة الأميركية فيه، مصالح اقطاب فاعلة من الحزبين الحاكمين في الولايات المتحدة الأميركية ؟ والى اي حد ؟

3 / 11 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتكوّن المجمّع الصناعي العسكري النفطي المالي الأميركي، من الأحتكارات المتعدية الجنسية الكبرى للسلاح، النفط والطاقة، البنوك والمؤسسات العملاقة لأسواق المال والتصريف والبورصة  .  . التي تزاوجت زواجاً كاثوليكياً لاانفصام فيه في صندوق (مالي واحد) ان صحّ التعبير، في تعبير عن عمليات تزايد تمركز رأس المال وحركته  .
اضافة الى نتائج الحرب الأسرائيلية مع حزب الله في جنوب لبنان .
راجع وقائع المؤتمر الصحفي لوزير الدفاع الأميركي رامسفيلد في البنتاغون يوم امس .


268
العراق بين الفدرالية، النظام الشمولي والتقسيم !
د. مهند البراك

   من جهة اخرى فأن تحذيرات اوساط واسعة من مخاطر الوقوع في فخ (ولاية فقيه عراقية) في الواقع العملي، رغم التعبير عن عدم الأتفاق مع نهج ولاية الفقيه الأيرانية، وتاكيدات اية الله العظمى السيستاني بانه ليس مع نظام ولاية الفقيه . . لاتأتي من فراغ بل مما يجري في الواقع ومن تراكم احداثه، وليس من الوعود والأقوال والتصريحات التي قيلت في او اثر اجتماعات لم تنقطع لرجال حكم، سياسيين، دبلوماسيين، رجال دين وممثلي طوائف، الى مثقفين ورجال اعلام وصحافة، اضافة الى تبادل زيارات رسمية حكومية وسياسية بين الدول ذات العلاقة، طيلة سنوات .  . حين جرى في جميعها التاكيد واعلان الأتفاق على تفاهم قوى البلاد وحقن دماء ابنائها والمساعدة عليه، ووقّعت فيها عهود و(وعود شرف) بذلك الأتجاه، واخيراً وثيقة مكة المكرمة التي لم يجفّ حبرها بعد .  . 
   الاّ ان الصراع الدموي يستمرّ متصاعداً، بل ويزداد الوعيد، من جهات الأرهاب والصداميين .  .  الى جيش المهدي وجيش السنّة وغيرها، بـ (التدمير والهلاك للأعداء !!!) في ظروف تأخذ فيها جهات من محاكمة صداّم، ومن جلسات مجلس النواب المذاعة والمنقولة على الهواء ومع الأسف تلميحات وايحاءات واشارات تدلّ على الأتجاه ! 
   وفي الوقت الذي يؤكّد فيه علماء قانون وسياسة وفكر، عدم آهلية رجال الدين للحكم لأنه ليس من اختصاصهم، ولأنه دنيوي ويخصّ شؤون الدنيا، واختصاصاتهم هي الآخرة .  .  وفي وقت اكّد فيه المرجع الشيعي الأعلى السيد السيستاني ان مهام رجال الدين والمقلدين والأتباع تنحصر اساساً في مراقبة الحكم ومدى تلبيته لحاجات ورفاه المجتمع بعيداً عن الظلم، ومن اجل حقن دماء ابناء البلد الواحد .
   تسود البلاد انواع الميليشيات المتصارعة التي تحمل الأسلام شعاراً وتتسمى باحد الأئمة (رض)، او باحد المجتهدين والعلماء والمقلدين لتتصارع بينها ولتعمل السيف في ابناء البلاد المدنيين العزّل بكل الوسائل التي حرّمها الدين الأسلامي الحنيف دين العزّة والسماح، في صراع طائفي رهيب، لايمكن ان يشبه حتى نظام ولاية الفقيه في جمهورية ايران الأسلامية، وانما يحاول عدد من الميليشيات الشيعية التشبه به في ظروف لايمكن ان تقاس بظروف وزمان الثورة الأيرانية .
   حيث ان النظام الأسلامي في ايران ـ الأمر الذي يخص ايران وشعوبها اساساً ـ ورغم الأنتقادات  المتعددة المتنوعة الأهداف الموجهة اليه، بسبب ما اقتُرف تحت رايته من اخطاء وتقنين للحريات المدنية والسياسية والأعلامية وغيرها .  .  . تكوّن بعد مسيرة كثيرة التعقيد شكّلت مآل ومصير انتصار ثورة الشعوب الأيرانية التي انطلقت من احياء الفقراء ومن الجامعات ومعاهد العلم والدين والفقه واستطاعت صنع الأنتصار على حكم الشاه الدكتاتوري الدموي الظالم، الثورة التي كانت من سعتها وعنفوانها بحيث ان القطبين العظيمين لذلك الزمان لم يستطيعا الوقوف امامها او انهائها، بل استمرّت وانتصرت .  . الى ان هاجمها نظام الدكتاتور صدام هجوماً وحشياً لم يكن الاّ جزءاً من مخططات دولية عظمى للأيقاع بها وحرفها من خلال اتون حرب ضارية وقوانين طوارئ عسكرية حكمت البلاد بسبب تلك الحرب التي استمرّت طيلة اكثر من ثماني سنوات.  .
   وبعد ان استفاد من خبرات خبراء من كوريا الشمالية والصين وغيرها كما معروف .  .  وبأجراءات وقوانين شكّلت بمجموعها، مع ارث بلاد فارس وبمرور السنين، صياغة نظام شمولي اسلامي من نوع احدث مما مضى شيعي الهوية، لم يعرف عنه محاربته الدموية الواسعة للطوائف الأسلامية الأيرانية الأخرى، كالقتال الضاري الذي يجري بين المجموعات المسلحة التي تقتل وتذبح على اساس الهوية الطائفية، في البلاد الآن .
   ولابد من التذكير بأنه في الوقت الذي تشكّلت فيه القوى الأسلامية في ايران بداية ممن ناضلوا وشاركوا في الفعاليات والصراع المرير ضد الشاه، لم تتشكّل الغالبية الساحقة من الميليشيات في بلادنا
ـ سواء كانت سنية ام شيعية ـ من خضم النضال العنيد ضد الظلم وضد الطاغية، اي انها لم تولد ولم يتشكّل قوامها من خلال مواجهة نظام ظالم ناضلت ضده واسقطته ولم تكتسب طباع الحركات الكفاحية ومُثلها. ورغم وجود اعداد فيها ممن شهدت لهم ساحات النضال مواقف مشهودة، الاّ انها غرقت  وصارت ملاذاً لأعداد كبيرة ممن اعتاشوا او اجبروا على الأنخراط في المليشيات المسلّحة التي تكوّنت خارج البلاد، ومن المنتفعين ومن رجال الدكتاتورية الذين التحقوا بها بعد سقوط الصنم ووقعوا دخيلاً وتواّبين عليها واحتوتهم وحمتهم، وصاروا هم الذين يسيّرون اغلب مفاصلها بحكم خبراتهم المتفوقة، وبما يحملون من شوائب ونزعات قسرية، رغم اعلانهم توبتهم وتقبل تلك الميليشيات لهم .  . 
   ان من حق العراقيين التخوّف والتحذير من نشوء نظام شمولي اسلامي طائفي، بعد ان فشلت محاولات انعاش الصراع القومي والديني ( بين الأديان)، او لم يكن بالمستوى الذي يقرر مصير البلاد بالحدة وبالشكل الذي ارادته له تلك الدوائر  .  .  رغم الحوادث المؤسفة التي حصلت . وفي وقت يُدفع فيه بالشعارات المقدّسة لصراع الأديان والحضارات الى اعلى والى المقدّمة، التي تزداد من خلالها في بلادنا  احتمالات الدفع بصراع الطوائف (المقدّس) الى المقدّمة ليحقق اهدافاً متنوعة .  .  وليبقى العراق بكل امكاناته ( طائراً اومغرداً ) خارج السرب في صراعات المنطقة  .  .  كما خُطط له في السابق وكما كان، في ظروف المنطقة المعاصرة الآن .   
   الصراع الطائفي الذي يمكن ان يكون اكثر عنفاً ووحشية، وسواء كان متواصلاً او متقطعاً .  .  او يصل فيما بعد الى توحيد جهود الطائفتين على اساس (مصالحة أسلامية وفق تراث البلاد الحضاري)، تبقي على العنف والوحشية ووفق المخططات التي لم تستقر او لم تتحدد ابرز ملامحها بعد .
   ان اكبر اخطار الصراع الطائفي يأتي من تزايد احتمالات تأصّله واستعصائه فعلاً، يكون بعدئذ   صراعاً مذهبياً يشطر البلد عمودياً ، بعد ان كان ولايزال غلافاً لصراع سياسي يسوّغ ويحلل الجريمة لتحقيق اهدافه باسم الطائفة المنتصرة او المنصورة .  .  بالأرهاب والقسر وبسيول الأسلحة والمال والمخدرات وحور العيون على الأرض وليس في السماء . وبوجود الأدوات القسرية لذلك كبدر الشيعية ومجاميع مسلّحة سنية منظّمة منضوية في منظمات (مقاومة ) كجيش السنة وميليشيا مجلس علماء السنة، جيش محمد وغيرها، اضافة الى قوات المتطوعة في جيش المهدي الذي (قيل انه صار منظمة سياسية) كما في مقابلات السيد مقتدى الصدر في قناة الخليج (1)، في وقت ادّعت فيه قوات بدر تحوّلها الى حزب سياسي ؟!!   
   وفيما يرى محللون ومراقبون بان تشبيه واقع العراق كواقع المانيا بعد انهيار الفاشية في نهاية الحرب العالمية الثانية، امر خاطئ تماماً .  .  وانه لايشبه حتى واقع المانيا بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى !! .  .  حيث ان هاتين الحربين لم تغيّرا المجتمع الألماني ولم تعبثا به في وقتهما، كالتغييرات العميقة التي اصابت المجتمع العراقي طيلة حروب صدام وطيلة زمان دكتاتوريته، التي غيّرت حتى اسس ووجهة سير ونمط نمو المجتمع، الذي يمكن مقارنته بحالة المجتمع الألماني التي صارت عام  1648 بعد حروب ونزاعات ودمار وانكسارات وهجرات وهجرات معاكسة، وتوالي الصراعات بين انواع الجيوش والقوى على ارضه (2) .  .  الأمر الذي طرح ضرورة التفكير بتقبّل امور قد يكون غير مرغوب بها، مما جرى تقبّلها في القرن السابع عشر هناك، لأنها كانت مؤثرة وفاعلة في المجتمع بحالته المذكورة . .  بشرط ان تكون انتقالية مؤقتة، وتحت الرقابة .
   الاّ ان الحرب التي اندلعت واسقطت الدكتاتورية واعلنت احتلال البلاد، وبعد ان ادّت اضافة الى الفوضى الشاملة في البلاد للأسباب آنفة الذكر  .  . ، وتسببت بتسرّب عشرات ومئات من المسلّحين من دول الجوار واعمال القتل الجماعي والأرهاب والسرقات، والفساد الأداري والأختلاسات التي طالت عدداً غير قليل من المسؤولين الجدد والمضاربات وتحقيق اعلى الأرباح بسبب ازمات المواد المعيشية والأستهلاكية الضرورية والكهرباء وغيرها وغيرها.  .  وبالتالي سيادة انعدام الأمان وانواع البطالة، واضطراب الحياة الطبيعية في البلاد، دون رادع ومنظّم مقتدر وطنياً واقليمياً ودولياً .  .
   اضافة الى اندلاع مشاكل من اكثر المشاكل حساسية مثل ماهية الدستورعلماني ام اسلامي وماهية مرجعيته ، الفدرالية .  .  وقضية حقوق المرأة، اضافة الى  قضية الأحزاب، حرية الصحافة وحرية الرأي والمعتقد ووسائل ضمانها وحمايتها .  .     التي جرى حلّها بسرعة (او لفلفتها ان صحّ التعبير) لتلبية جدولة انسجمت مع ارادة ومصلحة القوة العظمى فقط، رغم الأعتراضات على التوقيت حينها .  . فجرى تأجيلها او صياغتها بفقرات ترضيّ القيادات المتخاصمة دون الأنتباه الى حركة حالة الشارع ومعاناة المواطن، الأمر الذي ادىّ الى استمرار المشاكل بسيرها وتفاقمها بشكل متوازي، اي لم يكن هناك حلّ  للمشاكل في الواقع وانما جرى دفعها للأستفادة من الوقت .  . 
   فانها ادّت بسبب عدم تحشيد الجماهيرلها ـ مهما كانت الأسباب ـ (3) لضمان اقتناعها وبالتالي تأييدها واستعدادها للدفاع عنها .  .  الى تكوّن اضافة الى تصوّر خيالي في مدى فاعلية صياغة الأتفاقات وبالتالي تصوّر امكانية او آلية اوتوماتيكية لتطبيق فنتازي للديمقراطية في اوساط الحكم العليا، فأنها ادّت  بين اوساط الشعب، الى ضياع بين النظر الى المستقبل وبين تقييم الماضي، والى شيوع وتعمّق اجواء عدم الثقة واجواء التطيّر والتغرّب واللامبالات بما يتحقق .  .  في حياة اخذت تسود فيها قوانين الغاب، رغم الجهود المبذولة في البناء .
   يرى آخرون ان ذلك التأجيل والصياغة المختلطة التي تجمع اضداداً في معانيها،  من الممكن انه كان قد  جرى بوعي مسبق من دوائر قرار اميركية لأيجاد ( حلول ) وسطية، تكسب فيها وقتاً تحتاجه  لمحاولتها ربط الأطراف المعنية كلّها بيدها ـ كلّ من شبّاك ـ وجعلها رهن اشارتها في كلّ الأوقات، باعتبارها هي الضامنة لتلك الحقوق شفاهياً، وماكتب وتم الأتفاق عليه كحل وسط، يفتح الباب امامها ـ امام الأدارة الأميركية الحالية ـ على كلّ الأحتمالات ويطلق يدها اكثر في ظروف غياب ارادة شعبية منظمة موحّدة وفي ظروف التواجد الكثيف لقواتها في البلاد، ويثير مخاوف من تنصلّها مما اتفقت عليه، وفق سير مصالحها و اوضاعها الداخلية هناك .
   ومن ذلك يرى باحثون ان اصرار الكورد على تثبيت تلك الحقوق وعلى ملاحقتها الدائبة ـ بعيداً عن التلويح المستمر بالأنفصال الذي صار يعطي مردودات تضرّ بالحقوق العادلة لكوردستان التي تمثّلها الآن على الأقل المواقع السيادية الرئيسية في البلاد ـ .  . ان اصرارهم لم يأت من فراغ، وانما بعد خسارات واجهوها سواءاً مع العثمانيين مطلع القرن الماضي او مع قوات الأحتلال البريطاني ايام ثورة الشيخ محمود الحفيد في العقد الأول من مطلع القرن الماضي (4)، او في زمان الدكتاتورية التي اقرّت حكم ذاتي لهم افرغته من محتواه وحاربتهم برايته. وتصاعد قلقهم من ضياع حقهم في الفدرالية، او في تحقيق حكم ذاتي حقيقي له ضمانات اعلى مما كانت في زمان الدكتاتورية بحيث ينصفهم ويحدد حقوقهم ولايسهل نقضه . . بالتناسب مع استقرار عموم المنطقة وان لايضيّع حقهم في تقرير المصير، عبّرت عنه وايّدته قوى معارضة الدكتاتورية بصيغة " الفدرالية " .  . منذ سنوات معارضتها لها . 
    من ناحية اخرى، وفيما ترتفع علامات استفهام تزداد وضوحاً وكبراً عن دور المؤسسات الدستورية وخاصة جلسات مجلس النواب التي صارت تثير الألم والغضب وتؤكد على ان بقيت بهذا الشكل، فان الأستغناء المؤقت المحدود الأجل عن علنيتها، قد يكون ضرورياً لتحقيق الأستقرار .  . لأنها تلعب دوراً وكأنه جزءاً ودعوة وتطبيقاً لولاية فقيه عراقية من جهة .  .  ولأنها لاتعمل ما من شأنه دعم برنامج المصالحة والمواجهة الذي يتحرّك بضوئه بنشاط الآن السيد المالكي من جهة، الأمر الذي قد يجعل منها عوائق لاداعي لها في زمن تزايد الدعوة الى حل الميليشيات المسلحة وصولاً الى استخدام القوة لتحقيق ذلك.
   تلك الميليشيات التي تتمتع الجهات المتصارعة الرئيسية منها بعلاقات وثيقة في مجلس النواب والحكومة بل ولها ممثليها فيهما !! بما فيها الجهات الحاكمة التي ليست بعيدة عن الصلات بمجاميع صدام، بمختلف الأشكال والصيغ والمبررات ( شخصية، عائلية، مصالح، وغيرها الكثير الناتج بسبب الأوضاع غاية التعقيد والقلق القائمة) .
   الأمر الذي ان ساعد ويساعد على تكوين كيانات شبيهة بدول داخل الدولة الواحدة وخاصة عدد من الشيعية والسنيّة اضافة الى المتنوعة الأخرى، التي فجّرت جلسة مجلس النواب لمناقشة واقرار مشروع قانون اجراءات تكوين الأقاليم التي عقدت في ظروف طرح حكومة المالكي مشروع مصالحة وعزمها على انهاء الميليشيات وتحديد الدولة كصاحبة الحق بحمل السلاح .  .
   وافرزت تصاعد وتبلور احداث لايمكن المرور عليها بسهولة، لأنها تعكس حركة الواقع الداخلي والأقليمي والدولي .  .  من اجتماع علني لبعثيين صدامين في الحويجة يطالبون باطلاق " قائدهم الأسير "  وصدور بيان وتصريحات يطلب فيها البعث الصدامي من الشعب بذات العنجهية (التوبة)!! صدامات اثارها جيش المهدي في العمارة، تصريحات متناقضة اميركية ـ بريطانية عكست ارتباك ورغبة في تغيير ستراتيجهم اسفر عن تكوين لجنة بيكر آنفة الذكر. واخيرا وهو الأخطر الأعلان عن (قيام ولاية اسلامية في الرمادي)، محافظة الأنبار على غرار طالبان .  . الأحداث التي لايمكن عزلها عن تفاعلها معاً، وتأثيرها وتأثرها احداها بالأخرى، التي سيكون لأقواها فيها دور هام في تحديد مستقبل الوضع في العراق، وفق الموازين المتحرّكة الدولية والأقليمية، بتقدير سياسيين وخبراء .   
   من ناحية اخرى تفيد مصادرة متنوعة بأن توصيات لجنة بيكر، كانت واضحة في التاكيد على ضرورة التوصّل الى مفاوضات مع مجاميع مسلحة لعزلها عن القاعدة والوصول حتى الى ما اسمته بـ (التصالح المؤلم). في اشارة الى وجود تمهيد لتغيير السياسة الأميركية في العراق يرمي الى تحقيق الأستقرارـ ووصفه الرئيس بوش بكونه ضروري مع ضرورة عدم الجمود لتحقيق الأهداف ! ـ في وقت كان بيكر واضح في اشارته الى حجم الازمة التي تعاني منها الأدارة الأميركية الآن، وعبّر عن معارضته الشديدة لأرسال قوات اضافية الى بغداد، قبل ان يباشر بوضع التصورات الكاملة عن العراق على طاولة لجنته والخروج منها بحل مناسب، واعتبر ان الأدارة الأميركية ملزمة الان ببحث وجهات النظر العراقية واعطاء الفرصة .  .  لتحرك عراقي جديد مع سوريا وايران وعلى الأدارة الأميركية ان لا تأخذ ازمتها الداخلية فقط بعين الاعتبار!! على حد وصفه، في وقت اضافت فيه بي بي سي اقتراحاً وصفته، بكونه تجري دراسته يقضي بالتركيز على ضمان الأستقرار والتخلي عن هدف احلال الديمقراطية !   
   وعلى اساس تعب وخسائر وانفاق اميركي خيالي، ومطالبات بريطانية بالأنسحاب، وفق تعبير قادة بريطانيين يرون بان(استمرار وجودنا يزيد الأوضاع سوءاً في العراق)، ومن اجل الحفاظ على استقرار سياسي في الغرب .  . افادت مصادر مقربة من بيكر، ان لجنته تسعى لأقناع الرئيس بوش بالطلب من الحكومتين السورية والأيرانية بارسال قوات للحفاظ على الأمن فيه!! الأمر الذي اثار ردود افعال غاضبة وصفته بكونه جزءاً من عقلية العسكرة والحلول العسكرية، وبكونه لايختلف عن خطة
" فتنمة الحرب " في فيتنام، التي جرّت في السبعينيات دول جنوب شرق آسيا كلّها الى حروب لاتزال آثارها ملتهبة الى اليوم هناك. فيما يتساءل كثيرون، هل هو تلويح بجر دول المنطقة الى حروب اقليمية ام ماذا ؟ وهل هو فصل جديد يستهدف توسيع الحرب في المنطقة باسم ايقافها ؟؟
   ويرى فريق آخر من ستراتيجيين سياسيين وعسكريين متخصصين من ان حذر دول المنطقة من انتشار الأرهاب اليها، الذي عبّرت عنه المملكة السعودية والكويت بإقامة جدار عازل .  .  لايمكن ان يكون سبباً للأدارة الأميركية لأستدعاء قوات ايرانية للحفاظ على (استقرار) الجنوب والشرق ؟ (5) وقوات سوريّة للحفاظ على (الأستقرار) في الغرب، الذي سيعني اعطاء ضوء اخضر للقوات التركية لممارسة دورها (الرقابي ) على كوردستان العراق  .  .  لتجنّب رفض دول الناتو ولزيادة تكاليف قوات من جنوده وبالتالي زيادة النفقات .  يرون ان ذلك لايمكن ان يكون سبباً مقنعاً لا للعراقيين ولالدول المنطقة، حتى وان كانت تلك القوات خاضعة للقيادة العراقية !!
   ويحذّر كثيرون من ان الأدارة الأميريكية التي تستمر في التأكيد على سلامة وتعزيز وحدة العراق، ان وافقت على استقدام قوات من البلدين، كما مرّ ذكره، فأنها ستتسبب بتحطيم ليس وحدة البلاد  او تقسيمها فحسب، وانما ستجرّها الى حرب طائفية اهلية طاحنة (6) مدعومة بقرارات ( السماح بدخول قوات دول الجوار للحفاظ على الأمن )، التي ستجرّ دول المنطقة الى حرب اقليمية هائلة، ستكون اخطر غطاء لتحقيق انسحاب القوات الأميركية، ان دفعت لها جهات بعينها . اذا ما اخذ بنظر الأعتبار تزايد فكرة ( حققنا الأنتصار بحماية بلادنا من الأرهاب .  .  بتحويل السخط من السخط علينا الى سخطهم بعضهم على بعض )، بين اوساط القيادات العسكرية والسياسية الأميركية .
   وعلى غرار ظاهرة الأرهابي الزرقاوي التي لم يبالِ بها كثيرون في بدايتها واعتقد آخرون انها ليست جادة وليست حقيقية .  .  تبرز خطورة الأعلان عن قيام (الأمارة الأسلامية في الرمادي) لكونها كيان سنيّ (يقاوم الأحتلال ومن اجل احقاق حقوق طائفة السنة)، سيستفزّ الميليشيات الشيعية بالمقابل وستكون حجة ( قد لاتخلو من منطق !) لرفض القاء السلاح او لرفض تحويلها الى كيانات مدنية تحت واجهة نفس الأهداف .  .  الأمر الذي سيمزّق البلاد الى امارات متصارعة طائفية سنية وشيعية .  .  وسيدفع الى تحقيق مخطط الحرب الأقليمية آنف الذكر .
   ان مبادرة رئيس الوزراء السيد المالكي للمصالحة على الأسس التي تحقق للشعب العراقي وكادحيه بكل اطيافهم، الأمان وقسم من حقوقه وشئ من الرفاه على طريق الخطوط الأساسية للدستور، وعلى ضرورة انهاء الميليشيات الطائفية الدموية وفرق الموت،  والذي سيعني زيادة مركزة القرار مؤقتاً، لابد ان يتطلّب اعلان حالة طوارئ قصوى من قبل الحكومة، وضع كل القوات المسلحة والميليشيات بيد مجلس دفاع اصولي مصغّر، مكوّن من اللجنة الأمنية السياسية العليا ومكتبها برئاسة رئيس الجمهورية السيد الطالباني ، تعليق الجلسات العلنية للبرلمان، العودة الى عقوبة الأعدام بحق المجرمين والأرهابيين الدمويين، الأسراع بأعلان الحكم على المجرم صدام بتهمة الخيانة العظمى لأبسط حقوق العراقيين بكل اطيافهم القومية، السياسية والعسكرية، الدينية والطوائفيه والأسراع بتنفيذه لقطع رأس الفتنة !!
   اسراع القوى العراقية بالمبادرة الى المصالحة والتسامح واعلان عفو عام يستثني مقترفي الجرائم واحالتهم الى القضاء، و التأكيد على ان مبدأ الفدرالية التي يحتاجها العراق يحتاج الى تقوية الشعور بالأنتماء الى مصير وبيت واحد .  . وبكونها اكثر من قوانين مخطوطة بحبر اصم يابس يبوسة الحساب والرياضيات .  . بل انها عملية حية حيوية الحياة التي يحرم منها العراقيين بشيعتهم وسنتهم وكل اديانهم وطوائفهم، بعربهم وكوردهم وتركمانهم وايزيدييهم وكلدانهم الآشوريين السريان وكل اقلياتهم واطيافهم .  .  .  فدرالية توزّع ثروات البلاد وفق حاجات الكيانات الأدارية وعدد نفوسها وحقها في حياة انسانية كريمة، على اساس المواطنة بعيدا عن الطائفية، وعلى اساس تفاهم كل قوى البلاد .  . ووضع شروط لأنسحاب القوات الأميركية التي بقدر انها لايمكن ان تبقى بدون ضوابط وشروط،، بقدر ما تقترن بنجاح العراقيين في وحدة كلمتهم وارادتهم لتحقيق الأمان والخبز.  .  في ايام اعياد يحرم من بهجتها العراقيون مجدداً !!  (انتهى )

25 / 10 / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.    مقابلة السيد مقتدى الصدر في قناة الخليج .
2.   " لايمكن ان نجبن دفعة واحدة " ، حول دور الناتو في افغانستان، الدبلوماسي المتخصص بشؤون الشرق الأوسط ار . نيومان / دير شبيغل  2006 .
3.   حيث تصوّر عدد من القادة ان توفير المال او السلاح او كليهما، هو الكفيل الوحيد لكسب الحقوق او مطالبهم .
4.   راجع، " كردستان في الحرب العالمية الأولى " ، د. كمال احمد مظهر .
5.   لاحظ خطورة استمرار تواجد " قوات مجاهدي خلق "  في المنطقة ايضاً .
6.   اصاب من وصفها بكونها ستكون اكبر واقسى حرب اهلية في التاريخ المعاصر ![/b][/size][/font]


269
عراقنا بين : الفدرالية، النظام الشمولي والتقسيم !
1 من 2
د. مهند البراك

   بعد ما صار اللي صار، من دكتاتورية وحصار الى حرب وسقوط الدكتاتورية واعلان الأحتلال، الى عود على بدء صفحات تهدف الى العودة لوقوف الشعب والبلاد على قدميها مجدداً، بطرق وصراعات مركّبة متناقضة ومتصارعة ثم دامية ودموية لم تنقطع .  .  الى مشهد واقع اليوم القلق العائش في صراع رهيب بين القديم الشائخ الذي يُنفخ به ويُضخ، وبين آمال واماني متناقضة متصارعة التي فيما تبدأ بالتحقق .  .  تنتكس او تؤجّل او تفقد معناها لدى كلّ اطراف الصراع  .  .  واقع مؤلم يستمر تحت رايات ومفاهيم متنوعة متناقضة متصارعة، طغت عليها الصراعات العنيفة بين الأطراف التي تحمل اكثر الأطراف حدة فيها القرآن راية، وكلّ  يدّعي انه هو الأكثر اخلاصاً لها .  . 
   الصراع الدموي المستمر الذي ازهقت وتزهق فيه ارواح مئات آلاف العراقيين الذين هم في الغالب مدنيين، نساءاً واطفالاً، رجالاً وشيوخاً ً .  .  .  حتى صار الموضوع موضوع حلم باستقرار فقط بل واخذ  قسم من السياسيين يطرح الأستقرار وحتى بأي ثمن ؟  وكأنهم الآن والآن فقط يتحسسون معاناة العراقيين الطويلة المستمرة وصولاً الى معاناتهم الأخيرة التي لاتنقطع منذ سنوات .  .  الأستقرار الذي لايتحقق رغم وجود الحشود الهائلة من القوات الأجنبية بكل اسلحتها وتكنيكها وبكل قضّها وقضيضها، ورغم قيام مؤسسات دستورية وتشكيلات جيش وشرطة .  .  .  التي يبدو انها غير فاعلة وغير قادرة على الحسم سواءاً في الواقع العملي الداخلي وعلى صعيد الشارع الملتهب، لأسباب معروفة وغير معروفة واخرى يجري تستيرها، بل ولايُعرف حتى الآن ماذا سيحدث اذا ما قُللت هذه القوات وانسحب قسم منها؟! وكل الأطراف بل وحتى الجوار صار يريدها ان تبقى في الواقع، ليبقى الوضع على ماعليه غير محسوم، او خوفاً من حسم يريده قسم ولايريده آخر .  . رغم انواع المزايدات !!
   في واقع تشير احصاءات متعددة فيه تناقلتها وكالات الأنباء الدولية والأقليمية والمحلية، لايتطرق الشكّ الى صحتها .  .  الى استشهاد ومقتل اكثر من (000 650 ) ستمئة وخمسين الف عراقية وعراقي من كل الأطياف العراقية، بل وسيقارب العدد قتلى الحرب العراقية الأيرانية، اضافة الى مقتل آلاف الجنود الأميركان ( واضعاف تلك الأعداد من الجرحى) المساقين بقوة القوانين العسكرية .  . اضافة الى تشريد مئات الآلاف من بنات وابناء العوائل بسبب العنف الطائفي المقيت، الذين يعانون من فقدان ابسط حقوق السكن والطعام والصحة، والى هجرة وتدفق ملايين عراقية جديدة الى خارج البلاد وحيثما استطاعت بضمنهم خيرة كفاءاتها، هرباً من القتل والدمار .  .
   وفيما يعرف ابناء البلاد، اضافة الى عدد يأخذ بالتزايد من الخبراء والمراقبين .  .  ان الأزمة العراقية ليست دينية ولاطائفية، بل هي صراع سياسي على السلطة وعلى ثروات البلاد ومُلكياتها واراضيها . . يستخدم الطائفية والعقائد الدينية واجهة، ويستغل امكانية استخدام الأوساط الأكثر تخلفاً في اشاعة القتل والتشويه والتعذيب لشل اوساط غير قليلة بل واسعة انهكتها حياة شاقة لم تعرف الرحمة، واخرى ساقتها الى الأيمان حتى بالخرافات والأحلام ملجأ من حياة ضاعت وتضيّع فيها القيم الأنسانية والدينية السمحاء  .  . 
   الصراع الذي كان الدكتاتور صدام اول من بدأ بتغليفه بالدين والطائفة بكل الوسائل وبلا حدود او اعراف في تاريخ البلاد الحديث   .  .  منذ اعلانه عن الحملة الأيمانية المنافقة تقرباً للشارع العراقي وخوفاً على كرسي حكمه المهترئ، بعد ان ساق واشترى عدداً من الوجوه الدينية الطائفية وبعد اغتيال وتضييع من رفض منها، استمراراً في السير على نهج خطط " تأطير المجتمع" سيئة الذكر (1).
   لقد وصل العراق الى قمة مآسيه منذ حكم الطاغية الأرعن مروراً باسقاطه وحتى الآن، رغم وجود جهود عراقية مخلصة من كل اطياف البلاد القومية والسياسية والدينية المتفانية في سبيل اعادة بناء البلاد .  .  الاّ انها لم تستطع لحد الآن ايقاف هذا الدمار المستمر، لأسباب عدد منها ليس خافياً وآخر مجهولاً .  .  الاّ ان حال البلاد الآن صار مأساوياً ولأبعد الحدود ! 
   ومع اقتراب موعد الأنتخابات النصفية للكونغرس الأميركي كلف الرئيس الأميركي جورج بوش قبل اكثر من شهرين وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، بتشكيل لجنة من كبار مستشاري البيت الابيض مكوّنة من جمهوريين وديمقراطيين لوضع تصورات حول كيفية التوصل الى معالجة ازمة العراق، التي صارت تشكّل ازمة الأدارة الأميركية ذاتها .  . قام فيها السيد بيكر بزيارات عدة للبلاد، التقى فيها بعدد من المسؤولين، قبل زيارة السيد المالكي الأخيرة الى واشنطن .
   وفيما لايزال الرئيس الأميركي مصراً على قوله بـ ( ان القوات الأميركية لن ترحل قبل ان يتمكن العراقيون من تحمّل اعباء مسؤولية الأمن في بلادهم )، تفيد انباء متنوعة عن توصل لجنة بيكر الى توصية بفتح محادثات مع سوريا وايران في محاولة للحصول على مساعدتيهما في تحقيق الأستقرار في البلاد، اضافة الى طرحها فكرة حل المشاكل مع المسلحين سياسياً ـ اي سلمياً ـ من اجل التوصّل الى حالة الحد الأدنى من الأستقرار .  . 
   الأمر الذي فيما يرى مراقبون انه يشكّل تطوّراً هاماً، وكونه جاء دليلاً جديداً على اخطاء وغرور وعدم آهلية اوساط غير قليلة من القيادات الأميركية .  .  وارتكابها اخطاءاً فادحة بعدم اخذها بوجهة نظر عدد من ابرز السياسيين العراقيين الذين طرحوا وبوقت مبكر ضرورة اشراك حكومتي سوريا وايران من خلال دور لهما يدرج ضمن الشرعية الدولية، التي عارضتها الأدارة الأميركية بشكل قاطع آنذاك .  .  اضافة الى جهود الحكومات العراقية بعد سقوط الدكتاتورية وحتى الحكومة القائمة الآن في السعي لأيجاد دور لسوريا وايران في حل ازمة البلاد وضرورة الحفاظ والعمل على تطوير العلاقات الطيبة بين العراق وجارتيه، التي ادى الموقف المتشدد للأدارة الأميركية حيالها اثر مسألة الطاقة النووية الأيرانية وقضية اغتيال الرئيس اللبناني رفيق الحريري .  . الى ان تسوء علاقة العراق معهما . 
   فيما يرى مراقبون آخرون، ان ذلك يأتي في وقت قد يكون غير مناسباً الآن، بعد انتظار العراقيين طويلاً لدور ايجابي للعرب والجوار لم يجدوه رغم تزايد نزيف الدم، حتى وصل الأمر بهم الى السخط والألم والى خيبة الآمال من الأنظمة العربية والعرب ان صحّ التعبير (الذين عاشوا ويعيشون على نفطنا ولا يأبهون لما نعاني منه)*، اضافة الى تزايد الحذر من اغلب دول الجوار التي استغلّت كل فرصة للأنتفاع من البلاد وهي تعيش مآسيها، ووصل الأمر بقسم منها تقديم كلّ العون نهاراً جهاراً للمجاميع المسلّحة مهما كانت، للمرور الى البلاد وللقيام بانواع النشاطات العنيفة فيها دون تدقيق بمن تكون، سواء كانت من مجاميع الزرقاوي او عصابات صدام، وسواء نوت القيام باعمال ارهاب جماعي او اغتيالات فردية وغيرها .
   ان تجاهل وعدم الأستفادة من خبرة رجال معارضة الدكتاتورية، اضافة الى خبرة رجال معارضة الدكتاتورية من الذين كانوا موجودين في مؤسسات الدولة قبل انحلالها، من كل الوان الطيف العراقي،  واعتماد الأدارة الأميركية شبه المطلق في القرارات الحاسمة، سواء كان ذلك الأعتماد مدروساً او هادفاً او غير هادف .  .  على عدد من رجال الدين فقط في بلد كالعراق، الذي كلمة رجال الدين مهما سمت منزلتهم فيه، فانها لم تكن تسري سوى على ابناء طائفتهم فقط ـ بل وليس كلّها ايضاً بسبب الأجتهاد وبسبب نزاعاتهم هم فيما بينهم ـ من جهة (2) .  .  في الوقت الذي اهملت او خافت فيه من التعبئة الشعبية الضرورية ، حيث لم تبذل جهوداً حقيقية للتفاعل معها او دعمها والمساعدة على تشذيبها وتنظيمها وجعلها قوة فاعلة لتحقيق  التغيير تحت شعاراتها في ( الديمقراطية)، او لأشراكها الفاعل فيها .         
   بل تملّقت وركبت الموجة الطائفية ـ او تركتها تنمو وتتصاعد بسبب البطء وغيره ـ التي اسس لها صدام كما مرّ، لسعي اطراف اميركية نافذة للحفاظ على كيان شمولي جديد يشبه كيان صدام المتهاوي ولكن بدونه، او لسعيها لتطبيق (محسّن بتقديرها) لوجهتها السابقة بالتغيير عن طريق (انقلاب قصر) .  .  على اساس تغيير فوقي، بحيث لايصطدم او لايعيق استمرار فاعلية مشروع (الحملة الأيمانية) (3) واستمراره .  . ناسية عارفة او غير عارفة بـ " انها باعلانــــها الحرب ثم الأحتلال، قد استفزّت المشاعر العراقية كلّها، التي تراكمت بسرعة بعدئذ لأسباب كثيرة وادّت الى حصول اشبه بانفجار اجتماعي فكري قيَمي يصعب تحديد مآله .  .  بعد ان تصوّرت انها بالحرب والأحتلال ستقطع الطريق على ذلك الأنفجار !! " .
   اضافة الى اخطاء وتطبيقات وسلوك من جهات اميركية اخرى شاءت ام ابت، من التي دفعت وتدفع من خلال اتباعها اسلوب (خلق حالة فوضى)(4) لتبني من خلالها (الجديد)، فانها دفعت وتدفع البلاد الى طريق لايفضي الاّ الى تحقيق نظام شمولي جديد بصياغة ( ولاية فقيه عراقية ) لتحقيق اهداف متنوعة من خلاله .  . قد يكون الهدف منه خلق نظام ولاية فقيه جديد يقف امام ولاية الفقيه في ايران !! او ينافسه، رغم اعلان المرجع الشيعي الأعلى السيد السيستاني عن عدم تأييده لنظام ولاية الفقيه .  .
   في اثبات جديد على ان وجهة العراقيين لاتتطابق مع وجهة الأميركيين واجندة نشاطهم رغم انهما التقيا في اسقاط الدكتاتورية، وعلى ان هناك اختلاف كبير طبيعي بين جدولة واولويات العراقيين، واهداف الأمريكيين الذين ساروا وسيّروا في طريق ليس عدم مواجهة الطائفية فحسب، بل في طريق تقويتها وتعزيزها وجعلها شرعية منذ اعتمادهم نظام المحاصصة الطائفية .  .
   الذي اخذ بتسهيلات واعمال عنف وافعال وردود افعال شنيعة يسري سريان النار في الهشيم، وعمل على زيادة التهاب الصدامات وتزايد الأرهاب في العراق ـ بل واخذ يسري في عموم المنطقة ـ، الذي اعتبرته اوساط قيادية اميركية بارزة بكونه نجاحاً كبيراً في حماية بلادها من الأرهاب باشاعته وإشغاله في مناطق انطلاقه .  . هناك !
   ولم تقف موقفاً جاداً واجراءات امام اطلاق صدام لسراح آلاف المجرمين والقتلة العاديين الذي شجّع على انطلاق اعداد اجرامية مضاعفة اخرى بسبب انعدام الأمن، والغت عقوبة الأعدام في بلد شاع الأجرام والقتل فيه .  . الأمر الذي ادى الى تشكيل وانتظام عصابات قتلة واجرام لاعدّ لها بحماية (القانون والشرعية الجديدة)، التي قامت وتقوم بـ ( اعدامات جماعية ) عشوائية رغم الغاء عقوبة الأعدام قانوناً .  .  راح ضحاياها عشرات آلاف الأبرياء من المدنيين العزّل، على يد تلك العصابات، التكفيريين، وعلى يد افراد وحدات صدام الأجرامية المدرّبة التي انسحبت واختفت، من جهة.
    اضافة الى وقوع اعمال انتقامات هائلة بعد زوال غطاء الدكتاتورية المرعب، اثر انفلات الأوضاع وتباطئ اجراءات اعادة بناء الدولة والتلكؤ بها وبدء تصاعد روائح الفساد الأداري التي راحت تزكم الأنوف، في ظروف جُمّدت فيها طاقات البلاد وخبراتها، واهملت فيها جهود ونداءات العراقيين من اصحاب الخبر والكفاءات، الذين يزخر بها العراق .  .
   وفيما يتساءل قسم لماذا تخفق الأدارة الأميركية الراهنة في تحقيق ماوعدت به العراقيين، وفي تحقيق اهدافها هي ـ التي قد تكون لم تخفق فيها كما سيأتي ـ فيما يبدو لها ان الخبرة الأميركية ودوائرها الناشطة ليست قليلة لا في العراق ولا في المنطقة ؟ !  يبدو لقسم ثاني بانها لم تفشل وانما تسير في خطط رسم لها قسم من اجهزتها، كان يرمي الى تحقيق اهداف جرى التخطيط لها من خلال وتحت غطاء اشاعة اجواء فوضى مدمّرة، والمستمرّة والقائمة الى الآن .  .  فيما يرى قسم ثالث انها تخفق بسبب الرفض الشعبي الذي يتصاعد باشكال واسباب وآليات كثيرة التنوّع، لأن الحياة صارت اكثر جحيماً مما مضى في القسم العربي من البلاد خاصة ! 
   من جانب آخر يرى عدد من المراقبين وذوي الخبر في الشؤون الدولية، ان الأدارة الأميركية تواجه الفشل في العراق، لأن طاقاتها متوزعة بين الجديدة التي ظهرت بعد انهيار جدار برلين وبين الدواوينية البيروقراطية التقليدية .  . التي اخذت تتصارع بينها بعد انهيار القطب الشرقي بعد ان لم يمسّها التجديد الضروري لتكوين وصياغة تعامل جديد مع العالم الجديد وسماته وتطلّعه الى رفاه جديد وسلام قائم على عدل افضل مما مضى .  . كما عبّر وزير الخارجية الأميركية المستقيل السيد كولن باول، السيد تينت الرئيس السابق للمخابرات المركزية الأميركية والسيد ريتشارد كلارك كبير مستشاري البيت الأبيض، اضافة الى قائمة اخذت تطول من كبار مسؤولي وموظفي الأدارة الأميركية .
   وبسبب النظام الأداري القائم، الذي يصفه عدد من كبار الخبراء الأميركيين الدوليين، بـ " ان نظامنا الأداري والشخصيات الأدارية الكبرى فيه، لاتتناسب حتى مع التطوّر التكنيكي والمعلوماتي الهائل للعولمة الذي بيدنا، وصرنا نعاني من حالة ( نادي عجائزالكرملين ) التي كنا ننعت بها القيادة السوفيتية التي انهارت بسبب الركود والجمود .  .  الذي ادخلنا في صراعات مع حلفائنا الأوربيين .  .  والذي يصل الى اجتهادات متناقضة بشكل هائل في قضية نفط العراق مثلاً، بين من يريد من العراق بناء قطب او مجمع نفطي ـ مالي عالمي جديد، وبين من يريد ان يجعل نفط العراق احتياطاً مخزوناً في الفترة الحالية، الأمر الذي يتصل بالتالي باسلوب تعاملنا مع القضية العراقية وقضية الشرق الأوسط  " (5) . (يتبع)

23 / 10 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الجملة بين اقواس هي ما يتردد في الشارع العراقي منذ سنوات وحتى الآن .
(1)   الهادفة الى صنع مجتمع الجريمة والخوف والمخابرات، راجع " جيوش الظلام " ، الجنرال هربرت هوبسون .
(2)   راجع " عام قضيته في العراق " ، السفير بول بريمر . دار الكتاب العربي بيروت، 2006 .
(3)   يرى كثير من الخبراء ان تسرّع الأدارة الأميركية بالحرب على العراق كان يستهدف ضمن ما يستهدف قطع الطريق على انفجار الوضع في العراق، الذي كان لو حصل لن تتمكن من اللحاق به ولن تتمكن من تحديد مخاطره عليها، وعلى المنطقة  .  .
(4)   مصطلح حالة فوضى، ويطلق عيها ايضاً " حالة ضبابية " او " ضباب " يحجب الرؤية عن امور خطط لها وتجري .
(5)   راجع " خطة عمل ضد مقاتلي الجهاد " ، ريتشار أ. كلارك / عن الألمانية، دار هوفمان اوند كامبي، 2005 .[/b][/size][/font]



270
عراقنا و( المفاهيم الجديدة للنصر)!
د. مهند البراك
"  ليس لدينا اصدقاء ثابتون، لدينا مصالح ثابتة  "  ـ ونستون تشرشل ـ


   لم تشكّل منطقة الشرق الأوسط والخليج طيلة سنوات الحرب الباردة، الاّ المنطقة الأكثر سخونة في الصراع مع القطبين الأعظمين، سواءاً بوقوف عدد من بلدانها مع قطب ضد القطب الآخر، او بالأنتقال من قطب الى آخر او التلويح به، ولم تكن علاقاتها مع القطب المصطفة معه علاقات تابعة عادية وانما علاقات قائمة على توازن مصالح نابع من اهميتها الدولية النفطية والمالية، كسوق فاعل، السياسية والثقافية، الدينية والروحية .  البشرية والتكتيكية والستراتيجية (1) .
   وفيما طغت الصراعات الأقليمية اثر انهيار القطب الشرقي الأعظم، وخاصة في بلدان الأتحاد السوفيتي السابق وفي الدول التي كانت الأكثر ارتباطاً به .  .  بدأت محاولات لأيجاد حل للحروب والصراعات في مناطق (العالم الثالث) ومحاولات لرأب الصدوع فيها، اضافة الى محاولات بناء علاقات جديدة بينها رغم صفحات حروب وصراعات سادت بينها في الفترات الماضية، وبدأت تظهر تحالفات اقليمية بين عدد من دول الجنوب (الأطراف ) لأنها صارت في موقف العزلاء .  . في مواجهة الدول والأقطاب الصناعية العظمى في الشمال، والذي اخذ يأخذ منحى عنفياً اكثر بروزاً بعد فوز الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، وحيث اخذت رقعة العنف  بالأتساع .
   حتى اخذ الصراع يأخذ منحى ضارياً متنوعاً بين الدول الستراتيجية كدول الخامات الستراتيجية ـ النفط، الغاز، و اليورانيوم .  .  ـ والدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها المجمع الصناعي العسكري .  .  وبدا وكأنه اخذ طابع مواجهة كثيرة التعقيد بين القوى العظمى وبين دول الخامات التي تسود في غالبيتها انظمة حكم جامدة عموماً حدّت وتحد وتعيق انطلاقة شعوبها وتعيق التقدم والتمدن الذي اخذ ينادي به العالم، والتي صار التجديد في عدد منها يعني تغيير حكامها كما حدث فعلاً في اندونيسيا والفلبين .  . او يهدد بتغييرهم للأنسجام مع وجهة تغيّر موازنات العالم وتصاعد اجواء المناداة بالديمقراطية وحقوق الأنسان .  . 
   فيما واجهت الحركات الأسلامية معضلات جديدة، منها ان كثير منها غير مؤهل للحكم او لم يحدّث خطابه ولم يضع منهاجاً واقعياً للحكم ( اضافة الى ان عدداً منها لايعترف اساساً بالدولة بقدر تمسكه بالآخرة)، في مجتمعات ازدادت تأخراً بفعل صراعات المرحلة السابقة، التي طغى عليها مواجهة العدو المقدّس " الخطر الشيوعي " الذي كان جوهر وروح التحالفات السابقة .  .  والذي اورثنا بدء تعبئة مراكز القوى ودعوتها بل وسيرها في خوض الصراع المقدّس الجديد على اساس ( صراع الحضارات والأديان ) كي ياخذ طابعا مقدسا بعد نكوص العدو المقدّس السابق وفقدان قدرته على الحسم بالآلية السابقة .  . وصار الدين لايتهدد من قبل ( الكفار) وانما من الأديان الأخرى .
   الأمر الذي زاد من تقارب الدول المُهَدّدة بعضها من بعض في محاولتها ايجاد سبل جديدة لمواجهة الغطرسة وتفرّد المجمع الصناعي العسكري الدولي وعلى رأسه الأحتكارات الأميركية، الذي ازداد تهديده المباشر بالتدخل والحرب والأحتلال منذ 11 / ايلول 2001  بعد ان بدأ به فعلاً منذ مذابح لواندا والكونغو وغرينادا وليبريا وسيراليون، ثم يوغوسلافيا  .  . فيما اخذت  الدول الأضعف عسكرياً والمتنافرة من نواح لاعدّ لها .  . تزداد تقارباً وتنسيقاً لاعلى اساس اطلاق طاقات شعوبها وقدراتها الحقيقية بل على اساس كونها ( انظمة تدافع عن الأوطان ) وبقرارات فوقيه عسكرية .  .  لمواجهة اعادة تنظيم العالم وفق توازن القوى الجديد القائم على صراع عالم وحيد القطبية لم تحسم بعد قطبيته امام تحديات الأقطاب الأخرى الداعية ـ بقدرات اخرى ـ الى عالم متعدد القطبية . 
   وعلى ذلك يرى كثير من المحللين والمراقبين ان الذي يجري في منطقتنا والذي يتسبب بسيول لاتنقطع من الدماء لايخرج في الواقع عن محاولات استفراد الأدارة الأميركية الحالية بالمنطقة وتحويل طاقاتها من حالة اصطفافها السابق ( المتحرّك .  . شبه الثابت والمؤقت والمتقلب وفق مصالح الحكم ) على قطبي الحرب الباردة السابق، .  .  بدخولها بالقوة والحرب في المنطقة دفعة واحدة، ودخولها بشكل مباشر على اطراف نزاعات المنطقة كلها ؛ القومية، الفكرية، الدينية، المذهبية، في محاولة لتطبيق اشبه مايكون بـ (خطة انفجارية) لاتصلح حتى لأصلاح مؤسسات صناعية غربية عملاقة . 
   الأمر الذي بينما افرح العراقيون لسقوط الدكتاتورصدام، واقلقهم ان يتم ذلك بحرب خارجية، ثم اهاجهم اعلان الأحتلال  .  .  فانه اهاج اوسع اوساط المنطقة، لأسباب اضافة الى اشعال الحرب عليها واعلان احتلال بلد يعدّ احد اهم دعائمها، فانه بسبب عدم ثقة اكثرية شعوب المنطقة بالأمريكيين من تجارب مرّة سابقة معها ؛ من مواقفها من القضية الفلسطينية .  .  الى موقفها في اتفاقية الجزائر التي تسببت بالأنهيار المؤلم للحركة الكوردية التحررية في العراق، اضافة لعوامل واسباب كثيرة التنوع لايتسع لها المقال. اضافة الى انه اهاج واثارحفيظة الكبار الآخرين الدوليين والكبار الجدد الأقليميين الذين سارعوا للعب ادوار هائلة علنية وغيرها .  . اهاجت وادّت الى اتساع اعمال العنف والأرهاب في البلاد التي شوّهت المقاومة الطبيعية لشعبنا ضد الأحتلال، بل وطغت عليها .
   والآن وبعد الخسائر التي مني بها البلد ونزيف الدم الذي لاينقطع، بل ويهدد حتى الآن بالتزايد، اضافة الى ما منيت به الأدارة الأميركية من خسائر بالأرواح والمعدات ثم ما اصيبت به من تخبّط سياسي وعسكري وجد ويجد صداه في البيانات المتناقضة   .  .  الى ان اخذ يعبّر عن نفسه في اعادته النظر بخططه وعودته الى ماعبّر عنه بداية الجنرال فرانكس قائد قوات التحالف التي اسقطت الطاغية صدام من " ان لاخطة ثابته لنا واننا سنغيّر ونبدّل وفق ماسيجري على ساحة الواقع " !! 
    وتشير دلائل كثيرة الى ان الأدارة الأميركية تسير الآن في طريق بذل جهود لتحقيق اسلوب من نوع جديد .  . لأعادة (الأستقرار) في المنطقة على قاعدة ( الصراع المستقر او صراع التوازن )(2)، على اساس بث الحياة في صراعات دول المنطقة ذاتها ـ بدل تقاربها السابق الذكر في مواجهة اعادة تقسيم العالم ـ على اسس جديدة !! بعد ان كفّت  اسس صراعاتها القديمة في فترة الحرب الباردة عن الفعل .  . 
   بتحويل طاقتها التي تستهدف مقاومة المجمع الصناعي العسكري، الى اذكاء موازنات وصراعات  (ليست خارجة عن السيطرة) وتحويلها الى اصطفاف على اساس الطوائف (حتى اذا ادىّ الى اقتتالها) من اجل مقاومة الأرهاب من جهة وللوقوف بعضها امام نزعات البعض الآخر منها وتطلعاته للزعامة والتوسّع، (كما كانت  النزعة التوسعية والخلافات بينهم وكما كانت الوساطات سيدة علاقاتهم بينهم، اضافة الى كثير من العلاقات والأعمال غير القانونية التي يمكن ان تُحل وفق منظورهم المحليّ ) (3) .  . اي تحويل طاقات دول المنطقة  ذاتها الى مسارح للصراع الأقليمي حتى العنيف، لتفتيت مخاطر تلك الطاقات المنبعثة من دول المنطقة والتي تهدد الغرب من جهة، ولأنعاش اسواق " توريد السلاح مقابل استيراد وجريان النفط  بدون عوائق وباسعار السوق التي تُقرر "  .  .
   التي تعززها معاني كلمات وتصريحات الرئيس الأميركي طيلة الشهرين المنصرمين بـ (اننا حققنا النصر ولن ننسحب الاّ بعد اتمام (مهمتنا ؟)  )، النصر الذي وصفه الرئيس، بانه (حوّل حرب الأرهابيين علينا الى حرب عليهم وبينهم في عقر دارهم ودافع عن وصان الأمن الأميركي من اعمال الأرهابيين) من جهة .  .  في وقت اخذ الحديث فيه يقل عن الديمقراطية، وصولاً الى احتمالات عدم الألتزام بها بل و(التضحية بها في سبيل تحقيق الأهداف الأنسانية النبيلة؟ ) .

19 / 10 / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   وعلى ذلك وغيره من مجريات التطورات العالمية .  . ضمّت وزارة الخارجية الأميركية على سبيل المثال دوائر متعددة للتعامل مع المناطق والأحداث المصيرية لمصالح الولايات المتحدة الأميركية وقسمت مهامها على اساس : دوائر الأهداف التكتيكية ـ القريبة والمتوسطة ـ، ودوائر الأهداف الستراتيجية ـ القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى ـ وغيرها .  .  راجع كتاب " سنوات في البيت الأبيض " ، فصل وزارة الخارجية ودوائرها / هنري كيسينغر مستشار الأمن القومي الأميركي ووزير خارجية الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون ورئيس مؤسسة ومجمّع كيسنجر ، الطبعة الأنكليزية، عام 1978 .
(2)   مقابلة خاصة مع الدبلوماسي الأميركي المعروف، السفير الأميركي في افغانستان السيد " رونالد نويمان "، سوزانا كليبل، هانز هوينغ ، ايلول 2006 / الألملنية، الأنكليزية / وكالات .
(3)   المصدر السابق . [/b] [/size] [/font]

271
القائد الأنسان .  .  توما توماس * 3 من 3
د. مهند البراك

   لقد كان ابو جوزيف باعتزازه بقوميته وسعيه لسعادتها على اساس عادل،  كان امميا لايشق له غبار على اساس العدالة الأجتماعية والمصير المشترك للمظلومين اجتماعياً وقومياً .  .  كان يحب ويحترم الشجعان والمضحين من اجل القضية المشتركة وعلى ذلك كان لايكل عن خدمة و تلبية طلباتهم ؛ كالمناضلين المعروفين بكر تالاني، علي حاجي، ابو سه ربست، سليم سور، مام رسول  من الكورد واليزيديين اضافة الى المناضلين المعروفين من العرب وفي مقدمتهم الفقيد عبد الرحمن القصاب، اضافة الى ابوناصر وابوحسن آنذاك، كما من المسيحيين ان صح التعبير .  .  وكان يضيق بالمدّعين .
   ولم يكن من الصدفة ابداً اعتماده على الشهيد ابو ماجد وابو حربي وابوداود وغيرهم من المناضلين اليزيديين، كما اعتمد على الشهيد ابو ايفان والفقيد باسل وغيرهم من المناضلين الكلدان الآشوريين السريان .  .  لدى انتقاله الى بهدنان من اجل وضع اسس متينة للسنوات اللاحقة من نضاله ـ ان صح التعبير ـ في المنطقة هناك، والمعذرة لعدم تذكّر الآخرين .  .
   كما لم تكن مصادفة ان حاز على ثقة الغالبية الساحقة من البيشمه ركة الأنصار من كل القوميات لدى بدء تكوين منظمة الأنصار، في ظروف سادتها اجواء التمزق والمرارة والسخط، ولم تكن مصادفة ان تمد كل منظمات البيشمه ركة التي كانت تناضل قبل خروج الحزب الى الجبال يدها، الى منظمة الأنصار بالدعم والمساعدة دون وجود شخصية معروف تاريخها واستقامتها في اعلانها ونضالها، التي ان وعدت نفّذت .  . كشخصية الفقيد " توما توماس " ووجوده على رأس القوة .  . اضافة الى الشخصيات والعوامل الأخرى . 
   في صيف 1981 افترقت عن مقره بانتقاله الى بهدينان وثباته هناك لأنها منطقة عمل قيادته .  .  . وبنزولي الى منطقة نشاط الفوج الخامس / اربيل، بعد تزايد اعداد الملتحقين القادمين من الخارج وكان ضمنهم اطباء .  . كنت احاول اتباع الأسلوب الذي كونته توصياته وتجاربه، سواءاً في جولات المفارز والعلاقات مع القرى وصولاً الى الصدامات العنيفة ضد وحدات السلطة وفي محاولات تهدئة ما امكن من تصاعد " حرب اقتتال الأخوة " آنذاك وفق الهيئات السياسية والأنصارية التي عملت بها في مناطق اربيل، من دشت كوي، قشغة وخورخور، نيرجين، باغمرة .  .  الى نازنين، جيوة وجيوة، باليسان، شيخ وسان، ملكان، خانقاه، ورتي .  . وغيرها .
   في خريف 1982 وبينما كنت في مفرزة صعبة لأنها ضمّت عدد قليل من المقاتلين، وكانت قد شكّلت لمرافقة عدد من انصارنا الجرحى الذين تقرر ارسالهم للعلاج في الخارج، اضافة لعدد زاد عن عشرة ملتحقين جدد كانوا بدون سلاح، اضافة الى نقل حمولات من عتاد وقطع سلاح وغيرها كانت قد وصلت من المدينة. كانت مهمتنا فيها ايصال الجميع والمواد بأمان الى منطقة بولي حيث المقر الخلفي لسرية كوي آنذاك .  .  في ظروف لاقينا فيها مفاجآت اكثر مما قدّرنا، احدها كان كميناً كاد يؤدي بحياة الجريح النصير الشجاع " فاخر" !
   بعد ان انجزنا هدف نقل الجرحى والملتحقين والأحمال، ذهبنا الى مهمتنا باتجاه كاسكان  .  .  وفجأة وجدت نفسي وجها لوجه مع توما توماس الذي كان برفقة عدد من الأنصار متوجهين الى بالك نحو روستي والى بهدنان .  .
   كان عناقاً حاراً .  . كنا ننظر احدنا بوجه الآخر .  .  وجهه كان يميل للنحول، وبدت عليه اثار وعلامات ارهاق  .  .  وصحت بضحكة عالية :     
ـ سمعتوا الأغنية الجديدة لـ " لولوش " ؟ !
اجاب بضحكته المشرقة وبصوته المدوي :
ـ بلي بلي !!  هيــــه صاير بيشمه ركة  .  .  والطبابـــ  .  .  ؟
وفجأة ادار وجهه وغطّاه بطرف غطاء رأسه وكان يقول بصوت خافت :
ـ كُبُر .  .  كُبُر
ـ  .   .   .
قدّرت ان وقته ضيّق جداً، لأن امامهم عبور نهر كلاله قرب الجسر الأصفر الذي يجب ان يصلوه مع الغروب في منطقة لم تخلُ من الكمائن الاّ ماندر .  . 
قلت : وقتكم ضيّق .  .  ولكن برقية ع السريع بتصوراتكم ؟!
ـ في اربيل تحتاجون قليلاً من الهدوء .  .  هناك نذر مخاطر حقيقية اكبر مما مضى ، حافظوا على قواكم .  .  الشجاعة وحدها لاتكفي !!  بل قد لاتستطيع ان تحقق شيئاً امام الغدر بكل انواعه .  .  سياسي كان ام عسكري !
   لقد لمست منذ ذاك تعبير حزن على وجهه اخذ يتزايد كلّما التقينا بعدئذ وتحدثنا بشكل جاد بامور حركتنا وكفاحها ـ بعيداً عن تفاصيل مخلة كما يقال ـ رغم ان لقاءاتنا كانت تحصل باوقات كثيرة التفاوت وبعد فترات زمنية ليست بالقصيرة، وكنت اسعى لها لأني كنت احتاجها .  .  هل كان يتوقّع المآسي التي ستحصل والى اي حدّ ؟ وفق ما كان يرده من حقائق ومعلومات بحكم موقعه، عن شكل تطوّر ظروف الحركة والعراق ودول المنطقة، ووفق معرفته بالبلاد وخبرته في التعامل مع احداثها، وحسّه الذي كان مرهفاً في توقع الأحداث .  .  وفق منطق وزمان تلك الفترة التأريخية.
   ولابدّ من التذكير بان اسم المناضل " توما توماس " وشخصيته لم يتكوّنا الاّ بعد عقود من جهوده في تأهيل نفسه وزيادة علمه وتعطشه للمزيد، و صراعه السياسي والشخصي المرير المفعم بالتضحية والشجاعة وصدق الكلمة .  . الذي بدأ في مسقط رأسه " القوش " كما تتبعت من معاصريه،  ليستمر في مسيرة شاقة طويلة من الحبانية وكركوك والموصل الى ثورة ايلول 1961 ووحدات انصار جبال القوش ومناطق سهل الموصل الى جبال بيرس . بعد ان واجه وافشل محاولات عديدة لأغتياله او للتأثير عليه بتهديد العائلة وباغرائه بالمال .  .  كان آخرها اختطاف وتغييب ابنه الشهيد منير الذي اختفى وانقطع كل خبر عنه منذ عام  1981 .
   وقد لم يكن مخطئاً عندما قال يوماً " لكل الظروف التي عشتها منذ الطفولة وظروف مدينتي وقوميتي المضطهدة ضمن ظروف عموم شعبنا العراقي .  .  يبدو لي ان شخصيتي صارت ذات طابع عسكري، اما في السياسة .  .  فلي معاناتي معها، لأن السياسة والصراع السياسي في بلادنا،  يبدوان لي انهما لم يخرجا عن كونهما صراع عنفي عسكري او يحسمه العنف حتى الآن، مهما تنوعت الوسائل والأشكال .  .  ومهما صيغت وغُلّفت بتنميقات وتنظيرات وكلمات شيّقة " واضاف في مكان آخر " كنت اطمح في دراستي الحزبية ان ارى مناطق متقدمة حديثة وان استطيع ان ازيد من معارفي برؤية العالم وان اتمكن من رؤية المستقبل الذي نناضل من اجله بعيني وان المسه بيدي .  .  الاّ انهم ارسلوني في فترة التطبيق العملي الى مدينة صغيرة في ارمينيا لم تكن ظروفها افضل من ظروف ونمط حياتنا في القوش عندنا ! " .   
     واضافة الى كره الفقيد للأنتقام فأنه حمل التسامح شعاراً ، وكان يحسّ بصمت بآلام ومعاناة رفاقه، ففي صيف 1980 تعرضت مواقعنا ومواقع كل القوى، في توزلة ـ نوزنك التي صارت فيها قاعدتنا آنذاك كبيرة ضمّت ما ناهز المئتين مسلّح ـ كموجود ـ عدا اعداد المشاركين في مفارز الداخل والملتحقين الجدد المتجولين معها .  .     
   تعرّضت الى قصف جويّ مفاجئ (1) بعد شهور من هدوء كامل، شاركت فيه اكثر من ستّ عشرة طائرة من طائرات توبوليف القاصفة المقاتلة على ما اذكر، واستمر القصف من وقت الضحى الى ما بعد الظهر !! بعد ان القت وقذفت اعداداً لاتحصى من الصواريخ والقنابل بوزن نصف طن، الأمر الذي ـ رغم الخسائر القليلة التي لاتقاس بحجم الهجوم  ـ الاّ انه احدث ارباكاً واضحاً في صفوفنا وصفوف كل القوى المتواجدة هناك .  .  حيث ترك المقرات قسم من البيشمه ركة باجازات لأهاليهم في ايران، وبدأ عدد يريد التسليم للسلطة اثر اعلانها عن (عفو عن النادمين) .  .
   فاجئنا نصير كهل عربي القومية في نهار يوم آنذاك بصياحه وهو يسير وحاجاته على ظهره:
ـ رفاق انا واثق من انتصار قضيتنا .  .  لكني لااستطيع الأستمرار معكم، انا اب لأربع فتيات قاصرات وامهن مريضة، ليس لديهن اخ، وليس لديهن معيل سواي .  .  انهم يهددوهن الآن بشرفهن !! انا لا احس اني اقدم هنا شيئاً يحسم قضية اسقاط النظام مقابل ما اسببه لهن من معاناة !! (2) اتمنى لكم النصر !! وصاح بصوت اعلى وبنشيج مؤلم : " انا لست خائن ولكن لااستطيع الأستمرار لكل ذلك وتوجد الآن فرصة !! "
   وفيما تسبب ذلك بردود افعال متنوعة من الأنصار غلب عليها طابع المفاجأة والسكون والحيرة، و انبرى عدد من المقاتلين لأسكاته بايديهم وآخرين استعدوا لحمله الى مكان آخر !! وصل نصير مسلّح من طاقم حراسة مكتب القوة وتحدث بهدوء وحزم :
ـ ابو جميل يقول، انه موافق على ذهابه و دعوه يذهب بمرافقتي !
استدارت الرؤوس الى موقع خيمة ابو جميل حيث كان واقفاً بوجه جامد متأسّف وكان يؤشّر بيده بأن اتركوه !
قال ابو جميل لنا باعتبارنا كنا اعضاء لجنة القاعدة :
"  يا اعزائي، انه انسان شريف مخلص من كل المعلومات حوله وقد فاتحنا بما يريد عمله، وماقال عن وضعه العائلي صحيح وكان يبكي بصمت في الفرن في ليالي عديدة، انه ممكن ان يصلح لمهمة اخرى غير البيشمه ركة( .  .  ) انه يعرف دجل السلطة الدكتاتورية ويعرف بانهم قد يقتلوه .  .  وان ضغطوا عليه وهددوه بمعلومات عنّا، صدّقوا انها لن تشكّل اية خطورة علينا ولاعلى القوى الأخرى .  . الأسماء هنا مستعارة وكان سلوكه طبيعياً تماماً، ولاتتصوّروا ان السلطة لاتعرف مواقعنا ؟! .  .  لم يعمل في مكان فيه خطورة كالمخابرة او قرب البريد او السلاح .  . 
كان طيلة الوقت ينضح عرقاً ليصنع الخبز للجميع .  .  لاتدوسوا على الناس .  .  التحق بنا لخوفه من مطاردة السلطة وقال ذلك منذ البداية، ولم يقل انه سيجترح بطولات او سيقود مجموعة مقاتلة ولم يدّعّ بما ليس لديه من قدرة عليه. علينا ان لانجعل من ناسنا اعداءاً لنا. عدونا وعدوه هو النظام الدكتاتوري .  .  علينا الحفاظ على مواقف الناس الى صفّنا وضد الدكتاتورية المجرمة .  .  سنواجه حالات وحالات اصعب .  .  لاتنسوا اننا بشر لاتنسوا الأنسان .   .    "، فيما كانت عيناه تزداد لمعاناً وذهب بعد ذلك اللقاء ليختلي بنفسه وحيداً في مكان ما اعلى الموقع .
   كان ابو جميل يتمتع باستقلال الشخصية كما لمست من مواقفه وتأكدت من اقرانه وابناء جيله، الأمر الذي كان يُفسّر تفسيرات متعددة، ومثلما ادىّ الى نجاحات فأنه تسبب بأخطاء ايضاً .  .  ولكن من جهة أخرى يرى كثير من اصحاب الخبر في علم النفس، ان الشخصية المستقلة او قوّتها او محاولتها فرض رأيها، هي جزء لايتجزّأ بل .  .  قد ينسجم مع ارادة انسان على ذلك القدر من الصبر والتضحية وقوة الأمل والدعوة لها، انطلاقاً من معطيات الواقع الصعب وليس من رسم احلام ومن صياغة جذاّبة لخيال اومما هو ليس واقع .  .  التي كان يستطيع ان يبثّها في رفاقه وفي القريبين منه ويحشّدهم وهو معهم للصراع  مع الموت في سبيل غاية نبيلة.
   اضافة الى عاطفة جيّاشه ولدت وترعرعت ونمت فيه، من تربية عائلية ومحيط غرس فيه الحب والأعتزاز بالعائلة، المدينة وبالتالي بقوميته المضطهدة وبعموم شعبه العراقي المكافح التي وجدها ونمى عليها في الحزب الشيوعي الذي شكّل المدرسة الوطنية التي شذّبت ودعمت ووفرت السبيل للتعبير عما كان يطمح اليه. فكان صراعه مريراً بين العاطفة المشبوبة والظروف التي دفعت به الى مواقع مسؤولية المواجهة العسكرية التي شغلها بجدارة قياساً بالزمان والظروف وبالموجود ، الصراع الأنساني الذي عالجه بتفاصيل تأريخية ـ فلسفية في فلسفة الأنسان " ليون تولستوي " في شخصية القائد العسكري " كوتوزوف " (3).
   اتّصف ابو جوزيف بكونه بعيداً عن التصنّع، وكان يعبّر عن قناعاته بشكل تلقائي وكما هي، وامتاز بطبع شخصي حبب كثيرين اليه، اضافة الى سعيه لفهم المشاكل الأجتماعية لرفاقه وسعيه الفعلي لحلها، زهده المعقول ونزاهته، نظافة يده .  . وحبه لشعبنا العراقي على اساس حبه لقوميته واعتزازه بها وان لاخلاص لها الاّ بخلاص العراق بلاد النهرين الخالدين .  .  .  التي شكّلت له هيبة شخصية ادّت الى تعامل عديدين معه بشكل خجول، والتي ان كانت تعبيراً عن احترامهم له وللقضية التي مثّلها، فانها قد لاتبرر لمن كان يعتمد على آرائهم في الهيئات في صياغة قراراته .
   واخيراً، لايمكن ان انسى وقت ما كنّا في غمار معركة " ايلنجاغ " (4) الشهيرة عام  1987 ـ اضافة الى غيرها ـ وانا اشاهد هروب افراد الجاش وافراد الجيش الشعبي والقوة التي ارسلت لتهجير وتدمير وتسوية قرية آيلنجاغ بالشفلات وهم يلقون اسلحتهم وعتادهم الذي كان يعيقهم عن الهروب ركضاً .  .  لايمكن ان انسى كيف كنت اتذكر احاديث ابو جوزيف وهو يحدثنا بـ " انْ تمسكّنا بالموقف الحق في صراعنا مع الخصم .  .  سترون افراده يرمون اسلحتهم ويهربون. وستكون اسلحتهم التي سيرموها  غنائمنا ونتسلّح بها " .
    واثبتت سيرته وسيرة كل الأبطال الذين ضحوا وقضوا في حياة الأنصارمن اجل سعادة الشعب، اضافة الى الذين قضّوا اجمل سنوات العمر فيها .  .  ان حياة الأنصار ونضالهم الشاق المرير لايأتي بقرارات فقط ولا بتطبيق نظريات فقط، وليست امراً ارادوياً لعدد من الشجعان ولا مغامرة رومانسية تدفع لها العاطفة الثورية فقط .  .  انما هي كلّها مضافا اليها جوهرها الأساسي في ماهية الأنسان الذي يحمل السلاح وكيفيه استعماله له من اجل حقه في الحياة في بلاد حرة سعيدة .  .  والى كون حركات الأنصار تنطلق من واقع حياة البلاد وارادتها ومن اهلنا وناسنا ومن تقاليد المجتمع وعاداته وعلاقاته الأجتماعيه ومُثُله وماهية قيمه وطبيعة المجتمع والعائلة فيه .  .
   وانها منظمة اجتماعية مسلحة ذات اهداف معلن عنها، تلعب وتتحكم في مسارها، اضافة الى الظروف السياسية وتوازن القوى السياسي الأقتصادي الأجتماعي، نمط العلاقات الأجتماعية في مناطق نشاطاتها وفي عموم البلاد .  . من العلاقات العشائرية والعائلية الى  صفات الأفراد ودرجات علاقاتهم الأنسانية من صداقة، تفاهم، انسجام .  .  وحركة تلك العلاقات وتغيّرها وازماتها وصفائها . 
   ان صفاته تلك التي رافقت مسيرة حياته الحافلة وحسن اخلاقه وتفانيه في سبيل الآخرين  .  .  لابد وان تغفر له حدته وانفعالاته واخطائه التي لم يعصم منها من اراد واختار ذلك الطريق .  .  وخاصة في تلك الظروف الغاية في القساوة والوحشية والدموية التي عانت منها البلاد بسبب الدكتاتورية الهمجية المنفلته  وفي ظروف النضال الشاق في مواجهتها .
   وفي الوقت الذي انتظر فيه و ننتظر نشر مذكراته لتصويب وجهات النظر وتعديلها (5) .  .  لابد من التذكير .  . 
ان القائد ابو جوزيف كان انساناً ! 
(انتهى)

17 /  10 / 2006 ، مهند البراك
ahmedlada@gmx.net
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* توما توماس هو : ابوجميل، وابوجوزيف .

(1)   تبيّن بعدئذ من الصحافة العالمية واذاعة بي بي سي في نشرتها الليلية المتأخرة لذلك اليوم .  .  ان طول الفترة الزمنية غير المعقول لذلك القصف الجويّ  الذي دام اكثر من ست ساعات والذي استهدف ايضاً التعرّض لمواقع قريبة من مدينة سردشت الأيرانية، اضافة الى هدفه الأساسي في استهداف البيشمه ركةالأنصار .  .  كان يشكّل مناورة جوية استعراضية كبرى بعدد الطلعات والطائرات، التي فيما كانت تقصف كان قسمها الآخر يعود الى قواعدها للتزود بالذخيرة والوقود من قواعدها لتبديل المجموعة الأخرى التي كانت تقصف .  .  لغرض استفزاز الجانب الأيراني وجرّه للأشتباك الجوي بالسماح لمقاتلاته الفانتوم المحجوزة في قاعدة همدان الجوية المعروفه بموالاتها للشاه المخلوع آنذاك، ضمن خطة للأطاحة بالنظام الجديد في ايران.       
(2)   كان النصير الكهل يعمل في فرن الصمون الذي يجهّز الجميع بالخبز لثلاثة وجبات بعد ان تهرّب كثيرون من تلك المهمة في ظروف التصدّع والتفكك آنذاك. وقد تبرّع للقيام بذلك العمل رغم مشقته عليه لأنه كان ينهض في الثالثة صباحاً لأعداد وشجر التنوّر ـ اشعال النار فيه وانتظار ارتفاع الحرارة فيه ـ  لينتهي العمل بعد الظهر. كان التنور يقع في موقع بعيد عن المقراّت ضمن خطة الوقاية من القصف .  .  وكان ينتج بحدود 500 ـ 700 رغيف خبز يوميا لكل الوحدات آنذاك ولضيوفها ولعابري السبيل الذين تقطّعت بهم السبل . 
(3)   " الحرب والسلام " ـ من مراجع التأريخ العسكري في معاهد العلوم العسكرية، للكاتب والباحث الروسي الشهير الكونت " ل. تولستوي " حول حروب نابليون وانكسار جيوشه الجرارة امام الجيش القيصري الروسي بقيادة القائد العسكري " كوتوزوف " ذي الأخلاق الرفيعة والذي مثّل الروح الوطنية آنذاك في مواجه المحتلين الغزاة من جهة، وكفاحه الأنساني مع ذاته المرهفة العاطفة من اجل تطبيق القواعد العسكرية العلمية الصارمة الضرورية لبناء وفاعلية جيوشه التي قادها .  .  من اتخاذه قرارت الأنسحابات (المخزية) الضرورية التي تركت المدنيين امام رحمة جيوش الغزاة .  .  الى توقيعه احكام الأعدام بحق جنود من جيشه اساءوا للمدنيين وغيرها وغيرها .  . وكان يعود الى خيمته ليجهش بالبكاء لقساوة قراراته التي كان لابدّ منها لتحقيق النصر وكسر جيوش نابليون، واتم ذلك فعلاً بعدئذ. 
(4)   ايلنجاغ، قرية قريبة من قضاء كويسنجق من جهة نهر كوي .  .  حيث هاجمت وحداتنا قوات السلطة والأفواج الخفيفة بعد ان مسحت القرية بالشفلات بعد تهجيرها، وحققت بذلك نصراً كبيراً لمنظمة انصار الحزب الشيوعي العراقي . . يتناقله ابناء المنطقة الى الآن .
(5)   بدأ موقع " الناس " الألكتروني بنشر مذكراته او اوراقه التي كتبها قبيل رحيله، حيث نشر الحلقة الأولى .  .  راجين المواصلة في نشرها لأهميتها، رغم الظروف الشاقة التي يعيشها شعبنا وبلادنا بكل اطيافها وبالذات القومية الكلدانية الآشورية السريانية، لفائدتها الكبيرة في استخلاص التجربة والعبر لمواجهتها بتقدير الكثيرين .  .  وتقبلوا اسمى مشاعر الشكر .[/b][/size][/font] 



272
القائد الأنسان .  .  توما توماس * 2 من 3
   
د. مهند البراك

   في مساء خريفي عام  1979 ، حين كان نشاط السرطانات النهرية (ابو الجنيب) في اوجها في مقر توزلة العلوي الذي تخترقه قنوات متعددة سببت تجمعات مائية صغيرة، اضطر " ابو شاكر" لقتل احدها في الليلة السابقة بعد ان احس به يدبي على صفحة وجهه وهو نائم .  .  وكنا مشغولين في ذلك المساء بالبحث عن قرينه (قرينته) بان اخرجنا الأغطية والصناديق محاولين تثبيت حافة الخيمة على طولها في الأرض، بعد ان اصر " ابوشاكر " على ان السرطانات تتحرك ازواجاً ازواجاً وليس فرادى .  .  جاء نصير لاهثاً وكان التعب بادياً على محياه من طول عناء وقال :
ـ ابو جميل يريدك لأمر عاجل !
   لشعوري بوجود جريح اسرعت بارتداء القمصلة الدافئة والجمداني وانتعلت الحذاء الطويل وتحركت بسرعة باتجاه خيمة ابوجميل فالتقيت به بعد خطوتين وكان يبتسم ابتسامة ذات معنى :
ـ دكتور صارت عندنا الآن طبابة يمكن من صدك، شوف الأحمال، اليك رسالة معها من صديق .
ـ من ؟
استلمت الرسالة بسرعة وكانت عبارة عن ورقة مطوية بعناية فيها العبارة التالية :
"   الف تحية
   اليك تجهيز كامل لسيارة اسعاف حربية مجهزة بصالة عمليات
   سنلتقي قبلاتي
   ملا محمد جوانروي (1)                     "
ـ  .   .   .   ؟
فقال ابو جميل : انه من ربعنا، كنت اعتقد انكما متعارفين، ستلتقيان حتما ! هذه من خيرات عمليتنا الأخيرة !
   مرت الأحداث سريعاً، بين معالجة اعداد متزايدة من الجرحى المحالين الى طبابتنا التي كنت وحدي فيها .  . من بيشمه ركة واهالي قرى قاطع سه رده شت ـ بيوران ـ قاسم ره ش .  .  كانت اصابات عدد منهم مميتة !! وكان المطلوب مني انقاذ حياة المخطرين منهم ثم تسليمهم عند استقرار حالتهم الصحية  بضماداتهم لرفاقهم من الديمقراطي الكوردستاني الأيراني (حدكا)، فيما كانت طلعات السمتيات وناقلات الجنود السمتية الأيرانية تتزايد في ذلك القاطع وكان قسم منها يقصف مواقعنا والقرى المحيطة بصواريخه المتنوعة .  . 
اوضح لي ابو جميل باسلوب رجاء اخوي :
ـ دكتور الرجاء الرجاء اهتمامك وعدم نسيان علاج وتضميد جراح حيوانات النقل، انها كنز لايعوّض الآن حيث  بدونها سنكون مشلولين، الحالة تزداد خطورة  !!
   وسط ذلك القصف المستمر كانت تتعالى ضحكات عدد من الأنصار لمشاهدتهم بحدود عشرة بيشمه ركة كانوا متمددين على بطونهم تحت شجرة جوز كثيفة، كاشفين عن مؤخراتهم، الوضع الذي كان يخفف من آلام جراحهم نتيجة حروق مناطق الياتهم  .  .  كانوا يتالمون ويضحكون احدهم على الآخر بانتظار دور الكشف الطبي على جروحهم التي كانت في مؤخراتهم، لأنهم اصيبوا بشظايا كثيرة لمقذوفات حارقة حينما كانوا في وضعية الأنبطاح الضرورية في حالات القصف الجوي المباشر كالذي كان يجري ذلك الوقت بكثافة .  .  .  فاصيبوا في مؤخراتهم !
   ابتسم الفقيد " د. قاسملو" (2) الذي كان قد اقترب مني وشكرني على جهودي، بعد شكره العميق لجهود انصارنا بقيادة ابو جميل في انقاذه ورفاقه من موت محقق وكان ابو جميل واقفاً جنبه، ويؤشر مبتسماً على تزايد قيمة وجودنا في المنطقة .  .  وكان د. قاسملو والمناضل الكوردي الأيراني المعروف غني بلوريان ورفاقهم قد بقوا في ضيافتنا وحماية قوتنا بحدود اسبوع غادرونا بعدها بعد وعودهم لنا  بارسال عتاد ومواد جراحية، حققوها لنا بعدئذ .
    كان ابو جميل يؤكّد دائماً ويحذّر من مخاطر الأستهانة بالمدنيين " قوتنا تتحقق بحب والتفاف الناس حولنا اينما كنا ومهما واجهنا من صعوبات " و كان يحذّر من التفكير بتحقيق (انتصارات) من خلال قتل المدنيين العزّل والذي يعرّف بـ " الأرهاب " !! وكان قد تحدّث لي عن موقفه الثابت ذلك وكيف جسّده في رفضه توجيهات وجهت اليه من قيادي في الحزب ـ كان قد اشتهر بتصرفاته المتهورة ـ في الخمسينات بنسف منشآت لضخ النفط في انابيبه كجزء من اعلان الكفاح المسلّح في الخمسينات .  .  " لأنها ضد مصلحة عموم البلاد من جهة، وسيروح بها مدنيون ابرياء وسيخسر مئات وظائفهم وتجوع مئات العوائل من جهة اخرى .  .  ان كنا جاديّن حقاً علينا مهاجمة الأفراد والمؤسسات المعادية للشعب ولحريته " .
   كان محباً للحياة وللنكتة وجعل كثيراً من المواقف الجافة، مادة للفكاهة التي تجرّك الى الضحك، وكان ضحكه معدياً، بقينا نتذكّر كلما التقينا ( سمعت اغاني لولوش ؟ )، كما دعاها احد كوادرنا واصرّ ان اسمها كذلك .  . عند احاديثنا وكنا جماعة جالسين مساء ذات يوم بعد العشاء في مجلس خيمة مكتب القوة عن جمال الألحان الفارسية وعن المنولوجست الأيرانية " كوكوش" .  .  كان " ابو جميل " يتابع اغاني فيروز ويسهر وحيداً في الظلمة سارحاً بعيداً مع صوتها والحانها الشذية مهما تأخر الليل، ان كان الترانزستور يبث حفلاتها او اغانيها وان لم يكن له واجب ما .
   ومن المواقف الفكاهية التي لاتنسى، موقفاً جعلنا جميعاً نضحك ورطّب اجواء علاقاتنا .  .  حين قدم المناضل والأخ العزيز ملازم عمر (3) وطلب بكل هدوء وجديه كعادته :
ـ ابو جوزيف .  .  اعيرونا الخبير الألماني الذي عندكم لبضعة ايام لنستفيد من خبرته.
قال ابو جوزيف مستغرباً وبكل ادب : 
ـ اي خبير تقصد ؟
ـ ياعزيزي يعني هو ليس سراً ، انه يتحرّك بشكل حرّ وجميعنا شاهدناه .  .  رجل ضخم احمر اللون واللحية .  .  هاهو قادم نحونا شوف !!
   نظرنا الى الجهة التي اشر عليها ملازم عمر ولم يكن الاّ العزيز " جوزيف " ابن ابو جوزيف وكان قادماً يحمل الشاي لملازم عمر .  . 
ـ اخ  ؟! انه ابني جوزيف !!! (4)
   انفجرنا جميعاً بضحك لم ينقطع الاّ بعد فترة ليست قصيرة بعد وضوح حسن النيات ، حيث ان ملازم عمر من جهته كان يجيد النكته اجادة اهل السليمانية الأصليين لها وكان ضحكه معدياً ايضاً للآخرين وبشكل لايقاوم .   
   كان ابو جوزيف يؤكد بلا انقطاع على التحلي بالأخلاق السامية وعلى احترام العائلة والنساء واحترام تقاليد المجتمع .  .  وعلى الأنتباه الى ان حمل السلاح يعرّض حامله الى مخاطر قد تفسد السلوك ان لم ينتبه المناضل .  .  لم يكن عاشقاً للعنف بل لم يكن مع العنف .  .  وانما مع التلويح بالعنف و" محاولة تحقيق نجاحات عسكرية دون اراقة دماء كثيرة لاداع لها مهما كان المقابل ولكن " كن حذراً ولاتدع الخصم يصيبك بالشلل او بالتردد فتكون ضربته مميتة لك " .  .  على اساس ان الهدف هو الأكثار من الأصدقاء وليس الأعداء " .  .  وهنا يقاطعك " لنذهب بعيداً عن شجرة العرموط المثمرة هذه كي لايعتقد صاحبها المستمر بالنظر الينا .  .   اننا واقفون هنا بسبب العرموط، بالمناسبة نستطيع ان نطلب منه ان شئنا وسيعطينا بكل سرور .  .  صدّقني " .
   في ربيع 1980 على مااذكر، كانت الأخبار القادمة من مهاباد تشير الى نجاحات الحركة الكوردية في كوردستان ايران، والى نزول بيشمه ركة (حدكا) من الجبال الى المدينة وسيادة وضع شبه ليبرالي هناك في حالة من توازن او هدنة مع السلطة الأيرانية .  .  البيشمه ركة يحفظون الأمن والأستقرار في المدينة والجيش مستقر في مواقعه وابنيته المحيطة بها، اضافة الى رباياه العسكرية المقامة على الجبال والمرتفعات المحيطة بمهاباد، والتي كانت تتكوّن من دبابات حملتها سمتيات عملاقة الى تلك المرتفعات وكونت بها تلك الربايا .
   اخبرني ابوحكمت ـ السيد يوسف حنا ـ الذي كان ممثل هيئة هندرين (5) والذي كان بضيافة وحماية قوة انصار توزلة، بـ " الآن تستطيع الذهاب الى مهاباد، للحصول على ادوية من عدد من الأطباء المتعاطفين معنا وترتيب امر ارسال من يحتاج من الأنصار الى علاج لايتوفر لدينا في الجبل " مع تاكيده على ان يكون العدد اقل ما يمكن والاّ سنفشل في تنظيم ذلك، لأن الأمر في مهاباد يحتاج الى اوراق عدم تعرض موقعة من جهات معارضة صديقة بدأت بالعمل المسلح قبلنا  .  .  في ظروف كانت انظمة دول المنطقة كلّها تضع تحرّك الكورد تحت رقابة مشددة، فكيف بعربي لايتحدث الكردية ويحمل عدم تعرض من جهة كردية، على سبيل المثال  .
   ذهبت الى مهاباد صحبة المناضلين ملا حسن و مام خضر، وكنت في غاية السرور لمشاهدة تلك المدينة المناضلة الشهيرة، مدينة القاضي محمد وعاصمة الدولة الكوردية التي اشتهرت باسم " جمهورية مهاباد الديمقراطية " التي اعلنت خلال واثر الحرب العالمية الثانية .  .  وكانت مهاباد رغم اهمال السلطات للمدينة وابقائها بدرجة " ناحية " ادارياً  ، كانت مدينة غاصة بالحركة والنشاط والحيوية، ترى في اكثر واجهاتها صور ابرز الشخصيات الكوردية والعراقية المناضلة، فاضافة الى صور قاضي محمد تشاهد من صور الشيخ محمود الحفيد والملا مصطفى البارزاني .  .  الى صور الزعيم عبد الكريم قاسم والمهداوي وسلام عادل والحيدري !!
   كانت المدينة تعيش افراح انتصار، وكانت المسيرات والمظاهرات الحاشدة نساءاً ورجالاً شيباً وشباناً تطوف الشوارع وهي تنشد النشيد الحماسي الكوردي الأشهر " اي رقيب " ، وكانت العوائل ترسل ابنائها خلفنا تدعونا لتناول الطعام لديها اعتزازاً منها بالكورد العراقيين وعموم العراقيين وكنا نجيب تلك الدعوات التي كان يحضرها في العادة ابناء المحلة رجالاً ونساءاً ليسألوا .  .  وكنا نجيب على اسئلتهم عن بلادنا العراق وعن كوردستاننا .  . 
   بعد يومين اخبرني مام قادرـ عينكاوة، بان ابو حكمت ينتظرني في بيت يعود لأحدى العوائل المسيحية هناك وانه سيرافقني الى هناك، فذهبت اليه .  .  حيث اخبرني بانه ينتظر ابو جميل الذي سافر الى رضائية ( مركز المحافظة) وسيعود ذلك اليوم ، وقال :
ـ نحن مدعوون مساء اليوم لدى د. قاسملو في بيت المطرب الكوردي الشهير " محمدي مام لي ".     
   عند الغروب وبعد اكثر من دست للشطرنج الذي كان يجيد لعبه ابو حكمت بشكل مذهل، جاء ابو جميل بادياً عليه التعب . بعد ان اغتسل وارتاح قليلاً، تحركنا الى بيت المطرب " محمدي مام لي " الذي لم يكن بعيداً  .  .  كان البيت هادئاً رغم الحراسة المشددة عليه بشكل لايثير ضجة من وحدة من بيشمه ركة حدكا .  . 
   دخلنا الى شبه قاعة واسعة برفقة المطرب الكبير وولديه، الذين استقبلونا عند الباب، كان د. قاسملو ، غني بلوريان، وثلاثة رجال اخرين واقفين، سلّمنا عليهم وصافحناهم وطلبوا منا الجلوس الى ثلاثة مقاعد اثيرة من مجموعة مقاعد صفّت بعناية حول صفوف من مائدة عامرة بانواع متعددة من المأكولات والفواكه والشراب .  .  وكان قاسملو جالساً على مقعد محاط  بعدد من الهواتف واجهزة اتصال وامامه راديو ترانزستور صغير حديث من نوع سوني، كان يفتحه على مواعيد معينة، وكان يجيب على الهاتف بلغات متعددة من الكوردية والفارسية الى الفرنسية والأنكليزية .  .     
   وبعد احاديث مملحة ونكات ترطّب الجو وساده جو من المرح .  .  حين بدأ موسيقيان اثنان يدندنان بآلتيهما ويضبّطانها .  .  وانطلق صوت محمدي مام لي الساحر الذي يحلّق بالسامع بعيداً في اجواء مفرحة مضيفة ابعاداً خلاّبة على جو الربيع السائد وعطوره الفواّحة (6) اضافة الى غناء ولديه لللازمات  التي كانت تتكرر بعد فواصل توقفه  .  . 
   صوت ساحر صادح قوي كان يخرج ساكني الزقاق على طوله نساءاً ورجالاً الى شرفات منازلهم وكانوا يرددون باصوات متناسبة منسّقة وكأنها فرق انشاد عديدة قضت وقتاً طويلاً في التدريب على الأنشاد والفواصل والوقفات  .  .  كنت اشاهدهم من الشباك الكبير المطل على الحديقة الأمامية بعد ان ازاح قاسملو الستارة ودعاني للمشاهدة اثر تساؤلاتي ، هل هي فرق انشاد ام ماذا ؟
تفاجأت بسؤال د. قاسملو لي الذي عبّر عنه بالتالي :
" نحن ممتنون كثيراً بما قدمته لجرحانا، واقول ابق معنا لمدة سنة واضمن لك دراسة دكتوراه تخصصية في الجراحة في فرنسا او بريطانيا ، ماذا تقول ؟ "
   بنظرة خاطفة الى وجوه رفاقي لأستطلاع طبيعة السؤال .  . شاهدت ابو جميل جامداً شاحباً !! شكرت د. قاسملو على تقديره وكرمه وعبّرت عن استعدادي الدائم لمعالجة جرحى البيشمه ركة في معاركهم في سبيل قضيتهم العادلة ولكن " قضيتي في العراق وانا ابن بغداد .  .  ولمآتمنا هناك وجدتني هنا، وانا هنا اشارك من القلب من اجل ترتيب اوضاعنا للعودة الى حيث اهلنا وناسنا ! "
.   .   . 
.   .   .
   عادت الحيوية الى وجه ابو جميل، ومرّ الوقت بشكل مرح لايوصف .  .  بخروجنا للشارع وفي منعطف قليل الأضاءة صافحني ابو جميل بقوة وعانقني :
ـ عاشت ايدك .  .  صدّق سننتصر بقضيتنا العراقية بهذه الروح ويمثل هذه المواقف ! وكان تعليق ابو حكمت لايخرج عن ذلك المعنى وعبّر عن ان حركات الأنصار تحتاج الطبيب حاجة ماسة دائماً، وارجو ان لاتتكدّر من السؤال فهو سؤال طبيعي ويدلّ على تقدير رفيع .
منذذاك ازدادت صداقتنا عمقاً !!
   علمت بعد ذلك ان ابو جميل كان مسافرا ومتعباً ضمن جهود كانت تبذل للم الصف الكلداني الآشوري السرياني، من اجل تحقيق مطاليبه العادلة، وكان من ثمارها حصولنا كحركة انصار آنذاك على دعم واستعدادات متنوعة من تبرعات ادوية وسلاح ومعالجة مرضى وغيرها وغيرها، وهي امتداداً لما كان يبذله هو وما كان يبذله مناضلون آخرون آنذاك، من ابو حكمت، الى الشهيد ابو نصير وابو شاخه وان وآخرون . .
   تلك الجهود التي فهمها قسم من البيشمه ركةالأنصار العرب والكورد ـ وكنت لفترة منهم ـ وكأنها نوع من التمايز والتكتل بين المقاتلين الكلدوآشوريين السريان، لعدم معرفتنا بالتعقيدات والمشاكل التي تعيشها تلك الأقلية (الأقليات) المتمزقة ان صح التعبير في البلاد والمتوزّعة في دول المنطقة، والتي لو وحدّت جهودها فانها تستطيع ان تشكّل وان تلعب ادواراً اكثر بكثير مما لعبته وتلعبه حتى اليوم، على طريق تحقيق حقوقها المشروعة .   (يتبع)

15 / 10 / 2006 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* توما توماس هو : ابوجميل، وابوجوزيف .
1.   المناضل المعروف " ابوتاره " .
2.   قاسملو، هو الشهيد د. عبد الرحمن قاسملو الذي كان السكرتير العام للحزب الديمقراطي الكوردستاني الأيراني (حدكا)، اغتيل اواخر الثمانينات في فيينا / النمسا . وكان من ام كلدوآشورية سريانية .
3.   المناضل " ملازم عمر" شغل في تلك الفترة موقع مسؤول المكتب العسكري للأتحاد الوطني الكوردستاني، من اهالي السليمانية وكان ضابطاً عسكرياً صنف مقاومة الطائرات على ما اعتقد، كان ايجابياً ومحباً للتعاون معنا، بل وساعد القوة في بداية التشكيل  .
4.   جوزيف، الأبن البكر لتوما توماس وكان المرافق شبه الدائم لأبيه سواءاً في المقر او في المعارك وفق رأي والده وقرارات وحدة الأبن .  .  شاب مؤدب طيب المعشر هادئ ذو طبع شجاع .  .  اصيب في احدى المعارك بلغم ذهب بقدمه .
5.   هيئة هندرين المؤقته، كانت الهيئة الحزبية العليا في داخل العراق عملياً آنذاك .  .
6.   هناك كتاب اعددته يغطي تلك الفترة، لايزال ينتظر الطبع .[/b][/size][/font]



273
القائد الأنسان .  .  توما توماس *
1 من 3
      
د. مهند البراك

   سمعت للمرة الأولى باسم الفقيد المناضل توما توماس، من الصديق الذي لاينسى الشهيد " د. حبيب المالح"، وكنا حينها طالبين في كليتي الطب، حبيب في جامعة الموصل وانا في جامعة بغداد، بعد ان تعرّفت عليه حين كان عضواً بارزاً في مكتب سكرتارية " اتحاد الطلبة العام في كوردستان العراق"، سكرتير الأتحاد في الموصل، اثر زيارتي لهم من العاصمة بغداد كممثل لمكتب سكرتارية الأتحاد وسكرتيره. وتوثقت صداقتنا اكثر الى ان صارت لقاءاتنا تتكرر، كلما زار حبيب بغداد حيث كان ينزل في بيت اخيه في محلة الدورة في بغداد.
   كنا مطلع السبعينات نتناقش حول ظروف واوضاع الطلبة الصعبة حيث كان نشاط البعثيين الصداميين يتزايد في المؤسسات التعليمية، وكان يهدف الى تحطيم الحركة الطلابية الديمقراطية رأس رمحها آنذاك " اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية "  .  .  وكيفية مواجهته وترتيب طرق لأخفاء وحماية الطلبة المهدّدين. كان حبيب وباعتباره المسؤول الطلابي في الموصل ينقل تجربة محافظتهم  وخططهم في مواجهة الأرهاب المسعور ضد الطلبة الديمقراطيين في الموصل، الموصل التي كان مسؤولها آنذاك المناضل " توما توماس " ، وكان قد لعب دوراً هاماً في رص صفوف طلبتنا من خلال اتباع السبل التي من شأنها تصليب عودهم في الدفاع عن النفس والمواجهة .  . 
   كان طلبة الموصل آنذاك بمعنويات عالية لثقتهم بانهم برعاية قائد مجرَّب، فكانوا يثقون بما يتم توجيههم به من خلال التنسيق الطلابي والسياسي، ومن خلال الطلبة الأتحاديين الناشطين حزبياً، وكانوا يدعوه بـ " اسد القوش " .  .  كنت اتابع بشغف احاديث العزيز حبيب عنه وكنت استفيد من متابعة احاديث  حبيب ونشاطات طلبة الموصل في تلك الظروف الصعبة، وكنت اسعى كي تلعب تجربتهم دوراً في نشاطات منظمات الأتحاد في بغداد .
   بعد ان كونت في ذهني صورة عن طلعة ذلك القائد، التقيت مصادفة في باب المقر العام في بغداد  واثار انتباهي رجلا وسيما في مطلع عقده السادس، كان قد فسح لي المجال بوقار وادب كي ادخل ـ وكنت احسب نفسي بعمر ابنائه ـ . كان انيقا ببدلة زرقاء وقميص ابيض منشى بربطة عنق حمراء، ابيض ـ احمر البشرة،  بجبهة عريضة عاليه متصلة بصلع في وسط الرأس مكللة بشعر ابيض ممشط بعناية ، بشارب ابيض محدد بوضوح  .  .  تبادلنا التحايا وانا ارقب ابتسامة كانت تشرق وجهه .  .  اشار لي العزيز " منجد " الجالس في الأستعلامات وبفخر .  .  " هذا هو توما توماس ! " . وتذكّرت اني سألت كثيراً عمن يكون " توما توماس " .
.    .    .
.    .    .
   وكان ان انفلت الهجوم البعثي الصدامي علناً في 1978 / 1979 ضد الحركة اليسارية والديمقراطية، ضد الحزب الشيوعي العراقي .  .  وانقلب العراق وقلبه بغداد الى حالة مسلخ بشري محاط بسور مكهرب، اطلقت في ساحته حيوانات وكلاب متوحشه يصعب وصفها بكلمات .  .  وساد ليل بغداد اطلاق رصاص متفرق كان مدروساً بعناية، سيارات مطفأة الأنوار تجوب شوارعها بعد ان حوّلت الى مظلمة او شبه مظلمة .  .  مجموعات سوداء تجوب المناطق وفق قوائم، صراخ وعويل ليلي يصم الأذان في الحواري المحيطة بدوائر الأمن ومقرات (الأتحاد الوطني لطلبة العراق) .  . 
   شباب يواجهون الأمن ولايستسلمون وهتافات متفرقة، مختارون يسألون عن اهالي بيوت خلت من اصحابها  وخطط يعاد بحثها واخرى مواجهة تفشل وتنجح وتفشل، خطط اختفاء وتنقل ونشاط واختفاء  وبحث عن ملاذ للبقاء في الوطن .  .  وسط اجواء كانت وسائل الأعلام فيها تغطي زيارة الجزاّر صدام لكوبا ومنحه وسام خوزيه مارتيه .  .  الأعلان عن ميثاق عمل قومي عراقي ـ سوري والسفر الى سوريا بالبطاقة الشخصية .  .     
   التقيت بالمناضل توما توماس للمرة الأولى في موقع " توزلة " عند وصولي اليها ملتحقا من بغداد في حزيران 1979، وكان لقاءاً حميماً وكاني التقي صديقاً اعرفه من زمان بضحكته المشرقة :
   ـ اهلا وسهلاً بك بين اهلك من جديد !    تحتاج شوية راحة في البداية .  .  .  سيكون مضيفك " ابوشاكر" .
   التقيت بالمناضل " عادل سفر" بعناق حار وكاننا نواصل احاديثنا في بغداد .  .  وكانت ضيافة دافئة حميمة في خيمة كانت تقابل خيمة ابوجوزيف (1) . خيمة كانت قد خصصت للأدارة والمكتبة مع صناديق رتبت كرفوف وضعت فيها ادوية متنوعة كطبابة .  . حيث كان ذلك التجاور ضرورياً لأن من كان يأتي الى ذلك الموقع من مجاميع الأنصار التي انتشرت كفصائل في اخاديد الجبال المحيطة، كان يستطيع تسليم رسائل او انجاز عدة مهام في وقت واحد .   
   ساعد وجودي بالقرب من ابو جوزيف على ان التقي كثيراً به، وفق وقته ووقتي في الطبابة الصغيرة الأولية تلك، وكنا نتحدث ونتناقش في امور لاحدود لها وخاصة ما كان يدور من احداث آنذاك في موقع " توجلة " وكنت كثير الأصغاء لآرائه وحكمته وتصوراته المتفائلة لآفاق حركتنا، في تلك الظروف القاسية الدموية التي حطّمت منظماتنا وناسنا وعوائلنا ومشاعرنا، وحيث كانت النظريات تتهاوى امام قساوة ودموية ماكان يجري  .
   كانت صور انصار الجبال والغابات في مخيلتي وككل طلبة اواخر الستينات، حين كنا متأثرين وبشكل رومانسي بنضال حركات الأنصار التحررية في العالم التي كانت تشكّل في تلك الفترة المثال الملهم لنا نحن شباب تلك المرحلة، في ظروف كان قد تصاعد فيها في بلادنا نضال الحركة التحررية في كوردستان العراق واستطاعت بنظر السياسيين ان تحقق جزءاً هاماً من برنامجها ـ رغم الأنتكاسة التي المؤسفة التي تلت بعدئذ ـ اضافة الى تصاعد نضال حركة المقاومة الفلسطينية في المنطقة .  . كنا متأثرين بشكل خاص بمآثر القائد الأنصاري الطبيب جيفارا،الذي حصلت للمرة الأولى على مذكراته الأصلية من الشهيد حبيب المالح .
   وتدور الآن في البال صور لقاءاتي مع ابوجوزيف التي ابتدأت هناك ـ رغم مرور اكثر من ربع قرن عليها ـ بين احاديثه واقواله .  .  " وقوفنا مع الحق المتعارف عليه بين الناس هو منبع ثقة الناس بنا وهو الدليل على امكانية نجاحنا " ، " الطغيان احمق حيث يهاجم الجميع، وعلينا ان نكون مع جميع ضحايا الطغيان.. الأمر الذي فوتناه في البداية " ، " الهجوم علينا لايحقق لهم اهدافهم، الاّ بالهجوم على الجميع..  ارجو ان فهمت قصدي ؟ " .  .
   وفي ظروف لم تكن لدينا فيها الاّ قطع سلاح لايتجاوز عددها اصابع اليدين لأعداد من الملتحقين ناهزت المئات كان يقول " لاتقلقوا من ان لاسلاح عندنا الآن .  .  نحن في بدايات حركة انصار ككل بدايات حركات الأنصار، التي عندما تكون مع الحق سياتيها السلاح " ، " املي ان ترون قطعان النظام وهي تفرّ فرار الجبناء، بل وبسرعة بحيث لانستطيع اللحاق بها .  .  وسنتسلّح من الغنائم التي نحصل عليها منهم او سيتركوها عند فرارهم " . كان يتحدث بهدوء واحترام وجدّ لايترك لديك الاّ الثقة بانك امام رجل عركته الحياة وعرك حياة الأنصار .  .  نعم هكذا كان القائد ابو جوزيف  .  .  كان صادقاً مع رفاقه منطلقاً من الواقع الحقيقي للأمكانيات وكان يدلّ على طريق تطويرها بصبر في الحديث معهم، بعيداً عن المبالغة وعن الكذب (الأبيض) .
   لايمكن ان انسى قلقه على النصير الشاب جواد، لتأخّره عن الرجوع الى المقر، بعد ان وصل كل انصار المجموعة التي شكّها ابو جوزيف وسار في قيادتها واقرها مكتب القوة،  لدعم الحركة الكوردية التحررية في ايران .  . حيث لم ينم ليلتين من ذلك القلق على رفيقه. كان يجلس مستمعاً الى موسيقى يبثها الترانزستور، الموسيقى التي كانت عندما تضطرب توقظه من اغفائة سيطرت عليه وهو جالس وكان يردد " انا المسؤول الأول والأخير عن حياة هذا النصير البطل، انا كلّفته .  .  عدنا ولم يعد ؟! لايوجد اكثر ايلاماً من ذلك عزيزي !! " . 
وكان ان انطلقت اساريره وكانما عادت الحياة الى وجهه التعب الذابل عندما وصل من صاح :
ـ ابو جوزيف !! جواد في الطريق الينا !
ـ جريح ؟ .  .  جرح خطير ؟
ـ ابو جوزيف انه يجري ويسابق الحيوانات كما تعرفه !!
(يتبع)

13 / 10 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* توما توماس، ابو جوزيف، ابو جميل

(1)   المقصود خيمة مكتب القوة الذي كان اول تشكيل لقوات انصار الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان مؤلفا من السادة : ابوجوزيف آمراً، فاتح رسول مسؤولا سياسياً، الفقيد عبد الرحمن القصاب مسؤولاً ادارياً .
(2)   جواد، نصير من فصيل بتوين الذي صار سرية بعد ذلك، عرف بشجاعته وروحه الأقتحامية   .  .  كان بعمر التاسعة عشرة عندما استشهد عام 1981 في كمين اعدته مفرزة الآمر علي حاجي لوكيل مسؤول قوات امن المنطقة الشمالية المعين حديثاً اياد التكريتي الذي لقي مصرعه فيه، بعد ان خدع الشهيد برغبته في التسليم واطلق ناراً قاتلة عليه، الأمر الذي ادى بالقوة الى قتل ذلك المجرم .  [/b] [/size] [/font]

274
هل المراد، تحطيم البرلمان بالبرلمان
كما حُطّمت دولة القانون بـ (القانون) ؟
د. مهند البراك

   بعد ان شهد العالم تطورات مذهلة في الصناعة والتكنيك افضت الى الثورة التكنيكية المعلوماتية والى الدخول في مرحلة العولمة الرأسمالية، تطورت اساليب مواجهة الجهات المستبدة لمطالب الجماهير الشعبية، حيث تطوّرت من الصدام معها الى .  .  تبني تلك المطالب وافراغها من محتواها، لتنفيذ ماتريد من جهة ولأشاعة البلبلة واللاأدرية بين اوسع الأوساط المطالبة بها وتفتيتها، وبالتالي لأثبات بطلان وعدم جدوى ما تطالب به تلك الأوساط من جهة اخرى، ولتحاول ان تساهم في صياغة عدم واقعية تلك المطالب او عدم ملائمتها لظروف البلد المعني . 
   وبذلك النهج واجه نظام البعث العفلقي بانقلابه (الأبيض) عام 1968 شعار " اقامة حكم القانون من اجل الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان " الشعار الذي تبنته ولفّ اوسع الجماهير العراقية بكل اطيافها حوله، من جنوب العراق الى شماله في ظروف الستينات وهددت به انظمة الحكم العسكرية المتعاقبة آنذاك بالسقوط .
   وبدأ سلسلة من التحالفات التي لم تعرف الاّ بكونها خطة لتدمير القوى السياسية العراقية على اساس جدولة استهدفت تدمير قوى معينة في وقت حالفت فيه وحيّدت الأخرى، لتتفرّغ لاحقاً لتدميرتلك الأخرى، ولتعيد الكرّة من جديد في تاريخها الدموي الذي اتّصف بتلك السمة الشريرة، الديماغوجية اضافة الى سياسات وسلوك دولي هدف الى استمرار عرش الدكتاتور من جهة، وهدف الى الهيمنة الأقليمية، بلا  مبالاة بآلام الشعب ودموعه ودمائه ومصيره.
   فبعد ان تبنى الحكم الذاتي لكوردستان العراق، افرغه من محتواه بـ (ديباجات قانونية) ودخل في صراع مرير مع الأحزاب والقوى الكوردستانية ثم مع الجماهير الكوردستانية ذاتها، بسياسة (العصا والجزرة) سيئة الصيت. وبعد ان تبنى مشروع الجبهة الوطنية المعادية للأمبريالية ومشروع دولة القانون، ادى بها الى النتائج الفاجعة المعروفة وعلى اساس (انه يطبّق القانون).
   النتيجة انه حارب القضية الكوردية باسم (قانون الحكم الذاتي لكوردستان) ولأنها خرجت على ذلك القانون، وبنفس المنطق حارب الديمقراطية وحقوق البشر باسم القانون، (لأن قوانين العراق العظيم هالشكل .  .  اشو "هايلي مريام " يعدم مايكولولو شي، ويدكولو دفوف .  .  بس احنا يستهدفونا .  . لأننا نطبّق القانون) (1) 
   وهكذا حطّم القوى السياسية العراقية باحتواء شعاراتها ومحاربتها بها، وحطّم مفهوم " دولة القانون " بـ ( عمليات اوراق اصلاح النظام القانوني)، بتجنيد وتمويل وسوق قانونيين بدءاً بالوزير آنذاك لتدبيجها الجديد وتعديلاتها التي لم تنقطع والتي صارت تحتوي على اكثر من 176 مئة وست وسبعين مادة تحكم بالأعدام في الجريدة الرسمية، عدا احكام الأعدام للحالات التي تستهدف امن الدولة ؟! وفق تقارير منظمة العفو الدولية .  . فحطّم دولة القانون المزعومة بـ (القانون)، وصارت الناس لاتريد (دولة القانون) بتلك الدولة وتلك القوانين .   
   واليوم وبعد سقوط الدكتاتور وبعد ان صار اللي صار، تبذل جهود كبيرة ومضنية من اجل بناء  النظام الفدرالي الدستوري البرلماني لعراق موحد، وفي ظروف الأرهاب والأحتلال وتصاعد العنف الوحشي الطائفي .  .  والوضع الكثير التعقيد والتداخل الذي اخذ يضغط على اوساط وكتل وكيانات ويجعل قسماً منها يريد الأبتعاد عن المحرقة بوسائل كثيرة التنوع والتعبير .
   صارت جلسات مجلس النواب واساليب ادارة رئيسه منفرة لمن يعرف معنى البرلمان وقيمته ودوره الهام في التفاعل وعكس فواجع ومطالب الناس وآمالهم في وضع حلول لحياتهم القاسية وتعمير سفينة البلاد ومحاولة ايصالها الى شواطئ اكثر اماناً او اقلّ خطورة  .  .  خاصة وان جلساته تنقل على الهواء .
   ومع التقدير لتاريخ السيد المشهداني ونضاله من اجل قضيته المؤمن بها، ترى اوساط تأخذ بالأتساع بانه قد لايصلح لمهمة كهذه المهمة وهو ليس انتقاص منه، بل احترام وتوجيب لعوائل وعشائر المشاهدة الغنية عن التعريف، وفي اطار وضع الرجل المناسب في المكان المناسب .  .  الأمر الذي واجه ويواجه وسيواجه كل الحركات السياسية . 
   فهناك رجال يناسبون النضال السلبي وآخرون يناسبون مسؤولية الحكم ـ اذا افترضنا حسن السيرة ونظافة اليد ـ ، واضافة لأسباب متنوعة من سياسية الى شخصية الى اخرى، نرى رجالا برزوا وسطعوا  في نضالهم المرير ضد الطغيان يعتذرون عن مهام حكم، لأنها مهام ومسؤوليات من نوع آخر .  .  وقد يرون انفسهم غير قادرين على مهام حكم معيّنة، بل قادرين على مهام حكم غيرها، وهو مرة اخرى ليس انتقاص من احد بقدر ماهو جهد في توضيح، وجود روح علمية وصدق لدى مناضلين وماهيتها، من اجل انجاح الجهود الجماعية في تحقيق الأهداف المؤمنين بها والتي ناضلوا ويناضلون من اجلها .
   ومن المعروف ان الأحزاب والحركات السياسية تحرص على عدم التفريط بقدرات وكفاءات  رجالها، وتتجنب ما يؤدي الى احراجهم وتبديد طاقاتهم في مجالات لاتتناسب معهم بل وتصونهم كي لايحطّموا انفسهم او يتعرّضوا لمخاطر وتحديات قد تحطّمهم وتخسرهم احزابهم او يخسّروها. واذا كانت الأماني الطيبة لوحدها لاتكفي لتحقيق الأهداف، فانها صارت لاتكفي بشكل صارخ في ظروف البلاد الآن  بعد ان انهكت جراحاً ونقمة، اذ يحتاج الحكم المرونة والأعتدال الضروري للم الطاقات وتوجيهها الوجهة المرجوة، فأن الأعتدال واحترام الآخر شخصاً وفكراً وتسامحاً، صار امراً واجباً لايمكن التهاون فيه من اجل انقاذ البلاد .
   وفيما ترى اوساط واسعة ان مجلس النواب الحالي يعيش تجربة جديدة تختلف عن تجربة برلمانات الزمان الملكي التي سميّت ببرلمانات " موافج " التي كانت (مسرحياتها) تجري خلف ستار كثيف، حيث ان جلسات المجلس الحالي تنقل علنا وامام الشاشات المحلية والدولية، فانها اضافة الى ضروراتها وايجابياتها، الاّ انها توفّر امكانية لأنواع المراقبين وصولاً الى المتربصين، الذين يواصلون نهج المراقبة والأنتظار لمتابعة مديات حجم الخراب الحاصل بسبب تلك الممارسات .  .  الأمر الذي من الضروري ان يجري حسابه خاصة من السيد المشهداني، لأن الأساءة لأشخاص علنا قد تدفعهم كبشر الى ردود افعال قد لم يفكروا بها، الأمر الذي يجعل من تلك السلوكيات وكأنها محاولات للأساءة بهدف تحطيم جهات سياسية بالذات بمحاولة التقليل من مقام او تهزئة وجوهها وممثليها، وانعكاس ذلك في ظروف مجتمعنا الذي عاد للأسف عقوداً الى الوراء .
   وفيما ترى جهات ان السيد المشهداني قد يكون قد احرج بتكليفه بذلك المقعد وفق نظام المحاصصة الذي يثبت مجدداً فشل جدواه، يرى مراقبون وسياسيون ان غض النظر في البداية عن سلوكه ـ الذي قد يكون نابعاً من مشاعر لايتطرق الشك الى طيبتها الساذجة ـ  هو الذي ادى الى تفاقم ذلك السلوك وجعله يستهدف وجوها وطنية وديمقراطية ونسائية مشهود لها ولتاريخها واخرى معروفة مكانتها في البلاد .  .  والذي قد يستفحل اكثر ليطيل وجوهاً وجهات اخرى ارتاح بعضها لأسلوبه في مواجهة خصوم ومنافسين لهم !!
   ان ناسنا لايمكن ان تنسى ان بداية صعود الدكتاتورية علناً كان قد ابتدأ باسكات وطرد صدام وجوهاً كانت تمثل الحركة القومية العربية التقدمية والمستقلين من الأجتماع العلني الأول الذي عقدته ما سمي بـ (اللجنة العليا للجبهة الوطنية والقومية التقدمية) الذي كان برئاسته والذي كان يؤمل الشعب به بانه سيكون ( البرلمان الذي وعد به الحزب والثورة ) ! والذي انتهى بتحطيمها وانهاء فكرة البرلمان لأنها (لاتنسجم مع العراق الثائر)! .
   بل والأكثر (بلاغة) الآن، في التعبير عن وجهة الأستبداد والعنف واحتقار وجهات النظر الأخرى، تعبيررئيس مجلس النواب بانه سيستخدم (الحذاء ) للأقناع !! هكذا وبكل بساطة و(ادب) لأنه لم يقل (قندرة) .  . في ظروف تزداد فيها تحذيرات اوساط واسعة من مخاطر الوقوع في فخ (ولاية فقيه عراقية) في الواقع العملي، رغم التعبير عن عدم الأتفاق مع نهج ولاية الفقيه الأيرانية، وتاكيدات اية الله العظمى السيستاني بانه ليس مع نظام ولاية الفقيه . . فالحَكَم هنا هو سير الواقع وتراكم احداثه، وليس الأقوال والتصريحات التي يبدو حتى هي اخذت تبدأ بداية جديدة تثير القلق .  .  بالتهديد باستخدام الحذاء علناً ومن موقع رئيس .  . مجلس النواب الذين تم انتخابهم في ظروف البلاد اعلاه .
   واذا ما تصور البعض ان السيد المشهداني بعيد عن فكرة ولاية الفقيه الشيعية الأيرانية وعن الترويج لها والسير وفقها لأنه سنيّ، فأنه قد لايعرف ان نظام ولاية الفقيه الشيعي في ايران، يضم عناصر هامة من الطائفة السنية في ايران، كرئيس المحاكم الثورية الأيرانية المعروف اية الله خلخالي، الذي درس وتخرّج من جامعة الأزهر الأسلامية في القاهرة . وعلى اساس فتوى الأمام الخميني بالموافقة على كل ما من شأنه ( تثبيت دعائم الجمهورية الأسلامية)، الفتوى التي جرى ويجري تفسيرها والسير عليها باشكال متنوعة ووفق (الضرورة) . 
   وترى اوساط عليمة وبعد عديد مما حدث وتكرر، ان القمع والأضطهاد اخذ يُمارس باعلى درجاته في مجلس لـ ( نواب الشعب وليس في مركز شرطة او امن صداميين) بحق الجهات الديمقراطية والعلمانية واللبرالية .  . والأوساط النسائية التي يفترض انها لوحدها تشكّل 25 %  من عضوية المجلس . سواءاً بالتعبير والأستهزاء او بالحركات المقصود منها توجيه اهانات، ودرجات فهمها وتأثيراتها الضارة، في مجتمع لايزال يعاني من المرض الشديد رغم تكاثر الأطباء عليه وزادوا مرضه تعقيداً وشدة .  .
   وتتساءل الا يمكن تغيير رئيس البرلمان الذي صار يسئ لكل الجهات غير المتقفة مع وجهة نظره ، وفق النظام الداخلي لمجلس النواب ان وجد وان يجري العمل به ؟ فاذا كان من يشغل مكان (كبير العقلاء) يتصرف ويحاول ( الأقناع بالحذاء) ؟ فماذا سيكون سلوك ابودرع، حسنين، جبار ابوسنون (اسنان)، احفاد الصفره، احفاد محمد مامه وغيرهم كثيرون ؟؟ ! (2)
   خاصة وان رئيس البرلمان في بلداننا ليس منصب فخري ـ تقديري او تشريفي ـ كما في اوروبا عموماً، وانما منصب يشارك من يشغله بصياغة اكبر القرارات ويؤهل شاغله لرئاسة الحكم او لشغل حقيبة وزارية رئيسية بارزة، فرئيس جمهورية مصر العربية انور السادات كان يشغل منصب رئيس مجلس الأمة قبل توليه الحكم، الأمام مظلوم " بهشتي " رئيس مجلس النواب بعد الثورة الأيرانية كان يشكّل اقوى دعائم النظام السياسية والأمنية والأعلامية الفكرية هناك، ورغم الفارق فان سعدون حمادي كان رئيس مجلس النواب العراقي قبل استلامه رئاسة الوزراء في زمن الدكتاتورية، وينطبق الأمر بمفهوم مقارب ـ وكمثال ليس الاّ ـ على السيد نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني .
   ان التحرّك السريع لحل تلك المشكلة التي قد تتمحور عليها قوى من نفس الوجهة .  .  يشكّل بنظر الكثيرين واجباً ضرورياً لامفر منه للقوى التقدمية المعروفة الأخرى وخاصة جهود " قائمة التحالف الكوردستاني " التي قد يأتي دورها في وقت لاحق ـ لايتمناه احد ـ في تلك المحنة ان استمرت واستقطبت .  . مع الجهود المبذولة لترسيخ التجربة البرلمانية في البلاد، التجربة التي تنطلق من الواقع بوجهة الأرتقاء به وليس الغوص فيه وتشجيعه، من اجل عراق فدرالي برلماني موحد ومن اجل دولة القانون .

7 / 10 / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   التعبير بالعامية التكريتية ويعني ( لأن قوانين العراق بهذا الشكل . . واذا ماقام حاكم اثيوبيا "هايلي مريام " باعدامات لايعترض عليه احد بل يدقوّن الدفوف له لتحيّته ) .  .  من نص مؤتمره الصحفي الذي نقله التلفزيون العراقي عام 1978 اثر اعدام 21 مناضلاً شيوعيا بتهمة العمل في القوات المسلحة و( الأعداد للقيام بانقلاب عسكري)، واشتعال حملة عالمية ملأت الصحافة واجهزة الأعلام في العالم نددت بنظامه الدموي وبقوانين الأعدام التي سنّها نظامه.
(2)   من اسماء معروفة لقتلة وذبّاحين ومجرمين محترفين .[/b][/size]   [/font]

275
حول افكار (عراق مقسم مستقر افضل من عراق موحد مشتعل !!)2 من 2

د. مهند البراك

   ويرى كثيرون ان خطورة الأفكار التي تدعو الى تقسيم العراق، او التلويح بها، في الظروف الكثيرة الحراجة والخطورة في الظروف الراهنة، قد تدفع الى ردود افعال ليست في صالح كل مكونات العراق، خاصة وان التناحر الجاري واعمال العنف والأرهاب لم تستقر على خطة سياسية مستقبلية بقدر ما تضغط وتدفع الى تمزيق البلاد على اساس عرقي طائفي . .
   الأمر الذي جرّب في لبنان وتسبب باشتعال حرب اهليه، خسّرت فيها مكونات البلد الجميل جميعاً، واعادتها الى هيكل موحد احتوى هذه المرة مكونات مجزّئة، لينفجر الصراع على محاور جديدة مجدداً ويقود الى اعلان اسرائيل حرباً دمّرت البلاد مجدداً واعادتها الى اوضاع اصعب مما كانت عليه في مطلع القرن الماضي . ليجرب بشكل دموي من جديد في العراق، بمساهمة غير مستورة بل شبه علنية من جيرانه بشكل خاص وبدفع اقطاب دولية متعددة، بعد اسقاط الدكتاتورية واعلان الأحتلال وبعد اجراءات مضنية لأعادة بنائه، التي  يبدو وانها تسير في طريق قد صار يصعب تحديده .  .
   وفيما تحذّر اوساط من ان الجهود الرامية الى اهداف اللاعودة التي قد تهدد بانتشار حالة فوضى اقليمية تشمل استقرار دول المنطقة ذاتها، او انه خُطط اصلاً لأشغالها في دوامة حروب تريدها جهات اقليمية واوساط دولية لفرض نفوذها باسم (دعم حقوق سليبة للأقسام المدعو لها ) لكونهم من رعاياها ولكونها حاميتهم !! في ظروف يرى العراقيون فيها دول المنطقة فاغرة فاها لكل مكوّن عراقي لألتهامه باسم حمايته ومن اجل ثرواته .
    وفيما يرى مختصون ان الأحتكارات النفطية والصناعية الكبرى، تتعامل بحذر وتهيؤ شديدين في  العمل والتعاقد مع اي بلد نفطي كبير، قد يشكّل الأعتماد كلياً عليه، مصدراً لقلق ومخاوف، تتأتى من احتمالات نقضه الشروط التي فرضتها عليه ابتداءاً، او محاولته من جهته فرض شروط جديدة عليها، قد تهدد بقطع النفط عنها ان لم تستجب لها من جهة .  .  . او قد تشكّل قدرتها تلك مصدر قلق لها يتأتى من " انها قد تكون وحش يصعب السيطرة عليه ان لم تُحكم السيطرة عليها " كما عبّر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش مؤخراً (1).
   لذا فانها تعتمد ستراتيج يدعو الى تكوين " دول صغيرة منتجة للنفط " تتصارع وتتصالح، بالتناغم مع مصالح الكبار، الستراتيج الذي يبدو انه استقر على حالة من تصالح لم تكن بدون جهود وطموح وجهاء ورجال حكم (الكيانات) الأولى ان صح التعبير التي شكّلت تلك الدول . ان نجاح تكوين و(استقرار) دول نفطية صغيرة على اساس ثرواتها الطبيعية، لكونه جاء منسجما ومتناغما مع تطلعات مجتمعاتها الأولى نحو العلى، بعد ان عاشت حياة قاسية اعتمدت حياة البداوة والرعي واقتناص اللؤلؤ والمرجان، وحماية المراسي والأرصفة والقوافل التجارية الأولى، بتقدير خبراء.
   وفي الوقت ذاته، فان تلك الأحتكارات اعتمدت اساليباً غاية في التنوع  للتعامل مع البلدان النفطية الكبيرة ـ ذات الأنتاج او المخزون الفلكي او كليهما ـ تنوعت من (نصائح)، ضغوط دبلوماسية ووصولاً الى الدسائس واشعال الصراعات الداخلية والحروب الأهلية على اسس قومية، دينية او طائفية وتوثيق صلاتها بكل اطراف الصراعات باشكال وبقنوات وتسميات وتبادل ادوار كثير التنوع .  .  لضمان تواصل واستقرار تدفق النفط الخام رخيصاً لتلك الأحتكارات بعينها ودون غيرها، ووفق تتابع المراحل.
   من ناحية اخرى فان عدد من الأحتكارات يسعى في الدول النفطية الكبيرة التي لها كيانات مدينية اقتصادية(2)، هياكل ارتكازية ضرورية من بناء علمي وثقافي وحضاري وانسان متعلّم ومتأهّل اضافة الى كياناتها الدفاعية .  .  يسعى الى شلّ قدراتها او تحطيمها بسبل متنوعة سواء كانت مباشرة او غير مباشرة، كتحطيم الدكتاتور العراق بتصرفاته وردود افعاله الهوجاء التي بذّر فيها واردات النفط الهائلة لصنع ماكنة عسكرية قمعية خيالية لتحقيق حلمه المريض بـ ( قدرته على تزعم كلّ عشائر العرب من الخليج الثائر الى المحيط الهادر) الأمر الذي يانف منه البدوي العاقل .  .  وحطّم بذلك ارواح واموال وطاقات البلاد، وحوّل اماني واحلام بناته وابنائه الأنسانية الجميلة وطموحاتهم بحياة سعيدة تليق بهم وجديرون بها، الى كوابيس مرعبة .   
   فيما تسعى احتكارات عملاقة اكبر الى خطط  اخذ يفرزها عالم اليوم واجوائه المتوترة، بالعنف وبالسرعة في حسم مشاكلها مع المجتمعات وكأن البشر صامولات مثبتة في مكائن معدنية باردة .  .  خطط تدعو الى الضربات والتدمير الصاعق للكيانات، ثم الأسراع باعادة بنائها باشاعة الأحلام والأماني الحماسية التي تصرف الأنتباه عن حقيقة الواقع وحقيقة الأمكانات المتوفرة باليد .  .
   خطط ليس فيها حيّز للأنسان بقدر ما تزدحم بالبيع والشراء (سواءاً بالأبيض او بالأسود)، خطط لاتحسب او لاتريد ان تحسب بانها ان نجحت بالتدمير الصاعق، فانها قد لاتنجح بكسب عقول وافئدة البشر الذين ضاعوا في الوعود والأحلام التي لم يلمسوا منها شيئاً، او لمسوا بصيصاً مما وعدوا به ثم اختفى ليعاد تكرارها عليهم، وكأنها محاولة لمسخ ابناء شعوب هذه الدول .  . 
   وتكون القضية اكثر مرارة وقسوة، حين يجري البناء الجديد والمرتجى، بالذبح والقتل على الهوية وباغتصاب النساء والأطفال وبالمخدرات .  .  الأمر الذي قد لاتهتم له اجهزة الأحتكارات العملاقة، لأنها  تستطيع تعويض الأنسان في مشاريعها بالرابوت الذي يمكن نقل منشآته وفنييه بالطائرات وبالسفن العملاقة بمنظورها، وهي لاتحتاج ايدي علمية وفنية بل تحتاج عمال تنظيفات وتحتاج حراّس يستطيعون التعامل مع همج ؟! لأن التعامل المهذّب تقوم به الأجهزة الحديثة واشعات الليزر المناسبة !
   هل يعتقد فعلاً اصحاب الدعوة الأميركية الى ( فرزعرقي وطائفي طوعي ! ) بأنه الحل الديمقراطي لمشاكلنا المدمّرة القائمة الآن (لأنه طوعي)  .  .  ام هي دعوة لتصنيع قنابل موقوته عرقية وطائفية جديدة امرّ وادهى واكثر تدميراً ؟ اليس هو دق اساس ( بناء جديد) لتطهير عرقي اكثر بشاعة هذه المرّة في مجتمعنا الذي يشتد به المرض رغم كل الجهود .  . 
   الا يؤدي ذلك الى تطهير ادهى وامرّ للفرز هذه المرّة بين الشيعة الأصليين والمستشيعين، السنة الأصليين والمستسنين، العرب الأصليين والمستعربين، الكورد الأصليين والمستكردين او على اساس سورانيين وبهدينيين، دع عنك ابناء العشيرة الواحدة بين الأصليين والدخيلين، في دورات قادرة بشكل محموم لانهاية له على تفريخ هويات وهويات وصولاً الى هابيل وقابيل والى عاد وثمود .  .  للوصول الى تشظّي اكبر واكثر تدميراً .  .  اما لماذا ؟ وماذا يراد من ذلك في عالم اليوم المشغول بالتطوير السلمي للذرة وبالتوصل الى سبل التشخيص المبكر للسرطانات لعلاجها وايجاد لقاحات للوقاية منها وبابحاث الفضاء وعلاقتها بكوكبنا، وبزيارة اول امرأة ايرانية الفضاء دون ان يسأل او يهتم احد هل كانت سنية ام شيعية، بل اثارت الفرح لأنها احدى بنات حضاراتنا الشرقية !
   اليس هو استمرار لنهج الدكتاتور المنهار الذي عبّر عنه بتعليقه عندما قال تطمينا للغرب والشرق في خضم تزايد حدة الحرب العراقية الأيرانية عام 1983 : ( بلداننا عبارة عن حقول نفط وابراج حراسة، ونحن تلك الأبراج التي تؤمن تدفق النفط للعالم )، الذي لم يخرج وصف وزير دفاعه علي كيمياوي عن ذلك حين وصف الثوار والبيشمه ركة البواسل واهالي قرى كوردستان الصامدين المستهدفين في حملة الأنفال المأساوية بان الحملة تستهدف ( مكافحة الماعز الضار الذي لايعيش الاّ في الصخور لأنه لايحب المدن والحضارة) (3) في تصنيف مرير للبشر على اساس عرقي، طائفي، وعلى التفريق بين نجس وطاهر، قطعان وابراج، اوادم وماعز .  .  الذي تشجعه اوساط دولية !!
   وفيما ترى اوساط متزايدة بان القضية العراقية، التي ازدادت ارتباطاً بقضايا ذات اهمية وبعد عالمي، من نفط وارهاب وسلاح، الى امن خليج النفط وسياسات محاولة منع انتشار المفاعلات النووية العسكرية في العالم ، والى اهمية دورها في تحديد مفهوم العالم وحيد القطبية ووجهة سيره .  .  صارت احدى ابرز القضايا الدولية واكثرها سخونة، وبالتالي ستلعب دوراً اكثر اهمية في تحديد ارضية جديدة لتفاهم وتساوم الدول والأقطاب الدولية العظمى، بتقدير مراقبين وذوي خبر دولية .
   فانها ترى انه اذا كان التساوم ضرورياً وممكنا بين الجهات الخارجية فيما بينها ومعها، لماذا لايكون ذلك ممكنا بين المكونات الداخلية للبلاد، على اساس تعامل وتفاهم قابل للتطوير مع كل الكبار، بما يحقق مصالح للبلاد على طريق تحقيق استقرار لها على اساس الأتحاد الفدرالي لمكوناتها وبما يحقق مصالح مناسبة متحركة لكل الكبار من الأتحاد الأوروبي، الصين ، روسيا  .  .  اضافة الى الولايات المتحدة.
   وبذلك لن تكون الدعوة الى ( الفرز والتقسيم العرقي والطائفي الطوعي ! )، الاّ مشروع يشدد استغلال البلاد على اساس تمزيقها واضعافها ويقودها بالتالي الى تبعية لاشرطية ـ وليس الى تعاون على اساس منافع متبادلة ـ  للماكنة الأقتصادية العالمية، والى تحطيم ابنائها على اختلاف اطيافهم والدوس بلا رحمة عليهم، وبلا مبالاة بدمائهم ودموعهم.
   او في احسن الأحوال لن تكون الاّ مشروعاً يسعى للدفع باتجاه تكريس دولة واحدة لاحول لها قائمة على اساس التمزّق، استمراراً  لجوهر النهج الذي ساد في زمن الدكتاتورية المنهارة، حين عاش جنوب البلاد  محظورا ومعزولا عن شماله كوردستان وبالعكس، وحين كان كل مكوّن مبتلياً بجحيمه المرسوم له، لتسهيل سوق الجميع بالقوة والوعيد، كلاً لتنفيذ ما كان يخطط له . 
   ان العراق الفدرالي النفطي وعلى اساس اطلاق يد مكوناته الفدرالية في التعامل مع السوق الدولي ضمن السقف الدستوري للدولة، سيحقق نجاحات كبيرة للبلاد في الصراع التاريخي المستمر بين الدول المنتجة للنفط والدول المستهلكة الصناعية الكبرى، من خلال تحقيقه التنويع الضروري في معاملاته النفطية مع دول العالم، والذي يزيد من اطلاق يده وتحرره من التعامل الوحيد الجانب التي تحاول فرضه الأحتكارات المتعددة الجنسية العملاقة التي تزداد تمركزاً .
   في زمان صارت فيه الأحتكارات الدولية العملاقة ( كـ " هاليبرتون " على سبيل المثال لا الحصر)، صارت تحتكر ليست الصناعات النفطية فحسب، بل ان اخطبوطها ازداد تشعباً لتمتد وتحتكر الصناعات العسكرية وصناعات البناء والحديد والخشب والسيارات والشاحنات .  .  اضافة الى صناعات المواد المنزلية والأثاث، الصناعات الغذائية والجلدية والمنسوجات والأحذية .  .  وغيرها وغيرها الكثير مما تحتاجه متطلبات الحياة اليومية (وباسماء متنوعة لشركات تابعة لها)، حتى غدا بامكان تلك الأحتكارات العملاقة ان تحتكر تجارة وصناعة دول كبيرة بكاملها لنفسها.
   ومثل تلك الأحتكارات تسعى بمختلف الوسائل التجارية والسياسية والقانونية، وصولاً الى حد افتعالها الأزمات او اذكاء صراعات داخلية مدمّرة طائفية او قومية واثنية، وحدّ محاولات شق وحدة بلدان او تقسيمها الى (محميات) او كيانات متنازعة ضمن الدولة الواحدة لتفرض تعامل كل اجزاء ومكونات البلد الواحد معها كلّ من الشباك المخصص له، انها تسعى لأفتعال اشكال الصعوبات للبلد المعني التي تصل الى نزاعات دموية هائلة لتسد الطرق على تنفيذ قرار قد يتخذه بتنويع تعامله النفطي التجاري مع بلدان اخرى غيرها او دون المرور بها . 
   ان بلادنا الغنية بشكل مذهل بالنفط وبالمعادن فائقة الأهمية المتنوعة الأخرى، والتي اصبحت توصف بكونها ـ بكل اجزائها شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً ـ جزيرة عائمة على النفط الخفيف بعد ان تم التأكد من ذلك، منذ تقديم نتائج المسح والتدقيقات الفضائية التي تكثّفت اعتباراً من عام 1985 ، اثر ملاحظة الأحتكارات العالمية سرعة تدفق النفط العراقي في الأسواق العالمية رغم تدمير عدد هام من منشآته النفطية في سياق الحرب العراقية ـ الأيرانية (4)
   وعلى ذلك تسعى الأحتكارات الكبرى الى جعل معلوماتها حول قدرة البلاد من النفط الخام معلومات مطبقة السرية (لأسباب عديدة : احتكارية وتنافسية، سياسية، عسكرية، اثنية، ستراتيجية وتكتيكية . . )  وتحافظ وتسير على المكشف عنه منها والمعروف لوحده فقط، حيث لايجري اي حديث او بيان حقيقي حول الحقول النفطية العملاقة في غرب العراق، وانما تذكر بشكل عابر، كحقول هيت، غرب الرمادي، مناطق مثلث الحدود العراقية ـ السعودية ـ الأردنية .  .  وغيرها وغيرها(5)     
   واخيراً فان بناء عراق برلماني دستوري فدرالي موحد، قائم على اساس التوافق وعلى المساواة على اساس الأنتماء للهوية الوطنية العراقية، وعلى اساس تعزيز اللامركزية ودعم مكوناته المتبادل بعضها لبعض وفق سقف دستور البلاد .  .  هو المحاولة الجادة للسير بعيدا عن وتقليل مخاطر الوصاية والأحتكار الذي يسعى لفرض نفسه على جميع المكونات، في ظروف كثيرة الحساسية تتطلب الدقة في التصريحات .  .  بتقدير اوساط تتسع . (انتهى)

30 / 9 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع مقالات وتعليقات حول الحالة العراقية في " الواشنطن بوست "، " الغارديان " ، قنوات سي ان ان ، بي بي سي التلفزيونية وصفحاتها الألكترونية .  .  للفترة 1 ـ 16 / ايلول / 2006 .
2.   نسبة الى سكان المدن واصحاب الحرف وغيرهم .  .
3.   راجع الفلم الوثائقي عن علي حسن المجيد، المنشور في المواقع الألكترونية وخاصة الكوردية التي تعرض جلسات محاكمة جريمة الأنفال المروّعة.
4.   راجع اعداد ايكونومست حول القدرة النفطية العراقية، بحوث ومقالات متصلة متنوعة، للنصف الأول من 2001 .
5.   عن تقارير فرق المسح الجيولوجي اعوام 1995 ، 1996 .[/b][/size][/font]


276
حول افكار (عراق مقسم مستقر افضل من عراق موحد مشتعل !!)(*)   1 من 2

د. مهند البراك

   في مجرى الصراعات والنزاعات الدموية في عراقنا، ورغم الجهود الشاقة لرأب الصدوع وللتوصل الى عراق مستقر، تطرح افكار وحلول متنوعة، في محاولات تزداد تنوعاً سواء كانت مخلصة في سعيها لأيقاف نزيف الدماء المتواصل، او كانت تهدف او تخدم اهدافا وخططاً معلنة او غير معلنة . .  حيث تقف على رأسها افكار تدعو الى تقسيم البلاد، وصار قسم منها يزداد ارتفاعاً في خضم الصراع الحاد الذي يجري من اجل تقرير شكل وآلية النظام البرلماني الفدرالي في عراق موحد .
   وهنا لابد من التذكير بان تحديد ورسم حدود بلداننا التي ظهرت كدول حديثة ( بمفاهيم ما بعد الحرب العالمية الأولى) كان اضافة لأخذه بنظر الأعتبار وان بدرجات متنوعة وجود لواقع قومي وديني واجتماعي، بدلالة عديد من المصادر والبحوث .  .  فانه كان قد جرى على اساس مصالح القوى العظمى التي انتصرت في الحرب، ودرجات اتفاقها على شكل وحجم حصصها، ووفق خطط وحدود الأحتكارات الدولية العظمى ودوائرها، اضافة الى ابقاء مناطق غير محسومة او بقت معلقة او غير محددة التعريف، تهدئة لمشاعر او لمطالبات شعوب المنطقة، لتصبح بعدئذ اساساً قانونيا واساسا سياسيا (منطقياً مقنعا) للتدخل بشؤونها وتقرير شكل مصيرها، بشكل دبلوماسي او عسكري او بالتلويح به .
   واضافة الى كل مظالم وتعقيدات الدكتاتورية وتركاتها وآلية اسقاطها وتوقيته ، لابد من القول ان ظروف ؛ العولمة الرأسمالية وحرية هجرة رأس المال وتغيّر مفاهيم الحدود السياسية والكمركية، تزايد تركز الأحتكارات العالمية فوق القومية، تزايد اهمية الثروات الطبيعية والنفط بشكل اخص، التوازن والصراعات المخفية والعلنية بين القوى العظمى، نمو وتزايد وعي شعوب ودول المنطقة لذاتها ولحقوقها لكل ماسبق، والذي ادى ويؤدي بالشعوب التي كانت قد عوملت كاقليات او ككيانات بشرية من درجة ثانية قياسا بشقيقاتها اوكأقليات .  .  ادى بها الى ان تطالب بحقوق تتناسب مع دورها الحالي في واقع اليوم، سواءاً بثرواتها الطبيعية التي يزداد الطلب عليها، او دورها في اقتصاديات وصلات وثقافة وستراتيجيات منطق عالم اليوم واقاليمه.   
   اضافة الى أن ضياع (تغيّراوتشوه) وتطور المفاهيم الكلاسيكية لطبيعة وآليات نشوء (برجوازيات وطنية) في الظروف العالمية الراهنة، قياساً بانماطها التي تكونت وسادت في الغرب والشمال ـ اضافة الى التي بدأت بالتكون في قسم من دول المحيط منذ اواخر القرن الثامن عشر، وملاحظة اوساط واسعة في بلادنا النمو والرفاهية الأقتصادية ذات المدلولات الأجتماعية غير القليلة في اكثرية بلدان النفط الخليجية، التي اتخذت اشكال طفرات هائلة في التحول القياسي السريع من البداوة والعلاقات العشائرية الى الدخول في اعلى حلقات ومجتمعات راس المال المالي الدولي (1).
   الأمر الذي جرى في فترة زمنية قياسية لم تتجاوز النصف قرن من الزمان ـ فيما لو قيست بالعراق ـ  وبعيداً عن الحروب واسلحة الدمار الشامل. ورغم انها جعلت الدورة الأقتصادية الوطنية خاضعة او مرتبطة وثيقاً بالمشاريع الخدمية والأستهلاكية والترفيهية، التي لم تتعارض بشدة او تصطدم بالأرضية الأجتماعية الأقتصادية الأولى، اضافة الى نشوء تناقضات واجتهادات تحاول فيها تلك الدول ان لاتكون دولاً ريعية بقيامها باقامة مشاريع وبمحاولات اقامة مشاريع ذات مردود اقتصادي يساعد على تطور اجتماعي ذي فائدة، على اساس القناعة بان النفط والغاز ثروات قابلة للنضوب .
   تلاحظ اوساط تتسع ان التخبط المتزايد الذي تعيشه اوسع اوساط الأدارة الأميركية الحالية بخصوص الحالة المأساوية في عراقنا، قد اخذ يعيّر عن نفسه بصور متنوعة، حيث اخذ طرح حجم الأحلام يتناقص، بعد ان بدأت بطرح النموذج الأميركي ذاته كهدف وكاساس للمناقشة، ثم بطرح النموذج الألماني والياباني لتتم النقاشات الآن على اساس النموذج اليوغسلافي، فيما ترى اوساط واسعة ان العراق يسير بشكل عام ان استمر وفق نموذج تابع للنموذج الأيطالي بعد الحرب العالمية الثانية، ان لم يكن يسير بسرعة نحو نموذج الكونغو الدموي المأساوي، ما لم يجر تدارك اهم العقد المصيرية في حياة البلاد .
   ان الأخذ بالنموذج البلقاني (اليوغسلافي) سيعني تقسيم البلاد الى كيانات ضعيفة (الى لادول ) لاحول لها لأن لاقوة (قانونية) في العلاقات الدولية الطبيعية (ستدعمها اصوليا) رغم مايجزل لها من وعود، وسيجعلوها تتراكض ورائهم، وسيجبروها على التنازل وسيبتزون ثرواتها التي اعتقدت يوما انها سندها ان اعلنت استقلالها، (لأن لاسند قانوني دولي يسندها وفق قوانين الأمم المتحدة) .  . ولبلادنا ومكوناتها تجاربها المريرة الكافية المعمدة بانهار الدم في ذلك الشأن منذ زمن السلطان عبد الحميد والى الأحتلال والأنتداب ونشوء الدولة العراقية مطلع القرن الماضي.
   اي انهم سيضغطون ويبتزون امام زبد وعود هامسة !! بالأعتراف بها، بل سيجزلون الوعود الهامسة لها، على امل انها ستقبل الأبتزاز بالأخير مقابل وعد بالأعتراف بها كدول ( حال حقيقة مايجري الآن في دول البلقان ـ يوغسلافيا سابقاً ـ رغم الضجيج الأعلامي الصاخب عن الحقوق الديمقراطية وعن تقرير المصير الديمقراطي جداً ولكن (وللأسف) دون تمويل او بمصادر تمويل عاجزة او بتمويل لايزيد الاّ من شد وثاق اسرها ـ رغم انفها هذه المرّة وبلا ضجيج ـ للماكنة الصناعية فوق القومية العملاقة حتى تعجز من نيل حتى ما كانت عليه في وضعها السابق (2) . (يتبع)

29/ 9 / 2006 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   الذي يشكّل اعلى اشكال رأس المال، وفق كلاسيكيات العلوم الأقتصادية.
2.   بعد ان شكّلت يوغسلافيا تيتو( الأتحاد اليوغسلافي)، بموقعها القيادي في دول عدم الأنحياز الى جانب مصر ناصر وهند انديرا غاندي، وكانت الدولة التي حاول الشرق والغرب استرضائها، الدولة التي اخاف استقلالها المعسكر الشرقي، كما اخاف الغرب فوز الدو مورو الذي عنى نزوع ايطاليا ـ وبوجود قوة نفوذ الفاتيكان الدينية فيها ـ نحو الأستقلال من الأحلاف الغربية، في حالة فوزه في الأنتخابات الذي كان يعني فوز تحالف قواها الوطنية والقومية التقدمية، الأمر الذي انتهى باغتياله وشكّل هزة دولية كبرى وفضيحة لم تنته .  .  وبذلك كانتا المثالين البارزين على ان قوة كيان وبالتالي موقع ودور اية دولة، مرهون بنجاحها في توحيد كلمة مكوناتها على اساس التوافق او على اساس الأتفاق على برنامج يطلق طاقات البلاد على اساس تقدمي ونحو رفاه اجتماعي واقتصادي افضل لكل المكونات، وليس على اساس التقسيم .

(*) راجع ، ميشيل اوهلتون كبير خبراء معهد بروكينغز الأميركي، ذي الشأن في سلوك الأدارة الأميركية في العراق، الذي عبّر في محاضرة له فيه عن : ( أنه، بدلا من القبول بالكارثة بالكامل ، يجب أن نحاول تطوير إستراتيجية للتوصل الى مستويات الحد الأدنى من الاستقرار ، حتى لو تطلب الأمر التضحية بأهدافنا النبيلة في العراق .  .  في خيار يسهل إرادة التبديل المكاني العرقي في العراق، مع الاحتفاظ بصيغة الحكومة الكونفدرالية . ويجب أن نطرح على الأفراد الذين يريدون حماية أنفسهم وعوائلهم الفرصة للانتقال الى أراض عراقية أكثر قبولا لهم ولعرقهم أو ديانتهم ). راجع" دعوة اميركية الى فرز عرقي وطائفي طوعي في العراق " الملف نت " 29 / 9 / 2006 .[/b] [/size][/font] 



277
محاكمة صدام .  .  هل سيؤهَّل للحكم مجدداً ؟
 2 من 2
د. مهند البراك

   وفيما يتيه البعض في تفسير ذلك بكونه قد يكون محاولة لرد الأعتبار لـ (الرئيس الشرعي العربي المسلم السنيّ)، حيث ترأس جلسات محاكمته في جريمة الأنفال قاضي (عربي سني )، بعد ان ترأس جلسات محاكمته الأولى بشأن جرائم وضحايا الدجيل قاضيان (كورديان وهيئة ادعاء عام شيعية) و( كانوا قساة معه بسبب اختلاف الأنتماء وضغائنه)، وفيما يرى قسم ان من الحكمة ان جرى اختيار قاضي كوردي في جريمة كبرى راح ضحاياها عرب واختيار قاضي عربي في جريمة اكبر راح ضحاياها كورد لتحقيق عدالة قضائية .  .  يرى قسم آخر ان ذلك ـ اضافة لأهداف المحكمة ـ قد يكون جزءاً من محاولات تستمر وتتصاعد في تسفيه وتبسيط معضلات الشعب العراقي، ومحاولة تفسيرها ودفعها الى طريق المحاصصة على اساس التمييز القومي والطائفي لتثبيته وتعميقه علنا وامام العدسات .  .
   ويرى كثيرون ان حقيقة مايدور قد تكون اقسى وامر من خطأ ارتكبه القاضي العامري، في ظروف النزيف الدموي الذي لاينقطع لأسباب اخذت تتزايد وفي مقدمتها الأرهاب، فقدان الطاقة والبنزين والنفط في بلاد النفط، تعنّت دوائر ايرانية معنية بالشأن العراقي، توصل قوى عظمى الى ( ان مخاطر التطرف الشيعي صار لايقل بل يزيد على مخاطر التطرف الوهابي)، وتزايد الهجرة من البلاد .  .  وفي ظروف مشروع المصالحة الذي يطرحه رئيس الوزراء السيد المالكي .
   وسط تصريحات عدد من كبار المسؤولين في دوائر القوى العظمى بل وعدد من اكبر مسؤوليها . . من تصريحات الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش التي عبّر فيها بـ " اننا لن ننسحب من البلاد، لأن بلاد بهذه الثروات ان لم نحكم السيطرة عليها .  .  ستتحول الى وحش خطير"، الى تزايد الأخبار والمعلومات والتصريحات التي تصب في ان تغييراً يسود في نهج الأدارة الأميركية، تمليه عليها عوامل متعددة في مقدمتها تزايد تذمّر المواطن الأميركي من نهج الحروب وخساراته. ويفسر ذلك عدد من المتخصصين بـ " سير الأدارة الأميركية نحو الواقعية، بعد الخروج من صدمة ايلول 2001 " و " تصورنا اننا سنعتمد على نفط العراق لوحده بديلاً عن نفط الشرق الأوسط " (1) اضافة الى " ان معالجة الأخطاء والأستفادة منها سيحتاج وقتا طويلاً قد لايتم قبل تغير ادارة الرئيس ج. د. بوش ذاتها "(2).
   ووسط زيارات كبار المسؤولين الأميركيين والبريطانيين، وخاصة الزيارة الخاطفة لوزير خارجية الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، السيد جيمس بيكر التي اثارت اهتمام اوسع وكالات الأنباء الدولية والأقليمية، (لطرحها خططً جديدة من اجل ايجاد حلول للمأزق الأميركي في العراق) والتي لم يجري الأعلان عنها، وعلى اعتبار ان ادارة الرئيس ريغان كانت الأدارة الأميركية الوثيقة الصلة بحكم صدام حسين، التي حرّضت او ابدى الدكتاتور السابق استعداده لخدمتها باشعاله الحرب على الجارة ايران، وبالتالي في زمن ادارتها وآلياتها ورجالها المقربين هي، حصل صدام على الأسلحة الكيمياوية التي جرى استخدامها سواءاً في العمليات الحربية ضد ايران او في مأساة " حلبجة " الفاجعة والتي راح ضحاياها الألوف من سكانها الكورد (3). 
    وعلى اساس ان ذلك التغيير يجري بسبب : تزايد نفقات الحروب الباهضة في الأرواح والمعدات، الى اي مدى سيصبر الأصدقاء والحلفاء ودرجات استعدادهم لمواجهة الأرهاب، الموقف الأوروبي، الآسيوي والروسي، الدول العربية والأسلامية وعموم دول النفط والطاقة .  . بهدف تقليل الخسائر و(التوجه الى الواقعية) وقبول (واقع) يحقق مصالح الأحتكارات الدولية العظمى وضمان امنها والذي قد يعني ( استقرار العراق على اساس الأمر الواقع القائم الحالي ) !
   ولمّا كانت محكمة الجنايات العليا التي يمثل امامها صدام حسين وكبار معاونيه، تمثّل جبهة هامة من جبهات الصراع الدموي الجاري في البلاد ومن اجل الوصول الى عراق برلماني فدرالي موحد .  .  فان وتيرة  سيرها ونهجها، وبالتالي ماهية ذلك السير من اجل النجاح في تحقيق اهدافها، فأنه يتأثّر بطبيعة ووتائر الصراعات المتنوعة الخارجية والداخلية التي تؤثر عليها وتتأثر بها للوصول الى تقرير المصير عملياً للبلاد .   
   فان سلوك الدكتاتور في جلسات " جريمة الأنفال " وبعد ان انتهت جلسات محاكمته على " جريمة الدجيل " التي لم يصدر بحقه بشأنها اي حكم لحد الآن !! رغم مضي اكثر من عام على سير جلساتها وانتهائها، وفي ظروف البلاد الراهنة وتغيّر الموازين والمواقف الدولية والأقليمية كما في اعلاه .  .  . يتابع مراقبون اقواله وردود افعاله داخل المحكمة وامام العدسات ـ رغم التقطيع ـ  و يتابعون تهديداته للمتهمين ولوكلاء الضحايا من داخل قاعة المحكمة والتي تضمّنت مفردات متعددة ذات دلالات وتضمنت عبارات " نكسّر راسكم ، خونة متمردين .  . " التي وصلت حد تهديده حتى رئيس هيئة الأدعاء العام  بـ : " سنطاردك داخل وخارج المحكمة " ، والتي تشكّل بنظر كثيرين كما لو انه يبدي او يعرض استعداداً للعب دور جديد على مسرح الأحداث، كأن يعاد تأهيله للحكم مجدداً .  .
   حيث يرون ان فحوى مايعبّر عنه هو وكبار مساعديه، لايمكن ان يكون ـ اضافة لعوامل اخرى ـ الاّ بكون الدكتاتور على صلة وثيقة بتفاصيل مستمرة لما يجري في البلاد بل ويمارس دوراً قيادياً مرشداً (مباشر وغير مباشر) (4) في اعمال العنف والأرهاب الجارية، ويتحرك وفق موازينها ومتغيّراتها ويتخذ قرارات هامة في تحريك المجاميع الدموية وتطمينها وتوجيه نشاطاتها من خلال مايستخدمه من تعابير وسلوك .  .  ووفق خطط الطوارئ السرية ـ العسكرية، السايكولوجية، السياسية، الدعائية وغيرها ـ التي كانت قد اعدّت واقرّها لمواجهة الغزو الذي كان متوقعاً طيلة التسعينات وحتى سقوطه، والتي جرى كشف ماوقع منها وتم نشره.
   وفيما يبدو انها نُسيت او تم تناسيها من الجهات الكبرى ذات الشأن الحاسم في تقرير مصير البلاد . فانها اشارت في احد بنودها الى اهمية تنفيذها في حالات : غياب (القائد)، انقطاعه الطويل عن وحداته، اشاعة مقتله او تقليد صوته، او في حالة شلل الأتصالات الذي قد يستمر لفترات طويلة اكثر من المتوقع .  . . وافادت وكالات الأنباء العالمية والأميركية والبريطانية حينها بانه قد جرت تدريبات معقدة وطويلة لضمان دقة تنفيذها . 
   وفي الوقت الكثير الصعوبة والتعقيد وغياب تفاصيل كثير من حقائق ما يجري في اوساط الحكومة، صارت محاكمة صدام فيه هي المقياس الوحيد او الأهم لكيفية سير الوضع القائم وتوازن قواه، في وقت يجري الترويج فيه، لأخبار عن (تزايد الحنين الى ما كان عليه الحال ايام حكم صدام)!! في ظروف يستمر فيها تصاعد حدة الأوضاع، وتفشي حالات من اليأس بين اوساط متزايدة من الناس، التي صارت تجد في اي مخرج او بديل لحل الأوضاع الدموية المرعبة القائمة، املاً على مواصلة الحياة، بما فيه حتى عودة الطاغية الدموي ذاته للحكم ؟!
   وفيما ترى اوساط خبيرة ان الأعداد لذلك قد بدأ من اطراف دولية واقليمية لاتريد بديلا فدراليا او بديلا ديمقراطيا حقيقيا او اخرى كانت تخطط لبديل على غرار ما الت اليه يوغسلافيا (مقاطعات من دول ودول ناقصة ( دولة ولا دولة) في احسن الأحوال او على غرار مآسي الكونغو( زعامات مناطق عشائر مستمرة على التنازع على اساس قومي وديني ومذهبي ) ، بسبل متنوعة وعلى رأسها الأرهاب والأرهاب المضاد والتمييز الطائفي والمحاصصة وغيرها .  .  مادامت تؤمن تدفق النفط رخيصاً الى احتكارات صناعية عظمى بعينها وليس لغيرها .
    ترى اوساط أخرى، ان الناس وهي تعيش حالات رعب غير مسبوق ويصعب التكهن بمآله وآفاقه، (تحنّ) الى رعب الماضي لأنه معروف لديها وبعد ان خبرته وتكوّنت لديها آليات لتحمله والتعايش مع خساراتها فيه (5)، وبعبارة اخرى انها تحن الى رعب الماضي الذي كان يمكن ان يكون وللأسف، و لكل الأسباب اعلاه (ارحم) ؟! الأمر الذي تروّج له اوساط صناعية وتجارية وسياسية دولية وصار يصرّح به حتى عدد من القادة الأسرائيليين علناً (6) .
   الأمر الذي يجعل اوساطاً واسعة ترى في تاكيدات مسؤولين كبار في الأدارة الأميركية وفي الكونغرس، التي قررت واكّدت على ان لا وجود لأسلحة دمار شامل لدى نظام حكم صدام، وان لاعلاقة له مع القاعدة، وبالتالي تعبير القاضي العامري بان صدام لم يكن دكتاتوراً وتاكيد قاضي التحقيق بان ذلك لم يكن اكثر من زلة لسان .  .  في وقت لم يجر فيه اي اعتذار لما جرى في زمان الدكتاتورية الدموية ولم تصرف تعويضات بسببه للأعداد الهائلة لضحاياه، ولم يعلن حتى موقف سياسي جديد لحزبه البعثي الذي يقوده، وانما يجري العكس وباستمرار وتصاعد الأرهاب والدمار وتكريس حزبه والمجاميع المسلحة له كزعيم اسير ( فكّ الله اسره) .  .  الذي ترى فيها تاكيدات لمخاوفها من تزايد احتمالات اعادة تأهيل الدكتاتور من جديد .
   خاصة وان اوساطاً عسكرية اميركية ـ وبالذات من التي كانت نافذة ايام حكم الرئيس الأميركي الأسبق ريغان والتي تلعب ادوارا عسكرية حيوية الآن ـ ترى ضرورة بث الحيوية في الأجهزة العسكرية والمخابراتية الصدامية والأستفادة من خبراتها التي تراكمت، بعد ان كان قد جرى تطويرها للوقوف امام خطر المد الأسلامي السياسي الشيعي اثر انتصار الأمام الخميني عام 1979 واعلان صدام الحرب على الجارة ايران، والتي وصل دعمها لحكمه حد تزويده باحدث الأسلحة والطائرات المقاتلة وصواريخ اكسوزيت وحتى الأسلحة الكيمياوية المحرمة دولياً(7) .  .  والتي تتضمنها تصريحات تطلق عن (حاجة البلاد الى دكتاتور او حاكم اوحد عسكري قوي لضبط البلاد)، بين آونة واخرى !   
   وبعد ان تمت تنحية السيد العامري وتسمية ومباشرة السيد العريبي كقاضي جديد لمحكمة الجنايات العليا، تنتظر اوساط واسعة بلهفة ان يكون سلوك المحكمة سلوكاً قضائياً عادلاً ينصف ضحايا الدكتاتورية ويقتص لهم من مجرميها وخاصة الكبار منهم و على اختلاف طيفهم القومي والديني وانتمائهم الطائفي، حيث ان عدم توفير الأدلة والمسوغات القانونية وعدم اتخاذ اجراءات قضائية صارمة بمعاقبة القائمين على جرائم الموت الجماعي  .  .  سيشكّل سابقة يمكن ان تتكرر وتتوطّن في بلادنا في ظروف تشوه وتسمم المجتمع، والتي تستمر في الفعل  .  .
   ان معاقبة والضرب بيد من حديد على رؤوس كبار مجرمي الدكتاتورية المنهارة، امر لامفر منه لتحقيق الأهداف اعلاه، اذا اخذ بنظر الأعتبار ان قوى معارضة دكتاتورية صدام بكل اطيافها السياسية والقومية والدينية ورغم طول ومشقة نضالاتها المتفانية وعلى كثرة شهدائها لم تكن قادرة على اسقاط الدكتاتورية الحديدية المسلحة حتى الأسنان في نيسان  2003 ، وانما سقطت او بعبارة ادق ( هربت او انسحبت) باموالها الهائلة وباسلحتها الضرورية، بارشيفها، بتنظيماتها السرية والمخابراتية وبتنظيمات ظلها، وهي تملك امكانات كبيرة، تتزايد في ظروف البلاد الأستثنائية . . واستمرار وجود القوات الأجنبية بغض النظر عن تقييم مدى فائدته او ضرره .
   ان اعتماد ما اعتمده طيب الذكر الزعيم عبد الكريم " عفى الله عما سلف "، رغم عدم نجاحه في تلك الحقبة الزمنية، ادى اضافة الى فقدانه حياته الغالية، ادىّ الى دفع الشعب اثماناً هائلة من ارواح ابنائه وبناته وحضارته لاتمحى من تاريخ البلاد .  . فان السير عليه لايعني في الظروف الحالية الاّ ان كفة القوى ستترك لصالح الصداميين والأصوليين، او ما ستعمله الأجهزة الأيرانية سواءا لمواجهة مخاطر قد تتهددها بتقديرها او لملئ الفراغ .  .  في حالة من استمرار اهمال مطالب الشعب وفئاته الكادحة اليومية وبالتالي اهمال كسبها وتفعيلها .  . 
   انهم ينتظرون من المحكمة بالتالي ان لاتكون اداة سياسية تخرج عن حيادها القضائي، الأمر الذي يشكّل امانة كبرى في اعناق اضافة الى ممثلي القوى والأحزاب والبرلمان والحكومة الكوردستانية، في تهيئة شهود ومترجمين اضافيين مزودين بافادات ذات مستوى يستطيع دحر الأساليب المهينة للدكتاتور ولهيئة الدفاع عن المتهمين، لأن الحق معهم .  .  ولتكن مكاشفات حتى ولو ادّت الى كشف وتقييم اخطاء جرت قد تكون لابد منها في خضم النضال العادل المرير للشعب العراقي ضد اعتى دكتاتورية وفي ظروف حروب مدمرة وحصارات اعيت حتى القوى التقدمية في العالم لفهمها، والتي كانت من اجل الديمقراطية لعموم الشعب العراقي ولكوردستان العراق ومن اجل الحكم البرلماني الفيدرالي في عراق موحد.
   انه يشكّل مسؤولية كل القوى العراقية، على اختلاف طيفها السياسي والقومي والديني، نساءاً ورجالاً ومن كل طوائف البلاد .  .  لمواجهة ومعاقبة غلاة المجرمين في بلادنا الذين طالت اخطارهم بلادنا وتهدد باطالة عموم المنطقة، سواء اكانت افعالاً او ردود افعال عليها، او آلام دفينة واحقاد تسببت بها جرائمهم التي قد تأخذ منحى مزمناً ان اهملت، بما يهدد امن وسلام البلاد والمنطقة .
   من ناحية اخرى وبينما تؤيد اقسام مشروع المصالحة الوطنية الذي طرحه رئيس الوزراء السيد المالكي، لوضع حد للأرهاب وبالتالي من اجل انهاء الأحتلال وتواجد القوات الأجنبية، وتؤيد البنود التي طرحها رئيس الجمهورية السيد الطالباني في خطابه الأخير في الأمم المتحدة الذي اكّد فيه على العمل من اجل ان لايكون العراق اداة ضد مصالح جيرانه، وعدم سماحه بالمقابل بالتدخل بشؤونه الداخلية، ومن اجل الأستقرار الوطني والأقليمي.
   ترى اقسام واسعة .  . ان الوقت صار وقت اتخاذ اجراءات عملية ووقت حسم، وان المصالحة على اساس التسامح المطلق وباي ثمن لايمكن الاّ ان تؤسس لدكتاتورية عسكرية ارهابية شوفينية معادية لأمال العرب والكورد وكل الأطياف العراقية الفكرية والقومية والدينية و بلباس جديد. وترى ان تكون المصالحة على اساس ادانة الدكتاتورية ومعاقبة كبار مجرميها، انهاء الميليشيات المسلحة، واعتماد اسس الكفاءة والنزاهة بعيداً عن المحاصصة الطائفية، وعلى اساس الحكم البرلماني الديمقراطي التداولي الفدرالي بعيدا عن العنف او التلويح به .  .
    الأمر الذي يتطلّب بناء وتوفير ما يمكنه تطبيق تلك الطموحات وجعلها واقعاً ملموساً، وياتي في مقدمتها تجنب اصرار ممثلي القوى العراقية، كلاً في اطاره ووفق منظوره وتطلعاته وطموحه فقط،  والبحث الدؤوب عن وتوفير القواسم المشتركة وما يمكن التوافق عليه، والتوصل الى تلبية المطالب اليومية للجماهير وخاصة الكادحة منها وايجاد حلول عاجلة للفقر والبطالة والشروع بالتعويضات السريعة، توفير السلع الأساسية، الكهرباء والنفط والبنزين وزج اجهزة الدولة كلها لتحقيق تلك الأهداف .  .  . من اجل تفعيل طاقات الجماهير الشعبية وكسبها وزجها بكل الوسائل الممكنة في معركتها من اجل ايقاف العنف والأرهاب، لأنها الضمانة الوحيدة في ظروف انعدام آليات الضمانات الواقعية الملموسة وعدم جدوى ضمانات القوى الدولية والأقليمية رغم الوعود والأتفاقات التي جرى ويجري توقيعها.
   ان تردد القادة في الحسم، والذي لم يعد خافياً وعدم تحملهم مسؤولية ما وعدوا به ناخبيهم وشعبهم من تحقيق عراق برلماني فدرالي موحد، وعدم تلاحمهم امام الضغوط او لجوئهم ـ كلّ لكسب جمهوره ـ الى حلول عاطفية غير قابلة للتطبيق والتحقق في المرحلة التاريخية الحالية، او لاتؤدي الاّ الى تمزّق البلاد الدامي الذي لن يزيد الاّ النزيف طوفاناً على طوفان (8) .  .  صار وبعد استمرار النزيف وتفاقمه، صار هو الذي يطيل المأساة العراقية ويطيل الأحتلال !!
   وصارذلك التردد شاء المرء ام ابى (يساعد) نشاط الأوساط الساعية الى الحفاظ على حياة الطاغية، انتظارا لبلوغه السبعين .  .  النشاط الذي قد يصل حتى الى اعادة النظر بقيد نفوسه حين ولد في الشويش التابعة لقرية العوجة العائدة لناحية تكريت، في ثلاثينيات القرن الماضي .  . لجعله (قد تجاوز السبعين ومن زمان) وبالتالي اعادة تأهيله للعودة الى الحكم !! (انتهى)


21 / 9 / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   " بعض غسيل البيت الأبيض .  .  " ، " حلم العراق بديلا عن نفط الشرق الأوسط  تبدد " ، جيم هوغلاند ناشر " الواشنطن بوست "، 12 ـ 14 / 9 / 2006  .
2.   راجع " الواشنطن بوست " ، " نيويورك تايمز" ، " الغارديان " ، " الشرق الأوسط " ، " الحياة " اللندنيتان، قنوات سي ان ان ، بي بي سي .  .  للفترة 1 ـ 16 / ايلول / 2006 .
3.   راجع محاضر لجنة التحقيق العليا العائدة للكونغرس الأميركي برئاسة السناتور كندي عام 1989، التي مثل امامها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، والتي اشتملت على التحقيق بقضية ضرب حلبجة بالأسلحة الكيمياوية ومصادر الأسلحة الكيمياوية لنظام صدام الدكتاتوري .
4.   الدور الذي كان يمارسه في العقد الأخير من حكمه، بالتوقف على كبائر الأمور وليس صغائرها، وانصرافه لكتابة الروايات .  .
5.   " التسميم الفكري لرعب الفاشية " وثائق معهد مكافحة العنصرية والفاشية / عن الألمانية .
6.   راجع محاضرة رئيس الأستخبارات العسكرية الأسرائيلية، " يديعوت احرانوت  " / حزيران 2006 .
7.   راجع النقطة (3) .
8.   تفيد المعلومات الحديثة عن دول البلقان الجديدة :
" بعد مطالبات دائبة وصراع مرير بكل الوسائل، الذي وصل الى مذابح مروّعة وادى الى اكبر هجرة جماعية في اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث هرب مايقارب خمسة ملايين انسان من بوزنيا ـ هيرسيكوفينا فقط ! الى كل دول اوروبا في النصف الأول من التسعينات، اضافة الى ملايين اخرى من مناطق النزاع  الأخرى .  .  . وبعد تدخلات اوروبية ودولية وجهود دائبة لمنظمات انسانية دولية، اضافة الى تدخل قوات الناتو، ثم اسقاط حكم ميلوسوفيتج، واجراء عدة انتخابات  .  .  ولدت دول البلقان الجديدة : كرواتيا، بوسنيا ـ هيرسيكوفينا ، ماكادونيا، مونتينيغرو، صربيا، بعد وعود وجهود متنوعة وبعد ان عقدت اتفاقات اقتصادية متنوعة وكثيرة التباين مع الأحتكارات الصناعية الكبرى لأستثمار الثروات الطبيعية، عقدت بعد عمولات دفعت لكبار رجال السياسة والأقتصاد في الدول الوليدة حديثاً، التي صارت دولاً من نوع جديد .  .
عدد منها يتمتع بعضوية ـ كاملة وغير كاملة ـ في الأمم المتحدة، دول عضوة في الأتحاد الأوربي او الناتو ولكنها ليست عضوة في الأمم المتحدة، دول تتمتع واخرى لاتتمتع بدعم البنك الدولي .  .  .  الأمر الذي اوضح ان ما تم التعاقد عليه كان لا يلبي الآمال المعقودة من قبل    الشعوب بسبب الأوضاع القانونية المعقدة الجديدةً، الأمر الذي  ادى الى تضاعف الأزمة الأقتصادية، تزايد البطالة والفقر، استمرار الخراب حيث لاتتوفر الأموال اللازمة لأعادة البناء، استمرار وتصاعد الأحقاد القومية والدينية التي تهدد بالأنفجار في ظروف انتشار الأسلحة، تضاعف الهجرة من البلدان  .  .
صرنا نشعر جميعاً  الآن بعد مواجهتنا الضياع ان كوننا في دولة واحدة كان افضل من كل النواحي . . " عن وثائق " دول البلقان الجديدة وهجرة رأس المال في العولمة " ، تاتيانا زيغفريد  2006/ مونتينيغرو ، راجع وثائق منظمات " مساعدة لاجئي البلقان " ،

حزيران 2006 . [/b] [/size][/font] 

278
محاكمة صدام .  . هل سيؤهل للحكم مجدداً ؟
1 من 2
د. مهند البراك

   في خضم الواقع العراقي المؤلم الذي صار يستعصي على الوصف، والذي تتعدد اسبابه وتستمر بالفعل، الواقع الذي لايدفع ثمنه دماً وآلاماً ودموعاً الاّ شعبنا العراقي بكل اطيافه الفكرية والقومية والدينية، وبكل طوائفه . . رجالاً ونساءاً واطفالاً، توصّل قاضي محكمة الجنايات العليا السيد عبد الله العامري وصرّح علناً، بابتسامة وبلهجة الواثق الى ( ان صدام حسين لم يكن دكتاتوراً وانما الجماعة المحيطة به صوّرته بذلك الشكل، وان الدكتاتور يصنعه شعبه  .  . !! ) .
   وفي الوقت الذي يزداد فيه ارتطام سفينة البلاد بصخور اقسى وامرّ مما مضى، وتزداد فيه الأمواج المحيطة بها حجماً وتلاطماً، ويزداد نزاع بحّارتها الممتد اصلاً الى غرف وقمرات قيادتها التي ما انفكّت تزداد تعدداً، سفلى وعليا وغير منظورة . . في وقت تتضارب فيه حتى الأشارات والذبذبات المرسلة اليها ومنها وتتصادم بينها.  .  ويزداد قلق اصحابها، ركّابها والعابرين ويزداد انشغالهم بقتلاهم وبجراحاتهم وبتصادمهم فيما بينهم.
   وبينما صار قسم متزايد يهرب منها ويلقي قسم آخر بنفسه الى الأعماق المحيطة بها، بعد ان تزايدت راياتها واعلامها وتضاربت وانطفأت انوارها وضاعت مؤنها .  . ينتظر القراصنة ـ سواءاً المحيطون بها اوالقادمون اليها ونحوها من بعيد ـ فرصهم لتثبيت سلبهم ايّاها حتى لو ادىّ الى تقطيعها، والتي لاتخلو من صراعاتهم الدموية هم بشأنها والتي تتصل بوكلائهم وتحريكهم فيها .
   في تلك الظروف التي لايتمناها المرء حتى لخصم .  .  تأتي اجتهادات قاضي ( محكمة العصر) السيد العامري تلك، لتربك وتدخل على كل خطوط الصراعات، ولتترك اوسع الأوساط في حيرة وتساؤلات وآلام قاسية ممضة وتفسيرات لاحدود ولانهاية لها، والى استنتاجات وتساؤلات .  .  هل ان عصر الدكتاتورية والظلم والعنف والتهديد واللاقانون سيستمر باشكال وصيغ جديدة، وهل هناك دكتاتورية رحيمة ودكتاتورية ديمقراطية وديمقراطية دكتاتورية، او دكتاتورية (كيمياوية) ان صحّ التعبير ودكتاتورية دستورية  .  .  ؟؟
   وهل ان الشعب العراقي حقاً لايمكنه ان يلد الاّ الدكتاتوريات، ام ان الدكتاتوريات خُططت وصُمّمت له اصلاً ومن زمان، ويبدو انها في مطبخ التصميم الجديد الآن، التصميم الذي يحاول التوصّل الى الجواب على السؤال العنصري التاريخي، هل هناك فعلاً شعوب متوحشة واخرى مسالمة طيبة ؟ وان كان الجواب بالأيجاب، فمن المسؤول ولماذا ؟ وهل يجري ذلك بارادة الباري الحكيم حقاً، ام ان القضية قضية استلاب ثروات شعب عاش ويعيش ترويضاً وحشياً مطالباً بحقه بالحياة !
   كترويض فرس لم ترض بغير خيّالها ومرابعها ؛ ارضاً وشمساً، هواءاً وحرية وماء .  . ترويضاً ان كان قد ابتدأ بمذابح شباط  1963، فأنه استمر بعد ذلك باساليب ووتائر ادهى وامرّ .  . بالطبر وبالعصا والجزرة، وبالحرب ثم بالحروب والحصار، وحتى الأحتلال والمحاصصة الطائفية والفساد الأداري، وباشعال الفتن وصنع الصدامات والدمار واللعب على كلّ الكعاب(1)، للسير السريع بالفرس الى (الخمّ)(2) الذي صمم لها ولأدخالها فيه بكل الوسائل، سواء التي جرى التخطيط لها  او التي صارت (واقعية) او صارت لابد منها لمواجهة (الواقع)، بعد ان ضاع او تضيّع السؤال عمّن صنعه ولماذا وكيف والى اين ؟
   لقد اثار اجتهاد السيد القاضي ذلك، واسلوبه وتعابيره حيال المتهمين وتشدده حيال الضحايا والشهود في جلسات " جريمة الأنفال المروّعة " ، اثار اوساطاً واسعة اخذت تتزايد .  .  الجريمة التي فيما شكّلت وتشكّل جواً مأتمياً كبيراً لايثير الاّ الشجن والمآسي لما واجهه ويواجهه الأنسان العراقي، فأنها اثارت احزان ممضة حين نقلت سخرية طاقم الدفاع عن الدكتاتوروكبار معاونيه، من افادات اهالي
قرى " باليسان" و " شيخ وسان " الطيّبين الذين عرضوا مظلومياتهم واتهامهم ، رغم مصابهم الجلل الذي لايمكن لبشر سويّ ان يتحمله او يستوعبه، بعد ان جرى تسفيهم وتسخيفهم الى حد حاول ان يجعل من القضية وكأنها قضية اشتباه وعدم تمييز .  .  وان روائح اسلحة الدمار الجماعي الوحشية لم تكن الاّ روائح ثوم بيتي مجفف نسيته ام البيت ؟!
   ويتساءل بألم كثيرون .  .  اية معاهد خرّجت رجال القضاء اولئك ؟ واية خبر كدّسوا لمواجهة تلك المهمة الثقيلة؟ ان اجواء تلك الجلسات لم تعكس حتى الآن الاّ تصورات ابناء ذوات بعيدين عن حقوق المواطن العادي والبشر، او تصورات سذّج على طريقة ماري انطوانيت التي تصوّرت حل مشكلة الجوع وانعدام رغيف الخبز للشعب لااسهل منها، لأنها تحل ببساطة .  .  بالكيك !!
   وقد تكون تصورات اناس لم يذوقوا ـ مع التمني بان لايذوقوا ـ ولم يعرفوا مرارات حياة العراقيين بكل اطيافهم، وان كانوا لايعرفون او يحاولون تجاهل ما اقترف، او تصوّروا انهم يشاركون بصفقة تدرّ ارباحاً هائلة عليهم .  .  فانهم قد لايصلحون لذلك المقام .
   هل يمكن لهم ان يتجاهلوا كيف ان ذلك الدكتاتور الدموي هو الذي وضع الأسس الأولى وهو الذي بنى قطب الجريمة الهائل القائم في البلاد الآن، بشرياً وماليا وتقنياً ولااخلاقياً وبالطبر والحروب وبمسالخ التعذيب وبالقبور الجماعية والأسلحة الكيمياوية .  .  القطب الأجرامي المستمر في الفعل والدمار، والذي انتعش بما اصاب البلاد نتيجة الحرب والأحتلال والتقسيم الطائفي المدمّر، القطب الذي لايمكن انهائه الاّ بمعاقبة كبار رؤوسه وفي مقدمتهم الدكتاتور صدام .  .  واذا كان البعض لايستطيع او لايريد ان يصدّق ان صدام كان دكتاتوراً دموياً فمن كان الدكتاتور اذن ؟؟
   واذا كان الدكتاتور ضحية المحيطين به وضحية (شعبه الذي انجبه) فماذا يعني النضال المرير الذي خاضته قوى المعارضة التي ضمّت كل القوى السياسية العراقية عدا البعث الصدامي، التي ناضلت ضده وقدّمت آيات التضحية والتي اغرقها بالدم والسجون والتعذيب والحروب، اضافة الى التشريد الذي  طال ملايين العراقيين، ثم لماذا تركه الشعب العراقي وحيداً عند سقوط نظامه ؟ وماذا تعني الأدانات الدولية واطنان الملفات وعشرات آلاف الأجتماعات والمؤتمرات التي ادانته .  .  واخيراً ان لم يكن دكتاتوراً مجرماً لماذا شنّت الأدارة الأميركية الحرب عليه وبذلت محاولات لعديد من القوى العظمى لتكون بقرارات دولية ؟ !
   وترى اوساط واسعة ان سير الجلسات لا يؤدي الاّ الى تصوير " عمليات الأنفال المروّعة " وكانها كانت جزءا من جبهة الحرب العراقية ـ الأيرانية التي اشعلها الدكتاتور صدام، في الوقت الذي تعرف قوى معارضة صدام وملايين اهالي المناطق والمشاركين فيها وفي صدّها، انها شملت المناطق الكوردستانية ذات الستراتيجية السوقية .  . بهدف تحطيم قوى معارضة الدكتاتورية من جهة وللفتك بالأقوام الساكنة في كوردستان التي شكّل الكورد غالبيتهم، ومعاقبتهم على عدم الأمتثال لسياسته الدكتاتورية الشوفينية الدموية .  في زمان اعتبرت فيه قوانينه المرعبة (3) كل معارض او غير مطيع للأوامر العسكرية او هارب من الحرب، عميلاً للعدو (الفارسي) !!
   وشملت مناطق لاعلاقة لها بجبهة الحرب العراقية ـ الأيرانية، الحرب التي كانت قد قطعت اشواطاً كبيرة في مسيرة توقفها الذي كان وشيكاً  .  . مناطق متنوعة مختارة، كانت تمتد من حدود مركز محافظتي كركوك واربيل نحو الحدود الشمالية الشرقية للبلاد من جهة، ومن حدود مركز محافظة دهوك نحو الحدود العراقية ـ التركية ونحو مثلث الحدود السوري ـ التركي ـ العراقي . . انتشاراً .
   ولقد استهدفت تلك العمليات كل اطراف معارضة الدكتاتورية التي انطلقت او تواجدت واجبرت على التواجد في كوردستان العراق (4)، في سابقة مريعة اقدم فيها نظام دكتاتوري بحق ابناء بلده، بحق السكان المدنيين العزّل لعدد من القصبات ولألاف المدن الصغيرة والقرى، في ظروف نقلت فيها الصحف ـ معززة بالصور ـ والأذاعات العراقية الرسمية  .  .  انباء (انتصارات) قوات الدكتاتورية وافواجها الخفيفة من الجاش والمرتزقة الكورد (5) ، التي كانت ترسل تحياتها الى الدكتاتور صدام بالأسم وعن كونها نفذت ارادته واوامره ـ  بعد ان مضى عهد تسمية اوامره بـ ( قرارات الحزب والثورة ) ـ .
   والمحزن ان تلك الجرائم التي جرت بليل بهيم وبصخب تمجيد الدكتاتور، التي راح عشرات الآلاف ضحايا لها بين مختنق وبين مضرّج بدمائه وبين الآلاف الذين جمعوا وسُحبوا وسيقوا سوق الماشية الى مئات الشاحنات المنتظرة في المفارق الأساسية، وحيث فعلوا بهم وبهن ما تقشعر له الأبدان .  .  .  يجري السعي لتسفيه حقائقها وتضييع معالمها بالسخرية والأستهزاء بالضحايا ومحاولة الضحك واللعب على ذقونهم، بتحويل شواهد قنابل الموت الجماعي البشع الى اوهام روائح ثوم بيتية !! والى ترهّات ان صح التعبير، صار الغرض منها واضحاً .
   الأمر الذي يثير مشاعر وآلام وغضب كل ضحايا الدكتاتورية وكل الضمائر الأنسانية، ويجدد الأعتقاد بأن الدكتاتورية التي كانت ولاتزال رأس الفتنة الذي يلوح كلّ مرة بشكل جديد، تجري رعايته بكل السبل .  . ويرى العديد في ادّعاء اعضاء هيئة الدفاع عن كبار رجال الدكتاتورية، ادّعائهم بكونهم يمثلون العرب، يرون فيه بئس الأدعاء الذي لا يهين الاّ كرامتنا وكينونتنا نحن العرب العراقيين اباً عن جد. ويتسائلون، اليس في ذلك خروج عن مبادئ الأسلام الحنيف وعن شريعة الرسول الأكرم والخليفة العادل عمر بن الخطاب، وعن وصايا امام المتقين علي بن ابي طالب (رض عنهم)؟ (يتبع)

16 / 9 / 2006 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   الكعاب، جمع كعب (جعب) ، لعبة كعاب العظام الشعبية المعروفة، وباللغة الدارجة ( اللعب على كل الجعاب)
(2)   الخم ، بيت الدجاج الذي لايسع فرس مهما حوصرت وأُجبرت
(3)   حملت قوانين حكم صدام اكثر من ( 160 ) مئة وستين مادة تعاقب بالأعدام ، وفق تقارير منظمة العفو الدولية، ثم وثائق الأمم المتحدة .
(4)   استكملت تلك العمليات الوحشية بالهجوم على سكان الأهوار المقترن باستخدام الأسلحة الكيمياوية ايضاً، التي تشرد اثرها اكثر من نصف مليون عراقي عربي (سنّة وشيعة) وهاموا على وجوههم بعوائلهم واطفالهم في مناطق الحدود العراقية الأيرانية خاصة، اضافة الى المناطق الصحراوية الجنوبية والغربية المحيطة بالمنطقة .
(5)   الأفواج الخفيفة، قوات المرتزقة من الكورد، وكانت قد بلغت اكثر من ( 450 ) الف مسلح، نظّموا في اكثر من ( 550 ) فوجاً / جريدة " الثورة " البغدادية ، 21 / آذار /  1985 .[/b][/size][/font]
 


279
عراقنا الى اين ؟
د. مهند البراك
   
   تزداد وتيرة الوضع الدموي المخيف في بلادنا زيادة لافتة بالقياس الى مجرياتها المأساوية التي لم تكف عن التواصل منذ الأعلان عن الأحتلال الأميركي للبلاد بالرغم من اسقاط دكتاتورية صدام المجرمة، وسط تصريحات جديدة تثير قلقاً جديداً، يصرّح بها ابرز المسؤولين الدوليين من سياسيين وعسكريين واصحاب اقوى القرارات التي تقرر مصير البلاد وشعبها ومصير عموم المنطقة.
   كتصريح الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، الذي افاد بان (القوات الأميركية لن تترك العراق والاّ تحوّل الى دولة جهنمية مخيفة لكونه من اغنى دول النفط في العالم)، الذي يسلّط اضواءاً ساطعة على آفاق البلاد. تصريح وزير الدفاع الأميركي جورج رامسفيلد الذي افاد بأن (العراق لم يعد دولة مواجهة ضد الأرهاب)، الذي يثير تساؤلات حول هل يعني ذلك تقبّل الأدارة الأميركية للوضع العراقي المؤلم  القائم واستمراره كأمر واقع وكأمر سيستمر، ام يعني تقبّل الأدارة الأميركية انحدار العراق وصيرورة اجزاء منه تحت قبضة الأرهابيين والصداميين والأمر المطروح امامها هو كيفية التأقلم والتعايش معهم(1) (كمناطق لهم ومناطق لها) .  . بالصيغة التي تضمن تدفق النفط رخيصاً الى الماكنة الصناعية العسكرية واحتكاراتها .
   اضافة الى افادة الجنرال جون ابوزيد امام اللجنة المتخصصة للكونغرس الأميركي التي اشار فيها الى ( ان العراق مقبل على حرب اهلية ) ؟! .  .  ترى مع من ستكون القوات الأميركية، مع من ستكون ايران بل مع من ستكون دول الخليج النفطية ؟ في وقت تتزايد فيه النقمة والتذمر والألم من الأميركيين ومن الأيرانيين ومن الجوار ومن الميليشيات المسلّحة .  . علما ان كل الأطراف تصرّح بانها مع عراق ديمقراطي فدرالي وكلها يبكي حال العراق والعراقيين !!
   ومع تزايد الشكوك لدى الشعب الامريكي بشأن الحرب في العراق في سنة تجرى فيها انتخابات الكونجرس، وبعد التحدي الذي واجهته ستراتيجيته في الشرق الاوسط بسبب الحرب بين اسرائيل وحزب الله التي استمرت 34 يوما، وبعد اجراء الرئيس الأميركي مشاورات على مدار الاسبوع الماضي مع كبار معاونيه المدنيين والعسكريين ووفق احدث التقارير وآخر المستجدات .  .  تتناقل وكالات الأنباء العالمية تصريحات مسؤولين اميركيين وصفوا بكونهم ذوي مستوى عال افادت بانهم ( يرون او يتوقعون قرب سقوط حكومة السيد المالكي).
   ويقول مسؤولون امريكيون ان العنف الطائفي قد يقود الى حرب اهلية في العراق ؟! وان كبار مسؤولي الحكومة الامريكية اعترفوا بانهم ( يدرسون بدائل غير الديمقراطية) في العراق، الأمر الذي   نفاه البيت الابيض (2). اضافة الى ماقاله الرئيس بوش في كلمته الاذاعية الاسبوعية حول الأوضاع في العراق ولبنان بان ( هذه الديمقراطيات حديثة العهد ولاتزال هشة، وقوى الارهاب تسعى الى وقف تقدم الحرية وتوجيه الامم الحرة حديثا الى طريق التطرف .  .  وان الطريق سيكون صعبا وسيتطلب مزيداً من التضحية .  . لأن أمن امريكا يعتمد على تقدم الحرية في هذه المنطقة المضطربة ).
   يدور صراع شديد على قضية فدرالية الجنوب التي يعتبرها المجلس الأسلامي الأعلى ( مفتاح حل مشاكل البلاد)، بمفاهيم قد تهدد حتى مفهوم الفدرالية القائمة (المتحققة) في العراق ـ اي فدرالية كوردستان العراق ـ في ظروف تتعرّض فيها كوردستان لأعنف هجوم ايراني تركي منذ سقوط دكتاتورية صدام الدموية الشوفينية ، وفي وقت تعاني فيه المنطقة من ارتفاع و تصاعد المطالبة الشعبية بتحسين الأوضاع المعيشية، التي ادّت الى تظاهرات غاضبة، تطور عدد منها الى نشوب اعمال عنف متبادل بدأت برشق الحجارة. اضافة الى تزايد تدهور الوضع الأمني وتزايد نزيف الدم والفتن المتنوعة وفي مقدمتها الطائفية في بغداد وكركوك، وقيام  اطراف اسلامية شيعية بمهاجمة مقرات كوردستانية في بغداد وكركوك. في وقت تتكشف فيه صفحات تثير الألم والغضب والسخط عن حجم الفساد الأداري المريع، وفق اعلان المؤسسات العراقية.
   تتساءل اوسع الأوساط ، هل بدأت سياسة العنف المبالغ به، والسياسات السرية المخطط لها تؤدي ثمارها .  . بعد مرورها بخطوط شديدة التعرّج والتقاطع وحتى التصادم، لتصل الى اهدافها في " فرّق تسد " وفي ان يكون العنف ونزيف الدماء وشلل البلاد .  . غطاءاً لعقود نفطية واستثمارية لايعرف بها الاّ الشيطان، رغم الهياكل والمؤسسات التي صارت المهاترات العادية تجري تحت قببها وامام عدسات الكاميرات، والاّ ما معنى لانفط ولابنزين ولاطاقة في بلاد النفط والطاقة بعد اكثر من ثلاثة سنوات ونصف على سقوط الدكتاتورية على يد اعتى قوة عسكرية تنادي بـ (الدمقراطية الجديدة) ، ورغم جهود المخلصين من كل الأطياف ؟
   وفيما يرى عدد من المراقبين بان الغرب لن يسمح بتفتت العراق .  .  يتساءل كثيرون هل وصلت الأمور الى تقسيم البلاد الذي قد يكون على مراحل .  .  في البداية لضرورات امنية ومن اجل مواجهة العصابات و(مخاطر الحرب الأهلية) التي انحصر منظّرون بالتنظير لكينونتها وفق مقاسات الحرب الأهلية الأميركية في القرن التاسع عشر، وهم الذين ينظّرون لتطوّر العالم وينسون او يتناسون اشكال تطوّر صراعاته الوحشية مع التطورات العولمية، فينسون الكونغو و رواندا والبلقان .  .  وغيرها .    تتواصل الآلام وتتصاعد الصرخات : اية تنظيرات والبلاد يزداد انينها من الموت والظلم والفرقة والوحشية والدموية، وتزايد الهجرة والتهجير على اساس (الطائفة المنصورة) بعد ان نسيت حتى تعاليم دين الأسلام والرسل !

20 / 8 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.    الأرهابيين والصداميين .
2.   رويترز عن صحيفة نيويورك تايمز هذا الاسبوع، تصريحات خبير في الشؤون العسكرية لم تذكر اسمه. [/b] [/size] [/font]

280
مسائل في "التفكير" و"التفكير الجديد"
د. مهند البراك

فيما كان التفكير البشري يتحدد بالأنتماء للأرض وللعائلة وبهموم عيش آمن، وفق حدود المفاهيم والنزعات الأولى. تطوّرت التأملات والأفكار بضغوط الحاجات والطموح البشري نحو الأحسن والأعلى في ظل مفاهيم متنوعة، متفاوتة ومتناقضة عن معاني مفهوم " الأحسن "، وترابطت وثيقاً بدرجات المعارف وحدود التصورات والهموم والأحلام وماهية وسائل المعرفة .  . وتطورات تتابعت من روايات واساطير الأولين المحكية والمنقولة شفاهاً وطقوساً وحركات واصوات، الى تطورات سببها ظهور الكتابة المجيد ! الكتابة التي غيّرت المعارف البشرية واثرتها بحِكَم ونتائج جهود وخِبَرْ الأقدمين.
من جهة اخرى، ازدادت الحاجة الى تناقل خِبَر المجاميع البشرية والى تبادلها، الأمر الذي ادىّ الى تفاعلها وتلاقحها، امام ضغوط احدثتها ضرورات توفير مستلزمات مواجهة التحديات التي احدثتها التغييرات الحياتية نتيجة لعوامل متعددة، منها ؛ عوامل ومخاطر الطبيعة، النمو الكثير التنوّع للحاجات والطموح والمنطق والعقائد والعواطف والأحاسيس، وتزايد المجاميع البشرية عددياً وتنوع مراكزها وبالتالي تصادم بعضها مع البعض الآخر، او تناسبها وتصاهرها، او تحالفها للوقوف امام تحالف الخصوم اوالمنافسين من اجل الفوز بنتائج احسن، في تفاعل كثير التنوّع بين الفكر والترجمة والحكمة ومفاهيم القوّة وصراعات قوى ونزعات الخير والشر، التي يعرّفها الكثيرون بكونها الصراعات بين مصالح وتطلعات الغالبية الواسعة، وبين انانية وضيق افق اقلية متنفذة تكوّنت لأسباب وعوامل كثيرة، اضافة الى صراعات الحب والكراهية، وتنوّع المعتقدات التي احتاجها البشر.
   وفيما احتاج الأنسان لحكمة العقلاء ورأي الأكثر تجربة ومعرفة، احتاج الحِكَم والأساطير التي روَت وخلّدت مناقب السابقين، في الأقدام والبحث عن كنه ومعاني الحياة، والتي صارت بتوالف مكوناتها تدعو الى الحاجة لمن يحكم ويقود الجموع الى شواطئ النجاح ونحو العيش الأفضل والأمان في ظل تصورات الأنسان عن الحياة والموت وبالتالي عن الخلود والفناء وبعد ان خلّدت مناقب الرواد والخالدين، التي رسمت سمات وملامح القادة المرتجين لتحقيق تلك الآمال، في عملية لم تنقطع عن الحركة واعمال الفكروالتنوّع، وبالتالي عن التعايش والتوافق والتصادم .
   وعلى ذلك قدّم التأريخ نماذج لاعدّ لها لأنواع واشكال الحُكُم، و التي تناولت اشكال بناء الدول والمجتمعات، التي بدورها ارتبطت وثيقاً بماهية تلك المجتمعات وماهية حاجاتها وهواجسها وماهية ومعاني افراحها واحزانها وامزجتها وماهية طموحاتها للتغلب على آلامها ومعاناتها على مرّ الحقب التاريخية، عبّر عنه قسم من خبرائها بأن " لكل زمان دولة ورجال " .  .
   في اختصار لواقع يفيد ان المجتمعات والدول وطرق بنائها خاضع او لابدّ ان يجيب ويستجيب لما تطرحه وتتطلّبه الحاجات والطموحات البشرية الأساسية التي لم تكف عن التزايد والتنوّع على توالي  الأزمنة والمراحل التاريخية المتعاقبة، و ان تكون رائدة او من الرواد لأستكشاف وبناء الجديد القادر على تلبية الحاجات والآمال المستجدة واطلاق طاقات المجتمع المادية والفكرية والروحية نحو فضاءات اوسع واعلى، الأمر الذي تطلّب انماطاً فكرية وانماط منطق تناسب مع تطورات المراحل التاريخية وعمل على فتح الآفاق لها  . 
   وفيما شَخَصَت أمام الدولة ورجالها والحاكمين ضرورة ان يقدّموا لشعوبهم افضلَ مما مضى ، افضلاً يتفق مع ماقدّمه الأفراد وبذلوا وضحوّا من اجله، افضلاً يلبي او يتفق مع تلبية حاجاتهم المتجددة، اثبتت مسيرة تراكم الخِبَر البشرية ان الحكم والدولة ومن اجل ان يستمرا ويقويا، لابدّ لهما من الحصول على تاييد الشعب وبالذات فئاته وطبقاته الفاعلة والمنتجة والواعدة بالفعل والأنتاج مهما تعقّد خط المسيرة. واثبتت ان جزل الوعود والسير باسلوب التطمين، دون ان تحسّ وان تعيش اوسع الأوساط الأجتماعية، تحسّناً جديّاً في حياتها وخروجاً او بدء خروج من محنها وآلامها، اثبتت انه يجعل من الوعود لافائدة منها لكسب المجموع للسير ومواجهة التحديات معاً.
    اما اذا اتّبعت الجهات الحاكمة او الهيئات الشعبية (المفوّضة من الشعب)، الخديعة ان صحّ التعبير وسحر الكلام او التسويغ غير المقترن بالواقع الجاري، بعيداً عن منطق ذلك العصر وتفكيره المتجدد، لصياغة الوجهة او المطالب والحقوق .  .  يصبح الأمر عندئذ كارثياً، وتصل المسيرة الى طريق مسدود او الى الفوضى خاصة عندما لاتمتلك الهيئات الشعبية ناصية فكر ومنطق ذلك العصر حتى وان حُلّت بعض المطالب .  .  او الى انتكاس مرير وعودة الى ماضٍ قد يكون امرّ من الواقع المعني ذاته، بدرجة تحددها ماهية ذلك الواقع الفعلي القائم .  .  كالذي جرى اثر مراوحة ثم ركود اقوى التحولات الأقتصادية الأجتماعية في التجربة التاريخية، التي كان آخرها ما حصل وادى الى انهيار التجربة الأشتراكية الكبرى وانفراط عقد الأتحاد السوفيتي وتشكّل دوله الكثيرة التنوع والتفاوت.
   من ناحية اخرى، احتاج الأنسان ومنذ القدم فكراً وادوات اجتماعية ( مجالس، جمعيات،وبالتالي  نقابات واحزاب وغيرها) كوسيلة لتحقيق اهدافه سواءاً في الحقوق او في التحرر من اسر واقع مضى او واقع آني مرير يعيشه، للأنتقال الى واقع جديد افضل، كما جرى منذ مجتمعات الرق وثورات العبيد وظهور المصلحين والأديان مروراً ببناء الأقطاعيات واشادة الدول الأقطاعية .  .  الى ظهور واقع عالمي جديد احدثته تغييرات ذات ابعاد عالمية، كما حصل بعد انتصارالثورة الفرنسية الكبرى والثورة الصناعية في انكلترة، اضافة الى ماحققته الثورة الأمريكية  .  .
   التي ادّت رغم تعقّد المسارات وتعرّجها الى تطورات هائلة في الأقتصاد والفكر والعلوم والثقافة، وفي القانون والدستور ومفهوم الدولة، ثمّ في عدم الأكتفاء بالآلة لزيادة الأنتاج الذي دفع الى تطوير الآلة والتكنيك، الأمر الذي طرح قضية فائض الأنتاج الذي اخذ يبحث القائمون عليه عن الأسواق لتصريفه والذي ادىّ الى حركة استكشافات المجاهيل والى انشاء المصارف لتنظيم ومراكمة الثروات وتشغيلها .  . التي فيما كان قد نودي الى زيادتها لأجل الرفاه العام، الاّ ان ذلك لم يتم وادى الى ظهور تناقضات اجتماعية جديدة سببها الخلل في توزيع الثروات وبسبب الميل البشري الفطري ( بداية على الأقل) للأستحواذ باسهل الطرق، كما يرى فريق ويعارضه آخر ويفسّره ثالث بكونه اكثر تعقيداً. 
   ومرّ عصر انهارت فيه امبراطوريات اقطاعية وابوية سواء بالحرب مع الدول الصناعية الأكثر تطوّراً كما حدث مع الدولة العثمانية، او انهارت فيه من الداخل لعدم تطمينها الحاجات كما حدث في روسيا القيصرية اثر انتصار ثورة اكتوبر 1917 التي قادها الحزب البلشفي الذي سمي بـ (حزب من طراز جديد)(1) ، الذي استطاع بطراز بنائه ونشاطه، مواجهة قضية اسقاط القيصرية ونجح باسقاطها فعلاً، وشرع ببناء جديد لم تستطع قوى الرأسمال ان تؤده في حينه رغم انواع الحروب والحصارات والفتن، حتى صار ملهما للشعوب الفقيرة في الشرق في كفاحها من اجل حريّتها وحقوقها البشرية في انهاء الأضطهاد القومي والديني والعرقي .  .  بعد ان تحررت الشعوب الرازحة تحت وطأة حكم الدولة الأقطاعية ـ الرأسمالية القيصرية الكبيرة العائشة والممتدة في قلب وتخوم العالم النابض بالحياة والأشعاع في تلك المرحلة .
الأمر الذي اضطر قوى الرأسمال الى ان تصغي للطاقات الجديدة التي لم تنفك عن التصاعد والنمو تحت نداءات الجديد، وقادها الى التعامل والتعاطي معها كمحصلة لتفكير جديد آنذاك غطىّ فترات متعددة كثيرة التعقيد، ادىّ الى قيام واقع جديد في العالم، واقع تعايش قطبين اساسيين في حالة تناقض حددته وحدة فرضتها حاجات امن وسلام العالم. والذي ادى الى ان يعيش العالم بقطبين أساسيين والى ان تصطف وبدرجات كثيرة التنوّع بقية الأقطاب والأقاليم والدول والكيانات الفاعلة والمموله والمجهزة للتطور والرفاه وللمنتجات في الحياة والرفاه، على جانبي تناقضات ذينك القطبين، وانتج نمطاً بل انماطاً من التفكير تناسبت مع متطلبات وآفاق مسيرة تلك المرحلة .
وفتحت مسيرة احتاجت الجديد واحتاجت العلوم والمعارف والتطوير والتحديث، سواءاً للوقوف امام المخاطر المهددة لقطبيها، سواء كان من الطبيعة او من القطب المقابل . . الأمر الذي دفع الى زيادة الجهود لتعزيز قدرة كل قطب للوقوف ولمواجهة القطب الدولي الثاني وايقافه عند حدود جرى صياغة قسم منها في اتفاقات وعهود، وبقي آخر مفتوحاً .
بل واحتاج القطبان الأساسيان والأقطاب والدول المحيطة بهما حاجة ماسّة الى تحسين اواعادة صياغة مفاهيم او مفهوم الحلم البشري في السعادة وفي مفهوم الرمز .  . الذي تطلّب سباقاً وتنافساً كثيفاً بل وصراعاً مريراً قادته ونظّمته مئات وآلاف معاهد الفكر والسياسة والأدب والفن، اضافة الى خنادق القتال والثورات والأنتفاضات .  . طوال القرن الماضي، اسفر عن نشوء وصعود وتخلّف وتقدّم وجمود برامج ومشاريع ثم تقدم وعودة وارتداد، امام تحديات الحياة والطبيعة الكلاسيكية منها او المستجدة التي اخذت بالظهور على ارضية ذلك الواقع .  .  فيما اخذت الأستفسارات تزداد عن ماهية وحدود دور الأنسان كعنصر اساسي في حياة الكون، ولكونه العنصر الأساسي الفاعل بالطبيعة والمغيّر لها لتلبية آماله  وحاجاته المتجددة (2).
وكان ان بدأ العالم يصحى بطلائع من قطبيه الأساسيين، وظهر بان تفكيره الذي كان يبنى على اساس "  ان الأنسان عابر، اما البشرية فخالدة " ، بدأ يظهر بكونه قاصراً امام مخاطر صار يمكن تلمسها وقياسها، اخذت تفيد بأن " ليس الأنسان لوحده يموت وانما البشرية يمكن ان تموت ايضاً " اي ان الموت صار يلازم البشرية ( مجتمعات البشر) جمعاء، الأمر الذي اخذ يدفع الفكر السياسي والمفاهيم المعاصرة الى ان تأخذ ذلك بنظر الأعتبار . . اعتبار ان البشر( البشرية) في الواقع مهددون بالموت ان لم يتصرّفوا بشكل مسؤول، واخذ يتطلّب فهماً جديداً لمغزى الحياة ولكيفية تقدير الماديين وتقدير قسم من المثاليين لها وتفسير ظواهرها! لأن الأمر يقرر مصيرهم معاً !
وصارت فكرة ان الأرض وكل مافيها من ثروات لايمكن ان تفنى وانما هي شئ " سرمدي لا ينتهي او ينفق" لم تعد قادرة على التحقق، بعد ان اخذت الوقائع تثبت وجود " خطورة نضوب الثروات " بل و " خطورة الزوال " ، حيث يرى العلماء انه اضافة الى مخاطر استخدام الأسلحة النووية او تخزينها  (كما حصل في كارثة تشيرنوبل)  فان الصناعة اذا استمرت في تطورها على نفس معدلات تلويث الطبيعة ، سنصل جميعاً الى ما لاتحمد عقباه، في ظروف يعبّر فيها فريق متزايد من الفلاسفة والجيوفيزياويين عن ان زماننا الحالي صار يعجّ بتغييرات جسيمة، تتأتى من ان الأنسان اصبح يتفاعل مع الطبيعة باشكال ووتائر لاتشابه تعامله السابق معها كـ " أم " وبالتالي اخذت علاقة الوئام بين البشر و الطبيعة، تصل الى مراحل عدوانية كارثية  .  . (3)
 الأمر الذي اخذ يتسبب بردود افعال من الطبيعة بسبب اختلال توازناتها التي اخذت تزداد بروزاً في حياة البشر، بحدوث كوارث طبيعية تسببت باضرار بشرية لايمكن اغفالها، وبالتالي اخذت تحدث تغييرات في الحياة والفكر تدعو الى " تفكير جديد " .  . ككارثة " تسونامي " في جنوب آسيا الشرقي، واعصار " كاترينا " في ولاية " نيواورليانز" الأميركية بشكل اساسي، اضافة الى البراكين الهائلة المهددة في اليونان وايطاليا وفي اميركا اللاتينية .  . على سبيل المثال لاالحصر .
حتى صارت فكرة احتمال فناء اقوام او مجاميع بشرية فكرة ليست خيالية في حسابات التفكير الجديد، وبدأ التفكير بذلك ينعكس بشكل مباشر عنيف ويؤثّر في المصالح والعلاقات بين مختلف الدول ومختلف الشعوب بعضها مع بعض، واخذ يجري حسابه سواء كان علناً او سراً ، ومهما كان شكل التعبير عنه .  .  بل واخذ يكون سبباً مباشراً في اشتعال الحروب والصراعات التي تجري بين مختلف المصالح والتطلعات والحقوق.
من ناحية اخرى، ومنذ اواخر القرن العشرين اخذت الثورة التكنيكية العلمية والمعلوماتية تاخذ طابعاً عاصفاً، اخذ يتجسّد بظهور تشكيلات اقتصادية اجتماعية فكرية، تختلف اختلافاً هائلاً عماّ في  السابق .  . في الشكل والمحتوى والكم، واصبح لها شأناً اخذ يؤثر بشكل عميق على حياة ومصير الشعوب وتفاصيل بنيتها الأجتماعية الأقتصادية، وعلى حالة العلاقات الدولية سواءاً بين الدول العظمى، او بين الدول الغنية والفقيرة والنامية والبطيئة التطوّر .
   وفيما تُُطرح بشكل ملح ضرورة دراسة واستيعاب المتغيّرات الراهنة ولتحديد وجهة السلوك المجدي سواء كان للحكم اوللمعارضة، الذي يجري التعبير عنه بـ " التفكير الجديد " .  .  ترى اوساط متزايدة من الماركسيين والماديين، ضرورة اتخاذ موقفٍ جديدٍ ازاء الفلسفات غير الماركسية ، لأجل التطوير الخلاّق للمنهج المادي الديالكتيكي خلافاً للماضي الذي اغلق الباب امام تلك الفلسفات غير الماركسية وامام التفاعل معها.
    الأمر الذي الحق ضرراً ليس بالفلسفة الماركسية فحسب وانما بالثقافة الفلسفية بشكل عام .  وترى ضرورة مواكبة التطورات العاصفة في العلوم والمعارف التي تضغط بشدّة على الفكر البشري وعلى معتقداته، والأنفتاح على الفلسفات التي تتناول قضايا  واقعية ملتهبة معاصرة تتراكم وتؤدي بتراكمها الى تغييرات نوعية، في سبيل الأستفادة الواقعية منها، وبناء وسائل مواجهة اخطارها واضرارها  .  .  مذكرّين بأن قضية  " حماية البيئة " (4) على سبيل المثال، القضية التي صارت تلعب دوراً مصيرياً في العالم الصناعي بشكل خاص (5) وصارت تدخل كعامل هام في تقرير قضية الحرب والسلام !  لم تطرح في الماركسية !!
   وتؤكد تلك الأوساط على ان معرفة وادراك الواقع لايعني الأستسلام له، في الوقت الذي تفترض فيه المادية الديالكتيكية موقف النقد للواقع، وتؤكد على ان التفكير الفلسفي يجب ان يتصف بالنظرة المعمّقة وبالحرية والأبداع، وان يربط الفلسفة بالحياة . بعد ان سادت فلسفة دوغماتية، شكّلت فلسفة مراحل الركود التي كانت تستخدم لتفسير الواقع الأشتراكي الذي كان قائماً، وتدعم وتبرر نظرية وممارسة الجمود في مجالات المجتمع، حيث لم يلعب الديالكتيك في زمن الركود دوره المطلوب، بل استخدم لتغطية التناقضات في سياق الحياة الأجتماعية، ولعب دوراً كالغطاء المعيق المانع . . وتدعو الى ( ضرورة التفكير بمسؤولية في ان الوقت حان لأحياء الجوهر الحقيقي للفلسفة الماركسية وللديالكتيك خاصة، واحياء جوهرها الذي يتلخص في النقد العلمي .  .  )(6).
   لقد كشف الأنهيار المأساوي المؤلم لأحد القطبين ـ الذي لاتزال اوساط لاتصدّقه ـ، وتسارع القطب الآخر لأعلان قطبيته الوحيدة الجديدة وهيمنته، كشف عمق ومدى التحوّلات التي تعصف بالعالم التي اسفرت عن العولمة، وكشف سرعة تفاعل مكونات العالم وسهولة تحول النزاعات المحلية والأقليمية الى ازمات عالمية وصراعات دولية عملاقة .  . يشكّل الواقع الأكثر مأساوية الذي تمر به بلادنا العراق المثال الحي على حقيقة نضوب الثروات الطبيعية في العالم . 
   الأمر الذي يطرح ان الواقع الجديد ـ الدولي والأقليمي والوطني ـ يتطلب تفكيراً جديداً، منطقاً جديداً، وادوات اجتماعية سياسية وتعاطي جديد، من خلال الفحص الجاد لمواقع الخلل ودراسة سبل معالجتها والمباشرة به، التطوير الجاد للأدوات القديمة وليس رفضها والغائها بالكامل ان استمرت في الفعل والعطاء في الواقع القائم، والتي يمكن باصلاحها تحقيق نتائج افضل من جهة، ودعم المواليد الجديدة بآلياتها الشابة ان كانت جادة وواقعية وموجودة في ساحة النضال ومثمرة وتحقق الجماهير بها مكتسبات على طريق الحكم الوطني البرلماني الفدرالي ذي السيادة، من جهة اخرى .
   في ظروف البلاد المتسمة بضياع القيم، النزعة البراغماتية، اللعب على الجمهور، صعود عهد المعاهدات السريّة، تعقد السياسة بين السياسة المعلنة والسياسة السرية والحقائق المخفية غير المعلنة،
جهل وركوع وتركيع، وضياع اوساط واسعة في الرفض وفي رفع الـ لاءات المحلية، التي توظفها وتتمحور عليها قوى اقليمية وعظمى في مسارح العالم العليا والأقوى .  .  التي تسببت وتتسبب بها عوامل كثيرة التنوع، والتي ستستمر لمراحل غير قصيرة تالية، بتقدير اوسع الأوساط ذات الخبرة .  .
   ومن اجل تعقيل العواطف والأحلام، بعد فداحة الخسائر المتنوعة ومن اجل تشكيل احلام ورؤى
منطقية فاعلة جديدة تستطيع ان تساقط الأوهام والأحتكام الى الغيبيات، من اجل تحويل طاقة انساننا العراقي بالوان طيفه القومي والفكري والديني والطوائفي، الى قدرات فاعلة من اجل النجاح في النضال ضد الحروب ومخاطر الأسلحة النووية، ومن اجل الأصلاح والتقدم الأجتماعي والأقتصادي ، الثقافي والحضاري، وضد الفقر والمرض والأيدز والمخدرات والأدمان .  . 
   ومن اجل النجاح في تحقيق خطوات على طريق فصل الدين عن الدولة، صيانة للدين نفسه، الذي يتعرّض الى مخاطر التحريف وبسبب اذكاء مخاطر الطائفية المدمّرة على يد التكفيرين من اجل غاياتهم، الأمر الذي يشوّه معاني العقائد السمحاء التي تدعو الى التسامح والى خير البشر وخير الفقير، وعلى اساس " الدين لله والوطن للجميع " !   

آب  / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
1.   ان نجاح الحزب اللينيني من طراز جديد في تحقيق اهدافه ونجاح ثورته التي هزّت العالم، هو الذي ادى الى شهرته وبالتالي الى تبني العديد من القوى والأحزاب لنظرية وآلية بنائه ونشاطه من اجل ان تستطيع ان تحقق اهدافها، سواء كانت احزاب عمالية او قومية تحررية او اسلامية متنوعة .  . في عالمنا الشرقي .
2.   سواء كان في اقامة السدود الهائلة اوانشاء البحيرات والقنوات وتغيير مجاري الأنهار الكبيرة وتكوين مستودعات الماء العملاقة لأحياء الأرض ولغيرها، او في الحفر العميق للوصول الى مصادر الطاقة والذهب والماس .  .  والى التجارب النووية في باطن الأرض وفي اعماق المحيطات واستكشاف وغزو الفضاء والشروع في برامج حرب النجوم .  . وغيرها .
3.   كما حصل في العراق من تصحّر وجفاف وهلاك مئات اصناف الأسماك والنباتات والكائنات المائية والطيور وتسمم المياه وتلف مساحات واسعة من اخصب الأراضي الزراعية في العقدين الأخيرين من تسعينات القرن الماضي ، بسبب استخدام دكتاتورية صدام للأسلحة الكيمياوية في كوردستان والأهوار، تجفيف الأهوار، حرق مساحات واسعة من حقول وآبار ومنشآت النفط، اثر اعلانها الحرب على الجارتين ايران والكويت .  .
4.   التي اصبحت مطروحة بشكل ملموس حقيقي وجاد في البداية من قبل " نادي روما " .  . بعد ان التقى مائة عالم ورجل علم من العالم الرأسمالي مطلع السبعينات، لمناقشة واستخلاص نتائج من بحوث متنوعة في العصر الحديث ومنها قضية البيئة والظروف البيئوية الحاصلة بتأثير نشاط الأنسان، وقضية بحوث الطاقة ، والذي استمر ويستمر ببحث الوضع الذي يتكوّن على الأرض، ويصدّر عدة مؤلفات دورية .  .  وقد نشأت قضية حماية الطبيعة كنهج سياسي، وسط حركة الخضر في المانيا الأتحادية وثبتت وتوسّعت حتى شملت اعداد متزايدة من الأحزاب والحركات في بلدان العالم  .  .  اضافة الى قضايا اخرى تعود بتفاصيلها لغيرها من الفلسفات غير الماركسية، كـ " قضية الأنسان "  التي تُعالج في عدد من الفلسفات الغربية .
5.   دخلت قضية البيئة في الدول الصناعية بشكل متسارع، في الأنظمة الصناعية والزراعية والطبية والأقتصادية والعسكرية وفي انظمة البحث العلمي، ودخلت حيّز التنفيذ في برامج وسياسات الأحزاب، سياسة تحديد العمالة، تصدير رأس المال، سياسات الطاقة، تصدير معامل الصناعات الملوثة للبيئة الى خارجها او فرضها على عدد من الدول . ودخلت في النظام الضريبي والمعيشي والبناء .  .  وغيرها الكثير، حتى صار المواطن العادي يدفع ضرائب متصاعدة ملحوظة تضغط على المداخيل بشكل واضح
6.   راجع " البيان الشيوعي " ، " تطوير الفكر الفلسفي " ، " اين نظرتنا الجديدة " ، " موقفنا الجديد من الفلسفة " .  .  المسجلة في حقل " مراجع " .

مراجع :
ـ " مستقبلنا الطبيعي " / اور كومون فيوجر/  1989 ، نخبة من علماء الأمم المتحدة، عن الأنكليزية .  .
ـ " اللجنة العالمية للتنمية والطبيعة" ، التقارير الدورية / برئاسة غرو هارلم برونتلاند رئيس وزراء
  النرويج الأسبق .
ـ برتراند راسل، رسائل ومقالات ضد مخاطر الحروب واسلحة الدمار .
ـ " البيان الشيوعي " ماركس / انجلس
ـ " رأس المال " كارل ماركس .  . الفصل 5 ، الفصل الأخير من المجلد الأول .
ـ " سياسة الدبلوماسية" مذكرات وزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر . 1999 ، الناشر
   بالعربية، مكتبة مدبولي ـ القاهرة
ـ " الحقيقة المحرّمة "، جين ـ شارلز بريزارد/ غيلاومي داسكوي، زيورخ 2002 .
ـ " فخ العولمة " ، هانس بيترمارتن / هارالد شومان 1996 ، دار روفولت ـ المانيا .
ـ وثائق " تطوير الفكر الفلسفي " ، الحزب الشيوعي الأيطالي، 2001 .
ـ " اين نظرتنا الجديدة ؟ " نويس دويتشلاند " ، غ. غيزي / صيف 2000 ، عن الألمانية .
ـ سلسلة " موقفنا الجديد من الفلسفة " تالانوف، بوبوف / 1990 عن الروسية .

(*) نشر في مجلة " رؤية " ، العدد 21 .[/b][/size][/font]


281
الأجتياح وشريعة الغاب لايحققان الاّ الدمار والطائفية !
د. مهند البراك

   بينما شكّل ويشكّل الشرق الأوسط احد اعقد واخطر بؤر التوتر في العالم التي تلعب ادواراً هائلة في تقرير قضية الأمن والسلام في العالم .  .  لعبت بداية الحقبة التأريخية الجديدة التي تحدث بفعل التغيّر الهائل في العالم الذي تكوّن بافول احد قطبيه وتوجه القطب المنافس الى زيادة وتعزيز هيمنته في سعي لأطلاق يده وتحويل العالم الى عالم وحيد القطبية، لعبت ادواراً مباشرة في تغيير واقع المنطقة واشكال واهداف نضالات قواها وشعوبها وبدأت تطول انظمتها سواءاً في الشكل او في المحتوى.
   وكان من ابرز تلك التغييرات التوصل الى الأعتراف بحق الشعب العربي الفلسطيني في تكوين كيانه الفلسطيني باتفاق طرفي النزاع الأسرائيلي والفلسطيني وبمباركة وتأييد القوى الدولية والأقليمية، واعتبر ذلك انجازاً كبيراً للشعب الفلسطيني اسفر عن قيام الحكومة الفلسطينية، وشكّل تتويجاً للنضال الباسل للشعب الفلسطيني ولأنتفاضته ولنضال الداخل ونضال المقاومة الفلسطينية.
   الأمر الذي لم يرق للأجنحة الأكثر تطرفاً سواءاً في اسرائيل او في الجانب الفلسطيني والعربي، وادى الى تطورات مؤلمة اسفرت عن اغتيال رئيس الوزراء الأسرائيلي الأسبق اسحق رابين على ايدى عصبة يهودية متطرفة وعن صدامات واجتياحات وتصدّع وحدة الأرادة الفلسطينية من جهة وتزايد الأنقسام في الجانب الأسرائيلي الحاكم عبّرت عنه نتائج الأنتخابات وتشكّل احزاب جديدة.
   وكان ان لعب تمادي الأوساط العسكرية الأسرائيلية في سياسة العقوبات الجماعية وفي الأستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين الفلسطينيين من مسلمين ومسيحيين ولامبالاتها بالقرارات والمواثيق والعهود الدولية، في ظروف كانت تتصاعد فيها مفاهيم الأرهاب .  .  لعبت ادواراً لايمكن التغاضي عنها في نشوء
فكرة القنبلة البشرية الأنتحارية، كوسيلة مأساوية راح ويروح ضحاياها المدنيين والتي يرى فيها عديد من الباحثين انها تعبير عن لامبالاة بحياة لايمتلك فيها البشر الحد الأدنى من الحقوق، الأمر الذي وظفته وغطّت نفقاته وزيّنت له دوائر متنوعة سواء كانت (اسلامية) متطرفة او مناوئة للسياسة الأسرائيلية او لسياسة اجنحة في الأدارة الأميركية .
   واخيراً فقد لعب انهيار قطب الأتحاد السوفيتي وانفراط عقد القوى والدول والمصالح التي التفّت بدرجات متفاوتة حوله، وانفراط عقد القوى التي انضوت بدرجات متفاوتة تحت راية قطب الولايات المتحدة بل ودخول قسم منها في صراعات عنيفة معها وخاصة الأسلامية او ذات الطابع الأسلامي منها والتي تتخذ من الهوية الأسلامية هوية الغالبية الواسعة من شعوب ودول المنطقة، عنواناً لها.
ولعبت الضغوط الأسرائيلية والغربية، احتلال العراق، تزايد معاناة وسخط الجماهير الكادحة بسبب الفقر والبطالة وتفشي ظواهر انعدام الأمن والرشوة والفساد الأداري سواءاً في المناطق الفلسطينية او في عموم المنطقة ، تمزق الصف العربي وانعدام تأثيره ووصوله الى حدود حرجة من الأنقسام ليهدد بالأنقسام على اساس طائفي ! تزايد الدور الأسلامي الأيراني في المنطقة ، تمزّق وتفرّق الأطراف الوطنية الداخلية التي كوّنت تشكيلاتها وخطابها على ضوء واقع وآفاق ما كان في القرن الماضي.
على تلك الأرضية لعب ويلعب خوض الصراع من الأطراف المتفوّقة بالشعارات العرقية والدينية المغايرة لما تحمله وتدين به غالبية شعوب المنطقة، ولعبها على حبال الطائفية واتباعها سياسة حافة الهاوية  .  . يلعب دوراً خطيراً في تصعيد الروح العرقية والدينية والطائفية  الأكثر تطرفاً .
ويرجع بالصراعات الى منطق القرون الوسيطة الذي تعود اليه باستمرار اوساط جديدة من اجل البقاء على الحياة باي ثمن تحت مظلة من مظلات القوة في زمان مظلات القوى، التي تفرض من جانبها عليها من جهة اخرى العودة الى سلوكها الأيماني، الذي ستكون اثمانه رهيبة .  . في ظروف قاهرة يجري صنعها من اطراف متشابكة كثيرة التنوع، لن يلعب فيها منطق العلم والثقافة الأنسانية دوراً حاسماً او سريعاً مالم يكن مدعوماً بالعنف، لمواجهة الآلة العسكرية الرهيبة (آلة العنف) ومنطقها الذي يغزو العالم، سواء كانت نظامية او غير نظامية .
   في ظروف (تعجز) او تُعجّز فيها الشرعية الدولية المتجسدة الآن بعجز مجلس الأمن عن ايقاف التدهور وايقاف القتال او منعه من التفاقم حتى الآن، وكأنها تسير في سياق مخططات كبرى ترمي الى جعل الغرب واحتكاراته الكبرى تحارب بالأسلحة الحديثة والعلم وتصريف وانتاج المزيد والمزيد من السلاح وتصريفه في مقابل النفط الرخيص(1)، لتستمر على مراكمة الثروات الهائلة، والى جعل الشرق يغوص اكثر فاكثر في وحول الأرهاب والمخدرات والقنابل البشرية والبطالة والأمية والجهل وتقييد المرأة والغاء دورها الأجتماعي .  .  وتتصاعد اسئلة تزداد تنوعاً عن لماذا لايدعم الغرب بشكل فاعل الأحزاب الأجتماعية والعلمانية وذات النزعات العلمية في المنطقة، بينما يلجا للقوة وللقوة المفرطة التي لن تولد الاّ ردود افعال عنفية عليها وباشكال مضاعفة متنوعة.
   وتتابع اوساط سياسية واجتماعية بقلق تصريحات السيد هنري كيسنجر (2) في حواره مع السيد بيرجينسكي (3) في هيئة التلفزيون الأميركي العام ( بي بي اس)، التي عبّر فيها عن ان ( هناك قلقا متزايدا في الجانب السني من العالم العربي من امكانية هيمنة شيعية على المنطقة)، مضيفاً بأن ( الدول الأسلامية السنية الآن تتحمل مسؤولية عن محاولة التوصل الى حل بين العرب والاسرائيليين، وعدم تحميل الولايات المتحدة فقط هذه المسؤولية).
   بعد ان عبر السيد بيرجنسكي عن ان الأستخدام المفرط والدائم للقوة لن يزيد الاّ التطرف والراديكالية الدينية الذي سيلحق اضرارا كبيرة بالمصالح الحيوية للغرب وبالجهود الجارية لأيجاد تفاهم عربي ـ اسرائيلي، وبعد ان اوضح انه يرحب بدعوة ادارة الرئيس الأميركي بوش الأخيرة الى امكانية فتح حوار مع ايران اذا قبلت بالشروط الغربية الخاصة ببرنامجها النووي، واضاف بأنه يتمنى ( أن تلتزم ادارة بوش هذا النهج وألا تحيد عنه لمصلحة دعوات الجماعات التي تدعو الى استغلال النزاع العسكري الحاصل بين حزب الله واسرائيل لخوض حرب أميركية مع ايران في الوقت نفسه) التي يجدها بكونها ( امراً مرعباً) على حد تعبيره . (4)
   ان عدداً كبيراً من المحللين والمراقبين يرون ان تصريحات السيد كيسنجر، تثير قلقاً جدياً يتأتى من ان الأدارة الأميركية الحالية تضغط باتجاه الطائفية وتزيد نيرانها وبالتالي تدعو الى التعامل معها (ديمقراطياً) كحقيقة قائمة على الأرض .  .  كأنما انتهى عهد في الشرق الأوسط ليبدأ عهد جديد بصيغة (الديمقراطية الطائفية) او بالصراع الطائفي، وسط تساؤلات متزايدة عن (هل هذا هو الشرق الأوسط الجديد ؟؟)، الذي هو ليس الحقيقة القائمة وانما حالة استثنائية تدفع لها قوى متنوعة عظمى واقليمية وتُدفع وتنجر اليها جحافل الفقراء والمعدمين والباحثين عن عمل وامان .  .  . 
   في زمان تعرف وتقدّر الأطراف الأقوى المعنية فيه اكثر من غيرها، حركة واتجاه ومديات ردود فعل الأطراف المواجهة لها لفعل ما تقوم به، الذي يتيح لها استخدام بالونات اختبارية او حركات تعرضية صغيرة  للتوصل الى هدفها الذي تخطط له سواء كان بشكل مباشر سريع او غير مباشر متأخر او بالواسطة، مهما تساقط الألوف والألوف من المدنيين ضحايا له (5) !!
   وفيما تتصاعد وجهات تقول ان ذلك يجري ضمن مخطط بمستوى عال يجري اتمامه كجزء من برنامج رمى الى خروج القوات السورية اولا، ثم الغاء الميليشيات وتسليم الأسلحة لسلطة الدولة التي تسير في طريق اعادة البناء . وانه يجري في ظرف يوصف بكونه مناسباً تماماً لتخلص اسرائيل ممايقلقها في ظروف تضطر فيها سوريا وايران (الأكثر تشدداً حيالها) على السكوت .  .
   تتصاعد التساؤلات وتكبر حول ما الذي سيخلّف ذلك القتال والأجتياح الجديد غير الدمار سواءاً في لبنان او في المنطقة، ومامدى التخريب الجديد في بنية انسان المنطقة الذي يستمر في العيش في الحروب والتشرّد والعنف والفرض منذ ما يناهز نصف قرن رغم الشعارات الديمقراطية ! ويلقي من جهة اخرى اضواءاً ساطعة اكبر على ماهية السياسة الأيرانية التي استفادت من الهجوم الأميركي في المنطقة وتخلّصت من اعدائها ومنافسيها؛ طالبان في افغانستان ودكتاتورية صدام في العراق .  .  فيما تستمر في اعتمادها على دعوات الأسلام السياسي في المنطقة التي تشهد جحيما متزايدأ من حروب تستمر وتزداد ضراوة ووحشية، السياسة التي يصفها قسم من المحللين والباحثين بكونها قد تلتقي في النتائج والحساب الأخير مع مخططات غلاة العنف في اسرائيل، شاء المرء ام ابى  .  .
   وبينما يراقب قسم تطورات تجري وجهود بدأت تثمر في العراق على طريق لم الصفّ الوطني رغم ثغرات هنا ونواقص هناك، ويرى قسم آخر ان العدوان الأسرائيلي الجديد غير المبرر(6) على الشقيقة لبنان .  .  اخذ يستفز ويوقظ الحس الشعبي الوطني لوحدة قوى الصف الوطني اللبناني بما فيها حزب الله اللبناني(رغم ما يواجهه من انتقادات كثيرة وكبيرة بدأت تتضاءل لبنانياً امام حجم الضربات الأسرائيلية والدمار الذي تخلّفه على بنية ومكونات الوطن الأم لبنان) .  .  حول الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني والشرعية الوطنية.
   ترى اوسع الأقسام ان سياسة غلاة الحرب التي تتبعها الأوساط الأكثر نفوذاً في الحكومة الأسرائيلية قد تزيد من شعبية حزب الله الذي تصفه الدوائر ذاتها بكونه ارهابي، وترى ان عمليتها التي (لاتستهدف الاّ القضاء على حزب الله) بكونها تطرح القضية كما لو كانت وكأنها معادلة حسابية جامدة على الورق، ناسية او متناسية مايشكّله العدوان الأسرائيلي على شعوب المنطقة وماذا سيطلق .
   واخيراً ومهما تغيرت مفاهيم ومسميات ومهما مرت المياه تحت جسور متنوعة كثيرة، فأن صراع الأنسان الأزلي من من اجل حقه بالحياة والخبز والحرية والكرامة والفكر والمعتقد سيبقى قائما بل وسيلتقي مع صراع اخيه الأنسان للخروج من حافة الهاوية .  .  مهما كان العنوان !


22 / 7 / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   راجع عقود الأسلحة الضخمة التي تنجز الآن بين عدد من انظمة المنطقة والدول الصناعية الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، فرنسا، بريطانيا بمليارات الدولارات، وفق وكالات الأنباء الدولية والصحف الأميركية والبريطانية .
(2)   هنري كيسنجر، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون، رئيس معهد ابحاث كيسنجر العائد للحزب الجمهوري الأميركي الحاكم اليوم.
(3)   زينغيو بيرجينسكي، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، بروفسور وباحث في معهد كارتر العائد للحزب الديمقراطي الأميركي .
(4)   حوار د. هنري كيسينجر ـ  البروفيسور زبنغيو برجينسكي في هيئة التلفزيون الأميركي العام (بي بي اس)،  18 / 7 / 2006 .
(5)   تفيد اخر احصائيات الهجوم العسكري الأسرائيلي عن ان 70 % من ضحايا القصف الأسرائيلي الجوي والبحري والأرضي، هم من النساء والأطفال .
(6)   بل المبيّت، كما يلمس من سرعة سوقه وسعة جبهته .[/b][/size][/font]



282
الديمقراطية، قِيَمْ وآليات !    
[/size]


د. مهند البراك

فيما يرى عديد من المفكرين والسياسيين وعلماء الأجتماع، ان حكم الأطياف هو افضل بكل الأحوال من حكم طيف واحد، سواء كان ذلك الطيف سياسياً او قومياً او دينياً او طائفياً .  .  الذي لم ينجب الاّ الدكتاتورية، التي كانت في بلادنا من ارهب الدكتاتوريات في عالم اليوم.
يحذّر عديد آخر من ان الديمقراطية الخاطئة قد تكون اخطر من الدكتاتورية ان لم ينتبه القائمون عليها، رغم كل المخاطر الجدية المحيطة والجهود المبذولة لمواجهتها .  .  والى ان الديمقراطية وممارساتها تحتاج الى ؛ معارف، استخلاص تجربة وتقدير المديات والأدوات التي تحققها او تمهّد السبيل اليها والى ادامتها، وحيث تتطلّب المعارف، معرفة مفاهيم الديمقراطية وصيغها وكيفية ترابطها وتفاعلها ببعضها، وان يكون السعي الى تطبيقها تطبيقاً واقعياً خلاّقاً في المجتمع المعني ودرجته الحضارية وقيمه، من اجل رفاهه والأرتقاء به امنياً، فكرياً وثقافياً وروحياً، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً  .  . 
   وفيما عبّر نظام المحاصصة في البداية عن وجهة وجهود هدفت الى اقامة بديل برلماني فدرالي تعددي يقوم على  اساس التبادل السلمي للسلطة بعيداً عن العنف، وشكّل ركيزة عملية قد تكون ضرورية لتحقيق توازن اولي في المجتمع ويسعى لتخفيف التوترات السائدة فيه، التي ورثها من الدكتاتورية اثر سقوطها وفي ظل الظروف غاية التعقيد التي عاشتها البلاد .  .  فان نظام المحاصصة وخاصة المحاصصة الطائفية منه بعد مرور ثلاث سنوات، قد اخذ يسد الطريق على كفاءات وخبرات ضرورية تشكّل ثروات وطنية علمية، ثقافية، ادبية، فكرية وسياسية لايمكن الأستغناء عنها .  . بعد ان اشترط عليها الواقع الفعلي للتحاصص، ضرورة المرور بطائفة من الطوائف الكبيرة او الأنضواء تحت عبائتها.
   الأمر الذي يهدد بتكريس واقع اجتماعي غير صحيّ، لايتلائم مع الوجهة السياسية والدستورية التي تسير عليها البلاد ويشكّل عقبة امامها من جهة، ويشكّل تكريساً او ردّ فعل ممزّق آخر على التمزيق الأجتماعي الذي قامت به دكتاتورية صدام العلمانية الشوفينية اللاديمقراطية، التي عادت العلمانية والديمقراطية وتمسحت مراراً بالنهج الديني الطائفي، حين شكّل انقاذاً لها في مواجهة النقمة الشعبية الداخلية وللخلاص من الأستنكارات المتنوعة التي وقفت بوجهها اقليمياً ودولياً، من جهة اخرى .    
فبعد ان كانت الدكتاتورية المنهارة هي السبب الرئيسي للتوتر والتمزّق وخلق الفتن، كنظام استبدادي ذي لون واحد، حظر  الحياة والحريات الديمقراطية وشوّه وفرّغ مضامينها الأساسية في حياة  البلاد .  .  وادىّ رغم كلّ ما رفعه من شعارات، الى تعزيز الأنتماءات التقليدية بل والعودة بها الى الماضي بسبب دفعه القسري للمجتمع الى الخوف والجريمة والنزعة العدوانية .   .  الذي انعش اشكال التضامن والتكافل تلك، للحاجة الملحة لها في زمانه، حين ادى بنهجه الدموي الى ان تصير بيوت العبادة ملاجئ وحيدة للتجمع والمناقشة وللشعور بالأمن الشخصي والتضامن، لمواجهة اعباء المحن الطاحنة الكبرى زمن الحروب والحصار، حين دفعت الدكتاتورية اوساطاً اجتماعية غير قليلة الى مواجهة الحياة بالجريمة والنهب والخداع.
 صار استمرار الأعتماد على نظام المحاصصة ذلك يهدد بان يجعل تلك التوترات الأجتماعية  والتمزّقات مزمنة ان لم تكن دائمة، الأمر الذي يطرح ضرورة العمل على تقييده تمهيداً لأزالته، بعد ان ادىّ دوره في البداية .  .  والتحوّل عنه الى اساس الأعتماد على الكفاءة والنزاهة والأنتماء لهوية الوطن التي تمثّل كل الأنتماءات وتصون حقوقها وتدافع عنها بشكل فعلي.
   واذا كان تقاسم السلطة على اساس المحاصصة في البداية امراً لامفر منه بل ويمكن انه كان ضرورياً او منطقياً لخلق نواة للبديل الجديد، بعد ان خلت البلاد من المؤسسات المدنية والأتحادات، وبعد ان لم يكن ماكان قائماً منها صالحاً لأسباب متنوعة .  . فان استمرار السير عليه للتخفيف من حدة التوترات الأجتماعية او لعبور الأزمات دون التطوير المطلوب والدفاع الضروري عن معاني واهمية الأنتماء لعموم المجتمع العراقي واهمية الكفاءات .  . بعد اعادة رسم ذلك الأنتماء على اساس توسيعه واحقاق حقوق كل مواطنيه بلا تمييز .  . 
فأنه ادىّ ويؤدي (1) الى تعزز الأنتماء للطائفة وللعشيرة عند تقسيم (كعكة السلطة والأمتيازات)، بدل ان يضعف ذلك التوجه بعد انهيار الدكتاتورية والشروع بتحقيق البديل البرلماني الفدرالي، البديل الذي ناضلت من اجله كل فئات المجتمع وبذلت دونه انواع التضحيات طيلة عقود الدكتاتورية، ولاتزال تناضل من اجل بنائه .
ويؤكد عديد من الخبراء والمراقبين ان الشروحات انفة الذكر والتأكيدات تنطلق من رؤية تفيد بـ : اذا كان الأعتراف بتعدد اطياف المجتمع وبحقوقها اللغوية والدينية والأقليمية، يخفف حدة التوترات ويصحح العلاقات بين مكونات المجتمع .  . فيجب ملاحظة انها عملية كثيرة التعقيد لايمكن اختزالها بسطحية ان صحّ التعبير لمواجهة واقع يومي متأزم.
وانما السير والحفاظ على السير الوئيد معاً نحو الحلول المتبادلة بعيداً عن البت المتسرّع، لأن الشعور بالظلم لايمكن الاّ ان يكمن لينفجر بسبب احداث بسيطة يمكن ان تحدث، وقد يؤدي بمسار العملية السياسية كلّها، في زمان كثر الأنتهاز السياسي فيه وكثر اللقامون، وفي زمان تشكّل صراعات الهويات الأثنية والطائفية فيه، صراعات لاتعرف الرحمة، وغالباً ماتقترف فيها جرائم كبرى تحت ستار الديمقراطية، كما حدث في مذابح رواندا اعوام 1995 ـ 1996، التي قتل فيها مئات آلاف المدنيين في غضون ايام !!   
ان على البديل الفدرالي ان لايكتفي باحقاق المظلومين والأقتصاص لهم فقط، بل عليه ازالة نظام التمييز العرقي والعنصري والطائفي الفاسد، اي ان على البديل ان لايقبل صعود (الأطياف المظلومة) وتحكمها بـ ( الأطياف الظالمة) بل عليه اضافة الى قبر النظام القديم وتشريع النظام الجديد، المباشرة بالمفهوم العادل الجديد للهوية الوطنية على اساس تساوي جميع الأطياف وتمتعها بالحقوق المتساوية والذود عن تلك الحقوق، والاّ استمر ذلك النظام الفاسد الموروث الذي يحاول الأرهابيون الأصوليون وايتام الزرقاوي والصداميون العودة اليه وتثبيته اليوم، بوسائل الأرهاب الدموية العلنية الأجرامية وبالخداع، بعد ان شرّعت الدكتاتورية تمزيق البلاد به عرقياً وطائفياً واثنياً للحفاظ على كرسيها المهترئ بخطط كانت سريّة او صيغت بحذر في زمانها المشين.
ويشير الخبراء الذين عاشوا تجارب النزاعات العرقية والطائفية والأثنية، في يوغوسلافيا، رواندا ، جنوب افريقيا، الكونغو  الى " ان الحقيقة البسيطة المقدسة في اعتماد الأستفتاء السكاني لحل ادعاءات الحقوق التي طالبت بها الأطراف المتصارعة في رواندا، اذا طبّقت واعتمدت بدون رادع او ضوابط، لأسفر الوضع عن مذابح شنيعة تقوم بها اغلبية " الهوتو " الساحقة على اقلية " التوتسي "  " (2). بعد ان ارتكبت مذابح يندى لها جبين البشرية بأسم " حقوق الأغلبية " ، في ابشع واسطع دليل على سهولة انحراف المفاهيم الديمقراطية في الصراعات العرقية والطائفية والأثنية، خاصة في ظلّ استمرار تلك التوترات العرقية والطائفية .  .
وعلى ذلك يعتمد الخبراء الدوليون وبعد تجارب دولية متنوعة اريقت فيها دماء غزيرة، على ان المطلوب وما تحتاجه الشعوب هو ليس " حكم قانون العدد " وانما " حكم قانون التآلف والتعايش "، وان نتائج الأستفتاء او الأنتخاب لكي تكون مجدية، عليها ان لاتتقيّد بمنطق العدد الجاف، وان على المطلوب ان لا يكتفي بمنطق (ازالة الظالم مهما كان البديل)، ولا ان يكون بديل الأغلبية المظلومة بلا ضوابط وقيود تضمن قيم التعايش والتآخي  .  .  .  وان المقدّس ان صحّ التعبير انما هي تلك القيم وليس قانون العدد الأصم .
وعلى اساس ان المهم في الأنتخابات هو القيم وليس تطبيق آليات الديمقراطية بشكل جامد، عدّلت قوانين الأنتخابات واخذ بنتائجها بشكل كثير التنوع وفق تنوع المشاكل والظروف والمصالح والقيم والآفاق كما جرى في : اقاليم ايرلندة الشمالية الأنكليزية الكاثوليكية، ونفس الأمر في جزيرة كورسيكا بعد اندلاع صراعات عرقية حادة فيها، وفي جنوب افريقيا بعد ازالة حكم وقوانين التمييز العنصري فيها اثر انتصار حركتها التحررية بقيادة نيلسون مانديلا.
ولمن يرى ان لااحسن من الأنتخابات بشكل مطلق ولا احسن من الأستناد بشكل مطلق الى الأكثرية (العدد فقط) فيها، لابد من تذكيره بان تجارب عالمية كثيرة بيّنت وتبيّن ان الموضوع في الواقع هو اكثر تعقيداًً بكثير مما قد يُظن، ففي المانيا اوائل العشرينات، كانت الأنتخابات تصلح لتكوين ائتلافات حكومية تعكس حاجات المجتمع وتلبي حاجاته نحو الرفاه .  . 
الاّ ان الحالة تبدلت في اواخر الثلاثينات بسبب الأزمة والبطالة وشيوع الأفكار العنصرية فيها، في ظروف المانيا والظروف الدولية السائدة آنذاك، التي ادت الأنتخابات الديمقراطية فيها الى فوز الحزب النازي بزعامة هتلر بسبب نيله على الأغلبية، الأمر الذي الغى الديمقراطية في المانيا بل وهدد اوروبا والعالم  .  .  والذي لم يتعدّل الا بعد ارهاب واشعال حرب عالمية جديد سقطت الملايين فيها، وبعد جهود دولية مكثفة. (3)
وجرياً على ما تقدّم وما نص عليه قانون الحكم الأنتقالي والدستور الذي جرى التصويت له، ان المهام الثقيلة المطروحة، هي ليست استبدال (حكم سنيّ) بـ (حكم شيعي) بمفهومه الضيّق ان صحّ التعبير، على اساس ان الشيعة العرب هم اكثر من السنة العرب عددياً، وانما هي في منح الجميع حقوقاً واحدة كمواطنين من درجة واحدة في بلد الجميع، مهما كان لون طيفهم واصولهم العرقية، الأثنية، الدينية والطوائفية.   
ان تمسّك بعض الأطراف الطائفية بنتائج الأنتخابات التي جرت في ظروف استثنائية وفي ظروف مجتمعنا الذي ورث التشوّه من حكم الدكتاتورية التي اجرمت بحقّه، والذي لايزال يعيش حالات حروب واحتلال ومواجهات متنوعة وارهاب كثيف، واعتمادها على قاعدة العدد بلا قنونة او برمجه .  .  يكون امراً لايمكن ان يتناسب مع الجهود الصعبة المبذولة للخروج من الواقع الأستثنائي لبلادنا، نحو بناء البديل الجديد الذي يحتاج الى ماهو ابعد من العدد المجرد .  .
البديل الذي يسعى لأن يتمتع الجميع بحقوق متساوية للمواطنة، وان يكونوا عراقيين دون ان يكّفوا ابداً عن انتمائهم القومي، الديني، الطوائفي، الأمر الذي ينسج الألفة والتفاعل والأمن الأجتماعي، والذي يشكّل  الأساس نحو اي رفاه اجتماعي منشود، ويفتح الطريق عريضاً للرقي الحضاري وللحاق بركب العالم المتحضّر، على اساس ان البلاد بمجموعها تعود لكل طيف من الأطياف المكونة لها .   
ويرى عديد من الخبراء والمراقبين ان ذلك هو المطلوب لبلادنا التي تكالبت عليها النكبات، وهو المطلوب لبلدان العالم النامي (العالم الثالث سابقاً بشكل عام) الذي يضم دولاً لم تستقر حتى وجهة نموها بعد، التي بالتالي لايمكن الحديث فيها عن تطبيق آليات واحدة محددة للديمقراطية .  .  لأن تلك الآليات لم تستقر فيها بعد على المصالح الأقتصادية ـ الأجتماعية الواضحة المعايير والثابتة، ولا على وضوح دور الرؤى الفكرية الساعية الى رفاه المجتمع وسعادة الفرد، كما في اوروبا التي لم تستقر فيها ايضاً الاّ بعد قرون من تجارب متعددة تخللتها حروب ونكسات، ونمت فيها مجتمعاتها واقتصاداتها وثقافاتها وافرادها بواقع كثير التنوع ايضاً.      

حزيران / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   اضافة الى المعوقات الناشئة عن اعباء متطلبات مواجهة الأرهاب الزرقاوي والصدامي .
(2)   ارشيف الكتاب السنوي للأمم المتحدة، المواضيع المتعلقة بالبلدان المذكورة. عن الأنكليزية.
(3)   الموسوعة الألمانية، " كيف بدأنا بناء المانيا " ـ كونراد اديناور المستشار الألماني الأول لجمهورية المانيا الأتحادية، بعد سقوط الحكم النازي .

(*) نشر في مجلة " رؤية " العدد 19 .[/b]

283
العراق والصراع الطائفي المدمّر !
2 من 2
[/color][/size][/font]

د. مهند البراك
   وفيما كشفت وثائق الأرهابي الزرقاوي عن جهود القاعدة للأيقاع بين الولايات المتحدة الأميركية وايران بافتعال عمليات ارهابية ضد طوائف الشعب العراقي وبتسعير نيران حرائق العراق اكثر، تتساءل اوساط واسعة من شدة آلامها ومعاناتها، لماذا لا تستهدف القاعدة في عملياتها ايران ذاتها ان كانت تعادي الطائفة الشيعية الى ذلك الحد ؟ هل لأن ايران صارت كعدد من دول الخليج معبراً آمناً لها، للتمويل والتموين والتسليح، معبراً غير رسمياً ولكن مسكوت عنه او مغضوض الطرف عنه لأسباب ومصالح كثيرة التشابك والتعقيد، وفق وكالات انباء متنوعة .  .  ام ماذا ؟(1)
   الى متى يستمر نزيف دماء العراقيين وحتى ماذا ؟ حتى انسحاب الأميركيين ؟! ان كانت تلك الأطراف جادّة في ذلك حقّاً، الا يجب ان يُهيأ لأنسحاب الأميركيين بتلاحم البيت العراقي وقواه؟ وكيف واية قوى ستستلم زمام الحكم ومسؤوليته بعدئذ ؟ بعد ان ارهق الشعب باطيافه، وبعد تلك المسيرة الشاقة المعقّدة غير الواضحة في جوانب متعددة؟ بعد ان جرى حلّ الدولة والجيش وبعد التباطئ في بناء المؤسسات الجديدة و(ارتكاب آلاف الأخطاء !!) التي يرى فيها كثيرون انها لم تكن مصادفة .  . (2)
   وبعد اخطاء وانانية وفساد اداري ساد بدرجات متفاوتة في حكومتين سابقتين، واستمرّ في التزايد  رغم جهود ورغم الأعلان عن شتى الأجراءات .  .  وبعد وقوف الوحدات الرسمية المسلحة موقف المتفرّج وهي ترى المجرمين بجرائمهم، وبعد ان اهملت تعبئة الشعب ولم يولَ بناء مستلزمات تنفيذ مطالبه وحاجاته الأكثر الحاحاً في الأمن والخبز والكهرباء والمجاري،وتحولت البلاد الى مسرح حرب ميليشياتية طائفية تسعى مستميتة الى تأجيج صراع الطوائف التي حذّرت وتحذّر منها اكثر القوى والهيئات والشخصيات الوطنية والديمقراطية من كل الأطياف القومية والدينية وحذّر ويحذّر منها المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني وعدد من المراجع الأسلامية الموقرة، شيعية وسنيّة .
   الا يجب ان يهيّأ لأنسحاب الأميركيين بتلاحم دول وقوى المنطقة باطيافها والدول والقوى العربية والخليجية، وفق معطيات العصر ووفق المنافع المتبادلة ومن اجل حق الشعب العراقي وشعوب المنطقة بالعيش بأمن وسلام بعيداً عن الحروب النظامية وغير النظامية، وبعيداً عن اعمال الأرهاب وعن عصابات الموت المتنوعة ؟
   ان المأساة ستكون اكثر ظلاماً وقسوة ليس على العراق فحسب، بل على كل شعوب ودول المنطقة ان اعتقد عدد من القوى الأصولية، (سنية) كانت ام (شيعية) او غيرها ـ بما تدعو اليه القاعدة ـ بانها ستستمر في عنفها الى (اسقاط الولايات المتحدة .  .  كما اسقطت الأتحاد السوفيتي في السابق انطلاقاً افغانستان ؟!!) او ان تبنّت ذلك الأعتقاد الخاطئ والمريع او سوّغت له، انظمة من دول المنطقة او من كياناتها .  .  في الوقت الذي يتركّز فيه اعصار الأزمة العالمية، في منطقة الخليج والشرق الأوسط  .  .  وبالتحديد صراعها الدامي منه في العراق.
   من جهة اخرى، وفيما تتساءل اوساط واسعة، الا نهاية لصراع (الآيديولوجيات التكفيرية) المتنوّعة ؟ الا تستطيع تلك (الآيديولوجيات) ان تعود الى الرسالة السمحاء التي دعت الى الخير والمحبة وان تساهم في تعايش وتوافق مكوّنات المنطقة من اجل رقي ورفاه شعوبها، ومتى ستعود في صراعها الى الآية الكريمة " وان جنحوا للسلم فاجنح لها " .  . لقطع الطريق على مايدعو اليه قادة القاعدة اليوم للأنتقام لدماء الأرهابي الزرقاوي، وللبدء باعمال عنف دموية جديدة لن تُزهق فيها الاّ ارواح عراقية جديدة التي هي من كل الطوائف الأسلامية في اغلبها ليس الاّ .
   تحير اوساط واسعة اخرى بين اعتقادها بكون ان الصراع في حسابه النهائي هو صراع على زعامة العالم الأسلامي بالعنف وبين اعتقادها ان القضية تدور على مصالح واموال ونفط وثروات، افلاكها الخليج والعالم ومسرحها الدامي العراق وشعبه الآن .  .  وترى ان الأوساط الأسلامية (والمتلبسة لباس الدين الحنيف) المتناحرة بتلك الصور تنسى السياسة الأسلامية الرشيدة التي دعت وتدعو الى " حقن دماء المسلمين " سواءاً التي جرى عليها وتحمل تبعاتها بصبر المرجع الشيعي الأعلى المرحوم اية الله الخوئي في سنوات اشتعال الحرب العراقية ـ الأيرانية، والمواقف التضامنية التي لاتنسى للمرحوم أية الله الخميني .  .  والموقف الثابت الذي يدعو له المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني اضافة الى عدد من المراجع الأسلامية الموقرة الأخرى الآن، واضافة الى تطبيقها الفعلي في المبادرة السعودية الأخيرة، كما سيأتي .
   لتصل في تقديراتها الى، ان صراع الآيديولوجيات الطائفي ذلك الذي يدفع ثمنه العراق ارواحاً ودماءاً وثروات وهياكل ارتكازية وعلوم وخبرات وعلماء وادباء، قد يكون ستاراً لصراع اقتصادي نفطي ـ عسكري ـ مالي لايعرف الرحمة، لتحديد ادارة وزعامة خليج النفط بين الأقطاب النفطية والرأسمالية التجارية الناشئة العربية والخليجية والآسيوية الوسطى(3)، المتفاعل مع صراع الأقطاب الدولية العظمى لأميركا واوروبا وآسيا، الذي تمثّل فيه جزيرة خرج، دبي، قطر، جزيرة كيش(4)، سرخس (5) عدد من ملامح محرّكات ذلك الصراع، والذي قد يشكّل استقرار العراق فيه عبئاً اضافياً عليها بنظرها، بل ويفضّل عدد منها عدم ظهور قطب فاعل جديد سيشكّله العراق اذا استقرّ وتمتع بسيادته وبنائه الجديد .
   وفيما ادّت المبادرة السعودية بشخص وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل بصدد المفاعل النووي الأيراني وتجاوب القيادة الأيرانية معها، الى خلق حالة جديدة من التفاؤل في المنطقة على اساس: شرق اوسط خال من الأسلحة النووية وحق ايران بالتكنولوجيا النووية السلمية والأمتناع عن الخيار العسكري لحل المشاكل القائمة في المنطقة، والتي تتفائل اوساط غير قليلة بكونها وبتوقيتها عشية قمة شنغهاي، قد تكون بداية لتحقيق منظومة اقليمية ذات وزن دولي يمكن ان يحمي الخليج من جهة ويشكّل عاملاً هاماً لرقي ورفاه المنطقة وازدهارها بعيداً عن شبح الحروب والأرهاب، ويمكّنها موحدة من مخاطبة والتفاعل والتعاطي مع العالم، من اجل حقوقها المشفوعة بالتزاماتها ذات التأثير .   
   يجري التساؤل في العراق عن موقف مرجعية المرشد الأعلى الأيراني السيد خامنئي اليوم من قضية انقاذ الشعب العراقي الجريح والمستمر بالنزف اليوم، بأعتبار انها كانت صاحبة الفتوى المذكورة آنفاً (راجع الحلقة الأولى) ولأنها لم تقف ضد اعلان الحرب ان لم تكن من الممهدين او المنتظرين لها، رغم التحذيرات الرسمية الخافته منها. ويتسائل كثيرون وباحترام هل يعقل ان قضية الشعب العراقي وامنه وسلامه كانت قد وضعت ولاتزال بنظرالمرجعية الأيرانية في سياق جداول المصالح الأيرانية العليا فقط؟ دون الأهتمام بمصير العراق والشعب العراقي وبالتالي حقه باتخاذ القرار السياسي العراقي المستقل، لصالح كلّ اطياف مكوّناته وتلاحمها وتآخيها في الفدرالية وآمالها بمستقبل افضل، الأمر الذي يشكّل حجر زاوية اساسي في استقرار المنطقة وتمكينها على مواجهة التحديات المدمّرة التي تتهددها.
   وهل ان التواتر والتتابع السريع المتفاوت للأحداث، يبرر التباطئ ـ الذي تشترك فيه اكثر من جهة اقليمية ودولية اضافة الى تعنّت اطراف عراقية ـ .  .  التباطؤ في الأسعاف السريع لنزيف العراق المريع الذي تفسّره اوساط، بكونه قد يكون كسب وقت لتحقيق موقع اقوى في اعادة بناء توازن المنطقة ان غيبت او جرت محاولات لتغييب طاقات العراق عنها بكل الوسائل التي لم تعد سراًّ، بل و اخذت التطورات السريعة الأخيرة تكشف المزيد والمزيد منها، فيها.
   الا يكفي الشعب العراقي جراحاً ودماءاً تزهق ولاتعبّد سبيلاً لأي مخرج من الأزمة العراقية والأقليمية والدولية ؟ الا تكفي عمليات سرقة اموال العراق وتهريب نفطه الذي لاينقطع عبر اشكال المهربين والمافيات والسوق السوداء ثم اقصاء العراق عن موقعه في السوق النفطي الدولي السابق، و فرض سياسة نفطية اكثر تشدداً عليه كما جرى في اتفاقات النفط الأخيرة التي طالت الشراكة فيها حتى فيما يحويه باطن الأرض فيها ولأول مرة في عالم النفط وفق عديد من الوكالات واجهزة الأعلام الدولية والمحلية ؟؟ وشعبه مالك البلاد يواصل تجرّع آلام الموت والرعب، اضافة الى تجرع حياة تزداد قساوة من فقر وبطالة وحرمان من ابسط مقومات حياة بشرية في صيف العراق اللاهب اضافة الى تزايد مخاطر المخدرات، رغم الجهود  .  . ورغم سقوط الدكتاتورية (6). (انتهى)
   

26 / 6 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع سلسلة وثائق " دبي " / دانييل لوكانتيه .  .  " دبي المدينة العجيبة في رمال الصحراء" / آن اليزابيث لوزانو . . وكالة اي ار تي يي الأعلامية، بالفرنسية والألمانية ، حزيران 2006.
2.   راجع كتاب  " اندريوتي : السياسة بين المخابرات وعصابات المافيا" ـ فصل: السياسة السريّة لبرمجة مسيرة المجتمع / ريغينا اينغل .  . دار هيربغ، ميونيخ 1997 . عن الألمانية . 
3.   مراكز آسيا الوسطى الصاعدة الجديدة المتجمعة في اتفاقيات دول قزوين المتمثلة بـ تركمانيا، كازاخستان، اذربيجان، اوزبكستان اضافة الى ايران وتركيا .  . الأكثر توافقاً في صراع متحرّك مع المصالح الصينية والروسية وغيرها .
4.   جزيرة كيش الأيرانية الحرة المفتوحة في الخليج، التي علّقت عنها السيدة معصومة ابتكاري النائبة السابقة لرئيس الجمهورية الأسلامية صيف 2003 بكونها " تشكّل دعوة لكل المستثمرين الأجانب، في الوقت الذي ترى فيه اميركا ايران .  . جزيرة الأستقرار في الشرق الأوسط " . تجهز كيش ايران بـ 4 مليارات دولار سنوياً، وتشكّل مقر الأدارات والممثليات الغربية، اضافة الى وجود 72 شركة استثمارية غربية وبشكل خاص الشركات النفطية، التي ابرزها توتال الفرنسية، هاليبرتون/ تشيني، وغيرها .  .
5.   مجمّع سرخس الحر في شمال شرق ايران والعائد الى محافظة مشهد الأيرانية، ويشكّل مشروعاً دولياً عملاقاً لتسويق النفط والغاز الى مناطق قزوين ودول آسيا الوسطى، ويشكّل احد الأعمدة العملاقة لمشاريع وقف " استانه قدس" الذي يدير الأوقاف التابعة لمرقد الأمام الرضا عليه السلام‘ في مشهد . 
6.   راجع تقرير " المفتش العام لشؤون النفط العراقي " ، 20 / 5 / 2006 . "شركات النفط الأميركية وسرقات القرن في العراق " / " البيان " الأماراتية، 2 / 6 / 2006 .[/b]

284
العراق والصراع الطائفي المدمّر !    
 1 من 2
[/color][/size]

د. مهند البراك

   في الوقت الذي لاينسى العراقيون والمتابعون فيه ما تناقلته وكالات الأنباء الدولية والمحلية اواخر القرن الماضي، حين نشرت فتوى المرجع الديني الأيراني الأعلى االسيد علي خامنئي التي وافقت فيها على التعاون مع الأدارة الأميركية لأنقاذ " الشعب العراقي المظلوم " من طغيان دكتاتورية صدام الدموية، وكانت ترجمتها العملية المباشرة، سير عدد من القوى الأسلامية الشيعية العراقية في طريق التعاون مع الأدارة الأميركية في ذلك المسعى، الأمر الذي اثارفي حينها ردود افعال متنوعة . . كان ابرزها رفض عدد واضح من المراجع الشيعية العراقية التي كانت تقيم في الجمهورية الأسلامية الأيرانية لذلك، وادى رفضها ذلك الى دفعها غالياً كما تناقلت وسائل الأعلام الأسلامية الشيعية العراقية المعارضة للدكتاتورية في حينه .
   وفيما اندلعت الحرب وسقطت الدكتاتورية واعلن الأحتلال وجرت عملية سياسية استهدفت بناء عراق فدرالي برلماني موحد .  .  جرى نشاط كثيف لعدد من الدوائر الأيرانية لمد نفوذ موازٍ او مشابه امتاز عن نشاطات مشابهة قام ويقوم بها عدد من دول المنطقة، امتاز بكونه ذو طابع اخذ يمتد الى مؤسسات الحكم الجديد (حكم ومعارضة) مستنداً على مجاميع تنشط في ميليشيات مسلحة متنوعة نفذت وهيمنت على مفاصل لايستهان بها سواءاً في مؤسسات الداخلية او وبشكل اقل في مؤسسات الدفاع او بغطائهما، الأمر الذي لم  يعد سراًّ، بل وصرّح به عدد من المسؤولين العراقيين الكبار مؤخراً وتناقلته وسائل الأعلام العراقية والدولية(1) . .
   اضافة الى كون ان ذلك التدخل يجري باسناد قضية مفاعل نووي قيد البناء، وفي وقت يرى عديد من الأخصائيين فيه ومن جوانب متنوعة تجري على ارض الواقع، ان ايران تسير حثيثاً لتكون القطب العسكري الأقوى في المنطقة لمواجهة اسرائيل ؟! الأمر الذي يرى فيه عدد من خبرائها بكونه الضمان القوي (وقد يكون الوحيد بتقديرهم) لأقامة سلام دائم في المنطقة ؟ .  . مع عدم اغفال ان الذي سار ويسير، انما يسير بالترافق مع اعمال الأرهاب الأصولي (السني) للقاعدة وجماعات الأرهابي الزرقاوي وفلول صدام، المسندة والمغضوض الطرف عنها من انظمة دول جوار اخرى كسوريا مثلاً .
   الأمر الذي ادىّ الى دخول المواطن العراقي، الى حالة جعلته بين المطرقة والسندان مجدداً، الآلية التي  جرى التخطيط لها واقيمت له منذ اشعال دكتاتورية صدام الحرب على الجارة ايران مروراً باحتلالها للكويت الشقيق ثم بالحصار، بتقدير اوساط واسعة .  . الى حالة مطرقة وسندان اكثر تعقيداً ودموية سواءاً في استهداف المدنيين اوفي استهداف كل منشئات وهياكل البلاد، وكأنما تركّزت كل المشاكل الدولية والأقليمية على التفاعل والدخول على مشاكل البلاد الداخلية وليس المساعدة على حلّها او تخفيفها، وتحويلها بالتالي الى طاقة حرق ودمار لاسابق لها تأتي على الأخضر واليابس ليس في البلاد وحسب، وانما تهدد بانتشار حريقها الى عموم المنطقة اكثر فأكثر.
   في عودة لآلية المطرقة والسندان بمظهر بشع وكأنها شيعية ـ سنية يتحارب طرفاها كلاهما بقتل العراقيين وتخريب بلادهم تحت واجهة ( الكفاح الدموي ضد الأحتلال الأميركي وحتى انهائه)  .  .  الا ان كلاهما لم يؤذيا ويدمرا في الحساب والنتيجة النهائية الاّ طوائف الشعب العراقي وبنية البلاد وكينونتها وثرواتها، في محاولة لجعل القضية العراقية قضية طائفية ـ سياسية خطيرة راح ويروح الاف الشهداء دونها، وتتمزق جرّاءها وتتشرّد عشرات آلاف العوائل من الطوائف السنية والشيعية، اضافة الى ابناء وبنات الأديان والطوائف غير الأسلامية  . . حتى الآن.
   وفي وقت تعلن الأدارة الأميركية فيه انها موجودة في العراق لمواجهة عدوها اللدود : تنظيمات القاعدة الأرهابية، بل وفي وقت يؤكّد فيه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش من جديد، على ان الحرب واسقاط الدكتاتورية وبالتالي اعلان الأحتلال والتواجد الأميركي في العراق، هدَفَ ويهدف اساساً الى ابعاد خطر الأرهاب عن الولايات المتحدة الأميركية والغرب(2)، التي ترى فيه اوساط تتزايد ان ذلك يجري وكأنه عودة الى السياسة الأميركية التي سادت في زمن الحرب الباردة وبلا رادع دولي هذه المرة، سياسة " صنع التوتيرالداخلي وادامته، لتوجيهه الوجهة المطلوبة "، كما جرى في نحت مسيرة ايطاليا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (3).
   وفي ظروف مسيرة سياسية تصرّ اطراف متنفذه فيها على اتباع نهج المحاصصة الطائفية، لتواجه بالتالي صعوبات جسيمة وفي مقدمتها الصراع الأرهابي الدموي الطائفي، المستفيد من ناحيته، ان لم يكن قائماً على التأثيرات الضارة لنظام المحاصصة ذلك ذاته .  . الأمر الذي يجعل ديمومة المسيرة السياسية بهذه الصورة مرهونة بوجود ودعم قوات التحالف الدولي بقيادة الأدارة الأميركية، اي باستمرار وجود القوات الأجنبية في البلاد لأدامة الأمن، الأمر الذي نبعت وتنبع منه اخطار تتزايد من جهة، والأمر الذي سيعني استمرار ضعف وغياب القرار الوطني العراقي باطيافه من جهة اخرى. (يتبع)

24 / 6 / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع تصريحات نائب وزير الداخلية العراقي منتصف الشهر الجاري .
2.   راجع تفاصيل المؤتمر الصحفي للرئيس جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء البريطاني  انتوني بلير في واشنطن، اثر زيارة الأخير المفاجئة للعاصمة بغداد، 26 / 5 / 2006 .  . راجع كلمات الرئيس بوش في زيارته الأخيرة للعاصمة بغداد  .
3.   راجع كتاب " اندريوتي : السياسة بين المخابرات وعصابات المافيا" / ريغينا انغل .  . دار هيربغ عن الألمانية، ميونيخ 1997 . عن الألمانية .[/b]

285
صدام  .  .  تلويح بتفاهم ام بتأهيل ام  .  .  ؟
2 من 2
د. مهند البراك

   وفيما لعب ضغط المحاصصة ذلك دوراً في الأسراع  بتكتيل قوى بعض التيارات، الاّ ان استمرار الدفع بها واعتمادها كأساس وحيد، ترافق مع جهود واضحة ادّت الى تشكيل خيمة " المجلس الشيعي الأعلى " ثم خيمة " قائمة الأئتلاف" الشيعية، التي تكوّنت من احزاب وتيارات متباينة ولاتتماثل في اهدافها ولا في برامجها او في طريقة تنفيذها لها حيث ان عدداً منها لديه ميليشيات وآخر ليس له، الاّ انها تتماثل في انتمائها الى طائفة واحدة.
   الأمر الذي اضافة الى عوامل متنوعة، ادىّ من جهة اخرى الى تشكّل تجمّع سني مواجه على اساس الأنتماء الطائفي، من قوى متنوعة مبعثرة كثيرة التنوّع والمشارب والأهداف، شكّلت في قسم منها قوى رفضت الأحتلال او قاومته وقوى قاطعت العملية السياسية بداية، ثم اقتنعت بمشاركتها فيها بعد ان لمست ان الأنعزال ليس في صالحها .
     اما فلول صدام فقد توزّعت بشكل منظّم على التجمعين بواجهات جديدة، فالذي استطاع ان يُقبل كتوّاب صار ضمن الخيمة الأولى وبوقت مبكّر على اساس انتمائه الطائفي الشيعي، ومن لم يستطع ان يغادر البلاد او لم يكن مستعداً للعمل مع المجاميع المسلحة لأسباب متنوعة، صار مع التجمّع الثاني المتوزع على كتل او قوائم انتخابية وبرلمانية وغيرها.
   وكنتيجة للأحتلال وتبعاته، استمرار حياة البلاد في حياة حربية عسكرية وشبه عسكرية، الفقر و البطالة والسوق السوداء، انتشار السلاح والمخدرات، تزايد المافيات المتنوعة الأهداف، اضافة الى الوعي الذي تدنىّ بسبب عقود الدكتاتورية والحصارين الداخلي والخارجي والحروب ومصالح القوى العظمى ومصالح ومواقف دول المنطقة حينها، وصولاً الى السلوك الطائفي والأناني لعدد من القوى العراقية .  . استمر النمو المشوّه للمجتمع بوتائر متصاعدة سريعة، رغم تغيّر الأوضاع وانهيار الدكتاتورية، لأن عوامل التشوّه الجارية في السابق عوضاً عن ان تنتهي، تفاقمت في المحصّلة النهائية، ولعدة اسباب يأتي في مقدمتها (اقتراف آلاف الأخطاء!) على حد اعتراف الأدارتين الأميركية والبريطانية (1) .
   الأمر الذي ادىّ الى ثغرات وتوهانات واراقة غير مسبوقة للدماء والرعب، حذّرت منها بوقت مبكر اكثر من قوة وجهة سياسية .  .  ادّت الى ان تتوزع فلول صدام او الدائرين بفلكها والواقعين تحت تأثيرها على جبهة واسعة، تمتد من مجاميع الأرهاب والمقاومة (الشريفة والوطنية)، الى دوائر العملية السياسية ومؤسساتها ذاتها وباشكال متنوعة، تحت الواجهات الطائفية هذه المرّة وصارت اكثر المحرضين عليها، كما تناولها بتفاصيل متنوعة عدد غير قليل من الباحثين والمتابعين والمراقبين العراقيين والأوربيين والأمريكيين اضافة الى الدوليين. 
    والى الحد الذي يُظهر فيه التصعيد الطائفي وماتثيره زمر المسلحين المتنوعين، يُظهر او يجعل من الطاغية الدموي كما لو انه احد ابرز قادة ـ ان لم يكن ابرزـ  قادة السنّه (كذا) باشكال متنوعة، حيث ان السلوك اليومي الدموي والأرهاب وكل التعقيدات التي تم المرور عليها لاتؤدي الاّ الى تشويه حقيقة الدكتاتورية الدموية وكونها كانت دكتاتورية البعث الصدامي الدموية التي انهارت، وتجعلها كما لو كانت بمثابة دكتاتورية الـ (الحكم السني) الذي (سقط على يد القوى الشيعية)؟! الذي بعودته للحكم سيعود (الوئام السابق) وستنتهي التفجيرات والأرهاب واراقة الدماء ؟!!
ويجعل من قطبه (البعث الصدامي) جزءاً من حصة السنّة ان لم يكن عليها ان تأتمر باوامره وان تكون برهن اشارته. في وقت ترى فيه اوساط حسنة الأطلاع ان المخيف والمثير للقلق الكبير .  . ان ذلك التغير المأساوي قد يكون مقبولاً اكثر لدوائر متنفذة في صنع القرارات الدولية من اجل (توحيد البلاد بأمرة فرد " اسلامي معتدل" او "اسلامي ـ علماني" ديمقراطي ام غير ديمقراطي!) مقارنة بالبديل الذي ينادي به السيد مقتدى وميليشيا المهدي مثلاً !! خاصة وانها ترى في (القائد حفظه الله) بطل اشعال الحرب الدموية ضد الجارة ايران، التي ابتلى الشعبان بنيرانها المهلكة سنيناً طويلة، وعطّلت قدراتهما وارجعتهما عقوداً الى الوراء.   
   ان اوساطاً واسعة تنظر بقلق الى سلوك الأدارة الأميركية القادم بعد اعترافها باقتراف (الأخطاء الكبيرة) في الوقت الذي عبّر فيه رئيس الوزراء البريطاني عن، ان اكبر الأخطاء كان الأسلوب الخاطئ في التعامل مع حزب البعث ؟! بذلك الشكل المطلق وبدون اي تحديد لموضع الخطأ ولا اي تحديد لكيفية تصحيحه في ذلك الملف الدموي الضخم المخيف، و في وقت يعبّر فيه عدد من المسؤولين العراقيين المنضوين تحت الخيمة (السنيّة) عن ضرورة اعتبار (المقاومة الوطنية) مقاومة مشروعة ضد الأحتلال .  .  دون اي تحديد لمن يعنون منها ايضاً ؟!
   في نفس الوقت الذي تجري فيه تساؤلات كبيرة عمّا عناه برزان التكريتي مؤسس المخابرات العراقية سيئة الصيت امام المحكمة في جلستها الثلاثين اثر الأستماع الى شهود دفاع مثيرين للسخط والريبة بهتافه " تعيش العدالة الأمريكية "، وهو الشيطان الذي لايدع للعاطفة دوراً في تعابيره رغم كثرة تهريجه المفتعل في المحكمة التي كان لم يكف عن وصفها ببدعة اميركية ؟؟ اضافة الى تعبير صدام فيها بـ " بأنه لايكره الرئيس بوش ! " الذي يرى فيه قسم من المحللين انه كما لو كان بدء اعتذار للرئيس الأميركي جورج بوش بعد ان طولب به مراراً قبل اعلان الحرب .
   هل هو تغيّر جديد في المواقف؟ ام هو تعبير عن استعداد جديد قد يلقى تجاوباً مع المتغيّر؟! للعودة للحكم وضبط البلاد بالحديد والناروباشعال الحرب ضد الجارة ايران، بعد ان تناقلت وكالات الأنباء العالمية والأميركية خبراً تكرر قبل اسبوع من تلك التصريحات الدولية وجلسة المحكمة المذكورة، افاد بحصول لقاء دون مترجمين بين وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد، وزيرة الخارجية الأميركية رايس من جهة وصدام من جهة اخرى في سجنه، جرى فيه تطمينات وشروط، ووصف اندهاش حراّس السجين صدام من تمكّنه من اللغة الأنكليزية  .  .  الذي لم يجر اي تكذيب له او اي توضيح بشأنه .
رغم ان حزب البعث كحزب، لم يقيّم تجربته الى الآن ولم يؤشر الى اخطائه او يعاقب صدام كدكتاتور اذلّ شعبه واضرّه واضرّ بحزبه ذاته، كعضو فيه .  .  بل استمر في اعماله الدموية المشينة ضد الشعب العراقي بواجهة مقاومة الأحتلال وبكونه بانتظار ( قائده السجين البطل فكّ الله اسره)، موظفاً لذلك ارصدته الضخمة واسلحته، وسط تحريضات صدّام الواضحة لجماعاته على العنف والأرهاب تحت واجهة محاربة الأحتلال من موقعه الحالي كـ (رئيس محمي بشكل كاف) في قفص الأتهام، وعلى نهجه بـ (ازمة اشتدي تنفرجي) ؟!   
ان القلق يتزايد خاصة بعد تأكيدات الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني انتوني بلير على ان هدف الحرب (وبالتالي التواجد العسكري في العراق) كان لحماية بلديهما من الأرهاب !! (2) التي تحمل معاني ودلالات كثيرة التنوّع في ظروف البلاد وتثير انواع القلق. رغم ان الأعمال الأرهابية استمرت في الغرب ولم تتوقف سواءاً في المملكة المتحدة، او في اوروبا عموماً كما حدث في اسبانيا وفرنسا وروسيا ثم في كندا وغيرها، ولاتزال الجهود الشاقة للمعنيين تجري لمواجهتها برصد مبالغ فلكية واجهزة عالية التخصص منذ نيسان 2003 والى الآن .
وفيما تطرح تساؤلات من قبيل الا يمكن ان يكون الأرهاب الدولي قد غيّر خططه واهدافه، بعد الضربات التي تلقّاها وكل التغييرات التي حصلت منذ اسقاط طالبان مطلع 2002 واسقاط صدام في 2003 ولحد الآن، ليصبح العراق ليس الجبهة الأمامية للأرهاب الدولي؟ ام ان هناك اصرار دولي واقليمي على ابقاء العراق بهذا الوضع المأساوي الذي يعشعش فيه الأرهاب الدولي اضافة الى المحلي والأقليمي .  .  لغايات دولية واقليمية وليس لصالح الشعب العراقي؟
ويتساءل مراقبون لماذا لا يفكّر اصحاب القرار من العراقيين والدوليين ان بامكان العراق النفطي الغني وبعد الخسارات والدمار ونزيف الدم الذي لاينقطع، وغيرها من التي تعيق عودته للحياة الطبيعية وتدفع به الى هاويات اشد قساوة مما جرى ولتدمّر حتى ما يرتاح له البعض لما يتصوّر انه تحقق له .  .  ان بأمكانه ان يدفع الأرهاب عن العراق بالدفع له وتأمين شرّه مؤقتاً على الأقل، كما تدفع دول النفط الغنية وتساوم وتضرب ضمن خططها لمواجهته، والأخرى التي تكتفي بالدفع ؟
ام ان هناك اصرار دولي واقليمي يسعى لأبقاء العراق ممزّقاً متناحراً، يستمر فيه الدكتاتور المنهار في لعب دوره سواءاً مع المتصارعين الآخرين او جنب قسم منهم او بمواجهتهم، او فوقهم .  . باسم (الديمقراطية والحرية) ضمن وجهة جعل العراق " كونغو المنطقة "، التي تتنازعها الميليشيات الوثيقة الصلة بالأقطاب الدولية والأقليمية، لتأمين جريان النفط رخيصاً للأحتكارات الدولية للنفط والسلاح، وليلعب الدور الذي رسمته له في قضية اسعار النفط في العالم .  .  ام ماذا ؟؟
ومتى ستدرك القوى العراقية ما يحاك ويخطط، الذي لن تستطيع مواجهته الاّ بوحدة ولحمة صفوفها وتوافقها وتسامحها وقبولها لبعضها البعض على اساس الخروج من الواقع الجاري ونحو حل واقعي لأيقاف نزيف الدم وتضميد الجراح ولعودة الحياة الطبيعية اليه، ومن اجل عراق مزدهر يستحقه العراقيون بكل الوان طيفهم القومي والفكري والديني وبكل طوائفهم . (انتهى)

5 / 6 / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   راجع تفاصيل المؤتمر الصحفي المشترك لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ووزير الخارجية البريطاني السابق جاك سترو، اثر زيارتهما المفاجئة للعراق في اوائل ايار 2006 .
(2)   راجع تفاصيل المؤتمر الصحفي للرئيس جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء البريطاني  انتوني بلير في واشنطن، اثر زيارة الأخير المفاجئة للعاصمة بغداد، 26 / 5 / 2006. [/b] [/size] [/font]



286
صدام  .  .  تلويح بتفاهم ام بتأهيل ام  .  .  ؟
1 من 2
د. مهند البراك

   فيما يستمر الوضع العراقي ويتصاعد دموية ووحشية، رغم جهود ترمي لتأسيس حياة جديدة تحت ظل دولة مدنية فدرالية حديثة، توالت في الفترة الأخيرة تطورات، اخذت تثير قلقاً من نوع جديد. ففي الوقت الذي تأخّر فيه اعلان تشكيل الحكومة الجديدة، حكومة السيد المالكي .  .  التي لم يتسمَّ لحد الآن اهم وزيران فيها، الوزيران المخولان بالمعالجة المباشرة لأهم قضيّتين متحكمتين بالبلاد الآن، قضية الأمن ومواجهة العنف وقضية الأستقلال والسيادة الوطنية.
   الأمر الذي قد لايمكن تفسيره بسهولة لعدد من المراقبين، لأنه يجري في بلاد شارك شعبها متحدياً الأرهاب والموت في ثلاث انتخابات مباشرة في عام واحد .  .  الأمر الذي يلقي اضواءاً على حقائق الأوضاع الجارية في البلاد من جهة، وعلى معاني ( حقائق الأوضاع التي لم تحسبْ في البلاد وفي المنطقة ؟)، التي تلقي تساؤلات وتزيدها وتحيل الشكوك الى حقائق حول ماجرى ويجري منذ نيسان 2003 وحتى اليوم (1).
   ففي الوقت الذي يتزايد فيه نزيف الدم والعنف الذي بدأ يأخذ اطوار مضاعفاتٍ جديدة اكثر خطورة من الجاري، من تهجير وتطهير من محلات ومناطق الى محافظات على اساس الأنتماء الطائفي في البداية وعلى اساس الأنتماء الأثني والقومي، الذي يهدد بحدوث مخاطر اكبر !! مخاطر جديدة على اساس حرب الطوائف او حرب الأحزاب الطائفية مدعومة من جهات اقليمية ودولية ً.  . 
التي تلعب فيها الميليشيات المتسميّة بالطوائف السنية والشيعية ـ والطوائف منها براء ـ الدور الأساسي، وفي مقدمتها ميليشيا المهدي التي تتفاعل فيها وتتخذها ميليشيات متنوعة اخرى كغطاء لها، لأسباب يضيق بها المقال، والتي (اي ميليشيا المهدي) تعود في الحساب النهائي الى خيمة رئيس الوزراء الجديد السيد المالكي " قائمة الأئتلاف " الشيعية .  .  في وقت اخذت تتكشف فيه بوضوح ادوار دوائر ايرانية بعينها (اضافة الى عربية واقليمية اخرى) في زيادة تأجيجها، كما تتناقلها وكالات الأنباء والصحافة المحلية والدولية .
وفيما تتحرّك القضية العراقية على محاور متعددة ؛ من البرلمان والحكومة الجديدة والواقع الدموي الجاري والمعاناة الحياتية والمعيشية اليومية، ومن ارهاب القوى التكفيرية والصدامية .  . الى مصير النفط المستمر بالسيلان (2) وثروات العراق الهائلة وعصابات ومافيات المستفيدين وعصابات الفساد الأداري، الى الأحتلال وقضية القوات الأجنبية .  . اخذت محاكمة الطاغية البائد تحتل محوراً يزداد اتساعاً .
واخذت اوساط تتزايد ترى، وفق مسيرة كل ظروف البلاد الدموية الكثيرة المخاطر والتعقيد، ان محاكمة صدام صارت كما لو انها جزءاً هاماً من محاور القضية العراقية بل وجزءاً من (اللعبة السياسية)، شاء المرء ام ابى ولأسباب اخذ التساؤل عن حقائقها وعن كشفها يزداد الحاحاً بعد ان جرى ما جرى وبعد تزايد الأفق الذي يلوّح بالثقة تلبداً، بعد مرور ثلاث سنوات على سقوط الطاغية.
الطاغية الذي حكم شعبه بالحديد والنار، وبالكيمياوي والمقابر الجماعية والحروب، الذي صوّت شعبه له بالرفض وتركه ليواجه الحرب وحيداً، والذي خُلّص من النقمة الشعبية باعتقاله واعتباره اسير حرب، ووفّر له قضاء اصولي علني لم يتصوّره عراقي او عراقية، ولم يحلم به حتى من اعتقل وعذّب واعدم لأنه لم يعلّق صورة الطاغية في صدر داره، او لأنه تلفظ  باسمه دون خشوع ؟!
بل واخذت ترى بألم وقلق ان قطب الطاغية البائد يهدد بـ (لم شمله)، بعد تفرّقه واختراقه المحترف للصفوف الجديدة (حكم ومعارضة) وبشتى الوسائل التي في مقدمتها اطالة اللحى والتوبة ولبس العمائم، في قلب العملية السياسية وفي اطرافها وحولها وبمواجهتها ! شيعي، سني او توّاب ان تطلّب،  ارهابي تكفيري او مجرم، جحش تائب، او قومي عروبي .  .  ليعود الى خيمة (الزعيم المنقذ) الذي تربى عليه و(ولي نعمته وخالقه) الذي (سوّاه آدمي) و(البسه نعال) .  .  مع الأخذ بنظر الأعتبار ضرورة ادراك نتائج وعواقب السياسة التي سار عليها صدام الدموي على اساس ( كل عراقي بعثي على طريقته الخاصة ) حين فرضت دكتاتوريته بطاقة البعث الصدامي، على العراقي او العراقية كي يستطيع ان يعيش لا اكثر، بشكل يطول البحث فيه.           
   وفيما اعتبرت القاعدة التي وضعها وسار عليها السفير بريمر، " المحاصصة على اساس : سنّة، شيعة، اكراد " كبداية، او كوسيلة بداية لحل مشكلة التمزّق الوطني والسياسي والقومي، الاّ انها بتكريسها وتعميقها وما سار ويسير بضوئها ونتج عنها، اخذت تواجه عدم ارتياح متصاعد حتى من اقسام من الأوساط التي فرحت بها او لم تنتبه لحجم خطورتها او سوّغت لها بداية ـ رغم التحذيرات المبكرة المتنوعة الداخلية والخارجية (3) ـ .  .  بعد ان اخذت تتسع مخاطرها ومضاعفاتها، ضحاياها ونزيف دمائها الهائل والمهدد ابداً ودمارها .  (يتبع)

3 / 6 / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   راجع تفاصيل المؤتمر الصحفي للرئيس جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء البريطاني  انتوني بلير في واشنطن، اثر زيارة الأخير المفاجئة للعاصمة بغداد، 26 / 5 / 2006.
(2)   راجع تقرير " المفتش العام لشؤون النفط العراقي " ، 20 / 5 / 2006 .
(3)   لابد من الأشارة هنا الى تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل كاحد ابرز الحكام العرب في قمة رجال الأعمال في نيويورك في ايلول 2004 ، في معرض المحاصصة تلك وتطبيقاتها التي عبّر فيها، عن ان بلاده مع الفدرالية الكردية لأنها قضية عادلة معروفة، الاّ ان بلاده ترى بعين القلق، قضية تقسيم العرب الى عرب سنه وعرب شيعة .  .  الأمر الذي يهدد المنطقة وقد لايبقي دولة اسمها العراق، على حد وصفه الذي حمل اكثر من معنى. [/b] [/size] [/font]   

287
ماذا تعني العودة الى فزاعة الخطر الشيوعي ؟
د. مهند لبراك

   بينما تعيش البلاد واقعاً مريراً جراّء الأرهاب والبطالة وانقطاع وانعدام التيار الكهربائي، وشيوع القلق بين اوساط واسعة لعدم رؤيتها مؤشراً يلوح بضوء في نهاية النفق .  .  وتزايد القلق من تزايد احتمالات تحمّل (او تحميل) السيد رئيس الوزراء الجديد، مسؤولية وزارتي الداخلية والدفاع اضافة الى مسؤولياته الكبرى كرئيس وزراء وناطق عن قائمة الأئتلاف الحاكمة والقائد الثاني لحزب الدعوة الأسلامية .  .  الذي قد يتسبب وفي الظروف القائمة الآن بخلق دكتاتورية جديدة، شاء المرء ام ابى .
تفاجأت وقلقت اوساط واسعة من تصريحات هامة لأبرز وجوه البرلمان العراقي التي اضافة الى تعبيره فيها عن الواقع العراقي المؤلم وسبل مواجهته .  .
الاّ انه عبّر فيها كما لو ان الحزب الشيوعي العراقي هو سبب الأرهاب في تاريخ العراق، في نبش يرى العديد فيه كونه غير موفق ولاصحيح، وانه جاء في معرض تعبيره عن تضايقه من ملاحظات مشروعة مخلصة قيلت له علنا بضرورة تحسين مفردات خطابه لأنه في موقعه الآن يمثل البديل لنظام دكتاتورية صدام الدموية المنهارة، اضافة الى ضرورة مراعاته الأملاءات التي يفرضها عليه موقعه على حد تعبيره بنفسه.
لتأتي تعبيرات السيد وزير الداخلية المنتهية ولايته لقناة الجزيرة التي خبر العراقيون دورها الذي لم يزد النار الاّ اشتعالاً في البلاد، والتي نعتها ذاته يوماً باشد النعوت .  . 
في محاولة للرد على الأتهامات والأثباتات المثارة على وزارته وعلى سلوك وحداتها منذ قضية ملجأ الجادرية، والتي لم تعلن نتائج التحقيق فيها لحد الآن، وفي محاولة منه للعودة الى منصبه السابق وللرد على المطالبة المتصاعدة بحل الميليشيات المسلّحة.
تلك التعبيرات التي قال فيها انه لاتوجد ميليشيات مسلّحة بعد ان تم حلّ ( الميليشيات الشيوعية)؟!
وكأنما ان الميليشيات الطائفية  السيئة الصيت ( المتلبسة لبوس السنة او الشيعة والطوائف منها براء) التي تعبث بأمن وسلامة وحياة المواطنين ليلاً ونهاراً، والتي لاتسير بالبلاد الاّ الى الهاوية في التمزق والقتل والجوع والمخدرات(1) ( لم تكن الاّ ميليشيات شيوعية وانها حلّت)(2)  .  . 
لم تثر تلك التعبيرات الاّ المرارة والسخرية، وتلقي اضواءاً ساطعة على حقيقة سلوك ومدى ابتعاد عدد من المسؤولين الحكوميين البارزين عن واقع الشارع العراقي وهمومه ومعاناة اوسع جماهيره وفئاته الأجتماعية التي تعاني الأمريّن من واقع شكّلوا هم بسلوكهم وانانيتهم وصراعهم على المواقع جزءاً هاماً في تكوينه .
ويتساءل عديدون عما تعني تلك التعابير، هل هي ضحك على عقول الناس من موقع المستكبرام محاولة استغفالهم ؟
ام محاولة للدفاع بتزييف الحقائق ولوي اعناقها، ام محاولة لبعث فزاّعة لم يستطع حتى دكتاتوراً دموياً كصدام من امرارها لأنها لم ولاتستر عورة ! او محاولة لخلط كل الأوراق المنادية بحقوق الشعب ووصمها بالشيوعية، كما تسعى دوائر بوصم كل اختلاف بكونه ارهاب !
اوباللجوء الى اللاواقعية بسبب تكاثر التذمر من الوزارة التي انتهت ولايتها، وبسبب ما يتهدد  قائمة الأئتلاف بالتصدع، بتاثير فشل الوزارة السابقة وانفلات المليشيات الطائفية وفي مقدمتها الزرقاوي وفلول صدام من جهة وجيش المهدي من جهة اخرى، والموقف المتفرج الذي يحمل اكثر من معنى للقوى العظمى والأقليمية .
او هي محاولة بائسة لتكريس الطائفية بدل الحياة الحزبية التي طبعت العراق طيلة تاريخه الحديث وبدل المبارات السياسية السليمة وتفعيل دور الجماهير التي كفلها الدستور، من اجل وضع حلول للأرهاب والبطالة وانقطاع وانعدام التيار الكهربائي ووضع حلول للمشاكل المعاشية المتفاقمة وندرة النفط ومشتقاته في بلاد النفط والغاز، ومن اجل انهاء الأحتلال.

14 / 5 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع ملفات امنستي، منظمة مراقبة حقوق الأنسان، تقارير منظمات وبعثات الأمم المتحدة للفترة كانون ثاني / نيسان 2006 .
2.   مقابلة فضائية الجزيرة مع السيد جبر صولاغ اوائل ايار 2006 .[/b][/size][/font]

288
القضية الوطنية والصراعات الدولية والأقليمية
د. مهند البراك

   فيما كان العالم الغربي يصفّق لنهاية الحرب الباردة اواخر ثمانينات القرن الماضي، كان القلق يلّف اوساط واسعة في بلدان العالم الثالث وخاصة في البلدان الأكثر غنى منه، لأن انهيار احد قطبي التوازن الدولي الذي كان قائماً، كان يعني لها بداية مرحلة جديدة، ستواجه فيها واقعاً مجهولاً جديداً .  . وستواجهه عزلاء ـ اي بما وصلت تركيبتها هي اليه ـ بعد ان مارست الأوساط الحاكمة فيها وتلك القريبة منها ومن كان في دائرتها، لعبة التوازن والموازنة بين القطبين خارجياً، وبالتالي لعبة الموازنة بين قوى التقدّم والأنفتاح وقوى المحافظة والأنغلاق داخلياً . 
وفيما تسببت حالة اعادة التظيم تلك بسقوط انظمة بائدة ونشوء انظمة جديدة على اسس انظمة  المؤسسات، و بروز دول وكيانات جديدة  .  .  فانها تسببت في شرقنا الأسلامي والعربي بفراغ سياسي داخلي مفاجئ ان صحّ التعبير، ادى الى ظهورالأصولية والسلفية والعشائرية التي كانت لها اسساً منظّمة بشكل يمكن القول انها كانت اكثر استقراراً من غيرها قبل التغيير .  .  لمواجهة اعباء الحياة السابقة من جهة وعلى ارضية من بطالة وهبوط وخواء ثقافي سياسي اقتصادي عاشت تحت ضغطه مجتمعاتنا عقوداً من الزمان من جهة اخرى، وغيره الذي تسببت به تلك الأنظمة البائدة التي حكمت لفترات طويلة.
وفي الوقت الذي اوجدت فيه العولمة والثورة المعلوماتية والتكنولوجية في الغرب، امكانات ووسائل انتاجية ارقى بما لايقاس بما كان عليه الحال قبل نهاية الحرب الباردة، فانها انتجت ايضاً ازمات  في اسواق العمل في الغرب ذاته، كمؤسسات واختصاصات ومجاميع وفرق عمل بمختلف الدرجات والكفاءات والأختصاصات .  .  اما لكونها صارت لاتلبي الحاجات الجديدة او لحلول الآلة او النظم الألكترونية الأحدث محلّها هناك، اضافة الى انها اوجدت طفرة في تزايد حاجات الغرب الى الطاقة والخامات عموماً والى النفط الخام الغنيه به بلداننا بشكل اكثر تحديداً .
ومن ناحية اخرى، وبما ان التغيير الحاصل في بلداننا( قادم من الخارج) بالحساب النهائي ومن الغرب تحديداً، سياسيا واقتصاديا وفكريا، دون لمس او ادراك واهتمام اوساط غير قليلة بدور الغرب الحضاري والثقافي والعلمي والصناعي والتكنيكي وكون ان ابرز حاجات حياتنا هي منه، من السيارة والملابس والكهربائيات والألكترونيات الى نظم الدراسات والعلوم والصحة والبناء وغيرها . . وبسبب تخلّف البنية الأقتصادية ـ الأجتماعية في مجتمعاتنا(1) ، وبسبب انتقال تأثيرات امراض الغرب الصناعي وعلى رأسها امراض الكساد الينا، التي اخذت تأتينا مع الجديد .  . بشكل بضائع بائرة، غش، فساد اداري، احتكار وما ادىّ الجديد من كساد في المنتوجات المحلية لتخلفها وغلاء تكلفتها ولرفع الدعم الحكومي عنها وغيرها، اضافة الى الأخطاء العسكرية العديدة كفضائح السجون مثلاً، وانتشارها بسرعة البرق عبر الصلات الألكترونية، اضافة الى التباطئ غير المبرر في اعادة البناء واعادة تنظيم شؤون الدولة، الذي تسبب بخسائر غير قليلة بالأرواح والمعدات والممتكات  .  .
وجدت بقايا الأنظمة السابقة في الأصولية خير وسيلة لأمتطائها لمواجهة التغييرات العاصفة التي اطاحت بقواها ومصالحها وثرواتها، وبكراسي واجهزة حكمها، مستندة الى تخلّف وجهل اوساط واسعة بحقيقة مايجري وبحقائق كيفية التعامل معه من جهة، والى حساسية وانانية جعلت اوساطاً غير قليلة لاتتقبل الأقرار بأن انتماءها الحضاري صار متخلّفاً قياساً بالمراحل الحضارية التي وصلتها امم العالم اليوم على ما يظهر من تناقضاتها(2) .  .  الأمر الذي ادى الى تسارع وظهور مجاميع الأرهاب الأصولي الوافد الذي اخذ يفرّخ بسرعة .
في ظروف دولية اخذ يزداد فيها العنف، واخذت تشير اضافة الى القلق من استمرار وتزايد تباعد مجتمعاتنا العربية والشرق اوسطية وانظمتها، عن ركب الحضارة العالمية وتزايد انغلاقها .  .  تزايد الشعور بوجود ميل نحو جدب وجفاف في علاقات الغرب مع المنطقة ـ رغم الجهود المبذولة والأنجازات التي تتحقق ـ وما يجرّ ذلك بالتالي من تأثير على علاقات دول ومجتمعات المنطقة بعضها ببعض. الأمر الذي يهدد بتفاقم  ان لم يجرِ الأنتباه ووضع حلول له . .  تفاقم يصل الى طابع علاقات من الغطرسة والعنف والعسكرتاريا، بدلاً من دور الأشعاع الحضاري السلمي والتلاقح الأنساني الذي لعب ادواراً ايجابية في عصور ومراحل سابقة، اضافة الى التركة الأمبريالية  .  .
 الأمر الذي قد يفاقم من عزلة المنطقة بالمفهوم الأجتماعي الواسع، ويصعّد الأرهاب والعنف فيها ويزيد من عوامل العناد ورفض التحديث والأنفتاح والتمدن فيها، في ظرف يزداد فيه الصراع حدّة على تحقيق ارباح همجية وعلى زيادة النهب ومخاطر تزايد ذهنية السطو والأنانية في البلاد، بلا مبالاة بمصائر مجتمعاتنا وضرورة التوصل الى طريق لأستقرارها والسير بها نحو رفاه اجتماعي .
   ففيما يصف عدد من المراقبين والمفكرين الواقع الدولي اليوم، بكون ان اقطاب اوروبية نافذة تحاول تشجيع اقطاب المال والسلاح والنفط في الولايات المتحدة، على شنّ حروب اكثر وتحاول دفعها وتوريطها بذلك الأتجاه لأستنزافها .  . محاولة منها لأٍستعادة مواقع فقدتها في نصف القرن الأخير او في محاولة للتفوق عليها في مواقع اخرى في العالم .
وفي محاولة منها للـ (الأستفادة) من الدروس المريرة التي جنتها اوروبا وبيوتاتها الأقتصادية بعد ان خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة مثخنة الجراح، والتأخر المدروس للأقطاب النافذة في الولايات المتحدة في فتح الجبهة الثانية آنذاك  .  .  التي اجبرتها بالتالي على الموافقة على الشروط الأميركية بعد انتهاء الحرب، وعلى تثبيت تسعير النفط  بالدولار الأميركي وبالتالي هيمنته (الدولار) عليه، في مقابل الدعم الأميركي لها في عمليات اعادة البناء وفي مشروع مارشال، وفق عديد من المصادر التاريخية والمعلوماتية . 
   يصف آخرون سلوك اطراف نافذه في الأدارة الأميركية اليوم، بكونه يعكس القلق والخوف من التطور الصاروخي لمعدلات النمو السنوي للصين الشعبية الذي جعلها في حاجة ونهم شديدين للنفط وادخلها في قمة حلبة الصراع الدولي في مسارح النفط والطاقة، خاصة بعد تحالفها الوثيق مع عملاق النفط الروسي من جهة، والتزايد المتسارع لأستثماراتها المتنوعة في نفط ومشتقات نفط وغاز دول الخليج، من جهة اخرى .
 ويشكّل الأعلان الصيني عن البدء بانتاج وتسويق سيارات الغاز والبخار مطلع عام  2007 ،  تحدياً كبيراً للأقطاب الصناعية والمالية الأخرى وسابقة توضح ان دخول الصين الجديد لصراع القوى العظمى والمصالح الدولية قد جاء في مستوياته العليا وبشكل اكثر صبراً وتخطيطاً .  .  وهي بكامل طاقاتها الأقتصادية والعسكرية والبشرية والمعنوية، خاصة وانها لم تتورط في اية حرب استنزاف منذ استقلالها، قبل نصف قرن.
   وفيما يقيّم قسم من الأختصاصيين، العلاقات الدولية بكونها رجوع الى مراحل الأمبريالية التي افتتحتها حرب الأفيون التي اعلنتها بريطانيا على الصين في القرن الثامن عشر .  .  يرى قسم آخر ان القوى العظمى والعلاقات الدولية المعولمة اليوم وبعض عناوينها المدرجة اعلاه قد دخلت على الصراعات الوطنية الداخلية بشكل اكثر مباشرة من السابق وصارت تتفاعل مع مكوناتها الوطنية الداخلية وتحرّكها وفق منظورها ومصالحها بلا استئذان .  .  تاركة تأثيراتها عليها كفعل او كرد فعل وباشكال كثيرة التنوع في فوضى عالم اليوم.   
الأمر الذي ادخل القضية الوطنية العراقية ( كجزء من عديد من القضايا الوطنية الداخلية للبلدان ذات الأهميات الستراتيجية ) في مرحلة تاريخية اكثر تعقيداً مما مضى، مرحلة تتصف بتفاعل المكونات الوطنية الداخلية (المكشوف) كل على حدة، مع اطراف ومكونات صراع القوى على المستويين الأقليمي والدولي، الذي يبدو اكثر وضوحاً في حالات استمرار عدم الأستقرار .   
والذي اخذ يجعل من تلك القضايا الوطنية (الداخلية)، وعلى خلفية صراعات نصف القرن الأخير .  .  كقضايا اقليمية ودولية يرى فيها البعض من زاوية مصالحه واهدافه انها اخذت تفرض على المكونات الوطنية ان تتعامل معها كل من جانبها !!  فيما يرى كثير من السياسيين والمراقبين والخبراء اهمية التوصل الى توافق وطني داخلي موحد يعمل على التعامل مع العوامل الأقليمية والدولية ككيان واحد يستطيع صيانة قدرة البلاد على النجاح في جهودها من اجل قضيتها الوطنية التي تنشد استقلال القرار  والنمو الأقتصادي الأجتماعي، وتستطيع الوقوف ضد اخطار الحروب وضد العنف، ويمكّنها على القدرة على التوافق والتعايش مع محيطها الأقليمي والدولي على اساس المنافع المتبادلة بعيداً عن العنف .  .  لأجل انصاف انسانها من مختلف الوان طيفه، ولأجل حقه في الحياة والعيش الكريم، الذي نصّت عليه العهود والمواثيق الدولية المعمول بها.   

4 / 4 / 2006 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   التي تشكّل بمجموعها درجة حضارية اعلى مما هي عليه، فيه.
(2)   حيث ان العلاقات الأنتاجية الأقتصادية ـ الأجتماعية المتطوّرة المترابطة بالعلوم والمعارف وبمستوى معيشي لائق، تشكّل حصانة تقي البلاد من مخاطر السقوط بفخاخ الأصولية الدينية، او تقلل من اخطارها الى حد كبير .
[/b][/size][/font]

289
الآن .  .  ماذا يعني سحب ترشيح الجعفري ؟!
د. مهند البراك

   اثار اعلان السيد الأشيقر الجعفري عن ردّه ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء القادم .  .  اثار انتباه الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن العراقي، واثار ارتياحاً كبيراً بين اوساط عراقية واسعة كانت كثيرة القلق من تحوّل تلك الأزمة التي طالت والتي اخذت تدفع البلاد الى مراحل اكثر دموية مما جرى، بل واثارت مخاوف اوسع الأوساط من ان تلك الأزمة (او باسمها وتعكّزاً عليها)، قد تجر البلاد الى طاحونة حرب عراقية ـ ايرانية مدمّرة جديدة لايتمناها احد من الشعبين الجارين المسلمين .
   يأتي ذلك بعد انتهاء فترة تولي السيد الجعفري منصب رئيس الوزراء الأنتقالي، التي تميزت بتصاعد العنف الطائفي ـ على حد وصف السيد الجعفري ذاته مؤخراًـ وزيادة دور الميليشيات واعادة عدة ملفات امنية لقوات التحالف بسبب عدم القدرة على ضبط الأمن، الذي لايعني من جهة اخرى الاّ استمرار التواجد العسكري الأجنبي، مهما كثرت وتنوعت التصريحات الواعدة بوضع نهاية له .
   ولأن السيد الجعفري يمارس دوره السياسي كزعيم لحزب الدعوة الأسلامية، الذي يلعب كما اخذ يتّضح دوراً مقرراً في كتلة الأئتلاف، وبالتالي وبدفع من افراد و قوى متنوعة تحاول التزويق له او دفعه ليطرح نفسه كحزب حاكم اوحد، لتحقيق الهيمنة باي ثمن. الأمر الذي يهدد قواه واجنحته ذاته ويهدد تحالفاته الأسلامية الشيعية ان لم يكن اكثر، بتقدير اوساط ليست قليلة بل ومن ذات الأجنحة والتحالفات كما تناقلت وسائل الأعلام العراقية والأقليمية والأسلامية وغيرها، حذّر عدد منها بالتذكير بالتجربة المرّة لكيفية تكوّن وصعود صدام الى السلطة  . 
فلا بد من القول ان تغييرات عدة اجتاحت حزب الدعوة الأسلامية عن زمن مرشده الفكري والروحي الشهيد محمد باقر الصدر في الستينات والسبعينات، وحوّلته الى اجنحة معلنة لم تخفَ خلافاتها وصراعاتها، بل واعلن قسم منها عن تسمّيه باسماء جديدة.
وان تلك التغييرات قد تسببت بها عوامل متعددة .  . من دور اجهزة صدام الوحشية الدموية، واهوال النضال الى الضغوط الأقليمية والدولية، الى التغييرات التي تجتاح العالم والمنطقة والبلاد وتفرض مراجعة في الأفكار والمفاهيم، وغيرها من التي اثّرت وتؤثر بدرجات متفاوتة الشدّة والتنوع على مجمل قوى واحزاب معارضة الدكتاتورية التي قدّمت جميعها في نضالها جحافل الشهداء من الرجال والنساء والعوائل والأطفال، والتي كان منها حزب الدعوة الأسلامية .
وفيما يشير عارفون الى ترقّب اوساط لعودة الوحدة الى الدعوة بقيادة السيد الجعفري وارشاد رجل الدين مقتدى الصدر .  . في سعي لتكوين نظام ولاية فقيه محسّن ان صحّ التعبير او على النهج العراقي، بالضغط على الآلية القائمة الآن اكثر، او بالدفع  نحو تكوين مرجعية عليا جديدة بآلية تشابه آلية تشكّل مرجعية حوزة قم واعلان نظام ولاية الفقيه في الجارة ايران، اثر انتصار الثورة الأسلامية بزعامة الأمام الخميني عام 1979 . 
تنظر اوساط واسعة بقلق وترقّب الى ان تسيّد نزعة الزعامة والأنفراد بالسلطة لاتقود الاّ الى تزايد مخاطر تشكّل وتزايد دور حركة ذات طابع عفوي ان صحّ التعبير تركب وتقود العواطف والمقدسات الدينية، وتعتمد الميليشيات الممولة من خارج البلاد، الأمر الذي سيؤدي الى تكريس وتزايد ظهور مجاميع مماثلة مناوئة، ولايعمّق الاّ منطق العنف ويزجٍّ بالبلاد في اتون حرب طائفية اشدّ مرارة بين ابناء البلد الواحد بلا مبالاة بمصير شعبنا العراقي بكل اطيافه .  .  بعد ان ركّز على اشعالها الأرهابي الزرقاوي وارهابه الوافد وفلول صدام، الأمر الذي لن يؤدي الاّ الى زيادة تشكيل وتركّز الميليشيات الطائفية القائمة، وزيادة التبعية المصيرية للصراع الأقليمي، ويهدد بتفتيت البلاد رغم الشعارات والمزايدات والوعود.
ان ثلاث سنوات عبّرت فيها اوساط واسعة بما يكفي عن قهرها واملها بظهور الأمام الغائب رغم تواصل نزيف الدّم، اخذت تدفع فئات واسعة منها الى التساؤل المرير: الى متى يستمر نزيف الدم الذي لاينقطع والى متى البطالة والجوع؟ الايفكّر بنا احد الا يفكّر احد باوسع الأوساط العراقية الفقيرة ؟؟ في ظروف لايؤدي فيها الطرق المتواصل الدموي عليها، الاّ الى زيادة الروح الوحشية والهمجية ! الذي تشكّل بغداد العاصمة ذات الملايين السبعة والمكوّنة من كل الوان الطيف العراقي النموذج الأكثر عنفاً ومأساوية منه .   
ان اوساطاً واسعة تنتظر ان يكون سحب ترشيح السيد الجعفري، بعد ان فوّت فرصة هامة في هذا الواقع المتفجّر، فرصة ابراز اهمية وفاعلية دور القوى السياسية العراقية ان تلاحمت من جهة، وان اقتربت اكثر لنبض اوسع الجماهير وقلقها .  .  وبالتالي رؤية قوة فعلها والتفافها ان انصفت واشركت وتعبّأت بقضية الوطن وهويته وحقوقها الواحدة فيه وتم الدفاع الفعلي عن تلك الحقوق لكل اطيافه العربية والكوردية، الأسلامية والمسيحية، السنية والشيعية، وكل اطيافه القومية والدينية الأخرى .  .  سواءاً امام التحالف او امام القوى الأقليمية(*).
انها تنتظر بقلق تشيعه انباء متضاربة عن عقد صفقات حزبية ضيّقة واخرى فوقية، بعيداً عن التوجه لأتخاذ اجراءات عملية تضع حداً لنزيف الدماء، في زمان عزّت المصارحة فيه، انها تنتظر ان يكون سحب الترشيح بداية لطريق يمضي الى التلاحم مع اوسع الجماهير والذي يتلخص في :
ـ عودة الأمن وتفعيل دور الجماهير للدفاع عن حقوقها والبدء بانهاء المليشيات الطائفية المسلحة، واصدار الفتاوي الواضحة وافهامها علناً، من قبل اعلى واكبر المرجعيات السّنية والشيعية المعترف بها في البلاد، بتحريم وتكفير القتل  على الهوية الطائفية في العراق.
ـ الشروع في تطبيق حلول للضائقة الخدمية المتصاعدة والبطالة والفساد الأداري.
ـ بناء الموقف الوطني على اساس التوافق، الذي يمكّن حكومة الوحدة الوطنية المنشودة من اتخاذ وتطبيق القرارات ذات النفع الوطني ومن كل ما من شأنه فرضها، ورفض زج البلاد في اية حرب اقليمية.
ـ انقاذ ثروات البلاد النفطية وتوظيفها لحل الضائقة الأقتصادية لأوسع الفئات .

22 / 4 / 2006 ، د. مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يرى متخصصون ان السيد الجعفري كسياسي ومن موقعه كرئيس وزراء انتقالي، لم يذكر في رسالة سحب ترشيحه شيئاً عن مصالح وحقوق اوسع الجماهير الشعبية وضرورة السعي لوقف نزيفها المتواصل، ولم يذكر شيئاً عن القوى السياسية الأخرى وضرورة واهمية التفاهم  معها بقدر تركيزه على قضية وحدة " الأئتلاف "، في تلويح يحمل اكثر من معنى ! [/b] [/size] [/font]   

290
المحاكمة ودفاع الدكتاتور الديماغوجي !
1 من 2
د. مهند البراك

يعود الدكتاتور السابق الى الديماغوجية والكذب والتظاهر بمظهر (الأب الحنون)، ويحاول الظهور بمظهر المناضل والمحارب الوطني، ناسياً ان الناس كانت تدرك بل وصارت تدرك اكثر مما يتصوّر بعد ان تكوّت وعانت وفقدت وشاهدت ولمست، ولاتزال تتكوىّ الى الآن، وهي ان سكتت فلا لأنها لاتعرف ولاتراقب، بل لأنها تراقب بل وبدقة رغم كل الآلام، مادار طيلة عقود ومايدور، بل هي تدرك حتى انقلاب عدد ممن كانوا في صف النضال الوطني في مطلع حيواتهم وكيف انهم امسوا من كبار رجال الأرهاب والعصابات والسوق السوداء العالمية واسواق النفط والسلاح، بيضاء كانت ام سوداء ام رمادية.
فمن محاولة وصفه (الأنسانية) الشائهة للزعيم الوطني الكبير عبد الكريم قاسم، التي بدأها بالترحّم عليه ماراًّ بجمله التي حملت ما في جوهره ( عندما وقف المرحوم قاسم .  .  رميناه) وكأنه كان يشارك برميه بالزهور، الى انه (كرئيس، كان لايحقد على اعداء صدام والثورة) بل (كان يعدمهم بالآلاف، لأن الواجب الوطني .  . . ؟؟ ) .  .  في محاولة بائسة للعب دور " روبن هود " ابن الريف الذي لايستطيع ابناء المدينة فهمه ولايستطيعون فهم دوره ( دور الفارس ) الذي لايحقد على بشر حتى لو كانوا من الدّ اعدائه .  .  وغيرها من الجمل والتعابير التي لاتثير الاّ السخرية الحزينة والسخط والغضب .
الا يدري حقاً ماتعرفه اوسع اوساط العراقيين به وعنه  .  .  انها لاتحتاج الى مراجع وملقنين جدد، انها تعرفه جيداً بل واكثر من افراد هيئة دفاعه .  .  انها تعرفه بما ترك حكمه في اجيالهم وفي اجسامهم ونفوسهم من اثار لايمكن ان تمحى .  .  من وشم الجباه وقطع الأذان، والأعضاء المشوهة ومن الطوابير اللانهائية للمعوقين جسمياً ونفسياً، الى الضياع في بقاع الأرض بلا ساتر مادي كان او معنوي، انها تعرفه من الوحدة والأنغلاق على الذات الذي استمر يعيشه العراقيون رجالاً ونساءاً، حتى بعد سقوط الصنم وما دام فيه عرق ينبض، كما يترائى لأوسع الأوساط .
استمر صدام في محاولاته تحويل المحاكمة الى (محادثات سياسية) والى نقاشات سياسية على الهواء، ولاكأنما هو موقوف بسبب جرائمه، وانه في قاعة محكمة رسمية فيها حاكم وهيئة محكمة ومتهم وشهود، ولها اطراف ومتابعون وجماهير وممثلو شعوب يتابعون عرض جرائم ويتابعون بحرقة السعي لمعاقبة مرتكبيها وكبار القائمين بها  .  .  جرائم هزّ دمارها واذاها البلاد والمنطقة والعالم .
انه وهيئة دفاعه، يحاولان توظيف الظروف والأسباب المتنوعة لتباطئ سير المحاكمة من جهة، وتوظيف الظروف السائدة في البلاد حالياً، التي تسبب بها الأحتلال واخطاء قوات التحالف (*)، اندلاع الأرهاب الأصولي وارهاب بقايا الدكتاتورية المنهارة، وعدم الأستقرار وتزايد حدة الصراع الطائفي الميليشياتي المسلّح  .  .  ليحاولا اعادة تأهيل الدكتاتور البائد وتسويقه على اساس دعوات منافقة لـ (وحدة العراقيين كذا!) ومحاولة تصوير زمانه الوحشي المعادي لأبسط الحقوق البشرية بانه كان افضل ومحاولة الأيحاء بان مفاتيح الحل تكمن في يده هو .  .  مستغلين الظروف التي يتصاعد فيها العناد الطائفي الذي يعيق تشكيل الحكومة الجديدة والذي قد يؤدي الى نتائج يصعب التكهن بها .
متناسين انه هو قطب الوحشية والسادية والديماغوجية في البلاد، وانه هو مؤسس الأجرام والأرهاب في المجتمع منذ استيلائه على السلطة وتسخيره ايّاها كاداة شيطانية لأشاعتهما في البلاد على اساس قوانينه الأجرامية .  .  واللذان انفلتا من عقالهما اثر حل الدولة والجيش وانهيار الحدود وتدفق انواع العصابات الدموية، في محاولة وحشية لتحطيم ومعاقبة الشعب العراقي تحت راية (محاربة المحتل) المخادعة، راية العودة الى الدكتاتور المنهار الذي صوّت الشعب ضدّه بتركه وحيداً ليواجه مصيره الذي بناه له بنفسه وليساق الى محكمة الجنايات العليا.
   وفي وقت لم يؤد الأجرام والأرهاب الاّ الى اطالة الأحتلال وزيادة القسوة والوحشية، والى السيطرة والتحكم وتشويه اعمال المقاومة الوطنية الطبيعية ضد الأحتلال، وحاولا ويحاولان الطغيان على الجهود الساعية لأعادة بناء البلاد واستكمال قواها من اجل جدولة انسحاب قوات التحالف، وبالتالي فتحا الباب عريضاً للأرهاب الدولي من جهة وللتحشيدات الدولية لمكافحته من جهة اخرى، ودفعا البلاد الى ان تكون ساحة حربٍ لغير العراقيين.
   ان اوسع الأوساط العراقية ورغم كلّ النكبات، ترى في الطاغية الماثل في قفص الأتهام الآن، كابرز عقد الأرهاب في البلاد وفي المنطقة، بشكل مباشر او مستور حتى وهو ماثل امام المحكمة، وفي ظروف لايمكن ان يكون الحكم فيها قائماً على اساس المقارنة بين الوحشيات اوعلى اساس جهود تحاول تسويق وحشية الطاغية لأنها كانت اهون كما يحاول الدكتاتور وهيئة دفاعه الأيحاء به وبكل وقاحة .
   لقد اوضحت تلك الجلسة ومن مظهر المتهم صدام وطريقة تعاطيه، زهوه بماضيه وبمسلسل جرائمه طيلة عقود والذي يستمر ولم ينته بعد .  .  بل انه لايزال يحلم بعودته للرئاسة ؟! كما سيأتي، في ظروف يحاول استغلالها ولاكأنه هو الذي كان مسببها الأساس المستمر على التاثير الى اليوم  .  .  ظروف تتيه فيها اوساط واسعة بسبب تزايد حدة الصراع الطائفي المليشياتي من جهة وتزايد الأرهاب من جهة اخرى، الى الصراع الضيّق على الزعامة، الضائقة المعاشية والبطالة، الوجود الأجنبي  .  . والى اخطاء وفضائح القوى الدولية، التي تتناقلها الصحافة ووكالات الأنباء الدولية، الأميركية والأوربية، والمحلية  .  .  التي اخذ الواقع الكثير التشوه يدفع الى الحاجة لبقائها في هذه الفترة الكثيرة التفجر لحين تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وممارستها لدورها برأي اوساط واسعة اخذت تزداد مخاوفها من تفجّر طائفي اكبر.  (يتبع)

9 / 4 / 2006 ، مهند البراك       

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) راجع تصريحات كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية في زيارتها الأخيرة مع جاك سترو وزير الخارجية البريطاني، الى بغداد مطلع نيسان 2006 .

المحاكمة ودفاع الدكتاتور الديماغوجي !
2 من 2
د. مهند البراك
   
وفيما يسعى لتسويق نفسه بكونه لم يحقد على احد (كذا) وبكونه يدين الحقد، فان صدام الأكثر تطرفاً لشخصه الذي يدعوه هو بـ (صدام حسين) والأكثر انغلاقا ووحشية، يحاول ان يسوّق نفسه كمعتدلاً في الظروف الراهنة التي هو المسؤول الأول في الأعداد لها وساهم الى حد بعيد في صنعها في بلادنا والمنطقة ـ اضافة لمسؤوليته الأولى عمّا جرى في البلاد بسبب حكمه ـ  .  .  وحيث تمّر الآن في احدى صفحات مسيرتها حول اختيار رئيس وزراء جديد، تتصف ببروز تطرف وتعنت لم يستفد القائمون به  من تجربة البلاد تحت صداّم المرير  .  . رغم كل الفوارق والتفاصيل .
بعد ان جرى تسمية من فاز بفارق صوت واحد على منافسيه في قائمته هو ولم يحصل على تاييد القوائم العراقية الأخرى كلها بسبب ادائه الذي لم ينجح في دورته السابقة وبسبب السياسة التي يتبنّاها، والمدعوم الآن بميليشيات طائفية ذات نشاطات مسلحة كثيرة التنوع لاتبالي بالأساليب للوصول الى غاياتها، في ظروف اعمال ارهاب تجري ضد طائفتها تقوم بها اطراف طائفية منافسة لها واطراف لم يكشف النقاب عنها بعد، في محاولة لأثارتها ـ تلك الميليشيا ـ اكثر وبالتالي في محاولة لجرّها وطائفتها الى حرب طائفية اوسع .  .
وفي الوقت الذي لابد فيه من القول ان الحاكم السيد رؤوف عبد الرحمن، قد نجح الى حد بعيد في ضبط وادارة سير المحكمة وتركيزها على وجهة مقتضيات قضية الأتهام موضوعة البحث. لا يزال يتساءل كثيرون ، الا يستغل صدّام المحاكمة التي تسير على اساس كونها محاكمة عائدة لمحكمة الجنايات العليا .  .  .  الا يستغلها للعب دوره السياسي الديماغوجي الذي يستمر في الألحاح على فرضه، في وقت لايزال يشكّل فيه رمزاً لفلوله الأرهابية الدموية التي تنسق او تتوافق مع مجاميع الأرهاب الأصولي الدخيلة على البلاد .  .  لكونه ليس من اختصاصها، رغم نجاح المحكمة في اغلاق المكرفونات لدى تجاوزاته المتكررة .
من جهة اخرى، استطاعت المحاكمة استعراض جوانب هامة كانت خافية على اوساط اقليمية ودولية والرأي العام فيها خاصة، عن آلية عمل جهاز دولة صدام القمعي، ودوره كرئيس جمهورية فيه، والأجراءات والصياغات المبهمة والتحوطية التي مارستها الدكتاتورية في حكمها( آليات، ممارسات، مكاتبات، مراسيم .  . ) في اساليب كان مخطط لها منذ بداية استلام البعث العفلقي الصدامي الحكم ثم تصفيته للعصابات الأولى التي اوصلته للحكم وبنائه عصابات واجهزة دموية ارهابية جديدة بمناهج (احدث)، والتي ازدادت بعدئذ اثر انتفاضة آذار 1991 التي شملت المحافظات الكوردستانية واغلب محافظات الجنوب والوسط حيث سقط العديد من الوثائق والمستمسكات الجرمية التي تدينها .  .  لتضييع المسؤوليات في سلوك الدكتاتورية وحروبها الأكثر دموية وشوفينية، كوسيلة لحماية مجرميها، الأمر الذي عكس عدم ثقة الدكتاتور بكبار رجاله .  .  وعمل على الوقاية من مخاطر تسربها الى المعارضة او الى جهات قانونية دولية، بعد بطشه الداخلي وحروبه التي اعلنها على دول المنطقة.
فاستعرضت المحاكمة اسلوب التصديق والتوقيع على القرارات الهامة بالتلفون وشفهياً!! ومصطلحات "القضايا الخاصة"  و " القرارات ذات الطبيعة الخاصة " التي لم تحدد، والتي في وثيقة واحدة منها التي لها علاقة بـ " قضية الدجيل " وعرضت على الشاشات المحلية والدولية وتناقلتها وكالات الأنباء . .  احتوت على أمر باعدام الآلاف رجالاً ونساءاً، من القوى الأسلامية والحزب الشيوعي العراقي، اضافة الى اعتقال عشرات آلاف آخرين لكونهم من ذويهم فقط !! ممن تمكنوا من القبض عليهم، على حد تعبير الوثيقة المعروضة بنفسها .
الأمر الذي يشكّل احدى القرائن الهامة في تجريم الدكتاتور كمسؤول اول عن سياسة الموت والعقاب الجماعي وتصفية الخصوم السياسيين واجثاث عوائلهم وتحطيمها، كي لايسأل احد عنهم ولكي يضيع أثرهم(1)، والتي عبّر عنها صدام بسؤاله الأدعاء العام ( هل انت متأكد من ذلك العدد من المحتجزين وعدم تسليم جثثهم ؟ يجوز انه لم يبق احد من اهاليهم ليستلم الجثث ؟!   هل بقى احد من اهاليهم ؟!) .  .  اضافة الى التفاصيل التي لم يتوسع بها وصمت عنها، عن اغماط دولته حقوق عشرات آلاف المعدومين لأسباب سياسية بعد ان حكموا وتم تنفيذ حكم الأعدام بهم ( من تسليم جثمانهم الى اهاليهم، الى حقوقهم بقبور تكتب عليها اسماؤهم وغيرها . . ) في زمان نفذت فيه دولته احكام الأعدام بآلاف أخرى من الجنود والمراتب بتهم الجبن، وكانت تسلّم جثامينهم الموضوع عليها قطعة كرتون مكتوب عليها (جبان)، لأهاليهم مقابل استلام اثمان الأطلاقات النارية التي نُفّذ بها الحكم، منهم !
الأمر الذي لم يكن الاّ جزءاً من سياسة الموت الجماعي والأرض المحروقة والأستئصال العرقي والسياسي التي اتبعتها الدكتاتورية الوحشية في حكمها، وبمختلف الوسائل سواءاً في كوردستان والدجيل، في حلبجة والأنفال، او في الأهوار وفي سياسة المقابر الجماعية في الجنوب.
واستعرضت المحكمة التدقيقات اللغوية التي اعتمدتها الدكتاتورية لتضييع المسؤوليات واسماء المسؤولين عن قرارات الموت الجماعي والأعدامات، باستخدام صياغات لغوية مبنية للمجهول لغوياً لاتشير الى الفاعل او المقرر بالأسم كـ ( تقرر، تنسّب .  .  ) الذي اكّد صدام في استدراكه حول كيفية صياغة احدى الفقرات بسؤاله ( نسّبَ ام تنسّبَ )، الذي يدلل بوضوح مدى اشراف الدكتاتور المباشرعلى تلك الصياغات آنفة الذكر، ويقدّم تصورات هامة عن دائرة الشؤون القانونية لرئاسة الجمهورية الصدامية وصياغاتها اللغوية التي استهدفت غمط حقائق وحجبها بهدف جعلها سريّة غير قابلة للأستخدام كمادة اتهام او تجريم لوحدها ـ او بشكل مجرّد ـ بسهولة . 
ويرى عديد من القانونيين الدوليين والخبراء ان رأس النظام، كان ضالعاً نشيطاً وتماماً في تلك الجرائم التي حدثت، من خلال طبيعة محاججاته تلك في المحكمة، ومن خلال معرفته ونقاشه في اصول  كل تلك الآليات والتفاصيل اليومية المرعبة، وتدلل على انه كان اقرب مما يتصوّر من تلك الجرائم، بل وانها جرت بايعاز منه وبعلمه، ومن خلال دوره وصلاحياته التي كانت تمكنه من ايقاف تلك المجازر، وباعترافه وبالأمثلة التي اوردها هو وتناقلتها وسائل الأعلام الحي، المرئي والمسموع . . وتشكّل ردّاً قوياً على كذب ادعائه بعدم معرفته بما كان يجري لمشغولياته ؟! (2)
بل انه اعترف بصلاحياته المطلقة تلك، الاّ انه (لم يفعل لأيقاف اعمال بطش) لأن ذلك كان اجتهاده، وهو اجتهاد شرعي حسب قوله، لأنه رئيس منتخب، وانه كان يطبّق (القانون) .  .  الأمر الذي يعيد الى الأذهان اقواله واحاديثة التي نشرتها الصحف الرسمية اواخر السبعينات، حين قال ان قوانيننا هي هذه !! في وقت احتوت قوانينه المذكورة على اكثر من 180 مادة كانت تحكم بالأعدام في المجال السياسي والثقافي فقط !! وقال (ان ماعمله لم يكن جريمة وانما امر باحالتهم الى محكمة الثورة، وفق الأصول ) !! ولمن لايعرف ماهية محكمة الثورة يجيبه الألوف الذين كتب لهم ان يعيشوا من عشرات الآلاف الذين مروّا بذلك المسلخ البشري الذي كان معداً لأعدام اكبرعدد ممكن من المحالين اليه وهم في حالات يرثى لها جراّء التعذيب المتنوع. (3)
اما عن اعطائه لنفسه كل تلك الحقوق البشعة لكونه منتخب ؟! فان هناك ما لايعد من الأدلة التي لايمكن الاّ ان تنفي ذلك، بدءاً من اغتصابه للحكم بانقلاب عسكري ـ عصاباتي كتب عنه الكثير، مروراً بتعامله الذي صار معروفاً مع معارضته .  .  وصولاً الى حكمه لحزبه السئ الصيت ذاته، الذي حكمه وحكم دولته بذات الطريقة الوحشية الدموية، حيث قتل من عارضه في حزبه وفي اجتماعات له معهم وامام الأعضاء الآخرين لقيادته وكان منهم د. رياض حسين وغيره، بعد ان ساق قيادة حزبه للموت وللتصفيه واجبر الأعضاء الآخرين على تنفيذ احكام الموت بهم والاّ يساقون هم ايضاً الى الموت، في القضية التي سميت بقضية محي ـ عايش  .
انتهاءاً بمهازل انتخاباته التي فاز بها بـ 99،9 % ، وكانت عبارة عن سوق قسري للناس للأحتفال بـ " البيعة له حفظه الله" وكان من لايشارك فيها يواجه اقسى العقوبات .  .  اما الأنتخابات الحقيقية له كانت حين صوّت الشعب له بتركه ليواجه مصيره لوحده في الحرب التي فرّ فيها ولم يواجه مسؤولياته العسكرية وفق الأصول.
ذلك وغيره من تفاصيل لايتحملها المقال، لاتشير الاّ الى انه لم يكن منتخباً في عملية انتخابات ! اضافة الى ان ادعائه بكونه كان يطبق القوانين ويجتهد فيها، مردود عليه فيها لأن تلك القوانين لم تعبّر لاعن القوانين العراقية وروحها، ولاعن الشرعية القانونية الدولية المعترف بها، ولاتعبّر عن الحقوق الأساسية للبشر المنصوص عليها في العهود والمواثيق الدولية لحقوق الأنسان في الأمم المتحدة.     
ويرى كثيرون انه في محاولاته الديماغوجية تلك في الدفاع عن نفسه، رغم انه حق مشروع له قانوناً، انما يحاول ركوب الصراع الطائفي (من موقعه الطائفي هو) باسم الدعوة المنافقة لوحدة العراقيين وبتعبيره عن كونه لايحمل حقداً على الأمام الخميني (كذا)، في ظروف الأزمة الحالية، ازمة تسمية رئيس الوزراء، التي يلعب فيها السيد الجعفري وميليشيا الصدر دورا اصمّاً قد يعرّض المسيرة الى اخطار لاتتمناها اوسع الأوساط وهي تواجه الذبح اليومي والقتل والتهجير على الهوية الطائفية  .
   وفيما ترى اوساط واسعة ان صدام انتهى كرجل دولة وسياسة وتنتظر مواجهته اقسى العقوبات على جرائمه وان اعمال فلوله الدموية الأرهابية لن تؤديّ الاّ الى القتل والدمار، تتساءل اوساط اخرى بقلق عن احتمال عودته لممارسة دور سياسي مخرّب بل ترى انه يمارسه الآن على الهواء في محاكمته رغم جهود المحكمة للحد منه .  .  وتعبّر اوساط اخرى عن القلق من ان استمرار القلق الداخلي والأقليمي وعدم الأستقرار، في مناخ دولي يبدو انه يسير نحو العنف والجريمة، قد يؤدي الى مفاجئات لايمكن التكهن بها حتى بخصوص الدكتاتور، ان لم يجر العمل حثيثاً نحو صيغة مشروع للأنقاذ على اساس التوافق الوطني والتنازلات المتبادلة، ووضع حد لقضية الميليشيات المسلحة. 
وبالتالي فان قضية المحاكمة هي قضية جنائية ـ سياسية ، لأنها تحاكم مجرماً اساسيا حكم بالقتل والجريمة مع عدد من ابرز معاونيه، وهي كأي هيئة سياسية ـ اجتماعية ترتبط وثيقاً باحداث البلاد وخط مسيرتها، وبالتالي لايمكن تحقيق الأتفاق الوطني لكل الأطياف العراقية على انقاذ البلاد واعادة بنائها على اساس الأستقلال ورفض الحرب والعنف، دون انهاء قطب الجريمة.  (انتهى) 

10 / 4 / 2006 ، مهند البراك       
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما عبّر محققو الدكتاتورية للآلاف من المعتقلين السياسيين رجالاً ونساءاً، في عمليات تحقيقاتهم 
    الوحشية معهم .  . وبالذات للأكثر خطورة منهم عليهم بتقديرهم منذ استلام البعث العفلقي الصدامي
    الحكم عام 1968 .
(2) لم يعرف للدكتاتور مشغوليات يومية علمية، عسكرية، ادارية، سياسية .  .  بقدر مشغولياته الزائدة
    عن الحد بأمنه الشخصي وامن كرسيه، وفق عديد من المصادر: من التي كانت قريبة ومحيطة به، الى
    مصادرة دولية كثيرة التنوع .
(3) راجع ملفات منظمات حقوق الأنسان العراقية ـ ضمنها الكوردستانية ـ ، بيانات ومنشورات صحف قوى واحزاب معارضة
    الدكتاتورية، ملفات منظمة العفو الدولية لتلك العقود .
[/b][/size][/font]

291
" اثنان وسبعون عاما من اجل القضية الوطنية، والمخاطر الجديدة"
د. مهند البراك

   لم يكن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار 1934 حدثاً طارئاً او عرضياً في مسيرة نضال الشعب العراقي من اجل قضيته الوطنية، وانما حدثاً من واقع البلاد اسفر عن بروز معلماً وطنياً ثابتاً على اساس الفكر والديالكتيك العلمي الساعي لتحشيد اوسع الطاقات والفئات الشعبية من كل الوان الطيف العراقي وخاصة الكادحة منها، والسعي لتركيز قوة فعلها على مطالب معينة من حقوقها، شكّل تلبيتها اضافة الى تحقيق فسحة من عيش افضل  .  .  الأنتقال الى مرحلة اعلى على طريق حل واقعي عادل للقضية الوطنية العراقية، قضية الشعب العراقي بمكوناته.
   لقد سجّل الحزب في الواقع العملي وارسى اساساً هاماً ان لم يكن رائداً في صياغة معالم الهوية الوطنية على اساس التنوع والتفاعل والتناغم والألفة والحداثة، وصولاً الى العمل من اجل عراق برلماني فدرالي تعددي موحد، بعد ان ضمّ ويضم في صفوفه وعقده وقياداته، مناضلين من كلّ مكونات الطيف العراقي نساءاً ورجالاً، سعياً الى ايجاد معالم طريق مجدي لحل ازمات ومعاناة الطبقات والفئات الكادحة والمسحوقة، وقدّم جحافل الشهداء من اجل تلك الأهداف الوطنية.
   ومن الجدير بالأشارة الى اهمية ان تضحياته وشهدائه على مرّ السنين والى اليوم، هم من كل انواع الطيف العراقي الأثني والقومي والديني والطوائفي، وفي مقدمتهم قائده ومؤسسه يوسف سلمان يوسف " فهد " ، الذي وصفه ونستون تشرشل قائد الغرب في الحرب العالمية الثانية في مذكراته، وصفه بكونه "  .  .  السياسي الوحيد من رجال الحكم والمعارضة في الشرق الأوسط، الذي كان قادراً على اتخاذ القرارات السياسية ذات التأثير الشعبي الأوسع في العراق، وكان صدى قرارات حزبه التي كان هو ورائها وفق معلوماتنا، تثير وتعبئ اوسع الأوساط الشعبية من مختلف التكوينات والطوائف العراقية في مواجهتنا في الثلاثينات والأربعينات " (1).
   وفيما اضاف الى علمانيته، بعدها الشعبي وماهية ومدى تبني مفرداتها من قبل اوسع الأوساط .  .  مسجلاً في ذلك سبقاً واضحاً في دعم ابرز المطالب الوطنية ومطالب المجتمع المدني، كما في السعي لأجل الحريات الديمقراطية ومن اجل حكم برلماني وطني ولأيجاد الحلول الضرورية العادلة للقضية الكوردية وحقوق الأقليات القومية والدينية، واعتبارها اساس لقضية الديمقراطية في العراق .  .  اضافة الى نضاله الرائد من اجل حقوق وقضية المرأة العراقية، قضية الشباب وديمقراطية التعليم، ومن اجل مكافحة البطالة والقضاء على الأمية .
   فأنه احترم الأديان وصان المقدسات، وتعامل مع القضية الدينية من زاوية الرؤية التي دعى اليها روادها الأوائل واللاحقين ممن انتصروا لقضية الفقير والضعيف بالفعل لابالقول او بالشعارات لوحدها .  .  مجسداً ربط الفكر العلمي والنظرية بحركة وتحشيد اوسع الجماهير ذات المصلحة بالتغيير في مرحلة ما للقيام به، من اجل غد افضل لجميع العراقيين  .  .
   ورغم انواع المحن والمشاق التي اثخنته بالجراح والتي تتواصل الى اليوم، في سعي محموم لأخراجه من ساحة النضال الوطني ولمحاولة القضاء عليه وعلى مدرسته الفكرية وتأثيره، فأنه يواصل نشاطاً ثابتاً من اجل اهدافه الوطنية، من اجل الخبز وحرية الكلمة والأمان، في ظروف تزداد مشقة وتعقيداً تكالبت وتوالت على البلاد منذ مايقارب الأربعين عاماً .  .  من دكتاتورية دموية اوصلت البلاد الى طريق سدّ الباب امام ابسط تغيير، والذي لم يؤدّ الاّ الى الحروب والحصار والدمار وتشويه المجتمع والأنسان العراقي، وبالتالي الى الأحتلال والأرهاب .  .  . والى الفساد الأداري الذي يعتبره (رواده) ويعرّفوه بكونه الطريق الوحيد لتحقيق الأرباح في دولة المؤسسات !!
   الى ظروف التصاعد الخطير غير المسبوق في تأريخ البلاد الحديث للفكر الطائفي، الذي اضافة الى مخاطره في شقّ وتمزيق المجتمع، مخاطر طابعه الداخلي المسلح العنيف، وترابطه الأقليمي والدولي ولعبهما عليه وتشجيعهما ايّاه من اجل مصالح ستراتيجية ونفطية وعسكرية، لامصلحة وطنية فيها.
   في ظروف دولية استمرّت اضافة الى تزايد تباعد مجتمعاتنا العربية والشرق اوسطية وانظمتها، عن ركب الحضارة وانغلاقها .  .  تزايد الميل نحو الجدب والجفاف في علاقات الغرب مع المنطقة وبالتالي تأثير ذلك على علاقات دول ومجتمعات المنطقة بعضها ببعض، الذي يهدد بتفاقم ـ ان لم يجري الأنتباه ووضع حلول له ـ تفاقم يصل الى طابع من الغطرسة والعنف والعسكرتاريا، بدل دور الأشعاع الحضاري السلمي والتلاقح الأنساني الذي ساد في عصور ومراحل سابقة .  .  الأمر الذي قد يفاقم من عزلة المنطقة بالمفهوم الواسع، ويصعّد الأرهاب والعنف فيها ويزيد من عوامل رفض التحديث والأنفتاح والتمدن فيها، وزيادة الصراع على تحقيق ارباح همجية وزيادة النهب ومخاطر تزايد ذهنية النهب والسطو والأنانية .
   ففيما يصف عدد من المراقبين والمفكرين الواقع الدولي اليوم بكون ان اقطاب اوروبية نافذة تحاول دفع الولايات المتحدة اكثر وتوريطها لأستنزافها .  . في محاولة منها لأٍستعادة مواقع فقدتها او في محاولة للتفوق عليها في مواقع اخرى في العالم، (مستفيدة) من الدروس المريرة التي جنتها اوروبا بعد ان خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة مثخنة الجراح اثر التأخر المدروس للأقطاب النافذة في الولايات المتحدة في فتح الجبهة الثانية، فوافقت على الشروط الأميركية وعلى تثبيت تسعير النفط  بالدولار الأميركي وبالتالي هيمنته عليه، مقابل الدعم الأميركي لها في اعادة البناء ومشروع مارشال، وفق عديد من المصادر التاريخية والمعلوماتية . 
   يصف آخرون سلوك الأدارة الأميركية اليوم بكونه يعكس القلق والخوف من التطور الصاروخي لمعدلات النمو السنوي للصين الشعبية الذي جعلها في نهم شديد للنفط وادخلها في قمة حلبة الصراع الدولي في مسارح النفط والطاقة، خاصة بعد تحالفها الوثيق مع عملاق النفط الروسي من جهة وتزايد استثماراتها المتسارع في نفط الخليج، واعلانها عن البدء بانتاج وتسويق سيارات الغاز والبخار مطلع عام  2007 في سابقة توضح ان دخول الصين الجديد لصراع المصالح الدولية قد جاء من مستوياته العليا، وهي بكامل طاقاتها الأقتصادية والعسكرية والبشرية والمعنوية، خاصة وانها لم تتورط في حرب منذ استقلالها، قبل نصف قرن.
   وفيما يقيّم قسم، العلاقات الدولية بكونها رجوع الى مراحل الأمبريالية التي افتتحتها حرب الأفيون التي اعلنتها بريطانيا على الصين في القرن الثامن عشر .  .  يرى قسم آخر ان العلاقات الدولية المعولمة اليوم وبعض عناوينها المدرجة اعلاه قد دخلت على الصراعات الوطنية الداخلية بشكل مباشر وصارت تتفاعل مع مكوناتها وتحرّكها بلا استئذان .  .  تاركة تأثيراتها عليها كفعل او كرد فعل وباشكال كثيرة التنوع في فوضى عالم اليوم.   
   الأمر الذي ادخل القضية الوطنية العراقية ( والقضايا الوطنية الداخلية للبلدان ذات الأهميات الستراتيجية ) في مرحلة تاريخية اكثر تعقيداً مما مضى، تتصف بتفاعل المكونات الوطنية الداخلية كل على حدة، مع اطراف ومكونات صراع القوى على المستويين الأقليمي والدولي .  .  الذي جعل من القضية الوطنية العراقية، وعلى خلفية صراعات نصف القرن الأخير .  .  قضية اقليمية ودولية اخذت تفرض على المكونات الوطنية التعامل معها كل من جانبه، فيما يرى كثير من المراقبين اهمية التوصل الى توافق وطني موحد يعمل على التعامل مع العوامل الأقليمية والدولية ككيان واحد من اجل قضية وطنية واحدة تنشد الأستقلال والنمو وتقف ضد اخطار الحروب والعنف، لأجل انصاف الأنسان العراقي من مختلف الوان الطيف وحقه في الحياة والعيش الكريم، الذي نصّت عليه العهود والمواثيق الدولية المعمول بها.   
   وعلى تلك التعقيدات والمخاطر الجديدة، ينتظر كثيرون من الحزب وممن ينتمون اليه او الى فكره والى التيار الماركسي واليساري بالمفهوم الأعم، تحقيق درجة من تلاحم او تضامن لتفعيل دور التيار الديمقراطي العلماني في الجهود الساعية الى وضع حلول منصفة للقضية الوطنية العراقية. ويتساءل عديدون الا يمكن الأتفاق او التوافق على الخطاب السياسي والتنسيق من موقع اليسار، من اجل عراق فدرالي برلماني تعددي موحد، على طريق رفض العنف، ومن اجل الأستقلال الوطني والتوصل الى جدولة رحيل القوات الأجنبية، على اساس الأستفادة واستخلاص تجربة ثلاث سنوات عاصفة مضت، تهدد بتصاعد يزداد عصفاً ودماراً  . 
   ان الظروف الداخلية والأقليمية والدولية الكثيرة التشابك والتعقيد، والمسار الطائفي الدموي الذي يتهدد البلاد تنادي حزب القضية الوطنية وتنادي كل من تعز عليه القضية الوطنية وقضية الديمقراطية من موقع اليسار والعلمانية، الى تحسين وتعزيز مواقع الحزب الموجود في الساحة الوطنية الذي اثبت نزاهة افتقرت لها كثير من القوى والتجمعات في البلاد، والتفاعل او السير معه جنباً الى جنب والسعي لأيقاف التشظيّ والتمزّق .  .  او السعي من اجل تعزيز دور مرجعية علمانية يسارية اثبت ان البلاد بحاجة اليها  والى وجودها ونشاطها في الساحة الوطنية تكون ذات بعد ونشاط شعبي اكثر تطوراً فيها ان صحّ التعبير.  .  بعد ثلاث سنوات قاسية اوضحت ماهية المجتمع والساحة السياسية في البلاد اليوم ، وماهية المكونات الفعلية لقوى اليسار فيها ومواطن القوة والضعف في خطابها ومدى وجودها الفعلي وفاعليتها رغم انواع التصريحات، واوضحت الفروق بين المكونات الفكرية وحلقات الأجتهاد الفكري ـ ان كان جاداً ـ وماهية درجات تأثيرها .  .  وبين المقومات الفعلية لتكوين حركة سياسية قادرة على الفعل تقتنع بها وتتبناها جماهير وتعمل لتحقيق اهدافها في ساحة البلاد وفي واقعها القائم الآن .  . كما اثبتت وتثبت حركة الأحداث .

31 / آذار / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع " ونستون تشرشل ـ يوميات " الصادرة بجزئين عن مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر والترجمة ـ القاهرة ،  1966 / الجزء الثاني ـ فصل الشرق الأوسط .  .  رجال السياسة في الحكم وفي المعارضة . [/b] [/size] [/font]

292
الأزمة الراهنة !
د. مهند البراك

   اسفرت نتائج الأنتخابات الأخيرة، وعدم الأتفاق على تشكيل الحكومة، بعد ثلاث سنوات على سقوط الدكتاتورية  .  .  عن تزايد مريع  لتدهور الأمن  وعن تزايد الخوف والقلق لدى اوسع الأوساط، بعد ان تحوّل العراق الى ساحة حرب للقوى غير العراقية دوليا واقليمياً، ومحاولات كل منها جرّ العراقيين الى جانبها والى التخندق ومواجهة بعضهم البعض على تلك الوجهة.   
ورغم الجهود الكبيرة التي بذلت وتبذل بين الأطراف العراقية، الاّ ان العملية التفاوضية طالت، ولم تصل إلى اتفاق حول التشكيلة الحكومية، ولا الى من يقود الحكومة، برنامجها المستقبلي و توزيع المسؤوليات. ووصلت المفاوضات إلى حالة ازمة. ويعبّر ابرز الأطراف عن ان الخروج من هذه الأزمة يحتاج إلى آلية تكميلية جديدة، من اجل لمّ شمل الجميع حول مائدة مستديرة.
   آلية تؤمن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بما يضمن المشاركة في صنع القرار السياسي، المشاركة التي  تكتسب معناها الحقيقي حينما تتاح الفرصة لمختلف الأطراف الأساسية، للمشاركة في صنع القرار السياسي، دون التجاوز على نتائج الأستحقاق الانتخابي . وان لا تكون مشاركتهم في حكومة الوحدة الوطنية شخصية، بل فعلية .  . ومن شأنها أن تُؤمن آلية مشاركة الجميع في صنع القرار، الأمر الضروري لتحديد واجبات وحقوق ؛  الرئاسة، مجلس الوزراء و البرلمان، كلّ وفق الأختصاصات المثبتة له في الدستور.
   في ظروف صارت فيها البلاد مسرحاً لمعارك غير اهلها، ولأعمال دموية لاتبالي ولا تقدّر آلام ومعاناة شعب العراق بكل اطيافه والوانه، ووسط سيادة اسلوب موروث تلقائي من دكتاتورية صدام المنهارة ومن اساليب استيلاء مكوّن واحد على السلطة بالعنف، وصارت اوساط واسعة فيها تقر الآن ليس بماهية مستوى الشارع فحسب وانما بماهية مستوى الأحزاب التي لم تتجدد ولم تحدّث منطقها وادائها بشكل عام .  . في ظرف تغيرت فيه ظروف وحاجات البلاد، اضافة الى التغيّرات السريعة التي جرت وتجري في العالم والمنطقة.
وتسببت بمحاولات لم تعد خافية على انكفاء وركون كل جزء على ذاته ومحاولاته للحصول على شئ  له او لوسطه الذي دعمه في مراحل مضت، دون النظر الى التغييرات العاصفة التي تعصف بالكل وبالتالي بوسطه ذاته، في محاولة لتفادي شرور قد لا طاقة له على المشاركة في تفاديها او مواجهتها، وعلى اساس الحكمة الشعبية المصرية (ابعد عن الشر وغنيّ له) او على اساس التعبئة بالمزيد مما دعى اليه وعبأ له في زمان النضال ضد الدكتاتورية او لتحقيق مكاسب ضيّقة او شخصية .  .  خاصة وان القوة العظمى تعمل لوحدها وتطلب من الجميع التفاهم ؟ وفق تصريحات متنوعة لعدد غير قليل من وجوه المرحلة، في ظروف عزّت فيها الشفافية والمصارحة، وسادت فيها درجة غير مسبوقة من منافقة الجماهير ثم الوقوف امامها عاجزاً.
   واليوم وبعد ثلاثة سنوات على سقوط الدكتاتورية وتحول العراق الى ساحة حرب لقوى غير عراقية، تحاول كل منها جرّ جزء من المكوّن العراقي الى جانبها في صراعها، من اغراءات بدعمه لأستلام السلطة، الى التمويل والتسليح، الى تحطيم الأضرحة المقدسة وبيوت العبادة من جوامع وحسينيات وكنائس في ظرف لم تمر به البلاد من قبل في تأريخها الحديث، ولم تمر به دول الشرق الأوسط على عنف الصراعات المسلحة التي اشتعلت فيها سواءا حول القضية الفلسطينية او الحرب اللبنانية وغيرها، والتي لم يجرأ حتى شاه ايران ان يقوم بها رغم تهديداته لأيقاف المد الشعبي للثورة الأيرانية آنذاك.
ويرى محللون واقتصاديون، ان الملف العراقي هو الأكثر عنفاً لأنه يشكّل نقطة الصدام الأساسية في صراع رؤوس الأموال وبيوت المال العربية والأيرانية والأسرائيلية، المرتبط وثيقاً بالصراع الدولي الغربي ـ الغربي والغربي ـ الآسيوي على اسواق النفط والتكنولوجيا والسلاح من جهة. ووجهة صراع اقليمي تسعى لعرقلة استقرار العراق ذي الموارد الهائلة خوفاً من امكاناته التي تؤهله ليكون قطباً فاعلاً ومنافساً كبير التأثير في محيطه الأقليمي وفي بعده الدولي سواءاً في اسواق النفط واوبك او في اسواق الأستثمار والصناعة او بتأثيره الفكري والثقافي .  .
وتعمل على تحطيم مكونات بنيته التحتية وتحاول الضغط وحرف الجهود الساعية لبناء الموقف الوطني العراقي على اساس الأستقلال ورفض منطق الحروب الأقليمية. وتحويلها الى جهود تعمل على جرّ العراق وتضييعه في الأزمة الأقليمية، وتحاول ابقائه على الحال الذي كان عليه في زمان الدكتاتورية، بتحويله من بؤرة لتصدير عدم الأستقرار، الى بؤرة تُصدّر اليها عوامل عدم استقرار الأقطاب الأقليمية، ولأبعاد الجهات الراغبة في الأستثمار فيه عنه، وابقائه في موقع التابع الأقليمي (1) مهما كان الثمن وحتى ولو كان على اساس تحطمه على اساس طائفي، بلا مبالاة بارواح ابنائه وبناته وبامنهم وسلامتهم، وبمأساته التي تستمر منذ عقود طويلة .
ورغم تأكيد الواقع على عدم رغبة العراقيين بالأنجرار الى صراع بعضهم بعضا رغم مسلسل الجرائم المؤلمة الذي لاينقطع، لعلمهم بالمعاناة المأساوية لجميع الأطياف والمكونات، ولعلمهم بالهاوية السحيقة التي تحاول جهات متنوعة جرّهم وبلادهم اليها، فان الرعب ودوام التدهور المخيف يدلل على ان الأنتخابات ونتائجها لم تستطع ان تحل ازمة السلطة، في وقت لم تتوصل السلطة الأنتقالية فيه الى تحديد الأرهاب ولا الى الطريق الموصل الى تعريف وتحديد دور قوات التحالف والمدى الزمني للتواجد الأجنبي في البلاد.
وفي الوقت الذي لم يتم التوصل فيه الى تشكيل الحكومة الى الآن، رغم مرور ثلاثة شهور على اعلان النتائج  .  . ولكل ما تقدم وللتوصل الى حل من اجل :
ـ عودة الأمن وتفعيل دور الجماهير للدفاع عن حقوقها ومن اجل الرقابة على المليشيات المسلحة تمهيداً لحلّها او اخضاعها لقيادة القوات المسلحة الوطنية لوجستياً وعملياتياً .
ـ  الشروع في تطبيق حلول لضائقة الخدمات والبطالة والفساد الأداري وانتشار المخدرات.
ـ بناء الأرادة الوطنية الموحدة على اساس التوافق، للشروع بتحديد اسباب وآلية والسقف الزمني لوجود القوات الأجنبية وحدود دورها ومسؤولياتها  وبرمجة اسس انسحابها، ورفض المشاركة في مخططات تستهدف اشعال حروب اقليمية او تقع في الأراضي الأقليمية.
ـ انقاذ ثروات البلاد النفطية المهددة في البلاد وفي السوق العالمية لتكون اساسا للأستقلال الوطني ولحل الضائقة الأقتصادية لأوسع الفئات، وايقاف نزيف الطاقة وضياعها وتدهور حالتها .
مع الأخذ بالأعتبار عامل الزمن الذي لكل الظروف انفة الذكر لايجري لصالح البلاد، بوجود الأرهاب الأصولي وعصابات الجريمة ولغياب وجود حكومة .  .  على ارضية ماخلفته عقود طويلة من الظلم والوحشية والتشوه والحروب، في بيئة اقليمية لاتمد يد العون لأستقرار البلاد وكما مرّ.
   ان يصار الى تشكيل هيئة عليا (2) تحدد واجباتها بحماية تطبيق المبادئ الأساسية التي تم الأتفاق والتصويت عليها في بناء الحكم البرلماني الفدرالي التعددي، على اساس المبادئ الدولية للديمقراطية وحقوق الأنسان، التي تمّ الأتفاق عليها وجرى التصويت لها في مسودة الدستور، والتي شكّلت الخطوة الأولى على ذلك الطريق. وعلى اساس ان البرلمان اداة دائمة لأحتواء صراع كل المكوّنات وتوجيهه وبلورته على اساس الصالح الوطني، وليس اداة او وسيلة يستخدمها مكوّن ما للأستيلاء على السلطة وعلى بقية المكونات، من جهة.
   ومن جهة اخرى، ان يكون على اساس كونه مجلس مصغّر لقادة الأحزاب والقوى السياسية العراقية ذات الفعل، على اساس الأستحقاق الوطني .  . من اجل التوصل الى صيغة للتعامل المتكافئ مع التحالف على اساس المنافع المتبادلة وبلورة وصيانة الأستقلال الوطني. وان تبقى الى زوال الأرهاب والحالة الأستثنائية والبدء بالأعتماد على القوات المسلحة الوطنية وشروع القوات المتعددة الجنسية بالأنسحاب.
وهي آليه ليست شاذة او فريدة، او تشكّل خرقاً لنتائج الأنتخابات وانما آلية معمول بها في عدد بارز من الدول المتحضّرة منها المانيا الأتحادية، حيث تدعى بمجلس حماية الدستور " البوندس رات "، الذي يحق له ايقاف فعل القرارات التي تخرج عن مبادئ الدستور، او نقضها. وعلى اساس ضمان تلك الآلية يجري العمل في عدد من الدول الصناعية والبرلمانية العريقة بمبدأ مجلس اللوردات ومجلس العموم.
وهو امر موجود ومعمول به في الدول الأسلامية، في الماضي والحاضر، ففي الدستور اليتيم الذي دفعت به الأتحاد والترقي، صيغ البرلمان على اساس مجلسين، مجلس المبعوثان الذي سمىّ اعضاؤه على اساس الأنتخابات، ومجلس الأعيان (الشيوخ) الذي كان بثلث حجم الأول، تشكّل من اعضاء عرفوا بدورهم الوطني ومكانتهم السياسية والأدارية في اعمال الدولة ووزاراتها وخبراتها الضرورية التي لاغنى عنها . (3)
ورغم اختلاف الآليات والظروف وتفاصيل تخص الواقع المختلف هناك، فان الأمر ذاته موجود في دستور الجمهورية الأسلامية الأيرانية، حيث تسمى هناك بـ " هيئة تشخيص مصلحة النظام " ، بعد ان رسى الأمر هناك على نظام ولاية الفقيه، الأمر الذي يحدد الأنتخابات ونتائجها وتغيرات المسيرة السياسية هناك بمدى عدم خروجها عن مبادئ الدستور الأسلامي، دستور ولاية الفقيه هناك .   

11 / 3 / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الموقع الذي دفع صدام البلاد اليه بعد تبذيره ثروات وامكانات العراق وبيعها بابخس الأثمان للحفاظ على كرسيه .
(2) سمّاها عدد من السياسيين الوطنيين والمراقبين بـ " هيئة اهل الحل والعقد "، وسمّاها آخرون بـ " مجلس الأمن الوطني " .
(3) راجع بحث لنفس الكاتب " المجتمعات العربية . . قرن ونصف من الدساتير" المنشور في مجلة
" الديمقراطية " المصرية، العدد 19 ، 2005 . بالعربية والأنكليزية .[/b][/size][/font]

293
الرسوم المخلة والدلالات !
2 من 2
د. مهند البراك
   
   من ناحية اخرى، فان التحولات العاصفة آنفة الذكر الحاصلة لصالح التطوّر الرأسمالي، يتخللها سعياً محموماً من عدد من الأقطاب الرأسمالية الأكثر تشدداً، لأفراغها من محتواها الحضاري والثقافي والأنساني المنسجم مع العصر الراهن ومع الخبرة البشرية وحضاراتها، ساعية لتكريس مفاهيم الرأسمالية المتوحشة والعدوانية في سعي جنوني من اجل تحقيق اعلى الأرباح .
   في زمان تتطلب فيه اعادة بناء القطبية في عالم وثيق الصلات والمصالح .  .  تتطلب الدعوة الى السلام بين الأمم والى السير الفعلي في حلّ بؤر التوتر لصالح الشعوب ورفاهها وامنها وسلامها، ولجم اقطاب الحروب والعدوان في المراكز وفي الأطراف (1) والسعي للتعايش والتوافق والتوصّل الى اتفاقات دولية معلنة لحجوم التبادل الأقتصادي والمنافع المتبادلة، وحل الأشكالات القطبية بالطرق القانونية العلنية. اضافة الى آليات ضمان احترام العقود والمواثيق الدولية والأتفاق على سبل اصلاحها وتعديلها واصلاح منظمة الأمم المتحدة ودوائرها واستحداث دوائر جديدة لأنجاز تلك المهام المعقّدة بعيداً عن الأتفاقات السرية والأبواب الموصدة .
   على اساس السير بالتحولات والأصلاحات بالطرق السلمية وعلى اساس المراحل، والاّ فان السعي المحموم للأثارة والتلويح بالقوة واستسهال اعلان الحصار والحروب والأحتلال في عالم اليوم، لن يؤدي الاّ الى انتشار الحروب والدمار والعنف والأرهاب والأرهاب المضاد والى عودة وحشية الى مفاهيم عالم القرن التاسع عشر وباسلحة الدمار الشامل التي لم تستطع الهيئات الدولية المتخصصة معرفة حدود انتشارها الى الآن (2).
   ويرى محللون ان نزعات الغرور والأستعلاء التي يتصف بها عدد من القادة السياسيين والعسكريين والدينيين اضافة الى سلوك عديد من المنابر الأعلامية في الشرق الأسلامي، تواجه وضعاً وسلوكاً مشابهاً لها ايضاً في الغرب وان بوتيرة اقل ولكن بحالة قد تكون اكثر فاعلية بشكل هادئ او على نيران هادئة.
وبعيدا عن الدخول في تفاصيل طويلة فان الأنسان في الشرق كمعدّل عام ينتفض عند مسّ مقدساته ( الأمر الذي يزداد بين المهاجرين واللاجئين والمنفيين)، لأنه يعاني من قساوة الحياة ولأنه لايملك في حياته ما يملكه الأنسان الغربي وما يتمتع به في حياته ـ بعيداً عن الأسباب التأريخية ـ انه لايملك حتى ما لدى الغربي من تأمينات وضمانات اجتماعية مجانية في حالات الفقر والبطالة والمرض والعجز في الغالبية الساحقه من بلدانه .  .  انه يعيش على مثله وقيمه وعلى الآمال .  .  الأمر الذي اخذت توظفه وتعتاش عليه دوائر متنوعة في الغرب وفي الشرق سواء بسواء .
الأمر الذي يتّخذ ابعاداً جديدة بملاحظة ان شعوب الشرق الأسلامي قد ازداد وعيها لذاتها قياساً بما كان عليه قبل اكثر من نصف قرن، وازدادت معارفها بقيمة بلدانها للعالم الصناعي، بعد ان درست اجيال متزايدة منها وتأهلت في تلك الدول الصناعية عينها، وبعد ان عاشت فيها ملايين من المهاجرين والمهجّرين والملاحقين والمضطهدين بسبب المواقف السياسية او الأنتماء القومي والديني والأثني والجنسي وبسبب الفقر والجوع في بلدانهم، وبعد انتشار وسائل الأعلام والفضائيات والأنترنت وبعد التمكن من اللغات الأجنبية .  . 
وازدادت آلامها وشقائها من قسمتها في حياة شقية في بلدانها ولماذا ؟ وارتفعت تساؤلاتها عمّن المسؤول عن ذلك .  . حتى اخذت توجّه الى الدول الكبرى صاحبة القرارات الأساسية في تشكيل وترسيم دولها ودعم انظمتها منذ ذاك، انظمتها التي من جانبها تعلّق تلك المشاكل على شمّاعة الغرب (اعداء الأمة).   
   الأمر الذي جعل اوساطاً غير قليلة تجد في الدين في ظل حصاراتها المتنوعة وبظل وعيها ومعارفها .  . اكسيراً واملاً لمواصلة الحياة الصعبة وتحدياتها وللحفاظ على سلامة العائلة والأطفال من صروف الشقاء والمحن ومن السقوط في حبائل العادات السيئة من مخاطر الأدمان وغيرها، بل ان الحياة الصعبة التي عاشها العراقيون على سبيل المثال وواجهوهها وحيدون في زمن الدكتاتورية المنهارة ومايواجهونه الآن بسبب الأرهاب الأصولي القادم من وراء الحدود ومن الأحتلال و بلا ساتر، تجعلهم على تواصل متين مع عوائلهم الكبيرة وافخاذهم وعشائرهم لأنها تشكّل الحماية لهم ولكرامتهم وامنهم في غياب وضعف حماية الدولة، وليس لتخلفهم وجهلهم كما يتصوّر البعض، وهي ستضعف ان ضعفت الموجبات والأسباب .
   والأمر كصفة انسانية، لايواجهه الشرق لوحده بهذه الصورة (3) بل واجهته اوروبا الغربية في سنوات الحرب العالمية الثانية وبعدها وواجهته شعوب اوروبا الشرقية حين امر ستالين باعادة بناء عديد من الكنائس بعد ملاحظة قيادته ان الناس يستمدون منها  عوناً في معاركهم الضارية من اجل اعادة بناء مادمّرته الحرب من انسانها ومن عمرانها وعلومها، التي انتهت بانهيار القوات النازية.
وليس مصادفة اليوم ان تنقل القناة الرئيسية في تلفزيون موسكو وبشكل كامل مراسيم صلاة عيد الأضحى المبارك الماضي بسبب كبر القوميات والجاليات المسلمة في روسيا المسيحية، وكذلك الأمر مع محطات سي ان ان الأميركية و بي بي سي البريطانية للتلفزيون، التي تعبّر عن احترامها للمشاعر الأسلامية .
   وفيما يمثّل الأحتجاج على المس بالنبي الكريم قضية مشروعة، فان اوساطاً غير قليلة قد تكون عرضة للتحريض من جهات تدفع لأغراض سياسية انانية، او الى ان تحصل ردود افعال ذات طابع همجي يسئ لسمعة المسلمين ولصورتهم في العالم، كما حصل من حرق واعتداءات غير مقبولة ولامبررة على السفارات الدانماركية والنرويجية وغيرها في عدد من الدول العربية او ما حصل من تسيير مظاهرات  هددت بالقيام باعمال ارهابية في عدد من العواصم الأوربية !!
كما جرى في العاصمة البريطانية لندن، الأمر الذي ادىّ بالبرلمان البريطاني الى استدعاء وزير الداخلية السيد " تشارلز كلارك " لمساءلته عن اسباب عدم اتخاذ اجراءات بحق تصرفات هددت علناً بالقتل والتدمير، قام بها نفر ساهم في المظاهرة الأسلامية التي اجيزت هناك لرفض تلك الرسوم وللمطالبة باتخاذ اجراءات قضائية بحق المسؤولين عنها والتي اجازتها السلطات البريطانية.
في وقت يؤكد العديدون فيه ان الدعوة الى تطوير التعاليم الدينية والدعوة الى مواكبتها للعصر وتخليصها مما قد علق بها، لايمكن ان يكون ابداً بالمس برموز العقائد والأديان، وانما من اجل الحفاظ على جوهرالعقيدة وانحيازها لقضية الملايين المحرومة والفقيرة ولأجل السلوك الحسن، ومن اجل حمايتها من التشويه وسوء الأستخدام ان صحّ التعبير.     
   ولابد من ذكر ان تلك الرسوم المخلّة التي نشرتها صحيفة (يلاندس بوسطن ) الدانماركية قد اثارت حفيظة اوساط غير قليلة من الأوساط الغربية ذاتها، بل واثارها اكثر  تكرارها والأصرار عليها في اكثر من منبر اعلامي غربي  .  . 
في وقت كشفت قضية الرسوم تلك قصورنا في معرفة قوانين الصحافة في الغرب، التي اضافة الى انها مقوننة بقوانين تنظّم تلك الحريات ولاتنتقص منها ولكنها تراعي الحق العام والذوق وحريات وعقائد الآخرين، فهي على سبيل المثال لاتمس حتى البقرة المقدسة عند الديانة الهندوسية .
من جانب آخر، يوجد في العالم الغربي اضافة الى الصحف ووسائل الأعلام التي تنطق بلسان : الأحزاب، مؤسسات الدولة، دور النشر الرسمية .  .  التي تكون الدولة مسؤولة عنها وعن سلوكها وفق الدستور والقوانين المشرعة بضوئه وبضوء القرارات البرلمانية، يوجد عدد من الصحف والمطبوعات المجازة كصحافة حرة غير خاضعة لمسؤولية الدولة ولايمكن اتهام الدولة بما تنشره، وفق قوانين الأتحاد الأوربي ومنطق العقل الغربي (4) كـ " دار نشر  شبرينغر" ، منشورات " بووليفارد ـ بريسه " (5) المعروفتين في المانيا مثلاً، من التي تنشر همسات واقاويل الأحياء وتصورات الحالمين واخبار واتهامات المثليين، ونشر الأخبار الأكثر اثارة التي تزيد من بيع نسخها وتصريفها .  .  . 
وياما دخلت وتدخل في شجارات قانونية ودعاوي وتخضع لغرامات او تنجح في كسب الدعاوي وتعوّض بسبب ( الأساءة الى سمعتها ) !!
   وبينما نشرت تلك الرسوم المخلّة في ايلول 2005 فان اعادة نشرها ومن قام به لايزالان قيد الأستفهام !! لماذا نُشرت بذلك الشكل الواسع في وقت ومرحلة كثيرة الدقة والحساسية للشعوب العربية والأسلامية، سواءاً كان جراّء الأوضاع في العراق اوفي فلسطين اثر فوز حماس، او بسبب قضية المفاعل الأيراني وموران عموم الشرق الأوسط الذي يمرّ بمرحلة من ادق مراحل تأريخه .  .  وسط اخبار تتناقلها الوكالات الدولية عن انتقال القاعدة الى لبنان او عودة لبنانيين ويقال فلسطينيين كانوا في صفوفها مع الأرهابي الزرقاوي في العراق .
وبينما يعاني عراقنا الحبيب من تفاقم المشكلة الطائفية ومن الأعتداءات والأنفجارات ذات الأهداف الطائفية، اندلعت مشكلة جديدة بسبب الأعمال الأرهابية التي استهدفت الكنائس في بغداد وكركوك على اساس انها ( رد على تلك الرسوم !) مضيفة مآسي جديدة لأبناء الطوائف المسيحية  ولعموم العراقيين فيه، بينما اخذ القلق يتصاعد في لبنان جراّء ترقّب استهداف الأرهاب ايّاه وتتوجه اصابع الأتهام فيه الى نظام الأسد .
ويحذّر كثيرون من ان استمرار ذلك المس واستمرار ردود الأفعال التي قد تهدد بسوء الأستخدام وبتوظيفها لتحقيق اهداف لدول عربية واسلامية او دول وقوى كبرى محددة، لن تكون لصالح الشعوب ولا لصالح الأديان، بوجود انواع الدوائر والمصالح وبوجود اوساط تتربص لزيادة المشاكل ومفاقمتها، لتصعيد منطق العنف وتصريف انواع الأسلحة لتحقيق ارباح انانية لها . 
وفي الوقت الذي يوجّه فيه كثيرون انظار الحكومة الدانيماركية وحكومات الغرب والأتحاد الأوروبي الى بذل الجهود من اجل وضع حد لمثل تلك التطاولات وتقديم القائمين بها و المسؤولين عنها الى القضاء، فانهم يحمّلون كثير من المراجع الأسلامية مسؤولية بذل الجهود للجم القوى المتاجرة باسم الأسلام الحنيف والمسيئة لسمعة المسلمين، والسعي لتخفيف ذلك الغلواء والوقوف امام النزعات الأرهابية التي تهدد بالتوسع وتهدد امن وسلام العالم.
ويطالبون القوى والمؤسسات الدولية النافذة بالسعي الجاد لتحسين قوانين اللجوء والهجرة وتحسين احوال اللاجئين والمهاجرين ومكافحة البطالة بينهم في الغرب، وببذل جهودها من اجل وضع حلول لمشاكل الفقر والبطالة وسوء استخدام السلطة والقمع في البلدان العربية والأسلامية وفق لوائح الأمم المتحدة ولوائح حقوق الأنسان . (انتهى)
   
6 / 2 / 2006 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   وردت عدة مصطلحات في زمن العالم الثنائي القطبية حول اقطاب الحروب والعدوان والعرقية في الأطراف كـ " فاشية المحيط " ،  " الرأسمالية التابعة " ، " رأسمالية الدولة الأحتكارية " وغيرها .
(2)   راجع مجلة " ديرشبيغل " اعداد نوفمبر ـ ديسمبر 2005 ، اعداد " نيويورك تايمز" للفترة الآنفة /  مواضيع ووثائق حول مخاطر وجود وتصنيع اسلحة دمار شامل بيد مجاميع متشددة .
(3)   حيث ان الغرب يواجه مشاكل اجتماعية من نوع آخر الآن .
(4)   يوصف المتخصصون منطق العقل البشري بحسابات كثيرة التنوّع لتصل الى وجود تنوع في  منطق العقول البشرية وكيفية تعاملها مع الحياة الكثيرة التنوّع التي تنجب منطقاً متنوعاً ( كالكتابة من اليمين الى اليسار اوبالعكس او من اعلى الى اسفل كما في الصينية، مثلاً)  بعيداً عن تحديد ايّ منطق افضل او احسن، كلّها حسنة الاّ انها متنوعة بتنوّع الثقافات والحضارات والحاجات والعواطف وغيرها وغيرها المتصلة حتى بطبيعة الغذاء.
ولم تكن صدفة ان وضعت طاقات  ومؤسسات متخصصة عليا قرب قادة الدول العربية والأسلامية وحركاتها التحررية لكيفية مخاطبة العقل الغربي كما في زمن الملوك والرؤساء العرب الراحلين : الملك فيصل بن عبد العزيز، الرئيس جمال عبد الناصر، الرئيس ياسر عرفات والملا مصطفى البارزاني .   
(5)    " بووليفارد ـ بريسه "  التي تعني فضائح المحلات وتصورات سكان الأحياء كصحيفة " بيلد" البرلينية الرخيصة الثمن والفضائحية الواسعة الأنتشار التي قاضتها الكنيسة وعدد من المؤسسات الحكومية والتجارية، اضافة الى عدد من الفنانين والفنانات ورجال الأعمال والرياضيين وعدد من وجوه المجتمع المخمّلي، ومولتها وتمولها عديد من المؤسسات التجارية .  .  المستمرة في حضور جلسات المحاكم والمواضبة على النشر!! [/b][/size] [/font] 

294
الرسوم المخلة والدلالات !
1 من 2
د. مهند البراك

بدأ العالم في العقد الأخير من القرن الماضي يدخل مراحل جديدة، اخذت تتوضح في تزايد ترابطه وبنتائج ثورته التكنيكية والمعلوماتية وتواصل تطوراتها من جهة، وبصراعات اكثر عنفاً لتقرير ماهية القطبية الجديدة وتقرير الأوضاع وكيفية الأصطفافات الدولية الجديدة، وتزايد النزاعات الأقليمية وتزايد وتسارع ترابطها مع مصالح ومواقف الدول العظمى، اضافة الى تزايد تربّع النفط الخام على عرش الصناعة والتكنولوجيا في العالم وصار كنز كنوز الدنيا بلا منازع، الأمر الذي ترك آثاره البليغة على وجهة ومصائر الدول المنتجة للنفط ، الدول الأقل تطوراً وآلية وتنظيماً من دول صقور المال والصناعة والسلاح .
وفي الوقت الذي احتاج العالم فيه الى نقلة نوعية في حوار للحضارات ينسجم مع التطورات الحضارية وغيرها انفة الذكر، ومن اجل ايجاد حلول للمخاطر التي تهدد البشرية من اسلحة الدمار الشامل النووية والكيمياوية والبايولوجية التي اخذت تشكّل ليس كعامل تهديد وترويع فقط، بل اخذت تهدد بالأندلاع الفعلي لدى تفجر حتى النزاعات والأزمات الأقليمية، بسبب تزايد ترابط العالم وتزايد ترابط مصالحه المتنوعة الجوانب. 
وفيما احتاج العالم الى نقلة نوعية من اجل السعي لتقليل مخاطر الفقر والجهل والسعي لمعالجة  الآفات المرضية الفيروسية الجديدة التي اخذت تغزو الكون بشكل اسرع مما في العهود السابقة كما في مرض الأيدز والأمراض المصاحبة للأدمان على المخدرات، وبسبب تفشي نشاطات هائلة للفيروسات المرضية الأخرى كالمسببة لوباء انفلونزا الطيور وغيرها، واخرى ستاتي في تقدير ابرز المراكز الطبية ووفق تقارير مراكز الصحة العالمية، بسبب زيادة عوامل التلوث واختلالات نظم البيئة .
تصاعدت وتائر الحروب وموجات العنف وتزايدت قلة وانعدام شعور مراكز القوى المتصارعة بمصائر الجموع ومصائر الأمومة والطفولة والشباب، بتصاعد الصراعات من اجل تحقيق اعلى الأرباح التي اخذت تكشف وتظهر آفات اجتماعية جديدة في مقدمتها التزايد المفرط للبطالة وتجارة الرقيق الأبيض والفساد الأداري والسوق السوداء الذي لايعرف الحدود، التي اخذت تجتاح العالم، اضافة الى تزايد مظاهر الأدمانات ونزعات التحلل في السلوك وضعف وغياب المُثُل .  . وتزايد الهبوط نحو الحيوانية في عدد من جوانب السلوك .
وكان من نتائج تلك التحولات، ظهور دعوات اطلقها مفكرون وصفت المجريات بكونها نهاية التأريخ، بل ودعى عدد منها الى صراع الحضارات والثقافات، وبالتالي الى صراع الأديان .  .  وصفها البعض بانها محاولات لوضع حلول، ووصفها آخرون بانها مسكنات للوقوف امام حالات مدمّرة من الضياع وفقدان الأمل .  . 
وفيما رأى فيها آخرون انها تنظيرات وصفوها بالحتمية، رأى قسم آخر فيها بكونها نتيجة من نتائج انتصارات قوى وخسارات قوى اخرى، وانها محاولة للتعمية عليها، تشارك فيها قوى كثيرة التنوع بل وحتى متعارضة، بشكل مباشر وغير مباشر .
وفي خضم تلك التناقضات، يستمر صراع قوى الخير وقوى الشر وتستمر صراعات الفقراء والأغنياء، الأقوياء والضعفاء من اجل الحقوق الأنسانية في العيش بحياة افضل، في زمان يبدو فيه ان صراعات المراكز والأطراف تستمر بضراوة اخذت تتناسب مع تزايد ترابط العالم  .  .  الذي قد يخرج الغرب من ازمات ركوده ويراكم له المال، الاّ انه من جهة اخرى اخذ يظهر ضعف العالم النامي، الذي كان متأخراً ثم كرّس تأخره بجعله ضحية صراع القوى الكبرى وتنافسها عليه في المرحلة الماضية، الأمر الذي اخذ يستمر بوتائر جديدة وبصور وهيئات (وحشية ـ متمدنة)، يُفسح المجال فيها للقوى الداعية  للتمدن ولكن بدون توفير المقومات او بدون المساعدة الواقعية لها عليها  .   .  ثم تركها لتتلقى اجابات اكثر وحشية مما مضى، ليقال لها : تفضّلوا هذا هو واقعكم !
يرى كثير من المراقبين ان هناك اقطاب نافذة في العالم تثير الأزمات من مراكز وجودها وفعلها وانها تهئ وتعبئ لردود افعال منفلته يسهل انتشارها وتبنيها في بلدان الفقر والدعارة والأيدز والمخدرات والجهل ممن لاحول لها الاّ بالتوجه للباري القدير، فيما يسهل تبنيها من جهة اخرى في الأوساط الأكثر فقراً في العالم الصناعي  .  .  لتشكّل كما لو كان رداً على مظالم في الظاهر، الاّ انه في الحقيقة لايعدو عن كونه تفريغاً، لطاقات مشاعر الظلم والسخط والمرارت من قوى كبرى او من حكّام  .  . لاجدوى عملي واقعي منه الاّ بكونه صمام امان للقوى المتحكمة من جهة، يساعدها على عبور ازماتها، وعلى تغطية وتعمية الحقائق عن مجريات الصراعات الحقيقية من جهة اخرى .
وفيما يعتقد البعض ان مايجري كما لو كان يحمل اموراً متفقاً عليها بين تلك الأقطاب النافذة، يرى العديد من الباحثين والمحللين ان الأقطاب النافذة المارة الذكر ظهرت بآليات كثيرة التنوع على الواقع الذي تشكّل عقب انهيار نظام القطبين الأعظمين الذي استقطب واصطفت عليه التناقضات والمصالح الوطنية والأقليمية والدولية في حينه من جهة، الذي من جهة اخرى صاغ نمطاً للتفكير والتحليل وحساب المصالح بضوئه آنذاك.
وبعيداً عن مناقشة كيف تم ذلك الذي لايتحمله المقال، فان انهيار احد القطبين الأعظمين السابقين
فرض ويفرض على القطب الآخر اعادة تنظيم نفسه بعد ان كان قد انتظم على اساس مواجهة القطب الآخر طيلة ماقارب قرن من الزمان، حيث ان القوننة السابقة للعالم لايمكن ان تتحقق اليوم  بنفس الآليات والحسابات السابقة والتفكير السابق  .  .  .   الأمر الذي يؤدي الى انفلات نمط (الأستقرار) السابق الذي عاشته الأجيال المتعاقبة، ليصل الى اجيال اليوم التي تحاول اعادة تنظيم تفكيرها ومنطقها لمواجهة تحديات اليوم.
اي ان ما يحصل اليوم يعبّر عن حالة من اعادة بناء واعادة اصطفاف المصالح والأهداف في جو لاتزال تخيم عليه حالة انفلات وفوضى نحو صياغة مفاهيم واسس جديدة او تجديد مفاهيم واسس الصراعات الأجتماعية والطبقية السابقة نحو وضوح افضل قادم .  . 
لكل العوامل آنفة الذكر وغيرها ولتغير مفهوم القوى العظمى ودور العسكرة والبيئة، الكوارث الطبيعية، النفط الخام والثروات الطبيعية الأخرى والفضاء وتغيّر مفاهيم وحدود التلويح بالقوة واستخدامها، واخيراً مفهوم حدود الدول وضرورة التوصل الى تعريف مفهوم الأرهاب .  .
ويذكّر كثيرون باهمية وحيوية الحكمة القائلة بان الأكثر قوة ووعيا وثقافة وبالتالي مالاً وسلطة، هو الأكثر مسؤولية في ادارة الصراعات التي يخر فيها ملايين البشر باسم اهداف السعادة المرتجاة، السعادة التي ولو كانت في الخيال وباسم وعي وخيال قد يصفه البعض بالقاصر. في زمان يعتبر عديد من الفلاسفة وعلماء الأجتماع فيه بكون السعادة مفهوماً نسبياً تحدده .  . الحاجة، الوعي، الخِبَر وقيَم المجتمع المعني .  . 
ويرون ان من يحرّك الأرهاب وقتل المدنيين ومن يموّله، ومن يلعب على الأفعال وعلى ردودها في الغرب وفي الشرق .  .  ومن يخلق العداء بين البشر وبين الأديان ويسعّره بدماء مئات آلاف القتلى المدنيين دورياً سواء كانوا رجالاً او نساءاً، وبالتالي عسكريين  .  .  لايلعب الاَ باتجاهات تحويل الأنظار وخداع البشر بحرف انتباههم وتفكيرهم عن التناقض الأساسي الجاري بلا رحمة بين الفقر والغنى، الذي يزداد توسعاً والذي يعانيه ابناؤنا الفقراء بكل اديانهم ومعتقداتهم وابنائهم من الفقراء بكل اديانهم ومعتقداتهم .
والاّ ماذا كان يُنتظر من 11 ايلول ثم من الحروب والأحتلال ومن الأختطافات والفديات والذبح على الشاشات ؟ .  .  ان النبي المصطفى وعيسى المسيح لأرفع من تطاول تجار الأرهاب والحروب .  . 
وان فهم جوهر تعاليمهما الأنسانية والتمسك بمثلهما النبيلة في المحبة والتسامح والدعوة لنصرة الحق ودعم الضعيف، والوقوف بحزم امام مثيري الفتن الدينية والطائفية، والدعوة لحوار الحضارات وليس صدامها، هو الرد من اجل محاولة احقاق الحقوق على اساس العلم والمعرفة ومن اجل السلم ودرء خطر الحروب والأرهاب والكراهية والعنف، ومن اجل  التقدم الأجتماعي في عصرنا وحياتنا  . (يتبع) 

5 / 2 / 2006 ، مهند البراك[/b] [/size][/font]

295
التوافق والديمقراطية ونزعة الأحتكار !
2 من 2
د. مهند البراك
2 ـ التوافق والمرجعية الوطنية السياسية

    وفيما تتصاعد الدعوات الى ضرورة تكوين الموقف الوطني والحاجة الى مرجعية وطنية سياسية وتعزيز حكم الدولة كمركز، بعد اشباع الأقاليم بسلطتها وعلى اساس ارتباطها بالمركز وفق الآليات الدستورية، تبرز اهمية التوافق حيث انه اضافة الى خلقه الألفة وتشذيبه مواقف القوى السياسية بتعاملها مع بعض على اساس القضية الوطنية، فأنه يساهم مساهمة ضرورية في خلق مجتمع اللاعنف الضروري للحياة الدستورية السليمة ولبناء دولة المؤسسات، بتوفيره مناخات صالحة لتفاعل قوى الشعب السياسية والقومية والفكرية والدينية بكل الطوائف ، علمانية ومدنية ودينية، نساءاً ورجالاً، وبتحسينه لآليات ادارة الصراعات بدل انغلاق المكونات على ذواتها .
   وفيما يحذّر عدد من المفكرين والباحثين من مخاطر التجربة اللبنانية التي ادّت الى تكريس الفرقة واندلاع الصراعات بين فترة واخرى، وادّت الى تناحر حتى ابناء التيار الواحد، كالصدامات المسلحة الضارية التي حدثت بين منظمتي أمل وحزب الله الشيعيتين .  .  فأن التجربة العراقية التي تختلف من نواحي كثيرة عن شقيقتها اللبنانية يمكن ان تطرح بديلاً افضلاً ان احسنت ادارة قضية التوافق الوطني على اساس القرار الوطني والدستور، التي اخذ يشكّل فيها قرار توحيد الأدارة الكوردستانية ودور التحالف الكوردستاني في وحدة البلاد على اساس التوافق علامة واعدة للسير بخطوات افضل نحو تجاوز النواقص والثغرات في العراق وكوردستان من جهة، ونحو تلبية حاجة البلاد الى مرجعية وطنية سياسية لمواجهة المهام الصعبة والتحديات .
وعلى ذلك فأن التوافق هو ليس تجميع عددي لمتفقين كما يطرح القسم، وانما هو اشتراك كل القوى التي تريد تحقيق اهداف المرحلة المعينة، الضرورية لمصالح من تمثلهم  .  .  خاصة وان كل قوة تنظر الى المهام من زاوية مصالح القوى الأجتماعية التي تمثلها ومن زاوية مدى ما تفتح لها الأفاق والأمال، بلغتها ومنطقها هي، في مجتمعنا الفسيفسائي التركيب. وحيث ان كل قوة تنظر الى القضية الوطنية المعينة من زاوية مدى تحقيقها مصالح لها، فأن القوى التي تنشد حل قضاياها من زاوية حل المصالح الوطنية العامة وبالتالي مصالح اوسع الأوساط الفقيرة لأنها غالبية الشعب العراقي، ستستمر بالحيوية والفعل، وستتهمش الفئات المنغلقة والضيّقة الأفق والمصالح والمتحجّرة .  .  .  الأمر الذي سيدفع المحاصصة الى الخلف، ويحرر المجتمع من الجمود عليها .
   من ناحية اخرى فأن جسامة المسؤوليات التي ستواجهها الحكومة القادمة، تجعل من الصعوبة بتقدير اوسع المراقبين ان تنفرد قائمة الأئتلاف ـ الذي هو ائتلاف سياسي كثير التنوّع ـ  بتشكيل الحكومة دون اهتزازات وتصدّعات منطقية قد يتعرّض لها ويجر البلاد اليها في خضم ذلك الصراع، الأمر الذي يطرح ضرورة حكومة الوحدة الوطنية المكونه من القوائم الأربعة الفائزة، مضافاً اليها الطاقات التكنوقراطية والكفاءات الفنية الضرورية لنجاحها، على اساس آليات عمل واضحة وبرنامج حكومي يتفق عليه يجري اعلانه والألتزام به .  . 
وعلى اساس استيعاب وتفعيل التوسع الذي حصل بسبب تزايد المشاركة في العملية السياسية، بعد توسّع المشاركة في الأنتخابات وفوز قوائم جديدة وبالتالي ظهور كتل برلمانية ليست صغيرة في المنطقة العربية من البلاد .  .  الأمر الذي يفرض على الجميع، بما فيهم القائمة الكبيرة تفاعلاً وسلوكاً ان صحّ التعبير من اسلوب ووتيرة جديدة اكثر مرونة وتسامحاً وتفاعلاً، ان اريد السير بنجاح في البرنامج الحكومي المقبل، من اجل عراق برلماني فدرالي موحد، ذي سيادة.
   الأمر الذي يعني الألتزام بالأستحقاق الأنتخابي من جهة وتعزيزه بتوافق القوى ذات المصلحة من اجل انجاح برنامج الحكومة المقبلة، ومن اجل الوقوف بحزم وعدم فسح المجال، لتراكم النواقص وتجاوز المشاكل بالطفر عليها اوتأجيلها بسبب خطط وبرامج اخرى اوبسبب توقيتاتها .  .  تجنباً لتراكمها الضار المؤدي الى انفجارات غير متوقعة قد تؤدي الى استمرار وتصاعد العنف باشكال جديدة لايتمناها احد لعراقنا الحبيب.
   وفيما يشير كثير من المتخصصين والمتابعين الى ضرورة الأستفادة من تجارب ونصائح الآخرين دولاً كبرى او دولاً سارت في طريق النمو والرفاه الأجتماعي وحققت الكثير لأبنائها وبناتها، فانهم يؤكدون على ضرورة التوصّل الى مايفيد البلاد والى ما يحقق مكافحة الآفات المستشرية او التي بدأت بالأستشراء فيها .  .  والتوصّل الى ذلك بصياغة تجربته الوطنية الملائمة لواقعه وتطلعاته هو وليس باستنساخ تجارب يرى جزء ما فيها بكونها هي النموذج، لأنه مقتنع به .  .  دون الأهتمام والألتفات الى اهمية قناعات ودور بقية الأجزاء وبالتالي تلبية حقوقها لمطالبتها بواجباتها.
   وينتظر كثيرون من الحكومة القادمة اضافة الى تلبيتها مطالب الكادحين، سعيها لتفعيل الطاقات الأجتماعية التقدمية، طاقات المثقفين والعلماء والأدباء والفنانين ودعم اطلاق طاقات النساء نصف المجتمع .  .  الطاقات التي تشكّل المعين العراقي بكل اطيافه، المعين الذي لاينضب لتفعيل التغييرات وتصويب المسار، ومن اجل عودة الروح للبلاد وبث الحياة في المفاصل التي تكلّست منها، جراّء عقود الدكتاتورية المظلمة الدموية والحروب والأحتلال والأرهاب والضياع .
   ان الفترة التداولية الراهنة لتقرير تفاصيل السنوات الأربع القادمة .  . ستكون بمجموعها فترة كثيرة الأهمية لتقرير مصير البلاد اللاحق وآفاقها فيها، حيث ان حركة وادارة تناقضاتها ستلعب دوراً هاماً في تحديد تفاصيل الدستور بعد ان صاغ الأسس وحمل عدة اوجه فتحت الباب وتركته لتفاصيل لاحقة .  .  وفي تحديد صياغة تفاصيل القوانين التي ستشرّع بضوئه، بعد ان حصلت اغلب الأطياف على اسس لحقوق الاّ النساء !! وبعد تجربة وزارية انتقالية لم تحقق متطلبات الحد الأدنى المعقول، اخذين بنظر الأعتبار كل الظرف الوطني والأقليمي اضافة للدولي.    
   وفي الوقت الذي يسجّل عديدون فرحهم لزيادة رسوخ مبدأ الفدرالية لبناء العراق، فأنهم يحذّرون في الوقت نفسه من مفاهيم (انفجارية) للفدرالية قد تعرّضها كمشروع اداري ناجح لمخاطر جدية، حيث انها لاتأتي كردود افعال او كتحديات او كحلول لتطمين مشاعر لآلام وجراح على قدسيتها، آلام سببتها الدكتاتورية الأجرامية بسياساتها التي مزّقت كلّ اطياف البلاد وليس طيفاً واحداً او اثنين منها، ولا تأتي لأرادة هذا القائد او ذاك مع كل الأحترام  .  .  وانما بمشاريع تمهيدية يزداد التفاف الجماهير حولها لحاجاتهم لها، لأنها تؤمن لهم حقوقاً عادلة كمواطنين اسوة بغيرهم من العراقيين من جهة، ولتحصل على دعم بقية الأجزاء وقناعاتها بعدالتها لتدعمها وقد تقتدي بها ايضاً. اي ان المسألة لاتتعلّق بسلامة الفدرالية كحق وانما بآليات تطبيقها ومداها وتزامن اعلانها ان صح التعبير.
 ان حق كوردستان العراق اليوم بالفدرالية يأتي من نضال الشعب الكوردي طويلاً في سبيل حقوقه القومية العادلة، والذي كانت بداياته منذ تأسيس الدولة العراقية، مروراً بشعار " على صخرة الأتحاد العربي الكوردي تتحطم المؤامرات " في العقد الخامس من القرن الماضي، ثم بشعار " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكوردستان " طيلة العقدين الثامن والتاسع من ذات القرن  .  .  التي سارت وكافحت بهديها جموع ملئت الشوارع  والمؤسسات في المدن والقرى في السهول والجبال .  .  و راحت من اجلها جحافل الشهداء ضد سلطات متعاقبة وقُدّمت في سبيلها آيات التضحيات رجالاً ونساءاً .  .  طيلة عقود من السنين من اجل خطوات على طريق ذلك الهدف، الذي وصل الى صيغة الفدرالية التي ايدتها قوى معارضة صدام حينها، وصارت كوردستان الحاضنة الأساسية لكل قوى معارضة صدام العربية الكوردية ومن كلّ الأطياف، ثم دعمتها القوى السياسية العراقية بعد سقوط الصنم، بل واستطاعت ان تحصل على دعم دول عربية واسلامية ودولية كيرى ثم الأمم المتحدة والجامعة العربية ودول الجوار، في مسيرة كثيرة التعقيد ومن اخطاء ونجاحات ولاتزال تواجه الكثير من التحديات.   
   من ناحية اخرى يشير مراقبون الى ان تعليق مكوّنات عراقية آمالاً على عقد مؤتمر الوحدة الوطنية المقرر عقده في الشهر القادم برعاية الجامعة العربية وحضور ممثل عن الأمم المتحدة، يشكّل  دليلاً آخر على مدى تعقّد القضية العراقية واهمية العراق الأقليمية والدولية، من مصادر نفط واسواقه واسعاره اضافة الى دوره واهميته في اوبك، اهميته للأستقرار السياسي والأقليمي، اهميته البشرية والفكرية والحضارية، اهميته الأسلامية واهمية مرجعياته واجتهاداته ومجتهديه ونفوذهم ليس الوطني وحسب، اهميته الستراتيجية والتكتيكية الجيوسياسية المتنوعة وعلى رأسها في ظروف اليوم مواجهة الأرهاب ـ بعد التوصّل الى تعريفه وتحديد اوصافه سياسياً وقانونياً ـ اضافة الى اهميته للأستثمار وللدول والمصالح الصناعية والخدمية الدولية الكبرى في زمان تداخل العالم والعولمة ومنطق اليوم وتفكيره .  .  الأمر الذي يترك تأثيره الواضح في عملية مسيرة استقرار العراق التي تشكّل نتائج انتخابات كانون اول ديسمبر الماضي جزءاً هاما منها، يدفع ويستدعي اتفاق وتوافق اطيافه السياسية والقومية والدينية وطوائفه، لتحمّل المسؤولية والسير معاً نحو آفاق ارحب لتحقيق المطالب الوطنية اللاحقة بنجاح.
   واخيراً فأن التطورات اللافته الأخيرة في المنطقة جراّء تصاعد التوتر بسبب قضية المفاعل النووي الأيراني، تفرض الأسراع في بناء موقف وطنيّ اكثر استقراراً لمواجهة التحديات المذكورة آنفاً ولصيانة البلاد من مخاطر العنف ومن مخاطر الأنجرار الى نزاعات اقليمية جديدة قد تسبب اندلاع حرب او اندلاع موجة عنف جديدة من نوع جديد، ومن اجل سيادة الحكم الوطني العراقي على ارضه ومياهه واجوائه كباقي دول المنطقة .  .  بعد مرور ثلاثة اعوام على سقوط الدكتاتورية !! والاّ فأن مؤشرات عديدة تدعو الى الأعتقاد بان العنف والأرهاب سيستمر وستخسر كلّ الأطراف .  .  ستخسر حتى ما تصوّرت انها حصلت عليه وصار مضموناً لها بتقديرها !
   وفيما ترى اوساط واسعة في تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل (*) الداعية الى رفض انتشار الأسلحة النووية في المنطقة والغائها، التي اعتبر فيها الغرب بأنه هو الذي صنع تلك المشكلة في الشرق الأوسط بتزويده اسرائيل بها  .  .  ودعى الحكومة الأيرانية الى الهدوء، والمجتمع الدولي الى التعقّل والى المزيد من الصبر وعدم التسرّع في اتخاذ عقوبات واجراءات قسرية .  .  فيما ترى فيها اضافة الى الأشارة الى الأهمية الخطيرة للمنطقة لأستقرار وامن عالم اليوم .  .  بانها دعوة الى ايجاد حلول وتفاهم بين اطراف الصراعات في بلدان المنطقة.
ترى اوساط اخرى فيها انها بموقفها الأيجابي والحريص على القضية الأيرانية ولأمن وسلامة الشعوب الأيرانية والمنطقة، تشكّل دعوة الى الأطراف الوطنية العراقية الى التلاقي والتفاهم الذي من شأنه ان يعزز الأمن الوطني والأستقرار الداخلي من جهة، وتعزيز الأستقرار الأقليمي ووقايته من التدهور اكثر .  . 
الذي بدوره سيلعب دوراً في اشاعة الأستقرار في العلاقات الدولية، وفي تجنيب او تخفيف آثار ازمات جديدة حيث بدأ القلق ينتشر الآن في اسواق النفط والصناعة والبورصات الدولية وبدأ المضاربون يشحذون سكاكينهم للغنائم الجديدة بسبب (قضية المفاعل الأيراني) .  .  الغنائم التي لن يدفع ثمنها الاّ شعوبنا وفي مقدمتها شعبنا العراقي الجريح الذي يتساءل عديدون لماذا يقاسي من شحة المحروقات والبنزين والكهرباء وهو صاحب احدى اكبر العواصم المعروفة للطاقة في العالم ؟! (انتهى)

17 / 1 / 2006 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) راجع تصريحات الأمير الفيصل لـ بي بي سي بتأريخ امس 16 / 1 / 2006، بمناسبة حضوره اجتماعات المؤتمر الدولي لمكافحة الأرهاب في لندن .[/b][/size][/font]


296
التوافق والديمقراطية ونزعة الأحتكار !
                  1 من 2
                                 د. مهند البراك
1 ـ مفهوم التوافق و(القائمة الكبيرة)

   اثار اعلان النتائج الأولية للأنتخابات ردود افعال متنوعة، من طعون شملت التجاوزات التي جرت من قوائم تجاه اخرى، سواءاً في فترة التحضير للأنتخابات، اوفي سير العملية الأنتخابية وبالتالي طعون باسلوب الأعلان عن (نتائج اولية للأنتخابات) .  .  التي طالت الهيئة العليا المشرفة على الأنتخابات، الى ان  تم اخيراً استقدام هيئة دولية للتدقيق بصحة الطعون ولأتخاذ الأجراءات اللازمة لوضع حلول لها و لمحاسبة المقصرين والمخطئين وفق الأصول القانونية، في وقت لاتزال فيه قضية مسؤولية الحكومة عما جرى موضوعة في ملفات لم يقرر شئ بحقها حتى الآن.
   من ناحية اخرى، اثار ذلك الأعلان المبكّر نشاطات ديناميكية للقوى السياسية، التي ان عكست في جوانب حرصاً على قضية بناء الموقف الوطني ومن اجل انهاء الأرهاب وانهاء حالة العنف وحل مشاكل البطالة والضائقة المعيشية والحياتية وتثبيت مبدأ الفدرالية  .  .  فانها عكست مفاهيماً ان رأى كثيرون فيها بكونها غير مفيدة وضارة، يرى فيها آخرون خروجاً عن مبادئ وآليات الدستور التي تم الأتفاق عليها وصوّت لها الشعب وخاصة في مفهوم (القائمة الكبيرة) و( الكتلة البرلمانية الكبيرة) وفي مفهوم مبدأ التوافق الذي يحلله البعض له ولوحدة تيّاره، ويحرّمه للآخرين ويحرّمه ان يكون من اجل وحدة وتفاعل تيّارات البلاد على تنوّع طيفها الديني والفكري والقومي وبالتالي السياسي.             ناسياً بان الأنتخابات ونتائجها هي ليست نهاية العملية السياسية وانما جزء من عملية متواصلة وستتواصل دوريا واستثنائياً وفق كل الضوابط وضوابط آليات التغيير التي تمّ وضعها وجرى التصويت عليها .  .  وفي زمان لايزال يتحكمّ فيه ورغم الجهود المبذولة، السلاح والمال وحركة ردود فعل اطراف التوازن الدولي والأقليمي الكثيرة التنوع، وفي زمان صار فيه التواجد العسكري وشبه العسكري، لايقتصر على تواجد قوات التحالف الدولي بقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة .  . وانما تعداه الى تواجد متنوع للجوار لتحقيق توازن اقليمي وفق رؤيته او لهدف جعل البلاد ساتراً له ولأسباب كثيرة غيرها لم تؤدّ ولاتؤدي الاّ الى اضعاف عملية بناء الموقف الوطني ومن اجل تقرير السيادة وشروط وحدود المنافع المتبادلة، وفق واجبات وحقوق تقرّها الشرعية الوطنية والدولية  .  .
   وفيما يعبّر التوافق عن كونه عامل لأشاعة استقرار ولتهدئة حالات القلق الأجتماعي .  .  وبالتالي احد الضمانات الهامة لأحترام استقلال جهاز الدولة وللأبتعاد عن اسلوب المحاصصة الجامدة، لكونه  يفسح مجالاً ارحباً لمشاركة الطاقات الوطنية ولتفتحها على اساس الكفاءة والنزاهة في عمل ذلك الجهاز .  . فأنه يعبّر عن كونه صيغة  فاعلة لمواجهة عقلية هيمنة واستئثار مكوّن واحد بتقرير مصير كلّ المكونات الأخرى او النزوع اليه او الوقوع في فخّه، الأمر الذي رفضه الدستور بنصوص لالبس فيها. وبالتالي يرى عديد من الخبراء ومحللي الشأن العراقي، ان صيغة الديمقراطية التوافقية هي الأسلم  لمواجهة الحالات الأستثنائية التي لاتزال قائمة، ولمواجهة فاعلة للتزييف ومن اجل تعزيز صياغة سكّة التطور اللاحق لمجتمع جرى تشويهه، نحو الأستقرار ونحو رفاه افضل.
وفيما يتساءل قسم، الى متى ستبقى الحالة استثنائية ؟ .  .  يجيب آخرون ان الحالة هي حالة استثنائية منذ سنوات الحكم الدموي الدكتاتوري وحروبه، الذي اورثها بعنجهيته وسقوطه بحرب خارجية وليس بتنازله او بسقوطه على ايدي وسواعد ابنائه .  . الحالة استثنائية بسبب الأرهاب الذي تشيعه الأصولية الوافدة وبقايا الدكتاتورية، وبسبب الضائقة المعاشية والخدمية. ويرى متخصصون ان الحالة ستبقى استثنائية بدرجات مالم يحدث استقرار اجتماعي ـ اقتصادي ـ سياسي في البلاد، ومالم يتم التوصّل الى وضوح في وجهات وطبيعة ووجهة الصراع وطبقاته وفئاته، وبالتالي مالم تعود الدورة الأقتصادية الأجتماعية  الى الفعل، ومالم توضع اجراءات وطنية فعّالة للخلاص من حالة الدولة الريعية .  .   
   التوافق يعني السير معاً ليس الى الأبد بل الى تحقيق نوع من الأستقرار الأجتماعي الأقتصادي السياسي الفكري النابع من اطياف البلاد ومكوّناتها والمنسجم بحدود حقوقه مع وجهة التطوّر الدولي والأقليمي، وبالتالي الأستقرارالضروري لضمان الفعل الصحي للدستورواحكامه وآلياته .  .  وهي مرحلة طويلة يصعب تحديدها بسقف زمني اصمّ وبجداول معدة سلفاً، في بلد يعتبر من اغنى بلدان العالم واحد ابرز عوامل استقراره !! على اساس السلام ورفض منطق الحروب .  .  بعد ليل بهيم طيلة خمسة وثلاثين عاماً لحكم دكتاتوري وحشي، كان نتاجاً لمرحلة وتوازن ومنطق دولي تغيّر، وفي ظروف مرحلة دولية في طور التشكّل . 
   وبالتالي فأن التوافق هو ليس ارادة شخص او اشخاص وانما امر لايمكن الاّ سلوكه لتحقيق نوع من الأستقرار على وتائر وآليات حركة المجتمع .  .  وان مدى نجاحه او فشله يعود الى حد كبير الى القوى الساعية لتحقيقه من جهة، ومدى جديّتها والتزامها بقضية الوطن والشعب باطيافه، وبالتالي باوسع فئاته وطبقاته المحرومة التي تشكّل الغالبية العظمى منه .
ويرى عديد من السياسيين والأقتصاديين، ان نتائج التجارب التوافقية في عالم اليوم وبشكل خاص في البلدان الفاعلة فيه، لايمكن ان تكون  بمعزل عن الصراعات الدولية والأقليمية فيه، لأن النزاعات الدولية والأقليمية هي بالأساس من اجل الحصول على منافع من تلك البلدان ـ وفق اكثر التعابير تهذيباً ـ، الأمر الذي يعني انه لايمكن اخفاء الرأس في الرمال كالنعّام توقياً منها، او تغليفها بديماغوجيات خبرها شعبنا .  .  الأمر الذي لايعني الاّ ضرورة النشاط من اجل حشد ومن اجل المساهمة في الأصطفاف الدولي الأقليمي بالشكل المجدي للعملية السياسية الأقتصادية الأجتماعية في البلاد، من اجل امنها وسلامها واستقرارها وتحقيق خطوات على طريق الرفاه .  .   
   وفي الوقت الذي كثر الحديث والتصريحات فيه من قبل ممثلي قائمة الأئتلاف وبشكل ادق ممثلي المجلس الأسلامي الأعلى، بل ووصل الى حد اعلان عدد منهم عن التضاد بين الديمقراطية والتوافق، وان التوافق يعيق الديمقراطية ؟! ووصل بالبعض الى اعتبار ان  اكبر القوائم او الكتل البرلمانية كما لو انها  تمثّل كلّ الطائفة الشيعية، وكما لو انها لحصولها على اكثر الأصوات في الأنتخابات الأخيرة، يحق لها و لوحدها ان تضع شروط التشريع والتنفيذ !! ناسية انها يمكن ان تتحدث بلسان جزء من الطائفة وليس كلّها من جهة، ومن جهة اخرى انها جزء من اجزاء في عملية سياسية وصياغة دستور وثلاثة عمليات انتخابية تحدت الموت اساساً لتثبيت رفض الشعب للدكتاتورية وللحكم الشمولي ولسيطرة وتفرد جزء من الأجزاء بمقدرات البلاد .
بل واخذ عدد منها يدعو التكتلات كثيرة التنوع المنخرطة حديثاً في العملية السياسية، الى تكوين مرجعيتها السنيّة التي ان عنت للبعض انها من اجل تسهيل التفاهم معها ؟! فان الكثيرون لايرون فيها الاّ سعياً خطيراً لتقسيم البلاد طائفياً وتعميقاً لنهج المحاصصة الطائفية، شاء البعض ام ابى، رغم دعواته لرفض الطائفية ؟!
وفيما يرى عديدون ان الأنتخابات سجّلت تصويت الشعب الحازم على رفض دكتاتورية صدام ورفض كل نزوع للدكتاتورية الكريهة التي لم تستأصل مخاطرها بعد، وكانت تصويتاً لأختيار دولة المؤسسات الفدرالية البرلمانية، وتصويتاً ضد حزب البعث الوحشي وضد الأرهاب الأصولي .  .  الأمر الذي جعل الجماهير تتقبل على مضض المشاركة فيها في مواعيدها المقررة، رغم المطالبات بتأجيل التصويت على دستور دائم وتأجيل انتخابات البرلمان وحكومة الدورة الكاملة، التي شارك فيها معها عدد من ابرز الوجوه وعدد من قادة القوائم الكبيرة . 
   فانهم يتساءلون، لماذا يعتبر البعض ان التوافق في القائمة الواحدة والتيار الفكري الواحد صحياً ، ولايعتبر التوافق مع التيارات الأخرى ديمقراطياً بل ومعادياً للديمقراطية ؟!  .  . الا يعني ذلك نزوعاً لتأهيل وبالتالي لفرض سيطرة مكوّن واحد ؟؟  في ظروف وكأن العراق لم يمّر فيها بدعاوي صدام السياسية وحيله وهدناته لتحطيم الآخرين، حينما كان على رأس فريق صغير .  .  التي ان خفت على كثير من السياسيين حينها الاّ انها لم تكن تخف عن الشعب الذي لم ينتظر الاّ شيئاً من حقوقه المضيّعة   .  .  . الأمر الذي تفاقم وادىّ الى ان يدفع العراقيون بكل اطيافهم بعدئذ ثمنها ضياعاً وبؤساً وشقاءاً، دماءاً ودموعاً لم تجف بل وتتواصل مآسيها الى اليوم بادوات واساليب ومفخخات وارهاب وترويع .
ويرون، ان وضع الحلول لمظلوميات ابناء الطائفة الشيعية هي بالبدء بتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم اسوة بتعويض كل ضحايا الدكتاتورية الدموية من كل الأطياف السياسية والقومية والدينية وبكل الطوائف .  .  وليس بتكرار مآسي البلاد من سلوك سكة طريق سيطرة طرف على الأطراف وبالتالي السعي للتنظير له  .   
   حيث ان المعروف ان قائمة الأئتلاف الشيعية تتكون من توافق عدة تنظيمات وحركات وشخصيات، وهي من منابع فكرية واجتهادية واجتماعية وسياسية متنوعة، منها من قارع النظام الدكتاتوري الدموي بشكل مبكّر وتكبّد افدح الخسائر مذذاك، ومنها من ناضل سياسياً وجماهيرياً وعسكرياً ضد الدكتاتورية، ومنها من كان دوره ارشادياً . منها من تبنى قضية الجماهير الفقيرة المحرومة ومنها من انصب اهتمامه على استلام السلطة السياسية .
 منها من سعى لوحدة معارضة صداّم وعمل متفانياً من اجل تمتينها، ومنها من سعى وبوقت مبكّر
من اجل احتكار القرار له مستفيداً من دعم اقليمي له سياسياً ولوجستياً مذذاك. منها من تشبّث بالبلاد وناضل فيها ومن اجلها، ومنها من تشكّل وعمل من الخارج لأسقاط الدكتاتورية الدموية.
   منها من يتمسك بانتمائه العربي والعراقي ومنها من لايتمسّك بذلك، منها مع ان تبقى المرجعية العليا في النجف الأشرف ومنها من لايتمسك بذلك ومنها من يعمل بعكس ذلك، منها من يتخذ مواقفا معتدلة من العلمانية ومنها من يتخذ اكثر المواقف تشدداً منها وبالتالي منها من يدعو لولاية الفقيه عمليا ويتحدث غير ذلك اعلامياً، منها من يناضل في سبيل الديمقراطية وحقوق الأنسان، ومنها من يرى في الديمقراطية نظام غربي مستورد .
   والمتتبع لشؤون الحركة، يرى ان تلك الأجتهادات والأختلافات بينها لم تكن ذات طابع هادئ او سياسي فقط وانما اتخذت طابع اتهامات منها اتهامات بالخروج عن الدين، واتخذت  طابعاً عنيفاً سواءاً في السجون او في داخل البلاد وخارجها، ولم تكن الصدامات بينها عام 2004 محض صدفة او لسلوك شخصي وانما ذات امتدادات واصول اكثر تعقيداً يعود قسما منها الى اواسط الثمانينات ومطلع التسعينات وتترابط باشكال كثيرة الحركة والتنوع بحركة وظروف المنطقة العربية والأقليمية والدولية.       
   لذلك يصعب القول بان الصف الشيعي موحد وتمثله قائمة واحدة، بل ومن الواضح ان عدداً من الوجوه الشيعية المعروفة تتزعم او تنشط في قوائم انتخابية اخرى منافسة لقائمة لأئتلاف، بعضهم يرفض حتى اللقاء بها لأمور تعود اليه. وفيما يشير قسم الى ان ذلك يعود الى الدور الأيراني الذي لم يعد يمكن اخفائه، فأنه يتساءل عن نتائج التحقيق الذي يتواصل عن ذلك الدور وعن اجهزته وماهيتها، خاصة بعد احداث قبو الجادرية .
   وفيما يصف قسم ذلك التنوع بانشقاق البيت الشيعي، يرى قسم آخر بان الصراع الأساسي في العراق طيلة تاريخه المعاصر هو صراع سياسي وليس طائفي، وان ما يجري الآن هو  انعكاس لصراع مصالح اجتماعية اقتصادية اي سياسية، اوانعكاس لصراعات على الزعامة كما هو الحال في عموم المنطقة .  . الأمر الذي يؤكد من جديد على ان الخلافات والأختلافات هي في الواقع سياسية وصراع مصالح متنوعة، اكثر من كونها اجتهادية ان صحّ التعبير.
   ففي الوقت الذي اعتبرت فيه قائمة الأئتلاف الشيعي اية الله العظمى السيد علي السيستاني، رمزاً لها في انتخابات كانون ثاني يناير 2005 حين حاولت توظيف شعبيته بين الأوساط الفقيرة الغفيرة لها، وطبعت صور سماحته على دعايتها الأنتخابية متجاوزة الأصول القانونية، وعلى امل كسبه لها .  . يبدو ان املها قد خاب في امكانيتها جرّ سماحته اليها والى الصراع السياسي. ورغم انواع التفسيرات يبدو ان السيد السيستاني مصراً على عدم تدخل المرجعية العليا بالسياسة الاّ بحدود صيانة وحدة البلاد ووحدة العراقيين وعلى ضرورة تفرّغ وكلائه لأمور الشرع والمجتمع وعدم الأنشغال بالسياسة، بعد ان اعلن موقفه الحازم في رفض نظام ولاية الفقيه.
   الأمر الذي يفسّره محللون بان المجلس الأسلامي الأعلى قد لم يعد يسير على هدي ارشادات السيد السيستاني وانه قد لم يعد يشكّل مظلة له، خاصة وان عدداً من وجوه المجلس اخذت تعلن بان السيد السيستاني يمثّل مريديه الذين يفترض فيهم وحدهم ان يطيعوا وصاياه وارشاداته !! الأمر الذي اضافة الى امور اخرى يسلّط الضوء بشكل اوضح على حقيقة الحال داخل قائمة الأئتلاف، التي قد تواجه هزاّت اكبر تجرّ الى ويلات جديدة للشعب كما سيأتي .  . ان سعت للهيمنة لوحدها بحالها ذلك على البرلمان وعلى تشكيل حكومة بشروطها هي على حد تعبير ممثليها مؤخراً، اي تواجه هزاّت في خضم التصدي لأيجاد حلول سريعة وجادة وخاصة للقضايا الأكثر الحاحاً امام الحكومة القادمة وعلى رأسها :
الأمن، الضائقة الأقتصادية والمعيشية والخدمات، الفساد الأداري، اشراك وتفعيل الطاقات الشعبية من اجل قوة الموقف الوطني، ومن اجل انسحاب قوات التحالف، ومن اجل انهاء وانسحاب كل انواع التواجد المسلح وشبه المسلّح، الذي لايخضع لأجهزة الدولة العراقية . (يتبع) 

15 / 1 / 2006 ، مهند البراك

297
لماذا حكومة وحدة وطنية وكيف ؟!
2 من 2
د. مهند البراك

اي انها مسيرة سياسية هدفها تكوين عراق برلماني فدرالي متحد على اساس التبادل السلمي للسلطة، والقضاء على محاولات الأستيلاء عليها بالعنف وهي اول تجربة في تاريخ العراق الحديث .  .  كما انها ليست ناتج حساب عددي بسيط، في ظروف بلاد خرجت للتوّ من نظام الدكتاتورية والأرهاب والحروب والشوفينية والقتل الجماعي، بل على اساس انها محاولة جادة لأصلاح المجتمع وحلّ مشاكله واطلاق طاقاته الأقتصادية والثقافية والروحية والأبداعية العلمية والدينية وتوليفها، للسير ببناء الدولة الجديدة، بما يتناسب مع الأوضاع الدولية والأقليمية ودعم الأمن والسلام فيها.
وعلى تلك الأسس ووفق ماتقدّم، فان الفوز في الأنتخابات، اضافة الى اهميته الهائلة في تحديد سكّة ومسار العملية السياسية والأوساط الداعمة والمؤيدة لها، فانه ليس عملية حسابية ميكانيكية بل عملية سياسية اجتماعية متعددة الأوجه والجذور والآفاق في الظروف الراهنة وظروف شعبنا المتنوع التركيب القومي والديني والفكري .  .  ان الفوز العددي لايعني انه قد حسم  كلّ ما يتعلق بايجاد حلول للمشاكل المستعصية القائمة، بعد تركات الدكتاتورية واسقاطها بحرب خارجية، التي ان لم يجري حلّها لصالح تقوية وتجذير العملية السياسية ـ الأجتماعية على اساس الأفاق المتفق عليها، فانها ستتراكم وستشكّل خطر الأرتداد عنها والأجهاز عليها، حيث ان الوصول الى السلطة قد يكون اسهل من الأحتفاظ بها.
في الوقت الذي يرى متخصصون فيه، ان استقرار الحكم في البلدان الصناعية المتقدمة على اساس الدستور والأنتخابات والكتل النيابية، لم يأت بصيغته الحديثة المعاصرة، دون استقرار الأقتصاد وممثلي فروعه المتنوعة وممثلي التناقضات والمصالح الأقتصادية المتصارعة، وممثلي الفئات والطبقات المتنوعة، وانه ابتدأ بدايات كثيرة التعرّج الى ان استقرّ اليوم على صيغته الحديثة بفعل تلك العوامل وغيرها، من النقابات والأتحادات المهنية والأبداعية الى المؤسسات الدينية ومؤسسات البيئة وغيرها.
ان تجربة حكم القائمة الفائزة بالأغلبية(*)، واعتماد تشكيل الحكومة على اساس (حكومة فائزين فقط من القوائم المشاركة في الجمعية الوطنية) واهمال القوائم الأخرى في مواجهة التحديات الخطيرة، اثبتت انها لم تستطع تحقيق نجاحات حتى الحد الأدنى كما كان منتظراً منها وكما كان الشعب يطمح من مشاركته وتحديه الموت في انتخابات مطلع العام الجاري، بل بظل حكمها تفاقمت المشاكل المعيشية والبطالة والفساد الأداري ومشاكل الكهرباء وغيرها ، اضافة الى تفاقم المشاكل الأمنية التي اخذت تأخذ مناحي طائفية واقليمية ودولية اكثر خطورة ونالت حتى انتقاد مرجعية السيد السيستاني الشيعية حينها، اضافة الى انتقاد والم اقرب حلفائها في التحالف الكوردستاني، بسبب تسويفها العمل للبدء بحل قضية كركوك ومهجّريها وعائديها،على اسس عادلة اقرّها الدستور.
الأمر الذي يدلل مجدداً ان مجئ  قائمة اسلامية مهما كانت طائفتها او اية قائمة اخرى وحصولها على المرتبة الأولى  في الأنتخابات، لايعني حقها بالأستحواذ على السلطة السياسية لوحدها فيها، او ان تسير لتحقيق مستلزمات استحواذها عليها، بقدرما يعني ان دورها في الدورة القادمة سيتناسب مع المرتبة التي حصلت عليها ضمن اطار مسيرة البلاد التوافقية بكل مكوّناتها السياسية والقومية والدينية، ووفق الثوابت الوطنية المتفق عليها. 
بل حتى ان النظم والقوائم ذات الطابع الأسلامي التي حكمت وتحكم في عدد من دول المنطقة وغيرها،  قامت بعديد من التحالفات والتغييرات والتنازلات امام القوى الوطنية في بلادها او الدولية بحكم ضرورات سياسية او اجتماعية او اقتصادية، ولم تنعزل عن تيار الحياة الجاري ولم تكتفِ بالتحليل والتحريم او بين الـ(نعم) و الـ(لا) .  .  كما في ماليزيا، تركيا وايران خاتمي على سبيل المثال، من اجل استمرار المسيرة الأجتماعية السياسية وتحقيق رفاه للأوساط الكادحة وابعاد شبح الحرب، وعدم الأنعزال عن التفاعل مع مسيرة العالم.
من ناحية اخرى، فان التهيؤ للأنتخابات الأخيرة في كانون الأول حمل منذ البداية ملامح سعي واضح من " قائمة الأئتلاف " للهيمنة في الدورة القادمة، بوجهة لايتوقع منها الاّ سعيها لتعزيز نموذج حكومة الفائزين آنف الذكر، فشرّعت قانوناً جديداً لأجراء الأنتخابات على اساس المحافظات غير مبالية برفض وعدم استحسان القوائم الأخرى في سعي واضح هدف الى تفتيت القوى التصويتية للقوى المنافسة وفوّت عليها فرصاً هامة للعب دورها في المسيرة السياسية.
   اضافة الى مالعبه الأستقطاب الطائفي السياسي الذي اججه الأرهابي الزرقاوي من جهة وتعكزت عليه قوى اسلامية سياسية، لترد عليه القوى الأسلامية الأخرى بغطاء اجهزة الدولة وبميليشياتها المسلحة العائدة لأحزابها ذاتها .  .  الأمر الذي حوّل البلد الى مسرح طغى عليه القتال الطائفي الذي انجرّت اليه بوضوح " حكومة الفائزين "، في وقت كان عليها فيه ان تستعين بالقوى السائرة معها، التي ان لم تجمعها بها الحكومة بعد استثنائها ايّاها، يجمعها بها سقف الجمعية الوطنية الأنتقالية .  . من اجل تفعيل الموقف الوطني الموحد، وخلق روح التضامن والعمل الوطني المشترك.
   الموقف الذي جاء مكملاً لسلوك طغى عليه تركيزاهتمامها على مناطق طائفتها وعدم اهتمامها كحكومة لكل البلاد بما يجري فيها برأي اوسع الناس، الأمر الذي تسبب بخلق تفاسير واتخاذ مواقف كثيرة التنوع من ابناء البلاد تجاه عملها، خاصة وانها لم تبدِ اهتماما يذكر كحكومة بانصاف وملاحقة من استهدف مقرات وافراد الأحزاب والقوى السياسية الأخرى التي راح ضحيتها عدد غير قليل قتلى وجرحى، بل كان عدد من المسؤولين الأداريين المحليين قرب اماكن الأعتداءات حين حصلت بل وكانت بحماية مسلحين حكوميين، كما حدث في مقرات الحزب الشيوعي العراقي والوفاق في الناصرية، التي تناقلت صورها وسائل اعلام وصحف ومواقع متنوعة، وهي تسجّل سابقة فريدة تهدد بتفشي خطير ان لم يجري التصدي الحكومي لها .     
   واضافة الى ما سجّلت عملية الأنتخابات الأخيرة من مشاركة اطياف العراق كلّها ولأول مرة متحديّة انواع المخاطر، الاّ انها سجّلت حالات تزوير وتهديد ووعيد وصل حد القتل في مواقع حددتها عدة قوائم انتخابية ومنها قائمة الأئتلاف ذاتها، ولديها اثباتات بها وجرى تناولها في وسائل الأعلام، اضافة الى تواصل التدخل الخارجي في المنطقة الجنوبية والغربية بشتى الأشكال من الدول المجاورة المعنية، والى دور قنوات فضائية عربية وايرانية .  .   
وفيما اثار الأعلان عن النتائج الأولية للأنتخابات ردود افعال متنوعة اتسمت بالحدة والتطيّر، يؤكّد كثيرون على ضرورة ايجاد حلول للطعون المرفوعة الى مفوضية الأنتخابات، في وقت يرى عدد من المحللين والمراقبين ان تصريحات المفوضية متضاربة، الأمر الذي اثار ويثير تساؤلات حول سلامة حيادها ومدى تأثرّها بالمؤثرات الخارجية. وفيما يطالب عدد من القوائم بتعليق النتائج الجزئية المعلنة، واتخاذ الأجراءات الضرورية لتصويب الخللات واعادة العملية الأنتخابية في المراكز التي حدثت فيها تلك التجاوزات والأخطاء، يرى آخرون ضرورة العودة الى المحكمة القضائية العليا، كما جرى ويجري حتى في اكبر الدول في عالم اليوم كما حصل في الولايات المتحدة اضافة الى روسيا واوكرانيا وجورجيا وغيرها.
   فيما يرى فريق ثالث، ان ذلك يفسح مجالاً للقاءات وتوافقات جديدة مكمّلة ضرورية ليست بديلة للأنتخابات وانما بهديها، تحتاجها عملية الأحتكام لصناديق الأقتراع في بلاد تعيش تجربتها حديثاً فيها، وعلى اساس التوافق بين القوائم الأربعة الفائزة بشكل رئيسي، وتشكيل حكومة وحدة وطنية من القوائم تلك اساساً اضافة الى ممثلي القوى الأخرى الفاعلة في عملية التحوّل.
ويؤكد العديدون على ضرورة ايجاد حلّ  للطعون لسلامة العملية الأنتخابية ونتائجها وكسب ثقة الناخب، رغم تقدير بعض المتابعين بان التحقيق بها قد لن يؤثّر تأثيراً حاسما على نتائج الأنتخابات ؟! و   
يشيرون الى ان تركها اضافة لما فيه من اجحاف فانه سيكون سبباً في زيادة صب الزيت على النار التي يحاول متربصون تأجيجها لتحويل القضية الى مواجهات عنف جديدة مستفيدين من اساليب التهديد وطرق التشفي واثارة العدوات والأستهزاء .  . في ظروف ـ منها وجود قوات التحالف ـ لايتمكن فيها طرف لوحده من حسم الأمور له لوحده، بعد انهيار عهد دكتاتورية صدام وتسلّط طرف على بقية الأطراف بالقوة، الى ظروف جديدة اضافة الى كونها محمّلة بتركته الثقيلة، فانها تطرح ضرورة العمل كتفاً لكتف ومعاً لمواجهة مراحل قد تكون اكثر عصفاً بسبب غياب او ضعف الموقف الوطني الموحد .  .
من ناحية اخرى، شكّل اعلان النتائج الجزئية مؤشراً مهماً لزيادة مشاركة العراقيين بالأنتخابات وتزايد انخراط  اوساط حملت السلاح في السابق واخرى رفضت العملية السياسية .  . تزايد انخراطها في العملية السياسية وخاصة من ابناء المنطقة الغربية، اضافة الى تأشيره الى وجود اكثر من قائمة مؤثرة في المنطقة العربية من البلاد ـ اضافة الى القوائم الصغيرة ـ بدل قائمة الأئتلاف الوحيدة .  . 
الأمر الذي يراه عدد من المتابعين بكونه قد يحول دون انفراد قائمة واحدة، وقد يحول ان ضبطت الأمور دون تمكن مكوّن واحد منها من السيطرة على الجميع، بمساهمة ايجابية ضرورية منتظرة من التحالف الكوردستاني، واذا ما تم ضمان حياد الأطراف الأقليمية. بشرط تكوين حكومة وحدة وطنية، اضافة الى تفعيل وضبط عقد اجتماعات مجلس النواب واشباعه بحقوقه الدستورية، وايجاد نظام جاد لمعالجة وضبط الغيابات وحركة سفر اعضائه. 
الأمر الذي لايمكن تحقيقه دون ايجاد حلول لقضية الميليشيات المسلحة، وجعلها خاضعة للقيادة العسكرية العامة للبلاد، سواءاً في اسلوب استخدامها او تسليحها، بوجهة التقليل منها وضمها المدروس   الى القوات العسكرية النظامية، وبوجهة ضبط ونزع سلاح الميليشيات بشكل مبرمج سواء بتوظيف اللائقين من اعضائها في اجهزة الدولة او باحالتهم الى وظائف اخرى .  . على اساس ان احزابها وممثليها السياسيين موجودون في السلطة التي سلاحها الجيش وقوات الشرطة، وعلى اساس ان الدستور يحرّم العنف وان النظام قائم على اساس التبادل السلمي للسلطة، وان الجيش والقوات المسلحة تخضعان لرئاسة الحكومة، التي هي حكومة وحدة وطنية مشتركة توافقية .
اضافة الى ان حكومة الوحدة الوطنية التي تناضل ضد خطر الطائفية، لايمكنها ان تضم وزراءاً للداخلية والدفاع ممن ينتمون الى تشكيل سياسي طائفي، لأنه يشكّل اكبر تناقضاً في مسيرتها تلك، في الظروف التي تمرّ بها ليس البلاد وحسب، وانما عموم المنطقة. (انتهى)

27 / 12 / 2005 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يقصد بها قائمة الائتلاف الشيعية .[/b][/size][/font]

298
لماذا حكومة وحدة وطنية وكيف ؟!
1 من 2
د. مهند البراك

من المعروف ان الدستور ـ كجزء اساس من اسس العملية السياسية ـ لابّد وان توضع احكامة الأساسية يوماً موضع التطبيق، وان تعدّل بعض بنوده وتسن قوانين جديدة بهديه، كي ينسجم مع الواقع الملموس للمجتمع وليستطيع تحفيزه و تحريكه واطلاق طاقاته وفق الأهداف المعلن عنها والتي جرى التصويت لها، وبالتالي تحويله على محك الواقع الوطني، الأقليمي والدولي .  . من وثيقة افكار الى واقع يجري في المجتمع لحل مشكلات المجتمع وتنظيمه ولمواجهة تحدياته.
الأمر الذي يأتي في ظروف وواقع كثير التعقيد، بسبب الموروث الطويل المؤلم من نتائج حكم حكومات عسكرية متنوعة شبه متتالية، ومن استيلاء على السلطة بالقوة المسلحة وبالأنقلابات العسكرية وبالدكتاتوريات التي كان آخرها واطولها زمناً، حكم صدام الدكتاتوري الشمولي الذي خرّب البلاد ماديا وروحيا وفكريا، واساء الى المنطقة وتهددها.
وفي ظروف تتزايد فيها حدة تكالب الأطماع الدولية والأقليمية، بعد تزايد ماتم الكشف عنه من ثروات البلاد الفلكية وتزايد قيمة النفط الستراتيجية والتكتيكية والسياسية، وتزايد اهميتها الستراتيجية المتنوعة في ظروف العولمة وظروف التغيّر الكبير في معاني مفهومي الدولة والحدود، سواءاً لدى القوى الدولية، او بشكل من نوع آخر بالنسبة الى الدول النامية وذات الأقتصادات التابعة .  .  اضافة الى تغيّر حركة واقع المنطقة واستقطاباتها وآفاقها بالنسبة للعالم. 
   وتمرّ البلاد بمخاض عسير لعملية بدء ممارسة ديمقراطية ليس لها تقاليد وتجارب وثقافة واقعية عملية ليس في البلاد لوحدها وانما في المنطقة، حكماً ومعارضة بشكل عام كسبب وكنتيجة للقمع .  .  رغم تنوّع النداءات وتنوع ساحات النضال المرير وسقوط جحافل الشهداء في سبيل الحرية والديمقراطية حين كانت تشكّل آماني واحلام واهداف نبيلة، في سبيل احقاق حقوق الشعب المضيّع وفي سبيل الدفاع عن حقوق البلاد .  .  بل انها تمرّ لأول مرة في تأريخ البلاد الحديث بأستقالة اصولية لحكومة ومؤسسات حكم جاءت بالأقتراع، بسبب نفاذ فترتها الأصولية القانونية !
   وبضوء الواقع القائم، وبضوء ما مطلوب من مجلس النواب الجديد من مهام شاقة للبدء بلمّ البلاد وبعودة الحياة المدنية اليها بعد ان اثخنتها الدكتاتورية والحرب والأحتلال والأرهاب بالجراح، للبدء بتحقيق الأمن، لوضع حلول واقعية لمشاكل الضائقة المعاشية وللبطالة، ومن اجل التصدي لأسلوب العنف في التعامل، وللفساد الأداري، ولمواجهة مخاطرالطائفية والطائفية السياسية، ولنشر الفكر التعددي وتنوعه واحترامه وتقبله .
ومن اجل تمتين اسس وتقاليد نبذ العنف واعتماد التداول السلمي للسلطة عبر الأنتخابات وصناديق الأقتراع .  . والتأسيس للتعايش والتوافق لحمل كاهل اعباء البلاد، بعيدا عن غرور النجاحات الأولى التي تعكس الواقع المريض ان صحّ التعبير، لمعاناته الحياتية والفكرية الموروثة، ولمعاناته من منطق الحلول التي لم يجد غيرها في زمن الدكتاتورية السوداء ولمواجهتها، ومن اجل ترصين واقعي صحيّ متطوّر للحياة الحزبية التي اخذ الطلب يزداد عليها لتحقيق الذات الوطنية ولمواجهة خطر الطائفية والشوفينية واسلوب المحاصصة .  .  ومن اجل القضاء على مخاطر المخدرات(*) والجريمة المنظمة والأرهاب، ومن اجل البدء بعودة الروح للبلاد .  .
ومن اجل مواجهة الطائفية وخطر التفتت والتمزق، وصياغة عوامل قوة الموقف الوطني لتحقيق الأستقلال الناجز وللبدء العملي لمواجهة الواقع بعد انتهاء المرحلة الأنتقالية المقررة دولياً، البدء بصياغة بناء الدولة على اساس جديد ينقل البلاد بآليات سلمية تتفق مع تناسب قوى المرحلة، للأنتقال من آليات الحكم التابع الى آليات الحكم الوطني المبني على ارادة ومصالح ابنائه وعلى اساس تفاعله السلمي مع عالم اليوم بضوء المنافع المتبادلة، ومن اجل تطوير آلياته بضوء حركة الواقع وقواه المكوّنة.
وفيما يرى عديدون، انه لايمكن مواجهة تركات القرن الماضي وجروحها وندوبها وما خلقت من فوضى وقلق وخوف وحساسيات مفرطة، راحت في ظروف الأزمات تتضاعف وتطلق حمماً جديدة لاتعمّق الاّ الخلافات ولاتزيد اطرافها الوطنية الاّ تقوقعاً وتألباً وانغلاقاً بعضها عن بعض، رغم اعلان متنوع المصادر عن السعي لؤدها .  . 
يرى متخصصون وخبراء وطنيون ودوليون .  .  لايمكن البدء بمواجهة تلك التحديات جدياً الاّ بصيغة حكم الأجماع الوطني التي تنتصر للعراق ولكل العراقيين على اختلاف اطيافهم، الحكم الذي يستطيع تعويضهم عن حرمانات العقود المظلمة الطويلة، كلّ في اطار فكره وعقيدته وانتمائه القومي والأثني والديني، في اطار هوية العراق التعددي الفدرالي المتفاعل الموحد المتسع لكل ابنائه. انها مشاكل وتحديات لايمكن لفكر او اجتهاد واحد او تيار واحد ان يحلّها، وانما وحدها البلاد بكل تياراتها القومية والدينية والسياسية والفكرية، على اختلاف اطيافها، هي القادرة على ذلك  .  .
وخاصة بعد تجارب الحكومة المؤقتة والأنتقالية، التي اثبتت عدم قدرة قائمة لوحدها مهما حصلت من اصوات او دعم اقليمي او دولي على تحقيق تلك الأهداف الصعبة، بل وانها اخذت تهدد مؤخراً بتطورها الى صيغة ( القائمة المنتصرة على مجتمعها) بدل صيغة (القائمة المنتصرة لشعبها بتنوع اطيافه)، على حد دعايتها الأنتخابية .  .  بدل سعيها لأجل تحقيق امانيه وطموحاته ومصالحه واعادة بناء واطلاق فئاته الوسطية .  .
لتثبت مسيرة البلاد مجدداً استحالة استفراد قائمة بحكم البلاد وفق رؤياها وطموحاتها هي دون النظر الى كل الأنتماء الوطني العراقي، حاميها وصانع امجادها وقوتها الواعدة لأنه وليد ارادتها واختيارها، ولتثبت وتؤكد تزايد الحاجة و الضرورة القصوى لتشكيل حكومة ائتلافية توافقية لتحقيق الحد المقبول كبداية تأسس لنجاح تالي في مواجهة تلك المهام الكثيرة التعقيد والتفجّر . اضافة الى كونه واقع ينسجم مع حركة الواقع الأقليمي العربي والأسلامي والواقع الدولي، فان بديله لن يكون الاّ استمرار الأرهاب والأزمات، وبالتالي استمرار تواجد القوات الأجنبية في البلاد.   
والتي اثبتت تجارب عالمية متنوعة قريبة او مشابهة او يمكن الأستفادة منها، في مجتمعات وازمان وظروف اخرى الاّ انها مشابهة من حيث اهدافها لشعوبها .  .   كتجارب الجبهات الوطنية والأنتخابية والبرلمانية والحكومية المتنوعة في ظروف ومعطيات ظروف وحاجات ما بعد الحرب العالمية الثانية، لمواجهة مهام اعادة بناء البلدان المدمّرة وفق واقع وآفاق ظروف ما بعد الحرب، او التوصل لأيجاد حلول لأزمات وطنية اكبر من قدرة قائمة او قوائم فائزة في الأنتخابات الوطنية من اجل تحقيق استقرار وامن ورفاه اجتماعي وايجاد حلول لمشاكل البطالة،  الأمر الذي تكرر في ايطاليا على سبيل المثال ويجري الآن في المانيا حيث اتفقت كل القوائم الوطنية الفائزة وغير الفائزة، على تشكيل حكومة وطنية لمواجهة مخاطر العجز والبطالة وغيرها .
ان حكومة الوحدة الوطنية تعني اشراك كل قوى التغيير في تحمّل المسؤولية وعدم التفريط بها .  .  التي في ظروف كظروف العراق قد لاتقبل المشاركة، لثقل وجسامة المهام من جهة، او تجنباً للزج باسمها وعدم اعطائها حقها الدستوري الضروري، الذي قد يسئ لمكانتها بين جماهيرها. ان زجّ الطاقات الوطنية المخلصة للتغيير ولتجذيره، سيضيف طاقات خلاّقة لمسيرة الحكم، بدل اهمالها او الضغط عليها وتهديدها، الأمر الذي لن يؤدي الاّ الى تتالي الأزمات السياسية الدستورية، والى ضعف وشلل الحكومة الجديدة او لجوئها الى اساليب قد تؤدي الى انهيارها بتأثير عجزها وفضائح اساليبها.
اضافة الى ذلك، فان حصول الحكومة الجديدة على الأجماع الوطني، سيؤدي الى تغطية حاجاتها الماسة الى الخبرات الفنية المتنوعة والى التكنوقراط الضروري لبناء الدولة الجديدة، والى تزايد التعاطف الدولي والأقليمي معها والى زيادة فرص الأستثمار والدعم، ويؤدي الى نجاح الخطة الحكومية الجديدة في دورتها في مسيرة البلاد المتواصلة.  (يتبع)

26 / 12 / 2005 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) تشير تقارير منظمة الصحة العالمية الى تزايد مخاطر تفشي الأيدز في الشرق الأوسط، جراّء تعاطي
    المخدرات باستخدام حقن المخدرات بالوريد بحقن ملوّثة، جراّء طبيعة تزايد وتفاقم انتشار المخدرات
    ومضاعفاتها، في مناطق الحروب والكوارث في الشرق الأوسط.[/b][/size][/font]

299
      ماذا تعني زيارة مشعل لطهران الآن ؟!
               2  من 2
                              د. مهند البراك

ان العودة الى اعتماد اسلوب اللاءات الحماسية غير المستندة الى توازن القوى الواقعي مجدداً ورفض طرق الحوار، الذي لايذكّر الاّ بالأسلوب الذي اعتُمد وحتى الأمس القريب، لسوق شعوب المنطقة الى اهداف كان مخطط لها .  .  لم يغنِ شعوب المنطقة ولم يساعد على حلّ ازماتها وآلامها، وانما زادها دماراً وقهراً، حين استخدم لأسكات الشعوب ثم اذلالها كي لاترفع عقيرتها بوجه حكّامها ، واستخدم كي لاتعطى للشعوب اية فسحة لتلعب دورها في اصلاح انظمتها الحاكمة،  باسلوب كان الدكتاتور صدام نموذجه المخيف لشعبه بكل اطيافه، وللمنطقة على اختلافها.
   ان مشاعر القلق تتصاعد اكثر، بزيارة مشعل لطهران في هذا الوقت بالذات وبمؤتمره الصحفي في فندق " آزادي " في طهران، الذي اعلن فيه ليس دعمه الكامل فقط لتلك التصريحات المتشددة، وانما عن استعداد حماس؟ لضرب العسكرية الأسرائيلية ان ضربت ايران! الأمر الذي يلقي بمرارة اسئلة متنوعة، على رأسها، الى مَ ذلك التصعيد ؟ وهل هناك تلاقي من نوع جديد بين المتشددين و الراديكاليين الأسلاميين باختلاف طوائفهم ، الذي يهدد بتكوين غطاء لتلاقي الأصوليات الطائفية وزمر الأرهاب المتنوعة ؟ ام ماذا ؟
   في الوقت الذي تتناقض فيه مواقف حماس لمصالح لايمكن تفسيرها الاّ بذاتية تخصّها، حيث تتناقض بين دعوتها للعنف وشجبها (المقاومة السياسية) وان (لانضال حقيقي ان لم يكن عنيفاً) على حد وصفها، وبين اعلانها عن صلات لها مع القيادات الأميركية رغم كونها موضوعة في قائمة منظمات الأرهاب، وفق مصادرها ذاتها .  . وما بين تدخلها ودعوتها الى رفض المشاركة في العملية السياسية في العراق ( لأنه تحت الأحتلال الأميركي ـ الأسرائيلي !)، تشارك هي في الأنتخابات الفلسطينية بكل قواها رغم انها قرار فلسطيني ـ اسرائيلي مشترك .  . 
الأمر الذي يزداد التساؤل فيه، لماذا الكيل بمكيالين ؟ الا يكفي حماس ماحصل ويحصل للعراقيين جراّء حكم طاغيتهم وممولهم المدلل، وارهابه وحروبه وحصاره .  . الذي شرّد اعداداً هائلة من العراقيات والعراقيين واحالهم الى مشردين يشحذون من ( اعيان واثرياء اللاجئين الفلسطينيين) عملاً، وثيقة او مساعدة، وبلا طائل  .  .  ماذا تريدون من شعبنا بعد ان خُرّبت بلادنا وتشرّد اكثر من اربعة ملايين من بناتها وابنائها وضاقت بهم الأرض وفقد الألوف في البحار والمحيطات .  .  وفي مختلف  دروب التشرّد. اليس ذلك نتيجة الأفكار العنصرية والعرقية التي تجمعكم به، والتي ادانها القرآن وشرائع السماء ومحاكم نورنبرغ وميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، وادانها الأمام الخميني في عنفوان ثورته . . ونتيجة محاولات لعبكم بمصير العراقيين ؟!
وتزداد الأسئلة فيه، عن ماهية الخطاب الأيراني وهل هو موحد ام ماذا ولماذا؟ حيث نقلت وكالة الأنباء الأيرانية الرسمية " ارنا " تعبير السيد رافسنجاني عن الأرتياح لنجاح الأنتخابات العراقية، رغم تأكيده الذي حمل اكثر من معنى على مطالبة الحكومة العراقية بعدم نسيان دفع التعويضات لأيران بسبب حرب صدام ضدها التي دامت ثماني سنوات (1)، وتصريحات وزير الخارجية الأيراني السيد متكي التي عبّر بها عن تهانيه للشعب العراقي بنجاح عملية الأنتخابات .  . في حين لاتخفي الأوساط العسكرية الأيرانية المتشددة قلقها من استقرار الوضع في العراق، ومن ان بداية تخفيف عدد قوات التحالف فيه ان بدأ، سيعني بتقديرتلك الأوساط اطلاق يد قوات التحالف ؟!   .  . على حد الكثير من وكالات الأنباء الدولية المتنوعة .
   وفيما يرى مراقبون ومحللون، ان التصريحات المتشددة للرئيس الأيراني الجديد، تأتي في محاولة لأستقطاب وتطمين اوساط شعبية صوّتت له على امل ايجاد حلول لحياتها الصعبة، ولأسباب داخلية متنوعة، اضافة الى تزايد مشاعر اوساط غير قليلة من تزايد حدة ضغوط الغرب، ويرى آخرون انها تطميناً للجهات الأكثر تشدداً من " الحرس الثوري " .  .  يتساءل آخرون، الا يمكن التوصل الى حلول افضل في مشكلة المفاعل النووي، كالحلول التي وصلتها باكستان، اوالتي تسير عليها كوريا الشمالية بضمانات اقطاب دولية كبرى، منها التي ناشدت ولاتزال تناشد الرئيس الأيراني الشاب بالصبر وبطريق المفاوضات؟!
ويتساءلون عن مدى الأمكانية الواقعية، لتصور بعض الأوساط الأيرانية الحاكمة ان بامكانها ان تكون قطباً عسكرياً دوليا اعظماً لذاتها، في ظروف غاية بالتعقيد من نوع جديد، تغيّر فيها منطق ومصالح العصر، وتطوّرت خلالها تقنيات صناعات الأسلحة لدى الدول العظمى، ووصلت الى درجات غير مسبوقة لايمكن قياسها بما كان عليه الحال قبل ربع قرن حين انتصرت الثورة الأيرانية، او حين انسحبت قوات المارينز من لبنان ! اضافة الى عدم معقولية تصديق ما تشيعه منظمة " القاعدة " بكونها هي التي حطّمت الأتحاد السوفيتي، وانها قادرة على تحطيم الولايات المتحدة عسكرياً ؟!!
في الوقت الذي تشكّل المنطقة فيه اغنى بقاع العالم وحيث يجري الصراع مصيرياً على اشدّه بين كل الأقطاب والقوى العالمية، بكل الوسائل العسكرية والسياسية، البيضاء والسوداء .  . وغيرها، من اجلها ودونها وعلى ارضها ؟! (2). في وقت تشكّل ايران ـ ودول اخرى ـ تشكيلاً قطبياً دولياً معترفاً به، رغم انها لاتمتلك الأسلحة النووية (3).
   ويرى عديد من السياسيين، انه مهما كان سبب تلك التصريحات ومحاولة ايجاد الأعذار لها، فانها لاتصبّ الاّ الزيت حاراً على الجهود الأوروبية المبذولة لأيجاد حل لأزمة الجمهورية الأسلامية مع القوى الدولية ومن اجل سلامة الشعوب الأيرانية بسبب المفاعل النووي، وتظهر الدولة الأيرانية بمظهر عنصري اثني قد لايليق بمكانتها وعراقة حضارتها ودورها الأقليمي والدولي  .  .  من جهة.
ومن جهة اخرى، فانه يثير مخاوف وقلق شعوب المنطقة وتساؤلاتها الكبيرة التي تعززت بزيارة السيد خالد مشعل ومواقفه المعروفة في مسائل خيارات العنف، المثيرة للقلق بسبب قرب انتهاء فترة هدنة المنظمات الفلسطينية بوقف اطلاق النار  .  .  وبسبب تصريحات بعض الجماعات الأسلامية (السنية) المسلحة العاملة في العراق، وتهديداتها بالعودة الى العنف بعد ( مهلة الأنتخابات)، في وقت يجري الحديث ساخناً فيه عن توقعات تفيد بان سير الأنتخابات يؤشّر الى ان فرص فوز قائمة الأئتلاف (الشيعية) القادمة، يمكن ان تكون اقل من فرصها في الدورة السابقة، وعن انها قد لن تستطيع ان تشكّل غالبية (ساحقة)، على حد تعبير البعض.
 حيث تدور احاديث متنوعة في الشارع العراقي عن وجود جهود وعن لقاءات تجري بين اطراف مسلحة (سنية) ومسلحة(شيعية) ومحاولات لتوحيد الموقف العنفي ( .  . )  بينهما، الأمر الذي قد يهدد بتحويل الصراع من صراع من اجل الأمن والسلام، من اجل الحرية واستكمال الأستقلال وحل المشاكل المعيشية ونبذ العنف، ومن اجل محاربة الجريمة المنظمة والمخدرات والأيدز والرقيق الأبيض .  .  الى استمرار العنف وبالتالي الأرهاب على اساس فتن عرقية جديدة ؛ (مسلم وغير مسلم) او تحويله الى ( مع الأسلام او ضده) وبالتالي ( مع الأسلام ام مع اليهود) بين ابناء البلد الواحد ؟ !
وتتزايد التساؤلات وبألم، هل ان تلاقي اوتنسيق الأصوليات الأسلامية باجنحتها ممكن فقط، على اساس الحرب واثارة النعرات العنصرية الأثنية والعرقية، وممكن فقط لقطع طريق تلاقي الطوائف الأسلامية وطريق تنسيقها على اساس التسامح والسلام ومبادئ الأسلام الأنسانية السمحاء ومن اجل خير وصلاح البشر .   .  كما تتمنى الشعوب بمسلميها ومسيحييها ويهودييها، ومختلف طوائفها وعقائدها، ونادت بها كتبها المقدّسة .
ويطرح العديد من محبي السلام ومحبي واصدقاء شعوب المنطقة .  . ان تلك التصريحات وفي ظروف المنطقة القائمة، لايمكن الاّ ان تكون، افضل ما تحلم به الأجنحة الصهيونية المتشددة واجنحة الحروب والتعصب الديني في مؤسسات الحكم الأسرائيلية، ومن تلك التي اغتالت رئيس الوزراء الأسرائيلي الأسبق " اسحق رابين " في فترة رئاسته، لأنه سعى لأيجاد حلول سلمية عادلة للقضية الفلسطينية، بعد ان صارت جملته الشهيرة سياسة للدولة حينها، حين قال مخاطباً شعبه : " علينا ان نعلم، اننا لسنا لوحدنا في هذه الأرض وانما يعيش معنا شعب آخر له حقوقه منذ اقدم العصور، هو الشعب العربي الفلسطيني ! " .  .  انها تعطي مبررات جديدة للأوساط الأكثر تشدداً من الجيش الأسرائيلي للتشدد اكثر في تعامله مع سكان الأراضي المحتلة، وللتشدد اكثر في قضية " هضبة الجولان " و " مزارع شبعا " المحتلتين، خاصة وان فترة الهدنة مع المنظمات الفلسطينية على عتبة الأنتهاء، من جهة.
   ومن جهة اخرى،  وفيما يرى محللون ان الجهود السياسية، ومحاولات توظيف ما يجري من واقع على الأرض الآن، من اجل صياغة حالة توازن جديد في المنطقة، يعكس الأتفاق او التوافق على مرحلة مقبولة من تطوّر ضروري في المنطقة يعكس الضرورة القصوى للشروع في ايجاد حلّ لتوازن القوى في المنطقة، بدأت تباشيره تلوح بنجاح عملية انتخاب مجلس النواب العراقي كبداية لتدشين مرحلة استقرار على اساس دولة المؤسسات .  .  وانه سيكون امتناً لعموم المنطقة ان نجح العراقيون في بناء تجربتهم الجديدة واقامة دولة دستورية فدرالية برلمانية، على اساس توافق اطيافها.
يرى آخرون ان التصريحات تلك التي قد تكون لكسب مواقع سياسية في الواقع الراهن، قد تؤدي بوتيرتها تلك وبما يمور في المنطقة .  .  قد تؤدي الى اشعال حرب جديدة في المنطقة، حرب قد لن تكون حرب صواريخ بعيدة المدى بين دولتين ليستا متجاورتين، او محدودة ومسيطر عليها كما يقدّر البعض .  .  وانما قد تشعل منطقة شمال الخليج والشرق الأوسط .  . على اساس عرقي ديني طائفي لايتمناها احد، لالشعبنا العراقي الجريح ولالشعوب المنطقة بكل اطيافها واديانها !
في ظروف تنعدم فيها الشفافية ويترشّح القليل وببطء عن حقيقة ما يجري ، وتطلق فيها وتجري تصريحات وزيارات عاصفة ملفتة. تتصاعد مقابلها تحذيرات من محاولات اعادة تنظيم قوى جديد بعد فترة من (جرّ النفس) وتتصاعد تساؤلات قلقة عن مؤشرات توحي بتقارب وتعاون بين منظمة " القاعدة " الأرهابية ذات التوجه السني مع اوساط شيعية راديكالية متشددة واخرى !! (انتهى)

18 / 12 / 2005 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   دون التطرق او الأشارة الى من سيعوّض ملايين المنكوبين العراقيين الذين سيقوا الى محارق حرب صدام تلك بفرق الأعدام والتعذيب وباغتصاب المحارم وبتعليق المعدومين من رافضي الحرب الشباب امام ابواب منازلهم ! ولا الى من سيعوّض ممتلكاتهم المفقودة وعجزهم وتعويقهم جراّئها.
(2)   تشكّل منطقتنا منطقة البترودولار، اغنى بقاع العالم نفطياً، مالياً، عسكرياً وتكنيكياً، بشرياً، مياهاً، معادناً .  . ثقافياً وروحياً وستراتيجاً وتكتيكاً.  . الخ وفق اوسع المصادر والأحصاءات الدولية .  . ويجري على آليات اوضاعها وما تدرّ ولمن، تقرير من وماهية القوى العظمى في العالم!! وعلى ذلك فهي لاتشبه بلدان اميركا اللاتينية وافريقيا وشرق آسيا، التي يتخذها البعض بحماس كنماذج للصمود بوجه القوى العظمى، في وقت يرى عديد من الباحثين، ان صمود منطقتنا ومواجهاتها وصراعها، له منطق كثير التنوع ومن انواع أخرى .
(3)   تشكّل المانيا واليابان القطبين الصناعيين الدوليين الأكثر تأثيراً في العالم في مجال التكنولوجيا، رغم عدم امتلاكهما للأسلحة النووية، اضافة الى دول وتشكيلات دولية تشكّل اقطاباً عظمى مقررة في السياسة الدولية رغم عدم امتلاكها للأسلحة النووية، كالسويد، هولاندا، بلجيكا في مجالات الصناعة وادارة الأستثمار والبورصات الدولية .  .  المملكة العربية السعودية والعراق وايران والأمارات المتحدة وغيرها في مجال الطاقة واسواق المال، اضافة الى النمور السبعة .  . وهي لاتمتلك الأسلحة النووية .  . 


300
      ماذا تعني زيارة مشعل لطهران الآن ؟!
               1 من 2


                              د. مهند البراك

   تثير التصريحات المتواصلة للرئيس الأيراني "احمدي نجاد " قلقاً جديداً لدى العراقيين، لأنها تعني تصعيداً حاداً لمنطق الحرب والعنف والدمار في المنطقة، الأمر الذي يهدد بتحويل العراق الى ساحة حرب مخيفة مدمّرة جديدة، لأسباب وتشابكات مصالح سياسية وعسكرية ومالية متنوعة، اضافة الى مصالح نفوذ، ومصالح قوى لاعبة على الأوتار الدينية وعلى تصعيد مشاعر التفرقة والشقاق في البلاد، في وقت تهب فيه نسائم تبشر بأنفراج بعد ان نجح العراقيون بعملية التصويت في الأنتخابات دون اعمال ارهاب وعنف كالذي كان يجري في السابق، وكأن مايصيب العراقيين قدر متواصل كتب عليهم .
   وفي الوقت الذي ترى فيه اوساط، ان تلك التصريحات شأن ايراني داخلي، فالرئيس الأيراني رئيساً منتخباً، وانه رغم الأعتراضات المتنوعة التي واجهها في مستهل مدة رئاسته، الاّ ان اعترافاً دولياً جرى به، اضافة الى دعوته من المجتمع الدولي الى الأحتفال اليوبيلي لتأسيس الأمم المتحدة والى القمة الأسلامية، حيث القى خطباً اثارت اهتمام وانتباه الصحافة ووسائل الأعلام الدولية والأقليمية وانواع القوى السياسية والأجتماعية.
   وبعيداً عن مناقشة وابداء وجهة نظر بالخطب ومدى صحّتها، الاّ أنها جاءت كمفاجأة غير متوقعة لأوسع الأوساط العراقية المحبة لأيران وللشعوب الأيرانية، الأوساط التي تواجه وتعيش محناً متواصلة، وتبذل جهوداً لاتصدّق لتحقيق نوع من الأستقرار في البلاد، ومن اجل جعلها عامل سلام وامان في المنطقة وبالتالي للعالم.
   وفي الوقت الذي لايمكن فيه لعراقية او عراقي ان ينسى كيف شكّلت انتفاضات ثم ثورة الشعب الأيراني الشعبية ضد نظام الشاه التي تكللت بالظفر عام 1979 ، املاً للشعب العراقي بامكانية تحقيق النصر على الدكتاتورية رغم كل الصعوبات .  .  فانها لاتنسى نداءات قائد الثورة المظفرة الأمام آية الله الخميني ونداءاته في صدرنجاح الثورة، لدعم النضال العادل للشعب العربي الفلسطيني ومنظماته الشرعية وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية وقراراتها .  .
 ولدعم المظلومين في كلّ مكان، بغض النظر عن اللون والدين والقومية، واثارت قراراته الأنسانية في الظروف الدولية والأقليمية آنذاك انتباه وتعاطف الكثير من السياسيين والوطنيين (*) ، وخاصة في صيانة ارواح وممتلكات وحقوق الطوائف غير المسلمة في ايران ومنها الطائفة اليهودية. ليتغيّر منطق الثورة ووجهتها بالعدوان الظالم للطاغية صدام عليها، وباعلان قوانين الحرب والطوارئ التي اخذت تسود المنطقة، ثم بوفاة قائد الثورة.     
   وفيما فرح العراقيون بسقوط الصنم رغم الحرب وآلام تجرّعها، الاّ انهم صُدموا صدمات متتالية متنوعة، منها مواقف اكثر دول المنطقة، والقوى السياسية العربية التي لم تكن تبالي بجراحات الشعب العراقي باطيافه، بقدر شعورها بخسارة ولي نعمتها هي وخسارتها كوبوناته النفطية، وسعيها الهائل لأستعادتها والى المزيد منها، في وقت بدا العراق فيه بالأحتراق باخضره ويابسه.
   لقد شهد العراقيون وهم مأخوذين، سلاسل الأرهاب والدمار والقتل الجماعي من النوع الجديد، الذي طغى حتى على المواقف الوطنية التي عبّرت عن رفض حالة الأحتلال. وفيما شهدت البلاد نزيف الدماء المروّع ـ وتشهد الآن بوادر تبشّر بانحساره ـ فانها شهدت محاولات ونشاطات محمومة لقوى واطراف اقليمية سعت وتسعى الى تحويل البلاد الى ساتر دفاعي لها، خوفاً من خسران آلية انظمتها، الأمر الذي قد يهدد مواقعها وبالتالي كراسيها.
وكان التعبير الأكثر وضوحاً لتلك المواقف، تعبير السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لمنظمة حماس الفلسطينية، في خطابه في " مسجد الكويتي " في دمشق آب الماضي، حين دعى الى ( عدم السماح بالأستقرار في العراق، لأن استقراره يهدد امن وسلامة سوريا !! ) والذي نشر في الصحف ووكالات الأنباء المتنوعة، وشكّل صدمة للغالبية الساحقة من العراقيين، الذين كانوا ينتظرون فسحة من سلام وحياة، بعد ثلاثين عاماً من ارهاب وحروب وحصار وتشرّد  .
   الأمر الذي شكّل ويشكّل ضربة قاسية لمشاعر العراقيين، الذين سيقوا في زمان الدكتاتورية بالحديد والنار والأرهاب والتعذيب، باسم القضية الفلسطينية والقضية العربية، وشكّل ضربة كبيرة لمشاعر تعاطفهم النبيل مع القضية الفلسطينية العادلة. لأنه اجج ويؤجج مشاعر خيبة وقلق من سلوك عدد واضح من قوى واجهزة ومنظمات واشقاء وجيران في المنطقة، تفرّجوا على محنة شعب العراق متنعمين، حين كان يذوق مرارات التشرّد والجوع وفقدان الطمأنينة والأمان، وحين تُرك لوحده يواجه اقداره ـ رغم عدد من المواقف الأيجابية تجاه معارضة الديكتاتورية لايمكن نسيانها ـ . 
ويعبّر كثيرون عن عدم فهمهم لمغزى تصريحات الرئيس الأيراني الحالي، التي تأتي في زمان تواجه فيه بلاده الجارة ايران، مشاكل خطيرة مع المجتمع الدولي، بعد ان سارت في طريق سياسة الأصلاحات الداخلية، وتخفيف حدة بؤر التوتر في المنطقة والعالم في زمن الرئيس السابق السيد خاتمي وبطريق الدفاع عن الحقوق العادلة وفق موازين القوى الدولية والأقليمية، الأمر الذي اكسبها تعاطفاً وتقديراً كبيرين.
وان عدم فهمهم يأتي من ان تلك التصريحات تطلق في زمان يسير الشعب الفلسطيني فيه ومنظماته الشرعية على طريق الحلول السلمية، وعلى طريق الأنتخابات من اجل بناء سلطته الوطنية الفلسطينية وبدعم دولي غير قليل، في ظروف توازن عالمي معطياته ليست خافية المعالم . (يتبع)

16 / 12 / 2005 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) رغم النواقص والأخطاء التي كان قسم غير قليل يأمل بانها ستحل في مسيرة الثورة ومن خلالها.

301
صراعاتنا وعراقنا .  . على ابواب الأنتخابات !
2 من 2
د. مهند البراك

ورغم التأكيدات عن ضرورة الشفافية، والكشف عن الفساد الأداري وعن سارقي اموال البلاد، استخدم موضوع النزاهة ومحاربة الفساد، لأغراض سياسية على الأكثر، وكوسيلة لأسدال الستار عمّا يجري من عمليات فساد وسرقات يقوم بها عائدون اليها ومحسوبون عليها، الأمر الذي شلّ واربك التحقيق القضائي الأصولي فيها. وبقي الشعب آخر من يعلم وهو يعيش حياة قلقة مؤلمة، وخاصة في العاصمة وعدد كبير من مناطق البلاد الجنوبية والوسطى، في اجواء عمليات العنف والأرهاب والأنقطاع غير المسبوق للكهرباء.
   وفيما جرت في الفترة اللاحقة تطورات سريعة نتيجة جهود لايمكن اغفالها، من مؤتمر الوفاق في القاهرة الذي حقق شيئاً من تطور، يعتبره مراقبون كبيراً في ظل الحالة العراقية الكثيرة الخطورة والتعقيد ، والذي ووجه باستنكار البعث المنحل وعصابات الزرقاوي الأرهابية، اندلعت فضيحة وزارة الداخلية ووزارة الأمن الوطني وتتالت فضائح ( ارهاب الدولة) التي لعب فيها متنفذون بارزون من فيلق بدر واجهزة تعود لمتنفذين براغماتيين في دولة مجاورة .  .  الأمر الذي اخذ يثير القلق من مدى صحة التصريحات الرسمية التي عبّرت عن ان الجهود الحكومية نجحت ! في تقليل فرص نشاط الميليشيات المسلحة (الشيعية) الذي صار منفلتاً بتقدير القسم، ويراه قسم آخر بكونه انعكاس وانجرار للأ رهاب الزرقاوي (السني).   
وتشعر اوسع الأوساط الشعبية، شيعية وسنيّة من القلق من حكومة الجعفري التي زادت في النتيجة النهائية من نشاط الميليشيات المسلحة، التي تستهدف طائفة دون اخرى، بدل تعزيز القضاء وخدمته وتوفير الحماية له والأحتكام اليه وتقوية الجيش والشرطة، وفق الدستور. اضافة الى القلق من   زيادة اختراق اجهزة الدولة الجديدة التكوين وتحوّلها الى ساحة للصراع السياسي الطائفي العنيف، بدل تقويتها لتكون في خدمة المواطن العراقي بلا تمييز، الأمر الذي عمّق الطائفية وعمل على زيادة  ارضيتها، واخذ يؤدي بالتالي الى تعميق نهج المحاصصة الطائفية وتكريس انقسام وتمزّق المجتمع على ذلك الأساس المؤلم .
ان تفاقم خطورة النهج الطائفي ووصوله الى الأعلان عن طرد (العرب السنة) من محافظة
" السماوة "، بفعل نفوذ عدد من شيوخ العشائر والمليشيات المسلحة هناك، الذي ادى الى اضراب طلبة المحافظة احتجاجاً، يثير مخاوف كبيرة من مخاطر تمزيقه للهوية العراقية الوطنية. ويثير قلقاً مشروعاً من مخاطر استخدام الطائفية كاداة للكسب والتحريك السياسي وفق المصالح، الذي يشكّل مخاطر تسرّبه وتأثيره على سير العملية السياسية في كوردستان العراق ايضاً بتقدير عدد من المراقبين، بحكم عوامل متنوعة كالتأريخ والجغرافيا، والأنتماء البايوغرافي والدين .
   من جهة اخرى، امتازت عملية التهيئة للأنتخابات، اضافة الى طبع ولصق ملايين الملصقات الجدارية للدعاية الأنتخابية لقائمة الأئتلاف في انحاء البلاد، مزيّنة بصور المرجع الشيعي الأعلى السيد السيستاني دون استئذانه، اضافة الى انواع التصريحات والخطب التي تصبّ بذات الأتجاه .  .  رغم البيانات المتكررة لمكتب سماحته التي عبّرت عن عدم تحيّزه لقائمة دون أخرى في الأنتخابات. ليصار الى اصدار تفاسير وتأويلات وايحاءات جديدة من القائمة المذكورة التي تحاول الزّج بالمرجعية بالأنتخابات، بآلية تذكّر بمحاولات زج الشهيد الأمام محمد باقر الصدر بوسائل الأعلام المرئية والمسموعة في معركة لم يكمل التخطيط والأستعداد لها ولا مع من وكيف بعد، في ظروف الدكتاتورية آنذاك، وادت الى استشهاده على يد اجهزة الدكتاتورية المنهارة اواخر السبعينات.   
   وامتازت بتصاعد اعمال عنف ضد مقرات وفعاليات ونشاطات وتمزيق شعارات القوائم الأخرى والأساءة اليها بملصقات مطبوعة، في الداخل والخارج. في وقت تشكي فيه القوائم المنافسة للأئتلاف الحاكم من عدم جدية الجهات المسؤولة بفتح تحقيق وملاحقة الجناة، منها حادث الأعتداء على مقر الحزب الشيوعي في مدينة الصدر (الثورة سابقاً) الذي راح ضحيته كادران من كوادر الحزب، اثر اعتداء مسلحين باسلحة اوتوماتيكية مرتدين ملابس سوداء .  .  في استكمال لسلوك قاصر للأجهزة التي يفترض انها مسؤولة الآن عن ضمان سلامة العملية الأنتخابية كجزء اساس من عملية بناء اجهزة الدولة، الأمر الذي قد يشجّع الجناة على سلوك يساهم في تقويض العملية الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة، وبالتالي يطيل مع اعتداءات اخرى ومجمل سلوكيات من امد بقاء القوات الأجنبية.
من جهة اخرى، وباعتبار ان حل القضية الكوردية على اساس الدولة البرلمانية الفدرالية، عملية وممارسة ديمقراطية، وكونها امتداد لترابط تحقيق الحقوق القومية لكوردستان العراق، بالديمقراطية في عموم العراق . . ترى اوسع الأوساط ان قائمة التحالف الكوردستاني تشكّل احدى اهم مرتكزات الديمقراطية في البلاد، رغم وجود نواقص وثغرات، قابلة للحل على اساس تعزيز مسيرة الديمقراطية في الأقليم  ـ لايتسّع المقال للتفصيل فيها ـ .
فان قضية الديمقراطية وتعزيزها في العراق وتوطيد نظام الحكم المدني البرلماني فيه، لايمكن ان يتحقق، دون قيام التحالف الكوردستاني بمزيد من دعم القوى الديمقراطية واليسارية والعلمانية التي تنتظر دعمه في المنطقة العربية من العراق الآن، الأمر الذي يراه كثيرون ضرورياً للجميع لأنه يمكن ان يوطّد اساساً متيناً لضمان حق الشعب الكوردي الآن وفي المستقبل المنظور في تقرير المصير، وبالتالي دولته المستقبلية لدى توفر الظروف الذاتية والموضوعية، على حد تعبير قادة ومؤسسات كوردستان، من جهة، واساس متين للديمقراطية في عموم البلاد، من جهة أخرى.
وعلى ذلك الأساس يرون، ان ترابط القوى الكوردية التحررية والقوى العربية التقدمية المذكورة، يشكّل حجر الزاوية الهام في توازن مسيرة البلاد، على هدي تأريخها وترابطها وعوامل الشدّ والدفع المتنوعة، داخلية كانت، ام اقليمية ودولية. من اجل دعم و ضمان نجاح مسيرة البلاد ومن اجل الحلول العادلة للقضايا القومية والدينية ومشكلة الأقليات الدينية والطوائف والأثنيات الأصغر، ومن اجل الحقوق العادلة للمرأة العراقية بكل اطيافها.
ان دعوة الكثير من رجال الفكر والفن، العلم والأدب والسياسة، الى الضرورة القصوى لتعاون القوى والفعاليات التي تتجاوز الطائفية والعرقية وتركّز على الهوية والقرار الوطني في الظروف المعقدة الراهنة التي تمر بها البلاد، تنطلق ايضاً من ان ليس كل علماني ديمقراطي بالضرورة، الأمر الذي اثبتته تجارب البلاد المريرة من جهة، ومن جهة اخرى لايمكن بناء الديمقراطية دون ديمقراطيين ودون يسار يؤمن بالحركة والتطور له جذوره وآفاقه، ودون تيار ليبرالي وتحرري يساعد على ضمان حقوق المستقلين والتكنوقراط وفعاليات المجتمع المدني.
الأمر الذي يشكّل بمجموعه ضمانة اساسية للمسيرة الطامحة الى النظام التعددي الدستوري التبادلي على اساس صناديق الأقتراع، والى نبذ العنف والشوفينية ونبذ الأستعلاء والأنغلاق القومي وبناء الطبقات الوسطى والسوق .  .  وبالتالي الى تشكيل موقف وطني توافقي قوي، على اساس ضمان حقوق تنوّع اطياف العراق وطموحها العادل .  .  موقف وطني يستطيع مواجهة التحديات، ومن اجل استكمال السيادة الوطنية وجلاء القوات الأجنبية ومواجهة الأرهاب.
   من ناحية اخرى، وبينما ترى اوساط شعبية غير قليلة، ان الوضع العراقي بحاجة الى (ديكتاتور ديمقراطي عادل!)، يرى متخصصون ان تلك الطروحات على عدم واقعيّتها، جاءت للتعبير عن غياب او عن ضعف الدولة رغم كل الجهود المبذولة .  . غياب المركز الضروري ـ ليس كالسابق ولكن الضروري ـ الذي عاشت البلاد بآلياته طيلة مايقارب قرن مضى، القرن الذي عاشت فيه لأول مرة كدولة حديثة لها حقوق في التصرف والتعامل المتنوع آنذاك على توالي التغييرات، وتأقلمت سلوكاً ووعياً فيه، وشكّل نمط الحياة في البلاد.
   تطرح اوساط اخرى ووسائل اعلام دولية واقليمية متنوعة او تنوّه باشكال متنوعة في هذه الفترة، بـ ( ضرورة او الحاجة الى حاكم فرد قوي)، ليصل البعض الى الأعلان عن (تخوّفه) من احتمالات وقوع انقلاب عسكري يمهّد لدكتاتور جديد او يجري التلويح به ؟ وغيرها من اقاويل تجد لها وسط ما ناقل لأسباب كثيرة التنوع، من الأماني والأحلام بأن الأرهاب لابد وان ينتهي يوماً، الى اشاعات مخططة لأرباك عملية الأنتخابات، الى اجتهادات وتفسيرات لأمور يصعب تفسيرها، او يجري تفسيرها وفق الواقع المؤلم الذي عاشته البلاد طيلة ما يقارب نصف القرن الأخير.
   يرى آخرون، انه لمّا كان الدستور هو الأبن الشرعي لحال البلاد وآمالها واساليب ونمط تفكيرها والآفاق المتفتحة امامها، وابن تجربتها وحاجاتها، لماذا لايطرح ذلك علناً وبشكل دستوري اصولي على قوى واحزاب ومؤسسات البلاد، لصياغة اقتراح يدعو الى تحسين فقرة صلاحيات رئيس الجمهورية الموجودة في الدستور، مستفيدين من تجربة الدستور الفرنسي ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ النافذ المفعول والمعمول به لحد الآن وصلاحيات الرئيس فيه، او غيره من دساتير الأنظمة الرئاسية وغيرها من الأنظمة الجمهورية الدستورية ؟ خاصة وان آليات تطوير الدستور الذي تمّ التصويت له والمعمول به، تضمن ذلك . (انتهى)

12 / 12 / 2005 ، مهند البراك   [/b][/size][/font]

302
صراعاتنا وعراقنا .  . على ابواب الأنتخابات !
1 من 2
د. مهند البراك

فرح العراقيون بكل اطيافهم بسقوط الدكتاتور الهارب رغم انه لم يخلّف باجهزته الأجرامية الاّ الفرقة والأحتلال .  .  وعاش شعبنا العراقي رغم وضع اسس مرحلة جديدة، صعوبات واخطار من نوع جديد شكّلت ان صح التعبير اصطداما بواقع كثير الخطورة والدمار، قياساً باحلام اطيافه وتطلعاتها ورجاءاتها، وتصوّراتها لنتائج معاناتها وصبرها وكفاحها.
 الأمر الذي تفاقم بحل الدولة والجيش، بدل تطهيرهما والغاء الوحدات المسلحة والأمنية الأكثر عدوانية ومعاداة للشعب، اضافة الى تداعي الحدود .  . الأمر الذي اوقع البلاد ـ عدا كوردستان العراق ـ بحالة غير مسبوقة من الفوضى والنهب، والعنف بعد تسلل عصابات التكفير والأرهاب اليها، لتتحوّل اضافة الى استشراء الفساد الى ساحة قتال دموي خارجي وداخلي، وبالتالي الى (الجبهة المتقدمة للصراع ضد الأرهاب في العالم) .
   واليوم وبعد مرور ما يقارب الثلاث سنوات على سقوط الدكتاتورية، وبعد صراعات مريرة متنوعة سال فيها الدم غزيرا ولايزال، لأسباب دولية واقليمية وداخلية كثيرة التنوع .  .  وبعيداً عن تقييم ما جرى وعن الأسباب، تتحوّل البلاد الى استقطابات تزداد وضوحا اكثر من السابق، لتعيش حالة جديدة ان صح القول، من توازن قوى وصراعات دموية مؤلمة.
في وقت اثبتت العقود الأخيرة منه، ان استقرار العراق باعتباره احد اهم دول ومرتكزات الشرق الأوسط، هو استقرار للمنطقة وللعالم من جهة، وان اسلوب وحالة توازن صراع القوى المتنوعة فيه، تمثل حالة واسلوب توازن واستقرارالقوى الدولية والأقليمية في الزمن المعيّن، من جهة اخرى .  .  الأمر الذي اخذ يعني بالتالي، استحالة سيطرة قطب عراقي ما لوحده في الظروف القائمة الراهنة وبالتالي استحالة استحواذه لوحده على السلطة في عموم البلاد، وانما بامكانه ان يحوز على جزء من سلطة عموم الدولة بشكل وبآلية لايمكن ان تلغي مركزية الدولة، وانما تزيدها مرونة وبالتالي متانة امام التحديات الوطنية، ان احسنت ادارتها.
الاّ ان سلوك قوى الطائفية السياسية العنيف سنيّة كانت ام شيعية، بهدف الهيمنة، لايمكن الاّ ان يؤدي الى اهدار المزيد من الطاقات الوطنية، والى زيادة الخراب في البلاد والى استمرار الأرهاب وبالتالي استمرار بقاء القوات الأجنبية . وفي الوقت الذي تدين فيه اوسع الأوساط العراقية عصابات التكفير وبقايا دكتاتورية صدام المنهارة، لايمكنها ان تسكت عن سلوك حكومة السيد الجعفري ذي النزعة الطائفية، الذي يصفه قسم في احسن الأحوال انجراراً الى ممارسة الأرهاب بدل السعي الجاد لتطويقه تمهيداً لأنهائه، فيما يرى فيه آخرون بكونه سلوك يهدف الى اقامة حكم شمولي جديد على مراحل، على غرار حكم ولاية الفقيه في الجارة ايران.
فاضافة الى تزايد تدهور الأوضاع الأمنية والمعيشية في ظل حكمها، تزايد سلوكها الطائفي وتأجيجها للطائفية بتوظيفها معاناة الطائفة الشيعية المحرومة، ومحاولاتها للأدعاء بكونها ممثلها الوحيد، مؤدية الى الأساءة للطائفة ذاتها والى الطريق الصحيح لتلبية مطالبها ولحقوقها، كجزء من تلبية حقوق كلّ الأطياف الوطنية. محوّلةً بذلك الصراع من اجل الديمقراطية، الى صراع طائفي يزداد حدة يتسبب باثارة قلق متزايد من احتمالات سعيها لأنشاء حكم اسلامي طائفي، بآليات الأحتكار والعنف .  . التي يدينها الدستور الذي صوّت الشعب له متحدياً انواع الأرهاب والمخاطر، وعلى اساس مواصلة تطويره وفق الآليات التي جرى التصويت لها .
وفيما تتواصل وتتصاعد الشكاوي في جنوب البلاد من سلوك اكثر المليشيات الشيعية المسلحة وخاصة الدوائر المتنفذة في فيلق بدر، يتزايد التذمر ليس فقط من عدم قدرة حكومة الجعفري على مواجهة الصعوبات المعيشية والأرهاب، بل ومن عدم قدرتها على تحقيق نجاحات الحد الأدنى، في ظرف يستمر  فيه الأرهاب ويستمر تصاعد الفساد والأرتزاق وتفاقم مخاطر تجارة المخدرات .  .  حتى وصل الأمر حد اعلان المرجع الشيعي الأكبر السيد السيستاني عن المه وضيق صدره من اداء حكومة الجعفري، ، واثار حتى عدد من اطراف قائمة التحالف االتي تحكم بالأغلبية.
وفيما يتزايد الشعور باهمية واستثنائية قضايا الأمن والأصلاح الأقتصادي والأجتماعي، ويتزايد الألحاح على ضرورة ايجاد حلول عملية للواقع المعاش، فأن جدوى الخطاب الطائفي يسجّل خطاً بيانياً متناقضاً، على اساس مدى مردوده الفعلي في مواجهة اعباء العيش والأمان، الأمر الذي تحاول توظيفه جهات كثيرة التنوّع لتحقيق اهدافها الضيّقة قياساً بالأهداف الوطنية العامة ومن اجل خير و امان ورفاه المجموع باطيافه وطوائفه .  . 
ويرى عديد من المراقبين وذوي الخبر، ان بدء مشاركة اوساط سنية ان صحّ التعبير في التصويت على الدستور، يبدو انها شكّلت قلقاً للسيد الجعفري من احتمال فقدان ائتلافه لغالبيته التي جعلته في موقع المهيمن، في الأنتخابات التي تقرع الأبواب .  .  الأمر الذي ترك آثاره السلبية على مشاركتها في الجهود المبذولة الرامية الى اتفاق المكوّنات العراقية والمنطقة وسعيها لخنق الأرهاب المتخفي برداء الطائفية السنيّة والى وقف انتشاره، وادى الى ضعف سعيها وضعف اجراءاتها ـ حيث السلطة السياسية بيدها في الدورة الحالية ـ، الأمر الذي تسبب بالتالي بتصعيد واثارة الفتن الطائفية والقومية.
في وقت تحتاج البلاد حاجة ماسة فيه الى جهود تسعى الى اتفاق سلام داخلي والى تعايش وتوافق يستهدف اعطاء متنفس للعراقيين، بكل اديانهم وطوائفهم وقومياتهم للعيش بامان، وللتفكير السليم لأختيار تفاصيل الديمقراطية وتفاصيل تطبيق وتحسين الدستور على ارض الواقع، الأمر الذي سيعود بالنفع على الجميع .  .  وحيث يمكّن العراق من السير بخطوات تزداد ثباتا، بالتناسب مع التطور الطبيعي وبالتفاعل مع العالم، رغم الصعوبات والمعوقات المتكالبة. 
من ناحية اخرى فقد جمّدت حكومة الجعفري وقائمة الأئتلاف الشروع بتطبيق المادة 58 الخاصة بـ " كركوك " وتطبيع الأوضاع فيها وما يتطلب من ارصدة مالية وفنية وسياسية، الأمر الذي يتنافى مع هدفها الذي اعلنت عنه في برنامجها الأنتخابي وعن كونها تعمل على قيام عراق فدرالي موحد وعن التزامها بتطبيق البنود المؤدية الى ذلك السبيل. الأمر الذي تطوّر مؤخراً الى محاولتها تنحية عدد من كبار الضباط الكورد من وظائفهم كجزء من سياسة اعتمدتها في ملء اجهزة الدولة بمواليها السياسيين فقط، باسلوب يذكّر بعمليات تبعيث اجهزة الدولة في زمان الدكتاتورية المنهارة. 
اضافة الى شروعها بمحاولة اعادة بناء اجهزة المخابرات العراقية سيئة الصيت في كوردستان العراق، دون المرور بالقنوات والأصول القانونية التي اقرّها الدستور الجديد، ودون المرور بالبرلمان والمؤسسات الكوردستانية الشرعية .  .  اضافة الى قضايا اخرى سيرد ذكرها، التي لم تثر الاّ الرفض والقلق من قبل اوسع الأوساط .  .  عشية الشروع بعملية الأنتخابات . (يتبع)

12 / 12 / 2005 ، مهند البراك[/b][/size][/font]

303
هل ان محاكمة صدام، محاكمة جنايات عادية ؟
د. مهند البراك

   فيما ترى غالبية العراقيين ان محاكمة صدام ورهطه تشكّل تحدياً كبيراً، للظروف الشاقة القائمة وللأطراف غاية التنوع المعنية بها .  .  فان الغالبية الساحقة انتظرتها وتراها على اساس كونها بداية لطريق هام يجري شقّه لأنصاف بنات وابناء العراق ولتوضيح ماهية حقوقهم الطبيعية المفقودة كبشر في زمان الدكتاتورية، تلك الحقوق التي داسها الدكتاتور المنهار وشلل مجرميه بوحشية وحطّموها بشكل غير مسبوق وحطّموا بذلك واقع حياتهم وآمالهم المشروعة واحلامهم، الأمر الذي ادىّ بالتالي ـ اضافة لأمور اخرى لاحقة ـ الى تكوّن واقع المجتمع المؤلم الحالي قياسا على ما كان عليه قبل تسلّط صدام وشقاواته على مقدّراته .  . وبالتالي لتحديد الضحية لأنصافها وتحديد الجلاد لمعاقبته وفق جريمته او فعلته، والبدء بصياغة ضمانات لعدم تكرارها مستقبلاً .
   من ناحية اخرى فان الجرائم المطروحة الآن على المحكمة والمنقولة صورة وصوتاً للعراقيين وللعالم، لايراها العراقيون بكونها جرائم عادية كجرائم مجرمين صغار ان صحّ التعبير، ممن يقومون بجرائم فردية من قتل وتهديد اوسرقة منزل ما بالقوة .  .  وانما بكونها جرائم استهدفت، وراحت ملايين شعب العراق ضحايا متنوعة لها، وكانت نتائجها مقتل وضياع  آثار مئات الآلاف من خيرة شابات وشباب البلاد ومن كلّ اطيافها بابشع الوسائل، لأنهم حالوا قول حقيقة ماكان يجري ولأنهم حاولوا توضيح الحقوق وسعوا للدفاع عنها بالكلمة او دفاعاً عن نفس .  .  انها جرائم اشتعلت بفعلها حروب وسقطت بفعلها ملايين من ابناء العراق والمنطقة .  .  انها جرائم لم تعد ولم تحصر بعد وتتطلب مؤسسات تعمل لسنوات لذلك .  .  انها جرائم سكت عنها العالم المتحضّر ان لم يكن قد ساهم في تشجيع مجرميها، طيلة اكثر من ثلاثين سنه !! 
   وفيما يعدّ متخصصون تلك الجرائم، بكونها جرائم (عادية) استخدمت السياسة والحزبية والأعلام والديماغوجيا والكذب على الرأي العام وخداعه، كوسيلة للسيطرة الشريرة على البلاد والمنطقة .  .  حين كانت الجرائم العادية وسيلة للوصول والسيطرة على الحكم. فانهم يرون انها من الجرائم الجنائية العظمى لأنها ليست بحق افراد وانما بحق المجتمع باسره، ولأنها تسببت بازهاق وتضييع مئات آلاف الأفراد من كل الأجناس والأعمار،وتسببت بتشويه مجتمع كامل بملايينه، وتشويه حقوقه وواجباته وتسميم تفكيره ومنطقه .  .  في الوقت الذي يرى فيه علماء جريمة وقانونيون، بانها من جرائم (مافيات السياسة) .  .  المافيات الأجرامية التي تحصل على الأرباحً الأسطورية، باستخدام وبممارسة الجريمة اللامحدودة بعد مفاعلتها وتنظيمها بغطاء السياسة اوباهداف سياسية.   
وعلى ذلك فان المواطن العراقي اي مواطن لاينظر الى اولئك المجرمين كمجرمين عاديين ـ كما كانوا مدوّنين في السابق في ملفات شرطة بغداد في حادثة مقتل راقصة، عام 1956 ـ لأن ادواتهم الجرمية هذه المرة ليست سكين او سلاح ناري او غيرها، وانما هي اجهزة الدولة والجيش والقوات الخاصة المتنوعة، الأمر الذي يجعل المواطن يراهم كشئ مخيف يصعب عليه وصفه، شيئاً كان ماسكاً بحياته ومصيره، بشرفه و روحه  .  .  شيئاً مخيفاً بلازمته (وحدة حرية اشتراكية)، التي كانت تقرع في الدماغ ليلاً ونهاراً، ومن مختلف الأجهزة الأعلامية المسموعة والمرئية ومن كل وسائل الرعب والخوف .  انه يريد بكل جوارح الضحية وعواطف الأنسان الشرقي وقيمه، ان يراهم مُذلّون على الأقل، مذلّون من قبل السلطة التي تريد ان تحوز على ثقته ورضاه عن طريق الأنتخابات.           
وبالرغم من ان جو الطمأنينة الذي استطاع خلقه السيد القاضي رزكار امين للمتهمين بصبره وبجهده غير قليل، واستطاع به كشف المعدن الحقيقي لسلوك صدام وكبار رجاله، وكشف غطرساتهم وتعاليهم وتجاوزهم حتى من قفص الأتهام، على ضحاياهم من اصحاب دعاوي الحق، وبالتالي كشفها امام الكاميرات وامام الرأي العام وللعالم .  . اثرارتياعهم (في جو الطمأنينة المذكور) من قوة صمود الضحية وقوة ومنطقية طرحها شهادتها وبالأخص الضحية الشاهد السيد احمد الدجيلي والضحية السيدة أ. من اهالي الدجيل .
   الاّ ان كثيرين يرون، ان شخصية المحكمة الأساسية وهيبتها، لكونها تمثل القضاء العراقي والشعب العراقي قد ضعفت للأسف بنظر اهل البلاد، بنظر العراقيين المراد اشراكهم وكسبهم لصالحها، لأنها  تشكّلت من اجل احقاق حقوقهم .  . بسبب ضعف الأجراءات الأنضباطية المقرة في لوائح القضاء الدولي والعراقي، التي ضاعفها على الهواء، سلوك وادعاءات افراد هيئة دفاع صدام و السيدين رامزي كلارك والوزير القطري السابق .  .  الأمر الذي ادى الى ظهور المتهم صدام بمظهر كما لو كان متسيّداً لعموم سير الجلسات، وحيث اظهر ضحكه وسخريته منها، واستخدامه لعبارات مثل ( اريد منّك) و(عليك) مع القاضي، رغم انها انتهت في الجلسة الأخيرة بتعبير المتهم عن احترامه للسيد القاضي وعن اعترافه به كقاضي اعلى، رغم ما عبّره عن عدم اعترافه بالمحكمة ؟! وبالرغم من وضوح واستمرار السلوك العدواني المنفلت للمتهم المتمارض بالسرطان برزان ! 
ويرى محللون ومتابعون ان صدام يمكن ان يكون قد استفاد ايضاً من منبر المحكمة العلني، لمحاولة اعادة تأهيله، وبثه لأشارات وايحاءات، عن قوته وخبراته ومدى خدمته للبلاد والدفاع عنها امام الطامعين على حد وصفه، متناسياً هول جرائمه وخراباته وسرقاته الفلكية. اضافة الى تلميحات يفهم منها انها قد تكون تعبيراً عن استعداده للمشاركة بدور جديد لأنه لايزال ضرورة ؟! بتقديره .  . الأمر الذي قد يدعو الى مزيد من مواصلة عقد عدد من الجلسات بشكل سريّ، او مغلق، ووفق الأصول القانونية.

6 / 12 / 2005 ، مهند البراك

* مراجع
ـ الجريمة المنظمة / وثائق المعهد الأتحادي لمكافحة النازية والعنصرية، المانيا.
ـ  وثائق معهد ابحاث المافيات / مخاطر المافيات السياسية في ايطاليا، وثائق ومقابلات فلمية عن المافيات الصقلية / قناة ارتي الفرنسية باللغة الألمانية، تموز / 2005 .[/b][/size][/font]

304
مقاومة ام ارهاب  .  .  ؟
2 من 2
د. مهند البراك

ويرى عدد من المتخصصين والباحثين، ان وجهة عدد من متنفذي الأدارة الأميركية باحتواء الأزمات الوطنية ودعم بناء دولة المؤسسات، قد يتسبب باستمرار تغرب المواطن عن الدولة و استمرار الصراعات الحادة، ان لم يجر اعتماد المعايير الوطنية في فرز الضحية عن الجلاد، او ان جرى خلط اوراق مسببي الأزمات الوطنية بضحاياها .  .  وبالتالي ان لم تجرِ معاقبة المجرمين وانصاف وتعويض الضحايا، حيث ان ماجرى بحق الشعب العراقي بكل اطيافه طيلة حكم الدكتاتورية والذي جرّ الى مضاعفات اكبر، كان امراً غاية في الترويع.   
ان مؤتمر القاهرة للوفاق الوطني الذي دعت اليه الجامعة العربية، وسط موجة قلق لفّت اوساطاً عراقية واسعة، جراّء المحاولات المحمومة الرامية الى اعادة اعتبار عدد من كبار مجرمي الدكتاتورية، الأمر الذي وجد صداه في مواقف العدد الأبرز من قادة البلاد الحاليين .  . 
ان المؤتمر ورغم ماحقق من لقاء بين ممثلي العملية السياسية وممثلي معارضيها المتنوعين، وما طرح من مشاكل وحاول التوصل الى حلول لحل مشكلة الأمن والعنف والأرهاب، للسير بالعملية السياسية الى جلاء القوات الأجنبية، وتوصّل الى ايحاءات عن قبول عدد من المجاميع المسلحة المشاركة في العملية السياسية وترك العنف، واحتمالات مبادرة او تعهد قسم منها للعب دور وطني في المشاركة في انهاء مجاميع الأرهاب الدخيل.
لايزال النقاش يجري حاداً حول (اعتبار الأرهاب الدموي مقاومة وطنية للمحتلين)، في الوقت الذي هاجم فيه قطبا الأرهاب البارزان المدّعيان بالمقاومة؛ الزرقاوي وبقايا صدام، هاجما ذلك المؤتمر ودعيا الى مقاطعته وعدم التمسك بما يتمخض عنه .  .  وفي وقت يرى كثيرون فيه، ان ذلك النقاش العقيم ماهو الاّ ستاراً لعودة كبار مجرمي الدكتاتورية كقطب في حياة البلاد اولاً، ثم كطريق للعودة الى السلطة ثانياً بعد ان مهّد الأرهاب الشنيع الذي يقومان به او يوجهانه ويمولانه، الظروف لذلك  بآلية جهاز حنين(1) ذاتها، وبشكل علني اعقد واخطر واوسع من السابق.
ان قطبي الأرهاب آنفي الذكر يحاولان تسويق انفسهما كمقاومة وطنية باشكال واستار ومسميات متنوعة مستغلين الدين الحنيف والهاب وتصعيد الطائفية المقيتة، ويستمران على عمليات قتل المدنيين العزّل بلارحمة، في الوقت الذي لايقدمان فيه بديلاً او ايّ برنامج عملي يوضحّ اهدافهما وطريقهما لحل مشاكل البلاد ونزيفها وازماتها.
وان كان الأرهابي الزرقاوي واضحاً في رفضه المجتمع القائم ككل وفي دعوته الى لقاء حور العين وحوريات الجنة بـ ( تصفية الكافرين و تصفية المنافقين من الشيعة!). فان بقايا اجهزة صدام ومجرمي حزب البعث (2) الذي فقد الحكم، تواصل اعمال القتل الأرهابية الجماعية، وحبك الفتن والدسائس واشاعة الطائفية المقيتة، بامكاناتها الفنية وخبراء ارهاب صدام وبامواله الكبيرة، وعناصره المدربة، كما سبق الأشارة التي تشكّل الجزء الأساس الفاعل للأرهاب في البلاد، الذي يرمي الى استمرار حالة فقدان الأمن وعدم الأستقرار، وشلّ المجتمع وفئات الشعب بل وزيادة الوضع تدهوراً، مستفيداً من دعم وسكوت وانتظار وخطط قوى دولية ومنطقية لأهداف تعنيها  .  .  انتظاراً للأعتراف بها كـ (مقاومة وطنية مسلحة تدافع عن حق عادل) كي تمهّد لعودة صدام واجهزته، بشكل يناسب المرحلة اياًّ كان .
   ويرى عديد من المتخصصين ووفق وثائق متنوعة اعلن قسم منها، ان دولة صدام الدكتاتورية واجهزتها المتخصصة المتمرسة ذات الأخطبوط الأقليمي والدولي القائم على اساس المصالح وتحقيق اعلى الأرباح، كانت قد درست ـ مع الأجنحة الدولية المستفيدة منها والداعمة لها ـ ما جرى بعد انهيار الأنظمة الشمولية في شرق اوروبا، وتوصّلت الى ان انهيار دول الأنظمة الشمولية ـ رغم فوارق الآليات ـ يتسبب بفراغ  هائل للسلطة وبفقدان للسيطرة على الحياة اليومية .  . 
الأمر الذي دفع كل مراكز القوى المتعطشة للربح والأثراء السريع وفي طليعتها مجاميع اللصوص الكبار والمافيات وعصابات الجرائم الى استخدام ابشع الوسائل بهدف : شلّ ارادة الناس من جهة، واطلاق يدها هي لتحقيق اعلى السرقات والنهب بفترة قياسية ولضمان السيطرة السريعة على مفاصل السوق الأساسية، سواء كانت سوداء كانت ام مغسولة ام بيضاء، وبالتالي ضمان مواقع في الحكم الجديد .  .  في وقت اشغلت فيه البدائل الجديدة بعواقب ونتائج اشاعة انواع  الخوف غير المألوف والبلبلة وعدم الثقة والتخبط وانعدام الرؤية، وعلى ارضية من هيمنة انعدام وضعف الخبرة في صنع القرار لدى اوساط غير قليلة من اطراف الحكم الجديد، بعد ان أُقصيت وغيّبت عن المشاركة في صنعه طويلاً . 
الأمر الذي من جانب آخر، اطلق المافيات القديمة وانعشها وساعد على تزاوج جديد لها مع نشاط فوق وطني ودولي، وانشأ عصابات ومافيات جديدة متعطشة لتعويض مافاتها بعد ان سقط ما الجمته به عصابات النظام الشمولي الذي تساقط، اضافة الى النأثيرات المحلية لنشاط مجاميع مجرمي المحلات الذي يشغل الأوساط الدنيا ان صحّ التعبير( جرائم المحرومين)، كما حصل في جمهوريات الأتحاد السوفيتي السابق التي انفرطت، وما حصل في رومانيا وفي دول البلقان التي لاتزال تشتعل .
ويشير متخصصون ومسؤولون سابقون الى ان استعدادات صدام لمواجهة انهاء حكمه بالحرب كانت تمتد الى فترة طويلة من بدء اعلان الحرب، على اساس عدم الأنجرار الى حرب جبهوية وانما على اساس استدراج العدو للداخل الذي سيهيّج المنطقة المهتاجة اصلاً(3)، والتي كان يستعد لها من بدئه بتشكيل حزب النواة الجديد كـ (نواة للجديد)، قبل سقوطه .  .  وبدلالة الزيارات والحركات الكثيفة للأرهابيين الدوليين له ونتائجها وما تم التصريح عنها، كجيرينوفسكي، ابونضال، فرسان كوبونات النفط او المشهورين بعلاقاتهم بتلك الأوساط كهايدر، وغير المعلنة التي تسرّبت حينها عن زيارة الظواهري والزرقاوي، بغطاء حضور مؤتمر اسلامي في بغداد اعدّه الدكتاتور المسلم ؟! الذي يحاول الآن التحصّن  بالمصحف الشريف، ليكون مرجعاً تكفيرياً جديداً كما يتوقع عدد من المحللين !!   
ان العراقيين يتساءلون وبما عرف عنهم من معارف وخبر في مواجهة العنف وفي مفاهيم الكفاح المسلح العادل وخوضه لمواجهة العنف الدموي العدواني، وبعيداً عن الطلاسم  التي تحاول تجيير امور كثيرة الى علم الغيب .  .  هل كان اطلاق آلاف القتلة من سجون الأحكام الثقيلة صدفة و رحمة ؟ ام كان اطلاقاً منظّماً في خطة لتنفيذ مخطط صدام للمقاومة الشريفة ؟ في خطة استفادت من (سهو ونسيان؟) ترك الآف اطنان قطع السلاح والمتفجرات في مجمع القعقاع وعشرات غيره.  على اساس تكوين شباب جديد لـ ( المقاومة والثورة ) بعد ان شاب وعجّز ونفق عناصر جهاز حنين .  . اين الآلاف من افراد (فدائيو صدام) والأجهزة الأرهابية التي اعتمد عليها سواء كانوا عراقيين ام من مجاهدي خلق الأيرانية ام من عدد من المجموعات الفلسطينية ومن هو فعلاً الزرقاوي ؟
كيف تنتشر فرق التكفير الغريبة عن البلد ومن اين لها تلك المعارف السريعة بمفاصله وبزوايا مولدات الكهرباء والماء وعقد انابيب النفط، والنقاط البشرية التي امكنهم ان يرتكزوا عليها وينطلقوا منها، وكيف عرفوا نقاط قوة وضعف البلاد ولغاتها ولهجاتها وعاداتها ودواخلها بل وحتى نساءها في اماكن مغلقة اجتماعياً من البلاد؟ وكيف يصلون الى اكداس الأسلحة المخبئة التي دام بناؤها سنيناً طويلة وقتل واضعو خرائطها لصيانة اسرارها ؟ .  .  وفيما يرى البعض فيها انها بسبب رفض حالة الأحتلال، ترى الغالبية ان حالة الأحتلال ان سببت صدمة ورفضاً مشروعاً، الاّ ان ذلك لايستطيع ان يخضّر وينتج بتلك السرعة فرقاً دموية تقتل المدنيين العراقيين، لاقوات الأحتلال، وتذبحهم بذلك الشكل الجماعي وبذلك الشكل المتواصل.
ويذهب آخرون الى ان ذلك يُخطط ويجري من دوائر اقليمية عليمة جيداً بالمنطقة وبدواخلها، دوائر تنافق الأحتلال او لاتواجهه برفضها له، الاّ انها تسعى لخلق واقع اجتماعي جديد بالحديد والنار والأرهاب، واقع يحفظ ثرواتها ونفوذها، لأعادة ترتيب صفقاتها المربحة معه على اساس الواقع الجديد وبوجودها في موقع القرار، بعيداً عن دولة المؤسسات والدستور وبمحاولة افراغها من محتواها .  . غير مبالية بحياة ومصير مئات آلاف ضحايا العراقيين المستمرين على العذاب والتساقط.   
وفيما يسعى الأرهاب لتكثيف وتنويع براقعه وغطاءاته السياسية، وعلى اساس عدم ادانة النظام السابق وممارساته، فان احلام العودة الى السلطة بالأرهاب، قد لاتؤدي الاّ الى تصاعد مضادات للأرهاب تشبهه  في الأسلوب .  . فالعنف يولد العنف المضاد والأرهاب يولد الأرهاب المضاد، من جهة. ويكشف تناقض ونفاق التباكي ومحاولات اشاعة الخوف على البلاد من خطر الأنقسام، في الوقت الذي يدفع الأرهاب فيه الى تقسيم البلاد لا الى تحريرها !! الأمر الذي تكشفه الأختلافات وواقع اقاليم ومناطق البلاد ووتائر تطورها، الأمر الذي قد يؤثّر تأثيراً خطيراً على وجهة آمال كلّ منها.
في الوقت الذي تبذل فيه جهود متنوعة حثيثة مخلصة، للسير بسفينة البلاد رغم انواع العواصف نحو مواقع اكثر امناً واستقراراً، من خلال التهيؤ للأنتخابات القادمة، ومن اجل ازدهار العراق ومن اجل ان يلعب دوره كوسيط سلام  وعامل استقرار في المنطقة .  . (انتهى)

29 / 11 / 2005 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   جهاز حنين، الجهاز الخاص المكوّن من القتلة والمجرمين العاديين، الذي ترأسه صدام، ولعب الدور الأساسي في استلام حزب البعث للسلطة ثانية في 17 ـ 30 /تموز / 1968 . 
2.   ليس المقصود هنا كل من كان عضوأ في الحزب المذكور، وانما المقصود الأعضاء الذين اجرموا بحق الشعب والوطن .
3.   راجع " الحقائق الممنوعة " ، جون شارل بريزارت/ كيوم داس كويي ، 2002  فصل: الأرهابي بن لادن ومشكلة استمرار بقاء القوات الأجنبية في الجزيرة. بالألمانية عن الفرنسية .[/b][/size][/font]


305
مقاومة ام ارهاب  .  .  ؟
 1 من 2
 
د. مهند البراك

   تستمر وتزداد معاناة شعبنا بكل اطيافه وانتماءاته من غدر وظلم ووحشية الأرهاب، الذي طالب الكثيرون منذ وقت مبكر بتنفيذ السبل الفاعلة لمواجهته، وحذّروا من مخاطر استشرائه ان بدأ او اذا ما تمّ  السكوت عنه او استخدامه بشكل مباشر او غير مباشر، او كما تصوّر ويتصوّر البعض بامكانية اللعب به او معه ضد آخرين .  . 
بل انه يمكن ان يستشري ويصبح وسيلة مريعة لجر كل الجهات المتصارعة اليه ليصبح كثير التنوّع ووفق واقع البلاد اليوم  .  .  كدفاع عن النفس او كدفاع عن الآخرين او كوسيلة لتحقيق مواقع، في صراع مرير من نوع اكثر تعقيداً، لن يكن الخاسر الأكبر فيه في النتيجة النهائية الاّ الشعب بكل فئاته.
   وبعيدا عن النظريات والهمس العالي والأيحاءات، فان الناس تعرف جيداً ماهي المقاومة ومن هم المقاومون وبأية اخلاق ومعاني وبأية روح بذل وعطاء تمتّعوا ويتمتعون .  . 
من حركة المقاومة الفلسطينية الباسلة وحركة المقاومة الكوردية اللتين شكّلتا نموذجي قمة النضال ضد الظلم والطغيان طيلة الربع الأخير من القرن الماضي وظروفه .  . حين حوّلت المقاومة الفيتنامية ارضها لهيباً تحت اقدام الغزاة وشكّلت منارة هادية لكل للمناضلين من اجل حرية الأوطان وحين شكّل الثائر جيفارا نداءا ابيا للشباب داعياً للنضال من اجل الحرية .  . 
والى المقاومة المستميتة لشعب العراق بكل فئاته ومكوناته واطيافه ضد الدكتاتورية ومن اجل الحرية وكرامة الأنسان في عراقنا الحبيب.
   ورغم اهتزاز العالم بانهيار نظام القطبين الأعظمين، واهتزاز وتداخل الصور والأحلام والأماني وفصاحة الخُطَب واللعب بالكلمات، ومحاولات تجيير وترويج مفاهيم بائسة عن (صراع الحضارات) لبث اليأس والرعب واللاأدرية بين الناس، ولأجبار الناس على الركوع وجعلهم سهلي الأنقياد للـ (المقسوم) لايفكرون، ولطمس معالم وسبل الأمكانات الواقعية للتقدم الأجتماعي في عالم اليوم، وكأن الأقوام البشرية لم تحقق طيلة قرون من شئ، سوى العودة الى الماضي والبدء من مفاهيم الأنسان الأول والعصر الحجري والأزمنة الجليدية .  . 
رغم كل ذلك بقي الأنسان انساناً كما كان ويكون، الكائن الذي يطمح الى حياة افضل والى الحرية والى الأمن والسعادة والأستقرار باذلاً مضحياً من اجلها  .  .  وبقيت الحرب والأرهاب محارقاً للبشر، وبقي الظلم ظلماً مادامه يستهدف حرية وكرامة الأنسان وحقه بالحياة وبحياة حرّة لائقة .
وفي الوقت الذي تقرّ الشرعية الدولية بالحق في كفاح البشر من اجل الحرية والحياة وبالتالي بالحق في مقاومة المحتل .  .  فأن شعبنا لاينسى باي حال من حطّم بلادنا ومن سحقها ومن اهان ابنائها وخاض بكرامتهم  وقيمهم وحطّم وشوّه احلامهم طيلة خمسة وثلاثين عاماً.
لقد حطّمت الدكتاتورية المنهارة وكبار مجرميها واجهزتها روح البلاد وسحقت انسانها وشوهته وخلقت فيه عدوانية وحقداً هائلاً، عبّر عن نفسه بترك الشعب المضيّع عاضاًّ على جروحه، حاكمه الظالم لوحده ليواجه جيوش الأحتلال، ليواجه المصير الذي اصرّ هو على رسمه له و اصرّ على تعبيده بالدم وبارواح الملايين .  .
وعلى ذلك ترى غالبية العراقيين ان المسؤول الأول عن فتح البلاد للأحتلال وللنهب والسلب، ولعصابات الظلام والتكفيرهو الدكتاتور البائد الذي هرب من المواجهة، والذي يحاول مواصلة دوره الوحشي بعد ان فقد العرش، على تصوّر استعادته.
وفي الوقت الذي يعرّف عدد من اخصائيي علوم الأجتماع والسياسة والقانون الأرهاب، بكونه الأعمال والنشاطات العنيفة التي تستهدف المدنيين بلا تمييز (كمجاميع بشرية ليست طرفاً مباشراً في النزاع المعني ) لخلق حالة اجتماعية يجري التخطيط لتكوينها قسراً (صنعها قسراً) على الأخرين كـ .  . اشاعة رعب اجتماعي (جماعي)، اشاعة روح يأس وشلل، اثبات وحشي للوجود لعدم الألتفات اليه ولعدم الأعتراف به كقادر اوحد على صنع المصير! خلخلة اوضاع لأمرار خطط سياسية او عمليات تخدم متدثرين باردية ورع وتقوى واقنعة زائفة .  .  يدفع المدنيون العزّل اثمانها ارواحاً وممتلكاتٍ وقيم، وخاصة فقرائهم بنسائهم ورجالهم واطفالهم .
بل ان قوى الخير والتغيير والتقدّم، المخلصة للبلد المعني ولحريته وضمان مستقبل لائق له، لم تستخدم العنف الاّ بسبب انغلاق كلّ الأبواب السلمية للنضال من جهة، واستخدمت العنف ضد آليات الدمار والقهر التي تحكّمت بشعوبها، وليس ضد المدنيين العزّل من ابناء شعبها ذاته، كما يقوم به الأرهابيون اليوم بدعاوى باطلة من قبيل (ايقاظ الشعب النائم او تثويره ؟!)، ( التوصّل الى القنبلة البشرية كسلاح فتّاك بيد المحرومين!) او (لتنوير الناس وصحوتهم !) .  . وغيرها مما لاتصمد امام منطق الشرع والعلم، بتقدير اوسع المعنيين. 
لقد استخدمت القوى المخلصة العنف لأسباب كانت الجماهير تريدها وتدفع بها ومحضتها ثقتها ودعمتها بالأرواح والمال والسلاح .  .  لأنها كافحت من اجل تحقيق اهداف طالب الشعب بها والتفّ حولها لأنها جسّدت ارادته، وكانت ان اقترفت اخطاءاً بفعل سوء او ضعف تقدير موقف او مواقف، او ان اساءت استخدام العنف .  .  كانت تكشف ذلك  وتتراجع عنه وتعلن عن ماهية ثمنه *. في الوقت الذي تصرّ قوى العنف فيه، وهي تتابع بفرح لئيم تزايد نزيف دماء الأبرياء وتزايد صراخ المدنيين المستمر منذ اكثر من ثلاثة عقود، الذي لم ينقطع حتى اليوم.
يتفاقم الأرهاب الذي لايمكن بتقدير الكثيرين ان يمثّل مقاومة شعب العراق ولاارادته الطبيعية وحقه في الحياة كباقي شعوب العالم .  .  التي دلل عليها مجدداً منذ ان ترك الدكتاتور الهارب ليواجه مصيره، ومنذ مشاركته في الأنتخابات والتصويت بنسب كانت اكثر من المتوقع، رغم الرعب وتأثير تركات الدكتاتورية على السلوك والتصرّف.
وترى اوسع الأوساط ان الأرهاب لايستهدف الأحتلال، بل هو اما يخافه او يسعى لأدامته رغم كل صيحات النفاق، او انه يستهدف الأنتقام من الشعب ـ حيث تكمن خبرته وعلومه الحقيقية ـ ويحاول معاقبته وتركيعه على تركه صدام  .  .  والاّ فاين مقاومة المحتل في وقت يذبح الأرهابيون و(المعارضون العنيفون) ويقتلون ابناء البلد من المدنيين العزّل بنسائهم واطفالهم وشيوخهم  .  . 
المؤلم انه لم يؤدي ولايؤدي الاّ الى تقاتل العراقيين بينهم،  بل وادى الى تثبيت الميليشيات المسلحة في وقت ينافقون فيه بالدعوة لحلها، وقد يؤدي الى تزايد مطالبات الناس باطالة الأحتلال مادامه يشكّل وسيلة فاعلة لايملكونها، من اجل حماية ارواحهم وارواح بناتهم وابنائهم وكرامتهم وارزاقهم.
ان اوسع اوساط العراقيين لايمكن ان تنسى ان المسؤول الأول عن الأرهاب في البلاد هو صدام ونظامه بصولاته الأرهابية الدموية المخيفة، المدروسة على اساس اشاعة الأرهاب في المجتمع وفق (سلّم درجات تطوّر المجتمع ) .  .  من ابو طبر، القتل ذبحاً، القتل بالفؤوس، القتل بالكلاب المتوحشة والنمور، الأذابة بالأسيد، الى بناء وتوسيع منظمات الأرهاب المطلقة اليد في الداخل وفي المنطقة كمنظمة حنين  والمنظمات المتنوعة للمخابرات العراقية الصدامية المرعبة الى منظومات الأرهاب التي استهدفت النضال العربي التحرري ونضال المقاومة الفلسطينية الباسلة كمنظمة الأرهابي ابونضال، منظمة مجاهدي خلق وغيرها.
الى مفارز الأعدام والمفارز الخاصة ومفارز المهمات الخاصة واتباع اساليب الحط من الكرامات و(التحقير) كاستحصال اثمان الأطلاقات التي جرى تنفيذ احكام الأعدام بها من اهالي المعدومين، الى (فدائيو صدام) سيئة الصيت من ذوي الملابس السوداء آكلي لحوم الكلاب، الى منظومات قتل المدنيين الجماعي من ضحايا القبور الجماعية وضحايا الأسلحة الكيمياوية في الجبال والأهوار، اضافة الى خطط (تحطيم المعارضين الناشطين واحتضانهم!) بطرق التعذيب والأحكام الثقيلة ثم العفو مقابل خدمات! وتحويل السجون الى (معاهد) لتخريج كبار الأرهابيين من الذين جرى اختيارهم لوحشيتهم واحقادهم والعمل على تفجير و (تنمية) حقدهم على المجتمع بشكل مبرمج تحت اشراف متخصصين بشؤون صنع الجريمة.
اضافة الى اجراءاته الرامية الى تحطيم وتشويه وهزّ الشخصية العراقية، بعقوبات قطع الأذن ووشم الجبهة وقطع اللسان للهاربين من الخدمة العسكرية ولمن نال الدكتاتورية بكلمة .  .  في جهود هدفت الى تدجين وتخويف المجتمع، من اجل خلق ( مجتمع الأمن الذي يخبر فيه الأبن عن ابيه ان انحرف ؟!) وعلى اساس المقولة الوحشية (ارعب الناس، يطيعوك ثم يحبوّك) وتحريف المقولة الشعبية وتبشيعها (امام المايشوّر .  .  يسموّا ابو الخرق)**، والبحث عن (عقوبة اقوى من الموت) باعتبار ان الموت لايشكّل عقوبة قاسية (فاعلة) لمن عارض صدام !!
   من جانب آخر، ورغم ان تطورات تجري بشكل معقد تنبئ عن احتمالات تخلي قسم عن السلاح وعن اساليب العنف في المعارضة والأنضمام الى العملية السياسية الداعية الى استكمال مقومات بناء البلاد وبناء الطمأنينة وجدولة رحيل القوات الأجنبية .  .  ورغم وعود بتغييرات يمكن ان تجري في المنطقة قد تساعد على تجفيف تمويل او قطع شرايين تسليح الأرهاب، بعد انكشاف تبلور استقطابات اكثر وضوحاً للأقطاب الأقليمية، تنسجم مع حركة في اصطفاف الأقطاب الدولية؛ الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، دول الأتحاد الأوربي، اليابان، الصين وروسيا والهند .  .  الاّ ان عدوى الأرهاب ومواجهة الأرهاب بالأرهاب المؤدية الى تزايد انواع الأرهاب لاتزال تشكّل مخاطر هائلة على الجميع! سواءاً في البلاد او في محيطها الأقليمي والدولي.
الأمر الذي يعود الى اسباب متنوعة يقف على رأسها ضعف الأهتمام ببناء المقومات الأكثر فاعلية في مواجهة الأرهاب وتجفيف منابعه، بحل مشاكل الفقر وصعوبات المعيشة والضائقة الأقتصادية والبطالة والجهل والمرض والمخدرات التي تتفاقم معاناة الناس واوسع الفئات الكادحة جراّءها .  .  اضافة الى الفساد الأداري والطائفية المقيتة ونزعة الأحتكار والأستبداد، واستمرار لغة العنف بل وتصاعدها بتقدير عديدين، وتسلل الأساليب الأرهابية الى عدد من المفاصل الحكومية ووحدات قوات الأحتلال واحزاب الحكم. (يتبع)

27 / 11 / 2005 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* راجع تقييمات ودراسات عن : منظمة بادر ماينهوف الألمانية، مقابلات ريجس دوبريه  1996، دراسات عن الألوية الحمراء في اوروبا، عن التوباماروس في اميركا اللاتينية، وثائق عن الجيش الفرنسي السري وارهابه المعادي لأعلان استقلال الجزائر، وثائق عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقضية الكف عن خطف الطائرات، مذكرات جيفارا النسخة الأصلية عن دار التقدم .
** المقام الطاهر الذي لا يلبي الدعوات ولايستطيع تحقيق مراد ورجاءات المظلومين، ويدعى ابو الخرق (اسمال الملابس)، لأنه لايحتوي الاّ على رجاءات وتوسلات السائلين الموثقة بقصاصات المراد الخضراء المدفوعة الثمن .[/b][/size][/font]

306
المنبر السياسي / نحن والآخر !
« في: 21:32 16/11/2005  »
نحن والآخر !
د. مهند البراك

كثر الحديث عن الآخر، بل كثر عنه اطلاقاً وبلا حدود ولاتحديد .  .  هل هو الأنسان ام الصديق و الأخ او المنافس والعدو، ام هو الدولة والحكم، ام هو تواتر عالمنا الواحد الكثير الغنى، الكثير التناقض، ويدور الحديث صاخباً تارة، متهاوداً اخرى عن ثقافة تقبل الآخر وسماعه وعن محاولات رسم الطريق للسير معا في عالم واقاليم تزداد تفاعلاً وتقارباً من جهة، وتناقضاً ومخاطراً من جهة اخرى .  .  في ظروف متناقضة من تفاؤل ومن تزايد وتائر العنف وتزايد مخاطر السلاح فتكاً وتدميراً وابادة. في هذه الظروف تطرح قضيتنا وقضية مجتمعاتنا العربية، و(انا) نا .  . وتلقى الأضواء من جديد عليها وعلى كيف يمكن لنا ان نكون.
وقد اخذ الحديث عن الآخر يزداد الحاحاً في الظروف التي تمرّ بها منطقتنا. ما هو الآخر وماهي ثقافته وثقافتنا، ماهو منطقه وماهو منطقنا، ماهي الحقوق والواجبات والمصالح بمفهومه وماهي بمفهومنا، من هو الآخر .  .  للتوصّل الى ؛ اين نتفق واين نختلف؟ وللتوصّل الى صيغ وآليات للتفاهم والتعاون والتعايش، على اساس من يحتاج من، واين ؟ وبالتالي الى كيف سنسير ونعيش معاً ؟
وفي مجال مناقشة ذاتنا وتكويننا وماهيتنا، يرى كثير من المؤرخين والباحثين، ان نشوء الدولة العثمانية الأقطاعية وحكمها، شكّل ضربة قوية للشخصية العربية، لذاتنا، لكينونتنا  العربية، حين حاصر سلاطين آل عثمان الثقافة والشخصية العربية بسياسة التتريك، تحت ظلال الراية الأسلامية. في الوقت الذي كانت الشخصية العربية قد وجدت نفسها، سيدة بارزة من سيدات العالم الوسيط، تمثّلت بالدولة العربية الأسلامية التي شكّلت تلازماً يصعب فصله للحضارة العربية ـ الأسلامية .
ورغم ما قامت به الأنتفاضات العربية القومية التحررية ضد النير العثماني، التي ثبّتت وجود الشخصية العربية وساعدت على ايقاظها، رغم اغراقها بالدم. الاّ ان امكانات ثم تحالف الثورة العربية مع الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) في الحرب العالمية الأولى، أي مع (الغرب المسيحي) ضد السلطان التركي المسلم الذي ادى الى خسارته وتخلّص اقوام العرب من ظلمه وجوره، الاّ انه ادى من ناحية اخرى الى فشل القضية العربية في تحقيق حلمها باستعادة دولتها وشخصيّتها بمفاهيم ذلك العصر، وادىّ الى تقسيم اوطان العرب على دول الحلفاء، على الآخر الذي قدِمَ وبدأ يحكم بقوة وبمنطق الأنتصار العسكري .
الأمر الذي اوقع الـ (انا) العربية والمجتمع بعلاقاته وثقافته شبه الأقطاعية، رغم التحرر من النير العثماني التركي، في حالة جديدة من التمزّق. فبعد ان كانت قد فقدت عنصرها المكوّن (القومي العربي)، عادت لتفقد عنصرها المكوّن الثاني، بالوصاية الغربية المسيحية ـ وفق منطق تلك المرحلة ـ التي اعلنت نفسها وصيّة عليه باشكال متنوعة، رغم عدم خلو الأمر من منافع وتحضّر وتفاعل مع الدنيا .  . 
لقد جُرحت الـ (انا) العربية جرحاً قاسياً، بعد ان فشلت في تحقيق مشروعها، لأسباب يرى باحثون انها تعلّقت بعدم نضج امكاناتها و بظرفها الأقتصادي الأجتماعي الحضاري، رغم ما قيل ويقال من انها خُدعت، واجابة آخرين بانها لو كانت مؤهلة وقادرة لما انساقت الى الخداع، في الوقت الذي يعتقد فيه فريق آخر انها تخلّفت وكانت تحتاج الى تحديث يفتح لها آفاق الحياة ويطلقها من الأنغلاق، بحاجة الى تحديث يؤديّ الى خطاب جديد يتفاعل مع العالم ومع الحياة المتطوّرة .  . خطاب يطرح ويساعد على تحشيد شبابها وعلى تفعيل وزيادة تركيز الروح الحية فيها .
بذلك، دخل الآخر (قومياً وديناً)، في الشعور العربي المحكوم المغلوب، من موقع الحاكم .  . الذي رغم ما جلب من علوم وحضارة ومعارف، الاّ انه اصطدم بالشخصية العربية البدوية ـ شبه الأقطاعية الحالمة (ان صحّ التعبير)، المستعدة للدفاع عن رؤاها واحلامها حتى النخاع، وفق تربيتها وما نَمَت وعاشت وتعلّمت عليه، وتمسكت به ذخيرة لمواصلة الوجود ومن اجل النهوض، الأمر الذي لاينفي من جهة اخرى استعدادها على تقبّل الجديد وتمثّله على طريقتها ووفق وتائر تطوّر شخصيتها وآفاق امكاناتها ودورها في عالم اليوم .
لقد اصطدم الآخر بالشخصية العربية، بـ الـ (انا) حين افقدها سلطتها وقمع محاولات مفكريها وسعي واجتهاد متنوريها الى الواقعية في الرؤيا، بعدد من نظم وآليات لبّت مصالح الآخر او انسجمت وفقها، الاّ انها لم تلبيّ طموحاتها هي ولم تساعد على تشذيبها وتقريبها الى معرفة حقيقة واقعها، وتحديد مواقع اقدامها .  . 
حين استمر الحاكم بل واقسام كبيرة من المعارضة، بالنفخ في قربة شرف اصلها ونبل محتدها، دون الأهتمام بتنويرها وبعدم الأقتصار على  الخطاب السياسي الحماسي لوحده، الذي لم يكن بسبب النقص او العجز عن استشراف الجديد الواقعي لوحده، وانما بسبب ممارسة القهر والقمع لمن جهد وعمل من اجل التنوير والدعوة للتجديد، الذي يحتاجه ويلحّ عليه المجتمع برجاله ونسائه من اجل التفاعل والحياة اللائقة ولمواجهة تحديات اليوم . 
وفيما طرق بابنا جديد (آخر) من الشرق، انعشنا طرقه بعد ان اعلن عن فتحه افق عالمي جديد ومثال جديد واعد، رأى فيه قسم عاملاً مساعداً اقرب لكينونتنا، مساعداً لأعادة بناء (انا) نا، حين دعى الى تساوي بني البشر والى حق الفقير بالسلطة ايضاً بضوء عمله وجهده اينما كان، حين بنى املا استطاع هو ان يحققه له، واخذ يضرب به مثلاً آنذاك .  .
وفتح افاقاً جديدة من المجهول، على اساس الواقع ورؤية ما كان موجوداً. الاّ انه اصطدم بـ (انا) نا حين اعتبر ( او هكذا صُوّر لنا) ان الخيال والحلم والنفس خرافة، في الوقت الذي نافقنا الآخرالغربي فيها، حين دعم اوهامنا وجمودنا، من اجل مواجهة الآخر الكبير القادم من الشرق لأجله هو .  . وليس من واقع فهم (انا) نا والتفاعل معها والمساعدة على اعادة بنائها، من اجل خير ورفاه الجميع، نحن والآخرين . 
 وبدأ فصل قاس من صراع الآخرين للتحكم بنا من اجل ثرواتنا (التي صارت مصالح الآخر)، في وقت لم نجتهد فيه بل وحورب اجتهادنا لتحديث بيتنا، وحورب الأجتهاد للأنفتاح على كلّ الآخر في كلّ العالم، وحورب فيه عملنا على معرفة ذاتنا وعوامل نهضتنا وسبل معرفة وامكانات تمثّل اجتهاد الآخرين، لصياغة حداثتنا نحن، حداثتنا التي لنا، كالآخرين، بعيداً عن القهر والأكراه، بعيداً عن ثقافة العنف وعقوبات الموت المتنوّعة . 
واصطدمت (انا) نا المنفوخ بها ـ منذ الصغر ـ بالتاريخ والعاطفة المشبوبة عن وحدتنا ودولتنا المعظّمة التي سادت وافَلَت، وعن محاولة اعادة بناء امجادها .  .  بنشوء الدولة العبرية التي نشأت وثبتت وتطوّرت بدعم الآخر، وبتجاهل واهمال وانعدام او قصور محاولات اقناع (انا) نا، بل و بتشريدها  من ارض الآباء والأجداد من ناحية، وبالدعوة الصاخبة لمقاومة مخططات الآخر بالسلاح الفاسد والأناشيد الحماسية وبكم  الأفواه والسجون من ناحية أخرى، .  . 
ثم بالسعي المتعدد الجوانب بل وباطفاء اي نور لاح اعلاناً لتقاربنا وتفاهمنا .  . الأمر الذي ادى بـ (انا) نا الى الأنكماش على ذاتها وانعزالها على نفسها وانحصارها في ضيق اوضاعنا ومعاناتنا اكثر فاكثر .  .  وازدادت فيها الريبة من الآخرالذي اخذ يسيّر حياتها في عقر دارها، دون اذنها وموافقتها ودون السعي للعمل معاً كتف لكتف.
ذلك الذي شكّل وعينا عن الآخر وعن ماهيّته، الذي شارك في صياغته تخلّفنا الذي جيّره القمع والأستبداد وتأخّر نظم مجتمعاتنا، وسلوك الآخر وعدم اهتمامه بنا، بل اهتمامه بصراعه مع الآخرين وسعيه لتطويعنا اليه. الأمر الذي ادى الى احتقان الطاقات وتوتر المجتمعات .  . الذي دُفع ليس عفواً الى الضغط والى اضطهاد الأصغر منّا قومياً او الأضعف ان صحّ التعبير، سواء كان قوماً و تكويناً اجتماعياً، او ديناً وطائفة، او جنساً او فكراً ورأياً مجدداً .  . واضاف قيداً جديداً من صنعنا الى قيودنا.
وادىّ الى الأستنجاد بالماضي ورفعه راية .  .  هروباً من العجز عن مواجهة وصياغة متطلبات الحاضر، التي تستدعي تغييرات عميقة لابد منها، في زمن اصبح لايمكن العيش فيه دون التفاعل مع الآخر الذي نجد فيه الصديق ايضاً، شرقاً وغرباً، رجلاً وامرأة، مسلماً ومسيحياً ويهودياً، ومن كلّ الطوائف، عربياً واجنبياً ومن الأقليات .  .  للرقي بـ (انا) نا نحو ثقافة الأنسان، كنتاج للتفاعل المتبادل مع كلّ الآخرين، من اجل الرقي والتقدم وخير الجميع .
واذا ما عنت ثقافة الأنسان ان، لاحياة، لاحب ولا صداقة، لامعرفة وطموح،  لاتسامح ولامعين بدون الآخر، الآخر الذي يشاركنا الفرح ويخفف عنّا الأحزان  .  .  فانها تعني ان على الآخر ان يحترمنا كما نحترمه وان يحاول ان يفهمنا كما نحاول ان نفهمه، ويعاملنا كبشر، بعيداً عن الغرور الفارغ والغطرسة المدمّرة .  .  كبشر مثله هو الآخر .
ولنتعاون مع الآخر، لمكافحة الفقر والبطالة، الفساد والجريمة والأرهاب .  .  التي  تهددنا وتهدد الآخر، ومن اجل تحرير واطلاق المرأة نصفنا الآخر، واحترام حقوق القوميات الأصغر والأقليات وبناء دولة المؤسسات بعيداً عن الحزب الحاكم الأوحد والفردية والدكتاتورية والعنف والتسلط والأحتكار والتمزق، وللقضاء على الأمية ومكافحة الجهل.
ومن اجل اطلاق ثقافتنا وتفاعلها مع الآخر المتنوّع ، الذي لن يزيدها الاّ نضارة وشباباً وبأساً، بالجهد واعمال الذهن بمواصلة جوهرها الأنساني النبيل ورحمتها، لتمكّننا من التفاعل والعيش في تيار الحياة الصاخب الذي لاينتظر .  . في ظروف العولمة وتزايد احتكاك البشر، ظروف الثورة التكنولوجية المعلوماتية وتساقط الحدود القديمة ونشوء الجديدة، وما يحمّله من آمال ومخاطر. 

15 / 11 / 2005 ، مهند البراك [/b][/size] [/font]

307
لماذا يقلق العراقيون من قضية برزان ؟!

د. مهند البراك

فيما تتناقل وكالات الأنباء خبر احتمال وصول برزان التكريتي ابرز مؤسسي جهاز المخابرات العراقية الرهيب ورئيسه السابق واحد ابرز مسؤولي امبراطورية صدام المالية الأخطبوطية في العالم، المقدّم الى المحكمة الجنائية العليا في العراق .  .  الى مطار فرانكفورت الدولي والى القاعدة العسكرية الأميركية في المانيا ... لأغراض العلاج على حد البيان الرسمي العراقي.
تتزايد مشاعر الحزن والألم والقلق بين اوسع اوساط العراقيين على اطيافهم، بسبب آلية تقديمه الطلب ثم اعلانه السريع في وسائل اعلام عربية ودولية، ذهب بعضها الى تسويق اخبار الطغمة البائدة والى تصوير صدام بصفات(الصمود والبطولة) لغايات تعود لها ... 
وبسبب سرعة وآلية الأستجابة له والأثارة في اعلانه، واضطراب واستغراب عدد من العدليين المعنيين بقضية المتهم، وفي ظرف  لم تكن الحجج الرسمية المقدمة فيه بمستوى الحدث.
ويرى عديدون ان القضية، ان كانت انسانية كما جرى الأعلان عنها، فأن الناس بكبارها وصغارها تقاسي من اوضاع لاانسانية واخرى لاتطاق ولاتقاس، سواء جراّء سني الدكتاتورية المنهارة التي كان السجين احد ابرز اعمدتها وعناوينها، او جراء الحصار والحرب والأحتلال والأرهاب والتدهور المريع للأمن وللخدمات العامة والصحية بوجه خاص منها.
الأمر الذي يثير تساؤلات كبيرة عن معاني الأنسانية المزمع السير بها وبنائها وماهية مقاييسها، ويتساءل آخرون هل ان الأنسانية المزمع انشائها تقاس بمدى فائدتها للطغاة والمجرمين ام بفائدتها للبلاد، او ان هناك هدف سياسي اكبر لايعلن عنه او لاصراحة فيه لئلا تهيج الظنون ؟
في الوقت الذي يرون فيه ان آلية ما تقرر لأحد عمالقة الأجرام في البلاد والمنطقة، هو احد اكبر الأمور اثارة للظنون وللتوقعات الكئيبة ...
وفي الوقت الذي عرف فيه صدام واشقاؤه وكبار جلاديه بادعاءاتهم وببياناتهم الكاذبة المدّعية بالأمراض التي اخفوا بها التخطيط والقيام باخطر الأجراءات، سواءاً تلك التي احاطوها برئيسهم القديم  البكر الذي جرى تطويقه على اساس اصابته بمرض السكّر، الذي افضى الى تحديدهم نشاطه ثم الى موته المحاط بالأسرار، ليهيمن (السيد النائب) على مراكز القوى الفعلية وليستلم رئاسة البلاد منه.
   او ادعاءات صدام بانواع الأمراض لتبرير نهج وسياسات كان عازماً عليها ... من انزلاق غضروف في العمود الفقري الذي لم يستطع الاّ طبيب كوبي معالجته، وحاجة ذلك الطبيب البارع الى ناطقين بالأسبانية ... الأمر الذي غلّف واظهر كما لو ان المسألة كانت عبارة عن بداية لأنطلاقة نحو كوبا التي كانت شعوب المنطقة ولاتزال تميل اليها، في حين انه كان قد غلّف بذلك اقامة انواع العلاقات العسكرية والأمنية والمخابراتية والدورات الأستشارية وغيرها التي كانت تتصاعد خطورتها واقيامها الفلكية مع دكتاتوريات اميركا اللاتينية المدنية والعسكرية وشبه العسكرية .
   اضافة الى الأدوار غير العلنية التي انيطت بسعدون حمادي مطلع السبعينات لتقوية الدكتاتورية ...التي كان قد فرّغ لها بدعوى اصابته بسكتة قلبية وكونه قد انقذ باعجوبة منها ! عام 1977 ، ليعود في الضوء الى اقوى المواقع في حكم صدام والى جانبه حتى هروبه وسقوطه.
وكذا ما قيل رسميا حول سعدون شاكر وبرزان وسبعاوي وآخرين عند تكليفهم بمهمات لم يكن يعلن عنها، كشفت عن قسم منها  الأرشيفات الدولية وفق اسس وضوابط كشف الأرشيفات المعتمدة في العالم * .
   وفيما ينتاب كثيرين القلق من ان كون ما يجري قد يكون بالون اختبار و جس نبضٍِ لمشروع قد يستهدف أطلاق سراح صدام ذاته لأنه مصاب ايضاً باكثر من سرطان وفق اعلامه الحكومي والحزبي ... من سرطان الغدد اللمفاوية الى سرطان الأمعاء والعمود الفقري اضافة الى وجود شكوك (كذا) بسرطان الجلد بعد عودة الثآليل التي استئصلت من جلده الى الظهور؟ اضافة الى شكوك بسرطان البروستات ... الاّ انه رغم تلك (المعاناة) كان مستمراً على القتل والذبح والتجبّر، بل وقام بالهجوم على الجارة الكويت واعلن عن (ام المعارك) !!
   يعبّر آخرون عن القلق من ضياع الحقوق واستمرار الأجرام، ان استمر مؤسسوه ورموزه بتلك الأساليب واستمرارهم بالسخرية من العراقيين ... ففي الوقت الذي اعلن ويعلن فيه عن اصابة نائبه عزت الدوري بسرطان الدم (اللوكيميا) وعن كونه عاجز ومسكين، يُعلن عن اضافة الى زواجه من شابة تعود لعشيرة ذات نفوذ عطفت على حاله ؟!
يعلن عنه وفي محاكاة بائسة لسيرة السلف الصالح او لقصص روبن هود، بانه يظهر بين فترة واخرى (منظما وزعيماً) لعصيان عسكري ـ ارهابي كي (يهزّ العالم)، بعد ان اعلن عن كونه ( نائب امين سر القطر الجديد للبعث والقائد الميداني لقواته) ...  ليشارك مشاركة فعالة في تدمير البلاد وسقوط الأبرياء وسدّ الطرق والأبواب التي تتفتح لتفضي الى الأستقرار والأمن والسلام فيها، من خلال تعاون العراقيين لأيقاف نزيف الدماع المروّع الذي تعانيه.
   وفي غمار انواع الألغاز والأدعاءات والقصص والأساطير التي كبدتنا بها الدكتاتورية وارهابها وقساوتها التي لم تعرف لاقيماً ولا اعرافاً ... يأتي من قد يعتقد اننا عدنا مئات السنين الى الوراء، ليتحدث معنا من وحي من يعتقد باننا لانزال نعيش زمن اساطير الف ليلة وليلة وروايات طيبة الذكر شهرزاد التي كانت تسكت فجراً عن الكلام المباح .
   وفيما يتساءل عديد من المحللين وبضوء الأنتقادات التي وجهت وتوجّه لمحاكمة صدام ورهطه، والوان البيانات المتضاربة عن علي كيمياوي، طارق عزيز، برزان وغيره، التي تصدر في العادة عن مسؤولين اميركان اولاً او بتصريح منهم لأن المسجونين محتجزون بضيافتهم، او تصدر في الصحافة الغربية ... يتساءلون هل ان الوجه الآخر لسياسة الضربة الصاعقة، هو وجه اثارة النقم على مراحل لتخفيفها ثم امتصاصها ؟ 
فمن اظهار صدام بفلم دون صوت، الذي ادىّ الى انتقادات وتساؤلات ... ثم مقاطع بصوت من احاديث صدام، التي ادّت الى انتقادات وشتائم ... الى نقل افتتاح محاكمة صدام ثم تأجيلها لأسباب لايشك في اصوليتها ولكن بخللات فنية ؟ مثيرة انواع التعليقات والأنتقادات والشتائم  والتقديرات ... 
 انهم يتساءلون هل سيؤدي ذلك الى اطلاق سراح المتهمين واحداً بعد آخر ليلعبوا ادواراً ما من جديد، لأنهم يصوّرون بكونهم بين عاجز اومجنون او مريض مستعصي العلاج، الى غير ناضج او مسكين ؟!...  كوسيلة للحفاظ على (حقوق) عشيرة اولاد صبحة، بعد ان لم يتسنّ انقاذ حياة صدام مبكراً، بالصورة التي تمّت فيها حماية حياة شاه ايران مثلاً (مع الفوارق)، الذي كان قد خُطط له ترك البلاد اساسا، الأمر الذي لم يسنح لصدام ... لابسبب جرأته واصراره على المقاومة واخلاصه لشعبه، ولكن بسبب غطرسته الفارغة وخوفه ولعدم وجود بلد استعد لأستقباله لخطورته ولامبالاته، وبعد رفضه عروض كانت ستجنب الشعب وتجنّبه كوارث ماحصل ويحصل، ولأن الحرب كانت قد اعلنت عليه باسم المجتمع الدولي وبقرارت مجلس الأمن الدولي ... 
ان القلق يثار ليس من حق المتهم برزان بالمعالجة الطبية، التي تكفلها بحقه القوانين والشرائع العدلية الأصولية، ولا من ضياع فرصة الأنتقام المرفوض ... ولكن القلق هو من جعلها مرتكزاً وبداية عملية لمحاولة تأهيل صدام وافراد طغمته!!
ومن طبيعة تاريخ وسير شخوصهم واسس تأهيلهم الذي استمر وتدرّج بشكل مرعب، من كونهم من افراد عصابات سرقات واغتصاب وقتل مأجور، ومن افراد حمايات وشقاوات علب ليل منذ خمسينات القرن الماضي، وحتى عصابات وفرق اغتيالات الناشطين السياسيين في زمن الجمهورية الأولى والى تشكيلهم لجهاز حنين الأرهابي الدموي .
ومن طبيعة ادوارهم وعلاقاتهم الأجرامية المافيوية، الذين سُلّمت لهم بقدرة قادر اجهزة دولة من اغنى دول العالم وتحكّموا بشعبها واذاقوه مرارات العذاب والقهر والهوان، طيلة اكثر من خمسة وثلاثين عاماً. 
والذين اساءوا لمفهوم الحاكم العربي الصالح وادموا العمامة والعقال العربي بلا ضمير بدماء اشرف بنات وابناء البلاد وبدماء الأبرياء من رجال ونساء واطفال، وكانوا اول من اساء لحرمة الأشهر الحُرُم واول من سرق فرحة العيد وابتسامات الأطفال في تأريخ العراق القريب ... وبما عُرفوا به من توزيع الأدوار بينهم، بين تباكي وصلافة وبين نصب واحتيال وغدر او سكوت مقيت، لم تفت على المشاهد الكريم رؤية لقطاته، على فقر عدسة كاميرا نقل وقائع المحاكمة . 
   وفيما تطالب اوسع الأوساط وعلى ضوء ماتقدم، بتوضيحات اكثر صراحة في قضية برزان ... هل هي وسيلة لأسترداد اموال الشعب العراقي المخبئة بطرق كثيرة التعقيد، وهل هناك سعي من خلال ذلك لألغاء حصة صدام الفلكية البالغة 5 % من واردات النفط العراقي سنوياً، وفق التصريحات الرسمية الموثقة لأجهزة صدام والتي جرى افهامها علناً في حينه، والمدعوة بـ (حصة كولبنكيان) التي جرى تأميمها عام 1972 وغيرها من التي تشكّل شرياناً خطيراً لأستمرار العنف؟ ام نتيجة موقف ما من برزان، او نتيجة تهديد بكشف مستور؟
او نتيجة شرط من الأرهابي الزرقاوي او غيره مقابل التخلي عن العنف مثلاً؟ ام هو امر تفرضه قوى عظمى او اقليمية مستغلة اوضاع العراق الحالية وضعف وحدته الوطنية، أم ماذا؟  وان كان كل ذلك غير وارداً او خطأ، فاين الحقيقة اذن؟
اليس من حق الشعب العراقي الذي قدّم ويقدّم افدح التضحيات سواءاً في النضال ضد الدكتاتورية او في اعادة بناء البلاد ان يطالب بحقوقه التي ادىّ واجباته تجاهها، والتي منها مكاشفته بالحقيقة ؟  او على الأقل تسمية مايدور والوعد بالأعلان عن كامل الحقائق لاحقاً مثلاً .
   ويرى متخصصون ان مصارحة الشعب الذي قد يعتبره عدد من المعنيين الدوليين انه متخلف او تخلف ...  هي الأساس في المضي لأجتثاث ذلك التخلّف، في الوقت الذي لابد من التذكير فيه، ان التخلف الذي اصابه في جوانب بسبب الأرهاب والحروب والحصار، هو الذي ترك آثاراً لاتمحى من  وعيه بقرارات فوقية، بسبب وجراّء الدور الظالم المشين المنقطع النظير لأولئك الأشخاص الذين حطّموا حياته وسبوا عوائله بنسائها ورجالها واطفالها وشيوخها، وشوّهوا حاضره ويحاولون تشويه آفاق مستقبله ... 
وهو الذي يقض مضاجعه ويربك استقراره وشعوره بالأمان وبالتالي ثقته بآفاق المستقبل وبمعاني الأنسانية والديمقراطية.
في وقت يذكّر فيه كثيرون بما عرف عن العراقيين بكونهم  (يقرأون الممحي) الذي لم يأتِ من عبقرية امتازوا بها عن آخرين او من غرور، وانما من حاجات احتاجها العراقيون لمواجهة المحاولات الدائمة لتغييب الحقائق عنهم طيلة عقود طويلة، التي يبدو انهم لايزالون يحتاجون الى شحذها لمعرفة الحقيقة ... 
   وفي الوقت الذي يؤكد كثيرون فيه على ضرورة بناء الوحدة الوطنية على اساس الأفاق التي اتفق عليها ويجري التصريح بها، فانهم يشكرون اهتمام قادة وملوك ورؤساء، لسعيهم لأيجاد حلول من اجل استقرار العراق، الاّ انهم يطالبوهم بايلاء الأهتمام المطلوب لحقوق ومشاعر ومطالب ومخاوف اهالي الشهداء والضحايا، بل واوسع العراقيين الذين اصبح يسودهم الأعتقاد بانهم لم يكونوا الاّ وقوداً لأجل قيام وتنفيذ انواع المشاريع الدولية والأقليمية ولآخرين ليس الاّ.

5 / 11 / 2005 ، مهند البراك   
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* راجع الوثائق المعلنة من الأرشيف البريطاني، المنشورة تباعاً في صحيفة "الوطن" السعودية، لعام 2004 .[/b][/size][/font]


308
مصالحة ام وفاق وتوافق .  . ام ماذا ؟
 2 من 2
د. مهند البراك
   
وفي بلد كالعراق الذي شكّلت الأحزاب  كل ماضيه وتاريخه السياسي القريب ومعارضته الدكتاتورية، يتسائل كثيرون عن اسباب دعوة الأدارة الأميركية ودعمها المستمر للمحاصصة الأثنية والطائفية، علما ان مؤسسات الحكم في كوردستان العراق اليوم قائمة على اساس المباراة الحزبية، وان الروح السياسية والحزبية ان ضعفت في المنطقة العربية من البلاد لفترة، فانها لم تنته بل تتواصل .  . في ظروف دعمت وتدعم الأدارة الأميركية فيها تشكيل الأحزاب في المنطقة ودعمتها كاسلوب لتنظيم الحياة السياسية ، كما في مصر ولبنان  على سبيل المثال .
في الوقت الذي يحذّر كثيرون فيه من مخاطر الطائفية وخطرها في شق الصف الوطني وكونها لاتنسجم مع وجهة اعادة بناء البلاد على اسس احدث، وبكونها احدى الوسائل الأكثر اجرامية وفتكاً من الوسائل التي اعتمدتها دكتاتورية صدام لبسط هيمنتها وتشديد قبضتها بتقسيم المجتمع، يرى قسم آخر ان الدعوة وزيادة تفسير ووصف نشاطات وفعاليات ومشاكل البلاد بالأثنية والطائفية في الظروف التي تعيشها البلاد والمنطقة، تشكّل مخاطر ليس على العراق فحسب، وانما تهدد بتقسيم المنطقة على تلك الأسس مهددةً باعادتها الى قرون مضت.
 وفيما يرى آخرون في الأثنية والطائفية بكونها تشكّل في احسن الأحوال فرصة للتغطية وللتستيرعلى عدد كبير من مجرمي الدكتاتورية الذين يستغلون تقوية الغطاء الجديد هذا لمواصلة نشاطاتهم الأجرامية ولأستمرار ادوارهم  .  .  ان لم تكن هناك اوساط عليمة تسعى لتقويتها بعد ان بدأ بها صدام والدوائر الستراتيجية التي اعتمد عليها في العقد الأخير من دكتاتوريته بشكل خاص، لذلك الهدف عينه او لأعادة بناء البلاد بصورة لاتختلف كثيراً عما كان في زمان صدام ولكن بدونه(1). حيث يتلفلف اليوم العديد من المجرمين المعروفين بغطاء الطوائف.
الأمر الذي ان نجح في خلط الأوراق واعادة تنظيمها بشكل جديد قد يكون معلوماً للقسم، الاّ انه لن ينجح في ازالة سلوك الجريمة والغدر والعنف والفساد في المجتمع، وانما سيزيده تعقيداً والاّ فما معنى القائمة الشيعية والقائمة السنية في بلد كالعراق، وماهي الفروق في برامجها وخططها للأصلاح الأجتماعي والأقتصادي والسياسي؟ ويرون انها قد لن تؤدي الاّ الى تكريس ابناء الطائفة لذاتها في تقسيم اجتماعي جديد لايفهم منه الاّ بكونه موجّه لأغراض بعينها، او لأغراض لايجري التصريح بها، ويفسروها بانها قد تكون اعداداً لمواجهة او لحرب جديدة يجري الدفع اليها شاء البعض ام ابى . في وقت تشير فيه حتى الأنتماءات الطائفية لكبار مجرمي الدكتاتورية المشخصين في ورق اللعب الى ان نظام صدام البائد لم يتشكّل من السنّة فقط  وانهم لم يشكّلوا اغلبية فيه، حين كان يعتمد على كل من استعد للجريمة مهما كان انتمائه الأثني اوالديني والطائفي او القومي .
وفيما يرى محللون ان حركة التحالفات التي تم الأعلان عنها مؤخراً تمهيداً للأنتخابات القادمة وخاصة الحركة في قائمة الأئتلاف الوطني الشيعي الحاكم، ثم تشكيل قائمة السنّة الجديدة، تشير الى ان السياسة الطائفية التي اعتمدها السفير بريمر، التي يبدو للبعض وكأن الأحداث تتخطّاها، يفسّرها آخرون بكونها تتكشّف عن كونها اغطية تعدّ لأهداف سياسية، منها السعي للفوز بالسلطة، موظفة واقع مشوّه لاتسعى لتطويره نحو آفاق التطور والتمدن ورفاه المجتمع، ومنها لقطع الطريق امام امكانية النمو والتعددية الحزبية على اسس سياسية وعلى اساس المواطنة.
وفيما يعزي كثيرون بروز الطائفية في المجتمع الى لأستقطاب الطائفي الشيعي الذي نشأ كرد فعل طبيعي اثر سقوط الطاغية الذي امعن في سياسة اجرامية قادت الى ايقاع اضرار فادحة بالطائفة الشيعية ومحافظاتها .  .  حتى انتفاضة ربيع 1991 التي اغرقها بالدم وبالمقابر الجماعية، واخيراً لكونها تضم النسبة الأكبر لعرب العراق الذين بشيعتهم وسنتهم وبعد ان قدّموا آيات التضحيات في مواجهته، رفضوا صدام وثبتوا على ذلك الى الأخير بعدم دفاعهم عنه.
يرون انها تتصاعد بعد ان ثبتها وسار عليها السفير بريمر، ثم بعد ان اعتمدتها فلول وعصابات صدام والأرهابي المجرم الزرقاوي بادعاء تمثيلهما للسنة والوهابية، التي ركّزت على استهدافها لأبناء الطائفة الشيعية ومناطق سكناهم وتسببت بسقوط مئات الضحايا المدنيين، وادّت الى ردود افعال قللت منها الى حد كبير دعوة المرجعية الشيعية العليا للسيد علي السيستاني، بضبط النفس وعدم الأنجرار الى مخططات تقسيم العراق والمجتمع.
لتتصاعد في الجنوب وبشكل خاص في البصرة بعد تفاقم تدخل بعض الأجهزة الأيرانية بالشؤون المحلية العائدة للعراق، التي اخذت تثير قلقاً ومخاوف جديدة من دول المنطقة الأخرى لأسباب كثيرة التنوع التي ان يصعب وصفها بالمنطقية كلّها، الاّ ان عدد من تلك التدخلات يشكّل تدخلاً سافراً بالشؤون العراقية وحق العراقيين في رسم سياستهم سواء كان على اساس دستور يطرح للتصويت الشعبي او على اساس الفدرالية  .  .  لتتصاعد بوتير اعلى في خضم محاولات ترمي الى جعل الطائفية في العراق جزءاً من الخلاف الأميركي ـ الأيراني حول المفاعل النووي الأيراني، الذي اخذ يتصاعد ويترك تأثيره على الأرض العراقية منذ خطاب الرئيس الأيراني احمدي نجاد في الأمم المتحدة وتأكيده على التمسك بموقف بلاده والمضي بالبرنامج النووي، في وقت كانت الأدارة الأميركية قد اعلنت فيه عن دعمها لتطوير المفاعل النووي الهندي .     
من ناحية اخرى فان الموقف العربي الذي كان متفرجاً على محنة الشعب العراقي في زمان الدكتاتورية، مستفيداً من دكتاتور مطوّق يوزّع نفط العراق مجاناً اوباثمان بخسة وكرشاوي وعمولات، الذي لم يكن متحمساً لأنهاء الدكتاتورية، والذي عارض اعلان الحرب على الدكتاتورية لأسقاطها لأسباب تعنيه، واتخذ من ذلك اساساً لأستقبال فلولها وتوظيف اموالها ودعم معارضي الوضع الجديد الذي نشأ في العراق، المتنوعي المشارب والغايات.
 حتى ذهب بعضها بعيداً في تجميع وتأهيل مجاميع فلول الدكتاتورية المنهارة ثم في تشجيع وغض النظر عن تسلل مجاميع الأرهاب الطائفي السني الوهابي للعراق، اضافة الى الصخب الأعلامي العربي المستند على استغلاله الجهل والتعتيم الأعلامي السائد في المنطقة  وعلى اثارة العواطف العربية ضد انواع الأحتلال الأجنبي، موظفاً لذلك اعلان الأحتلال واخطاء وتجاوزات القوات الأجنبية .  . الذي اضاف محناً واستقطابات طائفية جديدة الى البلاد، مؤديا ـ ضمن عوامل معقدة اخرى ـ الى دفع الوضع في البلاد، الى حالة كما لو ان الأنظمة العربية تتبنى فيها وتدافع عن سنة العراق بضمنهم مجاميع البعث الحاكم المنهار من جهة، وكما لو ان ايران تدافع عن شيعة العراق.
في وضع ادىّ الى استمرار مجرمي الدكتاتورية المنهارة باعمالهم في ارهاب المجتمع موظفين الأسس الصماء التي وضعها السفير بريمر والتي لاتزال تستمر عليها الأدارة الأميركية (سنة، شيعة، اكراد) وعلى اساس ان الماضي قد مضى .  .   بعد ان تدثّر السنه منهم بغطاء الجزء السنيّ وفعالياته، والشيعة منهم بغطاء الجزء الشيعي وفعالياته واحزابه كتوابين، مستمرين في توظيف خبرهم الأرهابية والأجرامية في ظروف تزايد الأتجاهات الأرهابية والعنفية في المجتمع بالتفاعل مع تواصل تدفق الأرهاب الأصولي الذي يستهدف المدنيين بالقتل الجماعي بحجة (ضرب المحتلين)، وفي ظروف تستمر فيها حالة الأحتلال ويستمر تواجد القوات الأجنبية، التي يطيل الأرهاب المنفلت والصراعات الدولية الخارجية بقائها. 
وفيما يحذّر عديدون من جهود منظمة ترمي الى دفع ذلك الواقع وتصعيده نحو اشعال حرب اكبر في المنطقة التي لاتزال تأثيرات وبواعث ونتائج الحرب العراقية ـ الأيرانية، حية وطرية فيها، والتي يلعب في صراعاتها ضعف الخبر والحماس والتطرف والثأر والسعي المتسرع لتحقيق اي انتصار، اضافة الى الخوف الذي يشيعه تواجد القوات الأجنبية واعمال الأرهاب  .   .  فانهم يرون ان الواقع هذا قد يزيد من دور الفتن الطائفية في عموم المنطقة، ويدخل قضية انسحاب القوات الأميركية والمتعددة الجنسية الموجودة وفق قرارات مجلس الأمن الدولي في مرحلة اكثر تعقيداً وتكلفة.
مشروع الجامعة العربية لـ (المصالحة) :
   ويرى مراقبون ومتخصصون، ان الأعلان عن محاكمة صدام وتقديمه مع رهط من ازلامه الى المحاكمة في العراق وامام قضاة عراقيين ووضعهم في قفص الأتهام علناً نهاراً جهاراً، ونقلها الحي بالصورة والصوت للشعب العراقي وللعرب وللعالم، رغم ما سببت من انتقادات كبيرة في الشارع العراقي لمعاملة جزّار مرّغ شعبه بكل اطيافه واذاقه آيات الظلم والهوان بتلك الأصول التي حرّمها على شعبه وصارت خيالاً واوهاماً لمئات آلاف العراقيين الذين قضوا، نساءاً ورجالاً، من كل اطياف البلاد  .  .  الاّ انها شكّلت خطوة سياسية كبيرة للأعلان عن ان صدام انتهى كحاكم، وانهت اوهام اوساط عربية واقليمية ودولية بالمراهنة عليه في الظروف القائمة الراهنة على الأقل، وقللت من مخاوف اوساط غير قليلة من احتمالات عودته !
الأمر الذي ترك تأثيراً ايجابياً ملموساً على زيادة مشاركة العراقيين في عملية التصويت على الدستور التي شكّلت اكثر من 60 % ممن يحق لهم التصويت، بغض النظر ان صوّتوا  بـ " نعم" او "لا "
ورغم انواع الأنتقادات والنواقص والثغرات، فقد جرى التصويت بالنتيجة النهائية على الدستور بـ نعم. وبالرغم من كونها اغلبية ضئيلة قياساً بحجم الـ لا ، التي ستترك تأثيرها على طبيعة المسيرة اللاحقة، الاّ انها سجّلت نجاحاً لتزايد الأنخراط في العملية السياسية وبداية رفض للحلول العسكرية التي اخذت تثبت بانها صعبة وطويلة وقد غير مجدية .  .  الذي يعني ان العراقيين صوتوا بنعم على احكامه الأساسية في الدولة البرلمانية الفدرالية الأتحادية، دولة المؤسسات القائمة على اساس التبادل السلمي للسلطة.
   وقد ترك ذلك، اضافة الى النجاحات العسكرية في البلاد بشكل عام، وتضييق نطاق امكانات انواع الأعمال العسكرية والأرهابية الى حد كبير من الحدود الغربية، وانكشاف تدخلات واضحة من الحدود الشرقية ووجود سعي اكثر جدية للحد منها  .  .  ترك تأثيراً واضحاً على استعداد قسم واضح من قوى رافضة للعملية السياسية واخرى مارست اعمالاً عسكرية او ساعدتها، الى المشاركة في العملية السياسية واعتمادها كوسيلة لنيل الحقوق وللمشاركة في الحكم بعيداً عن العنف، باعلانها عن قوائم او مشاركتها في اخرى تمهيداً للأنتخابات القادمة.
   الأمر الذي ترك تأثيراً واضحاً ـ اضافة الى جهود دولية متنوعة ذات تأثير ـ على البيت العربي الحاكم، بضرورة التفاعل السياسي مع التطورات الجارية في البلاد والأبتعاد عن السماح او غض النظر عن العنف، واسفر بالتالي عن تحرّك الجامعة العربية مؤخراً، وزيارة سكرتيرها السيد عمرو موسى للبلاد حاملاً مشروعاً لـ (المصالحة) .  .  رغم البرود الذي ساد الأوساط العريضة من العراقيين لذلك الأهتمام المتأخر بعد مسيرة دموية فاجعة شهدتها البلاد .
   ورغم عدم وضوح مشروعه للمصالحة، لأنه لم يسلّط الأضواء على التصالح بين من ومن؟ لماذا تخاصما وماذا تم ليتصالحا ؟ وهل يقصد مصالحة (عفى الله عما سلف)  التي تختصر تسوية الخلافات بتقبيل اللحى جرياً على سياسة خبرها الشعب العراقي ولم تخدمه، بل حافظت على الألغام مزروعة في البناء الجديد وجرى استخدامها عندما سنحت الفرصة والحاجة لها لتجهز على ما تم احرازه من مكتسبات بدماء الشهداء والأبناء والبنات  ؟!
لقد رحّبت الحكومة العراقية به كتأكيد على التزامها بالعلاقة الأصولية مع الجامعة العربية وضرورتها، في الوقت الذي اعتبر السيد السكرتير فيه ان صيغة الدستور لاتقلل ابدا من عروبة العراق، اضافة الى تثبيت خصوصيته التي اعلن عن تأييده لها بزيارته لبرلمان كردستان، في خطوة تعتبر الخطوة العملية الأولى في تثبيت الموقف الرسمي للجامعة العربية من قضية الشعب الكوردي وحقوقه المشروعة في الحياة والحرية والحكم .
   وفي الوقت الذي عبّر فيه موسى عن رغبته غير الواضحة في (ان يتصالح العراق مع نفسه اولاً) ، عبّرت الحكومة والجمعية الوطنية وبرلمان كوردستان وممثلو الغالبية الساحقة من الأحزاب والقوى الوطنية، عن ترحيبهم باي مسعى جاد لوحدة العراقيين على اساس المشاركة في العملية السياسية والألتزام بضوابطها وادانة العنف والأرهاب، وعلى اساس عدم مشاركة ممثلي الدكتاتورية الدموية المنهارة، ومعاقبة كبار مجرميها ومجرمي الأرهاب، وخبراء الحروب والوحشية والفتن، وعدم السماح لهم بالتسلل مجدداً الى مؤسسات الحكم.
لا لحرب جديدة :
   وفي الوقت الذي ترحب فيه اوسع اوساط العراقيين باطيافهم لعودة العلاقات الضرورية مع الجامعة العربية .  .  تدور نشاطات متنوعة علنية وغير علنية، تثير كثير من الجدل والتساؤل في ظروف غاية بالتعقيد والمخاطر تلف المنطقة برمتها ـ تم التطرق الى ما يتعلق منها بالعراق مباشرة اعلاه ـ ، فيتسائل عديدون عن بواعث النشاط المفاجئ باسم الجامعة العربية، وهل هناك صفقات لوحدة الصف العربي لمواجهة الأرهاب؟ على اساس التهيؤ لمواجهة ايران عسكرياً مثلاً بعد توفر ضمانات اكبر من السابق لتحييد الموقف السوري؟ الأمر الذي يرى مراقبون ان اطرافاً واحتكارات عسكرية دولية واقليمية متنوعة تدفع له ؟
   وما ذا يُعدّ لملئ (الفراغ العسكري) في البلاد، ان انسحبت القوات الأميركية والمتعددة الجنسية في ظروف يتصاعد التوتر فيها بين القوى الدولية وعدد من الأقليمية من جهة، وبين الحكم الأيراني الساعي الى ثورة خمينية جديدة وفق وكالات الأنباء، يفسرها كثيرون بانها عودة الى سياسة (تصدير الثورة الأسلامية)، من جهة اخرى .  .  في ظروف تتسارع فيها الأحداث وتستجد باشكال كثيرة التناقض، في موالفات (سياسية ـ طائفية) يجري الدفع بها من جهات متنوعة .
وترى اوسع الأوساط، ان السؤال الأكثر الحاحا الذي يواجه العراقيين اليوم، هو كيف سيستطيعون اعادة بناء بلادهم بعد ان سقطت الدكتاتورية الدموية، على اسس ضمان سيادة واستقلال البلاد، وتشييد بناء مستقبل افضل بعيدا عن العنف والأرهاب وعن الحروب، وبعيداً عن حلّ ازمات ونتائج الحروب بالحروب، التي اتبعها صدام والتي دفعوا اثمانها ارواحاً غالية ودماءاً زكية اضافية لاتزال تسيل غزيرة الى اليوم .
ويرى محللون ان الوضع الصعب وتكاليف القوات الأميركية الباهضة، الذي قد يدفعها الى الأسراع بالأنسحاب (2) .  .  لايدفع بالعراقيين بكل اطيافهم السياسية والقومية والدينية والطائفية الاّ الى المزيد من التضامن وتشديد الهمة والجهود الى تحقيق الوحدة الوطنية من اجل عراق افضل يستحقه كلّ العراقيون، ويؤكد عديد من الخبراء ان ميل القوات الأجنبية للخروج سيسرع من تذليل عقبات قضية الوحدة الوطنية على اسس التوافق، وفق دولة المؤسسات ووفق الدستور وتطويره بالطرق السلمية والأصولية، وعن طريق نشاطات الأحزاب والقوى الوطنية والصحافة .  .  او بضغط التظاهر الذي تقره قوانين البلاد الجديدة وغيره .
وترى اوسع الأوساط، ان افضل شروع لبرنامج الوحدة الوطنية،  يتحقق على اساس ادانة الدكتاتورية كنظام حكم والنضال ضد كلّ ما يشكّل ثغرة لعودتها وعلى رأسها كارثة اعلان حرب وقوانين الطوارئ. وتقديم كبار مجرميها الى العدالة واستمرار نقل وقائعها علناً، والأهتمام الكبير بنظام تعويضات ضحاياها  الذي سيلعب ادواراً هامة في ازالة الأحتقانات والعدوانية والنقمة، فالشعوب لاتنسى كما يظن البعض من سياسيينا، والماضي الأسود الأليم ليس (ماضٍ مضى) على حد تعبير البعض، ان لم يتم  احقاق الحقوق . وعلى اساس ادانة الأرهاب وعصاباته وتقديم مجرميه الى العدالة وتعويض ضحاياه .
ان الشفافية واشراك اوسع الأوساط الشعبية والسعي لألغاء سياسات الأبواب المغلقة، وتحقيق الأمن وحل المشاكل المعاشية للمواطنين وخاصة الفئات الكادحة، هو الذي سيشكل اسسا ماضية لوحدة وطنية تعمل على الأسراع برحيل القوات الأجنبية الأميركية والمتعددة الجنسية ورحيل وكف اشكال الوحدات العسكرية وشبه العسكرية العلنية وغير العلنية لدول جوار او دول اقليمية، وهو الذي سيحقق السيادة الوطنية والأستقلال وقوة الموقف الوطني القادر على رفض والحيلولة دون محاولات اشعال حرب كبيرة جديدة جبهوية نظامية، ام غير جبهوية(3)، تشير دلائل كثيرة على وجود جهود مكثفة لجهات عسكرية متنوعة تسعى وتدفع لها .(انتهى)

1 / 11 / 2005 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.    استمراراً لخطط  ازالة صدام بانقلاب قصر عليه (انقلاب فوقي)، واستمرار آلياته .
2.   " انه فن الحكم الأنتحاري" / زبنيو بيرجنسكي مستشار الرئيس الأسبق جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي الأميركي، غلوبال فيو بوينت، " الشرق الأوسط" اللندنية، 10.10. 2005 .
3.   كتاب " بوابة العقرب " ، ريتشارد أ. كلارك مستشارالبيت الأبيض، المستشار السابق للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، لشؤون الأرهاب، 2005  . [/b] [/size][/font]

309
مصالحة ام وفاق وتوافق  .  .  ام ماذا ؟
 1 من 2
د. مهند البراك

   تتواصل الحياة في البلاد شاقّة طريقها بين الجهود الخيّرة الساعية الى الأستقرار والى مستقبل افضل، وبين انواع النشاطات والجهود التي تحاول اعاقة المسيرة .  . من انانية ومحاولات احتكار وتعنّت، الى اعمال الأرهاب والقرصنة واللصوصية والفساد. وفيما تتواصل مسيرة الآمال والآلام، تتكشف بتواصل وتسارع حقائق جديدة عمّا جرى ويجري، وتتكشف براقع جديدة عن حقيقة الأعمال المحمومة الجارية وعن حقائق تستجد بفعل استمرار تغيّر ميزان القوى داخلياً وخارجياً، وعلاقة ذلك بالأعمال المحمومة التي تستهدف البلاد والتي قد تهدد بالأستمرار والتصاعد، وتهدد باستمرار المعاناة والآلام .
وفيما تريد القوى العظمى تحقيق مصالحها بتحقيق استقرار سياسي سريع باقل الأثمان الممكنة لها لضمان  مصالحها، ويدفع القسم منها الى ان تكون البلاد الجبهة المتقدمة لمكافحة الأرهاب في العالم . ويحاول قسم آخر منها جعل العراق رأس رمح ونقطة وثوب لتغييرات عميقة في المنطقة، وتريد قوى اقليمية جعل العراق جبهة حرب جديدة بين فرس وعرب او بين سنة وشيعة في عموم المنطقة .  .  دون حساب نزيف الدم العراقي المتواصل بلا انقطاع .
فان على القوى الوطنية ان تنظر الى الأستقرار من زاوية تحقيقه المطالب الأكثر الحاحاً للشعب العراقي واوساطه الكادحة بكل اطيافه القومية والسياسية والدينية والطائفية، ومن زاوية ضمان ديمومة استجابة الشعب لخطط تطوير البلاد اللاحق ورفاهها، في وضع لابد للقوى الوطنية وللحكم مواجهته، ان ارادت ان تحظى بشعبية وبالتالي بقابلية على الأستمرار و المواصلة  .
على اساس ان الديمقراطية لاتنحصر باقامة حكم برلماني اتحادي، على اساس بناء الدولة الحديثة الموحدة، بآلية تقسيم السلطات لتطوير وتحسين فاعليتها وتفاعلها واطلاق طاقاتها، بالترابط مع ايجاد الآلية الأقوى  للدولة الحديثة على اساس اتحاد مكوناتها وليس تمزيقها وتفتيتها . . فحسب . وانما تعني القضاء على الأرهاب، الفساد، ووضع حد لمخاطر تفاقم الطائفية، ونظام المحاصصة الأثني والطائفي، واعتماد اسلوب الشفافية ومصارحة القوى والفعاليات الوطنية وعموم الشعب .
وعلى اساس ان الديمقراطية ليست شعاراً رنّاناً، وانما بكونها تعني امان وعمل وخبز وتعليم ودواء، وضمان لمستقبل منظور وتساوي المواطنين رجالاً ونساءاً بالحقوق والواجبات .  . والبدء بأجراءات عملية لمكافحة الفقر وايجاد حلول للبطالة والقيام بانواع التأهيل للأستخدام في فرص عمل جديدة، مواجهة الجريمة المنظمة ومن اجل القضاء على الأسلحة وعلى تهريبها واسواقها السوداء وتحريم المخدرات والتجارة بالرقيق الأبيض وايجاد حلول لمشاكل الدعارة، وتطوير العملية الثقافية، وخدمات القضاء ومحاربة الفساد .  . 
من جهة اخرى يرى عديدون ان معدّل الوعي الأجتماعي لعراق اليوم ومرونته واستعداده للتطور والتفاعل ورغم كل التشوهات والجراحات والرعب، لايقاس بمعدل الوعي في عراق العشرينات حين تاسست الدولة العراقية، حين لم تكن اوساط المتعلمين واضحة، وحيث لامدارس ولا دورومعاهد علم وادب ولاشبكة واسعة من ممارسي السياسة ولانسبة كبيرة ممن زاروا وعاشوا في دول اخرى سواء كان في الجوار او في بقاع العالم وحضاراته وثقافاته الأكثر تفتحاً وغنى .
في زمان يتوسع الأعلام  الذي يصل العراقيين، سواءاً كان صحفاً وراديو او فضائيات او انترنت .  . الأمر الذي يدعو الى وضع حلول لجراحه المتنوعة كي يستطيع تمييز الغث من السمين، التي اضافة للأمور الأساسية السابق ذكرها .  .  قضية ايقاف كبار المجرمين عند حدّهم ومعاقبتهم عمّا جنت ايديهم، تعويض الأوساط الواسعة المتضررة مادياً ومعنوياً ومصيرياً، وليس ما مضى قد مضى وعفى الله عما سلف، اوالمصالحة بتقبيل اللحى بين جزاّر سارق متجبّر، وبين صاحب حق سُلب حقه وضاع عمره ولايزال يركض من اجل عيش الكفاف او من اجل قوت لايموت  .  .
وعلى ذلك الأساس، فان معاقبة كبار مجرمي الدكتاتورية ليست مسألة ثأرية لما مضى، وانما مسألة غاية بالأهمية لتصليب ارض الواقع الذي نقف عليه اليوم .  .  ولوضع حلول للتوترات الأجتماعية العنيفة وللأحتقانات وتأثير الفقدان والآلام والخسارات التي اوقعوها بالبلاد وبأبنائها وبناتها وبالتالي بشخصية الفرد، والتي ان لم تعالج ستستمر بفعلها المدمّر مؤدية الى استمرار وتفاقم مشاعر النقمة تجاه كل من يأتي الى الحكم حتى بالتصويت وليس بالدبابات من جهة ، ومن اجل اثبات مصداقية الحكم الجديد ومصداقية صفحته الجديدة التي يفتحها، والضرورية لأقناع وكسب الشعب ورموزه الشاخصة، الشعب  الذي بدونه لايمكن الحديث عن قيمة لأنتخابات اوتصويت ودستور، من جهة اخرى .
   ومن ذلك، فان المباشرة بالبدء بمحاكمة صدام، تعكس اضافة الى اهميتها الكبيرة في محاكمة اول طاغية عربي علناً وعلى الهواء، وكونها مؤشراً واضحاً على بداية هبوب رياح مدنية وتحديث على المنطقة  .   .  فانها تعني عزل الدكتاتور البائد وبالتالي رموزه ومجرميه وامّعاته عن العملية السياسية وجهود التوافق الجارية، وهي دعوة واضحة لـ (رفاقه) لأدانة سلوكه الأجرامي المدمّر بحق الشعب العراقي بكل اطيافه، بحق شعوب المنطقة وبحق القضية العربية التحررية النبيلة .
   ويتسائل كثيرون، الم يحن الوقت لأدانة صدام وطغمته من قبل حزبه ؟ ولبذل اجراءات تعبّر عن حسن النية وعن الرغبة الحقيقية للسير على اساس الأرضية الجديدة في البلاد، في ظروف يرى العديدون فيها ان ارض المنطقة وليس العراق فحسب تضيق بدعوته، وتزيد  الألحاح عليه باعادة النظر بـ (رسالته الخالدة)، التي جرّبت سلطتها واكتوت بنارها وبـ ( جماجمها والدم)(1) .  .  في وقت تستدعي حاجة البلاد فيه ايجاد لغة جديدة لمواجهة الواقع الصعب القائم ان اريد فعلا المشاركة لمواجهته، والسير في الطريق المفضي الى الأستقرار وتحقيق السيادة الوطنية وانسحاب القوات الأجنبية .
بدل استمراره منتظراً قائده السجين وعلى اساس ادّعائه تمثيل مصالح شرائح عراقية، مستمراً بذات النهج الذي لم يلمس منه تغيّر بل لايلمس منه الاّ الأمعان به، وعلى ديدنه القديم الجديد بالتلون، وصولاً الى محاولته الآن التدثّر بعباءة الطائفية، بعد ان تدثّر بالوحدة العربية وبالحرية ثم بالأشتراكية .  .  الأمر الذي عبّر عنه (القائد الضرورة) مجدداً من قفصه وبكل كذبه ووقاحته المعهودة، بقرآنه وادعائه الكاذب بالتقوى والخير (كذا) وبالعقال العربي الذي مرّغه بلا ضمير بالوحل وبدماء الأحرار وبتراب المقابر الجماعية وضحايا حلبجة والأنفال  .  .  . 
مذكراً بشريط وقاحته وكذبه المتسلسل من ؛ راية الثورة العربية، وسام خوزيه مارتيه، جمداني البيشمه ركة على رأسه في زيارته قلعة دزة (2)، الى استجارته المسرحية بـ (جده) الأمام الحسين في انكسار المحمرة(3)، كتابته القرآن بدمه، الحملة الأيمانية، الى (جيش محمد) الذي شوّه الراية المحمدية و(المقاومة الشريفة) التي لا تستهدف وتقتل الاّ المدنيين العراقيين العزّل والكادحين  والباحثين عن عمل شريف، ولاتفرّق باستهدافهم سواء كانوا رجالاً ام نساءاً اواطفالاً .  .     
ويرى قانونيون ان ادانة حزبه له سيكون اضافة الى تاثيره الوطني المار الذكر، وتأثيره في سبل التعويض عما تدمّر والتعويض عن الفقدان والخسارة والتعويق الذي اصاب ابناء وبنات البلاد بسبب سياسة التعذيب والأرهاب والموت الجماعي . فانه سيعزل الطاغية ومجرميه ويفرزهم  عمن انخدع او اجبر على الأنتماء اليه  .  .   وستترتب عليه قضايا حقوقية تساعد مساعدة كبيرة على الغاء الديون التي تتكبدها البلاد جراّء حماقاته، وعلى ايجاد حلول لمشكلة محاولات اجبار البلاد على دفع التعويضات عن مسؤولية اشعال الحروب وما تسببت من خراب على دول الجوار .
ويتسائل عديدون، هل هناك من يطمع بجعل صدام وحزبه احتياطي وهراوة تدام لترفع عند الحاجة اذا ضاق الخناق عن الزرقاوي مثلاً، او اذا ما تغير ميزان القوى العسكري لصالح السير على اساس تعميق السبل السياسية السلمية لتحقيق الوحدة الوطنية وبالتالي تقوية واستقلالية الموقف الوطني العراقي ؟! . (يتبع)

30 / 10 / 2005 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   راجع قصيدة عماش المحورة المقتبسة :
(بعث تشيده الجماجم والدم        تتحطم الدنيا ولايتحطم)
(2)   كان ذلك عام 1980 ، حين القى خطاباً قال فيه ( البيشمه ركة اخواني ؟! ساتعلم كردي وان شالله
السنة القادمة ازوركم واتكلم واياكم كردي ؟! ) .
(3)   كانت تلك التمثيلية الساخرة والحزينة تنقل على شاشات التلفزيون التي نصب عدد من شاشاته
    الكبيرة على سور الصحن الحسيني، عام 1982 ، لغرض نقل مشهد تشبث صدام بيديه بشباك
    ضريح الأمام الحسين وهو يدمع دموع التماسيح (مستنجداً) بقوله : " جديّ كليّ شسويّ ؟ "
   ـ جديّ قلْ لي ماذا اعمل ـ ليكن شارة بدء آلاف الأفراد من وحداته الخاصة ومن فرق الأعدام التي
   كانت تطوّق الضريح بالهتاف واجبار الناس الذين حشّدوهم بفوهات الرشاشات والمدافع الرشاشة
   بترديد : (ابو عدي لاتهتم  .   .  ابوعديّ لاتهتم ! )[/b][/size][/font]

310
الدستور .  .  والمتغيّرات  !
2من 2
د. مهند البراك

لا .  .  لأعادة تأهيل صدام !
   ان التذكير بان سقوط الدكتاتور ونهاية حكمه البغيض لم يتم بثورة شعبية اطاحت به فجّرتها قوى معارضته ، وانما سقط  بحرب قامت بها القوى الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ومباركة مجلس الأمن وبقراراته. ان ذلك وبعيداً عن التقييم، يمكن ان يلقي ضوءاً مجدداً على ماهية الواقع على مرارته. واقع ان الشعب العراقي باحزابه وقواه الوطنية بكل اطيافها، الذي لم يبخل بتضحيات ابداً بل قدّم مئات وآلاف ومئات الآلاف شهداءاً على مذبح مقاومة الدكتاتورية، في مختلف سوح البلاد من جبالها الى اهوارها، في جبهات الحرب، في المعامل، المدارس والجامعات .  .  لم يسقطها .
حيث ان الدكتاتورية باموالها واجهزتها وبتسليحها حتى الأسنان وبدعم القوى الأقليمية والدولية بغربها وشرقها، كسرت وامتصّت مقاومته بخطط غاية بالتنوع والوحشية وعلى مدى خمسة وثلاثين عاماً .  .  ووصل الحال حتى باقوى قوة عسكرية في العالم حين ارادت تأديب صدام لخروجه عن الحدود المتفق عليها ولدوسه الشرعية الدولية .  .  الى ان تعلن الحرب عليه لأسقاطه وسط تأييد غالبية الأوساط الدولية وسكوت الأخرى، بعد ان فشلت محاولات عسكرية اعدتها لأسقاطه بالأنقلاب عليه، لضمان مصالحها ومصالح المنطقة بعد ان حطّم شعبه وكبّله بالسجون والحروب وبرمي ابنائه وبناته الى خارج الحدود وهروب مئات آلاف اخرى الى الخارج سيراً على الأقدام وضاع من ضاع وغرق في المحيطات من غرق، حتى بلغوا الأربعة ملايين مشرّد .  . 
وبالتالي فان استمرار صدام في الحكم كان بآلية رئيس عصابة اجرامية استولى بكل اجهزته على شعبه رهينة وتحصّن باستمكانه بثاني اكبر بلد نفطي في العالم وفي قلب نفطه  .  .  مهدداً بتفجير منابع نفط المنطقة ـ بعد ان فجّرها في الكويت ـ وباستمرار تقتيل ابنائه وبناته، مغدقاً عطايا النفط والذهب التي تتراكض عليها كل مصالح المال والصناعة في العالم بانواع وحوشها وحيتانها المفترسة، لكل من ابدى استعداده لدعمه علنا ام سراً .  . لقد استمر صدام بتلك الآلية ولم يستمر بالتفاف الشعب الجريح المكبّل حوله وبحبه له كما يحاول البعض تسويقه، وانما بخوفه ورهبته منه، وقد صوّت بذلك علنا حين لم يدافع عنه. (1)
علما ان ذلك كان يجري في ظروف دولية ومناخ صراع قطبين دوليين متنافسين .  . لايزال البعض حتى الآن يرى انها كانت افضل بالنسبة لبلادنا التي طفرت قيمتها الدولية منذ اواسط السبعينات (2).  . في الوقت الذي يرى فيه عديد من المحللين، ان سقوط صدام اصاب عديد من الدوائر الحاكمة في المنطقة بصدمة كبيرة وخاصة مما اصطلح عليه بـ (نادي الحكام العرب)، لأنها رغم اعلانها عن شجبها لسلوكه، كانت تستفيد فائدة هائلة من بقائه لنزقه السياسي وشقاوته السياسية ولامبالاته بتدمير شعبه في مشاريع كانت تحرّضه وتدفعه للقيام بها وكان يقوم بها وسط تشجيعها له بكونه (فارس الأمة وقدرها)، وكانت تستفيد منه لستر عوراتها هي عندما تثار متباهية بانها افضل منه واكثر تحضراً ؟! وعلى قرع طبول (جيش العروبة يابطل) الذي لم يقتل ذبابة ! واخرى كانت تستفيد من الأموال والصفقات التي تحصل عليها منه رغم اهانته لها .
من هنا تنبع مأساة الشعب العراقي وتمزقه وآلامه ولامبالاته .  . من هنا الأرهابي الزرقاوي وعصابات القتله وتمويلهم وتسليحهم، ومن هنا محاولات (الجامعة العربية) المتأخرة بعد انتظار ليس غير محسوب وجهودها المحمومة لأعادة تأهيل صدام وكبار مجرميه ـ ولو بالتدريج والعافية تداريج كما يقال ـ  تارة باسم (المصالحة الوطنية) وتارة بمحاولة مقابلة صدام ثم اشراكه باعتباره (يعرف !) ولأنه (زعيم عربي) ويجوز ولايجوز وفق قوانين حقوق الأنسان ! التي لم تتحرّك ولم تحرّك باسمها أنمله طيلة حكمه الرهيب الوحشي حين كان الآلاف من خيرة ابنائه وبناته يُضيّعون ومئات الآلاف من شبابه وشاباته وكهوله واطفاله يقتلون جماعيا سواءاً بالأسلحة المحرمة دوليا او بالقتل الجماعي  .  .  ومن هنا محاولات خلط الأوراق والبحث عن ذريعة . او بالجهود المحمومة لأعادة الحياة للبعث الصدامي وآليته الفاشية الدموية في الوقت الذي لم يعلن (حزب البعث العربي ) حتى الآن ادانته لأعمال صدام الأجرامية ولا لأعمال كبار مجرميه او اتخاذه عقوبات حزبية بحقهم بسبب تدميرهم البلاد والمنطقة على سبيل المثال، ان كان حزباً (3) .
ويحذّر عديدون من مخاطر (مصالحة الجامعة العربية)، التي تأتي في وقت يلاحظ كثير من المراقبين فيه، ان خسائر القوات الأميركية والصعوبات التي تواجهها جراّء زيادة نفقات قواتها في العراق اضافة الى تزايد المطالبات الداخلية فيها بتحسين الأوضاع الأجتماعية والتعويض عن خسائر الأعاصير او غيرها، قد تدفع الموقف الأميركي الى تقبّل مطالب الجامعة العربية، التي بدأت بالتعبير عن محاولة اعادة الأعتبار للبعث في البلاد كخطوة لأعادة الأعتبار للبعث الصدامي ( وفق وكالات الأنباء) ثم لصدام  .  .  الأمر الذي يطرح ضرورة بذل المزيد من الجهود لدعم تلاحم قوى معارضة الدكتاتورية المقبورة من جهة، وايلاء اهتمام اكبر بدعم الحزب الشيوعي والتيار الديمقراطي المعروف بمواقفه الصلبة وتضحياته في غمار النضال ضد الدكتاتورية المقبورة . والسعي الى تقوية الموقف الوطني واستقلالية قراره .   
   من جانب آخر، فان واقع الأحتلال الذي نتج اضافة لأعلان الحرب، عن هروب الدكتاتور المنهار الذي لم يدافع عنه شعبه، استمرار الأرهاب، البطالة، ارتباك المكونات والفئات الأجتماعية وتحديد ماهياتها، ولكل الظروف الأستثنائية المستمرة وغيرها من امور تتطلب جدولة موضوعاتها والمطالب على اساس واقع المتغيرات والمساعدة على السير نحو نوع من الأستقرار وفق الموازنات الموجودة ونحو تحسينها لصالح الموقف الوطني، فالوضع لايزال عسكرياً ويمكن ان يستمر بواقع وجود انواع التواجدات العسكرية غير العراقية، من جيوش اجنبية بقرارات دولية، جيوش من الجوار باشكال متنوعة واخرى تتأهب للدخول، مجاميع ارهاب وجريمة متنوعة وغيرها، ـ اضافة الى القوات العراقية الناشئة ـ .  .  كل يجد اعذاراً لوجوده بوجود الآخر .
   ولو قورنت مسودة الدستور المعدة للطرح اليوم بنواقصها، بدساتير صدام ـ التي لايعرف كثيرون شيئاً عن وجودها واسسها ولماذا، دع عنك الأوساط الشعبية ـ والتي كانت تصدر كـ ( مراسيم جمهورية ) في " الجريدة الرسمية " او بحفل تنقل لقطات منه على الملأ .  . تلك الدساتير التي لم يشعر بها المواطن او بقيمتها، بل شعر بوجودها فقط  حينما استند صدام بفقرة منها لأعلان حربه المجرمة على ايران. فلو قورنت بدساتير فترة الدكتاتورية .  . يمكن اعتبارها خطوة الى الأمام قياسا بحجم المناقشات وردود الأفعال واعلانها والنشاطات والصلات الدولية والأقليمية، وتعريف الناس بحقوقهم وواجباتهم وبماهية حدود الدولة والسلطات، اضافة الى السير خطوة جديدة بمبدأ التوافق وتشارك قوى متنوعة جاءت للحكم بالتصويت وليس بالدبابات، رغم النواقص والثغرات التي من المنتظر ان يجري تشخيصها لتلافيها والاّ سيعود الوضع الى ماكان .
الاّ ان كثيرون يرون ان هناك اهمية كبرى لأيلاء آليات تحسين فقرات مسودة الدستور اهتماما اكبر، ليكون منسجما مع تطوّر البلاد نحو تقدم ورفاه ويكون حامياً وداعياً له وليس كابحاً ومعيقاً للتطورات التقدمية، على غرار مايجري في العالم المتحضر .  . اي ان لايعيق تنفيذ فقرة ما او يصطدم بتنفيذ او بوجود فقرة اخرى .  فتثبيت حق العمل للمرأة كالرجل الوارد في المسودة مثلاً، سيؤدي بالمرأة (4) الى ان تعمل وان تتحرر من ملازمة البيت، الأمر الذي سيرفع من وعيها لحاجاتها ووعيها بضرورة تثبيت حقوق قانونية لها بسبب ضغوط حاجتها لها ( حقوق الطفل، حقوق المرأة العاملة .  . ) الأمر الذي قد لاتظهر الحاجة الماسة اليه بشكل ملحّ اليوم ان صح التعبير، بسبب الظروف غير الطبيعية، حيث تأخذ المنظمات النسائية على صعوبات اعمالها مهمة " توعية النساء بحقوقهن " . ان ظهور الحاجة الملحة لتلك التشريعات الدستورية سيدفع جماهير النساء للمطالبة وللتنظيم .  .  حتى المطالبه بتشريعات دستورية لاتتضمنها المسودة التي من جانبها تؤجّل التعديلات الدستورية الى ما بعد دورتين انتخابيتين .  .  وغيرها من الأمور التي ستتسبب بالأصطدام مع التشريعات التي تعيق توفيرها .
ويرى عديدون ان ذلك الأمر طبيعياً وسيؤدي الى مطالبات وان لم تتلبى فاعتصامات من اجل اجراء التعديلات المطلوبة .  .  على اساس ان كل حق تقف وراءه قوة اجتماعية تحميه ان كان مثبتاً في الدستور او تطالب به وتناضل لتثبيته ان لم يكن مثبتاً، والأمر سيقف على مدى قوة تأثيرها وبأسها او على مدى التفاف القوى الأجتماعية الأخرى معها .  .  الأمر الذي يطرح وبالحاح مجدداً ضرورة وضع حد لنظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي يحرّف المطالب ويشوهها ويدوس بالتالي عليها لتحقيق النسب على تلك الأسس البالية وليس على اسس الكفاءة والنزاهة، اضافة الى اهمية الشفافية وتقليص قرارات  الغرف المغلقة الى حده الأدنى تمهيداً لألغائه كتقليد في الحكم . (انتهى)

13 / 10 / 2005 ، مهند البراك
   ahmedlada@gmx.net
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   يرى خبراء دوليون ان حجم العنف المنفلت الآن في العراق يعكس الى حد كبير مدى حجم الدوائر التي تعمل على انفلاته اكثر في محاولة لأعادة الوضع السابق او على الأقل استعادة مصادر التمويل التي كانت تحصل عليها في زمان الدكتاتورية المنهارة.  راجع " حروب المرتزقة الجديدة " ، ارشيف وكالة ار. تي . ئي للمعلومات والوثائق، عن الألمانية .
2.   فترة ما اصطلح عليه، " ثورة اسعار النفط  العالمية " .
3.   لايوجد نظام داخلي معلن لـ " حزب البعث العربي الأشتراكي "، ويشير عليمون ان فقرات انضباطية كانت تتلى عليهم في اجتماعاتهم . ويرجو الكاتب ممن لديه اي دليل على وجود نظام داخلي لذلك الحزب ( او عنوان موقع الكتروني يعتمد على توثيقه) ان يرسله اليه على العنوان الألكتروني، اتماماً للبحث، راجيا قبول فائق الأحترام .
4.   المقصود هنا المرأة العراقية التي تعيش في البلاد الآن وليس المقصود من تعيش خارجها .[/b][/size][/font]


311
  الدستور .  .  والمتغيرات !
               1 من 2
د. مهند البراك
   
دستور دائم ام مؤقت ام .  . ؟

في الوقت الذي يعتبر فيه الدستور جزءاً من آليات وعملية الديمقراطية، اخذت قضية صياغته والتهيئة للتصويت الوشيك عليه، اخذت تشكّل نقطة اصطدام وافتراق وتلاقي المكونات المتنوعة في البلاد وفي عموم المنطقة ايضاً، واخذت تؤدي الى حركة نشيطة للفرقاء والأوساط المتنوعة داخلياً وخارجياً، يرى فيها عدد من الخبراء تغيّر جديد في توازن واصطفاف القوى  .
   فبعد ان كشفت الدكتاتورية فيه بسقوطها، الحالة التي بلغتها البلاد وكشفت الحرب موازنات ومصالح ومعادلات المنطقة  وعلاقاتها بصراع القوى الدولية، جراّء تقطّع وعدم تواصل الأواصر والجسور الحضارية بينها وبين العالم، واقتصارها على تلبية متطلبات الكبار، سواءاً كان في الحروب العالمية التي اندلعت او في خلال الحرب الباردة .
   ورغم الفرح الذي حلّ بسقوط الدكتاتورية، كشفت الشعارات الصاخبة والوعود التي اطلقها عدد من كبار المسؤولين في الأدارة الأميركية عند اعلان الحرب على الدكتاتورية، كشفت انها كانت غطاءاً لستراتيجية عسكرية تتلخص بـ ( دفع الأرهاب الى منابعه ومحاربته هناك)(1). الأمر الذي قد يفسّر اسباب اعلان الأحتلال وحل الدولة والجيش وانهيار الحدود واستمرارها مفتوحة، وعدم الحزم الجاد والسريع تجاه كبار مجرمي الدكتاتورية (2) وتباطؤ وتعثّر اجراءات بناء قوات مسلحة جديدة للدولة لحماية امن وسلامة العراقيين، ويفسّرعدم اطلاق الطاقات الشعبية وخاصة التي ناضلت نضالاً مريراً ضد الدكتاتورية، واهمال قدرات وطاقات ابناء البلاد الموجودين فيها من البداية، رغم كل النداءات والمناشدات ورغم اعمال المقاومة الطبيعية للأحتلال .  .  الأمر الذي يرى فيه كثيرون بأنه لم يكن مصادفة.
لقد ادىّ ذلك الى تدفق مجاميع ارهابية متنوعة ترفع الأسلام زوراً، دعمت فلول الدكتاتورية المنهارة واعلنت حرباً وحشية لابرنامج واضحاً لها في ايجاد حلول واقعية لمشاكل البلاد، وفي الوقت الذي حاولت ضرب القوات الأميركية في البداية الاّ انها ومنذ البداية حاربت المدنيين من ابناء البلاد برجالهم ونسائهم واطفالهم، واستمرت عليه حتى استقرّت على رفعها راية الطائفية السنية واعلانها حربها  على الطائفة الشيعية.
ويرى عديد من المتخصصين ان الفراغ الذي احدثته الستراتيجية العسكرية الأميركية في محاولة جذب القوى الأرهابية للعراق واعتباره الجبهة الرئيسية للحرب ضد الأرهاب، ادىّ الى تسرّب القوى الأقليمية ذاتها اليه سواء كانت عربية او غير عربية، لمصالح واهداف متنوعة تتدرج من تصدير ازماتها الداخلية، الى التخوّف من تواجد عسكري اميركي كثيف في المنطقة يهددها، الى قلقها من اعادة بناء العراق على اساس دولة المؤسسات البرلمانية، الأمر الذي يستفز مكوّناتها ذاتها وفق طبيعة حكمها وتصوراتها هي.
وفيما يرى عديد من السياسيين وذوي الخبر، ان تأكيد سياسة الحاكم بريمر على نظام المحاصصة الطائفية والقومية والتجمد عليه، قد يكون نابعاً من الأعتماد على نجاح دورها في تشجيع ذات العوامل التي تسببت في انهيار انظمة الحكم الشمولي في اوروبا الشرقية، والتي ادّت الى انهيار الأتحاد السوفيتي واعادة بناء دوله على اسس تختلف عن الماضي.
يرون ـ اضافة الى كون تلك الرؤية وحيدة الجانب ـ ان واقع الحال في منطقتنا ووعيها يختلف تمام الأختلاف عمّا هناك، المنطقة التي دأبت السياسة الأنكلواميركية على احتضان انظمتها المحافظة وكرّست فيها نزعة (الأستقلالية) و(عدم الأنحياز) المحافظة ودعمت تياراتها الأصولية الأسلامية لضرب قواها الأكثر تحرراً، وسارت على تعزيز غرورها وكبريائها بـ ( لاشرقية ولاغربية)، في زمان كانت تتطلّع فيه شعوب المنطقة الى التقدم والتفتح، في موازنات دولية كانت تناسبها وكانت تبادر لأطلاق طاقاتها (3).  وفيما كانت تتطلع شعوب اوروبا الشرقية الرازحة تحت انظمتها الشمولية المتخشّبة، بامل الى الولايات المتحدة الأميركية، في الثمانينات .  .  تنظر شعوب منطقتنا بريبة وشك الى الغرب متذكرة مآسيها وانكساراتها وعلى يد ذات الآليات التي تعلن اليوم الحرب عليها (4).
من جانب آخر تحمل السياسة التي يجري التبشير بها اليوم تناقضاً صارخاً بين الدعوة الى التمدن والتحضّر والعلمانية وبين الأصرار على نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي يعود ببلد كالعراق الى الماضي، اضافة الى غيرها من امور قد لايمكن تفسيرها الاّ بهيمنة المشروع العسكري (العقلية العسكرية) على المشروع السياسي المدني .  .  الأمر الذي بعثر واضعف الطاقات الوطنية التقدمية وافقدها روحها الفكرية والسياسية وابداعها وطاقاتها الشعبية، وجعل من العملية السياسية واجهة لطرفين فازا، يختلفان ويتفقان خلف ابواب مغلقة، زاد من انغلاقها الوضع الأمني البالغ الخطورة  .
لقد ادىّ الجمود على اعتماد المحاصصة الطائفية والعرقية واعتبارها نهجاً، الضغط وتحجيم التيارات السياسية والفكرية التي عاشها واعتمدها البلد وعُرفت معارضة صدام وقدّمت انواع التضحيات على اساسها، محاولة فلول صدام التبرقع بالطائفية ونشاطها الأجرامي الوحشي مع عصابات الزرقاوي لأثارة الفتنة الطائفية، تدخلات عدد من الأجهزة الأيرانية وبسط نفوذها على مناطق الجنوب، اضافة الى اخطاء احزاب الطائفة الشيعية .  .  الى تصاعد الطائفية المقيتة وتحولها الى اعمال تصفيات وانتقامات بين مجاميعها المسلحة وملثميها راحت وتروح الوف جديدة من المدنيين العراقيين ضحايا لها .  .  رغم دعوات مرجعية السيد السيستاني الشيعية بعدم الأنجرار الى الفتنة الطائفية .
الأمر الذي فيما دعمته واعتمدته اوساط عربية وايرانية او غضّت النظر عنه او لم تأخذه بعين الأعتبار، حتى اخذ يحرّك مصالح واصطفافات عرقية وطائفية في عموم المنطقة، كما لو ان هناك خطط او مطامح كبرى واقليمية لأعادة رسم وبناء المنطقة على اسس طائفية، في محاولة لطمس الصراعات الأجتماعية والفكرية والطبقية بركوب موجة طائفية سياسية تجري محاولات متنوعة لبنائها، قد تدفع عوامل متنوعة مخططة وغيرها الى تفاعلها مع الأرهاب .
وفي الوقت الذي تعلن فيه اوساط واطراف سياسية تقدمية متنوعة، عن تحفظاتها بصيغ متنوعة حول مسودة الدستور وعن كونه شكّل مكسباً في امور وشكّل خسارة في اخرى، او ان الأمور لايمكن ان تحل دفعة واحدة بتقديرها، وعبّر آخرون عن انهم حصلوا وعوداً مؤجله لايعرف الى متى ولا ماهي الضمانات، اضافة الى تبني تعبير " نعم ولكن " .  .             
ينظر كثيرون بقلق الى ان البعث الصدامي وشبكة مجرميه ( الذين لايزالون ينتظرون تحرير القائد الضرورة .  .  ووفق الأصول الدستورية ايضاً هذه المرة)، يتحرّك مستفيداً من امواله الفلكية ومن تضييعه اقسام هامة من ملفات الدولة ونجاحه كما يبدو في محاولته الأنضواء تحت (القطب الدولتي العربي السني) المتوالف من دول عربية بعينها، وبخلط الأوراق الذي يجري . اضافة الى امكانات تكنوقراطييه ومن تكوّنوا بدعمه وتمويله ومن يستطيع ان يسوقهم بسلاح التهديد بالفضائح وبكشف  الأوراق، الذي استمر طويلاً كسلاح مشرّع  في دول معروفة مرّت بظروف مشابهة لما مرّت به البلاد . ويحذرون من دور مقبل له ولآليته قد لايقل خطورة عمّا مضى مستفيداً من ثغرات وتفسيرات وتأويلات فقرات في الدستور، ومن آليات قرارات الغرف المغلقة.
   ولكون الدستور ـ رغم عدد من المكاسب التي حققها لمكونات ـ  يعكس الواقع الأستثنائي الجاري كما تعبّر غالبية الأطراف العراقية .  . من التركة الثقيلة للدكتاتورية السابقة، ومن الأرهاب القائم والعنف وتفاقم الطائفية .  .  يضاف اليها استمرار سيادة المنطق العسكري ونظام المحاصصة، وعدم اطلاق وضعف دعم وتشجيع العملية السياسية ذاتها .  .  وبعد تجربة حكومتين حكمتا وفق قانون انتقالي وافقت ووقّعت عليه اطرافهما الأساسية بضمانات اكبر الأوساط الدولية، وبسبب استمرار الأحتلال وتفاقم الأرهاب والفساد الأداري والبطالة وتواصل وزيادة انقطاع الكهرباء بعد اكثر من سنتين ونصف على سقوط الدكتاتورية رغم كل الجهود المبذولة .
   اضافة الى الأعتراضات الجدية حول كونه يحمل مخاطر من الممكن جداً ان تؤدي الى سيادة مكوّن واحد وبشكل شمولي مجدداً ببرقع جديد، يستفز المكونات الأخرى في ارضية ومحيط لايزالان يشكّلان حاضنة ملائمة لذلك من جهة، اضافة الى اهمال مسودة الدستور لعدد بارز من مكونات وحقوق الأنسان في المجتمع المدني واعتماد الهوية على اساس الأنتماء للوطن، واهماله الصارخ لقضية المرأة العراقية وحتى لما حصلت عليه في عهود سابقة وما قدمت من اجله من غالي ونفيس على مذبح الدكتاتورية ومن اجل حرية وسعادة البلاد .
   ترى اوساط واسعة ضرورة ان يكون الدستور المطروح دستوراً مؤقتاً لفترة زمنية قادمة تناقش مدتها، وترى في حالة تعذّر ذلك لأسباب تتعلق بضوابط دولية او لأية اسباب اخرى، ان تحسّن فقرة (عدم تعديل فقرات الباب الأول والثاني الاّ بعد دورتين ) المعيقة لآليات التحسين، واخضاعها كغيرها لآليات التعديل المدرجة في المسودة وفق الأصول الدستورية . (يتبع)

12 / 10 / 2005 ، مهند البراك 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع خطاب الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بمناسبة 11 / ايلول، في ايلول 2005 .
2.   من بقية المحسوبين في ورق اللعب والعشرات ممن لم يحسبوا في في ذلك الورق على الأقل .
3.   راجع خطاب الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، " حول حال الأتحاد " / 2002، حول اخطاء السياسة الأميركية في الدول العربية طيلة نصف قرن، مقابلة وزير الخارجية البريطاني جاك سترو مع BBC  حول تأييد الخطاب.
4.   المصدر السابق .[/b][/size][/font]

312
لا .  .  لالحرب خليج مدمّرة جديدة !
د. مهند البراك

   فيما يستمر نزيف الدم العراقي ويزداد غزارة، يزداد القلق من تزايد تعقد وتدهور العلاقات بين مكونات شعب العراق التي يفاقمها تزايد صراع المواقف العربية والأقليمية حدّة، في زمان بدأ الوضع العراقي يشكّل وضع حافة انفجار سيشمل عموم المنطقة ان حصل، وان لم تنتبه وترعوي اوساط اصبحت تصرّح علنا بما تضمر واخرى ترى انها لايمكن البقاء مكتوفة اليدين وسُحُب المخاطر تتجمع وتطرق ابوابها  .
   وبينما يصف البعض ذلك بـ " ازمة اشتدي تنفرجي " التي شاعت، يرى كثيرون ان تفاقم التمزّق الطائفي وصل حداً كحد سكين مدبب النهايتين، في وصف لحالة اكثر مأساوية تدفع اليها اوساط لاتعرف الاّ العنف والجريمة وتلوّح بشبح حالة تحاول تلخيصها بـ " ان لم تكن مقتولا فكن قاتلاً " فأجرك هناك .  .  دون الأنتباه لتزايد معاناة الشعب العراقي بعربه وكرده واقلياته القومية والدينية، بسنته وشيعته.
   لقد اخذت قضية امن الخليج تلوح مجدداً بلبوس جديدة، فبعد ان كانت المخاطر تلوح من الطاقة العسكرية الأجرامية التي بناها صدام بدماء واشلاء الشعب العراقي وسعيه الأرعن لأزمات وحروب جديدة يقيّد بها شعبه ويذيقه الهوان، وليحقق بها اهدافا لم يعرفها الاّ من خطط لها في المنطقة آنذاك .  . يبدو ان المخاطر تلوح اليوم، من سعي العراق للأستقرار والسيادة وبحثه عن الأسس الملائمة والضرورية لذلك، في ظروف وموازنات ومكونات عالم اليوم .
   وفي الوقت الذي لايمكن فيه فصل سلوك العراقيين اليوم عن تأثيرات عمق الجروح الكبيرة التي  كبّدهم بها حكم صدام، فأنه لايمكن فصله عما تسبب ويتسبب به الأحتلال، عصابات الدكتاتورية المنهارة والأرهاب الوافد والفساد والمخدرات، ولا عما تتسبب به دول الجوار وسعيها سواء كان لمصالح او اطماع او لتهيّبها من عراق يحاول الأستقرار والأستقلال على اسس احدث  .  .  ولايمكن فصله عمّا تدفع اليه مصالح وقوى دولية عملاقة متنوعة لتحقيق اهداف تتعلّق بمصالحها الأنانية .
   تعاني البلاد من تمزّق طائفي، دخلت عليه قوى اقليمية لتأججه اكثرولتفاقمه، سواء كانت ساعية له لتصدير ازمتها هي،  او لمحاولة فرض حلول تفي لها بمصالحها الأنانية ذاتها، في اخطر وضع تواجهه البلاد ويهدد كيانها ووحدتها ويهدد ابسط الحقوق التي لم تستطع فيه مكوّناتها باطيافها سوى ان تكتب الأحرف الأولى منها، ولايزال حبراكثرها طريّاً ندياً قابلاً للتعديل على ارضية مسيرة واقع البلاد ومدى تلبيتها لأماني وحاجات الشعب باطيافه  .  .
   ويحذّر مراقبون واخصائيون ومحللون دوليون من ان الدفع الأقليمي لتمزيق البلاد والأصرار عليه من كلّ الأطراف والقوى الأقليمية والدولية، قد يدفع قضية العراق مجدداً الى الأقلمة والى تحويلها الى قضية امن وسلام الخليج، التي قد تنفجر على ارضية موجودة من تأريخ قريب، تأريخ  اقليمي اجتماعي سياسي سايكولوجي طائفي قومي شوفيني متفجّر، اسست له الدكتاتورية المنهارة وعمّقته وزادته لعنة، حين  زجّت المنطقة بالحروب التي اشتعلت ولم تخبُ طيلة عقود .  . في زمان تزداد فيه لغة ومنطق العنف والأرهاب ومواجهته في العالم وبشكل اخص في المنطقة .  . 
وفيما تتشبث اوساط عراقية بمصالح انانية ضيقة وتشيع الطائفية اكثر دون النظر الى مصلحة العراق بكل مكوّناته واطيافه القومية والدينية والطائفية والفكرية، فانها قد تدري او لاتدري، تشارك اوساطاً متنوعة تدفع الى ذلك الأنفجار .  .  انفجاراً ترى فيه ضرورياً ! لفرض اهداف وغايات و(حقوق) ولأستثمار فرص، مستغلة واقع المنطقة الحالي من .  .  توفّر الأموال، صراعات ومضاربات النفط ، سيادة وتزايد منطق العنف والحرب والأرهاب والوحشية والجهل والبطالة واللصوصية والفساد، وتزايد مشاعر الرفض حتى للمنطق .  .
 لتحقق من وراءه اهدافاً تسعى لتوطين الحرب في المنطقة سواءاً كخط دفاعي او ترسانة لها، مهما عنى من العودة بشعوب المنطقة الى منطق حكم طالبان الأفغاني اكثر، ولتاكيد ترسيم المنطقة بحدودها القائمة وبقيود من نوع جديد تنسجم مع عسكرة المنطقة وعلى اساس وجود متطلبات ملحة تدعو تدعو لذلك و  و  .  . و لأنهاء قضية المفاعل النووي الأيراني على غرار ما حصل للمفاعل العراقي عام 1980 في حرب الخليج الأولى، الحرب العراقية ـ الأيرانية  .
فيما يتواصل رجاء العراقيين النازفين دماً " اتركوا محنة الشعب العراقي للشعب العراقي صاحب البلاد، اتركوه لمؤسساته التي اختارها والتي يسعى لحل نواقصها، اتركوه ليواجهها ويعدّل اخطائها .  . اتركوه ليعبّد الطريق لمواجهتها، فالقضية قضيته اولاً واخيراً  .  .  يكفيه مانال وينال من ظلم ودماء ودموع بعد ان صار امثولة للضياع والأحزان والآلام !!

30 / 9 / 2005 ، مهند البراك [/size] [/font] [/b]

313
العراق بين المكوّنات وصراع القوى العظمى والأقليمية !
1 من 2   
   
د. مهند البراك

   يستمر نزيف الدم ويزداد، وتترحم الناس على حالة نزيف الدم الذي كان يجري بغزارة اقلّ قبل تشكيل حكومة الجعفري وقبل الأعلان عن البدء بتشكيل لجنة صياغة الدستور والبدء بأعدادها. واخذت وجهة الأتهامات عن مسؤولية ضعف التصديّ للأرهاب وتحقيق مستلزماته تنتقل من الأتهامات الحادة  للتشكيلات الكبيرة للمكونات الحاكمة بعضها للبعض عن ذلك، الى تسليط الأضواء بشكل اوضح عمّا يقف وراءها ويغذيها ولأية اسباب .
   بعد ان اخذ الصراع يتحوّل من صراع ضد الدكتاتورية ومؤسساتها وعصاباتها وقطع الطريق امام احتمالات عودتها ( وان بلبوس جديدة)، وتقديم كبار مجرميها الى العدالة وتكريم وتعويض ضحايا وشهداء النضال المتنوع الأشكال ضد الدكتاتورية وعوائلهم التي سُحقت، اضافة الى تعويض عوائل ضحايا الأنفال وحلبجة والمقابر الجماعية في طول البلاد وعرضها .  . 
الى صراع ضد بقايا الدكتاتورية المنهارة وعصابات الأرهاب الوافد وضد المخدرات والأحتلال والبطالة، والى صراع ضد الفساد واختراق اجهزة الدولة، ثم الى صراع من اجل الماء والكهرباء ومن اجل الحياة ! ! .  .  حتى صارت الناس لاتبالي ولاتريد شيئاً، سوى الأبقاء على حياتها وسلامة اطفالها في ذهابهم الى المدارس وايابهم منها، وحماية شبابها وشاباتها ونساءها من عصابات الأطراف المتصارعة، سواء كانت خارج اوداخل مؤسسات الحكم وغيرها .
وحتى صارت اوسع الفئات التي اخذت تعيش اوضاعاً كاوضاع رهائن بين مختطفين تصيح : خذوا النفط ودعوا لنا الأمان ! خذوا النفط ودعوا اطفالنا يعيشون ! خذوا ثرواتنا النفطية التي لم نحصل ولانحصل على شئ منها بل صارت لعنة تطارد حياتنا وحياة بلادنا ! البلاد التي يستمر الخراب المادي والروحي فيها ويغطيّ على الجهود المبذولة فيها للبناء، الذي برز بطابع خاص بعد ان رفعت صخرة زاوية وحدة العراق المتفاعلة المؤثّرة نحو الديمقراطية والتحرر منذ تأسيسه، صخرة الأخوة العربية الكوردية !
لقد رُفعت تلك الصخرة الصلدة من فعل تأثيرها الحيوي في واقع البلاد، في خضم الجهود المبذولة لتحديثها، وحلّ محلها جهد حثيث متنوع الأطراف والجهود والأشخاص، متنوع المقاصد والأهداف وطنياً واقليمياً ودولياً وانانياً، جهد يسعى لأعادة تشكيل العراق والدفع به على اساس طائفي اثني اصم ( سنّة، شيعة، اكراد ) بعد ان استمر النفخ والدفع به، ليصبح مصير العراق وكأنه مرهوناً بصراع واتفاق وتوافق مكوّناته وتقاسمها للسلطة معاً.
الأمر الذي ادخل العراق في لجّة صراعات لايستطيع ايّ مكوّن فيها تقرير الحكم فيها لوحده، وصار الجميع لايستطيعون تقرير حتى الأمور اليومية دون القوات الأميركية ووجهتها، الوجهة التي اخذت تثير اسئلة تزداد تنوعاً وحدّة وتعقيداً، وصار يعبّر عنها عدد من المسؤولين العراقيين بكونها اجندة تخصّ الأميركان، وكأنها لاتجري على ارضنا نحن، في زمان خُلطت فيه الأوراق ويعاد خلطها فيه عن معاني اقتسام الحكم وكيفيته؟ معاً ومع من او حكم كل جزء لمنطقته؟ .  .  .  كالمانيا او كسويسرا .  . او كبلجيكا ؟!!
وفي الوقت الذي رأى ويرى كثيرون فيه، عقم تلك المقارنات التبسيطية لأسباب متعددة من اقتصادية ـ اجتماعية الى حضارية وجيوسياسية، الى نفسية وتكوينية وغيرها .  .  يرى آخرون ان الصراع في حقيقته مرهون بصراع واعادة تقسيم وتوازن مصالح : ايران ـ اقطاب المجمع الصناعي المالي العسكري الأميركي ـ البيت العربي الحاكم في المنطقة، اضافة الى مناورات الدول والقوى الصناعية العظمى في العالم والأقطاب الأسرائيلية والتركية .  . حيث لايجري حديث واضح مسؤول واجراءات ملموسة عن مصالح بلادنا واهلنا وناسنا، وان جرى فبعموميات او تأجيل او خلف ابواب موصدة، لحد الآن .
فباختصار تبدو الصورة بتقديرهم بالشكل التالي : ايران لاتفرّط بسهولة (لأسباب كثيرة التنوع، بعيداً عن الحديث عن حقها او عدمه) بمواقعها التي ازدادت وتزداد في العراق، منها التي تبدو سلطتها جليّة فيها لاتحجب بغربال، كما يجري في المحافظات الجنوبية وبالأخص في البصرة ونفط البصرة والعمارة مثلاً . . الأدارة الأميركية اضافة الى مصالح كثيرة متنوعة، تريد توظيف انتصارها على دكتاتورية الصنم بجعل العراق واستمراره جبهة رئيسية في مواجهة الأرهاب لأبعاد خطره عن بلادها وبنقل مواجهتها ايّاه الى ساحات خارج اراضيها، (الى منابعه ومصادره) على وصف الرئيس الأميركي في سلسلة خطاباته طوال الشهر المنصرم. اما البيت العربي الحاكم ان صح التعبيرالذي تعبّر بأسمه الى حد كبير " الجامعة العربية " ، فيبدو واضحاً انه فقد بسقوط صدام ركناً هاماً في بنائه وتوازنه وموازناته من جهة، اضافة الى قلقه من وجهة وآفاق بناء دولة مؤسسات جديدة في ثاني اكبر بلد مصدّر للنفط وصاحب اكبر احتياطي له، فيه .
ويلاحظ كثير من المراقبين والمحللين الدوليين بقلق الى ان تلك الصراعات الدولية الأقليمية اخذت تتسم بضراوة متزايدة، بسبب صعوبات وتزايد تكاليف القوات الأميركية في العراق اضافة الى الخسائر الهائلة التي تكبدتها الولايات المتحدة الأميركية بسبب اعصار كاترينا وغيرها .  .  التي يبدو انها بدأت تؤثر على شكل ومحتوى استقطاب العالم، هل هو وحيد القطبية ام متعدد الأقطاب وكيف ؟ من جهة، ومن جهة اخرى تزايد تعقّد قصة المفاعل النووي الأيراني واستقطابات الدول الكبرى حوله سواء كان ضد او مع، اضافة الى تزايد اسعار النفط وتصاعد الطلب عليه، الذي لعبت وتلعب المملكة العربية السعودية وبالتالي البيت الحاكم العربي دور المعادل الأساسي فيه .  .  الأمر الذي يهدد باستمرار دوام العنف ان لم يتصاعد اكثر، او قد يتسبب بتغيير سيناريوهات الحلول كما سيأتي . (يتبع)

18 / 9 / 2005 ، مهند البراك
Ahmedlada@gmx.net     
-------------------------------
العراق بين المكوّنات وصراع القوى العظمى والأقليمية !
2 من 2
      
د. مهند البراك

   وبعيداً عما يكتب ويعلن ويوثّق، يلاحظ مراقبون تزايد التباعد بين العرب و الكورد، وتتباعد اطياف البلاد عن بعضها، وتتحكم المصالح الصمّاء التي تجري كتابتها او تعدادها وحسابها على اساس الأموال والثروات والسلاح دون ملاحظة مأساة انكسار وتواصل تكسّر الشخصية والهوية العراقية، الأكسير الحي للحياة العراقية وجوهرها ودورها في المنطقة، وضمان امكانيات الأرتفاع لوضع حلول للآلام وللنشاط ولتنفيذ الخطط والأبداع فيها، ومن اجل وقوف البلاد وقفاتها المشهودة امام الأخطار ولوقف نزيف الدماء الذي لاينقطع ولايوعد بالأنقطاع حتى الآن.
   في وقت تكاد كل القوى فيه تعلن أنها ضد الطائفية والأنغلاق وتهاجمهما، الاّ ان كلّ الكيانات الطائفية السياسية وغالبية الأخرى بسنّتها وشيعتها تمارسها وتعمّقها بعموم سلوكها، شاءت ام ابت، بوعي وتخطيط اودونهما، باعلان ذلك او بكتمانه .  .  وحدها الجماهير وعلى نزيفها المؤلم ورغم التمزّق تتصدىّ لها وهي تعرف الى ايّ مصير ستقاد ان سمحت لها، وهي تلاحظ الخفافيش الجدد الذين يزدادون تنوعاً في اثارتهم للطائفية من كل المواقع، علناً ام باشكال خفية كثيرة وبطرق غاية بالخبث واللؤم تعكس ان تمريناً وإعداداً اعدّ ويُعدّ لها .
   ان اوساطاً واسعة تلاحظ بألم ممارسات الفساد والقائمين بها واسلوب المحسوبيات في التعيينات والوظائف وخاصة المريحة وذات الدخل العالي منها، التي تمارسها اطراف في الحكم، سواءاً في مركز الحكم او الكثيرين ممن يحكمون في مناطقهم، في تشويه فظّ لمفهوم التوافق السياسي وتحويله الى توافق مصلحي، شخصي ونفعي نهّاز للفرص. ويرى كثيرون ان التوافق المتنوع الأشكال الذي يجري حثيثاً ويدفع له عدد من القوى الأسلامية من المذاهب المتنوعة قد يدفع بسلوكه الى تكريس الطائفية اكثر، ولايؤدي الى تقوية لحمة الموقف الوطني العراقي وانما لمواجهة بعضها البعض من جهة، وانه ان جرى بين بعض من قوى أخرى فلأحتكار مواقع حكم او جاه ومال او سلطة من جهة اخرى، وليس لنعمل كتفاً لكتف، معاً لايقاف التدهور الذي تشيعه المخاطر الآنفة ونزيف الدماء .  .
   الأمر الذي يجري في ظل اجواء متنوعة من النهب والأنانية واجراءات خاطئة او قاصرة وقرارات وسلوك وتصوير ونفخ وتشويه للواقع وكأنه انتصار كورد على عرب وشيعة على سنّة بسلوكيات من قاصرة الى سلوكيات ولّدها انتقام لذات جريحة او رعب او ولّدتها ظروف حرجة وقاهرة، وغيرها من امور قد تبعد المرء عن ادراك او تذكّر حقيقة  .  .  ان الصنم بسقوطه المعقّّد شكّل ويشكّل  فرصة للعرب والكورد، بشيعتهم وسنتهم ولكل اطياف العراق التي عادتها الدكتاتورية المنهارة حين عادت الجميع في وطن الجميع، وان نسيان ذلك يعني بقاء وتطوّر بشع لما بدأ به واسس له الدكتاتور ومن دعمه دوليا واقليميا آنذاك، بالرغم من ضجيج المزايدات والشعارات .  . 
   من ناحية اخرى فان المواقف السلبية لغالبية الدول العربية تجاه العراقيين ومآسيهم ونزيف دمائهم المتواصل لن تزيد الجروح الاّ جروحاً وندباً كبيرة سواءاً في فكرهم وموقفهم اوفي احلامهم النبيلة من القضايا العربية، ويزيد ابتعادهم عنها، الأمر الذي سيشكّل خسارة كل العرب لأخوتهم العراقيين بكل اطيافهم وخسارتهم لمواقفهم وادوارهم المشهودة في النضالات العربية المشروعة والعادلة من اجل التحرر السياسي والأقتصادي والفكري والثقافي، على مدى الزمان  .
   لقد تجاوزت الأحداث والجرائم والأخطاء ونزيف الدماء حتى الحلقة الأساسية او القضية الرئيسية  في حال البلاد، بانهاء الأحتلال وخروج القوات الأجنبية، التي اصبحت بنظر عديدين في الداخل والخارج  كثيرة التعقيد تتمحور على جدولة التوقيت، وعلى من وكيف سيُضمن الأمن في الظروف الأجتماعية والسياسية والعسكرية المارة الذكر؟ .  . ان الأمر يُطرح بالحاح والحاح كبير على كلّ القوى العراقية داخل وخارج المؤسسات، المتفقة معها او المعارضة لها .  .  فالعنف المشتعل يستهدف العراقيين لاغيرهم، وسيول الدماء اليومية هي دماء مئات المدنيين الذين يتساقطون يومياً، وهم مدنيون لاعسكريون .  . 
لقد صارت البلاد ساحة للصراع الدولي والأقليمي وللأرهاب الوافد .  .  ولمصالح ومواقف الجوار المتنوعة من التدخلّ الى غض النظر وغيره، الذي لايجري لسواد عيون العراقيين واطفالهم ولا لمبادئ كما يقولون، انه وكما يعرف الجميع انما للحفاظ على كراسي وللضغط من اجل غنائم ومواقع، او للحفاظ على ما كانوا يغنموه من اموال العراقيين المسحوقين من كوبونات النفط سيئة الصيت ومن النفط العراقي المجاني وشبه المجاني الذي كان يسيل لهم بلا انقطاع بشكل مباشر او غير مباشر، النفط الذي وهبهم اياه صدام في اطار سياسته المشؤومة ( مبادلة النفط بالسياسة) للحفاظ على عرشه المهترئ آنذاك  .  .  حين كان يرمي العراقيين جياعا حفاة في دول الجوار، التي تشهد ابرز ساحاتها بذلك والمقام  .  .
ان سرعة تبادل وتغيّر تداخل الحلقات، رئيسية وثانوية، اخذ يطغي حتى على مفاهيم وماهية قضية التحررالوطني وكيفية الدفاع عن المصالح الوطنية، التي اخذت معالمها تضيع وتُضيّع في خضم الواقع الدموي المؤلم، والواقع الحياتي الصعب لأوسع الفئات الفقيرة والكادحة .  . دافعاً ايّاها للبحث عن الأمان  والى اللاأبالية اكثر فأكثر، في واقع لاتحلّه الهبات والصدقات، على فائدتها !
   من ناحية اخرى، وفي الوقت الذي شكّلت فيه فترة كتابة الدستور عاملاً شجّع وشدّ اوساطاً لابأس بها لمناقشة مسوّغاتها ولطرح افكارها والدفاع عن واقعها وحاجاتها وآمالها ومناقشاتها على امل انبثاق مستقبل افضل . . خفتت الآمال وهي ترى الصفقات والجرجرات، وتتالي التغييرات وحِدّة عدد منها والعودة الى عديد من رموز الفترة الماضية دون توضيحات .  . ثم الأسراع للألتزام بتواريخ لم يعرف احد لحد الآن على اي اساس ثبّتت ؟! ولم تعرف اوسع الأوساط لحد الآن لماذا صياغة دستور دائم في هذه الظروف .  . 
لقد تلمّس الكثيرون كيلاً بعدة مكاييل، وشاهدوا وسمعوا تغيّرات في المواقف تتناسب مع مصالح لاعلاقة لها بانهاء لغة العنف ولاببناء البلاد ومصيرها على اساس القانون ورفاهها .  . ومن جهة اخرى  تهويلات وتعجيزات ومكابرات ثم تزايد للعنف بعد ان انتظر قليلاً .  .  وسط اجتهادات تحذّر من خطر الحرب الأهلية او تلوّح بها واخرى ترى ان الحرب الأهلية قائمة وجارية بالفعل، واخرى ترى ان الوضع آيل الى انفجار لايُعرف بعد مداه  .  . 
وبعد ان تكاثرت التصريحات والمسودات، ثم التسابق على الأيصال، ظهرت مسودة اقرّتها الجمعية الوطنية ثمّ جرى امرار اخرى بعد تعديلات لم تقرّها الجمعية! على اساس ان (الثقة موجودة والحمد لله) .  . وظهرت مسودة اخيراً وقد قرّمت مفهوم الهوية الوطنية وقرّمت حقوق النساء .  .  ثم رفعت هيئة الصياغة او غيرها (على الثقة ايضاً) الفقرة 44  التي نصّت على التزام العراق بالمواثيق والعقود الدولية لحقوق الأنسان في العالم !! على اساس ان الموضوع خاضع لفقرة العقود والأتفاقيات مع الدول، وانه امر سطحي ؟! .  .  . الأمر الذي جعل من تأثير المسودة الأخيرة (كما وصفت) لمن  انتظرها وعوّل وعقد الكثير عليها تأثيراً، كشعاع الشمس في ماء بارد، وافقد آخرين زمام امرهم وزاد من ابتعادهم وانكماشهم على انفسهم .
   ويرى مراقبون واخصائيون ان تتالي الأحداث بتلك الصورة يعكس واقعاً يجري، وقد يطرح سيناريوهات جديدة للحكم، كأن يفسح المجال لحكم اسلامي شيعي معتدل(يُضمن) اعتداله من اعتدال عدد من كبار المراجع من جهة ومن اطرافه التي ترفع شعارات الصداقة مع الولايات المتحدة، وتطرح نفسها بكونها الأكثر قرباً من اقطاب في الأدارة الأميركية الحالية .  . باحتمالات استمرار وجود القوات الأميركية (او قوات دولية او عربية ـ اسلامية يتفق عليها) ولسنوات اطول.
فيما يرى آخرون ان الأدارة الأميركية قد لاتسمح بذلك بسبب انعكاساته السلبية المتنوعة، التي منها على الدول العربية ودول الخليج النفطية والتي ازدادت وضوحاً من جهة، في ظروف يتصاعد فيها التوتر وتتزايد فيها احتمالات المواجهة مع ايران بسبب المفاعل النووي، من جهة اخرى . الأمر الذي قد يرجّح السير حثيثاً نحو جرّ عرب العراق السنّة اكثر الى العملية السياسية السلمية، نحو نظام علماني يأخذ الدين بعين الأعتبار، ونحو تقسيم السلطة في عراق متحّد واكثر مرونة تجاه اطيافه القومية والدينية والطائفية والسياسية، اي العودة الى آلية (محسّنة) للآلية التي حكمت العراق منذ تأسيسه مطلع العشرينات مع تثبيت الخصوصية اللامركزية للمنطقة الكوردية باسم وآلية يتفق عليها بعد ان تم البدء بها .  . بما يضمن الحقوق الكوردستانية المتناسبة مع وضع وموازنات المنطقة حالياً. ويضمن اعادة الأنسجام مع البيت العربي الحاكم باتفاقيات، وعقد اتفاقيات صداقة وحدود مع ايران وتركيا .  .  مقابل اتفاق الجميع على مواجهة الأرهاب والقيام باجراءات اقتصادية ـ اجتماعية للنمو ولتجفيف منابعه في المنطقة، على حد وصفهم .
الأمر الذي قد يكون مع امور دولية اخرى، بداية لوفاق دولي جديد بين القوى العظمى باجراءات واتفاقات متقابلة، الأمر الذي من الممكن ان يؤدي الى ايجاد حلّ افضل في منطقتنا من اجل تخفيف ثم انسحاب القوات الأميركية او جعل الموضوع عائداً للأمم المتحدة على ان تساهم الدول الكبرى في تغطية النفقات .
ويرى كثيرون ان القضية الأساسية الهامة في كل ماتقدم .  .  هي قضيتنا الوطنية ! قضية تقارب وتوافق  جهود العراقيين بكل اطيافهم لسلامة بلادهم وقوتها واستقلالها، وسلامة كياناتهم وعوائلهم واطفالهم .  .  ودوام تفاعلها، من اجل مواجهة الدمار وتجنب فصول قادمة اكثر هولاً قد لا تُبقي ولاتذر !   

19/ 9 / 2005 ، مهند البراك
Ahmedlada@gmx.net     [/font] [/size][/b]

314
هل ستوّحد مجزرة الجسر العراقيين مجدداً ؟

د. مهند البراك

   بين آلام الجراح وانين الأحزان والبكاء على الوطن الذي لايزيده الاّ الحرص على الحفاظ والأنطلاق مما تبقىّ من ذخيرة لأنطلاق جديد نحو حياة جديدة .  .  وبين الآمال والأحلام التي لا يعكّرها ويعقرها الاّ الأرهاب والأنانية وضيق الأفق والجوع الى التسلّط، والتي لاتؤدي الاّ الى اطالة الأحتلال في هذا الزمان وموازينه الغبراء من جهة، وبين لاابالية اطراف وقوى اقليمية ودولية متحكّمة، بآلام وعذابات العراقيين مهما ادّعت .  . 
اهتزّ العراق والمنطقة بمجزرة جسر الأئمة في يوم استشهاد الأمام الكاظم، التي تتحمّل المسؤولية فيها اطراف متعددة بما فيها التي قامت بتنظيمها بذلك الشكل لأهداف تتعلّق بماهية اهدافها فيها وبمدى آهليتها لتحمّل مسؤولية في قيادة جموع، في الظروف البالغة الدقة والخطورة سواءاً من الأرهاب والعنف المتنوع، او من الضياع والتشتت . 
   ورغم كل الآلام تلك، اهتزّ العراق بمواقف اهالي الأعظمية الأنسانية والوطنية باسنادهم ومحاولاتهم لأنقاذ ضحايا الحادث الجلل، وبمواقف ابناء واهالي الفلوجة المنكوبة وسعيهم لأسعاف اخواتهم واخوانهم المبتلين، في صفعة هائلة للقوى التي تحاول الدفع بالطائفية وتأجيجها لغايات لم تعد محكمة الأخفاء في صدرها . (1)
وفيما عبّر البعض عن مفاجأته بذلك التعاطف والتلاحم في هذا الزمن المؤلم، فان الكثيرين يرون بانه ان دل على شئ، فانه يدل من جديد على ان النفس الوطني العراقي لم يمت بل انه يورق كما تورق البراعم من جذوع الأشجار المحروقة التي بقيت منتصبة، سواءاً في وديان وجبال كوردستان اوفي حياض الأهوار بعد ان طالتها اجهزة الدكتاتورية بالحرق والتجفيف .  .  ان الشعور الوطني يورق واعداً من جديد، من عروق عمدّتها دماء شهداء ابطال الأجيال من كلّ اطيافها، انه يورق بين اطلال الدكتاتورية المنهارة وبين اجراءات الأحتلال ووحشية الأرهاب الأصولي الوافد ومحاولات اشاعة الطائفية البغيضة والأطماع، ليدعو من جديد الى ان العراق باطيافه السياسية والقومية والدينية، بنسائه ورجاله وكل طوائفه .  .  سيزهر رغم الجراح !
   انه الرد الداعي الى الكف عن التصريحات التي تشق الصفوف وتنبش وتحوّرالماضي الأليم من اجل حفاظ  على حظوة او على موقع مسؤولية مؤقت قادت اليه اقدار متغيّرة في زمان موحش(2). انه دعوة جديدة لكل العراقيين والعراقيات الى اليقضة والحذر من الأحابيل والأفخاخ، الى الوحدة من اجل سلامة العراق الحبيب الذي لايزهو ولاتسمع له كلمة بقدر قامته الحقيقية، الاّ بوحدة وتفاعل وتلاحم اطيافه، كما علّم تأريخنا وجغرافيتنا وعلّمت احزاننا وافراحنا .
ويتساءل كثيرون هل ستكون دماء الضحايا الغرّ ناقوساً جديداً لمن لم يتّعظ بعد، ناقوساً يقرع عالياً ويدعو العراقيين للوحدة ؟ كما دعت قافلة شهداء جسر الشهداء وفتاة الجسر في وثبة كانون 1948 ؟ هل ستكون آلام ودموع الجرح النازف الجديد راية لبداية جديدة نحو التآخي والتسامح وتذليل العقبات وتخطىّ شوائب الماضي(3)، بعد ان مضى عامان ونصف على سقوط دكتاتورية كشفت باجرامها وهروبها وسقوطها وتوريثها الأحتلال .  .  عمق المأساة العراقية وعمق الآلام وفداحة الخسائر والتركات التي لم يعمّقها الاّ التسرّع ثم التباطؤ واتفاقات الغرف المغلقة ثم استعمال (القوة المفرطة) .  .
اضافة الى محاولات بعض الدوائر المتنفذة دوليا واقليميا لدفع الأوضاع باتجاه لايخدم الاّ مصالحها الضيّقة الأنانية ويحلّ لها ازماتها الآنية العابرة .  . ناسية او متناسية ان الجهود الجادة الجماعية على صعوباتها والسعي الى تقاسم الحكم على اساس دستور مدني، والسعي لدعم قيام عراق برلماني يوالف اطيافه السياسية والقومية والدينية ويوطد تآخيها . . ليطلق طاقاتها، هو الذي سيوفر حتى لتلك الدوائر ما طمحت وتطمح اليه بشكل قانوني دائم ومستقر، بحساب مصلحة شعب العراق المتنوّع لأنه باطيافه مالك هذه الأرض وصاحبها، الأمر الذي لن تستطع حتى شرائع الغاب نكرانه . 
بعيداً عن جعل تلك الشعارات برقعاً وواجهة لمحاولات دوائر دولية واقليمية وداخلية لزيادة الأزمة اواحتوائها، لتصدير ازماتها الى البلاد ومحاولات جعلها ساتراً عسكرياً لها بجعل الواقع دائم الألتهاب والتفجّر ودفعه (او غض النظر عمّن يدفعه شاء ام أبى) الى هاويات مخيفة اعمق، وتسويق ذلك على انه نتيجة لجهل العراقيين ووحشيتهم ! .  .  الى الحدّ الذي تتوازن فيه قوى الصقور الدولية والأقليمية وادواتها والمتأثرين بها والناشطين باموالها واسلحتها وخبراتها ومجرميها، بعيداً عن الأهتمام بمستقبل افضل للبلاد وبعيداً عن الأهتمام بدماء ودموع ابناء وبنات العراق التي يخطئ من يعتقد انها ستذهب هدراً. 
المجد لقافلة شهداء جسر الأئمة !

1 / 9 / 2005 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   المعروف ان غالبية اهالي الأعظمية والفلوجة، من المسلمين السنّة .
2.   راجع تصريحات السيد الجعفري المؤسفة التي تتكرر حول احداث الموصل عام 1959 ، التي تطالبه اوساط واسعة بالعدول عنها، لأنها صارت معروفة وصار معروفاً الهدف من تناولها بتلك الصورة التي تستهدف اكثر من طرف وطني، بعد فواجع العراق الكبرى التي تلت والتي لاتزال تستمر.
3.   بعد معاقبة كبار المجرمين .[/size]

315
الدستور بين السعي لمستقبل افضل وبين السعي لأحتواء الأزمة !

 
د. مهند البراك

   تدور نقاشات حامية حول صياغة الدستور وتزداد دائرة المهتمين والساعين والمتابعين لأمرها، اضافة الى مشاركة وزيادة اهتمام اوساط لم تشارك في انتخابات الجمعية الوطنية او قاطعتها او كانت في مواجهتها من مواقع متنوعة .  . في غمار تقديرات كثيرة التنوع تتدرج من اعتبارها امراً مبالغاً باهميته، الى اعتبارها ركناً اساسياً او حاسماً لصياغة واقامة دولة جديدة حديثة .
   وبينما يحاول البعض ويسعى لأدامة تأزيم الوضع وزيادته حدة، في محاولة للضغط نحو تحقيق مايريد بمختلف الأساليب، يسعى بعض آخر للأنطلاق من الواقع المتأزّم واعتباره اساساً صالحاً لصياغة دستور دائم، وكأن ذلك هو قدر البلاد، بعيداً عن السعي الجاد والواقعي للمضي بالعملية السياسية الجارية نحو تحسين وتفعيل المؤسسات ونحو اتخاذها منطلقاً لبناء نظام حكم جديد يستند على التداول السلمي للسلطة وعلى كبح الأرهاب والعنف من ناحية وعلى مبادئ حقوق الأنسان من ناحية اخرى، وعلى اساس قوة واستقلال الموقف الوطني .
   ورغم الشد والجذب باتجاهات متعددة، يرى عدد من الخبراء ان الدستور المنوي صياغته الآن تقرره حالة توازن القوى العراقية وتوجهاتها ودرجات وعيها واساليبها وموقف الناس منها، اضافة الى حالة توازن القوى في المنطقة، والحالة التي سادت وتسود البلاد جراّء اعلان الأحتلال واجراءاته وتدخّل قوى الأرهاب الأصولي الوافدة في شؤون البلاد ونشاطاتها الوحشية المتفاعلة مع فلول الدكتاتورية .  .  وبالتالي درجة الحاجة لوجود القوات الأجنبية وتقييمها سلبا اوايجاباً بالترابط مع المعطيات الواقعية لحالة الأمن في البلاد لتقدير مدى الحاجة اليها .
   فيما ترى اوساط اخرى ان صياغة الدستور واختيار تعابيره قد لاتؤدي بالضرورة الى امكانية تطبيقه، ان لم تتوفر القوى الأجتماعية المستعدة لتطبيقه من جهة، والمستعدة للدفاع عنه وعن مبادئه وعن سلامة تطبيقه من جهة اخرى، في حالة كونه يعبّر عن تحقيق مصالح اساسية لها سواء كانت مادية او معنوية، او مصيرية عندما يرتبط مصير وجودها وحقوقها وممارستها لحياتها الطبيعية به ويكون مرهوناً بوجوده وباحكامه ومؤسساته.
   وفيما يربط البعض صياغته ووجهته بالسعي لملائمته وتكييفه وفقاً لمصالح دوائر ومؤسسات كبرى دولية واقليمية، عرف عن قسم غير قليل منها سعيها لأحتواء الأزمات القائمة بتأطيرها لها وادامتها مهما استمر التمزّق ومهما استمر نزيف الدم مادام ذلك يحقق لها اهدافاً تسعى لها .  .  الأمر الذي ان لم يجر تداركه قد يهدد بتدهور اخطر، قد لايعني لها شيئاً ايضاً مادامه يجري ضمن اطار توازن القوى الدولية والأقليمية، معيدة في ذلك او استمراراً لمبدأ (احتواء الأزمة العراقية) بدل حلّها، الذي اعتمدته ادارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، انطلاقاً من حساب مصالح دولية واقليمية بشكل وحيد الجانب .  . والذي تسبب بخسائر هائلة للبلاد عموماً في عقد التسعينات .  
يرى آخرون ان الدستور وكما معروف لابد ان ينطلق من تلبية الحاجات والأماني الوطنية الداخلية وتثبيت حقوق المواطن مهما كان طيفه ونوعه (جنسه) في وطن دمره الدكتاتور بظلمه وحروبه وبسرقته واباحته لأنواع الطامعين .  .  ومن اجل بناء الموقف الوطني على اساس استقلاله بضوء التجربة الداخلية من جهة، و بضوء المبادئ الأنسانية والقيم الحضارية التي حققتها شعوب ودول العالم، والأنطلاق منها في التعامل وحساب المصالح واقامة العلاقات على اساس المنافع المتبادلة وآفاقها، وعلى اساس حساب المواقف الودية ونوعية ومديات التعاون والعروض.  
   ويرى كثيرون في الدستور، كونه الخطوة الأساسية الأولى لصياغة مبادئ اساسية لعمل ونشاط القوى العراقية، على اساس التوافق لتذليل اختلافات المرحلة وعلى اساس اللقاء والتفاعل في منتصف مسافات الأختلافات مادام الجميع عراقيين ويسعون لسلامة العراق ووحدة كلّ مكوناته وحقوقها وسلامتها وتفعيل دورها، من اجل قوة واستقلالية القرار العراقي المتحقق بتفاعل كل اطيافه السياسية والقومية والدينية وطوائفه، بنسائه ورجاله. ومن اجل عودة الأمن واستكمال السيادة الوطنية، نحو استقرار و رفاه اجتماعي تستحقه البلاد التي ظُلمت وعانت كلّ المرارات طيلة العقود الماضية حتى الآن.
   الأمر الذي قد يدفع الى اعتماد مبدأ " الدستور الأنتقالي المؤقت "، لتوفير زمن اضافي  وتوظيفه، من اجل لمّ وتقريب اطراف التمزقات، تمهيداً لصياغة طريق تلاحمها اوتكاملها بتنوعها لمواجهة التحديات، على اساس الأهداف المارة الذكر التي يحتاجها الجميع، كلٌّ لأعادة (بناء بيته) وتحسين حياة طيفه وخطابه، على اساس نبذ العنف من جهة وعلى اساس تجنب اللجوء الى القوة المفرطة من جانب آخر لسلامة كلّ العراقيين وعلى اساس اللجوء الى طاولة المفاوضات مع دول الجوار في حلّ الخلافات التي تنشأ، بضمانات الدول الكبرى صاحبة النفوذ والمصلحة في القضايا التي تعنيها بشكل مباشر وغير مباشر .  . في ظروف دولية فرضت وتفرض حتى على الدول الكبرى تغيير خططها وبرامجها وسياساتها، وفق الواقع المتحرّك الجاري على الأرض، الذي تعيشه وتتلمسه كل شعوب العالم ومنها شعبنا العراقي.
   وفيما يتذكر عديدون آلام وخسائر " خطط التنمية الأنفجارية " سيئة الصيت التي دعى لها النظام الدكتاتوري المنهار، والتي لم تزد البلاد الاّ آلاما وخسائر ودماً، ويدعون للأتعاض بدروسها ودروس شبيهاتها .  . فانهم يدعون الى تشديد الملاحظة على ان الأمر يحتاج الى آليات تتطلب فترات زمنية قد لاتتفق مع وضع مواعيد مسبقة لايُعرف على اية اسس او مسوّغات جرى اتخاذها وتثبيتها، بعد ان تنوّعت اجابات المسؤولين في التعبير عن ذلك، وفي وقت ازداد فيه تغيير خطط الأدارة الأميركية ومؤسساتها الكبرى لبرامجها ذاتها ووجهتها، سواءاً في بلادنا ومنطقتنا او في داخل بلادها، وفقاً للواقع الذي يجري ويتغيّر ويتجدد .  . كما تعكس صحفها ووكالاتها وواقع حركتها ووجهته .
وفي الوقت الذي تطالب فيه اوسع الأوساط  بضرورة الأسراع  للخروج من الأزمات المتنوعة والوفاء بالوعود، فانها تقلق وتحذّر من اعتماد البعض اسلوب القفز على المشاكل او طويها لأجل الأسراع، لأنها لن تشكّل الاّ الغاماً لايعرف متى تتفجّر وتعيد كامل الوضع الى دوّامة البداية وبشكل قد يكون اكثر فاجعاً، مهما بلغ ما انجز وينجز، الأمر الذي يمكن تلمسه من مسيرة عامين ونصف في البلاد من جهة، ومسيرة اربعة اعوام من تجربة شبيهة في افغانستان، بضوء ما تتناقله الصحافة الأميركية والأوربية ووكالات الأنباء العالمية.
وتؤكد اوساط واسعة من اخصائيين وسياسيين ومراقبين ان وجهة التصويت على مسودة الدستور المعدة، كـ "دستور مؤقت " لمدى سنة قد يساعد في توفير وقت للتوافق والتقارب في الواقع العملي لمواجهة الأرهاب الذي حدده تعريف الجمعية الوطنية الأنتقالية ولمحاكمة كبار مجرمي الدكتاتورية المنهارة واللاحقين، وللأستمرار في أعادة بناء القوات المسلحة العراقية ولتنظيم جلاء القوات الأجنبية من جهة، ولتوفير وقت ضروري لتحسين ظروف الحياة والعيش، وتوفير وقت لزيادة الوعي والثقافة والتعريف بماهية وشروط الحياة الدستورية وماهية الدستور وللشروع بتنظيم واصطفاف القوى الضرورية لحماية وضمان تنفيذ مبادئ الدستور، ولتوفير وقت لأجراء التعديلات والأضافات الضرورية على الدستور المؤقت وفق آليات الجمعية الوطنية التي ستنتخب في نهاية العام ـ لكونه مؤقت ـ من جهة اخرى .  .  لأجل استكمال اعداده وطرحه للتصويت عليه كدستور دائم للبلاد في دورة انتخابية لاحقة، وكما جرى في اغلب بلدان العالم المتحضّر بعيد خروجها من الحرب والدمار، منها المانيا التي احتاجت اكثر من خمس سنوات لصياغة دستورها الأول على سبيل المثال.

26 / 8 / 2005 ، مهند البراك[/size]  

316
في مسار صياغة الدستور  .  .  مخاطر وآفاق !
[/b]

د. مهند البراك

   رغم استمرار الأرهاب واستمرار ضعف الأمن وتفاقم المشاكل المعيشية والأقتصادية والبطالة وانقطاع الماء والكهرباء، التي قللت الى حد كبير من حيوية المناقشات ومن مشاركة اوساط لايستهان بها فيها، وفي وقت انشغلت غالبية الصحف ووكالات الأنباء فيه، بمطالب اوسع القطاعات الشعبية لأيجاد حلول للمشاكل اليومية الآنفة الذكر.
   ساعد النشاط الشاق المتواصل لأنجاز صياغة مسودة الدستور بين اختلافات ومواقف كثيرة التشعّب والتباين والتوقيت، على تعزيز الأتفاق بين اكثرية الفرقاء على ضرورة اعتماد الفدرالية كمبدأ، في تحقيق وحدة البلاد، وتدور نقاشات حامية ترمي الى تذليل الأختلافات على السبل وعلى تفاصيل تطبيقها العملي من جهة .  .  وعلى الأتفاق على اسم وهوية البلاد بشكل عام من جهة اخرى، فيما يبدو ان السير في قضية الحقوق المدنية وحقوق المرأة ودور المرجعيات الدينية لايزال يواجه صعوبات .
   الاّ ان ما اثار استغراب اوساط عديدة تصريح السيد عبد العزيز الحكيم بمفهومه عن تشكيل الفدراليات، الذي لم يتفق معه قسم لايستهان به من قائمته ذاتها، بعد ان طرحه علناً في وقت حرج قبل يومين من الموعد السابق لتقديم مسودة صياغة الدستور، الأمر الذي ادىّ الى تفاسير وصيغ وردود افعال اخرّت تقديم تلك المسوّدة، بتقدير اوسع المراقبين  .
   وفيما وصف عدد غير قليل تلك التصريحات بكونها دعوة لأعتماد الطائفية في تكوين الفدراليات، فسّرها اخرون بكونها ردود افعال على موروث ظلم الدكتاتورية من جهة، وعن كونها مثالاً لأستمرار آلية تفكير ومنطق وتعامل المرحلة البائدة التي لاتزال تتحكم بسلوك عدد من السياسيين. في وقت وصفها آخرون بكونها محاولة كان قد اتّبعها او اضطراليها اكثر من طرف، لتحقيق وتثبيت مطاليبه بطرحها بشكل مبالغ فيه او بشكل عالٍ، لأثارة الأنتباه ولتبيان مخاطر اهمالها .  . ليصار الى التفاهم على حلول تتناسب مع تخفيضها الاّ انها تثبّتها كوجهة يجري الأخذ بها . دون انتباه الى تأثيرات تلك التصريحات في مجتمعنا الذي يعاني التشوّه واعتلال الصحة والمعرفة، وفي ظروف سير كثير من النقاشات خلف ابواب موصدة .
   وفي خضم المناقشة والرفض والشد والجذب الذي جرى ولايزال في التعامل مع تلك التصريحات ، برزت بعض الأتجاهات عبّرت عن عدم رغبة البعض بالبقاء في ترابط مع المناطق التي ينشط فيها الأرهاب والجريمة بل ومحاولته الأبتعاد عن الخسائر والدمار الذي يخلّفه ذلك الأرهاب بدل مواجهته من موقع المسؤولية او تحمّل مسؤولية ايجاد حلول لأحد انواع الأرهاب والجريمة التي تعشعش .  .  في تعبير عن محاولة (تجاوب) مع تعب وارهاق دام عقوداً ولم يتوقف من جهة، وفي محاولة لألقاء مسؤولية وتبعة مواجهته على سكان تلك المناطق، في محاولة انانية ان صحّ التعبير او محدودة الأفق بتقدير عديدين. 
   اضافة الى ظهور تعبير يوصف بكونه يتجاوب مع شيوع او اشاعة اراء وافكار تبسّط مفهوم الدولة وانظمة الحكم ومسؤوليتها الوطنية، الى جعلها وكأنها محاولات لسكان المناطق النفطية للأستحواذ على النفوط التي تنبع من اراضيهم، لأنها تعود لأهاليهم .  .  في تبسيط او عدم معرفة بقوانين الثروات الوطنية والأسواق الدولية المعمول بها في كل انحاء العالم، وكأن البلاد ارض بكر يجري اكتشافها الآن ويجري الصراع على عائدية كنوزها لأي من المكتشفين او الفائزين او المهربين، او ان هناك امور وبواطن غير معلن عنها.
فيما تكشف نقاشات كثيرة تحفل بها صحف ووسائل اعلام متنوعة، عن تعامي او قلة معرفة وضعف متابعة مانشر وينشر عن غنى وثروات المناطق الغربية من العراق كحقول نفط غرب الرمادي العملاقة على سبيل المثال لاالحصر وحقول المعادن الثمينة والأكثر ندرة في العالم الموجودة فيها، اضافة الى حقول الفوسفات العالية الجودة وغيرها هناك .       
   في الوقت نفسه، اسفر ذلك عن ظاهرة اخذت تتأكد، في تصريحات ممثلي كلّ الأطراف تؤكد حرصهم وتقديرهم الى ان كل العوامل والظروف الراهنة والمرحلية تدفع الى الحفاظ على وحدة البلاد واعتماد الفدرالية التي ترمي الى ترسيخ تلك الوحدة لا الى تفتيتها. في وقت اصدر فيه مكتب مرجعية السيد السيستاني الشيعية بياناً افاد بعدم تدخلها بالسياسة، التي تفسرّها اوساط غير قليلة عن كونها ردّ على من يحاول الزج بها في مشروع سياسي محدد .
   فيما تلاحظ اوساط واسعة فيه بروز جهود عالية المرونة سواءاً من السيد رئيس الجمهورية اومن السيد رئيس اقليم كوردستان، اضافة الى كلّ القوى الحريصة على سير العملية السياسية نحو تكوين وبناء الدولة المدنية الحديثة .  .  التي تلاقي تجاوب اوساط متزايدة سواء ممن لم تشارك او قاطعت الأنتخابات الماضية او ممن كانت تقاوم الجهود المبذولة لأقامة دولة المؤسسات البرلمانية الفدرالية. 
   من ناحية أخرى وفيما لم ترحّب دول الجوار والدول الأقليمية عموماً بمسيرة العراق نحو اقامة دولة المؤسسات البرلمانية كبديل لنظام صدام الدموي، وان وافق بعضها على مضض .  .
فقد عمل ويعمل قسم منها على تقويض التجربة بطرق متنوعة .  .  من دعم الأساليب الأرهابية والأرهاب واحتضان مجاميعه مباشرة، الى محاولات مد جسور مع الأطراف الداخلية المتصارعة واللعب على تناقضاتها وزيادتها وتعميقها .  .  اضافة الى ماتدفع اليه قوى ومصالح حربية متنوعة باشكال مباشرة وغير مباشرة. 
وفيما يرى قسم ـ دون العناية او دون معرفة الوظيفة الستراتيجية للدستور ـ ان على الدستور ان ينطلق من الواقع القائم وموازنات قواه بعد ان صار واقع الحال ينطلق من الأسراع بعودة الأمن والماء والكهرباء ومعالجة البطالة والضائقة الأقتصادية المتفاقمة، ومحاولات اطراف وقوى اقليمية متنوعة وبدرجات متفاوتة الى تحويل البلاد الى ساتر لها بتعبيرها الذي اخذ يزداد وضوحاً مؤخراً على لسان السيد خالد مشعل (*) ودعوته الى عدم السماح بالأستقرار في العراق، لأن استقراره يهدد امن وسلامة سوريا ؟!
تستذكر اوساط أخرى ان اعلان صدام الحرب على الجارة ايران (حرب الخليج الأولى) التي دفع  مختلف الفرقاء اليها وعملوا على ادامتها لأكثر من ثماني سنوات، والتي اشتعلت في وقت كانت تعيش ايران فيه انتصارات ثورة شعبية اطاحت بالشاه ومزّقت ترسانته العسكرية الشاهنشاهية وكانت تبتدئ الخطوات الأولى في اعادة بناء البلاد واطلاق طاقاتها التحررية واعادة بناء جيشها الذي تحطّم امام ضربات الجموع الثائرة .  .  فحرفتها، وادّت الى ارهاب وتشديد القبضة الحديدية على الشعبين الجارين المسلمين، باحكام الطوارئ وقوانين الحرب .
وترى فيه نموذجاً مؤلماً جرى وقد يجري سوق البلاد اليه ان لم تنتبه الأطراف العراقية .  . باوساط وآليات جديدة تفرزها المرحلة، ووفق توازن القوى القائم اليوم سواءاً في المنطقة او العالم .  .  حيث ترى ان حل الجيش والدولة وتساقط حدود البلاد واعلان الأحتلال في العراق والتباطؤ، كانت بداية اضعفت من طاقات البلاد وتوقها الى الأنعتاق من الدكتاتورية واقامة الديمقراطية ومؤسساتها، واغرت كلّ تلك الفئات الأرهابية المتنوعة الداخلية والوافدة والمرسلة، التي طغت حتى على الفعاليات الوطنية التي واجهت الأحتلال كما في كل العالم .  . وعرقلت وتعرقل وتحاول حرف ارادة الخير والتقدم في تحقيق الأستقلال وبناء العراق الدستوري الفدرالي الموحد .  .  في وقت تدفع فيه اضافة الى اوساط عسكرية متشددة اميركية واسرائيلية، اوساط دولية آسيوية واوروبية واوروآسيوية واقليمية، تدفع نحو جعل قضية المفاعل النووي الأيراني عنواناً لأشعال حرب خليج مدمّرة جديدة، في المنطقة الأغنى في العالم !
وفي الوقت الذي يصرّح فيه عدد من المسؤولين العراقيين بضرورة الحفاظ على استقلال البلاد والنأي بها ووقايتها من مخاطر اشتعال الحرب في المنطقة، تؤكد اوساط شعبية واسعة على ان ذلك لن يمكن ان يتم دون القضاء على الأرهاب والجريمة وايجاد حلول لمشاكل قائمة، وعلى الفساد وتوفير الشروط الأساسية لحياة البشر في البلاد، ثم تعبئتها شعبياً وسياسياً وتنظيم مباراتها بعيداً عن النعرات الشوفينية والطائفية المدمّرة وعلى اساس رفضها، وتوطيد وحدتها الوطنية على اسس تساوي  المواطنين والمواطنات على اساس هوية الأنتماء للبلاد .  .  من اجل تعزيز وتنظيم القوى الشعبية صاحبة المصلحة في الدفاع عن الدستور وضمان سلامة تنفيذه .
وفيما تؤكد اوساط واسعة اضافة الى ضرورات اعتماد الأطراف الوطنية على التوافق والتنازل المتبادل من اجل تحقيق نجاحات هامة لكل الأطراف لكونها عراقية كلّها، من اجل انجاز مهام  المرحلة واقامة دولة المؤسسات الحديثة، التي بانجازها تنقل الواقع العراقي الى مناخ جديد يتيح طرح النقاط المؤجلة ويتيح صياغة اسلوب الأتفاق عليها.
تؤكد على ضرورة احتواء الدستور على  المبادئ الأساسية للديمقراطية والفدرالية وحقوق الأنسان وحقوق المرأة ورفض العنف واعتماد التبادل السلمي للسلطة وغيرها .  . 
وان يعبّر عنها بصيغ مبادئ عامة واضحة، تحال الى ملاحق ولجان فنية تتشكّل على ضوء اقرار مسودة الدستور والتصويت عليه ( بمبادئه المنوي انجاز تفاصيل لها).  .  . 
وان تتشكّل تلك اللجان بعدئذ من ذوي علوم اكاديمية ومن تكنوقراط وذوي خبرات معترف بها (او يجري الأستعانة دوليا بها ) وفق الأصول الدستورية وكما معمول به في العالم، اي " التوصّل الى صياغة دستور مدني يحتوي المبادئ الأساسية ويصلح للقيام بالتعديلات الدستورية على طريق السكة التي شرّعتها تلك المبادئ، التي جرى اقرارها والأتفاق عليها  وتم الشروع  بتنفيذها " .  . الأمر الذي قد يتطلّب فسحة اكبر من الوقت، وبما يتناسب مع عدم الأخلال بالموازنة المالية وجهود انعاش الأقتصاد المتهالك .

16 / 8 / 2005 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) رئيس المكتب السياسي لمنظمة حماس، راجع خطابه في مسجد الكويتي في دمشق يوم الجمعة الفائتة، المنشور في الصحف ووكالات الأنباء .[/size]

317
في اسباب التشوهات الأجتماعية في العراق وسبل الأصلاح !
          5 من 5
[/b]
د. مهند البراك

وفيما يتساءل كثيرون عن طبيعة حكم الدكتاتورية وماهيتها السياسية والفكرية والأجتماعية، يرى العديد من رجال الفكر والسياسة والمجتمع، ان الدكتاتورية كانت عبارة عن حكم عصابة سيطرت على آلة الدولة الريعية النفطية الثريّة، وحكمت البلاد بالأمكانات الهائلة التي حصلت عليها باغتصابها لثرواتها الفلكية ، بمنطق العصابات الدموي واشاعة الجريمة، ومنطق الأستحواذ على البلاد كضيعة تعود لها، وبمدّ جذورها عميقاً فيها لتثبيت ذلك، ثم مدّها في عموم المنطقة .  . التي تحتوي على اكبر محطة في العالم، للنفط والطاقة، وبالتالي للصناعة واسواق المال فيه.
لقد غيّر منطق حكم العصابات الطويل ذلك، وعي ومنطق المجتمع عن السابق .  . باعتماده العنف والتفنن في اشاعة واستخدام الرعب والخوف، سواءاً في تحطيم المعارضين، او ترويض المجتمع باسلوب البحث عن عقوبات مخيفة غير مألوفة (اقوى من الموت) لأن الموت متوقّع ومألوف عند المعارضين بحساباتها، كما مرّ .  .  وباتباع كل سبل الأغراء والخوف والرعب الأخرى لتخويف وجعل المعارضين يتساقطون ( من ذاتهم ) جراّئه، وجراّء الخوف على افراد عوائلهم واحبتهم، بعد السعي لتدمير الذات البشرية من خلال التهديد المتواصل او المباشرة المتواصلة بتدمير الأحبة، من الأبن والبنت والزوجة والوالدين والأشقاء .  . بما يعذّب ويحطّم الضمير وقيَم الأنسان .
 الى ان صار الخوف والرعب ليس من الموت، ولكن من التعذيب بعد ان صارالموت رحمة! ثم صار الخوف ليس من الموت الفردي ولكن من الموت الجماعي .  .  بعد ان تم عزل المجتمع عن العالم لتتحكم به اجهزة دعاية ومنطق واعلام الدكتاتورية التي تسلّطت وحدها عليه، بعد منع واسكات كلّ وسيلة او بثّ اعلامي يمكن ان يصل اليه، فشوّهت نمط تفكيره ومنطقه .  .  باستمرارها واستمرار ممارساتها تلك، لعقود طويلة.     
    والى ان وصل الرعب والخوف حدوداً هائلة من اللامعقول، وصارا صفة اخذت تلازم الفرد والمجتمع بل وتتحكّم في سلوكه، وصار الأنسان لايهتم بمعرفة الحقيقة لأنها قد تجره الى مهالك، بعد ان صارت قضيّته الأساسية ان يحيا وان يزوغ من مواجهة المشاكل حتى اليومية منها، كي ينفذ بجلده ويستطيع مواصلة الحياة .  .  وتثلّم مفهوم (حب الوطن) الكلاسيكي ان صحّ التعبير، بعد ان صار الهمّ هو البقاء على الحياة بامان بأي شكل في الوطن، ثم بأمان في أيّ وطن .  .  بعد ان صار الأمان حلما صعب المنال، وبعد ان تحطمت كثير من دفاعات النفس البشرية ونزوعها الى مشاريع وطموحات لخير الوطن، واستعدادها للتضحية في سبيل شرف الكلمة وفي سبيل الوطن !
   الأمر الذي اخذ يلقي اسئلة عن ماهية الواقع وجدوى معرفته، وتفضيل الأنقطاع عنه والهروب منه، بحثاً عن مفهوم مشوّه للأمان، وادىّ الى انطفاء روح التحدي وبقاءها بصيصاً فردياً واضعف الفئات والمجاميع الأجتماعية كجماعة، سواءاً للمواجهة اوالأستعداد لبناء حياة افضل، بعد ان غاب الحافز والمحفّز من جهة ولغياب الجدوى للتحديات . .  وادّت الى تعزز روح تحدي الفرد كفرد  لمواجهة اعباء حياته اليومية الشاقة، وفقدانه الثقة بجدوى الفكر، والى شيوع اليأس من المفاهيم التي لم تعد تشفي غليلاً او تساعد على ايجاد حلّ لمشكلة .  .  فيما كان يراقب بألم وحسرة تزايد اثراء وتسلّط افراد ساقطين وتافهين بلا حدود عليه، بل وصاروا يتحكّمون بشؤون حتى ملاذه وبيته.
   الأمر الذي وصفه عدد من الأخصائيين بالضياع الكامل، الذي ادّى الى العودة الى الأصول الأولى التي هدفت لها (او نتجت عن) الدكتاتورية وعبّدت اليها الطرق .  . والتي صارت تخاطب وتدعو المواطنين الى ان ( الكل مسلمون، راضون بما قدّر الله لهم، وانّا لله وانّا اليه راجعون) سنّة وبمحاولة مغازلة ومنافقة المذهب الشيعي من جهة وبتحطيم ابسط اعتراض من جهة اخرى، ونحو تشجيع المذهب الوهابي، وبالسماح لتداول كتاب اساس واحد هو القرآن وتفسيراته المسموح بها .  .  على ارضية من صيرورة الحياة في ظلها عبارة عن آخره ! لتفشي الأحزان وتفاقم الكآبة وتفاقم العدوانية التي كان الفرد في محاولته كبتها، كانت تتحوّل الى طاقة هدم واستنزاف للذات .  .  اضافة الى كثرة العزاءات والفواتح بسبب توالي الحروب، ولأستمرار الجور واستمرار الدكتاتورية الدموية بمواجهة المعارضة بالتعذيب وان رأفَتْ فبالموت !!
في زمن تعددت فيه اسباب انفجارات النفس البشرية، سواء كانت من السَوق الى الحروب والموت، او من استمرار العيش تحت جزمة الدكتاتورية بالموت والرعب والتعذيب، تضمّنت حتى التساؤلات والحيرة والنقمة على العالم الساكت او المتواطئ، وعلى السماء التي سمحت بما كان يجرى، التي ادّت الى تصوّرات وتقديرات كثيرة التشوّه تراوحت بين الأنكار والأنقياد .  . اضافة الى التعامل بخوف واضطراب مع معارضة الدكتاتورية، بين نزوعها (النفس) الى تأييدها وبين الخوف من بطش الدكتاتورية الوحشي بسببه من جهة، اوبسبب عدم وحدة المعارضة بل واحترابها بينها، الذي استمر طويلاً، من جهة أخرى .
من جانب آخر، فقد ادى الأرهاب الشنيع غير المسبوق والديماغوجيا الأعلامية والفكرية والتعتيم على ما كان يجري في اجزاء البلاد، وتعتيم وحصر اخبار الفضائع التي كانت ترتكب بحق كل جزء قومي او ديني او مذهبي، باجراء عقوبات كانت تصل بسهولة الى حد الأعدام لمن كان ينتقل اخباراً عن اعتقال او اضطهاد او انتهاك جرى في منطقة ما، الى منطقة أخرى . الأمر الذي ادىّ بتراكم تلك المظالم وتفاقمها والتعتيم عليها وعدم معرفة المناطق بها الأخرى بها  .  .  الى شعور كل منطقة وطرف او طيف عراقي بانه الأكثر تضحية والأكثر تضرراً، وبالتالي فانه الأكثر جدارة بحصة اكبر من التعويض والحكم .  . او ان يحصل لوحده عليه باجمعه، ان سقط الدكتاتور. الأمر الذي رغم تجاوز قوى معارضة صدام له واتفاقها على بديل الدكتاتورية الفدرالي الديمقراطي الموحد، يحاول البعض توظيفه لمصالح ضيّقة، قد تترك اضراراً ان لم يجرِ التهيؤ له وتداركه سريعاً .
في ظرف ادى الأرهاب فيه والأستخبار والكذب والتوريط والضغط المعرفي الهائل، الى خلق حالة من انغلاق الفرد على الأهل والعائلة وبالتالي على النفس، وشكّل تربة خصبة لأنتشار انواع الأفكار التي كانت الدكتاتورية (تجتهد) على امتطائها، بل والدعوة اليها .  . كالفكر السلفي التكفيري الذي يكّفر ما لايعرفه المرء فيرفضه خوفا وجهلا اوخوفا من مغامرة لايعرفها، بعد انغلاقه على ذاته وعودته بسليقة الأنغلاق الى الأفكار الأيمانية، كما مرّ . 
سقوط الدكتاتورية
من ناحية اخرى، وفي الوقت الذي فرحت اوساط كبيرة فيه بسقوط الدكتاتورية، ولم تدافع عن الدكتاتور والقائد العسكري الأعلى الذي فرّ، انشغلت اوساط اخرى بالنهب وبحمل ما حلمت به يوماً، وسط لاأبالية اعداد كبيرة مما كان يجري، للأسباب التي تم بحثها .  . وقلق وحيرة اعداد اخرى من الوضع الجديد الذي تكوّن بعد ان كانوا يتوقّعون فيه اعلان حكومة جديدة، كما جرت العادة سواءاً في العراق او في دول المنطقة بعد سقوط الحكم البائد .  .  الأمر الذي ازداد بحل الدولة والجيش والشرطة .
ويرى عديدون ان عدم اعلان حكومة جديدة سريعاً، يعود الى عدم توصّل قوى معارضة صدام الى تحديدها بعد سقوطه وتحديد برنامج موحّد ملموس لها على ضوء العموميات التي أتُّفِقَ عليها من ناحية (1)، سرعة اعلان الحرب وطبيعتها ودرجة وعي العراقيين الآنف الذكر وتصوّراتهم، ضمن تصوّرات عموم المنطقة وانطباعاتها عن الدور الأميركي، اضافة الى المواقف المتنوعة لدول الجوار والقوى الأقليمية، المنطلقة من مصالحها هي، دون الأهتمام بمصير الشعب العراقي، بتجربة وتقدير اوسع الأوساط العراقية، من ناحية أخرى .   
وفيما تعاونت القوى السياسية الفاعلة في البلاد على اساس النضال السياسي والعملية السياسية لتأسيس دولة المؤسسات من جهة، ولأنهاء حالة الأحتلال ومن اجل انسحاب قوات التحالف من جهة اخرى .  .  كانت اكثر الفئات الثرية التي كوّنت ثروات فلكية بتقرّبها و(تزاوجها) مع عائلة الدكتاتور، وبسلوكها ونهبها الطفيلي في ظلّ حمايته، قد هربت من البلاد بعد انهماكها بعملية تهريب وتبييض اموالها، بتسهيلات غير معلنة في الغالب لدول عديدة، بهدف الأنتفاع من دخول تلك الأموال الفلكية اليها .  .  .  منذ دخول الأزمة العراقية مرحلة كانت تنذر بقرب اندلاع الحرب وسقوط الدكتاتورية، واخذت تسعى من الخارج لحماية شبكاتها ومشاريعها السوداء واستعادتها وادامتها .  . (2)
في ظلّ وجود قطعان كثيرة من فلول الدكتاتورية المدرّبة ضائعة وهائمة في توهانها، اضافة الى الفئات التي تربت وترعرعت في ظل (الحملة الأيمانية الصدامية) على اساس التطرّف الأسلامي من التي تصورت وتنادت على اساس ان سقوط دكتاتورية صدام، هو ( سقوط الحكم الأسلامي ومجئ حكم الصليبيين) .  .  على ارضية الجهل وعدم المعرفة والأنقطاع عن العالم، وعلى اساس (تفاعلها) مع فئات مجرمة محترفة رأت فرصة ذهبية لها في المضاربة والقيام بسرقات اكبر من السابق، اضافة الى اندلاع الأنتقامات الفردية الشخصية المستنجدة بالعشائرية والمذهبية .
في ظرف لعب فيه تخلخل وتهاوي حدود البلاد الحديدية التي اقامتها الدكتاتورية .  . الذي استمرطويلاً لدواعٍ عدم التهيؤ الجيد او لدواعٍ لاتزال غير معروفة، دوراً كبيراً في  تسلل افراد واموال وسلاح، الأمر الذي شجّع الهاربين (من رجال الدكتاتورية) على النشاط ضد الجهود المبذولة لبناء النظام الجديد، وشجّع على تجنيد آلاف ليست قليلة من العاطلين والهائمين وخاصة العسكريين المسرّحين منهم بذلك الأتجاه. اضافة الى تطلع ثم محاولات فئات اخرى استمرّت بالتدفق من او عبر دول الجوار والدول الأقليمية، بهدف نهب الآليات والمعدات العسكرية والسلاح المتطور المتروك، تهريب النفط  وكنوز ونفائس متنوعة لتحقيق ارباح هائلة منها، اضافة الى محاولات ونشاطات انواع العصابات الدولية التي احتضنها وحماها واجزل لها او وعدها صدام، للقيام بانواع السرقات وتصريفها والحصول وتجميع ثروات هائلة منها، اضافة الى انواع المضاربات التي شملت اضافة الى ما ذكر، قطع غيار ومفاصل هامة في برامج صناعة اسلحة الدمار الشامل اضافة الى  مواد مشعة ـ قام البعض ببعثرتها غير آبه بمخاطرها على صحة البشر والحياة ـ، وكلّ ماخفّ حمله وغلى ثمنه لتكوين وتقوية رأسمالها وامكاناتها على المواصلة والتصعيد، لتحقيق ارباح اكبر.
النظام الجديد
ان بطء اجراءات النظام الجديد وتتالي فصول الفوضى والحيرة والأجراءات المتناقضة وانواع الخلافات والصراعات سواءاً بين القوى العراقية ذاتها اوالأقليمية والدولية، او فيما بينها على التوالي .  .  اوقع اوساطاً واسعة في متاهات لم تفكّر بها او تتوقّعها، او لاتستطيع تقديرها ومعرفتها  .  .  الأمر الذي شجّع فلول صدام ومجاميع الأرهاب سواءاً العراقية منها او التي اخذت تتوالى من الخارج الى العراق، من تنظيمات الأرهاب الأصولي، الى القاعدة الى الأخرى المتنوعة، واخذت تطغي على قوى عارضت الأحتلال وسعت الى مقاومته كرد فعل اوّلي طبيعي .  .  ليتركّز التناقض بالنتيجة على الصراع بين نشوء دولة المؤسسات البرلمانية الفدرالية من جهة، وبين المعسكر المعادي لها المعتمد على الجريمة والأرهاب الذي يطيل باعماله الأجرامية بقاء القوات الأجنبية، ليتخذها ذريعة لمواصلة وتصعيد اعماله السوداء والدعوة لتحقيق غاياته، في ظرف استمرارالجهود  التي لم تستكمل بعد، لأعادة بناء الدولة وقواتها المسلحة وقوى امنها وشرطتها . 
وعلى ضوء التشوّهات وانواع التعقيدات والمخاطر آنفة الذكر، يرى عديد من المختصين وذوي الخِبَر، ان مواجهة التحديات القائمة لابدّ وان تجري بذات الجهد والنشاط على محورين متلازمين ؛ محور المجتمع ومحور الدولة، اللذين يحتويان كل المحاور والنشاطات الفاعلة الأخرى. وعلى اساس مواجهة ركائز المجتمع المشوّه؛ منظومات مافيات الجريمة والسوق السوداء والسلاح، الغنية المدرّبة الممتهنة، التي راكمت تجارب وخبرات متنوعة وفّرتها لها سلطة الدولة التي فقدتها، اضافة الى امتداداتها الأقليمية والدولية التي لاتستسلم بسهولة بتقدير عدد منهم .
وتنويع طرق واساليب مواجهتها على اساس حساب التناقضات والمواقف المستمرة في التغيّر، واختفاء وظهور تناقضات جديدة افرزها عامان مضيا بكل احداثهما الناجحة منها والخاطئة، واستمرار حركة ووتيرة التناقضات ووجهتها فيها، التي تتطلب بذل جهود تنسجم مع الوجهة دستورية، غير مخلّة بجوهرها، من اجل فسح المجال لمن يريد ان يعيد النظر بموقفه العنفي ويريد الأشتراك بالعملية السياسية من زاوية يراها وتلقى القبول على اساس خدمة المجتمع، الى تلبية مطالب قسم آخر، على ان لاتكون على اساس عودة مجرمين وقتلة من فلول صدام وغيرهم الى مواقع في الحكم .  .  من اجل حصر دائرة المجرمين فعلاً، في جهد لمواجهة نشاطات تهدف (شاءت ام ابت) الى  تحويل العراق الى ساحة حرب دائمة ومستنقع دائم للجريمة والعنف والسوق السوداء والمخدرات  .  .  من جهة.
وعلى اساس، ان سقوط صدام فجّر الطاقات المكبوتة باشكال تعكس ردود افعالها وكونها وليدة الظلم والأقصاء والتشوّه الذي دام عقوداً من السنين، التي تتدرج من العواطف المتأججة ذات الطابع العدمي، اللاهوتي اوالرامي الى تعويض مافقد اوما فات عليه، الى الحيرة التي غالباً ما طغى عليها الذهول والقلق  من ان ما جرى للدكتاتورية قد يكون امراً عارضاً وليس ثابتاً! الأمر الذي يؤدي الى ان تصيغ في ذهن اوساط  صورة البديل .  .  وفق اجتهادها وتقديرها و درجة وعيها هي، ومما تراه ومن الموجود والمحيط بها او من الذي ينتج ويحاكي وعيها المشوّه القاصر الذي فُرض عليها من سلطة وذهنية اوساط الهامش والقاع الذين حكموا، وسلوك القاع الأجرامي الذي فرضوه على المجتمع بسبب جورهم ووحشيتهم وظلمهم، بعد اختفاء الطبقات والفئات الوسطى وحضورها وطموحها وتأثيرها وبعد تحويل المجتمع الى اثرياء متخمين شاكيّ السلاح، ومعدمين محرومين عزّل . .  والى تواصل صدامات الثأر بين مالكي القوة القدامى وحاشياتهم، ومالكي وناشدي القوة المنوّعين الجدد، الذين اسرعوا للأنضواء تحت براقع معارضة الدكتاتورية عارضين امكاناتهم، للحفاظ على ماغنموه او في سبيل غنائم جديدة .  .  من جهة اخرى .
في الوقت الذي استمرت فيه المعاناة والآلام بعد سقوط الصنم، جراّء ؛ واقع وممارسات وعوامل من شكل جديد ، مسببة استمرار الخوف بسبب الأرهاب الوحشي الذي تسلّط على المدنيين و الأرهاق والقلق بسبب انقطاع الماء والكهرباء والبطالة واستمرار غلاء الأسعار، التي تستمر في تكبيد الجماهير خسائر مادية ومعنوية، فكرية ونفسية، رغم الأنجازات والتغييرات، اضافة الى تواصل حدّة تغيّر التوازنات صعودا ونزولاً . يرى فيها محللون انها اضافة لكونها نتائج لحكم الدكتاتورية البائد، هي من نتائج مواجهة مجتمع الجريمة التي تطعمت بخبرات خارجية اضافية جديدة، واخطاء الأحتلال والمواقف الدولية المتغيّرة وفق مصالحها المتغيّرة تكتيكيا وستراتيجيا، لأسباب قد تعود الى عدم وضوح وعدم ثبات وبالتالي عدم استقرار العالم او استقراره الذي لايزال قلقاً على اساس القطب الواحد، اقتصادياً وسياسياً، وحتى لوجستياً بتقدير عدد من الخبراء .
الأمر الذي يؤكّد بتقدير عديدين، ان التحوّل من مجتمع الدكتاتورية والجريمة والرعب الى مجتمع جديد ودولة برلمانية فدرالية حديثة، يتطلّب تحولات تدريجية بثبات، على ضوء الواقع المعاش ومدى حركته، تحولات لاتتم بضربة واحدة وانما تحتاج فترة زمنية، تتدرج فيها الأجراءات انطلاقاً من التفاعل مع الواقع القائم وتحريكه بشكل متنوع وفق خطة تدرجيّة تفصيلية وطنية دستورية هادفة، لاتتيه بالأجراءات اليومية ولاتضيّع بالتالي ماهية مكوّنات الهدف .  .  اضافة الى الحفاظ والألتزام على ماتحقق والسير وفق قانون الدولة للمرحلة الأنتقالية، نحو صياغة ثم التصويت على الدستور الدائم .
التي تتطلّب القيام باجراءات استثنائية يجري الأتفاق عليها ويصادق عليها اصولياً، ويجري تضمينها بالملموس في قانون اعلان حالات الطوارئ من اجل التقدم على طريق التحوّل .  .  اجراءات تؤسس وتمهّد لوضع اساس نظيف وسط انواع الأشواك والنباتات السامة الموروثة، لمواصلة بناء وتفعيل وتطوير المؤسسات القانونية والدستورية .  .  اجراءات تحتوي على شدة دفاعية في مواجهة العنف الدموي المجنون الذي تتبعه انواع العصابات و فرق الأرهاب، اضافة الى مكافحة الفساد الذي لايزال يهيمن في مفاصل ليست قليلة في اجهزة الدولة.
وفيما تتواصل الجهود العسكرية في مواجهة العمليات الأجرامية الأرهابية، تطالب اوساط واسعة بالأسراع في تقديم صدام وكبار مجرمي الدكتاتورية الى العدالة، ومعاقبة المجرمين الكبار (مدبري الحروب واستخدام اسلحة الدمار الشامل والمقابر الجماعية .  . )  بتقديمهم الى محاكم عراقية، تحدد المجرمين وتتخذ قراراتها بشأنهم وفق قوانين واعراف البلاد . . من اجل تفتيت فلوله ورفع الغشاوة عن المنخدعين بـ ( احتمالات عودته) التي تعزف عليها قنوات واجهزة اعلامية متنوعة، والأسراع بالتمييز وفرز مجرمي الحزب الحاكم عمّن كان عضواً فيه ولم يقترف جريمة ما او من كان مخدوعاً، على ان يجري تحديد ذلك عدلياً، في ظروف  يؤدي بقاء المجرمين فيها طلقاء، الى انتقام الناس منهم واستمرار دائرة العنف والأحقاد، وفي ظروف تتباطئ فيها عمليات تعويض ضحايا الدكتاتورية من المعدومين والمعوقين والمهجرين قسراً من محلاتهم ومدنهم وبلادهم، بسبب الأنتماء السياسي، القومي، العرقي او الديني والطائفي .
الأمر الذي يتطلب دراسة جادة لمطالب تطبيق اشد العقوبات، بحق القتلة الذين يقتلون علنا وعلى الشاشات الأعلامية، وبحق الذين تسببوا ويتسببون بقتل عشرات آلاف المدنيين الأبرياء والأطفال، اضافة الى مطالب مواجهة الفساد بعقوبات ثقيلة، وخاصة المجرّمين منهم، بتزوير الهويات والجوازات وتزويد فرق الأعدام والأختطاف بها، بعد احالتهم الى المحاكم المختصة وفقاً للقانون وعلى اساس اصلاح النظام القانوني واحترام استقلالية القضاء .  .  في مجتمع عليل تشوّه، يطالب افراده بالأخذ بيده وحمايته وقيادته، وباشراكه وتوعيته بان الدولة ومؤسساتها من حقّها ان تدافع عن نفسها، وتفرض هيبتها انطلاقاً من كونها، جاءت وفق اصول دستورية وانتخابات، وان عليها ان تبرر ثقة الجماهير التي انتخبتها بها، وان الشعب لن ينتخبها من جديد ان لم تحقق له مطالباً على طريق الأمان والرفاه .  .  .  والاّ فان الأمر لن ينتج اكثر مما ينتجه انقلاب عسكري فوقي ابعد طغمة دكتاتورية فاسدة واستبدلها بطغمة جديدة قد لاتختلف عن الأولى او تكون بالنتيجة مماثلة لها !
ويتطلّب مكافحة شبكات الجرائم المنظمة، القتل على الهوية، جرائم الأختطاف والأبتزاز، السرقات الكبيرة والنهب المنظّم .  . الشروع بخطط بناء اجهزة متخصصة لمواجهة كلّ حقل اجرامي من حقول اجهزة الدكتاتورية البائدة ( المقاولات، عقود الملكية المنقولة وغير المنقولة، شبكات ضباط امن الدوائر، المخدرات، الدعارة  .  . ) والعمل على تفتيتها بكل الطرق ووفق خبرات المعاهد الدولية لمكافحة المافيات وبرامجها ووحداتها الخاصة، اضافة الى دور ووسائل الأصلاح .  .  مكافحة المخدرات والدعارة وتجارة الرقيق الأبيض وتهريب السلاح والنفط، والتوصّل الى عقد اتفاقيات على الصعيد الأقليمي والدولي، لتحريم تلك المتاجرات الأجرامية، ومنع اتخاذها كوسائل للتأثير على عمليات حل الخلافات الأقليمية والدولية ومن اجل اطفاء بؤر التوتر، ووضع صندوق من الدول المتضررة (او المهددة بانتشار الضرر اليها) اساسا لتمويل نشاطات المكافحة والأصلاح في تلك الحقول. 
ومن اجل ذلك يؤكّد العديد من الخبراء والمراقبين، على الأهمية الفائقة لأستكمال عملية أنتقال الملف الأمني الى العراقيين، الذين يتطلّب من قواهم السياسية تذليل عقبات تفاهمهم، وتوافقهم لمواجهة والتعامل مع المستجدات الجديدة المستمرة في المنطقة، كنتائج الأنتخابات الأيرانية الأخيرة وتأثيرها على الواقع العراقي اليوم، على سبيل المثال .  . ويؤكدون ان مستلزمات الملف المذكور، اضافة الى كونها عسكرية اقتصادية اجتماعية، هي سياسية، امنية، فنية ودبلوماسية . .
الى جانب الدخول بخطوات ملموسة لتقليل الأعتماد على القوات الأجنبية تمهيداً لجدولة الأستغناء عنها وانسحابها، والوقوف بحزم امام وحساب مخاطر استيطان الأرهاب وحالة الحرب في البلاد او جعلها ساحة تجارب اوحرب لتصفية خلافات وحسابات ومصالح بين اوساط اقليمية ودولية او خاصة، يدفع شعبنا اثمانها دماءاً. الأمر الذي تدفع نحوه جهات متنوعة دولية واقليمية وداخلية، اضافة الى الشركات الخاصة المتنوعة الجنسيات التي تشارك بالعمليات العسكرية بنسبة 1 : 10  من عموم الجهد العسكري، في نسبة فائقة تجري للمرة الأولى في تأريخ الحروب، تشمل الأطراف المساهمة فيها سواءاً عسكرياً، لوجستياً او مالياً، بشكل مباشر معلن او غير مباشر غير معلن . . في ظروف الأزمة المالية التي تعيشها منظمة الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها (3) .
وسعياً على ذلك السبيل، يؤكّد عديدون على الضرورة الفائقة للجهود الرامية الى بناء الموقف الوطني وزيادة ثقله، واتخاذ السياسات والمواقف المناسبة للواقع الوطني العراقي ومتطلباته ومصالحه، الساعية الى حل المهام الوطنية (العراقية)، التي يفرضها منطق ان الشعب صوّت للجمعية الوطنية وبالتالي للحكومة على ذلك الأساس الدستوري. الأمر الذي يتطلّب مبادرة كبار مسؤولي الدولة الى توضيح ماهية المصلحة الوطنية في القرارات التي تصدر بشأن قضايا شائكة، والتي قد تثير حساسية او التباس.
الأصلاح السياسي والفكري
    وفيما يتطلب الواقع تعاون الجميع من اجل عودة الروح وانعاشها في البلاد، والنجاح في مهمة جمع اشلاء الذات البشرية بعد ان أُجبرت على الركون و(على قبول) سلوك الظلم السابق وعلى كبت التحديّ، الذي كان يتحوّل الى انفجارات اجتماعية كانت تنفّس ولم تأتِ ببديل، بعد ان تراجع الفكر الأجتماعي امام حد الظلم الطاغي المنفلت وامام حجم تكنيكه الفائق، وحافظ على حدود لوجود الذات البشرية مرتكزاً على  الأنتماء للأهل والعشيرة والدين والقومية، بدرجة مستوى حمايتها للذات البشرية من تلك المخاطر في تلك الفترة، والذي لايزال فاعلاً رغم سقوط الدكتاتورية، للأسباب المارة  .  . 
الأمر الذي يتطلّب تفعيل دور الأحزاب من جهة، ويتطلّب سعيها هي لأصلاح ذاتها واعادة بنائها، الذي يفرضه ويتطلبه واقع اليوم داخلياً وخارجياً، بعد ظروف تجمّد فيها وضع البلاد عقوداً طويلة جراّء استمرار الدكتاتورية من جهة، وتزايد عنفها ووحشيتها ومناوراتها ونفاقها الداخلي، في مواجهة التغييرات العاصفة التي كانت تهددها والتي سادت العالم منذ منتصف عقد الثمانينات .  . 
الذي تسبب بتزايد حدّة اصرار وتمسّك احزاب معارضة الدكتاتورية، باهدافها التي دعت اليها باسقاط الدكتاتورية وبآليات الوصول اليه سياسياً وتنظيمياً، واستمرّ البناء الحزبي في عمومها يتمحور على الوصول الى تغييرات تؤدي الى تحقيق الهدف الذي دعت اليه وعبّأت به، وازدادت شدة تعبئتها بمبادئها كي تتمكن من ممارسة النضال الذي كان يزداد مشقة وتضحية، ضد ارهاب ودموية الدكتاتورية الوحشية التي كانت تزداد انفلاتاً .  .  في ظل ضعف وانعدام التنسيق الفاعل بينها، الذي فرضه نضالها الصعب الذي ازداد سرية في مواجهة تزايد وحشية القمع . .  اضافة الى طبيعة الأنظمة الموجودة والمؤثرة في المنطقة في زمان دكتاتورية صدام، ومحاولات فرضها بدائل للدكتاتورية تناسب مصالحها هي، وفي الوقت نفسه كانت تتعامل مع الدكتاتورية بموازنات كانت تنسجم مع تلك المصالح اساساً.
وان يكون التفعيل، على اساس انطلاقها من الواقع الحالي والتفاعل معه كي تستطيع الرقي به، وان تسعى لكسب الشباب والشابات اساساً في مجتمع يشكّل الشباب فيه النسبة العالية الفاعلة، لتكون مدرسة يتعلّم الشباب فيها روح الأنشداد للوطن ومحبته اساساً، وفق معطيات الواقع والآمال التي يحملها، ويتدربون فيها على ماهية الممارسة الديمقراطية، ومعاني رفض العنف والتطرّف والدفاع عن حق البشر بالعيش بسلام وامان، ومعاني حقوق المرأة امّاً واختاً وزوجة وابنة ورفيقة نضال وحياة وكفاح مشترك من اجل سلامة العائلة والطفل ومن اجل مستقبل افضل للجميع، كما في شعوب العالم المتحضّر .  .  وان تتقبّل الأفضل  من ابناء المجتمع الذي ظُلِم وتشوّه وعومل بقساوة لامتناهية، على اساس بدء صفحة بيضاء جديدة في الحياة الجميلة التي شوهها الدكتاتور وشوّههم فيها، وان تعمل بنشاطها ومُثُلها ومبادئها وممارساتها الى اعادة تربيتهم من خلال النشاط والأشراف عليه.
بعد ان تشوّه مفهوم الأحزاب في المجتمع، سواءاً بالسلوك الهمجي الدموي للحزب الحاكم وسعيه المتنوّع لتحطيم الأحزاب .  . او بسلوكه المشين الذي شوّه مفهوم ودور الأحزاب في المجتمع، والذي جعل اوساطاً واسعة اليوم تتصوّر ان الحزب هو المؤسسة التي تقدّم المال والوظيفة والسكن والحماية لمنتسبيه، وليس مشروعاً لأصلاح وتطوير المجتمع وضمان حقوق المواطنين فيه وتحديد واجباتهم تجاهه، بالتعاون مع احزاب الفئات والطبقات ذات المصلحة الأخرى .  . كمشروع لحياة ومجتمع افضل، يوفّر العمل والضمان والصحة والتعليم  .
اضافة الى واجب الحكم الجديد في دعم نشاط الأحزاب والمساعدة على تنظيم تنافسها بعيداً عن العنف لتقوم بدورها التوجيهي ولتفعيل الأرادة الشعبية، باعتباران الأحزاب هي الأدوات الأجتماعية المعروفة والمجربة في المجتمع سواء كانت في النضال قبل الدكتاتورية اوفي معارضتها، التي اضافة الى كونها تشكل تاريخ وتراث المجتمع في مواجهة الأستبداد البائد، فانها تشكّل امتداداً طبيعياً له لمواجهة الفكر الأصولي السلفي العدمي الأرهابي المتنوّع الداخلي والوافد، الذي يحاول اثارة الفتن الطائفية من جهة، ومن اجل بناء مواجهة ناجحة لتحديات بناء الدولة الحديثة، تنسجم مع متطلبات بناء دولة المؤسسات الفدرالية البرلمانية الحديثة ووجهة تطوّر دول العالم، من جهة اخرى .
فالأحزاب تحدد القضايا العامة، وتشحذ التحاور وتبدد الالتباس بين التيارات المتنازعة، التي بنشاطها العلني تتوضح هويتها، وتتوضح الأحتمالات للجمهور وتساعد على تبصيره بالسياسة، في وقت يرى كثيرون فيه ان لا ديمقراطية في الواقع الحديث من دون احزاب سياسية، رغم مهاجمة البعض لنظام الأحزاب، ووصمه ايّاه بكونه عامل انشقاق واضطراب يهدد السلام الاجتماعي، ناسين او غير مدركين تشويهات الدكتاتورية لمفهوم الحزب من جهة، وكون ان اكبر الأخطاء والنواقص التي حدثت في نشاط الأحزاب لم بكن يكمن في اختلافها، بقدر ما كان يكمن في سيادة منطق العنف ولعدم وجود قانون للأحزاب، وعدم وجود ضمانات قانونية تحمي وتصون حق جميع ممثلي الطبقات والقوميات والفئات الأجتماعية في تكوين احزابها والدعاية لسياستها ومبادئها من جهة اخرى. وفي وقت تعتبر المعارضة فيه، أمراً ضرورياً ولا بد منه،  للتوصل الى افضل الحلول لبناء وترصين مجتمع مدني ديمقراطي .  . 
وفيما تتطلّب المرحلة الجديدة نقل المجتمع الى مناخ جديد يحرّم العنف، فانها تحتّم على الأحزاب والفعاليات الوطنية، ان تتفق اكثر على اساس التوافق وتغليب الصالح الوطني الواقعي، والتناقض الوطني الرئيسي على الثانوي من اجل العمل كتفاً لكتف معاً، وعلى ان لاتتجاوزاختلافاتها سقف مصلحة البلاد العليا، الذي يتمحور على ابعاد البلاد عن مخاطر توطّن الحرب، نشوب حرب اهلية، عدوان، خسارة ثروات البلاد، وتجنيبها اندلاع فتن كبرى طائفية كانت او قومية، دينية او سياسية وغيرها .   . 
في وقت تعبّر فيه اوسع الأوساط عن الفرح بقرار الجمعية الوطنية المنتخبة الذي اعتبر حزب البعث حزباً ارهابياً فاشياً وحرّم التعامل معه، باي رداء ارتدى او باي صيغة كانت توفّرها صياغة البعث الأنتقائية المتلوّنة .  . اشتراكي في زمن شيوع الأشتراكية، (اسلامي) وطائفي متعصّب في زمن مخاطر التحريفية الأسلامية الأصولية، السلفية، الأرهابية، عشائري في سعيه لركوب المؤسسة العشائرية وقيمها الأنسانية .  . الأرهابي الشوفيني الثابت .
من ناحية اخرى، يدعو كثيرون الى ضرورة الأصلاح الديني، وضرورة دعم النشاط الهادف الى تقريب علماء الدين وجهودهم في التحديث ومن اجل برامج واهداف ملموسة لأغراض الرقي بالمجتمع وتخليصه من الأدران العالقة، بالحوار الديني ـ الديني، حوار الأديان والطوائف والحوار الديني ـ العلماني .  .  من اجل عدم الأنجرار الى الفتن الطائفية، التي تحاول اثارتها جهات متنوعة داخلية وخارجية، لأهدافها المتنوعة، التي لايروح ضحية لها الاّ العراقيين رجالاً ونساءاً من كلّ الأطياف .
انهم يطالبون بالمباشرة بتخطيط وتطبيق خطة ثقافية ـ اعلامية تهدف الى ؛ خلق وتحسين الحوار، القضاء على الألغاء والأقصاء، تعرية مخاطر الفكر الشمولي سواء كان دينيا ام علمانيا، الدعوة الى العقلانية، توضيح مبادئ واهداف التسامح، مناقشة اشكال ترابط العقلانية والقيم وماهية الترابط الذي تحتاجه البلاد، اضافة الى الحوار الضروري لترويض الفكر والوعي، ولتنظيفه من قيم الدكتاتورية والحروب والأرهاب والعنف.
وبدعم وضمان حرية وتعدد الأعلام واستقلاله، ورعاية وتطوير مباراته ( جرائد، دوريات، قنوات تلفزيونية، سينما ومسرح وتشجيعه مالياً وسياسياً، والأهتمام الجاد بوزارة ودور الثقافة واعتبارها  احدى الوزارات الأساسية التي تعالج ركناً اساسياً هاماً من اركان المرحلة والمجتمع. والتصدي الى الأعلام الهابط والمدفوع، واتباع كل الوسائل القانونية لأيقافه وسمومه عند حده. الأمر الذي يشكّل الركن الفاعل الذي لايستغنى عنه، في اطار الجهود المبذولة، لأيجاد حلول للمشاكل المعاشية، اضافة الى تشجيع النشاط الهادف للشباب و محاربة الأنغلاق والتقوقع على الذات، وتشجيع نشر المعارف ومكونات الثقافة، من ادب وعلم وسياحة وحرية فكر، وتعضيدها مالياً ودعمها قانونياً .  .  من اجل التغيير المنشود .
   ومن اجل انجاح الجهود المتنوعة الرامية الى صدّ مخاطر نشاطات جهات داخلية واقليمية ودولية، تتسبب بسلوكها واخطائها او تحاول الأبقاء على منطق العنف والجريمة الموروث من الدكتاتورية الكريهة، لتنفيذ غاياتها واهدافها، سواءاً بالسيطرة على البلاد او بجعلها مسرح حرب دائم او حزاما امنيا لوقاية امنها الداخلي هي من جهة، او تحقيق اهداف ومصالح سواء كانت تكتيكية او ستراتيجية بعيدة المدى، مدركة او غير مدركة مخاطر تسرّب ذلك اليها (4) .  .  الأمر الذي يتسبب به الأرهاب الأصولي وتأثيراته من جهة، ويتسبب به التباطؤ والتلكؤ وضعف توافق وتنسيق قوات التحالف والقوى الوطنية الفاعلة، من جهة اخرى . الذي يتسبب باحباط ويشلّ فرح الأوساط الشعبية الواسعة التي فرحت بسقوط الدكتاتورية، ويحيله الى الحنين اليها ؟!
   في ظروف دام حكم الدكتاتورية الشمولي الدموي فيها، خمسة وثلاثين عاماً مارس طوالها فعله الأجرامي على اللاوعي ( الذي تعرىّ وصار متلقياً سلبياً بفعل الأرهاب والرعب .  .  فتشوّه) (5)، ثم سقوطه الذي جاء بالحرب والأرهاب منذ عامين، الأمر الذي يشكّل خطراً هائلاً على اعادة بناء البلاد، ينبع من الخزين السلوكي والأخلاقي، الذي يهدد اعادة بناء البلاد بمخاطر الألتفاف عليها وتحريف تطبيق القوانين الجديدة، بسلوك ولاوعي وشكل فهم ولد من شيوع نمط وسلوك التركيبة الأجتماعية المشوهة ومفاهيمها للقوة والشدة، وصعوبة فهمها للتسامح وتفريقه عن الضعف، في مجتمع ليس جاهل ولاغوغائي وانما مريض ويعاني من التشوّه .  . 
اضافة الى مخاطر تأثير آلية حكم وحاشية وسلوك تعاملت به الدكتاتورية من موقع الحكم وزرعته في اللاوعي، الذي يهدد من يمارس المسؤولية الآن باستحواذه عليه، كصورة لـ ( حاكم استطاع ان يحكم العراق الصعب خمسة وثلاثين عاماً، واستطاع خلالها ان يهزّ المنطقة والعالم ويهزأ بهما ؟! ) .  .  ان لم يحترس ذلك المسؤول، ولم يهتم بتطوير علمه وثقافته، ولم يسمع لآراء المخلصين، وان لم تشبع المؤسسات؛ دولة، برلمان، هيئات حزبية وسياسية، اعلامية وثقافية، علمية ومهنية بصلاحياتها وحرياتها، كلّ في مجال نشاطه وواجبه ودوره، في اطار معقول للواقع وسبل النهوض به . 
   وفيما تحاول فئات متنوّعة داخلية وخارجية، بارهابها واجرامها، او بدعمها له، منع صياغة دستور ديمقراطي توافقي يؤسس للمجتمع الجديد المنشود، وتحاول فئات وقوى فرض وجهتها وصياغتها عليه .  . يؤكّد كثيرون على ضرورة خلق اجواء ملائمة لكتابة الدستور الدائم، وان المهم هو ليس الدعوات الى حياة دستورية لوحدها .  . وانما الشروع باعمال واجراءات ملموسة تحس الناس فعلاً بفوائدها وتلمس من خلال تطبيقها تحسناً فعلياً في حياتها القائمة الآن، من اجل توفير قناعات لأوساط جديدة ولأوسع الأوساط، بدورها وجدواها وبالتالي جدوى واهمية الجهود المبذولة لأعداد الدستور، الذي خاضت الجماهير الأنتخابات بكل اطيافها متحدية الموت والأرهاب من اجل تعبيد الطريق اليه .
   بعد ان اثبتت بمشاركتها في الأنتخابات وبتحديها الموت والأرهاب، على تأكيدها على رفض الدكتاتورية، وعلى خيارها بالحكم البرلماني التعددي الفدرالي، وتنتظر همة وجهوداً اكبر في سبيل الأسراع في تحقيق الوحدة الوطنية على اساس قانون الدولة للمرحلة الأنتقالية النافذ، الأمر الذي يسرّع في بناء القدرات المسلحة الوطنية، ويسرّع في جدولة انسحاب القوات الأجنبية .
   وبعد انتخاب الجمعية الوطنية للشخصية الكوردية المعروفة السيد جلال الطالباني رئيساً للجمهورية، في انجاز خطوة هامة في تساوي المواطنين على اختلاف اطيافهم في الدولة وبالتالي في شغل مناصبها استناداً الى معايير الكفاءة، ثم انتخاب المناضل السيد مسعود البارزاني رئيساً لأقليم كوردستان في خطوة هامة لتقوية وتشذيب بناء البيت الكوردستاني .
   اضافة الى تأكيد كثيرين على تسليح اوساطٍ وفئات جماهيرية اوسع ضمن خطة واضحة، وخاصة التي جُرّبت منها في النضال ضد الدكتاتورية وبمواقفها المخلصة بعد سقوطها، بشكل مؤقّت في اماكن يجري تحديدها وحركتها وفق الضرورة، من اجل تحقيق نجاحات اكبر في مكافحة الأرهاب، ومن اجل ضمان حصره اكثر، بعد ان بدأت معالم الطريق تتوضّح اكثر لفئات اوسع، وبعد ان انفضحت اهداف الأرهاب الدموي واستهدافه المدنيين اساساً وسعيه لتوسيع واثارة فتنة طائفية يجري التخطيط لها .  . وان يصرف راتب لها .
وفيما يثير العديد من السياسيين والأقتصاديين ورجال الخبرة الأنتباه، الى اهمية الشروع وحيثما امكن بعمليات الأصلاح الأقتصادي وتشجيع الأستثمار ونمو الفئات الوسطى ودعمها (تحديدها) قانونياً وسياسياً ومالياً  بالقروض والمنح على اسس قانونية، نحو التأسيس الى دورة اقتصادية وطنية تحقق نوعاً من الرخاء المادي والرفاه لعموم المجتمع .  .  .  كأساس لابدّ من الشروع به من اجل التقدم الأجتماعي والحضاري، ومن اجل فتح الطريق لتمثيل ممثلي الفئات الوسطى السياسيين، اضافة الى ممثلي التكنوقراط وذوي الكفاءات والفئات الواسعة من المستقلين وغير المنتمين على اساس الكفاءة، وممثلي منظمات المجتمع المدني الناشئة والأبداعيين واصحاب المهن والطلبة والشباب وتعزيز تمثيل نشيطات العمل النسوي .  . الضروري لتوازن وثبات الديمقراطية البرلمانية المنشودة .
يثير آخرون الأنتباه، الى الأهمية الكبرى لتشجيع عودة الكفاءات الوطنية من الخارج، وتشجيع عودة المغتربين وتعويض من هُجّر او اجبر على الهجرة، على خساراته المادية والمعنوية والمهنية، اضافة الى الأسراع في اعادة تاهيل (او ايجاد حلول) لمن أُجبر على ترك مهنته وممارسة شغل آخر، المعوقين الجسديين والنفسيين، وتعويضهم، بقوانين ومؤسسات تسن وتُنشأ لتلك الأهداف .
وفي الوقت الذي تشير التجارب الدولية السابقة، اضافة الى المعاهد المتخصصة بشؤون اعادة البناء بعد الحرب (6)، الى ان القضية الأساسية في مرحلة اعادة البناء هي القضية السياسية اساساً والسعي لتوفير مستلزماتها التي رغم كلّ تعقيداتها وتشعّبها، لابدّ منها ولابدّ من الألتزام بخطة لذلك يجري الألتزام بمواعيدها للأنتقال الى الحياة الدستورية.
 يرى آخرون ان القضية الأساسية الآن في بلادنا هي خلق مناخ يلائم عملية التهيئة وصياغة مسوّدة الدستور، لتحقيق النجاح في المراحل الأولى من اجل التأسيس الجديّ للدخول في الحياة الدستورية،
بالبدء بقضية الأمن ومواجهة الأعمال التخريبية المتنوعة، التي تحاول اعاقة المرحلة بتهديد ارواح المدنيين رجالاً ونساءاً واطفالاً، وحرمان العاصمة بغداد من الماء والكهرباء في هذا الصيف الحار، في محاولة لزيادة عذاب ومعاناة الشعب .  .
   الأمر الذي يتطلّب، الحفاظ على ماتحقق وتوسيع وتفعيل وحدة القوى العراقية على اختلاف اطيافها، وضم قوى جديدة اليها على اساس قانون الدولة للمرحلة الأنتقالية الساري المفعول وبنوده التي اتفقت عليها، الذي يحاول البعض التراجع على ماتمّ الأتفاق عليه من عدد منها  .  .  والوقوف بحزم امام خطر تفشي الطائفية البغيضة الذي اخذ يزداد ويثير مخاوف اوساط واسعة بعد سقوط الدكتاتورية. والسعي للتحرر منها بالأبتعاد عن الجمود على اساس المحاصصة وعن التعامل على اساس الطائفية، التي تسعى (المقاومة الشريفة) الى جرّ البلاد اليها، اضافة الى ما يجرّ الفساد والسلوك الخاطئ  لبعض الجهات والأفراد اليها، سواء كانت عراقية، اقليمية او دولية  .  .  شاءت ام ابت . (انتهى)

مهند البراك         
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع مقابلة رئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني مع مجلة " ديرشبيغل" .  . حول مشروع الجنرال غاي غارنر، عدد 26 / 2005 في 27 . حزيران من العام الجاري .
2.   " مخاطر اعادة بناء الأرهاب من الخارج" غريغ وايتنلوك / الواشنطن بوست
3.   راجع : " الأموال المبذولة من اجل السلام " ، الوثائق السياسية الفرنسية ـ الكندية لعام 2004،  ملف الكونغو وعلاقة الملف الأفريقي بملف العراق، باللغات الأنكليزية، الفرنسية والألمانية .    دوريات المعهد الدولي لمراقبة التسلّح، هامبورغ / ستوكهولم لعام 2004 / 2005 .
4.   راجع (2) .
5.   راجع منشورات ودوريات المركز الأعلامي الطبي الألماني، " المخاطر السايكولوجية للفاشية على المجتمع" ، 1996 / " الخوف يعريّ اللاوعي البشري ويجعله متلقياً سلبياً " ، المركز الأجتماعي الأتحادي لتعويض ضحايا الفاشية، 2001 .
6.   راجع وثائق الأرشيف الألماني، عن تجربة المانيا بعد الحرب العالمية الثانية، بعد سقوط جدار برلين / وثائق تجربة اعادة البناء في بوزنيا، كوسوفو، لعام 2003 ـ 2004 .

مراجع :
ـ راجع تقرير التنمية الأنسانية العربية لعام 2004 ، لأغناء الموضوع.

(*) نشر في مجلة " الرؤية " العدد التاسع / مؤسسة حمدي للطباعة والنشر .[/size]

318
صياغة الدستور والأخطار المحدقة !
[/b]
      
د. مهند البراك

   صوّت الشعب العراقي في انتخابات الجمعية الوطنية الأنتقالية، نساءاً ورجالاً، في الداخل والخارج، في المدن والقصبات والقرى، وتحزّم حتى المرضى والمقعدين والمعوّقين لأداء ذلك الواجب .  .  مواجهين اخطار واوضاع مقلقة رهيبة، استهانوا بها وتحدوا ّ الموت وقدّموا شهداءاً جدداً.  . من اجل ايصال الصوت لقيام دولة المؤسسات الفدرالية البرلمانية الديمقراطية، الذي كان قد صار شعاراً رفعته كلّ القوائم الأنتخابية وتحدّث وحرّض ووعد به كلّ المرشّحون.
   ورغم السكوت على مضض بسبب النواقص والثغرات التي رافقت العملية الأنتخابية وتقبّل نتائجها .  .  الاّ ان حماس الناس اخذ يضعف، بعد ان تأخّر اجتماع الجمعية الوطنية وتأخّر تشكيل الوزارة الأنتقالية وتصاعد الأرهاب، واستمر انقطاع الكهرباء والماء واستمرت المعاناة من البرد بسبب ازمة المحروقات في الشتاء، والمعاناة من شدة الحر بسبب انقطاع الماء والكهرباء في الصيف .  . على ارضية من استمرار التسرب من الحدود، تزايد المخدرات،واستمرار غلاء الأسعار وتصاعد الضائقة المعاشية رغم بعض الجهود التي جرت للتخفيف منها.
   لقد سكتت اوساط غير قليلة عن نواقص وثغرات وتجاوزات واعتداءات جرت خلال العملية الأنتخابية، على اساس ان العملية الأنتخابية  ستتطوّر بتطوّر العملية السياسية وفعالياتها وبالنشاط السياسي والفكري الذي سيطوّر الوعي، وعلى اساس ان الأنتخابات شكّلت التحدي الأكبر لعصابات الأرهاب والنشاط الأصولي وفلول صدام .
   الأمر الذي ادى الى فوز قائمة الأئتلاف بالأغلبية النسبية، القائمة التي تشكّلت من تجمع متنوّع لقوى دينية اسلامية متنوعة الأهداف والطموح والأصول، ولقوى علمانية شيعية، اضافة الى شخصيات من قوميات ومذاهب اسلامية غير شيعية، طرحت نفسها كمستقلة فيها .  .  بعد ان نشطت في الأنتخابات على اساس كونها تحظى بدعم المرجع الديني الكبير السيد السيستاني، في سابقة لم تتوضح ولم يُبت بها وبآليتها لحد الآن، وبقيت عرضة للتقدير والأجتهاد، في وقت توضّح فيه ان القائمة كانت تحصل على دعم ثابت ومدروس من الدولة الأسلامية الجارة.
   من جهة اخرى، افرز فوز الأئتلاف ذلك في ظروف تصاعدت فيها العمليات العسكرية والأرهاب والأجرام من جهة، وجرت فيها مساومات سياسية ضرورية ونوع من توافق من جهة اخرى .  .  افرز حالة من انفراد قائمة الأئتلاف في تقرير كثير من الأمور، سواءاً في المنطقة العربية من البلاد او في مركز الحكم، ادّت الى تشكيل حكومة من القائمتين الكبيرتين فقط، اخرج تشكيلها عن القاعدة التي جرى التعامل بها باتفاق كلّ الأطراف حتى ذاك .  . قاعدة التوافق والوحدة الوطنية، في ظروف ازداد فيها انشغال التحالف الكوردستاني بترتيب بيته وبامور الأٌقليم الذي واجه ويواجه صعوبات وتعقيدات داخلية واقليمية ودولية متنوعة.
   الأمر الذي اخذ يتطوّر اكثر في ظل استمرار تعقّد الظروف الأجتماعية، الأقتصادية والعسكرية الداخلية والأقليمية والدولية من جهة، وفي ظل اتخاذ القرارات في غرف مغلقة ووصل حد محاولات تمييع مشكلة كركوك وعدم الأهتمام بتطبيع الأوضاع فيها وفق المادة 58 من قانون الدولة للمرحلة الأنتقالية الذي وافقت ووقعت عليه كلّ الأطراف، بل ووصل الأمر بعدد من اطرافها (اطراف قائمة الأئتلاف) الى محاولة الألتفاف على النظام الفدرالي، التي يصفها البعض بانها قد ابتدأت منذ عدم ذكر الفدرالية في القَسَم الأول للحكومة الأنتقالية، الذي لم يكن مصادفة ابداً بتقديرهم.
   حتى وصلت الأمور الى محاولة الأنفراد بامرار قرارات اساسية هامة في الجمعية الوطنية غير مبالية بحضور ممثلي الكتل والقوى البرلمانية الأخرى او عدم حضورهم لجلسة الجمعية الوطنية تلك، في سلوك لايمكن وصفه باي حال، بكونه حريص على توافق او وحدة وطنية .  . 
ووصلت حداً يثير قلق اوساط كثيرة في محاولته المكثّفة لتغيير اسس قانون الأنتخابات، في محاولة قد يحق لعدد في وصفها بكونها لرسم ان التوافق، هو التوافق المتحقق في قوى قائمته (قائمة الأئتلاف) وتحت خيمتها !! وسط تصريحات متواصلة لرئيس الحكومة الأنتقالية السيد الجعفري بان الصعوبات الكبيرة التي تواجهها حكومته في ادائها، تنبع من كونها تضم اطرافاً غير موحدة ؟!
   الأمر الذي يثير القلق اكثر، كون ان ذلك يجري في ظروف تتزامن مع طرح وتسريب مسودات لدستور دائم لايمكن وصفه الاّ بكونه يرمي الى تأسيس نظام اسلامي على اساس ولاية الفقيه او يفتح الطريق اليها بشكل تدرّجي، يصفها كثيرون بانها تُمارس عملياً من جهة، ومن جهة اخرى تدفع اليها التطورات المتناقضة والمتسارعة الحادة التي تشهدها البلاد والمنطقة، رغم التصريح بعدم وجود تلك الوجهة .  . في ظروف اقل مايمكن ان يقال فيها انها لاتمثّل طموح ومصلحة الشعب العراقي باطيافه ولاتتناسب مع عظم تضحياته ولا مع تأريخه وجغرافيته، التي جرى التعبير عنها في قانون الدولة للمرحلة الأنتقالية .
   ويشير كثيرون الى ان ذلك يجري على اساس توظيف محنة الشعب العراقي وآلامه وامراضه التي يعاني منها نتيجة لحكم دكتاتورية ارهابية وحشية دام خمس وثلاثين عاماً، اضافة الى الظروف الأستثنائية التي يعيشها جراّء الأرهاب الوافد والأصولي، ومن عدم تجاوب دول الجوار بالمستوى المطلوب، واعتبارها كما لو كانت واقعاً دائماً وسمة ثابتة للمجتمع .  .  وسط تفاقم اثارة وتزايد الجنوح الى الطائفية البغيضة وتشجيعها باساليب شتىّ من جهات متنوّعة، والتي اخذت تمس وتسوّف حتى عدد من قرارات هيئة اجتثاث البعث، على اساس طائفي . 
   ويعبّر كثيرون عن مخاوفهم من ان ذلك قد يؤديّ الى تأسيس وضع يؤدي الى حكم شمولي طائفي آليّاته الشمولية قائمة وموجودة سواءاً في المجتمع وامراضه او في سلوك عدد من الشخصيات الأسلامية الجديدة او المحسوبين عليها او المنضوين تحت رايتها من الذين يجيدون المساومة للوصول الى ذلك الهدف، الذي تدفع اليه الأحداث الجارية وشعاراتها ومنطقها، رغم انجاز مرجعية السيد السيستاني في فرملة الأحداث وتقليل سرعة التدهور نحو الصراع الطائفي الأكثر دموية لحد الآن .  . 
ولكن من يضمن الغد في ظروف يجري النفخ فيها بانواع المعوقات لأعاقة الأتفاق على صياغة وثيقة الدستورالأمر الذي بالتالي سيعرقل عملية التصويت عليها، رغم الأتفاق الذي جرى على احكامها الأساسية الواردة في قانون الدولة للمرحلة الأنتقالية، من قبل كلّ الأطراف المعنية .
   ويعبّر كثيرون من جانب آخر على مخاطر تتصاعد تتهدد بتصدّع وحدة البلاد وانقسامها الى ذات الأجزاء التي انشأ عليها مجلس الحكم السابق وثبّتها باسلوب الحصص الذي تجمّد واخذ يزداد استقطاباً بدل التفاعل بفعل كل الظروف المارة الذكر وغيرها. او مخاطر تحوّلها الى مسرح عنف وصراع دموي دائم نتيجة للضغوط الرامية في النتيجة الى اتخاذ البلاد كحقل تجارب من جهة، او لجعلها مصدّة تبعد الأخطار عن عدد من ابرز الجيران، لايدفع الاّ الشعب العراقي برجاله ونسائه واطفاله وشيوخه، اثمانها دماءاً تزداد غزارتها ! 
   ان القوى العراقية المحرّكة والأساسية مدعوّة وبشكل عاجل الى العمل على صيانة سفينة البلاد في صراعها وتعاملها مع القوى الأقليمية والدولية، التي قد لاتتطابق مصالحها ورؤاها مع مصالح ومصير اهل البلاد ذاتها كما يعلّم التاريخ الذي لم ينتهِ، في وقت تفرض الضرورة فيه التذكير بان اهتمامات القوى الدولية (والأقليمية) تنطلق في العادة من مصالحها ورؤاها، التي لخّصها ونستون تشرشل احد ابرز قادة الغرب التاريخيين بـ " ليس لدينا اصدقاء ثابتون، لدينا مصالح ثابتة " ! 
   ان القوى العظمى تحاول في العادة انجاز خططها ومهامها الآنية بأقل الخسائر سواءاً بالأرواح او بالتكاليف، وتحاول ايجاد اي نوع من الأستقرار حتى ولو مؤقتاً او بالشكل الذي يحقق لها ماخططت له من زاوية رؤيتها ومصالحها، على حد تعبير ابرزمسؤوليها وممثليها ومفكريها والمستمر بالنشر في صحافتها واعلامها .  .  الذي على الجانب الوطني العراقي حسابه كواقع يجري .
اي انها تحاول ان تحل اهدافها بضربة واحدة قابلة للتغيير التكتيكي او باقصر فترة ممكنة(1)، الأمر الذي قد لايتفق مع وتيرة وسبل واقع مسيرة البلاد  .  .  في ظروف يتوضح فيها يوماً بعد آخر ان وحدانية القطبية لم تحسم بعد، وتزداد احتمالات السير نحو عالم متعدد الأقطاب .
   ان القلق يزداد من اخبار واشاعات تفيد عن احتمالات تساوم (2) الكتلتين او القائمتين الرئيسيّتين
في الجمعية الوطنية بتأثير ضغوط اقليمية ودولية ـ لم تنقطع عن التواصل والتصاعد ـ ، قد تؤدي الى تحقيق اتفاقات بديلة عن الأحكام الأساسية لقانون الدولة للمرحلة الأنتقالية  .  .  تقود الى القبول بنظام اسلامي (معتدل) شفهياً وموثق دستورياً ! الأمر الذي قد يسد الطريق على قيام نظام فدرالي برلماني تعددي حقيقي .  . ويقطع الطريق على التطور الديمقراطي للبلاد وعلى الحقوق العادلة للشعب الكوردي وعلى طريق تساوي المواطنين على اساس المواطنة ومهما اختلف الجنس .
 
6 / 8 / 2005 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   راجع تصريحات الجنرال تومي فرانكس قائد القوات الأميركية وقوات التحالف عشية اعلان الحرب في نيسان 2003، البحوث الصادرة عن السيد هنري كيسينجر وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، رئيس مؤسسة كيسينجر للأبحاث، مواضيع حول العراق، لعام 2004 .
(2)   رغم مشروعية التساوم والتوافق، كعمل سياسي .   
   [/size]

319
 
  في اسباب التشوهات الأجتماعية في العراق وسبل الأصلاح !
                       4 من 5
                  
   [/b]


د. مهند البراك


تأثيرات العواصف العالمية
   في العقد الأخير من القرن الماضي، وفي الوقت الذي كانت فيه جماهير واسعة في اوروبا الشرقية تعيش فرحاً اثر تداعي الأتحاد السوفيتي السابق ونظامه الشمولي ومنظومته الشرقية التي تحجّرت، وكانت تتطلع بفضول الى الآفاق الجديدة التي كانت ترى انها تتفتح امامها، بعيداً عن النظريات والدراسات الرمادية .  .  كانت اوساط سياسية كثيرة في البلدان النامية تنظر بقلق الى مصير بلدانها وحركاتها التحررية والسياسية وآفاق وجدوى نضالها وراياته وخطاباته. بعد ظرف دولي انتهى كانت فيه غالبية حكوماتها تعيش على التوازن بين القطبين الأعظمين . .  معتمدة على سياسات واجهزة كثيرة التنوع والسرية لتأمين موقع افضل لها من ذلك التوازن.
   في ظرف كان العراق النفطي الغني فيه ليس بلداً اعتيادياً من البلدان النامية الكثيرة التي تملأ الأرض، حيث اضافة الى نفطه، يقع العراق ذو الطاقة البشرية العلمية التكنولوجية العسكرية، والقومية الدينية الثقافية السياسية، في قلب مكوّنات العالم النفطي الصناعي المالي .  .  سواءاً جغرافياً وتأريخياً او مرحلياً وهو الأخطر، حين ارتبط  ترابطاً عضوياً باقطاب المال والسوق السوداء والأرهاب.
في مرحلة تضخّمت فيها الأقطاب السوداء وسجّلت تفاقماً رهيباً في حجم التبادل الأقتصادي العالمي، اثر انهيار المعسكر الأشتراكي السابق وملحقاته وشيوع مرحلة اضطراب وتداخل وعدم استقرار وتقلبات، لأعادة اصطفاف القوى العظمى التي دخلت في مرحلة اعادة تنظيم حساباتها ومصالحها في ظرف بدا وكأن قوة عظمى وحيدة منها اصبحت هي القطب الأعظم بلا منازع في العالم .   
وبعيدا عن التقييمات الفكرية والنظرية، بدأت حقيقة انهيار قطب عالمي من القطبين المتنازعين بتوازن، المنتشرين في كل بقاع العالم بانواع المصالح والأعمال والمشاريع، تظهر بكل مضاعفاتها وآلامها ايضاً، سواءاً في دول المحيط او في المراكز الأقتصادية السياسية الدولية .  .  ففي الدول الكبرى والصناعية، ظهر مئات آلالاف من العاطلين عن العمل اثر تسريحهم من الجيوش بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة. بعد ان  حلّت غالبية المؤسسات العسكرية في اوروبا الشرقية، وشاركتها المصير مثيلاتها التي تقابلها في اوربا الغربية واميركا، من التي اصبح لاداعٍ لها، ورمي ملايين من العمال والفنيين العسكريين والجنود ‏الى الشارع  .  .  لقد انتهت الحرب الباردة وانتهى زمان التحدي المتبادل وعرض العضلات!!  في ظروف اتّسمت من جانب آخر بالغاء عدد كبير من المؤسسات والمنظومات العسكرية الصناعية والفنية والتكنيكية بوحداتها وشبكات دوائرها، بسبب الثورة التكنيكية المعلوماتية العاصفة وظهور انظمة الأدارة الجديدة، التي اخذت ترمي بملايين اخرى من العسكريين وذوي اختصاصات متنوعة صارت قديمة، الى الشارع ايضاً .
وفيما ادىّ انهيار وغياب حلف وارشو الى زوال الستار الحديدي بين الشرق والغرب، فأنه ‏ادىّ الى تشابك وبالتالي تفاعل وتقارب مصالح مجاميع كبيرة من العاطلين عن العمل من ‏عسكريين وشبه عسكريين ( من ذوي مهن العنف على انواعها ومن مختلف الرتب والدرجات) من الجانبين، ممن حلّت مؤسساتهم وانتهت مشاريعهم التي كانت تتعلّق بالحرب الباردة، اضافة الى ظهور مصالح جديدة لعشاق  العنف والمغامرات في غرب وشرق اوروبا واميركا، الذين اخذوا يبحثون عن آفاق واعدة كانوا يرون انها تتفتح، لتحقيق ارباح جديدة ومن اجل مضاعفة ارباحهم في الظروف الجديدة، وبآليات كثيرة التنوّع جرى تبنيّها لأنها تحقق اعلى الأرباح .‏
لقد قدّر الخبراء العسكريون الدوليون، ان عدد العسكريين المسرّحين اثر سقوط جدار برلين عام ‏‏1989 من الشرق والغرب، وصل الى حدود 7 سبعة ملايين. فعلى سبيل المثال، لم يبق من الجيش السوفيتي الذي كان يشكّل الموازن الأعظم لقوة الولايات المتحدة وكلّ ‏الغرب، سوى بقايا صغيرة في الخدمة .  .  اضافة الى ان جيوشاً ضاربة كبيرة قد حلّت بأكملها، كجيش المانيا ‏الشرقية مثلاً. ومن جهة اخرى اصبح تعداد جيش المملكة المتحدة، اقل بمقدار الثلث من ‏تعداده في زمن الحرب الباردة، من الجنود الذين يلبسون الملابس العسكرية النظامية. وحتى الولايات المتحدة ‏الأميركية، القوة الأعظم الوحيدة اليوم، اخذت تقف بحدود نصف عدد منتسبيها السابق، وصارت تتكوّن من 1.4 مليون ‏جندي، شكّلوا قوّتها الضاربة آنذاك (1) .  .  وقد اخذت غالبية هؤلاء تعيش ( او تحاول ان تعيش) حياة مدنية، الاّ ان عديد منهم لم يكونوا يتقبّلوها بسهولة، وكانوا يرون انهم قادرون على القيام بفعل وجني ارباح كبيرة من كثير من الأعمال بدل البطالة والخوف من شبح الموت جوعاً.
وفيما بدأ يعرض الجنود والمراتب الممتهنون والعسكريّون المسرّحون خبراتهم (الفنية العسكرية) في سوق العمل من اجل تحقيق ‏مكاسب وارباح كبيرة رأوا انها ممكنة التحقيق، من خلال الشركات الأهلية للحماية والأمن، التي كانت تتشكّل وتتكاثر بسرعة مذهلة . " بضعة ارقام للأتصال التلفوني، تكفي لتحريك واثراء اولئك ‏الشباب"(2) . . اخذت مجاميع كثيرة تنضم الى السوق السوداء لتحقيق اعلى الأرباح بازمان قياسية وللتعويض (عمّا فاتها)، خاصة وان لديها امكانات غير قليلة في صنع الجريمة او التفاهم معها بدل مكافحتها ! .  .  في مرحلة شهدت اهتزاز منظومات قوانين ومفاهيم، واختفاء وظهور دول، اضافة الى ضياع وتفكك منظمات وحركات تحرير مسلحة او اعادة اصطفافها من جهة، ومن جهة اخرى ظهور طموحات لتكوين دول جديدة ومشاريع جديدة لها، معها (اوضدّها) .  . 
الأمر الذي ادىّ الى تسرّب مئات الآلاف من المناطق الملتهبة بالحروب والعنف في العالم بسبب تلك الأهتزازات وبسبب الخوف والقلق من اعادة تنظيم القوى والأصطفافات التي كان قسم غير قليل منها حاداً، وخاصة من الشرق والجنوب .  . الى حيث الأستقرار. وفيما طمح قسم منهم الى اللجوء والأستقرار، نشط قسم آخر نحو تحقيق ارباح بعد انهيار او اختفاء او ضياع المثل والهدف الأعلى . وقد اشارت تقارير المنظمات الدولية المعنية حينها، الى ان التسرّب الأكبر كان يجري عبر مناطق وجود طرق برية بشكل خاص ـ سيراً على الأقدام او بواسطة السيارات ـ ، اي نحو اوروبا الغربية عموماً .
في وقت تمّ  فيه نهب وضياع مليارات هائلة وهروب اشخاص بها، بسبب انتهاء مؤسسات واختفاء اخرى بأموالها، كان ناهبوها يبحثون عن غسيلها وتبييضها ويحتاجون لذلك انظمة دول قائمة، او طرق توصل لها .  .  وتمّ فيه ظهور انواع جديدة من المافيات، من الروسية، الشيشانية، الداغستانية، الرومانية، اليوغسلافية والألبانية وبدرجة اقل افريقية ومن دول ومناطق اسلامية اخرى وغيرها، التي بدأت بسرقة معداّت نووية ومواد مشعة من منشئات كانت تنهار او بقت دون حراساتها التقليدية او ضعفت الرقابة عليها ـ بفعل الفوضى والحاجات المالية ـ ، واخذت تهرّبها الى مراكز دولية، والى حيث  كانت تتشكّل سريعاً بورصات للسوق السوداء ومراكز للمافيات الدولية، تنقلت في تلك الفترة بين براغ، بطرسبورغ، امستردام، افغانستان، برلين (3) .  .  ليجري بيعها وايصالها لمن كان يدفع اكثر، ووصلت اقيامها الى مليارات من العملات الصعبة، الأمر الذي جعل دول اوربا الغربية والشرقية الناشئة واميركا تتخذ اقصى الأجراءات لمنع تسرّب المواد النووية و المشعة المهرّبة اليها خوفاً من مخاطرها، ودخلت اجهزتها المتخصصة المتنوعة في معارك دموية مع تلك العصابات، راح كثيرون ضحايا لها . 
اضافة الى حركة ملايين هائلة من العملات الصعبة السوداء لأغراض الأستثمار، بدون خبرة تجارية او دراية او تماس بالقوانين الدولية، وفي احيان خارجة عليها، وحركة بضائع ممنوعات ( مواد مشعة، مخدرات، احجار كريمة وجواهر، ذهب، نفط خام، كافيار .  . ) ملئت عديد من السفن العملاقة،  جرى اخفائها او تزوير اوراق لها فيها، او استمرت تمخر عباب البحار والمحيطات وحتى القطب بعيداً عن الرصد، فيما كانت انواع من الشبكات تتحرّك لخدمتها في البحث عن مشترين او عن وسطاء لتحقيق تلك الأهداف .   
   وفيما كانت "مشاريع الحروب والكوارث " كانواع جديدة من الأستثمارات والمشاريع المسجّلة والقانونية، تنمو وتتكاثر وكانت تسجّل ارتفاعاً ملحوظاً في تلك الفترات .  .  وكانت تبحث عن الأرباح في زمن بدأت  النزاعات الأقليمية فيه تتصاعد كما مر .  .  فانها في سعيها الى تحقيق الأرباح السريعة، التقى عديد من وكلائها، بتلك المافيات وغيرها من العصابات، كعصابات صدام وعصابات اسيا الوسطى، من الأفغانية والقوقاسية وغيرها في ( اسواق العمل)، في وضع يصف فيه خبراء الجريمة الدوليون، بان الأعمال اللاشرعية واللاقانونية في بحثها عن الربح تلتقي ! مهما اختلف انتماء افرادها القومي، الديني بل انها تتخطى حتى المفاهيم الفكرية التي حملها ويحملها البعض   .  .  وان الأعمال اللاشرعية ان خدمت صراعات سياسية عنيفة او نزاعات عسكرية وحروب، فانها قد تسيطر على تلك النزاعات وتوجهها او تركبها، في سبيل تحقيق اعلى الأرباح من تلك التجارة السوداء !     
   ويشير عديد من المراقبين الى ان اقطاب سوق سوداء دولية متنوعة لتجارة السلاح والنفط وتجارة المخدرات والرقيق الأبيض والجنس، الباحثة دوماً عن مناطق لاقانون ولاسيطرة فيها على حركة الأسلحة حتى المحظورة دولياً منها، كاسلحة الدمار الشامل وقطع غيارها .  .  كانت تجد في الشرق الأوسط وخاصة افغانستان تحت حكم طاليبان والعراق تحت حكم صدام (اضافة الى دول ومناطق واقاليم اخرى مما لااستقرار فيها)، كافضل الأماكن للنشاط وتحقيق اعلى الأرباح سواءاً من المخدرات او النفط الخام والسلاح، الأمر الذي كان يتفق تماماً مع سلوك وحاجات دكتاتورية صدام وخاصة في ظروف الحصار الذي انفرض عليها .
   لقد كانت دكتاتورية صدام في الفترة التي اعقبت القرار الدولي بفرض الحصار عليها، تقاتل بوحشية لامثيل لها من اجل اختراق الحصار، لا من اجل رفعه ـ في مراحل البداية خاصة ـ لتسخيره لفائدتها، بتقدير عديد من الخبراء والمراقبين  .  .  ففي الوقت الذي شددت فيه قسوتها على شعبها بتجويعه ومحاصرته اكثر، وكانت تذرف دموع التماسيح على الضحايا الذين راحوا بسبب وحشيتها ورعونتها هي، وكانت تقيم مؤتمرات وفعاليات منافقة باسم دعم اطفال العراق و(النضال ضد الأمبريالية) عالمياً (4) .  .  فانها كانت توظّف المعاناة من الحصار لكسر شوكة الشعب اكثر، وتعمل من اجل استمراره لصالح استمرار بقائها .
   فتحرّكت لتوثيق اقوى العلاقات مع المافيات والعصابات الدولية، بشكل كانت الأعداد الهائلة من اللاجئين العراقيين تتلمسه بوضوح في مختلف بلدان اللجوء، بل وقد جرّ اوساطاً منها اليه، اضافة الى جرّه اوساط متنوعة اخرى من العائدين لبلدان الشرق الأوسط  .  .  بسبب الفقر والعوز والحاجة من جهة، وبسبب الجشع الذي لم ولايعرف الحدود من جهة اخرى .
في ظروف تزايد فيها اليأس وضياع القيم، وظهر توجه فيها الى الأنتحارخلاصاً من عذابات اليأس .  .  الأمر الذي تطوّر الى اعمال انتحارية قام بها البعض كصرخة ونداء استغاثة من اجل الشعب والوطن والحق في الحياة، او كردود فعل عنيفة جراّء المحن وتراكم الآلام سواء كانت فردية او جماعية، او تلك التي تقبّلها البعض كاعمال مدفوعة الثمن للقيام باعمال انتحارية، والحصول مقابلها على ضمانات للأهل الذين ضاعوا وبقوا بلا معيل، كمأساة، وكشكل من اشكال روحية المقامرة ( كل شئ او لاشئ ) وليدة اليأس والضياع .  . الأمر الذي استغلته فئات ارهابية وادلجته بالدين ودفعت له، كدكتاتورية صدام (5)، التي عبّر عنها علناً ممثلوها ووكلاؤها في دعم الأعمال الأنتحارية في الضفة والقطاع، وفي مناطق اخرى في الشرق الأوسط  .  .
وشكّلت بنظر عديد من المراقبين والخبراء الدوليين، مرحلة مصيرية اعلى في دخول دكتاتورية صدام بروابط ومصالح اقوى واكثر خطورة مع مجاميع الجريمة في المنطقة والعالم  .  .  لتوفير وضمان المصادر المالية لها (للدكتاتورية) من تسويق النفط، وللحصول على اسلحة متطورة رغم الحصار، ومن اجل مواجهة القرارات الدولية او حرفها وتمييعها وشراء بعض اطرافها . .  في تطوّر سعت الدكتاتورية فيه الى اقلمة وتدويل ازمتها، اي الى تحويل القضية العراقية من قضية وطنية داخلية، الى قضية دولية لضمان بقاء اطول لسلطتها .  .  الأمر الذي كان يجري في الواقع وبدأ بالتأشير بتقدير مراقبين، الى ان زحزحة واسقاط صدام، اخذ يسير في عداد غير الممكن  ان اعتمد فيه على الأمكانيات الوطنية المعارضة له وحدها آنذاك، التي لم تستطع اسقاطه في انتفاضة ربيع 1991 البطولية رغم اعلان الغالبية الساحقة من محافظات العراق فيها، العصيان عليه، حيث استطاع ذبحها بعد ان رُفع الحظر على طيران سمتياته العسكرية، وبعد ان تأمّن سكوت الجوار .  .   بوحدات حرسه الجمهوري الخاصة، منظمة مجاهدي خلق الأيرانية(6)، فصائل متنوعة من تجمعات فلسطينية، اضافة الى مجاميع ارهابية دولية بواجهات متنوعة، دعمت بقاء دكتاتورية صدام، من مواقع وآليات وتوقيتات متنوعة  .
وفيما كشفت الوثائق بعد سقوط الصنم، عن حجم صلات الدكتاتورية بالعصابات الدولية، من خلال الكشف عن دوراللوبي العراقي الصدامي في فرنسا، عصابات الفاشي الروسي جيرينوفسكي وغيرها، المجاميع التي عادت الى الزعيم النمساوي اليميني هايدر، اجهزة ميلوسوفيتج اليوغسلافية، ابونضال، منظمة مجاهدي خلق، الملحق العسكري الصدامي السابق في تركيا حجازي، اضافة الى فضائح كوبونات النفط الكبرى التي كشفت عن تورط قوى وشخصيات دول في دعم دكتاتورية صدام، وغيرها، وغيرها الكثير الذي لم يكشف بعد . 
فانها كانت تؤشّر من جانب آخر الى مدى القيود التي كانت تفرض على معارضة الدكتاتورية من قوى الوضع الأقليمي والقوى الفاعلة في التوازن الدولي، اضافة الى تأثيرات توالي ظهور وتنامي وتفاعل مصالح داخلية واقليمية ودولية كانت تنشأ باستمرار في تلك الظروف، تعاملت مع الأطراف العراقية المعنية من زاوية تحقيق اهداف مربحة لها، سواء كانت  آنية او مرحلية، دون اعتبار الى الصراع السياسي الداخلي وآفاقه وبالتالي مصير العراق وشعبه .  . الأمر الذي ادىّ بمجموعه الى زيادة تحوّل الصراع الوطني في العراق وبالتالي الموقف من الدكتاتورية والكفاح ضدها .  .  الى صراع اقليمي ودولي . في وقت كان يزداد فيه تحوّل العراق الرازح تحت حكم صدام، الى احد ابرز عُقَد العنف والمافيات والسوق السوداء والنفط والسلاح في العالم .
   وفيما حققت فئات عراقية دنيا مكاسب يومية سدّت بها حاجات اساسية لها، بالجري للعمل باي مجال يحقق لها دخلاً اضافياً في ظروف الفقر والحاجة في سنوات الحصار .  .  وازداد اندفاع الفئات الطفيلية التي اثرت وازدادت ثراءاً من الحروب والحصار والسوق السوداء، الى مستويات اعلى واعلى  حتى اخذت تشتري مؤسسات الدولة ومشاريعها  وتشارك وتتعاقد وتتبادل الخبر مع العصابات الدولية المتنوعة لضمان دوام وتصاعد ارباحها وحمايتها، وسعت للحفاظ على الوضع الذي انتجته الدكتاتورية القائمة، او السعي لضمان مايشابهه ان تغيّر الدكتاتور .  .  . 
تحوّل الصراع، من صراع مبادئ واهداف سياسية على طريق تحقيق مطالب عادلة للفئات والطبقات الأجتماعية المحرومة و الفقيرة .  .  الى صراع على مكاسب شخصية فردية وفئوية ضيّقة، وازداد تركّزه على اساس توفير القدرة على الأستمرار في الحياة، ثم على اساس الربح يزداد اتساعاً في المجتمع بعد ان انخرطت به فئات ليست قليلة بدوافع الحاجة في البداية، في ظروف التصديق او عدم التصديق بعدالة (معركة صدام) التي اخذ اهتمامها بها يقلّ امام حجم المخاطر التي يواجهها الفرد !!  .  .  . في وقت كانت الدكتاتورية فيه (تواكب) التغيرات التي كانت تطرأ على الشارع وتحاول ايجاد حلول  ترقيعية لفئات المجتمع ـ في سعيها للحفاظ على ما حققته من شلل وخداع لها ـ ، ففي الوقت الذي كانت تبيع فيه مؤسسات الدولة للقطاع الطفيلي من الفئات المحيطة بها، فانها اوجدت " البطاقة التموينية "، لدعم اوسع الفئات التي كانت تزداد فقراً لأستمرار شدّها الى ( خيمة الثورة) من جهة، ولممارسة ضغوط جديدة وتقييدات جديدة من خلالها على من لم يساهم بمشاريع السلطة، سواءاً في جيشها الشعبي او حملاتها الأيمانية ثم في (جيش القدس) .  .  في ظروف استمر تصاعد الفساد الوظيفي فيها وتصاعد دفع الرشاوي للمؤسسات الحكومية لأنجاز معاملات المواطنين، وتزايد انحدار الوعي .
   وفيما لعبت " الحملة الأيمانية " التي اطلقتها الدكتاتورية تهافتاً وركضاً وراء احزان وعواطف الشارع المحروم المبتلى بها الباحث عن المخلّص، في محاولة لتأطير وركوب نشاطه وتوجيهه باسمها في الظروف المستجدة، تحت واجهة ( تفهم معاناته وآلامه التي لم تحلّ به الاّ لتزيد صبره وايمانه!)، وعقدها المؤتمرات الأسلامية التي حضرها عديد من الوجوه الأسلامية في المنطقة والعالم، ضمنهم وجوه عدد من المنظمات الأرهابية السلفية، التي استثمرتها للقاء بعضها وتنسيق اعمالها (7) .  .  فان الدكتاتور صرف ملايين كثيرة على انشاء جوامع وعديد من المؤسسات والمعاهد الدينية لتخريج رجال دين وشيوخ وخطباء دينيين، وافتتح جامعة لها باسم " جامعة صدام للعلوم الأسلامية "، موجها غالبية نشطاء ومنظمات البعث اليها، ساعياً لركوب الموجة الجديدة على عادته .  .  على اساس ان البعث هو ( انبعاث الأسلام)(8).
   في وقت لعبت فيه زيارات زوكانوف سكرتير الحزب الشيوعي الروسي وووفده الحزبي الرفيع
 ـ في تزايد وتواصل غير مسبوق لوفوده ـ وعقده اتفاقيات سياسية واعلامية مع قادة البعث وسط استمرار ضجة اعلامية صاخبة، اعتبرته الحزب الأشتراكي؟ الذي اوجد آليات مرنة لـ (بناءالأشتراكية)، نجحت  واستمرت من خلالها في الحكم، في وقت انهارت فيه الأنظمة الأشتراكية في اوروبا الشرقية لجمودها !!  اضافة الى زيارة الرئيس الفنزويلي شافيز الذي كان في صراع نفطي مع الولايات المتحدة والأحتكارات النفطية الدولية، زيارة المستشار النمساوي هايدر، زيارات عديد من وجوه الدعاية والأعلام ووفود تضامن، ثم تصاعد جهود مستميتة لها لأستقبال قداسة البابا، الذي كان قد عبّر عن امله في سيادة السلام وشموله اول مدينة مقدسة للبشرية، مدينة النبي ابراهيم، " اور" في جنوب العراق بمناسبة الفيتها التاريخية .  .  التي تأجّلت بعدئذ .
   الأمر الذي ادى الى تزايد تشوش وبالتالي ابتعاد الناس عن السياسة، تعمق اللاأبالية مما كان يجري، لمعاناتهم المتزايدة ولأنهم لايلوون على عمل شئ . اضافة الى تزايد الشعور بكونهم ليسوا سوى اوراق في مهب رياح المصالح الهائلة، وانهم لاقيمة ولادور لهم حتى في تقريرمصير حياتهم العادية هم وعوائلهم، التي زادتها  الماً تجاربها المرة التي استجدّت من سكوت العالم، واستمرار تصريحات صدام التي عبّر فيها عن انه لايزال الزعيم المرغوب من الدوائر العالمية بل وانه وصل القمة لديها !! التي ازدادت اثر انكشاف عدد من محاولات قلب نظامه. ففي تعليقه على المحاولة العسكرية للواء الطيار محمد مظلوم الدليمي في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي قال ( انهم نفر من المخدوعين!  انهم لايعرفون بان قوى العالم الفاعلة معنا، التي ان ارادت التغيير فستجريه عبرنا وحدنا، واننا لانرى بان حلّ مشاكل الحصار ومواجهة الظالمين يتم بقيامنا بانقلاب على انفسنا ؟!) وغيرها والتي لم يصدر ايّ تكذيب من اية قوة كبرى لها .  . الأمر الذي زاد الخداع خداعاً، في وقت كان يبدو فيه  انه كان فعلا يصدق ذلك ولايعتقد ان الأمور كانت تنقلب فعلاً ضد دكتاتوريته  .  . 
   استمر الوضع الداخلي بمحصلته النهائية بالتدهور على ذلك المنوال مسبباً المزيد والمزيد من الخسائر والجراح والدمار، الى ان اشتعلت الحرب واسقطت دكتاتورية صدام الدموية في نهاية المطاف .  .  بفعل خارجي وليس بثورة اوبفعل داخلي يأتي نتيجة لنضج التناقضات الداخلية الأجتماعية والأقتصادية وولادتها لقوى تغيير اجتماعي نمت ووصلت بنشاطها الى مراحل الحسم، وحسمته ودخلت بالمجتمع المرحلة الجديدة التي تفتّحت بسقوط الدكتاتورية، اي ان العوامل الأجتماعية المحرّكة وتناقضات مرحلة الدكتاتورية تستمر في الفعل بعد سقوطها.
   الأمر الذي عبّرت عنه ايضاً المشاعر المعقدة التي احدثها سقوط الدكتاتورية بعد الحصار وحصص التموين والفقر والحرمان والضياع والرعب من الحرب والموت، حين خلقت مزيجاً معقداً من الفرح والقلق والتصديق وعدم التصديق ومشاعر الفرح الممزوج بالبكاء على الوطن الذي تخرّب، والخـوف من المستقبل ومن الشعور بالصِغر امام لعبة الكبار.
لقد نفّسَت الجماهير وبعد تردد عن آلامها واحزانها وكبتها وحرماناتها بالهـجوم على تماثيل وجداريات الوحش وعلى دوائر سلطته وخربتها وصادرت بعض اثاثها المبتاع بدمائها  لحاجتها ولأنها كانت الأقرب والممكن، للتعبير عن اقتصاصها وردّها على الدكتاتورية التي لم تندحر على يدها رغم تضحيات وآلام السنين من اجل ذلك .  . وكانت تعبيراً عن هيمنة سـلوك صنعته وخلّفته الدكتاتورية وغذّته الحروب، من ضياع وموت وفقر ونهب، ومعادلات قاتل او مقتول، ناهب او منهوب، في وقت كان السقوط فيه وكأنه من عمل الغيب الذي لايعرف الاّ سواه لماذا والى اين !
في الوقت الذي اتخذت فيه فلول صدام من ردةّ فعل الجماهير واعمال النهب غطاءاً لتنفيذ خططها هي، للقيام بانسحاب ارادته ان يكون منظّما من عدد من المدن، ولحرق وتدميرالوثائق والمستمسكات وكل ما يدينها ولتدمير وشلّ اجهزة الدولة الأساسية التي لايمكن للمواطن ان يعيش بدونها كالماء والكهرباء والمستشفيات .   .  الأمر الذي ادى الى استشراء الفوضى والبلبلة وعدم الأستقرار واستمرار الخوف وظهور قلق ومخاوف جديدة، ازدادت بدخول عصابات الأرهاب الأصولي الأقليمية والدولية المتنوعة، في ظروف دولية تشهد تصاعد العمليات الأرهابية الشريرة التي لاتبالي بسقوط المدنيين بل وتستهدف ابناء جلدة القائمين بها .  .  التي بدأت بفصل دمار وحشي دموي جديد، الذي باستمراره ـ رغم الجهود المبذولة لأنهائه ـ  لم يترك لأوسع الفئات فرصة لأخذ النفس والمراجعة وبالتالي النشاط بفاعلية في صياغة المرحلة الجديدة على اسس مصلحة الشعب والوطن .
لقد ادت اعمال العصابات الأجرامية، وشيوع الفوضى وانعدام ضوابط الحياة اليومية وانتشار الأسلحة وتعدد اسواق بيعها التي تكوّنت سريعاً . . الى حالة ادت الى تفاقم القلق والأنشغال بالدفاع عن النفس والمال والعرض، والأنشغال بالأوضاع الحياتية من تدبير الدواء والغذاء، ومواجهة مشاكل انقطاع الماء والكهرباء، وطفح المياه والمجاري، في المناطق الوسطى والجنوبية.  اضافة الى ما خلقه حل الدولة والجيش واجهزة الشرطة، وتكاثر اللصوص الذين قدموا من دول الجوار ايضاً، اضافة للبطالة وانقطاع الرواتب  .  .  ادّت في النتيجة الى حالة من شلل وانغلاق التفكير خاصة بين الفئات الفقيرة والأكثر حاجة، على كيفية اجتياز الفرد لصعوبات اليوم المعاش، اكثر من الأهتمام بالسياسة وبالتفكير والمساهمة في خلق البدائل الدمقراطية التي اخذ يُعلن عنها باستمرار .  . 
الأمر الذي تفاقم اكثر بعد ظهور نتائج الفساد الأجتماعي والوظيفي الموروث من الدكتاتورية بشكل بشع، شكّل حاضنة لأنواع العصابات في الواقع الجديد الذي تكوّن، بالتلوّن ودخول المؤسسات الجديدة والنفوذ الى التشكيلات الجديدة للحرس الوطني واجهزة الأمن . اضافة الى ظهور نتائج ترابط فلول عصابات صدام مع المافيات والعصابات الدولية بخبراتها الدموية الوحشية، التي اخذت تتفاقم للوقوف بوجه اعادة بناء العراق، الذي يعني فقدانها لأمتيازاتها .  . سواءاً كانت من فلول صدام تحت اسماء وواجهات متنوعة، او من المجاميع الأرهابية المتنوعة المتشكّلة بمختلف الآليات عراقياً، عربياً، اقليمياً ودولياً.
ويرى كثير من المراقبين، ان تناقضات المرحلة تاتي اضافة الى ان سـقوط الدكتاتورية كان دون ثورة او انقلاب داخلي  .  .   الى سـابقة اعلان الأحتلال، والى وجود استطال لجيش اجنبي لايزال يحكم البلاد في النهاية، في زمان تشبّع فيه المجتمع بذهنية ومنطق مفاهيم الدكتاتورية عن ( الحرية والثورة العربية) ومفاهيمها الشوفينية الوحشية و(قدرتها) على (تحرير العرب) التي استمرت بحشو المجتمع بها وترسيخها فيه، المجتمع الذي كان يتدنىّ وعيه باستمرار طيلة خمسة وثلاثين عاماً لكل تلك الأسباب. اضافة الى ان اصطفاف القوى المعارضة للدكتاتورية وبالتالي اصطفاف القوى الفاعلة بعد سقوطها، وشكله وفاعليته الذي لم يأت من نضالات شـارع منذ السابق ـ خاصة في المدن الكبيرة في الجنوب والوسط ـ وغياب التأثير الفعلي لعدد منها لسنوات استمرت بحدود اكثر من عقدين مضيا بسـبب القمع الجنوني الذي قمع ابسط تحرّك ان جرى في شارع، والذي اودى بحياة الآلاف من المناضلين والمناضلات من كل الفصائل المعادية للدكتاتورية .  .
ورغم كل الجهود الأيجابية المبذولة بعد سقوط الدكتاتورية، استمرت بصمات المرحلة واستمرّ تفاقم الأوضاع  .  .  وتواصل افراز تشكيلات متنوعة من المستفيدين في المرافق المختلفة التي عشعش ويعشعش في اقسام منها اعداد من كبار الفاسدين والمرتشين وذوي (المهارات) الأجرامية ومهارات النفاق والتلوّن، رغم بدء مسيرة التحوّلات الجديدة بعد سقوط الصنم، مستغلين الدعوة الى التسامح والمرونة، الأمر الذي يستمر باستمرار ضعف الأمن، ضعف اليقضة، نقص المعرفة وفراغ وضعف يد السلطة الذي لايزال قائماً، على ارضية خطيرة من الأنتهازية والنفاق الأجتماعي ابن مرحلة التطور الطفيلي المستمرة بفعلها كما سبق  .  . اضافة الى النهب والفساد الموروث في كل مرافق الحياة والدولة، ونشاط الفئات التخريبية المدرّبة التي تحاول اشاعة وركوب الطائفية المقيتة  .  . 
وفيما لعب التباطؤ وتأجيل محاكمة صدام وكبار رجال حكمه وضعف حزم اجراءات ملاحقة كبار رجال عصابات صدام وتوقيفهم تمهيداً لفرزهم وتقديم المجرمين منهم للمحاكمة كمجرمي حرب وكمسؤولين عن الجرائم وخاصة الجماعية منها، وتباطؤ اجراءات اعادة المهجرين وتعويضهم، واجراءات اعادة الحقوق المسلوبة وفق مبدأ "من اين لك هذا؟ " والتباطؤ الذي شاب حل معضلة انعدام الأمن وانتشار الأسلحة ، والتباطؤ في تشجيع الأستفادة من طاقات العديد من الذين أُجبروا على العيش والعمل خارج البلاد في عهد صدام البائد واعادة الأمل والثقة لهم لبناء بلدهم .  .  لعبت المشاكل الناتجة عن ذلك التباطؤ والتي اخذت تتفاقم، دوراً في القاء كل طرف لتبعاتها على طرف آخر، الأمر الذي ادىّ الى ان تتفاقم الأزمة بين الأطراف الوطنية ذاتها، والى دخولها ان لم يجر الأنتباه حقّاً الى منزلقات قد تكون خطيرة، في ظل وجود اطراف لاتزال تتبع اسلوب الهيمنة .  .  الأمر الذي زاد من ابتعاد اوساط اجتماعية جديدة عن السياسة .
من جانب آخر، ورغم تزايد شعور اوساط متنوعة بالحاجة الى القوات الدولية لمواجهة عصابات الأرهاب واعمالها الوحشية المنفلته التي سقط الآلاف ضحايا لها، من الضروري ايلاء الأهمية المطلوبة في حل اشكالية عدم ثقة اوساط واسعة بالأجانب ـ باطناً ان لم يكن علناً ـ لأسباب غاية بالتنوع على رأسها قناعة فئات واسعة وبشكل اكثر حدة في الوسط والجنوب خاصة، بان دكتاتورية صدام لم تقم وتستمر الاّ بسبب دعمهم له، اضافة الى دور الماكنة الأعلامية العملاقة  لحكم صدام الشمولي الدكتاتوري، في تصويرها وترحيلها كلّ مشاكل الجماهيرآنذاك اليهم، والتي لُمست نتيجتها فيما آلت اليه اوساط واسعة من حالة الحيرة اللامفهومة بسقوطه على ايديهم، اضافة الى تأثير طبول واعلام، واقع وتحريض دول وقوى المنطقة، المؤثر في وعي فئات غير قليلة في البلاد .  .  في ظروف لم يكشف فيها حتى الآن عن اسلحة دمار شامل ولا عن شبكاتها السوداء، في الوقت الذي كان ذلك هو السبب الأساس المعلن لشن الحرب، الأمر الذي اخذ يزيد القلق والتساؤلات عن حقيقة اهداف الحرب وبالتالي الأحتلال  .
ويرى كثيرون، انه بالرغم من تغرّب وتباعد مكونات البلاد عن بعضها، كنتيجة موروثة لسياسة الدكتاتورية الشوفينية التي اشاعت الفرقة في المجتمع وعاشت عليها، فأن موروث جهاز دولتها الريعية الذي اساءت استخدامه، وعطّلت به الدورة الأقتصادية في البلاد، وخلقت بذلك اضافة لما جرى بحثه، مجتمعاً رأسمالياً مشوهاً، عاش على الخدمات والمال والقطط السمان والضباع، وبذلت به جهوداً هائلة على ربط المجتمع ارتباطاً مشوّهاً بالدين، خالقة نمطاً مشوّهاً من التفكير والأخلاق، بعد ان تلاعبت باحكام الدين .  .  الأمر الذي اضافة الى مايتركه من تأثير على  لحمة قوى التغييرفيها، فأنه يفاقم مشاكلها باستمرار عمل البديل على النمط والتقاليد التي تشكّلت طيلة عقود الدكتاتورية رغم الجهود التي تبذل، ويشكّل خطراً كامناً يتهدد العملية السياسية، من باب قيامه بزيادة الفرقة في المجتمع، تحت شتى الذرائع الفكرية، القومية والعرقية، الدينية والطائفية التي يحاول البعض النفخ بها .  .  في ظروف غابت فيها الشخصية العراقية القائدة، القادرة على لمّ الشمل العراقي، بعد ان صفىّ الدكتاتور واجهزته ابرز الشخصيات الواعدة لذلك من جهة، ولتزايد تعقّد القضية العراقية وتداخلها الأقليمي، وتداخلها النفطي المالي السياسي الدولي الذي لم يستقر بعد على قطب واحد .   
وفي الوقت الذي قدّر خبراء ومراقبون، انه كان من الضروري القيام باشراك وتشجيع فعلي لقطاعات وطنية شعبية ليست قليلة، والعمل على توجيهها وتشذيب اخطائها ان ظهرت. يرون ان التعامل مع الواقع العراقي من فوق وبشكل اداري، وانعدام الشفافية وقلة المصارحة (رغم تحسّنها البطئ بعدئذ)، بعيداً عن التشجيع المطلوب للأحزاب التقدمية والتجمعات والشخصيات الوطنية النزيهة وللفعاليات الديمقراطية والمدنية التي تشكّلت بعد سقوط الصنم، رغم سيلان تمويلات هائلة متنوعة لأحزاب وحركات بعينها دون سواها  .  .
الأمر الذي اضعف ويضعف من قوة ووتيرة تأثير قوى التغيير، في زمن يؤكد عديدون فيه،  على ان بناء دولة المؤسسات ينطلق من المستوى الحضاري الواقعي للبلد ومن الفترة الزمنية وظروفها، من تحديد بوصلة واهداف التغيير، القوى والشخصيات الفاعلة فيه، وماهية قوى المجتمع وتياراته الفكرية واحزابه وشخصياته الوطنية والتي في طور النشوء من جهة، ومن حجم التشوهات الفكرية والنفسية والسلوكية من جهة اخرى، وبلورة وتحديد وسائل مواجهتها وسبل معالجتها .  .  وليس بتجاوزها والقفز عليها، ان أُريد حقاً بناء دولة المؤسسات .
ويحذّر كثيرون من ان واقع البلاد الخارجة من دكتاتورية حكمت بالحديد والنار لأكثر من ثلاثة عقود، فرضت فيها على شعبها حروباً وحصاراً، وادت الى مجتمع الجريمة والتطرف والتعصب والعنف والظلام الذي تغذيه الأعمال الوحشية للعصابات الأرهابية والطائفية التي ادّت الى استمرار واقع الأحتلال رغم الأعلان رسمياً عن انتهائه، اضافة الى غياب التعاون المطلوب من الجوار، ومرور التوافق الوطني بمصاعب غير قليلة .  .  . 
ان ذلك الواقع يثير مخاطر متنوعة من نشاطات اجرامية قد تستوطن البلاد، بفعل استمرار عدم الأستقرار ـ رغم التحسّن ـ وبفعل النشاطات الخفية؛ لأثرياء ومجرمي مرحلة الدكتاتورية، لأغنياء الســوق السوداء والمضاربين ووكلاء صدام وعدي وقصي ( خاصة وان اجهزة وعصابات الدكتاتورية لم تواجه الحرب ولم تتحطم بل هربت وذابت، اي اختفت وتنشط)، والنشاطات العلنية والخفية لضباع وقطط الحرب السمان ولعلاقاتهم  الأقليمية والدولية بشتى عصابات ومافيات السوق السوداء والنفط والسلاح والمخدرات، لتحقيق اعلى الأرباح من خلال تحويل البلاد الى مستنقع دائم للحرب والجريمة، بعد ان لجأت وتحاول اللجوء اليه انواع العصابات، وفي مقدمتها القوى الأرهابية سواءاً التي تفرّقت في افغانستان، او في مناطق متعددة من الشرق الأوسط واسيا الوسطى والقوقاز .  .  الأمر الذي يفرض تغيير خطط وتصورات واشكال التصدي والمواجهة والتحالفات، كما سيأتي .  (يتبع)

مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   ‏‏" حرب خاصة على نفقة الدولة " / هانز هوينغ، سيغمند الزيمان، 2004 .
2.    الخبير روي كاولباك / مجلة " جينزانتيليغنز ريفيو" / 2004 .‏
3.   تقارير ودراسات : الأمم المتحدة حول الجريمة المنظمة، لعام 1996 ، الكتاب السنوي لمكتب مكافحة الجريمة الأتحادي في المانيا، 1997 .
4.   في ظروف جديدة اخذت تشهد صراع حاد، بين دول رأسمالية الدولة الأحتكارية، الريعية، والطفيلية المتوحشة في المحيط، وبين المراكز الرأسمالية الكبيرة، اثر توجه العالم نحو وحدانية  القطبية دولياً وظهور التناقضات الجديدة .
5.   " الأستشهاد كسلاح، الجذور التاريخية للأعمال الأنتحارية " 2003 / جوزيف كرويترو، عن الألمانية .  " مقابلة مع انتحاري فلسطيني" القناة الفرنسية آرتي / آذار 2004 . بالعربية، الفرنسية والألمانية.
6.   راجع الفيلم الوثائقي " نساء الشرق الأوسط يقودون دبابات وسمتيات " قناة / Arte ، عرض في ظروف توقيف ودعوة المحكمة الفرنسية السيدة مريم رجوي للأستجواب في باريس صيف عام 2004 . يسلّط الفيلم طيلة ساعتين الأضواء على " منظمة مجاهدي خلق" واخطبوطها الدولي وتشابكها مع العصابات المذكورة اعلاه، وتغلغله بكل الطرق غير القانونية في المؤسسات الفرنسية والأوربية، من دوائر الهجرة الى مشاريع تبني، بيع وشراء الأطفال، الى دعم وتسويق نشاطات مجاميع عائدة لصدام، في دول متنوعة . 
7.   اضافة الى زيارات الترابي السوداني المتعددة، زيارة الظواهري والزرقاوي عن القاعدة، وفق المعلومات التي تناقلتها الصحافة العربية والأميركية، كوثائق كُشفت اثر سقوط الدكتاتور .
8.   على طريقة نداء ميشيل عفلق الشهير عام 1961 ، في محاولته سد الطريق على القوى الديمقراطية والقومية التحررية، ونفخاً بالروح العروبية الشوفينية .  .  " البعث هو بعث ملّة ابراهيم العربية، تحت الرسالة الأسلامية الخالدة "، تفسيراً لـ " امة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة" .
مراجع :
1.   " سياسة الدبلوماسية" مذكرات وزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر . 1999 ، الناشر بالعربية، مكتبة مدبولي ـ القاهرة .
2.   " الحقيقة المحرّمة " ، جين ـ شارلز بريزارد / غيلاومي داسكوي، زيورخ 2002 . 
3.   " تاجر الموت، ابونضال " ، باتريك سيل 1992 . دار بيرتيلسمان للنشر .
4.   " فخ العولمة " ، هانس بيترمارتن / هارالد شومان 1996 ، دار روفولت ـ المانيا .

(*) نشر في مجلة " الرؤية " العدد الثامن / مؤسسة حمدي للطباعة والنشر .


320
الدستور .  .  والآمال المنتَظَرة !
                2 من 2   
[/b]

                              د. مهند البراك


وتجري جهود وصراعات وسجالات متنوعة الشدة والحدة ترمي الى تثبيت الأعتراف بمبادئ وتضمينها الدستور المزمع صياغته، تركّز على ؛ الأعتراف بالتعددية الفكرية، القومية والدينية كواقع قائم، ورفض انفراد شريحة من شرائح المجتمع بالحكم، على اساس ان كل مكوناته تخدمه، كلاًّ وفق اجتهاده ودوره وحقوقه . . الذي يعني الأعتراف بالآخر واعطائه دوره، والتوصّل الى بديل لنظام الحزب الواحد (الحزب القائد) السئ الصيت، ومن اجل فصل اجهزة الدولة عن اجهزة الحزب الحاكم (اي حزب) لضمان حماية البلاد من سيطرة جزء واحد منها على السلطة فيها .
وفي الوقت الذي تشير التجارب الدولية السابقة، اضافة الى المعاهد المتخصصة بشؤون اعادة البناء بعد الحرب (1)، الى ان القضية الأساسية في مرحلة اعادة البناء هي القضية السياسية اساساً والسعي لتوفير مستلزماتها التي رغم كلّ تعقيداتها وتشعّبها، لابدّ منها ولابدّ من الألتزام بخطة لذلك يجري الألتزام بمواعيدها للأنتقال الى الحياة الدستورية.
 يرى آخرون ان القضية الأساسية الآن في بلادنا هي خلق مناخ يلائم عملية التهيئة وصياغة مسوّدة الدستور، لتحقيق النجاح في المراحل الأولى من اجل التأسيس الجديّ للدخول في الحياة الدستورية،
بالبدء بقضية الأمن ومواجهة الأعمال التخريبية المتنوعة، التي تحاول اعاقة المرحلة بتهديد ارواح المدنيين رجالاً ونساءاً واطفالاً، وحرمان العاصمة بغداد من الماء والكهرباء في هذا الصيف الحار، في محاولة لزيادة عذاب ومعاناة الشعب .  .
   والسعي بمختلف الأساليب لذلك، من الأسراع في تقديم صدام وكبار مجرميه الى المحاكمة، من اجل تفتيت فلوله ورفع الغشاوة عن المنخدعين بـ ( احتمالات عودته)، التي يغذيّها البعض من (هيئة دفاعه) وعدد من الفضائيات اضافة الى التسريبات والبحث عن الأثارة من جهات متنوّعة، سعياً وراء منافع في مقدمتها المال  .  .  الى بذل الجهود غير المخلّة من اجل فسح المجال لمن يريد ان يعيد النظر بموقفه العنفي ويريد الأشتراك بالعملية السياسية من الزاوية التي يراها، الى تلبية مطالب قسم آخر، على ان لاتكون على اساس عودة مجرمين وقتلة من فلول صدام وآخرين الى مواقع في الحكم .  .  من اجل حصر المجرمين فعلاً، في جهد لمواجهة من يريد تحويل العراق الى ساحة حرب دائمة ومستنقع دائم للجريمة والسوق السوداء والمخدرات .
   ويرى كثيرون ان الأهم هو تحويل الدعوات الى حياة دستورية .  . الى الشروع باعمال واجراءات ملموسة تحس الناس فعلاً بفوائدها وتلمس من خلال تطبيقها تحسناً فعلياً في حياتها القائمة الآن،  من اجل توفير قناعات لأوساط جديدة ولأوسع الأوساط، بدورها وجدواها وبالتالي جدوى واهمية الجهود المبذولة لأعداد الدستور، الذي خاضت الجماهير الأنتخابات متحدية الموت والأرهاب من اجل تعبيد الطريق اليه .
الأمر الذي يتطلّب، الحفاظ على ماتحقق وتفعيل وحدة القوى العراقية على اختلاف اطيافها، وتوسيعها لضم قوى جديدة على اساس قانون الدولة للمرحلة الأنتقالية وبنوده التي اتفقت عليها، الذي يحاول البعض التراجع على ماتمّ الأتفاق عليه فيه .  .  والوقوف بحزم امام خطر تفشي الطائفية البغيضة الذي اخذ يزداد ويثير مخاوف اوساط واسعة بعد سقوط الدكتاتورية. والسعي للتحرر منها بالأبتعاد عن الجمود على اساس المحاصصة وعن التعامل على اساس الطائفية، التي تسعى (المقاومة الشريفة) الى جرّ البلاد اليها، اضافة الى ما يجرّ السلوك الخاطئ  لبعض الجهات اليها، سواء كانت عراقية، اقليمية او دولية  .  .  شاءت ام ابت .
ومن اجل ذلك يؤكّد العديد من الخبراء والمراقبين، على الأهمية الفائقة لعملية أنتقال الملف الأمني الى العراقيين الذين يتطلّب من قواهم السياسية تذليل عقبات تفاهمهم، وتوافقهم لمواجهة المستجدات الجديدة كنتائج الأنتخابات الأيرانية الأخيرة وتأثيرها على الواقع العراقي اليوم، على سبيل المثال .  . وتوفير مستلزمات الملف المذكور، السياسية والعسكرية والفنية والدبلوماسية، جنباً الى جنب مع الدخول بخطوات ملموسة لتقليل الأعتماد على القوات الأجنبية تمهيداً لجدولة انسحابها، والوقوف بحزم امام مخاطر استيطان الأرهاب وحالة الحرب في البلاد او جعلها ساحة حرب لتصفية خلافات وحسابات ومصالح بين اوساط اقليمية ودولية، وتدفع نحوه جهات متنوعة دولية واقليمية وداخلية، اضافة الى الشركات الخاصة التي تشارك بالعمليات العسكرية بنسبة 1 : 10  من عموم الجهد العسكري، في نسبة فائقة تجري للمرة الأولى في تأريخ الحروب، تشمل الأطراف المساهمة فيها سواءاً عسكرياً، لوجستياً او مالياً، بشكل مباشر معلن او غير مباشر غير معلن . . في ظروف الأزمة المالية التي تعيشها منظمة الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها (2) .
وحول صياغة الدستور ذاتها، يؤكّد كثيرون على ضرورة تضمين تفاصيل لمصطلح " الحريات العامة " ، كحرية تشكيل الاحزاب والجمعيات وحرية الصحافة والنشر والشفافية وموافاة الجمهور بما تقوم به الحكومة والبرلمان لأشراكه بالعملية الجارية في جهد لضمان مواكبته ودعمه او تبصيره لها .
 حرية الأديان وفصل الدين عن الدولة ( فصل الدين عن الحكم، فصل السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية) بشكل لايخلّ بالعادات والتقاليد المرعية ولايكون اسيرها .  .  حمايةً وصيانةً للدين ذاته من جهة ليلعب دوره كمصدر من مصادر التشريع من جهة اخرى، وجعل الدولة محايدة تحترم الديانات واتباعها والمذاهب والمعتقدات دون تمييز وفقا للقانون، الأمر الذي يصون مسيرة المجتمع من مخاطر الأستبداد والحكم الشمولي  .
اضافة الى تساوي مواطني ومواطنات البلاد على اساس الهوية الوطنية دون تمييز على اساس الجنس وفق مبادئ حقوق الأنسان، والألتزام بقيم التسامح ونبذ الكراهية والتطرف، والتفاعل مع رياح التغيير والتحديث الجارية في العالم، ونحو التقارب والتآخي بين البشر امام المخاطر الدولية والكوارث الطبيعية والبيئية . 
   ويرى عديد من الخبراء والسياسيين وذوي التجربة، ان كلّ ذلك سيشكّل سعياً لتحريك طاقات المجتمع المعطّلة وينعشها، الذي اذا ما نجحت صياغته الحديثة وايّدها الشعب بالتصويت عليها، فانها ستكون عملية انجاز النصف الأول من الصراع، الذي لابدّ ان يتممه نصفه الثاني الذي سيجري على ارض الواقع .  .  الذي سيشكّل النصف العملي الأصعب، والذي لايمكن النجاح فيه دون وضع ضوابط تضمن المواصلة على ما جرى التصويت عليه، والأستمرار به للأنتقال الى نجاحات ومراحل اعلى، على طريق بناء الحياة الدستورية الصالحة، وضمان مواصلتها بشكل فاعل نحو تحقيق الممكن من آمال المجتمع في المرحلة المعينة، للأنطلاق الى آفاق ارحب .    
اضافة الى الضرورة الفائقة لتعميق وتفعيل اجراءات مكافحة الفساد الأداري والأختلاس، والبدء بأجراءات عملية لمكافحة الفقر وايجاد حلول للبطالة والقيام بانواع التأهيل للأستخدام في فرص عمل جديدة، مواجهة الجريمة المنظمة وتحريم المخدرات، تحريم التجارة بالرقيق الأبيض والمباشرة بايجاد حلول لمشاكل الدعارة والعمل على مكافحتها، استمرار حملات متنوعة عسكرية وسياسية واجتماعية، للقضاء على الأسلحة وعلى تهريبها واسواقها السوداء، من جهة. المباشرة بمكافحة الجهل والأمية، المواصلة على تطوير العملية التعليمية والأرتقاء بها، العناية بالخدمات الصحية والتوسع بانشاء المستوصفات والمستشفيات، من جهة اخرى .
جنباً الى جنب مع الشروع بالأصلاح الأقتصادي في المناطق غير الملتهبة، وتشجيع الأستثمار ونمو الفئات الوسطى واحصائها ودعمها قانونياً وسياسياً ومالياً  بالقروض والمنح على اسس قانونية، ونحو الشروع بتعضيد وانعاش الموجود لتحقيق نوع من الرخاء المادي والرفاه، كأساس لابدّ منه نحو الشروع للبدء بالدورة الأقتصادية الشاملة من اجل التقدم الأجتماعي والحضاري وللشروع بالديمقراطية البرلمانية .
مواصلة الجهود في اصلاح اجهزة الدولة والشرطة وتطهيراجهزة الأمن من العناصر الأجرامية والفاسدة وفقاً للقانون وبخطة تتفق عليها الأطراف، من اجل ان تكون الأجهزة في خدمة المجتمع وليس في خدمة فرد او افراد او حزب ما، والمباشرة بفصل جهاز الدولة عن الأجهزة الحزبية. والدعوة الى دعم النقابات والأتحادات المهنية والأبداعية، والمؤسسات المدنية التي تعني بحاجات المواطنين ورغباتهم وميولهم الأجتماعية والفكرية والتعاونية، بشكل حر يوازي نشاط الدولة، يكسر احتكارها ويدعم تطويرها ويفتح آفاقاً للتعاون معها، ويعالج تغرّب المواطنين عنها ويسهم في تطويرآليات المجتمع . الأمر الذي يفسح مجالات ارحب لتطوير الوعي الأجتماعي وتفعيله في عملية النهضة المنشودة ويساعد في معالجة المشاكل الأجتماعية والأقتصادية التي نجمت عن استبداد الدولة، ودعماً لدورها الجديد في بناء المجتمع واصلاح المشكلات الموروثة (3) .
اطلاق الحريات السياسية بما يسمح للاحزاب بممارسة نشاطها العلني وقيام احزاب جديدة ودعم التعددية الحزبية الفاعلة، لما تلعبه من دورٍ هام في تنظيم الرأي العام وخلق نخب جديدة، وتحقيق مبارات سياسية نشيطة وفق قواعد يتفق عليها، من اجل ضمان استمرار الحياة الدستورية، كنتاج  لمحصلة متحرّكة غير جامدة لتوازن القوى الوطنية الداخلية  .  .
فالأحزاب تحدد القضايا العامة، وتشحذ التحاور وتبدد الالتباس بين التيارات المتنازعة، التي بنشاطها العلني تتوضح هويتها، وتتوضح الأحتمالات للجمهور وتبصره بالسياسة، في وقت يرى كثيرون فيه ان لا ديمقراطية في الواقع من دون احزاب سياسية، رغم مهاجمة البعض لنظام الأحزاب، ووصمه ايّاه بكونه عامل انشقاق واضطراب يهدد السلام الاجتماعي، ناسين او غير مدركين تشويهات الدكتاتورية لمفهوم الحزب من جهة، وان اكبر الأخطاء والنواقص التي ان حدثت في نشاط الأحزاب لم بكن يكمن في اختلافها، بقدر ما كان يكمن في سيادة منطق العنف ولعدم وجود قانون للأحزاب، وعدم وجود ضمانات قانونية تحمي وتصون حق جميع ممثلي الطبقات والقوميات والفئات الأجتماعية في تكوين احزابها والدعاية لسياستها ومبادئها من جهة اخرى. وفي وقت تعتبر المعارضة فيه، أمراً لا بد منه للتوصل الى افضل الحلول لبناء وترصين مجتمع ديمقراطي .  . 
وفيما تتطلّب المرحلة الجديدة نقل المجتمع الى مناخ جديد يحرّم العنف، فانها تحتّم على الأحزاب والفعاليات الوطنية، ان تتفق للخروج من حالة التمزّق والأستقطاب التي تسد الطريق امام ايّ تحوّل ديمقراطي حقيقي .  .  .   بتغليبها للصالح الوطني الواقعي وتغليب التناقض الوطني الرئيسي على الثانوي بآليات تحتاجها المرحلة، كالتوافق وجدولة مطالبها واعادة الجدولة من اجل العمل كتفاً لكتف معاً، وعلى ان لاتتجاوزاختلافاتها سقف مصلحة البلاد العليا، الذي يتمحور على ابعاد البلاد عن مخاطر توطّن الحرب، نشوب حرب اهلية، عدوان، خسارة ثروات البلاد، وتجنيبها اندلاع فتن كبرى طائفية كانت او قومية، دينية او سياسية وغيرها .   . 
ويضيف آخرون ان الأنتقال الى الحياة الدستورية، يتطلب تشجيع ودعم عمليات الأصلاح الفكري والديني والأجتهاد وتحديث مسارهما، اضافة الى القيام بنشاطات وفعاليات اعلامية، ثقافية وتنويرية لرفع الوعي العام بماهية الحياة الدستورية، سلطة القانون، ماهية الحقوق والواجبات، بوجهة ان الجميع مسؤول . اضافة الى بذل الجهود للتوصل الى آلية وطنية تستفيد من الخبرات الدولية الناجحة، لصياغة الدستور ـ وتطوير العملية الدستورية وآلية التعديلات الدستورية ـ ، وفق واقع وحاجات المجتمع وخصائصه وآماله، وكيفية الأعداد لطرحها للتصويت، من اجل ضمان قيام ومواصلة حياة دستورية ناجحة. 
ان ذلك، هو الذي يشكّل بناء الأسس ويحفّز وينظم القوى الأجتماعية الفاعلة في مباراتها التي تحتاج الدستور وتناضل من اجل سنّه والتقيد به والدفاع عنه، وتطويره لصالح المجتمع، كوليد وطني يلبيّ حاجاتها الداخلية وآمالها، حين تشكّل هي السلطة السياسية وتقتسمها وتبني الدولة الحديثة، بنسب وصيغ استحقاقها وحاجة تطور ورفاه المجتمع اليها، الأمر الذي يقطع الطريق على الطارئ او المصطنع ـ كمحاولة النفخ بالطائفية الكريهة والفئوية واعتبارها قوة اجتماعية ـ ويحقق اتساع القاعدة الأجتماعية للسلطة ونشوء وتفعيل سيادة القانون وحماية حقوق الملكية، والحرية الاقتصادية والفكرية والقومية والدينية، على عكس ما جرى ويجري للأمم التى ضاقت فيها قاعدة السلطة، فسيطرالفقرعلى شعوبها وظلّت اقتصاداتها متخلفة، الأمر الذي ادىّ بها الى الضعف والتبعية الضيّقة، بتقدير اوسع علماء الفكر والأقتصاد .
   وفيما يتوقّع كثيرون ان يمر تحقيق ذلك في طرق متعرّجة وليست مستقيمة، حيث ان الوصول الى تنافس ومبارات سلمية على ارضية تلك التركات الثقيلة، اضافة الى الحرب والأحتلال، سيتطلّب الكثير والكثير من الجهد اليومي لتلبية حاجات المواطن الأساسية وخاصة في الأمان والعمل، واستعادة ثقته بالدولة، بعد ان يلمس دور الدستور والتشريعات القانونية الفعلي في ذلك .
ان الدولة الحديثة البرلمانية الفدرالية الديمقراطية على الأسس المارة، كما يرى الكثيرون، هي المؤهلة  لضمان لمّ وتقوية الصف الوطني وارادته المتنوعة والنهوض بها لمواجهة التحديات، وللتفاعل مع الدول الأقليمية والدولية على اساس المنافع المتبادلة .  . وتساهم في خلق منطقة سلام اقليمي، ومن اجل تحقيق تقدم اجتماعي حضاري في بلاد التنوع والحضارات الأولى . (انتهى)

   
3 / 7 / 2005 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع وثائق الأرشيف الألماني، عن تجربة المانيا بعد الحرب العالمية الثانية، بعد سقوط جدار برلين / وثائق تجربة اعادة البناء في بوزنيا، كوسوفو، لعام 2003 ـ 2004 .
2.   راجع : " الأموال المبذولة من اجل السلام " ، الوثائق السياسية الفرنسية ـ الكندية لعام 2004،  ملف الكونغو وعلاقة الملف الأفريقي بملف العراق، باللغات الأنكليزية، الفرنسية والألمانية .    دوريات المعهد الدولي لمراقبة التسلّح، هامبورغ / ستوكهولم لعام 2004 / 2005 .
3.   راجع تقرير التنمية الأنسانية العربية لعام 2004 .



321
الدستور .  .  والآمال المنتَظَرة !
1 من 2
[/b]

                              د. مهند البراك

ظهرالدستور الحديث على اختلاف تسمياته، ان كانت قانوناً او لائحة اساسية، او بما دعي كقانون القوانين او القانون الأعلى  .  .  تلبية لحاجات وآفاق القوى المنتجة والفاعلة الداخلية من جهة، والحاجة الى بناء الدولة الحديثة ووضع حدود منظورة ملموسة للحقوق والواجبات، وتعبيراً عن الحاجة الى صياغة منجزات الفكر ونظرياته الحديثة وتفعيل تأثيرها في المجتمع القائم، الذي اخذ يحتاجها ويتطلّبها، ويدعو اليها .
ولقد تنوّعت اساليب وضع الدساتير ومحتواها وما دعت وتدعو اليه، وتداخلت وتفاعلت على مرّ الزمان، كاساليب تعلّقت بدرجة كبيرة ليس فقط بمفاهيم الديمقراطية ودرجاتها، وانما تعلّقت وتتعلّق  بالشعب المعني وتراثه وحضارته ودرجة ثقافاته وتطلعاته، ومصالح اوسع اوساطه وفئاته وطبقاته، اضافة الى شكل احلامه وسايكولوجيته، وفقاً للمراحل التاريخية الوطنية والأقليمية والدولية التي مرّت وتمر بها الشعوب والبلدان .
وعلى ذلك الأساس يرى المؤرخون، ان ظهور الدستور الحديث يشكّل ثمرة وحصيلة صراعات متنوعة من اجل ايجاد حلول لحاجات، قامت من اجلها ودعت لها ثورات، كالثورات البورجوازية على الأقطاعية، الثورة الصناعية، وكل الحركات التنويرية والأصلاحية والثورية التي رمت الى رفاه وازدهار الأوساط  الواسعة للمجتمعات ، والى الحقوق الأجتماعية وتعميقها.
 ويرى آخرون انه وليد طبيعي، لأنتصار الأنتفاضات الشعبية في انكلترة،  وللثورة الفرنسية العظمى عام 1789 والثورة الأميركية عام 1776 ، من اجل وضع اسس مكتوبة لحقوق وتساوي  المواطنين رجالاً ونساءاً، وواجباتهم  .  .  التي استمرت وجرت عليها محاولات التجديد والتغيير والأضافة، وفق المراحل والظروف المتجددة والحاجات، لصياغة آليات للحكم وبناء مؤسساته، في غمار السعي لأقامة الدولة التي تساعد على تحقيق الأمن والرفاه والسلام لعموم المجتمع بمكوناته، وعلى اساس اطلاق طاقاته الأقتصادية والأجتماعية والفكرية والثقافية والروحية في مرحلة تأريخية، الى آفاق اعلى وارحب نحو خير ورفاه، على اساس وثيقة ملموسة يجري التصويت عليها، لتصبح ملزمة لجميع المواطنين، وبعبارة اوضح ملزمة للحاكم والمحكوم .
وفي بلادنا، لعب الحكم الموروث المفروض الذي لم يجرِ اختياره، سواءاً كان عثمانياً، احتلالاً، انتداباً، ام حكم تابع، وردود الأفعال الشعبية التي تسببها عليه، من احتجاجات واضرابات وانتفاضات من اجل التحرر والحقوق ووجهت بالعنف .  . دوراً كبيراً في تشكيل الوعي الأجتماعي ـ السياسي بدرجاته المتنوعة، وفي تشكيل الموقف من الدولة وقوانينها، انعكاساً لخللات بنائها، تحيّزها، وماهية دورها والأساليب التي اتّبعتها.
فبالرغم مما جلبه المحتل ـ ثم المهيمن ـ معه من مفاهيم جديدة وحديثة للأدارة، ومؤسسات لتنظيم الحكم والدولة .  .  . من برلمان وانتخابات ومفاهيم جديدة، ودستور ذي نصوص ديمقراطية المظهر والتنظيم ونصوص اكّدت على مبادئ وأسس دستورية متعارف عليها في دول العالم، التي حرّكت المجتمع وايقظته من سبات وليل طويل، واوجدت حياة برلمانية ولو شكلية غطّت النصف الأول من القرن الماضي .  .  ونظّمت الواقع القائم آنذاك، وساعدت على تكوين اجهزة ودوائر حكم على طرازاحدث من السابق، الاّ انها ابقت على مضمون لم يكن يعبّر عن تطلعات اكثرية مكونات المجتمع، في وقت كانت المطالبة فيه بالديمقراطية وتشريع دستور يقره الشعب ويلبي حاجات اوسع الفئات والشرائح الكادحة، تزداد يوماً بعد يوم،  تبعاً لتنامي الوعي الوطني،القومي، الأجتماعي والطبقي.
اضافة الى دور الواقع الشبه الأقطاعي الأبوي، الشبه الرأسمالي التجاري، الذي استمر تكريسه، الذي لم يُشجّع فيه التطوّر الأقتصادي، بل أُعيق ووضعت العصي في طريق تطوّر البرجوازية الوطنية، التي كانت ولاتزال تشقّ طريقها بمشقة كبيرة بل ومتزايدة .  .  في مناخ صراع عنيف للقوى العظمى على البلاد وفي الشرق الأوسط، اضافة الى تكريس الدوائر الغربية المتنوعة نزعات ومفاهيم محافظة ضيّقة انعزالية، قومية، دينية، طائفية او فئوية  .  .  سواءاً في مواجهتها للشارع وللحركات الشعبية او في مواجهتها للدوائر الشرقية المتصارعة معها، الذي ترك آثارا ضارة على المجتمع وعلى القوميات والطوائف غير العربية وغير الأسلامية وغيرها بسبب سياسة التمييز.(1)
   حيث لم يستطع الدستور والنظام البرلماني الناشئ آنذاك، ان يعبّر عن صحة التمثيل الشعبي من جهة، ومن وضع حل لمشاكل الفقر والبطالة والجهل والمرض وحلّ المعضلات الكبيرة التي كانت تواجهها البلاد من جهة اخرى. حتى صارالدستور وثيقة لايُدرَك معناها وتأثيرها وفعلها، لأنها لم تكن شيئاً يمكن من خلاله فعل او تغيير شئ  .  . ولم تستطع الدولة من خلاله التقرّب من المواطن وتقديم العون له، بل استمرت بلعب دور المتسلط عليه، ممارسة (ثقافة القهر)، مستسهلة التلاعب بالقوانين، باستمرار لم يترك الاّ انطباعات عن كونها تلعب دور الخصم، الأمر الذي تم توارثه من صورة ودور الحاكم، والذي استمرّ في التفاقم.
وفيما تكللت نضالات الشعب العراقي، بانتصار ثورة 14 تموز 1958 واعلان الجمهورية، التي فتحت عهداً جديداً وسنّت دستوراً (2) عبّر عن واقع المرحلة الجديدة التي افتتحت قبل نصف قرن، و عبّرت مفاهيمه عن الواقع العراقي والأمال، واحتفظت بصحّتها وحيويتها، بدلالة انها وجدت التعبير المستمر والمناسب عنها في قانون الدولة للمرحلة الأنتقالية النافذ المفعول الآن  .  .  الاّ ان المرحلة انقطعت بانقلاب شباط الدموي عام 1963 ، الذي فتح مرحلة طغى عليها توالي الأنقلابات العسكرية والعنفية، في مناخ الحرب الباردة التي كانت تسود العالم آنذاك، شكّلت بلادنا ومنطقتنا فيها احدى ساحاتها الأكثراحتداماً.
وفي الوقت الذي انتجت فيه المرحلة الماضية نزعة استئثار الحزب الحاكم ثم الدكتاتور الأوحد بالسلطة، وادّت الى الأرهاب والى دولة المخابرات الساعية لتجميل نفسها بالشعارات استرضاءاً للشارع، في ظروف تزايد فيها تبلور الدولة الريعية العائشة على الخامات النفطية، اللامبالية بتحفيز الأقتصاد وتنشيط الدورة الأقتصادية والرفاه الأجتماعي، بقدر اهتمامها بالتسلّح وبزيادة الأنفاق العسكري الذي اخذ يرهق الميزانية الحكومية، ويساهم بشكل خطير في زيادة معدّلات الفقر .  .  اضافة الى حروبها وعقوبات نتائجها وخسائرها بالأرواح والثروات وتشويه المجتمع ! وانتشار السوق السوداء وبروز القطط السمان وضباع الحروب ومافيات الجنس والدعارة والجريمة المنظمة، واستشراء التعامل بالعنف والعنف المضاد، على ارضية من تفاقم رهيب للهبوط الأجتماعي، وللتخلف الفكري والسياسي  .  .
فانها انتجت التزييف والخديعة، بطرحها لـ ( دستور الطاغية صدام ومؤسساته وبرلمانه)، على اساس ( ان القانون ورقة يوقعها صدام حسين !) وعلى اساس (اجماع ؟) الشعب على انتخابه كرئيس بنسبة 99,9 % من اصوات الناخبين التي لاتتحقق الاّ في احلام الطغاة .  .  لأكثر من دورة انتخابية؟!  الأمر الذي شكّل اضافة الى خداع الشعب، شكّل جزءاً من جهوده الشيطانية لأمتلاك نفط العراق وجعلها له ولعائلته من بعده وفقاً للـ (القانون)، اعتماداً على تجربة احدى الدول النفطية العملاقة، وعلى خبرات الأحتكارات النفطية وشبكاتها القانونية، وشخصيات مدفوعة الثمن.
وبينما يرى عدد من الخبراء والمراقبين الدوليين، انه لم يستطع الحصول بتلك الطريقة سوى على حصة كولبنكيان من النفط العراقي، يرى آخرون انه استطاع بتلك اللعبة (الدستورية)، ان يسرق اموالاً اسطورية من النفط الخام باعتباره ( مالك العراق وخيراته باجماع الشعب دستورياً عليه ؟ وفق العادات والأعراف العربية جداً المعمول بها في البلاد ؟! )، وابرامه عقوداً لايزال عدد منها نافذاً بتلك الصفة بدعم، بخديعة او احراج وتواطؤ اطراف وجهات نفطية ومالية مصرفية، وايداعها  .  .  الذي يلقي ضمن مايلقي، ضوءاً على خلفيات معنى استمرار ادّعائه بالشرعية وبكونه رئيساً دستورياً منتخباً؟ كما يحاول محاميه وهيئة دفاعه في خروجها غير مألوف عن دور المحامي المحدد والمعروف دولياً، بتقديرهم .
الأمر الذي اذا اشار الى استهتار الطاغية باموال الشعب وتصرفه بها له ولأولاده وفق (القانون) الذي سنّه هو كما مرّ .  .  فأنه يشبر الى الأهمية الفائقة لوجود دستور للبلاد يكتسب شرعيته من تصويت الشعب عليه، واهمية صياغاته واحكامه، لتقرير ماهية القوانين والأحكام التي ستتعامل بها الدولة ومسؤوليها وممثليها المنتخبون مع دول العالم، واهمية نجاح صياغات الدستور المنتظر، في الحفاظ على ثروات البلاد وحقوقها في التعامل مع دول العالم ومنظومة قواه الأقتصادية والسياسية والعسكرية، ويقطع الطريق على محاولات التصرّف الفردي بمقدرات البلاد وثرواتها، او نهبها عن طريق العجز القانوني او الثغرات القانونية.   
لقد نادت القوى الوطنية العراقية الى قيام واعلاء القانون، بعد ان غاب عن حياتها رغم اشكال الأدعاءات والشعارات والصخب .  .  واخذت تهتف لقيام دستور باعتباره القانون الأساس الذي يمكن ان يحفظ العدل، رداًّ على مجتمع العنف واللاقانون والأستبداد الذي اخذت مخاطره تتضاعف على المجتمع اكثر، بظهور وتطبيق آليات الحكم الشمولي من جهة، ثم اندلاع الحرب وهروب الطاغية واعلان الأحتلال، واستمرار حالة الحرب. في ظروف تتزايد فيها الأستقطابات حدة، وفي منطقة تتفاقم فيها مخاطرة متنوعة ، على ارضية الفراغ السياسي الذي اجتاح العالم والمنطقة وردود الأفعال ذات الطابع الأصولي والأرهابي، اثر تشكّل العالم على اساس القطب الواحد من جهة، واثر تزايد الدور الستراتيجي للمنطقة في العالم من جهة اخرى .
وفيما يرى العديد ان بلادنا بحاجة الى تغيير كبير، يعيد اليها الحماس والأمل والتجدد في الحياة، ويشدّها لمواجهة التعصّب والأرهاب الغريب على حضارتها ونضالها من جهة، ويقويّ الموقف الوطني امام التحديات الأقتصادية والسياسية والعسكرية الخارجية واخطاء وتبعات الأحتلال من جهة اخرى، الذي لايمكن ان يتم الاّ بدور فاعل من مستوى اعلى جديد، للقوى والشخصيات والتجمعات السياسية والقومية والدينية والأجتماعية والفكرية، من التي نالت ثقة الناس، اضافة الى الجديدة الساعية لنيل ثقتها .  . 
يرون ضرورة قيام دستور فاعل  يؤشر وجهة تطوّر وحركة المجتمع، اقتصادياً، سياسياً اجتماعياً وفكرياً وسايكولوجياً .  .  يتناول تحديد آليات التحديث في المجتمع، على اساس ان المجتمع كائناً حياًّ وآليات التغيير فيه حية وليست جامدة، اضافة الى كونها ليست ارادوية فقط، ولابدّ وان تتعلّق بظروفه الذاتية القائمة وآفاق تطورها، ومدى تعلّقها بسمة العالم ووجهة تطوره وجوهر الآليات السائدة فيه، على تنوعها وشدة تناقضاتها ووحدتها، وبالتالي فعلها في بلادنا وواقعها الغني المتفاعل، بقومياتها واديانها وانماط فكرها وطبقاتها وفئاتها الأجتماعية، نفطها وثرواتها وموقعها بتأريخها وجغرافيتها .   
وفيما يجري النقاش والصراع حيوياً من اجل صياغة دستور حديث دائم للبلاد، من اجل قيام الدولة الحديثة، على اسس الحرية والديمقراطية والاستقرار والأمن، دستور يعترف ويحترم حقوق القوميات المشروعة على اساس الفدرالية ويرفض الفكر العنصري والشوفيني الضيّق، يرسّخ رفض العنف ويؤكّد مبادئ التداول السلمي للسلطة، وفق العقود والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الأنسان  .  .  يكون بمثابة  القانون الاعلى في الدولة، الذي يخضع له الجميع ويحتكم اليه الحاكم والمحكوم، في سبيل تثبيت مقومات دولة القانون القائمة على مبدأ سيادته واحترام تدرج القواعد القانونية وحماية الحقوق العامة للمواطنين واستقلال القضاء ونزاهته. تقوم على اساس الفصل بين السلطات، وتنظّم العلاقات بينها من جهة، وبينها وبين الشعب من جهة اخرى . على اساس ان تكون مهمتها ادارة وتنظيم الصراع داخل المجتمع، بموافقة الشعب عليها بأغلبية معترف بها وعبر الاستفتاء العام.  (يتبع)

30 / 6 / 2005، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   راجع تصريحات السيد سترو وزير الخارجية البريطاني حول الموضوع في تموز 2002 ، خطاب الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في خطاب حال الأتحاد عام 2003 ، محاضرة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في الجامعة الأميركية في القاهرة، في حزيران 2005  .
2.   رغم انه كان مؤقتا .

322
المحاصصة و الطائفية .  .  الى اين ؟!
 ـ 3 ـ
[/b]

                              د. مهند البراك

وفيما ادىّ السلوك الطائفي المتنوّع ارخاءاً وشدّاً وفق حاجات ومصالح دكتاتورية صدام التي لم  تتخلَّ عن الدموية والوحشية، التي استمرت بعدئذ بغطاء (دعوتها الأيمانية)،اضافة الى مصالح افصح عنها سلوك دول الجوار سواءاً بالتعامل مع الدكتاتورية او تجاه معارضتها، او تجاه المهجّرين والمهاجرين العراقيين .  .  على ارضية من تفاقم ويلات الحرب والحصار والفقر والضياع والأرهاب والخوف من جهة، وتزايد اثراء قطاعات وشخصيات وقطط سمان وضباع حروب في العراق والجواروالمنطقة، سواءاً من تهريب النفط او من اعمال السوق السوداء المتنوعة .  .  الى بحث قطاعات فقيرة عن ملجأ ما يساعدها على مواصلة الحياة، الأمر الذي ادىّ الى انسياقها الى انتمائها الطائفي بحثاً عن حماية وتطميناً لنفوسها بعد ان ضاع الأمل .
    فأنه ادىّ الى ان اوساطاً واسعة اخذت تدرك، ان الطائفية ( لعبة) تثيرها اوساط لغايات واهداف في نفسها لتحقيق مصالح، وان مشاركتها فيها يمكن ان يحقق لها مصلحة او شيئاً مفيداً، في وقت صارت فيه ترى في نفسها ان لاحول لها وانها ليست اكثر من لعبة لطمس صراعات تدورعلى ارباح، مسخّرة الوعي الجريح الذي تشوّه و اخذ ينظّر له البعض على انه منطلق من صراع حضارات وثقافات وبالتالي اديان وطوائف ؟!
من ناحية اخرى وفيما كانت المحاصصة والحساب الطائفي تعبيراً عن الواقع الذي تكوّن من ؛ هروب الدكتاتور والعدد الأكبر من كبار ضباطه وافراد وحداته، الذين رموا حتى البستهم العسكرية في الشوارع، تاركين معسكرات وآليات كلّفت شعب العراق ثروات فلكية، عزوف الشعب عن الدفاع عن الدكتاتور، تحرّك من استطاع من قوى معارضة الدكتاتورية في ذلك الظرف العصيب، اضافة الى مجاميع العراقيين الذين قدموا صحبة قوات التحالف بقيادتها الأميركية .
الواقع الذي تعقّد اكثر بفعل اعلان الأحتلال وتصاعد عمليات النهب والقتل لفلول صدام، ثم الأعمال الأرهابية لعصابات مدرّبة متنوعة، والذي اقرّ ووقّع فيه بعدئذ ممثلو الأطراف العراقية الفاعلة على قانون الدولة للمرحلة الأنتقالية، ونشر توقيعها في الصحافة ومواقع الأنترنت، بعد ان تم الأتفاق عليه كقانون ينظم المرحلة الأنتقالية الى حين التصويت على مسودة الدستور وطرحها للأنتخابات الدستورية القادمة  .  .  الذي ورد في ديباجته المعلنة، ان من مهام الحكم الأنتقالي : ( وضع آلية تهدف .  .  إلى إزالة آثار السياسات والممارسات العنصرية والطائفية ومعالجة المشاكل المرحلية )، اي انها اتفقت على ان الطائفية الموجودة، هي ليست قدر العراق والعراقيين، بل انها من آثار سياسات وممارسات الدكتاتورية البائدة، وان الحكم الأنتقالي سيسعى لآزالتها .
وبما ان امراض الدكتاتورية وموروثها الكريه استمر في الفعل، كما تقدّم .  . من استمرارالسلوك الأستبدادي في المجتمع وثقافة الهيمنة لدى البعض، الذي تذكيه من جانب آخر اعمال الأرهاب رغم استمرار التصدي لها .  . فان عدم الأنتباه الى الألتزام بقانون الدولة الأنتقالي الذي وقّعته الأطراف يعني استمرار الأنجرار الى اللعبة الطائفية التي تسبب بها صدام، والتي تحاول ان تصعّدها وتتعكّز عليها فلوله الدُورية(1) و الزرقاوية .
وفيما يرى قسم ان الطموح لأتخاذ السلطة هدفا وغاية من قبل احزاب تعود لطائفة واحدة، وسعيها للحديث باسمها، قبل التفكير بحل المشاكل الأجتماعية والشروع بقضايا التنمية والأصلاح الأجتماعي الضروري والملح في مرحلة يجري فيها تغيير سياسي من نظام أستبدادي الى نظام تعددي ديمقراطي، في ظروف الفساد وتفاقم الأرتزاق السياسي والأنتهازية، التي قد تكون لدى البعض نابعة من ذلك الطموح او متعمّدة ضمن ذلك الطموح .  .  ويرون انه يضيف مشاكل جديدة تضيف الى المشاكل التي نتجت عن اخطاء الأحتلال والبطء في تقديم صدام وكبار المجرمين الى العدالة وغيرها، وانه قد يعيد الوضع الى نقطة البدء .
يرى عديد من المراقبين والمتخصصين ان العودة الى نقطة البدء، وكأن شيئاً لم يتم في السنتين الماضيتين امراً غير معقول، في الوقت الذي قطع فيه بناء مؤسسات الدولة الجديدة مرحلة غير قليلة رغم الأرهاب، وبعد الأشتراك الواسع في الأنتخابات (رغم النواقص والأخطاء في التطبيق ) وتحدي الناس للأرهاب، والتوصل الى جمعية وطنية جديدة، وبعد ان تمّ للمرة الأولى انتخاب شخصية كوردية كرئيس لجمهورية العراق على اساس الأخوة العربية الكوردية ووفق اصول مؤسسات الحكم القائمة وعلى طريق التبادل السلمي للسلطة والتعددية . وبعد ان اعترف المجتمع الدولي ودول المنطقة بالنظام الجديد، في ظروف تسير فيها الدول الأقليمية ذاتها على طريق اصلاحات وتغييرات على نفس النهج، اخرها الأنتخابات الأيرانية وتصريحات كبار المسؤولين فيها بسعيهم للأصلاح والأنفتاح وتأكيدهم على ضرورة تخطي الوضع السابق الذي ساد البلاد والذي لم يعد ينسجم مع الظروف الجديدة، اضافة الى التعبير عن  الأستعداد للتفاهم حول المنشئات النووية (2)، اضافة الى بدء اصلاحات في نظام الحكم السوري، رغم تقديرات عدد من السياسيين بكونها غير جوهرية .   
ان النواقص والأخطاء التي رافقت عملية الأنتخابات، تشكيل الحكومة الذي ضيّق مساحة القوى المشاركة  .  . واستمرار اهمال عدد من الشخصيات الحاكمة لأحكام قانون الدولة الأنتقالي، واضطرارها للعودة اليه بضغط تنبيهات القوى السياسية فقط  واستمرار تنبيهها اليه .  . يصيب اوساطاً غير قليلة بالقلق من مخاطر المراوحة من جهة، ومن سعي البعض من جهة اخرى للأستفراد والهيمنة على اساس الطائفية ، في وقت عبّر كثيرون فيه عن لامنطقية قبول قائمة الأئتلاف علمانيين، بينما يعارض عدد من ابرز ممثليها حتى مناقشة امور، على اعتبار انها علمانية كالفدرالية، حقوق المرأة مثلا .  .  رغم الأتفاقات التي كانت طرفاً فيها، سواءاً قبل سقوط صدام او التي وافقت عليها بعدئذ في قانون الدولة الأنتقالي نافذ المفعول. فيما يتساءل آخرون، عن مدى كونه سعي لضم قوى تحت خيمة القوى الأسلامية ؟! ام ماذا ؟ الأمر الذي يخلق اجواءاً لاتتناسب مع الأجواء التي تحتاجها عملية صياغة دستور ديمقراطي ثم عملية عرضه للتصويت، كدستور دائم للبلاد .
من ناحية اخرى، ورغم دعوات السيد اية الله السيستاني وعدد من المراجع الشيعية بعدم الرد على اعمال الأرهاب الطائفية رغم التضحيات، وشجبها من قبل عدد من مجتهدي وعلماء السنّة، اضافة الى الجهود المبذولة التي تبشّر بمشاركة جادة لممثلي طائفة السنّة في لجنة صياغة الدستور، يرى عدد من المراقبين أنها قد تكون غير كافية، ان لم تقترن بتخليّ بعض الأوساط عن اسلوب الأستبداد بالموقف ومحاولة الأستئثار بالموقع بشكل غير حضاري .  .  وان لم يُستثمر الوقت لترويض العقل والسياسة نحو المشروع الوطني التعددي الديمقراطي، والنزول الى واقع المجتمع العراقي وحاجاته وآماله وتطلعاته في واقعه الحالي، لتفعيل الوعي الوطني وتطويره لمواجهة التحديات السياسية و الثقافية، العلمية والأقتصادية والتكنلوجية في عراق يعاد بناؤه يتطلّب الوحدة الوطنية ولمّ شمل أمكانيات الأمة العراقية وتوظيف المساعدات والأستثمارات الدولية اضافة الى العقول العراقية المهاجرة وكفاءاتها المتنوعة.
اضافة الى اطلاق الحوار الديني – العلماني ورعايته وتوفير مستلزماته، من اجل حسم كثير من التساؤلات وأذابة جليد الشبهات و الأتهامات المتبادلة بين المدارس الفكرية المتنوعة، في عملية تستهدف التوصّل الى ما يساعد على تخفيف التعصّب والتطرّف على اساس اختيار المفيد للعراقيين رجالاً ونساءاً باطيافهم المتعددة، وتفعيل العقلانية والتوصّل الى ماهية الخطاب السياسي الثقافي الحضاري الذي يتفق مع ارساء الديمقراطية وقبول لائحة حقوق الأنسان العالمية التي وقعتها أغلبية الدول الأسلامية .
ومن اجل التاسيس لقوة القرار الوطني وقوة الدولة، على اساس الكفاءة وتكافئ الفرص وعلى اساس احترام الدولة وفصلها عن الأحزاب الحاكمة، والأستمرار في تعميق نهج "حكومة الوحدة الوطنية" ، الذي يعبّر عن اطلاق الأتفاق الوطني وحركة قواه وتعزيزها بكسب المزيد من القوى العراقية الى العملية السياسية وعزل وتجفيف منابع الأرهاب .  .  بدل الأكتفاء والتقوقع على حكومة فائزين، قد تؤدي الى تقليص قاعدة الفائزين بالتدريج وعواقب ذلك المعروفة في الظروف الحرجة التي تمر بها البلاد، والذي يدفع اليه استمرار تأثير الموروث اوبحكم العادة .
الأمر الذي لايتناسب مع المحاصصة الجامدة، وتثبيت الطائفية بدل السعي لتخفيفها، او المحسوبية .  .   التي لاتشيع الاّ الفساد الأداري وضعف الدولة، او اعادة بنائها مع شقوقها المستمرة بسبب المحاصصة على اساس طائفي، او الخضوع والتسليم للتعيين على اساس الأنتماء الطائفي، مكررين ذلك الخطأ الطائفي والفتنة التي بدأها صدام لاغيره، بعد ان تمّ الأتفاق مع القوى الأخرى على ادانتها واعتبارها من نتائج وسلوك وسياسة الدكتاتورية، وتم وعد الشعب بتخليصه منها  .
واليوم وبعد مضي اكثر من سنتين على سقوط الدكتاتورية، واستمرار وتعقّد معاناة الناس وخاصة الفقراء منها للأسباب المذكورة، فانها اضافة الى انتظارها للأمان، تنتظر ان يجري التطوّر اللاحق بضوء القواعد التي تمّ الأتفاق عليها، التي يفترض انها انجزت وضع اساس لآليات تضمن النقاش على امور ملموسة وليست عمومية الوصف، تساعد على قطع الطريق امام عودة الفكر الشمولي بأي رداء كان، والتأكيد على غذّ السير على طريق فصل الدولة عن الأحزاب، خاصة بعد ان حققت كوردستان انجازاً كبيراً بأختيارها رئيساً لها، الأمر الذي فيما ينتظر منه توطيد السير على اساس عراق موحّد وعلى اساس المبادئ المتفق عليها، فأنه يعتبر انجازاً كبيراً لعموم البلاد للسير على طريق التوافق والتسامح ونبذ العنف ومن اجل الأستقرار.
في وقت يحذّر فيه خبراء، من مخاطر المراوحة في اطار المصالح الضيّقة والمحاصصة الجامدة على اساس طائفي، الذي لن يستفيد منه اي طرف، الاّ فلول صدام وعصابات الأرهاب في سعيها المحموم لأذكائه، ويرى فيه آخرون انه يزيد الفرقة ويزيد مخاطر اندلاع ازمات جديدة، تهئ لها قوى متنوعة دولية واقليمية لمصالحها الأنانية وسعيها الى تحويل البلاد الى مستنقع دولي للجريمة المنظمة، الذي فيما سيهدد الجوار والمنطقة بجرائمه ووحشيته لو حصل، فانه سيطيل بقاء القوات الأجنبية، وبالتالي سيؤخر عملية استكمال السيادة الوطنية لبلادنا .  (انتهى)


20 /6 / 2005 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   نسبة الى عزت الدوري امين سر القيادة القطرية البعثية بالوكالة عن الدكتاتور السابق صدام .
2.   مقابلة بي بي سي مع السيد هاشمي رافسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، مرشح انتخابات الرئاسة الأيرانية، في  16 / 6 / 2005 .

323
المحاصصة و الطائفية .  .  الى اين ؟!

ـ 2 ـ
[/b]

د. مهند البراك

لقد استلم البعث العفلقي الصدامي السلطة في ظروف الحرب الباردة التي اتسمت بصعود الفكر الأشتراكي والقومي الثوري المتنوّع في المنطقة، وتزايد انحياز عدد من حكومات واحزاب وحركات المنطقة  الى المعسكر الأشتراكي في محاولات الأستفادة من حالة التوازن الدولي بين القطبين الكبيرين، او الحصول على دعم منه آنذاك .  . 
استلم البعث المذكور السلطة في العراق في خضم محاولة اوساط دولية ومنطقية ارادت له ان يكون مقبولاً، ولأجهاض التوصل الى مشروع للديمقراطية السياسية وحل القضية القومية العادلة للشعب الكوردي ومن اجل التقدم الأجتماعي في العراق، الذي كانت الجهود من اجله تتقدّم في النصف الثاني من الستينات، بمواجهته بمشروع قومي عربي (محسّن)، يلامس فكر الشارع الأكثر راديكالية ان صحّ التعبير، في تلك المرحلة.
   الأمر الذي يفسّر سلوك صدام في نزوعه الى السيطرة على السلطة واحتكارها، وعمله على تحطيم القوى السياسية الأخرى بركوب وتحييد بعضها لتحطيم الآخر، بدورة ادّت الى اضعاف القوى السياسية الأخرى في البلاد، الاّ انها لم تستطع انهائها كما كان يتصوّر، لعمق جذورها في المجتمع آنذاك .  .  الأمر الذي ادىّ الى تفاقم سلوكه لتحقيق غاياته تلك بعدئذ، والى اعتماده سياسة واساليب الأجتثاث والتطهير الفكري، القومي والعرقي، بعد ان كان قد اتبعها في المراحل الأولى بشكل محدود.
   وفيما واجه صدام الصراع الطبقي الأجتماعي وحقوق القوميات غير العربية في البلاد، بالتعصّب القومي الشوفيني  وبالبداوة والدين والطائفة من موقعه كنائب، فان وتيرة ذلك تفاقمت بوضوح اثر تصاعد غليان الشارع في الجارة ايران ضد حكم الشاه الذي تكلل بعدئذ بانتصار الثورة الأيرانية عام 1979 .  .  الأنتصار الذي ادىّ الى اسراعه ومن ورائه لأعلانه رئيساً للبلاد، لمواجهة انتشار الشرر والتهابه في واقع العراق المتفجّر آنذاك، ليتحوّل بمحاولة اغتيال طارق عزيز في الجامعة المستنصرية مطلع الثمانينات الى سياسة اجتثاث وتطهير سياسي وقومي وطائفي معلن، بعد ان كان سريّاً مغلفاً، الذي تفاقم اكثر باعلان الحرب على الجارة ايران واستغلال احكام الطوارئ التي اعلنت خلالها، لتحطيم ابسط نشاط سياسي غير بعثي او امكانية حصوله، بوصمه بانه من اعمال الطابور الخامس.
الأمر الذي ادىّ الى اقتلاع مجاميع بشرية من ارضها ومن الحياة .  .  راح ضحاياها مئات الآلاف، سواءاً بالسوق الى طاحونة الحرب بفرق الأعدام او بالقتل الجماعي، اضافة الى محو القرى الذي تفاقم الى محو مدن كما حصل في قلعة دزة، حلبجة في كوردستان .  .  الدجيل، وجول الشط ثم العملية الشنيعة بتجفيف الأهوار في الجنوب وتشريد مئات الآلاف من اهلها .  .  بعد التهجير الهائل سئ الصيت الذي شمل ارياف كوردستان، الأمر الذي ادىّ الى ان يكون ضحايا تلك العمليات البربرية من الكورد ومن  العرب من الطائفة الشيعية بشكل خاص.
وفي خضم نشاط دكتاتورية صدام وسعيه لتأسيس ( دولة العرب البسماركية الكبرى بزعامته)، اعتمد على اعتزاز العراقي بعراقيته وتمسكه بالوطن مهما واجه من محن، لجعل العراق قاعدة لا اكثر لتحقيق تلك الطموحات من جهة، ومن جهة اخرى سخّر ذلك الأعتزاز وحوّله الى عبودية بممارسة وسائله الوحشية عليه وديماغوجيته بشعارات كانت تسير مع نهجه الأحتكاري، من ( العراقي يتقدّم) الى (صدام عزّ العرب) بعد (قادسية صدام) وتكاثر الصداميات سواء كانت مذابح او منشآت سكنية ومشاريع، الى تماثيل، نصب، جداريات واغاني، اضافة الى العطاءات .  .       
   ولتحقيق تلك الأحلام المريضة، دعم او بالحقيقة حاول شراء الشارع العربي وكل المعارضات العربية في دولها او التأثير عليها واحراجها بشتى الأساليب من دعم ثقافي وعلمي وقبول بعثات لطلبة عرب بشكل مجاني او صرف على بعثات الى دول العالم الصناعي، الى انواع الدعم والمطالبة بثمنه، الخديعة، التهديد بفضائح .  .  الى اساليب القتل والتصفيات الجسدية.
ولتحقيق تلك الوجهة ، ولتكوين قطب جديد في المنطقة وتحريك قواها بالوجهة التي تخدمه وتحقق اكثر من هدف، دخل صدام دول وقوى المنطقة من عالمها السفلي وشوارعها الخلفية .  .  لقد دعم الشارع العربي ومعارضات الحكومات العربية مبدياً استعداداً لدعمها مالياً وعسكرياً آنذاك ـ كما حصل مع عدد من المنظمات الفلسطينية واللبنانية وغيرها ـ  سواء كانت يمينيه، اسلاميه، طائفية، مسيحية، فاشية، قومية او يسارية .  .  والذي اتبعه مع دول الجوار ومختلف الدول التي تشكّل فائدة ما في يوم ما للدكتاتورية، اعتماداً على عائدات النفط الخيالية الهائلة .
وفيما سخّر الموجه القومية في المنطقة محاولاً ركوبها آنذاك ضمن مخطط دولي كبير، بشعارات حماية الحدود القومية لكل العرب كـ (حراس البوابة الشرقية) و (الدفاع عن عروبة الخليج)، تحوّلت الى محاربة (اعداء العروبة والأسلام) من ( الفرس المجوس، الأعداء التاريخيين للأمة العربية) ثم من
(المجوس الذين اتخذوا الأسلام قناعاً )، الأمر الذي استمر يتصاعد بتصاعد الموجة الدينية في المنطقة والبلاد لأسباب كثيرة. 
وفي سعيها لكسب الشارع العربي وجدت الدكتاتورية في الأسلام ـ المذهب السني خير غطاء يحقق لها تلك الأهداف في تلك المرحلة وظروف الموجة الأسلامية، في زمان شكّل فيه نظاما الحكم الشيعيان الجاران في سوريا وايران التحديات الأخطر من جهة، ومن جهة اخرى لأن الغالبية الساحقة من الدول العربية تتبع المناهج السنية في الأسلام، اضافة الى كون الحركات الأسلامية الفلسطينية سنيّة المنهج .  . فاغدقت الدعم للمؤسسات الأسلامية السنية ( التي كانت ذاتها تشهد تطورات بصعود المذهب الوهابي السني المتشدد فيها) .
وفيما حصلت الدكتاتورية باموالها الأسطورية واحتضانها ودعمها وعنفها ووحشيتها، على تجاوب من مرجعيات وتجمعات اسلامية سنية عربية، حصل صدام على دعم او سكوت عدد كبير من المراجع الأسلامية السنية، بل وقام عدد منها في الأزهر بترتيب شجرة العائلة له وترتيب نسبه الى البيت الهاشمي .  .  التي مثّلها في مسرحيّاته في ركوب الموجة الدينية، من زيارته مرقد الأمام الحسين وصلاته فيه ومخاطبته الأمام بـ (جديّ)، كتابته المصحف الشريف (بدمه)، وكتابته (الله اكبر) على علم البلاد .  .  التي كانت تعبّر عن نشاطات كثيفة كانت تجري بتلك الوجهة .
وفيما استطاعت الدكتاتورية ركوب الموجة الدينية من موقع دعم الأجتهاد السنيّ منذ سنوات الحرب العراقية ـ الأيرانية وتصاعد نشاط منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية .  . فان جهودها بمزاوجته وتفعيله بالموقف القومي العربي بدعم مؤسسات مالية ومصالح كانت قائمة او جرى انشائها قطعت اشواطاً خطيرة على اساس دعم الدكتاتور من جهة، ومن جهة اخرى خلق وضعاً في العراق تلخّص بان الدكتاتورية في مواجهتها للمنظمات الأسلامية العراقية المعارضة، واجهت المنظمات الأسلامية الشيعية العراقية بعنف هائل كـ (طابور خامس للعدو الفارسي محرّف الدين بالمجوسية)، وواجهت القوى الأسلامية السنية المعارضة لها بعنف مصحوب بشفاعات ان صح التعبيربشكل عام (*)، للمحافظة وتمتين الصلات مع المؤسسات السنية في المنطقة لتحقيق اهدافه المتعددة، كما تمت الأشارة اليه اعلاه.
وعلى ما تقدّم فان دكتاتورية صداّم هي التي استفزّت الطائفية في المجتمع وعمّقتها، وصعّدتها  باساليبها الدموية الخبيثة واوصلتها الى سياسة التطهير الطائفي سيئة الصيت وماتبعها من جرائمها في القتل الجماعي، في مسعى لتحويل العراق الى ساحة للصراع الطائفي بين الغالبية الشيعية العراقية والغالبية السنية في المحيط العربي من الدول العربية !! كجزء من سياستها التي رمت الى توثيق ربط الدكتاتورية بواقع المنطقة من جهة، ولأقلمة (**)ازمتها وتوسيع مجال مناورتها عند الطوارئ من جهة اخرى، الأمر الذي تتلمس نتائجه مما يدور الآن من اعمال ارهابية وحشية باسم الطائفية بحق المدنيين، بتقدير عديد من المراقبين . وفيما اتّبعت الدكتاتورية في ذلك اساليب ديماغوجية ومظاهر خادعة من شبكة موظفين ومسؤولين حزبيين من الطائفة الشيعية لخدمتها وحراسة مصالحها موحية بانها فوق الطائفية كادّعائها الكاذب المقيت بالديمقراطية وبتأمينها لحقوق الكورد والأقليات والطوائف ! فان فلولها وابواقها تحاول تبرئة نفسها من تبعية موروث ومضاعفات اثارة الطائفية البغيضة (يتبع)
 
18 / 6 / 2005 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لابد من الأشارة الى قيام الدكتاتورية باعدام عدد من المراجع السنية لمعارضتهم لها كالشهيد الشيخ
    البدري وعدد من المراجع في البصرة، اضافة الى اعدام عشرات من الشباب بتهمة الأنتماء الى
    تنظيمات اسلامية من المذهب السني عارضت الدكتاتورية، كما نقل عديد من المناضلين الذين كانوا
   في الزنزانات الأنفرادية وقواطع الأعدام في زمان الدكتاتورية. 
(**) اقلمة، من كلمة اقليم والمقصود به هنا المنطقة .


324
المحاصصة و الطائفية .  .  الى اين ؟!

ـ 1 ـ
 
[/b]


د. مهند البراك
   
يرى عديدون في اسلوب المحاصصات والنسب المقرة من اعلى ، اسلوباً مؤقتاً او انتقالياً تمليه في العادة ظروف طارئة ( سواء كانت ثورة او انقلاب او حدث طارئ في مسيرة معينة لمجتمع ما)، الأمر الذي حصل في عراقنا، فالدكتاتورية في النتيجة النهائية لم تسقط بثورة او بفعل حسم داخلي اجتماعي، ورغم انسحابها من كردستان بسبب الضغط والرفض الشعبي لظلمها، شوفينيتها واستهتارها، فانه لم يتم في الأخير دون الضغط الدولي الذي اجبرها على الأنسحاب من هناك، الاّ انها استمرت في الحكم ولم تسقط لأسباب متعددة لايتسع المجال لها هنا، رغم رفض العراقيين لها، الذي عبّروا عنه بعدم دفاعهم عن الدكتاتور عند اندلاع الحرب عليه .   
ويذكّر آخرون بان اسلوب المحاصصة فرضه واقع؛ اندلاع الحرب، هروب الدكتاتور واجهزته، واعلان الأحتلال .  .  كوسيلة للبدء بتكوين نظام جديد على اساس التعددية وانشاء المؤسسات البرلمانية التي تكفل التبادل السلمي للسلطة عن طريق الأنتخابات، وفق نظام برلماني فدرالي موحد .
وفيما يثير خبراء ومختصوّن العناية الى ان وادي الرافدين وعاصمته التأريخية بغداد، كانت واستمرّت كعاصمة للخلافة الأسلامية لقرون، في زمان كانت الأمبراطورية (الخلافة) الأسلامية فيه، تتباهى  بمعاهد بغداد و مفكريها وعلومها وآدابها، اضافة الى مراقدها ومدارسها، اضافة الى فعل ونشاط مراكز الفكر والحضارة المتنوعة في كلّ الوادي، الذي ضمّ وجمّع وقصدت اليه اقوام متنوعة الأصول والثقافات والأديان، على مرور العصور .
وفيما انجب وادي الرافدين ثقافات ووعي، وانجب شخصية (كينونة) وادي الرافدين العراقية النابعة من تلاقح حضاراته، الشخصية التي اغنت او طعّمت انتماءات ابنائه ولم تلغها .  .  فانها تركت بصماتها الواضحة على كينونة ابنائه، مهما اغتنوا بصلاتهم ووصلهم وشوقهم الى أبناء جلدتهم، من القاطنين في الوديان وبالتالي الدول المجاورة، البصمات التي عمّدها الدم والنار والنور، وتوالي ظهور حضارات على اطلال اندثار ابنية وهياكل حضارات اخرى، رغم استمرارها في عقول ونفوس بشرها، الذين ارتحلوا من مكان الى مكان فيه او قربه، حاملين مشاعلها .
وفي الأخير رأى ويرى مؤرخون، ان دولة العراق التي تشكّلت مطلع القرن الماضي، التي تقع في القلب من الشرق الأوسط، لم يكن لها ان تستمر، في واقع المنطقة الستراتيجي النفطي الكثير الغليان والتفجّر والتقلّب وبالعنف والعنف المضاد، لو انها كانت نتيجة تجميع ميكانيكي او عددي لأقوام وحضارات متجاورة منعزلة عن بعض او متحاربة مع بعض .  . بعد ان انتهت حروب الماضي السحيق بمروره وانتهاء عهوده، وبعد ان الّفت الحياة فيما بينهم، وشدّت لحمتهم الصعوبات والمخاطر، سواءاً التي حملتها الطبيعة طوفانات استمرّت وامراض تفشّت وغيرها، بعد ان انتهى عصر البراكين او هدأت، او تلك التي حملها الأنسان في الغالب اليه من خارجه او كردّ فعل عليه، تحت مختلف الرايات ولمختلف المقاصد والأهداف.
الأمر الذي وجد صداه وواقعه وعلى توالي العصور الى الأمس القريب، الموجود والموثق في النفوس والأرواح او في ادراج وخزانات الوثائق  .  .  لقد ناضلت معارضة دكتاتورية صدام الوحشية الدموية وقدّمت جحافل الشهداء من شبان وشابات ومن كل الأعمار والأطياف،  تحت رايات الوطن التي تلخّصت بـ " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكوردستان " .  . ثم من اجل " النظام الديمقراطي البرلماني الفدرالي الموحد" .  .  . على اساس التبادل السلمي للسلطة وقبول الآخر ورفض العنف، بل وانها وفي قمة وحشية صدام لم تتخلى عن الوطن واستمرّت الى اليوم تتمسّك به .  .  بل وتدعو اليه اطيافه كلّها، الأمر الذي يتلمّسه المهتمون، رغم حالات الضياع وتنوّع التعبير و  توالي المحن، كما سيأتي (يتبع).   

14 /6 / 2005 ، مهند البراك

صفحات: [1]